{"pages":[{"id":1,"text":"...................................الفِقْهُ الإسلاميُّ وأدلَّتُهُ...................................\r........................................الجزء الأول........................................\r....................................هذه الطبعة الجديدة.....................................\rالحمد لله رب العالمين حمداً يوافي نعمه ويكافئ مزيده، والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على رسول الرحمة ومعلم الأمة محمد بن عبد الله، وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، وبعد:\rفإن الفقه الإسلامي العظيم الذي هو نسيج الإسلام المتين وشرع الله الحكيم، والذي به صاغ المسلمون حياتهم في ضوء النصوص الشرعية، فتوحدوا في العبادة والمعاملة والسلوك، هذا الفقه هو المنطلق الحضاري الرائع للأمة؛ لأنه يبني لها أصول عزتها، وقوام حياتها، ويضع لها مخطط عملها في المستقبل.\rولقد أسهم كتابي هذا ولله الحمد والمنة في أمرين أساسيين، بسبب دقته وتوثيقه وتميزه بالموضوعية والتجرد، وهما:\rأولاً - إرشاد المسلمين والمسلمات إلى الأقوم، وتعليم الجيل أحكام دين الله وشرعه، في وقت اختلطت فيه العلوم، وقل فيه التخصص، ولم يعد الإفتاء في الحكم الشرعي دقيقاً، مما زاد في الجهل ومجانبة الصواب، بسبب قلة حلقات العلم ومدارسة الفقه على أيدي العلماء في المساجد والمدارس على وجه سليم أو كاف.","part":1,"page":1},{"id":2,"text":"وثانياً - كان هذا الكتاب انتصاراً للمذاهب في وقت تعرضت فيه لهجمة شرسة من أناس منتمين في الظاهر للإسلام، وهم بعيدون عنه، أو من آخرين يدّعون الاجتهاد والتجديد، ويتذرعون بأخذ الأحكام الشرعية مباشرة من القرآن والسنة، وهم في الواقع يجهلون أبسط قواعد الاستنباط من الأدلة، بل ربما كانوا غرباء عن العلم وأصول الشريعة واللغة العربية. ولم يدروا أو تجاهلوا أن فقه المذاهب فقه متين جداً، وعميق جداً، وحضاري معاصر مع الأصالة، لايخرج عن الكتاب والسنة، فلكل حكم دليله الواضح إما من نص مباشر خاص، أو من مجموعة نصوص تشريعية، أو إدراك لما قامت عليه النصوص ذاتها من مراعاة المصالح العامة ودرء المضار والمفاسد عن الفرد والجماعة والأمة، ولا أكون مبالغاً إن قلت: لن تخلف الدنيا أمثال أئمة المذاهب في العلم والورع والتقوى والإخلاص لهذه الشريعة والحرص على استنباط الحكم الصائب ضمن مناهج الاجتهاد وأصوله السليمة.\rوهذه الطبعة الجديدة هي الطبعة الرابعة المنقحة المعدلة بالنسبة لما سبقها، وهي الطبعة الثانية عشرة لما تقدمها من طبعات مصورة، لأن الدار الناشرة دار الفكر بدمشق لاتعتبر التصوير وحده مسوغاً لتعدد الطبعات مالم يكن هناك إضافات ملموسة، وعلى كل حال فإن آلاف النسخ السابقة من خلال ماتم تصويره قد أغنى الثقافة الإسلامية، وكان لها انتشار واضح في جميع البلاد العربية والإسلامية، شرقها وغربها، وتميزت هذه الطبعة بما يلي:\r- إحداث تغييرات جزئية، وتعديلات كثيرة، وإضافات لبحوث جديدة متعددة، مثل النية والباعث في العقود، ونظرية الفسخ، والتأمين وإعادة التأمين، والدولة الإسلامية، وإعادة صياغة بعض الأبواب الفقهية كالمزارعة والاستصناع مثلاً.\r- إغناء الفهرسة وتطويرها بحسب أحدث مناهج الفهرسة والمكانز العربية والأجنبية.\r- تخريج الآيات بالإضافة لتخريج الأحاديث النبوية الشريفة الذي كان مرعياً منذ صدور الطبعة الأولى.","part":1,"page":2},{"id":3,"text":"- إضافة كثير من المسائل الجزئية والموضوعات المعاصرة، الملحقة بالأبواب الفقهية، ليصير الكتاب أكثر معاصرة ومواكبة للحاجة، وتلبية الرغبات المتنوعة لمعرفة حكم كل جديد أو طارئ.\r- إلحاق قرارات مجمع الفقه الإسلامي الصادرة عنه في دوراته الثماني السابقة باستثناء الدورة الأولى التي لم يكن فيها توصيات أو قرارات أو فتاوى جماعية، وإضافة وثيقة شرعة حقوق الإنسان في الإسلام.\r- أسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يتقبل مني هذا العمل، ويجعله خالصاً لوجهه الكريم، وفي ميزان حسناتي يوم الدين؛ لأن قصدي هو إغناء المعرفة بعلوم الشريعة وتصحيح الأقوال والأفعال وضبط أصول الالتزام.\r................................بسم الله الرحمن الرحيم..................................\r.....................................وبه نستعين........................................\r........................................تقديم...........................................\r- الحمد لله العليم الخبير، والصلاة والسلام على سيدنا محمد البشير النذير، وعلى آله وصحبه أئمة الهدى ومصابيح الحياة، ورضي الله تبارك وتعالى عن أئمة الاجتهاد من السلف الصالح صحباً وتابعين، وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين. وبعد:\r- فإن تنظيم شؤون الحياة والعلاقات الاجتماعية بين الناس، لايتم على نحو صحيح في ميزان العدل الإلهي والمنطق البشري، من دون عقيدة سامية، وأخلاق رصينة، ومبادئ وأنظمة شاملة، تضع حداً للفرد في ذاته وفي سره وعلانيته، وللأسرة الخلية الأولى للمجتمع، وللمجتمع الكبير المنتظم تحت سلطان الدولة، ليعيش في أمن واستقرار، ويظل في تقدم إلى الأمام، وليحمي نفسه من الأمراض التي قد يتعرض لها، والتيارات التي تغزوه وتهز كيانه، إما بسبب الضعف والانحلال والفساد ، أو بسبب الفقر والجوع، أو بسبب التسلط والظلم والاستعباد، أو بسبب الترف والأهواء، أو بسبب طغيان المادة على كل شيء، كما في عصرنا الحاضر.","part":1,"page":3},{"id":4,"text":"- ولا عاصم لهذا المجتمع من التردي، والانحدار أو الضياع، إلا بباعث إصلاحي قوي يهز أركان الانحراف، ويقض مضاجع الغافلين السادرين، ليعيد إلى النفس الشعور بالذات والثقة بها، وضرورة إثبات وجودها وحيويتها وفاعليتها، وليس مثل القرآن العظيم، وسيرة نبي الإسلام أصدق لهجة، وأقوم دعوة، وأخلص هدفاً في تصحيح مسيرة الناس، قال الله تعالى: { وبالحق أنزلناهُ وبالحق نَزَلَ، وماأرسلناك إلا مبشراً ونذيراً } [الإسراء:17/105] { إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم، ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجراً كبيراً } [الإسراء:17/9] .\r- ولايمكن البقاء لأي دعوة تعتمد على الاعتقاد الداخلي أو العاطفة فقط، بل لابد دائماً من الالتزام العملي ببعض الواجبات، ليكون ذلك دليلاً صادقاً على صحة الاعتقاد؛ لأن الإيمان الصحيح: هو ما وقر في القلب وصدقه العمل.\r- وقد كان الفقه الإسلامي الذي مايزال موضع اعتزاز وفخار وتقدير بين أنواع الفقه العالمي خير صورة عملية للمسلمين، لبَّى مطالب الناس في حكم أقوالهم وأفعالهم وتصرفاتهم، وتنظيم شؤون حياتهم، وفيه تبلورت بحق أحكام القرآن والسنة النبوية، وبه تحقق المقصد الأسمى والغاية الكبرى لهذا الدين الحنيف؛ لأن ماجاء به الإسلام من مبادئ في العقيدة الصحيحة والعبادة السليمة والمعاملة المستقيمة، إنما يهدف في الحقيقة إلى تحقيق أغراض تهذيبية، تؤدي إلى تصحيح المعاملات والسلوك الاجتماعي، وكان الفقه الأكبر: وهو معرفة النفس مالها وماعليها، والفقه بالمعنى الضيق وهو الأحكام الشرعية العملية: هو الترجمة الصادقة الدقيقة لشريعة الإسلام، ومنهاج القرآن في الحياة.","part":1,"page":4},{"id":5,"text":"- ولكن مما لاشك فيه أن الفقه الإسلامي بحاجة ماسة إلى كتابة حديثة فيه، تبسط ألفاظه، وتنظم موضوعاته، وتبين مراميه، وتربط اجتهاداته بالمصادر الأصلية له، وتيسر للباحث طريق الرجوع إليه، للاستفادة منه في مجال التقنين،وتزوده بمعادن الثروة الخصبة الضخمة التي أبدعتها عقول المجتهدين، من غير تقيد باتجاه مذهبي معين؛ لأن فقه مذهب ما لا يمثل فقه الشريعة كله، وقد بدئ ولله الحمد على هذا النحو بمحاولات كتابة موسوعة فقهية في سورية ومصر والكويت، ولما يكتمل شيء منها إلى الآن؛ لأن للعمل الجماعي عيوبه أحياناً، من بطء الإنجاز، وتوزع العلماء، وكثرة المشكلات.\r- وكون أحد آراء الفقهاء من دون تعيين هو الحق والصواب ـ باعتبار أن الحق واحد لا يتعدد ـ لايمنع الأخذ بأي رأي فقهي؛ لتعذر معرفة الأصوب بسبب انقطاع الوحي والنبوة، إلا أن يتضح لنا رجحان الرأي بدليله الأقوى. وإذا لم يتبين الأمر أمامنا، فلنأخذ في مجال وضع القوانين المستمدة من الفقه بالرأي الذي يحقق مصلحة الناس، وحاجة التعامل، ويتلاءم مع التطورات الزمنية، والأعراف الصحيحة التي لا تصادم الشريعة، وتنسجم في أفقها العام وهدفها البعيد، مع مبادئ الإسلام وروح التشريع، ومقاصد الشرائع الكلية، وبه نحقق غاية الشريعة ومصالح الناس معا ً، فلا يتعثر تطبيق الشريعة، ولا يصطدم بأصولها العامة، أو بأحكامها الثابتة المقررة في نصوصها، فإن الأخذ بالنصوص لايكون بتعطيلها، بل بتخصيصها وتأويلها والاجتهاد في فهمها، فكثيراً ماخصص الفقهاء النص الشرعي بالتعامل، وقرروا بناء الأحكام على العرف.","part":1,"page":5},{"id":6,"text":"- وكل هذا يتم على وفق نظرة إسلامية شاملة متكاملة، لا بمجرد ترقيع الواقع المخالف في أسسه بمظاهر إسلامية، وترك الجوهر والمضمون الحقيقي، ولا بمجرد تطعيم القوانين والأنظمة بنموذج إسلامي مبتور الجذور والأصول عن بقية أحكام شرع الله تعالى، كالبدء بتطبيق العقوبات الشرعية ( الحدود مثلاً ) في مجتمع ما غريب عن الإسلام في التربية والتعليم، والاجتماع والاقتصاد، والمنهج والحياة، والتنظيم المستورد المفروض قسراً على الأمة.\r- وبما أنني ما زلت مؤمناً بأن المستقبل للإسلام وفقهه وتشريعاته، وإن عطل بعض الناس الانتفاع بنظامه، بالقوانين الوضعية المستوردة، فإني حريص على بيان أحكام هذا الفقه؛ لأن ذلك التعطيل ردة موقوتة ليس لها دعائم بقاء أو استقرار أو احترام في أذهان المسلمين، بدليل ظهور صحوة مباركة في بداية هذا القرن الخامس عشر الهجري، وبروز اتجاه قوي نحو العودة بالفعل لتطبيق الشريعة الإسلامية في شتى المجالات، وقد بدأت فعلاً لجان علمية متخصصة تنفذ قرارات وزراء العدل العرب بوضع قانون موحد مستمد من الشريعة الإسلامية في النطاقين المدني والجنائي بالإضافة إلى مشروع قانون موحد في الأحوال الشخصية وقد أنجز أغلب هذه المشروعات.\r- منهج هذا الكتاب :\r- يمكن إبراز بعض مزايا هذا الكتاب في الفقه على النحو الجديد في التأليف تحقيقاً واستنباطاً وأسلوباً وتبويباً وتنظيماً وفهرسة واستدلالاً بما يأتي:","part":1,"page":6},{"id":7,"text":"- 1ً - إنه كتاب فقه الشريعة الإسلامية المعتمد على الدليل الصحيح من القرآن والسنة والمعقول، لا فقه السنة وحدها، ولا فقه الرأي وحده، إذ ليس عمل المجتهد معتبراً بغير الاعتماد على القرآن والسنة. ومعرفة أحكام الشرع الفقهية التي هي مجرد أمر وصفي وبيان مسلَّمات، لاتكوِّن قناعة عقلية ولا متعة نفسية، ولا طمأنينة للعالم والمتعلم إذا جاءت من غير دليل، كما أن العلم بدليل الحكم يخرج من ربقة الجمود على التقليد المذموم في القرآن إلى الاتباع المقرون بالبصيرة الذي اشترطه الأئمة فيمن يتلقى العلم عنهم، ثم إن أدلة الأحكام هي روح الفقه، ودراستها رياضة للعقل، وتربية له، وتكوين للملكة الفقهية لدى كل متفقه.\r- وبكلمة موجزة: يمتاز هذا الكتاب الشامل فقه المذاهب باعتماده ــ وهو اعتماد المذاهب الإسلامية نفسها ــ على استنباط أحكامه من مختلف مصادر التشريع الإسلامي النقلية والعقلية ( الكتاب والسنة والاجتهاد بالرأي المعتمد على روح التشريع الأصلية العامة ) فمن قصر الفقه الإسلامي على القرآن وحده فقد بتر أو مسخ الإسلام من جذوره، وكان أقرب لأعداء الدين، ومن حصر الفقه بالسنة وحدها فقد قصَّر وأساء، وعاش قاصر الطرف عن شؤون الحياة، وبعد عن التفاعل أو التجاوب مع متطلبات الناس، وتحقيق مصالحهم، ومن المعروف أنه حيثما وجدت المصلحة فثم شرع الله ودينه، وأن زعماء مدرسة الحديث ( مالك والشافعي وأحمد ) أخذوا بالمصالح المرسلة والعرف والعادة وسد الذرائع وغيرها من أدلة الاجتهاد بالرأي، كما أن زعماء مدرسة الرأي كالنخعي وربيعة الرأي وأبي حنيفة وأصحابه لم يهملوا بتاتاً سنة أو أثراً أو اجتهاداً عن السلف.","part":1,"page":7},{"id":8,"text":"- 2ً - وهو ليس كتاباً مذهبياً محدوداً، وإنما هو فقه مقارن بين المذاهب الأربعة (الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة) وبعض المذاهب الأخرى أحياناً، بالاعتماد الدقيق في تحقيق كل مذهب على مؤلفاته الموثوقة لديه، والإحالة على المصادر المعتمدة عند أتباعه؛ لأن نقل حكم في مذهب من كتب المذاهب الأخرى لايخلو من الوقوع في غلط في بيان الرأي الراجح المقرر، وقد عثرت على أمثلة كثيرة من هذا النوع، آثرت عدم الإشارة إليها، حرصاً على الموضوعية والإيجابية فيما يقرر، وبعداً عن تفسيرات فجة، وعصبيات مذهبية ضيقة، وتنزهاً عن المغالاة في تقديس كل جزئيات الكتب الفقهية. وقد لقي هذا النوع من الدراسة والبيان لفقه المذاهب الأربعة إقبالاً شديداً وحرصاً تاماً على المطالعة والاستفادة، وهو يتفق مع الاتجاه العالمي للدراسة المقارنة، ويسهم في البعد عن العصبية المذهبية أو يزيلها من النفس. ومع ذلك فإني أحاول دائماً التنويه بالرأي الموحد بين فقهاء المذاهب، لا في مجرد العناوين لأحكام فقهية، بل في الشروط والتفصيلات أيضاً.\r- 3ً - فيه الحرص على بيان صحة الحديث، وتخريج وتحقيق الأحاديث التي استدل بها الفقهاء، حتى يتبين القارئ طريق السلامة، فيأخذ الرأي الذي صح دليله، ويترك من دون أسف كل رأي متكئ على حديث ضعيف. وإذا لم أذكر ضعف الحديث فلأنه مقبول صحيح، عملاً بالأصل العام في الحديث.\r- 4ً - إنه كتاب يستوعب مختلف الأحكام الفقهية للمسائل الأصلية، وموازنة القضايا الفقهية في كل مذهب مع المذاهب الأخرى، حتى يتحقق التقابل بين الآراء، ويجد الباحث ضالته المنشودة لمعرفة الحكم المطلوب في المذهب الذي يطمئن إليه، ومقابلة الجزئيات المذهبية مع المذاهب الأخرى والموازنة بين الآراء. وبالرغم من كونه أمراً عسيراً، فإنه يحقق هدف القارئ، ويروي ظمأه.","part":1,"page":8},{"id":9,"text":"- 5ً - فيه تركيز على الجوانب العملية أو الواقعية، وبعد عن المسائل الفرضية البعيدة الحصول، وإهمال لكل مايتعلق بالرق والعبيد، لعدم الحاجة إليه بعد إنهاء هذه المشكلة وإلغاء الرق من العالم، إلا على سبيل الإلمام التاريخي واستكمال تصور المسائل الفقهية أحياناً.\r- 6ً - قد أذكر ترجيحاً بين الآراء بحسب مايبدو لي، وبخاصة في مقابلة الحديث الضعيف، أو لما أرى في مذهب ما من تحقيق مصلحة أو دفع مفسدة ومضرة.\r- وإذا لم أصرح بالترجيح، فالأولى العمل برأي الأكثرين أو الجمهور؛ لأن الكثرة يحصل بها الترجيح، فيقدم رأي الجمهور إلا إذا لم يكن ملائماً لظروف الحياة الشرعية المعاصرة في المعاملات أو لم يترجح لدى مجتهد ما.\r- ويجوز تقليد كل مذهب إسلامي معتمد عند الأغلبية، وإن أدى إلى التلفيق (1) ، عند الضرورة أو الحاجة أو العجز والعذر؛ لأن الصحيح جوازه عند المالكية وجماعة من الحنفية، كما يجوز الأخذ بأيسر المذاهب أو تتبع الرخص (2) عند الحاجة أو المصلحة لاعبثاً وتلهياً وهوى؛ لأن دين الله يسر لا عسر، فيكون القول بجواز التلفيق من باب التيسير على الناس، قال الله تعالى: {يريد الله بكم اليسر، ولايريد بكم العسر} [البقرة:2/185]، {وما جعل عليكم في الدين من\r- -------------------------------\r- (1) التلفيق: هو الإتيان بكيفية لايقول بها كل مجتهد على حدة.\r- (2) تتبع الرخص: أن يأخذ الشخص من كل مذهب ماهو أهون له وأيسر فيما يطرأ عليه من المسائل. حرج} [الحج:22/78]، { يريد الله أن يخفف عنكم، وخلق الإنسان ضعيفاً} [النساء:4/28].","part":1,"page":9},{"id":10,"text":"- ولايجوز تتبع الرخص عبثاً أو لهوى ذاتي، بأن يأخذ الإنسان من كل مذهب ماهو الأخف عليه، من غير ضرورة ولا عذر، سداً لذرائع الفساد بالانحلال من التكاليف الشرعية، ولايجوز التلفيق الذي يؤدي إلى نقض حكم الحاكم؛ لأن حكمه يرفع الخلاف درءاً للفوضى، ولا التلفيق الذي يؤدي إلى الرجوع عما عمل به المرء تقليداً، أو إلى مصادمة أمر مجمع عليه، أو الوقوع في محظور شرعي، كالتزوج بامرأة بلا ولي ولاصداق ولا شهود، مقلداً كل مذهب فيما لايقول به الآخر ، أو تحليل المبتوتة بتزويجها من غلام صغير.\r- 7ً - سهولة الأسلوب، وتبسيط الكلام، وبيان الأمثال، والتبويب والمنهج الأقرب لفهم أهل العصر ومألوفهم، وتحقيق الرأي الراجح في كل مذهب، ووضع الضوابط الكلية، ليسهل التعرف على الأحكام من غير استطراد ولابعثرة للمسائل، فيصبح الفقه قريب المنال بأسلوبه وتنظيمه وتبويبه، بعد أن كان أحياناً عصي الفهم، غريب الأسلوب، بعيد الإدراك، حتى بالنسبة للمتخصص الذي يلقى صعوبة في التعرف على حكم فقهي معين في ثنايا المسائل الكثيرة المتشابكة، وقد يحتاج لجهد كبير ووقت طويل للاطلاع على باب فقهي برمَّته، أو اللجوء إلى أكثر من كتاب في الموضوع ذاته. وحينئذ لايبقى عذر لأحد في محاولة التهرب من تطبيق أحكام الفقه الإسلامي، بعد أن أزيل غموضه، ورفعت حواجز الوهم والتعقيد والصعوبة في فهمه من بطون الكتب القديمة الغاصة بثروة وكنوز لامثيل لها في التاريخ.\r- 8ً - حاولت بحث بعض القضايا الجديدة وبخاصة في هذه الطبعة التاسعة، ليتعايش الناس معها، مستلهماً قواعد الشريعة ومبادئها ومقررات الفقهاء، ويظل الباب مفتوحاً أمام المزيد من البحوث والاجتهادات الجزئية؛ لأن فضل الله لاينقطع، ومواهبه وعطاياه لاتنحصر في زمن دون آخر، ولا على أشخاص دون غيرهم.","part":1,"page":10},{"id":11,"text":"- ويظل رائدي إلى الأبد قوله تعالى: {إنما يخشى اللهَ من عباده العلماء} [فاطر:35/28]، وقوله سبحانه: {وقل: رب زدني علماً} [طه:20/114]، وقوله صلّى الله عليه وسلم فيما يرويه البخاري ومسلم: «من يرد الله به خيراً، يفقهه في الدين» وما يرويه البخاري: «رب مبلَّغ أوعى من سامع» .\r- ومع أن هذا العمل يحتاج إلى جهد كبير وصبر وأناة، وتعاون فئة من العلماء، فقد صممت على الكتابة مستعيناً بالله تعالى، لتقريب الفقه إلى الناس، سواء العالم والمتعلم، من غير تعصب لرأي مذهبي معين؛ لأن الحكمة ضالة المؤمن أينما وجدها التقطها، ولأن المساهمة في تقدم العلم بحسب مايرى العالم من الحاجة أمر واجب على العلماء، لأن «العلم يزكو بالإنفاق» كما قال سيدنا علي رضي الله عنه،خصوصاً مايتطلب البحث والتتبع والاستقصاء، والتحقيق وبيان الراجح دليلاً ومذهباً، راجياً من الله تعالى أن يحقق به النفع، وأن يكون سبيلاً للأجر وادخار الثواب عند الله تعالى بعد الموت وانتهاء الأجل، قال النبي صلّى الله عليه وسلم فيما يرويه البخاري في الأدب المفرد، ومسلم وأصحاب السنن إلا ابن ماجه عن أبي هريرة: «إذا مات الإنسان انقطع عمله، إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له» (1) وقال ابن عمر رضي الله عنه: «مجلس فقه خير من عبادة ستين سنة» وجزى الله والدي رحمه الله الذي حبب إلي هذا العلم، وجزى الله أيضاً أساتذتي في الأزهر وسورية على أفضالهم علي خير الجزاء.\r- فإن أصبت الهدف المرجّى، فهو من فضل الله تعالى، ولا أدعي العصمة والكمال والإحاطة بكل شيء في الفقه، فذلك من صفات الله وحده، وأعترف سلفاً بعجزي وقصوري، قال الله سبحانه: {وماأوتيتم من العلم إلا قليلاً} [الإسراء:17/85]، وإنما هو عمل لايعدو أن يكون محاولة في البيان والترتيب وتقريب الفقه للناس، والموازنة بين أحكامه في المذاهب الأربعة ونحوها، والله ولي التوفيق.\r--------------------------------\r(1) لكن رمز له السيوطي بالضعف ويظهر أنه تصحيف مطبعي؛ لأن الحديث صحيح.","part":1,"page":11},{"id":12,"text":"- {رب هب لي حكماً وألحقني بالصالحين، واجعل لي لسان صدق في الآخرين، واجعلني من ورثة جنة النعيم} [الشعراء:26/83-84-85].\r- الباعث المباشر على تأليف هذا الكتاب:\r- كان المسلم في الصدر الأول وِحْدة متكاملة، يجمع بين شؤون الدين والدنيا والآخرة، في انسجام والتزام دقيق متوازن، سواء في شخصه وأسرته أم في سلوكه وعمله في الحياة، وسواء أكان حاكماً قائداً، أم رعية من آحاد المسلمين العاديين، فكان إذا دعا داعي الجهاد مثلاً هبَّ كالأسد الهصور للدفاع المستميت عن دين الله تعالى وعزة الإسلام وحرمات المسلمين، وإن طرأت قضية تهم الجماعة أو المجتمع في السياسة والحكم أو في القضايا الاجتماعية أو في مجال الإفتاء، بادر إلى تقديم كل مايمكنه من عمل مثمر أو فكر متفتح منتج مستلهماً العون الإلهي، مبتغياً تحقيق مرضاة الله تعالى.\r- واليوم تشعبت اتجاهات المسلمين ومسالكهم، فلم يعد التوجه للإسلام في قمة عناية المسلم وعمله، وأصبح العمل البنَّاء من أجل الصالح العام أمراً قليل الأهمية أو عسير التحقيق، وانصرف غالب الناس من ملايين المسلمين الموزعين في زهاء إحدى وخمسين دولة الآن إلى أعمالهم الخاصة، تشغلهم ثروتهم أو تجارتهم أو عملهم الحر أو تثقيفهم أنفسهم بثقافات نظرية أو عملية معاصرة طغت على الثقافة الإسلامية الأصيلة.","part":1,"page":12},{"id":13,"text":"- وأصبح من الصعب العثور على فهم إيجابي للمسلم لحياة العصر، بسبب ازدواج الثقافة العلمية المادية والشرعية، أو بسبب العمل بالتقنينات الوضعية المستوردة والنظريات الاقتصادية الحديثة. لكن يظل في أعماق الساحة الإسلامية قلَّة من الرجال أو الشباب الذين فهموا ما يتطلبه الإسلام، وحياة المسلم المعاصر، من احتياجات مع زحمة أعباء الحياة، لمعرفة شؤون الحلال والحرام في المعاملات أو أحكام التكاليف الشرعية، فقدروا مايضر وماينفع، وبعدوا عن العيش بالعاطفة وحدها.\r- ولقد كان لأصحاب دار الفكر في دمشق، فضل الاقتراح علي بتأليف كتاب فقهي جامع لكل نواحي الفقه الإسلامي، ينسجم مع أسلوب ،وحاجات المسلم في الوقت الراهن الذي لم يعد يقبل بديلاً عن التسلح بالقناعة الفكرية، والاطمئنان الذاتي لصحة الحكم الشرعي المؤيد بالدليل، فبادرت إلى تلبية الدعوة وتنفيذ الاقتراح بجهد متواصل وعمل مضن، حتى وفقني الله تعالى لإنجاز المطلوب، بعد أن لمست فائدة هذا المنهج في الإقبال على دراسة واقتناء وتدريس ثلاثة أجزاء من هذا الكتاب عن المعاملات والعقود بعنوان ( الفقه الإسلامي في أسلوبه الجديد ) في أكثر من ست جامعات عربية.\r- فللإخوة أصحاب دار الفكر كل التقدير والشكر الجزيل، ولهم من الله تعالى المثوبة وحسن الجزاء على نشر هذا الكتاب وطبعه وتمويله وإخراجه في أجمل مظهر من الطباعة الأنيقة الحديثة، وجزاهم الله خير الجزاء. مقدمات ضرورية عن الفقه\r- لابد قبل البدء في بحث الأحكام الشرعية من بيان معلومات تتناول ما يأتي:\r- معنى الفقه وخصائصه، لمحة موجزة عن فقهاء المذاهب، مراتب الفقهاء وكتب الفقه، اصطلاحات الفقه والمؤلفين في المذاهب، أسباب اختلاف الفقهاء، الضوابط الشرعية للأخذ بأيسر المذاهب وخطة البحث.","part":1,"page":13},{"id":14,"text":"- المطلب الأول ـ معنى الفقه وخصائصه:\r- الفقه لغة: الفهم (1) ، ومنه قوله تعالى: {قالوا: ياشعيب، ما نفقه كثيراً مما تقول} [هود:11/91]، وقوله سبحانه: {فما لهؤلاء القوم لايكادون يفقهون حديثاً} [النساء:4/78] .\r- وفي الاصطلاح الشرعي: عرفه أبو حنيفة رحمه الله تعالى بأنه «معرفة النفس مالها وما عليها» (2) والمعرفة: ( هي إدراك الجزئيات عن دليل ). والمراد بها هنا سببها: وهو الملكة الحاصلة من تتبع القواعد مرة بعد أخرى.\r- وهذا تعريف عام يشمل أحكام الاعتقاديات، كوجوب الإيمان ونحوه، والوجدانيات أي الأخلاق والتصوف، والعمليات كالصلاة والصوم والبيع ونحوها، وهذا هو الفقه الأكبر. وعموم هذا التعريف كان ملائماً لعصر أبي حنيفة الذي لم يكن الفقه فيه قد استقل عن غيره من العلوم الشرعية، ثم استقل، فأصبح علم الكلام ( التوحيد ) يبحث في الاعتقاديات، وعلم الأخلاق والتصوف كالزهد والصبر والرضا وحضور القلب في الصلاة ونحوها، يبحث في الوجدانيات. وأما الفقه المعروف حالياً فموضوعه أصبح مقصوراً على معرفة ما للنفس وما عليها من الأحكام العملية، وعندئذ زاد الحنفية في التعريف كلمة ( عملاً ) لتخرج الاعتقاديات والوجدانيات.\r- وعرف الشافعي رحمه الله الفقه بالتعريف المشهور بعده عند العلماء بأنه: العلم بالأحكام الشرعية العملية المكتسب من أدلتها التفصيلية (3) .\r- والمقصود بالعلم هنا: هو الإدراك مطلقاً الذي يتناول اليقين والظن؛ لأن الأحكام العملية قد تثبت بدليل قطعي يقيني، كما تثبت غالباً بدليل ظني.\r--------------------------------\r(1) يقال: فقه يفقه كعلم يعلم، أي فهم مطلقاً، سواء أكان الفهم دقيقاً أم سطحياً، ويقال: فقه يفقه مثل كرم يكرم، أي صار الفقه له سجية. ويقال: تفقه الرجل تفقهاً: أي تعاطى الفقه، ومنه قوله تعالى: {ليتفقهوا في الدين} [التوبة:9/122].\r(2) مرآة الأصول:44/1، التوضيح لمتن التنقيح: 10/1 .\r(3) شرح جمع الجوامع للمحلي: 32/1 ومابعدها، شرح الإسنوي:24/1، شرح العضد لمختصر ابن الحاجب: 18/1، مرآة الأصول: 50/1، المدخل إلى مذهب أحمد:ص58.","part":1,"page":14},{"id":15,"text":"- والأحكام: جمع حكم، وهو مطلوب الشارع الحكيم، أو هو خطاب الله تعالى المتعلق بأفعال المكلفين اقتضاء أو تخييراً أو وضعاً. والمراد بالخطاب عند الفقهاء: هو الأثر المترتب عليه، كإيجاب الصلاة، وتحريم القتل، وإباحة الأكل، واشتراط الوضوء للصلاة.\r- واحترز بعبارة ( العلم بالأحكام ) عن العلم بالذوات والصفات والأفعال.\r- و( الشرعية ): المأخوذة من الشرع، فيحترز بها عن الأحكام الحسية مثل: الشمس المشرقة، والأحكام العقلية مثل: الواحد نصف الاثنين، والكل أعظم من الجزء، والأحكام اللغوية أو الوضعية، مثل: الفاعل مرفوع، أو نسبة أمر إلى آخر إيجاباً أو سلباً مثل زيد قائم، أو غير قائم.\r- و( العملية ): المتعلقة بالعمل القلبي كالنية، أو غير القلبي مما يمارسه الإنسان مثل القراءة والصلاة ونحوها من عمل الجوارح الباطنة والظاهرة. والمراد أن أكثرها\rعملي، إذ منها ماهو نظري، مثل اختلاف الدين مانع من الإرث. واحترز بها عن الأحكام العلمية والاعتقادية، كأصول الفقه، وأصول الدين كالعلم بكون الإله واحداً سميعاً بصيراً. وتسمى العملية أحياناً: ( الفرعية) والاعتقادية: (الأصلية).\r- و(المكتسب) صفة للعلم: ومعناه المستنبط بالنظر والاجتهاد، وهو احتراز عن علم الله تعالى، وعلم ملائكته بالأحكام الشرعية، وعلم الرسول صلّى الله عليه وسلم الحاصل بالوحي، لا بالاجتهاد، وعلمنا بالبدهيات أوالضروريات التي لاتحتاج إلى دليل ونظر، كوجوب الصلوات الخمس، فلا تسمى هذه المعلومات فقهاً، لأنها غير مكتسبة.","part":1,"page":15},{"id":16,"text":"- والمراد بالأدلة التفصيلية: ما جاء في القرآن، والسنة، والإجماع، والقياس. واحترز بها عن علم المقلد لأئمة الاجتهاد، فإن المقلد لم يستدل على كل مسألة يعملها بدليل تفصيلي، بل بدليل واحد يعم جميع أعماله، وهو مطالبته بسؤال أهل الذكر والعلم، فيجب عليه العمل بناء على استفتاء منه. هذا.. وقد أصبح الفقه أخيراً كما في قواعد الزركشي: هو معرفة أحكام الحوادث نصاً واستنباطاً، على مذهب من المذاهب.\r- وموضوع الفقه : هو أفعال المكلفين من حيث مطالبتهم بها، إما فعلاً كالصلاة، أو تركاً كالغصب، أو تخييراً كالأكل.\r- والمكلفون : هم البالغون العاقلون الذين تعلقت بأفعالهم التكاليف الشرعية.\r- خصائص الفقه :\r- الفقه : هو الجانب العملي من الشريعة، والشريعة: كل ماشرع الله تعالى لعباده من الأحكام، سواء بالقرآن، أم بالسنة، وسواء ماتعلق منها بكيفية الاعتقاد، ويختص بها علم الكلام أو علم التوحيد، أو بكيفية العمل، ويختص بها علم الفقه.\r- وقد بدأت نشأة الفقه تدريجياً في حياة النبي صلّى الله عليه وسلم وفي عصر الصحابة، وكان سبب نشوئه وظهوره المبكر بين الصحابة هو حاجة الناس الماسة إلى معرفة أحكام الوقائع الجديدة، وظلت الحاجة إلى الفقه قائمة في كل زمان لتنظيم علاقات الناس الاجتماعية، ومعرفة الحقوق والواجبات لكل إنسان، وإيفاء المصالح المتجددة، ودرء المضار والمفاسد المتأصلة والطارئة.\r- ويمتاز الفقه الإسلامي بعدة مزايا أو خصائص أهمها مايأتي (1) :\r--------------------------------\r- (1) راجع فجر الإسلام لأحمد أمين، وتاريخ الفقه الإسلامي للسايس وتاريخ التشريع للخضري، والسياسة الشرعية لشيخ الأزهر سابقاً الدكتور عبد الرحمن تاج، والأموال ونظرية العقد للدكتور محمد يوسف موسى: ص 136-154، المدخل الفقهي للأستاذ مصطفى الزرقاء: ف/2-4 و090 2 ً","part":1,"page":16},{"id":17,"text":"- 1 ً - أساسه الوحي الإلهي : يتميز الفقه عن غيره من القوانين الوضعية بأن مصدره وحي الله تعالى المتمثل في القرآن والسنة النبوية، فكل مجتهد مقيد في استنباطه الأحكام الشرعية بنصوص هذين المصدرين، وما يتفرع عنهما مباشرة، وماترشد إليه روح الشريعة، ومقاصدها العامة، وقواعدها ومبادئها الكلية، فكان بذلك كامل النشأة، سوي البنية، وطيد الأركان، لاكتمال مبادئه، وإتمام قواعده، وإرساء أصوله في زمن الرسالة وفترة الوحي على النبي صلّى الله عليه وسلم ، قال تعالى { اليوم أكملت لكم دينكم، وأتممت عليكم نعمتي، ورضيت لكم الإسلام ديناً } [المائدة:5/3]، ولم يبق بعدئذ إلا التطبيق على وفق المصالح البشرية التي تنسجم مع مقاصد الشريعة.\r- 2 ً ــ شموله كل متطلبات الحياة : يمتاز الفقه الإسلامي عن القوانين بأنه يتناول علاقات الإنسان الثلاث: علاقته بربه، وعلاقته بنفسه، وعلاقته بمجتمعه، لأنه للدنيا والآخرة، ولأنه دين ودولة، وعام للبشرية وخالد إلى يوم القيامة، فأحكامه كلها تتآزر فيها العقيدة والعبادة والأخلاق والمعاملة، لتحقق ــ بيقظة الضمير، والشعور بالواجب، ومراقبة الله تعالى في السر والعلن، واحترام الحقوق- غاية الرضا والطمأنينة والإيمان والسعادة والاستقرار، وتنظيم الحياة الخاصة والعامة وإسعاد العالم كله.\r- ومن أجل تلك الغاية: كانت الأحكام العملية (الفقه) وهي التي تتعلق بما يصدر عن المكلف من أقوال ، وأفعال وعقود ،وتصرفات، شاملة نوعين:","part":1,"page":17},{"id":18,"text":"- الأول: أحكام العبادات: من طهارة وصلاة وصيام وحج وزكاة ونذر ويمين، ونحو ذلك مما يقصد به تنظيم علاقة الإنسان بربه. وقد ورد في القرآن عن العبادات بأنواعها نحو (140) آية.\r- الثاني: أحكام المعاملات: من عقود وتصرفات وعقوبات ،وجنايات، وضمانات، وغيرها مما يقصد به تنظيم علاقات الناس بعضهم ببعض، سواء أكانوا أفراداً أم جماعات. وهذه الأحكام تتفرع إلى ما يلي:\r- أ ــ الأحكام التي تسمى حديثاً بالأحوال الشخصية: وهي أحكام الأسرة من بدء تكوينها إلى نهايتها من زواج وطلاق ونسب ونفقة وميراث، ،يقصد بها تنظيم علاقة الزوجين والأقارب بعضهم ببعض.\r- ب ــ الأحكام المدنية: وهي التي تتعلق بمعاملات الأفراد ومبادلاتهم من بيع وإجارة ورهن وكفالة وشركة ومداينة ووفاء بالالتزام، ويقصد بها تنظيم علاقات الأفراد المالية حفظ حق المستحق. وقد ورد في المجموعة المدنية في القرآن نحو سبعين آية.\r- جـ ــ الأحكام الجنائية: وهي التي تتعلق بما يصدر من المكلف من جرائم، ومايستحقه عليها من عقوبات، ويقصد بها حفظ حياة الناس وأموالهم وأعراضهم وحقوقهم، وتحديد علاقة المجني عليه بالجاني وبالأمة، وضبط الأمن. وقد ورد في المجموعة الجنائية في القرآن نحو ثلاثين آية.\r- د ــ أحكام المرافعات أو الإجراءات المدنية أو الجنائية: وهي التي تتعلق بالقضاء والدعوى وطرق الإثبات بالشهادة واليمين والقرائن وغيرها، ويقصد بها تنظيم الإجراءات لإقامة العدالة بين الناس. وقد ورد في القضاء والشهادة ومايتعلق بها في القرآن نحو (عشرين ) آية.\rهـ ــ الأحكام الدستورية: وهي التي تتعلق بنظام الحكم وأصوله، ويقصد بها تحديد علاقة الحاكم بالمحكوم، وتقرير ما للأفراد والجماعات من حقوق، وماعليهم من واجبات.","part":1,"page":18},{"id":19,"text":"- و ــ الأحكام الدولية: وهي التي تتعلق بتنظيم علاقةِ الدولةِ الإسلاميةِ بغيرها من الدول في السِّلمِ وَالحْرَبِ، وعلاقة غير المسلمين المواطنين بالدولة، وتشمل ُ الجهاد َ والمعاهداتِ. ويقصد بها تحديد نوع العلاقة والتعاون والاحترام المتبادل بين الدول.\r- ز ــ الأحكام الاقتصادية والمالية: وهي التي تتعلق بحقوق الأفراد المالية والتزاماتهم في نظام المال، وحقوق الدولة وواجباتها المالية، وتنظيم موارد الخزينة ونفقاتها. ويقصد بها تنظيم العلاقات المالية بين الأغنياء والفقراء، وبين الدولة والأفراد. وهذه تشمل أموال الدولة العامة والخاصة، كالغنائم والأنفال والعشور (ومنها الجمارك) والخراج (ضريبة الأرض) والمعادن الجامدة والسائلة وموارد الطبيعة المخلوقة، وأموال المجتمع كالزكاة والصدقات والنذور والقروض، وأموال الأسرة كالنفقات والمواريث والوصايا، وأموال الأفراد كأرباح التجارة، والإجارة، والشركات، وكل مرافق الاستغلال المشروع، والإنتاج، والعقوبات المالية، كالكفارات والديات والفدية.\r- ح ــ الأخلاق أو الآداب ( المحاسن والمساوئ ): وهي التي تحد من جموح الإنسان، وتشيع أجواء الفضيلة والتعاون والتراحم بين الناس.\r- وكان سبب اتساع الفقه هو ما جاء في السنة النبوية من الأحاديث الكثيرة في كل باب من هذه الأبواب.\r- 3 ً ــ اتصافه بالصفة الدينية حلاً وحرمة: يفترق الفقه عن القانون الوضعي في أن كل فعل أو تصرف مدني في المعاملات يتصف بوجود فكرة الحلال والحرام فيه، مما يؤدي إلى اتصاف أحكام المعاملات بوصفين:\r- أحدهما ـ دنيوي يبنى على ظاهر الفعل أو التصرف، ولا علاقة له بالأمر المستتر الباطني، وهو الحكم القضائي؛ لأن القاضي يحكم بما هو مستطاع. وحكمه لايجعل الباطل حقاً، والحق باطلاً في الواقع، ولايحل الحرام ولايحرم الحلال في الواقع. ثم إن القضاء ملزم، بعكس الفتوى.","part":1,"page":19},{"id":20,"text":"- والثاني ــ حكم أخروي يبنى على حقيقة الشيء والواقع، وإن كان خفياً عن الآخرين، ويعمل به فيما بين الشخص وبين الله تعالى. وهو الحكم الدياني. وهذا مايعتمده المفتي، والفتوى: هي الإخبار عن الحكم الشرعي من غير إلزام. ومنشأ هذه التفرقة: حديث النبي صلّى الله عليه وسلم فيما يرويه مالك وأحمد وأصحاب الكتب الستة: « إنما أنا بشر، وإنكم تختصمون إلي، ولعل بعضكم أن يكون ألحن (1) بحجته من بعض، فأقضي له على نحوٍ مما أسمع، فمن قضيت له بحق مسلم، فإنما هي قطعة من النار، فليأخذها أو ليتركها » وسبب وجود هذين الوصفين: أن الشريعة وحي الله، لها ثواب وعقاب أخروي، وهي نظام روحي ومدني معاً، لأنها جاءت لخيري الدنيا والآخرة، أو الدين والدنيا.\r- وتظهر ثمرة التفرقة مثلاً في الطلاق والأيمان والديون والإبراء والإكراه ونحوها، وبناء عليه، اختلفت وظيفة القاضي عن وظيفة المفتي، فالقاضي يصدر حكمه بناء على الأمر الظاهر فقط، والمفتي يراعي الباطن والظاهر معاً، فإذا اختلفا بني حكمه على الباطن إذا بان له.\r- فمن طلق امرأته خطأ غير قاصد الطلاق، يقع منه قضاء ولا يقع ديانة، ومن أبرأ مدينه دون أن يعلمه بذلك، ثم رفع الدعوى على المدين مطالباً بسداد الدين، فالقضاء يقضي له بقبض الدين، والفتوى تمنعه من ذلك لوجود الإبراء.\r- وقد أدى وجود هذه النزعة الدينية أو الوازع الديني الداخلي إلى إضفاء صفة الهيبة والاحترام للأنظمة الشرعية، وإلى صيانة الحقوق بجانب النزعة المادية التي تلاحظها فقط القوانين الوضعية؛ لأن الشريعة ترعى الاعتبارين معاً: الاعتبار القضائي والاعتبار الدياني.\r- 4 ً ــ ارتباط الفقه بالأخلاق: يختلف الفقه عن القانون في تأثره بقواعد الأخلاق، فليس للقانون الوضعي إلا غاية نفعية وهي العمل على حفظ النظام واستقرار المجتمع، وإن أهدرت بعض مبادئ الدين والأخلاق.\r--------------------------------\r(1) ألحن بحجته أي أفطن وأحسن بياناً لها.","part":1,"page":20},{"id":21,"text":"أما الفقه فيحرص على رعاية الفضيلة والمثل العليا والأخلاق القويمة، فتشريع العبادات من أجل تطهير النفس وتزكيتها وإبعادها عن المنكرات؛ وتحريم الربا بقصد بث روح التعاون والتعاطف بين الناس، وحماية المحتاجين من جشع أصحاب المال؛ والمنع من التغرير والغش في العقود وأكل المال بالباطل ، وإفساد العقود بسبب الجهالة ونحوها من عيوب الرضا، من أجل إشاعة المحبة وتوفير الثقة، ومنع المنازعة بين الناس، والسمو عن أدران المادة، واحترام حقوق الآخرين؛ والأمر بتنفيذ العقود قصد به الوفاء بالعهد؛ وتحريم الخمر للحفاظ على مقياس الخير والشر وهو العقل.\r- وإذا تآزر الدين والخلق مع التعامل، تحقق صلاح الفرد والمجتمع، وسعادتهما معاً، وتهيأ سبيل الخلود في النعمى في عالم الآخرة، والأمل بالخلود هو مطمح البشرية من قديم الزمان. وبذلك تكون غاية الفقه هي خير الإنسان حقاً في الحال والمآل، وإسعاده في الدنيا والآخرة.\r- ثم إن التأثر بالدين والخلق يجعل الفقه أكثر امتثالاً وأشد احتراماً وطاعة، أما القوانين فيكثر الإفلات من سلطانها.","part":1,"page":21},{"id":22,"text":"- 5 ً ــ الجزاء على المخالفة دنيوي وأخروي: يمتاز الفقه عن القانون الذي يقرر جزاء دنيوياً فقط على المخالفة بأن لديه نوعين من الجزاء على المخالفات: الجزاء الدنيوي من عقوبات مقدرة ( الحدود ) وغير مقدرة ( التعازير )، على الأعمال الظاهرة للناس، والجزاء الأخروي على أعمال القلو ب غير الظاهرة للناس، كالحقد والحسد وقصد الإضرار بالآخربن إذا اتخذ مظهراً إيجابياً، وعلى الأعمال الظاهرة التي لم يعاقب عليها في الدنيا، إما بسبب إهمال عقوبتها، كتعطيل الحدود اليوم في أغلب الدول، أو لعدم إثباتها في الظاهر، أو لعدم اطلاع السلطة عليها كذلك الجزاء في الفقه إيجابي وسلبي، إيجابي لأن فيه ثواباً على طاعة الأوامر وامتثالها، وسلبي لأنه يقرر ثواباً على اجتناب النواهي والمعاصي والكف عنها. أما القانون فيقتصر على تقرير جزاءات سلبية على مخالفة أحكامه، دون تقرير ثواب على حالة امتثال قواعده.\r- 6 ً- النزعة في الفقه جماعية: أي أن فيه مراعاة لمصلحة الفرد والجماعة معاً، دون أن تطغى واحدة على الأخرى، ومع ذلك تقدم مصلحة الجماعة على مصلحة الفرد عند تعارض المصلحتين، كما أنه عند تعارض مصلحة شخصين: تقدم مصلحة من يصيبه أكبر الضررين، تطبيقاً لقاعدة ( لا ضرر ولا ضرار ) و( يدفع أكبر الضررين بالأخف منهما ).\r- فمن أمثلة رعاية مصلحة الجماعة: تشريع العبادات من صلاة وصوم ونحوهما، وحل البيع وتحريم الربا، وتحريم الاحتكار ثم البيع بثمن المثل، ومشروعية التسعير الجبري، وإقامة الحدود على أخطر المنكرات، وتنظيم الأسرة، ورعاية حقوق الجار، والوفاء بالعقود، والبيع الجبري للمصلحة العامة كبناء المساجد والمدارس والمشافي، وإنشاء المقابر، وتوسيع الطرق ومجاري الأنهار.","part":1,"page":22},{"id":23,"text":"- ومن أمثلة تقييد حق الفرد عند ضرر الجماعة، أو حدوث ضرر أكبر: عدم إلزام الزوجة بطاعة زوجها إذا أضرَّ بها، لقوله تعالى: {ولا تمسكوهن ضراراً لتعتدوا} [البقرة:2/231]، وعدم إطاعة الحاكم إذا أمر بمعصية، أو تنكر للمصلحة العامة؛ لأن الطاعة في المعروف، ولقول رسول الله صلّى الله عليه وسلم فيما رواه أحمد: « السمع والطاعة على المرء المسلم فيما أحب أو كره، مالم يؤمر بمعصية، فإن أمر بمعصية، فلا سمع ولا طاعة» .\r- ومن أمثلته: تقييد جواز الوصية بثلث المال منعاً من إضرار الورثة، لقول النبي صلّى الله عليه وسلم لسعد بن أبي وقاص فيما يرويه البخاري ومسلم: «الثلث والثلث كثير، إنك أن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة، يتكففون الناس» أي فقراء يسألون الناس بأكفهم.\r- ومن أمثلته: ترك الأراضي المفتوحة بيد أهلها على أن يدفعوا ضريبة الجزية والخراج، توفيراً لمورد عام للخزينة، ورعاية لمصلحة المسلمين العامة، ومنه تشريع الشفعة للشريك أو للجار دفعاً للضرر الذي قد يحدث من المشتري الجديد. ومنه إمرار الماء في أرض الغير لإرواء الأرض البعيدة عن مجرى الماء. ونحو ذلك من الأمثال التي تصدر عن مبدأ واحد في الإسلام، وهو أن مصدر الحق: هو الله الذي لايمنحه لأحد إلا لغرض حكيم هو تحقيق الخير للفرد وللمجتمع معاً.\r- 7 ً - الفقه صالح للبقاء والتطبيق الدائم: إن فقه المبادئ الخالدة لايتغير كالتراضي في العقود، وضمان الضرر، وقمع الإجرام وحماية الحقوق، والمسؤولية الشخصية، أما الفقه المبني على القياس ومراعاة المصالح والأعراف، فيقبل التغير والتطور بحسب الحاجات الزمنية، وخير البشرية، والبيئات المختلفة زماناً ومكاناً، مادام الحكم في نطاق مقاصد الشريعة وأصولها الصحيحة، وذلك في دائرة المعاملات لا في العقائد والعبادات، وهذا هو المراد بقاعدة ( تتغير الأحكام بتغير الأزمان ).","part":1,"page":23},{"id":24,"text":"- 8 ً - إن الغاية من توطئة الفقه وتعبيد طرق الوصول إليه هي الإفادة الكاملة منه على الصعيد الفردي، وعلى الصعيد الرسمي باستمداد القوانين في كل بلاد الإسلام منه؛ لأن غايته خير الإنسان وإسعاده في الدارين، أما غاية القوانين الحالية فهي مجرد استقرار المجتمع.\r- وقد اشتمل الفقه الإسلامي على فروع القوانين المختلفة كما بينا، ويمكن معرفة حكم مشكلات العصر كالتأمين ونظام المصارف ونظام البورصات وقواعد النقل الجوي والبحري ونحوها بالقواعد الفقهية الكلية، والاجتهاد المستند إلى القياس والاستحسان والمصالح المرسلة وسد الذرائع والعرف وغيرها، كما يمكن صياغة الفقه على أساس النظريات العامة كما هو الشأن في دراسة القوانين، مثل نظرية الضمان،ونظرية الضرورة، ونظرية العقد، ونظرية الملكية، والمؤيدات الشرعية المدنية والجزائية ونظرية الحق، والتعسف في استعمال الحق، والظروف الطارئة وغيرها. وأجاز بعض الفقهاء خلافا ً للأكثرية تخصيص النصوص بالعرف كعدم إلزام المرأة الشريفة القدر بإرضاع ولدها عند المالكية (1) ، ومثل أخذ أبي يوسف بالعرف في مقياس الأموال الربوية كيلاً أو وزناً لتحقيق المساواة وعدمها، فإذا تبدل عرف التعامل، فأصبح بيع المال الربوي كالقمح والشعير وزنياً بعد أن كان كيلياً، أو العكس، عمل به، وينظر حينئذ للتساوي وزناً أو كيلاً بحسب المتعارف بين الناس.\r- كما أجاز بعضهم تغير الحكم لتغير علته كإيقاف سهم المؤلفة قلوبهم (2) ، واعتماد حساب أوائل الشهور العربية على الحساب، لا على الرؤية (3) .\r- وأجاز آخرون تغير الحكم بالضرورة أو الحاجة دفعاً للحرج والضرر عن الناس بشرط توافر معنى الضرورة والحاجة شرعاً، والترخيص بالقدر اللازم فقط لإزالة الضرورة وتحقيق الحاجة، لأن « الضرورة تقدر بقدرها » (4) ، والضرورة: هي التي تهدد المرء بهلاك نفسه أو نسله، أو تلف ماله، أو ذهاب عقله إذا لم يقدم على الشيء الممنوع. والحاجة: ما يترتب على عدم استعمال الشيء الممنوع من حرج ومشقة تصيب الإنسان في نفسه أو ولده أو ماله أو عقله.\r--------------------------------\r(1) والتحقيق أن هذا من قبيل تفسير النص الغامض أو المجمل بالعرف، وليس من قبيل التخصيص.\r(2) فتح القدير: 14/2 وما بعدها.\r(3) رسالة أحمد شاكر في أوائل الشهور العربية.\r(4) انظر كتابنا نظرية الضرورة الشرعية.","part":1,"page":24},{"id":25,"text":"- والعمل بالفقه في الجملة واجب إلزامي؛ لأن المجتهد يجب عليه أن يعمل بما أداه إليه اجتهاده، وهو بالنسبة إليه حكم الله تعالى. وعلى غير المجتهد أن يعمل بفتوى المجتهد، إذ ليس أمامه طريق آخر لمعرفة الحكم الشرعي سوى الاستفتاء لقوله تعالى: {فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون} [الأنبياء:21/7]. وإنكار حكم من أحكام الشريعة التي ثبتت بدليل قطعي، أو زعم قسوة حكم ما كالحدود مثلاً، أو ادعاء عدم صلاحية الشريعة للتطبيق، يعتبر كفراً وردة عن الإسلام. أما إنكار الأحكام الثابتة بالاجتهاد المبني على غلبة الظن فهو معصية وفسق وظلم؛ لأن المجتهد بذل أقصى جهده لمعرفة الحق وبيان حكم الله تعالى، بعيداً عن أي هوى شخصي، أو مأرب نفعي، أو طلب سمعة أو شهرة زائفة، وإنما مستنده الدليل الشرعي، ورائده الحق، وشعاره الأمانة والصدق والإخلاص.","part":1,"page":25},{"id":26,"text":"- وسبيل العودة إلى العمل بالفقه: هو تقنينه (1) أي صياغته في مواد مبسطة تيسيراً لرجوع القضاة إليه، وتوحيداً لأحكام القضاة، وتسهيلاً لأمر المتقاضين بمعرفة الحكم الذي يتقاضى على أساسه. ويتم هذا من طريق لجنة من علماء المذاهب لانتقاء الحكم من أي مذهب حسبما يرون من المصلحة، ويكون عمل اللجنة جاداً وسريعاً، حتى إذا ما انتهت من أعمالها أصدر الحاكم -وهنا العقدة- أمراً باعتماد القانون المستمد من الفقه، تجاوباً مع تطلعات الناس بالرجوع إلى الشريعة وفقه القرآن والسنة، وفي ذلك راحة للنفوس، وطمأنينة للقلوب تزول بها تلك الازدواجية بين الدين والحياة والأنظمة السائدة.\rولعل في مثل هذا المؤلَّف ما ييسر الطريق أمام هؤلاء المقننين، وليس في الأمر صعوبة إذا صدقت النية وتوافرت العزيمة، وكان الحاكم جاداً في تنفيذ هذه الخطوة الجريئة التي لا تتم إلا بصدق الإسلام، والاقتناع الحر، والقدرة على مواجهة التحديات والتخرصات والأضاليل.\r- المطلب الثاني ـ لمحة موجزة عن فقهاء المذاهب:\r- الفقيه أو المفتي: هو المجتهد، والمجتهد: هو الذي حصلت له ملكة يقتدر بها على استنباط الأحكام من أدلتها. وإطلاق كلمة الفقيه أو المفتي أخيراً على متفقهة المذاهب من باب المجاز والحقيقة العرفية. والفتاوى الصادرة في زماننا هي مجرد نقل كلام المفتي (المجتهد) ليأخذ به المستفتي، وليست هي بفتوى حقيقة.\r- والمذهب: لغة: مكان الذهاب وهو الطريق. واصطلاحاً: الأحكام التي اشتملت عليها المسائل. شبهت بمكان الذهاب بجامع أن الطريق يوصل إلى المعاش، وتلك الأحكام توصل إلى المعاد (2) .\r--------------------------------\r(1) انظر مزايا التقنين ومناقشة معارضيه في كتابنا « جهود تقنين الفقه الإسلامي » مؤسسة الرسالة، ط 1408هـ ـ 1987م.\r(2) بجيرمي الخطيب: 45/1.","part":1,"page":26},{"id":27,"text":"- ولقد بدأت نواة المذاهب في عصر الصحابة كما أشرنا سابقاً، فكان مثلاً مذهب عائشة، ومذهب عبد الله بن عمر، ومذهب عبد الله بن مسعود وغيرهم، ثم في عصر التابعين اشتهر فقهاء المدينة السبعة (وهم سعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير، والقاسم بن محمد، وخارجة بن زيد، وأبو بكر بن عبد الرحمن بن حارث ابن هشام، وسليمان بن يسار، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود) ونافع مولى عبد الله بن عمر. ومن أهل الكوفة: علقمة بن مسعود، وإبراهيم النخعي شيخ حماد بن أبي سليمان شيخ أبي حنيفة، ومن أهل البصرة: الحسن البصري.\rوهناك بين التابعين فقهاء آخرون: مثل عكرمة مولى ابن عباس وعطاء بن أبي رباح، وطاوس بن كيسان، ومحمد بن سيرين، والأسود بن يزيد، ومسروق بن الأعرج، وعلقمة النخعي، والشعبي، وشريح، وسعيد بن جبير، ومكحول الدمشقي، وأبو إدريس الخولاني.\r- وفي أول القرن الثاني إلى منتصف القرن الرابع الهجري وهو الدور الذهبي للاجتهاد، لمع في الأفق ثلاثة عشر مجتهداً دونت مذاهبهم، وقلدت آراؤهم وهم (1) : سفيان بن عيينة بمكة، ومالك بن أنس بالمدينة، والحسن البصري بالبصرة، وأبو حنيفة وسفيان الثوري (161 هـ) بالكوفة، والأوزاعي (157هـ) بالشام، والشافعي والليث بن سعد بمصر، وإسحاق بن راهويه بنيسابور، وأبو ثور وأحمد، وداود الظاهري، وابن جرير الطبري ببغداد.\r- إلا أن أكثر هذه المذاهب لم يبق إلا في بطون الكتب، لانقراض أتباعها، وظل بعضها قائماً مشهوراً إلى يومنا هذا، وسأذكر هنا لمحة موجزة عن أئمة المذاهب الكبرى الثمانية المعروفة عند أهل السنة والشيعة، وبعض الفرق المعتدلة.الذين مايزال أتباعهم موجودين كالإباضية، أو الذين فقدوا الأشياع والأتباع كالظاهرية (2) .\r- أولاً ـ أبو حنيفة ـ النعمان بن ثابت (80 -150 هـ) مؤسس المذهب الحنفي:\r--------------------------------\r(1) تاريخ الفقه الإسلامي للسايس: ص86.\r(2) إن أفضل مايقرأ عن الأئمة المجتهدين ماكتبه عنهم أستاذنا المرحوم الشيخ محمد أبو زهرة.","part":1,"page":27},{"id":28,"text":"- هو الإمام الأعظم أبو حنيفة، النعمان بن ثابت بن زُوَطَى الكوفي من أبناء فارس الأحرار، ولد عام (80 )، وتوفي عام (150 هـ ) رحمه الله، عاصر أوج الدولتين الأموية والعباسية. وهو من أتباع التابعين، وقيل: من التابعين، لقي أنس ابن مالك، وروى عنه حديث: « طلب العلم فريضة على كل مسلم » .\r- وهو إمام أهل الرأي، وفقيه أهل العراق، صاحب المذهب الحنفي، قال الشافعي عنه: « الناس في الفقه عيال على أبي حنيفة » ، كان تاجر قماش بالكوفة.\r- أخذ علمه في الحديث والفقه عن أكثر أعيان العلماء، وتفقه في مدة ثمانية عشر عاماً بصفة خاصة بحمَّاد بن أبي سليمان، الذي أخذ الفقه عن إبراهيم النخعي، تشدد في قبول الحديث، وتوسع في القياس والاستحسان. وأصول مذهبه: الكتاب والسنة والإجماع والقياس والاستحسان. له في علم الكلام كتاب الفقه الأكبر، كما له مسند في الحديث، ولم يؤثرعنه كتاب في الفقه.\r- وأشهر تلامذته أربعة:\r- 1 ًـ أبو يوسف، يعقوب بن إبراهيم الكوفي (113-182هـ): قاضي القضاة في عهد الرشيد، كان له الفضل الأكبر على مذهب أبي حنيفة في تدوين أصوله، ونشر آرائه في أقطار الأرض، وكان مجتهداً مطلقاً.","part":1,"page":28},{"id":29,"text":"- 2 ً ــ محمد بن الحسن الشيباني (132-189هـ): ولد بواسط، وكان والده من أهل حرستا بدمشق، ونشأ بالكوفة، وعاش في بغداد، وتوفي بالري، تفقه أولاً على أبي حنيفة، ثم أتم تعلمه على أبي يوسف، ولازم مالك بن أنس مدة، وانتهت إليه رياسة الفقه بالعراق بعد أبي يوسف، وكان نابغة من أذكياء العلم ومجتهداً مطلقاً، صنف التصانيف الكثيرة التي حفظ بها فقه أبي حنيفة، فهو صاحب الفضل في تدوين المذهب الحنفي، وكتبه ( ظاهر الرواية ) هي الحجة المعتمدة عند الحنفية. 3 ً ــ أبو الهذيل، زفر بن الهذيل بن قيس الكوفي (110-158 هـ): ولد في أصبهان، وتوفي بالبصرة، كان من أصحاب الحديث ثم غلب عليه الرأي، ومهر في القياس، حتى صار أقيس تلامذة أبي حنيفة وأصحابه، وكان مجتهداً مطلقاً.\r- 4 ً ــ الحسن بن زياد اللؤلؤي (المتوفى عام 204 هـ ): تتلمذ أولاً لأبي حنيفة، ثم للصاحبين: أبي يوسف ومحمد، اشتهر برواية الحديث، وبرواية آراء أبي حنيفة، لكن روايته دون رواية كتب ( ظاهر الرواية ) للإمام محمد، ولم يبلغ في الفقه درجة أبي حنيفة وصاحبيه.\r- ثانياً ــ مالك بن أنس (93-179 هـ) مؤسس المذهب المالكي:\r- هو الإمام مالك بن أنس بن أبي عامر الأصبحي (1) ، إمام دار الهجرة فقهاً وحديثاً بعد التابعين، ولد في عهد الوليد بن عبد الملك ومات في عهد الرشيد في المدينة رحمه الله، ولم يرحل منها إلى بلد آخر، عاصر كأبي حنيفة الدولتين الأموية والعباسية، لكنه أدرك من الدولة العباسية حظاً أوفر، وقد اتسعت الدولة الإسلامية في عصر هذين الإمامين، فامتدت من المحيط الأطلسي غرباً إلى الصين شرقاً، ووصلت إلى أواسط أوربا بفتح الأندلس.\r- طلب العلم على علماء المدينة، ولازم عبد الرحمن بن هرمز مدة طويلة، وأخذ عن نافع مولى ابن عمر وابن شهاب الزهري، وشيخه في الفقه ربيعة بن عبد الرحمن المعروف بربيعة الرأي.\r- كان إماماً في الحديث وفي الفقه، وكتابه ( الموطأ ) كتاب جليل في الحديث\r--------------------------------\r(1) نسبة إلى ذي أصبح: قبيلة من اليمن.","part":1,"page":29},{"id":30,"text":"والفقه، قال عنه الشافعي رحمه الله: « مالك أستاذي، وعنه أخذت العلم، وهو الحجة بيني وبين الله تعالى، وما أحد أمنّ علي من مالك، وإذا ذكر العلماء، فمالك النجم الثاقب » بنى مذهبه على أدلة عشرين: خمسة من القرآن، وخمسة مماثلة لها مؤ السنة، وهي نص الكتاب، وظاهره وهو العموم، ودليله وهو مفهوم المخالفة، ومفهومه: وهو مفهوم الموافقة، وتنبيهه وهو التنبيه على العلة، كقوله تعالى: {فإنه رجس، أو فسقاً} [الأنعام:6/145] فهذه عشرة.\r- والبقية هي: الإجماع، والقياس، وعمل أهل المدينة، وقول الصحابي، والاستحسان، والحكم بسد الذرائع، ومراعاة الخلاف، فقد كان يراعيه أحياناً، والاستصحاب، والمصالح المرسلة، وشرع من قبلنا (1) .\r- وأهم ما اشتهر به: العمل بالسنة، وعمل أهل المدينة، والمصالح المرسلة، وقول الصحابي إذا صح سنده، والاستحسان.\r- كان من أشهر تلامذته فريق من المصريين، وفريق آخر من شمال إفريقية والأندلس، منهم سبعة مصريون وهم (2) :\r- 1 ً ــ أبو عبد الله، عبد الرحمن بن القاسم (المتوفى بمصر عام 191 هـ) تفقه على مالك مدة عشرين سنة، وتفقه على الليث بن سعد فقيه مصر المتوفى عام (175 هـ)، كان مجتهداً مطلقاً ، قال عنه يحيى بن يحيى: « أعلم الأصحاب بعلم مالك، وآمنهم عليه » ، وهو الذي نظر وصحح ( المدوَّنة ) في مذهب مالك، وهي من أجل الكتب عند المالكية، وعنه أخذ سحنون المغربي الذي رتب المدونة على ترتيب الفقه.\r--------------------------------\r(1) تاريخ الفقه للسايس: ص 105، كتاب مالك لأبي زهرة: ص254 ومابعدها.\r(2) الأموال ونظرية العقد للدكتور محمد يوسف موسى: ص86-89، كتاب مالك:ص233 ومابعدها.","part":1,"page":30},{"id":31,"text":"2 ً ــ أبو محمد، عبد الله بن وهب بن مسلم (ولد عام 125 وتوفي سنة 197 هـ) لازم مالكاً عشرين سنة، ونشر فقهه في مصر وكان له أثر في تدوين مذهبه، وكان مالك يكتب إليه: إلى فقيه مصر، وإلى أبي محمد المفتي. وتفقه أيضاً على الليث بن سعد، وكان محدثاً ثقة، وكان يسمى ( ديوان العلم ).\r- 3 ً ــ أشهب بن عبد العزيز القيسي (ولد في السنة التي ولد فيها الشافعي وهي سنة 150هـ، وتوفي سنة 204 هـ) بعد الشافعي بثمانية عشر يوماً، تفقه على مالك والليث بن سعد، انتهت إليه رياسة الفقه بمصر بعد ابن القاسم، وله مدونة روى فيها فقه مالك تسمى ( مدونة أشهب ) وهي غير مدونة سحنون. قال عنه الشافعي: ما رأيت أفقه من أشهب.\r- 4 ً ــ أبو محمد، عبد الله بن عبد الحكم (المتوفى عام 214 هـ) أعلم أصحاب مالك بمختلف أقواله، وإليه صارت رياسة المالكية بعد أشهب.\r- 5 ً ــ أصْبَغ بن الفرج، الأموي ولاءً (المتوفى عام 225هـ) تفقه بابن القاسم وابن وهب وأشهب السابق ذكرهم، كان من أعلم خلق الله بمذهب مالك ومسائله.\r- 6 ً ــ محمد بن عبد الله بن عبد الحكم (المتوفى عام 268هـ)، أخذ الفقه والعلم عن أبيه، ومن عاصره من الفقهاء المالكيين السابق ذكرهم، كما أخذ عن الشافعي، حتى صار علماً في الفقه، وانتهت إليه الرياسة والفُتيا بمصر، والرحلة من بلاد المغرب والأندلس.\r- 7 ً ــ محمد بن إبراهيم الاسكندري بن زياد، المعروف بابن الْمَوَّاز، (والمتوفى عام 269هـ)، أخذ الفقه عن علماء عصره، حتى صار راسخاً في الفقه والفتيا، وله كتابه المشهور بالموازية، وهو أجل كتاب ألفه المالكيون، وأصحه مسائل، وأبسطه كلاماً وأوعبه، بنى فيه الفروع على الأصول. ومن أشهر تلامذة مالك المغاربة سبعة وهم:","part":1,"page":31},{"id":32,"text":"- 1 ً - أبو الحسن، علي بن زياد التونسي،(المتوفى عام 183هـ) ، أخذ عن مالك والليث بن سعد، كان فقيه إفريقية.\r- 2 ً - أبو عبد الله، زياد بن عبد الرحمن القرطبي (المتوفى عام 193) يلقب بشبْطون، سمع الموطأ عن مالك، وكان أول من أدخله الأندلس.\r- 3 ً - عيسى بن دينار، القرطبي الأندلسي، المتوفي عام (212هـ )، كان فقيه الأندلس.\r- 4 ً - أسد بن الفرات بن سنان التونسي، أصله من خراسان من نيسابور (ولد عام 145، وتوفي عام 213هـ) شهيداً بسرقوسة، إذ كان أميرالجيش الذي ذهب لفتح صقلِّية، كان عالماً فقيهاً، مجاهداً يقود الجيوش، وجمع بين فقه المدينة، إذ سمع الموطأ من مالك ، وفقه العراق، إذ لقي أبا يوسف ومحمد بن الحسن، وله كتاب (الأسدية) التي هي الأصل لمدونة سحنون.\r- 5 ً - يحيى بن يحيى بن كثير الليثي (المتوفى عام 234 هـ) أندلسي قرطبي، نشر مذهب مالك في الأندلس.\r- 6 ً - عبد الملك بن حبيب بن سليمان السُّلَمي (المتوفى عام 238هـ)، انفرد برياسة الفقه المالكي بعد يحيى المذكور آنفاً.\r- 7 ً - سَحْنون، عبد السلام بن سعيد التَّنُوخي (المتوفى عام 240هـ) تفقه بعلماء مصر والمدينة، حتى صار فقيه أهل زمانه، وشيخ عصره، وعالم وقته. وهو صاحب ( المدونة ) في مذهب مالك التي يعتمد عليها المالكية. ومن أشهر تلامذة مالك الذين نشروا مذهبه في الحجاز والعراق ثلاثة وهم:\r- 1 ً - أبو مروان، عبد الملك بن أبي سَلَمة الماجِشون (المتوفى عام 212هـ) كان مفتي المدينة زمانه. وقيل: إنه كتب (موطأ) قبل مالك.\r- 2 ً - أحمد بن الْمُعَذَّل بن غيلان العبدي، معاصر ابن الماجشون ومن أصحابه، كان أفقه أصحاب مالك في العراق. ولم يعرف تاريخ وفاته.\r- 3 ً - أبو إسحاق، إسماعيل بن إسحاق،القاضي (المتوفى عام 282هـ) أصله من البصرة، واستوطن بغداد، تفقه على ابن المعذل، السابق الذكر، نشر مذهب مالك في العراق.","part":1,"page":32},{"id":33,"text":"- ثالثاً - محمد بن إدريس الشافعي (150 ـ 204هـ) مؤسس المذهب الشافعي:\r- الإمام أبو عبد الله، محمد بن إدريس القرشي الهاشمي الْمُطَّلبي بن العباس بن عثمان بن شافع رحمه الله، يلتقي نسبه مع الرسول صلّى الله عليه وسلم في جده عبد مناف، ولد في غزة بفلسطين الشام عام (150هـ)، وهو عام وفاة أبي حنيفة، وتوفي في مصر عام (204هـ).\r- بعد موت أبيه في غزة وبعد سنتين من ميلاده، حملته أمه إلى مكة موطن آبائه، فنشأ بها يتيماً، وحفظ أشعارهم، ونبغ في العربية والأدب، حتى قال الأصمعي عنه: « وصححت أشعار هذيل على فتى من قريش يقال له: محمد بن إدريس » ، فكان بذلك إماماً في العربية وواضعاً فيها.\r- تتلمذ في مكة على مفتيها مسلم بن خالد الزنجي، حتى أذن له بالإفتاء وهو ابن خمس عشرة سنة، ثم ارتحل إلى المدينة، فتفقه على مالك بن أنس، وسمع منه الموطأ، وحفظه في تسع ليال، وروى الحديث أيضاً عن سفيان بن عيينة، والفضيل ابن عياض، وعمه محمد بن شافع وغيرهم.\r- وارتحل إلى اليمن، فولي عملاً فيها، ثم ارتحل إلى بغداد عام( 183هـ) و(195هـ)، فأخذ عن محمد بن الحسن كتب فقهاء العراق، وكانت له مناظرات معه، سر منها الرشيد.\r- ولقيه أحمد بن حنبل في مكة سنة( 187هـ)، وفي بغداد سنة (195هـ)، وأخذ عنه فقهه وأصوله، وبيانه ناسخ القرآن ومنسوخه. وفي بغداد صنف كتابه القديم المسمى بالحجة الذي ضمن فيه (مذهبه القديم)، ثم ارتحل إلى مصر عام (200هـ ) حيث أنشأ (مذهبه الجديد) وتوفي بها شهيد العلم (1) في آخر رجب يوم الجمعة سنة (204هـ)، ودفن بالقرافة بعد العصر من يومه، رحمه الله.\r- ومن مؤلفاته (الرسالة) أول مدون في علم أصول الفقه، وكتاب (الأم) في فقه مذهبه الجديد.\r-------------------------------\r(1) قيل: ضربه أشهب الفقيه المالكي المصري، حين تناظر مع الشافعي، فأفحمه، فضربه بمفتاح في جبهته، فمرض بسبب ذلك أياماً، ثم مات، وكان أشهب يدعو عليه في سجوده، قائلاً: اللهم أمت الشافعي، وإلا ذهب علم مالك. والمشهور أن الضارب له: فتيان المغربي (بجيرمي الخطيب : 49/1 ومابعدها).","part":1,"page":33},{"id":34,"text":"- كان مجتهداً مستقلاً مطلقاً، إماماً في الفقه والحديث والأصول، جمع فقه الحجازيين والعراقيين، قال فيه أحمد: «كان أفقه الناس في كتاب الله وسنة رسوله» وقال عنه أيضاً: «مامن أحد مسَّ بيده محبرة وقلَماً، إلا وللشافعي في عنقه منَّة» وقال عنه طاش كبري زاده في مفتاح السعادة: «اتفق العلماء من أهل الفقه والأصول والحديث، واللغة والنحو وغير ذلك، على أمانته وعدالته وزهده، وورعه وتقواه وجوده، وحسن سيرته، وعلو قدره، فالمطنب في وصفه مقصر، والمسهب في مدحته مقتصر» .\rوأصول مذهبه: القرآن والسنة، ثم الإجماع، ثم القياس. ولم يأخذ بأقوال الصحابة، لأنها اجتهادات تحتمل الخطأ، وترك العمل بالاستحسان الذي قال به الحنفية والمالكية، وقال: ( من استحسن فقد شرع )، ورد المصالح المرسلة، وأنكر الاحتجاج بعمل أهل المدينة، وسماه أهل بغداد ( ناصر السنة ).\r- روى عنه كتابه القديم ( الحجة ) أربعة من أصحابه العراقيين وهم: أحمد بن حنبل، وأبو ثور، والزعفراني، والكرابيسي، وأنفسهم رواية له: الزعفراني.","part":1,"page":34},{"id":35,"text":"- وروى عنه مذهبه الجديد في ( الأم ) في أبواب الفقه كلها أربعة أيضاً من أصحابه المصريين وهم: المزني، والبويطي، والربيع الجيزي، والربيع بن سليمان المرادي راوي ( الأم) وغيرها عن الشافعي. والفتوى على مافي الجديد، دون القديم، فقد رجع الشافعي عنه، وقال: «لاأجعل في حل من رواه عني» إلا في مسائل يسيرة نحو السبع عشرة، يفتى فيها بالقديم إلا إذا اعتضد القديم بحديث صحيح لامعارض له، فإن اعتضد بدليل فهو مذهب الشافعي، فقد صح أنه قال: «إذا صح الحديث فهو مذهبي، واضربوا بقولي عُرْض الحائط» .\r- وقد كثر تلاميذه وأتباعه في الحجاز والعراق ومصر وغيرها من البلاد الإسلامية، وأترجم بصفة خاصة لخمسة مصريين منهم أخذوا عنه مذهبه الجديد وهم (1) :\r- 1 ً - يوسف بن يحيى البويطي، أبو يعقوب (توفي عام 231هـ) وهو مسجون ببغداد بسبب فتنة القول بخلق القرآن التي أثارها الخليفةالمأمون، استخلفه الشافعي في حلقته، له مختصر مشهور اختصره من كلام الشافعي.\r2 ً - أبو إبراهيم، إسماعيل بن يحيى المزني (المتوفى عام 264هـ) قال عنه الشافعي: «المزني ناصر مذهبي» ، له في مذهب الشافعي كتب كثيرة، منها المختصر الكبير المسمى المبسوط، والمختصر الصغير. أخذ عنه كثير من علماء خراسان والعراق والشام، وكان عالماً مجتهداً.\r- 3 ً - الربيع بن سليمان بن عبد الجبار المرادي، أبو محمد، راوي الكتب، كان مؤذناً بجامع عمرو بن العاص (جامع الفسطاط)، توفي عام( 270هـ)، صحب الشافعي طويلاً، حتى صار راوية كتبه، وعن طريقه وصلنا: الرسالة والأم وغيرهما من كتب الإمام. وتقدم روايته على رواية المزني إن تعارضتا.\r--------------------------------\r(1) كتاب الشافعي لأستاذنا أبي زهرة: ص149 ومابعدها.","part":1,"page":35},{"id":36,"text":"- 4 ً - حَرْملة بن يحيى بن حرملة (المتوفى سنة 266هـ) روى عن الشافعي من الكتب مالم يروه الربيع، مثل كتاب الشروط (3 أجزاء)، وكتاب السنن (عشرة أجزاء) وكتاب النكاح، وكتاب ألوان الإبل والغنم وصفاتها وأسنانها.\r- 5 ً - محمد بن عبد الله بن عبد الحكم (المتوفى في ذي القعدة سنة 268هـ) كان تلميذ الشافعي وأحد تلامذة مالك، كان أهل مصر لايعدلون به أحداً، وكان الشافعي يُحبه ويوده، ثم ترك مذهبه إلى مذهب مالك؛ لأن الشافعي لم يخلفه في حلقته، ولأنه مذهب أبيه.\r- رابعاً ــ أحمد بن حنبل الشيباني (164-241هـ) مؤسس المذهب الحنبلي:\r- الإمام أبو عبد الله، أحمد بن حنبل بن هلال بن أسد الذُّهلي الشيباني، ولد ببغداد، ونشأ بها، وتوفي فيها في ربيع الأول رحمه الله، وكانت له رحلات إلى مدائن العلم، كالكوفة والبصرة ومكة والمدينة واليمن والشام والجزيرة. تفقه على الشافعي حين قدم بغداد، ثم أصبح مجتهداً مستقلاً، وتجاوز عدد شيوخه المئة، وأكبَّ على السُّنة يجمعها ويحفظها، حتى صار إمام المحدثين في عصره، بفضل شيخه: هشيم بن بشير بن أبي خازم البخاري الأصل (104-183هـ).\r- كان إماماً في الحديث والسنة والفقه، قال عنه إبراهيم الحَرْبي: «رأيت أحمد، كأن الله قد جمع له علم الأولين والآخرين» وقال عنه الشافعي حين ارتحل إلى مصر: «خرجت من بغداد، وماخلَّفت بها أتقى ولاأفقه من ابن حنبل» .\r- وقد امتحن أحمد بالضرب والحبس في فتنة خلق القرآن في زمن المأمون والمعتصم والواثق، فصبر صبر الأنبياء، قال عنه ابن المديني: « إن الله أعز الإسلام برجلين: أبي بكر يوم الردة، وابن حنبل يوم المحنة» . وقال عنه بشر الحافي: « إن أحمد قام مقام الأنبياء» .\r- وأصول مذهبه في الاجتهاد قريبة من أصول الشافعي؛ لأنه تفقه عليه، فهو يأخذ بالقرآن والسنة وفتوى الصحابي والإجماع والقياس، والاستصحاب، والمصالح المرسلة، والذرائع.","part":1,"page":36},{"id":37,"text":"- لم يؤلف الإمام أحمد في الفقه كتاباً، وإنما أخذ أصحابه مذهبه من أقواله وأفعاله وأجوبته وغير ذلك.\r- وله كتاب ( المسند ) في الحديث، حوى نيفاً وأربعين ألف حديث، وكان ذا حافظة قوية جداً. ويعمل بالحديث المرسل (وهو مارواه غير الصحابي مسقطاً منه أحد الرواة) وبالحديث الضعيف الذي يرتفع إلى درجة الحديث الحسن،لاالباطل ولاالمنكر، مرجحاً العمل بالمرسل أو الضعيف على القياس. وكان من أشهر تلامذته الذين نشروا علمه الآتي ذكرهم (1) :\r- 1 ً - صالح بن أحمد بن حنبل المتوفى سنة (266هـ): وهو أكبر أولاد الإمام أحمد، تلقى الفقه والحديث عن أبيه، وعن غيره من معاصريه، قال فيه أبو بكر الخلال راوي الفقه الحنبلي: «سمع من أبيه مسائل كثيرة، وكان الناس يكتبون إليه من خراسان، يسأل لهم ـ أي أباه ـ عن المسائل» .\r- 2 ً - عبد الله بن أحمد بن حنبل(213-290هـ) : اشتغل برواية الحديث عن أبيه. أما أخوه صالح فقد عني بنقل فقه أبيه ومسائله.\r- 3 ً - الأثرم، أبو بكر، أحمد بن محمد بن هانئ الخراساني البغدادي (المتوفى سنة 273هـ) روى عن أحمد مسائل في الفقه، وروى عنه حديثاً كثيراً، له كتاب (السنن في الفقه) على مذهب أحمد وشواهده من الحديث،كان من الفقهاء الحفاظ الأعلام.\r- 4 ً - عبد الملك بن عبد الحميد بن مهران الميموني ( المتوفى سنة 274هـ) صحب أحمد أكثر من عشرين سنة، وكان جليل القدر في أصحاب أحمد، وكان أبو بكر الخلال معجباً بنقله عن أحمد أشد الإعجاب.\r- 5 ً - أحمد بن محمد بن الحجاج، أبو بكر المرّوذي (المتوفى عام 274هـ) كان أخص أصحاب أحمد به، وأقربهم إليه، وإماماً في الفقه والحديث، كثير التصانيف. وإذا أطلق الحنابلة كلمة ( أبو بكر) يراد به المرّوذي.\r- 6 ً - حرب بن إسماعيل الحنظلي الكرماني (المتوفى سنة 280هـ) أخذ عن أحمد فقهاً كثيراً، وكان المروذي، مع عظيم صلته بأحمد،ينقل عنه ماكتب عن أحمد.\r--------------------------------\r(1) ابن حنبل لأستاذنا المرحوم أبي زهرة: ص176-188.","part":1,"page":37},{"id":38,"text":"7 ً - إبراهيم بن إسحاق الحربي، أبو إسحاق، (المتوفى عام 285هـ)، كان تبحره في الحديث أكثر من الفقه، وكان عالماً باللغة.\r- ثم جاء أحمد بن محمد بن هارون، أبو بكر الخلال (المتوفى سنة 311هـ) فجمع عن أصحاب أحمد فقهه، حتى عُدَّ أنه ( جامع الفقه الحنبلي ) أو ناقله أو راويه. وقد صحب الخلال أبا بكر المروذي حتى مات، ويظهر أنه هو الذي حبب إليه رواية فقه أحمد.\r- ثم لخص ماجمعه الخلال اثنان شهيران هما:\r- أبو القاسم، عمر بن الحسين الخرقي البغدادي (المتوفى عام 334هـ) ودفن في دمشق، له كتب كثيرة في المذهب، منها مختصره المشهور، الذي شرحه ابن قدامة في كتابه (المغني) وكان له أكثر من ثلاث مئة شرح.\r- أبو بكر، عبد العزيز بن جعفر، المعروف بغلام الخلال (المتوفى سنة 363هـ) كان قريناً للخرقي الآنف الذكر، وأشد تلاميذ الخلال اتباعاً له، وقد يرجح روايات وأقوالاً رجح الخلال غيرها.\r- خامساً ــ أبو سليمان، داود بن علي الأصفهاني الظاهري (المولود بالكوفة سنة202هـ، المتوفى في بغداد عام 270هـ) مؤسس المذهب الظاهري:\r- هو شيخ أهل الظاهر، وواضع أساس هذا المذهب، الذي انتصر له وأشاده من بعده أبو محمد، علي بن سعيد بن حزم الأندلسي (384-456هـ) وذلك بما ألف من كتب، من أهمها ( المحلى ) في الفقه، و( الإحكام في أصول الأحكام) في أصول الفقه.\r- كان داود من حفاظ الحديث، فقيهاً مجتهداً، صاحب مذهب مستقل، بعد أن كان شافعياً في بغداد. وأساس المذهب الظاهري: العمل بظاهر القرآن والسنة، مادام لم يقم دليل على إرادة غير الظاهر، ثم عند عدم النص، يأخذ بالإجماع، بشرط أن يكون إجماع علماء الأمة قاطبة، وقد أخذ الظاهرية بإجماع الصحابة فقط، فإن لم يوجد النص أو الإجماع أخذوا بالاستصحاب: وهو الإباحة الأصلية.","part":1,"page":38},{"id":39,"text":"- أما القياس والرأي والاستحسان والذرائع وتعليل نصوص الأحكام بالاجتهاد، فمرفوض، ولا يعتبر دليلاً من أدلة الأحكام، كما أنهم يرفضون التقليد.\r- من أمثلته الفقهية: قصر تحريم استعمال آنية الذهب والفضة على الشرب منها، وقصر تحريم الربا على الأصناف الستة المذكورة في الحديث، وأن الجمعة تصلى في مسجد العشائر، كقول أبي ثور أحد أصحاب المذاهب المندثرة، وأن الزوجة الغنية تكلف بالإنفاق على زوجها المعسر وعلى نفسها.\r- انتشر هذا المذهب في الأندلس، وأخذ في الاضمحلال في القرن الخامس، ثم انقرض تماماً في القرن الثامن.\r- سادساً ــ زيد بن علي زين العابدين بن الحسين المتوفى سنة (122هـ) ــ إمام الشيعة الزيدية، الذي يعد مذهباً خامساً بجانب المذاهب الأربعة:\r- كان إماماً في عصره وشخصية علمية متعددة النواحي، لمعرفته بعلوم القرآن والقراءات وأبواب الفقه، وكان يسمى ( حليف القرآن ) وله أقدم كتاب فقهي هو (المجموع) في الفقه، مطبوع في إيطاليا، وشرحه العلامة شرف الدين الحسين بن الحَيْمي اليمني الصنعاني المتوفى (عام 1221هـ ) في كتاب ( الروض النضير، شرح مجموع الفقه الكبير ) في أربعة أجزاء. وأبو خالد الواسطي هو راوي أحاديث المجموع وجامع فقه زيد. ويقال: إن كتبه (15) كتاباً، منها ( المجموع ) في الحديث. لكن نسبة هذه الكتب إليه مشكوك فيها.\r- والزيدية: هم الذين جعلوا الإمامة بعد علي زين العابدين إلى ابنه زيد مؤسس هذا المذهب. وقد بويع لزيد بالكوفة في أيام هشام بن عبد الملك، فقاتله يوسف بن عمر، حتى قتل.","part":1,"page":39},{"id":40,"text":"- وكان زيد يفضل علي بن أبي طالب على سائر أصحاب النبي صلّى الله عليه وسلم ، ويتولى أبا بكر وعمر، ويرى الخروج على أئمة الجور، وقد أنكر على من طعن على أبي بكر وعمر من أتباعه، فتفرق عنه الذين بايعوه، فقال لهم: رفضتموني، فسموا (الرافضة) لقول زيد لهم: (رفضتموني). ثم خرج ابنه يحيى بعده في أيام الوليد بن يزيد بن عبد الملك، فقتل أيضاً.\r- ومن أهم المؤلفات المطبوعة حالياً في هذا المذهب ( كتاب البحر الزخار الجامع لمذاهب علماء الأمصار ) للإمام أحمد بن يحيى بن المرتضى المتوفى عام (840هـ ) في أربعة أجزاء، وهو جامع لآراء الفقهاء واختلافاتهم.\r- ويميل هذا الفقه إلى فقه أهل العراق مهد التشيع والأئمة، ولايختلف كثيراً في عهد ظهور الزيدية الأولى عن فقه أهل السنة، ويخالفون في مسائل معروفة، منها: عدم مشروعية المسح على الخفين، وتحريم ذبيحة غير المسلم، وتحريم الزواج بالكتابيات، لقوله تعالى: {ولاتمسكوا بعصم الكوافر} [الممتحنة:10/60]، وخالفوا الشيعة الإمامية في إباحة زواج المتعة، فلا يجيزونه، ويزيدون في الأذان: ( حي على خير العمل ) ويكبرون خمس تكبيرات في الجنازة. والمذهب الفعلي في اليمن هو مذهب الهادوية أتباع الهادي إلى الحق يحيى بن الحسين. ومايزال هذا المذهب مذهب دولة الزيدية في اليمن منذ(عام 288هـ). وهم أقرب المذاهب الشيعية إلى مذهب أهل السنة، ومذهبهم في العقيدة هو مذهب المعتزلة. وهم يعتمدون في استنباط الأحكام على القرآن والحديث والاجتهاد بالرأي، والأخذ بالقياس والاستحسان والمصالح المرسلة والاستصحاب.\r- والخلاصة: أن الزيدية منسوبة لزيد، لقولهم بإمامته، وإن لم يكونوا على مذهبه في الفروع الفقهية، بخلاف الحنفية والشافعية مثلاً، فهم يتابعون الإمام في الفروع.","part":1,"page":40},{"id":41,"text":"- سابعاً ــ الإمام أبو عبد الله جعفر الصادق (80-148هـ= 699 - 765م) بن محمد الباقر بن علي زين العابدين بن الحسين السبط مؤسس مذهب الإمامية. وأما أبو جعفر، محمد بن الحسن بن فرّوخ الصفار الأعرج القُمِّي المتوفى (سنة 290هـ )، فهو ناشر مذهب الشيعة الإمامية في الفقه.\r- والإمامية يقولون بإمامة اثني عشر إماماً معصوماً، أولهم الإمام أبو الحسن علي المرتضى، وآخرهم محمد المهدي الحجة،الذين زعموا أنه مستور وأنه هو الإمام القائم.\r- وابن فرّوخ هو الناشر الفعال لفقه الشيعة الإمامية في فارس في كتابه ( بشائر الدرجات في علوم آل محمد، وماخصهم الله به) طبع سنة( 1285هـ ).\r- وقد تقدمه أول كتاب للإمامية في الفقه وهو رسالة الحلال والحرام لإبراهيم ابن محمد أبي يحيى المدني الأسلمي التي رواها عن الإمام جعفر الصادق.\r- ثم كتب ابنه علي الرضا كتاب ( فقه الرضا ) طبع عام (1274هـ )في طهران.\r- ثم جاء بعد ابن فرّوخ الأعرج في القرن الرابع: محمد بن يعقوب بن إسحاق الكُلَيني الرازي، شيخ الشيعة، المتوفى (سنة 328هـ) ، فألف كتابه «الكافي في علم الدين» وفيه ( 16099) ستة عشر ألفاً وتسعة وتسعون حديثاً من طرق آل البيت، وهو رقم يزيد على ماجاء في كتب الصحاح الستة (البخاري ومسلم...).\r- وبه تكون عمدة مذهب الإمامية: الكافي، ومن لا يحضره الفقيه للصدوق القمي، وتهذيب الأحكام للطوسي، والاستبصار للطوسي، وهم كالزيدية لايعتمدون غالباً في الفقه بعد القرآن إلا على الأحاديث التي رواها أئمتهم من آل البيت، كما أنهم يرون فتح باب الاجتهاد، ويرفضون القياس غير المنصوص العلة، وينكرون الإجماع إلا إذا كان الإمام داخلاً فيه. ومرجع الأحكام الشرعية هم الأئمة دائماً لاغيرهم.","part":1,"page":41},{"id":42,"text":"- وفقه الإمامية وإن كان أقرب إلى المذهب الشافعي، فهو لايختلف في الأمور المشهورة عن فقه أهل السنة إلا في سبع عشرة مسألة تقريباً، من أهمها إباحة نكاح المتعة، فاختلافهم لايزيد عن اختلاف المذاهب الفقهية كالحنفية والشافعية مثلاً. وينتشر هذا المذهب إلى الآن في إيران والعراق. والحقيقة أن اختلافهم مع أهل السنة لايرجع إلى العقيدة أو إلى الفقه، وإنما يرجع لناحية الحكومة والإمامة. ولعل أفضل ماأعلنت عنه ثورة الخميني في إيران عام (1979م)، هو تجاوز الخلاف مع أهل السنة، واعتبار المسلمين جميعاً أمة واحدة، راجين تحقيق ذلك.\r- ومن أهم المسائل الفقهية التي افترقوا بها عن أهل السنة: القول بإباحة الزواج المؤقت أو زواج المتعة، وإيجاب الإشهاد على الطلاق، وتحريمهم كالزيدية ذبيحة الكتابي والزواج بالنصرانية أو اليهودية، وتقديمهم في الميراث ابن العم الشقيق على العم لأب، وعدم مشروعية المسح على الخفين، ومسح الرجلين في الوضوء، وفي أذانهم : ( أشهد أن علياً ولي الله ) ، ( حي على خير العمل )، وتكرار جملة:( لا إله إلا الله ).","part":1,"page":42},{"id":43,"text":"- ثامناً ـ أبو الشّعثاء التابعي جابر بن زيد (المتوفى سنة 93هـ / 711م) مؤسس مذهب الإباضية، الذي ينسب عادة إلى عبد الله بن إباض التميمي (المتوفى عام 80 هـ). كان جابر بن زيد من العلماء التابعين العاملين بالقرآن والسنة، تتلمذ على ابن عباس رضي الله عنهما، وأصول فقه الإباضية كأصول المذاهب الأخرى المعتمدة على القرآن والسنة والإجماع والقياس والاستدلال أو الاستنباط بجميع طرقه من الاستحسان والاستصلاح (المصالح المرسلة) والاستصحاب وقول الصحابي وغيرها. والمعتمد عندهم أن الإلهام من غير النبي صلّى الله عليه وسلم ليس بحجة في الأحكام الشرعية على غير الملهَم، وأما المجتهد الملهم فليس الإلهام في حقه حجة إلا في قضية لايوجد لحكمها دليل متفق عليه، وكأنه الاستحسان المعروف. وهم يتبرؤون من تسميتهم الخوارج أو الخوامس، وكانوا يعرفون بأهل الدعوة، وأهل الاستقامة، وجماعة المسلمين.\r- وقد اشتهرت الإباضية بالقول بالمسائل الفقهية التالية (1) :\r- 1ً - عدم جواز المسح على الخفين كالشيعة الإمامية.\r- 2ً - عدم رفع الأيدي في تكبيرة الإحرام، أما إسبال الأيدي في الصلاة والاقتصار على تسليمة واحدة فهم موافقون المذهب المالكي والزيدي.\r- 3ً - القول بإفطار من أصبح جنباً في رمضان عملاً بحديث أبي هريرة ورأي بعض التابعين.\r- 4ً - تحريم ذبائح أهل الكتاب الذين لايعطون الجزية أو الحربيين غير المعاهدين، والإمامية لايجيزون أكل هذه الذبائح مطلقاً.\r- 5ً - تحريم نكاح الصبي والصبية في قول جابر بن زيد، والعمل في المذهب بخلافه.\r- 6ً - كراهة الجمع بين بنات العم خوف القطيعة، وهي كراهة تنزيه.\r--------------------------------\r(1) بحث ( دور المدرسة الإباضية في الفقه والحضارة الإسلامية ) للدكتور إبراهيم عبد العزيز بدوي ص18، مع تعديلات وتصحيحات لنا.","part":1,"page":43},{"id":44,"text":"- 7ً - الوصية واجبة للأقربين غير الوارثين عملاً بالأحاديث التي تحث على الإيصاء، وتجوز الوصية لأولاد الابن مع وجود الأولاد، لقول الله تعالى: {كتب عليكم إذا حضر أحدَكم الموتُ إن ترك خيراً الوصيةُ للوالدين والأقربين} [البقرة:180/2] ونسخت الوصية للوالدين بآية المواريث وبحديث (لاوصية لوارث).\r- 8ً - المكاتب حر من وقت الكتابة، والمدبَّر حر بعد موت المدبِّر كبقية المذاهب، أو بعد انقضاء الأجل الذي أجل إليه، ولايجوز بيعه إلا في الدَّيْن عند أكثر علماء المذهب.\r- 9ً - تحريم التبغ على أنه من الخبائث.\r- ومن كتبهم في العقيدة: (مشارق الأنوار) للشيخ نور الدين السالمي، وفي الأصول (طلعة الشمس) للشيخ نور الدين السالمي، وفي الفقه (شرح النيل وشفاء العليل) للشيخ محمد بن يوسف بن أطَّفَيِّش،( 17) جزءا، و (قاموس الشريعة) للسعدي، (90 جزءاً)، و(المصنَّف) للشيخ أحمد بن عبد الله الكندي، (42 جزءًا)، و «منهج الطالبين» للشيخ الشقعبي، (20 جزءاً )، و «الإيضاح» للشيخ الشمَّاخي،( 8 أجزاء)، و(جوهر النظام) للشيخ السالمي، و(الجامع) لابن بركة في جزأين.\r- ومايزال مذهبهم قائماً في سلطنة عمان وفي شرق أفريقيا والجزائر وليبيا وتونس.\r- وهم في العقائد يقولون بتخليد أصحاب الكبائر في النار إن لم يتوبوا، وبالولاية والبراءة (ولاية الطائع والبراءة من العاصي) وبجواز التَّقيَّة في الأقوال لا في الأفعال، وبأن صفات الله تعالى هي عين الذات، أي أن صفاته قائمة بذاته وليست مغايرة له، فهم يقصدون تعظيم الله وتنزيهه، كما أنهم كالشيعة بنفيهم رؤية الله عز وجل في الآخرة يقصدون التعظيم والتنزيه، ولكنهم لايقولون كالمعتزلة بالتحسين والتقبيح العقليين، ولا بوجوب فعل الصلاح والأصلح على الله تعالى (1) .\r--------------------------------\r(1) هذا ... وإني أعلن رجوعي عما كتبته عن الإباضية في الطبعة السابقة، لتبين الخطأ فيه.","part":1,"page":44},{"id":45,"text":"- المطلب الثالث ـ مراتب الفقهاء وكتب الفقه :\r- لابد للمفتي أن يعلم حال من يفتى بقوله، فيعرف درجته في الرواية وفي الدراية، وطبقته بين الفقهاء، ليميز بين الآراء المتعارضة، ويرجح أقواها، والفقهاءعلى سبع مراتب (1) :\r1 ً - المجتهد المستقل: وهوالذي استقل بوضع قواعده لنفسه، يبني عليها الفقه، كأئمة المذاهب الأربعة. وسمى ابن عابدين هذه الطبقة:( طبقة المجتهدين في الشرع ).\r2 ً - المجتهد المطلق غير المستقل: وهو الذي وجدت فيه شروط الاجتهاد التي اتصف بها المجتهد المستقل، لكنه لم يبتكر قواعد لنفسه، بل سلك طريق إمام من أئمة المذاهب في الاجتهاد، فهو مطلق منتسب، لا مستقل، مثل تلامذة الأئمة السابق ذكرهم كأبي يوسف ومحمد وزفر من الحنفية، وابن القاسم وأشهب وأسد ابن الفرات من المالكية، والبويطي والمزني من الشافعية، وأبي بكر الأثرم، وأبي بكر المروذي من الحنابلة، وسمى ابن عابدين هذه الطبقة:(طبقة المجتهدين في المذهب): وهم القادرون على استخراج الأحكام من الأدلة على مقتضى القواعد التي قررها أستاذهم في الأحكام، وإن خالفوه في بعض أحكام الفروع، لكن يقلدونه في قواعد الأصول.\r- وهاتان المرتبتان قد فقدتا من زمان.\r--------------------------------\r(1) الرد على من أخلد إلى الأرض للسيوطي: ص39-42، حاشية ابن عابدين: 71/1 و مابعدها، رسالة رسم المفتي: ص11-12، مالك لأبي زهرة: ص438، 440-450، ابن حنبل لأبي زهرة: ص368-372. صفة الفتوى والمفتي والمستفتي لأحمد بن حمدان الحراني الحنبلي: ص16، الفوائد المكية فيما يحتاجه طلبة الشافعية: ص39.","part":1,"page":45},{"id":46,"text":"3 ً - المجتهد المقيد، أو مجتهد المسائل التي لانص فيها عن صاحب المذهب أومجتهد التخريج، كالخصاف والطحاوي والكرخي والحلواني والسرخسي والبزدوي وقاضي خان من الحنفية، والأبهري وابن أبي زيد القيرواني من المالكية، وأبي إسحاق الشيرازي والمروذي ومحمد بن جرير وأبي نصر وابن خزيمة من الشافعية، والقاضي أبي يعلى والقاضي أبي علي بن أبي موسى من الحنابلة.وهؤلاء يسمون أصحاب الوجوه؛ لأنهم يخرِّجون مالم ينص عليه على أقوال الإمام، ويسمى ذلك وجهاً في المذهب، أو قولاً فيه، فهي منسوبة للأصحاب، لا لإمام المذهب، وهذا مألوف في المذهبين الشافعي والحنبلي.\r4 ً - مجتهد الترجيح: وهو الذي يتمكن من ترجيح قول لإمام المذهب على قول آخر، أو الترجيح بين ماقاله الإمام وماقاله تلاميذه أو غيره من الأئمة، فشأنه تفضيل بعض الروايات على بعض، مثل القدوري والمرغيناني صاحب الهداية من الحنفية، والعلامة خليل من المالكية،والرافعي والنووي من الشافعية، والقاضي علاء الدين المرداوي منقح مذهب الحنابلة، وأبي الخطاب محفوظ بن أحمد الكلوذاني البغدادي (510هـ) المجتهد في مذهب الحنابلة.\r5 ً - مجتهد الفتيا: وهو أن يقوم بحفظ المذهب ونقله وفهمه في الواضحات والمشكلات، ويميز بين الأقوى والقوي والضعيف، والراجح والمرجوح، ولكن عنده ضعف في تقرير أدلته وتحرير أقيسته، كأصحاب المتون المعتبرة من المتأخرين، مثل صاحب الكنز، وصاحب الدر المختار، وصاحب الوقاية، وصاحب مجمع الأنهر من الحنفية، والرملي وابن حجر من الشافعية.\r6 ً - طبقة المقلدين: الذين لايقدرون على ماذكر من التمييز بين القوي وغيره، ولايفرقون بين الغث والسمين.\r- هذا ولم يفرق الجمهور بين المجتهد المقيد، ومجتهد التخريج، وجعل ابن عابدين طبقة مجتهد التخريج مرتبة رابعة بعد المجتهد المقيد، ومثل له بالرازي الجصاص (المتوفى سنة 370هـ) وأمثاله.","part":1,"page":46},{"id":47,"text":"- مراتب كتب الفقه الحنفي: رتب الحنفية كتب الفقه عندهم، ومسائل علمائهم على طبقات ثلاث (1) :\r1 - مسائل الأصول، وتسمى ظاهر الرواية: وهي مسائل مروية عن أصحاب المذهب، وهم أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد، ويلحق بهم زفر والحسن ابن زياد وغيرهما من تلاميذ الإمام، لكن الغالب الشائع في ظاهر الرواية أن يكون قول الثلاثة (الإمام وصاحبيه).\r- وكتب ظاهر الرواية للإمام محمد: هي الكتب الستة المعتمدة المروية عن محمد برواية الثقات، بالتواتر أو الشهرة، وهي المبسوط (2) ، والزيادات، والجامع الصغير، والجامع الكبير، والسير الكبير، والسير الصغير. وسميت بظاهر الرواية؛ لأنها رويت عن محمد برواية الثقات. وقد جمعت هذه الكتب الستة في مختصر الكافي لأبي الفضل المروزي المعروف بالحاكم الشهيد، المتوفى عام-\r2 - مسائل النوادر: وهي المروية عن أصحاب المذهب المذكورين، لافي الكتب المذكورة، بل إما في كتب أخر لمحمد، كالكيسانيات والهارونيات والجرجانيات، والرِّقيات، والمخارج في الحيل، وزيادة الزيادات رواية ابن رستم، وهي أمالي محمد في الفقه، ويقال لها: غير ظاهر الرواية؛ لأنها لم ترو عن محمد بروايات ظاهرة ثابتة صحيحة كالكتب الأولى.\r- وإما في كتب لغير محمد، كالمحرَّر للحسن بن زياد وغيره، وكتب الأمالي المروية عن أبي يوسف.\r- والأمالي جمع إملاء: وهو مايقوله العالم بما فتح الله تعالى عليه من ظهر قلبه، ويكتبه التلامذة، وكان ذلك عادة السلف.\r- وإما برواية مفردة كرواية ابن سماعة، والمعلى بن منصور وغيرهما في مسائل معينة.\r------------------------------\r(1) حاشية ابن عابدين: 64/1، رسم المفتي: ص 16 ومابعدها.\r(2) ويعرف بالأصل، وهو أطول وأهم كتب محمد. 344هـ، ثم شرحه السرخسي في كتاب المبسوط في ثلاثين جزءاً وهو كتاب معتمد في نقل المذهب.","part":1,"page":47},{"id":48,"text":"- 3 - الواقعات والفتاوى: وهي مسائل استنبطها المجتهدون المتأخرون لما سئلوا عنها، ولم يجدوا فيها رواية عن أهل المذهب المتقدمين، وهم أصحاب أبي يوسف ومحمد، وأصحاب أصحابهما، وهم كثيرون.\r- فمن أصحابهما مثل: عصام بن يوسف، وابن رستم، ومحمد بن سماعة، وأبي سليمان الجرجاني، وأبي حفص البخاري.\r- وأما من بعدهم فمثل: محمد بن سلمة، ومحمد بن مقاتل، ونصر بن يحيى، وأبي النصر القاسم بن سلام، وقد يخالفون أصل المذهب لدلائل ظهرت لهم. وأول كتاب جمع الفتاوى: كتاب النوازل للفقيه أبي الليث السمرقندي. ثم جمع المشايخ بعده كتباً أُخَر، كمجموع النوازل والواقعات للناطفي، والواقعات للصدر الشهيد ابن مسعود.\r- ثم ذكر المتأخرون هذه المسائل مختلطة غير متميزة، كما في فتاوى قاضيخان، والخلاصة وغيرهما. وميز بعضهم، كما في المحيط لرضا الدين السرخسي، فإنه ذكر أولاً مسائل الأصول، ثم النوادر، ثم الفتاوى.\r- وأشهر من امتاز بتدوين ورواية الفقه الحنفي بعد محمد وأبي يوسف هم: عيسى بن أبان (المتوفى سنة 220هـ)، ومحمد بن سماعة (المتوفى سنة 233هـ) وهلال بن يحيى الرأي البصري (المتوفى سنة 245هـ)، وأحمد بن عمر بن مهير الخصاف (المتوفى سنة 261هـ)، وأحمد بن محمد بن سلامة، أبو جعفر الطحاوي (المتوفى سنة 321هـ).\r- المطلب الرابع ـ اصطلاحات الفقه والمؤلفين فيه:\r- للفقهاء كغيرهم في مختلف العلوم اصطلاحات (1) معينة شائعة، تتردد في كثير من المناسبات الفقهية، كما أن هناك اصطلاحات في كتب المذاهب، تبين طريق الأخذ بالقول الراجح في المذهب، وهي المعروفة بـ:\r- رسم المفتي: أي العلامة التي تدل المفتي على مايفتي به، وللعلامة ابن عابدين رسالة باسم ( رسم المفتي ) وهي الرسالة الثانية من رسائله المشهورة.\r--------------------------------\r(1) الاصطلاح: هو إطلاق لفظ على معنى معين بين فئة من العلماء، كإرادة هيئة مخصوصة بأقوال وأفعال معينة من لفظ ( الصلاة ) مع أنها في اللغة هي الدعاء.","part":1,"page":48},{"id":49,"text":"أولاً ـ المصطلحات الفقهية العامة:\r- هناك مصطلحات فقهية أو أصولية عامة، هي الفرض، الواجب، المندوب، الحرام، المكروه تحريماً، المكروه تنزيهاً، المباح، وهي أنواع الحكم التكليفي (1) عند الأصوليين من الحنفية، ويلحق بالواجب:الأداء والقضاء والإعادة. والركن والشرط، والسبب، والمانع، والصحيح، والفاسد، والعزيمة، والرخصة، وهي أنواع الحكم الوضعي (2) عند الأصوليين.\r1 - الفرض: هو ماطلب الشرع فعله طلباً جازماً بدليل قطعي لاشبهة فيه، كأركان الإسلام الخمسة التي ثبتت بالقرآن الكريم، والثابت بالسنة المتواترة أو المشهورة كقراءة القرآن في الصلاة، والثابت بالإجماع كحرمة بيع المطعومات الأربعة (القمح والشعير والتمر والملح) ببعضها نسيئة (3) . وحكمه: لزوم الإتيان به، مع ثواب فاعله، وعقاب تاركه، ويكفر منكره.\r2 - الواجب: ماطلب الشرع فعله جازماً، بدليل ظني فيه شبهة، كصدقة الفطر، وصلاة الوتر والعيدين، لثبوت إيجابه بدليل ظني، وهو خبر الواحد عن النبي صلّى الله عليه وسلم . وحكمه كالفرض، إلا أنه لايكفر منكره .\r- والفرض والواجب مترادفان بمعنى واحد عند الجمهور غير الحنفية: وهو ماطلب الشرع فعله طلباً جازماً.\r--------------------------------\r(1) الحكم التكليفي: هو ما اقتضى طلب فعل من المكلف، أو كفه عن فعل، أو تخييره بين الفعل والترك. وسمي تكليفياً؛ لأنه يتضمن التكليف (المطالبة) بفعل أو ترك فعل أو تخيير بينهما.\r(2) الحكم الوضعي: هو مااقتضى وضع شيء سبباً لشيء أو شرطاً له أو مانعاً منه، أو صحيحاً أو فاسداً أو عزيمة أو رخصة. وسمي وضعياً؛ لأنه يقتضي وضع أمور ترتبط بالأخرى، كالأسباب للمسببات، والشروط للمشروطات.\r(3) مراتب الإجماع لابن حزم: ص 85.","part":1,"page":49},{"id":50,"text":"3 - المندوب أو السنة: هو ماطلب الشرع فعله من المكلف طلباً غير لازم، أو مايحمد فاعله، ولا يذم تاركه، مثل توثيق الدين بالكتابة (سند أو غيره)، وحكمه: أنه يثاب فاعله، ولا يعاقب تاركه، وقد يستحق اللوم والعتاب من الرسول صلّى الله عليه وسلم .\r- ويسمى المندوب عند غير الحنفية سنة ونافلة ومستحباً وتطوعاً ومرغباً فيه، وإحساناً وحسناً. وقسم الحنفية المندوب: إلى مندوب مؤكد، كصلاة الجماعة، ومندوب مشروع، كصيام يومي الاثنين والخميس، ومندوب زائد كالاقتداء بأكل الرسول وشربه ومشيه ونومه ولبسه ونحو ذلك.\r- واختار صاحب الدر المختار وابن عابدين رأي الجمهور، فقالا: لافرق بين المندوب والمستحب والنفل والتطوع، وتركه خلاف الأولى، وقد يلزم من تركه ثبوت الكراهة (1) .\r4 - الحرام: هو ماطلب الشرع تركه على وجه الحتم والإلزام. وقال الحنفية: هو ماثبت طلب تركه بدليل قطعي لاشبهة فيه، مثل تحريم القتل وشرب الخمر والزنا والسرقة. وحكمه: وجوب اجتنابه، وعقوبة فاعله. ويسمى الحرام أيضاً معصية، وذنباً، وقبيحاً، ومزجوراً عنه، ومتوعداً عليه أي من الشرع. ويكفر منكر الحرام.\r5 - المكروه تحريماً: وهو عند الحنفية: ماطلب تركه على وجه الحتم والإلزام بدليل ظني، كأخبار الآحاد، كالبيع على بيع الغير، والخطبة على الخطبة، ولبس الحرير والذهب للرجال. وحكمه: الثواب على تركه، والعقاب على فعله.\r- -------------------------------\r- (1) حاشية ابن عابدين: 115/1. وإذا أطلق المكروه عند الحنفية يراد به المكروه تحريماً. والمكروه التحريمي عندهم إلى الحرام أقرب، ولكن لايكفر منكره.","part":1,"page":50},{"id":51,"text":"6 - المكروه تنزيهاً: وهو عند الحنفية: ماطلب الشرع تركه، طلباً غير جازم، ولا مشعر بالعقوبة، كأكل لحوم الخيل، للحاجة إليها في الماضي في الجهاد، والوضوء من سؤر الهرة وسباع الطير كالصقر والغراب، وترك السنن المؤكدة عموماً. وحكمه: ثواب تاركه، ولوم فاعله دون عقاب.\r- والمكروه عند غير الحنفية نوع واحد: وهو ماطلب الشرع تركه لا على وجه الحتم والإلزام، وحكمه: أنه يمدح ويثاب تاركه، ولا يذم ولا يعاقب فاعله.\r7 - المباح: هو ماخير الشرع المكلف بين فعله وتركه، كالأكل والشرب. والأصل في الأشياء الإباحة مالم يرد حظر أو تحريم. وحكمه: أنه لاثواب ولاعتاب على فعله أو تركه، إلا إذا أدى الترك إلى خطر الهلاك، فيجب الأكل مثلاً ويحرم الترك، حفاظاً على النفس.\r8 - السبب عند جمهور الأصوليين: هو ما يوجد عنده الحكم، لا به، سواء أكان مناسباً للحكم، أم لم يكن مناسباً، مثال المناسب: الإسكار سبب لتحريم الخمر؛ لأنه يؤدي إلى ضياع العقول، والسفر سبب لجواز الفطر في رمضان؛ لأنه يودي إلي التيسير ودفع المشقة. ومثال غير المناسب أي بحسب إدراكنا: دلوك (زوال) الشمس سبب لوجوب الظهر، في قوله تعالى : {أقم الصلاة لدلوك الشمس} [الإسراء:78/17]، وعقولنا لا تدرك مناسبة ظاهرة بين السبب والحكم.\r9 - الشرط والركن: الشرط: هو مايتوقف عليه وجود الشيء وكان خارجاً عن حقيقته، فالوضوء شرط للصلاة خارج عنها، وحضور الشاهدين في عقد الزواج شرط له خارج عنه، وتعيين المبيع والثمن في عقد البيع شرط لصحته وليس جزءاً من العقد.\r- والركن عند الحنفية: هو مايتوقف عليه وجود الشيء، وكان جزءاً من حقيقته أو ماهيته، فالركوع ركن في الصلاة؛ لأنه جزء منها، وكذا القراءة في الصلاة ركن؛ لأنها جزء من حقيقة الصلاة، والإيجاب والقبول في العقد ركن؛ لأنه جزء يتكون به العقد. والركن عند الجمهور: مايتوقف عليه أساساً وجود الشيء، وإن كان خارجاً عن ماهيته.","part":1,"page":51},{"id":52,"text":"10 - المانع: مايلزم من وجوده عدم الحكم، أو بطلان السبب. مثال الأول: الدَّين في باب الزكاة مانع من وجوبها عند الحنفية، ومثال الثاني: الأبوة مانع من القصاص.\r11 - الصحة والفساد والبطلان:\r- الصحة: موافقة أمر الشرع، والصحيح: هو ما استوفى أركانه وشروطه الشرعية. وصحة العبادة عند الفقهاء: وقوعها مسقطة لطلب الشرع، على وجه يسقط القضاء. وصحةالمعاملات: ترتيب آثارها الشرعية عليها، فالمراد من صحة العقد هو ترتيب أثره عليه، وهو ماشرع له، كحل الانتفاع في البيع، والاستمتاع في الزواج.\r- والعبادات باتفاق العلماء: إما صحيحة،أو غير صحيحة، وغير الصحيح منها لافرق فيه بين الباطل والفاسد، فالقسمة ثنائية.\r- أما المعاملات المدنية: فلا فرق فيها أيضاً عند غير الحنفية بين الفاسد والباطل، وعند الحنفية تكون القسمة ثلاثية؛ لأن العقد غير الصحيح إما باطل أو فاسد.\r- وغير الصحيح: هو مالم يستوف أركانه وشروطه المطلوبة شرعاً.\r- والباطل عند الحنفية: هو الذي يشتمل على خلل في أصل العقد أي في أساسه، ركنا ً كان أو غيره، أي في صيغة العقد، أو العاقدين، و المعقود عليه. ولايترتب عليه أي أثر شرعي، كأن يصدر البيع من مجنون أو صبي غير مميز (دون السابعة).\r- والفاسد عند الحنفية: هو ماكان الخلل فيه في وصف من أوصاف العقد، بأن كان في شرط من شروطه، لافي ماهيته أو ركنه. ويترتب عليه في المعاملات بعض الآثار، إذا توافر ركنه وعناصره الأساسية، مثل البيع بثمن مجهول، أو المقترن بشرط فاسد كانتفاع البائع بالمبيع بعد البيع مدة معلومة، والزواج بغير شهود. فيثبت الملك خبيثاً في البيع الفاسد إذا قبض المبيع، ويجب المهر، والعدة بعد الفراق، ويثبت النسب بالدخول في الزواج الفاسد.","part":1,"page":52},{"id":53,"text":"- وبه يظهر أن البطلان: هو مخالفة أمر الشرع المؤدية إلى عدم ترتب الآثار الشرعية المقصودة عادة من العبادة أو المعاملة. وهو في المعاملات: مخالفة التصرف لنظامه الشرعي في ناحية جوهرية. والناحية الجوهرية: هي الأساسية.\r- والفساد: هو اختلال في العقد المخالف لنظامه الشرعي في ناحية فرعية متممة يجعله مستحقاً للفسخ. وهو يجعل العقد في مرتبة متوسطة بين الصحة والبطلان، فلا هوبالباطل غير المنعقد لتوافر الناحية الجوهرية أو الأساسية المطلوبة شرعاً فيه، ولاهو بالصحيح التام الاعتبار، لوجود خلل في ناحية فرعية فقط غير جوهرية. وأسباب الفساد أربعة هي: الجهالة، والغرر (الاحتمال)، والإكراه (1) ، والشرط الممنوع المفسد.\r12 - الأداء والقضاء والإعادة:\r- هذه الأمور تبحث عادة مع الواجب الموسع: وهو الذي يتسع وقته له ولغيره من جنسه، كأوقات الصلوات المفروضة، فإن كل وقت يسع الفريضة صاحبة الوقت، وأداء صلاة أخرى.\r- والأداء: هو فعل الواجب في الوقت المقدر له شرعاً.\r- والإعادة: فعل الواجب ثانياً في الوقت، كإعادة الصلاة مع الجماعة.\r- والقضاء: فعل الواجب بعد انتهاء الوقت. وقضاء الصلاة المفروضة أمر واجب، لما رواه أنس في الصحيحين أن الرسول صلّى الله عليه وسلم قال: «من نام عن صلاة أو نسيها، فليصلها إذا ذكرها، لا كفارة لها إلا ذلك» ويقاس على الناسي والنائم من باب أولى: تارك الصلاة كسلاً، أو عمداً بغير عذر مشروع؛ لاستقرار وجوب الصلاة ديناً في الذمة، ولاتبرأ الذمة إلا بفعل الواجب.\r- ثانياً ـ المصطلحات الخاصة بالمذاهب:\r- هناك مصطلحات مكررة في كل مذهب، دعا إليها إيثار الاختصار، وملل التكرار، وضرورة معرفة المعتمد الراجح من بين الأقوال وهي مايلي:\r--------------------------------\r(1) الجهالة أربعة أنواع: إما في المعقود عليه، أو في العوض، أو في الأجل، أو في وسائل التوثيق المشروطة في العقد، كالرهن والكفالة.\rوالغرر: أن يعتمد التعاقد على أمر موهوم غير موثوق، وهو نوعان: إما في أصل المعقود عليه، كبيع الحمل في بطن أمه، وإما في أوصاف العقد الفرعية ومقاديره، كادعاء مقدار معين لحليب شاة.\rوالإكراه: حمل الغير على أن يفعل مالا يرضاه ولايختار مباشرته، لو خلي ونفسه (راجع المدخل الفقهي للأستاذ مصطفى الزرقاء: ف: 371 - 376).","part":1,"page":53},{"id":54,"text":"مصطلحات المذهب الحنفي:\rأ ـ ظاهر الرواية: يراد به في الغالب الشائع ـ كما عرفنا ـ القول الراجح لأئمة الحنفية الثلاثة (أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد).\rب ـ الإمام: هو أبو حنيفة، والشيخان: هما أبو حنيفة وأبو يوسف، والطرفان: هما أبو حنيفة ومحمد، والصاحبان: هما أبو يوسف ومحمد. والثاني: هو أبو يوسف. والثالث: هو محمد، ولفظ ( له ) أي لأبي حنيفة، ولفظ (لهما) أو (عندهما) أو (مذهبهما) أي مذهب الصاحبين، وإذا قالوا: أصحابنا، فالمشهور إطلاق ذلك على الأئمة الثلاثة: أبي حنيفة وصاحبيه، وأما المشايخ: فالمراد بهم في الاصطلاح: من لم يدرك الإمام.\rجـ ـ يفتي قطعاً بم ا اتفق عليه أبو حنيفة وأصحابه في الروايات الظاهرة، فإن اختلفوا: فإنه يفتى بقول الإمام أبي حنيفة على الإطلاق، وخصوصاً في العبادات، ولا يرجح قول صاحبيه أو أحدهما إلا لموجب: وهو ـ كما قال ابن نجيم ـ إما ضعف دليل الإمام، وإما للضرورة والتعامل، كترجيح قولهما في المزارعة والمساقاة (المعاملة) وإما بسبب اختلاف العصر والزمان.\rويفتى بقول أبي يوسف في القضاء والشهادات والمواريث، لزيادة تجربته. كما يفتى بقول محمد في جميع مسائل ذوي الأرحام، ويفتى بقول زفر في سبع عشرة مسألة (1) .\rد ـ إذا لم يوجد رواية للإمام في المسألة: يفتى بقول أبي يوسف، ثم بقول محمد، ثم بقول زفر، والحسن بن زياد.\r-------------------------------\r(1) انظر رد المحتار لابن عابدين: 65/1 -70، 315/4، رسالة المفتي في مجموع رسائل ابن عابدين: 35/1 - 40.","part":1,"page":54},{"id":55,"text":"هـ ـ إذا كان في مسألة قياس واستحسان، فالعمل على الاستحسان إلا في مسائل معدودة مشهورة، هي اثنتان وعشرون مسألة (1) .\rوإذا لم تذكر المسألة في ظاهر الرواية، وثبتت في رواية أخرى، تعين المصير إليها.\rوإذا اختلفت الروايات عن الإمام، أو لم يوجد عنه ولا عن أصحابه رواية أصلاً، يؤخذ في الحالة الأولى بأقواها حجة، ويؤخذ في الحالة الثانية بما اتفق عليه المشايخ المتأخرون، فإن اختلفوا يؤخذ بقول الأكثرين، فإن لم يوجد منهم قول أصلاً، نظر المفتي في المسألة نظرة تأمل وتدبر واجتهاد، ليجد فيها مايقرب من الخروج عن العهدة، ولايتكلم فيها جزافاً، ويخشى الله تعالى ويراقبه، لأن الجرأة على الفتيا بدون دليل أمر عظيم لايتجاسر عليه إلا كل جاهل شقي.\rو ـ إذا تعارض التصحيح والفتوى، فقيل: الصحيح كذا، والمفتى به كذا، فالأولى العمل بما وافق المتون، فإن لم توجد موافقة لها، فيؤخذ بالمفتى به؛ لأن لفظ الفتوى آكد (أقوى) من لفظ الصحيح والأصح والأشبه وغيرها. وإذا ورد في المسألة قولان مصححان جاز القضاء والإفتاء بأحدهما.ويرجح أحدهما بما هو أوفق للزمن أو العرف أو أنفع للوقف أو للفقراء، أو كان دليله أوضح وأظهر؛ لأن الترجيح بقوة الدليل.\rولفظ: (به يفتى) آكد من لفظ «الفتوى عليه» ؛ لأن الأول يفيد الحصر.\rولفظ (الأصح) آكد من (الصحيح) و (الأحوط) آكد من (الاحتياط).\rز ـ المراد بكلمة «المتون» : أي متون الحنفية المعتبرة، مثل كتاب مختصر القدوري، والبداية، والنقاية، والمختار، والوقاية، والكنز، والملتقى فإنها وضعت لنقل ظاهر الرواية والأقوال المعتمدة.\r-------------------------------\r(1) رسم المفتي: ص 35 ،40.","part":1,"page":55},{"id":56,"text":"ح ـ لايجوز العمل بالضعيف من الرواية ، ولو في حق نفسه، بدون فرق بين المفتي والقاضي، إلا أن المفتي مخبر عن الحكم الشرعي، والقاضي ملزم به.وصح عن أبي حنيفة أنه قال: « إذا صح الحديث فهو مذهبي » ، ونقل مثل ذلك غيره من أئمة المذاهب (1) . لكن يجوز الإفتاء بالقول الضعيف للضرورة تيسيراً على الناس.\rط ـ الحكم الملفق عند الحنفية باطل، كما أن الرجوع عن التقليد بعد العمل باطل، على ماهو المختار في المذهب، فمن صلى ظهراً بمسح الرأس مقلداً للحنفي، فليس له إبطال صلاته باعتقاده لزوم مسح كل الرأس مقلداً للمالكي.\rوأجاز بعض الحنفية التقليد بعد العمل، كما إذا صلى ظاناً صحة صلاته على مذهبه، ثم تبين بطلانها في مذهبه، وصحتها على مذهب غيره فله تقليده، ويجتزئ بتلك الصلاة، على ماقال في الفتاوى البزازية: روي عن أبي يوسف أنه صلى الجمعة مغتسلاً من الحمام، ثم أخبر بفأرة ميتة في بئر الحمام، فقال: نأخذ بقول إخواننا من أهل المدينة: «إذا بلغ الماء قُلَّتين (270 ليتراً أو 15 تنكة)، لم يحمل خبثاً» .\rي ـ أجاز بعض الحنفية: أن المقلد إذا قضى بمذهب غيره، أو برواية ضعيفة، أو بقول ضعيف، نفذ، وليس لغيره نقضه.\rك ـ تعتبر حاشية ابن عابدين (1252هـ) علامة الشام وهي ( رد المحتار على الدر المختار ) خاتمة التحقيقات والترجيحات في المذهب الحنفي.\r-------------------------------\r(1) انظر الميزان للشعراني: 54/1 - 63، أعلام الموقعين: 260/2 - 274، ط محي الدين عبد الحميد.","part":1,"page":56},{"id":57,"text":"مصطلحات المذهب المالكي:\rالمذهب المالكي كغيره من المذاهب يتميز بكثرة الأقوال، مراعاة لمصالح الناس وأعرافهم المختلفة.\rوالمفتي يفتي بالراجح الذي يكون صالحاً في موضوع المسألة. وغير المفتي الذي لم يستكمل شروط الاجتهاد يأخذ بالمتفق عليه، أو المشهور من المذهب، أو ما رجحه الأقدمون، فإن لم يعرف أرجحية قول، قيل كما ذكر الشيخ عليش (1299هـ): إنه يأخذ بالقول الأشد؛ لأنه أحوط، وقيل: يختار أخف الأقوال وأيسرها، لأن ذلك أليق بالشرع الإسلامي؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلم جاء بالحنيفية السمحة، وقيل: إنه يتخير، فيأخذ بأيها شاء؛ لأنه لاتكليف إلا بما يطاق (1) .\rأ ـ رتب بعض المالكية الترجيح بين روايات الكتب، والروايات عن المشايخ، فقال: قول مالك في المدونة أولى من قول ابن القاسم فيها، فإنه الإمام الأعظم، وقول ابن القاسم فيها أولى من قول غيره فيها، لأنه أعلم بمذهب مالك،وقول غيره فيها أولى من قول ابن القاسم في غيرها، وذلك لصحتها. وإذا لم يذكر قول في المدونة، فإنه يرجع إلى أقوال المخرجين.\rب ـ إذا قيل:(المذهب) يراد به مذهب مالك، وإذا قيل: ( المشهور ) فيعني مشهور مذهب مالك، وفي ذلك إشعار بخلاف في المذهب.\rوالمعتمد أن المراد ( بالمشهور ): ماكثر قائله.\rجـ ـ إذا قيل: «قيل كذا» أو «اختلف في كذا» أو «في كذا قولان فأكثر» أي أن هناك اختلافاً في المذهب.\rد ـ إذا ذكر ( روايتان ) أي عن مالك. وقد جرى مؤلفو الكتب عند المالكية على أن الفتوى تكون بالقول المشهور، أو الراجح من المذهب. وأما القول الشاذ والمرجوح أي الضعيف فلا يفتى بهما، ولا يجوز العمل به في خاصة النفس، بل يقدم العمل بقول الغير عليه؛ لأن قول الغير، قوي في مذهبه (2) .\rهـ ـ في التلفيق في العبادة الواحدة من مذهبين طريقتان: المنع: وهو طريقة المصريين، والجواز: وهو طريق المغاربة، ورجحت، وقال الدسوقي قائلاً عن مشايخه: إن الصحيح جوازه، وهو فسحة (3) .\r-------------------------------\r(1) كتاب مالك لأبي زهرة: ص 457 وما بعدها.\r(2) حاشية الدسوقي على الشرح الكبير للدردير: 20/1\r(3) المرجع والمكان السابق.","part":1,"page":57},{"id":58,"text":"و ـ يعتبر متن العلامة الشيخ خليل (767هـ) ومدرسته من الشراح الكثيرين الذين شرحوه هو المعتمد عند المالكية، في تحرير الأقوال والروايات، وبيان الراجح منها (1) .\rمصطلحات المذهب الشافعي:\rنقل عن الشافعي في بضع عشرة مسألة قولان فأكثر، كما في خيار الرؤية الذي ذكر فيه قول بجوازه وقول بمنعه رجع فيه عن الأول، وكما في وجوب الزكاة على المدين بدين مساو لما في يده، وكما في إقرار المفلس بدين له لآخر، هل يدخل المقر له مع الغرماء أم لا، وكما في تغرير الزوج بزوجته، بأن يذكر لها نسباً غير نسبه،هل لها الخيار بفسخ الزواج، أو أن الزواج باطل،ونحو ذلك، مما جعل بعض المغرضين يتخذون من تعدد أقوال الشافعي سبيلاً للنيل منه، والطعن في اجتهاده، وزعم نقص علمه.\r-------------------------------\r(1) تجوز الأجرة على الفتيا عند المالكية إن لم تتعين.","part":1,"page":58},{"id":59,"text":"والحق أن التردد بين القولين عند تعارض الأقيسة، وتصادم الأدلة، ليس دليل النقص، ولكنه دليل الكمال في العقل، فهو لايهجم باليقين في مقام الظن، ودليل على كمال الإخلاص في طلب الحق والقصد، فهو لايجزم بالحكم إلا إذا توافرت لديه أسباب الترجيح، وإن لم تتوافر الأسباب لذلك، ألقى بتردده (1) .\rوعلى المفتي إذا وجد قولين للشافعي أن يختار مارجحه المخرجون السابقون (2) ، وإلا توقف كما يقول النووي. وإذا كانت المسألة ذات أوجه للمجتهدين من أصحاب الشافعي أو طرق نقل مختلفة، فيأخذ المفتي بما رجحه المجتهدون السابقون: وهو ماصححه الأكثر، ثم الأعلم، ثم الأورع، فإن لم يجد ترجيحاً، يقدم مارواه البويطي والربيع المرادي والمزني عن الشافعي (3) ويعتبر الشيخ أبو زكريا، يحيى بن شرف النووي (676هـ) بحق مُحرِّر المذهب الشافعي أي منقحه، ومبين الراجح من الأقوال فيه، وذلك في كتابه ( منهاج الطالبين، وعمدة المفتين )، وهو المعتمد لدى الشافعية، حتى بالنسبة لبعض كتب النووي الأخرى كالروضة، وقد اعتمد في تأليفه على مختصر ( المحرّر ) للإمام أبي القاسم الرافعي (المتوفى سنة 623هـ )، ثم اختصر الشيخ زكريا الأنصاري المنهاج إلى المنهج. والفتوى على ماقاله النووي في المنهاج وما ذكره الشارح في نهاية المحتاج للرملي، وتحفة المحتاج لا بن حجر، ثم ماذكره الشيخ زكريا.\r-------------------------------\r(1) الشافعي لأبي زهرة: ص (172 - 175).\r(2) ويرجح المجتهدون ما رجحه الشافعي هو، فإن لم يكن له ترجيح رجحوا المتأخر على المتقدم، فإن لم يعرف التأخر، وذلك نادر رجحوا أقربها إلى أصوله.\r(3) الشافعي: ( ص 368 وما بعدها ).","part":1,"page":59},{"id":60,"text":"وهذه طريقة النووي في حكاية الأقوال وبيان الأوجه المخرجة للأصحاب، وكيفية الترجيح بينها، علماً بأنه يسمي آراء الشافعي أقوالاً، وآراء أصحابه أوجهاً، واختلاف رواة المذهب في حكاية مذهب الشافعي طرقاً، فالاختلافات ثلاثة: الأقوال: وهي المنسوبة للشافعي، والأوجه: وهي الآراء التي يستنبطها فقهاء الشافعية بناء على قواعده وأصوله، والطرق: وهي اختلاف الرواة في حكاية المذهب (1) .\rأ ـ (الأظهر ): أي من قولين أو أقوال للشافعي رحمه الله تعالى، قوي الخلاف فيهما أو فيها، ومقابله ( ظاهر ) لقوة مدرك كلٍ (2) .\rب ـ (المشهور ): أي من قولين أو أقوال للشافعي لم يقو الخلاف فيهما أو فيها، ومقابله ( غريب ) لضعف مدركه.\rفكل من الأظهر والمشهور: من قولين للشافعي.\rجـ ـ ( الأصح ): أي من وجهين أو أوجه استخرجها الأصحاب من كلام الشافعي، بناء على أصوله، أو استنبطوهامن قواعده، وقد قوي الخلاف فيما ذكر، ومقابله صحيح.\rد ـ ( الصحيح ): أي من وجهين أو أوجه، ولكن لم يقو الخلاف بين الأصحاب، ومقابله ضعيف لفساد مدركه.\rفكل من الأصح والصحيح: من وجهين أو أوجه للأصحاب.\r-------------------------------\r(1) الشافعي: ص 361، الفوائد المكية فيما يحتاجه طلبة الشافعية: ص35 وما بعدها.\r(2) انظر في هذا وما يأتي مقدمة كتاب المنهاج للنووي.","part":1,"page":60},{"id":61,"text":"هـ ـ ( المذهب ) من الطريقتين أو الطرق: وهي اختلاف الأصحاب في حكاية المذهب، كأن يحكي بعضهم في المسألة قولين، أو وجهين لمن تقدم، ويقطع بعضهم بأحدهما، وعلى كل قد يكون قول القطع هو الراجح، وقد يكون غيره. ومدلول هذا التعبير ( المذهب ): أن المفتى به هو ماعبر عنه بالمذهب.\rو ـ ( النص ) أي نص الشافعي، ومقابله وجه ضعيف أو مخرَّج (1) ، وعلى كل قد يكون الإفتاء بغير النص.\rز ـ ( الجديد ): هو مقابل المذهب القديم، والجديد: هو ماقاله الشافعي في مصر تصنيفاً أو إفتاء، ورواته: البويطي والمزني والربيع المرادي وحرملة ويونس بن عبد الأعلى، وعبد الله بن الزبير المكي، ومحمد بن عبد الله بن عبد الحكم وغيرهم. والثلاثة الأول: هم الذين قاموا بالعبء، والباقون نقلت عنهم أمور محصورة.\rح ـ (القديم): ماقاله الشافعي في العراق تصنيفاً في كتابه ( الحجة ) أو أفتى به. ورواته جماعة أشهرهم: الإمام أحمد بن حنبل، والزعفراني والكرابيسي، وأبو ثور. وقد رجع الشافعي عنه، ولم يحل الشافعي الإفتاء به، وأفتى الأصحاب به في نحو سبع عشرة مسألة.\rوأما ماوجد بين مصر والعراق، فالمتأخر جديد، والمتقدم قديم.\rوإذا كان في المسألة: قديم وجديد، فالجديد هو المعمول به، إلا في مسائل يسيرة نحو السبع عشرة، أفتي فيها بالقديم (2) .\rط ـ (قولا الجديد): يعمل بآخرهما إن علم، فإن لم يعلم، وعمل الشافعي بأحدهما، كان إبطالاً للآخر أو ترجيحاً لما عمل به.\rوكلمة ( قيل) تعني وجود وجه ضعيف، والصحيح أو الأصح خلافه.\rو( الشيخان ) هما الرافعي والنووي.\rي ـ قال ابن حجر: ولايجوز العمل بالضعيف في المذهب، ويمتنع التلفيق في مسألة، كأن قلد مالكاً في طهارة الكلب، والشافعي في مسح بعض الرأس في صلاة واحدة، وأما في مسألة بتمامها بجميع معتبراتها فيجوز، ولو بعد العمل، كأن أدى عبادته صحيحة عند بعض الأربعة دون غيره، فله تقليده فيها، حتى لايلزمه قضاؤها، ويجوز الانتقال من مذهب لغيره، ولو بعد العمل (3) .\r-------------------------------\r(1) التخريج: أن يجيب الشافعي بحكمين مختلفين في صورتين متشابهتين، ولم يظهر مايصلح للفرق بينهما، فينقل الأصحاب جواب الشافعي في كل صورة إلى الأخرى، فيحصل في كل صورة منهما قولان: منصوص ومخرج، المنصوص في مسألة مخرج في الأخرى، والمنصوص في الأخرى مخرج في الأولى، فيقال: فيهما قولان بالنقل والتخريج، والأصح أن القول المخرّج لا ينسب للشافعي؛ لأنه ربما روجع فيه، فذكر فرقاً.\r(2) أوصل الشافعية هذه المسائل إلى اثنتين وعشرين مسألة، مثل عدم مضي وقت المغرب بمضي خمس ركعات ( انظر بجيرمي الخطيب: 48/1 ).\r(3) بجيرمي الخطيب: 51/1.","part":1,"page":61},{"id":62,"text":"مصطلحات المذهب الحنبلي:\rكثرت الأقوال والروايات في مذهب أحمد كثرة عظيمة، إما بسبب اطلاعه على الحديث بعد الإفتاء بالرأي، أو بسبب اختلاف الصحابة على رأيين في المسألة، أو لمراعاته الظروف والملابسات في الوقائع المستفتى فيها.\rوقد اختلف علماء المذهب في طرق الترجيح بين الأقوال والروايات على فريقين:\rأحدهما ـ الاهتمام بنقل الأقوال، لأن ذلك دليل كمال في الدين.\rوالثاني ـ الميل إلى توحيد رأي الإمام، بالترجيح بالتاريخ إن علم تاريخ القولين، أو بالموازنة بين القولين، والأخذ بأقواهما دليلاً، وأقربهما إلى منطق\rالإمام وقواعد مذهبه، فإن تعذر الترجيح كان في المذهب قولان، عند الاضطرار إليه، ويخير المقلد بينهما في الأظهر، لأن الأصل في المجتهد أن يكون له رأي واحد في اجتهاده، وإن لم يكن له رأي واحد في المسألة، لا يكون له اجتهاد فيها (1) .\rوالقول الواحد الذي يذكره المؤلفون: هو ما رجحه أهل الترجيح من أئمة المذهب، كالقاضي علاء الدين، علي بن سليمان السعدي المرداوي، المجتهد في تصحيح المذهب، في كتبه الإنصاف، وتصحيح الفروع، والتنقيح (2) .\rأ ـ إذا أطلقت كلمة ( الشيخ ) أو ( شيخ الإسلام ) عند المتأخرين من علماء الحنابلة: فيراد به أبو العباس، أحمد تقي الدين بن تيمية الحراني (661-728هـ) الذي كان له في رسائله وفتاويه واختياراته فضل في نشر مذهب أحمد، كما كان لتلميذه ابن القيم صاحب إعلام الموقعين (المتوفى عام 751) فضل أيضاً في ذلك.\rب ـ إذا أطلق المتأخرون قبل ابن تيمية كصاحب الفروع والفائق والاختيارات وغيرهم: ( الشيخ ) أرادوا به الشيخ العلامة موفق الدين أبا محمد عبد الله بن قدامة المقدسي (المتوفى سنة 620هـ) صاحب المغني والمقنع، والكافي والعمدة ومختصر الهداية في الفقه.\rجـ ـ وإذا قيل ( الشيخان ): فالموفق والمجد أي ابن قدامة الآنف الذكر، ومجد الدين أبو البركات (المتوفى سنة 652هـ) صاحب ( المحرر في الفقه ) على مذهب الإمام أحمد.\r-------------------------------\r(1) ابن حنبل لأبي زهرة: ص 189- 193، ومقدمة كشاف القناع: 19/1.\r(2) كشاف القناع: 17/1، المدخل إلى مذهب أحمد: ص 204.","part":1,"page":62},{"id":63,"text":"د ـ وإذا قيل:( الشارح ) فهو الشيخ شمس الدين، أبو الفرج، عبد الرحمن ابن الشيخ أبي عمر المقدسي (682هـ)، وهو ابن أخ الموفق وتلميذه، ومتى قال الحنابلة: قال في الشرح، كان المراد به هذا الكتاب، وقد استمد من المغني، واسمه: الشرح الكبير، أو ( الشافي ) شرح ( المقنع ) في عشر مجلدات أو (12) جزءاً، والكتب المعتمدة عند الحنابلة هي: المغني والشرح الكبير، وكشاف القناع لمنصور البُهُوتي، وشرح منتهى الإرادات للبُهُوتي. والعمل في الفتوى والقضاء في السعودية على كتابي البهوتي، وعلى شرح الزاد وشرح الدليل.\rهـ ـ إذا أطلق ( القاضي ) فالمراد به القاضي أبو يعلى محمد بن الحسين بن الفراء (المتوفى سنة 458هـ).\rوإذا أطلق ( أبو بكر ) يراد به المرُّوذي (274هـ) تلميذ الإمام أحمد.\rو ـ وإذا قيل: ( وعنه ) أي عن الإمام أحمد رحمه الله. وقولهم: (نصاً) معناه نسبته إلى الإمام أحمد.\rوأخيراً أريد في هذا الكتاب بكلمة الجمهور: المذاهب الثلاثة، في مواجهة المذهب الرابع، ويعرف من هم الجمهور من تحديد المذهب المخالف المقابل لهم. وإذا قلت: اتفق الفقهاء، أردت أئمة المذاهب الأربعة دون التفات للآراء الشاذة.","part":1,"page":63},{"id":64,"text":"المطلب الخامس ـ أسباب اختلاف الفقهاء:\rلاحظنا فيما سبق ظاهرة اختلاف المذاهب في تقرير الأحكام الشرعية، ليس فيما بين المذاهب فقط، وإنما في دائرة المذهب الواحد، وقد يستغرب الشخص العادي غير المتخصص في الدراسات الفقهية مثل هذا الاختلاف، لاعتقاده أن الدين واحد، والشرع واحد، والحق واحد لايتعدد، والمصدر واحد وهو الوحي الإلهي، فلماذا التعدد في الأقوال، ولم لايوحد بين المذاهب، فيؤخذ بقول واحد يسير عليه المسلمون، باعتبارهم أمة واحدة؟! وقد يتوهم أن اختلاف المذاهب اختلاف يؤدي إلى تناقض في الشرع، أو المصدر التشريعي، أو أنه اختلاف في العقيدة كاختلاف فرق غير المسلمين من أرثوذكس وكاثوليك وبروتستانت، والعياذ بالله!!\rوهذا كله وهم باطل، فإن اختلاف المذاهب الإسلامية رحمة ويسر بالأمة، وثروة تشريعية كبرى محل اعتزاز وفخار،واختلاف في مجرد الفروع والاجتهادات العملية المدنية الفقهية، لافي الأصول والمبادئ أو الاعتقاد، ولم نسمع في تاريخ الإسلام أن اختلاف المذاهب الفقهية أدى إلى نزاع أو صدام مسلح هدد وحدة المسلمين، أو ثبط همتهم في لقاء أعدائهم؛ لأنه اختلاف جزئي لايضر، أما الاختلاف في العقيدة فهو الذي يعيبها ويفرق بين أبنائها، ويمزق شملها، ويضعف كيانها، لهذا فإن العودة إلى العمل بالفقه الإسلامي، والاعتماد على تقنين موحد مستمد منه سبيل لتدعيم وحدة الأمة الإسلامية ونبذ خلافاتها.","part":1,"page":64},{"id":65,"text":"وبه يتبين أن اختلاف الفقهاء محصور فقط بين المأخوذ من مصادر الشريعة، بل هو ضرورة اجتهادية يمليها الاجتهاد نفسه في فهم الحكم من الأدلة الشرعية مباشرة، كما هو الشأن في تفسير نصوص القوانين، واختلاف الشراح فيما بينهم، وذلك إما بسبب طبيعة اللغة العربية المجملة أو المحتملة ألفاظها أحياناً أكثر من معنى واحد محدد، وإما بسبب رواية الحديث وطريق وصوله إلى المجتهد قوة وضعفاً، وإما بسبب التفاوت بين المجتهدين في كثرة أو قلة الاعتماد على مصدر تشريعي، أو لمراعاة المصالح والحاجات والأعراف المتجددة المتطورة. ومنبع الاختلاف: هو تفاوت الأفكار والعقول البشرية في فهم النصوص واستنباط الأحكام، وإدراك أسرار التشريع وعلل الأحكام الشرعية.\rوذلك كله لاينافي وحدة المصدر التشريعي، وعدم وجود تناقض في الشرع نفسه، لأن الشرع لاتناقض فيه، وإنما الاختلاف بسبب عجز الإنسان، لكن يجوز العمل بأحد الآراء المختلفة، رفعاً للحرج عن الناس الذين لايجدون سبيلاً آخر بعد انقطاع الوحي إلا الأخذ بما غلب على ظن هذا المجتهد أو ذاك، مما فهمه من الأدلة الظنية، والظن مثار اختلاف الأفهام، وقد قال النبي صلّى الله عليه وسلم : «إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإن أخطأ فله أجر واحد» (1) .\rأما الأدلة القطعية التي تدل على الحكم يقيناً وقطعاً بسبب قطعية ثبوتها وقطعيةدلالتها المستنبطة منها، كالقرآن والسنة المتواترة أو المشهورة (2) ، فلا مجال أصلاً لاختلاف الفقهاء في الأحكام المستفادة منها.\rوأهم أسباب اختلاف الفقهاء في استنباط الأحكام الشرعية من الأدلة الظنية هو مايأتي (3) :\r-------------------------------\r(1) متفق عليه من حديث عمرو بن العاص وأبي هريرة، ورواه بقية أصحاب الكتب الستة.\r(2) السنة عند الحنفية أنواع ثلاثة: متواترة ومشهورة وآحاد، والمتواترة: هي مارواها عن الرسول جمع يمتنع عادة تواطؤهم على الكذب، وذلك في العصور الثلاثة الأولى: عصر الصحابة والتابعين. والمشهورة: هي ما كان من الأخبار آحادياً في الأصل ثم انتشر في القرن الثاني بعد الصحابة. وسنة الآحاد: هي مارواها عن الرسول واحد أو اثنان فصاعداً دون المشهور والمتواتر من العصو ر الثلاثة الأولى.\r(3) راجع بداية المجتهد لابن رشد الحفيد: 5/1 ومابعدها، حجة الله البالغة للدهلوي:\r(115/1) وما بعدها، الإحكام في أصول الأحكام لابن حزم، الباب الثالث و السادس، الباب الخامس والعشرون، والسادس والعشرون، الموافقات للشاطبي: (211/4 - 214)، رفع الملام عن الأئمة الأعلام لابن تيمية، أسباب اختلاف الفقهاء للشيخ علي الخفيف، مقارنة المذاهب في الفقه للشيخ محمود شلتوت، والشيخ محمد علي السايس، مالا يجوز فيه الخلاف للشيخ عبد الجليل عيسى، الإنصاف في التنبيه على الأسباب التي أوجبت الاختلاف بين المسلمين في آرائهم لابن السيد البطليوسي.","part":1,"page":65},{"id":66,"text":"أولاً ـ اختلاف معاني الألفاظ العربية: إما بسبب كون اللفظ مجملاً، أو مشتركاً، أو متردداً بين العموم والخصوص، أو بين الحقيقة والمجاز، أو بين الحقيقة والعرف، أو بسبب إطلاق اللفظ تارة وتقييده تارة. أو بسبب اختلاف الإعراب، أو الاشتراك في الألفاظ إما في اللفظ المفرد: كلفظ القُرْء الذي يطلق على الأطهار وعلى الحيضات، ولفظ الأمر: هل يحمل على الوجوب أو على الندب، ولفظ النهي: هل يحمل على التحريم أو الكراهية؟\rوإما في اللفظ المركب: مثل قوله تعالى بعد آية حد القذف: {إليه يصعد الكلم الطيب، والعمل الصالح يرفعه} [فاطر:10/35]، اختلف في الفاعل، هل هو الكلم، أو العمل.\rوإما في الأحوال العارضة، نحو: {ولا يضارَّ كاتب ولا شهيد } [البقرة:2/282]، فإنه يحتمل لفظ ( يضار ) وقوع الضرر منهما أو عليهما.\rومثال التردد بين العموم والخصوص: {لا إكراه في الدين} [البقرة:2/256]، هل هو خبر بمعنى النهي، أو هو خبر حقيقي؟.\rوالمجاز له أنواع: إما الحذف، وإما الزيادة، وإما التقديم وإما التأخير.","part":1,"page":66},{"id":67,"text":"والتردد بين الإطلاق والتقييد: نحو إطلاق كلمة الرقبة في العتق في كفارة اليمين، وتقييدها بالإيمان في كفارة القتل الخطأ.\rثانياً - اختلاف الرواية: وله أسباب ثمانية، كأن يصل الحديث إلى أحدهم ولايصل إلى غيره، أو يصل من طريق ضعيف لايحتج به، ويصل إلى آخر من طريق صحيح، أو يصل من طريق واحد، ويرى أحدهم أن في بعض رواته ضعفاً لايعتقده غيره، أو لايراه مانعاً من قبول الرواية، وهذا مبني على الاختلاف في طريق التعديل والترجيح.\rأو يصل إليهما من طريق متفق عليه، غير أن أحدهما يشترط في العمل به شروطاً لا يشترطها الآخر، كالحديث المرسل ( وهو مارواه غير الصحابي بدون سند إلى الرسول صلّى الله عليه وسلم).\rثالثاً ـ اختلاف المصادر: وهناك أدلة اختلفوا في مدى الاعتماد عليها، كالاستحسان والمصالح المرسلة وقول الصحابي والاستصحاب، والذرائع ونحوها من دعوى البراءة أو الإباحة وعدمها.\rرابعاً ـ اختلاف القواعد الأصولية أحياناً: كقاعدة العام المخصوص ليس بحجة، والمفهوم ليس بحجة، والزيادة على النص القرآني نسخ أم لا، ونحو ذلك.\rخامساً ـ الاجتهاد بالقياس: هو أوسع الأسباب اختلافاً، فإن له أصلاً وشروطاً وعلة، وللعلة شروطاً ومسالك، وفي كل ذلك مجال للاختلاف، والاتفاق بالذات على أصل القياس ومايجري فيه الاجتهاد ومالايجري أمر يكاد يكون غير متحقق. كما أن تحقيق المناط (وهو التحقق من وجود العلة في الفرع) من أهم أسباب اختلاف الفقهاء.","part":1,"page":67},{"id":68,"text":"سادساً ـ التعارض والترجيح بين الأدلة: وهو باب واسع اختلفت فيه الأنظار وكثر فيه الجدل. وهويتناول دعوى التأويل والتعليل والجمع والتوفيق والنسخ وعدمه. والتعارض إما بين النصوص أو بين الأقيسة مع بعضها، والتعارض في السنة قد يكون في الأقوال أو في الأفعال، أو في الإقرارات، وقد يكون الاختلاف بسبب وصف تصرف الرسول سياسة أو إفتاء، ويزال التعارض بأسباب من أهمها الاحتكام إلى مقاصد الشريعة، وإن اختلفت النظرة إلى ترتيب المقاصد.\rوبهذا يعلم أن اجتهادات أئمة المذاهب جزاهم الله خيراً لايمكن أن تمثل كلها (شرع الله المنزل على رسوله صلّى الله عليه وسلموإن كان يجوز أو يجب العمل بأحدها، والحق أن أكثرها مسائل اجتهادية وآراء ظنية تحترم وتقدر على السواء، ولايصح أن تكون ذريعة للعصبية والعداوة والفرقة الممقوتة بين المسلمين الموصوفين في قرآنهم بأنهم إخوة، والمأمورين بالاتفاق والاعتصام بحبل الله. وقد كان المجتهد من الصحابة يتحاشى أن يسمى اجتهاده: حكم الله أو شرع الله، وإنما كان يقول: هذا رأيي، فإن كان صواباً فمن الله، وإن كان خطأ فمني ومن الشيطان، والله ورسوله منه بريء. وكان مما يوصي به النبي صلّى الله عليه وسلم أمير الجيش أو السرية قوله: «وإذا حاصرت حصناً فأرادوك أن تنزلهم على حكم الله، فلاتنزلهم على حكم الله، ولكن أنزلهم على حكمك، فإنك لاتدري، أتصيب حكم الله فيهم أم لا» (1) .\rوهو يدل على أن الأصح في قضية الإصابة والخطأ في الاجتهاد في الفروع الفقهية، هو مذهب المخطئة، وهم جمهور المسلمين، منهم الشافعية، والحنفية على التحقيق، الذين يقولون بأن المصيب في اجتهاده واحد من المجتهدين، وغيره مخطئ؛ لأن الحق لايتعدد. ويقولون أيضاً: إن الله تعالى في كل واقعة حكماً معيناً، فمن أصابه فهو المصيب، ومن أخطأه فهو المخطئ. لكن بالنظر إلى العمل بثمرة الاجتهاد، لاشك أن حكم كل مجتهد هو حكم الله، لتعذر معرفته بيقين.\rوأخيراً تظل عقدة المسلمين الجاثمة فيهم في عصرنا هي العمل، العمل\rبشريعتهم عقيدة وعبادة والتزاماً وتطبيقاً لأحكام الإسلام في العبادات والمعاملات والجنايات والعلاقات الخارجية على حد سواء.\r-------------------------------\r(1) رواه أحمد ومسلم والترمذي وابن ماجه عن سليمان بن بريدة عن أبيه.","part":1,"page":68},{"id":69,"text":"المطلب السادس ـ الضوابط الشرعية للأخذ بأيسر المذاهب:\rتمهيد:\rإن عملية ( التخير أو الانتقاء من آراء المذاهب الإسلامية ) كانت هي الضوء الأخضر الذي أضاء الطريق أمام العاملين في العصر الحاضر لإنهاض الفكر الإسلامي، والقائمين فعلاً بوضع التشريعات أو التقنينات المستمدة من معين الفقه الإسلامي، تمشياً مع متطلبات التطور، وضغط الحاجات، ومراعاة مصالح الناس في كل زمان ومكان.\rوقد استجاب المصلحون المخلصون من العلماء ـ غير المتشائمين والمتزمتين ـ من رجال الأزهر وجامعة الزيتونة في مصر وتونس وغيرهما من البلاد الإسلامية، إلى دواعي النهضة أوالحركة المطلوبة، فقاموا باختيار الحق أو الأفضل والأصلح من الآراء الفقهية المتعددة في المسألة الواحدة، لجعل ( الفقه المختار ) يتفق مع المصلحة العامة في هذا العصر، ذلك عملاً بالمبادئ أو الأسس التالية:\r1 - الحق واحد لايتعدد، ودين الله واحد مستمد من معين واحد: هو الكتاب والسنة وعمل السلف الصالح، وبما أننا لانعرف الحق من آراء المجتهدين فنحن في حل من العمل ببعضها بحسب تقدير المصلحة.\r2 - الإخلاص للشريعة والحفاظ على أحكامها وخلودها وبقائها عقيدة كل مسلم.\r3 - مبدأ دفع الحرج أو خاصية اليسر والسماحة التي قامت عليها الشريعة من أبرز مقومات شرع الله الخالد.\r4 - مراعاة مصالح الناس وحاجاتهم المتجددة أمر يتفق مع روح الشريعة التي قامت ـ بالاستقراء والتتبع ـ على المصالح، فالمصلحة عماد التشريع، وحيثما وجدت المصلحة فثمة شرع الله ودينه، ولاينكر تغير الأحكام بتغير الأزمان.","part":1,"page":69},{"id":70,"text":"5- لا إلزام في الشريعة بأحد اجتهادات أو أقوال الفقهاء، إذ لاواجب إلا ما أوجبه الله ورسوله، ولم يوجب الله ولا رسوله على أحد من الناس أن يعمل في دين الله عز وجل بغير كتاب الله وسنة رسوله ومايرجع إليهما.\r6- لايجب ـ في الأصح الراجح ـ التزام مذهب فقهي معين، لأن ذلك مجرد تقليد (أي أخذ بقول الغير من غير معرفة دليله) وإيجاب التقليد تشريع شرع جديد، كما قال شارح مسلم الثبوت.\rفلا مانع شرعاً من تقليد أئمة المذاهب والمجتهدين المشهورين والمغمورين، كما لامحذور في الشرع من التلفيق بين أقوال المذاهب عملاً بمبدأ اليسر في الدين لقوله تعالى: { يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر } [البقرة:185/2] ، ومن المعلوم أن أغلب الناس لامذهب لهم، وإنما مذهبهم مذهب مفتيهم، وهم حريصون على أن يكون عملهم شرعياً.\rلكن في خضم هذا الاتجاه بالانتقاء من المذاهب، لابد من معرفة ( الضوابط الشرعية للأخذ بأيسر المذاهب ) وهو موضوع بحثنا، حتى لاينقلب الأمر فوضى، أو يصبح مجرد عمل بالرغبة المحضة والهوى الشخصي، بدون دليل شرعي، أو مسوغ مقبول، ولأن اختيار الأيسر نوع من الاجتهاد في تقديري.\rخطة البحث:\rبحث هذا الموضوع يقتضي مايلي:\rالفرع الأول ـ ما المذاهب أو الآراء التي يمكن الأخذ بها؟\rالفرع الثاني ـ هل التزام مذهب معين أمر مطلوب أصولياً؟\rالفرع الثالث ـ هل يجب على السائل المستفتي الترجيح بين العلماء وسؤال الراجح في نظره، أم له الاختيار وسؤال من شاء من المفتين؟\rالفرع الرابع ـ ما آراء الأصوليين في مسألة اختيار الأيسر (أو تتبع الرخص) وفي التلفيق بين المذاهب الإسلامية؟.\rالفرع الخامس ـ ما الضوابط الشرعية للأخذ بأيسر المذاهب المستنبطة من جملة أقوال الأصوليين؟","part":1,"page":70},{"id":71,"text":"ويلاحظ أن الكلام عن المطالب الأربعة السابقة تقديم ضروري لبحث المطلب الأخير، لاعتماده على القواعد التي ذكرها الأصوليون فيها. ولايخفى مالهذا الموضوع من أهمية وفائدة ملموسة، سواء فيما يخص أكثرية المسلمين المستفتين فيما يحتاجونه بالفعل في نطاق العبادات والمعاملات والأحوال الشخصية، أو يهم رجال القانون والقضاء الذين يضعون القوانين المستمدة من الفقه الإسلامي، أو يحتاج إليه علماء التدريس العام والخاص لاستئصال العصبية المذهبية التي تقوم على التقليد الأعمى، من دون مراعاة لما يوجبه رجحان دليل بعض الأقوال الفقهية من ضرورة الإسراع في اتباعها، وترك القول الآخر المرجوح، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.","part":1,"page":71},{"id":72,"text":"الفرع الأول ـ المذاهب أو الآراء التي يمكن الأخذ بها:\rإن الثروة الفقهية الضخمة التي تنتظم كل الأحكام الكفيلة بحل مشكلات الناس، والتي خلفها لنا سلفنا الصالح، لاتقتصر على المذاهب الفقهية الأربعة (المالكية، والحنفية، والشافعية، والحنبلية) وإنما تشمل كل المذاهب المعروفة، مااشتهر منها وماانقرض كمذهب الليث بن سعد، والأوزاعي وابن جرير الطبري وداود الظاهري والثوري، ومذاهب أهل السنة والشيعة الإمامية والزيدية، والإباضية والظاهرية، وآراء الصحابة والتابعين وتابعي التابعين، فقد نجد فيها مايؤدي لنا فائدة كبرى في نهضتنا المرجوة، لأن ذلك أولى من أخذ أحكام غير شرعية ذات مصدر غربي أو شرقي، ودين الله يسر لاعسر، ولاحرج في دين الله. وتحقيق المصالح والحاجات أمر مطلوب شرعاً.وعلى هذا فإن المشرع واضع القوانين لاحرج عليه في الاختيار من كل هذه الآراء والمذاهب الاجتهادية. وأما القاضي فأرى أن يتقيد بما هو مقرر في المذاهب الأربعة عملاً بالعرف العام الشائع، ومن المعلوم أن هذا العرف يخصص النص. وأكاد أجزم أن المشرع حينما أحال إلى المشهور من أيسر المذاهب قصد المذاهب المعمول بها غالباً في الدول الإسلامية. والمذاهب: هي آراء المجتهدين.\rومما يدل على سلامة اتجاه المشرع القانوني أن جمهور المسلمين يرون ترجيح نظرية (المخطئة ) القائلين بأن الحق واحد لايتعدد، وأن المجتهد المصيب في اجتهاده هو واحد، وغيره هو المخطئ، ولكن لاإثم عليه في الخطأ، لأنه مكلف بالعمل بما أداه إليه اجتهاده، وبما غلب على ظنه،","part":1,"page":72},{"id":73,"text":"فقالوا: «الصواب الذي لاصواب غيره أن دين الله واحد، وهو ماأنزل الله به كتابه، وأرسل به رسوله، وارتضاه لعباده، كما أن نبيه واحد، وقبلته واحدة، فمن وافقه فهو المصيب وله أجران، ومن أخطأه فله أجر واحد على اجتهاده، لا على خطئه» (1) وهذا هو الصحيح عند الأئمة الأربعة (2) .\rفالواجب أولاً طلب مافيه الحق والصواب أو المصلحة من الأقوال الفقهية الثابتة النسبة لأصحابها، ويترك منها ماهو شاذ مخالف للمصادر والأصول الشرعية، فقد أمر الله مثلاً باتباع الصحابة والتابعين (3) ، فقال الله تعالى: {والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار، والذين اتبعوهم بإحسان، رضي الله عنهم ورضوا عنه، وأعد لهم جناتٍ تجري تحتها الأنهار خالدين فيها أبداً، ذلك الفوز العظيم} [التوبة:100/9]، وقد قال الشافعي في الصحابة: «رأيهم لنا خير من رأينا لأنفسنا» (4) وقال العز بن عبد السلام: إن المدار على ثبوت المذهب عند المقلِّد (5) ، وغلبة الظن على صحته، فحيث ثبت عنده مذهب من المذاهب صح له أن يقلده، ولو كان صاحب المذهب من غير الأئمة الأربعة. وقال العراقي: انعقد الإجماع على أن من أسلم، فله أن يقلد من شاء من العلماء من غير حجر. وأجمع الصحابة رضي الله عنهم على أن من استفتى أبا بكر وعمر وقلدهما، فله أن يستفتي أبا هريرة ومعاذ بن جبل وغيرهما، ويعمل بقولهم من غير نكير، فمن ادعى رفع هذين الإجماعين فعليه الدليل (6) .\rوبهذا يتبين أن لادليل على إلزام الناس بمذاهب الأئمة الأربعة رضي الله عنهم، فهم وغيرهم سواء، ويصح تقليد غير الأربعة إذا صحت نسبته لصاحبه، كما أبان العز بن عبد السلام.\r-------------------------------\r(1) أعلام الموقعين: 211/2 ، ط عبد الحميد.\r(2) مسلم الثبوت: 330/2، ط الكردي بمصر.\r(3) أعلام الموقعين: 123/4.\r(4) أعلام الموقعين: 186/2.\r(5) المقلد: هو من يأخذ بقول الغير من غير معرفة دليله.\r(6) مسلم الثبوت: 357/2 حاشية، ط الكردي.","part":1,"page":73},{"id":74,"text":"الفرع الثاني ـ هل التزام مذهب معين أمر مطلوب أصولياً؟\rانقسم الأصوليون في هذه المسألة على آراء ثلاثة:\r1 - فقال بعضهم: يجب التزام مذهب إمام معين، لأنه اعتقد أنه حق، فيجب عليه العمل بمقتضى اعتقاده.\r2- وقال أكثر العلماء: لايجب تقليد إمام معين في كل المسائل والحوادث التي تعرض، بل يجوز أن يقلد أي مجتهد شاء، فلو التزم مذهباً معيناً كمذهب أبي حنيفة أو الشافعي أو غيرهما، لايلزمه الاستمرار عليه، بل يجوز له الانتقال منه إلى مذهب آخر، إذ لا واجب إلا ما أوجبه الله ورسوله، ولم يوجب الله تعالى ولا رسوله على أحد أن يتمذهب بمذهب رجل من الأئمة، وإنما أوجب الله تعالى اتباع العلماء من غير تخصيص بواحد دون آخر، فقال عز وجل: {فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لاتعلمون} [الأنبياء:7/21]، ولأن المستفتين في عصر الصحابة والتابعين، لم يكونوا ملتزمين بمذهب معين، بل كانوا يسألون من تهيأ لهم دون تقيد بواحد دون آخر، فكان هذا إجماعاً منهم على عدم وجوب تقليد إمام، أو اتباع مذهب معين في كل المسائل.\rثم إن القول بالتزام مذهب ما، يؤدي إلى الحرج والضيق، مع أن المذاهب نعمة وفضيلة ورحمة للأمة.\rوهذا القول هو الراجح عند علماء الأصول.\r3 - وفصل الآمدي والكمال بن الهمام في المسألة فقال: إن عمل الشخص بما التزمه في بعض المسائل بمذهب معين، فلا يجوز له تقليد الغير فيها، وإن لم يعمل في بعضها الآخر جاز له اتباع غيره فيها، إذ إنه لم يوجد في الشرع مايوجب عليه اتباع ماالتزمه، وإنما أوجب الشرع عليه اتباع العلماء دون تخصيص عالم دون آخر (1) .\rيتلخص من هذا أن القول الأصح الراجح عند علماء الأصول (2) : هو عدم ضرورة الالتزام بمذهب معين، وجواز مخالفة إمام المذهب، والأخذ بقول غيره، لأن التزام المذهب غير ملزم، كما بينا. وبناء عليه فلا مانع إطلاقاً من حيث المبدأ في العصر الحاضر من اختيار بعض الأحكام الشرعية المقررة لدى علماء المذاهب، دون تقيد بجملة المذهب أو بتفصيلاته.\r-------------------------------\r(1) راجع فواتح الرحموت شرح مسلم الثبوت لابن عبد الشكور:402/2 ، مسلم الثبوت: 355/2، شرح المحلي على جمع الجوامع: 328/2، والإحكام في أصول الأحكام للآمدي: 3174، التقرير والتحبير: 344/3، شرح الإسنوي: 266/3، المدخل إلى مذهب الإمام أحمد: ص 193، ارشاد الفحول: ص 240، فتاوى الشيخ عليش: 60/1\r(2) قال الشافعية: الأصح من كلام المتأخرين كالشيخ ابن حجر وغيره أنه يجوز الانتقال من مذهب إلى مذهب من المذاهب المدونة، ولو بمجرد التشهي، سواء انتقل دواماً أو في بعض الحادثة، وإن أفتى أو حكم أو عمل بخلافه مالم يلزم منه التلفيق ( الفوائد المكية فيما يحتاجه طلبة الشافعية من المسائل والضوابط والقواعد الكلية للسيد علوي بن أحمد السقّاف: ص51، ط البابي الحلبي ).","part":1,"page":74},{"id":75,"text":"ويضاف لذلك أن الفقهاء قرروا جواز العمل بالقول الضعيف في المذهب عند الضرورة أو الحاجة،وهذه هي نصوصهم:\r1 - للقاضي أن يلجأ إلى غير مذهبه للضرورة (فتوى عطاء بن حمزة).\r2 - للقاضي أن يعمل بغير المشهور من مذهبه إذا نص السلطان على ذلك (نص الدر المختار للحصكفي).\r3 - للقاضي أن يقضي بالقول المنصوص على فساده، ولا ينقض قضاؤه، لأنه مجتهد فيه، إلا إذا كان في مقابلة أخذ المال، أو للهوى والغرض (عبارة جامع الفصولين وتعليلها).\r4 - جواز العمل والإفتاء بالقول الضعيف في مواضع الضرورة(عبارة المعراج عن فخر الأئمة).\r5 - جواز العمل بالضعيف للشخص في خاصة نفسه، وللفتوى إذا تحقق المفتي الضرورة(عبارة الدسوقي المالكي).\r6 - منع التخيير إذا كان الغرض من الالتجاء إلى القول الضعيف الشهوة والغرض، اتباعاً للهوى وابتغاء حطام الدنيا (1) .\r7 - إن خروج المقلد من العمل بالمشهور إلى العمل بالشاذ الذي فيه رخصة من غير تتبع للرخص صحيح عند كل من قال بعدم لزوم تقليد الأرجح، وهو قول الأكثر من الأصوليين. ويباح للمقلد أن يقلد من شاء من أقوال المجتهدين. وإن نقل الإجماع على منع ذلك غير صحيح (فتاوى الشيخ عليش: 61/1).\r-------------------------------\r(1) الاجتهاد في الإسلام للشيخ الأستاذ محمد مصطفى المراغي: ص 36 - 39 نقلاً عن هذه الكتب، رسم المفتي لابن عابدين في حاشيته: 69/1.","part":1,"page":75},{"id":76,"text":"8 - وكذا يجوز الأخذ والعمل لنفسه بالأقوال والطرق والوجوه الضعيفة، إلا بمقابل الصحيح، فإن الغالب فيه أنه فاسد، ويجوز الإفتاء به للغير بمعنى الإرشاد (الفوائد المكية فيما يحتاجه طلبة الشافعية للسقاف: ص51).\rالفرع الثالث ـ هل يجب سؤال الأفضل والأرجح في العلم، أو يصح سؤال من تيسر؟\rعبارة الأصوليين المشهورة في هذه المسألة هي: هل يجوز تقليد المفضول مع وجود الأفضل؟\rللعلماء رأيان في ذلك (1) .\r1 - قال جماعة (وهو مذهب أحمد في رواية عنه وابن سريج والقفال الشافعيين، وأبي إسحاق الإسفراييني الملقب بالأستاذ، وأبي الحسن الطبري الملقب بالكِيَا، واختاره الغزالي، وهو المذهب المشهور عند الشيعة): يجب استفتاء (2) الأفضل في العلم والورع والدين، ويجب على السائل النظر في الأرجح، ثم اتباعه، ويكفيه الاعتماد على الشهرة. قال الغزَّالي في المستصفى (3) :\r«والأولى عندي أنه يلزمه اتباع الأفضل، فمن اعتقد أن الشافعي رحمه الله أعلم، والصواب على مذهبه أغلب، فليس له أن يأخذ بمذهب مخالفه بالتشهي» .\r-------------------------------\r(1) انظر التقرير والتحبير: 345/3ومابعدها، فواتح الرحموت: 403/2 ومابعدها، مسلم الثبوت: 354/2، اللمع في أصول الفقه للشيرازي: ص68، الإحكام للآمدي: 173/3، المدخل إلى مذهب أحمد: ص 194، فتاوى الشيخ عليش: 61/1، 71، حاشية ابن عابدين: 45/1، ط الأميرية، رسالة في أصول الفقه لابن عربي: ص32، المستصفى: 125/2، إرشاد الفحول: ص239 .\r(2) الاستفتاء: هو السؤال عن الحكم عند المجتهد لأجل العمل بقوله، سواء أكان المسؤول هو المجتهد نفسه، أو من نقل عنه نقلاً صحيحاً ولو بواسطة ( تحفة الرأي السديد لأحمد الحسيني: ص 239).\r( 3) المستصفى: 125/2.","part":1,"page":76},{"id":77,"text":"ودليل هؤلاء: هو أن أقوال المجتهدين بالنسبة للناس كالأدلة والأمارات المتعارضة بالنسبة للمجتهد، فيجب على السائل الترجيح، ولاترجيح إلا بالفضل والعلم، لأن الأعلم أقوى، وطريق معرفة الأعلم إما بالاختبار والتجربة، أو بالشهرة والتسامع ورجوع الناس إليه.\r2 - وقال القاضي أبو بكر بن العربي وأكثرية الفقهاء والأصوليين (1) : يخير السائل في سؤال من شاء من العلماء سواء أتساووا أم تفاضلوا، أي أنه يجوز تقليد المفضول مع وجود الأفضل في العلم لعموم قوله تعالى: {فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لاتعلمون} [الأنبياء:7/21]، ولإجماع الصحابة: وهو أن الصحابة كان فيهم الفاضل والمفضول من المجتهدين، وكان فيهم العوام، ولم ينقل عن أحد من الصحابة تكليف العوام بالاجتهاد في أعيان المجتهدين، ولو كان التخيير غير جائز لما تطابق الصحابة على عدم إنكاره. قال الآمدي حاكياً هذا الإجماع (2) :\rإن الصحابة كان فيهم الفاضل والمفضول من المجتهدين، فإن الخلفاء الأربعة كانوا أعرف بطريق الاجتهاد من غيرهم، ولهذا قال عليه السلام: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ» وقال عليه السلام: «أقضاكم علي، وأفرضكم زيد، وأعرفكم بالحلال والحرام معاذ بن جبل» وكان فيهم العوام ومن فرضه الاتباع للمجتهدين والأخذ بقولهم لاغير. ومع ذلك لم ينقل عن أحد من الصحابة والسلف تكليف العوام الاجتهاد في أعيان المجتهدين، ولا أنكر أحد منهم اتباع المفضول، والاستفتاء له، مع وجود الأفضل.\r-------------------------------\r(1) قال ابن عابدين في حاشيته نقلاً عن التحرير وشرحه: وبه قال الحنفية والمالكية وأكثر الحنابلة والشافعية. وفي آخر فتاوى ابن حجر: الأصح لدى أئمة الشافعية إن المقلد يتخير في تقليد أي شاء من العلماء ولو مفضولا ً وإن اعتقده كذلك. وحينئذ فلا يمكن أن يقطع أو يظن أنه ـ أي المجتهد ـ على الصواب، بل على المقلد أن يعتقد أن ما ذهب إليه إمامه يحتمل أنه الحق ( حاشية ابن عابدين: 45/1).\r(2) الإحكام للآمدي: 173/3ومابعدها.","part":1,"page":77},{"id":78,"text":"ولو كان ذلك غير جائز، لما جاز من الصحابة التطابق على عدم إنكاره والمنع منه.\rولولا إجماع الصحابة على ذلك لكان القول بمذهب الخصوم ـ أي أصحاب الرأي الأول ـ أولى (1) .\rيتبين من هذا أن القول الثاني هو الأرجح بإجماع الصحابة على جواز التخير بين الأقوال، وسؤال السائل من شاء من العلماء (2) .\rالفرع الرابع ـ آراء الأصوليين في مسألة اختيار الأيسر (أو تتبع الرخص)، وفي التلفيق بين المذاهب.\rيتفرع على مابيناه من أنه لم يوجد في الشرع مايوجب على الإنسان اتباع ماالتزمه من المذاهب: القول بجواز تتبع الرخص والتلفيق. أما تتبع الرخص أو اختيار الأيسر: فهو أن يأخذ الشخص من كل مذهب ماهو أهون عليه وأيسر فيما يطرأ عليه من المسائل.\rوقد حكى الأصوليون في هذه المسألة ثمانية أقوال (3) أذكرها بإجمال ثم أبين أقوى النظريات المقولة فيها.\r1 - قال أكثر أصحاب الشافعي وصححه الشيرازي والخطيب البغدادي وابن الصباغ والباقلاني والآمدي: يخير الإنسان بأخذ ماشاء من الأقوال، لإجماع الصحابة على عدم إنكار العمل بقول المفضول مع وجود الأفضل.\r2 - أهل الظاهر والحنابلة: يأخذ بالأشد الأغلظ.\r-------------------------------\r(1) قال الإمام الرازي هذه العبارة أيضاً.\r(2) قال ابن بدران الحنبلي في المدخل: ص 194: الحق أن المقلد لايلزمه استفتاء أفضل المجتهدين مطلقاً فإن هذا يسد باب التقليد، أما إذا قيدنا ذلك بمجتهدي البلد فإنه يلزمه حينئذ تحري الأفضل، لأن الأفضل في كل بلد معروف مشهور.\r(3) إرشاد الفحول للشوكاني: ص 240، فتاوى الشيخ عليش: 71/1 ومابعدها. 3 - يأخذ بالأخف.","part":1,"page":78},{"id":79,"text":"4 - يبحث عن الأعم من المجتهدين، فيأخذ بقوله.\r5 - يأخذ بقول الأول، حكاه الرُّوياني.\r6 - يأخذ بقول من يعمل على الرواية دون الرأي، حكاه الرافعي.\r7 - يجب عليه أن يجتهد فيما يأخذ مما اختلفوا فيه، حكاه ابن السَّمعاني، ومشى عليه الشاطبي في الموافقات. ،وهذا القول قريب من رأي الكعبي.\r8 - إن كان الأمر في حق الله أخذ بالأخف، وإن كان في حق العباد أخذ بالأغلظ، حكاه الأستاذ أبو منصور الماتريدي.\rويمكن القول بوجود آراء ثلاثة في الموضوع هي الأشهر وهي التي نعتمدها بحثاً.\r1 - قال الحنابلة (1) ، والمالكية في الأصح عندهم (2) ، والغزالي(3 ) : يمتنع تتبع الرخص في المذاهب، لأنه ميل مع أهواء النفوس، والشرع جاء بالنهي عن اتباع الهوى، قال تعالى: {فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول} [النساء:59/4]، فلا يصح رد المتنازع فيه إلى أهواء النفوس، وإنما يرد إلى الشريعة.\r-------------------------------\r(1) المدخل إلى مذهب الإمام أحمد بن حنبل لابن بدران الدمشقي: ص 195.\r(2) فتاوى الشيخ عليش مع التبصرة لابن فرحون المالكي: 58/1 - 60، الإحكام في تمييز الفتاوى عن الأحكام للقرافي: ص 79.\r(3) المستصفى: 125/2.","part":1,"page":79},{"id":80,"text":"ونقل عن ابن عبد البر: أنه لايجوز للعامي تتبع الرخص إجماعاً. وعبارة الحنابلة في ذلك (1) : إن استوى المجتهدان عند المستفتي في الفضيلة واختلفا عليه في الجواب اختار الأشد منهما، لما روى الترمذي من حديث عائشة قالت: «قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: ماخير عمار بين أمرين إلا اختار أشدهما » وفي لفظ «أرشدهما» قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب. ورواه أيضاً النسائي وابن ماجه. فثبت بهذين اللفظين للحديث أن الرشد في الأخذ بالأشد، والأولى أن يعتبر ـ أي المستفتي ـ القولين ساقطين، لتعارضهما، ويرجع إلى استفتاء آخر.\rوعبارة المالكية (2) : الأصح أنه يمتنع تتبع الرخص في المذاهب، بأن يأخذ منها ماهو الأهون فيما يقع من المسائل. وقيل: لايمتنع. وصرح بعضهم بتفسيق متتبع الرخص. والأولى الاحتياط بالخروج من الخلاف بالتزام الأشد الأقوى، فإن من عز عليه دينه تورع، ومن هان عليه دينه تبدع.\rوعبارة الغزالي (3) : ليس للعامي (4) أن ينتقي من المذاهب في كل مسألة أطيبها عنده، فيتوسع، بل هذا الترجيح عنده كترجيح الدليلين المتعارضين عند المفتي، فإنه يتبع ظنه في الترجيح، فكذلك ههنا.\r2 - قال القرافي المالكي، وأكثر أصحاب الشافعي، والراجح عند الحنفية منهم ابن الهمام وصاحب مسلم الثبوت(5 ) : يجوز تتبع رخص المذاهب، لأنه\r-------------------------------\r(1) المدخل إلى مذهب أحمد، المرجع والمكان السابق.\r(2) فتاوى الشيخ عليش، المرجع السابق، وصفحة 76.\r(3) المستصفى، المرجع السابق.\r(4) العامي في اصطلاح الأصوليين: هو كل من ليس أهلاً للاجتهاد، وإن كان عالماً بفن غير فن استنباط الأحكام من أدلتها.\r(5) مسلم الثبوت: 356/2، إرشاد الفحول: ص 240، شرح المحلي على جمع الجوامع 328/2، شرح الإسنوي: 266/3، رسم المفتي في حاشية ابن عابدين: 69/1 ومابعدها، الفوائد المكية للسقاف: ص52.","part":1,"page":80},{"id":81,"text":"لم يوجد في الشرع مايمنع من ذلك، إذ للإنسان أن يسلك الأخف عليه إذا كان له إليه سبيل، بأن لم يكن عمل بآخر، بدليل أن سنة الرسول صلّى الله عليه وسلم الفعلية والقولية تقتضي جوازه، فإنه عليه الصلاة والسلام «ماخير بين أمرين قط إلا اختار أيسرهما مالم يكن مأثماً» (1) وفي صحيح البخاري عن عائشة رضي الله عنها «أن النبي صلّى الله عليه وسلم كان يحب ماخفف عن أمته» .\rوقال صلّى الله عليه وسلم: «بعثت بالحنيفية السمحة» (2) وقال أيضاً: «إن هذا الدين يسر، ولن يشادَّ الدين أحد إلا غلبه» (3) . وقال عليه السلام أيضاً: «إن الله قد فرض فرائض وسن سننًا وحد حدوداً وأحل حراماً وحرم حلالاً، وشرع الدين فجعله سهلاً سمحاً واسعاً ولم يجعله ضيقاً » (4) .\rوقال الشعبي: «ماخير رجل بين أمرين، فاختار أيسرهما إلا كان ذلك أحبهما إلى الله تعالى» .\rوقال القرافي في هذه المسألة: يجوز تتبع الرخص بشرط ألا يترتب عليه العمل بما هو باطل عند جميع من قلدهم، أي أن شرط جواز تقليد مذهب الغير ألا يؤدي إلى التلفيق (5) أي ألا يكون موقعاً في أمر يجتمع على إبطاله الإمام الذي كان على مذهبه، والإمام الذي انتقل إليه، كما إذا قلد الإمام مالك في عدم نقض الوضوء بلمس المرأة بغير شهوة، وقلد الإمام الشافعي في عدم وجوب ذلك\r-------------------------------\r(1) أخرجه البخاري ومالك والترمذي.\r(2) أخرجه أحمد في مسنده، والخطيب البغدادي، ورواه الديلمي في مسند الفردوس، وفي آخره عند الخطيب: «ومن خالف سنتي فليس مني» .\r(3) أخرجه البخاري والنسائي.\r(4) رواه الطبراني في الكبير عن ابن عباس رضي الله عنهما.\r(5) التلفيق: هو الإتيان بكيفية لايقول بها المجتهد. كما سأبيِّن. الأعضاء في الوضوء، أو عدم وجوب مسح جميع الرأس، فإن صلاته تكون باطلة عند الإمامين، لعدم صحة الوضوء عند كل منهما.","part":1,"page":81},{"id":82,"text":"ويلاحظ أن هذا القيد الذي ذكره القرافي وهو: ( ألا يترتب على تتبع الرخص العمل بما هو باطل لدى جميع من قلدهم ) لادليل عليه من نص أو إجماع، وإنما هو قيد متأخر، كما قرر الكمال بن الهمام في ( التحرير ). فإذا جاز للشخص مخالفة بعض المجتهدين في كل ماذهب إليه، كما بينا، جازت مخالفته في بعض ماذهب إليه من باب أولى، كما قال صاحب تيسير التحرير. ثم قال: وليس هناك دليل من نص أو إجماع يدل على أن الفعل إذا كانت له شروط، فإنه يجب على المقلد أن يتبع مجتهداً واحداً في هذه الشروط التي يتوقف عليها هذا الفعل، ومن ادعى دليلاً على ذلك فعليه الإتيان به.\rوأما مانقل عن ابن عبد البر، من أنه «لايجوز للعامي تتبع الرخص إجماعاً، فلا نسلم صحة هذا النقل عنه، ولو سلم فلا يسلم صحة الإجماع، إذ في تفسيق متتبع الرخص عن أحمد روايتان. وحمل القاضي أبو يعلى الرواية المفسقة على غير متأول ولامقلد. وقال ابن أمير الحاج في التقرير على التحرير: وذكر بعض الحنابلة: أنه إنْ قوي الدليل، أو كان عامياً، لايفسق. وفي روضة النووي حكاية عن ابن أبي هريرة: لايفسق . والخلاصة: أن مبدأ الأخذ بالرخص أمر محبوب، ودين الله يسر، وماجعل عليكم في الدين من حرج، والمفروض أن المقلد لم يقصد تتبع الرخص في كل الوقائع وإنما في بعض المسائل، وكثيراً ماقال العلماء: «من قلد عالماً فقد برئ مع الله» «اختلاف العلماء رحمة» وربما قال بعضهم: «حجَّرت واسعاً » إذا التزم العمل بالقول المشهور في جميع تصرفاته.","part":1,"page":82},{"id":83,"text":"3 - رأي الشاطبي:\rيرى الشاطبي رأي ابن السمعاني (1) : وهو أنه يجب على المقلد الترجيح بين أقوال المذاهب بالأعلمية وغيرها، واتباع الدليل الأقوى، لأن أقوال المجتهدين بالنسبة للمقلدين كالأدلة المتعارضة بالنسبة إلى المجتهد، فكما يجب على المجتهد الترجيح أو التوقف عند تعادل الأدلة، كذلك المقلد. ولأن الشريعة ترجع في الواقع إلى قول واحد، فليس للمقلد أن يتخير بين الأقوال. وإلا كان متبعاً غرضه وشهوته، والله تعالى يمنع اتباع الهوى جملة وهو قوله تعالى: {فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول} [النساء:59/4].\rثم أبان الشاطبي في كلام مسهب مايترتب على مبدأ الأخذ بالأيسر من مفاسد:\rأولها ـ الضلال في الفتوى بمحاباة القريب أو الصديق في تتبع رخص المذاهب اتباعاً للغرض والشهوة.\rثانيها ـ الادعاء بأن الاختلاف حجة على الجواز أو الإباحة، حتى شاع بين الناس الاعتماد في جواز الفعل على كونه مختلفاً فيه بين أهل العلم.\rثالثها ـ اتباع رخص المذاهب اعتماداً على مبدأ جواز الانتقال الكلي من مذهب إلى مذهب، وأخذاً بمبدأ اليسر الذي قامت عليه الشريعة مع ( أن الحنيفية السمحة أتى فيها السماح مقيداً بما هو جار على أصولها، وليس تتبع الرخص ولا اختيار الأقوال بالتشهي بثابت من أصولها ). ثم ذكر بعض مفاسد اتباع رخص المذاهب كالانسلاخ من الدين بترك اتباع الدليل إلى اتباع الخلاف، وكالاستهانة بالدين إذ يصير سيَّالاً لاينضبط، وكترك ماهو معلوم إلى ماليس بمعلوم، للجهل بأحكام المذاهب الأخرى، وكانخرام قانون السياسة الشرعية (2) بترك انضباط معيار العدالة بين الناس وشيوع الفوضى والمظالم وضياع الحقوق وتعطيل الحدود واجتراء أهل الفساد، وكإفضاء ذلك إلى القول بتلفيق المذاهب على وجه يخرق إجماعهم، وغير ذلك من المفاسد التي يكثر تعدادها.\r-------------------------------\r(1) الموافقات: 132/4 - 155 .\r(2) وهي الطرق العادلة التي تخرج الحق من الظالم وتدفع كثيراً من المظالم. وإهمالها يضيع الحقوق، ويعطل الحدود، ويجرِّئ أهل الفساد. ويندرج فيها كل ماشرع لسياسة الناس وزجر المعتدين.","part":1,"page":83},{"id":84,"text":"رابعها ـ التخلص من الأحكام الشرعية وإسقاطها جملة، عملاً بمبدأ الأخذ بأخف القولين، لابأثقلهما، مع أن التكاليف كلها شاقة ثقيلة.\rثم رد الشاطبي على القائل بجواز تتبع الرخص في حالات للضرورة أو الحاجة عملاً بالقاعدة الشرعية ( الضرورات تبيح المحظورات ) بأن حاصل فعله هو الأخذ بما يوافق الهوى، أو تجاوز حدود الضرورة أو الحاجة المقررة في الشرع. كما أنه رد على المتمسك بمبدأ ( مراعاة الخلاف بين الأقوال ) لتسويغ الأخذ بالأيسر بأن مراعاة الخلاف لايترتب عليه الجمع بين قولين متنافيين أو القول بهما معاً، وإنما هما لمسألتين مختلفتين. وفي تقديري أن السبب الذي حمل الشاطبي على منع تتبع الرخص والتلفيق هو غيرته على نظام الأحكام الشرعية حتى لايتخطاها أحد عملاً بمبدأ التيسير على الناس، ،ولكنه ـ كما يلاحظ من كلامه ـ متأثر بالعصبية المذهبية،ويخشى ـ رغم تحرره الفكري ـ مخالفة مذهب الإمام مالك، ويحرص على التقليد ومنع الاجتهاد.\rونحن معه في هذه الغيرة على أحكام الشريعة، لكن التقليد أو التلفيق الجائز مجاله محصور فيما لم يتضمن الإعراض عما أنزل الله، أو الذي لم يتضح فيه رجحان الحق والدليل على صحة قول المجتهد المقلَّد(1) ، وحينئذ ينهدم رأي الشاطبي من أساسه، لأنه يطالب بضرورة العمل بالدليل الراجح، والتزام أصول الشريعة، وهذا أمر مفترض في كل تقليد محمود أو أخذ بأيسر المذاهب.\r-------------------------------\r(1) راجع أعلام الموقعين في بيان نوعي التقليد المحمود والمذموم: 168/2، تحفة الرأي السديد للحسيني: ص39.","part":1,"page":84},{"id":85,"text":"التلفيق:\rهو الإتيان بكيفية لا يقول بها المجتهد. ومعناه أن يترتب على العمل بتقليد المذاهب، والأخذ في مسألة واحدة بقولين أو أكثر: الوصول إلى حقيقة مركبة لايقرها أحد، سواء الإمام الذي كان على مذهبه، والإمام الذي انتقل إليه، فكل واحد منهم يقرر بطلان تلك الحقيقة الملفقة. ويتحقق ذلك إذا عمل المقلد في قضية واحدة بالقولين معاً، أو بأحدهما مع بقاء أثر الثاني.\rفالتلفيق إذاً: هو الجمع بين تقليد إمامين أو أكثر في فعل له أركان أو جزئيات لها ارتباط ببعضها، لكل منها حكم خاص، كان موضع اجتهادهم وتباين آرائهم، فيقلد أحدهم في حكم، ويقلد آخر في حكم آخر، فيتم الفعل ملفقاً من مذهبين أو أكثر.\rمثل أن يقلد شخص في الوضوء مذهب الشافعي في الاكتفاء بمسح بعض الرأس، ثم يقلد أبا حنيفة أو مالكاً في عدم نقض الوضوء بلمس المرأة خالياً عن قصد الشهوة ووجودها، ثم يصلي، فإن هذا الوضوء الذي صلى به لم يقل به كل واحد من هؤلاء الأئمة، فالشافعي يعتبره باطلاً لنقضه باللمس، وأبو حنيفة لايجيزه لعدم مسح ربع الرأس ، ومالك لايقره لعدم مسح جميع الرأس أو لعدم دلك أعضاء الوضوء ونحو ذلك. أو أن يقلد مالكاً في عدم نقض الوضوء بالقهقهة في الصلاة، وأبا حنيفة في عدم النقض بمس الذكر، وصلى. فهذه صلاة مجمع منهما على فسادها.\rومثل أن يستأجر شخص مكاناً موقوفاً تسعين سنة فأكثر، من غير أن يراه، مقلداً في المدة الطويلة للشافعي وأحمد، وفي عدم الرؤية لأبي حنيفة، فيجوز (1) .\r-------------------------------\r(1) شرح الإسنوي على منهاج البيضاوي: 266/3، عمدة التحقيق في التقليد والتلفيق للشيخ محمد سعيد الباني: ص91","part":1,"page":85},{"id":86,"text":"ومجال التلفيق كمجال التقليد محصور في المسائل الاجتهادية الظنية. أما كل ما علم من الدين بالضرورة ـ أي بالبداهة ـ من متعلَّقات الحكم الشرعي، وهو ماأجمع عليه المسلمون ويكفر جاحده، فلا يصح فيه التقليد والتلفيق، وعلى هذا فلا يجوز التلفيق المؤدي إلى إباحة المحرمات كالنبيذ والزنا مثلاً. هذا وإن قضية التلفيق بين المذاهب اشترط عدمها لجواز تقليد مذاهب الغير أكثر المتأخرين من العلماء بعد انتهاء القرن العاشر الهجري، ولم يتكلم فيها قبل القرن السابع.\rوجواز التلفيق مبني على ما قررناه من أنه لا يجب التزام مذهب معين في جميع المسائل، فمن لم يكن ملتزماً مذهباً معيناً، جاز له التلفيق، وإلا أدى الأمر إلى بطلان عبادات العوام، لأن العامي لا مذهب له ولو تمذهب به، ومذهبه في كل قضية هو مذهب من أفتاه بها. كما أن القول بجواز التلفيق يعتبر من باب التيسير على الناس.\rوتقليد إمام في جزئية أو مسألة لايمنع من تقليد إمام آخر في مسألة أخرى، ولايقال: إن المقلد وصل إلى حقيقة لم يقل بها كلا الإمامين، وإنما يعد ذلك من قبيل تداخل أقوال المفتين (أي المجتهدين) بعضها في بعض في عمل المستفتي تداخلاً غير مقصود، كتداخل اللغات بعضها ببعض في لسان العرب. فالمقلد لم يقلد كل إمام في مجموع عمله، وإنما قلد كلا من الإمامين في مسألة معينة غير التي قلد فيها غيره، ومجموع العمل لم يوجب أحد النظر إليه لا في اجتهاد ولا في تقليد.\rوأما اشتراط بعض العلماء لجواز التلفيق ضرورة مراعاة الخلاف بين المذاهب، فهو أمر عسير، سواء في العبادات أو في المعاملات، وذلك يتنافى مع سماحة الشريعة ويسرها ومسايرتها لمصالح الناس.","part":1,"page":86},{"id":87,"text":"وأما ادعاء وجود الإجماع (من قِبَل ابن حجر وغيره من بعض علماء الحنفية) على عدم جواز التلفيق، فيحتاج إلى دليل، وليس أدل على عدم قيام مثل هذا الإجماع من وجود اختلاف واضح بين العلماء في مسألة التلفيق. قال الشفشاوني في تركيب مسألة من مذهبين أو أكثر: «إن الأصوليين اختلفوا في هذه المسألة، والصحيح من جهة النظر جوازه » وحكى الثقات الخلاف أيضاً كالفهامة الأمير والفاضل البيجوري. هذا وإن مثل هذا الإجماع المدعى المنقول بطريق الآحاد لايوجب العمل عند جمهور العلماء، ولعل المراد بهذا الإجماع هو اتفاق الأكثر أو أهل مذهب ما.\rوسأذكر هنا بإيجاز أقوال علماء المذاهب في إباحة التلفيق (1) :\r1 - الحنفية: قال الكمال بن الهمام وتلميذه ابن أمير الحاج في التحرير وشرحه: إن المقلد له أن يقلد من شاء، وإن أخذ العامي في كل مسألة بقول مجتهد أخف عليه لا أدري ما يمنعه من النقل أو العقل، وكون الإنسان يتتبع ما هو الأخف عليه من قول مجتهد مسوغ له الاجتهاد، ما علمت من الشرائع ذمه عليه، وكان صلّى الله عليه وسلم يحب ما خفف عن أمته.\r-------------------------------\r(1) رسم المفتي:69/1، التحرير وشرحه: 350/3 ومابعدها، الإحكام في تمييز الفتاوى عن الأحكام للقرافي: ص250 ومابعدها، عمدة التحقيق في التقليد والتلفيق للباني: ص106 ومابعدها، المؤتمر الأول لمجمع البحوث الإسلامي، بحث الأستاذ الشيخ السنهوري: ص83 ومابعدها، وبحث الشيخ عبد الرحمن القلهود: ص 95 ومابعدها.","part":1,"page":87},{"id":88,"text":"وجاء في تنقيح الفتاوى الحامدية لابن عابدين ما يفيد أن في منية المفتي ما يفيد جواز الحكم المركب، وأن القاضي الطرسوسي (المتوفى سنة 758 هـ) مشى على الجواز. وأفتى مفتي الروم أبو السعود العمادي (المتوفى سنة 983 هـ) في فتاويه بالجواز. وجزم ابن نجيم المصري (المتوفى سنة 970 هـ) في رسالته ( في بيع الوقف بغبن فاحش ) بأن المذهب جواز التلفيق، ونقل الجواز عن الفتاوى البزازية. وذهب أمير باد شاه (المتوفى سنة 972 هـ) إلى جواز التلفيق بكل قوته. وألف مفتي نابلس منيب أفندي الهاشمي رسالة في التقليد عام ( 1307 هـ) أيد فيها التقليد مطلقاً، وقال عنها فقيه عصره الشيخ عبد الرحمن البحراوي: «أن المؤلف قد بين الحق على الوجه الصحيح» . والخلاصة: أن الشائع المشهور أن التلفيق باطل، لكن العلماء خلاف ذلك وأنه جائز بأدلة كثيرة ناطقة على صحته.\r2 ـ المالكية: الأصح والمرجح عند المتأخرين من فقهاء المالكية هو جواز التلفيق، فقد صحح الجواز ابن عرفة المالكي في حاشيته على الشرح الكبير للدردير، وأفتى العلامة العدوي بالجواز، ورجح الدسوقي الجواز، ونقل الأمير الكبير عن شيوخه أن الصحيح جواز التلفيق وهو فسحة.\r3 ـ الشافعية: منع بعضهم كل صور التلفيق، واقتصر بعضهم الآخر على حظر حالات التلفيق الممنوع الآتي بيانها، وأجاز آخرون التلفيق إذا جمعت في المسألة شروط المذاهب المقلدة.\r4 ـ الحنابلة: نقل الطرسوسي أن القضاة الحنابلة نفذوا الأحكام الصادرة بالتلفيق.\rهذا ولم أذكر أقوال المخالفين من علماء هذه المذاهب، سواء في قضية الأخذ بأيسر المذاهب أو في تتبع الرخص، ولأن أقوال المخالفين لا تلزمنا، لعدم وجود دليل شرعي راجح لها.","part":1,"page":88},{"id":89,"text":"التلفيق الممنوع:\rليس القول بجواز التلفيق مطلقاً، وإنما هو مقيد في حدود معينة، فمنه ما هو باطل لذاته، كما إذا أدى إلى إحلال المحرمات كالخمر والزنا ونحوهما. ومنه ما هو محظور لا لذاته، بل لما يعرض له من العوارض، وهو ثلاثة أنواع (1) :\rأولها ـ تتبع الرخص عمداًً: بأن يأخذ الإنسان من كل مذهب ما هو الأخف عليه بدون ضرورة ولاعذر. وهذا محظور سداً لذرائع الفساد بالانحلال من التكاليف الشرعية.\rالثاني ـ التلفيق الذي يستلزم نقض حكم الحاكم، لأن حكمه يرفع الخلاف درءاً للفوضى.\rالثالث ـ التلفيق الذي يستلزم الرجوع عما عمل به تقليداً أو عن أمر مجمع عليه لازم لأمر قلده. وهذا الشرط في غير العبادات، أما فيها فيجوز التلفيق ولو استلزم الرجوع عما عمل به أو عن أمر لازم لآخر إجماعاً، مالم يفض إلى الانحلال من ربقة التكاليف الشرعية أو إلى الذهاب بالحكمة الشرعية باقتراف الحيل المغايرة للشريعة أو المضيعة لمقاصدها.\rمثال الأول أي الرجوع عن العمل: ما نقل عن الفتاوى الهندية:لو أن فقيهاً قال لامرأته: ( أنت طالق البتة ) وهو يرى أن الطلاق يقع ثلاثاً،فأمضى فيما بينه وبينها، وعزم على أنها حرمت عليه. ثم رأى بعدئذ أنها تطليقة رجعية، أمضى رأيه الأول الذي كان عزم عليه، ولايردها إلى أن تكون زوجته برأي حدث من بعد.\rوكذلك لوكان في الابتداء يراها تطليقة رجعية، فعزم على أنها امرأته، ثم رأى بعد أنها ثلاث، لم تحرم عليه . هذا ويلاحظ أن بطلان التلفيق بعد العمل مقيد بقيدين:\r-------------------------------\r(1) عمدة التحقيق في التقليد والتلفيق، المرجع السابق: ص121، الإحكام في تمييز الفتاوى عن الأحكام للقرافي: ص79، فتاوى الشيخ عليش: 68/1،71.","part":1,"page":89},{"id":90,"text":"أولهما ـ أن يبقى من آثار الفعل السابق أثر يؤدي إلى تلفيق العمل بشيء لايقول به كل من المذهبين كتقليد الشافعي في مسح بعض الرأس، ومالك في طهارة الكلب في صلاة واحدة. وكما لو أفتى مفت ببينونة زوجته بطلاقها مكرهاً، ثم نكح أختها مقلداً للحنفي بوقوع طلاق المكره. ثم أفتاه شافعي بعدم الحنث، فيمتنع عليه أن يطأ الأولى، مقلداً للشافعي والثانية مقلداً للحنفي، لأن إمضاء الفعل كإمضاء القاضي لا ينقض.\rثانيهما ـ أن يكون ذلك في حادثة واحدة بعينها لا في مثلها، كما لو صلى ظهراً بمسح ربع الرأس مقلداً للحنفي، فليس له إبطال طهارته باعتقاده لزوم مسح الكل مقلداً للمالكي. وأما لوصلى يوماً على مذهب، وأراد أن يصلي يوماً آخر فلا يمنع منه (1) .\rمثال الثاني أي الرجوع عن أمر مجمع عليه: لو قلد رجل أبا حنيفة في عقد النكاح بلا ولي، فيستلزم العقد صحة إيقاع الطلاق، لأنها أمر لازم لصحة النكاح إجماعا , فلو طلقها ثلاثا , ثم أراد تقليد الشافعي في عدم وقوع الطلاق لكون النكاح إجماعاً، فلو طلقها ثلاثاً،ثم أراد تقليد الشافعي في عدم وقوع الطلاق لكون النكاح بلا ولي، فليس له ذلك لكونه رجوعاً عن التقليد في أمر لازم إجماعاً. وهذا أمر معقول حتى لا تصبح العلاقة الزوجية السابقة علاقة محرمة، وأن الأولاد أولاد زنا. فيمنع ذلك كما يمنع كل ما يؤدي إلى العبث بالدين أو الإضرار بالبشر أو الفساد في الأرض.\rومن صور التلفيق الممنوع لمخالفته الإجماع: أن يتزوج رجل امرأة بغير صداق ولا ولي ولا شهود، مقلداً كل مذهب فيما لا يقول به الآخر، فهذا من التلفيق المؤدي إلى محظور، لأنه يخالف الإجماع، فلم يقل به أحد (2) .\r-------------------------------\r(1) رسم المفتي في حاشية ابن عابدين: 69/1 وما بعدها.\r(2) شرح التنقيح للقرافي: ص 386.","part":1,"page":90},{"id":91,"text":"ومن صور التلفيق الممنوع أيضاً: أن يطلق شخص زوجته ثلاثاً، ثم تتزوج بابن تسع سنين بقصد التحليل،مقلدا ً زوجها في صحة الزواج للشافعي، فأصابها، ثم طلقها مقلداً في صحة الطلاق، وعدم الحاجة إلى العدة للإمام أحمد، فيجوز لزوجها الأول العقد عليها فوراً. فهذا التلفيق ممنوع لأنه يؤدي إلى التلاعب بقضايا الزواج، لذا قال الشيخ الاجهوري من الشافعية: هذا ممنوع في زماننا ولا يجوز ولايصح العمل بهذه المسألة، لأنه يشترط عند الشافعي أن يكون المزوج للصبي أباً له، أو جداً، وأن يكون عدلاً، وأن يكون في تزويجه مصلحة للصبي، وأن يكون المزوج للمرأة وليها العدل بحضرة عدلين، فإذا اختل شرط لم يصح التحليل لفساد النكاح.\rحكم التلفيق (1) في التكاليف الشرعية:\rتنقسم الفروع الشرعية إلى ثلاثة أنواع (2) :\rالأول ـ ما بني في الشريعة على اليسر والتسامح مع اختلافه باختلاف أحوال المكلفين.\rالثاني ـ ما بني على الورع والاحتياط.\rالثالث ـ ما يكون مناطه مصلحة العباد وسعادتهم.\rأما النوع الأول ـ فهو العبادات المحضة، وهذه يجوز فيها التلفيق، لأن مناطها امتثال أمر الله تعالى والخضوع له مع عدم الحرج، فينبغي عدم الغلو بها؛ لأن التنطع يؤدي إلى الهلاك.\rأما العبادات المالية: فإنها مما يجب التشديد بها احتياطاً خشية ضياع حقوق الفقراء، فلا يؤخذ بالقول الضعيف أو يلفق من كل مذهب ماهو أقرب لمصلحة المزكي لإضاعة حق الفقير، وإنما يجب الإفتاء بالأحوط والأنسب لمصلحة الفقراء.\rوأما النوع الثاني ـ فهو المحظورات: وهي مبنية على مراعاة الاحتياط والأخذ بالورع مهما أمكن (3) ، لأن الله تعالى لا ينهى عن شيء إلا لمضرته، فلا يجوز فيها التسامح أو التلفيق إلا عند الضرورات الشرعية، لأن ( الضرورات تبيح المحظورات).\r-------------------------------\r(1) إن التلفيق في التقليد للمذاهب هو تخير أو انتقاء من أحكام المذاهب الفقهية تقليداً لها.\r(2) عمدة التحقيق للباني: ص 127 ومابعدها.\r(3) والدليل على أنها مبنية على الورع والاحتياط أحاديث نبوية منها: «دع مايريبك إلى مالا يريبك» ومنها «مااجتمع الحرام والحلال إلا غلب الحرام الحلال» .","part":1,"page":91},{"id":92,"text":"وعليه لايجوز التلفيق في المحظورات المتعلقة بحقوق الله (أو حقوق المجتمع) حفاظاً على النظام العام في الشريعة، واهتماماً برعاية المصالح العامة. كما لا يجوز التلفيق في المحظورات المتعلقة بحقوق العباد ( حقوق الأشخاص الخاصة) منعاً من الاحتيال على حقوق الناس وإلحاق الضرر بهم والاعتداء عليهم.\rوأما النوع الثالث ـ فهو المعاملات المدنية: والعقوبات الشرعية (الحدود والتعزيرات)، وأداء الأموال الواجبة شرعاً من عشر المزروعات، وخراج الأراضي، وخمس المعادن المكتشفة، والمناكحات (أو الأحوال الشخصية). فعقود الزواج (المناكحات) وما يتبعها من أنواع الفرقة الزوجية: مبناها سعادة الزوجين وأولادهما. ويتحقق ذلك بالحفاظ على الرابطة الزوجية، وتوفر الحياة الطيبة فيها، كما قرر القرآن الكريم: {فإمساك بمعروف ،أو تسريح بإحسان} [البقرة:229/2]. فكل ما يؤيد هذا الأصل يعمل به، ولو أدى في بعض الوقائع إلى التلفيق الجائز، أما إذا اتخذ التلفيق ذريعة لتلاعب الناس بأقضية الزواج والطلاق ، فيكون تلفيقاً قادحاً ممنوعاً، مراعاة للقاعدة الشرعية: وهي ( أن الأصل في الأبضاع (1) التحريم ) صيانة لحقوق النساء والأنساب.\r-------------------------------\r(1) الأبضاع جمع بضع بضم الباء: يطلق على الفرج والجماع، ويطلق أيضاً على التزويج (المصباح المنير).","part":1,"page":92},{"id":93,"text":"وأما المعاملات، وأداء الأموال، والعقوبات المقررة في الشرع والقصاص لصيانة الدماء ونحوها من التكاليف المراعى فيها مصالح البشرية والمرافق الحيوية، فيجب الأخذ فيها من كل مذهب ما هو أقرب لمصلحة الناس وسعادتهم، ولو لزم منه التلفيق، لما فيه من السعي وراء تأييد المصلحة التي يقصدها الشرع،ولأن مصالح الناس تتغير بتغير الزمان والعرف وتطور الحضارة والعمران. ومعيار المصلحة أو تحديد المراد منها: هو كل ما يضمن صيانة الأصول الكلية الخمسة:\rوهي حفظ الدين والنفس والعقل والنسل والمال. وصيانة كل مصلحة مقصودة شرعاً من الكتاب أو السنة أو الإجماع. وهي المصالح المرسلة المقبولة.\rقال الشرنبلالي الحنفي في العقد الفريد بعد أن ذكر فروعاً من أصل المذهب صريحة بجواز التلفيق: فتحصل مما ذكرناه أنه ليس على الإنسان التزام مذهب معين، وأنه يجوز له العمل بما يخالف ما عمله على مذهبه، مقلداً فيه غير إمامه، مستجمعاً شروطه، ويعمل بأمرين متضادين في حادثتين لا تعلق لواحدة منهما بالأخرى. وليس له إبطال عين ما فعله بتقليد إمام آخر، لأن إمضاء الفعل كإمضاء القاضي لا ينقض. وقال أيضاً: إن له التقليد بعد العمل، كما إذا صلى ظاناً صحة الصلاة على مذهبه، ثم تبين بطلانها في مذهبه، وصحتها على مذهب غيره فله تقليده، ويجتزئ بتلك الصلاة، على ما قال في البزازية: أنه روي عن أبي يوسف: أنه صلى الجمعة مغتسلاً من الحمام، ثم أخبر بفأرة ميتة في بئر الحمام، فقال: نأخذ بقول إخواننا من أهل المدينة: إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل خبثاً (1) .\r-------------------------------\r(1) رسم المفتي في حاشية ابن عابدين: 70/1 .","part":1,"page":93},{"id":94,"text":"والخلاصة: إن ضابط جواز التلفيق وعدم جوازه: هو أن كل ما أفضى إلى تقويض دعائم الشريعة والقضاء على سياستها وحكمتها، فهو محظور، وخصوصاً الحيل الشرعية الممنوعة (1) .وأن كل ما يؤيد دعائم الشريعة ، وما ترمي إليه حكمتها وسياستها لإسعاد الناس في الدارين بتيسير العبادات عليهم، وصيانة مصالحهم في المعاملات، فهو جائز مطلوب.\rاختيار الأيسر في التقنين:\rلا مانع شرعاً من اختيار الحاكم ولي الأمر أيسر الأقوال في المذاهب الشرعية المختلفة، إذ إن ذلك ليس من قبيل التلفيق الممنوع، لأن الأحكام المختارة من المذاهب هي أحكام كلية لأمور متغايرة لا تجمع بينها رابطة، كما بينا. وإذا حدث فيها تلفيق أثناء التطبيق الفعلي فهو غير مقصود، فلا حرج فيه، كالقول بصحة الزواج بغير ولي وبعبارة النساء، والتفريع عليه بجواز استدامة الزوجية بعد مراجعتها إثر صدور طلاق ثلاث بلفظة واحد اكتفاء بإيقاعه طلقة واحدة رجعية. فهو تلفيق غير ممنوع لأنه لم يقصد إليه.\r-------------------------------\r(1) انظر أمثلة على الحيل المحرمة التي يكفر من أفتى بها في أعلام الموقعين: 255/3 ومابعدها.","part":1,"page":94},{"id":95,"text":"والقول بجواز التلفيق في الجملة أقوى دليلاً من القول بمنعه، فضلاً عما فيه من تحقيق مصالح الأفراد والجماعات، ولا يترتب عليه أي مفسدة من مفاسد التلفيق المحظور. ولو افترضنا أن التلفيق كله غير جائز فإن تخير الحاكم لرأي وجعله قانوناً نافذاً: يقوي الحكم ولو كان قولاً ضعيفاً، كما قرر العلماء، بل ويوجب الطاعة إذا لم يكن أمراً بمعصية متيقنة شرعاً. وقد بدأ التخير من أحكام المذاهب في مجال التقنين فعلاً منذ أكثر من خمسين عاماً في مطلع هذا القرن، وذلك حينما شعرت الحكومة العثمانية بالحاجة إلى التوسع في حرية التعاقد، والشروط العقدية، وقابلية المحل المعقود عليه، بسبب ازدياد حاجة التعامل التجاري والصناعي، وتطور أساليب التجارة الداخلية والخارجية وظهور أنواع جديدة من الحقوق هي الحقوق الأدبية كحق المؤلف والمخترع، والاحتياج إلى عقود التأمين على البضائع المستوردة، واتساع مجال عقود الاستصناع مع المصانع الكبرى، وعقود التوريد لتقديم اللوازم والمواد الأولية إلى المؤسسات الحكومية والشركات والمعامل والمدارس.\rفاستبدلت السلطة العثمانية بالمادةو (64 سنة 1332 هـ/1914م) من قانون أصول المحاكمات مادة أخذت مبادئها من غير المذهب الحنفي كالمذهب الحنبلي ومذهب ابن شبرمة اللذين يوسعان من دائرة حرية الشروط العقدية ويقتربان من مبدأ سلطان الإرادة القانوني أي أن (العقد شريعة المتعاقدين) ويجيزان هذه المبادئ الثلاثة التي تضمنتها المادة الجديدة وهي:\r1- توسيع قابلية المحل للتعاقد عليه ليشمل كل ما جرى به العرف، أو سيوجد بعد.\r2 - جواز كل اتفاق أو اشتراط لا يخالف النظام العام والآداب والقوانين الخاصة، وقوانين العقارات والأحوال الشخصية والأوقاف. وبذلك تقلصت نظرية الفساد عند الحنفية، وأصبح جائزاً ما يعرف بالشرط الجزائي أي التعهد بالضمان المالي جزاء النكول أو التأخر عن تنفيذ الالتزام، عملاً بمذهب القاضي شريح.","part":1,"page":95},{"id":96,"text":"3 - اعتبار العقد تاماً بمجرد الاتفاق على النواحي الأساسية فيه، ولو لم تذكر الأمور الفرعية. وبه أصبحت الجهالة غير ضارة في تكوين العقد، فيصح العقد بسعر السوق أو بما سيستقر عليه في يوم ما (1) . هذا وقد أصدرت الحكومة العثمانية سنة (1336 هـ) قرار حقوق العائلة المعمول به اليوم، أخذت فيه بطائفة من أحكام المذاهب الثلاثة غير الحنفية واختارت بعض أقوال ضعيفة في المذهب الحنفي، وصدرت في مصر قوانين متخيرة من أحكام المذاهب بدءاً من سنة (1920 م) إلى سنة (1929) ثم سنة (1936 م) وحتى الآن اتبعت فيها أسلوب قانون العائلة العثماني، وذلك بحضور صفوة مختارة من كبار العلماء ورجال القضاء الشرعي من مختلف المذاهب، مراعاة لتغير الزمان، وتطور الحياة الاجتماعية، وتجدد المصالح والحاجات، وتبدل الأوضاع والتنظيمات.\rومن أبرز الأمثلة على القوانين الملفقة: قانون الوصية الواجبة رقم (71) في المواد (76-79) من قانون الأحوال الشخصية المصري الصادر عام (1946)، لمعالجة مشكلة (أولاد المحروم) أي أولاد الابن المتوفى في حال حياة أبيه، وتابعه القانون السوري الصادر عام( 1953م) مع وجود فارق بينهما، وهو أن القانون المصري لم يميز بين أولاد الابن وأولاد البنت، وأما القانون السوري فقد اقتصر على أولاد الابن، وأما أولاد البنت فهم من ذوي الأرحام الوارثين. وقد أخذ هذا القانون من مجموع آراء فقهية كرأي ابن حزم الظاهري وأقوال بعض فقهاء التابعين ورواية في مذهب أحمد ومذهب الإباضية، ولم يستند ذلك إلى رأي فقهي معين.\r-------------------------------\r(1) المدخل الفقهي العام للأستاذ مصطفى الزرقا: ف 388-392.","part":1,"page":96},{"id":97,"text":"ومن الأمثلة الشهيرة على تخطي المذاهب الأربعة أو التلفيق بينها وبين غيرها لحاجة الناس إليها: جواز الوصية لوارث بدون توقف على إجازة الورثة في المادة (37) من قانون الوصية المصري رقم (71) لعام ( 1946 م)، أخذا بقول فريق من المفسرين ومنهم أبو مسلم الأصفهاني، وفريق من الفقهاء من غير المذاهب الأربعة كبعض أئمة الشيعة الزيدية، وبعض الشيعةالإمامية الاثني عشرية، والإسماعيلية.\rومن الأمثلة القضائية للتخير: تقييد قبول الشهادات بأن تصحب بدليل قوي كالكتابة والخبرة والتسجيل الرسمي لنفي الشبهة بسبب تغير الزمان وضعف الوازع الديني. والنهي عن سماع الدعوى بعد مضي خمس عشرة سنة إلا في الوقف والإرث فبعد ثلاث وثلاثين سنة في لائحة المحاكم الشرعية المصرية سنة (1880م). والمنع من سماع دعوى الزوجية والطلاق والإقرار بهما بعد وفاة أحد الزوجين إلا إذا كانت الدعوى مؤيدة بأوراق خالية من شبهة تدل على صحتها في المادة (31) من لائحة سنة ( 1897 م ) المصرية.\rالفرع الخامس ـ أنواع الضوابط الشرعية للأخذ بأيسر المذاهب:\rلم أجد فيما اطلعت عليه من كتب علماء الأصول والفقه بحثاً مستقلا ًبهذا الموضوع،ويمكن وضع ضوابط شرعية للأخذ بأيسر المذاهب من طريق الاسنتباط أوالاستخلاص مما كتبه الأصوليون والفقهاء في بحث التلفيق وتتبع الرخص والتقليد عموماً.\rوهذه الضوابط (1) هي ما يأتي:\rالضابط الأول: أن يتقيد الأخذ بالأيسر في مسائل الفروع الشرعية الاجتهادية الظنية أي القضايا العملية التي ثبتت أحكامها بطريق ظني أغلبي كأحكام العبادات والمعاملات والأحوال الشخصية والجنايات التي ليس فيها نص قطعي أو إجماع أو قياس جلي (2) .\r-------------------------------\r(1) الضابط: معناه القاعدة الكلية وجمعه ضوابط ويراد بها هنا القيود التي تحدد نطاق الموضوع.\r(2) القياس الجلي: هو ماكانت العلة فيه منصوصة، أو غير منصوصة، ولكن قطع فيه بنفي تأثير الفارق بين الأصل والفرع، كقياس الضرب على التأفيف في الحرمة.","part":1,"page":97},{"id":98,"text":"وهذا ـ كما بينا ـ هو مجال التقليد والتلفيق. أما غير ذلك فلا يصح الأخذ فيه بالأيسر مثل مسائل العقائد وأصول الإيمان والأخلاق كمعرفة الله تعالى وصفاته وإثبات وجود الله ووحدانيته ودلائل النبوة، ومثل كل ماعلم من الدين بالضرورة ــأي بالبداهة ــ وهو ما أجمع عليه المسلمون ويكفر جاحده أو منكره، في جميع التكاليف الشرعية: عبادات أو معاملات أو عقوبات أو محرمات، كأركان الإسلام الخمسة وحرمة الربا (الفائدة)، والزنا، وحل البيع والزواج والقرض ونحوها مما هو ثابت قطعاً بالإجماع، لا يجوز فيها التقليد والتلفيق أو الأخذ بالأيسر. فلا يباح التلفيق المؤدي إلى إباحة المحرمات كالنبيذ المسكر والزنا مثلاً.\rكما لا يباح التلفيق المؤدي إلى إهدار حقوق الناس أو إلحاق الأذى والضرر بهم والعدوان عليهم، إذ لاضرر ولا ضرار في الإسلام.\rقال القرافي (1) : إن ضابط المذاهب التي يقلد فيها خمسة أشياء لا سادس لها عملاً بالاستقراء:\r1 - الأحكام الشرعية الفروعية الاجتهادية.\r2 - وأسبابها.\r3 - وشروطها.\r4 - وموانعها.\r5 - والحِجاج (2) المثبتة للأسباب والشروط والموانع.\rاحترز بـ (الشرعية) عن العقلية كالحساب والهندسة وعن الحسيات وغيرها. واحترز بالفروعية عن أصول الدين وأصول الفقه. وبالاجتهادية عن الأحكام المعلومة من الدين بالضرورة.\rوأسباب الأحكام مثل الإتلاف المسبب للضمان. والشروط كاشتراط الولي والشهود في عقد الزواج. والموانع كالجنون والإغماء المانعين من التكليف الشرعي، والدَّين المانع من إيجاب الزكاة.\r-------------------------------\r(1) الإحكام في تمييز الفتاوى عن الأحكام وتصرفات القاضي والإمام للقرافي: ص195 وما بعدها ، طبعة حلب الفروق: 5/4\r(2) أي طرق الإثبات أو أدلته مثل الإقرار والشهادة.","part":1,"page":98},{"id":99,"text":"والحجاج المثبتة للأسباب والشروط والموانع هي ما يعتمد عليه القضاء من البينات والأقارير ونحو ذلك. وهي نوعان:\r1 - مجمع عليه كالشاهدين في الأموال والأربعة الشهود في الزنى، والإقرار في جميع ذلك إذا صدر من أهله في محله.\r2 - ومختلف فيه: نحو الشاهد واليمين وشهادة الصبيان في القتل والجراح، والإقرار إذا أعقبه رجوع. ونحن كما نقلد العلماء في الأحكام وأسبابها وشروطها وموانعها، فكذلك نقلدهم في الحجاج المثبتة لذلك.\rفاختيار الأيسر من المذاهب مقيد إذن في هذا النطاق وهو الأحكام الفرعية الثابتة بغلبة الظن لدى المجتهد مثل وجوب الوتر والنية في الوضوء، وكون الدَّين مانعاً من الزكاة، وإباحة المعاطاة (1) ، وقبول شهادة الصبيان في القتل والجراح، والشاهد واليمين، وشهادة النساء فيما يختص بهن الاطلاع عليه كعيوب الفروج واستهلال المولود، وجواز البيع بشرط فيه منفعة لأحد المتعاقدين. والتطليق بسبب الغيبة أو الإعسار أو الإضرار، وتقويم منافع العقارات، وتضمين الأجراء والصناع، ومنع هدية المديان، ونحو ذلك.\rالضابط الثاني ـ ألا يترتب على الأخذ بالأيسر معارضة مصادر الشريعة القطعية، أو أصولها ومبادئها العامة. يفهم هذا الشرط مما ذكره فقهاء المالكية ـ حتى الشاطبي ـ من ضرورة نقض حكم الحاكم أو قضاء القاضي في أمور أربعة ينقض فيها قضاؤه، مما يدل على أنه عند الأخذ بالأيسر لا يجوز الوقوع فيما يخالف هذه الأمور وهي ما يأتي (2) :\rالأول ـ أن يحكم القاضي بما يخالف الكتاب أو السنة أو الإجماع، فينقض هو حكم نفسه بذلك، ،وينقضه القاضي الوالي بعده. ويلحق بذلك الحكم بالقول الشاذ.\r-------------------------------\r(1) المعاطاة: المبادلة من غير إيجاب ولا قبول، كدفع الثمن وأخذ المبيع فعلاً من غير كلام صادر من العاقدين أو من أحدهما.\r(2) القوانين الفقهية لابن جزي: 294، ط فاس.","part":1,"page":99},{"id":100,"text":"الثاني ـ أن يحكم بالظن والتخمين من غير معرفة ولا اجتهاد، فينقضه هو ومن يلي بعده.\rالثالث ـ أن يحكم بعد الاجتهاد،ثم يتبين له الصواب في خلاف ما حكم به، فلا ينقضه من ولي بعده. واختلف هل ينقضه هو أم لا؟.\rالرابع ـ أن يقصد الحكم بمذهب، فيذهل ويحكم بغيره من المذاهب، فيفسخه هو، ولا يفسخه غيره. ويهمنا في بحث الأخذ بالأيسر من هذه الأمور الأمر الأول، فقد عدد القرافي (1) صوراً أربعة ينقض فيها الحكم هي: مخالفة الإجماع، والقواعد، والقياس الجلي، والنص. ومثل لكل حالة وبين سبب النقض، ثم قال: فإن مثل هذا لايقر في الشرع لضعفه، وكما لا يتقرر إذا صدر عن الحكام، كذلك لا يصح التقليد فيه إذا صدر عن المفتي، ويحرم اتباعه فيه (2) . أما سبب نقض الحكم المخالف للإجماع: فهو أن الإجماع معصوم من الخطأ ولا يحكم إلا بحق، فخلافه يكون باطلاً قطعاً.\rوأما سبب نقض الحكم لمخالفة القواعد والقياس الجلي والنص إذا لم يكن لها معارض راجح عليها فهو أنها واجبة الاتباع شرعاً ويحرم مخالفتها ولا يقر شرعاً ما يعارضها باجتهاد خطأ، لقوله تعالى: { فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول } [النساء:59/4].\rفمخالفة النص: مثل لو حكم القاضي بإبطال وقف المنقول، فإنه ينقض حكمه، لمخالفته نصوص الأحاديث الصحيحة بصحة وقف المنقول، منها أن\r-------------------------------\r(1) الإحكام في تمييز الفتاوى عن الأحكام: ص128، تبصرة الحكام: 70/1،71، ط الحلبي البابي.","part":1,"page":100},{"id":101,"text":"(2) ويؤيده أن عز الدين بن عبد السلام (المتوفى سنة 660هـ) اشترط لجواز التلفيق ألا يكون ماقلد فيه مما ينقض فيه الحكم أي أن تكون المسألة اجتهادية. رسول الله صلّى الله عليه وسلم قال في حق خالد بن الوليد: «قد احتبس أدراعه وأعتاده في سبيل الله» (1) . ومثل جواز الوصية للوارث، فإنه مخالف للحديث المتواتر: «ألا لاوصية لوارث» . ومثل إقرار الربا القليل أو الفائدة في حدود ( 7 % ) فإنه مخالف للآيات القرآنية الدالة دلالة قطعية على تحريم الربا: { وأحل الله البيع وحرم الربا } [البقرة:275/2]، ومثل تسوية المرأة بالرجل في الميراث فإنه معارض صراحة للنص القرآني: { للذكر مثل حظ الأنثيين} [النساء:11/4].\rومخالفة الإجماع: مثل الحكم بحرمان الجد من الميراث إذا اجتمع مع الإخوة مع أن الصحابة أجمعوا ضمناً على ضرورة إرث الجد، وإنما اختلفوا في أنه: هل يرث جميع المال ويحجب الإخوة، أم أنه يرث مع الإخوة . ومثل الحكم بعدم ضرورة القسمة بين الزوجات في بعض الأحوال، فإنه مخالف للإجماع على أن العدل في القسمة واجب. ومثل الحكم بالقرائن في إثبات جريمة الزنا، فإنه مخالف للإجماع والنص القرآني القاطع.\rومخالفة القواعد: مثل لها القرافي بالمسألة السُّريجية ( نسبة لأحمد بن سريج الشافعي المتوفى سنة 306هـ ) وهي أن يقول الزوج: « إن طلقتك فأنت طالق قبله ثلاثاً » فلا يقع الطلاق عند ابن سريج، وتابعه فيه ابن تيمية وابن القيم (2) ، لأن الطلاق الصادر منه لم يصادف محلاً له. فلو حكم حاكم بإقرار الزواج عملاً بهذا الرأي فينقض حكمه - عند المالكية - لمخالفته القواعد، لأن من قواعد الشرع صحة اجتماع الشرط مع المشروط، فإذا لم يجتمع الشرط مع المشروط لايصح أن يكون في الشرع شرطاً (3) .\r-------------------------------\r(1) نيل الأوطار: 25/6 .\r(2) أعلام الموقعين: 263/3 وما بعدها.\r(3) ومن أمثلة مخالفة قواعد الشريعة عند الشافعية: بيع المعاطاة أو المراضاة، فهو مصادم لأصل شرعي ــ في رأيهم ــ وهو كون الرضا المشروط في البيوع والتجارات معبراً عنه بالإيجاب والقبول اللفظيين.","part":1,"page":101},{"id":102,"text":"هذا والوصية لوارث مخالفة للقواعد أيضاً مثل قاعدة (درء المفاسد مقدم على جلب المصالح) وقاعدة (الحكم يتبع المصلحة الراجحة) والمصلحة الراجحة في الإبقاء على روابط الأسرة على أساس من المحبة والتعاون وصلة الرحم.\rومخالفة القياس الجلي: مثل قبول شهادة النصراني، فإن الحكم بشهادته ينقض، لأن الفاسق لا تقبل شهادته،والكافر أشد منه فسوقاً وأبعد عن المناصب الشرعية في مقتضى القياس، فينقض الحكم لذلك، ولقوله تعالى: { وأشهدوا ذوي عدلٍ منكم} [الطلاق:2/65]، وهو رأي المذاهب الأربعة، إلا الحنابلة فقد أجازوا شهادة أهل الكتاب في الوصية في السفر إذا لم يكن غيرهم، عملاً بقوله تعالى: { أو آخران من غيركم } [المائدة:106/5].\rلكني أرى أن الأسباب المعنوية والاجتماعية والظروف الخاصة والتعصب الذي كان موجوداً في التاريخ بين المسلمين وغيرهم هو الذي أدى إلى رفض قبول شهادة غير المسلمين، أما الآن وقد عاش المسلمون مع غيرهم في صعيد واحد، واتصلوا اتصالاً وثيقاً مع بعضهم، فلا مانع من قبول شهادتهم على المسلمين للضرورة. وقد جرى العمل على ذلك في البلاد الإسلامية.\rالضابط الثالث ـ ألا يؤد ي الأخذ بالأيسر إلى التلفيق الممنوع:\rقد بينا دائرة التلفيق الممنوع سواء الباطل لذاته كإحلال المحرمات كالخمر والزنا ونحوهما أو الباطل لا لذاته، وإنما لعارض ويشمل أنواعاً ثلاثة:\rالأول ـ تتبع الرخص عمداً أي الأخذ بالأيسر بدون ضرورة ولا عذر.\rالثاني ـ التلفيق الذي يستلزم نقض حكم القاضي.","part":1,"page":102},{"id":103,"text":"الثالث ـ التلفيق الذي يستلزم الرجوع عما عمل به تقليداً، أو عن أمر مجمع عليه لازم لأمر قلده وذلك في غير العبادات المحضة. فلا يؤخذ بالأيسر إذا أدى الأمر إلى الانحلال من مسؤولية التكاليف الشرعية أو العبث بالدين وقضايا الزواج، أو الإضرار بالبشر، أو الفساد في الأرض، أو الإضرار بالمصلحة الاجتماعية.\rفلا يجوز مثلاً التلفيق أو الأخذ بالأيسر للتخلص من فريضة الزكاة، باستخدام الحيل (1) قبيل مضي العام بإعطاء الشخص مدينا ً له من الزكاة بقدر ماعليه، ثم يطالبه بالوفاء، فإذا وفاه برىء وسقطت الزكاة عن الدافع. أو يلجأ المزكي لتصرف صوري بيعاً أو هبة ثم يسترد المال إليه، فهذه حيلة محرمة باطلة لاتسقط فرض الزكاة (2) لأن في ذلك إضراراً بمصلحة الفقراء، وتآمراً على حقوقهم الثابتة شرعاً في أموال الأغنياء. كما لا يصح الإفتاء بأيسر المذاهب في أحكام الزكاة دفعاً لحاجة الفقير، وإنما يفتى بما يحقق المصلحة، فيفتي مثلاً بمذهب مالك والشافعي وجمهور العلماء بإيجاب الزكاة في مال الصبي والمجنون، وبإخراج زكاة الأرض الخراجية (التي فتحت عنوة) مع الخراج، فيكون الواجب في تلك الأرض الخراج والعشر معاً، لأن العشر واجب ديني على المسلمين،والخراج واجب اجتهادي ليكون مورداً للجماعة ممثلة بالدولة لسد حاجاتها ونفقاتها العامة.\r-------------------------------\r(1) قال ابن القيم: لايجوز للمفتي تتبع الحيل المحرمة والمكروهة ( أعلام الموقعين: 222/4).\r(2) أعلام الموقعين: 258/3 ،320 .","part":1,"page":103},{"id":104,"text":"ومن الواجب أن تكون الغاية من الأخذ بالأيسر الحفاظ على مقاصد الشريعة، والتزام سياستها وحكمتها التشريعية، ورعاية مصلحة الناس كافة في المعاملات والعقوبات وأداء الأموال والعلاقات الزوجية لا المصلحة الخاصة، وعدم إهدار مصلحة أهم مما دونها، واتقاء المفسدة الكبرى بالدنيا عند الضرورة، وأن يكون الشرع هو معيار تحقيق المصلحة ودرء المفسدة. ومقاصد الشريعة هي: حفظ الدين (من عقائد وعبادات)، والنفس، والعقل، والنسل، والمال، وينبغي التدرج في الحفاظ عليها بحسب مراتبها وهي الضروريات أولاً، ثم الحاجيات، ثم التحسينيات.\rأما الضروريات: فهي التي يتوقف عليها حياة الناس الدينية والدنيوية بحيث إذا فقدت اختلت الحياة في الدنيا، وضاع النعيم وحل العقاب في الآخرة. أي أنها كل مالا بد منه لحفظ المقاصد الخمسة الأصلية.\rوأما الحاجيات: فهي التي يحتاج الناس إليها لرفع الحرج عنهم فقط، بحيث إذا فقدت وقع الناس في الضيق والحرج دون أن تختل الحياة. فقد تتحقق بدونها المقاصد الخمسة، ولكن مع المشقة والضيق.\rوأما التحسينيات: فهي المصالح التي يقصد بها الأخذ بمحاسن العبادات ومكارم الأخلاق، كالطهارات وستر العورات. فهي بمثابة السور للحفاظ على المقاصد الخمسة الضرورية.\rالضابط الرابع ـ أن تكون هناك ضرورة أو حاجة للأخذ بالأيسر.\rالأخذ بالأيسر ينبغي ألا يكون متخذاً للعبث في الدين أو مجاراة أهواء النفوس أو للتشهي وموافقة الأغراض، لأن الشرع جاء بالنهي عن اتباع الهوى، قال الله تعالى: {ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السموات والأرض ومن فيهن} [المؤمنون:71/23]، {فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول} [النساء:59/4]، فلا يصح رد المتنازع فيه إلى أهواء النفوس. وهناك آيات كثيرة في هذا المعنى منها قوله سبحانه: {فإن لم يستجيبوا لك فاعلم أنما يتبعون أهواءهم، ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله، إن الله لا يهدي القوم الظالمين} [القصص:28/50]، {وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم} [المائدة:5/49]، {ياداود إنا جعلناك خليفة في الأرض، فاحكم بين الناس بالحق، ولا تتبع الهوى، فيضلك عن سبيل الله} [ص:38/26].","part":1,"page":104},{"id":105,"text":"وبناءً عليه ألزم العلماء المفتي في إفتائه ألا يتبع أهواء الناس (1) بل يتبع المصلحة والدليل الراجح، والمصلحة المعتبرة هي مصلحة الكافة كما بينا. قال تعالى لنبيه: {ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها ولاتتبع أهواء الذين لايعلمون، إنهم لن يغنوا عنك من الله شيئاً} [الجاثية:45/18-19]، قال القرافي في الإحكام والشيخ عليش في فتاويه (2) : «أما اتباع الهوى في الحكم والفتيا فحرام إجماعاً» .\rوقال ابن القيم: لايجوز للمفتي تتبع الرخص لمن أراد نفعه، فإن تتبع ذلك فسق، وحرم استفتاؤه (3) وهذا المعنى هو الذي حمل الشاطبي ـ كما بينت سابقاً ـ على منع تتبع الرخص، فقد قال: وقد أدى إغفال هذا الأصل (أي اتباع أحد الدليلين أو القولين من غير ترجيح) إلى أن صار كثير من مقلدة الفقهاء يفتي قريبه أو صديقه بمالايفتي به غيره من الأقوال، اتباعا ً لغرضه، وشهوته، أو لغرض ذلك القريب وذلك الصديق (4) .\rوهذا يدلنا على أن مراعاة المصلحة الخاصة في الأخذ بالأيسر أمر غير مرغوب فقهاً وشرعاً، وإنما ينبغي مراعاة المصلحة العامة أو مصلحة الكافة.\r-------------------------------\r(1) أعلام الموقعين: 74/1، الموافقات: 142/4 و مابعدها، الاعتصام: 176/2.\r(2) فتح العلي المالك في الفتوى على مذهب مالك: 68/1، الإحكام للقرافي: ص79.\r(3) أعلام الموقعين: 222/4.\r(4) الموافقات : 135/4 .","part":1,"page":105},{"id":106,"text":"وإذا كان اتباع الأهواء محرما ً لزم تقييد الأخذ بأيسر المذاهب بوجود حالة الضرورة أو الحاجة، لأن ( الضرورات تبيح المحظورات ) و( الحاجة تنزل منزلة الضرورة، عامة كانت أو خاصة) والضرورة: مايترتب على عصيانها خطر. أما الحاجة: فهي مايترتب على عدم الاستجابة إليها عسر وصعوبة. والمراد بكون الحاجة عامة: أن تكون شاملة جميع الأمة، والمراد بكونها خاصة أن يكون الاحتياج لطائفة متخصصة من الأمة كأهل بلد أو حرفة، لا أن تكون فردية (1) .\rولست مع الشاطبي في أن العمل بالضرورة أو الحاجة أخذ بما يوافق الهوى (2) ، لأن الضرورات والحاجات تتجدد بحسب التطور. ولابد من مراعاة ضوابط الضرورة الشرعية والحاجة (وهي أن تكون قائمة لامتوقعة، ويقينية أو غالبة الظن، وملجئة أو محرجة...إلخ) (3) .\rالضابط الخامس ـ أن يتقيد الأخذ بالأيسر بمبدأ الترجيح.\rأي أن يكون الهدف العام أولاً هو العمل بالرأي الأقوى أو الأرجح بحسب رجحان دليله، لأن الأخذ بالأيسر نوع من الاجتهاد، والمجتهد ملزم باتباع الدليل الراجح المؤدي إلى الصواب، بحسب غلبة ظنه. لذا أوجب الأصوليون على المفتي (أي المجتهد) أن يتبع القول لدليله، فلايختار من المذاهب أضعفها دليلاً، بل يختار أقواها دليلاً؛ لأن الصحابة أجمعوا في اجتهاداتهم على وجوب العمل بالراجح من الظنين دون أضعفهما، ولأن العقل يوجب العمل بالراجح في الحوادث، والأصل اتفاق الشرع مع العقل. قال القرافي: إن الحاكم إن كانمجتهداً فلا يجوز له أن يحكم أو يفتي إلا بالراجح عنده، وإن كان مقلداً جاز له أن يفتي بالمشهور في مذهبه، وأن يحكم به، وإن لم يكن راجحاً عنده، مقلداً في رجحان القول المحكوم به إمامه الذي يقلده، كما يقلده في الفتيا.\r-------------------------------\r(1) المدخل الفقهي للأستاذ مصطفى الزرقاء: ف 603.\r(2) الموافقات : 145/4.\r(3) راجع نظرية الضرورة الشرعية للدكتور وهبة الزحيلي: ص 66 ومابعدها.","part":1,"page":106},{"id":107,"text":"وقال أيضاً: أما الحكم أو الفتيا بما هو مرجوح فخلاف الإجماع (1) . لكن ناقش الشيخ عليش هذا الإجماع فقال: ولعل هذا الإجماع ـ على تقدير ثبوته ـ إنما يكون حيث تبع القاضي أو المفتي في تقليد الشاذ هواه، فإن أبغض شخصاً أو كان من ذوي الخمول، شدد عليه، فقضى عليه وأفتاه بالمشهور، وإن أحبه أو كان له عليه منة، وكان من أصدقائه أو أقاربه واستحيا منه، لكونه من ذوي الوجاهة أو أبناء الدنيا، أفتاه ،أو قضى له بالشاذ الذي فيه رخصة (2) .\rثم ذكر الشيخ عليش في فتاويه عند الكلام على موضوع التخير بين الأقوال: الصحيح إن كان المقلد أهلاً للنظر في طرق الترجيح وإدراك مدارك التقديم والتصحيح، فإنما الواجب عليه في القولين أو الأقوال إن كانت لشخص واحد ألا يعمل أو يفتي أو يحكم إلا بالراجح عنده (3) .\rثم تعقب الشيخ عليش (4) عبارة القرافي في أنه منع المجتهد من الحكم والفتيا إلا بالراجح عنده، وأجاز للمقلد أن يفتي بمشهور مذهب من قلده حتى ولو كان شاذاً مرجوحاً في نظره. ثم قال عليش: لا دليل فيه على جواز العمل بغير الراجح، لأنه لا يلزم من العمل بالمرجوح عنده الراجح في نظر إمامه أو عكسه العمل بالمرجوح في نظرهما معاً.\r-------------------------------\r(1) الإحكام في تمييز الفتاوى عن الأحكام: ص 79، 80، تبصرة الحكام: 66/1، فتاوى الشيخ عليش: 64/1،68.\r(2) فتح العلي المالك: 62/1.\r(3) فتاوى الشيخ عليش: 65/1.\r(4) المرجع السابق : 68/1.","part":1,"page":107},{"id":108,"text":"وخلاصة الكلام المفهوم من كلام القرافي والشيخ عليش: إن المقلد إذا كان أهلاً للترجيح، وكان هناك قولان: راجح ومرجوح، فعليه النظر والترجيح. وإن كان القولان متكافئين لا راجح فيهما في نظره، جاز له الحكم بأحد القولين أو الترجيح بالأعلم أو بالأكثر أو بالأشد والأثقل (1) .\rهذا هو الأصل العام عند العلماء في أنه يجب العمل بالراجح في الفتوى والقضاء والعمل إلا لعارض معتبر شرعاً، فإذا وجدت ضرورة أو حاجة أومصلحة عامة للعمل بالقول المرجوح (الضعيف أو الشاذ) (2) أو اعتمد الحاكم قولاً مرجوحاً، جاز الأخذ به، كما بينت سابقاً، ولا إجماع في الحقيقة على منع الأخذ بالمرجوح بدليل وجود الاختلاف بين العلماء فيما يأخذ به المقلد من أقوال العلماء.\rقيل: يأخذ بقول أعلمهم. وقيل: يأخذ بقول أكثرهم، وقيل: يأخذ بقول من شاء منهم، يعني وإن لم يكن قائله أعلم ولا أكثر، بل يكون مماثلاً أو أقل عدداً أو أدنى علماً، وهذا هو عين القول الشاذ. وقد قال بعض المفسرين في سر قوله تعالى لداود عليه السلام: { ولا تتبع الهوى } [ص:26/38]، بعد أمره له أن يحكم بالحق: إن فيه إشارة إلى أن الامتثال لايكون بمجرد الحكم بالحق، حتى يكون الباعث على الحكم به حقيته، لا اتباع الهوى، فيكون معبود من اتصف بهذا هواه، لا مولاه جل وعلا، حتى إذا لم يجد هواه في الحق تركه، واتبع غير الله.\r-------------------------------\r(1) الإحكام للقرافي: ص30، 80، فتاوى عليش: 65/1،69، 79\r(2) القول الشاذ : هو الذي ضعف مُدْرَكه جداً.","part":1,"page":108},{"id":109,"text":"أما من قلد القول الشاذ لأنه حق في حق من قال به، وفي حق من قلده، ولم يحمله عليه مجرد الهوى، بل الحاجة والاستعانة على دفع ضرر ديني أو دنيوي، فهذا ترجى له السلامة في تقييده ذلك (1) .\rوقال الشيخ عليش: أما التقليد في الرخصة من غير تتبع، بل عند الحاجة إليها في بعض الأحوال خوف فتنة ونحوها، فله ذلك (2) .\rهذه هي ضوابط الأخذ بأيسر المذاهب - قي تقديرنا - فإذا ماالتزمناها نكون قد أخذنا بمبدأ الاعتدال والتوسط الذي قامت عليه شريعة الإسلام، والذي يتفق مع المنهج الذي ارتآه الخليفة أبو جعفر المنصور، حينما لقي الإمام مالك في الحج، فقال له: إنه لم يبق عالم غيري وغيرك. أما أنا فقد اشتغلت بالسياسة. فأما أنت فضع للناس كتاباً في السنة والفقه، تجنب فيه رخص ابن عباس، وتشديدات ابن عمر، وشواذ ابن مسعود، ووطئه توطيئاً. قال مالك: فعلمني كيفية التأليف. يعني دله على طريقة الاعتدال.\rويمكن اختصار هذه الضوابط في أمرين:\rأولهما - أن تكون المسألة اجتهادية ليس فيها دليل راجح.\rثانيهما - أن تكون هناك ضرورة أو حاجة أو مصلحة أو عذر.\rهذا وقد أبان ابن حجر وغيره من الشافعية (3) شروط التقليد، وبالتالي تصلح هذه الشروط لبحثنا وهو الأخذ بأيسر المذاهب، من باب أولى فيحسن ذكرها، فقال:\rوشروط التقليد ستة:\rالأول - أن يكون مذهب المقلَّد مدوناً لتتمكن فيه عواقب الأنظار ويتحصل له العلم اليقيني بكون المسألة المقلد بها من هذه المذاهب.\rالثاني - حفظ المقلِّد شروط إمام المذهب في تلك المسألة.\rالثالث - أن لايكون التقليد فيما ينقض فيه قضاء القاضي، بأن لايكون خلاف نص الكتاب أو السنة أو الإجماع أو القياس الجلي.\rالرابع - أن لايتبع الرخص بأن يأخذ من كل مذهب بالأسهل لتنحل رتبة التكليف من عنقه.\rقال ابن حجر: ومن ثم كان الأوجه أن يفسق به. وقال الرملي: الأوجه أنه لايفسق وإن أثم به.\rوهذا الشرط - كما صرح المتأخرون - ليس شرطاً لصحة التقليد بل هو شرط لدرء الإثم كالنهي عن الصلاة في الأرض المغصوبة.\rالخامس - أن لايعمل بقول في مسألة ثم بضده في عينها.\rوهذا الشرط فيه نظر، لأنه مبني على امتناع التقليد بعد العمل، والأصح جوازه - كما قال الشافعية.\r-------------------------------\r(1) فتاوى الشيخ عليش: 62/1.\r(2) المرجع السابق: 60/1.\r(3) راجع الفوائد المكية فيما يحتاجه طلبة الشافعية من المسائل والضوابط والقواعد الكلية، ضمن (مجموعة سبعة كتب مفيدة) للسيد علوي بن أحمد السقاف، طبعة البابي الحلبي: ص51.","part":1,"page":109},{"id":110,"text":"السادس - أن لايلفق بين قولين تتولد منهما حقيقة واحدة مركبة، لايقول كل من الإمامين بها، كتقليد الشافعي في مسح بعض الرأس، ومالك في طهارة الكلب في صلاة واحدة. قال البلقيني: إن التركيب القادح في التقليد إنما يؤخذ إذا كان في قضية واحدة، كتقليد إمامين في طهارة الحدث.أما إذا كان التركيب من حيث القضيتين كطهارة الحدث وطهارة الخبث، فذلك غير قادح، لأن الإمامين لم يتفقا على بطلان طهارته. وزاد بعض الشافعية شرطاً سابعاً: وهو أنه يلزم المقلِّد اعتقاد أرجحية أو مساواة مقلِّده للغير، لكن المشهور الذي رجحه النووي والرافعي جواز تقليد المفضول مع وجود الفاضل. قال ابن عابدين في رد المحتار: ذكر في التحرير وشرحه أنه يجوز تقليد المفضول مع وجود الأفضل. وبه قال الحنفية والمالكية وأكثر الحنابلة والشافعية.\rوزاد بعضهم شرطاً ثامناً: وهو أنه لابد من صحة التقليد أن يكون صاحب المذهب حياً وقت التقليد. لكن هذا مردود عند العلماء، لأن الشيخين النووي والرافعي اتفقا على جواز تقليد الميت، وقالا: هو الصحيح.\rيتبين من نقاش هذه الشروط خلال ماكتبناه أن الشرطين الأولين مفترض تحققهما في كل تقليد أو أخذ بالأيسر. وأن الشرط السابع والثامن لاداعي لهما، وأوافق على الشرط الثالث وأعتمده في بحثي، وأمنع الأخذ بالتلفيق الممنوع فقط وبه يستغنى عن الشرط الخامس. وآخذ بما يخالف الشرط الرابع عند الحاجة.\rويحسن وضع مشاريع قوانين مدنية وتجارية وجزائية مستمدة من الفقه الإسلامي كله (فقه الصحابة والتابعين وفقه المذاهب الأربعة وغيرها من فقه أئمة الاجتهاد الآخرين وعلماء العصر الحديث).","part":1,"page":110},{"id":111,"text":"والاجتهاد ممكن كل الإمكان اليوم، ولاصعوبة فيه، بشرط أن ندفن تلك الأوهام والخيالات، ونمزق ذلك الران الذي خيم على عقولنا وقلوبنا من رواسب الماضي وآفات الخمول، والظن الآثم بعدم إمكان الوصول إلى ماوصل إليه الأولون، حتى عد ذلك كأنه ضرب من المستحيل، وهل هناك مستحيل بعد غزو الفضاء واختراع أنواع الآلات الحديثة العجيبة الصنع؟!. إن استكمال شرائط الاجتهاد ليس من العسير في شيء بعد تدوين العلوم المختلفة، وتعدد المصنفات فيها، وتصفية كل دخيل عليها.\rوهاهم العلماء في كل عصر يجتهدون، ويرجحون بين أقوال الفقهاء السابقين، حتى انضبطت المذاهب، وحررت الأحكام.\rقال ابن عبد السلام من أئمة المالكية في كتابه (شرح مختصر ابن الحاجب) في باب القضاء: «إن رتبة الاجتهاد مقدور على تحصيلها، وهي شرط في الفتوى والقضاء، وهي موجودة إلى الزمان الذي أخبر عنه عليه الصلاة والسلام بانقطاع العلم، ولم نصل إليه إلى الآن، وإلا كانت الأمة مجتمعة على الخطأ، وذلك باطل» .\rقال السيوطي معلقاً على هذه العبارة: «فانظر كيف صرح بأن رتبة الاجتهاد غير متعذرة، وأنها باقية إلى زمانه، وبأنه يلزم من فقدها اجتماع الأمة على الباطل، وهو محال » (1) .\rقال الشيخ المراغي في بحثه عن الاجتهاد في الإسلام: وإني مع احترامي لرأي القائلين باستحالة الاجتهاد أخالفهم في رأيهم، وأقول: إن في علماء المعاهد الدينية في مصر من توافرت فيهم شروط الاجتهاد ويحرم عليهم التقليد.\rالمطلب السابع ـ المصيب في الاجتهاد\rاتفق الأصوليون على أن الناظر في القضايا العقلية المحضة (2) والمسائل\r-------------------------------\r(1) الرد على من أخلد إلى الأرض : ص24.\r(2) القضايا العقلية: هي التي يصح للناظر درك حقيقتها بنظر العقل قبل ورود الشرع كإثبات الإله الصانع وصفاته وبعثة الرسل وتصديقهم بالمعجزات، وحدوث العالم، وجواز رؤية الله تعالى، وخلق القرآن والأعمال، وخروج الموحدين من النار.","part":1,"page":111},{"id":112,"text":"الأصولية (1) : يجب أن يهتدي إلى الحق والصواب فيها، لأن الحق فيها واحد، لايتعدد، والمصيب فيها واحد بعينه، وإلا اجتمع النقيضان. فمن أصاب الحق فقد أصاب، ومن أخطأ فهو آثم، ونوع الإثم يختلف: فإن كان الخطأ فيما يرجع إلى الإيمان بالله ورسوله فالمخطئ كافر، وإلا فهو مبتدع فاسق، لأنه عدل عن الحق، وضل، كالقول بعدم رؤية الله تعالى، وخلق القرآن (2) .\rويلحق بذلك المسائل القطعية المعلومة من الدين بالضرورة ( أي البداهة )، كوجوب الصلوات الخمس والزكاة والحج وصوم رمضان وتحريم الزنا والقتل والسرقة وشرب الخمر ونحوها مما علم قطعاً من دين الله، فليس كل مجتهد فيها مصيباً، بل الحق فيها واحد لايتعدد، وهو المعلوم لنا، فالموافق له مصيب، والمخالف له مخطئ آثم.\rأما المسائل الفقهية الظنية أي الأحكام التي ليس فيها دليل قاطع، فهي محل الاجتهاد، ولا إثم على المجتهد فيها، لكن اختلف الأصوليون فيها، هل كل مجتهد فيها مصيب أو أن المصيب واحد؟.\rومنشأ الخلاف في هذا : هل لله تعالى في كل مسألة حكم معين في الأمر نفسه قبل اجتهاد المجتهد، أو ليس له حكم معين، وإنما الحكم فيها هو ماوصل إليه المجتهد باجتهاده؟.\r-------------------------------\r(1) المسائل الأصولية: مثل كون الإجماع والقياس وخبر الواحد حجة، لأن أدلتها قطعية، فيعتبر المخالف فيها آثماً مخطئاً.\r(2) المستصفى: 105/2، الإحكام للآمدي: 146/3، شرح المحلي على جمع الجوامع: 318/2، شرح العضد على مختصر ابن الحاجب: 293/2، مسلم الثبوت: 328/2، كشف الأسرار: 1137/4، التلويح: 118/2، الملل والنحل: 201/1، إرشاد الفحول: ص228.","part":1,"page":112},{"id":113,"text":"فقال الأشعري والغزالي والقاضي الباقلاني: لاحكم لله قبل اجتهاد المجتهد، وحكم الله ما أدى إليه اجتهاد المجتهد، فالحكم يتبع الظن، وما غلب على ظن المجتهد هو حكم الله، أي أن كل مجتهد مصيب، لأنه أدى ماكلف به.\rوقال جمهور العلماء والشيعة: إن لله في كل واقعة حكماً معيناً قبل الاجتهاد، فمن صادفه فهو المصيب، ومن لم يصادفه كان مخطئاً. فالمصيب واحد، له أجران، والمخطئ غيره وله أجر واحد (1) .\rثم اختلف هؤلاء، فقالت طائفة من الفقهاء والمتكلمين: هذا الحكم لادليل ولا أمارة عليه، بل هو كدفين يعثر عليه الطالب مصادفة. وهو رأي غير معقول لامعنى له، إذ كيف يكلف الله العباد بحكم لا دليل عليه؟.\rوقال الأكثرون: قد نصب الله على هذا الحكم أمارة ظنية، والمجتهد ليس مكلفاً بإصابة الدليل لخفائه وغموضه، فمن لم يصبه كان معذوراً مأجوراً، وهذا هو القول الصحيح، بدليل قوله صلى الله عليه وسلم: «إذا حكم الحاكم فاجتهد فأصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر» .\rالمطلب الثامن ـ طريقة الاجتهاد:\rإذا وقعت حادثة جديدة، أو أراد إنسان استخلاص رأي راجح من بين آراء الأئمة، استجمع العالم المجتهد كل ما يتصل بنواحي الموضوع من لغة وآيات قرآنية\r-------------------------------\r(1) اللمع للشيرازي: ص 71، المستصفى: 106/2 ومابعدها، الإحكام للآمدي: 148/3 ومابعدها، شرح الإسنوي: 251/3، شرح المحلي على جمع الجوامع: 318/2، شرح العضد على مختصر المنتهى: 293/2، التقرير والتحبير: 306/3، فواتح الرحموت شرح مسلم الثبوت: 376/2 ومابعدها، كشف الأسرار: 1138/4، التلويح على التوضيح:118/2، إرشاد الفحول: ص 230، الملل والنحل للشهرستاني:203/2.","part":1,"page":113},{"id":114,"text":"وأحاديث نبوية وأقاويل السلف وأوجه القياس الممكنة، أي لا بد من توافر شروط الاجتهاد في تلك الحادثة، ثم ينظر فيها بدون تعصب لمذهب معين على النحو التالي:\rينظر أولاً في نصوص كتاب الله تعالى، فإن وجد فيه نصاً أو ظاهراً، تمسك به، وحكم في الحادثة بمقتضاه. فإن لم يجد فيه ذلك، نظر في السنة، فإن وجد فيها خبراً أو سنة عملية أو تقريرية، أخذ بها، ثم ينظر في إجماع العلماء، ثم في القياس (1) ، ثم في الرأي الموافق لروح التشريع الإسلامي (2) . وهكذا تتحدد طريقة الاجتهاد إما بالأخذ من ظواهر النصوص إذا انطبقت على الواقعة ، أو بأخذ الحكم من معقول النص أي بالقياس،أو بتنزيل الوقائع على القواعد العامة المستنبطة من الأدلة المتفرقة في القرآن والسنة كالاستحسان والمصالح المرسلة والعرف وسد الذرائع إلخ (3) .\rالمطلب التاسع ـ نقض الاجتهاد وتغييره وتغير الأحكام بتغير الأزمان:\rأولاً ـ تغير الاجتهاد: يجوز للمجتهد تغيير اجتهاده، فيرجع عن قول قاله سابقاً، لأن مناط الاجتهاد هو الدليل، فمتى ظفر المجتهد به، وجب عليه الأخذ بموجبه لظهور ماهو أولى بالأخذ به، مما كان قد أخذ به، ولأنه أقرب إلى الحق والصواب (4) .\r-------------------------------\r(1) الرسالة للشافعي: ص 508، الملل والنحل للشهرستاني: 198/2، المنخول للغزالي: ص466.\r(2) أعلام الموقعين: 66/1، إرشاد الفحول: ص227.\r(3) تاريخ الفقه الإسلامي للسايس: ص 31.\r(4) إرشاد الفحول : ص232.","part":1,"page":114},{"id":115,"text":"جاء في كتاب عمر رضي الله عنه لأبي موسى الأشعري قاضيه على الكوفة: «ولايمنعنك قضاء قضيته اليوم، فراجعت فيه نفسك، وهديت فيه لرشدك، أن ترجع إلى الحق، فإن الحق قديم، ومراجعة الحق خير من التمادي في الباطل» .\rثانياً ـ نقض الاجتهاد: إذا أفتى مجتهد في حادثة ما، أو حكم الحاكم في نزاع بين متخاصمين، ثم تغير اجتهاد كل منهما، فرأى المجتهد أو الحاكم حكماً بخلاف مارآه أولاً، فما الذي يعمل به من الاجتهادين: السابق أم اللاحق، وهل ينقض الاجتهاد السابق؟ وقبل الإجابة يلاحظ أن هناك فرقاً بين نقض الاجتهاد وتغير الاجتهاد. وهو أن التغير أمر نظري لتقرير مبدأ العدول عن الاجتهاد السابق، وأما نقض الاجتهاد فمجاله الحياة العملية والإفتاء وفض المنازعات والخصومات بين الناس.\rوقد ميز الأصوليون في مسألة نقض الاجتهاد بين المجتهد والحاكم (1) .\rأما المجتهد لنفسه إذا رأى حكماً معيناً، ثم تغير ظنه، لزمه أن ينقض اجتهاده وما ترتب عليه. مثاله: إذا رأى المجتهد أن الخلع فسخ، فنكح امرأة كان قد خالعها ثلاثاً، ثم رأى بعدئذ أن الخلع طلاق، لزمه مفارقة تلك المرأة، ولايجوز له إمساكها، عملاً بمقتضى الاجتهاد الثاني، لأنه تبين أن الاجتهاد الأول خطأ، والثاني صواب، والعمل بالظن واجب.\rوأما الحاكم: إذا قضى في واقعة معينة باجتهاد، ثم تغير اجتهاده في واقعة مماثلة، فإن كان حكمه مخالفاً لدليل قاطع، من نص، أو إجماع، أو قياس جلي (2) نقض باتفاق العلماء، سواء من قبل الحاكم نفسه أو من أي مجتهد آخر ، لمخالفته الدليل.\r-------------------------------\r(1) المستصفى: 120/2، الإحكام للآمدي: 158/3، مسلَّم الثبوت:345/2، فواتح الرحموت: 395/2، التقرير والتحبير: 335/3، شرح المحلي على جمع الجوامع: 320/2، المدخل إلى مذهب أحمد: ص190، إرشاد الفحول: ص 232.\r(2) وهو ماكانت العلة فيه منصوصة، أو كان قد قطع بنفي تأثير الفارق بين الأصل والفرع.","part":1,"page":115},{"id":116,"text":"وأما إذا كان حكمه في مجال الاجتهاديات ، أو الأدلة الظنية، فإنه لاينقض الحكم السابق، لأن نقضه يؤدي إلى اضطراب الأحكام الشرعية وعدم استقرارها، وعدم الوثوق بحكم الحاكم، وهذا مخالف للمصلحة التي نصب الحاكم لها، وهو فصل المنازعات. فلو أجيز نقض حكم الحاكم، لما استقرت للأحكام قاعدة، ولبقيت الخصومات على حالها بعد الحكم، وذلك يوجب دوام التشاجر والتنازع وانتشار الفساد ودوام العناد، وهو مناف للحكمة التي لأجلها نصب الحكام، كما قال القرافي (1) . والرائد في ذلك قول عمر حينما قضى في مسألة إرثية بحكمين: «تلك على ماقضينا وهذا على مانقضي » وقول الفقهاء في الفروع: «لاينقض الاجتهاد بالاجتهاد» .\rثالثاً ـ تغير الأحكام بتغير الأزمان:\rلاينكر تغير الأحكام بتغير الأزمان، كما هو معروف مشهور، وذلك بسبب تغير العرف، أو تغير مصالح الناس، أو مراعاة الضرورة، أو لفساد الأخلاق، وضعف الوازع الديني، أو لتطور الزمن وتنظيماته المستحدثة. فيجب تغير الحكم الشرعي لتحقيق المصلحة ودفع المفسدة، وإحقاق الحق والخير. وهذا يجعل مبدأ تغير الأحكام أقرب إلى نظرية المصالح المرسلة منها إلى نظرية العرف.\rومما ينبغي ملاحظته أن الأحكام القابلة للتغير أو التطور هي المستنبطة بطريق القياس أو المصلحة المرسلة، وذلك في نطاق المعاملات أو الأحكام الدستورية والإدارية والعقوبات التعزيرية، مما يدور مع مبدأ إحقاق الحق وجلب المصالح ودرء المفاسد.\r-------------------------------\r(1) الفروق: 104/2.","part":1,"page":116},{"id":117,"text":"أما ماعدا ذلك من الأحكام الأساسية المقررة لغاية تشريعية أو مبدأ تنظيمي عام، فهي أمور ثابتة لاتقبل التطور، مثل أصول العقيدة والعبادات والأخلاق وأصول التعامل كحرمة محارم الإنسان، ومبدأ الرضائية في العقود، ووفاء العاقد بعقده أو عهده، وضمان الضرر اللاحق بالغير، وتحقيق الأمن والاستقرار، وقمع الإجرام، وحماية الحقوق الإنسانية العامة، ومبدأ المسؤولية الشخصية، واحترام مبدأ العدالة والشورى.\rالمطلب العاشر ـ خطة البحث:\rطريقتي في بحث أبواب الفقه هي تقسيم الفقه إلى أقسام ستة:\r1 - العبادات، وما له صلة بها كالنذور والأيمان والأضاحي والذبائح (صلة الإنسان بالله تعالى).\r2 - أهم النظريات الفقهية.\r3 - المعاملات - العقود المدنية وتوابعها (علاقة الإنسان بغيره).\r4 - الملكية وما يتبعها من بحث أحكام الأراضي، وإحياء الموات، وحقوق الارتفاق، وعقود استثمار الأرض، وأحكام المعادن والنفط، والقسمة، والغصب واللقطة والسبق والمفقود والشفعة.\r5 - ما له صلة بالدولة (الفقه العام): الحدود والجنايات والجهاد والمعاهدات والقضاء وطرق الإثبات وأحكام الإمامة الكبرى أو نظام الحكم. وقد يسمى ذلك بالأحكام السلطانية.\r6 - الأحوال الشخصية من زواج وطلاق وتوابعهما، وميراث ووصية، ووقف، وأما الأهلية والولاية فقد أوضحتهما في بحث النظريات الفقهية، ويتكرر تفصيلهما أحياناً في بعض مباحث الأحوال الشخصية، وعقد البيع وغيره.\rالمطلب الحادي عشر ـ جدول المقاييس\r1 - وحدات الأطوال:\rالقَصَبة: (6 أذرع أو 696،3 م )(متراً) (2) .\rالجريب: ( 100 قصبة أو 3600 ) ذراعاً هاشمياً أو قدماً مربعاً أو ياردة مربعة، (أو0416،1366 م2 ) (متر مربع)، والقدم: (4،30 سم)، واليارد الحالي:( 43،91سم).\rالذراع الهاشمي: (32 ) إصبعاً أو قيراطاً، والإصبع: (925،1) سم (سنتيمتر).\rالذراع المصري العتيق (3) : (2،46 )سم.\r-------------------------------\r(1) انظر الخراج في الدولة الإسلامية للدكتور ضياء الدين الريس، ط أولى: ص261-353، النظم الإسلامية للدكتور صبحي الصالح: ص409-429، الإيضاح والتبيان في معرفة المكيال والميزان لابن الرفعة الأنصاري.\r(2) القصبة الحالية: 23.75م2، قد يختلف التقدير بالغرام أو المتربين الحنفية والشافعية وغيرهم، بسبب الاختلاف في تقدير الأوسق والمرحلة.\r(3) والمؤلفون يسمونه بأسماء مختلفة، فيقولون: الذراع الصغير، أو ذراع العامة، أو ذراع القياس، أو ذراع اليد، أو ذراع الآدمي، أو الذراع الصحيح.","part":1,"page":117},{"id":118,"text":"الذراع المقصود فقهاً هو الهاشمي: (2،61 )سم.\rالباع: (4) أذرع، والمرحلة: (12) ساعة.\rالقفيز (في الأطوال): (10/1) الجريب أو (6،136م2).\rالغَلْوة (غلوة سهم): (400 ) ذراع أو (8،184م).\rالميل: (4000 ) ذراع أو (1848م) أو (2/1) ساعة أو(1000) باع.\rوالميل البحري الحديث: (32،1848) م.\rالفرسخ:( 3) أميال أو (5544)م أو (12000) خطوة، حوالي (2/1) 1ساعة،واحد ونصف.\rالبريد العربي: (4) فراسخ أو(22176م) أو (176،22) كم أو حوالي (6) ساعات (1) .\rمسافة القصرللمسافر أربعة برد وهي ستة عشر فرسخاً، وتساوي: (704،88)كم (كيلومتر)، وعند الحنيفةحوالي 86 كم.وقدرها بعضهم بـ 83كم.\rالفدان المصري:(5/6) (4200)م2 أو(3/1) (333 ) قصبة مربعة.\rوالفدان القديم:(5929م2).\rالدونم: (1000م2).\r-------------------------------\r(1) قدر بعضهم الفرسخ بـ (5760م) فتكون الثمانية فراسخ 46.80 كم.","part":1,"page":118},{"id":119,"text":"2 - وحدات المكاييل:\rالصاع الشرعي أو البغدادي: (4) أمدادأو(5 و3/1) رطل، أي أربع حَفَنات كبار،ووزنه: (7،685) درهماً أو (75،2) لتراً أو (2176)غم وهو رأي الشافعي وفقهاء الحجاز والصاحبين باعتبارأن المد: رطل وثلث بالعراقي، وعند أبي حنيفة وفقهاء العراق: ثمانية أرطال باعتبار أن المد رطلان، فيكون (3800غم).وفي تقدير آخر هو الشائع أن الصاع (2751غم). قال النووي: الأصح أن الصاع ست مئة وخمسة وثمانون درهماً وخمسة أسباع درهم. والرطل مئة وثمانية وعشرون درهماً وأربعة أسباع درهم. والعبرة بالصاع النبوي إن وجد أومعياره، فإن فقد أخرج مزكي الفطرة قدراً يتيقن أنه لا ينقص عن صاع. والصاع بالكيل المصري: قَدَحان.\rالمد: (3/1)1 رطلاً أو (675)غم(غرام)أو(688،0) لتراً.\rالرطل الشرعي أو البغدادي: (7/4) (128) درهماً، وقيل: (130) درهماً، والرطل البغدادي:(408) غم، والرطل المصري: (144) درهماً أي (450) غم تقريباً.\rالدرهم العراقي (17،3) غم، والدرهم الحالي المصري: (12،3) غم، والدرهم العربي (975،2غم).\rالقفيز:(12) صاعاً أو ثمانية مكاكيك، والمكُّوك: صاع ونصف. ويساوي القفيز أيضاً (33) لترا ً أو (128) رطلاً بغدادياً، كما يساوي ثلاث كيلجات، والكيلجة: نصف صاع.\rالمنا: رطلان.\rالفَرْق: إناء من نحاس يسع(16) رطلاً، أي ما يعادل(10) كغ أو (6) أقساط، والقِسْط نصف صاع.\rالْمُدْي ( مكيال للشام ومصر وهو غير الْمُدّ ): (5،22 ) صاعاً. الجريب: (48) صاعاً أو (192) مداً.\rالوَسْق:(60) صاعاً، والخمسة أوسق نصاب الزكاة: (300) صاعاً أو (653) كغ على رأي الجمهور غير أبي حنيفة بتقدير الصاع (2175)غم أو (1200) مداً أو (4) أرادب وكيلتين من الكيل الحالي المصري أو (50) كيلة مصرية. والكيلة: (24) مداً. والإردب المصري الحالي: (96) قدحاً أو(288) مداً أو (198) لتراً (1) ، أو (156) كغ أو (192) رطلاً أو(72)صاعاً. والكيلة المصرية: (6) آصع أو (32) رطلاً.\rالإرْدَب المصري أو العربي: (24) صاعاً أو (64) مَنَا أو(128) رطلاً أو (6) وَيْبات أو(66) لتراً.\r-------------------------------\r(1) قدرت دائرة المعارف الإسلامية الصاع بثلاثة ألتار، فيكون الوسق على هذا ( 180 لتراً ) والأدق ماذكرناه أن الصاع ( 2.75 لتراً ).","part":1,"page":119},{"id":120,"text":"الوَيْبة: (24) مداً أو (6) آصع، فهي الكيلة المصرية الحالية.\rالكُرّ ( أكبر مقاييس الكيل العربي ):(720) صاعاً أو(60) قفيزاً أو (10) أرادب أو(3840) رطل عراقي أو (1560) كغ (كيلو غرام).\r3 ـ وحدات الأوزان والنقود :\rالدينار: المثقا ل من الذهب أو (25،4) غم (1) أو حبة من الشعير المتوسط.\rحبة الشعير (أي المعتدل): (059،0) غم من الذهب.\rالمثقال أو الدينار: (20) قيراطاً، والمثقال العجمي: (80،4) غم، والمثقال العراقي: (5) غم (2) .\rالقيراط: (2125،0) غم فضة إذا اعتبرنا المثقال مقسماً إلى عشرين قيراطاً وهو ما أراد معاوية أن يزيده على مصر، أو (2475،0) غم فضة إذا اعتبرنا المثقال مقسماً إلى اثنين وعشرين قيراطاً.\rالدرهم العربي: (10/7) من المثقال (الدينار) أو (975،2)غم أو (6) دوانق أو(5/2) (50 حبة) شعير متوسط، والعشرة دراهم: (7) مثاقيل ذهباً أو (140) قيراطاً وأوقية الذهب: (40) درهماً.\rالدانق: قيراطان أو (5/2) 8 حبة شعير متوسط أو (6/1) الدرهم أو (495،0) غم من الفضة.\rالطّسوج: حبتان أو نصف قيراط أو (1237،0) غم، والقيراط: طسوجان.\rالحبة: (681،0) غم فضة أو (06،0) غم أو فلسين.\rالنواة: (5) دراهم.\rالفَلْس: (03،0) غم فضة.\rالقنطار الشرعي: (1200) أوقية أو (8400) (3) دينار أو(000،80) درهم،\r-------------------------------\r(1) حدده بنك فيصل الإسلامي في السودان بـ (4.457)غم.\r(2) بناء عليه يكون العشرون مثقالاً، وهو نصاب الذهب في الزكاة مساوياً 96 غم بالمثقال العجمي ، و100غم بالمثقال العراقي.\rويجب اتخاذ العملة الذهبية أو مايقوم مقامها أساساً للتقدير. ويلاحظ أنه يجب تقدير نصاب الزكاة بحسب سعر الصرف لكل من الذهب والفضة القائم في السوق، لأنه تجب ملاحظة القوة الشرائية للنقد المعاصر، علماً بأن الشرع حدد مبلغين متعادلين للزكاة وهما عشرون ديناراً، ومائتا درهم فضة، وكانا شيئاً وسعراً واحداً.\r(3) وجاء في لسان العرب: والمعمول عليه عند العرب أنه أي القنطار أربعة آلاف دينار. والأوقية سبعة مثاقيل: (119) غم فضة.","part":1,"page":120},{"id":121,"text":"القنطار الحالي: (100) رطل شامي، والرطل الشامي: (564،2)كغ، ونصاب العنب والتمر (الخمسة أوسق): (5،2) قنطاراً زبيباًأو (653) كغ أو (50) كيلة مصرية.\rملاحظة:\rإن التقدير الذي اعتمدته هنا على الأصح: هو أن الدينار (25،4غم) والدرهم (975،2 غم) ونصاب الفضة في الزكاة (595غم) ونصاب الذهب (85غم) والصاع عند الشافعية ( 2176غم)فتكون الخمسة أوسق.\r(300صاع×2176غم) = 8،652 كغ أي (653) كغ تقريباً.\rواعتمدت أيضاً في خلاصة التقديرات على ماهو الأشهر، وإن كانت إلا حالات أحياناً على تقدير مذهبي آخر.","part":1,"page":121},{"id":122,"text":"المطلب الثاني عشر ـ النية والباعث في العبادات والعقود والفسوخ والتروك:\rهذا بحث في النية المشروعة (القصد أو الإرادة) والنية غير المشروعة (الباعث السيء) وأحكامها وأحوالها في مجال العبادات من طهارة وصيام وزكاة وحج وغيرها، والمعاملات من عقود بيع وزواج وهبة وكفالة وحوالة ونحوها، وفسوخ كالطلاق لإنهاء رابطة الزواج، وتروك كترك المكروه والحرام، وإزالة النجاسة ورد المغصوب والعواري وإيصال الهدية وغير ذلك مما لا تتوقف صحته على النية، ومباحات وعادات كالأكل والشرب والجماع ونحوها مما يثاب عليه المسلم ثواب العبادات عند استحضار النية فيها. ولا مشقة عليه في القيام بها، بل هي مألوفة لنفسه، مستلذة يقبل عليها بدافع ذاتي أو بالغريزة والفطرة. أهمية البحث وخطته:\rتمتاز الشريعة الإسلامية بسبب شمولها لأمور الدين والدنيا بأنها نظام روحي ومدني معاً، وينقسم الحق فيها باعتبار وجود المؤيد القضائي وعدمه إلى نوعين: حق دياني وحق قضائي.\rالأول: هو الذي لايدخل تحت ولاية القضاء، وإنما يكون الإنسان مسؤولاً عنه أمام الله تعالى.\rوالثاني: هو ما يدخل تحت ولاية القاضي، ويمكن لصاحبه إثباته أمام القضاء. وتظهر ثمرة القسمة بينهما في أن الأحكام الديانية تبنى على النوايا والواقع والحقيقة، وأما الأحكام القضائية فتبنى على ظاهر الأمر، ولا ينظر فيها إلى النوايا وواقع الأمر، فمن طلَّق امرأته خطأ، ولم يقصد إيقاع الطلاق، يحكم القاضي بوقوع طلاقه، عملاً بالظاهر واستحالة معرفة الحقيقة. وأما ديانة فيحكم المفتي بعدم وقوع الطلاق، وللإنسان أن يعمل بذلك فيما بينه وبين الله تعالى.\rفحق الديانة يعتمد على النية، والنية أساس الديانة (1) ، وهو الحق الأبدي الخالد الذي يبقى ولا يتغير، وهو مناط الثواب والعقاب بين يدي الله تعالى؛ لأن الإسلام دين قبل كل شيء، والدينونة جوهر الإسلام، وهي محصورة بأن تكون لله عز وجل وحده.\r-------------------------------\r(1) روى البيهقي والطبراني عن أنس بن مالك حديثاً هو: « نية المؤمن خير من عمله » لكنه ضعيف، كما ذكر السيوطي في الجامع الصغير، وقال الحافظ المناوي: والحاصل أن له عدة طرق تجبر ضعفه.","part":1,"page":122},{"id":123,"text":"أما القوانين الوضعية فلا ينظر فيها للنوايا والبواطن والخفايا ولا مجال فيها لفكرة الحلال والحرام بالمعنى الديني، وإنما العبرة للظواهر ورصد واقع الحياة من خلال التعامل القائم، وتنظيمه على وفق النظام السائد في المجتمع والدولة.\rوقد أدى تطبيق القوانين الوضعية في البلاد الإسلامية إلى إضعاف الوازع الديني، وانحسار هيمنة الدين ورقابة الإله في السر والعلن على تصرفات الناس، وغياب ميزان التقوى في كسب الحقوق والتنازل عنها، مما أفقد الاهتمام بالنية. ولكن بروز مثل هذه الظاهرة المرضية في مجتمعاتنا لا يثنينا عن ضرورة التذكير المستمر برصيد الإسلام وقيمه وأحكامه؛ لأنه النظام الأمثل والأخلد والأصلح للبشرية لتصحيح مسيرة الناس، وتجاوز الانحرافات والأخطاء، ولأنه الأساس الذي يحاسب عليه الإنسان في الضمير العام بين البشر، ولدى أحكم الحاكمين في الدار الآخرة.","part":1,"page":123},{"id":124,"text":"ومن أهم مقومات الرصيد الإسلامي في نطاق الأحكام الشرعية التي يلزم بها المكلفون: النية الصحيحة، فهي معيار لتصحيح الأعمال، فحيث صلحت النية، صلح العمل، وحيث فسدت فسد العمل. ولا تصير أعمال المكلفين المؤمنين معتبرة شرعاً، ولا يترتب الثواب على فعلها إلا بالنية. وقد اعتبر حديث عمر رضي الله عنه المشهور وهو «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ مانوى» أحد الأحاديث التي عليها مدار الإسلام، فهو أحد أصول الدين، وعليه تدور غالب أحكامه، وهو نصف الإسلام، قال أبو داود: «إن هذا الحديث نصف الإسلام؛ لأن الدين إما ظاهر وهو العمل، أو باطن وهو النية» وهو أيضاً ثلث العلم، قال الإمام الشافعي وأحمد رحمهما الله: يدخل في حديث ( الأعمال بالنيات) ثلث العلم، قال البيهقي وغيره. وسبب ذلك أن كسب العبد يكون بقلبه، ولسانه، وجوارحه، والنية أحد أقسامه الثلاثة. وروي عن الشافعي رضي الله تعالى عنه أنه قال:يدخل هذا الحديث في سبعين باباً من الفقه. ولذا استحب العلماء أن تستفتح به الكتب والمصنفات، ليكون ذلك منبِّهاً طالب العلم أن يصحح نيته لوجه الله تعالى في طلب العلم وعمل الخير ونفع نفسه وأمته وبلاده.وبناء عليه قال العلماء: «إن قاعدة:الأمور بمقاصدها ثلث العلم» . وقال جماعة من العلماء:حديث الأعمال بالنيات ثلث الإسلام، قا ل أبو داود: نظرت في الحديث المسند، فإذا هو أربعة آلاف حديث، ثم نظرت، فإذا مدار أربعة آلاف حديث على أربعة أحاديث:حديث النعمان بن بشير: «الحلال بيِّن والحرام بيِّن» وحديث عمر هذا، وحديث أبي هريرة: «إن الله طيِّب لا يقبل إلا طيباً» وحديث «من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه» قال: فكل حديث من هذه الأربعة ربع العلم (1) .\r-------------------------------\r(1) الأشباه والنظائر للسيوطي: ص8 .","part":1,"page":124},{"id":125,"text":"لهذا كله يكون بحث النية من أوليات الدين. وأصول العلم الضرورية لكل إنسان، لأن في البحث تذكيراً وبياناً وضبطاً، ووضع الضوابط للنية ييسر على العبَّاد والنسَّاك معرفة الطريق الأصح الأسلم لعبادتهم وقرباتهم، ويوضح لكل إنسان طريق التمييز بين الحلال والحرام وما يوجب الثواب والعقاب، ويبيِّن له ما يجب عليه معرفته من الحد الأدنى في طلب العلم، إذ لا تصح عبادة بدون نية، ويتأثر الحكم على كل تصرف من عقد أو فسخ بنوع النية، فهو إما جائز صحيح بالنية المشروعة، وإما فاسد باطل بالنية الخبيثة أو السيئة، وإما مُرتِّب للأثر أو عدمه بحسب النية وجوداً وفقداناً، فهل العبرة في العقود والتصرفات للمقاصد والمعاني أو للألفاظ والمباني؟ وهل الباعث السيء يفسد العقد أو لا؟ وهذا يؤدي لبيان مبدأ الذرائع سداً وفتحاً.\rوأتناول في بحثي هذا عن النية الأمور التالية:\r1 - حقيقة النية أو تعريف النية.\r2 - حكم النية (الوجوب)، وأدلة إيجابها، والقواعد الشرعية المتعلقة بها.\r3 - محل النية.\r4 - زمن النية أو وقت النية.\r5 - كيفية النية.\r6 - الشك في النية وتغييرها والجمع بين عبادتين بنية واحدة.\r7 - المقصود بالنية ومقوماتها.\r8 - شروط النية.\r9 - النية في العبادات.\r10- النية في العقود.\r11- النية في الفسوخ.\r12- النية في التروك.\r13- النية في المباحات والعادات .\r14- النية في أمورأخرى.\rهذا مع العلم بأن المحدِّثين والفقهاء أوضحوا الكلام في النية، ولكن في مواطن متفرقة، وفي ثنايا المسائل وأعماق الأبواب الفقهية ، ولم أطلع على كتاب جامع لأحكام النية وأحوالها سوى ( كتاب نهاية الإحكام في بيان ما للنية من أحكام ) للعالم أحمد بك الحسيني (طبع 1320هـ /1903م) بالمطبعة الأميرية بمصر، إلا أنه محصور بأمرين: كونه في مذهب الشافعية فقط، وفي بعض العبادات فحسب.","part":1,"page":125},{"id":126,"text":"لذا وجدت لزاماً علي بحث كل ما يتعلق بالنية بحسب الخطة المذكورة، لتتجلى للقارئ هذه النظرية الشاملة لشؤون العبادات والمعاملات والأحوال الشخصية والتروك والمباحات، والله الموفق لسواء الصراط.\rأولاً ـ حقيقة النية أو تعريفها:\rالنية لغة: قصد الشيء وعزم القلب عليه (1) ، قال الأزهري: يقال نواك الله: أي حفظك. وتقول العرب: نواك الله: أي صحبك في سفرك وحفظك. وبعبارة أخرى: النية: القصد: وهو اعتقاد القلب فعل شيء وعزمه عليه، من غير تردد. والنية وإرادة الفعل مترادفان، وتعم كل منهما الفعل الحالي والاستقبالي.\rوفَرَق بعض اللغويين بين النية والعزم بجعل النية: الإرادة المتعلقة بالفعل الحالي، والعزم: الإرادة المتعلقة بالفعل الاستقبالي. لكن يردّ على هذا الفارق بتفسير النية بالعزم مطلقاً في كتب اللغة.\rوالنية في الشرع: عزم قلبي على عمل فرضي أو غيره. أو عزم القلب على عمل فرضاً كان أو تطوعاً. وهي أيضاً: الإرادة المتعلقة بالفعل في الحال أو في المستقبل. وبناء عليه: إن كل فعل صدر من عاقل متيقظ مختار لايخلو عن نية، سواء أكان من قبيل العبادات أم من قبيل العادات. وذلك الفعل هو متعلَّق الأحكام الشرعية التكليفية من الإيجاب والتحريم، والندب والكراهة والإباحة. وما خلا عن النية فهو فعل غافل، فهو لاغٍ، لايتعلق به حكم شرعي. فإذا صدر الفعل من غير عاقل متيقظ، بأن كان من مجنون أو ناسٍ أو مخطئ أو مكرَه، فإنه لاغٍ، لايتعلق به حكم تكليفي مما ذكر، لعدم وجود النية والقصد والإرادة فيه، ولايعتبر شرعاً، ولايتعلق به طلب ولاتخيير.\rوأما إذا كان الفعل من الأفعال العادية كالأكل والشرب والقيام والقعود والبطش والمشي والنوم ونحوها صادراً من العاقل المتيقظ بدون نية، فحكمه الإباحة، إن لم يقترن بمايوجب حظره أو طلبه، ويكون معتبراً شرعاً.\r-------------------------------\r(1) المجموع للنووي: 360/1 ومابعدها، الأشباه والنظائر لابن نجيم: ص24 طبع دار الفكر بدمشق.","part":1,"page":126},{"id":127,"text":"وأما الحكم ببطلان وضوء الناسي، وضمان المتلفات من المجنون والصبي ونحوهما، وضمان الدية بقتل النفس أو قطع عضو، أو إزالة معنى من المعاني كالسمع والبصر والبطش والحركة إذا وقع ذلك خطأ أو شبه عمد، مع عدم نية القتل أو القطع، فهو ليس من باب التكليف الشرعي بشيء بل من باب الحكم الوضعي، أي جعل الشيء سبباً أو شرطاً أو مانعاً أو صحيحاً أو فاسداً أو عزيمة أو رخصة، أي أن الإتلاف مثلاً سبب موجب للتعويض أو للضمان مطلقاً، سواء صدر من صغير أو كبير، من عاقل أو مجنون.\rويلاحظ أن المراد بالنية في الصيام هو العزم أو الإرادة الكلية وهو المعنى العام للنية، أي أن الصيام يصح بتبييت النية من الليل، دون اشتراط مقارنتها لبدء الصوم وهوطلوع الفجر، فلو نوى ثم أكل، وصام، صح صومه، أما غير الصيام من العبادات التي تتطلب لصحتها مقارنة النية ببدء الفعل فلابد فيها من القصد تحقيقاً: وهو الإرادة المتعلقة ببدء الفعل، فالنية المعتبرة فيه هي القصد تحقيقاً، أي النية المقترنة ببدء تنفيذ الفعل، وهو المراد بالنية عند عدّها لدى الشافعية من أركان العبادة، كالوضوء والغسل والتيمم والصلاة والزكاة والحج، ومثلها كنايات العقود والفسوخ، فلابد فيها من القصد تحقيقاً الذي هو النية المقارنة للفظ الكنائي أو الكتابة وإشارة الأخرس التي يفهمها الفطن، وكذا الاستثناء في الأقارير (الإقرارات) والطلاق، والتعليق في الطلاق بكلمة ( إن شاء الله) فلابد فيها من النية بمعنى القصد تحقيقاً قبل الفراغ من المستثنى منه، أي اقتران النية بالكلام المتصل ببعضه.","part":1,"page":127},{"id":128,"text":"وخلاصة الكلام في بيان حقيقة النية تظهر فيما يأتي: قال الحافظ ابن رجب الحنبلي: اعلم أن النية في اللغة نوع من القصد والإرادة، وإن كان قد فرق بين هذه الألفاظ بما ليس هذا موضع ذكره. والنية في كلام العلماء تقع بمعنيين: أحدهما ـ تمييز العبادات بعضها عن بعض، كتمييز صلاة الظهر من صلاة العصر مثلاً، وتمييز رمضان من صيام غيره. أو تمييز العبادات من العادات، كتمييز الغسل من الجنابة من غسل التبرد والتنظيف ونحو ذلك، وهذه النية هي التي توجد كثيراً في كلام الفقهاء في كتبهم.\rوالمعنى الثاني ـ بمعنى تمييز المقصود بالعمل، وهل هو لله وحده لا شريك له، أو لله وغيره. وهذه هي النية التي يتكلم فيها العارفون في كتبهم على الإخلاص وتوابعه، وهي التي توجد كثيراً في كلام السلف المتقدمين. وقد صنف أبو بكر بن أبي الدنيا مصنفاً سماه (كتاب الإخلاص والنية) وإنما أراد هذه النية، وهي النية التي يتكرر ذكرها في كلام النبي صلّى الله عليه وسلم تارة بلفظ (النية) وتارة بلفظ ( الإرادة ) وتارة بلفظ مقارب. وقد جاء ذكرها كثيراً في كتاب الله عز وجل بغير لفظ النية أيضاً من الألفاظ المقاربة.\rوإنما فرَق من فرَق بين النية وبين الإرادة والقصد ونحوها لظنهم اختصاص النية بالمعنى الأول الذي يذكره الفقهاء، فمنهم من قال: النية تختص بفعل الناوي، والإرادة لا تختص بذلك، كما يريد الإنسان من الله أن يغفر له، ولا ينوي ذلك، وقد ذكرنا أن النية في كلام النبي صلّى الله عليه وسلم وسلف الأمة، إنما يراد لها هذا المعنى الثاني غالباً، فهي حينئذ بمعنى الإرادة، ولذلك يعبر عنها بلفظ الإرادة في القرآن كثيراً.\rثانياً ـ حكم النية وأدلة إيجابها، والقواعد الشرعية المتعلقة بها:\rحكم النية عند جمهور الفقهاء (1) (غير الحنفية): الوجوب فيما توقفت صحته عليها، كالوضوء والغسل، ماعدا غسل الميت والتيمم، والصلاة بأنواعها،\r-------------------------------\r(1) الشرح الكبير للدردير: 93/1 ومابعدها، المجموع للنووي: 361/1 ومابعدها، مغني المحتاج:47/1 ومابعدها، المهذب: 14/1 ومابعدها، المغني: 110/1 ومابعدها، كشاف القناع: 94/1-101، أحكام النية للحسيني: ص10، 76، 78 ومابعدها.","part":1,"page":128},{"id":129,"text":"والزكاة والصيام والحج والعمرة إلى غير ذلك، والندب فيما لم تتوقف صحته عليها كرد المغصوب، والمباحات كالأكل والشرب والتروك كترك المحرَّم والمكروه، مثل ترك الزنا والخمر وغيرهما من المحرَّمات، وترك اللهو الخالي من القمار: وهو اللعب الذي لا عوض فيه من الجانبين ولا من أحدهما، فهو مكروه، لما فيه من تضييع الوقت والانشغال عن كل نافع مفيد.\rورأي الحنفية (1) : أن النية تسن في الوضوء والغسل وغيرهما من وسائل الصلاة، لتحصيل الثواب، وهي شرط لصحة الصلاة، كما قرر المالكية والحنابلة وسيأتي مزيد بيان لذاك في بحث النية في العبادات، علماً بأن العلماء اتفقوا على أن النية واجبة في الصلاة، لتتميز العبادة عن العادة وليتحقق في الصلاة الإخلاص لله تعالى؛ لأن الصلاة عبادة، والعبادة: إخلاص العمل بكلية العابد لله تعالى.\rوأدلة إيجاب النية كثيرة، منها قول الله تعالى: { وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء..} [البينة:98 / 5] قال الماوردي: والإخلاص في كلامهم النية.\rومنها الحديث المتفق على صحته بين البخاري ومسلم وباقي الأئمة الستة وأحمد (الجماعة) من رواية أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وهو ـ كما قا ل النووي ـ حديث عظيم، أحد الأحاديث التي عليها مدار الإسلام، بل هو أعظمها، وهي اثنان وأربعون حديثاً. ونصه: قا ل عمر: سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلم يقول:\r«إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله\r-------------------------------\r(1) الدر المختار: 98/1 ومابعدها، البدائع: 17/1، تبيين الحقائق:99/1.","part":1,"page":129},{"id":130,"text":"ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدُنيا يصيبها أو امرأة ٍ ينكِحُها، فهجرتُه إلى ما هاجر إليه» .\rوالمراد بالأعمال: أعمال الطاعات والأعمال الشرعية، دون أعمال المباحات. وقد دل الحديث على اشتراط النية في العبادات، لأن كلمة ( إنما ) للحصر، تثبت المذكور وتنفي ماسواه، وليس المراد صورة العمل، فإنها توجد بلا نية، وإنما المراد أن حكم العمل لا يثبت إلا بالنية، ومعناه لا يعتد بالأعمال الشرعية بدون النية، مثل الوضوء والغسل والتيمم، وكذلك الصلاة والزكاة والصوم والحج والاعتكاف وسائر العبادات. فأما إزالة النجاسة فلا تحتاج إلى نية؛ لأنها من باب التروك، والترك لا يحتاج إلى نية.\rوفي قوله: ( إنما الأعمال بالنيات ) محذوف، اختلف العلماء في تقديره، فقال جمهور العلماء (غير الحنفية) الذين اشترطوا النية: المراد إما صحة الأعمال، أو تصحيح الأعمال أو قبول الأعمال، ويكون التقدير: صحة الأعمال بالنيات، فالنية شرط صحة، لا تصح الوسائل من وضوء وغسل وغيرهما، والمقاصد من صلاة وصوم وحج وغيرها إلا بها.\rوقال الحنفية الذين لم يشترطوا النية في الوسائل: المراد كمال الأعمال ويكون تقديرهم كمال الأعمال بالنيات، فالنية شرط كمال فيها، لتحصيل الثواب فقط.\rوقوله: (وإنما لكل امرئ ما نوى) يدل على أمرين:\rالأول ـ قال الخطابي: يفيد معنى خاصاً غير الأول، وهو تعيين العمل بالنية وقال النووي: فائدة ذكره أن تعيين العبادة المنوية شرط لصحتها. فلو كان على إنسان صلاة مقضية، لا يكفيه أن ينوي الصلاة الفائتة، بل يشترط أن ينوي كونها ظهراً أو عصراً أو غيرهما، ولولا هذا اللفظ الثاني، لاقتضى الأول صحة النية بلا تعيين، أو أوهم ذلك.","part":1,"page":130},{"id":131,"text":"الثاني ـ أنه لا تجوز النيابة في العبادات ولا التوكيل في النية نفسها. وقد استثني من ذلك تفرقة الزكاة وذبح الأضحية، فيجوز التوكيل فيهما في النية والذبح والتفرقة، مع القدرة على النية، وكذلك يجوز التوكيل في دفع الدَّين (1) .\rوآخر هذا الحديث أبان سببه، روى الطبراني في معجمه الكبير بإسناد رجاله ثقات، عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: كان فينا رجل خطب امرأة يقال لها: أم قيس، فأبت أن تتزوجه حتى يهاجر، فهاجر، فتزوجها، فكنا نسميه: مهاجر أم قيس.\rوالخلاصة: دل هذا الحديث على عدة أمور منها:\rأ ـ لا يكون العمل شرعياً يتعلق به ثواب وعقاب إلا بالنية.\rب ـ تعيين المنوي وتمييزه عن غيره شرط في النية، فلا يكفي أن ينوي الصلاة، بل لابد باتفاق العلماء من تعيينها بصلاة الظهر أو العصر أو الصبح مثلاً.\rجـ ـ من نوى عملاً صالحاً، فمنعه من تنفيذه عذر قاهر كالمرض أوالوفاة، فإنه يثاب عليه؛ لأن من همَّ بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة، ومن همَّ بسيئة فلم يعملها، لم تكتب له سيئة، قال السيوطي: من عزم على المعصية ولم يفعلها أو لم يتلفظ بها لا يأثم (2) ، لقوله صلّى الله عليه وسلم فيما يرويه الأئمة الستة عن أبي هريرة: «إن الله تعالى تجاوز لأمتي عما حدّثت بها أنفسها، مالم تتكلم به أو تعمل به» .\rد ـ الإخلاص في العبادة والأعمال الشرعية هو الأساس في تحصيل الأجر والثواب في الآخرة ، والفلاح والنجاح في الدنيا ، والدليل تصريح الزيلعي بأن المصلي يحتاج إلى نية الإخلاص فيها.\rهـ ـ يصبح كل عمل نافع أو مباح أو ترك بالنية الطيبة وقصد امتثال الأمر الإلهي عبادة مثوباً عليها عند الله تعالى.\r-------------------------------\r(1) المجموع:361/1 ومابعدها، شرح الأربعين النووية للنووي: ص5 - 7 ، ولابن دقيق العيد: ص 13 - 14.\r(2) الأشباه والنظائر للسيوطي: ص 29 .","part":1,"page":131},{"id":132,"text":"و ـ إذا كانت نية الفعل لإرضاء الناس أو الشهرة والسمعة أو لتحقيق نفع دنيوي مثل مهاجر أم قيس، فلا ثواب للفاعل في الآخرة.\rرأي الحنفية في بيان تعيين المنوي وعدم تعيينه:\rفصَّل الحنفية (1) في شأن تعيين المنوي، فقالوا:\rأ ـ إن كان المنوي عبادة: فإن كان وقتها ظرفاً للمؤدى بمعنى أنه يسعه ويسع غيره، وهو الواجب الموسَّع، فلا بد من التعيين كالصلاة، كأن ينوي الظهر، فإن قرنه باليوم كظهر اليوم، صح. وعلامة التعيين للصلاة أن يكون بحيث لو سئل أي صلاة يصلي يمكنه أن يجيب بلا تأمل. ولا يسقط التعيين في الصلاة بضيق الوقت؛ لأن السعة باقية.\rب ـ وإن كان وقت العبادة معيارا ً لها، بمعنى أنه لا يسع غيرها كالصوم في يوم رمضان، وهو الواجب المضيَّق، فإن التعيين ليس بشرط، إن كان الصائم صحيحاً مقيماً، فيصح بمطلق النية، وبنية النفل؛ لأن التعيين في المتعين لغو. وإن كان مريضاً، ففيه روايتان، والصحيح وقوعه عن رمضان، سواء نوى واجبا ً آخر أو نفلاً. وأما المسافر: فإن نوى عن واجب آخر، وقع عما نواه، لا عن رمضان. وفي النفل روايتان، والصحيح وقوعه عن رمضان.\rجـ ـ وإن كان وقت العبادة مشكلاً وهو الواجب ذو الشبهين كوقت الحج ، فإنه يشبه الواجب المضيق أو المعيار باعتبار أنه لا يصح في السنة إلا حجة واحدة، ويشبه الواجب الموسع أو الظرف باعتبار أن أفعاله لا تستغرق وقته، فيصح الحج بمطلق النية نظراً إلى المعيارية. وإن وقع نفلاً، وقع عما نوى، نظراً إلى الظرفية.\rالقواعد الشرعية الكلية المتعلقة بالنية:\r-------------------------------\r(1) الأشباه والنظائر لابن نجيم: ص 25 ومابعدها، طبع دار الفكر بدمشق.","part":1,"page":132},{"id":133,"text":"استنبط الفقهاء من حديث عمر السابق:( إنما الأعمال بالنيات ) ثلاث قواعد كلية، اعتمد عليها المجتهدون وأئمة المذاهب في بناء أصول مذاهبهم عليها، واستنباط أحكام الفروع الفقهية منها (1) ، وهذه القواعد هي: لا ثواب إلا بالنية، الأمور بمقاصدها، العبرة في العقود للمقاصد والمعاني، لا للألفاظ والمباني.\rالقاعدة الأولى ـ ( لا ثواب إلا بالنية ) :\rالنية شرط في العبادات كما بينا إما بالإجماع، أو بآية: {وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حُنَفَاء} [البينة:5/98]، قال ابن نجيم الحنفي: والأول أوجه؛ لأن العبادة فيها ـ أ ي في الآية ـ بمعنى التوحيد، بقرينة عطف الصلاة والزكاة، فلا تشترط في الوضوء والغسل ومسح الخفين وإزالة النجاسة الحقيقية عن الثوب والبدن والمكان والأواني للصحة. وأما اشتراطها ـ أي النية ـ في التيمم فلدلالة آتية عليها؛ لأنه القصد. وأما غسل الميت فقالوا: لا تُشترط النية لصحة الصلاة عليه وتحصيل طهارته ، وإنما هي شرط لإسقاط الفرض عن ذمة المكلفين (2) .\r-------------------------------\r(1) هناك قواعد خمس يرجع جميع مسائل الفقه إليها وهي: الأمور بمقاصدها، والضرر يزال، والعادة محكَّمة، واليقين لايزول بالشك، والمشقة تجلب التيسير.\r(2) الأشباه والنظائر لابن نجيم: ص 14 ، ط دار الفكر بدمشق.","part":1,"page":133},{"id":134,"text":"والنية واجبة عند الجمهور كما بينا في الوسائل والمقاصد معاً، وهي شرط كمال في الوسائل عند الحنفية كالوضوء والغسل، وشرط صحة في المقاصد كالصلاة والزكاة والصوم والحج.\rومعنى هذه القاعدة: لا ثواب على جميع الأعمال الشرعية إلا بالنية، قال ابن نجيم المصري (1) الثواب نوعان: أخروي: وهو الثواب واستحقاق العقاب، ودنيوي: وهو الصحة والفساد . وقد أريد الأخروي بالإجماع، للإجماع على أنه لا ثواب ولا عقاب إلا بالنية، فانتفى إرادة النوع الآخر وهو الدنيوي، لاندفاع الضرورة بالأول من صحة الكلام به، فلا حاجة إلى النوع الآخر.\rالقاعدة الثانية ـ ( الأمور بمقاصدها ) :\rمعنى هذه القاعدة: أن أعمال الإنسان وتصرفاته القولية والفعلية تخضع أحكامها الشرعية التي تترتب عليها لمقصوده الذي يقصده منها، وليس بظاهر العمل أو القول.\rوالأصل في هذه القاعدة كما أوضحت الحديث السابق: «إنما الأعمال بالنيات» وأحاديث أخرى كثيرة في معناه أوردها السيوطي في كتابه (2) . وأمثلتها مايأتي:\rيختلف حكم القتل بحسب القصد الجنائي أو النية، فإذا كان القاتل عامداً وجب عليه القصاص، وإن كان مخطئاً وجبت عليه الدية. وتقبل الصلاة ويثاب عليها المصلي إن كانت بإخلاص لله تعالى، وترد في وجه صاحبها إن كانت بقصد الرياء.\rومن أخذ اللقطة بقصد تملكها، كان آثماً غاصباً يضمنها، ومن أخذها بنية حفظها لمالكها حل له رفعها وكان أميناً، لا يضمنها إذا هلكت إلا بالتعدي أو بالتقصير في حفظها.\rومن قال لزوجته: اذهبي إلى بيت أهلك، فإن قصد الطلاق وقع عليه، وإن لم يقصده لم يحكم بالطلاق عليه.\r-------------------------------\r(1) الأشباه ، المرجع السابق.\r(2) الأشباه والنظائر للسيوطي: ص 7.","part":1,"page":134},{"id":135,"text":"وذكر قاضي خان في فتاواه عند الحنفية (1) : أن بيع العصير ممن يتخذه خمراً: إن قصد به التجارة، فلا يحرم، وإن قصد به لأجل التخمير حرم (2) ، وكذا غرس الكرم على هذا.\rوهجر المسلم أخاه فوق ثلاثة أيام دائر مع القصد، فإن قصد هجر المسلم حرم، وإلاَّ لا.\rوالإحداد للمرأة على ميت غير زوجها فوق ثلاث دائر مع القصد ،فإن قصدت ترك الزينة والتطيب لأجل الميت حرم عليها، وإلا فلا. وإذا قرأ المصلي آية من القرآن جواباً لكلام، بطلت صلاته وكذا إ ذا أُخبر المصلي بما يسره فقال: الحمد لله، قاصداً الشكر، بطلت صلاته، أو بما يسوؤه، فقال: لا حول ولا قوة إلا بالله أو بموت إنسان فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون، قاصداً له، بطلت صلاته.\rوإن سجد امرؤ للسلطان، فإن كان قصده التعظيم والتحية، دون الصلاة لايكفر، لأمر الملائكة بالسجود لآدم عليه السلام، وسجود إخوة يوسف له عليه السلام.والأكل فوق الشبع حرام بقصد الشهوة، وإن قصد به التقوي على الصوم أو مؤاكلة الضيف فمستحب.\rوالكافر إذا تترس بالمسلم، فإن رماه مسلم، فإن قصد قتل المسلم حرم، وإن قصد قتل الكافر لا يحرم.\rوإذا توسد الكتاب، فإن قصد الحفظ لا يكره، وإلا كره. وإن غرس في المسجد، فإن قصد الظل لا يكره. وإن قصد منفعة أخرى يكره.\rوكتابة اسم الله تعالى على الدراهم، إن كان بقصد العلامة لا يكره، وللتهاون يكره.\rوالجلوس على جوالق (وعاء) فيه مصحف، إن قصد الحفظ لا يكره، وإلا يكره.\rوكنايات البيع والهبة والوقف والقرض والضمان والإبراء والحوالة والإقالة والوكالة وتفويض القضاء، والإقرار والإجارة والوصية والطلاق والخلع والرجعة والإيلاء والظهار واللعان، والأيمان والقذف والأمان، إن قصد بها ما يقصد بالصريح وقع وإلا فلا (3) .\rالقاعدة الثالثة ـ (العبرة في العقود للمقاصد والمعاني، لا للألفاظ والمباني):\rهذه القاعدة أخص من القاعدة الثانية السابقة، فهي في العقود خاصة، والثانية عامة في كل التصرفات.\rومعناها: أن ألفاظ العقود تحوّل العقد إلى عقد آخر إذا قصده العاقدان، فالهبة بشرط العوض، مثل وهبتك كذا بشرط أن تعطيني كذا، هي بيع؛ لأنها في معناه، فتأخذ أحكام البيع\r-------------------------------\r(1) الأشباه والنظائر لابن نجيم: ص 22.\r(2) وقال الشافعية: يحرم بيع الرطب والعنب لعاصر الخمر والنبيذ، أي لمتخذها لذلك بأن يعلم منه ذلك أو يظنه ظناً غالباً، ومثله بيع السلاح لباغ وقاطع طريق، للنهي عن ذلك، لكن لايبطل البيع بسبب النهي ( مغني المحتاج: 37/2 -38).\r(3) الأشباه والنظائر لابن نجيم: ص 22-23، وللسيوطي: ص 9 - 10..","part":1,"page":135},{"id":136,"text":"والكفالة بشرط عدم مطالبة المدين المكفول عنه: حوالة تأخذ أحكامها لأنها في معناها.\rوالحوالة بشرط مطالبة المدين المحيل والمحال عليه: كفالة. والإعارة بعوض: إجارة.\rوبيع الوفاء عند الحنفية ( وهو أن يبيع المحتاج إلى النقود عقاراً، على أنه متى وفى الثمن، استرد العقار ) يأخذ غالباً أحكام الرهن؛ لأنه هو مقصود العاقدين.\rلكن هذه القاعدة يعمل بها عند الحنفية والشافعية (1) إن ظهر القصد في العقد صراحة أو ضمناً، فإن لم يكن في العقد ما يدل على النية والقصد صراحة، فيعمل بقاعدة «المعتبر في أوامر الله المعنى، والمعتبر في أمور العباد الاسم واللفظ» أي أن المبدأ حينئذ هو الاعتداد بالألفاظ في العقود، دون النيات والقصود؛ إذ إن نية السبب والغرض غير المباح شرعاً مستترة، فيترك أمرها لله وحده، يعاقب صاحبها عليها مادام أثم بنيته. وبناء عليه، تؤخذ أحكام كل عقد من صيغته ومما لابسه واقترن به، ففساده يكون من صيغته، وصحته تكون منها، ولا يفسد لأمور خارجة عنه، ولو كانت نيات ومقاصد لها أمارات، أو لو كانت مآلات مؤكدة ونهايات ثابتة.\rوهذا يدل على أن الشافعية والحنفية لا يأخذون بمبدأ سد الذرائع في بيوع الآجال وبيوع العينة، كأن يبيع إنسان سلعة بعشرة دراهم إلى شهر، ثم يشتريها بخمسة قبل الشهر، فالشافعي ينظر إلى صورة البيع، ويحمل الأمر على ظاهره، فيصحح العقد، وأما أبو حنيفة فهو وإن لم يقل بحكم سد الذرائع، يفسد البيع الثاني على أساس آخر: وهو أن الثمن إذا لم يستوف، لم يتم البيع الأول، فيصير الثاني مبنياً عليه.\r-------------------------------\r(1) حاشية الحموي على الأشباه والنظائر لابن نجيم: 12/2 ومابعدها، مغني المحتاج شرح المنهاج: 37/2-38، الأشباه والنظائر للسيوطي: ص 148 - 149.","part":1,"page":136},{"id":137,"text":"وأخذ الإمامان مالك وأحمد بمبدأ سد الذرائع في هذه البيوع؛ لأنها وسيلة السلف بفائدة: خمسة بعشرة إلى أجل، بإظهار صورة البيع لذلك. قال ابن القيم: أحكام الشريعة تجري على الظاهر فيما عرف منه قصد المتكلم لمعنى الكلام، أو لم يظهر قصد يخالف كلامه، وأما النيات والمقاصد فتعتبر فيما ظهر فيه خلاف الصيغة والنطق (1) . وهذا هو الحق الأبلج لدي، سداً لباب التحايل على الربا. فيكون الباعث السيء أو القصد غير المشروع سبباً واضحاً في إفساد البيع وبطلانه.\rثالثاً ـ محل النية:\rمحل النية باتفاق الفقهاء وفي كل موضع: القلب وجوباً، ولا تكفي باللسان قطعاً، ولا يشترط التلفظ بها قطعاً، لكن يسن عند الجمهور غير المالكية التلفظ بها لمساعدة القلب على استحضارها، ليكون النطق عوناً على التذكر، والأولى عند المالكية: ترك التلفظ بها (2) ؛ لأنه لم ينقل عن النبي صلّى الله عليه وسلم وأصحابه التلفظ بالنية، وكذا لم ينقل عن الأئمة الأربعة. وسبب كونها في القلب في جميع العبادات: أن النية: الإخلاص، ولا يكون الإخلاص إلا بالقلب، أو لأن حقيقتها القصد مطلقاً، فإن نوى بقلبه، وتلفظ بلسانه، أتى عند الجمهور بالأكمل، وإن تلفظ بلسانه ولم ينو بقلبه لم يجزئه. وإن نوى بقلبه ، ولم يتلفظ بلسانه أجزأه. قال البيضاوي: النية عبارة عن انبعاث القلب نحو ما يراه موافقاً، من جلب نفع، أو دفع ضر، حالاً أو مآلاً، والشرع خصصه بالإرادة المتوجهة نحو الفعل، لابتغاء رضا الله تعالى، وامتثال حكمه.\r-------------------------------\r(1) الفروق للقرافي: 32/2، أعلام الموقعين: 117/3-120، 400/4 ومابعدها.\r(2) الأشباه والنظائر لابن نجيم : ص46-51 ، القوانين الفقهية: ص57، الشرح الكبير للدردير وحاشية الدسوقي: 233/1، 520، الأشباه والنظائر للسيوطي: ص26-30، كشاف القناع: 365/1 طبع مكة، أحكام النية للحسيني: ص10، 78، 82، 97، 127.","part":1,"page":137},{"id":138,"text":"والحاصل أن في الكلام عن محل النية أصلين:\rالأصل الأول ـ أنه لا يكفي التلفظ باللسان دون القلب، لقوله تعالى: {وماأمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين} [البينة:98/5]، والإخلاص : ليس في اللسان، وإنما هو عمل القلب، وهو محض النية، وذلك بأن يقصد بعمله الله وحده، ولقوله صلّى الله عليه وسلم : «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى» .\rويتفرع عن هذا الأصل:\rأ ـ أنه لو اختلف اللسان والقلب، فالعبرة بما في القلب، فلو نوى بقلبه الوضوء، وبلسانه التبرد، صح الوضوء، ولو نوى عكسه لا يصح. وكذا لو نوى بقلبه الظهر، وبلسانه العصر، أو بقلبه الحج وبلسانه العمرة أو عكسه، صح له مافي القلب. وجاء في بعض كتب الحنفية (القنية والمجتبى): من لا يقدر أن يحضر قلبه لينوي بقلبه أو يشك في النية يكفيه التكلم بلسانه: { لا يكلف الله نفساً إلا وسعها } [البقرة:2/286].\rب ـ إن سبق لسانه إلى لفظ اليمين بالله تعالى بلا قصد، فلا تنعقد عند الجمهور (غير الحنفية) وهي يمين اللغو، ولا يتعلق به كفارة، أو قصد الحلف على شيء، فسبق لسانه إلى غيره . وقال الحنفية (1) :انعقدت الكفارة؛ لأن يمين اللغو التي لاحكم لها أصلاً ولا كفارة لها: هي أن يخبر عن الماضي أو عن الحال، على الظن أن المخبر به كما أخبر، وهو بخلافه في النفي أو الإثبات (2) . كمن قال : «والله مادخلت هذه الدار» وفي ظنه أنه كذلك، والأمر بخلافه، أو رأى طيراً من بعيد،فظن أنه غراب، فحلف، فإذا هو حمام، ويمين اللغو عند الجمهور: هي اليمين التي تجري على لسان الحالف (سواء كان في الماضي أو الحال أو المستقبل) من غير قصد اليمين، كأن يقول: لا والله، أو بلى والله، أو كان يقرأ القرآن، فجرى على لسانه اليمين.\r-------------------------------\r(1) الأشباه والنظائر لابن نجيم: ص 7\r(2) البدائع: 3/3-4. دون الحكم.","part":1,"page":138},{"id":139,"text":"والحاصل أن الحنفية يقولون: لا لغو في المستقبل، بل اليمين على أمر في المستقبل تعتبر يميناً منعقدة، وتجب فيها الكفارة إذا حنث الحالف، سواء قصد اليمين أو لم يقصد، وإنما تختص يمين اللغو في الماضي أو الحال فقط، بحسب الظن من الحالف أن الأمر كما حلف، والحقيقة بخلاف ذلك.\rهذا في اليمين بالله تعالى، وأما في الطلاق والعتاق والإيلاء فيقع قضاء لا ديانة، أي أنه لم يتعلق به شيء باطناً، ويديَّن بذلك فيما بينه وبين الله تعالى، ولا يقبل كلامه في الظاهر والقضاء، لتعلق حق الغير به.\rجـ ـ إن قصد بالطلاق أو العتق معنى آخر غير معناه الشرعي، كلفظ الطلاق أراد به الطلاق من وثاق، أو يقصد ضم شيء إليه يرفع حكمه، لم يقبل منه قضاء،ويديَّن فيما بينه وبين الله تعالى، فيعمل بما قصده. قال الفوراني في الإبانة: الأصل أن كل من أفصح بشيء وقبل منه، فإذا نواه، قبل فيما بينه وبين الله تعالى\rومثاله: إذا قال رجل لامرأته: أنت طالق، ثم قال: أردت من وثاق، ولا قرينة، لم يقبل في الحكم، ويديَّن. فإن كان قرينة، كأن كانت مربوطة، فحلَّها، وقال ذلك، قبل ظاهراً.\rالأصل الثاني ـ أنه لا يشترط مع نية القلب التلفظ في جميع العبادات، فلا معتبر باللسان، ويترتب على ذلك ما يأتي:\rأ ـ إذا أحيا إنسان أرضاً بنية جعلها مسجداً، فإنها تصير مسجداً بمجرد النية، فلا يحتاج إلى التلفظ.\rب ـ من حلف: ( لا يسلِّم على فلان ) فسلَّم على قوم هو فيهم، واستثناه بالنية، فإنه لا يحنث، بخلاف من حلف: ( لا يدخل على فلان ) فدخل على قوم هو فيهم، واستثناه بقلبه، وقصد الدخول على غيره، فإنه يحنث في الأصح عند الشافعية، وكذا يحنث عند الحنفية إن كان فلان ساكناً في الدار، ولا يحنث إن لم يكن ساكناً .","part":1,"page":139},{"id":140,"text":"ويستثنى من هذا الأصل مسائل:\rمنها: ( النذر والطلاق والعتاق والوقف ) لو نواها بقلبه، ولم يتلفظ لم ينعقد النذر والوقف، ولم يقع الطلاق والعتق بمجرد النية، بل لابد من التلفظ.\rومنها: لو قال رجل لامرأته: ( أنت طالق ) ثم قال: أردت: إن شاء الله تعالى، لم يقبل قوله، قال الرافعي: المشهور أنه لا يديَّن أيضاً. ومنها: حديث النفس لايؤاخذ به مالم يتكلم أو يعمل، أو من عزم على المعصية ولم يفعلها أو لم يتلفظ بها لا يأثم، لقوله صلّى الله عليه وسلم ـ فيما رواه الأئمة الستة عن أبي هريرة ـ « إن الله تجاوز لأمتي عما حدَّثت بها أنفسها، مالم تتكلم به أو تعمل به» .\rوقد قسم السبكي وغيره من العلماء الذي يقع في النفس من قصد المعصية خمس مراتب:\rالأولى ـ الهاجس: وهو ما يُلقى في النفس، وهذا لا يؤاخذ به إجماعاً لأنه ليس من فعله، وإنما هو شيء ورد عليه لا قدرة له فيه ولا صنع.\rالثانية ـ الخاطر: وهو ما يجري في النفس، وكان الإنسان قادراً على دفعه، كصرف الهاجس أول وروده. وهذا لا مؤاخذة فيه أيضاً.\rالثالثة ـ حديث النفس: وهو ما يقع في النفس من التردد، هل يفعل أو لا؟ وهذا لا إثم فيه أيضاً، بنص الحديث السابق، وإذا ارتفع حديث النفس، ارتفع ما قبله با لأولى.\rوهذه المراتب الثلاث لو كانت في الحسنات لم يكتب له بها أجر، لعدم القصد.\rالرابعة ـ الهمّ: وهو ترجيح قصد الفعل، وقد ثبت في الحديث الصحيح أن الهم بالحسنة يكتب حسنة، والهمّ بالسيئة لا يكتب سيئة (1) ، وينظر: فإن تركها لله تعالى كتبت حسنة، وإن فعلها كتبت سيئة واحدة. والأصح في معناه أنه يكتب عليه إثم الفعل وحده، وأن الهمَّ مرفوع.\rالخامسة ـ العزم: وهو قوة القصد والجزم به، والمحققون على أنه يؤاخذ به.\r-------------------------------\r(1) رواه البخاري ومسلم عن ابن عباس بلفظ: «إن الله كتب الحسنات والسيئات، ثم بيَّن ذلك، فمن همَّ بحسنة فلم يعملها كتبها الله عنده حسنة، وإن همَّ بها فعملها كتبها الله عنده عَشْرَ حسنات، إلى سبع مئة ضعف، إلى أضعاف كثيرة، وإن همَّ بسيئة، فلم يعملها، كتبها الله عنده حسنة كاملة ،وإن همَّ بها فعملها كتبها الله سيئة واحدة» .","part":1,"page":140},{"id":141,"text":"رابعاً ـ زمن النية أو وقتها:\rالأصل العام: أن وقت النية أول العبادة البدنية إلا في حالات سأذكرها (1) .\rفنية الوضوء: محلها عند غسل الوجه، قال الحنفية: ويسن أن تكون في أول السنن عند غسل اليدين إلى الرسغين، لينال ثواب السنن المتقدمة على غسل الوجه.\rووقتها: قبل الاستنجاء ليكون جميع فعله قربة لله تعالى.\rوقال المالكية: محلها الوجه، وقيل: أول الطهارة. وقال الشافعية: يجب قرن النية بأول غسل جزء من الوجه، لتقترن بأول الفرض كالصلاة، ويستحب أن ينوي قبل غسل الكفين، لتشمل النية مسنون الطهارة ومفروضها، فيثاب على كل منهما، كما قال الحنفية، ويجوز تقديم النية على الطهارة بزمن يسير، فإن طال الزمن لم يجزئه ذلك. ويستحب استصحاب ذكر النية إلى آخر الطهارة، لتكون أفعاله مقترنة بالنية، وإن استصحب حكمها أجزأه، ومعناه ألا ينوي قطعها.\rوقال الحنابلة: وقت النية عند أول واجب، وهو التسمية في الوضوء.\rوللمتوضئ عند الشافعية والحنابلة تفريق النية على أعضاء الوضوء، بأن ينوي عند كل عضو رفع الحدث عنه؛ لأنه يجوز تفريق أفعال الوضوء، فكذلك يجوز تفريق النية على أفعاله .\rوالمعتمد عند المالكية، خلافاً لابن رشد: أنه لا يجزئ تفريق النية على الأعضاء، بأن يخص كل عضو بنية، من غير قصد إتمام الوضوء، ثم يبدو له\r-------------------------------\r(1) الأشباه والنظائر لابن نجيم: ص43 ومابعدها، للسيوطي: ص21 ومابعدها، أحكام النية للحسيني: ص10، 74، 78، 122-125.","part":1,"page":141},{"id":142,"text":"فيغسل ما بعده، فإن فرق النية على الأعضاء مع قصده إتمام الوضوء على الفور،أجزأه ذلك.\rوالغسل كالوضوء في السنن عند الحنفية؛ لأن الابتداء بالنية في الغسل عندهم سنة فقط، ليكون فعل المغتسل تقرباً يثاب عليه، كالوضوء. وأوجب الجمهور النية للغسل كالوضوء، للحديث السابق: ( إنما الأعمال بالنيات ) وتكون النية عند غسل أول جزء من البدن، بأن ينوي فرض الغسل، أو رفع الجنابة أو الحدث الأكبر، أو استباحة ممنوع مفتقر إليه.\rوالنية في التيمم فرض باتفاق المذاهب الأربعة، والمعتمد الراجح أنها شرط عند الحنفية والحنابلة، وتكون لدى الحنفية عند الوضع على الصعيد (التراب). وأوجب الشافعية قرن النية بالنقل الحاصل للتراب بالضرب إلى الوجه؛ لأنه أول الأركان، ويجب على الصحيح استدامة النية إلى مسح شيء من الوجه. واقتصر المالكية والحنابلة على إيجاب النية عند مسح الوجه.\rونية الصلاة تكون عند تكبيرة الإحرام، واشترط الحنفية (1) اتصال النية بالصلاة، بلا فاصل أجنبي، بين النية والتكبيرة، والفاصل: عمل ما لا يليق بالصلاة كالأكل والشرب ونحو ذلك. وأوجب المالكية (2) استحضار النية عند تكبيرة الإحرام، أو قبلها بزمن يسير.\rواشترط الشافعية (3) اقتران النية بفعل الصلاة، فإن تراخى عنه سمي عزماً.\r-------------------------------\r(1) تبيين الحقائق للزيلعي: 99/1.\r(2) الشرح الصغير وحاشية الصاوي: 305/1 ، طبع دار المعارف بمصر.\r(3) حاشية الباجوري: 305/1","part":1,"page":142},{"id":143,"text":"وقال الحنابلة (1) : الأفضل مقارنة النية للتكبير، فإن تقدمت النية على التكبير بزمن يسير بعد دخول الوقت في أداء فريضة وراتبة، ولم يفسخها، وكان ذلك مع بقاء إسلامه، بأن لم يرتدّ، صحت صلاته؛ لأن تقدم النية على التكبير بزمن يسير لا يخرج الصلاة عن كونها منْوية، ولا يخرج الفاعل عن كونه ناوياً مخلصاً، ولأن النية من شروط الصلاة، فجاز تقدمها كبقية الشروط، وفي طلب المقارنة حرج ومشقة، فيسقط لقوله تعالى: {وما جعل عليكم في الدين من حرج} [الحج:78/22]، ولأن أول الصلاة من أجزائها،فكفى استصحاب النية فيه كسائرها.\rوالخلاصة: يجب أن تكون النية مقارنة لتكبيرة الإحرام، لكن الشافعية أوجبوا أن تكون النية مقارنة للتكبير، ومقترنة بكل التكبير؛ لأن التكبير أول أفعال الصلاة، فيجب اقتران النية به كالحج وغيره، وأجاز باقي المذاهب (الجمهور) تقدم النية على التكبير بزمان يسير، فإن تأخرت النية أو تقدمت بزمن كثير، بطلت بالاتفاق.\rوكذلك قال الشافعي في الإمامة: إذا أحرم، إماماً كان أو منفرداً، نوى في حال التكبير، لا قبله ولا بعده. قال أصحاب الشافعي: لم يرد بهذا أنه لا يجوز أن تتقدم النية على التكبير، ولا تتأخر عنه، وإنما أراد الشافعي بقوله: «لا قبله» أنه لا يجوز أن ينوي قبل التكبير، ويقطع نيته قبل التكبير، وكذلك لم يرد بقوله: «ولابعده» أنه لا تجوز استدامتها بعد التكبير، وإنما أراد لو ابتدأ بالنية بعد التكبير لم تجزه، فإن نوى قبل التكبير، واستصحب ذكرها إلى آخر التكبير أجزأه، وكذلك لو استدام ذكرها بعد الفراغ من التكبير أجزأه، وقد أتى بأكثر مما يجب عليه، ولا يضره ذلك.\r-------------------------------\r(1) كشاف القناع: 367، طبع مكة، غاية المنتهى : 54/1 ، 115","part":1,"page":143},{"id":144,"text":"وقال الحنفية: ينبغي أن تكون نية الإمامة وقت اقتداء أحد بالإمام لا قبله، كما أنه ينبغي أن يكون وقت نية الجماعة أول صلاة المأموم، قال في فتح القدير في صحة الاقتداء بالإمام: والأفضل أن ينوي الاقتداء عند افتتاح الإمام.\rوأما ما يستثنى من وجوب توقيت النية أول العبادة فهو ما يأتي:\r1ً - الصوم: يجوز تقديم نيته على أول الوقت، لعسر مراقبته، فلو نوى مع الفجر لم يصح في الأصح عند الشافعية. وفصل الحنفية القول ورأوا أن الصوم إن كان أداء رمضان، جاز بنية متقدمة من غروب الشمس، وبنية مقارنة لطلوع الفجر وهو الأصل، وبنية متأخرة عن الشروع إلى ما قبل نصف النهار الشرعي تيسيراً على الصائمين. وإن كان غير أداء رمضان من قضاء أو نذر أو كفارة، فيجوز بنية متقدمة من غروب الشمس إلى طلوع الفجر، ويجوز بنية مقارنة لطلوع الفجر؛ لأن الأصل القران، وإن كان نفلاً فكرمضان أداء.\r2ً - الحج: النية فيه سابقة على الأداء، أي أداء المناسك، عند الإحرام، وهو النية مع التلبية أو ما يقوم مقامها من سوق الهدي عند الحنفية. ورأى المالكية أن الإحرام ينعقد بالنية المقترنة بقول أو فعل متعلق بالحج، كالتلبية والتوجه إلى الطريق، لكن الأرجح أنه ينعقد بمجرد النية، وقرر الشافعية والحنابلة أن الإحرام ينعقد بالنية، فإن اقتصر على النية، ولم يلبِّ أجزأه، وإن لبى بلا نية، لم ينعقد إحرامه، ولا يشترط قرن النية بالتلبية؛ لأنها من الأذكار، فلم تجب في الحج كسائر الأذكار، فصار الجمهور قائلين بانعقاد الإحرام بالنية؛ ولا ينعقد بمجردها عند الحنفية، وإنما لابد من قرنه بقول أو فعل من خصائص الإحرام.","part":1,"page":144},{"id":145,"text":"والأصح عند الشافعية أن وقت نية التمتع مالم يفرغ من العمرة.\r3ً - الزكاة وصدقة الفطر: يجوز تقديم النية فيهما على الدفع إلى الفقراء قياساً على الصوم، ويكتفى بوجود النية حال عزل مقدار ما وجب عن بقية المال، أو عند إعطائها للوكيل أو بعده، وقبل التفرقة، تيسيراً على المزكين، وإن كان الأصل ألا يجوز أداء الزكاة إلا بنية مقارنة للأداء. وهل تجوز بنية متأخرة على الأداء؟ قال الحنفية: لو دفعها بلا نية، ثم نوى بعده، فإن كان المال قائماً في يد الفقير جاز وإلا فلا.\rوالكفارة مثل الزكاة يجوز تقديمها على وجوبها، ويجوز تقديم نيتها على دفعها للمستحقين.\r4ً - نية الجمع بين الصلاتين: تكون في الصلاة الأولى، مع أن الصلاة الثانية هي المجموعة. فإن جعلت الصلاة الأولى أول العبادة، جاز فيها عند الشافعية تأخير النية عن أولها؛ لأن الأظهر جواز النية في أثنائها ومع التحلل منها.\r5ً - نية الأضحية: يجوز تقديمها على الذبح، ولا يجب اقترانها به في الأصح لدى الشافعية. وتجوز النية عند الدفع إلى الوكيل في الأصح.\r6ً - نية الاستثناء في اليمين: تجب قبل فراغ اليمين مع وجوبها في الاستثناء أيضاً.\rعدم اشتراط النية في البقاء:\rلا تشترط النية في البقاء للحرج، ولا يلزم نية العبادة في كل جزء، إنما تلزم في جملة ما يفعله في كل حال. وعليه يكتفى في العبادات الأفعال بالنية في أولها، ولايحتاج إليها في كل فعل، اكتفاء بانسحابها عليه كالوضوء والصلاة، وكذا الحج، فلا يحتاج إلى إفراد الطواف والسعي والوقوف بنية. لكن لا يجوز في الصلاة تفريق النية على أركانها، ويجوز ذلك في الوضوء على الأصح في مذهب الشافعية كما بينت، والأكمل في الحج وجود نية الطواف والسعي والوقوف بعرفة عند كل منها، لكن تشترط النية في طواف النذر والتطوع، لعدم اندراجه مع غيره، وعلى هذا يقال: لنا عبادة تجب النية في نفلها دون فرضها وهو الطواف، ولا نظير لذلك.","part":1,"page":145},{"id":146,"text":"وعبارة الحنابلة في ذلك: الواجب استصحاب حكم النية دون حقيقتها، بمعنى أنه لا ينوي قطعها، فلو ذهل عنها، لم يؤثر ذلك في صحة صلاته.\rوذكر الحنفية أن الحاج لو طاف بنية التطوع في أيام النحر، وقع عن الفرض، ولو طاف بعد ما حل النفر ونوى التطوع أجزأه عن طواف الصدر (الوداع). ولو طاف الحاج طالباً الغريم لا يجزئه، ولو وقف في عرفات طالباً الغريم أجزأه؛ لأن الطواف قربةمستقلة بخلاف الوقوف (1) .\rخامساً ـ كيفية النية:\rتتطلب العبادة مع نية فعلها تمييزها عن غيرها، سواء أكان ذلك الغير عبادة من نوعها أو جنسها أم غير عبادة أي فعلاً عادياً؛ لأن المقصود بالنية في العبادة تمييزها عن العادات، أو تمييز رتب العبادة عن بعضها.\rمثلاً الوضوء يكون عبادة إذا قصد به التوصل للعبادة كالصلاة والطواف ونحوهما مما يفتقر إلى ذلك، ويكون عادة للنظافة والتبرد ونحوهما، فإذا نوى استباحة الصلاة باستعمال الماء في أعضاء الوضوء، أو فرض الغسل، صح الوضوء.\rوالصلاة، وإن لم تكن من جنس العادات، بل هي محض عبادة، فإنها تتنوع إلى نوعين: فرض وسنة، والفرض: عيني وكفائي، الأول: الصلوات الخمس، والثاني: الجنازة. والسنة: رواتب تابعة للفرائض، ووتر وعيدان وكسوفان واستسقاء وتراويح، ونفل مطلق. فالفرض لابد مع نية فعله من ملاحظة تعينه باسمه، ليتميز عن باقي الفروض، ومن ملاحظة فرضيته ليتميز عما عداه من السنن، ولم يشترط بعض الفقهاء التعرض في نيته للفرضية، اكتفاء بالتعيين بالاسم، لوضعه للفرض. والرواتب والسنن المؤكدة غير النفل المطلق: لابد مع نية فعلها من ملاحظة تعينها بإضافة: كراتبة كذا، أو صلاة عيد كذا، أو صلاة كسوف.\r-------------------------------\r(1) الأشباه والنظائر لابن نجيم: ص45-46، وللسيوطي: ص23، أحكام النية للحسيني: ص124-126، المغني: 467/1. ولاسبب.","part":1,"page":146},{"id":147,"text":"وأما النفل المطلق: فيكفي فيه نية الفعل، لتميزه بذاته عن غيره لعدم تقيده بوقت وإعطاء المال للغير من غير مقابل: قد يكون زكاة، وصدقة تطوع، وهدية، وهبة، فلا بد مع نية الإعطاء من التعيين بالوصف الشرعي وهو الزكاة مثلاً، ليتميز عن الإعطاء لغيرها، ولا يحتاج لنية الفرض؛ لأن لفظ الزكاة موضوع شرعاً للفرض.\rوالإمساك عن المفطرات قد يكون لأجل الصيام، وقد يكون لأجل الحمية والتداوي، فلا بد مع نية الإمساك من ملاحظة تعينه بكونه صياماً ليتميز عن غيره. ثم إن الصيام يكون فرضاً وسنة كالصلاة، فلا بد مع نية الصيام من ملاحظة تعينه بكونه عن رمضان إن وقع في غير شهره، أو قضاء عنه، أو كفارة يمين أو ظهار أو قتل أو جماع في رمضان أو فدية تطيب في الحج مثلاً. ولا يحتاج في ذلك إلى ملاحظة الفرض؛ لأن هذه الأمور لا تكون إلا فرضاً، فهو متعين بذاته لا يشتبه بغيره من السنن.\rوقصد الحرم قد يكون للإحرام، وقد يكون لغيره من العادات كالتجارة أو غيرها، فلابد مع قصده من ملاحظة كونه للإحرام، إما بالحج إن كان الوقت قابلاً له وذلك في أشهر الحج، أو بالعمرة، أو مطلقاً، ويصرف لما شاء منهما، إن كان الوقت قابلاً للحج، وإلا تعين للعمرة. ولا يشترط نية الفرضية لانصراف الإحرام إليه، حيث لم يسبق له حج ولا عمرة (1) .\rودليل اشتراط التعيين حديث: ( وإنما لكل امرئ مانوى ) فهو ظاهر في اشتراط التعيين، كما بينا.\rوأذكر هنا أمثلة لكيفية النية في العبادات، ففي الوضوء: أن ينوي رفع الحدث، أو إقامة الصلاة، أو ينوي الوضوء، أو امتثال الأمر الإلهي، أو يقصد بطهارته استباحة شيء لا يستباح إلا بها، كالصلاة والطواف ومس المصحف، أو ينوي رفع الجنابة أو فرض الغسل، أو الغسل المفروض مع أول غسل جزء من الجسد وهو الرأس أو غيره.وإذا وضأه غيره، اعتبرت النية من المتوضئ دون الموضئ؛ لأن المتوضئ هو المخاطب بالوضوء. وينوي من حدثه دائم كالمستحاضة وسلس البول ونحوه استباحة الصلاة دون رفع الحدث، لعدم إمكان رفعه (2) .\r-------------------------------\r(1) نهاية الإحكام في بيان ماللنية من الأحكام لأحمد الحسيني: ص10 ومابعدها.\r(2) البدائع: 17/1، الدر المختار: 98/1 ومابعدها، 140 ومابعدها، المجموع: 361/1 وما بعدها، مغني المحتاج 47/1، 72، بداية المجتهد: 7/1 ومابعدها، 42 ومابعدها، الشرح الصغير: 114/1 ومابعدها، 166 ومابعدها، كشاف القناع: 94/1 ومابعدها،173 ومابعدها، المغني: 142/1،218 وما بعدها.","part":1,"page":147},{"id":148,"text":"وفي التيمم: ينوي عند الحنفية أحد أمور ثلاثة: إما نية الطهارة من الحدث، أو استباحة الصلاة، أو نية عبادة مقصودة لا تصح بدون طهارة، كالصلاة أو سجدة التلاوة أو صلاة الجنازة، ولا تشترط له نية الفرض؛ لأنه من الوسائل عندهم.\rونية التيمم عند المالكية: إما استباحة الصلاة أو استباحة ما منعه الحدث، أو فرض التيمم عند مسح الوجه، ولو نوى رفع الحدث فقط، كان تيممه باطلاً؛ لأن التيمم لا يرفع الحدث، على المشهور عندهم. ولو نوى فرض التيمم أجزأه.\rوقال الشافعية: لابد أن ينوي استباحة الصلاة ونحوها، فلا يكفي في الأصح نية فرض التيمم أو فرض الطهارة أو الطهارة عن الحدث أو الجنابة؛ لأن التيمم لا يرفع الحدث عندهم.\rوينوي عند الحنابلة استباحة ما لا يباح إلا بالتيمم كالصلاة ونحوها، من طواف أو مس مصحف، أي كما قال الشافعية (1) .\rوفي الغسل: ينوي المغتسل عند غسل أول جزء من البدن نية فرض الغسل أو رفع الجنابة أو الحدث الأكبر، أو استباحة ممنوع مفتقر إلى الغسل كأن ينوي استباحة الصلاة أو الطواف مما يتوقف على غسل، فإن نوى ما لا يفتقر إليه كالغسل ليوم العيد،لم يصح. وتكون النية مقرونة بأول فرض: وهو أول ما يغسل من البدن، سواء أكان من أعلاه أم من أسفله، إذ لا ترتيب فيه (2) . ولا تشترط عند الحنفية نية الفرضية، الغسل والوضوء، لعدم اشتراط النية فيهما.\r-------------------------------\r(1) فتح القدير: 86/1، 89، البدائع: 25/1، 52، تبيين الحقائق: 38/1، الشرح الكبير: 154/1، القوانين الفقهية: ص37، المهذب: 32/1، مغني المحتاج: 97/1، المغني: 251/1، كشاف القناع: 199/1.\r(2) فتح القدير: 38/1 ومابعدها، اللباب شرح الكتاب: 20/1، الشرح الصغير: 166/1 ومابعدها، بداية المجتهد: 42/1ومابعدها، مغني المحتاج: 72/1 ومابعدها، المغني: 218/1 ومابعدها، كشاف القناع: 173/1 ومابعدها.","part":1,"page":148},{"id":149,"text":"وفي الصلاة:\rقال الحنفية: إن كان المصلي منفرداً يصلي وحده، عيَّن نوع الفرض أو الواجب، وإن كان تطوعاً تكفيه نية الصلاة.\rوإن كان المصلي إماماً، عيَّن كما سبق، ولا يشترط للرجل نية إمامة الرجال، ويصح اقتداؤهم به بدون نية إمامتهم. ويشترط للرجل نية إمامة النساء لصحة اقتدائهن به.\rوإن كان مقتدياً، عيَّن أيضاً كما سبق، ويحتاج لزيادة نية الاقتداء بالإمام، كأن ينوي فرض الوقت والاقتداء بالإمام فيه، أو ينوي الشروع في صلاة الإمام، أو ينوي الاقتداء بالإمام في صلاته.\rوقال المالكية: يجب التعيين في الفرائض، والسنن الخمس (وهي الوتر والعيد والكسوف والخسوف والاستسقاء) (1) وسنة الفجر، دون غيرها من النوافل كالضحى والرواتب والتهجد، فيكفي فيه نية مطلق نفل، وينصرف للضحى إن كان قبل الزوال، ولراتب الظهر إن كان قبل صلاته، أو بعده، ولتحية المسجد إن كان حين الدخول فيه، وللتهجد إن كان في الليل، وللشفع (سنة العشاء) إن كان قبل الوتر. ولا يشترط نية الأداء أو القضاء أو عدد الركعات، فيصح القضاء بنية الأداء وعكسه. وتجب نية الانفراد، والمأمومية، ولا تجب نية الإمامة إلا في الجمعة والجمع بين الصلاتين تقديماً للمطر، والخوف، والاستخلاف، لكون الإمام شرطاً فيها (2) .\r-------------------------------\r(1) البدائع: 127/1 ومابعدها، الدر المختار: 406/1، تبيين الحقائق:99/1، فتح القدير: 185/1، الأشباه والنظائر لابن نجيم: ص32 ومابعدها.\r(2) الشرح الكبير وحاشية الدسوقي: 233/1، 520، بداية المجتهد: 116/1، القوانين الفقهية: ص57.","part":1,"page":149},{"id":150,"text":"وقرر الشافعية (1) أنه إن كانت الصلاة فرضاً، ولو فرض كفاية كصلاة الجنازة، أو قضاء كالفائتة، أو معادة، أو نذراً يجب ثلاثة أمور:\rأ ـ نية الفرضية: أي يلاحظ ويقصد كون الصلاة فرضاً، لتتميز عن النفل والمُعَاد. والعبارة عن نية الفرض: أن يقول: ( أؤدي الظهر، فرض الوقت لله تعالى ) فيشمل قوله: ( أؤدي ) أصل الفعل والأداء.\rب ـ والقصد: أي قصد إيقاع الفعل، بأن يقصد فعل الصلاة لتتميز عن سائر الأفعال.\rجـ ـ التعيين: أي تعيين نوع الفريضة من صبح أو ظهر مثلاً، بأن يقصد إيقاع صلاة فرض الظهر مثلاً.\rويشترط أن يكون ذلك مقارناً لجميع أجزاء تكبيرة الإحرام، مقارنة إجمالية لاتفصيلية، بأن يستحضر المصلي أركان الصلاة، أي أن تكون حاضرة في الذهن في زمن واحد، بأن يحضر المصلي في ذهنه ذات الصلاة وصفاتها التي يجب التعرض لها كالظهرية والفرضية وغيرهما، ثم يقصد إلى هذا المعلوم قصداً مقارناً لأول التكبير، ودائماً مع ذكر المعلوم إلى آخر التكبير، وتكفي المقارنة العرفية العامة، بحيث يعدّ المصلي مستحضرا ً للصلاة غير غافل عنها، قال النووي: وهو المختار.\rوهذا الحكم هو المقصود عندهم بالاستحضار والمقارنة العرفيين، أي يستحضر قبل التحريمة فعل الصلاة من أقوالها وأفعالها في أولها وآخرها ولو إجمالاً، على المعتمد، ويقرن ذلك الاستحضار السريع في الذهن في أثناء تكبيرة الإحرام.\r-------------------------------\r(1) المجموع: 243/3-252، مغني المحتاج: 148/1-150، 252-253، حاشية الباجوري: 149/1.","part":1,"page":150},{"id":151,"text":"والحاصل: إن كانت الصلاة إحدى الفرائض الخمس، يجب على المصلي ثلاث نيات: فعل الصلاة، والفرضية، والتعيين، فيقول: نويت أن أصلي فرض الظهر، أو نويت أداء فرض صلاة العصر، أو فرض صلاة المغرب، ينوي الصلاة لتتميز العبادة عن العادة، وينوي الظهر لتمتاز عن العصر، وينوي الفرض ليمتاز عن النفل.\rولا يشترط نية عدد الركعات، ولا تعيين اليوم، لا في الأداء ولا في القضاء، ولا الإضافة إلى الله تعالى (1) ، ولا التعرض لأركان الصلاة، ولا لاستقبال القبلة، ولا التعرض للأداء والقضاء في الأصح عند الأكثرين، وإنما يسن ذلك كله، فلا تجب الإضافة إلى الله تعالى؛ لأن العبادة لا تكون إلا له سبحانه وتعالى، لكن تستحب ليتحقق معنى الإخلاص. ويستحب نية استقبال القبلة وعدد الركعات خروجاً من الخلاف، فلو أخطأ في العدد، كأن نوى الظهر ثلاثاً أو خمساً، لم تنعقد صلاته، كما يستحب نية الأداء والقضاء للتمييز بينهما. والأصح لدى الشافعية أنه يصح الأداء بنية القضاء وعكسه في حالة العذر، كجهل الوقت بسبب غيم أو نحوه، فلو ظن خروج الوقت، فصلاها قضاء، فبان بقاؤه، أو ظن بقاء الوقت، فصلاها أداء، فبان خروجه، صحت صلاته.\rوذكر المالكية: أنه يصح القضاء بنية الأداء وعكسه مطلقاً. ويصح عند الحنابلة أيضاً القضاء بنية الأداء أو عكسه إذا بان خلاف ظنه. كذلك قال الحنفية: يجوز الأداء بنية القضاء وبالعكس في الصلاة والحج.\rوإن كانت الصلاة نفلاً ذات وقت كسنن الرواتب، أو ذات سبب كالاستسقاء، وجب أمران: قصد فعله، وتعيينه كسنة الظهر أو عيد الفطر أو الأضحى، ولا يشترط نية النفلية على الصحيح.\r-------------------------------\r(1) وهذا هو أيضاً رأي الحنفية والمالكية كما بينا، ورأي الحنابلة ( الأشباه والنظائر لابن نجيم: ص32- 35، كشاف القناع: 365/1 ومابعدها، غاية المنتهى: 116/1).","part":1,"page":151},{"id":152,"text":"ويكفي في النفل المطلق (وهو الذي لا يتقيد بوقت ولا سبب نحو تحية المسجد وسنة الوضوء) نية فعل الصلاة.\rولا يشترط للإمام نية الإمامة، بل يستحب ليحوز فضيلة الجماعة، فإن لم ينو لم تحصل له، إذ ليس للمرء من عمله إلا مانوى. وتشترط نية الإمامة في مذهب الشافعية في حالات أربع: في الجمعة، والصلاة المجموعة مع غيرها للمطر جمع تقديم، والصلاة المعادة في الوقت جماعة، والصلاة التي نذر أن يصليها جماعة، للخروج من الإثم. وكذلك قال المالكية: لا تجب نية الإمامة إلا في الجمعة والجمع والخوف والاستخلاف، لكون الإمام شرطاً فيها، وزاد ابن رشد الجنائز.\rويشترط للمقتدي نية الاقتداء: بأن ينوي المأموم مع تكبيرة الإحرام الاقتداء أو الائتمام أو الجماعة بالإمام الحاضر، أو بمن في المحراب ونحو ذلك؛ لأن التبعية عمل، فافتقرت إلى نية، إذ ليس للمرء إلا ما نوى. ولا يكفي إطلاق نية الاقتداء، من غير إضافة إلى الإمام، فلو تابع بلا نية، أو مع الشك فيها، بطلت صلاته إن طال انتظاره.\rومذهب الحنابلة (1) : إن كانت الصلاة فرضاً، اشترط أمران: تعيين نوع الصلاة: ظهراً أو عصراً أو غيرهما، وقصد الفعل ، ولا يشترط نية الفرضية بأن يقول: أصلي الظهر فرضاً.\rأما الفائتة: فإن عينها بقلبه أنها ظهر اليوم، لم يحتج إلى نية القضاء، ولا الأداء. ويصح القضاء بنية الأداء أو عكسه إذا بان خلاف ظنه.\rوإن كانت الصلاة نافلة: فيجب تعيينها إن كانت معينة أو مؤقتة بوقت كصلاة الكسوف والاستسقاء، والتراويح والوتر، والسنن الرواتب؛ ولا يجب تعيين النافلة إن كانت مطلقة، كصلاة الليل، فيجزئه نية الصلاة لا غير، لعدم التعيين فيها، فهم كالشافعية في هذا.\r-------------------------------\r(1) المغني: 464/1-469، 231/2، كشاف القناع: 364/1 - 370.","part":1,"page":152},{"id":153,"text":"وفي الصوم: رأى الحنفية (1) أنه يصح صوم رمضان ونحوه كالنذر المعين زمانه بمطلق النية، وبنية النفل، وبنية واجب آخر، ولا يجب تبييت نية صوم رمضان، كما أبنت، والتسحر نية عندهم.\rوصفة النية عند المالكية (2) : أن تكون معينة مبيتة جازمة. وكمال النية لدى الشافعية (3) في رمضان: أن ينوي صوم غد عن أداء فرض رمضان هذه السنة لله تعالى،والمعتمد أنه لا يجب في التعيين نية الفرضية.\rومذهب الحنابلة (4) : من خطر بباله أنه صائم غداً، فقد نوى، ويجب تعيين النية،بأن يعتقد أنه يصوم غداً من رمضان أو من قضائه أو من نذره أو كفارته، ولا يجب مع التعيين نية الفرضية.\rوالحاصل: اتفق الجمهور غير الحنفية على وجوب تبييت النية، كما اتفق الجمهور غير الشافعية على أن الأكل والشرب بنية الصوم أو التسحر نية، إلا أن ينوي معه عدم الصيام. ولا يقوم مقام النية لدى الشافعية التسحر في جميع أنواع الصيام، إلا إذا خطر له الصوم عند التسحر ونواه، كأن يتسحر بنية الصوم، أو امتنع من الأكل عند الفجر خوف الإفطار.\r-------------------------------\r(1) مراقي الفلاح: ص 106 ومابعدها، الأشباه والنظائر لابن نجيم: ص33.\r(2) القوانين الفقهية: ص 117، بداية المجتهد: 283/1 .\r(3) مغني المحتاج: 425/1 .\r(4) كشاف القناع: 367/2.","part":1,"page":153},{"id":154,"text":"وفي الاعتكاف (وهو اللبث في المسجد من شخص مخصوص بنية، كما عرفه الشافعية) تشترط النية اتفاقاً، فلا يصح الاعتكاف إلا بالنية، للحديث المتقدم:( إنما الأعما ل بالنيات ) ولأنه عبادة محضة، فلم تصح من غير نية كالصوم والصلاة وسائر العبادات. وأضاف الشافعية: إن كان الاعتكاف فرضاً، لزمه تعيين النية للفرض، لتمييزه عن التطوع. ويشترط له أيضاً عند الحنفية والمالكية الصوم (1) ، لحديث رواه الدارقطني والبيهقي عن عائشة: «لا اعتكاف إلا بصوم» ، لكنه ضعيف. وليس الصوم بشرط عند الشافعية والحنابلة إلا أن ينذره، ونية الاعتكاف أن يقول: (نويت الاعتكاف في هذا المسجد ما دمت فيه).\rوفي الزكاة: اتفق الفقهاء على أن النية شرط في أداء الزكاة، وينوي المزكي: «هذا زكاة مالي» ولا يشترط ذكر الفرض؛ لأن الزكاة لا تكون إلا فرضاً، ونحو ذلك مثل: هذا فرض صدقة مالي، أو صدقة مالي المفروضة، أو الصدقة المفروضة، أو فرض الصدقة. وتجزئ عند المالكية نية الإمام أو من يقوم مقامه عن نية المزكي. وقال الحنابلة: النية أن يعتقد أنها زكاته، أو زكاة ما يخرج عنه كالصبي والمجنون، ومحلها القلب؛ لأن محل الاعتقادات كلها القلب (2) .\r-------------------------------\r(1) فتح القدير: 106/2 ومابعدها، الدر المختار: 177/2 ومابعدها. الشرح الصغير وحاشية الصاوي: 725/2 ومابعدها، المهذب: 190/1-192، مغني المحتاج: 453/1وما بعدها، كشاف القناع: 406/2 ومابعدها، المغني: 184/3-186.\r(2) فتح القدير: 493/1، البدائع: 40/2، المجموع: 182/6 ومابعدها، الشرح الصغير: 666/1 ، 670، المغني: 638/2 ومابعدها.","part":1,"page":154},{"id":155,"text":"وفي الحج والعمرة: لا بد فيهما من النية، وهي الإحرام: وهو نية الحج أو العمرة، أو هما، بأن يقول: نويت الحج أو العمرة وأحرمت به لله تعالى .وإن حج أو اعتمر عن غيره قال: نويت الحج أوالعمرة عن فلان، وأحرمت به لله تعالى. ثم يلبي عقب صلاة ركعتي الإحرام. وينعقد الإحرام عند الجمهور بالنية، ولا ينعقد عند الحنفية بمجردها، وإنما لابد من قرنه بقول أو فعل من خصائص الإحرام، كالتلبية أو التجرد، ويسن عند الحنفية النطق بما نوى بأن يقول الحاج المفرد: اللهم إني أريد الحج فيسره لي وتقبله مني، ويقول المعتمر: اللهم إني أريد العمرة، فيسرها لي، وتقبلها مني، ويقول القارن: اللهم إني أريد العمرة والحج، فيسرهما لي وتقبلهما مني (1) .\rونية الأضحية: أن تكون في رأي الشافعية والحنابلة عند ذبح الأضحية؛ لأن الذبح قربة في نفسه، ويكفيه أن ينوي بقلبه، ولا يشترط أن يتلفظ بالنية بلسانه؛ لأن النية عمل القلب، والذكر باللسان دليل عليها (2) .\rسادساً ـ الشك في النية، وتغييرها، والجمع بين عبادتين بنية واحدة:\rالشك في النية: عني الشافعية والحنابلة (3) بأمر النية والشك فيها في العبادات، فقرروا أن الشك في أصل النية أو في شرطها يبطل العبادة. فإذا شك المصلي، هل نوى صلاة الظهر أو العصر، فلا يحسب له واحدة منهما، كما نص عليه الشافعي في الأم.\r-------------------------------\r(1) القوانين الفقهية: ص131، البدائع: 161/2 ومابعدها، الشرح الصغير: 16/2،25، مغني المحتاج: 476/1 ومابعدها، المجموع: 226/7، المغني: 281/3 ومابعدها.\r(2) البدائع: 71/5، القوانين الفقهية: ص 187، مغني المحتاج: 289/4، كشاف القناع: 6/3.\r(3) أحكام النية للحسيني: ص48-51 ، 66، مغني المحتاج: 47/1، 148 ومابعدها، 252 وما بعدها، المغني: 142/1، 467، غاية المنتهى: 116/1، كشاف القناع: 396/1.","part":1,"page":155},{"id":156,"text":"وإن شك المتطهر في النية في أثناء الطهارة، لزمه استئنافها؛ لأنها عبادة شك في شرطها، وهو فيها، فلم تصح كالصلاة. ولا يضر شكه في النية بعد فراغ الطهارة، كسائر العبادات.\rوقرر الشافعية: أن النية شرط في جميع الصلاة، فلو شك في النية في صلاته، هل أتى بها أو لا، بطلت صلاته. وبطلان صلاته فيما إذا فعل مع الشك مالا يزاد مثله في الصلاة، وإن زيد بطلت كالركوع والسجود والرفع منهما.\rأي أن صلاته تبطل إذا استمر في الشك بمقدار أداء ركن فعلي، فإن لم يمض ركن، وقصر الزمان، لم تبطل صلاته على المشهور، إلا إذا شك المسافر في نية القصر، ثم تذكر أنه نوى عن قرب، يلزمه الإتمام، لأن تلك اللحظة، وإن قصرت، فهي في حق المسافر محسوبة من الصلاة، مع تخلف نية القصر، وإذا مضى شيء من الصلاة مع تخلف نية القصر، غلب الإتمام، فإنه الأصل.\rومالا يشترط أصل نيته، فالشك فيه لا يمنع الجواز، واستحضار النية في أثناء الصلاة لا يشترط، فلو صلى ركعة من الظهر، فظن في الركعة الثانية أنها من العصر، ثم تذكر في الثالثة، صح ظهره، ولا يضر ظنه أنها من العصر؛ لأن مالا يجب أصل نيته، فالخطأ فيه لا يضر. ،ولو شك في أصل النية، فأتى بفعل الصلاة على الشك، بطلت؛ لأن أصل النية، وإن لم يكن شرطاً، فاستدامة الحكم شرط.","part":1,"page":156},{"id":157,"text":"وحكم الشك في شرط النية كالحكم في أصلها، فلو فاتته صلاتان، فعرفهما، فدخل في إحداهما بنية، ثم شك، فلم يدر أيتهما نوى، وصلى، لم تجزئه هذه الصلاة عن واحدة منهما، حتى يكون على يقين أو ظن غالب من التي نوى. وكذلك قرر الحنابلة: إن شك في أثناء الصلاة، هل نوى أو لا؟ أو شك في تكبيرة الإحرام، استأنفها، كما قال الشافعية؛ لأن الأصل عدم ماشك فيه. فإن ذكر أنه قد نوى، أو كبر قبل قطعها، فله البناء أي الإكمال؛ لأنه لم يوجد مبطل لها. وإن عمل في الصلاة عملاً مع الشك، بطلت الصلاة، كما قال الشافعية.\rتغيير النية: اتفق الفقهاء على أن المصلي إذا أحرم بفريضة، ثم نوى نقلها إلى فريضة أخرى، بطلت الاثنتان؛ لأنه قطع نية الأولى، ولم ينو الثانية عند الإحرام. فإن حول الفرض إلى نفل، فالأرجح عند الشافعية أنها تنقلب نفلاً؛ لأن نية الفرض تتضمن نية النفل، بدليل أنه لو أحرم بفرض، فبان أنه لم يدخل وقته، كانت صلاته نافلة، والفرض لم يصح، ولم يوجد ما يبطل النفل.\rوالحاصل: تبطل الصلاة بفسخ النية أو تردده فيها أو عزمه على إبطالها أو نية الخروج من الصلاة، أو إبطالها وإلغاء ما فعله من الصلاة، أو شكه هل نوى أو لا، أو بالانتقال من صلاة إلى أخرى (1) .\rالجمع بين عبادتين بنية واحدة:\rقال الحنفية (2) : إما أن يكون الجمع بين العبادتين في الوسائل أو في المقاصد.\rفإن كان في الوسائل، فإن الكل صحيح، كما لو اغتسل الجنب يوم الجمعة للجمعة ولرفع الجنابة، ارتفعت جنابته وحصل له ثواب غسل الجمعة. ومثله لو نوى الغسل للجمعة والعيد، فإنهما يحصلان.\rوإن كان في المقاصد: فإما أن ينوي فرضين، أو نفلين، أو فرضاً ونفلاً.\r-------------------------------\r(1) كشاف القناع: 370/1، المغني: 468/1، فتح القدير285/1.\r(2) الأشباه والنظائر لابن نجيم: ص39 وما بعدها.","part":1,"page":157},{"id":158,"text":"أما الأول (نية الفرضين): فإن كان في الصلاة، لم تصح واحدة منهما، فلو نوى صلاتي فرض كالظهر والعصر، لم يصحا اتفاقاً. ولو نوى في الصوم القضاء والكفارة، كان عن القضاء. ولو نوى الزكاة وكفارة الظهار، جعله عن أيهما شاء. ولو نوى الزكاة وكفارة اليمين، فهو عن الزكاة. ولو نوى صلاة مكتوبة (مفروضة) وصلاة جنازة، فهي عن المكتوبة. وقد ظهر بهذا أنه إذا نوى فرضين: فإن كان أحدهما أقوى، انصرف إليه، فصوم القضاء أقوى من صوم الكفارة، وإن استويا في القوة، فإن كان في الصوم، فله الخيار ككفارة الظهار وكفارة اليمين، وكذلك الزكاة وكفارة الظهار. وأما الزكاة مع كفارة اليمين، فالزكاة أقوى ، وأما في الصلاة فيقدم أيضاً، فقدمت المكتوبة على صلاة الجنازة.\rوإن نوى فرضاً ونفلاً، فإن نوى الظهر والتطوع، أجزأه عن المكتوبة وبطل التطوع، في رأي أبي يوسف. وقال محمد: لا يجزئه شيء منهما. وإن نوى الزكاة والتطوع يكون عن الزكاة، وعند محمد عن التطوع. ولو نوى نافلة وجنازة فهي نافلة.\rوأما إذا نوى نافلتين، كما إذا نوى بركعتي الفجر التحية والسنة أجزأت عنهما.\rوأما التعدد في الحج: فلو أحرم نذراً ونفلاً، كان نفلاً، أو فرضاً وتطوعاً، كان تطوعاً عند أبي يوسف ومحمد في الأصح. ولو أحرم بحجتين معاً أو على التعاقب، لزماه عند أبي حنيفة وأبي يوسف. وعند محمد: في المعية يلزمه إحداهما، وفي التعاقب الأولى فقط.","part":1,"page":158},{"id":159,"text":"وإذا نوى عبادة ثم نوى في أثنائها الانتقال عنها إلى غيرها، فإن كبر ناوياً الانتقال إلى غيرها، صار خارجاً، كما إذا نوى تجديد الأولى وكبر. وذكر السيوطي (1) : لو نوى مع النفل نفلا ً آخر فلا يحصلان، لكن لو نوى صوم يوم عرفة والاثنين مثلاً، فيصح. أما لو نوى سُنَّتين: فإن لم تدخل إحداهما في الأخرى كسنة الضحى وقضاء سنة الفجر، فلا تنعقدان عند التشريك بينهما. وأما إن دخلت إحداهما في الأخرى كتحية المسجد وسنة الظهر مثلاً، فتنعقدان؛ لأن التحية تحصل ضمناً. ومثل التحية في رأي ابن حجر وشيخه العراقي أن ينوي مع الفرض صوم يوم عرفة وعاشوراء وتاسوعاء وستة من شوال والأيام البيض ويوم الاثنين والخميس من كل شهر.\rأما لو نوى مع غير العبادة شيئاً آخر غيرهما، كما لو قال لزوجته: أنت عليَّ حرام، ناوياً الطلاق والظهار، أو قال لزوجتيه: أنتما على حرام، ناوياً في إحداهما الطلاق و وفي الأخرى الظهار، حمل في رأي الحنفية إن أراد أحدهما على الأغلظ منهما وهو الطلاق؛ لأن اللفظ الواحد لا يحمل على أمرين. والأصح عند الشافعية: يخير بينهما، فما اختاره ثبت (2) .\rوسيأتي في بحث المقصود بالنية تفصيل رأي الشافعية في هذا الموضوع.\rسابعاً ـ المقصود بالنية ومقوماتها:\rأوضح ابن نجيم والسيوطي (3) الهدف أو الغاية من النية إيضاحاً تاماً، فقالا: إن المقصود الأهم من النية تمييز العبادات من العادات وتمييز رُتَب العبادات بعضها من بعض، كالوضوء والغسل، يتردد بين التنظيف والتبرد والعبادة. والإمساك عن المفطرات قد يكون حِمْية أو تداوياً أو لعدم الحاجة إليه. والجلوس في المسجد قد يكون للاستراحة.\r-------------------------------\r(1) الأشباه والنظائر: ص 20.\r(2) الأشباه لابن نجيم: ص 42، وللسيوطي: ص21.\r(3) الأشباه لابن نجيم: ص 24 ومابعدها، وللسيوطي: ص 10 - 21.","part":1,"page":159},{"id":160,"text":"ودفع المال قد يكون هبة أو لغرض دنيوي، وقد يكون قربة كالزكاة والصدقة والكفارة. والذبح قد يكون للأكل ، فيكون مباحاً أو مندوباً، أو للأضحية فيكون عبادة، أو لقدوم أمير، فيكون حراماً، فشرعت النية لتمييز القربات من غيرها.\rوالتقرب إلى الله تعالى يكون بالفرض والنفل والواجب، فشرعت النية لتمييزها عن بعضها، فكل من الوضوء والغسل والصلاة والصوم ونحوها قد يكون فرضاَ ونذراً ونفلاً. والتيمم قد يكون عن الحدث، أو عن الجنابة، وصورته واحدة وهي في الوجه واليدين فقط.\rويتفرع عن ذلك أمور:\r1 ً - ما لا يكون عادة أو لا يلتبس بغيره، لا تشترط فيه نية زائدة على قصد الفعل، كالإيمان بالله تعالى، والمعرفة والخوف والرجاء والنية وقراءة القرآن والأذكار؛ لأنها متميزة لا تلتبس بغيرها، فإذا قصد الإنسان الإيمان أو القراءة، صار طاعة مثاباً عليها، بدون قصد التقرب، أما غير ذلك فلا يكفي فيه مجرد قصد الفعل، بل لا بد من نية زائدة، بأن ينوي التقرب في دخول المسجد ونحوه، ليكون مثاباً عليه.\r2 ً - اشتراط التعيين فيما يلتبس دون غيره: لقوله صلّى الله عليه وسلم : «وإنما لكل امرئ مانوى» فهذا ظاهر في اشتراط التعيين، فيشترط في الفرائض التعيين لتساوي الظهر والعصر صورة وفعلاً، فلا يميز بينها إلا التعيين. وتعين النوافل غير المطلقة كالرواتب ( سنن الصلاة ) بإضافتها إلى الظهر مثلاً قبلية أو بعدية. ثم ذكر السيوطي قواعد ثلاثاً وهي:\rأ ـ ( ما لايشترط التعرض له لا جملة ولا تفصيلاً لايضر الخطأ فيه ) أي في تعيينه، مثل مكان الصلاة وزمانها.\rب ـ ( وما يشترط تعيينه يضر الخطأ فيه ) كالخطأ من الصوم إلى الصلاة ومن الظهر إلى العصر.\rجـ ـ ( وما يجب التعرض له جملة ولا يجب تعيينه تفصيلاً، إذا عينه وأخطأ فيه ضر ) مثل عدد الركعات، لو نوى الظهر خمساً أو ثلاثاً لم يصح.","part":1,"page":160},{"id":161,"text":"3 ً - اشتراط التعرض للفرضية وللصلاة: يترتب كلاهما على ماشرعت النية لأجله وهو التمييز، فلا بد من بيان صفة الفرضية لتتميز عن النفل.\rوالأصح وجوب التعرض للصلاة لتتميز عن غيرها من صوم وغيره، والأصح اشتراط التعرض للفرضية في الغسل دون الوضوء؛ لأن الغسل قد يكون عادة، والوضوء لا يكون إلا عبادة. والأصح اشتراط التعرض للفرضية في الزكاة، إن أتى بلفظ الصدقة، وعدم التعرض لها إن أتى بلفظ الزكاة؛ لأن الصدقة قد تكون فرضاً، وقد تكون نفلاً، فلا يكفي مجردها، والزكاة لا تكون إلا فرضاً؛ لأنها اسم للفرض المتعلق بالمال، فلا حاجة إلى تقييدها به. وكذا الحج والعمرة لا يشترط فيهما التعرض للفرضية بلا خلاف.\rوالخلاصة: تنقسم العبادات التي تجب فيها النية بالنسبة لوجوب نية الفرضية إلى أقسام أربعة:\rـ الحج والعمرة والزكاة بلفظها والجماعة: لا تشترط فيها بلا خلاف.\rـ الصلاة والجمعة منها، والغسل، والزكاة بلفظ الصدقة: تشترط فيها على الأصح. ـ الوضوء والصوم: لاتشترط فيها على الأصح.\rـ التيمم: لا يكفي فيه نية الفرضية، بل يضر على الصحيح، فإذا نوى فرضه لم يكف.\r4 ً - عدم اشتراط نية القضاء والأداء، على الأصح، في الصلوات، ومنها الجمعة.\rوأما الصوم: فالذي يظهر ترجيحه أن نية القضاء لا بد منها فيه. وأما الحج والعمرة فلا شك أنهما لا يشترطان فيهما، إذ لو نوى بالقضاء الأداء لم يضره، وانصرف إلى القضاء. ولو كان عليه قضاء حج أفسده في صباه ثم بلغ، فنوى القضاء، انصرف إلى حجة الإسلام وهي الأداء.\r5 ً - الإخلاص: يترتب على التمييز، فلا تصح النيابة أو التوكيل في النية إلا فيما يقبل النيابة وهو ما يقترن بفعل، كتفرقة زكاة، وذبح أضحية، وصوم عن الميت، وحج؛ لأن المقصود اختبار سر العبادة، بأن ينويها المكلف بالعبادة بنفسه.","part":1,"page":161},{"id":162,"text":"وضابط التشريك في النية يتضح في الأقسام التالية التي ذكرناها في بحث الجمع بين العبادتين بنية واحدة وهي:\rالأول ـ أن ينوي مع العبادة ماليس بعبادة، فقد يبطلها، كما إذا ذبح الأضحية لله ولغيره، فانضمام غيره يوجب حرمة الذبيحة .ويقرب من ذلك: ما لو كبَّر للإحرام بالصلاة مرات، ونوى بكل تكبيرة افتتاح الصلاة، فإنه يدخل في الصلاة بالأوتار، ويخرج بالأشفاع لأن من افتتح صلاة، ثم افتتح أخرى، بطلت صلاته؛ لأنه يتضمن قطع الأول. فلو نوى الخروج بين التكبيرتين، خرج بالنية، ودخل بالتكبيرة، ولو لم ينو بالتكبيرات شيئاً، لا دخولاً ولا خروجاً. صح دخوله بالأولى، والبواقي ذِكْر. وقد لا يبطلها، كما لو نوى مع الوضوء أو الغسل التبرد، الأصح الصحة لأن التبرد حاصل، قصده أم لا، فلم يجعل قصده تشريكاً للعبادة مع غيرها وتركاً للإخلاص، بل هو قصد للعبادة على حسب وقوعها لأن من ضرورتها حصول التبرد.\rالثاني ـ أن ينوي مع العبادة المفروضة عبادة أخرى مندوبة، وفيه صور:\rمنها ـ ما لا يقتضي البطلان وتحصلان معاً: كأن أحرم بصلاة، ونوى بها الفرض والتحية معاً، صحت، وحصلا معاً. وكأن ينوي بغسله غسل الجنابة والجمعة معاً، حصلا جميعاً على الصحيح. ولو نوى بسلامه الخروج من الصلاة والسلام على الحاضرين حصلا. ولو حج الفرض وقرنه بعمرة التطوع، أو عكسه، حصلا. ولو نوى في صوم يوم عرفة غيره من قضاء أو نذر أو كفارة، صح وحصلا معاً.\rومنها ـ ما يحصل الفرض فقط: كأن نوى بحجه الفرض والتطوع، وقع فرضاً؛ لأنه لو نوى التطوع، انصرف إلى الفرض. ولو صلى الفريضة الفائتة في ليالي رمضان، ونوى معها التراويح، حصلت الفائتة دون التراويح.\rومنها ـ ما يحصل النفل فقط: كأن أخرج خمسة دراهم، ونوى بها الزكاة وصدقة التطوع، لم تقع زكاة، ووقع التطوع. ولو خطب بقصد الجمعة والكسوف، لم يصح للجمعة؛ لأنه تشريك بين فرض ونفل.","part":1,"page":162},{"id":163,"text":"ومنها ـ ما يقتضي البطلان في الكل: كأن كبَّر المسبوق، والإمام راكع تكبيرة واحدة، ونوى بها التحرُّم والهويّ إلى الركوع، لم تنعقد الصلاة أصلاً، للتشريك. ولو نوى بصلاته الفرض والراتبة، لم تنعقد أصلاً.\rالثالث ـ أن ينوي مع المفروضة فرضاً آخر ، ويجري ذلك في الحج والعمرة، والغسل والوضوء معاً، فإنهما يحصلان على الأصح.\rالرابع ـ أن ينوي مع النفل نفلاً آخر: فلا يحصلان، لأن السَّنتين إذا لم تدخل إحداهما في الأخرى، لا تنعقدان عند التشريك بينهما كسنة الضحى وقضاء سنة الفجر، فإن دخلت إحداهما في الأخرى كتحية المسجد وسنة الظهر مثلاً، صح؛ لأن التحية تحصل ضمناً . ويستثنى من ذلك: ما لو نوى الغسل للجمعة والعيد، فإنهما يحصلان، وما لو خطب خطبتين بقصد العيد والكسوف جميعاً، فإنه يصح. وما لو نوى صوم يوم عرفة والاثنين مثلاً، فيصح.\rالخامس ـ أن ينوي مع غير العبادة شيئاً آخر ، وهما مختلفان في الحكم، كأن يقول لزوجته: «أنت علي حرام» وينوي الطلاق والظهار فالأصح يخير بينهما، فما اختاره ثبت.\rوالخلاصة: أن النية لها مقومات: هي القصد، والفرضية في الفرائض الخمس والغسل والزكاة بلفظ الصدقة، والتعيين فيما يلتبس مع غيره، والإخلاص، فلا يصح التوكيل في النية إلا فيما يقبل النيابة مما يقترن بفعل، والأصل:ألا يصح التشريك في العبادة، إلا ما استثني.\rثامناً ـ شروط النية:\rللنية شروط عامة في العبادات، وشروط خاصة بكل عبادة. أما الشروط العامة فهي ما يأتي (1) :\r-------------------------------\r(1) الأشباه والنظائر لابن نجيم: ص 52-55، وللسيوطي: ص 31 - 38، غاية المنتهى: 115/1 وما بعدها.","part":1,"page":163},{"id":164,"text":"1 ً - الإسلام: لا تصح النية المرتبة للثواب وصحة الفعل إلا من المسلم، فلا تصح العبادات من كافر، فلغا تيمم كافر وكذا وضوؤه عند الجمهور، ويصح وضوؤه وغسله عند الحنفية؛ لأن النية من شروط التيمم دون الوضوء عندهم، فإذا أسلم بعدهما صلى بوضوئه وغسله. ولم تصح عندهم الكفارة من كافر، فلا تنعقد يمينه، لقوله تعالى: { إنهم لا أيمان لهم } [التوبة:12/9]، وقوله تعالى: {وإن نكثوا أيمانهم} [التوبة:12/9]، أي عهودهم الظاهرية. وتصح الكفارة عند الشافعية بغير العبادة (الصوم) من عتق رقبة وإطعام مساكين، ويشترط منه نيتها، لأن المغلب فيها جانب الغرامات، والنية فيها للتمييز لا للقربة، وهي بالديون أشبه. ويصح غسل الكتابية زوجة المسلم عن الحيض، ليحل وطؤها بلا خلاف للضرورة، ويشترط نيتها عند الشافعية.\rأما المرتد فلا يصح منه غسل ولا غيره، لكن إذا أخرج المرتد الزكاة في حال ردته تصح وتجزئه.\r2 ً - التمييز: فلا تصح بالاتفاق عبادة صبي غير مميز، ولا مجنون. لكن يصح عند الشافعية للولي أن يوضئ الطفل للطواف حيث يحرم عنه، وللزوج أن يغسل المجنونة عن الحيض، وينوي على الأصح.\rويتفرع عن هذا الشرط أن ( عمد الصبي والمجنون خطأ ) سواء أكان الصبي مميزاً أم لا عند الحنفية. ورأى الشافعية أن عمد المجنون والصبي غير المميز خطأ قطعاً، أما المميز منهما فعمده عمد في الأصح.","part":1,"page":164},{"id":165,"text":"وينتقض وضوء السكران وتبطل صلاته بالسكر، لعدم تمييزه. لكن الشافعية قالوا: لا يقضى عليه بالحدث ولا تبطل صلاته وسائر أفعاله، حتى يستغرق في سكره، بعد أوان النشوة.\r3 ً - العلم بالمنوي: فمن جهل فرضية الصلاة، لم تصح منه، وكذا لو علم أن بعض الصلاة فرض، ولم يعلم الفرضية التي شرع فيها. ولا يشترط هذا الشرط في الحج، فهو يفارق الصلاة بأنه لا يشترط فيه تعيين المنوي، بل ينعقد الإحرام مطلقاً، ثم يعينه؛ لأن علياً رضي الله عنه أحرم بما أحرم به النبي صلّى الله عليه وسلم وصححه، فإن عين حجاً أو عمرة صح إن كان قبل الشروع في الأفعال، وإن شرع تعينت عمرة.\rوفرع السيوطي على هذا الشرط: ما لو نطق بكلمة الطلاق بلغة لا يعرفها، وقال: قصدت بها معناها بالعربية، فإنه لا يقع الطلاق في الأصح.\r4 ً - ألا يأتي بمنافٍ بين النية والمنوي بأن يستصحبها حكماً: فتبطل العبادات من صلاة وصوم وحج وتيمم بالارتداد ـ والعياذ بالله تعالى ـ في أثنائها، وتبطل صحبة النبي صلّى الله عليه وسلم بالردة إذا مات عليها، فإن أسلم بعدها: فإن كان في حياته عليه الصلاة والسلام، فلا مانع من عودها، وإلا ففي عودها نظر. وذكر السيوطي: أن الوضوء أو الغسل لم يبطل بالردة؛ لأن أفعالهما غير مرتبطة ببعضها، ولكن لا يحسب المغسول في زمن الردة.\rوالردة تحبط العمل والأجر والإيمان السابق، سواء عاد إلى الإسلام أم لا.","part":1,"page":165},{"id":166,"text":"ومن المنافي للنية: نية القطع، فإذا نوى قطع الإيمان، صار مرتداً للحال، ولو نوى قطع الصلاة بعد الفراغ منها لم تبطل بالإجماع. وكذا سائر العبادات. أما لو نوى قطع الصلاة في أثنائها بطلت بلا خلاف؛ لأنها شبيهة بالإيمان، إلا أن ابن نجيم المصري قال: لا تبطل إلا إذا كبر في الصلاة، وينوي الدخول في أخرى، فالتكبير هو القاطع للأولى، لا مجرد النية. ولو نوى قطع الطهارة في أثنائها، لم يبطل ما مضى في الأصح، لكن يجب تجديد النية لما بقي. ولو نوى قطع الصوم أو الاعتكاف، لم يبطل في الأصح؛ لأن الصلاة مخصوصة من بين سائر وجوه العبادات بوجوه من الربط ومناجاة العبد ربه. ولو شرع في الصوم الفرض بعد الفجر، ثم نوى قطعه والانتقال إلى صوم نفل، فإنه لا يبطل؛ لأن الفرض والنفل في الصوم وكذا في الزكاة جنس واحد. أما لو افتتح الصلاة بنية الفرض، ثم غيَّر نيته في الصلاة، وجعلها تطوعاً، فتصير تطوعاً. ولو نوى فعلَ منافٍ للصلاة لم تبطل. ولو نوى الأكل أو الجماع في الصوم، لم يضره. ولو نوى الصوم من الليل، ثم قطع النية قبل الفجر، سقط حكمها؛ لأن ترك النية ضد النية.\rولو نوى قطع السفر بالإقامة، صار مقيماً، وبطل سفره بخمس شرائط في رأي الحنفية: ترك السير، حتى لو نوى الإقامة سائراً لم تصح، وصلاحية الموضع للإقامة، فلو نواها في بحر أو جزيرة لم تصح، والاستقلال بالرأي، فلا تصح نية التابع، والمدة أي إن نوى إقامة نصف شهر، فيقصر إن نوى الإقامة في أقل من نصف شهر، واتحاد الموضع، فلو نوى إقامة نصف شهر في موضعين مستقلين، كمكة ومنى، لم يصر مقيماً، وأصبح كمن نوى الإقامة في غيرموضعها (1)\r-------------------------------\r(1) الدر المختار ورد المحتار: 737/1..","part":1,"page":166},{"id":167,"text":"ويقرب من نية القطع: نية القلب (التحويل): وهي نية نقل الصلاة إلى أخرى، وذلك لا يكون عند الحنفية إلا بالشروع بالتحريمة لا بمجرد النية، ولا بد أن تكون الثانية غير الأولى، كأن يشرع في العصر بعد افتتاح الظهر، فيفسد الظهر، وبشرط ألا يتلفظ بالنية، فإن تلفظ بها بطلت الأولى مطلقاً. وقال الماوردي: تبطل الصلاة بنقل من فرض إلى فرض، أو من نفل راتب إلى نفل راتب، كوتر إلى سنة الفجر، أو من نفل إلى فرض، أو من فرض إلى نفل إلا إذا كان لعذر، كأن أحرم بفرض منفرداً، ثم أقيمت جماعة، فسلَّم من ركعتين ليدركها، صحت نفلاً في الأصح.\rومن المنافي: التردد وعدم الجزم في أصل النية، فلو نوى يوم الشك (ليلة الثلاثين من شعبان): إنه إن كان من شعبان فليس بصائم، وإن كان من رمضان كان صائماً، لم تصح نيته، بخلاف لو وقع ذلك ليلة الثلاثين من رمضان، لاستصحاب الأصل. ولو ترد د هل يقطع الصلاة أو لا، أو علق إبطالها على شيء بطلت. ولو تردد في أنه نوى القصر أو لا أو هل يتم أو لا، لم يقصر.\rومن فروعه: تعقيب النية بالمشيئة: قال السيوطي: إن نوى التعليق بطلت، أو التبرك فلا تبطل، أو أطلق تبطل؛ لأن اللفظ موضوع للتعليق، فلو قال: أصوم غداً إن شاء الله، لم يصح. وقال ابن نجيم: إن كان مما يتعلق بالنيات كالصوم والصلاة لم تبطل، وإن كان مما يتعلق بالأقوال كالطلاق والعتاق بطل.\rوهناك صور تصح فيها النية مع التردد أو التعليق أوردها السيوطي، فمن صور التردد: لو اشتبه عليه ماء، وماء ورد، لا يجتهد، بل يتوضأ بكل مرة، ويغتفر التردد في النية للضرورة.\rومنها: من كان عليه صوم واجب، لا يدري هل هو من رمضان أو من نذر أو كفارة، فنوى صوماً واجباً أجزأه، كمن نسي صلاة من الخمس، وصلى الخمس، أجزأه، ويعذر في عدم جزم النية للضرورة .","part":1,"page":167},{"id":168,"text":"ومن صور التعليق:\rفي الصلاة: إن شك في قصر إمامه، فقال: إن قصر قصرت، وإلا أتممت، فبان قاصراً، قصر . وفي الحج: بأن يقول مريد الإحرام: إن كان زيد محرماً فقد أحرمت، فإن كان زيد محرماً انعقد إحرامه، وإلا فلا. ولو علقه بمستقبل كقوله: إذا أحرم زيد أو جاء رأس الشهر، فقد أحرمت فلا يصح.\rومنها: عليه فائتة وشك في أدائها، فقال: أصلي عنها إن كانت وإلا فنافلة، فبانت، أجزأه.\rومنها في الصوم: لو نوى ليلة الثلاثين من شعبان صوم غد إن كان من رمضان فهو فرض، وإن لم يكن فتطوع، صح وأجزأه.\rومنها في الزكاة: نوى زكاة ماله الغائب إن كان باقياً، وإلا فعن الحاضر، فبان باقياً أجزأه عنه، أو تالفاً أجزأه عن الحاضر.\rومنها في الجمعة: أحرم بالصلاة في آخر وقتها، فقال: إن كان الوقت باقياً فجمعة، وإلا فظهر، فبان بقاؤه، صحت الجمعة في وجه، وقيل: لا تصح.\rومن المنافي: عدم القدرة على المنوي إما عقلاً أو شرعاً أو عادة.\rمثال الأول ـ نوى بوضوئه أن يصلي صلاة وألا يصليها لم تصح لتناقضه.\rمثال الثاني ـ نوى بوضوئه الصلاة في مكان نجس، لا تصح.\rومثال الثالث ـ نوى بوضوئه صلاة العيد، وهو في أول السنة، أو الطواف وهو بالشام، الأصح الصحة، وقيل: لا تصح.\rهذه هي الشروط العامة في العبادات، شرطها الفقهاء في الطهارة، فقالوا: يشترط في نية الوضوء: إسلام الناوي، وتمييزه، وعلمه بالمنوي وعدم إتيانه بما ينافيها بأن يستصحبها حكماً، فلا ينصرف عن الوضوء مثلاً لغيره، وألا تكون معلَّقة، فلو قال: إن شاء الله تعالى: فإن قصد التعليق أو أطلق، لم تصح، وإن قصد التبرك صحت.","part":1,"page":168},{"id":169,"text":"واشترط غير الحنفية دخول وقت الصلاة لدائم الحدث كسلس بول ومستحاضة؛ لأن طهارته طهارة عذر وضرورة، فتقيدت بالوقت كالتيمم (1) . وشرطها الفقهاء أيضاً في الصلاة، وأضافوا إليها مقارنة النية لتكبيرة الإحرام، فاشترط الحنفية اتصال النية بالصلاة بلا فاصل أجنبي بين النية والتكبير، واشترط الشافعية اقتران النية بفعل الصلاة، وكذلك اشترط المالكية والحنابلة المقارنة، لكنهم أجازوا تقدم النية على التكبير بزمن يسير. واتفق الفقهاء على اشتراط تعيين نوع الفرض الذي يصليه المصلي كالظهر أو العصر؛ لأن الفروض كثيرة، ولا يتأدى واحد منها بنية فرض آخر.\rولا تجب نية الخروج من الصلاة بالسلام، وإنما تستحب عند المالكية والشافعية.\rواشترط الفقهاء تلك الشروط في الصيام، وأضافوا إليها: تبييت النية أي إيقاعها ليلاً في رأي الجمهور غير الحنفية، وهو الأفضل عند الحنفية، لقوله عليه الصلاة والسلام: « من لم يبيِّت الصيام قبل طلوع الفجر، فلا صيام له» (2) . واشترط الجمهور أيضاً تعيين النية في فرض الصيام، ولم يشترطه الحنفية، والتعيين: أن يعتقد أنه يصوم غداً من رمضان، أو من قضائه، أو من كفارته أو نذره.\r-------------------------------\r(1) مغني المحتاج: 47/1 ، المغني: 142/1 .\r(2) رواه الدارقطني بإسناد رجاله كلهم ثقات.","part":1,"page":169},{"id":170,"text":"واشترط الجمهور كذلك الجزم بالنية، فلو نوى ليلة الشك: إن كان من رمضان، فأنا صائم فرضاً، وإلا فهو نفل، لم يجزئه عن واحد منهما، لعدم جزمه بالنية لأحدهما؛ إذ لم يعين الصوم من رمضان جزماً. وليس الجزم بالنية في الصوم المقيد بزمن معين شرطاً عند الحنفية، فيصح صومه بالنية المذكورة. وليست نية فرضية الصيام شرطاً باتفاق الفقهاء، بخلاف المقرر في الصلاة؛ لأن صوم رمضان من البالغ لا يقع إلا فرضاً، بخلاف الصلاة، فإن المعادة نفل. وكذلك لا يشترط بالاتفاق تعيين السنة، ولا الأداء، ولا الإضافة إلى الله تعالى؛ لأن المقصود متحقق بنية الصوم، والتعيين يجزئ عن ذلك.\rواشترط الجمهور تعدد النية بتعدد الأيام، فينوي لكل يوم من رمضان على حدة، لعدم تعلق عبادة يوم باليوم الآخر. وقال المالكية: تجزئ نية واحدة لرمضان في أوله،فيجوز صوم جميع الشهر بنية واحدة.\rوفي الزكاة: تشترط الشروط العامة للنية، واختلفوا في أحوال مقارنتها للأداء، فقال الحنفية: لا يجوز أداء الزكاة إلا بنية مقارنة للأداء إلى الفقير، ولو حكماً، كما لو دفع بلا نية ثم نوى، والمال في يد الفقير، أو نوى عند الدفع إلى الوكيل، ثم دفع الوكيل بلا نية، أو مقارنة لعزل مقدار الواجب.\rوقال المالكية: تشترط النية لأداء الزكاة عند الدفع، ويكفي عند عزلها، وتجزئ من دفعها كرهاً عنه كالصبي والمجنون، وتجزئ نية الإمام أو من يقوم مقامه عن نية المزكي.","part":1,"page":170},{"id":171,"text":"وأجاز الشافعية كالحنفية والمالكية تقديم النية على الدفع للفقير، بشرط أن تقارن عزل الزكاة، أو إعطاءها للوكيل أو بعده، وقبل التفرقة، كما تجزئ بعد العزل وقبل التفرقة، وإن لم تقارن أحدهما، ويجوز تفويضها للوكيل إن كان من أهلها، بأن يكون مسلماً مكلفاً. ويجوز توكيل الصبي والكافر في أدائها للمستحقين، بشرط أن يعين له المدفوع له. وتجب نية الولي في زكاة الصبي والمجنون والسفيه، وإلا ضمنها لتقصيره. ولو دفعها المزكي للإمام بلا نية لم تجزئه نية الإمام في الأظهر. وإذا أخذت قهراً من المزكي نوى عند الأخذ منه، وإلا وجب على الآخذ النية.\rوأجاز الحنابلة أيضاً تقديم النية على الأداء بالزمن اليسير، كسائر العبادات. وإن دفع الزكاة إلى وكيله ونوى هو دون الوكيل، جاز، إذا لم تتقدم نيته الدفع بزمن طويل. فإن تقدمت النية بزمن طويل لم يجز إلا إذا نوى حال الدفع إلى الوكيل، ونوى الوكيل عند الدفع إلى المستحق. لكن إن أخذ ها الإمام قهراً، أجزأت من غير نية؛ لأن تعذر النية في حقه، أسقط وجوبها عنه كالصغير والمجنون.\rولو تصدق الإنسان بجميع ماله تطوعاً، لم يجزئه عند الجمهور غير الحنفية؛ لأنه لم ينو به الفرض، كما لو تصدق ببعضه، وكما لو صلى مئة ركعة، ولم ينو الفرض بها. ورأى الحنفية أنه يسقط الفرض عنه استحساناً، بشرط ألا ينوي بها واجباً آخر من نذر أو غيره؛ لأن الواجب جزء منه، فكان متعيناً فيه، فلا حاجة إلى التعيين، وعلى هذا: لو كان للمزكي دين على فقير، فأبرأه عنه، سقط زكاة المبلغ المبرأ عنه، سواء نوى به عن الزكاة أو لم ينو؛ لأنه كالهلاك.","part":1,"page":171},{"id":172,"text":"وفي الحج والعمرة: تشترط الشروط العامة أيضاً، ولكن يشترط في الحج أن يكون الإحرام في وقت معين، وهي الأشهر الثلاثة: شوال وذو القعدة وذو الحجة، أما العمرة فتصح على مدار العام، ويشترط أن ينضم للإحرام في رأي الحنفية قول أو فعل من خصائصه، كالتلبية أو التجرد من المخيط، ولم يشترط الجمهور ذلك، وإنما ينعقد الإحرام عندهم بمجرد النية، لكن يلزمه عند المالكية دم في ترك التلبية والتجرد من المخيط ونحوه حين النية. ويشترط للإحرام تجرد الرجال من المخيط، والامتناع عن الطيب ونحو ذلك من محظورات الإحرام، وإحرام المرأة بكشف وجهها. ويشترط للإحرام أيضاً كونه من الميقات، ولكل جهة ميقات معين معروف عند الفقهاء والناس.\rوأجاز جمهور الفقهاء إدخال الحج على العمرة وبالعكس، بشرط أن يكون الإدخال قبل الشروع في طواف العمرة، وبشرط كونه عند الحنفية قبل أداء أربعة أشواط من طواف العمرة، ولا يجوز إدخال العمرة على الحج في مذهب الحنفية.\rوأجاز الحنابلة خلافاً للجمهور فسخ الحج إلى العمرة، أي تحويل النية من الإحرام بالحج إلى العمرة.\rوفي الأضحية: اشترط الشافعية والحنابلة أن تكون النية عن ذبح الأضحية لأن الذبح قربة في نفسه، ويكفيه أن ينوي بقلبه، ولا يشترط أن يتلفظ بالنية بلسانه؛ لأن النية عمل القلب، والذكر باللسان دليل عليها. وقال الكاساني في البدائع: لا تتعين الأضحية إلا بالنية وتكفي النية في مذهب الحنفية عند الشراء، كما سأوضح.","part":1,"page":172},{"id":173,"text":"تاسعاً ـ النية في العبادات: هل هي شرط أو ركن؟\rتكلمنا فيما سبق في هذا البحث عن شروط النية ومحلها وكيفيتها وزمنها وغير ذلك، ولم يبق في بحث النية في العبادات إلا الكلام عن شرطيتها وركنيتها، فهل النية في العبادات شرط أو ركن؟ علماً بأن كلاً من الشرط والركن فرض، لكن الشرط يكون خارجاً عن المشروط، كالطهارة شرط للصلاة خارجة عن الصلاة، والركن في اصطلاح الحنفية: هو ما يتوقف عليه وجود الماهية أو الشيء، ويكون جزءاً داخلاً فيها أو فيه. وهو عند الجمهور: ما به قوام الشيء الذي يتوقف وجوده عليه، سواء أكان جزءاً داخلاً فيه أم أمراً أساسياً فيه. فالركوع والسجود ركنان للصلاة داخلان فيها؛ لأنهما جزءان من أجزائها. والإيجاب والقبول ركن العقد في اصطلاح الحنفية، ويضاف إلى الصيغة (الإيجاب والقبول) العاقدان والمعقود عليه، والثمن أو العوض في المعاوضات، تعد أركاناً في العقد في اصطلاح الجمهور.\rويحسن إيراد عبارتين لكل من ابن نجيم والسيوطي قبل تفصيل حكم النية في العبادات؛ لأنهما يمثلان اتجاهين متعارضين في شرطية النية وركنيتها.\rقال ابن نجيم (1) :النية شرط عندنا في كل العبادات باتفاق الأصحاب (أي الحنفية)، لا ركن، وإنما الاختلاف بينهم وقع في تكبيرة الإحرام، والمعتمد أنها شرط كالنية وقيل: بركنيتها. وكذلك قال الحنابلة والمالكية: النية شرط في العبادة لاركن ولو داخلها (2) .\rوقال السيوطي (3) :اختلف الأصحاب (أصحاب الشافعي) هل النية ركن في العبادات أو شرط؟ فاختار الأكثرون أنها ركن؛ لأنها داخل العبادات، وذلك شأن الأركان، والشرط ما يتقدم عليها، ويجب استمراره فيها.\rوأتتبع هنا حكم النية في كل عبادة على حدة (4) .\r1- الطهارة: اختلف الفقهاء في اشتراط النية للوضوء على رأيين فقال الحنفية (5) : يسن للمتوضئ البداية بالنية لتحصيل الثواب، ووقتها قبل الاستنجاء\r-------------------------------\r(1) الأشباه والنظائر: ص55 .\r(2) القوانين الفقهية: ص 57، غاية المنتهى: 115/1 .\r(3) الأشباه والنظائر: ص38.\r(4) سيأتي تفصيل البحث في النية في مواضعها المطلوبة أصالة.\r(5) البدائع: 17/1، الدر المختار: 98/1 ومابعدها.","part":1,"page":173},{"id":174,"text":"ليكون جميع فعله قربة، وكيفيتها: أن ينوي رفع الحدث، أو إقامة الصلاة، أو ينوي الوضوء، أو امتثال الأمر ومحلها: القلب، فإن نطق بها ليجمع بين فعل القلب واللسان، فهو مستحب عند المشايخ.\rويترتب على قولهم بعدم فرضية النية: صحة وضوء المتبرد، والمنغمس في الماء للسباحة أو للنظافة أو لإنقاذ غريق، ونحو ذلك.\rواستدلوا على رأيهم بما يأتي:\rأ ـ عدم النص عليها في القرآن: إن آية الوضوء لم تأمر إلا بغسل الأعضاء الثلاثة والمسح بالرأس، والقول باشتراط النية بحديث آحاد زيادة على نص القرآن، والزيادة على الكتاب عندهم نسخ، لا يصح بالآحاد.\rب ـ عدم النص عليها في السنة: لم يعلِّمْها النبي صلّى الله عليه وسلم للأعرابي مع جهله. وفرضت النية في التيمم؛ لأنه بالتراب، وليس هو مزيلاً للحدث بالأصالة، وإنما هو بدل عن الماء.\rجـ ـ القياس على سائر أنواع الطهارة وغيرها: إن الوضوء طهارة بماء، فلا تشترط لها النية كإزالة النجاسة، كما لا تجب النية في شروط الصلاة الأخرى كستر العورة، ولا تجب أيضاً بغسل الذمية من حيضها لتحل لزوجها المسلم.\rد ـ إن الوضوء وسيلة للصلاة، وليس مقصوداً لذاته، والنية شرط مطلوب في المقاصد، لا في الوسائل.\rوقال الجمهور غير الحنفية (1) : النية فرض في الوضوء، لتحقيق العبادة أو قصد القربة لله عز وجل، فلا تصح الصلاة بالوضوء لغير العبادة كالأكل والشرب والنوم ونحو ذلك، واستدلوا بما يأتي:\r-------------------------------\r(1) المجموع للنووي:361/1 ومابعدها، بداية المجتهد: 7/1 ومابعدها، الشرح الكبير: 93/1 وما بعدها، مغني المحتاج: 47/1 ومابعدها، المغني: 110/1 ومابعدها، كشاف القناع: 94/1 - 101","part":1,"page":174},{"id":175,"text":"أ ـ السنة: قوله صلّى الله عليه وسلم ـ فيما رواه الجماعة عن عمر رضي الله عنه ـ «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ مانوى» أي إن الأعمال المعتدّ بها شرعاً تكون بالنية، والوضوء عمل، فلا يوجد شرعاً إلا بنية.\rب ـ تحقيق الإخلاص في العبادة، لقوله تعالى: { وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء } [البينة:5/98]، والوضوء عبادة مأمور بها، لا يتحقق إلا بإخلاص النية فيه لله تعالى؛ لأن الإخلاص عمل القلب وهو النية.\rجـ ـ القياس: تشترط النية في الوضوء، كما تشترط في الصلاة، وكما تشترط في التيمم لاستباحة الصلاة.\rد ـ الوضوء وسيلة للمقصود، فله حكم ذلك المقصود، لقوله تعالى: {إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم} [المائدة:6/5]، فهذا يدل على أن الوضوء مأمور به عند القيام للصلاة، ومن أجل هذه العبادة، فالمطلوب غسل الأعضاء لأجل الصلاة، وهو معنى النية.","part":1,"page":175},{"id":176,"text":"وبمقارنة أدلة الفريقين يتبين لي أن الحق هو القول بفرضية النية؛ لأن أحاديث الآحاد كثيراً ما أثبتت أحكاماً ليست في القرآن،بل إن حديث عمر في النية، وإن كان غريباً بالنسبة إلى أوله، فهو مشهور بالنسبة إلى آخره، فإنه اشتهر، فرواه عن عمر أكثر من مئتي إنسان، أكثرهم أئمة، ومن أعيانهم الإمام مالك والثوري والأوزاعي وابن المبارك والليث بن سعد وحماد بن زيد وشعبة وابن عيينة وغيرهم، ولأن عموم الماء للأعضاء بدون قصد أصلاً، أو بقصد التبرد، ليس غسلاً للوضوء،حتى يؤدي مهمته الشرعية، ويحقق المأمور به كما أمر به، والأمور بمقاصدها باتفاق الأئمة.\r2- التيمم: اتفق العلماء على وجوب النية في التيمم، وهي فرض عند المالكية والشافعية، والمعتمد أنها شرط في رأي الحنفية والحنابلة (1) ، ودليلهم على اشتراط النية في التيمم: الحديث السابق: ( إنما الأعمال بالنيات ) واستدل الحنفية: بأن التراب ملوِّث، فلا يكون مطهراً إلا بالنية، أي أن التراب ليس بطهارة حقيقية، وإنما جعل طهارة عند الحاجة، والحاجة إنما تعرف بالنية، بخلاف الوضوء؛ لأنه طهارة حقيقية. فلا يشترط له الحاجة ليصير طهارة، فلا يشترط له النية.\r3- الغسل: الخلاف فيه كالخلاف في الوضوء على قولين، فقد أوجب الجمهور غير الحنفية النية للغسل كالوضوء، للحديث المتقدم: «إنما الأعمال بالنيات» . ورأى الحنفية أن الابتداء بالنية سنة، ليكون فعله تقرباً إلى الله تعالى يثاب عليه، كالوضوء (2) . وفي غسل الميت اشترط الحنابلة في الغاسل النية: نية غسل الميت، للحديث السابق: «إنما الأعمال بالنيات» .\r-------------------------------\r(1) البدائع: 45/1، 52، فتح القدير: 86/1، 89، الشرح الكبير للدردير: 154/1 القوانين الفقهية: ص37، بداية المجتهد: 64/1 ومابعدها، مغني المحتاج: 97/1، المهذب: 32/1، المغني: 251/1، كشاف القناع: 199/1 ومابعدها.\r(2) الدر المختار: 140/1 ومابعدها، الشرح الصغير للدردير: 166/1 ومابعدها، مغني المحتاج: 72/1 وما بعدها، كشاف القناع: 173/1 ومابعدها، المجموع: 370/1.","part":1,"page":176},{"id":177,"text":"4 - الصلاة: النية واجبة في الصلاة باتفاق العلماء، لتتميز العبادة عن العادة، وليتحقق في الصلاة الإخلاص لله تعالى؛ لأن الصلاة عبادة والعبادة إخلاص العمل بكليته لله تعالى، قال الله تعالى: {وماأمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين، حنفاء} [البينة:5/98]، قال الماوردي: والإخلاص في كلامهم: النية. ودل الحديث المتقدم: «إنما الأعمال بالنيات» على إيجابها، فلا تصح الصلاة بدون النية بحال.\rوالنية شرط من شروط الصلاة عند الحنفية والحنابلة، وكذا عند المالكية على الراجح، وهي من أركان الصلاة عند الشافعية وبعض المالكية؛ لأنها واجبة في بعض الصلاة، وهو أولها، لا في جميعها، فكانت ركناً كالتكبير والركوع (1) .\rوهل يجب على الإمام أن ينوي الإمامة أو لا؟ ذهب قوم إلى أنه ليس ذلك بواجب عليه، لحديث ابن عباس أنه قام إلى جنب رسول الله صلّى الله عليه وسلم بعد دخوله في الصلاة.\rورأى قوم أن هذا محتمل، وأنه لابد من ذلك؛ لأن الإمام يحمل بعض أفعال الصلاة عن المأمومين (2) .\rأما الجمهور فيرون عدم اشتراط نية الإمام الإمامة، بل تستحب ليحوز فضيلة الجماعة، فإن لم ينو لم تحصل؛ لأنه ليس للمرء من عمله إلا ما نوى. واستثنى الشافعية والمالكية الصلاة التي تتوقف صحتها على الجماعة كالجمعة والمجموعة للمطر، والمعادة، وصلاة الخوف، والاستخلاف فلا بد فيها من نية الإمام الإمامة.\r-------------------------------\r(1) تبيين الحقائق: 99/1، الأشباه لابن نجيم: ص 14، الشرح الكبير وحاشية الدسوقي: 233/1، 520، الشرح الصغير: 305/1، المجموع: 148/1 ومابعدها، الأشباه للسيوطي: ص11، 38، مغني المحتاج: 148/1، حاشية الباجوري: 149/1، المغني: 464/1 وما بعدها، غاية المنتهى: 115/1، كشاف القناع: 364/1 ومابعدها.\r(2) الأشباه والنظائر لابن نجيم: ص15، القوانين الفقهية: ص 57، 68 ومابعدها، مغني المحتاج: 252/2-258، كشاف القناع: 565/1 وما بعدها.","part":1,"page":177},{"id":178,"text":"واستثنى الحنفية اقتداء النساء بالرجل، فإنه يشترط نية الإمامة، لصحة اقتداء النساء به.\rوقال الحنابلة: تشترط نية الإمامة مطلقاً، فينوي الإمام أنه إمام، والمأموم أنه مأموم، وإلا فسدت الصلاة، لكن لو أحرم الشخص منفرداً، ثم جاء آخر، فصلى\rمعه، فنوى إمامة صح في النفل، عملاً بحديث ابن عباس، وهو أنه قال: «بتُّ عند خالتي ميمونة، فقام النبي صلّى الله عليه وسلم متطوعاً من الليل، فقام إلى القربة، فتوضأ، فقام، فصلى، فقمت لما رأيته صنع ذلك، فتوضأت من القربة، ثم قمت إلى شقه الأيسر، فأخذ بيدي من وراء ظهره يعدلني كذلك إلى الشق الأيمن» (1) .\rأما في الفريضة: فإن كان المصلي ينتظر أحداً، كإمام المسجد،فإنه يُحرم وحده، وينتظر من يأتي، فيصلي معه، فيجوز ذلك أيضاً عند الحنابلة؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلم أحرم وحده، ثم جاء جابر وجبارة، فأحرما معه، فصلى بهما، ولم ينكر فعلهما. والظاهر أنها كانت صلاة مفروضة؛ لأنهم كانوا مسافرين. أما في غير هذه الحالة، فلا يصح الاقتداء لمن لم ينو الإمامة.\r-----------------------------\r(1) متفق عليه.","part":1,"page":178},{"id":179,"text":"وأما نية المؤتم الاقتداء: فهي شرط باتفاق المذاهب، فلا يصح اقتداء بإمام إلا بنية، أي أن ينوي المأموم مع تكبيرة الإحرام الاقتداء أو الجماعة أو المأمومية، فلو ترك هذه النية أو مع الشك فيها، وتابعه في الأفعال، بطلت صلاة المقتدي، ولايجب تعيين الإمام باسمه، فإن عينه وأخطأ، بطلت صلاته عند الشافعية. لكن لا بد من تعيين إمام معين بصفة الإمامة، فلو نوى الائتمام بأحد رجلين يصليان، لابعينه، لم يصح، حتى يعين الإمام بوصفه؛ لأن تعيينه شرط. ولا يجوز الائتمام بأكثر من واحد، فلو نوى الائتمام بإمامين لم يجز؛ لأنه لا يمكن اتباعهما معاً.\rوشرط النية في القدوة أن تكون مقارنة للتحريمة عند الشافعية. وأجاز الحنفية أن تكون متقدمة على التحريمة، بشرط ألا يفصل بينها وبين التحريمة فاصل أجنبي. والأفضل عندهم وعند الحنابلة: أن تكون النية مقارنة، خروجاً من الخلاف. والخروج من الخلاف مستحب.\rواشترط المالكية المقارنة للتحريمة أو قبلها بزمن يسير، كاشتراط النية في الصلاة، كما بينا.-- وأما الأذان: فالمشهور أنه لا يحتاج إلا نية. وقيل: إنه يحتاج.\rوفي خطبة الجمعة: اشترط الحنفية والحنابلة النية أو قصد الخطبة، لحديث: «إنما الأعمال بالنيات» فلو خطب الخطيب بغير النية، لم يعتد بها عندهم.","part":1,"page":179},{"id":180,"text":"ولم يشترط المالكية النية، كما لم يشترطها الشافعية، وإنما اشترطوا عدم الصارف، فلو حمد الله للعطاس، لم يكف للخطبة (1) .\rواشترط الشافعية لكل من سجدتي التلاوة والشكر النية مع تكبيرة الإحرام، لكن المصلي ينوي بقلبه لا بلسانه سجدة التلاوة، كما ينوي سجود السهو.\rوفي صلاة المسافر: اشترط الشافعية والحنابلة لصحة جمع التقديم نية الجمع عند الإحرام بالصلاة الأولى، لحديث «إنما الأعمال بالنيات» وتجوز نية الجمع عند الشافعية في الأظهر في أثناء الصلاة الأولى، ولو مع السلام منها. وكذلك اشترط هذان المذهبان لجمع التأخير نية الجمع أو التأخير قبل خروج وقت الصلاة الأولى، ولو بقدر ركعة، أي بزمن لو ابتدئت فيه كانت أداء، عند الشافعية، وما لم يضق وقتها عن فعلها عند الحنابلة، فإن ضاق وقت الأولى عن فعلها، لم يصح الجمع؛ لأن تأخيرها إلى القدر الذي يضيق عن فعلها حرام، ويأثم بالتأخير (2) .\r5- الصوم: ذهب الجمهور (غير الشافعية): إلى أن نية الصوم شرط؛ لأن صوم رمضان وغيره عبادة، والعبادة: اسم لفعل يأتيه العبد باختياره خالصاً لله تعالى بأمره، والاختيار والإخلاص لا يتحققان بدون النية، فلا يصح أداء الصوم إلا بالنية، تمييزاً للعبادات عن العادات.\r-------------------------------\r(1) الدر المختار: 757/1 - 760، مراقي الفلاح: ص87، كشاف القناع34/2-37، الأشباه لابن نجيم: ص15.\r(2) المجموع: 253/4-269، مغني المحتاج: 271/1 - 275، كشاف القناع: 3/2-8، المغني: 273/2 - 281.","part":1,"page":180},{"id":181,"text":"وذهب الشافعية: إلى أن نية الصيام ركن كالإمساك عن المفطرات، لحديث: «إنما الأعمال بالنيات» (1) . أما نية الأداء والقضاء: فالأصح عند الشافعية أنهما لا يشترطان في الصلاة والحج والزكاة والكفارة وصلاة الجنازة. وأما الجمعة التي لاتقبل القضاء فلا حاجة فيها إلى نية الأداء لتمييزها. وأما الصوم فالراجح عندهم أن نية القضاء لا بد منها فيه، وهذا متفق عليه بين المذاهب.\r6- الاعتكاف : (وهو اللبث في المسجد من شخص مخصوص بنية، بتعريف الشافعية): ويشترط لصحته بالاتفاق النية واجباً كان أو سنة أو نفلاً، فلا يصح الاعتكاف إلا بنية، للحديث السابق: «إنما الأعمال بالنيات» ولأنه عبادة محضة، فلم تصح من غير نية، كالصوم والصلاة وسائر العبادات. وأضاف الشافعية: إن كان الاعتكاف فرضاً كالمنذور، لزمه تعيين النية للفرض، لتميزه عن الطاعة (2) .\r7 - الزكاة: اتفق الفقهاء على أن النية شرط في أداء الزكاة، لقول النبي صلّى الله عليه وسلم: «إنما الأعمال بالنيات» وأداؤها عمل، ولأنها عبادة كالصلاة، فتحتاج إلى نية لتمييز الفرض عن النفل (3) .\r8 - الحج والعمرة: يرى الحنفية: أن الإحرام بالحج (نيته) شرط صحته، فرضاً كان أو نفلاً، والعمرة كذلك، ولا تكون عندهم إلا سنة، والمنذور عمرة فرض. ولو نذر حجة الإسلام لا يلزمه إلا حجة الإسلام، كما لو نذر الأضحية. والقضاء في الكل كالأداء من جهة أصل النية.\r-------------------------------\r(1) الدر المختار: 116/2ومابعدها، مراقي الفلاح: ص105، القوانين الفقهية: ص113 الأشباه لابن نجيم: ص16، 35، الأشباه للسيوطي: ص16، مغني المحتاج: 423/1، 432، المهذب: 177/1، المغني: 137/3 ومابعدها، كشاف القناع: 359/2.\r(2) فتح القدير: 106/2 ومابعدها، الدر المختار: 177/2 ومابعدها، الأشباه لابن نجيم: ص17، القوانين الفقهية: ص125، الشرح الصغير: 725/1 ومابعدها، المهذب: 190/1 ومابعدها، مغني المحتاج: 453/1 ومابعدها، المغني: 184/3 ومابعدها، كشاف القناع: 406/2 ومابعدها.\r(3) الأشباه لابن نجيم: ص16، البدائع: 40/2، الشرح الصغير: 666/1 ومابعدها، القوانين الفقهية: ص99، المجموع: 182/6 ومابعدها، المغني: 638/2 ومابعدها.","part":1,"page":181},{"id":182,"text":"ويرى جمهور الفقهاء: أن الإحرام بأن ينوي الدخول في النسك ركن في الحج والعمرة، فلا ينعقدان بدون النية، ولا يصح الإحرام إلا بالنية، لقوله صلّى الله عليه وسلم : «إنما الأعمال بالنيات» ولأن الحج أو العمرة عبادة محضة، فلم تصح من غير نية، كالصوم والصلاة (1) . ومحل النية كما عرفنا: القلب، والإحرام: النية بالقلب، والأفضل عند أكثر العلماء أن ينطق بما نواه، لما رواه مسلم عن أنس رضي الله عنه، قال: «سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلم يقول: لبيك بحج وعمرة» .\rوينعقد الإحرام بالنية وحدها عند الجمهور، كما أوضحت، ولا ينعقد بمجردها عند الحنفية، وإنما لا بد من قرنه بقول أو فعل من خصائص الإحرام، كالتلبية أو التجرد من المخيط.\r9- اليمين: لا يتوقف اليمين بالله على النية، فينعقد إذا حلف عامداً أو ساهياً أو مخطئاً أومكرهاً، وكذا إذا فعل المحلوف عليه (2) . أما في حال التحليف فقد اتفق الفقهاء على أن اليمين في الدعاوى تكون بحسب نية المستحلف، لا الحالف، واختلفوا في الأيمان على الوعود ونحوها، فقال قوم: بحسب نية الحالف، وقال آخرون:بحسب نية المستحلف (3) .\r-------------------------------\r(1) الأشباه لابن نجيم: ص16، البدائع: 161/2 ومابعدها، فتح القدير: 134/2 ومابعدها، الشرح الصغير: 16/2، 25، القوانين الفقهية: ص131، مغني المحتاج: 476/1 ومابعدها، المجموع: 226/7 ومابعدها، غاية المنتهى: 365/1، المغني: 281/3-288.\r(2) الأشباه والنظائر لابن نجيم: ص 19-20 .\r(3) بداية المجتهد: 403/1، البدائع: 20/3، الأشباه لابن نجيم: ص20، 57، مغني المحتاج: 321/4، المغني: 727/8، 763، الشرح الكبير مع الدسوقي: 139/2، القوانين الفقهية: ص162.","part":1,"page":182},{"id":183,"text":"أما المالكية فقالوا: اليمين على نية المستحلف، ولا تقبل نية الحالف؛ لأن الخصم كأنه قبل هذه اليمين عوضاً عن حقه، ولأنه ثبت أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم قال: «اليمين على نية المستحلف» وفي رواية: «يمينك على ما يصدقك به صاحبك» (1) .\rوالمعول عند الحنفية: أن اليمين على نية المستحلف، إلا إذا كانت اليمين بالطلاق أو العتاق ونحوهما، فتعتبر نيةالحالف إذا لم ينو خلاف الظاهر، ظالماً كان الحالف أو مظلوماً. وكذلك إذا كانت اليمين بالله تعالى، وكان الحالف مظلوماً، فإنه تعتبر نية الحالف أيضاً. والظالم: من يريد بيمينه إبطال حق الغير.\rوذهب الحنابلة وفي رواية عن أبي حنيفة: إلى أن من حلف، فتأول في يمينه، أي قصد بكلامه محتملاً يخالف ظاهره، فله تأويله إن كان مظلوماً، ولم ينفعه تأويله إن كان ظالماً. قال ابن نجيم: والفتوى في مذهب الحنفية على اعتبار نية الحالف إن كان مظلوماً، لا إن كان ظالماً، لكن بشرط كون اليمين بالله تعالى، فإن كان بطلاق أو عتاق لا اعتبار بنية الحالف مطلقاً كما بينا.\rوالمقرر لدى الشافعية: أن العبرة في اليمين بنية الحالف؛ لأن المقصود من الأيمان هو المعنى القائم بالنفس، لا ظاهر اللفظ.\rواختلف الفقهاء أيضاً في تفسير المقصود بالمحلوف عليه في اليمين، فهل تبنى الأيمان على النية أو العرف أو صيغة اللفظ (2) ؟\r-------------------------------\r(1) أخرج مسلم وابن ماجه هاتين الروايتين عن أبي هريرة. وأخرج أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه الرواية الثانية ( جامع الأصول: 307/12 ).\r(2) الأشباه لابن نجيم: ص57، وللسيوطي: ص40، رسائل ابن عابدين: 292/1، بداية المجتهد: 398/1 ومابعدها، الاعتصام للشاطبي: 141/2، مغني المحتاج: 335/4، المغني: 763/8.","part":1,"page":183},{"id":184,"text":"فذهب الحنفية: إلى أن الأيمان مبنية على العرف والعادة، لا على المقاصد والنيات؛ لأن غرض الحالف هو المعهود المتعارف عنده، فيتقيد بغرضه. هذا هو الغالب عندهم. وقد تبنى الأيمان عندهم على الألفاظ، لا على الأغراض. فلو اغتاظ من إنسان، فحلف أنه لا يشتري له شيئاً بفلس، فاشترى له شيئاً بمئة درهم، لم يحنث. ولو حلف لا يبيعه بعشرة فباعه بأحد عشر أو بتسعة، لم يحنث، مع أن غرضه الزيادة.\rوقال الإمام مالك في المشهور من مذهبه: المعتبر في الأيمان التي لا يقضى على حالفها بموجبها (1) ، وكذلك النذور: هو النية، أي نية الحالف في غير الدعاوى، ففيها تعتبر نية المستحلف، فإن عدمت فقرينة الحال، فإن عدمت فعرف اللفظ، أي ما قصد الناس من عرف أيمانهم، فإن عدم فدلالة اللغة.\rوأما الأيمان التي يقضى بها على صاحبها: ففي مجال الاستفتاء تراعى هذه الضوابط على هذا الترتيب. وإن كان مما يقضى بها عليه، لم يراع فيها إلا اللفظ، إلا أن يؤيد ما ادعاه من النية قرينة الحال أو العرف.\rوقال الشافعية: الأيمان مبنية على الحقيقة اللغوية، أي بحسب صيغة اللفظ؛ لأن الحقيقة أحق بالإرادة والقصد، إلا أن ينوي شيئاً فيعمل بنيته. فمن حلف ألا يأكل رؤوساً، فأكل رؤوس حيتان (مفرده حوت) فمن راعى العرف كالحنفية قال: لا يحنث، ومن راعى دلالة اللغة كالشافعية قال: يحنث. وكذلك يحنث عندهم من حلف لا يأكل لحماً، فأكل شحماً، مراعاة لدلالة اللفظ. وقال غيرهم: لايحنث.\r-------------------------------\r(1) أي لايصدر فيها حكم قضائي، وإنما يترك شأنها للحالف بينه وبين الله تعالى، وذلك في الأمور التي تكون علاقتها بالإنسان نفسه أو بالله سبحانه. أما الأمور التي تتعلق بالناس، فهذه مما يقضى فيها على الحالف.","part":1,"page":184},{"id":185,"text":"ورأى الحنابلة: أنه يرجع في الأيمان إلى النية، أي نية الحالف، فإن نوى ما يحتمله اللفظ انصرفت يمينه إليه، سواء أكان ما نواه موافقاً لظاهر اللفظ أم مخالفاً له، لقول النبي صلّى الله عليه وسلم : «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى» . فإن لم ينو شيئاً رجع إلى سبب اليمين وما هيَّجها أو أثارها لدلالته على النية. فإن حلف لا يأوي مع امرأته في هذه الدار، فإن كان سبب يمينه غيظاً من جهة الدار لضرر لحقه منها أو منَّة عليه بها، اختصت يمينه بها. وإن كان لغيظ لحقه من المرأة يقضي جفاءها، ولا أثر للدار فيها، تعلق ذلك بإيوائه معها في كل دار.\rاليمين أمام القضاء: بينت سابقاً أن العبرة في الحلف أمام القضاء بنية القاضي المستحلف للخصم، لقوله صلّى الله عليه وسلم ـ فيما رواه مسلم عن أبي هريرة ـ: «اليمين على نية المستحلف» وقد حمل هذا الحديث على الحاكم؛ لأنه الذي له ولاية الاستحلاف، فلو أخذ بنية الحالف، لبطلت فائدة الأيمان وضاعت الحقوق؛ إذ كل أحد يحلف على ما يقصد. فلو ورَّى الحالف في يمينه، بأن قصد خلاف ظاهر اللفظ عند تحليف القاضي، أو تأول، أي اعتقد خلاف نية القاضي، أو استثنى الحالف، كقوله عقب يمينه:( إن شاء الله ) أو وصل باللفظ شرطاً، مثل: إن دخلت الدار، بحيث لا يسمع القاضي كلامه، لم يدفع ما ذكر إثم اليمين الفاجرة، فإن لم نحكم بالتأثيم ضاع المقصود من اليمين، وهو حصول الهيبة من الإقدام عليها.\rواشترط الشافعية والحنابلة (1) شرطين في كون اليمين على نية المستحلف.\r1ً - ألا يحلفه القاضي بالطلاق أو العتاق.\r2ً - ألا يكون القاضي ظالماً أو جائراً في طلب اليمين.\r-------------------------------\r(1) مغني المحتاج: 475/4، كشاف القناع: 242/6 .","part":1,"page":185},{"id":186,"text":"التورية في اليمين: يجوز للحالف في اليمين غير القضائية التي يحلفها باختياره أو يطلبها شخص منه دون أن يكون له عليه حق اليمين: التورية في يمينه، بأن يقصد فيها غير المعنى المتبادر من اللفظ، أو ينوي فيها خلاف الظاهر، للحديث السابق: «إنما الأعمال بالنيات» وقد حكى القاضي عياض الإجماع على أن الحالف من غير استحلاف، ومن غير تعلق حق بيمينه، له نيته ويقبل قوله.\rوبناء عليه ذكر السيوطي (1) ثلاث قواعد وهي:\rالأولى ـ ( مقاصد اللفظ على نيةاللافظ إلا في موضع واحد وهو اليمين عند القاضي ) فإنها على نية القاضي دون الحالف.\rالثانية ـ ( تجري النية مجرى الشروط ) في مسألة وهي: ما لو شك بعد الصلاة في تركها أو ترك الطهارة، فإنه تجب الإعادة، بخلاف ما لو شك في ترك ركن؛ لأن الشك في الأركان يكثر بخلاف الشروط. أما لو شك الصائم في النية بعد الغروب (نهاية اليوم) فلا أثر له.\rالثالثة ـ ( النية في اليمين تخصص اللفظ العام، ولا تعمم الخاص) مثال الأول أن يقول: ( والله، لا أكلم أحداً ) وينوي زيداً. ومثال الثاني: أن يمن عليه رجل بماء، فيقول: والله لا أشرب منه ماء من عطش، فإن اليمين تنعقد على الماء من عطش خاصة، ولا يحنث بطعامه وشرابه؛ لأن النية إنما تؤثر إذا احتمل اللفظ ما نوى بجهة يجوز لها.\rوقال ابن نجيم (2) عن هذه القاعدة: ( تخصيص العام بالنية مقبول ديانة لا قضاء ) وعند الخصاف: تصح قضاء أيضاً، فلو قال: ( كل امرأة أتزوجها فهي طالق ) ثم قال: ( نويت من بلدة كذا ) لم تصح في ظاهر المذهب، خلافاً للخصاف. ولا بأس أن يؤخذ بقول الخصاف إذا وقع الشخص في يد الظلمة، فإذا حلفه الظالم له أن يخصص العام. وأما تعميم الخاص بالنية فلم أره الآن.\r-------------------------------\r(1) الأشباه والنظائر: ص 40\r(2) الأشباه والنظائر : ص 18،56","part":1,"page":186},{"id":187,"text":"10- الأضحية: لا تجزئ الأضحية بدون النية؛ لأن الذبح قد يكون للحم، وقد يكون للقربة، والفعل لا يكون قربة بدون النية، لقوله عليه الصلاة والسلام: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى» قال الكاساني: والمراد منه عمل هو قربة، فلا تتعين الأضحية إلا بالنية.\rوتتعين الأضحية بالذبح اتفاقاً، وبالنذر إن عينها له اتفاقاً، وتتعين عند أبي حنيفة بالشراء بنية الأضحية.\rواشترط الشافعية والحنابلة: أن تكون النية عند ذبح الأضحية؛ لأن الذبح قربة في نفسه. ويكفيه أن ينوي بقلبه، ولا يشترط أن يتلفظ بالنية بلسانه؛ لأن النية عمل القلب، والذكر باللسان دليل عليها (1) . وتتعين الأضحية عند المالكية إما بالذبح أو بالنية قبله، على خلاف في المذهب . والمعتمد المشهور في المذهب المالكي: أن الأضحية لا تجب إلا بالذبح فقط، ولا تجب بالنذر (2) .\r11 - الاصطياد:\rالصيد: هو وضع اليد على شيء مباح غير مملوك لأحد. ويتم إما بالاستيلاء الفعلي على المصيد، أو بالاستيلاء الحكمي: وهو اتخاذ فعل يعجز الطير أو الحيوان أو السمك عن الفرار، كاتخاذ الحياض لصيد الأسماك، أو الشباك، أو الحيونات المدربة على الصيد كالكلاب والفهود والجوارح المعلَّمة.\rويشترط في الاستيلاء الحكمي لا الاستيلاء الحقيقي: قصد التملك، عملاً بقاعدة «الأمور بمقاصدها» . فمن نصب شبكة، فتعلق بها صيد، فإن كان قد نصبها للجفاف، فالصيد لمن سبقت يده إليه؛ لأن نيته لم تتجه إليه. وإن كان قد نصبها للصيد، ملكه صاحبها، وإن أخذه غيره كان متعدياً غاصباً. ولو أفرخ طائر في أرض إنسان، كان لمن سبقت إليه يد إلا إذا كان صاحب الأرض هيأها لذلك.\r-------------------------------\r(1) البدائع: 71/5، القوانين الفقهية: ص187، مغني المحتاج: 289/4، كشاف القناع: 6/3.\r(2) القوانين الفقهية: ص 187، 189، مطبعة النهضة بفاس.","part":1,"page":187},{"id":188,"text":"وإذا دخل طائر في دار ، فأغلق صاحبها الباب لأخذه، ملكه، وإن أغلقه صدفة لم يملكه. وهكذا لو وقع الصيد في حفرة أو ساقية، المعوَّل في تملكه على نية صيده، وإلا فلمن سبقت إليه يده (1) .\r13 - قراءة القرآن: إن القرآن يخرج عن كونه قرآناً بالقصد، فجاز للجنب والحائض قراءة ما فيه من الأذكار بقصد الذكر، والأدعية بقصد الدعاء (2) .\rعاشراً ـ النية في العقود أو المعاملات (مدى تأثير النية غير المشروعة أو الباعث على العقود):\rللفقهاء اتجاهان من نظرية السبب بالمعنى الحديث: اتجاه يغلِّب النظرة الموضوعية أو الإرادة الظاهرة، واتجاه آخر يلاحظ فيه النوايا والبواعث الذاتية أو الإرادة الباطنة (3) .\rأما الاتجاه الأول: فهو مذهب الحنفية والشافعية (4) الذين يأخذون بالإرادة الظاهرة في العقود، لا بالإرادة الباطنة، أي أنهم حفاظاً على مبدأ استقرار المعاملات لا يأخذون بنظرية السبب أو الباعث لأن فقههم ذو نزعة موضوعية بارزة كالفقه الجرماني، والسبب أو الباعث الذي يختلف باختلاف الأشخاص عنصر ذاتي داخلي قلق يهدد المعاملات.\r-------------------------------\r(1) البدائع: 193/6ومابعدها.\r(2) الأشباه والنظائر لابن نجيم: ص20\r(3) سيأتي مزيد بيان لهذا الموضوع.\r(4) انظر عند الحنفية مختصر الطحاوي: ص 280، تكملة فتح القدير: 127/8، البدائع: 189/4، تبيين الحقائق: 125/2 ومابعدها.","part":1,"page":188},{"id":189,"text":"ولا تأثير للسبب أو للباعث على العقد إلا إذا كان مصرحاً به في صيغة التعاقد، أي تضمنته الإرادة الظاهرة، كالاستئجار على الغناء والنوح والملاهي وغيرها من المعاصي. فإذا لم يصرح به في صيغة العقد، بأن كانت الإرادة الظاهرة لا تتضمن باعثاً غير مشروع، فالعقد صحيح لا شتماله على أركانه الأساسية من إيجاب وقبول وأهلية المحل لحكم العقد، ولأنه قد لا تحصل المعصية بعد العقد، ولا عبرة للسبب أو الباعث في إبطال العقد، أي أن العقد صحيح في الظاهر، دون بحث في النية أو القصد غير المشروع، لكنه مكروه حرام، بسبب النية غير المشروعة، نظراً لاستكمال العقد أركانه وشروطه المطلوبة شرعاً في الظاهر.\rوبناء عليه قال الحنفية والشافعية بصحة العقود التالية في الظاهر، مع الكراهة التحريمية أو الحرمة عند الشافعية، للنهي عنها في السنة النبوية، وهي:\r1 ً - بيع العينة (أي البيع الصوري المتخذ وسيلة للربا): كبيع سلعة بثمن مؤجل إلى مدة بمئة درهم، ثم شراؤها من المشتري في الحال بمئة وعشرة، فيكون الفرق ربا. لكن أبا حنيفة رحمه الله استثناء من مبدئه في عدم النظر إلى النية غير المشروعة، اعتبر هذا العقد فاسداً، إن خلا من توسط شخص ثالث بين المالك المقرض والمشتري المقترض، لأساس آخر: وهو عدم تمام البيع الأول بسبب عدم قبض الثمن، ولأن البيع الثاني بيع شيء منقول قبل القبض وبيع الشيء قبل القبض فاسد شرعاً.\r2 ً - بيع العنب لعاصر الخمر: أي لمن يعلم البائع أنه سيتخذه خمراً أو يظنه ظناً غالباً، فإن شك في اتخاذه خمراً أوتوهمه، فالبيع مكروه.\r3 ً - بيع السلاح في الفتنة الداخلية، أو لمن يقاتل به المسلمين أو لقطاع الطريق المحاربين، ومثله بيع أدوات القمار، وإيجاد دار للدعارة أو للقمار، وبيع الخشب لمن يتخذ منه آلات الملاهي، والإجارة على حمل الخمر لمن يشربها، ونحو ذلك.","part":1,"page":189},{"id":190,"text":"4 ً - زواج المحلِّل: وهو الذي يعقد زواجه على امرأة مطلقة طلاقاً بائناً، أي البائن بينونة كبرى، بقصد تحليلها لزوجها الأول بالدخول بها في ليلة واحدة مثلاً، ثم يطلقها ليصح لزوجها الأول العقد عليها من جديد، هو عقد صحيح في الظاهرعملاً بظاهر الآية القرآنية: {فإن طلقها فلا تحل له من بعد، حتى تنكح زوجاً غيره} [البقرة:230/2]، أي أنه لا يصرح في عقد التحليل بالغرض المقصود، وإنما يتم الاتفاق سراً وبنحو مستتر في غير حالة إبرام العقد.\rوالخلاصة: أن هذا الاتجاه لا يأخذ بالسبب أو الباعث إلا إذا كان داخلاً في صيغة العقد، وتضمنه التعبير عن الإرادة ولو ضمناً، ولا يعتد به إذا لم تتضمنه صيغة العقد.\rوأما الاتجاه الثاني: فهو مذهب المالكية والحنابلة والظاهرية والشيعة (1) الذين ينظرون إلى القصد والنية أو الباعث، فيبطلون التصرف المشتمل على باعث غير مشروع، بشرط أن يعلم الطرف الآخر بالسبب غير المشروع، أو كان بإمكانه أن يعلم بذلك بالظروف والقرائن التي تدل على القصد الخبيث، كإهداء العدو هدية لقائد الجيش، والإهداء للحكام والموظفين، فذلك مقصود به الرشوة. فتكون للدولة. وهبة المرأة مهرها لزوجها، يقصد به استدامة الزواج، فإن طلقها بعدئذ، كان لها الرجوع فيما وهبت (2) .\r-------------------------------\r(1) راجع عند المالكية: بداية المجتهد: 140/2، مواهب الجليل للحطاب: 404/4، 263، الموافقات: 261/2، الفروق:266/3، وعند الحنابلة: المغني: 174/4، 222، أعلام الموقعين: 106/3، 108، 121، 131، 148، غاية المنتهى: 18/2، وعند الظاهرية: المحلى: 36/9، وعند الشيعة الجعفرية: المختصر النافع في فقه الإمامية: ص140، وعند الزيدية: المنتزع المختار:19/3 ومابعدها.\r(2) القواعد لابن رجب: ص322","part":1,"page":190},{"id":191,"text":"هذا الاتجاه يأخذ تقريباً بنظرية السبب أو بمذهب الإرادة الباطنة في الفقه اللاتيني، مراعاة للعوامل الأدبية والخلقية والدينية، فإن كان الباعث مشروعاً، فالعقد صحيح، وإن كان غير مشروع فالعقد باطل حرام، لما فيه من الإعانة على الإثم والعدوان.\rوبناء عليه، قال المالكية والحنابلة وموافقوهم ببطلان العقود السابقة وأضاف إليها المالكية: أنهم لا يجيزون بيع أرض بقصد بناء كنيسة أو بيع خشب بقصد صنع صليب، أو شراء عبد بقصد أن يكون مغنياً، أو استئجار كراريس فيها عبارات النوح، وبيع ثياب حرير ممن يلبسها (1) .\rأما عدم صحة بيع العنب للخمار، وبيع السلاح للأعداء ونحوهما، فلأنه إعانة على الحرام، أو عقد على شيء لمعصية الله به، فلا يصح. وأما فساد زواج المحلل، فلأنه يتنافى مع أغراض الزواج السامية: وهو أنه عقد مؤبد، قصد به تكوين أسرة دائمة، لإنجاب ذرية تنعم بجو هادئ مطمئن، وهذا الزواج اتخذ لتحليل المطلقة ثلاثاً لزوجها الأول في وضع مؤقت قلق، فهو حيلة لرفع تحريم مؤبد، وهو قصد غير مشروع.\rوأما فساد بيع العينة أو بيوع الآجال، فلأنه اتخذ البيع حيلة لتحليل التعامل بالربا، ولم يكن الغرض الحق هو البيع والشراء، فهو وسيلة لعقد محرم غير مشروع، فيمنع سداً للذرائع المؤدية إلى الحرام.\rوالخلاصة: أن هذا الاتجاه يعتد بالمقاصد والنيات، ولو لم تذكر في العقود، بشرط أن يكون ذلك معلوماً للطرف الآخر، أو كانت الظروف تحتم علمه؛ لأن النية روح العمل ولبّه. ويكون هذا الاتجاه آخذاً بنظرية السبب التي تتطلب أن يكون السبب مشروعاً، فإن لم يكن سبب العقد مشروعاً، فلا يصح العقد.\rأما في الأحوال غير المصحوبة بنية غير مشروعة أو بباعث سيء، فهل يصح العقد بنية تحول صفة العقد؟.\r-------------------------------\r(1) مواهب الجليل للحطاب: 254/4، ط دار الفكر - بيروت.","part":1,"page":191},{"id":192,"text":"يرى المالكية والحنفية: أن للنية تأثيراً في صيغة العقود، فقالوا: يصح عقد الزواج بكل لفظ يدل على تمليك العين في الحال، كالتزويج والنكاح والتمليك، والجعل، والهبة والعطية والصدقة، بشرط توافر النية أو القرينة الدالة على أن المراد باللفظ هو الزواج، وبشرط فهم الشهود للمقصود،؛ لأن عقد الزواج كغيره من العقود التي تنشأ بتراضي العاقدين،فيصح بكل لفظ يدل على تراضيهما وإرادتهما (1) .\rأما البيع والإقالة والإجارة والهبة فلا تتوقف على النية، فلو وهب مازحاً صحت. لكن قال الحنفية (2) : إن عُقِد البيع بمضارع لم يصدَّر بسوف أو السين توقف على النية، فإن نوى به الإيجاب للحال ، كان بيعاً، وإلا لا، بخلاف صيغة الماضي، فإن البيع لايتوقف على النية. وأما المضارع المتمحض للاستقبال فهو كالأمر، لا يصح البيع به ولا بالنية، ولا يصح البيع مع الهزل، لعدم الرضا بحكمه معه.\r-------------------------------\r(1) فتح القدير: 346/2، الدر المختار ورد المحتار: 368/2 ومابعدها، الشرح الكبير للدردير: 220/2 ومابعدها، بداية المجتهد: 168/2، القوانين الفقهية: ص195.\r(2) الأشباه والنظائر لابن نجيم: ص 18، 20 وأما الإقرار والوكالة والإيداع والإعارة والقذف والسرقة، فلا تتوقف على النية.","part":1,"page":192},{"id":193,"text":"وأما القصاص فمتوقف على قصد القاتل القتل، لكن قال الحنفية: لما كان القصد أمراً باطنياً، أقيمت الآلة مقامه، فإن قتله بما يفرق الأجزاء عادة، كان عمداً ووجب القصاص، وإن قتله بما لا يفرق الأجزاء عادة، لكن يقتل غالباً، فهو شبه عمد لا قصاص فيه عند أبي حنيفة.\rالحادي عشر ـ النية في الفسوخ:\rالإقالة (وهي فسخ العقد) والطلاق (حل الرابطة الزوجية) إن كان صريحاً لا يتوقفان على النية (1) فلو طلق الرجل زوجته غافلاً أو ساهياً أو مخطئاً وقع، حتى قال الحنفية: إن الطلاق يقع بالألفاظ المصحفة قضاء، ولكن لا بد من أن يقصدها باللفظ.\rوأما الطلاق بالكناية: (وهو كل لفظ يحتمل الطلاق وغيره، ولم يتعارفه الناس، مثل قول الرجل لزوجته: الحقي بأهلك، اذهبي، اخرجي، أنت بائن، أنت بتَّة، أنت بتلة، أنت خلية، برية، اعتدي، استبرئي رحمك، أمرك بيدك) فلا يقع قضاء في رأي الحنفية والحنابلة إلا بالنية أو دلالة الحال على إرادة الطلاق، كأن يكون الطلاق في حالة الغضب، أو في حال المذاكرة بالطلاق.\rولا يقع في رأي المالكية والشافعية إلا بالنية، ولا عبرة بدلالة الحال، فلا يلزمه الطلاق إلا إن نواه، فإن قال: إنه لم ينو الطلاق، لم يقع، وإن امتنع عن اليمين، حكم عليه بالطلاق.\rواشترط الشافعية في نية الكناية اقترانها بكل اللفظ، فلو قارنت أوله، وغابت عنه قبل آخره، لم يقع طلاق.\rولو قال الزوج: أنت طلاق أو أنت الطلاق (بالمصدر) أو أنت طالق طلاقاً، فيقع بها عند الحنفية والمالكية والحنابلة طلقة واحدة رجعية إن لم ينو شيئاً. فإن نوى ثلاثاً فهي ثلاث، فهي عندهم من الألفاظ الصريحة؛ لأنه صرح بالمصدر، والمصدر يقع على القليل والكثير، وإنه نوى بلفظه ما يحتمله. وأضاف الحنفية: ولا تصح نية الثنتين في المصدر: ( أنت الطلاق ) إلا أن تكون المرأة أَمَة (رقيقة). وأما تفويض الطلاق والخلع والإيلاء والظهار، فما كان منه صريحاً فلا تشترط له النية، وما كان كناية، اشترطت له. وأما الرجعة فهي كعقد الزواج؛ لأنها استدامته، لكن ما كان منها صريحاً لا يحتاج إلى نية، وكنايتها تحتاج إليها.\r-------------------------------\r(1) الأشباه والنظائر لابن نجيم: ص 18 ومابعدها.","part":1,"page":193},{"id":194,"text":"ورأي الشافعية في الأصح: ليس قوله: ( أنت طلاق أو الطلاق ) من الألفاظ الصريحة، بل هما كنايتان؛ لأن المصادر إنما تستعمل في الأعيان توسعاً (1) .\rويلاحظ أن الشافعية قرروا أن التعريض بالقذف يوجب الحد إن نوى به القاذف القذف، فهو بمنزلة كنايات الطلاق، والكناية مع النية توجب الحد كالصريح.\rالثاني عشر ـ النية في التروك:\rالتروك كترك الرياء وغيره من المنهي عنه. إن المقرر شرعاً: أن ترك المنهي عنه لا يحتاج إلى نية للخروج عن عهدة النهي، وإنما لحصول الثواب بأن كان كفّاً: وهو أن تدعوه النفس إليه، قادراً على فعله، فيكف نفسه عنه خوفاً من ربه، فهو مثاب، وإلا فلا ثواب على تركه، فلا يثاب على ترك الزنا وهو يصلي، ولا يثاب العنِّين ( العاجز عن الجماع ) على ترك الزنا، ولا الأعمى على ترك النظر المحرم.\rوهناك أعمال في حكم التروك، لترددها بين أصلين: الأفعال من حيث إنها فعل، والتروك من حيث إنها قريبة منها، رجح الأكثرون عدم النية فيها، لمشابهة التروك، وذلك مثل إزالة النجاسة، ورد المغصوب والعواري، وإيصال الهدية وغير ذلك، فلا تتوقف صحتها على النية المصححة، لكن يتوقف الثواب فيها على نية التقرب.\rوأما غسل الميت: فالأصح فيه عند الأكثرين خلافاً للحنابلة كما بينا عدم اشتراط النية فيه، كالأعمال الملحقة بالتروك؛ لأن القصد منه التنظيف كإزالة النجاسة. ومثله أيضاً نيةالخروج من الصلاة: الأصح فيها عدم الاشتراط؛ لأن النية تليق بالإقدام، لا بالترك.\r-------------------------------\r(1) الأشباه لابن نجيم: ص19 ومراجع المذاهب الأخرى في بحث الطلاق الآتي.","part":1,"page":194},{"id":195,"text":"ومن الملحق بالتروك: إطعام الشخص دابته: إن قصد بإطعامها امتثال أمر الله تعالى، فإنه يثاب، وإن قصد بإطعامها حفظ المالية، فلا ثواب، كما ذكر القرافي. لكن يستثنى من ذلك: فرس المجاهد: إذا ربطها في سبيل الله، فإنها إذا شربت وهو لا يريد سقيها، أثيب على ذلك. وكذلك الزوجة، وكذلك إغلاق الباب وإطفاء المصباح عند النوم: إذا قصد به امتثال أمر الله أثيب، وإن قصد به أمر آخر، فلا (1) .\rالثالث عشر ـ النية في المباحات والعادات:\rتختلف صفة المباحات والعادات التي تصدر عن الإنسان في اليوم والليلة باعتبار ما قصدت لأجله، فإذا قصد بها التقوّي على الطاعات أو التوصل إليها كانت عبادة، وإن لم يقصد بها العبادة لا ثواب عليها . وبناء عليه إن المباحات كالأكل والشرب والنوم واكتساب المال والجماع أو الوطء كالتروك مثل ترك الزنا والخمر، ليست مفتقرة إلى نية، ولا تكون عبادة إلا إذا نوى بها العبادة كالأكل والشرب بقصد التقوي بهما على الطاعة، والجماع بقصد إعفاف نفسه وزوجه وحصول نسل يعبد الله، وترك الزنا والخمر مثلاً بقصد امتثال نهي الشارع.\rوهكذا كل فعل يصح أن يكون عبادة بالقصد، لا بد فيه من القصد ليكون عبادة يترتب عليها الثواب، وإليه يشير حديث ( إنما الأعمال بالنيات ).\rفينبغي ـ كما قال الرملي ـ استحضار النية عند المباحات والعاديات ليثاب عليها ثواب العبادات، ولا مشقة عليه في القيام بها، بل هي مألوفة لنفسه، مستلذة، فسبحان الله ماأعظم منته، وما أوسع رحمته، أباح لعبده الطيبات التي يشتهيها، ثم هو مع ذلك يثيبه عليها بحسن نيته، كما يثيبه على عبادته التي طلبها منه، فله الحمد والمنة، لا ربَّ غيره، ولا خير إلا خيره.\rويسن لكل إنسان أن يقول في الصباح والمساء، ليحظى بالثواب والأجر على المباحات والتروك: ( اللهم ما أعمله في هذا النهار ـ أو في هذه الليلة ـ من خير، فهو امتثال لأمرك، وما أتركه من معصية فهو امتثال لنهيك ).\rالرابع عشر ـ النية في أمور أخرى:\rهناك غير ما ذكرناه أمور أخرى، أشير إلى النية فيها بإجمال (2) :\r1 - الجهاد: هو من أعظم العبادات، فلا بد له من خلوص النية، ليكون في سبيل الله.\r2 - الوصية كالعتق: إن قصد به التقرب إلى الله فله الثواب، وإلا فهي صحيحة فقط.\r3 - الوقف: ليس عبادة وضعاً، بدليل صحته من الكافر، فإن نوى القربة، فله الثواب، وإلا فلا.\r-------------------------------\r(1) الأشباه والنظائر لابن نجيم: ص21، وللسيوطي: ص11، شرح الأربعين النووية للنووي ص 7-8، غاية المنتهى: 115/1 .\r(2) غاية المنتهى : 1 /115.","part":1,"page":195},{"id":196,"text":"4- الزواج: أقرب إلى العبادات، حتى إن الاشتغال به أفضل من التخلي لمحض العبادة، وهو عند الاعتدال سنة مؤكدة على الصحيح في مذهب الحنفية، فيحتاج إلى النية لتحصيل الثواب: وهو أن يقصد إعفاف نفسه وتحصين زوجته وحصول الولد. والرجعة كالزواج لأنها استدامة، فما كان منها صريحاً لا يحتاج إلى نية، وما كان منها كناية يحتاج إلى نية.\r5 - القضاء: من العبادات، والثواب عليه متوقف عليه متوقف على النية.\r6 - الحدود والتعازير وكل ما يتعاطاه الحكام والولاة، وتحمل الشهادات وأداؤها: الثواب في كل ذلك متوقف على النية.\r7 - الضمان أو التعويض عن الضرر: لا يتوقف على النية أو القصد، ويجب الضمان عن الضرر كالتلف، سواء حدث عمداً أم خطأ. وهل يترتب الضمان في شيء بمجرد النية من غير فعل؟ قال الحنفية في المُحْرِم إذا لبس ثوباً، ثم نزعه، ومن قصده أن يعود إليه، لا يتعدد الجزاء. فإن قصد ألا يعود إليه، تعدد الجزاء بلبسه. وقالوا أيضاً في الوديع إذا لبس ثوب الوديعة ثم نزعه، ومن نيته أن يعود إلى لبسه، لم يبرأ من الضمان.\r8 - الكفارات: النية شرط صحتها، عتقاً، أو صياماً، أو إطعاماً.\r9 - الضحايا: لابد فيها من النية كما بينا، لكن في رأي الحنفية: عند الشراء لا عند الذبح. وتفرع عليه: أنه لو اشتراها بنية الأضحية، فذبحها غيره بلا إذن، فإن ذبحها عن مالكها، فلا ضمان عليه، وإن ذبحها عن نفسه: فإن أخذها مذبوحة ولم يضمنه مالكها قيمتها، أجزأته. وإن ضمنه لا يجزئه.\rوهل تتعين الأضحية بالنية؟ قال الحنفية: إن كان فقيراً، وقد اشتراها بنية الأضحية، تعينت، فليس له بيعها. وإن كان غنياً لم تتعين، وصحح ابن نجيم في الأشباه أنها تتعين مطلقاً، والصحيح لدى غيره أنها لا تتعين مطلقاً، ولو في غير أيام الذبح، ويتصدق بها.","part":1,"page":196},{"id":197,"text":"وتتعين الأضحية في مذهب الشافعية وفي قول عند المالكية بقول مشتريها: هذه أضحية، أو جعلتها أضحية، فيتعين عليه ذبحها، لزوال ملكه عنها بذلك القول. وتتعين الأضحية عند المالكية إما بالذبح أو بالنية قبله، على خلاف في المذهب، كما بينا، والمعتمد المشهور في المذهب: أن الأضحية لا تجب إلا بالذبح فقط، ولا تجب بالنذر.\rوفي خاتمة المطاف أقول :\rهذه هي النية وأهميتها وأحكامها، فهي رادار القلب المسلم توجهه إما إلى الخير وإما إلى الشر.\rوهي مدار عمل المسلم ومعيار ضبط الأعمال الشرعية من عبادات ومعاملات فإما أن تصحح العمل الشرعي، وإما أن تبطله وتلغي آثاره. وهي سبب الثواب الأخروي على العمل، فإما أن تكون سبباً للثواب والظفر بجنان الخلد، كنية الجهاد وحب المؤمنين وصفاء القلب، وإما أن تكون سبباً للعقاب كالحقد والحسد والبغضاء، أو الرياء والشهرة والسمعة.\rفمن حسنت نيته، وصلحت سريرته، حاز الفضل والفوز والخير في الدنيا والاخرة ومن ساءت نيته ، وفسدت سريرته، بالخسران والسوء ، والخذلان في الدنيا والاخرة.","part":1,"page":197},{"id":199,"text":"القسْمُ الأَوّل: العِبَادَاتُ\r{ يا أيُّها الناسُ اعبدوا ربًكم } [البقرة:21/2]\r........................................تمهيد.............................................\rتقوم أمور الدين على الاعتقادات والآداب والعبادات والمعاملات والعقوبات، وذلك هو الفقه الأكبر، وبما أن بحثنا في فقه الأحكام الشرعية العملية، فلا نتعرض لبحث أمور العقيدة والأخلاق.\rوالعبادات خمسة: الصلاة، والزكاة، والصوم، والحج، والجهاد. وبحث الجهاد في خطتنا ليس مع العبادات، وإنما هو في فقه الأحكام ذات الصلة بالدولة.\rوالمعاملات خمسة: المعاوضات المالية، والمناكحات، والمخاصمات، والأمانات، والتركات.\rوالعقوبات خمسة: القصاص، وحد السرقة، والزنا، والقذف، والردة (1) .\rوالعبادة: هي اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال، والأعمال الباطنة والظاهرة (2) . ودين الله: عبادته وطاعته والخضوع له.\rفالصلاة والزكاة، والصيام، والحج، وصدق الحديث، وأداء الأمانة، وبر الوالدين، وصلة الأرحام، والوفاء بالعهود، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وجهاد الكفار والمنافقين، والإحسان للجار واليتيم والمسكين وابن السبيل، والبهائم، والدعاء والذكر والتلاوة، وأمثال ذلك: من العبادة.\rوكذلك حب الله ورسوله، وخشية الله والإنابة إليه، وإخلاص الدين له، والصبر لحكمه، والشكر لنعمه، والرضا بقضائه، والتوكل عليه، والرجاء لرحمته، والخوف من عذابه، وأمثال ذلك، هي من العبادة.\rوذلك أن العبادة لله هي الغاية المحبوبة له، والمرضية له، التي خلق الخلق لها، قال الله تعالى: {وما خلقتُ الجنَّ والإنْسَ إلا ليَعْبُدون} [الذاريات:56/51]، وبها أرسل جميع الرسل، كما قال نوح لقومه: {اعبدوا الله َ مالكم من إله غيرُه} [الأعراف:59/7]، وكذلك قال هود وصالح وشعيب وغيرهم لأقوامهم.\rوبما أن المخلوقين كلهم عباد الله، الأبرار منهم والفجار، والمؤمنون والكفار، وأهل الجنة وأهل النار، فإن عبوديتهم الحقة تستلزم عبادة الله الواحد القهار، قال تعالى: { إن هذه أمَّتُكم أمةً واحدة، وأنا ربكم فاعبدون} [الأنبياء:92/21]، وقال سبحانه: {يا أيها الناسُ اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم، لعلكم تتقون} [البقرة:21/2]، {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون} [الذاريات:56/51].\rلذا اعتاد الفقهاء تقديم العبادات على غيرها اهتماماً بشأنها؛ لأن العباد لم يخلقوا إلا لها، كما قدموا الصلاة على غيرها لأنها أحب الأعمال إلى الله بعد الإيمان، ولأنها عماد الدين (3) .\r-------------------------------\r(1) رد المحتار: 73/1. ويضاف لها حد الشرب وحد السكر.\r(2) العبودية لشيخ الإسلام ابن تيمية: ص2.\r(3) قال صلّى الله عليه وسلم : « الصلاة عماد الدين، من أقامها فقد أقام الدين، ومن هدمها فقد هدم الدين » رواه البيهقي عن عمر، وهو حديث ضعيف. ولفظ ( الصلاة عمود الدين ) حديث حسن.","part":1,"page":198},{"id":200,"text":"خطة بحث العبادات:\rالكلام في العبادات ماعدا الجهاد يشمل ما يأتي: الطهارة، الصلاة، الجنائز، الزكاة، الصيام والاعتكاف، الحج، الأيْمان والنذور، الأطعمة والأشربة، والصيد والذبائح، الضحايا والعقيقة والختان.\rوينقسم البحث فيها إلى الأبواب التسعة التالية:\rالباب الأول ـ الطهارات ـ مقدمات الصلاة أو الوسائل.\rالباب الثاني ـ الصلاة وأحكام الجنائز.\rالباب الثالث ـ الصيام والاعتكاف.\rالباب الرابع ـ الزكاة وأنواعها.\rالباب الخامس ـ الحج والعمرة.\rالباب السادس ـ الأيمان والنذور والكفارات.\rالباب السابع ـ الحظر والإباحة أو الأطعمة والأشربة.\rالباب الثامن ـ الضحايا والعقيقة والختان.\rالباب التاسع ـ الصيد والذبائح.","part":1,"page":199},{"id":201,"text":"البَابُ الأوَّل: الطَّهارات\rالوسائل أو مقدمات الصلاة\rبحث الطهارات يشمل الفصول السبعة التالية:\rالفصل الأول ـ الطهارة: معناها، وأهميتها، وأنواع المطهرات، وأنواع المياه، وحكم الأسآر والآبار، وأنواع الأعيان الطاهرة.\rالفصل الثاني ـ النجاسة: أنواعها، المقدار المعفو عنها، كيفية تطهير النجاسة، حكم الغُسالة.\rالفصل الثالث ـ الاستنجاء: معناه، حكمه، وسائله،آداب قضاء الحاجة.\rالفصل الرابع ـ الوضوء وما يتبعه:\rالمبحث الأول ـ الوضوء: فرائضه، شروطه، سننه، نواقضه، وضوء المعذور.\rالمبحث الثاني ـ السواك: تعريفه، حكمه، كيفيته، فوائده.\rالمبحث الثالث ـ المسح على الخفين: معناه ومشروعيته، كيفيته، شروطه، مدة المسح، مبطلاته، المسح على العمامة، المسح على الجوارب، المسح على الجبائر.\rالفصل الخامس ـ الغسل: خصائصه، موجباته، فرائضه، سننه ومكروهاته، ما يحرم على الجنب، الأغسال المسنونة، ملحقان بأحكام المساجد وأحكام الحمامات.\rالفصل السادس ـ التيمم: تعريفه،مشروعيته وصفته، أسبابه، فرائضه، كيفيته، شروطه، سننه ومكروهاته، نواقضه، حكم فاقد الطهورين.\rالفصل السابع ـ الحيض والنفاس والاستحاضة.\rالمبحث الأول ـ تعريف الحيض ومدته.\rالمبحث الثاني ـ تعريف النفاس ومدته.\rالمبحث الثالث ـ أحكام الحيض والنفاس وما يحرم على الحائض والنفساء.\rالمبحث الرابع ـ الاستحاضة وأحكامها.\rالفَصْلُ الأوَّل: الطَّهارة\rقدم الفقهاء بحث الطهارة على الصلاة؛ لأن الطهارة مفتاح الصلاة، وشرط لصحة الصلاة، والشرط مقدم على المشروط، قال عليه الصلاة والسلام: «مفتاح الصلاة الطُّهور، وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم» (1) «الطُّهور شطر الإيمان» (2) .\rوفي هذا الفصل مباحث ستة:\rالمبحث الأول ـ معنى الطهارة وأهميتها.\rالمبحث الثاني ـ شروط وجوب الطهارة.\rالمبحث الثالث ـ أنواع المطهرات.\rالمبحث الرابع ـ أنواع المياه.\rالمبحث الخامس ـ حكم الأسآر والآبار.\rالمبحث السادس ـ أنواع الأعيان الطاهرة.\r-------------------------------\r(1) حديث صحيح حسن أخرجه أبو داود والترمذي وابن ماجه عن علي بن أبي طالب (نصب الراية: 307/1).\r(2) حديث صحيح رواه مسلم. والمراد بالطهور هنا الفعل - بضم الطاء، واختلف في معناه، فقيل: إن الأجر فيه ينتهي إلى نصف أجر الإيمان، وقيل: المراد بالإيمان هنا: الصلاة، قال تعالى: { وما كان الله ليضيع إيمانكم } [البقرة:143/2]، وبما أن الطهارة شرط في صحة الصلاة، فصارت كالشطر، والظاهر أن المراد بالطهارة في هذا الحديث: الطهارة المعنوية، لأن المسلم إذا كان متصفاً بطهارة القلب من الصفات الذميمة كالكبر والحقد والحسد، كان إيمانه ضعيفاً، وإذا ماصفت روحه وخلصت نفسه صار إيمانه كاملاً.","part":1,"page":200},{"id":202,"text":"المبحث الأول ـ معنى الطهارة وأهميتها:\rالطهارة لغة: النظافة والخلوص من الأوساخ أو الأدناس الحسية كالأنجاس من بول، وغيره، والمعنوية كالعيوب والمعاصي. والتطهير: التنظيف وهو إثبات النظافة في المحل.\rوالطهارة شرعاً: النظافة من النجاسة: حقيقية كانت وهي الخَبَث، أو حُكمية وهي الحَدَث (1) .\rوالخبث في الحقيقة: عين مستقذرة شرعاً . والحدث : وصف شرعي يحل في الأعضاء يزيل الطهارة.\rوعرف النووي الشافعي الطهارة بأنها: رفع حدث أو إزالة نجس، أو ما في معناهما وعلى صورتهما (2) . وأراد بالزيادة الأخيرة على تعريف الحنفية السابق: شمول التيمم والأغسال المسنونة، وتجديد الوضوء، والغسلة الثانية والثالثة في الحدث والنجس، ومسح الأذن، والمضمضة ونحوها من نوافل الطهارة، وطهارة المستحاضة وسلس البول.\rويتفق تعريفها عند المالكية والحنابلة (3) مع تعريفها عند الحنفية، فإنهم قالوا: الطهارة في الشرع: رفع ما يمنع الصلاة من حدث أو نجاسة بالماء، أو رفع حكمه بالتراب.\rنوعاها: يتبين من تعريف الطهارة أنها نوعان: طهارة حدث، وتختص بالبدن، وطهارة خبث، وتكون في البدن والثوب والمكان.\rوطهارة الحدث ثلاث: كبرى وهي الغسل، وصغرى وهي الوضوء، وبدل منهما عند تعذرهما وهو التيمم.\rوطهارة الخبث ثلاث: غسل، ومسح، ونضح.\rفالطهارة تشمل الوضوء والغسل وإزالة النجاسة والتيمم وما يتعلق بها.\r-------------------------------\r(1) اللباب شرح الكتاب: 10/1 ، الدر المختار: 79/1 .\r(2) المجموع: 124/1، مغني المحتاج: 16/1 .\r(3) الشرح الصغير: 25/1، الشرح الكبير: 30/1، المغني: 6/1.","part":1,"page":201},{"id":203,"text":"أهميتها: للطهارة أهمية كبيرة في الإسلام، سواء أكانت حقيقية وهي طهارة الثوب والبدن ومكان الصلاة من النجاسة، أم طهارة حكمية وهي طهارة أعضاء الوضوء من الحدث، وطهارة جميع الأعضاء الظاهرة من الجنابة؛ لأنها شرط دائم لصحة الصلاة التي تتكرر خمس مرات يومياً، وبما أن الصلاة قيام بين يدي الله تعالى، فأداؤها بالطهارة تعظيم لله، والحدث والجنابة وإن لم يكونا نجاسة مرئية، فهما نجاسة معنوية توجب استقذار ما حلّ بهما، فوجودها يخل بالتعظيم، وينافي مبدأ النظافة التي تتحقق بالغسل المتكرر، فبالطهارة تطهر الروح والجسد معاً.\rوعناية الإسلام بجعل المسلم دائماً طاهراً من الناحيتين المادية والمعنوية (1) أكمل وأوفى دليل على الحرص الشديد على النقاء والصفاء، وعلى أن الإسلام مثل أعلى للزينة والنظافة، والحفاظ على الصحة الخاصة والعامة، وبناء البنية الجسدية في أصح قوام وأجمل مظهر وأقوى عماد، ولصون البيئة والمجتمع من انتشار المرض والضعف والهزال؛ لأن غسل الأعضاء الظاهرة المتعرضة للغبار والأتربة والنُّفايات والجراثيم يومياً، وغسل الجسم في أحيان متكررة عقب كل جنابة، كفيل بحماية الإنسان من أي تلوث، وقد ثبت طبياً أن أنجع علاج وقائي للأمراض الوبائية وغيرها هو النظافة، والوقاية خير من العلاج. وقد امتدح الله تعالى المتطهرين، فقال: {إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين} [البقرة:222/2]، وأثنى سبحانه على أهل قُباء بقوله: {فيه رجال يحبون أن يتطهروا، والله يحب الْمُطَّهرِّين } [التوبة:9/108].\r-------------------------------\r(1) لاتنفع الطهارة الظاهرة إلا مع الطهارة الباطنة: بالإخلاص لله، والنزاهة عن الغل والغش والحقد والحسد، وتطهير القلب عما سوى الله في الكون، فيعبده الإنسان لذاته مفتقراً إليه، لا لسبب نفعي.","part":1,"page":202},{"id":204,"text":"وعلى المسلم أن يكون بين الناس مثالاً بارزاً في نظافته، وطهره الظاهر والباطن، قال صلّى الله عليه وسلم لجماعة من صحبه: «إنكم قادمون على إخوانكم، فأصلحوا رحالكم، وأصلحوا لباسكم، حتى تكونوا كأنكم شامة في الناس، فإن الله لايحب الفحش ولا التفحش» (1) .\rالمبحث الثاني ـ شروط وجوب الطهارة :\rيجب تطهير ما أصابته النجاسة من بدن أو ثوب أو مكان، لقوله تعالى: {وثيابَك فطهر} [المدثر:4/74]، وقوله سبحانه: { أن طهرا بيتي للطائفين والعاكفين والركع السجود } [البقرة:125/2]، وإذا وجب تطهير الثوب والمكان وجب تطهير البدن بالأولى، لأنه ألزم للمصلي.\rوتجب الطهارة على من وجبت عليه الصلاة، وذلك بعشرة شروط (2) :\rالأول ـ الإسلام، وقيل: بلوغ الدعوة، فعلى الأول: لا تجب على الكافر، وعلى الثاني: تجب عليه. وذلك مبني على الخلاف في مبدأ أصولي معروف، وهو مخاطبة الكفار بفروع الشريعة، فعند الجمهور: الكفار مخاطبون بفروع العبادات أي أنهم مؤاخذون بها في الآخرة مؤاخذة إضافية على ترك الإيمان فهم يستحقون عقابين: عقاباً على ترك الإيمان، وعقاباً على ترك الفروع الدينية، وعند الحنفية: لا يخاطب الكفار بفروع الشريعة، فيستحقون في عالم الآخرة عقاباً واحداً على ترك الإيمان فقط، فالخلاف في العقاب الأخروي. والفريقان متفقان على ألا ثمرة لهذا الخلاف في أحكام الدنيا، فلا يصح أداء العبادة من الكفار ما داموا كفاراً، وإذا أسلموا فلا يطالبون بالقضاء.\rوعليه: لا تصح الصلاة من كافر بالإجماع.\rوإذا أسلم المرتد لم يلزمه قضاء ما فاته من الصلوات في ردته عند الجمهور، وعليه القضاء عند الشافعية.\r-------------------------------\r(1) رواه أحمد في مسنده وأبو داود والحاكم والبيهقي عن سهل بن الحنظلية، وهو حديث صحيح.\r(2) القوانين الفقهية لابن جزي المالكي: ص 19 ومابعدها.","part":1,"page":203},{"id":205,"text":"الثاني ـ العقل: فلا تجب الطهارة على المجنون والمغمى عليه، إلا إذا أفاقا في بقية الوقت. أما السكران فلا تسقط عنه الطهارة.\rالثالث ـ البلوغ: وعلاماته خمس: الاحتلام، وإنبات الشعر، والحيض، والحمل، وبلوغ السن، وهو خمسة عشر عاماً، وقيل: سبعة عشر عاماً، وقال أبو حنيفة: ثمانية عشر عاماً، فلا تجب الطهارة على الصبي، ويؤمر بها لسبع، ويضرب عليها لعشر. فإن صلى الصبي، ثم بلغ في بقية الوقت أو في أثناء الصلاة، لزمته الإعادة عند المالكية، ولم تلزمه عند الشافعي.\rالرابع ـ ارتفاع دم الحيض والنفاس أي انقطاع الدم.\rالخامس ـ دخول الوقت.\rالسادس ـ عدم النوم.\rالسابع ـ عدم النسيان.\rالثامن ـ عدم الإكراه، ويقضي النائم والناسي والمكره ما فاته إجماعاً.\rالتاسع ـ وجود الماء أو (التراب الطاهر)، فمن عدمهما قيل:يصلي فاقد الطهورين ويقضي،وفي قول لا يقضي، وقيل: لا يصلي، وعليه القضاء، كما سأبين تفصيلاً في بحث هذا الموضوع آخر التيمم.\rالعاشر ـ القدرة على الفعل بقدر الإمكان.\rالمبحث الثالث ـ أنواع المطهرات:\rثبت بالدليل القطعي المجمع عليه أن الطهارة واجبة شرعاً، وأن المفروض منها هو الوضوء والغسل من الجنابة والحيض والنفاس بالماء، والتيمم عنهما عند فقد الماء، أو التضرر باستعماله، وإزالة النجاسة.\rواتفق الفقهاء على جواز التطهير بالماء الطهور أو المطلق: وهو ما يسمى «ماءً» بدون تقييد بوصف كماءٍ مستعمل، أو بإضافة كماء الورد مثلاً، قال تعالى: {وأنزلنا من السماء ماء طهوراً} [الفرقان:48/25]، {وينزل عليكم من السماء ماءً ليطهركم به} [الأنفال:11/8].\rكما اتفقوا على جواز التطهير بالمسح بالورق أو الحجارة في حالة الاستنجاء، أي إزالة النجاسة عن المخرجين من بول وغائط ما لم يفحش الخارج.\rواتفقوا على مشروعية التطهر بالتراب طهارة حكمية، وعلى طهارة الخمر بالتخلل.\rواختلفوا في مطهرات أخرى، وها هي آراء الفقهاء في المطهرات:","part":1,"page":204},{"id":206,"text":"قال الحنفية (1) : يجوز رفع النجاسة عن محلها بما يأتي:\r1 ً ـ الماء المطلق ولو كان مستعملاً، تحصل به الطهارة الحقيقية والحكمية (الحدث والجنابة) جميعاً، كماء السماء والأنهار والبحار والآبار والعيون، والوديان التي يجتمع فيها ماء السيل؛ لأن الله تعالى سمى الماء طهوراً بقوله: {وأنزلنا من السماء ماء طهوراً} [الفرقان:48/25]، وقال النبي صلّى الله عليه وسلم : «الماء طهور لا ينجسه شيء إلا ما غيَّر لونه أو طعمه أوريحه» (2) ، والطهور: هو الطاهر في نفسه، المطهر لغيره.\r2 ً ـ المائعات الطاهرة: وهي التي تنعصر بالعصر،أو تزيل النجاسة. لاتحصل بها الطهارة الحكمية (وهي زوال الحدث بالوضوء والغسل) باتفاق الحنفية وغيرهم؛ لأن الحدث الحكمي خص بالماء بالنص القرآني، وهو متيسر للناس، وتحصل بها الطهارة الحقيقية (وهي زوال النجاسة الحقيقية عن الثوب والبدن) عند أبي حنيفة وأبي يوسف وهو المفتى به، مثل ماء الورد والزهر، والخل، وعصير الشجر والثمر من رمان وغيره، وماء الباقلاء (وهي الفول: أي إذا طبخت بالماء حتى صار بحيث إذا برد ثخن) (3) ونحوها مما إذا عصر انعصر، حتى الريق، فتطهر أصبع، وثدي تنجس بالقيء بلحس ثلاث مرات، عن طريق إرضاعه لولده، ويطهر فم شارب الخمر بترديد ريقه وبلعه.\rفإن كان لا ينعصر مثل العسل والسمن والدهن والزيت واللبن وإن كان مخيضاً، والمرق ونحوها، فلا تحصل الطهارة بها، لعدم إمكان تحقق إزالة النجاسة بها؛ لأن الإزالة إنما تكون بإخراج أجزاء النجاسة مع المزيل شيئاً فشيئاً، وذلك إنما يتحقق فيما ينعصر بالعصر، فتكون هذه المائعات مثل الماء في إزالة أجزاء\r-------------------------------\r(1) البدائع: 83/1-87، فتح القدير: 133/1-138، الدر المختار: 284/1 - 302، تبيين الحقائق: 69/1 ومابعدها، اللباب شرح الكتاب: 24/1 ومابعدها، 30، مراقي الفلاح: ص 27-28.\r(2) غريب بهذا اللفظ، ورواه ابن ماجه عن أبي أمامة بلفظ ( إن الماء طهور لاينجسه شيء إلا ماغلب على ريحه، وطعمه، ولونه) وهو حديث ضعيف ( نصب الراية: 94/1 ).\r(3) فإن تغير الماء بدون الطبخ يجوز التوضؤ به. النجاسة، لكون المائع رقيقاً يداخل أجزاء النجاسة ويجاورها، ويستخرجها بواسطة العصر.","part":1,"page":205},{"id":207,"text":"ومنع محمد وزفر وغير الحنفية إزالة النجاسة بالمائعات (1) ؛ لأن طهورية الماء عرفت شرعاً، وأقر الشرع التطهير بالماء دون غيره، فلا يلحق به غيره.\rوتجوز الطهارة بماء خالطه شيء طاهر، فغيَّر أحد أوصافه (2) ، كماء السيل (المَدّ) والماء الذي يختلط به الأشنان والصابون والزعفران، ما دام باقياً على رقته وسيلانه، لأن اسم الماء باق فيه، ولا يمكن الاحتراز عن هذه الأشياء التي تختلط بالماء، كالتراب والأوراق والأشجار، فإن صار الطين غالباً، وماء الصابون أو الأشنان ثخيناً، وماء الزعفران صبْغاً، لا تجوز به الطهارة.\r3 ً - الدلك: وهو مسح المتنجس على الأرض مسحاً قوياً بحيث يزول به أثر أو عين النجاسة. ومثل الدلك: الحت: وهو القشر بالعود أو باليد. وبه يطهر الخف والنعل المتنجس بنجاسة ذات جِرْم، سواء أكانت جافة أم رطبة،. والجِرْم: كل ما يرى بعد الجفاف كالغائط والروث والدم والمني والبول والخمر الذي أصابه تراب. ويلاحظ أن شمول الجرم الرطب هو الأصح المختار، وعليه الفتوى، لعموم البلوى، ولإطلاق حديث النبي صلّى الله عليه وسلم : «إذا جاء أحدكم المسجد، فليقلب نعليه ولينظر فيهما، فإن رأى خَبَثاً (أذى أو قذراً)، فليمسحه بالأرض، ثم ليصل فيهما» (3) .\r-------------------------------\r(1) القوانين الفقهية: ص35، بداية المجتهد: 80/1، المغني: 11/1، مغني المحتاج: 17/1.\r(2) فإن غير اثنين أو ثلاثة لايجوز التوضؤ به، لكن الصحيح أنه يجوز التوضؤ به وإن غير أوصافه كلها.\r(3) رواه أحمد وأبو داود والحاكم وابن حبان عن أبي سعيد الخدري، واختلف في وصله وإرساله، ورجح أبو حاتم في العلل الموصول (نيل الأوطار : 44/1).","part":1,"page":206},{"id":208,"text":"فإذا لم تكن النجاسة ذات جرم، فيجب غسلها ثلاث مرات بالماء، ولو بعد الجفاف، ويترك في كل مرة حتى ينقطع التقاطر، وتذهب النداوة من الخف، ولا يشترط اليبس.\rوقال أكثر العلماء: يطهر النعل بالدلك يابساً، لا رطباً؛ لأن عائشة كانت تفرُك المني من ثوب رسول الله صلّى الله عليه وسلم إذا كان يابساً، وتغسله إذا كان رطباً (1) .\rوقال الشافعي ومحمد: لا يطهر النعل بالدلك، لا رطباً ولا يابساً، لأن النجاسة تداخلت في الخف تداخلها في الثوب والبدن. وقال الحنابلة: يعفى بالدلك عن يسير النجاسة، وإلا وجب غسله (2) .\r4 ً - المسح الذي يزول به أثر النجاسة: يطهر به الشيء الصقيل الذي لا مسام له، كالسيف والمرآة والزجاج، والآنية المدهونة والظفر والعظم، والزبدية الصينية وصفائح الفضة غير المنقوشة ونحو ذلك؛ لأنه لا تتداخله النجاسة، ويزول ما على ظاهره بالمسح، وقد صح أن أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلم كانوا يقتلون الكفار بالسيوف، ويمسحونها، ويصلون بها.\rوبناء عليه يكفي مسح محل الحجامة بثلاث خرق نظيفة مبلولة.\rورأي المالكية كالحنفية في جواز إزالة النجاسة بالمسح فيما يفسد بالغسل كالسيف والنعل والخف (3) .\r-------------------------------\r(1) رواه الدارقطني والبزار في مسنده عن عائشة، ولم يسنده عنها إلا عبد الله بن الزبير، ورواه غيره مرسلاً. وأما قوله عليه السلام لعائشةفي المني «فاغسليه إن كان رطباً، وافركيه إن كان يابساً» فغريب، وهو حديث لايعرف ( نصب الراية: 209/1).\r(2) نيل الأوطار: 44/1، القوانين الفقهية: ص 34، كشاف القناع: 218/1، المغني: 83/2.\r(3) القوانين الفقهية: ص34 -35.","part":1,"page":207},{"id":209,"text":"5 ً - الجفاف بالشمس أو الهواء وزوال أثر النجاسة: يطهر الأرض وكل ماكان ثابتاً بها كالشجر والكلأ والبلاط، لأجل الصلاة عليها، لا للتيمم بها، بخلاف ماكان نحو البساط والحصير والثوب والبدن وكل ما يمكن نقله، فإنه لا يطهر إلا بالغسل. وطهارة الأرض باليبس لقاعدة: ( ذكاة الأرض يبسها ) (1) ولحديث ابن عمر: «كنت أبيت في المسجد في عهد رسول الله صلّى الله عليه وسلم ، وكنت شاباً عَزَباً، وكانت الكلاب تبول وتقبل وتدبر في المسجد، ولم يكونوا يرشون شيئاً من ذلك» (2) .\rوالسبب في التفرقة بين الصلاة والتيمم في هذا: هو أن المطلوب لصحة الصلاة الطهارة، ولصحة التيمم الطهورية، والذي تحقق بالجفاف هو الطهارة، لاالطهورية، والطهارة لا تستدعي الطهورية، ويشترط في التيمم طهورية التراب، كما يشترط في الوضوء طهورية الماء.\rولا تطهر الأرض بالجفاف عند غير الحنفية، وإنما لا بد من تطهيرها بالماء إذا أصابتها النجاسة، فالأرض المتنجسة وأجرنة الحمام والحيطان والأحواض ونحوها تطهر بمكاثرة الماء عليها أي بكثرة إفاضة الماء عليها من مطر أو غيره حتى تزول عين النجاسة، كما في حديث الأعرابي الذي بال في المسجد، فأمر النبي بصب ذنوب من ماء عليه (3) .\r-------------------------------\r(1) لاأصل له في الحديث المرفوع، وبه أخذ الحنفية، ويروى عن أبي جعفر محمد الباقر، والمراد بـ :يبسها : طهارتها ( أسنى المطالب للحوت البيروتي: ص112).\r(2) رواه أبو داود ( معالم السنن للخطابي: 117/1 ومابعدها ).\r(3) روى الجماعة إلا مسلماً عن أبي هريرة قال: «قام أعرابي، فبال في المسجد، فقام إليه الناس ليقعوا به، فقال النبي صلّى الله عليه وسلم : دعوه، وأريقوا على بوله سَجْلاً من ماء أو ذنوباً من ماء، فإنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين» والسجل أو الذنوب:الدلو العظيمة ( نيل الأوطار:41/1 ومابعدها ).","part":1,"page":208},{"id":210,"text":"6 ً - تكرار المشي في الثوب الطويل الذي يمس الأرض النجسة والطاهرة: يطهر الثوب، لأن الأرض يطهر بعضها بعضاً، بدليل حديث أم سلمة: أنها قالت: «إني امرأة أطيل ذيلي، أمشي في المكان القذر، فقال لها رسول الله صلّى الله عليه وسلم : يطهره ما بعده» (1) .\rويتفق المالكية والحنابلة مع الحنفية في ذلك، وأقره الشافعي بما جرى على يابس، وقيده الحنابلة بيسير النجاسة، وإلا وجب غسله (2) .\r7 ً - الفَرْك: يطهر به مني الإنسان إذا أصاب الثوب وجف، ولا يضر بقاء أثره، كبقائه بعد الغسل، إن كان رأس العضو (الحشفة) طاهراً، بأن استنجى بماء، لا بورق أو حجر، لأن الحجر ونحوه لا يزيل البول المنتشر على رأس العضو، فإذا لم ينتشر البول، ولم يمر عليه المني في الخارج، فإنه يطهر بالفرك أيضاً، إذ لا يضر مروره على البول في الداخل.\rولا فرق بين مني الرجل ومني المرأة. فإن كان المني رطباً، أو كان مني غير الآدمي، أو استنجى الآدمي بورق أو نحوه، فلا يطهر بالفرك، ولابد من الغسل؛ عملاً بما جاء في السنة من حديث عائشة إنها كانت تغسل المني من ثوب رسول الله صلّى الله عليه وسلم (3) ، وفي حديث الدارقطني عن عائشة: «كنت أفرك المني من ثوب رسول الله صلّى الله عليه وسلم إذا كان يابساً، وأغسله إذا كان رطباً» (4) .\r-------------------------------\r(1) رواه أبو داود .\r(2) معالم السنن للخطابي: 118/1، القوانين الفقهية: ص35، كشاف القناع: 218/1.\r(3) رواه البخاري ومسلم. قال ابن الجوزي: ليس في هذا الحديث حجة، لأن غسله كان للاستقذار، لا للنجاسة ( نصب الراية: 209/1-210).\r(4) سبق تخريجه، وقد عرفنا أن أمر النبي بغسله إذا كان رطباً، وفركه إذا كان يابساً، غريب لايعرف. وقال البيهقي: لامنافاة بين الحديثين ( نصب الراية، المكان السابق).","part":1,"page":209},{"id":211,"text":"هذا ويمكن جعل الفرك والدلك واحداً (1) .\rوالمالكية كالحنفية في الحكم بنجاسة المني، وقال الشافعية والحنابلة: مني الآدمي طاهر، عملاً بحديث عائشة السابق عند الدارقطني، وبقول ابن عباس: «امسحه عنك بإذخرة (2) أو خرقة، فإنما هو بمنزلة المخاط والبصاق» (3) .\rوسب الاختلاف شيئان: أحدهما: اضطراب رواية حديث عائشة، إذ مرة تغسله، ومرة تفركه. والثاني: تردد المني بين أن يشبه بالأحداث الخارجة من البدن، وبين أن يشبه بخروج الفضلات الطاهرة، كاللبن وغيره.\rوأميل إلى القول بطهارة المني تيسيراً على الناس، ويغسل الثوب بسبب الاستقذار لا للنجاسة، لصحة حديث عائشة الأول الذي تكتفي فيه بفرك المني، وإن كان ذلك يصلح حجة للحنفية في أن النجاسة تزال بغير الماء (4) .\r8 ً - الندف: ويطهر به القطن إذا ندف، وذهب أثر النجاسة إذا كانت قليلة.\r9 ً - التقوير: أي عزل الجزء المتنجس عن غيره، يطهر به الدهن الجامد المتنجس كالسمن والدبس ونحوهما، لحديث ميمونة زوج النبي صلّى الله عليه وسلم : «أن فأرة وقعت في سمن، فماتت فيه، فسئل النبي صلّى الله عليه وسلم ، فقال: ألقوها وما حولها، وكلوه» (5) .\rوهذا متفق عليه، فإن كان السمن جامداً طرحت النجاسة وما حولها خاصة.\r-------------------------------\r(1) القوانين الفقهية: ص34، بداية المجتهد: 79/1، مغني المحتاج: 80/1، كشاف القناع: 224/1.\r(2) الإدخر: حشيشة طيبة الرائحة تسقف بها البيوت فوق الخشب.\r(3) رواه سعيد بن منصور والدارقطني مرفوعاً.\r(4) المجموع: 560/2، بداية المجتهد: 79/1، نيل الأوطار: 55/1.\r(5) رواه البخاري، وزاد أحمد والنسائي: في سمن جامد (سبل السلام: 8/3).","part":1,"page":210},{"id":212,"text":"فإن وقعت النجاسة في مائع كالزيت والسمن الذائب، لم يطهر عند الجمهور (1) ، وعند الحنفية: يطهر بصب الماء عليه بقدره ثلاث مرات، أو يوضع في إناء مثقوب ثم يصب عليه الماء، فيعلو الدهن، ويرفع بشيء أو يفتح الثقب حتى يذهب الماء. والنحت مثل التقوير.\rوأما الجامدات فتقبل التطهير إلا ما تشربت أجزاؤه النجاسة، فإن كان الجامد إناء يطهر بصب الماء عليه وسيلانه حتى يغمره، وإن كان مما يطبخ كاللحم والحنطة والدجاج فيطهر بغسله نيئاً، ولا يطهر أبداً إذا تنجس وغلي على النار بنجاسته، لتشرب أجزاء النجاسة فيه. وعلى هذا لو غليت رؤوس الحيوان ولحم الكرش قبل غسلها وتطهيرها لا تطهر أبداً، ولو غليت الدجاجة قبل شق بطنها لنتف ريشها، لا تطهر أبداً.\rواتفق المالكية والحنابلة مع الحنفية في أن اللحم المطبوخ بنجس لا يطهر، وأضاف المالكية أن البيض المسلوق بنجس والزيتون المملح بنجس والفخار الذي غاصت النجاسة في أعماقه لا يقبل التطهير. أما إن وقعت النجاسة في اللحم المطبوخ بعد نضجه فيقبل التطهير عند المالكية، بأن يغسل ما تعلق به من المرق إذا لم تطل إقامة النجاسة فيه.\rوقال الشافعية: الجامدات التي تشربت النجاسة تقبل التطهير، فلو طبخ لحم في نجس، أو تشربت حنطة النجاسة، أو سقيت السكين بنجاسة، تطهر بصب الماء عليها إلا اللَّبِن (الطوب النيء) الذي عجن بنجاسة جامدة، لا يطهر.\r10 ً - قسمة المتنجس، بفصل الأجزاء النجسة عن الظاهرة: وقسمة المثلي\r-------------------------------\r(1) القوانين الفقهية: ص35، المغني: 37/1، الشرح الكبير: 59/1.","part":1,"page":211},{"id":213,"text":"كالحنطة والشعير إذا تنجس، وتوزيعه بين الشركاء أو المشترين، فلو بال حمار على حنطة يدوسها، فقسم أو غسل بعضه، أو ذهب بهبة أو أكل أو بيع يطهر الباقي والذاهب. ومثله هبة المتنجس لمن لا يرى نجاسته. والتقوير والقسمة والهبة لا تعد مطهرات في الحقيقة، وإنما هي مطهرات تساهلاً.\r11 ً - الاستحالة: أي تحول العين النجسة بنفسها أو بواسطة كصيرورة دم الغزال مسكاً، وكالخمر إذا تخللت بنفسها، أو بتخليلها بواسطة، والميتة إذا صارت ملحا، أو الكلب إذا وقع في ملاحة، والروث إذا صار بالإحراق رماداً، والزيت المتنجس بجعله صابوناً، وطين البالوعة إذا جف وذهب أثره، والنجاسة إذا دفنت في الأرض وذهب أثرها بمرور الزمان، وهذا عمل بقول الإمام محمد خلافاً لأبي يوسف، لأن النجاسة إذا استحالت وتبدلت أوصافها ومعانيها،خرجت عن كونها نجاسة، لأنها اسم لذات موصوفة، فتنعدم بانعدام الوصف، وصارت كالخمر إذا تخللت، باتفاق المذاهب.\rوتطهر الخمر ودَنّها (وعاؤها) إذا تخللت بنفسها أو بنقلها من ظل إلى شمس أو بالعكس عند غير الحنفية (1) ؛لأن نجاستها بسبب شدتها المسكرة قد زالت، من غير نجاسة خلفتها، كما تطهر الخمر إذا خللت عند المالكية.\rولا تطهر عند الشافعية والحنابلة بتخليلها بالعلاج كالبصل والخبز الحار؛ لأن الشيئ المطروح بتنجس بملاقاتها. أما غير ذلك فهو نجس، فلا تطهر نجاسة باستحالة، ولا بنار، فرماد الروث النجس: نجس، والصابون المعمول من زيت\r-------------------------------\r(1) القوانين الفقهية: ص34، بداية المجتهد: 461/1، الشرح الصغير: 46/1، الشرح الكبير: 57/1، 59، المنتقى على الموطأ: 153/3 ومابعدها، مغني المحتاج: 81/1، المغني: 319/8، كشاف القناع: 214/1 ومابعدها، المهذب: 48/1.","part":1,"page":212},{"id":214,"text":"نجس، ودخان النجاسة وغبارها: نجس، وما تصاعد من بخار ماء نجس إلى جسم صقيل أو غيره: نجس، والتراب المجبول بروث حمار أو بغل ونحوه مما لايؤكل لحمه: نجس ولو احترق ، كالخزف. ولو وقع كلب في ملاَّحة، فصار ملحاً أو في صبَّانة فصار صابوناً، فهو نجس. لكن استثنى المالكية على المشهور رماد النجس ودخانه فقالوا بطهارته على المعتمد.\rوقيد الحنابلة طهارة الخمر بنقلها من مكان لآخر بحالة غير قصد التخليل، فإن قصد تخليلها بنقلها لم تطهر، لأنه يحرم تخليلها، فلا تترتب عليه الطهارة.\rوقال الشافعية (1) : لا يطهر شيء من النجاسات بالاستحالة إلا ثلاثة أشياء: الخمر مع إنائها إذا صارت خلاً بنفسها، والجلد (غير جلد الكلب والخنزير ) المتنجس بالموت يطهر ظاهره وباطنه بالدبغ، وما صار حيواناً كالميتة إذا صارت دوداً لحدوث الحياة.\r12 ً - الدباغ للجلود النجسة أو الميتة يطهرها كلها إلا جلد الإنسان والخنيزير، وما لا يحتمل الدبغ كجلد حية صغيرة وفأرة، لقول النبي صلّى الله عليه وسلم : «أيما إهاب دبغ فقد طهر» (2) وروي أن النبي صلّى الله عليه وسلم مر بفِناء (ساحة الدار أو جوانبها) قوم في غزوة تبوك، فاستسقاهم، فقال: «عندكم ماء؟ فقالت امرأة: لا، يا رسول الله، إلا في قربة لي ميتة، فقال صلّى الله عليه وسلم : ألست دبغتِها؟ فقالت: نعم، فقال: فإن دباغها طهورها» (3) ، ولأن الدبغ يزيل سبب نجاسة الميتات وهو الرطوبات والدماء السائلة، فصار الدبغ كالثوب النجس إذا غسل.\r-------------------------------\r(1) الحضرمية: ص 23.\r(2) روي من حديث ابن عباس عند النسائي والترمذي وابن ماجه، ومن حديث ابن عمرعند الدارقطني، وهو حديث حسن، ورواه مسلم بلفظ « إذا دبغ صار أديماً.\r(3) رواه أبو داود والنسائي عن سلمة بن المُحبِّق، ورواه ابن حبان في صحيحه وأحمد في مسنده، والترمذي، وأعله هؤلاء براوٍ فيه: هو الجون بن قتادة ( نصب الراية: 117/1 ).\rوعن ابن عباس قال: تُصُدِّق على مولاة لميمونة بشاة، فماتت، فمرَّ بها رسول الله صلّى الله عليه وسلم ، فقال: هلاّ أخذتم إهابها فدبغتموه فانتفعتم به؟ فقالوا: إنها ميتة، فقال: إنما حرم أكلها» رواه الجماعة إلا ابن ماجه.","part":1,"page":213},{"id":215,"text":"والدبغ عند الحنفية مطهر إذا كان بما يمنع النَّتَن والفساد، ولو دباغة حُكْمية كالتتريب والتشميس، لحصول المقصود بها. وكل ما يطهر بالدباغة يطهر بالذكاة. والدبغ يطهر جلد الكلب والفيل على المعتمد، واستثناء جلد الآدمي للكرامة الإلهية، واستثناء جلد الخنزير لنجاسته العينية، وألحقوا بهما ما لا يحتمل الدباغة كفأرة صغيرة. أما ما على جلد الميتة من شعر ونحوه فهو طاهر، وقميص الحية طاهر.\rوالدبغ مطهر أيضاً عند الشافعية (1) ، فيطهر كل جلد نجس بالموت ظاهره، وكذا باطنه على المشهور وإن كان من غير مأكول اللحم للحديثين السابقين مع حديث ابن عباس (في الحاشية)، لكن يشترط أن يكون الدبغ بشيء قالع: وهو نزع فضول الجلد (وهي مائيته ورطوباته التي يفسده بقاؤها، ويطيبه نزعها) بحرِّيف (ما يحرف الفم أي يلذع اللسان بحرافته) كالقَرَظ (ورق السَلَم مثل شجر الجوز يدبغ به) والعفص وقشور الرمان، والشب (شيء معروف من جواهر الأرض). سواء أكان طاهراً أم نجساً كذرق الطيور، ولا يصح الدبغ بشمس وتراب وتجميد وتمليح بما لا ينزع الفضول، وإن جف الجلد، وطابت رائحته؛ لأن الفضلات لم تزل، وإنما جمدت، بدليل إنه لو نقع في الماء عادت إليه العفونة.\rولا يطهر عند الشافعية بالدبغ جلد الكلب والخنزير وما تولد منهما أو من أحدهما مع حيوان طاهر، كما لا يطهر عندهم بالدبغ ما على جلد الميتة من شعر ونحوه، لكن يعفى عن القليل من ذلك لمشقة إزالته.\r-------------------------------\r(1) مغني المحتاج: 82/1، المهذب: 48/1","part":1,"page":214},{"id":216,"text":"وقال المالكية والحنابلة على المشهور (1) : لا يطهر الجلد النجس بالدبغ، لحديث عبد الله بن عُكيم، قال: «كتب إلينا رسول الله صلّى الله عليه وسلم قبل وفاته بشهر أن لاتنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب» (2) فهو ناسخ لما قبله من الأحاديث، لأنه في آخر عمر النبي صلّى الله عليه وسلم ، ولفظه دال على سبق الترخيص، وأنه متأخر عنه، وقال الدردير المالكي: ما ورد من نحو قوله عليه الصلاة والسلام: «أيما إهاب ـ أي جلد ـ دبغ، فقد طهر» فمحمول على الطهارة اللغوية، لا الشرعية في مشهور المذهب. وحينئذ لا تجوز الصلاة عليه.\rوعلى القول المشهور عند المالكية من نجاسة الجلد المدبوغ: يجوز استعماله بعد الدبغ في اليابسات غير المائعات، كلبسه في غير الصلاة والجلوس عليه في غير المسجد، ولا يجوز استعماله في المائعات كالسمن والعسل والزيت وسائر الأدهان، والماء غير المطلق كماء الورد، والخبز المبلول قبل جفافه، والجبن، فلا يوضع فيه، ويتنجس بوضعه فيه. واستثنوا من ذلك جلد الخنزير فلا يجوز استعماله مطلقاً، دبغ أو لم يدبغ، في يابس أو مائع، وكذا جلد الآدمي، لشرفه وكرامته، وأما صوف الحيوان ونحوه فلا ينجس بالموت عند المالكية.\rوعند الحنابلة روايتان في الانتفاع بالجلد النجس المدبوغ:\rإحداهما ـ لا يجوز، لحديث ابن عكيم المذكور، وحديث البخاري في تاريخه «لا تنتفعوا من الميتة بشيء» .\r-------------------------------\r(1) الشرح الصغير: 51/1، بداية المجتهد: 76/1، غاية المنتهى: 14/1، المغني: 66/1 ومابعدها،79.\r(2) رواه الخمسة ( أحمد وأصحاب السنن الأربعة )، وأخرجه أيضاً الشافعي والبيهقي وابن حبان، قال عنه الترمذي: حديث حسن. وللدارقطني: إن رسول الله صلّى الله عليه وسلم كتب إلى جهينة، إني كنت رخصت لكم في جلود الميتة، فإذا جاءكم كتابي هذا، فلا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب ( نيل الأوطار: 64/1).","part":1,"page":215},{"id":217,"text":"والثانية ـ وهي الراجحة ـ يجوز الانتفاع به، لقول النبي صلّى الله عليه وسلم السابق: «هلا أخذتم إهابها، فدبغتموه» ، ولأن الصحابة رضي الله عنهم لما فتحوا فارس انتفعوا بسروجهم وأسلحتهم وذبائحهم ميتة، ولأنه انتفاع من غير ضرر، فأشبه الاصطياد بالكلب، وركوب البغل والحمار. وصوف الميتة وشعرها ووبرها وريشها طاهر عند الحنابلة.\rوالراجح عندي رأي الحنفية والشافعية في أن الدباغ مطهر، لأن حديث ابن عكيم فيه اختلاف واضطراب، قال الحازمي في الناسخ والمنسوخ: وطريق الإنصاف فيه: أن يقال: إن حديث ابن عكيم ظاهر الدلالة في النسخ، لو صح، ولكنه كثير الاضطراب، لا يقاوم حديث ميمونة في الصحة. والمصير إلى حديث ابن عباس أولى لوجوه من الترجيح، ويحمل حديث ابن عكيم على منع الانتفاع به قبل الدباغ، وحينئذ يسمى إهاباً، وبعد الدباغ يسمى جلداً، ولا يسمى إهاباً، وهذا معروف عند أهل اللغة، وليكون جمعاً بين الحكمين، وهذا هو الطريق في نفي التضاد (1) .\rويلاحظ أخيراً أن كلاً من التخلل والدباغ داخل في استحالة أو انقلاب العين.\r13 ً - الذكاة الشرعية ( الذبح ) في تطهير الذبيح: وهو أن يذبح مسلم أوكتابي (يهودي أو نصراني) حيواناً ولو غير مأكول اللحم. فيطهر بالذكاة في أصح مايفتى به عند الحنفية من الحيوان غير المأكول الجلد دون اللحم والشحم، لأن كل حيوان يطهر بالدباغ يطهر جلده بالذكاة، لقوله صلّى الله عليه وسلم : « دباغ الأديم ذكاته» (2)\r-------------------------------\r(1) نيل الأوطار: 65/1 .\r(2) روى النسائي عن عائشة: سئل النبي صلّى الله عليه وسلم عن جلود الميتة، فقال: دباغها ذكاتها. وللدارقطني عنها عن النبي صلّى الله عليه وسلم قال: « طُهور كل أديم دباغه. قال الدارقطني: إسناده كلهم ثقات ( نيل الأوطار: 63/1 ) وأخرجه أيضاً ابن حبان والطبراني والبيهقي.","part":1,"page":216},{"id":218,"text":"ألحق الذكاة بالدباغ، وبما أن الجلد يطهر بالدباغ، فيطهر بالذكاة، لأن الذكاة كالدباغ في إزالة الدماء السائلة والرطوبات النجسة، فتفيد الذكاة الطهارة كالدبغ، إلا في الآدمي والخنزير. وأما فعل المجوسي فليس بذكاة شرعية، لعدم أهلية الذكاة، فلا يفيد الطهارة، فتعين تطهيره بالدباغ، وكل شيء لا يسري فيه الدم لا ينجس بالموت كالشعر والريش المجزوز والقرن والحافر والعظم ما لم يكن به دسم. والعصب نجس في الصحيح. ونافجة المسك طاهرة كالمسك.\rوأما الحيوان المأكول اللحم، فيطهر بالذبح جميع أجزائه إلا الدم المسفوح، باتفاق المذاهب.\rوقال المالكية في المشهور (1) : إذا ذبح ما لا يؤكل كالسباع وغيرها، يطهر لحمه وشحمه وجلده، إلا الآدمي والخنزير، أما الآدمي فلحرمته وكرامته، وأما الخنزير فلنجاسة عينه ( ذاته). لكن قال الصاوي والدردير: مشهور المذهب: لا تعمل الذكاة في محرم الأكل من حمير وبغال وخيل، وكلب وخنزير، أما سباع الوحوش وسباع الطير فتطهر بالذبح.\rوقال الشافعية والحنابلة (2) : لا تؤثر الذكاة في شيء من الحيوان غير المأكول؛ لأن أثر الذكاة في إباحة اللحم هو الأصل، والجلد تبع للحم، فإن لم تعمل الذكاة في اللحم، لم تعمل فيما سواه، كذبح المجوسي، أو الذبح غير المشروع، ولا يقاس الذبح على الدباغ، لكون الدبغ مزيلاً للخبث والرطوبات كلها، مطيباً للجلد على وجه يتهيأ به للبقاء على وجه لا يتغير، والذكاة لا يحصل بها ذلك، فلا يستغنى بها عن الذبح. وهذا الرأي هو الأرجح لدي؛ لأن القياس (قياس الذكاة على الدباغ) في التعبديات أمر غير مقبول.\r-------------------------------\r(1) بداية المجتهد: 427/1، القوانين الفقهية: ص 181، حاشية الصاوي على الشرح الصغير: 45/1.\r(2) مغني المحتاج: 58/1، المغني: 71/1، غاية المنتهى: 14/1.","part":1,"page":217},{"id":219,"text":"14 ً - النار تطهر في مواضع: هي إذا استحالت بها النجاسة، أو زال أثرها بها ، كحرق الفخار الجديد، وتحول الروث إلى رماد، وإحراق موضع الدم من رأس الشاة. ومثلها الغلي بالنار كغلي الدهن أو اللحم ثلاثاً. قال ابن عابدين: «ولا تظن أن كل ما دخلته النار يطهر، كما بلغني عن بعض الناس أنه توهم ذلك، بل المراد أن ما استحالت به النجاسة بالنار، أو زال أثرها بها يطهر» وبه يظهر أن حرق النجاسة بالنار مطهر.\rوالنار غير مطهرة عند غير الحنفية كما بينا في بحث الاستحالة، فرماد النجس ودخانه نجسان. إلا أن المالكية استثنوا على المشهور رماد النجس فإنه يطهر بالنار، وكذا دخان النجس والوقود المتنجس، إنه يطهر بالنار.\r15 ً - نزح البئر المتنجسة أو غوران ماء البئر قدر ما يجب نزحه منها: مطهر لها كالنزح.\rوالنزح: هو نزح ما وجب من الدلاء، أو نزح جميع الماء بعد استخراج الواقع في البئر من الآدمي أو غيره من الحيوان، وهو مطهر للبئر. وإذا وجب نزح جميع الماء من البئر فينبغي سد جميع منابع الماء إن أمكن، ثم ينزح ما فيها من الماء النجس. وإن لم يمكن سد منابعه لغلبة الماء، فتنزح المقادير التالية (1) :\rأ ـ إن كان الواقع حيواناً: فإن كان نجس العين كالخنزير، يجب نزح جميع الماء. والصحيح عند الحنفية: أن الكلب ليس بنجس العين.\r-------------------------------\r(1) تحفة الفقهاء: 101/1 ومابعدها، ط دار الفكر بدمشق، بتخريج وتحقيق أحاديثها للمؤلف مع الأستاذ المنتصر الكتاني.","part":1,"page":218},{"id":220,"text":"وأما إذا لم يكن نجس العين: فإن كان آدمياً فلا ينجس البئر، وأما سائر الحيوان: فإن كان لا يؤكل لحمه كسباع الوحش والطيور، فالصحيح أنه يوجب التنجيس. وأما الحمار والبغل فالصحيح أنه يجعل الماء مشكوكاً فيه.\rب ـ وإن كان حيواناً يؤكل لحمه، فيتنجس الماء إن خرج ميتاً. وينزح ماء البئر كله إن كان منتفخاً أو متفسخاً.\rوإن لم يكن منتفخاً ولا متفسخاً فهو في ظاهر الرواية على مراتب ثلاث:\rفي الفأرة ونحوها: ينزح عشرون دلواً أو ثلاثون بحسب كبر الدلو وصغره.\rوفي الدجاجة ونحوها: ينزح أربعون أو خمسون.\rوفي الآدمي ونحوه: ينزح ماء البئر كله. وذلك إذا كان على الآدمي نجاسة بيقين، حقيقية أو حكمية، أو نوى الغسل أو الوضوء. ودليلهم على ذلك فعل الصحابة رضي الله عنهم، ولم يصح فيه حديث نبوي.\r16 ً - دخول الماء من جانب وخروجه من الجانب الآخر في حوض صغير مثلما كان فيه ثلاث مرات، فيصير ذلك بمنزلة غسله ثلاثاً: هو وسيلة لتطهير حوض الحمام أو الأواني إذا تنجس، لأنه بزوال أثر النجاسة يصير الماء جارياً، ولم يتيقن من بقاء النجس فيه. وعلى هذا إذا تنجس ماء في قناة أو في وعاء، فيطهر بصب ماء طاهر عليه من ناحية منه، حتى يسيل من جوانبه ويخرج من الناحية الأخرى.\r17 ً - الحفر (أي قلب الأرض بجعل الأعلى أسفل): يطهرها.\r18 ً - غسل طرف الثوب أو البدن: يجزئ عن غسله كله إذا نسي المرء محل النجاسة، وإن وقع الغسل بغير تحر، وهو المختار عند الحنفية. مذاهب غير الحنفية في المطهرات :\rعرفنا - في ثنايا بحث أنواع المطهرات عند الحنفية - آراء المذاهب الأخرى، وأفردها هنا إجمالاً ببيان مستقل.\rمذهب المالكية: المطهرات عند المالكية هي ما يأتي (1) :\r-------------------------------\r(1) القوانين الفقهية: ص 34- 35، الشرح الصغير: 46/1، 78،82 ومابعدها، بداية المجتهد: 82/1 ومابعدها، الشرح الكبير: 56/1.","part":1,"page":219},{"id":221,"text":"1 - الغسل بالماء الطهور المطلق لكل ما لا يجزئ فيه المسح أو النضح. ولايكفي إمرار الماء بل ولا بد من إزالة عين النجاسة وأثرها، ولا يجوز إزالة النجاسة بمائع غير الماء.\r2 - المسح بخرقة مبللة لما يفسد بالغسل، كالسيف والنعل والخف.\r3 - النضح للثوب أو الحصير إذا شك في نجاسته، ينضح بلا نية كالغسل: وهو رش باليد أو غيرها كفم أو تلقي مطر رشة واحدة، على المحل المشكوك بنجاسته بالماء المطلق. ففي حالة الشك بإصابة مكان بالنجاسة، يجب نضحه لاغسله، فإن غسل كان أحوط. ولا يجزئ رش البدن المشكوك في نجاسته، وإنما يجب غسله كمحقق الإصابة بالنجاسة.\r4 - التراب الطاهر: طهارة حكمية في حالة التيمم.\r5 - الدلك: لما أصاب الخف والنعل من أرواث الدواب وأبوالها في الطرق والأماكن التي تطرقها الدواب كثيراً لعسر الاحتراز من ذلك، بخلاف غير الدواب كالآدمي والكلب والهر ونحوها، فلا يعفى عما أصاب الثوب أو البدن من فضلاتها، وبخلاف ما أصاب غير الخف والنعل كالثوب والبدن فلا عفو عنه.\r6 - تكرار المشي أو المرور: يطهر ثوب المرأة الطويل الذي تجره على الأرض المتنجسة اليابسة، فيتعلق به الغبار، بشرط أن تكون إطالته للستر لا للخيلاء، واختلف في النجاسة الرطبة. والتطهير يحصل إذا كانت غير لابسة للخف، فإن كانت لابسة للخف فلا عفو.\rومثلها: من مشى برجل مبلولة على نجاسة يابسة: يطهره ما بعده، ويصلي كل منهما على وضعه، ولا يجب عليهما الغسل.\rويعفى عن طين المطر،ما لم تكن النجاسة غالبة، أو عينها قائمة.\r7 - التقوير: يطهر الجامدات، كأن وقعت فأرة في سمن جامد، طرحت هي وما حولها خاصة، قال سحنون: إلا أن يطول مقامها فيه.","part":1,"page":220},{"id":222,"text":"فإن وقعت الفأرة في سمن ذائب، فماتت فيه، طرح جميعه. وعلى هذا، إذا وقعت نجاسة في مائع غير الماء، تنجس، سواء تغير أو لم يتغير.\r8 - النزح: إذا وقعت دابة نجسة في بئر، وغيرت الماء، وجب نزح جميعه، فإن لم تغيره، استحب أن يُنزح منه بقدر الدابة والماء، أي ينزح كله بالإضافة إلى نزح مقدار الدابة.\r9 - غسل مكان النجاسة: إذا مُيِّز موضع النجاسة من الثوب والبدن، غسل وحده، وإن لم يميز غسل الجميع.\r10 - الاستحالة: تطهر الخمر إذا تخللت بنفسها أو خللت، ولا يطهر جلد الميتة بالدبغ، والمعتمد أن رماد النجس ودخانه طاهر.\r11- الذكاة الشرعية تطهر غير المأكول اللحم، إلا الآدمي والخنزير، وعلى رأي الدردير: مشهور المذهب أن الذكاة لا تطهر محرم الأكل كالخيل والبغال والحمير والكلب والخنزير. وإذا صلى الإنسان، وبعد الانتهاء من صلاته، رأى على ثوبه أو بدنه نجاسة لم يكن عالماً بها، أو كان يعلمها ونسيها، صحت صلاته عند المالكية الذين لايوجبون إزالة النجاسة إلا عند التذكر والقدرة والتمكن.\rوالمطهر للمائع والجامد وغيرهما عند الشافعية أربعة هي (1) :\r1 - ماء مطلق: وهو ما يقع عليه اسم ماء، بلا قيد إضافي كماء ورد، أو قيد وصفي كماء دافق، وهو أنواع: ما نزل من السماء وهو ثلاثة: المطر، وذوب الثلج والبرد، وما نبع من الأرض وهو أربعة: ماء العيون والآبار والأنهار والبحار، ويتعين الماء لإزالة خبث ورفع حدث وغيرهما كتجديد الوضوء.\r-------------------------------\r(1) تحفة الطلاب للشيخ زكريا الأنصاري: ص 4، المجموع: 188/1، مغني المحتاج: 17/1 ومابعدها، 84 ومابعدها.....","part":1,"page":221},{"id":223,"text":"وينضح بول أو قيء صبي لم يَطْعم (يتناول) قبل مضي حولين غير لبن التغذي، للأحاديث الصحيحة في ذلك، منها: «يغسل من بول الجارية، ويرش من بول الغلام» (1) وقد أخذ بهذه التفرقة الشافعية والحنابلة، ولم يفرق المالكية بين الذكر والأنثى وقالوا: النضح: طهارة ما شك فيه أي الثوب المشكوك فيه فقط، وأوجبوا كالحنفية الغسل في الحالين قياساً للأنثى على الذكر (2) ، وإني أميل إلى رأي الشافعية والحنابلة للتصريح بالتفرقة، والحكمة فيه: أن بول الغلام يخرج بقوة، فينتشر، أو أنه يكثر حمله على الأيدي، فتعظم المشقة بغسله، أو أن مزاجه حار، فبوله رقيق، بخلاف الأنثى.\r2 - وتراب مطهر لم يستعمل في فرض، ولم يختلط بشيء، لقوله تعالى: {فتيمموا صعيداً طيباً} [المائدة:6/5]، أي تراباً طاهراً.\r3 - ودابغ: وهو ما ينزع فضلات الجلد وعفونته، بحيث لو نقع في الماء بعد اندباغه، لم يعد إليه النتن والفساد، كقَرَظ وشَبّ، ولو كان الدابغ نجساً، كذرق طير.\r4 - وتخلل: هو انقلاب الخمر خلاً، بلا مصاحبة عين تقع فيها، وإن نقلت من شمس إلى ظل، أو عكسه، فإن صحب تخللها عين وإن لم تؤثر فيها، أو وقع فيها عين نجسة وإن نزعت قبل التخلل، لم يكن ذلك مطهراً.\rوالطهارات الحاصلة بالمطهرات الأربعة أربع:\rوضوء، وغسل، وتيمم، وإزالة نجس، وهذا الأخير يشمل الإحالة.\r-------------------------------\r(1) رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه عن أبي السَّمْح، وروى الجماعة عن أم قيس بنت مِحْصَن: أن النبي صلّى الله عليه وسلم نضح بول صبي، وروى ابن ماجه عن أم كُرْز: أن النبي صلّى الله عليه وسلم قال: « بول الغلام ينضح، وبول الجارية يغسل » ( نيل الأوطار: 45/1 ).\r(2) بداية المجتهد: 82/1، نيل الأوطار: 47/1، كشاف القناع: 217/1 ومابعدها، ط مكة...","part":1,"page":222},{"id":224,"text":"ولا يطهر المتنجس الصقيل كسيف ونحوه بالمسح بل لا بد من غسله، كما لايطهر النعل بالدلك دون الغسل، ويطهر الماء بالمكاثرة ولو لم يبلغ قلتين، وتطهر الأرض المتنجسة بمكاثرة الماء عليها.\rوالمطهرات عند الحنابلة (1) : كالشافعية غالباً إلا في الدباغ، فإنه غير مطهر عندهم، وهي الماء، والتراب ومثله الاستنجاء بالأحجار، والتخلل.\rفتطهر الأرض المتنجسة بمكاثرة الماء عليها أي صب الماء على النجاسة بحيث يغمرها من غير اعتبار عدد، ولم يبق للنجاسة عين، ولا أثر من لون أو ريح،إن لم يعجز عن إزالتهما أو إزالة أحدهما.\rولا تطهر الأرض المتنجسة بشمس ولا ريح، ولا جفاف؛ لأنه صلّى الله عليه وسلم أمر بغسل بول الأعرابي، ولو كان ذلك يطهر لاكتفى به.\rولا تطهر نجاسة باستحالة، فلو أحرق السرجين النجس، فصار رماداً أو وقع كلب في ملاحة، فصار ملحاً، لم تطهر، لأنه صلّى الله عليه وسلم «نهى عن أكل الجلاَّلة وألبانها» (2) لأكلها النجاسة، ولو طهرت بالاستحالة لم ينه عنه.\rولا تطهر النجاسة بنار، فالرماد من روث نجس، والصابون المعمول من زيت نجس، ودخان نجاسة وغبارها: نجس، وما تصاعد من بخار ماء نجس إلى جسم صقيل أو غيره: نجس، وتراب جبل بروث حمار أو بغل ونحوه مما لا يؤكل لحمه: نجس، ولو احترق كالخزف. وكذا لو وقع كلب في ملاحة، فصار ملحاً، أو في صبَّانة، فصار صابوناً: نجس (3) .\rويستثنى من مبدأ عدم التطهير بالاستحالة: ما يخلق منه الآدمي، والخمرة التي انقلبت خلاً بنفسها، أو بنقلها من موضع إلى آخر لغير قصد التخليل، ويحرم تخليلها، فإن خللت، ولو بنقلها بقصد التخليل لم تطهر، لحديث مسلم عن أنس قال: «سئل النبي صلّى الله عليه وسلم عن الخمر تتخذ خلا ً؟ قال: لا» ودَنُّ الخمر (أي وعاؤها) مثلها، يطهر بطهارتها تبعاً لها......\r-------------------------------\r(1) كشاف القناع: 22/1، 213- 218، المغني: 35/1 - 39، 98/2.\r(2) رواه أحمد وأبو داود والترمذي عن ابن عمر، وقال: حسن غريب.\r(3) حقق ابن تيمية رحمه الله في فتاويه أن استحالة النجاسة يذهب بخبثها وعينها، فلا يبقى حكم النجاسة لها، وتكون طاهرة.","part":1,"page":223},{"id":225,"text":"ولا يطهر دهن تنجس بغسله؛ لأنه لا يتحقق وصول الماء إلى جميع أجزائه.كما لا يطهر باطن حَبّ ( وعاء فخاري ) تشرب النجاسة، ولا عجين تنجس، لأنه لا يمكن غسله،ولا يطهر لحم تنجس، ولا إناء تشرَّب نجاسة ولا سكين سقيت ماء نجساً.\rويطهر السمن الجامد ونحوه بإلقاء النجاسة وما حولها، وأما المائع فلا يطهر إن ظلت النجاسة فيه، كأن ماتت الفأرة فيه، فإن خرجت حية، فهو طاهر.\rويلزم غسل ما وقعت فيه النجاسة، حتى يتيقن من إزالتها، فإن خفي موضع نجاسة في بدن أو ثوب أو مكان صغير،كبيت صغير، فيلزم غسله، ولا يكفي الظن، لأن الطاهر اشتبه بالنجس، فوجب اجتناب الجميع، حتى يتيقن الطهارة بالغسل، لأن النجاسة متيقنة، فلا تزول إلا بيقين الطهارة.\rأما خفاء موضع النجاسة في مكان كبير كصحراء واسعة ودار واسعة، فلايضر، منعاً من الوقوع في الحرج والمشقة.\rويجزئ نضح بول أو قيء الغلام الذي لم يأكل الطعام لشهوة، وإن كان نجساً كبول الكبير، ولا بد من غسل بول الأنثى والخنثى.\rولا يطهر النعل بالدلك، بل يجب غسله، كمايجب غسل ذيل ثوب امرأة تنجس بمشي أو غيره، كغسل الثوب والبدن، لكن يعفى عن يسير النجاسة على أسفل الخف والحذاء بعد الدلك، عملاً بحديث أبي هريرة أن النبي صلّى الله عليه وسلم قال: «إذا وطئ الأذى بخفيه، فطهورهما التراب» (1) .\rولا تطهر الأرض النجسة بشمس ولا ريح ولا جفاف، عملاً بالحديث السابق «أهريقوا على بوله سَجْلاً من ماء» .\rوالخلاصة: أن الشافعية والحنابلة نظروا في المطهرات إلى أكمل ما يحصل به مراد الشارع.\r-------------------------------\r(1) رواه أحمد وأبو داود من رواية محمد بن عجلان، وهو ثقة، وصح في حديث أم سلمة السابق: أن المرور على طريق جاف مطهر. لكن لم يقيد الحديث بنجاسة قليلة ولاكثيرة.","part":1,"page":224},{"id":226,"text":"وتوسع الحنفية في شأن المطهرات، وقاربهم فيها أحياناً المالكية. والواقع العملي وحاجة الناس وأعرافهم كل ذلك يؤيد العمل بمذهب الحنفية. وبناء عليه لاتطهر الأرض وحبل الغسيل المتنجس عند الجمهور بجفاف الشمس والريح، وتطهر بذلك عند الحنفية.\rوتطهير الموكيت أو المقاعد المفروشة يكون بصب الماء على مكان النجاسة. ويطهر النعل المتنجس والخف بالدلك بالأرض عند القائلين به كالحنفية والمالكية، لما رواه أبو داود عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم قال: «إذا وطئ أحدكم بنعله الأذى، فإن التراب له طهوره» . وتطهر المرآة والسكين والسيف والزجاج وكل شيء أملس صقيل بالمسح الذي يزول به أثر النجاسة، عملاً بفعل الصحابة في مسح سيوفهم من الدماء.\rويطهر الغسيل في الغسَّالة الآلية بغمره الماء، فإن هذه الغسَّالات يتكرر فيها صب الماء، ويعصر بها الثوب بسرعة الدوران. ولا يحكم بنجاسة ثوب أو مكان إلا برؤية عين النجاسة، فلو سقط ماء أو غيره على إنسان أو أصيب ثوبه بشيء رطب ليلاً، يحكم بطهارته ولا يسأل عن نجاسته، ولا يحكم بالنجاسة إلا بغلبة الظن.","part":1,"page":225},{"id":227,"text":"المبحث الرابع ـ أنواع المياه:\rالمياه أنواع ثلاثة: طهور، وطاهر غير مطهر، ومتنجس:\rالنوع الأول ـ الماء الطهور أو المطلق:\rهو الطاهر في نفسه المطهر لغيره، وهو كل ماء نزل من السماء، أو نبع من الأرض، ما دام باقياً على أصل الخِلْقة، فلم يتغير أحد أوصافه الثلاثة وهي (اللون والطعم والرائحة) أو تغير بشيء لم يسلب طهوريته كتراب طاهر أو ملح أو نبات مائي، ولم يكن مستعملاً، مثل ماء المطر والأودية (1) والعيون والينابيع والآبار والأنهار والبحار، وماء الثلج والبرد، ونحوها من كل ماء عذب أو مِلْح، ويشمل الماء الذي ينعقد على صورة حيوان، أو ينعقد ملحاً، أو يرشح ويتبخر بخار ماء؛ لأنه ماء حقيقة.\rإلا أن الحنفية قالوا: الماء الذي ينعقد فيه الملح طهور قبل الانعقاد، أما بعد الانعقاد والذوبان، فإنه يكون طاهراً غير طهور فلا يرفع الحدث، ويزيل الخبث.\rهذا الماء المطلق طاهر مطهر إجماعاً، يزال به النجس، ويستخدم للوضوء والغسل، لقوله تعالى: {وأنزلنا من السماء ماء طهوراً} [الفرقان:48/25]، {وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به} [الأنفال:11/8]، ولقوله صلّى الله عليه وسلم عن ماء البحر: «هو الطهور ماؤه، الحل ميتته» (2) وقوله عليه السلام: «إن الماء طهور، لا ينجسه شيء إلا ما غلب على ريحه وطعمه ولونه» (3) .\rوبحث الماء الطهور يستتبع معرفة الأمرين التاليين:\rأ ـ التغير غير المؤثر في الطهورية:\rاتفق الفقهاء على أن كل ما يغير الماء مما لا ينفك عنه غالباً: أنه لا يسلبه صفة الطهارة والتطهير، فلا يضر تغير أوصاف الماء كلها أو بعضها بطول المكث (البقاء\r-------------------------------\r(1) الأودية جمع واد: وهو كل منفرج بين جبال أو آكام يجتمع فيه السيل.\r(2) رواه سبعة من الصحابة وهم: أبو هريرة، وجابر بن عبد الله، وعلي بن أبي طالب، وأنس بن مالك، وعبد الله بن عمرو، والفراسي، وأبوبكر الصديق. وحديث أبي هريرة رواه أصحاب السنن الأربعة، وهو وإن ذكرت فيه علل، تأيد بالروايات الأخرى ( نصب الراية: 95/1).\r(3) رواه ابن ماجه عن أبي أمامة، وهو حديث ضعيف السند ( نصب الراية: 94/1 ) لكن حسنه الترمذي، وله إسناد صحيح ذكره ابن القطان، وقال عنه الإمام أحمد: هو حديث صحيح.","part":1,"page":226},{"id":228,"text":"في المكان مدة طويلة) لتعذر الاحتراز عنه، ولا بتراب طهور، وطُحلُب (خضرة تعلو على وجه الماء)، وما في مقره وممره، ولا بمخالط مجاور (وهو ما يمكن فصله) كعود ودُهن ولو مطيبين ومنه البَخور ولا بجيفة ملقاة على الشاطئ تغير الماء بريحها، ولابدابغ إنائه كقطران وقَرَظ، ولا ببعض المعادن كملح ماء وكبريت، ولا بما يعسر الاحتراز عنه كالتبن وورق الشجر. وللفقهاء تفصيلات وإيراد قيود هي:\rقال الحنفية (1) : تجوز الطهارة بماء خالطه شيء جامد طاهر، ما لم يكن التغير عن طبخ، فغير أحد أوصافه أو أوصافه كلها، كماء السيل الذي يختلط بالتراب والأوراق والأشجار، وبقيت رقته غالبة، فإن صار الطين غالباً لا تجوز الطهارة به. وكالماء الذي اختلط به اللبَن أو الزعفران أوالصابون أو الأشنان ما دام باقياً على رقته وسيلانه، لأن اسم الماء باق فيه، ولا يمكن الاحتراز عن هذه الأشياء المخالطة له، فلو خرج الماء عن طبعه أو حدث له اسم جديد، كأن صار ماء الصابون ثخيناً، أو صار ماء الزعفران صِبْغاً، لا تجوز به الطهارة.\rوقال المالكية (2) : لا يضر ما تغير بطول مُكْثه، أو بما يجري عليه، أو بما متولد منه كالطحلب والدود والسمك الحي، أو بما لا ينفك عنه غالباً، أو بالمجاورة، ولا يؤثر تغيره بالتراب المطروح، على المشهور، وبما طرح فيه من الملح ونحوه من أجزاء الأرض كالنحاس والكبريت والحديد، ولو قصداً، ولا بدابغ طاهر كقَطِران، أو بما يعسر الاحتراز منه كتبن أو ورق شجر يتساقط في الآبار والبِرك من الريح، فإذا دبغت الجلود المعدة لحمل الماء كالقِرب والدلاء التي يستقى بها، يجوز الانتفاع بمائها، وإن تغير بأثر الدابغ الطاهر كالقَرَظ والقطران والشب،\r-------------------------------\r(1) فتح القدير: 48/1، اللباب شرح الكتاب: 26/1. مراقي الفلاح: ص3.\r(2) الشرح الصغير:30/1-36، القوانين الفقهية: ص30، بداية المجتهد: 22/1، الشرح الكبير: 35/1 -39.","part":1,"page":227},{"id":229,"text":"ولا يضر التغير بالمجاور؛ لأن الماء يتكيف بكيفية المجاور، ومن المجاور: جيفة مطروحة خارج الماء، فتغير ريح الماء منها.\rولا يضر التغير الخفيف بآلة سقي من حَبْل أو وعاء، أو بأثر بخور دهن به الإناء من غير دبغ به، أو رمي في الماء، فرسب في قراره، فتغير الماء به، لأن العرب كانت تستعمل القطران كثيراً عند الاستقاء وغيره، فصار كالتغير بالمقَرّ.\rكما لا يضر التغير بالشك في جنس المغير، هل هو من جنس ما يضر كالعسل والدم، أو من جنس ما لا يضر كالكبريت وطول المكث، ويجوز التطهر به. وكذا لايضر المشكوك في تغيره بالريق، كما إذا جعل الماء في الفم، وحصل شك فيه، هل تغير بالريق أو لا، فإنه يجوز التطهير به.\rويضر التغير لأحد أوصاف الماء بالشيء المفارق غالباً: وهو ما شأنه مفارقة الماء غالباً وكان طاهراً، كلبن وسمن وعسل وحشيش، فإذا امتزج به، أو لاصقه، كالرياحين المطروحة على سطح الماء، والدهن الملاصق له، وتغير أحد أوصاف الماء لوناً أو طعماً أو ريحاً، لم يجز التطهر به، ويصبح الماء طاهراً بنفسه، غير مطهر لغيره.\rوالخلاصة: إن خالط الماء شيء طاهر، ولم يغير لونه أو طعمه أو ريحه، فهو ماء مطلق طهور، وإن غير أحد هذه الأوصاف الثلاثة فهو طاهر عند المالكية والشافعية والحنابلة، غير مطهر، وعند الحنفية: طاهر مطهر، ما لم يطبخ أو يغلب على أجزائه.","part":1,"page":228},{"id":230,"text":"والمالكية يلحقون بالتراب: كل أجزاء الأرض كالكبريت والحديد والنحاس فإنها لا تسلب طهورية الماء، إذا غيرت أحد أوصافه، ولو طرحت فيه قصداً. وقال الشافعية (1) : لا يضر تغير يسير بطاهر لا يمنع إطلاق اسم الماء عليه، ولو كان مشكوكاً في أن تغيره كثير أو يسير، لتعذر صون الماء عنه. ولا يضر متغير بمُكْث وإن فحش التغير، وطين وطُحْلُب (شيء أخضر يعلو الماء من طول المكث)؛ وما في مقره وممره، ككبريت وزرنيخ ونُورة (كلس)، لتعذر صون الماء عن ذلك؛ ولا يضر تغير بملح ماء، لا بملح جبلي، فيضر التغير به ما لم يكن بمقر الماء أو ممره؛ ولا تمنع الطهارة بملح انعقد من الماء، لأنه كان ماء في الأصل، فهو كالثلج إذا ذاب فيه.\rولا يضر تغير بورق شجر تناثر وتفتت واختلط بالماء، لتعذر صون الماء عنه؛ ولا يضر متغير بمجاور طاهر كعود ودهن، ولو مطيبين، وكافور صلب، أو بتراب ولو مستعملاً طرح فيه في الأظهر، لأن تغيره بغير التراب تروّح، وبالتراب كدورة لا تمنع اسم الماء عليه.\rومذهب الحنابلة (2) كالشافعية في عدم تأثر الماء بالمغير بطول مكث (وهو الماء الآجن الذي تغير بطول إقامته في مقره) (3) أو بالمقر والممر، أو بالمجاور، أو بريح ميتة إلى جانبه؛ لأن ذلك يشق الاحتراز عنه أو بملح مائي: وهو الماء الذي يرسل على الأرض السباخ، فيصير ملحاً؛ لأن المتغير به منعقد من الماء، فأشبه ذوب الثلج.\rوالخلاصة: إن الماء المتغير الذي لا يضر التوضؤ به أربعة أنواع:\r1 - ما أضيف إلى محله ومقره، كماء النهر والبئر وأشباههما.\r-------------------------------\r(1) مغني المحتاج: 19/1، المهذب: 5/1 .\r(2) كشاف القناع: 25/1 ومابعدها، المغني: 13/1.\r(3) لأنه عليه الصلاة والسلام توضأ بماء آجن.","part":1,"page":229},{"id":231,"text":"2 - ما لا يمكن التحرز عنه كالطحلب والخزّ (الشوك الأخضر) وسائر ما ينبت في الماء، وكذا ورق الشجر الذي يسقط في الماء أو تحمله الريح فتلقيه فيه، وما تجذبه السيول من العيدان والتبن ونحوه، فتلقيه في الماء، وما هو في قرار الماء، كالكبريت والزفت وغيرهما إذا جرى عليه الماء فتغير به، أو كان في الأرض التي يقف الماء فيها.\r3 - مايوافق الماء في صفتيه: الطهارة والطهورية، كالتراب إذا غيَّر الماء، لا يمنع الطهورية؛ لأنه طاهر مطهر كالماء، فإن ثخن بحيث لا يجري على الأعضاء، لم تجز الطهارة به، لأنه طين وليس بماء،ولافرق في التراب بين وقوعه في الماء عن قصد أو غير قصد، وكذلك الملح البحري أو المائي، والمعدني، لأن هذا الأخير خليط مستغنى عنه غير منعقد من الماء، فهو كالزعفران وغيره.\r4 - ما يتغير به الماء بمجاورته من غير مخالطة، كالدهن بأنواعه، ومثله القطران والزفت والشمع، والطاهرات الصلبة، كالعود والكافور والعنبر، إذا لم يتلف في الماء، ولم يمع فيه، أنه تغيير مجاورة، فأشبه ما لو تروح الماء بريح شيء في جانبه، ولا خلاف في هذا.\rولا خلاف بين العلماء في جواز التوضؤ بما خالطه طاهر لم يغيره، فإذا سقط شيء من الباقلا والحمص والورد والزعفران وغيره في ماء، وكان يسيراً، فلم يوجد له طعم ولا لون ولا رائحة كثيرة، جاز الوضوء به، لأنه « صلّى الله عليه وسلم اغتسل وزوجته من جفنة فيها أثر العجين» .\rب ـ الماء الطهور المكروه الاستعمال تنزيهاً عند الحنفية:","part":1,"page":230},{"id":232,"text":"هناك ماء طاهر مطهر مكروه استعماله تنزيهاً حال وجود غيره على الأصح عند الحنفية (1) : وهو الماء القليل الذي شرب منه حيوان مثل الهرة الأهلية، لا الوحشية إذ سؤرها (2) نجس، ومثل الدجاجة المخلاة (المتروكة تأكل القاذورات) وسباع الطير، والحية والفأرة؛ لأنها لا تتحامى عن النجاسة. وهذا عمل بمقتضى الاستحسان، تيسيراً على الناس بسبب مخالطة الناس للهرة، وتطوافها بهم، وللضرورة في سباع الطير لعدم إمكان التحرز عنها، وقد قرر النبي صلّى الله عليه وسلم طهارة سؤر الهرة، فقال: «إنها ليست بنجَس، إنها من الطوافين عليكم، والطوافات» (3) ، وعن عائشة عن النبي صلّى الله عليه وسلم «أنه كان يُصغي إلى الهرة الإناء حتى تشرب، ثم يتوضأ بفضلها» (4) .\rوتزول الكراهة إذا لم يوجد غير هذا الماء. وقال الشافعية بطهارة فم الهرة وطهارة سؤرها.\rالنوع الثاني ـ الماء الطاهر غير الطهور:\rوحكمه عند الحنفية أنه يزيل الخبث، أي النجاسة عن الثوب والبدن، ولايزيل الحدث، فلا يصح الوضوء والغسل به، وهو ثلاثة أنواع:\rأحدها ـ الماء الذي خالطه طاهر غير أحد أوصافه الثلاثة وسلب طهوريته: وسالب الطهورية عند الحنفية هو غلبة غير الماء عليه إما في مخالطة الجامدات وإما في المائعات (5) .\rوالغلبة في الجامدات تكون بإخراج الماء عن رقته وسيلانه، أو\r-------------------------------\r(1) مراقي الفلاح: ص 3.\r(2) السؤر: الباقي من الماء في الإناء بعد شرب حيوان منه.\r(3) رواه الخمسة عن كبشة بنت كلب بن مالك، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح، وأخرجه أيضاً البيهقي، وصححه البخاري والعقيلي وابن خزيمة وابن حبان والحاكم والدارقطني ( نيل الأوطار: 25/1).\r(4) رواه الدارقطني ( المصدر والمكان السابق) وأصغى الإناء للهرة: أماله.\r(5) مراقي الفلاح: ص3 - 4، فتح القدير: 48/1 ومابعدها.","part":1,"page":231},{"id":233,"text":"التي تزيل طبع الماء (وهو الرقة والسيلان والإرواء والإنبات) بالطبخ بنحو حِمّص وعدس، ولم يقصد به التنظيف كالصابون والأشنان؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلم اغتسل بماء فيه أثر العجين، وكان يغتسل وهو جنب ويغسل رأسه بالخِطْمي (ورق يدق ويغسل به الرأس)، وأمر النبي بغسل الذي وقَصَتْه (كسرته) ناقته، وهو مُحْرِم بماء وسِدْر (شجر النبق)، وأمر قيس بن عاصم حين أسلم أن يغتسل بماء وسدر (1) .\rوالغلبة في المائع الذي لا وصف له كالماء المستعمل، وماء الورد المنقطع الرائحة: تكون إما بزيادة الوزن كأن اختلط رطلان من الماء المستعمل برطل من الماء المطلق أو بظهور وصفين من مائع له أوصاف ثلاثة، كالخل له لون وطعم وريح، فأي وصفين ظهرا منعا صحة الوضوء، ولا يضر ظهور وصف واحد لقلته، أو بظهور وصف واحد من مائع له وصفان فقط، كاللبن له اللون والطعم، ولا رائحة له.\rالماء المشكوك في طهوريته عند الحنفية: وهو ما شرب منه حمار أو بغل. وهو عند الحنفية طاهر في نفسه، مشكوك في إمكان إزالة الحدث به، فمن لم يجد غيره توضأ به وتيمم، بسبب تعارض الأدلة في إباحته وحرمته أو اختلاف الصحابة رضي الله عنهم في نجاسته وطهارته (2) .\rوقال المالكية (3) : إن سالب الطهورية الذي يترتب عليه أنه لا يرفع الحدث ولا يزيل الخبث: هو كل طاهر يخالط الماء مما يفارقه غالباً، ويغير أحد أوصافه\r-------------------------------\r(1) نصب الراية:104/1، نيل الأوطار: 239/1، والحديث الأول رواه النسائي وابن ماجه والأثرم، والحديث الثاني رواه أحمد عن عائشة.\r(2) فتح القدير والهداية: 78/1.\r(3) الشرح الكبير: 37/1 ومابعدها، الشرح الصغير:31/1، القوانين الفقهية: ص 30 ومابعدها، بداية المجتهد: 26/1.","part":1,"page":232},{"id":234,"text":"(لونه أو طعمه أو ريحه)، ولم يكن من أجزاء الأرض، ولا دابغاً لإنائه، ولا ما يعسر الاحتراز عنه. مثال ذلك الطاهر المفارق للماء غالباً الصابون وماء الورد والزعفران واللبن والعسل والزبيب المنبوذ في الماء، والليمون وروث الماشية ودخان شيء محروق، والحشيش، أو ورق الشجر أو التبن الواقع في بئر يسهل تغطيتها، والقطران الراسب في الماء لغير دباغ للوعاء والطحلب المطبوخ في الماء، والسمك الميت. فهذه الأمثلة إن غيرت أحد أوصاف الماء، جعلته طاهراً غير طهور. ومثلها المتغير الفاحش بآلة السقي، أو بإنائه، إذا كانا من غير أجزاء الأرض كإناء من جلد أو خشب، وحبل من كَتَّان أو ليف. فإن كان التغير يسيراً، أو استعمال القطران للدباغ، فلا يسلب الطهورية، ولا يضر.\rوقال الشافعية (1) : الذي يسلب طهورية الماء، فيجعله غير صالح لرفع الحدث ولا لإزالة النجس به: هو كل مخالط طاهر يستغني الماء عنه، إذا غير أحد أوصافه (لونه أو طعمه أو ريحه) تغيراً كثيراً يمنع إطلاق اسم الماء عليه، ولم يكن المغير تراباً ولا ملحاً مائياً ولو طرحا قصداً. وذلك مثل الزعفران وماء الشجر والمني والملح الجبلي والتمر والدقيق والطحلب المطروح في الماء، والمنقوع في الماء من كتان أو عرق سوس، والقطران لغير دباغ، والماء المخلوط بنحو سدر أو صابون، فلا يصح الوضوء به كماء اللحم وماء الباقلا.\rوسواء أكان التغير حسياً أم تقريرياً، فلو وقع في الماء مائع يوافقه في الصفات، كماء الورد المنقطع الرائحة، فلم يتغير، فلو قدرنا أن ماء الورد الواقع حل محله مخالف وسط، كلون العصير، وطعم الرمان، وريح اللاَّذَن (2) ، ثم غيَّره، لم يصر طهوراً.\r-------------------------------\r(1) مغني المحتاج: 18/1، المهذب: 5/1 .\r(2) اللاذن: نوع من العلوك يستعمل عطراً وداوء.","part":1,"page":233},{"id":235,"text":"وقال الحنابلة (1) : يسلب طهورية الماء أنواع منها: المستخرج بالعلاج، كماء ورد وزهر وبطيخ، إذا غلبت أجزاؤه على الماء؛ والطاهر الذي يغير اسم الماء حتى صار صبغاً أو خلاً؛ والطاهر الذي يغير أحد أوصاف الماء تغيراً كثيراً، بأن طبخ فيه كماء الباقلا والحمص، أو لم يطبخ كالزعفران والملح المعدني، أو طرحه فيه آدم عاقل قصداً كطحلب أو ورق شجر ونحوه، ففي كل ذلك لا يعد ماء مطلقاً، فلا يتوضأ به.\rالماء المشتبه فيه: إذا اشتبه الطاهر من الماء أو الثياب بالنجس، تحرى الشخص واجتهد ، كالاجتهاد في القبلة، وصلى بثوب منها، وتوضأ بأحد الماءين بما غلب على ظنه طهارته بعلامة واستعمله؛ لأن التطهر شرط من شروط الصلاة، وحل التناول والاستعمال والتوصل إلى ذلك ممكن بالاجتهاد، فوجب عند الاشتباه إن تعين طريقاً. وإذا أخبره بتنجسه ثقة أو كان فقيهاً اعتمده.\rثانيها ـ الماء المستعمل القليل:\rوالقليل: هو ما نقص عن القُلَّتين بأكثر من رطلين. والقلتان: خمس مئة رطل بغدادي تقريباً (500) وبالمصري (446و7/3) رطلاً (2) وبالشامي (81) رطلاً، والرطل الشامي: (2و2/1) كغ فيكون قدرهما (112،195كغ) وتساوي (10) تنكات (صفايح) وقيل: (15) تنكة أو (270) لتراً، وقدرهما بالمساحة في مكان مربع: ذراع وربع طولاً وعرضاً وعمقاً بالذراع المتوسط. وفي المكان المدور كالبئر: ذراعان عمقاً، وذراع عرضاً. وقال الحنابلة: ذراعان ونصف عمقاً، وذراع طولاً.\r-------------------------------\r(1) المغني: 14/1 ومابعدها، كشاف القناع: 30/1.\r(2) الرطل البغدادي: 128و7/4 درهم، والرطل المصري: 144 درهماً، وسعة الدرهم 3.17 غم.","part":1,"page":234},{"id":236,"text":"والمستعمل عند الحنفية (1) : هو الماء الذي استعمل لرفع حدث (وضوء أو غسل) أو لقربة (ثواب) كالوضوء ـ في مجلس آخر ـ على الوضوء بنية التقرب أو لصلاة الجنازة ودخول المسجد ومس المصحف وقراءة القرآن. ويصير الماء مستعملاً بمجرد انفصاله عن الجسد، والمستعمل: هو الذي اتصل بالأعضاء، لا كل الماء. وحكمه عندهم أنه طاهر بنفسه غير مطهر لغيره من الحدث ويطهر الخبث أي أنه لا يزيل الحدث من وضوء وغسل، ويزيل النجاسة الحقيقية عن الثوب والبدن على الراجح المعتمد.\rوالمستعمل عند المالكية (2) : هو الماء الذي استعمل في رفع حدث (وضوء أو غسل) أو في إزالة خَبَث (عين النجاسة)، سواء أكان الغسل واجباً كغسل الميت، أم غير واجب كالوضوء على الوضوء وغسل الجمعة والعيدين، والغسلة الثانية والثالثة في الوضوء، إذا لم يغيره الاستعمال.\rوالمستعمل في رفع الحدث: هو ما تقاطر من الأعضاء (3) ، أو اتصل بها، أو انفصل عنها وكان المنفصل يسيراً، أو غسلت فيه، فإن اغترف منه وغسلت الأعضاء خارجه فليس بمستعمل. والماء المستعمل: طاهر مطهر، ولا يكره على الأرجح استعماله مرة أخرى في إزالة النجاسة، أو في غسل إناء ونحوه، لكن يكره استعماله في رفع حدث أو اغتسالات مندوبة مع وجود غيره، إذا كان يسيراً. وعلة الكراهة: أن النفوس تعافه.\rوالماء المستعمل عند الشافعية (4) : هو الماء القليل المستعمل في فرض الطهارة\r-------------------------------\r(1) البدائع: 69/1 ومابعدها، الدر المختار ورد المحتار: 182/1 - 186، فتح القدير: 58/1،61\r(2) الشرح الصغير: 37/1-40، الشرح الكبير مع الدسوقي: 41/1-43، القوانين الفقهية: ص 31، بداية المجتهد:26/1 ومابعدها.\r(3) احترز بالماء عن التراب، فلا يكره التيمم عليه مرة أخرى لعدم تعلقه بالأعضاء.\r(4) مغني المحتاج:20/1 ومابعدها، 85، المهذب: 5/1،8.","part":1,"page":235},{"id":237,"text":"عن حدث كالغسلة الأولى فيه، والأصح أن نفل الطهارة كالغسلة الثانية والثالثة طهور في المذهب الجديد. والمراد بفرضية الطهارة ولو صورة كوضوء الصبي، إذ لابد لصحة صلاته من وضوء.\rومن المستعمل: ماء قليل اغترف منه بدون نية الاغتراف عند إرادة غسل اليدين بأن يقصد نقل الماء من إنائه لغسلهما خارجه، فإن نوى الاغتراف بهما فهو طهور.\rومن المستعمل: ماء غسل بدل مسح من رأس أو خف، وماء غسل كافرة لتحل لحليلها المسلم، وماء غسل ميت، وماء غسل مجنونة لتحل لحليلها المسلم، ولا يصبح مستعملاً إلا إذا انفصل عن العضو.\rوالمستعمل الطاهر في إزالة النجاسة (وهو الغسالة) يشترط فيه شروط ثلاثة:\r1 - أن يكون الماء وارداً على محل النجاسة إن كان قليلاً في الأصح لا كثيراً، لئلا يتنجس الماء، لو عكس الأمر، لأن الماء ينجس بمجرد وقوع النجاسة فيه.\r2 - أن ينفصل طاهراً بحيث لم يتغير أحد أوصافه، وقد طهر المحل.\r3 - ألا يزيد وزنه بعد اعتبار ما يأخذه الثوب من الماء ويعطيه من الوسخ الظاهر. فإذا تغير الماء أو زاد وزنه، أو لم يطهر المحل بأن بقي لون النجس وريحه معاً، أو طعمه وحده،ولم يعسر زواله، صار نجساً؛ لدلالة ذلك على بقاء عين النجاسة.\rوحكم المستعمل: أنه طاهر غير طهور في المذهب الجديد، فلا يتوضأ أو يغتسل به، ولا تزال النجاسة به؛ لأن السلف الصالح كانوا لا يحترزون عن ذلك، ولا عما يتقاطر عليهم منه، وفي الصحيحين «أنه صلّى الله عليه وسلم عاد جابراً في مرض موته، فتوضأ وصب عليه من وضوئه» وكانوا مع قلة مياههم لم يجمعوا المستعمل للاستعمال ثانياً، بل انتقلوا إلى التيمم، ولم يجمعوه للشرب، لأنه مستقذر.\rويعفى عن يسير الماء المستعمل الواقع في الماء. فإن جمع الماء المستعمل فبلغ قلتين، فطهور في الأصح.","part":1,"page":236},{"id":238,"text":"والمستعمل عند الحنابلة (1) : هو المستعمل في رفع حدث أكبر (جنابة) أو أصغر (وضوء)، أو إزالة نجاسة من آخر غسلة زالت بها النجاسة وهي الغسلة السابعة (2) كما هو المذهب، ولم يتغير أحد أوصاف الماء (لونه أو طعمه أو ريحه).\rومن المستعمل: ما غسل به الميت؛ لأنه غسل تعبدي، لا عن حدث، ويصبح الماء مستعملاً: لو نوى الجنب أو المتوضئ رفع الحدث في ماء قليل، فإن لم ينو رفع الحدث أو نوى الاغتراف أو نوى إزالة الغبار أو التبرد أو العبث ظل الماء طهوراً. ومنه: الماء اليسير الذي غمس أو غسل به يد القائم من نوم الليل، وكان الشخص مسلماً عاقلاً بالغاً، وكان الغمس قبل غسل اليد ثلاثاً. ومنه الماء الذي يغمس فيه المسلم البالغ العاقل (غير الصبي والمجنون والكافر ) يده كلها إلى الكوع، أي الزند. فلو غمس غير يده كالوجه والرجل لم يكن مستعملاً.\rولا يصير الماء مستعملاً إلا بعد انفصاله عن محل الاستعمال.\r-------------------------------\r(1) كشاف القناع:31/1 -37، المغني:15/1 ومابعدها، 18 - 22 ، 124.\r(2) الغسلة الرابعة هي الطاهرة في الوضوء، والغسلة الثامنة في إزالة النجاسة بعد زوالها: هي الطاهرة عند الحنابلة؛ لأنه يشترط عندهم لإزالة النجاسة سبع غسلات.","part":1,"page":237},{"id":239,"text":"ويعفى عن يسير الماء المستعمل الواقع في الماء؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلم وأصحابه كانوا يتوضؤُون من الأقداح، ويغتسلون من الجفان، واغتسل النبي وعائشة من إناء واحد، تختلف\rأيديهما فيه، كل واحد منهما يقول لصاحبه: أبق لي، ومثل هذا لا يسلم من رشاش يقع في الماء. فإن كثر الواقع وتفاحش لم تجز الطهارة به على الرواية الراجحة، وهو مذهب الشافعية أيضاً كما بينت، والمستعمل في طهارة مستحبة كتجديد الوضوء، والغسلة الثانية والثالثة في الوضوء، وغسل الجمعة والعيدين وغيرهما فيه روايتان: إحداهما : أنه كالمستعمل في رفع الحدث؛ لأنه طهارة مشروعة. والثانية وهي الراجحة: أنه طهور فلا يمنع الطهارة؛ لأنه لم يزل مانعاً من الصلاة، فأشبه ما لو تبرد به، ولا خلاف بين العلماء أن ما استعمل في التبرد والتنظيف طاهر طهور غير مكروه.\rولا يصير الماء اليسير مستعملاً إذا اغترف منه المتوضئ عند غسل يديه؛ لأن المغترف لم يقصد بغمس يده إلا الاغتراف دون غسلها، ولأن النبي عليه السلام فيما رواه سعيد عن عثمان اغترف من إناء: «ثم غرف بيده اليمنى، فصب على ذراعه اليمنى، فغسلها إلى المرفقين ثلاثاً» .\rوحكم المستعمل: أنه لا يرفع الحدث ولا يزيل الخبث، كالشافعية.\rوإن جمع الماء المستعمل فبلغ قلتين، ففيه وجهان: وجه: أنه على الأصل كما كان، ووجه: أنه طهور لقول النبي صلّى الله عليه وسلم : «إذا كان الماء قلتين لم يحمل الخبث» (1) وإن اجتمع الماء المستعمل مع غير مستعمل فبلغ قلتين، صار الكل طهوراً.\rثالثها ـ ماء النبات من زهر أو ثمر، كماء الورد، أو الزهر، وماء البطيخ ونحوه من الفاكهة، طاهر غير مطهر.\r-------------------------------\r(1) رواه الخمسة والشافعي وابن خزيمة وابن حبان والحاكم والدارقطني والبيهقي عن عبد الله بن عمر. وقال الحاكم: صحيح على شرطهما ( نيل الأوطار:30/1).","part":1,"page":238},{"id":240,"text":"النوع الثالث ـ الماء النجس :\rوهو الذي وقعت فيه نجاسة غير معفو عنها مثل قليل الأرواث، وكان الماء راكداً ( غير جارٍ ) قليلاً.\rوالقليل بالمساحة عند الحنفية (1) : ما دون عشر في عشر بذراع العامة. فينجس وإن لم يظهر أثر النجاسة فيه.\rوأما إذا كان عشراً في عشر بحوض مربع، أو ستة وثلاثين في مدور، وكان عمقه بحال لا تنكشف أرضه بالغَرف منه، على الصحيح، فلا ينجس إلا بظهور وصف النجاسة فيه.\rوأما الماء الجاري فينجس بظهور أثر النجاسة فيه، والأثر: طعم النجاسة أو لونها أو ريحها.\rوبذلك يكون الماء المتنجس نوعين:\rالأول ـ ما كان طهوراً قليلاً، ووقعت فيه نجاسة لم تغير أحد أوصافه.\rالثاني ـ ما كان طهوراً وقعت فيه نجاسة غيَّرت أحد أوصافه الثلاثة. واتفق العلماء على نجاسة النوع الثاني الذي تغيرت فيه أحد أوصاف الماء (طعمه أو لونه أو ريحه) كما أن الشافعية والحنابلة وافقوا الحنفية في نجاسة النوع الأول إلا ما يعفى عنه عند الشافعية كميتة ما لا دم له سائل مثل الذباب والنحل إذا وقع بنفسه أو ألقته الرياح.\rوقال المالكية في أرجح الروايات بطهورية النوع الأول وهو الماء القليل الذي\rوقعت فيه نجاسة لم تغير أحد أوصافه، لكنه مكروه، مراعاة للخلاف (2) .\rوالمتنجس عند أكثر الفقهاء لا ينتفع به ولا يستعمل في طهار ة ولا في غيرها إلا في نحو سقي بهيمة أو زرع، أو في حالة الضرورة كعطش.\rقلة الماء وكثرته:\rاختلف الفقهاء في حد القلة والكثرة: فالكثرة عند أبي حنيفة: هو أن يكون الماء من الكثرة بحيث إذا حركه آدمي من أحد طرفيه، لم تسْرِ الحركة إلى الطرف الثاني منه (3) . والقلة: ما كان دون عشر في عشر من أذرعة العامة؛ كما تقدم.\r-------------------------------\r(1) مراقي الفلاح: ص 4.\r(2) الشرح الكبير مع الدسوقي:37/1 ومابعدها،34، الشرح الصغير:31/1،36 ومابعدها، القوانين الفقهية: ص30، بداية المجتهد:23/1، المهذب: 5/1-8، مغني المحتاج:21/1 ومابعدها. المغني:22/1-27، غاية المنتهي:9/1 ومابعدها، كشاف القناع: 37/1 ،39 ـ42،44 ومابعدها.\r(3) فتح القدير:55/1.","part":1,"page":239},{"id":241,"text":"ولا حد لكثرة في مذهب المالكية فلم يحدوا لها حداً مقدراً، والماء اليسير المكروه: هو ما كان قدر آنية الوضوء أو الغسل، فما دونها. فإذا حلت فيه نجاسة قليلة كالقطرة، ولم تغيره، فإنه يكره استعماله في رفع حدث أو إزالة خبث، أو متوقف على طهارة كالطهارة المسنونة والمستحبة، ولا كراهة في استعماله في العادات.\rوالحد الفاصل عند الشافعية والحنابلة بين القليل والكثير: هو القلتان (1) ، من قُلال هجَر: وهو خمس قِرَب، في كل قربة مئة رطل عراقي، فتكون القلتان خمس مئة رطل بالعراقي.\rفإذا بلغ الماء قلتين، فوقعت فيه نجاسة، جامدة أو مائعة، ولم تغير طعمه أو لونه، أو ريحه، فهو طاهر مطهر، لقوله صلّى الله عليه وسلم : «إذا بلغ الماء قلتين، لم يحمل الخبَث» قال الحاكم: على شرط الشيخين (أي البخاري ومسلم)، وفي رواية لأبي داود وغيره بإسناد صحيح: «فإنه لا ينْجُس» وهو المراد بقوله: «لم يحمل الخبث» أي يدفع النجس ولا يقبله.\rفإن وقعت النجاسة في مائع كثير غير مائع، ولو بمقدار قلتين فإنه ينجس بمجرد ملاقاة النجاسة، لأن الماء يشق حفظه عن النجس، بخلاف غيره وإن كثر.\r-------------------------------\r(1) القلة: هي الجرة، سميت قلة لأنها تقل بالأيدي أو تحمل.","part":1,"page":240},{"id":242,"text":"وإن تغير أحد أوصاف الماء الكثير (القلتين)، ولو تغيراً يسيراً، فنجس بالإجماع المخصص لحديث القلتين ولحديث الترمذي وابن حبان: «الماء لا ينجسه شيء» (1) ، قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن الماء القليل والكثير إذا وقعت فيه نجاسة، فغيرت للماء طعماً أو لوناً أو رائحة، أنه نجس، ما دام كذلك. وقد روى أبو إمامة الباهلي أن النبي صلّى الله عليه وسلم قال: «الماء طهور لا ينجسه شيء، إلا ما غلب على ريحه وطعمه ولونه» رواه ابن ماجه، لكنه حديث ضعيف (2) .\rوأرجح رأي الشافعية والحنابلة في الأخذ بحديث القلتين الثابت الصحيح، وإن أعله الحنفية بالاضطراب وتعارض الروايات، إذ في رواية: «إذا بلغ ثلاث قلال» وفي رواية «قلة» كما أعلوه بجهالة قدر القلة، وقد أجاب الشافعية عن هذا كله (3) .\r-------------------------------\r(1) انظر نصب الراية:95/1، قال ابن حبان: وهذا مخصوص بحديث القلتين، وكلاهما (هذا والحديث الآتي) مخصوص بالإجماع أن الماء المتغير بنجاسة ينجس، قليلاً كان الماء أو كثيراً.\r(2) نصب الراية:94/1\r(3) سبل السلام:19/1","part":1,"page":241},{"id":243,"text":"المبحث الخامس ـ حكم الأسآر والآبار:\rوفيه مطلبان:\rالمطلب الأول ـ حكم الأسآر:\rالأسآر: جمع سؤر، والسؤر: البقية والفضلة، واصطلاحاً: هو بقية الماء في الإناء أو في الحوض بعد شرب الشارب منه. ثم استعير لبقية الطعام.\rواتفق العلماء على طهارة أسآر المسلمين وبهيمة الأنعام، واختلفوا فيما عداها اختلافاً كثيراً.\rفحكم السؤر بسبب مخالطة لعاب الشارب له عند الحنفية (1) : يختلف بحسب طهارة أو نجاسة لحم الشارب، فسؤر الآدمي وما يؤكل لحمه من الحيوان طاهر، وسور الكلب نجس، وقد يكون السؤر مكروهاً، أو مشكوكاً فيه، فتكون الأسآر عند الحنفية أربعة أنواع: طاهر، ومكروه، ومشكوك فيه، ونجس كما يتبين مما يأتي:\r1 ً - سؤر طاهر مطهر بلا كراهة: وهو الذي شرب منه الآدمي، أو حيوان مأكول اللحم كالإبل والبقر والغنم، والفرس في الأصح، ونحوها، ما لم تكن جلالة (تأكل الجلة) ولا في حال اجترارها إن كانت من الحيوانات المجترة؛ لأن الماء المختلط به اللعاب أثناء الشرب قد تولد من لحم طاهر، فيكون طاهراً.\r-------------------------------\r(1) الدر المختار ورد المحتار:205/1 ومابعدها،297، فتح القدير:74/1 ومابعدها، تبيين الحقائق:31/1","part":1,"page":242},{"id":244,"text":"ولا فرق بين أن يكون الآدمي صغيراً أو كبيراً، مسلماً أو كافراً، جنبا ً أو حائضاً، إلا أن يشرب الكافر خمراً فينجس فمه، إذا شرب عقب الخمر فوراً من إناء، أما لو مكث قدر ما يغسل فمه بلعابه، ثم شرب لا ينجس (1) .\rودليل طهارة سؤر الآدمي مطلقاً: ما رواه أبو هريرة قال: يا رسول الله، لقيتني وأنا جنب، فكرهت أن أجالسك، فقال صلّى الله عليه وسلم : «سبحان الله، إن المؤمن لا ينجس» (2) . وروى مسلم عن عائشة قالت: «كنت أشرب وأنا حائض، فأناوله النبي صلّى الله عليه وسلم ،فيضع فاه على موضع فيَّ» . وروى البخاري أنه عليه الصلاة والسلام شرب اللبن، وعن يمينه أعرابي، وعن يساره أبو بكر، ثم أعطى الأعرابي، فقال: الأيمن فالأيمن.\r2 ً - سؤر طاهر مكروه تنزيهاً استعماله مع وجود غيره: وهو سؤر الهرة، والدجاجة المخلاة (3) ، والإبل والبقر الجلالة (أي التي تأكل النجاسة إذا جهل حالها)، وسباع الطير كالصقر والنسر والشاهين والحدأة والغراب، وسواكن البيوت كالحية والفأرة، ما لم تر النجاسة في فمها، لأنها تلازم التطواف في المنازل، أو للضرورة، وعدم إمكان الاحتراز منها، ولأن النبي صلّى الله عليه وسلم كان يصغي (يميل) للهرة الإناء، فتشرب منه، ثم يتوضأ به (4) .\r3 ً - سؤر مشكوك في طهوريته لا في طهارته: وهو سؤر البغل والحمار الأهلي، فيتوضأ به أو يغتسل، ثم يتيمم بعدئذ أو يقدم أيهما شاء، احتياطاً بالنسبة لصلاة واحدة. وسبب الشك: هو تعارض الأدلة في إباحة لحمه وحرمته، أو اختلاف الصحابة رضي الله عنهم في نجاسته وطهارته، أو للتردد في توافر الضرورة والبلوى المسقطتين للنجاسة، وذلك بسبب ربط هذا الحيوان في الدور وشربه من الأواني المستعملة، ومخالطة الناس له بالركوب عليه، فالمذهب عند الحنفية: طهارة لعاب البغل والحمار قطعاً، والشك في الطهورية.\rأما تعارض الأدلة في الإباحة والحرمة: فقد ورد في شأن حرمة لحمه حديثان:\r1ً - حديث أبجر بن غالب، قال: « يا رسول الله، أصابتنا سَنَة (جدب وقحط)، ولم يكن في مالي ما أطعم أهلي إلا سِمان حُمُر، وإنك حرمت الحُمُر الأهلية؟ فقال: أطعم أهلك من سمين حمرك (5) » .\r2ً - وحديث أنس أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم جاءه رجل، فقال: يا رسول الله، أكلت الحمر، فسكت، ثم أتاه الثانية، فقال: أكلت الحمر، فسكت، ثم أتاه الثالثة، فقال: أفنيت الحمر، فأمر منادياً ينادي في الناس: «إن الله ورسوله ينهاكم عن لحوم الحمر الأهلية» وفي رواية : «فإنها رجس، فأكفئت القدور، وإنها لتفور باللحم» (6) .\r-------------------------------\r(1) ومثل ذلك: لو أصاب عضو الكافر نجاسة ثم لحسها بفمه، حتى لم يبق أثرها، أوقاء الصغير على ثدي أمه، ثم مصه حتى زال الأثر، طهر.\r(2) رواه مسلم. وروي أيضاً أن النبي صلّى الله عليه وسلم لقي حذيفة، فمد يده ليصافحه، فقبض يده، وقال: إني جنب، فقال عليه السلام: « المؤمن لاينجس » .\r(3) هي المرسلة التي تخالط النجاسات. أما التي تحبس في بيت وتعلف فلا يكره سؤرها، لأنها لاتأكل إلا الحب.\r(4) رواه الدارقطني من طريقين عن عائشة رضي الله عنها ( نصب الراية:133/1 ).\r(5) رواه أبو داود\r(6) رواه البخاري","part":1,"page":243},{"id":245,"text":"وأما اختلاف الصحابة في الطهارة والنجاسة: فعن ابن عمر نجاسته، وعن ابن عباس طهارته.\rوالحق أن رواية حديث أنس أصح، وأن لحم الحمير محرم بلا إشكال وأنه إذا تعارض المحرم والمبيح، يقدم المحرم، سواء بالنسبة للحديثين أم للاجتهادين عن الصحابة، والأصح أن دليل الشك هو التردد في الضرورة، فإن الحمار يربط في الدور والأفنية، إلا أنها دون ضرورة الهرة والفأرة، لدخولهما المضايق، دون الحمار، فوقع الشك في الطهورية، فهو نجس من وجه لنجاسة لعابه، طاهر من وجه لوجود نوع من الضرورة، وسرى الشك إلى سؤره، فهذا سبب الشك، لا أن السبب هو الإشكال في حرمة لحمه، ولا اختلاف الصحابة في سؤره.\r4 ً - سؤر نجس نجاسة مغلظة، لا يجوز استعماله بحال إلا للضرورة كأكل الميتة: وهو ما شرب منه كلب أو خنزير أو سباع البهائم كالأسد والفهد والذئب والقرد والنمر والضبع.\rأما الكلب، فلقوله عليه السلام: «إذا شرب الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعاً» (1) فلما تنجس الإناء، فالماء أولى، وهذا يفيد النجاسة.\rوأما الخنزير، فلأنه نجس العين، لقوله تعالى: {فإنه رجس} [الأنعام:145/6]، وأما سباع البهائم، فلأن لحمها نجس، ولعابها المخالط للماء يتولد من لحمها، فيتنجس الماء.\rوقال المالكية (2) :\r1 ً - سؤر ابن آدم: إن كان مسلماً لا يشرب الخمر، فسؤره طاهر مطهر بإجماع. وإن كان كافراً أو شارب خمر: فإن كان في فمه نجاسة فهو كالماء الذي خالطته النجاسة. وإن لم يكن في فمه نجاسة ، فهو طاهر مطهر، وهو رأي الجمهور.\rلكن يكره عند المالكية سؤر شارب خمر مسلم أو كافر شك في فمه، كما يكره ما أدخل يده فيه، لأنه كماء حلته نجاسة ولم تغيره.\r-------------------------------\r(1) رواه أحمد والشيخان ( متفق عليه ) عن أبي هريرة ولأحمد ومسلم: «طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسله سبع مرات أولاهن بالتراب» ( نيل الأوطار:36/1 ).\r(2) القوانين الفقهية: ص31، بداية المجتهد:27/1 -30، الشرح الصغير:43/1، الشرح الكبير:43/1-44.","part":1,"page":244},{"id":246,"text":"2 ً - سؤر ما يستعمل النجاسة: كالهرة والفأرة، فإن رئي في أفواهها نجاسة، كان كالماء الذي خالطته النجاسة، فإن تحقق طهارة أفواهها، فطاهر، وإن لم يعلم فيغتفر ما يعسر التحرز عنه، لكنه مكروه، وفي تنجيس ما يتحرز منه قولان (1) ، أرجحهما: القول بالطهارة.\r3 ً - سؤر الدواب والسباع طاهر، لكنه يكره سؤر حيوان لا يتوقى نجساً كطير.\r4 ً - سؤر الكلب والخنزير طاهر، وغسل الإناء الذي ولغ فيه الكلب سبع مرات من ولوغه في الماء إنما هو عبادة. وفي غسل الإناء الذي شرب منه الخنزير سبعاً: قولان.\rوقال الشافعية والحنابلة (2) :\r1 ً - سؤر الآدمي طاهر، سواء أكان مسلماً أم كافراً، وهذا متفق عليه بين العلماء، كما بينا، لقوله صلّى الله عليه وسلم : «المؤمن لا ينجس» .\r2 ً - سؤر الحيوان المأكول اللحم طاهر، قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن سؤر ما أكل لحمه يجوز شربه والتوضؤ به.\r3 ً - سؤر الهر والفأر وابن عُرْس ونحوها من حشرات الأرض كالحيات وسام أبرص: طاهر، يجوز شربه والتوضؤ به، ولا يكره عند أكثر أهل العلم من الصحابة والتابعين، إلا أبا حنيفة، فإنه كره الوضوء بسؤر الهر، كما أوضحنا فإن فعل أجزأ.\r-------------------------------\r(1) روى قرة عن ابن سيرين عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم : « طهور الإناء إذا ولغ فيه الهر أن يغسل مرة أو مرتين» وقرة ثقة عند أهل الحديث. وروى مالك من حديث أبي قتادة أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم قال عن الهرة: « إنها ليست بنجس، إنما هي من الطوافين عليكم والطوافات» .\r(2) المجموع:227/1، المغني:46/1ـ51، مغني المحتاج:83/1، كشاف القناع:221/1.","part":1,"page":245},{"id":247,"text":"4 ً - سؤر جميع الحيوانات من الخيل والبغال والحمير والسباع المأكول لحمه وغير المأكول، طاهر، وهي الرواية الراجحة عند الحنابلة، لحديث جابر: «أن النبي صلّى الله عليه وسلم سئل: أنتوضأ بما أفضلت الحمر؟ قال: نعم، وبما أفضلت السباع كلها» (1) ، ولأنه حيوان يجوز الانتفاع به من غير ضرورة، فكان طاهراً كالشاة، ولأن النبي صلّى الله عليه وسلم وصحبه كانوا يركبون البغل والحمار، فلو كان نجساً لبين النبي صلّى الله عليه وسلم ذلك، ولأنهما لا يمكن التحرز عنهما لمقتنيهما، فأشبها الهر. وقول النبي عن الحمر يوم خيبر: «إنها رجس» أراد أنها محرمة الأكل.\r5 ً - سؤر الكلب والخنزير وما تولد منهما أو من أحدهما: نجس لقولهصلّى الله عليه وسلم في الكلب: «إذا ولغ الكلب في الإناء فاغسلوه سبع مرات أولهن بالتراب» (2) ، والخنزير كالكلب، لأنه أسوأ حالاً منه. وأما المتولد فحكمه حكم أصله؛ لأنه يتبع أخسهما في النجاسة.\rوهذا المذهب هو الراجح، أما قول المالكية بالغسل تعبداً فلا يفهم، لأن الأصل وجوب الغسل من النجاسة، بدليل سائر أنواع الغسل، ولو كان الأمر بالغسل تعبداً لما أمر النبي صلّى الله عليه وسلم بإراقة الماء، ولما اختص الغسل بموضع الولوغ، لعموم اللفظ في الإناء كله.\r-------------------------------\r(1) رواه الشافعي في مسنده.\r(2) رواه مسلم، وفي رواية صححها الترمذي: « أولاهن أو أخراهن بالتراب » وفي رواية أبي داود: «السابعة بالتراب» أي بأن يصاحب السابعة.","part":1,"page":246},{"id":248,"text":"المطلب الثاني ـ حكم الآبار:\rالكلام في الآبار المتنجسة يشبه الكلام في الماء الذي خالطته نجاسة، ولا فرق بين الأمرين عند الجمهور، وفرق الحنفية بينهما في بعض الأحوال.\rفقال المالكية (1) : إذا وقعت دابة نجسة في بئر، وغيرت الماء، وجب نزح جميعه. فإن لم تغيره استحب أن ينزح منه بقدر الدابة والماء.\rوقال الشافعية والحنابلة (2) : الماء الراكد والجاري سواء في التفرقة بين القليل والكثير، فما دون القلتين وهو القليل ينجس بمجرد ملاقاة النجاسة المؤثرة، وإن لم يتغير. وأما الكثير وهو القلتان فأكثر، فلا ينجس بملاقاة نجس جامد أو مائع إن لم يتغير الماء، وإن غيره فنجس.\rوبناء عليه قال الشافعية: إذا أريد تطهير الماء النجس نظر: فإن كانت نجاسته بالتغير وهو أكثر من قلتين، طهر، بأن يزول التغير بنفسه، أو بأن يضاف إليه ماء آخر، أو بأن يؤخذ بعضه، لأن النجاسة بالتغير وقد زال.\rوقال الحنابلة: المصانع أو البرك التي يجتمع فيها ماء كثير، لا تتنجس بشيء من النجاسات ما لم تتغير، أي يتغير لونها أو طعمها أو ريحها، فإن تغيرت بنجاسة كبول آدمي أو عذرته المائعة، نزحت، ولم يقدرا مقداراً معيناً للماء المنزوح، ثبت عن علي رضي الله عنه بإسناد صحيح «أنه سئل عن صبي بال في بئر، فأمرهم أن ينزفوها» ومثل ذلك عن الحسن البصري. وسئل أحمد عن بئر بال فيها إنسان، قال: تنزح حتى تغلبهم. قلت: ما حده؟ قال: لا يقدرون على نزحها. أي فهم في نزح جميع ماء البئر كالمالكية.\rواتفق الحنفية (3) مع الجمهور على أن الماء الكثير (وهو عشر في عشر) (4) لاينجس إلا بظهور أثر النجاسة فيه، وأما الماء القليل فيتنجس ولو لم تتغير أوصافه. وقدروا استحساناً مقادير معينة في نزح ماء البئر القليل، على النحو التالي:\rأولاً ـ حالة بقاء الواقع في البئر حياً:\rإذا سقط آدمي أو حيوان في بئر، وبقي حياً:\rلا ينجس البئر بوقوع آدمي فيه أو حيوان مأكول اللحم إذا خرج حياً، ولم يكن على بدنه نجاسة. فإن كان عليه نجاسة تنجس الماء لوجود النجاسة.\r-------------------------------\r(1) القوانين الفقهية: ص35.\r(2) المجموع:178/1-184، مغني المحتاج:21/1-24، المغني:39/1-41.\r(3) تبيين الحقائق:28/1 ـ30، الدر المختار ورد المحتار:194/1 ومابعدها، فتح القدير:68/1 وما بعدها، مراقي الفلاح: ص5 وما بعدها، اللباب شرح الكتاب:30/1 -33.\r(4) أي أن مساحة الماء الكثير هي بمقدار عشرة أذرع طولاً، وعشرة أذرع عرضاً.","part":1,"page":247},{"id":249,"text":"وينجس البئر إذا وقع فيه خنزير، أو وصل إليه لعاب الكلب، أما لعاب سائر أنواع الحيوان غير المأكول اللحم كلعاب بغل وحمار وسباع طير ووحش إذا وصل إلى الماء، فيأخذ فيه الماء في الصحيح حكم الحيوان طهارة، وكراهة ونجاسة، فينزح بالنجس والمشكوك فيه وجوباً، ويستحب في المكروه عدد من الدلاء، كما سيأتي. والنجس: هو سباع الوحش أو البهائم كالأسد والذئب، والمكروه: هو سباع الطير كالنسر والصقر، والمشكوك فيه: هو البغل والحمار.\rوقال الحنابلة (1) : إذا وقعت الفأرة أو الهر ونحوهما في مائع أو ماء يسير، ثم خرجت حية، فهو طاهر.\rثانياً ـ حالة موت الإنسان أو الحيوان في البئر:\rأ ـ إذا مات الإنسان في البئر ينجس الماء عند الحنفية، لأن ابن عباس وابن الزبير أفتيا بمحضر من الصحابة بنزح ماء زمزم بموت زنجي فيه (2) .\rوهذا مخالف لرأي غير الحنفية (3) الذين يقولون بطهارة ماء البئر بموت الآدمي، ولو كان كافراً، لقوله صلّى الله عليه وسلم : «المؤمن لاينجس» (4) .\rب ـ إذا كان الحيوان برياً غير مائي كشاة وكلب ودجاجة وهرة وفأرة ومات في البئر، فإنه ينجس.\rجـ ـ ولا ينجس البئر بموت حيوان لا دم له سائل كذباب وصرصور وخنفساء وزُنبور وبق وعقرب، أو بموت حيوان مائي كسمك وضفدع وتمساح وسرطان وكلب ماء وخنزيره، لقوله صلّى الله عليه وسلم : «إذا وقع الذباب في شراب أحدكم فليغمسه، ثم لينزعه، فإن أحد جناحيه داء، وفي الآخر شفاء» رواه البخاري، وزاد أبو داود: «وإنه يتقي بجناحيه الذي فيه الداء» (5) ولقوله عليه السلام: «يا سلمان، كل طعام وشراب وقعت فيه دابة ليس لها دم، فماتت فيه، فهو حلال أكله، وشربه، ووضوؤه» .\r-------------------------------\r(1) المغني:52/1 .\r(2) راجع نصب الراية:129/1 .\r(3) المغني:46/1 .\r(4) رواه الجماعة إلا البخاري والترمذي عن حذيفة بن اليمان بلفظ « إن المسلم لاينجس » ، وقال ابن عباس: « المسلم لاينجس حياً ولا ميتاً» ( نيل الأوطار:20/1،56).\r(5) رواه أحمد والبخاري وأبو داود وابن ماجه ( نيل الأوطار:20/1،56).","part":1,"page":248},{"id":250,"text":"ثالثاً ـ حالة وقوع النجاسة في الماء:\rأ ـ تنجس البئر الصغيرة بوقوع نجاسة فيها، وإن قلت، كقطرة دم وقطرة خمر، وبول وغائط، وينزح ماء جميع البئر، بعد إخراج عين النجاسة، وتطهر البئر والدلو والرشاء (الحل) والبكرة، ويد المستقي.\rب ـ ولا تنجس البئر بالبعر (للإبل والغنم) والروث (للفرس والبغل والحمار) والخنثِي (للبقر) إلا أن يستكثره الناظر أو ألا يخلو دلو عن بعرة ونحوها. وأما القليل فهو ما يستقله الناظر.\rوذلك بدليل ما روى ابن مسعود رضي الله عنه قال: « أتيت النبي صلّى الله عليه وسلم بحجرين وروثة، فأخذ الحجر، وألقى الروثة، وقال: إنها ركس» (1) .\rولا تنجس البئر بخُرْء حمام وعصفور ونحوها مما يؤكل من الطيور غير الدجاج والإوز والبط، استحساناً؛ لأن ابن مسعود رضي الله عنه مسح خرء الحمامة عنه بإصبعه.\rوالأصح أنه لا ينجس البئر بخرء الطيور غير المأكولة اللحم، مثل سباع الطير، لتعذر صونها، أي البئر عنه أي عن الخرء.\rوقال الشافعية: روث جميع البهائم والطيور نجس، لأنه ركس، والركس: النجس.\rوقال المالكية والحنابلة (2) : روث وبول الحيوان المأكول طاهر، وروث وبول محرم الأكل نجس.\r-------------------------------\r(1) رواه أحمد والبخاري والترمذي والنسائي عن ابن مسعود ( نيل الأوطار:98/1 ) والركس: النجس.\r(2) القوانين الفقهية: ص 33.","part":1,"page":249},{"id":251,"text":"مقدار الماء الواجب نزحه:\r1 - يجب نزح ماء البئر كله أو مئتا دلو لو لم يمكن نزح البئر، إذا مات آدمي فيه، أو حيوان كبير مثل البغل والحمار والكلب أو الشاة ونحوها، أو إن انتفخ الحيوان في البئر أو تفسخ، سواء أكان صغيراً أم كبيراً، أو كانت الفأرة هاربة من الهرة أو مجروحة، وإن خرجت حية، أو كانت الهرة هاربة من الكلب أو مجروحة، لأن الفأرة والهرة تبول في هذه الحالة، والبول والدم نجاسة مائعة.\r2 - وينزح ما بين أربعين دلواً إلى ستين دلواً إذا كان الحيوان ذا حجم متوسط، مثل الحمامة والدجاجة والسنور (الهر). والأظهر ما ذكر في الجامع الصغير: وهو أربعون أو خمسون دلواً، وفي الاثنين من هذه الحيوانات ينزح الماء كله. والأربعون واجب والخمسون مستحب.\r3 - وينزح من البئر عشرون دلواً أو ثلاثون بحسب كُبْر الدلو وصُغْرها (1) ، إذا مات فيها حيوان صغير كالعصفور والفأر وسام أبرص ونحوها. ونزح العشرين واجب، والثلاثين مستحب أي أنه إذا كان الواقع كبيراً والبئر كبيرة فالعشرة مستحبة، وإن كانا صغيرين فالاستحباب دون ذلك، وإن كان أحدهما صغيراً والآخر كبيراً، فخمس مستحبة، وخمس دونها في الاستحباب.\rهذا وقد روي عن أنس أنه قال في الفأرة إذا ماتت في البئر وأخرجت من ساعتها: ينزح منها عشرون دلواً. وروي عن أبي سعيد الخدري أنه قال في الدجاجة إذا ماتت في البئر: ينزح منها أربعون دلواً (2) .\r-------------------------------\r(1) هذا ماجاء في الهداية، والمذكور في الكتاب للقدوري: بحسب كبر الحيوان وصغره.\r(2) راجع الأثرين في نصب الراية:128/1.","part":1,"page":250},{"id":252,"text":"حجم الدلو: المعتبر في حجم الدلو: دلو تلك البئر، فإن لم يكن فالمعتبر دلو: يسع صاعاً، أي حوالي(2و2/1)كغ أو(75،2) ليتراً، وغير هذا الدلو المذكور، بأن كان أصغر أو أكبر يحتسب به، فلو نزح القدر الواجب بدلو واحد كبير، أجزأ، في ظاهر المذهب الحنفي، لحصول المقصود.\rويكفي ملء أكثر الدلو، كما يكفي نزح الموجود في البئر ولو كان دون القدر الواجب.\rويمكن تطهيرها بتغويرها أي بفتح مصرف أو حفر منفذ يخرج منه بعض الماء. وإذا وجد في الماء حيوان ميت، فيحكم بموته من يوم وليلة إذا لم يكن منتفخاً، ومن ثلاثة أيام بلياليها إذا كان منتفخاً، فيلزم إعادة صلوات تلك المدة إن توضؤوا منها عن حدث، وغسلوا الثياب وكل شيء أصابه ماؤها.\rالمبحث السادس ـ أنواع الأعيان الطاهرة:\rجميع ما في الكون إما جماد، أو حيوان، أو فضلات. والأصل في الأشياء الطهارة، ما لم تثبت نجاستها بدليل شرعي. والفقهاء متقاربون في الحكم بطهارة الأعيان، فاتفقوا على أن الجماد (وهو كل جسم لم تحله الحياة ولم ينفصل عن حي) (1) كله طاهر إلا المسكر، فجميع أجزاء الأرض الجامدة والمائعة وما تولد منها طاهرة، ومن الجامد: المعادن كالذهب والفضة والحديد ونحوها، وجميع أنواع النبات ولو كان ساماً أو مخدرا ً كالحشيش والأفيون والبنج، ومن المائع: المياه والزيوت وعسل القصب وماء الأزهار والطيب والخل. واتفقوا أن كل جاف طاهر، وأن نافجة (وعاء) المسك طاهر كالمسك، وأن الزبَاد والعنبر (2) طاهر، وأن شعر الحيوان المأكول طاهر، وأن الخمر المتخللة بنفسها طاهرة.\r-------------------------------\r(1) أما المنفصل عن الحي كالبيض والسمن وعسل النحل فليس من الجماد، لانفصاله عنه، وهو طاهر.\r(2) الزباد: مادة عطرة تتخذ من دابة كالسنور هي أكبر منه قليلاً. والعنبر: يقال: إنه روث دابة بحرية.","part":1,"page":251},{"id":253,"text":"كما اتفقوا على طهارة الحيوان المذكى ذكاة شرعية، وعلى طهارة ميتة السمك والجراد، وعلى طهارة ميتة الآدمي ولو كافراً إلا الحنفية، فقالوا بنجاستها؛ لقوله تعالى: {ولقد كرمنا بني آدم} [الأسراء:70/17]، وتكريمهم يقتضي طهارتهم ولو أمواتاً، ولقوله صلّى الله عليه وسلم : «إن المسلم ـ أي يحكم الغالب ـ لا ينجس» . أما قوله: {إنما المشركون نجس} [التوبة:28/9]، فيراد به نجاسة الاعتقاد، أو أن اجتنابهم كالنجس، لا نجاسة الأبدان.\rواختلفوا في أشياء، فقال الحنفية (1) : كل شيء من أجزاء الحيوان غير الخنزير لا يسري فيه الدم من الحي والميت المأكول وغير المأكول حتى الكلب: طاهر، كالشعر، والريش المجزوز، والإنفحة الصلبة (2) ، والمنقار والظلف، والعصب على المشهور، والقرن والحافر، والعظم ما لم يكن به دسم (وَدَك)؛ لأنه نجس من الميتة، فإذا زال عن العظم زال عنه النجس، والعظم في ذاته طاهر، لما أخرج الدار قطني: « إنما حرم رسول الله صلّى الله عليه وسلم من الميتة لحمها، فأما الجلد والشعر والصوف، فلا بأس به» . ويدخل فيه شعر الإنسان غير المنتوف، وعظمه وسنه مطلقاً على المذهب، أما الشعر المنتوف فنجس، لأن كل ما أبين من الحي فهو كميتته.\rوأما دمع الحي وعرقه ولعابه ومخاطه فكالسؤر طهارة ونجاسة، والمذهب طهارة لعاب بغل وحمار، وكراهة لعاب سباع الطير وسواكن البيوت كالفأرة والعقرب والهرة ونحوها، ونجاسة لعاب وسؤر الخنزير والكلب وسائر سباع الوحش.\r-------------------------------\r(1) مراقي الفلاح: ص26،28، الدر المختار: 154/1،188-193،295،323، البدائع:61/1-65.\r(2) الإنفحة شيء يستخرج من بطن الجدي الراضع أصفر، يعصر في صوفة ويغلظ به الجبن. والإنفحة الصلبة متفق على طهارتها، أما الإنفحة المائعة واللبن في ضرع الميتة فطاهران عند أبي حنيفة، نجسان عند الصاحبين، والأظهر قولهما كما أوضح ابن عابدين.","part":1,"page":252},{"id":254,"text":"ولعاب الآدمي كسؤره طاهر، إلا في حال شرب الخمر لنجاسة فمه، ويطهر فمه بالغسل أو شرب الماء من ساعته، أو بابتلاع بزاقه ثلاث مرات.\rورطوبة الفرج طاهرة عند الإمام خلافاً لصاحبيه: وهي رطوبة الولد عند الولادة ، ورطوبة الخلة( الخل ) إذا خرجت من أمها، وكذا البيضة، فلا يتنجس بها الثوب ولا الماء، لكن يكره التوضؤ به. وميتة الحيوان البري الذي ليس له دم سائل كالذباب والسوس والنمل والعقرب والزنبور والبرغوث: طاهرة.\rوخرء الطيور المأكولة اللحم التي تذرق في الهواء كالحمام والعصفور والعَقْعق (القاق) ونحوها: طاهر، لأن الناس اعتادوا اقتناء الحمامات في المسجد الحرام والمساجد الجامعة، مع علمهم أنها تذرق فيها، ولو كان نجساً لما فعلوا ذلك، مع الأمر بتطهير المسجد في قوله تعالى: {أن طهرا بيتي للطائفين} [البقرة:125/2]، وروي عن ابن عمر: «أن حمامة ذرقت عليه، فمسحه وصلى» وعن ابن مسعود مثل ذلك في العصفور.\rوكذلك خرء ما لا يؤكل لحمه كالصقر والبازي والحدأة ونحوها، طاهر عند أبي حنيفة وأبي يوسف، للضرورة المتحققة، لأنها تذرق في الهواء، فيتعذر صيانة الثياب والأواني عنها.\rودم السمك طاهر عند أبي حنيفة ومحمد، لإجماع الأمة على إباحة تناوله مع دمه، ولو كان نجساً لما أبيح، ولأنه ليس بدم حقيقة، بل هو ماء تلون بلون الدم؛ لأن الدموي لا يعيش في الماء. والدم الذي يبقى في العروق واللحم بعد الذبح طاهر؛ لأنه ليس بمسفوح، ولهذا حل تناوله مع اللحم. ولو لف ثوب جاف طاهر في ثوب نجس رطب لاينعصر الرطب لو عصر، لا ينجس، كما لا ينجس ثوب رطب نشر على أرض نجسة يابسة، فتندت الأرض منه ولم يظهر أثرها فيه. ولا ينجس الثوب بريح هبت على نجاسة، فأصابت الريح الثوب، إلا أن يظهر أثر النجاسة فيه.","part":1,"page":253},{"id":255,"text":"وقال المالكية (1) : كل حي ولو كلباً وخنزيراً طاهر ولو أكل نجساً، وكذا عَرَقه ودمعه، ومُخَاطه، ولعابه الخارج من غير المعدة (2) ، وبيضه، إلا البيض المَذِر وما خرجه بعد موته، والبيض المذر: وهو ما تغير بعفونة أو زرقة، أو صار دماً: نجس، بخلاف الممروق: وهو ما اختلط بياضه بصفاره من غير نتونة. وما خرج من الحيوان من بيض أو مخاط أو دمع أو لعاب بعد موته بلا ذكاة شرعية، يكون نجساً، إذا كانت ميتة الحيوان نجسة.\rومن الطاهر: بَلْغم: وهو ما يخرج من الصدر منعقداً كالمخاط، وكذا ما يسقط من الدماغ من آدمي أو غيره.\rومنه: الصفراء : وهي ماء أصفرملتحم، يخرج من المعدة يشبه الصبغ الزعفراني، لأن المعدة عندهم طاهرة، ما لم يستحل إلى فساد كالقيء المتغير.\rومن الطاهر: ميتة الآدمي، ولو كان كافراً على الصحيح، وميتة ما لا دم له من جميع هوام الأرض، كعقرب وجندب وخنفس، وجراد ، وبرغوث، بخلاف ميتة القمل، والوزغ (غراب الزرع) والسحالي من كل ماله لحم ودم، تكون نجسة، ولكن لا يؤكل الجراد إلا بما يموت به من ذكاة ونحوها. أما دود الفاكهة والمِش (الجبن المعتق في اللبن والملح)، فيؤكل قطعاً ولو بدون ذكاة. ويعفى عن القملتين والثلاث للمشقة.\rومنه: ميتة الحيوان البحري من السمك وغيره، ولو طالت حياته بالبر كتمساح وضفدع وسلحفاة بحرية، ولو على صورة الخنزير والآدمي.\rومنه: جميع ما ذُكِّي بذبح أو نحر أو عقر من غير مُحَّرم الأكل. أما محرم الأكل كالخيل والبغال والحمير، فإن الذكاة لا تطهره على مشهور المذهب (3) كما قرر الدردير والصاوي، وكذا الكلب والخنزير لا تطهره الذكاة، فتكون ميتة ما ذكر نجسة، ولو ذكي.\r-------------------------------\r(1) الشرح الكبير:48/1 ومابعدها، الشرح الصغير:43/1 ومابعدها، بداية المجتهد:74/1.\r(2) أما الخارج من المعدة فنجس. وعلامته أن يكون أصفر منتاً.\r(3) أما مكروه الأكل كسبع وهر: فإن ذكي لأكل لحمه طهر جلده تبعاً له، وإن ذكي بقصد أخذ جلده فقد طهر ولايؤكل لحمه لأنه ميتة بناء على تبعيض الذكاة وهو الراجح ( الشرح الكبير: 49/1).","part":1,"page":254},{"id":256,"text":"ومن الطاهر: الشعر والوبر والصوف ولو من خنزير، وكذا زغب الريش: وهو ما اكتنف القصبة من الجانبين.\rومنه: الجماد إلا المسكر، كما بينت في الأعيان المتفق على طهارتها، أما المسكر فنجس سواء أكان خمراً أم من نقيع الزبيب أو التمر ونحوه. وأما المخدر كالحشيشة والأفيون والسيكران، فطاهر لأنه من الجماد، ويحرم تعاطيه لتغييبه العقل، ولايحرم التداوي به في ظاهر الجسد.\rومنه: لبن الآدمي ولو كافراً، ولبن غير محرم الأكل، ولو مكروهاً كالهر والسبع، أما لبن محرم الأكل كالخيل والبغال والحمير فهو نجس. ومنه: فضلة الحيوان المباح الأكل، من روث وبعر وبول وزبل دجاج وحمام وجميع الطيور، مالم يستعمل النجاسة؛ فإن استعملها أكلاً أو شرباً، ففضلته نجسة.\rوالفأرة من المباح أكله، ففضلتها طاهرة، إن لم تصل للنجاسة، ولو شكاً؛ لأن شأنها استعمال النجاسة كالدجاج. بخلاف الحمام، فلا يحكم بنجاسة فضلته، إلا إذا تحقق أو ظن استعمالها للنجاسة.\rومن الطاهر: مرارة المذكَّى غير محرم الأكل من مباح أو مكروه. والمراد بها: الماء الأصفر الكائن في الجلدة المعلومة للحيوان. ومنه: القَلَس: وهو ما تقذفه المعدة من الماء عند امتلائها. والقيء طاهر ما لم يتغير عن حالة الطعام بحموضة أو غيرها، فإن تغير فنجس.\rومنه: المسك وفأرته: وهي الجلدة المتكون فيها. وكذا الخمر إذا خلل بفعل فاعل أو حُجِّر أي صار كالحجر في اليبس أو تخلل بنفسه أو تحجَّر بنفسه، ويطهر معه وعاؤه وما وقع فيه. ومنه: زرع سقي بنجس، لكن يغسل ظاهره المتنجس.\rومن الطاهر: رماد النجس، كالزبل والروث النجسين، والوقود المتنجس فإنه يطهر بالنار. وكذا دخان النجس طاهر على المعتمد.","part":1,"page":255},{"id":257,"text":"ومنه: الدم غير المسفوح، أي الجاري من المذكى: وهو الباقي بالعروق، أو في قلب الحيوان، أو ما يرشح من اللحم؛ لأنه كجزء المذكى، وكل مذكى وجزئه طاهر. لكن ما بقي على محل الذبح هو من باقي المسفوح،: نجس، وكذا ما يوجد في بطن المذبوح من الدم بعد السلخ: نجس، لأنه جرى من محل الذبح إلى البطن، فهو من المسفوح.\rوقال الشافعية (1) : الحيوان كله طاهر إلا الكلب والخنزير وفرع كل منهما، والجماد كله طاهر إلا المسكر.\rوالعلقة (دم غليظ) والمضغة (لحمة صغيرة) ورطوبة الفرج (وهي ماء أبيض متردد بين المذي والعرق) من كل حيوان طاهر، ولو غير مأكول، من آدمي أو غيره: طاهرة. ومن الطاهر: لبن المأكول، ولو ذكراً صغيراً ميتاً، وإنفحته (2) إن أُخذت منه بعد ذبحه، ولم يطعم غير لبن ولو نجساً. ومترشح كل حيوان طاهر كعرق ولعاب ومخاط وبلغم، إلا المتيقن خروجه من المعدة. وماء قروح ونَفَط (بثور) لم يتغير، والبيض المأخوذ من حيوان طاهر ولو من ميتة إن كان متصلباً، ولو من غير مأكول، ولو استحالت البيضة دماً، وبزر القز: وهو البيض الذي يخرج منه دود القز.\rومنه ميتة الحيوان البحري وإن لم يسمَّ سمكاً إلا التمساح والضفدع والحية فإنها نجسة. أما ميتة الجراد فهي طاهرة، وأما ميتة غيره من الحيوان البري الذي ليس له دم يسيل كالذباب والنمل والبرغوث فهي نجسة.\rومنه: المسك وفأرته المنفصلة في حياته، أو بعد ذكاته. ومنه: الزَّبَاد (نوع من الطيب يؤخذ من حيوان كالسنور) لا ما فيه من شعر السنور البري، والعنبر (هو نبت أو روث بحري وهو الطيب المعروف) وإن ابتلعه حوت، ما لم يستحل.\r-------------------------------\r(1) مغني المحتاج:80/1 ومابعدها، شرح الباجوري:105/1،108، شرح الحضرمية: ص22، المهذب:11/1 ، المجموع:576/2.\r(2) الإنفحة: لبن في جوف نحو سخلة، وهي طاهرة للحاجة إليها في عمل الجبن.","part":1,"page":256},{"id":258,"text":"ومن الطاهر إجماعاً كما بينت: شعر أو صوف أو ريش أو وبر الحيوان المأكول، ولو أخذ نتفاً بعد التذكية، أو في حال الحياة. أما لو أخذ بعد الموت فنجس، كما أن الشعر المجزوز من حيوان غير مأكول: نجس كميتته.\rويعفى عن قليل من دخان النجاسة، وعن اليسير عرفاً من شعر نجس من غير كلب أو خنزير، كما يعفى عن كثير الشعر من مركوب لعسر الاحتراز عنه. ويعفى\rعن روث سمك في ماء ما لم يغيره لتعذر الاحتراز عنه. ويعفى عن قليل بخار النجاسة المتصاعد بواسطة نار نجس. أما البخار الخارج من نجاسة الكنيف، والريح الخارج من الدبر ، فطاهر.\rوالثمر والشجر والزرع النابت من نجاسة، أو سقيت بماء نجس: طاهر، لكن يطهر ظاهر الزرع النابت على نجاسة بالغسل.\rوقال الحنابلة (1) : الطاهر: دم عِرْق مأكول بعدما يخرج بالذبح، وما في خلال اللحم؛ لأنه لا يمكن التحرز منه، ودم السمك وبوله؛ لأنه لو كان نجساً لتوقفت إباحته على إراقته بالذبح، ولأنه يستحيل ماء، ولأنه كالكبد.\rودم الشهيد، ولو كثر إذا لم ينفصل عنه.\rودم بق وقمل وبراغيث وذباب ونحوها من كل ما لا نفس له سائلة.\rوالكبد والطحال من مأكول. لحديث: «أحلت لنا ميتتان ودمان» .\rودود القز وبزره.\rوالمسك وفأرته (سرة الغزال).\rوالعنبر (2) ، لما ذكر البخاري عن ابن عباس: «العنبر شيء دسره البحر» أي دفعه ورمى به، وهو الطيب المعروف.\rوما يسيل من فم وقت النوم، والبخار الخارج من الجوف، لأنه لا تظهر له صفة بالمحل، ولا يمكن التحرز منه.\rوالبلغم ولو أزرق، وسواء أكان من الرأس أم الصدر أم المعدة، لأن النبي صلّى الله عليه وسلم فيما يرويه مسلم أشار بمسحه في الثوب أثناء الصلاة.\r-------------------------------\r(1) كشاف القناع:219/1 ـ 220، غاية المنتهى:14/1\r(2) العنبر: مادة صلبة، لاطعم لها ولاريح إلا إذا سحقت أو أحرقت، يقال: إنه روث دابة بحرية.","part":1,"page":257},{"id":259,"text":"وبول ما يؤكل لحمه، أما العلقة التي يخلق منها الآدمي أو يخلق منها حيوان طاهر، فإنها نجسة؛ لأنها دم خارج من الفرج. وكذلك البيضة المذرة (أي الفاسدة) أو البيضة التي صارت دماً: نجسة، لأنها أي الأخيرة في حكم العلقة.\rومن الطاهر: الدم والعرق واللعاب والمخاط من حيوان يؤكل، أو من غيره إذا كان مثل الهر أو الفأر أو أقل منه، وألا يكون متولداً من النجاسة.\rومنه: ميتة الحيوان البحري، وإن لم يسم سمكاً، إلا التمساح والضفدع والحية ، فإنها نجسة، كما قال الشافعية. كما أن ميتة الحيوان البري ما عدا الجراد الذي ليس له دم يسيل كالذباب والنمل والبرغوث نجسة، كما قال الشافعية.\rومن الطاهر: الشعر ونحوه من كل حيوان مأكول اللحم حياً كان أو ميتاً، أو من غير مأكول اللحم إذا كان قدر الهر فأقل، ولم يتولد من نجاسة، لكن أصول الشعر والريش نجسة مطلقاً.","part":1,"page":258},{"id":260,"text":"الفَصْلُ الثَّاني: النَّجاسة\rوفيه مباحث أربعة:\rالمبحث الأول ـ أنواع النجاسة إجمالاً وحكم إزالتها :\rالنجاسة: ضد الطهارة، والنَّجَس ضد الطاهر، والأنجاس جمع نَجِس: وهو اسم لعين مستقذرة شرعاً. ويطلق على النجس الحكمي والحقيقي. ويختص الخبث بالحقيقي، ويختص الحدث بالحكمي. والنجس بفتح الجيم: اسم، وبكسرها صفة.\rوتنقسم النجاسة إلى قسمين: حقيقية، وحكمية.\rفالنجاسة الحقيقية: هي لغة: العين المستقذرة كالدم والبول والغائط، وشرعاً: هي مستقذر يمنع من صحة الصلاة حيث لا مرخص.\rوالنجاسة الحكمية: هي أمر اعتباري يقوم بالأعضاء يمنع من صحة الصلاة حيث لا مرخص. ويشمل الحدث الأصغر الذي يزول بالوضوء، والحدث الأكبر (الجنابة) الذي يزول بالغسل.\rوالنجاسة الحقيقية أنواع: إما مغلظة أو مخففة، وإما جامدة أو مائعة، وإما مرئية أو غير مرئية. وأما حكم إزالة النجاسة غير المعفو عنها: عن الثوب والبدن والمكان للمصلي:\rفواجب عند جمهور الفقهاء غير المالكية، لقوله تعالى: {وثيابك فطهر} [المدثر:4/74]. وهناك قولان مشهوران في مذهب مالك (1) : الوجوب والسنية، وذلك حالة التذكر والقدرة والتمكن، والمعتمد المشهور هو السنية، إلا أن فروع المذهب بنيت على قول الوجوب، فإن صلى المرء بالنجاسة عامداً قادراً على إزالتها، أعاد صلاته أبداً، وجوباً، لبطلانها. وعلى القول المشهور بأن إزالة النجاسة سنة إن ذكر وقدر، تندب الإعادة، وعلى كلا القولين: تندب الإعادة للناسي، وغير العالم بوجود النجاسة، والعاجز عن إزالتها.\rويشمل هذا المبحث المطلبين الآتيين:\rالمطلب الأول ـ النجاسات المتفق عليها والمختلف فيها:\rأولاً ـ النجاسات المتفق عليها في المذاهب:\rأجمع الفقهاء على نجاسة الأنواع التالية (2) :\r1 ً - لحم الخنزير: وإن كان بذبحه شرعاً؛ لأنه بالنص القرآني نجس العين، فيكون لحمه وجميع أجزائه من شعر وعظم وجلد ولو مدبوغ نجساً. والمعتمد عند المالكية: أن الخنزير الحي وعرقه ودمعه ومخاطه ولعابه طاهر.\r-------------------------------\r(1) الشرح الكبير: 65/1، الشرح الصغير: 64/1 ومابعدها، فتح العلي المالك:111/1.\r(2) فتح القدير: 135/1 ومابعدها، اللباب شرح الكتاب: 55/1 ومابعدها، مراقي الفلاح: ص25 ومابعدها، القوانين الفقهية: ص34، بداية المجتهد: 73/1 ومابعدها، الشرح الصغير: 49/1 ومابعدها، مغني المحتاج: 77/1 ومابعدها، المهذب: 46/1 ومابعدها، كشاف القناع: 213/1 ومابعدها، المغني: 52/1 ومابعدها. الشرح الصغير: 49/1 - 55.","part":1,"page":259},{"id":261,"text":"2 ً - الدم: دم الآدمي غير الشهيد ودم الحيوان غير المائي، الذي انفصل منه حياً أو ميتاً ، إذا كان مسفوحاً (جارياً) كثيراً. فيخرج دم الشهيد ما دام عليه، ودم السمك ودم الكبد والطحال والقلب، وما يبقى في عروق الحيوان بعد الذح ما لم يسل، ودم القمل والبرغوث والبق وإن كثر عند الحنفية.\rوالدم المسفوح نجس ولو كان عند المالكية والشافعية من سمك وذباب وقراد.\rويترتب على هذا الخلاف: أكل الفسيخ (السمك المملح) الذي يوضع بعضه على بعض، ويسيل دمه من بعضه إلى بعض، لا يؤكل منه عند الشافعية والراجح عند المالكية إلا الصف الأعلى أوالمشكوك في كونه من الأعلى أو من غيره.\rوأما عند الحنفية وابن العربي من المالكية: فيؤكل كله؛ لأن الخارج من السمك ليس بدم،بل رطوبة، وحينئذ فهو طاهر (1) .\r3 ً - بول الآدمي وقيئه (2) وغائطه: إلا بول الصبي الرضيع، فيكتفي برشه عند الشافعية والحنابلة مع أنه نجس. وكذلك بول الحيوان غير المأكول اللحم وغائطه وقيئه، إلا خرء الطيور وبول الفأر والخفاش عند الحنفية، لأن الفأر لا يمكن التحرز عنه، والخفاش يبول في الهواد، فيعفى عنهما في الثياب والطعام فقط دون ماء الأواني، وما اجتره الحيوانات نجس.\r4 ً - الخمر: نجسة عند أكثر الفقهاء، لقوله تعالى: {إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان} [المائدة 5 / 90]وقال بعض المحدثين بطهارتها. والخمر تشمل كل مسكر مائع عند الجمهور والمعتمد عند الحنفية.\r-------------------------------\r(1) الشرح الكبير للدرير وحاشية الدسوقي: 57/1.\r(2) القيء عند الحنفية نجس نجاسة مغلظة إذا ملأ الفم بحيث لايمكن إمساكه.","part":1,"page":260},{"id":262,"text":"5 ً - القيح: وهو دم فاسد، لا يخالطه دم، وهو نجس لأنه دم مستحيل. ومثله الصديد: وهو ماء رقيق يخالطه دم. والنجس منهما: هو الكثير، ويعفى عن القليل.\r6 ً - المَذْي والوَدْي: والمذي هو ماء أبيض رقيق يخرج عند ثوران الشهوة أو تذكرالجماع بلا تدفق، وهو نجس للأمر بغسل الذكر منه والوضوء في حديث علي رضي الله عنه، قال: «كنت رجلاً مذَّاء، فاستَحَيْت أن أسأل رسول الله صلّى الله عليه وسلم ، فأمرت المقداد بن الأسود فسأله، فقال: فيه الوضوء، والمسلم: يغسل ذكره ويتوضأ» (1) .\rوالوَدْي: ماء أبيض كدر ثخين يخرج عقب البول، أوعند حمل شيء ثقيل. وهو نجس؛ لأنه يخرج مع البول أو بعده، فيكون له حكمه (2) .\rوالرمل أو الحصاة التي تخرج عقب البول: إن أخبر طبيب عدل بأنها منعقدة من البول فهي نجسة، وإلا فهي متنجسة تطهر بالغسل (3) .\r7 ً - لحم ميتة الحيوان غير المائي الذي له دم سائل، مأكول اللحم أو غير المأكول، كالكلب والشاة والهرة والعصفور ونحوها. ومثله: جلد الميتة إن لم يدبغ. هذا عند الحنفية. وقال غيرهم: ميتة غير الآدمي يجميع أجزائها من عظم وشعر وصوف ووبر وغير ذلك نجسة، لأن كلاً منها تحله الحياة.\r8 ً - لحوم الحيوان غير المأكول، وألبانه؛ لأنها متولدة من اللحم فتأخذ حكمه.\r-------------------------------\r(1) أخرجه الشيخان عن علي، ولأحمد وأبي داود: «يغسل ذكره وأُنثييه ويتوضأ» ( نيل الأوطار:51/1).\r(2) يلاحظ أن فضلات النبي صلّى الله عليه وسلم من دم وقيح وقيء، وغائط وبول ومذي وودي طاهرة، لأن بركة الحبشية شربت بوله صلّى الله عليه وسلم فقال: « لن تلج النار بطنك » صححه الدارقطني، ولأن أبا طيبة شرب من دم النبي صلّى الله عليه وسلم المأخوذ بعد حجامته، فقال له النبي صلّى الله عليه وسلم : « من خالط دمه دمي لم تمسه النار » .\r(3) مغني المحتاج:79/1.","part":1,"page":261},{"id":263,"text":"9 ً - الجزء المنفصل أو المقطوع من الحي في حال حياته كاليد والألية،إلا الشعر وما في معناه كالصوف والوبر والريش، لقوله صلّى الله عليه وسلم : «ما قطع من البهيمة وهي حية فهو ـ أي المقطوع ـ ميت» (1) .\rثانياً ـ النجاسات المختلف فيها:\rاختلف الفقهاء في حكم نجاسة بعض الأشياء:\r1 ً - الكلب:\rالأصح عند الحنفية، أن الكلب ليس بنجس العين؛ لأنه ينتفع به حراسة واصطياداً، أما الخنزير فهو نجس العين، لأن الهاء في الآية القرآنية: {فإنه رجس} [الأنعام145/6]منصرف إليه، لقربه. وفم الكلب وحده أو لعابه ورجيعه هو النجس، فلا يقاس عليه بقية جسمه، فيغسل الإناء سبعاً بولوغه فيه (2) ، لقوله صلّى الله عليه وسلم : «إذا شرب الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعاً» ولأحمد ومسلم: «طُهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسله سبع مرات أولاهن بالتراب» (3) .\rوقال المالكية (4) : الكلب مطلقاً سواء أكان مأذوناً في اتخاذه ككلب الحراسة والماشية، أم لا، طاهر، والولوغ لا غيره كما لو أدخل رجله أو لسانه بلا تحريك، أوسقط لعابه، هو الذي يغسل من أجله تعبّداً سبع مرات، على المشهور عندهم.\rوقال الشافعية والحنابلة (5) : الكلب والخنزير وما تولد منهما من الفروع وسؤره وعرقه نجس ويغسل ما تنجس منه سبع مرات إحداهن بالتراب، لأنه إذا ثبتت نجاسة فم الكلب بنص الحديث السابق: «طهور إناء أحدك...» ، والفم أطيب أجزائه، لكثرة ما يلهث، فبقيته أولى.\r-------------------------------\r(1) رواه الحاكم وصححه على شرط الشيخين، وأخرجه أبو داود والترمذي وحسَّنه عن أبي واقد الليثي رضي الله عنه ( سبل السلام: 28/1 ).\r(2) فتح القدير :64/1، رد المحتار لابن عابدين:192/1،300، البدائع:63/1.\r(3) متفق عليه بين أحمد والشيخين عن أبي هريرة ( نيل الأوطار:36/1، سبل السلام:22/1 ).\r(4) الشرح الكبير:83/1، الشرح الصغير:43/1.\r(5) مغني المحتاج: 78/1، كشاف القناع:208/1، المغني:52/1.","part":1,"page":262},{"id":264,"text":"وفي حديث آخر رواه الدارقطني والحاكم: «أنه صلّى الله عليه وسلم دعي إلى دار قوم، فأجاب، ثم دعي إلى دار أخرى فلم يجب، فقيل له في ذلك، فقال: إن في دار فلان كلباً، قيل له: وإن في دار فلان هرة، فقال: إن الهرة ليست بنجسة» فأفهم أن الكلب نجس.\r2 ً - ميتة الحيوان المائي، والحيوان الذي لا دم له سائل:\rاتفق أئمة المذاهب على طهارة ميتة الحيوان المائي إذا كان سمكاً ونحوه من حيوان البحر، لقوله صلّى الله عليه وسلم : «أحلت لنا ميتتان ودمان: السمك والجراد،والكبد والطحال» (1) ولقوله عليه السلام في البحر: «هو الطهور ماؤه الحل ميتته» (2) .\rواختلف الفقهاء في ميتة الحيوان الذي لا دم له سائل، وعباراتهم في الميتة مطلقاً ما يأتي:\rقال الحنفية (3) : موت ما يعيش في الماء فيه لا يفسده أي لا ينجسه، كالسمك واضفدع والسرطان، لكن لحم الميتة ذات الدم السائل وجلدها قبل الدبغ نجس. وما لا دم له سائل إذا وقع في الماء لا ينجسه كابق والذباب والزنابير والعقرب ونحوها، لحديث الذباب: «إذا وقع الذباب في شراب أحدكم، فليغمسه، ثم لينزعه فإن في إحدى جناحيه داء وفي الآخر شفاء» (4) وبه يتبين أن ميتة الحيوان المائي وما لا دم له طاهرة عند الحنفية. ومثلهم قال المالكية (5) : ميتة البحر وما لا دم له طاهرة.\r-------------------------------\r(1) أخرجه أحمد وابن ماجه والدارقطني عن ابن عمر، وفيه ضعف ( سبل السلام:25/1، نيل الأوطار:150/1).\r(2) أخرجه أصحاب السنن الأربعة وابن أبي شيبة، واللفظ له، وصححه ابن خزيمة والترمذي عن أبي هريرة ( سبل السلام :14/1).\r(3) فتح القدير:57/1، البدائع:62/1 ومابعدها، مراقي الفلاح: ص25.\r(4) رواه البخاري عن أبي هريرة. قال الشافعي: « ووجه ذلك أنه عليه السلام لايأمر بغمس ماينجس ما مات فيه؛ لأن ذلك عمد إفساده » وزاد فيه أبو داود بإسناد حسن: « وأنه يتقي بجناحه الذي فيه الداء» (نصب الراية:115/1 ).\r(5) بداية المجتهد: 1/47، الشرح الصغير44/1،45،49 القوانين الفقهية: ص 34.","part":1,"page":263},{"id":265,"text":"وقال الشافعية والحنابلة (1) : ميتة السمك والجراد ونحوهما من حيوان البحر طاهرة، وأما ميتة ما لا دم له سائل كالذباب والبق والخنافس والعقارب والصاصر ونحوها، فهي نجسة عند الشافعية، طاهرة عند الحنابلة، وميتة حيوان البحر الذي يعيش في البر كالضفدع والتمساح والحية، نجسة عند الشافعية والحنابلة.\rإلا أن الشافعية قالوا: ميتة دود نحو خل وتفاح نجسة، لكن لا تنجسه لعسر الاحتراز عنها، ويجوز أكله معه، لعسر تمييزه.\rوقال الحنابلة: ما لا نفس (دم) له سائلة: إن تولد من الطاهرات فهو طاهر حياً وميتاً، وأما إن تولد من النجاسات كدود الحَشّ (البستان) وصراصره فهو نجس، حياً وميتاً؛ لأنه متولد من النجاسة، فكان نجساً كولد الكلب والخنزير.\rوالخلاصة: أن ميتة الحيوان المائي وما لا دم له طاهرة عند الفقهاء إلا الشافعية فيقولون بنجاسة ميتة ما لا دم له سائل، لقوله تعالى: {حرمت عليكم الميتة} [المائدة 5 / 3 ]و الميتة عند الشافعية:مازالت حياته،لابذكاة شرعية،كذبيحة المجوسي،والمُحرم ( بضم الميم )،وماذبح بالعظم ، وغيرالمأكول إذا ذبح.وكذلك قال المالكية:جميع ما ذكِّي(ذبح ) بذبح أونحر أوعقرمن غيرمحرم الأكل طاهر،أما ماحرم أكله كالحميروالبغال،والخيل عندهم ،فإن الذكاة لاتعمل فيه وكذا الكلب والخنزير لاتعمل فيه.وكذا الكلب والخنزير لاتعمل فيهما الذكاة،فميتة ماذكر نجسة.\r-------------------------------\r(1) مغني المحتاج: 78/1، المهذب 47/1، المغني:42/1 - 44، كشاف القناع: 223/1.","part":1,"page":264},{"id":266,"text":"3 ً-أجزاءالميتة الصلبة التي لادم فيها:\rكالقرن والعظم والسن ومنه عاج الفيل والحافر والخف والظلف والشعر والصوف والعصب والإنفحة (1) الصلبة:طاهرة ليست بنجسة عند الحنفية (2) ،لأن هذه الأشياء ليست بميتة؛ لأن الميتة من الحيوان شرعا : ما زالت حياته ,لابصنع إنسان ،أوبصنع غيرمشروع،ولاحياة في هذه الأشياء، فلا تكون ميتة.ولأن نجاسة الميتات لما فيها من الدماءالسائلة والرطوبات النجسة،ولم توجد في هذه الأشياء.\rوبناءعليه يكون الجزء المقطوع من هذه الأشياء في حال الحياة طاهراً.\rوأما الإنفحة المائعة واللبن فطاهران عندأبي حنيفة،لقوله تعالى: {وإن لكم في الأنعام لعبرة نسقيكم مما في بطونه من بين فرث ودم لبناً خالصاً سائغاً للشاربين} [ النحل 16 / 66 ]. وقال الصاحبان ـ وقولهما هو الأظهر ـ : هما نجسان؛ لأن اللبن وإن كان طاهراً بنفسه، لكنه صار نجساً لمجاورة النجس.\rوقال الجمهور غير الحنفية (3) :أجزاء الميتة كلها نجسة، ومنها الإنفحة واللبن إلا إذا أخذا من الرضيع عند الشافعية؛ لأن كلاً منها تحلة الحياة، إلا أن الحنابلة قالوا: صوف الميتة وشعرها طاهر، لما رواه الدارقطني عن النبي صلّى الله عليه وسلم أنه قال: «لابأس بمسك الميتة إذا دبغ، وصوفها وشعرها إذا غسل» لكنه حديث ضعيف.\rكما أن المالكية استثنوا زغب الريش والشعر، فقالوا بطهارتهما، لأنه ليس بميتة، بخلاف العظم فإنه ميتة. ورجح بعض المالكية الكراهة التنزيهية لناب الفيل الميت المسمى بالعاج، وكذا قصب الريش من حي أو ميت: وهو الذي يكتنفه الزغب.\rوالخلاصة: أن الفقهاء ما عدا الشافعية يقولون بطهارة شعر الميتة وصوفها وريشها.\r4 ً - جلد الميتة:\r-------------------------------\r(1) الإنفحة كما بينا سابقاً: شيء يستخرج من بطن الجدي قبل أن يُطْعَم غير اللبن، فيعصر في صوفة مبتلة في اللبن، فيغلظ كالجبن، وهو المعروف عند العامة بالمجبنة .\r(2) البدائع:63/1.\r(3) الشرح الصغير:44/1،49 ومابعدها، الشرح الكبير:55/1، مغني المحتاج:78/1، المغني:52/1،72،74،79.","part":1,"page":265},{"id":267,"text":"قال المالكية والحنابلة في المشهور عندهم (1) : جلد الميتة نجس، دبغ أو لم يدبغ، لأنه جزء من الميتة، فكان محرماً لقوله تعالى: {حرمت عليكم الميتة} [المائدة 5 / 3 ]فلم يطهر بالدبغ كاللحم، وللأحاديث النبوية الواردة في ذلك، منها: «لا تنتفعوا من الميتة بشيء» (2) ، ومنها كتابه صلّى الله عليه وسلم إلى جهينة: «إني كنت رخصت لكم في جلود الميتة، فإذا جاءكم كتابي هذا، فلا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولاعصب» (3) وفي لفظ: «أتانا كتاب رسول االله صلّى الله عليه وسلم قبل وفاته بشهر أو شهرين» وهو ناسخ لما قبله، لأنه في آخر عمر النبي صلّى الله عليه وسلم . وتأول المالكية حديث «أيما إهاب ـ أي جلد ـ دبغ فقد طهر» بأنه في مشهور المذهب محمول على الطهارة اللغوية، لا الشرعية.\rومثل ذلك: إذا ذبح ما لا يؤكل لحمه، يكون جلده نجساً، دبغ أو لم يدبغ.\rوقال الحنفية والشافعية (4) : تطهر الجلود النجسة بالموت وغيره، كالمذبوح غير المأكول اللحم بالدباغ، لقوله صلّى الله عليه وسلم: «أيما إهاب دبغ فقد طهر» (5) ورواه مسلم بلفظ: «إذا دبغ الإهاب فقد طهر» وهذا هو الراجح لصحة هذا الحديث، ولأن الدبغ يقطع الرطوبات ويزيل النجاسات، ويؤيده حديث البخاري ومسلم عن ابن عباس، قال: «تُصُدِّق على مولاة لميمونة بشاة، فماتت، فمر بها رسول الله صلّى الله عليه وسلم ، فقال: هلا أخذتم إهابها فدبغتموه، فانتفعتم به؟ فقالوا: إنها ميتة؟ قال: إنما حرم أكلها» .\r-------------------------------\r(1) الشرح الصغير:51/1، المغني:66/1، بداية المجتهد:76/1.\r(2) رواه أبو بكر الشافعي بإسناده عن أبي الزبير عن جابر، وإسناده حسن.\r(3) رواه أحمد وأبو داود عن عبد الله بن عُكيم،وقال أحمد: إسناده جيد، لكن التحقيق أن هذا الحديث ضعيف، لانقطاع سنده واضطراب متنه وسنده، وللإطلاق تارة، والتقييد أخرى فيه بشهر أو بشهرين. وقال الترمذي: إن أحمد ترك أخيراً هذا الحديث، لاضطرابهم في إسناده. وجمع بعضهم بينه وبين الأحاديث الصحيحة في تطهير الدبغ بأنه في الجلود التي لم تدبغ، لأن اسم ( الإهاب ) خاص بالجلد الذي لم يدبغ.\r(4) البدائع: 85/1، مغني المحتاج:82/1.\r(5) رواه اثنان من الصحابة: ابن عباس، وابن عمر، الأول رواه النسائي والترمذي وابن ماجه وقال الترمذي: حديث حسن صحيح. والثاني: رواه الدارقطني، وقال: إسناده حسن ( نصب الراية: 115/1 وما بعدها).","part":1,"page":266},{"id":268,"text":"وفي لفظ، قال: «يُطَهِّرها اماء والقَرَظ» قال النووي في شرح مسلم: يجوز الدباغ بكل شيء ينشف فضلات الجلد ويطيبه ويمنع من ورود الفساد عليه كالشَّت (من جواهر الأرض يشبه الزاج) والقرظ وقشور الرمان وغير ذلك من الأدوية الطاهرة، ولا يحصل بالشمس إلا عند الحنفية، ولا بالتراب والرماد والملح على الأصح.\rأي أن الحنفية يجيزون الدبغ الحقيقي بمواد كيماوية، والدبغ الحكمي كالتتريب والتشميس؛ لأن كل ذك مجفف قالع مطهر، كما قدمنا سابقاً.","part":1,"page":267},{"id":269,"text":"5 ً - بول الصبي الرضيع الذي لم يطعم غير اللبن:\rقرر الشافعية والحنابلة (1) : أن ما تنجس ببول أو قيء صبي لم يَطْعم (يتناول قبل مضي حولين) غير لبن للتغذي (لا تحنيكه بنحو تمر حين الولادة)، ينضح، أما الطفلة الصبية والخنثى فلا بد من غسل موضع بولهما، بإسالة الماء عليه، عملاً بالأصل في نجاسة الأبوال. واستثناء الصبي بسبب كثرة حمله على الأيدي، مأخوذ من خبر الشيخين: عن أم قيس بنت مِحْصَن أنها: «أتت بابن لها صغير لم يأكل الطعام، فأجلسه رسول الله صلّى الله عليه وسلم في حِجْره، فبال على ثوبه، فدعا بماء، فنضحه ولم يغسله» ولخبر الترمذي وحسنه: «يغسل من بول الجارية، ويرش من بول الغلام» (2) وفرّق بينهما بأن الائتلاف بحمل الصبي أكثر، فخفف في بوله، وبأن بوله أرقّ من بولها، فلا يلصق بالمحل لصوق بولها به، وألحق بها الخنثى.\rوهذا الرأ ي هو الراجح، لصحة الحديث الخاص والوار فيه، فيقدم على الحديث العام الآمر بالاستنزاه من البول.\rوقرر الحنفية والمالكية (3) : نجاسة بول أو قيء الصبي والصبية، ووجوب الغسل منه، عملاً بعموم الأحاديث الآمرة بالاستنزاه من البول: «استنزهوا من البول، فإن عامة عذاب القبر منه» (4) .\rإلا أن المالكية قالوا: يعفى عما يصيب ثوب المرضعة أو جسدها من بول أو غائط الطفل، سواء أكانت أماً أم غيرها، إذا كانت تجتهد في درء النجاسة عنها حال نزولها، بخلاف المفرِّطة، لكن يندب لها غسله إن تفاحش.\r6 ً - بول الحيوان المأكول اللحم وفضلاته ورجيعه :\rهناك اتجاهان فقهيان: أحدهما القول بالطهارة، والآخر القول بالنجاسة، الأول للمالكية والحنابلة، والثاني للحنفية والشافعية.\r-------------------------------\r(1) مغني المحتاج:84/1، كشاف القناع:217/1، المهذب:49/1.\r(2) راجع الحديثين في نصب الراية 126/1-127.\r(3) بداية المجتهد:77/1،82، الشرح الصغير: 73/1، مراقي الفلاح: ص 25، اللباب شرح الكتاب: 55/1، فتح القدير: 140/1، الدر المختار: 293/1.\r(4) رواه ثلاثة من الصحابة: أنس، وأبو هريرة، وابن عباس، وحديث أنس رواه الدارقطني، وهو مرسل، وحديث أبي هريرة رواه الدارقطني أيضاً والحاكم في المستدرك، وقال: حديث صحيح على شرط الشيخين، ولا أعرف له علة، ولم يخرجاه، وحديث ابن عباس رواه الطبراني والدارقطني والبيهقي والحاكم (نصب الراية:128/1).","part":1,"page":268},{"id":270,"text":"قال المالكية والحنابلة (1) : بول ما يؤكل لحمه من الحيوان كالإبل والبقر والغنم والدجاج والحمام وجميع الطيور، ورجيعه وفضلاته (روثه): شيء طاهر، واستثنى المالكية التي تأكل النجاسة أو تشربها، فتكون فضلته نجسة، كما أن ما يكون منها مكروهاً، أبوالها وأرواثها مكروهة. وهكذا فإن أبوال سائر الحيوانات تابعة للحومها، فبول الحيوان المحرم الأكل نجس، وبول الحلال طاهر، وبول المكروه مكروه.\rودليلهم على الطهارة: إباحته عليه الصلاة والسلام للعُرَنيين شرب أبوال الإبل وألبانها (2) ،ولأن إباحة الصلاة في مرابض الغنم دليل على طهارة أرواثها وأبوالها (3) .\r-------------------------------\r(1) الشرح الصغير: 47/1، بداية المجتهد: 77/1 ومابعدها، القوانين الفقهية: ص33 ومابعدها، كشاف القناع: 220/1.\r(2) روى الشيخان وأحمد عن أنس بن مالك « أن رهطاً من عُكْل أو قال: عُرَيْنة، قدموا، فاجتووا المدينة، فأمر لهم رسول الله صلّى الله عليه وسلم بلقاح ، وأمرهم أن يخرجوا، فيشربوا من أبوالها وألبانها » واجتووها أي استوخموها، يقال: اجتويت المدينة: إذا كرهت المقام فيها، وإن كنت في نعمة، وقيده الخطابي: بما إذا تضرر بالإقامة، وهو المناسب لهذه القصة ( نيل الأوطار: 48/1).\r(3) قال ابن تيمية في نهاية الحديث السابق: وقد ثبت عنه أنه قال: صلوا في مرابض الغنم، روى أحمد والترمذي وصححه قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم : « صلوا في مرابض الغنم، ولاتصلوا في أعطان الإبل » قيل: إن حكمة النهي مافيها من النفور، فربما نفرت وهو في الصلاة فتؤدي إلى قطعها ( نيل الأوطار:137/2).","part":1,"page":269},{"id":271,"text":"وقال الشافعية والحنفية (1) : البول والقيء والروث من الحيوان أو الإنسان مطلقاً نجس، لأمره صلّى الله عليه وسلم بصب الماء على بول الأعرابي في المسجد (2) ، ولقوله صلّى الله عليه وسلم في حديث القبرين: «أما أحدهما فكان لا يستنزه من البول» (3) ، ولقوله صلّى الله عليه وسلم السابق: «استنزهوا من البول» وللحديث السابق: «أنه صلّى الله عليه وسلم لما جيء له بحجرين وروثة ليستنجي بها، أخذ الحجرين ورد الروثة، وقال: هذا ركس، والركس: النجس» . والقيء وإن لم يتغير وهو الخارج من المعدة: نجس؛ لأنه من الفضلات المستحيلة كالبول. ومثله البلغم الصاعد من المعدة، نجس أيضاً، بخلاف النازل من الرأس أو من أقصى الحلق والصدر، فإنه طاهر.\rوأما حديث العرنيين وأمره عليه السلام لهم بشرب أبوال الإبل، فكان للتداوي، والتداوي بالنجس جائز عند فقد الطاهر الذي يقوم مقامه.\r-------------------------------\r(1) مغني المحتاج: 79/1، المهذب:46/1، فتح القدير: 142/1 ومابعدها، مراقي الفلاح: ص25 ومابعدها، الدر المختار: 295/1- 297.\r(2) متفق عليه بين أحمد والشيخين عن أنس بن مالك ( نيل الأوطار :43/1، نصب الراية: 212/1 ).\r(3) رواه البخاري ومسلم عن ابن عباس ( نصب الراية:214/1).","part":1,"page":270},{"id":272,"text":"إلا أن الحنفية فصلوا في الأمر، فقالوا:\rبول ما يؤكل لحمه نجس نجاسة مخففة، فتجوز الصلاة معه إذا أصاب المرء ما يبلغ ربع الثوب. وهو رأي الشيخين أبي حنيفة وأبي يوسف.\rوأما روث الخيل وخِثْي البقر، فنجس نجاسة مغلظة عند أبي حنيفة مثل غير مأكول اللحم، لأنه صلّى الله عليه وسلم رمى الروثة، وقال: هذا رجس أو ركس. ونجس عند الصاحبين نجاسة مخففة، فلا يمنع صحة الصلاة بالثوب المتنجس به حتى يصبح كثيراً فاحشاً، لأن للاجتهاد فيه مساغاً، ولأن فيه ضرورة لامتلاء الطرق به، ورأي الصاحبين هو الأظهر لعموم البلوى بامتلاء الطرق بها.\rوالكثير الفاحش: ما يستكثره الناس ويستفحشونه، كأن يبلغ ربع الثوب.\rوعلى هذا: يكون بول ما يؤكل لحمه، ورجيع (نجو) الكلب، ورجيع ولعاب سباع البهائم كالفهد والسبع والخنزير، وخرء الدجاج والبط والأوز لنتنه، من النجاسة الغليظة بالاتفاق، ويعفى قدر الدرهم منها.\rوبول الفرس، وبول ما يؤكل لحمه، وخرء طير لا يؤكل كالصقر والحدأة في الأصح لعموم الضرورة، من النجاسة الخفيفة، ويعفى منها ما دون ربع الثوب، أو البدن أي ما دون ربع العضو المصاب كاليد والرجل إن كان بدناً. وأما الربع فأكثر فهو كثير فاحش.\rوأما خرء الطير المأكول اللحم الذي يذرق (أو يزرق) في الهواء،كالحمام، فهو طاهر عند الحنفية، لعموم البلوى به بسبب امتلاء الطرق والخانات بها.","part":1,"page":271},{"id":273,"text":"كما أن الإمام محمد حكم آخراً بطهارة بول ما يؤكل لحمه ومنه الفرس، وقال: لا يمنع الروث وإن فحش، لما رأى من بَلْوى الناس من امتلاء الطرق والخانات بها، لما دخل الرِّي مع الخليفة. وقاس المشايخ عليه طين بخارى؛ لأن ممشى الناس والدواب واحد (1) . وهذا يتفق مع رأي مالك وأحمد. وقال الشافعية (2) : يعفى عن ذرق الطير إذا كثر لمشقة الاحتراز عنه. وأرى الأخذ بالأيسر في هذه الأمور ما لم يكثر النجس.\r7 ً - المني: وهو ما يخرج عند اللذة الكبرى عند الجماع ونحوه.\rوفي نجاسته وطهارته رأيان إن كان من الآدمي. وأما مني غير الآدمي فهو نجس عند الحنفية والمالكية، طاهر عند الحنابلة إن كان من مأكول اللحم، والأصح عند الشافعية: طهارة مني غير الكلب والخنزير وفرع أحدهما.\rوفي مني الآدمي: قال الحنفية والمالكية (3) : المني نجس يجب غسل أثره،إلا أن الحنفية قالوا: يجب غسل رَطْبه، فإذا جف على الثوب، أجزأ فيه الفرك.\rوأطلق المالكية الحكم بنجاسة المني ولو من مباح الأكل للاستقذار والاستحالة إلى فساد، ولأن أصله دم، ولا يلزم من العفو عن أصله العفو عنه، أي لا يلزم من العفو عن يسير الدم: (وهو دون الدرهم) العفو عن يسير المني، إذ ليس ما ثبت لأصل يثبت لفرعه.\r------------------------------\r(1) رد المحتار: 295/1 ومابعدها، اللباب شرح الكتاب:56/1.\r(2) مغني المحتاج:188/1.\r(3) الدر المختار:287/1 ومابعدها، اللباب شرح الكتاب:55/1، مراقي الفلاح: ص26، بداية المجتهد:79/1، الشرح الصغير:54/1، الشرح الكبير:56/1.","part":1,"page":272},{"id":274,"text":"ودليلهم حديث عائشة: «كنت أفرك المني من ثوب رسول الله صلّى الله عليه وسلم إذا كان- يابساً، وأغسله إذا كان رطباً» (1) .\rوفي رواية البخاري ومسلم من حديث عائشة: أنها كانت تغسل المني من ثوب رسول الله صلّى الله عليه وسلم ، فيخرج، فيصلي، وأنا أنظر إلى بُقع الماء في ثوبه. ولأنه شبيه بالأحداث الخارجة من البدن، مما يدل على كونه نجساً.\rوقال الشافعية على الأظهر، والحنابلة (2) : المني طاهر ويستحب غسله أو فركه إن كان مني رجل، لحديث عائشة رضي الله تعالى عنها «أنها كانت تُحكَّ المني من ثوب رسول الله صلّى الله عليه وسلم ، ثم يصلي فيه» (3) . وفي رواية «كنت أحكه من ثوبه وهو يصلي فيه» (4) . وقال ابن عباس: «امسحه عنك بإذخرة أو خرقة، فإنما هو بمنزلة المخاط والبصاق» (5) . ويختلف عن البول والمذي بأنه بدء خلق آدمي.\rورجح الشوكاني نجاسة المني فقال: «فالصواب أن المني نجس يجوز تطهيره بأحد الأمور الواردة» (6) أي بالغسل أو المسح أو الفرك. وأرجح القول بطهارته حتى لا يلزم منه القول بنجاسة أصل الإنسان، وتيسيراً على الناس، لكن يزال أثره ندباً، اتباعاً للسنة النبوية.\rويلاحظ أن الحكم بطهارة المني مشروط بألا يسبقه المذي الذي يخرج عادة عند ثورة الشهوة، وبأن يكون العضو مغسولاً مسبقاً بالماء، فإن كان عليه أثر بول بتنشيفه بالورق كما عليه حال كثير من الناس اليوم، فإن المني يتنجس بسبب ما يختلط به من البول. والأولى تخصيص إزار (لباس) لحالات الجماع خروجاً من الخلاف.\r8 ً - ماء القروح:\r-------------------------------\r(1) رواه الدارقطني في سننه والبزار في مسنده، وقال: لايعلم أسنده عن عائشة إلا عبد الله بن الزبير. وأما حديث « اغسليه إن كان رطباً، وافركيه إن كان يابساً » فهو غريب، وحديث لايعرف ( نصب الراية: 209/1 ) وفي الجملة: هذا الحديث مضطرب، إذ في بعضه الغسل، وفي بعضه: ( فيصلي فيه).\r(2) مغني المحتاج:79/1- 80، كشاف القناع:224/1، المهذب:47/1.\r(3) رواه الجماعة، ولفظه : « كنت أفرك المني من ثوب رسول الله صلّى الله عليه وسلم ثم يذهب فيصلي فيه » ( نيل الأوطار :53/1) .\r(4) رواه ابنا خزيمة وحبان في صحيحيهما.\r(5) رواه سعيد ورواه الدارقطني مرفوعاً.\r(6) نيل الأوطار:55/1.","part":1,"page":273},{"id":275,"text":"عدَّ الحنفية والمالكية (1) من النجاسات: القيح (وهو المِدَّة الخاثرة تخرج من الدمل) والصديد ( وهو الماء الرقيق من المِدَّة، الذي قد يخالطه دم )، وماء القروح (المصل الأبيض): وهو كل ما سال من الجرح من نَفَط نار، أو جَرب أو حكة أو غير ذلك، لكن يعفى عن قليل الصديد والقيح كالدم.\rواتفق الشافعية والحنابلة (2) مع بقية الأئمة في الحكم بنجاسة القيح والصديد، لكن قرر الحنابلة أنه يعفى عن يسير دم وما تولد منه من قيح وغيره كصديد، وماء قروح، في غير مائع ومطعوم؛ لأن الإنسان غالباً لا يسلم منه، ولأنه يشق الاحتراز عنه، كأثر الاستجمار. وأما المائع والمطعوم فلا يعفى عن شيء من ذلك.\rوقدر اليسير المعفو عنه: هو الذي لم ينقض الوضوء، أي ما لا يفحش في النفس، ويعفى من القيح ونحوه أكثر مما يعفى عن مثله من الدم. والمعفو عنه إذا كان من حيوان طاهر من آدمي من غير سبيل، فإن كان من سبيل لم يعف عنه.\rوالمذهب قطعاً عند الشافعية: طهارة دم البَثَرات ( خرَّاج صغير) ودم البراغيث وونيم الذباب، وماء القروح والنفاطات (أي الحروق) أو المتنفِّط الذي له ريح، أو لا ريح له في الأظهر، وموضع الفصد والحجامة، قليلاً كان أو كثيراً. والأظهر العفو عن قليل دم الأجنبي، أي عن دم الإنسان المنفصل عنه ثم العائد إليه.\r-------------------------------\r(1) البدائع:60/1، الدر المختار:294/1، الشرح الكبير:56/1 ومابعدها، الشرح الصغير:55/1، القوانين الفقهية: ص 33.\r(2) كشاف القناع:219/1، مغني المحتاج:79/1،193-194، المهذب:47/1.","part":1,"page":274},{"id":276,"text":"9 ً - الآدمي الميت، وما يسيل من فم النائم:\rعرفنا في أنواع المطهرات في الآدمي الميت قولين (1) :\rقول الحنفية: إنه ينجس عملاً بفتوى بعض الصحابة (ابن عباس وابن الزبير) كسائر الميتات.\rوقول جمهور العلماء: إنه طاهر، لقوله صلّى الله عليه وسلم : «إن المسلم لا ينجس» .\rوأما الماء السائل من فم النائم وقت النوم فهو طاهر كما صرح الشافعية والحنابلة (2) ، إلا أن الشافعية والمالكية قالوا: إن كان من المعدة كأن خرج منتناً بصفرة فنجس كالبلغم الصاعد من المعدة، فإن كان من غيرها أو شك في أنه منها أو لا، فإنه طاهر.\rوعد المالكية (3) من الطاهر: القَلَس، وهو ما تقذفه المعدة من الماء عند امتلائها، ما لم يشابه في التغير أحد أوصاف العَذِرة.\r-------------------------------\r(1) فتح القدير:72/1، الشرح الصغير:44/1، مغني المحتاج:78/1، كشاف القناع:222/1، المهذب:47/1.\r(2) مغني المحتاج:79/1، كشاف القناع:220/1 .\r(3) الشرح الصغير:48/1.","part":1,"page":275},{"id":277,"text":"المطلب الثاني ـ أنواع النجاسة الحقيقية:\rللنجاسة الحقيقية تقسيمات عند الحنفية هي ما يأتي:\rالتقسيم الأول ـ تقسيم النجاسة إلى مغلظة ومخففة (1) :\rالنجاسة المغلظة: ما ثبتت بدليل مقطوع به، كالدم المسفوح والغائط، والبول من غير مأكول اللحم، ولو من صغير لم يطعم، والخمر (2) ، وخُرْء طير لايزرق في الهواء كدجاج وبط وإوز، ولحم الميتة وإهابها، ونجو (قذر) الكلب، ورجيع السباع ولعابها، والقيء ملء الفم، وكل ما ينقض الوضوء إذا خرج من الإنسان كالعذرة والمني والمذي والدم السائل.\rويعفى منها في الصلاة مقدار الدرهم فما دونه: (وهو الدرهم الكبير المثقال، وفي المساحة: قدر عرض الكف في الصحيح)؛ لأن القليل لا يمكن التحرز عنه، وقدر القليل بالدرهم أخذاً عن موضع الاستنجاء، فإن زادت النجاسة عن الدرهم لم تجز الصلاة.والنجاسة المخففة: وهي ماتثبت بدليل غير مقطوع به، كبول مايؤكل لحمه، ومنه الفرس، وخرء طير لايؤكل، أما نجاسة البعر ( للإبل والغنم ) والروث (للفرس والبغل والحمار) والخِثْي ( للبقر ) فهي غليظة عند أبي حنيفة، وقال الصاحبان: خفيفة، ورأيهما هو الأظهر، لعموم البلوى بامتلاء الطرق بها، وطهرها محمد آخراً، وقال: لايمنع الروث وإن فحش. وفي عصرنا في الطرق المعبدة تعتبر النجاسة مخففة.\rويعفى من النجاسة المخففة في الصلاة: مقدار ربع جميع الثوب، إن كان المصاب ثوباً، وربع العضو المصاب كاليد والرجل، إن كان المصاب بدناً. وهذا التقديرمراعى فيه التيسير على الناس، سيما من لا رأي له من العوام.\rالتقسيم الثاني ـ تقسيم النجاسة إلى جامدة ومائعة:\rالنجاسة الجامدة: كالميتة والغائط.\rوالمائعة: كالبول والدم المسفوح والمذي.\rالتقسيم الثالث ـ تقسيم النجاسة إلى مرئية وغير مرئية (3) :\rالمرئية أو العينية: ما يكون مرئياً بالعين بعد الجفاف كالعذرة والدم، وطهارة النجاسة المرئية تكون بزوال عينها ولو بمرة على الصحيح؛ لأن النجاسة حلت المحل، باعتبار العين (الجِرْم)، فتزول بزوالها.\rوغير المرئية أو غير العينية: ما لا يكون مرئياً بعد الجفاف كالبول ونحوه، أي مالا تكون ذاته مشاهدة بحس البصر. وطهارته أن يغسل حتى يغلب على ظن الغاسل أن المحل قد طهر، وقدر ذلك لموسوس بثلاث مرات؛ لأن التكرار لا بد منه لاستخراج النجاسة، وإذا لم يقطع بزواله، فالمعتبر غالب الظن، كما في أمر الاجتهاد في القِبْلة، ولا بد من العَصْر في كل مرة، في ظاهر الرواية، لأنه هو المستخرِج.\r-------------------------------\r(1) العناية بهامش فتح القدير:140/1-144، الدر المختار:293/1 -297، اللباب: 55/1 .\r(2) وأما الأشربة المحرمة الأخرى سوى الخمر فنجاستها غليظة في ظاهر الرواية، خفيفة على قياس قول الصاحبين لاختلاف الأئمة فيها ( رد المحتار :295/1).\r(3) فتح القدير:145/1، الدر المختار:303/1 -307، اللباب: 57/1، مراقي الفلاح: ص26.","part":1,"page":276},{"id":278,"text":"النجاسات عند غير الحنفية:\rيلاحظ أن هذه التقسيمات معروفة عند غير الحنفية، وأضاف إليها المالكية تقسيماً آخر عندهم وهو: النجاسة المجمع عليها في المذهب، والمختلف فيها في المذهب (1) .\rوالنجاسات المجمع عليها في المذهب: ثماني عشرة: بول ابن آدم الكبير، ورجيعه، والمذي، والودي، ولحم الميتة، والخنزير وعظمهما، وجلد الخنزير مطلقاً، وجلد الميتة إن لم يدبغ، وما قطع من الحي في حال حياته إلا الشعر وما في معناه، ولبن الخنزيرة، والمسكر، وبول الحيوان المحرم الأكل، ورجيعه ، والمني، والدم الكثير، والقيح الكثير، والأصح أن كل حي ولو كلباً أو خنزيراً طاهر، وكذا عرقه في المعتمد عند المالكية.\rوالنجاسات المختلف فيها في المذهب المالكي ثماني عشرة: بول الصبي الذي لا يأكل الطعام، وبول الحيوان المكروه الأكل، وجلد الميتة إذا دبغ، وجلد المذكى المحرم الأكل، ولحمه، وعظمه، ورماد الميتة، وناب الفيل، ودم الحوت، والذباب، والقليل من دم الحيض، والقليل من الصديد، ولعاب الكلب، ولبن مالايؤكل لحمه غير الخنزير، ولبن مستعمل النجاسة، وعرق مستعمل النجاسة، وشعر الخنزير، والخمر إذا خللت.\rوتظهر ثمرة هذه التقسيمات في كيفية التطهير، وفي المقدار المعفو عنه.\r-------------------------------\r(1) القوانين الفقهية: ص34.","part":1,"page":277},{"id":279,"text":"المبحث الثاني ـ المقدار المعفو عنه من النجاسة\rللفقهاء تقديرات للمعفو عنه من النجاسات لا مانع في تقديري من الأخذ بها دفعاً للحرج ومراعاة اليسر، وأهمها في كل مذهب ما يأتي:\r1 ً - مذهب الحنفية (1) :\rحددوا المعفو عنه بحسب نوع النجاسة مغلظة أو مخففه: يعفى من النجاسة المغلظة أو المخففه: القدر القليل، دون الكثير، وقدروا القليل في النجاسة الجامدة المغلظة: بما دون الدرهم (975،2غم): وهو ما يزن عشرين قيراطاً، وبما دون مقعر الكف في النجاسة المائعة. وتكره الصلاة تحريماً في المشهور بالقدر القليل من النجاسة، مع كونه معفواً عنه.\rوالقليل من النجاسة المخففة في الثياب: ما دون ربع الثوب، وفي البدن: مادون ربع العضو المصاب كاليد والرجل.\rكما يعفى عن القليل من بول أو خرء الهرة والفأرة، في الطعام والثياب للضرورة. وعن انتضاح غسالة لا تظهر مواقع قطرها في الإناء، وعن رشاش بول، كرؤوس الإبر، للضرورة، وإن امتلأ منه الثوب والبدن، لكن لو وقع في ماء قليل نجَّسه في الأصح، لأن طهارة الماء آكد، ومثله الدم الذي يصيب الجزار، وأثر الذباب الذي وقع على نجاسة. ومثله أيضاً روث الحمار وخِثْي البقر والفيل في حالة الضرورة والبلوى.\rويعفى عما لا يمكن الاحتراز أو الامتناع عنه من غسالة الميت ما دام في تغسيله، لعموم البلوى. كما يعفى عن طين الشوارع، إلا إذا علم عين النجاسة للضرورة.\rويعفى عن الدم الباقي في عروق الحيوان المذكى (المذبوح) لتعذر الاحتراز عنه، وعن دم الكبد والطحال والقلب، لأنه دم غير مسفوح، وعن الدم الذي لا ينقض الوضوء في الصحيح، وعن دم البق والبراغيث والقمل وإن كثر، وعن دم السمك في الصحيح وعن لعاب البغل والحمار، والمذهب طهارته، وعن دم الشهيد في حقه وإن كان مسفوحاً.\rويعفى للضرورة عن بخار النجس وغباره ورماد ه لئلا يحكم بنجاسة الخبز في سائر الأمصار، وعن ريح هبت على نجاسة فأصابت الريح الثوب، إلا إذا ظهر أثر النجاسة في الثوب.\r-------------------------------\r(1) فتح القدير:140/1-146، الدر المختار وحاشية ابن عابدين:295/1-309، مراقي الفلاح: ص 25 ومابعدها.","part":1,"page":278},{"id":280,"text":"ويعفى عن بعر الإبل والغنم إذا وقع في البئر أو في الإناء ما لم يكثر كثرة فاحشة أو يتفتت، فيتلون به الماء. والقليل: هو ما يستقله الناظر إليه، والكثير: مايستفحشه الناظر إليه.\rوأما خرء الطيور المأكولة التي تذرق في الهواء، فهو طاهر، وإن لم تذرق فهو نجاسة مخففة.\rوهكذا فإن سبب العفو إما الضرورة، أو عموم البلوى، أو تعذر الاحتراز (الامتناع) عن النجس.\r2 ً - مذهب المالكية (1) :\rيعفى عن القليل من دم الحيوان البري، وعن القليل من الصديد والقيح، وهو بمقدار الدرهم البغلي: وهو الدائرة السوداء الكائنة في ذراع البغل فدون. وذلك سواء أكان الدم ونحوه من نفسه أم من غيره، من آدمي أو حيوان ولو من خنزير، بثوب أو بدن أو مكان.\rويعفى عن كل ما يعسر التحرز عنه من النجاسات بالنسبة للصلاة ودخول المسجد، لا بالنسبة للطعام والشراب، فإذا حل ذلك بطعام أو شراب نجَّسه، ولايجوز أكله وشربه، والمعفو عنه لمشقة الاحتراز ما يأتي:\rسلَس الأحداث: وهو ما خرج بنفسه من غير اختيار من الأحداث، كالبول والمذي والمني والغائط يسيل من المخرج بنفسه، فيعفى عنه، ولا يجب غسله للضرورة إذا لازم كل يوم، ولو مرة.\rوبلل الباسور (2) إذا أصاب البدن أو الثوب كل يوم ولو مرة. أما اليد أو الخرقة، فلا يعفى عن غسلها، إلا إذا كثر الرد بها أي إرجاع الباسور، بأن يزيد على المرتين كل يوم، وإلا وجب غسلها؛ لأن اليد لا يشق غسلها كالثوب والبدن.\rوما يصيب ثوب المرضعة أو جسدها من بول أو غائط طفلها، ولو لم يكن وليدها، إذا كانت تجتهد في درء النجاسة عنها حال نزولها، بخلاف المفرّطة. ومثلها الجزار والكنَّاف والطبيب الذي يعالج الجروح، ويندب لها ولأمثالها إعداد ثوب خاص للصلاة.\r-------------------------------\r(1) القوانين الفقهية: ص 33، الشرح الكبير:56/1،58،71-81، 112، الشرح الصغير: 71/1-79.\r(2) الباسور: هو النابت داخل مخرج الغائط بحيث يخرج منه وعليه بلولة النجاسة. وخروج الصرم كالباسور.","part":1,"page":279},{"id":281,"text":"وما يصيب ثوب المصلي أو بدنه أو مكانه من بول أو روث خيل أو بغال أو حمير، إذا كان ممن يزاول رعيها أو علفها أو ربطها، ونحو ذلك، لمشقة الاحتراز.\rأثر ذباب أو ناموس يقع على نجاسة (عَذِرة أو بول أو دم) بأرجله أو فمه، ثم يطير ويحط على ثوب أو بدن لمشقة الاحتراز.\rأثر الوشم الذي تعسر إزالته لضرورة (1) .\rأثر موضع الحجامة إذا مسح بخرقة ونحوها، إلى أن يبرأ المحل، فيغسل، لمشقة غسله قبل برء الجرح، فإذا برأ غسل وجوباً أو ندباً على قولين.\rأثر الدمامل من المِدَّة السائلة إذا كثرت، سواء سالت بنفسها أو بعصرها، لأن كثرتها مظنة الاضطرار كالحكة والجرب. فإن كانت دملاً واحداً فيعفى عما سال منه بنفسه أو بعصر احتيج إليه. فإن عصر بغير حاجة لم يعف إلا عن قدر الدرهم دون مازاد عليه.\rدم البراغيث بما دون الدرهم، لا مازاد عنه، وخرء البراغيث ولو كثر. والقليل من ميتة القمل، ثلاث فأقل.\rالماء الخارج من فم النائم إذا كان من المعدة بحيث يكون أصفر منتناً، إذا لازم، فإن لم يلازم فهو نجس.\rطين المطر، وماؤه المختلط بنجاسة، إذا أصاب الثوب أو الرجل، ما دام طرياً في الطرق، ولو بعد انقطاع المطر، ما لم تغلب النجاسة على الطين بأن تكون أكثر منه يقيناً أو ظناً، وما لم تصب الإنسان عين النجاسة غير المختلطة بغيرها، وما لم يكن له دخل في الإصابة بشيء من الطين. فإن وجدت حالة من هذه الثلاث فلا عفو ، ويجب الغسل، كما لا عفو بعد جفاف الطرق، لزوال المشقة.\r-------------------------------\r(1) فتح العلي المالك للشيخ عليش:112/1.","part":1,"page":280},{"id":282,"text":"أثر الاستجمار بحجر أو ورق بالنسبة للرجل، إن كان غير زائد على المعتاد. أما إن كان منتشراً كثيراً، غسل الزائد على ما جرت العادة بتلويثه، ويعفى عن المعتاد. ويتعين الماء في الاستنجاء بالتبول من قبل المرأة، كما سأفصّل في بحث الاستنجاء.\r3 ً - مذهب الشافعية (1) :\rلا يعفى عن شيء من النجاسات إلا ما يأتي:\rما لا يدركه البصر المعتدل كالدم اليسير والبول المترشش.\rالقليل والكثير من دم البثرات والبقابيق والدماميل والقروح والقيح والصديد منها، ودم البراغيث والقمل والبعوض والبق ونحوه مما لا دم له سائل (2) ، وموضع الحجامة والفصد، وونيم الذباب، وبول الخُفَّاش، وسلس البول، ودم الاستحاضة، وماء القروح والنفاطات (البقابيق) الذي له ريح، وما لا ريح له في الأظهر، لمشقة الاحتراز عنه.\rلكن إذا عصر البثرة أو الدمل أو قتل البرغوث أو فرش أوحمل الثوب الذي فيه ذلك المعفو عنه، عفي عن قليله فقط إذ لا مشقة في تجنبه، ولا يعفى عن جلد البرغوث ونحوه. كما يعفى في الأظهر عن قليل دم الأجنبي (3) ، غير الكلب والخنزير، ومن الأجنبي: ما انفصل من بدنه ثم أصابه، وسبب العفو: هو المسامحة، أما دم الكلب ونحوه فلا يعفى عن قليله لغلظ حكمه. ويتحدد القليل والكثير بالعرف ، ويعفى عن قليل الدم الذي يصيب ثوب الجزار، والدم الباقي على اللحم.\rويلاحظ أن محل العفو عن سائر الدماء ما لم يختلط بأجنبي، فإن اختلط به ولو دم نفسه من موضع آخر لم يعف عن شيء منه.\r-------------------------------\r(1) المجموع:266/1،292 ومابعدها، مغني المحتاج:81/1، 191-194، شرح الباجوري:104/1،107، حاشية الشرقاوي على تحفة الطلاب:133/1 ومابعدها، شرح الحضرمية لابن حجر: ص 50 ومابعدها.\r(2) كذباب ونمل وعقرب وزنبور ( دبور ) ووزغ ( وهو البرص )، لا نحو حية وضفدع وفأرة.\r(3) أي ماانفصل عن الإنسان نفسه ثم عاد إليه، لكن لو أخذ دماً أجنبياً ولطخ به بدنه أو ثوبه، فإنه لايعفى عن شيء منه، لتعديه بذلك، فإن التضمخ بالنجاسة حرام.","part":1,"page":281},{"id":283,"text":"ويعفى عن أثر محل الاستجمار في حق صاحبه دون غيره، حتى ولو عرق محل الأثر وانتشر، ولم يجاوز محل الاستنجاء.\rويعفى عما يتعذر الاحتراز عنه غالباً من طين الشارع المتيقن نجاسته، في زمن الشتاء، لا في زمن الصيف، إذا كان في أسفل الثوب (ذيله)، والرجل، دون الكم واليد، بشرط ألا تظهر عين النجاسة عليه، وأن يكون المرء محترزاً عن إصابتها بحيث لا يرخي ذيل ثيابه، وأن تصيبه النجاسة وهو ماش أو راكب، لا إن سقط على الأرض.\rفيكون ضابط القليل المعفو عنه: هو الذي لا ينسب صاحبه إلى سقطة على شيء، أو كبوة على وجهه، أو قلة تحفظ، فإن نسب إلى ذلك، فلا يعفى عنه.\rفإن لم يكن الطين متيقن النجاسة، وإنما يغلب على الظن اختلاطه بها كغالب الشوارع، فهو وأمثاله كثياب الخمارين والأطفال والجزارين والكفار الذين يتدينون باستعمال النجاسة، طاهر في الأصح عملاً بالأصل. وإن لم تظن نجاسته فهو طاهر قطعاً، كما أن ماء الميزاب الذي تظن نجاسته طاهر جزماً.\rويعفى عن ميتة دود الفاكهة والخل والجبن المتخلقة فيها ما لم تخرج منه ثم تطرح فيه بعد موتها، وما لم تغيره، وعن الإنفحة المستعملة للجبن،والكحول المستخدم في الأدوية والعطور، وعن دخان النجاسة، وعن القليل من بخار الماء النجس المنفصل بواسطة النار، وعن الخبز المسخن أو المدفون في رماد نجس، وإن علق به شيء منه، وعن الثياب المنشورة على الحيطان المبنية برماد نجس، لمشقة الاحتراز. ويعفى عن الميتة التي لا دم لها سائل إذا وقعت بنفسها في مائع كالذباب والنحل والنمل، ولم تغير المائع الذي وقعت فيه.\rويعفى عن خرء الطيور في الفرش والأرض إن شق الاحتراز عنه، ولم يتعمد المشي عليه، ولم يكن أحد الجانبين رطباً، إلا للضرورة كأن يتعين محل المرور فيه.","part":1,"page":282},{"id":284,"text":"ويعفى عن قليل شعر نجس كشعرة أو شعرتين، من غير كلب أو خنزير أو ما تولد منهما أو من أحدهما مع غيره، فذلك منهما وإن قل غير معفو عنه. ويعفى عن كثير الشعر من مركوب لعسر الاحتراز عنه.\rومن المعفو عنه: أثر الوشم (1) ، وروث السمك في الماء إذا لم يغيره، والدم الباقي على اللحم أو العظم، ولعاب النائم الخارج من المعدة في حق المبتلى به، ومايصيب قائد الحيوان وسائسه ونحوهما من جرَّة البعير ونحوه من الحيوانات المجترة، وروث البهائم وبولها حين درس الحب، وروث الفأر في مجمع الماء في المراحيض إذا كان قليلاً ولم يغير أحد أوصاف الماء، وروث المحلوبة ونجاسة ثديها إذا وقع في اللبن حال حلبه، وأثر روث البهائم المختلط بالطين، الذي يصيب عسل خلايا النحل، ونجاسة فم الصبي عند إرضاعه أو تقبيله.\r4 ً - مذهب الحنابلة (2) :\rلا يعفى عن يسير نجاسة، ولو لم يدركها الطرف (أي البصر) كالذي يعلق بأرجل ذباب ونحوه، لعموم قوله تعالى: {وثيابك فطهر} [المدثر:4/74]، وقول ابن عمر: «أمرنا أن نغسل الأنجاس سبعاً» وغير ذلك من الأدلة.\r-------------------------------\r(1) الوشم: غرز الجلد بالإبرة حتى يخرج الدم، ثم يوضع عليه نحو نيلة ليزرق، أو يخضر بسبب الدم الحاصل بغرز الإبر. وهو حرام لخبر الصحيحين: « لعن الله الواصلة والمستوصلة والواشمة والمستوشمة، والواشرة والمستوشرة، والنامصة والمتنمصة» وتجب إزالته مالم يخف ضرراً يبيح التيمم، فإن خاف ذلك لم تجب إزالته ولا إثم عليه بعد التوبة. وهذا إذا فعله برضاه بعد البلوغ. وإلا فلا تلزمه إزالته ( مغني المحتاج:191/1) وقال الحنفية: يطهر محل الوشم إذا غسل لأنه أثر يشق زواله ( رد المحتار:305/1 ).\r(2) المغني:30/1،78/2-83، كشاف القناع:218/1-221.","part":1,"page":283},{"id":285,"text":"إلا أنه يعفى عن يسير دم وقيح وصديد وماء قروح في غير مائع ومطعوم، لأنه يشق التحرز عنه، وذلك إذا كان من حيوان طاهر حال حياته، من آدمي أو غير آدمي مأكول اللحم كإبل وبقر، أولا كهر ونحوه من غير سبيل (قبل أو دبر)فإن وقع في مائع أو مطعوم، أو كان من حيوان نجس كالكلب والخنزير، والحمار والبغل، أو خرج من أحد السبيلين (القبل أو الدبر) حتى دم حيض ونفاس واستحاضة، فلايعفى فيه عن شيء من ذلك.\rويعفى عن أثر الاستجمار (1) بعد الإنقاء واستيفاء العدد المطلوب في الاستجمار. وعن يسير طين شارع تحققت نجاسته لمشقة التحرز منه.\rوعن يسير سلس بول، مع كمال التحفظ منه، للمشقة.\rوعن يسير دخان نجاسة وغبارها وبخارها، ما لم تظهر له صفة في الشيء الطاهر، لعسر التحرز.\rوعن ماء قليل نجس بماء معفو عن يسيره.\rوعن النجاسة التي تصيب العين، ويتضرر المرء بغسلها.\rوعن أثر الدم الكثير ونحوه كالقيح الواقع على جسم صقيل بعد المسح؛ لأن الباقي بعد المسح يسير.\r-------------------------------\r(1) يعفى عن النجاسات المغلظة لأجل محلها في ثلاثة مواضع:\rأحدها ـ محل الاستنجاء، يعفى عن أثر الاستجمار بعد الإنقاء واستيفاء العدد بغير خلاف نعلمه.\rالثاني ـ أسفل الخف والحذاء، إذا أصابته نجاسة فدلكها بالأرض حتى زالت عين النجاسة، فيه ثلاث روايات: إحداهن ـ يجزئ دلكه بالأرض وتباح الصلاة فيه، ويظهر أن هذه الرواية هي الراجحة كما أوضح ابن قدامة.\rالثالث ـ إذا جبر عظمه بعظم نجس، فجبر، لم يلزمه قلعه إذا خاف الضرر، وأجزأته صلاته (المغني:83/2 ومابعدها).","part":1,"page":284},{"id":286,"text":"وعدوا من الطاهرات: دم العروق من مأكول اللحم، لأنه لا يمكن التحرز منه، ودم السمك، ودم الشهيد الذي عليه ولو كثر، ودم بق وقمل وبراغيث وذباب ونحوها من كل ما لا نفس له سائلة، والكبد والطحال من مأكول، لحديث: «أحل لنا ميتتان ودمان» ، ودود القز وبزره، والمسك وفأرته: وهي سرَّة الغزال، والعنبر لقول ابن عباس ـ فيما ذكره البخاري: «العنبر شيء دسره البحر» أي دفعه ورمى به، وما يسيل من فم النائم وقت النوم، كما سبق بيانه، والبخار الخارج من الجوف، لأنه لا تظهر له صفة بالمحل، ولا يمكن التحرز منه، والبلغم ولو أزرق، سواء أكان من الرأس أم الصدر أم المعدة، لحديث مسلم عن أبي هريرة مرفوعاً: «فإذا تنخع أحدكم، فليتنخع عن يساره، أو تحت قدمه، فإن لم يجد فليقل هكذا، فتفل في ثوبه، ثم مسح بعضه ببعض» ولو كانت النخامة نجسة لما أمر بمسحها في ثوبه، وهو في الصلاة.\rوبول سمك ونحوه مما يؤكل، كل ذلك طاهر.\rالمبحث الثالث ـ كيفية تطهير النجاسة الحقيقية بالماء :\rالمواضع التي تزال عنها النجاسة الحقيقية ثلاثة: هي الأبدان، والثياب، ومواطن الصلاة.\rوقد عرفنا في بحث المطهرات: أن الماء الطهور هو الأصل في إزالة النجاسة، لقوله صلّى الله عليه وسلم لأسماء بنت أبي بكر في كيفية تطهير ثوبها من الحيض: «تحتُّه، ثم تقرصه بالماء»(1) .\rوعرفنا أيضاً أن الرأي الراجح في النجاسة الحقيقية لا الحكمية عند الحنفية: هو جواز التطهير بالمائعات الأخرى غير الماء كماء الورد والخل وعصير الفواكه والنباتات، وأنه يمكن التطهير بمطهرات أخرى كثيرة هي (21) مطهراً عند الحنفية وافقهم في بعضها غيرهم، وخالفهم في البعض الآخر.\r-------------------------------\r(1) متفق عليه بين أحمد والشيخين ( نيل الأوطار:38/1).","part":1,"page":285},{"id":287,"text":"وأما كيفية التطهير بالماء أو شروطه فهي ما يأتي (1) :\r1 ً - العدد:\rاشترط الحنفية العدد في النجاسة غير المرئية وهو الغسل ثلاثاً فقالوا: إن كانت النجاسة غير مرئية كالبول وأثر لعاب الكلب ونحوهما، فطهارته أن يغسل حتى يغلب على ظن الغاسل أنه قد طهر، ولا يطهر إلا بالغسل ثلاث مرات، وإنما قدروا التكرار بالثلاث ولو في نجاسة الكلب؛ لأن غالب الظن يحصل عنده، فأقيم السبب الظاهر مُقَامه تيسيراً.\rودليلهم حديثان هما: «يغسل الإناء من ولوغ الكلب ثلاثاً» (2) و «إذا استيقظ أحدكم من نومه، فليغسل يده ثلاثاً قبل أن يدخلها في إنائه» (3) ، فقد أمر صلّى الله عليه وسلم بالغسل ثلاثاً، وإن كان هناك شيء غير مرئي، وأما الأمر بالغسل سبعاً من ولوغ الكلب، فكان في ابتداء الإسلام، لقلع عادة الناس بإلف الكلاب، كالأمر بكسر الدنان والنهي عن الشرب في ظروف الخمر حين حرمت الخمر.\r-------------------------------\r(1) انظر عند الحنفية: البدائع: 87/1-89، الدر المختار:303/1-310، فتح القدير:145/1، اللباب:57/1، مراقي الفلاح: ص26ومابعدها، وعند المالكية: بداية المجتهد:83/1، الشرح الصغير:81/1-82، القوانين الفقهية: ص35، وعند الشافعية: المجموع:188/1، مغني المحتاج: 83/1-85، المهذب:48/1 ومابعدها، وعند الحنابلة : المغني:52/1-58، كشاف القناع:208/1،213.\r(2) روي عن أبي هريرة من طريقين: الأول عند الدارقطني ، وفيه متروك. وله رواية أخرى بإسناد صحيح، والثاني عند ابن عدي في الكامل، وابن الجوزي، وهو حديث لم يصح (نصب الراية:130/1 ومابعدها).\r(3) رواه مالك والشافعي وأحمد في مسنده وأصحاب الكتب الستة عن أبي هريرة، وهو حديث صحيح حسن.","part":1,"page":286},{"id":288,"text":"وأما إن كانت النجاسة مرئية كالدم ونحوه، فطهارتها زوال عينها ولو بمرة على الصحيح، إلا أن يبقى من أثرها، كلون أو ريح، ما يشق إزالته، فلا يضر بقاؤه، ويغسل إلى أن يصفو الماء، على الراجح، بدليل قوله صلّى الله عليه وسلم للحائض إن لم يخرج أثر الدم: «يكفيك الماء، ولا يضرك أثره» (1) .\rوتظهر المشقة عندما يحتاج في إزالة الأثر إلى غير الماء القَرَاح كصابون أو ماء حار.\rوعليه: يطهر الثوب المصبوغ بمتنجس إذا صار الماء صافياً مع بقاء اللون.\rولا يضر أثر دهن متنجس على الأصح لزوال النجاسة المجاورة بالغسل، ويطهر السمن والدهن المتنجس بصب الماء عليه ورفعه عنه ثلاثاً.\rويطهر اللبن والعسل والدبس والدهن بالغلي على النار ثلاثاً، فيصب عليه الماء، ويغلى، حتى يعلو الدهن، ويرفع بشيء ثلاث مرات.\rويطهر لحم طبخ بخمر بغلي وتبريد ثلاث مرات. وعلى هذا: الدجاج المغلي قبل إخراج أمعائها، يطهر بالغسل ثلاثاً، ويطهر ظاهره وباطنه، على المفتى به. وإذا وضع الدجاج بقدر انحلال المسام لنتف ريشه، يطهر بالغسل ثلاثاً.\rوالحنطة المطبوخة في خمر لا تطهر أبداً، على المفتى به. أما لو انتفخت من بول، نقعت وجففت ثلاثاً. ولو عجن خبز بخمر صب فيه خل، حتى يذهب أثره، فيطهر.\rوقال المالكية: لا يكفي في غسل النجاسة إمرار الماء، بل ولا بد من إزالة عين النجاسة وأثرها، بأن ينفصل الماء طاهراً، ويزول طعم النجاسة قطعاً، ويزول لونها وريحها إن تيسر زوالهما، ولا يضر بقاء لون أو ريح عسر زواله، كالمصبوغ بالنجاسة من زعفران متنجس أو نيلة ونحوهما.\r-------------------------------\r(1) روى أحمد والترمذي وأبو داود والبيهقي عن أبي هريرة: «أن خولة بنت يسار قالت: يارسول الله، ليس لي إلا ثوب واحد، وأنا أحيض فيه؟! قال: فإذا طَهُرتِ، فاغسلي موضع الدم، ثم صلّي فيه، قالت:يارسول الله، إن لم يخرج أثره؟ قال: يكفيك الماء، ولايضرك أثره» وسنده ضعيف ـ (نيل الأوطار:40/1).","part":1,"page":287},{"id":289,"text":"ولا يشترط عدد معين للغسل أصلاً؛ لأن المفهوم من الأمر بإزالة النجاسة إزالة عينها. وأما العدد المشترط في غسل الإناء سبعاً من ولوغ الكلب، فهو عبادة لالنجاسة .\rوقال الشافعية والحنابلة: ما نجس بملاقاة شيء ( من لعاب أو بول، وسائر الرطوبات، والأجزاء الجافة إذا لاقت رطباً) من كلب أو خنزير، وما تولد منهما، أو من أحدهما من حيوان طاهر، يغسل سبع مرات إحداهن بالتراب الطاهر، ولو غبار رمل، لقوله صلّى الله عليه وسلم : «يغسل الإناء إذا ولغ فيه الكلب سبع مرات، أولاهن أو أخراهن بالتراب» (1) وفي حديث عبد الله بن المغفل: «إذا ولغ الكلب في الإناء، فاغسلوه سبع مرات، وعفروه الثامنة بالتراب» (2) .\rويقاس الخنزير على الكلب؛ لأنه أسوأ حالاً منه، وشر منه، لنص الشارع على تحريمه، وتحريم اقتنائه، فثبت الحكم فيه بطريق التنبيه، وإنما لم ينص الشارع عليه؛ لأنهم لم يكونوا يعتادونه.\rوالغسلة الأولى أولى بجعل التراب فيها للخبر الوارد، وليأتي الماء بعده، فينظفه، ولا بد من استيعاب المحل المتنجس بالتراب، بأن يمر التراب مع الماء على جميع أجزاء المحل المتنجس.\rوالأظهر عند الشافعية تعين التراب، فلا يكفي غيره كأشنان وصابون.\r-------------------------------\r(1) رواه الأئمة الستة في كتبهم عن أبي هريرة. وفي لفظ لمسلم وأبي داود: «طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسله سبع مرات » ورواه مالك في الموطأ بلفظ: ( إذا شرب ) بدل ( إذا ولغ) وغير مالك كلهم يقولون: ( إذا ولغ) ( نصب الراية:133/1).\r(2) رواه مسلم ( نصب الراية:133/1).","part":1,"page":288},{"id":290,"text":"ويقوم عند الحنابلة الأشنان والصابون والنخالة ونحوها من كل ماله قوة في الإزالة، مقام التراب، ولو مع وجوده، وعدم تضرر المحل به، لأن نصه على التراب تنبيه على ما هو أبلغ منه في التنظيف. وإذا أضر التراب بالمحل فيكفي مسماه أي أقل شيء يسمى تراباً يوضع في ماء إحدى الغسلات، للنهي عن إفساد المال، ولحديث : «إذا أمرتكم بأمر فائتوا منه ما استطعتم» (1) .\rوأما نجاسة غير الكلب والخنزير فتطهر عند الحنابلة بسبع مرات منقية دون تراب، لقول ابن عمر: «أمرنا أن نغسل الأنجاس سبعاً» فينصرف إلى أمره صلّى الله عليه وسلم ، وقد أمر به في نجاسة الكلب، فيلحق به سائر النجاسات، والحكم لا يختص بمورد النص، بدليل إلحاق البدن والثوب به، وكذلك محل الاستنجاء يغسل سبعاً كغيره. فإن لم ينق المحل المتنجس بالسبع، زاد في الغسل حتى ينقى المحل. ولايضر بقاء لون النجاسة أو ريحها أو هما معاً حالة العجز عن إزالتهما، لحديث خولة بنت يسار السابق: «يكفيك الماء، ولا يضرك أثره» . ويضر بقاء طعم النجاسة لدلالته على بقاء عينها، ولسهولة إزالته.\rوأما عند الشافعية في نجاسة غير الكلب والخنزير: فإن كانت النجاسة مرئية (عينية): وهي التي تدرك بإحدى الحواس، وجبت إزالة عينها وطعمها ولونها ورائحتها. ويجب نحو صابون إن توقفت الإزالة عليه.\rولا يضر بقاء لون أو ريح عسر زواله، كما قرر الفقهاء بالاتفاق، ويضر بقاؤهما معاً، أو بقاء الطعم وحده. ولايشترط عدد معين للغسلات.\r-------------------------------\r(1) روى أحمد ومسلم والنسائي وابن ماجه عن أبي هريرة: « ذروني ما تركتكم، فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة مسائلهم، واختلافهم على أنبيائهم، فإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه » وهو حديث صحيح.","part":1,"page":289},{"id":291,"text":"وإن كانت النجاسة غير مرئية (لا عين عليها): وهي ما تيقن وجودها ولا يدرك لها طعم ولا لون ولا ريح، كفى جري الماء عليها مرة، كبول جف ولم يبق له أثر. والجري: هو وصول الماء إلى المحل بحيث يسيل عليه زائداً على النضح.\r2 ً - العصر فيما يمكن عصره ويتشرب كثيراً من النجاسة :\rقال الحنفية: إن كان محل النجاسة مما يتشرب كثيراً من النجاسة: فإن كان مما يمكن عصره كالثياب: فطهارته بالغسل والعصر إلى أن تزول عين النجاسة، إن كانت النجاسة مرئية. وبالغسل ثلاثاً والعصر في كل مرة إن كانت غير مرئية؛ لأن الماء لايستخرج كثير النجاسة إلا بالعصر، ولا يتم الغسل بدونه.\rأما إن كان محل النجاسة مما لا يتشرب شيئاً أصلاً من النجاسة كالأواني الخزفية والمعدنية، أو مما يتشرب شيئاً قليلاً من النجاسة كالجسد والخف والنعل، فطهارته بزوال عين النجاسة.\rوأما إن كان مما لا يعصر كالحصير والسجاد والخشب: فينقع في الماء ثلاث مرات، ويجفف في كل مرة، وهو قول أبي يوسف، وهو الرأي الراجح، وقال محمد: لا يطهر أبداً. وأما تطهير الأرض: فإن كانت رخوة، فيصب الماء عليها، حتى يتسرب في أسفل الأرض، وتزول النجاسة، ولا يشترط فيها العدد، وإنما بحسب الاجتهاد وغلبة الظن بطهارتها، ويقوم تسرب الماء أو تسفله مقام العصر، وعلى قياس ظاهر الرواية: يصب الماء عليها ثلاث مرات، ويتسفل في كل مرة. وإن كانت صلبة فإن كان في أسفلها حفرة أو بالوعة يصب الماء عليها ثلاث مرات ويزال عنها إلى الحفرة.وإن لم يكن لها منفذ للماء لا تغسل لعدم الفائدة في الغسل. وتطهر عند الشافعية بمكاثرة الماء عليها، كما سأبيّن قريباً.\rولم يشترط غير الحنفية العصر فيما يمكن عصره، إذ البلل بعض المنفصل، وقد فرض طهره. ومرجع الخلاف هو حكم الغسالة الآتي بيانه، هل هي طاهرة أو نجسة، إن حكم بطهارتها لم يجب العصر، وإلا وجب. لكن يسن العصر خروجاً من الخلاف.","part":1,"page":290},{"id":292,"text":"أما مالا يمكن عصره فلا يشترط فيه العصر، بلا خلاف.\r3 ً - الصب أو إيراد الماء على النجاسة (الغسل في الأواني):\rقال الحنفية: لا يشترط صب الماء أو وروده على محل النجاسة، فيطهر الغسل في الأواني، وغسل الثوب المتنجس أو البدن المتنجس، بتبديل الماء بماء جديد، ثلاث مرات، والعصر في كل مرة، ويغسل الإناء بعد الغسلة الأولى ثلاثاً، وبعد الثانية مرتين، وبعد الثالثة مرة واحدة، وذلك إذا حدث الغسل في إناء واحد، أما إن غسل في آنية ثلاثة، فكل إناء ينوب عن تبديل الماء مرة.\rلكن المعتبر ـ كما أبنت وكما أوضح ابن عابدين (1) ـ في تطهير النجاسة المرئية: زوال عينها، ولو بغسلة واحدة، ولو في إناء واحد (إجانة: إناء تغسل فيه الثياب) فلا يشترط فيها تثليث غسل ولا عصر. وأما غير المرئية فالمعتبر فيها غلبة الظن في تطهيرها، بلا عدد، على المفتى به، وقيل: مع شرط التثليث.\rوهذا المفتى به عند الحنفية يقترب من مذهب المالكية القائلين بإزالة عين النجاسة.\rوقال الشافعية: يشترط ورود الماء، لا العصر في الأصح. أي يشترط ورود الماء على محل النجاسة، إن كان الماء قليلاً، لئلا يتنجس الماء لو عكس الأمر، لأن الماء ينجس بمجرد وقوع النجاسة فيه. فلو وضع ثوباً في إجَّانة وفيه دم معفو عنه، وصب الماء عليه تنجس بملاقاته، وتجب المبالغة في الغرغرة عند غسل فمه المتنجس، ويحرم ابتلاع نحو طعام قبل ذلك.\r-------------------------------\r(1) رد المحتار :308/1.","part":1,"page":291},{"id":293,"text":"هذا... وقد اتفق الحنفية مع غيرهم على أن المتنجس إذا غسل في ماء جار، أو غدير (أي ماء كثير له حكم الجاري) أو صب عليه ماء كثير، أو جرى عليه الماء، طهر مطلقاً، بلا شرط عصر وتجفيف، وتكرار غمس، لأن الجريان بمنزلة التكرار والعصر (1) .\rتطهير الأرض النجسة بالمكاثرة:\rقال الحنفية (2) : إذا كانت الأرض المتنجسة صلبة منحدرة، يحفر في أسفلها حفرة، ويصب الماء عليها ثلاث مرات، ويزال عنها إلى الحفرة، بدليل ما أخرجه الدارقطني عن أنس في قصة الأعرابي الذي بال في المسجد: « احفروا مكانه، ثم صبوا عليه » (3) . ولا تطهر الأرض بمكاثرة الماء.\rوقال غير الحنفية (4) : تطهر الأرض النجسة بالصب ومكاثرة الماء عليها أي كثرة إفاضة أو طرح الماء عليها، حتى تغمر النجاسة. لحديث أبي هريرة قال: «قام أعرابي، فبال في المسجد، فقام إليه الناس ليقعوا به، فقال النبي صلّى الله عليه وسلم : دعوه، وأريقوا على بوله سَجْلاً من ماء أو ذَنُوباً من ماء، فإنكم بعثتم ميسرين، ولم تبعثوا مُعسِّرين» (5) .\rوأما تطهير الماء النجس بالمكاثرة ففيه تفصيل عند الشافعية (6) :\rأ ـ إن كانت نجاسته بالتغير، وهو أكثر من قلتين، طهر، بأن يزول التغير بنفسه، أو بأن يضاف إليه ماء آخر، أو بأن يؤخذ بعضه؛ لأن النجاسة بالتغير، وقد زال.\rب ـ وإن كان نجاسته بالقلة، بأن يكون دون القلتين، طهر بأن يضاف إليه ماء آخر، حتى يبلغ قلتين، سواء كوثر بماء طاهر أو نجس، كثير أو قليل.\rويطهر بالمكاثرة من غير أن يبلغ قلتين، كالأرض النجسة إذا طرح عليها ماء حتى غمر النجاسة، لإيراد الماء على النجاسة (7) .\rلكن الماء الذي طهر بالمكاثرة، دون أن يبلغ قلتين، هو طاهر غير مطهر؛ لأن المستعمل في إزالة النجاسة لا تجوز الطهارة به.\r-------------------------------\r(1) المرجع السابق.\r(2) البدائع: 89/1.\r(3) لكنه حديث معلول بتفرد عبد الجبار به دون أصحاب ابن عيينة الحفاظ (نيل الأوطار:42/1).\r(4) الشرح الصغير:82/1، المهذب:7/1، المجموع:188/1وما بعدها، كشاف القناع:213/1، المغني:94/2.\r(5) رواه الجماعة إلا مسلماً، والسجل أو الذنوب: الدلو ملأى، وروى أحمد والشيخان في معناه حديثاً آخر، جاء فيه: « لاتُزْرموه دعوه » أي لا تقطعوه ( نيل الأوطار:41/1-43).\r(6) المهذب:6/1-7، المجموع:183/1-195).\r(7) قال النووي: وأما ما يخترعه بعض الحنفية ويقول: إن مذهب الشافعي أنه لو كان الماء قلتين إلا كوزاً، فكمله ببول، طهر، فبهتان، لا يعرفه أحد من أصحابنا ( المجموع:190/1).","part":1,"page":292},{"id":294,"text":"وأما إذا كان الماء أكثر من قلتين، والنجاسة الواقعة جامدة، فالمذهب أنه تجوز الطهارة منه، لأنه لا حكم للنجاسة القائمة، فكان وجودها كعدمها.\rوإن كان الماء قلتين فقط، وفيه نجاسة قائمة، ففيه وجهان، أصحهما جواز الطهارة به.\rوإن كانت النجاسة ذائبة جازت الطهارة به على الصحيح.\rالتطهير بالماء الجاري:\rقال الحنفية (1) : يختلف حكم الماء الجاري عن الراكد. والجاري: هو ما يعده الناس جارياً عرفاً. وألحقوا بالجاري: حوض الحمام وغير الحمام إذا كان الماء ينزل من أعلاه، والناس يغترفون منه، فلو أدخلت القَصْعة أو اليد النجسة فيه، لاينجس.\rوحكمه: أنه إذا وقعت النجاسة فيه، ولم ير لها أثر من طَعْم أو لون أو ريح، فهو طاهر مطهر، يجوز الوضوء به، وإزالة النجاسة به؛ لأن النجاسة إذا كانت مائعة لا تستقر مع جريان الماء.\rأما إذا كانت دابة ميتة: فإن كان الماء يجري عليها أو على أكثرها، أو نصفها، لا يجوز استعماله، وإن كان يجري على أقلها، وأكثره يجري على موضع طاهر، وللماء قوة، فإنه يجوز استعماله، إذا لم يوجد أثر للنجاسة.\rوالغدير (2) والحوض العظيم الراكد: وهو في رأي العراقيين: الذي لايتحرك أحد طرفيه بتحريك الطرف الآخر إذا وقعت نجاسة في أحد جانبيه. وفي\r-------------------------------\r(1) الدر المختار:173/1-180، اللباب:27/1، فتح القدير:53/1-56.\r(2) هو القطعة من الماء يغادرها السيل.","part":1,"page":293},{"id":295,"text":"ظاهر الرواية وهو الأصح: هو الذي يغلب على ظن المرء واجتهاده عدم وصول النجاسة فيه إلى الجانب الآخر. يجوز الوضوء وإزالة النجاسة به من الجانب الآخر الذي لم تقع فيه النجاسة؛ لأن الظاهر أن النجاسة لا تصل إلى الجانب الآخر، كما أن المفتى به جواز التطهر به من جميع الجوانب.\rوقال غير الحنفية (1) الماء الجاري كالراكد، إن كان كثيراً لا تضره النجاسة، التي لم تغير أحد أوصافه ( الطعم واللون والريح) فهو طاهر، وإن كان قليلاً تنجس مجموعه بمجرد الملاقاة.\rولا حد للكثرة عند المالكية. والكثير عند الشافعية والحنابلة: ما بلغ قلتين (500 رطل بغدادي تقريباً). والعبرة في الجاري بالجرية: وهي كما عرفها الشافعية: ما يرتفع من الماء عند تموُّجه: أي تحقيقاً أوتقديراً، فإن كبرت الجرية لم تنجس إلا بالتغير، وهي في نفسها منفصلة عما أمامها وما خلفها من الجريات حكماً.\rوالجرية عند الحنابلة: هي الماء الذي فيه النجاسة، وما قرب منها، من خلفها وأمامها، مع ما يحاذي ذلك مما بين طرفي النهر. أو هي ما أحاط بالنجاسة فوقها وتحتها، ويمنة ويسرة. والتعريفان مترادفان.\rفإن كان الماء جارياً، وفيه نجاسة جارية، كالميتة، والجرية المتغيرة، فالماء الذي قبلها طاهر؛ لأنه لم يصل إليه النجاسة، فهو كالماء الذي يصب على النجاسة من إبريق، والذي بعدها طاهر أيضاً؛ لأنه لم تصل إليه النجاسة. وأما ما يحيط بالنجاسة من فوقها وتحتها ويمينها وشمالها: فإن كان قلتين ولم يتغير، فهو طاهر، وإن كان دونهما، فهو نجس كالراكد.\r-------------------------------\r(1) بداية المجتهد: 23/1، القوانين الفقهية: ص30، الشرح الصغير: 30/1وما بعدها، مغني المحتاج :24/1، المهذب:7/1، كشاف القناع:40/1وما بعدها، المغني:31/1 وما بعدها.","part":1,"page":294},{"id":296,"text":"وينظر إلى أجزاء الجرية الواحدة، بعضها ببعض: وهي ما يرتفع وينخفض بين حافتي النهر من الماء عند تموجه. أما الجريات فلا يتقوى بعضها ببعض، فلو وقعت فيه نجاسة، وجرت بجرية، فموضع الجرية المتنجس بها نجس، وأما المارة بعدها، فلها حكم غسالة النجاسة، فلو كانت النجاسة كلباً، فلا بد من سبع جريات مع كدورة الماء بالتراب الطهور في إحداهن.\rويعرف كون الجرية قلتين بأن تمسح، وتضرب ذراعاً وربعاً، طولاً وعرضاً وعمقاً.\rوإذا كان أمام الماء الجاري ارتفاع يرده، فله حكم الراكد.\rوالخلاصة: أنه إذا وردت النجاسة على الماء تنجس الماء إجماعاً، وإذا ورد الماء على نجس تنجس (1) .\rالمبحث الرابع ـ حكم الغُسَالة:\rالغُسَالة: هي الماء المستعمل في إزالة حدث أو خبث أي إزالة النجاسة الحكمية أو الحقيقية. وحكمها عند الجمهور غير الحنفية أنها طاهرة إذا طهر المحل المغسول. وللفقهاء تفصيلات في شأنها.\rقال الحنفية (2) : غسالة النجاسة نوعان: غسالة النجاسة الحقيقية، وغسالة النجاسة الحكمية وهي الحَدَث.\rأما غُسالة النجاسة الحكمية: وهي الماء المستعمل، فهو في ظاهر الرواية طاهر غير مطهر، أي لا يجوز التوضؤ به، لكن في الراجح يجوز إزالة النجاسة الحقيقية به.\rوالماء المستعمل: هو ما زايل البدن واستقر في مكان. أما مادام على العضو الذي استعمله فيه فلا يكون مستعملاً.\r-------------------------------\r(1) الدر المختار:300/1وما بعدها.\r(2) البدائع:66/1-69، رد المحتار:300/1.","part":1,"page":295},{"id":297,"text":"ويصير مستعملاً إما بإزالة الحدث، أو بنية إقامة القربة، كالصلاة المعهودة، وصلاة الجنازة، ودخول المسجد، ومس المصحف، وقراءة القرآن ونحوها. فإن كان الشخص محدثاً صار الماء مستعملاً بلا خلاف عندهم، لوجود السببين: وهو إزالة الحدث، وإقامة القربة جميعاً. وإن لم يكن محدثاً يصير مستعملاً أيضاً عند أئمة الحنفية ما عدا زفر، لوجود إقامة القربة، لكون الوضوء نوراً على نور . وعند زفر لا يصير مستعملاً لانعدام إزالة الحدث. أما إن كان الوضوء أو الغسل للتبرد ولم يكن محدثاً لا يصير مستعملاً.\rوأما غسالة النجاسة الحقيقية:\rفهي نجسة إذا انفصلت متغيرة، بأن تغير طعمها أو لونها أو ريحها. أو إذا لم يطهر المحل، كما لو انفصلت بعد الغسلات الثلاث، الأولى والثانية والثالثة من نجاسة غير مرئية؛ لأن النجاسة انتقلت إليها، إذ لا يخلو كل ماء عن نجاسة.\rولا يجوز الانتفاع بالغُسَالة فيما سوى الشرب والتطهير من بل الطين وسقي الدواب ونحو ذلك، إن كان قد تغير طعمها أو لونها أو ريحها؛ لأنه لما تغير، دل على أن النجس غالب، فالتحق بالبول. وإن لم يتغير شيء من ذلك يجوز الانتفاع بها، لأنه لما لم يتغير دل على أن النجس لم يغلب على الطاهر، والانتفاع بما ليس بنجس العين مباح في الجملة.\rوقال المالكية (1) : إن انفصلت الغُسَالة متغيرة الطعم أو اللون أو الريح، فهي نجسة، والموضع نجس. وإن طهر المحل، كانت الغسالة طاهرة. ولا يجوز استعمال المتنجس في العادات.\r-------------------------------\r(1) الشرح الصغير:82/1، القوانين الفقهية: ص35.","part":1,"page":296},{"id":298,"text":"والأظهر عند الشافعية (1) : طهارة غُسَالة قليلة تنفصل بلا تغير، وقد طهر المحل، لأن البلل الباقي على المحل هو بعض المنفصل، فلو كان المنفصل نجساً، لكان المحل كذلك. أما الكثيرة فطاهرة ما لم تتغير، وإن لم يطهر المحل.\rأي أن الغُسَالة القليلة المنفصلة طاهرة غير مطهرة، ما لم تتغير بطعم أو لون أو ريح، ولم يزد وزنها، بعد اعتبار ما يأخذه الثوب من الماء، ويعطيه من الوسخ الطاهر، وقد حل المحل.\rأما إذا تغيرت أو زاد وزنها، أو لم يطهر المحل، فهي نجسة كالمحل. وبه يتبين أن الغُسَالة كالمحل مطلقاً، فحيث حكم بطهارته، حكم بطهارتها، وحيث لا، فلا.\rوقال الحنابلة (2) كالشافعية: ما أزيلت به النجاسة، إن انفصل متغيراً بالنجاسة، أو قبل طهارة المحل، فهو نجس، لأنه تغير بالنجاسة، كما أن الماء القليل إذا لاقى محلاً نجساً لم يطهره، يكون نجساً، كما لو وردت النجاسة عليه. وإن انفصل غير متغير من الغسلة التي طهر بها المحل ففيه تفصيل:\rفإن كان المحل أرضاً فهو طاهر، لطهارة الأرض التي بال عليها الأعرابي بصب دلو عليها، بأمره صلّى الله عليه وسلم .\rوإن كان غير أرض: فيه وجهان أصحهما أنه طاهر.\r-------------------------------\r(1) مغني المحتاج:85/1، شرح الحضرمية: ص23وما بعدها.\r(2) المغني: 58/1،98/2.","part":1,"page":297},{"id":299,"text":"الفَصْلُ الثَّالث: الاستِنْجَاء\rمعناه، حكمه، وسائله، مندوباته، آداب قضاء الحاجة.\rأولاً ـ معنى الاستنجاء والفرق بينه وبين غيره من الاستبراء والاستجمار ونحوهما:\rالاستنجاء: لغة: إزالة النجو أي الغائط. واصطلاحاً: هو قلع النجاسة بنحو الماء، أو تقليلها بنحو الحجر، فهو استعمال الأحجار أو الماء. أو هو إزالة للنجاسة من كل خارج ملوّث ولو نادراً كدم ومذي وودي، لا على الفور، بل عند الحاجة إليه بماء أو حجر.\rأو هو إزالة نجس عن سبيل: قبل أو دبر. فلا يطلب من ريح، وحصاة، ونوم، وفصد دم. والاستنجاء أو الاستطابة أعم من أن يكون بالماء وغيره.\rوالاستجمار: إزالة النجس بالأحجار ونحوها، مأخوذ من الجمرات أي الأحجار.\rوالاستبراء: طلب البراءة من الخارج، حتى يتيقن من زوال الأثر أو هو طلب براءة المخرج عن أثر الرشح من البول.\rوالاستنزاه: طلب البعد عن الأقذار. وهو بمعنى الاستبراء.\rوالاستنقاء: طلب النقاوة، وهو أن يدلك المقعدة بالأحجار أو بالأصابع حالة الاستنجاء بالماء (1) .\rوكل هذه الوسائل للتطهر من النجاسة، ولا يجوز الشروع في الوضوء حتى يطمئن المرء من زوال أثر رشح البول.\rثانياً ـ حكم الاستنجاء والاستجمار والاستبراء:\rأما حكم الاستنجاء: قال الحنفية (2) : إنه في الأحوال العادية، ما لم تتجاوز النجاسة المخرج، سنة مؤكدة للرجال والنساء، لمواظبة النبي صلّى الله عليه وسلم ، ولقوله عليه السلام: «من استجمر فليوتر، من فعل فقد أحسن، ومن لا فلا حرج» (3) .\rفإذا تجاوزت النجاسة المخرج، وكان المتجاوز قدر الدرهم فيجب إزالته بالماء.\rوإن زاد المتجاوز على قدر الدرهم، افترض الغسل بالماء أو المائع.\rوقال الجمهور غير الحنفية (4) : يجب الاستنجاء أو الاستجمار من كل خارج معتاد من السبيلين، كالبول أوالمذي أو الغائط، لقوله تعالى:\r-------------------------------\r(1) الدر المختار ورد المحتار:310/1،319، مراقي الفلاح: ص 7، كشاف القناع:62/1، الشرح الصغير:87/1، 94،96،100، مغني المحتاج:42/1 وما بعدها.\r(2) فتح القدير:148/1، تبيين الحقائق:76/1، اللباب:57/1، الدر المختار:310/1، 313، مراقي الفلاح: ص 7.\r(3) رواه أبو داود وابن ماجه وأحمد والبيهقي وابن حبانٍ عن أبي هريرة ( نصب الراية:217/1).\r(4) الشرح الصغير:94/1،96، القوانين الفقهية: ص37، الشرح الكبير:109/1وما بعدها، مغني المحتاج:46/1، المهذب:27/1، المغني:149/1وما بعدها، كشاف القناع: 71/1، 77.","part":1,"page":298},{"id":300,"text":"{والرجزَ فاهجر} [المدثر:5/74]، وهو يعم كل مكان ومحل من ثوب أو بدن، ولأن الاستنجاء بالماء هو الأصل في إزالة النجاسة، ولقوله عليه السلام: «إذا ذهب أحدكم إلى الغائط، فليذهب بثلاثة أحجار، فإنها تجزئ عنه» (1) وقوله: «لا يستنجي أحدكم بدون ثلاثة أحجار» رواه مسلم، وفي لفظ لمسلم: «لقد نهانا أن نستنجي بدون ثلاثة أحجار» وهذا أمر، والأمر يقتضي الوجوب.\rوليس على من نام أو خرجت منه ريح استنجاء باتفاق العلماء، لقوله صلّى الله عليه وسلم : «من استنجى من ريح فليس منا» (2) ، وعن زيد بن أسلم في قوله تعالى: { إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم } [المائدة:6/5]: «إذا قمتم من النوم، ولم يأمر بغيره» فدل على أنه لا يجب، ولأن الاستنجاء إنما شرع لإزالة النجاسة، ولا نجاسة ههنا. والأظهر عند الشافعية: ألا استنجاء لدود وبعر بلا لوث، إذ لا نجاسة باقية، ويندب عند الشافعية والحنابلة، ويجب عند الحنفية والمالكية، بعد قضاء الحاجة قبل الاستنجاء.\rالاستبراء: أيضاً إما بالمشي أو التنحنح أو الاضطجاع على شقه الأيسر أو غيره بنقل أقدام وركض، وهو: أن يستخلص مجرى البول من ذكره، بمسح ذكره بيده اليسرى من حلقة دبره (بدايته) إلى رأسه ثلاثاً، لئلا يبقى شيء من البلل في ذلك المحل،فيضع إصبعه الوسطى تحت الذكر، والإبهام فوقه، ثم يمرهما إلى رأس الذكر، ويستحب نتره ثلاثاً بلطف ليخرج ما بقي إن كان.\r-------------------------------\r(1) رواه أبو داود، وروى الشافعي والبيهقي: «وليستنج بثلاثة أحجار» وروى أحمد والنسائي وأبو داود والدار قطني وقال: إسناده صحيح حسن عن عائشة: «إذا ذهب أحدكم إلى الغائط، فليستطب بثلاثة أحجار، فإنها تجزئ عنه (نصب الراية:214/1، نيل الأوطار:90/1).\r(2) رواه الطبراني في معجمه الصغير.","part":1,"page":299},{"id":301,"text":"وعبارة المالكية والحنابلة والشافعية: يكون الاستبراء بنتر وسلت خفيفين ثلاثاً: بأن يجعل إصبعه السبابة من يده اليسرى تحت ذكره من أصله، والإبهام فوقه، ثم يسحبه برفق، حتى يخرج ما فيه من البول. والنتر: جذبه، وندب أن يكون كل منهما برفق، وذلك حتى يغلب الظن نقاوة المحل من البول، ولا يتتبع الأوهام، فإنه يورث الوسوسة، وهي تضر بالدين (1) .\rروى الإمام أحمد حديث: «إذا بال أحدكم فلينتر ذكره ثلاث مرات» .\rواستبراء المرأة: أن تضع أطراف أصابع يدها اليسرى على عانتها.\rوالاستبراء عموماً يختلف باختلاف الناس. والقصد أن يظن أنه لم يبق بمجرى البول شيء يخاف خروجه، فمنهم من يحصل هذا بأدنى عصر، ومنهم من يحتاج إلى تكرّره، ومنهم من يحتاج إلى تنحنح، ومنهم من لا يحتاج إلى شيء من هذا. ويكره حشو مخرج البول من الذكر بنحو قطن، وإطالة المكث في محل قضاء الحاجة، لأنه يورث وجعاً في الكبد.\rودليل طلب الاستبراء: حديث ابن عباس: أن النبي صلّى الله عليه وسلم مرّ بقبرين، فقال: «إنهما ليعذبان، وما يعذبان في كبير: أماأحدهما فكان لا يستبرئ من بوله، وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة» (2) .\rودليل القائلين بندبه دون إيجاب: قوله صلّى الله عليه وسلم : «تنزهوا من البول، فإن عامة عذاب القبر منه» والظاهر من انقطاع البول عدم عوده، ويحمل الحديث على ماإذا تحقق أو غلب على ظنه بمقتضى عادته أنه إن لم يستبرئ خرج منه شيء.\rثالثاً ـ وسائل الاستنجاء وصفاته أو كيفيته:\rيكون الاستنجاء بالماء أوبالحجر ونحوه من كل جامد طاهر قالع غير محترم، كورق وخرق وخشب وخزف، لحصول الغرض به كالحجر.\r-------------------------------\r(1) قال العارفون: إن الوسواس سببه خبل في العقل، أو شك في الدين.\r(2) رواه البخاري ومسلم.","part":1,"page":300},{"id":302,"text":"والأفضل الجمع بين الجامد والماء، فيقدم الورق ونحوه، ثم يتبعه بالماء، لأن عين النجاسة تزول بالورق أو الحجر، والأثر يزول بالماء (1) .\rوالاقتصار على الماء أفضل من الاقتصار على الحجر ونحوه، لأنه يزيل عين النجاسة وأثرها، بخلاف الحجر والورق ونحوه، روي عن أنس بن مالك أنه لما نزلت آية: {فيه رجال يحبون أن يتطهروا} [التوبة:108/9]، قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم « : يا معشر الأنصار، إن الله قد أثنى عليكم في الطهور، فما طهوركم؟ قالوا: نتوضأ للصلاة، ونغتسل من الجنابة، ونستنجي بالماء، قال: هو ذاكم، فعليكموه» (2) .\rوشرط الاستنجاء بالحجر أو الورق ونحوه ما يأتي (3) :\r1ً - ألا يجف النجس الخارج، فإن جف تعين الماء.\r2ً - ألا ينتقل عن المحل الذي أصابه عند خروجه واستقر فيه، أوألا يجاوز صفحته وحشفته، فإن انتقل عنه، بأن انفصل عنه، تعين الماء في المنفصل اتفاقاً.\r-------------------------------\r(1) اللباب:57/1وما بعدها، مراقي الفلاح: ص 7، القوانين الفقهية: ص36-37، الشرح الصغير: 96/1 ومابعدها،100، مغني المحتاج:43/1، المغني:151/1وما بعد ها، كشاف القناع:72/1،75، المهذب:27/1 وما بعدها.\r(2) رواه ابن ماجه والحاكم والبيهقي، وسنده حسن. ويؤيده قول ابن عباس: «نزلت هذه الآية في أهل قُبا: { فيه رجال يحبون أن يتطهروا، والله يحب المطهرين } [التوبة:108/9]، فسألهم رسول الله صلّى الله عليه وسلم ، فقالوا: إنا نتبع الحجارة بالماء» ( نصب الراية:218/1وما بعدها ).\r(3) مغني المحتاج:44/1وما بعدها، المهذب:28/1، كشاف القناع:72/1وما بعدها، المغني:152/1وما بعدها،159وما بعدها، الدر المختار:311/1وما بعدها، الشرح الصغير:97/1وما بعدها،100، بداية المجتهد:83/1، القوانين الفقهية:ص36، اللباب:58/1، فتح القدير:148/1، تبيين الحقائق:77/1.","part":1,"page":301},{"id":303,"text":"3ً - ألا يطرأ عليه شيء رطب أجنبي عنه، نجساً كان، أو طاهراً، فإن طرأ عليه جاف طاهر فلا يؤثر.\r4ً - أن يكون الخارج من فرج معتاد: فلا يجزئ في الخارج من غيره، كالخارج بالفصد، أو من منفذ منفتح تحت المعدة، ولو كان الأصلي منسداً انسداداً عارضاً، ولا يجزئ الورق ونحوه في بول خنثى مشكل، وإن كان الخارج من أحد قُبُليه، لاحتمال زيادته، ولا في بول الأقلف إذا وصل البول إلى الجلدة.\rويجزئ الورق ونحوه عند غير المالكية في مسح دم حيض أو نفاس، كما يجزئ الحجر في الأظهر عند الشافعية وعند الحنابلة والحنفية فيما ندر خروجه كالدم والودي والمذي، أو انتشر الخارج فوق عادة الناس، ولكن لم يجاوز في الغائط صفحته (ما انضم من الأليتين عند القيام) وحشفته (وهي ما فوق الختان أو قدرها من مقطوعها).\rولا يجوز الاستجمار بالأحجارعند المالكية من المني ولا من المذي ودم الحيض، وإنما يتعين الماء في إزالة مني، ودم حيض ونفاس، ودم استحاضة إن لم يلازم كل يوم ولو مرة، وإلا فهو معفو عنه كسلس البول الملازم لذكر أو أنثى، ولاتجب إزالته حينئذ.\rكما يتعين الماء عند المالكية أيضاً في إزالة بول المرأة، بكراً كانت أو ثيباً، لتعديه المخرج إلى جهة المقعدة عادة.","part":1,"page":302},{"id":304,"text":"وهل يشترط عدد ثلاثة أحجار في الاستنجاء؟\rقال الحنفية والمالكية: يستحب ولا يجب عدد الثلاث، ويكفي ما دونه إن حصل الإنقاء أو التنظيف به، ومعنى الإنقاء: إزالة عين النجاسة وبلّتها، بحيث يخرج الحجر نقياً، وليس عليه أثر، إلا شيئاً يسيراً فالواجب عند المالكية والسنة عند الحنفية الإنقاء دون العدد، للحديث السابق: «من استجمر فليوتر، من فعل فقد أحسن، ومن لا فلا حرج» .\rوقال الشافعية والحنابلة: الواجب الإنقاء وإكمال الثلاثة: ثلاثة أحجار، أو ثلاث مسحات ولو بأطراف حجر، وإن لم ينق بالثلاث، وجب الإنقاء برابع فأكثر، إلى أن لا يبقى إلا أثر لا يزيله إلا الماء، أو صغار الحصى، لأنه المقصود من الاستنجاء. ودليلهم الأحاديث السابقة، منها: «وليستنج بثلاثة أحجار» وخبر مسلم عن سلمان: «نهانا رسول الله صلّى الله عليه وسلم أن نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار» وفي معناها: ثلاثة أطراف حجر.\rوإذا زاد عن الثلاثة: سن الإيتار، لما روى الشيخان عن أبي هريرة أن النبي صلّى الله عليه وسلم قال: «إذا استجمر أحدكم، فليستجمر وتراً» وصرفه عن الوجوب رواية أبي داود: « من استجمر فليوتر، من فعل فقد أحسن، ومن لا فلا حرج» .\rوأما عدد الغسلات حالة الاستنجاء بالماء:\rفالصحيح أنه مفوض إلى الرأي حتى يطمئن القلب بالطهارة بيقين أو غلبة الظن، وهو الأصح عن الإمام أحمد، قال أبو داود: سئل أحمد عن حد الاستنجاء بالماء؟ فقال: ينقي. ولم يصح عن النبي صلّى الله عليه وسلم في ذلك عدد ولا أمر به، ويروى عن أحمد عدد سبع غسلات (1) . وعلى هذا فإن الواجب في الاستنجاء أن يغلب على الظن زوال النجاسة، ولا يضر شم ريحها باليد؛ لأن بقاء الرائحة يدل على بقائها على المحل، ويحكم على اليد بالنجاسة حينئذ.\r-------------------------------\r(1) مراقي الفلاح: ص 8، المغني: 1 / 161 وما بعدها، مغني المحتاج:46/1.","part":1,"page":303},{"id":305,"text":"وصفة الاستنجاء:\rأن يفرغ على يده اليسرى قبل أن يلاقي بها الأذى، ثم يغسل القبل: المخرج خاصة في حالة البول، والذكر كله في حالة المذي، ثم يغسل الدبر، ويوالي صب الماء، ويدلكه بيده اليسرى ، ويسترخي قليلاً، ويجيد العرك حتى ينقي. ولا يستنجي باليمين، ولا يمس به ذكره (1) .\rويحترز الصائم من إدخال الإصبع المبتل في الدبر، لأنه يفسد الصوم.\rوكيفية الاستجمار:\rأن يمسح بالحجر الأول من الأمام إلى الخلف، وبالثاني من الخلف إلى الأمام، وبالثالث كالأول من الأمام إلى الخلف إذا كانت الخصية مدلاة، خشية تلويثها، وكالثاني من الخلف إلى الأمام إن كانت الخصية غير مدلاة.\rوالمرأة تبتدئ من الأمام إلى الخلف خشية تلويث فرجها (2) .\rوقال الشافعية (3) : يسن استيعاب المحل بكل حجر من الثلاث، بأن يبدأ بالأول من مقدم الصفحة اليمنى ويديره إلى محل ابتدائه، وبالثاني من مقدم اليسرى ويديره كذلك، ويمر الثالث على صفحتيه ومُسرَبته جميعاً. والمسربة: مجرى الغائط.\rرابعاً ـ مندوبات الاستنجاء:\rيسن في الاستنجاء ما يأتي (4) :\r-------------------------------\r(1) القوانين الفقهية: ص36، تبيين الحقائق:78/1.\r(2) مراقي الفلاح: ص 8.\r(3) مغني المحتاج:45/1، المهذب:27/1.\r(4) مراقي الفلاح: ص 7، الدر المختار:311/1-315، فتح القدير:50/1، تبيين الحقائق:78/1، اللباب:58/1، الشرح الصغير:96/1،100، وما بعدها، بداية المجتهد:80/1، القوانين الفقهية: ص37، مغني المحتاج:43/1،46، المهذب:28/1، المغني:154/1-158، كشاف القناع:75/1-77.","part":1,"page":304},{"id":306,"text":"1ً - أن يستنجي بحجر أو ورق منق، بألا يكون خشناً كالآجر، ولا أملس كالعقيق، لأن الإنقاء هو المقصود. ويعد كالحجر: كل طاهر مزيل بلا ضرر، وليس متقوماً ولا شيئاً محترماً، فلا يستنجي بملوث كالفحم، ولا بما يضر كالزجاج،ولا بمال متقوم، كحرير وقطن ونحوهما، لأنه إتلاف للمال، ولا بشيء محترم لطعمه أو شرفه أو لحق الغير.\rوهذا يعني أنه يجوز عند الحنفية الاستنجاء بالمائع غير الماء كماء الورد والخل، واشترط الجمهور غير الحنفية: أن يكون بجامد يابس، فلا يجوز بالمائع.\rواتفقوا على أن الاستنجاء يكون بطاهر قالع غير محترم، فلا يجوز (أو يكره تحريماً عند الحنفية) الاستنجاء بالنجس كالبعر والروث، ولا بالعظم والطعام أو الخبز لآدمي أو بهيمة؛ لأنه إتلاف وإهانة، ولا بغير القالع نحو الزجاج والقصب الأملس والآجر والخزف ولا بالمتناثر كتراب أو مدر وفحم رخوين، بخلاف التراب والفحم الصلبين، ولا بالشيء المحترم لشرف ذاتي كالذهب والفضة والجواهر، أو لكونه حق الغير كالشيء المملوك للغير، ومنه جدار الغير ولو وقفاً.\rواكتفى المالكية بالقول بأنه يكره الاستنجاء بعظم وروث طاهرين وبجدار مملوك له.","part":1,"page":305},{"id":307,"text":"والخلاصة: أنه يشترط لجواز الاستجمار بالأحجار ونحوها شروط خمسة هي: كل جامد طاهر قالع غير مؤذ ولا محترم لطعمه أو شرفه أو حق الغير، وإلا فلا، وأجزأ إن أنقى ويجزئ الإنقاء باليد بدون الثلاث من الأحجار ونحوها. ولم يشترط الحنفية كونه جامداً. وقال المالكية والحنفية: إن استجمر بما لا يجوز أجزأه مع الكراهة. وقد ثبت النهي عن الاستنجاء بالروث والعظم، روى مسلم وأحمد عن ابن مسعود: «لا تستنجوا بالروث ولا بالعظام، فإنهما زاد إخوانكم من الجن» (1) ، وروى الدارقطني: «أن النبي صلّى الله عليه وسلم نهى أن نستنجي بروث أو عظم، وقال: إنهما لا يُطهِّران» (2) وروى أبو داود عنه عليه السلام أنه قال لرويفع بن ثابت (أبي بكرة): «أخبر الناس أنه من استنجى برجيع (أي روث) أو عظم، فهو بريء من دين محمد» (3) وهذا عام في الطاهر منها، وإذا حرم طعام الجن حرم طعام الآدمي بالأولى، لكن أجاز الشافعية الاستنجاء بمطعوم البهائم الخاص بها كالحشيش، وقال الجمهور: لا يجوز. قال النووي: لكن النهي عن الاستنجاء بالفحم ضعيف، وإن صح حمل على الرخو.\r2ً - تثليث الأحجار أو الورق ونحوه، مندوب عند الحنفية والمالكية، واجب عند الشافعية والحنابلة، فإنهم قالوا: يجب في الاستنجاء بالحجر أمران: أحدهما ـ ثلاث مسحات ولو بأطراف حجر، والإيتار بعد الثلاث إلى السبع إن لم ينق المحل، ويسن أن يكون كل حجر أو نحوه لكل محل الخارج، ودليلهم حديثان: الأول: «إذا ذهب أحدكم إلى الغائط فليستطب بثلاثة أحجار، فإنها تجزئ عنه» والثاني: «من استجمر فليوتر» (4) .\r-------------------------------\r(1) انظر نصب الراية:219/1، نيل الأوطار:97/1.\r(2) إسناده صحيح (نيل الأوطار:96/1).\r(3) وروى أحمد ومسلم وأبو داود عن جابر: «نهى النبي صلّى الله عليه وسلم أن يتمسح بعظم أو بعرة» وروى الدارقطني والبيهقي عن ابن مسعود أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم ذهب لحاجته، فأمر ابن مسعود أن يأتيه بثلاثة أحجار، فأتاه بحجرين وروثة، فألقى الروثة، وقال: « إنها ركس، ائتني بحجر» . وروى البخاري عن أبي هريرة قصة مماثلة: «ابغني أحجاراً أستنفضْ بها، ولا تأتني بعظم ولا بروثة» ( نصب الراية:216/1، 219، نيل الأوطار:96/1،97).\r(4) روى الحديث الأول: أحمد والنسائي وأبو داود والدارقطني وقال: إسناده صحيح حسن، ورواه أيضاً ابن ماجه عن عائشة. والثاني رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه عن أبي هريرة (نيل الأوطار:90/1،95).","part":1,"page":306},{"id":308,"text":"3ً - ألا يستنجي باليد اليمنى إلا لعذر، لقوله صلّى الله عليه وسلم : «إذا بال أحدكم فلا يمس ذكره بيمينه، وإذا أتى الخلاء فلا يتمسح بيمينه، وإذا شرب فلا يشرب نفَساً واحداً» (1) وإذاً يسن الاستنجاءُ باليسار.\r4ً - الاستتار وعدم كشف العورة عمن يراه واجب أثناء الاستنجاء وقضاء الحاجة، لحرمته والفسق به، فلا يرتكبه لإقامة السنة، ويمسح المخرج من تحت الثياب بنحو حجر. وإن تركه صحت الصلاة بدونه لأن ما في المخرج ساقط الاعتبار. ودليل الاستتار أحاديث رواها أبو داود وابن ماجه، منه: «من أتى الغائط، فليستتر، فإن لم يجد إلا أن يجمع كثيباً من الرمل فليستدبره» ويبعد عن الناس في الصحراء ونحوها إلى حيث لا يسمع للخارج منه صوت ولا يشم له ريح.\r5ً - للمستنجي بالماء أن يدلك يده بنحو أرض، ثم يغسلها بعد الاستنجاء بتراب أو صابون وأشنان ونحوه.\r6ً - تنشيف المقعدة قبل القيام إذا كان صائماً لئلا تجذب المقعدة شيئاً من الماء.\r7ً - يبدأ الرجل في الاستنجاء بالقبل لئلا تتلوث يده إذا شرع في الدبر، والمرأة مخيرة في البداية بأيهما شاءت. ويستحب عند الشافعية والحنابلة: أن ينضح الماء على فرجه وإزاره ليزيل الوسواس عنه.\r-------------------------------\r(1) رواه الأئمة الستة عن أبي قتادة ( نصب الراية:220/1).","part":1,"page":307},{"id":309,"text":"خامساً ـ آداب قضاء الحاجة:\rيندب لقاضي الحاجة من بول أو غائط ما يأتي (1) :\r1ً - ألا يحمل مكتوباً ذكر اسم الله عليه، أو كل اسم معظم كالملائكة، والعزيز والكريم ومحمد وأحمد، لما روى أنس «أن النبي صلّى الله عليه وسلم كان إذا دخل الخلاء وضع خاتمه (2) » وكان فيه: محمد رسول الله. فإن احتفظ به، واحترز عليه من السقوط فلا بأس.\r2ً - أن يلبس نعليه، ويستر رأسه، ويأخذ أحجار الاستنجاء أو يهيء ويعد المزيل للنجاسة من ماء ونحوه.\r3ً - يدخل الخلاء برجله اليسرى، ويخرج برجله اليمنى؛ لأن كل ما كان من التكريم يبدأ فيه باليمين، وخلافه باليسار، لمناسبة اليمين للمكرم، واليسار للمستقذر، بعكس المسجد والمنزل، يقدم يمناه فيهما.\rويقول عند إرادة الدخول: «باسم الله، اللهم إني أعوذ بك من الخُبُث والخبائث» أي أتحصن من الشيطان، وأعتصم بك يا الله من ذكور الشياطين، وإناثهم، اتباعاً لما رواه الشيخان في السنة: «سترة ما بين أعين الجن وعورات بني آدم، إذا دخل أحدكم الخلاء أن يقول: بسم الله» « إن الحُشوش (3) محتضرة، فإذا أتى، فليقل: أعوذ بالله من الخبث والخبائث» .\rويقول عند خروجه: « غفرانَك، الحمد لله الذي أذهب عني الأذى وعافاني» اتباعاً للسنة، رواه النسائي.\r4ً - يعتمد في حال جلوسه على رجله اليسرى، لأنه أسهل لخروج الخارج، ولما رواه الطبراني عن سراقة بن مالك قال: «أمرنا رسول الله صلّى الله عليه وسلم أن نتوكأ على\r-------------------------------\r(1) رواه ابن ماجه وأبو داود وقال: هذا حديث منكر، ورواه النسائي والترمذي وصححه ( نيل الأوطار:73/1 ).\r(2) الدر المختار:316/1-318، الشرح الصغير:87/1-94، مغني المحتاج:39/1-34،\r(3) الحشوش جمع الحش بالفتح والضم: بستان النخيل في الأصل، ثم استعمل في موضع قضاء الحاجة، واحتضارها: رصد بني آدم بالأذى.المهذب:5/1، المغني:162/1-168، كشاف القناع:62/1-75.","part":1,"page":308},{"id":310,"text":"اليسرى، وأن ننصب اليمنى» ويوسع فيما بين رجليه، ولا يتكلم إلا لضرورة، ولايطيل المقام أكثر من قدر الحاجة؛ لأن ذلك يضره، بظهور الباسور أو إدماء الكبد ونحوه.\rويستحب ألا يرفع ثوبه حتى يدنو من الأرض؛ لأن ذلك أستر له، ولما روى أبو داود عن النبي صلّى الله عليه وسلم : «أنه كان إذا أراد الحاجة، لا يرفع ثوبه حتى يدنومن الأرض» .\rويستحب أن يبول قاعداً لئلا يترشش عليه، ويكره البول قائماً إلا لعذر قال ابن مسعود: «من الجفاء أن تبول وأنت قائم» قالت عائشة: «من حدثكم أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم كان يبول قائماً، فلا تصدقوه، ما كان يبول إلا قاعداً» (1) ، ورويت الرخصة في التبول قائماً عن جماعة من الصحابة كعمر وعلي وغيرهما. ويستحب أن يبول في مكان رخو غير صلب لئلا يترشش بالبول، ولما روى أحمد وأبو داود عن أبي موسى: «إذا بال أحدكم فليرتَدْ لبوله» .\r5ً - لا يبول في مهب الريح لئلا تعود النجاسة إليه، ولا في ماء راكد، وقليل جار، أو في كثير أيضاً عند الحنفية؛ للنهي عنه في حديث البخاري ومسلم (2) ، ولا في المقابر احتراماً لها، ولا في الطرقات ومُتَحدَّث الناس، لقولهصلّى الله عليه وسلم : «اتقوا الملاعن الثلاث: البراز في الموارد، وقارعة الطريق، والظل» (3) « ولا يبول في شق أو ثقب؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلم نهى أن يبال في الجُحر» (4) .\r-------------------------------\r(1) قال الترمذي: هذا أصح شيء في الباب، رواه الخمسة إلا أبا داود ( نيل الأوطار:88/1).\r(2) نص الحديث: « لا يبولن أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري، ثم يغتسل فيه» .\r(3) رواه أبو داود بإسناد جيد عن معاذ، والمورد: المياه وطرق الماء والحياض التي يردها الناس للشرب والاستقاء. وروى مسلم وأحمد وأبو داود عن أبي هريرة: «اتقوا اللاعنين، قالوا: وما اللاعنان يا رسول الله؟ قال: الذي يتخلى في طريق الناس، أو في ظلهم» والملاعن: موضع اللعن، والتخلي: التغوط، والبراز، وقيس عليه البول.\r(4) رواه أبو داود عن عبد الله بن سَرْجس ( نيل الأوطار:84/1).","part":1,"page":309},{"id":311,"text":"ولا يبول تحت شجرة مثمرة في حال كون الثمرة عليها، لئلا تسقط عليه الثمرة؛ لأن التبول في الماء القليل حرام عند الحنفية، ومكروه تحريماً في الماء الكثير، ومكروه تنزيهاً في الماء الجاري عندهم، فتتنجس به. قال الشافعية: وكذا في غير وقت الثمر، صيانة لها عن التلويث عند الوقوع، فتعافها النفس، ولم يحرموه، لأن التنجس غير متيقن. وأجازه الحنابلة في غير حال الثمر، فإن النبي صلّى الله عليه وسلم «كان أحب ما استتر به لحاجته هدف أو حائش نخل» (1) أي جماعته. ويكره أن يستنجي بماء في موضعه بل ينتقل عنه إن لم يكن معداً لذلك، لئلا يعود عليه الرشاش، فينجسه. ويكره أن يبول في المغتسل، لقوله صلّى الله عليه وسلم : «لا يبولن أحدكم في مُسْتَحمه، ثم يتوضأ فيه، فإن عامة الوسواس منه» (2) وذلك إذا لم يكن ثَم منفذ ينفذ منه البول والماء.\r6ً - يكره تحريماً عند الحنفية ولو في البنيان استقبال القبلة واستدبارها بالفرج حال قضاء الحاجة، لقوله صلّى الله عليه وسلم : «إذا أتيتم الغائط فلا تستقبلوا القبلة ولا تستدبروها ببول ولا غائط، ولكن شرِّقوا أو غرِّبوا» (3) .\rوقال الجمهور غير الحنفية: لا يكره ذلك في المكان المعد لقضاء الحاجة، لحديث جابر: «نهى النبي صلّى الله عليه وسلم أن نستقبل القبلة ببول، فرأيته قبل أن يقبض بعام يستقبلها» (4) وهذا يحتمل أنه رآه في البنيان أو مستتراً بشيء.\r-------------------------------\r(1) رواه أحمد ومسلم وابن ماجه.\r(2) رواه أبو داود وابن ماجه عن عبد الله بن المغفل.\r(3) رواه أحمد والشيخان في صحيحهما عن أبي أيوب ( نيل الأوطار:80/1 ).\r(4) رواه الترمذي وحسنه، فقال: هذا حديث حسن غريب. وروى الجماعة مثله عن ابن عمر ( نيل الأوطار:80/1-81).","part":1,"page":310},{"id":312,"text":"ويحرم استقبالها واستدبارها في البناء غير المعد لقضاء الحاجة، وفي الصحراء بدون ساتر مرتفع بقدر ثلثي ذراع تقريباً فأكثر، ولا يبعد عنه أكثر من ثلاثة أذرع، كما يحرم وطء الزوجة بدون ساتر في الفضاء، وإلا فلا حرمة، كأن كان في منزله، أو في الفضاء بساتر. ويكره استقبال عين الشمس والقمر بفرجه، لما فيهما من نور الله تعالى، ولكونهما آيتين عظيمتين، فإن استتر عنهما بشيء أو في المكان المعد فلا بأس، كما في القبلة. كما يكره استقبال الريح لئلا يرد عليه رشاش البول، فينجسه.\r7ً - يستحب ألا ينظر إلى السماء، ولا إلى فرجه، ولا إلى ما يخرج منه، ولايعبث بيده، ولا يلتفت يميناً ولا شمالاً، ولا يستاك؛ لأن ذلك كله لا يليق بحاله، ولا يطيل قعوده، لأنه يورث الباسور، وأن يسبل ثوبه شيئاً فشيئاً، قبل انتصابه.\rويحرم البول في المسجد ولو في إناء؛ لأن ذلك لا يصلح له، ويحرم أيضاً على القبر المحترم، ويكره عند القبر، احتراماً له.\rوإذا عطس حمد الله بقلبه، ويقول بعد الاستنجاء عقب الخروج من الخلاء: ( اللهم طهر قلبي من النفاق، وحصن فرجي من الفواحش ) ( الحمد لله الذي أذاقني لذته، وأبقى فِيَّ منفعته، وأخرج عني أذاه ).","part":1,"page":311},{"id":313,"text":"الفَصْلُ الرَّابع: الوضُوء وما يتبعه\rوفيه مباحث ثلاثة:\rالمبحث الأول ـ الوضوء\rتعريفه وأنواعه، فرائضه، شروطه، سننه، آدابه، مكروهاته، نواقضه، وضوء المعذور، ما يمنع منه غير المتوضئ.\rتقدم بحث الطهارة عن الخبث وهي الطهارة الحقيقية، أما الطهارة عن الحدث فهي طهارة حُكْمية، وهي ثلاثة أنواع: الوضوء، الغسل، التيمم. وأبدأ بالوضوء، لأن الموجب له الحدث الأصغر، أما الغسل فالموجب له هو الحدث الأكبر. وأما التيمم فهو بديل يخلف كلاً من الوضوء والغسل في حالات معينة، وقد عرفنا سابقاً أن الطهارة الحكمية: هي وصف شرعي يحل في الأعضاء يزيل الطهارة، وأن الطهارة الحقيقية: هي إزالة الخبث وهو عين مستقذرة شرعاً.\rوفيه مطالب تسعة:\rالمطلب الأول ـ تعريف الوضوء، وحكمه (أنواعه أو أوصافه):\rالوضوء في اللغة بضم الواو: هو اسم للفعل أي استعمال الماء في أعضاء مخصوصة، وهو المراد هنا، مأخوذ من الوضاءة والحسن والنظافة، يقال: وضؤ الرجل: أي صار وضيئاً. وأما بفتح الواو فيطلق على الماء الذي يتوضأ به.\rوالوضوء شرعاً: نظافة مخصوصة (1) ، أو هو أفعال مخصوصة مفتتحة بالنية (2) . وهو غسل الوجه واليدين والرجلين، ومسح الرأس. وأوضح تعريف له هو: أنه استعمال ماء طهور في الأعضاء الأربعة (أي السابقة) على صفة مخصوصة في الشرع (3) . وحكمه الأصلي أي المقصود أصالة للصلاة: هو الفرضية، لأنه شرط لصحة الصلاة، بقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهَكم وأيديَكم إلى المرافقِ،وامسحوا برؤوسكم، وأرجلَكم إلى الكعبين} [المائدة:6/5]، وبقوله صلّى الله عليه وسلم : «لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ» (4) وبإجماع الأمة على وجوبه.\rوشُرع الوضوء بمكة وآيته في المدينة كما أوضح المحققون. والحكمة من غسل هذه الأعضاء هو كثرة تعرضها للأقذار والغبار والنُّفايات وغيرها.\rوقد يعرض للوضوء أوصاف أخرى، فتجعله مندوباً، أو واجباً بتعبيرالحنفية (5) ، أو ممنوعاً، لهذا قسمه الفقهاء أنواعاً، وذكروا له أوصافاً.\rفقال الحنفية (6) : الوضوء خمسة أنواع:\r-------------------------------\r(1) مراقي الفلاح: ص 9 .\r(2) مغني المحتاج:47/1.\r(3) كشاف القناع:91/1.\r(4) رواه الشيخان.\r(5) الفرض عند الحنفية: هو الثابت بالدليل القطعي. والواجب: هو الثابت بدليل ظني فيه شبهة.\r(6) مراقي الفلاح: ص13وما بعدها.","part":1,"page":312},{"id":314,"text":"الأول ـ فرض:\rأ ـ على المحدث إذا أراد القيام للصلاة فرضاً كانت أو نفلاً، كاملة، أو غير\rكاملة كصلاة الجنازة وسجدة التلاوة (1) ، للآية السابقة: {إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم...} [المائدة:6/5]، ولقوله عليه الصلاة والسلام: «لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ» (2) «لا يقبل الله صلاة بغير طُهور، ولا صدقة من غُلُول» (3) .\rب ـ ولأجل لمس القرآن، ولو آية مكتوبة على ورق أو حائط، أو نقود، لقوله تعالى: { لا يمسه إلا المطهرون } [الواقعة:79/56]، ولقوله صلّى الله عليه وسلم : «لا يمس القرآن إلا طاهر» (4) .\rالثاني ـ واجب:\rللطواف حول الكعبة، وقال الجمهور غير الحنفية. إنه فرض، ولقوله صلّى الله عليه وسلم : «الطواف بالبيت صلاة، إلا أن الله قد أحل فيه النطق، فمن نطق فيه، فلا ينطق إلا بخير» (5) .\rقال الحنفية: ولما لم يكن الطواف صلاة حقيقية، لم تتوقف صحته على الطهارة، فيجب بتركه دم في الواجب، وبَدَنة في الفرض للجنابة، وصدقة في النفل بترك الوضوء\r-------------------------------\r(1) هناك آيات في القرآن تسمى آيات السجدة، وعددها أربع عشرة آية عند الشافعية والحنابلة، إذا قرأها المؤمن سجد سجدة بنية وطهارة واستقبال القبلة، والسجدة واجبة عند الحنفية، سنة عند الجمهور.\r(2) أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي عن أبي هريرة ( سبل السلام:40/1).\r(3) رواه الجماعة إلا البخاري عن ابن عمر، والغلول: الخيانة، وأصله السرقة من مال الغنيمة قبل القسمة ( نيل الأوطار:204/1).\r(4) رواه الأثرم والدارقطني، والحاكم والبيهقي والطبراني، ومالك في الموطأ مرسلاً، وهو حديث ضعيف، وقال ابن حجر: لا بأس به ( نيل الأوطار:205/1).\r(5) رواه ابن حبان والحاكم والترمذي عن ابن عباس ( نصب الراية:57/3).","part":1,"page":313},{"id":315,"text":"الثالث ـ مندوب: في أحوال كثيرة منها ما يأتي (1) :\rأ ـ التوضؤ لكل صلاة، لقوله صلّى الله عليه وسلم : «لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم عند كل صلاة بوضوء، ومع كل وضوء بسواك» (2) ويندب تجديد الوضوء إذا كان قد أدى بالسابق صلاة: فرضاً أو نفلاً، لأنه نور على نور، وإن لم يؤد به عملاً مقصوداً شرعاً، كان إسرافاً (3) ، لقوله صلّى الله عليه وسلم : «من توضأ على طهر كتب له عشر حسنات» (4) كما يندب المداومة على الوضوء، لما روى ابن ماجه والحاكم وأحمد والبيهقي عن ثوبان: «استقيموا ولن تُحصْوا، واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة، ولن يحافظ على الوضوء إلا مؤمن» .\rب ـ مس الكتب الشرعية من تفسير وحديث واعتقاد وفقه ونحوها، لكن إذا كان القرآن أكثر من التفسير، حرم المس.\rجـ ـ للنوم على طهارة وعقب الاستيقاظ من النوم مبادرة للطهارة، لقوله صلّى الله عليه وسلم : «إذا أتيت مضجعك فتوضأ وضوءك للصلاة، ثم اضطجع على شقك الأيمن، ثم قل: اللهم إني أسلمت نفسي إليك، ووجهت وجهي إليك، وفوضت أمري إليك، وألجأت ظهري إليك، لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك، آمنت بكتابك الذي أنزلت، وبنبيك الذي أرسلت» (5) .\r-------------------------------\r(1) انظر أيضاً مغني المحتاج:63/1.\r(2) رواه أحمد بإسناد صحيح عن أبي هريرة ( نيل الأوطار:210/1).\r(3) رد المحتار لابن عابدين: 1 / 111.\r(4) رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه عن ابن عمر، لكنه حديث ضعيف.\r(5) رواه أحمد والبخاري والترمذي عن البراء بن عازب. ويشير حديث الأمر بغسل اليد بعد اليقظة إلى المبادرة إلى الوضوء، روى ابن ماجه عن جابر مرفوعاً: «إذا قام أحدكم من النوم، فأراد أن يتوضاً، فلا يدخل يده في وضوئه، حتى يغسلها، فإنه لا يدري أين باتت يده، ولا على ما وضعها» ( نصب الراية: 1 / 2 ).","part":1,"page":314},{"id":316,"text":"د ـ قبل غسل الجنابة، وللجنب عند الأكل والشرب والنوم ومعاودة الوطء، لورود السنة به، قالت عائشة: «كان النبي صلّى الله عليه وسلم إذا كان جنباً، فأراد أن يأكل أو ينام، توضأ» (1) وقالت أيضاً: «إن رسول الله صلّى الله عليه وسلم إذا أراد أن ينام وهو جنب، غسل فرجه وتوضأ وضوءه للصلاة» (2) وقال أبو سعيد الخدري: «إذا أتى أحدكم أهله، ثم أراد أن يعود، فليتوضأ» (3) .\rهـ ـ بعد ثورة الغضب، لأن الوضوء يطفئه، روى أحمد في مسنده: «فإذا غضب أحدكم فليتوضأ» .\rو ـ لقراءة القرآن، ودراسة الحديث وروايته، ومطالعة كتب العلم الشرعي، عنايةً بشأنها، وكان مالك يتوضأ ويتطهر عند إملاء الحديث عن رسول الله، تعظيماً له.\rز ـ للأذان والإقامة وإلقاء خطبة ولو خطبة زواج، وزيارة النبي صلّى الله عليه وسلم ، وللوقوف بعرفة، وللسعي بين الصفا والمروة، لأنها في أماكن عبادة.\rح ـ بعد ارتكاب خطيئة، من غيبة وكذب ونميمة ونحوها، لأن الحسنات تمحو السيئات، قال صلّى الله عليه وسلم : «ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا، ويرفع به الدرجات؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخُطا إلى المساجد، وانتظار صلاة بعد صلاة، فذلكم الرباط، فذلكم الرباط» (4) .\r-------------------------------\r(1) رواه أحمد ومسلم، وهناك رواية أخرى للنسائي بمعناها.\r(2) رواه الجماعة.\r(3) رواه الجماعة إلا البخاري.\r(4) رواه مالك ومسلم والترمذي والنسائي، وابن ماجه بمعناه عن أبي هريره، ورواه ابن ماجه أيضاً وابن حبان في صحيحه عن أبي سعيد الخدري (الترغيب والترهيب:158/1).","part":1,"page":315},{"id":317,"text":"ط ـ بعد قهقهة خارج الصلاة، لأنها حدث صورة.\rي ـ بعد غسل ميت وحمله، لقوله صلّى الله عليه وسلم : «من غسل ميتاً فليغتسل، ومن حمله فليتوضأ» (1) .\rك ـ للخروج من خلاف العلماء، كما إذا لمس امرأة،أو لمس فرجه ببطن كفه، أو بعد أكل لحم الجزور، لقول بعضهم بالوضوء منه، ولتكون عبادته صحيحة بالاتفاق عليها، استبراء لدينه.\rالرابع ـ مكروه:\rكإعادة الوضوء قبل أداء صلاة بالوضوء الأول، أي أن الوضوء على الوضوء مكروه، وإن تبدل المجلس (2) ما لم يؤد به صلاة أو نحوها.\rالخامس ـ حرام:\rكالوضوء بماء مغصوب، أو بماء يتيم. وقال الحنابلة: لا يصح الوضوء بمغصوب ونحوه لحديث: «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد» (3) .\rوقال المالكية (4) أيضاً: الوضوء خمسة أنواع:\rواجب، ومستحب، وسنة، ومباح، وممنوع.\rفالواجب: هو الوضوء لصلاة الفرض، والتطوع، وسجود القرآن، ولصلاة الجنازة، ولمس المصحف، وللطواف. ولا يصلى عندهم إلا بالواجب، ومن توضأ لشيء من هذه الأشياء، جاز له فعل جميعها.\rوالسنة: وضوء الجنب للنوم.\rوالمستحب: الوضوء لكل صلاة، ووضوء المستحاضة وصاحب السلس لكل صلاة، وأوجبه غير المالكية لهما، والوضوء للقربات كالتلاوة والذكر والدعاء والعلم، وللمخاوف كركوب البحر، والدخول على السلطان والقوم.\rوالمباح: للتنظيف والتبرد.\r-------------------------------\r(1) رواه أبو داود وابن ماجه وابن حبان عن أبي هريرة، وهو حديث حسن.\r(2) هذا ما حققه ابن عابدين ( رد المحتار: 1 / 111 ) وإن قال في مراقي الفلاح بأن الوضوء على الوضوء يستحب إذا تبدل مجلس المتوضئ.\r(3) رواه مسلم عن عائشة، وللبخاري ومسلم عنها بلفظ: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» .\r(4) القوانين الفقهية: ص20.","part":1,"page":316},{"id":318,"text":"والممنوع: التجديد قبل أن تقع به عبادة.\rواتفق الشافعية والحنابلة (1) مع الحنفية والمالكية على الحالات السابقة ونحوها التي يندب لها الوضوء، من قراءة قرآن أو حديث، ودراسة العلم، ودخول مسجد وجلوس أو مرور فيه، وذكر وأذان ونوم ورفع شك في حدث أصغر، وغضب (2) وكلام محرم كغيبة ونحوها، وفعل مناسك الحج كوقوف ورمي جمار، وزيارة قبر النبي صلّى الله عليه وسلم ، وأكل ، ولكل صلاة، لحديث أبي هريرة يرفعه: «لولا أن أشق على أمتي، لأمرتهم بالوضوء عند كل صلاة» (3)\rكما يستحب الوضوء عند الشافعية من بعد الفصد والحجامة والرعاف والنعاس والنوم قاعداً ممكناً مقعدته من الأرض، والقهقهة في الصلاة، وأكل مامسته النار، ولحم الجزور، والشك في الحدث، وزيارة القبور، ومن حمل الميت ومسه.\rالمطلب الثاني ـ فرائض الوضوء:\rنص القرآن الكريم على أركان أو فرائض أربعة للوضوء: وهي غسل الوجه، واليدين، والرجلين، ومسح الرأس، في قوله تعالى: {يا آيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم، وأيديكم إلى المرافق، وامسحوا برؤوسكم، وأرجلَكم إلى الكعبين} [المائدة:6/5].\rوأضاف جمهور الفقهاء غير الحنفية بأدلة من السنة فرائض أخرى، اتفقوا فيها على النية، وأوجب المالكية والحنابلة الموالاة، كما أوجب الشافعية والحنابلة الترتيب، وأوجب المالكية أيضاً الدلك.\rفتكون أركان الوضوء أربعة عند الحنفية هي المنصوص عليها، وسبعة عند المالكية بإضافة النية والدلك والموالاة، وستة عند الشافعية بإضافة النية والترتيب.\rوسبعة عند الحنابلة والشيعة الإمامية بإضافة النية والترتيب والموالاة.\rوبه يتبين أن أركان أو الفرائض نوعان: متفق عليها، ومختلف فيها.\r-------------------------------\r(1) مغني المحتاج:49/1، كشاف القناع:98/1 وما بعدها.\r(2) لأنه من الشيطان، والشيطان من النار، والماء يطفئ النار، كما ورد في الخبر.\r(3) رواه أحمد بإسناد صحيح.","part":1,"page":317},{"id":319,"text":"النَّوعُ الأوَّل ـ فرائِضُ الوضوء المتَّفق عليها:\rهي أربعة منصوص عليها في القرآن العظيم وهي:\rأولاً ـ غسل الوجه:\rلقوله تعالى: {فاغسلوا وجوهكم} [المائدة:6/5]، أي غسل ظاهر وجميع الوجه مرة (1) ، وللإجماع (2) .\rوالغسل: إسالة الماء على العضو بحيث يتقاطر، وأقله قطرتان في الأصح، ولا تكفي الإسالة بدون التقاطر، والمراد بالغسل، الانغسال، سواء أكان بفعل المتوضئ أم بغيره. والفرض هو الغسل مرة، أما تكرار الغسل ثلاث مرات فهو سنة وليس بفرض.\rوالوجه: ما يواجه به الإنسان. وحده طولاً: ما بين منابت شعر الرأس المعتاد، إلى منتهى الذقن، أو من مبدأ سطح الجبهة إلى أسفل الذقن. والذقن: منبت اللحية فوق الفك السفلي أو اللَّحْيين: أي العظمين اللذين تنبت عليها الأسنان السفلى. ومن الوجه: موضع الغمم: وهو ما ينبت عليه الشعر من الجبهة، وليس منه النزعتان (3) : وهما بياضان يكتنفان الناصية: وهي مقدم الرأس من أعلى الجبين، وإنما النزعتان من الرأس؛ لأنهما في حد تدوير الرأس.\r-------------------------------\r(1) روى الجماعة إلا مسلماً عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: توضأ رسول الله صلّى الله عليه وسلم مرة مرة (نيل الأوطار:172/1).\r(2) الدر المختار: 1 / 88، فتح القدير: 1 / 8 وما بعدها، البدائع: 1 / 3 وما بعدها، تبيين الحقائق:2/1، الشرح الصغير:104/1وما بعدها، الشرح الكبير:85/1، مغني المحتاج:50/1 وما بعدها، المهذب: 1 /16، كشاف القناع: 1 / 92،106، المغني:114/1-120، بداية المجتهد: 1 /10، القوانين الفقهية: ص 10 .\r(3) يقال: رجل أنزع ، ولا يقال: امرأة نزعاء، بل يقال: زعراء، والعرب تمدح بالنزع، وتذم بالغمم لأن الغمم يدل على البلادة والجبن والبخل، والنزع بضد ذلك.","part":1,"page":318},{"id":320,"text":"وحد الوجه عرضاً: ما بين شحمتي الأذنين. ويدخل في الوجه في الراجح عند الحنفية والشافعية البياض الذي بين العذار والأذن. وقال المالكية والحنابلة: إنه من الرأس. كما يدخل في الوجه في الأصح عند الحنابلة كما في المغني موضع التحذيف: وهو ما ينبت عليه الشعر الخفيف من طرفي الجبين بين ابتداء العذار والنزعة (1) لأن محله من الوجه. ولكن قال النووي: صحح الجمهور أي من الشافعية أن موضع التحذيف من الرأس، لاتصال شعره بشعر الرأس. وقال صاحب كشاف القناع الحنبلي: لا يدخل في الوجه تحذيف، وإنما هو من الرأس.\rوالصدغان من الرأس: وهما فوق الأذنين، متصلان بالعذارين، لدخولهما في تدوير الرأس، ولا بد من إدخال جزء يسير من الرأس؛ لأنه مما لا يتم الواجب إلا به. وقال الحنابلة: يستحب تعاهد موضع المفصل (وهو ما بين اللحية والأذن) بالغسل، لأنه مما يغفل الناس عنه، وقال الشافعية: ويسن غسل موضع الصلع والتحذيف والنزعتين والصدغين مع الوجه، خروجاً من الخلاف في وجوب غسلها. ويجب غسل جزء من الرأس ومن الحلق ومن تحت الحنك ومن الأذنين، كما يجب أدنى زيادة في غسل اليدين والرجلين، على الواجب فيهما؛ لأن ما لا يتم الواجب إلا به، فهو واجب.\rومن الوجه: ظاهر الشفتين (2) ومارن الأنف ( مالان منه ) وموضع الجدع من الأنف ونحوه، ولا يغسل المنضم من باطن الشفتين، ولا باطن العينين.\r-------------------------------\r(1) وسمي بذلك لأن النساء والأشراف يحذفون الشعر عنه ليتسع الوجه وضابطه: أن تضع طرف خيط على رأس الأذن، والطرف الثاني على أعلى الجبهة، وتفرض هذا الخيط مستقيماً، فما نزل عنه إلى جانب الوجه، فهو موضع التحذيف.\r(2) وهو ما ظهر عند انطباقهما بلا تكلف.","part":1,"page":319},{"id":321,"text":"ويجب غسل الحاجب والهُدْب (الشعر النابت على أجفان العين) والعذار (الشعر النابت على العظم الناتئ المحاذي للأذن بين الصدغ والعارض) (1) والشارب وشعر الخد، والعنفقة (الشعر النابت على الشفة السفلى) واللِّحية (الشعر النابت على الذقن خاصة، وهي مجمع اللِّحْيين) الخفيفة، ظاهراً وباطناً، خفيفاً كان الشعر أو كثيفاً (2) لما روى مسلم من قوله صلّى الله عليه وسلم لرجل ترك موضع ظفر على قدمه: «ارجع فأحسن وضوءك» .\rفإن كانت اللحية كثيفة لا ترى بشرتها، فيجب فقط غسل ظاهرها، ويسن تخليل باطنها، ولا يجب إيصال الماء إلى بشرة الجلد، لعسر إيصال الماء إليه، ولما روى البخاري أنه صلّى الله عليه وسلم توضأ فغرف غرفة غسل بها وجهه (1) وكانت لحيته الكريمة كثيفة، وبالغرفة الواحدة لا يصل الماء إلى ذلك غالباً.\rوأما المسترسل من اللحية الخارج عن دائرة الوجه فيجب غسله عند الشافعية على المعتمد، وعند الحنابلة، لأنه نابت في محل الفرض، ويدخل في اسمه ظاهراً، ويفارق ذلك شعر الرأس، فإن النازل عنه لا يدخل في اسمه، ولما رواه مسلم عن عمرو بن عَبْسة: «...ثم إذا غسل وجهه كما أمره الله، إلا خَرَّت خطايا وجهه من أطراف لحيته مع الماء» .\rولم يوجب الحنفية والمالكية غسل المسترسل؛ لأنه شعر خارج عن محل الفرض، وليس من مسمى الوجه.\r-------------------------------\r(1) العارض: صفحة الخد، أو هو القدر المحاذي للأذن من الوجه، أو ما نزل عن حد العذار.\r(2) الشعر الكثيف: ما يستر البشرة عن المخاطب، بخلاف الخفيف.\r(1) رواه البخاري عن ابن عباس ( نيل الأوطار: 1 /147).","part":1,"page":320},{"id":322,"text":"وأضاف الحنابلة: أن الفم والأنف من الوجه يعني أن المضمضة والاستنشاق واجبان في الوضوء، لما روى أبو داود وغيره: «إذا توضأت فمضمض» ولما روى الترمذي من حديث سلمة بن قيس: «إذا توضأت فانتثر» ولحديث أبي هريرة المتفق عليه: «إذا توضأ أحدكم فليجعل في أنفه ماء، ثم لينتثر» كما أوجب الحنابلة التسمية في الوضوء لقوله صلّى الله عليه وسلم : «لاصلاة لمن لا وضوء له، ولا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه» (1) .\rثانياً ـ غسل اليدين إلى المرفقين مرة واحدة:\rلقوله تعالى: {وأيديكم إلى المرافق} [المائدة:6/5]، وللإجماع (2) .\rوالمرفق: ملتقى عظم العضد والذراع.\r-------------------------------\r(1) رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه عن أبي هريرة، ولأحمد وابن ماجه من حديث سعيد بن زيد وأبي سعيد مثله.\r(2) المراجع السابقة: البدائع: ص 4، فتح القدير: ص 10، تبيين الحقائق: ص 3، الدر المختار: ص 90 وما بعدها، الشرح الصغير: ص107 وما بعدها، الشرح الكبير: ص87 وما بعدها، بداية المجتهد: 1 / 10، القوانين الفقهية: ص 10، مغني المحتاج: ص52، المهذب: ص16 وما بعدها ، المغني: ص 122وما بعدها، كشاف القناع: ص 108وما بعدها.","part":1,"page":321},{"id":323,"text":"ويجب عند جمهور العلماء ومنهم أئمة المذاهب الأربعة إدخال المرفقين في الغسل، لأن حرف «إلى» لانتهاء الغاية، وهي هنا بمعنى «مع» كما في قوله تعالى: {ويزدكم قوة إلى قوتكم} [هود:52/11]، {ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم} [النساء:2/4]، ولأن الأصل في اليد شمولها الكف إلى الذراع، لكن التحديد بالمرافق أسقط ما وراءها، وقد أوضحت السنة النبوية المطلوب وبينت المجمل، روى مسلم عن أبي هريرة في صفة وضوء رسول الله صلّى الله عليه وسلم : «أنه توضأ فغسل وجهه، فأسبغ الوضوء، ثم غسل يده اليمنى حتى أشرع في العضد، ثم اليسرى حتى أشرع في العضد..» (1) وروى الدارقطني عن عثمان رضي الله عنه أنه قال: «هلمَّ أتوضأ لكم وُضوء رسول الله صلّى الله عليه وسلم، فغسل وجهه ويديه حتى مسَّ أطراف العضدين...» (2) وروى الدارقطني أيضاً عن جابر، قال: «كان النبي صلّى الله عليه وسلم إذا توضأ أمرَّ الماء على مرفقيه» .\rويجب غسل تكاميش الأنامل، وغسل ما تحت الأظافر الطويلة التي تستر رؤوس الأنامل، كما يجب عند غير الحنفية إزالة أوساخ الأظافر إن منعت وصول الماء، بأن كانت كثيرة، ويعفى عن القليل منها، ويعفى عند الحنفية عن تلك الأوساخ، سواء أكانت كثيرة أم يسيرة دفعاً للحرج. لكن يجب بالاتفاق إزالة ما يحجب الماء عن الأظافر غيرها كدهن وطلاء.\rويجب عند المالكية تخليل أصابع اليدين، ويندب تخليل أصابع الرجلين.\rويجب غسل الإصبع الزائدة في محل الفرض مع الأصلية؛ لأنها نابتة فيه، كما يجب عند الحنابلة والمالكية غسل جلدة متعلقة في غير محل الفرض وتدلت إلى محل الفرض. وقال الشافعية: إن تدلت جلدة العضد منه، لم يجب غسل شيء منها، لا المحاذي ولا غيره؛ لأن اسم اليد لا يقع عليها، مع خروجها عن محل الفرض.\r-------------------------------\r(1) نيل الأوطار: 1 / 152.\r(2) نيل الأوطار: 1 / 152.","part":1,"page":322},{"id":324,"text":"فإن قطع بعض ما يجب غسله من اليدين، وجب بالاتفاق غسل ما بقي منه؛ لأن الميسور لا يسقط بالمعسور، ولقوله صلّى الله عليه وسلم : «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم» .\rأما من قطعت يده من المرفق فيجب عليه غسل رأس عظم العضد، لأنه من المرفق.\rفإن قطع ما فوق المرفق، ندب غسل باقي العضد، لئلا يخلو العضد عن طهارة.\rويجب عند الجمهور تحريك الخاتم الضيق، ولا يجب عند المالكية تحريك الخاتم المأذون فيه لرجل وامرأة، ولو ضيقاً لا يدخل الماء تحته، ولا يعد حائلاً.\rثالثاً ـ مسح الرأس:\rلقوله تعالى: {وامسحوا برؤوسكم} [المائدة:6/5]، وروى مسلم «أنه (صلّى الله عليه وسلم) مسح بناصيته وعلى العمامة» .\rوالمسح: هو إمرار اليد المبتلة على العضو.\rوالرأس: منبت الشعر المعتاد من المقدم فوق الجبهة إلى نقرة القفا. ويدخل فيه الصُدْغان ما فوق العظم الناتئ في الوجه. واختلف الفقهاء في القدر المجزئ منه (1) :\rفقال الحنفية على المشهور المعتمد: الواجب مسح ربع الرأس مرة، بمقدار الناصية، فوق الأذنين لا على طرف ذؤابة (ضفيرة)، ولو بإصابة مطر أو بلل باق بعد غسل لم يؤخذ من عضو آخر.\rودليلهم: أنه لا بد من تحقيق معنى المسح عرفاً، فيحمل على مقدار يسمى المسح عليه مسحاً في المتعارف، وبما أن الباء للإلصاق، فيكون معنى الآية وامسحوا أيديكم ملصقة برؤوسكم، والقاعدة: أن الباء إذا دخلت على الممسوح اقتضت استيعاب الآلة، وإذا دخلت على الآلة اقتضت استيعاب الممسوح، فتفيد المسح بمقدار اليد؛ لأن استيعاب اليد ملصقة بالرأس لا يستغرق غالباً سوى الربع، فيكون هو المطلوب من الآية.\r-------------------------------\r(1) تبيين الحقائق: 1 / 3، البدائع: 1 / 4، فتح القدير: 1 / 10 وما بعدها، الدر المختار:92/1، بداية المجتهد: 1 / 11، القوانين الفقهية: ص21، الشرح الصغير: 1 / 108 وما بعدها، الشرح الكبير: 1 / 88، المهذب: 1 / 17، مغني المحتاج: 1 / 53،المغني:125/1 وما بعدها، كشاف القناع: 1 / 109 وما بعدها.","part":1,"page":323},{"id":325,"text":"ويوضحه مارواه البخاري ومسلم عن المغيرة بن شعبة : «أن النبي صلّى الله عليه وسلم توضأ، فمسح بناصيته، وعلى العمامة، والخفين» وما رواه أبو داود عن أنس قال: «رأيت رسول الله صلّى الله عليه وسلم يتوضأ وعليه عِمامة قِطْرية (من صنع قَطَر)، فأدخل يده تحت العمامة، فمسح مقدَّم رأسه، ولم ينقض العمامة» (1) ، فكان ذلك بياناً لمجمل الآية القرآنية، لأن الناصية أو مقدم الرأس مقدرة بالربع؛ لأنها أحد جوانب الرأس الأربعة، ولعل أرجح الآراء وجوب مسح مقدار يسمى مسحاً باليد في العرف.\rوقال المالكية: والحنابلة في أرجح الروايتين عندهم: يجب مسح جميع الرأس، وليس على الماسح نقض ضفائر شعره، ولا مسح ما نزل عن الرأس من الشعر، ولا يجزئ مسحه عن الرأس، ويجزئ المسح على الشعر الذي لم ينزل عن محل الفرض. فإن فقد شعره مسح بشرته؛ لأنها ظاهر رأسه بالنسبة إليه.\r-------------------------------\r(1) نيل الأوطار: 1 / 157،167، نصب الراية: 1 / 1 - 2.","part":1,"page":324},{"id":326,"text":"والظاهر عند الحنابلة: وجوب الاستيعاب للرجل، أما المرأة فيجزئها مسح مقدم رأسها؛ لأن عائشة كانت تمسح مقدم رأسها. ويجب أيضاً عند الحنابلة مسح الأذنين ظاهرهما وباطنهما؛ لأنهما من الرأس، لما رواه ابن ماجه: «الأذنان من الرأس» (1) .\rويكفي المسح عندهم مرة واحدة، ولا يستحب تكرار مسح رأس وأذن، قال الترمذي وأبو داود: والعمل عليه عند أكثر أهل العلم؛ لأن أكثر من وصف وضوء رسول الله صلّى الله عليه وسلم ذكر أنه مسح رأسه واحدة، لأنهم ذكروا الوضوء ثلاثاً ثلاثاً، وقالوا فيها: ( ومسح برأسه ) ولم يذكروا عدداً، كما ذكروا في غيره.\rودليلهم: أن الباء للإلصاق أي إلصاق الفعل بالمفعول،فكأنه تعالى قال: ألصقوا المسح برؤوسكم أي المسح بالماء.\rولأنه صلّى الله عليه وسلم مسح جميع الرأس، روى عبد الله بن زيد «أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم مسح رأسه بيديه، فأقبل بهما، وأدبر، بدأ بمقدِّم رأسه، ثم ذهب بهما إلى قَفاه، ثم ردهما إلى المكان الذي بدأ منه» (2) وهو يدل على مشروعية مسح جميع الرأس، وهو مستحب باتفاق العلماء، كما قال النووي.\rوقال الشافعية: الواجب مسح بعض الرأس، ولو شعرة واحدة في حدِّ الرأس، بأن لا يخرج بالمدِّ عنه من جهة نزوله.\rوالأصح عند الشافعية جواز غسله لأنه مسح وزيادة، وجواز وضع اليد على الرأس بلا مَدّ، لحصول المقصود من وصول البلل إليه.\rوالأصح عند الحنابلة: أنه لا يكفي غسل الرأس من غير إمرار اليد على الرأس، فيجزئه الغسل مع الكراهة إن أمرّ يده.\r-------------------------------\r(1) وعن ابن عباس «أن النبي صلّى الله عليه وسلم مسح برأسه وأذنيه ظاهرهما وباطنهما» رواه الترمذي وصححه ( نيل الأوطار: 1 / 162).\r(2) رواه الجماعة، وروى أبو داود وأحمد حديثاً حسناً عن الرُّبَيِّع بنت مُعوِّذ «أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم توضأ عندها، ومسح برأسه، فمسح الرأس كله من فوق الشعر، كلَّ ناحية لمُنصَبِّ الشعر، لا يحرك الشعر عن هيئته» (نيل الأوطار: 1 /154،156).","part":1,"page":325},{"id":327,"text":"ودليل الشافعية حديث المغيرة السابق عند الشيخين: «أنه صلّى الله عليه وسلم مسح بناصيته، وعلى العمامة» فاكتفى بمسح البعض فيما ذكر، لأن المطلوب مطلقاً وهو المسح في الآية يتحقق بالبعض، والباء إذا دخلت على متعدد، كما في الآية، تكون للتبعيض، فيكفي القليل كالكثير.\rوالحق: أن الآية من قبيل المطلق، وأنها لا تدل على أكثر من إيقاع المسح بالرأس، وذلك يتحقق بمسح الكل، وبمسح أي جزء قل أم كثر، ما دام في دائرة ما يصدق عليه اسم المسح، وأن مسح شعرة أو ثلاث شعرات لا يصدق عليه ذلك (1) .\rرابعاً ـ غسل الرجلين إلى الكعبين:\rلقوله تعالى: {وأرجلكم (2) إلى الكعبين} [المائدة:5/6]، ولإجماع العلماء، ولحديث عمرو بن عَبْسة عند أحمد: «... ثم يمسح رأسه كما أمر الله، ثم يغسل قدميه إلى الكعبين كما أمره الله» ولحديث عثمان عند أبي داود والدارقطني بعد أن غسل رجليه قال: «هكذا رأيت رسول الله صلّى الله عليه وسلم يتوضأ» ولغيرهما من الأحاديث كحديث عبد الله بن زيد وحديث أبي هريرة.\rوالكعبان: هما العظمان الناتئان من الجانبين عند مفصل القدم.\rوالواجب عند جمهور الفقهاء غسل الكعبين أو قدرهما عند فقدهما مع الرجلين مرة واحدة، كغسل المرفقين، لدخول الغاية في المُغَيَّا أي لدخول ما بعد «إلى» فيما قبلها (3) ،ولحديث أبي هريرة السابق: «...ثم غسل رجله اليمنى حتى أشرع في الساق، ثم غسل رجله اليسرى حتى أشرع في الساق، ثم قال: هكذا رأيت رسول الله صلّى الله عليه وسلم يتوضأ» (4) .\r-------------------------------\r(1) مقارنة المذاهب في الفقه للأستاذين الشيخ محمود شلتوت والشيخ محمد علي السايس: ص 11.\r(2) قراءة السبع بالنصب، وقراءة غيرها بالجر للمجاورة، عطفاً على الوجوه، لفظاً في الأول، ومعنى في الثاني.\r(3) البدائع: 1 / 5، الشرح الصغير: 1 / 109، مغني المحتاج: 1 /53، المغني: 1 /132 وما بعدها.\r(4) رواه مسلم (نيل الأوطار: 1 / 152).","part":1,"page":326},{"id":328,"text":"ويلزم عند الجمهور أيضاً غسل القدمين مع الكعبين، ولا يجزئ مسحهما لقوله صلّى الله عليه وسلم : «ويل للأعقاب من النار» (1) فقد توعد على المسح، ولمداومته صلّى الله عليه وسلم على غسل الرجلين، وعدم ثبوت المسح عنه من وجه صحيح، ولأمره بالغسل، كما ثبت في حديث جابر عند الدارقطني بلفظ «أمرنا رسول الله صلّى الله عليه وسلم إذا توضأنا للصلاة أن نغسل أرجلنا» ولثبوت ذلك من قوله وفعله صلّى الله عليه وسلم ، كما في حديث عمرو بن عَبْسة وأبي هريرة وعبد الله بن زيد وعثمان السابقة التي فيها حكاية وضوء رسول الله وفيها: ( فغسل قدميه )، ولقوله صلّى الله عليه وسلم بعد أن توضأ وضوءاً غسل قدميه: « فمن زاد على هذا أو نقص فقد أساء وظلم» (2) ولا شك أن المسح بالنسبة إلى الغسل نقص، ولقوله عليه الصلاة والسلام للأعرابي: «توضأ كما أمرك الله» (3) ثم ذكر له صفة الوضوء، ولإجماع الصحابة على الغسل، فكانت هذه الأمور موجبة لحمل قراءة ( وأرجلِكم ) بالكسر على حالة نادرة مخالفة للظاهر، لا يجوز حمل المتنازع فيه عليها. وعطفها على ( برؤوسكم ) بالجر للمجاورة. وأما قراءة النصب فهي عطف على اليدين في الغسل.\rثم إن أمر النبي صلّى الله عليه وسلم بتخليل أصابع اليدين والرجلين يدل على وجوب الغسل (4) .\r-------------------------------\r(1) رواه أحمد والشيخان عن عبد الله بن عمر، قال: «تخلف عنا رسول الله صلّى الله عليه وسلم في سفرة، فأدرَكنا وقد أرهقنا العصر، فجعلنا نتوضأ ونمسح على أرجلنا، قال: فنادى بأعلى صوته: ويل للأعقاب من النار مرتين أو ثلاثا» (نيل الأوطار: 1 /167).\r(2) أخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجه وابن خزيمة من طرق صحيحة، وصححه ابن خزيمة (نيل الأوطار: 1 /146،152، 168،173).\r(3) رواه أحمد وأبو داود والدارقطني عن أنس بن مالك، ورواه أحمد ومسلم عن عمر بن الخطاب ( نيل الأوطار: 1 / 170،175).\r(4) روى أحمد وابن ماجه والترمذي عن ابن عباس أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم قال: «إذا توضأت فخلل أصابع يديك ورجليك» (نيل الأوطار: 1 /153).","part":1,"page":327},{"id":329,"text":"وأوجب الشيعة الإمامية (1) مسح الرجلين، لما أخرج أبو داود من حديث أوس بن أبي أوس الثقفي: « أنه رأى رسول الله صلّى الله عليه وسلم أتى كِظَامة (2) قوم بالطائف،فتوضأ، ومسح على نعليه وقدميه» (3) ، وعملاً بقراءة الجر «وأرجلكم» وبما روي عن علي وابن عباس وأنس، لكن قد ثبت عنهم الرجوع عن ذلك. قال الشوكاني: وأما الموجبون للمسح، وهم الإمامية، فلم يأتوا مع مخالفتهم الكتاب والسنة المتواترة قولاً وفعلاً بحجة نيرة، وجعلوا قراءة النصب عطفاً على محل قوله: {برؤوسكم} [المائدة:6/5] (4) .\rوالسبب في ذكر الغسل والمسح في الأرجل بحسب قراءتي النصب والجر ـ كما ذكر الزمخشري ـ هو توقي الإسراف؛ لأن الأرجل مظنة لذلك.\rوالخلاصة: أن أركان الوضوء المتفق عليها أربعة: غسل الوجه واليدين والرجلين مرة واحدة، والمسح بالرأس مرة واحدة، وأما التثليث فهو سنة، كما سيأتي بيانه.\r-------------------------------\r(1) المختصر النافع في فقه الإمامية: ص 30.\r(2) الكظامة: القناة، أو فم الوادي.\r(3) حديث معلول بجهالة بعض رواته، وعلى تقدير ثبوته ذهب بعضهم إلى نسخه، قال هيثم: كان هذا في أول الإسلام: (نيل الأوطار: 1 /169).\r(4) نيل الأوطار: المكان السابق.","part":1,"page":328},{"id":330,"text":"النَّوع الثَّاني ـ فرائِضُ الوضوء المختلف فيها:\rاختلف الفقهاء في إيجاب النية والترتيب والموالاة والدلك. فقال غير الحنفية بفرضية النية، وقال المالكية والحنابلة والإمامية بوجوب الموالاة، وقال الشافعية والحنابلة والإمامية بوجوب الترتيب، وانفرد المالكية بإيجاب الدلك. وأبحث الخلاف في هذه الأمور:\rأولاً ـ النية:\rالنية لغة: القصد بالقلب، لا علاقة للسان بها، وشرعاً: هي أن ينوي المتطهر أداء الفرض، أو رفع حكم الحدث، أو استباحة ما تجب الطهارة له، كأن يقول المتوضئ: نويت فرائض الوضوء، أو يقول من دام حدثه كمستحاضة وسلس بول أو ريح: نويت استباحة فرض الصلاة، أو الطواف أو مس المصحف. أو يقول المتطهر مطلقاً: نويت رفع الحدث، أي إزالة المانع بين كل فعل يفتقر إلى الطهارة. وعرف الحنفية النية اصطلاحاً بأنها توجه القلب لإيجاد الفعل جزماً.\rوقد اختلف الفقهاء في اشتراط النية للطهارة:\rفقال الحنفية (1) : يسن للمتوضئ البداية بالنية لتحصيل الثواب، ووقتها: قبل الاستنجاء ليكون جميع فعله قربة. وكيفيتها: أن ينوي رفع الحدث، أو إقامة الصلاة، أو ينوي الوضوء أو امتثال الأمر. ومحلها القلب، فإن نطق بها ليجمع بين فعل القلب واللسان، فهو مستحب عند المشايخ.\rويترتب على قولهم بعدم فرضية النية: صحة وضوء المتبرد، والمنغمس في الماء للسباحة أو للنظافة أو لإنقاذ غريق، ونحو ذلك.\rواستدلوا على رأيهم بما يأتي:\r1ً - عدم النص عليها في القرآن: إن آية الوضوء لم تأمر إلا بغسل الأعضاء الثلاثة والمسح بالرأس، والقول باشتراط النية بحديث آحاد زيادة على نص الكتاب، والزيادة على الكتاب عندهم نسخ، لا يصح بالآحاد.\r2ً - عدم النص عليها في السنة: لم يعلمها النبي صلّى الله عليه وسلم للأعرابي مع جهله. وفرضت النية في التيمم لأنه بالتراب، وليس هو مزيلاً للحدث بالأصالة، وإنما هو بدل عن الماء.\r-------------------------------\r(1) الدر المختار: 1 / 98 - 100، اللباب: 1 /16، مراقي الفلاح: ص 12، البدائع:17/1، مقارنة المذاهب في الفقه: ص14.","part":1,"page":329},{"id":331,"text":"3ً - القياس على سائر أنواع الطهارة وغيرها: إن الوضوء طهارة بماء، فلا تشترط لها النية كإزالة النجاسة، كما لا تجب النية في شروط الصلاة الأخرى كستر العورة، ولا تجب أيضاً بغسل الذمية من حيضها لتحل لزوجها المسلم.\r4ً - إن الوضوء وسيلة للصلاة، وليس مقصوداً لذاته، والنية شرط مطلوب في المقاصد، لا في الوسائل.\rوقال المالكية والشافعية: النية فرض في الوضوء، وعند الحنابلة شرط، لتحقيق العبادة أو قصد القربة لله عز وجل (1) ،فلا تصح الصلاة بالوضوء لغير العبادة كالأكل والشرب والنوم ونحو ذلك. واستدلوا بما يأتي:\r1ً - السنة: قوله صلّى الله عليه وسلم : «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى» (2) أي إن الأعمال المعتدّ بها شرعاً تكون بالنية، والوضوء عمل، فلا يوجد شرعاً إلا بنية.\r2ً - تحقيق الإخلاص في العبادة: لقوله تعالى: {وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين} [البينة:5/98]، والوضوء عبادة مأمور بها، لا يتحقق إلا بإخلاص النية فيه لله تعالى، لأن الإخلاص عمل القلب وهو النية.\r3ً - القياس: تشترط النية في الوضوء كما تشترط في الصلاة، وكما تشترط في التيمم لا ستباحة الصلاة.\r4ً - الوضوء وسيلة للمقصود، فله حكم ذلك المقصود، لقوله تعالى: {إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم} [المائدة:6/5]، فهذا يدل على أن الوضوء مأمور به عند القيام للصلاة، ومن أجل هذه العبادة، فالمطلوب غسل الأعضاء لأجل الصلاة، وهو معنى النية.\r-------------------------------\r(1) المجموع للنووي: 1 /361 وما بعدها، المهذب: 1 / 14 وما بعدها، بداية المجتهد: 1 / 7 وما بعدها، القوانين الفقهية: ص21، الشرح الصغير: 1 / 114 وما بعدها، الشرح الكبير: 1 / 93وما بعدها، مغني المحتاج: 1 / 47وما بعدها، المغني: 1 /110 وما بعدها، كشاف القناع: 1 /94-101.\r(2) متفق على صحته، رواه الجماعة عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه ( نيل الأوطار: 1 / 131).","part":1,"page":330},{"id":332,"text":"والحق: القول بفرضية النية؛ لأن أحاديث الآحاد كثيراً ما أثبتت أحكاماً ليست في القرآن، ولأن عموم الماء للأعضاء بدون قصد أصلاً، أو بقصد التبرد، ليس غسلاً للوضوء، حتى يؤد ي مهمته الشرعية، ويحقق المأمور به كما أمر به (1) .\rما يتعلق بالنية: يتلخص مما سبق أمور تتعلق بالنية هي ما يأتي (2) :\rأ ـ حقيقتها: لغة: القصد، وشرعاً: قصد الشيء مقترناً بفعله.\rب ـ حكمها: عند الجمهور: الوجوب، وعند الحنفية: الاستحباب.\rجـ ـ المقصود بها: تمييز العبادة عن العادة،أو تمييز رتبتها أي تمييز بعض العبادات عن بعض، كالصلاة تكون فرضاً تارة، ونفلاً أخرى.\rد ـ شرطها: إسلام الناوي وتمييزه وعلمه بالمنوي،وعدم إتيانه بما ينافيها بأن يستصحبها حكماً، فلا ينصرف عن الوضوء مثلاً لغيره، وألا تكون معلقة، فلو قال: إن شاء الله تعالى: فإن قصد التعليق أوأطلق، لم تصح، وإن قصد التبرك صحت.\rواشترط غير الحنفية دخول وقت الصلاة لدائم الحدث كسلس بول ومستحاضة؛ لأن طهارته طهارة عذر وضرورة، فتقيدت بالوقت كالتيمم.\rهـ ـ محلها: القلب، إذ هي عبارة عن القصد ، ومحل القصد: القلب، فمتى اعتقد بقلبه أجزأه، وإن لم يتلفظ بلسانه، أما إن لم تخطر النية بقلبه، فلم يجزئه الفعل الحاصل، والأولى عند المالكية ترك التلفظ بالنية، ويسن عند الشافعية والحنابلة: التلفظ بها، إلا أن المذهب عند الحنابلة أنه يستحب التلفظ بها سراً، ويكره الجهر بها وتكرارها.\r-------------------------------\r(1) مقارنة الفقه في المذاهب: ص 17.\r(2) مغني المحتاج: 1 /47 والمراجع السابقة: المغني: 1 /142.","part":1,"page":331},{"id":333,"text":"و ـ صفتها: أن يقصد بطهارته استباحة شيء لا يستباح إلا بها، كالصلاة والطواف ومس المصحف، وينوي رفع الحدث الأصغر، أي المنع المترتب على الأعضاء، أي أن صفة النية أن ينوي رفع الحدث أو الطهارة من الحدث، وأيهما نواه أجزأه، لأنه نوى المقصود وهو رفع الحدث.\rفإن نوى بالطهارة: ما لا تشرع له الطهارة، كالتبرد والأكل والبيع والزواج ونحوه، ولم ينو الطهارة الشرعية، لم يرتفع حدثه؛ لأنه لم ينو الطهارة ولامايتضمن نيتها، فلم يحصل له شيء، كالذي لم يقصد شيئاً.\rوإن نوى بالوضوء الصلاة وغيرها كالتبرد أو النظافة أو التعليم أو إزالة النجاسة، صحت النية وأجزأته. لكن لو أطلق النية أي لمجرد الطهارة الشاملة للحدث والخبث مثلاً، لم تصح ولم تجزئ، حتى يتحقق تمييز العبادة عن العادة، ولا يتم التمييز إلا بالنية، والطهارة قد تكون عن حدث وقد تكون عن نجس، فلم تصح بنية مطلقة.\rوإن نوى المتوضئ بوضوئه ما تسن له الطهارة، كأن نوى الوضوء لقراءة وذكر وأذان ونوم وجلوس بمسجد أو تعليم علم وتعلمه أو زيارة عالم ونحو ذلك، ارتفع حدثه وله أن يصلي ما شاء عند الحنابلة، لأنه نوى شيئاً من ضرورة صحة الطهارة.\rولا يجزئه للصلاة عند المالكية من غير أن ينوي رفع الحدث، لأن ما نواه يصح فعله مع بقاء الحدث.\rكما لا يجزئه في الأصح عند الشافعية؛ لأنه مباح مع الحدث، فلا يتضمن قصده رفع الحدث.\rولا خلاف في أنه إذا توضأ لنافلة أو لما يفتقر إلى الطهارة كمس المصحف والطواف، صلى بوضوئه الفريضة؛ لأنه ارتفع حدثه (1) .\rوإن شك في النية في أثناء الطهارة لزمه استئنافها؛ لأنها عبادة شك في شرطها، وهو فيها، فلم تصح كالصلاة.\rولا يضر شكه في النية بعد فراغ الطهارة، كسائر العبادات.\r-------------------------------\r(1) المغني:142/1.","part":1,"page":332},{"id":334,"text":"وإذا وضّأه غيره، اعتبرت النية من المتوضئ دون الموضئ؛ لأن المتوضئ هو المخاطب بالوضوء، والوضوء يحصل له بخلاف الموضئ فإنه آلة لا يخاطب ولا يحصل له.\rوينوي من حدثه دائم كالمستحاضة وسلس البول ونحوه استباحة الصلاة دون رفع الحدث، لعدم إمكان رفعه.\rز ـ وقت النية: قال الحنفية: وقتها قبل الاستنجاء ليكون جميع فعله قربة، وقال الحنابلة: وقتها عند أول واجب وهو التسمية في الوضوء، وقال المالكية: محلها الوجه، وقيل: أول الطهارة.\rوقال الشافعية: عند أول غسل جزء من الوجه، ويجب عند الشافعية قرنها بأول غسل الوجه لتقترن بأول الفرض كالصلاة. ويستحب أن ينوي قبل غسل الكفين لتشمل النية مسنون الطهارة ومفروضها، فيثاب على كل منهما. ويجوز تقديم النية على الطهارة بزمن يسير، فإن طال الزمن لم يُجزه ذلك.\rويستحب استصحاب ذكر النية إلى آخر الطهارة، لتكون أفعاله مقترنة بالنية، وإن استصحب حكمها أجزأه، ومعناه: ألا ينوي قطعها.\rولا يضر عزوب النية: أي ذهابها عن خاطره وذهوله عنها، بعد أن أتى بها في أول الوضوء؛ لأن ما اشترطت له النية لا يبطل بعزوبها والذهول عنها كالصلاة والصيام. وذلك بخلاف الرفض: أي الإبطال في أثناء الوضوء بأن يبطل ما فعله منه، كأن يقول بقلبه: أبطلت وضوئي، فإنه يبطل. وللمتوضئ عند الشافعية والحنابلة تفريق النية على أعضاء الوضوء، بأن ينوي عند كل عضو رفع الحدث عنه، لأنه يجوز تفريق أفعال الوضوء، فكذلك يجوز تفريق النية على أفعاله.\rوالمعتمد عند المالكية خلافاً للأظهر عند ابن رشد: أنه لا يجزئ تفريق النية على الأعضاء، بأن يخص كل عضو بنية، من غير قصد إتمام الوضوء، ثم يبدو له فيغسل ما بعده، وهكذا، فإن فرق النية على الأعضاء مع قصده إتمام الوضوء على الفور، أجزأه ذلك. وبه يلتقي المالكية مع الشافعية والحنابلة.\rوالخلاصة: اتفق العلماء على وجوب النية في التيمم، واختلفوا في وجوبها في الطهارة عن الحدث الأكبر والأصغر على قولين.","part":1,"page":333},{"id":335,"text":"ثانياً ـ الترتيب:\rالترتيب: تطهير أعضاء الوضوء واحداً بعد الآخر كما ورد في النص القرآني: أي غسل الوجه أولاً ثم اليدين ثم مسح الرأس ثم غسل الرجلين. واختلف الفقهاء في وجوبه (1) .\rفقال الحنفية والمالكية: إنه سنة مؤكدة لا فرض، فيبدأ بما بدأ الله بذكره وبالميامن؛ لأن النص القرآني الوارد في تعداد فرائض الوضوء عطف المفروضات بالواو، التي لا تفيد إلا مطلق الجمع، وهو لا يقتضي الترتيب، ولو كان الترتيب مطلوباً لعطفه بالفاء أو ( ثم )، والفاء التي في قوله تعالى: {فاغسلوا} [المائدة:6/5]، لتعقيب جملة الأعضاء.\r-------------------------------\r(1) الدر المختار: 1 /113، مراقي الفلاح: ص12، فتح القدير: 1 /23، البدائع: 1 /17 وما بعدها، الشرح الصغير: 1 /120، الشرح الكبير: 1 /102، مغني المحتاج:54/1، المهذب:19/1، المغني: 1 /136-138، كشاف القناع: 1 /116، بداية المجتهد: 1 /16، القوانين الفقهية: ص 22، المجموع: 1 /480 -486.","part":1,"page":334},{"id":336,"text":"وروي عن علي وابن عباس وابن مسعود ما يدل على عدم وجوب الترتيب، قال علي رضي الله عنه: «ما أبالي بأي أعضائي بدأت» وقال ابن عباس رضي الله عنهما: «لابأس بالبداية بالرجلين قبل اليدين» وقال ابن مسعود رضي الله عنه: «لابأس أن تبدأ برجليك قبل يديك في الوضوء» (1) .\rوقال الشافعية والحنابلة: الترتيب فرض في الوضوء لا في الغسل. لفعل النبي صلّى الله عليه وسلم المبين للوضوء المأمور به (2) ، ولقوله صلّى الله عليه وسلم في حجته: «ابدؤوا بما بدأ الله به» (3) ، والعبرة بعموم اللفظ، ولأن في آية الوضوء قرينة تدل على أنه أريد بها الترتيب، فإنه تعالى ذكر ممسوحاً بين مغسولات، والعرب لا تفرق بين المتجانسين ولا تقطع النظير عن نظيره إلا لفائدة، وهي هنا الترتيب، ولأن الآية بيان للوضوء الواجب، بدليل أنه لم يذكر فيها شيء من السنن. وقياساً على الترتيب الواجب في أركان الصلاة.\rفلو نكس (4) الترتيب المطلوب، فبدأ برجليه، وختم بوجهه لم يصح إلا غسل وجهه، ثم يكمل ما بعده على الترتيب الشرعي. ويمكن تصحيح الوضوء غير المرتب بأن يغسل أعضاءه أربع مرات، لأنه يحصل له في كل مرة غسل كل عضو، فيحصل له من المرة الأولى غسل الوجه، ومن الثانية غسل اليدين، ومن الثالثة مسح الرأس، ومن الرابعة غسل الرجلين.\rوإن غسل أعضاءه دفعة واحدة، لم يصح وضوءه، وكذا لو وضأه أربعة في حالة واحدة؛ لأن الواجب الترتيب، لا عدم التنكيس، ولم يوجد الترتيب.\rولو اغتسل محدث حدثاً أصغر فقط بنية رفع الحدث أو نحوه، فالأصح عن الشافعية: أنه إن أمكن تقدير ترتيب بأن غطس مثلاً صح، ولو بلا مُكْث؛ لأنه يكفي ذلك لرفع أعلى الحدثين، فللأصغر أولى، ولتقدير الترتيب في لحظات معينة.\rولا يكفي ذلك عند الحنابلة، إلا إذا مكث في الماء قدراً يسع الترتيب، فيخرج وجهه ثم يديه، ثم يمسح رأسه، ثم يخرج من الماء،سواء أكان الماءراكداً أم جارياً.\r-------------------------------\r(1) روى الدارقطني الأثرين الأولين، وأما الأثر الثالث فلا يعرف له أصل.\r(2) رواه مسلم وغيره عن أبي هريرة (نيل الأوطار: 1 /152).\r(3) رواه النسائي بإسناد صحيح.\r(4) نكس ـ كنصر ـ الشيء: فانتكس: قلبه على رأسه، ونكَّسه بالتشديد تنكيساً.","part":1,"page":335},{"id":337,"text":"والترتيب مطلوب بين الفرائض، ولا يجب الترتيب بين اليمنى واليسرى من اليدين والرجلين، وإنما هو مندوب، لأن مخرجهما في القرآن واحد، قال تعالى: {وأيديكم}.... {وأرجلكم} [المائدة:6/5]، والفقهاء يعدون اليدين عضواً، والرجلين عضواً، ولا يجب الترتيب في العضو الواحد. وهذا هو المقصود من قول علي وابن مسعود، قال أحمد: إنما عنيا به اليسرى قبل اليمنى؛ لأن مخرجهما من الكتاب واحد.\rوفي تقديري: أن رأي القائلين بالترتيب أولى ، لمواظبة النبي صلّى الله عليه وسلم قولاً وفعلاً عليه، واستمر الصحابة على ذلك، لا يعرفون غير الترتيب في الوضوء، ولايتوضؤون إلا مرتبين، ودرج المسلمون على الترتيب في كل العصور. وكون الواو لا يقتضي الترتيب صحيح مسلّم به، لكن ذلك عند عدم القرائن الدالة على إرادة الترتيب، والقرائن الدالة عليه كثيرة، وهي المواظبة من النبي وصحبه (1) .\rثالثاً ـ الموالاة أو الوِلاء:\rهي متابعة أفعال الوضوء بحيث لا يقع بينها ما يعد فاصلاً في العرف، أو هي المتابعة بغسل الأعضاء قبل جفاف السابق، مع الاعتدال مزاجاً وزماناً ومكاناً ومناخاً. واختلف الفقهاء في وجوبها (2) .\rفقال الحنفية الشافعية: الموالاة سنة لا واجب، فإن فرق بين أعضائه تفريقاً يسيراً لم يضر؛ لأنه لا يمكن الاحتراز عنه. وإن فرق تفريقاً كثيراً، وهو بقدر ما يجف الماء على العضو في زمان معتدل، أجزأه؛ لأن الوضوء عبادة لايبطلها التفريق القليل والكثير كتفرقة الزكاة والحج.\rواستدلوا على رأيهم بالآتي:\r1ً - «إنه صلّى الله عليه وسلم توضأ في السوق، فغسل وجهه ويديه، ومسح رأسه، فدعي إلى جنازة، فأتى المسجد يمسح على خفيه وصلى عليها» (3) قال الإمام الشافعي: وبينهما تفريق كثير.\r2ً - صح عن ابن عمر رضي الله عنهما التفريق أيضاً، ولم ينكر عليه أحد.\r-------------------------------\r(1) مقارنة المذاهب: ص21-23.\r(2) بداية المجتهد: 1 /17، القوانين الفقهية: ص21، المجموع:489/1-493، الدر المختار: 1 /113، الشرح الصغير: 1 / 111، الشرح الكبير: 1 /90، مغني المحتاج: 1 /61، كشاف القناع: 1 /117، المغني: 1 /138، المهذب: 1 /19.\r(3) الواقع أنه أثر صحيح رواه مالك عن نافع: «أن ابن عمر توضأ في السوق...» الخ (المجموع:493/1).","part":1,"page":336},{"id":338,"text":"وقال المالكية والحنابلة: الموالاة في الوضوء لا في الغسل فرض، بدليل مايأتي:\r1ً - «إنه صلّى الله عليه وسلم رأى رجلاً يصلي، وفي ظهر قدمه لُمْعة (بقعة) قدر الدرهم، لم يصبها الماء، فأمره النبي صلّى الله عليه وسلم أن يعيد الوضوء والصلاة» (1) ولو لم تجب الموالاة لأجزأه غسل اللمعة.\r2ً - عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه «أن رجلاً توضأ فترك موضع ظفر على قدمه، فأبصره النبي صلّى الله عليه وسلم ، فقال: ارجع فأحسن وضوءك،فرجع ثم صلى» (2) .\r3ً - مواظبته صلّى الله عليه وسلم على الوِلاء في أفعال الوضوء، فإنه لم يتوضأ إلا متوالياً، وأمر تارك الموالاة بإعادة الوضوء.\r4ً - القياس على الصلاة، الوضوء عبادة يفسدها الحدث، فاشترطت الموالاة كالصلاة.\rوفي تقديري أن القول بضرورة الموالاة إلا لعجز أمر يتفق مع ضرورة الجدية في العبادات وعدم العبث واللعب فيها، ومع وحدة العبادات، والسنة الفعلية، ولزوم الانصراف الكلي بالنية والتطبيق لتنفيذ مطلب الشرع على نحو متتابع منسجم بعضه مع بعض، دون تخلل أمر صارف عن موضوعية الفعل.\rرابعاً ـ الدلك الخفيف باليد:\rالدلك: هو إمرار اليد على العضو بعد صب الماء قبل جفافه، والمراد باليد: باطن الكف، فلا يكفي دلك الرِجل بالأخرى.\rواختلف الفقهاء في إيجابه (3) .\r-------------------------------\r(1) رواه أحمد وأبو داود والبيهقي عن خالد بن معدان عن بعض أصحاب النبي صلّى الله عليه وسلم ، لكن قال عنه النووي: إنه ضعيف الإسناد، وقال عنه أحمد: إسناده جيد.\r(2) رواه أحمد ومسلم (انظر الحديثين في نيل الأوطار:174/1 وما بعدها) لكن قال عنه النووي: لا دلالة فيه على الموالاة.\r(3) فتح القدير: 1 / 9، الدر المختار: 1 / 114، مراقي الفلاح: ص12، الشرح الصغير: 1 /110 وما بعدها، الشرح الكبير: 1 /90، نيل الأوطار:220/1،245.","part":1,"page":337},{"id":339,"text":"فقال الجمهور (غير المالكية): الدلك سنة لا واجب، لأن آية الوضوء لم تأمر به، والسنة لم تثبته، فلم يذكر في صفة وضوء النبي صلّى الله عليه وسلم . والثابت في صفة غسله عليه الصلاة والسلام مجرد إفاضة الماء مع تخلل أصول الشعر (1) .\rوقال المالكية: الدلك واجب، ويكون في الوضوء بباطن الكف، لا بظاهر اليد، ويكفي الدلك بالرجل في الغسل، والدلك فيه: هو إمرار العضو على العضو إمراراً متوسطاً، ويندب أن يكون خفيفاً مرة واحدة، ويكره التشديد والتكرار لما فيه من التعمق في الدين المؤدي للوسوسة.\rوهو واجب بنفسه، ولو وصل الماء للبشرة على المشهور.\rواستدلوا بما يأتي:\r1ً - إن الغسل المأمور به في آية الوضوء {فاغسلوا وجوهكم} [المائدة:6/5]، لا يتحقق معناه إلا بالدلك، فإن مجرد إصابة الماء للعضو لا يعتبر غسلاً، إلا إذا صاحبه الإمرار بشيء آخر على الجسم، وهو معنى الدلك.\r2ً - حديث «بُلُّوا الشعر، وأنقوا البشر» (2) على فرض صحته مشعر بوجوب الدلك؛ لأن الإنقاء لا يحصل بمجرد الإفاضة.\r3ً - القياس: قاسوا طهارة الحدث الأصغر على إزالة النجاسة التي لا تحصل إلا بالدلك والعرك، كما قاسوها على غسل الجنابة في آية: {وإن كنتم جنباً فاطهروا} [المائدة:6/5]، فالصيغة للمبالغة، والمبالغة تكون بالدلك. ويظهر لي أن الدلك وسيلة تنظيف وتحسين هيئة الأعضاء الظاهرة، ويكفي لتحقيق هذا\r-------------------------------\r(1) عبرت ميمونة عن كيفية الغسل بالغسل، وعبرت عائشة بالإفاضة والمعنى واحد، وقد استدل بذلك على عدم وجوب الدلك، وعلى أن مسمى ( غسل ) لا يدخل فيه الدلك (نيل الأوطار: 1 /244 وما بعدها).\r(2) نيل الأوطار: 1 /220.","part":1,"page":338},{"id":340,"text":"المقصود القول بسنية الدلك لا بوجوبه، لأن الأحاديث التي وصفت غسل النبي صلّى الله عليه وسلم لا تدل حقاً على الدلك، وليس في كتب اللغة ما يشعر بأن الدلك داخل في مسمى الغسل، فالواجب ما صدق عليه اسم الغسل المأمور به لغة.\rحكم ناسي أحد الفروض: قال ابن جزي المالكي (1) : من نسي شيئاً من فرائض الوضوء، فإن ذكر بعد أن جف وضوءه، فعل ما ترك خاصة، وإن ذكر قبل أن يجف وضوءه ابتدأ الوضوء، قال الطُّليطلي: إنه يعيد الذي نسي وما بعده ولايبتدئ الوضوء، وهو الصحيح.\rالمطلب الثالث ـ شروط الوضوء:\rسبب وجوب الوضوء: هو الحدث، ودخول وقت الصلاة، والقيام إليها ونحوها، والأصح عند الشافعية: الاثنان معاً أي الحدث والقيام إلى الصلاة ونحوها.\rوأما شروط الوضوء فنوعان: شروط وجوب، وشروط صحة (2) .\rوشرائط الوجوب: هي ما إذا اجتمعت وجبت الطهارة على الشخص. وشرائط الصحة: ما لا تصح الطهارة إلا بها.\rأولاً ـ شروط الوجوب:\rيشترط لوجوب الوضوء على الشخص، أي التكليف به وافتراضه عليه شروط ثمانية هي ما يأتي:\r1ً - العقل: فلا يجب ولا يصح من مجنون حال جنونه، ولا من مصروع حال صرعه، ولا يجب على النائم والغافل ولا يصح منهما لعدم النية عند الجمهور غير الحنفية؛ إذ لا نية لنائم أو غافل حال النوم أو الغفلة.\r2ً - البلوغ: فلا يجب على صبي، لكن لا يصح الوضوء إلا من مميز، فالتمييز شرط لصحة الوضوء .\r-------------------------------\r(1) القوانين الفقهية: ص23.\r(2) البدائع: 1 /15، الدر المختار ورد المحتار: 1 /80، مراقي الفلاح: ص10، الشرح الصغير: 1/ 131 -134، الشرح الكبير: 1 /84 وما بعدها، مغني المحتاج: 1 /47، كشاف القناع: 1 /95.","part":1,"page":339},{"id":341,"text":"3ً - الإسلام: شرط وجوب عند الحنفية بناء على المشهور عندهم من أن الكفار غير مخاطبين بالعبادات وغيرها من فروع الشريعة، فلا يجب على كافر إذ لايخاطب كافر بفروع الشريعة. وهو شرط صحة عند الجمهور بناء على أن المقرر لديهم مخاطبة الكفار بفروع الشريعة،فلا يصح من كافر، إذ يشترط لصحة أدائه منه وجود الإسلام (1) . وهذا شرط في جميع العبادات من طهارة وصلاة وزكاة وصوم وحج.\r4ً - القدرة على استعمال الماء الطهور الكافي،فلا يجب على عاجز عن استعمال المطهر، ولا على فاقد الماء، والتراب أيضاً، ولا على واجد ماء لا يكفي لجميع الأعضاء مرة مرة. ولا على عاجز يضره الماء، فالمراد بالقادر: هو الواجد الماء الذي لا يضره استعماله. هذا عند الحنفية والمالكية، والأظهر عند الشافعية والحنابلة أنه يجب استعمال الماء الذي لا يكفيه ثم يتيمم.\r5ً - وجود الحدث: فلا يلزم المتوضئ إعادة الوضوء أي الوضوء على الوضوء.\r6ً، 7ً - عدم الحيض والنفاس بانقطاعهما شرعاً، فلا يجب على الحائض والنفساء.\r8ً - ضيق الوقت: لأن الخطاب الشرعي يتوجه للمكلف حينئذ توجهاً مضيقاً، وموسعاً في ابتداء الوقت، فلا يجب الوضوء حال سعة الوقت، ويجب إذا ضاق الوقت.\rويمكن اختصار هذه الشروط في أمر واحد: هو قدرة المكلف بالطهارة عليها بالماء.\rثانياً ـ شروط الصحة:\rيشترط لصحة الوضوء شروط ثلاثة عند الحنفية، وأربعة عند الجمهور:\r1ً - عموم البشرة بالماء الطهور: أي أن يعم الماء جميع أجزاء العضو المغسول، بحيث لا يبقى منه شيء، إلا وقد غسل، لكي يغمر الماء جميع أجزاء البشرة، حتى لو بقي مقدار مغرز إبرة لم يصبه الماء من المفروض غسله، لم يصح الوضوء.\r-------------------------------\r(1) انظر كتابي أصول الفقه الإسلامي146/1، ط دار الفكر، ط ثانية.","part":1,"page":340},{"id":342,"text":"وبناء عليه يجب تحريك الخاتم الضيق عند الجمهور غير المالكية: أما المالكية فقالوا: لا يجب تحريك الخاتم المأذون فيه لرجل أو امرأة ولو ضيقاً لا يدخل الماء تحته، ولا يعد حائلاً بخلاف غير المأذون فيه، كالذهب للرجل أو المتعدد أكثر من واحد، فلا بد من نزعه ما لم يكن واسعاً يدخل الماء تحته، فيكفي تحريكه؛ لأنه بمنزلة الدلك بالخرقة.\rولا يصح الوضوء باتفاق الفقهاء بغير الماء من المائعات كالخل والعصير واللبن ونحو ذلك، كما لا يصح التوضؤ بالماء النجس، إذ لا صلاة إلا بطهور أو لا صلاة إلا بطهارة.\r2ً - إزالة ما يمنع وصول الماء إلى العضو: أي ألا يكون على العضو الواجب غسله حائل يمنع وصول الماء إلى البشرة، كشمع وشحم ودهن ودهان، ومنه عماص العين، والحبر الصيني المتجسم، وطلاء الأظافر للنساء. أما الزيت ونحوه فلا يمنع نفوذ الماء للبشرة.\r3ً - عدم المنافي للوضوء أو انقطاع الناقض من خارج أو غيره: أي انقطاع كل ما ينقض الوضوء قبل البدء به، لغير المعذور، من دم حيض ونفاس وبول ونحوهما، وانقطاع حدث حال التوضؤ؛ لأنه بظهور بول وسيلان ناقض، لا يصح الوضوء.\rوالخلاصة:أنه لا يصح الوضوء لغير المعذور حال خروج الحدث أو وجود ناقض للوضوء.\r4ً - دخول الوقت للتيمم عند الجمهور غير الحنفية، ولمن حدثه دائم كسلس البول عند الشافعية والحنابلة، لأن طهارته طهارة عذر وضرورة، فتقيدت بالوقت.\rوالإسلام كما عرفنا شرط لصحة أداء العبادات عند غير الحنفية، وعندهم: شرط وجوب. وأما التمييز فهو شرط لصحة الوضوء وغيره من العبادات بالاتفاق.","part":1,"page":341},{"id":343,"text":"وقال الشافعية: شروط الوضوء والغسل ثلاثة عشر: الإسلام، والتمييز، والنقاء من الحيض والنفاس، وعما يمنع وصول الماء إلى البشرة، والعلم بفرضيته، وألا يعتقد فرضاً معيناً من فروضه سنة، والماء الطهور، وإزالة النجاسة العينية، وألا يكون على العضو ما يغير الماء، وألا يعلق نيته، وأن يجري الماء على العضو، ودخول الوقت لدائم الحدث، والموالاة (أي فقد الصارف).\rالمطلب الرابع ـ سنن الوضوء:\rميز الحنفية بين السنة والمندوب، فقالوا: السنة: هي المؤكدة وهي الطريقة المسلوكة في الدين من غير لزوم، على سبيل المواظبة، أي أنها التي واظب عليها النبي ـ صلّى الله عليه وسلم وتركها أحياناً بلا عذر. وحكمها الثواب على الفعل والعتاب على الترك.\rوأما المندوب أو المستحب: فهو مالم يواظب عليه النبي صلّى الله عليه وسلم . ويعرف هنا بآداب الوضوء. وحكمه الثواب على فعله وعدم اللوم على تركه.\rوأهم سنن الوضوء عند الحنفية: ثمانية عشر شيئاً، وعند المالكية ثمان، وعند الشافعية حوالي ثلاثين، إذ لم يفرقوا بين السنة والمندوب، وعند الحنابلة: حوالي عشرين مطلوباً (1) .\r1ً - النية سنة عند الحنفية، ووقتها قبل الاستنجاء، وكيفيتها: أن ينوي رفع الحدث أو إقامة الصلاة أو ينوي الوضوء أو امتثال الأمر. ومحلها القلب، واستحب المشايخ النطق بها. وهي فرض عند الجمهور غير الحنفية، كما بينت في بحث فرائض الوضوء.\r2ً - غسل اليدين إلى الرسغين ثلاثاً قبل إدخالهما الإناء، سواء قام من النوم أم لم يقم؛ لأنهما آلة التطهير،ولقول النبي صلّى الله عليه وسلم : «إذا استيقظ أحدكم من نومه،\r-------------------------------\r(1) البدائع:18-23، فتح القدير:13-23، الدر المختار: 1 / 101 -114، مراقي الفلاح: ص10-13، الشرح الصغير: 1 /117 - 121، الشرح الكبير:96/1-104، بداية المجتهد: 1/ 8 -12، القوانين الفقهية: ص 22، المهذب:15/1-19، كشاف القناع: 1 / 118 - 122، المغني:96/1-143.","part":1,"page":342},{"id":344,"text":"فليغسل يده، قبل أن يدخلها في الإناء، فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده » (1) وفي لفظ: «حتى يغسلها ثلاثاً» والأرجح الاكتفاء بمرة كبقية أفعال الوضوء، والتثليث مستحب. وقال الحنابلة: يكون الغسل ثلاثاً، سنة لغير المستيقظ من النوم ليلاً، وواجباً على المستيقظ من نومه ليلاً.\r3ً - التسمية في بدء الوضوء: بأن يقول عند غسل يديه إلى كوعيه: بسم الله، والوارد عنه عليه السلام ـ فيما رواه الطبراني عن أبي هريرة بإسناد حسن ـ باسم الله العظيم، والحمد لله على دين الإسلام. وقيل: الأفضل: ( باسم الله الرحمن الرحيم ) عملاً بحديث «كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه ببسم الله الرحمن الرحيم: أقطع» (2) .\rوقد اعتبر المالكية التسمية من فضائل (آداب) الوضوء. وأوجب الحنابلة التسمية عند الوضوء.\rودليلهم: قوله صلّى الله عليه وسلم : «لا صلاة لمن لا وضوء له، ولا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه» (3) وقوله عليه السلام من حديث سعيد بن زيد مثله (4) ، وحديث أبي سعيد: «لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه» (5) .\r-------------------------------\r(1) أخرجه الأئمة الستة في كتبهم عن أبي هريرة (نصب الراية: 1 / 2) والرسغ: المفصل الذي بين الساعد والكف، وبين الساق والقدم، أو أنه مفصل الكف بين الكوع (ما يلي الإبهام) والكرسوع ( ما يلي الخنصر) وأما البوع فهو العظم الذي يلي إبهام الرجل.\r(2) ذكره عبد القادر الرهاوي في الأربعين عن أبي هريرة، وهو حديث ضعيف.\r(3) رواه أبو داود وابن ماجه والحاكم وقال: حديث صحيح الإسناد، عن أبي هريرة (نصب الراية:3/1).\r(4) رواه أحمد وابن ماجه والترمذي والحاكم، قال الإمام أحمد: حديث أبي سعيد أحسن حديث في هذا الباب، وقال الترمذي والبخاري: حديث سعيد بن زيد أحسن. والجميع في أسانيدها مقال قريب (نصب الراية : 1 / 4، نيل الأوطار: 1 /134).\r(5) رواه الحاكم في المستدرك وصححه، وضعفه غيره (نصب الراية: 1 / 4).","part":1,"page":343},{"id":345,"text":"استدل الحنابلة على وجوب التسمية بهذه الأحاديث. وتأول الجمهور هذه الأحاديث بأنها واردة لنفي الكمال، لا نفي الصحة، كحديث «لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد» (1) وحديث «ذكر الله على قلب المؤمن، سمى أو لم يسمِّ» (2) بقرينة حديث مرفوع عن ابن عمر (3) : «من توضأ وذكر اسم الله عليه كان طهوراً لجميع بدنه، ومن توضأ ولم يذكر اسم الله عليه، كان طهوراً لأعضاء وضوئه» (4) ولخبر النسائي وابن خزيمة بإسناد جيد عن أنس: «توضؤوا بسم الله» أي قائلين ذلك، وأكملها كمالها، ثم الحمد لله على الإسلام ونعمته، الحمد لله الذي جعل الماء طهوراً. وإنما تجب التسمية لآية الوضوء المبينة لواجباتها.\r4ً - المضمضة والاستنشاق: والمضمضة: هي إدخال الماء في الفم وخضخضته وطرحه، أو استيعاب جميع الفم بالماء. والاستنشاق: إدخال الماء في الأنف وجذبه بنفسه إلى داخل أنفه.\rويلحق بهما سنة الاستنثار: وهو دفع الماء بنفسه مع وضع أصبعيه (السبابة والإبهام من يده اليسرى) على أنفه، كما يفعل في امتخاطه. وهي كلها سنة مؤكدة عند الجمهور غير الحنابلة لحديث مسلم: «ما منكم من أحد يقرب وضوءه، ثم يتمضمض ويستنشق ويستنثر، إلا خرَّت خطايا فيه وخياشيمه مع الماء» (5) . وأما خبر (تمضمضوا واستنشقوا) فضعيف. وإنما لم يجبا فلآية الوضوء المبينة لواجباته.\r-------------------------------\r(1) رواه الدارقطني عن جابر وعن أبي هريرة، وهو ضعيف (الجامع الصغير: نيل الأوطار: 1/136).\r(2) أخرجه الدارقطني، وفيه ضعيف ( نصب الراية: 4 /183، نيل الأوطار: المكان السابق).\r(3) وصرح ابن سيد الناس في شرح الترمذي بأنه قد روي في بعض الروايات: «لا وضوء كاملاً» وقد استدل به الرافعي، قال ابن حجر: لم أره هكذا (نيل الأوطار، المكان السابق).\r(4) أخرجه الدارقطني والبيهقي، وفيه متروك ومنسوب إلى الوضع، ورواه الدارقطني والبيهقي عن أبي هريرة وفيه ضعيفان، ورواه الدارقطني والبيهقي أيضاً، وفيه متروك (نيل الأوطار: 1 /135).\r(5) معنى: خرت: سقطت وذهبت و( فيه ) فمه.","part":1,"page":344},{"id":346,"text":"صفة وضوء رسول الله صلّى الله عليه وسلم في المضمضة والاستنشاق:\rوتسن المضمضة والاستنشاق ثلاثاً للحديث المتفق عليه عن عثمان بن عفان رضي الله عنه: أنه دعا بإناء، فأفرغ على كفيه ثلاث مرات، فغسلهما، ثم أدخل يمينه في الإناء، فمضمض واستنثر، ثم غسل وجهه ثلاثاً، ويديه إلى المرفقين ثلاث مرات،ثم مسح برأسه، ثم غسل رِجليه ثلاث مرات إلى الكعبين. ثم قال: «رأيت رسول الله صلّى الله عليه وسلم توضأ نحو وُضوئي هذا، ثم قال: من توضأ نحو وُضوئي هذا، ثم صلى ركعتين، لا يُحدِّث فيهما نفسه، غفَر الله له ما تقدم من ذنبه» (1) ولقوله عليه السلام فيما روى أحمد ومسلم وأصحاب السنن الأربعة عن عائشة: «عشر من الفطرة» وذكر منها ( المضمضة والاستنشاق ) والفطرة: السنة، ولأن الفم والأنف عضوان باطنان، فلا يجب غسلهما كباطن اللحية وداخل العينين، ولأن الوجه: ماتحصل به المواجهة ولا تحصل المواجهة بهما.\rواتفق الفقهاء على أنه تسن المبالغة فيهما للمفطر غير الصائم، لقوله صلّى الله عليه وسلم ـ في رواية صحح ابن القطان إسنادها ـ : «إذا توضأت فأبلغ في المضمضة والاستنشاق ما لم تكن صائماً» ولحديث لَقِيط بن صَبْرة: «أسبغ الوضوء، وخلل بين الأصابع، وبالغ في الاستنشاق، إلا أن تكون صائماً» (2) ولا تسن المبالغة للصائم، بل تكره لخوف الإفطار.\r-------------------------------\r(1) نيل الأوطار: (1 /139)، ويؤيده حديث ضعيف رواه الدارقطني عن ابن عباس مرفوعاً بلفظ «المضمضة والاستنشاق سنة» .\r(2) صححه الترمذي وغيره، ورواه الخمسة (نيل الأوطار: 1 /145).","part":1,"page":345},{"id":347,"text":"والمبالغة في المضمضة: أن يبلغ الماء إلى أقصى الحنك ووجهي الأسنان واللثات. ويسن إمرار أصبع يده اليسرى على ذلك، وفي الاستنشاق: أن يصعد الماء بالنَّفَس إلى الخيشوم. ويسن إدارة الماء في الفم ومجه.\rويسن الاستنثار للأمر به في خبر ابن عباس عن النبي صلّى الله عليه وسلم : «استنثروا مرتين بالغتين، أو ثلاثاً» (1) .\rوعبارة الحنفية في المضمضة والاستنشاق: وهما سنتان مؤكدتان مشتملتان على سنن خمس: الترتيب، والتثليث، وتجديد الماء، وفعلهما باليمنى، والمبالغة فيهما بالغرغرة ومجاوزة المارن (أرنبة الأنف ) لغير الصائم، لاحتمال الفساد أي الإفطار (2) .\rوقال المالكية: يندب فعل المضمضة والاستنشاق، بثلاث غرفات لكل منهما، ومبالغة مفطر.\rويرى الشافعية في الأصح أن الترتيب فيهما مستحق لا مستحب، بعكس تقديم اليمنى على اليسرى. والأظهر كما قال النووي في المنهاج: تفضيل الجمع على الفصل بين المضمضة والاستنشاق، بثلاث غرف، يتمضمض من كلٍ،ثم يستنشق، أي أن الجمع بغرفة لكليهما أفضل من فصلهما للأخبار الصحيحة في ذلك (3) .\rوالمشهور في مذهب الحنابلة: أن المضمضة والاستنشاق واجبان في الطهارتين جميعاً: الوضوء والغسل، لأن غسل الوجه واجب فيهما، والفم والأنف من الوجه، ولحديث عائشة: «المضمضة والاستنشاق من الوضوء الذي لابد منه» (4) ، ولمداومته صلّى الله عليه وسلم عليهما في كل حديث ذكر فيه صفة وضوء رسول الله صلّى الله عليه وسلم ، مثل\r-------------------------------\r(1) رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه والحاكم وابن الجارود وصححه ابن القطان، وذكره الحافظ ابن حجر في التلخيص ولم يذكره بضعف، وكذلك المنذري (نيل الأوطار: 1 /146).\r(2) الدر المختار: 1 /108.\r(3) مغني المحتاج: 1 / 58.\r(4) رواه أبو بكر في الشافي بإسناده، والدارقطني في سننه.","part":1,"page":346},{"id":348,"text":"حديث عثمان السابق، وحديث علي: «أنه دعا بوَضُوء ( أي ماء )، فتمضمض واستنشق ونثر بيده اليسرى، ففعل هذا ثلاثاً، ثم قال: هذا طَهُور نبي الله صلّى الله عليه وسلم » (1) وحديثي أبي هريرة: «أن النبي صلّى الله عليه وسلم قال: إذا توضأ أحدكم، فليجعل في أنفه ماء، ثم لينثر» «أمر رسول الله صلّى الله عليه وسلم بالمضمضة والاستنشاق» (2) .\rوالحق: أن هذه الأحاديث ظاهرة في إيجاب المضمضة والاستنشاق. وقد اعترف جماعة من الشافعية وغيرهم بضعف دليل من قال بعدم وجوب المضمضة والاستنشاق والاستنثار، قال الحافظ ابن حجر في الفتح: وذكر ابن المنذر أن الشافعي لم يحتج على عدم وجوب الاستنشاق، مع صحة الأمر به، إلا بكونه لا يعلم خلافاً في أن تاركه لا يعيد. وهذا دليل فقهي، فإنه لا يحفظ ذلك عن أحد من الصحابة والتابعين إلا عن عطاء (3) .\r5ً - السواك سنة باتفاق الفقهاء ما عدا المالكية الذين عدوه من الفضائل،وسأخصص له مبحثاً مستقلاً.\r6ً - تخليل اللحية الكثة والأصابع: يسن تخليل اللحية الكثة بكف ماء من أسفلها (4) ، وتخليل أصابع اليدين والرجلين باتفاق الفقهاء، لما روى ابن ماجه والترمذي وصححه: أنه صلّى الله عليه وسلم كان يخلل لحيته، ولما روى أبو داود: «أنه صلّى الله عليه وسلم كان إذا توضأ، أخذ كفاً من ماء، فأدخله تحت حنكه، فخلل به لحيته، وقال: هكذا\r-------------------------------\r(1) رواه أحمد والنسائي عن علي رضي الله عنه (نيل الأوطار: 1 /143).\r(2) الحديث الأول متفق عليه، والثاني رواه الدارقطني ( نيل الأوطار، المكان السابق).\r(3) نيل الأوطار: 1 / 141.\r(4) أما اللحية الخفيفة، والكثيفة في حد الوجه من لحية غير الرجل وعارضيه، فيجب إيصال الماء إلى ظاهره وباطنه ومنابته بتخليل أو غيره (مغني المحتاج: 1 /60).","part":1,"page":347},{"id":349,"text":"أمرني ربي » (1) .\rولحديث لَقيط بن صَبْرَة في المبالغة في الاستنشاق السابق: «أسبغ الوضوء وخلل بين الأصابع، وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائماً» (2) وحديث ابن عباس: «أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم قال: إذا توضأت فخلِّل أصابع يديك ورجليك» (3) وحديث المُسْتَورِد بن شدَّاد قال: «رأيت رسول الله صلّى الله عليه وسلم إذا توضأ خلل أصابع رجليه بخنصره» (4) .\r7ً - تثليث الغسل: اتفق الفقهاء على أنه يسن تثليث الغسل واعتبره المالكية من فضائل الوضوء، لما ثبت في السنة كحديث عمرو بن شعيب من تثليث غسل الكفين والوجه والذراعين (5) . وإنما لم يجب؛ لأنه صلّى الله عليه وسلم توضأ مرة مرة، وقال: «هذا الذي لايقبل الله العمل إلا به» ، وتوضأ مرتين مرتين، وقال: «هذا يضاعف الله به الأجر مرتين» وتوضأ ثلاثا صلّى الله عليه وسلم ثلاثاً، وقال: «هذا وضوئي ووضوء الأنبياء من قبلي» (6) .\rوأما المسح فلا يسن تكراره عند الجمهور وأكثر أهل العلم من الصحابة، لحديث عبد الله بن زيد في وصف وضوء رسول الله صلّى الله عليه وسلم ، قال: «ومسح برأسه مرة\r-------------------------------\r(1) انظر الحديثين في (نيل الأوطار: 1 /148)، وحديث ابن عباس عند البخاري في صفة وضوء رسول الله صلّى الله عليه وسلم لا يوجب إيصال الماء إلى باطن اللحية الكثة (نيل الأوطار: 1 /147) وانظر الأحاديث الواردة في تخليل اللحية في (نصب الراية: 1 /23).\r(2) رواه الخمسة وصححه الترمذي (نيل الأوطار: 1 /145).\r(3) رواه أحمد وابن ماجه والترمذي (نيل الأوطار: 1 /135).\r(4) رواه الخمسة إلا أحمد (المرجع السابق) وانظر أحاديث تخليل الأصابع في (نصب الراية: 1 /27).\r(5) رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه. وفي آخره: «هكذا الوضوء، فمن زاد على هذا أو نقص فقد أساء وظلم، أو ظلم وأساء» (نصب الراية: 1 /29).\r(6) رواه الدارقطني عن زيد بن ثابت وأبي هريرة، ولكن فيه راو ضعيف (المرجع السابق).","part":1,"page":348},{"id":350,"text":"واحدة» (1) ، ولما روي عن علي رضي الله عنه «أنه توضأ ومسح برأسه مرة واحدة» ، ثم قال: «هذا وضوء النبي صلّى الله عليه وسلم ، من أحب أن ينظر إلى طهور رسول الله صلّى الله عليه وسلم فلينظر إلى هذا» قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.\rوكذلك وصف عبد الله بن أبي أوفى، وابن عباس، وسلمة بن الأكوع والرُّبَيِّع، كلهم قالوا: ( ومسح برأسه مرة واحدة ) وحكايتهم لوضوء النبي صلّى الله عليه وسلم إخبار عن الدوام، ولا يداوم إلا على الأفضل الأكمل.\rولأنه مسح في طهارة، فلا يسن تكراره، كالمسح في التيمم والمسح على الجبيرة، وسائر المسح.\rوقال الشافعية: ويسن أيضاً تثليث المسح، لما روي عن أنس: «الثلاث أفضل» ولحديث شقيق بن سلمة عند أبي داود قال: «رأيت عثمان بن عفان غسل ذراعيه ثلاثاً ومسح برأسه ثلاثاً، ثم قال: رأيت رسول الله صلّى الله عليه وسلم فعل مثل هذا، وروي مثل ذلك عن غير واحد من أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلم .\rوروى عثمان وعلي وابن عمر وأبو هريرة وعبد الله بن أبي أوفى، وأبو مالك والرُّبيع، وأبي بن كعب: «أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم توضأ ثلاثاً ثلاثاً» .\rلكن رد الجمهور على الشافعية بأنه لم يصح من أحاديثهم شيء صريح، ويظهر أن رأي الجمهور أقوى دليلاً من السنة الصحيحة.\r8ً - استيعاب كل الرأس بالمسح: يسن الاستيعاب بالمسح عند الحنفية والشافعية اتباعاً للسنة فيما رواه الشيخان، مرة واحدة عند الحنفية، وثلاثاً عند الشافعية، وخروجاً من خلاف من أوجبه؛ لأن مسح الرأس كله واجب عند المالكية والحنابلة كما بينا.\r-------------------------------\r(1) متفق عليه.","part":1,"page":349},{"id":351,"text":"والسنة في كيفيته: أن يضع يديه على مقدمة رأسه ويلصق سبابته بالأخرى وإبهاميه على صدغيه، ثم يذهب بهما إلى قفاه، ثم يردهما إلى المكان الذي ذهب منه إذا كان له شعر ينقلب (1) ، فإن لم يقلب شعره لقصره أو عدمه لم يردّ لعدم الفائدة .\rوقال المالكية: يسن رد مسح الرأس وإن لم يكن له شعر بأن يعمه بالمسح ثانياً إن بقي بيده بلل من المسح الواجب، وإلا سقطت سنة الرد.\rودليل الحنفية :حديث عمرو بن شعيب وحديث عثمان السابقان وفيهما: «ثم مسح برأسه» ولم يذكرا عدداً. ومثله حديث أبي حَبَّة في صفة وضوء علي وفيه: «ومسح برأسه مرة» (2) ودليل الشافعية: حديث عثمان السابق فيما رواه أبو داود بإسناد حسن: أنه توضأ، فمسح رأسه ثلاثاً، وقال: رأيت رسول الله صلّى الله عليه وسلم توضأ هكذا. وحديث علي عند البيهقي: «توضأ، فمسح رأسه ثلاثاً، ثم قال: هكذا رأيت رسول الله صلّى الله عليه وسلم فعل» .\rوأجاز الشافعية والحنابلة مسح بعض الرأس والإكمال على العمامة إن عسر رفعها، لأنه صلّى الله عليه وسلم «مسح بناصيته وعلى العمامة وعلى الخفين» (3) .\r9ً - مسح الأذنين ظاهراً وباطناً بماء جديد: يسن مسح الأذنين ظاهراً وباطناً بماء جديد عند الجمهور؛ لأنه صلّى الله عليه وسلم مسح في وضوئه برأسه وأذنيه ظاهرهما وباطنهما، وأدخل أصبعيه في صماخي أذنيه، يأخذ لصماخيه أيضاً ماء جديداً.\rروي عن عبد الله بن زيد: «أنه رأى رسول الله صلّى الله عليه وسلم يتوضأ، فأخذ لأذنيه ماءً\r-------------------------------\r(1) هكذا رواه الجماعة عن عبد الله بن زيد (نيل الأوطار: 1 /154).\r(2) رواه الترمذي وصححه (المرجع السابق: ص158).\r(3) رواه مسلم والترمذي وصححه عن المغيرة بن شعبة (المرجع السابق: ص164).","part":1,"page":350},{"id":352,"text":"خلاف الماء الذي أخذه لرأسه» (1) ، وكان ابن عمر إذا توضأ يأخذ الماء بإصبعيه لأذنيه(2) .\rوقال الحنابلة: يجب مسح الأذنين؛ لأن الأذنين من الرأس لحديث «الأذنان من الرأس» (3) ،ولأن النبي صلّى الله عليه وسلم مسحهما مع رأسه، كما هو الثابت في أحاديث متعددة (4) .\rوالراجح لدي القول بسنية مسح الأذنين فقط، لأن حديث «الأذنان من الرأس» لم يثبت، وإنما هو ضعيف، حتى قال ابن الصلاح: إن ضعفه كثيرلا ينجبر بكثرة الطرق. وقال الشوكاني: الحق عدم انتهاض الأحاديث الواردة لذلك، والمتيقن الاستحباب، فلا يصار إلى الوجوب إلا بدليل ناهض، وإلا كان من التقول على الله بما لم يقل (5) .\rومسح الأذنين: ثلاث مرات عند الشافعية ومرة عند الجمهور.\r10ً - البداءة بالميامن في غسل اليدين والرجلين: واعتبره المالكية من الفضائل. ودليل السنية: حديث عائشة قالت: « كان رسول الله صلّى الله عليه وسلم يحب التيامُن في تنعله وترجُّله وطَهوره، وفي شأنه كله» (6) وهو دليل على مشروعية الابتداء باليمين في لبس النعال، وفي ترجيل الشعر (أي تسريحه) وفي الطهور، فيبدأ بيده اليمنى قبل اليسرى، وبالجانب الأيمن من سائر البدن في الغسل قبل الأيسر، والتيامن سنة في جميع الأشياء.\r-------------------------------\r(1) رواه الحاكم والبيهقي وقال: إسناده صحيح (نصب الراية: 1 / 22).\r(2) رواه مالك في الموطأ (المرجع السابق).\r(3) رواه ابن ماجه من غير وجه، لكن فيه راو تكلم فيه (نيل الأوطار: 1 /160).\r(4) منها حديث ابن عباس عند أحمد وأبي داود، وحديث ابن عباس عند الترمذي والنسائي، وحديث الرُّبَيِّع بنت مُعَوِّذ عند أبي داود والترمذي، وقالا: حديث حسن (انظر نيل الأوطار: 1 /160-162).\r(5) نيل الأوطار: 1 / 161.\r(6) متفق عليه، وصححه ابن حبان وابن منده (نيل الأوطار: 1 /170).","part":1,"page":351},{"id":353,"text":"ويؤيده حديث أبي هريرة أن النبي صلّى الله عليه وسلم قال: «إذا لبستم، وإذا توضأتم فابدءوا بأيامنكم» (1) .\rوأضاف الحنفية والشافعية لهذه السنة: البداءة برؤوس الأصابع ومقدم الرأس، كما أن الشافعية أضافوا: البدء بأعلى الوجه. وقال المالكية: يندب البدء في الغسل أو المسح بمقدم العضو، أي في الوجه واليدين والرأس والرجلين.\r11ً- الترتيب والموالاة والدلك عند من لا يرى فرضيتها، كما قدمنا في بحث فرائض الوضوء.\rالمطلب الخامس ـ آداب الوضوء أو فضائله:\rعبر الحنفية عن ذلك بالآدا ب جمع أدب: وهو ما فعله النبي صلّى الله عليه وسلم مرة أو مرتين ولم يواظب عليه.\rوحكمه: الثواب بفعله وعدم اللوم على تركه. وآداب الوضوء عندهم أربعة عشر شيئاً.\rوعبر عنها المالكية بالفضائل أي الخصال والأفعال المستحبة، وهي عندهم عشر، والفرق بينها وبين السنة: أن السنة: ما أكد الشارع أمرها، وعظم قدرها، وأما المندوب أو المستحب: فهو ما طلبه الشارع طلباً غير جازم، وخفف أمره، وكل منهما يثاب على فعله، ولا يعاقب على تركه.\rوأهم هذه الآداب ما يأتي:\r1ً- استقبال القبلة؛ لأنها أشرف الجهات ولأنها حالة أرجى لقبول الدعاء، واعتبره الحنابلة والشافعية سنة، إذ لم يفرقوا بين السنة والأدب.\r2ً - الجلوس في مكان مرتفع؛ تحرزاً عن الغسالة.\rوقال المالكية : يستحب إيقاع الوضوء في محل طاهر بالفعل، وشأنه الطهارة، فيكره الوضوء في بيت الخلاء أو الكنيف (دورة المياه) قبل استعماله (2) ، كما يكره الوضوءفي غيره من المواضع المتنجسة بالفعل.\r3ً - عدم التكلم بكلام الناس، بلا ضرورة؛ لأنه يشغله عن الدعاء المأثور.\r-------------------------------\r(1) رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه وابن خزيمة وابن حبان والبيهقي، قال ابن دقيق العيد: هو حقيق بأن يصح (نيل الأوطار: 1 /170).\r(2) لأنه يصير مأوى الشياطين بمجرد إعداده،ففيه تعرض للوسواس، وإن لم يكن تنجس برشاش. والخلاصة: أنه يكره الوضوء في مكان نجس: لأنه طهارة، أو فيما شأنه النجاسة، لئلا يتطاير عليه شيء مما يتقاطر من أعضائه ويتعلق به النجاسة.","part":1,"page":352},{"id":354,"text":"4ً - عدم الاستعانة بغيره إلا لعذر؛ كالصب ونحوه (1) ، لأنه الأكثر من فعله صلّى الله عليه وسلم (2) ، ولأنها نوع من الترفه والتكبر، وذلك لا يليق بالمتعبد، والأجر على قدر النَّصَب، وهي خلاف الأولى، وقيل: تكره. فإن كان ذلك لعذر كمرض فلا بأس، وقد أجازها النبي، بدليل حديث المغيرة بن شعبة: «أنه كان مع رسول الله صلّى الله عليه وسلم في سفر، وأنه ذهب لحاجة له، وأن مُغيرة جعل يصب الماء عليه وهو يتوضأ، فغسل وجهه ويديه، ومسح برأسه، ومسح الخفين» (3) ،وقال صفوان بن عَسَّال: « صببت الماء على النبي صلّى الله عليه وسلم في السفر والحضر في الوضوء» (4) وقد دل هذان الحديثان على جواز الاستعانة بالغير، وبهما أخذ الحنابلة فقالوا بالإباحة.\r5ً - تحريك الخاتم الواسع؛ مبالغة في الغسل، وروي عن أبي رافع: «أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم كان إذا توضأ حرَّك خاتمه» (5) . ويندب أيضاً تحريك الخاتم الضيق إن علم وصول الماء، وإلا فيفرض تحريكه. وقد بينت أنه عند المالكية: لا يجب تحريك الخاتم الضيق المأذون فيه.\r6ً - كون المضمضة والاستنشاق باليد اليمنى لشرفها، والامتخاط باليسرى لامتهانها.\r7ً - التوضؤ قبل دخول الوقت مبادرة للطاعة، لغير المعذور.\r-------------------------------\r(1) أما الاستعانة بإحضار الماء فلا بأس بها وتركها أفضل، والاستعانة بغسل الأعضاء مكروهة (مغني المحتاج: 1 /61).\r(2) روى ابن ماجه من حديث ابن عباس «كان النبي صلّى الله عليه وسلم لايكل طهوره إلى أحد، ولاصدقته التي يتصدق بها إلى أحد، ويكون هو الذي يتولاها بنفسه » وهو حديث ضعيف.\r(3) متفق عليه بين الشيخين (نيل الأوطار: 1 /175).\r(4) رواه ابن ماجه، وأخرجه البخاري في التاريخ الكبير، قال ابن حجر: وفيه ضعف (نيل الأوطار: 1 /175 مكرر).\r(5) رواه ابن ماجه والدارقطني، وهو ضعيف ( نيل الأوطار: 1 /153).","part":1,"page":353},{"id":355,"text":"أما المعذور أو المتيمم فلا يندب له تعجيل الطهارة عند الحنفية، ويجب تأخيرها لما بعد دخول الوقت عند الجمهور.\r8ً - إدخال الخنصر المبلولة في صماخ الأذنين؛ مبالغة في التنظيف.\r9ً - مسح الرقبة بظهر يديه، لا الحلقوم عند الحنفية (1) ؛ لما روي عن ليث عن طلحة بن مُصرِّف عن أبيه عن جده أنه رأى رسول الله صلّى الله عليه وسلم يمسح رأسه حتى بلغ القَذَال، وما يليه من مُقَدَّم العنق» (2) .\rوقال جمهور الفقهاء: لا يندب مسح الرقبة، بل يكره؛ لأنه من الغلو في الدين.\r10ً- إطالة الغرة والتحجيل:\rإطالة الغرة: بغسل زائد على الواجب من الوجه من جميع جوانبه، وغايتها: غسل صفحة العنق مع مقدمات الرأس.\rوالتحجيل: بغسل زائد على الواجب من اليدين والرجلين من جميع الجوانب، وغايته استيعاب العضدين والساقين.\rوهذا مندوب عند الجمهور، لخبر الصحيحين: «إن أمتي يدعون يوم القيامة غراً محجلين من آثار الوضوء، فمن استطاع منكم أن يطيل غُرَّته فليفعل» وخبر مسلم: «أنتم الغُرُّ المحجَّلُون يوم القيامة من إسباغ الوضوء، فمن استطاع منكم فليطل غُرَّته وتحجيله» (3) .\r-------------------------------\r(1) هذا هو الراجح الصحيح، وعده صاحب مراقي الفلاح تبعاً للبحر الرائق من سنن الوضوء ( انظر الدر المختار: 1 /115).\r(2) رواه أحمد، وهو ضعيف (نيل الأوطار: 1 /163) والقذال: ما بين الأذنين من مؤخر الرأس.\r(3) نيل الأوطار: 1 /152.","part":1,"page":354},{"id":356,"text":"وقال المالكية: لا تندب إطالة الغرة: وهي الزيادة في غسل أعضاء الوضوء على محل الفرض، بل يكره، لأنه من الغلو في الدين، وإنما يندب دوام الطهارة والتجديد، ويسمى ذلك أيضاً إطالة الغرة، كما حمل عليه الحديث السابق: «من استطاع منكم أن يطيل غرته» فقد حملوا الإطالة على الدوام، والغرة على الوضوء. فيتلخص أن إطالة الغرة له معنيان: الزيادة على المغسول، وإدامة الوضوء، الأول مكروه، والثاني مطلوب عندهم.\r11ً - ترك التنشيف بالمنديل عند الحنفية والحنابلة وفي الأصح عند\rالشافعية: إبقاء لأثر العبادة، ولأنه صلّى الله عليه وسلم «بعد غسله من الجنابة أتته ميمونة بمنديل، فرده، وجعل يقول بالماء: هكذا، ينفضه» (1) .\rوقال المالكية: المسح بالمنديل جائز، لحديث قيس بن سعد، قال: «زارنا رسول الله صلّى الله عليه وسلم في منزلنا، فأمر له سعد بغُسْل، فوُضع له فاغتسل، ثم ناوله مِلْحفة مصبوغة بزعفران، أو وَرَس، فاشتمل بها» (2) .\rوعبارة الحنابلة: يباح للمتطهر تنشيف أعضائه (3) ، وتركه أفضل. وهذا هو الراجح.\r12ً - ترك النفض للماء في الأصح عند الشافعية والحنابلة؛ ويكره النفض عند بعض الحنابلة، وخلاف الأولى عند الشافعية، لحديث أبي هريرة: «إذا توضأتم فلا تنفضوا أيديكم، فإنها مراوح الشيطان» (4) ، والأظهر عند الحنابلة أنه لا يكره وفاقاً للأئمة الثلاثة.\r13ً - تقليل الماء الذي يرفعه للأعضاء حال الوضوء ، لأن الإسراف في الماء مكروه.\r14ً - جعل الإناء المفتوح كالقَصْعة والطَّست عن يمين المتطهر، لأنه أعون في التناول.\r-------------------------------\r(1) رواه الشيخان، قال الشافعية: ولا دليل في ذلك لإباحة النفض، فقد يكون فعله صلّى الله عليه وسلم لبيان الجواز (مغني المحتاج: 1 /61).\r(2) رواه أحمد وابن ماجه وأبو داود والنسائى. والغسل بضم الغين: اسم للماء الذي يغتسل به (نيل الأوطار: 1 /175 مكرر) اختلف في وصله وإرساله وذكره النووي في فصل الضعيف .\r(3) لما رواه ابن ماجه والطبراني في الصغير عن سلمان: أن النبي صلّى الله عليه وسلم «توضأ، ثم قلب جبة كانت عليه، فمسح بها وجهه»\r(4) رواه المعمري وغيره من رواية البحتري بن عبيد، وهو متروك.","part":1,"page":355},{"id":357,"text":"15ً - الإتيان بالشهادتين والدعاء بعد الوضوء.\rقال الحنابلة: وكذا بعد الغسل.\rوهو أن يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم اجعلني من التوابين، واجعلني من المتطهرين، سبحانك اللهم وبحمد ك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إ ليك. ويسن الصلاة والسلام بعد الوضوء على النبي صلّى الله عليه وسلم ،فيقول: اللهم صل وسلم على محمد وآل محمد.\rوالنطق بالشهادتين لخبر مسلم وأبي داود وابن ماجه عن عمر مرفوعاً: «مامنكم من أحد يتوضأ فيبلِّغ، أو فيسبغ الوضوء (أي يتمه)، ثم يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية، يدخل من أيها شاء» .\rوزاد الترمذي على مسلم: «سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك» وزاد فيه أيضاً: «اللهم اجعلني من التوابين، واجعلني من المتطهرين» ورواه أحمد وأبو داود.\rوروى النسائي والحاكم وصححه عن أبي سعيد الخدري: «من توضأ ثم قال: سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك، كتب في رَقّ ثم طبع بطابَع (خاتم)، فلم يكسر إلى يوم القيامة» أي لم يتطرق إليه إبطال.\rقال السامري: ويقرأ سورة القدر ثلاثاً.\rوأما الدعاء عند غسل الأعضاء فلا أصل له في كتب الحديث، كما قال النووي رحمه الله. واستحبه الحنفية (1) ، والمالكية (2) ، وأباحه بعض الشافعية.\r-------------------------------\r(1) فيقول عند غسل الكفين: ( اللهم احفظ يدي من معاصيك كلها )، وعند المضمضة : ( اللهم أعني على تلاوة القرآن وذكرك وشكرك وحسن عبادتك ) وعند الاستنشاق: ( بسم الله، اللهم أرحني رائحة الجنة ولا ترحني رائحة النار ) وعند غسل الوجه: ( اللهم بيض وجهي يوم تبيض وجوه وتسود وجوه) وعند غسل اليد اليمنى: (اللهم أعطني كتابي بيميني وحاسبني حساباً يسيراً ) وعند اليسرى: ( اللهم لا تعطني كتابي بشمالي ولا من وراء ظهري ) وعند مسح الرأس: ( اللهم حرم شعري وبشري على النار ) وعند مسح الأذنين: ( اللهم اجعلني من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه ) وعند غسل الرجلين: ( اللهم ثبِّت قدمي على الصراط يوم تزل الأقدام ) وأباح بعض الشافعية الدعاء بهذه الأدعية.\r(2) قالوا: يكره الكلام حال الوضوء بغير ذكر الله تعالى، وورد أن النبي صلّى الله عليه وسلم كان يقول حال الوضوء: «اللهم اغفر لي ذنبي، ووسع لي في داري، وبارك لي في رزقي، وقنعني بما رزقتني، ولا تفتني بما زويت عني» رواه الترمذي عن أبي هريرة (الشرح الصغير:127/1).","part":1,"page":356},{"id":358,"text":"صفة وضوء النبي صلّى الله عليه وسلم :\rأخرج البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي عن عثمان بن عفان رضي الله عنه: قال حُمْرانُ مولى عثمان: «إن عثمان دعا بإناء (1) ،فأفرغ على كفّيه ثلاث مرار، فغسلهما، ثم أدخل يمينه في الإناء، فمضمض، واستَنْثَر (2) ، ثم غسل وجهه ثلاثاً، ويديه إلى المرفقين ثلاث مرات، ثم مسح برأسه، ثم غسل رجليه ثلاث مرات إلى الكعبين. ثم قال: رأيت رسول الله صلّى الله عليه وسلم توضأ نحو وضوئي هذا، ثم قال: من توضأ نحو وضوئي هذا، ثم صلى ركعتين لا يُحدِّثُ (3) فيهما نفسه، غفر له ما تقدم من ذنبه» (4) .\r-------------------------------\r(1) وفي رواية « دعا بوَضوء » الوضوء بفتح الواو: الماء الذي يتوضأ به. وبضم الواو: الفعل نفسه، وهو من الوضاءة: الحُسْن.\r(2) أو في رواية : « واستنشق واستنثر َ» وهو الاستنشاق.\r(3) لايحدث : أي بشيء من أمور الدنيا.\r(4) جامع الأصول:76/8.","part":1,"page":357},{"id":359,"text":"خلاصة المذاهب في سنن الوضوء وآدابه:\r1 ً - مذهب الحنفية (1) :\rأ ـ سنن الوضوء سبع عشرة:\rغسل اليدين إلى الرسغين، والتسمية والسواك في ابتداء الوضوء، والمضمضة ثلاثاً ولو بغرفة، والاستنشاق بثلاث غرفات، والمبالغة في المضمضة والاستنشاق لغير الصائم، وتخليل اللحية الكثة بكف ماء من أسفلها، وتخليل الأصابع، وتثليث الغسل، واستيعاب الرأس بالمسح مرة، ومسح الأذنين ولو بماء الرأس، والدلك، والولاء، والنية، والترتيب كما نص الله تعالى في كتابه، والبداءة بالميامن ورؤوس الأصابع ومقدم الرأس.\rب ـ آداب الوضوء خمسة عشر:\rمسح الرقبة لا الحلقوم، الجلوس في مكان مرتفع، واستقبال القبلة، وعدم الاستعانة بغيره، وعدم التكلم بكلام الناس، والجمع بين نية القلب وفعل اللسان، والدعاء بالمأثور والتسمية عند كل عضو، وإدخال خنصره في صماخ أذنيه، وتحريك خاتمه الواسع، والمضمضة والاستنشاق باليد اليمنى، والامتخاط باليسرى، والتوضؤ قبل دخول الوقت لغير المعذور، والإتيان بالشهادتين بعده، وأن يشرب من فضل الوضوء قائماً، وأن يقول: اللهم اجعلني من التوابين، واجعلني من المتطهرين. ومن آدابه قراءة سورة القدر (2) وصلاة ركعتين في غير وقت الكراهة (3) ومن الآداب: تعاهد موقية وكعبيه وعرقوبيه وإخمصيه.\r-------------------------------\r(1) مراقي الفلاح: ص10-13، الدر المختار: 1 /95-122.\r(2) الأحاديث وردت فيها، لكن قال ابن حجر: لم يثبت منها شيء عن النبي صلّى الله عليه وسلم لا من قوله ولا من فعله.\r(3) لما رواه مسلم وأبو داود وغيرهما: «ما من أحد يتوضأ، فيحسن الوضوء، ويصلي ركعتين يقبل بقلبه ووجهه عليهما إلا وجبت له الجنة» .","part":1,"page":358},{"id":360,"text":"2 ً - مذهب المالكية (1) :\rأ - سنن الوضوء ثمان:\rغسل اليدين مرة إلى الكوعين أولاً قبل إدخالهما في الإناء، والمضمضة، والاستنشاق بثلاث غرفات لكل منهما ومبالغة فيهما للمفطر، ولا بد لهذه السنن الثلاث من نية بأن ينوي بها سنن الوضوء، أو ينوي عند غسل يديه أداء الوضوء، والاستنثار (دفع الماء من الأنف)، ومسح الأذنين ظاهرهما وباطنهما مرة واحدة، وتجديد الماء لهما، ورد مسح الرأس إن بقي بيده بلل من أثر المسح الواجب لرأسه، وترتيب فرائضه الأربعة بتقديم غسل الوجه على اليدين، ثم مسح الرأس، ثم غسل الرجلين، فإن قدم فرضاً على موضعه المشروع له، أعاده وحده مرة ولا يعيد ما بعده. والمعتمد في ترك سنة ندب الإعادة دون ما بعدها ،سواء طال الترك أو لا، لكن من ترك فرضاً من فرائض الوضوء أو الغسل غير النية، أو ترك لمعة (بقعة) أتى به وبما بعده من الأعضاء إن لم يطل الترك، فإن طال بطل كل الفرض لعدم الموالاة الواجبة.\rب ـ فضائل الوضوء عشر:\rأي خصاله وأفعاله التي يثاب عليها ولا يعاقب على تركها: إيقاع الوضوء موضع طاهر بالفعل وشأنه الطهارة، واستقبال القبلة، والتسمية بأن يقول عند غسل يديه إلى كوعيه: بسم الله، وتقليل الماء الذي يرفعه للأعضاء حال الوضوء (2) ، وتقديم اليد أو الرجل اليمنى على اليسرى، وجعل الإناء المفتوح كالقصعة والطست لجهة اليد اليمنى، والبدء في الغسل أو المسح بمقدم العضو، والغسلة الثانية والثالثة في السنن والفرائض حتى في الرِّجْل، وترتيب السنن مع بعضها أو مع الفرائض، واستياك ولو بأصْبُع.\r-------------------------------\r(1) الشرح الصغير: 1 /117-124، الشرح الكبير: 1 /96-106.\r(2) ولا تحديد في التقليل لاختلاف الأعضاء والناس، بل بقدر ما يجري على العضو، وإن لم يتقاطر منه.","part":1,"page":359},{"id":361,"text":"3 ً - مذهب الشافعية (1) :\rسنن الوضوء حوالي ثلاثين: السواك عرضاً بكل خشن لا أصبُعه في الأصح لغير صائم بعد الزوال، والتسمية مقرونة بالنية مع أول غسل الكفين (2) ، والتلفظ بالنية واستصحابها، وغسل الكفين: فإن لم يتيقن طهرهما كره غمسهما في مائع أو ماء قليل قبل غسلهما ثلاث مرات، والمضمضة، والاستنشاق، والأفضل ـ في الأظهر كما رجح النووي خلافاً للرافعي ـ الجمع بينهما بثلاث غرفات يتمضمض من كل غرفة ثم يستنشق بباقيها، والمبالغة فيهما لغير الصائم، وتثليث كل من الغسل والمسح والتخليل والدلك والسواك (3) ، ومسح جميع رأسه أو بعضه ويتم على العمامة، ثم مسح أذنيه ظاهرهما وباطنهما وصماخيه بماء جديد.\rوتخليل اللحية الكثة وأصابع اليدين بالتشبيك وأصابع الرجلين بخنصر اليسرى من أسفل خنصر الرجل اليمنى إلى خنصر اليسرى، والتتابع (الموالاة) والتيامن، وإطالة غرته وتحجيله، وترك النفض والاستعانة بالصب إلا لعذر والتنشيف في الأصح، وتحريك الخاتم (4) ، والبداءة بأعلى الوجه، والبداءة في اليد والرجل بالأصابع (5) ، ودلك العضو، ومسح المأقين ( طرفي العين مما يلي الأنف) (6) واستقبال القبلة، ووضع الإناء في حالة الاغتراف فيه عن يمينه إن كان واسعاً، فإن صب منه وضعه عن يساره، وألا ينقص ماء الوضوء عن مُدّ (675غم).\r-------------------------------\r(1) مغني المحتاج: 1 / 55 -62، الحضرمية: ص 11 -13، وفي بعض الكتب مثل بجيرمي الخطيب، 1 /139: سنن الوضوء عشر.\r(2) فإن ترك التسمية في أول الوضوء ولو عمداً، أتى بها قبل فراغه، فيقول: بسم الله في أوله وآخره، كما في الأكل والشرب.\r(3) ويأخذ الشاك باليقين وجوباً في الواجب وندباً في المندوب، وتكره الزيادة على الثلاث.\r(4) فإن لم يصل الماء إلى ما تحته إلا بالتحريك وجب.\r(5) فإن صب عليه غيره بدأ بالمرفق والكعب.\r(6) بالسبابتين إن لم يكن بهما نحو رمص وإلا وجب.","part":1,"page":360},{"id":362,"text":"وألا يتكلم في جميع وضوئه إلا لمصلحة، ولا يلطم وجهه بالماء،ولا يمسح الرقبة، وأن يقول بعده: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم اجعلني من التوابين، واجعلني من المتطهرين، سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك، ويسن أن يقول بعده: وصلى الله وسلم على محمد وآل محمد، ويقرأ سورة القدر، ويصلي ركعتين.\r4 ً - مذهب الحنابلة (1) :\rجملة سنن الوضوء حوالي عشرين: استقبال القبلة، والسواك عند المضمضة، وغسل الكفين ثلاثاً لغير قائم من نوم ليل، ويجب ذلك للمستيقظ ليلاً، والبداءة قبل الوجه بالمضمضة، ثم الاستنشاق، والمبالغة فيهما لغير صائم، والمبالغة في سائرالأعضاء لصائم وغيره، والاستنثار باليسار، وتخليل أصابع اليدين والرجلين، وتخليل شعر اللحية الكثيفة في الوجه، والتيامن حتى بين الكفين للقائم من نوم الليل، وبين الأذنين، ومسح الأذنين بعد الرأس بماء جديد، ومجاوزة موضع الفرض، والغسلة الثانية والثالثة، وتقديم النية على مسنونات الوضوء، واستصحاب ذكرها إلى آخر الوضوء، وغسل باطن الشعور الكثيفة في الوجه غير اللحية، وأن يزيد في ماء الوجه؛ لأن فيه غضوناً وشعوراً، ودواخل وخوارج ليصل الماء إلى جميعه، وأن يتولى وضوءه بنفسه من غير معاونة، ويباح للمتطهر تنشيف أعضائه وتركه أفضل، ووضع الإناء الواسع عن يمينه ليغترف منه، وترك نفض الماء، ولا يكره فعله في الأظهر وفاقاً للأئمة الثلاثة، والدعاء (السابق عند الشافعية) عقب فراغه من الوضوء بعد رفع بصره إلى السماء (2) ، وكذا يدعو به بعد الغسل.\r-------------------------------\r(1) كشاف القناع: 1 /118 -122، المغني 1 /118،139-142.\r(2) روى حديث الدعاء أحمد وأبو داود، كما تقدم، وفي بعض رواياته: «فأحسن الوضوء، ثم رفع نظره إلى السماء» .","part":1,"page":361},{"id":363,"text":"المطلب السادس ـ مكروهات الوضوء:\rالمكروه عند الحنفية نوعان: مكروه تحريماً: وهو ما كان إلى الحرام أقرب، وتركه واجب. وهو المراد عندهم حالة الإطلاق.\rومكروه تنزيهاً: وهو ما كان تركه أولى من فعله، أي خلاف الأولى. وكثيراً ما يطلقونه.\rوعلى هذا إذا ذكروا مكروهاً فلا بد من النظر في دليله، فإن كان نهياً ظنياً يحكم بكراهة التحريم إلا لصارف عن التحريم إلى الندب. وإن لم يكن الدليل نهياً بل كان مفيداً للترك غير الجازم، فهي تنزيهية.\rولم يفرق الجمهور غير الحنفية بين نوعي الكراهة، ويراد بها عندهم التنزيهية. ويكره للمتوضئ (1) ضد ما يستحب من الآداب (2) وأهمها ما يأتي:\r1 ً - الإسراف في صب الماء: بأن يستعمل منه فوق الحاجة الشرعية أو ما يزيد عن الكفاية. وهذا إذا كان الماء مباحاً أو مملوكاً للمتوضئ، فإن كان موقوفاً على الوضوء منه كالماء المعد للوضوء في المساجد، فالإسراف فيه حرام.\rودليل الكراهة: ما أخرج ابن ماجه وغيره عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم مرَّ بسعد، وهو يتوضأ، فقال: «ما هذا السَّرَف؟ فقال: أفي الوضوء إسراف؟ فقال: نعم، وإن كنت على نهر جار» ومن الإسراف: الزيادة على الثلاث في الغسلات وعلى المرة الواحدة في المسح عند الجمهور غير الشافعية لحديث عمرو بن شعيب السابق: «فمن زاد على هذا أو نقص فقد أساء وتعدى وظلم» (3) .\r-------------------------------\r(1) الدر المختار: 1 / 121 -123، مراقي الفلاح: ص13، الشرح الصغير:126/1-129، الشرح الكبير: 1 /126، الحضرمية: ص14، كشاف القناع:118/1-120.\r(2) حصر الشافعية المكروه في ترك السنة المؤكدة والمختلف فيها، أما ترك غيرهما فخلاف الأولى.\r(3) هذه رواية النسائي، ومعناها: أنه أخطأ طريق السنة.","part":1,"page":362},{"id":364,"text":"والكراهة تنزيهية حتى عند الحنفية إلا إذا اعتقد أن ما زاد على الغسلات الثلاث من أعمال الوضوء، فتكون الكراهة حينئذ تحريمية عندهم. وذكر ابن عابدين: أن الكراهة مطلقاً تنزيهية، فإن زاد للنظافة أو للطمأنينة ونحوها فلا كراهة.\rوكذا يكره تنزيهاً التقتير بجعل الغسل مثل المسح: (وهو أن يكون تقاطر الماء عن العضو المغسول غير ظاهر) لأن السنة إسباغ الوضوء، والتقتير ينافيه.\r2 ً - لطم الوجه أو غيره بالماء: والكراهة تنزيهية؛ لأنه يوجب انتضاح الماء المستعمل على ثيابه، وتركه أولى، وهو أيضاً خلاف التؤدة والوقار، فالنهي عنه من الآداب.\r3 ً - التكلم بكلام الناس: والكراهة تنزيهية؛ لأنه يشغله عن الأدعية. وعند الشافعية: خلاف الأولى.\r4 ً - الاستعانة بالغير بلا عذر: لحديث ابن عباس السابق: « كان النبي صلّى الله عليه وسلم لا يكل طهوره إلى أحد...» (1) . وقد عرفنا أن الثابت في السنة جواز المعاونة في الوضوء، لكن قد حمل ذلك على حالة العذر ، ولأن الضرورات تبيح المحظورات.\r5 ً - التوضؤ في موضع نجس: لئلا يتنجس منه، وزاد الحنفية: التوضؤ بفضل ماء المرأة، أو في المسجد إلاّ في إناء أوفي موضع أعد لذلك خشية تلويث المسجد بآثار الماء. وقال الحنابلة (2) : تكره إراقة ماء الوضوء وماء الغسل في المسجد، أوفي مكان يداس فيه كالطريق تنزيهاً لماء الوضوء ؛ لأن له حرمة وأنه أثر عبادة. ويباح الوضوءوالغسل في المسجد اذا لم يؤذ به أحداً ولم يؤذ المسجد؛ لأن المنفصل منه طاهر.\r6 ً - مسح الرقبة بالماء: عند الجمهور غير الحنفية؛ لأنه غلو في الدين وتشديد. قال الشافعية: ولا يسن مسح الرقبة إذ لم يثبت فيه شيء، قال النووي: بل هو بدعة. وكذلك قال المالكية: إنه بدعة مكروهة (3) .\r7 ً- مبالغة الصائم في المضمضة والاستنشاق مخافة أن يفسد صومه.\r-------------------------------\r(1) أخرجه ابن ماجه والدارقطني، وهو ضعيف ( نيل الأوطار: 1 /176) ومثله قوله صلّى الله عليه وسلم لعمر وقد بادر ليصب الماء على يديه: «أنا لا أستعين في وضوئي بأحد» قال النووي في شرح المهذب: هذا حديث باطل لا أصل له.\r(2) كشاف القناع: 1 /120، المغني: 1 /143.\r(3) مغني المحتاج: 1 /60، الشرح الصغير: 1 /128.","part":1,"page":363},{"id":365,"text":"8 ً - ترك سنة من سنن الوضوء، السابق بيانها في المذاهب. قال الحنابلة مثلاً: يكره لكل أحد أن ينتثر وينقي أنفه ووسخه ودرنه ويخلع نعله ويتناول الشيء من يد غيره، ونحو ذلك بيمينه، مع القدرة على ذلك بيساره، مطلقاً (1) .\r9 ً - الوضوء بفضل طهور المرأة إذا استقلت به: قال الحنابلة في المشهور عن أحمد (2) : يكره ولا يجوز وضوء الرجل بفضل وضوء المرأة إذا خَلَت به (استقلت)، فإن اشترك الرجل معها فلابأس. بدليل «أن النبي صلّى الله عليه وسلم نهى أن يتوضأ الرجل بفضل طهور المرأة» (3) لأن جماعة من الصحابة كرهوا ذلك، فقالوا: إذا خلت بالماء فلا يتوضأ منه.\rوقال أكثر العلماء: يجوز الوضوء به للرجال و النساء ، لما روى مسلم في صحيحه و أحمد عن ابن عباس ، قال: «كان النبي صلّى الله عليه وسلم يغتسل بفضل وضوء ميمونة» (4) وقالت ميمونة : «اغتسلت من جفنة (5) ، ففضلت فيها فضلة ،فجاء النبي صلّى الله عليه وسلم يغتسل ،فقلت :إني قد اغتسلت منه ،فقال : الماء ليس عليه جنابة» (6) ولأنه ماء طهور جاز للمرأة الوضوء به، فجاز للرجل كفضل الرجل. وهذا هو الأصح، ويحمل النهي على الكراهة التنزيهية بقرينة أحاديث الجواز.\r-------------------------------\r(1) كشاف القناع: 1 /118.\r(2) المغني: (1 /214) وما بعدها، المهذب: (1 /31).\r(3) رواه الخمسة عن الحَكَم بن عمرو الغفاري، إلا أن ابن ماجه والنسائي قالا: «وضوء المرأة» وقال الترمذي: هذا حديث حسن. وقال النووي: اتفق الحفاظ على تضعيفه، قال ابن حجر: وقد أغرب النووي بذلك، وله شاهد عند أبي داود والنسائي (نيل الأوطار:25/1).\r(4) لكن مع كونه في صحيح مسلم أعله قوم (نيل الأوطار: 1 /26).\r(5) الجفنة وعاء كالقَصْعة.\r(6) رواه أحمد وأبو داود والنسائي والترمذي، وقال: حديث حسن صحيح، بلفظ: «يا رسول الله، إني كنت جُنُباً، فقال: إن الماء لا يُجنَب» أي من أجنب، وفي نسخة لايَجْنب من جَنُب. (نيل الأوطار: 1/26) وروى أحمد وابن ماجه عن ميمونة: «أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم توضأ بفضل غسلها من الجنابة» .","part":1,"page":364},{"id":366,"text":"10 ً - الماء الساخن والماء المشمس: قال الشافعية: يكره تنزيهاً التطهير بماء شديد السخونة وشديد البرودة، والمشمس في جهة حارة في إناء منطبع (أي ممتد تحت المطرقة من حديد ونحاس) في بدن دون ثوب، لناحية طبية لأنه يورث البرص ظناً، ولم يحرم لندرة ترتبه عليه. وتزول الكراهة بالتبريد.\rالمطلب السابع ـ نواقض الوضوء:\rالنواقض جمع ناقضة وناقض، والنقض: إذا أضيف إلى الأجسام كنقض الحائط: يراد به إبطال تأليفها. وإذا أضيف إلى المعاني كالوضوء: يراد به إخراجها عن إقامة المطلوب بها، والمعنى الثاني هو المراد هنا، فمعنى ناقض الوضوء: إخراجه عن إفادة المقصود منه، كاستباحة الصلاة بالوضوء.\rوالنواقض أو المعاني الناقضة للوضوء المبطلة حكمه متفق على الكثير منها، مختلف في بعضها.","part":1,"page":365},{"id":367,"text":"وهي عند الحنفية اثنا عشر ناقضاً، والمالكية: ثلاثة أنواع، والشافعية: خمسة أشياء، والحنابلة: ثمانية أنواع، وهي ما يأتي (1) :\r1 ً - كل خارج من أحد السبيلين: معتاد كبول أو غائط أو ريح أو مذي أو ودي (2) أو مني، أو غير معتاد: كدودة وحصاة ودم قليلاً كان الخارج أو كثيراً، لقوله تعالى: {أو جاء أحد منكم من الغائط} [المائدة:6/5]، كناية عن الحدث من بول أو غائط، ولقوله صلّى الله عليه وسلم : «لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ، فقال رجل من أهل حضرموت: ما الحدث يا أبا هريرة؟ قال: فُسَاء أو ضراط» (3) وقوله عليه السلام: «لا وضوء إلا من صوت أو ريح» (4) ، ولأن الخارج غير المعتاد خارج من السبيل، فأشبه المذي، ولأنه لا يخلو من بَلَّة تتعلق به، فينتقض الوضوء بها، وقد أمر النبي صلّى الله عليه وسلم المستحاضة بالوضوء لكل صلاة، ودمها خارج غير معتاد (5) .\r-------------------------------\r(1) فتح القدير: 1 /24 -37، تبيين الحقائق: 1 / 7 -12، البدائع: 1 /24 - 33، الدر المختار:124/1-138، اللباب: 1 /17-20، مراقي الفلاح: ص14 وما بعدها، الشرح الصغير:135/1 -148، الشرح الكبير: 1 /114-116، القوانين الفقهية: ص24وما بعدها، المهذب: 1 / 22 -25، حاشية الباجوري: 1 /69-74، المجموع: 2 / 3 -68، كشاف القناع:138/1-148، بداية المجتهد: 1 / 33 -39، المغني:168/1-196.\r(2) الودي: ماء أبيض خاثر يخرج بأثر البول. والمذي: هو ماء أبيض رقيق يخرج عند الالتذاذ.\r(3) متفق عليه من حديث أبي هريرة (نيل الأوطار: 1 /185).\r(4) رواه الترمذي وابن ماجه عن أبي هريرة، قال عنه النووي: حديث صحيح، ولكن رمز له السيوطي بالضعف ورواه مسلم بلفظ آخر: «إذا وجد أحدكم في بطنه شيئاً فأشكل عليه، أخرج منه شيء أم لا، فلا يخرجن من المسجد حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً» (نيل الأوطار: 1 /188).\r(5) روى أبو داود والدارقطني بإسناد موثوق عن عروة عن فاطمة بنت أبي حبيش: «أنها كانت تستحاض، فسألت النبي صلّى الله عليه وسلم فقال: إذا كان دم الحيض، فإنه أسود يعرف، فإذا كان كذلك، فأمسكي عن الصلاة، وإذا كان الآخر فتوضئي وصلي، فإنما هو دم عرق» فأمرها بالوضوء، ودمها غير معتاد، فيقاس عليه ما سواه، طاهراً كان الخارج كولد بلا دم، أو نجساً كالبول ونحوه.","part":1,"page":366},{"id":368,"text":"واستثنى الحنفيةفي الأصح: ريح القبل فهو غير ناقض؛ لأنه اختلاج لا ريح، وإن كان ريحاً فهو لا نجاسة فيه. وغير الحنفية لم يستثنوا ذلك، للحديث السابق «أو ريح» فهو شامل للريح من القبل. والحق أنه كما قال ابن قدامة في المغني: « لا نعلم لهذا الريح وجوداً ولا نعلم وجوده في حق أحد » .\rواستثنى المالكية الخارج غير المعتاد من المخرج في حالة الصحة، كالدم والقيح والحصى والدود، والريح أو الغائط من القبل، والبول من الدبر، والمني بغير لذة معتادة كمن حك لجرب أو هزته دابة فأمنى، فلا ينقض حتى ولو كان مع الحصى والدود أذى (أي بول أو غائط) بخلاف غيرهما، فلو خرج مع الدم والقيح أذى انتقض الوضوء (1) . وكذا لا ينتقض الوضوء إن خرج شيء من ثقب إلا إذا كان تحت المعدة وانسد المخرجان المعتادان، فلا ينقض الوضوء بول أو غائط أو ريح من ثقبة فوق المعدة، سواء انسد المخرجان أو أحدهما أو لا، أما الخارج من ثقبة تحت المعدة، فإنه ينقض بشرط انسداد المخرجين لأنه صار بمنزلة الخارج من المخرجين نفسهما.\r\r-------------------------------\r(1) والمشهور عند ابن رشد: أنه لا نقض بهما مطلقاً كالحصى والدود.","part":1,"page":367},{"id":369,"text":"ولا ينتقض الوضوء عندهم بخروج شيء من السَّلَس الذي يلازم صاحبه نصف الزمن فأكثر، وإلا نقض. والسلس: هو ما يسيل بنفسه لانحراف الطبيعة بولاً أو ريحاً أو غائطاً أو مذياً. ودم الاستحاضة من السلس. وهذا في غير المستحاضة إذا لم ينضبط ولم يقدر على التداوي، فإن انضبط بأن جرت عادته أن ينقطع آخر الوقت أو أوله، وجب عليه الصلاة حينئذ، وإن قدر على التداوي وجب عليه التداوي.\rواستثنى الشافعية: مني الشخص نفسه، فإنه لا ينقض؛ لأنه أوجب أعظم الأمرين وهو الغسل.\rلكن ينتقض الوضوء عندهم بالخارج من مخرج انفتح دون المعدة، وانسد المخرج المعتاد لأنه صار هو المخرج المعتاد، أي كما قال المالكية. فإن لم ينسد المخرج المعتاد فالأصح أنه لا ينقض، سواء أكان المخرج تحت المعدة أم فوقها.\rواستثنى الحنابلة: صاحب الحدث الدائم، لا يبطل وضوءه بالحدث الدائم قليلاً كان الخارج أو كثيراً، نادراً كان أو معتاداً للحرج والمشقة. أما غير صاحب الحدث الدائم فينقض ما خرج منه من بول أو غائط، قليلاً كان أو كثيراً، من تحت المعدة أو فوقها، سواء أكان السبيلان مفتوحين أم مسدودين لعموم الآية والحديث السابق. وأضاف الحنابلة: أنه لو احتمل المتوضئ في قُبُل أو دُبُر قطناً أو ميلاً، ثم خرج ولو بلا بلل، نقض، وكذا لو قطر في إحليله دهناً أو غيره من المائعات ثم خرج نقض، أو ظهر طرف مصران أو رأس دودة نقض.","part":1,"page":368},{"id":370,"text":"2 ً - الولادة من غير رؤية دم، والصحيح عند الحنفية قول الصاحبين أن المرأة لا تكون حينئذ نفساء لتعلق النفاس بالدم ولم يوجد، وإنما عليها الوضوء للرطوبة. وقال أبو حنيفة: عليها الغسل احتياطاً لعدم خلوه عن قليل دم غالباً.\r3 ً - الخارج من غير السبيلين كالدم والقيح والصديد (1) : ناقض بشرط سيلانه عند الحنفية إلى موضع يلحقه حكم التطهير وهو ظاهر الجسد: أي يجب تطهيره في الجملة، ولو ندباً كسيلان الدم داخل الأنف. والسيلان: أن يتجاوز موضع خروجه بأن يعلو على رأس الجرح ثم ينحدر إلى أسفل، فليس في النقطة والنقطتين وضوء ، وليس في أثر الدم بسبب عض شيء أو استياك وضوء. كما لا وضوء من دم يخرج من موضع لا يلحقه حكم التطهير كالخارج من جرح في العين أو في الأذن أو الثدي أوالسرة، ثم يسيل إلى الجانب الآخر منها.\rوبشرط كونه كثيراً عند الحنابلة، والكثير: ما كان فاحشاً بحسب كل إنسان، أي أنه يراعى حالة الجسم نحافة وضخامة، فلو خرج دم من نحيف مثلاً وكان كثيراً بالنسبة إلى جسده، نقض، وإلا فلا، لقول ابن عباس: «الفاحش: ما فحش في قلبك» .\rودليل الحنفية: قوله صلّى الله عليه وسلم : «الوضوء من كل دم سائل» (2) وقوله عليه السلام: «من قاء أو رعف في صلاته، فلينصرف، وليتوضأ، وليبن ـ يكمل ـ على صلاته ما لم يتكلم» (3) وقوله أيضاً: «ليس في القطرة ولا في القطرتين من الدم وضوء إلا أن يكون دماً سائلاً» (4) .\r-------------------------------\r(1) القيح: دم نَضِج حتى ابيضَّ وخثر. والصديد : هو قيح ازداد نضجاً حتى رَقَّ، أو هو ماء الجرح الرقيق المختلط بالدم.\r(2) روي من حديث تميم الداري عند الدارقطني، وفيه مجهولان، ومن حديث زيد بن ثابت عند ابن عدي في الكامل، وفيه من لا يحتج بحديثه (نصب الراية: 1 /37).\r(3) روي من حديث عائشة عند ابن ماجه، وهو حديث صحيح، ومن حديث أبي سعيد الخدري عند الدارقطني، وهو معلول براو فيه (نصب الراية: 1 /38، نيل الأوطار:187/1).\r(4) أخرجه الدارقطني، من حديث أبي هريرة مرفوعاً، قال الحافظ ابن حجر: وإسناده ضعيف جداً. وفيه متروك (نيل الأوطار: 1 /189، نصب الراية: 1 / 44).","part":1,"page":369},{"id":371,"text":"ودليل الحنابلة حديث فاطمة بنت أبي حبيش السابق عند الترمذي: «إنه دم عرق، فتوضئي لكل صلاة» ولأن الدم ونحوه نجاسة خارجة من البدن، فأشبه الخارج من السبيل.\rوأما كون القليل من ذلك لا ينقض، فلمفهوم قول ابن عباس: في الدم: «إذا كان فاحشاً فعليه الإعادة» وعصر ابن عمر بثرة، فخرج الدم، فصلى ولم يتوضأ،وابن أبي أوفى عصر دملاً، وغيرهما (1) .\rوقرر المالكية والشافعية: عدم نقض الوضوء بالدم ونحوه، بدليل حديث أنس، قال: «واحتجم رسول الله صلّى الله عليه وسلم ، فصلى ولم يتوضأ، ولم يزد على غسل محاجمه» (2) .\rوحديث عباد بن بشر: «أنه أصيب بسهام، وهو يصلي، فاستمر في صلاته» (3) ويبعد ألا يطلع النبي صلّى الله عليه وسلم على مثل هذه الواقعة العظيمة، ولم ينقل أنه أخبره بأن صلاته قد بطلت.\r4 ً - القيء: الخلاف فيه كالخلاف في الدم ونحوه من الخارج من غير السبيلين، على اتجاهين:\rالأول ـ للحنفية والحنابلة: أنه ينقض الوضوء، إذا كان بملء الفم عند الحنفية: وهو ما لا ينطبق عليه الفم إلا بتكلف، على الأصح. وإذا كان كثيراً فاحشاً عند الحنابلة: وهو ما فحش في نفس كل أحد بحسبه.\r-------------------------------\r(1) نيل الأوطار: 1 /189.\r(2) رواه الدارقطني والبيهقي، وهو ضعيف (نيل الأوطار: 1 /189).\r(3) ذكره البخاري تعليقاً، وأبو داود وابن خزيمة.","part":1,"page":370},{"id":372,"text":"والقيء سواء أكان طعاماً أم ماء أم عَلَقًا (المراد به هنا الدم المتجمد الخارج من المعدة) أم مِرَّة (الصفراء). ولا ينقض البلغم من معدة أو صدر أو رأس، كالبصاق والنخامة، لأنها طاهرة تخلق من البدن. ولا ينقض الجشاء وهو الريح الذي يخرج من فم الرجل.\rودليلهم: حديث عائشة المتقدم: «من أصابه قيء أو رعاف أو قَلس، أو مذي، فلينصرف، فليتوضأ، ثم ليَبْن على صلاته، وهو في ذلك لا يتكلم» (1) . والقلس: هو ما خرج من العلق ملء الفم أو دونه، وليس بقيء، وإن عاد فهو القيء.\rوحديث أبي الدرداء: «أن النبي صلّى الله عليه وسلم قاء، فتوضأ، فلقيت ثوبانَ في مسجد دمشق، فذكرت له ذلك، فقال: صدق، أنا صببت له وَضُوءه» (2) .\rوالخلاصة: أن القيء ناقض للوضوء عند هؤلاء بقيود ثلاثة: كونه من المعدة، وكونه ملء الفم أو كثيراً، وكونه دفعة واحدة.\rالاتجاه الثاني ـ للمالكية والشافعية: أنه لا ينقض الوضوء بالقيء؛ لأنه عليه الصلاة والسلام قاء فلم يتوضأ (3) ،وفي حديث ثوبان قال: «قلت: يا رسول الله، هل يجب الوضوء من القيء؟ قال: لو كان واجباً، لوجدته في كتاب الله » ولأنه خارج من غير المخرج، مع بقاء المخرج، فلم ينقض الطهارة كالبصاق. وأجابوا عن حديث أبي الدرداء بأن المراد بالوضوء: غسل اليدين.\rوالظاهر لي: أن الخارج من غير السبيلين كالدم والقيء ينقض الوضوء إذا كان كثيراً فاحشاً أي كما قال الحنابلة، قياساً على الخارج النجس من السبيلين، إذ في الأحاديث كلها كلام، ولا تخلو من ضعف.\r-------------------------------\r(1) رواه ابن ماجه والدارقطني، قال البيهقي: والصواب إرساله (نيل الأوطار: 1 /187).\r(2) رواه أحمد والترمذي، وقال: هو أصح شيء في الباب (نيل الأوطار: 1 /186).\r(3) رواه الدارقطني.","part":1,"page":371},{"id":373,"text":"5 ً - غيبة العقل أو زواله بالمخدرات أو المسكرات، أو بالإغماء أو الجنون، أو الصرع، أو بالنوم: هذا السبب وما بعده من لمس المرأة المشتهاة، ومس الذكر أو القبل أو الدبر، قد يترتب عليه غالباً خروج شيء من أحد السبيلين، فيكون ناقضاً للوضوء، لأن زائل العقل لا يشعر بحال، والنوم يذهب معه الحس، والجنون والإغماء ونحوهما أشد تأثيراً من النوم.\rوالدليل على أن النوم الثقيل أو غير اليسير ناقض للوضوء: قوله صلّى الله عليه وسلم من حديث علي: «العين وِكاء السَّهِ، فمن نام فليتوضأ» (1) وحديث معاوية «العين وكاء السه، فإذا نامت العينان، استطلق الوكاء» (2) والحديثان يدلان على أن النوم مظِنَّة للنقض، لا أنه بنفسه ناقض.\rوقد اختلف الفقهاء على آراء في كون النوم ناقضاً للوضوء، ذكرها النووي في شرح مسلم (73/1) أختار منها رأيين متقاربين لا يختلفان إلا في بيان مدى عمق النوم الذي يعد دليلاً على خروج الريح، وهما ما يأتي:\rالرأي الأول ـ للحنفية والشافعية: أن النوم الناقض للوضوء هو الذي لم تتمكن فيه المقعدة من الأرض، أو النوم مضطجعاً أو متكئاً أو منكباً على شيء؛ لأن الاضطجاع ونحوه سبب لاسترخاء المفاصل. فإن نام قاعداً ممكناً مقعدته من الأرض كأرض وظهر دابة سائرة، لم ينتقض وضوءه.\rفإن كان مستنداً إلى شيء لو أزيل عنه لسقط، ولم يكن ممكناً مقعده من الأرض، انتقض وضوءه عند الحنفية؛ لأن الاسترخاء يبلغ نهايته بهذا النوع من الاستناد، ولم ينتقض عند الشافعية إذا كان ممكناً مقعده من الأرض، للأمن حينئذ من خروج شيء، فالحكم في المذهبين إذن واحد.\r-------------------------------\r(1) رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه. والوكاء: الخيط الذي يربط به الشيء، والسه: الدبر، والمعنى: اليقظة وكاء الدبر، أي حافظة ما فيه من الخروج لأنه ما دام مستيقظاً، أحس بما يخرج منه (نيل الأوطار: 1 /192).\r(2) رواه أحمد والدارقطني (المرجع السابق).","part":1,"page":372},{"id":374,"text":"ولا ينتقض الوضوء عند الحنفية بالنوم حالة القيام والركوع والسجود في الصلاة وغيرها؛ لأن بعض الاستمساك باق، إذ لو زال لسقط، فلم يتم الاسترخاء.\rودليلهم: أحاديث، منها حديث ابن عباس: «ليس على من نام ساجداً وضوء، حتى يضطجع، فإنه إذا اضطجع، استرخت مفاصله» (1) وفي لفظ «لاوضوء على من نام قاعداً، إنما الوضوء على من نام مضطجعاً فإن من نام مضطجعاً استرخت مفاصله» (2) وفي رواية للبيهقي: «لا يجب الوضوء على من نام جالساً أو قائماً أو ساجداً حتى يضع جنبه» .\rومنها حديث أنس: «كان أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلم ينتظرون العشاء، فينامون قعوداً، ثم يصلون، ولا يتوضؤون» (3) وهويدل على أن يسير النوم لا ينقض الوضوء.\rومنها حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: أن النبي صلّى الله عليه وسلم قال: «من نام جالساً فلا وضوء عليه، ومن وضع جنبه فعليه الوضوء» (4) . وروى مالك عن ابن عمر أنه كان ينام جالساً، ثم يصلي ولا يتوضأ.\rوروى أبو داود والترمذي عن ابن عباس أنه رأى النبي صلّى الله عليه وسلم نام وهو ساجد، حتى غَطَّ أو نفخ، ثم قام يصلي، فقلت: يا رسول الله، إنك قد نمت؟ قال: «إن الوضوء لا يجب إلا على من نام مضطجعاً، فإنه إذا اضطجع استرخت مفاصله» (5) .\rقال الكمال بن الهمام: وأنت إذا تأملت فيما أوردناه لم ينزل عندك الحديث عن درجة الحسن (6) .\rالرأي الثاني ـ للمالكية والحنابلة: أن النوم اليسير أو الخفيف لا ينقض، والنوم الثقيل ينقض.\r-------------------------------\r(1) رواه أحمد وهو ضعيف (نيل الأوطار: 1 /193).\r(2) رواه أبو داود والترمذي والدارقطني، وهو ضعيف (المرجع السابق).\r(3) رواه الشافعي وأبو داود ومسلم والترمذي وهو صحيح (المرجع السابق).\r(4) أخرجه ابن عدي (نصب الراية: 1 /45) وأخرج أيضاً البيهقي حديثاً مماثلاً عن حذيفة بن اليمان.\r(5) نصب الراية: 1 / 44.\r(6) فتح القدير: 1 / 33.","part":1,"page":373},{"id":375,"text":"وعبارة المالكية: النوم الثقيل ولو قَصُر زمنه ناقض للوضوء، أما النوم الخفيف ولو طال زمنه فلا ينقض. والثقيل: ما لا يشعر صاحبه بالأصوات، أو بسقوط شيء بيده، أو سيلان ريقه ونحو ذلك، فإن شعر بذلك فنوم خفيف. ودليلهم حديث أنس المتقدم: «كان أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلم ينتظرون العشاء الآخرة، حتى تخفُق رؤوسهم، ثم يصلون ولا يتوضؤون» .\rوحديث ابن عباس، قال: «بتُّ عند خالتي ميمونة، فقام رسول الله صلّى الله عليه وسلم ، فقمت إلى جنبه الأيسر، فأخذ بيدي، فجعلني عن شقه الأيمن، فجعلت إذا أغفَيت، يأخذ بشحمة أذُني، قال: فصلى إحدى عشرة ركعة» (1) في هذين الحديثين دلالة واضحة على أن النوم اليسير لا ينقض الوضوء.\rوعبارة الحنابلة: النوم في جميع أحواله ناقض للوضوء إلا النوم اليسير عرفاً من جالس أو قائم، لحديثي أنس وابن عباس السابقين. والصحيح أنه لا حد للنوم القليل، وإنما مرجعه إلى ما جرت به العادة، فسقوط المتمكن وغيره ينقض الوضوء.\rفإن نام وشك، هل نومه كثير أو يسير؟ اعتبر طاهراً لتيقنه الطهارة، وشكه في نقضها، وإن رأى رؤيا فهو نوم كثير. وينقض النوم اليسير من راكع وساجد ومستند ومتكئ ومُحْتَب (2) كمضطجع.\rومن لم يُغْلب على عقله، لم ينقض وضوءه؛ لأن النوم: الغلبة على العقل، ولأن الناقض زوال العقل، ومتى كان العقل ثابتاً، وحسه غير زائل، مثل من يسمع ما يقال عنده، ويفهمه، لم ينتقض وضوءه. والخلاصة: أن النوم مضطجعاً في الصلاة أو في غيرها غير ممكن مقعدته ناقض للوضوء بلا خلاف بين الفقهاء، وأن زوال العقل بأي سبب من إغماء أو جنون أو سكر ناقض للوضوء قياساً على النوم، وهو الحق.\r-------------------------------\r(1) رواه مسلم (نيل الأوطار: 1 /192) والإغفاء: النوم أو النعاس.\r(2) جلسة الاحتباء: أن يجلس على مقعده ويرفع ركبتيه ويمسكهما بيديه.","part":1,"page":374},{"id":376,"text":"6 ً - لمس المرأة: ينتقض الوضوء عند الحنفية بلمس المرأة في حالة المباشرة الفاحشة، وعند المالكية والحنابلة بالتقاء بشرتي الرجل والمرأة في حال اللذة أو الشهوة. وعند الشافعية: بمجرد التقاء بشرتي الرجل والمرأة، اللامس والملموس، ولو بدون شهوة.\rوتفصيل آراء المذاهب فيما يأتي:\rقال الحنفية: ينتقض الوضوء بالمباشرة الفاحشة: وهي التقاء الفرجين مع انتشار العضو بلا حائل يمنع حرارة الجسد، أو هي أن يباشر الرجل المرأة بشهوة وينتشر لها، وليس بينهما ثوب، ولم ير بللاً.\rوقال المالكية: ينتقض الوضوء بلمس المتوضئ البالغ لشخص يلتذ به عادة ـ من ذكر أو أنثى ـ ولو كان الملموس غير بالغ، سواء كان اللمس لزوجته أو أجنبية أو محرماً، أو كان اللمس لظفر أو شعر، أو من فوق حائل كثوب، وسواء كان الحائل خفيفاً يحس اللامس معه بطراوة البدن، أو كان كثيفاً، وسواء كان اللمس بين الرجال أو بين النساء.\rفاللمس بلذة ناقض، وكذا القبلة بالفم تنقض الوضوء مطلقاً، ولو بدون لذة؛ لأنها مظنة اللذة، أما القبلة في غير الفم فتنقض وضوء المقبِّل والمقبَّل إن كانا بالغين، أو البالغ منهما إن قبل من يشتهي، إن وجدت اللذة، ولو وقعت بإكراه أو استغفال. فالنقض باللمس مشروط بشروط ثلاثة: أن يكون اللامس بالغاً، وأن يكون الملموس ممن يشتهى عادة، وأن يقصد اللامس اللذة أو يجدها.\rولا ينقض الوضوء بلذة من نظر أو فكر ولو حدث انتصاب (إنعاظ) ما لم يلتذ بالفعل، ولا بلمس صغيرة لا تشتهى، أو بهيمة أو رجل ملتحي، إذ الشأن عدم التلذذ به عادة إذا كملت لحيته.","part":1,"page":375},{"id":377,"text":"وقال الحنابلة في المشهور: ينقض الوضوء بلمس بشرة النساء بشهوة من غير حائل، وكان الملموس مشتهى عادة غير طفلة وطفل، ولو كان الملموس ميتاً، أو عجوزاً، أو مَحْرماً، أو صغيرة تشتهى: وهي بنت سبع سنين فأكثر، فلا فرق بين الأجنبية وذات المحرم والكبيرة والصغيرة. ولا ينقض لمس شعر وظفر وسن، ولا مس عضو مقطوع لزوال حرمته، ولا مس أمرد ولو بشهوة، ولا مس خنثى مشكل، ولا ينقض مس الرجل الرجل ولا المرأة المرأة ولو بشهوة. وإذا لم ينقض الوضوء بمس أنثى، فإنه يستحب.\rوالخلاصة: أن هذه المذاهب الثلاثة (الجمهور): لا ينتقض الوضوء لديها بمجرد التلامس العادي بين الرجل والمرأة.\rالأدلة:\rواستدلوا بما يأتي:\r1 - قوله تعالى: {أو لا مستم النساء} [المائدة:6/5]، وحقيقة اللمس: ملاقاة البشرتين، أما الحنفية فأخذوا بما نقل عن ابن عباس ترجمان القرآن رضي الله عنهما: أن المراد من اللمس الجماع، وبما قال ابن السكيت: أن اللمس إذا قرن بالنساء يراد به الوطء، تقول العرب: لمست المرأة أي جامعتها، فيجب المصير في الآية إلى إرادة المجاز: وهو أن اللمس يراد به الجماع، لوجود القرينة وهي حديث عائشة الذي سيأتي.\rوأما المالكية والحنبلية الذين قيدوا اللمس الناقض بما إذا كان لشهوة: فجمعوا بين الآية والأخبار الآتية عن عائشة وغيرها.\r2 - حديث عائشة: «أن النبي صلّى الله عليه وسلم كان يُقبِّل بعض أزواجه، ثم يصلِّي ولا يتوضأ» (1) .\r-------------------------------\r(1) رواه أبو داود والنسائي وأحمد والترمذي، وهو مرسل، وضعفه البخاري، وكل طرقه معلولة، قال ابن حزم: لا يصح في الباب شيء، وإن صح فهو محمول على ما كان عليه الأمر قبل نزول الوضوء من المس (نيل الأوطار: 1 /195).","part":1,"page":376},{"id":378,"text":"3 - حديث عائشة أيضاً، قالت: «إن كان رسول الله صلّى الله عليه وسلم ليُصلّي، وإني لمعترضة بين يديه اعتراض الجنازة، حتى إذا أراد أن يوتر مسَّني برجْله» (1) فيه دليل على أن لمس المرأة لا ينقض الوضوء، والظاهر أن مسها برجله كانَ من غير حائل.\r4 - حديث عائشة أيضاً، قالت: « فَقَدْتُ رسول الله صلّى الله عليه وسلم ليلةً من الفراش،فالتمسته، فوضعت يدي على باطن قدميه، وهو في المسجد، وهما منصوبتان، وهو يقول: اللهم إني أعوذ برضاك من سَخَطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك، لا أحصي ثناء عليك، كما أثنيت على نفسك» (2) وهو يدل على أن اللمس غير موجب للنقض.\rوقال الشافعية: ينقض الوضوء بلمس الرجل المرأة الأجنبية غير المحرم، ولو ميتة، من غير حائل بينهما، ينقض اللامس والملموس، ولو عجوزاً شوهاء أو شيخاً هرماً، ولو بغير قصد، ولا ينقض شعر وسن وظفر، أو لمس مع حائل.\rوالمراد بالرجل والمرأة: ذكر وأنثى بلغا حد الشهوة عرفاً، أي عند أرباب الطباع السليمة، والمراد بالمَحْرم: من حرم نكاحها لأجل نسب أو رضاع أو مصاهرة، فلا ينقض صغير أو صغيرة لا يشتهى أحدهما عرفاً غالباً لذوي الطباع السليمة، فلا يتقيد بابن سبع سنين أو أكثر، لاختلافه باختلاف الصغار والصغيرات، لانتفاء مظنة الشهوة. ولا ينقض مَحْرم بنسب، أو رضاع، أو مصاهرة كأم الزوجة لانتفاء مظنة الشهوة.\rوسبب النقض: أنه مظنة التلذذ المثير للشهوة التي لا تليق بحال المتطهر.\r-------------------------------\r(1) رواه النسائي، قال ابن حجر: إسناده صحيح (نيل الأوطار: 1 /196).\r(2) رواه مسلم والترمذي وصححه والبيهقي (المرجع السابق، وانظرهذه الأحاديث في نصب الراية: 1 /70-75).","part":1,"page":377},{"id":379,"text":"ودليلهم: العمل بحقيقة معنى الملامسة في اللغة في الآية: {أو لامستم النساء} [المائدة:6/5]، وهو الجس باليد، أو ملاقاة البشرتين، أو لمس اليد، بدليل قراءة: {أو لمستم} [المائدة:6/5]، فإنها ظاهرة في مجرد اللمس من دون جماع.\rوأما حديث عائشة في التقبيل فهو ضعيف، ومرسل. وأما حديث عائشة في لمسها لقدمه صلّى الله عليه وسلم فمؤول بأن اللمس يحتمل أنه كان بحائل، أو أنه خاص بالنبي. لكن في هذا التأويل تكلف ومخالفة للظاهر.\rويبدو لي أن اللمس العارض أو الطارئ، أو الذي لا لذة أو لا شهوة فيه غير ناقض للوضوء، وأما اللمس الذي يصحبه الشهوة فهو ناقض، وهذا في تقديري أرجح الآراء.\r7 ً - مس الفرج ـ القُبُل أو الدبر: لا ينتقض الوضوء عند الحنفية بمس الفرج، وينتقض به عند الجمهور، على تفصيل آتٍ، قال الحنفية: لا ينتقض الوضوء بمس الفرج أو الذكر، لحديث طَلْق بن علي: «الرجل يمس ذكره، أعليه وضوء؟ فقال صلّى الله عليه وسلم: إنما هو بَضْعة منك، أو مضغة منك» (1) .\rولما روي عن عمر وعلي وابن مسعود وابن عباس وزيد بن ثابت وعمران بن حصين، وحذيفة بن اليمان، وأبي الدرداء، وأبي هريرة رضي الله عنهم: أنهم لم يجعلوا مس الذكر حدثاً، حتى قال علي رضي الله عنه: لا أبالي مسسته، أو أرنبة أنفي.\r-------------------------------\r(1) رواه أصحاب السنن الأربعة (أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه) وأحمد والدارقطني مرفوعاً، ورواه ابن حبان في صحيحه، قال الترمذي: هذا الحديث أحسن شيء يروى في هذا الباب (نصب الراية: 1 /60 وما بعدها، نيل الأوطار: 1 /198).","part":1,"page":378},{"id":380,"text":"وقال المالكية: ينقض الوضوء بمس الذكر، لا بمس الدبر، فيعد مس الذكر المتصل ناقضاً، لا المقطوع، سواء مسَّه من أي جزء منه، التذ أم لا، إذا مسه عمداً أو سهواً من غير حائل ببطن الكف أو جنبه، أو ببطن أصبع وبجنبه، لا بظهره، ولو كان الأصبع زائداً على الخمسة إن كان له إحساس ويتصرف به كغيره من الأصابع، وذلك إذا كان بالغاً، أما مس الصبي ذكره فلا ينقض، أي أن المراد مس البالغ ذكره بباطن الكف والأصابع.\rولا ينقض مس حلقة الدبر، أو الأنثيين (الخِصيتين)، ولا مس امرأة فرجها، ولو ألطفت: أي أدخلت أصبعاً أو أكثر من أصابعها في فرجها. ولا ينقض مس ذكر صبي أو كبير غيره.\rودليلهم: الاقتصار على حديث: «من مس ذكره فلا يصلي حتى يتوضأ» (1) وحديث «من أفضى بيده إلى ذكره ليس دونه سِتْر، فقد وجب عليه الوضوء» (2) .\rوقال الشافعية والحنابلة: ينتقض الوضوء بمس فرج الآدمي (الذكر والدبر وقبُل المرأة) من نفسه أو غيره، صغيراً أو كبيراً، حياً أو ميتاً، وقياس الدبر على الذكر هو مذهب الشافعي الجديد، بشرط كونه بباطن الكف (أي الراحة مع بطون الأصابع) فلا ينقض بظاهر الكف وحرفه ورؤوس الأصابع وما بينها بعد التحامل اليسير، أي أن الناقض هو ما يستتر عند وضع إحدى الراحتين على الأخرى مع تحامل يسير، وفي الإبهامين يضع باطن أحدهما على باطن الآخر.\r-------------------------------\r(1) رواه الخمسة ( أحمد وأصحاب السنن ) وصححه الترمذي، وأخرجه أيضاً مالك والشافعي وابن خزيمة وابن حبان والحاكم وابن الجارود، وقال البخاري: «هو أصح شيء في هذا الباب» (نيل الأطار: 1 /197، نصب الراية:54/1 وما بعدها).\r(2) رواه أحمد وابن حبان في صحيحه، وقال: حديث صحيح سنده عدول نقلته (نيل الأوطار: 1 /199) ورواه الشافعي في مسنده بلفظ « إذا أفضى أحدكم إلى ذكره،فقد وجب عليه الوضوء» ( انظر نصب الراية: 1 / 54 وما بعدها ).","part":1,"page":379},{"id":381,"text":"فلو كان التحامل كثيراً كثر غير الناقض، وقل الناقض. وفي هذا يتفق الشافعية مع مذهب المالكية؛ لأن ظاهر الكف ليس بآلة اللمس، فأشبه ما لو مسه بفخذه.\rولا فرق عند الحنابلة بين بطن الكف وظهره، بدليل حديث الإفضاء المتقدم: «إذا أفضى أحدكم بيده إلى فرجه، ليس بينهما سترة، فليتوضأ» وظاهر كفه من يده، والإفضاء: اللمس من غير حائل.\rودليل الشافعية والحنابلة مجموع الحديثين السابقين: حديث بُسْرة بنت صفوان وأم حبيبة: «من مس ذكره فليتوضأ» وفي لفظـ «من مس فرجه فليتوضأ» وحديث أبي هريرة: «إذا أفضى أحدكم بيده إلى ذكره، فقد وجب عليه الوضوء» وفي لفظ «إذا أفضى أحدكم بيده إلى فرجه..» والفرج: يشمل القبُل والدبُر، ولأن الدبر أحد الفرجين، فأشبه الذكر.\rوالنقض بمس المرأة قبلها لعموم حديث بسرة وأم حبيبة: «من مس فرجه فليتوضأ» ولما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: «أيما رجل مس فرجه فليتوضأ، وأيما امرأة مست فرجها فلتتوضأ» (1) .\rوالراجح عندي مذهب الجمهور غير الحنفية؛ لأن حديث طلق بن علي ضعيف أو منسوخ، ضعفه الشافعي وأبو حاتم وأبو زرعة والدارقطني والبيهقي وابن الجوزي، وادعى فيه النسخ ابن حبان والطبراني وابن العربي والحازمي وآخرون.\r8 ً - القهقهة في الصلاة: تنقض الوضوء عند الحنفية دون غيرهم، إذا كان المصلي بالغاً، عمداً أو سهواً، زجراً وعقوبة للمصلي، لمنافاتها مناجاة الله تعالى، فلا تبطل صلاة الصبي، لأنه ليس من أهل الزجر.\r-------------------------------\r(1) رواه أحمد والبيهقي (نصب الراية: 1 / 58).","part":1,"page":380},{"id":382,"text":"والقهقهة: ما يكون مسموعاً لجيرانه. أما الضحك: فهو ما يسمعه هو دون جيرانه، والأول يبطل الصلاة والوضوء، والثاني يبطل الصلاة فقط. أما التبسم: وهو ما لا صوت فيه، ولو بدت به الأسنان، فلا يبطل شيئاً.\rودليلهم:حديث: «ألا من ضحك منكم قهقهة فليعد الصلاة والوضوء جميعاً» (1) .\rولا ينتقض الوضوء عند الجمهور (غير الحنفية) بالقهقهة؛ لأنها لا توجب الوضوء خارج الصلاة، فلا توجبه داخلها كالعطاس والسعال. وردوا الحديث السابق لكونه مرسلاً، ولمخالفته للأصول:وهو أن يكون شيء ينقض الطهارة في الصلاة، ولا ينقضها في غير الصلاة (2) .\rوأرجح رأي الجمهور لعدم ثبوت حديث الحنفية.\r9 ً - أكل لحم الإبل: ينتقض الوضوء عند الحنابلة دون غيرهم بأكل لحم الإبل، على كل حال، نيئاً ومطبوخاً، عالماً كان أو جاهلاً. بدليل ما روي البراء بن عازب قال: «سئل رسول الله صلّى الله عليه وسلم عن لحوم الإبل؟ فقال: توضؤوا منها، وسئل عن لحوم الغنم؟ فقال: لا يتوضأ منها» (3) وروى أسيد بن حضير حديث: « توضؤوا من لحوم الإبل، ولا تتوضؤوا من لحوم الغنم» (4) . وعلق الحنابلة على ذلك بقولهم: إن وجوب الوضوء من أكل لحم الجزور تعبُّد لا يعقل معناه، فلا يتعدى إلى غيره، فلا يجب الوضوء بشرب لبنها ومرق لحمها وأكل كبدها وطحالها وسنامها وجلدها وكرشها ونحوه.\r-------------------------------\r(1) فيه أحاديث مسندة، وأحاديث مرسلة، أما المسندة فمنها حديث أبي موسى الأشعري عند الطبراني، وأبي هريرة عند الدارقطني، وابن عمر عند ابن عدي، وأنس وجابر، وعمران بن الحصين، وأبي المليح عند الدارقطني. ولكن كلها ضعيفة، وأما المراسيل فهي أربعة: مرسل أبي العالية، ومرسل معبد الجهني، ومرسل إبراهيم النخعي، ومرسل الحسن (نصب الراية: 74/1-54).\r(2) بداية المجتهد: 39/1.\r(3) رواه مسلم وأبو داود. وروى مسلم وأحمد عن جابر بن سمرة مثله، وهما حديثان صحيحان.\r(4) رواه أحمد وصححه هو وإسحق، وروى ابن ماجه عن عبد الله بن عمرو عن النبي صلّى الله عليه وسلم مثل ذلك (راجع نيل الأوطار: 200/1).","part":1,"page":381},{"id":383,"text":"وقال الجمهور غير الحنابلة؛ لا ينقض الوضوء بأكل لحم الجزور، لما رواه جابر قال: «كان آخر الأمرين من رسول الله صلّى الله عليه وسلم ترك الوضوء مما مست النار» (2) ولأنه مأكول كسائر المأكولات.\rوالراجح لدي رأي الجمهور؛ لأن جمهور فقهاء الأمصار بعد الصدر الأول اتفقوا على سقوط الأمر بإيجاب الوضوء من أكل ما مسته النار، إذ صح عندهم أنه عمل الخلفاء الأربعة، بل إن الحنابلة أنفسهم أخذوا بحديث الجمهور وقالوا: لانقض بأكل ما مسته النار.\r10 ً - غسل الميت: ينتقض الوضوء عند أكثر الحنابلة بغسل الميت (3) أو بعضه، سواء أكان المغسول صغيراً أم كبيراً، ذكراً أم أنثى، مسلماً أم كافراً، لما روي عن ابن عمر وابن عباس، وأبي هريرة، فقد روي عن ابن عمر وابن عباس «أنهما كانا يأمران غاسل الميت بالوضوء» وقال أبو هريرة: «أقل ما فيه الوضوء» ، ولأن الغالب فيه أنه لا يسلم أن تقع يده على فرج الميت.\rوقال أكثر الفقهاء وهو الصحيح: لاوضوء من غسل الميت، إذ لم يرد فيه نص شرعي، ولا هو في معنى المنصوص عليه، ولأنه غسل آدمي، فأشبه غسل الحي.\rوما أحسن ما ذكره ابن رشد عن النواقض الثلاثة الأخيرة، فقال: شذ أبو حنيفة فأوجب الوضوء من الضحك في الصلاة لمرسل أبي العالية... الخ وشذ قوم فأوجبوا الوضوء من حمل الميت، وفيه أثر ضعيف: ( من غسل ميتاً فليغتسل، ومن حمله فليتوضأ ) وذهب قوم من أهل الحديث: أحمد وإسحاق وطائفة غيرهم: أن الوضوء يجب فقط من أكل لحم الجزور، لثبوت الحديث الوارد بذلك عنه عليه الصلاة والسلام (3) .\r-------------------------------\r(1) رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه.\r(2) لكن لا ينتقض الوضوء بحمل الميت عندهم، خلافاً لما هو شائع في بعض الكتب.\r(3) بداية المجتهد: 39/1.","part":1,"page":382},{"id":384,"text":"11 ً - الشك في الوضوء: قال المالكية في المشهور من المذهب: من تيقن الطهارة أو ظنها، ثم شك في الحدث، فعليه الوضوء، وإن تيقن الحدث وشك في الطهارة فعليه الوضوء؛ لأن الذمة عامرة فلا تبرأ إلا بيقين.\rوقال الجمهور غير المالكية وهو الأولى: لا ينتقض الوضوء بالشك، فمن تيقن الطهارة وشك في الحدث، أو تيقن الحدث وشك في الطهارة بنى على اليقين، وهو الطهارة الأولى، والحدث في الثانية، لحديث عبد الله بن زيد قال: «شُكي إلى النبي صلّى الله عليه وسلم الرجل يخيل إليه أنه يجد الشيء في الصلاة؟ فقال: لا ينصرف حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً» (2) ، ولأنه إذا شك تعارض عنده الأمران، فيجب سقوطهما، كالبينتين إذا تعارضتا، تساقطتا، ويرجع إلى اليقين. وبناء عليه قرر الفقهاء قاعدة عامة وهي: ( اليقين لا يزول بالشك ).\r12 ً - ما يوجب الغسل: قال الحنابلة: ينتقض الوضوء بكل ما يوجب الغسل غير الموت، فإنه يوجب الغسل ولا يوجب الوضوء. ومن موجبات الغسل: التقاء الختانين، وانتقال المني، وإسلام الكافر أصلياً كان أو مرتداً، فإذا عاد المرتد إلى الإسلام، وجب عليه الغسل، وإذا وجب الغسل وجب الوضوء. وينتقض الوضوء بالردة، لأنهامحبطة للعمل ومنه الوضوء والغسل. وهذا يوافق رأي المالكية ، ولا ينتقض الوضوء بالردة عند الحنفية والشافعية.\rتعليق على النواقض:\rهذه النواقض مشتركة بين الماسح على الخفين وغيره.وهناك نواقض خاصة، كبطلان طهارة المسح على الخفين ونحوهما من الجوارب بانتهاء مُدَّته وبخلع حائله، وكانتقاض طهارة المستحاضة ونحوها كسلس البول بخروج الوقت، وطهارة المتيمم بوجود الماء ونحوها، تبحث في مباحثها الخاصة بها.\r-------------------------------\r(1) متفق عليه، بل رواه الجماعة إلا الترمذي. ولمسلم بمعناه مرفوعاً من حديث أبي هريرة، ولم يذكر فيه: ( وهو في الصلاة ).","part":1,"page":383},{"id":385,"text":"ولا نقض بكلام محرَّم، كالكذب والغيبة والقذف والسب ونحوها، بل يستحب الوضوء منه، ولا نقض بإزالة شعر وأخذ ظفر ونحوهما.\rخلاصة نواقض الوضوء في المذاهب:\r1 - مذهب الحنفية:\rينقض الوضوء اثنا عشر شيئاً: ما خرج من السبيلين إلا ريح القبل في الأصح، وولادة من غيررؤية دم، ونجاسة سائلة من غير السبيلين كدم وقيح وقيء طعام أو ماء أو عَلَق (دم متجمد من المعدة)، أو مِرَّة (صفراء) إذا ملأ الفم: وهو مالا ينطبق عليه الفم إلا بتكلف على الأصح، ويجمع متفرق القيء إذا اتحد سببه (1) ، وينقضه دم غلب على البزاق أو ساواه، ونوم مضطجعاً، أو متكئاً أو مستنداً إلى شيء لوأزيل لسقط (أي نوم لم تتمكن فيه المقعدة من الأرض)، وارتفاع مقعدة نائم على الأرض قبل انتباهه، وإن لم يسقط على الأرض، وإغماء، وجنون، وسكر، وقهقهة بالغ يقظان في صلاة ذات ركوع وسجود، ولو تعمد الخروج بها من الصلاة، ومس فرج بذكر منتصب بلا حائل.\rولا ينقض الوضوء عشرة أشياء: دم لم يسل عن محله، وسقوط لحم من غير سيلان دم، وخروج دودة من جرح وأذن وأنف، ومس ذكر، ومس امرأة، وقيء لا يملأ الفم، وقيء بلغم ولو كثيراً، وتمايل نائم احتمل زوال مقعدته، ونوم متمكن ولو مستنداً إلى شيء، لو أزيل سقط، ونوم مُصَلٍّ ولو راكعاً أو ساجداً.\r2 - مذهب المالكية:\rالنواقض ثلاثة: الأحداث، والأسباب، والارتداد والشك.\r-------------------------------\r(1) هذا هو رأي محمد وهو الأصح. واتحاد السبب هو الغَثَيان: وهو أمر حادث في مزاج الإنسان منشؤه تغير طبعه من إحساس النتن المكروه.","part":1,"page":384},{"id":386,"text":"والأحداث: هي الخارج المعتاد من السبيلين وهي ثمانية أشياء: البول، والغائط، والريح بصوت وبغير صوت، والودي (وهو ماء أبيض خاثر يخرج بأثر البول)، والمذي (وهو ماء أبيض رقيق يخرج عند الالتذاذ)، والهادي (وهو الماء الذي يخرج من فرج المرأة عند ولادتها)، ودم الاستحاضة ونحوه: وهو سلس البول إن خرج أحياناً: بأن لم يلازم الخروج نصف زمن أوقات الصلاة أو أكثر، فإن لازم نصف زمن أوقات الصلاة أو أكثر فلا ينقض، ومني الرجل الخارج من فرج المرأة بعد أن اغتسلت (1) .\rولا ينقض الخارج غير المعتاد كالدم والقيح والحصى والدود، ولا الخارج من\rغير المعتاد كخروج ريح أو غائط من القبل، أو خروج بول من الدبر، ولا المني بغير لذة معتادة: بأن كان بغير لذة أصلاً، أو لذة غير معتادة كمن حك لجرب أو هزته دابة فأمنى. أما ما خرج بلذة معتادة من جماع أو لمس أو فكر فموجب للغسل.\rولا ينقض البول أو الغائط أو الريح الخارج من ثقبة فوق المعدة، سواء انسد المخرجان أو أحدهما أو لا، وينقض الخارج من تحت المعدة إن انسد المخرجان، كما ينقض الوضوء إن انقطع الخروج من المخرج، وصار يبول أو يتغوط من فمه مثلاً.\rوالأسباب: ثلاثة أنواع: زوال العقل، ولمس البالغ بلذة من تشتهى، ومس البالغ ذكره المتصل به ببطن كفه أو جنبه أو أصبع بلا حائل ولو كان خفيفاً، إلا أن يكون خفيفاً جداً كالعدم. وزوال العقل يكون بجنون أو إغماء أو سكر أو بنوم ثقيل ولو قصر زمنه. والقبلة بالفم تنقض ولو بغير لذة.\rوالردة والشك في الناقض بعد طُهر معلوم وعكسه: أي الشك في الطهارة بعد تيقن الحدث أو ظنه، كل منهما ناقض للوضوء، ليس بحدث ولا سبب.\r3 - مذهب الشافعية:\r-------------------------------\r(1) الأحداث الثمانية: اثنان من الدبر: وهما الغائط والريح، وستة من القبل: وهي البول والمذي والودي والمني في بعض أحواله، والهادي، ودم الاستحاضة ونحوه كالسلس إن خرج أقل من نصف زمن الصلاة.","part":1,"page":385},{"id":387,"text":"نواقض الوضوء أربعة:\rالأول ـ الخارج من أحد السبيلين إلا المني أي مني الشخص نفسه، لأنه أوجب الغسل.\rالثاني ـ زوال العقل بجنون أو إغماء أو نوم إلا النوم قاعداً ممكِّناً مقعده من مقره كالأرض، وظهر دابة سائرة، وإن كان مستنداً إلى شيء بحيث لو زال، لسقط. الثالث ـ التقاء بشرتي الرجل والمرأة ولو ميتة، عمداً أو سهواً. وينتقض اللامس والملموس، ولا ينقض صغير أو صغيرة لا تشتهى، ولا ينقض شعر وسن وظفر، ومحرم بنسب أو رضاع أو مصاهرة، أي المحرَّمات بصفة التأبيد، لا المؤقتة كأخت الزوجة فإنها تنقض الوضوء.\rالرابع ـ مس قبل الآدمي، وحلقة دبره، بباطن الكف. ولا ينتقض الممسوس. وينقض فرج الميت والصغير، ومحل الجَبِّ كله لا الثقبة فقط، والذكر المقطوع. ولا ينقض فرج البهيمة، ولا المس برأس الأصابع وما بينها.\r4 - مذهب الحنابلة:\rنواقض الوضوء ثمانية أنواع:\rأحدها ـ الخارج من السبيلين، إلا ممن حدثه دائم، فلا يبطل وضوءه، وينقضه ولو كان الخارج ريحاً من قُبُل أنثى أو من ذكر، أو قطناً أو ميلاً أو دهناً أو حقنة أدخل فيهما، أو ظهر طرف مصران أو رأس دودة، أو منياً لرجل أو امرأة استدخلته امرأة في فرجها ثم خرج.\rالثاني ـ خروج النجاسات من بقية البدن: فإن كانت النجاسة غائطاً أو بولاً، نقض ولو قليلاً، من تحت المعدة أو فوقها، انسد المخرجان أم بقيا مفتوحين، وإن كانت النجاسة غير الغائط والبول، كالقيء والدم والقيح ودود الجراح لم ينقض إلا كثيرها: وهوما فحش في نفس كل أحد بحسبه.","part":1,"page":386},{"id":388,"text":"الثالث ـ زوال العقل بجنون ونحوه، أو تغطيته بإغماء أو سكر قليل أو كثير، أو بنوم إلا النوم اليسير عرفاً من جالس وقائم.وينقض النوم اليسير من راكع وساجد ومستند ومتكئ ومُحْتب كمضطجع. الرابع ـ مس ذكر أو قبُل أو دبُر آدمي من نفسه أو غيره، ولو من غير شهوة بيده، ببطن كفه أو بظهره أو بحرفه، غير ظفر، من غير حائل، ولو بأصبع زائدة، ولا ينتقض وضوء ملموس، ولا ينقض مس ذكر بائن (أي مقطوع) ولا مس محله، ولا قُلَفة (وهي الجلدة التي تقطع في الختان) بعد قطعها، ولا مس ذكر زائد؛ لأنه ليس فرجاً، ولا ينقض مس امرأة شفريها، لأن الفرج هو مخرج الحدث، وهو ما بينهما دونهما.\rالخامس ـ مس بشرة الرجل بشرة الأنثى بشهوة، من غير حائل.\rولا ينقض مس طفلة وطفل من دون سَبْع إذا لم يكن بشهوة، وينتقض الوضوء باللمس بشهوة ولو كان الملموس ميتاً أو عجوزاً، أو محرماً، أو صغيرة تشتهى وهي بنت سبع فأكثر لقوله تعالى: {أو لا مستم النساء} [المائدة:6/5].ولا ينتقض وضوء الملموس، ولو وجد منه شهوة، ولا ينتقض وضوء بانتشار ذكر عن فكر وتكرار نظر،ولا ينقض لمس شعر وظفر وسن؛ لأنه في حكم المنفصل، ولا ينقض مس عضو مقطوع لزوال حرمته، ولا مس أمرد ولو بشهوة، لعدم تناول الآية له، ولأنه ليس محلاً للشهوة شرعاً. ولا ينقض مس خنثى مشكل من رجل أو امرأة ولو بشهوة، ولا ينقض مس الرجل الرجل، ولا المرأة المرأة، ولو بشهوة فيهن.\rالسادس ـ غسل الميت أو بعضه، ولو في قميص، ولا ينقض تيمم الميت لتعذر غسل. وغاسل الميت: من يقلبه ويباشره ولو مرة، لا من يصب الماء ونحوه.\rالسابع ـ أكل لحم الجزور نيئاً وغير نيء.\rالثامن ـ موجبات الغسل كالتقاء الختانين وانتقال المني وإسلام الكافر الأصلي أو المرتد. c","part":1,"page":387},{"id":389,"text":"المطلب الثامن ـ وضوء المعذور:\rينتقض الوضوء بالخارج من أحد السبيلين إذا كان خروجه في حال الصحة، فإن كان في حال المرض كان معذوراً.\rوالمعذور كما عرفه الحنفية: من به سلس بول لايمكنه إمساكه، أو استطلاق بطن، أو انفلات ريح أو رعاف دائم أو نزف دم جرح، أو استحاضة (1) ،وكذا كل ما يخرج بوجع ولو من أذن وثدي وسرة، من دم أو قيح أو صديد، أو ماء الجرح والنفطة، وماء البثرة، والثدي والعين والأذن (2) .\rوأحكام وضوء المعذور وصلاته تحتاج لتفصيل بين المذاهب.\r1 - مذهب الحنفية (3) :\rضابط المعذور: هو ـ في ابتداء الأمر ـ من يستوعب عذره تمام وقت صلاة مفروضة، بأن لا يجد في جميع وقتها زمناً يتوضأ، ويصلي فيه خالياً عن الحدث، كأن يستمر تقاطر بوله مثلاً من ابتداء الظهر إلى العصر. فإن أصبح متصفاً بهذه الصفة، كفى وجوده في جزء من الوقت ولو مرة، كأن يرى الدم مرة فقط في وقت العصر، بعد استمراره في وقت الظهر، ولا يصبح معافى إلا إذا انقطع عنه وقت صلاة كامل، أي أن شرط ثبوت العذر في مبدأ الأمر: هو استيعابه جميع الوقت.\rوشرط دوامه: وجوده في كل وقت بعد ذلك، ولو مرة واحدة، ليعلم بها بقاؤه. وشرط انقطاعه وعدم اتصافه بوصف المعذور: خلو وقت صلاة كامل عنه، كأن ينقطع طوال وقت العصر مثلاً.\r-------------------------------\r(1) هو دم علة يخرج من أدنى الرحم، بخلاف الحيض فإنه يخرج من أقصى الرحم، وهو الدم الذي يستمر في غير وقت العادة الشهرية، أي الناقص عن أقل الحيض، والزائد عن أكثره، أو عن أكثر النفاس، أو ما تراه صغيرة دون تسع على المعتمد، وآيسة على ظاهر المذهب الحنفي، وما تراه حامل ولو قبل خروج أكثر الولد (الدر المختار:262/1-263).\r(2) الدر المختار: 280/1 وما بعدها.\r(3) الدر المختار: 139/1، 281-283، فتح القدير: 124/1-128، مراقي الفلاح: ص25، تبيين الحقائق: 64/1.","part":1,"page":388},{"id":390,"text":"وحكمه: أنه يتوضأ لوقت كل فرض، لا لكل فرض ونفل، لقوله صلّى الله عليه وسلم : «المستحاضة تتوضأ لوقت كل صلاة» (1) ويقاس عليها سائر ذوي الأعذار. ويصلي بهذا الوضوء ما شاء من الفرائض والنوافل، ويبقى وضوءه ما دام باقياً بشرطين: أن يتوضأ لعذره، ولم يطرأ عليه حدث آخر كخروج ريح أو سيلان دم من موضع آخر.\rويبطل وضوء المعذور بخروج وقت الصلاة المفروضة فقط، فإن توضأ بعد طلوع الشمس لصلاة العيد، ودخل وقت الظهر، فإن وضوءه لا ينتقض، لأن دخول وقت الظهر ليس ناقضاً، وكذا خروج وقت العيد ليس ناقضاً، لأنه ليس وقت صلاة مفروضة، بل هو وقت مهمل، وصلاة العيد بمننرلة صلاة الضحى، وهذا يعني أنه يصح في هذه الحالة فقط وضوء المعذور قبل دخول الوقت (وقت الظهر) ليتمكن من الأداء عند دخول الوقت، وأنه يبطل وضوء المعذور بخروج الوقت لا بدخوله (2) . فإذا خرج الوقت بطل وضوء المعذور واستأنف الوضوء لصلاة أخرى عند أئمة الحنفية الثلاثة، وقال زفر: استأنف إذا دخل الوقت.\rأما إن توضأ قبل طلوع الشمس، فإنه ينتقض بطلوعها لخروج وقت الفريضة. وكذلك ينتقض وضوءه إن توضأ بعد صلاة الظهر ثم دخل وقت العصر، لخروج وقت الظهر.\r-------------------------------\r(1) رواه سبط ابن الجوزي عن أبي حنيفة رحمه الله تعالى،لكن قال عنه الزيلعي: غريب جداً (نصب الراية: 204/1).\r(2) قال أبو حنيفة ومحمد: يبطل وضوء المعذور بخروج الوقت فقط، لأن الوقت مخصص للأداء شرعاً، فلا بد من تقديم الطهارة عليه ليتمكن من الأداء عند دخول الوقت، كما لابد من تقديم الطهارة على الأداء حقيقة، ولأن دخول الوقت دليل ثبوت الحاجة إلى الطهارة، وخروجه دليل زوال الحاجة، فينتقض الوضوء عند زوال الحاجة وهو خروج الوقت، لا عند دخول الوقت. وقال أبو يوسف: يبطل الوضوء بكل واحد منهما أي عند دخول الوقت وعند خروجه،لأن الحاجة إلى الطهارة مقصورة على الوقت فلا تعتبر قبله ولا بعده. وقال زفر بعكس الطرفين: يبطل الوضوء بدخول الوقت فقط لا بخروجه، لأنه لا حاجة للطهارة قبل الوقت، فلا تعتبر. وتظهر فائدة الاختلاف في أمرين فقط: فيمن توضأ قبل الزوال، أو قبل طلوع الشمس، فلا ينتقض الوضوء في الحالة الأولى عند أبي حنيفة ومحمد حتى يذهب وقت الظهر. وينتقض في الحالة الثانية بخروج الوقت (طلوع الشمس). وعند أبي يوسف: ينتقض الوضوء في الحالتين. وعند زفر: لا ينتقض في الحالة الثانية لعدم دخول وقت صلاة الظهر. وينتقض في الحالة الأولى. فأبو يوسف وزفر: يوجبان الطهارة بدخول الوقت، لأنه وقت الحاجة، وهذا موافق لقول الشافعية والحنابلة الآتي بيانه. واتفق أئمة الحنفية الأربعة على أن طهارة المستحاضة ونحوها تنتقض بخروج الوقت.","part":1,"page":389},{"id":391,"text":"وعلى المعذور أن يخفف عذره بالقدر المستطاع، كالحِفَاظ للمستحاضة، والقعود في أثناء الصلاة إن كانت الحركة أو القيام تؤدي إلى السيلان. ويستحب للرجل أن يحتشي إن رابه الشيطان، ويجب إن كان لا ينقطع إلا به.\rولا يجب على المعذور غسل ما يصيب ثوبه أكثر من قدر الدرهم إذا اعتقد أنه لو غسله تنجس بالسيلان قبل الفراغ من الصلاة. فإن لم يتنجس قبل فراغه من الصلاة، وجب عليه غسله، وهو المختار للفتوى.\r2 - مذهب المالكية (1) :\rالسلس: هو ما يسيل بنفسه لانحراف الطبيعة بولاً أو ريحاً أو غائطاً أو مذياً، ومنه دم الاستحاضة. وذلك إذا لم ينضبط، ولم يقدر على التداوي. فإن انضبط بأن جرت عادته أن ينقطع آخر الوقت، وجب عليه تأخير الصلاة لآخره، وإن كان ينقطع أول الوقت وجب عليه تقديم الصلاة. وإن قدر على التداوي أو التزوج وجب عليه ذلك، واغتفر له زمن التداوي والتزوج.\rفلا يكون السلس من طول العزوبة، وإنما من اختلال المزاج، أو من برودة وعلة.\r-------------------------------\r(1) الشرح الصغير: 139/1 وما بعدها، الشرح الكبير: 116/1 وما بعدها، القوانين الفقهية: ص14.","part":1,"page":390},{"id":392,"text":"ولا ينتقض الوضوء عند المالكية إن خرج البول والمذي على وجه السلس الملازم: وهو أن يلازمه نصف زمن أوقات الصلاة أو أكثر، أو كل الزمن. لكن يندب الوضوء إذا لم يعم الزمن.\rوينتقض وضوء السلس: إذا بال البول المعتاد، أو أمذى بلذة معتادة بأن حدث كلما نظر أو تفكر. ويعرف ذلك: بأن البول المعتاد يكثر ويمكن إمساكه، وأن المذي يكون بشهوة.\rكما ينتقض وضوء السلس: إن لازمه أقل الزمان.\rوإذا لم ينتقض وضوء السلس، فله أن يصلي به ما شاء إلى أن يوجد ناقض غيره، لكن يستحب للسلس والمستحاضة: أن يتوضأ لكل صلاة، ولا يجب عليهما.\r3 - مذهب الحنابلة (1) :\rلا ينتقض وضوء المبتلى صاحب الحدث الدائم بسلس بول وكثرة مذي ونزف الدم وانفلات ريح ونحوها كالمستحاضة. وذلك إذا دام حدثه، ولم ينقطع زمناً من وقت الصلاة بحيث يسعها مع الطهارة. فإن انقطع حدثه زمناً يسع الصلاة والطهارة، وجب عليه أداء الصلاة فيه.\r-------------------------------\r(1) كشاف القناع: 138/1،247 وما بعدها، المغني: 340/1-342.","part":1,"page":391},{"id":393,"text":"لكن عليه الوضوء إن خرج منه شيء من حدثه الدائم لكل صلاة، بعد غسل محل الحدث، وشدِّه، والتحرز من خروج الحدث بما يمكنه، ولا يصح وضوءه إلا بعد دخول وقت الصلاة ؛ لقول النبي صلّى الله عليه وسلم لفاطمة بنت أبي حبيش: «توضئي لكل صلاة، حتى يجيء ذلك الوقت» (1) وفي لفظ: «توضئي لوقت كل صلاة» (2) ولأنها طهارة عذر وضرورة، فتقيدت بالوقت كالتيمم، فإن توضأ قبل دخول الوقت وخرج منه شيء بطلت طهارته.\rويجوز للمستحاضة وغيرها الجمع بين فرضي الصلاتين بوضوء واحد؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلم «أمر حَمْنة بنت جحش بالجمع بين الصلاتين بغسل واحد» (3) وأمر به سهلة بنت سهيل، ولبقاء وضوئها إلى آخر الوقت، وكالمتيمم وأولى. ولو زال العذر كأن انقطع دم المستحاضة وقتاً يسع الوضوء والصلاة، بطلت الطهارة ويلزم استئنافها؛ لأنه صار بهذا الانقطاع في حكم من حدثه غير دائم.\rوكيفية إعداد المعذور للوضوء : هي أن تغسل المستحاضة المحل ثم تحشوه بقطن أو نحوه ليرد الدم. ومن به سلس البول أو كثرة المذي: يعصب رأس ذكره بخرقة ويحترس حسبما يمكنه.\rوكذلك يفعل من به ريح أو نزف دم يعصب المحل. فإن كان مما لا يمكن عصبه مثل من به جرح لا يمكن شده، أو باسور، أو ناسور لايتمكن من عصبه، صلى على حسب حاله، كما روي عن عمر رضي الله عنه «أنه حين طعن، صلى وجرحه يثْعَب دماً» أي يتفجر.\rوينوي المعذور استباحة الصلاة، ولا يكفيه نية رفع الحدث لأنه دائم الحدث.\r4 - مذهب الشافعية (1) :\rصاحب السلَس الدائم من بول أو مذي أو غائط أو ريح، والمستحاضة، يغسل الفرج ثم يحشوه إلا إذا كان صائماً، أو تأذت المستحاضة به، فأحرقها الدم فلا يلزم الحشو حينئذ، ثم يعصِب. وكيفية العصب للمستحاضة مثلاً: أن تشد فرجها بعد غسله بخرقة مشقوقة الطرفين، تخرج أحدهما من أمامها، والآخر من خلفها، وتربطهما بخرقة تشدها على وسطها كالتكة.\rثم يتوضأ أو يتيمم عقب ذلك فوراً، أي أنه تجب الموالاة بين الأفعال من عصب ووضوء، يفعل كل ذلك فوراً، أي أنه تجب الموالاة بين الأفعال من عصب ووضوء، يفعل كل ذلك بعد دخول وقت الصلاة، لأنه طهارة ضرورة، فلا تصح قبل الوقت كالتيمم.\rثم يبادر وجوباً إلى الصلاة تقليلاً للحدث، فلو أخر لمصلحة الصلاة كستر العورة، وأذان وإقامة، وانتظار جماعة، واجتهاد في قبلةوذهاب إلى مسجد، وتحصيل سترة، لم يضر، لأنه لا يعد بذلك مقصراً، وإلا كأن أخر لا لمصلحة الصلاة كأكل وشرب وغزل وحديث، فيضر التأخير على الصحيح، فيبطل الوضوء، وتجب إعادته وإعادة الاحتياط لتكرر الحدث والنجس مع إمكان الاستغناء عنه.\r-------------------------------\r(1) رواه أحمد وأبو داود والترمذي وصححه وابن ماجه (نيل الأوطار: 275/1).\r(2) قال الترمذي: حديث حسن صحيح.\r(3) صححه الترمذي.\r(4) مغني المحتاج: 1/111 وما بعدها، الحضرمية: ص 28.","part":1,"page":392},{"id":394,"text":"وتجب الطهارة وتجديد العصابة في الأصح، والوضوء لكل فرض ولو منذوراً، كالمتيمم لبقاء الحدث، ويصلي به ما شاء من النوافل فقط، وصلاة الجنازة لها حكم النافلة،لقول النبي صلّى الله عليه وسلم لفاطمة بنت أبي حبيش: «توضئي لكل صلاة» ولو زال العذر وقتاً يسع الوضوء والصلاة، كانقطاع الدم مثلاً، وجب الوضوء، وإزالة ما على الفرج من الدم ونحوه.\rوسلس المني: يلزمه الغسل لكل فرض.\rولو استمسك الحدث بالجلوس في الصلاة، وجب بلا إعادة.\rولا يجوز للسلس: أن يعلق قارورة يقطر فيها بوله.\rوينوي المعذور استباحة الصلاة، لا رفع الحدث لأنه دائم الحدث، لا يرفعه وضوءه، وإنما يبيح له العبادة، كما قال الحنابلة.\rوبه يتبين أن مذهبي الشافعية والحنابلة متفقان في أحكام وضوء المعذور، إلا أن الحنابلة ومثلهم الحنفية قالوا : يجوز بالوضوء الواحد صلاة أكثر من فرض في الوقت؛ لأن الواجب عندهم الوضوء لوقت كل صلاة. ولم يجز الشافعية الصلاة به إلا فرضاً واحداً؛ لأن الواجب عندهم تجديد الوضوء لكل فرض.\rواتفق الجمهور (غير المالكية) على وجوب تجديد وضوء المعذور، وقال المالكية باستحباب الوضوء فقط. والوضوء يكون بعد دخول الوقت عند الشافعية والحنابلة، وفي غير صلاة الظهر عند الحنفية، أما صلاة الظهر فيجوز تقديم الوضوء لها على دخول الوقت، لسبقها بوقت مُهْمل.\rالمطلب التاسع ـ ما يحرم بالحدث الأصغر أو ما يمنع منه غير المتوضئ:\rيحرم بالحدث الأصغر ثلاثة أمور: الصلاة ونحوها، والطواف، ومس المصحف وتوابعه، على تفصيل بين المذاهب (1) .\r1 - الصلاة ونحوها: يحرم على المحدث غير المتوضئ الصلاة فرضاً أو\r-------------------------------\r(1) البدائع: 33/1 وما بعدها، الدر المختار: 160/1-165، الشرح الصغير: 149/1 وما بعدها، المجموع:71/2-79، المهذب: 25/1، الحضرمية: ص16، حاشية الباجوري: 121/1 وما بعدها، المغني: 142/1، 147، كشاف القناع: 152/1-157.","part":1,"page":393},{"id":395,"text":"نفلاً، ونحوها، كسجود التلاوة، وسجود الشكر، وخطبة الجمعة، وصلاة الجنازة. لقوله صلّى الله عليه وسلم : «لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ» (1) «لا صلاة لمن لا وضوء له...» (2) .\r2 - الطواف بالبيت الحرام فرضاً أو نفلاً؛ لأنه صلاة، لقوله صلّى الله عليه وسلم : «الطواف بالبيت صلاة، ولكن الله أحل فيه المنطق، فمن نطق فلا ينطق إلا بخير» (3) .\rإلا أن الحنفية جعلوا الطهارة للطواف واجباً لا شرطاً في صحته، فيصح مع الكراهة التحريمية الطواف محدثاً؛ لأن الطواف بالبيت شبيه بالصلاة بنص الحديث السابق، ومعلوم أنه ليس بصلاة حقيقة، فلكونه طوافاً حقيقة يحكم بالجواز، ولكونه شبيهاً بالصلاة يحكم بالكراهة.\r3 - مس المصحف كله أو بعضه ولو آية: والمحرم هو لمس الآية ولو بغير أعضاء الطهارة لقوله تعالى: {لا يمسه إلا المطهرون} [الواقعة:79/56]، أي المتطهرون، وهو خبر بمعنى النهي، ولقوله صلّى الله عليه وسلم : «لا يمس القرآن إلا طاهر» (4) ، ولأن تعظيم القرآن واجب، وليس من التعظيم مس المصحف بيد حلَّها الحدث.\r-------------------------------\r(1) رواه الشيخان وأبو داود والترمذي عن أبي هريرة.\r(2) رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه عن أبي هريرة (نيل الأوطار: 134/1).\r(3) رواه الطبراني وأبو نعيم في الحلية والحاكم والبيهقي في السنن عن ابن عباس، وهو حديث حسن. ورواه أحمد والنسائي والترمذي والحاكم والدارقطني من حديث ابن عباس، وصححه ابن السكن وابن خزيمة وابن حبان مرفوعاً وموقوفاً بلفظ: «إنما الطواف بالبيت صلاة، فإذا طُفتم فأقلوا الكلام» (نيل الأوطار: 207/1).\r(4) روي من حديث عمرو بن حزم عند الأثرم وأبي داود والنسائي، وعن ابن عمر عند الدارقطني والطبراني والبيهقي، وعن عثمان بن أبي العاص عند الطبراني، وعن ثوبان إلا أن الأخير في غاية الضعف عنه، والأحاديث الأخرى ضعيفة، ورواه مالك مرسلاً عن عمرو ابن حزم (نيل الأوطار: 205/1، نصب الراية: 196/1).","part":1,"page":394},{"id":396,"text":"واتفق الفقهاء على أن غير المتوضئ يجوز له تلاوة القرآن أو النظر إليه دون لمسه، كما أجازوا للصبي لمس القرآن للتعلم؛ لأنه غير مكلف، والأفضل التوضؤ.\rوقد حرم المالكية والشافعية مس القرآن بالحدث الأصغر ولو بحائل أو عود، وأجاز الحنفية والحنابلة مسّه بحائل أو عود طاهرين.\rوهذه عبارات الفقهاء:\rقال الحنفية: يحرم مس المصحف كله أو بعضه أي مس المكتوب منه، ولو آية على نقود (درهم ونحوه) أو جدار، كما يحرم مس غلاف المصحف المتصل به، لأنه تبع له، فكان مسه مساً للقرآن، ولا يحرم مس الغلاف المنفصل عن القرآن كالكيس والصندوق، ويجوز مسه بنحو عود أو قلم أو غلاف منفصل عنه، ويكره لمسه بالكم تحريماً لتبعيته للابس، والحائل كالخريطة في الصحيح، والمقصود بالخريطة: هو الوعاء من جلد أو غيره تُشرَج على ما فيها.\rولا يجوز لغير المسلم مس المصحف ويجوز له تعلمه وتعلم الفقه ونحوه، ويجوز للصبي مس القرآن أو لوح منه للضرورة من أجل التعلم والحفظ. ولا تحرم كتابة آية على ورقة، لأن المحرم هو مس المكتوب باليد، أما القلم فهو واسطة منفصلة، كالثوب المنفصل الذي يمس به القرآن؛ لأن المفتى به جواز مس المصحف بغلاف منفصل أو بصُرة.\rولا يكره مس كتب التفسير إن كان التفسير أكثر، ويكره المس إن كان القرآن أكثر من التفسير أو مساوياً له.\rولا مانع من مس بقية الكتب الشرعية من فقه وحديث وتوحيد بغير وضوء، والمستحب له ألا يفعل. كما لا مانع من لمس الكتب السماوية الأخرى المبدلة، لكن يكره قراءة توراة وإنجيل وزبور؛ لأن الكل كلام الله، وما بدل منها غير معين.","part":1,"page":395},{"id":397,"text":"ويجوز قربان المرأة في بيت فيه مصحف مستور، ويكره وضع المصحف تحت رأسه إلا للحفظ. ويكره لف شيء في ورق فيه فقه ونحوه من علوم الشرع. ويدفن المصحف كالمسلم إذا صار بحال لا يقرأ فيه، ولا بأس أن تدفن كتب الشرع، أوتلقى في ماء جارٍ، أو تحرق، والأول أحسن. ويجوز محو بعض الكتابة ولو قرآناً بالريق، ويجوز حمل الحجب المشتملة على آيات قرآنية ودخول الخلاء بها ومسها ولو للجنب إذا كانت محفوظة بغلاف منفصل عنها كالمشمع ونحوه.\rوقال المالكية: يمنع المحدث حدثاً أصغر من مس مصحف أو جزئه، أو كَتْبِه، أو حمله ولو بعلاقة أو ثوب أو وسادة، أو كرسي تحته، ولو كان المس بحائل أو عود، أو كان الحمل مع أمتعة أخرى غير مقصودة بالحمل. أما إن قصد حمل الأمتعة وفيها قرآن تابع لها كصندوق ونحوه، فيجوز الحمل، أي إن قصد المصحف فقط أو قصده مع الأمتعة حرم الحمل، وإن قصد الأمتعة بالحمل جاز.\rويجوز المس والحمل لمعلم ومتعلم بالغ، وإن كان حائضاً أو نفساء، لعدم قدرتهما على إزالة المانع، ولايجوز ذلك للجنب لقدرته على إزالة المانع بالغسل أو التيمم.\rكما يجوز للمسلم لا للكافر المس والحمل بحِرْز ساتر واقٍ، ولو لجنب أو حائض، ولو مصحفاً كاملاً. ويباح مس التفسير وحمله والمطالعة فيه للمحدث ولو كان جنباً، لأن المقصود من التفسيرمعاني القرآن، لا تلاوته.\rوقال الشافعية: يحرم حمل المصحف ومس ورقه وحواشيه، وجلده، المتصل به (لا المنفصل عنه)، ووعائه (خريطته) (1) وعلاقته، وصندوقه، وما كتب من الألواح لدارس قرآن، ولو بخرقة، أو بحائل.ويحل حمل القرآن في أمتعة لا بقصده، وحمل التفسير الأكثر منه، أما إذا كانا متساويين أو كان القرآن أكثر فلا يجوز، ويجوز حمل كتب العلم الأخرى غير التفسير المشتملة على آيات قرآنية.\r-------------------------------\r(1) يعبر الفقهاء عادة عن كيس المصحف المعدّ له عرفاً اللائق به بالخريطة.","part":1,"page":396},{"id":398,"text":"ويباح قلب ورقه بعود.ولا يمنع الصبي المميز من حمله ومسه للدراسة.\rويجوز حمل التمائم، وما على النقد، وما على الثياب المطرزة بالآيات القرآنية ككسوة الكعبة لأنه لم يقصد به القرآن.\rويجوز للمحدث كتابة القرآن بدون مس.\rويحرم وضع شيء على المصحف كخبز وملح؛ لأن فيه إزراء وامتهاناً له. ويحرم تصغير المصحف والسورة لما فيه من ايهام النقص، وإن قصد به التعظيم.\rوقال الحنابلة: يحرم مس المصحف ولو آية منه، بشيء من جسده، ويجوز مسه بحائل أو عود طاهرين، وحمله بعلاقة أو وعاء، ولو كان المصحف مقصوداً بالحمل، وكتابته ولو لذمي من غير مس، وحمله بحرز ساتر طاهر.\rولا يجوز لولي الصبي تمكينه من مس المصحف أو لوح الدرس القرآني ولو للحفظ أو التعلم، ما دام الصبي محدثاً،أي أن حرمة مس القرآن إلا بطهارة تشمل عندهم الصبي.\rويجوز مس كتب التفسير والفقه وغيرها وإن كان فيها آيات من القرآن، بدليل «أن النبي صلّى الله عليه وسلم كتب إلى قيصر كتاباً فيه آية» (1) . يجوز في أرجح الوجهين: مس الدراهم المكتوب عليها القرآن، والثوب المرقوم بالقرآن، لأنها لا تسمى قرآناً، ولأن في الاحتراز منها مشقة، فأشبهت ألواح الصبيان على أحد الوجهين.\rوإن احتاج المحدث إلى مس المصحف عند عدم الماء، تيمم وجاز مسه.\rويمنع الكافر (الذمي أو غيره) من مس القرآن ومن قراءته ومن تملكه ويمنع المسلم من تمليكه له، ويحرم بيع المصحف ولو لمسلم، ويحرم توسد المصحف والوزن به والاتكاء عليه أو على كتب العلم التي فيها القرآن. فإن لم يكن فيها القرآن، كره توسدها والوزن بها والاتكاء عليها، إلا إن خاف عليها سرقة، فلا بأس أن يتوسدها للحاجة.\r-------------------------------\r(1) متفق عليه من حديث ابن عباس.","part":1,"page":397},{"id":399,"text":"ولا يجوز المسافرة بالمصحف إلى دار الحرب، لما روى ابن عمر قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم : «لا تسافروا بالقرآن إلى أرض العدو، مخافة أن تناله أيديهم» (1) .\rوالخلاصة: أنه وقع الإجماع ما عدا داود أنه لا يجوز للمحدث حدثاً أكبر أن يمس المصحف. وأما المحدث حدثاً أصغر فلم تدل الأدلة قطعاً على منعه من مس القرآن، لكن أكثر الفقهاء على أنه لا يجوز له. وأجاز ابن عباس والزيدية له مس المصحف (2) .والظاهر أن المراد من آية {لا يمسه إلا المطهرون} [الواقعة:79/56] هو اللوح المحفوظ، والمطهرون: الملائكة، فإن لم يكن ظاهراً فهو احتمال، كاحتمال أن المراد من كلمة ( طاهر ) في الحديث «لا يمس القرآن إلا طاهر» : هو المؤمن، والطاهر من الحدث الأكبر والأصغر، ومن ليس على بدنه نجاسة.\rويجوز للمحدث عند الجمهور غير المالكية كتابة المصحف أو بعض آيات منه، وإن لم يكن بقصد التعليم والتعلم، بشرط ألا يحمله الكاتب المحدث أو يمسه أثناء كتابته، وإلا حرم.\rوحرَّم المالكية على المعتمد كتابةالقرآن أو بعض منه للمحدث كحمله ومسَّه.\rويجوز عند الجمهور غير الحنابلة للصبيان كتابة القرآن ومسّه بقصد التعليم والتعلم للضرورة أو الحاجة ودفعاً للمشقة.\rوأجاز المالكية للحائض والنفساء قراءة القرآن وحمله ومسّه أثناء التعليم والتعلم للضرورة، كما أجازوا لهما القراءة في غير حال التعلم إذا كان يسيراً كآية الكرسي والإخلاص والمعوذتين وآيات الرُّقية للتداوي بقصد الاستشفاء بالقرآن.\r-------------------------------\r(1) رواه مسلم بلفظ: «لا تسافروا بالقرآن، فإني لا آمن أن يناله العدو» ولعل هذا في بادئ الأمر، واليوم يتداول العالم القرآن بسبب انتشار الطباعة.\r(2) راجع نيل الأوطار: 205/1-207.","part":1,"page":398},{"id":400,"text":"المبحث الثاني ـ السواك:\rتعريفه، حكمه، كيفيته، فوائده.\rأولاً ـ تعريف السواك:\rالسواك لغة: الدلك وآلته. وشرعاً: استعمال عود أو نحوه كأشنان وصابون، في الأسنان وما حولها، ليذهب الصفرة وغيرها عنها.\rثانياً ـ حكمه:\rالسواك من سنن الفطرة (أي من السُّنَّة أو من الدين)، لأنه سبب لتطهير الفم وموجب لرضا الله على فاعله، قال عليه السلام: «السواك مَطْهرة للفم، مَرْضاة للرب» (1) وهو يدل على مطلق شرعيته دون تخصيص بوقت معين، ولا بحالة مخصوصة، فهو مسنون في كل وقت. وهو من السنن المؤكدة، وليس بواجب في حال من الأحوال، لقوله صلّى الله عليه وسلم : «لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة» وفي رواية لأحمد: «لأمرتهم بالسواك مع كل وضوء» (2) وللبخاري تعليقاً بصيغة الجزم - وتعليقاته هكذا صحيحة -: «لأمرتهم بالسواك عند كل وضوء» قال بعض الفقهاء: اتفق العلماء على أنه سنة مؤكدة لحث الشارع ومواظبته عليه، وترغيبه وندبه إليه.\rوحكمه عند الفقهاء: أنه سنة عند الحنفية لكل وضوء عند المضمضة، ومن فضائل الوضوء قبل المضمضة عند المالكية، لقوله صلّى الله عليه وسلم : «لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل وضوء» (3 إلاأنه إذا نسيه عند المضمضة في الوضوء فيندب للصلاة. وهو لدى الشافعية والحنابلة سنة مستحبة عند كل صلاة، لحديث أبي هريرة السابق برواية الجماعة: «لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة» وسنة أيضاً عند الوضوء بعد غسل الكفين وقبل المضمضة ولتغير الفم أو الأسنان، بنوم أو أكل أو جوع أو سكوت طويل أو كلام كثير، لحديث حذيفة: «كان رسول الله صلّى الله عليه وسلم إذا قام من الليل يشوص فاه بالسواك» (4) أي يدلكه بالسواك، وقيس بالنوم غيره بجامع التغير.\rوكما أنه يتأكد للصلاة ولتغير الفم واصفرار الأسنان، يتأكد أيضاً لقراءة قرآن، أو حديث شرعي، ولعلم شرعي، ولذكر الله تعالى، ولنوم ويقظة، ولدخول منزله، وعند الاحتضار (5) ، وفي السحَر، وللأكل، وبعد الوتر،\r-------------------------------\r(1) رواه عن عائشة أحمد والنسائي، وهو للبخاري تعليق، وابن حبان موصولاً (نيل الأوطار: 102/1).\r(2) رواه الجماعة، ويروى نحوه عن جابر وزيد بن خالد، قال ابن منده: مجمع على صحته. ورواه مالك والشافعي مرفوعاً (المرجع السابق: 104/1).\r(3) رواه البخاري تعليقاً، والنسائي، وابن خزيمة في صحيحه، وصححه الحاكم عن أبي هريرة، ورواه الطبراني في الأوسط عن علي بن أبي طالب بإسناد حسن.\r(4) رواه الجماعة إلا الترمذي عن حذيفة، ولفظ الصحيحين: «كان النبي صلّى الله عليه وسلم إذا قام من النوم يشوص فاه بالسواك» (نيل الأوطار: 105/1).\r(5) ويقال: إنه يسهل خروج الروح، وورد «إن السواك شفاء من كل داء إلا السام» أي الموت (الشرح الصغير: 126/1).","part":1,"page":399},{"id":401,"text":"وللصائم قبل الظهر (1) . وأضاف الشافعية: ويسن التخلل قبل السواك وبعده ومن آثار الطعام.\rوأدلة ذلك: ما روى الجماعة إلا البخاري والترمذي عن عائشة: «كان النبي صلّى الله عليه وسلم إذا دخل بيته بدأ بالسواك» وروى ابن ماجه عن أبي أمامة: «إني لأستاك، حتى لقد خشيت أن أُحفي مقادم فمي» (2) وعن عائشة: «كان رسول الله صلّى الله عليه وسلم لا يرقد من ليل أو نهار، فيستيقظ، إلا تسوك، قبل أن يتوضأ» (3) ، ولأن النوم والأكل ونحوهما يغير رائحة الفم، والسواك مشروع لإزالة رائحته وتطييبه.\rويكره عند الشافعية والحنابلة السواك للصائم بعد الزوال أي من وقت صلاة الظهر إلى أن تغرب الشمس، لخبر الصحيحين: «لخُلوف (4) فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك» وأطيبية الخلوف تدل على طلب إبقائه، فكرهت إزالته، وتزول الكراهة بالغروب؛ لأنه ليس بصائم الآن، واختصاصه بما بعد الزوال لأن تغير الفم بالصوم إنما يظهر حينئذ.\rولا يكره عند المالكية والحنفية السواك للصائم مطلقاً لعموم الأحاديث السابقة الدالة على استحباب السواك، وقول النبي صلّى الله عليه وسلم : «من خير خصال الصائم السواك» (5) وقال ربيعة بن عامر: «رأيت رسول الله صلّى الله عليه وسلم ما لا أحصي يتسوك،\r-------------------------------\r(1) فتح القدير: 15/1 ومابعدها، اللباب: 14/1، الشرح الصغير: 124/1-126، المجموع: 329/1-342، الشرح الكبير: 102/1 وما بعدها، مغني المحتاج: 55/1 وما بعدها، المهذب: 13/1، المغني: 95/1-97، كشاف القناع: 78/1-81.\r(2) أي خشيت أن ترق ثناياي.\r(3) رواه أحمد وأبو داود.\r(4) الخلوف: تغير رائحة الفم، والخلوف بعد الزوال لخبر: «أعطيت أمتي في شهر رمضان خمساً، ثم قال: وأما الثانية فإنهم يمسون وخلوف أفواههم أطيب عند الله من ريح المسك» والمساء: بعد الزوال.\r(5) رواه ابن ماجه عن عائشة.","part":1,"page":400},{"id":402,"text":"وهو صائم» (1) قال الشوكاني: الحق أنه يستحب السواك للصائم أول النهار وآخره، وهو مذهب جمهور الأئمة.\rثالثاً ـ كيفيته وأداته:\rيستاك الشخص بيده اليمنى مبتدئاً بالجانب الأيمن، عرضاً في الأسنان (أي ظاهراً وباطناً) من ثناياه إلى أضراسه، ويذهب إلى الوسط ثم الأيسر، وطولاً في اللسان، لحديث عائشة أن النبي صلّى الله عليه وسلم «كان يحب التيامن في تنعله وترجله وطُهوره، وفي شأنه كله» (2) ولخبر «إذا استكتم فاستاكوا عرضاً» (3) ،ويجزئ الاستياك في الأسنان طولاً، لكن مع الكراهة؛ لأنه قد يدمي اللثة، ويفسد لحم الأسنان.\rأما اللسان فيسن أن يستاك فيه طولاً، كما ذكره ابن دقيق العيد مستدلاً بخبر في سنن أبي داود (4) .\rوقال الحنابلة: يبدأ من أضراس الجانب الأيمن بيساره.ويحصل الاستياك بعود ليِّن من نخل أو غيره، ينقي الفم، ولا يجرحه ولا يضره ولا يتفتت فيه كالأراك والفرشاة، والأفضل أن يكون من أراك، ثم من النخل، ثم ذو الريح الطيب ثم اليابس المندى بالماء، ثم العود. ولايكره بسواك الغير إذ ا أذن وإلا حرم، روى أبو داود عن عائشة قالت: «كان رسول الله صلّى الله عليه وسلم يستنُّ، وعنده رجلان،\r-------------------------------\r(1) رواه أحمد والترمذي وقال: هذا حديث حسن، ورواه أصحاب السنن وابن خزيمة وعلقه البخاري (نيل الأوطار: 107/1).\r(2) متفق عليه.\r(3) رواه أبو داود في مراسيله.\r(4) عن أبي بردة عن أبيه، قال: «أتينا رسول الله صلّى الله عليه وسلم نستحمله، فرأيته يستاك على لسانه» (سنن أبي داود: 12/1، الإلمام لابن دقيق العبد: ص 16).","part":1,"page":401},{"id":403,"text":"أحدهما أكبر من الآخر، فأُوحي إليه في فضل السواك (أن كبِّر) أعط السواك أكبرهما» .\rويحصل أيضاً بالإصبع عند عدم السواك في رأي الحنفية والمالكية، قال علي رضي الله عنه: التشويص بالمُسبِّحة والإبهام سواك، وروى البيهقي وغيره من حديث أنس يرفعه: «يجزي من السواك الأصابع» (1) وروى الطبراني عن عائشة رضي الله عنها، قلت : يا رسول الله، الرجل يذهب فوه، يستاك؟ قال: نعم، قلت: كيف يصنع؟ قال: يدخل أصبعه في فيه، فيدلكه» (2) .\rولا يحصل السواك بالإصبع في الأصح عند الشافعية، والحنابلة، كما لايحصل بخرقة عند الحنابلة، ويصح بكل خشن عند الشافعية؛ لأن استعمال الإصبع لا يسمى استياكاً، ولم يرد الشرع به، ولا يتحقق به الإنقاء الحاصل بالعود.\rويغسل السواك بالماء بعد استعماله ليزيل ما عليه، قالت عائشة: «كان نبي الله صلّى الله عليه وسلم يستاك، فيعطيني السواك لأغسله، فأبدأ به فأستاك، ثم أغسله وأدفعه إليه» (3) .\rولا يستاك بعود الرمان ولا الآس ولا الريحان ولا الأعواد الذكية الرائحة؛ لأنها تضر بلحم الفم، ولايحصل الإنقاء بها، ولم يرد بها الشرع، قال النبي صلّى الله عليه وسلم : «\r-------------------------------\r(1) تكلم فيه المحدثون، ورواه أيضاً ابن عدي والدارقطني (نيل الأوطار:106/1، نصب الراية:10/1).\r(2) فيه راو ضعيف (مجمع الزوائد:100/2) وروى أحمد عن علي أنه دعا بكوز من ماء، فغسل وجهه وكفيه ثلاثاً، وتمضمض ثلاثاً، فأدخل بعض أصابعه في فيه..» وفيه دلالة على أنه يجزئ التسوك بالإصبع (نيل الأوطار:106/1).\r(3) رواه أبو داود (سنن أبي داود (سنن أبي داود:13/1). لا تخللوا بعود الريحان، ولا الرمان، فإنهما يحركان عرق الجذام» (1) .","part":1,"page":402},{"id":404,"text":"ولا يستاك أيضاً بقصب الشعير ولا بعود الحلفاء ونحوهما من كل ما يضر أو يجرح؛ ولأنهما يورثان الأكلة أو البرص.\rولا يتسوك ولا يتخلل بما يجهله، لئلا يتضرر منه.\rويقول إذا استاك: ( اللهم طهر قلبي، ومحِّص ذنوبي ) (2) .\rوقال بعض الشافعية: وينوي به الإتيان بالسنة.\rولا يكره السواك في المسجد، لعدم الدليل الخاص بالكراهة.\rويكره أن يزيد طول السواك على شبر، في البيهقي عن جابر قال: «كان موضع سواك رسول الله صلّى الله عليه وسلم موضع القلم من أذن الكاتب» .\rرابعاً ـ فوائد السواك:\rذكر العلماء من فوائد السواك: أنه يطهر الفم، ويرضي الرب، ويبيض الأسنان، ويطيب النكهة، ويسوِّي الظهر، ويشد اللثة، ويبطئ الشيب، ويصفي الخلقة، ويذكي الفطنة، ويضاعف الأجر، ويسهل النزع، ويذكّر الشهادة عند الموت (3) . ونحو ذلك، مما يصل إلى بضع وثلاثين فضيلة، نظمها الحافظ ابن حجر (4) .\rويوصي الأطباء المعاصرون باستعمال السواك لمنع نخر الأسنان، والقَلَح (الطبقة الصفراء على الأسنان)، والتهابات اللثة والفم، ومنع الاختلاطات العصبية والعينية والتنفسية والهضمية، بل ومنع ضعف الذاكرة وبلادة الذهن، وشراسة الأخلاق.\rما يلحق بالسواك من سنن العادات الحسنة (سنن الفطرة):\rورد في السنة النبوية أحاديث تبين مجموعة حسنة من الآداب أو السنن الدينية المرتبطة بنظافة أجزاء الإنسان من أشعار وأظفار ونحوها، يحسن ذكرها كما وردت، ثم تشرح وتوضح على طريقة الفقهاء.\r-------------------------------\r(1) رواه محمد بن الحسين الأزدي الحافظ بإسناده عن قبيصة بن ذؤيب.\r(2) استحب بعضهم أن يقول في أول السواك: اللهم بيض به أسناني، وشدّ به لثاتي، وثبِّت به لهاتي، وبارك لي يا أرحم الراحمين. قال النووي: وهذا لا بأس به، وإن لم يكن له أصل، فإنه دعاء حسن (مغني المحتاج:56/1).\r(3) راجع مغني المحتاج:57/1.\r(4) انظر حاشية الصاوي على الشرح الصغير للدردير:125/1.","part":1,"page":403},{"id":405,"text":"ومن أهم هذه الأحاديث اثنان: الأول ذكر فيه خمس خصال من الفطرة، والثاني ذكر فيه عشر خصال:\rسنن الفطرة الخمس:\rعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم : خمس من الفطرة: الاستحداد، والختان، وقص الشارب، ونتف الإبط، وتقليم الأظفار» (1) .\rوالاستحداد: هو حلق العانة، وهو سنة بالاتفاق، ويكون بالحلق، والقص، والنتف، والنورة (الكلس). قال النووي: والأفضل الحلق. والمراد بالعانة: الشعر النابت حول فرج الرجل، أو فرج المرأة.\rوالخِتَان: قطع جميع الجلدة التي تغطي حشفة ذكر الرجل، حتي ينكشف جميع الحشفة. وفي المرأة قطع أدنى جزء من الجلدة التي في أعلى الفرج. ويسمى ختان الرجل إعذاراً، وختان المرأة: خفضاً، فالخفض للنساء كالختان للرجال.\r-------------------------------\r(1) رواه الجماعة (نيل الأوطار:108/1وما بعدها).","part":1,"page":404},{"id":406,"text":"ويستحب أن يكون في اليوم السابع من الولادة، والأظهر أنه يحسب يوم الولادة. وهو سنة للرجل، مكرمة للمرأة عند الحنفية والمالكية، لحديث: «الختان سنة في الرجال، مكرمة في النساء» (1) .\rوواجب عند الشافعية والحنابلة للذكر والأنثى، لقوله صلّى الله عليه وسلم لرجل أسلم: «ألق عنك شعر الكفر، واختتن» (2) ولخبر أبي هريرة أن النبي صلّى الله عليه وسلم قال: «من أسلم فليختتن» (3) وفي حديث آخر لأبي هريرة: «اختتن إبراهيم خليل الرحمن بعد ما أتت عليه ثمانون سنة، واختتن بالقَدُّوم» (4) أي آلة النجارة، ولأنه من شعار المسلمين، فكان واجباً كسائر شعاراتهم.\rوالدليل على أنه مكرمة لا واجب للنساء عند الحنابلة: حديث: «الختان سنة للرجال، ومكرمة للنساء» وحديث «أشمِّي ولا تنهكي» (5) وفي حديث أم عطية: «إذا خَفَضْتِ فأشِمِّي» .\rوقص الشارب: هو سنة بالاتفاق. والقاص مخير بين أن يتولى ذلك بنفسه، أو يوليه غيره، لحصول المقصود، بخلاف الإبط والعانة.\rوالمراد به عند الشافعية والمالكية: التقصير بأن يؤخذ من الشارب حتى يبدو أطراف الشفة، وهو معنى الحديث «احْفُوا الشوارب وأرْخوا اللحى، خالفوا المجوس» (6) أو «جزوا الشوارب» .\rويراد به عند الحنفية: الاستئصال، لظاهر الحديث السابق: «احفوا وانهَكُوا» .\rويخير عند الحنابلة بين القص والإحفاء، والحف أولى نصاً.\rأما إرخاء أو إعفاء اللحية: فهو تركها وعدم التعرض لها بتغيير، وقد حرم المالكية والحنابلة حلقها، ولا يكره أخذ ما زاد على القبضة، ولا أخذ ما تحت حلقه، لفعل ابن عمر (7) .\rويكره حلقها تحريماً عند الحنفية، ويكره تنزيهاً عند الشافعية، فقد ذكر النووي في شرح مسلم عشر خصال مكروهة في اللحية، منها حلقها، إلا إذا نبت للمرأة لحية، فيستحب لها حلقها.\rونتف الإبط: هو سنة بالاتفاق أيضاً.\rوتقليم الأظافر: هو سنة بالاتفاق أيضاً.\rويستحب في كل ما سبق البدء بالجانب الأيمن، لحديث التيامن المتقدم، وفيه: «كان يعجبه التيمن في تنعله وترجله وطهوره، وفي شأنه كله» .\r-------------------------------\r(1) رواه أحمد والبيهقي من حديث الحجاج بن أرطاة، وهو مدلس، وفيه اضطراب، وقال عنه البيهقي: هو ضعيف منقطع (نيل الأوطار:113/1) ورواه الخلال بإسناده عن شداد بن أوس.\r(2) رواه أبو داود من حديث عثيم، وفيه مقال.\r(3) ذكره الحافظ ابن حجر في التلخيص الجبير، ولم يضعفه، وتعقب بقول ابن المنذر : ليس في الختان خبر يرجع إليه، ولا سنة تتبع.\r(4) متفق عليه (نيل الأوطار: 1/111).\r(5) روي عن جابر بن زيد موقوفاً عليه أن النبي صلّى الله عليه وسلم قال للخافضة: الخاتنة «أشِمِّي ولا تَنْهكي» أي اقطعي بعض النواة ولا تستأصِليها.\r(6) رواه أحمد ومسلم عن أبي هريرة، وفي معناه روى أحمد والشيخان عن ابن عمر: «خالفوا المشركين، وفِّروا اللِّحى، وأحفوا الشوارب» وروى أحمد والنسائي والترمذي وقال: حديث صحيح عن زيد بن أرقم: «من لم يأخذ من شاربه فليس منا» ( نيل الأوطار: 14/1 وما بعدها).\r(7) كان ابن عمر إذا حج أو اعتمر قبض على لحيته، فما فضل أخذه (المرجع السابق).","part":1,"page":405},{"id":407,"text":"خصال الفطرة العشر:\rعن عائشة رضي الله عنها، قالت: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم : عشر من الفطرة: قص الشارب، وإعفاء اللحية، والسِّواك، واستنشاق الماء، وقص الأظفار، وغسل البَرَاجم، ونتف الإبط، وحلق العانة، وانتقاص الماء يعني الاستنجاء، قال الراوي مصعب بن شيبة: ونسيت العاشرة، إلا أن تكون المضمضة» (1) وقال النووي عن العاشرة: لعلها الختان، وهو أولى.\rوقد سبق بيان هذه الخصال في الحديث السابق وفي سنن الوضوء، أما غسل البراجم: فهو سنة مستقلة ليست بواجبة، والبراجم: عقد الأصابع ومعاطفها كلها. قال العلماء: ويلحق بالبراجم: ما يجتمع من الوسخ في معاطف الأذن، وقعر الصماخ، فيزيله بالمسح ونحوه.\rوأما انتقاص الماء فهو الاستنجاء، وفي رواية: الانتضاح: وهو نضح الفرج بماء قليل بعد الوضوء لينفي عنه الوسواس.\rآراء الفقهاء في خصال الفطرة:\rبناء على ما ورد في الحديثين السابقين وغيرهما قال الفقهاء (2) :\r1 ً - الطيب والظفر والكحل: يسن الادهان في بدن وشعر غِبَّاً: يوماً فيوماً، والاكتحال وتراً في كل عين قبل النوم، والوتر: ثلاثة في العين اليمنى،\r-------------------------------\r(1) رواه أحمد ومسلم والنسائي والترمذي عن عائشة، ورواه أبو داود من حديث عمار، وصححه ابن السكن قال الحافظ ابن حجر: وهو معلول. ورواه الحاكم والبيهقي من حديث ابن عباس موقوفاً (نيل الأوطار: 110/1).\r(2) المغني: 85/1-94، كشاف القناع: 82/1-91، الحضرمية: ص9، الفتاوى الهندية: 367/5-370.","part":1,"page":406},{"id":408,"text":"وثلاثة في اليسرى،وتقليم الأظافر بادئاً ـ كما يرى الشافعية ـ بسبابة يده اليمنى إلى الخنصر، ثم الإبهام، ثم خنصر اليسرى إلى الإبهام. ويستحب سل رؤوس الأصابع بعد قص الأظافر تكميلاً للنظافة، وينبغي دفن الشعر والأظافر وإن رمى به فلا بأس. وقطع الظفر بالأسنان مكروه يورث البرص.\rوالدليل لما سبق بالترتيب: أنه عليه السلام «نهى عن الترجل إلا غِبَّاً» (1) . وروى ابن عباس عن النبي صلّى الله عليه وسلم أنه «كان يكتحل بالإثْمِد (حجر للكحل معروف)، كل ليلة، قبل أن ينام، وكان يكتحل في كل عين ثلاثة أميال» (2) .\rوتقليم الأظفار من سنن الفطرة، في الحديثين السابقين. والمرأة تتطيب في بيتها، وتمنع من الطيب في غير بيتها لأنه يؤدي إلى الفتنة والفساد. قال الحنفية: قلم الأظفار سنة إلا في دار الحرب فإن تركها مندوب إليه.\r2 ً - الانتعال وإطالة الثياب: يكره بلا عذر المشي في نعل واحد للنهي الصحيح عنه، ولئلا يختل توازنه ومشيه، كما يكره الانتعال قائماً للنهي الصحيح عنه، ولأنه يخشى منه السقوط.\rويكره إطالة العَذَبة (طرف العمامة) والثوب والإزار عن الكعبين، لا للخيلاء، وإلا حرم. ولا يكره إرسال العَذَبة ولا عدمه، كما لا يكره للمرأة إرسال ثوبها على الأرض ذراعاً.\r-------------------------------\r(1) رواه الخمسة إلا ابن ماجه، وصححه الترمذي عن عبد الله بن المغفَّل (نيل الأوطار: 123/1)، والترجل: تسريح الشعر ودهنه، وروى أحمد عن أبي أيوب مرفوعاً: «أربع من سنن المرسلين: الحِنِّاء، والتعطر، والسواك، والنكاح» وعن أنس: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم : «حبب إلي من الدنيا: النساء، والطيب، وجعلت قرة عيني في الصلاة» رواه النسائي وأحمد وابن أبي شيبة، والمرسل أشبه بالصواب (نيل الأوطار: 127/1).\r(2) رواه أحمد والترمذي وابن ماجه.","part":1,"page":407},{"id":409,"text":"3 ً - الختان: سنة عند الحنفية والمالكية: واجب عند الشافعية والحنابلة للذكر والأنثى، كما بينا في شرح الحديث السابق. ويجب للذكر والأنثى في رأي الحنابلة عند البلوغ ما لم يخف على نفسه، لقول ابن عباس: «وكانوا لا يختنون الرجل حتى يدرك» (1) .\rوالختان في الصغر أفضل منه عند التمييز، لأنه أسرع برءاً.\rويكره الختان قبل اليوم السابع من الولادة.\rويجوز أن يختن نفسه إن قوي عليه وأحسنه، لأنه قد روي أن إبراهيم عليه السلام ختن نفسه.\r4 ً - الشعر: يسن الامتشاط غِبّاً كالادهان، ويفعله كل يوم لحاجة لخبر أبي قتادة عند النسائي. واللحية كالرأس في ذلك.\rويسن قص الشارب وإعفاء اللحية ونتف الإبط، لأنها من خصال الفطرة في الحديث السابق. ويكون ذلك مع تقليم الأظفار وحلق العانة يوم الجمعة، وقيل: يوم الخميس، وقيل: يخير. ويدفن الشعر والظفر والدم، لما ثبت عن النبي صلّى الله عليه وسلم (2) .\rويفعل ما ذكر كل أسبوع، لأن النبي صلّى الله عليه وسلم «كان يأخذ أظفاره وشاربه كل\r-------------------------------\r(1) رواه البخاري.\r(2) روى الخلال بإسناده عن مثلة بنت مشرح الأشعرية، قالت: « رأيت أبي يقلم أظفاره ويدفنها، ويقول: رأيت النبي صلّى الله عليه وسلم يفعل ذلك» وعن ابن جريح عن النبي صلّى الله عليه وسلم يقول: «كان يعجبه دفن الدم» وكان ابن عمر يدفن شعره وأظفاره (كشاف القناع: 84/1 وما بعدها، المغني: 88/1) وروى الديلمي في مسند الفردوس عن علي في حديث ضعيف: «قص الظفر ونتف الإبط وحلق العانة يوم الخميس، والغسل والطيب واللباس يوم الجمعة» .","part":1,"page":408},{"id":410,"text":"جمعة» (1) فالأفضل أن يقلم أظفاره ويحفي شاربه ويحلق عانته وينظف بدنه بالاغتسال في كل أسبوع مرة.\rويكره ترك التقليم، والحلق لشعر الرأس والعانة، والنتف فوق أربعين يوماً، ويستحب حلق الرأس في كل جمعة، ويكره القزَع وهو أن يحلق البعض ويترك البعض قطعاً مقدار ثلاثة أصابع، وعن أبي حنيفة: يكره أن يحلق قفاه إلا عند الحجامة. وحلق الشعر وقص الأظفار حال الجنابة مكروه.\rوكان هديه صلّى الله عليه وسلم في حلق رأسه: تركه كله أو حلقه كله، ولم يكن يحلق بعضه ويدع بعضه. ويسن أن يغسله ويسرحه متيامناً لحديث «من كان له شعر فليكرمه» (2) قال ابن عبد البر: أجمع العلماء في جميع الأمصار على إباحة الحلق، أي حلق الذكر رأسه ولو لغير نسك وحاجة.\rويكره نتف الشيب، لحديث «نهى رسول الله صلّى الله عليه وسلم عن نتف الشيب، وقال: إنه نور الإسلام» (3) . ويكره أيضاً نتف اللحية إيثاراً للمردودة،ويكره القَزَع: وهو حلق بعض الرأس - كما تقدم - للنهي عنه، ويكره حلق القفا منفرداً عن الرأس إذا لم يحتج إليه لحجامة أو غيرها - كما تقدم -، لأنه من فعل المجوس. ويخضب الشيب بحمرة أو صفرة، اتباعاً للسنة (4) ، ويكره أو يحرم بسواد إلا في حالة الحرب لإرهاب الكفار.\rوللمرأة المزوجة أن تخضب يديها ورجليها بالحنَّاء إن أحب ذلك زوجها.\r-------------------------------\r(1) رواه البغوي بسنده عن عبد الله بن عمرو بن العاص (كشاف القناع، المكان السابق).\r(2) رواه أبو داود، وإسناده حسن (نيل الأوطار: 123/1).\r(3) رواه الخلال من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وروى أيضاً من حديث طارق بن حبيب: «من شابه شيبة في الإسلام، كانت له نوراً يوم القيامة» (المغني: 91/1).\r(4) رواه أحمد وغيره (المغني: 91/1 وما بعدها).","part":1,"page":409},{"id":411,"text":"ويكره للمرأة حلق رأسها وقصه تماماً من غير عذر، قال عكرمة: «نهى النبي صلّى الله عليه وسلم أن تحلق المرأة رأسها» (1) ، فإن كان ثَمَّ عذر كقروح لم يكره. ويحرم حلقها رأسها لمصيبة كلطم خد وشق ثوب ويجوز للمرأة قص شعرها لما دون الأذن، حتى لاتتشبه بالرجال، ولها التجمل لزوجها أو للنساء بمختلف أنواع التسريحات، مالم تقصد التشبه بالكافرة أو الساقطة.\r5 ً - التزين: لا بأس بالنظر في المرآة، ويقول حينئذ: ( اللهم كما حسَّنت خَلْقي، فحسِّن خُلُقي، وحرِّمْ وجهي على النار ) (2) .\rويكره ثقب أذن صبي، لا بنت نصاً، لحاجتها للتزين بخلافه.\rويحرم نمص (وهو نتف الشعر من الوجه)، ووَشْر (أي برد الأسنان لتحدد وتفلج وتحسن)، ووشْم (وهو غرز الجلد بإبرة حتى يخرج الدم ثم حشوه كحلاً أو نيلة ليخضر أو يزرق بسبب الدم الحاصل بغرز الإبرة)، ووصل شعر بشعر، لقوله صلّى الله عليه وسلم : «لعن الله الواشمات والمستوشمات، والنامصات والمتنمصات، والمتفلجات للحسن، المغيرات خلق الله» (3) أي الفاعلة، والمفعول بها ذلك بأمرها، واللعنة\r-------------------------------\r(1) رواه الخلال بإسناده عن قتادة عن عكرمة.\r(2) لخبر أبي هريرة، رواه أبو بكر بن مردويه، والخلق الأول: الصورة الظاهرة، والثاني: الصورة الباطنة.\r(3) رواه الجماعة عن ابن مسعود، ورواه الجماعة أيضاً عن ابن عمر: «لعن الله الواصلة والمستوصلة،والواشمة والمستوشمة» وهم صحيحان (نيل الأوطار: 190/6) والواصلة: هي التي تصل شعر امرأة بشعر امرأة أخرى، لتكثر به شعر المرأة. والمستوصلة: هي التي تطلب أن يفعل بها ذلك، ويقال لها: موصولة. والوشم حرام على الفاعل والمفعول به. والمتنمصات: جمع متنمصة: وهي التي تطلب نتف الشعر من وجهها، والنامصة: المزيلة شعرها من نفسها أو من غيرها، والمتفلجات جمع متفلجة وهي التي تبرد ما بين أسنانها والثنايا والرباعيات. قال الطبري: لا يجوز للمرأة تغيير شيء من خلقتها التي خلقها الله عليها بزيادة أو نقص، التماس حسن، لا للزوج ولا لغيره، .كمن تكون مقرونة الحاجبين، فتزيل ما بينهما توهم البلج وعكسه (تحفة الأحوذي بشرح الترمذي: 67/1).","part":1,"page":410},{"id":412,"text":"على الشيء تدل على تحريمه؛ لأن فاعل المباح لا تجوز لعنته. وعلى هذا فلا يجوز وصل شعر المرأة بشعر آخر لهذا الحديث، وأما وصله بغير الشعر: فإن كان بقدر ما تشد به رأسها فلا بأس به، لأن الحاجة داعية إليه، ولا يمكن التحرز منه، كذلك لا يحرم في الأصح ما يزيد عن الحاجة إن كان فيه مصلحة من تحسين المرأة لزوجها من غير مضرة. وقال مالك: الوصل ممنوع بكل شيء، سواء وصلته بشعر أو صوف أو خرق، لحديث جابر: «أن النبي صلّى الله عليه وسلم زجر أن تصل المرأة برأسها شيئاً» (1) .\rوقد فصل الشافعية والحنابلة في موضوع وصل الشعر، فقالوا: إن وصلت المرأة شعرها بشعر آدمي، فهو حرام بلا خلاف، سواء أكان شعر رجل أم امرأة، وسواء أكان شعر قريب محرم أم زوج أم غيرهما لعموم الأدلة، ولأنه يحرم الانتفاع بشعر الآدمي وسائر أجزائه لكرامته، بل يدفن شعره وظفره وسائر أجزائه.\r-------------------------------\r(1) نيل الأوطار: 191/6.","part":1,"page":411},{"id":413,"text":"وإن وصلته بشعر غير آدمي: فإن كان شعراً نجساً، وهو عندهم: شعر الميتة وشعر ما لا يؤكل لحمه إذا انفصل في حياته، فهو حرام أيضاً للحديث، ولأنه حمل نجاسة في صلاتها وغيرها عمداً. وهاتان الحالتان يستوي فيهما المرأة المزوجة وغيرها من النساء، والرجال. لكن الأوجه عند الشافعية أنه يجوز التنميص بإذن الزوج؛ لأن له غرضاً في تزيينها له، وقد أذن لها فيه (1) .\rوأما الشعر الطاهر من غير الآدمي: فإن لم يكن لها زوج فالوصل حرام أيضاً، وإن كان لها زوج يجوز لها في الأصح بإذن الزوج، وإلافهو حرام.\rوأما نتف الشعر (النَّمْص) فهو حرام مطلقاً، إلا إذا نبت للمرأة لحية أو شوارب، فلا يحرم إزالتها، بل يستحب، كما قال النووي وغيره.\rوالتحريم المذكور في الحديث إذا كان لقصد التحسين، لا لداء وعلة، فإنه ليس بمحرم. والمحرم فقط هو نتف الشعر من الوجه، وللمرأة حلق الوجه وحفه نصاً، ولها تحسين شعرها وتحميره ونحوه من كل ما فيه تزيين للزوج، ولها التحذيف، أي إرسال الشعر الذي بين العذار والنزعة، ويكره ذلك، كما يكره حف الوجه للرجل.\rوينبني على ذلك أنه يحرم قلع سن أو إصبع زائدة أو عضو زائد؛ لأنه من تغيير خلق الله، قال القاضي عياض: إلا أن تكون هذه الزوائد مؤلمة ويتضرر بها، فلا بأس بنزعها، واستثنى الطبري ما يحصل به الضرر والأذية، كالسن الزائدة أو الطويلة التي تعوق في الأكل أو الأصبع الزائدة التي تؤذي أو تؤلم، سواء للمرأة أو للرجل (2) .\rويكره كسب الماشطة ككسب الحمامي، ويحرم على النساء التشبه بالمردان، كما يحرم على المردان التشبه بالنساء.\rويكره كما تقدم نتف الشيب من المحل الذي لا يطلب منه إزالة شعره،لخبر الترمذي وحسنه: « لا تنتفوا الشيب، فإنه نور المسلم يوم القيامة » .\r-------------------------------\r(1) مغني المحتاج: 191/1والظاهر أن هذا إذا أعقبه ستر الوجه عن الأجانب.\r(2) تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي: 68/1.","part":1,"page":412},{"id":414,"text":"6 ً - تغطية الإناء: يسن تخمير الإناء أي تغطيته، ولو بعود، لحديث: «أوك سِقاك، واذكر اسم الله، وخمِّر إناءك، واذكر اسم الله،ولو أن تعرض عليه عوداً» (1) وحكمة وضع العود : أن يعتاد تخميره ولا ينساه، وربما كان سبباً لرد دبيب بحباله، أو بمروره عليه. ويسن مع ذكر اسم الله إيكاء السقاء (ربط فم وعاء الماء) إذا أمسى، للخبر السابق.\r7 ً - النوم: يسن إغلاق الباب وإطفاء المصباح عند الرقاد، وإطفاء الجمر عند الرقاد مع ذكر اسم الله، للحديث السابق. وينفض الفراش عند إرادة النوم، ويسن وضع يده اليمنى تحت خده الأيمن،ويجعل وجهه نحو القبلة على جنبه الأيمن، ويتوب إلى الله تعالى، ويقول ما ورد: ( باسمك ربي وضعت جنبي، وبك أرفعه، إن أمسكت نفسي فاغفر لي، وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين ).\rويستحب قراءة سورة السجدة (آلم)، وسورة الملك (تبارك)، وروى الإمام أحمد والترمذي والخلا ل عن جابر أنه صلّى الله عليه وسلم كان يفعل ذلك أي الدعاء والقراءة. ويستحب أيضاً قراءة آخر سورة البقرة: { آمن الرسول } [البقرة:285/2] وآية الكرسي والمعوذتين وسورة الإخلاص، وإذا استيقظ من النوم نظر في السماء وقرأ آخر آل عمران: {إن في خلق السموات والأرض} [آل عمران:190/3].\rويكره النوم على سطح ليس عليه حاجز، لنهيه عليه السلام (2) ، وخشية أن يتدحرج، فيسقط عنه.\rويكره نومه على بطنه وعلى قفاه (3) ، إن خاف انكشاف عورته.\rويكره النوم بعد العصر لحديث: «من نام بعد العصر، فاختل عقله، فلا يلومن إلا نفسه» (4) ، والنوم بعد الفجر، لأنه وقت قسْم الأرزاق، كما ثبت في السنة، والنوم تحت السماء متجرداً من ثيابه مع ستر العورة فقط، والنوم بين قوم\r-------------------------------\r(1) متفق عليه.\r(2) رواه الترمذي من حديث جابر.\r(3) قال بعضهم في الآداب الكبرى: النوم على القفا رديء يضر الإكثار منه بالبصر، وبالمني، وإن استلقى للراحة بلا نوم لم يضر. وأردأ من ذلك النوم منبطحاً على وجهه.\r(4) رواه أبو يعلى الموصلي عن عائشة، لكنه حديث ضعيف.","part":1,"page":413},{"id":415,"text":"مستيقظين؛ لأنه خلاف المروءة، والنوم وحده لحديث «نهى عن الوحدة، وأن يبيت الرجل وحده» (1) ،كما يكره السفر وحده، لخبر «الواحد شيطان» (2) .\rوالنوم والجلوس بين الظل والشمس، لنهيه عليه السلام عنه (3) ،وفي الخبر: أنه مجلس الشيطان.\rويكره ركوب البحر عند هيجانه؛ لأنه مخاطرة.\rوتستحب القائلة (4) أو القيلولة: أي الاستراحةوسط النهار، وإن لم يكن مع ذلك نوم، شتاء أو صيفاً.\rويقرأ عند الميت ( يس) لحديث عند أبي داود وغيره، ويقرأ عند المريض الفاتحة والإخلاص والمعوذتين مع النفخ في اليدين ويمسحه بهما، كما ثبت في الصحيحين، ويقرأ الكهف يوم الجمعة وليلتها.\rوسيأتي في بحث الحظر والإباحة مزيد بيان لأحوال الإنسان وعاداته في اللبس واستعمال الأواني والنظر واللمس واللهو والطعام والشراب.\r-------------------------------\r(1) رواه أحمد عن ابن عمر مرفوعاً، وهو حديث حسن.\r(2) رواه الحاكم عن أبي هريرة: « الواحد شيطان، والاثنان شيطانان، والثلاثة ركب» وهو صحيح.\r(3) رواه أحمد.\r(4) القائلة لغة: النوم في الظهيرة.","part":1,"page":414},{"id":416,"text":"المبحث الثالث ـ المسح على الخفين\rمعناه ومشروعيته، كيفيته ومحله، وشروطه، مدته، مبطلاته، المسح على العمامة، المسح على الجوارب، المسح على الجبائر.\rأولاً ـ معنى المسح على الخفين ومشروعيته:\rالمسح على الخفين بدل عن غسل الرجلين في الوضوء، ومعناه لغة: إمرار اليد على الشيء. وشرعاً: إصابة اليد المبتلة بالماء (البِلَّة) لخف مخصوص في موضع مخصوص، وفي زمن مخصوص، والخف شرعاً: الساتر للكعبين فأكثر من جلد ونحوه. والموضع المخصوص: ظاهر الخفين لا باطنهما، والزمن المخصوص: هو يوم وليلة للمقيم، وثلاثة أيام بلياليها للمسافر (1) . ولم يحدد المالكية مدة للمسح كما سيأتي بيانه، كما أن الإمامية حال تجويزه للضرورة لم يقدروا مدة المسح بيوم ولا ثلاثة أيام.\rوصفة المسح: أنه شرع رخصة، وهو جائز في المذاهب الأربعة في السفر والحضر، للرجال والنساء (2) ، تيسيراً على المسلمين، وبخاصة في وقت الشتاء والبرد، وفي السفر، ولأصحاب الأعمال الدائمة كالجنود والشرطة والطلاب المواظبين على العمل في الجامعات ونحوهم.\rوقد ثبتت مشروعيته بالسنة النبوية في طائفة من الأحاديث منها:\r1 - حديث علي رضي الله عنه قال: «لو كان الدين بالرأي، لكان أسفل الخف أولى بالمسح من أعلاه، لقد رأيت رسول الله صلّى الله عليه وسلم يمسح على ظاهر خفيه» وقال علي أيضاً: «جعل رسول الله صلّى الله عليه وسلم ثلاثة أيام ولياليهن للمسافر، ويوماً وليلة للمقيم»(3) .\r2 - حديث المغيرة بن شعبة، قال: كنت مع النبي صلّى الله عليه وسلم (4) ، فتوضأ، فأهويت\rلأنزع خفيه، فقال: دعهما،\r-------------------------------\r(1) الدر المختار: 240/1 وما بعدها.\r(2) بداية المجتهد: 17/1، القوانين الفقهية: ص 8338، مراقي الفلاح: ص 21.\r(3) الحديث الأول: أخرجه أبو داود والدارقطني بإسناد حسن، وقال ابن حجر: إنه حديث صحيح. والثاني أخرجه مسلم وأبو داود والترمذي وابن ماجه (سبل السلام: 58/1-60، نيل الأوطار: 184/1).\r(4) أي في سفر، كما صرح به البخاري، وعند مالك وأبي داود: السفر في غزوة تبوك.","part":1,"page":415},{"id":417,"text":"فإني أدخلتهما طاهرتين، فمسح عليهما» (1) .\r3 - حديث صفوان بن عَسَّال،قال: أمرنا، يعني النبي صلّى الله عليه وسلم أن نمسح على الخفين، إذا نحن أدخلناهما على طُهْر، ثلاثاً إذا سافرنا، ويوماً وليلة إذا أقمنا، ولا نخلعهما من غائط ولا بول، ولا نخلعهما إلا من جنابة» (2) .\r4 - حديث جرير، أنه بال ثم توضأ، ومسح على خفيه، فقيل له: تفعل هكذا؟ قال: «نعم رأيت رسول الله صلّى الله عليه وسلم بال، ثم توضأ ومسح على خفيه» (3) . ومن المعروف أن إسلام جرير كان بعد نزول سورة المائدة التي فيها آية الوضوء.\rقال النووي في شرح مسلم: وقد روى المسح على الخفين خلائق لا يحصون من الصحابة. وصرح جمع من الحفاظ بأن المسح على الخفين متواتر، وجمع بعضهم رواته، فجاوزوا الثمانين، منهم العشرة المبشرون بالجنة. وقال الإمام أحمد: فيه أربعون حديثاً عن الصحابة مرفوعة. وقال الحسن: حدثني سبعون من أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلم أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم كان يمسح على الخفين (4) والقول بالمسح قول أمير المؤمنين علي رضي الله عنه وسعد بن أبي وقاص وبلال وحذيفة وبريدة وخزيمة بن ثابت وسلمان وجرير البجلي وغيرهم.\rوقد أنكر الشيعة الإمامية والزيدية والإباضية والخوارج مشروعية المسح على الخفين (5) ، والأدق أن يقال: إن الإمامية لا يجيزون المسح مع الاختيار، ويجيزونه للضرورة عند الخوف والتَّقية، أما الخوارج فلا يجوز عندهم ولو لضرورة.\r-------------------------------\r(1) متفق عليه (سبل السلام: 57/1، نيل الأوطار: 180/1).\r(2) رواه أحمد وابن خزيمة، والنسائي والترمذي، وصححه الترمذي وابن خزيمة، ورواه الشافعي وابن ماجه وابن حبان والدارقطني والبيهقي، وقال البخاري: إنه حديث حسن (نيل الأوطار: 181/1، سبل السلام: 59/1).\r(3) متفق عليه، ورواه أبو داود ( نيل الأوطار: 176/1 ).\r(4) أخرجه عنه ابن أبي شيبة.\r(5) نيل الأوطار: 176/1-178، كتاب الخلاف في الفقه للطوسي عند الإمامية: 60/1-61، شامل الأصل والفرع عند الإباضية للشيخ محمد بن يوسف أطَّفَيِّش: 211/1، سبل السلام: 57/1 وما بعدها.","part":1,"page":416},{"id":418,"text":"والواجب في المسح عند الحنفية (1) : هو قدر ثلاث أصابع من أصغر أصابع اليد، على ظاهر مقدم كل رجل، مرة واحدة، اعتباراً لآلة المسح، فلا يصح على باطن القدم، ولاعقبه، ولا جوانبه وساقه. ولا يسن تكراره ولا مسح أسفله لأنه يراعى فيه جميع ما ورد به الشرع.\rواستدلوا على رأيهم بأدلة لا تخلو من مناقشة، بل هي واهية، منها:\r1 - إنه منسوخ بآية الوضوء في سورة المائدة التي لم يذكر فيها المسح على الخفين، وإنما قال تعالى: {وأرجلَكم إلى الكعبين} [المائدة:6/5] فعينت الآية مباشرة الرجلين بالماء.\rروي عن علي كرم الله وجهه أنه قال: سبق الكتاب الخفين، وقال ابن عباس: ما مسح رسول الله صلّى الله عليه وسلم بعد المائدة. ورد: بأن الوضوء ثابت قبل نزول المائدة بالاتفاق، فإن كان المسح على الخفين ثابتاً قبل نزولها، فورودها بغسل الرجلين، أو مسحهما على رأي الإمامية دون التعرض للمسح، لا يوجب نسخ المسح على الخفين. وإن كان المسح غير ثابت قبل نزولها فلا نسخ قطعاً. ثم إن إسلام جرير راوي الحديث السابق كان بعد نزول المائدة كما بينا، وقد رأى الرسول عليه السلام يمسح على خفيه، ومن شرط النسخ تأخر الناسخ.\rوالخلاصة: أن آية الوضوء نزلت في غزوة المُرَيسيع، ومسحهصلّى الله عليه وسلم في غزوة تبوك (1) ، فكيف ينسخ المتقدم المتأخر؟!\rوأما قول علي فيما أخرجه عنه ابن أبي شيبة، فهو منقطع، كذا ما روي عن ابن عباس، مع أنه مخالف ما ثبت عنهما من القول بالمسح، وعارض حديثهماما هو أصح منهما، وهو حديث جرير البجلي.\r2 - الأخبار الواردة بمسح الخفين نسخت بآية المائدة التي ذكر فيها الوضوء.\r-------------------------------\r(1) غزوة المريسيع أو غزوة بني المصطلق وقعت في شعبان في السنة السادسة من الهجرة، وحدث اللقاء على ماء يقال له ( المريسيع ) من ناحية قديد إلى الساحل. وغزوة تبوك أو غزوة العسرة حدثت في رجب من التاسعة للهجرة.","part":1,"page":417},{"id":419,"text":"والجواب: أن الآية عامة مطلقاً باعتبار حالتي لبس الخف وعدمه، فتكون أحاديث الخفين مخصِّصة أو مقيدة، فلا نسخ، وتلك الأحاديث متواترة كما بينت، فتصلح مخصصة بالاتفاق، أي أن قوله تعالى {وأرجلكم} [المائدة:6/5] مطلق قيدته أحاديث المسح على الخف، أو عام خصصته تلك الأحاديث.\r3 - لم يذكر المسح على الخفين في أحاديث الوضوء، وإنما فيها كلها الأمر بغسل الرجلين، دون ذكر المسح، وفيها بعد غسل الرجلين: ( لا يقبل الله الصلاة من دونه ) وقوله عليه السلام لمن لم يغسل عقبه: «ويل للأعقاب من النار» .\rوالجواب: أن غاية ما اشتملت عليه الأحاديث الأمر بالغسل، دون حصر ولا قصر ينفي مشروعية غيره، ولو كان فيها ما يدل على الغسل فقط، لكانت مخصصة بأحاديث المسح المتواترة. وأما لفظ ( لا يقبل الله الصلاة بدونه ) فلم يثبت من وجه يعتد به. وأما حديث «ويل للأعقاب من النار» فهو وعيد لمن مسح رجليه، ولم يغسلهما، ولم يرد في المسح على الخفين.\rوهو لا يشمل المسح على الخفين، لأنه يدع رجله كلها، ولا يدع العقب فقط. ثم إن أحاديث المسح مخصصة للماسح من ذلك الوعيد.\rويمكن أن يقال: قد ثبت في آية المائدة قراءة بالجر لأرجلكم عطفاً على الممسوح وهو الرأس، فيحمل على مسح الخفين كما بينت السنة، ويتم ثبوت المسح بالسنة والكتاب، وهو أحسن الوجوه التي توجه به قراءة الجر.","part":1,"page":418},{"id":420,"text":"ثانياً ـ كيفية المسح على الخفين ومحله:\rكيفيته: الابتداء من أصابع القدم خطوطاً بأصابع اليد إلى الساق.\rوالواجب في المسح عند الحنفية (1) : هو قدر ثلاث أصابع من أصغر أصابع اليد، على ظاهر مقدم كل رجل، مرة واحدة، اعتباراً لآلة المسح، فلا يصح على باطن القدم، ولاعقبه، ولا جوانبه وساقه. ولا يسن تكراره ولا مسح أسفله لأنه يراعى فيه جميع ما ورد به الشرع.\rوالواجب عند المالكية (2) : مسح جميع أعلى الخف، ويستحب أسفله أيضاً. وعند الشافعية (3) : يكفي مُسمَّى مسح، كمسح الرأس، في محل الفرض وهو ظاهر الخف، لا أسفله وحرفه وعقبه؛ لأن المسح ورد مطلقاً، ولم يصح فيه تقدير شيء معين، فتعين الاكتفاء بما ينطلق عليه اسم المسح، كإمرار يد أو عود ونحوهما، أي يجزئه أقل ما يقع عليه اسم المسح، ويسن مسح أعلاه وأسفلِه وعقبه خطوطاً، كما قال المالكية.\rوعند الحنابلة (4) : المجزئ في المسح: أن يمسح أكثر مقدم ظاهر الخف، خطوطاً بالأصابع، ولا يسن مسح أسفل الخف ولا عقبه، كما قال الحنفية. ودليلهم: أن لفظ المسح ورد مطلقاً، وفسره النبي صلّى الله عليه وسلم بفعله، فيجب الرجوع إلى تفسيره، وقد فسر المسح في حديث المغيرة بن شعبة ـ فيما يرويه الخلاّل بإسناده ـ قال: «ثم توضأ ومسح على الخفين، فوضع يده اليمنى على خفه الأيمن، ووضع يده اليسرى على خفه الأيسر، ثم مسح أعلاهما مسحة واحدة، حتى كأني أنظر إلى أثر أصابعه على الخفين» .\rوالخلاصة: أن الواجب هو مسح جميع ظاهر الخف عند المالكية، كسائر أعضاء الوضوء، وبمقدار ثلاث أصابع من اليد عند الحنفية كمسح الرأس في الوضوء، ومسح أكثر أعلى الخف عند الحنابلة لحديث المغيرة : «رأيت رسول الله صلّى الله عليه وسلم يمسح على ظاهر الخفين»(5)\rوالواجب عند الشافعية: أقل ما يطلق عليه اسم المسح؛ لأن ما ورد في الشرع مطلقاً يتحقق بأي حالة من حالاته، والراجح تحقيق مدلول المسح على الخف، كالراجح في المسح بالرأس في الوضوء.\rوسبب الاختلاف في مسح باطن الخف تعارض أثرين (6) :\r-------------------------------\r(1) مراقي الفلاح: ص222، البدائع: 12/1، اللباب: 43/1، فتح القدير: 103/1، الدر المختار: 246/1، 251، 260.\r(2) القوانين الفقهية: ص 39، الشرح الصغير: 159/1.\r(3) مغني المحتاج: 67/1، المهذب: 22/1.\r(4) المغني: 298/1، كشاف القناع: 130/1، 133.\r(5) رواه أحمد وأبو داود.\r(6) بداية المجتهد: 18/1.","part":1,"page":419},{"id":421,"text":"أحدهما ـ حديث المغيرة بن شعبة، وفيه أنه صلّى الله عليه وسلم مسح أعلى الخف وأسفله (1) ، وبه أخذ المالكية والشافعية.\rوالثاني ـ حديث علي السابق: «لو كان الدين يؤخذ بالرأي لكان أسفل الخف أولى بالمسح من أعلاه، وقد رأيت رسول الله صلّى الله عليه وسلم يمسح على ظاهر خفيه» وبه أخذ الحنفية والحنابلة.\rوالفريق الأول: جمع بين الحديثين، فحمل حديث المغيرة على الاستحباب، وحديث علي على الوجوب.\rوالفريق الثاني: ذهب مذهب الترجيح، فرجح حديث علي على حديث المغيرة، لأنه أرجح سنداً، ولأن المسح على الخف شرع مخالفاً للقياس، فيقتصر فيه على النحو الذي ورد به الشرع.\rوالثاني هو الأرجح في تقديري، وإن قال ابن رشد: والأسد في هذه المسألة هو مالك.\rوالخلاصة: أن محل المسح على الخف هو ظاهره وأعلاه ولا يمسح باطنه وأسفله عند الحنفية والحنابلة، ومحله المفروض عند المالكية والشافعية: هو أعلى الخف ويسن مسح أسفله معه.\rسنة المسح : تبين مما ذكر أن للفقهاء رأيين في سنة المسح: قال الحنفية والحنابلة: يمسح خطوطاً بالأصابع بادئاً من ناحية الأصابع إلى الساق، لحديث المغيرة رضي الله عنه: « أن النبي صلّى الله عليه وسلم مسح على خفيه، ووضع يده اليمنى على خفه الأيمن، ويده اليسرى على خفه الأيسر، ثم مسح إلى أعلاه مسحة واحدة» (2) .\rفإن بدأ في المسح من ساقه إلى أصابعه، أجزأه.\rويسن مسح الرجل اليمنى باليد اليمنى والرجل اليسرى باليد اليسرى، لحديث المغيرة السابق.\r-------------------------------\r(1) رواه الخمسة إلا النسائي، وأخرجه الدارقطني والبيهقي وابن الجارود، لكنه معلول ضعيف (نيل الأوطار: 185/1).\r(2) رواه البيهقي في سننه، وابن أبي شيبة (نصب الراية: 180/1).","part":1,"page":420},{"id":422,"text":"وقال المالكية والشافعية: صفة المسح المندوبة: أن يضع باطن كف يده على أطراف أصابع رجله اليمنى، ويضع باطن كف يده اليسرى تحت أصابع رجليه (عند المالكية) وتحت العقب (عند الشافعية)، ثم يمر يديه إلى آخر قدمه، أي أنه يندب عندهم مسح أعلى الخف مع أسفله معاً، ولا يسن استيعابه بالمسح، ويكره تكراره وغسله؛ لأن ذلك مفسد للخف، ولو فعل ذلك أجزأه.\rثالثاً ـ شروط المسح على الخفين:\rهناك شروط ثلاثة متفق عليها فقهاً، وشروط مختلف فيها بين الفقهاء (1) ، ومن المعلوم أنها جميعاً شروط في المسح لأجل الوضوء، أما من أجل الجنابة فلا يجوز المسح، أ فلا يجوز المسح على الخفين لمن وجب عليه الغسل، لحديث صفوان بن عسَّال المتقدم: «أمرنا النبي صلّى الله عليه وسلم أن نمسح على الخفين، إذا نحن أدخلناهما على طهر، ثلاثاً إذا سافرنا، ويوماً وليلة إذا أقمنا، ولا نخلعهما من غائط ولا بول ولا نوم، ولا نخلعهما إلا من جنابة» .\rالشروط المتفق عليها: اتفق الفقهاء على اشتراط شروط ثلاثة في المسح على الخفين لأجل الوضوء وهي ما يأتي:\r1 ً - لبسهما على طهارة كاملة: لحديث المغيرة السابق، قال: «كنت مع النبي صلّى الله عليه وسلم في سفر، فأهويت لأنزع خفيه، فقال: دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين، فمسح عليهما» (2) ، واشترط الجمهور أن تكون تلك الطهارة بالماء، وأجاز الشافعية: أن تكون الطهارة بالماء من وضوء أو غسل، أو بالتيمم لا لفقد الماء.\rوقد جعل المالكية هذا الشرط مشتملا على شروط خمسة في الماسح هي:\rالأول - أن يلبس الخف على طهارة، فإن لبسه محدثاً، لم يصح المسح عليه. وأجاز الشيعة الإمامية أن يلبس الخف على طهارة أو غير طهارة.\r-------------------------------\r(1) راجع الدر المختار: 241/1-245، البدائع:9/1 وما بعدها، مراقي الفلاح: ص 22، الشرح الصغير:154-156، القوانين الفقهية: ص38، مغني المحتاج:65/1وما بعدها، المهذب:21/1، المغني:282/1 ،293 ،294 ،296 ، كشاف القناع:124/1-133، بداية المجتهد:19/1-21.\r(2) متفق عليه.","part":1,"page":421},{"id":423,"text":"الثاني ـ أن تكون الطهارة مائية، لا ترابية، وهذا شرط عند الجمهور غير الشافعية، فإن تيمم ثم لبس الخف، لم يكن له المسح عند الجمهور؛ لأنه لبسه على طهارة غير كاملة، ولأنها طهارة ضرورة بطلت من أصلها، ولأن التيمم لا يرفع الحدث، فقد لبسه وهو محدث.وقال الشافعية: إن كان التيمم لفقد الماء فلا يجوز المسح بعد وجود الماء، وإنما يلزمه إذا وجد الماء نزع الخف، والوضوء الكامل. أما إن كان التيمم لمرض ونحوه، فأحدث فله أن يمسح على الخف.\rالثالث ـ أن تكون تلك الطهارة كاملة، بأن يلبسه بعد تمام الوضوء أو الغسل، الذي لم ينتقض فيه وضوءه. فإن أحدث قبل غسل الرجل، لم يجز له المسح؛ لأن الرِجْل حدثت في مقرها، وهو محدث، فصار كما لو بدأ اللبس وهو محدث.\rوالشرط عند الشافعية والحنابلة: أن تكون الطهارة كاملة عند اللبس، أي لا بد من كمال الطهارة جميعها، وأما عند الحنفية: فالطهارة عند الحدث بعد اللبس ، أي لا يشترط كمال الطهارة، وإنما المطلوب إكمال الطهارة. ويظهر أثر الخلاف فيما لو غسل المحدث رجليه أولاً، ولبس خفيه، ثم أتم الوضوء قبل أن يحدث، ثم أحدث، جاز له أن يمسح على الخفين عند الحنفية، لوجود الشرط: وهو (لبس الخفين على طهارة كاملة وقت الحدث بعد اللبس). وعند الشافعية والحنابلة: لا يجوز لعدم الطهارة الكاملة وقت اللبس؛ لأن الترتيب شرط عندهم، فكان غسل الرجلين مقدماً على الأعضاء الأُُخر، كأن لم يكن.","part":1,"page":422},{"id":424,"text":"الرابع ـ ألا يكون الماسح مترفهاً بلبسه، كمن لبسه لخوف على حناء برجليه، أو لمجرد النوم به، أو لكونه حاكماً، أو لقصد مجرد المسح، أو لخوف برغوث مثلاً، فلا يجوز له المسح. لكن لو لبسه لحر أو برد أو وعر، أو خوف عقرب، ونحو ذلك، فيجوز له المسح.\rالخامس ـ ألا يكون عاصياً بلبسه، كمُحرم بحج أو عمرة، لم يضطر للبسه، فلا يجوز له المسح. أما المضطر للبسه، والمرأة، فيجوز له المسح. والمعتمد عند المالكية والحنابلة والشافعية: أنه يجوز المسح للعاصي بالسفر كالعاق والديه وقاطع الطريق. والضابط عند المالكية: أن كل رخصة جازت في الحضر، كمسح خف وتيمم وأكل ميتة، تفعل في السفر، وكل رخصة تختص بالسفر كقصر الصلاة وفطر رمضان تجوز في السفر لغير العاصي بسفره، أما هو فلا يجوز له ذلك (1) .\r2 ً - أن يكون الخف طاهراً، ساتراً المحل المفروض غسله في الوضوء: وهو القدم بكعبيه من سائر الجوانب،لا من الأعلى، فلا يجوز المسح على خف غير ساتر الكعبين مع القدم، كما لا يجوز المسح على خف نجس، كجلد الميتة قبل الدباغ عند الحنفية والشافعية، وكذلك بعد الدباغ عند المالكية والحنابلة؛ لأن الدباغ عندهم غير مطهر، والنجس منهي عنه.\r3 ً - إمكان متابعة المشي فيه بحسب المعتاد: وتقدير ذلك محل خلاف، فقال الحنفية: أن يكون الخف مما يمكن متابعة المشي المعتاد فيه فرسخاً (2) فأكثر، فلا يجوز المسح على خف متخذ من زجاج أو خشب أو حديد، أو خف رقيق يتخرق بالمشي. واشترطوا في الخفين: استمساكهما على الرجلين من غير شد.\rوالمعتبر عند المالكية: أن يمكن تتابع المشي فيه عادة، فلا يجوز المسح على خف واسع لا تستقر القدم أو أكثرها فيه، وإنما ينسلت من الرجل عند المشي فيه.\rوالمقرر عند الأكثرين من الشافعية: أن يمكن التردد فيه لقضاء الحاجات، للمقيم سفر يوم وليلة، وللمسافر: سفر ثلاثة أيام ولياليهن، وهو سفر القصر؛ لأنه بعد انقضاء المدة يجب نزعه.\r-------------------------------\r(1) الشرح الكبير للدردير:143/1، كشاف القناع:128/1، مغني المحتاج:66/1.\r(2) الفرسخ: ثلاثة أميال، اثنا عشر ألف خطوة، والميل:1848م، فيكون الفرسخ مساوياً5544م.","part":1,"page":423},{"id":425,"text":"وانفرد الحنابلة برأي خاص هنا، فقالوا: إمكان المشي فيه عرفاً، ولو لم يكن معتاداً، فجاز المسح على الخف من جلد ولبود وخشب، وزجاج وحديد ونحوها؛ لأنه خف ساتر يمكن المشي فيه، فأشبه الجلود، وذلك بشرط ألا يكون واسعاً يرى منه محل الفرض، أي كما قال الحنفية والمالكية.\rالشروط المختلف فيها بين الفقهاء :\rهناك شروط أخرى مقررة في المذاهب مختلف فيها وهي:\r1 ً - أن يكون الخف صحيحاً سليماً من الخروق: هذا شرط مفرع على الشرط الثالث السابق، مشروط عند الفقهاء، لكنهم اختلفوا في مقدار الخرق اليسير المتسامح فيه.\rفالشافعية في الجديد والحنابلة: لم يجيزوا المسح على خف فيه خرق، ولو كان يسيراً؛ لأنه غير ساتر للقدم، ولو كان الخرق من موضع الخرز؛ لأن ما انكشف حكمه حكم الغسل، وما استتر حكمه المسح، والجمع بينهما لا يجوز، فغلب حكم الغسل، أي أن حكم ما ظهر الغسل، وما استتر: المسح، فإذا اجتمعا غلب حكم الغسل، كما لو انكشفت إحدى قدميه.\rوالمالكية والحنفية: أجازوا استحساناً ورفعاً للحرج المسح على خف فيه خرق يسير؛ لأن الخفاف لا تخلو عن خرق في العادة، فيمسح عليه دفعاً للحرج. أما الخرق الكبير فيمنع صحة المسح، وهو عند المالكية: مالا يمكن به متابعة المشي، وهو الخرق الذي يكون بمقدار ثلث القدم، سواء أكان منفتحاً أم ملتصقاً بعضه ببعض، كالشق وفتق خياطته، مع التصاق الجلد بعضه ببعض. وإن كان الخرق دون الثلث ضر أيضاً إن انفتح، بأن ظهرت الرجل منه، لا إن التصق. ويغتفر الخرق اليسير جداً بحيث لا يصل بلل اليد حال المسح لما تحته من الرجل. والخرق الكبير عند الحنفية: هو بمقدار ثلاث أصابع من أصغر أصابع القدم.","part":1,"page":424},{"id":426,"text":"2 ً - أن يكون الخف من الجلد: هذا شرط عند المالكية،فلا يصح المسح عندهم على خف متخذ من القماش، كما لا يصح عندهم المسح على الجورب: وهو ما صنع من قطن أو كتان أو صوف، إلا إذا كسي بالجلد، فإن لم يجلَّد، فلا يصح المسح عليه. وكذلك قال الشافعية: لا يجزئ المسح على منسوج لا يمنع نفوذ الماء إلى الرجل من غير محل الخرز، لو صب عليه لعدم صفاقته.\rواشترط المالكية أيضاً أن يكون الخف مخروزاً، لا إن لزق بنحو رسراس قصراً للرخصة على الوارد.\rوأجاز الجمهور غير المالكية: المسح على الخف المصنوع من الجلود، أو الخِرَق، أو غيرها، فلم يشترطوا هذا الشرط. واشترط الحنفية والشافعية: أن يكون الخف مانعاً من وصول الماء إلى الجسد؛ لأن الغالب في الخفاف أنها تمنع نفوذ الماء، فتنصرف إليها النصوص الدالة على مشروعية المسح.\rالمسح على الجوارب: أجاز الحنفية على الراجح لديهم (1) المسح على الجوربين الثخينين بحيث يمشي به اللابس فرسخاً فأكثر، ويثبت الجورب على الساق بنفسه، ولا يرى ما تحته، ولا يشف (يرق حتى يرى ما وراءه).\rوأجاز الحنابلة أيضاً المسح على الجورب الصفيق الذي لا يسقط إذا مشى فيه، أي بشرطين:\rأحدهما ـ أن يكون صفيقاً لا يبدو منه شيء من القدم (2) .\rالثاني ـ أن يمكن متابعة المشي فيه.\rويجب أن يمسح على الجوربين وعلى سيور النعلين قدر الواجب. وسيأتي تفصيل آراء الفقهاء.\rوأجاز الشافعية والحنابلة المسح على الخف المشقوق القدم كالزربول الذ ي له ساق إذا شد في الأصح بواسطة العرا، بحيث لا يظهر شيء من محل الفرض إذا مشى عليه.\r-------------------------------\r(1) البدائع:10/1، الدر المختار وحاشية ابن عابدين:348/1، وسيأتي بحث مفصل للمسح على الجوارب.\r(2) وأجاز الشيخ جمال الدين القاسمي المسح على الجورب ولو لم يكن ثخيناً، كالجوارب الحديثة.","part":1,"page":425},{"id":427,"text":"3 ً - أن يكون الخف مفرداً :( المسح على الجرموق ): وهذا أيضاً شرط عند المالكية (1) ، فلو لبس خفاً فوق خف (الجُرْموق) (2) ففي جواز المسح عليه قولان عندهم،الراجح أنه يجوز في هذه الحالة المسح على الأعلى، فلو نزعه، وكان على طهر، وجب عليه مسح الأسفل فوراً.\rوقال الحنفية والحنابلة (3) : يجزئ المسح على الجرموق فوق الخف، أي كما قال المالكية. لقول بلال: «رأيت النبي صلّى الله عليه وسلم يمسح على الموق» (4) ولقول النبي صلّى الله عليه وسلم : «امسحوا على النصيف والموق» (5) .\rولكن اشترط الحنفية لصحة المسح على الجرموق شروطاً ثلاثة:\rالأول ـ أن يكون الأعلى جلداً، فإن كان غير جلد يصح المسح على الأعلى إن وصل الماء إلى الأسفل.\rالثاني ـ أن يكون الأعلى صالحاً للمشي عليه منفرداً، فإن لم يكن صالحاً لم يصح المسح عليه إلا بوصول الماء إلى الأسفل.\rالثالث ـ أن يلبس الأعلى على الطهارة التي لبس عليها الأسفل.\r-------------------------------\r(1) القوانين الفقهية: ص39، الشرح الكبير:145/1، الشرح الصغير:157/1 وما بعدها.\r(2) الجرموق: هو الجلد الذي يلبس على الخف ليحفظه من الطين ونحوه، على المشهور. ويقال له: الموق، وليس غيره.\r(3) الدر المختار:247/1فتح القدير:108/1، كشاف القناع:124/1، 131 وما بعدها، المغني:284/1.\r(4) رواه أحمد وأبو داود.\r(5) رواه سعيد بن منصور في سننه عن بلال.\rوأجاز الحنابلة المسح على الخف الأعلى قبل أن يحدث، ولو كان أحدهما مخروقاً، لا إن كانا مخروقين، كما يجوز المسح على الخف الأسفل بأن يدخل يده من تحت الفوقاني فيمسح عليه؛ لأن كل واحد منهما محل للمسح، فجاز المسح عليه إذا كان صحيحاً.","part":1,"page":426},{"id":428,"text":"ولا يجزئ عند الشافعية (1) في الأظهر الاقتصار في المسح على الخف الأعلى من الجرموقين (وهما خف فوق خف، كل منهما صالح للمسح عليه)؛ لأن الرخصة وردت في الخف لعموم الحاجة إليه، والجرموق لا تعم الحاجة إليه، أي أنه لا بد من مسح الأعلى والأسفل.\r4 ً - أن يكون لبس الخف مباحاً: هذا شرط عند المالكية والحنابلة، فلا يصح المسح على خف مغصوب، ولا على محرم الاستعمال كالحرير، وأضاف الحنابلة: ولو في ضرورة، كمن هو في بلد ثلج، وخاف سقوط أصابعه بخلع الخف المغصوب أو الحرير،فلا يستبيح المسح عليه؛ لأنه منهي عنه في الأصل، وهذه ضرورة نادرة، فلا حكم لها. ولا يجوز عند الحنابلة للمحرم المسح على الخفين ولو لحاجة. والأصح عند الشافعية: أنه لا يشترط هذا الشرط، فيكفي المسح على المغصوب، والديباج الصفيق، والمتخذ من فضة أو ذهب، للرجل وغيره، كالتيمم بتراب مغصوب. ويستثنى من ذلك المُحرِم بنسك اللابس للخف؛ لأن المحرم منهي عن اللبس من حيث هو لبس، أما النهي عن لبس المغصوب ونحوه فلأنه متعدٍ في استعمال مال الغير.\r5 ً - ألا يصف الخف القدم لصفائه أو لخفته: هذا شرط عند الحنابلة، فلا يصح المسح على الزجاج الرقيق؛ لأنه غير ساتر لمحل الفرض، ولا على ما يصف البشرة لخفته.\rوالمطلوب عند المالكية أن يكون الخف من جلد كما بينت، وعند الحنفية والشافعية: أن يكون مانعاً من نفوذ الماء إلى الرِجْل من غير محل الخرز، لو صب عليه، لعدم صفاقته، وبناء عليه يصح المسح على خف مصنوع من «نايلون» سميك، ونحوه من كل شفاف، لأن القصد هو منع نفوذ الماء.\r-------------------------------\r(1) مغني المحتاج:6/1.","part":1,"page":427},{"id":429,"text":"6 ً - أن يبقى من مقدم القدم قدر ثلاث أصابع من أصغر أصابع اليد: اشترط الحنفية هذا الشرط في حالة قطع شيء من الرجل، ليوجد المقدار المفروض من محل المسح. فإذا قطعت رجل من فوق الكعب سقط غسلها ولا حاجة للمسح على خفها، ويمسح خف القدم الأخرى الباقية. وإن بقي من دون الكعب أقل من ثلاث أصابع، لا يمسح لافتراض غسل الجزء الباقي. وعليه فمن كان فاقداً مقدم قدمه لا يمسح على خفه ولو كان عقب القدم موجوداً، لأنه ليس محلاً لفرض المسح، ويفترض غسله.\rويصح عند الفقهاء الآخرين المسح على خف أي جزء باق من القدم مفروض غسله، فإذا لم يبق من محل الغسل شيء من الرجل، وصار برجل واحدة، مسح على خف الرجل الأخرى. ولا يجوز بحال أن يمسح على رجل أو ما بقي منها، ويغسل الأخرى، لئلا يجمع بين البدل والمبدل في محل واحد. خلاصة الشروط في المذاهب:\r1 ً - الحنفية: يشترط لجواز المسح على الخفين سبعة شرائط:\rالأول ـ لبسهما بعد غسل الرجلين، ولو قبل تمام الوضوء، إذا أتمه قبل حصول ناقض للوضوء.\rالثاني ـ سترهما للكعبين.\rالثالث ـ إمكان متابعة المشي فيهما.\rالرابع ـ خلو كل منهما عن خرق قدر ثلاث أصابع من أصغر أصابع القدم.\rالخامس ـ استمساكهما على الرجلين من غير شد.\rالسادس ـ أن يبقى ـ في حالة قطع شيء من القدم ـ من مقدم القدم قدر ثلاث أصابع من أصغر أصابع اليد.\r2 ً - المالكية: لجواز المسح على الخف أحد عشر شرطاً: ستة في الممسوح وخمسة في الماسح. أما شروط الماسح فقد ذكرتها في بحث أول شرط متفق عليه. وأما شروط الممسوح فهي ما يأتي:\rالأول ـ كون الممسوح جلداً، فلا يصح المسح على غيره.\rالثاني ـ أن يكون طاهراً، احترازاً من جلد الميتة ولو مدبوغاً.\rالثالث ـ أن يكون مخروزاً، لا إن لزق بنحو رسراس.","part":1,"page":428},{"id":430,"text":"الرابع ـ أن يكون له ساق ساتر لمحل الفرض في الغسل، بأن يستر الكعبين، فلا يصح المسح على غير الساتر لهما. الخامس ـ أن يمكن المشي فيه عادة، احترازاً من الواسع الذي ينسلت من الرجل عند المشي فيه.\r3 ً - الشافعية: يشترط لجواز مسح الخف أمران:\rأحدهما ـ أن يلبسه بعد طهارة كاملة من الحدثين الأصغر والأكبر.\rالثاني ـ أن يكون الخف طاهراً قوياً، يمكن تتابع المشي عليه في الحاجة (1) ، ساتراً لمحل فرض الغسل (وهو القدم بكعبيه من سائر الجوانب لا من الأعلى) (2) ، مانعاً لنفوذ الماء من غير الخرز والشق. ويجوز في الأصح مشقوق قدم شد بالعرا بحيث لا يظهر شيء من محل الفرض إذا مشى، أي يكفي المسح عليه.\r4 ً - الحنابلة: يشترط لجواز المسح على الخف سبعة شروط:\rالأول ـ أن يلبس الخفان بعد كمال الطهارة بالماء.\rالثاني ـ أن يثبت بنفسه أو بنعلين، ولا يصح المسح على خف يثبت بشده فقط، لكن يصح المسح على خف يثبت بنفسه، لكن يبدو بعضه، ويشد بالعرا كالزربول الذي له ساق، فيدخل بعضها في بعض، فيستتر بذلك محل الفرض.\rالثالث ـ إباحته، فلا يصح المسح على خف مغصوب ولا حرير، ولو في ضرورة.\rالرابع ـ إمكان المشي فيه عرفاً، ولو لم يكن معتاداً، فيصح المسح على خف من جلود ولبود وخشب وزجاج وحديد ونحوها؛ لأنه خف ساتر يمكن المشي فيه.\rالخامس ـ طهارة عينه، فلا يصح المسح على نجس، ولو في ضرورة، وفي حال الضرورة: يتيمم للرجلين، إذ لا بد من غسلهما.\r-------------------------------\r(1) أي الحاجة التي تقع في مدة لبسه: وهي ثلاثة أيام ولياليها للمسافر، ويوم وليلة للمقيم، فلا يجزئ نحو رقيق يتخرق بالمشي عن قرب.\r(2) فلو رئي القدم من أعلاه، كأن كان واسع الرأس لم يضر.","part":1,"page":429},{"id":431,"text":"السادس ـ ألا يصف القدم لصفائه كالزجاج الرقيق؛ لأنه غير ساتر لمحل الفرض، فلا يصح المسح على خف فيه خرق أو غيره، يبدو منه بعض القدم، ولو من موضع الخرز، لعدم ستره محل الفرض. فإن انضم الخرق ونحوه بلبسه، جاز المسح عليه، لحصول الشرط، وهو ستر محل الفرض.\rالسابع ـ ألا يكون واسعاً يرى منه محل الفرض.\rرابعاً ـ مدة المسح على الخفين:\rللفقهاء رأيان في توقيت مدة المسح، المالكية لم يؤقتوا، والجمهور أقتوا مدة. أما المالكية (1) فقالوا: يجوز المسح على الخف من غير توقيت بزمان، مالم يخلعه، أو تصيبه جنابة، فيجب حينئذ خلعه للاغتسال، وإن خلعه انتقض المسح، ووجب غسل الرجل، وإن وجب الاغتسال لم يمسح، لأن المسح إنما هو في الوضوء. وبالرغم من عدم وجوب نزع الخف في مدة معينة، فإنهم قالوا: يندب نزع الخف كل أسبوع مرة في مثل اليوم الذي لبسه فيه.\rواستدلوا بما يأتي:\r1ً - حديث أُبيّ بن عمارة، قال: قلت: يا رسول الله، أمسح على الخفين؟ قال: نعم، قلت: يوماً؟ قال: يوماً، قلت: يومين؟ قال: ويومين،قلت: وثلاثة؟ قال:وما شئت» (2) .\r2ً - روي عن جماعة من الصحابة ذكرالمسح بدون توقيت، منهم عمر، ومنهم أنس بن مالك عند الدارقطني.\r3ً - إنه مسح في طهارة، فلم يتوقت كمسح الرأس والجبيرة؛ لأن التوقيت غير مؤثر في نقض الطهارة، لأن النواقض هي الأحداث من بول أو غائط ونحوهما، وهذا القياس يعارض الأخبار الدالة على توقيت المسح بمدة معينة، فيعمل به، بسبب معارضة حديث ابن عمارة لها.\rوأما الجمهور فقالوا: مدة المسح للمقيم يوم وليلة، وللمسافر ثلاثة أيام بلياليها (3) ، ويرى الحنفية أن المسافر العاصي بسفره كغيره من المسافرين، وأما الشافعية والحنابلة فيجعلون مدة المسح له كالمقيم.\r-------------------------------\r(1) الشرح الصغير:154/1،158، الشرح الكبير:142/1، بداية المجتهد:20/1، القوانين الفقهية: ص39\r(2) رواه أبو داود، وقال: وقد اختلف في إسناده وليس بالقوي، وقال البخاري نحوه، وقال الإمام أحمد: رجاله لا يعرفون، وأخرجه الدارقطني، وقال: هذا إسناده لا يثبت، وفي إسناده ثلاثة مجاهيل، وأخرجه ابن ماجه، وقال ابن عبد البر: وليس له إسناد قائم، وبالغ الجوزقاني فذكره في الموضوعات (نيل الأوطار:182) قال الشوكاني: وما كان بهذه المرتبة لا يصح الاحتجاج به على فرض عدم المعارض، فالحق توقيت المسح بالثلاث للمسافر، واليوم والليلة للمقيم.\r(3) فتح القدير: 102/1،107، تبيين الحقائق:48/1، البدائع:8/1، مغني المحتاج:64/1، المهذب:20/1، كشاف القناع:128/1وما بعدها، المغني:282/1-287،291 وما بعدها.","part":1,"page":430},{"id":432,"text":"وأدلتهم هي الأحاديث الثابتة الواردة بمشروعية المسح، منها: حديث علي المتقدم: «للمسافر ثلاثة أيام وليالِيهن، وللمقيم يوم وليلة» (1)\rومنها: حديث خزيمة بن ثابت: «للمسافر ثلاثة أيام ولياليهن، وللمقيم يوم وليلة» (2) .\rومنها حديث صفوان بن عَسَّال، قال: أَمَرنا يعني النبي صلّى الله عليه وسلم أن نمسح على الخفين إذا نحن أدخلناهما على طُهر، ثلاثاً إذا سافرنا، ويوماً وليلة إذا أقمنا، ولا نخلعهما من غائط ولا بول ولا نوم، ولا نخلعهما إلا من جنابة» (3) .\rومنها حديث عوف بن مالك الأشجعي «أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم أمر بالمسح على الخفين في غزوة تبوك ثلاثة أيام ولياليهن للمسافر، ويوماً وليلة للمقيم» (4) وثبت القول بالتوقيت عن عمر وعلي وابن مسعود وابن عباس، وأبي زيد، وشريح، وعطاء، والثوري، وإسحاق.\r-------------------------------\r(1) رواه أحمد ومسلم والنسائي وابن ماجه.\r(2) رواه أحمد وأبو داود والترمذي وصححه.\r(3) رواه أحمد وابن خزيمة، وقال الخطابي: هو صحيح الإسناد (نيل الأوطار:181/1-183).\r(4) رواه الإمام أحمد، وقال: هو أجود حديث في المسح على الخفين؛ لأنه في غزوة تبوك، وهي آخر غزوة غزاها النبي صلّى الله عليه وسلم ،وهو آخر فعله.","part":1,"page":431},{"id":433,"text":"والحق القول بتوقيت المسح، لأن حديث ابن عمارة لم يثبت، ويحتمل أنه منسوخ بهذه الأحاديث الصحيحة؛ لأنها متأخرة، لكون حديث عوف في غزوة تبوك، وليس بينها وبين رسول الله صلّى الله عليه وسلم إلا شيء يسير. وقياس المالكية ينتقض بالتيمم.\rبدء المدة: وتبدأ عند الجمهور مدة المسح المقررة من تمام الحدث بعد لبس الخف إلى مثله من اليوم الثاني للمقيم، ومن اليوم الرابع للمسافر؛ لأن وقت جواز المسح (أي الرافع للحدث) يدخل بذلك، فاعتبرت مدة المسح بدءاً منه كالصلاة يبدأ وقتها من حين جواز فعلها، ولأن حديث صفوان بن عسال المتقدم: «أمرنا ألا ننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليهن، إلا من جنابة، ولكن من غائط ونوم وبول» يدل بمفهومه: أنها تنزع لثلاث مضين من الغائط، ولأن الخف مانع سراية الحدث ( أي وصوله إلى الرجل) فتعتبر المدة من وقت المنع، أي من وقت منع الحدث عن الرجل.\rوعلى هذا: من توضأ عند طلوع الفجر، ولبس الخف، ثم أحدث بعد طلوع الشمس، ثم توضأ ومسح بعد الزوال، فيمسح المقيم إلى وقت الحدث من اليوم الثاني: وهو ما بعد طلوع الشمس من اليوم الثاني، ويمسح المسافر إلى ما بعد طلوع شمس اليوم الرابع.","part":1,"page":432},{"id":434,"text":"وإذا مسح خفيه مقيماً حالة الحضر، ثم سافر، أو عكس بأن مسح مسافراً ثم أقام، أتم عند الشافعية والحنابلة مسح مقيم؛ تغليباً للحضر؛ لأنه الأصل. فيقتصر في الحالتين على يوم وليلة. وعند الحنفية: من ابتدأ المسح وهو مقيم فسافر قبل تمام يوم وليلة، مسح ثلاثة أيام ولياليها؛ لأنه صار مسافراً، والمسافر يمسح مدة ثلاثة أيام، ولو أقام مسافر إن استكمل مدة الإقامة، نزع الخف؛ لأن رخصة السفر لا تبقى بدونه، وإن لم يستكمل أتمها لأن هذه مدة الإقامة، وهو مقيم.\rوإن شك، هل ابتدأ المسح في السفر أو الحضر، بنى عند الحنابلة (1) على المتيقن وهو مسح حاضر (مقيم)؛ لأنه لا يجوز المسح مع الشك في إباحته.\rوقال الشافعية (2) : ولا مسح لشاكّ في بقاء المدة، انقضت أو لا، أو شك المسافر، هل ابتدأ في السفر أو في الحضر؛ لأن المسح رخصة بشروط، منها المدة، فإذا شك فيها رجع إلى الأصل وهو الغسل.\rخامساً ـ مبطلات (أو نواقض) المسح على الخفين:\rيبطل المسح على الخف بالحالات الآتية (3) :\r1 ً - نواقض الوضوء: ينتقض المسح على الخف بكل ناقض للوضوء؛ لأنه بعض الوضوء، ولأنه بدل فينقضه ناقض الأصل. وحينئذ يتوضأ، ويمسح، إذا كانت مدة المسح باقية. فإن انتهت المدة يعاد الوضوء وغسل الرجلين.\r-------------------------------\r(1) المغني:292/1.\r(2) معني المحتاج:67/1.\r(3) فتح القدير:105/1وما بعدها، البدائع:12/1وما بعدها، الدر المختار :254/1-256، مراقي الفلاح: ص22، الشرح الصغير:156/1-158، الشرح الكبير:145/1-147، مغني المحتاج:68/1، المهذب:22/1، المغني: 287/1، كشاف القناع:136/1وما بعدها.","part":1,"page":433},{"id":435,"text":"2 ً - الجنابة ونحوها: إن أجنب لابس الخف، أو حدث منه موجب غسل كحيض في أثناء المدة، بطل المسح، ووجب غسل الرجلين. فإن أراد المسح على الخف بعد الغسل، جدد لبسه، لحديث صفوان بن عسال السابق: «كان رسول الله صلّى الله عليه وسلم يأمرنا إذا كنا مسافرين أو سَفْراً (أي مسافرين) ألا ننزع خفافنا ثلاثة أيام بلياليهن، إلا من جنابة» وقيس بالجنابة غيرها، مما هو في معناها، كالحيض والنفاس والولادة.\r3 ً - نزع أحد الخفين أو كليهما، ولو كان النزع بخروج أكثر القدم إلى ساق الخف، ينتقض بذلك، لمفارقة محل المسح مكانه، وللأكثر حكم الكل.\rوفي هذه الحالة: يغسل عند الجمهور غير الحنابلة قدميه، لبطلان طهرهما؛ لأن الأصل غسلهما، والمسح بدل، فإذا زال حكم البدل، رجع إلى الأصل، كالتيمم بعد وجود الماء.\rولا يكتفى بغسل الرجل المنزوع خفها، وإنما لا بد من غسل الرجلين؛ إذ لا يجوز الجمع بين غسل ومسح.\rوفي حالة نزع الخف الأعلى (الجرموق) قال المالكية: تجب المبادرة لمسح الأسفل، كما هو المقرر في الموالاة، وكما بينت سابقاً.\r4 ً - ظهور بعض الرجل بتخرق أو غيره كانحلال العرا ونحو ذلك: ينتقض الوضوء بذلك عند الشافعية والحنابلة،وبظهور قدر ثلاث أصابع من أصابع الرجل عند الحنفية، أو بقدر ثلث القدم عند المالكية، سواء أكان منفتحاً أم ملتصقاً بعضه ببعض، كالشق وفتق الخياطة مع التصاق الجلد بعضه ببعض، أم أقل من الثلث أيضاً إن انفتح بأن ظهرت الرجل منه، لا إن التصق. فإن كان المنفتح يسيراً جداً، بحيث لا يصل بلل اليد حال المسح لما تحته من الرجل، فلا يضر.\r5 ً - إصابة الماء أكثر إحدى القدمين في الخف، على الصحيح: هذا ناقض للمسح على الصحيح عند الحنفية، كما لو ابتل جميع القدم، فيجب قلع الخف وغسل الرجلين، تحرزاً عن الجمع بين الغسل والمسح، فلا يغسل قدماً ويمسح على الأخرى؛ إذ هو لا يجوز.","part":1,"page":434},{"id":436,"text":"6 ً - مضي المدة: وهي اليوم والليلة للمقيم، والثلاثة الأيام بلياليها للمسافر؛ لأن أحاديث المسح عن علي وخزيمة وصفوان حددت للمسح هذه المدة.\rوالواجب في هذه الحالة والأحوال الثلاثة السابقة (نزع الخف، وظهور بعض الرجل أو أكثرها بحسب الخلاف المتقدم) عند الحنفية، والمالكية، والراجح عند الشافعية، وهو بطهر المسح في جميع ذلك: غسل الرجلين فقط، دون تجديد الوضوء كله، إذا ظل متوضئاً، لأن أثر الحدث اقتصر على الخف، أو لبطلان طهر القدمين فقط، وبما أن الأصل غسلهما، والمسح بدل، فإذا زال حكم البدل رجع إلى الأصل، كالتيمم بعد وجود الماء.\rواستثنى الحنفية هنا حالة الضرورة: وهي الخوف من ذهاب رجله من البرد، فلا يقلع الخفين، وإنما يجوز له المسح حتى يأمن، أي بدون توقيت، ويلزمه استيعاب المسح جميع الخف، كمسح الجبائر.\rوالواجب بعد مضي المدة أو خلع الخف عند الحنابلة: هو استئناف الطهارة (تجديد الوضوء كله)؛ لأن الوضوء عبادة يبطلها الحدث، فتبطل كلها ببطلان بعضها، كالصلاة، أي أن الحدث لا يتبعض ولا يتجزأ، فإذا خلع أو مضت المدة، عاد الحدث إلى العضو الذي مسح الخف عنه، فيسري إلى بقية الأعضاء، فيستأنف الوضوء، ولو قرب الزمن.\rوالخلاصة: أن نواقض المسح عند الحنفية أربعة أشياء:\rكل ناقض للوضوء، ونزع الخف ولو بخروج أكثر القدم إلى ساق الخف، وإصابة الماء أكثر إحدى القدمين في الخف على الصحيح، ومضي المدة إن لم يخف ذهاب رجله من البرد، فيجوز له المسح حينئذ حتى يأمن الضرر.","part":1,"page":435},{"id":437,"text":"سادساً ـ المسح على العمامة:\rقال الحنفية (1) : لا يصح المسح على عِمامة وقَلنسُوة وبُرْقع وقُفَّازين (2) ؛ لأن المسح ثبت بخلاف القياس، فلا يلحق به غيره.\rوقال الحنابلة (3) : من توضأ من الذكور ثم لبس عمامة، ثم أحدث وتوضأ، جاز له المسح على العمامة أي عمامة الذكور، لقول عمرو بن أمية الضَّمْري: «رأيت رسول الله صلّى الله عليه وسلم يمسح على عمامته وخفيه» (4) ، وقال المغيرة بن شعبة: «توضأ رسول الله صلّى الله عليه وسلم ، ومسح على الخفين، والعمامة» (5) ، وعن بلال قال: « مسح رسول الله صلّى الله عليه وسلم على الخفين والخمار» (6) ، وبه قال أبو بكر وعمر وأنس وأبو أمامة. روى الخلال عن عمر: «من لم يطهره المسح على العمامة، فلا طهره الله» .\rوالواجب مسح أكثر العمامة، لأنها بدل كالخف، وتمسح دوائرها دون وسطها لأنه يشبه أسفل الخف، ولا يجب أن يمسح معها ما جرت العادة بكشفه؛ لأن العمامة نابت عن الرأس، فانتقل الفرض إليها، وتعلق الحكم بها. ولا يجوز المسح على القلنسوة.\rويصح المسح على العمامة بشروط :\r1ً - إذا كانت مباحة بألا تكون محرمة كمغصوبة أو حرير.\r2ً - أن تكون محنَّكة: وهي التي يدار منها تحت الحنك كَوْر، أو كَوران، سواء أكان لها ذؤابة أم لا؛ لأنها عمامة العرب، ويشق نزعها، وهي أكثر ستراً.\r-------------------------------\r(1) مر اقي الفلاح: ص23، فتح القدير:109/1، اللباب:54/1 وما بعدها.\r(2) العمامة: غطاء الرأس، والقُفَّاز: يعمل لليدين محشواً بقطن له أزرار، يُزَرُّ على الساعدين من البرد، تلبسه النساء، ويتخذه الصياد من جلد أو لبد، اتقاء مخالب الصقر. والقَلَنسُوة: لباس للرأس مختلف الأنواع والأشكال، والبُرْقُع: النقاب الذي تضعه نساء الأعراب على وجوههن.\r(3) كشاف القناع:126/1وما بعدها، 134 وما بعدها، المغني:300/1-304.\r(4) رواه أحمد والبخاري وابن ماجه.\r(5) رواه مسلم، والترمذي وصححه.\r(6) رواه الجماعة إلا البخاري وأبا داود، وفي رواية لأحمد: أن النبي صلّى الله عليه وسلم قال: «امسحوا على الخفين والخمار» (نيل الأوطار:164/1).","part":1,"page":436},{"id":438,"text":"أو تكون ذات ذؤابة: وهي طرف العمامة المرخي؛ لأن إرخاء الذؤابة من السنة، قال ابن عمر: «عمَّ النبي صلّى الله عليه وسلم عبد الرحمن بعمامة سوداء، وأرخاها من خلفه، قدر أربع أصابع» . فلا يجوز المسح على العمامة الصماء، لأنها لم تكن عمامة المسلمين، ولا يشق نزعها، فهي كالطاقية.\r3ً - أن تكون لذكر، لا أنثى؛ لأنها منهية عن التشبه بالرجال، فلا تمسح أنثى على عمامة، ولو لبستها لضرورة برد وغيره.\r4ً - أن تكون ساترة لما لم تجر العادة بكشفه، كمقدم الرأس والأذنين وجوانب الرأس.\rوقال المالكية (1) : يجوز المسح على عمامة خيف بنزعها ضرر، ولم يقدر على مسح ماتحتها مما هي ملفوفة عليه كالقلنسوة. فإن قدر على مسح بعض الرأس، أتى به وكمل على العمامة.\rوقال الشافعية: لايجوز الاقتصار على مسح العمامة، لحديث أنس السابق: «رأيت رسول الله صلّى الله عليه وسلم يتوضأ، وعليه عمامة قِطْرية ( من صنع قَطَر )، فأدخل يده تحت العمامة فمسح مقدَّم رأسه، ولم ينقض العمامة» (2) ؛ ولأن الله فرض المسح على الرأس، والحديث في العمامة محتمل التأويل، فلا يترك المتيقن للمحتمل، والمسح على العمامة ليس بمسح على الرأس.\rقال الشوكاني (3) : والحاصل أنه قد ثبت المسح على الرأس فقط، وعلى العمامة فقط، وعلى الرأس والعمامة، والكل صحيح ثابت، فقصر الإجزاء على بعض ماورد لغير موجب، ليس من دأب المنصفين.\rسابعاً - المسح على الجوارب:\rاتفق الفقهاء على جواز المسح على الجوربين (4) إذا كانا مجلَّدين أو منعلين (5) ، واختلفوا في الجوربين العاديين على اتجاهين:\r-------------------------------\r(1) الشرح الكبير:163/1، الشرح الصغير:203/1 وما بعدها.\r(2) رواه أبو داود، قال الحافظ ابن حجر: في إسناده نظر (نيل الأوطار:157/1).\r(3) نيل الأوطار:166/1.\r(4) الجورب: لفافة الرجل، قال الزركشي: هو غشاء من صوف يتخذ للدفء. وقال في شرح المنتهى عند الحنابلة: ولعله اسم لكل ما يلبس في الرجل، على هيئة الخف من غير الجلد، أي سواء أكان مصنوعاً من صوف أو قطن أو شعر أو جوخ أو كتان.\r(5) يقال أنعلت خفي ودابتي، ونعَّلت بالتشديد، والخفان منعلان بسكون النون، أو منعلان بتشديد العين وفتح النون.","part":1,"page":437},{"id":439,"text":"اتجاه يمثله جماعة: وهم أبو حنيفة والمالكية والشافعية: لايجوز، واتجاه آخر يمثله الحنابلة، والصاحبان من الحنفية وعلى رأيهما الفتوى: يجوز.\rوهذه آراء المذاهب (1) :\rقال أبو حنيفة: لايجوز المسح على الجوربين، إلا أن يكونا مجلَّدين أو منعلين، لأن الجورب ليس في معنى الخف؛ لأنه لايمكن مواظبة المشي فيه، إلا إذا كان منعلاً، وهو محمل الحديث المجيز للمسح على الجورب.\rوالمجلد: هو الذي وضع الجلد أعلاه وأسفله.\rإلا أنه رجع إلى قول الصاحبين في آخر عمره، ومسح على جوربيه في مرضه،وقال لعواده: فعلت ماكنت أمنع الناس عنه، فاستدلوا به على رجوعه. وقال الصاحبان، وعلى رأيهما الفتوى في المذهب الحنفي: يجوز المسح على الجوربين إذا كانا ثخينين، لا يشفان ( لا يرى ما وراءهما )؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلم مسح على جوربيه (2) ، ولأنه يمكن المشي في الجورب إذا كان ثخيناً، كجوارب الصوف اليوم. وبه تبين أن المفتى به عند الحنفية: جواز المسح على الجوربين الثخينين، بحيث يمشي عليهما فرسخاً فأكثر، ويثبت على الساق بنفسه، ولا يرى ما تحته ولا يشف. واشترط المالكية كأبي حنيفة: أن يكون الجوربان مجلّدين ظاهرهما وباطنهما، حتى يمكن المشي فيهما عادة، فيصيران مثل الخف. وهو محمل أحاديث المسح على الجوربين.\r-------------------------------\r(1) الدر المختار:248/1 وما بعدها، فتح القدير:108/1 وما بعدها، البدائع:10/1، مراقي الفلاح: ص21، بداية المجتهد: 19/1، الشرح الصغير:153/1، الشرح الكبير:141/1، مغني المحتاج:66/1، المجموع:539/1 وما بعدها، المهذب:21/1، المغني:295/1، كشاف القناع:124/1، 130.\r(2) روي من حديث المغيرة بن شعبة عند أصحاب السنن الأربعة، قال الترمذي: حديث حسن صحيح، ومن حديث أبي موسى عند ابن ماجه والطبراني، ومن حديث بلال عند الطبراني، وفي الأخيرين ضعف (نصب الراية:184/1 وما بعدها).","part":1,"page":438},{"id":440,"text":"وأجاز الشافعية المسح على الجورب بشرطين:\rأحدهما ـ أن يكون صفيقاً لا يشف بحيث يمكن متابعة المشي عليه.\rوالثاني ـ أن يكون منعلاً.\rفإن اختل أحد الشرطين لم يجز المسح عليه، لأنه لا يمكن متابعة المشي عليه حينئذ كالخرقة. قال البيهقي عن حديث المغيرة «أن النبي صلّى الله عليه وسلم مسح على جوربيه ونعليه» : إنه ضعيف، وضعف المحدثون حديثي أبي موسى وبلال.\rوأباح الحنابلة المسح على الجورب بالشرطين المذكورين في الخف وهما:\rالأول ـ أن يكون صفيقاً لا يبدو منه شيء من القدم.\rالثاني ـ أن يمكن متابعة المشي فيه، وأن يثبت بنفسه.\rودليلهم ما روي من إباحة المسح على الجوربين عن تسعة من الصحابة: علي وعمار، وابن مسعود، وأنس، وابن عمر، والبراء، وبلال، وابن أبي أوفى، وسهل بن سعد، وبه قال جماعة من مشاهير التابعين كعطاء والحسن البصري وسعيد بن المسيب وابن جبير والنخعي والثوري.\rوثبت في السنة النبوية المسح على الجوربين منها:\rحديث المغيرة: «أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم توضأ، ومسح على الجوربين والنعلين» (1) .\rوحديث بلال: «رأيت رسول الله صلّى الله عليه وسلم يمسح على المُوقَين والخمار» (2) .\r-------------------------------\r(1) رواه الخمسة إلا النسائي وصححه الترمذي. وروي هذا الحديث عن أبي موسى الأشعري، وليس بالمتصل ولا بالقوي (نيل الأوطار:179/1) ويلاحظ أن الزيلعي ذكر النسائي من رواة حديث المغيرة، ولكن ابن تيمية في منتقى الأخبار استثنى النسائي.\r(2) رواه أحمد والترمذي والطبراني، والموق: الذي يلبس فوق الخف، أو الخف المقطوع الساقين. والخمار: العمامة، أو النصيف في رواية سعيد بن منصور عن بلال: «امسحوا على النصيف والخمار» (المرجع السابق).","part":1,"page":439},{"id":441,"text":"والراجح رأي الحنابلة لاستناده لفعل الصحابة والتابعين، ولما ثبت عن النبي صلّى الله عليه وسلم في حديث المغيرة. وهو الرأي المفتى به عند الحنفية.\rويمسح على الجوربين إلى خلعهما مدة يوم وليلة للمقيم، وثلاثة أيام للمسافر، ويجب عند الحنابلة أن يمسح على الجوربين، وعلى سيور النعلين، بقدر الواجب في المسح على الخفين.\rثامناً ـ المسح على الجبائر:\rمعنى الجبيرة، مشروعية المسح عليها، حكمه، شرائط جواز المسح على الجبيرة، القدر المطلوب مسحه، هل يجمع بين المسح والتيمم؟ هل تجب إعادة الصلاة بعده؟ نواقض المسح على الجبيرة، الفوارق بينه وبين المسح على الخفين.\rمعنى الجبيرة: الجبيرة والجِبارة: خشب أو قصب يسوّى ويشد على موضع الكسر أو الخلع لينجبر (1) . وفي معناها: جبر الكسور بالجِبْس، وفي حكمها: عصابة الجراحة ولو بالرأس، وموضع الفصد (2) والكي، وخرقة القرحة، ونحو ذلك من مواضع العمليات الجراحية. قال ابن جزي المالكي: الجبائر: هي التي تشد على الجراح والقروح والفصادة (3) .\rمشروعية المسح على الجبيرة: المسح على الجبائر جائز شرعاً بالسنة والمعقول.\rأما السنة: فأحاديث منها: حديث علي بن أبي طالب، قال: «انكسرت إحدى زندي، فسألت النبي صلّى الله عليه وسلم ، فأمرني أن أمسح على الجبائر» (4) .\rومنها حديث جابر في الرجل الذي شُجَّ (كسر) فاغتسل، فمات، فقال النبي\r-------------------------------\r(1) مغني المحتاج:94/1، وعرفها ابن قدامة في المغني:277/1: ما يعد لوضعه على الكسر لينجبر.\r(2) يقال: فصد المريضَ: أخرج مقداراً من دم وريده بقصد العلاج.\r(3) القوانين الفقهية: ص39 .\r(4) رواه ابن ماجه والدارقطني والبيهقي بسند واه جداً (نصب الراية:186/1 وما بعدها، سبل السلام:99/1).","part":1,"page":440},{"id":442,"text":"صلّى الله عليه وسلم : «إنما كان يكفيه أن يتيمم، ويَعْصِب على جُرْحه خِرْقة، ثم يمسح عليها، ويغسل سائر جسده» (1) .\rوأما المعقول: فهو أن الحاجة تدعو إلى المسح على الجبائر؛ لأن في نزعها حرجاً وضرراً. قال المرغيناني في الهداية: إن الحرج فيه فوق الحرج في نزع الخف، فكان أولى بشرع المسح (2) .\rحكمه ـ هل المسح على الجبيرة واجب أو سنة؟\rقال أبو حنيفة وصاحباه (3) في الأصح وعليه الفتوى: المسح على الجبائر واجب؛ وليس بفرض، لكن قال أبو حنيفة: وإذا كان المسح على الجبيرة يضره سقط عنه المسح؛ لأن الغسل يسقط بالعذر، فالمسح أولى. ودليل الوجوب: أن الفرضية لاتثبته إلا بدليل مقطوع به. وحديث علي ـ المتقدم ـ من أخبار الآحاد، فلا تثبت الفرضية به. وبه يظهر أن الإمام وصاحبيه اتفقوا على الوجوب بمعنى عدم جواز الترك، لكن عنده يأثم بتركه فقط مع صحة الصلاة بدونه، ووجوب إعادتها، فهو يريد الوجوب الأدنى، وعندهما: لا تصح الصلاة بدونه فهما أرادا الوجوب الأعلى.\rوقال الجمهور (المالكية والشافعية والحنابلة) (4) : المسح على الجبائر بماء\r-------------------------------\r(1) رواه أبو داود بسند ضعيف. وقال البيهقي: هذا الحديث أصح ما روي في هذا الباب، مع اختلاف في إسناده (نصب الراية:187/1، سبل السلام:99/1) قال الشوكاني: (نيل الأوطار:258/1): وقد تعاضدت طرق حديث جابر، فصلح للاحتجاج به على المطلوب، وقوي بحديث علي، ولكن حديث جابر قد دل على الجمع بين الغسل والمسح والتيمم.\r(2) فتح القدير:109/1.\r(3) البدائع:13/1 وما بعدها، رد المحتار لابن عابدين: 257/1. وهذا هو التحقيق خلافاً لما ذكر في البدائع: أن المسح عند أبي حنيفة مستحب لا واجب، وعند الصاحبين: واجب.\r(4) الشرح الصغير:202/1، الشرح الكبير: 163/1، مغني المحتاج:94/1 وما بعدها، بجيرمي الخطيب:262/1-265، المغني: 286/1، كشاف القناع:127/1 وما بعدها،135 وما بعدها، القوانين الفقهية: ص39، المهذب:37/1.","part":1,"page":441},{"id":443,"text":"واجب أي فرض، استعمالاً للماء ما أمكن، وقياساً على الخفين بجامع الضرورة وبطريق الأولى، وللأمر به في حديث علي ـ مع ضعفه ـ : «امسح على الجبائر» والأمر للوجوب.\rولا يجوز اتفاقاً المسح على جبيرة رِجْل مع مسح خف الأخرى الصحيحة، وإنما يجمع بين المسح والغسل.\rشرائط المسح على الجبيرة: يشترط لجوازه ما يأتي (1) :\r1ً - ألا يمكن نزع الجبيرة، أو يخاف من نزعها بسبب الغسل حدوث مرض، أو زيادته، أو تأخر البرء كما في التيمم. قال المالكية: يجب المسح إن خيف هلاك أو شدة ضرر أو أذى، كتعطيل منفعة من ذهاب سمع أو بصر مثلاً، ويجوز إن خيف شدة الألم أو تأخره بلا شين، أو رمد أو دمل أو نحوها.\rوذلك إذا كان الجرح ونحوه في أعضاء الوضوء في حالة الحدث الأصغر، أو في الجسد في حالة الحدث الأكبر.\r2ً - ألا يمكن غسل أو مسح الموضع نفسه بسبب الضرر، فإن قدر عليه فلا مسح على الجبيرة، وإنما يمسح على عين الجراحة إن لم يضر المسح بها، ولا يجزئه المسح على الجبيرة، وإن لم يستطع مسح على الجبيرة. قال المالكية: والأرمد الذي لا يستطيع المسح على عينيه أو جبهته إن خاف الضرر، يضع خرقة على العين أو الجبهة ويمسح عليها. وقال الحنفية: يترك المسح كالغسل إن ضر، وإلا لا يترك.\rوقال الشافعية: لا يمسح على محل المرض بالماء، وإنما يغسل الجزء الصحيح ويتيمم عن الجزء العليل، ويمسح على الجبيرة إن وجدت.\r-------------------------------\r(1) البدائع:13/1، الدر المختار:58/1، المراجع السابقة.","part":1,"page":442},{"id":444,"text":"3ً - ألا تتجاوز الجبيرة محل الحاجة، فإن تجاوزت الجبيرة محل الحاجة، وهو مالا بد منه للاستمساك، وجب نزعها، ليغسل الجزء الصحيح من غير ضرر لأنها\rطهارة ضرورة، فتقدر بقدرها، فإن خاف من نزعها تلفاً أو ضرراً، تيمم لزائد على قدر الحاجة، ومسح ما حاذى محل الحاجة، وغسل ما سوى ذلك، فيجمع إذن بين الغسل والمسح والتيمم، ولا يجب مسح موضع العلة بالماء، وإن لم يخف منه، لأن الواجب إنما هو الغسل، لكن يستحب المسح، ولا يجب عليه وضع ساتر على العليل ليمسح على الساتر؛ لأن المسح رخصة؛ فلا يليق بها وجوب المسح.\rوهذا شرط ذكره الشافعية والحنابلة. وأوجب الشافعية أيضاً التيمم مطلقاً كما سيأتي.\rوقال الحنفية عملاً بما ذكر الحسن بن زياد: إن كان حل الخرقة، وغسل ما تحتها من حوالي الجراحة، مما يضر بالجرح، يجوز المسح على الخرقة الزائدة ويقوم المسح عليها مقام غسل ماتحتها، كالمسح على الخرقة التي تلاصق الجراحة. وإن كان ذلك لا يضر بها، لا يجوز المسح إلا على الجراحة نفسها، ولا يجوز على الجبيرة؛ لأن الجواز على الجبيرةللعذر، ولا عذر. وهذا هو المقرر أيضاً عند المالكية، وبه يتبين أن الحنفية والمالكية لم يفرقوا بين ما إذا كانت الجبيرة قدر المحل المألوم أو زادت عنه للضرورة.","part":1,"page":443},{"id":445,"text":"4ً - أن توضع الجبيرة على طهارة مائية، وإلا وجبت إعادة الصلاة: هذا شرط عند الشافعية والحنابلة؛ لأن المسح على الجبيرة أولى من المسح على الخف، للضرورة فيها، ويشترط لبس الخف على طهارة (وضوء أو غسل). ولا تعاد الصلاة إن كانت الجبيرة بقدر الاستمساك، ووضعت على طهر، وغسل الصحيح، وتيمم عن الجريح، ومسح على الجبيرة. ولو شد الجبيرة على غير طهارة، نزعها إن لم يتضرر، ليغسل ما تحتها، فإن خاف من نزعها تلفاً أو ضرراً، تيمم لغسل ما تحتها، ولو عمت الجبيرة فرض التيمم (الوجه واليدين) كفى مسحها بالماء عند الحنابلة، وسقط التيمم، ويعيد الصلاة عند الشافعية لأنه كفاقد الطهورين. ولم يشترط الحنفية والمالكية: وضع الجبيرة على طهارة، فسواء وضعها وهو متطهر أو بلا طهر، جاز المسح عليها ولا يعيد الصلاة إذا صح، دفعاً للحرج. وهذا هو المعقول؛ لأنه يغلب في وضعها عنصر المفاجأة، فاشتراط الطهارة وقتئذ فيه حرج وعسر.\r5ً - ألا يكون الجبر بمغصوب، ولا بحرير محرم على الذكر، ولا بنجس كجلد الميتة والخرقة النجسة، فيكون المسح حينئذ باطلاً، وتبطل الصلاة أيضاً. وهذا شرط عند الحنابلة.\rالقدر المطلوب مسحه على الجبيرة:\rالمفتى به عند الحنفية (1) : أنه يكفي مسح أكثر الجبيرة مرة، فلا يشترط استيعاب وتكرار، ونية اتفاقاً، كما لا تطلب النية في مسح الخف والرأس أو العمامة، والفرق بينه وبين مسح الرأس والمسح على الخفين، حيث لايشترط فيهما مسح الأكثر، وإنما يكفي مقدار ثلاث أصابع: أن مسح الرأس شرع بالقرآن بواسطة حرف الباء الذي اقتضى تبعيضه، والمسح على الخفين: إن ثبت بالقرآن بقراءة الجر: { وأرجلكم } [المائدة:6/5]، فحكمه حكم المعطوف عليه، وإن ثبت بالسنة، فهي أوجبت مسح البعض. أما المسح على الجبائر: فإنما ثبت بحديث علي رضي الله عنه، وليس فيه ما ينبئ عن البعض، إلا أن القليل سقط اعتباره دفعاً للحرج، وأقيم الأكثر مقامه.\r-------------------------------\r(1) الدر المختار:260/1، فتح القدير:109/1، البدائع:12/1.","part":1,"page":444},{"id":446,"text":"والواجب عند الجمهور (المالكية والشافعية والحنابلة) (1) : مسح الجبيرة كلها بالماء، استعمالاً للماء ما أمكن، ولأن مسحها بدل عن غسل ما تحتها، وما تحت الجبيرة كان يجب استيعابه بالغسل، فكذا المسح، ولا ضرر في تعميمها بالمسح، بخلاف الخف يشق تعميم جميعه، ويتلفه المسح.\rوأوضح المالكية والحنفية أن الواجب الأصلي هو غسل أو مسح المحل المجروح مباشرة إن أمكن بلا ضرر؛ فإن لم يستطع المسح عليه، مسح جبيرة الجرح: وهي اللزقة التي فيها الدواء الذي يوضع على الجرح ونحوه، أو على العين الرمداء؛ فإن لم يقدر على مسح الجبيرة أو تعذر حلها، مسحت عصابته التي تربط فوق الجبيرة. ولو تعددت العصائب، فإنه يمسح عليها. ولا يجزيه المسح على ما فوق العصائب إن أمكنه المسح على ما تحتها أو مسح أسفلها.\rولا يقدر المسح بمدة، بل له الاستدامة إلى الشفاء (الاندمال)؛ لأنه لم يرد فيه تأقيت، ولأن الساتر لا ينزع للجنابة، بخلاف الخف، ولأن مسحها للضرورة، فيقدر بقدرها، والضرورة قائمة إلى حلِّها أو برء الجرح عند الجمهور، وإلى البرء عند الحنفية.\rويمسح الجنب ونحوه متى شاء. ويمسح المحدث عند الشافعية والحنابلة وقت غسل الجزء العليل، عملاً بمبدأ الترتيب المطلوب عندهم، وله تقديم التيمم على المسح والغسل وهو أولى.\r-------------------------------\r(1) الشرح الكبير:163/1، الشرح الصغير:203/1، القوانين الفقهية: ص39، المهذب:37/1، مغني المحتاج:94/1 وما بعدها، بجيرمي الخطيب:262/1، كشاف القناع:128/1 وما بعدها،135.","part":1,"page":445},{"id":447,"text":"ويجب مسح الساتر، ولو كان به دم؛ لأنه يعفى عن ماء الطهارة (1) ، ومسحه بدل عما أخذه من الجزء الصحيح. فلو لم يأخذ الساتر شيئاً، أو أخذ شيئاً وغسله، لم يجب مسحه على المعتمد عند الشافعية.\rوذكر الشافعية: أنه لو برأ وهو على طهارة، بطل تيممه لزوال علته، ووجب غسل موضع العذر، جنباً كان أو محدثاً، ولا يجدد (يستأنف) الطهارة كلها، لأن بطلان بعضها لا يقتضي بطلان كلها، ويجب على المحدث عندهم أن\rيغسل ما بعد موضع العذر، رعاية للترتيب كما لو أغفل لمعة، بخلاف الجنب لا يغسل ما بعد موضع العذر، لعدم اشتراط الترتيب في الغسل، باتفاق الفقهاء.\rهل يجمع بين المسح على الجبيرة والتيمم؟\rيرى الحنفية والمالكية (2) : الاكتفاء بالمسح على الجبيرة، فهو بدل لغسل ما تحتها، ولا يضم إليه التيمم؛ إذ لا يجمع بين طهارتين.\rويرى الشافعية في الأظهر (3) : أنه يجمع بين المسح على الجبيرة والتيمم، فيغسل الجزء الصحيح، ويمسح على الجبيرة، ويتيمم وجوباً، لما روى أبو داود والدارقطني بإسناد كل رجاله ثقات عن جابر في المشجوج الذي احتلم واغتسل، فدخل الماء شجته، فمات: أن النبي صلّى الله عليه وسلم قال: «إنما كان يكفيه أن يتيمم، ويعصب على رأسه خرقة، ثم يمسح عليها، ويغسل سائر جسده» والتيمم بدل عن غسل العضو العليل، ومسح الساتر بدل عن غسل ما تحت أطرافه من الجزء الصحيح؛ لأن الغالب أن الساتر يأخذ زيادة على محل العلة. فلو كان الساتر بقدر العلة فقط، أو بأزيد وغسل الزائد كله، لا يجب المسح.\r-------------------------------\r(1) وعن الدم الذي عليه، وإن اختلط بماء المسح قصداً؛ لأنه ضروري، وتتوقف صحة المسح عليه (بجيرمي الخطيب، المكان السابق).\r(2) الدر المختار:258/1، الشرح الكبير: 163/1، الشرح الصغير:202/1.\r(3) مغني المحتاج:94/1، بجيرمي الخطيب: 262/1وما بعدها، حاشية الباجوري:101/1، المهذب: 37/1.","part":1,"page":446},{"id":448,"text":"ولو كان في بدنه جبائر كثيرة وأجنب وأراد الغسل، كفاه تيمم واحد عن الجميع؛ لأن بدنه كعضو واحد. وفي حالة الحدث الأصغر (الوضوء) يتعدد التيمم بعدد الأعضاء المريضة على الأصح، كما يتعدد مسح الجبيرة بتعددها. وعليه: إن كانت الجراحة في أعضاء الوضوء الأربعة ولم تعممها فلا بد من ثلاثة تيممات: الأول للوجه، والثاني لليدين، والثالث للرجلين، أما الرأس فيكفي فيه مسح ما قل منه، فإن عمت الجراحة الرأس فأربعة تيممات. وإن عمت الأعضاء كلها فتيمم واحد عن الجميع لسقوط الترتيب بسقوط الغسل.\rوتوسط الحنابلة (1) فرأوا أنه يجزئ المسح على الجبيرة، من غير تيمم، إذا لم تجاوز الجبيرة قدر الحاجة؛ لأنه مسح على حائل، فأجزأ من غير تيمم، كمسح الخف، بل أولى؛ إذ صاحب الضرورة أحق بالتخفيف (2) .\rويمسح ويتيمم إن تجاوزت الجبيرة محل الحاجة، أو خيف الضرر من نزعها، ويكون التيمم للزائد على قدر الحاجة، والمسح لما يحاذي محل الحاجة، والغسل لما سوى ذلك، فيجمع إذن بين الغسل والمسح والتيمم. وإذا لم يكن على الجرح عصاب، يغسل الصحيح ويتيمم للجرح. وهو في تقديري أولى الآراء. ويتعدد التيمم عندهم كما قرر الشافعية.\rهل تجب إعادة الصلاة بعد البرء؟\rالذين لم يشترطوا وضع الجبيرة على طهارة وهم المالكية والحنفية (3) ، ورأيهم هو الحق، لم يوجبوا إعادة الصلاة بعد الصحة من الجرح، لإجماع العلماء على جواز الصلاة، وإذا جازت الصلاة، لم تجب إعادتها.\rأما الذين اشترطوا وضع الجبيرة على طهارة وهم الشافعية والحنابلة (4) ، فقد أوجب الشافعية إعادة الصلاة، لفوات شرط الوضع على طهارة، ولو يوجبها الحنابلة إذا تيمم.\r-------------------------------\r(1) كشاف القناع:135/1وما بعدها، المغني:279/1وما بعدها.\r(2) وفند الحنابلة حديث الشجة، فقالوا: الاستدلال بقصه صاحب الشجة ضعيف بأنه يحتمل أن الواو فيه بمعنى ( أو )، ويحتمل أن التيمم فيه لشد العصابة فيه على غير طهارة (المرجع السابق).\r(3) القوانين الفقهية: ص39، الدر المختار:258/1.\r(4) بجيرمي الخطيب:265/1، كشاف القناع: 131/1.","part":1,"page":447},{"id":449,"text":"وتعاد الصلاة عند الشافعية في الأحوال الثلاثة التالية (1) .\r1 - إذا كانت الجبيرة في أعضاء التيمم (الوجه واليدين) مطلقاً، سواء على طهر أو حدث.\r2 - إذا وضعت الجبيرة على غير طهر (حدث) سواء في أعضاء التيمم أو في غيرها.\r3 - إذا زادت الجبيرة على قدر الحاجة أو الاستمساك، مطلقاً، سواء طهر أو حدث.\rولا تعاد الصلاة عندهم في حالتين وهما:\r1 - إذا كانت في غير أعضاء التيمم، ولم تأخذ من الصحيح شيئاً، ولو على حدث.\r2 - إذا كانت في غير أعضاء التيمم، ووضعها على طهر، ولو زادت على قدر الحاجة.\rنواقض المسح على الجبيرة:\rيبطل المسح على الجبيرة في حالتين هما (2) :\r1ً - نزعها وسقوطها: قال الحنفية: يبطل المسح على الجبيرة إن سقطت عن\r-------------------------------\r(1) بجيرمي الخطيب: 265/1، حاشية الباجوري:100/1، مغني المحتاج:107/1، المهذب:37/1.\r(2) البدائع:14/1، فتح القدير: 110/1، اللباب:46/1، مراقي الفلاح: ص23، القوانين الفقهية: ص39، الشرح الصغير:206/1، الشرح الكبير:166/1، بجيرمي الخطيب: 262/1، كشاف القناع: 136/1-137. برء، لزوال العذر، وإن كان في الصلاة، استأنف الصلاة بعد الوضوء الكامل؛ لأنه قدر على الأصل قبل حصول المقصود بالبدل.\rوإن سقطت عن غير برء لم يبطل المسح؛ لأن العذر قائم، والمسح عليها كالغَسْل لما تحتها ما دام العذر قائماً: أي أن بطلان المسح على الجبيرة في الحقيقة يكون بالبرء، ويجوز تبديلها بغيرها ولا يجب إعادة المسح عليها، والأفضل إعادته.","part":1,"page":448},{"id":450,"text":"وإذا رمد، وأمَره طبيب مسلم حاذق ألا يغسل عينه، أو انكسر ظفره، أو حصل به داء، وجعل عليه دواء، جاز له المسح للضرورة، وإن ضره المسح تركه؛ لأن الضرورة تقدر بقدرها.\rوقال المالكية: يبطل المسح بنزع الجبيرة أو سقوطها للمداواة أو غيرها، فإذا صح غسل الموضع على الفور، وإن لم يصح وبدَّلها للمداواة، أعاد المسح، وإن سقطت الجبيرة وهو في الصلاة. بطلت الصلاة، وأعاد الجبيرة في محلها، وأعاد المسح عليها، إن لم يطل الفاصل، ثم ابتدأ صلاته، لأن طهارة الموضع قد انتقضت بظهوره.\rويمسح المتوضئ رأسه إن سقط الساتر، الذي كان قد مسح عليه من الجبيرة أو العصابة أو العمامة، ثم صلى إن طال فاصل سقوط الساتر نسياناً، وإلا ابتدأ طهارة جديدة أي أعاد الوضوء.\rوقال الشافعية: لو سقطت جبيرته في الصلاة، بطلت صلاته، سواء أكان قد برئ، أم لا، كانقلاع الخف. وفي حالة البرء تبطل الطهارة أيضاً، فإن لم يبرأ رد الجبيرة إلى موضعها ومسح عليها فقط. وقال الحنابلة: زوال الجبيرة كالبرء، ولو قبل برء الكسر أو الجرح، وبرؤها كخلع الخف، يبطل المسح؛ والطهارة والصلاة كلها، وتستأنف من جديد، لأن مسحها بدل عن غسل ما تحتها، إلا أنه في الطهارة الكبرى من الجنابة يكفي بزوال الجبيرة غسل ما تحتها فقط. وفي الطهارة الصغرى (الوضوء) إن كان سقوطها عن برء توضأ فقط، وإن كان سقوطها عن غير برء، أعاد الوضوء والتيمم.\rوهكذا يتبين أن الجمهور غير الحنفية يقررون بطلان المسح على الجبيرة بنزعها أو سقوطها.\r2ً - الحدث: يبطل المسح على الجبيرة بالاتفاق بالحدث. لكن إذا أحدث صاحب الجبيرة يعيد عند الشافعية (1) ثلاثة أمور: يغسل الصحيح، ويمسح على الجبيرة، ويتيمم. فإن لم يحدث وأراد صلاة فرض آخر، تيمم فقط، ولم يعد غسلاً ولا مسحاً؛ لأن الواجب عندهم إعادة التيمم لكل فريضة (2) .\r-------------------------------\r(1) حاشية الباجوري:101/1.\r(2) هناك ملاحظة ذكرها الشافعية عن حكم حمصة الكي: إن قام غيرها مقامها في مداواة الجرح، لم يعف عنها، ولا تصح الصلاة مع حملها. وإن لم يقم غيرها مقامها، صحت الصلاة معها، ولا يضر انتفاخها في المحل، ما دامت الحاجة داعية إليها، وبعد انتهاء الحاجة، يجب نزعها، فإن تركه بلا عذر، ضر، ولا تصح صلاته (بجيرمي الخطيب:265/1) وقال الحنفية: ينقض الوضوء بالدم الخارج من محل كي الحمصة إن سال عن محله وذلك بمجرد ابتلال الرباط (رد المحتار:129/1).","part":1,"page":449},{"id":451,"text":"أهم الفروق بين المسح على الخفين والمسح على الجبيرة :\rذكر الحنفية فروقاً بين هذين النوعين من المسح، وهي سبعة وعشرون وجهاً، وأضاف ابن عابدين لها عشرة أخرى، أهمها ما يأتي (1) :\r1ً - المسح على الجبائر غير مؤقت بالأيام، بل هو موقت بالبرء، أما المسح على الخفين فهو بالشرع مؤقت بالأيام، للمقيم يوم وليلة، وللمسافر ثلاثة أيام بلياليها.\r2ً - لا تشترط الطهارة لوضع الجبائر، فيجوز المسح عليها للمحدث. وتشترط الطهارة للبس الخفين، فلا يجوز المسح عليهما للمحدث.\r3ً - إذا سقطت الجبائر لا عن برء لا ينتقض المسح، وسقوط الخفين أو أحدهما يوجب انتقاض المسح.\r4ً - المسح على الجبائر جائز إذا كان يضره المسح على الجراحة، فإن لم يضره فلا يمسح على الجبائر. أما المسح على الخفين فهو جائز ولو لم يعجز عن غسل الرجلين.\r5ً - المسح على الجبائر جائز ولو كانت في غير الرجلين. أما المسح على الخفين فمحصور في الرجلين.\rوتعرف بقية الفروق من طبيعة كلا النوعين وشروطهما.\r-------------------------------\r(1) البدائع:14/1 وما بعدها، فتح القدير وحاشية العناية:109/1 وما بعدها، الدر المختار وحاشية ابن عابدين:259/1-260.","part":1,"page":450},{"id":452,"text":"وذكر الحنابلة خمسة فروق بين نوعي المسح المذكورين، وافقوا الحنفية في الفرق الأول والثاني والرابع، أما الفرقان الآخران فهما: أنه يمسح على الجبيرة في الطهارة الكبرى؛ لأن الضرر يلحق بنزعها فيها، بخلاف الخف، ويجب عندهم استيعابها بالمسح لأنه لاضرر في تعميمها، بخلاف الخف فإنه يشق تعميم جميعه ويتلفه المسح (1) .\r-------------------------------\r(1) المغني:278/1.","part":1,"page":451},{"id":453,"text":"الفَصْلُ الخامِس: الغَُسلُ\rخصائصه، موجباته، فرائضه، سننه، مكروهاته، مايحرم على الجنب، الأغسال المسنونة. ملحقان به: الأول ـ في أحكام المساجد، والثاني ـ في أحكام الحمامات.\rالمطلب الأول ـ خصائص الغسل:\rالغسل المراد هنا بضم الغين أو فتحها: هو فعل الاغتسال، أو الماء الذي يغتسل به. وهو لغة: سيلان الماء على الشيء مطلقاً. والغسل بكسر الغين: ما يغسل به الشيء من أشنان وصابون ونحوه.\rوالغسل شرعاً: إفاضة الماء الطهور على جميع البدن على وجه مخصوص (1) .\rوعرفه الشافعية بأنه: سيلان الماء على جميع البدن مع النية (2) .\rوعرفه المالكية بأنه: إيصال الماء لجميع الجسد بنية استباحة الصلاة مع الدلك (3) .\rوالأصل في مشروعيته: قوله تعالى: {وإن كنتم جنباً فاطهروا} [المائدة:6/5]، وهو أمر بتطهير جميع البدن، إلا أن ما يتعذر إيصال الماء إليه كداخل العينين خارج عن الإرادة، لما في غسلهما من الضرر والأذى.\rوالقصد منه التنظيف، وتجديد الحيوية وإثارة النشاط؛ لأن عملية الجنابة تؤثر في جميع أجزاء الجسد، فتزال آثارها بالاغتسال. وفي الغسل ثواب لامتثال أمر الشارع، قال النبي صلّى الله عليه وسلم فيما أخرجه: «الطُّهور شطر الإيمان» أي جزء منه، وهو يشمل الوضوء والغسل.\rوركنه: عموم ما أمكن من الجسد، من غير حرج، بالماء الطهور.\rوسببه: إرادة ما لا يحل مع الجنابة، أو وجوبه (4) .\rوحكمه: حل ماكان ممتنعاً قبله، والثواب بفعله، تقرباً إلى الله . أما الستر للغسل: فيجوز أن ينكشف للغسل في خلوة، أو بحضرة من يجوز له نظره إلى عورته، والستر أفضل، لقوله صلّى الله عليه وسلم لبَهْز بن حكيم: «احفظ عورتك إلا من زوجتك أو ماملكت يمينك، قال: أرأيت إن كان أحدنا خالياً؟ قال: الله أحق أن يستحيا منه من الناس» (5) .\rالمطلب الثاني ـ موُجِبات الغسل:\rيسمى ما يوجب الغسل (حدثاً أكبر)، كما يسمى ما يوجب الوضوء (حدثاً أصغر).\rوموجبات الغسل على المكلف (البالغ العاقل) ذكراً أو أنثى عند الحنفية سبعة أسباب، وعند المالكية: أربعة، وعند الشافعية خمسة، وعند الحنابلة ستة، وهي ما يأتي (6) :\r1 - خروج المني:\rأي بروزه إلى الظاهر من فرج الرجل أو المرأة، بلذة معتادة تدفقاً، في حال النوم أو اليقظة بنظر، أو فكر في جماع، أو بمباشرة فعلية، لإنسان حي أو ميت، أو بهيمة. إلا أن الحنفية لم يوجبوا الغسل بوطء الميتة والبهيمة والصغيرة غير المشتهاة.\rوالمني: هو الماء الغليظ الدافق الذي يخرج عند اشتداد الشهوة. ومني المرأة رقيق أصفر ولا غسل للمذي والودي، أما المذي: فهو رقيق أبيض مائل إلى البياض يخرج عند ملاعبة الرجل أهله. وأما الودي فهو الغليظ من البول يعقب الرقيق منه.\rويعرف المني كما أبان الشافعية: بتدفقه (بأن يخرج بدفعات)، أو لذة بخروجه مع فتور الذكر وانكسار الشهوة عقبه، وإن لم يتدفق لقلته، أو خرج على لون الدم، كما يعرف أيضاً بشم ريح عجين حنطة إذا كان رطباً، أو ريح بياض بيض دجاج أو نحوه إذا كان جافاً، وإن لم يلتذ منه ولم يتدفق، كأن خرج باقي منيه بعد غسله، فيجب عليه إعادة الغسل.\r-------------------------------\r(1) كشاف القناع: 158/1.\r(2) مغني المحتاج:68/1.\r(3) حاشية الصاوي على الشرح الصغير:160/1.\r(4) مراقي الفلاح: ص15.\r(5) رواه أحمد وأصحاب السنن الأربعة والحاكم والبيهقي عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده.\r(6) فتح القدير:41/1-44، الدر المختار: 148/1-156، مراقي الفلاح: ص16، اللباب:22/1، الشرح الصغير:160/1-166، الشرح الكبير: 126/1-130، القوانين الفقهية: ص25-30، بداية المجتهد:44/1 وما بعدها، المهذب: 29/1 وما بعدها، مغني المحتاج:68/1-70، المغني:199/1-211، كشاف القناع:158/1-167.","part":1,"page":452},{"id":454,"text":"والخلاصة: أن خروج المني ولو بحمل ثقيل أو سقوط من مكان مرتفع أو وجوده في الثوب مطلقاً: موجب للغسل عند الشافعية، سواء بشهوة أو غيرها، خرج من طريقه المعتاد أو من غيره ،كأن انكسر صلبه فخرج منيه، إلا أنه إذا خرج من غير طريقه المعتاد لمرض فلايجب الغسل به.\rوقال الحنابلة: إذا خرج المني بغير اللذة أو الشهوة كمرض، أو برد أو كسر ظهر، من غير نائم أو مجنو ن أو مغمى عليه أو سكران، لم يوجب غسلاً. وعلى هذا يكون نجساً يجب غسل المحل الذي أصابه، كما أن سلس المني لا غسل عليه، وإنما يجب الوضوء فقط. ومن رأى في ثوبه منياً فعليه الغسل. ومن رأى أنه قد احتلم ولم يجد منياً فلا غسل عليه باتفاق العلماء.\rوقال الحنفية: من موجبات الغسل احتياطاً: وجود بلل ظنه منياً بعد إفاقته من سكر أو إغماء. كما يجب الغسل عندهم بخروج مني الشخص منه بعد الغسل. ويشترط عند الحنفية في المني الموجب للغسل: إنزاله على وجه الدفق والشهوة من الرجل والمرأة حالة النوم واليقظة، فلو خرج بسبب حمل ثقيل أو بسقوط من مكان لا يجب الغسل؛ لأن الجنب في آية {وإن كنتم جنباً فاطهروا} [المائدة:6/5]: من خرج منه المني على وجه الشهوة.","part":1,"page":453},{"id":455,"text":"واتفق أئمة الحنفية على أنه لا يجب الغسل إذا انفصل المني عن مقره من الصلب بشهوة إلا إذا خرج على رأس الذكر. وهناك خلاف بينهم في أنه هل تشترط مقارنة الشهوة للخروج؟ فعند أبي حنيفة ومحمد: لا تشترط. وعند أبي يوسف: تشترط . وثمرة الخلاف تظهر: فيما لو احتلم فوجد اللذة، ولم ينزل حتى توضأ وصلى ثم أنزل، اغتسل، ولا يعيد الصلاة في رأيهما، ولايغتسل في رأيه. ولو اغتسل بعد الجماع قبل النوم أو البول أو المشي، ثم خرج منه المني بلا شهوة، يجب إعادة الغسل عندهما، لا عنده. وقولهما أحوط لأن الجنابة قضاء الشهوة، فإذا وجدت مع الانفصال تحقق اسمها. وقال المالكية كالحنفية والحنابلة: المني الموجب للغسل: هو الخارج بلذة معتادة، فإن لم يخرج بلذة معتادة، كأن خرج بنفسه لمرض أو ضربة أو سلس أو لدغة عقرب، فلاغسل، وعليه الوضوء فقط. كما أنه إذا خرج بلذة غير معتادة كمن حك لجرب بذكره، أو هزته دابة له، أو نزل بماء حار، فلا غسل وعليه الوضوء فقط، لكن في مسألة الماء الحار والجرب بغير الذكر، لا غسل ولو أحس بمبادئ اللذة واستدام حتى أمنى. لبعد الماء الحار عن شهوة الجماع. أما في مسألة هز الدابة أو الجرب بالذكر، فإن أحس بمبادئ اللذة واستدام حتى أنزل، وجب الغسل، لأنه أقرب لشهوة الجماع. ومن انتبه من نومه، فوجد بللاً في ثوبه أو بدنه، فشك هل هو مني أو مذي؟ وجب عليه الغسل؛ لأن الشك مؤثر في إيجاب الطهارة. ولايجب بالاتفاق الغسل على امرأة بمني وصل للفرج ما لم تحبل منه، واتفقوا على أن رطوبة الفرج طاهرة، وغسله سنة.\rوالدليل لوجوب الغسل بخروج المني: حديث علي قال: «كنت رجلاً مذَّاء، فسألت النبي صلّى الله عليه وسلم ، فقال: في المَذْي الوضوء، وفي المَنِيّ الغسل» (1) ولأحمد: «إذا حَذَفْت الماء فاغتسل من الجنابة، فإذا لم تكن حاذفاً فلا تغتسل» .\r-------------------------------\r(1) رواه أحمد وابن ماجه والترمذي وصححه، وأخرجه أيضاً أبو داود والنسائى، وأخرجه البخاري ومسلم من حديث علي مختصراً. ومعنى « حذفْتَ » أي رميت بشهوة، فالخارج لمرض أو برد لا يوجب الغسل (نيل الأوطار:218/1).","part":1,"page":454},{"id":456,"text":"وحديث أم سَلَمة: «أن أم سُلَيم قالت: يا رسول الله ، إن الله لا يسْتَحِي من الحق، فهل على المرأة الغسل إذا احتلمت؟ قال: نعم، إذا رأت الماء، فقالت أم سلمة: وتحتلم المرأة؟ فقال: تربت يداك، فيمَ يُشْبهها ولدها!!» (1) .\rوقوله: «إذا رأت الماء» أي المني بعد الاستيقاظ. وتربت يداك أي افتقرت، ولا يراد ذلك وإنما للزجر (المرجع السابق: ص219). وليس في المذي والودي غسل، وفيهما الوضوء، وغسل الذكر، لقوله عليه الصلاة والسلام: «كل فحل يمذي، وفيه الوضوء» (2) .\r2 - التقاء الختانين (3) ولو من غير إنزال:\rأو الجنابة بمغيب حَشَفة (رأس الذكر) أو قدرها من مقطوعها في فرج مطيق للجماع، قبلاً أو دبراً، من ذكر أو أنثى، طائع أو مكره، نائم أو يقظان.\rولو من غير بالغ عند الشافعية والحنابلة، فلا يشترط التكليف، فيجنب الصبي والمجنون بالإيلاج، ويجب عليهما الغسل عند الشافعية بعد الكمال، ويصح الغسل من مميز ويؤمر به كالوضوء. وأوجب الحنابلة على صغير ابن عشر وطئ، وبنت تسع وطئت الغسل والوضوء إذا أرادا ما يتوقف عليه الغسل كقراءة القرآن، أو الوضوء كالصلاة والطواف.\rواشترط المالكية والحنفية: أن يكون الوطء من مكلف (بالغ عاقل) فلا يجب الغسل على غير مكلف. ويندب عند المالكية في المعتمد الغسل للمراهق والصغيرة التي وطئها بالغ، وقال الحنفية: يمنع المراهق من الصلاة حتى يغتسل، ويؤمر به ابن عشر تأديباً.\r-------------------------------\r(1) متفق عليه.\r(2) أخرجه أبو داود وأحمد من حديث عبد الله بن سعد الأنصاري، وأخرج إسحاق والطحاوي من حديث علي نحوه (نصب الراية:93/1).\r(3) الختانان: موضع القطع من الذكر والفرج. والتقاء الختانين: كناية عن الجماع.","part":1,"page":455},{"id":457,"text":"ولا يشترط الإنزال بالاتفاق لأن حديث «إنما الماء من الماء» منسوخ بالإجماع، إلا أن الحنفية استثنوا وطء الميتة والبهيمة والصغيرة غير المشتهاة إذا لم تزل بكارتها، فلا يجب الغسل إلا بالإنزال، فإن لم يوجد إنزال ولم تزل بكارة الصغيرة فلا يجب الغسل ولا الوضوء، وإنما يجب فقط غسل الذكر؛ لأن هذا الوطء غير مقصود في الطبع السليم (1) .\rوقال الجمهور: يجب الغسل بوطء الميتة والبهيمة، لأنه إيلاج في فرج كوطء الآدمية في حياتها، ووطء الآدمية الميتة داخل في عموم الأحاديث الآتية الموجبة للغسل.\rوسواء أكان الوطء عند المالكية والشافعية بحائل أم بغير حائل، يوجب الغسل، إلا أن المالكية قالوا: الموجب للغسل فيما إذا لف الذكر بخرقة خفيفة لا كثيفة. وقال الشافعية: يجب الغسل ولو كان على الذكر خرقة خفيفة أو غليظة.\rوقال الحنيفة والحنابلة: لا يجب الغسل في حالة عدم الإنزال بإيلاج بحائل كأن يلف على ذكره خرقة أو يدخله في كيس. واشترط الحنابلة والشافعية: أن يكون الإيلاج في فرج أصلي، فلا غسل بلا إنزال بإيلاج في غير أصلي كإيلاج رجل في قبل الخنثى، لعدم الفرج الأصلي بيقين، أو إيلاج الخنثى ذكره في قبل أو دبر بلا إنزال، لعدم تغييب الحشفة الأصلية بيقين.\rواشترط المالكية وغيرهم: أن يكون الإيلاج في فرج مطيق، فلا غسل في حالة عدم الإنزال: بإيلاج بعض الحشفة أو بإيلاج في فرج غير مطيق أو ما دون الفرج كالتفخيذ والتبطين، والتغييب بين الشفرين، أو في هوى الفرج، والتصاق الختانين بدون إيلاج، والسحاق (إتيان المرأة المرأة)، كل ذلك لا غسل فيه بلا إنزال.\r-------------------------------\r(1) حاشية ابن عابدين:154/1.","part":1,"page":456},{"id":458,"text":"والأدلة على إيجاب الغسل بالتقاء الختانين: قوله تعالى: {وإن كنتم جنباً فاطَّهروا} [المائدة:6/5]، وأحاديث كثيرة: منها حديث «إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل، وإن لم ينزل» (1) وحديث « إذا جلس بين شُعَبها الأربع، ثم جَهَدها، فقد وجب عليه الغسل » (2) ، ولمسلم وأحمد: «وإن لم ينزل» . وحديث «إذا قعد بين شعبها الأربع، ثم مس الخِتانُ الختانَ، فقد وجب الغسل» (3) ، ولفظ الترمذي: «إذا جاوز الختان الختان، وجب الغسل» وحديث أبي بن كعب قال: «إن الفُتْيا التي كانوا يقولون: الماء من الماء، رُخْصة، كان رسول الله صلّى الله عليه وسلم رخص بها في أول الإسلام، ثم أمرنا بالاغتسال بعدها» (4) ، وفي لفظ للترمذي وصححه: «إنما كان الماء من الماء، رخصة في أول الإسلام، ثم نهي عنها» .\rفدل على أن حديث رافع بن خديج عند أحمد: «الماء من الماء» منسوخ. وبه يرد على الأنصار الذين كانوا يقولون: لا يجب الغسل بالإكسال (أي من غير إنزال)، إذ إن هذه الأحاديث صريحة في إيجاب الغسل من التقاء الختانين، أنزل أو لم ينزل، وقد انعقد إجماع الصحابة على ذلك. وليس المراد من التقاء الختانين، تجاورهما أو انضمامهما فقط، وإنما مجاوزة الختان الختان، فهو مجاز أريد به الإيلاج أو إدخال الحشفة في الفرج (القبل أو الدبر) إذ الختانان محل القطع في الختان، وختان المرأة فوق مخرج البول، ومخرج البول فوق مدخل الذكر.\rوصرح الحنابلة وغيرهم بأنه يعاد غسل الميتة الموطوءة.\r3 ، 4 - الحيض والنفاس:\rهذان يوجبان الغسل بالاتفاق ، أما الحيض فلقوله تعالى: { فاعتزلوا النساء في المحيض } [البقرة:222/2]، ولخبر البخاري ومسلم أنه صلّى الله عليه وسلم قال لفاطمة بنت أبي حبيش: «إذا أقبلت الحيضة، فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغتسلي وصلي» .\r-------------------------------\r(1) رواه مسلم وابن ماجه عن عا ئشة وعبد الله بن عمرو، وهو حديث صحيح.\r(2) متفق عليه عن أبي هريرة (نيل الأوطار:219/1) وشعبها الأربع: قيل: يداها ورجلاها، وقيل: رجلاها وفخذاها، وقيل: غير ذلك.\r(3) رواه أحمد ومسلم والترمذي وصححه، عن عائشة (المرجع السابق:221/1).\r(4) رواه أحمد وأبو داود (المرجع السابق) وأما حديث رافع بن خديج: «الماء من الماء» عند أحمد، ففيه راو مجهول، والظاهر ضعف الحديث (المرجع السابق: 222/1).","part":1,"page":457},{"id":459,"text":"وأما النفاس: فلأنه دم حيض مجتمع.\rوانقطاع دم الحيض والنفاس شرط وجوب الغسل وصحته، بدليل قوله تعالى: {فإذا تطهرن فأتوهن} [البقرة:222/2]، يعني: إذا اغتسلن، قيل: منع الزوج وطأها قبل الغسل، فدل على وجوبه عليها.\rأما الولادة بلا بلل: فتوجب الغسل في المعتمد عند المالكية وفي المختار عند الحنفية، وفي الأصح عند الشافعية، لأن المولود ولو كان عند الشافعية علقة أو مضغة : مني منعقد؛ ولأنه لايخلو عن بلل غالباً، فأقيم مقامه، كالنوم مع الشيء الخارج، وتفطر به المرأة. بخلاف ما لو ألقت يداً أو رجلاً أو نحو ذلك، فإنه لا يجب عليها الغسل، ولا تفطر به، بل تتخير بين الغسل والوضوء.\rوقال الحنابلة على الراجح: لا يجب الغسل بولادة عريت عن دم؛ لأنه لانص فيه، ولا هو في معنى المنصوص، فلا يبطل الصوم، ولا يحرم الوطء بها قبل الغسل، ولا يجب الغسل بإلقاء علقة أو مضغة لأن ذلك ليس بولادة، والولد طاهر، ومع الدم يجب غسله، كسائر الأشياء المتنجسة.\rولا يجب الغسل بدم الاستحاضة، لكن يندب إذا انقطع.\r5 - موت المسلم غير الشهيد:\rيجب تعبداً باتفاق المذاهب الأربعة على المسلمين وجوب كفاية غسل الميت المسلم غير الشهيد، الذي لا جنابة منه، لقوله صلّى الله عليه وسلم في الذي سقط عن راحلته فمات: «اغسلوه بماء وسِدْر، وكفِّنوه في ثوبين» (1) فهو دليل على وجوب غسل الميت، وقد غسل النبي صلّى الله عليه وسلم ، وأبو بكر بعده، وتوارثه المسلمون.\r-------------------------------\r(1) متفق عليه عن ابن عباس (سبل السلام:92/1) والسدر: شجر النَّبق.","part":1,"page":458},{"id":460,"text":"6 - إسلام الكافر، ولو مرتداً أو مميزاً:\rأوجب المالكية والحنابلة الغسل على الكافر إذا أسلم، لحديث قيس بن عاصم: «أنه أسلم فأمره النبي صلّى الله عليه وسلم أن يغتسل بماء وسدر» (1) .\rوقال الحنفية والشافعية: إنه يستحب إذا لم يكن جنباً، ويجزئه الوضوء، لأنه لم يأمر النبي صلّى الله عليه وسلم كل من أسلم بالغسل، ولو كان واجباً لما خص بالأمر به بعضاً دون بعض، فيكون ذلك قرينة تصرف الأمر إلى الندب.\rويجب الغسل على الكافر إذا أسلم جنباً: للأدلة القاضية بوجوبه، مثل آية: {وإن كنتم جنباً فاطهروا} [المائدة:6/5]؛ لأنها لم تفرق بين كافر ومسلم.\rخلاصة ما يوجب الغسل وما لا يوجبه:\rهذه موجبات الغسل الستة عند الحنابلة. أما الأسباب السبعة عند الحنفية فهي: خروج المني إلى ظاهر الجسد بشهوة، وتواري حشفة أو قدرها من مقطوعها في أحد سبيلي آدمي حي، وإنزال المني بوطء ميتة أو بهيمة، ووجود ماء رقيق بعد النوم إذا لم يكن ذكره منتشراً قبل النوم، ووجود بلل ظنه منياً بعد إفاقته من سكر أو إغماء، وحيض، ونفاس، ثم أضافوا إليها: ويفترض تغسيل الميت كفاية.\rوالأربعة عند المالكية: هي خروج المني، ومغيب الحشفة، والحيض، والنفاس.\rوالخمسة عند الشافعية: هي موت، وحيض، ونفاس، وولادة بلا بلل في الأصح، وجنابة بدخول حشفة أو قدرها فرجاً وبخروج مني من طريقه المعتاد وغيره.\r-------------------------------\r(1) رواه الخمسة إلا ابن ماجه، ورواه أيضاً ابن حبان وابن خزيمة، وصححه ابن السكن (نيل الأوطار: 224/1).","part":1,"page":459},{"id":461,"text":"ثم قال الحنفية: عشرة أشياء لا يغتسل منها: مذي، وودي، واحتلام بلا بلل، وولادة من غير رؤية دم بعدها، في قول أبي حنيفة، والأصح كما أبان ابن عابدين وجوب الغسل لها احتياطاً، وإيلاج بخرقة ما نعة من وجود اللذة على الأصح، وحقنة، وإدخال أصبع ونحوه في أحد السبيلين، ووطء بهيمة أو ميتة من غير إنزال، وإصابة بكر لم تُزل الإصابة بكارتها من غير إنزال.\rويلاحظ أنه إذا اجتمع شيئان يوجبان الغسل، كالحيض والجنابة، أو التقاء الختانين والإنزال، أجزأه غسل واحد، كما تنوب عند الجمهور نية الغسل عن الوضوء لدخوله تحته، بخلاف العكس، وقال الحنابلة: لابد من نية الوضوء أيضاً.\rالمطلب الثالث ـ فرائض الغسل:\rثبتت فرضية الغسل بالقرآن في قوله تعالى: {وإن كنتم جنباً فاطهروا} [المائدة:6/5]، وقوله سبحانه: {لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون، ولا جنباً إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا} [النساء:43/4].\rصفة غسل النبي صلّى الله عليه وسلم : إن كيفية الغسل الكامل عرفت بالسنة: عن عائشة رضي الله عنها قالت: «كان رسول الله صلّى الله عليه وسلم إذا اغتسل من الجنابة، يبدأ فيغسل يديه، ثم يُفرغ بيمينه على شماله، فيغسل فرجه، ثم يتوضأ (1) ، ثم يأخذ الماء، فيدخل أصابعه في أصول الشعر، ثم حَفَن على رأسه ثلاث حَفَنات (2) ، ثم أفاض الماء على سائر جسده، ثم غسل رجليه» (3) .\r-------------------------------\r(1) أجمع العلماء على استحباب الوضوء قبل الغسل تأسياً برسول الله صلّى الله عليه وسلم ، ولأنه أعون على الغسل، وأهذب فيه (المغني: 219/1).\r(2) الحفنة: ملء الكف.\r(3) متفق عليه، واللفظ لمسلم (سبل السلام:89/1) وروي مثله عن عائشة، وعن ميمونة.","part":1,"page":460},{"id":462,"text":"وقد أوجب العلماء في الغسل ما يأتي (1) :\r1 - تعميم الجسد شعره وبشره بالماء الطهور:\rهذا متفق عليه بين الفقهاء، فيجب تعميم ( أو إعمام وهو الأصح ) الشعر والبشرة بالماء مرة واحدة، حتى لو بقيت بقعة يسيرة لم يصبها الماء، يجب غسلها، ويجب تعهد مواطن تجاعيد البدن، كالشقوق التي في البدن أي التكاميش والسُّرة، والإبطين وكل ما غار من البدن، بصب الماء عليها، لقوله صلّى الله عليه وسلم من حديث أبي هريرة: «إن تحت كل شعرة جنابة، فاغسلوا الشَّعرَ، وأنْقُوا البَشَر» (2) .\rقال الحنفية: يجب غسل سائر البدن مما يمكن غسله من غير حرج كأذن وسرة وشارب وحاجب وداخل لحية وشعر رأس، وخارج فرج، ولا يجب غسل ما فيه حرج كداخل عين وداخل قُلْفة، والأصح أنه يندب عند الحنفية.\rوهل يجب نقض ضفائر الشعر؟ للعلماء آراء متقاربة: قال الحنفية: يكفي بلُّ أصل الضفيرة (3) أي شعر المرأة المضفور، دفعاً للحرج، أما المنقوض، فيفرض غسله كله اتفاقاً، ولو لم يبتل أصل الضفيرة بأن كان متلبداً أو غزيراً، أو مضفوراً ضفراً شديداً لا ينفذ فيه الماء، يجب نقضها مطلقاً، على الصحيح، لكن لو ضرها غسل رأسها تركته، وقيل: تمسحه، ولا تمنع نفسها عن زوجها.\rويجب عند الحنفية غسل داخل قُلْفة، لا عسر في فسخها، كما يجب نقض ضفائر الرجل وغسل أصول الشعر مطلقاً.\r-------------------------------\r(1) فتح القدير:38/1 ومابعدها، الدر المختار:140/1-143، مراقي الفلاح: ص17، اللباب:20/1، الشرح الصغير:166/1-170، الشرح الكبير:133/1-135، بداية المجتهد:42/1 وما بعدها، القوانين الفقهية: ص26، مغني المحتاج:72/1وما بعدها، المهذب:31/1 وما بعدها، المغني: 218/1-229، كشاف القناع: 173/1-177.\r(2) رواه أبو داود والترمذي، وضعفاه (سبل السلام:92/1).\r(3) الضفيرة: هي الذؤابة، وهي الخصلة من الشعر، والضفر: فتل الشعر وإدخال بعضه في بعض.","part":1,"page":461},{"id":463,"text":"وكذلك قال المالكية: لا يجب على المغتسل نقض مضفور شعره، ما لم يشتد الضفر، حتى يمنع وصول الماء إلى البشرة، أو يضفر بخيوط كثيرة تمنع وصول الماء إلى البشرة، أو إلى باطن الشعر.\rودليل الحنفية والمالكية: حديث أم سلمة، قالت: يا رسول الله ، إني امرأة أشد شعر رأسي، أفأنقضه لغسل الجنابة أو الحيضة؟ فقال: لا إنما يكفيك أن تَحْثي على رأسك ثلاث حَثَيات» (1) .\rوقال الشافعية: يجب نقض الضفائر إن لم يصل الماء إلى باطنها إلا بالنقض، لكن يعفى عن باطن الشعر المعقود، ولا يجب غسل الشعر النابت في العين والأنف، وإن كان يجب غسله من النجاسة. ويجب غسل الأظفار، وما يظهر من صماخي الأذنين، وما تحت القُلْفة من الأقلف (غير المختون)، بدليل حديث أبي هريرة المتقدم الدال على وجوب إيصال الماء إلى الشعر والبشرة. وقيدوا حديث أم سلمة بحالة وصول الماء إلى الضفائر من غير نقض.\rأما الإمام أحمد ففرق بين الحيض والجنابة، وقال: تنقض المرأة شعرها لغسلها من الحيض والنفاس، وليس عليها نقضه من الجنابة إذا أروت أصوله، عملاً في الجنابة بحديث أم سلمة. ودليل نقضه من الحيض: ماروت عائشة: أن النبي صلّى الله عليه وسلم قال لها إذ كانت حائضاً: «خذي ماءك وسدرك وامتشطي» (2) ولا يكون المشط إلا في شعر غير مضفور، وللبخاري: «انقضي رأسك وامتشطي» ولابن ماجه « انقضي رأسك وامتشطي» لكن قال ابن قدامة: النقض من الحيض مستحب، وهو الصحيح إن شاء الله ، وهو قول أكثر الفقهاء؛ لأن في بعض ألفاظ حديث أم سلمة: «أفأنقضه للحيض؟ قال: لا» .\rوالخلاصة: أن المذاهب الأربعة متفقة على أن نقض الشعر للمرأة غير واجب إن وصل الماء لأصول الشعر لحديث أم سلمة المتقدم.\r-------------------------------\r(1) رواه مسلم، لكن لفظه: ( أشد ضَفْر رأسي ) بدل ( شعر رأسي ) (سبل السلام: 91/1).\r(2) رواه البخاري.","part":1,"page":462},{"id":464,"text":"وإذا بقيت لُمْعة من الجسد لم يصبها الماء، يجزئه غسلها، والصحيح عند الحنابلة أنه يجزئه مايصيبها من بلل شعره في الغسلة الثانية أو الثالثة وجرى ماؤه على تلك اللمعة، لأن غسلها بذلك البلل كغسلها بماء جديد، مع ما فيه من الأحاديث. روى أحمد عن النبي صلّى الله عليه وسلم «أنه رأى على رجل موضعاً لم يصبه الماء، فأمره أن يعصر شعره عليه» .\rأما غسل بشرة الرأس: فواجب، سواء أكان الشعر كثيفاً أم خفيفاً، وكذلك ما تحت الشعر كجلد اللحية وغيرها، لما روت أسماء: «أنها سألت النبي صلّى الله عليه وسلم عن غسل الجنابة، فقال: تأخذ إحداكن ماء، فتطهر، فتحسن الطهور ـ أو تبلغ الطهور ـ ثم تصب على رأسها، فتدلكه، حتى تبلغ شؤون رأسها، ثم تفيض عليها الماء» (1) .\rوعن علي رضي الله عنه عن النبي صلّى الله عليه وسلم أنه قال: «من ترك موضع شعرة من جنابة لم يصبها الماء، فعل الله به كذا وكذا من النار، قال علي: فمن ثم عاديت شعري، زاد أبو داود: وكان يجزّ شعره رضي الله عنه» (2) ، ولأن ما تحت الشعر بشرة أمكن إيصال الماء إليها من غير ضرر، فلزمه كسائر بشرته.\rوأما غسل المسترسل من الشعر: فواجب عند الشافعية، لحديث أبي هريرة السابق «إن تحت كل شعرة جنابة» ، ولأنه نابت في محل الغسل، فوجب غسله كشعر الحاجبين وأهداب العينين.\rولا يجب عند الحنفية والمالكية، لحديث أم سلمة السابق في عدم نقض الشعر، مع إخبارها إياه بشد ضفر رأسها، ولأنه لو وجب بلُّه، لوجب نقضه ليعمه الغسل.\r-------------------------------\r(1) رواه مسلم.\r(2) رواه أبو داود وأحمد (نيل الأوطار:247/1).","part":1,"page":463},{"id":465,"text":"وعند الحنابلة وجهان: كالرأيين المذكورين، أرجحهما الوجوب كالشافعية. ويعركه عند صب الماء حتى يصل إلى البشرة فلا يجب إدخال أصابعه تحته،ويعرك بها البشرة. وكذا يجب عندهم تخليل أصابع الرجلين واليدين، أما في الوضوء فيندب تخليل أصابع رجليه ويجب تخليل أصابع اليدين، ومن الفرائض عند المالكية: تخليل شعره ولو كثيفاً، سواء أكان شعر رأس أم غيره، ومعنى تخليله: أن يضمه.\r2 - المضمضة والاستنشاق: أوجب الحنفية والحنابلة المضمضة والاستنشاق، عملاً بقوله تعالى: {وإنْ كنتُمْ جُنُباً فاطَّهروا} [المائدة:6/5]، وبحديث «ثم تفيضين عليك الماء» ففيهما طلب تطهير جميع البدن وتعميمه بالماء (1) .\rوقال المالكية والشافعية: إنهما سنة في الغسل كالوضوء لحديث: «عشر من الفطرة» وذكر منها المضمضة والاستنشاق (2) .\r3 - النية عند غسل أول جزء من البدن: أي نية فرض الغسل، أو رفع الجنابة أو الحدث الأكبر، أو استباحة ممنوع مفتقر إليه، كأن ينوي استباحة الصلاة أو الطواف مما يتوقف على غسل، فإن نوى ما لا يفتقر إليه كالغسل ليوم العيد، لم يصح. ومحل النية في القلب، وتكون مقرونة بأول فرض: وهو أول ما يغسل من البدن، سواء أكان من أعلاه أم من أسفله، إذ لا ترتيب فيه.\rوأوجب الجمهور (غير الحنفية) النية للغسل كالوضوء، للحديث: «إنما الأعمال بالنيات» .\rوالابتداء بالنية عند الحنفية سنة، ليكون فعله تقرباً يثاب عليه، كالوضوء.\rأما التسمية فهي سنة عند الجمهور، فرض عند الحنابلة كالوضوء، لكنهم ذكروا أن حكمها في الجنابة أخف؛ لأن حديث التسمية إنما تناول بصريحه الوضوء لا غير.\r-------------------------------\r(1) وأما استدلال الحنفية بحديث في المضمضة والاستنشاق: «إنهما فرضان في الجنابة، سنَّتان في الوضوء » فهو غريب (نصب الراية:78/1).\r(2) رواه الجماعة إلا البخاري (نصب الراية:76/1).","part":1,"page":464},{"id":466,"text":"4 - الدلك والموالاة والترتيب: اتفق الفقهاء على عدم إيجاب الترتيب في الغسل، فيصح البدء بأعلى الجسد أو بأسفله.\rوأوجب المالكية دون غيرهم الدلك ولو بخرقة، والموالاة إن ذكر وقَدَر كالوضوء، والدلك هنا: إمرار العضو على ظاهر الجسد، يداً أو رجلاً، فيكفي دلك الرِجْل بالأخرى، ويكفي الدلك بظاهر الكف وبالساعد والعضد، بل يكفي بالخرقة عند القدرة، باليد على الراجح: بأن يمسك طرفيها بيديه، ويدلك بوسطها، أو بحبل كذلك، ويكفي ولو بعد صب الماء وانفصاله عن الجسد ما لم يجف، فإن تعذر الدلك، سقط. ويكفي تعميم الجسد بالماء كما في سائر الفرائض، إذ لا يكلف الله نفساً إلا وسعها. والموالاة فريضة كما في الوضوء، فإن فرق عامداً بطل إن طال، وإلا بنى (كمل) على ما فعل بنية.\rولم يوجب غير المالكية الدلك والموالاة؛ لأن الآية: {فاطهروا} [المائدة:6/5]، والأحاد يث ليس فيها تعرض لوجوبهما.\rخلاصة فرائض الغسل في المذاهب:\r1 ً - مذهب الحنفية: يفترض في الغسل أحد عشر شيئاً: غسل الفم، والأنف، والبدن مرة، وداخل قُلْفة لا عسر بلا مشقة في فسخها، وسرة، وثقب غير منضم، وداخل المضفور من شعر المرأة إن سرى الماء في أصوله، وبشرة اللحية، وبشرة الشارب، والحاجب، والفرج الخارج (الظاهر)، لكن الأصح أنه يندب غسل داخل القلفة (الجلدة التي يقطعها الخاتن) ولا يجب.\r2 ً - مذهب المالكية: فرائض الغسل خمسة:\rنية فرض الغسل، أو رفع الحدث، أو استباحة ممنوع، بأول مفعول، بأن ينوي بقلبه أداء فرض الغسل، أو ينوي رفع الحدث الأكبر، أو رفع الجنابة، أو ينوي استباحة ما منعه الحدث الأكبر، أو استباحة الصلاة مثلاً. وموالاة إن ذكر وقدر كالوضوء، وتعميم ظاهر الجسد بالماء، ودلك ولو بعد صبه وإن بخرقة، وتخليل شعر وأصابع رجليه ويديه.\r3 ً - مذهب الشافعية: الواجب في الغسل ثلاثة أشياء:","part":1,"page":465},{"id":467,"text":"النية، وإزالة النجاسة إن كانت، وإفاضة الماء على البشرة الظاهرة وما عليها من الشعر حتى يصل الماء إلى ما تحته. وما زاد على ذلك سنة.\r4 ً - مذهب الحنابلة: واجبات الغسل أحد عشر شيئاً:\rإزالة مابه من نجاسة أو غيرها تمنع وصول الماء إلى البشرة إن وجد، والنية، والتسمية، وتعميم بدنه بالغسل حتى فمه وأنفه، فتجب المضمضة،والاستنشاق في الغسل كالوضوء، ويجب غسل ظاهر شعره وباطنه، من ذكر أو أنثى، مسترسلاً كان أو غيره، مع نقض الشعر لغسل حيض ونفاس، لا غسل جنابة إذا روَّت أصوله. ويجب غسل حشفة أقلف (غير مختون) إن أمكن تشميرها، وغسل ما تحت خاتم ونحوه، فيحركه ليتحقق وصول الماء إلى ما تحته، وغسل ما يظهر من فرج المرأة عند قعودها لقضاء حاجتها؛ لأنه في حكم الظاهر، ولا يجب غسل داخله، ولا غسل داخل عين، بل ولا يستحب ولو أمن الضرر. ولا يجب الترتيب ولا الموالاة في أعضاء الوضوء؛ لأن الغسل يجزئ عنهما، لأنهما عبادتان دخلت إحداهما في الأخرى، فسقط حكم الصغرى، كالعمرة مع الحج. ولا يجب الدلك إذا تيقن أو غلب على ظنه وصول الماء إلى جميع جسده.\rالمطلب الرابع ـ سنن الغسل :\rأوضحت كيفية غسل النبي صلّى الله عليه وسلم وهو دليل لصفة الغسل الكامل الشامل للواجب والسنة: وهو ما اجتمع فيه عشرة أشياء كما فهم الحنابلة (1) :\rالنية، والتسمية، وغسل يديه ثلاثاً، وغسل ما به من أذى، والوضوء، ويحثي على رأسه ثلاثاً يروي بها أصول الشعر، ويفيض الماء على سائر جسده، ويبدأ بشقه الأيمن، ويدلك بدنه بيده، وينتقل من موضع غسله، فيغسل قدميه. ويستحب أن يخلل أصول شعر رأسه ولحيته بماء قبل إفاضته عليه.\r-------------------------------\r(1) المغني:217/1. انظر صفة الغسل الكامل عند المالكية في الشرح الكبير:137/1، القوانين الفقهية: ص26.","part":1,"page":466},{"id":468,"text":"وترتيب سنن الغسل التي يتحقق بها كماله على اختلاف المذاهب ما يأتي (1) :\r1ً - البدء بغسل اليدين والفرج، وإزالة النجاسة إن كانت على بدنه، وينوي كما أبان الشافعية عن غسل القبل والدبر، فيقول: نويت رفع الجنابة عن هذين المكانين وما بينهما.\r2ً - ثم يتوضأ وضوءه للصلاة. والأولى عند الحنفية تأخير غسل رجليه إن كان المغتسل واقفاً في مكان يجتمع فيه الماء كالطَّست، ثم يتنحى عن ذلك المكان ويغسلهما، وإلا قدمه إذا كان مثلاً واقفاً على لوح أو قبقاب أو حجر. وبالوضوء تتحقق المضمضة والاستنشاق الواجبان عند الحنفية والحنابلة.\rويمسح عند المالكية صماخ أذنيه أي ثقبيهما، ولا يبالغ فإنه يضر السمع، وأما ظاهرهما وباطنهما فمن ظاهر الجسد، يجب غسله عندهم.\r3ً - ثم يتعهد عند الشافعية معاطف جسده، كأن يأخذ الماء بكفه، فيجعله على المواضع التي فيها انعطاف والتواء، كالأذنين، وطبقات البطن، وداخل السرة؛ لأنه أقرب إلى الثقة بوصول الماء، ويتأكد ذلك في الأذن، فيأخذ كفاً من ماء، ويضع الأذن عليه برفق، ليصل الماء إلى معاطفه وزواياه ويتفقد تحت حلقه، وإبطيه، وحالبيه (وهما العرقان اللذان يكتنفان السرة).\r4ً - ثم يفيض الماء على رأسه ويخلله، وعلى سائر جسده، ثلاثاً، بادئاً بشقه الأيمن ثم الأيسر، لما تقدم أنه صلّى الله عليه وسلم : «كان يعجبه التيمن في طهوره» ، وتخليل شعره وتفقد أصوله لحديث «تحت كل شعرة جنابة» ويسن أن يدلُك بدنه بيديه؛ لأنه أنقى، وبه يتيقن وصول الماء إلى مغابنه وجميع بدنه، وبه يخرج من خلاف من أوجبه وهم المالكية.\rويكفي الظن في الإسباغ أي في وصول الماء إلى البشرة؛ لأن اعتبار اليقين حرج ومشقة.\r-------------------------------\r(1) فتح القدير:39/1 وما بعدها، الدر المختار:140/1 وما بعدها، مراقي الفلاح: ص17، اللباب:21/1، الشرح الكبير:135/1-137، الشرح الصغير:170/1، القوانين الفقهية: ص26، المهذب:73، مغني المحتاج:73/1 وما بعدها، المغني:217/1، كشاف القناع:173/1-176.","part":1,"page":467},{"id":469,"text":"قال الحنفية: ولو انغمس في الماء الجاري أو ما في حكمه ومكث، فقد أكمل السنة.\rوقال المالكية: يجزئ غسل الجنابة عن غسل الوضوء بنية رفع الحدث الأكبر ولو لم ينو الأصغر إذا لم يحصل له ناقض من مس ذكر أو غيره، وكذلك قال الشافعية على المذهب: يكفي الغسل، سواء أنوى الوضوء معه أم لا.\rوقال الحنابلة: يجزئ الغسل عن الوضوء بعد أن يتمضمض ويستنشق وينوي به الغسل والوضوء، وكان تاركاً للأفضل والأولى.\rوتسن عند غير المالكية الموالاة في الغسل عند غسل جميع أجزاء البدن، لفعله صلّى الله عليه وسلم . وعند المالكية: هي فرض.\rكما يسن الترتيب بالبداءة بالرأس، ثم بالمنكب الأيمن، ثم الأيسر. ولا يجب الترتيب بالاتفاق؛ لأن البدن شيء واحد، بخلاف أعضاء الوضوء، وبناء عليه لو ترك لمعة في الجسد أو محل جبيرة أعاد غسلها فقط دون ما بعدها.\rأما نقض الضفائر فلا يجب عند المالكية ما لم يشتد، ولا يجب في الجنابة ويجب في الحيض في رأي الحنابلة، ولا يجب للمرأة إن سرى الماء في أصوله، ويجب للرجل مطلقاً عند الحنفية. ويجب النقض لدى الشافعية إن لم يصل الماء إلى باطن الشعر، كما أبنت قريباً. وفي الجملة يسن نقض الضفائر لحديث عائشة: أن النبي صلّى الله عليه وسلم قال لها وكانت حائضاً: «انقضي شعرك واغتسلي» (1) .\rويسن عند الحنابلة سدر ، أي صابون في غسل كافر أسلم، لحديث قيس بن عاصم السابق: «أنه أسلم، فأمره النبي صلّى الله عليه وسلم أن يغتسل بماء وسدر» (2) ، ويسن له إزالة شعره، فيحلق رأسه، إن كان رجلاً، ويأخذ عانته وإبطيه مطلقاً، لقوله صلّى الله عليه وسلم لرجل أسلم: «ألق عنك شعر الكفر، واختتن» (3) ويختتن الكافر إذا أسلم وجوباً بشرط كونه مكلفاً، وألا يخاف على نفسه منه.\r-------------------------------\r(1) رواه ابن ماجه بإسناد صحيح (نيل الأوطار:249/1).\r(2) رواه أحمد وأبو داود والترمذي وحسَّنه.\r(3) رواه أبو داود.","part":1,"page":468},{"id":470,"text":"ويسن عند الحنابلة أيضاً سدر في غسل حيض ونفاس، لحديث عائشة المتقدم: أن النبي صلّى الله عليه وسلم قال لها: «وإذا كنت حائضاً، خذي ماءك وسدرك وامتشطي» (1) وروت أسماء أنها «سألت النبي صلّى الله عليه وسلم عن غسل الحيض، فقال: تأخذ إحداكن ماءها وسدرها، فتطهر» (2) .\rويسن عند الشافعية والحنابلة: أن تتبع المرأة غير المحرمة بنسك، أو المحدّة (المعتدة) (3) أثر دم الحيض والنفاس مِسْكاً أو طيباً، أو ماء، فتجعله في قطنة أو غيرها كخرقة، وتدخله فرجها بعد غسلها، ليقطع رائحة الحيض أو النفاس، لما روى الشيخان عن عائشة رضي الله عنها: « أن امرأة جاءت إلى النبي صلّى الله عليه وسلم تسأله عن الغسل عن الحيض، فقال: خذي فِرْصة (4) من مسك، فتطهري بها، فقالت: كيف أتطهر بها؟ فقال صلّى الله عليه وسلم : سبحان الله ، واستتر بثوبه، تطهري بها، فاجتذبتها عائشة، فعرفتها أنها تتبع بها أثر الدم» ويكره تركه بلا عذر.\rولا يسن تجديد الغسل؛ لأنه لم ينقل فيه شيء، ولما فيه من المشقة، بخلاف الوضوء فيسن تجديده إذا صلى بالأول صلاة ما.\rمقدار ماء الغسل والوضوء: ويسن عند الشافعية والحنابلة: ألا ينقص ماء الوضوء عن مُدّ تقريباً: وهو رطل وثلث بغدادي، ويساوي (675) غم، وألا ينقص ماء الغسل عن صاع تقريباً، وهو أربعة أمداد، ويساوي(2175) غم، لحديث مسلم عن سُفَينة: «أنه صلّى الله عليه وسلم كان يغسله الصاع، ويوضئه المد» (5) .\r-------------------------------\r(1) رواه البخاري.\r(2) رواه مسلم.\r(3) أما المحرمة فيحرم عليها الطيب بأنواعه، وأما المحدّة: فلا تتطيب في فترة العدة.\r(4) الفرصة: بكسر الفاء: قطعة من صوف أو قطن أو خرقة. والرواية «خذي فرصة ممسَّكة فتطهري بها» أي مطيبة بالمسك.\r(5) ورواه أيضاً أحمد وابن ماجه والترمذي وصححه. وروي في معناه أحاديث كثيرة (نيل الأوطار:250/1 وما بعدها).","part":1,"page":469},{"id":471,"text":"ولاحدّ لأقل ماء الوضوء والغسل، فلو نقص عن ذلك وأسبغ كفى، روى أبو داود والنسائي: «أنه صلّى الله عليه وسلم توضأ بإناء فيه قدر ثلثي مدّ» ولأن الله تعالى أمر بالغسل، وقد فعله، ولم يكره، والإسباغ في الوضوء والغسل: تعميم العضو بالماء، بحيث يجري عليه، ولا يكون مسحاً، لقوله تعالى: {فاغسلوا وجوهكم..} [المائدة:6/5]، والمسح ليس غسلاً. فإن مسح العضو بالماء، أو أمرَّ الثلج عليه، لم تحصل الطهارة به؛ لأن ذلك مسح لا غسل، إلا أن يكون الثلج خفيفاً فيذوب، ويجري على العضو، فيجزئ، لحصول الغسل المطلوب. وإن زاد على المد في الوضوء والصاع في الغسل جاز، بدليل قول عائشة: «كنت أغتسل أنا والنبي صلّى الله عليه وسلم من إناء واحد من قدح يقال: الفَرَق» (1) والفرق ستة عشر رطلاً عراقياً.\rوقال الحنفية والمالكية: لا تقدير للماء الذي يتطهر به في الغسل والوضوء لاختلاف أحوال الناس، ويراعي المغتسل حالاً وسطاً من غير إسراف ولا تقتير.\rآداب الغسل: فرق المالكية والحنفية بين سنن الغسل وآدابه أو فضائله.\rفقال المالكية (2) : سننه خمس: وهي غسل اليدين قبل إدخالهما في الإناء، والمضمضة والاستنشاق، ومسح داخل الأذنين، وتخليل أصول شعر الرأس بإدخال الأصابع تحته. أما تخليل الشعر بدون إدخال الأصابع تحته فهو أحد فرائض الغسل عندهم كما أبنت.\rوقد أوجب الحنفية والحنابلة المضمضة والاستنشاق. وأوجب الشافعية تخليل شعر الرأس.\rوفضائله خمس: التسمية، والغرف على الرأس ثلاثاً، وتقديم الوضوء، والبداءة بإزالة الأذى قبل الوضوء، والبدء بالأعالي والميامن.\r-------------------------------\r(1) متفق عليه (نيل الأوطار:251/1).\r(2) القوانين الفقهية: ص26، الشرح الصغير:170/1 وما بعدها.","part":1,"page":470},{"id":472,"text":"وقال الحنفية (1) : يسن في الاغتسال اثنا عشر شيئاً، الابتداء بالتسمية، والنية، وغسل اليدين إلى الرسغين، وغسل نجاسة لو كانت بانفرادها، وغسل فرجه، ثم يتوضأ كوضوئه للصلاة، فيثلث الغسل ويمسح الرأس، ولكنه يؤخر غسل الرجلين إن كان يقف في محل يجتمع فيه الماء، ثم يفيض الماء على بدنه\rثلاثاً، ويبتدئ في صب الماء برأسه، ويغسل بعدها منكبه الأيمن، ثم الأيسر، ويدلك جسده.\rوآداب الاغتسال: هي آداب الوضوء، إلا أنه لا يستقبل القبلة؛ لأنه يكون غالباً مع كشف العورة.\rالمطلب الخامس ـ مكروهات الغسل:\rقال الحنفية (2) : كره في الغسل ما كره في الوضوء وهي ستة أشياء: الإسراف في الماء، والتقتير فيه، وضرب الوجه به، والتكلم بكلام الناس، والاستعانة بغيره من غير عذر. ويزاد فيه كراهة الدعاء. أما في الوضوء ، فيندب الدعاء بالمأثور والتسمية عند كل عضو، كما بينت.\rوقال المالكية (3) : مكروهات الغسل خمسة: هي الإكثار من صب الماء، والتنكيس في عمله، وتكرار غسل الجسد إذا أوعب، والاغتسال في الخلاء، والكلام بغير ذكر الله .\rوقال الشافعية (4) : يكره الإسراف في الصب والغسل، والوضوء والاغتسال في الماء الراكد، والزيادة على الثلاث، وترك المضمضة والاستنشاق، ويكره للجنب ومنقطعة الحيض والنفاس: الأكل والشرب والنوم والجماع قبل غسل الفرج والوضوء.\rوقال الحنابلة (5) : يكره الإسراف في الماء ولو على نهرٍ جارٍ، لحديث ابن\r-------------------------------\r(1) مراقي الفلاح: ص17.\r(2) المرجع السابق: ص18.\r(3) القوانين الفقهية: ص26.\r(4) الحضرمية: ص21 وما بعدها.\r(5) كشاف القناع:179/1 وما بعدها، المغني: 229/1.","part":1,"page":471},{"id":473,"text":"عمر: «أن النبي صلّى الله عليه وسلم مرّ على سعد، وهو يتوضأ، فقال: ما هذا الإسراف؟ فقال: أفي الوضوء إسراف؟ قال: نعم، وإن كنت على نهرٍ جار» (1) .\rويكره لمن توضأ قبل غسله إعادة الوضوء بعد الغسل، لحديث عائشة، قالت: «كان صلّى الله عليه وسلم لايتوضأ بعد الغسل» إلا أن ينتقض وضوءه بمس فرجه أو غيره، كمس امرأة لشهوة، أو بخروج خارج، فيجب عليه إعادته للصلاة ونحوها.\rويكره للجنب ومنقطعة دم الحيض والنفاس ترك الوضوء لنوم فقط، ولا يكره تركه لأكل وشرب ومعاودة وطء، وإنما يستحب لهما الوضوء. بدليل ما روى ابن عمر أن عمر قال: «يا رسول الله ، أيرقد أحدنا، وهو جنب؟ قال: نعم، إذا توضأ فليرقد» وعن عائشة قالت: «كان النبي صلّى الله عليه وسلم إذا أراد أن ينام وهو جنب، غسل فرجه، وتوضأ وضوءه للصلاة» (2) . وأما استحباب الوضوء للأكل والشرب، فلما روت عائشة قالت: «رخص النبي صلّى الله عليه وسلم للجنب إذا أراد أن يأكل أو يشرب أن يتوضأ وضوءه للصلاة» (3) .\rوأما كون الوضوء يستحب لمعاودة الوطء، فلحديث أبي سعيد، قال: قال النبي صلّى الله عليه وسلم : «إذا أتى أحدكم أهله، ثم أراد أن يعاود، فليتوضأ بينهما وضوءاً» (4) وزاد الحاكم: «فإنه أنشط للعود» لكن الغسل لمعاودة الوطء أفضل من الوضوء؛ لأنه أنشط.\rولا يكره عند الحنابلة للجنب أو الحائض والنفساء أن يأخذ شيئاً من شعره وأظفاره، ولا أن يختضب قبل الغسل، نصاً.\r-------------------------------\r(1) رواه ابن ماجه.\r(2) متفق عليهما.\r(3) رواه أحمد بإسناد صحيح.\r(4) رواه مسلم وابن خزيمة والحاكم (سبل السلام:89/1).","part":1,"page":472},{"id":474,"text":"وقال الغزالي في الإحياء: لا ينبغي أن يقلم أو يحلق أو يستحد (يحلق العانة) أو يخرج دماً أو يبين من نفسه جزءاً وهو جنب، إذ يرد إليه سائر أجزائه في الآخرة، فيعود جنباً، ويقال: إن كل شعرة تطالب بجنابتها (1) .\rالمطلب السادس : ما يحرم على الجنب ونحوه:\rيحرم على الجنب والحائض والنفساء ما يحرم على المحدث حدثاً أصغر: من صلاة وطواف ومس مصحف أو جزئه، كما يحرم على الجنب قراءة القرآن ودخول المسجد، وتعرف الأحكام من التفصيل التالي (2) :\r1 ً - الصلاة ومثلها سجود التلاوة: تحرم على الجنب ونحوه إجماعاً، لقوله تعالى: {وإن كنتم جنباً فاطهروا} [المائدة:6/5].\r2 ً - الطواف حول الكعبة: ولو نفلاً؛ لأنه صلاة كما في الحديث المتقدم: «إنما الطواف بالبيت صلاة، فإذا طفتم فأقلوا الكلام» (3) .\r3 ً - مس القرآن، لقوله تعالى: {لايمسه إلا المطهرون} [الواقعة:79/56] أي (المتطهرون) ولقوله صلّى الله عليه وسلم : «لايمس القرآن إلا طاهر» (4) .\r-------------------------------\r(1) مغني المحتاج:75/1.\r(2) الدر المختار:158/1-161، الشرح الكبير:138/1 وما بعدها،172-174، الشرح الصغير:176/1،215، القوانين الفقهية: ص59 وما بعدها، بداية المجتهد:46/1وما بعدها، المهذب:30/1، مغني المحتاج:71/1 وما بعدها، كشاف القناع:168/1-170، فتح القدير:114/1-116.\r(3) رواه أحمد والنسائي والترمذي والحاكم والدارقطني من حديث ابن عباس، وهو صحيح (نيل الأوطار:207/1).\r(4) رواه النسائي وأبو داود في المراسيل عن عمرو بن حزم، وفيه متروك، ورواه الطبراني والبيهقي عن ابن عمر، وفيه مختلف فيه، ورواه الحاكم وقال حديث صحيح الإسناد عن حكيم بن حزام، ورواه الطبراني عن عثمان بن أبي العاص، ورواه علي بن عبد العزيز عن ثوبان، وإسناده في غاية الضعف (نصب الراية:196/1-199).","part":1,"page":473},{"id":475,"text":"وهذه الأمور الثلاثة تحرم على المحدث حدثاً أكبر أو أصغر، ويزاد عليها للجنب ونحوه أيضاً:4ً - تلاوة القرآن للمسلم بلسانه، ولو لحرف، أو ولو دون آية على المختار عند الحنفية، والشافعية، بقصد القراءة: فلو قصد الدعاء أو الثناء أو افتتاح أمر، أو التعليم، أو الاستعاذة، أو الأذكار، فلا يحرم، كقوله عند الركو ب: {سبحان الذي سخر لنا هذا، وما كنا له مقرنين} [الزخرف:13/43] أي مطيقين، وعند النزول: {وقل: ربِّ أنزلني منزلاً مباركاً} [المؤمنون:29/23]. وعند المصيبة: {إنا لله وإنا إليه راجعون} [البقرة:156/2].\rكما لا يحرم إذا جرى القرآن على لسانه بلا قصد، فإن قصد القرآن وحده أو مع الذكر، حرم.\rولا تحرم البسملة والحمد لله والفاتحة وآية الكرسي وسورة الإخلاص بقصد الذكر: أي ذكر الله تعالى، لما روى مسلم عن عائشة قالت: «كان النبي صلّى الله عليه وسلم يذكر الله تعالى على كل أحيانه» .\rوالمحرَّم بالجنابة: التلاوة لفظاً من الناطق، وإشارةٍ من الأخرس؛ لأنها بمنزلة النطق، ولو كان المتلو بعض آية، كحرف، للإخلال بالتعظيم.\rودليل التحريم: حديث ابن عمر عند الترمذي وأبي داود: «لا يقرأ الجنب ولا الحائض شيئاً من القرآن» (1) ، وحديث علي: «كان رسول الله صلّى الله عليه وسلم يقرئنا القرآن على كل حال، ما لم يكن جنباً» (2) .\rوأجاز الحنابلة للجنب: قراءة بعض آية، ولو كرره، لأنه لا إعجاز فيه، ما لم تكن طويلة. كما أجازوا له مع الحنفية تهجية القرآن؛ لأنه ليس بقراءة له، وله قراءة لا تجزئ في الصلاة لإسرارها، وله أن ينظر في المصحف من غير تلاوة، وأن يقرأ عليه وهو ساكت؛ لأنه في هذه الحالة لا ينسب إلى القراءة.\r-------------------------------\r(1) ذكره النووي في المجموع وضعفه، لكن له متابعات تجبر ضعفه.\r(2) رواه الترمذي، وقال: حديث حسن صحيح، ورواه أيضاً باقي أصحاب السنن الأربعة (سبل السلام:88/1).","part":1,"page":474},{"id":476,"text":"وضبط المالكية ما يجوز للجنب من القراءة اليسيرة: بأنها ما الشأن أن يتعوذ به كآية الكرسي، والإخلاص والمعوذتين، أو لأجل رقيا للنفس أو للغير من ألم أو عين، أو لأجل استدلال على حكم نحو: { وأحل الله البيع وحرم الربا } [البقرة:275/2].\rوالمعتمد عند المالكية: أنه لا يحرم قراءة القرآن القليلة على الحائض والنفساء حال استرسال الدم عليها، سواء أكانت جنباً أم لا، إلا بعد انقطاعه وقبل غسلها، فلا تقرأ بعد انقطاعه مطلقاً حتى تغتسل. ودليلهم الاستحسان لطول مقامها حائضاً.\rواتفق الفقهاء على أنه لا يحرم النظر في القرآن لجنب وحائض ونفساء؛ لأن الجنابة لا تحل العين الناظرة.\r5 ً - الاعتكاف في المسجد إجماعاً، ودخول المسجد مطلقاً ولو عبوراً أو مجتازاً، عند الحنفية والمالكية، لما أخرجه أبو داود وغيره عن عائشة، قالت: «جاء رسول الله صلّى الله عليه وسلم ، وبيوت الصحابة شارعة في المسجد، فقال: وجهوا هذه البيوت عن المسجد، فإني لا أحل المسجد لحائض ولا جنب» (1) ولحديث أم سلمة قالت: دخل رسول الله صلّى الله عليه وسلم صرحة المسجد، فنادى بأعلى صوته: إن المسجد لا يحل لحائض ولا لجنب» (2) .\r-------------------------------\r(1) رواه ابن ماجه أيضاً، وفي إسناده مختلف فيه، وذكره البخاري في تاريخه الكبير، وقال: ضعفوا هذا الحديث.\r(2) رواه البيهقي وابن ماجه، وقال البيهقي: صحيح.","part":1,"page":475},{"id":477,"text":"والمراد بعابري سبيل في الآية: المسافرون، فالمسافر مستثنى من النهي عن الصلاة بلا اغتسال، وبينت الآية أن حكمه التيمم، واكتفى الشافعية والحنابلة بالنسبة للجنب ونحوه (1) بتحريم المكث في المسجد أو التردد فيه لغير عذر، وأباحوا له عبور المسجد، ولو لغير حاجة، لقوله تعالى: {لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى، حتى تعلموا ماتقولون، ولا جنباً إلا عابري سبيل} [النساء:43/4] وهو الطريق. وروي سعيد بن منصور عن جابر، قال: «كان أحدنا يمر في المسجد جنباً مجتازاً» وروى أيضاً عن زيد بن أسلم قال: «كان أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلم يمشون في المسجد وهم جنب» .\rلكن إباحة عبور المسجد للحائض والنفساء مقيد بما إذا أمنت تلويثه، فإن خافت تلويثه منعت وحرم عليها الدخول فيه، كالمكث فيه.\rالمطلب السابع ـ الأغسال المسنونة:\rالغسل قد يكون واجباً: كالغسل من الجنابة والحيض والنفاس، واعتناق الإسلام عند المالكية والحنابلة.\rوقد يكون سنة، وقد يكون مندوباً أو مستحباً عند الحنفية والمالكية.\r-------------------------------\r(1) قال الشافعية: التحريم للجنب المسلم غير النبي صلّى الله عليه وسلم ، فإنه لا يحرم عليه. أما الكافر فإنه يمكن من المكث في المسجد على الأصح؛ لأنه لا يعتقد حرمة ذلك، لكن لا يمكَّن الكافر ولو غير جنب دخول المسجد، إلا لحاجة كإسلام وسماع قرآن، لا كأكل وشرب، وبشرط أن يأذن له مسلم في الدخول، إلا أن تكون له خصومة، وكان القاضي في المسجد (مغني المحتاج:71/1).","part":1,"page":476},{"id":478,"text":"والأغسال المسنونة هي مايأتي (1) :\r1 ً - الغسل لصلاة الجمعة: لأحاديث متعددة، منها حديث أبي سعيد مرفوعاً: «غسل الجمعة واجب على كل محتلم» (2) والإيجاب محمول على أنه مسنون مؤكد الاستحباب، لأحاديث أخرى: وهي حديث سمرة: «من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت، ومن اغتسل فالغسل أفضل» (3) وحديث عائشة رضي الله عنها قالت: «كان النبي صلّى الله عليه وسلم يغتسل من أربع: من الجنابة، ويوم الجمعة، ومن الحجامة، ومن غسل الميت» (4) .\rوالغسل مسنون لحاضر الجمعة في يومها بدءاً من طلوع الفجر إلى الزوال، ويشترط عند المالكية اتصاله بالرواح إلى المسجد لحديث رواه الجماعة عن ابن عمر: «من جاء منكم الجمعة فليغتسل» وهذا الغسل عند المالكية والصحيح عند الحنفية للصلاة. وعند غيرهم: الغسل ليوم الجمعة. وتظهر ثمرة الخلاف فيمن اغتسل يوم الجمعة ثم أحدث، فتوضأ وصلى الجمعة، لم تحصل له السنة عند الأولين، وتحصل له عند الآخرين. ولا يعتبر الغسل بعد صلاة الجمعة إجماعاً.\rومن اغتسل لجنابة أو نحوها كحيض، مع غسل جمعة أو عيد، أجزأه الغسل عنهما إذا نوى الجنابة وأتبعها الجمعة باتفاق المذاهب، كما لو نوى الفرض وتحية المسجد عند الشافعية، وكما اغتسل لفرضي جنابة وحيض اتفاقاً.\rوهو آكد الأغسال المسنونة للأحاديث المتقدمة، ولا يستحب للنساء.\r-------------------------------\r(1) فتح القدير:44/1 وما بعدها، الدر المختار:156/1-158، اللباب:23/1، مراقي الفلاح: ص18، القوانين الفقهية: ص25 وما بعدها، كشاف القناع: 171/1-173، الشرح الصغير:503/1 وما بعدها.\r(2) أخرجه السابعة (أحمد وأصحاب الكتب الستة).\r(3) رواه الجماعة، وإسناده جيد، وعن أبي هريرة: «حق على كل مسلم أن يغتسل في كل سبعة أيام يوماً يغسل فيه رأسه وجسده» متفق عليه.\r(4) رواه أبو داود وصححه ابن خزيمة، ورواه أحمد والبيهقي، وفي إسناده راوٍ فيه مقال (انظر الأحاديث في سبل السلام:86/1 وما بعدها، نيل الأوطار:231/1-236).","part":1,"page":477},{"id":479,"text":"2 ً - الغسل لصلاة العيدين: لأن النبي صلّى الله عليه وسلم كان يغتسل لذلك (1) ، لكن قال الشوكاني: الحديث استدل به على أن غسل العيد مسنون، وليس في الباب ما ينتهض لإثبات حكم شرعي.\rولأنها صلاة شرعت لها الجماعة، فأشبهت الجمعة.\rويكون في يوم العيد لحاضره إن صلى العيد، ولو صلى وحده إن صحت صلاة المنفرد، بأن صلى بعد صلاة العدد المعتبر، فلا يجزئ قبل طلوع الفجر.\r3 ً - للإحرام بالحج أو بالعمرة، ولوقوف عرفة بعد الزوال ولدخول مكة ومبيت مزدلفة وطواف زيارة وطواف وداع: أما الإحرام فلما روى زيد بن ثابت أن النبي صلّى الله عليه وسلم «تجرد لإهلاله واغتسل» (2) وظاهره ولو مع حيض ونفاس، بدليل أمر النبي صلّى الله عليه وسلم أسماء بنت عميس به حينما ولدت محمد بن أبي بكر (3) .\rوأما لدخول مكة ولو مع حيض: فلفعله صلّى الله عليه وسلم (4) ، وظاهره ولو كان في منطقة الحرم، كالذي بمنى، إذا أراد دخول مكة. ويندب الغسل أيضاً لدخول المدينة تعظيماً لحرمتها، وقدومه على حضرة النبي صلّى الله عليه وسلم .\r-------------------------------\r(1) عن الفاكه بن سعد، وكان له صحبة أن النبي صلّى الله عليه وسلم كان يغتسل يوم الجمعة، ويوم عرفة، ويوم الفطر، ويوم النحر» رواه عبد الله بن أحمد في المسند، وابن ماجه ولم يذكر الجمعة، وهو ضعيف (نيل الأوطار:236/1).\r(2) رواه الترمذي وحسنه (نيل الأوطار:239/1).\r(3) رواه مسلم من حديث عائشة، ورواه أيضاً ابن ماجه وأبو داود (نيل الأوطار:240/1).\r(4) متفق عليه (نيل الأوطار:240/1). .","part":1,"page":478},{"id":480,"text":"وأما لوقوف عرفة، فلثبوته في السنة (1) .\rوأما الغسل لمبيت مزدلفة ورمي الجمار في منى وطواف الزيارة والوداع، فلأنها أنساك يجتمع لها الناس، فيعرقون، فيؤذي بعضهم بعضاً، فاستحب الغسل لها كالجمعة دفعاً للروائح وللتنظيف\rوقال المالكية: الغسل للطواف والسعي وللوقوف بعرفة والمزدلفة مستحب، أما للإحرام ولدخول مكة فهو سنة. وقال الحنفية: الغسل للإحرام ولدخول عرفة سنة، أما للوقوف بالمزدلفة وعند دخول مكة فهو مندوب.\r4 ً - لصلاة الكسوف (للشمس) والخسوف (للقمر) والاستسقاء: لأنها عبادة يجتمع لها الناس، فأشبهت الجمعة والعيدين.\rوقال الحنفية: إنه مندوب فقط.\r5 ً - لغسل الميت، المسلم أو الكافر: وهو مستحب عند المالكية والشافعية والحنابلة، لقولهصلّى الله عليه وسلم : «من غسل مىِّتاً فليغتسل، ومن حمله فليتوضأ» (2) وهو محمول على الندب لحديث «إن ميِّتكم يموت طاهراً؛ فحسبكم أن تغسلوا أيديكم» (3) ، ولحديث: «كنا نغسل الميت، فمنا من يغتسل، ومنا من لا يغتسل» (4) .\rوقال الحنفية: لا يجب، لحديث «لا غسل عليكم من غسل الميت» (5) وقال ابن عطاء: «لا تنجسوا موتاكم، فإن المؤمن ليس بنجس حياً ولا ميتاًَ» (6) لكن قالوا: يندب الغسل خروجاً من خلاف من ألزم به.\rلكن قال الشوكاني: القول بالاستحباب هو الحق، لما فيه من الجمع بين الأدلة بوجه مستحسن. وبه يتبين أن طلب الغسل غير لازم لغسل الميت، مندوب إليه في المذاهب الأربعة.\r6 ً - للمستحاضة: يسن الغسل عند الشافعية والحنابلة للمستحاضة لكل صلاة، وقال المالكية: إنه مستحب، وقال الحنفية: يندب لها إذا انقطع دمها.\rودليل ندب الغسل: « أن أم حبيبة استحيضت، فسألت النبي صلّى الله عليه وسلم ، فأمرها أن تغتسل، فكانت تغتسل عند كل صلاة» (7) وفي غير الصحيح: «أنه أمرها به لكل صلاة» .\r-------------------------------\r(1) رواه مالك عن نافع عن ابن عمر، ورواه الشافعي عن علي، ورواه ابن ماجه مرفوعاً.\r(2) رواه الخمسة، وقال أبو داود: هذا منسوخ. ورجح البخاري والبيهقي أنه موقوف (نيل الأوطار:237/1).\r(3) أخرجه البيهقي وحسنه ابن حجر.\r(4) أخرجه الخطيب من حديث عمر، وصحح ابن حجر إسناده.\r(5) رواه الدارقطني والحاكم مرفوعاً من حديث ابن عباس، وصحح البيهقي وقفه، وقال: لا يصح رفعه.\r(6) إسناده صحيح، وقد روي مرفوعاً، أخرجه الدارقطني والحاكم، وورد أيضاً مرفوعاً من حديث ابن عباس: «لا تنجسوا موتاكم» أي لا تقولوا هم نجس (نيل الأوطار:238/1).\r(7) متفق عليه.","part":1,"page":479},{"id":481,"text":"وعن عائشة: أن زينب بنت جحش استحيضت، فقال لها النبي صلّى الله عليه وسلم : «اغتسلي لكل صلاة» (1) .\rويجوز الاقتصار على غسل واحد لما يجوز جمعه بين الصلاتين: الظهر والعصر، والمغرب والعشاء، لحديث عائشة: أن سهلة بنت سهيل بن عمرو استحيضت فأتت رسول الله صلّى الله عليه وسلم ، فسألته عن ذلك، فأمرها بالغسل عند كل صلاة، فلما جَهَدَها ذلك أمرها أن تجمع بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء بغسل، والصبح بغسل» (2) .\r7 ً - للإفاقة من جنون أو إغماء أو سكر: يندب الغسل لمن أفاق من جنون ونحوه، قال ابن المنذر: «ثبت أن النبي صلّى الله عليه وسلم اغتسل من الإغماء» (3) .\r8 ً - عند حجامة، وفي ليلة براءة، وليلة قدر إذا رآها: يندب عند الحنفية الغسل من الحجامة خروجاً من خلاف من ألزمه.\rوفي ليلة براءة: وهي ليلة النصف من شعبان، لإحيائها وعظم شأنها؛ إذ فيها تقسم الأرزاق والآجال. وفي ليلة القدر إذا رآها، لإحيائها.\rوفي حال فزع من مخوف، التجاء إلى الله ،وكرمه، لكشف الكرب عنه.\rوفزع من ظلمة وريح شديدة؛ لأن الله تعالى أهلك به من طغى، كقوم عاد.\rويندب الغسل للتائب من ذنب، وللقادم من سفر، ولمن أصابته نجاسة وخفي مكانها، فيغسل جميع بدنه وجميع ثوبه احتياطاَ.\rملحقان بالغسل :\rالملحق الأول ـ في أحكام المساجد:\rالمساجد أفضل بقاع الأرض، وأفضل المساجد ثلاثة: المسجد الحرام،ومسجد المدينة، والمسجد الأقصى، وأفضل الثلاثة عند الجمهور مسجد\r-------------------------------\r(1) رواه أبو داود وابن ماجه، وحسن المنذري بعض طرقه (نيل الأوطار:241/1).\r(2) رواه أحمد وأبو داود، قال ابن حجر: قد قيل: إن ابن إسحاق وهم فيه (نيل الأوطار:242/1).\r(3) متفق عليه من حديث عائشة (نيل الأوطار:343/1).","part":1,"page":480},{"id":482,"text":"مكة، وعند مالك مسجد المدينة , كما أن مالكا فضل المدينة على مكة خلافا للجمهور . وقال الحنفية : مسجد استاذ للعلوم أفضل اتفاقا, ومسجد الحي أفضل من الجامع .\rوقد ذكر الإمام النووي ( المتوفى سنة 676 للهجرة ) ثلاثة وثلاثين حكما للمساجد وهي ما يأتي (1):\r1ً -يحرم على الجنب والحائض والنفساء دخول المساجد , وأباح الشافعية المرور من غير مكث , ولا كراهة فيه , سواء أكان لحاجة أو لغيرها , لكن الأولى ألا يعبر إلا لحاجة , ليخرج من خلاف الحنفية والمالكية . كما أبنت فيما يحرم على الجنب ونحوه . ويكره تحريما عند الحنفية اتخاذ المسجد طريقاً بغير عذر، وقال المالكية: يكره كثرة المرور في المسجد إن كان بناء المسجد سابقاً على الطريق، وإلا فلا كراهة.\r2ً - لو احتلم في المسجد، وجب عليه الخروج منه، إلا أن يعجز عن الخروج لإغلاق المسجد ونحوه، أو خاف على نفسه أو ماله، فإن عجز أو خاف، جاز أن يقيم للضرورة.\rولا يتيمم بتراب المسجد فيحرم ذلك، فإن خالف وتيمم صح. ولو أجنب وهو خارج المسجد، والماء في المسجد، لم يجز أن يدخل ويغتسل في المسجد؛ لأنه يلبث لحظة مع الجنابة.\rولو دخل للاستسقاء، لا يجوز أن يقف إلا قدر حاجة الاستسقاء.\r3ً - يجوز للمحدث الجلوس في المسجد بإجماع المسلمين، سواء لغرض شرعي كاعتكاف أو سماع قرآن أو علم آخر، أم لغير غرض، ولا كراهة في ذلك.\r-------------------------------\r(1) المجموع:187/2-196،33/4، وانظر إعلام الساجد بأحكام المساجد للزركشي المتوفى (سنة 794 هـ) وبخاصة: ص301-407 حيث ذكر137 حكماً للمساجد، طبع أبي ظبي، القوانين الفقهية: ص49، المغني: 243/2، الدر المختار ورد المحتار:614/1-619، كشاف القناع: 424/2-436.","part":1,"page":481},{"id":483,"text":"4ً - يجوز النوم في المسجد، ولا كراهة فيه عند الشافعية، لفعل ابن عمر في الصحيحين، وكان أصحاب الصُفَّة (1) ينامون في المسجد، ونام العرنيون في المسجد، ونام علي وصفوان بن أمية فيه، ونام غيرهم.\rوقال مالك: لابأس بذلك للغرباء، ولا أرى ذلك للحاضر.\rوقال الحنفية: يكره النوم في المسجد إلا للغريب والمعتكف.\rوقال أحمد وإسحاق: إن كان مسافراً أو شبهه، فلا بأس، وإن اتخذه مبيتاً أو مقيلاً، فلا.\rوقال المالكية (2) : يمنع دخول الكافر المسجد وإن أذن له مسلم إلا لضرورة عمل، ومنها قلة أجرته عن المسلم في عمل ما، وإتقانه العمل على الظاهر.\rوأجاز أبو حنيفة لكافر دخول كل مسجد.\rويجوز عند الشافعية للكافر دخول المسجد غير المسجد الحرام وحرم مكة، وله أن يبيت فيه، ولو كان جنباً في الأصح، ولكن بإذن المسلمين.\r5ً - يجوز الوضوء في المسجد إذا لم يؤذ بمائه، والأولى أن يكون في إناء. قال ابن المنذر: أباح كل من يحفظ عنه العلم الوضوء في المسجد، إلا أن يَبُلَّه، ويتأذى به الناس، فإنه يكره.\rوقال مالك وأبو حنيفة: يكره الوضوء، تنزيهاً للمسجد، واستثنى الحنفية: ماأعد للوضوء فلا يكره فيه.\r6ً - لا بأس بالأكل والشرب ووضع المائدة في المسجد، وغسل اليد فيه. وقال الحنفية: يكره تنزيهاً أكل ما ليست له رائحة كريهة، وقال المالكية: يجوز للغرباء الأكل في المساجد ما لم يقذر، وكذلك قال الحنابلة: يباح الأكل بشرط ألا يلوثه.\r-------------------------------\r(1) أهل الصفة: جماعة من فقراء المهاجرين كانوا يقيمون في مسجد رسول الله صلّى الله عليه وسلم تحت صُفَّته، أي ظلته.\r(2) حاشية الصاوي على الشرح الصغير:178/1.","part":1,"page":482},{"id":484,"text":"7ً - يكره لمن أكل ثوماً، أو بصلاً، أو كُرَّاثاً، أو غيرها مما له رائحة كريهة، وبقيت رائحته، أن يدخل المسجد من غير ضرورة، لحديث ابن عمر أن النبي صلّى الله عليه وسلم قال: «من أكل من هذه الشجرة ـ يعني الثوم ـ فلا يقربن مسجدنا» أو «مساجدنا» (1) ، وحديث أنس: «من أكل من هذه الشجرة، فلا يقربنا، ولا يصلين معنا» (2) ، وحديث جابر: «من أكل ثوماً، أو بصلاً، فليعتزلنا، أو فليعتزل مساجدنا» (3) .\rوقال الحنفية: يكره ذلك تحريماً، وقال المالكية: يحرم ذلك.\r8ً - يكره البصاق في المسجد، لما ثبت في الصحيحين عن أنس رضي الله عنه، أن النبي صلّى الله عليه وسلم قال: «البصاق في المسجد خطيئة، وكفارتها دفنها» .\r9ً - يحرم البول والفصد والحجامة في المسجد في غير إناء. ويكره الفصد والحجامة فيه في إناء. ولا يحرم. وقال الحنفية: يكره تحريماً البول والتغوط والوطء في المسجد؛ لأنه مسجد إلى عنان السماء، ويكره إدخال نجاسة إلى المسجد، فلا يجوز الاستصباح فيه بدهن نجس، ولا تطيينه بنجس ولا الفصدفيه.\rوقال الشافعية: يحرم إدخال النجاسة إلى المسجد. أما من على بدنه نجاسة أو به جرح: فإن خاف تلويث المسجد، حرم عليه دخوله، وإن أمن لم يحرم. ولا يجوز البناء ولا التجصص بالنجس، ويكره ذلك تحريماً عند الحنفية. ويحرم الاستصباح فيه بالزيت والدهن المتنجس.\r-------------------------------\r(1) رواه البخاري ومسلم، ورواية مسلم: «مساجدنا» .\r(2) رواه البخاري ومسلم.\r(3) رواه البخاري ومسلم، وروى مسلم حديثاً عن عمر بن الخطاب في معنى المذكورات. هذا ولا يحرم إخراج الريح من الدبر في المسجد، لكن الأولى اجتنابه، لرواية مسلم من حديث جابر السابق: «من أكل البصل والثوم والكراث، فلا يقربن مسجدنا، فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم» والكراث: بقل (نيل الأوطار: 154/2).","part":1,"page":483},{"id":485,"text":"ودليل حرمة هذه المسائل حديث أنس عند مسلم: «إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول ولا القذر، إنما هي لذكر الله ، وقراءة القرآن» .\r10ً - يكره غرس الشجر في المسجد، ويكره حفر البئر؛ لأنه بناء في مال غيره، وللإمام قلع ما غرس فيه، وقال الحنفية: يكره غرس الأشجار في المسجد إلا لنفع، كتقليل نَزّ (ما يتحلب من الأرض من الماء).\r11ً - تكره الخصومة في المسجد، ورفع الصوت فيه، ونشد الضالة، والبيع والشراء والإجارة ونحوها من العقود، لحديث أبي هريرة عند مسلم وأحمد وابن ماجه: «من سمع رجلاً ينشد ضالة في المسجد، فليقل: لا ردها الله عليك، فإن المساجد لم تبن لهذا» وفي رواية الترمذي: «إذا رأيتم من يبيع أو يبتاع في المسجد، فقولوا: لا أربح الله تجارتك، وإذا رأيتم من ينشد ضالة، فقولوا: لا ردها الله عليك» (1) .\rكذلك يكره البيع والشراء عند الحنفية والمالكية، ويحرم عند الحنابلة، وإن وقع فهو باطل. ويكره رفع الصوت بالذكر إن شوش على المصلين عند الحنفية والحنابلة إلا للمتفقهة، كما يكره عندهم الكلام غير المباح، فإن كان مما يباح فلا يكره إن لم يشوش على المصلين. وقال المالكية: يكره رفع الصوت في المسجد مطلقاً ولو بالذكر والعلم.\r-------------------------------\r(1) قال الترمذي: حديث حسن. وروى أبو داود والترمذي والنسائي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: «أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم نهى عن الشراء والبيع في المسجد، وأن ينشد فيه ضالة، وأن ينشد فيه شعر» قال الترمذي: حديث حسن.\r(1) رواه أبو داود بإسناد جيد عن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق رضي الله عنهما.","part":1,"page":484},{"id":486,"text":"لكن لا بأس عند الشافعية أن يعطى السائل في المسجد شيئاً، لحديث: «هل منكم أحد أطعم اليوم مسكيناً؟ فقال أبو بكر: دخلت المسجد، فإذا أنا بسائل يسأل، فوجدت كسرة خبز في يد عبد الرحمن، فأخذتها فدفعتها إليه» (1) وكره الشافعي السؤال في المسجد، وكذلك كرهه المالكية والحنابلة، ولكن يجوز الإعطاء، وقال الحنفية: يحرم السؤال في المسجد، ويكره إعطاء السائل فيه شيئاً.\r12ً - يكره إدخال البهائم والمجانين، والصبيان الذين لايميزون المسجد؛ لأنه لا يؤمن من تلويثهم إياه، ولا يحرم ذلك؛ لأنه ثبت في الصحيحين أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم صلى حاملاً أمامة بنت زينب رضي الله عنهما، وطاف على بعيره. ولا ينفي هذا الكراهة؛ لأنه صلّى الله عليه وسلم فعله لبيان الجواز، فيكون حينئذ أفضل في حقه، فإن البيان واجب. وهذا الحكم هو المقرر أيضاً عند الحنابلة إلا أنهم أجازوا إدخال المجانين في المساجد لحاجة كتعليم الكتابة. ومنع المالكية والحنفية من إدخال الصبيان والمجانين المساجد، وهو مكروه، ويرخص للنساء الصلاة في المساجد إذا أمن الفساد، ويكره للشابة الخروج إليه.\r13ً - يكره أن يجعل المسجد مقعداً لحرفة، كالخياطة ونحوها، لحديث أنس السابق في حكم المسألة التاسعة. أما من ينسخ فيه شيئاً من العلم، أو اتفق قعوده فيه، فخاط ثوباً، ولم يجعله مقعداً للخياطة، فلا بأس به.\r14ً - يجوز الاستلقاء في المسجد على القفا، ووضع إحدى الرجلين على الأخرى، وتشبيك الأصابع ونحو ذلك، ثبت في صحيحي البخاري ومسلم أن النبي صلّى الله عليه وسلم فعل ذلك كله.\r15ً - يستحب عقد حلق العلم في المساجد، وذكر المواعظ والرقائق ونحوها، والأحاديث الصحيحة في ذلك كثيرة مشهورة.\r-------------------------------\r(1) رواه ابو داود باسناد جيد عن عبد الرحمن بن ابي بكر الصديق رضي الله عنهما.","part":1,"page":485},{"id":487,"text":"ويجوز التحدث بالحديث المباح في المسجد، وبأمور الدنيا وغيرها من المباحات، وإن حصل فيه ضحك ونحوه ما دام مباحاً، لحديث جابر بن سمرة رضي الله عنه قال: «كان رسول الله صلّى الله عليه وسلم لا يقوم من مصلاه الذي صلى فيه الصبح حتى تطلع الشمس فإذا طلعت قام، وقال: وكانوا يتحدثون، فيأخذون في أمر الجاهلية، فيضحكون ويبتسم (1) . »\r16ً - لا بأس بإنشاد الشعر في المسجد إذا كان مدحاً للنبوة أو الإسلام، أو كان حكمة، أو في مكارم الأخلاق، أو الزهد، أو نحو ذلك من أنواع الخير، بدليل حديث سعيد بن المسيب قال: مر عمر بن الخطاب، وحسان ينشد الشعر، فلحظ إليه، فقال: أنشد فيه، وفيه من هو خير منك، ثم التفت إلى أبي هريرة فقال: أنشدك بالله ، أسمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلم يقول: «أجب عني، اللهم أيده بروح القدس» ؟ قال: نعم (2) .\rأما ما فيه شيء مذموم كهجو مسلم أو صفة الخمر، أو ذكر النساء أو المُرْد، أو مدح ظالم، أو افتخار منهي عنه، أو غير ذلك، فحرام لحديث أنس السابق في المسألة التاسعة، ولحديث آخر: «أن النبي صلّى الله عليه وسلم نهى عن تناشد الأشعار في المسجد» (3) وهذا التفصيل هو الحكم المقرر لدى المذاهب الأخرى.\r17ً - يسن كنس المسجد وتنظيفه وإزالة ما يرى فيه من نخامة أو بصاق، أو نحو ذلك، ثبت في الصحيحين عن أنس رضي الله عنه: أن النبي صلّى الله عليه وسلم رأى بصاقاً في المسجد، فحكه بيده. وروى أبو داود عن أنس قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: «عرضت علي أجور أمتي، حتى القَذاةُ يخرجها الرجل من المسجد» والقذاة: الواحدة من التبن والتراب وغير ذلك.\r18ً - من البدع المنكرة إيقاد القناديل الكثيرة في ليال معينة كليلة نصف شعبان، مضاهاة للمجوس في الاعتناء بالنار، وإضاعة للمال.\r-------------------------------\r(1) رواه مسلم.\r(2) رواه البخاري ومسلم.\r(3) حديث حسن رواه النسائي بإسناد حسن عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده.","part":1,"page":486},{"id":488,"text":"19ً - السنة لمن دخل المسجد ومعه سلاح: أن يمسك على حَدِّه، كنصل السهم وسنان الرمح ونحوه، لحديث جابر رضي الله عنه: أن رجلاً مر بسهام في المسجد، فقال له رسول الله صلّى الله عليه وسلم : «أمسك بنصالها» (1) .\r20ً - السنة للقادم من سفر: أن يبدأ بالمسجد، فيصلي فيه ركعتين، لحديث كعب بن مالك رضي الله عنه، قال: «كان رسول الله صلّى الله عليه وسلم إذا قدم من سفر، بدأ بالمسجد، فصلى ركعتين» (2) .\r21ً - ينبغي للجالس في المسجد لانتظار صلاة، أو اشتغال بعلم، أو لشغل آخر من طاعة أو مباح: أن ينوي الاعتكاف، فإنه يصح، وإن قل زمانه.\r22ً - لا بأس بإغلاق المسجد في غير وقت الصلاة، لصيانته أو لحفظ آلاته. فإذا لم يخف من فتحها مفسدة ولا انتهاك حرمتها، وكان في فتحها رفق بالناس، فالسنة فتحها، كما لم يغلق مسجد رسول الله صلّى الله عليه وسلم في زمنه ولا بعده.\r23ً - يكره لداخل المسجد: أن يجلس فيه، حتى يصلي ركعتين.\r24ً- ينبغي للقاضي ألا يتخذ المسجد مجلساً للقضاء، إلا ما يقع فيه صدفة، فيقضى فيه.\r25ً- يكره أن يتخذ على القبر مسجد، لحديث صحيح: «قاتل الله اليهود، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» (3) .\rوأما حفر القبر في المسجد، فحرام شديد التحريم.\rوتكره الكتابة عند الشافعية والحنفية والحنابلة على جدران المسجد وسقوفه. وقال المالكية والحنابلة: تكره الكتابة في القبلة لئلا تشغل المصلي، ولا تكره فيما عدا ذلك؛ لأن الكتابة تشغل قلب المصلي، وربما اشتغل بقراءته عن صلاته. كما يكره تزويقه وكل ما يشغل المصلي عن صلاته.\r-------------------------------\r(1) رواه البخاري ومسلم، كما رويا في معناه حديثاً عن أبي موسى رضي الله عنه.\r(2) رواه البخاري ومسلم.\r(3) رواه الشيخان وأبو داود والترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه.","part":1,"page":487},{"id":489,"text":"ً 26ً- حائط المسجد من داخله وخارجه: له حكم في وجوب صيانته وتعظيم حرماته، وكذا سطحه، والبئر التي فيه، وكذا رحبته، وقد نص الشافعي وأصحابه على صحة الاعتكاف في رحبته وسطحه، وصحة صلاة المأموم فيهما مقتدياً بمن في المسجد، وكذلك يعتبر سطح المسجد كالمسجد في بقية المذاهب.\r27ً - السنة لمن أراد دخول المسجد: أن يتفقد نعليه، ويمسح ما فيهما من أذى قبل دخوله، لحديث: «إذا جاء أحدكم إلى المسجد، فلينظر، فإن رأى في نعليه قذراً أو أذى، فليمسحه، وليصل فيهما» (1) .\r28ً - يكره الخروج من المسجد بعد الأذان حتى يصلي إلا لعذر، لحديث أبي الشَّعْثاء قال: «كنا قعوداً مع أبي هريرة رضي الله عنه في المسجد، فأذن المؤذن، فقام رجل من المسجد يمشي، فأتبعه أبو هريرة بصره، حتى خرج من المسجد، فقال أبو هريرة: أما هذا، فقد عصى أبا القاسم صلّى الله عليه وسلم » (2) .\r29ً - يستحب أن يقول عند دخوله المسجد: ( أعوذ بالله العظيم ووجهه الكريم وسلطانه القديم من الشيطان الرجيم، باسم الله والحمد لله ، اللهم صل على سيدنا محمد وعلى آل محمد وسلم، اللهم اغفر لي ذنوبي، وافتح لي أبواب رحمتك ).\rوإذا خرج من المسجد قال مثله، إلا أنه يقول: ( وافتح لي أبواب فضلك) (3) .\rويقدم رجله اليمنى في الدخول، واليسرى في الخروج.\r30ً- لا يجوز أخذ شيء من أجزاء المسجد، كحجر وحصاة وتراب وغيره، لحديث مرفوع: «إن الحصاة لتناشد الذي يخرجها من المسجد» (4) .\r31ً- يسن بناء المساجد وعمارتها وتعهدها، وإصلاح ما تشعث منها، لحديث: «من بنى لله تعالى مسجداً، بنى الله له مثله في الجنة» (5) .\rوقال الحنابلة: يجب بناء المساجد في الأمصار والقرى والمحالّ (جمع مَحلِّة)\r-------------------------------\r(1) حديث حسن رواه أبو داود بإسناد صحيح.\r(2) رواه مسلم.\r(3) هذه الأذكار بعضها في صحيح مسلم، ومعظمها في سنن أبي داود والنسائي، فإن طال عليه هذا كله، فليقتصر على ما في مسلم أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم قال: «إذا دخل أحدكم المسجد فليقل: اللهم افتح لي أبواب رحمتك، وإذا خرج فليقل: اللهم إني أسألك من فضلك» .\r(4) رواه أبو داود بإسناد صحيح عن أبي هريرة.\r(5) رواه البخاري ومسلم وأحمد عن عثمان بن عفان رضي الله عنه (نيل الأوطار:147/1).","part":1,"page":488},{"id":490,"text":"ونحوها بحسب الحاجة فهو فرض كفاية، وعمارة المساجد ومراعاة أبنيتها مستحبة، ويسن أن يصان المسجد عن الأوساخ والمخاط وتقليم الأظافر وقص الشعر ونتفه، وعن الروائح الكريهة من بصل وثوم وكراث ونحوها.\rويجوز بناء المسجد في موضع كان كنيسة وبِيعة أو مقبرة درست إذا أصلح ترابها، لحديث عثمان بن أبي العاص رضي الله عنه: «أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم أمره أن يجعل مسجد أهل الطائف حيث كانت طواغيتهم» (1) ، ولحديث أنس: «أن مسجد رسول الله صلّى الله عليه وسلم كان فيه قبور مشركين، فنبشت» (2) .\rويكره زخرفة المسجد باللونين الأحمر والأصفر ونقشه وتزيينه، لئلا تشغل قلب المصلي، ولقوله صلّى الله عليه وسلم : «لا تقوم الساعة حتى يتباهى الناس في المساجد» (3) وقوله أيضاً: «ما أمرت بتشييد المساجد، قال ابن عباس: (لَتُزَخرِفُنَّها) كما زخرفت اليهود والنصارى» (4) فهو يدل على أن تشييد المساجد بدعة، وهذا الحكم بالكراهة هو المقرر عند المالكية والحنابلة، لكن أجاز الحنفية نقش المسجد بالمال الحلال، خلا محرابه فإنه يكره، لأنه يلهي المصلي.\rوروي عن أبي حنيفة الترخيص في ذلك. وروي عن أبي طالب المكي: أنه لا كراهة في تزيين المحراب.\r-------------------------------\r(1) رواه أبو داود بإسناد جيد، وابن ماجه (نيل الأوطار:145/2).\r(2) رواه البخاري ومسلم.\r(3) رواه الخمسة إلا الترمذي عن أنس (نيل الأوطار:151/2).\r(4) أخرجه أبو داود عن ابن عباس، والتشييد: رفع البناء وتطويله. وفي قول ابن عباس نوع تأنيب وتوبيخ، والمراد من الزخرفة: الزينة. وفتح اللام في قوله: لتزخرفنها لأنه جواب القسم. وكلام ابن عباس مفصول عن كلام النبي صلّى الله عليه وسلم في الكتب المشهورة وغيرها (نيل الأوطار:150/2).","part":1,"page":489},{"id":491,"text":"32ً - ورد في فضل المساجد أحاديث كثيرة منها: «أحب البلاد إلى الله تعالى مساجدها، وأبغض البلاد إلى الله أسواقها» (1) .\r33ً - مصلى العيد وغيره الذي ليس بمسجد: لايحرم المكث فيه على الجنب والحائض، على المذهب عند الشافعية.\rالملحق الثاني ــ أحكام الحمامات العامة:\rذكر الشافعية والحنابلة أحكام الحمام وآداب دخوله فقالوا (2) :\rأ ـ أجود الحمامات: ماكان شاهقاً، عذب الماء، معتدل الحرارة، معتدل البيوت، قديم البناء.\rب ـ بناء الحمام : وبيعه وشراؤه وإجارته مكروه عند الإمام أحمد، لما فيه من كشف العورة والنظر إليها، ودخول النساء إليه، قال أحمد: في الذي يبني حماماً للنساء: ليس بعدل. وحمله بعضهم على غير البلاد الباردة.\rوكسب الحمام والحلاق عند الحنابلة مكروه.\rجـ ــ الدخول إلى الحمام: يباح للرجال دخول الحمام، ويجب عليهم غض البصر عما لايحل لهم، وصون عورتهم عن الكشف بحضرة من لايحل له النظر إليها، أو في غير وقت الاغتسال، فإنه يروى: « أن ابن عباس دخل حماماً بالجُحْفة» ، ويروى ذلك عن النبي صلّى الله عليه وسلم ، كما يروى عن خالد بن الوليد «أنه دخل الحمام » .\r-------------------------------\r(1) رواه مسلم عن أبي هريرة، ورواه أحمد والحاكم عن جبير بن مطعم.\r(2) مغني المحتاج:76/1، المغني: 230/1-233، كشاف القناع:181/1-183، الفتاوى الهندية:373/5 وما بعدها.","part":1,"page":490},{"id":492,"text":"فإن خشي ألا يسلم من النظر إلى العورات، ونظر الناس إلى عورته كره له ذلك؛ لأنه لايأمن وقوعه في المحظور، فإن كشف العورة ومشاهدتها حرام، بدليل حديث بهز بن حكيم المتقدم في أول مبحث الغسل: « احفظ عورتك إلا من زوجتك أو ماملكت يمينك ... » (1) ، وقال النبي صلّى الله عليه وسلم : « لاينظر الرجل إلى عورة الرجل، ولاتنظر المرأة إلى عورة المرأة » « لاتمشوا عراة » (2) « الفخذ عورة » (3) .\rويحرم دخول الحمامات العامة بغير مئزر، لقوله صلّى الله عليه وسلم : « من كان يؤمن بالله واليوم الآخر من ذكور أمتي، فلا يدخل الحمام إلا بمئزر، ومن كانت تؤمن بالله واليوم الآخر، فلا تدخل الحمام » (4) «حرام على الرجال دخول الحمام إلا بمئزر» (5) ، وروي: «أن الرجل إذا دخل الحمام عارياً لعنه ملكاه » (6) .\rوأما النساء: فيكره لهن دخول الحمام بلا عذر من حيض أو نفاس أو مرض أو حاجة إلى الغسل، ولا يمكن المرأة أن تغتسل في بيتها، لخبر: «ما من امرأة تخلع ثيابها في غير بيتها إلا هتكت مابينها وبين الله تعالى » (7) وقال صلّى الله عليه وسلم : «ستفتح عليكم أرض العجم، وستجدون فيها بيوتاً، يقال لها الحمامات، فلا يدخلنها الرجال إلا بالإزار، وامنعوها النساء، إلا مريضة أو نفساء » (8) ، ولأن أمرهن\r-------------------------------\r(1) رواه الخمسة (نيل الأوطار:62/2).\r(2) رواهما مسلم، وروى أبو داود وابن ماجه عن علي: «لا تبرِز فخذاك، ولا تنظر إلى فخذ حي أو ميت» (نيل الأوطار:62/2).\r(3) رواه الترمذي وأحمد عن ابن عباس (نيل الأوطار:62/2).\r(4) رواه أحمد عن أبي هريرة.\r(5) رواه النسائي والحاكم عن جابر.\r(6) رواه القرطبي في تفسيره عند قوله تعالى: {كراماً كاتبين، يعلمون ما تفعلون} [الانفطار:11/82-12].\r(7) رواه الترمذي وحسنه عن عائشة رضي الله عنها.\r(8) رواه أبو داود وغيره عن ابن عمر رضي الله عنه.","part":1,"page":491},{"id":493,"text":"مبني على المبالغة في الستر، ولما في خروجهن واجتماعهن من الفتنة والشر (1) .\rولايحرم على المرأة الاغتسال في حمام دارها حيث لم ير من عورتها مايحرم النظر إليه.\rد - يحرم الاغتسال عرياناً بين الناس، فمن اغتسل عرياناً بين الناس: لم يجز له ذلك؛ لأن كشف العورة للناس محرم، لما تقدم، ولقوله صلّى الله عليه وسلم : « إن الله عز وجل حيي ستِّير، يحب الحياء والستر، فإذا اغتسل أحدكم فليستتر » (2) . أما إن كان خالياً فيجوز؛ لأن موسى عليه السلام اغتسل عرياناً (3) ، كما اغتسل أيوب عليه السلام عرياناً (4) .\rوإن ستره إنسان بثوب، فلابأس، فقد كان النبي صلّى الله عليه وسلم يستتر بثوب ويغتسل.\rويستحب التستر وإن كان خالياً للحديث السابق: « فالله أحق أن يستحيا منه من الناس » .\rولايسبح في ماء إلا مستتراً؛ لأن الماء لايستر، فتبدو عورة من دخله عرياناً.\rهـ ـ يجزئ الغسل والوضوء بماء الحمام، لأنه طاهر، ويجعل بمنزلة الماء الجاري إذا كان يفيض من الحوض ويخرج، أي أن عليه مصبَّاً، فإن الذي يأتي أخيراً يدفع مافي الحوض، ويثبت في مكانه.\rو ـ لابأس للمستتر بذكر الله في الحمام، فإن ذكر الله حسن في كل مكان، مالم يرد المنع منه، روي « أن أبا هريرة دخل الحمام، فقال: لا إله إلا الله » وروي عن النبي صلّى الله عليه وسلم « أنه كان يذكر الله على كل أحيانه » .\rأما قراءة القرآن في الحمام: فلا تكره عند مالك والنخعي، كذكر الله فيه، وكره أحمد ذلك، ولو خفض صوته؛ لأنه محل التكشف، ويفعل فيه مالايحسن في غيره، فيصان القرآن عنه. كما يكره السلام فيه. وأباحه بعض الحنابلة؛ لأن الأشياء على الإباحة.\r-------------------------------\r(1) قال بعض الشافعية: والخناثى كالنساء فيما يظهر.\r(2) رواه أبو داود عن يعلى بن أمية.\r(3) رواه البخاري.\r(4) كما ذكر صاحب المغني ابن قدامة المقدسي.","part":1,"page":492},{"id":494,"text":"ز ـ آداب الحمام: يجب ألايزيد المستحم في الماء على قدر الحاجة والعادة، ولايطيل المقام إلا بقدر الحاجة.\rوآداب الحمام: أن يقصد التطهير والتنظيف، لا الترفه والتنعم، وأن يسلم الأجرة قبل دخوله، وأن يسمي للدخول، ثم يتعوذ، كما في دخول الخلاء، ويقدم رجله اليسرى عند الدخول، ورجله اليمنى عند الخروج.\rويتذكر بحرارة الحمام حرارة نار جهنم، ولايدخله إذا رأى فيه عرياناً، ولايعجل بدخول البيت الحار حتى يعرق في البيت الأول؛ لأنه أجود طباً، ولايكثر الكلام، ويتحين بدخوله وقت الفراغ أو الخلوة إن قدر على ذلك، ويقلل الالتفات؛ لأنه محل الشياطين، ويستغفر الله تعالى ويصلي ركعتين بعد خروجه منه، فقد كانوا يقولون: يوم الحمام يوم إثم.\rوكره الشافعية دخول الحمام قبيل الغروب، وبين العشاءين؛ لأنه وقت انتشار الشياطين، وقال الحنابلة: لايكره ذلك لعدم النهي الخاص عنه. ولابأس بدلك غيره إلا عورة أو مظنة شهوة.\rويكره الحمام للصائم؛ لأن الغسل يضعف الجسم، وهو ترفه لايلائم الصوم، وقد يسبق الماء إلى جوفه، فيفطر.\rويغسل قدميه عند خروجه بماء بارد، ولابأس بشرب ماء بارد عند خروجه منه، لأنه أنفع طباً، كما لابأس بقوله لغيره: عافاك الله، ولا مانع من المصافحة.\rالفَصْلُ السَّادس: التَّيَمُّم\rتعريفه، ومشروعيته وصفته، أسبابه، فرائضه، كيفيته،شروطه، سننه ، ومكروهاته، نواقضه، حكم فاقد الطهورين.\rالمطلب الأول ــ تعريف التيمم ومشروعيته وصفته:\rالتيمم لغة: القصد ومنه قوله تعالى: { ولاتيمموا الخبيث منه تنفقون } [البقرة:2/267]، وشرعاً عرفه الفقهاء بعبارات متقاربة، فقال الحنفية (1) : مسح الوجه واليدين عن صعيد مطهر. والقصد شرط له؛ لأنه النية، فهو قصد صعيد مطهر واستعماله بصفة مخصوصة لإقامة القربة.\rوقال المالكية (2) : طهارة ترابية تشتمل على مسح الوجه واليدين بنية.\rوقال الشافعية (3) : إيصال التراب إلى الوجه واليدين بدلاً عن الوضوء أو الغسل أو عضو منهما بشرائط مخصوصة.\r-------------------------------\r(1) مراقي الفلاح: ص19، فتح القدير:84/1، اللباب:35/1، البدائع:45/1، حاشية ابن عابدين: 211/1.\r(2) حاشية الصاوي على الشرح الصغير:179/1.\r(3) مغني المحتاج:87/1. وقال الحنابلة (1) : مسح الوجه واليدين بتراب طهور على وجه مخصوص.","part":1,"page":493},{"id":495,"text":"مشروعيته : التيمم من خصائص الأمة الإسلامية، شرع في غزوة بني المصطلق ( غزوة المريسيع ) في السنة السادسة من الهجرة حينما أضاعت عائشة عِقْدها، فبعث صلّى الله عليه وسلم في طلبه، وحانت الصلاة، وليس معهم ماء، فنزلت آية التيمم، كما نزلت آيات براءة عائشة من الإفك في سورة النور، فقال أُسَيدُ بن حضير: «يرحمك الله يا عائشة، مانزل بك أمر تكرهينه إلا جعل الله للمسلمين فيه فرجاً» .\rوهو رخصة، وقال الحنابلة: إنه عزيمة، وأدلة مشروعيته: الكتاب والسنة والإجماع: أما القرآن: فقوله تعالى: { وإن كنتم مرضى أو على سفر، أو جاء أحد منكم من الغائط، أو لامستم النساء، فلم تجدوا ماء، فتيمموا صعيداً طيباً (2) ، فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه } [المائدة 5 /6]، وهذا يدل على أن التيمم فريضة بدل الغسل بالماء.\rوأما السنة: فأحاديث كثيرة ،منها خبر مسلم: « جعلت لنا الأرض كلها مسجداً وتربتها طهوراً » (3) ، ومنها « التراب طهور المسلم، ولو إلى عشر حجج، مالم يجد الماء أو يحدث » (4) .\rوأجمعت الأمة على جواز التيمم في الجملة.\r-------------------------------\r(1) كشاف القناع: 183/1.\r(2) أي تراباً طهوراً.\r(3) وروى أحمد في معناه حديثين عن أبي أمامة وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده(نيل الأوطار:258/1).\r(4) روي من حديث أبي ذر عند أبي داود والنسائي والترمذي، ومن حديث أبي هريرة عند البزار والطبراني، قال الترمذي عن الأول: حديث حسن صحيح (نصب الراية: 148/1).","part":1,"page":494},{"id":496,"text":"صفته أو الطهارة التي هو بدل عنها: قال عامة الفقهاء (1) : التيمم ينوب عن الوضوء وعن الغسل من الجنابة والحيض والنفاس، إلا أنه لايجوز عند غير الحنفية لزوج الحائض أن يطأها حتى تغتسل بالماء، فالمحدث والجنب والحائض والنفساء ومن ولدت ولداً جافاً يتيمم للصلاة وغيرها من الطاعات؛ لأن الضمير في قوله تعالى : { فلم تجدوا ماء فتيمموا } [المائدة 5/6]، يعود على المحدث حدثاً أصغر وعلى المحدث حدثاً أكبر عند القائلين بأن الملامسة هي الجماع. أما من كانت الملامسة عنده هي اللمس باليد في قوله تعالى: { أو لامستم النساء } [المائدة:5/6]، فالضمير يعود على المحدث حدثاً أصغر فقط، وتكون مشروعية التيمم للجنب ثابتة بالسنة:\rمثل حديث عمران بن حصين، قال : كنا مع رسول الله صلّى الله عليه وسلم في سفر، فصلى بالناس، فإذا هو برجل معتزل، فقال: مامنعك أن تصلي؟ قال: أصابني جنابة ولا ماء؟ قال: عليك بالصعيد فإنه يكفيك » (2) وهو يدل على مشروعية التيمم للصلاة عند عدم الماء من غير فرق بين الجنب وغيره. والصعيد : ماصعد على وجه الأرض من التراب.\rومثل حديث جابر قال: خرجنا في سفر، فأصاب رجلاً منا حَجَر، فشجَّه في رأسه، ثم احتلم، فسأل أصحابَه، هل تجدون لي رخصة في التيمم؟ فقالوا: مانجد لك رخصة، وأنت تقدر على الماء، فاغتسل فمات، فلما قدمنا على رسول\r-------------------------------\r(1) بداية المجتهد:61/1 وما بعدها، القوانين الفقهية: ص38، البدائع:55/1، مغني المحتاج:87/1، المغني:237/1،257،273، كشاف القناع:194/1، المهذب:32/1، فتح القدير:87/1، غاية المنتهى: 53/1.\r(2) متقق عليه (نيل الأوطار:256/1) .","part":1,"page":495},{"id":497,"text":"الله صلّى الله عليه وسلم أُُخبر بذلك، فقال: قتلوه، قتلهم الله، ألا سألوا إذ لم يعلموا، فإنما شفاء العِيّ (1) السؤال، إنما كان يكفيه أن يتيمم ويِعْصِر، أو يَعْصِب على جُرْحه، ثم يمسح عليه، ويغسل سائر جسده (2) وهو يدل على جواز العدول إلى التيمم لخشية الضرر.\rومثل حديث عمرو بن العاص: أنه لما بُعث في غزوة ذات السلاسل (3) ، قال: احتلمت في ليلة باردة شديدة البرد، فأشفقت أن أهْلِك، فتيممت ثم صليت بأصحابي صلاة الصبح، فلما قدمنا على رسول الله صلّى الله عليه وسلم ذكروا ذلك له، فقال: ياعمرو، صليت بأصحابك وأنت جنُب؟ فقلت: ذكرت قول الله تعالى : ولا تقتلوا أنفسكم، إن الله كان بكم رحيماً، فتيممت، ثم صليت، فضحك رسول الله صلّى الله عليه وسلم ، ولم يقل شيئاً » (4) وهو يدل على جواز التيمم لشدة البرد، ولا إعادة عليه، وهو رأي مالك وأبي حنيفة.\rالطاعات التي يتيمم لها: يجوز التيمم لكل مايتطهر له من صلاة مفروضة أو نافلة، أو مس مصحف، أو قراءة قرآن، أو سجود تلاوة أو شكر، أو لُبث في مسجد، للأحاديث السابقة، ولأنه يستباح بالتيمم مايستباح بطهارة الماء.\rمايتيمم له من الأحداث: ويجوز التيمم للحدث الأصغر، والجنابة، والحيض والنفاس على حد سواء، لما روي أن قوماً جاءوا إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلم ، وقالوا: إنا قوم نسكن هذه الرمال، ولانجد الماء شهراً أو شهرين، وفينا الجنب\r-------------------------------\r(1) العي: التحير في الكلام، وقيل: ضد البيان .\r(2) رواه أبو داود والدارقطني وابن ماجه، وصححه ابن السكن (نيل الأوطار:257/1) .\r(3) هي موضع وراء وادي القرى، وكانت هذه الغزوة في جمادى الأولى سنة ثمان من الهجرة.\r(4) رواه أحمد وأبو داود والدارقطني وابن حبان والحاكم، وأخرجه البخاري تعليقاً (نيل الأوطار:258/1) .","part":1,"page":496},{"id":498,"text":"والحائض والنفساء، فقال عليه السلام: « عليكم بالأرض » (1) . وقال الله تعالى: { وإن كنتم جنباً فاطّهروا، وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء، فلم تجدوا ماء فتيمموا } [المائدة:5/6].\rنوع البدل:\rقال الحنفية (2) : إن التيمم بدل مطلق، وليس ببدل ضروري، فالحدث يرتفع بالتيمم إلى وقت وجود الماء في حق الصلاة المؤداة، بدليل الحديث المتقدم: «التيمم وضوء المسلم، ولو إلى عشر حِجج، مالم يجد الماء، أو يحدث» فقد سمى التيمم وضوءاً، والوضوء مزيل للحدث. وقال صلّى الله عليه وسلم : « جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً » (3) ، والطهور اسم للمطهر، فدل على أن الحدث يزول بالتيمم، إلا أن زواله مؤقت إلى غاية وجود الماء، فإذا وجد الماء يعود الحدث.\rويترتب عليه : أنه يجوز التيمم قبل دخول الوقت، ويجوز له أن يصلي بالتيمم ما شاء من الفرائض والنوافل ما لم يجد الماء أو يحدث، وإذا تيمم للنفل جاز له أن يؤدي به النفل والفرض.\rوقال الجمهور غير الحنفية (4) : التيمم بدل ضروري، فيباح له الصلاة مع قيام الحدث حقيقة للضرورة، كطهارة المستحاضة، لحديث أبي ذر عند الترمذي: «\r-------------------------------\r(1) رواه أحمد والبيهقي وإسحاق بن راهويه عن أبي هريرة لكنه ضعيف (نصب الراية:156/1) .والحديث الصحيح المتفق عليه المتقدم عن عمران بن حصين يدل على الاكتفاء بالتيمم بدل الغسل حال الجنابة وفقد الماء .\r(2) البدائع:54/1 وما بعدها، الدر المختار: 223/1.\r(3) رواه الشيخان والنسائي عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه .\r(4) الشرح الكبير:154/1، مغني المحتاج:97/1، بجيرمي الخطيب:253/1، كشاف القناع: 199/1.","part":1,"page":497},{"id":499,"text":"فإذا وجدت الماء فأمسَّه جلدك، فإنه خير لك» ولو رفع الحدث لم يحتج إلى الماء إذا وجده، ولو رأى الماء يعود الحدث، مما يدل على أن الحدث لم يرتفع، لكن أبيح له أداء الصلاة مع قيام الحدث للضرورة، كمافي المستحاضة.\rويترتب عليه عكس الأحكام السابقة، إلا أن الحنابلة خلافاً للمالكية والشافعية أجازوا بالتيمم الواحد صلاة ما عليه من فرائض فوائت إن كانت عليه.\rآراء المذاهب فيما يترتب على الاختلاف في نوع بدلية التيمم :\r1 ً - وقت التيمم:\rقال الحنفية (1) القائلون بأن التيمم طهارة مطلقة: يجوز التيمم قبل الوقت، ولأكثر من فرض، ولغير الفرض من النوافل؛ لأن التيمم بدل مطلق عند عدم الماء، ويرتفع به الحدث إلى وقت وجود الماء، وليس ببدل ضروري مبيح مع قيام الحدث حقيقة، الذي هو قول الجمهور، فلا يجوز عندهم قبل الوقت، ولا يصلى به أكثر من فرض. ودليل الحنفية: أن التوقيت في العبادات لا يكون إلا بدليل سمعي، ولا دليل فيه، فيقاس على الوضوء، والوضوء يصح قبل الوقت.\rوقال الجمهور (المالكية والشافعية والحنابلة) (2) : لا يصح التيمم إلا بعد دخول وقت ما يتيمم له من فرض أو نفل، فلا يتيمم لفرض قبل دخول وقت فعله، ولا لنفل معين أو مؤقت كسنن الفرائض الرواتب قبل وقتها.\rأما الفريضة: فلقوله تعالى: {إذا قمتم إلى الصلاة} [المائدة:5/6]، والقيام إليها بعد دخول الوقت، ولما رواه البخاري من حديث «فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل» وما رواه أحمد: «أينما أدركتني الصلاة تمسحت وصليت» أي تيممت وصليت، وهذا دليل على أن التيمم يكون عند إدراك الصلاة، أي بعد دخول وقتها.\r-------------------------------\r(1) البدائع:54/1، الدر المختار وحاشية ابن عابدين:223/1\r(2) بدا ية المجتهد:65/1، القوانين الفقهية: ص37، مغني المحتاج:105/1، المهذب:34/1، كشاف القناع:184/1.","part":1,"page":498},{"id":500,"text":"وأما النفل: فلحديث أبي أمامة مرفوعاً قال: «جعلت الأرض كلها لي ولأمتي مسجداً وطهوراً، فأينما أدركت رجلاً من أمتي الصلاة، فعنده مسجده، وعنده طهوره» (1) .\rوأما الوضوء: فإنما جاز قبل الوقت، فلكونه رافعاً للحدث، بخلاف التيمم، فإنه طهارة ضرورة، فلم يجز قبل الوقت، كطهارة المستحاضة.\rويصح التيمم لركعتي الطواف كل وقت لإباحته، ويصح التيمم لفائتة تذكرها وأراد فعلها لصحة فعلها في كل وقت، ويصح التيمم لكسوف عند وجوده إن لم يكن وقت نهي عن الصلاة فيه (2) ، ويصح التيمم لاستسقاء إذا اجتمعوا لصلاته، ولصلاة جنازة إذا غسل الميت، أو يمم لعذر، ولصلاة عيد إذا دخل وقته، ولمنذورة كل وقت. ويصح التيمم لنفل عند جواز فعله كتحية المسجد؛ لأن ذلك وقته.\rواحترز بعبارة النفل المعين أو المؤقت عن النوافل المطلقة، فإنه يتيمم لها متى شاء، إلا في وقت الكراهة المنهي عنه؛ لأنه ليس وقتاً له.\rهل يؤخر التيمم لآخر الوقت؟\rاتفق أئمة المذاهب الأربعة (3) على أن الأفضل تأخير التيمم لآخر الوقت إن رجا وجود الماء حينئذ. فإن يئس من وجوده استحب تقديمه أول الوقت عند الجمهور (غير الحنابلة) والمنصوص عن أحمد: أن تأخير التيمم أولى بكل حال.\r-------------------------------\r(1) رواه أحمد، ورواه البخاري ومسلم والنسائي عن جابر بلفظ: «أعطيت خمساً لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل، وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي، وأعطيت الشفاعة، وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة» .\r(2) تكره الصلاة النافلة في خمسة أوقات : بعد صلاة الفجر، وعند طلوع الشمس، وعند الزوال ظهراً، وبعد صلاة العصر، وعند الغروب.\r(3) الدر المختار ورد المحتار: 229/1، البدائع:54/1، الشرح الصغير:189/1 وما بعدها، مغني المحتاج:89/1، المغني:243/1.","part":1,"page":499},{"id":501,"text":"والأصح عند الحنفية: أن ندب التأخير هو لآخر الوقت المستحب بحيث لايقع في كراهة؛ إذ لا فائدة في التأخير سوى الأداء بأكمل الطهارتين. ويجب التأخير بالوعد بالماء، ولو خاف القضاء، كما يجب التأخير عند أبي حنيفة بالوعد بالثوب للعاري، أو بالدلو لنزح الماء، ما لم يخف القضاء.\rوقيد الشافعية أفضلية الانتظار بحالة تيقن وجود الماء آخر الوقت، فإن شك في وجوده أو ظن بأن ترجح عنده وجود الماء آخر الوقت، فتعجيل التيمم أفضل في الأظهر؛ لأن فضيلة التقديم محققة بخلاف فضيلة الوضوء.\rوفصل المالكية في الأمر فقالوا: اليائس من وجود الماء يندب له التعجيل أول الوقت. والمتردد في ذلك وهو الشاك أو الظان ظناً قريباً من الشك: يندب له التيمم وسط الوقت. والراجي: وهو الغالب على ظنه وجود الماء: يتيمم ندباً آخر الوقت.\r2 ً - مايفعل بالتيمم الواحد:\rقال الحنفية (1) : يصلي بتيممه ماشاء من الفرائض والنوافل؛ لأنه طهور حال عدم الماء،فيعمل عمله ما بقي شرطه، فله أن يصلي بتيمم واحد فرضين فأكثر، وما شاء من نافلة.\rوقال الحنابلة (2) : التيمم مقيد بالوقت، لقول علي رضي الله عنه: «التيمم لكل صلاة» وقول ابن عمر رضي الله عنهما: «تيمم لكل صلاة» ولأن التيمم طهارة ضرورة، فتقيدت بالوقت، كطهارة المستحاضة، والطواف المفروض كالصلاة الفريضة.\rوبناء عليه: إذا تيمم صلى الصلاة التي حضر وقتها، وصلى به فوائت إن كانت عليه، فيصلي الحاضرة، ويجمع بين الصلاتين، ويقضي فوائت، وله التطوع بما شاء من النوافل إلى أن يدخل وقت صلاة أخرى.\r-------------------------------\r(1) فتح القدير: 95/1\r(2) المغني:262/1-246.","part":1,"page":500},{"id":502,"text":"وقال المالكية والشافعية (1) : لا يصلى بتيمم واحد فرضان، فلا يجوز للمتيمم أن يصلي بتيمم واحد أكثر من فريضة. ويجمع بين نوافل، وبين فريضة ونافلة إن قدم الفريضة عند المالكية، ويتنفل ما شاء قبل المكتوبة وبعدها عند الشافعية، لأنها غير محصورة.\rودليلهم: ما روى البيهقي بإسناد صحيح عن ابن عمر، قال: «يتيمم لكل صلاة، وإن لم يحدث» ، ولأنه طهارة ضرورة، فلا بد من تكرار التيمم لكل فرض، وإن كانت الفريضتان مجموعتين في وقت واحد، كالظهر مع العصر، ولو كان التيمم من مريض يشق عليه إعادته.\rويجوز أن يصلي بتيمم واحد فرض صلاة، وفرض جنازة عند المالكية، والشافعية في الأصح؛ لأن الجنازة فرض كفاية، فهي كالنفل في جواز الترك في الجملة.\rوجاز بالتيمم للصلاة: مس المصحف، وقراءة القرآن إن كان جنباً.\rوالنذر عند الشافعية كفرض في الأظهر، فيجدد له التيمم، ولا يجمعه مع فرض آخر أداء أو قضاء بتيمم واحد.وفرض الطواف وخطبة الجمعة عند الشافعية كفرض الصلاة، فلا يجمع بتيمم واحد بين طوافين مفروضين، ولا بين طواف مفروض وصلاة مفروضة، ولا بين صلاة جمعة وخطبتها؛ لأن الخطبة وإن كانت فرض كفاية، ألحقت بفرض العين، إذا قيل: إنها قائمة مقام ركعتين.\rوأجاز المالكية الجمع بتيمم بين صلاة مفروضة وطواف غير واجب وركعتيه، فهم إذن كالشافعية.\r3 ً - هل التيمم للنفل يجيز صلاة الفرض؟\rقال الحنفية الواصفون التيمم بأنه بدل مطلق (2) : إذا تيمم للنفل، يجوز له أن يؤدي به النفل والفرض. ويجوز عند أبي حنيفة وأبي يوسف: أن يؤم المتيمم المتوضئين إذا لم يكن معهم ماء؛ لأن التيمم في حال عدم الماء طهارة مطلقة، فيجوز اقتداؤهم به، وإن كان معهم ماء لا تجوز صلاتهم؛ لأن التيمم بدل عن الماء عند عدمه.\r-------------------------------\r(1) الشرح الصغير: 186/1-187، الشرح الكبير:151/1، المهذب: 36/1، مغني المحتاج:103/1، القوانين الفقهية: ص38.\r(2) البدائع:55/1 وما بعدها.","part":1,"page":501},{"id":503,"text":"وقال المالكية (1) : لا يصلى فرض بتيمم نواه لغيره، فإن نوى فرض الصلاة صلى به ما عليه من فرض واحد، وما شاء من النوافل على أن يقدم صلاة الفرض على النفل، ولا يصلى به الفريضة الفائتة معه، وإن نوى مطلق الصلاة صلى به النفل دون الفرض، لأن الفرض يحتاج لنية تخصه، ومن نوى نفلاً لم يصل به فرضاً. ويلزم حال نية استباحة الصلاة أو ما منعه الحدث نية الحدث الأكبر من جنابة أو غيرها إن كان عليه. فإن لم يلاحظه بأن نسيه أو لم يعتقد أنه عليه، لم يجزه وأعاد أبداً.\rويندب نية الحدث الأصغر إذا نوى استباحة الصلاة أو نوى استباحة ما منعه الحدث. أما لو نوى فرض التيمم، فلا تندب نية الأصغر، ولا الأكبر؛ لأن نية الفرض تجزئ عن نية كل من الأصغر والأكبر. وإذا تيمم لقراءة قرآن أو للدخول على سلطان ونحو ذلك لا يجوز أن يصلي به.\rوقال الشافعية والحنابلة (2) : إن نوى فرضاً ونفلاً صلى به الفرض والنفل، وإن نوى فرضاً استباح مثله، وما دونه من النوافل، لأن النفل أخف، ونية الفرض تتضمنه، وبما أن الفرض أعلى استباح ما دونه تبعاً. وإن نوى نفلاً أو أطلق النية للصلاة بأن نوى استباحة الصلاة، ولم ينو فرضاً ولا نفلاً، لم يصل إلا نفلاً، ولم يصل به إلا فرضاً؛ لأن الفرض أصل والنفل تابع، فلا يجعل المتبوع تابعاً، وقياساً على ما لو أحرم بالصلاة، فإن صلاته تنعقد نفلاً.\r-------------------------------\r(1) مغني المحتاج: 98/1، كشاف القناع:201/1 وما بعدها، بجيرمي الخطيب:253/1.\r(2) حاشية الصاوي على الشرح الصغير: 193/1، الشرح الكبير: 154/1.","part":1,"page":502},{"id":504,"text":"المطلب الثاني ـ أسباب التيمم:\rأسباب التيمم أو الأعذار له هي ما يلي (1) :\r1 ً - فقد الماء الكافي للوضوء أو الغسل:\rحساً بأن لم يجد ماء أصلاً أو وجد ماء لا يكفيه، أو شرعاً: بأن خاف الطريق إلى الماء أو كان عند الحنفية بعيداً عنه بمقدار ميل (8481م أو 0004 ذراع أو خطوة) أو أكثر، أو بقدر ميلين كما قال المالكية، أو احتاج إلى ثمنه أو وجده بأكثر من ثمن المثل، للآية السابقة: {فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيداً طيباً} [المائدة:5/6].\rوفصل الشافعية في جواز التيمم لفقد الماء وطلبه، فقالوا:\rأ ـ إن تيقن فقد الماء حوله، تيمم بلا طلب.\rب ـ وإن توهم الماء أو ظنه، أو شك فيه، فتش في منزله وعند رفقته وتردد قدر حد الغوث (2) : وهو مقدار غَلْوة سهم (004 ذراع أو 8،481م)، فإن لم يجد ماء تيمم. وقد اقتصر الحنفية على هذا فأوجبوا طلب الماء إلى أربع مئة خطوة إن ظن قربه من الماء مع الأمن.\rجـ ـ وإن تيقن الماء طلبه في حد القُرب (3) : (وهو ستة آلاف خطوة) وقال المالكية: إذا تيقن أو ظن الماء يطلبه لأقل من ميلين. وقال الحنابلة: يطلبه فيما قرب منه عادة.\rولا يطلب الماء عند الشافعية سواء في حد القرب أو الغوث إلا إذا أمن نفساً ومالاً، وانقطاعاً عن الرفقة. والأظهر عند الشافعية، والحنابلة خلافاً لغيرهم: أنه لو وجد ماء لا يكفيه، وجب استعماله، ثم يتيمم، للحديث المتفق عليه عن أبي هريرة: «إذا أمرتكم بأمر، فأتوا منه مااستطعتم» .\r-------------------------------\r(1) البدائع:46/1-49، تبيين الحقائق:36/1، اللباب:36/1، فتح القدير:83/1-86، مراقي الفلاح: ص19، الدر المختار:214/1-226، الشرح الصغير:179/1-183،199، بداية المجتهد:63/1 ومابعدها، القوانين الفقهية: ص37، الشرح الكبير:149/1 ومابعدها، مغني المحتاج:87/1-95، المغني:234/1، 239، 257، 258، 261، 265، كشاف القناع:184/1-194.\r(2) وهو ما يلحقه فيه غوث الرفقة، مع ما هم عليه من التشاغل والتفاوض في الأقوال.\r(3) وهو ما يقصده النازلون لنحو احتطاب واحتشاش.","part":1,"page":503},{"id":505,"text":"الشراء: ويجب شراؤه بثمن المثل، إن لم يحتج إليه لدين مستغرق (محيط بماله) أو مؤنة سفره، أو نفقة حيوان محترم، سواء أكان آدمياً أم غيره.\rالهبة: ولو وهب له ماء أوعير دلواً، وجب القبول عند العلماء وفي الأصح عند الشافعية، أما لو وهب ثمنه فلا يجب قبوله بالإجماع، لعظم المنة، ولو من الوالد لولده.\rنسيان الماء: ولو نسي الماء في رحله، فتيمم وصلى، ثم تذكر الماء في الوقت بعد أن فرغ من الصلاة، قضى في الأظهر عند الشافعية وأبي يوسف والمالكية، لأنه واجد للماء، ولكنه قصر في الوقوف عليه، فيقضي كما لو نسي ستر العورة، بأن كان في رحله ثوب فنسيه (1) .\rولم يقض عند أبي حنيفة ومحمد؛ لأنه لا قدرة بدون العلم، فهو غير واجد للماء؛ لأن المراد بوجود الماءالقدرة على استعماله، ولا قدرة إلا بالعلم (2) .\rفإن تذكر الماء وهو في الصلاة يقطع ويعيد إجماعاً، كما أنه يعيد اتفاقاً إذا ظن فناء الماء. ولا يكره الوطء لعادم الماء، ولو لم يخف العنت (المشقة)؛ إذ الأصل في الأشياء الإباحة إلا لدليل.\r2 ً - فقد القدرة على استعمال الماء:\rقال المالكية والحنابلة وغيرهم: يتيمم العاجز الذي لا قدرة له على الماء كالمكره والمحبوس، والمربوط بقرب الماء، والخائف على نفسه من سبع أو لص، سواء في الحضر أو السفر، ولو سفر معصية؛ لأن التيمم مشروع مطلقاً، سواء في الحضر أو السفر، في الطاعة أو المعصية، ولأنه عادم للماء، ولعموم قوله صلّى الله عليه وسلم : «إن الصعيد الطيب طهور المسلم، وإن لم يجد الماء عشر سنين، فإذا وجد الماء فليمسه بشرته، فإن ذلك خير» (3) .\rلكن عند الشافعية يقضي المقيم المتيمم لفقد الماء، لا المسافر، إلا العاصي بسفره في الأصح، فإنه يقضي؛ لأنه ليس من أهل الرخصة (4) .\r-------------------------------\r(1) مغني المحتاج:91/1.\r(2) فتح القدير وحاشية العناية:97/1، الدر المختار:330/1.\r(3) رواه الترمذي عن أبي ذر، وقال: هذا حديث حسن صحيح.\r(4) مغني المحتاج:106/1.","part":1,"page":504},{"id":506,"text":"ولا يعيد عند بقية المذاهب في الأرجح عند الحنابلة؛ لأنه أتى بما أمر به، فخرج من عهدته، ولأنه صلى بالتيمم المشروع على الوجه المشروع، فأشبه المريض والمسافر (1) ، واستثنى الحنفية المكره على ترك الوضوء فإنه يتيمم ويعيد صلاته.\r3 ً - المرض أو بطء البرء:\rيتيمم إذا خاف باستعمال الماء على نفس أو منفعة عضو حدوث مرض من نزلة أو حمى أو نحو ذلك، أ وخاف من استعماله زيادة المرض أو طوله، أو تأخر برئه، ويعرف ذلك بالعادة، أو بإخبار طبيب عارف، ولو غير مسلم عند المالكية والشافعية، مسلم عند الحنفية والحنابلة. وأضاف الشافعية في الأظهر والحنابلة حدوث شين فاحش في عضو ظاهر، لأنه يشوه الخلقة ويدوم ضرره. والمراد بالظاهر ما يبدو عند المهنة غالباً كالوجه واليدين. وقال الحنابلة: من كان مريضاً لا يقدر على الحركة، ولا يجد من يناوله الماء للوضوء فهو كعادم للماء، له التيمم إن خاف فوت الوقت.\r4 ً - الحاجة إلى الماء في الحال أو في المستقبل:\rللمرء التيمم إذا اعتقد أو ظن ولو في المستقبل أنه يحتاج للماء احتياجاً مؤدياً إلى الهلاك أو شدة الأذى، بسبب عطش حيوان محترم شرعاً، من آدمي وغيره، ولو كلب صيد أو حراسة، بخلاف الحربي والمرتد والكلب غير المأذون فيه (ومنه عند الحنابلة: الكلب الأسود)، وذلك صوناً للروح عن التلف.\rومن أصناف الحاجة: الاحتياج للماء لعجن أو طبخ له ضرورة، أو لإزالة نجاسة غير معفو عنها، بشرط أن تكون عند الشافعية على البدن، فإن كانت على الثوب توضأ بالماء. وصلى عرياناً إن لم يجد ساتراً، ولا إعادة عليه.\r-------------------------------\r(1) المغني:235/1، كشاف القناع:195/1، الشرح الصغير:190/1، الشرح الكبير:148/1، مراقي الفلاح: ص19.","part":1,"page":505},{"id":507,"text":"وقال الشافعية والحنابلة (1) : إن كانت على بدنه نجاسة وعجز عن غسلها لعدم الماء أو خوف الضرر باستعماله، تيمم لها وصلى، وعليه القضاء عند الشافعية، ولا قضاء عليه عند الحنابلة. ولا إعادة للصلاة بالاتفاق على مسافر تيمم خوف العطش.\r5 ً - الخوف من تلف المال لو طلب الماء:\rقال المالكية: يتيمم القادر على استعمال الماء من حاضر أو مسافر إذا خاف تلف مال ذي بال، سواء أكان له أم لغيره، لو طلب الماء الذي تحقق وجوده أو ظنه. أما إن شكه أو توهمه، فيتيمم ولو قل المال.\rوالمراد بالمال ذي البال: ما زاد على ما يلزمه بذله في شراء الماء. وقال غير المالكية: خوف عدو آدمي أو غيره أو حريق أو لص يجيز التيمم وعدم طلب الماء، سواء خاف على نفسه أو ماله أو أمانته، أو خافت امرأة فاسقاً عند الماء، أو خاف المديون المفلس الحبس، أو خاف فوات مطلوبه كتحصيل شارد، فحال كل واحد من هؤلاء كعادم الماء؛ لأن في ذلك ضرراً، وهو منفي شرعاً.\r6 ً - شدة البرد أي شدة برودة الماء:\rيجوز التيمم لشدة البرد إذا خاف ضرراً من استعمال الماء، ولم يجد ما يسخن به الماء.\rلكن قيد الحنفية إباحة التيمم للبَرْد بما إذا خاف الموت أو التلف لبعض الأعضاء أو المرض، وبالجنب فقط ولو في الحضر، إذا لم تكن له أجرة حمام ولا ما يدفئه، لأنه هو الذي يتصور فيه ذلك. أما المحدث حدثاً أصغر فلا يجوز له التيمم للبرد في الصحيح.\rوقيد المالكية جواز التيمم للبرد بحالة الخوف من الموت.\rأما الشافعية والحنابلة: فأباحوا التيمم للبرد إذا تعذر تسخين الماء في الوقت، أو لم تنفع تدفئة أعضائه، وخاف على منفعة عضو أو حدوث شين فاحش، في عضو ظاهر عند الشافعية، أو في بدنه بسبب استعمال الماء عند الحنابلة.\r-------------------------------\r(1) مغني المحتاج:106/1، المغني:273/1 وما بعدها.","part":1,"page":506},{"id":508,"text":"ويقضي الصلاة عند الشافعية من تيمم لمرض، أو لبرد في الأظهر، ولا قضاء عليه عند المالكية والحنفية، وعند الحنابلة: روايتان: إحداهما ـ لا يلزمه القضاء، والثانية يلزمه الإعادة.\r7 ً - فقدان آلة الماء من دلو وحبل:\rيتيمم من له قدرة على استعمال الماء، ولكن لم يجد من يناوله إياه، أ و لم يجد آلة من حبل أو دلو، إذا خاف خروج الوقت، لأنه بمنزلة عادم الماء.\rوأضاف الحنابلة: أنه يلزم طلب الآلة بالاستعارة ليحصل بها الماء، لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، ويلزمه قبول عارية؛ لأن المنة في ذلك يسيرة. وإن قدر على استخراج ماء بئر بثوب يبله، ثم يعصره، لزمه ذلك لقدرته على تحصيل الماء، كما لو وجد حبلاً ودلواً، إذا لم تنقص قيمة الثوب أو أكثر من ثمن الماء الذي يستخرجه في مكانه، فإن نقصت أكثر من ثمنه لم يلزمه كشرائه. ويلزمه قبول الماء قرضاً، وقبول ثمنه قرضاً، إذا كان له ما يوفيه منه؛ لأن المنة في ذلك يسيرة، ولا يلزمه اقتراض ثمن الماء للمنة، ويلزمه قبول الماء إذا بذل له هبة لسهولة المنة فيه، لعدم تموله عادة، ولا يلزمه قبول ثمن الماء هبة للمنة، ولا يلزمه شراء الماء بدين في ذمته، ولو قدر على أدائه في بلده؛ لأن عليه ضرراً في بقاء الدين في ذمته، وربما تلف ماله قبل أدائه.\r8 ً - الخوف من خروج وقت الصلاة:\rلم يجز الشافعية (1) التيمم خوفاً من خروج الوقت؛ لأنه يكون متيمماً مع وجود الماء، واستثنوا حالة المسافر فإنه لا يلزم بطلب الماء ويتيمم إذا خاف خروج الوقت وخاف على نفسه أو ماله أو انقطاعه عن الرفقة.\rوكذلك الحنابلة لم يجيزوا التيمم لخوف فوت الوقت سواء لجنازة أو عيد أو فريضة، إلا لمسافر علم وجود الماء في مكان قريب، لكن إذا قصده خاف خروج الوقت، فيتيمم حينئذ، ويصلي ولا إعادة عليه، لأنه غير قادر على استعماله في الوقت، فأشبه عادم الماء (2) .\r-------------------------------\r(1) مغني المحتاج:88/1، الحضرمية:ص24.\r(2) كشاف القناع:206/1.","part":1,"page":507},{"id":509,"text":"ولم يجز الحنفية التيمم خوف خروج الوقت إلا فيما يأتي (1) :\rأولاً ـ يتيمم لفقد الماء خوف فوت صلاة جنازة ولو جنباً، أو فوت صلاة عيد بسبب الخوف من فراغ إمام أو زوال شمس لو اشتغل بالوضوء، سواء أكان إماماً أم غيره في الأصح، لفواتهما بلا بدل، ولما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: إذا فاجأتك صلاة جنازة، فخشيت فوتها، فصل عليها بالتيمم. وعن ابن عمر رضي الله عنهما أنه أتي بجنازة، وهو على غير وضوء، فتيمم، ثم صلى عليها. وإذا تيمم لصلاة جنازة أو لسجدة تلاوة يجوز له عند فقد الماء أداء سائر الصلوات (2) .\rثانياً ـ له التيمم أيضاً لفقد الماء خوف فوت صلاة كسوف وسنن المفروضات، ولو سنة فجر، إذا أخرها بحيث لو توضأ، فات وقتها.\rولا يصح التيمم لصلاة الجمعة وسائر الصلوات المكتوبة والوتر إذا خاف فوت الوقت؛ لأن للجمعة بدلاً وهو الظهر، ولأن بقية الصلوات تقضى.\rوقال المالكية على المعتمد (3) : يجوز التيمم لعادم الماء خوف خروج الوقت محافظة على أداء الصلاة في وقتها، فإن ظن أنه يدرك منها ركعة في وقتها إن توضأ أو اغتسل، فلا يتيمم.\r-------------------------------\r(1) الدر المختار:223/1-227، مراقي الفلاح: ص19 وما بعدها، البدائع:51/1، فتح القدير:96/1.\r(2) ويجوز عند الحنفية التيمم لذاته عند فقد الماء وإن لم تجز الصلاة به لأمور، ضابطها: كل مالا تشترط الطهارة له، وهي: قراءة القرآن لغير الجنب عن ظهر قلب أو من المصحف، وتعليم القرآن، ودخول المسجد، أو خروجه، ودفن الميت وزيارة القبر، والأذان والإقامة، وعيادة المريض، والسلام ورده. والمختار: جواز التيمم للمسافر دون المقيم لأداء سجدة التلاوة، مع وجود الماء.\r(3) الشرح الصغير182/1-184، الشرح الكبير:150/1 وما بعدها.","part":1,"page":508},{"id":510,"text":"والأظهر خلاف المشهور: أنه يجوز التيمم لعادم الماء وقت الأداء لحاضر (مقيم) صحيح لأداء جمعة، وصلاة جنازة، متعينة أم لا، خاف فواتها، ويصلي ولا يعيد.\rكما يجوز التيمم لعادم الماء لأداء السنة والمندوب ومس المصحف، والطواف غير الواجب.\rوالخلاصة أن أسباب التيمم ترجع إلى أمرين:\rالأول: فقد الماء، ويشمل حالة الحاجة إلى الماء ولو في المستقبل، وحالة الخوف من تلف المال، وخوف خروج الوقت بالطلب أو الاستعمال.\rوالثاني ـ العجز عن استعمال الماء. ويشمل بقية الحالات. والأمر الثاني مقيس على الأمر الأول: وهو فاقد الماء المنصوص عليه في آية التيمم.\rواتفق الفقهاء على أنه يجوز التيمم لاثنين: للمريض وللمسافر إذا عدم الماء.\rهل تعاد الصلاة المؤداة بالتيمم؟\rاتفق الفقهاء على أن من تيمم لفقد الماء، وصلى، ثم وجد الماء بعد خروج الوقت (وقت الصلاة)، لا إعادة عليه. أما إن وجد الماء في الوقت، أو تيمم لأسباب أخرى ففيه اختلاف(1):\rقال الحنفية والمالكية والحنابلة: لا إعادة على من تيمم ثم وجد الماء في الوقت، ولا قضاء عليه بالتيمم للأسباب الأخرى، إلا أن المالكية قالوا: كل من أمر بالتيمم يعيد الصلاة في الوقت إذا كان مقصراً أي عنده نوع من التقصير في البحث عن الماء، أو طلبه.\rواستثنى الحنفية: المحبوس الذي صلى بالتيمم فإنه يعيد الصلاة إن كان مقيماً في الحضر، ولا يعيدها في السفر. والأيسر الأخذ بهذا الرأي.\r-------------------------------\r(1) المغني:243/1 وما بعدها،265،268، كشاف القناع:193/1-195،206، الشرح الصغير:190/1، مراقي الفلاح: ص19، الوجيز للغزالي:23/1، مغني المحتاج:101/1،106 وما بعدها، المهذب:36/1، المجموع:342/2-352.","part":1,"page":509},{"id":511,"text":"ودليلهم: ما روى أبو داود عن أبي سعيد: «أن رجلين خرجا في سفر، فحضرت الصلاة، وليس معهما ماء، فتيمما صعيداً طيباً، فصليا، ثم وجدا الماء في الوقت، فأعاد أحدهما الوضوء والصلاة، ولم يعد الآخر، ثم أتيا رسول الله صلّى الله عليه وسلم ، فذكر له ذلك، فقال للذي لم يعد: أصبت السنة، وأجزأتك صلاتك، وقال للذي أعاد: لك الأجر مرتين» .\rوتيمم ابن عمر وهو يرى بيوت المدينة، وصلى العصر، ثم دخل المدينة، والشمس مرتفعة، فلم يعد.\rولأن المتيمم فعل ما أمر به، وأدى فرضه كما أمر، فلم يلزمه الإعادة، ولأن عدم الماء عذر معتاد، فإذا تيمم معه يجب أن يسقط فرض الصلاة، كالمرض، وماسقط لايعود إلى الذمة.\rوذهب الحنابلة على المشهور في المذهب إلى أن المتيمم واجد الماء في الصلاة، ينتقض تيممه، وتبطل طهارته، ويعيد الطهارة ويستأنف الصلاة من جديد، لقوله صلّى الله عليه وسلم : «الصعيد الطيب: وضوء المسلم، إن لم يجد الماء عشر سنين، فإذا وجدت الماء، فأمِسَّه جلدك» (1) دل بمفهومه: على أنه لا يكون طهوراً عند وجود الماء، وبمنطوقه على وجوب إمساسه جلده عند وجوده، ولأنه قدر على استعمال الماء، فبطل تيممه كالخارج من الصلاة، ولأن التيمم طهارة ضرورة، فبطلت بزوال الضرورة، كطهارة المستحاضة إذا انقطع دمها.\rوإن عدم الماء تيمم وصلى ولم يعد الصلاة؛ لأنها صلاة تيمم صحيح، وإن خاف العطش أبقى ماءه ولا إعادة عليه.\rوقال الشافعية: إن تيمم لعدم الماء، ثم رأى الماء:\rأ ـ فإن كان قبل الدخول في الصلاة، بطل تيممه، لأنه لم يشرع في المقصود، وللحديث السابق عن أبي ذر: «فإذا وجدت الماء، فأمسه جلدك» .\r-------------------------------\r(1) رواه أبو داود والحاكم والنسائي عن أبي ذر، وصححه الترمذي، وقال: حسن صحيح.","part":1,"page":510},{"id":512,"text":"ب ـ وإن رأى الماء في أثناء الصلاة: فإن كان في الحضر بطل تيممه وصلاته؛ لأنه تلزمه الإعادة لوجود الماء، وقد وجد الماء، فوجب أن يشتغل بالإعادة. والأصح أن خروجه من الصلاة وقطعها ليتوضأ أفضل. وإن كان في السفر لم يبطل تيممه على المذهب؛ لأنه وجد الأصل بعد الشروع في المقصود، فلا يلزمه الانتقال إليه.\rوإن رأى الماء في الصلاة في السفر، ثم نوى الإقامة، بطل تيممه وصلاته؛ لأنه اجتمع حكم السفر والحضر في الصلاة، فوجب أن يغلَّب حكم الحضر، ويصير كأنه تيمم وصلى، وهو حاضر، ثم رأى الماء.\rجـ ـ وإن رأى الماء بعد الفراغ من الصلاة: إن كان في الحضر، أعاد الصلاة؛ لأن عدم الماء في الحضر عذر نادر غير متصل، فلم يسقط معه فرض الإعادة، كما لو صلى بنجاسة نسيها. وإن كان في السفر لا تلزمه الإعادة، سواء أكان السفر طويلاً أم قصيراً في أشهر القولين عن الشافعي. وإن كان سفر معصية فالأصح أنه تجب عليه الإعادة كالمقيم؛ لأن سقوط الفرض بالتيمم رخصة تتعلق بالسفر، والسفر معصية، فلا تتعلق به رخصة.\rوإن تيمم للمرض وصلى، ثم برئ، لم تلزمه الإعادة أي في الوقت؛ لأن المرض من الأعذار العامة، فهو كعدم الماء في السفر.\rوإن تيمم لشدة البرد، وصلى،ثم زال البرد: فإن كان في الحضر، لزمه الإعادة؛ لأن ذلك من الأعذار النادرة. وإن كان في السفر ففيه قولان أرجحهما أنه تجب الإعادة، لأن البرد الذي يخاف منه الهلاك، ولا يجد ما يدفع ضرره عذر نادر غير متصل، فهو كعدم الماء في الحضر.\rأما قضاء الصلاة المؤداة بالتيمم عند الشافعية: فقالوا فيه: يقضي المقيم المتيمم لفقد الماء، لا المسافر، إلا العاصي بسفره كالآبق والناشزة، فإنه يقضي في الأصح، لأنه ليس من أهل الرخصة.","part":1,"page":511},{"id":513,"text":"ويقضي في الأظهر من تيمم في السفر للبرد، أو لمرض يمنع الماء مطلقاً (أي في جميع أعضاء الطهارة)، أو يمنع الماء في عضو من أعضاء الطهارة ولا ساتر عليه، أو بسبب وجود ساتر كجبيرة في محل التيمم (الوجه واليدين) ، أو حالة وجود ساتر وضع على حدث في غير أعضاء التيمم.\rوالخلاصة: أن ما كان من الصلاة بعذر دائم كصلاة المستحاضة والمريض قاعداً، والمسافر: لا يقضي. وما كان منها بعذر لا يدوم وليس له بدل كفاقد الطهورين (الماء والتراب)، والمصلوب إذا صلى بالإيماء: يقضي، وما كان منها بعذر لا يدوم وله بدل كتيمم المقيم وتيمم المسافر لشدة البرد، ففي القضاء قولان أرجحهما أنه يقضي. ولا يخفى ما في رأي الشافعية من تشدد، يقتضي الجنوح إلى الأخذ برأي الحنفية وموافقيهم.\rالمطلب الثالث ـ أركان التيمم أو فرائضه:\rللتيمم أركان أو فرائض، علماً بأن المراد بالركن أو الفرض ما يتوقف عليه، أساساً وجود الشيء أو هو جانبه الأقوى، وهو اصطلاح الجمهور (غير الحنفية)، أما الحنفية فيحصرون الركن فيما يتوقف الشيء على وجوده، وكان جزءاً من حقيقته. وبناء عليه قالوا: للتيمم ركنان فقط: هما الضربتان، والاستيعاب بالمسح وجهه ويديه إلى المرفقين.\rأما الجمهور فقالوا: أركان التيمم أربعة أو خمسة على الاختلاف الآتي (1) :\r1 ً - النية عند مسح الوجه:\rهي فرض باتفاق المذاهب الأربعة، منهم القدوري وصاحب الهداية من الحنفية، وجعلها جماعة من الحنفية وبعض الحنابلة شرطاً، وهو المعتمد في مذهبي الحنابلة والحنفية.\rوالنية عند المالكية: أن ينوي استباحة الصلاة أو استباحة ما منعه الحدث، أو فرض التيمم عند مسح الوجه، ولو نوى رفع الحدث فقط كان تيممه باطلاً؛ لأن التيمم لا يرفع الحدث على المشهور عندهم.\r-------------------------------\r(1) البدائع:45/1 وما بعدها،52، فتح القدير:86/1،89، الدر المختار:212/1، اللباب:37/1، تبيين الحقائق:38/1 وما بعدها، مراقي الفلاح 19-20، الشرح الكبير:154/1 وما بعدها، الشرح الصغير:192/1-198، القوانين الفقهية: ص37 وما بعدها، بداية المجتهد:64/1،66 وما بعدها، مغني المحتاج: 97/1-99، المهذب:32/1 وما بعدها، المغني:251/1،254، كشاف القناع:199/1-202.","part":1,"page":512},{"id":514,"text":"ولو نوى فرض التيمم أجزأه، ولا يلزم بتعيين الحدث الأكبر إن كان عليه، أو الأصغر.\rأما لو نوى استباحة الصلاة أو ما منعه الحدث فيلزم بتعيين الحدث الأكبر إن كان عليه، ويندب نية الأصغر، كما تقدم سابقاً.\rويندب فقط تعيين الصلاة المتيمم لها من فرض أو نفل، أو هما معاً. فإن لم يعين الصلاة لا يصلي الفرض بنية النفل، ولا بنية مطلق الصلاة لأن الفرض يحتاج لنية تخصه.\rوقال الشافعية: لا بد أن ينوي استباحة الصلاة ونحوها، فلا يكفي في الأصح نية فرض التيمم أو فرض الطهارة، أو الطهارة عن الحدث أو الجنابة أو رفع الحدث، لأن التيمم لا يرفع الحدث عندهم، ولأن التيمم ليس مقصوداً في نفسه، وإنما يؤتى به عن ضرورة، فلا يجعل مقصوداً.\rوالأصح عندهم أنه لا يشترط التعيين في النية، فإذا أطلق، صلى أي فرض شاء، وإن عين فرضاً، جاز أن يصلي غيره فرضاً أو نفلاً في الوقت أو غيره، لكن لا يصلي الفرض بنية النفل، أو بنية استباحة مطلق الصلاة، أي كما قال المالكية.\rويجب عندهم قرن النية بالنقل الحاصل للتراب بالضرب إلى الوجه، لأنه أول الأركان، ويجب على الصحيح استدامة النية إلى مسح شيء من الوجه.\rوينوي عند الحنابلة استباحة ما لا يباح إلا بالتيمم كالصلاة ونحوها، من طواف ومس مصحف، أي كما قال الشافعية، ولا يصح بنية رفع الحدث؛ لأن التيمم لا يرفع الحدث عندهم كالمالكية والشافعية، لحديث أبي ذر: «فإذا وجدت الماء فأمسَّه جلدك، فإنه خير لك» (1) .\r-------------------------------\r(1) صححه الترمذي.","part":1,"page":513},{"id":515,"text":"ويجب عندهم تعيين النية لما تيمم له كصلاة وطواف ومس مصحف، من حدث أصغر أو أكبر، أو نجاسة على بدنه؛ لأن التيمم لا يرفع الحدث، وإنما يبيح الصلاة، فلم يكن بد من تعيين النية تقوية لضعفه.\rوصفة التعيين: أن ينوي استباحة صلاة الظهر مثلاً من الجنابة إن كان جنباً، أو من الحدث إن كان محدثاً، أو منهما إن كان جنباً محدثاً، وما أشبه ذلك.\rوإن تيمم لجنابة لم يجزه عن الحدث الأصغر؛ لأنهما طهارتان، فلم تتأد إحداهما بنية الأخرى.\rوقال الحنفية: يشترط لصحة نية التيمم الذي تصح به الصلاة أن ينوي أحد أمور ثلاثة:\rإما نية الطهارة من الحدث، أو استباحة الصلاة، أو نية عبادة مقصودة لا تصح بدون طهارة كالصلاة أو سجدة التلاوة أو صلاة الجنازة. فإن نوى التيمم فقط من غير أن يلاحظ استباحة الصلاة، أو رفع الحدث القائم به، لم تصح الصلاة به. كما لا تصح الصلاة إذا نوى ما ليس بعبادة أصلاً كدخول المسجدومس المصحف (1) ، أو نوى عبادة غير مقصودة لذاتها كالأذان والإقامة (2) ، أو نوى عبادة مقصودة تصح بدون طهارة كالتيمم من المحدث حدثاً أصغر لقراءة القرآن، أو للسلام أو رده.\rفإن تيمم الجنب لقراءة القرآن، صح له أن يصلي به سائر الصلوات.\rولا يشترط عندهم تعيين الحدث أو الجنابة، وإنما يصح التيمم بإطلاق النية، ويصح أيضاً بنية رفع الحدث؛ لأن التيمم رافع له كالوضوء.\rويشترط لصحة النية عندهم: الإسلام، والتمييز، والعلم بما ينويه ليعرف حقيقة المنوي.\rومذهب الحنفية هنا أولى الآراء لسماحته ويسره وسعته.\r-------------------------------\r(1) لأن العبادة في الاعتكاف في المسجد، وفي التلاوة.\r(2) لأن الغرض منهما الإعلان.","part":1,"page":514},{"id":516,"text":"والدليل على اشتراط النية الحديث المتقدم: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى» واستدل الحنفية: بأن التراب ملوث، فلا يكون مطهراً إلا بالنية، أي أن التراب ليس بطهارة حقيقية، وإنما جعل طهارة عند الحاجة، والحاجة إنما تعرف بالنية، بخلاف الوضوء؛ لأنه طهارة حقيقية، فلا يشترط له الحاجة ليصير طهارة، فلا يشترط له النية.\r2 ً -مسح الوجه واليدين مع الاستيعاب (1) :\rلقوله تعالى: {فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه} [المائدة:5/6].\rوالمطلوب في اليدين عند الحنفية والشافعية: مسحهما إلى المرفقين كالوضوء، على وجه الاستيعاب، للآية المذكورة، لقيام التيمم مقام الوضوء، ولأن اليد أطلقت في التيمم، وقيدت في الوضوء بقوله تعالى: { إلى المرافق } [المائدة:5/6]، فيحمل التيمم على الوضوء، ويقاس عليه، ولحديث عمار: أن النبي صلّى الله عليه وسلم قال في التيمم: « ضربة للوجه واليدين » (2) .\r-------------------------------\r(1) يلاحظ أن المالكية جعلوا هذا فريضتين: إحداهما ـ الضربة الأولى أي وضع الكفين على الصعيد، والثانية ـ تعميم الوجه واليدين إلى الكوعين. وعند الشافعية والحنابلة: مسح جميع الوجه فرضاً، ومسح اليدين فرضاً آخر.\r(2) رواه أحمد وأبو داود. أما حديث ابن عمر: « التيمم ضربتان: ضربة للوجه، وضربة لليدين إلى المرفقين، فهو ضعيف.","part":1,"page":515},{"id":517,"text":"واكتفى المالكية والحنابلة بمسح اليدين إلى الكوعين، أما من الكوعين إلى المرفقين فسنة، مستدلين بقوله تعالى: {وأيديكم} [المائدة:6/5]، وإذا علق حكم بمطلق اليدين، لم يدخل فيه الذراع، كقطع السارق، ولحديث عمار بن ياسر: أن النبي صلّى الله عليه وسلم أمره بالتيمم للوجه والكفين (1) ، ولقول عمار: أجنبت فلم أصب الماء، فتمعكت (تمرغت أو تقلبت) في الصعيد، وصليت، فذكرت ذلك للنبي صلّى الله عليه وسلم ، فقال: إنما كان يكفيك هذا، وضرب النبي صلّى الله عليه وسلم بكفَّيه الأرض، ونفخ فيهما، ثم مسح بهما وجهه وكفيه (2) .\rوالمفروض عند الحنفية والشافعية: ضربتان: ضربة للوجه، وضربة لليدين. وقال المالكية والحنابلة: الفريضة: الضربة الأولى: أي وضع الكفين على الصعيد، وأما الضربة الثانية فهي سنة، كما سيأتي.\rوسبب الخلاف: أن الآية مجملة في ذلك، والأحاديث متعارضة، وقياس التيمم على الوضوء في جميع أحواله غير متفق عليه. والذي في حديث عمار الثابت من ذلك: إنما هو ضربة واحدة للوجه والكفين معاً، وهناك أحاديث فيها ضربتان، فرجح الجمهور هذه الأحاديث قياساً للتيمم على الوضوء،ومن هذه الأحاديث حديث ابن عمر: «التيمم ضربتان: ضربة للوجه وضربة لليدين» (3) وروى أبو داود: «أنه صلّى الله عليه وسلم تيمم بضربتين مسح بإحداهما وجهه، وبأخرى ذراعيه» (4) .\r-------------------------------\r(1) رواه الترمذي وصححه (نيل الأوطار:263/1).\r(2) متفق عليه، وفي لفظ: «إنما كان يكفيك أن تضرب بكفيك في التراب، ثم تنفخ فيهما، ثم تمسح بهما وجهك وكفيك إلى الرسغين» رواه الدارقطني (نيل الأوطار:264/1).\r(3) أخرجه الحاكم والدارقطني والبيهقي، لكن في إسناده ضعيف، وهو موقوف على ابن عمر.\r(4) فيه راوٍ ليس بالقوي عند المحدثين، فسنده ضعيف (انظر نصب الراية:150/1-154).","part":1,"page":516},{"id":518,"text":"واتفق الفقهاء على وجوب نزع الخاتم في التيمم، بخلاف الوضوء؛ لأن التراب كثيف لا يسري إلى ما تحت الخاتم بخلاف الماء. ومحل الوجوب عند الشافعية في الضربة الثانية، ويستحب في الأولى، وإيجاب النزع إنما عند المسح لا عند نقل التراب.\rوأوجب المالكية والحنفية أيضاً تخليل الأصابع بباطن الكف أو الأصابع ليتم المسح.\rواكتفى الشافعية والحنابلة بالقول بأنه يندب تخليل الأصابع بعد مسح اليدين احتياطاً.\rولا يجب إيصال التراب منبت الشعر الخفيف، فلا يوصل التراب إلى ما تحت شعر اللحية مثلاً ولو خفيفاً، لما فيه من العسر، بخلاف الوضوء، وليس فيه مضمضة واستنشاق، لئلا يدخل التراب فمه وأنفه، بل يكرهان لما فيهما من التقذير.\r3 ً - الترتيب فرض عند الشافعية، وعند الحنابلة في غير حدث أكبر:\rأي بين عضوي التيمم؛ لأن التيمم مبني على الطهارة بالماء، والترتيب فرض في الوضوء، فكذا في التيمم القائم مقامه، أما التيمم لحدث أكبر ونجاسة ببدن، فلا يعتبر فيه ترتيب.\rوقال الحنفية والمالكية: الترتيب في التيمم بين العضوين (الوجه واليدين) مستحب لا واجب؛ لأن الفرض الأصلي المسح، وإيصال التراب وسيلة إليه.\r4 ً - الموالاة فرض عند الحنابلة والمالكية، وقيدها الحنابلة بغير الحدث الأكبر كالترتيب: بأن يوالي بين أجزاء التيمم، بألا يؤخر مسح عضو عما قبله زمناً بقدرها في الوضوء، أي بحيث لو قدر مغسولاً لجف بزمن معتدل.\rوأضاف المالكية: أن يوالي بين التيمم وبين ما فعل له من صلاة ونحوها.\rوقال الشافعية والحنفية: موالاة التيمم كالوضوء سنة، كما تسن الموالاة أيضاً بين التيمم والصلاة، خروجاً من خلاف من أوجبها، وهم المالكية كما قدمنا.\r5 ً - الصعيد الطاهر فرض عند المالكية، شرط عند غيرهم:","part":1,"page":517},{"id":519,"text":"والصعيد عند المالكية (1) : كل ما صعد على الأرض من أجزائها، كتراب وهو الأفضل من غيره عند وجوده، ورمل وحجارة وحصى، وجص (2) لم يحرق بالنار، فإن أحرق أو طبخ لم يجز التيمم به، ولو نقل ذلك من محله: بأن يجعل بينه وبين الأرض حائل.\rويجوز التيمم على المعادن ما دامت في مواضعها ولم تنقل من محلها، إذا لم تكن من أحد النقدين (الذهب أو الفضة) أو من الجواهر كاللؤلؤ. فلا يتيمم على المعادن من شبّ ومِلْح وحديد ورصاص وقصدير وكحل إن نقلت من محلاتها، وصارت أموالاً في أيدي الناس، ولا يتيمم على الذهب والفضة ولو في مكانهما الأصلي، ولا على الجواهر كالياقوت والزبرجد واللؤلؤ ولو بمحلها، ولا يجوز التيمم في قول على الخشب والحشيش، ولو لم يوجد غيرهما، إذ ليس كلاهما بصعيد ولا ما يشبه الصعيد، والمعتمد جواز التيمم عليها عند عدم غيرهما.\rويجوز التيمم على الجليد: وهو الثلج المجمد من الماء على وجه الأرض أو البحر؛ لأنه أشبه بجموده الحجر، فالتحق بأجزاء الأرض.\r-------------------------------\r(1) الشرح الصغير:195/1 وما بعدها، القوانين الفقهية: ص38، الشرح الكبير:155/1وما بعدها.\r(2) الجص: نوع من الحجر يحرق بالنار ويسحق ويبنى به القناطر والمساجد والبيوت العظيمة.","part":1,"page":518},{"id":520,"text":"ومذهب الحنفية كالمالكية، فقال أبو حنيفة ومحمد (1) : يجوز التيمم بكل ما كان من جنس الأرض، كالتراب (وهو مجمع عليه) والغبار، والرمل، والحجر، والجِصّ (الكلس) والنُّورة (حجر الكلس)، والكُحْل والزَّرْنيخ، وإن لم يكن عليها غبار؛ لأن الصعيد اسم لوجه الأرض، وهذا لا يوجب الاختصاص بالتراب، بل يعم جميع أجزاء الأرض، ولحديث أبي هريرة: أن ناساً من أهل البادية أتوا رسول الله صلّى الله عليه وسلم ، فقالوا: إنا نكون بالرمال، الأشهر الثلاثة والأربعة، ويكون فينا الجنب والنفساء والحائض، ولسنا نجد الماء، فقال عليه السلام: «عليكم بالأرض، ثم ضرب بيده على الأرض لوجهه ضربة واحدة، ثم ضرب أخرى، فمسح بها على يديه إلى المرفقين» (2) وقال الإمام البخاري: «لا بأس بالصلاة على السبخة والتيمم منها» وهي الأرض ذات الملح والنزز.\rويجوز عند المالكية والحنفية التيمم بحجر أو صخرة لا غبار عليهما، وبتراب ندي لا يعلق باليد منه غبار، كما يجوز التيمم بالغبار، بأن ضرب يده على ثوب أو لبد أو سرج، فارتفع غباراً.\rوقال الشافعية والحنابلة (3) : لا يجوز التيمم إلا بتراب طاهر ذي غبار يعلق باليد غير محترق، فإن كان جرشاً أو ندياً لا يرتفع له غبار لم يكف.\r-------------------------------\r(1) فتح القدير:88/1، البدائع:53/1 وما بعدها، اللباب:37/1. وقال أبو يوسف: لايجوز إلا بالتراب والرمل خاصة؛ لأن ابن عباس فسّر الصعيد الطيب بالتراب المنبت، وزاد عليه أبو يوسف: الرمل، بالحديث الذي ذكر في دليل الطرفين.\r(2) رواه أحمد والبيهقي وإسحاق بن راهوية وأبو يعلى الموصلي والطبراني، لكنه حديث ضعيف (نصب الراية:156/1).\r(3) المهذب:32/1، مغني المحتاج:96/1 وما بعدها، المغني:247/1-249، كشاف القناع:197/1 ومابعدها، بجيرمي الخطيب:252/1، غاية المنتهى:61/1.","part":1,"page":519},{"id":521,"text":"وأضاف الشافعية: يجوز برمل فيه غبار، ولا يجوز عند الحنابلة التيمم برمل، ونحت حجارة ونحوه، وعن أحمد: رواية أخرى: أنه يجوز التيمم بالرمل.\rولا يجوز عند الفريقين التيمم بمعدن كنفط وكبريت ونورة، ولا بسُحاقة خزف، إذ لا يسمى ذلك تراباً، ولا بتراب مختلط بدقيق ونحوه كزعفران وجص، لمنعه وصول التراب إلى العضو، ولا بجص مطبوخ لأنه ليس بتراب، ولا بسبخة ونحوها مما ليس له غبار، ولا بطين رطب لأنه ليس بتراب، ولا بتراب نجس، كالوضوء باتفاق العلماء لقوله تعالى: {فتيمموا صعيداً طيباً} [المائدة:6/5]، ولا بما استعمل في العضو عند الشافعية، ولا بمغصوب ونحوه كتراب مسجد عند الحنابلة.\rوإن ضرب على لبد أو ثوب أو جوالق أو بساط، فعلق بيديه غبار، فتيمم به، جاز، وأعجب الإمام أحمد حمل التراب لأجل التيمم احتياطاً للعبادة.\rودليلهم قوله عز وجل: {فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه} [المائدة:6/5] وهذا يقتضي أنه يمسح بجزء من الصعيد، فما لا غبار له كالصخر لا يمسح بشيء منه، ولأنه طهارة، فوجب إيصال الطهور فيها إلى محل الطهارة، كمسح الرأس، ولقوله صلّى الله عليه وسلم : «جعل لي التراب طهوراً» (1) .\rوذكر الحنابلة: أنه لو وجد ثلجاً وتعذر تذويبه، لزمه مسح أعضائه، الواجب غسلها به، لقوله صلّى الله عليه وسلم : «إذا أمرتكم بأمر، فائتوا منه ما استطعتم» ، ويعيد الصلاة، إن لم يجر على الأعضاء بالمس؛ لأنه صلى مع وجود الماء في الجملة، بلا طهارة كاملة، كما لو صلى بلا تيمم، مع وجود طين يابس عنده، لعدم ما يدقه به، ليصير له غبار.\r-------------------------------\r(1) رواه الشافعي وأحمد من حديث علي، وهو حديث حسن.","part":1,"page":520},{"id":522,"text":"وقال ابن عباس: «الصعيد: تراب الحرث، والطيب الطاهر» . وإن كان الثلج يسيل على الأعضاء، لم يعد الصلاة، لوجود الغسل المأمور به، وإن كان خفيفاً.\rهذا وقد اعتبر الشافعية: نقل التراب إلى العضو الممسوح أول أركان التيمم الخمسة عندهم (1) ، فلو نقل التراب من عضو حدث عليه تراب جديد إلى عضو التيمم، كفى في الأصح، لوجود مسمى النقل، ،ولو كان على العضو تراب، فردده عليه من جانب إلى جانب، لم يكف ولم يجز، ويظهر لي أن رأي الشافعية والحنابلة أقوى، لقوله تعالى: {فتيمموا صعيداً طيباً} [المائدة:6/5].\rالمطلب الرابع ـ كيفية التيمم:\rللفقهاء رأيان في كيفية التيمم:\r1 ً - رأي الحنفية والشافعية (2) : التيمم ضربتان: ضربة للوجه، وضربة لليدين إلي المرفقين، بدليل الحديث المتقدم، وهوما روى أبو أمامة وابن عمر رضي الله عنهما: أن النبي صلّى الله عليه وسلم قال: التيمم ضربتان: ضربة للوجه، وضربة لليدين إلى المرفقين» (3) ولأن اليد عضو في التيمم، فوجب استيعابه كالوجه. وأما حديث عمار رضي الله عنه الدال على الاكتفاء بالكفين، فيتأول على أنه مسح كفيه إلى المرفقين، بدليل حديث أبي أمامة وابن عمر.\rوهذا الرأي هو الأولى بالاتباع؛ لأن التيمم بدل عن الوضوء، فيكون محله أعضاء الوضوء المنصوص على وجوب التيمم فيها.\r-------------------------------\r(1) وبقية الأركان هي: نية استباحة الصلاة، ومسح الوجه، ومسح اليدين إلى المرفقين، والترتيب بين الوجه واليدين.\r(2) البدائع:46/1، تبيين الحقائق:38/1، المهذب:32/1.\r(3) روي أيضاً من حديث جابر عند الحاكم والدارقطني، ومن حديث عائشة عند البزار ،لكن في هذه الروايات طعن وضعف (نصب الراية:150/1 ومابعدها).","part":1,"page":521},{"id":523,"text":"2 ً - رأي المالكية والحنابلة (1) : التيمم الواجب:ضربة واحدة يمسح بها وجهه بباطن أصابعه، ثم كفيه براحتيه، لحديث عمار: أن النبي صلّى الله عليه وسلم قال في التيمم: «ضربة واحدة للوجه واليدين» (2) ، لأن اليد إذا أطلقت لا يدخل فيها الذراع بدليل السرقة.\rوالأكمل عندهم خروجاً من خلاف من أوجبه: ضربتان يمسح بالثانية يديه إلى المرفقين، وكيفية المسح: أن يمر اليد اليسرى على اليمنى من فوق الكف إلى المرفق، ثم باطن المرفق إلى الكوع (الرسغ)، ثم يمر اليمنى على اليسرى كذلك، وكيفما فعل أجزأه إذا أوعب.\rواتفق الفقهاء على أنه إن تيمم بأكثر من ضربتين، جاز أيضاً؛ لأن المقصود إيصال التراب إلى محل الفرض، فكيفما حل جاز، كالوضوء.\rالمطلب الخامس ـ شروط التيمم:\rاشترط الحنفية لصحة التيمم ثمانية شروط، والشافعية شرطوا عشرة، والمالكية والحنابلة شرطوا شرطين. وهذه الشروط قد تختلط بالفرائض المتقدمة، وقد تكون الأسباب السابقة نفسها.\rأما المالكية ففسروا الشروط بالأسباب وقالوا (3) : يشترط لجواز التيمم في الجملة شرطان: عدم الماء، أو تعذر استعماله.\rوأما تفصيلاً فهي ما يلي:\r-------------------------------\r(1) الشرح الصغير:194/1،198، القوانين الفقهية: ص38، المغني:244/1،254، كشاف القناع:200/1،205.\r(2) رواه أحمد والأئمة الستة بإسناد صحيح (نصب الراية:154/1).\r(3) القوانين الفقهية: ص37.","part":1,"page":522},{"id":524,"text":"عدم الماء في السفر، والمرض، وفي الحضر: أن يجد من الماء ما لا يكفيه، وعدم الآلة الموصلة إلى الماء كالدلو أو الرشاء (الحبل)، وأن يخاف العطش على نفسه أو غيره من آدمي أو بهيمة، وأن يخاف إن خرج إلى الماء لصوصاً أو سباعاً، وأن يجد الماء غالياً يجحف به شراؤه، وأن يخاف فوات الوقت إن ذهب إلى الماء أو انتظره، أو استعمله، وأن يخاف الموت من البرد، أو حدوث مرض أو زيادته أو تأخر برء، أو يكون مريضاً لا يجد من يناوله الماء، أو يكون قد استوعبت الجراح أو القروح أكثر جسد الجنب، أو أعضاء الوضوء من المحدث.\rويلاحظ أن هذه الحالات هي أسباب للتيمم، والذي يمكن جعله شرطاً عند المالكية: اثنان: فعله بعد دخول الوقت، وطلب الماء. أما عند الحنابلة فشرطا التيمم هما: دخول وقت ما يتيمم له، والعجز عن استعمال الماء.\rيتبين مما ذكر أن شروط التيمم هي ما يأتي:\rالشرط الأول ـ الصعيد الطاهر: فلا يصح التيمم بغير صعيد الأرض (التراب عند الشافعية والحنابلة، وكل ما كان من جنس الأرض عند الحنفية والمالكية)، ولا بالصعيد المتنجس، لقوله تعالى: {فتيمموا صعيداً طيباً} [المائدة:6/5].\rوهذا شرط لصحة التيمم عند الجمهور، فرض عند المالكية، كما تقدم في فروض التيمم. وأضاف الحنابلة: أن يكون التراب مباحاً، فلو تيمم بمغصوب أو بتراب مقبرة تكرر نبشها أو بتراب مسجد لم يجز.\rالشرط الثاني ـ كون التيمم بعد دخول الوقت: أي وقت ما يتيمم له. وهذا شرط عند الجمهور، وليس بشرط عند الحنفية، كما اتضح في بحث صفة التيمم.\rالشرط الثالث ـ طلب الماء: يشترط لجواز التيمم باتفاق المذاهب الأربعة طلب الماء ما لم يتيقن عدم وجوده؛ لأنه لا يسمى فاقد الماء (أو غير واجده أوعادمه) إلا إذا طلب الماء، فلم يجده. لكن الفقهاء اختلفوا في تقدير المسافة التي يلزم طلب الماء فيها، وقد أشرت إليها سابقاً في بحث أسباب التيمم، وأذكرها هنا تفصيلاً:","part":1,"page":523},{"id":525,"text":"1 - مذهب الحنفية (1) : على المقيم في البلد طلب الماء قبل التيمم مطلقاً، سواء ظن قربه أو لم يظن، أما المسافر أو خارج المصر الذي يريد التيمم، فليس عليه طلب الماء إذا لم يغلب على ظنه أن بقربه ماء؛ لأن الغالب عدم الماء في الفلوات.\rوإن غلب على ظنه وجود الماء، لم يجز له التيمم حتى يطلبه بنفسه أو برسوله، بمقدار غَلْوة سهم من كل جانب، ولا يبلغ ميلاً (2) ، وظاهره أنه لا يلزمه المشي، بل يكفيه النظر في الجهات الأربع، لئلا ينقطع عن رفقته، ودفعاً للحرج عن نفسه، لقوله تعالى إثر آية التيمم: {ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج، ولكن يريد ليطهركم} [المائدة:6/5]، ولا حرج فيما دون الميل، قال الكاساني: أقرب الأقاويل اعتبار الميل؛ لأن الجواز لدفع الحرج، ثم قال: والأصح أنه يطلب قدر ما لا يضر بنفسه ورفقته بالانتظار.\rفإن قصر في طلب الماء، وصلى ولم يطلبه، وجبت عليه الإعادة عند أبي حنيفة ومحمد.\rوإن كان مع رفيقه ماء طلب منه قبل أن يتيمم، لعدم المنع غالباً، فإن منعه منه تيمم لتحقق العجز. لكن لو تيمم قبل الطلب من رفيقه أجزأه عند أبي حنيفة رحمه الله؛ لأنه لا يلزمه الطلب من ملك الغير. وقال الصاحبان: لا يجزيه؛ لأن الماء مبذول عادة. ولو أبى أن يعطيه إلا بثمن المثل، وعنده ثمنه، لا يجزئه التيمم، لتحقق القدرة، ولا يلزمه تحمل الغبن الفاحش (3) .\rوإن لم يغلب على ظنه قرب الماء لا يجب طلبه، بل يندب إن رجا وجود الماء.\rوإن كان بينه وبين الماء ميل فأكثر، تيمم.\r2 - مذهب المالكية (4) : إن تحقق عدم الماء فلا يلزمه طلبه.\r-------------------------------\r(1) البدائع46/1 ومابعدها، فتح القدير84/1،98 ، الدر المختار227/1 ومابعدها، اللباب 36/1.\r(2) الغلوة مقدار رمية سهم، وهي أربع مئة ذراع (8 ، 184م )والميل في اللغة: منتهى مد البصر، والمراد به ههنا: أربعة آلاف خطوة: أو ثلث فرسخ، أو1848م.\r(3) قال أبو حنيفة: إن كان لايبيع إلا بضعف القيمة فهو غالٍ، وقيل: هو مالايدخل تحت تقويم المقومين.\r(4) الشرح الكبير153/1","part":1,"page":524},{"id":526,"text":"وإن علم وجود الماء أو ظنه أو شك فيه في مكان أو توهم وجوده، لزمه طلبه لكل صلاة طلباً لا يشق عليه بالفعل، وهو على أقل من ميلين. كما يلزمه طلبه من رُفْقته إن اعتقد أو ظن أو شك أو توهم إعطاءهم، فإن لم يطلب منهم وتيمم، ثم تبين وجود الماء أو لم يتبين شيئاً، أعاد الصلاة أبداً إن اعتقد أو ظن الإعطاء، وأعاد في الوقت فقط إن شك أو توهم.\rويلزمه شراء الماء بثمن معتاد لم يحتج له، نقداً أو ديناً في الذمة، فإن زاد على الثمن المعتاد، ولو درهماً على الراجح، في ذلك المحل وما قاربه، فلا يلزمه الشراء.\r3 - مذهب الشافعية (1) : إن تيقن المسافر أو المقيم فقد الماء حوله، تيمم بلا طلب. وإن توهم الماء (وقع في وهمه - تصور ذهنه - أي جوز ذلك)، طلبه من رحله ورُفقته، ونظر حواليه إن كان بمستو من الأرض، فإن احتاج إلى تردد، تردد في الجهات الأربعة قدر نظره في المستوي , إن أمن على نفسه وماله وانقطاعه عن الرفقة , بمقدار حد الغوث , وهو غلوة سهم , فإن لم يجد ماء تيمم. ولو مكث في موضعه فالأصح وجوب الطلب لما يطرأ.\rوإن تيقن الماء في محل , طلبه في حد القرب : وهو ستة آلاف خطوة .\rويجب شراؤه بثمن مثله إن كان قادرا عليه بنقد أو غيره , ولم يحتج إليه ، وثمن المثل : هو على الأصح ما تنتهي إليه الرغبات في ذلك الموضع في تلك الحالة . ولا يجب عليه شراؤه بزيادة على ذلك ، وإن قلَّت . لكن إن بيع لأجل بزيادة لائقة بذلك الأجل وكان موسرا , والأجل ممتد إلى موضع ماله، وجب الشراء؛ لأن ذلك لا يخرجه عن ثمن المثل. ويندب له أن يشتريه إذا زاد على ثمن مثله، وهو قادر على شرائه.\rولا يجب طلب الماء في حد البعد: وهو مازاد عن ستة آلاف خطوة، وله أن يتيمم.\r-------------------------------\r(1) مغني المحتاج87/1 -90","part":1,"page":525},{"id":527,"text":"4 - مذهب الحنابلة (1) : يلزم طلب الماء لوقت كل صلاة، بعد دخول الوقت في رحله ( أي ما يسكنه وما يستصحبه من الأثاث) وفيما قرب منه عرفاً وعادة، ويسع في جهاته الأربع إلى ما قرب منه مما عادة القوافل السعي إليه، ويسأل رفقته ذوي الخبرة بالمكان عن موارد الماد، كما يسألهم عمن يبيع له الماء أو يبذله له. وإن رأى خُضْرة أو شيئاً يدل على الماء لزمه قصده، وإن كان بقربه ربوة أو شيء قائم، أتاه وفتش عنده قطعاً للشك. وإن كان سائراً طلبه أمامه فقط؛ لأن في طلبه فيما عدا ذلك ضرراً به. وإن دله أو أرشده عليه ثقة (عدل ضابط) لزمه قصده إن كان قريباً عرفاً.\rفإن تيمم وصلى بعد طلب الماء وفقده، صح تيممه وصلاته، ولم يعد الصلاة؛ لأنها صلاة تيمم صحيح.\rهذا وقد ذكر الحنابلة شرطاً آخر لصحة التيمم: وهو العجز عن استعمال الماء؛ لأن غير العاجز يجد الماء على وجه لا يضره، فلم يتناوله النص: {وإن كنتم مرضى أو على سفر، فلم تجدوا ماء فتيمموا} [المائدة:6/5]، لكن يلاحظ أن هذا سبب من أسباب التيمم التي ذكرتها.\rوعد بعض الحنابلة ثمانية شروط للتيمم وهي: نية وإسلام وعقل وتمييز واستنجاء أو استجمار، وإزالة ما على بدن من نجاسة ذات جرم، ودخول وقت لصلاة ولو منذورة بزمن معين، وتعذر ماء ولو بحبس أو غيره.\rشروط التيمم عند الحنفية:\rذكر الحنفية شروطاً ثمانية لصحة التيمم، بعضها من أسباب التيمم، وبعضها من فرائض التيمم عند غيرهم وبعضها داخل في كيفية التيمم، وهذه الشروط هي باختصار ما يأتي (2) :\r1ً - النية: وهي عقد القلب على الفعل، ووقتها: عند ضرب يده على ما يتيمم به. ويشترط لصحة النية عندهم ثلاثة شروط: الإسلام، والتمييز، والعلم بما ينويه. كما يشترط لصحة نية التيمم للصلاة به: أحد ثلاثة أشياء: إما نية\r-------------------------------\r(1) كشاف القناع:192/1 ومابعدها، غاية المنتهى:54/1.\r(2) البدائع:52/1 وما بعدها، الدر المختار:213/1،228، مراقي الفلاح: ص19 ومابعدها.","part":1,"page":526},{"id":528,"text":"الطهارة، أو استباحة الصلاة، أو نية عبادة مقصودة (1) لا تصح بدون طهارة، فله الصلاة بالتيمم بنية الصلاة أو صلاة الجنازة، أو سجدة التلاوة، وليس له الصلاة بالتيمم بنية دخول المسجد ومس المصحف ولو كان جنباً؛ لأنه عبادة غير مقصودة، ولا بنية قراءة القرآن للمحدث حدثاً أصغر، ولكن له الصلاة بتيمم بنية الجنب قراءة القرآن، لجواز قراءة المحدث، لا الجنب، وليس له الصلاة بتيمم لزيارة القبور والأذان والإقامة والسلام ورده أو للإسلام؛ لأنها تصح بدون طهارة.\r2ً - العذر المبيح للتيمم: كبعده ميلاً عن الماء ولو في المصر، وحصول مرض، وبرد يخاف منه التلف أو المرض، وخوف عدو وعطش، واحتياج لعجن، لا لطبخ مرق لا ضرورة إليه، ولفقد آلة، وخوف فوت صلاة جنازة أو عيد لو اشتغل بالوضوء (2) ، وليس من العذر خوف فوت الجمعة، وفوات الوقت، لو اشتغل بالوضوء.\r3ً - أن يكون التيمم بطاهر من جنس الأرض كالتراب والحجر والرمل، والفيروزج والعقيق، لا الحطب والفضة والذهب والنحاس والحديد، وضابطه: أن كل شيء يصير رماداً، أو ينطبع (يلين) بالإحراق، لا يجوز التيمم به، وإلا جاز لقوله تعالى: {فتيمموا صعيداً طيباً} [المائدة:6/5]، والصعيد: اسم لوجه الأرض تراباً كان أو غيره.\r4ً - استيعاب المحل بالمسح.\r5ً - أن يمسح بجميع اليد أو بأكثرها (أي بثلاث أصابع) فلو مسح بأصبعين مثلاً لا يجوز حتى ولو كرر واستوعب المحل الممسوح، بخلاف مسح الرأس في الوضوء.\r-------------------------------\r(1) المقصودة: هي ما لا تجب في ضمن شيء آخر بطريق التبعية.\r(2) ولو من أجل البناء على صلاته السابقة، كأن سبقه الحدث في صلاة الجنازة أو العيد، فله أن يتيمم ويتم صلاته، لعجزه عنه بالماء.","part":1,"page":527},{"id":529,"text":"6ً - أن يكون بضربتين بباطن الكفين، ولو في مكان واحد على الأرض.ويقوم مقام الضربتين: إصابة التراب بجسده إذا مسحه بنية التيمم.\r7ً - انقطاع ما ينافيه من حيض أو نفاس أو حدث، كما هو مشروط في الوضوء.\r8ً - زوال ما يمنع المسح على البشرة، كشمع وشحم، حتى يتحقق مسح الجسد، وهذا مانع من تحقق المسح عليه.\rشروط التيمم عند الشافعية:\rذكر الشافعية عشرة شروط للتيمم هي ما يأتي (1) :\r1ً - أن يكون بتراب على أي لون كان كالمدر والسبخ (2) الذي عليه غبار وغيرهما، حتى ما يداوى به كالطين الأرمني إذا سحق، وحتى غبار رمل خشن أو ناعم، لا مشوي بقي اسمه وزال غباره.\r2ً - وأن يكون طاهراً، لقوله تعالى: {صعيداً طيباً} [المائدة:6/5]، قال ابن عباس: تراباً طاهراً.\r3ً - ألا يكون مستعملاً كالماء: وهوما بقي بمحل التيمم أو تناثر بعد مسه العضو حالة التيمم، في الأصح.\r4ً - ألا يخالطه دقيق ونحوه كزعفران وجص، لمنعه وصول التراب إلى العضو.\r5ً - أن يقصده، فلو سَفَتْه (ألقته) ريح عليه، فردده على أعضاء التيمم، ونوى، لم يجزئ، لأنه لم يقصد التراب بنقله إليه، وإنما التراب أتاه. لكن لو يُمم بغيره بإذنه، جاز.\r6ً - أن يمسح وجهه ويديه بضربتين، وإن أمكن بضربة بخرقة ونحوها.\r7ً - أن يزيل النجاسة أولاً، فلو تيمم قبل إزالتها، لم يجز على المعتمد، لأن التيمم للإباحة، ولا إباحة مع المانع، فأشبه التيمم قبل الوقت.\r8ً - أن يجتهد في القبلة قبل التيمم، فلو تيمم قبل الاجتهاد فيها، لم يصح على الأوجه.\r-------------------------------\r(1) المهذب:32/1-34، مغني المحتاج:96/1-99، الحضرمية: ص26.\r(2) السبخ بكسر الباء: هو ما لا ينبت، إذا لم يعله الملح، فإن علاه لم يصح التيمم به.","part":1,"page":528},{"id":530,"text":"9ً - أن يقع التيمم بعد دخول الوقت، لأنه طهارة ضرورة، ولا ضرورة قبله، فيتيمم للنافلة المطلقة فيما عدا وقت الكراهة، وللصلاة على الميت بعد طهره، وللاستسقاء بعد تجمع الناس، وللفائتة بعد تذكرها.\r10ً - أن يتيمم لكل فرض عيني؛ لأن التيمم طهارة ضرورة، فيقدر بقدرها.\rالمطلب السادس ـ سنن التيمم ومكروهاته:\rيسن في التيمم الأمور التالية (1) علماً بأنها سبع عند الحنفية، وتسع عند المالكية، وخمس عشرة عند الشافعية، واثنتان عند الحنابلة.\rأما سننه عند الحنفية فهي ما يأتي:\r1ً - التسمية في أوله، كالوضوء، بأن يقول: بسم الله، وقيل: الأفضل: بسم الله الرحمن الرحيم.\r2ً - 4ً - الضرب بباطن الكفين وإقبال اليدين بعد وضعهما في التراب، وإدبارهما مبالغة في الاستيعاب، ثم نفضهما، اتقاء عن تلويث الوجه، نقل ذلك عن أبي حنيفة.\r5ً - تفريج الأصابع، ليصل التراب إلى ما بينهما.\r6ً، 7ً - الترتيب والموالاة (الوِلاء) أي مسح المتأخر عقب المتقدم، بحيث لو كان الاستعمال بالماء لا يجف المتقدم، كما فعل النبي صلّى الله عليه وسلم .\rوسنن التيمم عند المالكية أربع:\r1ً - الترتيب: بأن يمسح الوجه أولاً، ثم اليدين، فإن نكس أعاد المنكس وحده وهو اليدان، إن قرب ولم يصلّ به وإلا بطل التيمم. أما الموالاة فهي فرض عندهم.\r2ً، 3ً - الضربة الثانية ليديه، والمسح إلى المرفقين.\r4ً - نقل أثر الضرب من الغبار إلى الممسوح، بأن لا يمسح على شيء قبل مسح الوجه واليدين، فإن مسحهما بشيء قبل ما ذكر، كره وأجزأ، وهذا لا يمنع من نفضهما نفضاً خفيفاً.\rوأضاف المالكية فضائل أو مندوبات أخرى للتيمم وهي:\r-------------------------------\r(1) الدر المختار:213/1، مراقي الفلاح: ص20، الشرح الصغير:198/1، الشرح الكبير:157/1 ومابعدها، القوانين الفقهية: ص38، بجيرمي الخطيب:256/1، المهذب:33/1، مغني المحتاج:99/1، كشاف القناع:204/1.","part":1,"page":529},{"id":531,"text":"1ً - التسمية: بأن يقول: بسم الله الرحمن الرحيم على الأظهر، أو بسم الله في قول آخر. 2ً، 3ً - الصمت، واستقبال القبلة.\r4ً، 5ً - البدء باليد اليمنى، وجعل ظاهرها من طرف الأصابع بباطن يسراه، ثم يُمرّها من فوق الكف إلى المرفق، ثم باطن المرفق إلى الكوع (الرسغ) ثم يمر اليمنى على اليسرى كذلك، كما فعل في اليمنى، ثم يخلل أصابعه وجوباً، كما أوضحت في الفرائض.\rوسنن التيمم عند الشافعية نحو خمس عشرة:\rالتسمية الكاملة أوله كالوضوء والغسل، والبداءة بأعلى الوجه.\rوتقديم اليمنى على اليسرى من اليدين، وتفريق الأصابع في الضربة الأولى، وتخليل الأصابع بعد مسح اليدين احتياطاً ، وتخفيف الغبار بحيث يبقى بقدر الحاجة، لئلا تتشوه به خلقته، وعملاً بحديث عمار السابق وغيره.\rوالموالاة، كالوضوء لأن كلاً منهما طهارة عن حدث، والموالاة بين التيمم والصلاة، خروجاً من خلاف من أوجبها، وهم المالكية.\rويسن أيضاً إمرار اليد على العضو كالدلك في الوضوء، وألا يرفع اليد عن العضو قبل تمام مسحه، خروجاً من خلاف من أوجبه.\rومن سننه أيضاً مسح بعض العضد كالتحجيل في الوضوء، وعدم تكرار المسح؛ لأن المطلوب منه تخفيف الغبار، واستقبال القبلة، والشهادتان بعده، كالوضوء فيهما.\rويسن نزع الخاتم في الضربة الأولى، ويجب نزعه في الضربة الثانية عند المسح.\rويسن صلاة ركعتين عقبه قياساً على الوضوء، والسواك قبله بين التسمية ونقل التراب إلى أعضاء التيمم، كما أنه في الوضوء بين غسل اليدين والمضمضة.","part":1,"page":530},{"id":532,"text":"أما الحنابلة: فاعتبروا التسمية والترتيب والموالاة واجبة في التيمم كالوضوء، ولم يعدوا من سنن التيمم سوى أن تأخيره أولى بكل حال إلى آخر الوقت المختار، إن رجا وجود الماء، لقول علي رضي الله عنه في الجن: «يتلوم ما بينه وبين آخر الوقت، فإن وجد الماء، وإلا تيمم» ولأنه يستحب التأخير للصلاة إلى ما بعد العَشَاء،وقضاء الحاجة، كيلا ذهب خشوعها وحضور القلب فيها، ويستحب تأخيرها لإدراك الجماعة ، فتأخيرها لإدراك الطهارة المشترطة أولى . كما أنهم اعتبروا تخليل الأصابع مستحباً ، وليس بفرض (1) .\rوصفة التيمم عندهم (2) : أن ينوي استباحة ما يتيمم له، كفرض الصلاة من الحدث الأصغر، أو الأكبر ونحوه، ثم يسمي، فيقول: بسم الله، وتسقط سهواً، ويضرب يديه مفرجتي الأصابع ليصل التراب إلى ما بينها، على التراب أو على غيره مما له غبار طهور، كلبد أو ثوب أو بساط أو حصير أو برذعة حمار ونحوها، ضربة واحدة، بعد نزع خاتم ونحوه، ليصل التراب إلى ما تحته، وإن كان التراب خفيفاً كره نفخه لئلا يذهب فيحتاج إلى إعادة الضرب. ثم يمسح وجهه بباطن أصابعه، ثم كفيه براحتيه، لحديث عمار السابق أن النبي صلّى الله عليه وسلم قال في التيمم: «ضربة واحدة للوجه واليدين» (3) .\rويجوز أن يمسح بضربتين، بإحداهما وجهه، وبالأخرى يديه إلى المرفقين، وهو حسن.\rمكروهات التيمم :\rيتبين من بحث سنن التيمم أنه عند الحنفية يكره ترك سنة من السنن المتقدمة ، وتكرار المسح.\rوقال المالكية: تكره الزيادة على مرة في المسح، وكثرة الكلام في غير ذكر الله، وإطالة المسح إلى ما فوق المرفقين وهو المسمى بالغرة والتحجيل.\rوقال الشافعية: يكره تكثير التراب، وتكرار المسح، وتجديد التيمم ولو بعد فعل صلاة، ونفض اليدين بعد تمام التيمم.\r-------------------------------\r(1) المغني:243/1،254\r(2) كشاف القناع:204/1 ومابعدها، المغني:254/1.\r(3) رواه أحمد وأبو داود بإسناد صحيح.","part":1,"page":531},{"id":533,"text":"وقال الحنابلة: يكره تكرار المسح، وإدخال التراب في الفم والأنف، والضرب أكثر من مرتين، ونفخ التراب إن كان خفيفاً.\rالمطلب السابع: نواقض التيمم أو مبطلاته:\rينقض التيمم ما يأتي (1)\r1ً - كل ما ينقض الوضوء والغسل ينقض التيمم؛ لأنه بدل عنهما، وناقض الأصل ناقض لخلفه، فلو تيمم للجنابة، ثم أحدث صار محدثاً لا جنباً، فيتيمم وينزع خفيه إن كان لابسهما، ثم بعده يمسح عليهما، ما لم يجد الماء.\r2ً - زوال العذر المبيح له كذهاب العدو والمرض والبرد ووجود آلة نزح الماء، وإطلاق سراحه من السجن الذي لا ماء فيه؛ لأن ما جاز بعذر بطل بزواله.\r3ً - رؤية الماء أو القدرة على استعمال الماء الكافي ولو مرة عند الحنفية والمالكية، ولو لم يكف عند الشافعية والحنابلة، وذلك قبل الصلاة، لا فيها عند جماعة كما سيأتي ، وأن يكون فاضلاً عن حاجته كعطش وعجن وغسل نجاسة؛ لأنه مشغول بالحاجة، وغير الكافي في رأي الحنفية والمالكية كالمعدوم.\rوقال الحنفية: إن مرور نائم أو ناعس متيمم على ماء كاف يجعله كالمستيقظ، يبطل تيممه.\rفإن رأى الماء أثناء الصلاة:\rينتقض تيممه عند الحنفية والحنابلة، لبطلان الطهارة بزوال سببها، ولأن الأصل إيقاع الصلاة بالوضوء، وقد قدر على الأصل قبل حصول المقصود ببدله، وللأدلة النصية المتقدمة في بحث إعادة الصلاة.\r-------------------------------\r(1) الدر المختار:234/1-236، مراقي الفلاح: ص21، اللباب:37/1 ومابعدها، فتح القدير:91/1 ومابعدها، البدائع:56/1، الشرح الصغير:199/1، الشرح الكبير:158/1، القوانين الفقهية: ص38، بجيرمي الخطيب:257/1-261 مغني المحتاج:101/1، المهذب:36/1، المغني:268/1،272، كشاف القناع:190/1،202، غاية المنتهى:63/1 ومابعدها.","part":1,"page":532},{"id":534,"text":"ولا ينتقض تيممه عند المالكية، ولا ينتقض بالنسبة للمسافر عند الشافعية؛ لأنه مأذون له بالدخول في الصلاة بالتيمم، والأصل بقاء ذلك الإذن، ولقوله تعالى: {ولا تبطلوا أعمالكم} [محمد:33/47]، وكان عمله سليماً قبل رؤية الماء، والأصل بقاؤه، وقياساً على رؤية الماء بعد الفراغ من الصلاة؛ لأن رؤية الماء ليست بحدث، فلا تبطل الصلاة، حفاظاً على حرمة الصلاة.\rوتبطل صلاة المقيم عند الشافعية إن رأى الماء في أثناء الصلاة؛ لأنه كما أبنت سابقاً تلزمه إعادة الصلاة لوجود الماء، وقد وجد الماء، فوجب أن يشتغل بالإعادة.\rواستثنى المالكية حالة نسيان الماء: فمن كان ناسياً للماء الذي معه، فتيمم وأحرم بصلاة ثم تذكر فيها، تبطل إن اتسع الوقت.\rأما إن رأى الماء بعد انتهاء الصلاة: فإن كان بعد خروج وقت الصلاة، لا يعيدها إجماعاً، دفعاً للحرج. وإن كان في أثناء الوقت، لم يعد الصلاة عند الجمهور (غير الشافعية)، ويعيدها المقيم لا المسافر غير العاصي بسفره عند الشافعية، كما أوضحت سابقاً.\r4ً - خروج الوقت: يبطل التيمم عند الحنابلة بخروج وقت الصلاة، وأضاف الحنابلة: إن خرج وقت الصلاة وهو فيها، بطل تيممه، وبطلت صلاته، لأن طهارته انتهت بانتهاء وقتها، فبطلت صلاته، كما لو انقضت مدة المسح وهو في الصلاة.\r5ً - الردة: تبطل التيمم عند الشافعية، بخلاف الوضوء، لقوته، وضعف بدله، لكن تبطل نية الوضوء فيجب تجديدها، ولأن التيمم لاستباحة الصلاة، وهي منتفية مع الردة، هذا والردة تبطل التيمم ولو صورة كالواقعة من الصبي.\rولا يبطل التيمم بالردة عند الحنفية وغيرهم، فيصلي به إذا أسلم؛ لأن الحاصل بالتيمم صفة الطهارة، والكفر لا ينافيها كالوضوء، ولأن الردة تبطل ثواب العمل، لا زوال الحدث.\r6ً - الفصل الطويل بين التيمم والصلاة: يُبطل التيمم عند المالكية دون غيرهم لاشتراطهم الموالاة بينه وبين الصلاة كما تقدم.","part":1,"page":533},{"id":535,"text":"المطلب الثامن ـ حكم فاقد الطهورين :\rفاقد الطهورين: هو فاقد الماء والتراب، كأن حبس في مكان ليس فيه واحد منهما، أو في موضع نجس لا يمكنه إخراج تراب مطهر. أو كأن وجد ما هو محتاج إليه لنحو عطش، أو وجد تراباً ندياً ولم يقدر على تجفيفه بنحو نار. ومثله المصلوب وراكب سفينة لا يصل إلى الماء. ومثله: من عجز عن الوضوء والتيمم معاً بمرض ونحوه، كمن كان به قروح لا يستطيع معها مس البشرة بوضوء ولا تيمم.\rوحكمه يتردد بين رأيين: إيجاب الصلاة عليه عند الجمهورمع الإعادة عند الحنفية والشافعية، وعدم الإعادة عند الحنابلة، وسقوط الصلاة عند المالكية على المعتمد. وهذا تفصيل الآراء (1) :\r1 ً - الحنفية: المفتى به عندهم ما قاله الصاحبان: وهو أن فاقد الطهورين يتشبه بالمصلين وجوباً، فيركع ويسجد، إن وجد مكاناً يابساً، وألا يومئ قائماً، ولا يقرأ ولا ينوي، ويعيد الصلاة متى قدر على الماء أو التراب.\rأما مقطوع اليدين والرجلين إذا كان بوجهه جراحة، فيصلي بغير طهارة ولا يتيمم، ولا يعيد على الأصح.\rوالمحبوس الذي صلى بالتيمم يعيد الصلاة إن كان مقيماً في الحضر، لعدم الضرورة؛ لأن الحضر مظنة الماء، فلا ضرورة، ولا يعيدها في السفر؛ لأن الغالب فيه فقد الماء، وهذا مذهب الشافعية كما أبنت في بحث إعادة الصلاة.\r2 ً - المالكية: المذهب المعتمد أن فاقد الطهورين وهما الماء والتراب، أو فاقد القدرة على استعمالهما كالمكره والمصلوب، تسقط عنه الصلاة أداء وقضاء،فلا يصلي ولا يقضي، كالحائض؛ لأن وجود الماء والصعيد شرط في وجوب أداء الصلاة، وقد عدم، وشرط وجوب القضاء: تعلق الأداء بذمة المصلي، ولم يتعلق الخطاب بأداء الصلاة في ذمته.\r-------------------------------\r(1) الدر المختار:232/1 وما بعدها،مراقي الفلاح:ص21، الشرح الصغير:200/1 ومابعدها، الشرح الكبير:162/1، المجموع للنووي:351/2، المهذب:35/1، مغني المحتاج:105/1 ومابعدها، كشاف القناع:195/1 ومابعدها.","part":1,"page":534},{"id":536,"text":"3 ً - الشافعية: يصلي فاقد الطهورين الفرض وحده في المذهب الجديد على حسب حاله بنية وقراءة، لأجل حرمة الوقت، ولا يصلي النافلة ويعيد الصلاة، إذا وجد الماء أو التراب في مكان لا ماء فيه؛ لأن هذا العذر نادر ولا دوام له، ولأن العجز عن الطهارة التي هي شرط من شروط الصلاة لا يبيح ترك الصلاة، كستر العورة وإزالة النجاسة، واستقبال القبلة، والقيام والقراءة. ومن على بدنه نجاسة يخاف من غسلها، ومن حبس عن الصلاة كفاقد الطهورين يصلون الفريضة فقط، إلا أن الجنب يقتصر على قراءة الفاتحة فقط.\rوالراجح لدي هذا الرأي، أي أن الصلاة تكون بحسب المعتاد، وتعاد لعدم النص الصريح في حكم حال هذا المصلي.\r4 ً - الحنابلة: يصلي فاقد الطهورين الفرض فقط، على حسب حاله وجوباً، لقوله صلّى الله عليه وسلم - فيما رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة -: «إذا أمرتكم بأمر فائتوا منه ما استطعتم» ولأن العجز عن الشرط لا يوجب ترك المشروط، كما لو عجز عن السترة والاستقبال، أي كما قال الشافعية.\rولا إعادة عليه، لما روي عن عائشة: «أنها استعارت من أسماء قلادة، فضلَّتها، فبعث رسول الله صلّى الله عليه وسلم رجالاً في طلبها، فوجدوها، فأدركتهم الصلاة، وليس معهم ماء، فصلوا بغير وضوء، فشكوا إلى النبي صلّى الله عليه وسلم ، فأنزل الله آية التيمم» (1) ولم يأمرهم بالإعادة، ولأن الوضوء أحد شروط الصلاة، فسقط عند العجز، كسائر شروطها.\r-------------------------------\r(1) متفق عليه.","part":1,"page":535},{"id":537,"text":"ولا يزيد المصلي الفاقد الطهورين على ما يجزئ في الصلاة من قراءة وغيرها، فيقرأ الفاتحة فقط، ويسبح مرة فقط، ويقتصر على ما يجزئ في طمأنينة ركوع أو سجود، أو جلوس بين السجدتين، كما يقتصر على ما يجزئ في التشهد الأول والأخير، ثم يسلم في الحال.\rولا يتنفل، ولا يؤم متطهراً بماء أو تراب، لعدم صحة اقتداء المتطهر بالمحدث العالم بحدثه، لكن يؤم مثله.\rولا يقرأ في غير صلاة إن كان جنباً ونحوه كحائض ونفساء.\rوتبطل صلاته بالحدث فيها، وبطروء نجاسة لا يعفى عنها؛ لأن ذلك ينافي الصلاة.\rولا تبطل صلاته بخروج وقتها بخلاف صلاة المتيمم؛ لأن التيمم يبطل فتبطل الصلاة.\rوتبطل الصلاة على الميت إذا لم يغسل ولم يتيمم، لعدم الماء والتراب، ويجوز نبشه قبل تفسخه للغسل أو التيمم، لأنه مصلحة بلا مفسدة، فإن خيف تفسخه لم ينبش.\rالفَصْلُ السَّابع: الحَيض، النِّفاس، الاسْتِحاضة\rالدماء التي تخرج من فروج النساء ثلاثة: دم حيض: وهو الخارج في حالة الصحة، ودم استحاضة: وهو الخارج في حالة المرض، وهو غير دم الحيض لقوله عليه الصلاة والسلام «إنما ذلك عِرْق وليس بالحيضة» (1) ،ودم نفاس: وهو الخارج مع الولد. ولكل أحكام، ففي هذا الفصل مباحث أربعة:\rالمبحث الأول ـ تعريف الحيض ووقته\rوفيه مطلبان:\rالمطلب الأول ـ تعريف الحيض:\rالحيض: لغة: هو السيلان، يقال: حاض الوادي: إذا سال، وحاضت الشجرة: إذا سال صمغها.\rوشرعاً: هو الدم الخارج في حال الصحة من أقصى رحم المرأة من غير ولادة ولا مرض، في أمد معين. ولونه عادة: السواد، وهو محتدم (أي شديد الحرارة)، لذاع محرق (أي موجع مؤلم)، كريه الرائحة.\rوالأصل فيه آية: {ويسألونك عن المحيض} [البقرة:222/2]، أي الحيض، وخبر الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم عن الحيض: «هذا شيء كتبه الله على بنات آدم» .\r-------------------------------\r(1) رواه البخاري ومسلم عن عائشة، وسيأتي نصه الكامل، والمراد بقوله: عرق أي ينزف.","part":1,"page":536},{"id":538,"text":"ووقته: من بلوغ الأنثى تقريباً تسع سنين قمرية (1) ، إلى سن اليأس. فإن رأت الدم قبل هذه السن أو بعد سن اليأس، فهو دم فساد أو نزيف.\rوتصبح الأنثى برؤية الحيض بالغة مكلفة مطالبة بجميع التكاليف الشرعية من صلاة وصوم وحج ونحوها، كما أن الولد يبلغ بالاحتلام بخروج المني، ويحصل البلوغ باستكمال سن الخامسة عشرة، إذا لم يحصل الاحتلام أو الحيض.\rواختلف الفقهاء في تحديد سن اليأس لعدم النص فيه، ولاعتمادهم على الاستقراء والتتبع لأحوال النساء (2) .\rفقال الحنفية على المفتى به أو المختار: سن الإياس خمس وخمسون سنة، فإن رأت بعده دماً قوياً أسود أو أحمر قانياً، اعتبر حيضاً، وعليه: ما تراه آيسة على ظاهر المذهب يعد استحاضة ما لم يكن دماً خالصاً كالأسود والأحمر القاني.\rوقال المالكية: سن اليأس سبعون سنة، وتسأل النساء في بنت الخمسين إلى السبعين، فإن قلن: حيض، أو شككن، فحيض، كما يسألن في المراهقة: وهي بنت تسع إلى ثلاث عشرة.\rوقال الشافعية: لا آخر لسن اليأس، فما دامت حية فالحيض ممكن في حقها، لكن غالبه اثنان وستون سنة.\rوقدر الحنابلة سن اليأس بخمسين سنة، لقول عائشة: «إذا بلغت امرأة خمسين سنة خرجت من حد الحيض» (3) وقالت أيضاً: «لن ترى في بطنها ولداً بعد الخمسين» (4) .\r-------------------------------\r(1) السنة القمرية: (6/1،5/1 و354) ثلاث مئة وأربعة وخمسون يوماً، وخمس يوم وسدسه.\r(2) مراقي الفلاح: ص23، حاشية الصاوي على الشرح الصغير:208/1، تحفة الطلاب: ص33، الحضرمية: ص27، المغني: 363/1، كشاف القناع: 232/1، الدر المختار: 279/1 وما بعدها.\r(3) ذكره أحمد.\r(4) رواه أبو إسحاق الشالنجي.","part":1,"page":537},{"id":539,"text":"وهل تحيض الحامل؟ للفقهاء فيه رأيان:\rفذهب المالكية، والشافعية في الأظهر الجديد (2) : إلى أن الحامل قد تحيض، وقد يعتريها الدم أحياناً ولو في آخر أيام الحمل، والغالب عدم نزول الدم بها، ودليلهم إطلاق الآية السابقة، والأخبار الدالة على أن الحيض من طبيعة المرأة، ولأنه دم صادف عادة، فكان حيضاً كغير الحامل.\rوذهب الحنفية والحنابلة (2) : إلى أن الحامل لا تحيض، ولو قبل خروج أكثر الولد عند الحنفية، أما عند الحنابلة: فما تراه قبل ولادتها بيومين أو ثلاثة، يكون دم نفاس.\rودليلهم: قول النبي صلّى الله عليه وسلم في سبي أوطاس: «لا توطأ حامل حتى تضع، ولا غير ذات حمل حتى تحيض» (3) فجعل وجود الحيض علماً على براءة الرحم، فدل على أنه لا يجتمع معه وقال صلّى الله عليه وسلم في حق ابن عمر ـ لما طلق زوجته وهي حائض ـ «ليطلقها طاهراً، أو حاملاً» (4) فجعل الحمل علماً على عدم الحيض، كما جعل الطهر علماً على انتهاء الحيض، ولأنه زمن لا تعتاد المرأة فيه الحيض غالباً، فلم يكن ما تراه فيه حيضاً كالآيسة. والطب والواقع يؤيد هذا الرأي.\rوعليه: لا تترك الحامل الصلاة لما تراه من الدم، لأنه دم فساد، لا حيض، كما لا تترك الصوم والاعتكاف والطواف ونحوها من العبادات، ولا يمنع زوجها من وطئها؛ لأنها ليست حائضاً، وتغتسل الحامل إذا رأت دماً زمن حملها عند انقطاعه استحباباً، خروجاً من الخلاف.\r-------------------------------\r(1) بداية المجتهد:51/1، الشرح الصغير:211/1، مغني المحتاج:118/1.\r(2) الدر المختار: 263/1، المغني:361/1 ومابعدها، كشاف القناع:232/1.\r(3) رواه أحمد وأبو داود من رواية شريك القاضي. وهو تقرير استبراء السبايا غير الحوامل بحيضة، والحوامل بوضع الحمل.\r(4) رواه الجماعة إلا البخاري عن ابن عمر (نيل الأوطار:221/6).","part":1,"page":538},{"id":540,"text":"ألوان الدم: دم الحيض في أيام العادة الشهرية باتفاق الفقهاء (1) : إما أسود أو أحمر أو أصفر أو أكدر (متوسط بين السواد والبياض) وليست الصفرة والكدرة بعد العادة حيضاً، ولا يعرف انقطاعه إلا برؤية بياض خالص، بأن تدخل المرأة خرقة نظيفة أو قطنة في فرجها لتنظر هل بقي شيء من أثر الدم أو لا.\rورأى الحنفية: أن ألوان دم الحيض ستة: السواد، والحمرة، والصفرة، والكدرة، والخضرة ، والتٌربية( أي على لون التراب ) على الأصح . فكل ما يرى في أيام الحيض من الدماء فهو حيض، حتى ترى البياض الخالص :وهو شيئ يشبه المخاط يخرج عند انتهاء الحيض .أو هو القطن الذي تختبر به المرأة نفسها ، إذا خرج أبيض ، فقد طهرت .\rوالخضرة نوع من الكدرة ، وتظهر في المرأة ذات العادة الشهرية بسبب غذاء فاسد أفسد صورة دمها ، كما أن الآيسة الكبيرة لاترى غير الخضرة.\rورتب الشافعية ألوان الحيض بحسب قوتها فقالوا : الألوان خمسة : أقواها السواد ، ثم الحمرة ، ثم الشقرة ( وهي التربية عند الحنفية ) ثم الصفرة ، ثم الكدرة .\rوصفات دم الحيض أربعة أقواها: الثخين المنتن، ثم المنتن، ثم الثخين، ثم غير الثخين وغير المنتن.\rوالدليل على أن هذه الألوان في أيام العادة حيض: هو دخولها في عموم النص القرآني: {ويسألونك عن المحيض} [البقرة:222/2] وأخبار في السنة، منها قول عائشة: «وكان النساء يبعثن إليها بالدُّرجة فيها الكُرْسف (2) ، فيه الصفرة والكدرة من دم الحيض، فتقول: لا تعْجَلْن حتى ترين القَصَّة البيضاء» (3) تريد بذلك الطهر من الحيض.\rوأما الدليل على أن ما بعد الحيضة من الصفرة والكدرة ليس حيضاً: فهو قول أم عطية: «كنا لا نعد الصفرة والكدرة بعد الطهر شيئاً» (4) .\r-------------------------------\r(1) فتح القدير مع حاشية العناية:112/1، اللباب:47/1، الشرح الصغير:207/1 مغني المحتاج:113/1، حاشية الباجوري:112/1، كشاف القناع:246/1، البدائع:39/1.\r(2) الدرجة: بضم الدال وإسكان الراء والجيم: هي نحو خرقة كقطنة تدخلها المرأة فرجها ثم تخرجها لتنظر هل بقي شيء من أثر الدم أو لا. والكرسف: القطن.\r(3) رواه مالك. والقصة: بفتح القاف الجص، شبهت الرطوبة النقية بالجص في الصفاء، قال مالك وأحمد: هي ماء أبيض يتبع الحيضة.\r(4) رواه أبو داود والبخاري، ولم يذكر ( بعد الطهر ) والحاكم.","part":1,"page":539},{"id":541,"text":"المطلب الثاني ـ مدة الحيض والطهر:\rلا يكون الدم حيضاً إلا إذا كان بالألوان السابقة، وأن يتقدمه أقل مدة الطهر (وهي خمسة عشر يوماً عند جمهور الفقهاء). وأن يبلغ أقل مدة الحيض، وهي مختلف فيها بين الفقهاء (1) . وما نقص عن مدة الحيض أو زاد على أكثرها فهو استحاضة.\rيرى الحنفية: أن أقل الحيض: ثلاثة أيام ولياليها، وما نقص عن ذلك، فليس بحيض، وإنما هو استحاضة.\rوأوسطه خمسة أيام.\rوأكثره عشرة أيام ولياليها، والزائد عن ذلك: استحاضة.\rودليلهم: حديث «أقل الحيض للجارية البكر والثيب: ثلاثة أيام، وأكثره عشرة أيام» (2) وما زاد على ذلك استحاضة؛ لأن تقدير الشرع يمنع إلحاق غيره به.\rويرى المالكية: ألا حد لأقل الحيض بالنسبة للعبادات، فأقله دَفْقه أو دَفعة في لحظة، فتعتبر حائضاً وتغتسل بانقطاعه، ويبطل صومها وتقضي ذلك اليوم. وأما بالنسبة للعدة والاستبراء، فأقله يوم أو بعض يوم له بال.\rوأكثر الحيض يختلف باختلاف النساء وهن أربع: مبتدأة، ومعتادة (3) ، وحامل، ومختلطة. أما المبتدأة: فيقدر بخمسة عشر يوماً، وما زاد فهو دم علة وفساد. وأما المعتادة: فيقدر بزيادة ثلاثة أيام على أكثر عادتها ـ والعادة تثبت بمرة ـ استظهاراً، مالم تجاوز نصف الشهر.\r-------------------------------\r(1) فتح القدير:111/1، الدر المختار:262/1، البدائع:208/1 ومابعدها، بداية المجتهد:48/1 ومابعدها، القوانين الفقهية: ص39 ومابعدها، مغني المحتاج:109/1،113، حاشية الباجوري:114/1، المغني:308/1، كشاف القناع:233/1.\r(2) روي من حديث أبي أمامة عند الطبراني والدارقطني، ومن حديث واثلة بن الأسقع عند الدارقطني، ومن حديث معاذ بن جبل عند ابن عدي، ومن حديث أبي سعيد الخدري عند ابن الجوزي، ومن حديث أنس بن مالك عند ابن عدي، ومن حديث عائشة عند ابن الجوزي، وكلها ضعيفة (نصب الراية:191/1).\r(3) المبتدأة: هي التي أول ما ابتدأها الدم في بدء الحيض عند الصغر، والمعتادة: هي التي اعتادت أن ترى الدم.","part":1,"page":540},{"id":542,"text":"وأما الحامل فيما بعد شهرين من بدء الحمل: فيقدر أكثر الحيض بعشرين يوماً.\rوما بعد ستة أشهر فأكثر: فيقدر له ثلاثون يوماً.\rوأما المختلطة: وهي التي ترى الدم يوماً أو أياماً، والطهر يوماً أو أياماً، حتى لا يحصل لها طهر كامل، فإنها تلفق أيام الدم، فتعدها حتى يكمل لها مقدار أكثر أيام الحيض (15 يوماً)، وتلغي أيام الطهر التي بينها، فلا تعدها. فما زاد عن مدة أكثر الحيض يكون استحاضة.\rوتغتسل في كل يوم لا ترى فيه الدم، رجاء أن يكون طهراً كاملاً.\rوتكون حائضاً في كل يوم ترى فيه الدم، وتجتنب ما تجتنبه الحائض.\rويرى الشافعية والحنابلة: أن أقل زمن الحيض يوم وليلة: وهو أربع وعشرون ساعة، على الاتصال المعتاد في الحيض، بحيث لو وضعت قطنة لتلوثت، فلا يشترط نزوله بشدة دائماً حتى يوجد الاتصال. وعلى هذا فقد يتصل في الظاهر أو ينقطع في الظاهر، ولكنه موجود في الواقع، ويعرف بتلوث قطنة أو نحوها، فإن رأت الدم أقل من يوم وليلة، فهو دم استحاضة، لا دم حيض.\rوغالبه: ست أو سبع، لقوله صلّى الله عليه وسلم لِحَمْنة بنت جحش لما سألته: « تَحَيَّضي في علم الله ستة أيام أو سبعة، ثم اغتسلي وصلي أربعاً وعشرين ليلة وأيامها، أو ثلاثاً وعشرين ليلة، فإن ذلك يجزيك » (1) . وأكثره: خمسة عشر يوماً بلياليها، فإن زاد عليها فهو استحاضة.\rويتميز دم الحيض عن دم الاستحاضة بلونه وشدته ورائحته الكريهة.\r-------------------------------\r(1) تتمة الحديث: « وكذلك فافعلي في كل شهر، كما تحيض النساء، ويَطْهُرن لميقات حيضتهن وطهرهن» رواه أبو داود والنسائي وأحمد والترمذي وصححاه، وحسنه البخاري (نيل الأوطار:271/1).","part":1,"page":541},{"id":543,"text":"ودليلهم: الاستقراء (السؤال والتتبع لأحوال بعض النساء في زمان ما) الذي قام به في زمانه الإمام الشافعي رضي الله عنه وغيره؛ إذ لا ضابط له لغة ولا شرعاً، فرجع إلى المتعارف بالاستقراء، ويكون المعتمد فيه هو العرف والعادة، كما هو المقرر في القبض والإحراز والتفرق بين المتبايعين في العقود.\rويؤيدهم قول علي: «أقل الحيض يوم وليلة، وما زاد على خمسة عشر استحاضة» . وقول عطاء: «رأيت من النساء من تحيض يوماً، وتحيض خمسة عشر» والقاعدة عند الشافعية كما قال النووي في المنهاج: رأت المرأة الدم لسنّ الحيض أقلّه، ولم يعبر أكثره، فكله حيض، سواء أكانت مبتدأة أم معتادة، تغيرت عادتها أم لا. فإذا رأت المرأة الدم أقل من يوم وليلة أو بعد أكثر من مدة الحيض (أي بعد 51 يوماً) كان دم استحاضة، لا دم حيض.\rأقل الطهر :\rقال الجمهور غير الحنابلة (1) : إن أقل الطهر الفاصل بين الحيضتين: خمسة عشر يوماً؛ لأن الشهر غالباً لايخلو عن حيض وطهر، وإذا كان أكثر الحيض خمسة عشر، لزم أن يكون أقل الطهر كذلك خمسة عشر يوماً. ولا حد لأكثره؛ لأنه قد يمتد سنة أو سنتين، وقد لا تحيض المرأة أصلاً، وقد تحيض في السنة مرة واحدة.\rوقال الحنابلة (2) : أقل الطهر بين الحيضتين ثلاثة عشر يوماً، لما روى أحمد عن علي: «أن امرأة جاءته ـ قد طلقها زوجها ـ فزعمت أنها حاضت في شهر ثلاث حِيَض، فقال علي لشريح: قل فيها، فقال شريح: إن جاءت ببينة من بطانة أهلها ممن يرجى دينه وأمانته، فشهدت بذلك، وإلا فهي كاذبة. فقال علي: «قالون» أي جيد بالرومية.\r-------------------------------\r(1) فتح القدير:121/1، مراقي الفلاح: ص24، الشرح الصغير:209/1، بداية المجتهد:48/1، مغني المحتاج:109/1، حاشية الباجوري:116/1، المهذب:39/1.\r(2) كشاف القناع:234/1.","part":1,"page":542},{"id":544,"text":"وهذا لا يقوله إلا توقيفاً، وهو قول صحابي اشتهر، ولم يعلم خلافه، ووجود ثلاث حيض في شهر، دليل على أن الثلاثة عشر طهر صحيح يقيناً (1) .\rولا حد لأكثر الطهر باتفاق الفقهاء.\rوالمراد بالطهر:\rهو زمان نقاء المرأة من دم الحيض والنفاس، وللطهر علامتان: جفاف الدم أو جفوفه، والقصة البيضاء: وهي ماء أبيض رقيق يأتي في آخر الحيض (2) .\rالنقاء من الدم في أيام الحيض:\rالنقاء: أي عدم الدم، ويحدث ذلك بأن تبدأ العادة الشهرية، ثم ينقطع الحيض مدة زمنية، ثم يعود، فهل تعد تلك المدة من أيام الحيض أو لا؟\rهناك رأيان فقهيان، الأول للحنفية والشافعية، والثاني للمالكية والحنابلة (3) . وأصحاب الرأي الأول يرون: أن النقاء من الدم في أيام الحيض يعتبر حيضاً، فلو رأت يوماً دماً، ويوماً نقاء، بحيث لو وضعت قطنة لم تتلوث، ويوماً بعد ذلك دماً وهكذا في مدة الحيض (أثناء العادة)، تعتبر حائضاً في كل تلك المدة.\rوأصحاب الرأي الثاني يأخذون بمبدأ التلفيق: وهو ضم الدم إلى الدم\r-------------------------------\r(1) وهذا مبني على أن أقل الحيض يوم وليلة. وكانت حيضات هذه المرأة بأقل مدة الحيض.\r(2) بداية المجتهد:52/1، القوانين الفقهية: ص41.\r(3) فتح القدير:112/1، الدر المختار وحاشية ابن عابدين:267/1، اللباب:49/1، بداية المجتهد:50/1، الشرح الصغير:212/1، مغني المحتاج:119/1، حاشية الباجوري:114/1، المهذب:39/1، المغني:359/1 ومابعدها، كشاف القناع:246/1 ومابعدها.","part":1,"page":543},{"id":545,"text":"واعتبار أيام النقاء طهراً صحيحاً، فلو رأت الحائض الدم يوماً أو يومين، ثم طهرت يوماً أو يومين، جمعت أيام الدم بعضها إلى بعض، واعتبر الباقي طهراً، واتفق الكل على أن الطهر (المتخلل) بين الدمين إذا كان خمسة عشر يوماً فأكثر يكون فاصلاً بين الدمين في الحيض، وما قبله وما بعده يعد حيضاً إذا بلغ أقل مدة الحيض.\rوها هو تفصيل الآراء في كل مذهب:\r1 ً - مذهب الحنفية: أفتى كثير من المتأخرين بقول أبي يوسف وهو قول أبي حنيفة الآخر، وهو أن الطهر المتخلل بين الدمين، لا يعد فاصلاً، بل يكون كالدم المتوالي بشرط إحاطة الدم لطرفي الطهر المتخلل، فيجوز بداية الحيض بالطهر، وختمه به أيضاً، فلو رأت مبتدأة يوماً دماً، وأربعة عشر طهراً، ويوماً دماً، فالعشرة الأولى حيض. ولو رأت المعتادة قبل عادتها يوماً دماً وعشرة طهراً ويوماً دماً، فالعشرة التي لم تر فيها الدم حيض إن كانت عادتها، وإلا ردت إلى أيام عادتها.\rوأما الطهر المتخلل بين الأربعين يوماً في حالة النفاس فلا يفْصل عند أبي حنيفة وعليه الفتوى، سواء أكان خمسة عشر أم أقل أم أكثر، ويجعل إحاطة الدم بطرفيه كالدم المتوالي.\r2 ً - مذهب الشافعية: الأظهر المعتمد أن النقاء بين دماء أقل الحيض فأكثر حيض تبعاً لها، بشروط: وهي ألا يجاوز ذلك خمسة عشر يوماً، ولم تنقص الدماء المرئية عند المرأة عن أقل الحيض، وأن يكون النقاء محتوشاً (محوطاً) بين دمي حيض.","part":1,"page":544},{"id":546,"text":"وهذا يسمى قول السَّحْب؛ لأننا سحبنا الحكم بالحيض على النقاء أيضاً، وجعلنا الكل حيضاً. وهناك قول آخر ضعيف يسمى قول اللَّقْط: وهو أن النقاء طهر؛ لأن الدم إذا كان حيضاً، كان النقاء طهراً، وسمي بذلك لأنا لقطنا أوقات النقاء وجعلناها طهراً.\rأما زمن النقاء في حالة النفاس فهو على المعتمد طهر، لكنه يحسب من مدة النفاس الستين يوماً ،أي أنه من النفاس عدداً لا حكماً على المعتمد.\rوالخلاصة: أن النقاء في الحيض يأخذ حكم الحيض، وفي النفاس: لايأخذ حكمه، وإنما يحسب أي النقاء من أيام الستين التي هي أكثر مدة النفاس.\r3 ً - مذهب المالكية المعتمد، والحنابلة: هو الأخذ بالتلفيق أي ضم الدم إلى الدم، والطهر في أثناء الحيضة طهر صحيح، فإذا أتاها الدم في يوم مثلاً، وانقطع يوماً أو أكثر، ولم يبلغ الانقطاع نصف الشهر وهو أكثر مدة الحيض، فإنها تلفق أيام الدم فقط، أي يضم الدم إلى الدم، فيكون حيضاً، وما بينهما من النقاء طهر. وحكم الملفقة: أنها تغتسل وجوباً، كلما انقطع دمها، وتصلي وتصوم وتوطأ، لأنه طهر حقيقة، لكن قال الحنابلة: يكره وطؤها زمن الطهر.\rوتظل على هذا النحو عند الحنابلة إلى أن يجاوز زمن الدم وزمن النقاء أكثر الحيض، كأن ترى يوماً دماً ويوماً طهراً إلى ثمانية عشر يوماً مثلاً، فتكون مستحاضة.\rوقال المالكية: تلفق المبتدأة، والمعتادة نصف الشهر: خمسة عشر يوماً. أما المعتادة أقل من نصف شهر: فتلفق عادتها، مع إضافة ثلاثة أيام على أكثر عادتها، وهي التي تسمى أيام الاستظهار. وما نزل عليها من الدم بعد ذلك فاستحاضة لاحيض.\rأولاً ـ تعريف النفاس:","part":1,"page":545},{"id":547,"text":"المبحث الثاني ـ تعريف النفاس ومدته\rأولاًـ تعريف النفاس:\rالنفاس عند الحنفية والشافعية (1) : هو الدم الخارج عقب الولادة. أما الخارج مع الولد حال الولادة أو قبله، فهو دم فساد واستحاضة، فتتوضأ إن قدرت وتصلي، وأضاف الحنفية: أو تتيمم وتومئ بصلاة ولا تؤخر الصلاة. واستثنى الشافعية الدم الخارج قبل الولادة المتصل بحيض قبله، بناء على أن الحامل تحيض في الأصح عندهم، وقال المالكية: الدم الذي يخرج قبل الولادة هو دم حيض.\rوالنفاس عند الحنابلة (2) : الدم الخارج بسبب الولادة.\rوالدم النازل قبل الولادة بيومين أو ثلاثة مع أمارة كالطلق، والدم الخارج مع الولادة هو دم نفاس عندهم، كالدم الخارج عقب الولادة.\rويعد الدم عند هؤلاء دم نفاس: بخروج أكثر الولد، ولو متقطعاً عضواً عضواً، ولو سِقْطاً (3) استبان فيه بعض خلقة الإنسان كأصبع أو ظفر، ولو بين توأمين (4) ، إلا أن الأصح عند الشافعية أن النفاس معتبر من الولد الثاني،ومايخرج بعد الأول هو حيض ان اتصل بحيض سابق وإلا فهو استحاضة. فإن رأت دماً بعد إلقاء نطفة أو علقة، فليس بنفاس، أما المالكية فقالوا (5) :\rالنفاس: هو ما خرج من قُبُل المرأة عند ولادتها مع الولادة أو بعدها، ولو بين توأمين. أما ما خرج قبل الولادة، فالراجح أنه حيض، فلا يحسب من الستين يوماً.\r\r-------------------------------\r(1) فتح القدير:129/1، البدائع:41/1-43، الدر المختار:275/1 ومابعدها، اللباب:352/1، مراقي الفلاح: ص23، مغني المحتاج:119/1، حاشية الباجوري:113/1، المهذب:45/1، المجموع:529/1 ومابعدها.\r(2) كشاف القناع:226/1.\r(3) السِقط: الجنين يسقط من بطن أمه قبل تمامه، ذكراً كان أو أنثى.\r(4) التوأمان: الولدان في بطن إذا كان بينهما أقل من ستة أشهر.\r(5) الشرح الصغير:216/1 وما بعدها، القوانين الفقهية: ص40.","part":1,"page":546},{"id":548,"text":"ثانياً ـ مدة النفاس:\rللنفاس مدة دنيا وقصوى وغالبة (1) .\rأما المدة الدنيا: فقال الشافعية: أقله لحظة أي مجة أو دفعة. وقال الأئمة الآخرون: لا حد لأقله، لأنه لم يرد في الشرع تحديده، فيرجع فيه إلى الوجود الفعلي، وقد وجد قليلاً وكثيراً.\rوالظاهر ألا خلاف بين الرأيين، والمراد بهما واحد.\rوقد تلد المرأة ولا ترى الدم، روي أن امرأة ولدت على عهد رسول الله صلّى الله عليه وسلم ، «فلم تر نفاساً» ، فسميت ذات الجفوف.\rوغالبه عند الشافعية أربعون يوماً.\rوأكثره عند المالكية والشافعية ستون يوماً والمعتمد في ذلك هو الاستقراء، وعند الحنفية والحنابلة: أربعون يوماً، وما زاد عن ذلك فهو استحاضة، بدليل قول أم سلمة: «كانت النفساء تجلس على عهد رسول الله صلّى الله عليه وسلم أربعين يوماً وأربعين ليلة» (2) .\rلكن قال فيه الشافعية: لا دلالة فيه على نفي الزيادة، أو محمول على الغالب أو على نسوة مخصوصات.\rالمبحث الثالث ـ أحكام الحيض والنفاس وما يحرم على الحائض والنفساء:\rللحيض أحكام خمسة وهي ما يلي (3) :\r1ً - الحيض ومثله النفاس يوجب الغسل بعد انقطاعه، لقوله تعالى: {ويسألونك عن المحيض، قل: هو أذى، فاعتزلوا النساء في المحيض، ولا تقربوهن حتى يطْهُرنَ، فإذا تطَّهرْنَ فأتوهن من حيث أمركم الله} [البقرة:222/2].\rولقوله صلّى الله عليه وسلم لفاطمة بنت أبي حُبَيْش: «فإذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغسلي عنكِ الدم وصَلِّي» (4) وفي رواية للبخاري: «ولكن دعي الصلاة قدر الأيام التي كنت تحيضين فيها، ثم اغتسلي وصلي» .\r-------------------------------\r(1) المراجع السابقة في كل مذهب.\r(2) رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه وأحمد، أي رواه الخمسة إلا النسائي، وأخرجه الدارقطني والحاكم أيضاً، وهو صحيح، والقول بضعفه مردود كما قال النووي (نيل الأوطار:282/1)\r(3) كشاف القناع:228/1.\r(4) رواه الجماعة إلا ابن ماجه عن عائشة رضي الله عنها (نيل الأوطار:568/1).","part":1,"page":547},{"id":549,"text":"2ً - البلوغ: تبلغ الأنثى وتصبح أهلاً للتكاليف الشرعية بالحيض، لقوله صلّى الله عليه وسلم: «لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار» (1) فأوجب عليها أن تستتر لأجل الحيض، فدل على أن التكليف حصل به.\r3ً - الحكم ببراءة الرحم في الاعتداد بالحيض، ومن المعلوم أن الأصل في مشروعية العدة العلم ببراءة الرحم.\r4ً - الاعتداد بالحيض في رأي الحنفية والحنابلة؛ لأن الأقراء الثلاثة المنصوص عليها في القرآن الكريم هي الحيضات، ولا تنتهي عدة المطلقة غير الحامل إلا بانتهاء الحيضة الثالثة ولا تحتسب الحيضة التي وقع الطلاق في أثنائها. وقال المالكية والشافعية: القرء: الطهر، فتحسب العدة بزمن الأطهار، وتنتهي العدة بابتداء الحيضة الثالثة، ويحتسب الطهر الذي وقع الطلاق فيه من الأطهار الثلاثة ولو كان لحظة.\r5ً - الكفارة بالوطء في أثناء الحيض عند الحنابلة، وسيأتي الكلام في ذلك في بحث ما يحرم بالحيض.\rما يحرم بالحيض والنفاس: يحرم بالحيض والنفاس ما يحرم بالجنابة وهي سبعة أمور: الصلوات كلها، وسجود التلاوة، ومس المصحف، ودخول المسجد، والطواف، والاعتكاف، وقراءة القرآن، لكن أجاز المالكية على المعتمد للحائض والنفساء قراءة القرآن عن ظهر قلب إلا بعد انقطاع الدم وقبل غسلها، سواء أكانت جنباً حال حيضها أو نفاسها أم لا.\rويزاد على ذلك أمور أخرى، وقد عد الحنفية ثمانية أمور تحرم على الحائض والنفساء، والمالكية عدوا اثني عشر، وهي السبعة السابقة وخمسة أخرى وهي الصيام، والطلاق، والجماع في الفرج قبل انقطاع الدم، والجماع بما دون الفرج قبل انقطاع الدم، والجماع بعد انقطاع الدم وقبل الاغتسال.\rوعد الشافعية ثمانية أمور، والحنابلة خمسة عشر أمراً.\r-------------------------------\r(1) رواه أحمد وغيره.","part":1,"page":548},{"id":550,"text":"وتفصيل هذه الممنوعات في حالة الحيض ومثله النفاس وأدلتها بتبين فيما يأتي (1) :\r1 ً - الطهارة: غسلاً أو وضوءاً: في رأي الشافعية والحنابلة، فإذا حاضت المرأة، حرم عليها الطهارة للحيض؛ لأن الحيض ومثله النفاس يوجب الطهارة، وما أوجب الطهارة منع صحتها كخروج البول، أي أن انقطاعه شرط لصحة الطهارة له. لكن يجوز الغسل لجنابة أو إحرام ودخول مكة ونحوه (2) بل يستحب لذلك.\r2 ً - الصلاة: يحرم على الحائض والنفساء الصلاة، لحديث فاطمة بنت أبي حُبَيش المتقدم: «إذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة» لكن يسقط فرض الصلاة ولا يقضى، بإجماع العلماء، لما روت عائشة رضي الله عنها: «كنا نحيض على عهد رسول الله صلّى الله عليه وسلم ، فنؤمر بقضاء الصوم، ولا نؤمر بقضاء الصلاة» (3) ، ولأنه يشق قضاء الصلاة لتكرر الحيض وطول مدته، بخلاف الصوم. ويحرم على الحائض قضاء الصلاة، والمعتمد عند الشافعية أنه يكره وتنعقد نفلاً مطلقاً لا ثواب فيه.\r-------------------------------\r(1) البدائع:44/1، الدر المختار ورد المحتار:158/1-162،268-274، فتح القدير:114/1-119، تبيين الحقائق:56/1 ومابعدها، مراقي الفلاح: ص24، الشرح الصغير:215/1 ومابعدها، القوانين الفقهية: ص40، بداية المجتهد:54/1-57،61، المهذب:38/1،45، مغني المحتاج:109/1،120، تحفة الطلاب: 33 ومابعدها، بجيرمي الخطيب:312/1-323، حاشية الباجوري:117/1-119، المغني: 306/1 ومابعدها، 333-338، كشاف القناع:226/1-233.\r(2) هذا وقد ذكر الحنابلة الوضوء أمراً ثانياً، كما ذكروا في الأمر الثاني: وهو فعل الصلاة ووجوبها أمرين.\r(3) رواه الجماعة عن مُعَاذة (نيل الأوطار:280/1).","part":1,"page":549},{"id":551,"text":"3 ً - الصوم: يحرم على الحائض والنفساء الصوم ويمنع صحته، لحديث عائشة السابق، فإنه يدل على أنهن كن يفطرن. ولا يسقط قضاؤه عنهما فتقضي الحائض والنفساء الصوم دون الصلاة للحديث نفسه، ولأن الصوم في السنة مرة، فلا يشق قضاؤه، فلم يسقط. وهناك حديث آخر عن أبي سعيد الخدري: أن النبي صلّى الله عليه وسلم قال للنساء: أليس شهادةُ المرأة مثلَ نصف شهادة الرجل؟ قلن: بلى، قال: فذلكن من نقصان عقلها. أليس إذا حاضت لم تصل ولم تصم؟ قلن: بلى؟ قال: فذلكن من نقصان دينها» (1) .\r4 ً - الطواف: لقوله صلّى الله عليه وسلم لعائشة رضي الله عنهما: «إذا حضت، افعلي ما يفعل الحاج، غير ألا تطوفي بالبيت حتى تطهري» (2) ولأنه يفتقر إلى الطهارة ولا يصح من الحائض.\r5 ً - قراءة القرآن ومس المصحف وحمله، كما سبق في الجنابة، لقوله تعالى {لا يمسه إلا المطهرون} [الواقعة:79/56]، ولقوله صلّى الله عليه وسلم : «لا تقرأ الحائض ولا الجنب شيئاً من القرآن» (3) واستثنى الشافعية حالة الخوف على القرآن من غرق أو حرق أو نجاسة أو وقوعه في يد كافر، فيجب حمله حينئذ، كما يجوز حمله باتفاق العلماء في تفسير أكثر منه يقيناً، ولا يجوز حمله عند الشافعية إذا قصده مع المتاع على المعتمد.\r-------------------------------\r(1) رواه البخاري (نيل الأوطار:279/1 ومابعدها) ورواه مسلم من حديث ابن عمر بلفظ: «تمكث الليالي ما تصلي، وتفطر في شهر رمضان، فهذا نقصان دينها» (سبل السلام:105/1).\r(2) متفق عليه عن عائشة.\r(3) روي من حديث ابن عمر عند الترمذي وابن ماجه والبيهقي، ومن حديث جابر عند الدارقطني، وهو ضعيف (نصب الراية:195/1).","part":1,"page":550},{"id":552,"text":"واستثنى الحنفية حالة مس القرآن بغلاف متجاف عن القرآن، ويكره مسه بالكم تحريماً لتبعيته للابس، ويرخص لأهل كتب الشريعة من حديث وفقه وتفسير أخذ الورقة بالكم وباليد للضرورة، ويكره مسها؛ لأنها لا تخلو عن آيات القرآن، والمستحب ألا تقلب ورقة القرآن إلا بوضوء. وأجازوا تقليب أوراق المصحف بنحو قلم للقراءة، كما أجازوا للصبي حمل القرآن ورفعه لضرورة التعلم، ولا يكره النظر للقرآن لجنب وحائض ونفساء؛ لأن الجنابة لا تحل العين. وتكره كتابة القرآن وأسماء الله تعالى على الدراهم والمحاريب والجدران وما يفرش، وتكره القراءة في المخرج والمغتسل والحمام. ولا تكره كتابة آية الكرسي على صحيفة منفصلة عن الكاتب، إلا أن يمسها بيده.\r6 ً - دخول المسجد، واللبث والاعتكاف فيه، ولو بوضوء، لقوله صلّى الله عليه وسلم : «لا أحل المسجد لحائض ولا جنب» (1) .\rوأجاز الشافعية والحنابلة للحائض والنفساء العبور في المسجد إن أمنت تلويثه، لأنه يحرم تلويث المسجد بالنجاسة وغيرها من الأقذار بسبب المكث فيه، ولما روت عائشة رضي الله عنها قالت: قال لي رسول الله صلّى الله عليه وسلم : «ناوليني الخُمْرة من المسجد» فقلت: «إني حائض» فقال: «إن حيضتك ليست في يدك» (2) وعن ميمونة رضي الله عنها قالت: «تقوم إحدانا بالخُمْرة إلى المسجد، فتبسُطُها وهي حائض» (3) هذا .. وأباح الحنابلة أيضاً للحائض المكث في المسجد بوضوء بعد انقطاع الدم، لانتفاء المحذور وهو خشية تلويث المسجد.\r-------------------------------\r(1) رواه أبو داود.\r(2) رواه مسلم، والخمرة: هي السجادة أو الحصير الذي يضعه المصلي ليصلي عليه أو يسجد.\r(3) رواه النسائي.","part":1,"page":551},{"id":553,"text":"7 ً - الوطء في الفرج (الجماع) ولو بحائل باتفاق العلماء، والاستمتاع بما بين السرة والركبة عند الجمهور (غير الحنابلة)، لقوله تعالى: {فاعتزلوا النساء في المحيض، ولا تقربوهن حتى يطهرن} [البقرة:222/2] والمراد بالاعتزال: ترك الوطء، ولقوله صلّى الله عليه وسلم لعبد الله بن سعد حينما سأله: ما يحل لي من امرأتي،و هي حائض؟ قال: «لك ما فوق الإزار» (1) ولأن الاستمتاع بما تحت الإزار يدعو إلى الجماع، فحرم لخبر الصحيحين عن النعمان بن بشير: «من حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه» والإزار: الثوب الذي يستر وسط الجسم وما دونه، وهو ما بين السرة والركبة غالباً، فما عدا ذلك جائز بالذكر أو القبلة أوالمعانقة أو اللمس أو غير ذلك.\rوأباح الحنابلة الاستمتاع بالحائض ونحوها بما دون السرة وفوق الركبة ما عدا الوطء في الفرج، لقوله صلّى الله عليه وسلم : «اصنعوا كل شيء إلا النكاح» (2) ، كما أنهم أباحوا الجماع لمن به شَبَق بشرط ألا تندفع شهوته بدون الوطء في الفرج، ويخاف تشقق أنثييه إن لم يطأ، ولا يجد غير الحائض بأن لا يقدر على مهر حرة، ولا ثمن أمَة...\r-------------------------------\r(1) رواه أبو داود عن حِزام بن حكيم عن عمه: عبد الله بن سعد (نيل الأوطار:277/1) وروي مثله عن عكرمة عند أبي داود، وعن عائشة عند البخاري ومسلم ونصه: «كانت إحدانا إذا كانت حائضاً، فأراد رسول الله صلّى الله عليه وسلم أن يباشرها، أمرها أن تأتزر بإزار في فور حيضتها، ثم يباشرها» والمراد بالمباشرة هنا: التقاء البشرتين، لا الجماع، والمراد بالاتزار، أن تشد إزاراً تستر سرتها، وما تحتها إلى الركبة (نيل الأوطار:277/1 ومابعدها).\r(2) رواه الجماعة إلا البخاري، وروى البخاري في تاريخه عن مسروق بن أجدع قال: «سألت عائشة رضي الله عنها: ما للرجل من امرأته إذا كانت حائضاً؟ قالت: كل شيء إلا الفرج» (نيل الأوطار:276/1 ومابعدها).","part":1,"page":552},{"id":554,"text":"وتستمر حرمة الوطء والاستمتاع بما بين السرة والركبة عند المالكية والشافعية حتى تغتسل، أي تطهر بالماء لا بالتيمم، إلا في حال فقد الماء أوالعجز عن استعماله، فيباح الوطء بالتيمم. واستدلوا بقوله تعالى: {فاعتزلوا النساء في المحيض، ولا تقربوهن حتى يطهرن، فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله} [البقرة:222/2] فالله تعالى شرط لحل الوطء شرطين: انقطاع الدم، والغسل، الأول من قوله تعالى: {حتى يطهرن} [البقرة:222/2] أي ينقطع دمهن، والثاني: من قوله عز وجل: {فإذا تطهرْن} أي اغتسلن بالماء {فأتوهن} [البقرة:222/2] فتصير إباحة وطئها موقوفة على الغسل. وهذا هو رأي الحنابلة أيضاً في حرمة الوطء (الجماع).\rوكذلك قال الحنفية: إذا انقطع دم الحيض لأقل من عشرة أيام، لم يحل وطؤها أو الاستمتاع بها حتى تغتسل أو تتيمم بشرطه، وإن لم تصل به في الأصح؛ لأن الدم تارة يدر، وتارة ينقطع، فلا بد من الاغتسال ليترجح جانب الانقطاع.\rفإن لم تغتسل ومضى عليها وقت صلاة كامل، بأن تجد من الوقت زمناً يسع الغسل ولبس الثياب وتحريمة الصلاة، وخرج الوقت، ولم تُصَلِّ، حل وطؤها؛ لأن الصلاة صارت ديناً في ذمتها، فطهرت حكماً.\rولو انقطع دم الحائض لدون عادتها، فوق الأيام الثلاثة، لم يقربها حتى تمضي عادتها، وإن اغتسلت؛ لأن النقاء عندهم حيض كما عرفنا، ولأن العَوْد في العادة غالب، فكان الاحتياط في الاجتناب.","part":1,"page":553},{"id":555,"text":"وإن انقطع دم الحائض لعشرة أيام، وهو أكثر الحيض عندهم، جاز وطؤها قبل الغسل؛ لأن الحيض لا مزيد له على العشرة؛ إلا أنه لا يستحب قبل الغسل، للنهي عنه في قراءة {ولا تقربوهن حتى يطَّهَّرن} [البقرة:2/222] بالتشديد، والتشديد يدل على المبالغة في الطهارة، وذلك إنما يكون بالاغتسال فعلاً، لا بانقطاع الدم.\rوالخلاصة: أن الحنفية أجازوا الوطء في حالة الحيض ومثله النفاس قبل الغسل في حالتين، لقوله تعالى: {ولا تقربوهن حتى يطهرن} [البقرة:2/222] بتخفيف الطاء، فإنه جعل الطهر غاية للحرمة. ويستحب ألا يطأها حتى تغتسل لقراءة التشديد، خروجاً من الخلاف.\rوالحالتان هما: أن يمضي على من اع دمها دون العشرة أيام وقت صلاة كامل ويخرج الوقت ولم تصل، وأن ينقطع دمها لعشرة أيام أي بعد أكثر الحيض.\rأما الحالة الغالبة بين النساء: وهي انقطاع الدم بعد ستة أو سبعة أيام فلا يجوز نقطة أج وطؤها حتى تغتسل، ما لم تصر الصلاة ديناً في ذمتها، وهي الحالة الأولى السابقة، فمن انقطع دمها لأكثر الحيض حلت حينئذ، وإن انقطع دمها لأقل الحيض، لم تحل حتى يمضي وقت صلاة كامل.\rكفارة وطء الحائض ونحوها: يري المالكية والحنفية والشافعية في المذهب الجديد: أنه لا كفارة على من وطئ حائضاً ونحوها، بل الواجب عليه الاستغفار والتوبة؛ لأن الأصل البراءة، فلا ينتقل عنها إلا بحجة، وحديث الكفارة مضطرب، ولأنه وطء محرم للأذى، فلم تتعلق به الكفارة كالوطء في الدبر.","part":1,"page":554},{"id":556,"text":"ويرى الحنابلة في أرجح الروايتين عن أحمد: أنه تجب الكفارة على من وطئ امرأة في أثناء الحيض أو النفاس، وتجب على المرأة إن طاوعت الرجل في وطئها في الحيض،ككفارة الوطء في الإحرام، فإن كانت مكرهة فلا شيء عليها، لعدم تكليفها. والكفارة واجبة ولو كان الوطء من ناس ومكره وجاهل الحيض أو الالتحريم ، أو كلاهما ، ولا تجب الكفارة بوطئها بعد انقطاع الدم . والكفارة دينار أو نصف دينار على سبيل التخيير ، أيهما أخرج أجزأه ، لما روي عن ابن عباس ، عن النبي صلّى الله عليه وسلم : في الذي يأتي امرأته ، وهي حائض : يتصدق بدينار أو نصف دينار (1) وتسقط كفارة الوطء في الحيض بعجز عنها ، ككفارة الوطء في رمضان.\rوقال الشافعية : يسن لمن وطئ في إقبال الدم التصدق بدينار ، ولمن وطئ في إدباره التصدق بنصف دينار ، لخبر ابن عباس السابق عن الترمذي : « إذا كان دما أحمر ، فدينار ، وإن كان دما أصفر فنصف دينار» .\rووطء الحائض ليس بمعصية كبيرة، لعدم انطباق تعريفها عليه.\r8 ً - الطلاق: يحرم الطلاق في الحيض، ويكون الطلاق بدعياً واقعاً، لما فيه من تطويل العدة على المرأة، ولمخالفته قوله تعالى: {إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن} [الطلاق:1/65] أي في الوقت الذي يشرعن فيه العدة، لأن بقية الحيض لا تحسب من العدة فتتضرر بطول مدة التربص والانتظار، ولما روي عن ابن عمر: «أنه طلق امرأته، فذكر عمر ذلك للنبي صلّى الله عليه وسلم ، فقال: مره فليراجعها، ثم ليطلقها طاهراً أو حاملاً» (2) .\rأما بعد انقطاع الدم وقبل الغسل فيحل الطلاق. وهكذا يبين أنه إذا انقطع الدم لم يحل قبل الغسل غيرُ الصوم، والطلاق، والطهر، والصلاة المكتوبة إذا فقدت المرأة الطهورين.\r-------------------------------\r(1) رواه الخمسة، قال الحافظ ابن حجر: والاضطراب في إسناد هذا الحديث ومتنه كثير جداً (نيل الأوطار:278/1).\r(2) رواه الجماعة إلا البخاري عن ابن عمر (نيل الأوطار:221/6).","part":1,"page":555},{"id":557,"text":"أما الصوم: فلأن تحريمه بالحيض، لا بالحدث، بدليل صحته من الجنب، وقد زال الحيض.\rوأما الطلاق: فلزوال المعنى المقتضي للتحريم، وهو تطويل العدة.\rوأما الطهر فإنها مأمورة به. وأما الصلاة المكتوبه فهي مأمورة بها أيضاً.\rولا تبدأ العدة إذا طلق الرجل زوجته في أثناء الحيض، لقوله تعالى: {والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء} [البقرة:228/2] وبعض القرء ليس بقرء.\rالفرق بين الحيض والجنابة: عرفنا أن ما يحرم على الحائض ونحوها أكثر مما يحرم على الجنب. وهناك فروق أخرى هي (1) :\rفالجنب يجوز له أداء الصوم مع الجنابة، ولا يجوز للحائض والنفساء؛ لأن الحيض والنفاس أغلظ من الحدث، وهو معنى قوله صلّى الله عليه وسلم في تفسير نقصان الدين عند المرأة: «تقعد إحداهن شطر عمرها، لا تصوم ولا تصلي» (2) .\rويقضي الجنب الصلاة والصوم، والحائض ونحوها لا تقضي الصلاة وإنما تقضي الصوم فقط؛ لأن الحيض يتكرر في كل شهر، فتحرج في قضاء أيام العادة، ولا حرج في قضاء الصوم؛ لأنه مفروض في السنة مرة.\rويحرم قربان المرأة في حالتي الحيض والنفاس، ولا يحرم قربان المرأة التي أجنبت لقوله تعالى: {فاعتزلوا النساء في المحيض} [البقرة:222/2] ومثل هذا لم يرد في الجنابة، بل وردت الإباحة بقوله تعالى: {فالآن باشروهن وابتغوا ما كتب الله لكم} [البقرة:187/2] أي الولد، فقد أباح الله المباشرة وطلب الولد بالجماع مطلقاً على الأحوال.\rالفرق بين الحيض والنفاس: يفترق الحيض عن النفاس في ثلاثة أمور هي (3) :\r1 - الاعتداد بالحيض عند الحنفية والحنابلة؛ لأن انقضاء العدة بالقروء والنفاس ليس بقرء.\r2 - النفاس لا يوجب البلوغ، لحصوله قبله بالحمل؛ لأن الولد ينعقد من الرجل والمرأة، لقوله تعالى: {خلق من ماء دافق، يخرج من بين الصلب والترائب} [الطارق:6/86-7].\r-------------------------------\r(1) البدائع:44/1.\r(2) رواه عبد الرحمن بن أبي حاتم في سننه عن ابن عمر مرفوعاً بلفظ: «النساء ناقصات عقل ودين، قيل: وما نقصان دينهن؟ قال: تمكث إحداهن شطر عمرها لا تصلي، قال البيهقي: لم أجده في شيء من كتب الحديث، وقال ابن منده: لا يثبت هذا بوجه عن النبي صلّى الله عليه وسلم (كشاف القناع:233/1).\r(3) كشاف القناع:233/1.","part":1,"page":556},{"id":558,"text":"3 - لا تحتسب مدة النفاس على المولي في مدة الإيلاء (1) في قوله تعالى: {للذين يؤلون من نسائهم تربُّص أربعة أشهر} [البقرة:226/2] لأنه ليس بمعتاد، بخلاف الحيض.\rوبدن الحائض وعَرَقها وسؤرها طاهر، ولا يكره طبخها وعجنها وغير ذلك، ولا وضع يديها في شيء من المائعات، وأجمع العلماء على جواز مؤاكلة الحائض كالمعتاد دون عزلها، لأن المراد من اعتزالها هو وطؤها، روت عائشة فقالت: «كنت أشرب وأنا حائض، فأناوله النبي صلّى الله عليه وسلم ، فيضع فاه على موضع فيَّ فيشرب، وأتعرق العَرْق، وأنا حائض، فأناوله النبي صلّى الله عليه وسلم فيضع فاه على موضع فيَّ» (2) .\rالمبحث الرابع ـ الاستحاضة وأحكامها:\rتعريف الاستحاضة: هي سيلان الدم في غير أوقاته المعتادة (غير الحيض والنفاس) من مرض وفساد، من عِرْق أدنى الرحم، يقال له العاذل، فكل نزيف من الأنثى قبل مدة الحيض (وهي تسع سنين)، أو نقص عن أقل الحيض، أو زاد على أكثره أو أكثر النفاس، أو زاد عن أيام العادة الشهرية وجاوز أكثر مدة الحيض، أو ما تراه الحامل (الحبلى) في رأي الحنفية والحنابلة، هو استحاضة (3) .\rأحكام المستحاضة: هناك أمور ثلاثة تحتاج إلى بحث وهي ما يأتي:\r-------------------------------\r(1) الإيلاء: هو أن يحلف الزوج بالله تعالى أو بصفة من صفاته: ألا يقرب زوجته أربعة أشهر أو أكثر، أو يعلق على قربانها أمراً فيه مشقة على نفسه، كالصيام أو الحج أو الإطعام.\r(2) رواه الجماعة إلا البخاري والترمذي، ومعنى «أتعرق العَرْق» أي آكل ما عليه من اللحم. وروى أحمد والترمذي عن عبد الله بن سعد قال : سألت النبي صلّى الله عليه وسلم عن مواكلة الحائض، قال: واكلها» (نيل الأوطار:281/1).\r(3) الدر المختار ورد المحتار:262/1 ومابعدها، مراقي الفلاح: ص25، الشرح الصغير:207/1 ومابعدها، القوانين الفقهية: ص41، مغني المحتاج:108/1، كشاف القناع:226/1،236.","part":1,"page":557},{"id":559,"text":"أولاً ـ هل يحرم شيء على المستحاضة مما يحرم على الحائض؟\rالاستحاضة حدث دائم كسلَس بول ومذي وغائط وريح باتفاق الفقهاء، أو كرعاف دائم أو جرح لا يرقأ دمه أي لا يسكن عند الحنفية والحنابلة، فلا يمنع شيئاً مما يمنعه الحيض والنفاس من صلاة وصوم ولو نفلاً، وطواف، وقراءة قرآن ومس مصحف ودخول مسجد واعتكاف ووطء بلا كراهة، للضرورة (1) ، وللأحاديث الثابتة في ذلك، منها:\r1 - ما روت عائشة قالت: «قالت فاطمة بنت أبي حبيش لرسول الله صلّى الله عليه وسلم : إني امرأة أُسْتَحاض، فلا أطهرُ، أفأدع الصلاة؟ فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلم : إنما ذلك عِرْق (أي ينزف)، وليس بالحيضة، فإذا أقبلت الحيضة فاتركي الصلاة، فإذا ذهب قدرها (قدر عادتها) فاغسلي عنك الدم، وصلِّي» (2) .\r2 - أمر النبي صلّى الله عليه وسلم حَمْنة بنت جَحْش بالصوم والصلاة في حالة الاستحاضة (3) .\r3- روى أبو داود عن عكرمة عن حمنة بنت جحش «أنها كانت مستحاضة وكان زوجها يجامعها» وقال: «كانت أم حبيبة تستحاض وكان زوجها يغشاها» وكانت حمنة زوجة طلحة، وأم حبيبة زوجة عبد الرحمن بن عوف (4) .\r-------------------------------\r(1) الدر المختار:275/1، مراقي الفلاح: ص25، فتح القدير:121/1، الشرح الصغير:210/1، القوانين الفقهية: ص41، مغني المحتاج:111/1، المغني:339/1، كشاف القناع:235/1،237.\r(2) رواه البخاري والنسائي وأبو داود (نيل الأوطار:268/1).\r(3) رواه أبو داود وأحمد والترمذي وصححاه (نيل الأوطار:271/1).\r(4) بنات جحش ثلاث : زينب أم المؤمنين ، وحمنة ، وأم حبيبة ( سبل السلام : 103/1).","part":1,"page":558},{"id":560,"text":"وهذا المذكور في إباحة وطء المستحاضة هو ما قرره الفقهاء، منهم الإمام أحمد في رواية عنه، وفي رواية أخرى يظهر أنها الراجحة عند الحنابلة: لا توطأ المستحاضة إلا أن يخاف على نفسه الوقو ع في محظور، لما روى الخلال بإسناده عن عائشة: أنها قالت: «المستحاضة لا يغشاها زوجها» ولأن بها أذى، فيحرم وطؤها كالحائض، قال تعالى في الحائض معللاً منع وطئها بالأذى {قل: هو أذى، فاعتزلوا النساء في المحيض} [البقرة:222/2].\rلكن إذا انقطع دم المستحاضة أبيح وطؤها عند الحنابلة من غير غسل، لأن الغسل ليس بواجب عليها كسلس البول.\rثانياً ـ طهارة المستحاضة الوضوء والغسل:\rقال المالكية (1) : يستحب للمستحاضة أن تتوضأ لكل صلاة، كما يستحب لها بعد انقطاع الدم الغسل من دم الاستحاضة.\rوقال الحنفية والشافعية والحنابلة (الجمهور) (2) : يجب على المستحاضة أن تتوضأ لوقت كل صلاة، بعد أن تغسل فرجها، وتعصِبه، وتحشوه بقطن وما أشبهه إلا إذا أحرقها الدم أو كانت صائمة، والحشو ليرد الدم، لقوله صلّى الله عليه وسلم لحمنة حين شكت إليه كثرة الدم: «أنْعَت لك الكُرْسُفَ، فإنه يُذهب الدمَ» (3)\rفإذا استوثقت (بأن تشد خرقة مشقوقة الطرفين تخرج أحدهما من أمامها والآخر من خلفها، وتربطهما بخرقة تشدها على وسطها كالتكة) ثم خرج الدم من غير تفريط في الشد، لم تبطل صلاتها، لما روت عائشة رضي الله عنها: أن فاطمة\r-------------------------------\r(1) القوانين الفقهية: ص26،41، بداية المجتهد:57/1 وما بعدها.\r(2) اللباب:51/1، مراقي الفلاح: ص25، مغني المحتاج:111/1 وما بعدها، المهذب:45/1 وما بعدها، المغني:340/1-342.\r(3) رواه أبو داود وأحمد وصححاه (نيل الأوطار:271/1).","part":1,"page":559},{"id":561,"text":"بنت أبي حبيش استحيضت، فقال لها النبي صلّى الله عليه وسلم : «اجتنبي الصلاة أيام محيضك، ثم اغتسلي، وتوضئي لكل صلاة، ثم صَلِّي، وإن قطر الدم على الحصير» (1) .\rوالدليل على أن المستحاضة تتوضأ لوقت كل فريضة: وهو أن النبي صلّى الله عليه وسلم قال في المستحاضة: تدع الصلاة أيام أقرائها (حيضاتها)، ثم تغتسل، وتتوضأ عند كل صلاة، وتصوم وتصلي» (2) ولأنهاطهارة عذر وضرورة، فتقيدت بالوقت كالتيمم.\rولا يجب على المستحاضة إلا غسل واحد باتفاق المذاهب الأربعة بدليل الحديث السابق وغيره كحديث حمنة، ويسن لها عند الشافعية والحنابلة، ويندب عند الحنفية كالمالكية أن تغتسل لكل صلاة، بدليل الحديث المتقدم في الأغسال المسنونة: «أن النبي صلّى الله عليه وسلم أمر أم حبيبة أن تغتسل، فكانت تغتسل عند كل صلاة» (3) .\rوتصلي المستحاضة ونحوها عند الحنفية بوضوئها ما شاءت من الفرائض والنوافل. ويبطل وضوءها بخروج الوقت كما بينا في بحث وضوء المعذور.\rولها عند الحنابلة أيضاً الجمع بين الصلاتين بوضوء واحد؛ «لأن النبي صلّى الله عليه وسلم أمر حمنة بنت جحش بالجمع بين الصلاتين بغسل واحد» وأمر به سهلة بنت سهيل. وخروج الوقت مبطل لهذه الطهارة، أي أن مذهبي الحنفية والحنابلة متفقان.\r-------------------------------\r(1) رواه الخمسة (أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه) وابن حبان، ورواه مسلم في الصحيح بدون قوله: «وتوضئي لكل صلاة» (نصب الراية:199/1 وما بعدها، نيل الأوطار:275/1).\r(2) رواه أبو داود وابن ماجه والترمذي وقال: حسن (نيل الأوطار:274/1، نصب الراية:202/1 وما بعدها) وأما حديث «المستحاضة تتوضأ لوقت كل صلاة» الذي رواه سبط ابن الجوزي عن أبي حنيفة، كما سبق تخريجه، فقال عنه الزيلعي: غريب جداً (نصب الراية:204/1).\r(3) متفق عليه.","part":1,"page":560},{"id":562,"text":"أما الشافعية فقالوا: يجب الوضوء لكل فرض ولو منذوراً، كالتيمم لبقاء الحدث، وتصلي به الجنازة وما شاءت من النوافل، وكذا يجب لكل فرض تجديد العِصَابة في الأصح، قياساً على تجديد الوضوء. ويجب أن تبادر إلى الصلاة عقب الوضوء، إلا لمصلحة كستر عورة وأذان وإقامة، وانتظار جماعة واجتهاد في قبلة وذهاب إلى مسجد وتحصيل سترة. وقد سبق بيان ذلك وغيره في بحث وضوء المعذور.\rثالثاً ـ تقدير مدة حيض المستحاضة:\rنظراً لاستمرار نزول الدم على المستحاضة بسبب حالة مرضية، فإنها تحتاج لبيان مدة الحيض الشهرية، لتطبق عليها أحكام الحيض، ويكون الباقي استحاضة، وقد ورد في السنة النبوية مبادئ أساسية في هذا الموضوع، منها ما يأتي:\rأولاً ـ العمل بالتمييز بصفة الدم، فإذا كان متصفاً بصفة السواد فهو حيض، وإلا فهو استحاضة،أي أن المرأة إذا ميزت دم الحيض عن دم الاستحاضة، عملت بتمييزها، وذلك في حديث عروة عن فاطمة بنت أبي حُبَيش، أنها كانت تستحاض، فقال لها النبي صلّى الله عليه وسلم : إذا كان دم الحيضة، فإنه أسود يعرف، فإذا كان كذلك فأمسكي عن الصلاة، فإذا كان الآخر فتوضئي وصلِّي، فإنما هو عِرْق» (1) ينزف.\rثانياً ـ بناء المعتادة على عادتها السابقة، في حديث عائشة عن فاطمة بنت أبي حبيش، وفي رواية البخاري: «ولكن دعي الصلاة قدر الأيام التي كنت تحيضين فيها، ثم اغتسلي، وصلِّي» (2) .\r-------------------------------\r(1) رواه أبو داود والنسائي، وابن حبان والحاكم وصححاه، والدارقطني والبيهقي (نيل الأوطار:270/1).\r(2) انظر نيل الأوطار:268/1، سبل السلام:100/1.","part":1,"page":561},{"id":563,"text":"ثالثاً ـ رجوع المستحاضة إلى الغالب من عادة النساء: وهي ست أو سبع لفقد العادة والتمييز، في حديث حمنة بنت جحش: «...إنما هذه رَكْضة من رَكَضات الشيطان (1) فتحيَّضي (2) ستة أيام أو سبعة في علم الله، ثم اغتسلي، حتى إذا رأيت أنك قد طهُرت، واستَنْقَيت، فصلِّي أربعاً وعشرين ليلة، أو ثلاثاً وعشرين وأيامها، فصومي، فإن ذلك مُجْزيك، وكذلك فافعلي في كل شهر، كما تحيض النساء، وكما يَطْهُرن لميقات حيضِهِن وطهرهن..» (3) .\rوقد اختلفت المذاهب في تقدير مدة حيض المستحاضة على النحو التالي:\rمذهب الحنفية (4) :\rالمستحاضة إما مبتدأة: وهي التي ابتدأها الدم مع البلوغ أو في أول نفاس ثم استمر، أو معتادة: وهي التي سبق لها دم وطهر صحيحان، أو متحيرة وهي المعتادة التي نسيت عادتها.\rأما المبتدأة: فيقدر حيضها بعشرة أيام لأنه لا مزيد للحيض على العشرة، وطهرها بعشرين يوماً من كل شهر (عشرة حيض وعشرون استحاضة) عملا ً بالحديث السابق: « المستحاضة تدع الصلاة أيام أقرائها » أي أيام حيضها، كما يقدر نفاسها بأربعين يوماً وطهرها منه بعشرين يوماً، ثم يقدر حيضها بعد ذلك بعشرة أيام، وهكذا حتى تطهر أو تموت.\r-------------------------------\r(1) أي أن الشيطان وجد بذلك سبيلاً إلى التلبيس عليها في أمر دينها وطهرها وصلاتها، حتى أنساها بذلك عادتها، فصار في التقدير كأنه ركض بآلة، كأنه أراد الإضرار بالمرأة والأذى.\r(2) أي اجعلي نفسك حائضاً.\r(3) رواه أبو داود والترمذي وصححاه (نيل الأوطار:271/1، سبل السلام:102/1).\r(4) تبيين الحقائق: 62/1، الدر المختار:277/1، فتح القدير:122/1-124، اللباب:50/1، البدائع:41/1 وما بعدها.","part":1,"page":562},{"id":564,"text":"وأما المعتادة: التي لم تنس عادتها الممتدة الدم: فترد إلى عادتها المعروفة في الحيض والطهر، وما زاد على ذلك فهو استحاضة، فتقضي ما تركت من الصلاة بعد العادة، إلا إذا كانت عادتها في الطهر ستة أشهر فأكثر، فترد إلى ستة أشهر إلا ساعة بالنسبة لانقضاء العدة، وأما بالنسبة لغير العدة فترد إلى عادتها السابقة كما كانت ترى. والمفتى به أن العادة تثبت بمرة.\rوأما المحيَّرة أو المتحيرة وهي التي نسيت عادتها، فلا يحكم لها بشيء من الطهر أو الحيض على التعيين، بل تأخذ بالأحوط في حق الأحكام الشرعية (1) ، وأما بالنسبة لانقضاء العدة فيقدر في الأصح بستة أشهر إلا ساعة، لأن الطهر بين الدمين أقل من أدنى مدة الحمل (2) عادة، فنقصناه من ذلك ساعة،فإن طُلِّقت تنقضي عدتها بتسعة عشر شهراً إلا ثلاث ساعات، لجواز أن يكون طلقها في أول الطهر، فتحتاج إلى ثلاث حيضات مجموعها شهر (لأن كل حيضة عشرة أيام)، وإلى ثلاثة أطهار مجموعها ثمانية عشر شهراً إلا ثلاث ساعات.\rمذهب المالكية (3) :\rالمستحاضة وهي التي استمر بها الدم بعد تمام حيضها: إذا ميزت الدم بتغير رائحة أو لون أو ثخن أو تألم ونحو ذلك لا بكثرة الدم وقلّته، فهو حيض (4) ، بشرط أن يتقدمه أقل الطهر، وهو خمسة عشر يوماً، علماً بأن دم الحيض أسود\r-------------------------------\r(1) وهو أن تجتنب دائماً وأبداً ما تجتنبه الحائض من قراءة القرآن ومسه ودخول المسجد ونحو ذلك، ولا يأتيها زوجها، وتغتسل لكل صلاة، فتصلي به الفرض والوتر، وتقرأ فيهما قدر ما تجوز به الصلاة ولاتزيد.\r(2) أقل مدة الحمل ستة أشهر.\r(3) الشرح الصغير:213/1، الشرح الكبير:171/1، القوانين الفقهية: ص41.\r(4) اتفاقاً في العبادة، وعلى المشهور في العدة.","part":1,"page":563},{"id":565,"text":"غليظ، ودم الاستحاضة أحمر رقيق، والصفرة أو الكدرة حيض، كما أبنت في ألوان الدم.\rولا تزيد المميزة ثلاثة أيام على عادتها استظهاراً، على الأصح، بل تقتصر على عادتها، ما لم يستمر ما ميزته بصفة الحيض المميز، فإن استمر بصفته استظهرت على المعتمد، والعادة تثبت بمرة.\rفإن لم تميز، فهي مستحاضة (أي باقية على أنها طاهر)، ولو مكثت طول عمرها، وتعتد عدة المرتابة بسنة بيضاء. وكذلك تكون مستحاضة لو ميزت قبل تمام أقل الطهر، إذ لا عبرة بذلك التمييز ولا فائدة له.\rوالخلاصة: أن المستحاضة لا تعد بحكم الحائض إلا بثلاثة شروط:\rالأول ـ أن تكون المرأة مميزة.\rوالثاني ـ أن يتغير الدم عن صفة الاستحاضة إلى الحيض.\rوالثالث ـ أن تمضي لها من الأيام في الاستحاضة مقدار أقل الطهر (51 يوماً).\rمذهب الشافعية (1) :\rتسمى المرأة التي زاد دمها على خمسة عشر يوماً مستحاضة، وصورها سبع:\r1ً - المُبتَدَأة المميزة: المبتدأة: أول ما ابتدأها الدم، والمميزة: هي التي تميز الدم، فترى قوياً وضعيفاً، كالأسود والأحمر (2) .\rوحكمها: الضعيف استحاضة، والقوي حيض، بشرط ألا ينقص القوي عن أقل الحيض (يوم وليلة)، وألا يعبر أو يجاوز أكثره (وهو خمسة عشر يوماً) لأن الحيض لا يزيد عن ذلك، وبشرط ألا ينقص الضعيف إن استمر عن أقل الطهر (وهو خمسة عشر يوماً) أي بأن يكون ولاء متتابعاً خمسة عشر يوماً فأكثر متصلة.\rفإن نقص القوي عن أقل الحيض، أو عبر أكثره، أو نقص الضعيف عن أقل الطهر أو لم يكن ولاء متتابعاً، كما لو رأت يوماً أسود، ويوماً أحمر، فهي فاقدة شرطاً من شروط التمييز، يعرف حكمها من الصورة الثانية.\r-------------------------------\r(1) مغني المحتاج:113/1-118، حاشية الباجوري:114/1 ومابعدها.\r(2) سبق بيان ترتيب الدماء بحسب قوتها، فأقواها السواد، ثم الحمرة، ثم الشقرة ثم الصفرة، ثم الكُدرة.","part":1,"page":564},{"id":566,"text":"2ً - المبتدأة غير المميزة: وهي أول ما ابتدأها الدم، ولكنها ترى الدم بصفة واحدة. ومثلها المميزة التي فقدت شرطاً من شروط التمييز.\rوحكمها: أن حيضها يوم وليلة، وطهرها تسع وعشرون إن عرفت وقت ابتداء الدم، وإلا فهي متحيرة سيأتي حكمها.\r3ً - المعتادة المميزة: المعتادة: هي التي سبق لها حيض وطهر، والمميزة: هي التي ترى قوياً وضعيفاً، كما تقدم. والأصح أن العادة تثبت بمرة.\rوحكمها: العمل بالتمييز، لا بعادة مخالفة للتمييز في الأصح، إن لم يتخلل بين القوي والضعيف أقل الطهر. فلو كانت عادتها خمسة من أول الشهر، وبقيته طهر، ثم لما استحيضت ونزل عليها الدم واستمر، فرأت عشرة أيام أسود من أول الشهر، وبقيته أحمر، كان حيضها العشرة، لا الخمسة فقط، للحديث المتقدم «دم الحيض أسود يعرف» ولأن التمييز أقوى من العادة؛ لأن التمييز علامة في الدم، والعادة علامة في صاحبته.\rفإن كانت العادة متفقة مع التمييز، كما لو كانت عادتها خمسة أيام من أول الشهر، فجاء التمييز كذلك، حكم لها بهما معاً. وإن تخلل بين نوعي الدم أقل الطهر: كأن رأت بعد خمستها العادية عشرين يوماً ضعيفاً، ثم خمسة قوياً، ثم ضعيفاً، فقدر العادة حيض للعادة، وقدر التمييز حيض آخر للتمييز.\r4ً - المعتادة غير المميزة الذاكرة لعادتها قدراً ووقتاً: وهي التي سبق لها حيض وطهر، ولكنها ترى الدم بصفة واحدة، وتذكر مقدار عادتها ووقته.\rوحكمها: أن ترد إلى العادة قدراً ووقتاً، فلو حاضت في شهر خمسة أيام من أوله مثلاً، ثم استحيضت، فحيضها هو الخمسة من أول الشهر، وطهرها بقية الشهر، عملاً بعادتها، وإن لم تتكرر؛ لأن العادة تثبت بمرة إن لم تختلف، فإن اختلفت فلا تثبت بمرة.\r5ً - المعتادة غير المميزة الناسية لعادتها قدراً ووقتاً: بأن سبق لها حيض وطهر، ولم تعلم عادتها قدراً ووقتاً.","part":1,"page":565},{"id":567,"text":"حكمها: كحائض في أحكام كحرمة الاستمتاع بها وقراءة القرآن في غير الصلاة، ومس المصحف، احتياطاً؛ لأن كل زمن يمر عليها يحتمل الحيض. وهي أيضاً كطاهر في أحكام كالصلاة فرضاً أو نفلاً في الأصح والصوم، احتياطاً؛ لأن كل زمن يمر عليها يحتمل الطهر. وتغتسل لكل فرض في وقته، لاحتمال انقطاع الدم حينئذ إن جهلت وقت الانقطاع.\rفإن علمته كأن عرفت أنه كان ينقطع عند الغروب، فلا يلزمها الغسل، إلا عند الغروب، وتتوضأ لباقي الفرائض لاحتمال الانقطاع عند الغروب، دون ما عداه، وتصوم رمضان، ثم شهراً كاملاً، ويبقى عليها يومان، لاحتمال أن يطرأ عليها الحيض في أثناء اليوم الأول، واحتمال كونها تحيض أكثر الحيض (51 يوماً) فيفسد صومها في اليوم السادس عشر؛ لأنه يطرأ الدم في أثناء يوم، وينقطع في أثناء يوم، ويحسب لها أربعة عشر من كل من الشهرين، بثمانية وعشرين يوماً، فيبقى لها يومان، تصوم لهما من ثمانية عشر ثلاثة أولها، وثلاثة آخرها، فيحصلان، علماً بأن أقل الطهر 51 يوماً.\r6ً - المعتادة غير المميزة الذاكرة لعادتها قدراً لا وقتاً: كأن تقول: كان حيضي خمسة في العشر الأول من الشهر، لا أعلم ابتداءها، وأعلم أني في اليوم الأول طاهر بيقين، فالسادس حيض بيقين، والأول طهر بيقين، كالعَشْرين الأخيرين، والثاني إلى آخر الخامس محتمل للحيض والطهر، دون الانقطاع، والسابع إلى آخر العاشر محتمل للحيض والطهر والانقطاع.\rفلليقين من حيض وطهر حكمه، وهي في المحتمل كناسية لهما (الحيض والطهر) كما في الصورة الخامسة.\rومعلوم أنه لا يلزمها الغسل إلا عند احتمال الانقطاع.\rويسمى ما يحتمل الانقطاع طهراً مشكوكاً فيه، وما لا يحتمله حيضاً مشكوكاً فيه.\r7ً - المعتادة غير المميزة، الذاكرة لعادتها وقتاً لا قدراً، كأن تقول: كان حيضي يبتدئني أول الشهر، ولا أعلم قدره.\rحكمها: يوم وليلة منه حيض بيقين، ونصفه الثاني طهر بيقين، وما بين ذلك محتمل للحيض والطهر والانقطاع.","part":1,"page":566},{"id":568,"text":"فلليقين من حيض وطهر حكمه، وهي في المحتمل كناسية لهما، كما مر في التي قبلها. والخلاصة: يطلق على الصور الثلاث الأخيرة اسم المتحيرة: وهي التي نسيت عادتها قدراً ووقتاً، أو نسيت القدر دون الوقت، أو بالعكس. والمشهور في حكمها: وجوب الاحتياط، فيحرم الوطء ومس المصحف، والقراءة في غير الصلاة، وتصلي الفرائض كلها، وكذا النفل في الأصح. وتغتسل لكل فرض، وتصوم رمضان، ثم شهراً كاملاً، فيحصل من كل منهما أربعة عشر يوماً، ثم تصوم ثمانية عشر: ثلاثة أولها، وثلاثة آخرها، فيحصل اليومان الباقيان.\rوما عدا المتحيرة: تعمل أولاً بالتمييز إن كانت مميزة، سواء أكانت مبتدأة أم معتادة. وإن لم تكن مميزة وتعلم عادتها قدراً ووقتاً، ترد إلى عادتها في ذلك، وإن كانت مبتدأة لا مميِّزة، أو فقدت شرط تمييز، فالأظهر أن حيضها يوم وليلة، وطهرها تسع وعشرون.\rمذهب الحنابلة (1) :\rالمستحاضة إما مبتدأة أو معتادة ، وكل منهما إما مميزة أولا، فإن كانت المبتدأة مميزة عملت بتمييزها، وإن كانت غير مميزة قدر حيضها بيوم وليلة، وتغتسل بعد ذلك، وبقية الشهر طاهرة، وذلك في الشهور الثلاثة الأولى، ثم تنتقل في الشهر الرابع إلى غالب الحيض وهو ست أو سبع باجتهادها. وتفصيل كلامهم فيما يأتي:\r1ً - المبتدأة غير المميزة : يقدر حيضها بيوم وليلة؛ لأنه المتيقن، وما زاد مشكوك فيه كغير المستحاضة، ثم تغتسل وتصلي احتياطاً لبراءة ذمتها، ولكن يحرم وطؤها في مدة خمسة عشر يوماً إن استمر بها الدم هذه المدة. فإن انقطع الدم قبل هذه المدة اغتسلت عند انقطاعه غسلاً ثانياً، ويباح وطؤها حينئذ.\rتفعل هكذا في ثلاثة أشهر، في كل شهر مرة؛ لأن العادة لا تثبت بدون التكرار ثلاث مرات في ظاهر المذهب أو أكثر الروايات عن أحمد.\r-------------------------------\r(1) كشاف القناع:234/1-246، المغني:310/1-332،351 ومابعدها.","part":1,"page":567},{"id":569,"text":"وفي الشهر الرابع تنتقل إلى غالب الحيض وهو ستة أيام أو سبعة باجتهادها وتحريها، ورأيها، فتعمل بما يغلب على ظنها أنه أقرب إلى عادتها، أو عادة نسائها، أو ما يكون أشبه بكونه حيضاً. وإن جاوز دمها أكثر الحيض (51 يوماً) فهي مستحاضة، لقول النبي صلّى الله عليه وسلم : «إنما ذلك عرق، وليس بحيضة» ولأن الدم كله لا يصلح أن يكون حيضاً.\r2ً - المبتدأة المميزة: بأن ميزت الدم الأسود أو الثخين أو المنتن عن الرقيق الأحمر غير المنتن، فتعمل بالتمييز، ويكون حيضها زمن الأسود أو زمن الثخين، أو زمن المنتن إن لم ينقص عن أقل الحيض (يوم وليلة) ولم يجاوز أكثره ( خمسة عشر يوماً) لحديث عائشة في قصة فاطمة بنت أبي حبيش بلفظ النسائي: «إذا كان الحيض، فإنه أسود يعرف، فأمسكي عن الصلاة، وإذا كان الآخر فتوضئي وصلي، فإنما هو دم عرق» ، فإن نقص عن يوم وليلة فهو استحاضة، وإن جاوز الخمسة عشر، بأن كان الأسود عشراً، والأحمر ثلاثين مثلاً، فحيضها زمن الدم الأسود،وما عداه استحاضة؛ لأنه لا يصلح حيضاً.\r3ً - المعتادة غير المميزة: ترجع إلى عادتها، لتعمل بها، لما يأتي في الصورة التالية.\r4ً - المعتادة المميزة: بأن ترى بعض دمها أسود أو ثخيناً أو منتناً، فتقدم العادة على التمييز، سواء اتفق تمييزها وعادتها، بأن تكون عادتها أربعة مثلاً من أول الشهر، وكان دم هذه الأربعة الآن أسود، ودم باقي الشهر أحمر، أو اختلفا أي العادة والتمييز، بأن تكون عادتها ستة أيام، وترى الآن أربعة أسود، وباقي الشهر أحمر؛ لقوله صلّى الله عليه وسلم : «دعي الصلاة قدر الأيام التي كنت تحيضين فيها، ثم اغتسلي وصلي» ولأن العادة أقوى؛ لأنها لاتبطل دلالتها، بخلاف اللون إذا زاد على أكثر الحيض بطلت دلالته.","part":1,"page":568},{"id":570,"text":"5ً - المعتادة المميزة الناسية لعادتها: تعمل كالمبتدأة بالتمييز الصالح؛ لأنه يكون حيضاً. والتمييز الصالح: هو ألا يكون الدم ناقصاً عن يوم وليلة، وألا يجاوز خمسة عشر يوماً. وذلك عملاً بحديث فاطمة بنت أبي حبيش: «إذا كان دم الحيض فإنه أسود يعرف، فأمسكي عن الصلاة، فإذا كان الآخر فتوضئي، فإنما هو عرق» .\r6ً - المتحيرة: وهي التي تحيرت في حيضها بجهل العادة، وعدم التمييز، ولها أحوال ثلاثة:\rأ ـ الناسية لوقت عادتها وعددها: يكون حيضها في كل شهر ستة أيام أو سبعة بحسب اجتهادها ورأيها فيما يغلب على ظنها أنه أقرب إلى عادتها أو عادة نسائها، أو ما يكون أشبه بكونه حيضاً، ثم تغتسل، وتعتبر فيما بعد ذلك مستحاضة، تصوم وتصلي وتطوف، عملاً بحديث حمنة بن جحش: «فتحيَّضي ستة أو سبعة أيام في علم الله، ثم اغتسلي...» .\rب ـ الناسية عدد عادتها، وتذكر وقتها: كالتي تعلم أن حيضها في العشر الأول من الشهر، ولا تعلم عدده، حكمها كالحالة الأولى، ترد إلى غالب الحيض: ست أو سبع، في أصح الروايتين.\rجـ ـ الناسية لوقتها دون عددها: أي أنها عالمة بالعدد ناسية للموضع، كأن تعلم عدد أيام حيضتها، وتنسى موضعها بأن لم تدر أكانت تحيض في أول الشهر أو أوسطه أو آخره؟ حكمها: أن تجعل أيام حيضتها من أول كل شهر هلالي؛ لأنه صلّى الله عليه وسلم ( جعل حيضة حمنة من أول الشهر، والصلاة في بقيته ) ولأن دم الحيض هو الأصل، والاستحاضة عارضة، فيقدم دم الحيض.","part":1,"page":569},{"id":571,"text":"البَابُ الثَّاني: الصَّلاة (1)\rوفيه عشرة فصول:\rالفصل الأول ـ تعريف الصلاة، مشروعيتها وحكمة تشريعها، فرضيتها وفرائضها، حكم تارك الصلاة.\rالفصل الثاني ـ أوقات الصلاة، وفيه بحث: متى تدرك الصلاة أداء؟\rالفصل الثالث ـ الأذان والإقامة.\rالفصل الرابع ـ شروط الصلاة (شروط التكليف بها أو الوجوب، وشروط بحث صلاة المريض.\rالفصل الخامس ـ أركان الصلاة (أو فرائضها) وواجباتها عند الحنفية وفيه بحث صلاة المريض.\rالفصل السادس ـ سنن الصلاة ومندوباتها وصفتها (كيفيتها) ومكروهاتها، والأذكار الواردة عقبها، وفيه بحث أمور مستقلة ثلاثة وهي: سترة المصلي، والقنوت، والوتر.\rالفصل السابع ـ مفسدات أو مبطلات الصلاة.\rالفصل الثامن ـ النوافل أو صلاة التطوع وترتيب أفضليتها.\rالفصل التاسع ـ أنواع خاصة من السجود (سجود السهو، وسجدة التلاوة، وسجدة الشكر)، وقضاء الفوائت.\rالفصل العاشر ـ أنواع الصلاة:\rوفيه ثمانية مباحث:\rالمبحث الأول ـ صلاة الجماعة وأحكامها (الإمامة والاقتداء) وفيه بحث صلاة المسبوق، والاستخلاف والبناء على الصلاة.\rالمبحث الثاني ـ صلاة الجمعة وخطبتها.\rالمبحث الثالث ـ صلاة المسافر (الجمع والقصر).\rالمبحث الرابع ـ صلاة العيدين.\rالمبحث الخامس ـ صلاة الكسوف والخسوف.\rالمبحث السادس ـ صلاة الاستسقاء.\rالمبحث السابع ـ صلاة الخوف.\rالمبحث الثامن ـ صلاة الجنازة، وأحكام الجنائز والشهداء والقبور.\rصفة صلاة النبي صلّى الله عليه وسلم:\rهذه صفة واضحة لصلاة النبي صلّى الله عليه وسلم ،أثْبتها هنا قبل تفصيل الكلام عن الصلاة، كما رواها المحدِّثون الثقات،\rأخرج البخاري وأبو داود والترمذي عن محمد بن عمرو بن عطاء قال: سمعت أبا حميد الساعديّ في عشرة من أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلم ـ منهم أبو قتادة ـ قال أبو حميد:\r-------------------------------\r(1) الطهارة وسيلة، والصلاة مقصد وغاية، فتبحث بعدها مباشرة.","part":1,"page":570},{"id":572,"text":"أنا أعلمكم بصلاة رسول الله صلّى الله عليه وسلم ، قالوا: فلِمَ؟ فوالله ما كنتَ بأكثرنا له تَبَعاً، ولا أقدمنا له صحبةً، قال: بلى، قالوا: فاعرض، قال: كان رسول الله صلّى الله عليه وسلم إذا قام إلى الصلاة، يرفع يديه حتى يُحاذِيَ بهما مَنْكِبيه، ثم يُكَبِّر حتى يَقِرَّ كل عظم في موضعه معتدلاً، ثم يقرأ، ثم يكبر ويرفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه معتدلاً، ثم يركع ويضع راحتيه على ركبتيه، ثم يعتدل ولا يَنْصِبُ رأسه ولا يُقْنِعُ (1) ، ثم يرفع رأسه فيقول: سمع الله لمن حمده، ثم يرفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه معتدلاً، ثم يقول: الله أكبر، ثم يَهْوي (2) إلى الأرض، فيجافي يديه عن جنبيه، ثم يرفع أسه، ويُثْني رجله اليسرى فيقعد عليها (3) ، ويفتح أصابع رجليه إذا سجد، ويسجد، ثم يقول: الله أكبر، ويرفع، ويُثْني رجله اليسرى فيقعد عليها، حتى يرجع كل عظم إلى موضعه، ثم يصنع في الآخر مثل ذلك.\rثم إذا قام من الركعتين، كبَّر ورفع يديه حتى يحاذيَ بهما منكبيه، كما كبر عند افتتاح الصلاة، ثم يصنع ذلك في بقية صلاته.\rحتى إذا كانت السجدة التي فيها التسليم أخرَّ رجله، وقعد مُتَورِّكاً (4) على شِقِّه الأيسر،قالوا: صدقت، هكذا كان يصلي صلّى الله عليه وسلم .\rوفي رواية قال: «كنت في مجلس من أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلم ، قال: اذكروا صلاته، فقال أبو حميد ـ فذكر بعض هذا الحديث ـ فتذكر: فإذا ركع أمْكَن كفّيه من ركبتيه، وفرَّج بين أصابعه، وهَصَر (5) ظهره، غير مُقْنِع رأسه، ولا صافِحٍ بخدِّه (6) ، وقال: فإذا قعد في الركعتين، قعد على بطن قدمه اليسرى، ونصب اليمنى، فإذا كان في الرابعة أفضى بوَرِكه اليسرى إلى الأرض، وأخرج قدميه من ناحية واحدة» .\r-------------------------------\r(1) يقنع: أي لا يرفعه حتى يكون أعلى من ظهره.\r(2) الهويّ: السقوط من علو إلى أسفل.\r(3) هذه تسمى قعدة الاستراحة.\r(4) التورك في الصلاة: القعود على الورك اليسرى، والوركان فوق الفخذين كالمنكبين فوق العضدين.\r(5) هصر ظهره: أماله.\r(6) أي غير مُبْرز خده ولا مائل في أحد الشِّقَّين.","part":1,"page":571},{"id":573,"text":"وفي رواية أخرى: قال: «إذا سجد وضع يديه غير مُفْترش (1) ولا قابِضهما، واستقبل بأطراف أصابعه القبلة» .\rوفي رواية قال: «ثم رفع رأسه ـ يعني من الركوع ـ فقال: سمع الله لمن حمده، اللهم ربنا لك الحمد، ورفع يديه» .\rوأخرج أبو داود والترمذي والنسائي عن رفاعة بن رافع رضي الله عنه حديثاً علَّم فيه النبي صلّى الله عليه وسلم رجلاً بدوياً كيفية الصلاة، حينما صلى فأخَفَّ صلاته، فقال النبي صلّى الله عليه وسلم : «إنه لا تتم صلاةُ أحد من الناس حتى يتوضأ، فيضع الوضوء ـ يعني مواضعه ـ ثم يكبر، ويحمد الله عز وجل، ويُثْني عليه، ثم يقرأ بما شاء من القرآن، ثم يقول: الله أكبر، ثم يركع حتى تطمئن مفاصلُه، ثم يرفع، ثم يقول: سمع الله لمن حمده، حتى يستوي قائماً، ويقول: الله أكبر، ثم يسجد، حتى تطمئن مفاصله، ثم يقول: الله أكبر، ويرفع رأسه حتى يستوي قاعداً، ثم يقول: الله أكبر، ثم يسجد حتى تطمئن مفاصلُه، ويرفع ثانية ليكبِّر، فإذا فعل ذلك تمت صلاته» .\rالفَصْلُ الأوَّل: تعريف الصَّلاة، ومشروعيَّتها وحكمة تشريعها\rفرضيَّتها وفرائضها، حكم تارك الصَّلاة\rحقيقة الصلاة: الصلاة لغة: الدعاء أو الدعاء بخير، قال تعالى: {وصل عليهم إن صلاتك سَكَن لهم} [التوبة:9/301] أي ادع لهم. وشرعاً: هي أقوال وأفعال مخصوصة، مفتتحة بالتكبير، مختتمة بالتسليم.\rمشروعيتها: الصلاة واجبة بالكتاب والسنة والإجماع:\r-------------------------------\r(1) الافتراش المنهي عنه: هو أن يبسط ذراعيه في السجود ولا يرفعهما عن الأرض.","part":1,"page":572},{"id":574,"text":"أما الكتاب: فقوله تعالى: {وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء،ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة، وذلك دين القيِّمة} [البينة:5/89] وقوله سبحانه: {فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة، واعتصموا بالله هو مولاكم، فنعم المولى ونعم النصير} [الحج:22/87]، مع آي كثيرة مثل: {إن الصلاة كانت على المؤمنين كتاباً موقوتاً} [النساء:4/301].\rوأما السنة: فأحاديث متعددة، منها: حديث ابن عمر عن النبي صلّى الله عليه وسلم أنه قال: «بني الإسلام على خمس، شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وإقامِ الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت من استطاع إليه سبيلاً» (1) ، وفي معناه حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «الإسلام: أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا» (2) .\rوأما الإجماع: فقد أجمعت الأمة على وجوب خمس صلوات في اليوم والليلة.\rتاريخها ونوع فرضيتها وفرائضها: فرضت الصلاة ليلة الإسراء قبل الهجرة بنحو خمس سنين على المشهور بين أهل السير، لحديث أنس، قال: «فرضت على النبي صلّى الله عليه وسلم الصلوات ليلة أسري به خمسين، ثم نقصت حتى جعلت خمساً، ثم نودي: يا محمد، إنه لا يبدل القول لدي، وإن لك بهذه الخمسة خمسين» (3) . وقال بعض الحنفية: فرضت ليلة الإسراء قبل السبت سابع عشر من رمضان قبل الهجرة بسنة ونصف. وجزم الحافظ ابن حجر بأنه ليلة السابع والعشرين من رجب، وعليه عمل أهل الأمصار.\rوهي فرض عين على كل مكلف (بالغ عاقل)، ولكن تؤمر بها الأولاد لسبع سنين، وتضرب عليها لعشر، بيدٍ، لا بخشبة، لقوله صلّى الله عليه وسلم : « مُروا صبيانكم بالصلاة لسبع سنين ، واضربوهم عليها لعشر سنين ، وفرِّقوا بينهم في المضاجع» (4) .\r-------------------------------\r(1) متفق عليه.\r(2) متفق عليه.\r(3) رواه أحمد والنسائي وصححه الترمذي. وفي الصحيحين: «فرض الله على أمتي ليلة الإسراء خمسين صلاة، فلم أزل أراجعه وأسأله التخفيف حتى جعلها خمساً في كل يوم وليلة» .\r(4) رواه أحمد وأبو داود والحاكم والترمذي والدارقطني عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده (نيل الأوطار:298/1).","part":1,"page":573},{"id":575,"text":"والصلوات المكتوبات خمس في اليوم والليلة، ولا خلاف بين المسلمين في وجوبها، ولا يجب غيرها إلا بنذر، للأحاديث السابقة، ولحديث الأعرابي: « خمس صلوات في اليوم والليلة» قال الأعرابي: «هل علي غيرها؟ قال: «لا، إلا تطَّوع» (1) ولقوله صلّى الله عليه وسلم لمعاذ حين بعثه إلى اليمن: «أخبرهم أن الله تعالى فرض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة» (2) .\rوقال أبو حنيفة رحمه الله: الوتر واجب، لقوله صلّى الله عليه وسلم : «إن الله قد زادكم صلاة، وهي الوتر» (3) وهذا يقتضي وجوبه، وقال عليه السلام: «الوتر واجب على كل مسلم» (4) .\rحكمة تشريع الصلاة: الصلاة أعظم فروض الإسلام بعد الشهادتين، لحديث جابر: «بين الرجل وبين الكفر ترك الصلاة» (5) .\rوقد شرعت شكراً لنعم الله تعالى الكثيرة، ولها فوائد دينية وتربوية على الصعيدين الفردي والاجتماعي.\rفمن فوائدها الدينية: عقد الصلة بين العبد وربه، بما فيها من لذة المناجاة للخالق، وإظهار العبودية لله، وتفويض الأمر له، والتماس الأمن والسكينة والنجاة في رحابه، وهي طريق الفوز والفلاح، وتكفير السيئات والخطايا، قال تعالى: {قد أفلح المؤمنون، الذين هم في صلاتهم خاشعون} [المؤمنون23/1-2]\r-------------------------------\r(1) متفق عليه، تتمة الحديث: «فقال الرجل: والذي بعثك بالحق لا أزيد عليها ولا أنقص منها، فقال الرسول: أفلح إن صدق» (نيل الأوطار:286/1).\r(2) متفق عليه عن ابن عباس: وكانت تلك البعثة سنة عشر قبل حج النبي صلّى الله عليه وسلم (سبل السلام:120/2).\r(3) ورواه ثمانية من الصحابة: خارجة بن حذافة، وعمرو بن العاص، وعقبة بن عامر،وابن عباس، وأبو بصرة الغفاري، وعمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وأبو سعيد الخدري، وكلها معلولة (نصب الراية:109/1).\r(4) رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه وأحمد وابن حبان والحاكم عن أبي أيوب (نصب الراية:112/1).\r(5) رواه مسلم.","part":1,"page":574},{"id":576,"text":"{إن الإنسان خلق هلوعاً، إذا مسه الشر جزوعاً، وإذا مسه الخير منوعاً إلا المصلين} [المعارج:70/19-20].\rوقال صلّى الله عليه وسلم : «أرأيتم لو أن نَهَراً بباب أحدكم، يغتسل فيه كل يوم خمس مرات، هل يَبْقى من دَرَنه شيء؟ قالوا: لا يبقى من درنه شيء. قال: فكذلك مَثَل الصلوات الخمس، يمحو الله بهن الخطايا» (1) .\rوفي حديث آخر عن أبي هريرة أيضاً أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم قال: «الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة كفارة لما بينهن، ما لم تُغْشَ الكبائر» (2) . وعن عبد الله بن عمرو مرفوعاً: «إن العبد إذا قام يصلي، أُتي بذنوبه فوضعت على رأسه أو على عاتقه، فكلما ركع أو سجد، تساقطت عنه» (3) أي حتى لا يبقى منها شيء إن شاء الله تعالى.\rومن فوائدها الشخصية: التقرب بها إلى الله تعالى ومعراج النفس إلى ربها، قال الله تعالى: {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون} [الذاريات:51/56] و فيها تقوية النفس والإرادة، والاعتزاز بالله تعالى دون غيره، والسمو عن الدنيا ومظاهرها، والترفع عن مغرياتها وأهوائها، وعما يحلو في النفس مما لدى الآخرين من جاه ومال وسلطان، قال الله تعالى: {واستعينوا بالصبر والصلاة، وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين} [البقرة:2/45].\rكما أن في الصلاة راحة نفسية كبيرة، وطمأنينة روحية، وبعداً عن الغفلة\r-------------------------------\r(1) رواه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي من حديث أبي هريرة، ورواه ابن ماجه من حديث عثمان (الترغيب والترهيب:233/1).\r(2) رواه مسلم والترمذي وغيرهما ( المصدر السابق ).\r(3) رواه ابن حبان في صحيحه.","part":1,"page":575},{"id":577,"text":"التي تصرف الإنسان عن رسالته السامية الخالدة في هذه الحياة، قال صلّى الله عليه وسلم : «حُبِّب إلي من دنياكم: النساء والطيب، وجعلت قُرَّة عيني في الصلاة» (1) ، وكان عليه السلام ـ فيما رواه أحمد ـ إذا حَز به أمر (أي نزل به هم أو غم) قال: «أرحنا بها يا بلال» (2) .\rوفي الصلاة: تدرب على حب النظام والتزام التنظيم في الأعمال وشؤون الحياة، واحترا م الوقت وتقديره لأدائها في أوقات منظمة، وبها يتعلم المرء خصال الحلم والأناة والسكينة والوقار، ويتعود على حصر الذهن في المفيد النافع، لتركيز الانتباه في معاني آي القرآن وعظمة الله تعالى ومعاني الصلاة.\rكما أن الصلاة مدرسة خلقية عملية انضباطية تربي فضيلة الصدق والأمانة، وتنهى عن الفحشاء والمنكر، قال الله سبحانه: {وأقم الصلاة، إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر} [العنكبوت:92/54].\rومن فوائدها الاجتماعية: إقرار العقيدة الجامعة لأفراد المجتمع، وتقويتها في نفسهم، وفي تنظيم الجماعة في تماسكها حول هذه العقيدة، وفيها تقوية الشعور بالجماعة، وتنمية روابط الانتماء للأمة، وتحقيق التضامن الاجتماعي، ووحدة الفكر والجماعة التي هي بمثابة الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى.\rوفي صلاة الجماعة: فوائد عميقة وكثيرة، من أهمها إعلان مظهر المساواة، وقوة الصف الواحد، ووحدة الكلمة، والتدرب على الطاعة في القضايا العامة أو المشتركة باتباع الإمام فيما يرضي الله تعالى، والاتجاه نحو هدف واحد وغاية نبيلة سامية هي الفوز برضوان الله تعالى.\r-------------------------------\r(1) رواه أحمد والنسائي والحاكم والبيهقي عن أنس بن مالك ، وهو حديث حسن.\r(2) رواه أبو داود.","part":1,"page":576},{"id":578,"text":"كما أن بها تعارف المسلمين وتآلفهم، وتعاونهم على البر والتقوى، وتغذية الاهتمام بأوضاع وأحوال المسلمين العامة، ومساندة الضعيف والسجين والملاحَق بتهمة والغائب عن أسرته وأولاده. ويعد المسجد والصلاة فيه مقراً لقاعدة شعبية منظمة متعاونة متآزرة، تخرِّج القيادة، وتدعم السلطة الشرعية، وتصحح انحرافاتها وأخطاءها بالكلمة الناصحة والموعظة الحسنة، والقول الليِّن، والنقد البناء الهادف؛ لأن «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً» (1) .\rوالصلاة تميِّز المسلم عن غيره، فتكون طريقاً للثقة والائتمان، وبعث روح المحبة والمودة فيما بين الناس، جاء في الحديث: «من استقبل قبلتنا، وصلى صلاتنا، وأكل ذبيحتنا، فهو المسلم، له ما للمسلم، وعليه ما على المسلم» (2) .\rحكم تارك الصلاة: اتفق المسلمون على أن الصلاة واجبة على كل مسلم بالغ عاقل طاهر، أي غير ذي حيض أو نفاس، ولا ذي جنون أو إغماء، وهي عبادة بدنية محضة لا تقبل النيابة أصلاً، فلا يصح أن يصلي أحد عن أحد، كما لا يصح أن يصوم أحد عن أحد.\rوأجمع المسلمون على أن من جحد وجوب الصلاة، فهو كافر مرتد، لثبوت فرضيتها بالأدلة القطعية من القرآن والسنة والإجماع، كما أبنت. ومن تركها تكاسلاً وتهاوناً فهو فاسق عاص، إلا أن يكون قريب عهد بالإسلام، أو لم يخالط المسلمين مدة يبلغه فيها وجوب الصلاة.\rوترك الصلاة موجب للعقوبة الأخروية والدنيوية، أما الأخروية فلقوله تعالى: {ما سلككم في سَقَر؟ قالوا: لم نك من المصلين} [المدثر:74/42-43]\r-------------------------------\r(1) رواه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه.\r(2) أخرجه البخاري والترمذي ،وأبو داود والنسائي عن أنس رضي الله عنه (جامع الأصول: 158/1 وما بعدها).","part":1,"page":577},{"id":579,"text":"{فويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون} [الماعون:107/4-5]، {فخلَف من بعدهم خَلْف أضاعوا الصلاة، واتبعوا الشهوات، فسوف يلقون غيّاً} [مريم:19/59]. وقال صلّى الله عليه وسلم : «من ترك الصلاة متعمداً، فقد برئت منه ذمة الله ورسوله» (1) .\rوأما عقوبتها الدنيوية لمن تركها كسلاً وتهاوناً ، فلها أنماط عند الفقهاء.\rفقال الحنفية (2) : تارك الصلاة تكاسلاً فاسق يحبس ويضرب ـ على المذهب ـ ضرباً شديداً حتى يسيل منه الدم، حتى يصلي ويتوب، أو يموت في السجن ومثله تارك صوم رمضان، ولا يقتل حتى يجحد وجوبهما، أو يستخف بأحدهما كإظهار الإفطار بلا عذر تهاوناً، بدليل قوله صلّى الله عليه وسلم : «لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة» (3) .\rوأضاف الحنفية: أنه يحكم بإسلام فاعل الصلاة بشروط أربعة: أن يصلي الوقت ، مع جماعة، أو يؤذن في الوقت، أو يسجد للتلاوة عند سماع آية سجدة، ولا يحكم بإسلام الكافر في ظاهر الرواية إن صام أوحج أو أدى الزكاة.\rوقال الأئمة الآخرون (4) : تارك الصلاة بلا عذر ولو ترك صلاة واحدة. يستتاب ثلاثة أيام كالمرتد (5) ، وإلا قتل إن لم يتب، ويقتل عند المالكية والشافعية\r-------------------------------\r(1) رواه أحمد بإسناده عن مكحول، وهو مرسل جيد.\r(2) الدر المختار:326/1، مراقي الفلاح: ص60 .\r(3) متفق عليه عن ابن مسعود رضي الله عنه.\r(4) القوانين الفقهية: ص42، بداية المجتهد:87/1، الشرح الصغير:238/1، مغني المحتاج:327/1 ومابعدها، المهذب:51/1، كشاف القناع:263/1 ومابعدها، المغني:442/2.\r(5) الاستتابة عند الشافعية والجمهور مندوبة هنا، أما استتابة المرتد فواجبة لأن الردة تخلد في النار، فوجب إنقاذه منها، بخلاف ترك الصلاة كسلاً لا يكفر.","part":1,"page":578},{"id":580,"text":"حداً، لا كفراً، أي لا يحكم بكفره وإنما يعاقب كعقوبة الحدود الأخرى على معاصي الزنى والقذف والسرقة ونحوها، وبعد الموت يغسل ويصلى عليه، ويدفن مع المسلمين. ودليلهم على عدم تكفير تارك الصلاة قوله تعالى: {إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} [النساء:4/48]، وأحاديث متعددة منها: حديث عبادة بن الصامت: «خمس صلوات كتبهن الله على العباد، من أتى بهن لم يضيِّع منهن شيئاً استخفافاً بحقهن، كان له عند الله عهد أن يُدخله الجنة، ومن لم يأت بهن فليس له عند الله عهد، إن شاء عذبه، وإن شاء غفَر له» (1) .\rوحديث أبي هريرة: «إن أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة: الصلاة المكتوبة، فإن أتمها، وإلا قيل: انظروا هل له من تطوع؟ فإن كان له تطوع، أُكملت الفريضة من تطوعه، ثم يُفعل بسائر الأعمال المفروضة مثلُ ذلك» (2) فلا يكفر بترك الصلاة؛ لأن الكفر بالاعتقاد، واعتقاده صحيح، ويكفر إن تركها جاحداً وجوبها. وتأولوا الأحاديث الآتية التي استدل بها الحنابلة بأنها محمولة على المستحل أو المستحق عقوبة الكافر وهي القتل.\rوقال الإمام أحمد رحمه الله (3) : يقتل تارك الصلاة كفراً أي بسبب كفره، لقوله تعالى: {فإذا انسلخ الأشهر الحُرُم، فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم، وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد، فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة، فخلوا سبيلهم، إن الله غفور رحيم} [التوبة:9/5]، فمن ترك الصلاة، لم يأت بشرط التخلية، فيبقى على إباحة القتل، فلا يخلى من لم يقم الصلاة.\r-------------------------------\r(1) رواه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه (نيل الأوطار:294/1).\r(2) رواه الخمسة، وهناك أحاديث أخرى في موضوع هذين الحديثين (نيل الأوطار:295/1 ومابعدها).\r(3) المغني:442/2-447.","part":1,"page":579},{"id":581,"text":"ولقوله صلّى الله عليه وسلم : «بين الرجل وبين الكفر: ترك الصلاة» (1) فهويدل على أن ترك الصلاة من موجبات الكفر.\rومثله حديث بُرَيْدة: «العهد الذي بيننا وبينكم الصلاة، فمن تركها فقد كفر» (2) وهو يدل على أن تارك الصلاة يكفر.\rورجح الشوكاني هذا الرأي، فقال: والحق أنه كافر يقتل. ولا يمنع بعض أنواع الكفر من المغفرة واستحقاق الشفاعة.\rوإني أميل إلى الرأي الأول وهو الحكم بعدم كفر تارك الصلاة، للأدلة الكثيرة القاطعة بعدم خلود المسلم في النار بعد النطق بالشهادتين، قال صلّى الله عليه وسلم : «من قال: لا إله إلا الله، وكفر بما يُعبد من دون الله، حرُم ماله ودمه، وحسابه على الله» (3) وقال عليه السلام أيضاً: «يخرج من النار: من قال: لا إله إلا الله، وفي قلبه وزن شعيرة من خير، ويخرج من النار: من قال: لا إله إلا الله، وفي قلبه وزن بُرَّة من خير، ويخرج من النار: من قال: لا إله إلا الله، وفي قلبه مثقال ذرة من خير» (4) .\rوطريقة قتل تارك الصلاة عند الجمهور (غير الحنفية): هو ضرب عنقه بالسيف، إن لم يتب.\rدوام فرضية الصلاة طوال العمر: لا تسقط الصلاة بحال حضراً أو سفراً أو مرضاً، فيلزم المسلم بالصلاة ما دام حياً، ولم يصبح في حال غيبوبة أو فقد الوعي، وإنما يسر الإسلام كيفية أداء الصلاة كما في صلاة الخوف، وصلاة المريض بحسب القدرة من قيام أو قعود أو على جنب أواستلقاء أو بالرأس أو بالأعين أو إجراء الأركان على القلب. ومن كان ملطخاً بالدم إثر عملية جراحية، أو مربوطاً بكيس يصب فيه الدم مثلاً، أو مجبَّر الكسور، يصلي على هذه الحال بوضوء أو تيمم بحسب القدرة، ثم يعيد الصلاة، بعد الشفاء احتياطاً.\r-------------------------------\r(1) رواه الجماعة إلا البخاري والنسائي (نيل الأوطار:291/1).\r(2) رواه الخمسة، وابن حبان والحاكم، وصححه النسائي والعراقي، وهناك أحاديث أخرى في موضوعه (انظر نيل الأوطار:293/1 ومابعدها).\r(3) أخرجه مسلم عن طارق الأشجعي رضي الله عنه (جامع الأصول:161/1).\r(4) أخرجه البخاري عن أنس رضي الله عنه. والبرة مفرد البُرّ من القمح.","part":1,"page":580},{"id":582,"text":"الفَصْلُ الثَّاني: أوقاتُ الصَّلاة\rالأوقات في السنة:\rحددت السنة النبوية مواقيت الصلاة تحديداً دقيقاً لأول الوقت (1) وآخره، روى جابر بن عبد الله أن النبي صلّى الله عليه وسلم جاءه جبريل عليه السلام، فقال له: قم، فصلِّهْ، فصلى الظهر حين زالت الشمس، ثم جاءه العصر، فقال: قم فصلِّه، فصلى العصر، حين صار ظل كل شيء مثلَه، ثم جاءه المغرب، فقال: قم فصله، فصلى المغرب حين وَجَبت الشمس (غربت)، ثم جاءه العشاء، فقال: قم فصله، فصلى العشاء حين غاب الشَّفَق، ثم جاءه الفجر، فقال: قم فصله، فصلى الفجر حين بَرَق الفجر، أو قال: سطع الفجر.\rثم جاءه من الغد للظهر، فقال: قم فصلِّهْ، فصلى الظهر، حين صار كل شيء مثله، ثم جاءه العصر، فقال: قم فصلِّهْ، فصلى العصر حين صار ظل كل شيء مثليه، ثم جاءه المغرب وقتاً واحداً، لم يزُل عنه، ثم جاءه العشاء حين ذهب نصف الليل، أو قال: ثلث الليل، فصلى العشاء، ثم جاءه حين أسفر جداً، فقال: قم فصَلِّهْ، فصلى الفجر، ثم قال: ما بين هذين الوقتين وقت» (2) وهو يدل على أن للصلوات وقتين، إلا المغرب.\r-------------------------------\r(1) الوقت: هو الزمان المقدر للعبادة شرعاً، المختار.\r(2) رواه أحمد والنسائي، والترمذي بنحوه، وقال البخاري: هو أصح شيء في المواقيت (نيل الأوطار:300/1).","part":1,"page":581},{"id":583,"text":"وهناك حديث آخر في تحديد وقت المغرب عن عقبة بن عامر: أن النبي صلّى الله عليه وسلم قال: لا تزال أمتي بخير، أو على الفطرة ما لم يؤخروا المغرب، حتى تشتبك النجوم» (1) وهو يدل على استحباب المبادرة بصلاة المغرب، وكراهة تأخيرها إلى اشتباك النجوم.\rوقد أوضح الفقهاء بناء على ذلك وقت كل صلاة على النحو الآتي (2) ، وأجمع المسلمون على أن الصلوات الخمس مؤقتة بمواقيت معلومة محدودة، ثبتت في أحاديث صحاح جياد، وتجب الصلاة بأول الوقت وجوباً موسعاً إلى أن يبقى من الوقت ما يسعها فيضيق الوقت حينئذ. وفي المناطق القطبية ونحوها يقدرون الأوقات بحسب أقرب البلاد إليهم، أو بميقات مكة المكرمة.\r1 ً - وقت الفجر:\rيبدأ من طلوع الفجر الصادق إلى طلوع الشمس. والفجر الصادق: هو البياض المنتشر ضوءه معترضاً في الأفق. ويقابله الفجر الكاذب: وهو الذي يطلع مستطيلاً متجهاً إلى الأعلى في وسط السماء، كذنب السِرْحان (3) ، أي الذئب، ثم تعقبُه ظُلْمة. والأول: هو الذي تتعلق به الأحكام الشرعية كلها من بدء الصوم ووقت الصبح وانتهاء وقت العشاء، والثاني: لا يتعلق به شيء من الأحكام،\r-------------------------------\r(1) رواه أحمد وأبو داود والحاكم في المستدرك (نيل الأوطار:3/2).\r(2) فتح القدير:151/1-160، الدر المختار:331/1-343، اللباب:59/1-62، القوانين الفقهية: ص43 ومابعدها، الشرح الصغير:219/1-238، الشرح الكبير:176/1-181، مغني المحتاج:121/1-127، المهذب:51/1-54، بجيرمي الخطيب:354/1، المغني:370/1-395، كشاف القناع:289/1-298.\r(3) السرحان مشترك بين الذئب والأسد، والمراد أنه يشبه ذنب السرحان الأسود، لأن الفجر الكاذب بياض مختلط بسواد، والسرحان الأسود: لونه مظلم، وباطن ذنبه أبيض.","part":1,"page":582},{"id":584,"text":"بدليل قوله عليه السلام: «الفجر فجران: فجر يحرِّم الطعام وتحل فيه الصلاة، وفجر تحرم فيه الصلاة ـ أي صلاة الصبح ـ ويحل فيه الطعام» (1) .\rوفي حديث عبد الله بن عمرو عند مسلم: «ووقت صلاة الصبح من طلوع الفجر، ما لم تطلع الشمس» وما بعد طلوع الشمس إلى وقت الظهر يعتبر وقتاً مهملاً لا فريضة فيه.\r2 ً - وقت الظهر:\rمن زوال الشمس إلى مصير ظل كل شيء مثله، سوى ظل أو فيء الزوال. وهذا رأي الصاحبين المفتى به عند الحنفية والأئمة الثلاثة. وظاهر الرواية وهو رأي أبي حنيفة: أن آخر وقت الظهر: أن يصير ظل كل شيء مِثْليْه، إلا أن هذا الوقت هو وقت العصر بالاتفاق، فتقدم الصلاة عن هذا الوقت؛ لأن الأخذ بالاحتياط في باب العبادات أولى.\rوزوال الشمس: هو ميلها عن وسط السماء، ويسمى بلوغ الشمس إلى وسط (أو كبد) السماء: حالة الاستواء، وإذا تحولت الشمس من جهة المشرق إلى جهة المغرب حدث الزوال.\rويعرف الزوال: بالنظر إلى قامة الشخص، أو إلى شاخص أو عمود منتصب في أرض مستوية (مسطحة)، فإذا كان الظل ينقص فهو قبل الزوال، وإن وقف لايزيد ولا ينقص، فهو وقت الاستواء، وإن أخذ الظل في الزيادة علم أن الشمس زالت.\rفإذا زاد ظل الشيء على ظله حالة الاستواء، أو مالت الشمس إلى جهة المغرب، بدأ وقت الظهر، وينتهي وقته عند الجمهور بصيرورة ظل الشيء مثله في القدر والطول، مع إضافة مقدار ظل أو فيء الاستواء، أي الظل الموجود عند الزوال.\r-------------------------------\r(1) رواه ابن خزيمة والحاكم وصححاه (سبل السلام:115/1).","part":1,"page":583},{"id":585,"text":"ودليل الجمهور: أن جبريل عليه السلام صلى بالنبي صلّى الله عليه وسلم في اليوم التالي حين صار ظل كل شيء مثله، ولا شك أن هذا هو الأقوى. ودليل أبي حنيفة قوله عليه السلام: «أبردوا بالظهر، فإن شدة الحر من فيح جهنم» (1) . وأشد الحر في ديارهم كان في هذا الوقت يعني إذا صار ظل كل شيء مثله. ودليل الكل على بدء وقت الظهر قوله تعالى: {أقم الصلاة لدلوك الشمس} [الإسراء:17/78] أ ي زوالها.\r3 ً - وقت العصر:\rيبدأ من خروج وقت الظهر، على الخلاف بين القولين المتقدمين، وينتهي بغروب الشمس، أي أنه يبدأ من حين الزيادة على مثل ظل الشيء، أدنى زيادة عند الجمهور، أو من حين الزيادة على مثلي الظل عند أبي حنيفة، وينتهي الوقت بالاتفاق قبيل غروب الشمس، لحديث: «من أدرك من الصبح ركعة قبل أن تطلع الشمس، فقد أدرك الصبح، ومن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس، فقد أدرك العصر» (2) .\rويرى أكثر الفقهاء: أن صلاة العصر تكره في وقت اصفرار الشمس لقوله صلّى الله عليه وسلم: «تلك صلاة المنافق، يجلس يرقُب الشمس، حتى إذا كانت بين قَرْني الشيطان، قام فنَقَرها أربعاً، لا يذكر الله إلا قليلاً» (3) وقوله عليه السلام: «وقت العصر مالم تصفر الشمس» (4) .\rوصلاة العصر: هي الصلاة الوسطى عند أكثر العلماء، بدليل ما روت عائشة عن النبي صلّى الله عليه وسلم أنه قرأ: {حافظوا على الصلوات، والصلاة الوسطى} [البقرة:2/238]، والصلاة الوسطى: صلاة العصر (5) وعن ابن مسعود وسمرة قالا: قال النبي صلّى الله عليه وسلم : «الصلاة الوسطى: صلاة العصر» (6) وسميت وسطى لأنها بين صلاتين من صلاة الليل، وصلاتين من صلاة النهار.\r-------------------------------\r(1) رواه البخاري من حديث أبي هريرة بلفظ «إذا اشتد الحر، فأبردوا عن الصلاة، فإن شدة الحر من فيح جهنم» (نصب الراية:228/1).\r(2) رواه الأئمة الستة في كتبهم، وهذا اللفظ لمسلم من حديث أبي هريرة (المرجع السابق).\r(3) رواه الجماعة إلا البخاري وابن ماجه. عن أنس رضي الله عنه (نيل الأوطار:307/1) وقوله بين قرني الشيطان إما حقيقة أو مجاز عن سلطانه وغلبة أعوانه.\r(4) رواه مسلم عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنه، وفي معناه حديث آخر عن أبي هريرة، ويؤيده فعل النبي صلّى الله عليه وسلم في حديث بريدة «أن النبي صلّى الله عليه وسلم صلى العصر في اليوم الثاني، والشمس بيضاء نقية لم تخالطها صفرة» .\r(5) رواه أبو داود والترمذي، وقال: حديث صحيح.\r(6) قال الترمذي: حسن صحيح. هذا وقد أورد الشوكاني ستة عشر قولاً في بيان الصلاة الوسطى (نيل الأوطار:311/1).","part":1,"page":584},{"id":586,"text":"والمشهور عند مالك: أن صلاة الصبح هي الوسطى، لما روى النسائي عن ابن عباس قال: «أدلج رسول الله صلّى الله عليه وسلم ، ثم عرّس، فلم يستيقظ حتى طلعت الشمس أو بعضها، فلم يصل حتى ارتفعت الشمس، فصلى وهي صلاة الوسطى، والرأي الأول أصح لصحة الأحاديث فيه» .\r4 ً - وقت المغرب:\rمن غروب الشمس بالإجماع، أي غياب قرصها بكامله، ويمتد عند الجمهور (الحنفية والحنابلة والأظهر عند الشافعية وهو مذهب الشافعي القديم) إلى مغيب الشَّفَق، لحديث: «وقت المغرب ما لم يغب الشفق» (1) .\rوالشفق عند الصاحبين والحنابلة والشافعية: هو الشفق الأحمر، لقول ابن عمر: «الشفق: الحمرة» (2) والفتوى عند الحنفية على قول الصاحبين، وقد رجع الإمام إليه، وهو المذهب.\rوعند أبي حنيفة: هو البياض الذي يستمر في الأفق ويبقى عادة بعد الحمرة، ثم يظهر السواد، وبين الشفقين تفاوت يقدر بثلاث درجات، والدرجة أربع دقائق.\rودليله قوله عليه الصلاة والسلام: «وآخر وقت المغرب إذا اسود الأفق» (3) وهو ما روي عن أبي بكر وعائشة ومعاذ وابن عباس.\r-------------------------------\r(1) رواه مسلم عن عبد الله بن عمرو (سبل السلام:106/1).\r(2) رواه الدارقطني وصححه ابن خزيمة، وغيره وقفه على ابن عمر، وتمام الحديث «فإذا غاب الشفق وجبت الصلاة» وأخرجه ابن خزيمة في صحيحه من حديث ابن عمر مرفوعاً: «ووقت صلاة المغرب إلى أن تذهب حمرة الشفق» (سبل السلام:114/1) قال النووي: والصحيح أنه موقوف على ابن عمر.\r(3) نص الحديث هو ما أخرجه الترمذي عن أبي هريرة: «وإن آخر وقتها - أي المغرب - حين يغيب في الأفق» وغيبوبته بسقوط البياض الذي يعقب الحمرة. لكنه حديث لم يصح سنداً (نصب الراية:230/1) وروي عن ابن مسعود أنه قال: «رأيت رسول الله صلّى الله عليه وسلم يصلي هذه الصلاة حين يسود الأفق» .","part":1,"page":585},{"id":587,"text":"والمشهور عند المالكية ومذهب الشافعي الجديد غير الأظهر المعمول به لدى الشافعية: أن وقت المغرب ينقضي بمقدار وضوء وستر عورة وأذان وإقامة وخمس ركعات، أي أن وقته مضيق غير ممتد؛ لأن جبريل عليه السلام صلى بالنبي عليه الصلاة والسلام في اليومين في وقت واحد، كما ذكر في حديث جابر المتقدم، فلو كان للمغرب وقت آخر لبينه، كما بين وقت بقية الصلوات. ورد بأن جبريل إنما بين الوقت المختار، وهو المسمى بوقت الفضيلة، وأما الوقت الجائز وهو محل النزاع فليس فيه تعرض له.\r5 ً - وقت العشاء:\rيبدأ في المذاهب من مغيب الشفق الأحمر على المفتى به عند الحنفية إلى طلوع الفجر الصادق، أي قبيل طلوعه لقول ابن عمر المتقدم: «الشفق الحمرة، فإذا غاب الشفق وجبت الصلاة » ولحديث أبي قتادة عند مسلم: «ليس في النوم تفريط، إنما التفريط على من لم يصل الصلاة حتى يجيء وقت الصلاة الأخرى» . فإنه ظاهر في امتداد وقت كل صلاة إلى دخول وقت الصلاة الأخرى إلا الفجر، فإنها مخصوصة من هذا العموم بالإجماع.","part":1,"page":586},{"id":588,"text":"وأما الوقت المختار للعشاء فهو إلى ثلث الليل أو نصفه، لحديث أبي هريرة: «لولا أن أشق على أمتي لأمرتُهم أن يؤخروا العشاء إلى ثلث الليل أو نصفه» (1) ، وحديث أنس: «أخر النبي صلّى الله عليه وسلم صلاة العشاء إلى نصف الليل ثم صلى» (2) وحديث ابن عمرو: «وقت صلاة العشاء إلى نصف الليل» (3) .\rوأما حديث عائشة «أعتم النبي صلّى الله عليه وسلم ذات ليلة حتى ذهب عامة الليل، حتى نام أهل المسجد، ثم خرج فصلى، فقال: إنه لوقتها لولا أن أشق على أمتي» (4) فهو وإن كان فيه إشعار بامتداد وقت اختيار العشاء إلى ما بعد نصف الليل. ولكنه مؤول بأن المراد بعامة الليل: كثير منه، وليس المراد أكثره.\rوأول وقت الوتر: بعد صلاة العشاء، وآخر وقتها مالم يطلع الفجر.\rالوقت الأفضل أو المستحب :\rللفقهاء آراء في بيان أفضل وقت كل صلاة أو الوقت المستحب، فقال الحنفية (5) : يستحب للرجال الإسفار بالفجر، لقوله صلّى الله عليه وسلم : «أسفروا بالفجر، فإنه أعظم للأجر» (6) والإسفار: التأخير للإضاءة. وحد الإسفار: أن يبدأ بالصلاة بعد انتشار البياض بقراءة مسنونة، أي أن يكون بحيث يؤديها بترتيل نحو ستين أو أربعين آية، ثم يعيدها بطهارة لو فسدت. ولأن في الإسفار تكثير الجماعة وفي التغليس تقليلها، وما يؤدي إلى التكثير أفضل، وليسهل تحصيل ما ورد عن أنس من حديث حسن: «من صلى الفجر في جماعة، ثم قعد يذكر الله تعالى حتى تطلع الشمس، ثم صلى ركعتين، كانت كأجر حجة تامة، وعمرة تامة» .\r-------------------------------\r(1) رواه أحمد وابن ماجه والترمذي وصححه (نيل الأوطار:11/2).\r(2) متفق عليه (المرجع السابق: ص12).\r(3) رواه أبو داود وأحمد ومسلم والنسائي (نيل الأوطار:306/1).\r(4) رواه مسلم والنسائي (المرجع السابق: 12/1) وأعتم: دخل في العتمة أي آخرها.\r(5) اللباب:61/1 ومابعدها، فتح القدير والعناية:156/1 وما بعدها.\r(6) رواه سبعة من الصحابة وهم رافع بن خديج عند أصحاب السنن الأربعة، وبلال، وأنس، وقتادة بن النعمان، وابن مسعود، وأبو هريرة، وحواء الأنصارية. قال الترمذي: حديث حسن صحيح (نصب الراية:235/1).","part":1,"page":587},{"id":589,"text":"وأما النساء: فالأفضل لهن الغَلَس (الظلمة)؛ لأنه أستر، وفي غير الفجر يَنْتَظِرْن فراغ الرجال من الجماعة. وكذلك التغليس أفضل للرجل والمرأة لحاج بمزدلفة.\rويستحب في البلاد الحارة وغيرها الإبراد بالظهر في الصيف، بحيث يمشي في الظل، لقوله صلّى الله عليه وسلم السابق: «أبردوا بالظهر، فإن شدة الحر من فيح جهنم» ويستحب تعجيله في الشتاء والربيع والخريف، لحديث أنس عند البخاري: «كان النبي صلّى الله عليه وسلم إذا اشتد البرد بكَّر بالصلاة ، وإذا اشتد الحر أبرد بالصلاة» (1) .\rويستحب تأخير العصر مطلقاً، توسعة لأداء النوافل، ما لم تتغير الشمس بذهاب ضوئها، فلا يتحير فيها البصر، سواء في الشتاء أم الصيف، لما فيه من التمكن من تكثير النوافل، لكراهتها بعد العصر.\r-------------------------------\r(1) نصب الراية:244/1.","part":1,"page":588},{"id":590,"text":"ويستحب تعجيل المغرب مطلقاً، فلا يفصل بين الأذان والإقامة إلا بقدر ثلاث آيات أو جلسة خفيفة؛ لأن تأخيرها مكروه لما فيه من التشبه باليهود، ولقوله عليه السلام: «لا تزال أمتي بخير أو قال: على الفطرة، ما لم يؤخروا المغرب إلى أن تشتبك النجوم» (1) .\rويستحب تأخير العشاء إلى ما قبل ثلث الليل الأول، في غير وقت الغيم، فيندب تعجيله فيه، للأحاديث السابقة: «لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم أن يؤخروا العشاء إلى ثلث الليل أو نصفه» .\rويستحب في الوتر لمن يألف صلاة الليل ويثق بالانتباه: أن يؤخر الوتر إلى آخر الليل، ليكون آخر صلاته فيه، فإن لم يثق من نفسه بالانتباه أوتر قبل النوم، لقوله صلّى الله عليه وسلم : «من خاف ألا يقوم آخر الليل، فليوتر أوله، ومن طمع أن يقوم آخر الليل، فليوتر آخره، فإن صلاة الليل مشهودة، وذلك أفضل» (2) .\rوقال المالكية (3) : أفضل الوقت مطلقاً لظهر أو غيره، لفرد أو جماعة، في شدة الحر أو غيره أوله، فهو رضوان الله، لقوله صلّى الله عليه وسلم لمن سأله : أي العمل أحب إلى الله؟ قال: الصلاة على وقتها» (4) أو «الصلاة في أول وقتها» وعن ابن عمر مرفوعاً: «الصلاة في أول الوقت: رضوان الله، وفي آخره عفو الله» (5) فالأفضل تقديم الصبح والعصر والمغرب.\rلكن الأفضل على المشهور تأخير الظهر لربع القامة بعد ظل الزوال صيفاً وشتاء، أي التأخير بمقدار ذراع بأن يصيرظل الشخص بمقدار ربع قامته زيادة على ظل الزوال، وندب التأخير لربع القامة لمن ينتظر أداء الصلاة جماعة أو كثرتها، لتحصيل فضل الجماعة، وإذا كان الوقت وقت شدة الحر ندب تأخير الظهر للإبراد،أي الدخول في وقت البرد.\rكما أن الأفضل في قول ضعيف في المدونة تأخير العشاء قليلاً في المساجد، والراجح كما حقق الدسوقي ندب تقديم العشاء للجماعة مطلقاً.\rوالخلاصة: أن المبادرة في أول الوقت مطلقاً هو الأفضل، إلا في حال انتظار الفرد جماعة للظهر وغيره، وفي حال الإبراد بالظهر أي لأجل الدخول في وقت البرد.\r-------------------------------\r(1) رواه أبو داود في سننه (نصب الراية:246/1).\r(2) أخرجه مسلم عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه (نصب الراية:249/1).\r(3) الشرح الصغير:227/1 ومابعدها، الشرح الكبير والدسوقي:179/1 ومابعدها، القوانين الفقهية: ص43.\r(4) رواه البخاري والدارقطني وغيرهما عن ابن مسعود، وقال الحاكم: إنه على شرط الشيخين، ولفظ الصحيحين: «الصلاة لوقتها» .\r(5) رواه الترمذي: وقال الشافعي رضي الله تعالى عنه: رضوان لله إنما يكون للمحسنين والعفو يشبه أن يكون للمقصرين.","part":1,"page":589},{"id":591,"text":"وقال الشافعية (1) : يسن تعجيل الصلاة ولو عشاء لأول الوقت، إلا الظهر، فيسن الإبراد بالظهر في شدة الحر، للأحاديث السابقة المذكورة في مذهب المالكية، والحنفية، والأصح: اختصاص التأخير للإبراد ببلد حار، وجماعة مسجد ونحوه كمدرسة، يقصدونه من مكان بعيد.\rويكره تسمية المغرب عشاء والعشاء عتْمة للنهي عنه (2) ، ويكره النوم قبل صلاة العشاء والحديث بعدها إلا في خير، لما رواه الجماعة عن أبي بَرْزة الأسلمي أن النبي صلّى الله عليه وسلم «كان يستحب أن يؤخر العشاء التي يدعونها العَتْمة، وكان يكره النوم قبلها، والحديث بعدها» .\rوقال الحنابلة (3) : الصلاة في أول الوقت أفضل إلا العشاء، والظهر في شدة الحر، والمغرب في حالة الغيم، أما العشاء فتأخيرها إلى آخر وقتها المختار وهو ثلث الليل أو نصفه أفضل، ما لم يشق على المأمومين أو على بعضهم، فإنه يكره، عملاً بقول النبي صلّى الله عليه وسلم السابق: «لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم أن يؤخروا العشاء إلى ثلث الليل أو نصفه» ولأنه صلّى الله عليه وسلم «كان يأمر بالتخفيف رفقاً بهم» .\r-------------------------------\r(1) مغني المحتاج:125/1 وما بعدها، المهذب:53/1.\r(2) أما النهي عن الأول في خبر البخاري: «لا تغلبنكم الأعراب على اسم صلاتكم المغرب، وتقول الأعراب: هي العشاء» وأما النهي عن الثاني ففي خبر مسلم: «لا تغلبنكم الأعراب على اسم صلاتكم، ألا إنها العشاء، وهم يُعتمون بالإبل» وفي رواية «بحلاب الإبل» معناه أنهم يسمونها العتمة لكونهم يعتمون بحلاب الإبل، أي يؤخرونه إلى شدة الظلام. وروى الحديث الثاني أيضاً أحمد والنسائي وابن ماجه. (نيل الأوطار:16/2).\r(3) المغني:385/1-395، كشاف القناع: 291/1-295.","part":1,"page":590},{"id":592,"text":"وأما الظهر فيستحب الإبراد به على كل حال في وقت الحر، ويستحب تعجيلها في وقت العشاء، عملاً بالحديث السابق: «إذا اشتد الحر فأبردوا، فإن شدة الحر من فيح جهنم» .\rوأما حالة الغيم: فيستحب تأخير الظهر والمغرب أثناءه، وتعجيل العصر والعشاء؛ لأنه وقت يخاف منه العوارض من المطر والريح والبرد، فيكون في تأخير الصلاة الأولى من أجل الجمع بين الصلاتين في المطر، وفي تعجيل الثانية دفع للمشقة التي قد تحصل بسبب هذه العوارض.\rولا يستحب عند الحنابلة تسمية العشاء العتمة، وكان ابن عمر إذا سمع رجلاً يقول ( العتمة ) صاح وغضب، وقال: ( إنما هو العشاء ).\rوالخلاصة: أن الفقهاء اتفقوا على أن الوقت الأفضل هو أول وقت كل صلاة، واستحب الحنفية الإسفار بصلاة الصبح، وقال الجمهور: التغليس بها أفضل، واستحب الكل الإبراد بالظهر، واستحب الحنفية تأخير العصر، واستحب المالكية للفرد التأخير رجاء إدراك صلاة الجماعة، واستحب الحنابلة تأخير العشاء، وتأخير الظهر والمغرب للجمع بين الصلاتين في حالة الغيم بسبب المطر.\rمتى تقع الصلاة أداء في الوقت؟\rمن المعلوم أن الصلاة إذا أديت كلها في الوقت المخصص لها فهي أداء، وإن فعلت مرة ثانية في الوقت لخلل غير الفساد فهي إعادة، وإن فعلت بعد الوقت فهي قضاء، والقضاء: فعل الواجب بعد وقته.\rأما إن أدرك المصلي جزءاً من الصلاة في الوقت فهل تقع أداء؟ للفقهاء رأيان: الأول للحنفية، والحنابلة على الراجح، والثاني للمالكية والشافعية.","part":1,"page":591},{"id":593,"text":"الرأي الأول ـ للحنفية والحنابلة في أرجح الروايتين عن أحمد (1) : تدرك الفريضة أداء كلها بتكبيرة الإحرام في وقتها المخصص لها، سواء أخرها لعذر كحائض تطهر، ومجنون يفيق، أو لغير عذر، لحديث عائشة: أن النبي صلّى الله عليه وسلم قال: «من أدرك سجدة من العصر قبل أن تغرب الشمس، أو من الصبح قبل أن تطلع الشمس، فقد أدركها» (2) وللبخاري «فليتم صلاته» وكإدراك المسافر صلاة المقيم، وكإدراك الجماعة، ولأن بقية الصلاة تبع لما وقع في الوقت.\rالرأي الثاني ـ للمالكية، والشافعية (3) في الأصح: تعد الصلاة جميعها أداء في الوقت إن وقع ركعة بسجدتيها في الوقت، وإلا بأن وقع أقل من ركعة فهي قضاء، لخبر الصحيحين: «من أدرك ركعة من الصلاة، فقد أدرك الصلاة» (4) أي مؤداة. ومفهومه أن من لم يدرك ركعة لا يدرك الصلاة مؤداة، والفرق بين الأمرين: أن الركعة مشتملة على معظم أفعال الصلاة، وغالب ما بعدها كالتكرار لها، فكان تابعاً لها. وهذا الرأي فيما يظهر أصح لأن المراد بالسجدة الركعة، بدليل ما ذكر مسلم، وبدليل ما رواه الجماعة بلفظ «من أدرك من الصبح ركعة...» الخ.\rالاجتهاد في الوقت:\rمن جهل الوقت بسبب عارض غيم أو حبس في بيت مظلم (5) ، وعدم ثقة يخبره به عن علم، ولم يكن معه ساعة تؤقت له، اجتهد بما يغلب على ظنه دخوله بوِرْد من قرآن ودرس ومطالعة وصلاة ونحوه كخياطة وصوت ديك مجرَّب، وعمل على الأغلب في ظنه.\rوالاجتهاد يكون واجباً إن عجز عن اليقين بالصبر أو غيره كالخروج لرؤية الفجر أو الشمس مثلاً، وجائزاً إن قدر عليه.\r-------------------------------\r(1) الدر المختار:677/1، كشاف القناع:298/1، المغني:378/1.\r(2) رواه مسلم وأحمد والنسائي وابن ماجه، لكن ذكر مسلم: والسجدة إنما هي الركعة.\r(3) الشرح الصغير:231/1، القوانين الفقهية: ص46، مغني المحتاج:136/1، المهذب:54/1، نهاية المحتاج:280/1.\r(4) نيل الأوطار:151/3.\r(5) انظر مغني المحتاج:127/1، المغني:386/1،395، بجيرمي الخطيب:355/1 ومابعدها، نهاية المحتاج: 281/1 ومابعدها.","part":1,"page":592},{"id":594,"text":"وإن أخبره ثقة من رجل أو امرأة بدخول الوقت عن علم، أي مشاهدة، عمل به؛ لأنه خبر ديني يرجع في المجتهد إلى قول الثقة كخبر الرسول صلّى الله عليه وسلم . أما إن أخبره عن اجتهاد فلا يقلده؛ لأن المجتهد لا يقلد مجتهداً آخر.\rوإذا شك في دخول الوقت، لم يصل حتى يتيقن دخوله، أو يغلب على ظنه ذلك، وحينئذ تباح له الصلاة، ويستحب تأخيرها قليلاً احتياطاً لتزداد غلبة ظنه، إلا أن يخشى خروج الوقت.\rوإن تيقن أن صلاته وقعت قبل الوقت، ولو بإخبار عدل مقبول الرواية عن مشاهدة، قضى في الأظهر عند الشافعية وعند أكثر العلماء، وإلا أي إن لم يتيقن وقوعها قبل الوقت، فلا قضاء عليه. ودليل القضاء: ما روي عن ابن عمر وأبي موسى أنهما أعادا الفجر؛ لأنهما صلياها قبل الوقت، ولأن الخطاب بالصلاة يتوجه إلى المكلف عند دخول وقتها، فإن لم تبرأ الذمة منه بقي بحاله.\rتأخير الصلاة: يجوز تأخير الصلاة إلى آخر الوقت لقوله صلّى الله عليه وسلم فيما رواه الدارقطني عن جرير بن عبد الله: «أول الوقت رضوان الله وآخره عفو الله» ولأنا لو لم نجوز التأخير لضاق على الناس، فسمح لهم بالتأخير. لكن من أخر الصلاة عمداً، ثم خرج الوقت وهو فيها، أثم وأجزأته (1) .\rالأوقات المكروهة:\rثبت في السنة النهي عن الصلاة في أوقات خمسة، ثلاثة منها في حديث، واثنان منها في حديث آخر.\rأما الثلاثة ففي حديث مسلم عن عقبة بن عامر الجُهَني: «ثلاث ساعات كان رسول الله صلّى الله عليه وسلم ينهانا أن نصلِّي فيهن، وأن نقبُر فيهن موتانا: حين تطلعُ الشمس بازغة حتى ترتفع (2) ، وحين يقوم قائم الظهيرة (3) حتى تزول الشمس (4) ، وحين تتضيَّف (5) الشمس لغروب» .\r-------------------------------\r(1) المهذب:53/1، المحرر في الفقه الحنبلي:28/1.\r(2) بين حديث عمرو بن عبسة قدر ارتفاعها بلفظ «وترتفع قَيْس - أي قدر-رمح أو رمحين» رواه أبو داود والنسائي. وطول الرمح:50،2م أو سبعة أذرع في رأي العين تقريباً، وقال المالكية: اثنا عشر شبراً.\r(3) ورد في حديث ابن عبسة «حتى يعدل الرمح ظله» ومعنى قوله ( قائم الظهيرة ): قيام الشمس وقت الاستواء.\r(4) أي تميل عن كبد السماء أي وسطها.\r(5) أي تميل (راجع الحديثين في سبل السلام:111/1 وما بعدها).","part":1,"page":593},{"id":595,"text":"وهذه الأوقات الثلاثة تختص بأمرين: دفن الموتى والصلاة.\rوأما الوقتان الآخران ففي حديث البخاري ومسلم عن أبي سعيد الخدري قال: سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلم يقول: «لا صلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس، ولا صلاة بعد العصر حتى تغيب الشمس» ولفظ مسلم: «لا صلاة بعد صلاة الفجر» وهذان الوقتان يختصان بالنهي عن الصلاة فقط.\rفالأوقات الخمسة هي ما يأتي:\r1ً - ما بعد صلاة الصبح حتى ترتفع الشمس كرُمح في رأي العين.\r2ً - وقت طلوع الشمس حتى ترتفع قدر رُمح أي بعد طلوعها بمقدار ثلث ساعة.\r3ً - وقت الاستواء (1) إلى أن تزول الشمس، أي يدخل وقت الظهر.\r4ً - وقت اصفرار الشمس حتى تغرب.\r5ً - بعد صلاة العصر حتى تغرب الشمس.\rوالحكمة من النهي عن الصلاة في هذه الأوقات وتحريم النوافل فيها: هي أن الأوقات الثلاثة الأولى ورد تعليل النهي عن الصلاة فيها في حديث عمرو بن عبسة عند مسلم وأبي داود والنسائي: وهو أن الشمس عند طلوعها تطلع بين قرني شيطان، فيصلي لها الكفار، وعند قيام قائم الظهيرة تسجر (توقد) جهنم وتفتح أبوابها، وعند الغروب تغرب بين قرني شيطان، فيصلي لها الكفار. فالحكمة هي إما التشبه بالكفار عبدة الشمس، أو لكون الزوال وقت غضب.\r-------------------------------\r(1) التعبير به أولى من التعبير بوقت الزوال؛ لأن وقت الزوال لا تكره فيه الصلاة إجماعاً؛ لأن زوال الشمس يحدث عقب انتصاف النهار.","part":1,"page":594},{"id":596,"text":"وأما حكمة النهي عن النوافل بعد الصبح وبعد العصر فهي ليست لمعنى في الوقت، وإنما الوقت كالمشغول حكماً بفرض الوقت، وهو أفضل من النفل الحقيقي.\rوأما نوع الحكم المستفاد من النهي:\rفهو حرمة النافلة عند الحنابلة في الأوقات الخمسة،وعند المالكية في الأوقات الثلاثة،والكراهة التنزيهية في الوقتين الآخرين.\rوالكراهة التحريمية عند الحنفية في الأوقات الخمسة، وهو المعتمد عند الشافعية (1) في الأوقات الثلاثة، والكراهة التنزيهية في مشهور مذهب الشافعية في الوقتين الآخرين.\rوالحرمة أو الكراهة التحريمية (2) تقتضي عدم انعقاد الصلاة على الخلاف الآتي.\rوأما نوع الصلاة المكروهة ففيها خلاف بين الفقهاء.\rأولاً ـ الأوقات الثلاثة ( الشروق والغروب والاستواء ) قال الحنفية (3) : يكره تحريماً فيها كل صلاة مطلقاً، فرضاً أو نفلاً، أو واجباً،ولو قضاء لشيء واجب في الذمة، أو صلاة جنازة أو سجدة تلاوة أو سهو، إلا يوم الجمعة على المعتمد المصحح، وإلا فرض عصر اليوم أداء.\r-------------------------------\r(1) مراقي الفلاح: ص31، الدر المختار:343/1، الشرح الصغير:241/1، مغني المحتاج:128/1، حاشية الباجوري:196/1، كشاف القناع:528/1، المغني:107/1 وما بعدها.\r(2) بالرغم من أن كلاً من الحرام والمكروه تحريماً يقتضي الإثم، إلا أن الحرام: هو ما ثبت بدليل قطعي لا يحتمل التأويل من كتاب أو سنة أو إجماع أو قياس. وكراهة التحريم: ما ثبتت بدليل يحتمل التأويل.\r(3) فتح القدير مع العناية:161/1-166، مراقي الفلاح: ص31، الدر المختار:1/343-349.","part":1,"page":595},{"id":597,"text":"والكراهة تقتضي عدم انعقاد الفرض وما يلحق به من الواجب كالوتر، وينعقد النفل بالشروع فيه مع كراهة التحريم، فإن طرأ الوقت المكروه على صلاة شرع فيها فتبطل إلا صلاة جنازة حضرت فيها، وسجدة تليت آيتها فيها، وعصر يومه، والنفل والنذر المقيد بها، وقضاء ما شرع به فيها ثم أفسده، فتنعقد هذه الستة بلا كراهة أصلاً، في الأولى منها، ومع الكراهة التنزيهية في الثانية، والتحريمية في البواقي.\rودليلهم عموم النهي عن الصلاة في هذه الأوقات. وأما عدم صحة القضاء؛ فلأن الفريضة وجبت كاملة فلا تتأدى بالناقص.\rولا يصح أداء فجر اليوم عند الشروق، لوجوبه في وقت كامل فيبطل في وقت الفساد، إلا العوام فلا يمنعون من ذلك؛ لأنهم يتركونها، والأداء الجائز عند البعض أولى من الترك.\rويصح أداء العصر مع الكراهة التحريمية، لحديث أبي هريرة: «من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر» (1) .\rويصح مع الكراهة التنزيهية أداء سجدة التلاوة المقروءة في وقت النهي أو أداء صلاة منذورة فيه أو نافلة شرع بأدائها فيه، لوجوبها في هذا الوقت. كذلك تصح صلاة الجنازة إذا حضرت في وقت مكروه لحديث الترمذي: «يا علي ثلاثة لا تؤخرها: الصلاة إذا أتت، والجنازة إذا حضرت، والأيّم إذا وجدت لها كفؤاً» .\r-------------------------------\r(1) رواه الجماعة بلفظ «من أدرك من الصبح ركعة قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح، ومن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس، فقد أدرك العصر» (نيل الأوطار:21/2)","part":1,"page":596},{"id":598,"text":"وقد رد الحنفية على التفرقة بين العصر والصبح مع أن هذا الحديث يسوي بينهما: بأن التعارض لما وقع بينه وبين النهي عن الصلاة في الأوقات الثلاثة، رجعنا إلى القياس، كما هو حكم التعارض، فرجحنا حكم هذا الحديث في صلاة العصر، وحكم النهي في صلاة الفجر( رد المحتار:346/1) والحق أن هذه التفرقة لدي غير مقبولة، لأنه يلزم عليها العمل ببعض الحديث وترك بعضه. ودليل المصحح المعتمد، وهو قول أبي يوسف، في إباحة النفل يوم الجمعة وقت الزوال: هو حديث أبي هريرة في مسند الشافعي رحمه الله: «أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم نهى عن الصلاة نصف النهار حتى تزول الشمس إلا يوم الجمعة» (1) .\rثانياً ـ الوقتان الآخران (بعد صلاتي الفجر والعصر): يكره تحريماً أيضاً التنفل فيهما، ولو بسنة الصبح أو العصر إذا لم يؤدها قبل الفريضة أو بتحية مسجد، أو منذور، وركعتي طواف، وسجدتي سهو، وصلاة جنازة؛ لأن الكراهة كانت لشغل الوقت بصاحب الفريضة الأصلية، فإذا أديت لم تبق كراهة بشغله بفرض آخر أو واجب لعينه، لكن عدم الكراهة في القضاء بما بعد العصر مقيد بما قبل تغير الشمس، أما بعده فلا يجوز فيه القضاء أيضاً، وإن كان قبل أن يصلي العصر.\rوقال المالكية (2) :\rيحرم النفل لا الفرض في الأوقات الثلاثة، ويجوز قضاء الفرائض الفائتة فيها وفي غيرها، ومن النفل عندهم: صلاة الجنازة، والنفل المنذور، والنفل المفسد، وسجود السهو البعدي، لأن ذلك كله سنة، عملاً بمقتضى النهي السابق الثابت في السنة.\rويكره تنزيهاً النفل في الوقتين الآخرين (بعد طلوع الفجر وبعد أداء العصر) إلى أن ترتفع الشمس بعد طلوعها قدر رمح (3) ، وإلى أن تصلي المغرب، إلا صلاة الجنازة وسجود التلاوة بعد صلاة الصبح قبل إسفار الصبح، وما بعد العصر قبل\r-------------------------------\r(1) لكن سنده ضعيف (سبل السلام:113/1).\r(2) الشرح الصغير:241/1 ومابعدها، القوانين الفقهية: ص46، الشرح الكبير:186/1 ومابعدها.\r(3) المقصود رمح من رماح العرب، ،وقدره اثنا عشر شبر بشبر متوسط.","part":1,"page":597},{"id":599,"text":"اصفرار الشمس فلا يكره بل يندب، وإلا ركعتي الفجر، فلا يكرهان بعد طلوع الفجر، لأنهما رغيبة كما سيأتي.\rويقطع المتنفل صلاته وجوباً إن أحرم بوقت تحرم فيه الصلاة، وندباً إن أحرم بوقت كراهة، ولا قضاء عليه.\rوقال الشافعية (1) :\rتكره صلاة النافلة تحريماً على المعتمد في الأوقات الثلاثة، وتنزيهاً (2) في الوقتين الآخرين. ولا تنعقد الصلاة في الحالتين؛ لأن النهي إذا رجع لذات العبادة أو لازمها اقتضى الفساد، سواء أكان للتحريم أم للتنزيه. ويأثم الفاعل في الحالتين أيضاً؛ لأن الكراهة التنزيهية وإن كانت لا تقتضي الإثم عموماً، لكنها في هذه الحالة يأثم بها المصلي، بسبب التلبس بعبادة فاسدة. ويعزر من صلى في الأوقات المنهي عنها.\rواستثنى الشافعية حالات لا كراهة فيها وهي ما يأتي:\r1ً - يوم الجمعة: لا تكره الصلاة عند الاستواء يوم الجمعة، لاستثنائه في خبر البيهقي عن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة قالا: «كان رسول الله صلّى الله عليه وسلم ينهى عن الصلاة نصف النهار إلا يوم الجمعة» (3) وخبر أبي داود عن أبي قتادة نحوه، ولفظه: «وكره النبي صلّى الله عليه وسلم الصلاة نصف النهار إلا يوم الجمعة، وقال: إن جهنم تسجر إلا يوم الجمعة» (4) .\r-------------------------------\r(1) مغني المحتاج: 128/1 ومابعدها، حاشية الباجوري: 196/1 ومابعدها.\r(2) الفرق بين كراهة التحريم وكراهة التنزيه: أن الأولى تقتضي الإثم، والثانية لاتقتضيه.\r(3) لكنه ضعيف (سبل السلام:113/1 ومابعدها).\r(4) قال أبو داود: إنه مرسل، وفيه ليث بن أبي سليم، وهو ضعيف، إلا أنه أيده فعل أصحاب النبي صلّى الله عليه وسلم، فإنهم كانوا يصلون نصف النهار يوم الجمعة، ولأنه صلّى الله عليه وسلم حث على التبكير إليها، ثم رغب في الصلاة إلى خروج الإمام من غير تخصيص ولا استثناء (سبل السلام: 114/1).","part":1,"page":598},{"id":600,"text":"والأصح عندهم جواز الصلاة في هذا الوقت، سواء أحضر إلى الجمعة أم لا.\r2ً - حرم مكة: الصحيح أنه لا تكره الصلاة في هذه الأوقات في حرم مكة لخبر جبير بن مطعم قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم : «يا بني عبد مناف، لا تمنعوا أحداً طاف بهذا البيت، وصلى أية ساعة شاء من ليل أو نهار» (1) ولما فيه من زيادة فضل الصلاة فلا تكره بحال، لكنها خلاف الأولى خروجاً من الخلاف.\r3ً - الصلاة ذات السبب غير المتأخر، كفائتة، وكسوف، وتحية مسجد، وسنة الوضوء وسجدة شكر؛ لأن الفائتة وتحية المسجد وركعتي الوضوء لها سبب متقدم، وأما الكسوف وصلاة الاستسقاء وصلاة الجنازة وركعتا الطواف فلها سبب متقدم، وأما الكسوف وصلاة الاستسقاء وصلاة الجنازة وركعتا الطواف فلها سبب مقارن. والفائتة فرضاً أو نفلاً تقضى في أي وقت بنص الحديث: «من نام عن صلاة أو نسيها، فليصلها إذا ذكرها» (2) وخبر الصحيحين «أنه صلّى الله عليه وسلم صلى بعد العصر ركعتين، وقال: هما اللتان بعد الظهر» والكسوف وتحية المسجد ونحوهما معرضان للفوات، وفي الصحيحين عن أبي هريرة «أنه صلّى الله عليه وسلم قال لبلال: حدثني بأرجى عمل عملته في الإسلام، فإني سمعت دَفَّ نعليك (3) بين يدي في الجنة؟ قال: ما عملت عملاً أرجى عندي من أني لم أتطهر طهوراً في ساعة من ليل أو نهار، إلا صليت بذلك الطهور ما كتب الله لي أن أصلي» .\r-------------------------------\r(1) رواه الخمسة وصححه الترمذي وابن حبان، وأخرجه الشافعي والدارقطني وابن خزيمة والحاكم أيضاً (المصدر السابق).\r(2) متفق عليه.\r(3) الدَّف: صوت النعل وحركته على الأرض والمراد: تحريكه كما قال البخاري في صحيحه (386/1 ط البغا ).","part":1,"page":599},{"id":601,"text":"وفي سجدة الشكر: ورد في الصحيحين أيضاً توبة كعب بن مالك: «أنه سجد سجدة للشكر بعد صلاة الصبح قبل طلوع الشمس» .\rأما ما له سبب متأخر كركعتي الاستخارة والإحرام: فإنه لا ينعقد، كالصلاة التي لا سبب لها.\rوقال الحنابلة (1) :\rيجوز قضاء الفرائض الفائتة في جميع أوقات النهي وغيرها، لعموم الحديث السابق: «من نام عن صلاة أو نسيها، فليصلها إذا ذكرها» ولحديث أبي قتادة: «ليس في النوم تفريط، وإنما التفريط في اليقظة، فإذا نسي أحدكم صلاة أو نام عنها فليصلها إذا ذكرها» (2) .\rولو طلعت الشمس وهو في صلاة الصبح أتمها، خلافاً للحنفية، للحديث السابق: «إذا أدرك سجدة من صلاة الصبح قبل أن تطلع الشمس، فليتم صلاته» .\rويجوز فعل الصلاة المنذورة في وقت النهي، ولو كان نذرها فيه، خلافاً للحنفية؛ لأنها صلاة واجبة، فأشبهت الفريضة الفائتة وصلاة الجنازة.\rويجوز فعل ركعتي الطواف، للحديث السابق عند الشافعية: «يا بني عبد مناف، لا تمنعوا أحداً طاف بهذا البيت وصلى في أي ساعة شاء من ليل أو نهار» .\rوتجوز صلاة الجنازة في الوقتين (بعد الصبح وبعد العصر) وهو رأي جمهور الفقهاء، ولا تجوز صلاة الجنازة في الأوقات الثلاثة (الشروق والغروب والاستواء) إلا أن يخاف عليها فتجوز مطلقاً للضرورة، ودليلهم على المنع قول\r-------------------------------\r(1) المغني:107/2-122، كشاف القناع:528/1-531.\r(2) رواه النسائي والترمذي وصححه، وأبو داود (نيل الأوطار:27/2). عقبة بن عامر السابق: «ثلاث ساعات كان رسول الله صلّى الله عليه وسلم ينهانا أن نصلي فيهن، وأن نقبر فيهن موتانا» .","part":1,"page":600},{"id":602,"text":"وتجوز إعادة جماعة في أي وقت من أوقات النهي بشرط أن تقام وهو في المسجد، أو يدخل المسجد وهم يصلون، سواء أكان صلى جماعة أم وحده، لما روى يزيد بن الأسود، قال: «صليت مع النبي صلّى الله عليه وسلم صلاة الفجر، فلما قضى صلاته، إذا هو برجلين لم يصليا معه، فقال: ما منعكما أن تصليا معنا؟ فقالا: يا رسول الله، قد صلينا في رحالنا، فقال: لا تفعلا، إذا صليتما في رحالكما، ثم أتيتما مسجد جماعة، فصلِّيا معهم، فإنها لكم نافلة» (1) وهذ نص في الفجر، وبقية الأوقات مثله، ولأنه متى لم يعد لحقته تهمة في حق الإمام.\rويحرم التطوع بغير الصلوات المستثناة السابقة في شيء من الأوقات الخمسة، للأحاديث المتقدمة، سواء أكان التطوع مما له سبب كسجود تلاوة وشكر وسنة راتبة كسنة الصبح إذا صلاها بعد صلاة الصبح، أو بعد العصر، وكصلاة الكسوف والاستسقاء وتحية المسجد وسنة الوضوء، أم ليس له سبب كصلاة الاستخارة، لعموم النهي، وإنما ترجح عمومها على أحاديث التحية وغيرها، لأنها حاظرة وتلك مبيحة، والحاظر مقدم على المبيح، وأما الصلاة بعد العصر فمن خصائصه صلّى الله عليه وسلم . لكن تجوز فقط تحية المسجد يوم الجمعة إذا دخل والإمام يخطب، فيركعهما، للحديث السابق «أن النبي صلّى الله عليه وسلم نهى عن الصلاة نصف النهار إلا يوم الجمعة» .\rويجوز في الصحيح قضاء السنن الراتبة بعد العصر؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلم فعله، فإنه قضى الركعتين اللتين بعد الظهر بعد العصر في حديث أم سلمة.\r-------------------------------\r(1) رواه أبو داود والترمذي وقال: حديث حسن صحيح.","part":1,"page":601},{"id":603,"text":"والصحيح في الركعتين قبل العصر أنها لا تقضى، لما روت عائشة «أن النبيصلّى الله عليه وسلم صلاهما، فقلت له: أتقضيهما إذا فاتتا؟ قال: لا» (1) ويجوز قضاء سنة الفجر بعد صلاة الفجر، إلا أن أحمد اختار أن يقضيهما من الضحى خروجاً من الخلاف.\rوالمشهور في المذهب أنه لا يجوز قضاء السنن في سائر أوقات النهي.\rولا فرق بين مكة وغيرها في المنع من التطوع في أوقات النهي، لعموم النهي.\rكما لا فرق في وقت الزوال بين الجمعة وغيرها، ولا بين الشتاء والصيف، لعموم الأحاديث في النهي.\rكراهة التنفل في أوقات أخرى:\rكره الحنفية والمالكية التنفل في أوقات أخرى هي ما يأتي (2) ، علماً بأن الكراهة تحريمية عند الحنفية في كل ما يذكر هنا:\r1 ً - ما بعد طلوع الفجر قبل صلاة الصبح:\rقال الحنفية: يكره تحريماً التنفل حينئذ بأكثر من سنة الفجر، وقال بعض الشافعية بكراهة التنزيه في هذا الوقت، والمشهور في المذهب خلافه، كما أن الصحيح عند الحنابلة جواز التنفل في هذا الوقت؛ لأن أحاديث النهي الصحيحة ليست صريحة في النهي قبل صلاة الفجر، وإنما فيه حديث ابن عمر، وهو غريب، فيجوز بناء عليه صلاة الوتر قبل الفجر.\rوقال المالكية: يكره تنزيهاً الصلاة تطوعاً بعد الفجر قبل الصبح، ويجوز فيه قضاء الفوائت وركعتا الفجر، والوتر، والوِرْد، أي ما وظفه من الصلاة ليلاً على نفسه.\r\r-------------------------------\r(1) رواه ابن النجار في الجزء الخامس من حديثه.\r(2) الدر المختار:349/1-351، مراقي الفلاح: ص31، فتح القدير:166/1، القوانين الفقهية: ص46، الشرح الكبير: 187/1، الشرح الصغير:242/1 ومابعدها، 511، 513، 531، مغني المحتاج:129/1 ومابعدها، 313، المحلي على المنهاج مع قليوبي وعميرة:119/1، الحضرمية:32 ومابعدها، المغني:116/2-119، 129، 135، 387، كشاف القناع:47/2، 63.","part":1,"page":602},{"id":604,"text":"ودليل الحنفية والمالكية على الكراهة حديث ابن عمر: «لا صلاة بعد الفجر إلا الركعتين قبل صلاة الفجر» (1) .\r2 ً - ما قبل صلاة المغرب:\rيكره التنفل عند الحنفية والمالكية قبل صلاة المغرب، للعمومات الواردة في تعجيل المغرب، منها حديث سلمة بن الأكوع: «أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم كان يصلي المغرب إذا غَرَبَتْ الشمس وتوارت بالحجاب» (2) وحديث عقبة بن عامر: «لا تزال أمتي بخير أو على الفطرة، ما لم يؤخروا المغرب حتى تشتبك النجوم» (3) والتنفل يؤدي إلى تأخير المغرب، والمبادرة إلى أداء المغرب مستحبة.\rوقال الشافعية على المشهور: يستحب صلاة ركعتين قبل المغرب، وهي سنة غير مؤكدة، وقال الحنابلة: إنهما جائزتان وليستا سنة، ودليلهم: ما أخرجه ابن حبان من حديث عبد الله بن مغفل «أن النبي صلّى الله عليه وسلم صلى قبل المغرب ركعتين» وقال أنس : «كنا نصلي على عهد رسول الله صلّى الله عليه وسلم ركعتين بعد غروب الشمس قبل صلاة المغرب» (4) وعن عبد الله بن مُغَفَّل أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم قال: «صلوا قبل المغرب ركعتين، ثم قال: صلوا قبل المغرب ركعتين، ثم قال عند الثالثة: لمن شاء كراهية أن يتخذها الناس سنة» (5) .\rقال الشوكاني: والحق أن الأحاديث الواردة بشرعية الركعتين قبل المغرب مخصصة لعموم أدلة استحباب التعجيل.\r3 ً - أثناء خطبة الإمام في الجمعة والعيد والحج والنكاح والكسوف والاستسقاء :\r-------------------------------\r(1) رواه الطبراني في معجمه الوسط، لكن تفرد به عبد الله بن خراش، فهو غريب كما قال الترمذي، ورواه الدارقطني بلفظ: «ليبلغ شاهدكم غائبكم أن لا صلاة بعد الفجر إلا ركعتين» . وفيه شخص مختلف فيه، ورواه أبو داود والترمذي بلفظ: «لا صلاة بعد الفجر إلا سجدتين» لكنه حديث غريب (نصب الراية:255/1 ومابعدها).\r(2) رواه الجماعة إلا النسائي (نيل الأوطار: 2/2 ).\r(3) رواه أحمد وأبو داود والحاكم (المصدر السابق: 3/2).\r(4) رواه مسلم وأبو داود (المصدر السابق:6/2)\r(5) رواه أحمد والبخاري وأبو داود. وفي رواية «بين كل أذانين صلاة، بين كل أذانين صلاة، ثم قال في الثالثة، لمن شاء» رواه الجماعة (المصدر السابق: ص7).","part":1,"page":603},{"id":605,"text":"يكره لدى الحنفية والمالكية التنفل عند خروج الخطيب حتى يفرغ من الصلاة، لحديث أبي هريرة: «إذا قلت لصاحبك يوم الجمعة: أنصت، والإمام يخطب فقد لغوت» (1) ، وأضاف المالكية أنه يكره التنفل بعد صلاة الجمعة أيضاً إلى أن ينصرف الناس من المسجد.\rوكذلك يكره التنفل تنزيهاً في هذه الحالة عند الشافعية والحنابلة إلا تحية المسجد إن لم يخش فوات تكبيرة الإحرام، ويجب عليه أن يخففهما بأن يقتصر على الواجبات، فإن لم يكن صلى سنة الجمعة القبلية نواها مع التحية إذ لا يجوز له الزيادة على ركعتين، ولا تنعقد صلاة غير التحية عند الشافعية. ودليلهم خبر الصحيحين: «إذا دخل أحدكم المسجد، فلا يجلس حتى يصلي ركعتين» فهو مخصص لخبر النهي. وروى جابر، قال: «جاء سُلَيك الغطفاني، ورسول الله صلّى الله عليه وسلم يخطب، فقال: ياسليك قم، فاركع ركعتين، وتجوَّز فيهما» (2) أي خفف فيهما.\r4 ً - ما قبل العيد وبعده:\rيكره التنفل عند الحنفية والمالكية والحنابلة قبل صلاة العيد وبعده، لحديث أبي سعيد الخدري قال: «كان النبي صلّى الله عليه وسلم لا يصلي قبل العيد شيئاً، فإذا رجع إلى منزله، صلى ركعتين» (3) وأضاف الحنابلة: لا بأس بالتنفل إذا خرج من المصلى.\rوالكراهة عند الحنفية والحنابلة سواء للإمام والمأموم، وسواء أكان في المسجد أم المصلى، وأما عند المالكية فالكراهة في حال أدائها في المصلى لا في المسجد.\r-------------------------------\r(1) رواه الجماعة إلا ابن ماجه (سبل السلام:50/2).\r(2) رواه مسلم. ورواية البخاري: «دخل رجل يوم الجمعة والنبي صلّى الله عليه وسلم يخطب، فقال: صَلَّيْتَ؟ قال: لا، قال: قم فصل ركعتين» (سبل السلام:51/2).\r(3) رواه ابن ماجه بإسناد حسن (سبل السلام:67/2) وأخرجه أيضاً الحاكم وأحمد، روى الترمذي عن ابن عمر نحوه.","part":1,"page":604},{"id":606,"text":"وقال الشافعية: يكره التنفل للإمام قبل العيد وبعده، لاشتغاله بغير الأهم، ولمخالفته فعل النبي صلّى الله عليه وسلم ، فقد روى ابن عباس رضي الله عنهما: «أن النبي صلّى الله عليه وسلم صلى يوم العيد ركعتين لم يصلّ قبلها ولا بعدها» (1) .\rولا يكره النفل قبل العيد بعد ارتفاع الشمس لغير الإمام، لانتفاء الأسباب المقتضية للكراهة، كذلك لا يكره النفل بعد العيد إن كان لا يسمع الخطبة، فإن كان يسمع الخطبة كره له.\r5 ً - عند إقامة الصلاة المكتوبة :\rقال الحنفية: يكره تحريماً التطوع عند إقامة الصلاة المفروضة، لحديث: «إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة» (2) إلا سنة الفجر إن لم يخف فوت جماعة الفرض ولو بإدراك تشهده، فإن خاف تركها أصلاً، فيجوز الإتيان بسنة الفجر عند الإقامة، لشدة تأكدها، والحث عليها، ومواظبة النبي صلّى الله عليه وسلم عليها، قال عليه السلام: «ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها» (3) وقالت عائشة: «لم يكن النبي صلّى الله عليه وسلم على شيء من النوافل أشدَّ تعاهداً منه على ركعتي الفجر» (4) . وروى الطحاوي وغيره عن ابن مسعود: «أنه دخل المسجد، وأقيمت الصلاة، فصلى ركعتي الفجر في المسجد إلى أسطوانة» .\rوكذلك يكره التطوع عند ضيق وقت المكتوبة، لتفويته الفرض عن وقته.\rوقال الشافعي والجمهور (5) : يكره افتتاح نافلة بعد إقامة الصلاة، سواء أكانت راتبة كسنة الصبح والظهر والعصر، أم غيرها كتحية المسجد.\r-------------------------------\r(1) أخرجه السبعة (سبل السلام:66/2).\r(2) رواه مسلم وأصحاب السنن الأربعة عن أبي هريرة، وهو صحيح.\r(3) رواه مسلم وأحمد والترمذي والنسائي عن عائشة، وهو صحيح (نيل الأوطار:19/3).\r(4) متفق عليه (سبل السلام: 4/2).\r(5) شرح مسلم للنووي: 221/5 ومابعدها، المجموع:273/3،550، المغني:456/1.","part":1,"page":605},{"id":607,"text":"وقد عنون النووي لهذا البحث بقوله: «باب كراهة الشروع في نافلة بعد شروع المؤذن في إقامة الصلاة، سواء السنة الراتبة كسنة الصبح والظهر وغيرها، سواء علم أنه يدرك الركعة مع الإمام أم لا» ودليل الجمهور على كراهة افتتاح النافلة: قوله صلّى الله عليه وسلم : «إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة» وفي الرواية الأخرى: «أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم مر برجل يصلي، وقد أقيمت صلاة الصبح، فقال: يوشك أن يصلي أحدكم الصبح أربعاً» ومعناه أنه لا يشرع بعد الإقامة للصبح إلا الفريضة (1) ،فإذا صلى ركعتين نافلة بعد الإقامة، ثم صلى معهم الفريضة، صار في معنى «من صلى الصبح أربعاً» لأنه صلى بعد الإقامة أربعاً.\rوالصحيح في حكمة النهي عن صلاة النافلة بعد الإقامة: أن يتفرغ للفريضة من أولها، فيشرع فيها عقب شروع الإمام، وإذا اشتغل بنافلة فاته الإحرام مع الإمام، وفاته بعض مكملات الفريضة، فالفريضة أولى بالمحافظة على إكمالها. وفيه حكمة أخرى هو النهي عن الاختلاف على الأئمة.\rإلا أن الإمام مالك قال: إن لم يخف فوات الركعة ركعهما خارج المسجد.\r-------------------------------\r(1) وفي هذا الرد على الحنفية الذين أجازوا الشروع في صلاة ركعتي سنة الصبح بعد الإقامة في المسجد إن لم يكن صلاهما.","part":1,"page":606},{"id":608,"text":"الفَصْلُ الثَّالث: الأذان والإقامة\rأولاً ـ معنى الأذان، ومشروعيته وفضله، حكمه، شروطه، كيفيته، سننه ومكروهاته، إجابة المؤذن، ما يستحب بعد الأذان.\rثانياً ـ صفة الإقامة أو كيفيتها، وأحكامها\rأولاً ـ الأذان:\rمعنى الأذان:\rالأذان لغة: الإعلام، ومنه قوله تعالى: { وأذان من الله ورسوله إلى الناس} [التوبة:9/3]، أي إعلام { وأذِّن في الناس بالحج } [الحج:22/27] أي أعلمهم.\rوشرعاً: قول مخصوص يعلم به وقت الصلاة المفروضة (1) . أو هو الإعلام بوقت الصلاة بألفاظ مخصوصة (2) .\rمشروعيته وفضله:\rدل القرآن والسنة والإجماع على شرعية الأذان؛ لأن فيه فضلاً كثيراً وأجراً عظيماً.\rفمن القرآن: قوله تعالى: {وإذا ناديتم إلى الصلاة...} [المائدة:5/58].\rومن السنة: أحاديث كثيرة، منها خبر الصحيحين: «إذا حضرت الصلاة، فليؤذن لكم أحدكم، وليؤمّكم أكبركم» (3) ، ودل حديث عبد الله بن زيد على كيفية الأذان المعروف بالرؤيا التي أيده فيها عمر بن الخطاب في حديث طويل، فقال النبي صلّى الله عليه وسلم : «إنها لرؤيا حق إن شاء الله، فقم مع بلال فألق عليه ما رأيت، فإنه أندى صوتاً منك» (4) .\rوليس مستند الأذان الرؤيا فقط، بل وافقها نزول الوحي، فقد روى البزار: «أن النبي صلّى الله عليه وسلم أُري ليلة الإسراء، وأسمعه مشاهدة فوق سبع سموات، ثم قدّمه جبريل، فأمَّ أهل السماء، وفيهم آدم ونوح عليهم أفضل الصلاة والسلام، فأكمل له الله الشرف على أهل السموات والأرض ، لكنه حديث غريب، والخبر الصحيح أن بدء الأذان كان بالمدينة كما أخرجه مسلم عن ابن عمر (5) . وعلى هذا كانت رؤيا الأذان في السنة الأولى من الهجرة، وأيده النبي صلّى الله عليه وسلم .\r-------------------------------\r(1) مغني المحتاج:133/1.\r(2) نيل الأوطار:31/2، اللباب شرح الكتاب:62/1، كشاف القناع:266/1.\r(3) من رواية مالك بن الحويرث (نيل الأوطار:32/2).\r(4) رواه أحمد وأبو داود (نيل الأوطار:35/2 ومابعدها).\r(5) انظر نصب الراية:260/1 ومابعدها.","part":1,"page":607},{"id":609,"text":"وفي الأذان ثواب كبير، بدليل قوله صلّى الله عليه وسلم : «لو يعلم الناس ما في النداء، والصف الأول، ثم لم يجدوا إلا أن يَسْتهموا عليه، لا ستهموا عليه» (1) وقوله عليه السلام: «إذا كنت في غنمك أو باديتك، فأذنت بالصلاة،فارفع صوتك بالنداء، فإنه لا يسمع صوت المؤذن جن ولا إنس ولا شيء، إلا شهد له يوم القيامة» (2) .\rوفي حديث آخر: «المؤذنون أطول الناس أعناقاً يوم القيامة» (3) .\rواعتبر الأذان مع الإقامة عند الشافعي في الأصح والحنابلة أفضل من الإمامة، لقوله تعالى: {ومن أحسن قولاً ممن دعا إلى الله وعمل صالحاً} [فصلت:33/41] قالت عائشة: هم المؤذنون، وللأخبار السابقة في فضيلته، ولقوله عليه الصلاة والسلام: «الإمام ضامن، والمؤذن مؤتمن، اللهم أرشد الأئمة، واغفر للمؤذنين» (4) والأمانة أعلى من الضمان، والمغفرة أعلى من الإرشاد، ولم يتوله النبي صلّى الله عليه وسلم ولا خلفاؤه لضيق وقتهم عنه (5) .\rوقال الحنفية: الإقامة والإمامة أفضل من الأذان؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلم وخلفاءه تولوا الإمامة، ولم يتولوا الأذان.\rحكم الأذان :\rالأذان والإقامة عند الجمهور (6) (غير الحنابلة) ومنهم الخرقي الحنبلي: سنة مؤكدة للرجال جماعة في كل مسجد للصلوات الخمس والجمعة، دون غيرها، كالعيد والكسوف والتراويح وصلاة الجنازة، ويقال فيها عند أدائها جماعة: «الصلاة جامعة» لما روى البخاري ومسلم عن عبد الله بن عمرو وقال: «لما انكسفت الشمس على عهد رسول الله صلّى الله عليه وسلم ، نودي: الصلاة جامعةٌ»\r-------------------------------\r(1) متفق عليه عن أبي هريرة، والنداء: هو الأذان، والصف الأول: يراد به المبادرة إلى الجماعة، والاستهام: الاقتراع.\r(2) أخرجه البخاري عن أبي سعيد الخدري.\r(3) رواه مسلم وأحمد وابن ماجه عن معاوية (نيل الأوطار:33/2) وروى ابن ماجه عن ابن عباس مرفوعاً: «من أذن سبع سنين محتسباً، كتبت له براءة من النار» .\r(4) رواه الشافعي وأحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن حبان وابن خزيمة عن أبي هريرة (المصدر السابق) وروى الحاكم بإسناد صحيح: « إن خيار عباد الله الذين يراعون الشمس والقمر والنجوم والأظلة لذكر الله » .\r(5) المغني:403/1، كشاف القناع:267/1، مغني المحتاج:138/1.\r(6) فتح القدير:167/1،172،178، الدر المختار:356/1، البدائع:146/1 ومابعدها، اللباب:62/1-63، الشرح الصغير:133/1 ومابعدها، المهذب:55/1، بداية المجتهد: 103/1، نهاية المحتاج:300/1، المجموع:82/3، 131.","part":1,"page":608},{"id":610,"text":"أما الأذان والإقامة، فلأن المقصود منهما الإعلام بدخول وقت الصلاة المفروضة، والقيام إليها. ولاتسن للنافلة والمنذورة. ودليلهم على السنية الحديث السابق: «لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول، لاستهموا عليه» ولأنه صلّى الله عليه وسلم لم يأمر بهما في حديث الأعرابي، مع ذكر الوضوء والاستقبال وأركان الصلاة. وبناء عليه: لم يأثم أهل بلدة بالاجتماع على ترك الأذان إذا قام به غيرهم ولم يضربوا ولم يحبسوا.\rوأضاف الشافعية والمالكية أنه يستحب الإقامة وحدها لا الأذان للمرأة أو جماعة النساء، منعاً من خوف الفتنة برفع المرأة الصوت به. وقال الحنفية: إنه تكره الإقامة كالأذان للنساء؛ لما روي عن أنس وابن عمر من كراهتها لهن، ولأن مبنى حالهن على الستر، ورفع صوتهن حرام.","part":1,"page":609},{"id":611,"text":"الأذان للفائتة وللمنفرد:\rالمعتمد عند الشافعي: أنه يستحب أيضاً الأذان والإقامة للمنفرد أيضاً أداء أو قضاء بالرغم من سماع أذان الحي أو المسجد، ويرفع صوته بالأذان إلا إذا كان بمسجد وقعت فيه جماعة، لئلا يتوهم السامعون دخول وقت صلاة أخرى، والأذان للفائتة هو المذهب القديم للشافعي وهو الأظهر كما أبان النووي، لما ورد في فضل الأذان من الأحاديث السابقة، ومنها ما رواه البخاري عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صًعْصعة: «أن أبا سعيد الخدري قال له: إني أراك تحب الغنم والبادية، فإذا كنت في غنمك أو باديتك، فأذنت للصلاة، فارفع صوتك بالنداء، فإنه لا يسمع مدى صوت المؤذن جن ولا إنس ولا شيء، إلا شهد لك يوم القيامة، سمعته من رسول الله صلّى الله عليه وسلم » (1) . وإن اجتمع على المصلي فوائت، أو جمَع تقديماً أو تأخيراً أذن للأولى وحدها، لما روى البخاري ومسلم عن جابر رضي الله عنه: «أنه صلّى الله عليه وسلم جمع بين المغرب والعشاء بمزدلفة بأذان وإقامتين» والمستحب عند الشافعي أن يكون للجمعة أذان واحد بين يدي الإمام عند المنبر؛ لأنه لم يكن يؤذن يوم الجمعة للنبي صلّى الله عليه وسلم إلا بلال.\r-------------------------------\r(1) رواه أحمد والشافعي ومالك والبخاري والنسائي وابن ماجه (نيل الأوطار:45/2).","part":1,"page":610},{"id":612,"text":"هذا مذهب الشافعية في الفوائت. وقال الحنفية: يؤذن المصلي للفائتة ويقيم؛ لأنها بمنزلة الحاضرة، فإن فاتته صلوات أذن للأولى وأقام، وكان مخيراً في الباقية بعدها: إن شاء أذن وأقام لكل واحدة، وهو أولى؛ لأن ما سن للصلاة في أذانها، سن في قضائها كسائر المسنونات. وإن شاء اقتصر فيما بعد الأولى على الإقامة؛ لأن الأذان للاستحضار، وهم حضور، والأولى الأذان والإقامة لكل فريضة، بدليل حديث ابن مسعود عند أبي يعلى حينما شغل المشركون رسول الله صلّى الله عليه وسلم يوم الأحزاب عن الصلوات: الظهر والعصر والمغرب والعشاء، فأمر النبي بلالاً بالأذان والإقامة لكل صلاة (1) .\rوقال مالك: إنه يقيم ولا يؤذن، لما روى أبو سعيد قال: «حبسنا يوم الخندق عن الصلاة، حتى كان بعد المغرب بهوى من الليل، قال: فدعا رسول الله صلّى الله عليه وسلم بلالاً، فأمره فأقام الظهر فصلاها، ثم أمره فأقام العصر فصلاها» ولأن الأذان للإعلام بالوقت،وقد فات. وعلى هذا قال المالكية: يكره الأذان لفائتة، ولصلاة ذات وقت ضروري (أي المجموعة مع غيرها جمع تقديم أو تأخير) ولصلاة جنازة ونافلة كعيد وكسوف.\rوقيد المالكية سنية الأذان في كل مسجد ولو تلاصقت المساجد: بجماعة طلبت غيرها، سواء في حضر أو سفر، ولا يسن لمنفرد أو جماعة لم تطلب غيرها، بل يكره لهم إن كانوا في حضر. ويندب لمنفرد أو لجماعة لا تطلب غيرها في أثناء السفر، ولو لمسافة دون مسافة القصر (89 كم).\r-------------------------------\r(1) مجمع الزوائد: 4/2 ورواه أحمد والنسائي والترمذي وقال: ليس بإسناده بأس إلا أن أبا عبيدة لم يسمع من عبد الله بن مسعود (نيل الأوطار:60/2).","part":1,"page":611},{"id":613,"text":"أما أكثر الحنابلة (1) فقالوا: الأذان والإقامة فرضا كفاية للصلوات الخمس المؤداة والجمعة دون غيرها، للحديث السابق: «إذا حضرت الصلاة، فليؤذن لكم أحدكم، وليؤمكم أكبركم» والأمر يقتضي الوجوب على أحدهم، وعن أبي الدرداء مرفوعاً: «ما من ثلاثة لا يؤذنون، ولا تقام فيهم الصلاة إلا استحوذ عليهم الشيطان» (2) ، ولأنهما من شعائر الإسلام الظاهرة، فكانا فرضي كفاية كالجهاد، فإذا قام به البعض، سقط عن الباقين، وبناء عليه يقاتل أهل بلد تركوهما.\rويكره ترك الأذان والإقامة للصلوات الخمس، ولا يعيد المصلي.\rويكفي أذان واحد في المصر، ويكتفي بقية المصلين بالإقامة.\rوهو رأي الحنفية والمالكية أيضاً، خلافاً للشافعية كما بينت، ودليلهم أن ابن مسعود وعلقمة والأسود صلوا بغير أذان، قال سفيان: كفتهم إقامة المصر، لكن قال الحنفية: من صلى في بيته في المصر يصلي بأذان وإقامة ليكون الأداء على هيئة الجماعة، وإن تركهما جاز، لقول ابن مسعود: «أذان الحي يكفينا» لكنه غريب كما قال الزيلعي.\rومن فاتته صلوات، أو جمع بين صلاتين في وقت أولاهما: استحب له أن يؤذن للأولى، ثم يقيم لكل صلاة إقامة، وهو موافق لقول الشافعية. ودليلهم على ذلك حديث أبي سعيد المتقدم: «إذا كنت في غنمك..» وحديث أبي قتادة «أنهم كانوا مع النبي صلّى الله عليه وسلم ، فناموا حتى طلعت الشمس، فقال النبي صلّى الله عليه وسلم : يا بلال، قم فأذن الناس بالصلاة»(3).\rومن دخل مسجداً قد صلي فيه، فإن شاء أذن وأقام، لما روى الأثرم وسعيد ابن منصور عن أنس: «أنه دخل مسجداً قد صلوا فيه، فأمر رجلاً فأذن وأقام، فصلى بهم في جماعة» وإن شاء صلى من غير أذان ولا إقامة.\r-------------------------------\r(1) كشاف القناع: 268/1،278، المغني:417/1-422، غاية المنتهى: 87/1.\r(2) رواه أحمد وأبو داود والنسائي والطبراني وابن حبان، والحاكم وقال: صحيح الإسناد (نيل الأوطار:31/2) .\r(3) متفق عليه، ورواه عمران بن حصين أيضاً، قال: «فأمر بلالاً، فأذن فصلينا ركعتين، ثم أمره فأقام، فصلينا» متفق عليه.","part":1,"page":612},{"id":614,"text":"وليس على النساء أذان ولا إقامة، خلافاً للشافعية والمالكية في الإقامة، لما روى النجاد بإسناده عن أسماء بنت بريد، قالت: سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلم يقول: «ليس على النساء أذان ولا إقامة» .\rوالخلاصة: أنه يؤذن للفائتة عند الجمهور، ويكره ذلك عند المالكية، ويسن الأذان للرجال دون النساء، بالاتفاق، وتسن الإقامة للمرأة سراً عند الشافعية والمالكية، وتكره عند الحنفية، ولا تشرع عند الحنابلة. ويكفي عند الجمهور أذان الحي، ولا يكفي عند الشافعية.\rشروط الأذان:\rيشترط في الأذان والإقامة ما يأتي (1) :\r\r1ً - دخول الوقت: فلا يصح الأذان ويحرم باتفاق الفقهاء قبل دخول وقت الصلاة، فإن فعل أعاد في الوقت؛ لأن الأذان للإعلام،وهو قبل دخول الوقت تجهيل. ولذا يحرم الأذان قبل الوقت لما فيه من التلبيس والكذب بالإعلام بدخول الوقت، كما يحرم تكرير الأذان عند الشافعية، وليس منه أذان المؤذنين المعروف في كل مسجد.\r-------------------------------\r(1) الدر المختار:362/1-365، البدائع:149/1 - 151، فتح القدير:170/1،176 ومابعدها، مراقي الفلاح: ص32، اللباب:64/1، الشرح الصغير: 251/1 ومابعدها، القوانين الفقهية: ص47 ومابعدها، بداية المجتهد:104/1 ومابعدها، مغني المحتاج:137/1-139، الحضرمية: ص34، المهذب:55/1، 57، المغني: 409/1، 411، 413-415، 424 ومابعدها، كشاف القناع:271/1-279، غاية المنتهى:87/1، الشرح الكبير مع الدسوقي:194/1 ومابعدها، 198، المهذب: 57/1 ومابعدها، تحفة الطلاب: ص54، المجموع:136/3.","part":1,"page":613},{"id":615,"text":"لكن أجاز الجمهور غير الحنفية، وأبو يوسف: الأذان للصبح بعد نصف الليل، ويندب بالسَّحَر وهو سدس الليل الأخير، ثم يعاد استناناً عند طلوع الفجرالصادق (1) ، لخبر الصحيحين عن عبد الله بن عمرو: «إن بلالاً يؤذن بليل، فكلوا واشربوا حتى تسمعوا أذان ابن أم مكتوم» زاد البخاري: «وكان رجلاً أعمى لا ينادي حتى يقال: أصبحت أصبحت» لكن ينبغي لمن يؤذن قبل الوقت أن يؤذن في وقت واحد في الليالي كلها، منعاً للالتباس على الناس. ويشترط في المرتب (الموظف) للأذان علمه بالمواقيت، أما غير الموظف فلا يشترط علمه بالمواقيت، فمن أذن لنفسه أو لجماعة مرة، أو كان أعمى، صح أذانه إذا علم من غيره دخول الوقت.\r2ً - أن يكون باللغة العربية، فلا يصح بغيرها إن أذن لجماعة، فإن أذن غير العربي لنفسه وهو لا يحسن العربية، جاز عند الشافعية، ولم يجز مطلقاً عند الحنابلة والحنفية لوروده بلسان عربي كالقرآن.\r3ً - يشترط في الأذان والإقامة إسماع بعض الجماعة، وإسماع نفسه إن كان منفرداً.\r-------------------------------\r(1) ما سوى التأذين قبل الفجر ويوم الجمعة من التسبيح والنشيد ورفع الصوت بالدعاء ونحو ذلك في المآذن أو غيرها، فليس بمسنون، وما أحد من العلماء قال: إنه يستحب، بل هو من جملة البدع المكروهة، لأنه لم يكن في عهده صلّى الله عليه وسلم ولا عهد أصحابه، وليس له أصل (كشاف القناع:281/1، غاية المنتهى:91/1).","part":1,"page":614},{"id":616,"text":"4ً - الترتيب والموالاة بين ألفاظ الأذان والإقامة: اتباعاً للسنة كما روى مسلم وغيره، ولأن ترك الموالاة بين كلمات الأذان يخل بالإعلام، فلا يصح الأذان إلا مرتباً، كما لا يصح بغير المتوالي ويعاد غير المرتب وغير المتوالي، ولا يضر فاصل يسير بنوم أو إغماء أو سكوت أو كلام، ويبطل بالردة عند الفقهاء، فإن ارتد بعد انتهاء الأذان لم يبطل. وهذا شرط عند الشافعية والحنابلة. وقال الحنفية والمالكية: يسن ترتيب كلمات الأذان والإقامة، والموالاة بينها، ويصح بغير الترتيب والموالاة، مع الكراهة، والأفضل أن يعيد الأذان والإقامة.\rويرى بعض الحنابلة أن الأذان يبطل بالكلام المحرم ولو يسيراً كالسب ونحوه، وفي وجه آخر لا يبطل كالكلام المباح.\r5ً - كونه من شخص واحد: فلو أذن مؤذن ببعضه، ثم أتمه غيره لم يصح، كما لايصح إذا تناوبه اثنان بحيث يأتي كل واحد بجملة غير التي يأتي بها الآخر؛ لأن الأذان عبادة بدنية، فلا يصح من شخصين يبني أحدهما على الآخر.\rأما اجتماع جماعة على الأذان، بحيث يأتي كل واحد بأذان كامل، فهو صحيح. وأضاف المالكية: أنه يكره اجتماع مؤذنين بحيث يبني بعضهم على ما يقول الآخر. ويكره تعدد الأذان لصلاة واحدة.\rويلاحظ أن أول من أحدث أذانين اثنين معاً هم بنو أمية، والأذان الجماعي غير مكروه كما حقق ابن عابدين.\r6ً - أن يكون المؤذن مسلماً عاقلاً (مميزاً)، رجلاً، فلا يصح أذان الكافر، والمجنون والصبي غير المميز والمغمى عليه والسكران؛ لأنهم ليسوا أهلاً للعبادة، ولا يصح أذان المرأة؛ لحرمة أذانها ولأنه لا يشرع لها الأذان، فلا تصح إمامتها للرجال، ولأنه يفتتن بصوتها؛ ولا يصح أذان الخنثى، لأنه لا يعلم كونه رجلاً.","part":1,"page":615},{"id":617,"text":"وهذا شرط عند المالكية والشافعية والحنابلة. ويقرب منهم مذهب الحنفية، لأنهم قالوا: يكره تحريماً أذان هؤلاء الذين لم تتوافر فيهم هذه الشروط، ويستحب إعادته. وعلى هذا: يسن عند الحنفية: أن يكون المؤذن رجلاً عاقلاً تقياً عالماً بالسنة وبأوقات الصلاة. ولا يشترط عند الجمهور (غير المالكية) البلوغ والعدالة، فيصح أذان الصبي المميز، والفاسق، لكن يستحب أن يكون المؤذن بالغاً أميناً، لأنه مؤتمن يرجع إليه في الصلاة والصيام، فلا يؤمن أن يغرهم أذانه إذا لم يكن كذلك.\rوقال الحنفية: يكره أذان الفاسق ويستحب إعادته.\rوقال المالكية: يشترط العدالة والبلوغ في المؤذن، فلا يصح أذان الفاسق، والصبي المميز إلا إذا اعتمد في دخول الوقت على بالغ.\rواشتراطهم العدالة لحديث ابن عباس: «ليؤذن لكم خياركم، ويؤمكم قراؤكم» (1) .\rولا يشترط النية عند الحنفية، والشافعية في الأصح، لكن يشترط الصرف (أي عدم قصد غير الأذان) فلو قصد به تعليم غيره، لم يعتد به.\rوتشترط النية عند الفقهاء الآخرين، فإن أتى بالألفاظ المخصوصة بدون قصد الأذان لم يصح.\rولا يشترط في الأذان والإقامة عند جمهور الفقهاء: الطهارة، واستقبال القبلة، والقيام، وعدم الكلام في أثنائه، وإنما يندب ذلك، ويكره الأذان عند الجمهور للمحدث، وللجنب أشد كراهة، والإقامة أغلظ، والكراهة تحريمية عند الحنفية بالنسبة للجنب، ويعاد أذانه عندهم وعند الحنابلة، ولا يكره عند الحنفية أذان المحدث على المذهب.\r------------------------------\r(1) رواه أبو داود وابن ماجه والطبراني في معجمه (نصب الراية:279/1)","part":1,"page":616},{"id":618,"text":"ودليل ندب الطهارة حديث: «لا يؤذن إلا متوضئ» (1) . ويكره الأذان قاعداً، مستدبراً القبلة، كما يكره الكلام فيه.\rويسن عند المالكية والحنفية والشافعية والحنابلة أن يتولى الإقامة من تولى الأذان، اتباعاً للسنة (2) ، فإن أقام غير المؤذن جاز؛ لأن بلالاً أذن، وعبد الله بن زيد الذي رأى الأذان في المنام أقام، بأمر النبي صلّى الله عليه وسلم (3) . وبناء على هذه الشروط: يبطل الأذان والإقامة بردة وسكر وإغماء ونوم طويل وجنون وترك كلمة منهما، ووجود فاصل طويل من سكوت أو كلام. والمذهب عند الشافعية أنه إن ارتد في الأذان، ثم رجع إلى الإسلام في الحال، فله أن يبني على أذانه السابق.\rكيفية الأذان أو صيغته:\rاتفق الفقهاء على الصيغة الأصلية للأذان المعروف الوارد بكيفية متواترة من غير زيادة ولا نقصان وهو مثنى مثنى، كما اتفقوا على التثويب، أي الزيادة في أذان الفجر بعد الفلاح وهي(الصلاة خير من النوم) مرتين، عملاً بما ثبت في السنة عن بلال (4) ، ولقوله صلّى الله عليه وسلم لأبي محذورة ـ فيما رواه أحمد وأبو داود ـ «فإذا كان أذان الفجر، فقل : الصلاة خير من النوم مرتين »\rواختلفوا في الترجيع: وهو أن يأتي بالشهادتين سراً قبل أن يأتي بهما جهراً، فأثبته المالكية والشافعية، وأنكره الحنفية والحنابلة، لكن قال الحنابل: لو أتى بالترجيع لم يكره.\r-------------------------------\r(1) رواه الترمذي عن أبي هريرة (نصب الراية:292/1) وهو ضعيف (سبل السلام:129/1).\r(2) روى الترمذي عن زياد بن الحارث الصُدائي ( إن أخا صداء أذن، ومن أذن فهو يقيم» لكنه ضعيف وأخرج الأثرم أن أبا محذورة أذن ثم أقام ( سبل السلام:129/1، المغني:416/1).\r(3) رواه أحمد وأبو داود، لكن قال الحاكم: هذا في متنه ضعف (سبل السلام:129/1، نيل الأوطار:57/2، المغني:415/1-416).\r(4) رواه الطبراني وغيره (نصب الراية:264/1).","part":1,"page":617},{"id":619,"text":"قال الحنفية والحنابلة على المختار (1) : الأذان خمس عشرة كلمة، لا ترجيع فيه، كما جاء في خبرعبد الله بن زيد (2) السبق، وهي: «الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمداً رسول الله، أشهد أن محمداً رسول الله، حي على الصلاة، حي على الصلاة، حي على الفلاح، حي على الفلاح، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله» .\rوذلك ـ كما جاء في البدائع ومراقي الفلاح ـ بجزم الراء في التكبير، وتسكين كلمات الأذان، والإقامة كما قال المالكية. وجاء في الدر المختار: بفتح راء «أكبر» (3) كما قال الشافعية، أي أنه يجمع كل تكبيرتين بنَفَس ويفتح الراء في الأولى في قوله ( الله أكبر الله أكبر) ويسكِّن في الثانية. وقال بعض الشافعية: يسن الوقف على أواخر الكلمات في الأذان؛ لأنه روي موقوفاً.\rوقال المالكية والشافعية (4) : إن كلمات الأذان مشهورة، وعدتها بالترجيع تسع عشرة كلمة، عملاً بالأذان المسنون وهو أذان أبي محذورة (5) ، وفيه الترجيع: أي أن يذكر الشهادتين مرتين مرتين.\rمعاني كلمات الأذان:\rمعنى ألفاظ الأذان: هو أن قوله( الله أكبر ) أي من كل شي، أو أكبر من أن ينسب إليه ما لا يليق بجلاله، أو هو بمعنى كبير.\r-------------------------------\r(1) اللباب شرح الكتاب:62/1 ومابعدها، البدائع:147/1، فتح القدير:167/1 ومابعدها، الدر المختار:358/1 ومابعدها،المغني: 404/1 كشاف القناع:273/1.\r(2) وهو حديث أذان الملك النازل من السماء، رواه أبو داود في سننه (نصب الراية:259/1).\r(3) الأصل إسكان الراء فحركت فتحة الألف من اسم الله تعالى في اللفظة الثانية لسكون الراء قبلها ففتحت.\r(4) الشرح الصغير:248/1-250، القوانين الفقهية: ص47، مغني المحتاج:135/1 ومابعدها، المهذب:55/1 ومابعدها، المجموع: 97/3.\r(5) رواه الجماعة عن أبي محذورة، وفي بعض ألفاظه: علمه الأذان تسع عشرة كلمة، وذكرها بتربيع الشهادتين كتربيع التكبير (نصب الراية:263/1، نيل الأوطار:43/2).","part":1,"page":618},{"id":620,"text":"وقوله:( أشهد ) أي أعلم. وقوله ( حي على الصلاة ) أي أقبلوا إليها، أو أسرعوا. والفلاح: الفوز والبقاء؛ لأن المصلي يدخل الجنة إن شاء الله، فيبقى فيها ويخلَّد. والدعوة إلى الفلاح معناها: هلموا إلى سبب ذلك. وختم بـ (لا إله إلا الله) ليختم بالتوحيد وباسم الله تعالى، كما ابتدأ به (1) .\rسنن الأذان:\rيسن في الأذان ما يأتي (2) :\r1ً - أن يكون المؤذن صيِّتاً (عالي الصوت)، حسن الصوت، يرفع صوته بالأذان، على مكان مرتفع وبقرب المسجد، لقوله صلّى الله عليه وسلم في خبر عبد الله بن زيد المتقدم: «ألقه على بلال، فإنه أندى منك صوتاً» أي أبعد، ولزيادة الإبلاغ، وليرقّ قلب السامع، ويميل إلى الإجابة، ولأن الداعي ينبغي أن يكون حلو المقال، وروى الدارمي وابن خزيمة: أن النبي صلّى الله عليه وسلم أمر عشرين رجلاً، فأذنوا، فأعجبه صوت أبي محذورة، فعلّمه الأذان.\r-------------------------------\r(1) كشاف القناع: 273/1.\r(2) البدائع:149/1-152، الدر المختار: 359/1-361، فتح القدير:170/1-176، اللباب:63/1، مراقي الفلاح: ص32، الشرح الصغير:252/1 ومابعدها، الشرح الكبير:195/1-198، القوانين الفقهية: ص47 ومابعدها، مغني المحتاج:138/1، المهذب:57/1،59، المغني:407/1، 412، 415، 422، 426،429، كشاف القناع:270/1-282، المجموع:105/3-117،126، 129ومابعدها، الحضرمية: ص35.","part":1,"page":619},{"id":621,"text":"أما رفع الصوت: فليكون أبلغ في إعلامه، وأعظم لثوابه، كما ذكر حديث أبي سعيد: «إذا كنت في غنمك..» ولما رواه الخمسة إلا الترمذي عن أبي هريرة أن النبي صلّى الله عليه وسلم قال: «المؤذن يغفر له مدَّ صوته، ويشهد له كل رطب ويابس» ، ولكن لا يجهد نفسه في رفع صوته زيادة على طاقته، لئلا يضر بنفسه، وينقطع صوته. ويسن رفع الصوت بالأذان لمنفرد فوق ما يسمع نفسه، ولمن يؤذن لجماعة فوق ما يسمع واحداً منهم، ويخفض صوته في مصلى أقيمت فيه جماعة.\rوكونه على مرتفع، ليكون أيضاً أبلغ لتأدية صوته، روى أبو داود عن عروة ابن الزبير عن امرأته من بني النجار، قالت: «كان بيتي من أطول بيت حول المسجد، وكان بلال يؤذن عليه الفجر، فيأتي بسحَر ( وهو السدس الأخير من الليل)، فيجلس على البيت ينظر إلى الفجر، فإذا صلى رآه تمطى، ثم قال: اللهم إني أستعينك وأستعديك على قريش: أن يقيموا دينك، قالت: ثم يؤذن» (1) وكونه بقرب المسجد؛ لأنه دعاء إلى الجماعة وهي فيه أفضل (2)\r2ً - أن يؤذن قائماً على حائط أو منارة للإسماع: قال ابن المنذر: أجمع كل من أحفظ عنه من أهل العلم أن السنة أن يؤذن قائماً. وجاء في حديث أبي قتادة أن النبي صلّى الله عليه وسلم قال لبلال: «قم فأذن» (3) ، وكان مؤذنو رسول الله صلّى الله عليه وسلم يؤذنون قياماً. فإن كان له عذر كمرض، أذن قاعداً. كذلك يسن أن يقيم قائماً.\r-------------------------------\r(1) نصب الراية: 292/1.\r(2) وقال ابن سعد بالسند إلى أم زيد بن ثابت: كان بيتي أطول بيت حول المسجد،فكان بلال يؤذن فوقه من أول ماأذن، إلى أن بنى رسول الله صلّى الله عليه وسلم مسجده، فكان يؤذن بعد، على ظهر المسجد، وقد رفع له شيء فوق ظهره.\rوأول من رقى منارة مصر للأذان: شرحبيل بن عامر المرادي. وبنى سلمة المناير للأذان بأمر معاوية، ولم تكن قبل ذلك (رد المحتار:360/1).\r(3) متفق عليه وانظر نصب الراية:292/1.","part":1,"page":620},{"id":622,"text":"3ً - أن يكون المؤذن حراً بالغاً أميناً صالحاً عالماً بأوقات الصلاة، لحديث ابن عباس السابق: «ليؤذن لكم خياركم ويؤمكم قراؤكم» . وهذا سنة عند الجمهور غير المالكية، أما المالكية فيشترطون العدالة، كما أن الشافعية يشترطون في موظف الأذان العلم بالوقت.\r4ً - أن يكون متوضئاً طاهراً، للحديث السابق: «لا يؤذن إلا متوضئ، وفي حديث ابن عباس: «إن الأذان متصل بالصلاة فلا يؤذن أحدكم إلا وهو طاهر» (1) .\r5ً - أن يكون المؤذن بصيراً؛ لأن الأعمى لا يعرف الوقت، فربما غلط، فإن أذن الأعمى صح أذانه، فإن ابن مكتوم كان يؤذن للنبي صلّى الله عليه وسلم ، قال ابن عمرو فيما روى البخاري: «كان رجلاً أعمى لا ينادي حتى يقال له: أصبحت، أصبحت» وقال المالكية: يجوز أذان الأعمى إن كان تبعاً لغيره أو قلد ثقة في دخول الوقت.\r6ً - أن يجعل أصبعيه في أذنيه، لأنه أرفع للصوت، ولما روى أبو حنيفة «أن بلالاً أذن، ووضع إصبعيه في أذنيه» (2) ، وعن سعد مؤذن رسول الله صلّى الله عليه وسلم «أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم أمر بلالاً أن يجعل إصبعيه في أذنيه،وقال: إنه أرفع لصوتك» (3) .\r7ً - أن يترسَّل (يتمهل أو يتأنى) في الأذان بسكتة بين كل كلمتين، ويحدُر (يسرع) في الإقامة، بأن يجمع بين كل كلمتين، لقول النبي صلّى الله عليه وسلم لبلال رضي الله عنه: «إذا أذنت فترسَّل، وإذا أقمت فاحدر» (4) ، ولأن الأذان لإعلام الغائبين بدخول الوقت، والإعلام بالترسل أبلغ، أما الإقامة فلإعلام الحاضرين بالشروع في الصلاة، ويتحقق المقصود بالحدر.\r8ً - أن يستقبل القبلة في الأذان والإقامة: لأن مؤذني النبي صلّى الله عليه وسلم كانوا يؤذنون مستقبلي القبلة ولأن فيه مناجاة فيتوجهه بها إلى القبلة.\r-------------------------------\r(1) سبل السلام:129/1.\r(2) متفق عليه.\r(3) أخرجه ابن ماجه والحاكم والطبراني وابن عدي (نصب الراية:278/1).\r(4) أخرجه الترمذي، وإسناده مجهول (نصب الراية:275/1).","part":1,"page":621},{"id":623,"text":"ويستحب في الحيعلتين (حي على الصلاة، حي على الفلاح): أن يدير أو يحول وجهه يميناً في الأولى، وشمالاً في الثانية، من غير أن يحول قدميه؛ لأن فيه مناداة فيتوجه به إلى من على يمينه وشماله، ولما روى أبو جحيفة قال: «رأيت بلالاً يؤذن، فجعلت أتَتبَّع فاه ههنا وههنا يميناً وشمالاً، يقول: حي على الصلاة، حي على الفلاح، وأصبعاه في أذنيه» (1) وفي لفظ قال: «أتيت رسول الله صلّى الله عليه وسلم وهو في قبة حمراء من أَدَم (جلد) فخرج بلال، فأذن، فلما بلغ: حي على الصلاة، حي على الفلاح، التفت يميناً وشمالاً، ولم يستدر» (2) ويصح عند الشافعية الإدارة في المنارة واستدبار القبلة إن احتيج إليه، وعند الحنابلة في ذلك روايتان عن أحمد: إحداهما ـ لا يدور للخبر السابق في استقبال القبلة، والثانية ـ يدور في مجالها، لأنه لا يحصل الإعلام بدونه. والرواية الثانية هي الصواب.\rويستحب بعد انتهاء الأذان: أن يفصل بين الأذان والإقامة بقدر ما يحضر المصلون، مع مراعاة الوقت المستحب، وفي المغرب بقدر قراءة ثلاث آيات قصار. ودليل هذا الاستحباب قوله عليه السلام: «يا بلال، اجعل بين أذانك وإقامتك نَفَساً يفرغ الآكل من طعامه في مهل، ويقضي حاجته في مهل» (3) .\rولأن الذي رآه عبد الله بن زيد في المنام أذن، وقعد قعدة أي لانتظار الجماعة، حتى يتحقق المقصود من النداء.\rوقال الحنفية: يستحب بعد الأذان في الأصح أن يثوِّب في جميع الأوقات، كأن يقول: الصلاة الصلاة يامصلين، لظهور التواني في الأمور الدينية.\r-------------------------------\r(1) أصله متفق عليه في الصحيحين، ورواه أيضاً أحمد والترمذي وصححه (سبل السلام:122/1، نيل الأوطار:46/2).\r(2) رواه أبو داود (المرجعان السابقان).\r(3) رواه أحمد بإسناده عن أبي بن كعب، وروى أبو داود والترمذي عن جابر أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم قال لبلال: «اجعل بين أذانك وإقامتك قدر ما يفرغ الآكل من أكله، والشارب من شربه، والمعتصر إذا دخل لقضاء حاجته» .","part":1,"page":622},{"id":624,"text":"وقال الشافعية: يسن أن يقول المؤذن بعد الأذان أو الحيعلتين في الليلة الممطرة أو ذات الريح أو الظلمة: ( ألا صلوا في الرحال ).\r9ً - أن يؤذن محتسباً، ولا يأخذ على الأذان والإقامة أجراً باتفاق العلماء.\rولا يجوز أخذ الأجرة على ذلك عند الحنفية، والحنابلة في ظاهر المذهب؛ لأنه استئجار على الطاعة، وقربة لفاعله، والإنسان في تحصيل الطاعة عامل لنفسه، فلا تجوز الإجار ة عليه كالإمامة غيرها، ولأن النبي صلّى الله عليه وسلم قال لعثمان بن أبي العاص: «واتخذ مؤذناً لا يأخذ على أذانه أجراً» (1) .\rوأجاز المالكية والشافعية في الأصح الاستئجار على الأذان؛ لأنه عمل معلوم يجوز أخذ الأجر عليه كسائر الأعمال. وأفتى متأخرو الحنفية وغيرهم ـ كما سيأتي في بحث الإجارة ـ بجواز أخذ الأجرة على القربات الدينية، ضماناً لتحصيلها بسبب انقطاع المكافآت المخصصة لأهل العلم من بيت المال.\rكما أن الحنابلة قالوا: إن لم يوجد متطوع بالأذان والإقامة، أعطي من يقوم بهما من مال الفيء المعد للمصالح العامة.\r10ً - يستحب عند الجمهور غير الحنفية أن يكون للجماعة مؤذنان، لا أكثر؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلم «كان له مؤذنان: بلال وابن أم مكتوم» (2) ، ويجوز الاقتصار على مؤذن واحد للمسجد، والأفضل أن يكون مؤذنان لهذا الحديث، فإن احتاج إلى الزيادة عليهما، جاز إلى أربعة؛ لأنه كان لعثمان رضي الله عنه أربعة مؤذنين، ويجوز إلى أكثر من أربعة بقدر الحاجة والمصلحة عند الحنابلة والشافعية.\r-------------------------------\r(1) رواه أبو داود وابن ماجه والترمذي، وقال: حديث حسن.\r(2) حديث صحيح رواه البخاري ومسلم.","part":1,"page":623},{"id":625,"text":"وإذا تعدد المؤذنون فالمستحب أن يؤذن واحد بعد واحد؛ كما فعل بلال وابن أم مكتوم، كان أحدهما يؤذن بعد الآخر، ولأن ذلك أبلغ في الإعلام.\rويصح في حالة تعدد المؤذنين: إما أن يؤذن كل واحد في منارة، أو ناحية، أو يؤذنوا دفعة واحدة في موضع واحد.\r11ً - يستحب أن يؤذن المؤذن في أول الوقت ليعلم الناس، فيستعدوا للصلاة، وروى جابر بن سمرة قال: «كان بلال لا يؤخر الأذان عن الوقت، وربما أخر الإقامة شيئاً» (1) وفي رواية قال: «كان بلال يؤذن إذا مالت الشمس لا يؤخر، ثم لا يقيم، حتى يخرج النبي صلّى الله عليه وسلم ، فإذا خرج أقام حين يراه» (2) .\r\r12ً - يجوز استدعاء الأمراء إلى الصلاة، لما روت عائشة رضي الله عنهما أن بلالاً جاء، فقال: السلام عليك يا رسول الله وبركاته، الصلاة يرحمك الله، فقال النبي صلّى الله عليه وسلم : مروا أبا بكر فليصل بالناس. وكان بلال يسلم على أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، كما كان يسلم على رسول الله صلّى الله عليه وسلم .\r13ً - يستحب ألا يقوم الإنسان قبل فراغ المؤذن من أذانه، بل يصبر قليلاً إلى أن يفرغ أو يقارب الفراغ؛ لأن في التحرك عند سماع الأذان تشبهاً بالشيطان.\r-------------------------------\r(1) رواه ابن ماجه.\r(2) رواه أحمد في المسند.","part":1,"page":624},{"id":626,"text":"مكروهات الأذان:\rللأذان مكروهات هي ما يأتي (1) :\r1ً - يكره الأذان إذا لم تتوافر السنن السابقة، وقد عدد الحنفية أحوال الكراهة إذا لم تتحقق السنن، فقالوا:\rيكره تحريماً أذان جنب وإقامته، ويعاد أذانه، وإقامة المحدث على المذهب، وأذان مجنون ومعتوه وصبي لا يعقل، وامرأة وخنثى، وفاسق، وسكران، وقاعد إلا إذا أذن لنفسه، وراكب إلا المسافر.\r2ً - يكره التلحين وهو التطريب أو التغني أو التمديد الذي يؤدي إلى تغيير كلمات الأذان، أو الزيادة والنقص فيها، أما تحسين الصوت بدون التلحين فهو مطلوب. ويصح أذان ملحَّن على الراجح عند الحنابلة، لحصول المقصود منه كغير الملحن. ويكره أيضاً اللحن أو الخطأ في النحو أو الإعراب.\r3ً - يكره المشي فيه؛ لأنه قد يخل بالإعلام، والكلام في أثنائه، حتى ولو بردّ السلام، ويكره السلام على المؤذن (2) ويجب عليه أن يرد عليه بعد فراغه من الأذان. ولا يبطله الكلام اليسير، ويبطله الكلام الطويل، لأنه يقطع الموالاة المشروطة في الأذان عند الجمهور غير الحنفية. وأشار الحنابلة: أنه يجوز رد السلام في أثناء الأذان والإقامة.\r4ً - يكره التثويب في غير الفجر، سواء ثوب في الأذان أو بعده، لما روي عن بلال أنه قال: «أمرني رسول الله صلّى الله عليه وسلم أن أثوب في الفجر، ونهاني أن أثوب في العشاء» (3) ، ولأن التثويب مناسب لصلاة الفجر حيث يكون الناس نياماً، فاحتيج إلى قيامهم إلى الصلاة عن نوم.\r5ً - قال الحنابلة: يحرم ولا يجوز الخروج من المسجد بعد الأذان إلا لعذر، لعمل أصحاب النبي صلّى الله عليه وسلم ، قال أبو الشعثاء: «كنا قعوداً مع أبي هريرة في المسجد، فأذن المؤذن، فقام رجل من المسجد يمشي، فأتبعه أبو هريرة بصره حتى خرج من المسجد، فقال أبو هريرة: أما هذا فقد عصى أبا القاسم صلّى الله عليه وسلم (4) ، وقال عثمان بن عفان: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم : «من أدركه الأذان في المسجد، ثم خرج، لم يخرج لحاجة، وهو لا يريد الرجعة، فهو منافق» (5) .\r-------------------------------\r(1) فتح القدير:176/1، الدر المختار:264/1 ومابعدها، مراقي الفلاح: ص32، القوانين الفقهية: ص48، الشرح الصغير: 248/1، الشرح الكبير: 194/1،196، 198، مغني المحتاج:138/1، المهذب:57/1 ومابعدها، المغني:408/1،411، 414، 424،428، 430، كشاف القناع:276/1، 279،281،283.\r(2) قال المالكية: ويكره السلام أيضاً على ملب في حج أو عمرة، وقاضي حاجة، ومجامع، وأهل بدع، ومشتغل بلهو وأهل المعاصي، وشابة، فإن كان أهل المعصية في حال المعصية أو شابة يخشى فتنتها حرم السلام، ولا يكره على مصل ومتطهر وآكل وقارئ قرآن (الشرح الكبير: 198/1).\r(3) رواه ابن ماجه.\r(4) رواه أبو داود والترمذي، وقال: حديث حسن صحيح.\r(5) رواه ابن ماجه.","part":1,"page":625},{"id":627,"text":"أما الخروج لعذر فمباح، بدليل أن ابن عمر خرج من أجل التثويب في غير حينه.\rوقال الشافعية: يكره الخروج من المسجد بعد الأذان من غير صلاة إلا لعذر.\r6ً - قال الحنابلة: يكره الأذان قبل الفجر في شهر رمضان مقتصراً عليه، لئلا يغتر الناس به،فيتركوا السحور. ويحتمل ألا يكره في حق من عرف عادته بالأذان في الليل؛ لأن بلالاً كان يفعل ذلك، بدليل قوله صلّى الله عليه وسلم : «إن بلالاً يؤذن بليل، فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم» وقوله عليه السلام: «لا يمنعكم من سحوركم أذان بلال، فإنه يؤذن بليل لينبه نائمكم، ويرجع قائمكم» . ويكره عندهم القول قبل الإقامة: اللهم صل على محمد، ولا بأس بنحنحة قبلها، كما يكره عندهم النداء بالصلاة بعد الأذان في الأسواق وغيرها، مثل أن يقول: الصلاة، أو الإقامة، أو الصلاة رحمكم الله. وقال النووي: تسن الصلاة على النبي صلّى الله عليه وسلم قبل الإقامة.\rإجابة المؤذن والمقيم:\rيجب في الراجح عند الحنفية لمن سمع الأذان وندباً لمن سمع الإقامة، ويسن عند غيرهم لمن سمع المؤذن أو المقيم: أن يقول مثلما يقول مثنى مثنى عقب كل جملة، إلا في الحيعلتين، فيحوقل فيقول: ( لا حول ولا قوة إلا بالله ) ومعنى ذلك: أنه لا حول عن معصية الله إلا بعصمة الله، ولا قوة على طاعة الله إلا بمعونته، كما قال ابن مسعود.\rوإلا في التثويب، فيقول: ( صدقتَ وبررت ) فالإجابة إنما هي باللسان وهو الظاهر عند الحنفية (1) .\r-------------------------------\r(1) البدائع:155/1، فتح القدير:173/1، الدر المختار:367/1 ومابعدها، الشرح الصغير:253/1، الشرح الكبير:196/1، القوانين الفقهية: ص48، المجموع:124/3، مغني المحتاج:140/1 ومابعدها، المهذب:58/1، كشاف القناع:284/1 ومابعدها، المغني:426/1-428.","part":1,"page":626},{"id":628,"text":"وقال بعض الحنفية: بالقدم أي بالمشي إلى الصلاة، وهو مشكل لأنه يلزم عليه وجوب الأداء في أول الوقت في المسجد.\rواكتفى المالكية بأن يقول السامع لمنتهى الشهادتين، ولو كان في صلاة نفل، ويكره ولا يحاكي المؤذن في بقية الأذان (على الراجح المشهور المعتمد)، ولا في قوله ( الصلاة خير من النوم ) قطعاً، ولا في قوله ( صدقت وبررت ) أي صرت ذا بر أي خير كثير، إلا في الإقامة، فيقول بعدها: ( أقامها الله وأدامها ).\rوالدليل على الإجابة: ما روى أبو سعيد أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم قال: «إذا سمعتم النداء، فقولوا مثل ما يقول المؤذن» (1) لكن قال المالكية: المتبادر من قوله «سمعتم» : ولو البعض، خصوصاً وقد قال: فقولوا مثل ما يقول، ولم يقل: مثل ما قال. وهذا في تقديري تعسف واضح في التأويل، والظاهر كما قال بعض المالكية: أن يحكي الأذان كله. والأمر في الحديث عند الحنفية للوجوب وعند غيرهم للندب كالأمر بالدعاء عقب الصلاة.\rوروى مسلم عن عمر في فضل القول كما يقول المؤذن كلمة كلمة سوى الحيعلتين (حي على الصلاة، حي على الفلاح) فيقول: «لا حول ولا قوة إلا بالله» (2) وروى ابن خزيمة: عن أنس رضي الله عنه قال: «من السنة إذا قال المؤذن في الفجر: حي على الفلاح، قال: الصلاة خير من النوم» (3) .وأخرج أبو داود عن بعض أصحاب النبي صلّى الله عليه وسلم «أن بلالاً أخذ في الإقامة، فلما أن قال: قد قامت\r-------------------------------\r(1) متفق عليه رواه الجماعة عن جماعة من الصحابة، منهم أبو هريرة، وعمرو بن العاص، وابنه، وأم حبيبة. وروى مسلم وأبو داود عن عمر كيفية الإجابة (نيل الأوطار:51/3،53).\r(2) سبل السلام:126/1.\r(3) المصدر السابق:120/1.","part":1,"page":627},{"id":629,"text":"الصلاة، قال النبي صلّى الله عليه وسلم : أقامها الله وأدامها» (1) وفي التثويب ورد خبر أيضاً كما قال ابن الرفعة، ولكن لا يعرف من قاله.\rويستحب لمن كان يقرأ ولو قرآناً أن يقطع القراءة، ليقول مثلما يقول المؤذن أو المقيم، لأنه يفوت، والقراءة لا تفوت، لكن إن سمعه في الصلاة، لم يقل مثل قوله، لئلا يشتغل عن الصلاة بما ليس منها، وقد روي «إن في الصلاة لشغلاً» وعلى هذا ينبغي عند الحنفية ألا يتكلم ولا يشتغل بشيء حال الأذان أو الإقامة.\rوتشمل الإجابة عند الجمهور كل سامع، ولو كان جنباً أو حائضاً أو نفساء، أو كان في طواف فرضاً أو نفلاً، ويجيب بعد الجماع والخلاء والصلاة ما لم يطل الفصل بينه وبين الأذان.\rوقال الحنفية: تشمل الإجابة من سمع الأذان ولو كان جنباً، لا حائضاً ونفساء وسامع خطبة وفي صلاة جنازة، وجماع، ومستراح في بيت الخلاء، وأكل، وتعليم علم وتعلمه، لكن في أثناء قراءة القرآن يجيب لأنه لا يفوت، وتكرار القراءة للأجر.\rويندب عند الحنفية القيام عند سماع الأذان، والأفضل أن يقف الماشي للإجابة ليكون في مكان واحد.\rويجيب المؤذن سواء سمع الآذان كله أم بعضه. فإن لم يسمعه لبعد أو صمم لا تسن له الإجابة.\r-------------------------------\r(1) المصدر السابق:127/1 وفي خبر آخر عند أبي داود بسند ضعيف يقول: «أقامها الله وأدامها ما دامت السموات والأرض» ويروى عن النبي صلّى الله عليه وسلم أيضاً أنه يقول: «اللهم أقمها وأدمها واجعلني من صالح أهلها» .","part":1,"page":628},{"id":630,"text":"وينبغي تدارك إجابة المؤذن إن لم يطل الفصل، وإن طال فلا (1) .\rوإذا تكرر الأذان أجاب ـ كما ذكر في الدر المختار ـ الأول، سواء أكان مؤذن مسجده أم غيره، لكن قال ابن عابدين: ويظهر لي إجابة الكل بالقول، لتعدد السبب وهو السماع، كما اعتمده بعض الشافعية. وقال النووي في المجموع: وإذا سمع مؤذناً بعد مؤذن، فالمختار أن أصل الفضيلة في الإجابة شامل للجميع، إلا أن الأول متأكد يكره تركه (2) .\rقال الشافعية والحنابلة: وإذا دخل المسجد، والمؤذن قد شرع في الأذان، لم يأت بتحية ولا بغيرها، بل يجيب المؤذن واقفاً حتى يفرغ من أذانه ليجمع بين أجر الإجابة والتحية.\rوقال الحنفية : إذا دخل المسجد، والمؤذن يؤذن أو يقيم، قعد حتى ينتهي الأذان أو الإقامة، ويقوم الإمام إلى مصلاه.\rما يستحب بعد الأذان:\rيستحب بعد الأذان وبعد الإقامة ما يأتي (3) :\r1 - أن يصلي على النبي صلّى الله عليه وسلم ، وذلك عند الشافعية والحنابلة مسنون بعد الفراغ من الأذان لكل من المؤذن والسامع، للحديث الآتي. وقد استحدث الصلاة على النبي بعد الأذان في أيام صلاح الدين الأيوبي سنة (781 هـ ) في عشاء ليلة الاثنين، ثم يوم الجمعة، ثم بعد عشر سنين حدث في الكل إلا المغرب، ثم فيها مرتين، قال الفقهاء: وهو بدعة حسنة.\r-------------------------------\r(1) رد المحتار:368/1، مغني المحتاج:140/1.\r(2) رد المحتار:369/1، مغني المحتاج:140/1.\r(3) فتح القدير:74/1 ومابعدها، الدر المختار:362/1، مراقي الفلاح: ص33، القوانين الفقهية: ص48، مغني المحتاج:141/1، المهذب:58/1، المغني:427/1، كشاف القناع:286/1.","part":1,"page":629},{"id":631,"text":"2 - أن يدعو بالدعاء المأثور: ( اللهم رب هذه الدعوة التامة، والصلاة القائمة آت محمداً الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقاماً محموداً الذي وعدته ) لقوله صلّى الله عليه وسلم : «إذا سمعتم المؤذن، فقولوا مثل ما يقول، ثم صلوا علي، فإن من صلى علي صلاة، صلى الله عليه بها عشراً، ثم سلوا الله لي الوسيلة، فإنها منزلة في الجنة، لا ينبغي أن تكون إلا لعبد من عباد الله، وأرجو أن أكون أنا هو، فمن سأل لي الوسيلة، حلَّت عليه الشفاعة» (1) .\rوعن سعد بن أبي وقاص قال: سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلم يقول: من قال حين يسمع النداء: وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً رسول الله، رضيت بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد صلّى الله عليه وسلم رسولاً، غفر له ذنبه» (2) .\rوعن جابر قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم : «من قال حين يسمع النداء: اللهم رب هذه الدعوة التامة، والصلاة القائمة، آت محمداً الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقاماً محموداً الذي وعدته ،حلت له شفاعتي يوم القيامة» (3) .\rوإذا كان الأذان للمغرب قال: «اللهم هذا إقبال ليلك، وإدبار نهارك،\r-------------------------------\r(1) رواه الجماعة إلا البخاري وابن ماجه عن ابن عمرو مرفوعاً. ومعنى الحديث: اللهم أصله: يا الله ، حذف منه (يا) وعوض عنه الميم ولهذا لا يجمع بينهما. الدعوة التامة: دعوة التوحيد؛ لأنه لا يدخلها تغيير ولا تبديل، بل هي باقية إلى يوم القيامة، أو هي دعوة الأذان والإقامة، سميت تامة لكمالها وعظمةموقعها وسلامتها من نقص يتطرق إليها. الصلاة القائمة: التي ستقوم، وتفعل بصفاتها. والوسيلة: القرب من الله تعالى، وقيل: هي منزلة في الجنة، كما ثبت في صحيح مسلم، والمتعين هذا المعنى لتفسيرها بنص الحديث. والفضيلة: المرتبة الزائدة على سائر الخلائق. والمقام المحمود: الشفاعة العظمى في يوم القيامة، لأنه يحمده فيه الأولون والآخرون،لقوله تعالى: { عسى أن يبعثك ربك مقاماً محمودا ً } [الإسراء:79/17]. والحكمة في سؤال ذلك مع كونه واجب الوقوع بوعد الله تعالى: إظهاركرامته، وعظم منزلته (نيل الأوطار: 2 /55).\r(2) رواه مسلم.\r(3) رواه الجماعة إلا مسلماً (نيل الأوطار:54/2 ومابعدها).","part":1,"page":630},{"id":632,"text":"وأصوات دعاتك، وحضور صلواتك، فاغفر لي» ؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلم أمر أم سلمة أن تقول ذلك (1) ويقول بعد الصبح: ( اللهم هذا إقبال نهارك وإدبار ليلك وأصوات دعاتك فاغفر لي ).\r3 - يدعو عند فراغ الأذان بينه وبين الإقامة، وسأل الله تعالى العافية في الدنيا والآخرة لقوله صلّى الله عليه وسلم: «الدعاء لا يرد بين الأذان والإقامة قالوا: فما نقول يا رسول الله؟ قال: سلوا الله العفو والعافية في الدنيا والآخرة (2) .\rوالمستحب أن يقعد المؤذن بين الأذان والإقامة قعدة ينتظر فيها الجماعة، كما أبنت في سنن الأذان.\rثانياً ـ الإقامة:\rصفة الإقامة أو كيفيتها:\rالإقامة سنة مؤكدة في الفرائض الوقتية والفائتة، على المنفرد والجماعة، للرجال والنساء عند المالكية والشافعية. أما الحنابلة والحنفية فقالوا: ليس على النساء أذان وإقامة.\rواختلف العلماء في صفة الإقامة على آراء ثلاثة (3) :\r-------------------------------\r(1) رواه أبو داود والترمذي، وانظر المهذب:59/1.\r(2) حديث صحيح رواه أحمد وأبو داود والترمذي وحسنه، والنسائي وابن خزيمة وابن حبان والضياء في المختارة، عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه (نيل الأوطار:55/2، سبل السلام:130/1).\r(3) البدائع:148/1، الدر المختار:360/1، اللباب:63/1، فتح القدير:169/1، الشرح الصغير:256/1، القوانين الفقهية: ص48، بداية المجتهد:107/1، مغني المحتاج:133/1،136، المهذب:54/1،57، المغني:406/1، كشاف القناع:267/1.","part":1,"page":631},{"id":633,"text":"فقال الحنفية: الإقامة مثنى مثنى مع تربيع التكبير مثل الأذان، إلا أنه يزيد\rفيها بعد الفلاح: (قد قامت الصلاة مرتين) فتكون كلماتها عندهم سبع عشرة كلمة، بدليل ما روى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا أصحاب محمد صلّى الله عليه وسلم أن عبد الله ابن زيد الأنصاري جاء إلى النبي صلّى الله عليه وسلم ، فقال: «يا رسول الله، رأيت في المنام، كأن رجلاً قام وعليه بُردان أخضران، فقام على حائط، فأذن مثنى مثنى، وأقام مثنى مثنى» (1) .\rوروى الترمذي عن عبد الله بن زيد، قال: «كان أذان رسول الله صلّى الله عليه وسلم شفعاً شفعاً في الأذان والإقامة» (2) .\rوعن أبي محذورة قال: «علمني رسول الله صلّى الله عليه وسلم الأذان تسع عشرة كلمة، والإقامة سبع عشرة كلمة» (3) .\rوقال المالكية :الإقامة عشر كلمات، تقول : «قد قامت الصلاة» مرة واحدة، لما روى أنس قال: «أمر بلال أن يشفع الأذان، ويوتر الإقامة» (4) .\rوقال الشافعية والحنابلة: الإقامة فرادى، إحدى عشرة كلمة، إلا لفظ الإقامة: «قد قامت الصلاة» فإنها تكرر مرتين، لما روى عبد الله بن عمر أنه قال: «إنما كان الأذان على عهد رسول الله صلّى الله عليه وسلم مرتين مرتين، والإقامة مرة مرة، غير أنه يقول: قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة» (5) . ويظهر لي أن هذا أصح الآراء، أو أن الأمر على التخيير بين هذا الرأ ي ورأي الحنفية. وأما حديث أنس فمقيد بحديث ابن عمر.\r-------------------------------\r(1) رجاله رجال الصحيح، وهو متصل لأن الصحابة عدول، وجهالة أسمائهم لاتضر، ورواه البيهقي. وروي مثله عند أبي داود وغيره ( نصب الراية:266/1-267).\r(2) نصب الراية:267/1. أما الأذان فهو عندهم15 كلمة.\r(3) أخرجه الخمسة، وقال الترمذي حديث حسن صحيح ( المصدر السابق، نيل الأوطار :43/2) وكون الأذان (19) أي بالترجيع، والإقامة (17) أي بلفظ الإقامة.\r(4) رواه الجماعة عن أنس (نيل الأوطار:40/2).\r(5) رواه أحمد والنسائي وأبو داود، والشافعي وأبو عوانة والدارقطني وابن خزيمة وابن حبان والحاكم (نيل الأوطار:43/2).","part":1,"page":632},{"id":634,"text":"أحكام الإقامة :\rأحكام الإقامة كأحكام الأذان السابقة، ويزاد عليها ما يأتي (1) :\r1ً - يسن إدراج الإقامة أو حدرها: أي الإسراع بها مع بيان حروفها، فيجمع بين كل كلمتين منها بصوت، والكلمة الأخيرة بصوت، عملاً بالحديث السابق عن جابر: «إذا أذَّنت فترسّل ـ أي تمهل ـ وإذا أقمت فاحدُر، واجعل بين أذانك وإقامتك مقدار ما يفرُغ الآكل من أكله» .\r2ً - الأفضل في المذاهب الأربعة أن يتولى الإقامة من أذَّن، اتباعاً للسنة: (من أذن فهو يقيم )، كما تقدم في شروط الأذان، فإذا أذن واحد وأقام غيره جاز.\rلكن قال الحنفية: يكره أن يقيم غير من أذن إن تأذى بذلك؛ لأن اكتساب أذى المسلم مكروه، ولا يكره إن كان لا يتأذى به.\r3ً - يستحب عند الحنابلة أن يقيم في موضع أذانه؛ لأن الإقامة شرعت للإعلام، فشرعت في موضعه، ليكون أبلغ في الإعلام، إلا أن يؤذن في المنارة أو مكان بعيد من المسجد، فيقيم في غير موضعه، لئلا يفوته بعض الصلاة.\rوقال الشافعية: يستحب أن تكون الإقامة في غير موضع الأذان، وبصوت أخفض من الأذان.\r-------------------------------\r(1) الدر المختار:361/1،371، فتح القدير:170/1، البدائع :151/1، بداية المجتهد:145/1، الشرح الصغير:255/1 ومابعدها، المهذب:59/1، مغني المحتاج:136/1،138 ومابعدها، المغني:415/1-417،458 ومابعدها، كشاف القناع:275/1 ومابعدها،279،281.","part":1,"page":633},{"id":635,"text":"ولا يقيم حتى يأذن له الإمام، فإن بلالاً كان يستأذن النبي صلّى الله عليه وسلم ، وفي حديث زياد بن الحارث الصدائي قال: «فجعلت أقول للنبي صلّى الله عليه وسلم أقيم أقيم؟» وقال صلّى الله عليه وسلم : «المؤذن أملك بالأذان، والإمام أملك بالإقامة» (1) .\r4ً - لا يقوم المصلون للصلاة عند الإقامة حتى يقوم الإمام أو يقبل؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: «إذا أقيمت الصلاة فلا تقوموا حتى تروني» (2) .\rوأما تعيين وقت قيام المؤتمين إلى الصلاة: فقال المالكية: يجوز للمصلي القيام حال الإقامة أو أولها أو بعدها، فلا يطلب له تعيين حال، بل بقدر الطاقة للناس، فمنهم الثقيل والخفيف. وقال الحنفية: يقوم عند «حي على الفلاح» وبعد قيام الإمام.\rوقال الحنابلة: يستحب أن يقوم عند قول المؤذن (قد قامت الصلاة) لما روي عن أنس «أنه كان يقوم إذا قال المؤذن: قد قامت الصلاة» .\rوقال الشافعية: يستحب أن يقوم المصلي بعد انتهاء الإقامة إذا كان الإمام مع المصلين في المسجد (3) ، وكان يقدر على القيام بسرعة، بحيث يدرك فضيلة تكبيرة الإحرام، وإلا قام قبل ذلك بحيث يدركها.\r5ً - يسن كما في الأذان أن يقيم قائماً متطهراً، مستقبل القبلة، ولا يمشي في أثناء إقامته، ولا يتكلم، ويشترط ألا يفصل بين الإقامة والصلاة بفاصل طويل،\r-------------------------------\r(1) رواه ابن عدي وهو الحافظ الكبير أبو أحمد عبد الله بن عدي الجرجاني، ويعرف بابن القصار، صاحب كتاب الكامل في الجرح والتعديل (279-365هـ) (سبل السلام:130/1).\r(2) متفق عليه.\r(3) سبل السلام:131/1، الحضرمية: ص74، المجموع:237/3، المغني: 458/1، الدر المختار:447/1.","part":1,"page":634},{"id":636,"text":"وينبغي إن طال الفصل أو وجد ما يعد قاطعاً كأكل أن تعاد الإقامة. ويسن أن يحرم الإمام عقب فراغ الإقامة، ولا يفصل إلا بمندوب كأمر الإمام بتسوية الصفوف. ولا تجزئ إقامة المرأة للرجال.ويسن عند الشافعية لمن كان أهلاً أن يجمع بين الأذان والإقامة. وكذلك قال الحنفية: الأفضل كون الإمام هو المؤذن، لأنه عليه السلام ـ كما في الضياء ـ أذن في سفر بنفسه وأقام وصلى الظهر.\rولا يسن في الإقامة كونها في مكان مرتفع، ولا وضع الأصبع في الأذن، ولا الترجيع فيها والترتيل.\r6ً- إذا أذن المؤذن وأقام، لم يستحب لسائر الناس أن يؤذن كل منهم أو يقيم، وإنما يقول مثل ما يقول المؤذن،؛ لأن السنة وردت بهذا.\r7ً - يستحب للإمام تسوية الصفوف، يلتفت عن يمينه وشماله، فيقول: استووا رحمكم الله، قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم : «سووا صفوفكم، فإن تسوية الصف من تمام الصلاة» (1) .\rملحق ـ الأذان لغير الصلاة.\rهذا ويندب الأذان لأمور غير الصلاة:\rمنها الأذان في أذُن المولود اليمنى عند ولادته، كما تندب الإقامة في اليسرى لأنه صلّى الله عليه وسلم ْذَّن في أذ ُن الحسن حين ولدته فاطمة (2) .\rومنها الأذان وقت الحريق ووقت الحرب، وخلف المسافر.\rومنها الأذان في أذن المهموم المصروع وللغضبان ولمن ساء خلقه من إنسان أو بهيمة، وإذا تغولت الغيلان (3) أي سحرة الجن والشياطين، وذلك لدفع شرها بالأذان، فإن الشيطان إذا سمع الأذان أدبر.\rولا يسن عند إدخال الميت القبر على المعتمد عند الشافعية.\r-------------------------------\r(1) متفق عليه.\r(2) رواه الترمذي، وقال: حديث صحيح.\r(3) أي تلونت في صور.","part":1,"page":635},{"id":637,"text":"الفَصْلُ الرَّابع: شروطُ الصَّلاة\rتتوقف صحة الصلاة على توافر شروط وأركان معينة لها.\rأما الشرط في اللغة: فهو العلامة، وفي الشريعة: هو ما يتوقف عليه وجود الشيء، وكان خارجاً عن حقيقته أو ماهيته.\rوأما الركن في اللغة: فهو الجانب الأقوى، وفي الاصطلاح: هو ما يتوقف عليه وجود الشيء، وكان جزءاً ذاتياً تتركب منه الحقيقة أو الماهية. ويطلق على كل من الشرط والركن وصف الفرضية، فكل منهما فرض، لذا عنون بعض الفقهاء لهذا البحث بفروض الصلاة.\rوالشرطان نوعان: شروط تكليف أو وجوب، وشروط صحة أو أداء، وشروط الوجوب: هي ما يتوقف عليها وجوب الصلاة كالبلوغ عاقلاً، وشروط الصحة: هي ما يتوقف عليها صحة الصلاة كالطهارة.\rشروط وجوب الصلاة:\rتجب الصلاة على كل مسلم بالغ عاقل، لا مانع عنده كالحيض والنفاس، فتكون شروط وجوب الصلاة ثلاثة (1) :\r1 ً - الإسلام: تجب الصلاة على كل مسلم ذكر أو أنثى، فلا تجب على كافر عند الجمهور وجوب مطالبة بها في الدنيا، لعدم صحتها منه، لكن تجب عليه وجوب عقاب عليها في الآخرة، لتمكنه من فعلها باعتناق الإسلام؛ لأن الكافر عند الجمهور مخاطب بفروع الشريعة أو الإسلام في حال كفره.\r-------------------------------\r(1) مراقي الفلاح: ص28، القوانين الفقهية: ص44، الشرح الصغير:231/1، 233،260-265، الشرح الكبير:201/1، مغني المحتاج:130/1-132، المهذب:53/1 ومابعدها، المغني:396/1-401،615، كشاف القناع:306/1،364، المحرر في الفقه الحنبلي:29/1-33.","part":1,"page":636},{"id":638,"text":"ولا تجب عند الحنفية على الكافر، بناء على مبدئهم في أن الكافر غير مطالب بفروع الشريعة، لا في حكم الدنيا ولا في حكم الآخرة.\rولا قضاء بالاتفاق على الكافر إذا أسلم، لقوله تعالى: {قل للذين كفروا إن ينتهوا يُغفَر لهم ما قد سلف} [الأنفال:38/8] ولقوله صلّى الله عليه وسلم : «الإسلام يجبُّ ما قبله» (1) أي يقطعه، والمراد أنه يذهب أثر المعاصي التي قارفها حال كفره. أما المرتد فيلزمه عند غير الحنفية قضاء الصلاة بعد إسلامه تغليظاً عليه، ولأنه التزمها بالإسلام، فلا تسقط عنه بالجحود كحقوق الآدميين المالية. ولا قضاء عليه عند الحنفية كالكافر الأصلي.\rوأما الطاعات وأفعال الخير التي يفعلها الكافر: فلا تنفعه في الآخرة إن مات كافراً لقوله تعالى: {وقدمنا إلى ما عملوا من عمل، فجعلناه هباء منثوراً} [الفرقان:23/25].\rوأما في الدنيا فتنفعه في سعة رزقه ومعيشته.\rوإن أسلم يثاب عليها ولا يجُبُّها (يقطعها) الإسلام، لحديث حكيم بن حزام عند مسلم وغيره: أنه قال لرسول الله صلّى الله عليه وسلم : أرأيت أموراً كنت أتحنث بها في الجاهلية، هل لي فيها من شيء؟ فقال له رسول الله صلّى الله عليه وسلم : أسلمتَ على ما أسلفتَ من خير» وقال عليه السلام: «إذا أسلم العبد، فحسن إسلامه، يكفر الله عنه كل سيئة كان زَلِفها ـ أي قدمها ـ وكان بعد ذلك القصاص: الحسنة بعشر أمثالها، إلى سبع مئة ضعف، والسيئة\r-------------------------------\r(1) رواه أحمد والطبراني والبيهقي عن عمرو بن العاص. وأخرج مسلم في صحيحه معناه من حديث عمرو أيضاً بلفظ: «أما علمت أن الإسلام يهدم ما كان قبله، وأن الهجرة تهدم ما كان قبلها، وأن الحج يهدم ما كان قبله» (نيل الأوطار:299/1).","part":1,"page":637},{"id":639,"text":"بمثلها إلا أن يتجاوز الله عنها» (1) .\rوقال النووي: الصواب الذي عليه المحققون، بل نقل بعضهم الإجماع فيه أن الكافر إذا فعل أفعالاً جميلة كالصدقة وصلة الرحم، ثم أسلم ومات على الإسلام، أن ثواب ذلك يكتب له (2).\r2 ً - البلوغ: لا تجب الصلاة على الصبي، لقوله صلّى الله عليه وسلم : «رفع القلم عن ثلاثة: عن المجنون المغلوب على عقله حتى يبرأ،وعن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يحتلم»(3).\rولكن يؤمر الصغير ذكراً أو أنثى بالصلاة، تعويداً له، إذا بلغ سبع سنين أي صار مميزاً، ويضرب ـ باليد لا بخشبة بما لا يزيد عن ثلاث ضربات إن أفاد وإلا فلا ـ على تركها لعشر سنين زجراً له، لقوله صلّى الله عليه وسلم : «مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين، واضربوهم عليها وهم أبناء عشر سنين، وفرقوا بينهم في المضاجع» (4) أي بحيث لا يشملهم ساتر واحد مع التجرد، فإن استقل كل منهم بساتر فلا يمنع والتفريق لعشر أمر مندوب، ويحرم تلاصق البالغين بعورتيهما بقصد اللذة، ويكره من غير لذة كتلاصقهم بالصدر.\r-------------------------------\r(1) رواه البخاري والنسائي عن أبي سعيد الخدري.\r(2) نيل الأوطار: (300/1 ).\r(3) رواه أحمد وأبو داود والحاكم عن علي وعمر، وهو صحيح. ورواه أحمد وأبو داود والحاكم والنسائي وابن ماجه أيضاً عن عائشة بلفظ : «رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن المبتلى حتى يبرأ، وعن الصبي حتى يكبر» (نيل الأوطار:298/1 ومابعدها).\r(4) رواه أحمد وأبو داود والحاكم عن عبد الله بن عمرو، وهو صحيح (نيل الأوطار:298/1). والأمر موجه للولي لا للصغير، لقوله تعالى: {وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها} [طه:132/20]، {يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم ناراً...} [التحريم:6/66].","part":1,"page":638},{"id":640,"text":"3 ً - العقل: فلا تجب الصلاة عند الجمهور غير الحنابلة على المجنون والمعتوه ونحوهما كالمغمى عليه إلا إذا أفاقوا في بقية الوقت؛ لأن العقل مناط التكليف، كما ثبت في الحديث السابق: «عن المجنون حتى يبرأ» لكن يسن لهم القضاء عند الشافعية. وقال الحنابلة: يجب القضاء على من تغطى عقله بمرض أو إغماء أو دواء مباح، لأن ذلك لا يسقط الصوم، فكذا الصلاة.\rولا تطلب الصلاة ولا تقضى من حائض ونفساء، ولو طرّحت نفسها بضرب أو دواء ونحوها.\rويجب القضاء على السكران، لتعديه بالسكر.\rويجب القضاء على نائم ويجب إعلامه إذا ضاق الوقت، ودليل القضاء حديث: «من نام عن صلاة أو نسيها، فليصلها إذا ذكرها، لا كفارة لها إلا ذلك» (1) وهذا دليل على وجوب قضاء الصلوات المفروضة المتروكة عمداً أو سهواً، مهما طال الزمان.\rقال النووي في المجموع: ويسن إيقاظ النائم للصلاة ولا سيما إذا ضاق وقتها، ففي سنن أبي داود «أن النبي صلّى الله عليه وسلم خرج يوماً إلى الصلاة، فلم يمر بنائم إلا أيقظه» وكذا إذا رآه أمام المصلين، أو كان نائماً في الصف الأول، أو محراب المسجد، أو كان نائماً على سطح لا حجاز له، لورود النهي عنه، أو كان نائماً\rبعضه في الشمس وبعضه في الظل، أو كان نائماً بعد طلوع الفجر وقبل طلوع الشمس، أو كان نائماً قبل صلاة العشاء، أو بعد صلاة العصر، أو نام خالياً وحده، أو كانت المرأة نائمة مستلقية ووجهها إلى السماء، أو نام الرجل منبطحاً فإنها ضجعة يبغضها الله، ويستحب أن يوقظ غيره لصلاة الليل، وللتسحر، والنائم بعرفات،وقت الوقوف؛ لأنه وقت طلب وتضرّع. قال الإسنوي: وهذا بخلاف ما لو رأى شخصاً يتوضأ بماء نجس، فإنه يلزمه إعلامه.\r-------------------------------\r(1) رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة.","part":1,"page":639},{"id":641,"text":"زوال الأعذار أو الموانع في أثناء وقت الصلاة:\rإذا زالت هذه الأسباب المانعة من وجوب الصلاة، فبلغ الصبي، أو أفاق المجنون، أو طهرت الحائض أوالنفساء، أو أسلم الكافر، وبقي من الوقت عند الحنابلة والشافعية في الأظهر قدر تكبيرة الإحرام، فأكثر، وجب قضاء الصلاة. كما يجب عند جمهور الفقهاء غير الحنفية قضاء الصلاة الأخرى التي يمكن جمعها مع الصلاة التي زال المانع في وقتها.\rفإن زال المانع بمقدار تكبيرة الإحرام عند الشافعية والحنابلة في آخر وقت العصر، وجب قضاء الظهر أيضاً، وإن زال المانع في آخر وقت العشاء، وجب قضاء المغرب أيضاً؛ لاتحاد وقتي الظهر والعصر، ووقتي المغرب والعشاء في العذر، ففي الضرورة أولى. وذلك بشرط أن يخلو الشخص من الموانع قدر الطهارة، والصلاتين أخف ما يجزئ، كركعتين في صلاة المسافر.\rأما المالكية فقالوا: إن أدرك قدر خمس ركعات في الحضر، وثلاث في السفر من وقت الثانية وجبت الأولى أيضاً؛ لأن قدر الركعة الأولى من الخمس وقت للصلاة الأولى في حال العذر، فوجبت بإدراكه، كما لو أدرك ذلك من وقتها المختار، بخلاف ما لو أدرك دون ذلك. وإن أدرك قدر ركعة فقط، وجبت الأخيرة وسقطت الأولى.\rوإن بقي من الوقت ما يسع أقل من ركعة، سقطت الصلاتان.\rوقال الحنفية: لا تجب إلا الصلاة التي زال المانع في وقتها وحدها؛ لأن وقت الأولى خرج في حال العذر، فلم تجب، كما لو لم يدرك من وقت الثانية شيئاً. وهذا في تقديري هو المعقول؛ لأن الصلاة تجب بوقت معين، فإذا فات الوقت، سقط الوجوب.","part":1,"page":640},{"id":642,"text":"حدوث الأعذار في وقت الصلاة بعد مضي قدر ما يسعها:\rوهذا يتصور في الجنون والإغماء والحيض والنفاس، ولا يتصور في الكفر والصبا، فلو جن البالغ أو أغمي عليه،أو حاضت المرأة أو نُفست في أول الوقت أو أثناءه بحيث يمكنه أداء الصلاة، وجب عليه عند الجمهور غير الحنفية قضاء تلك الصلاة، إن مضى قدر الفرض مع الطهر، ولا تجب الصلاة الثانية التي تجمع معها؛ لأن وقت الأولى لا يصلح للثانية إلا إذا صلاهما جمعاً، بخلاف العكس.\rودليل الجمهور على وجوب قضاء الصلاة صاحبة الوقت؛ أن أول أجزاء الوقت هو سبب الإيجاب، أي علامة توجه الخطاب الشرعي، فمتى ابتدأ صار المكلف مطالباً بالفعل، مخيراً في جميع أجزاء الوقت، إذا كان أهلاً للتكليف أول الوقت، لقوله تعالى: {أقم الصلاة لدلوك الشمس} [الإسراء:78/17] فقد جعل الدلوك علامة على توجه الخطاب إلى المكلف، ولما بينت السنة أوائل الأوقات وأواخرها وقال الرسول صلّى الله عليه وسلم : «الوقت ما بين هذين» كما سبق، دل ذلك على التوسع على المكلف. ومتى وجب الواجب في الذمة استقر ولم يسقط. وهذا الرأي هو الأصح لدي. وقال الحنفية (1) : لاتجب صلاة ذلك الوقت على أصحاب الأعذار هؤلاء؛ لأن سبب إيجاب الصلاة: هو الجزء الذي يتصل به الأداء من الوقت، فإن لم يؤد تعين الجزء الأخير الذي يسع الواجب للسببية، وبعد خروج الوقت تضاف السببية إلى جملة الوقت.\rشروط صحة الصلاة:\rيشترط لصحة الصلاة: الإسلام والتمييز والعقل، كما يشترط ذلك لوجوب الصلاة، فتصح الصلاة من المميز، لكن لا تجب عليه، وهناك أحد عشر شرطاً أخرى متفق عليها بين الفقهاء: وهي دخول الوقت، والطهارة عن الحدثين، والطهارة عن النجس، وستر العورة، واستقبال القبلة، والنية، والترتيب في أداء الصلاة، وموالاة فعلها، وترك الكلام إلا بما هو من جنسها أو من مصالحها، وترك الفعل الكثير من غير جنس الصلاة، وترك الأكل والشرب (2) .\r-------------------------------\r(1) هذا الخلاف بين الرأيين أمر أصولي معروف يرجع إليه في كتب الأصول في بحث الواجب الموسع.\r(2) مراقي الفلاح: ص 33، 39، 53، فتح القدير:179/1-191، البدائع:114/1-146/1، تبيين الحقائق:95/1-103، الدر المختار:372/1-410، اللباب:64/1-68، 86، القوانين الفقهية: ص50-57، بداية المجتهد:105/1-114، الشرح الصغير:265/1-302، مغني المحتاج:142/1-150، 184-199، المهذب:59/1-69، الحضرمية: ص49-55، المغني:431/1-453، 577-508، 6/2، كشاف القناع:287/1-374، المحرر في الفقه الحنبلي:29/1، حاشية الباجوري:141/1-149.","part":1,"page":641},{"id":643,"text":"الشرط الأول - معرفة دخول الوقت:\rلا تصح الصلاة بدون معرفة الوقت يقيناً أو ظناً بالاجتهاد، فمن صلى بدونها لم تصح صلاته، وإن وقعت في الوقت، لتكون عبادته بنية جازمة، لاشك فيها، فمن شك لم تصح صلاته؛ لأن الشك ليس بجازم. والدليل: هو قوله تعالى:\r{إن الصلاة كانت على المؤمنين كتاباً موقوتاً} [النساء:103/4]، أي فرضاً مؤقتاً محدوداً بوقت. وقد سبق بحث مواقيت الصلاة، والاجتهاد في الوقت.\rالشرط الثاني ـ الطهارة عن الحدثين (1) :\rالأصغر والأكبر ( الجنابة والحيض والنفاس)، بالوضوء والغسل، أو التيمم. لقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق }... إلى قوله سبحانه: {وإن كنتم جنباً فاطهروا} [المائدة:6/5]، ولقوله صلّى الله عليه وسلم : «لايقبل الله صلاة بغير طهور» (2) « لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ» (3) .\rوالطهارة عن الحدث شرط في كل صلاة، مفروضة أو نافلة، كاملة أو ناقصة كسجدة التلاوة، وسجدة الشكر.\rفإذا صلى بغير طهارة، لم تنعقد صلاته.\r-------------------------------\r(1) الحدث لغة: الشيء الحادث، وشرعاً: ما نعية شرعية تقوم بالأعضاء إلى غاية وصول المزيل لها.\r(2) رواه الجماعة إلا البخاري عن ابن عمر.\r(3) رواه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي عن أبي هريرة، وهو صحيح.","part":1,"page":642},{"id":644,"text":"وإذا تعمد الحدث بطلت الصلاة بالإجماع، إلا في آخر الصلاة فلا تبطل عند الحنفية، وإن سبقه الحدث بطلت صلاته حالاً عند الشافعية والحنابلة، لقوله صلّى الله عليه وسلم : «إذا فسا أحدكم في الصلاة، فلينصرف وليتوضأ وليعد صلاته» (1) . وقال الحنفية: لا تبطل في الحال وإنما تبطل بمكثه قدر أداء ركن بعد سبق الحدث مستيقظاً بلا عذر. فإن وجد عذر كرعاف مثلاً بنى على صلاته إن شاء (أي أكملها من بعد وقت العذر) بعد استكمال الطهارة، وإن شاء استأنف الصلاة، أي ابتدأها من جديد، ويخرج من الصلاة واضعاً يده على أنفه تستراً.\rوقال المالكية كالحنفية: يجوز البناء على الصلاة في حالة الرعاف بشروط ستة بعد أن يخرج من الصلاة ممسكاً أنفه من أعلاه وهو مارنه، لا من أسفله من الوترة لئلا يبقى الدم في طاقتي أنفه، وهذه الشروط هي:\rالأول: إن لم يتلطخ بالدم بما يزيد على درهم، وإلا قطع الصلاة.\rالثاني: ولم يجاوز أقرب مكان ممكن، لغسل الدم فيه، فإن تجاوزه بطلت الصلاة.\rالثالث : أن يكون المكان الذي يغسل فيه قريباً، فإن كان بعيداً بعداً فاحشاً بطلت.\rالرابع: ألا يستدبر القبلة بلا عذر، فإن استدبرها لغير عذر بطلت.\rالخامس: ألا يطأ في طريقه نجساً، وإلا بطلت.\rالسادس: ألا يتكلم في مضيه للغسل، فإن تكلم ولو سهواً بطلت.\r-------------------------------\r(1) رواه الخمسة وصححه ابن حبان عن علي بن طلق (سبل السلام:131/1).","part":1,"page":643},{"id":645,"text":"الشرط الثالث ـ الطهارة عن الخبث: أي النجاسة الحقيقية.\rيشترط لصحة الصلاة الطهارة عن النجس الذي لا يعفى عنه في الثوب والبدن والمكان حتى موضع القدمين واليدين والركبتين، والجبهة على الأصح عند الحنفية، لقوله تعالى: {وثيابك فطهر} [المدثر:4/74]، قال ابن سيرين: هو الغسل بالماء، ولخبر الصحيحين السابق: «إذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم وصلي» ولحديث الأعرابي المتقدم الذي بال في المسجد: «أريقوا على بوله ذ َنوباً ـ دلواً ـ من ماء» فالآية دلت على وجوب طهارة الثوب، والحديث الأول دل على وجوب طهارة البدن، والحديث الثاني دل على وجوب طهارة المكان. ومشهور مذهب المالكية: أن الطهارة من النجس سنة مؤكدة. والذي اعتبره شرطاً كالشيخ خليل وشراحه جرى على القول بأنها فرض مع الذكر والقدرة.\rمسائل متفرعة على طهارة الثوب والبدن والمكان :\rأولاً ـ طهارة الثوب والبدن:\rأ ـ لو وقعت ثياب المصلي كالعباءة على أرض نجسة عند السجود: لا يضر ذلك عند الحنفية؛ لأن المفسد للصلاة عندهم أن يكون النجس في موضع قيامه أو جبهته أوفي موضع يديه أو ركبتيه.\rوتفسد الصلاة عند الشافعية والحنابلة، فلا تصح صلاة ملاقٍ بعضُ لباسه أو بدنه نجاسة؛ لأن ثوب المصلي تابع له، وهو كعضو سجوده (1) .\rب - جهل النجاسة: لو صلى حاملاً نجاسة غير معفو عنها، ولا يعلمها: تبطل صلاته في المذاهب الثلاثة (غير المالكية) وعليه قضاؤها، لأن الطهارة مطلوبة في الواقع، ولو مع جهله بوجود النَّجِس أو بكونه مبطلاً، لقوله تعالى: {وثيابك فطهر} [المدثر:4/74] والمشهور عند المالكية: أن الطهارة من الخبث أو إزالة النجاسة واجبة في حال الذكر والقدرة، فمن صلى بها ذاكراً قادراً، أعاد، ويسقط الوجوب بالعجز والنسيان، فلا يعيد إن صلى ناسياً أو عاجزاً (2) .\rجـ ـ الثوب المتنجس أو المكان النجس: إن لم يجد المصلي غير ثوب عليه نجاسة غير معفو عنها ولم يتيسر غسل النجاسة، أو وجد الماء ولم يجد من يغسلها\r-------------------------------\r(1) رد المحتار:374/1-585، مغني المحتاج:190/1، الشرح الكبير لابن قدامة:475/1.\r(2) فتح القدير:179/1، الدر المختار:373/1، مغني المحتاج: 188/1، الشرح الصغير:64/1،293، كشاف القناع:22/1، المغني:109/1، المهذب:59/1 ومابعدها، المجموع:163/1.","part":1,"page":644},{"id":646,"text":"وهو عاجز عن غسلها، أو وجده ولم يرض إلا بأجرة ولم يجدها، أو وجدها ولم يرض إلا بأكثر من أجرة المثل، أو حبس على نجاسة، واحتاج إلى فرش السترة عليها، لم يجز لبس الثوب النجس عند الشافعية لأنه سترة نجسة، وجاز لبسه عند الحنفية والمالكية والحنابلة ، والصلاة به ، وصلى عند المالكية قائماً عُرْياناً إن لم يجد ثوباً يستر به عورته، لأن ستر العورة مطلوب عند توفر القدرة على سترها، والمعتمد الإعادة في الوقت إن وجد ثوباً طاهراً، إن صلى بنجس أو بحرير أو بذهب ولو خاتماً، أو صلى عرياناً.\rويصلي في حال فقد الساتر جالساً، يومئ إيماءً عند الحنابلة والحنفية، عملاً بفعل ابن عمر، روى الخلال بإسناده عن ابن عمر في قوم انكسرت مراكبهم، فخرجوا عراة، قال: «يصلون جلوساً، يومئون إيماءً برؤوسهم» وروى عبد الرزاق عن ابن عباس، قال: «الذي يصلي في السفينة، والذي يصلي عرياناً، يصلي جالساً» . أما في حالة وجود الساتر النجس فيصلي فيه، ولا يعيد، ولا يصلي عرياناً؛ لأن الستر آكد من إزالة النجاسة، فكان أولى، ولأن النبي صلّى الله عليه وسلم قال: « غطِّ فخذك» وهذا عام، ولأن السترة متفق على اشتراطها، والطهارة من النجاسة مختلف فيها، فكان المتفق عليه أولى.\rويصلي عند الشافعية عرياناً متماً الأركان، ولا إعادة عليه على المذهب عندهم، لأن الصلاة مع العري يسقط بها الفرض. لكن لو كان على بدنه نجاسة غير معفو عنها، ولم يجد ما يغسل به، صلى وأعاد كفاقد الطهورين؛ لأن الصلاة مع النجاسة لا يسقط بها الفرض.\rوفصل الحنفية (1) في الأمر فقالوا:\r-------------------------------\r(1) تبيين الحقائق:98/1.","part":1,"page":645},{"id":647,"text":"إن كان ربع الثوب فأكثر طاهراً، صلى فيه حتماً، ولم يصل عرياناً؛ لأن الربع كالكل، يقوم مقامه في مواضع منها كشف العورة (1) ، ويتحتم عليه تقليل النجاسة بقدر الإمكان، ويلبس أقل ثوبيه نجاسة.\rوإن كان أقل من ربعه طاهراً، ندب صلاته فيه بالقيام والركوع والسجود، وجاز أن يصلي عارياً بالإيماء، والصلاة في ثوب نجس الكل أحب من الصلاة عرياناً. وهذا رأي الشيخين أبي حنيفة وأبي يوسف (2) . وإذا لم يجد المسافر ما يزيل به النجاسة أو يقللها، صلى معها، أو عارياً، ولا إعادة عليه، والقاعدة عندهم: أن فاقد ما يزيل به النجاسة يصلي معها، ولا إعادة عليه، ولا على فاقد ما يستر عورته. والصلاة عُرْياناً: أن يمد رجليه إلى القبلة لكونه أستر، ويومئ إيماء بالركوع والسجود وهو أفضل من الصلاة قائماً؛ لأن الستر آكد.\rد ـ جهالة محل النجاسة في الثوب: إذا وجد ثوب متنجس، ولكن خفي عليه موضع النجاسة:\rيكفي عند الحنفية غسل طرف من الثوب، ولو من غير تحر، ويطهر. ويغسل الثوب كله أو البدن كله عند الشافعية إن كان الخفاء في جميعه، وكذلك يغسل كله على الصحيح إن ظن طرفاً، لأن الثوب والبدن واحد. ولو اشتبه عليه طاهر ونجس من ثوبين أو بيتين، اجتهد فيهما للصلاة (3) .\rهـ ـ طرف الثوب على نجاسة: لو كان على المصلي ثوب أو غيره وطرفه واقع على نجاسة كطرف عمامته الطويلة أو كمه الطويل المتصل بنجاسة:\r-------------------------------\r(1) أقام الشرع الربع مقام الكل في كثير من المواضع، كما في حلق المحرم ربع رأسه، ومسح ربع الرأس في الوضوء، وكشف العورة، إذ الموضع موضع احتياط.\r(2) الدر المختار:183/1 ومابعدها، البدائع:117/1، الشرح الصغير:283/1 ومابعدها، مغني المحتاج:186/1، حاشية الباجوري:144/1، المهذب:60/1-61، المغني:587/1،592،594، فتح القدير:184/1، اللباب:66/1، مراقي الفلاح: ص38.\r(3) المهذب: 61/1، مغني المحتاج:189/1.","part":1,"page":646},{"id":648,"text":"لم تصح صلاته عند الشافعية كالمسألة الأولى، وإن لم يتحرك الطرف الذي يلاقي النجاسة بحركته أثناء قيامه وقعوده أو ركوعه وسجوده؛ لأن اجتناب النجاسة في الصلاة شرع للتعظيم، وهذا ينافيه هنا. وذلك بخلاف ما لو سجد على متصل بالنجاسة حيث تصح الصلاة إن لم يتحرك بحركته؛ لأن المطلوب في السجود كونه مستقراً على غيره، لحديث «مكّن جبهتك» فإذا سجد على متصل بنجس لم يتحرك بحركته، حصل المقصود، وعلى هذا لا يضر في صحة الصلاة نجس يحاذي صدر المصلي في الركوع والسجود وغيرهما على الصحيح، لعدم ملاقاته له.\rوقال الحنفية: تصح صلاته إن لم يتحرك الطرف النجس بحركته، فإن تحرك لم تصح؛ لأن الشرط عندهم طهارة ثوب المصلي وما يتحرك بحركته، أو يعد حاملاً له، كما سيأتي. وذلك بخلاف ما لم يتصل كبساط طرفه نجس، وموضع الوقوف والجبهة طاهر، فلا يمنع صحة الصلاة (1) .\rو ـ إمساك حبل مربوط بنجس: إذا أمسك المصلي حبلاً مربوطاً بنجس، كالحبل الذي يمسك به كلب بقلادة في عنقه، أو دابة أو مركب صغير يحملان نجساً:\rلم تصح صلاته عند الشافعية في الأصح؛ لأن الكلب سواء أكان صغيراً أم كبيراً نجس العين عندهم، ويصبح المصلي في هذه الحالة حاملاً نجساً، لأنه إذا مشى انجر معه. بخلاف السفينة الكبيرة التي لا تنجر بجره، فإنها كالدار، تصح الصلاة بحبل متصل بها.\rوتصح صلاته عند الحنفية كالحالة السابقة في حالة إمساك الكلب بناء على الراجح عندهم أنه ليس بنجس العين، بل هو طاهر الظاهر، كغيره من الحيوانات سوى الخنزير، فلا ينجس إلا بالموت. وذلك إذا لم يسل من الكلب ما يمنع الصلاة (2) .\r-------------------------------\r(1) الدر المختار ورد المحتار:373/1، مغني المحتاج:190/1، المهذب: 61/1، مراقي الفلاح: ص38.لكن لو جعل طرف الحبل تحت رجله، صحت صلاته في جميع الصور عند الشافعية.\r(2) الدر المختار رد المحتار: 374/1، مغني المحتاج، والمهذب: المكان السابق، المجموع:155/3 ومابعدها.","part":1,"page":647},{"id":649,"text":"ز ـ حمل بيضة صار مُحُّها (2) دماً: لو صلى المصلي حاملاً بيضة مَذِرة (فاسدة) صار محها دماً، جاز عند الحنفية، كمسألة الكلب، لأن الدم في معدن البيض، والشيء ما دام في معدنه لا يعطى له حكم النجاسة، بخلاف ما لو حمل قارورة فيها بول، فلا تجوز صلاته؛ لأنه في غير معدنه.\rولا تصح صلاته في الحالتين عند الشافعية في أصح الوجهين في البيضة، وفي الصحيح في القارورة؛ لأنه يكون حاملاً نجاسة (2)\rح ـ حمل صبي صغير في الصلاة: لو حمل المصلي صبياً صغيراً عليه نجس: تبطل صلاته عند الحنفية إن لم يستمسك بنفسه؛ لأنه يعد حاملاً للنجاسة، ويشترط عندهم طهارة ما يعد حاملاً له أي باستثناء ما يكون في الجوف كمسألة الكلب والبيضة السابقة. وتصح صلاته إن كان الصغير يستمسك بنفسه؛ لأنه لا يعد حاملاً للنجاسة.\rوقال الشافعية كالحنفية وغيرهم اتفاقاً لا خلاف فيه: لا يضر حمل الصبي الذي لا تظهر عليه نجاسة، فلو حمل حيواناً طاهراً في صلاته، صحت صلاته؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلم حمل أمامة بنت أبي العاص في صلاته (3) ، ولأن ما في الحيوان من النجاسة في معدن النجاسة هو كالنجاسة التي في جوف المصلي (4) .\rط ـ وصل العظم بنجس: قال الشافعية: لو وصل عظمه المنكسر بنجس لفقد الطاهر، فهو معذور تصح صلاته معه للضرورة (5) .\rثانياً ـ طهارة المكان:\rتشترط طهارة مكان المصلي مباشرة، فإن لم تباشره النجاسة جازت الصلاة كما في الصور الآتية:\r-------------------------------\r(1) المح: خالص كل شيء . والمراد هنا صفرة البيض أو كل ما في البيض.\r(2) رد المحتار، المكان السابق، المهذب: المكان السابق، المجموع:157/3.\r(3) حديث أمامة رواه البخاري ومسلم.\r(4) رد المحتار، المهذب، المكان السابق، المجموع:156/3.\r(5) مغني المحتاج: 190/1.","part":1,"page":648},{"id":650,"text":"أ ـ الصلاة على بساط عليه نجاسة: إذا صلى على بساط عليه نجاسة: فإن صلى على الموضع النجس، فلا تصح صلاته بالاتفاق؛ لأنه ملاق للنجاسة، ووضع العضو على النجاسة بمنزلة حملها. وإن صلى على موضع طاهر، صحت صلاته اتفاقاً أيضاً، ولو كان البساط صغيراً في الأصح عند الحنفية؛ لأنه غير ملاق للنجاسة ولا حامل لما هو متصل بالنجاسة (1) .\rب ـ الصلاة على موضع نجس بحائل: إن فرش على الأرض النجسة شيئاً وصلى عليه، جاز بالاتفاق إن صلح الفرش ساتراً للعورة؛ لأنه غير مباشر للنجاسة ولا حامل لما هو متصل بها. فإن لامس النجاسة من ثقوب الفرش، بطلت صلاته (2) ، وأضاف الحنفية: أنه تجوز الصلاة على لِبْد (فرش سميك) وجهه الأعلى طاهر، والأسفل نجس، وعلى ثوب طاهر وبطانته نجسة إذا كان غير مخيط بها، لأنه كثوبين فوق بعضهما.\rجـ ـ النجاسة في بيت أو صحراء: إذا كانت النجاسة في بيت أو صحراء وعرف مكانها، صلى في المواضع الخالية عن النجاسة.\rوإن خفي عليه موضعها: تحرى المكان الطاهر وصلى عند الحنفية.\rوقال الشافعية (3) : إن كانت الأرض واسعة كصحراء، فصلى في موضع منها جاز؛ لأنه غير متحقق لها، ولأن الأصل فيها الطهارة، ولا يمكن غسل جميعها.\rوإن كانت الأرض صغيرة كبيت، لم يجز أن يصلي فيه حتى يغسله، كما في حالة الشك بنجاسة جزء من الثوب؛ لأن البيت ونحوه يمكن غسله وحفظه من النجاسة، فإذا نجس أمكن غسله، وإذا خفي موضع النجاسة منه غسله كله كالثوب.\rوإن كانت النجاسة في أحد البيتين واشتبها عليه، تحرى، كما يتحرى في الثوبين.\rوإن حبس في موضع نجس ـ حُش (هو الخلاء)، وجب عليه أن يصلي عند جمهور العلماء، لقوله صلّى الله عليه وسلم : «وإذا أمرتكم بشيء، فأتوا منه ما استطعتم» (4) وقياساً على المريض العاجز عن بعض الأركان.\r-------------------------------\r(1) رد المحتار، المكان السابق، مغني المحتاج:190/1، المهذب:62/1، مراقي الفلاح: ص38.\r(2) رد المحتار، المهذب، المكان السابق.\r(3) المهذب:62/1، المجموع:160/1 ومابعدها.\r(4) رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة بلفظ: «ما نهيتكم عنه فاجتنبوه، وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم..» .","part":1,"page":649},{"id":651,"text":"وإذا صلى يجب عليه أن يتجافى عن النجاسة في قعوده بيديه وركبتيه وغيرهما القدر الممكن، ويجب عليه أيضاً الإيماء أو الانحناء في السجود إلى القدر الذي لو زاد عليه لاقى النجاسة، ولا يسجد على الأرض، على الصحيح؛ لأن الصلاة قد تجزئ مع الإيماء، ولا تجزئ مع النجاسة.\rوتجب عليه الإعادة في موضع طاهر على الجديد الأصح، ومستحبة على القديم، لأنه ترك الفرض لعذر نادر غير متصل، فلم يسقط عنه الفرض، كما لو ترك السجود ناسياً. والذي يعتبر فرضاً هو الصلاة الثانية في أصح الأوجه عند الشافعية.\rالشرط الرابع ـ ستر العورة :\rالعورة لغة: النقص، وشرعاً: ما يجب ستره وما يحرم النظر إليه، والمعنى الأول هو المراد هنا في الصلاة. يشترط ستر العورة عن العيون، ولو كان خالياً في ظلمة عند القدرة في رأي الجمهور. وقال الحنفية: يجب الستر بحضرة الناس إجماعاً، وفي الخلوة على الصحيح، فلو صلى في الخلوة عرياناً، ولو في بيت مظلم، وله ثوب طاهر، لا يجوز (1) .\rويجب ستر العورة في الصلاة وغيرها ولو في الخلوة إلا لحاجة كاغتسال وتغويط واستنجاء.\rوالدليل على وجوب الستر: قوله تعالى: {خذوا زينتكم عند كل مسجد} [الأعراف7/31]قال ابن عباس: المراد به: الثياب في الصلاة.\r-------------------------------\r(1) رد المحتار:375/1.","part":1,"page":650},{"id":652,"text":"وقوله صلّى الله عليه وسلم : «لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار» (1) والخمار: ما يغطى به رأس المرأة، وقوله عليه السلام: «يا أسماء، إن المرأة إذا بلغت المحيض، لم يصلح أن يرى منها إلا هذا وهذا، وأشار إلى وجهه وكفيه» (2) .\rوأجمع العلماء على وجوب سترة المرأة مطلقاً، في الصلاة وغيرها.\rشروط الساتر:\r1ً - يجب أن يكون صفيقاً كثيفاً: فالواجب الستر بما يستر لون البشرة ولايصفها من ثوب صفيق أو جلد أو ورق، فإن كان الثوب خفيفاً أو رقيقاً يصف ما تحته أو يتبين لون الجلد من ورائه، فيعلم بياضه أو حمرته، لم تجز الصلاة به؛ لأن الستر لا يحصل بذلك. وإن كان يستر لونها،ويصف الخلقة أو الحجم؛ جازت الصلاة به؛ لأن هذا مما لا يمكن التحرز منه، حتى ولو كان الساتر صفيقاً، لكنه عند الشافعية للمرأة مكروه، وللرجل خلاف الأولى.\rوقال الشافعية: شرط الساتر: ما يمنع لون البشرة، ولو ماء كدراً أو طيناً، لاخيمة ضيقة وظلمة، ويجب عندهم أن يكون الساتر طاهراً، وقال المالكية: إن ظهر ما تحته فهو كالعدم، وإن وصف فهو مكروه (3) .\r2ً - والشرط عند الشافعية والحنابلة: أن يشمل المستور لبساً ونحوه، فلا تكفي الخيمة الضيقة والظلمة. وتكفي الظلمة عند الحنفية والمالكية للضرورة؛ لأن\r-------------------------------\r(1) رواه الحاكم، وقال: إنه على شرط مسلم، ورواه أيضاً الخمسة إلا النسائي وصححه ابن خزيمة عن عائشة. والمراد بالحائض: البالغ التي بلغت سن الحيض؛ لأن الحائض في زمن حيضها لاتصح صلاتها، بخمار ولا غيره (نيل الأوطار:67/2).\r(2) رواه أبو داود عن عائشة، وهو حديث مرسل (نصب الراية:299/1).\r(3) القوانين الفقهية: ص54. الواجب عندهم هو ستر العورة عن غيره، ولو حكما كمكان مظلم، لا سترها عن نفسه، على المفتى به.","part":1,"page":651},{"id":653,"text":"3ً - والمطلوب هو ستر العورة من جوانبها، على الصحيح عند الحنفية، وغيرهم من الفقهاء، فلا يجب الستر من أسفل أو من فتحة قميصه، فلو صلى على زجاج يصف ما فوقه، جاز.\rوإن وجد مإ يستر بعض عورته، يجب سترها ولو بيده في الأصح عند الشافعية، لحصول المقصود، فإن كفى الساتر سوأتيه أو الفرجين تعين لهما، وإن كفى أحدهما تعين عليه ستر القُبُل ثم الدبر عند الشافعية، وبالعكس عند الحنفية والمالكية. ويجب أن يزر قميصه أو يشد وسطه إن كانت عورته تظهر منه في الركوع أو غيره.\rالصلاة في الثوب الحرام: يصح الستر مع الحرمة عند المالكية والشافعية، وتنعقد الصلاة مع الكراهة التحريمية عند الحنفية: بما لا يحل لبسه كثوب حرير للرجل، ويأثم بلا عذر، كالصلاة في الأرض المغصوبة.\rوقال الحنابلة: لا تصح الصلاة بالحرام كلبس ثوب حرير، أو صلاة في أرض مغصوبة ولو منفعتها أو بعضها، أو صلاة في ثوب ثمنه كله أو بعضه حرام أو كان متختماً بخاتم ذهب، إن كان عالماً ذاكراً (1) ، لما روى أحمد عن ابن عمر: «من اشترى ثوباً بعشرة دراهم، وفيه درهم حرام، لم يقبل الله له صلاة، ما دام عليه» ثم أدخل أصبعيه في أذنيه وقال: «صُمَّتا إن لم يكن النبي صلّى الله عليه وسلم سمعته يقوله» (2) ، ولحديث عائشة: «من عمل عملاً ليس عليه\r-------------------------------\r(1) كشاف القناع: 313/1، المغني:587/1 ومابعدها.\r(2) لكن في إسناده رجلان: هاشم وبقية، قال البخاري: هاشم غير ثقة، وبقية: مدلّس.","part":1,"page":652},{"id":654,"text":"أمرنا فهو رد» (1) ، ولأن قيامه وقعوده ولبثه فيه محرم منهي عنه، فلم يقع عبادة كالصلاة في زمن الحيض، وكالنجس.\rفإن جهل كونه حريراً أو غصباً، أو نسي كونه حريراً أو غصباً، أو حبس بمكان غصب أو نجس، صحت صلاته؛ لأنه غير آثم.\rوأجاز المالكية والحنفية الصلاة بثوب نجس كما أوضحت سابقاً.\rواتفق علماء المذاهب: أن ستر العورة واجب ولو بإعارة، فإن صلى عرياناً مع وجود ثوب عارية، أو مع وجود ثوب من حرير طاهر عند الجمهور غير الحنابلة، بطلت صلاته. ولو وُعد به، ينتظر ما لم يخف فوات الوقت، وهو الأظهر عند الحنفية، ويلزمه الشراء بثمن المثل (2) كالمقرر في شراء الماء سابقاً.\rعادم الساتر: من لم يجد ساتراً لعورته: صلى عرياناً عند المالكية؛ لأن ستر العورة مطلوب عند القدرة، ويسقط بالعجز.\rوصلى قاعداً يومئ إيماء عند الحنابلة، عملاً بفعل ابن عمر كما أبنت سابقاً في الشرط الثالث.\rويجب عليه أن يصلي عند الشافعية والحنفية ولو بطين يتطين به يبقى إلى تمام صلاته، أو بماء كدر غير صاف، وتكفيه الظلمة للاضطرار عند الحنفية والمالكية، وباليد عند الشافعية في الأصح وعند الحنابلة لحصول المقصود كما تقدم، ويصلي قائماً عند الشافعية متمماً الأركان، ولا إعادة عليه على المذهب عندهم كما أوضحت. ويصلي قاعداً مومياً بركوع وسجود عند الحنفية والحنابلة، وهو أفضل من الصلاة قائماً بإيماء أو بركوع وسجود؛ لأن الستر أهم من أداء الأركان.\rقال الحنابلة: ومن كان في ماء وطين ولم يمكنه السجود على الأرض إلا بالتلوث بالطين والبلل بالماء صلى على دابته، يومئ بالركوع والسجود (3) .\rانكشاف العورة فجأة: إن انكشفت عورة المصلي فجأة بالريح مثلاً عن غير عمد، فستره في الحال، لم تبطل صلاته عند الشافعية والحنابلة لانتفاء المحذور، وإن قصر أو طال الزمان، بطلت بسبب تقصيره، ولأن الكثير يفحش انكشاف العورة فيه، ويمكن التحرز منه، فلم يعف عنه(4) .\rوقال المالكية: تبطل الصلاة مطلقاً بانكشاف العورة المغلظة.\rوقال الحنفية: إذا انكشف ربع العضو من أعضاء العورة، فسدت الصلاة إن استمر بمقدار أداء ركن، بلا صنعه، فإن كان بصنعه فسدت في الحال.\r-------------------------------\r(1) رواه أحمد ومسلم عن عائشة، وهو صحيح.\r(2) الدر المختار: 382/1، المجموع:193/3....\r(3) المغني:599/1.\r(4) مغني المحتاج:188/1، المغني:580/1.....","part":1,"page":653},{"id":655,"text":"صلاة العراة جماعة: الجماعة مشروعة للعراة، فلهم عند الشافعية والحنابلة أن يصلوا فرادى أو جماعة، وفي حال الصلاة جماعة يقف الإمام معهم في الصف وسطاً، ويكون المأمومون صفاً واحداً، حتى لا ينظر بعضهم إلى عورة بعض، فإن لم يمكن إلا صفين، صلوا وغضوا الأبصار.\rوإن اجتمع نسوة عراة، استحب لهن الجماعة، وتقف المرأة الإمام وسطهن في كل حال لأنهن عورات؛ لأن صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفرد، كما هو الثابت في السنة. ويصلون قياماً مع إتمام جميع الأركان عند الشافعية، ويومئون إيماء، ويكون سجودهم أخفض من ركوعهم عند الحنابلة.\rوهل الأفضل أن يصلوا جماعة أو فرادى؟\rقال الشافعية: إن كانوا عُمْياً أو في ظلمة بحيث لا يرى بعضهم بعضاً، استحبت الجماعة بلا خوف، ويقف إمامهم قُدَّامهم. وإن كانوا بحيث يرون، فأصح الأقوال أن الجماعة والانفراد سواء.\rوإن وجد مع إنسان كسوة، استحب أن يعيرهم، فإن لم يفعل، لم يغصب منه؛ لأن صلاتهم تصح من غير سترة.\rوقال المالكية والحنفية: يصلون فرادى، ويتباعد بعضهم من بعض، وإن كانوا في ظلمة صلوا جماعة ويتقدمهم إمامهم (1) . وإن لم يمكن تفرقهم صلوا جماعة قياماً صفاً واحداً مع ركوع وسجود، إمامهم وسطهم، غاضين أبصارهم وجوباً.\rحد العورة: يشترط عند أئمة المذاهب لصحة الصلاة ستر العورة كما تقدم، لكن الفقهاء اختلفوا في حد العورة للرجل والأمة والمرأة الحرة، فما آراؤهم تفصيلاً؟\rمذهب الحنفية (2) :\rأ ـ عورة الرجل: هي ما تحت سرته إلى ما تحت ركبته، فالركبة من الفخذ عورة في الأصح، عملاً بالمأثور عندهم: «عورة الرجل ما بين سرته إلى ركبته» أو «مادون سرته حتى يجاوز ركبته» (3) ولحديث ضعيف عند الدارقطني: «الركبة من\r-------------------------------\r(1) المجموع:191/3 ومابعدها، المهذب:6/1، المغني:596/1،598، الشرح الكبير مع الدسوقي: 221/1.\r(2) الدر المختار ورد المحتار:375/1-397، تبيين الحقائق للزيلعي:95/1-97.....\r(3) هذا مأخوذ من أحاديث ثلاثة: الأول - حديث الدارقطني وأحمد وأبي داود عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده «.. فإذا زوج أحدكم أمته، عبده أو أجيره، فلا ينظر إلى ما دون السرة وفوق الركبة، فإن تحت السرة إلى الركبة من العورة» وهو ضعيف. والثاني - حديث الحاكم عن عبد الله بن جعفر«مابين السرة إلى الركبة عورة» وهو موضوع، الثالث ـ حديث الدارقطني عن أبي أيوب: «ما فوق الركبتين من العورة، وما أسفل السرة من العورة» وهو غريب (نصب الراية:296/1-297).","part":1,"page":654},{"id":656,"text":": العورة» (1) .\rب ـ الأمَة (الرقيقة): كالرجل في العورة، مع ظهرها وبطنها وجنبها، لقول عمر رضي الله: «ألق عنك الخمار يا دفار، أتتشبهين بالحرائر» (2) ، ولأنها تخرج لحاجة مولاها في ثياب مهنتها عادة، فاعتبرت كالمحارم في حق الأجانب عنها دفعاً للحرج.\rجـ ـ المرأة الحرة ومثلها الخنثى: جميع بدنها حتى شعرها النازل في الأصح، ما عدا الوجه والكفين، والقدمين ظاهرهما وباطنهما على المعتمد لعموم الضرورة، والصوت على الراجح (3) ليس بعورة، لكن ظهر الكف عورة على المذهب، والأصح أن باطن الكفين وظاهرهما ليسا بعورة. والقدمان ليسا بعورة في حق الصلاة على المعتمد، والصحيح أنهما عورة في حق النظر والمس. واستدلوا بقوله تعالى: {ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها} [النور:31/24] والمراد محل زينتهن، وما ظهر منها: الوجه والكفان، كما قال ابن عباس وابن عمر، وبقوله صلّى الله عليه وسلم : «المرأة عورة، فإذا خرجت استشرفها الشيطان» (4) وبحديث عائشة السابق: «يا أسماء، إن المرأة إذا بلغت المحيض، لم يصلح أن يرى منها إلا هذا وهذا، وأشار إلى وجهه وكفه» (5) .\r-------------------------------\r(1) نصب الراية:297/1\r(2) قال عنه الزيلعي: غريب وبمعناه روى عبد الرازق عن عمر، ورواه البيهقي، وقال: الآثار بذلك عن عمر صحيحة (نصب الراية:300/1).\r(3) لكن نغمة المرأة ، وتليينه أي تمطيط الصوت عورة في الأذان وغيره، فلا يحل سماعه.\r(4) رواه الترمذي عن عبد الله بن مسعود، وقال: حديث حسن صحيح غريب، ورواه ابن حبان أيضاً (نصب الراية:298/1).\r(5) أخرجه أبو داود، وهو حديث مرسل.","part":1,"page":655},{"id":657,"text":"وبحديث عائشة المتقدم أيضاً: «لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار» والخمار: ما يغطى به رأس المرأة.\rوتمنع المرأة الشابة من كشف الوجه بين الرجال، لا لأنه عورة، بل لخوف الفتنة، أي الفجور بها، أو الشهوة. والمعنى أنها تمنع من الكشف خوفاً أن يرى الرجال وجهها، فتقع الفتنة؛ لأنه مع الكشف قد يقع النظر إليها بشهوة.\rولا يجوز النظر إلى وجه المرأة والفتى الأمرد بشهوة، إلا لحاجة، كقاض أو شاهد أو للشهادة عليها، وخاطب يريد زواجها، فينظر ولو عن شهوة، بنية العمل بالسنة، لا قضاء الشهوة، وكذا في حال المداواة إلى موضع المرض بقدر الضرورة.\rوالمعتمد عند الحنفية: أن كشف ربع عضو من أعضاء العورة (الغليظة وهي القبل والدبر وما حولهما، أو المخففة: وهي ما عدا السوأتين) (1) إن استمر بمقدار أداء ركن، بدون تعمد، وإنما سهواً، يبطل الصلاة؛ لأن ربع الشيء له حكم الكل، كما تقدم سابقاً. ولا تبطل بما دون ذلك، فمن كشف ربع بطن أو فخذ أو شعر نزل من الرأس، أو دبر، أو ذكر، أو أنثيين، أو فرج بطلت صلاته، إن استمر مقدار أداء ركن، وإلا لا يبطل.\rمذهب المالكية (2) :\rيجب ستر العورة عن أعين الناس إجماعاً، أما في الصلاة فالصحيح من المذهب وجوب ستر ما يأتي:\r-------------------------------\r(1) لا فرق بين العورتين إلا من حيث أن حرمة النظر إلى الغليظة أشد.\r(2) الشرح الصغير:285/1، بداية المجتهد:111/1، القوانين الفقهية: ص53، الشرح الكبير: 211/1-217، شرح الرسالة:98/1.","part":1,"page":656},{"id":658,"text":"أ ـ عورة الرجل في الصلاة: هي المغلظة فقط وهي السوأتان وهما من المقدم: الذكر مع الأنثيين، ومن المؤخر: ما بين الأليتين. فيجب إعادة الصلاة في الوقت لمكشوف الأليتين فقط، أو مكشوف العانة. فليس الفخذ عورة عندهم، وإنما السوأتان فقط، لحديث أنس: «أن النبي صلّى الله عليه وسلم يوم خيبر حَسَر الإزار عن فخذه، حتى إني لأنظر إلى بياض فخذه» (1) .\rب ـ عورة الأمة هي السوأتان مع الأليتين، فإذا انكشف منها شيء من ذلك أو كشفت فخذاً كله أو بعضه، أعادت أبداً في الوقت، كالرجل. ووقت الإعادة في الظهر والعصر للاصفرار، وفي المغرب والعشاء: الليل كله، وفي الصبح لطلوع الشمس.\rجـ ـ عورة الحرة المغلظة: جميع البدن ما عدا الصدر والأطراف من رأس ويدين ورجلين. وما قابل الصدر من الظهر كالصدر. فإن انكشف من العورة المخففة شيء من صدرها أو أطرافها، ولو ظهر قدم لا باطنه، أعادت في الوقت الضروري السابق بيانه: في الظهرين للاصفرار، وفي العشاءين الليل كله، وفي الصبح للطلوع.\rهذا بالنسبة للصلاة. أما بالنسبة للرؤية والصلاة أيضاً فيجب ولا يشترط ستر عورة الرجل وعورة الأمة. أما عورة الحرة أمام امرأة أخرى مسلمة أو كافرة، فهي للرؤية ما بين السرة والركبة.\rكما يجب على الحرة أمام رجل أجنبي، أي ليس بمحرم لها ستر جميع البدن\r-------------------------------\r(1) رواه أحمد والبخاري (نيل الأوطار:64/2) ويؤيده حديث آخر رواه أحمد عن عائشة: «أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم كان جالساً كاشفاً عن فخذه، فاستأذن أبو بكر فأذن له، وهو على حاله،ثم استأذن عمر فأذن له وهو على حاله، ثم استأذن عثمان فأرخى عليه ثيابه..» (نيل الأوطار:63/2).","part":1,"page":657},{"id":659,"text":"غير الوجه والكفين، أما هما فليسا بعورة، وإن وجب عليها سترها لخوف الفتنة، ولا يجوز للرجل أن يرى من المرأة المَحْرم ولو بمصاهرة ورضاع صدرها ونحوه غير الوجه والأطراف وإن لم يلتذ، خلافاً للشافعية وغيرهم الذين أجازوا رؤية ما عدا ما بين السرة والركبة، وذلك فسحة، والأطراف تشمل العنق والرأس وظهر القدم.\rيتبين من ذلك أن العورة في الرجل والمرأة بالنسبة للصلاة: مغلظة ومخففة. فالمغلظة للرجل: السوأتان (القبل وحلقة الدبر)، والمخففة له: ما زاد على السوأتين مما بين السرة والركبة. والمغلظة للأمة: الأليتان وما بينهما من فم الدبر، والفرج وما والاه من العانة. والمخففة: الفخذ وما فوق العانة للسرة.\rوالمغلظة للحرة: جميع بدنها ما عدا الأطراف والصدر وما حاذاه من الظهر، والمخففة لها: هي جميع البدن ما عدا الوجه والكفين.\rفمن صلى مكشوف شيء من العورة المغلظة مع الذِّ كْر والقدرة على الراجح ولو بشراء أو إعارة، بطلت صلاته، ويعيد أبداً على المشهور.\rومن صلى مكشوف شيء من العورة المخففة، لا تبطل صلاته، وإن كان كشفها مكروهاً ويحرم النظر إليها، ولكن يستحب لمن صلى مكشوف العورة المخففة أن يعيد الصلاة في الوقت الضروري (في الظهرين للاصفرار، وفي العشاءين: الليل كله، وفي الصبح للطلوع).\rويحرم النظر للعورة ولو بلا لذة إذا كانت غير مستورة، أما النظر إليهما مستورة فهو جائز بخلاف جسها من فوق الساتر، فإنه لا يجوز.","part":1,"page":658},{"id":660,"text":"والعورة بالنسبة للرؤية: للرجل ما بين السرة والركبة، وللمرأة أمام رجل أجنبي جميع بدنها غير الوجه والكفين، وأمام محارمها جميع جسدها غير الوجه والأطراف: وهي الرأس والعنق واليدان والرجلان، إلا أن يخشى لذة، فيحرم ذلك، لا لكونه عورة. والمرأة مع المرأة أو مع ذوي محارمها كالرجل مع الرجل: ترى ما عدا ما بين السرة والركبة، وأما المرأة في النظر إلى الأجنبي فهي كحكم الرجل مع ذوات محارمه وهو النظر إلى الوجه والأطراف (الرأس واليدين والرجلين).\rمذهب الشافعية (1) :\rأ ـ عورة الرجل: ما بين سُرَّته وركبته (2) في الصلاة والطواف وأمام الرجال الأجانب والنساء المحارم، لما روى الحارث بن أبي أسامة عن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه، قال: «عورة المؤمن ما بين سرته إلى ركبته» وروى البيهقي «وإذا زوج أحدكم أمته ـ عبده أو أجيره ـ فلا تنظر ـ أي الأمة ـ إلى عورته» وروي في ستر الفخذ أحاديث، منها: «لا تُبرز فخِذاك، ولا تنظر إلى فخذي حي ولا ميت» (3) ومنها قوله صلّى الله عليه وسلم لجَرْهد الأسلمي: «غطِّ فخذك، فإن الفخذ عورة» (4) .\rفالسرة والركبة ليستا من العورة على الصحيح، لحديث أنس السابق في مذهب المالكية المتضمن إظهار النبي صلّى الله عليه وسلم فخذه. لكن يجب ستر شيء من الركبة لستر الفخذ، ومن السرة؛ لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، كما أبان الشافعية والحنابلة والمالكية في الأصول (5) .\r-------------------------------\r(1) مغني المحتاج:185/1، المهذب:64/1، المجموع:170/3-176.\r(2) السرة: الموضع الذي يقطع من المولود، والركبة: موصل ما بين أطراف الفخذ وأعالي الساق.\r(3) رواه أبو داود وابن ماجه والحاكم والبزار، وفيه علة ( نيل الأوطار:62/2 ).\r(4) رواه مالك في الموطأ وأحمد وأبو داود والترمذي، وقال: حسن، وصححه ابن حبان (المصدر السابق:63/1).\r(5) شرح الإسنوي:127/1، المدخل إلى مذهب أحمد: ص61، مختصر ابن الحاجب: ص38.","part":1,"page":659},{"id":661,"text":"وأماعورة الرجل أمام النساء الأجانب بالنسبة للنظر، فجميع بدنه، وفي الخلوة: السوأتان فقط.\rوقد رد على استدلال المالكية بحديث أنس وعائشة المتضمنين أن الفخذ ليست بعورة، بوجوه أربعة:\rالأول: أنه حكاية فعل، وطرف الفخذ قد يتسامح في كشفه، لا سيما في مواطن الحرب ومواقف الخصام،والمقرر في الأصول: أن القول أرجح من الفعل.\rوالثاني: أن حديث أنس وعائشة لا يقويان على معارضة تلك الأقوال الصحيحة العامة لجميع الرجال.\rوالثالث: حديث عائشة في رواية مسلم فيه تردد: «كان رسول الله صلّى الله عليه وسلم مضطجعاً في بيتي كاشفاً عن فخذيه أو ساقيه» والساق ليس بعورة إجماعاً، فهو مشكوك في المكشوف.\rوالرابع: غاية ما في هذه الواقعة بكشف الفخذ: أن يكون ذلك خاصاً بالنبي صلّى الله عليه وسلم ؛ لأنه لم يظهر فيها دليل يدل على التأسي به في مثل ذلك، فيكون الواجب التمسك بالأقوال الناصعة على أن الفخذ عورة (1) .\rب ـ عورة الأمة كالرجل في الأصح، إلحاقاً لها بالرجل بجامع أن رأس كل منهما ليس بعورة، ولأن الرأس والذراع مما تدعو الحاجة إلى كشفه.\rجـ ـ عورة الحرة ومثلها الخنثى: ما سوى الوجه والكفين، ظهرهما وبطنهما من رؤوس الأصابع إلى الكوعين (الرسغ أو مفصل الزند) لقوله تعالى: { ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها } [النور:31/24]، قال ابن عباس وعائشة رضي الله عنهم: «هو الوجه والكفان» ولأن النبي صلّى الله عليه وسلم نهى المرأة الحرام (المحرمة بحج أو عمرة) عن لبس\r-------------------------------\r(1) نيل الأوطار:64/2، المجموع :176/3.","part":1,"page":660},{"id":662,"text":"القفازين والنقاب (1) ، ولو كان الوجه عورة لما حرم سترهما في الإحرام، ولأن الحاجة تدعو إلى إبراز الوجه للبيع والشراء، وإلى إبراز الكف للأخذ والعطاء، فلم يجعل ذلك عورة.\rوإذا انكشف بعض العورة في الصلاة مع القدرة على سترها بطلت صلاته، إلا إن كشفها ريح أو سهواً، فسترها في الحال فلا تبطل، كما تقدم سابقاً. وإن كشفت بغير الريح أو بسبب بهيمة أو غير مميز فتبطل.\rولا يجب على الرجل ستر عورته عن نفسه، لكنه يكره نظره إليها.\rوعورة المرأة الحرة بالنسبة للنظر: خارج الصلاة جميع بدنها أمام الرجال الأجانب، وأمام النساء الكافرات ما عدا ما يبدو عند المهنة أي الخدمة والاشتغال بقضاء حوائجها. وأما أمام النساء المسلمات والرجال المحارم: فعورتها كالرجل ما بين السرة والركبة.\rودليل العلماء كافة على وجوب ستر العورة وعدم جواز نظر الرجل إلى عورة الرجل، والمرأة إلى عورة المرأة: حديث أبي سعيد الخدري بلفظ: «لا ينظر الرجل إلى عورة الرجل، ولا المرأة إلى عورة المرأة في الثوب الواحد» (2) وحديث بَهْز بن حََكيم عن أبيه عن جده قال: قلت: يا رسول الله، عوراتُنا ما نأتي منها، وما نَذَر؟ قال: احفظ عورتَك إلا من زوجك أو ما ملكت يمينك، قلتُ: فإذا كان القوم بعضهم في بعض؟ قال: إن استطعت ألا يراها أحد، فلا يَرَينَّها، قلت: فإذا كان أحدنا خالياً؟ قال: فالله تبارك وتعالى أحقُ أن يُسْتَحيا منه» (3) فهو يدل على أن التعري في الخلاء غير جائز. ويؤيده حديث ابن عمر عند الترمذي بلفظ: «قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم : إياكم والتعري، فإن معكم من لا يفارقكم إلا عند الغائط» ، وحين يفضي الرجل إلى أهله، فاستحيوهم وأكرموهم» .\rواستدل البخاري على جواز التعري في الغسل بقصة موسى وأيوب.\rمذهب الحنابلة (4) :\rأ ـ عورة الرجل: ما بين سرته وركبته، للأحاديث السابقة التي استدل بها الحنفية والشافعية، وليست سرته وركبتاه من عورته، لحديث عمرو بن شعيب السابق: «.. فإن ما تحت السرة إلى الركبة عورة» وحديث أبي أيوب الأنصاري بلفظ: «أسفل السرة وفوق الركبتين من العورة» (5) ، ولأن الركبة حد، فلم تكن من العورة كالسرة. والخنثى المشكل كالرجل، إذ لا نوجب عليه الستر بأمر محتمل متردد.\rويجب بالإضافة لذلك لصحة الصلاة في ظاهر المذهب: أن يستر الرجل أحد منكبيه ، ولو بثوب خفيف يصف لون البشرة؛ لأن وجوب ستر المنكبين بالحديث، ولفظه: «لا يصلي الرجل في الثوب الواحد، ليس على عاتقه منه شيء» (6) وهذا نهي يقتضي التحريم، ويقدم على القياس، وروى أبو داود عن بريدة قال: «نهى رسول الله صلّى الله عليه وسلم أن يصلي في لحاف، ولا يتوشح به» .\r-------------------------------\r(1) في صحيح البخاري عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلّى الله عليه وسلم قال: «ولا تنتقب المرأة المحرمة، ولا تلبس القفازين» .\r(2) رواه مسلم وأبو داود والترمذي (نيل الأوطار:61/2).\r(3) رواه الخمسة إلا النسائى (المصدر السابق).\r(4) المغني:577/1-582، 601-606، كشاف القناع: 306/1-315، غاية المنتهى: 97/1-99.\r(5) رواه أبو بكر بإسناده.\r(6) رواه البخاري ومسلم وأبو داود وابن ماجه وغيرهم عن أبي هريرة.","part":1,"page":661},{"id":663,"text":"لكن من لم يجد إلا ما يستر عورته فقط أو منكبيه فقط، ستر عورته وصلى قائماً وجوباً، وترك ستر منكبيه، لقوله صلّى الله عليه وسلم : «إذا كان الثوب واسعاً، فخالف بين طرفيه، وإن كان ضيقاً فاشدده على حَقْوك» (1) أي خصرك.\rوعلى الرجل أن يستر عورته في الصلاة عن النظر، حتى عن نفسه، فلو رأى عورته من جيب واسع لقميصه، إذا ركع أو سجد، وجب زره ونحوه ليسترها، لعموم الأمر بستر العورة.\rكما يجب عليه سترها ولو في خلوة أو ظلمة، لحديث بَهْز بن حكيم السابق «احفظ عورتك إلا من زوجتك، أو ما ملكت يمينك...» .\rولا يجب سترها بحصير وحفيرة وطين وماء كدر؛ لأن ذلك لا يثبت، وفي الحفيرة حرج.\r-------------------------------\r(1) رواه أبو داود.","part":1,"page":662},{"id":664,"text":"وإن انكشف من العورة يسير، لم تبطل صلاته، لما رواه أبو داود عن عمرو ابن سلمة الذي كانت تنكشف عنه بردته لقصرها إذا سجد.\rوإن انكشف من العورة شيء كثير، تبطل صلاته. والمرجع في التفرقة بين اليسير والكثير إلى العرف والعادة.\rلكن إن انكشف الكثير من العورة عن غير عمد، فستره في الحال، من غير تطاول الزمان، لم تبطل؛ لأن اليسير من الزمان أشبه اليسير في القَدْر. فإن طال كشفها، أو تعمد كشفها، بطلت الصلاة مطلقاً.\rب ـ عورة الأمة كالرجل: ما بين السرة والركبة على الراجح، لحديث عمرو ابن شعيب السابق مرفوعاً: «إذا زوج أحدكم عبده ـ أمَتَه أو أجيره ـ فلا ينظر إلى شيء من عورته، فإن ما تحت السرة إلى ركبته عورة» .\rهذا بالنسبة لعورة الأمة في الصلاة، بقصد التخفيف عنها، ودفع الحرج والتيسير عليها وعلى الآخرين، لانشغالها بخدمة سيدها، ولأن من شأن الأمة الابتذال والقيام بالأعمال، ولضعف الميل إليها غالباً، أما بالنسبة للنظر فيحرم على الناس غير السيد إدمان النطر إلى الإماء، منعاً من الفتنة، وللأمر بغض البصر عن جميع النساء.\rجـ ـ عورة الحرة البالغة: جميع بدنها سوى وجهها، وكفيها على الراجح ـ عند جماعة ـ من الروايتين، لقوله تعالى: {ولا يبدين زينتهن إلا ماظهر منها} [النور:31/24]، قال ابن عباس وعائشة: «وجهها وكفيها» (1) وليس لها كشف ما عدا وجهها وكفيها في الصلاة، بدليل الأحاديث السابقة عند الشافعية. والدليل على وجوب تغطية القدمين: ما روت أم سلمة قالت: «قلت: يا رسول الله، أتصلي المرأة في درع وخمار ليس عليها إزار؟ قال: نعم، إذا كان سابغاً يغطي ظهور قدميها» (2) وهذا يدل على وجوب تغطية القدمين، ولأنه محل لا يجب كشفه في الإحرام، فلم يجز كشفه في الصلاة كالساقين.\r-------------------------------\r(1) رواه البيهقي، وفيه ضعف، وخالفهما ابن مسعود.\r(2) رواه أبو داود، وقال: وقفه جماعة على أم سلمة، ورفعه عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار. وروى الترمذي حديثاً عن ابن عمر في موضوعه، وقال: حديث حسن صحيح.","part":1,"page":663},{"id":665,"text":"ويجزئ المرأة من اللباس ما سترها الستر الواجب، لحديث أم سلمة السابق والمستحب أن تصلي المرأة في دِرْع (قميص سابغ يغطي قدميها) وخمار يغطي رأسها وعنقها، وجلباب تلتحف به من فوق الدرع. وحكم انكشاف شيء من عورة المرأة غير الوجه والكفين بالتفرقة بين اليسير والكثير، كحكم الرجل سابقاً.\rوعورة المرأة مع محارمها الرجال: هي جميع بدنها ما عدا الوجه والرقبة واليدين والقدم والساق.\rوجميع بدن المرأة حتى الوجه والكفين خارج الصلاة عورة كما قال الشافعية، لقوله صلّى الله عليه وسلم السابق: «المرأة عورة» .\rويباح كشف العورة لنحو تداوٍ وتخل في الخلاء، وختان، ومعرفة بلوغ، وبكارة وثيوبة، وعيب.\rعورة المسلمة أمام الكافرة: عورة الحرة المسلمة أمام الكافرة عند الحنابلة والمالكية كالرجل المحرم: ما بين السرة والركبة. وقال الحنفية والشافعية: جميع البدن ماعدا مايظهر عند المهنة أي الأشغال المنزلية.\rومنشأ الخلاف تفسير المراد من آية النور {ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن} .. إلى أن قال: {أو نسائهن} [النور:31/24] فال الحنابلة وآخرون: المراد بهن: عموم النساء، بلا فرق بين المسلمات والكافرات،فيجور للمرأة المسلمة أن تبدي من زينتها للمرأة الكافرة ما يحل لها أن تبديه للمسلمة.\rوقال الحنفية والشافعية: إن المراد بهن خصوص النساء المسلمات، أي المختصات بهن في الصحبة والأخوة في الدين، وعلى هذا فلا يحل للمسلمة أن تبدي شيئاً من زينتها الباطنة للكافرة (1) .\rالعورة المنفصلة: يحرم النظر إلى عورة الرجل عند الحنفية والشافعية متصلة كانت أو منفصلة من شعر أو ذراع أو فخذ.\r-------------------------------\r(1) تفسير آيات الأحكام بالأزهر:164/3.","part":1,"page":664},{"id":666,"text":"وقال الحنابلة: العورة المنفصلة لا يحرم النظر إليها لزوال حرمتها بالانفصال.\rوقال المالكية: يجوز النظر إلى العورة المنفصلة حال الحياة، ويحرم النظر إلى العورة المنفصلة بعد الموت كالمتصلة.\rصوت المرأة: صوت المرأة عند الجمهور ليس بعورة؛ لأن الصحابة كانوا يستمعون إلى نساء النبي صلّى الله عليه وسلم لمعرفة أحكام الدين، لكن يحرم سماع صوتها بالتطريب والتنغيم ولو بتلاوة القرآن، بسبب خوف الفتنة.\rوعبارة الحنفية: الراجح أن صوت المرأة ليس بعورة.\rوالخلاصة: أن العلماء اتفقوا على أن الفرجين عورة، وأن السرة ليست بعورة وأن عورة الرجل ما بين السرة والركبة، وأن عورة المرأة في الصلاة ما عدا الوجه والكفين، وما عدا القدمين عند الحنفية، وأن عورتها خارج الصلاة جميع بدنها. واختلفوا في الركبة، فقال الحنفية: إنها عورة، وقال الجمهور: إنها ليست بعورة، ولكن يجب ستر شيء منها ومن السرة، لأنها مقدمة الواجب، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.\rوأما عورة المرأة أمام أقاربها المحارم أو النساء المسلمات، فهي ما بين السرة والركبة عند الحنفية والشافعية، وقال المالكية: جميع بدنها ما عدا الوجه والأطراف: وهي الرأس والعنق واليدان والرجلان. وقال الحنابلة: جميع بدنها ما عدا الوجه والرقبة والرأس واليدين والقدم والساق فالقدم ليس بعورة عند الحنابلة والحنفية.\rحد عورة الصغير: اختلف الفقهاء في بيان حد عُمره الصغير والصغيرة، بين متشدد كالشافعية، ومخفف كالمالكية، ومتوسط كالحنابلة والحنفية.","part":1,"page":665},{"id":667,"text":"قال الحنفية (1) : لا عورة للصغير جداً وهو من عُمره أربع سنين فأقل، فيباح النظر إلى بدنه ومسه. ثم ما دام لم يشته فعورته القُبُل والدبر، ثم تغلظ عورته إلى عشر سنين،أي تعتبر عورته: الدبر وما حوله من الأليتين والقبل وما حوله. وبعد العاشرة تعتبر عورته كعورة البالغ في الصلاة وخارجها، سواء أكان ذكراً أم أنثى.\rوقال المالكية (2) : يفرق بين الذكر والأنثى:\rأ ـ في الصلاة: عورة الصغير الذكر المأمور بالصلاة وهو بعد تمام السبع: هي السوأتان والأليتان والعانة والفخذ، فيندب له سترها كحالة الستر المطلوب من البالغ.\rوعورة الصغيرة المأمورة بالصلاة: ما بين السرة والركبة، ويندب لها سترها كالستر المطلوب من البالغة.\rب ـ خارج الصلاة: ابن ثمان سنين فأقل لا عورة له، فيجوز للمرأة النظر إلى جميع بدنه وتغسيله ميتاً. وابن تسع إلى اثنتي عشرة سنة يجوز لها النظر إلى جميع بدنه، ولكن لا يجوز لها تغسيله. وابن ثلاث عشرة سنة فأكثر عورته كعورة الرجل.\rوبنت سنتين وثمانية أشهر لا عورة لها. وبنت ثلاث سنين إلى أربع لا عورة لها في النظر، فينظر إلى بدنها، ولها عورة في المس فليس للرجل أن يغسلها، والمشتهاة كبنت ست كالمرأة، لا يجوز للرجل النظر إلى عورتها ولا تغسيلها.\rوقال الشافعية (3) : عورة الصغير ولو غير مميز كالرجل: ما بين السرة والركبة. وعورة الصغيرة كالكبيرة أيضاً في الصلاة وخارجها.\r\r-------------------------------\r(1) الدر المختار ورد المحتار:378/1.\r(2) الشرح الصغير:267/1، الشرح الكبير مع الدسوقي:216/1.\r(3) مغني المحتاج:185/1.","part":1,"page":666},{"id":668,"text":"وقال الحنابلة (1) : الصغير الذي لم يبلغ سبع سنين: لا عورة له، فيباح النظر إليه ومس جميع بدنه. وابن سبع إلى عشر عورته الفرجان فقط في الصلاة وخارجها، وبنت سبع إلى عشر عورتها في الصلاة: ما بين السرة والركبة، وأما خارج الصلاة فمثل الكبيرة: أمام المحارم عورتها ما بين السرة والركبة ويستحب لها الاستتار وستر الرأس كالبالغة احتياطاً، وأمام الأجانب: عورتها جميع بدنها إلا الوجه والرقبة والرأس، واليدين إلى المرفقين، والساق والقدم. وابن عشر كالكبير تماماً. ويظهر لي أن هذا الرأي ورأي الحنفية أولى لاتفاقه مع حديث الأمر بالصلاة لسبع، والضرب عليها لعشر.\rالشرط الخامس ـ استقبال القبلة:\rاتفق الفقهاء على أن استقبال القبلة شرط في صحة الصلاة، لقوله تعالى: {ومن حيث خرجت فولّ وجهك شطر المسجد الحرام، وحيثما كنتم فولوا وجوهكم شطره} [البقرة:150/2] إلا في حالتين: في شدة الخوف، وصلاة النافلة للمسافر على الراحلة. وقيد المالكية والحنفية شرط الاستقبال بحالة الأمن من عدو وسبع وبحالة القدرة، فلا يجب الاستقبال مع الخوف، ولا مع العجز كالمربوط والمريض الذي لا قدرة له على التحول ولا يجد من يحوله، فيصلي لغيرها إلى أي جهة قدر، لتحقق العذر.\rواتفق العلماء على أن من كان مشاهداً معايناً الكعبة: ففرضه التوجه إلى عين الكعبة يقيناً. ومثله عند الحنابلة: أهل مكة أوالناشئ بها وإن كان هناك حائل محدث كالحيطان بينه وبين الكعبة.\r-------------------------------\r(1) كشاف القناع:308/1 وما بعدها.","part":1,"page":667},{"id":669,"text":"وأما غير المعاين للكعبة ففرضه عند الجمهور (غير الشافعية) إصابة جهة الكعبة (1) ، لقوله صلّى الله عليه وسلم : «ما بين المشرق والمغرب قبلة» (2) وظاهره أن جميع ما بينهما قبلة، ولأنه لو كان الفرض إصابة عين الكعبة، لما صحت صلاة أهل الصف الطويل على خط مستو، ولا صلاة اثنين متباعدين يستقبلان قبلة واحدة، فإنه لا يجوز أن يتوجه إلى الكعبة مع طول الصف إلا بقدرها. وهذا هو الأرجح لدي.\rوقال الشافعي في الأم: فرضه ـ أي الغائب عن مكة ـ إصابة العين أي عين الكعبة؛ لأن من لزمه فرض القبلة، لزمه إصابة العين، كالمكي، ولقوله تعالى: {وحيثما كنتم فولوا وجوهكم شطره} [البقرة:150/2]، أي أنه يجب عليه التوجه إلى الكعبة، فلزمه التوجه إلى عينها كالمعاين (3) .\rوالمطلوب عند أئمة المذاهب في إصابة جهة الكعبة محاذاتها ببدنه وبنظره إليها (4) ، بأن يبقى شيء من الوجه مسامتاً (محاذياً) للكعبة، أو لهوائها عند الجمهور غير المالكية، بحيث لو امتد خط من وجهه في منتصف زاوية قائمة، لكان ماراً على الكعبة أو هوائها، والكعبة: من الأرض السابعة إلى العرش، فمن صلى في الجبال العالية والآبار العميقة السافلة، جاز، كما يجوز على سطحها وفي جوفها، ولو افترض زوالها، صحت الصلاة إلى موضع جدارها.\r-------------------------------\r(1) الدر المختار:397/1-406، الشرح الصغير:292/1-296، الشرح الكبير:222/1،228، القوانين الفقهية: ص55، كشاف القناع:350/1،364، المغني:350،364، المغني:431/1-452، اللباب: 67/1، مراقي الفلاح: ص34، تبيين الحقائق:100/1 ومابعدها.\r(2) رواه ابن ماجه، والترمذي، وقال: حديث حسن صحيح، عن أبي هريرة. وهذا في قبلة أهل المدينة والشام.\r(3) المجموع:194/3، 212، المهذب:67/1، حاشية الباجوري: 147/1 ومابعدها.\r(4) قال الشافعية: يجب استقبالها حقيقة في الواقف والجالس، وحكماً في الراكع والساجد، ويجب استقبالها بالصدر والوجه لمن كان مضطجعاً، وبالوجه والأخمصين إن كان مستلقياً.","part":1,"page":668},{"id":670,"text":"وقال المالكية: الواجب استقبال بناء الكعبة، ولا يكفي استقبال الهواء لجهة السماء.\rالاجتهاد في القبلة:\rيجب التحري والاجتهاد في القبلة أي بذل المجهود لنيل المقصود بالدلائل على من كان عاجزاً عن معرفة القبلة، واشتبهت عليه جهتها، ولم يجد أحداً ثقة يخبره بها عن علم أي يقين ومشاهدة لعينها، فمن وجده اتبعه؛ لأن خبره أقوى من الاجتهاد.\rوالدليل على وجوب التحري: ما روى عامر بن ربيعة أنه قال: «كنا مع رسول الله صلّى الله عليه وسلم في ليلة مظلمة، فلم ندر أين القبلة، فصلى كل رجل منا على حياله، فلما أصبحنا ذكرنا ذلك لرسول الله صلّى الله عليه وسلم ، فنزلت {فأينما تولوا فثَمَّ وجه الله} [البقرة:115/2] » (1) .\rومن لم يجد ثقة يقلده اعتمد على الدلائل كالفجر والشفق والشمس والقطب وغيره من الكواكب، والريح الشرقي أو الغربي أو الجنوبي، وغيرها كثير، وأضعفها الرياح وأقواها نجم القطب في الليل.\rوالقطب: نجم صغير من بنات نعش الصغرى بين الفرقدين والجدي، ويختلف باختلاف الأقاليم، ففي مصر يكون خلف أذن المصلي اليسرى، وفي العراق يكون خلف اليمنى، وفي أكثر اليمن يكون قبالته مما يلي جانبه الأيسر، وفي الشام وراءه.\r-------------------------------\r(1) أخرجه الترمذي وابن ماجه، لكن قال الترمذي: هذا حديث ليس إسناده بذا ك، وفيه ضعيف. وفيه حديث آخر ضعيف عن جابر رواه الحاكم والبيهقي والدارقطني (نصب الراية:304/1).","part":1,"page":669},{"id":671,"text":"الخطأ في الاجتهاد:\rإن تيقن الخطأ في اجتهاده، فقال الحنفية: إن كان في الصلاة استدار وبنى عليها أي أكمل صلاته، فلو صلى كل ركعة لجهة، جاز. وإن كان بعد الصلاة صلى الصلاة القادمة، ولا إعادة عليه لما مضى، لإتيانه بما في وسعه، قال علي: «قبلة المتحري جهة قصده» ومن صلى بلا تحرٍ وأصاب، لم تصح صلاته، لتركه فرض التحري، إلا إذا علم إصابته بعد فراغه، فلا يعيد بالاتفاق عندهم.\rومن أمَّ قوماً في ليلة مظلمة، فتحرى القبلة وصلى إلى جهة أخرى، وتحرى من خلفه، وصلى كل واحد منهم إلى جهة، وكلهم خلف الإمام، فمن علم منهم بحال إمامه تفسد صلاته، ومن لم يعلم ما صنع الإمام، صحت صلاته وأجزأه، لوجود التوجه إلى جهة التحري، ومخالفة المأمومين لإمامهم لا تمنع صحة الصلاة، كالصلاة في جوف الكعبة.\rوقال المالكية: إن تبين المجتهد في القبلة خطأ: يقيناً أو ظناً، في أثناء الصلاة، قطعها إن كان بصيراً منحرفاً كثيراً، بأن استدبر أو شرّق أو غرب، وابتدأها بإقامة، ولا يكفي تحوله لجهة القبلة.\rوإن كان أعمى، أو كان منحرفاً انحرافاً يسيراً، فلا إعادة عليه. وإن كان بصيراً منحرفاً كثيراً أو ناسياً للجهة التي أداه اجتهاده إليها، أو التي دله عليها العارف، أعاد في الوقت على المشهور.\rوقال الشافعية: إن تيقن الخطأ في الصلاة أوبعدها، استأنفها أي أعادها من جديد؛ لأنه تعين له يقين الخطأ فيما يأمن مثله في القضاء، فلم يعتد بما مضى، كالحاكم إذا حكم ثم وجد النص بخلافه. وإن تغير اجتهاده للصلاة الثانية، فأداه اجتهاده إلى جهة أخرى، صلى الصلاة الثانية إلى الجهة الثانية، ولا يلزمه إعادة ما صلاه إلى الجهة الأولى، كالحاكم إذا حكم باجتهاده، ثم تغير اجتهاده، لم ينقض ما حكم فيه بالاجتهاد الأول.\rويجتهد لكل فرض، فإن تحير، صلى كيف شاء، ويقضي وجوباً لأن ذلك أمر نادر.","part":1,"page":670},{"id":672,"text":"وقال الحنابلة: إن بان له يقين الخطأ وهو في الصلاة، استدار إلى جهة الكعبة، وبنى على ما مضى من الصلاة، كما قرر الحنفية؛ لأن ما مضى منها كان صحيحاً، فجاز البناء عليه، كما لو لم يبن له الخطأ. وكذلك تستدير الجماعة مع الإمام إن بان لهم الخطأ في حال واحدة.\rوإن تبين خطأ اجتهاده بعد الصلاة، بأن صلى إلى غير جهة الكعبة يقيناً لم يلزمه الإعادة، ومثل المجتهد في هذا: المقلد الذي صلى بتقليده، وهذا موافق لمذهب الحنفية.\rأما من صلى في الحضر إلى غير الكعبة سواء أكان بصيراً أم أعمى، ثم بان له الخطأ، فعليه الإعادة؛ لأن الحضر ليس بمحل الاجتهاد؛ لأن من فيه يقدر على معرفة القبلة بالمحاريب، ويجد من يخبره عن يقين غالباً، فلا يكون له الاجتهاد، كالقادر على النص في سائر الأحكام.\rوالخلاصة: أن الحنفية والحنابلة يقررون البناء على الصلاة في أثنائها، ولا يوجبون الإعادة في حال الاجتهاد. وتبين الخطأ بعد الفراغ من الصلاة إلا المقيم في الحضر عند الحنابلة. والمالكية والشافعية يقررون قطع الصلاة إذا عرف الخطأ فيها، وإعادة الصلاة إذا عرف الخطأ بعدها، لكن المالكية يوجبون الإعادة في الوقت الضروري فقط.والشافعية يوجبون الإعادة مطلقاً في الوقت وبعده، لتبين فساد الأولى.\rهذا ويتعلق بشرط الاستقبال بحث أمرين: الصلاة في الكعبة، وصلاة المسافر على الراحلة.\rالصلاة في الكعبة:\rعرفنا أنه لا بد شرعاً من استقبال جزء من الكعبة، وعند غير المالكية: أو استقبال هوائها إلى السماء، والثابت عنه صلّى الله عليه وسلم أنه دخل الكعبة المشرفة يوم فتح مكة مرة واحدة وصلى فيها، روى ابن عمر أنه قال لبلال: هل صلى النبي صلّى الله عليه وسلم في الكعبة؟ قال: نعم، ركعتين بين السَّاريتين عن يسارك إذا دخلتَ، ثم خرج، فصلى","part":1,"page":671},{"id":673,"text":"في وجهة الكعبة ركعتين» (1) .\rوإذا كان ابن عباس عند البخاري وغيره روى «أنه صلّى الله عليه وسلم كبَّر في البيت ولم يصل فيه» فإنه يقدم حديث ابن عمر، لأنه مثبت، وحديث ابن عباس لأنه نافي، والمقرر عند جمهور الفقهاء غير الشافعية: أنه إذا تعارض المثبت والنافي قدم المثبت، لأنه يشتمل على زيادة علم (2) ولأن ابن عمر كان مع النبي صلّى الله عليه وسلم ولم يكن ابن عباس معه، وأما نفي أسامة الصلاة فلأنه نقل ما لاحظه من اشتغال النبي صلّى الله عليه وسلم بالدعاء في ناحية وأسامة في ناحية، وذلك في حال الظلمة بسبب إغلاق باب الكعبة (3) .\r-------------------------------\r(1) رواه أحمد والبخاري: ورواه البخاري ومسلم أيضاً عن ابن عمر، وفيه بيان الأشخاص الذين معه، وهم أسامة بن زيد وبلال وعثمان بن طلحة (نيل الأوطار:140/2).\r(2) مسلم الثبوت:162/2، المستصفى:129/2، التلويح على التوضيح:109/2، الإحكام للآمدي186/3.\r(3) راجع نيل الأوطار:141/2 وما بعدها.","part":1,"page":672},{"id":674,"text":"وقد أقر الفقهاء مشروعية الصلاة في جوف الكعبة، فقال الحنفية (1) : يصح أداء الصلاة فرضاً أو نفلاً ولوجماعة في الكعبة أو على سطحها وإن لم يتخذ سترة، لكنه يكره الصلاة فوقها، لإساءة الأدب، باستعلائه عليها، وترك التعظيم المطلوب لها،ونهي النبي عنه. وإن صلى الإمام بجماعة، فجعل بعضهم ظهره إلى ظهر الإمام جاز، ومن جعل منهم ظهره إلى وجه الإمام لم تجز صلاته، لتقدمه على الإمام.\rوإذا صلى الإمام في المسجد الحرام، تحلَّق الناس حول الكعبة، وصلوا بصلاة الإمام، فمن كان منهم أقرب إلى الكعبة من الإمام، جازت صلاته إذا لم يكن في جانب الإمام؛ لأن التقدم والتأخر إنما يظهر عند اتحاد الجانب.\rوقال الشيخ خليل من المالكية (2) : يجوز لأي جهة الصلاة في الكعبة وعلى سطحها نفلاً غير مؤكد، ومنه سنن الرواتب كأربع ركعات قبل الظهر والضحى والشفْع (سنة العشاء)، كما يجوز النفل مستقبل القبلة في الحِجْر أي حجر إسماعيل. ولا تصح عندهم الفرائض في داخل الكعبة.\rوتكره السنن المؤكدة كالوتر والعيدين وركعتي الفجر وركعتي الطواف.\rولا تجوز صلاة الفرض في الكعبة أو في الحِجْر، فإن وقع، أعاده بوقت ضروري (وهو في الظهرين للاصفرار وفي العشاءين الليل كله، وفي الصبح حتى طلوع الشمس). وتبطل صلاة الفرض على ظهر الكعبة، ويعاد أبداً؛ لأن الواجب استقبال البناء، ولا يكفي استقبال الهواء لجهة السماء.\rوالخلاصة: إن هذا التفصيل الذي قرره العلامة خليل والقول بجواز هذه الصلاة هو حكم ضعيف عند المالكية، كما صرح شارح خليل. وقال ابن جزي المالكي: تكره الصلاة على ظهر الكعبة، وتمنع في المذهب الفرائض داخل الكعبة.\rوقال الشافعية (3) : تجوز الصلاة فرضاً أو نفلاً في الكعبة أو على سطحها إن استقبل من بنائها أوترابها شاخصاً (سترة) ثابتاً كعتبة وباب مردود أو عصا مسمَّرة أو مثبتة فيه، قدر ثلثي ذراع تقريباً فأكثر بذراع الآدمي، وإن بعد عنه ثلاثة أذرع فأكثر.\rوإنما صح استقبال هوائها لمن هو خارج عنها، فلأنه يعد حينئذ متوجهاً إليها كالمصلي على أعلى منها كأبي قبيس، بخلاف القريب منها المصلي فيها أو عليها.\r-------------------------------\r(1) البدائع:115/1، فتح القدير:479/1 ومابعدها، مراقي الفلاح: ص70، اللباب:138/1 ومابعدها.\r(2) الشرح الصغير:297/1، القوانين الفقهية: ص49.\r(3) المجموع:197/3، الحضرمية: ص52، المهذب:67/1.","part":1,"page":673},{"id":675,"text":"وأجاز الحنابلة (1) أيضاً صلاة النافلة في الكعبة أو على سطحها، ولا تصح صلاة الفريضة لقوله تعالى: {وحيثما كنتم فولوا وجوهكم شطره} [البقرة:150/2]، والمصلي فيها أو على ظهرها غير مستقبل لجهتها، والنافلة مبناها على التخفيف والمسامحة بدليل صلاتها قاعداً، أو إلى غير القبلة في السفر على الراحلة.\rصلاة النافلة على الراحلة للمسافر:\rيجوز التطوع على الراحلة للمسافر باتجاه مقصده بإجماع العلماء، ولما ثبت في السنة، عن عامر بن ربيعة قال: «رأيت رسول الله صلّى الله عليه وسلم ، وهو على راحلته يسبِّح، يومئ برأسه، قِبَل أي وِجْهة توجَّه، ولم يكن يصنع ذلك في الصلاة المكتوبة (2) .\rوللفقهاء آراء وشروط في صلاة النافلة على الراحلة:\rقال الحنفية (3) : إن قبلة العاجز لمرض أو ركوب على دابة جهة قدرته، ولو مضطجعاً، ويصلي بإيماء أي يتوجه العاجز إلى أي جهة قدر، سواء أكان مسافراً أم خائفاً من عدو أو سبع أو لص، أم هارباً من العدو. لكن يشترط في الصلاة على الدابة إيقافها إن قدر، وإلا بأن خاف الضرر، كأن تذهب القافلة وينقطع، فلا يلزمه إيقافها ولا استقبال القبلة، حتى في ابتداء الصلاة بتكبيرة الإحرام.\rوالجائز هو صلاة النفل والسنن المؤكدة إلا سنة الفجر، فلا تجوز صلاة الفرض، والواجب بأنواعه كالوتر، والمنذور، وصلاة الجنازة، أي لا يجوز ذلك على الدابة بلا عذر لعدم الحرج.\rوالنافلة تجوز للمقيم الراكب خارج المصر لمسافة يجوز القصر فيها (وهي 98كم) كما تجوز للمسافر بالأولى، فالأول في حكم الثاني.\r-------------------------------\r(1) كشاف القناع:354/1، المغني:73/2.\r(2) متفق عليه ( نيل الأوطار:144/2) والراحلة في الأصل: الناقة التي تصلح للرحل، والمراد كل حيوان وإن لم يكن من الابل.\r(3) الدر المختار ورد المحتار:402/1،654-658.","part":1,"page":674},{"id":676,"text":"وتتم الصلاة بالإيماء بالركوع والسجود، إلى أي جهة توجهت دابته للضرورة، ولا يشترط استقبال القبلة في الابتداء كما ذكرت، لأنه لما جازت الصلاة إلى غير جهة الكعبة، جاز الافتتاح إلى غير جهتها.\rوظاهر المذهب والأصح: أنه تصح الصلاة ولو كان على سرج الدابة أو ركابها نجس كثير.\rوقال المالكية (1) : يجوز للمسافر الراكب في السفر الذي يخاف إن نزل لصاً أو سبعاً أن يتنفل بالصلاة ولو بوتر، على الدابة إلى القبلة وغيرها بحسب اتجاه الدابة، ولو كان بمَحْمِل (وهو ما يركب فيه من مِحَفَّة (2) أو هَوْدَج ونحوهما مما يجلس فيه) ويصلي فيه متربعاً.\rوالراكب يصلي بالإيماء، فيومئ بالركوع والسجود، ويجعل السجود أخفض من الركوع، ولا يتكلم ولا يلتفت، ولا يشترط طهارة الأرض.\rواشترطوا لجواز التنفل صوب السفر شروطاً:\r1ً - أن يكون السفر طويلاً سفر قصر (98 كم) ومشروعاً، فلا يتنفل العاصي بسفره.\r2ً - وأن يكون راكباً لا ماشياً ولا جالساً. أما الراكب في السفينة فيصلي إلى القبلة، فإن دارت السفينة استدار.\r3ً - وأن يكون راكب دابة من حمار أو بغل أو فرس أوبعير، لا سفينة أو راجل.\r4ً- وأن يكون ركوبه لها على الوجه المعتاد، لا مقلوباً، أو جاعلاً رجليه معاً لجنب واحد.\rولا تصح صلاة فرض على ظهر الدابة، وإن كان المصلي مستقبلاً القبلة إلا في أحوال أربع هي:\rأولها ـ حالة التحام القتال مع العدو الكافر أو غيره، من كل قتال جائز لا يمكن النزول فيه عن الدابة، فيصلي الفرض على ظهرها إيماء للقبلة إن أمكن، ولا يعيد الملتحم.\r-------------------------------\r(1) القوانين الفقهية: ص55، الشرح الصغير:298/1-302.\r(2) المحفة: مركب من مراكب النساء كالهَوْدَج، إلا أنها لاتُقبَّب كما تقبب الهوادج.","part":1,"page":675},{"id":677,"text":"ثانيها ـ حالة الخوف من عدو كسبع أو لص إن نزل عن دابته، فيصلي الفرض على ظهرها إيماء للقبلة إن أمكن، وإن لم يمكن صلى لغير القبلة. فإن أمن الخائف بعد صلاته، أعاد في الوقت.\rثالثها ـ الراكب في خضخاض (قليل) من ماء، لا يطيق النزول فيه أو خشي تلطخ ثيابه، وخاف خروج الوقت الاختياري (المعتاد) أو الضروري (1) ويصلي الفرض على الدابة إيماء، فإن لم يخف خروج الوقت أخر الصلاة لآخر الاختياري.\rرابعها ـ حالة مرض الراكب الذي لا يطيق النزول معه، فيؤدي الفريضة إيماء على الدابة للقبلة بعد إيقافها، كما يؤديها على الأرض بالإيماء.\rوقال الشافعية (2) : يجوز للمسافر سفراً مباحاً طويلاً أو قصيراً صلاة النافلة على الراحلة، ولا يجوز ذلك للعاصي بسفره والهائم، ولا للماشي، فعليهم إتمام الشروط والأركان كلها من استقبال القبلة وإتمام الركوع والسجود، ولا يمشي الماشي إلا في قيامه وتشهده.\rويومئ المتنفل بركوعه وسجوده، ويكون سجوده أخفض من ركوعه، ويشترط أن يبدأ الصلاة بالاتجاه إلى القبلة إن أمكنه. ولا تصح صلاة الآخذ بزمام الدابة إذا كان بها نجاسة. وإن وطئت نجاسة رطبة أو جافة لم تفارقها بطلت صلاته، وتفصيل ذلك فيما يأتي:\r-------------------------------\r(1) الوقت عند الثلاثة (المالكية والحنفية والشافعية) نوعان: وقت الاختيار: وهو الوقت المعروف لكل صلاة. ووقت الضرورة: هو الذي يمتد أكثر من الوقت الاختياري، وهو الذي يجوز فيه جمع الصلاتين. (انظر القوانين الفقهية: ص43 ومابعدها).\r(2) حاشية الباجوري:148/1 ومابعدها، المهذب: 69/1، المجموع:214/3 ومابعدها. مغني المحتاج:142/1 ومابعدها.","part":1,"page":676},{"id":678,"text":"أ ـ إن كان الراكب في مَرْقَد أو هودج (محمل واسع)، لزمه أن يتوجه إلى القبلة في جميع صلاته وإتمام الأركان كلها أو بعضها الذي هو الركوع والسجود، لتيسره عليه، وإن لم يسهل عليه ذلك، فلا يلزمه إلا التوجه للقبلة في تكبيرة إحرامه إن سهل عليه: بأن تكون الدابة واقفة وأمكنه تحريفها، أو تكون سائرة وبيده زمامها، وهي سهلة القيادة. فإن كانت صعبة أو لم يمكن تحريفها، أو كانت مقطورة لم يلزمه التوجه للقبلة للمشقة واختلال أمر السير عليه. ويحرم انحراف المصلي عن طريقه إلا إلى القبلة.\rودليل اشتراط استقبال القبلة في ابتداء الصلاة: حديث أنس رضي الله عنه قال: «كان رسول الله صلّى الله عليه وسلم إذا كان في السفر، وأراد أن يصلي على راحلته تطوعاً، استقبل القبلة، وكبر، ثم صلى، حيث توجهت به» (1) .\rب ـ وأما الملاح في سفينة (أي قائدها) فلا يلزمه التوجه للقبلة لمشقة ذلك عليه.\rوقال الحنابلة (2) : يجوز للمسافر الراكب لا الماشي، سفراً طويلاً أو قصيراً أن يتطوع في السفر على الراحلة إذا قصد جهة معينة، ويومئ بالركوع والسجود، ويجعل السجود أخفض من الركوع، قال جابر: «بعثني رسول الله صلّى الله عليه وسلم في حاجة فجئت وهو يصلي على راحلته نحو المشرق، والسجود أخفض من الركوع» (3) ولا يسقط الاستقبال إذا تنفل في الحضر كالراكب السائر في مصره أو قريته؛ لأنه ليس مسافراً، وليس للهائم والتائه والسائح التنفل؛ إذ ليس له جهة معينة.\r-------------------------------\r(1) رواه أحمد وأبو داود، وأخرجه الشيخان بنحو ما هنا (نيل الأوطار:172/2).\r(2) المغني:432/1-438،600، كشاف القناع:350/1-353.\r(3) رواه أبو داود.","part":1,"page":677},{"id":679,"text":"ويجوز أن يصلي على البعير والحمار وغيرهما، قال ابن عمر: «رأيت رسول الله صلّى الله عليه وسلم يصلي على حمار، وهو متوجه إلى خيبر» (1) لكن إن صلى على حيوان نجس، فلا بد أن يكون بينهما سترة طاهرة. وقبلة المصلي: حيث كانت وجهته، ولا يجوز انحرافه عن جهة سيره عند الإمكان إلا إلى القبلة، فإن فعل ذلك مغلوباً أو نائماً فهو على صلاته.وإن كان في مركب أو سفينة كبيرة يدور فيه كيفما شاء، ويتمكن من الصلاة إلى القبلة والركوع والسجود، فعليه استقبال القبلة في صلاته، ويسجد على ماهو عليه إن أمكن ذلك. وإن قدر على الاستقبال دون الركوع والسجود، استقبل القبلة وأومأ بهما.\rوإن عجز عن الاستقبال سقط بغير خلاف، كما يسقط الاستقبال لأعذار أخرى كالتحام حرب وهرب من سيل أو نار أو سبع ونحوه، ولو كان العذر نادراً كمريض عجز عن الاستقبال، وكمقعد عجز عمن يديره إلى القبلة وكمربوط ونحوه. وإن عجز عن الاستقبال في ابتداء صلاته، كراكب راحلة لا تطيعه، أو كان في قافلة (قطار) فليس عليه استقبال القبلة في شيء من الصلاة. ولا يلزم الملاح في سفينة الاتجاه إلى القبلة ولو في الفرض، لحاجته إلى تسيير السفينة وإن أمكنه افتتاح الصلاة إلى القبلة، كراكب راحلة منفردة تطيعه، ففي إلزامه التوجه إلى القبلة روايتان عن أحمد:\rإحداهما وهي الراجحة: يلزمه، لحديث أنس السابق في مذهب الشافعية، وعلى هذا يلزم الراكب إذا تنفل على راحلته افتتاح النافلة إلى القبلة بالدابة، بأن يديرها إلى القبلة إن أمكنه بلا مشقة، أو يدور بنفسه إلى القبلة إن أمكنه ذلك بلا مشقة.\rوالثانية: لا يلزمه، لأنه جزء من أجزاء الصلاة، فأشبه سائر أجزائها، ولأن ذلك لا يخلو من مشقة، فسقط، وخبر أنس السابق يحمل على الفضيلة والندب.\r-------------------------------\r(1) رواه أبو داود والنسائي.","part":1,"page":678},{"id":680,"text":"ويجوز للمسافرالتنفل على الراحلة ولو كانت النافلة وتراً أو غيره من سنن الرواتب وسجود التلاوة. والماشي في السفر لا تباح له الصلاة في حال مشيه، بل يلزمه افتتاح النافلة إلى القبلة، كما يلزمه الركوع والسجود إلى القبلة على الأرض لتيسر ذلك عليه مع متابعة سيره، ويفعل باقي الصلاة إلى جهة سيره.\rوأما الصلاة على الراحلة لأجل المرض، ففيه روايتان:\rإحداهما: ىجوز؛ لأن المشقة بالنزول في المرض أشد منها بالنزول في المطر. ومن صلى على الراحلة لمرض أو مطر، فليس له ترك الاستقبال.\rوالثانية: لا يجوز ذلك؛ لأن ابن عمر ( كان يُنزل مرضاه ) ولأنه قادر على الصلاة أو على السجود، فلم يجز تركه كغير المريض.\rوالخلاصة: أن الفقهاء اتفقوا على جواز الصلاة على الراحلة في السفر الطويل، وعلى كون الصلاة بالإيماء، واختلفوا في السفر القصير، فأجازها الشافعية والحنابلة، ومنعها المالكية والحنفية.\rوليس استقبال القبلة شرطاً عند الحنفية والمالكية، وهو شرط عند الشافعية والحنابلة في بداية الإحرام بالصلاة عند الإمكان، ويسقط بالعجز، بأن لم يمكنه افتتاح النافلة إلى القبلة، بلا مشقة، كأن يكون مركوبه حَرُوناً تصعب عليه إدارته.\rولا يضر اشتمال الدابة على نجاسة عند الحنفية والمالكية، ويضر ذلك عند الشافعية، وتصح الصلاة عند الحنابلة بشرط وجود ساتر، إذ إنه يشترط لصحة التنفل طهارة محل المصلي نحو سرج وإكاف كغيره، لعدم المشقة فيه، فإن كان المركوب نجس العين، أو أصاب موضع الركوب منه نجاسة، وفوقه حائل طاهر، من برذعة ونحوها، صحت الصلاة، وإن وطئت دابته نجاسة، لم تبطل صلاته عند الحنابلة.\rولا تصح صلاة الفرض على الدابة إلا إذا أتى بها كاملة الأركان مستوفية الشروط. ومن صلى في سفينة عليه أن يستقبل القبلة متى قدر على ذلك، وعليه إذا غيرت جهتها أن يدور لو دارت السفينة وهو يصلي.","part":1,"page":679},{"id":681,"text":"الشرط السادس ـ النية:\rالنية من شروط الصلاة عند الحنفية والحنابلة، وكذا عند المالكية على الراجح، وهي من فروض الصلاة أو أركانها عند الشافعية ولدى بعض المالكية؛ لأنها واجبه في بعض الصلاة، وهو أولها، لا في جميعها، فكانت ركناً كالتكبير والركوع.\rوهي لغة: القصد، وشرعاً: عزم القلب على فعل العبادة تقرباً إلى الله تعالى. بأن يقصد بعمله الله تعالى، دون شيء آخر من تصنع لمخلوق، أو اكتساب محمدة عند الناس، أو محبة مدح أو نحوه. وهذا هو الإخلاص.\rوالنية واجبة في الصلاة باتفاق العلماء لتمييز العبادة عن العادة، وليتحقق في الصلاة الإخلاص لله تعالى؛ لأن الصلاة عبادة، والعبادة إخلاص العمل بكليته لله تعالى، قال الله تعالى: {وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين} [البينة:89/5]، قال الماوردي: والإخلاص في كلامهم النية. ودل الحديث المعروف على إيجابها أيضاً، وهوقوله صلّى الله عليه وسلم : «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى» (1) فلا تصح الصلاة بدون النية بحال.\rوكمال النية: أن يستشعر المصلي الإيمان، وينوي التقرب إلى الله بالصلاة، ويعتقد وجوبها وأداءها في ذلك اليوم، ويعينها، وينوي عدد ركعاتها، وينوي الإمامة أو المأمومية (الاقتداء) أو الانفراد، ثم ينوي تكبيرة الإحرام. والواجب باتفاق الفقهاء استصحاب حكم النية دون حقيقتها، بمعنى أنه لا ينوي قطعها، فلو ذهل عنها وعزبت (غابت عنه) في أثناء الصلاة، لم يضر.\r-------------------------------\r(1) رواه الأئمة الستة في كتبهم عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه (نصب الراية:301/1).","part":1,"page":680},{"id":682,"text":"شروط النية: إن شروط النية: الإسلام، والتمييز، والعلم بالمنوي.\rمقارنة النية للتكبير: يشترط اتصال النية بالصلاة بلا فاصل أجنبي عند الحنفية (1) بين النية والتكبيرة، والفاصل عمل لا يليق بالصلاة كالأكل والشرب ونحو ذلك، أما إذا فصل بينهما بعمل يليق بالصلاة كالوضوء والمشي إلى المسجد، فلا يضر، فلونوى، ثم توضأ أو مشى إلى المسجد، فكبر، ولم تحضره النية، جاز، لعدم الفاصل الأجنبي، بدليل أن من أحدث في الصلاة، له البناء عليها بعد تجديد الوضوء.\rويندب اقتران النية بتكبيرة الإحرام، خروجاً من الخلاف، ولا يصح أن تتأخر النية عن التحريمة في الصحيح.\rوكذلك يجوز تقديم النية في الحج، فلو خرج من بيته يريد الحج، فأحرم ولم تحضره النية، وكذلك الزكاة تجوز بنية وجدت عند الإفراز.\rولا تجزئ النية المتأخرة عن التكبير في الصلاة، أما الصوم فيجوز تأخيرها عن البدء به للضرورة، ولا ضرورة في الصلاة.\rوقال الحنابلة (2) : الأفضل مقارنة النية للتكبير، خروجاً من خلاف من أوجبه، فإن تقدمت النية على التكبير بزمن يسير بعد دخول الوقت في أداء وراتبة، ولم يفسحها، وكان ذلك مع بقاء إسلامه، بأن لم يرتدّ، صحت صلاته؛ لأن تقدم النية على التكبير بالزمن اليسير لا يخرج الصلاة عن كونها منوية، ولا يخرج الفاعل عن كونه ناوياً مخلصاً، ولأن النية من شروط الصلاة، فجاز تقدمها كبقية الشروط، وفي طلب المقارنة حرج ومشقة، فيسقط لقوله تعالى: {وما جعل عليكم في الدين من حرج} [الحج:22/87]، ولأن أول الصلاة من أجزأئها، فكفى استصحاب النية فيه كسائرها.\r-------------------------------\r(1) تبيين الحقائق:99/1.\r(2) كشاف القناع:367/1.","part":1,"page":681},{"id":683,"text":"وقال المالكية (1) : يجب استحضار النية عند تكبيرة الإحرام، أو قبلها بزمن يسير.\rوقال الشافعية (2) : يشترط اقتران النية بفعل الصلاة، فإن تراخى عنه سمي عزماً، ولو قال: «نويت أن أصلي الظهر، الله أكبر، نويت» بطلت صلاته؛ لأن قوله «نويت» بعد التكبيرة كلام أجنبي عن الصلاة، وقد طرأ بعد انعقاد الصلاة، فأبطلها.\rتعيين المنوي: يشترط تعيين نوع الفرض الذي يصليه باتفاق الفقهاء، كالظهر أو العصر، لأن الفروض كثيرة، ولا يتأدى واحد منها بنية فرض آخر.\rمحل النية: محل التعيين هو القلب بالاتفاق، ويندب عند الجمهور غير المالكية التلفظ بالنية، وقال المالكية: يجوز التلفظ بالنية،والأولى تركه في صلاة أو غيرها. والأصح عند الشافعية (3) أيضاً وجوب نية الفرضية، دون الإضافة إلى الله تعالى، فتكون شروط النية عندهم ثلاثة، القصد، والتعيين، والفرضية.\rآراء الفقهاء في النية:\rتفصيل آراء المذاهب في النية فيما يأتي:\rقال الحنفية (4) :\rالكلام في النية يتناول مواضع ثلاثة: تفسير النية، وكيفية النية، ووقت النية.\rآ ـ تفسير النية: النية: هي الإرادة، فنية الصلاة: هي إرادة الصلاة لله تعالى، والإرادة عمل القلب، فمحل النية: هو القلب: بأن يعلم بقلبه أي صلاة يصلي، ولا يشترط الذكر باللسان، وإنما يستحب إعانة للقلب الجمع بين نية القلب وتلفظ اللسان.\rأما التعيين فهو أفضل وأحوط عموماً، ثم إن كانت الصلاة فرضاً كظهر وعصر مثلاً أو واجباً كالوتر وسجود التلاوة والنذر وصلاة العيدين، فلابد من التعيين، كما لابد من تعيين اليوم أو الوقت في حالة القضاء، ولا يلزم نية القضاء. أما الأداء فلا يلزم قرن النية باليوم أو الوقت، كما لا يلزم تعيين عدد الركعات.\rوأما صلاة النفل ولو سنة الفجر والتراويح وغيرها في الصحيح، فيكفيها مطلق النية، والاحتياط: التعيين، فينوي مراعياً صفة النافلة بالتراويح أو سنة الوقت.\r-------------------------------\r(1) الشرح الصغير:305/1.\r(2) حاشية الباجوري:149/1.\r(3) مغني المحتاج:149/1.\r(4) البدائع/127/1 ومابعدها، الدر المختار:406/1 ومابعدها، تبيين الحقائق:99/1 ومابعدها، فتح القدير:185/1 ومابعدها، اللباب:66/1.","part":1,"page":682},{"id":684,"text":"ولا تبطل نية الصلاة أو الصوم بتعليقها بمشيئة الله، لأن محل النية: القلب.\rوالمعتمد أن العبادات ذات الأفعال تنسحب نيتها على كلها.\rولو أدرك شخص القوم في الصلاة، ولم يدر أفرض أم تراويح، ينوي الفرض، فإن كانوا هم فيه صح، وإن لم يكن فيه تقع نفلاً.\rب ـ كيفية النية: إن كان المصلي منفرداً: عين نوع الفرض أو الواجب، وإن كان تطوعاً تكفيه نية الصلاة، كما ذكرت.\rوإن كان المصلي إماماً: عين كما سبق، ولا يشترط للرجل نية إمامة الرجال، ويصح اقتداؤهم به بدون نية إمامتهم. ويشترط له نية إمامة النساء لصحة اقتدائهن به، والفرق أنه لو صح اقتداء المرأة بالرجل، فربما تحاذيه، فتفسد صلاته، فيلحقه الضرر من غير اختياره، فشرط نية اقتدائها به، حتى لا يلزمه الضرر من غير التزامه ورضاه، وهذا المعنى منعدم في جانب الرجال. والخلاصة: تلزم نية الإمام في صورة واحدة: وهي حالة صلاة الرجل إماماً بالنساء.\rوإن كان مقتدياً: عين أيضاً كما سبق، ويحتاج لزيادة نية الاقتداء بالإمام، كأن ينوي فرض الوقت والاقتداء بالإمام فيه، أو ينوي الشروع في صلاة الإمام، أو ينوي الاقتداء بالإمام في صلاته.\rجـ ـ وقت النية: يندب أن تكون النية وقت التكبير، أي مقارناً له، ويصح عندهم تقديم النية على التحريمة، إذا لم يوجد بينهما عمل يقطع أحدهما عن الآخر، والقران ليس بشرط.\rوقال المالكية (1) :\rالنية: قصد الشيء، ومحلها القلب، ونية الصلاة فرض والراجح أنها شرط\r-------------------------------\r(1) الشرح الكبير مع الدسوقي:233/1،520، الشرح الصغير وحاشية الصاوي:303/1-305، القوانين الفقهية: ص57، بداية المجتهد:116/1.","part":1,"page":683},{"id":685,"text":"بأن يقصد بقلبه أداء فرض الظهر مثلاً، والقصد للشيء خارج عن ماهية الشيء، والأولى ترك التلفظ بها، إلا الموسوس فيستحب له التلفظ ليذهب عنه اللبس، ويجب أن تكون النية مقارنة لتكبيرة الإحرام، فإن تأخرت النية أو تقدمت بوقت كثير، بطلت اتفاقاً، وإن تقدمت بوقت يسير، فقيل وهو المختار: تصح كالحنفية، وقيل: تبطل كالشافعية.\rويجب التعيين في الفرائض، والسنن الخمس (وهي الوتر والعيد والكسوف والخسوف (1) والاستسقاء) وسنة الفجر، دون غيرها من النوافل، كالضحى والرواتب والتهجد، فيكفي فيه نية مطلق نفل، وينصرف للضحى إن كان قبل الزوال، ولراتب الظهر إن كان قبل صلاته، أو بعده، ولتحية المسجد إن كان حين الدخول فيه، وللتهجد إن كان في الليل، وللشفع (سنة العشاء) إن كان قبل الوتر.\rولا يشترط نية الأداء أو القضاء أو عدد الركعات، فيصح القضاء بنية الأداء وعكسه.\rويستثنى من وجوب التعيين صورة واحدة: وهي ما إذا دخل شخص المسجد، فوجد الإمام يصلي،فظن أن صلاته هي الجمعة، فنواها، فتبين أنها الظهر، فتصح، وعكس ذلك باطل.\rوتجب نية الانفراد، والمأمومية، ولا تجب نية الإمامة إلا في الجمعة والجمع بين الصلاتين تقديماً للمطر، والخوف، والاستخلاف (2) ، لكون الإمام شرطاً فيها، وزاد ابن رشد: الجنائز، فلو ترك الإمام نية الإمامة في الجمعة بطلت الصلاة\r-------------------------------\r(1) المعتمد فيه: أنه مندوب.\r(2) لاستخلاف: أن يقدم الإمام أو المصلون أحد المصلين لمتابعة الصلاة، في حال فساد صلاة الإمام بالحدث وغيره، وذلك قبل خروج الإمام من المسجد.","part":1,"page":684},{"id":686,"text":"عليه وعلى المأمومين، ولو تركها في صلاة الجمع تقديماً للمطر بطلت الثانية، وإذا تركها في صلاة الخوف تبطل الصلاة على الطائفة الأولى من المأمومين فقط، وتصح للإمام وللطائفة الثانية، ولو تركها في صلاة الاستخلاف، صحت له، وبطلت على المأمومين.\rوقال الشافعية (1) :\rالنية: قصد الشيء مقترناً بفعله، ومحلها القلب، ويندب النطق بها قبيل التكبير. ولو عقب النية بقوله: إن شاء الله بقلبه أو لسانه، فإن قصد التبرك ووقع الفعل بمشيئة الله تعالى، لم يضره. وإن قصد به التعليق أو الشك، لم يصح. فإن كانت الصلاة فرضاً ولو فرض كفاية كصلاة الجنازة، أو قضاء كالفائتة، أو معادة، أو نذراً، يجب ثلاثة أمور: نية الفرضية (أي يلاحظ ويقصد كون الصلاة فرضاً)، وقصد إيقاع الفعل (بأن يقصد فعل الصلاة لتتميز عن سائر الأفعال) وتعيين نوع الفرضية من صبح أو ظهر مثلاً: بأن يقصد إيقاع صلاة فرض الظهر مثلاً (2) .\rويشترط أن يكون ذلك مقارناً لأي جزء من أجزاء تكبيرة الإحرام، وهذا هو المقصود عندهم بالاستحضار والمقارنة العرفيين (أي يستحضر قبل التحريمة فعل الصلاة من أقوالها وأفعالها في أولها وآخرها ولو إجمالاً على المعتمد، ويقرن ذلك الاستحضار السريع في الذهن في أثناء تكبيرة الإحرام). وإن كانت الصلاة نفلاً ذات وقت كسنن الرواتب، أو ذات سبب كالاستسقاء، وجب أمران: قصد فعله، وتعيينه كسنة الظهرأو عيد الفطر أو الأضحى، ولا يشترط نية النفلية على الصحيح.\r-------------------------------\r(1) حاشية الباجوري:149/1 ومابعدها، مغني المحتاج:148/1-150، 252-253، المهذب:70/1، المجموع:243/3-252.\r(2) نظمها بعضهم قائلاً:\rيا سائلي على شروط النية ... القصد والتعيين والفرضية","part":1,"page":685},{"id":687,"text":"ويكفي في النفل المطلق (وهو الذي لا يتقيد بوقت ولا سبب نحو تحية المسجد وسنة الوضوء): نية فعل الصلاة.\rولا تجب الإضافة إلى الله تعالى؛ لأن العبادة لاتكون إلا له سبحانه وتعالى، لكن تستحب ليتحقق معنى الإخلاص.\rويستحب نية استقبال القبلة وعدد الركعات خروجاً من الخلاف، فلو أخطأ في العدد، كأن نوى الظهر ثلاثاً أو خمساً، لم تنعقد صلاته، كما يستحب نية الأداء والقضاء.\rوالأصح أنه يصح الأداء بنية القضاء وعكسه في حالة العذر، كجهل الوقت بسبب غيم أو نحوه، فلو ظن خروج الوقت، فصلاها قضاء، فبان بقاؤه، أو ظن بقاء الوقت فصلاها أداء، فبان خروجه، صحت صلاته.\rكذلك تصح صلاته في حالة عدم العذر إذا قصد المعنى اللغوي، لاستعمال كل بمعنى الآخر، تقول: قضيت الدين وأديته، بمعنى واحد، وهو دفعه.\rأما إذا فعل ذلك بلا عذر، ولم ينو المعنى اللغوي، لم تصح صلاته لتلاعبه.\rولا يشترط التعرض للوقت، فلو عين اليوم وأخطأ، لم يضر. ومن عليه فوائت لا يشترط أن ينوي ظهر يوم كذا، بل يكفيه نية الظهر مثلاً. ولا يندب ذكر اليوم أو الشهر أو السنة على المعتمد.\rوالنية شرط في جميع الصلاة، فلو شك في النية، هل أتى بها أو لا، بطلت صلاته.\rولا يشترط للإمام نية الإمامة، بل يستحب ليحوز فضيلة الجماعة، فإن لم ينو لم تحصل له، إذ ليس للمرء من عمله إلا ما نوى. وتشترط نية الإمامة في حالات أربع: في الجمعة، والصلاة المجموعة مع غيرها للمطر جمع تقديم، والصلاة المعادة في الوقت جماعة، والصلاة التي نذر أن يصليها جماعة للخروج من الإثم.","part":1,"page":686},{"id":688,"text":"ويشترط للمقتدي نية الاقتداء: بأن ينوي المأموم مع تكبيرة الإحرام الاقتداء أو الائتمام أو الجماعة بالإمام الحاضر أو بمن في المحراب ونحو ذلك؛ لأن التبعية عمل، فافتقرت إلى نية، إذ ليس للمرء إلا ما نوى. ولا يكفي إطلاق نية الاقتداء، من غير إضافة إلى الإمام. فلو تابع بلا نية، أو مع الشك فيها، بطلت صلاته إن طال انتظاره.\rوقال الحنابلة (1) :\rالنية: عزم القلب على فعل العبادة تقرباً إلى الله تعالى، فلا تصح الصلاة بدونها بحال. ومحلها القلب وجوباً، واللسان استحباباً.\rفإن كانت الصلاة فرضاً: اشترط أمران: تعيين نوع الصلاة: ظهراً أو عصراً أو غيرهما، وقصد الفعل، ولا يشترط نية الفرضية (2) بأن يقول: أصلي الظهر فرضاً.\rأما الفائتة: فإن عينها بقلبه أنها ظهر اليوم، لم يحتج إلى نية القضاء ولا الأداء، ويصح القضاء بنية الأداء أو عكسه إذا بان خلاف ظنه.\rوإن كانت الصلاة نافلة: فيجب تعيينها إن كانت معينة أو مؤقتة بوقت كصلاة الكسوف والاستسقاء، والتراويح والوتر، والسنن الرواتب.\rولا يجب تعيينها إن كانت مطلقة، كصلاة الليل، فيجزئه نية الصلاة لاغير، لعدم التعيين فيها، فهم كالشافعية في هذا.\rوقالوا: إذا دخل في الصلاة بنية مترددة بين إتمامها وقطعها، لم تصح؛ لأن النية عزم جازم، ومع التردد لا يحصل الجزم، وهذا باتفاق الفقهاء. وإن دخل في الصلاة بنية صحيحة، ثم نوى قطعها والخروج منها، بطلت عند الجمهور؛ لأن النية شرط في جميع الصلاة، وقد قطعها بما حدث. وقال أبو حنيفة: لا تبطل بذلك؛ لأنها عبادة صح دخوله فيها، فلم تفسد بنية الخروج منها، كالحج.\r-------------------------------\r(1) المغني:464/1-469،231/2 ، كشاف القناع:364/1-370.\r(2) قال ابن قدامة: والصحيح أنه لابد من التعيين، وتقع الصلاة للمعهود.","part":1,"page":687},{"id":689,"text":"الشك في النية: إن شك في أثناء الصلاة، هل نوى أو لا؟ أو شك في تكبيرة الإحرام، استأنفها، كما قال الشافعية؛ لأن الأصل عدم ما شك فيه. فإن ذكر أنه كان قد نوى، أو كبر قبل قطعها، فله البناء أي الإكمال؛ لأنه لم يوجد مبطل لها. وإن عمل في الصلاة عملاً مع الشك، بطلت الصلاة، كما قال الشافعية.\rتغيير النية: إذا أحرم بفريضة، ثم نوى نقلها إلى فريضة أخرى، بطلت الاثنتان، لأنه قطع نية الأولى، ولم ينو الثانية عند الإحرام، وهذا متفق مع الشافعية أيضاً. فإن حول الفرض إلى نفل ففيه رأيان عند الشافعية والحنابلة، أرجحهما أنها تنقلب نفلاً؛ لأن نية الفرض تتضمن نية النفل، بدليل أنه لو أحرم بفرض، فبان أنه لم يدخل وقته، كانت صلاته نافلة، والفرض لم يصح، ولم يوجد ما يبطل النفل.\rولا يشترط إضافة الفعل إلى الله تعالى في العبادات كلها، بأن يقول: أصلي لله، أو أصوم لله، ونحوه؛ لأن العبادات لا تكون إلا لله، بل يستحب ذلك خروجاً من خلاف من أوجبه. كما لا يشترط أيضاً ذكر عدد الركعات، ولا استقبال القبلة، كما قال الشافعية. ويأتي بالنية عند تكبيرة الإحرام، إما مقارنة لها أو متقدمة عليها بزمن يسير، كما قال المالكية والحنفية، لكن الأفضل المقارنة، كما تقدم.\rويشترط لصحة الجماعة: أن ينوي الإمام والمأموم حالهما، فينوي الإمام أنه إمام، والمأموم أنه مأموم في أول الصلاة إلا في صورتين: الأولى: أن يكون المأموم مسبوقاً، فله أن يقتدي بعد سلام إمامه بمسبوق مثله في غير الجمعة. والثانية: ما إذا اقتدى مقيم بمسافر يقصر الصلاة، فله أن يقتدي بمثله في بقية الصلاة.\rالشرط السابع والثامن: الترتيب في أداء الصلاة، وموالاة أفعالها.\rالحقيقة أن كلاً منهما شرط لأركان الصلاة.","part":1,"page":688},{"id":690,"text":"الشرط التاسع: ترك الكلام الأجنبي عن الصلاة :\rالصلاة عبادة خالصة لله تعالى، لا يجوز الكلام فيها، فتبطل صلاة من تكلم بحرفين مفهمين ولو لمصلحة الصلاة مثل: قم أو اقعد، أو بحرف مفهم نحو ( ق ) من الوقاية، و ( ع ) من الوعي،\rو( ف ) من الوفاء، و ( ش ) من الوشي، وكذا مَدَّة بعد حرف في الأصح عند الشافعية، وإن لم يفهم، نحو «آ» والمدُّ: ألف، أو واو، أو ياء، فالممدود في الحقيقة حرفان.\rلخبر مسلم عن زيد بن أرقم: «كنا نتكلم في الصلاة، حتى نزلت: ـ وقوموا لله قانتين ـ فأمرنا بالسكوت، ونهينا عن الكلام» .\rوخبر معاوية بن الحَكَم السُّلَمِي الذي قال لمن عطس في الصلاة: «يرحمك الله» فقال له النبي صلّى الله عليه وسلم : «إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هي التسبيح والتكبير وقراءة القرآن» (1) . وسيأتي في بحث مبطلات الصلاة تفصيل هذا الموضوع.\rالشرط العاشر ـ ترك الفعل الكثير من غير جنس الصلاة:\rوهو ما يخيل للناظر إليه أن فاعله ليس في الصلاة. وسيأتي تفصيل الكلام فيه في بحث مبطلات الصلاة.\rالشرط الحادي عشر ـ ترك الأكل والشرب:\rوسيأتي توضيحه في مبطلات الصلاة.\rهذا وقد أضاف الشافعية شروطاً خمسة أخرى: وهي العلم بفرضية الصلاة؛ وألا يعتقد فرضاً من فروضها سنة؛ وألا يمضي ركن قولي أو فعلي مع الشك في نية الصلاة: هل نوى أو أ تم النية أو أتى ببعض أجزائها أو بعض شروطها؛ وألا ينو قطع الصلاة أو يتردد في قطعها، فمتى نوى قطعها، ولو بالخروج منها إلى أخرى، أو تردد فيه أو في الاستمرار فيها بطلت، لمنافاة ذلك للجزم بالنية؛ وعدم تعليق قطعها بشيء، فإن علقه بشيء ولو محالاً، بطلت، لمنافاته للجزم بالنية.\rانتهى الجزء الأول من كتاب الفقه الإسلامي و أدلته\r-------------------------------\r(1) رواه أحمد ومسلم والنسائي وأبو داود، وقال: ( لايحل ) مكان ( لا يصلح ) وفي رواية لأحمد: «إنما هي التسبيح والتكبير والتحميد وقراءة القرآن» (نيل الأوطار:314/2).","part":1,"page":689},{"id":691,"text":".....................................الفِقْهُ الإسلاميُّ وأدلَّتُهُ...............................\r.........................................الجزء الثاني......................................\rالفَصْلُ الخامِس: أركانُ الصَّلاةِ\rأركان الصلاة (أو فرائضها)، وواجباتها عند الحنفية:\rبحث الفقهاء تحت عنوان ( صفة الصلاة أي كيفيتها ) نظام الصلاة، المشتمل على الأركان والشروط، والأبعاض: وهي السنن المجبورة بسجود السهو، والهيئات: وهي السنن التي لا تجبر. والمقصود بكيفية الصلاة:الصورة الوصفية لها.\rوالركن كالشرط في أنه لا بد منه، إلا أن الشرط: هو الذي يتقدم على الصلاة، ويجب استمراره فيها كالطهر والستر، ونحوهما مما سبق بيانه، والركن: ما تشمل عليه الصلاة، كالركوع والسجود، ونحوهما ممما سيبحث هنا، ولا يسقط الركن عمداً ولا سهواً ولا جهلاً، وسمي ركناً تشبيهاً له بركن البيت الذي لا يقوم إلا به؛ لأن الصلاة لا تتم إلا به. وعلى هذا يكون الركن: هو الواجب فعله وكان جزءاً من حقيقة الفعل، والشرط: هو الواجب فعله ولكنه ليس جزءاً من حقيقة الفعل، بل من مقدماته.\rوقد اختلف الفقهاء في تصنيف وتعداد مطالب الصلاة الأساسية:\rفقال الحنفية (1) : فرائض الصلاة ستة: التحريمة قائماً، والقيام، والقراءة والركوع ، والسجود، والقَعْدة الأخيرة مقدار التشهد. هذا ما ذكره القدوري وهو رأي محمد، إلا أن المعتمد عندهم أن تكبيرة الإحرام شرط عندهم كالنية وهو رأي أبي حنيفة وأبي يوسف، خلافاً لجمهور الفقهاء.\r-------------------------------\r(1) اللباب شرح الكتاب: 68/1-77، الدر المختار ورد المحتار: 406/1، 410 ومابعدها، 424-437، مراقي الفلاح: ص37، 39 ومابعدها، فتح القدير: 192/1-226، البدائع:105/1، 160-163.","part":2,"page":1},{"id":692,"text":"واجبات الصلاة:\rواجبات الصلاة ثمانية عشر، والواجب عندهم ما ثبت بدليل فيه شبهة، وحكمه: استحقاق العقاب بتركه عمداً، لكن لا تفسد الصلاة بتركه، ويلزم سجود السهو لنقص الصلاة بترك الواجب سهواً، ويجب إعادة الصلاة بترك الواجب عمداً، أو سهواً إن لم يسجد سجود السهو له. وإن لم يعدها، يكون فاسقاً آثماً، كما هو الحكم في كل صلاة أديت مع كراهة التحريم.\rوهذه الواجبات هي ما يأتي:\r1 ً - افتتاح الصلاة بلفظ ( الله أكبر ) لا في صلاة العيدين فقط.\r2 ً - قراءة الفاتحة: لقوله صلّى الله عليه وسلم : « لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب» (1) وهذا عندهم لنفي الكمال؛ لأنه خبر آحاد، لا ينسخ قوله تعالى: {فاقرؤوا ما تيسر من القرآن} [المزمل:20/73]، فوجب العمل به. ويسجد للسهو بترك أكثرها، لا أقلها؛ لأن الواجب عند أبي حنيفة وأبي يوسف أكثرها، لا كلها.\rوقال الجمهور (غير الحنفية) : إن قراءة الفاتحة ركن في كل ركعة من ركعات الصلاة. إلا أن الشافعية قالوا: هي ركن مطلقاً، وقال المالكية: هي فرض لغير المأموم في صلاة جهرية.\r3 ً - قراءة سور ة بعد الفاتحة: يجب قراءة سورة قصيرة كالكوثر ونحوها، وهو ثلاث آيات قصار، تقدر بثلاثين حرفاً، كقوله تعالى: {ثم نظر، ثم عبس وبسر، ثم أدبر واستكبر} [المدثر:21/47-22-23] أو آية طويلة أو آيتان بمقدار ثلاثين حرفاً.\rودليلهم على الوجوب: حديث أبي سعيد الخدري: «أمرنا أن نقرأ بفاتحة الكتاب، وما تيسر» (2) والأمر للوجوب.\rوقال الجمهور: تسن قراءة سورة أو آيات بعد الفاتحة، لقول أبي هريرة: «في كل صلاة يقرأ، فما أسمعنا رسول الله صلّى الله عليه وسلم أسمعناكم، وما أخفى عنا أخفينا عنكم، وإن لم تزد على أم القرآن أجزأت، وإن زدت فهو خير» (3) .\r-------------------------------\r(1) رواه الأئمة الستة في كتبهم عن عبادة بن الصامت (نصب الراية:365/1).\r(2) رواه أبو داود وابن حبان وأحمد وأبو يعلى الموصلي، رفعه بعضهم ووقفه بعضهم (نصب الراية:364/1).\r(3) حديث موقوف رواه الشيخان (البخاري ومسلم) عن أبي هريرة (نصب الراية: 365/1).","part":2,"page":2},{"id":693,"text":"4 ً - يجب قراءة السورة في الركعتين الأوليين من الفرض على المذهب، لمواظبة النبي صلّى الله عليه وسلم على القراءة فيهما. ولا يكره تحريماً بل تنزيهاً في الركعتين الأخريين (الثالثة والرابعة) على المختار. ولو ترك السورة في ركعة أو ركعتين من أوليي المغرب أو العشاء، وجب قراءتها في الأصح في أخرى العشاء، وثالثة المغرب مع الفاتحة جهراً بهما على الأصح، ويقدم الفاتحة، ثم يقرأ السورة. ولو ترك الفاتحة لا يكررها في الأخريين. وتجب أيضاً في جميع ركعات الوتر لمشابهته السنة، وفي جميع ركعات النافلة؛ لأن كل شفع ( أي ركعتين) من النافلة صلاة على حدة، ولحديث أبي سعيد المتقدم بلفظ «لا تجزئ صلاة إلا بفاتحة الكتاب، وسورة في فريضة أو غيرها» (1) .\r5 ً - تقديم الفاتحة على قراءة السورة، لمواظبة النبي صلّى الله عليه وسلم على ذلك. فلو بدأ بالسورة قبل الفاتحة سهواً، ثم تذكر، قطع القراءة، وقرأ الفاتحة، ثم السورة، ويسجد للسهو، كما لو كرر الفاتحة ثم قرأ السورة، لتأخير الابتداء بالفاتحة في الحالة الأولى، ولتأخير القراءة في الحالة الثانية.\rولو تذكر الفاتحة قبل الركوع، قرأها، ثم قرأ سورة، وسجد للسهو.\r6 ً - ضم الأنف للجبهة في السجود، لمواظبة النبي صلّى الله عليه وسلم عليه. ولا تجوز الصلاة بالاقتصار على الأنف في السجود، على الصحيح.\r-------------------------------\r(1) حديث ضعيف رواه ابن عدي في الكامل (نصب الراية: 363/1).","part":2,"page":3},{"id":694,"text":"7 ً - مراعاة الترتيب فيما شرع مكرراً من الأفعال في الصلاة وهو السجدة الثانية: والأدق أن يقال: رعاية الترتيب بين القراءة والركوع، وفيما يتكرر في كل ركعة، فيأتي بالسجدة الثانية قبل الانتقال لغيرها من أفعال الصلاة، بدليل المواظبة منه صلّى الله عليه وسلم على مراعاة الترتيب. ومعنى كون الترتيب فيما يتكرر في كل ركعة واجباً: أن الصلاة بعد إعادة ما قدمه لا تفسد بترك الترتيب صورة، الحاصل بزيادة ما قدمه.\rفلو نسي سجدة من الركعة الأولى (1) ، قضاها، ولو بعد القعود الأخير، أو بعد السلام قبل الكلام، ثم يعيد التشهد والقعود، ويسجد للسهو بعد التسليمة الأولى، ثم يتشهد.\rأما ما لا يتكرر في كل ركعة أو في كل الصلاة ماعدا القراءة كترتيب القيام والركوع والسجود الأول والقعود الأخير، فإن الترتيب فيه فرض، وعلى هذا فترتيب القيام على الركوع، والركوع على السجود فرض. فلو ركع قبل القراءة صح ركوعه، لأنه لا يشترط في الركوع أن يكون مترتباً على قراءة في كل ركعة. بخلاف الترتيب بين الركوع والسجود مثلاً، فإنه فرض، فلو سجد قبل الركوع لم يصح سجود هذه الركعة؛ لأن أصل السجود يشترط ترتبه على الركوع في كل ركعة، كترتيب الركوع على القيام.\r-------------------------------\r(1) سواء أكانت السجدة صُلْبية أي من صلب الصلاة، أو تلاوية وهي السجدة التي تجب بسبب تلاوة آية من آيات السجود.","part":2,"page":4},{"id":695,"text":"8 ً - الاطمئنان في الأركان: بتسكين الجوارح في الركوع والسجود ونحوهما من الرفع والاعتدال، حتى تطمئن مفاصله قدر تسبيحة في الركوع والسجود والرفع منهما، ويستقر كل عضو في محله، لمواظبته صلّى الله عليه وسلم على ذلك كله، ولحديث المسيء صلاته، وقول النبي صلّى الله عليه وسلم له: «ارجع فصلّ، فإنك لم تصلِّ» ثم علمه كيفية الطمأنينة: «إذا قمت إلى الصلاة فكبِّر، ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن، ثم اركع حتى تطمئن راكعاً، ثم ارفع حتى تعتدل قائماً، ثم اسجد حتى تطمئن ساجداً، ثم ارفع حتى تطمئن جالساً، ثم اسجد حتى تطمئن ساجداً، ثم افعل ذلك في الصلاة كلها» (1) .\r9 ً - القعود الأول في صلاة ثلاثية أو رباعية: لمواظبة النبي صلّى الله عليه وسلم عليه، وسجوده للسهو لما تركه وقام ساهياً (2) . ويجب ترك الزيادة فيه كما يجب ترك الزيادة في كلمات التشهد، أو بعد تمام التشهد.\r10 ً- قراءة التشهد في القعود الأول، في الصحيح، لقوله صلّى الله عليه وسلم : «إذا قعدتم في كل ركعتين، فقولوا: التحيات لله ...» (3) والأمر للوجوب.\rوقال غير الحنفية عن هذين الأمرين: إنهما سنة؛ لأن عدم تداركه من النبي يدل على عدم وجوبه.\r11 ً - قراءة التشهد في الجلوس الأخير، لمواظبة النبي صلّى الله عليه وسلم عليه. أما الجلوس الأخير فهو فريضة. ويسجد للسهو بترك بعض أو كل من التشهدين: الأول والأخير.\r12 ً - القيام إلى الركعة الثالثة من غير تراخ بعد قراءة التشهد الأول: فلو زاد عليه بمقدار أداء ركن ساهياً، وأقل الزيادة المفوتة للواجب عن التشهد الأول مقدار ( اللهم صل على محمد ) فقط على المذهب، سجد للسهو، لتأخير واجب القيام للثالثة.\r-------------------------------\r(1) متفق عليه عن أبي هريرة (نيل الأوطار: 264/2).\r(2) رواه الجماعة عن عبد الله بن بُحَيْنَة (نيل الأوطار: 273/2).\r(3) رواه أحمد والنسائي عن ابن مسعود (نيل الأوطار:271/2).","part":2,"page":5},{"id":696,"text":"13 ً - لفظ ( السلام ) دون ( عليكم ) مرتين في آخر الصلاة، عن اليمين واليسار، لمواظبة النبي صلّى الله عليه وسلم ، وأما ( عليكم ورحمة الله ) فهو سنة. وكل من التسليمة الأولى، والثانية واجب في الأصح، فلو فرغ المقتدي قبل فراغ الإمام، فتكلم أو أكل، فصلاته تامة.\rوليس السلام فرضاً، لحديث ابن مسعود: «أن النبي صلّى الله عليه وسلم كان يسلم عن يمينه وعن يساره: السلام عليكم ورحمة الله ، حتى يُرى بياض خدِّه» (1) وهو يدل على مشروعية التسليمتين. وقال غير الحنفية: السلام للخروج من الصلاة فرض.\r14 ً - جهر (2) الإمام بالقراءة في ركعتي الفجر والركعتين الأوليين من المغرب والعشاء، ولو قضاء، وفي صلاة الجمعة والعيدين، والتراويح، والوتر في رمضان، لفعله ومواظبته صلّى الله عليه وسلم .\rأما المنفرد:فهو مخير بين الجهر والإسرار، والأفضل الجهر، ليكون الأداء على هيئة الجماعة.\rوالمتنفل بالليل مخير أيضاً بين الجهر والإسرار، ويكتفي بأدنى الجهر لئلا يصير نائماً، لأنه صلّى الله عليه وسلم جهر في التهجد بالليل، وكان يؤنس اليقظان، ولا يوقظ الوسنان. وسئلت عائشة: كيف كانت قراءة النبي صلّى الله عليه وسلم بالليل؟ فقالت: كل ذلك قد كان يفعل، ربما أسرَّ، وربما جهر (3) .\r15 ً - إسرار الإمام والمنفرد في صلاتي الظهر والعصر، وفيما عدا الركعتين الأوليين من المغرب والعشاء، وفي صلاة النفل بالنهار.\r-------------------------------\r(1) رواه الخمسة وصححه الترمذي، وأخرجه أيضاً الدارقطني وابن حبان، وله ألفاظ، وأصله في صحيح مسلم (نيل الأوطار:292/2).\r(2) الجهر: إسماع الغير ولو واحداً، والإسرار: إسماع النفس، في الصحيح.\r(3) رواه الخمسة وصححه الترمذي، ورجاله رجال الصحيح، عن عائشة (نيل الأوطار: 59/3).","part":2,"page":6},{"id":697,"text":"16 ً ، 17- قنوت الوتر، وتكبيرات العيدين (وهي ثلاث في كل ركعة)، وتكبيرة القنوت عند أبي حنيفة وعند الصاحبين: هي سنة كالوتر نفسه، وتجب تكبيرة الركوع في الركعة الثانية من صلاة العيد تبعاً لتكبيرات الزوائد فيها، لاتصالها بها، بخلاف تكبيرة الركوع في الركعة الأولى.\r18 ً - إنصات المقتدي، ومتابعة الإمام، في صلاة الجماعة.\rأركان الصلاة عند غير الحنفية:\rقال المالكية كما ذكر العلامة خليل وشرّاح متنه (1) :فرائض الصلاة أربع عشرة فريضة وهي: النية، وتكبيرة الإحرام، والقيام لها في الفرض، وقراءة الفاتحة للإمام والمنفرد، والقيام لها أي (الفاتحة) بفرض، والركوع، والرفع منه، والسجود، والجلوس بين السجدتين، والسلام، والجلوس له، والطمأنينة في جميع الأركان. والاعتدال بعد الركوع والسجود، وترتيب الأركان بأن يقدم النية على تكبيرة الإحرام، ثم الفاتحة، ثم الركوع، ثم الاعتدال، ثم السجود.. الخ\rووضع المالكية ضابطاً للأركان فقالوا: الصلاة مركبة من أقوال وأفعال، فجميع أقوالها ليست بفرائض إلا ثلاثة: تكبيرة الإحرام، والفاتحة والسلام، وجميع أفعالها فرائض إلا ثلاثة: رفع اليدين عند تكبيرة الإحرام، والجلوس للتشهد، والتيامن بالسلام.\rوقال الشافعية (2) : أركان الصلاة ثلاثة عشر وهي:\rالنية، وتكبيرة الإحرام، القيام في الفرض للقادر عليه، والفاتحة لكل مصلي إلا المعذور لسبق أو غيره، الركوع، والسجود مرتين، والجلوس بين السجدتين، التشهد الأخير، القعود في التشهد الأخير، الصلاة على النبي صلّى الله عليه وسلم بعد التشهد الأخير قاعداً، السلام، الترتيب كما ذكر.\r-------------------------------\r(1) الشرح الصغير: 303/1-317، الشرح الكبير:231/1-242، القوانين الفقهية: ص51،57-66.\r(2) مغني المحتاج:148/1-184.","part":2,"page":7},{"id":698,"text":"والفرض لا ينوب عنه سجود السهو، بل إن تذكره وهو في الصلاة أو بعد السلام والزمان قريب أتى به وبنى على صلاته وسجد للسهو.\rوقال الحنابلة (1) : أركان الصلاة أربعة عشر وهي:\rتكبيرة الإحرام، والقيام في فرض لقادر عليه، وقراءة الفاتحة في كل ركعة للإمام والمنفرد، والركوع، والاعتدال بعده، والسجود، والاعتدال عنه، والجلوس بين السجدتين، والطمأنينة في هذه الأفعال (الركوع وما بعده)، والتشهد الأخير، والصلاة على النبي صلّى الله عليه وسلم بعد التشهد الأخير عند أكثر الحنابلة، والجلوس له وللتسليمتين، والتسليمتان، وترتيب الأركان، على النحو المذكور. والفرض أو الركن لا يسقط عمداً ولا سهواً ولا جهلاً.\rوسنفصل الكلام في هذه الأركان كلها، علماً بأن النية بحثت في الشروط عملاً بمنهج الحنفية والحنابلة وبعض المالكية (ابن رشد وابن جزي)، والمعتمد عند المالكية أن النية ركن، وأن الإحرام عبارة عن النية والتكبير.\rأركان الصلاة المتفق عليها:\rيلاحظ أن الفقهاء اتفقوا على ستة فروض أو أركان وهي: التحريمة، والقيام، والقراءة، والركوع، والسجود، والقعدة الأخيرة مقدار التشهد إلى قوله: «عبده ورسوله» .\rالركن الأول ـ التحريمة أو تكبيرة الإحرام:\rهي أن يقول المصلي قائماً مسمعاً نفسه: ( الله أكبر ) (2) إلا في حال العجز عن القيام، وذلك بالعربية، لمن قدر عليها، لا بغيرها من اللغات، وبلا فصل بين المبتدأ والخبر عند المالكية والحنابلة بكلمة أخرى ولا بسكوت طويل.\r-------------------------------\r(1) المغني:460/1-558، كشاف القناع: 450/1-455.\r(2) سميت هذه التكبيرة بتكبيرة الإحرام؛ لأنه يحرم على المصلي ما كان حلالاً له قبلها من موانع الصلاة كالأكل والشرب والكلام ونحوذلك، ويقصد بها الذكر الخالص لله تعالى الذي يحرم به المصلي على نفسه الاشتغال بما سوى الله.","part":2,"page":8},{"id":699,"text":"هذا إذا كان المصلي غير إمام، فأدناه أن يسمع نفسه، فإن كان إماماً يستحب له أن يجهر بالتكبير ليسمع من خلفه (1) والتكبير ركن لا شرط، فلا تنعقد الصلاة إلا بقول ( الله أكبر )، وإن عجز عن التكبير كأن كان أخرس أو عاجزاً عن التكبير بكل لسان، سقط عنه. وإن قدر على الإتيان ببعضه، أتى به، إن كان له معنى (2) .\rودليلهم على اشتراط لفظ ( الله أكبر ) وأنه ركن: هو قوله تعالى: {وربَّك فكبر} [المدثر:3/74]، والحديث السابق عن علي: «مفتاح الصلاة الطهور، وتحريمها التكبير» (3) وحديث رفاعة بن رافع: «لا يقبل الله صلاة امرئ حتى يضع الوضوء مواضعه، ثم يستقبل القبلة، فيقول: الله أكبر» (4) ، وقال عليه السلام للمسيء صلاته: «إذا قمت إلى الصلاة فكبر» (5) وقال صلّى الله عليه وسلم أيضاً: «إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هي التسبيح والتكبير وقراءة القرآن» قرن التكبير بالقراءة، فدل على أنه مثله في الركنية.\r-------------------------------\r(1) المجموع:258/3، المغني:462/1.\r(2) الشرح الصغير:305/1 ومابعدها، المغني:460/1-464، كشاف القناع:451/1.\r(3) رواه أبو داود والترمذي بإسناد صحيح عن علي بن أبي طالب.\r(4) رواه أصحاب السنن الأربعة والطبراني.\r(5) متفق عليه.","part":2,"page":9},{"id":700,"text":"وقال الشافعية ومحمد من الحنفية (1) كالمالكية والحنابلة: التكبير ركن لا شرط، إلا أن الشافعية قالوا: لا تضر زيادة لا تمنع اسم التكبير، مثل ( الله الأكبر)؛ لأنه لفظ يدل على التكبير، وعلى زيادة مبالغة في التعظيم، ومثل ( الله الجليل أكبر) في الأصح، وكذا كل صفة من صفاته تعالى، إذا لم يطل بها الفصل، لبقاء النظم. ويشترط إسماع نفسه التكبير كالقراءة وسائر الأركان القولية، ويُبين التكبير كما أوضح الشافعية والحنابلة، ولا يمد في غير موضع المد، فإن فعل بحيث تغير المعنى، مثل أن يمد الهمزة الأولى، فيقول ( آلله ) أو يمد ( آكبر ) أو يزيد ألفاً بعد باء ( أكبر )، لم يصح؛ لأن المعنى يتغير به. والأصح عند الشافعية: أن من عجز عن التكبير بالعربية أتى بمدلول التكبير بأي لغة شاء. ووجب التعلم إن قدر عليه. ومن عجز عن النطق بالتكبير كأخرس، لزمه تحريك لسانه، وشفتيه ولهاته ما أمكنه، فإن عجز نواه بقلبه.\rوقال أبو حنيفة وأبو يوسف (2) : التحريمة شرط، لا ركن، وقولهما هو المعتمد لدى الحنفية، لقوله تعالى: {وذكر اسم ربه فصلى} [الأعلى:87/15] قالوا: المراد بالذكر هنا التحريمة، وهي غير الصلاة، بدليل العطف عليها، والعطف يقتضي المغايرة، ولأن حديث علي السابق «وتحريمها التكبير» أضيف التحريم فيه إلى الصلاة، والمضاف غير المضاف إليه؛ لأن الشيء لا يضاف إلى نفسه.\r-------------------------------\r(1) مغني المحتاج:150/1 ومابعدها، اللباب:68/1.\r(2) فتح القدير:192/1،198 ومابعدها، الدر المختار ورد المحتار: 411/1،421، تبيين الحقائق: 103/1، اللباب، المكان السابق، الدرر شرح الغرر:66/1.","part":2,"page":10},{"id":701,"text":"وتظهر ثمرة الخلاف بين الشيخين (أبي حنيفة وأبي يوسف) القائلين بالشرطية وبين محمد القائل بفرضية التكبير. فيما لو أحرم حاملاً النجاسة، فألقاها فور فراغه من التكبير، أو كان مكشوف العورة، فسترها عند فراغه من التكبير، أو كان منحرفاً عن القبلة، فاستقبلها عند الفراغ من التكبير، أو شرع في التكبير بالظهر قبل الزوال مثلاً، ثم زالت الشمس بعد فراغه من التكبير، تجوز الصلاة عند الشيخين، ولا تجوز عند محمد.\rوكذلك إذا فسدت الفريضة، تنقلب نفلاً عند الشيخين، وعند محمد: لاتنقلب. واتفق الحنفية على أن التحريمة ركن في صلاة الجنازة كبقية تكبيراتها.\rوقد عرفنا في بحث واجبات الصلاة: أنه يجب عند الحنفية بدء الصلاة بلفظ ( الله أكبر ) ويكره تحريماً الشروع بغير هذا اللفظ.\rوأجاز أبو حنيفة ومحمد افتتاح الصلاة بكل تعبير خالص لله تعالى، فيه تكبير وتعظيم، كقول المصلي: الله أجل، الله أعظم، وكبير أو جليل، والرحمن أعظم، وسبحان الله ، ولا إله إلا الله ، والحمد لله ، ونحوه، لأن ذلك كله يؤدي معنى التكبير، ويشتمل على معنى التعظيم، فأشبه قوله: (الله أكبر ) ولو افتتح الصلاة بـ ( اللهم اغفر لي ) لا يجوز؛ لأنه مشوب بحاجته، فلم يكن تعظيماً، ولو افتتح بقوله: ( اللهم ) فالأصح أنه يجزئه؛ لأن معناه: يا الله.\rوخص أبو يوسف الافتتاح بالتكبيرومشتقاته، مثل:( الله أكبر ) والكبير، والكُبَّار، وتردد في ( الله كبير ) ومن عجز عن التكبير كالأخرس، سقط عنه ذلك، لتعذر الواجب في حقه، وتكفيه النية عن التحريمة.\rوقال أبو حنيفة: إنه يجزئ التكبير بغير العربية، لقول الله تعالى: {وذكر اسم ربه، فصلى} [الأعلى:15/87]، وهذا قد ذكر اسم ربه.","part":2,"page":11},{"id":702,"text":"أما الصاحبان فقالا كالشافعية: إن كان لا يحسن العربية أجزأه غيرها، فإن كان يحسنها وكبر بغير العربية لا يجزئه لقوله صلّى الله عليه وسلم : «صلوا كما رأيتموني أصلي» (1) .\rواشترط الحنفية لأداء تكبيرة الإحرام عشرين شرطاً: وهي دخول الوقت، واعتقاد دخوله أو غلبة الظن به، وستر العورة، والطهر من الحدث والنجاسة المانعة عن البدن والثوب والمكان، والقيام لقادر عليه في غير نفل، وفي سنة فجر، ونية اتباع الإمام (وهو في الواقع شرط لصحة الاقتداء لا لصحة التحريمة)، والنطق بها: (وهو أن يسمع بها نفسه، فمن همس بها أو أجراها على قلبه لا تجزئه، كجميع أقوال الصلاة)، وتعيين الفرض أنه ظهر أوعصر مثلاً، وتعيين الوجوب كركعتي الطواف والعيدين والوتر والمنذرو وقضاء أفسده، وأن تكون بجملة ذكر خالص لله غير مشوب بحاجته وأهوائه، ولا يصح باستغفار نحو اللهم اغفر لي، وصح بلفظ ( اللهم ) في الأصح: مثل ( الله أكبر ) فلا يصير شارعاً بأحدهما في ظاهر الرواية، وألا تكون مع بسملة، وأن تكون بجملة عربية لمن قدر عليها، فلا يصح شروعه بغيرها، إلا إذا عجز، فيصح بالفارسية كالقراءة في الصلاة، والأصح أنه يصح الشروع في الصلاة بالتكبير بغير العربية، وإن قدر عليها اتفاقاً عندهم، بخلاف القراءة، وأن تخلو عن ترك هاء لفظ الجلالة:( الله )، وترك مد همزة ( الله ) وهمزة ( أكبر ) ومد باء ( أكبر ) وألا يكون هناك فاصل بين النية والتحريمة بكلام مباين ونحوه من أكل وشرب، وألا تسبق النية بتكبيرته، فلو فرغ منه قبل فراغ إمامه، لم يصح شروعه، وأن يؤديها مستقبلاً القبلة إلا لعذر، أو لتنفل راكب خارج البلد.\r-------------------------------\r(1) رواه البخاري وأحمد.","part":2,"page":12},{"id":703,"text":"واشترط جمهور الفقهاء ألا يكبر المأموم حتى يفرغ إمامه من التكبير، للحديث المتفق عليه: «إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا كبر فكبروا» وأجاز الحنفية مقارنة المأموم في التكبير وغيره، فيكبر معه كما يركع معه.\rالركن الثاني ـ القيام في الفرض لقادر عليه، وكذا في الواجب كنذر وسنة في الأصح عند الحنفية (1) :\rلقوله تعالى: {وقوموا لله قانتين} [البقرة:238/2] أي مطيعين وقيل: خاشعين، وقوله صلّى الله عليه وسلم في حديث عمران بن حصين: «صل قائماً» (2) .\rولا يجب القيام في النافلة، فتصح مع القدرة على القيام؛ لأن مبنى النوافل على التيسير والأخذ بالرفق، ولأن النوافل كثيرة، فلو وجب فيها القيام شَقَّ وانقطعت النوافل.\rولا يجب أيضاً على المريض العاجز عن القيام، سواء في الفريضة أم النافلة؛ لأن التكليف بقدر الوسع، ومن عجز عن القيام قعد كيف شاء.\rوحدّ القيام عند الحنفية: أن يكون بحيث لو مدّ يديه لا ينال ركبتيه. وعند المالكية والحنابلة: ألا يكون في حالة جلوس ولا في حالة انحناء بحيث يصير راكعاً. ولا يضر خفض الرأس على هيئة الإطراق لأنه لا يخرجه عن كونه يسمى قائماً.\r-------------------------------\r(1) تبيين الحقائق:104/1، فتح القدير:192/1،204،278، الشرح الصغير:307/1،312،360، مغني المحتاج:153/1 ومابعدها، كشاف القناع:450/1، المهذب:70/1، الشرح الكبير مع الدسوقي:231/1،237،255-257، غاية المنتهى:138/1، 151.\r(2) رواه الجماعة والحاكم عن عمران بلفظ: «كانت بي بواسير، فسألت النبي عن الصلاة، فقال: صل قائماً، فإن لم تستطع فقاعداً، فإن لم تستطع فعلى جنب» . زاد النسائي: «فإن لم تستطع فمستلقياً، لا يكلف الله نفساً إلا وسعها» (نصب الراية:175/2).","part":2,"page":13},{"id":704,"text":"وعند الشافعية: يشترط نصب فَقَار المصلي (1) ؛لأن اسم القيام دائر معه، ولايشترط نصب رقبته؛ لأنه يستحب إطراق الرأس. فإن وقف منحنياً أو مائلاً يمنة أو يسرة، بحيث لا يسمى قائماً، لم يصح قيامه لتركه الواجب بلا عذر. والانحناء المنافي للقيام: أن يصير إلى الركوع أقرب، فلو كان أقرب إلى القيام أو استوى الأمران صح. فهم إذن كالمالكية والحنابلة.\rومن لم يطق انتصاباً بسبب مرض أو تقوس ظهر بسبب الكبر، فالصحيح أنه يقف كذلك، ويزيد انحناءه إن قدر.\rوالمقدار المفروض من القيام: هو عند الحنفية بقدر القراءة المطلوبة فيه، وهو بقدر قراءة الفاتحة وسورة وتكبيرة الإحرام.\rوعند الجمهور: بقدر تكبيرة الإحرام وقراءة الفاتحة فقط؛ لأن الفرض عندهم قراءة الفاتحة، وأما السورة بعدها فهي سنة.\rهل يشترط الاستقلال في القيام؟\rقال الحنفية: يشترط للقادر الاستقلال في الفرض، فمن اتكأ على عصاه، أو على حائط ونحوه، بحيث يسقط لو زال، لم تصح صلاته، فإن كان لعذر صحت.\rأما في التطوع أوالنافلة: فلا يشترط الاستقلال بالقيام سواء أكان لعذر أم لا، إلا أن صلاته تكره لأنه إساءة أدب، وثوابه ينقص إن كان لغير عذر.\rوقال المالكية: يجب القيام مستقلاً في الفرائض للإمام والمنفرد حال تكبيرة الإحرام وقراءة الفاتحة والهوي للركوع، وأما حال قراءة السورة فهو سنة، فلو استند إلى شيء بحيث لو أزيل لسقط، فإن كان في غير قراءة السورة، بطلت صلاته؛ لأنه لم يأت بالفرض الركني، وإن كان في حال قراءة السورة لم تبطل وكره استناده، ولو جلس في حال قراءة السورة بطلت صلاته لإخلاله بهيئة الصلاة. وأما المأموم فلا يجب عليه القيام لقراءة الفاتحة، لو استند حال قراءتها لعمود بحيث لو أزيل لسقط، صحت صلاته.\r-------------------------------\r(1) أي فقرات الظهر أو مفاصله","part":2,"page":14},{"id":705,"text":"وقال الشافعية: لا يشترط الاستقلال في القيام، فلو استند إلى شيء، أجزأه مع الكراهة، لوجود اسم القيام. لكن لو استند إلى شيء بحيث لو رفع قدميه إن شاء، ظل مستنداً ولم يسقط، لم تصح صلاته؛ لأنه لا يسمى قائماً، بل معلقاً نفسه.\rوقال الحنابلة: يشترط الاستقلال في القيام للقادر عليه في فرض، فلو استند استناداً قوياً على شيء بلا عذر، بطلت صلاته.\rصلاة المريض أو متى يسقط القيام؟\rاتفق الفقهاء على أنه يسقط القيام في الفرض والنافلة للعاجز عنه لحديث عمران بن حصين السابق: «صل قائماً، فإن لم تستطع، فقاعداً، فإن لم تستطع فعلى جنب» فإن قدر على بعض القراءة ولو آية قائماً، لزمه بقدرها.\rويسقط القيام أيضاً عند جمهور الفقهاء غير الشافعية للعريان، فإنه يصلي قاعداً بالإيماء إذا لم يجد ساتراً يستر به عورته، كما قدمنا.\rومن حالات العجز المسقطة للقيام: حالة المداواة: كمن يسيل جرحه إذا قام، أو أثناء مداواة العين استلقاء. ومنها: حالة سلس البول: فإذا كان يسيل بوله لو قام، وإن قعد لم يسل، صلى قاعداً، ولا إعادة عليه حتى عند الشافعية في الأصح.\rومنها : حالة الخوف من عدو بحيث إذا قام، رآه العدو، صلى قاعداً ولا إعادة عليه حتى عند الشافعية أيضاً.\rومنها: عند الحنابلة قصر سُقِف لعاجز عن خروج كالحبس، وصلاة خلف إمام حي عاجز.\rكيفية صلاة العاجز المريض:\rللفقهاء آراء متقاربة في كيفية صلاة المريض، وبعضها أيسر من بعض.\rقال الحنفية (1) :\rأ ـ إذا عجز المريض عن القيام، سقط عنه، وصلى قاعداً كيف تيسر له، يركع ويسجد إن استطاع، فإن لم يستطع الركوع والسجود، أو السجود فقط، أو مأ إيماء برأسه، وجعل إيماءه للسجود أخفض من ركوعه، تفرقة بينهما، لحديث عمران بن حصين المتقدم.\r-------------------------------\r(1) اللباب : 1 /100 وما بعدها ، فتح القدير : 1 /375 وما بعدها ، البدائع 1 /105 وما بعدها ، تبيين الحقائق 1 /199 - 204 .","part":2,"page":15},{"id":706,"text":"ولا يرفع إلى وجهه شيئاً مثل الكرسي والوسادة، يسجد عليه، لنهيه صلّى الله عليه وسلم عن ذلك، روى جابر: أن النبي صلّى الله عليه وسلم عاد مريضاً، فرآه يصلي على وسادة، فأخذها، فرمى بها، فأخذ عوداً ليصلي عليه، فرمى به، وقال: صل على الأرض إن استطعت، وإلا فأومئ إيماء، واجعل سجودك أخفض من ركوعك (1) .\rب ـ فإن لم يستطع القعود، استلقى على ظهره، وجعل رجليه إلى القبلة، وأومأ بالركوع والسجود.\rوإن استلقى على جنبه،ووجهه إلى القبلة، وأومأ، جاز، والكيفية أو الهيئة الأولى هنا أولى؛ لأن إشارة المستلقي تقع إلى هواء الكعبة، وإشارة المضطجع على جنبه تقع إلى جانب قدميه، أي أن الاستلقاء عندهم أولى من الاضطجاع، وعلى الشق الأيمن أولى من الأيسر.\rجـ ـ فإن لم يستطع الإيماء برأسه: أخر الصلاة، ولا يومئ بعينيه ولا بقلبه، ولا بحاجبيه؛ لأنه لا عبرة به، عملاً بالحديثين السابقين عن عمران وجابر، ولأن إقامة البدل عن هيئة الصلاة الواجبة شرعاً بالرأي ممتنع، ولا قياس على الرأس؛ لأنه يتأدى به ركن الصلاة،دون العين والحاجبين والقلب.\rولا تسقط عنه الصلاة، ويجب عليه القضاء، ولو كثرت الصلوات إذا كان يفهم مضمون الخطاب، وهو الصحيح كما ذكر في الهداية. وذكر في البدائع وغيرها عدم لزوم القضاء إذا كثرت الصلوات، فزاد المتروك عن صلاة يوم وليلة، وإن كان المصلي يفهم الخطاب الشرعي؛ لعدم القدرة على الصلاة، ومنعاً من الوقوف في الحرج، وهو المختار وعليه الفتوى.\rوإن قدر المريض على القيام، ولم يقدر على الركوع والسجود، لم يلزمه القيام، وجاز أن يصلي قاعداً يومئ برأسه إيماء. والأفضل الإيماء قاعداً؛ لأنه أشبه بالسجود، لكون رأسه أخفض إلى الأرض.\r-------------------------------\r(1) أخرجه البزار والبيهقي، وأبو يعلى الموصلي، ورواه الطبراني عن ابن عمر (نصب الراية: 175/2 ومابعدها).","part":2,"page":16},{"id":707,"text":"وإن صلى الصحيح بعض صلاته قائماً، ثم حدث به مرض، أتمها قاعداً، يركع ويسجد، أو يومئ إن لم يستطع الركوع والسجود، أو مستلقياً إن لم يستطع القعود؛ لأن بناء الأدنى على الأعلى، وبناء الضعيف على القوي أولى من الإتيان بالكل ضعيفاً.\rومن صلى قاعداً يركع ويسجد لمرض به، ثم صح في خلالها، بنى على صلاته قائماً؛ لأن البناء كالاقتداء، والقائم يقتدي بالقاعد.\rوإن كان المريض صلى بعض صلاته بإيماء، ثم قدر في خلالها على الركوع والسجود، استأنف (جدد) الصلاة؛ لأنه لا يجوز اقتداء الراكع بالمومئ، فكذا البناء لايجوز.\rوقال المالكية (1) :\rأ ـ إذا لم يقدر المصلي على القيام استقلالاً لعجز أو لمشقة فادحة كدوخة في صلاة الفرض، جاز فيه الجلوس، ولا يجوز الاضطجاع إلا لعذر.\rويجوز أداء بعض الصلاة قائماً وبعضه جالساً باتفاق أهل المذهب.\rب ـ ومن قدر على القيام في الفرض، ولكن خاف به ضرراً كالضرر المبيح للتيمم (وهو خوف حدوث مرض من نزلة أو إغماء أو زيادته لمتصف به، أو تأخر برء)، أو خاف بالقيام خروج حدث كريح، استند ندباً لحائط أو على قضيب أو لحبل معلَّق بسقف البيت يمسكه عند قيامه، أو على شخص غير جنب أوحائض. فإن استند على جنب أو حائض أعاد بوقت ضروري.\rوإن صلى جالساً مستقلاً عن غيره، مع القدرة على القيام مستنداً، صحت صلاته.\rجـ ـ وإن تعذر القيام بحالتيه (مستقلاً أو مستنداً)، جلس وجوباً إن قدر، وإن لم يقدر جلس مستنداً.\rوتربع ندباً للجلوس البديل عن القيام: وهو حالة تكبيرة الإحرام، والقراءة والركوع، ثم يغير جلسته في الجلوس بين السجدتين والتشهد.\rد ـ وإن لم يقدر على الجلوس بحالتيه (مستقلاً أو مستنداً)، صلى على شق أيمن ندباً، فأيسر إن عجز عن الأيمن، ثم مستلقياً على ظهر ورجلاه للقبلة، فإن لم يقدر فعلى بطنه ورأسه للقبلة.\r-------------------------------\r(1) الشرح الصغير:358/1-363، الشرح الكبير:257/1-262.","part":2,"page":17},{"id":708,"text":"والشخص القادر على القيام فقط، دون الركوع والسجود والجلوس، أومأ للركوع والسجود قائماً.\rوالقادر على القيام مع الجلوس، أومأ للركوع من القيام، وأومأ للسجود من الجلوس،فإن خالف فيهما، بطلت صلاته.\rوإذا أومأ للسجود من قيام أوجلوس، حَسَر (رفع) عمامته عن جبهته وجوباً، بحيث لو سجد لأمكن وضع جبهته بالأرض، أو بما اتصل بها من فرش ونحوه. وإن كان بجبهته قروح، فسجد على أنفه، صحت صلاته؛ لأنه أتى بما في طاقته من الإيماء، علماً بأن حقيقة السجود: وضع الجبهة على الأرض.\rوإن قدر المصلي على جميع الأركان، في الركعة الأولى، إلا أنه إذا سجد بعد أن أتم الركوع وقراءة الفاتحة، لا يقدر على القيام، صلى الركعة الأولى بسجدتيها، وتمم صلاته جالساً.\rهـ ـ إن لم يقدر المصلي على شيء من الأركان إلا على نية، بأن ينوي الدخول في الصلاة ويستحضرها، أو قدر على النية مع إيماء بطرف، وجبت الصلاة بما قدر عليه، وسقط عنه غير المقدور عليه. وإن قدر مع ذلك على (السلام) سلم.\rولا يجوز له تأخير الصلاة عن وقتها بما قدر عليه، مادام المكلف في عقله.\rوقال الشافعية (1) :\rأ ـ إن لم يقدر على القيام في الفرض مع نصب عموده الفقري، وقف منحنياً؛ لأن الميسور لا يسقط بالمعسور.\rب ـ وإن عجز عن القيام أصلاً (بأن لحقته مشقة شديدة لا تحتمل في العادة كدوران رأس راكب السفينة)، قعد كيف شاء، لخبر عمران بن حصين، وركع محاذياً جبهته قُدَّام ركبتيه، والأفضل أو الأكمل: أن يحاذي موضع سجوده. وكل من ركوعه وسجوده على وزان ركوع القائم في المحاذاة بحسب النظر، لأنه يسن للمصلي النظر إلى موضع سجوده.\rوقعوده مفترشاً كهيئة الجالس للتشهد الأول أفضل من تربعه في الأظهر؛\r-------------------------------\r(1) مغني المحتاج: 154/1 ومابعدها، الحضرمية: ص38 ومابعدها، تحفة الطلاب: ص69.","part":2,"page":18},{"id":709,"text":"لأنها هيئة مشروعة في الصلاة، فكانت أولى من غيرها، ويكره الإقعاء بأن يجلس على وركيه ناصباً ركبتيه، لما فيه من التشبه بالكلب والقرد.\rجـ ـ فإن لم يقدر على القعود: بأن نالته المشقة السابقة، اضطجع وجوباً على جنبه، مستقبلاً القبلة بوجهه ومقدم بدنه. والجنب الأيمن أفضل للاضطجاع عليه من الأيسر، والأيسر بلا عذر مكروه.\rد ـ فإن لم يقدر على الاضطجاع، استلقى، ويرفع وجوباً رأسه بشيء كوسادة ليتوجه إلى القبلة بوجهه ومقدم بدنه، إلا أن يكون في الكعبة وهي مسقوفة، فيجوز له الاستلقاء على ظهره، وعلى وجهه وإن لم تكن مسقفة؛ لأنه كيفما توجه، فهو متوجه لجزء منها. ويركع ويسجد بقدر إمكانه، فيومئ برأسه للركوع والسجود، وإيماؤه للسجود أكثر، بقدر إمكانه.\rهـ ـ فإن لم يقدر، أومأ بطرفه (أي بصره) إلى أفعال الصلاة.\rو ـ فإن لم يقدر، أجرى الأركان على قلبه، مع السنن، بأن يمثل نفسه قائماً وراكعاً، وهكذا؛ لأنه الممكن.\rفإن اعتقل لسانه، أجرى القراءة وغيرها على قلبه كذلك.\rولا تسقط عنه الصلاة ما دام عقله ثابتاً، لوجود مناط التكليف.\rومتى قدر على مرتبة من المراتب السابقة في أثناء الصلاة، لزمه الإتيان بها.\rز ـ للقادر على القيام، أن يتنفل قاعداً، أو مضطجعاً في الأصح، لا مستلقياً، ويقعد للركوع والسجود ولا يومئ بهما إن اضطجع، لعدم وروده في السنة. وأجر القاعد القادر نصف أجر القائم، والمضطجع نصف أجر القاعد لحديث ثابت في ذلك.\rوالخلاصة: إن المريض يصلي كيف أمكنه ولو مومياً ولا يعيد، والغريق والمحبوس يصليان موميين ويعيدان .","part":2,"page":19},{"id":710,"text":"ومذهب الحنابلة (1) كالشافعية، فإنهم قالوا:\rأ ـ يجب أن يصلي المريض قائماً إجماعاً في فرض، ولو لم يقدر إلا بصفة ركوع، لحديث عمران بن حصين مرفوعاً: «صل قائماً، فإن لم تستطع فعلى جنب» رواه الجماعة، وزاد النسائي: «فإن لم تستطع فمستلقياً» وحديث «إذا أمرتكم بأمر فائتوا منه مااستطعتم» .\rويصلي قائماً ولو بالاستناد إلى شيء آخر بأجرة مثله أو زائدة يسيراً إن قدر عليها، فإن لم يقدر على الأجرة، صلى على حسب ما يستطيع، وهذا يوافق رأي المالكية.\rب ـ فإن لم يستطع المريض القيام أو شق عليه مشقة شديدة لضرر من زيادة مرض، أو تأخر برء ونحوه، فإنه يصلي قاعداً لما تقدم من الخبر، متربعاً ندباً كمتنفل أي كما قال المالكية، وكيف قعد جاز كالمتنفل، ويثني رجليه في ركوع وسجود، كمتنفل.\rجـ ـ فإن لم يستطع القعود، أو شق عليه، فيصلي على جنب، لما تقدم في حديث عمران.\rوالصلاة على الجنب الأيمن أفضل من الصلاة على الجنب الأيسر، لحديث علي مرفوعاً: «يصلي المريض قائماً، فإن لم يستطع، صلى قاعداً، فإن لم يستطع أن يسجد أومأ، وجعل سجوده أخفض من ركوعه، فإن لم يستطع أن يصلي قاعداً، صلى على جنبه الأيمن مستقبل القبلة، فإن لم يستطع صلى مستلقياً، رجلاه مما يلي القبلة» (2) فإن صلى على الجنب الأيسر، جاز، لظاهر خبر عمران، ولتحقق استقبال القبلة.\rد ـ ويصح أن يصلي على ظهره، ورجلاه إلى القبلة، مع القدرة على الصلاة على جنبه، لأنه نوع الاستقبال (3) ، مع الكراهة. فإن تعذر عليه أن يصلي على جنبه تعين الظهر، لما تقدم في حديث علي.\rويلزمه الإيماء بركوعه وسجوده برأسه ما أمكنه، لحديث «إذا أمرتكم بأمر فائتوا منه ما استطعتم» ، ويكون سجوده أخفض من ركوعه وجوباً، لحديث علي، وليتميز أحدهما عن الآخر.\r-------------------------------\r(1) كشاف القناع:587/1-589، المغني:143/2-149.\r(2) رواه الدارقطني.\r(3) ولهذا يوجه الميت كذلك عند الموت.","part":2,"page":20},{"id":711,"text":"هـ ـ فإن عجز عن الإيماء برأسه لركوعه وسجوده كأسير عاجز، أومأ بطرفه (أي عينه) ونوى بقلبه، لما روى زكريا الساجي عن علي بن أبي طالب أنه صلّى الله عليه وسلم قال: «فإن لم يستطع أومأ بطرفه» .\rو ـ فإن عجز عن الإيماء بطرفه، فيصلي بقلبه، مستحضراً القول إن عجز عنه بلفظه، ومستحضراً الفعل بقلبه، لقوله تعالى: {وماجعَل عليكم في الدين من حَرج} [الحج:78/22]، وقوله: {لا يكلف ا لله نفساً إلا وسعها} [البقرة:286/2]، وقوله صلّى الله عليه وسلم : «إذا أمرتكم بأمر فائتوا منه ما استطعتم» .\rولا تسقط الصلاة حينئذ عن المكلف، ما دام عقله ثابتاً، لقدرته على أن ينوي بقلبه، مع الإيماء بطرفه أو بدونه، ولعموم أدلة وجوب الصلاة (1)\rوالخلاصة: إن أقصى حالات التيسير للمريض هو الإيماء بالرأس عند الحنفية، والإيماء بالطرف (البصر أو العين) أو مجرد النية عند المالكية، وإجراء الأركان على القلب عند الشافعية والحنابلة.\rواتفق الكل على أنه لا تسقط الصلاة عن المرء ما دام في عقله، ويجب قضاؤها عند الحنفية إن لم يستطع الإيماء برأسه.\rالركن الثالث ـ القراءة لقادر عليها:\rالركن عند الحنفية (2) الذي هو فرض عملي في جميع ركعات النفل والوتر، وفي ركعتين من الفرض، للإمام والمنفرد: هو قراءة آية من القرآن، لقوله تعالى: {فاقرؤوا ما تيسر من القرآن} [المزمل:20/73]، ومطلق الأمر للوجوب، ولقوله صلّى الله عليه وسلم : «لا صلاة إلا بقراءة» (3) وأقل الواجب عند أبي حنيفة: هو آية بمقدار ستة أحرف مثل {ثم نظر} [المدثر:21/74]، ولو تقديراً، مثل { لم يلد } [الإخلاص:3/112]، إذ أصله { لم يولد } [الإخلاص:3/112] وقال الصاحبان: فرض القراءة ثلاث آيات قصار، أو آية طويلة، بمقدار ثلاث آيات قصيرة.\r-------------------------------\r(1) وأما حديث الدَّارمي وغيره عن ابن عمر مرفوعاً: «يصلي المريض قاعداً، فإن لم يستطع فعلى جنب، فإن لم يستطع فمستلقياً، فإن لم يستطع فالله أولى بالعذر» فإسناده ضعيف.\r(2) الدر المختار ورد المحتار:415/1، فتح القدير:193/1،205، 322 ومابعدها، البدائع:110/1، تبيين الحقائق:104/1 ومابعدها.\r(3) رواه مسلم عن أبي هريرة.","part":2,"page":21},{"id":712,"text":"وأما تعيين القراءة في الركعتين الأوليين من الفرض فهو واجب، لقول علي رضي ا لله عنه: «القراءة في الأوليين قراءة في الأخريين» وعن ابن مسعود وعائشة: «التخيير في الأخريين، إن شاء قرأ، وإن شاء سبح» وكذلك قراءة الفاتحة والسورة، أو ثلاث آيات، هو واجب أيضاً (1) .\rليست الفاتحة عندهم فرضاً في الصلاة مطلقاً، لا في السرية ولا في الجهرية، لا على الإمام، ولا على المأموم، بل تكره قراءتها للمأموم.\rالبسملة عند الحنفية:\rليست البسملة آية من الفاتحة ولا من غيرها من السور إلا من سورة النمل في أثنائها ، لحديث أنس رضي الله تعالى عنه قال: «صليت مع رسول الله صلّى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر وعثمان رضي ا لله عنهم، فلم أسمع أحداً منهم يقرأ بسم ا لله الرحمن الرحيم» (2) .\rلكن يقرأ المنفرد بسم الله الرحمن الرحيم مع الفاتحة في كل ركعة سراً، كما أنه يسر بالتأمين، فالتسمية والتأمين يسر بهما القارئ. أما الإمام فلا يقرأ البسملة ولا يسر بها لئلا يقع السر بين جهرين، قال ابن مسعود: «أربع يخفيهن الإمام: التعوذ، والتسمية، والتأمين، والتحميد» (3)\rوأدلتهم ما يأتي:\r1ً - قوله تعالى : {فاقرؤوا ما تيسر من القرآن} [المزمل:20/73] هو أمر\r-------------------------------\r(1) قد تفرض القراءة في جميع ركعات الفرض الرباعي: كما لو استخلف الإمام مسبوقاً بركعتين، وأشار أنه لم يقرأ في الركعتين الأوليين.\r(2) رواه مسلم وأحمد.\r(3) أي ربنا لك الحمد ، رواه ابن أبي شيبة عن ابراهيم النخعي.","part":2,"page":22},{"id":713,"text":"بمطلق قراءة، فتتحقق بأدنى ما يطلق عليه اسم القرآن، وبما أن قراءة القرآن ليست فرضاً خارج الصلاة بالإجماع بدليل سياق الآية، فتعين أن تكون فرضاً في الصلاة.\r2ً - لا تجوز الزيادة بخبر الواحد الظني على ما ثبتت فرضيته بالدليل القطعي في القرآن، ولكن خبر الواحد يوجب العمل به، لا فرضيته، فقالوا بوجوب قراءة الفاتحة فقط، أي أن الصلاة تصح بتركها مع الكراهة التحريمية.\r3ً - جاء في حديث المسيء صلاته المتقدم: «إذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء، ثم استقبل القبلة فكبر، ثم اقرأ ما تيسرمعك من القرآن» (1) فالواجب هو مطلق القراءة، كما دل القرآن، ولو كانت قراءة الفاتحة فرضاً أو ركناً لعلَّمه إياها، لجهله بالأحكام وحاجته إليها.\r4ً - أما حديث «لاصلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب» الذي رواه الأئمة الستة عن عبادة بن الصامت (2) ، فهو محمول على نفي الفضيلة، لا نفي الصحة كحديث «لاصلاة لجار المسجد إلا في المسجد» (3) .\rقراءة المقتدي:\rأما المقتدي: فلا قراءة عليه عند الحنفية للأدلة الآتية (4) :\r1 ً - الكتاب: قال تعالى: {وإذا قرئ القرآن، فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون} [الأعراف:204/7]، قال الإمام أحمد: «أجمع الناس على أن هذه الآية في الصلاة» وهي تأمر بالاستماع والإنصات، والاستماع خاص بالجهرية، والإنصات يعم السرية والجهرية، فيجب على المصلين أن يستمعوا فيما يجهر به، وأن ينصتوا فيما يسر به. وبما أن الأحاديث تطلب القراءة، فقد أصبحت دلالة الآية مفيدة للوجوب، الذي يقتضي مخالفته كراهة التحريم.\r-------------------------------\r(1) انظر نصب الراية:366/1.\r(2) انظر نصب الراية:365/1.\r(3) حديث ضعيف رواه الدارقطي عن جابر وعن أبي هريرة رضي الله عنهما.\r(4) البدائع:110/1 ومابعدها، مقارنة المذاهب في الفقه للأستاذين شلتوت والسايس: ص25ومابعدها.","part":2,"page":23},{"id":714,"text":"2 ً - السنة: قال النبي صلّى الله عليه وسلم : «من صلى خلف إمام، فإن قراءة الإمام له قراءة» (1) وهو يشمل السرية والجهرية.وقال عليه السلام أيضاً: «إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا كبر فكبروا، وإذا قرأ فأنصتوا» (2) .\rوفي حديث آخر: أن النبي صلّى الله عليه وسلم صلى الظهر، فجعل رجل يقرأ خلفه: سبح اسم ربك الأعلى، فلما انصرف، قال: «أيكم قرأ» أو أيكم القارئ، فقال الرجل: أنا، فقال: لقد ظننت أن بعضكم خالجنيها» (3) أي نازعنيها. وهذا يدل على إنكار القراءة في صلاة سرية، ففي الجهرية أولى.\r3 ً - القياس: لو وجبت القراءة على المأموم، لما سقطت عن المسبوق كسائر الأركان، فقاسوا قراءة المؤتم على قراءة المسبوق في حكم السقوط، فتكون غير مشروعة.\rوقال الجمهور (4) (غير الحنفية): ركن القراءة الواجبة في الصلاة: هو الفاتحة، لقوله صلّى الله عليه وسلم : «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب» وقوله أيضاً: «لا تجزئ صلاة لا يقرأ\r-------------------------------\r(1) رواه أبو حنيفة عن جابر رضي ال عنه.\r(2) رواه مسلم عن أبي هريرة.\r(3) متفق عليه عن عمران بن حصين.\r(4) الشرح الصغير:309/1، بداية المجتهد:119/1 ومابعدها، الشرح الكبير مع الدسوقي:236/1، مغني المحتاج:156/1-162، المغني:376/1-491، 562-568، كشاف القناع:451/1، المهذب:72/1، المجموع:285/3 ومابعدها، حاشية الباجوري:153/1-156.","part":2,"page":24},{"id":715,"text":"فيها بفاتحة الكتاب» (1) ، ولفعله صلّى الله عليه وسلم كما في صحيح مسلم، مع خبر البخاري: «صلوا كما رأيتموني أصلي» .\rوأما قراءة سورة بعد الفاتحة في الركعتين الأوليين من كل صلاة فهو سنة، وأما المأموم فيقرأ في الصلاة السرية الفاتحة والسورة، ولا يقرأ شياً عند المالكية والحنابلة في الجهرية، ويقرأ الفاتحة فقط في الجهرية عند الشافعية (2) . وفي ظاهر كلام أحمد أنه استحسن قراءة بعض الفاتحة في سكتة الإمام الأولى، ثم يقرأ بقية الفاتحة في السكتة الثانية. ويستمع بينهما لقراءة الإمام.\rإلا أن الشافعية قالوا: تتعين قراءة الفاتحة حفظاً أو نظراً في مصحف أو تلقيناً أو نحو ذلك، في كل ركعة للإمام والمأموم والمنفرد، سواء أكانت الصلاة سرية أم جهرية، فرضاً أم نفلاً، للأدلة المذكورة هنا، ولحديث عبادة بن الصامت رضي ا لله عنه قال: «صلى رسول ا لله صلّى الله عليه وسلم الصبح، فثقلت عليه القراءة، فلما انصرف، قال: إني أراكم تقرءون وراء إمامكم؟! قال: قلنا: يا رسول ا لله ، إي وا لله ، قال: لاتفعلوا إلا بأم القرآن، فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ فيها» (3) فهذا نص صريح خاص بقراءة المأموم دال على فرضيتها، وظاهر النفي متجه إلى الإجزاء، أي لا تجزئ، وهو كالنفي للذات في المآل.\rفلو تركها ناسياً لا يجزيه في الجديد؛ لأن ما كان ركناً من الصلاة، لم يسقط فرضه بالنسيان كالركوع والسجود. ولا تسقط عن المصلي إلا لمسبوق في ركعة، فإن الإمام يتحملها عنه. وكالمسبوق: زحمة أو نسيان أنه في الصلاة، أو بطء حركة، بأن لم يقم من السجود إلا والإمام راكع أو قريب من الركوع، أو شك بعد ركوع إمامه في قراءة الفاتحة فتخلف لها.\r-------------------------------\r(1) رواه ابنا خزيمة وحبان في صحيحيهما.\r(2) المجموع:344/3-350.\r(3) رواه أبو داود والترمذي وأحمد وابن حبان (سبل السلام:170/1).","part":2,"page":25},{"id":716,"text":"والبسملة عند الشافعية آية من الفاتحة، لما رواه البخاري في تاريخه أنه صلّى الله عليه وسلم عدّ الفاتحة سبع آيات، وعدّ: بسم ا لله الرحمن الرحيم آية منها. وروى الدارقطني عن أبي هريرة أنه صلّى الله عليه وسلم قال: «إذا قرأتم الحمد لله ، فاقرؤوا بسم ا لله الرحمن الرحيم، إنها أم القرآن، وأم الكتاب، والسبع المثاني، وبسم ا لله الرحمن الرحيم إحدى آياتها» (1) ، ولأن الصحابة رضي ا لله عنهم أثبتوها فيما جمعوا من القرآن، فيدل على أنها آية منها.\rوإن كان في صلاة جهرية جهر بها، كما يجهر في سائر الفاتحة، لما روى ابن عباس رضي ا لله عنهما أن النبي صلّى الله عليه وسلم جهر ببسم ا لله الرحمن الرحيم (2) ولأنها تقرأ على أنها آية من القرآن، بدليل أنها تقرأ بعد التعوذ، فكان سنتها الجهر كسائر الفاتحة.\rوتشديدات الفاتحة الأربع عشرة شدة هي منها، ثلاث منها في البسملة، فلو خفف منها تشديدة، بطلت قراءة تلك الكلمة، لتغييره النظم.\rويشترط في القراءة: عدم اللحن المخل بالمعنى كضم تاء: أنعمت،أو كسرها ممن يمكنه التعلم، وكقراءة شاذة: وهي غير السبعة إن غيرت المعنى كقراءة {إنما يخشى الله من عباده العلماء} [فاطر:28/35] برفع الأول ونصب الثاني، أو زادت ولو حرفاً أو نقصت، فمتى فعل شيئاً من ذلك بطلت قراءته.\r-------------------------------\r(1) وهناك أحاديث أخرى في موضوع البسملة، منها ما رواه البخاري ومسلم وابن خزيمة بإسناد صحيح عن أم سلمة. وهذا الحديث رواه الدارقطني وصوب وقفه (سبل السلام:173/1)\r(2) رويت أحاديث الجهر بالبسملة إما في البخاري وإما في مسلم وإما فيهما عن ستة من الصحابة: أبي هريرة وأم سلمة وابن عباس وأنس وعلي بن أبي طالب وسمرة بن جندب رضي الله عنهم (المجموع:302/3).","part":2,"page":26},{"id":717,"text":"وقال المالكية (1) : تصح القراءة بالقراءة الشاذة إن وافقت رسم المصحف العثماني، وإن لم تجز القراءة بها. وتصح القراءة بلحن في القراءة ولو بالفاتحة إن لم يتعمد، وأثم الإمام إن وجد غيره ممن يحسن القراءة. وتصح القراءة بغير تمييز بين ضاد وظاء، كما في لغة العرب الذين يقلبون الضاد ظاء. ولا تصح القراءة إن تعمد اللحن أو تبديل الحروف بغيرها، ولا يصح الاقتداء به.\rولو أبدل صاداً بظاء لم تصح في الأصح قراءته لتلك الكلمة، لتغييره النظم واختلاف المعنى.\rويجب ترتيبها (بأن قرأ آياتها على نظمها المعروف) وموالاتها (بأن يصل بعض كلماتها ببعض من غير فصل إلا بقدر التنفس) عملاً بالسنة: «صلوا كما رأيتموني أصلي» فإن تخللها ذكر كالتحميد عند العطاس، قطع الموالاة. أما إن كان الفاصل متعلقاً بالصلاة كالتأمين لقراءة الإمام، وفتحه (2) عليه إذا توقف في القراءة، وسؤال الرحمة، والتعوذ من العذاب، وسجود التلاوة لقراءة إمامه، فلا يقطع الموالاة في الأصح. ويقطع الموالاة السكوت الطويل، لإشعاره بالإعراض مختاراً، وكذا اليسير إن قصد به قطع القراءة في الأصح، عملاً بالنية.\rوإن جهل إنسان الفاتحة بكمالها بأن لم يمكنه معرفتها لعدم معلم أو مصحف أو نحو ذلك، أجزأه بدلها بما يعادل حروفها في الأصح، من سبع آيات متوالية أو متفرقة، فإن عجز عنها أتى بسبعة أنواع من ذكر أو دعاء يتعلق بالآخرة لا الدنيا بحيث لا ينقص عن حروفها، لما روى أبو داود وغيره «أن رجلاً قال: يا رسول الله، إني لا أستطيع أن آخذ من القرآن شيئاً، فعلمني ما يجزيني عنه، فقال: قل: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله ، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله » .\rفإن لم يحسن شيئاً قرآناً ولا ذكراً، وقف بقدر الفاتحة.\r-------------------------------\r(1) الشرح الصغير:437/1.\r(2) الفتح على الإمام: هو تلقين الآية عند التوقف فيها، ومحله إذا سكت، فلا يفتح عليه مادام يردد التلاوة.","part":2,"page":27},{"id":718,"text":"ويسن عقب الفاتحة بعد سكتة لطيفة: ( آمين ) (خفيفة الميم بالمد، ويجوز القصر) أي استجب، سواء أكان في صلاة أم لا، ولكن في الصلاة أشد استحباباً، لما روى أبو داود والترمذي وغيرهما عن وائل بن حُجْر، قال: «صليت خلف رسول الله صلّى الله عليه وسلم ، فلما قال ـ ولا الضالين ـ قال: آمين، ومدّ بها صوته» وروى البخاري عن أبي هريرة: «إذا قال الإمام: ولا الضالين، فقولوا: آمين، فإن من وافق قوله قول الملائكة، غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر» .\rويؤمن مع تأمين إمامه، ويجهر به في الأظهر (1) ، تبعاً لإمامه للاتباع، رواه ابن حبان وغيره وصححوه، مع خبر: «صلوا كما رأيتموني أصلي» .\rوتسن للإمام والمنفرد قراءة سورة بعد الفاتحة، إلا في الركعتين الثالثة والرابعة في الأظهر، اتباعاً للسنة، رواه الشيخان، فإن سُبق بهما المأموم من صلاة نفسه، قرأها فيهما حين تداركهما، على النص؛ لأن مافاته المسبوق مع الإمام بالنسبة إليه هو أول صلاته، وما أدركه معه هوآخر صلاته، لئلا تخلو صلاته من سورتين.\rولا يقرأ المأموم سورة في الصلاة الجهرية، إلا إن كان بعيداً لا يسمع الإمام، أو كان به صمم أو سمع صوتاً لا يفهمه. ويقرأ سورة في الصلاة السرية في الأصح، إذ لا معنى لسكوته.\r-------------------------------\r(1) يجهر المأموم خلف الإمام في خمسة مواضع: أربعة مواضع تأمين: يؤمن مع تأمين الإمام، وفي دعائه في قنوت الصبح، وفي قنوت الوتر في النصف الثاني من رمضان، وفي قنوت النازلة في الصلوات الخمس. وإذا فتح على الإمام بآية","part":2,"page":28},{"id":719,"text":"وقال المالكية على المشهور: والحنابلة: يجب قراءة الفاتحة في كل ركعة على الإمام والمنفرد، ولا يقرأ المأموم الفاتحة في الصلاة الجهرية وإنما يستحب أن يقرأها في السرية؛ لأن الأمر القرآني بالاستماع والإنصات للقرآن خاص بالصلاة الجهرية، بدليل «أن النبي صلّى الله عليه وسلم انصرف من صلاة جهر فيها بالقراءة، فقال: هل قرأ أحد منكم آنفاً؟ فقال رجل: نعم، يا رسول الله ، قال: فإني أقول: ما لي أنازَع القرآن، فانتهى الناس عن القراءة مع رسول الله صلّى الله عليه وسلم فيما يجهر فيه من الصلوات بالقراءة، حين سمعوا ذلك من رسول الله صلّى الله عليه وسلم » (1) وهذا صريح في كراهة القراءة للمؤتم حالة الجهر.\rأما دليلهم على استحباب القراءة في حالة السر: فهو قول النبي صلّى الله عليه وسلم : «إذا أسررت بقراءتي فاقرءوا» (2) .\rوألحق الحنابلة بالصلاة السرية: كل ما لا يجهر فيه من حالات عدم السماع لبعد أو آفة أو سكوت الإمام، أي كما قال الشافعية؛ لأن المأموم في كل تلك الأحوال غير سامع للقراءة، فلا يحصل له مقصود الاستماع.\rويظهر لي أن هذا الرأي هو أولى الآراء، توفيقاً بين دلالة الآية على وجوب الاستماع للقرآن، ودلالة الحديث على القراءة في السر، وعدم وجود مسوغ للإنصات في السرية، لكني لا أطمئن إلى ترك الفاتحة مطلقاً، للحديث المتفق عليه والمتواتر عن عبادة وغيره: «لا صلاة لمن لم يقرأ بأم القرآن» وهودليل واضح على وجوب قراءة الفاتحة في الصلاة، ولأن الظاهر فيه بحسب الأصل هو نفي الصحة، لا نفي الكمال والفضيلة.\r-------------------------------\r(1) رواه أبو داود والنسائي والترمذي عن أبي هريرة، وقال: حديث حسن.\r(2) رواه الدارقطني والترمذي.","part":2,"page":29},{"id":720,"text":"وليست البسملة عند المالكية آية من الفاتحة، فلا يقرؤها في الصلاة المكتوبة، جهراً كانت أو سراً، لا في الفاتحة، ولا في غيرها من السور. ويجب عند المالكية كغيرهم تعلم الفاتحة إن أمكن التعلم، فإن لم يمكن التعلم لخرس ونحوه، أو لم يجد معلماً أو ضاق الوقت، ائتم وجوباً بمن يحسنها إن وجده، وتبطل إن تركه، وإن لم يجده صلى منفرداً. ويندب الإسرار عندهم بالتأمين لكل مصل طلب منه أي كما قال الحنفية.\rوقال الحنابلة: البسملة آية من الفاتحة يجب قراءتها في الصلاة، لكن يقرأ بها سراً، ولا يجهر بها.\rويلزم المصلي عند الحنابلة كما قال الشافعية بقراءة الفاتحة مرتبة مشددة غير ملحون فيها لحناً يغير المعنى، فإن ترك ترتيبها أو شدَّة منها، أو لحن لحناً يحيل المعنى، مثل أن يكسر كاف ( إياك ) أو يضم تاء ( أنعمت ) أو يفتح ألف الوصل في ( اهدنا ) لم تصح قراءته، إلا أن يكون عاجزاً عن غير هذا، وإن قطع قراءة الفاتحة بذكر من دعاء أو قراءة أو سكوت يسير أو قال: آمين في أثناء قراءة الإمام، لا تنقطع قراءته. وقال المالكية على المعتمد: إن اللحن لا يبطل الصلاة ولو غيَّر المعنى.\rوأقل ما يجزئ في الفاتحة: قراءة مسموعة يسمعها نفسه، أو يكون بحيث يسمعها لو كان سميعاً، كما هو المقرر في تكبيرة الإحرام، فإن ما دون ذلك ليس بقراءة. والمستحب: أن يأتي بها مرتلة معربة يقف فيها عند كل آية، ما لم يؤد ذلك إلى التمطيط، لقوله تعالى: {ورتل القرآن ترتيلاً} [المزمل:4/73]. وقال المالكية: تجزئ القراءة وإن لم يسمع نفسه.","part":2,"page":30},{"id":721,"text":"وقد أجمع الفقهاء على أنه لا تجزئ القراءة بغير العربية (1) ، ولا الإبدال بلفظها لفظاً عربياً آخر، سواء أحسن قراءتها بالعربية أو لم يحسن، لقوله تعالى: {قرآناً عربياً} [يوسف:2/12]، وقوله سبحانه: {بلسان عربي مبين} [الشعراء:195/26] ولأن القرآن معجزة بلفظه ومعناه، فإذا غيّر خرج عن نظمه، فلم يكن قرآناً ولامثله، وإنما يكون تفسيراً له، والتفسير غير المفسر، وليس مثل القرآن المعجز المتحدى بالإتيان بسورة مثله. لكن أجاز بعض الحنفية لعاجز عن القراءة بالعربية أن يقرأ الفاتحة بغير العربية (2) .\rوالتأمين عند الحنابلة وغيرهم سنة للإمام والمأموم للأحاديث السابقة، ويسن عند الحنابلة كالشافعية أن يجهر الإمام والمأموم بالتأمين فيما يجهر فيه بالقراءة، ويخفيه فيما يخفي فيه القراءة.\rالركن الرابع ـ الركوع:\rالركوع لغة: مطلق الانحناء، وشرعاً: الانحناء بالظهر والرأس معاً حتى تبلغ يداه (أوراحتاه) ركبتيه، وأقله: أن ينحني حتى تنال راحتاه ركبتيه، وأكمله: تسوية ظهره وعنقه (أي يمدّهما بانحناء خالص بحيث يصيران كالصفيحة الواحدة) اتباعاً كما رواه مسلم، ونصب ساقيه وفخذيه، ومساواة رأسه بعجزه، ويكفيه أخذ ركبتيه بيديه وتفرقة أصابعه لجهة القبلة، ولا يرفع رأسه ويكفيه أخذ ركبتيه بيديه وتفرقة أصابعه لجهة القبلة، ولا يرفع رأسه ولا يخفضه، ويجافي مرفقيه عن جنبيه بالنسبة للرجل، أما المرأة\r-------------------------------\r(1) ثبت عن أبي حنيفة أنه رجع عن القول بجواز القراءة بغير العربية ، ولم يعمل بقوله السابق أحد من مقلديه أو من غيرهم.\r(2) البدائع 1/112.","part":2,"page":31},{"id":722,"text":"فتضم بعضها إلى بعض، ومن تقوس ظهره يزيد في الانحناء قليلاً إن قدر عليه (1) .\rودليل فرضية الركوع: قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا اركعوا} [الحج:77/22]، وحديث المسيء صلاته «... ثم اركع حتى تطمئن راكعاً» وللإجماع على فرضيته.\rودليل وضع اليدين على الركبتين: ما ذكره أبو حميد في صفة صلاة رسول الله صلّى الله عليه وسلم : «رأيته إذا ركع، أمكن يديه من ركبتيه، ثم هصر ظهره» يعني عصره حتى يعتدل.\rودليل مشروعية التفريق بين الأصابع: ما رواه أبو مسعود عقبة بن عمرو: أنه ركع، فجافى يديه، ووضع يديه على ركبتيه، وفرَّج بين أصابعه من وراء ركبتيه، وقال: هكذا رأيت رسول ا لله صلّى الله عليه وسلم يصلي» (2) .\rودليل عدم رفع الرأس وعدم خفضه: قول عائشة رضي ا لله عنها: «كان رسول الله صلّى الله عليه وسلم إذا ركع لم يرفع رأسه ولم يصوبه، ولكن بين ذلك» (3) وجاء في الحديث عن النبي صلّى الله عليه وسلم «أنه كان إذا ركع، لو كان قدح ماء على ظهره ما تحرك» وذلك لاستواء ظهره.\rويشترط عند الشافعية والحنابلة ألا يقصد بركوعه غيره، فلو هوى للتلاوة، فجعله ركوعاً، لم يكفه.\r-------------------------------\r(1) فتح القدير :1 / 193 ،208 وما بعدها ، الدر المختار : 1 / 416 ، الشرح الصغير : 1 / 313 ، القوانين الفقهية : ص 62 ، مغني المحتاج : / 163 ، وما بعدها ، المغني : 1 /499 وما بعدها ، كشاف القناع : 1 /452 ، المهذب : 1 / 74 .\r(2) رواه أحمد وأبو داوود والنسائي ( نيل الأوطار : 2/243 وما بعدها ).\r(3) متفق عليه.","part":2,"page":32},{"id":723,"text":"الاطمئنان في الركوع: أقل الاطمئنان في الركوع: هو أن يمكث في هيئة حتى تستقر أعضاؤه راكعاً قدر تسبيحة في الركوع والسجود وفي الرفع منهما. وهو واجب عند الحنفية كما بينا لقوله تعالى: {اركعوا واسجدوا} [الحج:22/77] ولم يذكر الطمأنينة، وفرض عند الجمهور كما أشرنا، لحديث المسيء صلاته: «ثم اركع حتى تطمئن راكعاً» وروى أبو قتادة أن النبي صلّى الله عليه وسلم قال: «أسوأ الناس سرقة الذي يسرق من صلاته، قيل: وكيف يسرق من صلاته؟ قال: لا يتم ركوعها ولا سجودها ولاخشوعها» (1) ، وقال أيضاً: «لا تجزئ صلاة لا يقيم الرجل صلبه فيها في الركوع والسجود» (2) . إلا أن أبا حنيفة ومحمد قالا: هذه الأحاديث أخبار آحاد، فلا يزاد بها فرض على النص القرآني {اركعوا واسجدوا} [الحج:77/22] لئلا يلزم منه نسخ المتواتر بالآحاد؛ لأن الزيادة على النص نسخ عندهم. وقال أبو يوسف الاطمئنان فريضة.\rالركن الخامس ـ الرفع من الركوع والاعتدال:\rقال أبو حنيفة ومحمد (3) : القيام من الركوع والاعتدال (الاستواء) والجلوس بين السجدتين واجب لا ركن؛ لأنه من مقتضيات الطمأنينة (تعديل الأركان)، ولقوله تعالى: {اركعوا واسجدوا} [الحج:77/22] ويحصل\r-------------------------------\r(1) رواه أحمد والحاكم عن أبي قتادة الطيالسي، ورواه أيضاً أحمد وأبو يعلى عن أبي سعيد الخدري (نيل الأوطار:268/2).\r(2) رواه البخاري.\r(3) رد المختار:433-432/1، فتح القدير:1/210 ومابعدها.","part":2,"page":33},{"id":724,"text":"الركوع بمجرد الانحناء ولم يأمر الله به وإنما أمر بالركوع والسجود والقيام، فلا يفرض غيره، ولمواظبة النبي صلّى الله عليه وسلم على الاعتدال قائماً، وللأمر به في حديث المسيء صلاته: « ثم ارفع حتى تعتدل قائماً » وهذا يدل على الوجوب لثبوته بخبر آحاد، فلو تركه أو ترك شيئاً منه ساهياً، يلزمه سجود السهو، ولو تركه عمداً كره أشد الكراهة، ويلزمه أن يعيد الصلاة في الوقت، وتكون الإعادة جبراً للأولى؛ لأن الفرض لا يتكرر.\rهذا ويلاحظ أن المشهور في مذهب الحنفية هو القول بسنية القيام من الركوع والجلسة بين السجدتين وتعديلهما، وروي وجوبها، وهو الموافق للأدلة. وهو الصواب وقول الكمال بن الهمام ومن بعده من متأخري الحنفية.\rوقال أبو يوسف والأئمة الآخرون (1) : الرفع من الركوع والاعتدال قائماً مطمئناً ركن أو فرض في الصلاة، وهو أن يعود إلى الهيئة التي كان عليها قبل الركوع، سواء أكان قائماً أم قاعداً، أو يفعل مقدوره إن عجز. ولا يقصد غيره، فلو رفع فَزَعاً (خوفاً) من شيء كحية، لم يكف رفعه لذلك عن رفع الصلاة، كما صرح الشافعية.\rوإذا سجد ولم يعتدل، لم تصح وبطلت صلاته، لتركه ركناً من أركان الصلاة. لقوله صلّى الله عليه وسلم للمسيء صلاته: «ثم ارفع حتى تعتدل قائماً» وداوم النبي على فعله، وقال: «صلوا كما رأيتموني أصلي» ، ونفى النبي صلّى الله عليه وسلم كون ما فعل المسيء صلاة، فدل كل ذلك على أن الاعتدال والطمأنينة ركن، ويدخل فيه الرفع من الركوع لاستلزامه له.\r-------------------------------\r(1) رد المختار: المكان السابق، اللباب: 1/73، القوانين الفقهية: ص62، الشرح الصغير: 1/313، 328، مغني المحتاج: 1/165ـ170/ المهذب: 1/75، المغني: 1/508، 514، 516، كشاف القناع: 1/452، بداية المجتهد: 1/130.","part":2,"page":34},{"id":725,"text":"الركن السادس ـ السجود مرتين لكل ركعة:\rالسجود لغة: الخضوع والتذلل، أو التطامن والميل، وشرعاً: أقله وضع بعض الجبهة مكشوفة على الأرض أو غيرها من المُصلَّى، لخبر: «إذا سجدت، فمكِّن جبهتك ولا تنقر نقراً» (1) وخبر خباب بن الأرت: «شكونا إلى رسول ا لله صلّى الله عليه وسلم حر الرمضاء في جباهنا وأكفنا، فلم يشكنا، أي لم يزل شكوانا» (2) . وأكمل السجود: وضع جميع اليدين والركبتين والقدمين والجبهة مع الأنف.\rوهو فرض بالإجماع، لقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا} [الحج:22/77] ولمواظبة النبي صلّى الله عليه وسلم ، وأمره به المسيء صلاته: «ثم اسجد حتى تطمئن ساجداً، ثم ارفع حتى تطمئن جالساً، ثم اسجد حتى تطمئن ساجداً» ولإجماع الأمة.\rوالواجب عند المالكية (3) : سجود على أيسر جزء من الجبهة: وهي ما فوق الحاجبين وبين الجبينين. ويندب إلصاق جميع الجبهة بالأرض وتمكينها، ويندب السجود على أنفه أيضاً، ويعيد الصلاة لتركه في الوقت الضروري (وهو في الظهرين للاصفرار، وفي العشاءين لطلوع الفجر وفي الصبح لطلوع الشمس) مراعاة لمن يقول بوجوبه، فلو سجد على جبهته دون أنفه، لم يكفه، والمشهور في المذهب: أنه يجزئ السجود على الجبهة بخلاف الأنف، وإن عجز عن السجود على الجبهة أومأ للسجود، كمن كان بجبهته قروح تؤلمه إن سجد.\rوذكر الشافعية والحنفية و الحنابلة: أن من منعه الزحام عن السجود على أرض أو نحوها مع الإمام، فله السجود على شيء من إنسان أو متاع أو بهيمة أو نحو ذلك، لقول عمر فيما رواه البيهقي بإسناد صحيح: «إذا اشتد الزحام فليسجد أحدكم على ظهر أخيه» .\r-------------------------------\r(1) رواه ابن حبان في صحيحه.\r(2) رواه البيهقي بسند صحيح، ورواه مسلم بغير جباهنا وأكفنا.\r(3) الشرح الصغير: 1/314، لقوانين الفقهية: ص63، بداية المجتهد: 1/133 ومابعدها.","part":2,"page":35},{"id":726,"text":"وأما السجود على اليدين والركبتين وأطراف القدمين فهو سنة. ودليلهم حديث العباس بن عبد المطلب أنه سمع رسول الله يقول: «إذا سجد العبد سجد معه سبعة آراب ـ أعضاء ـ وجههُ وكفّاه وركبتاه وقدماه» (1) .\rواتفق العلماء (2) على أن السجود الكامل يكون على سبعة أعضاء: الوجه واليدين والركبتين وأطراف القدمين، لحديث ابن عباس: «أمرت أن أسجد على سبعة أعظم: على الجبهة، وأشار بيده على أنفه، واليدين، والرُّكبتين، والقدمين» (3) وفي رواية «أُمِرَ النبي صلّى الله عليه وسلم أن يسجد على سبعة أعضاء، ولا يكف شعراً ولا ثوباًً (4) : الجبهة واليدين والركبتين، والرِّجلين» والمراد من عدم كف الشعر والثوب: عدم رفع الثوب والشعر عن مباشرة الأرض، فيشبه المتكبرين.\rولا خلاف أن السجود على مجموع الجبهة والأنف مستحب. ونقل ابن المنذر إجماع الصحابة على أنه لا يجزئ السجود على الأنف وحده.\r-------------------------------\r(1) رواه الجماعة إلا البخاري (نيل الأوطار: 2/257).\r(2) فتح القدير : 1/212ـ214، مراقي الفلاح: ص45، تبيين الحقائق: 1/116 ومابعدها، مغني المحتاج: 1/168ـ170، المغني: 1/515، 2/313، كشاف القناع: 1/453، مغني المحتاج: 1/298، المهذب: 1/75، الدر المختار ورد المحتار: 1/416. (3) متفق عليه بين البخاري ومسلم (نيل الأوطار: 2/258).\r(4) جملة معترضة بين المجمل والمبين، والمراد بالشعر: شعر الرأس، وظاهره أن ترك الكف واجب حال الصلاة، لاخارجها، ورده القاضي عياض؛ بأنه خلاف ماعليه الجمهور، فإنهم كرهوا ذلك للمصلي، سواء فعله في الصلاة أو قبل أن يدخلها، والحكمة من المنع حتى لايشبه المتكبرين.","part":2,"page":36},{"id":727,"text":"واتفق علماء الحنفية وغيرهم على أنه إن قتصر في السجود على الجبهة دون الأنف، جاز. لكن قال أبو حنيفة: يخير المصلي بين الجبهة وبين الأنف، فإن اقتصر على أحدهما، جاز ويكره، مستدلاً بالرواية السابقة لحديث ابن عباس المذكور؛ لأنه ذكر الجبهة وأشار إلى الأنف، ولأن المأمور به في كتاب الله تعالى هو السجود {واسجدوا} [الحج:77/22]، والسجود المأمور به: هو وضع بعض الوجه الذي هو محل السجود إجماعاً، وهو يتحقق بالأنف، فاشتراط وضع آخر معه زيادة بخبر الواحد، فوجب أن يجوز الاقتصار عليه كالجبهة، بخلاف الذقن والخد ونحوهما، لأنه ليس بمحل للسجود إجماعاً، لكن ضم الأنف للجبهة في السجود واجب عندهم كما بينت.\rوقال الصاحبان: لا يجوز الاقتصار في السجود على الأنف إلا لعذر، للحديث السابق الذي عُدّ فيه الجبهة في الأعضاء السبعة، وهذا هو الراجح عند الحنفية.\rووضع اليدين والركبتين سنة عند الحنفية لتحقق السجود بدونهما. وأما وضع القدمين فهو فريضة في السجود، كما ذكر القدوري.\rوالخلاصة: إن فرض السجود عند الحنفية والمالكية يتحقق بوضع جزء من الجبهة ولو كان قليلاً، والواجب عند الحنفية وضع أكثرها، ويتحقق الفرض أيضاً بوضع أصبع واحدة من القدمين، فلو لم يضع شيئاً من القدمين لم يصح السجود. وأما تكرار السجود فهو أمر تعبدي ، أي لم يعقل معناه على قول أكثر مشايخ الحنفية، تحقيقاً للابتلاء (الاختبار) ولو سجد على كَوْر عمامته إذا كان على جبهته أو فاضل (طرف) ثوبه، جاز عند الحنفية والمالكية والحنابلة، ويكره إلا من عذر لحديث أنس «كنا نصلي مع رسول الله صلّى الله عليه وسلم في شدة","part":2,"page":37},{"id":728,"text":"الحر، فإذا لم يستطع أحدنا أن يمكِّن جبهته من الأرض بسط ثوبه فسجد عليه» (1) . ولا خلاف في عدم وجوب كشف الركبتين، لئلا يفضي إلى كشف العورة، كما لا يجب كشف القدمين واليدين، لكن يسن كشفها، خروجاً من الخلاف.\rودليل جواز ترك كشف اليدين: حديث عبد الله بن عبد الرحمن قال: «جاءنا النبي صلّى الله عليه وسلم ، فصلى بنا في مسجد بني الأشهل، فرأيته واضعاً يديه في ثوبه إذا سجد» (2) .\rوقال الشافعية: إن سجد على متصل به كطرف كمّه الطويل أو عمامته، جاز إن لم يتحرك بحركته؛ لأنه في حكم المنفصل عنه. فإن تحرك بحركته في قيام أو قعود أو غيرهما كمنديل على عاتقه، لم يجز. وإن كان متعمداً عالماً، بطلت صلاته، وإن كان ناسياً أوجاهلاً، لم تبطل، وأعاد السجود. وتصح صلاته فيما إذا سجد على طرف ملبوسه ولم يتحرك بحركته. وضعف الشافعية الأحاديث الواردة في السجود على كور العمامة، أو أنها محمولة على حالة العذر (3) .\rوالشافعية والحنابلة متفقون على وجوب السجود على جميع الأعضاء السبعة المذكورة في الحديث السابق، ويستحب وضع الأنف مع الجبهة عند الشافعية، لكن يجب عند الحنابلة وضع جزء من الأنف. واشترط الشافعية أن يكون السجود على بطون الكفين وبطون أصابع القدمين، أي أنه يكفي وضع جزء من كل واحد من هذه الأعضاء السبعة كالجبهة، والعبرة في اليدين ببطن الكف، سواء الأصابع والراحة، وفي الرجلين ببطن الأصابع، فلا يجزئ الظهر منها ولا الحرف.\rالاطمئنان في السجود: يجب أن يطمئن المصلي في سجوده، والطمأنينة فرض عند الجمهور واجب عند الحنفية، لحديث المسيء صلاته: «ثم اسجد حتى تطمئن ساجداً» كما يجب عند الشافعية: أن ينال ثقل رأسه محل سجوده، للخبر السابق: «إذا سجدت فمكِّن جبهتك» ومعنى ذلك: أن يتحامل بحيث لو فرض تحته قطن أو حشيش لا نكبس، وظهر أثره في يده.\r-------------------------------\r(1) رواه الجماعة (نيل الأوطار: 2/260).\r(2) رواه أحمد وابن ماجه، وقال: على ثوبه (نيل الأوطار: 2/261).\r(3) نيل الأوطار: 2/260.","part":2,"page":38},{"id":729,"text":"يتضح مما سبق أنه يشترط لصحة السجود: الطمأنينة، وكشف الجبهة عند الشافعية، ولا يشترط ذلك عند الجمهور، وكون السجود على الجبهة بالاتفاق، ويضم لها القدمان عند الحنفية، واليدان والركبتان والقدمان عند الشافعية والحنابلة، والأنف أيضاً عند الحنابلة، وأن يكون السجود على ما تستقر عليه جبهة المصلي، والتنكس: وهو استعلاء أسافل المصلي وتسفل أعاليه إلا لزحمة سجد فيها على ظهر مصل آخر، كما أوضح الشافعية والحنفية. وأن يقصده عند الشافعية، فلو سقط لوجهه، وجب العود إلى الاعتدال.\rوالسنة في هيئة السجود عند الجمهور: أن يضع المصلي على الأرض ركبتيه أولاً، ثم يديه، ثم جبهته وأنفه. ويرفع أولاً وجهه ثم يديه ثم ركبتيه، لحديث وائل ابن حُجْر قال: «رأيت رسول الله صلّى الله عليه وسلم إذا سجد، وضع رُكبتيه قبل يديه، وإذا نهض رفع يديه، قبل ركبتيه» (1) قال الخطابي: هذا أصح من حديث أبي هريرة الآتي في مذهب مالك. فإن عكس الترتيب المذكور أجزأ، مع مخالفة السنة إلا من عذر.\rوقال المالكية: يندب تقديم اليدين على الركبتين عند السجود، وتأخير اليدين عن الركبتين عند القيام للقراءة، لحديث أبي هريرة: «إذا سجد أحدكم، فلا يبرك كما يبرك البعير، وليضع يديه ثم ركبتيه» (2) قال ابن سيد الناس: أحاديث وضع اليدين قبل الركبتين أرجح.\rوتوسط النووي فقال: لا يظهر لي ترجيح أحد المذهبين.\rمكان الصلاة:\rقال المالكية: تكره الصلاة على غير الأرض وما تنبته. وقال الحنابلة: تصح الصلاة على الثلج بحائل أو لا، إذا وجد حجمه لاستقرار أعضاء السجود، كما تصح على حشيش وقطن منتفش إذا وجد حجمه، وإن لم يجد حجمه، لم تصح صلاته، لعدم استقرار الجبهة عليه (3) .\rالركن السابع ـ الجلوس بين السجدتين:\r-------------------------------\r(1) رواه الخمسة إلا أحمد (نيل الأوطار: 2/253).\r(2) رواه أحمد وأبو داود والنسائي والترمذي، وقال الخطابي كما ذكرنا: حديث وائل بن حجر أثبت من هذا. وقال الترمذي: غريب لانعرفه من حديث أبي الزناد إلا من هذا الوجه (نيل الأوطار: 2/255).\r(3) القوانين الفقهية: ص49، كشاف القناع: 1/346.","part":2,"page":39},{"id":730,"text":"الجلوس بين السجدتين مطمئناً ركن عند الجمهور، واجب عند الحنفية (1) ، لحديث المسيء صلاته: «ثم ارفع حتى تطمئن جالساً» وفي الصحيحين «كان صلّى الله عليه وسلم إذا رفع رأسه، لم يسجد حتى يستوي جالساً» .\rوأضاف الشافعية: ويجب ألا يقصد برفعه غيره، فلورفع فزعاً من شيء لم يكف، وألا يُطوِّله، ولا الاعتدال؛ لأنهما ركنان قصيران ليسا مقصودين لذاتهما، بل للفصل بين السجدتين.\rوالسنة في هيئة السجود: أن يجلس بين السجدتين مفترشاً: وهو أن يثني رجله اليسرى، ويبسطها ويجلس عليها، وينصب رجله اليمنى ويخرجها من تحته، ويجعل بطون أصابعه على الأرض معتمداً عليها، لتكون أطراف أصابعه إلى القبلة. وذلك للاتباع، كما سيأتي في صفة صلاة رسول الله صلّى الله عليه وسلم : «ثم ثنى رجله اليسرى وقعد عليها، ثم اعتدل حتى رجع كل عظم في موضعه، ثم هوى ساجداً» وفي حديث عائشة أن النبي صلّى الله عليه وسلم «وكان يفرش رجله اليسرى، وينصب اليمنى» (2) .\rويضع يديه على فخذيه قريباً من ركبتيه، منشورتي الأصابع، اليمنى واليسرى سواء.\r-------------------------------\r(1) رد المحتار: 1/432 ومابعدها، الشرح الصغير: 1/314، القوانين الفقهية: ص64، مغني المحتاج: 1/171، المغني: 1/522 ومابعدها، كشاف القناع: 1/453.\r(2) متفق عليه (نصب الراية: 1/418).","part":2,"page":40},{"id":731,"text":"الركن الثامن ـ القعود الأخير مقدار التشهد:\rهذا فرض عند الحنفية إلى قوله: ( عبده ورسوله ) على الصحيح، فلو فرغ المقتدي قبل فراغ الإمام، فتكلم أو أكل، فصلاته تامة، وهو مع التشهد الأخير والصلاة على النبي صلّى الله عليه وسلم بعده قاعداً بمقدار: ( اللهم صل على محمد ) ركن عند الشافعية والحنابلة. والركن عند المالكية هو بمقدار الجلوس للسلام (1) . ويلاحظ أن التشهد الأول كالأخير واجب عند الحنفية، سنة عند الجمهور، كما أن الصلاة على النبي صلّى الله عليه وسلم في التشهد الأخير سنة عند الحنفية والمالكية.\rاستدل الحنفية: بحديث ابن مسعود رضي الله عنه حين علّمه النبي التشهد، فقال له النبي صلّى الله عليه وسلم : «إذا قلت هذا، أو فعلت هذا، فقد تمت صلاتك» (2) أي إذا قلت التشهد أو فعلت القعود ، فقد تمت صلاتك. فإنه صلّى الله عليه وسلم علق تمام الصلاة بالفعل، وهو القعود، سواء قرأ التشهد أو لم يقرأ، لأنه علقه بأحد الأمرين من قرادة التشهد والقعود، والقراءة لم تشرع بدون القعود، حيث لم يفعلها رسول الله صلّى الله عليه وسلم إلا فيه، فكان القعود هو المعلق به تمام الصلاة في الحقيقة، لاستلزامه القراءة، وكل ما علق بشيء لا يوجد بدونه، وبما أن تمام الصلاة واجب، أو فرض، وتمام الصلاة لا يوجد بدون القعود،فالقعود واجب أي فرض؛ لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.\r-------------------------------\r(1) فتح القدير مع العناية: 1/113، البدائع: 1/113، تبيين الحقائق: 1/104، الشرح الكبير: 1/240 ومابعدها، 251، القوانين الفقهية: ص64، مغني المحتاج: 1/172، المغني: 1/532 ومابعدها، كشاف القناع: 1/453 ومابعدها، بداية المجتهد: 1/125.\r(2) هذه رواية مدرجة عند الدارقظني، فهي في حكم الموقوف عليه. وهناك لفظ آخر عند أبي دواد وأحمد: ((وإذا قلت هذا، وقضيت هذا، فقد قضيت صلاتك، إن شئت أن تقوم فقم، وإن شئت أن تقعد فاقعد)) (نيل الأوطار: 2/298، نصيب الراية: 1/424) وسيأتي في ركن السلام حديث آخر للحنفية.","part":2,"page":41},{"id":732,"text":"وكون خبر ابن مسعود خبر آحاد أثبت الفرضية، فلأنه بيان لمجمل الكتاب، ويصلح البيان الظني لذلك، بخلاف قراءة الفاتحة مع نص القرآن؛ لأن نص القراءة ليس بمجمل، بل هو خاص، فتكون الزيادة عليه نسخاً بخبر الواحد، وهو لايجوز.\rواستدل المالكية على أن التشهد والقعود ليسا بواجب: بأنهما يسقطان بالسهو، فأشبها السنن.\rوأما الشافعية والحنابلة فاستدلوا: بأن النبي صلّى الله عليه وسلم فعل الجلوس، وداوم على فعله، وأمر به في حديث ابن عباس، وقال: «قولوا: التحيات لله » (1) وسجد للسهو حين نسيه، وقد قال عليه السلام: «صلوا كما رأيتموني أصلي» ، وقال ابن مسعود: «كنا نقول قبل أن يفرض علينا التشهد: السلام على الله قبل عباده، السلام على جبريل، السلام على ميكائيل، السلام على فلان، فقال النبي صلّى الله عليه وسلم : لاتقولوا: السلام على الله، فإن الله هو السلام، ولكن قولوا: التحيات لله..» (2) الخ.\rوالدلالة منه بوجهين:\rأحدهما ـ التعبير بالفرض، والثاني: الأمر به وفرضه في جلوس آخر الصلاة. وأما الجلوس له، فلأنه محله، فيتبعه.\r-------------------------------\r(1) رواه مسلم وأبو داود (نيل الأوطار: 2/281).\r(2) رواه الدارقطني والبيهقي وقالا: إسناده صحيح.","part":2,"page":42},{"id":733,"text":"وأما فرضية الصلاة على النبي صلّى الله عليه وسلم في التشهد الأخير،فلإجماع العلماء على أنها لا تجب في غير الصلاة، فتعين وجوبها فيها، ولحديث «قد عرفنا كيف نسلم عليك، فكيف نصلي عليك؟ فقال: قولوا: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد...الخ» (1) وفي رواية «كيف نصلي عليك إذا نحن صلينا عليك في صلاتنا؟ فقال: قولوا..الخ» (2) والمناسب لها من الصلاة، التشهد آخرها، فتجب فيه، أي بعده. وقد صلى النبي صلّى الله عليه وسلم على نفسه في الوتر، كما رواه أبو عوانة في مسنده، وقال: «صلوا كما رأيتموني أصلي» ولم يخرجها شيء عن الوجوب. ومما يدل على الوجوب حديث علي عند الترمذي وقال: حسن صحيح: «البخيل من ذكرت عنده، فلم يصل علي» وقد ذكر النبي في التشهد، ومن أقوى الأدلة على الوجوب ما أخرجه الحاكم والبيهقي عن ابن مسعود عن النبي صلّى الله عليه وسلم بلفظ: «إذا تشهد أحدكم في الصلاة فليقل: اللهم صل على محمد...» الحديث.\rوالصلاة على النبي سنة عند الشافعية على الأظهر في التشهد الأول، لبنائه على التخفيف، ولا تسن على الآل في التشهد الأول، وتسن الصلاة على الآل (وهم بنو هاشم وبنو المطلب) في التشهد الأخير، وقيل: تجب فيه لقوله صلّى الله عليه وسلم في الحديث السابق: «قولوا: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد» والأمر يقتضي الوجوب.\r-------------------------------\r(1) متفق عليه.\r(2) رواها الدارقطني وابن حبان في صحيحه والحاكم في مستدركه، وقال: إنه على شرط مسلم.","part":2,"page":43},{"id":734,"text":"صفة الجلوس:\rصفة الجلوس للتشهد الأخير عند الحنفية، كصفة الجلوس بين السجدتين، يكون مفترشاً كما وصفنا، سواء أكان آخر صلاته أم لم يكن، بدليل حديث أبي حميد الساعدي في صفة صلاة رسول الله صلّى الله عليه وسلم «أن النبي صلّى الله عليه وسلم جلس ـ يعني للتشهد ـ فافترش رجله اليسرى، وأقبل بصدر اليمنى على قبلته» (1) وقال وائل بن حجر: «قدمت المدينة، لأنظرن إلى صلاة رسول ا لله صلّى الله عليه وسلم ، فلما جلس ـ يعني للتشهد ـ افترش رجله اليسرى، ووضع يده اليسرى على فخذه اليسرى، ونصب رجله اليمنى» (2)\rوقال المالكية: يجلس متوركاً في التشهد الأول والأخير (3) ، لما روى ابن مسعود «أن النبي صلّى الله عليه وسلم كان يجلس في وسط الصلاة وآخرها متوركاً» (4) .\rوقال الحنابلة والشافعية: يسن التورك في التشهد الأخير، وهو كالافتراش، ولكن يخرج يسراه من جهة يمينه ويلصق وركه بالأرض، بدليل ما جاء في حديث أبي حميد الساعدي: «حتى إذا كانت الركعة التي تنقضي فيها صلاته، أخرَّ رجله اليسرى، وقعد على شقه متوركاً، ثم سلَّم» (5) والتورك في الصلاة: القعود على الورك اليسرى، والوركان: فوق الفخذين كالكعبين فوق العضدين. لكن قال الحنابلة: لا يتورك في تشهد الصبح؛ لأنه ليس بتشهدٍ ثانٍ، والذي تورك فيه النبي بحديث أبي حميد هو التشهد الثاني للفرق بين التشهدين، وما ليس فيه إلا تشهد واحد لا اشتباه فيه، فلاحاجة إلى الفرق.\rوالخلاصة: إن التورك في التشهد الثاني سنة عند الجمهور، وليس بسنة عند الحنفية.\r-------------------------------\r(1) رواه البخاري، وهو حديث صحيح حسن (نيل الأوطار: 2/275).\r(2) أخرجه الترمذي، وقال: حديث حسن صحيح (نصب الراية: 1/419، نيل الأوطار: 2/273).\r(3) الشرح الصغير: 1/329 ومابعدها.\r(4) المغني: 1/533.\r(5) رواه الخمسة إلا النسائي، وصححه الترمذي، ورواه البخاري مختصراً (نيل الأوطار: 2/184).","part":2,"page":44},{"id":735,"text":"صيغة التشهد:\rللتشهد صيغتان مأثورتان:\rفقال الحنفية والحنابلة (1) :التشهد هو: التحيات لله،والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. وهو التشهد الذي علَّمه النبي صلّى الله عليه وسلم لعبد الله بن مسعود رضي الله عنه (2) .\rوقال الإمام مالك: أفضل التشهد: تشهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه (التحيات لله ، الزاكيات لله ، الصلوات لله ) وسائره كتشهد ابن مسعود السابق.\rوقال الشافعية (3) : أقل التشهد: التحيات لله ، سلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، سلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول ا لله . وأكمل التشهد: ما ورد في حديث ابن عباس قال: «كان رسول الله صلّى الله عليه وسلم يُعلِّمنا التشهد، كما يعلمنا السورة من القرآن، فكان يقول: التحيات المباركات الصلوات الطيبات لله ،السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله،وأشهد أن محمداً رسول الله » (4) .\r-------------------------------\r(1) فتح القدير: 1/221، القوانين الفقهية: ص65، المغني: 1/534 ومابعدها/ 539.\r(2) رواه الجماعة (نيل الأوطار: 2/278، نصيب الراية: 1/419).\r(3) مغني المحتاج: 1/174\r(4) رواه مسلم وأبو داود بهذا اللفظ، ورواه الترمذي وصححه كذلك، لكنه ذكر السلام منكَّراً، ورواه ابن ماجه كمسلم لكنه قال: (وأشهد أن محمداً عبده ورسوله)) (نيل الأوطار: 2/281).","part":2,"page":45},{"id":736,"text":"معاني ألفاظ التشهد:\rمعنى ( التحيات لله ): الثناء على ا لله تعالى بأنه مالك مستحق لجميع التحيات الصادرة من الخلق. وهي جمع تحية يقصد بها البقاء والعظمة والملك، وقيل: السلام. والمباركات: الناميات. والصلوات: الصلوات الخمس وغيرها من العبادات الفعلية. والطيبات: الأعمال الصالحة. والسلام: أي اسم الله عليك، أو السلام الذي وجه إلى الرسل والأنبياء عليك أيها النبي. وعلينا: أي الحاضرين من إمام ومأموم وملائكة وغيرهم. والعباد: جمع عبد. والصالحين: جمع صالح، وهو القائم بما عليه من حقوق الله تعالى وحقوق عباده. ومعنى رسول الله ، هو الذي يبلغ خبر من أرسله، وسمي تشهداً لما فيه من النطق بالشهادتين.\rالصلاة على النبي صلّى الله عليه وسلم في التشهد الأخير:\rأقل الصلاة على النبي، الذي هو الركن عند الشافعية والحنابلة في التشهد الأخير: «اللهم صل على محمد» لظاهر الآية: { يا أيها الذين آمنوا، صلوا عليه وسلموا تسليماً} (1) [الأحزاب:56/33] وهي تدل على الوجوب؛ لأن الأمر للوجوب، علماً بأنه قد حصل السلام على النبي في التشهد بقوله: «السلام عليك» وأما الصلاة على الآل فهي سنة.\rوأكمل الصلاة على النبي أن يقول: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد.\r-------------------------------\r(1) الصلاة من الله على عباده: الرحمة والرضوان، ومن الملائكة: الدعاء والاستغفار، ومن الأمة: دعاء وتعظيم للنبي لإظهار مكانته عند ربه، ولنيل الثواب الجزيل، كما ورد عليه السلام: ((من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشراً)).","part":2,"page":46},{"id":737,"text":"وقد ثبتت هذه الصيغة عند البخاري ومسلم، بل عند الجماعة عن كعب بن عُجْرة، قال: «إن النبي صلّى الله عليه وسلم خرج علينا، فقلنا: يا رسول الله ، قد علّمنا الله ، كيف نسلم عليك، فكيف نصلي عليك؟ قال: قولوا: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد» (1) .\rوقال الحنفية والمالكية: الصلاة على النبي سنة كما سيأتي.\rالتشهد بالعربية:\rيشترط موالاة التشهد، وكونه بالعربية، هو وسائر أذكار الصلاة المأثورة، فلا يجوز من قدر على العربية التشهد والصلاة على النبي صلّى الله عليه وسلم بغيرها، كما ذكرنا في التكبير والقراءة، فإن عجز مؤقتاً حتى يتعلم تشهد بلغته، كالأخرس. ومن قدر على تعلم التشهد والصلاة على النبي صلّى الله عليه وسلم ، لزمه ذلك، لأنه من فروض الأعيان، فلزمه كالقراءة. فإن صلى قبل تعلمه مع إمكانه،لم تصح صلاته. وإن خاف فوات الوقت، أو عجز عن تعلمه، أتى بما يمكنه، وأجزأه للضرورة. وإن لم يحسن بالكلية، سقط كله (2) .\rالركن التاسع ـ السلام:\rالسلام الأول للخروج من الصلاة حال القعود فرض عند المالكية، والشافعية، والتسليمتان: فرض عند الحنابلة (3) ، إلا في صلاة جنازة ونافلة وسجدة تلاوة وشكر، فيخرج منها بتسليمة واحدة، وتنقضي الصلاة عند المالكية والشافعية بالسلام الأول، وعند الحنابلة بالسلام الثاني.\r-------------------------------\r(1) رويت هذه الصيغة وغيرها عن أبي مسعود، وعلي وأبي هريرة وطلحة بن عبيد الله (انظر نيل الأوطار: 2/284 ومابعدها، تفسير ابن كثير: 2/507).\r(2) المغني: 1/545، مغني المحتاج: 1/177.\r(3) القوانين الفقهية ص66، مغني المحتاج: 1/177، حاشية الباجوري: 1/163، كشاف القناع: 1/454، المغني: 1/551ـ558، الشرح الصغير: 1/315ـ321، الشرح الكبير: 1/240 ومابعدها.","part":2,"page":47},{"id":738,"text":"ودليلهم قوله صلّى الله عليه وسلم : «مفتاح الصلاة الطهور، وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم» (1) ، ولأن النبي صلّى الله عليه وسلم «كان يسلم من صلاته» (2) ويديم ذلك، ولا يخل به، وقال: «صلوا كما رأيتموني أصلي» (3) وقال ابن المنذر: «أجمع كل من أحفظ عنه من أهل العلم أن صلاة من اقتصر على تسليمة واحدة جائز» .\r-------------------------------\r(1) رواه مسلم، وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم، وهو حديث متواتر رواه سبعة من الصحابة (النظم المتناثر: ص75).\r(2) ثبت ذلك عن النبي ص بأحاديث متعددة منها حديث ابن مسعود: ((أن النبي ص كان يسلم عن يمينه وعن يساره: السلام عليكم ورحمة الله، السلام عليكم ورحمة الله، حتى يرى بياض خده)) رواه الخمسة وصححه الترمذي، ومنها حديث عامر بن سعد عن أبيه، قال: ((كنت أرى النبي ص يسلم عن يمينه وعن يساره، حتى يُرى بياض خده)) رواه أحمد ومسلم والنسائي وابن ماجه (نيل الأوطار: 1/292).\r(3) رواه البخاري.","part":2,"page":48},{"id":739,"text":"وقال الحنفية (1) : السلام ليس بفرض، بل واجب والواجب تسليمتان، فلو قعد قدر التشهد، ثم خرج من الصلاة بسلام أو كلام أو فعل أو حدث، أجزأه ذلك، فالفرض: إنما هو الخروج من الصلاة بصنع المصلي، عملاً بحديث ابن مسعود السابق: «إذا قضيت هذا تمت صلاتك» ولأن السلام لم يذكر في حديث المسيء صلاته. وتنقضي الصلاة عندهم بالسلام الأول قبل قوله (عليكم ).\rومما يدل على عدم فرضية السلام، وأن الفرض في آخر الصلاة هو القعود بمقدار التشهد: حديث عبد ا لله بن عمرو بن العاص: «أن رسول ا لله صلّى الله عليه وسلم قال: إذا قضى الإمام الصلاة، وقعد، فأحدث قبل أن يتكلم، فقد تمت صلاته، ومن كان خلفه ممن أتم الصلاة» (2) ويؤيده حديث ابن عباس: «أن رسول ا لله صلّى الله عليه وسلم كان إذا فرغ من التشهد، أقبل علينا بوجهه، وقال: من أحدث حدثاً بعد ما يفرغ من التشهد، فقد تمت صلاته» (3) .\rصيغة السلام:\rأقل ما يجزئ في واجب السلام مرتين عند الحنفية: السلام، دون قوله: «عليكم» ،وأكمله وهو السنة أن يقول: ( السلام عليكم ورحمة ا لله ) مرتين.\rوينوي الإمام بالتسليمتين السلام على من يمينه ويساره من الملائكة ومسلمي الإنس والجن. ويسن عدم الإطالة في لفظه والإسراع فيه لحديث أبي هريرة عند أحمد وأبي داود: ( حذف التسليم سنة ) قال ابن المبارك: معناه ألا يمد مداً.\r-------------------------------\r(1) فتح القدير:225/1، تبيين الحقائق:104/1، الدر المختار:418/1، البدائع:113/1.\r(2) رواه الترمذي والدارقطني والبيهقي، وقال عنه الترمذي: هذا حديث ليس له إسناده بالقوي، وقد اضطربوا في إسناده (نصب الراية:63/2).\r(3) رواه أبو نعيم الأصفهاني، وهو غريب، ورواه غيره مرسلاً، ورواه ابن أبي شيبة والبيهقي عن علي (نصب الراية:63/2).","part":2,"page":49},{"id":740,"text":"وأقل ما يجزئ عند الشافعية والحنابلة: ( السلام عليكم ) مرة عند الشافعية، ومرتين عند الحنابلة وأكمله: ( السلام عليكم ورحمة ا لله ) مرتين يميناً وشمالاً، ملتفتاً في الأولى حتى يرى خده الأيمن، وفي الثانية: الأيسر، ناوياً السلام على من عن يمينه ويساره من ملائكة وإنس وجن. وينوي الإمام أيضاً زيادة على ما سبق السلام على المقتدين. وهم ينوون الرد عليه وعلى من سلم عليهم من المأمومين، فينويه المقتدون عن يمين الإمام عند الشافعية بالتسليمة الثانية، ومن عن يساره بالتسليمة الأولى. وأما من خلفه وأمامه فينوي الرد بأي التسليمتين شاء.\rودليل ذلك حديث سمرة بن جندب قال: «أمرنا رسول ا لله صلّى الله عليه وسلم أن نرد على الإمام، وأن نتحاب، وأن يسلم بعضنا على بعض» (1) .\rوقال الحنفية: ينوي المأموم الرد على الإمام في التسليمة الأولى إن كان في جهة اليمين، وفي التسليمة الثانية إن كان في جهة اليسار، وإن حاذاه نواه في التسليمتين. وتسن نية المنفرد الملائكة فقط.\rولا يندب زيادة ( وبركاته ) على المعتمد عند الشافعية والحنابلة، ودليلهم يتفق مع دليل الحنفية: وهو حديث ابن مسعود وغيره المتقدم: «أن النبي صلّى الله عليه وسلم كان يسلم عن يمينه وعن يساره: السلام عليكم ورحمة ا لله ، السلام عليكم ورحمة الله، حتى يُرى بياض خده» .\rفإن نكس السلام فقال: ( عليكم السلام ) لم يجزه عند الشافعية والحنابلة. والأصح عندهم ألا يجزيه: ( سلام عليكم ).\rنية الخروج من الصلاة بالسلام:\rوالأصح عند الشافعية: أنه لا تجب نية الخروج من الصلاة، قياساً على\r-------------------------------\r(1) رواه أحمد وأبو داود.","part":2,"page":50},{"id":741,"text":"سائرالعبادات، ولأن النية السابقة منسحبة على جميع الصلاة، ولكن تسن خروجاً من الخلاف، وهذا هو مشهور مذهب المالكية وهو المعتمد، ويسن بالتسليمتين معاً نية الخروج من الصلاة عند الحنابلة، لتمييز الصلاة عن غيرها، كما تتميز بتكبيرة الإحرام، فإن لم ينو، بطلت صلاته، والصحيح المنصوص عن أحمد: أنه لاتبطل صلاته. ولا يستحب نصاً الرد على الإمام والمأموم، فإن نوى مع الخروج من الصلاة السلام على الحفظة من الملائكة، والإمام والمأموم، جاز، لحديث سمرة عند أبي داود: «أمرنا النبي صلّى الله عليه وسلم أن نرد على الإمام، وأن يسلم بعضنا على بعض» وقال بعض الحنابلة: ينوي بالأولى الخروج من الصلاة، وينوي بالثانية السلام على الملائكة الحفظة والمأمومين إن كان إماماً، والرد على الإمام والملائكة إن كان مأموماً.\rوأقل ما يجزئ عند المالكية: ( السلام عليكم ) بالعربية، ويجزئ ( سلام عليكم ) وأكمله:\r( السلام عليكم ورحمة ا لله وبركاته ) لما رواه أبو داود عن وائل بن حُجْر، ورواه أيضاً ابن حبان في صحيحه وابن ماجه من حديث ابن مسعود (1) ويسلّم المأموم عند المالكية ثلاثاً: واحدة يخرج بها من الصلاة، وأخرى يردها على إمامه، والثالثة: إن كان على يساره أحد، رد عليه، في مشهور المذهب.\rويسن رد المقتدي السلام على إمامه، وعلى من يساره إن وجد وشاركه في ركعة فأكثر، لا أقل.\rودليل جواز الاقتصار على تسليمة واحدة عند المالكية والشافعية حديث عائشة قالت: «كان رسول ا لله صلّى الله عليه وسلم يسلم تسليمة واحدة تلقاء وجهه» وحديث\r-------------------------------\r(1) انظر نيل الأوطار:294/2.","part":2,"page":51},{"id":742,"text":"سلمة بن الأكوع قال: «رأيت رسول ا لله صلّى الله عليه وسلم صلى فسلم تسليمة واحدة» (1) ولأنه بالتسليمة الأولى قد خرج بها من الصلاة، فلم يشرع مابعدها كالثانية. ودليل إيجاب التسليمتين عند الحنفية والحنابلة: حديث ابن مسعود السابق، وحديث جابر بن سمرة عند مسلم أن النبي صلّى الله عليه وسلم قال: «إنما يكفي أحدكم أن يضع يده على فخده، ثم يسلم على أخيه من على يمينه وشماله» .\rالركن العاشر: الطمأنينة في أفعال معينة:\rالطمأنينة ركن أو شرط ركن عند الجمهور (2) في الركوع والاعتدال منه، والسجود، والجلوس بين السجدتين، وواجب عند الحنفية للأمر بها في حديث المسيء صلاته: «إذا قمت إلى الصلاة فكبِّر، ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن، ثم اركع حتى تطمئن راكعاً،ثم ارفع حتى تعتدل قائماً، ثم اسجد حتى تطمئن ساجداً، ثم افعل ذلك في الصلاة كلها» (3) ولحديث حذيفة: «أنه رأى رجلاً لا يتم ركوعه ولا سجوده، فقال له:ما صليت، ولو مِتَّ على غير الفطرة التي فطر ا لله عليها محمداً صلّى الله عليه وسلم » (4) وظاهره أنها ركن واحد في الكل، لأنه يعم القيام (5) .\rوالطمأنينة: سكون بعد حركة، أو سكون بين حركتين بحيث ينفصل مثلاً رفعه عن هويه.وأقلها: أن تستقر الأعضاء في الركوع مثلاً بحيث ينفصل الرفع عن الهوي كما قال الشافعية. وذلك بقدر الذكر الواجب لذاكره، وأما الناسي فبقدر أدنى سكون، كما قال بعض الحنابلة، والصحيح من المذهب: أنها السكون وإن قل.\r-------------------------------\r(1) رواهما ابن ماجه.\r(2) ركن عند المالكية والحنابلة وبعض الشافعية، وشرط في الركن عند بعض الشافعية.\r(3) متفق عليه عن أبي هريرة (نيل الأوطار:264/2).\r(4) رواه البخاري.\r(5) الدر المختار ورد المحتار:432/1، الشرح الصغير:316/1، حاشية الباجوري: 157/1،159، كشاف القناع:453/1.","part":2,"page":52},{"id":743,"text":"أو هي تسكين الجوارح قدر تسبيحة في الركوع والسجود، والرفع منهما، كما قال الحنفية.\rأو هي استقرار الأعضاء زمناً ما في جميع أركان الصلاة، كما قال المالكية.\rالركن الحادي عشر: ترتيب الأركان على النحو المشروع في صفة الصلاة في السنة:\rالترتيب ركن عند الجمهور، واجب في القراءة وفيما يتكرر في كل ركعة، وفرض فيما لايتكرر في كل الصلاة أو في كل ركعة كترتيب القيام على الركوع، وترتيب الركوع على السجود، عند الحنفية (1) ،بأن يقدم النية على تكبيرة الإحرام، والتكبيرة على الفاتحة، والفاتحة على الركوع، والركوع على الرفع منه، والاعتدال على السجود، والسجود على السلام، والتشهد الأخير على الصلاة على النبي صلّى الله عليه وسلم عند الشافعية والحنابلة.\rوالدليل أنه صلّى الله عليه وسلم كان يصلي الصلاة مرتبة، وعلمها للمسيء صلاته مرتبة بـ «ثم» ، ولأنها عبادة تبطل عند الجمهور غير الحنفية بالحدث، فكان الترتيب فيها ركناً كغيره.\rويترتب على كون الترتيب ركناً عند الجمهور، وكما ذكر الشافعية: أن من تركه عمداً كأن سجد قبل ركوعه، بطلت صلاته إجماعاً لتلاعبه. وإن سها عن الترتيب فما فعله بعد المتروك لغو؛ لوقوعه في غير محله. فإن تذكر المتروك قبل بلوغ مثله من ركعة أخرى، فعله بعد تذكره فوراً، فإن تأخر بطلت صلاته.\rوإن لم يتذكر حتى بلغ مثله، تمت به ركعته المتروك آخرها كسجدته الثانية منها، وتدارك الباقي من صلاته؛ لأنه ألغى ما بينهما.\rولو تيقن في آخر صلاته ترك سجدة من الركعة الأخيرة، سجدها وأعاد تشهده.\r-------------------------------\r(1) الدر المختار:429/1-431، الشرح الصغير:317/1، حاشية الباجوري:164/1، مغني المحتاج: 178/1 ومابعدها، كشاف القناع:455/1، الشرح الكبير للدردير:241/1.","part":2,"page":53},{"id":744,"text":"وإن كانت السجدة من ركعة أخرى غير الأخيرة، أو شك هل ترك السجدة من الأخيرة أو من غيرها، لزمه ركعة؛ لأن الناقصة قد تكمَّلت، بسجدة من الركعة التي بعدها، وألغي باقيها.\rوإن قام للركعة الثانية، وتذكر أنه ترك سجدة من الركعة الأولى: فإن كان قد جلس بعد سجدته التي قام عنها ولو للاستراحة، سجد فوراً من قيامه. وإن لم يكن قد جلس، جلس مطمئناً، ثم سجد.\rوإن علم في آخر صلاة رباعية ترك سجدتين أو ثلاث، جهل موضعها، وجب عليه ركعتان، أخذاً بأسوأ الافتراضات، فتنجبر الركعة الأولى بسجدة من الثانية، ويلغو باقيها، وتنجبر الركعة الثالثة بسجدة من الرابعة ويلغو باقيها.\rوإن علم ترك أربع سجدات، فعليه سجدة وركعتان. فإن كانت خمساً أو ستاً فعليه ثلاث ركعات. وإن كانت سبعاً فعليه سجدة وثلاث ركعات.\rوإن تذكر ترك ركن بعد السلام: فإن كانت النية، أو تكبيرة الإحرام، بطلت صلاته، وإن كان غيرهما، بنى على صلاته السابقة إن قرب الفاصل، ولم يأت بمناف للصلاة كمس نجاسة. ولا يضر استدبار القبلة إن قصر زمنه عرفاً، ولا الكلام إن قل عرفاً أيضاً، لأنهما يحتملان في الصلاة. وإن طال الفصل عرفاً استأنف، أي ابتدأ صلاة جديدة.\rويترتب على كون الترتيب واجباً فيما يتكرر في كل ركعة عند الحنفية (1) : أنه لو سجد ثم ركع، لم يعتبر سجوده، ويلزمه سجود آخر، فإن سجده صحت صلاته لتحقيق الترتيب المطلوب، ويلزمه سجود السهو، لتقديمه السجود المفروض.\rولو قعد القعود الأخير، وتذكر سجدة صلبية (2) ، فإنه يسجدها، ويعيد القعود، ويسجد للسهو، لاشتراط الترتيب بين القعود وما قبله، ويبطل القعود بالعود إلى السجدة الصلبية أو التلاوية.\rولو ترك ركوعاً، فإنه يقضيه مع ما بعده من السجود.\rولو تذكر قياماً أو قراءة، صلى ركعة.\rولو نسي سجدة من الركعة الأولى، قضاها ولو بعد السلام قبل الكلام، ثم يتشهد، ثم يسجد للسهو، ثم يتشهد، أي يقرأ التشهد إلى (عبده ورسوله) فقط.\r-------------------------------\r(1) رد المحتار:429/1-432، البدائع:163/1.\r(2) السجدة الصلبية: هي السجدة التي هي من صلب الصلاة أي جزء منها، ومثلها في الحكم السجدة التلاوية؛ لأنها لما وقعت في الصلاة أعطيت حكم الصلبية.","part":2,"page":54},{"id":745,"text":"الفَصْلُ السَّادس: سُنَنُ الصَّلاة وصفتُها ومكروهاتُها والأذكارُ الواردة عقبها\rوفيه مباحث سبعة:\rويلاحظ أن أنواع سنن الصلاة: سنن الصلاة قسمان: إما داخل فيها، وإما خارج عنها كالاستياك المذكور سابقاً، وكسترة المصلي وغير ذلك مما يأتي توضيحه.\rالمبحث الأول ـ سنن الصلاة الداخلة فيها:\rسنن الصلاة: هي الأقوال والأفعال التي يثاب فاعلها ولا يعاقب تاركها، بل يعاتب ويلام، ولا تنجبر إذا تركت بسجود السهو، ولا تبطل الصلاة بتركها عمداً.\rوالسنة كما ذكر الحنفية (1) : مافعله رسول ا لله صلّى الله عليه وسلم بطريق المواظبة، ولم يتركها إلا لعذر، كدعاء الثناء، والتعوذ، وتكبيرات الركوع والسجود.\rوللصلاة عندهم سنن وآداب، والأدب فيها: ما فعله رسول ا لله صلّى الله عليه وسلم مرة أو مرتين،ولم يواظب عليه، كزيادة التسبيحات في الركوع والسجود على الثلاثة، والزيادة على القراءة المسنونة، وقد شرع لإكمال السنة.\rوالسنة أو الأدب عندهم دون الواجب، لأن الواجب في الصلاة: ما تجوز الصلاة بدونه، ويجب بتركه ساهياً سجدتا السهو.\rوذكروا للصلاة إحدى وخمسين سنة، وسبعة آداب.\r-------------------------------\r(1) فتح القدير والعناية:194/1، البدائع:198/1-220، تبيين الحقائق:106/1-132، الدر المختار:447/1-511، مراقي الفلاح: ص41-44.","part":2,"page":55},{"id":746,"text":"وذكر المالكية (1) للصلاة أربع عشرة سنة، وثمانية وأربعين أدباً. والسنة عندهم: ما طلبه الشرع وأكد أمره وعظم قدره وأظهره في الجماعة. ويثاب فاعله ولا يعاقب تاركه كالوتر وصلاة العيدين.\rوالمندوب عندهم: ما طلبه الشرع طلباً غير جازم، وخفف أمره، ويثاب فاعله ولا يعاقب تاركه، كصلاة أربع ركعات قبل الظهر. ويُسجد سجود السهو لثمان من السنن وهي: السورة، والجهر، والإسرار، والتكبير، والتحميد،والتشهدان، والجلوس لهما.\rوسنن الصلاة عند الشافعية (2) نوعان: أبعاض وهيئات.\rوالأبعاض: هي التي يجبر تركها بسجود السهو وهي ثمانية (3) :\rالتشهد الأول، والقعود له، والصلاة على النبي صلّى الله عليه وسلم بعده، وعلى آله بعد التشهد الأخير، والقنوت في الصبح ووتر النصف الأخير من رمضان، والقيام للقنوت، والصلاة على النبي صلّى الله عليه وسلم ، وعلى آله بعد القنوت.\rوالهيئات: هي أربعون كالتسبيحات ونحوها لا يجبر تركها بسجود السهو.\rوالسنة أو المستحب عندهم إن تركها المصلي لا يعود إليها بعد التلبس بفرض آخر، فمن ترك التشهد الأول مثلاً، فذكره بعد اعتداله مستوياً، لا يعود إليه لكنه يسجد للسهو، فإن عاد إليه عامداً عالماً بتحريمه، بطلت صلاته، أما إن عاد إليه ناسياً أنه في الصلاة، فلا تبطل صلاته، ويلزم القيام عنه فوراً عند تذكره ثم يسجد للسهو. هذا إن كان المصلي إماماً أو منفرداً.\rفإن كان المصلي مأموماً عاد وجوباً لمتابعة إمامه؛ لأن المتابعة آكد من التلبس بالفرض، فإن لم يعد عامداً عالماً، بطلت صلاته إذا لم ينو المفارقة، فإن نواها لم تبطل.\r-------------------------------\r(1) الشرح الصغير:317/1-337، الشرح الكبير:242/1، القوانين الفقهية: ص50 ومابعدها،58، 60.\r(2) تحفة الطلاب مع حاشية الشرقاوي،195/1-216،حاشية الباجوري:167/1-181،193 ومابعدها، مغني المحتاج:152/1-184، المهذب:71/1-82، المجموع:356/3.\r(3) بل أوصلها الشافعية إلى عشرين بعضاً سنذكرها في بحث سجود السهو، وسميت أبعاضاً تشبيهاً لها بالأبعاض الحقيقية أي الأركان، في مطلق الجبر.","part":2,"page":56},{"id":747,"text":"وقال الحنابلة (1) : ما ليس بفرض نوعان: واجبات، وسنن. والواجبات: وهي ما تبطل الصلاة بتركه عمداً، وتسقط سهواً أو جهلاً، ويجبر تركها سهواً بسجود السهو، وهي ثمانية:\r1 - التكبير ( ا لله أكبر ) للانتقال في محله: (وهو ما بين انتهاء فعل وابتداء فعل آخر) لأنه صلّى الله عليه وسلم كان يكبر كذلك، وقال: «صلوا كما رأيتموني أصلي» ، فلو شرع المصلي في التكبير قبل الانتقال، كأن يكبر للركوع أو السجود قبل هُوِّيه إليه، لم يجزئه، ويجزئه فميا بين ابتداء الانتقال وانتهائه.\rوهذا التكبير غير تكبيرتي الإحرام، وتكبيرة ركوع مأموم أدرك إمامه راكعاً، فإن الأولى ركن، والثانية سنة للاجتزاء عنها بتكبيرة الإحرام.\r2 - التسميع: أي قول ( سمع ا لله لمن حمده ) لإمام، ومنفرد دون مأموم.\r3 - التحميد: أي قول ( ربنا لك الحمد ) لكل من الإمام والمأموم والمنفرد .\r4 - تسبيح الركوع: ( سبحان ربي العظيم ).\r5 - تسبيح السجود: ( سبحان ربي الأعلى ).\r6 - دعاء ( رب اغفر لي ) بين السجدتين. والواجب مرة واحدة في كل ما سبق، والأكمل أن يكرر ذلك مراراً، وأدنى الكمال: ثلاث.\r7 - التشهد الأول: لأنه صلّى الله عليه وسلم فعله وداوم على فعله وأمر به، وسجد للسهو حين نسيه. وأقله: ( التحيات لله والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة ا لله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد ا لله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ).\r8 - الجلوس للتشهد الأول. وهذا وما قبله واجب على غير مأموم قام إمامه عنه سهواً.\r-------------------------------\r(1) كشاف القناع:450/1،455-460، المغني:462/1-559","part":2,"page":57},{"id":748,"text":"وأما السنن: فهي سنن أقوال وأفعال وهيئات. وسنن الأقوال سبع عشرة وهي (الاستفتاح، والتعوذ، والبسملة، والتأمين، وقراءة السورة في الركعتين الأوليين من الصلاة الرباعية والثلاثية، وفي صلاة الفجر، والجمعة، والعيدين، وفي التطوع كله، والجهر والإخفات في محلهما، وقول: ملء السموات وملء الأرض وملء ما شئت من شيء بعد بعد التحميد في حق الإمام والمنفرد، دون المأموم، وما زاد على المرة من تسبيح الركوع والسجود، و رب اغفر لي: بين السجدتين، والتعوذ في التشهد الأخير، أي قول: أعوذ با لله من عذاب جهنم...الخ، والدعاء في آخر التشهد الأخير، والصلاة في التشهد الأخير على آل النبي صلّى الله عليه وسلم والبركة فيه، أي قول: وبارك على محمد وعلى آل محمد...الخ، وما زاد على المجزئ من التشهد الأول، والقنوت في الوتر). وما سوى ذلك: سنن أفعال وهيئات (1) ، كسكون الأصابع مضمومة ممدودة حال رفع اليدين مبسوطة (ممدودة الأصابع) مضمومة الأصابع مستقبل القبلة ببطونها إلى حذو منكبيه، عند الإحرام وعند الركوع وعند الرفع منه، وحطهما عقب ذلك.\rبيان سنن الصلاة الداخلة فيها:\r1 ً - رفع اليدين للتحريمة:\rلا خلاف في استحباب رفع اليدين عند تكبيرة الإحرام لافتتاح الصلاة، وذلك حَذْو (مقابل) المنكبين عند المالكية (2) والشافعية، ويخير عند الحنابلة في رفعهما إلى فروع أذنيه أو حذو منكبيه. وقال الحنفية: يحاذي الرجل بإبهاميه أذنيه، وترفع المرأة حذاء منكبيها فقط؛ لأنه أستر لها. قال ابن قدامة: ومعناه أن يبلغ بأطراف أصابعه ذلك الموضع. وقال النووي: معناه أن تحاذي أطراف أصابعه أعلى أذنيه وابهاماه شحمتي أذنيه وراحتاه منكبيه، واعتمد المالكية هذه الكيفية. وأضاف الفقهاء: ويسن إمالة أطراف الأصابع نحو القبلة لشرفها.\rودليل الحنفية: حديث وائل بن حجر: «أنه رأى النبي صلّى الله عليه وسلم رفع يديه حين دخل في الصلاة، وكبّر، وصفَّهما حيال أذنيه» (3) وحديث البراء بن عازب: «كان رسول الله صلّى الله عليه وسلم إذا صلى، رفع يديه حتى تكون إبهامه حذاء أذنيه» (4) وحديث أنس: «رأيت رسول الله صلّى الله عليه وسلم كبر، فحاذى بإبهاميه أذنيه» (5) .\r-------------------------------\r(1) سميت هيئة لأنها صفة في غيرها.\r(2) يعتبر ذلك عندهم من الآداب أو الفضائل.\r(3) رواه مسلم (نصب الراية:310/1).\r(4) رواه أحمد وإسحاق بن راهويه والدارقطني والطحاوي ( نصب الراية:311/1).\r(5) رواه الحاكم والدارقطني (المرجع السابق).","part":2,"page":58},{"id":749,"text":"ودليل الشافعية والمالكية: حديث ابن عمر رضي الله عنهما: «أنه صلى الله عليه وسلم كان يرفع يديه حذو منكبيه إذا افتتح الصلاة» (1) .\rودليل الحنابلة على التخيير: أن كلا الأمرين مروي عن رسول الله صلّى الله عليه وسلم ، فالرفع إلى حذو المنكبين: في حديث أبي حميد (2) وابن عمرو علي وأبي هريرة. والرفع إلى حذو الأذنين: رواه وائل بن حجر ومالك بن الحويرث (3) .\rزمن الرفع: وقت الرفع في الأصح عند الحنفية: أنه يرفع أولاً، ثم يكبر؛ لأن في فعله نفي الكبرياء عن غير الله تعالى.\rوقال المالكية: ترفع اليدان مبسوطتين ظهورهما للسماء وبطونهما للأرض على صفة الخائف، عند الشروع في تكبيرة الإحرام، لا عند غيره.\r-------------------------------\r(1) متفق عليه.\r(2) رواه الجماعة إلا مسلماً.\r(3) حديث وائل رواه مسلم كما بينا، وحديث مالك رواه مسلم وأحمد (انظر نيل الأوطار:179/2-183).","part":2,"page":59},{"id":750,"text":"وقال الشافعية والحنابلة: إنه يرفع مع ابتداء تكبيرة الإحرام، ويكون انتهاؤه مع انقضاء التكبير، ولا يسبق أحدهما صاحبه،فإذا انقضى التكبير حط يديه، فإن نسي رفع اليدين حتى فرغ من التكبير لم يرفعهما؛ لأنه سنة فات محلها، وإن ذكره في أثناء التكبير رفع؛ لأن محله باق. فإن لم يمكنه رفع يديه إلى المنكبين، رفعهما قدر ما يمكنه، وإن أمكنه رفع إحداهما دون الأخرى رفعها، لقول النبي صلّى الله عليه وسلم : «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم» ، وإن لم يمكنه رفعهما إلا بالزيادة على المسنون رفعهما؛ لأنه يأتي بالسنة.\rحالة الأصابع: قال الحنفية والمالكية والشافعية: يسن نشر الأصابع أي ألا\rتضم كل الضم، ولا تفرج كل التفريج، بل تترك على حالها منشورة، أي مفرقة تفريقاً وسطاً؛ لأنه صلّى الله عليه وسلم كان إذا كبّر، رفع يديه، ناشراً أصابعه» (1) أي مفرقاً أصابعه.\rوقال الحنابلة: يستحب أن يمد أصابعه وقت الرفع، ويضم بعضها إلى بعض، لما روى أبو هريرة قال: «كان رسول الله صلّى الله عليه وسلم إذا قام إلى الصلاة رفع يديه مدًّا» (2) والمد: ما يقابل النشر.\rالجهر بتكبيرة الإحرام: قال المالكية (3) : يندب لكل مصل إماماً أو مأموماً أو منفرداً الجهر بتكبيرة الإحرام، وأما تكبيرات الانتقال فيندب للإمام دون غيره الجهر بها، والأفضل لغير الإمام الإسرار بها.\rرفع اليدين في غير تكبيرة الإحرام: قال الحنفية والمالكية: لا يسن رفع اليدين في غير الإحرام عند الركوع أو الرفع منه، لأنه لم يصح ذلك عندهم عن النبي صلّى الله عليه وسلم ، واستدلوا بما روي عن ابن عمر: «كان رسول الله صلّى الله عليه وسلم يرفع يديه إذا افتتح الصلاة، ثم لا يعود» (4) .\rواستدلو بفعل ابن مسعود، قال: «ألا أصلي بكم صلاة رسول الله صلّى الله عليه وسلم ؟ فصلى، فلم يرفع يديه إلا في أول أمره. وفي لفظ: «فكان يرفع يديه أول مرة، ثم لا يعود» (5)\r-------------------------------\r(1) أخرجه الترمذي عن أبي هريرة بلفظ «كان إذا كبر للصلاة نشرأصابعه» (نيل الأوطار:176/2).\r(2) رواه الخمسة إلا ابن ماجه (نيل الأوطار:176/2).\r(3) الشرح الكبير مع الدسوقي:244/1، الشرح الصغير وحاشية الصاوي:322/1.\r(4) قال الحافظ ابن حجر: وهو مقلوب موضوع (نيل الأوطار:181/2).\r(5) أخرجه أبو داود والنسائي، والترمذي وقال: حديث حسن (نصب الراية:394/1).","part":2,"page":60},{"id":751,"text":"وقال أيضاَ: «صليت مع رسول الله صلّى الله عليه وسلم ، وأبي بكر، وعمر، فلم يرفعوا أيديهم إلا عند استفتاح الصلاة» (1) .\rوقال الشافعية والحنابلة: يسن رفع اليدين في غير الإحرام: عند الركوع، وعند الرفع منه، أي عند الاعتدال، لما ثبت في السنة المتواترة عن واحد وعشرين صحابياً (2) ، منها الحديث المتفق عليه عن ابن عمر قال: «كان النبي صلّى الله عليه وسلم إذا قام إلى الصلاة رفع يديه حتى يكونا بحَذْو مِنْكَبيه، ثم يكبّر، فإذا أراد أن يركع، رفعهما مثل ذلك، وإذا رفع رأسه من الركوع، رفعهما كذلك أيضاً، وقال: سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد» (3) .\rوأضاف الشافعية في الصواب عندهم كما قال النووي: أنه يستحب الرفع أيضاً عند القيام من التشهد الأول، بدليل حديث نافع: أن ابن عمر رضي الله عنهما: «كان إذا دخل الصلاة، كبر ورفع يديه، وإذا ركع رفع يديه، وإذا قال: سمع الله لمن حمده رفع يديه، وإذا قام من الركعتين رفع يديه ورفع ابن عمر ذلك إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلم » (4) .\rوالخلاصة: يراعى في رفع اليدين أن تكون الأصابع منشورة مفرقة وسطاً عند الجمهور، مضمومة عند الحنابلة، وأن تكون الأيدي باتفاق الفقهاء في اتجاه القبلة، بحيث يستقبلها المصلي ببطونها، لشرف القبلة.\r-------------------------------\r(1) رواه الدارقطني والبيهقي، وهو ضعيف، والصواب أنه مرسل (المرجع السابق:396/1).\r(2) راجع النظم المتناثر من الحديث المتواتر للسيد محمد جعفر الكتاني: ص58، وقال البخاري في تصنيف له في الرد على منكري الرفع: رواه سبعة عشر من الصحابة، ولم يثبت عن أحد منهم عدم الرفع.\r(3) نيل الأوطار:179/2-182.\r(4) رواه البخاري في صحيحه (المجموع:424/3).","part":2,"page":61},{"id":752,"text":"2 ً - مقارنة إحرام المقتدي لإحرام إمامه:\rقال الحنفية: تسن هذه المقارنة، لقوله صلّى الله عليه وسلم : «إذا كبر ـ أي الإمام ـ فكبر» بشرط ألا يفرغ المقتدي من لفظ ( الله أكبر ) قبل فراغ الإمام منه.\r3 ً - وضع اليد اليمنى على ظهر اليسرى:\rقال الجمهور غير المالكية: يسن بعد التكبير أن يضع المصلي يده اليمنى على ظهر كف ورسغ اليسرى، لما رواه وائل بن حجْر أنه رأى النبي صلّى الله عليه وسلم رفع يديه حين دخل في الصلاة، وكبر، ثم التحف بثوبه، ثم وضع يده اليمنى على كفه اليسرى والرسغ والساعد» (1) ، ومارواه قَبيصة بن هُلب عن أبيه قال: «كان رسول الله صلّى الله عليه وسلم يؤمنا فيأخذ شماله بيمينه» (2) وما رواه سهل بن سعد قال: «كان الناس يؤمرون أن يضع الرجل يده اليمنى على ذراعه اليسرى في الصلاة» (3) وعن ابن مسعود: «أن النبي صلّى الله عليه وسلم مرّ به، وهو واضع شماله على يمينه، فأخذ يمينه، فوضعها على شماله» (4) .\rوصفة الوضع عند الحنابلة والشافعية: أن يضع يده اليمنى على كوع اليسرى أو ما يقاربه، لحديث ابن حجر السابق، علماً بأن الكوع طرف الزند مما يلي الإبهام، أما عند الحنفية: فهو أن يجعل باطن كف اليمنى على ظاهر كف اليسرى، محلقاً الرجل بالخنصر والإبهام على الرسغ. أما المرأة فتضع يديها على صدرها من غير تحليق لأنه أستر لها.\r-------------------------------\r(1) رواه أحمد ومسلم وأبو داود، والنسائي واللفظ له.\r(2) رواه الترمذي، وقال: حديث حسن.\r(3) رواه البخاري.\r(4) رواه أبو داود.","part":2,"page":62},{"id":753,"text":"ويضعهما عند الحنفية والحنابلة تحت السُّرة، لما روي عن علي أنه قال: « من السنة وضع اليمين على الشمال تحت السرة » (1) ، وهذا ينصرف إلى سنة النبي صلّى الله عليه وسلم.\rوالمستحب عند الشافعية: أن يجعلهما تحت الصدر فوق السرة، مائلاً إلى جهة اليسار؛ لأن القلب فيها، فتكونان على أشرف الأعضاء، وعملاً بحديث وائل بن حجر السابق: « رأيت رسول الله صلّى الله عليه وسلم يصلي، فوضع يديه على صدره، إحداهما على الأخرى » ويؤيده حديث آخر عند ابن خزيمة في وضع اليدين على هذه الكيفية.\rوقال المالكية: يندب إرسال اليدين في الصلاة بوقار، لا بقوة، ولايدفع بهما من أمامه لمنافاته للخشوع. ويجوز قبض اليدين على الصدر في صلاة النفل لجواز الاعتماد فيه بلا ضرورة، ويكره القبض في صلاة الفرض لما فيه من الاعتماد أي كأنه مستند، فلو فعله لا للاعتماد، بل استناناً لم يكره، وكذا إذا لم يقصد شيئاً فيما يظهر.\rوالراجح المتعين لدي هو قول الجمهور بوضع اليد اليمنى على اليسرى، وهو المتفق مع حقيقة مذهب مالك الذي قرره لمحاربة عمل غير مسنون: وهو قصد الاعتماد، أي الاستناد، أو لمحاربة اعتقاد فاسد: وهو ظن العامي وجوب ذلك.\r-------------------------------\r(1) رواه أحمد وأبو داود.","part":2,"page":63},{"id":754,"text":"4 ً - النظر إلى موضع السجود:\rقال الشافعية وغيرهم: يستحب النظر إلى موضع سجود المصلي؛ لأنه أقرب إلى الخشوع، ولما روى ابن عباس رضي الله عنهما قال: « كان رسول الله صلّى الله عليه وسلم إذا استفتح الصلاة لم ينظر إلا إلى موضع سجوده » (1) وذلك إلا عند التشهد فينظر إلى سبابته التي يشير بها (2) .\r5 ً - دعاء الثناء أو الاستفتاح:\rقال المالكية : يكره دعاء الاستفتاح، بل يكبر المصلي ويقرأ، لما روى أنس قال: «كان النبي صلّى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر يفتتحون الصلاة بالحمد لله رب العالمين» (3) .\rوقال الجمهور : يسن دعاء الاستفتاح بعد التحريمة في الركعة الأولى، وهو الراجح لدي ، وله صيغ كثيرة، المختار منها عند الحنفية والحنابلة:\r(سبحانك اللهم وبحمدك ، وتبارك اسمك، وتعالى جَدُّك، ولا إله غيرك) لما روت عائشة، قالت: « كان النبي صلّى الله عليه وسلم إذا استفتح الصلاة، قال: سبحانك اللهم وبحمد ك، وتبارك اسمك وتعالى جَدُّك، ولا إله غيرك» (4) . وسبحانك: من التسبيح: وهو تنزيه الله تعالى، وتبارك اسمك: من البركة وهي ثبوت الخبر الإلهي في الشيء، وتعالى جَدُّك: الجَدُّ: العظمة،وتعالى: تفاعل من العلو، أي علت عظمتك على عظمة كل أحد غيرك، أو علا جلالك وعظمتك. ومعناه إجمالاً: تنزيهاً لك يارب، وإنما أنزهك بحمدك، دام خبر اسمك في كل شيء، وعلا جلالك، ولا معبود غيرك.\rقالوا: ولايخفى أن ماصح عن النبي صلّى الله عليه وسلم أولى بالإيثار والاختيار.\r-------------------------------\r(1) قال النووي: حديث ابن عباس هذا، غريب لا أعرفه، وروى البيهقي أحاديث من رواية أنس وغيره بمعناه، وكلها ضعيفة (المجموع:272/3) لكن روى الجماعة إلا مسلماً والترمذي عن أنس عن النبي صلّى الله عليه وسلم قال: «ما بال أقوام يرفعون أبصارهم إلى السماء في صلاتهم، فاشتد قوله في ذلك حتى قال: لينتهُنَّ أو لتُخطَفَنَّ أبصارهم» وفي حديث مرسل عن ابن سيرين أن تقليب البصر كان سبباً في نزول آية {الذين هم في صلاتهم خاشعون} [المؤمنون:2/23] (نيل الأوطار:189/2).\r(2) روى أحمد والنسائي وأبو داود عن عبد الله بن الزبير قال: كان رسول الله صلّى الله عليه وسلم إذا جلس في التشهد: وضع يده اليمنى علي فخذه اليمنى، ويده اليسرى على فخذه اليسرى، وأشار بالسبابة، ولم يجاوز بصرُه إشارته» (نيل الأوطار:189/2).\r(3) متفق عليه.\r(4) رواه أبو داود، وللدارقطني مثله من رواية أنس،وللخمسة مثله من حديث أبي سعيد، وأخرج مسلم في صحيحه أن عمر كان يجهر به (نيل الأوطار:195/2).","part":2,"page":64},{"id":755,"text":"والمختار عند الشافعية صيغة:\r( وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفاً مسلماً، وما أنا من المشركين، إن صلاتي ونُسُكي، ومحيايَ ومماتِي لله رب العالمين، لا شريك له وبذلك أمرت وأنا من المسلمين) لما رواه أحمد ومسلم والترمذي وصححه عن علي ابن أبي طالب (1) وهو آية قرآنية ماعدا مايناسب المسلم في آخره: وهو « من المسلمين » وأصلها ( أول المسلمين ) كما روى مسلم.\rومعناه : قصدت بعبادتي خالق السموات والأرض، مائلاً إلى الدين الحق وهو الإسلام، مبتعداً عن كل شرك بالله، مخلصاً كل شيء لله، فصلاتي وعبادتي وحياتي وموتي لله، وأنا مسلم.\rوأجاز الإمام أحمد الاستفتاح بغير : ( سبحانك اللهم )، وأجاز الحنفية في النافلة الجمع بين الثناء والتوجه، لكن في صلاة الجنازة يقتصر على الثناء فقط.\rوإذا شرع الإمام في القراءة الجهرية أو غيرها، لم يكن للمقتدي عند الحنابلة والحنفية على المعتمد (2) أن يقرأ الثناء، سواء أكان مسبوقاً أم مدركاً، أي لاحقاً الإمام بعد الابتداء بصلاته، أو مدركاً الإمام بعد مااشتغل بالقراءة، لأن الاستماع\r-------------------------------\r(1) نيل الأوطار:191/2-192، وفي رواية لمسلم: «وأنا أول المسلمين» قال الشافعي: لأنه صلّى الله عليه وسلم كان أول مسلمي هذه الأمة.\r(2) رد المحتار:456/1، المغني:565/1.","part":2,"page":65},{"id":756,"text":"للقرآن في الجهرية فرض، وفي السرية يسن تعظيماً للقراءة، فكان سنة غير مقصودة لذاتها، وعدم قراءة المؤتم في السرية لا لوجوب الإنصات، بل لأن قراءة الإمام له قراءة. ويستفتح المأموم ويستعيذ عند الحنابلة في الصلاة السرية، أو الجهرية في مواضع سكتات الإمام.\rويجوز عند الشافعية (1) البدء بنحو ( سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر )، ونحو ( الله أكبر كبيراً، والحمد لله كثيراً، وسبحان الله وبحمده بكرةً وأصيلاً ) ونحو ( اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب، اللهم نقني من الخطايا كما نقيت الثوب الأبيض من الدنس، اللهم اغسلني بالماء والثلج والبرد ).\rويستحب الجمع بين جميع ذلك للمنفرد، ولإمام قوم محصورين راضين بالتطويل. ويزاد على ذلك لهما: ( اللهم أنت الملك ، لا إله إلا أنت، أنت ربي وأنا عبدك، ظلمت نفسي، واعترفت بذنبي، فاغفر لي ذنوبي جميعاً، فإنه لايغفر الذنوب إلا أنت، واهدني لأحسن الأخلاق، فإنه لايهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عني سيئها، فإنه لايصرف سيئها إلا أنت، لبيك وسَعْديك، والخير كله في يديك، والشر ليس إليك، أنا بك وإليك، تباركت ربي وتعاليت، فلك الحمد على ماقضيت، أستغفرك وأتوب إليك ).\rويستحب التوجه عند الشافعية في افتتاح الفريضة والنافلة، للمنفرد والإمام والمأموم، حتى وإن شرع إمامه في الفاتحة أو أمَّن هو لتأمين إمامه قبل شروعه فيه، ولكن لايبدأ به إذا بدأ هو بالفاتحة أو بالتعوذ، فإنهم قالوا: لايستحب إلا بشروط خمسة:\rأولاً - أن يكون في غير صلاة الجنازة، فليس فيها توجه، وإنما يسن فيها التعوذ.\r-------------------------------\r(1) حاشية الباجوري:171/1 ومابعدها.","part":2,"page":66},{"id":757,"text":"ثانياً - ألا يخاف فوت وقت الأداء: وهو مايسع ركعة، فلو لم يبق من الوقت إلا مايسع ركعة لم يسن التوجه.\rثالثاً - ألا يخاف المأموم فوت بعض الفاتحة، فإن خاف ذلك لم يسن، وإن بدأ به قرأ بقدره من الفاتحة.\rرابعاً - ألا يدرك الإمام في غير القيام، فلو أدركه في الاعتدال مثلاً لم يسن. وإن أدركه في التشهد، وسلَّم الإمام أو قام قبل أن يجلس معه، سن له الافتتاح به.\rخامساً- ألا يشرع في التعوذ أو القراءة ولو سهواً، فإن شرع لم يعد له.\r6 ً - التعوذ أو الاستعاذة (1) قبل القراءة في الصلاة:\rقال المالكية : يكره التعوذ والبسملة قبل الفاتحة والسورة، لحديث أنس السابق: « أن النبي صلّى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر كانوا يفتتحون الصلاة بالحمد لله رب العالمين» .\rوقال الحنفية: يتعوذ في الركعة الأولى فقط.\rوقال الشافعية والحنابلة: يسن التعوذ سراً في أول كل ركعة قبل القراءة، بأن يقول: ( أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ) وعن أحمد أنه يقول: ( أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم ) (2) ثم يقول: ( بسم الله الرحمن الرحيم ) سراً عند الحنفية والحنابلة، وجهراً في الجهرية عند الشافعية كما قدمنا، واستدلوا على سنية التعوذ بقوله تعالى: { فإذا قرأت القرآن، فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم } [النحل:98/16].\r7 ً - التأمين :\rهو أن يقول المصلي إماماً أو مأموماً أو منفرداً: ( آمين ) أي استجب، بعد الانتهاء من الفاتحة، وذلك عند الحنفية والمالكية سراً، وعند الشافعية والحنابلة: سراً في الصلاة السرية، وجهراً فيما يجهر فيه بالقراءة. ويؤمن المأموم مع تأمين إمامه.\r-------------------------------\r(1) أي الاستجارة إلى ذي منعة، على جهة الاعتصام به من المكروه.\r(2) دليله ما رواه أحمد والترمذي عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلّى الله عليه وسلم أنه كان إذا قام إلى الصلاة استفتح، ثم يقول: « أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم من هَمْزه ونفْخه ونَفْثه» وقال ابن المنذر: «جاء عن النبي صلّى الله عليه وسلم أنه كان يقول قبل القراءة: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم» (نيل الأوطار:196/2 ومابعدها).","part":2,"page":67},{"id":758,"text":"ودليلهم حديث أبي هريرة: أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم قال: « إذا أمَّن الإمام فأمنوا، فإنه من وافق تأمينه تأمين الملائكة، غفر له ماتقدم من ذنبه » وقال ابن شهاب الزهري: كان رسول الله صلّى الله عليه وسلم يقول: آمين (1) .\rوأضاف الحنابلة (2) : فإن نسي الإمام التأمين أمن المأموم، ورفع صوته، ليذكّر الإمام ، فيأتي به؛ لأنه سنة قولية إذا تركها الإمام أتى بها المأموم كالاستعاذة، وإن أخفاها الإمام جهر بها المأموم. وإن ترك المصلي التأمين نسياناً أو عمداً حتى شرع في قراءة السورة لم يأت به؛ لأنه سنة فات محلها.\r-------------------------------\r(1) رواه الجماعة إلا أن الترمذي لم يذكر قول ابن شهاب (نيل الأوطار:222/2).\r(2) المغني:490/1.","part":2,"page":68},{"id":759,"text":"والدليل على كون التأمين سراً عند المالكية والحنفية قول ابن مسعود: « أربع يخفيهن الإمام: التعوذ والتسمية والتأمين والتحميد » (1) أي قول: ربنا لك الحمد.\rودليل الجهر به عند الشافعية والحنابلة: حديث أبي هريرة: « كان رسول الله صلّى الله عليه وسلم إذا تلا: غير المغضوب عليهم ولا الضالين، قال: آمين، حتى يسمع من يليه من الصف الأول » (2) وحديث وائل بن حُجْر: « سمعت النبي صلّى الله عليه وسلم قرأ: غير المغضوب عليهم ولا الضالين، فقال: آمين، يُمدُّ بها صوته» (3) .\r8 ً - السكتة اللطيفة:\rقال الشافعية (4) : ست سكتات لطيفة تسن في الصلاة بقدر: (سبحان الله) إلا التي بين: آمين والسورة، فهي في حق الإمام في الجهرية بقدر قراءة المأموم الفاتحة. ويسن للإمام أن يشتغل فيها بقراءة أو دعاء سراً، والقراءة أولى ، فمعنى السكوت فيها: عدم الجهر، وإلا فلا يطلب السكوت حقيقة في الصلاة.\rوالسكتات الست: هي مابين التوجه والتعوذ، ومابين التحرم والتوجه،وبين التعوذ والبسملة، وبين الفاتحة وآمين، وبين آمين والسو رة، وبين السورة وتكبيرة الركوع، أي ثلاثة قبل الفاتحة وثلاثة بعد الفاتحة. والحكمة من السكتة الرابعة: أن يعلم المأموم أن لفظة ( آمين ) ليست من القرآن.\rوقال الحنابلة (5) : يستحب أن يسكت الإمام عقيب قراءة الفاتحة يستريح فيها، ويقرأ فيها من خلفه الفاتحة، كيلا ينازعوه فيها، كما يستحب السكوت عقب التكبير، وبعد الانتهاء من القراءة ، وبعد الفاتحة قبل قوله: « آمين » .\rودليل مشروعية السكتات: حديث سمرة: « أن النبي صلّى الله عليه وسلم كان يسكت سكتتين، إذا استفتح الصلاة، وإذا فرغ من القراءة كلها » وفي رواية: « سكتة إذا كبَّر ، وسكتة إذا فرغ من قراءة: غير المغضوب عليهم ولا الضالين» (6) ففيه دليل على مشروعية سكتات ثلاث: بعد التكبير، وبعد الفاتحة، وبعد القراءة كلها.\r-------------------------------\r(1) فتح القدير:204/1، والقول رواه ابن أبي شيبة عن إبراهيم النخعي.\r(2) رواه أبو داود وابن ماجه وقال: حتى يسمعها أهل الصف الأول، فيرتجَّ بها المسجد (نيل الأوطار:224/2).\r(3) رواه أحمد وأبو داود والترمذي (المصدر السابق).\r(4) حاشية الباجوري:172/1، مغني المحتاج:163/1.\r(5) المغني:491/1،495.\r(6) رواه أبو داود وأحمد والترمذي، وابن ماجه بمعناه (نيل الأوطار:239/2).","part":2,"page":69},{"id":760,"text":"وقال الحنفية والمالكية: السكتة مكروهة. إلا أن المالكية (1) قالوا في بحث وجوب الفاتحة على المشهور : يندب الفصل بسكوت، أو ذكر وهو أولى بين تكبيرة الإحرام والركوع، لئلا تلتبس تكبيرة الإحرام بتكبيرة الركوع، فإن لم يفصل وركع أجزأه.\rوقال الحنفية (2) : يخير مصلي الفريضة ( المفترض ) على المذهب في الركعتين الأخريين ( الثالثة والرابعة ) بين قراءة الفاتحة وتسبيح ثلاثاً، وسكوت قدرها، ولايكون مسيئاً بالسكوت، لثبوت التخيير عن علي وابن مسعود، وهو الصارف لمواظبة النبي على الفاتحة عن الوجوب.\r9 ً - تفريج القدمين:\rقال الحنفية: يسن تفريج القدمين في القيام قدر أربع أصابع؛ لأنه أقرب إلى الخشوع.\rوقال الشافعية: يفرق بين القدمين بمقدار شبر، ويكره لصق إحدى القدمين بالأخرى حيث لاعذر؛ لأنه تكلف ينافي الخشوع.\rوقال المالكية والحنابلة: يندب تفريج القدمين، بأن يكون بحالة متوسطة بحيث لايضمهما ولايوسعهما كثيراً حتى يتفاحش عرفاً.\r-------------------------------\r(1) الشرح الكبير:238/1، الشرح الصغير: 310/1.\r(2) الدر المختار:477/1.","part":2,"page":70},{"id":761,"text":"10 ً - قراءة سورة بعد الفاتحة:\rهذا واجب عند الحنفية كما بينا، سنة عند الجمهور في الركعتين الأولى والثانية من كل صلاة، ويجهر بهما فيما يجهر فيه بالفاتحة، ويسر فيما يسر بها فيه، لفعل النبي صلّى الله عليه وسلم ، فإن أبا قتادة روى: « أن النبي صلّى الله عليه وسلم كان يقرأ في الركعتين الأوليين من الظهر بفاتحة الكتاب وسورتين، يطول في الأولى، ويقصر في الثانية، يسمع الآية أحياناً، وكان يقرأ في الركعتين الأوليين من العصر بفاتحة الكتاب وسورتين يطول في الأولى ويقصر في الثانية، وكان يطول في الأولى من صلاة الصبح، ويقصر في الثانية» (1) وروى أبو برزة « أن النبي صلّى الله عليه وسلم كان يقرأ في الصبح من الستين إلى المئة» (2) وقد اشتهرت قراءة النبي صلّى الله عليه وسلم للسورة مع الفاتحة في صلاة الجهر، ونقل نقلاً متواتراً وأمر به معاذاً، فقال: «اقرأ بالشمس وضحاها، وبسبح اسم ربك الأعلى، والليل إذا يغشى» (3) .\rنوع السورة المقروءة: قال الحنفية (4) : لا بأس بأن يقرأ سورة ويعيدها في الثانية، وأن يقرأ في الركعة الأولى من محل، وفي الثانية من محل آخر، ولو كان المقروء من سورة واحدة إن كان بينهما آيتان أو أكثر.\rويكره الفصل بسورة قصيرة، وأن يقرأ منكوساً، بأن يقرأ في الثانية أعلى مما قرأ في الأولى؛ لأن ترتيب السور في القرآن من و اجبات التلاوة، وإنما جوز للصغار تسهيلاً لضرورة التعليم، واستثنوا من كراهة التنكيس: أن يختم القرآن، فيقرأ من البقرة.\rولو قرأ في الأولى {الكافرون} [الكافرون:109/1] وفي الثانية {ألم تر} [الفيل:105/1] أو {تبت} [المَسد:111/1]، ثم تذكر القراءة يتم. ولا يكره في النفل شيء من ذلك.\r-------------------------------\r(1) متفق عليه، ورواه أبو داود، وزاد: قال: فظننا أنه يريد بذلك أن يُدْرِك الناس في الركعة الأولى (نيل الأوطار:226/2).\r(2) متفق عليه.\r(3) متفق عليه.\r(4) الدر المختار:510/1-511.","part":2,"page":71},{"id":762,"text":"وقراءة ثلاث آيات تبلغ قدر أقصر سورة من آية طويلة؛ لأن التحدي والاعجاز وقع بذلك القدر، لا بالآية. والأفضلية ترجع إلى كثرة الثواب. والعبرة الأكثر آيات في قراءة سورة وبعض سورة.\rمواطن الجهر والإسرار في القراءة: اتفق الفقهاء على أنه يسن الجهر في الصبح والمغرب والعشاء والجمعة والعيدين والتراويح ووتر رمضان، ويسر في الظهر والعصر. وللفقهاء في النوافل كالوتر وغيره تفصيل:\rفقال الحنفية: يجب الجهر على الإمام في كل ركعات الوتر في رمضان، وصلاة العيدين، والتراويح. ويجب الإسرار على الإمام والمنفرد في صلاة الكسوف والاستسقاء والنوافل النهارية. وأما النوافل الليلية فهو مخير فيها.\rويخير المنفرد بين الجهر والإسرار في الصلاة الجهرية أداء، أو قضاء في وقتها أو غيروقتها، إلا أن الجهر أفضل في الجهرية ليلاً. أما الصلاة السرية فيجب عليه أن يسر بها على الصحيح. ويجب على المأموم الإنصات في كل حال.\rوقال المالكية: يندب الجهر في جميع النوافل الليلية، والسر في جميع النوافل النهارية إلا النافلة التي لها خطبة كالعيد والاستسقاء، فيندب الجهر فيها.\rويندب للمأموم الإسرار.\rوقال الشافعية: يسن الجهر في العيدين وخسوف القمر والاستسقاء والتراويح ووتر رمضان وركعتي الطواف ليلاً أو وقت الصبح، والإسرار في غير ذلك إلا نوافل الليل المطلقة فيتوسط فيها بين الجهر والإسرار، والتوسط: أن يجهر تارة، ويسر أخرى، اتباعاً للسنة، إن لم يشوش على نائم أو مصل أو نحوه. والعبرة في قضاء الفريضة بوقته أي وقت القضاء على المعتمد. وجهر المرأة دون جهر الرجل. ومحل جهرها إن لم تكن بحضرة أجانب.\rوقال الحنابلة: يسن الجهر في صلاة العيد والاستسقاء والكسوف والتواويح والوتر إذا وقع بعد التراويح، ويسر فيما عدا ذلك.\rويخير المنفرد بين الجهر والإسرار في الصلاة الجهرية، كما قال الحنفية.","part":2,"page":72},{"id":763,"text":"الدعاء أثناء القراءة: يستحب طلب الرحمة والمغفرة عند قراءة آية رحمة، والتعوذ من النار عند المرور بذكره؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلم كان يقول عند ذكر الجنة والنار: «أعوذ بالله من النار، ويل لأهل النار» (1) وكان لا يمر بآية فيها تخويف إلا دعا الله عز وجل واستعاذ، ولا يمر بآية فيها استبشار إلا دعا الله عز وجل، ورَغب إليه (2) ، وكان إذا قرأ {أليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى} ؟[القيامة:40/75]، قال: «سبحانك، فَبَلى» (3) ، كذلك يسن التسبيح عند آية التسبيح نحو {فسبح باسم ربك العظيم} [الواقعة:74/56] وأن يقول عند آخر {والتين} [التين:1/95] وآخر القيامة: بلى وأنا على ذلك من الشاهدين، وفي آخر المرسلات: آمنا بالله .\rمتى وكيف تقرأ السورة؟\rقال الشافعية: ولا سورة في الجهرية للمأموم، بل يستمع، فإن بعد، أو كانت الصلاة سرية، قرأ في الأصح؛ إذ لا معنى لسكوته. وغير الشافعية قالوا: لاسورة على المأموم.\rوقال المالكية والحنابلة: ويسن أن يفتتح السورة بقراءة ( بسم الله الرحمن الرحيم ) ويندب كمال سورة بعد الفاتحة، فلا يقتصر على بعضها، ولا على آية أو أكثر، ولو من الطوال، ويندب قراءة خلف إمام سراً في الصلاة السرية، وفي أخيرة المغرب، وأخيرتي العشاء.\r-------------------------------\r(1) رواه أحمد وابن ماجه بمعناه عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن أبيه.\r(2) رواه أحمد عن عائشة.\r(3) رواه أبو داود عن موسى بن أبي عائشة (راجع نيل الأوطار:323/2).","part":2,"page":73},{"id":764,"text":"ويكره تكرير السورة عند الجمهور في الركعتين، بل المطلوب أن يكون في الثانية سورة غير التي قرأها في الأولى، أنزل منها لا أعلى، فلا يقرأ في الثانية (سورة القدر) بعد قراءته في الأولى (سورة البينة). وقال الحنفية: لا بأس أن يقرأ سورة ويعيدها في الثانية. ويندب عند الجمهور تقصير قراءة ركعة ثانية عن قراءة ركعة أولى في فرض، وقال أبو حنيفة وأبو يوسف: يندب تطويل الركعة الأولى في الفجر فقط. والفتوى على قول محمد كالجمهور بتطويل الركعة الأولى في كل الصلوات على الثانية، اتباعاً للسنة، رواه الشيخان في الظهر والعصر، ورواه مسلم في الصبح، ويقاس غير ذلك عليه.\rويندب باتفاق الفقهاء أن يكون ترتيب السور في الركعتين على نظم المصحف،فتنكيس السور مكروه. ولا تكره قراءة أواخر السور وأوساطها؛ لأن أبا سعيد قال: «أمرنا أن نقرأ بفاتحة الكتاب وما تيسر» . وجاز الجمع بين السورتين فأكثر في صلاة النافلة؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلم «قرأ في ركعة سورة البقرة وآل عمران والنساء» أما الفريضة: فالمستحب أن يقتصر على سورة مع الفاتحة من غير زيادة عليها؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلم هكذا كان يصلي أكثر صلاته.\rالمستحب في مقادير السور في الصلوات: يسن أن تكون السورة لإمام جماعة محصورين رضوا بالتطويل في صلاة الفجر من طوال المفصَّل (1) باتفاق الفقهاء، وفي الظهر أيضاً عند المالكية والحنفية والشافعية، أما عند الحنابلة فمن أوساط المفصل (2) ، وفي العصر والعشاء من أوساط المفصل، وفي المغرب من قصار المفصل. وقال المالكية: العصر كالمغرب يقرأ فيه.\r-------------------------------\r(1) سمي بالمفصل لكثرة فواصله، وفصله بالبسملة وهو السبع السابع من القرآن.\r(2) دليلهم ما كتبه عمر إلى أبي موسى أن : «اقرأ في الصبح بطوال المفصَّل، واقرأ في الظهر بأوساط المفصل، واقرأ في المغرب بقصار المفصل» رواه أبو حفص.","part":2,"page":74},{"id":765,"text":"والدليل حديث أبي هريرة قال: «ما رأيت رجلاً أشبه صلاة برسول الله صلّى الله عليه وسلم من فلان، قال سليمان بن يسار: فصليت خلفه، فكان يقرأ في الغداة بطوال المفصل، وفي المغرظ بقصاره، وفي العشاء بوسط المفصل» (1) والحكمة في إطالة القراءة في الفجر والظهر: طول وقتهما، وليدركهما من كان في غفلة بسبب النوم آخر الليل وفي القيلولة. والتوسط في العصر لانشغال الناس بالأعمال آخر النهار، وفي العشاء لغلبة النوم والنعاس. والتخفيف في المغرب لضيق وقته.\rوالحديث الجامع للقراءة في الصلوات عن جابر بن سمرة: «أن النبي صلّى الله عليه وسلم كان\r-------------------------------\r(1) رواه أحمد والنسائي، ولفظه له.","part":2,"page":75},{"id":766,"text":"يقرأ في الفجر بـ { ق والقرآن المجيد } [ق:50/1] ونحوها، وكان صلاته بعد إلى تخفيف. وفي رواية: كان يقرأ في الظهر بالليل إذا يغشى، وفي العصر نحوَ ذلك، وفي الصبح أطولَ من ذلك» (1) وفي رواية: «كان إذا دحَضَت ـ مالت ـ الشمس، صلى الظهر، وقرأ بنحو من: والليل إذا يغشى، والعصر كذلك، والصلوات كلِّها كذلك إلا الصبح، فإنه كان يطيلها» (2) .\rوروى ابن ماجه عن ابن عمر قال: «كان النبي صلّى الله عليه وسلم يقرأ في المغرب: قل يا أيها الكافرون، وقل هو الله أحد » ويندب للإمام التخفيف عموماً، لحديث جابر: أن النبي صلّى الله عليه وسلم قال: « يا معاذ، أفتَّانٌ أنت؟! أو قال: أفاتن أنت، فلولا صليت بسبح اسم ربك الأعلى، والشمس وضحاها، والليل إذا يغشى» (3) وفي رواية عند البخاري وغيره: «من أمَّ بالناس فليخفف، فإن فيهم الضعيف والمريض وذا الحاجة» .\rتحديد مقادير السور: للفقهاء آراء في تحديد السور الطوال والأوساط والقصار:\rقال الحنفية في المعتمد عندهم (4) : طوال المفصل: من سورة الحجرات إلى آخر البروج (أو قدر أربعين أو خمسين آية) وأوساط المفصل: من الطارق إلى أول البينة (أو مقدار خمس عشرة آية)، وقصار المفصل: من البينة إلى آخر القرآن الكريم (أو مقدار خمس آيات في كل ركعة).-------------------------------\r(1) رواهما أحمد ومسلم.\r(2) رواه أبو داود (نيل الأوطار:231/2).\r(3) متفق عليه (نيل الأوطار:235/2).\r(4) الدر المختار ورد المحتار:504/1، تبيين الحقائق:130/1.","part":2,"page":76},{"id":767,"text":"وقال المالكية (1) : طوال المفصل: من الحجرات إلى سورة النازعات. وأوسط المفصل من عبس إلى سورة: والليل. وقصاره من سورة (والضحى) إلى آخر القرآن.\rوقال الشافعية (2) : طوال المفصل: من الحجرات إلى النبأ (عمَّ)، وأوسطه من النبأ إلى الضحى، وقصاره: من الضحى إلى آخر القرآن. ويقرأ في الركعة الأولى من صبح الجمعة { الم تنزيل } [السجدة:32/1] وفي الثانية: {هل أتى} [الإنسان:76/1] لما ثبت من حديث أبي هريرة (3) .\rوقال الحنابلة (4) : أول المفصل سورة { ق } [ق:50/1] وقيل: الحجرات.\rوأوضح الحنابلة أنه يقرأ بما وافق مصحف عثمان، وهو ماصح تواتره وسنده ووافق اللغة، ولا تصح الصلاة ويحرم قراءة بما يخرج عن مصحف عثمان، كقراءة ابن مسعود وغيرها من القراءات الشاذة (وهي التي اختل فيها ركن من أركان القراءة المتواترة الثلاثة: موافقة العربية ولو بوجه، وموافقة أحد المصاحف العثمانية ولو احتمالاً، وصح إسنادها) (5) .\rحد الجهر والإسرار: قال الحنفية: أقل الجهر إسماع غيره ممن ليس بقربه كأهل الصف الأول، فلو سمع واحد أو اثنان لا يجزئ. وأقل المخافتة إسماع نفسه أو من بقربه من رجل أو رجلين.\rوقال المالكية: أقل جهر الرجل أن يسمع من يليه، وأقل سره: حركة اللسان. أما المرأة فجهرها إسماع نفسها. وقال الشافعية والحنابلة: أقل الجهر: أن يسمع من يليه ولو واحداً، وأقل السر أن يسمع نفسه، أما المرأة فلا تجهر بحضرة أجنبي.\r11 ً - التكبير عند الركوع والسجود والرفع منه، وعند القيام:\rبأن يقول: ( الله أكبر ) وهو ثابت بإجماع الأمة، لقول ابن مسعود: «رأيت النبي صلّى الله عليه وسلم يكبّر في كل رفع وخفض، وقيام وقعود» (6) وهو يدل على مشروعية التكبير في هذه الأحوال إلا في الرفع من الركوع، فإنه يقول: سمع الله لمن حمده. وقد قال الحنابلة بوجوب التكبير، كوجوب ( سمع الله لمن حمده ) وقول (ربي اغفر لي ) بين السجدتين، والتشهد الأول.\rويسن في الركوع ما يأتي:\rأ ـ أخذ الركبتين باليدين وتمكين اليدين من الركبتين، وتسوية الظهر أثناء الركوع، وتفريج الأصابع للرجل، أما المرأة فلا تفرجها، ونصب الساقين، وتسوية الرأس بالعجز، وعدم رفع الرأس أو خفضه، ومجافاة الرجل عضديه عن جنبيه، بدليل حديث أبي مسعود عقبة بن عَمْرو: «أنه ركع فجافى يديه، ووضع يديه على ركبتيه، وفرج بين أصابعه من وراء ركبتيه، وقال: هكذا رأيت رسول الله صلّى الله عليه وسلم يصلّي» (7) وحديث مصعب بن سعد قال: صليت إلى جنب أبي، فطبَّقت بين كفَّيَّ، ثم وضعتهما بين فخذي، فنهاني عن ذلك، وقال: كنا نفعل هذا، وأمرنا\r-------------------------------\r(1) الشرح الصغير:325/1، الشرح الكبير:247/1.\r(2) حاشية الشرقاوي على تحفة الطلاب:205/1، شرح المحلي على المنهاج:154/1.\r(3) رواه الجماعة إلا الترمذي وأبا داود (نيل الأوطار:277/3).\r(4) كشاف القناع:399/1 ومابعدها،402.\r(5) نيل الأوطار:237/2.\r(6) رواه أحمد والنسائي والترمذي وصححه (نيل الأوطار:240/2) وفي معناه حديث آخر عن أبي موسى رواه أحمد ومسلم والنسائي وأبو داود (المرجع السابق: ص241 ومابعدها).\r(7) رواه أحمد وأبو داود والنسائي (المصدر السابق: ص243 ومابعدها).","part":2,"page":77},{"id":768,"text":"أن نضع أيدينا على الركب» (1) وحديث أبي حميد الساعدي في بيان صفة صلاة الرسول صلّى الله عليه وسلم : «أن النبي صلّى الله عليه وسلم وضع يديه على ركبتيه، ووَتَر يديه فنحاهما عن جنبيه» (2) وحديث وابصة بن معبد عند ابن ماجه: «رأيت رسول الله صلّى الله عليه وسلم يصلي، فكان إذا ركع، سوَّى ظهره، حتى لو صب عليه الماء لاستقر» وحديث عائشة عند مسلم: «وكان إذا ركع لم يشخص رأسه، ولم يصوبه، ولكن بين ذلك» .\rب ـ أن يقول: ( سبحان ربي العظيم ) وهو الحد الأدنى، وأدنى الكمال ثلاثاً عند الجمهور، ولا حد له عند المالكية، ويضيف المالكية والشافعيةوالحنابلة (وبحمده). والدليل حديث حذيفة قال: «صليت مع النبي صلّى الله عليه وسلم ، فكان يقول في ركوعه: سبحان ربي العظيم، وفي سجوده: سبحان ربي الأعلى، وما مرَّت به آية رحمة إلا وقف عندها يسأل، ولا آية عذاب إلا تعوذ منها» (3) وحديث عقبة بن عامر أنه قال: «لما نزلت: فسبح باسم ربك العظيم، قال النبي صلّى الله عليه وسلم : اجعلوها في ركوعكم» وحديث ابن مسعود أن النبي صلّى الله عليه وسلم : «إذا ركع أحدكم، فليقل ثلاث مرات: سبحان ربي العظيم، وذلك أدناه» (4) .\rولا يزيد الإمام عن التسبيحات الثلاث، ويكره له ذلك، تخفيفاً على المأمومين. ولكن عند الشافعية: يزيد المنفرد وإمام قوم محصورين راضين بالتطويل: «اللهم لك ركعت، وبك آمنت، ولك أسلمت، خشع لك سمعي وبصري ومخي وعظمي وعصبي وما استقلت به قدمي» (5) .\r-------------------------------\r(1) رواه الجماعة (المصدر السابق: ص244).\r(2) حديث صحيح رواه الخمسة إلا النسائي، وصححه الترمذي، ورواه البخاري مختصراً (المرجع السابق: ص184).\r(3) رواه الخمسة وصححه الترمذي (المرجع السابق: ص245).\r(4) رواهما أبو داود وابن ماجه وأحمد (المرجع السابق: ص246).\r(5) رواه مسلم ما عدا الجملة الأخيرة، فقد زادها ابن حبان في صحيحه.","part":2,"page":78},{"id":769,"text":"وقال الحنفية: وكره تحريماً إطالة ركوع، أو قراءة لإدراك الجائي إن عرفه، وإلا فلابأس به، وهذا موافق لبقية الأئمة، والاطمئنان في الركوع واجب في المذاهب الأربعة كما بينا سابقاً.\r12 ً - التسميع والتحميد:\rأي قول: سمع الله لمن حمده، ربنا لك الحمد (1) : للإمام سراً في التحميد وللمنفرد عند الحنفية وفي المشهور عند الحنابلة، وأما المقتدي فيقول فقط عند الحنابلة وعلى المعتمد عند الحنفية: ( ربنا لك الحمد ) أو ( ربنا ولك الحمد ) أو (اللهم ربنا ولك الحمد) والأول عند الشافعية أولى لورود السنة به، وأفضله عند الحنفية الأخير، ثم ( ربنا ولك الحمد ) ثم الأول. والأفضل عند الحنابلة والمالكية: (ربنا ولك الحمد).\rوعند المالكية: الإمام لا يقول: ( ربنا لك الحمد ) والمأموم لا يقول: ( سمع الله لمن حمده ) والمنفرد يجمع بينهما حال القيام، لا حال رفعه من الركوع، إذ الرفع يقترن بـ ( سمع الله )، فإذا اعتدل قال: ( ربنا ...) الخ.\rوالخلاصة: إن المقتدي عند الجمهور يكتفي بالتحميد.\rويسن عند الشافعية: الجمع بين التسميع والتحميد في حق كل مصل، منفرد وإمام ومأموم.\rوالدليل على الجمع لدى الشافعية: حديث أبي هريرة قال: «كان رسول الله صلّى الله عليه وسلم إذا قام إلى الصلاة يكبِّر حين يقوم، ثم يكبر حين يركع، ثم يقول: سمع الله لمن حمده، حين يرفع صُلْبه من الركعة، ثم يقول وهو قائم: ربنا ولك الحمد...» الحديث متفق\r-------------------------------\r(1) أي ربنا استجب لنا، ولك الحمد على هدايتك إيانا.","part":2,"page":79},{"id":770,"text":"عليه، وفي رواية لهما: «ربنا لك الحمد» (1) .\rودليل التفرقة بين الإمام والمأموم لدى الجمهور: حديث أنس: أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم قال: « إذا قال الإمام: سمع الله لمن حمده، فقولوا: ربنا ولك الحمد» (2) .\rويسن عند الشافعية والحنابلة القول: ( ربنا لك الحمد، ملء السموات وملء الأرض، وملء ما شئت من شيء بعد ) أي بعدهما كالعرش والكرسي وغيرهما مما لا يعلمه إلا هو، ويزيد المنفرد وإمام قوم محصورين رضوا بالتطويل: ( أهلَ الثناء والمجد (3) ، أحقُّ ما قال العبد (4) ، وكلنا لك عبد، لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجَدّ منك الجَدُّ ) (5) .\rودليلهم حديث ابن عباس: أن النبي صلّى الله عليه وسلم كان إذا رفع رأسه من الركوع قال: اللهم ربَّنا لك الحمد، مِلء السموات وملء الأرض، وملء ما بينهما، وملء ماشئت بعدُ، أهلَ الثناء والمجد، لا مانع لما أعطيتَ، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجَدّ منك الجَدّ» (6) وكذلك حمله الحنفية على حال الانفراد (7) .\r13 ً - وضع الركبتين، ثم اليدين، ثم الوجه عند الهوي للسجود، وعكس ذلك عند الرفع من السجود.\rهذا عند الجمهور غير المالكية، لحديث وائل بن حجر السابق: «رأيت رسول الله صلّى الله عليه وسلم إذا سجد، وضع ركبتيه قبل يديه، وإذا نهض رفع يديه قبل ركبتيه» .\r\rوقال المالكية: يضع يديه، ثم ركبتيه عند السجود، ويرفع ركبتيه ثم يديه عند الرفع منه، لحديث أبي هريرة: «إذا سجد أحدكم، فلا يبرك كما يبرك البعير، وليضع يديه ثم ركبتيه» وقد سبق بيان ذلك ولا ترجيح بين الكيفيتين.\r-------------------------------\r(1) متفق عليه (نيل الأوطار:249/2 ومابعدها).\r(2) متفق عليه (المرجع السابق: ص251).\r(3) أي يا أهل المدح والعظمة.\r(4) مبتدأ، خبره: ( لا مانع لما أعطيت) وأما قوله: ( وكلنا لك عبد ) فهو جملة معترضة.\r(5) أي لا ينفع ذا الغنى عندك أو ذا الحظ في الدنيا، حظه في العقبى، إنما ينفعه طاعتك.\r(6) رواه مسلم والنسائي (نيل الأوطار:251/2).\r(7) منية المصلي للجلبي: ص318.","part":2,"page":80},{"id":771,"text":"14 ً - هيئات السجود الأخرى:\rأ ـ وضع الوجه بين الكفين عند الحنفية، وتوجيه الأصابع مضمومة مكشوفة نحو القبلة باتفاق المذاهب ، ووضع اليدين حذو (مقابل) المنكبين في أثناء السجود عند غير الحنفية وإبرازهما من ثوبه والاعتماد على بطونهما، والتفرقة بقدر شبر بين القدمين والركبتين والفخذين عند الشافعية.\rوعلى هذا يكون توجيه أصابع الرجلين نحو القبلة سنة.\rدليل الحالة الأولى: حديث وائل بن حجر: «أنه صلّى الله عليه وسلم كان إذا سجد وضع وجهه بين كفيه» (1) .\rوالحكمة من ضم أصابع اليدين هو التوجه نحو القبلة لشرفها، ولأن في السجود تنزل الرحمة، وبالضم ينال أكثر (2) ، ودليل الضم وتوجيه الأصابع للقبلة: حديث أبي حميد الساعدي: «فإذا سجد، وضع يديه غير مفترش، ولا قابضهما، واستقبل بأطراف أصابع رجليه القبلة» (3) .\rودليل الحالة الثالثة: حديث أبي حميد الساعدي: «أن النبي صلّى الله عليه وسلم كان إذا سجد وضع كفيه حذو منكبيه» (4) .\r-------------------------------\r(1) رواه مسلم، وأبو داود.\r(2) رد المحتار والدر المختار:465/1،470.\r(3) رواه البخاري (نصب الراية:388/1).\r(4) رواه البخاري وأبو داود والترمذي وصححه.","part":2,"page":81},{"id":772,"text":"ودليل إبراز اليدين من الثوب حديث أبي هريرة: «نهى رسول الله صلّى الله عليه وسلم أن يشتمل الصمَّاء بالثوب الواحد ليس على أحد شقيه منه، يعنى شيء» (1) .\rوأما الاعتماد على بطون اليدين فلكونه أعون على الحركة وأبلغ في الخشوع والتواضع، وأما التفرقة بين القدمين ونحوهما فلا تباع السنة في ذلك.\rب ـ مباعدة الرجل بطنه عن فخذيه، ومرفقيه عن جنبيه، وذراعيه عن الأرض في السجود في غير زحمة، وتفريقه بين ركبتيه ورجليه.\rأما المرأة فتضم بطنها إلى فخذيها وفي جميع أحوالها؛ لأنه أستر لها (2) .\rودليل حالة الرجل أحاديث: منها:\rحديث ميمونة: «أن النبي صلّى الله عليه وسلم كان إذا سجد جافى، حتى لو شاءت بهيمة أن تمر بين يديه لمرت» (3) .\rوحديث عبد الله بن بُحَيْنة قال: «كان رسول الله صلّى الله عليه وسلم إذا سجد يُجنِّح في سجوده، حتى يُرى وَضَحُ إبطيه» (4) أي بياض إبطيه.\rوحديث أبي حميد في صفة صلاة رسول الله صلّى الله عليه وسلم قال: «إذا سجد فَرَّج بين فخذيه، غير حامل بطنَه على شيء من فخذيه» (5) .\r-------------------------------\r(1) متفق عليه، واشتمال الصماء: أن يجلل جسده بالثوب لا يرفع منه جانباً ولا يبقي ما تخرج منه يده (نيل الأوطار:76/2).\r(2) وتسمى حالة الرجل: التخوية، وحالة المرأة: التطامن. ويعبر بعض الفقهاء بعبارة للرجل: (ومجافاة ضَبْعيه جنبيه وسطاً ) والضبع: ما فوق المرفق إلى الإبط.\r(3) رواه مسلم. والبهيمة: صغار أولاد الضأن والمعز (نصب الراية:387/1).\r(4) متفق عليه (نيل الأوطار:256/2).\r(5) رواه أبو داود (المصدر السابق: ص257).","part":2,"page":82},{"id":773,"text":"وحديث أنس في النهي عن ترك المجافاة، عن النبي صلّى الله عليه وسلم قال: «اعتدلوا في السجود، ولا يبسُطُ أحدكم ذراعيه انبساط الكلب» (1) .\rجـ ـ تجب الطمأنينة باتفاق المذاهب كما بينا، ويستحب وضع الأنف مع الجبهة كما ذكرنا، لحديث أبي حميد: «أن النبي صلّى الله عليه وسلم كان إذا سجد أمكن أنفه وجبهته من الأرض، ونحَّى يديه عن جنبيه، ووضع كفيه حذو منكبيه» (2) .\rد ـ التسبيح في السجود : بأن يقول: «سبحان ربي الأعلى» مرة في الحد الأدنى، وثلاثاً وهو أدنى الكمال، وهو سنة بالاتفاق لحديث ابن مسعود السابق: «...وإذا سجد، فقال في سجوده: سبحان ربي الأعلى، ثلاث مرات» .\rوحديث حذيفة: أنه سمع رسول الله صلّى الله عليه وسلم إذا سجد، قال: «سبحان ربي الأعلى ثلاث مرات» (3) .\rقال الحنفية: ولا يزيد الإمام على ذلك تخفيفاً على المأمومين، ولا حد للتسبيح عند المالكية.\rوزاد المالكية والشافعية والحنابلة: ( وبحمده ) ويزيد عند الشافعية المنفرد وإمام قوم محصورين راضين بالتطويل: ( سُبُّوح قدُّوس رب الملائكة والروح، اللهم لك سجدت، وبك آمنت، ولك أسلمت، سجد وجهي للذي خلقه وصوره، وشق سمعه وبصره، تبارك الله أحسن الخالقين ).\r-------------------------------\r(1) رواه الجماعة (المصدر السابق: ص256) ومعنى «لايبسط، ولا يفترش في رواية» واحد، أي لا يجعل ذراعيه على الأرض كالفراش والبساط، قال القرطبي: ولا شك في كراهة هذه الهيئة، ولا في استحباب نقيضها. وفي رواية: «افتراش الكلب» بدل: ( انبساط الكلب ) ومعناهما واحد.\r(2) رواه أبو داود والترمذي وصححه (نيل الأوطار:257/2).\r(3) رواه ابن ماجه، وأبو داود، ولم يقل ( ثلاث مرات ).","part":2,"page":83},{"id":774,"text":"ودليلهم على الجملة الأولى حديث عائشة: «أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم كان يقول في ركوعه وسجوده: سبّوح قُدُّوس، ربُّ الملائكة والروح» (1) وسبّوح قُدُّوس: من صفات الله ، والمراد: المسبَّح والمقدس، فكأنه يقول: مسبح مقدس، ومعنى (سبّوح) المبرأ من النقائص والشريك وكل ما لا يليق بالألوهية. وقدوس: المطهر من كل مالا يليق بالخالق.\rوبقية التسبيح رواه مسلم.\rهـ ـ الدعاء في السجود (2) : قال الحنفية: لا يأتي المصلي في ركوعه وسجوده بغير التسبيح، على المذهب، وما ورد محمول على النفل، ويندب الدعاء في السجود عند المالكية بما يتعلق بأمور الدين أو الدنيا،أو الآخرة، له أو لغيره، خصوصاً أو عموماً، بلا حدّ، بل بحسب ما يسر الله تعالى. ولا بأس عند الحنابلة بالدعاء المأثور أو الأذكار.\rويتأكد طلب الدعاء في السجود عند الشافعية.\rودليلهم خبر مسلم وغيره: «أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، فأكثروا الدعاء، فقِمِن أن يستجاب لكم» (3) أي أكثروا الدعاء في سجودكم، فحقيق أن يستجاب لكم.\rوعن أبي سعيد أن النبي صلّى الله عليه وسلم قال: يا معاذ، إذا وضعت وجهك ساجداً، فقل: اللهم أعني على شكرك وحسن عبادتك» .\r-------------------------------\r(1) رواه أحمد ومسلم والنسائي وأبو داود ( نيل الأوطار:246/2).\r(2) الدر المختار:472/1، تبيين الحقائق:118/1 ، الشرح الصغير:329/1، المغني:522/1، حاشية الباجوري:177/1، مغني المحتاج:181/1\r(3) رواه أحمد ومسلم وأبو داود","part":2,"page":84},{"id":775,"text":"وقال علي رضي الله عنه: «أحب الكلام إلى الله أن يقول العبد، وهو ساجد: رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي» (1) .\rوعن أبي هريرة: «أن النبي صلّى الله عليه وسلم كان يقول في سجوده: اللهم اغفر لي ذنبي كله، دِقَّه وجِلَّه، وأوله وآخره، وعلانيته وسره» (2) .\r15 ً - الجلوس بين السجدتين، مطمئناً مفترشاً الرجل رجله اليسرى، وناصباً اليمنى، موجهاً أصابعه نحو القبلة، واضعاً يديه على فخذيه، بصورة مبسوطة، بحيث تتساوى رؤوس الأصابع مع الركبة.\rأما المرأة فتتورك عند الحنفية، بأن تجلس على أليتها، وتضع الفخذ على الفخذ، وتخرج رجلها اليسرى من تحت وركها اليمنى؛ لأنه أستر لها.\rوالدليل على هيئة الجلوس هذه للرجل: حديث أبي حميد في صفة صلاة رسول الله صلّى الله عليه وسلم : «ثم ثنى رجله اليسرى، وقعد عليها، ثم اعتدل حتى رجع كل عظم في موضعه، ثم هوى ساجداً» وحديث عائشة: «وكان يفرش رجله اليسرى، وينصب اليمنى» (3) .\rوقال ابن عمر: «من سنة الصلاة: أن ينصب القدم اليمنى،واستقباله بأصابعها القبلة» (4) .\rويكره الإقعاء: وهو أن يفرش قدميه، ويجلس على عقبيه، لحديث علي: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم : « لاتُقْعِ بين السجدتين » وحديث أنس: «قال لي رسول الله صلّى الله عليه وسلم : إذا رفعت رأسك من السجود فلا تُقع كما يقعي الكلب» (5) .\r-------------------------------\r(1) رواهما سعيد بن منصور في سننه .\r(2) رواه مسلم وأبو داود ومعنى «دقة وجله» قليله وكثيره (نيل الأوطار:289/2).(3) متفق عليه.\r(4) رواه النسائي.\r(5) رواهما ابن ماجه.","part":2,"page":85},{"id":777,"text":"ويسن عند الشافعية والحنابلة الاعتماد بيديه على الأرض عند القيام عن سجود أو قعود اتباعاً للسنة، والنهي عن ذلك ضعيف (1) .\r16 ً - الدعاء بين السجدتين:\rليس عند الحنفية (2) بين السجدتين دعاء مسنون، كما ليس بعد الرفع من الركوع دعاء، ولا في الركوع والسجود على المذهب كما قدمنا، وما ورد محمول على النفل أو التهجد.\rولم يذكر المالكية هذا الدعاء من مندوبات الصلاة، وذكره ابن جزي فيما يقال بين السجدتين.\rوالدعاء مشروع عند الشافعية والحنابلة؛ بل قال الحنابلة: إنه واجب، وأدناه أن يقول مرة: ( رب اغفر لي ) وأدنى الكمال عندهم أن يقول ذلك: ثلاث مرات كالكمال في تسبيح الركوع والسجود.\rوصيغة هذا الدعاء عند الشافعية والمالكية والحنابلة: ( رب اغفر لي وارحمني، واجبرني، وارفعني، وارزقني، واهدني، وعافني ) وقال الحنابلة: لايجوز في الصلاة، بغير الوارد في السنة، ولايجوز بما ليس من أمر الآخرة، كحوائج الدنيا وملاذها، وتبطل الصلاة به.\rودليل المشروعية: ماروى حذيفة: «أنه صلى مع النبي صلّى الله عليه وسلم ، فكان يقول بين السجدتين: رب اغفر لي » (3) .\rوروي عن ابن عباس أنه قال: « كان رسول الله صلّى الله عليه وسلم يقول بين السجدتين: اللهم اغفر لي، وارحمني، واهدني، وعافني، وارزقني» (4) .\rوفي رواية لمسلم: « أن رجلاً أتى النبي صلّى الله عليه وسلم ، فقال: يارسول الله كيف أقول حين أسأل ربي، قال: قل: اللهم اغفر لي وارحمني، وارزقني، فإن هؤلاء تجمع لك دنياك وآخرتك » أي لأن الغفر الستر، والعافية: اندفاع البلاء عن الإنسان، والأرزاق نوعان: ظاهرة للأبدان كالأقوات، وباطنة للقلوب والنفوس كالمعارف والعلوم.\rجلسة الاستراحة: المشهور عند الشافعية (5) : سنُّ جلسة خفيفة بعد السجدة الثانية تسمى جلسة الاستراحة، في كل ركعة يقوم عنها فلا تسن عقب سجدة التلاوة، اتباعاً لما ثبت في السنة عند البخاري. وروى الجماعة إلا مسلماً وابن ماجه عن مالك بن الحويرث أنه رأى النبي صلّى الله عليه وسلم يصلي، فإذا كان في وتر من صلاته، لم ينهض حتى يستوي قاعداً » (6) .\rولا تستحب جلسة الاستراحة عند الجمهور، إذ لم تذكر في حديث أبي حميد الساعدي في بيان صفة صلاة رسول الله صلّى الله عليه وسلم (7) .\r17 ً - التشهد الأول، والافتراش له كالجلوس بين السجدتين، والتورك في التشهد الأخير:\rوصيغة التشهد عند الشافعية كما تقدم: ( التحيات المباركات الصلوات الطيبات لله ، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله).\rوقد اتفق الفقهاء على مشروعية التشهد الأول والجلوس له، على أنهما سنتان عند الجمهور، وواجبان عند الحنفية، بدليل الأمر به وسقوطه بالسهو، قال ابن مسعود: « إن محمداً صلّى الله عليه وسلم قال: إذا قعدتم في كل ركعتين ، فقولوا: التحيات لله والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، ثم ليتخير أحدكم من الدعاء أعجبَه إليه، فليدع ربه عز وجل» (8) .\r-------------------------------\r(1) شرح الحضرمية:46.\r(2) الدر المختار:472/1، تبيين الحقائق:118/1.\r(3) رواه النسائي وابن ماجه (نيل الأوطار:263/2).\r(4) رواه الترمذي وأبو داود وابن ماجه، إلا أنه قال: «في صلاة الليل» ، وقال أبو داود فيه ( وعافني) مكان (واجبرني) (نيل الأوطار: 263/2، سبل السلام:184/1).\r(5) مغني المحتاج:171/1 ومابعدها.\r(6) رواه الجماعة إلا مسلماً وابن ماجه (نيل الأوطار:269/2).\r(7) نيل الأوطار:184/2.\r(8) رواه أحمد والنسائي (نيل الأوطار:271/2) وهذه هي الصيغة المفضلة عند الحنفية والحنابلة، وقد عرفنا الصيغة المختارة عند الشافعية، وعند المالكية، وعبارة: ثم ليتخير: فيها الإذن بكل دعاء أراد المصلي أن يدعو به من أمور الدنيا والآخرة ما لم يكن إثماً. وهو رأي الجمهور، وقال أبو حنيفة: لايجوز إلا بالدعوات المأثورة في القرآن والسنة.","part":2,"page":86},{"id":778,"text":"واستدل الحنابلة على وجوبه بفعل النبي صلّى الله عليه وسلم ومداومته على فعله، وأمره به في حديث ابن عباس، فقال: « قولوا: التحيات لله » وسجد للسهو حين نسيه، وقد قال : « صلوا كما رأيتموني أصلي » ، ولاتستحب عند الجمهور الزيادة على هذا التشهد ولا تطويله، وقال الحنابلة أيضاً: إذا أدرك المسبوق بعض الصلاة مع الإمام، لم يزد المأموم على التشهد الأول، بل يكرره حتى يسلم الإمام.\rويسن أن يضم إليه عند الشافعية: الصلاة على النبي صلّى الله عليه وسلم في آخره، فيقول: (اللهم صل على محمد عبدك ورسولك النبي الأمي).\rويلاحظ أن كلاً من التشهد الأول والأخير سنة عند المالكية، والتشهدان واجبان عند الحنفية، وكذا القعود الأول ولو في نفل في الأصح، والأول سنة أو\rبعض، والأخير فرض عند الشافعية، والأول واجب والأخير فرض عند الحنابلة. ويسن باتفاق الفقهاء الإسرار بقراءة التشهد، لأن النبي صلّى الله عليه وسلم لم يكن يجهر به، قال ابن مسعود: «من السنة إخفاء التشهد» (1) ولأنه ذكر غير القراءة كالتسبيح، فاستحب إخفاؤه.\rوأما صفة الجلوس للتشهد الأول: فهي الافتراش عند الحنفية والشافعية والحنابلة، وهو أن يجلس على كعب يسراه بعد أن يضجعها، وينصب يمناه. وتتورك المرأة عند الحنفية؛ لأنه أستر لها، ودليل الافتراش حديث عائشة: «وكان يفرش رجله اليسرى، وينصب اليمنى» (2)\rوحديث وائل بن حجر: «أنه رأى النبي صلّى الله عليه وسلم يصلي، فسجد، ثم قعد فافترش رجله اليسرى» (3) وحديث أبي حميد «أن النبي صلّى الله عليه وسلم جلس ـ للتشهد ـ فافترش رجله اليسرى، وأقبل بصدر اليمنى على قبلته» (4) وحديث رفاعة بن رافع «أن النبي صلّى الله عليه وسلم قال للأعرابي: إذا سجدت، فمكِّن لسجودك، فإذا جلست فاجلس على رجلك اليسرى» (5) .\rوقال المالكية: يجلس متوركاً في التشهد الأول والأخير، لما بينا، ولما روى ابن مسعود: «أن النبي صلّى الله عليه وسلم كان يجلس في وسط الصلاة وآخرها متوركاً» (6) .\r-------------------------------\r(1) رواه أبو داود.\r(2) رواه مسلم وأحمد وأبو داود (المصدر السابق:275/2).\r(3) رواه أحمد وأبو داود والنسائي، وفي لفظ لسعيد بن منصور قال: صليت خلف رسول الله صلّى الله عليه وسلم، فلما قعد ، وتشَهَّد، فرش قدمه اليسرى على الأرض وجلس عليها ( نيل الأوطار:273/2).\r(4) رواه البخاري ( نيل الأوطار:275/2).\r(5) رواه أحمد ( المرجع السابق ).\r(6) المغني:533/1","part":2,"page":87},{"id":779,"text":"وقال الحنفية: الجلوس للتشهد الأخير كالتشهد الأول، يكون مفترشاً، لحديث أبي حميد.\rوقال الشافعية والحنابلة: يسن التورك للتشهد الأخير، وهو كالافتراش، لكن يخرج يسراه من جهة يمينه، ويلصق وَرِكَه بالأرض، بدليل حديث أبي حميد: «حتى إذا كانت الركعة التي تنقضي فيها صلاته، أخَّر رِجْله اليسرى، وقعد على شقه متوركاً، ثم سلم» (1) .\rوالأصح عندهم: يفترش المسبوق والساهي.\rوالخلاصة: أنه يسن التورك في التشهد الأخير عند الجمهور، ولا يسن عند الحنفية، إلا أن الحنابلة قالوا: لا يتورك إلا في صلاة فيها تشهدان، فلايتورك في تشهد الصبح.\r18 ً - وضع اليدين على الفخذين:\rبحيث تكون رؤوس أصابعهما على الركبتين، ورفع الإصبع السبابة من اليمنى فقط عند الشهادة في التشهد :\rقال الحنفية (2) : يضع يمناه على فخذه اليمنى، ويسراه على اليسرى، ويبسط أصابعه، كالجلسة بين السجدتين، مفرجة قليلاً، جاعلاً أطرافها عند ركبتيه، ولا يأخذ الركبة في الأصح، والمعتمد أنه يشير بسبابة يده اليمنى عند الشهادة، يرفعها عند نفي الألوهية عما سوى الله تعالى، بقوله: (لا إله)، ويضعها عند إثبات الألوهية لله وحده، بقوله: ( إلا الله ) ليكون الرفع إشارة إلى النفي، والوضع إشارة إلى الإثبات، ولا يعقد شيئاً من أصابعه.\r-------------------------------\r(1) رواه الخمسة إلا النسائي، وصححه الترمذي ( نيل الأوطار:184/2).\r(2) الدر المختار: 474/1.","part":2,"page":88},{"id":780,"text":"ودليلهم رواية في صحيح مسلم عن ابن الزبير تدل على ذلك؛ لأنه اقتصر فيها على مجرد الوضع والإشارة (1) .\rوقال المالكية (2) : ترسل اليد اليسرى، ويعقد من اليد اليمنى في حال تشهده ما عدا السبابة والإبهام: وهو الخنصر والبنصر والوسطى، بجعل رؤوسها باللُّحْمة التي بجنب الإبهام، مادَّاً إصبعه السبابة كالمشير بها، فتصير الهيئة هيئة التسعة والعشرين؛ لأن مدَّ السبابة مع الإبهام صورة عشرين، وقبض الثلاثة تحت الإبهام صورة تسع.\rويندب دائماً تحريك السبابة تحريكاً وسطاً من أول التشهد إلى آخره، يميناً وشمالاً، لا لجهة: فوق وتحت، واستدلوا بحديث وائل بن حجر: أنه قال في صفة صلاة رسول الله صلّى الله عليه وسلم : «ثم قعد فافترش رجله اليسرى، ووضع كفه اليسرى على فخذه، وركبته اليسرى، وجعل حد مِرْفقه الأيمن على فخذه اليمنى، ثم قبض ثنتين من أصابعه، وحلَّق حَلْقةً، ثم رفع أُصبعه، فرأيته يحركها (3) ، يدعو بها» (4) .\rوقال الشافعية والحنابلة (5) السنة وضع اليدين على الفخذين في الجلوس\r-------------------------------\r(1) نيل الأوطار:283/2.\r(2) الشرح الصغير:330/1.\r(3) قال البيهقي: يحتمل أن يكون مراده بالتحريك: الإشارة بها، لا تكرير تحريكها، حتى لا يعارض حديث ابن الزبير عند أحمد وأبي داود والنسائي وابن حبان في صحيحه بلفظ: «كان يشير بالسبابة ولا يحركها، ولا يجاوز بصره إشارته» قال ابن حجر: وأصله في مسلم دون قوله: «ولا يجاوز بصره» (نيل الأوطار:283/2).\r(4) رواه أحمد والنسائي وأبو داود وابن ماجه وابن خزيمة والبيهقي (المصدر السابق) وروى البيهقي حديثاً ضعيفاً عن ابن عمر: «تحريك الأصبع في الصلاة مذعرة للشيطان» .\r(5) مغني المحتاج:172/1 ومابعدها، حاشية الباجوري:177/1، المغني:534/1.","part":2,"page":89},{"id":781,"text":"للتشهد الأول والأخير، يبسط يده اليسرى منشورة، مضمومة الأصابع في الأصح عند الشافعية، بحيث تسامت رؤوسها الركبة، مستقبلاً بجميع أطراف أصابعها القبلة، فلا تفرج الأصابع؛ لأن تفريجها يزيل الإبهام عن القبلة.\rويضع يده اليمنى على فخذه اليمنى، ويقبض منها الخنصر والبنصر، وكذا الوسطى في الأظهر عند الشافعية، أما عند الحنابلة: فإنه يحلق الإبهام مع الوسطى.\rويشير بالسبابة (أو المُسبِّحة)، ويرفعها عند قوله: «إلا الله » ولا يحركها، لفعله صلّى الله عليه وسلم ، ويديم نظره إليها، لخبر ابن الزبير السابق.\rوالأظهر عند الشافعية والحنابلة: ضم الإبهام إلى السبابة، كعاقد ثلاثة وخمسين، بأن يضعها تحتها على طرف راحته. ولو أرسل الإبهام والسبابة معاً، أو قبضهما فوق الوسطى، أو حلَّق بينهما برأسهما أو وضع أنملة الوسطى بين عقدتي الإبهام، أتى بالسنة، لورود جميع ذلك، لكن الأول أفضل كما قال الشافعية؛ لأن رواته أفقه.","part":2,"page":90},{"id":782,"text":"ودليلهم حديث ابن عمر: «أن النبي صلّى الله عليه وسلم وضع يده اليمنى على ركبته اليمنى، وعقد ثلاثاً وخمسين، وأشار بالسبابة» (1) ، ودليلهم على عدم تحريك الأصبع: حديث عبد الله بن الزبير: « كان النبي صلّى الله عليه وسلم يشير بأصبعه إذا دعا، ولايحركها » (2) وحديث سعد بن أبي وقاص قال: « مرَّ علي النبي صلّى الله عليه وسلم وأنا أدعو بأصابعي، فقال: أحد، أحد، وأشار بالسبابة » (3) .\r19 ً - قراءة الفاتحة في الركعتين الثالثة والرابعة من الصلوات المفروضة:\rتسن على الصحيح عند الحنفية ولو ضم إليها سورة لا بأس به؛ لأن القراءة في هاتين الركعتين مشروعة من غير تقدير. وهي فرض عند الشافعية، وواجبة للإمام والمنفرد عند المالكية والحنابلة.\rدليل الحنفية: هو أن الفاتحة لا تتعين في الصلاة، وتجزئ قراءة آية من القرآن في أي موضع كان، لقوله تعالى: {فاقرؤوا ما تيسر من القرآن} [المزمل:20/73] {فاقرؤوا ما تيسر منه} [المزمل:20/73]، وقوله صلّى الله عليه وسلم للمسيء صلاته: «ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن» ، ولأن الفاتحة وسائر القرآن سواء في سائر الأحكام، فكذا في الصلاة. وقد وردت آثار عن بعض الصحابة (علي وابن مسعود) بسنيتها، فصرف الوجوب الظاهر من الأحاديث للمواظبة على الفاتحة إلى السنية، وهو أدنى ما تدل عليه الأحاديث.\rودليل الجمهور: حديث عبادة بن الصامت: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب» (4) ، وبما أن القراءة (أي قراءة شيء من القرآن» فرض أو ركن في الصلاة، فكانت معينة كالركوع والسجود.\rوأما خبر المسيء صلاته فمقيد بما روى الشافعي بإسناده عن رفاعه بن رافع أن النبي صلّى الله عليه وسلم قال للأعرابي: «ثم اقرأ بأم القرآن، وما شاء الله أن تقرأ» (5) فهو محمول على الفاتحة، وما تيسر معها من القرآن مما زاد عليها.\r-------------------------------\r(1) رواه مسلم. وكون هذه الكيفية ثلاثة وخمسين طريقة لبعض الحاسبين، وأكثرهم يسمونها تسعة وخمسين، وآثر الفقهاء الأول تبعاً للفظ الخبر.\r(2) رواه أحمد وأبو داود والنسائي وابن حبان.\r(3) رواه النسائي.\r(4) متفق عليه بين أحمد وأصحاب الكتب الستة.\r(5) ورواه أيضاً أبو داود (نيل الأوطار:232/2).","part":2,"page":91},{"id":783,"text":"20 ً- الصلاة على النبي صلّى الله عليه وسلم وعلى آله في التشهد الأخير:\rقال الحنفية (1) : الصلاة على النبي وعلى آله ـ الصلوات الإبراهيمية: سنة وكذلك قال المالكية (2) : تسن الصلاة على النبي صلّى الله عليه وسلم بعد التشهد الأخير، كما أن كل تشهد (أول أو أخير ولو في سجود سهو) هو سنة مستقلة.\rوقال الشافعية والحنابلة (3) : تجب الصلاة على النبي صلّى الله عليه وسلم في التشهد الأخير، أما الصلاة على الآل فيه فهي سنة عند الشافعية، واجبة عند الحنابلة.\rودليل الوجوب عند الحنابلة: حديث كعب بن عُجرة السابق: «إن النبي صلّى الله عليه وسلم خرج علينا، فقلنا: يا رسول الله ، قد علمنا الله كيف نسلم عليك، فكيف نصلي عليك؟ قال: قولوا: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد» (4) ، وروى الأثرم عن فضالة بن عبيد: «سمع النبي صلّى الله عليه وسلم رجلاً يدعو في صلاته لم يمجد ربه، ولم يصل على النبي صلّى الله عليه وسلم ، فقال النبي صلّى الله عليه وسلم: عجل هذا، ثم دعاه النبي صلّى الله عليه وسلم فقال: إذا صلى أحدكم فليبدأ بتمجيد ربه والثناء عليه، ثم ليصل على النبي صلّى الله عليه وسلم ، ثم لِيَدْعُ بعد بما شاء» والأمر يقتضي الوجوب، وصفة الصلاة على النبي وآله: تكون على النحو المذكور في حديث كعب.\r-------------------------------\r(1) الدر المختار:478/1.\r(2) الشرح الصغير:319/1.\r(3) مغني المحتاج:173/1 ومابعدها، المغني:541/1.\r(4) متفق عليه بين أحمد والشيخين.","part":2,"page":92},{"id":784,"text":"واستدل الشافعية على وجوب الصلاة على النبي صلّى الله عليه وسلم بالأمر القرآني: {ياأيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليماً } [الأحزاب:56/33] وبالحديث السابق،وبحديث آخرفي معناه رواه الدارقطني وابن حبان في صحيحه والحاكم في مستدركه، وقال: إنه على شرط مسلم، وبحديث أبي مسعود عند أحمد ومسلم والنسائي والترمذي وصححه (1) . .وأقل الصلاة على النبي صلّى الله عليه وسلم ، وآله: اللهم صل على محمد وآله، والزيادة إلى «مجيد» سنة.\rوأما كون الصلاة على الآل سنة، فلخبر أبي زرعة: «الصلاة على النبي صلّى الله عليه وسلم أمر، من تركها أعاد» ولم يذكر الصلاة على آله.\rودليل الحنفية والمالكية على السنية مطلقاً (الصلاة على النبي وآله): أن الأوامر المذكورة في الأحاديث تعلم كيفيته، وهي لا تفيد الوجوب. قال الشوكاني (2) : إنه لم يثبت عندي من الأدلة ما يدل على مطلوب القائلين بالوجوب، وعلى فرض ثبوته، فترك تعليم المسيء للصلاة، لا سيما مع قوله صلّى الله عليه وسلم : «فإذا فعلت ذلك فقد تمت صلاتك» قرينة صالحة لحمله على الندب. ويؤيد ذلك قوله لابن مسعود بعد تعليمه التشهد: «إذا قلت هذا، أو قضيت هذا فقد قضيت صلاتك، إن شئت أن تقوم فقم، وإن شئت أن تقعد فاقعد» (3) .\rالصلاة على النبي صلّى الله عليه وسلم في غير الصلاة: أما الصلاة على النبي في غير الصلاة فهي مندوبة، لا واجبة، فقد حكى الطبري الإجماع على أن محمل الآية على الندب. وقال الحنفية (4) : هي فرض مرة واحدة في العمر، والمذهب أنه تستحب على التكرار كلما ذكر النبي صلّى الله عليه وسلم ، ولو اتحد المجلس في الأصح وعليه الفتوى.\r-------------------------------\r(1) نيل الأوطار:284/2 ومابعدها.\r(2) نيل الأوطار:288/2.\r(3) رواه أحمد وأبو داود والترمذي والدارقطني.\r(4) الدر المختار:480/1، تبيين الحقائق وحاشية الشلبي:108/1.","part":2,"page":93},{"id":785,"text":"السيادة لمحمد صلّى الله عليه وسلم : قال الحنفية والشافعية (1) : تندب السيادة لمحمد في الصلوات الإبراهيمة؛ لأن زيادة الإخبار بالواقع عين سلوك الأدب، فهو أفضل من تركه. وأما خبر «لا تسودوني في الصلاة» فكذب موضوع (2) . وعليه: أكمل الصلاة على النبي وآله: «اللهم صل على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد، كما صليت على سيدنا إبراهيم وعلى آل سيدنا إبراهيم، وبارك على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد، كما باركت على سيدنا إبراهيم، وعلى آل سيدنا إبراهيم في العالمين، إنك حميد مجيد» (3) .\r21 ً - الدعاء بعد الصلاة على النبي صلّى الله عليه وسلم :\rيدعو المصلي بما هو مأثور عن الرسول صلّى الله عليه وسلم عند الحنفية، أو بما شاء من خيري الدنيا والآخرة عند الأئمة الآخرين، والمأثور أفضل. ويندب تعميم الدعاء؛ لأنه أقرب إلى الإجابة، ومن الدعاء العام: ( اللهم اغفر لنا ولوالدينا ولمن سبقنا بالإيمان مغفرة عزماً ) أي جزماً.\rومن الدعاء المأثور: ( ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار ) ومنه: ( اللهم إني ظلمت نفسي ظلماً كثيراً، وإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر لي مغفرة من عندك، وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم ) (4) ومنه\r-------------------------------\r(1) الدر المختار:479/1، حاشية الباجوري:162/1، شرح الحضرمية: ص47.\r(2) أسنى المطالب في أحاديث مختلفة المراتب للحوت البيروتي: ص253.\r(3) خص إبراهيم بالذكر، لأن الرحمة والبركة لم يجتمعا في القرآن لنبي غيره، قال تعالى: {رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت} [هود:73/11] وآل سيدنا محمد: هم بنو هاشم وبنو المطلب. وآل سيدنا إبراهيم: إسماعيل وإسحاق وأولادهما.\r(4) رواه البخاري ومسلم، اللفظ للبخاري عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه ( نيل الأوطار:287/2).","part":2,"page":94},{"id":786,"text":"أيضاً: ( اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن شر فتنة المسيح الدجال ) (1) ومنه: ( اللهم إني أعوذ بك من المغرم والمأثم ) ومنه: ( اللهم اغفر لي ما قدمت وماأخرت، وما أسررت وما أعلنت، وما أسرفت،وما أنت أعلم به مني، أنت المقدم وأنت المؤخر، لا إله إلا أنت ) (2) .\rوكان ابن مسعود رضي الله عنه يدعو بكلمات، منها: « اللهم إني أسألك من الخير كله ما علمت منه وما لم أعلم، وأعوذ بك من الشر كله ما علمت منه وما لم أعلم، اللهم إني أسألك من خير ما سألك عبادك الصالحون، وأعوذ بك من شر ما عاذ منه عبادك الصالحون، ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار، ربنا اغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا وتوفنا مع الأبرار، ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك، ولا تخزنا يوم القيامة، إنك لا تخلف الميعاد » (3) . وعن معاذ ابن جبل قال: لقيني النبي صلّى الله عليه وسلم فقال: إني أوصيك بكلمات تقولهن في كل صلاة: «اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك» (4) وعن ابن عباس: أن النبي صلّى الله عليه وسلم صلّى فجعل يقول في صلاته أو في سجوده: «اللهم اجعل في قلبي نوراً، وفي سمعي نوراً، وفي بصري نوراً، وعن يميني نوراً، وعن شمالي نوراً، وأمامي نوراً، وخلفي نوراً، وفوقي نوراً، وتحتي نوراً، واجعل لي نوراً،أو قال: واجعلني نوراً» (5) .\r-------------------------------\r(1) رواه الشيخان واللفظ لمسلم من حديث أبي هريرة: «إذا فرغ أحدكم من التشهد الأخير فليتعوذ بالله من أربع: من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن فتنة المسيح الدجال، وأوجب بعض العلماء هذا الدعاء (سبل السلام:194/1).\r(2) رواه مسلم من حديث علي رضي الله عنه.\r(3) رواه الأثرم.\r(4) رواه أحمد ومسلم وأبو داود، قال الحافظ ابن حجر: سنده قوي (نيل الأوطار:291/2).\r(5) مختصر من صحيح مسلم ( نيل الأوطار:292/2)","part":2,"page":95},{"id":787,"text":"قال الحنفية: ولا يجوز أن يدعو في صلاته بما يشبه كلام الناس، مثل ( اللهم ارزقني كذا ) مثلاً، أو بما لا يستحيل حصوله من الناس مثل: ( اللهم زوجني فلانة) مثلاً، وهومكروه تحريماً، ويُبطل الصلاة إن وجد قبل القعود للتشهد الأخير وقدر التشهد، ويفوت الواجب لوجوده بعد القعود قبل السلام بخروجه به من الصلاة دون السلام.\rوقد استدلوا بحديث مسلم السابق: «إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن» .\rوأجاز غير الحنفية الدعاء بماشاء الإنسان، بدليل ما ثبت في السنة عن بعض الصحابة كابن مسعود وأبي هريرة (1) وغيرهما، وبدليل حديث ابن مسعود السابق في التشهد: «ثم ليختر من الدعاء أعجبه إليه، فيدعو به» ، وفي رواية: «ثم يتخير من المسألة ما شاء» ، وفي رواية «ليتخير بعد من الكلام ما شاء» (2) .\rالدعاء بالعربية: يكون الدعاء بالعربية باتفاق الفقهاء، قال الحنفية: الدعاء بغير العربية حرام، لكن تصح أذكار الصلاة عند أبي حنيفة خلافاً لصاحبيه بغير العربية، مع الكراهة التحريمية. وقال الشافعية: ويترجم للدعاء والذكر المندوب العاجز عنه بالعربية لعذره، لا القادر عليه في الأصح لعدم عذره (3) .\r-------------------------------\r(1) قد ورد في الدعاء بعد التشهد ألفاظ أخرى، منها ما روى أبو داود عن ابن مسعود «أنه صلّى الله عليه وسلم كان يعلمهم من الدعاء بعد التشهد: اللهم ألف على الخير بين قلوبنا، وأصلح ذات بيننا، واهدنا سبل السلام، ونجنا من الظلمات إلى النور، وجنبنا الفواحش والفتن، ماظهر منها وما بطن، وبارك لنا في أسماعنا وأبصارنا وقلوبنا وأزواجنا وذرياتنا، وتب علينا، إنك أنت التواب الرحيم، واجعلنا شاكرين لنعمتك مثنين بها قابليها وأتمها علينا» . وأخرج أبو داود أيضاً عن أبي هريرة: «أنه صلّى الله عليه وسلم قال لرجل: كيف تقول في الصلاة؟ قال: أتشهَّد، ثم أقول: اللهم إني أسألك الجنة، وأعوذ بك من النار، أما إني لا أحسن دندنتك ولا دندنة معاذ، فقال صلّى الله عليه وسلم : حول ذلك ندندن أنا ومعاذ» وفيه أنه يدعو الإنسان بأي لفظ شاء من مأثور وغيره (سبل السلام:195/1).\r(2) الرواية الأولى والثانية عن أحمد، والثالثة عند البخاري (نصب الراية:428/1).\r(3) مغني المحتاج:177/1، الدر المختار:486/1.","part":2,"page":96},{"id":788,"text":"22 ً - الالتفات يميناً ثم شمالاً بالتسليمتين:\rعرفنا أن السلام واجب عند الحنفية، ركن عند الجمهور، ويسن عند الجميع الالفتات يميناً وشمالاً حتى يرى بياض خده، قائلاً عند الجمهور: «السلام عليكم ورحمة الله » ويزيد عند المالكية «وبركاته» والأول هو الواجب عند المالكية والشافعية، والتسليمتان واجبتان عند الحنفية والحنابلة.\rودليل سنية الالتفات: حديث مسلم عن سعد بن أبي وقاص قال: «كنت أرى النبي صلّى الله عليه وسلم يسلم عن يمينه وعن يساره حتى يرى بياض خده» ، وفي رواية الدارقطني: «كان يسلم عن يمينه حتى يرى بياض خده، وعن يساره حتى يرى بياض خده» .","part":2,"page":97},{"id":789,"text":"ودليل إضافة (وبركاته) عند المالكية حديث ابن مسعود ووائل بن حجر السابقين. وقد عرفنا أنه ينوي بالسلام من عن يمينه ويساره من ملائكة وإنس وجن. وينوي الإمام السلام على المقتدين، وهم ينوون الرد عليه، إلا أنه عند الحنفية ينوون الرد عليه في التسليمة الأولى إن كانوا في جهة اليمين، وفي التسليمة الثانية إن كانوا في جهة اليسار، وعند الشافعية بالعكس.\rقال القفال الشاشي الكبير: والمعنى في السلام أن المصلي كان مشغولاً عن الناس وقد أقبل عليهم» (1) .\rاستقبال القبلة في السلام: يرى الحنفية أنه يسن التيامن في التسليمة الأولى، ثم يسلم عن يساره في الثانية. ويرى المالكية أن المأموم يندب له التيامن كلياً بتسليمة التحليل من الصلاة. أما الإمام والمنفرد، فيشير عند النطق بالتسليمة للقبلة، ويختمها بالتيامن عند النطق بالكاف والميم من (عليكم) حتى يرى من خلفه صفحة وجهه.\rوقال الشافعية والحنابلة: يبتدئ السلام مستقبل القبلة، قائلاً «السلام عليكم» ثم يلتفت ويتم سلامه قائلاً: (ورحمة الله ) لقول عائشة: «كان النبي صلّى الله عليه وسلم يسلم تلقاء وجهه» معناه ابتداء السلام، ورحمة الله: يكون في حال التفاته.\r23 ً - خفض التسليمة الثانية عن الأولى:\rيسن ذلك عند الحنفية والحنابلة؛ لأن الأولى للإعلام، فيجهر بها، وقد حصل العلم بالجهر بها، فلا يشرع الجهر بغيرها.\rوقال المالكية: يسن الجهر بتسليمة التحليل فقط دون تسليمة الرد، بل يندب السرفيها، أي يسن للإمام والمأموم والمنفرد الجهر بالتسليمة يخرج بها من الصلاة، ويندب السر في تسليمة المقتدي للرد على إمامه وعلى من يساره من إمام ومأموم. وقال الحنابلة: يجهر الإمام بالتسليمة الأولى فقط، ويسر غيره التسليمتين.\r-------------------------------\r(1) مغني المحتاج:177/1.","part":2,"page":98},{"id":790,"text":"24 ً - مقارنة المقتدي لسلام الإمام:\rيسن ذلك عند أبي حنيفة موافقة للإمام، كما تسن مقارنته في غير التسليم من تكبير الإحرام وتكبيرات الانتقال.\rوأما الصاحبان والشافعية: فإنه يسن عندهم في التسليم المعاقبة والبعدية عن الإمام، لئلا يسرع المأموم بأمور الدنيا.\rوأضاف الشافعية القول: إنه تنقضي القدوة بسلام الإمام، فللمأموم أن يشتغل بدعاء ونحوه، ثم يسلم. ولو اقتصر الإمام على تسليمة، فللمأموم أن يسلم ثنتين، لإحراز فضيلة الثانية، ولزوال المتابعة بالأولى.\r25 ً - انتظار المسبوق فراغ الإمام من التسليمتين، لوجوب المتابعة، حتى يعلم ألا سهو عليه. وهذه سنة عند الحنفية.\r26 ً - ذكر الشافعية أنه يسن الخشوع وتدبر القراءة والأذكار، ودخول الصلاة بنشاط وفراغ قلب من الشواغل الدنيوية؛ لأنه أعون على الخضوع والخشوع.\rآداب الصلاة عند الحنفية:\rعرفنا أن الأدب: ما فعله الرسول صلّى الله عليه وسلم مرة أو مرتين، ولم يواظب عليه كزيادة التسبيحات في الركوع والسجود، والزيادة على القراءة المسنونة. وقد شرع لإكمال السنة. ومن هذه الآداب عند الحنفية ما يأتي (1) :\r1ً - إخراج الرجل كفيه من كميه عند تكبيرة الإحرام، لقربه من التواضع إلا لضرورة، كبرد. أما المرأة فتستر كفيها حذراً من كشف ذراعيها.\r2ً - نظر المصلي إلى موضع سجوده قائماً، وإلى ظاهر قدميه راكعاً، وإلى أرنبة أنفه ساجداً، وإلى حجره جالساً، وإلى منكبيه مسلِّماً، تحصيلاً للخشوع في الصلاة، ملاحظاً قوله صلّى الله عليه وسلم : «اعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه،فإنه يراك» (2) .\rهذا تفصيل لبعض الحنفية، والمنقول في ظاهر الرواية: هو النظر إلى محل سجوده، كما قال الشافعية.\r-------------------------------\r(1) مراقي الفلاح: ص44، الدر المختار:446/1 ومابعدها، تبيين الحقائق:108/1 ومابعدها.\r(2) سأل جبريل النبي صلّى الله عليه وسلم عن الإحسان: فقال: « أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه، فإنه يرا ك» رواه مسلم عن عمر رضي الله عنه.","part":2,"page":99},{"id":791,"text":"3ً - إمساك فمه عند التثاوب، فإن لم يقدر غطاه بظهر يده اليسرى، أو كمه؛ لأن التغطية بلا ضرورة مكروهة.\r4ً - دفع السعال ما استطاع؛ لأنه بلا عذر مفسد للصلاة.\r5ً - قيام الإمام والمؤتم في حالة الإقامة عند القول: «حي على الفلاح» لأنه أمر به فيجاب. هذا إذا كان الإمام حاضراً بقرب المحراب. فإن لم يكن حاضراً يقوم كل صف حين ينتهي إليه الإمام على الأظهر. وإن دخل الإمام من قدام، قاموا حين يقع بصرهم عليه. وإن أقام الإمام بنفسه في مسجد، فلا يقف المؤتمون حتى يتم إقامته.\rويشرع الإمام في الصلاة مذ قيل:( قد قامت الصلاة ) ولو أخر حتى أتمها، لا بأس به إجماعاً. وهو قول أبي يوسف والأئمة الثلاثة غير الحنفية، وهو أعدل المذاهب.\rالتبليغ خلف الإمام:\rاتفق الفقهاء على أنه يسن ( وعند المالكية: يندب) للإمام الجهر بقدر الحاجة بالتكبير والتسميع والسلام، لإعلام من خلفه، فإن عجز جاز التبليغ من غيره؛ لأن أبا بكر في مرض النبي صلّى الله عليه وسلم كان يبلِّغ المؤتمين تكبيره. أما المؤتم والمنفرد فيسمع نفسه، وقال المالكية: يندب لكل مصلٍ الجهر بتكبيرة الإحرام، كما بينا.\rفإن كان من خلف الإمام يسمعه، كره التبليغ من غيره لعدم الحاجة إليه.\rويجب أن يقصد المبلِّغ سواء أكان إماماً أم غيره الإحرام للصلاة بتكبيرة الإحرام، فلو قصد الإعلام فقط، لم تنعقد صلاته، وكذا لاتنعقد عند الشافعية إذا أطلق، فلم يقصد شيئاً، فإن قصد مع الإحرام الإعلام، صحت الصلاة عند الشافعية والحنفية. أما غير تكبيرة الإحرام من تكبيرة الانتقال والتسميع والتحميد: فإن قصد بها التبليغ فقط، فلا تبطل صلاته عند الجمهور، وإنما يفوته الثواب.","part":2,"page":100},{"id":792,"text":"لكن قال الحنفية (1) : إن قصد بذلك مجرد إعجاب الناس بتبليغه، فسدت صلاته على الراجح، كما أن من رفع صوته زيادة على الحاجة، فقد أساء، والإساءة دون الكراهة.\rوقال الشافعية: إذا قصد بذلك مجرد التبليغ، أو لم يقصد شيئاً، بطلت صلاته إن كان غير عامي، أما العامي فلا تبطل صلاته، ولو قصد الإعلام فقط.\rودليل مشروعية التبليغ: الحديث المتفق عليه عن جابر، قال: «صلى بنا رسول الله صلّى الله عليه وسلم وأبو بكر خلفه، فإذا كبر رسول الله صلّى الله عليه وسلم كبر أبو بكر ليسمعنا» .\rسنن الصلاة إجمالاً في كل مذهب:\rيحسن تعداد سنن الصلاة في المذاهب كلاً على حدة، لما فيها من اختلافات بسبب عد بعض الفرائض في مذهب، سنة في مذهب آخر.\rمذهب الحنفية:\rللصلاة آداب ذكرناها مستقلة، وسنن إحدى وخمسون (2) وهي ما يأتي (3) :\r1ً - رفع اليدين للتحريمة حذاء الأذنين للرجل، وحذاء المنكبين للمرأة الحرة.\r2ً - ترك الأصابع على حالها بحيث لا يضمها ولا يفرقها.\r3ً - مقارنة إحرام المقتدي لإحرام إمامه.\r4ً - وضع الرجل يده اليمنى على اليسرى تحت سرته، ووضع المرأة يديها على صدرها.\r5ً، 6ً، 7ً - الثناء، والتعوذ للقراءة، والتسمية سراً أول كل ركعة قبل الفاتحة.\r8ً، 9ً، 10ً - التأمين، والتحميد، والإسرار بهما وبالثناء والتعوذ والتسمية.\r11ً - الاعتدال عند ابتداء التحريمة وانتهائها من غير طأطأة الرأس.\r12ً - جهر الإمام بالتكبير والتسميع والسلام.\r13ً - تفريج القدمين في القيام قدر أربع أصابع.\r-------------------------------\r(1) رد المحتار:443/1 ومابعدها،551، مغني المحتاج:165/1، المغني:462/1، الشرح الصغير:448/1.\r(2) يلاحظ أنه قد ينقص الترقيم عن هذا العدد؛ لأنه قد تضم سنتان فأكثر تحت رقم واحد.\r(3) مراقي الفلاح: ص41-44.","part":2,"page":101},{"id":793,"text":"14ً - أن تكون السورة بعد الفاتحة من طوال المفصل في الفجر والظهر، ومن أوساطه في العصر والعشاء، ومن قصاره في المغرب إن كان مقيماً، ويقرأ أي سورة شاءإن كان مسافراً.\r15ً - إطالة القراءة في الركعة الأولى في كل الصلوات، على المفتى به عند الحنفية، وهو قول محمد.\r16ً، 17ً - تكبير الركوع والسجود عند كل خفض ورفع،إلا في الرفع من الركوع فيسن التسميع، والتسبيح فيهما ثلاثاً: سبحان ربي العظيم في الركوع، سبحان ربي الأعلى في السجود.\r18ً - أخذ ركبتيه بيده حال الركوع.\r19ً - تفريج الرجل أصابع يديه في الركوع، والمرأة لا تفرجها.\r20ً،21ً - بسط ظهره في الركوع، وتسوية رأسه بعجزه.\r22ً،23ً - الاعتدال مطمئناً أو الرفع من الركوع والسجود.\r24ً - وضع الركبتين ثم اليدين ثم الوجه عند النزول للسجود، وعكسه عند الرفع منه.\r25ً - كون السجود بين كفيه، ووضع يديه حذو منكبيه.\r26ً - مجافاة أو مباعدة الرجل بطنه عن فخذيه، ومرفقيه عن جنبيه، وذراعيه عن الأرض في حال السجود.\r27ً - إلصاق المرأة بطنها بفخذيها في السجود.\r28ً - الجلوس بين السجدتين، والأصح أنه واجب عند الحنفية.\r29ً - وضع اليدين على الفخذين في الجلوس بين السجدتين، وفي التشهد.\r30ً - افتراش الرجل رجله اليسرى، ونصب اليمنى، مع توجيه أصابع القدم للقبلة في جلوس السجدتين والتشهد.\r31ً - تورك المرأة: أن تجلس على أليتيها، وتضع إحدى فخذيها على الأخرى، وتخرج رجلها اليسرى من تحت وركها اليمنى، لأنه أستر لها.\r32ً - الإشارة بالسبابة عند الشهادة فقط، برفعها عند ( لا إله ) ووضعها عند: ( إلا الله ).","part":2,"page":102},{"id":794,"text":"33ً - قراءة الفاتحة فيما بعد الركعتين الأولين.\r34ً - الصلاة على النبي صلّى الله عليه وسلم في الجلوس الأخير، والمختار في صفتها (1) : «اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد» وهي الموافقة لما في الصحيحين وغيرهما.\r35ً - الدعاء بعد الصلاة على النبي صلّى الله عليه وسلم بما يشبه ألفاظ القرآن والسنة.\r36ً - الالتفات يميناً ثم شمالاً بالتسليمتين.\r37ً - أن ينوي الإمام بالتسليمتين من خلفه من المصلين والملائكة الحفظة (2) وصالحي الجن.\r38ً - أن ينوي المأموم الرد على إمامه في السلام في الجهة التي هو فيها، فإن كان في جهة اليمين نوى فيها، وإن كان في جهة اليسار نوى فيها، وإن حاذاه نواه في التسليمتين، مع القوم والملائكة وصالح الجن.\r39ً - أن ينوي المنفرد بسلامه الملائكة فقط؛ إذ ليس معه غيرهم.\r40ً - أن يخفض صوته في سلامه الثاني عن الأول.\r41ً - مقارنته لسلام الإمام.\r42ً - أن يبدأ باليمين في سلامه.\r43ً - أن ينتظر المسبوق فراغ إمامه من سلامه الثاني، حتى يعلم أنه ليس عليه سجود سهو.\r-------------------------------\r(1) رد المحتار:478/1.\r(2) الحفظة: أي الكرام الكاتبون. والحفظة تتغير، لحديث الصحيحين: «يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار، ويجتمعون في صلاة الصبح وصلاة العصر..» وكاتب السيئات يفارق الإنسان عند جماع وخلاء وصلاة (الدر المختار ورد المحتار:493/1).","part":2,"page":103},{"id":795,"text":"مذهب المالكية:\rللصلاة سنن ومندوبات، وسننها أربع عشرة وهي ما يأتي (1) :\r1ً - قراءة آية بعد الفاتحة في الركعتين الأولى والثانية من الفرض الوقتي المتسع وقته. ويقوم مقام الآية بعض آية طويلة له بال نحو: {الله لا إله إلا هو الحي القيوم} [البقرة:255/2]، وإتمام السورة مندوب.\r2ً - القيام لقراءة ما زاد على الفاتحة في الفرض، فلو استند لشيء حال قراءتها بحيث لو أزيل لسقط، لم تبطل صلاته، أما إن جلس فقرأها جالساً، فتبطل لإخلاله بهيئة الصلاة؛ لأن القيام في الفريضة فرض. أما القيام في النفل فهو سنة.\r3ً - الجهر في الصبح والجمعة وأولتي المغرب والعشاء.\r4ً - الإسرار في الظهر والعصر وأخيرة المغرب وأخيرتي العشاء. ويتأكد الجهر والإسرار بالفاتحة دون السورة بعدها.\rوهذه السنن الأربع مخصوصة بالفرض، فلا تسن في النفل. وأقل جهرالرجل، والمرأة حيث لا أجانب: إسماع من يليه فقط، لو فرض أن بجانبه أحداً متوسط السمع. وأقل السر للرجل والمرأة: حركة اللسان.\r5ً - كل تكبيرة غير تكبيرة الإحرام.\r6ً - كل لفظ «سمع الله لمن حمده» لإمام ومنفرد حال رفعه من الركوع، لا مأموم، فلا تسن في حقه، بل يكره له قولها.\r7ً - كل تشهد، سواء أكان الأول أم غيره، ولو في سجود سهو.\r8ً - كل جلوس تشهد.\r9ً - الصلاة على النبي صلّى الله عليه وسلم بعد التشهد الأخير، بأي لفظ كان، وأفضلها: (اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، في العالمين، إنك حميد مجيد).\r10ً - السجود على صَدْر القدمين، وعلى الركبتين والكفَّيْن. والمشهور عند المالكية أن السجود الواجب إنما يكون على الجبهة.\r11ً - رد المقتدي السلام على إمامه، وعلى من يساره إن وجد، إن شاركه في ركعة فأكثر، لا أقل. ويجزئ في سلام الرد: «سلام عليكم» أو «وعليكم السلام» .\r12ً - جهر بتسليمة التحليل (2) فقط، دون تسليمة الرد.\r13ً - إنصات المقتدي للإمام في حالة الجهر، حتى ولو سكت الإمام أو لم يسمعه المأموم.\r14ً - الزائد على الطمأنينة الواجبة بقدر ما يجب.\r-------------------------------\r(1) الشرح الصغير:317/1-322.\r(2) هي التسليمة التي يحل بها كل ما كان ممنوعاً في الصلاة.","part":2,"page":104},{"id":796,"text":"وبه يتبين أن المالكية يتفقون مع الحنفية في تحديد السنن فيما عدا القيام للقراءة\rوالتشهد والجلوس له، والسجود على الأعضاء الستة، وإنصات المقتدي لقراءة الإمام في الصلاة الجهرية.\rومندوبات الصلاة عند المالكية ثمانية وأربعون (1) ، أهمها ما يأتي:\r1ً - نية الأداء في الحاضرة، والقضاء في الفائتة.\r2ً - نية عدد الركعات.\r3ً - الخشوع، وهو استحضار عظمة الله تعالى وهيبته وأنه لا يعبد ولا يقصد سواه. واستحضار امتثال أمره بتلك الصلاة وهذا هو المندوب، وأما أصل الخشوع فواجب.\r4ً - رفع اليدين حذو المنكبين عند تكبيرة الإحرام فقط، لا عند غيرها من ركوع ورفع منه.\r5ً - إرسال اليدين بوقار، وجاز قبضهما على الصدر في النفل، وكره القبض في الفرض، لما فيه من الاعتماد ، أي كأنه مستند إلى شيء.\r6ً - إكمال سورة بعد الفاتحة، فلا يقتصر على بعضها، ولا على آية ولو طويلة.\r7ً - قراءة سورة في الركعة الثانية غير التي قرأها في الركعة الأولى، في صلاة الفرض، لا في النفل. ويكره تكريرالسورة في الركعتين في الفرض، كما يكره فيه قراءة سورتين في ركعة. ويجوز بالنفل قراءة أكثر من سورة بعد الفاتحة. والمعتمد أنه يكره أيضاً تكرير السورة في الركعة في النفل.\r\r8ً - تطويل قراءة الصبح والظهر على أن تكون قراءة الظهر دون الصبح. وأول المفصل على المعتمد: الحجرات. والتطويل لمنفرد، وإمام جماعة محصورين طلبوا التطويل، وإلا فالتقصير في حق الإمام أفضل؛ لأن الناس قد يكون فيهم الضعيف وذو الحاجة.\r9ً - تقصير القراءة في العصر والمغرب، فيقرأ فيهما من قصار المفصَّل بدءاً من سورة: والضحى.\r10ً - توسط القراءة في العشاء، وأوسط المفصل: عبس، وآخره سورة: والليل.\r-------------------------------\r(1) الشرح الصغير:323/1-337.","part":2,"page":105},{"id":797,"text":"11ً - تقصير الركعة الثانية عن الركعة الأولى في الزمن. وتجوز المساواة مع خلاف الأولى. ويكره تطويل الثانية عن الأولى.\r12ً - إسماع المصلي نفسه في السر؛ لأنه أكمل، وللخروج من خلاف من أوجبه.\r13ً - قراءة المأموم خلف الإمام في الصلاة السرية، وأخيرة المغرب، وأخيرتي العشاء.\r14ً - تأمين المنفرد والمأموم مطلقاً أي في السرية والجهرية بعد: «ولا الضالين» إن سمع المأموم إمامه، وتأمين الإمام في الصلاة السرية فقط.\r15ً - الإسرار بالتأمين لكل مصل.\r16ً - تسوية ظهر المصلي في الركوع.\r17ً - وضع اليدين على الركبتين في الركوع، وتمكين اليدين من الركبتين فيه أيضاً.\r18ً - نصب الركبتين في الركوع، فلا يحنيهما قليلاً.\r19ً - التسبيح في الركوع بأن يقول: (سبحان ربي العظيم وبحمده) وفي السجود بأن يقول: (سبحان ربي الأعلى وبحمده) ولا يدعو ولا يقرأ في الركوع، ويدعو مع التسبيح في السجود.\r20ً - مباعدة (مجافاة) الرجل مِرْفقيه عن جنبيه، بأن يُجنِّح بهما تجنيحاً.\r21ً - التحميد للمنفرد والمقتدي بأن يقول بعد (سمع الله لمن حمده): (اللهم ربنا ولك الحمد) وجاز حذف الواو، وإثباتها أولى. فالإمام لا يقول حال القيام: (ربنا ولك الحمد) كما لا يقول المأموم: (سمع الله لمن حمده) وإنما يقول بعد الاعتدال قائماً: (ربنا) الخ، ويجمع المنفرد بينهما.\r22ً - التكبير حال الخفض للركوع أو السجود، وحال الرفع من السجود في السجدة الأولى، وحال القيام من التشهد الأول.\r23ً - تمكين الجبهة والأنف من الأرض في السجود. ويعتبر كالأرض ما اتصل بها من سطح كسرير أو سقف ونحوهما.\r24ً - تقديم اليدين على الركبتين حال الانحطاط للسجود، وبالعكس عند القيام للقراءة.\r25ً - وضع اليدين حذْو (أي قبالة) الأذنين أو قربَهما في سجوده، بحيث تكون أطراف أصابعهما حذو الأذنين.\r26ً - ضم أصابع اليدين ورؤوسها لجهة القبلة.","part":2,"page":106},{"id":798,"text":"27ً - مجافاة (مباعدة) الرجل في السجود بطنه عن فخذيه، فلا يجعل بطنه عليهما ومجافاة مِرْفقيه عن رُكْبتيه، وضبْعيه (ما فوق المرفق إلى الإبط) عن جنبيه مباعدة وسطاً في الجميع.\rوأما المرأة: فتكون منضمة في جميع أحوالها، ستراً لها.\r28ً - رفع العجز عن الرأس في السجود، فإن تساويا أو كان الرأس أعلى، لم تبطل الصلاة عند المالكية، وتبطل في الأصح عند الشافعية، والحنفية.\r29ً - الدعاء في السجود بما يتعلق بأمور الدين أو الدنيا أو الآخرة لنفسه أو لغيره خصوصاً أو عموماً، بلا حدّ، بل بحسب ما يسر الله تعالى، كالتسبيح فيه، يندب بلا حد، ويقدم على الدعاء.\r30ً - الإفضاء (الافتراش) في الجلوس بين السجدتين أو في التشهد الأول أو الأخير: وهو جَعْل الرجل اليسرى مع الإلية على الأرض، وقدم اليسرى جهة الرِجْل اليمنى، ونَصْبُ قدم اليمنى على قدم اليسرى خلفها، وجعل باطن إبهام اليمنى على الأرض.\r31ً - وضع الكفين في الجلوس على رأس الفخذين بحيث تكون رؤوس أصابعهما على الركبتين.\r32ً - تفريج الرجل الفخذين في الجلوس، فلا يلصقهما، بخلاف المرأة.\r33ً - عقد ما عدا السبابة والإبهام وهو الخنصر والبنصر والوسطى من اليمنى في جلوس التشهد مطلقاً (الأخير أو غيره) تحت الإبهام، مع مدّ السبابة والإبهام، وتحريك السبابة دائماً يميناً وشمالاً، من أول التشهد إلى آخره، تحريكاً وسطاً.\r34ً - القنوت (1) في صلاة الصبح بأي لفظ نحو: (اللهم اغفر لنا وارحمنا)\r-------------------------------\r(1) أي الدعاء والتضرع .","part":2,"page":107},{"id":799,"text":"ومحله قبل الركوع في الركعة الثانية، وندب إسراره ككل دعاء في الصلاة. وندب لفظه الوارد عن النبي صلّى الله عليه وسلم ، وهو الذي اختاره الإمام مالك رضي الله عنه، وهو: «اللهم إنا نستعينك ونستغفرك، ونؤمن بك، ونتوكل عليك، ونَخْنَع لك، ونخلع (1) ونترك من يَكْفُرك، اللهم إياك نعبد، ولك نصلي ونسجد، وإليك نسعى ونحفِد (2) ، نرجو رحمتك، ونخاف عذابك، إن عذابك الجدَّ (3) بالكافرين ملحق» (4) .\r35ً - الدعاء قبل السلام وبعد الصلاة على النبي صلّى الله عليه وسلم : بما أحب.\r36ً - إسرار الدعاء كالتشهد؛ لأن كل دعاء يندب إسراره.\r37ً - تعميم الدعاء؛ لأن التعميم أقرب للإجابة. ومن الدعاء العام: (اللهم اغفر لنا (5) ولوالدينا ولأئمتنا ولمن سبقنا بالإيمان مغفرة عزماً ) أي جزماً. (اللهم اغفر لنا ما قدمنا وما أخرنا وما أسررنا وما أعلنا وما أنت أعلم به منا، ربناآتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار) أي أعطنا هداية وعافية وصلاح حال في الدنيا، ولحوقاً بالأخيار وإدخالاً تحت شفاعة النبي المختار، في الآخرة، واجعل بيننا وبين النار وقاية، حتى لا ندخلها.\rوأحسن الدعاء: ما ورد في الكتاب أو السنة، ثم ما فتح به على العبد.\r38ً - تيامن المأموم بتسليمة التحليل كلها فقط. وأما الإمام والمنفرد فيشير عند النطق بها للقبلة، ويختمها بالتيامن عند النطق بالكاف والميم من (عليكم) حتى يرى من خلفه صفحة وجهة.\r-------------------------------\r(1) نخنع: أي نخضع ونذل لك. ونخلع:نترك كل شاغل يشغل عنك لقوله تعالى: {ففروا إلى الله} [الذاريات:50/51].\r(2) نحفد: نجدّ لحضرتك.\r(3) الجدُّ: أي الحق.\r(4) هذه رواية الإمام مالك. وملحق: اسم فاعل أو اسم مفعول أي لاحق بهم أو ملحق.\r(5) أي معاشر الحاضرين في الصلاة.","part":2,"page":108},{"id":800,"text":"39ً - سترة لإمام ومنفرد على الراجح. وأما المأموم: فالإمام سترته. والسترة: ما يجعله المصلي أمامه لمنع المارين بين يديه. وسنفصل الكلام فيها.\rمذهب الشافعية:\rالسنن عندهم كما ذكرنا نوعان: أبعاض ثمانية سردناها، بل هي عشرون نذكرها في بحث سجود السهو. وهيئات منها أربعون (1) أهمها ما يأتي، علماً بأنهم كالحنابلة لا يفرقون بين السنة والمندوب والمستحب.\r1 - رفع يديه حذو (مقابل) منكبيه في تحرُّم وركوع ورفع منه، كما روى الشيخان، ومعناه: أن تحاذي أطراف أصابعه أعلى أذنيه، وإبهاماه شحمتي أذنيه، وراحتاه منكبيه. والأصح رفع يديه مع ابتداء التكبير والتسميع.\r2 - إمالة أطراف الأصابع نحو القبلة، وتفريجها.\r3 - وضع يمين على شمال، وجعلهما تحت صدره وفوق سرته، اتباعاً للسنة كما روى ابن خزيمة.\r4، 5 - دعاء افتتاح وتعوذ بفرض أو نفل، والافتتاح نحو «وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفاً مسلماً وما أنا من المشركين، إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين، لاشريك له، وبذلك أمرت، وأنا أول المسلمين» (2) .\r6، 7 - جهر وإسرار بقراءة الفاتحة والسورة في محلهما المعروف، اتباعاً كما روى الشيخان، وفي الصبح والجمعة والعيدين وخسوف القمر والاستسقاء وأوَّلَتي العشاءين، والتراويح، ووتر رمضان، وركعتي الطواف ليلاً، أو وقت الصبح. والإسرار في غير ذلك إلا نوافل الليل المطلقة فيتوسط فيها بين الجهر والإسرار، إن لم يشوش على نائم أو مصل أو نحوه.\rوالعبرة في قضاء الفريضة بوقت القضاء على المعتمد. والتوسط في نافلة الليل، أي بين الجهر والإسرار، لقوله تعالى: {ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها} [الإسراء:110/17]، وجهر المرأة دون جهر الرجل إذا لم تكن بحضرة أجانب.\r-------------------------------\r(1) تحفة الطلاب للأنصاري: ص44-49، حاشية الشرقاوي على التحفة:199/1-215، مغني المحتاج:152/1-184.\r(2) رواه مسلم إلا لفظ ( مسلماً ) فابن حبان.","part":2,"page":109},{"id":801,"text":"8 - تأمين عقب قراءة الفاتحة، وجهر به في جهرية. أما السرية فيسر كل مصل به.\rويلاحظ أن هناك أحوالاً خمسة يجهر فيها المأموم خلف الإمام: وهو التأمين مع إمامه، ودعاؤه في قنوت الصبح، وفي قنوت الوتر في النصف الأخير من رمضان، وفي قنوت النازلة في الصلوات الخمس، وإذا فتح على إمامه.\r9 - قراءة سورة بعد الفاتحة في الركعتين الأوليين (1) للإمام وغيره، إلا المأموم في الجهرية إذا جهر إمامه، فتكره السورة له، وإلا فاقد الطهورين ذا الحدث الأكبر، ومصلي الجنازة، وإلا المسبوق، فله القراءة في الركعتين الثالثة والرابعة من صلاة نفسه؛ لأن ما يدركه المسبوق هو أول صلاته.\rوأقل القراءة: آية طويلة أو ثلاث آيات كالكوثر.\rويسن تطويل قراءة الركعة الأولى عن الثانية، كما يسن كون السورتين متواليتين، وعلى ترتيب المصحف، وعكسه خلاف الأفضل.\rويحصل أصل السنة بقراءة شيء من القرآن، لكن السورة أحب، وإن كانت أقصر، إلا في التراويح فقراءة بعض السورة الطويلة أفضل؛ لأن السنة فيها القيام بجميع القرآن.\rوالمتنفل بركعتين تسن له السورة أيضاً، فإن تنفل بأكثر من ركعتين، فالأصح الذي أفتى به الأكثرون عدم استحباب السورة في الركعتين الثالثة والرابعة كالفريضة، وهذا خلافاً للحنفية.\rويستحب في ركعتي سنة الصبح التخفيف، فيقرأ في الأولى : {قولوا: آمنا بالله وما أنزل إلينا… } (الآية :136 من البقرة )، وفي الثانية: {قل: يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء… } (الآية: 64 من آل عمران) كما ثبت في صحيح مسلم عن النبي صلّى الله عليه وسلم.\r-------------------------------\r(1) رواه الشيخان في الظهر والعصر، وقيس بهما غيرهما.","part":2,"page":110},{"id":802,"text":"وفي رواية لمسلم: «يقرأ فيهما: قل: ياأيه االكافرون، وقل: هو الله أحد» (1) .\rويسن لصبح الجمعة في الأولى: { الم} [السجدة:1/32]، وفي الثانية: {هل أتى } [الإنسان:1/76]، اتباعاً للسنة (2) . فإن ترك { الم} في الأولى،سن أن يأتي بها في الثانية. وأن اقتصر على بعضهما، أو قرأ غيرهما، خالف السنة. وإن ضاق الوقت عنهما، أتى بالممكن، ولوآية السجدة، وبعض {هل أتى } . وقال بعض الشافعية: لا تستحب المداومة عليهما ليعرف أن ذلك غير واجب.\r10 - التكبير في كل خفض ورفع من غير ركوع (3) ، إلا تكبيرة الإحرام فإنها فرض .\r11 - وضع راحتيه على ركبتيه في الركوع،وتفرقة أصابعه للقبلة حالة الوضع (4)\r12- التسبيح في الركوع ثلاثاً: (سبحان ربي العظيم) (5) مع زيادة «وبحمده» وهو أدنى الكمال.\r13 - التسميع أي قول: (سمع الله لمن حمده) (6) لكل مصل إماماً أو غيره عند رفعه من الركوع، ويسن الجهر به للإمام والمبلِّغ إن احتيج إليه؛ لأنه من أذكار الانتقال، ولا يجهر بقوله: (ربنا لك الحمد) كالتسبيح وغيره من الأذكار. لكن قد عمت البلوى بالجهر به، وترك الجهر بالتسميع؛ لأن أكثر الأئمة والمؤذنين صاروا جهلة بسنة سيد المرسلين.\rوإذا انتصب المصلي معتدلاً قائماً أرسل يديه، وقال: «ربنا لك الحمد، ملء السموات وملء الأرض، وملء ما شئت من شيء بعد» (7) ، ويزيد المنفرد وإمام جماعة التطويل: «أهلَ الثناء والمجد، أحقُّ ما قال العبد، وكلنا لك عبد، لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجدّ منك الجد» (8) .\r-------------------------------\r(1) المجموع:349/1-352.\r(2) رواه الشيخان.\r(3) ثبت ذلك في الصحيحين من فعله صلّى الله عليه وسلم.\r(4) الأول رواه الشيخان، والثاني رواه ابن حبان في صحيحه والبيهقي.\r(5) رواه أبو داود.\r(6) أي تقبل منه حمده، وجازاه عليه، وقيل: غفر له، رواه الشيخان مع خبر «صلوا كما رأيتموني أصلي» .\r(7) أخرجه البخاري ومسلم من رواية رفاعة بن رافع.\r(8) رواه مسلم.","part":2,"page":111},{"id":803,"text":"14 - أن يضع في سجوده ركبتيه، ثم يديه، ثم جبهته وأنفه (1) .\r15 - التسبيح في السجود ثلاثاً: «سبحان ربي الأعلى» (2) مع إضافة «وبحمده» وهو أدنى الكمال.\r16 - وضع يديه حِذْو منكبيه في السجود، وضم أصابعه منشورة نحو القبلة (3) .\r17 - مجافاة الرجل عضديه عن جنبيه، وبطنه عن فخذيه في ركوعه وسجوده. أما المرأة والخنثى فلا يجافيان، بل يضمان بعضهما إلى بعض؛ لأنه أستر لها، وأحوط للخنثى. ويسن أيضاً تفرقة ركبتيه وكذا قدميه بشبر (4) .\r18 - توجيه المصلي رجلاً كان أو غيره أصابع رجليه نحو القبلة (5) .\r19 - الدعاء في الجلوس بين السجدتين: بأن يقول: ( ربي اغفر لي وارحمني، واجبرني، وارفعني، وارزقني واهدني وعافني ) (6)\r20 - الافتراش في جلوسه بين سجدتيه، وفي جلوس تشهد أول: بأن يجلس على يسراه، وينْصِبَ يمناه (7) .والحكمة: أن المصلي مستوفز للحركة غالباً، والحركة عن الافتراش أهون.\r-------------------------------\r(1) رواه الترمذي وحسنه.\r(2) رواه بلا تثليث مسلم، ورواه أبو داود بالتثليث.\r(3) الأول رواه أبو داود وصححه النووي. والضم والنشر رواه البخاري.\r(4) ثبت في الأحاديث الصحيحة.\r(5) رواه البخاري.\r(6) روى بعضه أبو داود، وباقيه ابن ماجه.\r(7) رواه الترمذي وصححه في الجلوس بين السجدتين، ورواه البخاري في جلوس التشهد.","part":2,"page":112},{"id":804,"text":"14 - أن يضع في سجوده ركبتيه، ثم يديه، ثم جبهته وأنفه (1) .\r15 - التسبيح في السجود ثلاثاً: «سبحان ربي الأعلى» (2) مع إضافة «وبحمده» وهو أدنى الكمال.\r16 - وضع يديه حِذْو منكبيه في السجود، وضم أصابعه منشورة نحو القبلة (3) .\r17 - مجافاة الرجل عضديه عن جنبيه، وبطنه عن فخذيه في ركوعه وسجوده. أما المرأة والخنثى فلا يجافيان، بل يضمان بعضهما إلى بعض؛ لأنه أستر لها، وأحوط للخنثى. ويسن أيضاً تفرقة ركبتيه وكذا قدميه بشبر (4) .\r18 - توجيه المصلي رجلاً كان أو غيره أصابع رجليه نحو القبلة (5) .\r19 - الدعاء في الجلوس بين السجدتين: بأن يقول: ( ربي اغفر لي وارحمني، واجبرني، وارفعني، وارزقني واهدني وعافني ) (6)\r20 - الافتراش في جلوسه بين سجدتيه، وفي جلوس تشهد أول: بأن يجلس على يسراه، وينْصِبَ يمناه (7) .والحكمة: أن المصلي مستوفز للحركة غالباً، والحركة عن الافتراش أهون.\r21- جلوس استراحة: بعد سجدة ثانية يقوم عنها مفترشاً (8) ، وذلك بقدر الطمأنينة، ولا يضر زيادتها على قدر الجلوس بين السجدتين على المعتمد. ويأتي بها المأموم وإن تركها الإمام.\r22- الاعتماد على الأرض بيديه عند قيامه من جلوسه (9) ، أو سجوده؛ لأنه أبلغ في الخشوع والتواضع، وأعون للمصلي.\r23- رفع يديه عند قيامه من تشهد أول (10) .\r24- تورك في التشهد الأخير: بأن يلصق وركه الأيسر بالأرض، وينصب رجله اليمنى (11)، إلا أن يريد سجود سهو، أو يطلق بأن لم يرده ولا عدمه، فيفترش، لاحتياجه إلى السجود بعد.\r25- وضع يديه على فخذيه، وقبض أصابع يده اليمنى، إلا المسبّحة، فيشير بها منحنية عند (( إلا الله )) بلا تحريك، وينشر أصابع اليسرى مضمومة (12).\r26- ألا يجاوز بصرُه إشارته بالمسبحة (13).\r27- التعوّذ من العذاب بعد التشهد الأخير (14)، ويسن الدعاء بغير ذلك كاللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت وما أسررت وما أعلنت وما أسرفت، وما أنت أعلم به مني، أنت المقدم وأنت المؤخر، لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك. اللهم إني ظلمت نفسي ظلماً كثيراً كبيراً، ولا يغفر الذنوب إلا أنت فاغفر لي مغفرة من عندك وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم.\r-------------------------------\r(1) رواه الترمذي وحسنه.\r(2) رواه بلا تثليث مسلم، ورواه أبو داود بالتثليث.\r(3) الأول رواه أبو داود وصححه النووي. والضم والنشر رواه البخاري.\r(4) ثبت في الأحاديث الصحيحة.\r(5) رواه البخاري.\r(6) روى بعضه أبو داود، وباقيه ابن ماجه.\r(7) رواه الترمذي وصححه في الجلوس بين السجدتين، ورواه البخاري في جلوس التشهد.\r(8) رواه البخاري في الاستراحة. وأما الافتراش فرواه الترمذي وقال: حسن صحيح.\r(9) رواه البخاري.\r(10) رواه الشيخان.\r(11) رواه البخاري.\r(12) رواه مسلم إلا (( عدم التحريك )) فأبو داود.\r(13) رواه أبو داود بإسناد صحيح.\r(14) لخبر مسلم السابق : (( إذا تشهد أحدكم فليستعذ بالله من أربع، فيقول: اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر، وعذاب النار، ومن فتنة المحيا والممات، ومن فتنة المسيح الدجال )).","part":2,"page":113},{"id":805,"text":"29،28 - التسليمة الثانية (1) ، ونية الخروج من الصلاة من أول التسليمة الأولى، فلو نوى الخروج قبل ذلك، بطلت صلاته، وإن نواه في أثنائها أو بعدها لم تحصل السنة.\r30 - تحويل وجهه يميناً وشمالاً في تسليمتيه، حتى يرى في الأولى خده الأيمن، وفي الثانية خده الأيسر (2) . وينوي السلام على من عن يمينيه وشماله ومحاذيه من ملائكة ومؤمني إنس وجن. ويسن أن يدرج السلام ولا يمده، وأن يسلم المأموم بعد سلام الإمام، ولو قارنه جاز كبقية الأركان إلا تكبيرة الإحرام.\r31 - الاستياك ولو بِخرقة لا أصبعه عند قيامه إلى الصلاة (3) ولو لفاقد الطهورين إلا بعد الزوال للصائم، فيكره له. وقد سبق تفصيل الكلام في السواك، وهو من السنن الخارجة عن الصلاة.\r32 - الخشوع في الصلاة كلها: وهو حضور القلب وسكون الجوارح: بأن يستحصر أنه بين يدي الله تعالى، وأن الله مطلع عليه، لقوله تعالى: {قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون} [المؤمنون:1/23-2]، وقوله صلّى الله عليه وسلم : «ما من عبد مسلم يتوضأ فيحسن وضوءه، ثم يقوم فيصلي ركعتين يقبل عليهما بوجهه وقلبه إلا وجبت له الجنة» (4) وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: «أن النبي صلّى الله عليه وسلم رأى رجلاً يعبث بلحيته في الصلاة، فقال: لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه» (5) .\r33 - تدبر القراءة: أي تأملها؛ لأن بذلك يحصل مقصود الخشوع والأدب، قال تعالى: {أفلا يتدبرون القرآن، أم على قلوب أقفالها} [سورة سيدنا محمد:24/47]ويسن ترتيل القراءة: وهو التأني فيها، ويكره تركه والإسراع في القراءة.\rويسن للقارئ في الصلاة وخارجها إذا مر بآية رحمة أن يسأل الله الرحمة، أو بآية عذاب أن يستعيذ منه (6) ، أو بآية تسبيح أن يسبح، أو بآية مَثَل أن يتفكر. وإذا قرأ: {أليس الله بأحكم الحاكمين} [التين:8/95]، قال: بلى، وأنا على ذلك من الشاهدين؛ وإذا قرأ: {فبأي حديث بعده يؤمنون} [المرسلات:50/77] قال: آمنت بالله ؛ وإذا قرأ: {فمن يأتيكم بماء معين؟ } [الملك:30/67]، قال: الله رب العالمين.\r34 - تدبر الذِّكر: قياساً على القراءة.\r35 - دخول الصلاة بنشاط وفراغ قلب من الشواغل الدنيوية: للذم على ترك الأول، قال تعالى في صفة المنافقين: {وإذا قاموا إلى الصلاة، قاموا كسالى} [النساء:142/4]، والكسل: الفتور عن الشيء والتواني فيه، وضده النشاط، ولأن فراغ القلب أعون على الخضوع والخشوع.\r-------------------------------\r(1) رواه مسلم.\r(2) رواه ابن حبان في صحيحه.\r(3) لخبر الصحيحين السابق: «لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة» أي أمر إيجاب.\r(4) رواه مسلم.\r(5) رواه الترمذي : وهو ضعيف.\r(6) روى أحمد عن عائشة قالت: «كنت أقوم مع رسول الله صلّى الله عليه وسلم ليلة التمام، فكان يقرأ سورة البقرة وآل عمران والنساء، فلا يمر بآية فيها تخويف إلا دعا الله عز وجل واستعاذ، ولا يمر بآية فيها استبشار إلا دعا الله عز وجل ورغب إليه» (نيل الأوطار:323/2).","part":2,"page":114},{"id":806,"text":"ويكره أن يفكر في صلاته في أمر دنيوي أو مسألة فقهية. أما التفكر في أمور الآخرة، فلا بأس به، وأما فيما يقرؤه فمستحب.\r36 - تنبيه الإمام على الخطأ في صلاته ونحو ذلك (1) :\rيسن للرجل الذي نابه شيء في صلاته، كتنبيه إمامه لنحو سهو، وإذنه لداخل استأذن في الدخول عليه، وإنذاره أعمى مخافة أن يقع في محذور أو نحو ذلك كغافل وغير مميز، ومن قصد ظالم أو نحوسبع: أن يسبح فيقول: «سبحان الله » بشرط ألا يقصد التنبيه وحده، وإلا بطلت الصلاة.\rوأما المرأة: فتصفق بضرب بطن اليمين على اليسار، أو عكسه.\rوالدليل هو خبر الصحيحين: «من نابه شيء في صلاته، فليسبح، وإنما التصفيق للنساء» (2) ومثلهن الخناثى..\rوهذه سنة متفق عليها، إلا أن المالكية قالوا: الشأن لمن نابه شيء وهو يصلي التسبيح ( سبحان الله ) ويكره التصفيق للمرأة.\rالأمور التي تخالف فيها المرأة الرجل في الصلاة: ذكر الشافعية أربعة أمور تخالف فيها المرأة الرجل في الصلاة يمكن ملاحظتها مما سبق، وهي ما يأتي (3) :\r1ً - الرجل يجافي مرفقيه عن جنبيه، ويرفع بطنه عن فخذيه في الركوع والسجرد.والمرأة تضم بعضها إلى بعض، فتلصق بطنها بفخذيها وتضم ركبتيها وقدميها في ركوعها وسجودها؛ لأنه أستر لها.\r-------------------------------\r(1) مغني المحتاج:197/1 ومابعدها، المغني:17/2ومابعدها، كشاف القناع:444/1، فتح القدير:285/1، الشرح الصغير:342/1.\r(2) رواه أيضاً النسائي وأبو داود (نيل الأوطار:320/2).\r(3) حاشية الباجوري:178/1-181.","part":2,"page":115},{"id":807,"text":"2ً - يجهر الرجل في موضع الجهر، ويسر في موضع الإسرار، كما بينا سابقاً، وتخفض المرأة صوتها إن صلت بحضرة الرجال الأجانب، بحيث لا يسمعها من صلت بحضرته من الأجانب، دفعاً للفتنة، وإن كان الأصح أن صوتها ليس بعورة، فلا يحرم سماع صوت المرأة ولو مغنية، إلا عند خوف الفتنة، بأن كان لو اختلى الرجل بها، لوقع بينهما مُحرَّم.\r3ً - إذا ناب الرجل شيء في الصلاة سبَّح، فيقول: «سبحان الله » بقصد الذكر فقط أو مع الإعلام، أو أطلق، ولا تبطل صلاته، لكن إن قصد الإعلام فقط بطلت صلاته.\rأما المرأة إذا نابها شيء في الصلاة، فتصفق، وإن كانت خالية عن الرجال الأجانب على المعتمد، بضرب بطن اليمين على ظهر الشمال، فلو ضربت بطناً ببطن بقصد اللعب، ولو قليلاً، مع علم التحريم، بطلت صلاتها، فلو لم تقصد اللعب لم تبطل صلاتها. والخنثى كالمرأة في التصفيق والضم وغيرهما.\rولا يضر التصفيق وإن كثر وتوالى حيث كان بقدر الحاجة. وكذا لو صفق الرجل فإنه لا يضر وإن كثر وتوالى، ولا تبطل الصلاة؛ لأن الفعل خفيف، فأشبه تحريك الأصابع في سبحة، أو لنحو جرب.\rولا تبطل الصلاة بالتصفيق ولو بقصد الإعلام، ولو من الرجل على المعتمد، بخلاف التسبيح بقصد الإعلام فإنه يبطل الصلاة؛ لأن التسبيح لفظ يصلح لقصد الذكر، والتصفيق فعل لا يصلح له.\rأما التصفيق خارج الصلاة فيكره بلا قصد اللعب على المعتمد عند الرملي، ولو بقصد اللعب على المعتمد عند ابن حجر، وذلك منعاً من التشبه بالعرب في الجاهلية: {وما كان صلاتُهم عند البيت إلا مُكاءً وتصدية، فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون} (1) .\r4ً - عورة الرجل: ما بين سرته وركبته في الصلاة والطواف وأمام الرجال الأجانب والنساء المحارم. أما عند النساء الأجانب فعورته جميع بدنه، وعورته في الخلوة: السوأتان فقط. والأمة كالرجل.\r-------------------------------\r(1) الآية35 من الأنفال. والمكاء: الصفير، والتصدية: التصفيق.","part":2,"page":116},{"id":808,"text":"وليست السرة والركبة من العورة، لكن يجب ستر جزء منهما ليتحقق ستر العورة، من باب ما لا يتم الواجب إلا به، فهو واجب.\rوجميع بدن المرأة الحرة في الصلاة عورة إلا وجهها وكفيها، أما خارج الصلاة فعورتها جميع البدن.\rمذهب الحنابلة:\rسنن الصلاة عندهم ثلاث وسبعون، وهي قسمان: قولية وفعلية (1) . السنن القولية سبع عشرة، وقد ذكرناها في بدء البحث، والسنن الفعلية ست وخمسون تقريباً أهمها ما يأتي، علماً بأنهم كالشافعية لا يفرقون بين السنة والمندوب والمستحب.\r1، 2، 3 - رفع اليدين عند تكبيرة الإحرام: بأن تكون مبسوطة (ممدودة الأصابع)مضمومة الأصابع،مستقبل القبلة ببطونها إلى حذو منكبيه عند الإحرام.\r4 - جهر الإمام بتكبيرة الإحرام، بحيث يسمع المأمومون ليكبروا، فإنهم لا يجوزون التكبير إلا بعد تكبيره.\r5، 6 - رفع اليدين على الهيئة السابقة عند الركوع وعند الرفع من الركوع، وحطهما عقب ذلك.\r7، 8 - وضع اليمين على كوع (2) الشمال، حال القيام والقراءة، وجعلهما تحت سرته بعد إحرامه.\r9 - نظر المصلي إلى موضع سجوده حال قيامه.\r10، 11 - ترتيل القراءة والتخفيف فيها للإمام، للحديث السابق: «من أم بالناس فليخفف» .\r12، 13 - إطالة الركعة الأولى، وتقصير الركعة الثانية في غير صلاة الخوف.\r14 - تفريج المصلي بين قدميه حال قيامه يسيراً.\r15، 16 - قبض ركبتيه بيديه حال الركوع، مفرجتي الأصابع.\r17، 18 - مد ظهره مستوياً، وجعل رأسه حيال ظهره، فلا يخفضه ولا يرفعه.\r19 - مجافاة عضديه عن جنبيه في الركوع.\r20، 21 - البدء في سجوده بوضع ركبتيه قبل يديه، ورفع يديه أولاً في القيام من السجود.\r22، 23 - تمكين كل أعضاء السجود من الأرض، أي تمكين كل جبهته،\r-------------------------------\r(1) كشاف القناع:450/1،457-460، المغني:462/1-559.\r(2) الكوع: هو العظم الذي يلي إبهام اليد، والبوع: العظم الذي يلي إبهام الرجل، والكرسوع: العظم الذي يلي خنصر اليد، والرسغ: المفصل بين الكف والساعد.","part":2,"page":117},{"id":809,"text":"وكل أنفه وأطرافه، ومباشرة المصلَّى بيديه وجبهته بأن لا يكون ثم حائل متصل به، وعدم المباشرة بركبتيه.\r24 - مجافاة عضديه عن جنبيه، وبطنه عن فخذيه، وفخذيه عن ساقيه في السجود.\r25 - التفريق بين ركبتيه في سجوده، ونصب قدميه، وجعل بطون أصابعهما على الأرض مفرقة في السجود وفي الجلوس بين السجدتين أو للتشهد.\r26 - وضع يديه في السجود حذو منكبيه، مبسوطة الأصابع.\r27 - توجيه أصابع يديه في السجود مضمومة نحو القبلة.\r28 - القيام من السجود إلى الركعة الثانية على صدور قدميه، معتمداً بيديه على ركبتيه في النهوض لبقية صلاته، إلا أن يشق عليه، فيعتمد على الأرض.\r29، 30، 31 - الافتراش في الجلوس بين السجدتين وفي التشهد الأول، والتورك في التشهد الثاني.\r32 - 35 - وضع اليدين على الفخذين، مبسوطتين، مضمومتي الأصابع، مستقبلاً بها القبلة، في الجلوس بين السجدتين، وفي التشهد الأول والثاني.\r36 - قبض الخنصر والبنصر من يده اليمنى، وتحليق إبهامه مع الوسطى في التشهد مطلقاً.\r37 - الإشارة بالسبابة عند ذكر الله تعالى في التشهد.\r38، 39 - ضم أصابع اليسرى في التشهد، وجعل أطراف أصابعها جهة القبلة.\r40- الإشارة بوجهه نحو القبلة في ابتداء السلام.\r41، 42- الالتفات يميناً وشمالاً في تسليمه، وزيادة التفات اليمين على الشمال.\r43- أن ينوي بسلامه الخروج من الصلاة، كما قال الشافعية.\r44- الخشوع في الصلاة: للآية السابقة: {الذين هم في صلاتهم خاشعون }[المؤمنون:2/23]\rوللحديث السابق وقول النبي صلى الله عليه وسلم في العابث بلحيته: « لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه »\rوالخشوع: معنى يقوم في االنفس يظهر منه سكون الأطراف.\rوالمرأة فيما فيما تقدم كالرجل إلا أنها لا يسن لها المجافاة السابقة في الركوع والسجود، بل السنة لها أن تجمع نفسها، وتجلس مسدلة رجلها عن يمينها، وهو الأفضل. ويجب عليها الإسرار بالقراءة إن كان يسمعها أجنبي. والخنثى المشكل كالأنثى.\rالمبحث الثاني ـ سنن الصلاة الخارجة عنها:\rللصلاة سنن قبلها كالاستياك والأذان والإقامة، واتخاذ السترة، وهنا نبحث الأخير وقد سبق بحث ما قبله:\r1- تعريف سترة المصلي:\rهي ما يجعله المصلي أمامه لمنع المرور بين يديه.\r2- حكم سترة المصلي:\rهي سنة مشروعة، لقوله صلى الله عليه وسلم: « إذا صل أحدكم فليصل إلى سترة، ولْيَدْن منها، ولا يدع أحداً يمر بين يديه، فإن جاء أحد يمر، فليقاتله، فإنه شيطان » (1)\rوليست واجبة باتفاق الفقهاء؛ لأن الأمر باتخاذها للندب، إذ لا يلزم من عدمها بطلان الصلاة وليست شرطاً في الصلاة، ولعدم التزام السلف اتخاذها، ولو كان واجباً لالتزموه، ولأن الإثم على المار أمام المصلي، ولو كانت واجبة لأثم المصلي، ولأن «النبي صلّى الله عليه وسلم صلى في فضاء ليس بين يديه شيء» رواه البخاري.\r3 - وحكمتها:\rمنع المرور أمام المصلي بين يديه، مما يقطع خشوعه، وتمكين المصلي من حصر تفكيره في الصلاة، وعدم استرساله في النظر إلى الأشياء، وكف بصره عما وراء سترته لئلا يفوت خشوعه.\r-------------------------------\r(1) رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه عن أب سعيد الخدري ( نصب الراية: 2/80) .","part":2,"page":118},{"id":810,"text":"4 - آراء الفقهاء في السترة:\rللفقهاء رأيان في اتخاذها مطلقاً أو في حالة خشية مرور أحد: فقال المالكية والحنفية (1) : السترة في الفرض أو النفل مندوبة للإمام والمنفرد إن خشيا مرور أحد بين يديهما في محل سجودهما فقط، وأما المأموم فسترة الإمام سترة له؛ لأنه عليه السلام صلى ببطحاء مكة إلى عَنَزة (2) ، ولم يكن للقوم سترة (3) . ولا بأس بترك السترة إذا أمن المصلي المرور، ولم يواجه الطريق. فالمستحب لمن صلى بالصحراء أن ينصب بين يديه عوداً أو يضع شيئاً، ويعتبر الغرز دون الإلقاء والخط؛ لأن المقصود وهو الحيلولة بينه وبين المار لا يحصل به.\r-------------------------------\r(1) فتح القدير:288/1 ومابعدها، الدر المختار:610/1، البدائع:317/1، الشرح الصغير:334/1، القوانين الفقهية: ص56 هذا وقد ذكر الدردير أن المعتمد استحباب السترة. وذكر غيره أن المشهور السنية عند المالكية (الشرح الكبير:244/1).\r(2) العنزة: أطول من العصا، وأقصر من الرُّمح.\r(3) أخرجه البخاري ومسلم عن أبي جحيفة عن أبيه «أن النبي صلّى الله عليه وسلم صلى بهم بالبطحاء، وبين يديه عنزة، والمرأة والحمار يمرون من ورائها» (نصب الراية:84/1).","part":2,"page":119},{"id":811,"text":"وقال الشافعية والحنابلة (1) : يستحب للمصلي أن يصلي إلى سترة، سواء أكان في مسجد أم بيت، فيصلي إلى حائط أو سارية (عمود)، أم في فضاء، فيصلي إلى شيء شاخص بين يديه كعصا مغروزة أو حربة، أو عرض البعير أو رحله عند الحنابلة، فإن لم يجد خطَّ خطاً قبالته، أو بسط مصلَّى كسجادة كما ذكر الشافعية.\rودليلهم حديث أبي جحيفة: «أن النبي صلّى الله عليه وسلم ركزت له العَنَزة، فتقدم وصلى الظهر ركعتين، يمر بين يديه الحمار والكلب، لا يمنع» (2) وحديث طلحة بن عبيدالله قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم : «إذا وضع أحدكم بين يديه مثل مُؤَخَّرة الرحل، فليصل، ولا يبال من مر وراء ذلك» (3) .\rوسترة الإمام سترة لمن خلفه بالاتفاق؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلم صلى إلى سترة، ولم يأمر أصحابه بنصب سترة أخرى، كما ذكر في رأي المالكية والحنفية.\rوفي حديث عن ابن عباس قال: «أقبلت راكباً على حمار أتان، والنبي صلّى الله عليه وسلم يصلي بالناس بمنى إلى غير جدار، فمررت بين يدي بعض أهل الصف، فنزلت، فأرسلت الأتان ترتع، فدخلت في الصف، فلم ينكر علي أحد» (4) .\rوذكر الحنابلة: أنه لا بأس أن يصلي بمكة إلى غير سترة، فقد روي عن النبي صلّى الله عليه وسلم فيما ذكر أحمد ـ «أنه صلى ثَمَّ، ليس بينه وبين الطواف سترة» أي كأن مكة مخصوصة.\r-------------------------------\r(1) مغني المحتاج:200/1، المغني:237/1-244، شرح الحضرمية: ص56 ومابعدها.\r(2) متفق عليه.\r(3) أخرجه مسلم.\r(4) متفق عليه.","part":2,"page":120},{"id":812,"text":"5 - صفة السترة وقدرها:\rللفقهاء آراء متقاربة في ذلك فقال الحنفية: أدنى السترة طول ذراع (2،46سم) فصاعداً وغلظ أصبع، لقوله صلّى الله عليه وسلم : «إذا جعلت بين يديك مثل مؤخرة الرحل، فلا يضر ك من مر بين يديك» (1) وقدرت العنزة التي كان يصلي إليها النبي صلّى الله عليه وسلم في الصحراء بذراع طولاً. ويعتبر الغرز دون الإلقاء والخط كما بينا. ويجوز عندهم الاستتار بظهر آدمي جالس أو قائم، أو بدابة لا إلى مصحف أو سيف، وحيلة الراكب: أن ينزل فيجعل الدابة بينه وبين المصلي، فتصير سترة، فيمر. ومن احتاج إلى المرور بين يدي المصلي، ألقى شيئاً بين يدي المصلي، ثم يمر من ورائه.\rوقال المالكية أيضاً: أقلها طول الذراع في غلظ الرمح، بشرط أن تكون بشيء ثابت، طاهر، وكره النجس، لا يشوش القلب، فلا يستر بصبي لا يثبت، ولا بامرأة، ولا إلى حلقة المتكلمين، ولا بسوط وحبل ومنديل ودابة غير مربوطة، ويجوز الاستتار بالإبل والبقر والغنم المربوطة؛ لأنها عندهم طاهرة الفضلة، ولايجوز الاستتار بخط في الأرض ولا حفرة. بدليل ما روي عن ابن عمر: «أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم كان إذا خرج يو م العيد، يأمر بالحربة، فتوضع بين يديه، فيصلي إليها الناس وراءه، وكان يفعل ذلك في السفر» (2) وعن أبي جحيفة قال: «وبين يديه عَنَزة» وهي عصا قصيرة فيها زُجّ (3) . وأما حديث أبي هريرة في الخط فهو ضعيف مضطرب (4) .\rويكره عندهم الاستتار بظهر امرأة أجنبية أو كافر، ويجوز من غير كراهة الاستتار برجل غير كافر، أو بامرأة محرم على الراجح.\rوقال الشافعية: يستحب أن يصلي إلى شاخص قدر ثلثي ذراع طولاً وإن لم يكن له عرض كسهم، لخبر: «استتروا في صلاتكم ولو بسهم» (5) ، ولا يستتر بدابة.\rوقال الحنابلة كالحنفية والمالكية: قدر السترة في طولها ذراع أو نحوه، وأما قدرها في الغلظ والدقة فلا حد له عندهم، فيجوز أن تكون دقيقة كالسهم والحربة، وغليظة كالحائط، فإن النبي صلّى الله عليه وسلم كان يستتر بالعنزة.\rواستدل الشافعية والحنابلة على إجزاء الخط بحديث أبي هريرة عن النبي صلّى الله عليه وسلم أنه قال: «إذا صلى أحدكم، فليجعل تلقاء وجهه شيئاً، فإن لم يجد فلينْصِب عصاً، فإن لم يكن معه عصا، فليخط خطاً، ولا يضره ما مر بين يديه» (6) .\r-------------------------------\r(1) أخرجه مسلم عن طلحة بن عبيد الله ، وأخرج أيضاً عن أبي ذر، قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم : «إذا قام أحدكم يصلي، فإنه يستره إذا كان بين يديه مثل آخرة الرحل» .\r(2) متفق عليه (نيل الأوطار:2/3).\r(3) الزج: الحديدة التي في أسفل الرمح.\r(4) انظر نيل الأوطار:4/3.\r(5) رواه الحاكم وقال: على شرط مسلم.\r(6) رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه وابن حبان وصححه، والبيهقي، وصححه أحمد وابن المديني. وأشار إلى ضعفه سفيان بن عيينة والبغوي وغيرهم، وأورده ابن الصلاح مثالاً للمضطرب ، قال ابن حجر: ونوزع في ذلك (نيل الأوطار:4/3).","part":2,"page":121},{"id":813,"text":"وصفة الخط عند الشافعية: أنه مستقيم طولاً. وعند الحنابلة: أنه مثل الهلال عرضاً كالقنطرة، وقال بعض الحنابلة: كيفما خطه أجزأه، إن شاء معترضاً وإن شاء طولاً.\rوإن كان معه عصا، فلم يمكنه نصبها، ألقاها عند الجمهور عرضاً؛ لأن هذا في معنى الخط، فيقوم مقامه. وقال المالكية: لا بد من وضعها منصوبة.\rوأجاز الحنابلة أن يستتر ببعير أو حيوان أو إنسان، وفعله ابن عمر وأنس، بدليل ماروى ابن عمر: «أن النبي صلّى الله عليه وسلم صلَّى إلى بعير» (1) وفي لفظ: «كان رسول الله صلّى الله عليه وسلم يعرض راحلته، ويصلي إليها» قال: قلت: فإذا ذهب الركاب؟ قال: يعرض الرحل، ويصلي إلى آخرته، فإن استتر بإنسان، فلا بأس، فإنه يقوم مقام غيره من السترة. وعن نافع قال: «كان ابن عمر إذا لم يجد سبيلاً إلى سارية من سواري المسجد، قال: ولّني ظهرك» .\rوروي عن حميد بن هلال قال: «رأى عمر بن الخطاب رجلاً يصلي، والناس يمرون بين يديه، فولاه ظهره، وقال بثوبه هكذا، وبسط يديه هكذا، وقال: صل ولاتعجل» (2) .\rوالخلاصة: يصح الاستتار بظهر آدمي أو امرأة عند الحنفية والمالكية، وقال الحنابلة: يصح الاستتار بالآدمي مطلقاً بظهره أو غيره، وقال الشافعية: لا يصح الاستتار بالآدمي مطلقاً، ويصح عند الجمهور الاستتار بسترة مغصوبة ولا يصح بها وتكره الصلاة إليها عند الحنابلة، ويصح الاستتار عند الجمهور بالسترة النجسة، ولا يصح ذلك عند المالكية، ويصح بالاتفاق الاستتار بجدار.\r6 - استقبال وجه الإنسان أو الصلاة إلى نار أو صورة أو امرأة تصلي (3) :\rاتفق الفقهاء على أنه يكره أن يصلي مستقبلاً وجه إنسان؛ لأن عمر رضي الله عنه أدَّب على ذلك، وفي حديث عائشة: «أن النبي صلّى الله عليه وسلم كان يصلي حذاء وسط السرير، وأنا مضطجعة بينه وبين القبلة، تكون لي الحاجة، فأكره أن أقوم، فاستقبله، فأنسل انسلالاً» (4) ، وأنه شبه السجود لذلك الشخص. والكراهة فيه عند الحنفية تحريمية.\r-------------------------------\r(1) رواه البخاري ومسلم.\r(2) رواهما البخاري بإسناده.\r(3) المغني:242/1 ومابعدها، المهذب:69/1.\r(4) متفق عليه.","part":2,"page":122},{"id":814,"text":"ويكره اتفاقاً أن يصلي إلى نار من تنور، وسراج وقنديل وشمع ومصباح ونحوها؛ لأن النار تعبد من دون الله ، فالصلاة إليها تشبه الصلاة لها.\rوتكره الصلاة إلى صورة منصوبة في وجهك؛ لأن الصورة تعبد من دون الله، وقد روي عن عائشة قالت: «كان لنا ثوب فيه تصاوير، فجعلته بين يدي رسول الله صلّى الله عليه وسلم وهو يصلي، فنهاني: أو قالت: كره ذلك» (1) ولأن التصاوير تشغل المصلي بالنظر إليها، وتذهله عن صلاته، قال أحمد: يكره أن يكون في القبلة شيء معلق، مصحف أو غيره، ولا بأس أن يكون موضوعاً على الأرض. وقال الحنفية: لا بأس بأن يصلي وبين يديه مصحف معلق أو سيف معلق؛ لأنهما لا يعبدان. ولا بأس أن يصلي على بساط فيه تصاوير، لاستهانته بها.\rويكره أن يصلي، وأمامه امرأة تصلي، لقول النبي صلّى الله عليه وسلم : «أخروهن من حيث أخرهن الله » (2) . أما في غير الصلاة، فلا يكره لخبر عائشة المتقدم. وروى أبو حفص بإسناده عن أم سلمة قالت: «كان فراشي حيال مصلَّى النبي صلّى الله عليه وسلم » .\r7 - مدى بُعْد السترة عن المصلي:\rيستحب عند الجمهور أن يقرب من سترته قدر ثلاثة أذرع فأقل من ابتداء قدميه، لحديث بلال: «أن النبي صلّى الله عليه وسلم دخل الكعبة، فصلى وبينه وبين الجدار نحوٌ من ثلاثة أذرع» (3) وروى الاسماعيلي عن سلمة: «كان المنبر على عهد رسول الله صلّى الله عليه وسلم ليس بينه وبين حائط القبلة إلا قدر ما تمر العنز» وممر العنز: ثلاثة أذرع.\r-------------------------------\r(1) رواه عبد الرحمن بن أبي حاتم بإسناده.\r(2) أخرجه رزين (كنوز الحقائق للمناوي بهامش الجامع الصغير:12/1).\r(3) رواه أحمد والنسائي، ومعناه للبخاري من حديث ابن عمر (نيل الأوطار: 3/3).","part":2,"page":123},{"id":815,"text":"وقال المالكية: يجعل بينه وبينها قدر ممر الهر أو الشاة، وقيل: ثلاثة أذرع. للحديث المتفق عليه عن سهل بن سعد: «كان بين مصلى رسول الله صلّى الله عليه وسلم وبين الجدار ممر شاة» .\r8 - موقف المصلي من السترة:\rالسنة باتفاق المذاهب الأربعة: أن يميل المصلي عن السترة يميناً أو يساراً، بحيث لا يقابلها، ولا يصمُد لها صمداً (أي لا يجعلها تلقاء وجهه)، لما روى أبو داود عن المقداد بن الأسود، قال: «ما رأيت رسول الله صلّى الله عليه وسلم صلَّى إلى عود أو إلى عمود، ولا شجرة، إلا جعله على حاجبه الأيمن أو الأيسر، ولا يصمُد له صَمْداً» (1) .\r9 - المرور بين يدي المصلي:\rقال الحنفية (2) : يكره تحريماً المرور بين يدي المصلي، ويأثم المار في موضع سجود المصلي، إذا اتخذ سترة، دون أن يكون بينهما حائل كعمود أو جدار، وتحاذت بعض أعضاء المار أعضاء المصلي كمحاذاة رأس المار قدمي المصلي، وذلك إذا كان يصلي في الصحراء. ولو مر رجلان، فالإثم على من يلي المصلي.\r-------------------------------\r(1) الصمد: القصد (نيل الأوطار:5/3).\r(2) فتح القدير:287/1 ومابعدها، البدائع:217/1، رد المحتار:594/1.","part":2,"page":124},{"id":816,"text":"فإن مر إنسان فيما بعد موضع سجود المصلي، أو لم يكن المصلي متخذاً سترة، أو وجد حائل ولو ستارة، أو لم تتحاذ كل أعضاء المار مع أعضاء المصلي بأن مشى جانبه، أو مر في المسجد وراء السترة، لم يحرم المرور ولم يأثم المار؛ لأن المؤثم المرور بين يدي المصلي، ولأن المسجد كبقعة واحدة، ويجوز المرور بين يدي المصلي لسدّ فرجة في الصف.\rكذلك يكره للمصلي أن يتعرض بصلاته لمرور الناس بين يديه، بأن يصلي بدون سترة في طريق مثلاً، فيأثم بمرور الناس بين يديه بالفعل، لا بترك السترة، فلو لم يمر أحد لا يأثم؛ لأن اتخاذ السترة في ذاته ليس واجباً.\rومن الذي يأثم؟ المصلي أم المار؟ هناك صور أربع: الأولى: إثم المار وحده: أن يكون للمار مندوحة عن المرور بين يدي المصلي، ولم يتعرض المصلي لذلك، فيختص المار بالإثم إن مر. الثانية: إثم المصلي وحده: وهي عكس الأولى: أن يكون المصلي تعرض للمرور وليس للمار مندوحة عن المرور، فيختص المصلي بالإثم دون المار. الثالثة: أن يتعرض المصلي للمرور ويكون للمار مندوحة، فيأثمان. الرابعة: ألا يتعرض المصلي ولا يكون للمار مندوحة، فلا يأثم واحد منهما.\rوقال المالكية (1) : يأثم المار بين يدي المصلي فيما يستحقه من محل صلاته، سواء صلى لسترة أم لا، ما لم يكن محرماً بصلاة، فيجوز له المرور لسد فرجة بصف أو لغسل رعاف، وما لم يكن طائفاً بالبيت الحرام، فلا حرمة على الطائف والمصلي إذا مرّا بين يدي المصلي، ولو كان لهما مندوحة، أي سعة وطريق يمران فيهما. وحرمة المرور هذه إذا كان للمار مندوحة أي سعة وطريق آخر يمر فيه. فإن لم يكن له طريق إلا ما بين يدي المصلي، فلا إثم عليه إن احتاج للمرور، وإلا أثم.\rويأثم مصل تعرَّض بصلاته من غير سترة في محل يظن به المرور، ومرَّ بين يديه أحد.\r-------------------------------\r(1) الشرح الصغير:336/1.","part":2,"page":125},{"id":817,"text":"وقد يأثمان معاً إن تعرض بغير سترة، وكان للمار مندوحة.\rوقد يأثم أحدهما، فيأثم المصلي إن تعرض، ولا مندوحة للمار، ويأثم المار إن كان له مندوحة ولم يتعرض المصلي، أي إن قصر أحدهما دون الآخر أثم وحده.\rوقد لا يأثم واحد منهما إن اضطر المار، ولم يتعرض المصلي.\rوقال الشافعية (1) : الصحيح تحريم المرور إن اتخذ المصلي سترة، ولو لم يجد المار سبيلاً آخر، لخبر أبي جهم الأنصاري: «لو يعلم المار بين يدي المصلي (أي إلى السترة) ماذا عليه من الإثم، لكان أن يقف أربعين خريفاً، خيراً له من أن يمر بين يديه» (2) .\rويكره تعرض المصلي بصلاته في موضع يحتاج للمرور فيه.\rوقال الحنابلة (3) : يأثم المار بين يدي المصلي، ولو لم يكن له سترة، لحديث أبي جهم الأنصاري السابق. ويكره تعرض المصلي لمكان فيه مرور، كما قال الشافعية.\rالمرور أمام المصلي في أثناء الطواف: اتفق الفقهاء على أنه يجوز المرور بين يدي المصلي للطائف بالبيت أو داخل الكعبة أ و خلف مقام إبراهيم عليه السلام، وإن وجدت سترة، وأضاف الحنابلة أنه لا يحرم المرور بين يدي المصلي في مكة كلها وحرمها.\r-------------------------------\r(1) مغني المحتاج:200/1.\r(2) رواه الشيخان إلا ( من الإثم ) فالبخاري، وإلا ( خريفاً ) فالبزار، وانظر أحاديث السترة في ( شرح مسلم:216/4-228).\r(3) المغني:245/1 ومابعدها.","part":2,"page":126},{"id":818,"text":"10 - موضع حرمة المرور :\rقال الحنفية (1) : إ ن كان يصلي في الصحراء أو في مسجد كبير، فيحرم المرور في الأصح بين يديه، من موضع قدمه إلى موضع سجوده. وإن كان يصلي في بيت أو مسجد صغير (وهو ما كان أقل من أربعين ذراعاً على المختار)، فإنه يحرم المرور من موضع قدميه إلى حائط القبلة؛ لأنه كبقعة واحدة، إن لم يكن له سترة.\rفلو كانت له سترة لا يضر المرور وراءها.\rولا يجعل المسجد الكبير أو الصحراء كمكان واحد؛ لأنه لو جعل كذلك، لزم الحرج على المارة، فاقتصر على موضع السجود.\rوقال المالكية (2) : إن صلى لسترة حرم المرور بينه وبين سترته، ولا يحرم المرور من ورائها، وإن صلى لغير سترة، حرم المرور في موضع قيامه وركوعه وسجوده فقط.\rوقال الشافعية (3) : يحرم المرور فيما بين المصلي وسترته بقدر ثلاثة أذرع فأقل.\rوقال الحنابلة (4) : إن اتخذ المصلي سترة حرم المرور بينه وبينها ولو بعدت، وإن لم يتخذ سترة حرم المرور في مسافة بقدر ثلاثة أذرع من قدمه.\r-------------------------------\r(1) الدر المختار ورد المحتار:593/1.\r(2) الشرح الكبير:246/1، حاشية الصاوي على الشرح الصغير:335/1.\r(3) مغني المحتاج:200/1، المهذب:69/1، المجموع:230/3.\r(4) المغني:239/2، كشاف القناع:439/1.","part":2,"page":127},{"id":819,"text":"11 - دفع المار بين يدي المصلي :\rيرى أكثر العلماء أن للمصلي منع المار بين يديه ودفعه، لما ثبت في السنة من الأحاديث الصحيحة، منها ما رواه ابن عمر: أن النبي صلّى الله عليه وسلم قال: «إذا كان أحدكم يصلي، فلا يدع أحداً يمرّ بين يديه، فإن أبى فلْيقاتلْه، فإن معه القَرين» (1) .\rومنها حديث أبي سعيد الخدري، قال: سمعت النبي صلّى الله عليه وسلم يقول: «إذا صلَّى أحدكم إلى شيء يستُره من الناس، فأراد أحد أن يجتاز بين يديه، فليدفعه، فإن أبى فليقاتله، فإنما هو شيطان» (2) .\rولكن اختلف الفقهاء في أفضلية دفع المار:\rفقال الحنفية (3) : هو رخصة، والأولى تركه، والعزيمة ترك التعرض له. أما الأمر بمقاتلة المار، فكان في بدء الإسلام حين كان العمل في الصلاة مباحاً، فهو منسوخ.\rوإذا أراد الرجل الدفع عملاً بالرخصة: دفع بالإشارة، أو التسبيح، أو الجهر بالقراءة، ولا يزاد عليها، ويكره الجمع بينهما. وتدفع المرأة بالإشارة أو بالتصفيق لابباطن الكفين، وإنما ببطن اليمنى على ظهر اليسرى.\rودليل الدفع بالإشارة: ما فعله الرسول صلّى الله عليه وسلم بولدي أم سلمة رضي الله عنها (4) . ودليل الدفع بالتسبيح حديث: «من نابه شيء في صلاته فليسبح، فإنه إذا سبح التفت إليه وإنما التصفيق للنساء» (5) .\rوقال المالكية (6) : يندب للمصلي أن يدفع المار بين يديه دفعاً خفيفاً فإن كثر أبطل صلاته، ولو دفعه فأتلف له شيئاً، كما لو خرق ثوبه أو سقط منه مال، ضمن على المعتمد، ولو دفعه دفعاً مأذوناً فيه.\rوقال الشافعية والحنابلة (7) : يسن للمصلي أن يدفع المار بينه وبين سترته، عملاً بالأحاديث الثابتة المتقدمة، ويضمن المصلي المار إن قتله أو آذاه، هذا ولا يرد المار بين يدي المصلي في مكة والحرم، بدليل ماروى أحمد وأبو داود وابن ماجه والنسائي عن المُطّلِب بن وَدَاعة: «أنه رأى النبي صلّى الله عليه وسلم يصلِّي مما يلي باب بني سهم والناس يمرون بين يديه، وليس بينهما سُترة» .\r12 - هل المرور بين يدي المصلي يقطع الصلاة؟\rاتفق أئمة المذاهب الأربعة على أن المرور بين يدي المصلي لا يقطعها ولا يبطلها، وإنما ينقص الصلاة إذا لم يرده (8) ، لقول صلّى الله عليه وسلم : «لا يقطع صلاة المرء شيء، وادرؤوا ما استطعتم» (9) .\rوروي عن ابن مسعود: «أن ممر الرجل يضع نصف الصلاة، وكان عبد الله إذا مر بين يديه رجل التزمه حتى يرده» (10) . قال القاضي أبو يعلى الحنبلي: ينبغي أن يحمل نقص الصلاة على من أمكنه الرد، فلم يفعله، أما إذا رد فلم يمكنه الرد، فصلاته تامة، لأنه لم يوجد منه ما ينقص الصلاة، فلا يؤثر فيها ذنب غيره.\r-------------------------------\r(1) رواه أحمد ومسلم وابن ماجه. والقرين: الشيطان المقرون بالإنسان لا يفارقه (نيل الأوطار:5/3).\r(2) رواه الجماعة إلا الترمذي وابن ماجه. وإطلاق الشيطان على المار من الإنس ذائع شائع، والسبب هنا أنه فعل فعل الشيطان (المصدر السابق).\r(3) الدر المختار:596/1 ومابعدها، البدائع:217/1، فتح القدير:289/1 ومابعدها.\r(4) رواه ابن ماجه وابن أبي شيبة عن أم سلمة (نصب الراية:85/2).\r(5) أخرجه البخاري ومسلم عن سهل بن سعد (نصب الراية:75/2 ومابعدها).\r(6) القوانين الفقهية:ص56، حاشية الدسوقي على الشرح الكبير:246/1.\r(7) مغني المحتاج:200/1، المغني:245/2 ومابعدها، كشاف القناع:438/1 ومابعدها.\r(8) رد المحتار:593/1، القوانين الفقهية: ص56، المهذب:69/1، المغني:231/2، كشاف القناع:439/1.\r(9) رواه أبو داود بإسناد ضعيف من رواية أبي سعيد الخدري (المجموع:227/3، نصب الراية:76/3).\r(10) رواه البخاري بإسناده.","part":2,"page":128},{"id":820,"text":"وقال الإمام أحمد: لا يقطع الصلاة إلا الكلب الأسود البهيم (1) ، قال معاذ ومجاهد: الكلب الأسود شيطان، وهو يقطع الصلاة.\rوقال الظاهرية: يقطع الصلاة مرور المرأة والكلب والحمار، لحديث أبي هريرة: «يقطع الصلاة المرأة والحمار والكلب، ويقي ذلك مثل مؤخرة الرحل» (2) وحديث أبي ذر: «إذا قام أحدكم يصلي فإنه يستره مثل آخرة الرحل، فإذا لم يكن بين يديه مثل آخرة الرحل، فإنه يقطع صلاته الحمار والمرأة والكلب الأسود، قال عبد الله بن الصامت: يا أبا ذر، ما بال الكلب الأسود من الكلب الأحمر، من الكلب الأصفر؟ قال: يابن أخي، سألت رسول الله صلّى الله عليه وسلم كما سألتني، فقال: «الكلب الأسود شيطان» (3)\rواقتصر الحنابلة على بطلان الصلاة بمرور الكلب الأسود، لمعارضة هذين الحديثين بحديث الفضل بن عباس عند أبي داود المتضمن صلاة النبي صلّى الله عليه وسلم أمام حمار، وحديث عائشة السابق المتضمن صلاة الرسول عليه السلام وهي معترضة بينه وبين القبلة، وحديث ابن عباس المتفق عليه الذي مر راكباً على حمار، ثم نزل وترك الأتان ترتع بين الصفوف، فبقي الكلب الأسود خالياً عن معارض، فيجب القول به لثبوته، وخلوه عن معارض.\r-------------------------------\r(1) البهيم: الذي ليس في لونه شيء سوى السواد.\r(2) رواه أحمد ومسلم واللفظ له، وابن ماجه.\r(3) رواه الجماعة إلا البخاري، يعني أحمد ومسلماً وأصحاب السنن كلهم.","part":2,"page":129},{"id":821,"text":"ورد النووي على هذه الأحاديث الصحيحة لدى الحنابلة والظاهرية بما أجاب به الشافعي والخطابي والمحققون من الفقهاء والمحدثين: بأن المراد بالقطع القطع عن الخشوع والذكر، للشغل بها والالتفات إليها، لا أنها تفسد الصلاة (1) .\rتقديم العَشَاء على صلاة العشاء :\rإذا حضر العشاء في وقت الصلاة، فالمستحب عند الشافعية والحنابلة أن يبدأ بالعَشَاء قبل الصلاة إذا كانت نفسه تتوق إلى الطعام كثيراً، ليكون أفرغ لقلبه، وأحضر لباله، ولا يستحب أن يعجل عن عشائه أو غدائه. روى مسلم وغيره عن أنس أن النبي صلّى الله عليه وسلم قال: «إذا قُرِّب العَشَاء، وحضرت الصلاة فابدؤوا به قبل أن تصلوا صلاة المغرب، ولا تعجلوا عن عشائكم» وقالت عائشة: إني سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلم يقول: «لا صلاة بحضور طعام، ولا وهو يدافعه الأخبثان» أي البول والغائط. ولا فرق بين كون الصلاة جماعة أو غير جماعة، لما رواه مسلم عن ابن عمر: «إذا قرِّب عشاء أحدكم وأقيمت الصلاة، فابدؤوا بالعَشَاء، ولا يعجلن حتى يفرغ منه» أي وأقيمت الجماعة.\rوقال مالك: تبدأ الجماعة بالصلاة إلا أن يكون طعاماً خفيفاً (2) .\rالمبحث الثالث ـ صفة الصلاة أو كيفيتها :\rصفة صلاة رسول الله صلّى الله عليه وسلم :\rعن أبي حميد الساعدي أنه قال وهو في عَشَرة من أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلم ، أحدُهم أبو قتادة: أنا أعلمكم بصلاة رسول الله صلّى الله عليه وسلم ، قالوا: ماكنتَ أقدم منا له صُحبة، ولا أكثَرنا له إتياناً؟ قال: بلى، قالوا: فاعرض (3) ، فقال:\rكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام إلى الصلاة اعتدل قائماً، ورفع يديه، حتى يحاذي بهما مَنْكبيه، ثمَ يكبر، فإذا أراد أن يركع، رفع يديه، حتى يحاذي بهما مَنْكبيه، ثم قال: الله أكبر، وركع.\rثمّ اعتدل، فلم يُّصوِّب رأسه ولم يُقْنِع (4) ، ووضع يديه على ركبتيه، ثمّ قال: سمع الله لمن حمِدَه، ورفع يديه واعتدل، حتى يرجِع كل عظم في موضعه معتدلاً (5).\rثم هوى (6) إلى الأرض ساجداً، ثم قال: الله أكبر، ثم ثنى رجله وقعد عليها (7) ، واعتدل حتى يرجع كل عظم في موضعه، ثم نهض.\rثم صتع في الركعة الثانية مثل ذلك، حتى إذا قام من السجدتين، كبّر ورفع يديه حتى يحاذي بهما مَنْكبيه، كما صنع حين افتتح الصلاة، ثم صنع كذلك، حتى إذا كانت الركعة التي تنقضي فيها صلاته، أخَّر رجله اليسرى، وقعد على شقه متورِّكاً (8) ، ثمَّ سلَّم.\rقالوا: صدقت، هكذا صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ( 9) .\rويقول النبي صلى الله عليه وسلم: «صلوا كما رأيتموني أصّلي» (10) .\r-------------------------------\r(1) المجموع:232/3.\r(2) المغني:629/1.\r(3) عرض الكتاب: قرأه عن ظهر قلب.\r(4) أي لم يبالغ في خفضه وتنكيسه، ولم يرفعه حتى يكون أعلى من ظهره.\r(5) أي حتى يقر كل عظم في موضعه. وفي رواية البخاري : «حتى يعود كل فقار».\r(6) الهويّ: السقوط من علو إلى أسفل.\r(7) هذه تسمى قعدة الاستراحة.\r(8) التورك في الصلاة: القعود على الورك اليسرى، والوركان: فوق الفخذين، كالكعبين فوق العضدين.\r(9) رواه الخمسة إلا النسائي، وصححه الترمذي، ورواه البخاري مختصراً (نيل الأوطار: 1/184)\r(10) رواه البخاري عن مالك بن الحويرث ( سب السلام: 1/200) .","part":2,"page":130},{"id":822,"text":"توضيح كيفية الصلاة :\rيتبين من هذا الحديث ومما ذكرناه من شروط الصلاة وأركانها وسننها وآدابها ومندوباتها في المذاهب المختلفة أن صفة الصلاة على النحو التالي (1) :\rيراعي المصلي شروط الصلاة من ستر العورة وطهارة البدن والثوب والمكان وغيرهما، ثم يتوضأ للصلاة، ثم يؤذن لها ويقيم بعد دخول وقتها، ثم يستقبل القبلة، ثم يشرع في الصلاة ناوياً بقلبه، مكبراً للافتتاح، ويسن التلفظ بالنية عند الجمهور (غير المالكية)، قائلاً وجوباً بلا مد: «الله أكبر» جاهراً بها عند المالكية، رافعاً يديه مع ابتداء التكبير، مخرجاً كفيه من كميه، بخلاف المرأة، مفرجاً أصابعه عند الجمهور (غير الحنابلة)، مستقبلاً بها القبلة، محاذياً بإبهاميه شحمتي أذنيه عند الحنفية، وحذو منكبيه عند غيرهم وعند الحنفية للمرأة، كماثبت في السنة، ثم يضع عند الجمهور (غير المالكية) كفَّه اليمنى على اليسرى تحت سرته عند الحنفية والحنابلة، وتحت صدره عند الشافعية، ويرسلهما عند المالكية.\rوينظر المصلي إلى موضع سجوده، ثم يقرأ الثناء (2) عند الحنفية والحنابلة، والتوجه (3) عند الشافعية، ولا يقرؤهما عند المالكية، ثم يتعوذ سراً للقراءة بالاتفاق، ويسمي سراً عند الحنفية والحنابلة، ويجهر بالبسملة عند الشافعية، ولايسمي عند المالكية، ثم يقرأ الفاتحة، ويؤمِّن المصلي بعد {ولا الضالين} [الفاتحة:7/1] سراً عند المالكية والحنفية، جهراً عند الشافعية والحنابلة، ثم يقرأ\r-------------------------------\r(1) انظر اللباب شرح الكتاب:68/1-77، القوانين الفقهية: ص57-66، المهذب:70/1-80، كشاف القناع:381/1-459، مغني المحتاج:148/1-184، مراقي الفلاح: ص44-46.\r(2) وهو أن يقول:( سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك وتعالى جَدُّك، ولا إله غيرك).\r(3) وهو ( وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفاً مسلماً وما أنا من المشركين، إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين، لا شريك له وبذلك أمرت وأنا من المسلمين ).","part":2,"page":131},{"id":823,"text":"سورة أو آيات بعد الفاتحة من طوال المفصل في الفجر والظهر، ومن أوساطه في العصر والعشاء، وكذا في الظهر عند الحنابلة، ومن قصاره في المغرب، وكذا في العصر عند المالكية، ويجهر بالقراءة ليلاً، ويسر بها نهاراً.\rثم يكبر للركوع مع ابتداء الانحناء وينهيه بانتهائه، رافعاً يديه عند الجمهور غير الحنفية، آخذاً ركبتيه بيديه، مطمئناً، مفرجاً أصابعه، باسطاً ظهره مستقيماً، مسوياً رأسه بعجزه، غير رافع رأسه ولا خافضه، ناصباً ساقيه، مجافياً مرفقيه عن جنبيه، قائلاً ثلاثاً: (سبحان ربي العظيم) مع إضافة (وبحمده) عند غير الحنفية.\rثم يرفع رأسه من الركوع قائلاً:(سمع الله لمن حمده)، ويقول المقتدي فقط سراً عند الجمهور غير الشافعية: (ربنا لك الحمد)، ويجمع بينهما عند الشافعية كالإمام ولا يجهر بالتحميد، كما يجمع بينهما المنفرد عند المالكية. ويجمع بينهما الإمام عند الحنفية والحنابلة، ولا يحمد الإمام عند المالكية، رافعاً يديه عند غير الحنفية، مطمئناً بالاتفاق حال الاعتدال، ولا يرفع يديه عند الحنفية إلا في التكبيرة الأولى.\rثم يهوي للسجود واضعاً عند غير المالكية ركبتيه، ثم يديه، ثم جبهته وأنفه، ويقدم اليدين عند المالكية، ناصباً قدميه، موجهاً أصابعها نحو القبلة، واضعاً عند الحنفية وجهه بين كفيه، مجافياً بطنه عن فخذيه، وعضديه عن جنبيه، والمرأة لاتجافي؛ لأنه أستر لها، واضعاً عند غير الحنفية كفيه حذو منكبيه، ناشراً أصابعهما مضمومة للقبلة، معتمداً عليهما، مطمئناً في سجوده، ويقول ثلاثاً: (سبحان ربي الأعلى) ويضيف عند غير المالكية: (وبحمده).","part":2,"page":132},{"id":824,"text":"ثم يرفع رأسه مكبراً، ويجلس بين السجدتين مطمئناً، مفترشاً رجله اليسرى ويجلس عليها، ناصباً رجله اليمنى، واضعاً يديه على فخذيه، ويقول عند غيرالحنفية: ( رب اغفر لي ). ثم يكبر للسجود، ويسجد السجدة الثانية، كالأولى.\rثم يكبر للنهوض إلى الركعة الثانية، ويقوم عند الحنفية على صدور قدميه (1) ، ولا يقعد، ولا يعتمد بيديه على الأرض، وإنما يعتمد عندهم على ركبتيه إلا أن يشق عليه فيعتمد على الأرض، ولا يجلس للاستراحة عند غير الشافعية. ويعتمد بيديه على الأرض عند الشافعية والحنابلة، ويجلس للاستراحة ويرفع يديه حالة النهوض عند الشافعية.\rفإذا استوى قائماً لم يقرأ الاستفتاح بالاتفاق، وإنما يتعوذ سراً عند الشافعية والحنابلة، ولا يتعوذ عند الحنفية والمالكية، ولا يبسمل عند المالكية،وكذا عند الحنفية إذا كان إماماً، ويبسمل عند الجمهور، ويقرأ الفاتحة وسورة، ويقصر قراءة الركعة الثانية عن الأولى.\rثم يركع ويسجد كما فعل في الركعة الأولى، ويقنت في صلاة الصبح قبل الركوع عند المالكية وهو أفضل، ويجوز بعده، وبعده عند الشافعية، وبعده في الوتر في جميع السنة عند الحنابلة، كما سنبين.\rفإذا أتم السجدة الثانية من الركعة الثانية ، جلس للتشهد الأول مفترشاً عند الجمهور (غير المالكية) متوركاً عند المالكية، كما بينا، موجهاً أصابعه نحو القبلة، واضعاً يديه على فخذيه، باسطاً أصابعه عند الحنفية، باسطاً اليسرى، قابضاً ما عدا السبابة والإبهام عند المالكية، وما عدا السبابة فقط عند الشافعية، ويحلِّق الإبهام مع الوسطى عند الحنابلة. ويشير بالسبابة عند الحنفية عند قوله: ( لا إله ) ثم يضعها عندهم عند ( إلا الله )، ويشير في رأي الشافعية والحنابلة عند قوله: (إلا الله) بلا تحريك، ومع التحريك والإشارة بها من أول التشهد عند المالكية.\r-------------------------------\r(1) وذلك بأن يقوم وأصابع القدمين على هيئتها في السجود.","part":2,"page":133},{"id":825,"text":"ثم يقرأ التشهد بإحدى الصيغ الثلاث السابقة إلى قوله «عبده ورسوله» (1) ، دون أن يضم إليه عند الجمهور (غير الشافعية) أي زيادة في القعدة الأولى، ويضم إليه عند الشافعية الصلاة على النبي صلّى الله عليه وسلم فقط. أما في التشهد الأخير فيضم إليه الصلاة الإبراهيمة.\rويتورك عند غير الحنفية في التشهد الأخير، ثم يدعو عند الحنفية بالمأثور من القرآن والسنة، أو بما شاء عند الجمهور.\rثم يسلم عن يمينه وشماله في الصلاة الثنائية، قائلاً: ( السلام عليكم ورحمة الله) ويضيف عند المالكية ( وبركاته ) دون أن يمده مداً أي لا يطيله ويسرع فيه، لقوله صلّى الله عليه وسلم : «حذف التسليم سنة» (2) قال ابن المبارك: معناه ألا يمد مداً.\rفإن كانت الصلاة ثلاثية، أتى بركعة ثالثة، ثم يتشهد ويسلم، وإن كانت الصلاة رباعية، أتى بركعتين، ثم يتشهد ويسلم. ولا يقرأ غير الفاتحة في الفريضة في الركعتين الثالثة والرابعة، ويقرأ فيهما سورة عند الحنفية في النافلة وجميع ركعات الوتر، ولا يقرأ فيهما كالفرض سورة عند الشافعية.\r-------------------------------\r(1) صيغة التشهد عند الحنفية والحنابلة:( التحيات لله ، والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ) وعند المالكية: ( التحيات لله ، الزكيات لله ، الطيبات الصلوات لله ..الخ ما سبق). وعند الشافعية: ( التحيات المباركات الصلوات الطيبات لله ، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله ، وأشهد أن محمداً رسول الله).\r(2) رواه أحمد وأبو داود، ورواه الترمذي موقوفاً وصححه (نيل الأوطار:295/2).","part":2,"page":134},{"id":826,"text":"المبحث الرابع ـ مكروهات الصلاة :\rفيه أربعة مطالب: ما يكره في الصلاة، والأماكن التي تكره الصلاة فيها، مالايكره فعله، ما تحرم الصلاة فيه.\rوالكراهة عند الجمهور تنزيهية، وعند الحنفية إما تنزيهية: وهي خلاف الأولى. وإما تحريمية وهي المقصودة عند الإطلاق، وهي ما نهي عنه شرعاً بدليل ظني الثبوت وليس فيه صارف عن التحريم. فإن وجد الصارف له عن التحريم فهي تنزيهية.\rوترك السنة المؤكدة يكره تحريماً، وترك السنة غير المؤكدة كترك صلاة الضحى تنزيهاً، وترك المستحب أو المندوب خلاف الأولى. ويستحب عند الفقهاء لمن أتى بالصلاة على وجه مكروه إعادتها ما دام الوقت باقياً.\rالمطلب الأول ـ ما يكره في الصلاة :\rيكره في الصلاة ما يأتي (1) :\r1ً - يكره تحريماً عند الحنفية ترك واجب من واجبات الصلاة عمداً: كترك قراءة الفاتحة أو قراءة سورة بعدها، أو جهر في صلاة سرية أو إسرار في جهرية، وتصح الصلاة بترك الواجب، لكن يجب إعادتها، ويكره عندهم رفع اليدين عند إرادة الركوع والرفع منه، ولا تفسد الصلاة على الصحيح.\r2ً - ترك سنة من سنن الصلاة عمداً : كترك دعاء الثناء أو التوجه، أو التسبيح في الركوع أو السجود، أو التكبير والتسميع والتحميد، أو رفع الرأس أو خفضه في الركوع، أو تحويل أصابع قدميه أو يديه عن القبلة، وهذا متفق عليه.\r3ً - يكره عند المالكية تعوذ وبسملة قبل الفاتحة والسورة بفرض، ويجوزان بنفل، وتركهما أولى ما لم يراع الخلاف، فالإتيان بالبسملة أولى خروجاً من الخلاف.\r4ً - يكره عند المالكية دعاء قبل القراءة للفاتحة أو السورة، وأثناءها أي القراءة.\r5ً - تطويل القراءة في الركعة الثانية على الأولى، وقدره الحنفية بأكثر من ثلاث آيات.\r6ً - تكرار سورة واحدة في ركعة واحدة، أو في ركعتين في الفرض، أما النفل فلا يكره عند الحنفية. ولا يكره عند الحنابلة تكرار سورة في ركعتين، لما روى زيد بن ثابت أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم «قرأ في المغرب بالأعراف في الركعتين كلتيهما» (2) ، وإنما يكره تكرار الفاتحة في ركعة؛ لأنها عندهم ركن. قال الحنفية (3) : يكره أن يتخذ سورة بعينها للصلاة لا يقرأ فيها غيرها.\r7ً - القراءة بعكس ترتيب القرآن وهذا متفق عليه : كأن يقرأ في الركعة الأولى «اللهب» أو «الكافرون»؛ لأن المنقول عن النبي صلى الله عليه وسلم القراءة في الركعة الثانية بسورة بعد السورة التي قرأها في الركعة الأولى في النظم القرآني، وروي عن ابن مسعود «أنه سئل عمن يقرأ القرآن منكوساً؟ قال: ذلك منكوس القلب» وفسره أبو عبيدة: بأن يقرأ سورة ثم يقرأ بعدها أخرى، هي قبلها في النظم.\r-------------------------------\r(1) فتح القدير:1/290-297، البدائع:1/215-220، الدر المختار:1/597-613، الشرح الصغير:1/337-342، القوانين الفقهية: ص 51 ومابعدها، مغني المحتاج:1/201-203، المهذب:1/88 ومابعدها، كشاف القناع:1/431-446، المغني:1/495.\r(2) رواه سعيد بن منصور في سننه.\r(3) الكتاب مع اللباب:1/79.","part":2,"page":135},{"id":827,"text":"8ً - يكره عند المالكية وغيرهم القراءة في ركوع أو سجود أو إتمام قراءة السورة في الركوع، وإتمام الفاتحة في الركوع مبطل للصلاة حيث كانت الفاتحة فرضاً، وقال الحنفية بالكراهة التحريمية؛ لأن الفاتحة ليست فرضاً عندهم. واستثنى المالكية: أن يقصد في السجود الدعاء فلا يكره، كأن يقول: {ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا} [آل عمران:8/3] ويكره الدعاء في الركوع، وقبل التشهد الأول أو الأخير، ويكره الجهر بالتشهد مطلقاً، كما يكره للمأموم بعد سلام الإمام الجهر بالدعاء المطلوب في الصلاة في سجود أو غيره.\rويكره أيضاً تخصيص دعاء دائماً لا يدعو بغيره، فالأفضل أن يدعو تارة بالمغفرة، وتارة بسعة الرزق، وتارة بصلاح النفس أو الولد أو الزوجة، وتارة بغير ذلك من أمور الدنيا والآخرة، والله ذو الفضل العظيم. ومن أعظم الدعوات الجامعة أن يقول: «اللهم إني أسألك من كل خير سألك منه محمد نبيك ورسولك صلّى الله عليه وسلم ، وأعوذ بك من كل شر استعاذك منه محمد نبيك ورسولك صلّى الله عليه وسلم » .\r9ً - العبث القليل بيده (1) بالثياب أو البدن أو اللحية، أو وضع يده على فمه أو تغطية أنفه (وهو التلثم) بدون حاجة، والكراهة هنا تحريمية عند الحنفية، بدليل ما رواه القضاعي عن يحيى بن أبي كثير مرسلاً: «إن الله كره لكم ثلاثاً: العبث في الصلاة، والرفث في الصيام، والضحك في المقابر» فإن كان لحاجة كإزالة العرق\r-------------------------------\r(1) العبث لغة: عمل ما لا فائدة فيه، والمراد هنا: فعل ما ليس من أفعال الصلاة؛ لأنه ينافي الصلاة.","part":2,"page":136},{"id":828,"text":"عن وجهه أو التراب المؤذي، أو للتثاؤب، فلا يكره. ومن العبث: «فرقعة الأصابع، وتقليب الحصى، وتسويتها في مكان سجوده» للنهي الصحيح عنه، روى الجماعة عن مُعَيقب عن النبي صلّى الله عليه وسلم قال في الرجل يسوي التراب حيث يسجد: «إن كنت فاعلاً فواحدة» (1) وروى أبو داود عن أبي ذر مرفوعاً: «إذا قام أحدكم في الصلاة فلا يمس الحصى، فإن الرحمة تواجهه» .\rودليل كراهة العبث هو النهي عنه في السنة، ولمنافاته لهيئة الخشوع، وقد مدح الله الخاشعين في صلاتهم بقوله سبحانه: {قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون} [المؤمنون:1-2/23] ونهى النبي صلّى الله عليه وسلم عن فرقعة الأصابع فقال: «لا تفرقع أصابعك وأنت في الصلاة» (2) وروى أبو داود عن أبي هريرة أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم نهى أن يغطي الرجل فاه في الصلاة» ويكره للمرأة أن تنتقب في الصلاة، لأن وجه المرأة ليس بعورة، فهي كالرجل.\rوصرح الحنابلة (3) بأنه لا بأس بالعمل اليسير في الصلاة للحاجة، كأن يحمل الرجل ولده في الصلاة الفريضة، لحديث أبي قتادة وحديث عائشة: « أنها استفتحت الباب، فمشى النبي صلّى الله عليه وسلم ، وهو في الصلاة حتى فتح لها» (4) ، وأمر النبي صلّى الله عليه وسلم بقتل الأسودين في الصلاة: الحية والعقرب (5) . فإذ رأى العقرب، خطا إليها، وأخذ النعل وقتلها، ورد النعل إلى موضعها، وهذا جائز بلا كراهة اتفاقاً.\r-------------------------------\r(1) أجاز الحنفية تسوية الحصى مرة لسجوده، وتركها أولى؛ لأنه إذا تردد الحكم بين سنة وبدعة، كان ترك السنة راجماً على فعل البدعة، مع أنه يمكن التسوية قبل الشروع في الصلاة ( رد المحتار 600/1).\r(2) رواه ابن ماجه عن علي بلفظ «لا تفقِّع أصابعك في الصلاة» (نيل الأوطار:330/2).\r(3) المغني:247/2-249.\r(4) حديث عائشة رواه أحمد وأصحاب السنن ما عدا ابن ماجه، وحسنه الترمذي.\r(5) رواه أحمد وأصحاب السنن الأربعة، وصححه ابن حبان والحاكم.","part":2,"page":137},{"id":829,"text":"وقال أحمد: وإذا رأى صبيين يقتتلان يتخوف أن يلقي أحدهما صاحبه في البئر، فإنه يذهب إليهما، فيخلصهما، ويعود إلى صلاته.\rويرجع في تحديد الفعل الكثير واليسير إلى العرف، وكل ما شابه فعل النبي صلّى الله عليه وسلم فهو يسير.\rوإن فعل أفعالاً متفرقة، لو جمعت كانت كثيرة، وكل واحد منها بمفرده يسير، فهي في حد اليسير، بدليل حمل النبي صلّى الله عليه وسلم لأمامة، في كل ركعة، ووضعها. لكن قال الحنفية: يكره حمل الطفل، وما ورد منسوخ بحديث «إن في الصلاة لشغلاً» وما كثر وزاد على فعل النبي صلّى الله عليه وسلم أبطل الصلاة، سواء أكان لحاجة أم غيرها، إلا أن يكون لضرورة، فيكون بحكم الخائف، فلا تبطل صلاته به. وقال المالكية: يكره قتل برغوث ونحوه في الصلاة، والحنفية كالحنابلة فإنهم قالوا: يكره كل عمل قليل بلا عذر كتعرض لقملة قبل الأذى. ويكره أيضاً رفع أو جمع الثوب باليدين في الركوع والسجود، وجمع الشعر وضمه، لحديث: «أمرت أن أسجد على سبعة أعظم ولا أكف ثوباً ولا شعراً» (1) والكراهة تحريمية. كما يكره مسح غبار الجبهة قبل الانصراف من الصلاة، لما رواه ابن ماجه: «إن من الجفاء أن يكثر الرجل مسح جبهته قبل الفراغ من صلاته» عند الحنفية.\r10ً - تشبيك الأصابع، والتخصر: وهو أن يضع يده على خاصرته. وهذا متفق عليه،لحديث أبي سعيد أن النبي صلّى الله عليه وسلم قال: «إذا كان أحدكم في المسجد، فلا يُشَبِّكنَّ، فإن التشبيك من الشيطان، وإن أحدكم لا يزال في صلاة، ما دام\r-------------------------------\r(1) رواه الشيخان واللفظ لمسلم.","part":2,"page":138},{"id":830,"text":"في المسجد حتى يخرج منه» (1) وروى ابن ماجه عن ابن عمر أنه قال ـ في الذي يصلي وقد شبك أصابعه ـ «تلك هي صلاة المغضوب عليهم» .\rوحديث أبي هريرة: «أن النبي صلّى الله عليه وسلم نهى عن التخصر في الصلاة» (2) وفرقعة الأصابع وتشبيكها ولو منتظراً الصلاة أو ماشياً إليها، والتخصر مكروه تحريماً عند الحنفية، وكذلك يكره تنزيهاً التخصر خارج الصلاة، ولا يكره التشبيك والفرقعة خارج الصلاة.\r11ً - تغميض العينين إلا لخوف وقوع بصره على ما يشغله عن صلاته، روى ابن عدي في حديث بسند ضعيف: «إذا قام أحدكم في الصلاة فلا يغمض عينيه» لأن السنة النظر إلى موضع سجوده وفي التغميض تركها، والكراهة تنزيهية بالاتفاق.\r12ً - الالتفات في الصلاة بلا حاجة مهمة، ولو بجميع جسده ما دامت رجلاه للقبلة، وإلا بطلت الصلاة. هذا ما قاله المالكية.\rوقال الحنفية: يكره تنزيهاً الالتفات بالعنق فقط أي بالوجه كله أو ببعضه، وببصره، ولا تفسد الصلاة بتحويل صدره على المعتمد. أما لو نظر بمؤخر عينه يمنة أو يسرة من غير أن يلوي عنقه، لا يكره، قال ابن عباس: «كان النبي صلّى الله عليه وسلم يلحظ في الصلاة يميناً وشمالاً، ولا يلوي عنقه خلف ظهره» (3) .\r-------------------------------\r(1) رواه أحمد، وروى أحمد وأبو داود والترمذي حديثاً آخر في معناه عن كعب بن عُجرة، وروى ابن ماجه أيضاً حديثاً آخر عن كعب بن عجرة أن النبي صلّى الله عليه وسلم فرج بين أصابع رجل كان قد شبك أصابعه في الصلاة (نيل الأوطار:328/2-330).\r(2) رواه الجماعة إلا ابن ماجه (نيل الأوطار:330/2).\r(3) أخرجه الترمذي والنسائي وابن حبان في صحيحه والحاكم في المستدرك، وقال: صحيح على شرط البخاري ولم يخرجه (نصب الراية:89/1).","part":2,"page":139},{"id":831,"text":"وقال الشافعية: يكره الالتفات بالوجه إلا لحاجة، فلا يكره؛ لأنه صلّى الله عليه وسلم «كان في سفر، فأرسل فارساً إلى شِعْب، من أجل الحرس، فجعل يصلي، وهويلتفت إلى الشعب» (1) . فإن حول صدره عن القبلة بطلت صلاته، لانحرافه عن القبلة.\rوقال الحنابلة: يكره في الصلاة التفات يسير بلا حاجة. وتبطل الصلاة إن استدار المصلي بجملته أو استدبر القبلة، لتركه الاستقبال بلاعذر، ما لم يكن في الكعبة، أو في شدة خوف، أو إذا تغير اجتهاده، فلا تبطل إن التفت بجملته، أو استدبر القبلة، لسقوط الاستقبال حينئذ، وفي حالة تغير الاجتهاد؛ لأنها صارت قبلته. ولا تبطل الصلاة لو التفت بصدره ووجهه؛ لأنه لم يستدر بجملته.\rودليل كراهة الالتفات لغير حاجة باتفاق المذاهب: حديث عائشة، قالت: «سألت رسول الله صلّى الله عليه وسلم عن التَّلفُّت في الصلاة، فقال: اختلاس يختلِِسه الشيطان من العبد » (2) وحديث أبي ذر قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: « لايزال الله مقبلاً على العبد في صلاته، مالم يلْتفِت، فإذا صرَف وجهه، انصرف عنه » (3) وحديث أنس قال: « قال لي رسول الله صلّى الله عليه وسلم: إيَّاك والالتفاتَ في الصلاة، فإن الالتفات في الصلاة هَلَكَة فإن كان لابُدّ، ففي التطوع، لا في الفريضة » (4) وفي العبارة الأخيرة الإذن بالالتفات للحاجة في التطوع، والمنع من ذلك في صلاة الفرض، ومما يجيز الالتفات لحاجة حديث علي بن شيبان: « قال: قدمنا على النبي صلّى الله عليه وسلم وصلينا معه، فلمح بمؤخر عينه رجلاً لايقيم صلبه في الركوع والسجود، فقال: لا صلاة لمن لا يقيم صلبه» (5) .\r-------------------------------\r(1) رواه أبو داود بإسناد صحيح.\r(2) رواه أحمد والبخاري والنسائي وأبو داود ( نيل الأوطار:327/2، نصب الراية:89/2).\r(3) رواه أحمد والنسائي وأبو داود ( المصدران السابقان ).\r(4) رواه الترمذي وصححه ( المصدران السابقان ).\r(5) رواه ابن حبان في صحيحه.","part":2,"page":140},{"id":832,"text":"من العبد» (1) وحديث أبي ذر قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم : «لا يزال الله مقبلاً على العبد في صلاته، ما لم يلْتفِت، فإذا صرَف وجهه، انصرف عنه» (2) وحديث أنس قال: «قال لي رسول الله صلّى الله عليه وسلم : إيَّاك والالتفاتَ في الصلاة، فإن الالتفات في الصلاة هَلَكَة، فإن كان لابُدّ ، ففي التطوع، لا في الفريضة» (3) وفي العبارة الأخيرة الإذن بالالتفات للحاجة في التطوع، والمنع من ذلك في صلاة الفرض، ومما يجيز الالتفات لحاجة حديث علي بن شيبان: «قال: قدمنا على النبي صلّى الله عليه وسلم وصلينا معه، فلمح بمؤخر عينه رجلاً لا يقيم صلبه في الركوع والسجود، فقال: لا صلاة لمن لا يقيم صلبه» (4) .\r13ً - رفع البصر إلى السماء: وهذا متفق عليه، لحديث أنس، قال: قال النبي صلّى الله عليه وسلم : «ما بال أقوام يرفعون أبصارهم إلى السماء في صلاتهم؟! فاشتد قوله في ذلك، حتى قال: لينتهين عن ذلك، أو لتخطفن أبصارهم» (5) .\rلكن قال المالكية: إن كان ذلك للموعظة والاعتبار بآيات السماء، فلا يكره. واستثنى الحنابلة حالة التجشي، فلا يكره.\r14ً - القيام على رجل واحدة، أو رفع رجل عن الأرض واعتماد على الأخرى إلا لضرورة أو عذر، كوجع الأخرى فلا كراهة حينئذ؛ لأنه تكلف ينافي الخشوع.\rوأضاف المالكية: وكره إقران القدمين دائماً في جميع صلاته. وذكر الشافعية أنه يكره تقديم رجل على الأخرى، ولصق رجل بالأخرى، حيث لا عذر؛ لأنه تكلف ينافي الخشوع. ولا بأس بالاستراحة على إحدى الرجلين لطول القيام أو نحوه.\r-------------------------------\r(1) رواه أحمد والبخاري والنسائي وأبو داود (نيل الأوطار:327/2، نصب الراية:89/2).\r(2) رواه أحمد والنسائي وأبو داود (المصدران السابقان).\r(3) رواه الترمذي وصححه (المصدران السابقان).\r(4) رواه ابن حبان في صحيحه.\r(5) رواه البخاري .","part":2,"page":141},{"id":833,"text":"15ً - الصلاة حاقناً بالبول، أو حاقناً بالغائط، أو حازقاً بالريح إن وسع الوقت، أو مع توقان الطعام الحاضر أو القريب الحضور، أي اشتهائه بحيث يختل الخشوع لو قدم الصلاة عليه، وهذا متفق عليه، لقوله صلّى الله عليه وسلم : «لا صلاة ـ أي كاملة ـ بحضرة طعام، ولا وهو يدافعه الأخبثان» (1) أي البول والغائط. والشرب كالأكل. والصلاة مع مدافعة الأخبثين مكروهة تحريماً عند الحنفية.\rوتكره الصلاة حال النعاس الشديد وهو الذي لا يأمن ضبط قراءته والسهو فيها، لحديث الشيخين عن عائشةرضي الله عنها قالت: «إذا نَعَس أحدكم وهو يصلي، فليرقد حتى يذهب عنه النوم، فإن أحدكم إذا صلى وهو ناعس، لعله يذهب يستغفر فيسب نفسه» .\r16ً - البصاق أو التنخم في غير المسجد أمامه، أو عن يمينه، لحديث الشيخين وأحمد: «إذا كان أحدكم في الصلاة، فإنما يناجي ربه، فلا يبزُقن بين يديه، ولا عن يمينه» زاد البخاري: «فإن عن يمينه ملكاً، ولكن يساره أو تحت قدمه» .\rويكره البصاق أيضاً وهو في غير الصلاة عن يمينه وأمامه إذا كان متوجهاً إلى القبلة، إكراماً لها.\r17ً - قال المالكية: يكره التفكر في أمر دنيوي، أو حمل شيء بكم أو فم إذا لم يمنعه مخارج الحروف، وإلا منع وبطلت، أو حمد لعاطس أو بشارة بشر بها وهو يصلي، بأن يقول: الحمد لله ، أو حكّ جسد لغير ضرورة إن قل، والكثير مبطل، وكره تبسم قليل اختياراً، والكثير مبطل ولو اضطراراً.\rوقال الحنابلة: يكره حمله ما يشغله عن إكمال صلاته؛ لأنه يذهب بالخشوع. ويكره إخراج لسانه وفتح فمه، ووضعه فيه شيئاً؛ لأن ذلك يخرجه عن هيئة الصلاة. ولا يكره وضع شيء في يده وكمه، إلا إذا شغله عن كمال الصلاة، فيكره.\r-------------------------------\r(1) رواه مسلم عن عائشة.","part":2,"page":142},{"id":834,"text":"18ً - التثاؤب؛ لأنه من التكاسل والامتلاء ومن الشيطان، والأنبياء محفوظون منه، فإن غلبه فليكظم ما استطاع لقوله صلّى الله عليه وسلم : «التثاؤب من الشيطان، فإذا تثاءب أحدكم فليكظم ما استطاع» (1) وفي رواية لمسلم: «فليمسك بيده على فيه فإن الشيطان يدخله» ، ويكره التمطي أيضاً، لأنه يخرجه عن هيئة الخشوع ويؤذن بالكسل، ولحديث الدارقطني عن أبي هريرة: «نهى أن يتمطى الرجل في الصلاة، أو عند النساء إلا عند امرأته أو جواريه» والكراهة هنا تنزيهية عند الحنفية إلا إن تعمده فيكره تحريماً؛ لأنه عبث، والعبث مكروه تحريماً في الصلاة، وتنزيهاً خارجها.\r19ً - قال الشافعية والحنابلة: يكره الاستناد إلى جدار أو نحوه مما يسقط بسقوطه إذا ظل قائماً، إلا لحاجة إليه، فلا يكره معها؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلم «لما أسنَّ وأخذه اللحم، اتخذ عموداً في مصلاه يعتمد عليه» (2) .\rفإن سقط المصلي لو أزيل، أو كان يمكنه رفع قدميه عن الأرض، بطلت صلاته؛ لأنه بمنزلة غير القائم.\rويكره الاعتماد على يده في جلوسه، لقول ابن عمر: «نهى النبي صلّى الله عليه وسلم أن يجلس الرجل في الصلاة وهومعتمد على يده» (3) .\r20ً - يكره تنزيهاً عند الحنفية رد السلام بالإشارة باليد أو الرأس؛ لأنه سلام، حتى لو صافح بنية التسليم، تفسد صلاته، ويكره كل إشارة بالعين أو اليد ونحوها.\rويستحب عند الشافعية حتى للناطق رد السلام بالإشارة، ولمن عطس أن يحمد الله ، ويسمع نفسه. ولو قال المأموم: استعنا بالله بعد قراءة الإمام { إياك نستعين} [الفاتحة:5/1]، بطلت صلاته إن لم يقصد تلاوة أو دعاء.\rولا يكره عند المالكية رد السلام بالإشارة على مسلّم عليه، وإنما هو مطلوب.\r-------------------------------\r(1) رواه الشيخان، وفي رواية للترمذي: «فليضع يده على فمه» وألحق الكم باليد.\r(2) رواه أبو داود (نيل الأوطار:331/2).\r(3) رواه أحمد وأبو داود (نيل الأوطار:331/2).","part":2,"page":143},{"id":835,"text":"ولكن يكره عندهم إشارة للرد برأس أو يد على مشمِّت شمته وهو يصلي قائلاً له: ( يرحمك الله ) إذا ارتكب المكروه، وحمد لعطاسه.\rوتجوز عندهم الإشارة الخفيفة لأي حاجة، كما يجوز عند الحنفية تكليم المصلي وإجابته برأسه، كما لو طلب منه، فأومأ بنعم أو لا.\rأما الرد بالكلام فمبطل للصلاة اتفاقاً.\r21ً - قراءة سورة أو آية في الركعتين الأخيرتين من الفريضة. واستثنى الشافعية المسبوق الذي سبق بالأولى والثانية، فله أن يقرأ السورة في الأخيرتين من صلاة الإمام؛ لأنهم أولياه، إذ إن ما أدركه المأموم هو أول صلاته. فإن لم يمكنه قراءتها فيهما قرأ في أخيرتيه، لئلا تخلو صلاته من السورة. ولو سبق بالأولى فقط قرأها في الثانية والثالثة.\r22ً - الجهر بالقراءة في موضع الإسرار، والإسرار في موضع الجهر ، والجهر عند الشافعية خلف الإمام. ويحرم الجهر إن شوش على غيره. ويسجد حينئذ على المشهور عند المالكية سجود السهو (1) .\r23ً - يكره عند الشافعية: الزيادة في جلسة الاستراحة على قدر الجلوس بين السجدتين، وإطالة التشهد الأول، ولو بالصلاة على الآل فيه ، والدعاء فيه، لبنائه على التخفيف، وترك الدعاء في التشهد الأخير خروجاً من خلاف من أوجبه، ومقارنة الإمام في أفعال الصلاة وأقوالها، للخلاف في صحة صلاته حينئذ.\r-------------------------------\r(1) القوانين الفقهية: ص78.","part":2,"page":144},{"id":836,"text":"وهذه الكراهة الأخيرة تفوت فضيلة الجماعة، كالانفراد عن الصف، وترك فرجة فيه مع سهولة سدها، وهو مكروه أيضاً عند الحنفية، وتبطل الصلاة عند الحنابلة إن صلى وحده، والعلو على الإمام، والانخفاض عنه لغير حاجة ولو في المسجد، والاقتداء بالمخالف ونحو الفاسق والمبتدع، واقتداء المفترض بالمتنفل، ومصلي الظهر بمصلي العصر مثلاً وعكسه (1) ، ويكره تنزيهاً أيضاً عند الحنفية ارتفاع الإمام بما يقع به الامتياز عن المأمومين وعكسه، لما أخرجه الحاكم: «أنه صلّى الله عليه وسلم نهى أن يقوم الإمام فوق، ويبقى الناس خلفه» وعللوه بأنه تشبه بأهل الكتاب، فإنهم يتخذون لإمامهم دكاناً أي مرتفعاً.\r24ً - عقص الشعر (2) وتشمير الكم. وقيد المالكية كراهة تشمير الكم: بأن يكون لأجل الصلاة.\rودليل كراهة العقص ما رواه أحمد وابن ماجه عن أبي رافع قال: «نهى النبي صلّى الله عليه وسلم أن يصلي الرجل ورأسه معقوص» والكراهة تنزيهية بالاتفاق. وقيد الحنفية كراهة التشمير تحريماً برفع الكم إلى المرفقين، فلا يكره مادونهما، وكذا مادونهما كما في كتاب البحر.\r25ً - الإقعاء: وهو أن يضع أليتيه على الأرض، وينصب ركبتيه. وقال المالكية: إنه محرم بهذا المعنى، ولا يبطل الصلاة على الأظهر، والمكروه عندهم له صور أربع، منها: أن يجعل بطون أصابعه للأرض، ناصباً قدميه، جاعلاً أليتيه على عقبيه، أو يجلس على القدمين، وظهورهما للأرض.\r-------------------------------\r(1) شرح الحضرمية: ص56.\r(2) أي ليه وإدخال أطرافه في أصوله، وبعبارة أخرى: ضفره.","part":2,"page":145},{"id":837,"text":"ودليل كراهة الإقعاء: حديث أبي هريرة: «نهاني رسول الله صلّى الله عليه وسلم عن ثلاث: عن نقرة كنقر الديك، وإقعاء كإقعاء الكلب، والتفات كالتفات الثعلب» (1) ، وعن علي، قال: قال النبي صلّى الله عليه وسلم : «لا تُقْع بين السجدتين» وعن أنس قال: قال صلّى الله عليه وسلم : «إذا رفعت رأسك من السجود، فلا تُقْع كما يُقْعي الكلب» (2) .\rويكره تنزيهاً التربع بغير عذر في الصلاة، لترك الجلسة المسنونة، ولا يكره خارجها؛ لأنه عليه الصلاة والسلام كان جل جلوسه مع أصحابه التربع، وكذا عمر رضي الله عنه.\r26ً - افتراش ذراعيه: أي مدُّهما كما يفعل السبع. لحديث عائشة في صحيح مسلم: «وكان ينهى عن عُقْبة الشيطان (3) ، وأن يفترش الرجل ذراعيه افتراش السبع» والكراهة هنا تحريمية عند الحنفية.\r27ً - قال المالكية كما بينا: يكره التصفيق في صلاة ولو من امرأة لحاجة تتعلق بالصلاة كسهو إمامه، أو سلامه بعد ركعتين في رباعية، أو بغير الصلاة كمنع مارّ بين يدي المصلي، أو تنبيه على أمر ما. والشأن المطلوب شرعاً لمن نابه شيء ـ وهو يصلي ـ التسبيح بأن يقول: سبحان الله .\rوتكره في المذهب المالكي الصلاة على غير الأرض وما تنبته، كما ذكرنا سابقاً.\r28ً - الصلاة في ثياب البِذْلة (التي يلبسها في بيته)، والمهنة (أي الخدمة) إن كان له غيرها، وإلا فلا يكره. لقوله تعالى: {خذوا زينتكم عند كل مسجد} [الأعراف:31/7] أي صلاة. والكراهة هنا تنزيهية اتفاقاً.\r-------------------------------\r(1) أخرجه أحمد في مسنده (نصب الراية:92/2).\r(2) رواهما ابن ماجه.\r(3) وهو الإقعاء وهو أن يضع أليتيه على عَقِبيه بين السجدتين، وهذا معناه عند العرب. أما عند أهل الحديث: فهو أن يفرش قدميه ويجلس على عقبيه.","part":2,"page":146},{"id":838,"text":"29ً - الصلاة في السراويل أو الإزار مع القدرة على لبس القميص، والصلاة حاسراً (كاشفاً) رأسه، للتكاسل، ولا بأس به بقصد التذلل، لأن مبنى الصلاة على الخشوع. والكراهة هنا تنزيهية اتفاقاً، والمستحب شرعاً أن يصلي الرجل في ثوبين: قميص ورداء، أو قميص وسراويل، لما روى أبو داود وغيره عن ابن عمر أن النبي صلّى الله عليه وسلم قال: «إذا صلى أحدكم فليلبس ثوبيه، فإن الله أحق من تزين له، فمن لم يكن له ثوبان فليتزر إذا صلى، ولا يشتمل اشتمال اليهود» كما يستحب تغطية الرأس.\r30ً - الصلاة بثياب فيها تصاوير الحيوان أو الإنسان (1) ، لقول أبي طلحة: سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلم يقول: «لا تدخل الملائكة بيتاً فيه كلب ولا صورة» (2) ولأنه يشبه حامل الصنم، ولحديث عائشة عن البخاري عن أنس قال: «كان قِرام ـ ستر رقيق ـ لعائشة سترت به جانب بيتها، فقال لها النبي صلّى الله عليه وسلم : أميطي عنك قرامك، فإنه لا تزال تصاويره تعرض في صلاتي» وكونه غير حرام أن زيد بن خالد روى الحديث الأول عن أبي طلحة عن النبي صلّى الله عليه وسلم ؛ وقال في آخره: «إلا رقما في ثوب» (3) .\rوتكره الصلاة إلى صورة منصوبة أو تمثال فوق رأسه أو بين يديه أو بحذائه يمنة أو يسرة، ولوفي وسادة منصوبة لا مفروشة؛ لأنه يشبه سجود الكفار إليها، والتشبه بعبادة الأوثان والأصنام.\r-------------------------------\r(1) المغني:590/1، كشاف القناع:432/1، غاية المنتهى:103/1، المهذب:66/1، المجموع:185/3.\r(2) متفق عليه.\r(3) متفق عليه.","part":2,"page":147},{"id":839,"text":"ويكره السجود على الصورة ولو كانت صغيرة عند الحنابلة والشافعية، وقال الحنفية (1) : لا يكره إن كانت تحت قدميه؛ لأنه مهانة، أو محل جلوسه، أو في يده؛ لأنها مستورة بثيابه، أوعلى خاتمه بنقش غير مستبين، ولا يكره المستتر بكيس أو صورة أو ثوب آخر. والكراهة هنا تحريمية عند الحنفية، وأبان الحنفية أنه لا تكره الصلاة مع وجود صورة صغيرة لا تتبين تفاصيل أعضائها للناظر قائماً، وهي على الأرض، ولا الصورة المقطوعة الرأس أو الوجه أو ممحوة عضو لا تعيش بدونه، ولاصورة شيء غير ذي روح من النبات ونحوه؛ لأن كل هذه المذكورات لا تعبد. وخبر مسلم عن جبريل «إنا لا ندخل بيتاً فيه كلب أو صورة» مخصوص بغير المهانة.\rوقال الحنفية: لا بأس أن يصلي وبين يديه مصحف معلق أو سيف معلق؛ لأنهما لا يعبدان. ولا بأس أن يصلي على ثوب فيه تصاوير، لأنه فيه استهانة بالصور. ولا تكره الصلاة لو كانت الصورة على وسادة ملقاة، أو على بساط مفروش.\rويكره الصليب في ثوب، لحديث عائشة: «أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم كان لا يترك في بيته شيئاً فيه تصاليب إلا نقضه» (2) .\r31ً - قال الحنفية: يكره تنزيهاً قيام بجملته في المحراب، لا سجوده فيه مع وجود قدميه خارجه، لئلا يمتاز الإمام عن المأمومين في المكان؛ لأن المحراب في معنى بيت آخر، وذلك صنيع أهل الكتاب؛ إلا إذا ضاق المكان، فلا كراهة.\rوقالوا أيضاً: يكره تنزيهاً عد الآي والسور والتسبيح باليد في الصلاة مطلقاً، فرضاً أو نفلاً؛ لأن ذلك ليس من أعمال الصلاة، ولا يكره خارجها، ويكره أن يصلي أمام متحدثين تصدر عنهم أصوات، أو شغل، أو نائمين يخشى خروج شيء منهم مضحك.\r-------------------------------\r(1) الدر المختار ورد المحتار:606/1 ومابعدها، فتح القدير:294/1 ومابعدها، البدائع:115/1.\r(2) رواه أبو داود وأحمد (نيل الأوطار:102/2).","part":2,"page":148},{"id":840,"text":"ويكره أيضاً السجود على كور عمامته إذا أصابت الجبهة الأرض، وإلا لم تصح الصلاة. ويكره الاعتجار: وهو لَفّ العمامة على الرأس وترك وسطه مكشوفاً.\rوقالوا: لا بأس باتخاذ المسبحة لغير رياء.\r32ً - الصلاة إلى نار موقدة، لما فيها من التشبه بالمجوس عبدة النار، وهذا كما قدمنا في بحث السترة متفق عليه، والكراهة تنزيهية اتفاقاً، إلا أن الشافعية لم يذكروا ذلك من المكروهات.\r33ً - السدل في الصلاة: أي إرسال الثوب أو الرداء على الكتفين بلا لبس معتاد (كالحرام والملاءة) بدون أن يرد أحد طرفيه على الكتف الآخر. وهو عند غير المالكية مكروه بلا عذر، وإلا فلا يكره (1) ، لحديث أبي هريرة: أن النبي صلّى الله عليه وسلم نهى عن السَّدْل في الصلاة، وأن يُغطِّي الرجل فاه (2)\rوالكراهة تحريمية عند الحنفية. وقال المالكية: إلقاء الرداء على الكتفين مندوب، بل يتأكد لإمام المسجد (كالبرنس المغربي) المعروف.\r34ً - اشتمال الصمَّاء: وهو أن يجلل جسده بالثوب لا يرفع منه جانباً، ولايبقي ما تخرج منه يده. وفسره بأن يلتحف بثوب واحد، ليس عليه غيره، ثم يرفعه من أحد جانبيه، فيضعه على منكبيه، فيبدو منه فرجه. فعلى هذا التفسير يكون النهي للتحريم، وتفسد الصلاة معه (3) .\rفإن لم يظهر الفرج بأن اشتمل بالثوب (كالحِرام ونحوه) بحيث لا يدع منفذاً يخرج منه يديه، كان مكروهاً اتفاقاً، والكراهة تحريمية عند الحنفية. لما روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة وأبي سعيد عن النبي صلّى الله عليه وسلم «أنه نهى عن لبستين: اشتمال الصماء، وأن يحتبي الرجل بثوب ليس بين فرجه وبين السماء شيء» (4) .\rقال الشيرازي في المهذب: ويكره اشتمال الصماء: وهو أن يلتحف بثوب، ثم يخرج يده من قبل صدره (5) .\r-------------------------------\r(1) الدر المختار:597/1 ومابعدها، البدائع:218/1 ومابعدها، المجموع:183/3، كشاف القناع:319/1، غاية المنتهى:101/1، المغني:584/1.\r(2) رواه أبو داود، ولأحمد والترمذي عن أبي هريرة النهي عن السدل، ولابن ماجه: النهي عن تغطية الفم (نيل الأوطار:77/2 ومابعدها) وذكر للسدل معنى آخر كالإسبال: وهو إرسال الثوب حتى يصيب الأرض.\r(3) المغني:584/1، نيل الأوطار:76/2.\r(4) نيل الأوطار:76/2.\r(5) المجموع:182/3، المهذب:65/1.","part":2,"page":149},{"id":841,"text":"35ً - قال الحنابلة (1) : تكره الصلاة في الثوب الأحمر، كما يكره للرجال لبسه: لما روى أحمد عن بعض الصحابة: «نهاني رسول الله صلّى الله عليه وسلم عن لبس الحمرة» وعن عبد الله بن عمرو، قال: «دخل على النبي صلّى الله عليه وسلم رجل عليه بردان أحمران فسلم فلم يرد النبي صلّى الله عليه وسلم » (2) .وقال الحنفية (3) : يكره تنزيهاً لبس المعصفر والمزعفر: الأحمر والأصفر للرجال، ولا بأس بسائر الألوان للنساء.\rوقال مالك: يكره الثوب الأحمر لقصد الزينة والشهرة ، ويجوز في المهنة والبيوت. وأباح الشافعي لبس الثياب المصبوغة بالأحمر (4) .\r36ً - قال المالكية (5) : يكره لباس مُحدِّد للعورة لرقته أو لضيقه وإحاطته، كسراويل، ولو بغير صلاة؛ لأنه ليس من زي السلف.\r37ً - الاضطباع: وهو أن يجعل الرداء تحت إبطه الأيمن، ثم يلقي طرفه على كتفه الأيسر، ويترك الآخر مكشوفاً. وهو داخل في كيفية اشتمال الصماء المنهي عنه في الحديث السابق.\r38ً - الإتيان بأذكار الانتقال كالتكبير والتسميع والتحميد في غير محلها، كأن يكبر للركوع بعد أن يتم ركوعه، أو يقول: سمع الله لمن حمده، بعد تمام القيام؛ لأن السنة أن يكون ابتداء الأذكار عند ابتداء الانتقال.\rوقال الحنابلة: إن ذلك مبطل للصلاة إن تعمده.\r-------------------------------\r(1) المغني: 586/1.\r(2) رواه الترمذي وأبو داود (جامع الأصول: 11/-28).\r(3) الدر المختار:252/5.\r(4) القسطلاني شرح البخاري:430/8.\r(5) الشرح الكبير:217/1 ومابعدها.","part":2,"page":150},{"id":842,"text":"وقال المالكية: إن ذلك خلاف المندوب.\r39ً - ترك اتخاذ السترة أمام المصلي، كما بينا.\rوأخيراً.. قال الحنفية: يكره تحريماً استقبال القبلة بالفرج في بيت الخلاء، للنهي عنه في السنة، ويكره الاستدبار، لما فيه من ترك التعظيم لها. وحديث النهي: «إذا أتيتم الغائط فلا تستقبلوا القبلة، ولا تستدبروها، ولكن شرّقوا أو غربوا» (1) .\rوهذا من المكروهات خارج الصلاة، وقد قدمنا الكلام عليه في بحث آداب قضاء الحاجة.\rالمطلب الثاني ـ الأماكن التي تكره الصلاة فيها:\rحرم الحنابلة الصلاة في هذه الأماكن، وكره الشافعية والحنفية ذلك (2) والكراهة تحريمية عند الحنفية، لثبوت النهي عنها في السنة، ويذكرونها عادة في شروط الصلاة عند طهارة المكان، روى ابن عمر: «أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم نهى أن يصلى في سبعة مواطن: في المزبلة، والمَجْزرة، والمَقْبرة، وقارعة الطريق، وفي الحمام، وفي أعطان الإبل، وفوق ظهر بيت الله » (3) وهو إن صح يدل على تحريم الصلاة في هذه المواطن وهو رأي الحنابلة. وحكمة النهي وتفصيل الحكم فيها يتجلى فيما يأتي:\r-------------------------------\r(1) رواه الأئمة عن أبي أيوب الأنصاري (نصب الراية:102/2).\r(2) البدائع:115/1 ومابعدها، الشرح الصغير:267/1 ومابعدها، القوانين الفقهية: ص49،52، مغني المحتاج:203/1، حاشية قليوبي وعميرة:120/1، المهذب: 63/1، المجموع:164/3-168، المغني:67/2-76، كشاف القناع:341/1-349.\r(3) رواه عبد بن حميد في مسنده، وابن ماجه والترمذي، وقال: إسناده ليس بذاك القوي، ففيه راو ضعيف (نيل الأوطار:138/2).","part":2,"page":151},{"id":843,"text":"1ً - الصلاة في قارعة الطريق، أي أعلاه أو أوسطه: مكروهة عند الحنفية والشافعية (1) ؛ لأن الطريق ممر الناس، فلا يؤمن من المرور، ولا من النجاسة، إذ لا تخلو من الأرواث والأبوال، فينقطع الخشوع بممر الناس، فإن صلى فيه، صحت الصلاة؛ لأن المنع لترك الخشوع، أو لمنع الناس من الطريق، وذلك لا يوجب بطلان الصلاة، ولقوله صلّى الله عليه وسلم : «جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً:» وفي لفظ: «فحيثما أدركتك الصلاة، فصل، فإنه مسجد» وفي لفظ : «أينما أدركتك الصلاة فصل، فإنه مسجد» (2) . وذكر الشافعية: أن الصلاة تكره في الأسواق والرحاب الخارجة عن المسجد.\rوقال المالكية: تجوز الصلاة بلا كراهة في محجة الطريق والمزبلة والمقبرة والحمام والمجزرة، أي وسطها إن أمنت النجاسة. فإن لم تؤمن بأن كانت محققة أو مظنونة فهي باطلة، وإن كانت مشكوكة أعيدت على الأرجح في الوقت، إلا إذا صلى في الطريق لضيق المسجد وشك في الطهارة فلا إعادة عليه.\rولكن تظل الكراهة إن صلى بطريق من يمر بين يديه.\rوقال الحنابلة: تحرم الصلاة ولا تصح في قارعة الطريق (3) والمزبلة والمقبرة والمجزرة والحمام ومعاطن الإبل، كما لا تصح الصلاة في أسطحتها؛ لأن الهواء تابع للقرار فيها، بدليل أن الجنب يمنع من اللبث على سطح المسجد، وأن من حلف لا يدخل داراً يحنث بدخول سطحها.\rولا تصح الصلاة في ساباط على طريق؛ لأن الهواء تابع للقرار فيها، ولا على سطح نهر؛ لأن الماء كالطريق لا يصلى عليه.\r-------------------------------\r(1) المعتمد عند الشافعية: الكراهة في طريق البنيان لا البرية.\r(2) متفق عليه.\r(3) قارعة الطريق: يعني التي تقرعها الأقدام. ومحجة الطريق: الجادة المسلوكة التي تسلكها السابلة أي المارة.","part":2,"page":152},{"id":844,"text":"واستثنوا صلاة الجنازة في المقبرة وعلى سطحها، فإنها تصح، كما استثنوا طريق البيوت القليلة وما علا عن جادة الطريق يمنة ويسرة، فتصح الصلاة فيه بلا كراهة، لأنه ليس بمحجة. وتجوز الصلاة في هذه الأماكن لعذر، كأن حبس فيها.\rوقالوا: المنع من هذه المواضع تعبدي، لا لعلة معقولة بوهم النجاسة ونحوه. ودليلهم العمل بنص رواية ابن عمر. هذا ماذكر في كشاف القناع. وقال ابن قدامة في المغني: الصحيح أنه لا بأس بالصلاة إلى شيء من هذه المواضع إلا المقبرة؛ لأن قوله صلّى الله عليه وسلم : «جعلت لي الأرض مسجداً» يتناول الموضع الذي يصلي فيه من هي في قبلته. لكن يكره أن يصلي إلى هذه المواضع، فإن فعل صحت صلاته. وعليه يكون رأي الحنابلة كالجمهور.\rودليلهم على استثناء المقابر: حديثان صحيحان وهما: «إن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، إني أنهاكم عن ذلك، وقال: لعنة الله على اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» (1) فلا تصح الصلاة إلى القبور للنهي عنها، ويصح إلى غيرها لبقائها في عموم الإباحة، وامتناع قياسها على ما ورد النهي فيه.\r2ً - الصلاة في داخل الحمام: مكروهة عند الحنفية والشافعية والحنابلة؛ لأنها مأوى الشياطين، ومظنة انكشاف العورات، ومصب الغسالات والنجاسات عادة.\r3ً - الصلاة في معاطن الإبل، أي مباركها (2) : مكروهة عند القائلين بنجاسة أبوالها وأرواثها، وهم الحنفية والشافعية، أو لما فيها من النفور، فربما نفرت، وهو في الصلاة، فتؤدي إلى قطعها، أو أذى يحصل له منها، أو تشويش الخاطر الملهي عن الخشوع في الصلاة.\r-------------------------------\r(1) الحديث الأول رواه مسلم والنسائي عن جندَب بن عبد البَجَلي. والثاني رواه الشيخان وأبو داود عن أبي هريرة بلفظ: «قاتل الله اليهود، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» (نيل الأوطار:136/2، الجامع الصغير:80/2).\r(2) أي موضع بروكها عند شربها، والمعاطن: جمع معطن، والعطن: مبرك الإبل حول الماء.","part":2,"page":153},{"id":845,"text":"وتكره الصلاة في مبارك الإبل عند المالكية أيضاً، للعلة السابقة غير النجاسة، ولا تكره في مرابض (مجالس) الغنم والبقر، بدليل حديث أبي هريرة: «صلوا في مرابض الغنم، ولا تصلوا في أعطان الإبل» (1) وعدم كراهة الصلاة في مرابض الغنم متفق عليه.\rوتعاد الصلاة في الوقت عندهم إن صليت في معاطن الإبل، وإن أمنت النجاسة، أو فرش فراش طاهر، تعبداً على الأظهر.\r4ً - الصلاة في المزبلة والمجزرة: مكروهة عند غير المالكية، لمجاورة النجاسة، أو مظنة وجودها، فالأولى موضع النجاسة، ومجمع الأوساخ والنفايات والذباب والثانية: موضع ذبح الحيوان. وذلك إذا بسط على الموضع طاهراً وصلى عليه، وإلا لم تصح الصلاة؛ لأنه مصل على نجاسة، وتكره عند الشافعية على الحائل إذا كانت النجاسة محققة، فإن بسطه على ما غلبت فيه النجاسة، لم تكره.\rوالْحُش (2) المعد لنجاسة أولى بمنع الصلاة فيه من بابه وموضع الكنيف (مجمع الأوساخ)، وسطحه؛ لأنه لما منع الشرع من ذكر الله والكلام فيه، كان منع الصلاة فيه من باب أولى.\r5ً - الكنيسة (معبد النصارى) والبِيعة (معبد اليهود) ونحوهما من أماكن الكفر: تكره الصلاة فيها عند الجمهور وابن عباس، مطلقاً عامرة أو دارسة؛ إلا لضرورة كحر أو برد أو مطر، أو خوف عدو أو سبع، فلا كراهة.\rوحكمة الكراهة: أنها مأوى الشياطين، لأنها لا تخلو من التماثيل والصور، ولأنها موضع فتنة وأهواء، مما يمنع الخشوع.\r-------------------------------\r(1) رواه أحمد والترمذي وصححه (نيل الأوطار:137/2) والمرابض للغنم كالمعاطن للإبل فهي المراقد.\r(2) بفتح الحاء وضمها: وهو ما أعد لقضاء الحاجة، ولو مع طهارته من النجاسة. وأصله لغة: البستان، ثم أطلق على محل قضاء الحاجة؛ لأن العرب كانوا يقضون حوائجهم في البساتين، وهي الحشوش، فسميت الأخلية في الحضر حشوشاً.","part":2,"page":154},{"id":846,"text":"وقالت الحنابلة: لا بأس بالصلاة في الكنيسة النظيفة، وقد رخص فيها الحسن البصري وعمر بن عبد العزيز والشعبي والأوزاعي وسعيد بن عبد العزيز، وروي أيضاً عن عمر وأبي موسى الأشعري. واستدلوا: بأن النبي صلّى الله عليه وسلم صلى في الكعبة وفيها صور (1) ، وهي داخلة في عموم قوله عليه السلام: «فأينما أدركتك الصلاة، فصل، فإنه مسجد» .\rقال النووي في المجموع: وتكره الصلاة في مأوى الشياطين كالخمارة وموضع المكس ونحو ذلك من المعاصي الفاحشة.\r6ً - الصلاة في المقبَرة: مكروهة عند الجمهور غير المالكية، لنجاسة ما تحتها بالصديد ولما فيها من التشبه باليهود، كما في الحديث السابق: «لعن الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، فلا تتخذوا قبري بعدي مسجداً» ، ولهم تفصيل في شأن الصلاة في المقابر:\rقال الحنفية: تكره الصلاة في المقبرة إذا كان القبر بين يدي المصلي، بحيث لو صلى خاشعاً وقع بصره عليه. أما إذا كان خلفه أو فوقه أو تحته فلا كراهة على التحقيق، كما لا كراهة في الموضع المعد للصلاة بلا نجاسة ولا قذر، ولا تكره الصلاة مطلقاً في أماكن قبور الأنبياء.\rوقال الشافعية: تكره الصلاة في المقبرة التي لم تنبش، سواء أكانت القبور أمامه أم خلفه أم عن يمينه أم شماله، أم تحته، إلا مقابر الأنبياء وشهداء المعركة؛ لأن الله تعالى حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء، وإنما هم أحياء في قبورهم يصلون، كما أن الشهداء أحياء، إلا إن قصد تعظيمهم فيحرم. أما المقبرة المنبوشة فلاتصح الصلاة فيها بغير حائل ومعه تكره.\rوقال الحنابلة: المقبرة: ما احتوت على ثلاثة قبور فأكثر في أرض موقوفة للدفن ، فإن لم تحتو على ثلاثة فالصلاة فيها صحيحة بلا كراهة إن لم يستقبل القبر، وإلا كره.\r-------------------------------\r(1) حقق ابن القيم في زاد المعاد أن النبي صلّى الله عليه وسلم دخل الكعبة يوم فتح مكة، فأزال الصور منها، ثم كبر في جهاتها الأربع، ولم يصل.","part":2,"page":155},{"id":847,"text":"ولا تصح الصلاة عندهم في المقابر، لحديث أبي سعيد مرفوعاً: «الأرض كلها مسجد، إلا المقبرة والحمام» (1) وتكره الصلاة إلى المقبرة بلا حائل لحديث أبي مَرْثد الغَنَوي: «لا تصلوا إلى القبور، ولا تجلسوا عليها» (2) .\rوحديث ابن عمر: «اجعلوا من صلاتكم في بيوتكم، ولا تتخذوها قبوراً» (3) .\rوذلك سواء حدث المسجد بعد المقبرة أم حدثت المقبرة بعده، حوله أو في قبلته.\r7ً - الصلاة فوق الكعبة: مكروهة لما فيها من ترك التعظيم المأمور به، ولعدم وجود السترة الثابتة بين يدي المصلي، لأنه مصلٍ على البيت لا إلى البيت. ولكن تصح الصلاة على ظهر الكعبة أو في الكعبةإذا كانت نافلة بالاتفاق، ولا تصح الفريضة فيهما عند المالكية والحنابلة، وتصح فيهما الصلاة مطلقاً فرضاً أو نفلاً عند الحنفية والشافعية، كما بينا في شرط استقبال القبلة؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلم (صلى في البيت ركعتين ) إلا أنه إن صلى تلقاء الباب، أو على ظهرها وكان بين يديه شيء من بناء الكعبة متصل بها، صحت صلاته عند الحنابلة، فإن لم يكن بين يديه شاخص، لا تصح صلاته عندهم؛ لأنه غير مستقبل لشيء منها.\rلكن قال ابن قدامة (4) : والأولى أنه لا يشترط كون شيء منها بين يديه؛ لأن الواجب استقبال موضعها وهوائها، دون حيطانها، بدليل ما لو انهدمت الكعبة، صحت الصلاة إلى موضعها، ولو صلى على جبل عال يخرج عن مسامتتها، صحت صلاته إلى هوائها، فكذا ههنا.\rالمطلب الثالث ـ ما لايكره فعله في الصلاة:\rتبين مما سبق أن الصلاة لا تكره في الأفعال الآتية عند الحنفية (5) :\r-------------------------------\r(1) رواه الخمسة إلا النسائي، وأخرجه أيضاً الشافعي وابن خزيمة وابن حبان والحاكم، قال الترمذي: هذا حديث فيه اضطراب، روي مرسلاً (نيل الأوطار:133/2).\r(2) رواه الجماعة إلا البخاري وابن ماجه ( نيل الأوطار:134/2).\r(3) رواه الجماعة إلا ابن ماجه ( نيل الأوطار:135/2).\r(4) المغني:74/2.\r(5) مراقي الفلاح: ص59.","part":2,"page":156},{"id":848,"text":"1 - لا بأس بالصلاة إلى ظهر إنسان قائم أو قاعد، ولو كان يتحدث ما لم يكن منه تشويش للصلاة؛ لأن ابن عمر ربما كان يستتر بمولاه (نافع) في بعض أسفاره.\r2 - ولا بأس أن يصلي وبين يديه مصحف معلق أو سيف معلق لأنهما لايعبدان.\r3 - لا يكره السجود على بساط فيه تصاوير لذي روح، لم يسجد عليها؛ لأن فيه استهانة بالصور بالوطء عليها.\r4 - لا يكره باتفاق العلماء قتل حية وعقرب ونحوهما من كل حيوان مؤذ، ولو بضربتين، ما لم يقتض ذلك عملاً كثيراً، ولو أدى إلى الانحراف عن القبلة،لحديث أبي هريرة السابق: «أن النبي صلّى الله عليه وسلم أمر بقتل الأسودين في الصلاة: العقرب والحية» (1) .\r5 - لا مانع من نفض ثوبه بعمل قليل، كيلا يلتصق بجسده في الركوع، تحاشياً عن ظهور الأعضاء.\r6 - لا بأس باتفاق العلماء بالفتح على الإمام من المأموم إذا أرتج عليه، أو غلط في التلاوة، لما فيه من التنبيه إلى ما هو مشروع في الصلاة، كما سيأتي في بحث مبطلات الصلاة.\r7 - المراوحة بين الرِجْلين: بأن يعتمد مرة على هذه، ومرة على هذه، لأنه أدعى لطول القيام، وتكره إذا كثرت، لدلالتها على الملل وهو مكروه.\rالمطلب الرابع ـ ما تحرم الصلاة فيه ( الصلاة في الموضع المغصوب):\rالصلاة في الأرض المغصوبة حرام بالإجماع؛ لأن اللبث فيها يحرم في غير الصلاة، فلأن يحرم في الصلاة أولى (2) .\rوهل تصح الصلاة في المكان المغصوب ؟\r-------------------------------\r(1) رواه الخمسةوصححه الترمذي (نيل الأوطار:336/2).\r(2) المجموع:169/3، المهذب:64/1، البدائع:116/1، المغني:588/1، و74/2، كشاف القناع:313/1، 343-346.","part":2,"page":157},{"id":849,"text":"قال الجمهور غير الحنابلة: الصلاة صحيحة؛ لأن النهي لا يعود إلى الصلاة، فلم يمنع صحتها، كما لو صلى وهو يرى غريقاً يمكنه إنقاذه، فلم ينقذه، أو حريقاً يقدر على إطفائه فلم يطفئه، أو مطلَ غريمه الذي يمكن إيفاؤه وصلى. ويسقط بها الفرض مع الإثم، ويحصل بها الثواب، فيكون مثاباً على فعله، عاصياً بمقامه، وإثمه إذن للمكث في مكان مغصوب.\rوقال الحنابلة في الأرجح عندهم: لا تصح الصلاة في الموضع المغصوب، ولو كان جزءاً مشاعاً، أو في ادعائه الملكية، أو في المنفعة المغصوبة من أرض أو حيوان أو بادعاء إجارتها ظالماً، أو وضع يده عليها بدون حق؛ لأنها عبادة أتى بها على الوجه المنهي عنه، فلم تصح، كصلاة الحائض وصومها؛ لأن النهي يقتضي تحريم الفعل واجتنابه والتأثيم بفعله، فكيف يكون مطيعاً بما هو عاص به، ممتثلاً بما هو محرم عليه، متقرباً بما يبعد به؟! فإن حركاته وسكناته من القيام والركوع والسجود أفعال اختيارية، هو عاص بها منهي عنها. ويختلف الأمر عن إنقاذ الغريق وإطفاء الحريق؛ لأن أفعال الصلاة في نفسها منهي عنها.\rوأضاف الحنابلة: أنه يصح الوضوء والأذان وإخراج الزكاة والصوم والعقود كالبيع والنكاح وغيرهما، والفسوخ كالطلاق والخلع، في مكان مغصوب؛ لأن البقعة ليست شرطاً فيها، بخلاف الصلاة.\rوتصح الصلاة في بقعة أبنيتها غصب، ولو استند إلى الأبنية لإباحة البقعة المعتبرة في الصلاة.\rوتصح صلاة من طولب برد وديعة أو رد غصب، قبل دفعها إلى صاحبها، ولو بلا عذر؛ لأن التحريم لا يختص بالصلاة. ولو صلى على أرض غيره ولو كانت مزروعة بلا ضرر ولا غصب، أو صلى على مصلاه بلا غصب ولا ضرر، جاز وصحت صلاته.\rوإن صلى في غصب من بقعة أو غيرها جاهلاً أو ناسياً كونه غصباً، صحت صلاته؛ لأنه غير آثم.\rوإذا حبس في مكان غصب، صحت صلاته، لحديث: «عفي عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه» .","part":2,"page":158},{"id":850,"text":"الأرض المسخوط عليها: وتصح الصلاة في الأرض المسخوط عليها، كأرض الخسف، وكل بقعة نزل فيها عذاب، كأرض بابل، وأرض الحِجْر (1) ، ومسجد الضرار (2) ، وتكره الصلاة في هذه المواضع؛ لأن هذا المسجد موضع مسخوط عليه، وقد قال النبي صلّى الله عليه وسلم يوم مر بالحجر: «لا تدخلوا على هؤلاء المعذبين إلا أن تكونوا باكين، أن يصيبكم مثل ما أصابهم» (3) .\rملحق بأنواع اللباس في الصلاة:\rذكر الشافعية والحنابلة أنواعاً أربعة للباس (4) :\r1 - ما يجزئ من اللباس:\rهو ثوب واحد يستر العورة، وبعضه ـ عند الحنابلة ـ أو غيره على عاتقه لما روى عمرو بن سلمة «أنه رأى رسول الله صلّى الله عليه وسلم يصلي في ثوب واحد، في بيت أم سلمة، قد ألقى طرفيه على عاتقه» (5) ، وعن جابر أن النبي صلّى الله عليه وسلم قال: « إذا كان الثوب واسعاً، فالتحف به، وإذا كان ضيقاً، فائتزر به» (6) وغير ذلك من الأحاديث.\rويجب ستر العورة بما لا يصف البشرة من ثوب صفيق أو جلد أو ورق، فإن ستر بما يظهر منه لون البشرة من ثوب رقيق، لم يجز؛ لأن الستر لا يحصل بذلك.\r2 - ثياب الفضيلة:\r-------------------------------\r(1) ديار ثمود بين المدينة والشام، وهم قوم صالح عليه السلام.\r(2) هو مسجد بناه المنافقون، مجاور لمسجد قباء في المدينة، ليكون مركزاً للمؤامرات، وفيه نزلت الآيات: {والذين اتخذوا مسجداً ضراراً وكفراً وتفريقاً بين المؤمنين وإرصاداً لمن حارب الله ورسوله من قبل ...} (الآية107من سورة التوبة).\r(3) تفسير ابن كثير:556/2.\r(4) المغني:582/1-588، المهذب:64/1-66.\r(5) متفق عليه.\r(6) رواه البخاري وغيره.","part":2,"page":159},{"id":851,"text":"وهو أن يصلي الرجل في ثوبين أو أكثر، فإنه أبلغ وأعم في الستر، روي عن عمر أنه قال: «إذا أوسع الله فأوسعوا، جمع رجل عليه ثيابه، صلى رجل في إزار وبرد، أو في إزار وقميص، في إزار وقباء، في سراويل ورداء، في سراويل وقميص، في سراويل وقباء، في تُبّان وقميص» (1) ، وقال عمر أيضاً: «إذا كان لأحدكم ثوبان، فليصل فيهما، فإن لم يكن إلا ثوب واحد، فليتزر به، ولا يشتمل اشتمال اليهود» (2) .\rوالمستحب للمرأة أن تصلي في ثلاثة أثواب: خمار تغطي به الرأس والعنق، ودِرْع تغطي به البدن والرجلين، وملحفة صفيقة، تستر بها الثياب، لقول عمر رضي الله عنه: «تصلي المرأة في ثلاثة أثواب: درع وخمار وإزار» ولقول عبد الله ابن عمر رضي الله عنهما: «تصلي في الدرع، والخمار والملحفة» .\rوالمستحب أن تكثف المرأة جلبابها، حتى لايصف أعضاءها، وتجافي الملحفة عنها في الركوع والسجود، حتى لايصف ثيابها.\r3 - الثياب المكروهة:\rاشتمال الصماء:\rوهو أن يلتحف بثوب، ثم يخرج يديه من قبل صدره، كالعباءة اليوم. وقيل: أن يضطبع بالثوب ليس عليه غيره. ومعنى الاضطباع: أن يضع وسط الرداء تحت عاتقه الأيمن، وطرفيه على منكبيه الأيسر، ويبقى منكبه الأيمن مكشوفاً. وقد سبق بيان ذلك في مكروهات الصلاة.\rويكره السدل أيضاً: وهو أن يلقي طرف الرداء من الجانبين، ولا يرد أحد طرفيه على الكتف الأخرى، ولا يضم الطرفين بيديه، كالحرام أو الملاءة الآن. وقد سبق بيانه.\r-------------------------------\r(1) رواه البخاري، والتُبَّان: بالضم والتشديد: سروال صغير مقدار شبر يستر العورة المغلظة، وقد يكون للملاَّحين.\r(2) رواه أبو داود.","part":2,"page":160},{"id":852,"text":"ويكره أيضاً إسبال القميص والإزار والسراويلات على وجه الخيلاء، لأن النبي صلّى الله عليه وسلم قال: «من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه» (1) وقوله أيضاً: «من أسبل إزاره في صلاته خيلاء، فليس من الله جل ذكره في حل ولا حرام» (2) .\rويكره أن يغطي الرجل وجهه أو فمه، لما ذكرنا من حديث أبي هريرة «أن النبي صلّى الله عليه وسلم نهى أن يغطي الرجل فاه» .\rوروي عن الحنابلة في كراهة التلثم على الأنف روايتان: إحداهما: يكره لأن ابن عمر كرهه. والأخرى: لا يكره: لأن النهي ورد في تغطية الفم.\rوتكره الصلاة في الثوب المزعفر للرجل، وكذلك المعصفر؛ لأن «النبي صلّى الله عليه وسلم نهى الرجال عن التزعفر» (3) وروى مسلم عن علي قال: «نهاني النبي صلّى الله عليه وسلم عن لباس المعصفر» وقال عبد الله بن عمرو: «رأى النبي صلّى الله عليه وسلم علي ثوبين معصفرين، فقال: إن هذا من ثياب الكفار، فلا تلبسهما» .\rولا يكره شد الوسط بمنطقة أو مئزر أو ثوب أو شد قباء.\rويكره للرجال عند الحنابلة لبس الثوب الأحمر والصلاة فيه، لحديث عبد الله ابن عمرو السابق: أن النبي صلّى الله عليه وسلم لم يرد السلام على رجل عليه بردان أحمران، قال ابن القيم: وقد صح عنه صلّى الله عليه وسلم من غير معارض النهي عن لبس المعصفر والأحمر (4) .\r4 - ما يحرم لبسه والصلاة فيه:\rوهو قسمان:\rأ ـ قسم يعم الرجال والنساء: وهو نوعان: الأول: النجس: فلا تصح الصلاة فيه ولا عليه؛ لأن الطهارة من النجاسة شرط.\rوالثاني: المغصوب، وتصح الصلاة فيه عند الجمهور، ولا تصح فيه عند الحنابلة كما بينا.\r-------------------------------\r(1) متفق عليه.\r(2) رواه أبو داود عن ابن مسعود، ورواه أيضاً الترمذي والنسائي عن ابن عمر، وقال الترمذي: حديث صحيح.\r(3) رواه الشيخان (البخاري ومسلم).\r(4) زاد المعاد:441/1، ط الرسالة.","part":2,"page":161},{"id":853,"text":"ب ـ ما يختص تحريمه بالرجال دون النساء: وهو الحرير، والمنسوج بالذهب، والمموه به، يحرم لبسه وافتراشه في الصلاة وغيرها. لقوله صلّى الله عليه وسلم : «حرم لباس\rالحرير والذهب على ذكور أمتي وأحل لإناثهم» (1) وقوله أيضاً: «لا تلبسوا الحرير، فإن من لبسه في الدنيا، لم يلبسه في الآخرة» (2) .\rولا خلاف في تحريم الحرير على الرجال إلا لعارض أو عذر. وسيأتي مزيد بيان لذلك في بحث الحظر والإباحة.\r5 - ما تخالف فيه المرأة الرجل:\rيسن للمرأة مخالفة الرجل في ستة أمور ذكرها الشافعية:\rأولاً ـ تضم بعضها إلى بعض في السجود، بأن تضم مرفقيها إلى جنبيها وتلصق بطنها بفخذيها، أما الرجل فيباعد مرفقيه عن جنبيه، ويرفع بطنه عن فخذيه، لحديث رواه البيهقي في المرأة (3) .\rثانياً ـ تخفض المرأة صوتها في حضرة الرجال الأجانب، أما الرجل فيسن له الجهر في الصلاة الجهرية.\rثالثاً ـ تصفق المرأة بيدها اليمنى على ظهر كف اليسرى إذا نابها شيء أثناء الصلاة، أما الرجل فيسبح بصوت مرتفع، لحديث رواه الشيخان عن سهل بن سعد (4) .\rرابعاً ـ جميع بدن المرأة عورة إلا الوجه والكفين، أما الرجل فعورته ما بين سرته وركبته، كما تقدم في شروط الصلاة.\rخامساً ـ تسن الإقامة للمرأة دون الأذان، فيكره لها رفع صوتها به، أما الرجل فيسن له الأذان والإقامة عند كل صلاة مكتوبة في مذهب الشافعية.\r-------------------------------\r(1) أخرجه أبو داود والترمذي عن أبي موسى، وقال: حديث حسن صحيح.\r(2) متفق عليه عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه.\r(3) نصه: أن النبي صلّى الله عليه وسلم مرّ على امرأتين تصليان، فقال: «إذا سجدتما فضما بعض اللحم إلى الأرض، فإن المرأة ليست في ذلك كالرجل» .\r(4) نصه: «من رابه شيء في صلاته فليسبِّح، فإنه إذا سبَّح التُفت إليه، وإنما التصفيق للنساء».","part":2,"page":162},{"id":854,"text":"سادساً ـ تقف المرأة وسط النساء في إمامتهن، وخلف الرجال في إمامة الرجل، أما الرجل فيتقدم المأمومين، ويقف الرجال في الصف الأول (1) .\rالمبحث الخامس ـ الأذكار الواردة عقب الصلاة:\rيسن ذكر الله والدعاء المأثور عقب الصلاة، إما بعد الفريضة مباشرة إذا لم يكن لها سنة بعدية كصلاة الفجر وصلاة العصر، وإما بعد الانتهاء من السنة البعدية كصلاة الظهر والمغرب والعشاء؛ لأن الاستغفار يعوض نقص الصلاة، والدعاء سبيل الحظوة بالثوا ب والأجر بعد التقرب إلى الله بالصلاة.\rويأتي بالأذكار سراً على الترتيب التالي إلا الإمام المريد تعليم الحاضرين فيجهر إلى أن يتعلموا، ويقبل الإمام على الحاضرين، جاعلاً يساره إلى المحراب (2) ،قال سمرة: «كان النبي صلّى الله عليه وسلم إذا صلى أقبل علينا بوجهه» (3) .\r1ً - يقول: ( أستغفر الله ) ثلاثاً ، أو ( استغفر الله العظيم الذي لا إله إلا هو الحيَّ القيوم وأتوب إليه ) ثلاثاً. ثم يقول: ( اللهم أنت السلام ومنك السلام، وإليك السلام، تباركت وتعاليت يا ذا الجلال والإكرام ) لما روى ثوبان أن النبي صلّى الله عليه وسلم «كان إذا سلم ـ وفي لفظ إذا انصرف من صلاته ـ استغفر ثلاثاً، ويقول: اللهم أنت السلام\r-------------------------------\r(1) الحضرمية: ص33، 46، 51، 68.\r(2) الدر المختار:595/1، القوانين الفقهية: ص66، الشرح الصغير:410/1 ومابعدها، المهذب:80/1، المغني:559/1 ومابعدها، كشاف القناع:426/1 ومابعدها.\r(3) رواه البخاري: وروى مسلم وأبو داود عن البراء بن عازب قال: «كنا إذا صلينا خلف رسول الله صلّى الله عليه وسلم أحببنا أن نكون عن يمينه، فيقبل علينا بوجهه » (نيل الأوطار:306/2).","part":2,"page":163},{"id":855,"text":"ومنك السلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام» (1) .\rثم يقول: «اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك» لحديث معاذ ابن جبل، قال: «لقيني النبي صلّى الله عليه وسلم ، فقال: إني أوصيك بكلمات تقولهن في كل صلاة ـ أو في دبر كل صلاة ـ اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك» (2) .\r2ً - يقرأ آية الكرسي، وسورة الإخلاص: {قل هو الله أحد} [الإخلاص:1/112]، والمعوذتين {قل أعوذ برب الفلق } [الفلق:1/113]، { قل أعوذ برب الناس} [الناس:1/114] والفاتحة؛ لما روى الحسين بن علي رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم : «من قرأ آية الكرسي في د ُ بُر الصلاة المكتوبة، كان في ذمة الله إلى الصلاة الأخرى» (3) ، ولخبر أبي أمامة: «من قرأ آية الكرسي، وقل: هو الله أحد، دُبُر كل صلاة مكتوبة، لم يمنعه من دخول الجنة إلا الموت» (4) .\r-------------------------------\r(1) رواه الجماعة إلا البخاري (نيل الأوطار:300/2) وروى أحمد ومسلم والترمذي وابن ماجه عن عائشة قالت: «كان رسول الله صلّى الله عليه وسلم إذا سلَّم، لم يقعد، إلا مقدار ما يقول: اللهم أنت السلام ومنك السلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام» (المصدر السابق: ص305).\r(2) رواه أحمد والنسائي، وأبو داود، ولفظ الأخير: «في دُبُر كل صلاة» أي بعدها على الأقرب. وتخصيص الوصية بهذه الكلمات، لأنها مشتملة على جميع خير الدنيا والآخرة (نيل الأوطار:291/2).\r(3) رواه الطبراني.\r(4) إسناده جيد، وقد تكلم فيه، رواه النسائي والطبراني، وزاد: {قل هو الله أحد} [الإخلاص:112/11]، وابن حبان في صحيحه. والدبر: نقيض القبل من كل شيء، عقبه ومؤخره (سبل السلام:200/1).","part":2,"page":164},{"id":856,"text":"ولما روي عن عقبة بن عامر، قال: «أمرني النبي صلّى الله عليه وسلم أن أقرأ المعوذات (1) دبر كل صلاة» (2) .\r3ً - يسبح الله يقول (سبحان الله )، ويحمده يقول (الحمد لله )، ويكبره يقول (الله أكبر) ثلاثاً وثلاثين، ثم يختم تمام المئة بقوله: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيي ويميت، وهو على كل شيء قدير، اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد» لحديث أبي هريرة، قال : «من سبَّح الله دُ بُر كل صلاة ثلاثاً وثلاثين، وحَمِد الله ثلاثاً وثلاثين، وكبَّر الله ثلاثاً وثلاثين، فتلك تسع وتسعون ـ عدد أسماء الله الحسنى ـ وقال: تمام المئة: لا إله إلا الله وحده، لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، غُفرت خطاياه، ولو كانت مثلَ زَبَد البحر» (3) وورد أيضاً : « أن يسبح ويكبر ويحمد عشراً عشراً» (4) .\rوعن المغيرة بن شُعبة: أن النبي صلّى الله عليه وسلم كان يقول في دبر كل صلاة مكتوبة : « لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت (5) ، ولا ينفع ذا الجَدّ منك الجدّ» (6) ، وروى مسلم عن ابن الزبير نحوه، وزاد بعد ( قدير ): «ولا حول ولا قوة إلا بالله ،\r-------------------------------\r(1) تشمل الإخلاص من باب التغليب، فيراد بها الإخلاص والمعوذتان.\r(2) له طرق، وهو حديث حسن أو صحيح، رواه أحمد وأبو داود والنسائي والترمذي وقال: غريب. قال بعض الحنابلة: وفي هذا سر عظيم في دفع الشر من الصلاة إلى الصلاة.\r(3) رواه مسلم، وفي رواية أخرى لمسلم عن أبي هريرة: « أن التكبير أربع وثلاثون» وبه تتم المئة (سبل السلام:198/1).\r(4) رواه الخمسة وصححه الترمذي عن عبد الله بن عمر (نيل الأوطار:301/2).\r(5) ووقع عند عبد بن حميد بعده: ( ولا راد لما قضيت).\r(6) متفق عليه، زاد الطبراني: «له الملك وله الحمد يحيي ويميت، وهو حي لا يموت، بيده الخير» ورواته موثقون. (نيل الأوطار:300/2، سبل السلام:197/1).","part":2,"page":165},{"id":857,"text":"لا إله إلاالله ، ولا نعبد إلا إياه، له النعمة وله الفضل وله الثناء الحسن، لا إله إلا الله مخلصين له الدين ولو كره الكافرون» .\r4ً - يقول ـ قبل القراءة والتحميد وغيرهما من المذكور في الرقمين السابقين ـ بعد صلاتي الصبح والمغرب، وهو ثان رجليه قبل أن يتكلم، عشر مرات: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيي ويميت، وهو على كل شيء قدير» لخبر أحمد عن عبد الرحمن بن غُنم مرفوعاً (1) .\rويقول أيضاً وهو على الصفة المذكوة سبع مرات:( اللهم أجرني من النار ) لحديث مسلم بن الحارث التميمي عن أبيه: «أن النبي صلّى الله عليه وسلم أسرَّ إليه، فقال: إذا انصرفت من صلاة المغرب، فقل: اللهم أجرني من النار سبع مرات» وفي رواية: «قبل أن تكلم أحداً، فإنك إذا قلت ذلك ثم مت في ليلتك، كتب لك جواراً منها، وإذا صليت الصبح، فقل مثل ذلك، فإنك إن مت من يومك، كتب لك جواراً منها، قال الحارث: أسر بها النبي صلّى الله عليه وسلم ، ونحن نخص بها إخواننا» (2) .\r5ً - ثم يدعو المصلي لنفسه وللمسلمين بما شاء من خيري الدنيا والآخرة، وخصوصاً بعد الفجر والعصر، لحضور ملائكة الليل والنهار فيهما، فيؤمِّنون على الدعاء، فيكون أقرب للإجابة. وأفضل الدعا هو المأثور في السنة، مثل ما روى سعد بن أبي وقاص: أنه كان يعلِّم بنيه هؤلاء الكلمات، كما يُعلِّم المعلم الغلمان الكتابة، ويقول: إن رسول الله صلّى الله عليه وسلم كا ن يتعوَّذ بهن دُبُر الصلاة: اللهم إني أعوذ\r-------------------------------\r(1) رواه أيضاً الترمذي والنسائي، وقال الأول: حسن صحيح، وفي بعض رواته كلام سيء جداً، ولم يذكر النسائي: المغرب.\r(2) رواه أبو داود وأحمد وابن حبان في صحيحه، وفي راو لا يعرف.","part":2,"page":166},{"id":858,"text":"بك من البخل، وأعوذ بك من الجُبْن، وأعوذ بك أن أردّ إلى أرذل العُمُر، وأعوذ بك من فتنة الدنيا، وأعوذ بك من عذاب القبر» (1) .\rومن أهم آداب الدعاء (2) :\rرفع اليدين حتى يرى بياض إبطيه، وغاية الرفع إلى حذو المنكبين إلا إذا اشتد الأمر، ثم مسح الوجه بهما، اتباعاً للسنة، روى أبو داود بإسناد حسن عن مالك ابن يسار مرفوعاً: «إذا سألتم الله فاسألوه ببطون أكفكم، ولا تسألوه بظهورها» ، وتكون اليدان مضمومتين لما روى الطبراني في الكبير عن ابن عباس: «كان النبي صلّى الله عليه وسلم إذا دعا ضم كفيه، وجعل بطونهما مما يلي وجهه» لكن ضعفه في المواهب.\rثم يبدأ الدعاء بالحمد لله والثناء عليه، لقوله صلّى الله عليه وسلم : «إذا صلى أحدكم، فليبدأ بتحميد ربه، والثناء عليه، ثم يصلي على النبي صلّى الله عليه وسلم ، ثم يدعو بما شاء» (3) وأفضل تحري مجامع الحمد مثل: ( الحمد لله حمداً يوافي نعمه، ويكافئ مزيده، ياربنا لك الحمد، كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك).\rويختم دعاءه بالحمد لله ، لقوله تعالى: {وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين} [يونس:10/10] كما يختم دعاءه بالآية الكريمة: {سبحان ربك رب\r-------------------------------\r(1) رواه البخاري والترمذي وصححه. والمراد بالبخل: منع ما يجب إخراجه من المال شرعاً، أو عادة. والجبن: مهابة الأشياء والتأخر عن فعلها. وفتنة الدنيا: الاغترار بشهواتها المفضي إلى ترك القيام بالواجبات. وهي فتنة المحيا في حديث التعوذ من أربع في الصلاة، وخصت هذه الأمور بالتعوذ منها لأنها من أعظم الأسباب المؤدية إلى الهلاك باعتبار ما يتسبب عنها من المعاصي المتنوعة (نيل الأوطار:2/303).\r(2) انظر أيضاً الإحياء للغزالي:(1/274-278).\r(3) رواه أبو داود والنسائي والترمذي وصححه.","part":2,"page":167},{"id":859,"text":"العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين} [الصافات:182/37]، قال علي كرم الله وجهه: «من أحب أن يكتال بالمكيال الأوفى من الأجر يوم القيامة، فليكن آخر كلامه إذا قام من مجلسه: سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين» (1) .\rويصلي على النبي صلّى الله عليه وسلم أول الدعاء وآخره، لخبر جابر قال: قال صلّى الله عليه وسلم : «لاتجعلوني كقَدَح الراكب (2) ، فإن الراكب يملأ قدحه، ثم يضعه، ويرفع متاعه، فإن احتاج إلى شراب شرب، أو لوضوء توضأ، وإلا أهراقه، ولكن اجعلوني في أول الدعاء، وأوسطه، وآخره» (3) .\rويستقبل الداعي غير الإمام القبلة؛ لأن خير المجالس ما استقبل به القبلة. ويكره للإمام استقبال القبلة، بل يستقبل الإمام المأمومين للحديث السابق: أنه صلّى الله عليه وسلم كان ينحرف إليهم إذا سلم.\rويلحُّ الداعي في الدعاء مع الخشية، لحديث: «إن الله يحب الملحِّين في الدعاء» (4) وحديث: «ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة، واعلموا أن الله عز وجل لا يستجيب دعاء من قلب غافل» (5) ويكرر الدعاء ثلاثاً؛ لأنه نوع من الإلحاح، قال ابن مسعود: «كان عليه السلام إذا دعا دعا ثلاثاً، وإذا سأل سأل ثلاثاً» (6) .\r-------------------------------\r(1) أخرجه البخاري.\r(2) أي لا تؤخروني في الذكر؛ لأن الراكب يعلِّق قدحه في آخر رحله من تَرْحاله، ويجعله خلفه. (النهاية في غريب الحديث والأثر لابن الأثير).\r(3) رواه البزار، وفيه موسى بن عبيدة، وهو ضعيف (مجمع الزوائد: 155/10).\r(4) رواه الترمذي وابن عدي والبيهقي في شعب الإيمان عن عائشة (الفتح الكبير:355/1).\r(5) رواه الترمذي من حديث أبي هريرة، وقال: غريب، ورواه أحمد والحاكم وغيرهما أيضاً.\r(6) رواه مسلم وأصله متفق عليه (تخريج أحاديث الإحياء للعراقي:276/1).","part":2,"page":168},{"id":860,"text":"ويكون متطهراً، ويقدم بين يدي حاجته التوبة والاستغفار.\rوالدعاء سراً أفضل منه جهراً، لقوله تعالى: {ادعوا ربكم تضرعاً وخفية} [الأعراف:55/7] لأنه أقرب إلى الإخلاص. ويكره رفع الصوت بالدعاء في الصلاة وغيرها إلا لحاج لحديث: «أفضل الحج: العَجّ والثجّ» (1) .\rويعم بالدعاء، لقوله صلّى الله عليه وسلم لعلي: «يا علي عمم» .\rويكون دعاؤه بتأدب في هيئته وألفاظه، وخشوع وخضوع، وعزم ورغبة، وحضور قلب ورجاء، للحديث السابق: «لا يستجاب من قلب غافل» وشرط الدعاء: الإخلاص.\rويتوسل بأسماء الله وصفاته وتوحيده، ويقدم بين دعائه صدقة، ويتحرى أوقات الإجابة وهي:\rالثلث الأخير من الليل، وبين الأذان والإقامة، وأدبار الصلوات المكتوبة، وعند صعود الإمام المنبر يوم الجمعة، حتى تنقضي الصلاة، وآخر ساعة بعد العصر من يوم الجمعة. ويوم عرفة ويوم الجمعة، وعند نزول الغيث، وعند زحف الصفوف في سبيل الله تعالى، وحالة السجود.\rوينتظر الإجابة، للحديث السابق: «ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة، ولا يَعْجل، فيقول: دعوت فلم يستجب لي» لما في الصحيح مرفوعاً: «يستجاب لأحدكم، ما لم يَعْجل، قالوا: وكيف يعجل يا رسول الله ؟ قال: يقول: قد دعوت، فلم أر يستجب لي، فيستحسر عند ذلك» .\rولا يكره عند الحنابلة رفع بصره إلى السماء (2) ، ولا بأس أن يخص نفسه بالدعاء، لحديث أبي بكرة، وأم سلمة، وسعد بن أبي وقاص، إذ أولها: «اللهم إني أعوذ بك وأسألك» فهو يخص نفسه الكريمة صلّى الله عليه وسلم ، ولحديث عائشة: «أفضل الدعاء: دعاء المرء لنفسه» (3) .\rويستحب أن يخفف الدعاء؛ لأنه صلّى الله عليه وسلم «نهى عن الإفراط في الدعاء» (4) والإفراط يشمل كثرة الأسئلة.\rويدعو بدعاء مأثور، إما من القرآن أو السنة أو عن الصحابة أو التابعين، أو الأئمة المشهورين. من ذلك ما روته أم سلمة: « أن النبي صلّى الله عليه وسلم كان يقول إذا صلى الصبح حين يسلم: اللهم إني أسألك علماً نافعاً، ورزقاً طيباً، وعملاً متقبلاً» (5) .\r-------------------------------\r(1) رواه الترمذي عن ابن عمر، ورواه البيهقي والحاكم وابن ماجه عن أبي بكر، ورواه أبو يعلى عن ابن مسعود، وهو ضعيف.\r(2) كشاف القناع:430/1، واستدل بحديث المقداد: «أن النبي صلّى الله عليه وسلم رفع رأسه إلى السماء، فقال: اللهم أطعم من أطعمني، واسق من سقاني» ويعارضه حديث أبي هريرة عند البزار، ورجاله ثقات: «لينتهين ناس عن رفع أبصارهم إلى السماء عند الدعاء حتى تخطف ـ يعني تخطف أبصارهم» (مجمع الزوائد:167/10).\r(3) رواه الحاكم عن عائشة، وهو صحيح.\r(4) ذكره في كشاف القناع:431/1.\r(5) رواه أحمد وابن ماجه وابن أبي شيبة (نيل الأوطار:304/2).","part":2,"page":169},{"id":861,"text":"ومن الأدعية المأثورة الجامعة: ( اللهم إني أسألك مُوجِبات رحمتك، وعزائم مغفرتك، والسلامة من كل إثم، والغنيمة من كل بر، والفوز بالجنة، والنجاة من النار. اللهم إني أعوذ بك من الهم والحَزَن، وأعوذ بك من العجز والكسل، وأعوذ بك من الجبن والبخل والفشل، ومن غلبة الدين وقهر الرجال. اللهم إني أعوذ بك من جهد البلاء، ودَرْك الشقاء، وسوء القضاء، وشماتة الأعداء، وعضال الداء).\rما يستحب للمصلي بعد انتهاء الصلاة المفروضة:\rاستحب الفقهاء بعد انتهاء الفريضة مايأتي (1) :\r1ً - يستحب الانتظار قليلاً أو اللبث للإمام مع المصلين، إذا كان هناك نساء، حتى ينصرف النساء ولا يختلطن بالرجال، لحديث أم سلمة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله صلّى الله عليه وسلم إذا سلَّم، قام النساء، حتى يقضي تسليمَه، وهو يمكث في مكانه يسيراً، قبل أن يقوم، قالت: فنُرى ـ والله أعلم ـ أن ذلك كان لكي ينصرف النساء، قبل أن يُدركَهن الرجال (2) .\r2ً - وينصرف المصلي في جهة حاجته إن كانت له يميناً أو شمالاً، فإن لم تكن له حاجة، انصرف جهة يمينه، لأنها أفضل، لقول ابن مسعود: «لا يجعل أحدكم للشيطان حظاً من صلاته، يرى حقاً عليه ألا ينصرف إلا عن يمينه، لقد رأيت رسول الله صلّى الله عليه وسلم كثيراً ما ينصرف عن شماله» (3) وعن قبيصة بن هُلْب عن أبيه: «أنه صلى مع النبي صلّى الله عليه وسلم ، فكان ينصرف عن شقيه» (4) .\r-------------------------------\r(1) المهذب:81/1، المغني:560/1-562.\r(2) رواه البخاري وأحمد (نيل الأوطار:309/2).\r(3) رواه مسلم.\r(4) رواه أبو داود وابن ماجه.","part":2,"page":170},{"id":862,"text":"3ً - يندب أن يفصل المصلي بين الفرض والسنة بكلام أو انتقال من مكانه، والفصل بالانتقال أفضل، للنهي عن وصل ذلك إلا بعد المذكور، والانتقال أفضل تكثيراً للبقاع التي تشهد له يوم القيامة. ويفصل بين الصبح وسنته باضطجاع على جنبه الأيمن أو الأيسر،اتباعاً للسنة.\rوقال أحمد: لا يتطوع الإمام في مكانه الذي صلى فيه المكتوبة، كما قال\rعلي رضي الله عنه. وقال أحمد أيضاً: من صلى وراء الإمام، فلا بأس أن يتطوع مكانه، كما فعل ابن عمر. روى المغيرة بن شعبة أن النبي صلّى الله عليه وسلم قال: «لا يتطوع الإمام في مقامه الذي يصلي فيه بالناس» (1) وذكر الشافعية (2) أن النفل الذي لا تسن فيه الجماعة صلاته في البيت أفضل منه بالمسجد، للخبر الصحيح: «أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة» لتعود بركة صلاته على منزله.\rالمبحث السادس ـ القنوت في الصلاة:\rيندب القنوت (3) في الصلاة، لكن الفقهاء اختلفوا في تحديد الصلاة التي يقنت فيها على آراء، فقال الحنفية والحنابلة: يقنت في الوتر، قبل الركوع عند الحنفية، وبعد الركوع عند الحنابلة، ولا يقنت في غيره من الصلوات.\rوقال المالكية والشافعية: يقنت في صلاة الصبح بعد الركوع، والأفضل عند المالكية قبل الركوع، ويكره عند المالكية على الظاهر القنوت في غير الصبح.\r-------------------------------\r(1) المغني:562/1.\r(2) شرح الحضرمية: ص49.\r(3) القنوت: الدعاء والتضرع.","part":2,"page":171},{"id":863,"text":"ويستحب عند الحنفية والشافعية والحنابلة: القنوت في الصلوات المفروضة إذا نزلت بالمسلمين نازلة، وحصرها الحنابلة في صلاة الصبح، والحنفية في صلاة جهرية.\rوتفصيل الكلام عن كل مذهب ما يأتي:\rأولاً ـ قنوت الوتر أو الصبح:\rقال الحنفية (1) : يقنت المصلي في صلاة الوتر، فيكبر بعد الانتهاء من القراءة، ويرفع يديه كرفعه عند الافتتاح، ثم يضعهما تحت سرته، ثم يقنت، ثم يركع، ولا يقنت في صلاة غير الوتر إلا لنازلة في الصلاة الجهرية، وأما قنوت النبيصلّى الله عليه وسلم في الفجر شهراً فهو منسوخ بالإجماع، لما روى ابن مسعود: أنه عليه السلام قنت في صلاة الفجر شهراً ثم تركه (2) .\rوحكمه عندهم: أنه واجب عند أبي حنيفة، سنة عند الصاحبين، كالخلاف الآتي في الوتر.\rومحل أدائه: الوتر في جميع السنة قبل الركوع من الركعة الثالثة، بدليل ماروي عن جماعة من الصحابة رضي الله عنهم وهم (عمر وعلي وابن مسعود وابن عباس وأبي بن كعب) أن قنوت رسول الله صلّى الله عليه وسلم كان في الوتر قبل الركوع (3) .\rومقداره كمقدار: إذا السماء انشقت، لما روي عن النبي صلّى الله عليه وسلم أنه كان يقرأ في القنوت: اللهم إنا نستعينك، أو اللهم اهدنا فيمن هديت الخ، وكلاهما على مقدار هذه السورة.\r-------------------------------\r(1) البدائع:273/1 ومابعدها، اللباب:78/1 ومابعدها، فتح القدير:309/1 ومابعدها، الدر المختار:626/1-628.\r(2) رواه البزار والطبراني وابن أبي شيبة والطحاوي (نصب الراية:127/2) وروى أحمد والترمذي وصححه وابن ماجه عن أبي مالك الأشجعي أن أباه صلى خلف الرسول صلّى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر وعثمان وعلي، فلم يقنت واحد منهم. وروى أحمد عن أنس أن النبي صلّى الله عليه وسلم قنت شهراً ثم تركه. وروى البخاري عن أنس: « كان القنوت في المغرب والفجر» وروى أحمد والبخاري أن النبي صلّى الله عليه وسلم دعا على مضر، حتى أنزل الله تعالى: {ليس لك من الأمر شيء} [آل عمران:128/3]، وروى أحمد ومسلم والترمذي وصححه عن البراء بن عازب : « أن النبي صلّى الله عليه وسلم كان يقنت في صلاة المغرب والفجر» (نيل الأوطار:338/2-344).\r(3) نصب الراية:123/2 ومابعدها.","part":2,"page":172},{"id":864,"text":"وصيغة الدعاء المفضلة عندهم وعند المالكية: ( اللهم إنا نستعينك ونستهديك، ونستغفرك ونتوب إليك، ونؤمن بك ونتوكل عليك، ونثني عليك الخير كله، نشكرك ولا نكفرك، ونخلَع ونترك من يفجُرُك، اللهم إياك نعبد، ولك نصلي ونسجد، وإليك نسعى ونحفِد،نرجو رحمتك ونخشى عذابك، إن عذابك الجِدَّ بالكفار مُلحق) (1) وهوالدعاء المشهور لابن عمر، ولا مانع من صحة نسبته لكل من عمر وابنه.\rوذلك بدليل ما أخرجه أبو داود في المراسيل عن خالد بن أبي عمران، قال: «بينما رسول الله صلّى الله عليه وسلم يدعو على مضر، إذ جاءه جبريل، فأومأ إليه أن اسكت، فسكت، فقال: يا محمد، إن الله لم يبعثك سبابا ولا لعَّاناً، وإنما بعثك رحمة للعالمين، ليس لك من الأمر شيء، ثم علّمه القنوت: اللهم إنا نستعينك ...إلخ» (2) ولأن الصحابة رضي الله عنهم اتفقوا على هذا القنوت، فالأولى أن يقرأه. ولو قرأ غيره جاز، ولو قرأ معه غيره، كان حسناً. والأولى أن يقرأه بعدما علَّم رسول الله صلّى الله عليه وسلم الحسن بن علي رضي الله عنهما في قنوته:اللهم اهدنا فيمن هديت ...إلى آخره (3) . ثم بعده يصلي فيه على النبي صلّى الله عليه وسلم وآله، على المفتى به، فيقول: «وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم» .\rومن لا يحسنه بالعربية أو لا يحفظه، إما أن يقول: يا رب أو اللهم اغفر لي ثلاثاً أو { ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار } [البقرة:201/2]، والآية الأخيرة أفضل.\r-------------------------------\r(1) معنى: ( نخلع ) نلقي ونترك، ونحفد: أي نبادر ونسرع في تحصيل عبادتك بنشاط، كالمشي إلى المسجد، والجد: الحق، أي ضد الهزل، وملحق أي لاحق بهم، أو ملحق بهم، بكسر الحاء وفتحها، والكسر أفصح.\r(2) نصب الراية:135/2 ومابعدها.\r(3) رواه الترمذي وأبو داود (المجموع: 477/2).","part":2,"page":173},{"id":865,"text":"وصفته من الجهر والإسرار: المختار أنه يخفيه الإمام والمقتدي.\rوحكمه حال نسيانه: إذا نسي المصلي القنوت حتى ركع، ثم تذكر بعدما رفع رأسه من الركوع، لا يعود إليه، ويسقط عنه القنوت، كما يسقط في ظاهر الرواية إذا تذكره في الركوع، ثم يسجد للسهو في آخر صلاته قبل السلام، لفوات القنوت عن محله، فإن عاد إليه وقنت، ولم يعد الركوع، لم تفسد صلاته، لكون ركوعه بعد قراءة تامة.\rويأتي المأموم بقنوت الوتر، ولو اقتدى بشافعي يقنت بعد الركوع، لأنه مجتهد فيه.\rوإذا أدرك المقتدي الإمام في ركوع الثالثة من الوتر، كان مدركاً للقنوت حكماً، فلا يأتي به في آخر صلاته.\rوقالوا أخيراً: إذا قنت الإمام في صلاة الفجر، سكت من خلفه عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله ، وهو الأظهر؛ لأنه منسوخ ولا متابعة فيه، وقال أبو يوسف: يتابعه؛ لأنه تبع لإمامه، والقنوت مجتهد فيه.\rمذهب المالكية:\rيندب عند المالكية (1) قنوت سراً في الصبح فقط، لا في الوتر وغيره فيكره، وذلك قبل الركوع، وهو أفضل، ويجوز بعد الركوع. ولفظه المختار: اللهم إنا نستعينك..إلخ كالحنفية، ولا يضم إليه: اللهم اهدنا فيمن هديت... إلخ على المشهور.\rويقنت الإمام والمأموم والمنفرد سراً، ولا بأس برفع اليدين فيه.\r-------------------------------\r(1) الشرح الصغير: 331/1، الشرح الكبير: 248/1، القوانين الفقهية: ص 61.","part":2,"page":174},{"id":866,"text":"مذهب الشافعية:\rيسن عندهم (1) القنوت في اعتدال ثانية الصبح، وصيغته المختارة هي: (اللهم اهدني فيمن هديت، وعافني فيمن عافيت، وتولني فيمن توليت، وبارك لي فيما أعطيت، وقني شر ما قضيت (2) ، فإنك تقضي ولا يقضى عليك، وإنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت، تباركت ربنا وتعاليت، فلك الحمد على ما قضيت، أستغفرك وأتوب إليك) (3) ، وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم.\rويقنت الإمام بلفظ الجمع؛ فيقول: اللهم اهدنا.. إلخ؛ لأن البيهقي رواه بلفظ الجمع، فحمل على الإمام، وعلله النووي في «أذكاره» بأنه يكره للإمام تخصيص نفسه بالدعاء لخبر: «لا يؤم عبد قوماً، فيخص نفسه بدعوة دونهم، فإن فعل فقد خانهم» (4) .\rودليلهم على اختيار هذه الصيغة: ما رواه الحاكم في المستدرك عن أبي هريرة\r-------------------------------\r(1) مغني المحتاج: 166/1، المجموع: 474/2 - 490، المهذب: 81/1، حاشية الباجوري: 168/1 ومابعدها.\r(2) هذا آخر الدعاء، وما بعدها الثناء، فيؤمن المقتدي في الدعاء، ويقول الثناء سراً، أو يقول: أشهد.\r(3) معناه إجمالاً: اللهم دلني على الطريق التي توصل إليك، مع من دللته إلى الطريق التي توصل إليك، وعافني من البلايا مع من عافيته منها، وتول أموري وحفظي مع من توليت أموره وحفظه، وأنزل يا الله البركة: وهي الخير الإلهي فيما أعطيته لي، واحفظني مما يترتب على ما قضيته من السخط والجزع، وإلا فالقضاء المحتم لابد من نفوذه. وأنت تحكم ولا يحكم عليك، ولا معقب لحكمه، ولا يحصل لمن واليته ذل، ولا يحصل لمن عاديته عز، تزايد برك وإحسانك وارتفعت عما لا يليق بك. ويقول «ربنا» بصيغة الجمع ولو كان منفرداً اتباعاً للوارد. لك الحمد من حيث نسبته إليك؛ لأنه لا يصدر عنك إلا الجميل، وإنما يكون شراً بنسبته لنا، أستغفرك من الذنوب وأتوب إليك.\r(4) رواه الترمذي وحسنه.","part":2,"page":175},{"id":867,"text":"رضي الله عنه قال: «كان رسول الله صلّى الله عليه وسلم إذا رفع رأسه من الركوع من صلاة الصبح في الركعة الثانية، رفع يديه، فيدعو بهذا الدعاء: اللهم اهدني فيمن هديت..إلخ ما تقدم (1) . وزاد البيهقي فيه عبارة: «فلك الحمد على ما قضيت (2) ..إلخ» .\rوقال أنس بن مالك: «ما زال رسول الله صلّى الله عليه وسلم يقنت في الفجر، حتى فارق الدنيا» (3) وكان عمر يقنت في الصبح بمحضر من الصحابة وغيرهم.\rوالصحيح سن الصلاة على رسول الله صلّى الله عليه وسلم في آخر القنوت للأخبار الصحيحة في ذلك. كما يسن الصلاة على الآل، وسن رفع اليدين فيه كسائر الأدعية، اتباعاً للسنة (4) .\rويسن في الدعاء أن يجعل ظهر كفيه إلى السماء إن دعا لرفع بلاء، وعكسه إن دعا لتحصيل شيء. وقد أفتى بعض الشافعية بأنه لا يسن ذلك عند قوله في القنوت: ( وقني شر ما قضيت ) لأن الحركة في الصلاة ليست مطلوبة.\rوالصحيح أنه لا يمسح بيديه وجهه، لعدم وروده، كما قال البيهقي. والإمام يجهر بالقنوت، اتباعاً للسنة (5) ، ويؤمن المأموم للدعاء (6) إلى قوله: ( وقني شر ما قضيت )، ويجهر به كما في تأمين القراءة، ويقول الثناء سراً بدءاً من قوله: ( فإنك تقضي..) إلخ؛ لأنه ثناء وذكر، فكانت الموافقة فيه أليق، أو يقول: أشهد، والأول أولى، وقال بعضهم: الثاني أولى. فإن لم يسمع الإمام قنت ندباً معه سراً كسائر الدعوات والأذكار التي لا يسمعها.\r-------------------------------\r(1) قال عنه الحاكم: صحيح.\r(2) رواه البيهقي عن ابن عباس (سبل السلام: 187/1) وزاد البيهقي والطبراني «ولا يعز من عاديت» (المصدر السابق: ص186).\r(3) رواه أحمد وعبد الرازق، والدارقطني وإسحاق بن راهويه (نصب الراية: 131/2 ومابعدها).\r(4) رواه البيهقي بإسناد جيد. وأما المذكور في سائر الأدعية فرواه الشيخان وغيرهما.\r(5) رواه البخاري وغيره. قال الماوردي: وليكن جهره به دون جهر القراءة.\r(6) رواه أبو داود بإسناد حسن أو صحيح.","part":2,"page":176},{"id":868,"text":"وهل الصلاة على النبي صلّى الله عليه وسلم من قبيل الدعاء، فيؤمن فيها، أو من قبيل الثناء فيشارك فيها؟ المعتمد هو الأول، لكن الأولى الجمع بينهما. ولا يرد على اقتصاره على التأمين قوله صلّى الله عليه وسلم : «رغم أنف امرئ ذكرت عنده، فلم يصل علي» (1) لأنه في غير المصلي، على أن التأمين في معنى الصلاة عليه.\rويصح الدعاء بغير هذه الصيغة، بكل ذكر مشتمل على دعاء وثناء، مثل: «اللهم اغفر لي ياغفور» فقوله: «اغفر لي» دعاء، وقوله: «ياغفور» ثناء، ومثل «وارحمني يارحيم» أو «والطف بي يا لطيف» والأولى أن يقول: «اللهم اهدني..» السابق.\r-------------------------------\r(1) رواه الترمذي والحاكم عن أبي هريرة، وهو صحيح.","part":2,"page":177},{"id":869,"text":"ويكره إطالة القنوت كالتشهد الأول، لكن يستحب له الجمع بين قنوت النبي صلّى الله عليه وسلم «اللهم اهدني..إلخ» وقنوت عمر أو ابنه: «اللهم إنا نستعينك ونستهديك» السابق. والجمع لمنفرد وإ مام جماعة التطويل، وإن اقتصر فليقتصر على الأول.\rويزاد عليهما: ( اللهم عذب الكفرة والمشركين أعداءك أعداء الدين، الذين يصدون عن سبيلك، ويكذبون رسولك، ويقاتلون أولياءك. اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات، والمسلمين والمسلمات، الأحياء منهم والأموات، اللهم أصلح ذات بينهم، وألِّف بين قلوبهم، واجعل في قلوبهم الإيمان والحكمة، وثبِّتهم على ملة رسولك، وأوزعهم (أي ألهمهم) أن يوفوا بعهدك الذي عاهدتهم عليه، وانصرهم على عدوك وعدوهم، إله الحق، واجعلنا منهم).\rوالقنوت كما سنبين من أبعاض الصلاة، فإن تركه كله أو بعضه، أو ترك شيئاً من قنوت عمر إذا جمعه مع قنوت النبي عليه السلام، أو ترك الصلاة على النبي صلّى الله عليه وسلم بعده، سجد للسهو. كما يسجد للسهو إن ترك القنوت تبعاً لإمامه الحنفي، أو تركه إمامه المذكور وأتى به هو.\rمذهب الحنابلة:\rيسن القنوت عندهم (1) كالحنفية، في الوتر في الركعة الواحدة في جميع السنة، بعد الركوع، كما قال الشافعي في وتر النصف الأخير من رمضان، فإن قنت قبل الركوع فلا بأس، لما روى ابن مسعود: «أن النبي صلّى الله عليه وسلم قنت بعد الركوع» (2) وروى حميد، قال: سئل أنس عن القنوت في صلاة الصبح؟ فقال: «كنا نقنت قبل الركوع وبعده» (3) .\rويقول في قنوته جهراً إن كان إماماً أو منفرداً: «اللهم إنا نستعينك.. إلخ» «اللهم اهدنا فيمن هديت» والثاني أولى كما ذكر ابن قدامة، لما روى الحسن بن علي رضي الله عنهما، قال علمني رسول الله صلّى الله عليه وسلم كلمات أقولهن في الوتر: اللهم اهدني فيمن هديت..إلخ (4) . وعن عمر رضي الله عنه: أنه قنت في صلاة الفجر، فقال: بسم الله الرحمن الرحيم، اللهم إنا نستعينك..إلخ ثم يصلي على النبي صلّى الله عليه وسلم، وعلى آله. ولا بأس أن يدعو في قنوته بما شاء غير ما تقدم.\r-------------------------------\r(1) المغني: 151/1-155، كشاف القناع: 490/1-494.\r(2) رواه مسلم.\r(3) رواه ابن ماجه.\r(5) أخرجه أبو داود والترمذي، وقال: هذا حديث حسن، ولا نعرف عن النبي صلّى الله عليه وسلم في القنوت شيئاً أحسن من هذا، ورواه أحمد والنسائي وابن ماجه (الخمسة) (سبل السلام: 186/1، نصب الراية: 122/2).","part":2,"page":178},{"id":870,"text":"وإذا أخذ الإمام في القنوت أمَّن من خلفه، ويرفع يديه، ويمسح وجهه بيديه، لقول النبي صلّى الله عليه وسلم : «إذا دعوت الله فادع ببطون كفيك، ولا تدع بظهورها، فإذا فرغت فامسح بهما وجهك» (1) ، وروى السائب بن يزيدعن أبيه: «أن النبي صلّى الله عليه وسلم كان إذا دعا، رفع يديه، ومسح بهما وجهه» (2) . ويؤمن المأموم بلا قنوت إن سمع، وإن لم يسمع دعا.\rولا يسن القنوت في الصبح ولا غيرها من الصلوات سوى الوتر، كما قال الحنفية، لما روي «أن النبي صلّى الله عليه وسلم قنت شهراً، يدعو على حي من أحياء العرب، ثم تركه» (3) .\rثانياً ـ القنوت أثناء النوازل:\rقال الحنفية والشافعية والحنابلة (4) : يشرع القنوت للنازلة لا مطلقاً، في الجهرية فقط عند الحنفية، وفي سائر الصلوات المكتوبة عند غيرهم إلا الجمعة عند الحنابلة اكتفاءً في خطبتها (5) ، ويجهر في دعائه في هذا القنوت. والنازلة: أن ينزل بالمسلمين خوف أو قحط أو وباء أو جراد، أو نحوها، اتباعاً للسنة؛ لأنه صلّى الله عليه وسلم قنت شهراً يدعو على قاتلي أصحابه القراء ببئر معونة (6) وعن أبي هريرة «أن النبي صلّى الله عليه وسلم كان إذا أراد أن يدعو على أحد، أو يدعو لأحد، قنت بعد الركوع..» (7) .\r-------------------------------\r(1) رواه أبو داود وابن ماجه.\r(2) رواه أبو داود من رواية ابن لهيعة.\r(3) رواه مسلم، وروى أبو هريرة وأبو مسعود وأبو مالك الأشجعي عن النبي صلّى الله عليه وسلم مثل ذلك، كما قدمنا في مذهب الحنفية.\r(4) اللباب:79/1، حاشية الباجوري: 168/1، مغني المحتاج: 168/1، المغني: 155/1، كشاف القناع: 494/1، المهذب: 82/1، المجموع: 486/3.\r(5) هذا ما ذكر في كشاف القناع وقال ابن قدامة: ولا يقنت في غير الصبح من الفرائض.\r(6) رواه الشيخان، مع خبر «صلوا كما رأيتموني أصلي» .\r(7) رواه أحمد والبخاري (نيل الأوطار:343/2).","part":2,"page":179},{"id":871,"text":"وكون القنوت عند النازلة لم يشرع مطلقاً بصفة الدوام، على المشهور عند الشافعية، فلأنه صلّى الله عليه وسلم لم يقنت إلا عند النازلة.\rويدعو بنحو ما روي عن النبي صلّى الله عليه وسلم وأصحابه، وروي عن عمر رضي الله عنه أنه كان يقول في القنوت: ( اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات، والمسلمين والمسلمات، وألف بين قلوبهم، وأصلح ذات بينهم، وانصرهم على عدوك وعدوهم، اللهم العن كفرة أهل الكتاب الذين يكذبون رسلك، ويقاتلون أولياءك، اللهم خالف بين كلمتهم، وزلزل أقدامهم، وأنزل بهم بأسك الذي لا يرد عن القوم المجرمين. بسم الله الرحمن الرحيم، اللهم إنا نستعينك ).\rولا يسن السجود لترك قنوت النوازل؛ لأنه ـ كما قال الشافعية ـ ليس من أبعاض الصلاة.","part":2,"page":180},{"id":872,"text":"المبحث السابع ـ صلاة الوتر:\rالكلام عن الوتر في بيان حكمه أوصفته واجب أم سنة، ومن يجب عليه، ومقداره، ووقته، صفة القراءة فيه، القنوت فيه، ومحل القنوت (1) .\r1 - حكم الوتر أو صفته:\rالوتر مطلوب بالإجماع، لقوله صلّى الله عليه وسلم : «يا أهل القرآن أو تروا فإن الله وتر يحب الوتر» (2) ، وكان واجباً على النبي صلّى الله عليه وسلم ، لحديث: «ثلاث كتبن علي ولم تكتب عليكم: الضحى، والأضحى، والوتر» (3) .\r-------------------------------\r(1) فتح القدير: 300/1-310، الكتاب مع اللباب: 78/1 ومابعدها، البدائع: 270/1-274 الشرح الصغير: 411/1-414، الشرح الكبير: 315/1-318، المهذب 83/1، مغني المحتاج: 221/1-223، المغني: 150/2-165،القوانين الفقهية: ص89 كشاف القناع: 486/1-488\r(2) رواه أبو داود وصححه الترمذي.\r(3) أخرجه الحاكم وأحمد عن ابن عباس، قال الذهبي: سكت الحاكم عنه، وهو غريب منكر (نصب الراية: 115/2).","part":2,"page":181},{"id":873,"text":"وهو واجب كصلاة العيدين عن أبي حنيفة، سنة مؤكدة وآكد السنن عند الصاحبين وبقية الفقهاء.\rاستدل أبو حنيفة بقوله صلّى الله عليه وسلم : «إن الله تعالى زادكم صلاة، ألا وهي الوتر، فصلوها ما بين العشاء إلى طلوع الفجر» (1) وهو أمر والأمر للوجوب، وإنما لم يكفر جاحده باتفاق الحنفية؛ لأن وجوبه ثبت بسنة الآحاد، وهو معنى ما روي عنه أنه سنة. وبناء عليه لا يجوز عنده أداؤه قاعداً أو على الدابة بلا عذر.\rويؤيده أحاديث أخرى، منها حديث أبي أيوب: «الوتر حق، فمن أحب أن يوتر بخمس فليفعل، ومن أحب أن يوتر بثلاث فليفعل، ومن أحب أن يوتر بواحدة فليفعل» (2) .\rوحديث بريدة: «الوتر حق، فمن لم يوتر، فليس منا» (3) .\rواستدل الجمهور على سنيته بأحاديث كثيرة منها: «قوله صلّى الله عليه وسلم للأعرابي، حين سأله عما فرض الله عليه من الصلاة؟ قال: خمس صلوات، قال: هل علي غيرها؟ قال: لا إلا أن تطوَّع» (4) .\rوكذَّب عبادة بن الصامت رجلاً يقول: الوتر واجب، وقال: « سمعت النبي صلّى الله عليه وسلم يقول: خمس صلوات كتبهن الله على العبد في اليوم والليلة» (5) .\rوعن علي قال: «الوتر ليس بحتم كهيئة الصلاة المكتوبة، ولكنه سنة سنها النبي صلّى الله عليه وسلم » (6) .\rولأنه يجوز فعله على الراحلة من غير ضرورة، فأشبه السنن، وروى ابن عمر: «أن النبي صلّى الله عليه وسلم كان يوتر على بعيره» (7) .\rوهذا الرأي هو الحق؛ لأن أحاديث أبي حنيفة إن صحت فهي محمولة على التأكيد، وقد تكلم المحدثون فيها، فحديث «من لم يوتر فليس منا» فيه ضعيف، وحديث أبي أيوب «الوتر حق» وإن كان رواته ثقاتاً، فمحمول على تأكيد الاستحباب، لقول الإمام أحمد: «من ترك الوتر عمداً فهو رجل سوء، لا ينبغي أن تقبل له شهادة» .\r2 - من يجب عليه الوتر عند أبي حنيفة:\rالوتر عند أبي حنيفة كالجمعة والعيدين واجب على كل مسلم، ذكر أم أنثى، بعد أن يصبح أهلاً للوجوب، لحديث أبي أيوب السابق: «الوتر حق واجب على كل مسلم، فمن أحب أن يوتر بخمس فليوتر، ومن أحب أن يوتر بثلاث فليفعل، ومن أحب أن يوتر بواحدة، فليوتر» (8) .\rوهو عند الجمهور سنة مؤكدة على كل مسلم.\r-------------------------------\r(1) روي عن ثمانية من الصحابة: خارجة بن حذافة، وعمرو بن العاص، وعقبة بن عامر، وابن عباس، وأبي بصرة الغفاري، وعمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وابن عمر، وأبي سعيد الخدري، روى أبو داود والترمذي وابن ماجه حديث خارجة، وقال عنه الترمذي: حديث غريب: وأخرجه الحاكم، وقال حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه، لتفرد التابعي عن الصحابي (نصب الراية: 108/2-111).\r(2) أخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجه (نصب الراية: 112/2).\r(3) رواه أحمد.\r(4) متفق عليه، ومثله حديث معاذ في الصحيحين: «إن الله افترض عليكم خمس صلوات في اليوم والليلة» (نصب الراية: 114/2).\r(5) رواه أبو داود وأحمد.\r(6) رواه أحمد والترمذي وحسنه.\r(7) متفق عليه.\r(8) أخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجه وأحمد وابن حبان والحاكم، وقال: على شرطهما ( نصب الراية: 112/2).","part":2,"page":182},{"id":874,"text":"3 - مقداره وكيفيته:\rالوتر عند الحنفية ثلاث ركعات، لا يفصل بينهن بسلام، وسلامه في آخره،\rكصلاة المغرب، حتى لو نسي قعود التشهد الأول، لا يعود إليه، ولو عاد فسدت الصلاة. لحديث عائشة: «كان رسول الله صلّى الله عليه وسلم يوتر بثلاث، لا يسلم إلا في آخرهن» (1) .\rولا يجوز بدون نية الوتر، فينويه ثلاث ركعات، ويقرأ الفاتحة وسورة في الركعات الثلاث، ويتشهد تشهدين: الأول والأخير، ولا يقرأ دعاء الاستفتاح في بداية الركعة الثالثة، ويكبر ويرفع يديه ثم يقنت بعد القراءة قبل ركوع الثالثة، وبانتهائه يسلم يميناً وشمالاً، ففيه تكبيرة إحرام واحدة وسلام واحد.\rوقال المالكية: الوتر ركعة واحدة، يتقدمها شَفْع، (سنة العشاء البعدية). ويفصل بينهما بسلام، يقرأ فيها بعد الفاتحة: الإخلاص والمعوذتين.\rوكذلك قال الحنابلة (2) : الوتر ركعة، قال أحمد: إنا نذهب في الوتر إلى ركعة، وإن أوتر بثلاث أو أكثر فلا بأس.\rوقال الشافعية: أقل الوتر ركعة، وأكثره إحدى عشرة، والأفضل لمن زاد على ركعة الفصل بين الركعات بالسلام،فينوي ركعتين من الوتر ويسلم، ثم ينوي ركعة من الوتر ويسلم، لما روى ابن حبان: «أنه صلّى الله عليه وسلم كان يفصل بين الشفع والوتر» .\r-------------------------------\r(1) رواه الحاكم، وقال: إنه على شرط البخاري ومسلم، ولم يخرجاه، ورواه النسائي بلفظ: «كان النبي صلّى الله عليه وسلم لا يسلم في ركعتي الوتر» ، وروي مثله عن ابن مسعود وابن عباس ( نصب الراية: 118/2 ومابعدها ).\r(2) المغني: 150/2","part":2,"page":183},{"id":875,"text":"ودليل المالكية والحنابلة وهو دليل الشافعية على أقل الوتر: خبر مسلم عن ابن عمر وابن عباس: «الوتر ركعة من آخر الليل» وروى أبو داود من حديث أبي أيوب السابق: «من أحب أن يوتر بواحدة فليفعل» ، وفي صحيح ابن حبان من حديث ابن عباس: «أنه صلّى الله عليه وسلم أوتر بواحدة» .\rوأدنى الكمال ثلاث، وأكمل منه خمس، ثم سبع، ثم تسع، ثم إحدى عشرة فأكثره إحدى عشرة للأخبار الصحيحة، منها خبر عائشة: «ما كان رسول الله صلّى الله عليه وسلم يزيد في رمضان ولا غيره على إحدى عشرة ركعة» فلا تصح الزيادة عليها كسائر الرواتب. وفي رواية لمسلم عن عائشة: «كان رسول الله صلّى الله عليه وسلم يصلي فيما بين أن يفرغ من صلاة العشاء إلى الفجر إحدى عشر ركعة، يسلم بين كل ركعتين، ويوتر بواحدة» وقال النبي صلّى الله عليه وسلم : «صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا خِفْت الصبح، فأوتر بواحدة» (1) .\rوالوتر بخمس ثابت في حديث أبي أيوب السابق: «الوتر حق واجب على كل مسلم، فمن أحب أن يوتر بخمس فليوتر..» ، وروي عن زيد بن ثابت: أنه كان يوتر بخمس، لا ينصرف إلا في آخرها. وفي حديث عائشة المتفق عليه: «كان رسول الله صلّى الله عليه وسلم يصلي من الليل ثلاث عشرة ركعة، يوتر من ذلك بخمس، لايجلس في شيء منها إلا في آخرها» وروي مثل ذلك عن ابن عباس عن النبي صلّى الله عليه وسلم (2) ، وعن أبي هريرة عن النبي صلّى الله عليه وسلم قال: «لا توتروا بثلاث، أو تروا بخمس أو سبع، ولاتشبَّهوا بصلاة المغرب» (3) .\rوالوتر بسبع أو تسع ثبت في حديث عائشة عند مسلم وأبي داود، وأيدها بذلك ابن عباس.\rوالوتر بإحدى عشرة ثبت أيضاً في حديث عائشة المتقدم في الصحيحين.\rقال أحمد رحمه الله : الأحاديث التي جاءت «أن النبي صلّى الله عليه وسلم أو تر بركعة» كان قبلها صلاة متقدمة.\r-------------------------------\r(1) متفق عليه.\r(2) انظر المغني: 159/2.\r(3) رواه الدارقطني بإسناده، وقال: كلهم ثقات (نيل الأوطار: 35/3).","part":2,"page":184},{"id":876,"text":"4 - وقت الوتر:\rأصل الوقت، والوقت المستحب:\rوقته عند الجمهور: ما بعد صلاة العشاء إلى طلوع الفجر، فلا يصح أداؤه قبل صلاة العشاء، فلو أوتر قبل العشاء عمداً أو سهواً لم يعتد به.\rوعند أبي حنيفة: وقته وقت العشاء، إلا أنه شرع مرتباً عليه، فلا يجوز أداؤه قبل صلاة العشاء، مع أنه وقته، لعدم شرطه، وهو الترتيب، إلا إذا كان ناسياً، فلو صلاه قبل العشاء ناسياً لم يعده. وقال الصاحبان وغيرهما: يعيد، بدليل الخبر: «إن الله أمدكم بصلاة هي خير لكم من حُمْر النعم، وهي الوتر، فجعلها لكم من العشاء إلى طلوع الفجر» (1) .\rودليل امتداد وقته في الليل: حديث عائشة قالت: «من كل الليل قد أوتر رسول الله صلّى الله عليه وسلم ، من أول الليل وأوسطه وآخره، فانتهى وتره إلى السَّحر» (2) وحديث أبي سعيد: أن النبي صلّى الله عليه وسلم قال: «أوتروا قبل أن تصبحوا» (3) .\rووقته الاختياري عند المالكية: إلى ثلث الليل، ووقته الضروري من طلوع الفجر لتمام صلاة الصبح، فإن صلاها خرج وقته الضروري وسقط، لأنه لا يقضى عندهم من النوافل إلا سنة الفجر، فتقضى للزوال، وكره تأخيره لوقت الضرورة بلا عذر. والأفضل الوتر آخر الليل.\rومن أوتر أول الليل، ثم تنفل فلا يعيد الوتر عندهم وهو رأي الجمهور؛ إذ لا وتران في ليلة.\r-------------------------------\r(1) رواه الخمسة إلا النسائي (نيل الأوطار: 39/3).\r(2) رواه الجماعة (نيل الأوطار: 40/3).\r(3) رواه الجماعة إلا البخاري وأبا داود (المصدر والمكان السابق).","part":2,"page":185},{"id":877,"text":"ووقته المختار عند الشافعية إلى نصف الليل، والباقي وقت جواز، وإذا جمع العشاء مع المغرب جمع تقديم، كان له أن يوتر وإن لم يدخل وقت العشاء.ويسن جعله آخر صلاة الليل، ولو نام قبله، لخبر الشيخين: «اجعلوا آخر صلاتكم من الليل وتراً» . فإن كان له تهجد، أخرَّ الوتر إلى أن يتهجد، وإلا أوتر بعد فريضة العشاء وسنتها الراتبة إذا لم يثق بيقظته آخر الليل، وإلا بأن وثق من اليقظة فتأخيره أفضل، لخبر مسلم: «من خاف ألا يقوم آخر الليل، فليوتر أوله، ومن طمع أن يقوم آخره، فليوتر آخر الليل، فإن صلاة آخر الليل مشهودة» وذلك أفضل، وعليه يحمل خبر مسلم أيضاً: «بادروا الصبح بالوتر» (1) .\rفإن أوتر، ثم تهجد، لم يعد الوتر أي لا يسن له إعادته لخبر: «لا وتران في ليلة» (2) .\rووقته المستحب عند الحنفية: آخر الليل، لما روي عن عائشة رضي الله عنها أنها سئلت عن وتر رسول الله صلّى الله عليه وسلم ، فقالت: تارة كان يوتر في أول الليل، وتارة في وسط الليل، وتارة في آخر الليل، ثم صار وتره في آخر عمره في آخر الليل (3) . وقال النبي صلّى الله عليه وسلم : «يصلي أحدكم مثنى مثنى، فإذا خشي الصبح، صلى واحدة، فأوترت له ماصلى من الليل» (4) .\r-------------------------------\r(1) وأما خبر أبي هريرة: «أوصاني خليلي صلّى الله عليه وسلم بثلاث: صيام ثلاثة أيام من كل شهر، وركعتي الضحى، وأن أوتر قبل أن أنام» فمحمول على من لم يثق بيقظته آخر الليل.\r(2) رواه أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي والضياء عن طلق بن علي، وهو ضعيف، وصححه ابن حبان (نيل الأوطار: 45/2).\r(3) رواه أبو داود في سننه بلفظ آخر (نصب الراية: 145/2).\r(4) روي في الصحيحين عن ابن عمر (نصب الراية: 145/2).","part":2,"page":186},{"id":878,"text":"وكذلك الأفضل عند الحنابلة: فعل الوتر في آخر الليل، فهذا متفق عليه، لخبر مسلم السابق: «من خاف ألا يقوم من آخر الليل..» وخبر الشيخين السابق: «اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وتراً، فإن خاف ألا يقوم من آخر الليل استحب أن يوتر أوله» وهذا متفق عليه أيضاً؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلم أوصى أبا هريرة وأبا ذر وأبا الدرداء بالوتر قبل النوم، وقال: «من خاف ألا يقوم آخر الليل، فليوتر من أوله» (1) .\rومن أوتر من الليل، ثم قام للتهجد، فالمستحب عند الحنابلة أن يصلي مثنى مثنى، ولا ينقض وتره، ومعناه أنه إذا قام للتهجد صلى ركعة تشفع الوتر الأول، ثم يصلي مثنى مثنى، ثم يوتر في آخر التهجد، لقول النبي صلّى الله عليه وسلم : «اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وتراً » وهذا مخالف لرأي الجمهور السابق .\rوذكر الحنابلة أنه إذا صلى شخص مع الإمام , وأحب متابعته في الوتر ، وأحب أن يوتر آخر الليل ، فإنه إذا سلم الإمام لم يسلم معه ، وقام فصلى ركعة أخرى , يشفع بها صلاته مع الإمام .\r5- صفة القراءة في الوتر :\rالقراءة تجب عند الحنفية في كل ركعات الوتر ، ويندب عندهم أن يقرأ في الركعة الأولى سورة الأعلى وفي الثانية سورة الكافرون وفي الثالثة سورة الإخلاص لحديث أبي ابن كعب « أن النبي صلّى الله عليه وسلم كان يقرأ في الوتر بسبح اسم ربك الأعلى، وفي الركعة الثانية بقل يا أيها الكافرون، وفي الثالثة بقل هو الله أحد، ولا يسلِّم إلا في آخرهن» (2) .\r-------------------------------\r(1) وهذه كلها صحاح رواها مسلم وغيره.\r(2) رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه (نيل الأوطار: 34/2،42)، وعن ابن عباس مثله، رواه ابن ماجه.","part":2,"page":187},{"id":879,"text":"ويندب عند المالكية القراءة في وتر الركعة الواحدة بالإخلاص والمعوذتين بعد الفاتحة، ويقرأ في الشفع بسبِّح اسم ربك الأعلى في الأولى، والكافرون في الثانية بعد الفاتحة فيهما، ويفصل بينهما بسلام، إلا في حالة الاقتداء لمن يواصل، فيوصله معه، وينوي بالأوليين الشفع، وبالأخيرة الوتر، وكره وصل الوتر بالشفع بغير سلام لغير مقتد يواصل، وكره وتر بواحدة من غير تقدم شفع، ولو لمريض أو مسافر.\rويستحب عند الشافعية لمن أوتر بثلاث: أن يقرأ في ركعات الوتر الثلاث بعد الفاتحة: في الأولى بسبح، وفي الثانية {قل يا أيها الكافرون} [الكافرون:1/109] وفي الثالثة {قل هو الله أحد} [الإخلاص:1/112] والمعوذتين، وينبغي لمن زاد على الثلاثة أن يقرأ فيها ذلك، لحديث عائشة: أن النبي صلّى الله عليه وسلم كان يقرأ في الركعة الأولى من الوتر بفاتحة الكتاب، وسبح اسم ربك الأعلى، وفي الثانية: يقل يا أيها الكافرون، وفي الثالثة: يقل هو الله أحد، والمعوذتين (1) : الفلق ثم الناس.\rواستحب الحنابلة الاقتصار في الثالثة على سورة الإخلاص لحديث أبي بن كعب السابق، قائلين: إن حديث عائشة في هذا لا يثبت، فإنه يرويه يحيى بن أيوب، وهو ضعيف، وقد أنكر أحمد ويحيى بن معين زيادة المعوذتين.\r6 - قنوت الوتر:\rقال الحنفية والحنابلة (2) : يقنت المصلي في الوتر في جميع السنة، إلا أن الحنفية قالوا:يقنت في الثالثة قبل الركوع أداء وقضاء؛ لأن رسول الله صلّى الله عليه وسلم قنت قبل\r-------------------------------\r(1) رواه أصحاب السنن الأربعة وابن حبان في صحيحه (نصب الراية: 118/2).\r(2) المغني 151/2-153.","part":2,"page":188},{"id":880,"text":"الركوع (1) ، وكيفيته: أن يكبر ويرفع يديه ثم يقنت، لحديث علي عن النبي صلّى الله عليه وسلم أنه كان إذا أراد أن يقنت كبر وقنت. وهذا رأي المالكية أيضاً في الصبح لا في الوتر كما تقدم.\rوقال الحنابلة: يقنت بعد الركوع، لما رواه مسلم عن ابن مسعود «أن النبي صلّى الله عليه وسلم قنت بعد الركوع» ، ولحديث الزهري عن سعيد وأبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي صلّى الله عليه وسلم ، وعن أنس وغيره: أن النبي صلّى الله عليه وسلم قنت بعد الركوع (2) . وطعنوا في حديث أبي بأنه قد تكلم فيه، وفي حديث ابن مسعود بأن فيه متروك الحديث.\rوصيغة القنوت عند الحنفية: هي الدعاء المشهور عن عمر وابنه: «اللهم إنا نستعينك ونستهديك.. إلخ» ، ما ذكرناه في بحث القنوت، ويصلي على النبي صلّى الله عليه وسلم في آخره، على المفتى به.\rوالأولى عند الحنابلة دعاء: «اللهم اهدني فيمن هديت» ، وللمصلي الدعاء بـ «اللهم إنا نستعينك» والأصح عند الحنفية أن يكون الدعاء مخافتاً فيه (3) ،\rوعند الحنابلة: يجهر به الإمام والمنفرد.\r-------------------------------\r(1) روي عن أربعة من الصحابة: أبي بن كعب عند النسائي وابن ماجه، وابن مسعود عند الدارقطني وابن أبي شيبة، وابن عباس عند أبي نعيم في الحلية، وابن عمر عند الطبراني، لكن في حديث ابن مسعود متروك، وحديث ابن عباس غريب، وحديث ابن عمر تفرد بروايته سعيد بن سالم (نصب الراية: 123/2).\r(2) متفق عليه.\r(3) واستدلوا بحديث «خير الدعاء الخفي» .","part":2,"page":189},{"id":881,"text":"وقال الشافعية: يندب القنوت في آخر الوتر في النصف الثاني من رمضان بعد الركوع، وهو كقنوت الصبح، ويقول بعده في الأصح: « اللهم إنا نستعينك ونستهديك ونستغفرك.. إلخ» ، لما روى أبو داود والبيهقي: «أن أبي بن كعب كان يقنت في النصف الأخير من رمضان حين يصلي التراويح» (1) .\rالذكر بعد الوتر:\rويستحب أن يقول بعد الوتر: سبحان الملك القدوس ثلاثاً، ويمد صوته بها في الثالثة، لما روى أبي بن كعب، قال: « كان ر سول الله صلّى الله عليه وسلم إذا سلم من الوتر، قال: سبحان الملك القدوس» (2) وروى عبد الرحمن بن أَبْزى: «كان رسول الله صلّى الله عليه وسلم يوتر بسبح اسم ربك الأعلى، وقل يا أيها الكافرون، وقل هو الله أحد، وإذا أراد أن ينصرف من الوتر قال: سبحان الملك القدوس ثلاث مرات، ثم يرفع صوته بها في الثالثة» (3) .\rالدعاء بعد الوتر:\rعن علي بن أبي طالب عليه السلام أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم كان يقول في آخر وتره: «اللهم إني أعوذ برضاك من سَخَطك، وأعوذ بمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك» (4) .\rصفة وتر رسول الله صلّى الله عليه وسلم :\rعن سعيد بن هشام أنه قال لعائشة: أنبئيني عن وتر رسول ا لله صلّى الله عليه وسلم ، فقالت: كنا نُعِدُّ له سواكه وطهوره، فيبعثه الله متى شاء أن يبعثه من الليل، فيتسوك ويتوضأ، ويصلي تسع ركعات (5) ، لا يجلس فيها إلا في الثامنة، فيذكر الله ويحمده، ويدعوه ثم ينهض ولا يسلِّم.\rثم يقوم فيصلي التاسعة، ثم يقعد، فيذكر الله ويحمده ويدعوه، ثم يسلم تسليماً يُسمعنا. ثم يصلي ركعتين بعد ما يسلم، وهو قاعد، فتلك إحدى عشرة ركعة يابني.\rفلما أسنَّ رسول الله صلّى الله عليه وسلم وأخذه اللحم، أو تر بسبع، وصنع في الركعتين مثل صنيعه الأول، فتلك تسع يا بُنيَّ.\rوكان نبي الله إذا صلى صلاة أحب أن يداوم عليها، وكان إذا غلبه نوم أو وجَع عن قيام الليل، صلى من النهار اثنتي عشرة ركعة، ولا أعلم رسول الله صلّى الله عليه وسلم قرأ القرآن كله في ليلة، ولا قام ليلة حتى أصبح، ولا صام شهراً كاملاً غير رمضان (6) .\rوفي رواية لأحمد والنسائي وأبي داود نحوه، وفيها: فلما أسنَّ وأخذه اللحم، أوتر بسبع ركعات، لم يجلس إلا في السادسة والسابعة، ولم يسلم إلا في السابعة.\rوفي رواية للنسائي قالت: فلما أسن وأخذه اللحم، صلى سبع ركعات لا يقعد إلا في آخرهن.\r-------------------------------\r(1) قال عنه الحنابلة: فيه انقطاع.\r(2) رواه أبو داود.\r(3) أخرجه الإمام أحمد في المسند.\r(4) رواه الخمسة (نيل الأوطار: 42/2).\r(5) فيه مشروعية الإيتار بتسع ركعات متصلة لا يسلم إلا في آخرها، ويقعد في الثامنة ولا يسلم.\r(6) رواه أحمد ومسلم وأبو داود والنسائي (نيل الأوطار:37/2).","part":2,"page":190},{"id":882,"text":"الفَصْل ُالسَّابع: مُبْطِلاتُ الصَّلاة أو مُفْسِداتُها\rالصلاة عبادة ذات أقوال وأفعال مخصوصة كما عرفنا، ويجب أداؤها مستوفية شرائطها وأركانها لتكون صحيحة على النحو الذي بينه النبي صلّى الله عليه وسلم ، وأمر به المسلمين فقال: «صلوا كما رأيتموني أصلي» (1) .\rفإذا اشتملت الصلاة على أمر مخالف للكيفية المشروعة، فسدت أو بطلت، والفساد والبطلان في العبادات بمعنى واحد باتفاق الفقهاء، أما في المعاملات كالبيع فهما عند الحنفية مفترقان بمعنى مختلف.\rوإذا فسدت العبادة وجب إعادتها، والفساد أو البطلان: هو خروج العبادة عن كونها عبادة بسبب فوات بعض الفرائض.\rوالصلاة قد تبدأ فاسدة بترك شرط من شروطها الصحيحة كالطهارة وستر العورة، أما كشف العورة في أثناء الصلاة فمفسد لها عند الحنفية إذا دام قدر أداء ركن وهو مقدار ثلاث تسبيحات، كما قد تكون فاسدة بترك فريضة من فرائضها كتكبيرة الإحرام، وقد يطرأ الفساد بترك ركن من أركانها كترك الركوع أو السجود.\r-------------------------------\r(1) سبق تخريجه.","part":2,"page":191},{"id":883,"text":"أولاً ـ مفسدات الصلاة عند الفقهاء:\rإن أهم مفسدات الصلاة عند الفقهاء هي مايأتي (1) ، علماً بأن الحنفية ذكروا ثمانية وستين أمراً مفسداً للصلاة، والمالكية حوالي ثلاثين، والشافعية سبعة وعشرين، والحنابلة حوالي ستة وثلاثين.\r1- الكلام: أي النطق بحرفين ولو لم يفهما أو حرف مفهم أجنبي عن الصلاة، عمداً أو سهواً؛ لخبر زيد بن أرقم: «كنا نتكلم في الصلاة، يكلّم الرجل منا صاحبه، وهو إلى جنبه حتى نزلت: وقوموا لله قانتين، فأمرنا بالسكوت ونهينا عن الكلام» (2) وخبر معاوية بن الحكم السُّلَمي: «بينما أنا أصلي مع رسول الله صلّى الله عليه وسلم إذ عطَس رجل من القوم، فقلت: يرحمُك الله ، فرماني القوم بأبصارهم، فقلت: واثُكل أمَّاه، ما شأنكم تنظرون إلي؟ فجعلوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم، فلما رأيتهم يُصمتونني لكني سكتُّ، فلما صلى رسول الله صلّى الله عليه وسلم ، فبأبي وأمي ما رأيت معلماً قبله ولا بعده أحسن تعليماً منه، فوالله ، ما كهرني (انتهرني) ولا ضربني ولا شتمني، قال: إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هي التسبيح والتكبير وقراءة القرآن» (3) .\rومن الكلام المبطل: التنحنح بلا عذر إذا صحبه حرفان فأكثر، ومنه التأوه والأنين والتأفف والبكاء إذا اشتمل على حروف مسموعة، إلا إذا نشأ من مرض أو\r-------------------------------\r(1) الدر المختار: 574/1-593، البدائع: 233/1-242، مراقي الفلاح: ص 52-54، الشرح الصغير 343/1 ـ 356، حاشية الباجوري: 182/1-186، القوانين الفقهية: ص 51، مغني المحتاج: 194/1 ـ 200، المهذب: 86/1 ـ 88، كشاف القناع: 465/1-470، المغني: 1/2-5 ، 44-62.\r(2) رواه الجماعة إلا ابن ماجه (نيل الأوطار: 311/2).\r(3) رواه أحمد ومسلم والنسائي وأبو داود ( المصدر السابق: ص 314 وما بعدها).","part":2,"page":192},{"id":884,"text":"قوله لكني سكت، قال المنذري: يريد لم أتكلم لكني سكت. من خشية الله ، ومنه تشميت العاطس، ورد السلام ومنه الدعاء بما يشبه كلام الناس، غير أن للفقهاء تفصيلات في ذلك يحسن إيرادها:\rقال الحنفية (1) : تفسد الصلاة بالكلام عمداً أو سهواً، أو جاهلاً، أو مخطئاً، أو مكرهاً، على المختار، وذلك بالنطق بحرفين أو حرف مفهم، مثل (عِ) و ( قِِ )، وكما لو سلم على إنسان، أو رد السلام بلسانه، لا بيده، ويكره ذلك على المعتمد، أو شمَّت عاطساً، أو نادى إنساناً بقوله ( يا ) ولو ساهياً، لكن لو سلم ساهياً للخروج من الصلاة قبل إتمامها على ظن إكمالها، فلا تفسد الصلاة، ولو صافح بنية السلام، تفسد، لأنه عمل كثير. ولو استعطف كلباً أو هرة أو ساق حماراً بما ليس من حروف الهجاء لا تفسد صلاته؛ لأنه صوت لا هجاء له.\rومن ارتفع بكاؤه لمصيبة بلغته، فسدت صلاته، لأنه تعرض لإظهارها.\rوتبطل بالتنحنح بحرفين بلا عذر، فإن وجد عذر، كأن نشأ من طبعه فلا تفسد، كما لا تفسد إن كان لغرض صحيح كتحسين الصوت، أو ليهتدي إمامه إلى الصواب، أو للإعلام أنه في الصلاة، فلا فساد على الصحيح، وهكذا فإن التنحنح عن عذر لا يفسد الصلاة. وتفسد بالدعاء بما يشبه كلام الناس: وهو ما ليس في القرآن ولا في السنة، ولا يستحيل طلبه من العباد، وبالأنين (هو قوله : أه)، والتأوه (هو قوله : آه) والتأفف (أف أو تف)، والبكاء بصوت يحصل به حروف، لوجع أو مصيبة في الحالات الأربع الأخيرة، إلا لمرض لا يملك نفسه عن أنين وتأوه؛ لأنه حينئذ كعطاس وسعال وجشاء وتثاؤب، وإن ظهرت حروف للضرورة.\r-------------------------------\r(1) الدر المختار: 574/1-593، البدائع: 220/1، 232-242، فتح القدير: 280/1-286.","part":2,"page":193},{"id":885,"text":"والنفخ بصوت مسموع يفسد الصلاة سواء أراد به التأفف أو لم يرد عند أبي حنيفة ومحمد، لقول ابن عباس: «النفخ في الصلاة كلام» (1) .\rولا تفسد بالدعاء لذكر جنة أو نار عند قراءة الإمام، فجعل يبكي ويقول: بلى أو نعم، لدلالته على الخشوع.\rوتفسد بجواب خبر سوء، بالاسترجاع على المذهب، أي بقوله: { إنا لله وإنا إليه راجعون } [البقرة:156/2]، لأنه يقصد الجواب، فصار ككلام الناس.\rوتفسد بكل ما قصد به الجواب، كأن قيل: هل مع الله إله؟ فقال: ( لا إله إلا الله ) أو قيل: ما مالك؟ فقال: الخيل والبغال والحمير. أو سئل: من أين جئت؟ فقال: وبئر معطلة وقصر مشيد.\rوتفسد بالخطاب كقوله لمن اسمه يحيى أو موسى: ( يا يحيى خذ الكتاب بقوة) أو ( وما تلك بيمينك يا موسى) أو لمن بالباب: ( ومن دخله كان آمنا ).\rوتفسد إن قصد الجواب: إذا قال عند سماع اسم الله تعالى: ( لا إله إلا الله ) أو قال: ( جل جلاله )، أو عند ذكر النبي صلّى الله عليه وسلم ، فصلى عليه، أو عند قراءة الإمام، فقال: صدق الله ورسوله. أما إن لم يقصد الجواب، بل قصد الثناء والتعظيم، فلا تفسد؛ لأن تعظيم الله تعالى بذاته، والصلاة على نبيه صلّى الله عليه وسلم لا ينافي الصلاة.\rولا تفسد الصلاة بالنظر إلى مكتوب وفهمه، غير أنه مكروه، أما القراءة من المصحف فتفسد الصلاة عند أبي حنيفة؛ لأن حمل المصحف والنظر فيه وتقليب الأوراق عمل كثير، ولأنه يشبه التلقين من الآخرين. وقال الصاحبان: لا تفسد وإنما تكره؛ لأن القراءة من المصحف عبادة انضافت إلى عبادة أخرى. وتكره لأنه تشبه بأهل الكتاب.\r-------------------------------\r(1) رواه سعيد بن منصور في سننه (نيل الأوطار: 317/2) وروي نحوه عن أبي هريرة، لكن قال ابن المنذر: لا يثبت عنهما","part":2,"page":194},{"id":886,"text":"وقال المالكية (1) : يشترط لصحة الصلاة ترك الكلام إلا بما هو من جنسها، أو مصلح لها. وتبطل بتعمد كلام أجنبي ولو كلمة، نحو «نعم» أو «لا» لمن سأله عن شيء، لغير إصلاح الصلاة، فإن كان الكلام لإصلاح الصلاة وبقدر الحاجة لا تبطل الصلاة إلا إن كان كثيراً، كأن يسلم الإمام بعد ركعتين في صلاة رباعية، أو يقوم لركعة خامسة، ولم يفهم بالتسبيح، فقال له المأموم: أنت سلمت من ركعتين أو قمت لخامسة، لم يضر عملاً بقصة ذي اليدين، روى أبو هريرة، قال: صلى بنا رسول الله صلّى الله عليه وسلم إحدى صلاتي العشي، إما الظهر، وإما العصر، فسلم في ركعتين، ثم أتى جِذْعاً في قبلة المسجد، فاستند إليها مغضباً، وفي القوم أبو بكر وعمر، فهابا أن يتكلما، وخرج سَرْعانُ الناس (أي المتسرعون)، فقام ذو اليدين، فقال: يا رسول الله ، أقصرت الصلاة، أم نسيت؟ فقال: ما يقول ذو اليدين؟ قالوا: صدق، لم تصل إلا الركعتين، فصلى ركعتين، وسلم، ثم سجد سجدتين، ثم سلم (2) . ومن تلا وقصده التفهيم لشخص لم يضره كقوله: ( ادخلوها بسلام).\rوتبطل أيضاً بتعمد تصويت خال عن الحروف، كصوت الغراب، وبتعمد نفخ بفم، لا بأنف، وبتعمد سلام في حال العلم أو الظن أو الشك بعدم إكمال الصلاة.\r-------------------------------\r(1) الشرح الصغير: 344/1، القوانين الفقهية: ص 50.\r(2) أخرجه البخاري ومسلم عن أبي هريرة، كما أخرجاه عن عمران بن حصين، وأخرجه أبو داود وابن ماجه عن ابن عمر (نصب الراية: 67/2 وما بعدها).","part":2,"page":195},{"id":887,"text":"وقال الشافعية (1) : تبطل الصلاة بالنطق بكلام البشر بحرفين مفهمين ولو لمصلحة الصلاة كقوله: لا تقم أو اقعد، أم بحرف مفهم، أو بمدَّة حرف في الأصح؛ لأن الممدود في الحقيقة حرفان. والأصح أن التنحنح والبكاء والأنين، والنفخ إن ظهر به حرفان مبطل للصلاة. ويعذر في يسير الكلام إن سبق لسانه إليه، أو نسي الصلاة عملاً بقصة ذي اليدين السابقة، أو جهل تحريم الكلام في الصلاة إن قرب عهده بالإسلام، وتبطل بكثير الكلام (2) في الأصح، ويعذر في اليسير عرفاً من التنحنح ونحوه كالسعال والعطاس وإن ظهر به حرفان ولو من كل نفخة ونحوها، لغلبة كل ما ذكر عليه فلا تقصير منه، أو لتعذر القراءة الواجبة وغيرها من الأركان القولية في حال التنحنح للضرورة، والجهر بالقراءة لا يصلح في الأصح عذراً ليسير التنحنح. ولو أكره المصلي على الكلام اليسير في صلاته بطلت صلاته في الأظهر؛ لأنه أمر نادر كالإكراه على الحدث.\rوقال الحنابلة (3) : تبطل الصلاة بكلام الآدميين (وهو ما انتظم حرفين فصاعداً)، لغير مصلحة الصلاة، كقوله: يا غلام اسقني، ونحوه. ولا تبطل إن تكلم من سلَّم قبل إتمام صلاته سهواً بكلام يسير عرفاً لمصلحة الصلاة، عملاً بقصة ذي اليدين، سواء أكان إماماً أم مأموماً. ولا تبطل إن تكلم مغلوباً على الكلام، بأن خرجت الحروف منه بغير اختياره، كأن سلم سهواً أو نام فتكلم لرفع القلم عنه، أو سبق على لسانه حال قراءته كلمة لا من القرآن، لأنه لا يمكنه التحرز عنه، أو غلبه سعال أو عطاس أو تثاؤب، فبان منه حرفان.\r-------------------------------\r(1) مغني المحتاج: 194/1 وما بعدها.\r(2) مرجع القليل والكثير إلى العرف على الأصح، وقدروا الكلام اليسير بنحو سبع كلمات كما ورد في قصة ذي اليدين.\r(3) كشاف القناع: 469/1 وما بعدها، المغني: 575/1، 44/2 - 54.","part":2,"page":196},{"id":888,"text":"وتبطل الصلاة بالنفخ إن بان منه حرفان، لقول ابن عباس السابق: «من نفخ في صلاته فقد تكلم» وبالنحيب (هو رفع الصوت بالبكاء) إذا بان منه حرفان، لا من خشية الله ، وبالتنحنح من غير حاجة، فبان منه حرفان، فإن تنحنح لحاجة لم تبطل.\rوأجاز الحنابلة القراءة في أثناء الصلاة في المصحف، ويكره ذلك لمن يحفظ؛ لأنه يشغل عن الخشوع والنظر إلى موضع السجود لغير حاجة، كما يكره في الفرض على الإطلاق؛ لأن العادة أنه لا يحتاج إلى ذلك فيها، وتباح في غير هذين الموضعين للحاجة إلى سماع القرآن والقيام به. والدليل على الجواز أن «عائشة كان يؤمها عبد لها في المصحف» (1) ، وسئل الزهري عن رجل يقرأ في رمضان في المصحف؟ فقال: كان خيارنا يقرؤون في المصاحف.\rالفتح على غير الإمام وعلى الإمام :أي إرشاده إلى الصواب في القراءة. تبطل الصلاة بإرشاد المأموم غير إمامه إلى صواب القراءة لأنه تعليم وتعلم، فكان من جنس كلام الناس، أما إرشاد المأموم إمامه ففيه تفصيل بين الفقهاء:\rقال الحنفية (2) : إذا توقف الإمام في القراءة أو تردد فيها، قبل أن ينتقل إلى آية أخرى، جاز للمأموم أن يفتح عليه أي يرده إلى الصواب، وينوي الفتح على إمامه دون القراءة على الصحيح؛ لأنه مرخص فيه، أما القراءة خلف الإمام فهي ممنوعة مكروهة تحريماً. فلو كان الإمام انتقل إلى آية أخرى، تفسد صلاة الفاتح، وتفسد صلاة الإمام لو أخذ بقوله، لوجود التلقين والتلقن من غير ضرورة.\rوينبغي للمقتدي ألا يعجل الإمام بالفتح، ويكره له المبادرة بالفتح، كما يكره للإمام أن يلجئ المأموم إليه، بل يركع حين الحرج إذا جاء أوان التردد في القراءة،أو ينتقل إلى آية أخرى.\r-------------------------------\r(1) رواه أبو بكر الأثرم وابن أبي داود عن عائشة.\r(2) فتح القدير: 283/1 وما بعدها، الدر المختار: 581/1 وما بعدها.","part":2,"page":197},{"id":889,"text":"وتبطل الصلاة إن فتح المأموم على غير إمامه إلا إذا قصد التلاوة لا الإرشاد، ويكون ذلك مكروهاً تحريماً.\rكما تبطل الصلاة بإرشاد غير المصلي له، أو بامتثال أمر الغير، كأن يطلب منه غيره سد فرجة، فامتثل وسدها، وإنما ينبغي أن يصبر زمناً ثم يفعل من تلقاء نفسه.\rودليل جواز الفتح على الإمام: حديث المُسَوَّر بن يزيد المكي قال: «صلى رسول الله صلّى الله عليه وسلم ، فترك آية، فقال له رجل: يا رسول الله ، آية كذا وكذا، قال: فهلاّ ذكّرْتنيها؟» (1) وحديث ابن عمر : « أن النبي صلّى الله عليه وسلم صلى صلاة، فقرأ فيها، فَلَبَس عليه، فلماانصرف، قال لأبي: أصليت معنا؟ قال: نعم، قال: فما منعك؟» (2) .\rوقال المالكية (3) : تبطل الصلاة بالفتح على غير الإمام سواء من المصلي أو من غيره، بأن سمعه يقرأ، فتوقف في القراءة، فأرشده للصواب؛ لأنه من باب المكالمة، أما الفتح على الإمام إذا وقف وتردد في القراءة، ولو في غير الفاتحة فجائز لا يبطل الصلاة، بل هو واجب، فإن وقف ولم يتردد كره الفتح عليه.\rوقال الشافعية (4) : الفتح على الإمام: هو تلقين الآية عند التوقف فيها. ويفتح عليه إذا سكت، ولا يفتح عليه ما دام يردد التلاوة وسؤال الرحمة والاستعاذة من عذاب، لقراءة آيتهما. والفتح في حالة السكوت لا يقطع في الأصح موالاة قراءة المأموم، أما في حالة التردد فيقطع موالاة قراءته، ويلزمه استئناف القراءة.\rولا بد لمن يفتح على إمامه أن يقصد القراءة وحدها أو يقصدها مع الفتح، فإن قصد الفتح وحده، أو لم يقصد شيئاً أصلاً، بطلت صلاته على المعتمد. أما الفتح على غير إمامه فيقطع موالاة القراءة.\r-------------------------------\r(1) ر واه أبو داود وعبد الله بن أحمد في مسند أبيه (نيل الأوطار: 322/2).\r(2) رواه أبو داود (المصدر السابق).\r(3) الشرح الصغير:347/1، القوانين الفقهية: ص 74.\r(4) مغني المحتاج:158/1 0","part":2,"page":198},{"id":890,"text":"وقال الحنابلة (1) : للمصلي أن يفتح على إمامه إذا أُرْتِج عليه (منع من القراءة) أو غلط في قراءته، فرضاً كانت الصلاة أو نفلاً. ويجب الفتح على إمامه إذا أرتج عليه أو غلط في الفاتحة، لتوقف صحة صلاته على ذلك، كما يجب تنبيهه عند نسيان سجدة ونحوها من الأركان.\rوإن عجز المصلي عن إتمام الفاتحة بالإرتاج عليه، فكالعاجز عن القيام في أثناء الصلاة، يأتي بما يقدر عليه، ويسقط عنه ما عجز عنه، ولا يعيدها.\rوقال ابن قدامة في المغني: والصحيح أنه إذا لم يقدر على قراءة الفاتحة فإن صلاته تفسد؛ لأنه قادر على الصلاة بقراءتها، فلم تصح صلاته بدون ذلك، لعموم قوله صلّى الله عليه وسلم : «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب» .\rويكره للمصلي الفتح على من هو في صلاة أخرى، أو على من ليس في صلاة؛ لأن ذلك يشغله عن صلاته، ولا تبطل صلاته،وقد قال النبي صلّى الله عليه وسلم : «إن في الصلاة لشغلاً» (2) .\r2 - الأكل والشرب: هذا مبطل للصلاة على تفصيل في جزئيات يسيرة بين الفقهاء.\rقال الحنفية: تبطل الصلاة بالأكل والشرب عامداً أم ناسياً، سواء أكان المأكول قليلاً أم كثيراً؛ لأنه ليس من أعمال الصلاة، إلا إذا كا بين أسنانه مأكول دون الحِمِّصة، فابتلعه، فلا تبطل صلاته لمشقة الاحتراز عنه دائماً، كما هو الحال في الصوم.\rأما المضغ الكثير بأن كان ثلاثاً متواليات فمفسد ، وكذا لو ابتلع ذوب سكرأو حلوى في فمه.\rوقال المالكية: تبطل الصلاة بتعمد أكل ولو لقمة بمضعها، وتعمد شرب ولو قلّ، ولا تبطل بأكل يسير مثل الحبة بين أسنانه، كما لا تبطل بأكل أو شرب سهواً على الراجح، ويسجد له بعد السلام. فإن اجتمع الأكل والشرب، أو وجد أحدهما مع السلام سهواً، فتبطل الصلاة.\r-------------------------------\r(1) كشاف القناع: 442/1، المغني: 56/2 - 60.\r(2) رواه البخاري ومسلم أبو داود وأحمد وابن أبي شيبة وابن ماجه عن ابن مسعود، وهو صحيح.","part":2,"page":199},{"id":891,"text":"وقال الشافعية والحنابلة: تبطل الصلاة بتعمد تناول قليل الأكل، لشدة منافاته للصلاة؛ لأن ذلك يشعر بالإعراض عنها، ولا تبطل بتناول قليل الأكل ناسياً أو جاهلاً تحريمه،وتبطل بكثير الأكل ولو مع النسيان والجهل في الأصح، ولو مفرقاً، بخلاف الصوم، فإنه لا يبطل بذلك.\rكما تبطل بكثير المضغ، وإن لم يصل إلى الجوف شيء من الممضوغ.\rوتبطل في الأصح ببلع ذوب سُكَّرة بفمه، لمنافاته للصلاة.\rولا يضر ما وصل مع الريق إلى الجوف من طعام بين أسنانه، إذا عجز عن تمييزه ومجه.\r3 - العمل الكثير المتوالي:\rاتفق الفقهاء على بطلان الصلاة بالعمل الكثير المتوالي، ولو سهواً؛ لأن الحاجة لا تدعو إليه.\rقال الحنفية: تبطل الصلاة بكل عمل كثيرليس من أعمالها ولا إصلاحها، كزيادة ركوع أو سجود، وكمشي لغير تجديد الوضوء لمن سبقه الحدث. ولا تفسد برفع اليدين في تكبيرات الزوائد ولكنه يكره. والعمل الكثير: هو الذي لا يشك الناظر لفاعله أنه ليس في الصلاة. فإن اشتبه فهو قليل على الأصح.\rوقال المالكية: تبطل الصلاة بالفعل الكثير عمداً أو سهواً كحك جسد، وعبث بلحية، ووضع رداء على كتف، ودفع مارّ وإشارة بيد. ولا تبطل بالفعل القليل أو اليسير جداً كالإشارة وحك البشرة، أما المتوسط بين الكثير والقليل، كالانصراف من الصلاة، فيبطل عمده دون سهوه.\rوقال الشافعية والحنابلة: تبطل الصلاة بكثير من العمل عمداً أو سهواً، لا بقليله، وتعرف الكثرة بالعرف والعادة، فالخُطوتان والضربتان قليل، والثلاث المتواليات عند الشافعية كثير. ومعنى التوالي: ألا تعد إحداها منقطعة عن الأخرى.\rوتبطل بالوثبة الفاحشة وهي النطة لمنافاتها الصلاة، لا الحركات الخفيفة المتوالية، كتحريك أصابعه في سُبْحة أو عِقْد، أو حكّ أو نحو ذلك في الأصح، كتحريك لسانه أو أجفانه أو شفتيه أو ذكره مراراً ولاء، فلا تبطل بذلك.","part":2,"page":200},{"id":892,"text":"ولا يضر العمل اليسير عادة من غير جنس الصلاة، لفتح النبي صلّى الله عليه وسلم الباب لعائشة، وحمله أمامة ووضعها (1) ، كما لايضر العمل المتفرق وإن كثر، ولا الحاصل بعذر كمرض يستدعي حركة لا يستطيع الصبر عنها زمناً يسع الصلاة.\rويكره العمل الكثير غير المتوالي بلا حاجة. ولا يقدر عند الحنابلة العمل الكثير بثلاث ولا بعدد.\rوأضاف الشافعية (2) : أ ن العمل الكثير في العرف يضبط بثلاثة أفعال فأكثر، ولو بأعضاء متعددة، كأن حرك رأسه ويده. ويحسب ذهاب اليد وعودها مرة واحدة، ما لم يسكن بينهما، وكذا رفع الرجل، سواء عادت لموضعها الذي كانت فيه أو لا. أما ذهابها وعودها فمرتان. وقد عرفنا أن الوثبة الفاحشة كالعمل الكثير، وكذا تحريك كل البدن، أو معظمه ولو من غير نقل قدميه.\rومحل البطلان بالعمل الكثير: إن كان بعضو ثقيل، فإن كان بعضو خفيف، فلا بطلان، كما لو حرك أصابعه من غير تحريك كفه في سُبْحة أو حل عِقْد ، أو تحريك لسان وأجفان وشفة أو ذكر ولو مراراً؛ إذ لا يخل ذلك بهيئة الخشوع والتعظيم، فأشبه الفعل القليل.\rولو تردد في فعل، هل هو قليل أو كثير، فالمعتمد أنه لا يؤثر.\rوالفرق بين الكلام في أن الصلاة تبطل بقليله وكثيره، وبين العمل في الصلاة لا تبطل إلا بكثيره: هو أن العمل يتعذر الاحتراز عنه، فعفي عن القليل؛ لأنه لا يخل بالصلاة، بخلاف الكلام العمد عند الشافعية، وأما غير العمد فلا يضر قليله، كما تقدم.وتبطل الصلاة عند أبي حنيفة بالقراءة في مصحف لسببين:\rأحدهما ـ أن حمل المصحف والنظر فيه وتقليب الأوراق عمل كثير.\rوالثاني ـ أن تلقن من المصحف كما تلقن من غيره، وجوزه الصاحبان بالكراهة، وجوزه الشافعي وأحمد بلا كراهة.\r-------------------------------\r(1) ثبت «أنه صلّى الله عليه وسلم صلَّى وهو حامل أمامة بنت بنته، فكان إذا سجد وضعها، وإذا قام حملها» رواه الشيخان. وأمر بقتل الأسودين في الصلاة: الحية والعقرب، وخلع نعليه في صلاته.\r(2) حاشية الباجوري على شرح ابن قاسم الغزي: 184/1.","part":2,"page":201},{"id":893,"text":"المشي في الصلاة: لا تبطل الصلاة إن مشى مستقبل القبلة بنحو متقطع يفصل بين تقديم كل رجل والأخرى بقدر أداء ركن، فيقف، ثم يمشي وهكذا وإن كثر ما لم يختلف المكان، بأن خرج من المسجد، أو تجاوز الصفوف إن كانت الصلاة في الصحراء.\r4 - استدبار القبلة: بتحويل الصدر عنها بغير عذر، عند الحنفية والشافعية، فإن كان بعذر، كاستدبار القبلة للذهاب إلى الوضوء، فلا تبطل لأنه مغتفر. ومن العذر عند الشافعية: انحراف الجاهل والناسي إن عاد عن قرب.\rولا تبطل الصلاة عند المالكية ما لم تتحول قدما المصلي عن مواجهة القبلة. وعند الحنابلة: ما لم يتحول المصلي بجملته عن القبلة.\r5 - كشف العورة عمداً أو انكشافها بنحو ريح ومضي مقدار أداء ركن أو مقدار ثلاث تسبيحات عند الحنفية إذا انكشف ربع عضو من أعضاء العورة، وإن سترها حالاً لم تبطل صلاته عند الشافعية والحنابلة. وتبطل الصلاة عند المالكية بمجرد انكشاف العورة المغلظة مطلقاً، لا غيرها والمعتبر في ستر العورة من الجوانب، لا من الأسفل، فإن ظهرت عورته من أسفل سقيفة أو سدّة مثلاً لم يضر.\r6 - طروء الحدث الأصغر أو الأكبر ولو من فاقد الطهورين عمداً أو سهواً، ولو من دائم الحدث غير حدثه الدائم. لكن لو شك في الحدث استمر. ومن الحدث: نوم غير المتمكن مقعدته من الأرض. والمفسد للصلاة عند الحنفية: هو الحدث العمد بعد الجلوس الأخير قدر التشهد، أو قبل ذلك، فإن سبقه الحدث قبل السلام بعد الجلوس الأخير صحت الصلاة عندهم. كما أنه يبني على صلاته استحساناً إن سبقه الحدث من غير قصد في أثناء الصلاة: وهو ما يخرج من بدنه من بول أو غائط أو ريح أو رعاف أو دم سائل من جرح أو دمل به بغير صنعه.","part":2,"page":202},{"id":894,"text":"7 - حدوث النجاسة التي لا يعفى عنها في البدن والثوب والمكان: فمن تنجس جسده أو ثوبه، أو سجد على شيء نجس بنجاسة لا يعفى عنها، أو سالت نجاسة داخل فمه أو أنفه أو أذنه، بطلت صلاته. ولا تبطل الصلاة بالنجاسة التي يعفى عنها، ولا بما إذا وقع على ثوبه نجاسة يابسة فنفض ثوبه حالاً.\r8 - القهقهة: أي الضحك بصوت، تفسد الصلاة عند الجمهور (غير الحنفية) إن ظهر بها حرفان فأكثر، أو حرف مفهم. فالبطلان فيها من جهة الكلام المشتملة عليه.\rوفرق الحنفية (1) : بين الضحك والقهقهة، فالأول: هو ما يكون مسموعاً للمصلي فقط دون جيرانه، وحكمه أنه يفسد الصلاة فقط، ولا يبطل الوضوء. وأما القهقهة: فهي ما يكون مسموعاً للمصلي ولجيرانه، وحكمه: أنه يفسد الصلاة ويبطل الوضوء. أما التبسم وهو ماخلا عن الصوت فلا يفسد شيئاً.\rودليل الحنفية حديث: مضمونه: ألا من ضحك منكم قهقهة، فليعد الصلاة والوضوء جميعاً (2) .\rوتبطل الصلاة عند الحنفية بالقهقهة، كما تبطل بالحدث العمد إذا حصلت قبل القعود الأخير قدر التشهد، فإن كانت بعده فلا تبطل الصلاة التي تمت بها،وإن نقض الوضوء. ويفسد الجزء الذي حصلت فيه، كما يفسد مثله من صلاة المسبوق، فلا يمكن بناؤه الفائت عليه؛ لأن الجزء الذي لا بسته القهقهة، أفسدته من وسط صلاة المأمومين، فإذا فسد الجزء، فسدت الصلاة.\r-------------------------------\r(1) الهداية للمرغيناني: 6/1، البدائع: 232.\r(2) فيه أحاديث مسندة وأحاديث مرسلة، أما المسندة فرويت من حديث أبي موسى الأشعري، وأبي هريرة، وعبد الله بن عمر، وأنس بن مالك، وجابر بن عبد الله، وعمران بن الحصين، وأبي المليح. وحديث أبي موسى رواه الطبراني قال: «بينما رسول الله صلّى الله عليه وسلم يصلي بالناس، إذ دخل رجل فتردى في حفرة كانت في المسجد ـ وكان في بصره ضرر ـ فضحك كثير من القوم وهم في الصلاة، فأمر رسول الله صلّى الله عليه وسلم من ضحك أن يعيد الوضوء ويعيد الصلاة» (نصب الراية: 47/1 - 54).","part":2,"page":203},{"id":895,"text":"9 - الردة (وهي قطع الإسلام بقول أو فعل) والموت والجنون والإغماء.\r10 - تغيير النية: تبطل الصلاة بفسخ النية أو تردده فيها، أو عزمه على إبطالها أو نية الخروج من الصلاة، أو إبطالها وإلغاء ما فعله من الصلاة، أو شكه هل نوى أم لا، فعمل مع الشك عملاً. وهذا متفق عليه. وتبطل الصلاة أيضاً عند الحنفية (1) بالانتقال من صلاة إلى مغايرتها، كأن ينوي الانتقال من صلاته التي هو فيها إلى صلاة أخرى: كمن صلى ركعة من الظهر، ثم افتتح بتكبير العصر أو التطوع، فقد نقض الظهر؛ لأنه صح شروعه في غيره، فيخرج عنه. ولو كان يصلي منفرداً في فرض، فكبر ناوياً الشروع في الاقتداء بإمام، أو كبر ناوياً إمامة النساء، فسدت الصلاة الأولى، وصار شارعاً في الصلاة الثانية.\rوكذا لو نوى نفلاً أو واجباً، أو شرع في جنازة، فجيء بأخرى، فكبر ينويهما، أو كبر ناوياً الصلاة على الثانية، بطل ما مضى، ويصير شارعاً في الثانية.\r-------------------------------\r(1) فتح القدير 285/1، الدر المختار ورد المحتار: 583/1، تبيين الحقائق: 158/1.","part":2,"page":204},{"id":896,"text":"لكن لو بدأ صلاة الظهرمثلاً، فصلى ركعة أو دونها أو فوقها، ثم كبر ناوياً استئناف الظهر بعينها، لا يفسد ما أداه، وتحتسب الركعة أو غيرها التي صلاها، لعدم صحة الشروع في الثانية، إذ إنه نوِى الشروع في عين ما هو فيه، فلغت نيته، إلا إذا كبر ينوي إمامة النساء أو الاقتداء بالإمام، أو كان مقتدياً، فكبر ينوي الانفراد، فحينئذ يكون شارعاً فيما كبر له، ويبطل ما مضى من صلاته.\rوإن تلفظ بنية جديدة يصير مستأنفاً مطلقاً، أي سواء انتقل إلى صلاة مغايرة أو متحدة؛ لأن التلفظ بالنية كلام مفسد للصلاة الأولى، فصح الشروع الثاني.\rوالخلاصة: إذا كبر المصلي ينوي الاستئناف (أي البدء بصلاة جديدة) ينظر:\rفإن كانت الثانية التي نوى الشروع فيها هي الأولى بعينها من كل وجه، ولم تخالفها في شيء، لا تبطل صلاته، ويجتزئ بما مضى من صلاته، إلا إذا تلفظ أو اقتدى بإمام أو نوى إمامة النساء.\rوإن كانت تخالفها تبطل صلاته، ويستأنف، سواء نوى بقلبه أو تلفظ. هذا وقد أجاز الشافعية تحويل الصلاة المفروضة إلى نفل مطلق، دون أن يبطل ما مضى من الصلاة كما سنبين.\r11 - اللحن في القراءة، أو زلة القارئ: للحنفية (1) في هذا رأيان: رأي المتقدمين، ومعهم الشافعية في الجملة، وهو الأحوط، ورأي المتأخرين، وهو الأيسر.\r-------------------------------\r(1) الدر المختار ورد المحتار:589/1 -593.","part":2,"page":205},{"id":897,"text":"ويتلخص رأي المتقدمين فيما يأتي:\rتبطل الصلاة بكل ما غيَّر المعنى تغيراً يكون اعتقاده كفراً، وبكل مالم يكن مثله في القرآن، والمعنى بعيد متغير تغيراً فاحشاً، كهذا الغبار مكان {هذا الغراب} [المائدة:5/31]، وبكل مالم يكن له مثل في القرآن، ولا معنى له، كالسرائل مكان {السرائر}، وتبطل أيضاً عند أبي حنيفة ومحمد بما له مثل في القرآن، والمعنى بعيد، ولم يكن متغيراً تغيراً فاحشاً. ولا تبطل عند أبي يوسف؛ لعموم البلوى. فإن لم يكن له مثل في القرآن، ولم يتغير به المعنى، كقيامين مكان {قوامين} فعكس الخلاف السابق: لا تبطل عند الطرفين، وتبطل عند أبي يوسف.\rوقال المتأخرون: إن الخطأ في الإعراب لا يفسد الصلاة مطلقاً، ولو كان اعتقاده كفراً؛ لأن أكثر الناس لا يميزون بين وجوه الإعراب.\rوإن كان الخطأ بإبدال حرف مكان حرف: فإن أمكن الفصل بينهما بلا كلفة، كالصاد مع الطاء، بأن قرأ الطالحات مكان {الصالحات} فتفسد الصلاة اتفاقاً. وإن لم يكن الفصل إلا بمشقة، فالأكثر على عدم الفساد، لعموم البلوى، كالصاد مع السين، كالسراط بدل {الصراط} .\rولا تفسد الصلاة بتخفيف مشدّد ولا عكسه ( تشديد مخفّف ) ، كما لو قرأ {أفعيينا} بالتشديد ، و{اهدنا الصراط} بإظهار اللام، كما لا تفسد بزيادة حرف فأكثر نحو (الصراط الذين)، أو بوصل حرفٍ بكلمة نحو (إياكنعبد) ، أو بوقف وابتداء، وإن غيَّر المعنى.\rلكن تفسد الصلاة بعدم تشديد {ربّ العالمين} و {إيّاك نعبد} [الفاتحة:1/5].\rولا تفسد لو زاد كلمة، أو نقص كلمة، أو نقص حرفاً أو قدمه أو بدله بآخر، نحو (من ثمره إذا أثمر واستحصد) و (تعال جدّ ربنا) و(انفرجت) بدل «انفجرت» و (إياب) بدل (أواب) إلا إذا تغير المعنى.\rولا تفسد لو كرر كلمة وإن تغير المعنى، مثل (رب رب العالمين).","part":2,"page":206},{"id":898,"text":"وتفسد لو بدل كلمة بكلمة،وغير المعنى، مثل: (إن الفجار لفي جنات) و(لعنة الله على الموحدين) وكتغيير النسب نحو (عيسى بن لقمان) بخلاف موسى ابن لقمان، ونحو (مريم بنت غيلان). فإن لم يتغير المعنى، مثل الرحمن بدل الكريم لم تفسد اتفاقاً.\rوقال الحنابلة (1) : إن أحال اللحان المعنى في غير الفاتحة لم يمنع صحة الصلاة ولا الائتمام به إلا أن يتعمده، فتبطل صلاتهما. أما إن أحال المعنى في الفاتحة فتبطل الصلاة مطلقاً.\r12 - ترك ركن بلا قضاء، وشرط بلا عذر: الأول: مثل ترك سجدة من ركعة، وسلم قبل الإتيان بها. والثاني: كترك ستر العورة بلا عذر، فإن وجد عذر كعدم وجود ساتر أو مطهر للنجاسة، وعدم قدرة على استقبال القبلة، فلا فساد.\r13 - أن يسبق المقتدي إمامه عمداً بركن لم يشاركه فيه: كأن يركع ويرفع قبل أن يركع مع الإمام. فإن كان سهواً،رجع لإمامه ولا تبطل صلاته، لكن\rالحنفية قالوا: تبطل الصلاة ولو سبق سهواً إن لم يعد ذلك مع الإمام، أو بعده ويسلم معه، فإن أعاده معه أو بعده وسلم معه، فلا تبطل.\rوقال الشافعية: لا تبطل صلاة المأموم إلا بتقدمه عن الإمام بركنين فعليين بغير عذر، كسهو مثلاً، وكذا لو تخلف عنه عمداً من غير عذر، كبطء قراءة.\r14 - محاذاة المرأة الرجل في الصلاة من غير فرجة تسع مكان مصلٍ، أو من غير حائل، سواء أكانت المرأة مَحْرماً كأخت أو بنت، أم غير محرم كزوجة.\rوتتحقق المحاذاة عند الحنفية بالشروط الآتية:\rأولاً ـ أن تكون المحاذاة بالساق والكعب.\rثانياً ـ أن تكون الصلاة مشتركة بينهما في التحريمة، والأداء، ونية الإمام إمامتها، أو باقتدائها مع الرجل بإمام آخر، أو باقتدائها برجل، ولم يشر إليها لتتأخر عنه. فإن لم ينو الإمام إمامتها، لا تكون معه في الصلاة، وإن لم تتأخر بإشارته فسدت صلاتها هي، لا صلاته.\rثالثاً ـ أن يكون مكانهما متحداً ولا حائل بينهما.\r-------------------------------\r(1) المغني:198/2.","part":2,"page":207},{"id":899,"text":"رابعاً ـ أن تكون المرأة مشتهاة.\rومقدار المحاذاة المفسدة: أداء ركن عند محمد، أو قدره عند أبي يوسف، ويقدر بمقدار ثلاث تسبيحات.\r15 - إذا وجد المتيمم ماء قدر على استعماله وهو في الصلاة: تبطل الصلاة عند الحنابلة والحنفية بمجرد رؤية الماء، إلا أن الحنفية قالوا: تبطل إذا رأى الماء قبل القعود الأخير قدر التشهد، وإلا فلا تبطل؛ لأن الصلاة تكون قد تمت عندهم. ولا تبطل الصلاة برؤية الماء عند المالكية والشافعية، إلا إذا كان عند المالكية ناسياً للماء الموجود معه، ثم تذكره، فتبطل الصلاة حينئذ إذا اتسع الوقت لإدراك ركعة من الصلاة بعد استعماله.\r16 - القدرة على الساتر لعورته: إذا وجد العريان ثوباً ساتراً لعورته أثناء الصلاة واحتاج إلى عمل كثير لإحضاره، بطلت صلاته. إلا أن المالكية قالوا: لاتبطل إن كان بعيداً عنه أكثر من نحو صفين من صفوف الصلاة غير صفه، وإنما يكمل الصلاة، ويعيدها في الوقت فقط.\r17 - أن يسلم عمداً قبل تمام الصلاة: فإن سلم سهواً، لم تبطل صلاته إذا لم يعمل عملاً كثيراً، ولم يتكلم كلاماً كثيراً على الخلاف السابق في بحث (السلام).\r18 - المسائل الاثنتا عشرة عند أبي حنيفة خلافاً للصاحبين (1) :\rتفسد الصلاة عند الإمام أبي حنيفة رحمه الله باثنتي عشرة مسألة وهي:\rرؤية المتيمم الماء، وتمام مدة المسح على الخفين، وتعلم الأمي آية ما لم يكن مقتدياً بقارئ، ووجدان العاري ساتراً، وقدرة المومي على الركوع والسجود، وتذكر فائتة إن كان من أصحاب الترتيب (2) ، واستخلاف من لا يصلح إماماً كالمرأة، وطلوع الشمس في صلاة الفجر، وزوال الشمس في صلاة العيدين، ودخول وقت العصر في الجمعة، وسقوط الجبيرة عن برء، وزوال عذر المعذور.\r-------------------------------\r(1) رد المحتار:588/1.\r(2) وهذا متفق مع المالكية إن تذكرها قبل عقد ركعة، فيقطع الصلاة إن كان إماماً أو منفرداً، أما المأموم فيتبع إمامه، ولا تبطل بتذكر الفائتة عند الشافعية.","part":2,"page":208},{"id":900,"text":"ودليله أن هذه المذكورات مغيرة للفرض، فاستوى حدوثها في أول الصلاة وفي آخرها.\rوقال الصاحبان: لا تفسد الصلاة بهذه المذكورا ت إن حدثت بعد الجلوس الأخير بقدر التشهد، عملاً بحديث ابن مسعود السابق: «إذا قلت هذا أوفعلت هذا، فقد تمت صلاتك» فإنه نص على أن تمام الصلاة بالقعود، فلا شيء يفترض بعد ذلك، وافتراضه زيادة على هذا النص، وهذه الأمور وإن كانت مفسدة للصلاة، إلا أنها حدثت بعد تمام الفرائض والأركان، فلا تفسد الصلاة.\rوهناك مبطلات أخرى نادرة مذكورة فيما يأتي من آراء المذاهب.\rثانياً - مبطلات الصلاة في كل مذهب على حدة:\rمذهب الحنفية :\rتبطل الصلاة بثمانية وستين سبباً (1) :\rالكلام ولو سهواً أو خطأ، والدعاء بما يشبه كلام الناس، مثل: اللهم ارزقني فلانة أو ألبسني ثوباً، والسلام بنية التحية ولو ساهياً، ورد السلام بلسانه أو بالمصافحة.\rوالعمل الكثير، وتحويل الصدر عن القبلة، وأكل شيء من خارج فمه ولو قل، وأكل ما بين أسنانه: وهو قدر الحِمَّصه، والشرب. ولو مضغ العلْك في الصلاة فسدت صلاته؛ لأن الناظر إليه من بُعْد لا يشك أنه في غير الصلاة.\rوالتنحنح بلا عذر، والتأفيف كنفخ التراب والتضجر والأنين والتأوه بأن يقول «آه» ، وارتفاع البكاء من وجع أو مصيبة، لا من ذكر جنة أو نار.\r-------------------------------\r(1) مراقي الفلاح: ص52-54، الدر المختار:574/1-589، البدائع:233/1- 242.","part":2,"page":209},{"id":901,"text":"وتشميت عاطس بقوله ( يرحمك الله)، وجواب مستفهم عن شريك أو ندّ لله بقوله: ( لا إله إلا الله ) وعن خبر السوء بقوله: ( إنا لله وإنا إليه راجعون) وعن بشارة بقوله: ( الحمد لله ) وعن تعجب بقوله: ( لا إله إلا الله ) أو (سبحان الله )، وكل شيء قصد به الجواب مثل: ( يا يحيى خذ الكتاب ) لمن طلب كتاباً ونحوه، وقوله: ( آتنا غداءنا ) لمستفهم عن شيء يأتي به، وقوله ( تلك حدود الله فلا تقربوها ) لمن استأذن في الأخذ. وإذا لم يرد بذلك الجواب، بل أراد الإعلام بأنه في الصلاة، لاتفسد.\rورؤية المتيمم ماء قدر على استعماله قبل قعوده قدر التشهد الأخير. وتمام مدة المسح على الخفين، ونزع الخف، وتعلم الأمي آية ما لم يكن مقتدياً، وقدرة المومي على الركوع والسجود، وتذكر فائتة إذا كان من أهل الترتيب، وكان الوقت متسعاً، واستخلاف من لا يصلح إماماً، ووجدان العاري ساتراً، وطلوع الشمس في الفجر، وزوالها في العيدين ودخول وقت العصر في الجمعة، وسقوط الجبيرة عن برء، وزوال عذر المعذور إذا حدث كل ذلك من المسائل الاثنتي عشرة قبل الجلوس الأخير قدر التشهد.\rوالحدث عمداً، أو بصنع غيره كوقوع ثمرة أدمته، والإغماء، والجنون، والجنابة بنظر أو احتلام نائم متمكن.","part":2,"page":210},{"id":902,"text":"ومحاذاة المرأة المشتهاة للرجل بساقها وكعبها في الأصح، ولو محرماً له أو زوجة، أو عجوزاً شوهاء، في أداء ركن عند محمد، أو قدره عند أبي يوسف، في صلاة ذات ركوع وسجود، فلا تبطل صلاة الجنازة، إذ لا سجود لها، اشتركت معه بتحريمة باقتدائها بإمام، أو اقتدائها به، في مكان متحد، بلا حائل قدر ذراع أو فرجة تسع رجلاً، ولم يشر إليها لتتأخر عنه، فإن لم تتأخر بإشارته، فسدت صلاتها، لاصلاته، ولا يكلف بالتقدم عنها لكراهته. وأن يكون الإمام قد نوى إمامتها، فإن لم ينوها لا تكون في الصلاة، فلم تتحقق المحاذاة. فهذه شروط تسعة للمحاذاة المبطلة أوجزناها سابقاً بخمسة.\rوظهور عورة من سبقه الحدث في ظاهر الرواية، ولو اضطر إليه ككشف المرأة ذراعها للوضوء، أو عورة الرجل بعد سبق الحدث، على الصحيح.\rوقراءة من سبقه الحدث وهو ذاهب للوضوء أو عائد منه، لإتيانه بركن مع الحدث، ومكثه قدر أداء ركن بعد سبق الحدث مستيقظاً، بلا عذر، فلومكث لزحام أو لقطع رعاف، لا تبطل.\rومجاوزة ماء قريب لغيره بأكثر من صفين، وخروج المصلي من المسجد لظن الحدث، لوجود النافي بغير عذر، فإن لم يخرج من المسجد فلا تفسد.\rوانصرافه عن مقامه للصلاة، ظاناً أنه غير متوضئ، أو أن مدة مسحه انقضت، أو أن عليه فائتة، أو نجاسة، وإن لم يخرج من المسجد.\rوفتح المأموم على غير إمامه لتعليمه، بلا ضرورة. أما فتحه على إمامه فهو جائز، ولو قرأ المقدار المفروض في القراءة. وأخذ المصلي بفتح غيره، وامتثال أمر الغير في الصلاة.","part":2,"page":211},{"id":903,"text":"والتكبير بنية الانتقال لصلاة أخرى غير صلاته، كما إذا نوى المنفرد الاقتداء بغيره، أوالعكس، أو انتقل بالتكبير من فرض لفرض، أو من فرض إلى نفل، وبالعكس. وذلك إذا حصل قبل القعود الأخير قدر التشهد، وإلا فلا تفسد على المختار، فإن عرض المنافي قبيل السلام بعد القعود، فالمختار صحة الصلاة؛ لأن الخروج منها بفعل المصلي واجب على الصحيح. ومدُّ الهمزة في التكبير، وقراءة ما لا يحفظه في المصحف،أو يلقنه غيره القراءة. وأداء ركن كركوع أو مضي زمن يسع أداء ركن مع كشف العورة أو مع نجاسة مانعة من الصلاة، وأن يسبق المقتدي إمامه بركن لم يشاركه فيه، ومتابعة المسبوق إمامه في سجود السهو بعد تأكد انفراده (1) (أي المسبوق) بأن قام إلى الإتيان بما فاته بعد سلام الإمام أو قبله بعد قعوده (أي الإمام) قدر التشهد (2) ، وقيد ركعته (أي المسبوق) بسجدة، فتذكر الإمام سجود سهو، فتابعه، فتفسد صلاته؛ لأنه اقتدى بعد وجود الانفراد ووجوبه.\rوعدم إعادة الجلوس الأخير بعد أداء سجدة صلبية أو تلاوية تذكرها بعد الجلوس.\rوعدم إعادة ركن أداه نائماً.\rوقهقهة إمام المسبوق أو حدثه العمد، أي إذا قهقه الإمام وإن لم يتعمد، أو أحدث عمداً بعد قعوده قدر التشهد تمت صلاته، وصلاة المدرك خلفه، وفسدت صلاة المسبوق خلفه، لوقوع المفسد قبل تمام أركانه، إلا إذا قام قبل سلام إمامه وقيد الركعة بسجدة، لتأكد انفراده.\rوالسلام على رأس الركعتين في الرباعية أو الثلاثية، إذا ظن أنه مسافر أو يصلي غيرها، كأن كان يصلي الظهر، فظن أنه يصلي الجمعة أو التراويح، أو كان قريب عهد بالإسلام، فصلى الفرض ركعتين.\rوتقدم المأموم على الإمام بقدمه، أما مساواته فلا تبطل.\r-------------------------------\r(1) أما قبله فتجب متابعته.\r(2) والسبب في ذلك: أنه إن كان قبل قعود الإمام قدر التشهد لم يجزه؛ لأن الإمام بقي عليه فرض، لا ينفرد به المسبوق.","part":2,"page":212},{"id":904,"text":"والقراءة بالألحان، وزلة القارئ أي اللحن في القراءة بما يغير المعنى، مثل: (فما لهم يؤمنون) بترك (لا) على الصحيح. فإن لم تغير المعنى مثل (وجزاء سيئة مثلها) بترك (سيئة) الثانية، لا تفسد.\rولا تفسد الصلاة بالنظر إلى مكتوب وفهمه، لعدم النطق بالكلام، ولا بأكل ما بين أسنانه بقدر الحمصة، لعسر الاحتراز عنه، ولا بمرور بين يدي المصلي في بيت أو مسجد كبير أو صغير، أو صحراء أو في مكان أسفل من موضع المصلي، ولو كان المار امرأة أو كلباً، وإن كان المرور بمحل السجود في الأصح مكروهاً، كما سبق بيانه.\rمذهب المالكية:\rتبطل الصلاة بحوالي ثلاثين سبباً (1) وهي:\rرفض النية (أي تركها، وإبطالها وإلغاء وقطع ما فعله منها)، ترك ركن أو شرط من أركان وشروط الصلاة عمداً، وترك ركن سهواً حتى سلم وطال تركه عرفاً، زيادة ركن فعلي عمداً كركوع أو سجود، بخلاف زيادة ركن قولي كالقراءة، زيادة تشهد بعد الركعة الأولى أو الثالثة عمداً في حالة الجلوس.\rالقهقهة عمداً أو سهواً، تعمد أكل ولو لقمة بمضغها، أو شرب ولو قل، الكلام عمداً لغير إصلاح الصلاة، فإن كان لإصلاحها، فإن الصلاة تبطل بكثيره دون يسيره، التصويت عمداً، كصوت الغراب، النفخ بالفم عمداً، القيء عمداً، ولو كان قليلاً.\rالسلام عمداً حال الشك في تمام الصلاة، طروء ناقض للوضوء أو تذكره، كشف العورة المغلظة أو شيء منها، لا غيرها، طروء نجاسة على المصلي أو علمه بها أثناء الصلاة.\rفتح المصلي على غير الإمام، الفعل الكثير عمداً أو سهواً الذي ليس من جنس الصلاة، كحك جسد وعبث بلحية ووضع رداء على كتف ودفع مارّ دفعاً قوياً وإشارة بيد، فإن كان الفعل قليلاً لم تبطل.\r-------------------------------\r(1) الشرح الصغير:343/1-357، القوانين الفقهية: ص51.","part":2,"page":213},{"id":905,"text":"طروء شاغل عن إتمام فرض كاحتباس بول يمنع من الطمأنينة مثلاً، أو هم كثير أو غثيان (فوران النفس)، أو وضع شيء في فمه.\rتذكر أولى الصلاتين المشتركتي الوقت في الصلاة الثانية، كالظهر والعصر. فإذا كان يصلي العصر، فتذكر أنه لم يصل الظهر، بطلت صلاته، لأنه يجب عليه ترتيبها.\rزيادة أربع ركعات سهواً على الصلاة الرباعية ولو في السفر، أو على الثلاثية، وزيادة ركعتين على الثنائية كالصبح والجمعة، أو على الوتْر، وزيادة مثل النفل المحدود كالعيد والاستسقاء والكسوف.\rسجود المسبوق الذي لم يدرك ركعة مع الإمام، سجود سهو، سواء أكان السجود قبل السلام أم بعده؛ لأن سجوده لا يلزم ذلك المسبوق؛ لأنه ليس بمأموم حقيقة، فسجوده معه محض زيادة في الصلاة. فإن أدرك معه ركعة بسجدتيها، سجد معه السجود القبلي، وقام لقضاء ما عليه بعد سلامه، وأخر السجود البَعْدي لتمام صلاته، فإن قدمه قبل إتمام ما عليه، بطلت صلاته.\rالسجود قبل السلام لترك سنة خفيفة كتكبيرة أو تسميعة، أو لترك مستحب أو فضيلة كالقنوت. ترك ثلاث سنن من سنن الصلاة سهواً، مع ترك السجود لها، حتى سلم، وطال الأمر عرفاً.\rالردة، والاتكاء حال قيامه على حائط أو عصا لغير عذر، بحيث لو أزيل عنه متكَؤه، لسقط.\rالجهل بالقبلة، وصلاة الفريضة في الكعبة أوعلى ظهرها، وتذكر المتيمم الماء في صلاته، واختلاف نية المأموم والإمام، وفساد صلاة الإمام بغير سهو.\rمذهب الشافعية:\rتبطل الصلاة بسبعة وعشرين سبباً وهي ما يأتي (1) :\r1، 2 - طروء الحدث الأصغر أو الأكبر، ولو بلا قصد، واتصال النجاسة التي لا يعفى عنها بالبدن أو الملبوس، والمكان، إلا إن نحاها حالاً.\r-------------------------------\r(1) حاشية الباجوري:182/1 -186، تحفة الطلاب للأنصاري: ص50 -52، حاشية الشرقاوي على التحفة المذكورة:217/1-226، مغني المحتاج:194/1-200،206-207.","part":2,"page":214},{"id":906,"text":"3 - الكلام العمد الذي يخاطب به البشر بحرفين، أو حرف مفهم، ولو لمصلحة الصلاة، كما لو قال لإمامه إذا قام لركعة زائدة: لا تقم أو اقعد، أو هذه خامسة. أما كلام الله تعالى أو الذكر أو الدعاء فلا تبطل به الصلاة، كما لا تبطل بخطاب الرسول عند ذكره، قائلاً: ( الصلاة والسلام عليك يا رسول الله )، أما لو نطق بالقرآن بقصد آخر، كأن استأذنه شخص في أخذ شيء، فقال: { يا يحيى خذ الكتاب بقوة } [مريم:12/19] فإن قصد القراءة، ولو مع التفهيم، لم تبطل صلاته، وإلا بطلت.\rوكما لا تبطل الصلاة بالذكر والدعاء بلا خطاب لمخلوق غير النبي صلّى الله عليه وسلم ، لا\rتبطل بالتلفظ بقربة بلا تعليق ولا خطاب لمخلوق غير النبي كالنذر؛ لأنه من جنس الدعاء، ولا تبطل بالسكوت الطويل بلا عذر، لأنه لا يخل بنظم الصلاة.\rولو قرأ الإمام: {إياك نعبد وإياك نستعين} [الفاتحة:1/5] فقال المقتدي: استعنا بالله ، بطلت صلاته،إلا إن قصد بذلك الدعاء.\rولو قال: ( صدق الله العظيم ) لم تبطل صلاته؛ لأنه ثناء.\rومن المبطلات: البكاء والأنين والضحك والتنحنح إن ظهر فيه حرفان وإن لم يكونا مفهمين، والذكر والدعاء إن قصد به مخاطبة الناس، كقوله لإنسان: يرحمك الله .\r4 - تناول مفطر للصائم من أكل، أو شرب، قليل أو كثير، ولو بالإكراه إلا أن يكون الشخص في هذه الحالة جاهلاً تحريم ذلك.","part":2,"page":215},{"id":907,"text":"5 - الفعل الكثير المتوالي من غير جنس الصلاة، كثلاث خطوات وذهاب اليد وعودها ثلاث مرات، وحركة البدن كله، وقفزة، في غير صلاة شدة الخوف ونفل السفر، عمداً كان ذلك أو سهواً، إذ لا مشقة في الاحتراز عنه. أما الفعل القليل كتحريك أصابعه في سبحة، فلا يفسد، لخبرالصحيحين أنه صلّى الله عليه وسلم صلَّى وهوحامل أمامة، فكان إذا سجد وضعها، وإذا قام حملها.\rوكذلك لا تفسد الصلاة بالفعل الكثير إذا كان لشدة جرب، أو كان منفصلاً لاتوالي فيه.\r6، 7، 8 - القهقهة، والردة، والجنون في الصلاة.\r9، 10 - ترك استقبال القبلة حيث يشترط أي في غير صلاة الخوف، بتحول الصدر عنها، وكشف عورة عمداً مع القدرة على سترها، أو قهراً ولم يسترها حالاً، فإن كشفها الريح، فسترها في الحال، لم تبطل صلاته.\r11 - أن يجد من يصلي عارياً ثوباً بعيداً منه: بأن احتاج في المضي إليه إلى أفعال كثيرة، أو طالت مدة الكشف. أما لو كان قريباً منه: فإن استتر به حالاً بلا أفعال كثيرة دامت صلاته على الصحة، وإلا بطلت.\r12 - فعل ركن من أركان الصلاة أو مضي زمن يسع ركناً، مع طروء الشك في النية، أو في شروط الصلاة كالطهارة، أو الشك في كيفية النية: هل نوى ظهراً أو عصراً مثلاً؟","part":2,"page":216},{"id":908,"text":"13 - تغيير النية إلى صلاة أخرى، أي صرف الفرض إلى غيره: فلو قلب صلاته التي هو فيها صلاة أخرى عالماًَ عامداً بطلت صلاته، إلا إذا قلب فرضاً نفلاً مطلقاً ليدرك جماعة مشروعة، وهومنفرد، فسلم من ركعتين ليدركها، لم تبطل صلاته، بل يندب له القلب إن كان الوقت متسعاً، فإن ضاق الوقت حرم القلب. ولو قلبها نفلاً معيناً كركعتي الضحى لم تصح لافتقاره إلى التعيين حال النية، أو كانت الجماعة غير مشروعة، كما لو كان يصلي الظهر، فوجد من يصلي العصر، فلا يجوز له القلب، وكما لو كان الإمام ممن يكره الاقتداء به، فلا يندب القلب، بل يكره. ولو قام للركعة الثالثة من الثلاثية أو الرباعية لم يندب القلب، بل يباح، كما يباح ولا يندب لو كان في الركعة الأولى ولو من الصلاة الثنائية؛ لأن النفل المطلق يجوز فيه الاقتصار على ركعة.\r14، 15، 16 - نية الخروج من الصلاة قبل تمامها أو العزم على قطعها، والتردد في قطع الصلاة والاستمرار فيها، وتعليق قطعها بشيء ولو كان محالاً في العادة كعدم قطع السكين، كأن قال بقلبه: إن جاء زيد، قطعت الصلاة. أما إن علق الخروج من الصلاة على محال عقلي، كالجمع بين الضدين، فلا يضر.\r17، 18، 19 - ترك ركن من أركان الصلاة ولو قولياً عمداً، فإن تركه سهواً لعذر لا تبطل ويتداركه، وتكرير ركن فعلي عمداً لتلاعبه، وتقديمه على غيره؛ لأن ذلك يخل بصورة الصلاة، أما تكرير الركن القولي عمداً كالفاتحة والتشهد وتقديمه على غيره، أو تكرير الركن الفعلي سهواً، فلا يفسد الصلاة على المعتمد.\r21،20 - ظهور بعض ما يستر بالخف من الرِجل، أو الخِرَق (جمع خرقة)، وخروج وقت مسحه، لبطلان بعض طهارته.\r22 - اقتداء بمن لا يقتدى به، لكفر أو غيره، ولو مع الجهل بحاله في بعض الصور، بأن اقتدى به بعد تحرّم صحيح.","part":2,"page":217},{"id":909,"text":"23 - تطويل ركن قصير عمداً: بأن يزيد في الاعتدال (الرفع من الركوع) على الدعاء الوارد فيه بقدر الفاتحة، أو أن يزيد في الجلوس بين السجدتين على الدعاء الوارد فيه بقدر التشهد.\rويستثنى من ذلك تطويل الاعتدال في الركعة الأخيرة من سائر الصلوات لأنه معهود في الصلاة في الجملة، كما في صلاة النازلة، وتطويل الجلوس بين السجدتين في صلاة التسابيح، كما سيأتي في النوافل.\r24 - سبق المأموم إمامه بركنين فعليين أو تأخره عنه بهما من غير عذر.\r25 - التسليم عمداً قبل محله.\r26 - تكرير تكبيرة الإحرام مرة ثانية بنية الافتتاح.\r27 - العود بعد الانتصاب للتشهد الأول عامداً عالماً بتحريمه؛ لأنه زاد قعوداً عمداً. فإن عاد ناسياً أنه في صلاة أو جاهلاً بتحريم العود، فلا تبطل في الأصح.\rمذهب الحنابلة:\rعدوا مبطلات الصلاة بحوالي ستة وثلاثين وهي ما يأتي (1) ، وهي تشبه كثيراً المبطلات عند الشافعية:\rطروء ناقض للطهارة، واتصال نجاسة به إن لم يزلها حالاً، واستدبار القبلة حيث شرط استقبالها، وكشف عورة إلا إن كشفتها الريح فسترها حالاً، ووجود سترة بعيدة لعريان، واستناد قوي على شيء بلا عذر بحيث لو أزيل سقط.\rترك ركن مطلقاً، وترك واجب عمداً، وتعمد زيادة ركن فعلي كركوع، وتقديم بعض الأركان على بعض عمداً، ورجوعه للتشهد الأول بعد الشروع في القراءة إن كان عالماً ذاكراً للرجوع.\rالسلام عمداً قبل تمام الصلاة وسلام المأموم قبل إمامه عمداً، أو سهواً ولم يعده بعد سلام إمامه، والتلحين في القراءة لحناً يغير المعنى مع قدرته على إصلاحه، كضم تاء { أنعمت } [الفاتحة:7/1].\rفسخ النية بأن ينوي قطع الصلاة، والتردد في الفسخ، والعزم على الفسخ، وإن لم يفسخ بالفعل، والشك في النية هل نوى أوعين، وعمل عملاً مع الشك كأن ركع أو سجد، والشك في تكبيرة الإحرام.\rمرور الكلب الأسود البهيم (2) بين يدي المصلي، للحديث السابق الذي رواه الجماعة إلا البخاري عن أبي ذر: «الكلب الأسود شيطان» .\rتسبيح ركوع وسجود بعد اعتدال، وجلوس وسؤال مغفرة بعد سجود، والدعاء بملاذ الدنيا كأن يسأل عروساً حسناء مثلاً.\r-------------------------------\r(1) غاية المنتهى:150/1- 151، المغني:1/2 ومابعدها، 44 -62،67،249.\r(2) المراد بالبهيم: الذي ليس في لونه شيء سوى السواد.","part":2,"page":218},{"id":910,"text":"الكلام مطلقاً ولو قل، أو سهواً أو مكرهاً أو تحذيراً من مهلكة، والنطق بكاف الخطاب لغير الله تعالى ورسوله أحمد صلّى الله عليه وسلم ، والقهقهة مطلقاً، والتنحنح بلا حاجة، والنفخ إذا بان منه حرفان، والبكاء لغير خشية الله تعالى إذا بان منه حرفان، إلا إذا غلبه، وكلام النائم غير الجالس والقائم.\rالعمل المتوالي الكثير عادة من غير جنس الصلاة بلا ضرورة كخوف وهرب من عدو ونحوه، ولو سهواً أو جهلاً، ولا يقدر العمل اليسير بثلاث، ولا غيرها من العدد، وإشارة الأخرس كفعله.\rالأكل والشرب إلا اليسير لناسٍ (ساهٍ) وجاهل، وبلع ذوب نحو سكر بفم أي ما يتحلل منه إلا إن كان يسيراً من ساه وجاهل.\rومن علم ببطلان الصلاة ومضى فيها أدّب.\rولا تبطل الصلاة بعمل يسير، أو كثير غير متوال، وكره بلا حاجة. ولا يشرع له سجود، ولا تبطل ببلع ما بين أسنان عمداً بلا مضغ، ولو لم يجر به ريق، ولايبطل النفل بيسير شرب عمداً، ولا بإطالة نظر لشيء، ولو لكتاب، وقرأ ما فيه بقلبه، ولا بعمل قلبي ولو طال (1) ، فلا تبطل صلاة من غلبة وسواس على أكثرها، ولا تبطل إذا غلبه سعال أو عطاس أو تثاؤب وإن بان منها حرفان، ولا تبطل بكلام النائم القليل إذا كان نوماً يسيراً، وكان جالساً أو قائماً.\rوتبطل الصلاة عند الحنابلة كما بينا في المقبرة وموضع الخلاء والحمام وفي أعطان الإبل (مباركها)، لقوله صلّى الله عليه وسلم : «الأرض كلها مسجد إلا الحمام والمقبرة (2) »\r-------------------------------\r(1) بدليل حديث، أبي هريرة: «أن النبي صلّى الله عليه وسلم قال: إذا نودي بالصلاة أدبر الشيطان وله ضُراط حتى لا يسمع الأذان.. ثم ذكر سجدتي السهو» متفق عليه، قال عمر فيما رواه البخاري: «إني لأجهز جيشي وأنا في الصلاة » (نيل الأوطار:337/2).\r(2) رواه أبو داود.","part":2,"page":219},{"id":911,"text":"وحديث «لا تصلوا في مبارك الإبل، فإنها من الشياطين» (1) والنهي يقتضي التحريم، ولأن بعض هذه الأماكن موضع نجاسة، أوتعري.\rثالثاً ـ ما تقطع الصلاة لأجله:\rقد يجب قطع الصلاة لضرورة، وقد يباح لعذر (2) .\rأما ما يجب قطع الصلاة له لضرورة فهو ما يأتي:\r1ً - تقطع الصلاة ولو فرضاً باستغاثة شخص ملهوف، ولو لم يستغث بالمصلي بعينه، كما لو شاهد إنساناً وقع في الماء، أو صال عليه حيوان، أو اعتدى عليه ظالم، وهو قادر على إغاثته.\rولا يجب عند الحنفية قطع الصلاة بنداء أحد الأبوين من غير استغاثة؛ لأن قطع الصلاة لا يجوز إلا لضرورة.\r2ً - وتقطع الصلاة أيضاً إذا غلب على ظن المصلي خوف تردي أعمى، أو صغير أو غيرهما في بئر ونحوه. كما تقطع الصلاة خوف اندلاع النار واحتراق المتاع ومهاجمة الذئب الغنم؛ لما في ذلك من إحياء النفس أوالمال، وإمكان تدارك الصلاة بعد قطعها، لأن أداء حق الله تعالى مبني على المسامحة.\rوأما ما يجوز قطع الصلاة له ولو فرضاً لعذر فهو ما يأتي:\r1ً - سرقة المتاع، ولو كان المسروق لغيره، إذا كان المسروق يساوي درهماً فأكثر.\r2ً - خوف المرأة على ولدها، أو خوف فوران القدر، أواحتراق الطعام على النار. ولو خافت القابلة (الداية) موت الولد أو تلف عضو منه، أو تلف أمه بتركها، وجب عليها تأخير الصلاة عن وقتها، وقطعها لو كانت فيها.\r3ً - مخافة المسافر من اللصوص أو قطاع الطرق.\r4ً - قتل الحيوان المؤذي إذا احتاج قتله إلى عمل كثير.\r5ً - رد الدابة إذا شردت.\r6ً - مدافعة الأخبثين (البول والغائط) وإن فاتته الجماعة.\r7ً - نداء أحد الأبوين في صلاة النافلة، وهولا يعلم أنه في الصلاة، أما في الفريضة فلا يجيبه إلا للضرر، وهذا متفق عليه.\r-------------------------------\r(1) رواه أبو داود عن البراء بن عازب، وروى مسلم مثله عن جابر بن سمرة، وروى أحمد مثله عن أسيد بن حضير.\r(2) مراقي الفلاح: ص60.","part":2,"page":220},{"id":912,"text":"الفَصْلُ الثَّامِن: النَّوافِل أو صَلاةُ التَّطوّع\rالتطوع في الأصل: فعل الطاعة: وشرعاً وعرفاً، طاعة غير واجبة.\rفصلاة التطوع: هي ما طلب فعلها من المكلف زيادة على الفرائض طلباً غير جازم. وتكمل به صلاة الفرض يوم القيامة، إن لم يكن المصلي أتمها، وفيه حديث صحيح مرفوع رواه أحمد في المسند (1) ، وهو أن فريضة الصلاة والزكاة وغيرهما إذا لم تتم تكمل بالتطوع.\rوحكمها: أنه يثاب على فعلها ولا يعاقب على تركها.\rوهي إما أن تكون مستقلة عن الفرائض المكتوبة كصلاة العيدين والاستسقاء والكسوف والخسوف والتراويح. وقال الحنفية: صلاة العيدين واجبة، وقال الحنابلة: صلاة العيدين فرض كفاية.\rوإما أن تكون تابعة للفرائض كالسنن القَبْلية والبَعْدية.\rوالنوافل جمع نافلة، والنفل والنافلة في اللغة: الزيادة، والتنفل: التطوع، وشرعاً: عبارة عن فعل مشروع ليس بفرض ولا واجب ولا مسنون (2) .\r-------------------------------\r(1) كشاف القناع:481/1\r(2) اللباب شرح الكتاب:91/1","part":2,"page":221},{"id":913,"text":"وعند الشافعية: النوافل: ما عدا الفرائض، سمي النفل بذلك لأنه زائد على ما فرضه الله تعالى (1) . وقد ثبتت مشروعية النوافل بفعل النبي صلّى الله عليه وسلم . « روى مسلم عن ربيعة بن مالك الأسلمي رضي الله عنه قال: قال لي رسول الله صلّى الله عليه وسلم : سَلْ، فقلت: أسألك مرافقتك في الجنة، فقال: أو غير ذلك، قلت: هو ذاك، قال: فأعني على نفسك بكثرة السجود» .\rوأفضل عبادات البدن: الصلاة، لقوله صلّى الله عليه وسلم : «استقيموا ولن تحصوا، واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة، ولا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن» (2) ولأنها تجمع من القرَب ما لا يجمع غيرها، من الطهارة واستقبال القبلة، والقراءة، وذكر الله عز وجل، والصلاة على رسول الله صلّى الله عليه وسلم ، ويمنع فيها من كل ما يمنع منه في سائر العبادات، وتزيد عليها بالامتناع عن الكلام، والمشي، وسائر الأفعال. وتطوعها أفضل التطوع (3) .\rوللمذاهب الفقهية اصطلاحات في تقسيم النوافل، يحسن ذكرها في كل مذهب على حدة:\rالنوافل عند الحنفية:\rتنقسم النوافل عند الحنفية قسمين: مسنونة ومندوبة (4) ، والسنة: هي المؤكدة التي واظب الرسول صلّى الله عليه وسلم على أدائها، ولم يتركها إلا نادراً، إشعاراً بعدم فرضيتها.\rوالمندوب: هو السنة غير المؤكدة التي فعلها الرسول صلّى الله عليه وسلم أحياناً وتركها أحياناً.\rأولاً ـ السنن المؤكدة: هي ما يأتي:\r1 ً - ركعتان قبل صلاة الفجر (الصبح) ، وهما آكد (آقوى) السنن، لقوله صلّى الله عليه وسلم : «ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها» (5) ، وقالت عائشة: «لم يكن النبي صلّى الله عليه وسلم على شيء من النوافل أشد تعاهداً منه على ركعتي الفجر» (6) .\r-------------------------------\r(1) مغني المحتاج:219/1.\r(2) رواه أحمد في مسنده وابن ماجه والحاكم والبيهقي عن ثوبان، ورواه ابن ماجه أيضاً والطبراني عن عبد الله بن عمرو بن العاص،ورواه الطبراني أيضاً عن سلمة بن الأكوع، وهو صحيح. ورواه ابن ماجه عن أبي أمامة، والطبراني عن عبادة بن الصامت بلفظ «استقيموا ونعمَّا استقمتم، وخير أعمالكم الصلاة، ولن يحافظ على الوضوء إلا مؤمن» .\r(3) المهذب:82/1.\r(4) فتح القدير:314/1 -335، تبيين الحقائق:/171-180، اللباب:91/1 -94، الدر المختار:630/1 -664.\r(5) رواه أحمد ومسلم والترمذي وصححه عن عائشة مرفوعاً (نيل الأوطار:19/3، سبل السلام:4/2).\r(6) متفق عليه، وروى أحمد وأبو داود عن أبي هريرة: «لا تدعوا ركعتي الفجر، ولو طردتكم الخيل» (المصدران السابقان).","part":2,"page":222},{"id":914,"text":"وبناء عليه قالوا: لا يجوز أن يؤديهما قاعداً أو راكباً بدون عذر. ولا يقضى شيء من السنن سوى الفجر، إذا فاتت معه، وقضاه من يومه قبل الزوال، فإن صلى الفرض وحده، لا يقضيان. ووقتهما وقت صلاة الصبح. والسنة أن يقرأ في أولاهما سورة الكافرون، وفي الثانية: الإخلاص. وأن يصليهما في بيته في أول الوقت. وإذا قامت صلاة الجماعة لفرض الصبح قبل أن يصليهما: فإن أمكنه إدراكهما بعد صلاتهما ولو في الركعة الثانية، فعل، وإلا تركهما، وأدرك الجماعة، ولا يقضيهما بعد ذلك. والإسفار بسنة الفجر أفضل.\r2 ً - أربع ركعات قبل صلاة الظهر أو قبل الجمعة، بتسليمة واحدة، لحديث عائشة رضي الله عنها: «أن النبي صلّى الله عليه وسلم كان لا يدع أربعاً قبل الظهر، وركعتين قبل الغداة» (1) أي سنة الفجر. وهذه آكد السنن بعد سنة الفجر، ثم الكل الباقي سواء.\rترتيب أفضلية النوافل: تبين مما ذكر أن آكد السنن: سنة الفجر اتفاقاً، ثم الأربع قبل الظهر في الأصح، ثم الكل سواء.\r3 ً - ركعتان بعد الظهر، ويندب أن يضم لها ركعتين، وأربع بعد الجمعة بتسليمة واحدة، لقوله صلّى الله عليه وسلم بالنسبة للظهر: «من صلى أربع رَكَعات قبل الظهر، وأربعاً بعدها، حرَّمه الله على النار» (2) ، ولأن النبي صلّى الله عليه وسلم «كان يركع من قبل الجمعة أربعاً لا يفصل في شيء منهن، وأربعاً بعدها» (3) .\r4 ً - ركعتان بعد المغرب: ويسن إطالة القراءة فيهما، كما كان رسول الله صلّى الله عليه وسلم يفعل.\r5 ً - ركعتان بعد فرض العشاء: والدليل على تأكد هذه السنن قوله صلّى الله عليه وسلم : «من صلَّى في يوم وليلة ثِنْتَي عشرة ركعة سوى المكتوبة بنى الله له بيتاً في الجنة» (4) ولفظ مسلم: «من صلى ثنتي عشرة ركعة في يوم وليلة، بُني له بهن بيت في الجنة» ورواية الترمذي: «من صلى في يوم وليلة ثنتي عشرة ركعة، بني له بيت في الجنة: أربعاً قبل الظهر، وركعتين بعدها، وركعتين بعد المغرب، وركعتين بعد العشاء، وركعتين قبل صلاة الفجر» وذكر النسائي «ركعتين قبل العصر» ولم يذكر ركعتين بعد العشاء» .\r-------------------------------\r(1) رواه البخاري، ويؤيده حديث أبي أيوب عند أبي داود والترمذي وابن ماجه وابن خزيمة بلفظ: «أربع قبل الظهر ليس فيهن تسليم تفتح لهن أبواب السماء» وحديث أنس عند الطبراني في الأوسط: «أربع قبل الظهر كعِدلهن بعد العشاء، وأربع بعد العشاء كعدلهن من ليلة القدر» (سبل السلام:4/2).\r(2) رواه الخمسة عن أم حبيبة، وصححه الترمذي (نيل الأوطار:16/3).\r(3) رواه ابن ماجه والطبراني في معجمه، لكن سنده واه جداً (نصب الراية:206/2).\r(4) رواه الجماعة عن أم حبيبة بنت أبي سفيان (المصدر السابق: ص138).","part":2,"page":223},{"id":915,"text":"ومشروعية السنن القبلية لقطع طمع الشيطان: بأن يقول: إنه لم يترك ما ليس بفرض، فكيف يترك ما هو بفرض؟ والسنن البَعْدية لجبر النقصان أي ليقوم في الآخرة مقام ما ترك منها لعذر كنسيان.\r6 ً - صلاة التراويح: التراويح سنة مؤكدة للرجال والنساء لمواظبة النبي صلّى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين عليها، ويسن فيها الجماعة، بدليل أن النبي صلّى الله عليه وسلم صلاها جماعة في رمضان في ليالي الثالث والخامس والسابع والعشرين، ثم لم يتابع خشية أن تفرض على المسلمين، وكان يصلي بهم ثمان ركعات، ويكملون باقيها في بيوتهم، فكان يسمع لهم أزيز كأزيز النحل (1) .\r-------------------------------\r(1) رواه الخمسة عن جبير بن نُفَير عن أبي ذر، وصححه الترمذي، وأخرجه الشيخان عن عائشة (نيل الأوطار:50/3 وما بعدها، نصب الراية:152/2).","part":2,"page":224},{"id":916,"text":"ووقتها: في رمضان بعد صلاة العشاء إلى الفجر، قبل الوتر وبعده في الأصح عند الحنفية. ويستحب تأخيرها إلى ثلث الليل أو نصفه، ولا تكره بعده في الأصح عند الحنفية. ولا تقضى عندهم إذا فاتت أصلاً، فإن قضاها، كانت نفلاً مستحباً، وليس بتراويح، كسنة مغرب وعشاء؛ لأن القضاء من خصائص الواجبات كالوتر والعيدين.\rوالجماعة فيها سنة على الكفاية في الأصح، فلو تركها أهل مسجد أثموا، وكل ما شرع بجماعة، فالمسجد فيه أفضل، والمتخلف عن الجماعة إذا أقامها البعض تارك للفضيلة؛ لأن أفراد الصحابة روي عنهم التخلف.\rوتؤدى أيضاً فرادى، والأفضل فيها الجماعة، ويسن أن يختم فيها القرآن كله مرة خلال شهر رمضان. وإذا مل الناس سن قراءة ما تيسر من القرآن بقدر ما لا يثقل عليهم، كآية طويلة أو ثلاث قصار، ولا يكره الاقتصار على آية أو آيتين، بشرط الترتيل، والاطمئنان في الركوع والسجود مع التسبيح، ولا يترك دعاء الثناء والتعوذ والصلاة على النبي صلّى الله عليه وسلم في كل تشهد.","part":2,"page":225},{"id":917,"text":"وعدد ركعاتها عشرون ركعة، تؤدى ركعتين ركعتين، يجلس بينهما، مقدار الترويحة، بعشر تسليمات ثم يوتر بعدها، ولا يصلى الوتر بجماعة في غير شهر رمضان. ودليلهم على العدد فعل عمر رضي الله عنه كما أخرج مسلم في صحيحه، حيث إنه جمع الناس أخيراً على هذا العدد في المسجد، ووافقه الصحابة على ذلك، ولم يخالفهم بعد الراشدين مخالف، وقد قال النبي صلّى الله عليه وسلم «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي» (1) . وأخرج البيهقي عن ابن عباس «كان يصلي في شهر رمضان في غير جماعة عشرين ركعة والوتر» (2) . وقد سئل أبو حنيفة عما فعله عمر رضي الله عنه فقال: التراويح سنة مؤكدة، ولم يتخرجه عمر من تلقاء نفسه، ولم يكن فيه مبتدعاً، ولم يأمر به إلا عن أصل لديه، وعهد من رسول الله صلّى الله عليه وسلم .\rلكن قال بعض أهل الحديث: إن العدد الثابت عنه صلّى الله عليه وسلم في صلاته في رمضان هو ثمان ركعات، بدليل ما أخرجه البخاري وغيره عن عائشة أنها قالت: «ماكان النبي صلّى الله عليه وسلم يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة» وأخرج ابن حبان في صحيحه من حديث جابر أنه صلّى الله عليه وسلم : «صلى بهم ثمان ركعات ثم أوتر» (3) .\rثانياً ـ أما المندوب أو السنن غير المؤكدة: فهي ما يأتي، ولا يعني كونها غير مؤكدة تركها، بل كان النبي صلّى الله عليه وسلم يصليها غالباً، ويتركها أحياناً:\r1 ً - ركعتان أخريان إلى سنة الظهر البعدية، كما بينا.\r-------------------------------\r(1) رواه أبو داود والترمذي.\r(2) زاد سليم الرازي في كتاب الترغيب له «ويوتر بثلاث» قال البيهقي: تفرد به أبو شيبة إبراهيم بن عثمان وهو ضعيف (نيل الأوطار:53/3).\r(3) نيل الأوطار، المكان السابق.","part":2,"page":226},{"id":918,"text":"2 ً - أربع ركعات قبل العصر بتسليمة واحدة، لقوله صلّى الله عليه وسلم : «رحم الله امرءاً صلى أربعاً قبل العصر» (1) . أما جواز صلاة ركعتين فقط قبل العصر، فيشملها حديث «بين كل أذانين صلاة» (2) .\r3 ً - أربع ركعات قبل صلاة العشاء وأربع بعدها بتسليمة واحدة، لما روي عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم كان يصلي قبل العشاء أربعاً، ثم يصلي بعدها أربعاً، ثم يضطجع (3) .\rوإن شاء اقتصر على الركعتين المؤكدتين بعدها، عملاً بالحديث السابق: «من ثابر على ثنتي عشر ركعة...» .\r4 ً - صلاة الأوابين(4 ) : وهي ست ركعات بعد المغرب، بتسليمة أو ثنتين أو ثلاث، والأول أدوم وأشق، لقوله تعالى: {فإنه كان للأوابين غفوراً} [الإسراء:17/25]، ولما روي عن عمار بن ياسر: «من صلى بعد المغرب ست ركعات، غفرت ذنوبه، وإن كانت مثل زبَد البحر» (5) .\rواستحب الكمال بن الهمام كالشافعية والحنابلة ركعتين خفيفتين قبل المغرب لخبر الصحيحين عن عبد الله المزني: «صلوا ركعتين قبل المغرب» ثم قال في الثالثة: (لمن شاء) وهذه النوافل تابعة للفرائض، أما النوافل المستقلة فهي ما يأتي:\r-------------------------------\r(1) رواه أحمد وأبو داود والترمذي وحسنه، وابن خزيمة وصححه (سبل السلام:5/2).\r(2) رواه البزار وفيه راو متكلم فيه (مجمع الزوائد:231/2).\r(3) هذا ما ذكر في مراقي الفلاح: ص64، وروى أحمد وأبو داود والنسائي عن عائشة قالت: ما صلّى النبي صلّى الله عليه وسلم العشاء قط، فدخل علي إلا صلى أربع ركعات أو ست ركعات (نصب الراية:145/2 وما بعدها، نيل الأوطار :18/3).\r(4) الأوابين: جمع أواب، أي رجّاع إلى الله تعالى بالتوبة والاستغفار.\r(5) رواه الطبراني (مجمع الزوائد:230/2) وروى ابن ماجه وابن خزيمة والترمذي عن أبي هريرة في موضوعه (الترغيب والترهيب:404/1).","part":2,"page":227},{"id":919,"text":"5 ً - صلاة الضحى: وهي أربع ركعات على الصحيح إلى ثمانية، وأقلها ركعتان، ووقتها من بعد طلوع الشمس قدر رمح أي حوالي ثلث أو نصف ساعة إلى قبيل الزوال، لحديث عائشة: «كان رسول الله صلّى الله عليه وسلم يصلي الضحى أربع ركعات، لا يفصل بينهن بكلام» (1) ورواية مسلم: «كان رسول الله صلّى الله عليه وسلم يصلي الضحى أربعاً، ويزيد ما شاء الله » وثبت في الصحيحين من رواية أبي هريرة «وركعتي الضحى» ووقتها المختار: بعد ربع النهار.\r6 ً - ركعتا الوضوء قبل جفافه للحديث السابق: « ما من أحد يتوضأ، فيحسن الوضوء، ثم يقوم فيصلي ركعتين، يقبل عليهما بقلبه، إلا وجبت له الجنة» (2) .\r7 ً - تحية المسجد: يندب ركعتان لمن دخل المسجد تحية لرب المسجد، لقوله صلّى الله عليه وسلم : «إذا دخل أحدكم المسجد، فلا يجلس حتى يركع ركعتين» (3) . يصليهما عند الحنفية في غير وقت الكراهة، وأداء الفرض أو غيره ينوب عنهما بلا نية. وتكفيه لكل يوم مرة إذا تكرر دخوله لعذر، ولا تسقط بالجلوس عندهم، لحديث ابن حبان في صحيحه: «يا أبا ذر، إن للمسجد تحية، وإن تحيته ركعتان، فقم فاركعهما» وأما الحديث السابق: «إذا دخل أحدكم..» فهو بيان للأولى.\rويستثنى من المساجد المسجد الحرام، فإن تحيته الطواف.\rومن لم يتمكن من تحية المسجد لحدث أو غيره يقول ندباً كلمات التسبيح الأربع: ( سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ).\r-------------------------------\r(1) رواه أبو يعلى الموصلي (نصب الراية:146/2، سبل السلام:16/2).\r(2) رواه مسلم وأبو داود والنسائي.\r(3) رواه الجماعة عن أبي قتادة، وابن ماجه عن أبي هريرة.","part":2,"page":228},{"id":920,"text":"8 ً - صلاة التهجد (الليل ) : يندب الصلاة ليلاً خصوصاً آخره، وهي أفضل من صلاة النهار، لقوله تعالى {فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين} [السجدة:17/32] وقوله سبحانه: {تتجافى جنوبهم عن المضاجع} [السجدة:16/32]، ولقوله صلّى الله عليه وسلم ـ فيما روى مسلم في صحيحه ـ «أفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل» ، وروى الطبراني مرفوعاً: «لابد من صلاة بليل، ولو حلب شاة، وما كان بعد صلاة العشاء فهو من الليل» ، وفي صحيح مسلم قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم : «عليكم بصلاة الليل، فإنها دأب الصالحين قبلكم، وقربة إلى ربكم، ومكفرة للسيئات، ومنهاة عن الإثم» .\rوعدد ركعاتها من ركعتين إلى ثمانية.\rويندب إحياء ليالي العيدين (الفطر والأضحى) ، وليالي العشر الأخير من رمضان لإحياء ليلة القدر، وليالي عشر ذي الحجة، وليلة النصف من شعبان، ويكون بكل عبادة تعم الليل أو أكثره، للأحاديث الصحيحة الثابتة في ذلك (1) .\rويندب الإكثار من الاستغفار بالأسحار، وسيد الاستغفار: ( اللهم أنت ربي، لا إله إلا أنت، خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت، أبوء (أعترف) لك بنعمتك، وأبوء بذنبي، فاغفر لي، فإنه لا يغفر الذنب إلا أنت ) .\r-------------------------------\r(1) قال صلّى الله عليه وسلم : «من أحيا ليلة العيد أحيا الله قلبه يوم تموت القلوب» « وروت عائشة أن النبي صلّى الله عليه وسلم كان إذا دخل العشر الأخير من رمضان أحيا الليل، وأيقظ أهله، وشد المئزر» وقال عليه السلام: «ما من أيام أحب إلى الله تعالى أن يتعبد فيها من عشر ذي الحجة، يعدل صيام كل يوم منها بصيام سنة، وقيام كل ليلة منها بقيام ليلة القدر» وقال عن ليلة النصف: «إذا كانت ليلة النصف من شعبان فقوموا ليلها، وصوموا نهارها، فإن الله تعالى ينزل فيها لغروب الشمس إلى السماء، فيقول : ألا مستغفر فأغفر له، ألا مسترزق فأرزقه، حتى يطلع الفجر» .","part":2,"page":229},{"id":921,"text":"ويكره الاجتماع على إحياء ليلة من هذه الليالي في المساجد وغيرها؛ لأنه لم يفعله النبي صلّى الله عليه وسلم ولا الصحابة.\rكما يكره الاجتماع على صلاة الرغائب التي تفعل في أول جمعة من رجب، وإنها بدعة.\rوطول القيام أفضل من كثرة السجود، لقوله صلّى الله عليه وسلم : «أفضل الصلاة طول القنوت» (1) أي القيام، ولأن القراءة تكثر بطول القيام، وبكثرة السجود يكثر التسبيح، والقراءة أفضل منه.\r9 ً - صلاة الاستخارة: أي طلب ما فيه الخير، وتكون في الأمور المباحة التي لايعرف وجه الصواب فيها، وهي ركعتان، يدعو بعدهما بالدعاء المأثور، روى الجماعة إلا مسلماً (2) عن جابر بن عبد الله قال: «كان رسول الله صلّى الله عليه وسلم يعلّمنا الاستخارة في الأمور كلها، كما يعلمنا السورة من القرآن، يقول: إذا همَّ أحدكم بالأمر، فليركع ركعتين من غير الفريضة، ثم ليقل:\r-------------------------------\r(1) رواه أحمد ومسلم والترمذي وابن ماجه عن جابر، ورواه الطبراني عن أبي موسى وعن عمرو بن عبسة بن عمير بن قتادة الليثي، وهو صحيح.\r(2) الترغيب والترهيب:480/1.","part":2,"page":230},{"id":922,"text":"«اللهم إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم، فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم، وأنت علام الغيوب، اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر خير لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري، أو قال: عاجل أمري وآجله، فاقدره لي، ويسره لي، ثم بارك لي فيه. وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شر لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري، أو قال: عاجل أمري وآجله، فاصرفه عني، واصرفني عنه، واقدُر لي الخير حيث كان، ثم رضني به. قال: ويسمي حاجته» أي عند قوله: ( هذا الأمر).\rويستحب افتتاح هذا الدعاء وختمه بالحمد لله ، والصلاة على النبي. ويقرأ في الركعة الأولى: الكافرون، وفي الثانية: الإخلاص.\rوينبغي ـ أي إذا لم يبن له الأمر ـ أن يكررها سبعاً، لما روى ابن السني: يا أنس، إذا هممت بأمر، فاستخر ربك فيه سبع مرات، ثم انظر إلى الذي سبق إلى قلبك، فإن الخير فيه. ولو تعذرت عليه الصلاة استخار بالدعاء.\r10 ً - صلاة التسبيح: وفضلها عظيم، وفيها ثواب لا يتناهى.\rويفعلها المسلم في كل وقت لا كراهة فيه، أو في كل يوم وليلة مرة، وإلا ففي كل أسبوع ، أو جمعة، أو شهر، أو العمر. وحديثها حسن لكثرة طرقه، ووهم من زعم وضعه.\rوهي أربع ركعات يقرأ في كل ركعة فاتحة الكتاب، وسورة، بتسليمة أو تسليمتين، يقول فيها ثلاث مئة مرة: «سبحان الله والحمد لله ولاإله إلا الله والله أكبر» في كل ركعة خمس وسبعون تسبيحة.\rفبعد الثناء: خمس عشرة، ثم بعد القراءة، وفي الركوع، والرفع منه، وكل من السجدتين، وفي الجلسة بينهما: عشر تسبيحات، بعد تسبيح الركوع والسجود. وهذه الكيفية هي التي رواها الترمذي في جامعه عن عبد الله بن المبارك أحد أصحاب أبي حنيفة. وهي المختار من الروايتين.","part":2,"page":231},{"id":923,"text":"ولا يعد المصلي التسبيحات بالأصابع إن قدر أن يحفظ بالقلب (1) .\r11 ً - صلاة الحاجة: وهي أربع ركعات بعد العشاء، وقيل: ركعتان. ورد في الحديث المرفوع أنه يقرأ في الأولى الفاتحة مرة وآية الكرسي ثلاثاً، وفي كل من الثلاثة الباقية: يقرأ الفاتحة والإخلاص والمعوذتين مرة مرة، فإن قرأهن كن له مثلهن من ليلة القدر.\rوأخرج الترمذي عند عبد الله بن أبي أوفى رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم : « من كانت له إلى الله حاجة، أو إلى أحد من بني آدم، فليتوضأ وليُحسن الوضوء، وليصلّ ركعتين، ثم ليُثن على الله ، وليُصلِّ على النبي صلّى الله عليه وسلم ، ثم ليقل: لا إله إلا الله الحليم الكريم، سبحان الله رب العرش العظيم، الحمد لله رب العالمين، أسألك مُوجِبات رحمتك، وعزائمَ مغفرتك، والغنيمة من كل برّ، والسلامة من كل إثم، لا تدع لي ذنباً إلا غفرته، ولا همَّاً إلا فرَّجته (2) ، ولا حاجة هي لك رضاً إلا قضيتها يا أرحم الراحمين» (3) .\rأحكام فرعية لصلاة النافلة(4) :\rأ ـ كيفية أداء نوافل النهار والليل: إن شاء صلى في النهار ركعتين بتسليمة واحدة، وإن شاء أربعاً، وتكره الزيادة على ذلك (أي على الأربع من غير تسليمة) . أما نوافل الليل، فقال أبو حنيفة: إن صلى ثماني ركعات بتسليمة واحدة جاز، وتكره الزيادة على ذلك ( أي على الثمانية من غير تسليمة ) والأفضل عنده رباع أي أربعاً أربعاً ليلاً ونهاراً.\r-------------------------------\r(1) انظر الترغيب والترهيب:469/1، وهناك كيفية أخرى عن ابن عباس: يسبح خمس عشرة مرة بعد القراءة، والعشرة الأخيرة بعد السجدة الثانية (الترغيب والترهيب:467/1).\r(2) ثم ليثن: أي يحمده ويكثر من تسبيحه وتكبيره، والصلاة على حبيبه صلّى الله عليه وسلم ، ويستغفر مئات، وموجبات رحمتك: موصلات باعثة إلى الجنة. وعزائم مغفرتك: أي الأسباب التي يعزم له بها الغفران ويحققه. والغنيمة: الفوز. والسلامة: النجاة من كل ذنب. فرجته: أزلته.\r(3) رواه الترمذي وابن ماجه (الترغيب والترهيب:476/1).\r(4) فتح القدير:318/1 -332، اللباب شرح الكتاب:92/1 -94، الدر المختار:644/1 -658، مراقي الفلاح: ص 65،67 وما بعدها.","part":2,"page":232},{"id":924,"text":"وقال أبو يوسف ومحمد: لا يزيد ـ من حيث الأفضلية ـ بالليل على ركعتين بتسليمة واحدة، والأفضل في الليل مثنى مثنى، وفي النهار: أربع أربع. وبرأي الصاحبين يفتى عند الحنفية اتباعاً للحديث.\rدليل أبي حنيفة: الحديث السابق عن عائشة أنه صلّى الله عليه وسلم صلى أربعاً بعد العشاء، وأنه عليه السلام كان يواظب على الأربع في الضحى، ولأنه أدوم تحريمة، فيكون أكثر مشقة وأزيد فضيلة. ودليل الكراهة أن النبي صلّى الله عليه وسلم لم يزد على ثمان ركعات، ولولا الكراهة لزاد ، تعليماً للجواز.\rودليل الصاحبين: الاعتبار بالتراويح، كل ركعتين بتسليمة واحدة.\rب ـ القراءة واجبة في جميع ركعات النفل، وفي جميع الوتر؛ أما النفل فلأن كل شفع منه صلاة على حدة، والقيام إلى الثالثة كتحريمة مبتدأة، ولهذا لا يجب بالتحريمة الأولى إلا ركعتان على المشهور، وأما الوتر فللاحتياط.\rأما القراءة في الفرض فهي ـ كما بينا ـ واجبة في الركعتين الأوليين فقط، والمصلي مخير في الأخريين: إن شاء قرأ الفاتحة، وإن شاء سكت مقدار ثلاث تسبيحات وإن شاء سبَّح ثلاثاً، وهو المأثور عن علي وابن مسعود وعائشة رضي الله عنهم، إلا أن الأفضل أن يقرأ؛ لأنه عليه الصلاة والسلام داوم على ذلك، ولهذا لايجب السهو بترك القراءة في ظاهر الرواية.","part":2,"page":233},{"id":925,"text":"وبناء على ما ذكر في النفل: إن صلى أربعاً، ولم يقرأ فيهن شيئاً أعاد عند أبي حنيفة ومحمد؛ لأن ترك القراءة في الأوليين يوجب بطلان التحريمة: وعند أبي يوسف: يقضي أربعاً؛ لأن ترك القراءة في الشفع الأول لا يوجب بطلان التحريمة، وإنما يوجب فساد الأداء؛ لأن القراءة ركن زائد، وفساد الأداء لا يزيد على تركه، فلا يبطل التحريمة. جـ ـ الشروع في النفل صلاة أو صوماً ملزم عند الحنفية، خلافاً للشافعي فإنه قال: المتنفل متبرع فيه أي في فعل النفل، ولا لزوم على المتبرع لقوله تعالى: {ما على المحسنين من سبيل} [التوبة:91/9] فالسنن لا تلزم بالشروع عند الشافعية، إلا في الحج والعمرة، أو فرض كفاية على الصحيح، فتلزم في الجهاد وصلاة الجنازة والحج والعمرة (1) . ودليل الحنفية قوله تعالى: {ولا تبطلوا أعمالكم} [سورة سيدنا محمد:33/47] فيحرم قطع الصلاة وغيرها.\rفيلزم النفل عندهم بالشروع في تكبيرة الإحرام، أو بالقيام للركعة الثالثة وقد أدى الشفع الأول صحيحاً، فإذا فسد الثاني لزم قضاؤه فقط، ولا يسري إلى الأول؛ لأن كل شفع صلاة على حدة.\rوبناء عليه: من دخل في صلاة النفل، ثم أفسدها، قضاها. وإن صلى أربع ركعات، وقعد في الأوليين، ثم أفسد الأخريين قضى ركعتين.\rويستثنى من ذلك ما لو شرع متنفلاً خلف مفترض ثم قطعه، أو شرع في فرض ظاناً أنه عليه، ثم تذكر أنه ليس عليه، فلا قضاء عليه.\rد ـ يقتصر المتنفل في الجلوس الأول من الرباعية المؤكدة (وهي التي قبل الظهر والجمعة وبعدها) على التشهد، ولا يأتي في الثالثة بدعاء الاستفتاح على الأصح. أما الرباعية المندوبة (غير المؤكدة)، فإنه يقرأ في القعود الأول التشهد والصلاة الإبراهيمية ويأتي بالاستفتاح والتعوذ في ابتداء الثالثة، أي في ابتداء كل شفع من النافلة.\rهـ ـ إذا صلى نافلة أكثر من ركعتين، ولم يجلس إلا في آخرها، صح\r-------------------------------\r(1) مغني المحتاج:259/1.","part":2,"page":234},{"id":926,"text":"استسحاناً؛ لأنها صارت صلاة واحدة من ذوات الأربع، وفيها الفرض وهو الجلوس الأخير، ويجبر ترك القعود الأول ساهياً بالسجود، ويجب العود إليه بتذكره بعد القيام ما لم يسجد.\rوـ صلاة النفل قاعداً أو راكباً: يجوز ـ كما بينا في بحث القيام في الصلاة ـ النفل قاعداً مع القدرة على القيام، لكن له نصف أجر القائم إلا لعذر، لقوله صلّى الله عليه وسلم : «من صلى قائماً فهو أفضل، ومن صلى قاعداً فله نصف أجر القائم، ومن صلى نائماً فله نصف أجر القاعد» (1) . وأجاز الشافعية في الأصح التنفل مضطجعاً، مطلقاً وأباحه بقية المذاهب لعذر.\rوكيفية القعود في النفل كالمتشهد، على المختار وعليه الفتوى عند الحنفية والشافعية، ويندب التربع عند المالكية والحنابلة. ويجوز للقادر على القيام إتمام نفله قاعداً، بعد افتتاحه قائماً، بلا كراهة على الأصح.\rويصح أداء النوافل ولو كانت مؤكدة كسنة الفجر (2) على الراحلة راكباً خارج البلاد، ويومئ إلى الركوع والسجود، إلى أية جهة توجهت دابته، للحاجة، وإذا نزل عن الدابة أتم صلاته. ولا يشترط عجزه عن إيقافها لتكبيرة الإحرام في ظاهر الرواية. وإذا حرك رجله أو ضرب دابته، فلا بأس به، إذا لم يصنع شيئاً كثيراً.\rودليل التنفل على الراحلة: حديث جابر المتقدم: «رأيت رسول الله صلّى الله عليه وسلم يصلي النوافل على راحلته، يومئ إيماء، ولكنه يخفض السجدتين من الركعتين» (3) .\rوالصلاة في المحمل على الدابة كالصلاة عليها، سواء أكانت سائرة أم واقفة، إلا إذا استقر المحمل على الأرض، فتصح الصلاة فيه ولو فرضاً.\r-------------------------------\r(1) أخرجه الجماعة إلا مسلماً عن عمران بن حصين رضي الله عنه.\r(2) لكن الأولى أن ينزل لسنة الفجر: لأنها آكد من غيرها.\r(3) رواه ابن حبان في صحيحه.","part":2,"page":235},{"id":927,"text":"ولا يمنع صحة الصلاة على الدابة نجاسةٌ عليها، ولو كانت في السرج والركابين على الأصح. ولا تصح صلاة الماشي اتفاقاً.\rويجوز للمتطوع الاتكاء على شيء إن تعب، بلا كراهة، وإن كان بغير عذر كره في الأظهر، لإساءة الأدب.\rز ـ صلاة الفرض والواجب على الدابة: ولا يصح على الدابة صلاة الفرائض والواجبات، كالوتر والمنذورة، وقضاء ما شرع فيه نفلاً فأفسده، ولا صلاة الجنازة، أو سجدة تليت آيتها على الأرض، إلا للضرورة أو العذر، كخوف لص أو سبع على نفسه أو دابته، أو ثيابه، لو نزل، أو وجود طين ومطر في المكان، أو لعجز لمرض أو كسر ولم يوجد من يركبه.\rح ـ الصلاة في السفينة، ومثلها الطائرة والسيارة: تجوز صلاة الفريضة في السفينة والطائرة والسيارة قاعداً، ولو بلا عذر عند أبي حنيفة، ولكن بشرط الركوع والسجود.\rوقال الصاحبان: لا تصح إلا لعذر، وهو الأظهر. والعذر كدوران الرأس، وعدم القدرة على الخروج.\rويشترط التوجه للقبلة في بدء الصلاة، ويستدير إليها كلما استدارت السفينة، ولو ترك الاستقبال لا تجزئه الصلاة، وإن عجز عن الاستقبال يمسك عن الصلاة حتى يقدر على الإتمام مستقبلاً.\rوالسفينة المربوطة في لجة أو عرض البحر التي تحركها الريح الشديدة كالسائرة، فإن لم تحركها فهي كالواقفة على الأصح. والمربوطة بالشط أوالمرفأ لا تجوز الصلاة فيها قاعداً اتفاقاً.\rوالثابت في السنة وجوب القيام على من يصلي في السفينة، ولا يجوز له القعود إلا عند خشية الغرق، لقول ابن عمر: «سئل النبي صلّى الله عليه وسلم ، كيف أصلي في السفينة؟ قال: صلِّ فيها قائماً، إلا أن يخاف الغرق» (1) .\r-------------------------------\r(1) رواه الدارقطني والحاكم على شرط الصحيحين عن ميمون بن مهران (نيل الأوطار:199/3).","part":2,"page":236},{"id":928,"text":"التطوعات عند المالكية:\rالتطوعات عند المالكية ثلاثة أنواع: سنة،وفضيلة، ونافلة (1) .\rأما السنة: فهي عشر صلوات:\rالوتر، وهي ركعة يقرأ فيها بالفاتحة والإخلاص والمعوذتين، وهي آكد السنن، وندب الجهر بوتر،وركعتا الفجر، وتسمى عند المالكية رغيبة (2) : أي مرغب فيها، وهي ما فوق المندوب ودون السنة، ووقتها كالصبح من طلوع الفجر الصادق إلى طلوع الشمس، ثم تقضى إلى الزوال فقط، فإن صلى الصبح قبلها كره فعلها إلى مابعد طلوع الشمس بقدر رمح (21 شبراً متوسطاً) ولا يقضى نفل خرج وقت سواها، أي كما قال الحنفية. ويند ب صلاتها في المسجد لمن أراد التوجه للمسجد لصلاة الفريضة، ويقرأ في الأولى الكافرون وفي الثانية الإخلاص.\rوصلاة عيد الفطر، وصلاة عيد الأضحى، وصلاة كسوف الشمس، وكسوف القمر، وصلاة الاستسقاء، وسجود التلاوة، وركعتا الطواف، وركعتا الإحرام بالحج.\rوترتيبها: الوتر ثم العيد، ثم الكسوف، ثم الاستسقاء. وذكر العلامة خليل في متنه أن صلاة خسوف القمر مندوب.\rوأما الفضائل فهي عشر أيضاً.\rوهي ركعتان بعد الوضوء، وركعتا تحية المسجد لداخل يريد الجلوس به لا المرور فيه، وإن في وقت النهي، وتتأدى بفريضة، والضحى وهي مؤكدة وأقلها ركعتان وأكثرها ثمانٍ، وقيام الليل ويندب جهراً، وهو مؤكد، وأفضله الثلث الأخير (3) ، وهو عشر غير الشفع والوتر، وأكثره لا حد له، وقيام رمضان وهي التراويح سنة مؤكدة، عشرون ركعة، يسلم من كل ركعتين، غير الشفع والوتر، وهي آكد من قيام الليل، وندب ختم القرآن فيها، بأن يقرأ كل ليلة جزءاً يفرقه على العشرين ركعة. فإن لزم على الانفراد بها تعطيل المساجد عنها، فالأولى إيقاعها في المساجد جماعة، فدل على أنه يندب لأعيان (وجهاء) الناس فعلها في المساجد؛ لأن الشأن الاقتداء بهم، فإذا لم يصلوها في المساجد تعطلت المساجد.\r-------------------------------\r(1) القوانين الفقهية: ص42، الشرح الصغير:401/1 -411.\r(2) وليس لهم رغيبة إلا هي.\r(3) روى الديلمي في مسند الفردوس عن جابر: «ركعتان في جوف الليل يكفران الخطايا» وسكت السيوطي عن تصحيحه.","part":2,"page":237},{"id":929,"text":"ويتأكد النفل قبل صلاة الظهر وما بعدها، وقبل صلاة العصر، وبعد صلاة المغرب، والعشاء، بلا تحديد بعدد معين، فيكفي في تحصيل الندب ركعتان، والأولى بعد كل صلاة عدا المغرب أربع ركعات، وبعد المغرب ست ركعات.\rويندب فصل الشفع (المراد به الركعتان قبل الوتر) عن الوتر، بسلام، وكره وصله به من غير سلام، وكره الاقتصار على الوتر من غير شفع، وصح الوتر من غير شفع، خلافاً لمن قال بعدم صحته إلا بشفع.\rويندب القراءة في الشفع بسبّح اسم ربك الأعلى عقب الفاتحة في الركعة الأولى، والكافرون في الثانية.\rويندب الإسرار بسنة الفجر وسائر نوافل النهار. ويندب الجهر بالوتر وفي سائر نوافل الليل.\rوتندب تحية المسجد قبل السلام على النبي صلى الله عليه وسلم بمسجده عليه السلام، وتحية مسجد مكة: الطواف بالبيت سبعاً، إلا المكي فيكفيه الركعتان.\rوأما النوافل فهي قسمان:\r1- مالا سبب له: وهي التطوع في الأوقات الجائزة غير الخمسة المكروهة المذكورة سابقاً.\r2- وماله سبب: وهي عشر: الصلاة عند الخروج إلى السفر، وعند الرجوع منه، وعند دخول المنزل، وعند الخروج منه، وصلاة الاستخارة ركعتان (1) ، وصلاة الحاجة ركعتان (2) ، وصلاة التسبيح أربع ركعات (3) ، وركعتان بين الأذان والإقامة ، لقوله صلى الله عليه وسلم: «بين كل أذانين صلاة» والمراد باللأذانين: الأذان والإقامة.\r\rوأربع ركعات بعد الزوال، وركعتان عند التوبة ، لقوله صلى الله عليه وسلم: «ما من رجل يُذنب ذنباً، ثم يقوم فيتطهر، ثم يصلي، ثم يستغفر الله إلا غفر الله له، ثم قرأ هذه الآية: {والذين إذا فعلوا فاحشة، أو ظلموا أنفسهم .. الآية [آل عمران: 135/3]» (4) ، زاد ابن حبان والبيهقي وابن خزيمة: «ثم يصلي ركعتين»\rوزاد بعض المالكية ركعتين عند الدعاء، وركعتين لمن قدم للقتل اقتداء بخبيب ابن عدي رضي الله عنه.\rما يكره في أداء النوافل عند المالكية (5) :\rيكره تأخير الوتر للوقت الضروري وهو من طلوع الفجر لصلاة الصبح، بلاعذر من نوم أو غفلة أو نحوهما.\rوكره كلام بالأمور الدنيوية بعد صلاة الصبح، لا بعد سنة الفجر وقبل الصبح.\rوكره ضِجْعة: بأن يضطجع على شقه الأيمن بعد سنة الفجر قبل الصبح إذ لم يصحبها عمل أهل المدينة. وهذا متفق مع مذهب الحنفية (6) ، أخذاً برأي ابن عمر، إذ لم يفصل بالضجعة، وقال: وأي فصل أفضل من السلام؟! أي سلام سنة الفجر؛ لأن السلام إنما ورد للفصل، وهو أفضل ما يخرج به من الصلاة من الفعل والكلام.\rوكره جمع كثير لصلاة النفل في غير التراويح؛ لأن شأن النفل الانفراد به، كما يكره صلاة النفل في جماعة قليلة بمكان مشتهر بين الناس.\rالنوافل عند الشافعية:\rالنوافل نوعان: نوع تسن له الجماعة، ونوع لا تسن له الجماعة (7) .\r-------------------------------\r(1) خرجهما البخاري.\r(2) خرجهما الترمذي عن عثمان بن حنيف أن الرسول علّمها رجلاً أعمى وقال له: فانطلق فتوضأ، ثم صل ركعتين، ثم قل: «اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبي محمد صلى الله عليه وسلم نبي الرحمة، يا محمد، إني أتوجه إلى ربي بك أن يكشف لي عن بصري، اللهم شفعه في، وشفعني في نفسي، فرجع وقد كشف الله عن بصره» (الترغيب والترهيب: 1/473)\r(3) خرجهما أبو داود، وخرجهما الترمذي عن عبد الله بن أبي، وضعف سنده.\r(4) رواه الترمذي، وقال: حديث حسن، وأبو داود والنسائي، وابن ماجه وابن حبان في صحيحه والبيهقي، وذكره ابن خزيمة في صحيحه بغير إسناد (الترغيب والترهيب: 1/472).\r(5) الشرح الصغير:414/1.\r(6) رد المحتار:637/1.\r(7) المهذب:82/1- 85، مغني المحتاج:219/1 -228، حاشية الباجوري:135/1 -140، تحفة الطلاب: ص74-78.","part":2,"page":238},{"id":930,"text":"1 ً - ما تسن له الجماعة: سبع صلوات مسنونات هي:\rالعيدان أي صلاة عيد الفطر وعيد الأضحى، والكسوفان: أي صلاة كسوف الشمس وخسوف القمر، والاستسقاء، والتراويح، لخبر الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها: «أنه صلّى الله عليه وسلم صلاها ليالي، فصلوها معها، ثم تأخر وصلاها في بيته باقي الشهر، وقال: خشيت أن تفرض عليكم (1) ، فتعجزوا عنها» وروى ابنا خزيمة وحبان عن جابر قال: «صلى بنا رسول الله صلّى الله عليه وسلم في رمضان ثمان ركعات، ثم أوتر، فلما كانت الليلة القابلة، اجتمعنا في المسجد، ورجونا أن يخرج إلينا حتى أصبحنا» الحديث. وكان جابر إنما حضر في الليلة الثالثة والرابعة، ولأن عمر جمع الناس على قيام شهر رمضان: الرجال على أبي بن كعب، والنساء على سليمان ابن أبي حَثْمة (2) .\rوكان قد انقطع الناس عن فعلها جماعة في المسجد إلى زمن عمر رضي الله عنه، وإنما صلاها النبي صلّى الله عليه وسلم بعد ذلك فرادى خشية الافتراض، كما مرَّ، وقد زال ذلك المعنى.\rوالتراويح عشرون ركعة بعشر تسليمات في كل ليلة من رمضان بين صلاة العشاء وطلوع الفجر، اتباعاً للسنة (3) ، مع مواظبة الصحابة عليها.\rأخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم : «من قام رمضان إيماناً واحتساباً (4) ، غفر له ما تقدم من ذنبه» .\r-------------------------------\r(1) أي افتراض قيام الليل بمعنى جعل التهجد في المسجد جماعة شرطاً في صحة التنفل بالليل. بدليل حديث زيد بن ثابت: «خشيت أن تكتب عليكم، ولو كتب عليكم ما قمتم به، فصلوا أيها الناس في بيوتكم» فمنعهم من التجميع في المسجد إشفاقاً عليهم من اشتراطه.\r(2) رواه البيهقي.\r(3) رواه الشيخان عن عائشة، كما سبق.\r(4) إيماناً: تصديقاً بأنه حق، واحتساباً: إخلاصاً لله تعالى.","part":2,"page":239},{"id":931,"text":"وينوي الشخص بكل ركعتين: التراويح أو قيام رمضان، ولو صلى أربع ركعات منها بتسليمة واحدة لم تصح، ووقتها بين صلاة العشاء وطلوع الفجر.\rوتندب الجماعة في الوتر عقب التراويح جماعة، إلا إن وثق باستيقاظه آخر الليل،فالتأخير أفضل، لخبر مسلم: «من خاف ألا يقوم من آخر الليل، فليوتر أوله، ومن طمع أن يقوم آخره، فليوتر آخر الليل، فإن صلاة آخر الليل مشهودة» أي تشهدها ملائكة الليل والنهار.\rوهذا النوع أفضل مما لا تسن له الجماعة؛ لأنها تشبه الفرائض في سنة الجماعة، وأوكد ذلك صلاة العيد؛ لأنها راتبة بوقت كالفرائض، ثم صلاة الكسوف، لأن القرآن دل عليها، ثم صلاة الاستسقاء. لكن الأصح تفضيل الراتبة على التراويح، لمواظبته صلّى الله عليه وسلم على الراتبة لا التراويح.\r2 - ما لا تسن له الجماعة: وهو نوعان:\rأ ـ الرواتب مع الفرائض: أي السنن التابعة للفرائض، ويعبر عنها بالسنة الراتبة وهي سبع عشرة ركعة:\rركعتا الفجر، وأربع قبل الظهر، وركعتان بعدها، وأربع قبل العصر، وركعتان بعد المغرب، وثلاث بعد العشاء يوتر بواحدة منهن. والواحدة هي أقل الوتر، وأكثره إحدى عشرة ركعة. ووقته بين صلاة العشاء وطلوع الفجر، فلو أوتر قبل العشاء عمداً أو سهواً لم يعتد به.\rويسن قبل الجمعة أربع كما قبل الظهر، وبعدها أربع وهو الأكمل (1) .\rب - غير الراتبة أي المستقلة عن الفرائض: وهي الصلوات التي يتطوع بها الإنسان في الليل والنهار.\r-------------------------------\r(1) المجموع:503/3.","part":2,"page":240},{"id":932,"text":"وأفضلها التهجد أو قيام الليل، لقوله صلّى الله عليه وسلم : «أفضل الصلوات بعد المفروضة: صلاة الليل» (1) ، ولأنها تفعل في وقت غفلة الناس وتركهم للطاعات، فكان التهجد أفضل.\rوالنفل المطلق في الليل أفضل من النفل المطلق في النهار، والنفل وسط الليل أفضل، ثم آخره أفضل، إذا قسم المسلم الليل أثلاثاً. فإن قسمه أنصافاً فالنفل في آخره أفضل منه في أوله. والأفضل من ذلك كله: أن يقسمه أسداساً، فينام ثلاثة أسداس، ويقوم السدس الرابع والخامس، وينام السادس ليقوم للصبح بنشاط.\rويكره أن يقوم الليل كله، لما روي عن عبد الله بن عمر رضي الله عنه أن النبي صلّى الله عليه وسلم قال: «أتصوم النهار؟ فقلت: نعم، وتقوم الليل؟ قلت: نعم، قال: لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأنام، وأمس النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني» (2) .\rوأفضل تطوع النهار: ما كان في البيت، لما روى زيد بن ثابت رضي الله عنه: أن النبي صلّى الله عليه وسلم قال: «أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة» (3) .\rوالسنة أن يسلم في تهجده من كل ركعتين؛ لما روى ابن عمر رضي الله عنه أن النبي صلّى الله عليه وسلم قال: «صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا رأيت أن الصبح يدركك فأوتر بواحدة» (4) .\rوإن جمع ركعات بتسليمة واحدة، جاز، لما روت عائشة رضي الله عنها « أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم كان يصلي من الليل ثلاث عشرة ركعة، ويوتر من ذلك بخمس، يجلس في الركعة الأخيرة ويسلم، وإنه أوتر بسبع\r-------------------------------\r(1) رواه مسلم عن أبي هريرة.\r(2) رواه البخاري ومسلم.\r(3) رواه البخاري ومسلم (راجع المجموع:534/3،539).\r(4) رواه البخاري ومسلم (المجموع:540/3) ورواه أيضاً أصحاب السنن الأربعة، وأخرجه أبو نعيم من حديث عائشة، ورواه إبراهيم الحربي في غريب الحديث عن أبي هريرة (نصب الراية:143/2-145).","part":2,"page":241},{"id":933,"text":"وخمس لا يفصل بينهن بسلام ولا كلام» (1) .\rوإن تطوع بركعة واحدة، جاز، لما روي أن عمر رضي الله عنه مر بالمسجد، فصلى ركعة، فتبعه رجل، فقال: يا أمير المؤمنين، إنما صليت ركعة، إنما هي تطوع، فمن شاء زاد، ومن شاء نقص (2) .\rويستحب أن ينوي الشخص القيام عند النوم، وأن يمسح المستيقظ النوم عن وجهه، وأن ينظر إلى السماء، وأن يقرأ: {إن في خلق السموات والأرض} [آل عمران:190/3] ، وأن يفتتح تهجده بركعتين خفيفتين. والسنة أن يتوسط في نوافل الليل بين الجهر والإسرار، وإطالة القيام فيها أفضل من تكثير عدد الركعات، وأن ينام من نعس في صلاته، ويتأكد بإكثار الدعاء والاستغفار في جميع ساعات الليل، وفي النصف الأخير آكد، وعند السحر أفضل.\rومن غير الراتبة: صلاة الضحى، وأقلها ركعتان، وأكثرها اثنتا عشرة، لخبر مسلم: «يصبح على كل سلامى من أحدكم صدقة، ويجزئ عن ذلك ركعتان يصليهما من الضحى» ، وأدنى الكمال أربع، وأكمل منه ست، وأفضلها ثماني ركعات، لما روت أم هانئ بنت أبي طالب رضي الله عنها: أن النبي صلّى الله عليه وسلم صلاها ثماني ركعات (3) .\r-------------------------------\r(1) حديث صحيح، بعضه في الصحيحين، وبعضه في مسلم بمعناه ( المجموع:540/3 ومابعدها).\r(2) أثر عمر رواه الشافعي ثم البيهقي بإسنادين ضعيفين (المجموع:541/3).\r(3) رواه أبو داود بإسناد صحيح على شرط البخاري (المجموع:531/3).","part":2,"page":242},{"id":934,"text":"وكون أكثرها ثنتا عشرة ركعة لخبر أبي داود: «إن صليت الضحى ركعتين لم تكتب من الغافلين أو أربعاً كتبت من المحسنين، أو ستاً كتبت من القانتين، أو ثمانياً كتبت من الفائزين، أو عشراً لم يكتب عليك ذلك اليوم ذنب، أو ثنتي عشرة بنى الله لك بيتاً في الجنة» (1) .\rووقتها: من ارتفاع الشمس إلى زوالها.\rومن غير الراتبة: تحية المسجد ركعتين، والأصح أنها تتكرر بتكرر الدخول في المسجد مراراً، لما روى أبو قتادة رضي الله عنه أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم قال: «إذا دخل أحدكم المسجد، فلا يجلس حتى يصلي ركعتين» (2) . فإن دخل وقد أقيمت الجماعة، لم يصل التحية، لقوله صلّى الله عليه وسلم «إذا أقيمت الصلاة، فلا صلاة إلا المكتوبة» (3) ، ولأنه يحصل بها التحية. وتحصل التحية بفرض أو نفل آخر، وإن لم تنو؛ لأن القصد بها ألا ينتهك المسجد بلا صلاة. وعلى هذا فإنها تكره إذا وجد المكتوبة تقام، أو دخل المسجد الحرام ففعلها قبل الطواف، أو خاف فوت الصلاة. ولا تسن التحية للخطيب إذا خرج من مكانه للخطبة، ولا لمن لو فعلها فاته أول الجمعة مع الإمام.\rومنها: صلاة التوبة: لخبر أبي داود وغيره وحسنه الترمذي: «ليس عبد يذنب ذنباً، فيقوم فيتوضأ، ويصلي ركعتين ثم يستغفر الله ، إلا غفر له» .\rومنها: صلاة التسبيح أربع ركعات، يقول في كل ركعة بعد القراءة: «سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله ، والله أكبر» خمس عشرة مرة، ويقول في كل من الركوع والرفع منه والسجدتين والجلوس بينهما وجلسة الاستراحة، وما قبل التشهد عشراً، فذلك خمس وسبعون في كل ركعة (4) .\rومنها: صلاة الاستخارة ركعتان، لخبر البخاري السابق عن جابر: «كان النبي صلّى الله عليه وسلم يعلمنا الاستخارة في الأمور كلها...» الحديث في النوافل عند الحنفية. ويقرأ بعد الفاتحة في الركعة الأولى: {قل يا أيها الكافرون} [الكافرون:109/1]، وفي الثانية: {قل هو الله أحد} [الإخلاص:1/112].\r-------------------------------\r(1) ورواه البيهقي، وقال: في إسناده نظر، وضعفه النووي في المجموع، المكان السابق. والمعتمد عند جماعة: أن أكثر الضحى ثمان.\r(2) رواه البخاري ومسلم (المجموع:543/3).\r(3) رواه مسلم عن أبي هريرة (المجموع:544/3).\r(4) رواه أبو داود وابن خزيمة في صحيحه، لكن قال النووي: وفي سنية صلاة التسبيح نظر؛ لأن فيها تغيير الصلاة، وحديثها ضعيف. لكن رد بعضهم هذا بأن حديثها حسن أو صحيح، ولو سلم ضعفه فهو في فضائل الأعمال.","part":2,"page":243},{"id":935,"text":"ومنها: ركعتا الزوال عقبه، يقرأ فيهما بعد الفاتحة ( الكافرون والإخلاص) فقد روي عن النبي صلّى الله عليه وسلم أنه فعل ذلك، وأمر بفعله. وهو حديث غريب أي من حيث روايته؛ لأنه انفرد به راو واحد.\rومنها: ركعتان عند الرجوع من سفره في المسجد قبل دخوله بيته. اتباعاً للسنة، رواه الشيخان.\rومنها: ركعتا الوضوء ولو مجدَّداً، لخبر الصحيحين «من توضأ فأسبغ الوضوء، وصلى ركعتين، لم يحدث فيهما نفسه، غفر له ما تقدم من ذنبه» .\rومنها: صلاة الأوابين وتسمى صلاة الغفلة لغفلة الناس عنها بسبب عشاء أو نوم أو نحو ذلك، وهي عشرون ركعة بين المغرب والعشاء، وأقلها ركعتان لحديث الترمذي أنه صلّى الله عليه وسلم قال: «من صلى ست ركعات بين المغرب والعشاء، كتب الله له عبادة اثنتي عشرة ركعة» .\rالمؤكد وغير المؤكد من النوافل عند الشافعية:\rأولاً ـ السنن المؤكدة:\rأ ـ عشر ركعات من الراتب التابع للفرض: وهي ركعتا الفجر، وركعتا قبل الظهر أو الجمعة، وركعتان بعدها، وركعتان بعد المغرب، وركعتان بعد العشاء (1) .\rويقرأ في ركعتي المغرب والفجر سورتي الإخلاص: في الأولى: قل ياأيها الكافرون، وفي الثانية: قل هو الله أحد (2) .وروي أيضاً أنه صلّى الله عليه وسلم قرأ في الأولى من ركعتي الفجر: {قولو آمنا بالله وما أنزل إلينا} ـ الآية التي في البقرة:136،وفي الثانية: {قل يا أهل الكتاب تعالوا} ـ الآية ال عمران: 64.\rوالخلاصة: يقرأ في أولى ركعتي الفجر والمغرب والاستخارة وتحية المسجد وركعتي الإحرام والزوال: قل يا أيها الكافرون، وفي الثانية: الإخلاص.\rويسن أن يفصل بين سنة الصبح وفرضه باضطجاع أو كلام أو نحوه، لحديث عائشة قالت: «كان رسول الله صلّى الله عليه وسلم إذا سكت المؤذن من صلاة الفجر، وتبين له الفجر، قام فركع ركعتين خفيفتين، ثم اضطجع على شقه الأيمن، حتى يأتيه المؤذن للإقامة، فيخرج» (3) وهذا موافق لمذهب الحنابلة أيضاً، وخالف المالكية والحنفية في ذلك كما بينا.\r-------------------------------\r(1) اتباعاً للسنة، رواها الشيخان ما عدا المغرب عند مسلم.\r(2) رواه مسلم.\r(3) متفق عليه.","part":2,"page":244},{"id":936,"text":"ب ـ الوتر: إذا أراد أن يصليه ثلاثاً فالأفضل أن يصليها مفصولة بسلامين لكثرة الأحاديث الصحيحة فيه، ولكثرة العبادات، فإنه تتجدد فيه النية، ودعاء التوجه والدعاء في آخر الصلاة، والسلام وغير ذلك.\rجـ ـ ثلاث نوافل غير راتبة أي تابعة للفرائض: صلاة الليل (التهجد) وصلاة الضحى، وصلاة التراويح.\rترتيب أفضليتها: وآكد السنن الراتبة مع الفرائض: سنة الفجر والوتر؛ لأنه ورد فيهما ما لم يرد في غيرهما، والمذهب الجديد وهو الصحيح أن الوتر أفضل من الفجر، لقوله صلّى الله عليه وسلم : «إن الله أمدكم بصلاة هي خير لكم من حمر النعم، وهي الوتر» وقوله عليه السلام «من لم يوتر فليس منا» (1) .\rوالأصح تفضيل الراتبة على التراويح، ثم أفضل الصلوات بعد الرواتب والتراويح: الضحى، ثم ما يتعلق بفعل كركعتي الطواف، وركعتي الإحرام، وتحية المسجد، ثم سنة الوضوء. (2)\rوقت الرواتب: ما يفعل قبل الفرائض من سنن الرواتب يدخل وقتها بدخول وقت الفرض، ويبقى وقتها إلى أن يذهب وقت الفرض. وما كان بعد الفرض يدخل وقتها بالفراغ من الفرض، ويبقى وقتها إلى أن يذهب وقت الفرض، ويعد فعل القبلية بعد الفرض أداء، والاختيار ألا تؤخر عن وقتها إلا لمن حضر والصلاة تقام أو نحوه، وفعل البعدية قبله لا تنعقد. ويسن فعل السنن الراتبة في السفر، سواء أقصر أم أتم، لكنها في الحضر آكد (3) .\r-------------------------------\r(1) الحديث الأول رواه ثمانية من الصحابة، والثاني رواه أبو داود والحاكم وصححه عن عبد الله بن بريدة عن أبيه (نصب الراية:108/2-113).\r(2) المجموع:521/3 وما بعدها.\r(3) المجموع:505/3، المهذب:83/1، مغني المحتاج:224/1.","part":2,"page":245},{"id":937,"text":"قضاء النوافل: لو فات النفل المؤقت، ندب قضاؤه في الأظهر (1) ، لحديث الصحيحين: «من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها» ولأنه صلّى الله عليه وسلم «قضى ركعتي الفجر لما نام في الوادي عن صلاة الصبح إلى أن طلعت الشمس» (2) «وقضى ركعتي سنة الظهر المتأخرة بعد العصر» (3) ، ولأنها صلاة مؤقتة، فقضيت كالفرائض، سواء في السفر والحضر.\rثانياً ـ السنن غير المؤكدة:\rأ ـ اثنتا عشرة ركعة: ركعتان قبل الظهر، سوى المؤكدتين، وركعتان بعدها كذلك، والجمعة كالظهر، وأربع قبل العصر، وركعتان قبل المغرب، ويسن تخفيفهما وفعلهما بعد إجابة المؤذن لحديث «بين كل أذانين صلاة» والمراد الأذان والإقامة كما قدمنا، وركعتان قبل العشاء.\rب ـ كل النوافل الأخرى غير المؤكدة مما ذكر سابقاً في السنن غير الراتبة.\rجـ ـ النفل المطلق: وهو ما لا يتقيد بوقت ولا سبب، أي لا حصر لعدده ولا لعدد ركعاته، قال صلّى الله عليه وسلم لأبي ذر: «الصلاة خير موضوع، استكثر أو أقلّ» (4) .\rفإن أحرم بأكثر من ركعة فله التشهد في كل ركعتين، والصحيح منعه في كل ركعة. وإذا نوى عدداً، فله أن يزيد وينقص بشرط تغيير النية قبلهما، وإلا فتبطل، فلو نوى ركعتين، ثم قام إلى ثالثة سهواً، فالأصح أنه يقعد، ثم يقوم للزيادة إن شاء الزيادة، ثم يسجد للسهو في آخر صلاته لزيادة القيام.\rوقد بينا سابقاً أن نفل الليل أفضل، وأوسطه أفضل، ثم آخره.\r-------------------------------\r(1) مغني المحتاج:224/1.\r(2) رواه أبو داود بإسناد صحيح، وفي مسلم نحوه.\r(3) رواه الشيخان.\r(4) رواه ابن ماجه.","part":2,"page":246},{"id":938,"text":"ويسلم في النفل من كل ركعتين، ويكره قيام كل الليل دائماً، وتخصيص ليلة الجمعة بقيام (1) ، وترك تهجد اعتاده بلا عذر، لقوله صلّى الله عليه وسلم لعبد الله بن عمرو: «ياعبد الله ، لا تكن مثل فلان، كان يقوم الليل ثم تركه» (2) .\rالنوافل عند الحنابلة:\rيتشابه المذهب الحنبلي مع الشافعي في النوافل إلى حد كبير، فقالوا (3) :\rالتطوعات قسمان:\rأحدهما: ما تسن له الجماعة، وهو صلاة الكسوف والاستسقاء والتراويح.\rوالثاني: ما يفعل على الانفراد، وهي قسمان: سنة معينة، ونافلة مطلقة.\rفأما السّنّة المعيّنة فتتنوّع أنواعاً:\rالنوع الأول ـ السنن الرواتب مع الفرائض أي المؤكدة: وهي ركعة الوتر: يتأكد فعلها، ويكره تركها، ولا تقبل شهادة من داوم عليه ثم تركه، لسقوط عدالته، قال أحمد: من ترك الوتر عمداً فهو رجل سوء، لا ينبغي أن تقبل شهادته.\rوعشر ركعات: ركعتان قبل الظهر، وركعتان بعدها، وركعتان بعد المغرب، وركعتان بعد العشاء، وركعتان قبل الفجر. ويخير في السفر بين فعلها وبين تركها؛ لأن السفر مظنة المشقة، ولذلك جاز في القصر، إلا سنة الفجر وسنة الوتر، فيفعلان فيه، لتأكدهما.\rوفعل الرواتب في البيت أفضل، بل السنن كلها سوى ما تشرع له الجماعة، لحديث ابن عمر: «حفظت عن رسول الله صلّى الله عليه وسلم عشر ركعات: ركعتين قبل الظهر، وركعتين بعدها، وركعتين بعد المغرب في بيته، وركعتين بعد العشاء في بيته، وركعتين قبل الصبح، كانت ساعة لا يُدخل فيها على النبي صلّى الله عليه وسلم حدثتني حفصة:\r-------------------------------\r(1) لخبر مسلم «لا تخصوا ليلة الجمعة بقيام من بين الليالي» أما إحياؤها بغير صلاة فلا يكره.\r(2) رواه الشيخان.\r(3) المغني:120/2 -163، كشاف القناع:495/1 -521.","part":2,"page":247},{"id":939,"text":"أنه كان إذا أذن المؤذن، وطلع الفجر، صلى ركعتين» (1) ولمسلم «بعد الجمعة سجدتين» ولم يذكر ركعتين قبل الصبح» .\rويسن تخفيف ركعتي الفجر، لحديث عائشة: «كان النبي صلّى الله عليه وسلم يخفف الركعتين اللتين قبل صلاة الصبح، حتى إني لأقول: هل قرأ بأم الكتاب؟» (2) .\rويسن الاضطجاع بعدهما على جنبه اليمين قبل الفرض، لقول عائشة: «كان النبي صلّى الله عليه وسلم إذا صلى ركعتي الفجر، اضطجع» وفي رواية: «فإن كنت مستيقظة حدثني، وإلا اضطجع» (3) قالوا: واتباع النبي صلّى الله عليه وسلم في قوله وفعله أولى من اتباع من خالفه كائناً من كان.\rويسن أن يقرأ في ركعتي الفجر والمغرب ( الكافرون ) و (الإخلاص) لما روى أبو هريرة وغيره في الفجر، وابن مسعود في المغرب (4) ، أو يقرأ في ركعتي الفجر: في الأولى {قولوا آمنا بالله ...} من البقرة:136،وفي الثانية: {قل: يا أهل الكتاب تعالوا...} من آل عمران: 64، للخبر المتقدم.\rويجوز فعل ركعتي الفجر والوتر وغيرها راكباً، لحديث مسلم عن ابن عمر في الفجر، وللبخاري «إلا الفرائض» .\rوآكد هذه الركعات: ركعتا الفجر، لحديث عائشة السابق: «أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم لم يكن على شيء أشد معاهدة منه على ركعتي الفجر» (5) .\rووقت السنن الرواتب القبلية: وقت الفرض قبله، والبعدية بعده، ولا يقضى منها شيء إلا ركعتا الفجر، اختار أحمد أن يقضيهما من الضحى، أي كما قال الحنفية والمالكية، وقال: إن صلاهما بعد الفجر أجزأ. ويجوز قضاء السنن الراتبة بعد العصر، في حديث أم سلمة، وقضى الركعتين اللتين قبل العصر بعدها في حديث عائشة، والاقتداء بما فعله النبي صلّى الله عليه وسلم متعين؛ ولأن النهي بعد العصر خفيف.\r-------------------------------\r(1) متفق عليه، وكذا أخبرت عائشة وصححه الترمذي.\r(2) متفق عليه.\r(3) متفق عليه، وروى الترمذي مثله عن أبي هريرة، وقال: هذا حديث حسن.\r(4) حديث أبي هريرة رواه مسلم، وروى مسلم أيضاً مثله عن ابن عباس، وروى الترمذي مثله عن ابن عمر، وحديث ابن مسعود أخرجه الترمذي وابن ماجه.\r(5) متفق عليه، وروى مسلم: «ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها» وروى أبو داود عن أبي هريرة: «صلوهما ولو طردتكم الخيل» .","part":2,"page":248},{"id":940,"text":"وقال في كشاف القناع: تقضى جميع السنن، إذ يقاس الباقي على سنة الفجر والعصر، قال ابن حامد: تقضى جميع السنن الرواتب في جميع الأوقات إلا أوقات النهي؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلم قضى بعضها، وقسنا الباقي عليه، أي كما قال الشافعية.\rالنوع الثاني ـ السنن غير الرواتب، وهي تطوعات مع الرواتب أي غير مؤكدة: وهي عشرون: أربع قبل الظهر وأربع بعدها، وأربع قبل صلاة العصر،\rوأربع بعد صلاة المغرب، وأربع بعد صلاة العشاء. ويباح أن يصلي ركعتين قبل المغرب.\rوأدلة ذلك: في الظهر: حديث أم حبيبة «من حافظ على أربع ركعات قبل الظهر وأربع بعدها، حرمه الله على النار» (1) . وفي العصر: «رحم الله امرءاً صلى قبل العصر أربعاً» (2) ، وعن علي في صفة صلاة رسول الله صلّى الله عليه وسلم : «وأربعاً قبل الظهر إذا زالت الشمس، وركعتين بعدها، وأربعاً بعدها، وأربعاً قبل العصر بين كل ركعتين بالسلام على الملائكة المقربين والنبيين ومن تبعهم من المسلمين» (3) .\rوفي المغرب: « من صلى بعد المغرب ست ركعات لم يتكلم بينهن بسوء عدلن له بعبادة اثنتي عشرة سنة» (4) .\rوفي العشاء: سأل شريح بن هانئ عائشة عن صلاة رسول الله صلّى الله عليه وسلم ؟ فقالت: ما صلى رسول الله صلّى الله عليه وسلم العشاء قط،إلا صلى أربع ركعات، أو ست ركعات (5) .\rوأما سنة قبل المغرب: فلحديث أنس: «كنا نصلي على عهد رسول الله صلّى الله عليه وسلم ركعتين بعد غروب الشمس قبل صلاة المغرب، فسئل أنس: أكان رسول الله صلّى الله عليه وسلم صلاهما؟ قال: كان يرانا نصليهما، فلم يأمرنا ولم ينهنا» (6) .\r-------------------------------\r(1) رواه أبو داود والترمذي، وقال: حديث حسن صحيح غريب، وروى أبو أيوب عن النبيص قال: «أربع قبل الظهر ليس فيهن تسليم، تفتح لهن أبواب السماء» .\r(2) رواه أبو داود، وروي مثله عن عائشة.\r(3) رواه ابن ماجه.\r(4) رواه الترمذي، وقال: لا نعرفه إلا من حديث عمر بن أبي خثعم، وضعفه البخاري جداً.\r(5) رواه أبو داود.\r(6) متفق عليه، وفي حديث آخر متفق عليه «صلوا قبل المغرب ركعتين» وأخرج مسلم عن أنس: «أن الناس بالمدينة إذا أذن المؤذن لصلاة المغرب، ابتدروا السواري، فركعوا ركعتين» وروى مسلم أيضاً عن عبد الله بن المغفل: «بين كل أذانين صلاة ـ قالها ثلاثاً ـ لمن شاء» وقال عقبة: «كنا نفعله على عهد رسول الله صلّى الله عليه وسلم » .","part":2,"page":249},{"id":941,"text":"وقال في كشاف القناع (1) : ولا سنة راتبة للجمعة قبلها، وأقل السنة الراتبة بعدها: ركعتان، لما في رواية متفق عليها عن ابن عمر: «وركعتين بعد الجمعة في بيته» ، وأكثرها ست. وفعل سنة الجمعة في المسجد مكانه أفضل.\rأما صلاة ركعتين بعد الوتر: فظاهر كلام أحمد: أنه لا يستحب فعلهما، وإن فعلهما إنسان جاز. والصحيح أنهما ليستا بسنة؛ لأن أكثر من وصف تهجد النبي صلّى الله عليه وسلم لم يذكرهما، منهم ابن عباس وزيد بن خالد وعائشة.\rويسن أن يفصل بين كل فرض وسنة بقيام أو كلام، لقول معاوية: «إن النبي صلّى الله عليه وسلم أمرنا بذلك ألا نوصل صلاة، حتى نتكلم أو نحرج» (2) .\rالنوع الثالث ـ صلوات معينة مستقلة:\r1 ً - صلاة التراويح أو قيام شهر رمضان:\rعشرون ركعة، وهي سنة مؤكدة، وأول من سنها رسول الله صلّى الله عليه وسلم ، قال أبو هريرة: «كان رسول الله صلّى الله عليه وسلم يرغِّب في قيام رمضان من غير أن يأمرهم فيه بعزيمة، فيقول: « من قام رمضان إيماناً واحتساباً، غفر له ما تقدم من ذنبه» (3) ،وقالت عائشة: «صلى النبي صلّى الله عليه وسلم في المسجد ذات ليلة، فصلى بصلاته ناس، ثم صلى من القابلة، وكثر الناس، ثم اجتمعوا من الليلة الثالثة أو الرابعة، فلم يخرج إليهم رسول الله صلّى الله عليه وسلم ، فلما أصبح قال:قد رأيت الذي صنعتم، فلم يمنعني من الخروج إليكم إلا أني خشيت أن تفترض عليكم ـ قال: وذلك في رمضان» (4) .\r-------------------------------\r(1) 496/1.\r(2) رواه مسلم.\r(3) رواه أصحاب الكتب الستة، وهو صحيح.\r(4) رواه مسلم.","part":2,"page":250},{"id":942,"text":"ودليل كونها عشرين: ما روى مالك عن يزيد بن رومان قال: «كان الناس يقومون في زمن عمر في رمضان بثلاث وعشرين ركعة» والسر فيه: أن الراتبة عشر، فضوعفت في رمضان؛ لأنه وقت جدّ، وهذا مظنة الشهرة بحضرة الصحابة، فكان إجماعاً. وروى أبو بكر عبد العزيز في كتابه الشافي عن ابن عباس: «أن النبي صلّى الله عليه وسلم كان يصلي في شهر رمضان عشرين ركعة» ، وأن عمر لما جمع الناس على أبي بن كعب كان يصلي لهم عشرين ركعة. وعن علي «أنه أمر رجلاً يصلي بهم في رمضان عشرين ركعة» وهذا كالإجماع.\rوثبت أن أبي بن كعب كان يقوم بالناس عشرين ركعة في قيام رمضان، ويوتر بثلاث.\rويجهر فيها الإمام بالقراءة لفعل الخلف عن السلف. وفعلها جماعة أفضل من فعلها فرادى، لحديث أبي ذر: «أن النبي صلّى الله عليه وسلم جمع أهله وأصحابه، وقال: إنه من قام مع الإمام حتى ينصرف، كتب له قيام ليلة» (1) ، وقد جاء عن عمر أنه كان يصلي في الجماعة. وروى البيهقي عن علي: أنه كان يجعل للرجال إماماً وللنساء إماماً. وكان علي وجابر وعبد الله يصلونها جماعة. وقد أجمع الصحابة على ذلك.\rهذا ... وللعلماء في عدد التراويح ثلاثة أقوال: قول كثير من العلماء إنها عشرون وهو السنة، لعمل المهاجرين والأنصار، وقوله آخرين: إنها ست وثلاثون غير الشفع والوتر وهو ماكان في زمن عمر بن عبد العزيز، وعمل أهل المدينة القديم (2) ، وقالت طائفة: قد ثبت في الصحيح عن عائشة: «أن النبي صلّى الله عليه وسلم لم يكن يزيد في رمضان ولا غيره على ثلاث عشرة ركعة» قال ابن تيمية: والصواب أن ذلك جميعه حسن، كما نص على ذلك الإمام أحمد رحمه الله ، وأنه\r-------------------------------\r(1) رواه أحمد وصححه الترمذي.\r(2) الشرح الكبير للدردير315/1.","part":2,"page":251},{"id":943,"text":"لا يتوقت في قيام رمضان عدد، فإن النبي صلّى الله عليه وسلم لم يوقت فيها عدداً، وحينئذ فيكون تكثير الركعات وتقليلها، بحسب طول القيام وقصره (1) ، وقال الشوكاني: دلت الأحاديث على مشروعية القيام في رمضان والصلاة فيه جماعة وفرادى، فقصر الصلاة المسماة بالتراويح على عدد معين، وتخصيصها بقراءة مخصوصة لم يرد به سنة (2) .\rالقراءة في التراويح:\rقال أحمد رحمه الله : يقرأ الإمام بالقوم في شهر رمضان ما يخف على الناس، ولا يشق عليهم، ولا سيما في الليالي القصار، والأمر على ما يحتمله الناس. وقال القاضي أبو يعلى: لا يستحب النقصان عن ختمة في الشهر، ليسمع الناس جميع القرآن، ولا يزيد على ختمة كراهية المشقة على من خلفه.\rوعقب صاحب المغني على ذلك: والتقدير بحال الناس أولى، فإنه لو اتفق جماعة يرضون بالتطويل ويختارونه كان أفضل، كما روى أبو ذر قال: «قمنا مع النبي صلّى الله عليه وسلم حتى خشينا أن يفوتنا الفلاح ـ يعني السحور» .\rويستحب أن يبتدئ التراويح بسورة العلق {اقرأ باسم ربك} [العلق:1/96]؛ لأنها أول ما نزل من القرآن،فإذا سجد للتلاوة في آخرها قام فقرأ من البقرة.\rنية التراويح:\rوينوي في كل ركعتين، فيقول سراً ندباً، أصلي ركعتين من التراويح المسنونة، أو من قيام رمضان، لحديث «إنما الأعمال بالنيات» ، ويستريح بعد كل أربع بجلسة يسيرة.\r-------------------------------\r(1) فتاوى ابن تيمية112/23 -113.\r(2) نيل الأوطار53/3.","part":2,"page":252},{"id":944,"text":"ولا بأس بترك الجلسة بعد كل أربع، ولا يدعو إذا استراح، لعدم وروده، ولا يكره الدعاء بعد التراويح لعموم قوله تعالى: {فإذا فرغت فانصب} [الانشراح:7/94].\rوقت التراويح:\rووقتها بعد صلاة العشاء وبعد سنتها قبل الوتر إلى طلوع الفجر الثاني، فلا تصح قبل صلاة العشاء، فمن صلى العشاء ثم التراويح، ثم ذكر أنه صلى العشاء محدثاً، أعاد التراويح؛ لأنها سنة تفعل بعد مكتوبة، فلم تصح قبلها، كسنة العشاء. وإن طلع الفجر، فات وقتها، ولا تقضى. وإن صلى التراويح بعد العشاء، وقبل سنتها، صح جزماً، ولكن الأفضل فعلها بعد السنة، على المنصوص.\rفعلها في المسجد:\rوفعلها في المسجد أفضل؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلم «صلاها مرة ثلاث ليال متوالية» كما روته عائشة، ومرة «ثلاث ليال متفرقة» كما رواه أبو ذر، وقال عليه السلام: «من قام مع الإمام حتى ينصرف حسب له قيام ليلة» (1) ، وكان أصحابه يفعلونها في المسجد أوزاعاً في جماعات متفرقة في عهده، وجمع عمر الناس على أبي، وتابعه الصحابة على ذلك ومن بعدهم.\rوفعلها أول الليل أفضل؛ لأن الناس كانوا يقومون على عهد عمر أوله.\rالوتر بعد التراويح:\rويوتر بعدها في الجماعة بثلاث ركعات، لما تقدم عن مالك عن يزيد بن رومان.\r-------------------------------\r(1) حديث عائشة رواه مسلم وغيره ، وحديث ابي ذر رواه ابو داود والاثرم وابن ماجة ، والحديث الاخير في رواية ابي ذر .","part":2,"page":253},{"id":945,"text":"فإن كان له تهجد جعل الوتر بعده استحباباً لقوله صلّى الله عليه وسلم : «اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وتراً» (1) . وإن لم يكن له تهجد صلى الوتر مع الإمام لينال فضيلة الجماعة. فإن أحب من له تهجد متابعة الإمام في وتره، قام إذا سلم الإمام، فشفعها أي ركعة الوتر بأخرى، ثم إذا تهجد أوتر، فينال فضيلة متابعة الإمام حتى ينصرف، وفضيلة جعل وتره آخر صلاته.\rومن أوترفي جماعة أو منفرداً، ثم أراد الصلاة تطوعاً بعد الوتر، لم ينقض وتره أي لم يشفعه بركعة، كما قال الشافعية، لقول عائشة ـ وقد سئلت عن الذي ينقض وتره ـ «ذاك الذي يلعب بوتره» (2) ، وصلى شفعاً ما شاء إلى طلوع الفجر الثاني؛ لأنه قد صح عن النبي صلّى الله عليه وسلم «أنه كان يصلي بعد الوتر ركعتين» ، ولم يوتر اكتفاء بالوتر الذي قبل تهجده، لقوله صلّى الله عليه وسلم : «لا وتران في ليلة» (3) .\rالتطوع بين التراويح وبعدها:\rويكره التطوع بين التراويح، ولا يكره طواف بينها، ولا طواف بعدها، وكان أهل مكة يطوفون بين كل ترويحتين أسبوعاً، ويصلون ركعتي الطواف. ولا يكره تعقيب التطوع بعد التراويح وبعد الوتر في جماعة، سواء طال الفصل أو قصر.\r2 ً - صلاة الضحى:\rوهي مستحبة أي غير مؤكدة، لما روى أبو هريرة قال: «أوصاني خليلي بثلاث: صيام ثلاثة أيام من كل شهر، وركعتي الضحى، وأن أوتر قبل أن أرقد» (4) .\r-------------------------------\r(1) متفق عليه.\r(2) رواه سعيد وغيره.\r(3) رواه أحمد وأبو داود عن قيس بن طلق عن أبيه، وقيس فيه لين.\r(4) متفق عليه، ورويا مثله حديثين آخرين عن أبي الدرداء، وأبي ذر.","part":2,"page":254},{"id":946,"text":"وأكثرها ثمان ركعات، لما روت أم هانئ: «أن النبي صلّى الله عليه وسلم دخل بيتها، يوم فتح مكة، وصلى ثماني ركعات، فلم أر صلاة قط أخف منها، غير أنه يتم الركوع والسجود» (1).\rووقتها: إذا علت الشمس واشتد حرها، لقول النبي صلّى الله عليه وسلم : «صلاة الأوابين حتى ترمَض الفصال» (2) .\rوقال بعض الحنابلة: لا تستحب المداومة عليها؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلم لم يداوم عليها، قالت عائشة: «ما رأيت النبي صلّى الله عليه وسلم يصلي الضحى قط» (3) ، ولأن في المداومة عليها تشبيهاً بالفرائض.\rوقال بعض آخر (أبو الخطاب): تستحب المداومة عليها؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلم أوصى بها أصحابه، وقال: «من حافظ على شفعة الضحى غفرت ذنوبه، وإن كانت مثل زبد البحر» (4) ، ولأن أحب العمل إلى الله ما داوم عليه صاحبه.\r3 ً - صلاة التسبيح:\rليست مستحبة عند الإمام أحمد إذ لم يثبت له الحديث المروي فيها (5) ، وإن فعلها إنسان فلا بأس بها، فإن النوافل والفضائل لا يشترط صحة الحديث فيها.\r4 ً - صلاة الاستخارة:\rسنة لحديث جابر السابق عند البخاري.\r5 ً - صلاة الحاجة:\rسنة لحديث عبد الله بن أبي أوفى السابق عند الترمذي، وقال حديث غريب.\r6 ً - صلاة التوبة:\rسنة لحديث علي السابق عند أبي داود والترمذي، وقال: حديث حسن غريب.\r7 ً - تحية المسجد:\rسنة لحديث أبي قتادة المتقدم، المتفق عليه.\r8 ً - صلاة الزوال:\rمستحبة لحديث علي المتقدم في مذهب الشافعية.\r-------------------------------\r(1) متفق عليه.\r(2) رواه مسلم. أي حتى يجد الفصيل حر الشمس من الرمضاء.\r(3) متفق عليه.\r(4) قال الترمذي: لا نعرفه إلا من حديث النهاس بن قهم.\r(5) وهو الحديث السابق في المذاهب الثلاثة المروية عن ابن عباس عند أبي داود والترمذي.","part":2,"page":255},{"id":947,"text":"النَّفْلُ المُطلَق:\rتشرع النوافل المطلقة في الليل كله، وفي النهار، فيما سوى أوقات النهي، وتطوع الليل أفضل من تطوع النهار، قال أحمد: ليس بعد المكتوبة عندي أفضل من قيام الليل. وقد أمر النبي صلّى الله عليه وسلم بذلك، قال تعالى: {ومن الليل فتهجد به نافلة لك} [الإسراء:79/17]، وروى أبو هريرة قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم : «أفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل» (1) .\rوأفضل التهجد جوف الليل الآخر، لما روى عمدو بن عبسة قال: «قلت: يا رسول الله ، أي الليل أسمع؟ قال: جوف الليل الآخر، فصل ما شئت» (2) .\rوالتطوع في البيت أفضل، لحديث «عليكم بالصلاة في بيوتكم، فإن خير صلاة المرء في بيته إلا الصلاة المكتوبة» (3) .\rويستحب أن يتسوك قبل التهجد، لما روى حذيفة قال: «كان النبي صلّى الله عليه وسلم إذا قام من الليل يشوص فاه بالسواك» (4) .\rويستحب أن يفتح تهجده بركعتين خفيفتين، لما روى أبو هريرة رضي الله عنه عن النبي صلّى الله عليه وسلم قال: «إذا قام أحدكم من الليل فليفتتح صلاته بركعتين خفيفتين» (5) .\rعدد التهجد:\rواختلف في عدد ركعات تهجد النبي صلّى الله عليه وسلم ، ففي حديث زيد بن خالد وابن عباس: إنه ثلاث عشرة ركعة، منها الوتر ثلاثاً (6) ، وفي حديث عائشة: إنه إحدى عشرة ركعة، منها الوتر ثلاثاً (7) . قال ابن قدامة الحنبلي: يحتمل أنه صلى في ليلة ثلاث عشرة، وفي ليلة إحدى عشرة.\rقراءة المتهجد:\rيستحب أن يقرأ المتهجد جزءاً من القرآن في تهجده، فإن النبي صلّى الله عليه وسلم كان يفعله. وهو مخير بين الجهر بالقراءة والإسرار بها، إلا أنه إن كان الجهر أنشط له\r-------------------------------\r(1) قال الترمذي: هذا حديث حسن.\r(2) رواه أبو داود، ورويت أحاديث كثيرة في صفة تهجد النبي صلّى الله عليه وسلم ، منها عن ابن عباس: في منتصف الليل، ومنها عن عائشة في السحر، ومنها عن أبي هريرة في ثلث الليل الآخر، وهي كلها متفق عليه.\r(3) رواه مسلم.\r(4) متفق عليه.\r(5) رواه أحمد ومسلم، وهو صحيح.\r(6) أخرجهما مسلم.\r(7) متفق عليه.","part":2,"page":256},{"id":948,"text":"في القراءة، أو كان بحضرته من يستمع قراءته، أو ينتفع بها، فالجهر أفضل. وإن كان قريباً منه من يتهجد أو من يستضر برفع صوته، فالإسرار أولى. وإن لم يكن لا هذا ولا هذا، فليفعل ما شاء (1) .\rقضاء التهجد:\rومن كان له تهجد ففاته، استحب له قضاؤه بين صلاة الفجر والظهر (2) .\rالتنفل بين المغرب والعشاء:\rيستحب التنفل بين المغرب والعشاء، لما روي عن أنس بن مالك في هذه الآية: {تتجافى جنوبهم عن المضاجع} الآية[السجدة:16/32] ، قال: «كانوا يتنفلون ما بين المغرب والعشاء يصلون» (3) .\rالتطوع مثنى مثنى:\rوصلاة التطوع في الليل مثنى مثنى كالشافعية، لقول النبي صلّى الله عليه وسلم : «صلاة الليل مثنى مثنى» (4) . وإن تطوع بأربع في النهار فلا بأس. والأفضل في تطوع النهار: أن يكون مثنى مثنى، كصلاة الليل.\rالتطوع جالساً:\rلا خلاف في إباحة التطوع جالساً، وإنه في القيام أفضل، قال النبي صلّى الله عليه وسلم: « من صلى قائماً فهو أفضل، ومن صلى قاعداً فله نصف أجر القائم» (5) ، وفي لفظ مسلم: «صلاة الرجل قاعداً نصف الصلاة» .\r-------------------------------\r(1) روي في ذلك أحاديث كثيرة، منها ما رواه الترمذي عن عائشة، ومنها ما رواه أبو داود عن أبي هريرة وعن ابن عباس وعن أبي قتادة وأبي سعيد.\r(2) أخرج مسلم حديثين في ذلك عن عائشة وغيرها.\r(3) رواه أبو داود، وروى الترمذي حديثاً غريباً عن عائشة: «من صلى بعد المغرب عشرين ركعة بنى الله له بيتاً في الجنة» .\r(4) رواه الخمسة (أحمد وأصحاب السنن) عن ابن عمر.\r(5) رواه الجماعة (أحمد وأصحاب الكتب الستة) عن عمران بن حصين.","part":2,"page":257},{"id":949,"text":"ويستحب للمتطوع جالساً: أن يكون في حال القيام متربعاً، كما قال المالكية؛ لأن القيام يخالف القعود، فينبغي أن تخالف هيئته في بدله هيئة غيره، كمخالفة القيام غيره، وهو مع هذا أبعد من السهو والاشتباه.\rالدعاء عند اليقظة من النوم:\rيستحب أن يقول الشخص عند انتباهه: « ما رواه عبادة عن النبي صلّى الله عليه وسلم أنه قال: من تعارَّ (1) من الليل، فقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، الحمد لله ، وسبحان الله ،ولا إله إلا الله ، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله ، ثم قال: اللهم اغفر لي، أو دعا، استجيب له، فإن توضأ وصلى، قبلت صلاته» (2) .\rوعن ابن عباس قال: «كان رسول الله صلّى الله عليه وسلم إذا قام من الليل يتهجد، قال: اللهم لك الحمد، أنت نور السموات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد، أنت قيوم السموات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد، أنت ملك السموات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد أنت الحق، ووعدك الحق، وقولك الحق، ولقاؤك حق، والجنة حق، والنار حق، والساعة حق، والنبيون حق، ومحمد صلّى الله عليه وسلم حق، اللهم لك أسلمت، وبك آمنت، وعليك توكلت، وإليك أنبت، وبك خاصمت،وإليك حاكمت، فاغفر لي ما قدمت\r-------------------------------\r(1) أي استيقظ.\r(2) رواه البخاري.","part":2,"page":258},{"id":950,"text":"وما أخرت، وما أسررت وما أعلنت، أنت المقدم وأنت المؤخر، لا إله إلا أنت، ولا حول ولا قوة إلا بك» (1) .\rقراءة القرآن وحفظه (2) :\rالقرآن أفضل الذكر:\rالقرآن أفضل من سائر الذكر لقوله صلّى الله عليه وسلم : «يقول الرب سبحانه وتعالى: من شغله القرآن وذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أُعطي السائلين، وفضلُ كلام الله تعالى على سائر الكلام كفضل الله تعالى على خلقه» (3) . لكن الاشتغال بالمأثور من الذكر في محله كأدبار الصلوات أفضل من الاشتغال بتلاوة القرآن في ذلك المحل. والقرآن أفضل الكتب والصحف السماوية، وبعض القرآن أفضل من بعض، إما باعتبار الثواب، أو باعتبار متعلقه، كما يدل عليه ما ورد في ( قل هو الله أحد والفاتحة وآية الكرسي ).\rحفظ القرآن:\rويستحب حفظ القرآن إجماعاً، وحفظه فرض كفاية إجماعاً، ويجب أن يحفظ منه ما يجب في الصلاة أي الفاتحة على المشهور، أو الفاتحة وسورة. ويبدأ ولي الصبي بتعليمه إياه قبل البلوغ، فيقرؤه كله إلا أن يعسر عليه حفظ كله، فيقرأ ماتيسر منه. ويقدم المكلف العلم بأحكام الشريعة بعد القراءة الواجبة.\rالاستماع للقرآن:\rيجب الاستماع للقراءة مطلقاً؛ لأن العبرة لعموم اللفظ، لا لخصوص السبب، لكن الاستماع للقرآن فرض كفاية؛ لأنه لإقامة حقه، بأن يكون ملتفتاً إليه غير مضيع، وذلك يحصل بإنصات البعض، كما في رد السلام (4) .\rالقراءة في الطريق:\rولا بأس بقراءة القرآن وهو ماش في الطريق، والإنسان مضطجع أو جالس أو راكب، بدليل ما ثبت عن جماعة من السلف قراءة الكهف وغيرها في الطريق، وعن عائشة قالت: «إني لأقرأ القرآن وأنا مضطجعة على سريري» رواه الفرياني، وروى الشيخان عن عائشة أيضاً: «كان النبي صلّى الله عليه وسلم يتكئ في حجري وأنا حائض، ثم يقرأ القرآن» .\r-------------------------------\r(1) متفق عليه.\r(2) المغني:173/2-176، كشاف القناع:502/1-509.\r(3) رواه الترمذي، وقال: حديث حسن صحيح.\r(4) الدر المختار ورد المحتار 509/1 ومابعدها.","part":2,"page":259},{"id":951,"text":"ويستحب أن يقرأ القرآن في كل سبعة أيام ليكون له ختمة في كل أسبوع، روى أبو داود أن النبي صلّى الله عليه وسلم قال لعبد الله بن عمرو: «اقرأ القرآن في سبع، ولا تزيدن على ذلك» .\rختم القرآن:\rويكره أن يؤخر ختمة القرآن أكثر من أربعين يوماً؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلم «سأله عبد الله بن عمر: في كم تختم القرآن؟ قال: في أربعين يوماً، ثم قال: في شهر، ثم قال: في عشرين، ثم قال: في عشر، ثم قال: في سبع، لم ينزل علي من سبع» (1) .\rوإن قرأه في ثلاث فحسن، لما روي عن عبد الله بن عمرو قال: «قلت لرسول الله صلّى الله عليه وسلم : إن بي قوة؟ قال: «اقرأه في ثلاث» (2) ويكره أن يقرأه في أقل من ثلاث، لما رواه عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم : «لا يفقه من قرأه في أقل من ثلاث» (3) .\rترتيله وتلحينه:\rوالترتيل أفضل من قراءة الكثير مع العجلة، وتفهم القرآن وتدبره بالقلب أفضل من إدراجه؛ لأن الله تعالى قال: {ورتل القرآن ترتيلاً} [المزمل:4/73]، {كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته} [ص:29/38] ويستحب تحسين القراءة وترتيلها وإعرابها، ويمكّن حروف المد واللين من غير تكلف، للأمر السابق بترتيله. قال الإمام أحمد: يُحسِّن القارئ صوته بالقرآن، ويقرؤه بحزن وتدبر، فقد ثبت أن تحسين الصوت بالقرآن وتطريبه مستحب غير مكروه إذالم يفض إلى زيادة حرف فيه أو تغيير لفظه، لقول أبي موسى الأشعري للنبي صلّى الله عليه وسلم : «لو علمت أنك تسمع قراءتي لحبَّرته لك تحبيراً» (4) وقال عبد الله بن المغفل: «سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلم يوم فتح مكة يقرأ سورة الفتح، قال: فقرأ ابن المغفل ورجَّع في قراءته» (5) فلا يكره الترجيع وتحسين القراءة، بل ذلك مستحب لحديث أبي هريرة: «ما أذن الله لشيء كإذنه لنبي يتغنى بالقرآن يجهر به» (6) وقال عليه السلام: «زينوا القرآن بأصواتكم» (7) «ليس منا من لم يتغن بالقرآن» (8) .\r-------------------------------\r(1) أخرجه أبو داود.\r(2) رواه أبو داود.\r(3) رواه أصحاب السنن وصححه الترمذي.\r(4) يريد تحسين الصوت وتحزينه.\r(5) رواه مسلم.\r(6) رواه البخاري.\r(7) رواه أحمد والنسائى وابن ماجه وابن حبان والحاكم عن البراء، وروي عن غيره أيضاً، وهو صحيح.\r(8) رواه البخاري عن أبي هريرة، ورواه أحمد وأبو داود وابن حبان والحاكم عن سعد، وأبو داود عن أبي لبابة، والحاكم عن ابن عباس وعائشة.","part":2,"page":260},{"id":952,"text":"ويكره قراءة القرآن بالألحان، وهي بدعة، أي إذا جعل الحركات حروفاً، ومدَّ في غير موضع المد؛ لأن القرآن معجز في لفظه ونظمه، والألحان تغيره، فإن حصل مع الألحان تغير نظم القرآن، وجَعْل الحركات حروفاً، حرم.","part":2,"page":261},{"id":953,"text":"آداب التلاوة:\rيستحب التعوذ قبل القراءة؛ لقوله تعالى: {فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم} [النحل:98/16]، ويستحب حمد الله تعالى عند الفراغ من القراءة على توفيقه ونعمه.\rومن آداب القراءة: البكاء، فإن لم يبك فليتباك، وأن يسأل الله عند آية الرحمة، ويتعوذ عند آية العذاب. ولا يقطع القراءة لحديث الناس إلا لحاجة. وأن تكون قراءته على العدول الصالحين العارفين بمعناها، وأن يتطهر ويستقبل القبلة إذا قرأ قاعداً، ويتحرى أن يعرضه كل عام من هو أقرأ منه، ويفصل كل سورة مما قبلها بالوقف أو التسمية، ويترك المباهاة، وأن يطلب به الدنيا بل ما عند الله تعالى، وينبغي أن يكون ذا سكينة ووقار وقناعة بما قسم الله له، وألا يجهر بين مصلين أو نيام، أو تالين جهراً يؤذيهم.\rوقراءة القرآن أول النهار بعد الفجر أفضل من قراءته آخره، لقوله تعالى: {إن قرآن الفجر كان مشهوداً} [الإسراء:78/17]، ويجوز تنوع الكلمة بقراءات السبع.\rولا تكره القراءة مع حدث أصغر (نقض الوضوء) وبنجاسة بدن وثوب، وحال مس الزوجة والذكر.\rوتكره القراءة في المواضع القذرة تعظيماً للقرآن، وتكره استدامتها حال خروج الريح، وإنما يمسك حتى تنقضي، ويكره جهره بالقراءة مع الجنازة لأنه إخراج لها مخرج النياحة، ولا تمنع نجاسة الفم القراءة. وكره ابن عقيل القراءة في الأسواق يصيح أهلها فيها بالنداء والبيع.\rوتستحب القراءة في المصحف، ويستحب الاستماع لها؛ لأنه يشارك القارئ في أجره، ويكره الحديث عند القراءة بما لا فائدة فيه، لقوله تعالى: {وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون} [الأعراف:7/204]، ولأنه إعراض عن الاستماع الذي يترتب عليه الأجر بما لا طائل تحته.","part":2,"page":262},{"id":954,"text":"ويدعو عقب ختم القرآن لفعل أنس: «كان أنس إذا ختم القرآن جمع أهله ودعا» (1) ، ويستحب إذا فرغ من الختمة أن يشرع في أخرى، لحديث أنس: «خير الأعمال: الحل والرحلة، قيل: وما هما؟ قال: افتتاح القرآن وختمه» . ويسن أن يكبر فقط، فلا يستحب التهليل والتحميد لختمه آخر كل سورة من آخر الضحى إلى آخره، لأنه روي عن أبي بن كعب أنه قرأ على النبي صلّى الله عليه وسلم فأمره بذلك (2) ، ويكرر سورة الصمد، ولا يقرأ الفاتحة وخمس آيات من أول البقرة عقب الختم؛ لأنه لم يثبت فيه أثر.\rويستحب الإكثار من التلاوة في الأماكن الفاضلة كمكة لمن دخلها من غير أهلها، اغتناماً للزمان والمكان.\rويجوز تفسير القرآن بمقتضى اللغة العربية؛ لأنه عربي، ولقوله تعالى: {لتبين للناس ما نزّل إليهم} [النحل:16/44]، وندد الله بالأعراب فقال: {وأجدر أن لا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله} [التوبة:9/97] أي الأحكام.\rتفسير القرآن:\rولا يجوز تفسير القرآن بالرأي، من غير لغة ولا نقل، فمن قال في القرآن أي فسره برأيه أو بما لا يعلم فليتبوأ مقعده (3) من النار، وأخطأ ولو أصاب، لقول ابن عباس مرفوعاً: «من قال في القرآن برأيه، أو بما لا يعلم، فليتبوأ مقعده من النار» (4) ، وعن جندب مرفوعاً: «من قال في القرآن برأيه، فأصاب فقد أخطأ» (5) ، ويلزم الرجوع إلى تفسير الصحابي؛ لأن الصحابة شاهدوا التنزيل، وحضروا التأويل، فهو أمارة ظاهرة، ولا يلزم الرجوع إلى تفسير التابعي؛ لأن قوله ليس بحجة على المشهور.\rولا يجوز أن يجعل القرآن بدلاً من الكلام، مثل أن يرى رجلاً جاء في وقته، فيقول: { ثم جئت على قدر يا موسى } [طه:40/20].\rوذكر المالكية (6) : أنه يكره الاجتماع على قراءة سورة مثل سورة «يس» كما يكره بالاتفاق الجهر بالقراءة في المسجد لما فيه من التشويش على الآخرين، ولمظنة الرياء.\r-------------------------------\r(1) رواه ابن أبي داود بإسنادين صحيحين عن قتادة عن أنس.\r(2) رواه القاضي أبو يعلى بإسناده في الجامع.\r(3) أي لينزل منزله.\r(4) رواه أبو داود والنسائي والترمذي وحسنه.\r(5) رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه والترمذي، وقال: غريب، وفيه ضعيف.\r(6) الشرح الصغير:433/1.","part":2,"page":263},{"id":955,"text":"الفَصْلُ التَّاسِع: أَنواعٌ خاصَّة من السّجود وقضاء الفوائت\rوفيه مبحثان:\rالمبحث الأول ـ أنواع خاصة من السجود (سجود السهو، وسجدة التلاوة، وسجدة الشكر):\rهنا سجدات ثلاث ليست من صلب الصلاة هي: سجود السهو والتلاوة والشكر.\rالمطلب الأول ـ سجود السهو: حكمه، أسبابه، محله وصفته:\rالسهو في الشيء: تركه من غير علم، والسهو عن الشيء: تركه مع العلم به.\rوالفرق بين الناسي والساهي: أن الناسي إذا ذكرته تذكر، بخلاف الساهي.\rأولاً ـ حكم سجود السهو:\rلا مرية في مشروعية سجود السهو، قال الإمام أحمد: نحفظ عن النبي صلّى الله عليه وسلم خمسة أشياء: سلم من اثنتين فسجد، سلم من ثلاث فسجد، وفي الزيادة، والنقصان، وقام من اثنتين ولم يتشهد. وقال الخطابي: المعتمد عليه عند أهل العلم: هذه الأحاديث الخمسة: يعني أحاديث ابن مسعود، وأبي سعيد، وأبي هريرة، وابن بُحينة ، وعمران بن حصين.\rأما حديث أبي سعيد الخدري فهو كما قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم : «إذا شك أحدكم في صلاته، فلم يدر كم صلى ثلاثاً، أم أربعاً، فلْيطْرح الشك، وليَبْن على ما استيقن، ثم يسجد سجدتين قبل أن يُسلِّم، فإن كان صلى خمساً شفَعْن له صلاته، وإن كان صلى إتماماً لأربع كانتا ترغيماً للشيطان» (1) .\rوشرع سجود السهو جبراً لنقص الصلاة، تفادياً عن إعادتها، بسبب ترك أمر غير أساسي فيها أو زيادة شيء فيها.\rولا يشرع سجود السهو في حالة العمد، لما رواه الطبراني عن عائشة: «من سها قبل التمام، فليسجد سجدتي السهو قبل أن يسلم» ، فعلق السجود على السهو؛ ولأنه يشرع جبراناً للنقص أو الزيادة، والعامد لا يعذر، فلا ينجبر خلل صلاته بسجوده، بخلاف الساهي.\rوسجود السهو واجب على الصحيح عند الحنفية، سنة في الجملة في المذاهب الأخرى (2) . قال الحنفية: يجب سجود السهو على الصحيح، يأثم المصلي بتركه، ولا تبطل صلاته؛ لأنه ضمان فائت، وهو لا يكون إلا واجباً، وهو يرفع الواجب من قراءة التشهد والسلام، ولا يرفع القعدة لأنها ركن.\r-------------------------------\r(1) رواه أحمد ومسلم (نيل الأوطار:116/3). قال ابن المنذر: حديث أبي سعيد أصح حديث في الباب.\r(2) انظر كل ما يتعلق بالسهو في فتح القدير:355/1 -374، البدائع: 163/1 -179، اللباب:95/1 -100، مراقي الفلاح: ص79 - 81، الشرح الصغير:377/1 -400، القوانين الفقهية: ص73-79، مغني المحتاج:204/1-214، كشاف القناع:459/1 -481.","part":2,"page":264},{"id":956,"text":"وإنما يجب على الإمام والمنفرد، أما المأموم (المقتدي) إذا سها في صلاته، فلا يجب عليه سجود السهو (1) ، فإن حصل السهو من إمامه، وجب عليه أن يتابعه، وإن كان مدركاً أو مسبوقاً في حالة الاقتداء (2) ، وإن لم يسجد الإمام سقط عن المأموم؛ لأن متابعته لازمة، لكن المسبوق يتابع في السجود دون السلام.\rووجوب سجود السهو إذا كان الوقت (أو الحالة) صالحاً للصلاة، فلو طلعت الشمس بعد السلام في صلاة الفجر، أو احمرت الشمس في صلاة العصر، سقط عنه السهو؛ لأن السهو جبر للنقص المتمكن كالقضاء، ولا يقضى الناقص. وإذا فعل فعلاً يمنعه من البناء على صلاته: بأن تكلم أو قهقه، أو أحدث متعمداً أو خرج عن المسجد أو صرف وجهه عن القبلة وهو ذاكر له، سقط عنه السهو ضرورة، لأنه فات محله وهو تحريمة الصلاة.\rوالأولى ترك سجود السهو في الجمعة والعيدين إذا حضر فيهما جمع كبير، لئلا يشتبه الأمر على المصلين. وإذا سها في سجود السهو فلا سجود عليه.\rودليل وجوب سجود السهو: حديث ابن مسعود: «وإذا شك أحدكم في صلاته، فليتحر الصواب، فليتم عليه، ثم ليسلم، ثم ليسجد سجدتين» (3) . وحديث ثوبان: «لكل سهو سجدتان بعدما يسلم» (4) ، فيجب تحصيلهما تصديقاً للنبي صلّى الله عليه وسلم في خبره، ولمواظبة النبي صلّى الله عليه وسلم وصحابته عليه، والمواظبة دليل الوجوب،\r-------------------------------\r(1) لأنه إذا سجد وحده كان مخالفاً لإمامه، وإن تابعه ينقلب الأصل تبعاً.\r(2) المدرك: هو الذي أدرك الإمام أول صلاته، وفاته بعضها بعد الشروع بسبب النوم أو الحدث السابق، بأن نام خلف الإمام، ثم انتبه وقد سبقه الإمام بركعة. والمسبوق: الذي سبقه الإمام بركعة أو أكثر. وإن سها المسبوق فيما يتمه يسجد له، وإن سبق له سجود مع الإمام.\r(3) رواه الجماعة إلا الترمذي (نصب الراية:167/2، نيل الأوطار:117/3).\r(4) رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه، وهو ضعيف.","part":2,"page":265},{"id":957,"text":"ولأنه شرع جبراً لنقصان العبادة، فكان واجباً كدماء الجبر في الحج، تحقيقاً لكمال أداء العبادة.\rوقال المالكية: سجود السهو سنة مؤكدة للإمام والمنفرد. أما المأموم حال القدوة فلا سجود عليه بزيادة أو نقص لسنة مؤكدة أو سنتين خفيفتين؛ لأن الإمام يتحمله عنه. فلو سها فيما يقضيه بعد سلام الإمام، سجد لنفسه.\rوأما المسبوق الذي أدرك ركعة مع إمامه، فيسجد مع إمامه السجود القَبْلي المترتب على الإمام، قبل قضاء ما عليه، إن سجد الإمام، وإن لم يسجد الإمام، وتركه، سجد المأموم لنفسه، قبل قضاء ما عليه، وأخَّر السجود البَعْدي الذي ترتب على إمامه، ويسجده بعد سلامه، فإن قدمه بطلت صلاته.","part":2,"page":266},{"id":958,"text":"وقال الشافعية: سجود السهو سنة للإمام والمنفرد، أما المأموم فلا يسجد لسهو نفسه خلف إمامه المتطهر، ويتحمل الإمام عنه سهوه في حال قدوته، كما يتحمل عنه القنوت وغيره، أما المحدث فلا يتحمل عنه، ولا يلحقه سهوه، إذ لا قدوة في الحقيقة.\rويجب سجود السهو في حالة واحدة: وهي حالة متابعة المقتدي لإمامه ولو كان مسبوقاً، فإن سجد لسهو وجب أن يسجد تبعاً لإمامه؛ لأن المتابعة لازمة، فإن لم يسجد بطلت صلاته، ووجب عليه إعادتها إن لم يكن قد نوى المفارقة، إلا إن علم المأموم خطأ إمامه في السجود للسهو، فلا يتابعه. ولو اقتدى مسبوق بمن سها بعد اقتدائه أو قبله في الأصح، فالصحيح أنه يسجد معه، ويستحب أن يسجد أيضاً في آخر صلاته، لأنه محل السهو الذي لحقه.\rوإذا ترك الإمام سجود السهو، لم يجب على المأموم أن يسجد، بل يندب. ولو سها إمام الجمعة وسجدوا، فبان فوتها، أتموا ظهراً وسجدوا ثانياً آخر الصلاة؛ لأنه تبين أن السجود الأول ليس في آخر الصلاة.\rولو ظن المصلي أو اعتقد سهواً، فسجد، فبان عدم السهو، سجد في الأصح، لأنه زاد سجدتين سهواً. وضابط هذا: أن السهو في سجود السهو لايقتضي السجود، والسهو به يقتضيه.\rوقال الحنابلة: سجود السهو واجب، وقد يكون مندوباً، وقد يصبح مباحاً. ويجب سجود السهو لما يأتي:\rأ ـ لكل ما يبطل عمده في الصلاة بالزيادة أو النقص كترك ركن فعلي، لأن النبي صلّى الله عليه وسلم أمر به في حديث أبي سعيد وابن مسعود، وقال: «صلوا كما رأيتموني أصلي» .\rب ـ لترك كل واجب سهواً كترك التسبيح في الركوع أو السجود.\rجـ ـ للشك في الصلاة في بعض صوره كالشك في ترك ركن أو في عدد الركعات.\rد ـ لمن لحن لحناً يغير المعنى، سهواً أو جهلاً.\rويندب سجود السهو: إن أتى بقول مشروع في غير موضعه غير سلام سهواً أوعمداً كالقراءة أو القعود، وكالتشهد في القيام، وكقراءة سورة في الركعتين الأخريين.\rويباح سجود السهو لترك سنة من سنن الصلاة.\rهذا التفصيل بالنسبة للإمام والمنفرد، أما المأموم فيجب عليه متابعة إمامه في السجود ولو كان مباحاً، فإن لم يتابعه بطلت صلاته. وعلى المسبوق أيضاً متابعة إمامه في السجود، وإن كان سبب السجود قبل أن يدركه، وإن سجد المسبوق إحدى سجدتي السهو مع إمامه، يأتي بالسجدة الثانية من سجدتي السهو إذا سلم إمامه، ليوالي بين السجدتين.","part":2,"page":267},{"id":959,"text":"ثانياً ـ أسباب سجود السهو:\rاختلف الفقهاء في تعداد أسباب سجود السهو، يحسن بيانها في كل مذهب.\rمذهب الحنفية:\rيسجد للسهو بترك شيء عمداً أو سهواً، أو زيادة شيء سهواً، أو تغيير محله سهواً ، وذلك في الأحوال التالية:\r1ً - لا يسجد للسهو في العمد إلا في ثلاث: ترك القعود الأول أو تأخيره سجدة من الركعة الأولى إلى آخر الصلاة، أو تفكره عمداً حتى شغله عن مقدار ركن.\r2ً - يسجد للسهو بترك واجب من واجبات الصلاة سهواً إما بتقديم أو تأخير أو زيادة أو نقص، وهي أحد عشر واجباً، منها ستة واجبات أصلية، وهي مايلي:\rالأول - ترك قراءة الفاتحة أو أكثرها في الركعتين الأوليين من الفرض.\rالثاني - ترك سورة أو ثلاث آيات قصار أو آية طويلة بعد الفاتحة في الركعتين الأوليين من الفريضة.\rالثالث - مخالفة نظام الجهر والإسرار: فإن جهر في الصلاة السرية نهاراً وهي الظهر والعصر، وخافت في الصلاة الجهرية ليلاً وهي الفجر والمغرب والعشاء، سجد للسهو. الرابع ـ ترك القعدة الأولى للتشهد الأول في صلاة ثلاثية أو رباعية.\rالخامس ـ ترك التشهد في القعدة الأخيرة.\rالسادس ـ عدم مراعاة الترتيب في فعل مكرر في ركعة واحدة، وهو السجدة الثانية في كل ركعة، فلو سجد سجدة واحدة سهواً، ثم قام إلى الركعة التالية، فأداها بسجدتيها، ثم تذكر السجدة المتروكة في آخر صلاته، فسجدها، فيجب عليه سجود السهو بترك الترتيب؛ لأنه ترك الواجب الأصلي ساهياً، فوجب سجود السهو.","part":2,"page":268},{"id":960,"text":"أما عدم رعاية الترتيب فيما لا يتكرر، كأن أحرم فركع ثم رفع ثم قرأ الفاتحة والسورة، فيوجب عليه إعادة الركوع، ويسجد للسهو. وكذلك ترك سجدة التلاوة عن موضعها، يوجب سجود السهو. وكل تأخير أو تغيير في محل فرض، كالقعود محل القيام وعكسه يوجب سجود السهو.\rالسابع ـ ترك الطمأنينة الواجبة في الركوع والسجود، فمن تركها ساهياً وجب عليه سجود السهو على الصحيح.\rالثامن ـ تغيير محل القراءة في الفرض: بأن قرأ الفاتحة بعد السورة، أو قرأ السورة في الركعتين الأخريين من الرباعية، أو في الثانية والثالثة فقط، وجب عليه سجود السهو.\rالتاسع ـ ترك قنوت الوتر: ويتحقق تركه بالركوع قبل الإتيان به، فمن تركه سجد للسهو.\rالعاشر ـ ترك تكبير القنوت.\rالحادي عشر ـ ترك تكبيرات العيدين أو بعضها، أو تكبيرة ركوع الركعة الثانية من صلاة العيد، فإنها واجبة، بخلاف التكبيرة الأولى.\r3ً - زيادة فعل في الصلاة ليس من جنسها وليس منها؛ كأن ركع ركوعين، فإنه يسجد للسهو.\rالعود إلى ما سها عنه: من سها عن القعدة الأولى، ثم تذكر، وهو إلى حال القعود أقرب، عاد، فجلس وتشهد، وإن كان إلى حال القيام أقرب لم يعد، ويسجد للسهو. ومن سها عن القعدة الأخيرة، فقام إلى الخامسة، رجع إلى القعدة ما لم يسجد وألغى الخامسة، ويسجد للسهو. فإن قيد الخامسة بسجدة بطل فرضه، وتحولت صلاته نفلاً عند أبي حنيفة وأبي يوسف، وكان عليه أن يضم ركعة سادسة ندباً. وإن قعد في الرابعة قدر التشهد، ثم قام ولم يسلّم يظنها القعدة الأولى، عاد إلى القعود ما لم يسجد في الخامسة، ويسلم، وإن قيد الخامسة بسجدة ضم إليها ركعة أخرى استحباباً، وقد تمت صلاته لوجود الجلوس الأخير في محله، والركعتان الزائدتان: له نافلة.","part":2,"page":269},{"id":961,"text":"الشك في الصلاة: إذا سها في صلاته، فلم يدر أثلاثاً صلى أم أربعاً؟ فإن كان ذلك أول ما سها (أي أن السهو لم يصر عادة له، لا أنه لم يسه في عمره قط)، استقبل الصلاة، وبطلت، أي استأنفها وأعادها، والسلام قاعداً أولى، لحديث «إذا شك أحدكم في صلاته، أنه كم صلى، فليستقبل الصلاة» (1) ، وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن عمر، قال في الذي لا يدري كم صلى، أثلاثاً، أو أربعاً؟ قال: يعيد حتى يحفظ، ولأنه لو استأنف أدى الفرض بيقين كاملاً، ولو بنى على الأقل ما أداه كاملاً. وإن حدث الشك المذكور بعد السلام، فلا إعادة عليه، كما لا إعادة عليه إن شك بعد قعوده قدر التشهد قبل السلام.\rفإن كان الشك يعرض له كثيراً، بنى على غالب ظنه، إذا كان له ظن يرجح أحد الطرفين؛ لأن في استئناف الصلاة مع كثرة عروضه حرجاً، ولقوله عليه السلام: «من شك في صلاته، فليتحر الصواب» (2) .\rوإن لم يكن له ظن أو رأي، أخذ بالأقل أي بنى على اليقين؛لأنه المتيقن،ويقعد في كل موضع ظنه موضع قعوده، لئلا يصير تاركاً فرض القعود أو واجبه مع تيسير الوصول إليه، فإذا وقع الشك في صلاة رباعية أن الركعة هي الأولى أو الثانية عمل بالتحري، فإن لم يقع تحريه على شيء بنى على الأقل، فيجعلها أولى، ثم يقعد لجواز أنها الركعة الثانية، والقعدة فيها واجبة، ثم يقوم ويصلي ركعة أخرى ويقعد. ودليل الأخذ بالأقل حديث أبي سعيد الخدري: «إذا شك أحدكم في صلاته، فلم يدر: أثلاثاً صلى أم أربعاً، فليلغ الشك، وليبن على الأقل» (3) .\rمذهب المالكية:\rيسجد للسهو بأسباب ثلاثة: نقص فقط، وزيادة فقط، ونقص وزيادة.\rأما النقص: فهو ترك سنة مؤكدة داخلة في الصلاة سهواً أو عمداً، كالسورة إذا تركها عن محلها سهواً، أو ترك سنتين خفيفتين فأكثر كتكبيرتين من تكبيرات الصلاة سوى تكبيرة الإحرام، أو ترك تسميعتين أو تكبيرة وتسميعة. ومن أمثلة ترك سنة أيضاً: ترك جهر بفاتحة فقط ولو مرة، أو بسورة فقط في الركعتين بفرض كالصبح، لا نفل كالوتر والعيدين، مع اقتصار على حركة اللسان الذي هو أدنى السر، وترك تشهد ولو مرة لأنه سنة خفيفة. ويسجد للنقصان قبل السلام.\r-------------------------------\r(1) قال الزيلعي عنه: حديث غريب (نصب الراية:173/2).\r(2) أخرجه البخاري ومسلم عن ابن مسعود مرفوعاً بلفظ: «وإذا شك أحدكم، فليتحر الصواب،فليتم عليه» (المصدر السابق).\r(3) أخرجه مسلم (المصدر السابق:174/2).","part":2,"page":270},{"id":962,"text":"فإن نقص ركناً عمداً بطلت صلاته، وإن نقصه سهواً أجبره ما لم يفت محله، فإن فات ألغى الركعة وقضاها.\rوأما الزيادة: فهي زيادة فعل غير كثير (1) ليس من جنس الصلاة، أو من جنسها.\rمثال الأول: أكل خفيف أو كلام خفيف سهواً.\rومثال الثاني: زيادة ركن فعلي من أركان الصلاة كالركوع والسجود، أو زيادة بعض من الصلاة كركعة أو ركعتين، أو أن يسلم من اثنتين. ويسجد للزيادة بعد السلام.\rأما زيادة القول سهواً: فإن كان من جنس الصلاة فمغتفر، وإن كان من غيرها سجد له.\rوأما الزيادة والنقص معاً: فهو نقص سنة ولو غير مؤكدة، وزيادة ما تقدم في السبب الثاني، كأن ترك الجهر بالسورة وزاد ركعة في الصلاة سهواً، فقد اجتمع له نقص وزيادة. ويسجد للزيادة والنقصان قبل السلام، ترجيحاً لجانب النقص على الزيادة.\rالعود لما سها عنه: من قام إلى ركعة زائدة في الفريضة، رجع متى ذكر، وسجد بعد السلام، وكذلك يسجد إن لم يذكر حتى سلم. أما المأموم: فإن اتبع عالماً عامداً بالزيادة، بطلت صلاته. وإن اتبعه ساهياً أو شاكاً، صحت صلاته. ومن اتبعه جاهلاً أو متأولاً ففيه قولان. ومن لم يتبعه وجلس، صحت صلاته.\r-------------------------------\r(1) إذ زيادة الكثير مبطل، ولو كان الفعل واجباً كقتل حية أو عقرب أو إنقاذ أعمى أو نفس أو مال. وإن كان يسيراً جداً فمغتفر كابتلاع شيء بين أسنانه، والتفاتة ولو بجميع خده إلا أن يستدبر القبلة، وتحريك الأصابع لحكة.","part":2,"page":271},{"id":963,"text":"ومن قام إلى ثالثة في النافلة: فإن تذكر قبل الركوع، رجع وسجد بعد السلام. وإن تذكر بعد الرفع من الركوع، أضاف إليها ركعة وسلَّم من أربع، وسجد بعد السلام لزيادة الركعتين.\rومن ترك الجلسة الوسطى: فإن ذكر قبل أن يفارق الأرض بيديه أمر بالرجوع إلى الجلوس، فإن رجع فلا سجود عليه في المشهور، لخفته، وإن لم يرجع سجد. وإن ذكر بعد مفارقته الأرض بيديه، لم يرجع على المشهور. وإن ذكر بعد أن استقل قائماً، لم يرجع وسجد للسهو، فإن رجع فقد أساء، ولا تبطل صلاته على المشهور، أي خلافاً في هذا للحنفية؛ لأن ما قارب الشيء يعطى حكمه عندهم.\rومن شك في صلاته، هل صلى ركعة أو اثنتين، فإنه يبني على الأقل، ويأتي بما شك فيه، ويسجد بعد السلام.\rمذهب الشافعية:\rيسجد للسهو عند ترك مأمور به في الصلاة، أوفعل منهي عنه فيها. والسنة إن تركها المصلي لا يعود إليها بعد التلبس بالفرض، فمن ترك التشهد الأول مثلاً، فتذكره بعد قيامه مستوياً، لم يعد له، فإن عاد إليه عالماً بتحريمه عامداً، بطلت صلاته، وإن عاد إليه ناسياً لم تبطل، وكذا إن عاد إليه جاهلاً في الأصح، ويسجد للسهو عنها. ودليل عدم العود للتشهد: حديث ابن بحينة : « أن النبي صلّى الله عليه وسلم صلى، فقام في الركعتين فسبَّحوا به، فمضى، فلما فرغ من صلاته، سجد سجدتين ثم سلم» (1) .\r-------------------------------\r(1) رواه النسائي (نيل الأوطار:119/3).","part":2,"page":272},{"id":964,"text":"والذي يقتضي سجود السهو أمران: زيادة ونقصان، وتنحصر أسباب سجود السهو في ستة أمور: تيقن ترك بعض من الأبعاض، تيقن فعل منهي عنه سهواً مما يبطل عمده فقط، الشك في ترك بعض معين، الشك في فعل منهي عنه مع احتمال الزيادة، نقل مطلوب قولي إلى غير محله بنيته، الاقتداء بمن يترك أحد الأبعاض.\rالأول ـ ترك الإمام أو المنفرد عمداً أو سهواً سنة مؤكدة: وهي التي تسمى بأبعاض الصلاة، وهي ستة: وهي التشهد الأول، وقعوده، والقنوت في الصبح وفي آخر الوتر في النصف الثاني من رمضان، والقيام للقنوت، والصلاة على النبي صلّى الله عليه وسلم في التشهد الأول، والصلاة على الآل في التشهد الأخير (1) .\rالثاني ـ نقل ركن قولي لغير محله: كأن يعيد الفاتحة في الجلوس، وأن يسلم في غير موضع السلام ناسياً، وكذلك نقل السنة القولية كأن يقرأ السورة في غير موضع القراءة، فيسجد للسهو؛ لأنه قول في غير موضعه، فصار كالسلام. ويستثنى من ذلك قراءة السورة قبل الفاتحة، فلا يسجد لها.\rالثالث ـ فعل شيء سهواً، يبطل عمده فقط: كتطويل الركن القصير في الأصح، بأن يطيل الاعتدال أو الجلوس بين السجدتين. ومثله الكلام القليل سهواً، بدليل أن النبي صلّى الله عليه وسلم سلَّم من اثنتين وكلم ذا اليدين، وأتم صلاه، وسجد سجدتين (2) .\rوأما ما يبطل عمده وسهوه ككلام كثير وأكل، فيبطل الصلاة ولا يسجد له في الأصح.\rوأما ما لا يبطل عمده ولا سهوه كالتفات بالعنق ومشي خطوتين، فلا يسجد لسهوه ولا لعمده.\r-------------------------------\r(1) الأبعاض ستة إجمالاً عشرون تفصيلاً:14 منها في القنوت وهي قنوت الصبح ووتر النصف الثاني من رمضان، والقيام له والصلاة على النبي صلّى الله عليه وسلم بعد القنوت، والقيام لها، والسلام على النبي صلّى الله عليه وسلم بعدها، والقيام له، والصلاة على الآل، والقيام لها، والصلاة على الصحب، والقيام لها، والسلام على الآل، والقيام له، والسلام على الصحب، والقيام له. وستة منها في التشهد: وهي التشهد الأول، والقعود له، والصلاة على النبي صلّى الله عليه وسلم بعده، والقعود له، والصلاة على الآل بعد الأخير، والقعود لها (حاشية الباجوري:167/1 -168، حاشية الشرقاوي:196/1) فحصر الأبعاض في ستة أو في ثمانية هو حصر إضافي.\r(2) متفق عليه عن أبي هريرة (نيل الأوطار:107/3).","part":2,"page":273},{"id":965,"text":"الرابع ـ الشك في الزيادة: فلو شك أصلَّى ثلاثاً أم أربعاً، أتى بركعة وسجد، والأصح أنه يسجد، وإن زال شكه قبل سلامه. وكذلك يسجد لما يصليه متردداً، واحتمل كونه زائداً، للتردد في زيادته، وإن زال شكه قبل سلامه. ولو شك بعد السلام في ترك فرض لم يؤثر على المشهور.\rودليل السجود للشك في صلاته: حديث عبد الرحمن بن عوف قال : سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلم يقول: إذا شك أحدكم في صلاته، فلم يدر أواحدةً صلى أم ثِنْتين، فليجعلها واحدة، وإذا لم يدر ثنتين صلى أم ثلاثاً، فليجعلها ثنتين، وإذا لم يدر ثلاثاً صلى أم أربعاً فليجعلها ثلاثاً، ثم يسجد إذا فرغ من صلاته وهوجالس، قبل أن يسلم سجدتين» (1) وعليه إذا شك المصلي في عدد ما أتى به من الركعات، كمن شك هل صلى ثلاثاً أو أربعاً، بنى على اليقين وهو الأقل كالثلاثة في هذا المثال وأتى بركعة، ويسجد للسهو، ولا ينفعه غلبة الظن أنه صلى أربعاً ولا يعمل بقول غيره له: إنه صلى أربعاً، ولوبلغ ذلك القائل عدد التواتر.\rالخامس ـ الشك في ترك بعض معين من أبعاض الصلاة: كأن شك في ترك القنوت لغير النازلة، أو ترك بعض مبهم (غير معين) كأن لم يدر: هل ترك القنوت أو الصلاة على النبي في القنوت.\r-------------------------------\r(1) رواه أحمد وابن ماجه والترمذي وصححه. وفي رواية: «سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلم يقول: من صلى صلاة يشك في النقصان، فليصل حتى يشك في الزيادة» رواه أحمد (المصدر السابق: ص113 وما بعدها).","part":2,"page":274},{"id":966,"text":"السادس ـ الاقتداء بمن في صلاته خلل: ولوفي اعتقاد المأموم، كالاقتداء بمن ترك القنوت في الصبح، أو بمن يقنت قبل الركوع، أو بمن يترك الصلاة على النبي في التشهد الأول، فيسجد بعد سلام الإمام وقبل سلام نفسه.\rوالخلاصة: الزيادة الموجبة للسهو نوعان: قول وفعل، فالقول كالسلام في غير موضعه ناسياً، أوالكلام ناسياً. والفعل: كأن يزيد سهواً في صلاته ركعة أو ركوعاً أو سجوداً أو قياماً أو قعوداً، أويطيل القيام بنية القنوت في غير موضع القنوت، أو يقعد للتشهد في غير موضع القعود على وجه السهو، فيسجد للسهو، بدليل ما روى ابن مسعود رضي الله عنه: «أن النبي صلّى الله عليه وسلم صلى الظهر خمساً، فقيل له: أزيدَ في الصلاة؟ فقال: وما ذلك؟ فقالوا: صليت خمساً، فسجد سجدتين بعدما سلم» (1) .\rوأما النقصان: فهو أن يترك سنة مقصودة، وهو أمران: الأول: أن يترك التشهد الأول ناسياً فيسجد للسهو، لحديث ابن بحينة المتقدم. والثاني: أن يترك القنوت ساهياً، فيسجد للسهو؛ لأنه سنة مقصودة في محلها، فتعلق السجود بتركها، كالتشهد الأول.\rوإن ترك سنة غير مقصودة كالتكبيرات والتسبيحات، والجهر والإسرار والتورك والافتراش، وما أشبهها، لم يسجد؛ لأنه ليس بمقصود في موضعه، فلم يتعلق بتركه الجبران.\r-------------------------------\r(1) رواه الجماعة (نيل الأوطار: 3 / 121).","part":2,"page":275},{"id":967,"text":"ويلاحظ أن التشهد الأخير إلى قوله: «وأن محمداً رسول الله ، أوعبده ورسوله، أو رسوله» هو الواجب، وهذا هو السنة مع الصلاة على النبي صلّى الله عليه وسلم في التشهد الأول، أما الصلاة على الآل في التشهد الأخير فهي سنة، وفي التشهد الأول خلاف الأولى على المعتمد، وقيل: مكروهة، فلا يسجد للسهو لترك ذلك، ولا لفعله (1) .\rمذهب الحنابلة:\rأسباب السهو ثلاثة: زيادة، ونقص، وشك في بعض صوره (2) ، كالشافعية، إذا حصل ذلك سهواً، فإن حصل عمداً تبطل الصلاة به إن كان فعلياً، ولا تبطل إن كان قولياً في غير محله. ولا سجود للسهو في صلاة جنازة، وسجود تلاوة، وشكر.\r1 - أما الزيادة في الصلاة: فمثل أن يزيد المصلي سهواً فعلاً من جنس الصلاة، قياماً أو قعوداً ولو قدر جلسة الاستراحة في غير موضع الاستراحة، أو ركوعاً، أو سجوداً، أو أن يقرأ الفاتحة مع التشهد أو يقرأ التشهد مع الفاتحة، فيسجد للسهو وجوباً في الزيادة الفعلية وندباً في الزيادة القولية، لقوله صلّى الله عليه وسلم في حديث ابن مسعود: «فإذا زاد الرجل أو نقص في صلاته، فليسجد سجدتين» (3) ، ولأن الزيادة سهو، فتدخل في قول الصحابي: «سها النبي صلّى الله عليه وسلم فسجد » بل هي نقص في المعنى، فشرع لها السجود، لينجبر النقص .\rومتى ذكر من زاد في صلاته، عاد إلى ترتيب الصلاة بغير تكبير، لإلغاء الزيادة، وعدم الاعتداد بها. وإن زاد ركعة كثالثة في صبح أورابعة في مغرب أو خامسة في ظهر أو عصر أو عشاء، قطع تلك الركعة، بأن يجلس في الحال متى ذكر بغير تكبير، وبنى على فعله قبل تلك الزيادة، ولا يتشهد، إن كان تشهد، ثم سجد للسهو، وسلم، ولا تحتسب الركعة الزائدة من صلاة مسبوق.\r-------------------------------\r(1) حاشية الشرقاوي: 1 / 196 وما بعدها.\r(2) كشاف القناع: 1 /461 -465،467،471 -478.\r(3) رواه مسلم.","part":2,"page":276},{"id":968,"text":"وإن كان الذي زاد إماماً أو منفرداً، فنبهه ثقتان فأكثر ـ ويلزمهم تنبيه الإمام على ما يجب السجود لسهوه، لارتباط صلاتهم بصلاته، بحيث تبطل ببطلانها ـ لزمه الرجوع، سواء نبهوه لزيادة أو نقص، ولو ظن خطأهما؛ لأنه صلّى الله عليه وسلم رجع إلى قول أبي بكر وعمرفي قصة ذي اليدين.\rوالمرأة كالرجل في تنبيه الإمام.\rفإن لم يرجع إمام إلى قول الثقتين المنبهين له:\rأ ـ فإن كان عدم رجوعه لجبران نقص، بأن قام قبل أن يتشهد التشهد الأول، لم تبطل صلاته، لحديث المغيرة بن شعبة: «أنه نهض في الركعتين، فسبَّح به من خلفه، فمضى، فلما أتم صلاته وسلم، سجد سجدتي السهو، فلما انصرف، قال: رأيت النبي صلّى الله عليه وسلم يصنع كما صنعت» (1) .\rب ـ وإن لم يرجع عمداً لغير جبران نقص: بطلت صلاته وصلاة المأموم.\rوإن كان عدم رجوع الإمام إلى قول الثقتين لغير جبران نقص سهواً، بطلت صلاته وصلاةالمأموم الذي اتبعه عالماً ببطلان صلاته ذاكراً؛ لأنه اقتدى بمن يعلم بطلان صلاته، كما لو اقتدى بمن يعلم حدثه. ولا تبطل صلاة المأموم الذي اتبعه جاهلاً أو ناسياً؛ لأن الصحابة تابعوا النبي صلّى الله عليه وسلم في الخامسة حيث لم يعلموا، أو توهموا النسخ، ولم يؤمروا بالإعادة.\rووجبت مفارقة الإمام القائم إلى زائدة على من علم ذلك، لاعتقاده خطأه، ويتم المفارق صلاته لنفسه للعذر.\r2 - وأما النقص في الصلاة: فمثل ترك الركوع أو السجود أو قراءة الفاتحة ونحو ذلك سهواً، ويجب عليه تداركه والإتيان به إذا تذكره، ويجب أن يسجد للسهو في آخر صلاته.\r-------------------------------\r(1) رواه أحمد وأبو داود والترمذي، وقال: حسن صحيح (نيل الأوطار: 3 /119).","part":2,"page":277},{"id":969,"text":"وإن نسي التشهد الأول، لزمه الرجوع والإتيان به جالساً، ما لم ينتصب قائماً، وهذا متفق عليه، لما روى المغيرة بن شعبة أن النبي صلّى الله عليه وسلم قال: «إذا قام أحدكم من الركعتين، فلم يستتم قائماً، فليجلس ويسجد سجدتي السهو» (1) .\rولأنه أخل بواجب وذكره قبل الشروع في ركن، فلزمه الإتيان به، كما لو لم تفارق ركبتاه الأرض. ويلزم المأمومين متابعته، ولو بعد قيامهم وشروعهم في القراءة، لحديث «إنما جعل الإمام ليؤتم به» (2) .\rوإن استتم قائماً، ولم يقرأ، فعدم رجوعه أولى، لحديث المغيرة السابق، ويتابعه المأموم، ويسقط عنه التشهد. وإن قرأ ثم ذكر التشهد، لم يجز له الرجوع، لحديث المغيرة، ولأنه شرع في ركن مقصود، كما لو شرع في الركوع، وتبطل صلاة الإمام إذا ركع بعد شروعه فيها، إلا أن يكون جاهلاً أو ناسياً. وعليه سجود السهو لذلك، لحديث المغيرة، ولقوله صلّى الله عليه وسلم سابقاً: «إذا سها أحدكم فليسجد سجدتين» .\rوكذلك حكم التسبيح في الركوع والسجود، ودعاء ( رب اغفر لي ) بين السجدتين، وكل واجب تركه سهواً، ثم ذكره، فيرجع إلى تسبيح الركوع قبل الاعتدال لا بعده.\r3 - وأما الشك في الصلاة الذي يقتضي سجود السهو في بعض صوره: فهو مثل أن يشك في ترك ركن من الأركان، أو في عدد الركعات، فيبني على المتيقن، ويأتي بما شك في فعله، ويتم صلاته، ويسجد للسهو وجوباً، لحديث أبي سعيد السابق أن النبي صلّى الله عليه وسلم قال: «إذا شك أحدكم في صلاته، فلم يدر: كم صلى؟ وليبن على ما استيقن، ثم يسجد سجدتين قبل أن يسلم» (3) .\rولا يسجد للسهوحالة الشك في ترك واجب كتسبيح الركوع أوالسجود، وإنما يسجد لترك الواجب سهواً.\r-------------------------------\r(1) رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه، من رواية جابر الجعفي، وقد تكلم فيه (المصدر السابق).\r(2) متفق عليه عن أبي هريرة (نيل الأوطار: 3 /139).\r(3) رواه مسلم وأحمد.","part":2,"page":278},{"id":970,"text":"كما لا يسجد للسهو إذا أتم الركعات، وشك وهو في التشهد في زيادة الركعة الأخيرة؛ لأن الأصل عدم الزيادة. أما إن شك في زيادة الركعة الأخيرة قبل التشهد، فإنه يجب عليه سجود السهو. ومثل ذلك الشك في زيادة سجدة، علي هذا التفصيل.\rقصة ذي اليدين فيمن سلم من نقصان، وأن كلام الناسي لا يبطل الصلاة:\rاستدل جمهور العلماء (1) من السلف والخلف بقصة ذي اليدين على أن نية الخروج من الصلاة وقطعها إذا كانت بناء على ظن التمام، لا يوجب بطلانها، ولو سلم التسليمتين، وأن كلام الناسي لا يبطل الصلاة، وكذا كلام من ظن التمام. والقصة هي ما يأتي:\r« عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: صلى النبي صلّى الله عليه وسلم إحدى صلاتي العَشِي (2) ركعتين، ثم سلم، ثم قام إلى خشبة في مقدم المسجد، فوضع يده عليه وفي القوم أبو بكر وعمر، فهابا أن يكلماه، وخرج سَرْعانُ الناس (3) فقالوا: أقصرت الصلاة؟ ورجل يدعوه النبي صلّى الله عليه وسلم ذا اليدين (4) ، فقال: يا رسول الله ، أنسيت أم قصرت الصلاة؟ فقال: لم أنس ولم تُقْصر (5) ، فقال: بلى، قد نسيت، فصلى ركعتين، ثم سلم، ثم كبر ثم سجد مثل سجوده أو أطول، ثم رفع رأسه فكبر، ثم وضع رأسه فكبر، فسجد مثل سجوده أو أطول، ثم رفع رأسه وكبر» (6) .\r-------------------------------\r(1) وقال الحنفية: التكلم في الصلاة ناسياً أو جاهلاً يبطلها، مستدلين بحديث ابن مسعود وحديث زيد ابن أرقم في النهي عن التكلم في الصلاة، وقالوا: هما ناسخان لهذا الحديث.\r(2) ما بين زوال الشمس وغروبها، وقد عينها أبو هريرة في رواية لمسلم أنها الظهر، وفي أخرى أنها العصر.\r(3) هم المسرعون إلى الخروج.\r(4) رجل يقال له الخِرْباق بن عمرو، لقب بذي اليدين، لطول كان في يديه، وفي الصحابة رجل آخر يقال له: ذو الشمالين، هو غير ذي اليدين، ووهم الزهري فجعلهما واحداً.\r(5) أي في ظني.\r(6) متفق عليه، واللفظ للبخاري (سبل السلام:203/1، نيل الأوطار: 3 /107).","part":2,"page":279},{"id":971,"text":"اجتماع سهوين أو أكثر: لاخلاف بين العلماء في أنه إذا سها المصلي سهوين أو أكثر، كفاه للجميع سجدتان؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلم سلم من اثنتين، وكلم ذا اليدين، واقتصر على سجدتين، وللحديث السابق: «إذا نسي أحدكم فليسجد سجدتين» وهذا يتناول السهو في موضعين.\rالنافلة كالفرض: حكم النافلة حكم الفرض في سجود السهو، في قول جمهور أهل العلم، لعموم الحديث السابق: «إذا نسي أحدكم فليسجد سجدتين» ، ولأنها صلاة ذات ركوع وسجود، فيسجد لسهوها كالفريضة.\rتنبيه الإمام على السهو: قال مالك وأبو حنيفة: من سها يسبح له، وقال الشافعي وأحمد: التسبيح للرجال والتصفيق للنساء، لقوله صلّى الله عليه وسلم : «التسبيح للرجال، والتصفيق للنساء» (1) وهذا يرجح الرأي الثاني.\rثالثاً ـ محل سجود السهو وصفته:\rسجود السهو عند الحنفية بعد السلام، وعند الشافعية على العكس قبل السلام، وعند المالكية قد يكون قبل السلام وقد يكون بعده، ويتخير المصلي بين الأمرين لدى الحنابلة.\rقال الحنفية: محل سجود السهو المسنون بعد السلام مطلقاً، سواء أكان السهو بسبب زيادة أم نقصان في الصلاة، ولو سجد قبل السلام أجزأه ولا يعيده.\r-------------------------------\r(1) رواه الجماعة عن أبي هريرة، وروى البخاري ومسلم والنسائي وأبو داود عن سهل بن سعد: «من نابه شيء في صلاته، فليسبح فإنما التصفيق للنساء» وروى أحمد عن علي أن النبي صلّى الله عليه وسلم كان يسبح له في صلاته، حينما يستأذنه بالدخول (نيل الأوطار: 2 /320وما بعدها).","part":2,"page":280},{"id":972,"text":"وصفته: أن يسجد سجدتين بعد أن يسلم عن يمينه التسليمة الأولى فقط، ثم يتشهد بعدهما وجوباً، ويأتي بالصلاة على النبي صلّى الله عليه وسلم والدعاء في قعدة السهو على الصحيح؛ لأن الدعاء موضعه آخر الصلاة.\rاستدلوا على محله بعد السلام بحديث المغيرة السابق: أنه لما فرغ من صلاته سلم ثم سجد سجدتين وسلم، كما صنع رسول الله صلّى الله عليه وسلم (1) ، وحديث ابن مسعود المتقدم: « أن النبي صلّى الله عليه وسلم صلى الظهر خمساً، فقيل له: أزيدَ في الصلاة؟ فقال: وما ذلك؟ فقالوا: صليت خمساً، فسجد سجدتين بعد ما سلم» (2) .\rودليلهم على صفته: « حديث عمران بن حصين: أن النبي صلّى الله عليه وسلم صلى بهم، فسها، فسجد سجدتين، ثم تشهد ثم سلم» (3) ، وحديث ثوبان السابق: «لكل سهو سجدتان بعد السلام» (4) .\rوالمذكور في هذا الموضوع هو الصحيح الراجح عند الحنفية.\rوقال المالكية: محل السجود المسنون قبل السلام إن كان سببه النقصان، أو النقصان والزيادة معاً. وبعد السلام إن كان سببه الزيادة فقط، وينوي وجوباً للسجود البعدي، ويكبر في خفضه ورفعه، ويسجد سجدتين جالساً بينهما، ويتشهد استناناً، ولا يدعو ولا يصلي على النبي صلّى الله عليه وسلم خلافاً للحنفية، ثم يسلم وجوباً، فتكون واجباته خمسة: وهي النية، والسجدة الأولى، والثانية، والجلوس بينهما، والسلام، لكن السلام واجب غير شرط، وأما التكبير والتشهد بعده فسنة.\rوإن أخر السجود القبلي عمداً كره ولا تبطل الصلاة، وإن قدم السجود البعدي على السلام أجزأه على المذهب، وأثم أي يحرم تقديمه عمداً، وتصح الصلاة، فإن لم يتعمد التأخير أو التقديم لم يكره ولم يحرم.\r-------------------------------\r(1) رواه أحمد والترمذي وصححه ( نيل الأوطار:119/3 ).\r(2) رواه الجماعة ( المصدر السابق: ص 121 ).\r(3) رواه أبو داود والترمذي ( المصدر نفسه: ص 121 ).\r(4) أخرجه أبو داود وابن ماجه ( نصب الراية:167/2).","part":2,"page":281},{"id":973,"text":"وقال الشافعية في الجديد: محل سجود السهو بين التشهد والسلام، فإن سلم عمداً فات في الأصح، وإن سلم سهواً وطال الفصل فات أيضاً، في الجديد، وإن لم يطل الفصل، فلا يفوت، ويسجد، وإذا سجد صار عائداً إلى الصلاة في الأصح. ولو سها إمام الجمعة وسجدوا فبان فوت وقتها، أتموا ظهراً وسجدوا، ولو ظن سهواً فسجد فبان عدمه، سجد في الأصح.\rوصفته: سجدتان كسجود الصلاة في واجباته ومندوباته كوضع الجبهة والطمأنينة والتحامل والتنكيس (رفع الأسافل) والافتراش في الجلوس بينهما، والتورك بعدهما.\rويحتاج لنية بقلبه، فإن نوى بلسانه بطلت صلاته.\rوحكى بعضهم أنه يندب أن يقول فيهما: (سبحان من لا ينام ولا يسهو) وقال بعضهم: والظاهر أنه كالذكر (التسبيح) في سجود الصلاة. ودليلهم على محله قبل السلام حديث أبي سعيد الخدري السابق عند مسلم وأحمد: «ثم يسجد سجدتين قبل أن يسلم» وحديث ابن بحينة المتقدم عند النسائي: «فلما فرغ من صلاته سجد سجدتين ثم سلم» .\rودليلهم على صفته: اقتصاره صلّى الله عليه وسلم على السجدتين في قصة ذي اليدين، وغيرها من الأحاديث.\rوقال الحنابلة (1) : لا خلاف في جواز السجود قبل السلام وبعده، وإنما الخلاف عندهم في الأفضل والأولى، والأفضل أن يكون قبل السلام؛ لأنه إتمام للصلاة، فكان فيها كسجود صلبها، إلا في حالتين:\rإحداهما ـ أن يسجد لنقص ركعة فأكثر، وكان قد سلم قبل إتمام صلاته، لحديث عمران بن حصين وأبي هريرة في قصة ذي اليدين (2) ففي حديث عمران: «فصلى ركعة ثم سلم، ثم سجد سجدتين، ثم سلم» .\rالثانية ـ أن يشك الإمام في شيء من صلاته، ثم يبني على غالب ظنه، فإنه يسجد للسهو بعد السلام ندباً نصاً؛ لحديث علي وابن مسعود مرفوعاً: «إذا شك أحدكم في صلاته فليتحرَّ الصواب، فليتم ما عليه، ثم ليسجد سجدتين» (3) وفي البخاري: ( بعد التسليم ).\rوصفته: أن يكبر للسجود والرفع منه، سواء أكان قبل السلام أم بعده، ثم يسجد سجدتين كسجود الصلاة، فإن كان السجود بعدياً يأتي بالتشهد كتشهد الصلاة قبل السلام ثم يسلم، وإن كان قبلياً لم يتشهد، ويسلِّم عقبه.\r-------------------------------\r(1) كشاف القناع:479/1-481، المغني:34/2.\r(2) نيل الأوطار: 107/3، 113.\r(3) متفق عليه.","part":2,"page":282},{"id":974,"text":"ويقول في سجود السهو ما يقول في سجود صلب الصلاة، لأنه سجود مشروع في الصلاة، فأشبه سجود صلب الصلاة.\rومن ترك السجود الواجب للسهو عمداً، بطلت صلاته بترك ما محله قبل السلام؛ لأنه ترك الواجب عمداً كغيره من الواجبات، ولا تبطل بترك ما محله بعد السلام؛ لأنه جبر للعبادة خارج منفرد عنها، فلم تبطل بتركه، كجبرانات الحج.\rوإذا نسي سجود السهو حتى طال الفصل، لم تبطل الصلاة؛ لأنه جابر للعبادة بعدها، فلم تبطل بتركه كجبرانات الحج.\rوإن طال الفصل لم يسجد، وإلا سجد.\rالمطلب الثاني ـ سجدة التلاوة:\rالكلام فيها في دليل مشروعيتها، وحكمها، وشروطها، مفسداتها، أسبابها وصفتها، المواضع التي تطلب فيها من القرآن، هل تتكرر السجدة بتكرر التلاوة، ما يتعلق بها من أحكام فرعية.\rأولاً ـ دليل مشروعية سجدة التلاوة:\rذم الله تعالى تارك السجود بقوله: {وإذا قرئ عليهم القرآن لا يسجدون} [الانشقاق:21/84]، وثبت عن النبي صلّى الله عليه وسلم في شأنها أحاديث كثيرة منها: خبر ابن عمر رضي الله عنه: «كان رسول الله صلّى الله عليه وسلم يقرأ علينا السورة، فيقرأ السجدة، فيسجد ونسجد معه، حتى ما يجد أحدنا مكاناً لموضع جبهته» (1) وخبره أيضاً: «أن النبي صلّى الله عليه وسلم كان يَقْرأ علينا القرآن، فإذا مر بالسجدة، كبر وسجد وسجدنا معه» (2) .\r-------------------------------\r(1) متفق عليه ، ولمسلم في رواية: « في غير صلاة » ( نيل الأوطار:100/3 ).\r(2) رواه أبو داود والحاكم، وفي رواية أبي داود ضعيف، وراويه عند الحاكم ثقة، وقال: على شرط الشيخين، وأصله في الصحيحين من حديث ابن عمر بلفظ آخر (نيل الأوطار:103/3).","part":2,"page":283},{"id":975,"text":"وسجودها دليل الإيمان، وطريق الجنة، روى أبو هريرة رضي الله عنه مرفوعاً: « إذا قرأ ابن آدم السجدة، فسجد، اعتزل الشيطان يبكي، يقول: ياويله، أمر ابن آدم بالسجود، فسجد، فله الجنة، وأمرت بالسجود، فعصيت، فلي النار» (1) .\rويسجد القارئ والسامع، لخبر ابن مسعود: أن النبي صلّى الله عليه وسلم قرأ: «والنجم، فسجد فيها، وسجد معه الجن والإنس، إلا أمية بن خلف، فقتل يوم بدر مشركاً» (2) .\rوطلب السجود في القرآن العظيم: إما أن يكون بصيغة الأمر الصريح، مثل {واسجد واقترب} [العلق:19/96]، وإما أن يكون حكاية عن امتثال الأنبياء، أو سائر المخلوقات، مثل قوله سبحانه: {إذا تتلى عليهم آيات الرحمن خرّوا سُجَّداً وبكياً} [مريم:58/19]، وقوله تعالى: {ولله يسجد من في السموات والأرض طوعاً وكرهاً} [الرعد:15/13].\rثانياً ـ حكمها الفقهي:\rسجدة التلاوة واجبة بالتلاوة على القارئ والسامع عند الحنفية، سنة عند بقية الفقهاء (3) ، سواء عند الحنفية والشافعية قصد السامع سماع القرآن أو لم\r-------------------------------\r(1) رواه مسلم، وابن ماجه (نصب الراية: 2 / 178).\r(2) متفق عليه في الصحيحين.\r(3) انظر ما يتعلق بالسجدة: فتح القدير: 1 / 380 - 392، البدائع: 1 / 179 - 195، الدر المختار: 1 / 715 - 730، ، اللباب: 1 / 103 - 105، الشرح الصغير: 416/1-422، القوانين الفقهية: ص 90 وما بعدها، مغني المحتاج: 1 / 214 - 217، المهذب: 1 / 85 وما بعدها، المغني: 1 / 616 - 627، كشاف القناع: 1 / 521 - 526.","part":2,"page":284},{"id":976,"text":"يقصد، أي فتطلب من القارئ والمستمع (وهو قاصد السماع) والسامع (وهو من لم يقصد السماع)، أما الحائض والنفساء، فلا تطلب منهما بالاتفاق، وأما عند المالكية والحنابلة فإن السجود يسن فقط للتالي والمستمع، دون السامع غير القاصد للسماع، فلا يستحب له.\rاستدل الحنفية على الوجوب بحديث: «السجدة على من سمعها، وعلى من تلاها» (1) وهي كلمة إيجاب وهو غير مقيد بالقصد، وبقوله تعالى: {فمالهم لايؤمنون، وإذا قرئ عليهم القرآن لا يسجدون} [الانشقاق:20/84-21] ولايذم إلا على ترك واجب: ولأنه سجود يفعل في الصلاة، فكان واجباً، كسجود الصلاة.\rودليل الجمهور على سنية التلاوة: ما روى زيد بن ثابت قال: «قرأت على النبي صلّى الله عليه وسلم النجم، فلم يسجد منا أحد» (2) ، ولأنه إجماع الصحابة، وروى البخاري والأثرم عن عمر: «أنه قرأ يوم الجمعة على المنبر بسورة النحل، حتى إذا جاء السجدة نزل، فسجد، وسجد الناس، حتى إذا كانت الجمعة القابلة قرأ بها، حتى إذا جاءت السجدة قال: يا أيها الناس، إنما نمر بالسجود، فمن سجد فقد أصاب، ومن لم يسجد فلا إثم عليه، ولم يسجد عمر» وفي لفظ: «إن الله لم يفرض علينا السجود، إلا إن نشاء» (3) . وعلى هذا فمن سجد فحسن، ومن ترك فلا شيء عليه.\rأما دليل طلب السجدة من السامع: فهو حديث ابن عمر السابق، ولأنه\r-------------------------------\r(1) قال عنه الزيلعي: حديث غريب، والصحيح أنه مروي عن عثمان وابن عمر (نصب الراية:178/2).\r(2) هذا لفظ الدارقطني، رواه الجماعة إلا ابن ماجه (نيل الأوطار: 3 / 101).\r(3) نيل الأوطار: 3 / 102.","part":2,"page":285},{"id":977,"text":"سامع للسجدة، فكان عليه السجود كالمستمع، وإن كان السجود للمستمع آكد. ودليل المالكية والحنابلة على عدم مطالبة السامع بالسجدة : فعل عثمان وابن عباس وعمران، وقال عثمان: «إنما السجدة على من استمع» .\rهل تجب عند الحنفية على الفور أو على التراخي؟\rتجب سجدة خارج الصلاة على التراخي، في وقت غير معين، إذا كان التالي أو السامع أهلاً للوجوب، سواء قصد سماع القرآن أو لم يقصد، بشرط كون المسموع منه آدمياً عاقلاً يقظان، ولو جُنُباً أو حائضاً أو نفساء، أو كافراً، أو صبياً مميزاً أو سكران، فلو سمعها من طير كالببغاء أو صدى كآلات التسجيل لا تجب عليه، ولو سمعها من نائم أو مغمى عليه، أو مجنون أو غير مميز، فالأصح من الروايتين لا تجب عليه، لعدم صحة التلاوة بفقد التمييز.\rأما في الصلاة فتجب وجوباً مضيقاً؛ لأنها وجبت بما هو من أفعال الصلاة وهو القراءة ، فالتحقت بأفعال الصلاة، وصارت جزءاً منها. فإن أنهى قراءته بآية السجدة: فإما أن يسجد بها سجوداً مستقلاً، ثم يعود للقراءة، وإما أن يضمنها في ركوعه أو سجوده، إن نواها في ركوعه، وسواء نواها أو لم ينوها في سجوده.\rوإذا لم ينه قراءته بآية السجدة، وتابع فقرأ بعدها ثلاث آيات فأكثر، وجب أن يسجد لها مستقلاً، غير سجود الصلاة، ويستحب أن يعود للقراءة، فيقرأ ثلاث آيات فأكثر، ثم يركع، ويتم صلاته.\rمتابعة الإمام في السجدة وسماعها من غير المصلي: قال الحنفية: إذا تلا الإمام آية السجدة، سجدها معه المأموم، لالتزامه متابعته. وإن تلا المأموم لم يسجد الإمام ولا المأموم، لا في الصلاة ولا خارجها، لأن المقتدي محجوز عن القراءة لنفاذ تصرف الإمام عليه. وإن سمع المصلي وهو في الصلاة آية سجدة من رجل في غير الصلاة لم يسجد لها في الصلاة، وسجدها بعد الصلاة، فإن سجدها في الصلاة لم يجزه، ولم تفسُد صلاته؛ لأن مجرد السجدة لا ينافي إحرام الصلاة.","part":2,"page":286},{"id":978,"text":"وكذلك قال غير الحنفية: يلزم متابعة الإمام في السجدة، فإن سجد الإمام فتخلف المقتدي، أو سجد المأموم دون إمامه، بطلت صلاته ولا يسجد المصلي لقراءة غيره بحال، ولا يسجد مأموم لقراءة نفسه، فإن فعل بطلت صلاته؛ لأنه زاد فيها سجوداً.\rثالثاً ـ شروط سجود التلاوة:\r1 ً - شرائط الوجوب:\rيشترط لوجوب سجدة التلاوة عند الحنفية: أهلية وجوب الصلاة من الإسلام والعقل والبلوغ، والطهارة من الحيض والنفاس، فلا تجب على الكافر والصبي والمجنون والحائض والنفساء.\rولا تسن عند المالكية للمستمع إلا إن صلح القارئ للإمامة، بأن يكون ذكراً بالغاً عاقلاً، وإلا فلا سجود عليه، بل على القارئ وحده.\rوتسن عند الشافعية ولو كان القارئ صبياً مميزاً، والمستمع رجلاً، أو محدثاً، أو كافراً، ولا تسن لقراءة جنب وسكران؛ لأنها غير مشروعة لهما.\rويشترط لسجود المستمع عند الحنابلة: أن يكون القارئ يصلح إماماً للمستمع له، أي يجوز اقتداؤه به، أي كما قال المالكية، لما روى عطاء: «أن رجلاً من الصحابة قرأ سجدة، ثم نظر إلى النبي صلّى الله عليه وسلم فقال: إنك كنت إمامنا، فلو سجدت، سجدنا معك» (1) ، وقال ابن مسعود لتميم بن حَذْلم وهو غلام: اقرأ، فقرأ عليه سجدة، فقال: «اسجد، فإنك إمامنا فيها» (2) ، فلا يسجد المستمع قُدَّام القارئ، ولا عن يساره، مع خلو يمينه، ولا يسجد رجل لتلاوة امرأة وخنثى؛ لأن القارئ لا يصلح إماماً له في هذه الأحوال.\rويسجد المستمع لتلاوة أمي وزمِن (مريض) وصبي؛ لأن اقتداء الرجل بالصبي يصح في النفل، وقراءة الفاتحة والقيام ليسا بواجب في النفل.\r2 ً - شرائط الجواز أو الصحة:\rيشترط لصحة سجدة التلاوة ما يشترط لصحة الصلاة: من طهارة الحدث (وهي الوضوء والغسل) وطهارة النجس (وهي طهارة البدن والثوب ومكان السجود والقيام والقعود)، وستر العورة، واستقبال القبلة والنية. وهذه شروط متفق عليها، واختلفوا فيما عداها.\r-------------------------------\r(1) رواه الشافعي مرسلاً، وفيه إبراهيم بن يحيى، وفيه كلام.\r(2) رواه البخاري تعليقاً.","part":2,"page":287},{"id":979,"text":"فقال الحنفية: لا يشترط لها التحريمة ونية تعين الوقت، كما لا يشترط لها السلام كالصلاة. وتجب آية السجدة على خطيب الجمعة والعيدين، وعلى السامعين، لكن يكره للإمام الإتيان بها فوق المنبر، فينزل ويسجد ويسجد الناس معه.\rوقال المالكية أيضاً: لا إحرام ولا تسليم. ويشترط في المستمع شروط ثلاثة، كما قدمنا:\rأولاً ـ أن يكون القارئ صالحاً للإمامة في الفريضة: بأن يكون ذكراً بالغاً عاقلاً مسلماً متوضئاً.\rفلو كان القارئ امرأة أو مجنوناً أو صبياً أو كافراً أو غير متوضئ، فلا يسجد المستمع ولا السامع، ويسجد القارئ فقط إن كان امرأة أو صبياً.\rثانياً ـ ألا يقصد القارئ إسماع الناس حسن صوته: فإن كان ذلك فلا يسجد المستمع.\rثالثاً ـ أن يكون قصد السامع من السماع أن يتعلم من القارئ القراءة أو أحكام التجويد من مدّ وقصر وإخفاء وإدغام ونحو ذلك. ولا سجود في صلاة الجنازة، ولا في خطبة الجمعة.\rوقال الشافعية: يشترط مع النية تكبيرة الإحرام على الصحيح، كماأخرجه أبو داود، لكن بإسناد ضعيف، وقياساً على الصلاة، ويشترط السلام أيضاً في الأظهر بعد القعود كالصلاة، ولا يشترط التشهد في الأصح.\rوتشترط شروط أخرى في المصلي وغيره:\rأولاً ـ أن تكون القراءة مشروعة: فإن كانت محرمة كقراءة الجنب، أو مكروهة كقراءة المصلي في حال الركوع مثلاً، فلا يسن السجود للقارئ ولا للسامع.\rثانياً ـ أن تكون مقصودة: فلو صدرت من ساهٍ ونحوه كالطير وآلة التسجيل، فلا يشرع السجود.\rثالثاً ـ أن يكون المقروء كل آية السجدة: فلو قرأ بعضها، لم يسجد.\rرابعاً ـ أن تكون قراءة آية السجدة بدلاً من قراءة الفاتحة لعجزه عنها.","part":2,"page":288},{"id":980,"text":"خامساً ـ ألا يطول الفصل بين قراءة الآية والسجود، وألا يعرض عنها: فإن طال وأعرض عنها، فلا سجود. والطول: أن يزيد على مقدار صلاة ركعتين بقراءة متوسطة.\rسادساً ـ أن تكون قراءة آية السجدة من شخص واحد: فلو قرأ واحد بعض الآية، وكملها آخر، فلا سجود.\rسابعاً ـ يشترط لها ما يشترط للصلاة من طهارة وغيرها كما بينا مما هو متفق عليه. وبناء عليه: لا يسجد السامع لقراءة النائم والجنب والسكران والساهي والطيور المعلمة.\rويشترط في المصلي شرطان آخران:\rأولاً ـ ألا يقصد بقراءة الآية السجود، فإن قصده بطلت الصلاة، إلا قراءة سورة السجدة في صبح الجمعة، فإنها سنة، وإلا المأموم فيسجد إن سجد إمامه. وكما لا يصح قصد آية السجدة في الصلاة بقصد السجود، لا يصح قصد قراءتها في وقت الكراهة، فإن قصدها فلا يسجد لحرمتها.\rثانياً ـ أن يكون هو القارئ: فإن كان القارئ غيره وسجد فلا يسجد، فإن سجد بطلت صلاته، إن كان عالماً عامداً. ولا سجود في صلاة الجنازة، ويسجد خطيب الجمعة لما يقرأ، دون المصلين، فيحرم عليهم السجود، للإعراض عن الخطبة. ويشترط للسامع سماع الآية بكاملها كالقراءة، فلا يكفي كلمة السجدة ونحوها، فلو سجد قبل الانتهاء إلى آخر السجدة، ولو بحرف واحد لم يجز.\rوقال الحنابلة: يزاد على الشروط المتفق عليها في المستمع شرطان كما قدمنا:\rأولاً ـ أن يصلح القارئ للإمامة: فلو سمع الآية من امرأة أو غير آدمي كالببغاء وآلة التسجيل لا يسن له السجود.\rثانياً ـ أن يسجد القارئ: فإذا لم يسجد فلا يسن للمستمع.","part":2,"page":289},{"id":981,"text":"رابعاً ـ مفسدات سجود التلاوة:\rيبطل سجدة التلاوة كل ما يبطل الصلاة: من الحدث والعمل الكثير، والكلام والقهقهة، وعليه إعادتها. إلا عند الحنفية: لا وضوء عليه في القهقهة، ولا يفسدها محاذاة المرأة الرجل فيها، وإن نوى إمامتها، لانعدام الشركة، إذ هي مبنية على التحريمة، ولا تحريمة لهذه السجدة عندهم. وبناء عليه: يشترط بالاتفاق الكف عن مفسدات الصلاة، كالأكل ودخول وقت السجود، بأن يكون قد قرأ الآية أو سمعها.\rخامساً ـ أسباب سجدة التلاوة وصفتها:\rتتردد أسباب سجود التلاوة لآية سجدة، والسماع لها،والاستماع، كما هو موضح في المذاهب .\rفقال الحنفية: أسباب سجدة التلاوة ثلاثة أمور :\rالأول ـ التلاوة: فتجب على التالي،ولو لم يسمع نفسه كأن كان أصم.\rالثاني ـ سماع آية سجدة أو الاستماع إليها، والاستماع يكون بقصد دون السماع.\rالثالث ـ الاقتداء، فلو تلاها الإمام، وجبت على المقتدي، وإن لم يسمعها. وصفة السجود عندهم: أن يكبر للوضع، دون رفع يديه كسجدة الصلاة، ويسجد بين كفيه، واضعاً جبهته على الأرض للسجود، ثم يكبر للرفع، وكل من هاتين التكبيرتين سنة، ويرفع رأسه. ولا يقرأ التشهد، ولا يسلم، لعدم وجود التحريمة. ويقول في سجوده ما يقول في سجود الصلاة، على الأصح وهو: سبحان ربي الأعلى ثلاثاً.\rوقال المالكية: سبب سجدة التلاوة أمران فقط: التلاوة والاستماع بشرط أن يقصده، كما ذكر في شروطها.\rوصفتها: هي سجدة واحدة، بلا تكبير إحرام ولا سلام، بل يكبر للسجود، ثم للرفع منه استحباباً في كل منهما. ويكبر القائم من قيام ولا يجلس، والجالس من جلوس، وينزل لها الراكب، إلا إذا كان مسافراً، فيسجدها صوب سفره بالإيماء؛ لأنها نافلة. ويسبح فيها كالصلاة: سبحان ربي الأعلى ثلاثاً.","part":2,"page":290},{"id":982,"text":"فيكون مذهب المالكية قريباً في بيان الصفة من الحنفية. ويزيد في سجوده ما ورد في الحديث الصحيح: «اللهم اكتب لي بها أجراً، وضع عني بها وزراً، واجعلها لي عندك ذخراً، وتقبلها مني كما قبلتها من عبدك داود» (1)\rوقال الشافعية: سبب سجود التلاوة: التلاوة والسماع والاستماع، كما قال الحنفية، بالشروط المتقدمة.\rولها ركنان: النية لغير المأموم، أما المأموم فتكفيه نية الإمام. وسجدة واحدة، كسجدة الصلاة. والمصلي ينوي بالقلب.\rوغير المصلي: يزاد له ثلاثة أركان: تكبيرة الإحرام، والجلوس بعد السجدة، والسلام. ويسن له التلفظ بالنية.\rوصفتها: أن يكبر للهُوي، وللرفع، ولا يسن له رفع يديه في الصلاة، ويسن الرفع خارج الصلاة، ولا يجلس للاستراحة في الصلاة. ويقول في سجوده: ( سبحان ربي الأعلى ثلاثاً)، ويضيف قائلاً: (سجد وجهي للذي خلقه وصوره وشق سمعه وبصره بحوله وقوته، فتبارك الله أحسن الخالقين) ويقول أيضاً: «اللهم اكتب لي بها عندك أجراً، واجعلها لي عندك ذخراً، وضع عني بها وزراً، واقبلها مني كما قبلتها من عبدك داود» (2) .\rويندب كما ثبت عن الشافعي: أن يقول: (سبحان ربنا إن كان وعد ربنا لمفعولاً) ولو قال ما يقوله في سجوده فقط، جاز وكفى.\rويقوم مقام سجود التلاوة ما يقوم مقام تحية المسجد، فمن لم يرد فعلها قال أربع مرات: (سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله ، والله أكبر).\r-------------------------------\r(1) رواه الخمسة إلا ابن ماجه وصححه الترمذي (نيل الأوطار: 3/ 103).\r(2) رواهما الحاكم وصححهما، وروى الأول الترمذي أيضاً عن عائشة وقال: هذا حديث حسن صحيح، وروى الثاني أيضاً وابن ماجه عن ابن عباس رضي الله عنهما، وقال الترمذي: هذا حديث غريب. وهو حسن (نيل الأوطار: 3/ 103 - 104).","part":2,"page":291},{"id":983,"text":"وقال الحنابلة: سببها: التلاوة والاستماع بالشروط المتقدمة. وبشرط ألا يطول الفصل عرفاً بينها وبين سببها. فإن كان القارئ أو السامع محدثاً، ولا يقدر على استعمال الماء تيمم. ولا يسجد المقتدي إلا لمتابعة إمامه. ويكره للإمام سجوده لقراءة سجدة في صلاة سرية، لئلا يخلط على المأمومين، فإن فعل خير المأموم بين المتابعة وتركها؛ لأنه ليس بتال ولا مستمع، والأولى السجود متابعة للإمام.\rوأركانها ثلاثة: السجود والرفع منه، والتسليمة الأولى، أما الثانية فليست بواجبة، أما التكبير للهوي والرفع من السجود والذكر في السجود فهو واجب، كما في سجود صلب الصلاة. والجلوس للتسليم مندوب. والأفضل سجوده عن قيام، لما روى إسحاق بن راهويه عن عائشة: «أنها كانت تقرأ في المصحف، فإذا انتهت إلى السجدة، قامت، فسجدت» وتشبيهاً له بصلاة النفل.\rوصفتها: أن يكبر إذا سجد وإذا رفع، ويرفع يديه مع تكبيرة السجود إن سجد في غير الصلاة؛ لأنها تكبيرة افتتاح، كما قال الشافعية. أما في الصلاة فقياس المذهب ألا يرفع يديه، لأن في حديث ابن عمر «أن النبي صلّى الله عليه وسلم كان لا يفعله في السجود» (1) يعني رفع يديه، ويسلم إذا رفع.\rويقول في سجوده ما يقول في سجود الصلاة، ويزيد ما زاده الشافعية (سجد وجهي...) (اللهم اكتب لي بها عندك أجراً...)0.\rولا يقوم الركوع مقام السجود عند غير الحنفية؛ لأنه سجود مشروع، فلا ينوب عنه الركوع، كسجود الصلاة.\r-------------------------------\r(1) متفق عليه.","part":2,"page":292},{"id":984,"text":"سادساً ـ المواضع التي تطلب فيها السجدة:\rعدد السجدات عند المالكية (1) في المشهور: إحدى عشرة، منها عشر بالإجماع: وهي في سورة الأعراف الآية (206)، والرعد (15)، والنحل (49)، والإسراء (107)، ومريم (58)، وفي أول الحج (18)، وفي الفرقان (60)، وفي النمل (25)، وفي الم السجدة (15)، وفي فصّلت (38)، وفي ص (24).\rواتفق الحنفية (2) مع المالكية على سجدة ( ص ) وهي عندهم أربع عشرة، بإضافة ثلاث أخر: في سورة النجم (62)، وإذا السماء انشقت (21)، واقرأ باسم ربك الذي خلق (19). أما سجدة الحج الثانية فإنها للأمر بالصلاة بدليل اقترانها بالركوع. والأحاديث الواردة بتفضيل سورة الحج بسجدتين فيها راويان ضعيفان.\r-------------------------------\r(1) القوانين الفقهية: ص 90 وما بعدها، الشرح الصغير: 1 / 418.\r(2) الكتاب مع اللباب: 1 / 103.","part":2,"page":293},{"id":985,"text":"وقال الشافعية والحنابلة (1) : السجدات أربع عشرة، منها سجدتان في سورة الحج، وفي أولها وآخرها (77)، أما سجدة ص فهي سجدة شكر تستحب في غير الصلاة، وتحرم في الصلاة على الأصح وتبطلها، لما روى البخاري عن ابن عباس، قال: « ص ليست من عزائم السجود، وقد رأيت النبي صلّى الله عليه وسلم يسجد فيها» وقال النبي صلّى الله عليه وسلم : «سجدها داود توبة، ونحن نسجدها شكراً» (2) .\rويؤيد هذا الرأي حديث عمرو بن العاص: « أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم أقرأه خمس عشرة سجدة في القرآن، منها ثلاث في المفصَّل، وفي الحج سجدتان» (3) فدل على أن السجدات خمس عشرة ، منها سجدتان في الحج، وفي ص .\rوحجة المالكية على نفي سجدات المفصل (النجم، الانشقاق، العلق): حديث ابن عباس عند أبي داود وابن السكن في صحيحه بلفظ: «لم يسجد النبي صلّى الله عليه وسلم في شيء من المفصَّل منذ تحول إلى المدينة» (4) .\rواستدل الجمهور (غير المالكية) على إثبات سجدات المفصل بحديث أبي هريرة قال: «سجدنا مع النبي صلّى الله عليه وسلم في: {إذا السماء انشقت} [الانشقاق:1/84]، و {اقرأ باسم ربك} [العلق:1/96] (5) علماً بأن إسلام أبي هريرة كان سنة سبع من الهجرة.\rواستدلوا بحديث ابن مسعود المتقدم أيضا: « أن النبي صلّى الله عليه وسلم قرأ والنجم، فسجد فيها، وسجد من كان معه، غير أن شيخاً من قريش أخذ كفاً من حصى أو تراب، فرفعه إلى جبهته، وقال: يكفيني هذا، قال عبد الله : فلقد رأيته بعدُ قتل كافراً» (6) .\rسابعاً ـ هل تتكرر السجدة بتكرر التلاوة؟\rتتكرر السجدة بتكرر التلاوة عند الجمهور، ولا تتكرر عند الحنفية إن كانت التلاوة لآية في مجلس واحد.\rقال الحنفية (7) : من كرر تلاوة آية سجدة واحدة في مجلس واحد، أجزأته سجدة واحدة، وفعلها بعد الأولى أولى، وقيل: التأخير أحوط، أي أنه يشترط اتحاد الآية والمجلس.\rأما إن كرر آية السجدة في عدة أماكن، أي اختلف المجلس، فيجب تكرار السجود.\rفإن قرأ عدة آيات فيها سجدات مختلفة، فيجب لكل آية سجدة سواء اتحد المجلس أم اختلف.\r-------------------------------\r(1) مغني المحتاج: 1 / 214 وما بعدها، كشاف القناع: 1 / 524.\r(2) رواه النسائي.\r(3) رواه أبو داود وابن ماجه.\r(4) لكن في إسناده ضعيفان، وإن كانا من رجال مسلم، قال النووي: حديث ابن عباس ضعيف الإسناد لا يصح الاحتجاج به. وعلى فرض صحته فالأحاديث الأخرى مثبتة، وهي مقدمة على النفي.\r(5) رواه الجماعة إلا البخاري (نيل الأوطار:98/3).\r(6) متفق عليه.\r(7) مراقي الفلاح: ص 84 وما بعدها، الدر المختار ورد المحتار: 726/1 -728.","part":2,"page":294},{"id":986,"text":"ويتبدل المجلس بالانتقال منه بثلاث خطوات في الصحراء والطريق، وبالانتقال من غصن شجرة إلى غصن، وبسباحة في نهر أو حوض كبير في الأصح. ولا يتبدل بزوايا البيت الصغير، والمسجد ولو كان كبيراً، ولا بسير سفينة أو سيارة، ولا بركعة وبركعتين، وشربة وأكل لقمتين، ومشي خطوتين، ولا باتكاء وقعود وقيام وركوب ونزول في محل تلاوته، ولا بسير دابته مصلياً.\rويتكرر الوجوب على السامع بتبديل مجلسه، وإن اتحد مجلس القارئ، فلو كررها راكباً يصلي، وغلامه يمشي، تتكرر على الغلام، لا الراكب، ولا تتكرر على السامع في عكسه وهو تبدل مجلس القارئ دون السامع على المفتى به (1) ، ومن تلا آية سجدة، فلم يسجد لها، حتى دخل في الصلاة، فتلاها، وسجد لها، أجزأته السجدة عن التلاوتين.\rوإن تلاها في غير الصلاة، فسجد لها، ثم دخل في الصلاة، فتلاها، سجد لها، ولم تُجْزه السجدة الأولى. وإذا تلا آية سجدة في الصلاة ثم أعادها بعد سلامه، يسجد سجدة أخرى. ولا تقضى السجدة التي تتلى في الصلاة خارجها؛ لأن لها مزية، فلا تتأدى بناقص، وعليه التوبة.\rوقال المالكية: إذا كرر المعلم أو المتعلم آية السجدة، فيسن السجود لكل منهما عند قراءتها أول مرة فقط دفعاً للمشقة. ويسجد إن تجاوز آية السجدة تجاوزاً يسيراً كآية أو آيتين، فإن كان التجاوز كثيراً أعاد آية السجدة وسجد، ولو كان في صلاة فرض، ولكن لا يسجد في الفرض إذا لم ينحن للركوع.\rوقال الشافعية: لو كرر آية في مجلسين، أوفي مجلس في الأصح، سجد لكل من المرتين عقبها، والركعة كمجلس واحد، والركعتان كمجلسين. فإن لم يسجد وطال الفصل عرفاً ولو بعذر، لم يسجد أداء؛ لأنه من توابع القراءة.\rوقال الحنابلة: إذا كرر تلاوة الآية أو استماعها، يسن له تكرار السجود بمقدار ذلك، لتعدد السبب.\r-------------------------------\r(1) أما الصلاة على الرسول صلّى الله عليه وسلم فتتكرر على الراجح وهو رأي متأخري الحنفية بتكرر ذكره، وإن اتحد المجلس. وأما العطاس: فالأصح أنه إن زاد على الثلاث لا يشمته.","part":2,"page":295},{"id":987,"text":"ثامناً ـ أحكام فرعية لسجدة التلاوة:\rقال الحنفية (1) :\rأ ـ يكره تحريماً ترك آية سجدة، وقراءة باقي السورة؛ لأن فيه قطع نظم القرآن وتغيير تأليفه الإلهي، واتباع النظم والتأليف مأمور به. ولا يكره عكسه: وهو قراءة آية السجدة من بين السورة؛ لأنها من القرآن، وقراءة ما هو من القرآن طاعة، كقراءة سورة من بين السور، ولكن يندب ضم آية أو آيتين إليها قبلها أو بعدها، لدفع وهم التفضيل، إذ الكل من حيث إنه كلام الله في رتبة واحدة، وإن كان لبعضها زيادة فضيلة باشتماله على صفاته تعالى.\rب ـ يستحسن إخفاء آية السجدة عن سامع غير متهيء للسجود. والراجح وجوب السجود على متشاغل بعمل، وقد سمع آية السجدة، زجراً له عن تشاغله عن كلام الله .\rويكره للإمام أن يقرأ آية سجدة في صلاة سرية لئلا يشتبه على المقتدين، وفي نحو جمعة وعيد، إلا أن تكون بحيث تؤدى بركوع الصلاة أو سجودها، ولو تلا على المنبر آية سجدة سجد الإمام فوق المنبر مع الكراهة أو تحته وسجد السامعون.\rجـ - لو سمع شخص آية السجدة من قوم، من كل واحد منهم حرفاً، لم يسجد لأنه لم يسمعها من تال، لأن اتحاد التالي شرط.\rد ـ يندب القيام ثم السجود لآية السجدة، ويندب ألا يرفع السامع رأسه من السجود قبل رفع رأس التالي لآية السجدة، ولا يؤمر التالي بالتقدم، ولا السامعون بالاصطفاف، وإنما يسجدون كيف كانوا.\rهـ ـ قيل: من قرأ آي السجدة كلها في مجلس، وسجد لكل منها، كفاه الله ما أهمه. وظاهره أنه يقرؤها ولاء، ثم يسجد، ويحتمل أن يسجد لكل آية بعد قراءة الكل، وهو غير مكروه.\r-------------------------------\r(1) الدر المختار: 729/1-732، مراقي الفلاح: ص 85.","part":2,"page":296},{"id":988,"text":"وقال المالكية (1) :\rأ ـ يكره الاقتصار على قراءة الآية للسجود، كما قال الحنفية؛ كأن يقرأ { إنما يؤمن بآياتنا } .[السجدة:15/32] وعلى القول بالكراهة: لو قرأها لا يسجد.\rب ـ يكره لمصلٍ تعمد السجدة، بأن يقرأ ما فيه آيتها، بفريضة، ولو صبح جمعة على المشهور، لا في نفل، فلا يكره. فإن قرأها بفرض عمداً أو سهواً سجد لها، ولو بوقت نهي، أما إن قرأها في خطبة جمعة أو غيرها فلا يسجد لها، لاختلال نظامها.\rجـ ـ يندب لإمام الصلاة السرية كالظهر الجهر بآية السجدة، ليسمع المأمومون فيتبعوه في سجوده، فإن لم يجهر بها، بل قرأها سراً وسجد، اتبعه المقتدون؛ لأن الأصل عدم السهو، فإن لم يتبعوه صحت صلاتهم؛ لأن اتباعه واجب غير شرط؛ لأن السجدة ليست من الأفعال المقتدى به فيها أصالة، وترك الواجب الذي ليس بشرط لا يوجب البطلان.\rد ـ من تجاوز السجدة في القراءة بآية أو آيتين، يسجد، بلا إعادة القراءة لمحل السجدة. وإن تجاوز بكثير يعيدها،أي يعيد القراءة لآية السجدة، سواء في الصلاة ولو بفرض أم في غيرها. ويسجد لها ما لم ينحن بقصد الركوع في نفل أو فرض، فإن ركع بالانحناء فات تداركها. ويندب إعادة القراءة بالنفل لافي الفرض في الركعة الثانية، إذا لم تكن قراءتها في الثانية. والظاهر إعادتها قبل الفاتحة لتقدم سببها.\rهـ ـ يندب لساجد السجدة في الصلاة قراءة شيء من القرآن قبل الركوع ولو من سورة أخرى، ليقع ركوعه عقب قراءة.\rولو قصد أداء السجدة بعد قراءة محلها، وانخفض بنيتها، فركع ساهياً صح ركوعه عند الإمام مالك، بناء على أن الحركة للركن لا تشترط، ثم يسجد للسهو لهذه الزيادة بعد السلام إن اطمأن بركوعه، فإن لم يطمئن سجدها، ولا سجود سهو عليه.\r-------------------------------\r(1) الشرح الصغير: 1 /419- 422.","part":2,"page":297},{"id":989,"text":"وقال الحنابلة (1) :\rأ ـ لا يسجد المرء سجدة التلاوة في الأوقات المنهي عنها التي لا يجوز فيها التطوع بالصلاة، خلافاً للشافعية، لعموم قوله عليه السلام: «لا صلاة بعد الفجر حتى تطلع الشمس، ولا بعد العصر حتى تغرب الشمس» وهذا مروي عن ابن عمر، وعن أبي بكر وعمر وعثمان.\rب ـ إن قرأ السجدة في الصلاة في آخر السورة: فإن شاء ركع، وإن شاء سجد، ثم قام فركع، قال ابن مسعود: «إن شئت ركعت، وإن شئت سجدت» .\rجـ ـ إن كان القارئ على الراحلة في السفر، جاز أن يومئ بالسجود حيث كان اتجاهه، كصلاة النافلة. وهذا متفق عليه بين المذاهب (2) . لما روى ابن عمر «أن النبي صلّى الله عليه وسلم قرأ عام الفتح سجدة، فسجد الناس كلهم، منهم الراكب، والساجد في الأرض، حتى إن الراكب ليسجد على يده» (3) .\rد ـ يكره اختصار السجود: وهو أن ينتزع الآيات التي فيها السجود، فيقرؤها ويسجد فيها؛ لأنه ليس بمروي عن السلف فعله، بل كراهته. وقد قدمنا جوازه عند الحنفية.\rهـ ـ يكره للإمام السجدة في صلاة سرية، وإن قرأ لم يسجد؛ لأن فيها إبهاماً على المأموم. وهذا متفق مع رأي الحنفية، ولم يكرهه الشافعي؛ لحديث ابن عمر: «أن النبي صلّى الله عليه وسلم سجد في الظهر، ثم قام فركع، فرأى أصحابه أنه قرأ سورة السجدة» (4) . وذكر المالكية أن الإمام يجهر بالسجدة حينئذ كما أسلفنا.\rالمطلب الثالث ـ سجدة الشكر :\rتستحب سجدة الشكر عند الجمهور، وتكره عند المالكية، وعبارات الفقهاء في شأنها ما يأتي:\rقال الحنفية (5) : هي مكروهة عند أبي حنيفة لعدم إحصاء نعم الله تعالى. وهي قربة يثاب عليها، لما روى الأئمة الستة إلا النسائي عن أبي بكرة «أن النبي صلّى الله عليه وسلم كان إذا أتاه أمر يسره، أو بشر به، خر ساجداً» وهيئتها: مثل سجدة التلاوة.\r-------------------------------\r(1) المغني : 1 /623، 626،627.\r(2) انظر أيضاً مغني المحتاج: 1 /219.\r(3) رواه أبو داود (نيل الأوطار: 3 /102).\r(4) رواه أحمد وأبو داود (نيل الأوطار: 3 /100).\r(5) الدر المختار ورد المحتار: 1 /344،731، مراقي الفلاح: ص 85 وما بعدها.","part":2,"page":298},{"id":990,"text":"والمفتى به أنها مستحبة، لكنها تكره بعد الصلاة؛ لأنه الجهلة يعتقدونها سنة أو واجبة،وكل مباح يؤدي إلى هذا الاعتقاد فهو مكروه. وعلى هذا ما يفعل عقب الصلاة من السجدة مكروه إجماعاً؛ لأن العوام يعتقدون أنها واجبة أو سنة، وكل\rجائز أدى إلى اعتقاد ذلك كره. وإذا نواها ضمن ركوع الصلاة أو سجودها، أجزأته.\rويكره أن يسجد شكراً بعد الصلاة في الوقت الذي يكره فيه النفل، ولا يكره في غيره.\rوقال المالكية (1) : يكره سجود الشكر عند سماع بشارة، والسجود عند زلزلة، وإنما المستحب عند حدوث نعمة أو اندفاع نقمة: صلاة ركعتين؛ لأن عمل أهل المدينة على ذلك.\rوأجاز ابن حبيب المالكي سجد ة الشكر لحديث أبي بكر السابق (2) .\rوقال الشافعية (3) : سجدة الشكر لا تدخل في الصلاة. وتسن لهجوم نعمة، كحدوث ولد أو جاه أو اندفاع نقمة كنجاة من حريق أو غريق، أو رؤية مبتلى في بدنه أو غيره، أو رؤية عاص يجهر بمعصيته، ويظهرها للعاصي، لا للمبتلى.\rوهي كسجدة التلاوة، والأصح جوازهما على الراحلة للمسافر بالإيماء لمشقة النزول، فإن سجد الراكب لتلاوة صلاة، جاز الإيماء على الراحلة قطعاً تبعاً للنافلة كسجود السهو.\rوأدلتهم في حالة تجدد نعمة أو اندفاع نقمة: حديث أبي بكرة السابق، وحديث عبد الرحمن بن عوف، قال: خرج النبي صلّى الله عليه وسلم ، فتوجه نحو صَدَفَته (4) ،\r-------------------------------\r(1) الشرح الصغير: 1 /422.\r(2) قال الترمذي عنه: هو حسن غريب، وفي إسناده بكار بن عبد العزيز بن أبي بكرة عن أبيه عن جده، وهو ضعيف عند العقيلي وغيره. وقال ابن معين: إنه صالح الحديث (نيل الأوطار: 3 / 104 وما بعدها).\r(3) مغني المحتاج: 1 /219.\r(4) الصدفة: من أسماء البناء المرتفع، فهي كل بناء عظيم مرتفع.","part":2,"page":299},{"id":991,"text":"فدخل، فاستقبل القبلة، فخر ساجداً، فأطال السجود، ثم رفع رأسه، وقال: إن جبريل أتاني، فبشرني، فقال: إن الله عز وجل يقول لك: «من صلى عليك صليت عليه، ومن سلّم عليك سلمت عليه، فسجدت شكراً لله » (1) .\rوروى أبو داود بإسناد حسن «أنه صلّى الله عليه وسلم قال: سألت ربي، وشفعت لأمتي، فأعطاني ثلث أمتي، فسجدت شكراً لربي، ثم رفعت رأسي، فسألت ربي، فأعطاني ثلث أمتي، فسجدت شكراً لربي، ثم رفعت رأسي، فسألت ربي فأعطاني الثلث الآخر، فسجدت شكراً لربي» .\rودليلهم لحالة رؤية المبتلى: حديث رواه البيهقي، وشكر الله على سلامته. وأما حالة رؤية العاصي: فلأن المصيبة في الدين أشد منها في الدنيا، قال صلّى الله عليه وسلم : «اللهم لا تجعل مصيبتنا في ديننا» ، وعند رؤية الكافر أولى.\rوقال الحنابلة (2) : يستحب سجود الشكر عند تجدد النعم، واندفاع النقم لحديث أبي بكرة السابق، وسجد الصديق حين فتح اليمامة.\rويشترط لسجود الشكر ما يشترط لسجود التلاوة. ولا يسجد للشكر وهو في الصلاة؛ لأن سبب السجدة ليس منها، فإن فعل بطلت صلاته، إلا أن يكون ناسياً أو جاهلاً بتحريم ذلك.\rالمبحث الثاني ـ قضاء الفوائت :\rمعناه وحكمه شرعاً، أعذار سقوط الصلاة وتأخيرها، كيفية القضاء سفراً وحضراً سراً وجهراً، الترتيب في قضاء الفوائت، متى يسقط الترتيب، القضاء إن جهل العدد، القضاء في وقت النهي عن الصلاة.\rأولاً ـ معنى القضاء وحكمه شرعاً :\rالأداء: فعل الواجب في وقته، وبإدراك التحريمة يكون أداء عند الحنفية والحنابلة، أما عند الشافعية والمالكية: فبإدراك ركعة من الصلاة، كما بينا في بحث أوقات الصلاة.\r-------------------------------\r(1) رواه أحمد ورواه أيضاً البزار وابن أبي عاصم، والعقيلي في الضعفاء، والحاكم (نيل الأوطار:105/3).\r(2) المغني: 1 /627 وما بعدها.","part":2,"page":300},{"id":992,"text":"والإعادة: فعل مثل الواجب في وقته، لخلل غير الفساد، قال الحنفية: كل صلاة أديت مع كراهة التحريم تعاد وجوباً في الوقت، وخارج الوقت.\rوالقضاء: فعل الواجب بعد وقته (1) . أو إيقاع الصلاة بعد وقتها.\rوالشأن في المسلم ديناً وعقلاً أن يبادر إلى أداء الصلاة في وقتها، ويأثم بتأخيرها عن وقتها بغير عذر، كما بينا في فضل الصلاة، لقوله تعالى: {فإذا اطمأننتم، فأقيموا الصلاة، إن الصلاة كانت على المؤمنين كتاباً موقوتاً} [النساء:103/4]. وتأخير الصلاة من غير عذر معصية كبيرة لا تزول بالقضاء وحده، بل بالتوبة أو الحج بعد القضاء.\rومن أخر الصلاة عن وقتها لعذر مشروع فلا إثم عليه، ومن العذر: خوف العدو، وخوف القابلة موت الولد، أو خوف أمه إذا خرجه رأسه، لأنه عليه السلام أخر الصلاة يوم الخندق: قال ابن مسعود: «إن المشركين شغلوا رسول الله صلّى الله عليه وسلم عن أربع صلوات يوم الخندق، حتى ذهب من الليل ما شاء الله ، فأمر بلالاً فأذن، ثم أقام، فصلى الظهر، ثم أقام فصلى العصر، ثم أقام فصلى المغرب، ثم أقام فصلى العشاء» (2) .\rومن شغلت ذمته بأي تكليف لا تبرأ إلا بتفريغها أداء أو قضاء، لقوله صلّى الله عليه وسلم : «فدين الله أحق أن يقضى» (3) . فمن وجبت عليه الصلاة، وفاتته بفوات الوقت المخصص لها، لزمه قضاؤها (4) فهو آثم بتركها عمداً، والقضاء عليه واجب، لقوله صلّى الله عليه وسلم : «إذا رقد أحدكم عن الصلاة، أو غفل عنها، فليصلها إذا ذكرها، فإن الله عز وجل يقول: {أقم الصلاة لذكري} [طه:14/20] (5) وللبخاري: «من نسي صلاة، فليصلها إذا ذكرها، لا كفارة لها إلا ذلك» ومجموع الحديث المتفق عليه بين البخاري ومسلم: «من نام عن صلاة أو نسيها، فليصلها إذا ذكرها» فمن فاتته الصلاة لنوم أو نسيان قضاها، وبالأولى من فاتته عمداً بتقصير يجب عليه قضاؤها.\rوعليه: يجب القضاء بترك الصلاة عمداً أو لنوم أو لسهو، ولوشكاً. ولا يجب القضاء عند المالكية لجنون أو إغماء أو كفر، أو حيض أو نفاس، أو لفقد الطهورين.\r-------------------------------\r(1) الدر المختار: 1 / 676 -679.\r(2) رواه الترمذي والنسائي وأحمد، قال الترمذي: ليس بإسناده بأس، إلا أن أبا عبيدة ( راويه عن أبيه عن ابن مسعود ) لم يسمع من أبيه. ورواه النسائي أيضاً عن أبي سعيد الخدري، ورواه البزار عن جابر ابن عبد الله ( نصب الراية: 2 /164- 166 ).\r(3) رواه البخاري والنسائي عن ابن عباس. وهناك أحاديث أخرى في الحج في معناه (نيل الأوطار:285/4 وما بعدها).\r(4) الكتاب مع اللباب: 1 / 88، الشرح الصغير: 1 /364، مغني المحتاج: 1 /127، المهذب: 1 / 54، المجموع: 3 /72 وما بعدها، المغني: 2 /108، بداية المجتهد:175/1.\r(5) رواه مسلم عن أنس بن مالك (نيل الأوطار: 2 /25).","part":2,"page":301},{"id":993,"text":"ولا يأثم من أخر الصلاة لعذر النوم أو النسيان، لحديث أبي قتادة قال: ذكروا للنبي صلّى الله عليه وسلم نومهم عن الصلاة، فقال: إنه ليس في النوم تفريط، إنما التفريط في اليقظة، فإذا نسي أحدكم صلاة أو نام عنها، فليصلها إذا ذكرها» (1) .\rثانياً ـ أعذار سقوط الصلاة وتأخيرها :\rأ ـ أعذار سقوط الصلاة :\rاتفق العلماء على أن الصلاة تسقط عن المرأة أيام الحيض والنفاس، فلا يجب عليها قضاء ما فاتها من الصلوات أثناء الحيض أو النفاس، كما لاقضاء على الكافر الأصلي والمجنون اتفاقاً.\rوذكر الحنفية (2) : أن الصلاة تسقط عن المجنون والمغمى عليه إذا استمر الجنون أو الإغماء أكثر من خمس صلوات، أما إن استمر أقل من ذلك، خمس صلوات فأقل، وجب عليهما القضاء لصلاة ذلك الوقت إذا بقي من الوقت ما يسع أكثر من التحريمة. فلو لم يبق من الوقت ما يسع قدر التحريمة، لم تجب عليهما صلاة ذلك الوقت. وأما المرتد: فلا يقضي ما فاته زمن الردة ولا ما قبلها إلا الحج؛ لأنه بالردة يصير كالكافر الأصلي. ويعذر حربي أسلم بدار الحرب بالجهل، فلا يقضي ما عليه إذا مكث مدة؛ لأن العلم بالخطاب شرط التكليف.\rوبينا أن المالكية قالوا: لا يجب القضاء في حال الجنون والإغماء والكفر والحيض والنفاس وفقد الطهورين (3) .\r-------------------------------\r(1) رواه النسائي والترمذي وصححه (نيل الأوطار: 2 /27).\r(2) الدر المختار ورد المحتار: 1 /330،688.\r(3) الشرح الصغير: 1 /364.","part":2,"page":302},{"id":994,"text":"وقال الشافعية (1) : لا تجب الصلاة على الحائض والنفساء كغيرهم من المذاهب، أما الكافر الأصلي إذا أسلم فلا يخاطب بقضاء الصلاة، لقوله عز وجل: {قل للذين كفروا: إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف} [الأنفال:38/8] ولأن في إيجاب ذلك عليه تنفيراً عن الإسلام، فعفي عنه. وأما المرتد إذا أسلم: فيلزمه قضاء الصلاة، لأنها وجبت عليه، واعتقد وجوبها، وقدر على التسبب إلى أدائها فهو كالمحدث، حتى إنه إن جن حال الردة ففاته صلوات، لزمه قضاؤها.\rومن زال عقله بجنون أو إغماء أو مرض أو بسب مباح: فلا تجب عليه الصلاة ولا قضاء عليه لقوله صلّى الله عليه وسلم : «رفع القلم عن ثلاثة» فنص على المجنون، وقيس عليه كل من زال عقله بسب مباح. أما من زال عقله بسبب محرم كمن شرب المسكر، أو تناول دواء من غير حاجة، فزال عقله، فيجب عليه القضاء إذا أفاق؛ لأنه زال عقله بمحرم، فلم يسقط عنه الفرض..\rوقال الحنابلة (2) : لا تجب الصلاة على صبي ولا كافر ولا حائض أو نفساء. أما الكافر الأصلي فلا يلزمه قضاء ما تركه من العبادات في حال كفره، بغير خلاف للآية السابقة: {قل للذين كفروا..} [الأنفال:38/8] وأسلم في عصر النبي صلّى الله عليه وسلم خلق كثير وبعده، فلم يؤمر أحد منهم بقضاء، ولأن في إيجاب القضاء عليه تنفيراً عن الإسلام، فعفي عنه، كما قال الشافعية.\rوأما المرتد: ففي وجوب القضاء عليه روايتان عن أحمد:\rإحداهما كالحنفية: لا يلزمه؛ لأن عمله قد حبط بكفره بدليل قوله تعالى: {لئن أشركت ليَحْبطنَّ عملُك} [الزمر:65/39]، ولو حج لزمه استئناف حجه. فصار كالكافر الأصلي في جميع أحكامه.\r-------------------------------\r(1) المهذب: 1 / 50 وما بعدها.\r(2) المغني: 1 /398 -401.","part":2,"page":303},{"id":995,"text":"والثانية كالشافعية: يلزمه قضاء ما ترك من العبادات في حال ردته، وإسلامه قبل ردته، ولا يجب عليه إعادة الحج؛ لأن العمل إنما يحبط بالإشراك مع الموت، لقوله تعالى: {ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة} [البقرة:217/2].\rوالمجنون غير مكلف، ولا يلزمه قضاء ما ترك في حال جنونه، إلا أن يفيق في وقت الصلاة، فيصير كالصبي يبلغ، ولا خلاف في ذلك، للحديث السابق: «رفع القلم عن ثلاثة، عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يشب، وعن المعتوه حتى يعقل» (1) ، ولأن مدته تطول غالباً، فوجوب القضاء عليه يشق، فعفي عنه.\rوالمغمى عليه: يقضي جميع الصلوات التي كانت عليه في حال إغمائه، فحكمه حكم النائم، لا يسقط عنه قضاء شيء من الواجبات التي يجب قضاؤها كالصلاة والصيام. بدليل ما روى الأثرم أن عماراً أغمي عليه ثلاثاً، فقضى ما عليه، وأن سمرة بن جندب سئل عن صلاة المغمى عليه فقال: «ليصليهن جميعاً» وهذا الرأي خلاف ما عليه الحنفية والمالكية والشافعية كما بينا.\rومن شرب دواء فزال عقله به نظر: فإن كان زوالاً لا يدوم كثيراً فهو كالإغماء، وإن كان يتطاول فهو كالجنون.\rوأما السكر ومن شرب محرماً يزيل عقله وقتاً دون وقت: فلا يؤثر في إسقاط التكليف، وعليه قضاء ما فاته في حال زوال عقله، بلا خلاف، ولأنه إذا وجب عليه القضاء بالنوم المباح، فبالسكر المحرم أولى.\r-------------------------------\r(1) أخرجه أبو داود وابن ماجه والترمذي، وقال: حديث حسن.","part":2,"page":304},{"id":996,"text":"إسقاط الصلاة والصوم وغيرهما عن المريض العاجز الذي مات :\rقال الحنفية (1) : إذا مات المريض الذي عجز في الحياة عن الصلاة بالإيماء برأسه، لا يلزمه الإيصاء بها، وإن قلت.\rوكذا المسافر والمريض إن أفطرا في الصوم، وماتا قبل الإقامة والصحة، فلا يلزمهما الإيصاء به. لكن تكون الوصية مستحبة بفدية الصلاة والصيام ونحوها.\rومن مات وعليه صلوات فائتة بغير عذر بأن كان يقدر على أدائها ولو بالإيماء، فيلزمه الإيصاء بالكفارة عنها، وإلا فلا يلزمه وإن قلّت بأن كانت دون ست صلوات، لقوله صلّى الله عليه وسلم : «فإن لم يستطع فالله أحق بقبول العذر منه» .\rوكذلك من أفطر في رمضان ولو بغير عذر، يلزمه الوصية بفدية ما عليه بما قدر عليه، ويبقى في ذمته، ويخرجه عنه وليه من ثلث تركته. وللولي التبرع بالفدية إن لم يوص أو لم يترك مالاً.\rومقدار الكفارة عن الصلاة ومنها الوتر عند الحنفية، والصوم: أن يعطى لكل صلاة وصوم يوم نصف صاع من بُرّ (ربع مد دمشقي من غير تكريم، بل قدر مَسْحة)، كفطرة الصيام لكل من الصلاة والصوم على حدة، وتقدر بـ 1087,5غم.\rوتؤخذ الكفارة وفدية الصوم: من ثلث مال المتوفى. فإن لم يكن له مال يستقرض وارثه نصف صاع مثلاً، ويهبه للفقير، ثم يهبه الفقير لولي الميت ويقبضه، ثم يدفعه الولي للفقير، فيسقط من الصلاة والصوم بقدره ، وهكذا حتى يتم إسقاط ما كان عليه من صلاة وصوم.\r-------------------------------\r(1) الدر المختار: 1 / 685وما بعدها، 5 /458، مراقي الفلاح: ص 74وما بعدها.","part":2,"page":305},{"id":997,"text":"لكن يلاحظ أن مثل هذه الحيلة غير مقبولة؛ لأن الصلاة عبادة بدنية، ولا تسقطها شكليات فارغة وطقوس جوفاء.\rويجوز إعطاء فدية صلوات لواحد جملة، بخلاف كفارة اليمين، كما يجوز إعطاء الفقير أقل من نصف صاع. ولا يصح للمرء في حال حياته أن يفدي عن صلاته في مرضه، فلا فدية في الصلاة حال الحياة بخلاف الصوم فإنه يجوز بل تجب الفدية عنه. ولا يجوز للورثة قضاء الصلاة عن الميت بأمره؛ لأن الصلاة عبادة بدنية شخصية، بخلاف الحج فإنه يقبل النيابة.\rب ـ أعذار تأخير الصلاة عن وقتها :\rعرفنا سابقاً أن تأخير الصلاة بعذر كالنوم والنسيان والغفلة، يوجب القضاء ويسقط الإثم، للحديث السابق عن أبي قتادة «إنه ليس في النوم تفريط، إنما التفريط في اليقظة» إلا أن الشافعية قالوا: يكون النسيان عذراً إذا لم يكن ناشئاً عن تقصير، فإن نسي الصلاة لاشتغاله بلعب مثلاً فلا يكونن معذوراً ويأثم بتأخير الصلاة عن وقتها.\rثالثاً ـ كيفية قضاء الفائتة أو صفتها :\rقال الحنفية (1) : تقضى الصلاة على الصفة السابقة التي فاتت عليها حضراً أو سفراً، فمن فاتته صلاة مقصورة في السفر، قضاها ركعتين ولو في الحضر. ومن فاتته صلاة تامة في الحضر، قضاها أربعاً ولو في السفر.\rأما صفة القراءة في القضاء سراً أو جهراً، فيراعى نوع الصلاة: فإن كانت سرية كالظهر، يسر في القراءة، وإن كانت جهرية يجهر فيها إن كان إماماً، ويخير بين الجهر والإسرار إن كان منفرداً.\rويجب القضاء فوراً، ويجوز تأخيره لعذر السعي على العيال وفي الحوائج على الأصح، كما أن أداء سجدة التلاوة خارج الصلاة والنذر المطلق وقضاء رمضان موسع يجوز تأخيره للعذر السابق.\r-------------------------------\r(1) اللباب شرح الكتاب: 1 /110، فتح القدير: 1 /405.","part":2,"page":306},{"id":998,"text":"وقال المالكية (1) كالحنفية: يقضيها بنحو ما فاتته سفراً أو حضراً، جهراً أو سراً، فوراً، ويحرم عليه تأخير القضاء، ولو كان وقت نهي كطلوع شمس وغروبها وخطبة جمعة، إلا وقت الضرورة كوقت الأكل والشرب والنوم الذي لا بد منه، وقضاء حاجة الإنسان، وتحصيل ما يحتاج له في معاشه.\rوعلى هذا تقضى الحضرية كاملة ولو قضاها في السفر، وتقضى النهارية سراً ولو قضاها ليلاً، وتقضى الليلية جهراً ولو قضاها نهاراً؛ لأن القضاء يحكي ما كان أداء.\rوقال الشافعية والحنابلة (2) : ينظر لمكان القضاء ووقت القضاء، فيقضي المسافر الصلاة الرباعية ركعتين، سواء فاتته في السفر أم في الحضر، فإن كان في الحضر فيقضي الرباعية أربعاً، وإن فاتته في السفر، لأن الأصل الإتمام، فيرجع إليه في الحضر، ولأن سبب القصر هو السفر وليس متوفراً في الحضر.\rوفائتة السفر تقضى قصراً في السفر دون الحضر، في الأظهر عند الشافعية، نظراً لوجود السبب.\rويسر ويجهر في الصلاة بحسب الوقت، فإن صلى في النهار من طلوع الشمس إلى غروبها أسر، وإن صلى في الليل من مغيب الشمس إلى طلوعها جهر. إلا أن الحنابلة قالوا: إن كان القضاء ليلاً يجهر الإمام لتشابه القضاء مع الأداء، فإن كان منفرداً أسر مطلقاً، قال الإمام أحمد: إنما الجهر للجماعة.\r\r-------------------------------\r(1) الشرح الصغير: 1 /365، الشرح الكبير مع الدسوقي: 1 /263، القوانين الفقهية: ص 71.\r(2) مغني المحتاج: 1 /127/1، 162،263، المغني: 1 /569 وما بعدها،614، و 2 / 282 وما بعدها.","part":2,"page":307},{"id":999,"text":"قضاء الفائتة بجماعة، وقضاء السنن: وأضاف الحنابلة: أنه يستحب قضاء الفوائت في جماعة، كما فعل النبي صلّى الله عليه وسلم يوم الخندق، حينما فاتته صلوات أربع، فقضاهن في جماعة. ولا يكره قضاء السنن الرواتب قبل الفرض، ويستحب أن يقضي ركعتي الفجر قبل الفريضة، لما روى أبو هريرة قال: عرَّسْنا ـ نزلنا ليلاً ـ مع رسول الله صلّى الله عليه وسلم ، فلم نستيقظ حتى طلعت الشمس، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلم : ليأخذ كل رجل منكم برأس راحلته، فإن هذا منزل حضر فيه الشيطان، قال: ففعلنا، ثم دعا بالماء فتوضأ، ثم سجد سجدتين، ثم أقيمت الصلاة، فصلى الغداة (1) .\rالقضاء على الفور :\rويجب أن يكون القضاء فوراً باتفاق الفقهاء، سواء فاتت الصلاة بعذر أم بغير عذر.\rإلا أن الشافعية فصلوا في الأمر فقالوا: يبادر بالفائت ندباً إن فاته بعذر كنوم ونسيان، ووجوباً إن فاته بغير عذر، على الأصح فيهما، تعجيلاً لبراءة ذمته، ودليل إيجاب الفورية قوله تعالى: {وأقم الصلاة لذكري} [طه:14/20] ولأن تأخير الصلاة بعد الوقت معصية يجب الإقلاع عنها فوراً.\rرابعاً ـ الترتيب في قضاء الفوائت ومتى يسقط الترتيب؟\rيجب ترتيب قضاء الفوائت عند الجمهور، وهو سنة عند الشافعية، على التفصيل التالي:\rقال الحنفية (2) : الترتيب بين الفروض الخمسة والوتر وبين الفائتة والوقتية مستحق لازم إلا أن يخاف فوات صلاة الوقت، فيقدم صلاة الوقت ثم يقضي الفائتة. بدليل قول ابن عمر: «من نام عن صلاة أو نسيها، فلم يذكرها إلا وهو مع الإمام، فليصل التي هو فيها، ثم ليصل التي ذكرها، ثم ليعد التي صلى مع الإمام» (3) .\rومن فاتته صلوات رتبها في القضاء، كما وجبت عليه في الأصل؛ لأن النبيصلّى الله عليه وسلم شغل عن أربع صلوات يوم الخندق، فقضاهن مرتباً، ثم قال «صلوا كما رأيتموني أصلي» (4) إلا أن تزيد الفوائت على ست صلوات غير الوتر، فيسقط الترتيب بينها، كما سقط فيما بينها وبين الوقتية؛ لأن الفوائت قد كثرت، ولخروج وقت الصلاة السادسة، ولا يعود الترتيب بعودها إلى القلة، على المختار.\r-------------------------------\r(1) متفق عليه، وروى نحوه أبو قتادة وعمران بن حصين.\r\r(2) البدائع: 1 / 131 وما بعدها، الدر المختار: 1 /679 - 685، الكتاب مع اللباب:89/1، مراقي الفلاح: ص 75 وما بعدها، فتح القدير: 1 /346 -352.\r(3) أخرجه الدارقطني والبيهقي عن ابن عمر بلفظ «من نسي صلاة فلم يذكرها إلا وهو مع الإمام، فليتم صلاته، فإذا فرغ من صلاته فليعد التي نسي، ثم ليعد التي صلاها مع الإمام» والصحيح أنه من قول ابن عمر (نصب الراية: 2 /162).\r(4) روي الحديث عن ابن مسعود والخدري وجابر: وقد سبق تخريجه ( نصب الراية:164/2-166).","part":2,"page":308},{"id":1000,"text":"وقال صاحب الهداية: يعود الترتيب عند البعض، وهو الأظهر.\rوبناء عليه: لو صلى فرضاً ذاكراً فائتة، ولو كانت وتراً، فسد فرضه فساداً موقوفاً، فلو فاتته صلاة الصبح، ثم صلى الصبح، ثم صلى الظهر بعدها، وهو ذاكر فسدت صلاة الظهر فساداً موقوفاً، ولو صلى العصر قبل قضاء الصبح وقعت صلاة العصر فاسدة فساداً موقوفاً كذلك، وهكذا إلى خروج وقت صلاة صبح اليوم التالي، فإن قضى فائتة صبح اليوم الأول قبل ذلك، فسدت فرضية كل ما صلاه، وانقلب نفلاً عند أبي حنيفة وأبي يوسف، ولزمه إعادته (1) .\rوتوضيح الأمر: أن فساد أصل الصلاة بترك الترتيب موقوف عند أبي حنيفة سواء ظن وجوب الترتيب أو لا، وعند الصاحبين: الفساد بات.\rوعلى رأي أبي حنيفة: إن كثرت الفوائت، وصارت الفواسد مع الفائتة ستاً، ظهر صحتها، بخروج وقت الخامسة التي هي سادسة الفوائت. وإن لم تصر ستاً، لا تظهر صحتها، بل تصير نفلاً.\r-------------------------------\r(1) وهكذا يقال: صلاة واحدة تفسد خمساً، وأخرى تصحح خمساً، فالمتروكة تفسد الخمس بقضائها في وقت الخامسة من المؤديات، والسادسة من المؤديات تصحح الخمس قبلها. والحقيقة: خروج وقت الخامسة هو المصحح لها.","part":2,"page":309},{"id":1001,"text":"فإذا فاتته صلاة ولو وتراً، فكلما صلى بعدها، وهو ذاكر لتلك الفائتة، فسدت تلك الوقتية فساداً موقوفاً على قضاء تلك الفائتة، فإن قضاها قبل أن يصلي بعدها خمس صلوات، صار الفساد باتاً، وانقلبت الصلوات التي صلاها قبل قضاء المقضية نفلاً. وإن لم يقضها حتى خرج وقت الخامسة، وصارت الفواسد مع الفائتة ستاً، انقلبت صحيحة؛ لأنه ظهرت كثرتها، ودخلت في حد التكرار المسقط للترتيب.\rويسقط الترتيب بأحد ثلاثة أمور:\rالأول ـ أن تصير الفوائت ستاً، كما بينا، ولا يدخل الوتر في العدد المذكور.\rالثاني ـ ضيق الوقت المستحب عن أن يسع الفائتة والوقتية الحاضرة.\rالثالث ـ نسيان الفائتة وقت الأداء، لقوله صلّى الله عليه وسلم : «إن الله تعالى تجاوز لي عن أمتي الخطأ والنسيان، وما استكرهوا عليه» (1) .\rوقال المالكية (2) : يجب الترتيب مع التذكر والقدرة بأن لا يكره على عدمه. والترتيب شرط في صلاتين حاضرتين مشتركتي الوقت وهما الظهران والعشاءان، فمن تذكر الظهر وهو في أثناء العصر، فالعصر باطلة، وكذا العشاء مع المغرب؛ لأن ترتيب الحاضرة واجب شرطاً. ويقطع الحاضرة إن لم يتم ركعة، ويندب أن يضم إليها ركعة أخرى إن أتم ركعة ويجعلها نفلاً.\rويجب الترتيب مع الشرطين السابقين (التذكر والقدرة) بين الفوائت اليسيرة والصلاة الحاضرة، فتقدم الفائتة على الحاضرة، كمن عليه المغرب والعشاء والصبح، يجب تقديمها على الصبح الحاضرة، وإن خرج وقت الحاضرة، بتقديمه يسير الفوائت الواجب تقديمه عليها. وهذا واجب لا شرط، فلو خالفه لا تبطل المُقدَّمة على محلها، ولكنه يأثم، ولا إعادة عليه لخروج وقتها بمجرد فعلها، فإن قدمها ناسياً أو مكرهاً صحت ولا إثم عليه. ويندب إعادة الحاضرة لو قدمها على يسير الفائتة ولو عمداً، بوقت ضروري ( وهو في الظهرين للاصفرار، وفي العشاءين لطلوع الفجر) .\r-------------------------------\r(1) رواه ابن ماجه عن أبي ذر، ورواه الطبراني والحاكم عن ابن عباس، ورواه الطبراني أيضاً عن ثوبان، وهو صحيح.\r(2) الشرح الكبير: 1 / 265 وما بعدها، الشرح الصغير:366/1 -370،374، القوانين الفقهية: ص 71 وما بعدها، بداية المجتهد: 1 /177.","part":2,"page":310},{"id":1002,"text":"ويسير الفوائت: خمس فأقل، فيصليها قبل الحاضرة ولو ضاق وقتها.\rولو تذكر المصلي اليسير من الفوائت في أثناء فرض الصلاة، ولو صبحاً أو جمعة، إماماً أو غيره، قطع صلاته وجوباً إذا لم يتم ركعة بسجدتيها، إذا كان منفرداً أو إماماً، ويتبعه المأموم. فإن كان مأموماً فلا يقطع الفوائت في وقت ضروري.\rفإن كان قد أتم ركعة بسجدتيها، ندب له أن يضم إليها ركعة أخرى بنية النفل، وسلم، ورجع للفائتة.\rوإن تذكر بعد ركعتين من الثنائية، أو الثلاثية، أو بعد ثلاث من الرباعية أتمها؛ لأن ما قارب الشيء يعطى حكمه، ثم صلى الفوائت، ثم يعيد الحاضرة ندباً في وقتها إن كان باقياً.\rوإن تذكر يسير الفوائت وهو في نفل أتمه مطلقاً، إلا إذا خاف خروج وقت الصلاة الحاضرة، ولم يكن قد أكمل ركعة، فيقطعه حينئذ، ويصلي الفرض.\rوإذا كانت الفوائت كثيرة أكثر من خمس، فلا يجب تقديمها على الحاضرة، بل يندب تقديم الحاضرة إن اتسع وقتها، فإن ضاق قدمها وجوباً.","part":2,"page":311},{"id":1003,"text":"وقال الحنابلة على الصحيح من المذهب (1) : الترتيب بين الفوائت في نفسها كثيرة أو قليلة، أو بينها وبين الحاضرة واجب إن اتسع الوقت لقضاء الفائتة، فإن لم يتسع سقط الترتيب. ولايسقط الترتيب في ظاهر المذهب من أجل إدراك الجماعة للصلاة الحاضرة، لأنه آكد من الجماعة، بدليل اشتراطه لصحة الصلاة، بخلاف الجماعة، كما لايسقط الترتيب بجهل وجوبه؛ لأنه ترتيب واجب في الصلاة، ولا عذر بالجهل بالأحكام الشرعية.\rفإن صلى العصر قبل الظهر الفائتة، لم تصح المتقدمة على محلها. وإن تذكر الأولى في أثناء الثانية، بطلت الثانية، لكن من ذكر أن عليه صلاة وهو في أخرى، أتمها، وقضى المذكورة، وأعاد التي كان فيها إذا كان الوقت باقياً، وذلك سواء أكان إماماً أم مأموماً أم منفرداً.\rوالدليل على إتمامها قوله تعالى: {ولاتبطلوا أعمالكم} [محمد:33/47]. ودليل إيجاب الترتيب: ما روي «أن النبي صلّى الله عليه وسلم فاته يوم الخندق أربع صلوات، فقضاهن مرتبات» .\rوإذا كثرت عليه الفوائت يتشاغل بالقضاء ما لم يلحقه مشقة في بدنه أو ماله.\rومن نسي صلاة من يوم لا يعلم عينها، أعاد صلاة يوم وليله، عند أكثر أهل العلم؛ لأن التعيين شرط في صحة الصلاة المكتوبة، ولا يتوصل إلى ذلك إلا بإعادة الصلوات الخمس.\rويندب عموماً تقديم صلاة الظهر؛ لأنها أول فريضة ظهرت في الإسلام، ما لم يعلم أن أول ما تركه غير الظهر.\r-------------------------------\r(1) المغني: 1 / 607-613، كشاف القناع: 1 /304 وما بعدها.","part":2,"page":312},{"id":1004,"text":"وقال الشافعية (1) : يسن ترتيب الفائت، وتقديمه على الحاضرة التي لا يخاف فوت وقتها، عملاً بفعل النبي صلّى الله عليه وسلم يوم الخندق، وخروجاً من خلاف من أوجبه، فترتيب الفائتة وتقديمها على الحاضرة مشروط بشرطين:\rالأول ـ ألا يخشى فوات الحاضرة، بعدم إدراك ركعة منها في الوقت.\rالثاني ـ أن يكون متذكراً للفوائت قبل الشروع في الحاضرة. فإن لم يتذكرها حتى شرع في الحاضرة، وجب إتمامها، ضاق الوقت أو اتسع، ولو شرع في فائتة معتقداً سعة الوقت، فبان ضيقه عن إدراكها أداء، وجب قطعها لئلا تصير فائتة، والأفضل أن يقلبها نفلاً بعد أداء ركعتين. ولو خاف فوت جماعة حاضرة، فالأفضل الترتيب، للخلاف في وجوبه.\rوترتيب الحاضرتين المجموعتين تقديماً واجب، وأما تأخيراً فهو سنة.\rخامساً ـ القضاء إن جهل عدد الفوائت:\rقال الحنفية (2) : من عليه فوائت كثيرة لا يدري عددها، يجب عليه أن يقضي حتى يغلب على ظنه براءة ذمته. وعليه أن يعين الزمن، فينوي أول ظهر عليه أدرك وقته ولم يصله، أو ينوي آخر ظهر عليه أدرك وقته ولم يصله، وذلك تسهيلاً عليه.\rوقال المالكية والشافعية والحنابلة (3) : يجب عليه أن يقضي حتى يتيقن براءة ذمته من الفروض، ولا يلزم تعيين الزمن، بل يكفي تعيين المنوي كالظهر أو العصر مثلاً.\rسادساً ـ القضاء في وقت النهي عن الصلاة:\rقال الحنفية: ثلاثة أوقات لا يصح فيها شيء من الفرائض والواجبات التي لزمت في الذمة قبل دخولها: عند طلوع الشمس إلى أن ترتفع وتبيضّ قدر رمح أو رمحين. وعند استواء الشمس في وسط السماء إلى أن تزول أي تميل إلى جهة المغرب. وعند اصفرار الشمس إلى أن تغرب، لقول عقبة بن عامر رضي الله عنه:\r-------------------------------\r(1) مغني المحتاج: 1 / 127 وما بعدها، المهذب: 1 / 54.\r(2) مراقي الفلاح: ص 76.\r(3) القوانين الفقهية: ص 72، مغني المحتاج: 1 / 127، كشاف القناع: 1 / 305.","part":2,"page":313},{"id":1005,"text":"ثلاثة أوقات نهانا رسول الله صلّى الله عليه وسلم أن نصلي فيها، وأن نقبر موتانا: عند طلوع الشمس حتى ترتفع، وعند زوالها حتى تزول، وحين تتضيف للغروب حتى تغرب» (1) .\rوما عدا ذلك يجوز فيه القضاء ولو بعد العصر والصبح.\rويصح أداء ما وجب في هذه الأوقات كجنازة حضرت، وسجدة آية تليت فيها، كما صح عصر اليوم عند الغروب مع الكراهة كما بينا.\rلكن ـ كما بينا سابقاً ـ يكره تحريماً صلاة النافلة ولو كان لها سبب كالمنذورة وركعتي الطواف في الأوقات الثلاثة. كما يكره التنفل بعد الفجر بأكثر من سنته وبعد صلاته، وبعد صلاة العصر، وقبل صلاة المغرب، وعند خروج الخطيب إلى الخطبة حتى يفرغ من الصلاة. وعند إقامة الصلاة إلا سنة الفجر، وقبل صلاة العيد ولو تنفل في المنزل، وكذا يكره التنفل بعد العيد في المسجد، وبين الجمعين في عرفة ولو بسنة الظهر، وجمع مزدلفة ولو بسنة المغرب على الصحيح؛ لأنه صلّى الله عليه وسلم لم يتطوع بينهما.\rوعند ضيق وقت المكتوبة لتفويته الفرض عن وقته، وفي حال مدافعة الأخبثين، وحضور طعام تتوقه نفسه، وما يشغل البال ويخل بالخشوع (2) .\rوقال المالكية والشافعية والحنابلة (3) : يجوز قضاء الفرائض الفائتة في جميع أوقات النهي وغيرها، روي ذلك عن علي رضي الله عنه وغير واحد من الصحابة، وللحديث السابق: «من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها» (4) ولحديث أبي قتادة السابق: «إنما التفريط في اليقظة على من لم يصل الصلاة حتى يجيء وقت الأخرى، فمن فعل ذلك فليصلها حين ينتبه لها» (5) .\rوخبر النهي عن الصلاة في الأوقات الخمسة السابقة مخصوص بالقضاء في الوقتين الآخرين، وبعصر يومه، فنقيس محل النزاع على المخصوص.\rولو طلعت الشمس وهو في صلاة الصبح، أتمها، لحديث أبي هريرة عن النبي صلّى الله عليه وسلم أنه قال: «إذا أدرك سجدة من صلاة العصر، قبل أن تغيب الشمس، فليتم صلاته، وإذا أدرك سجدة من صلاة الصبح قبل أن تطلع الشمس، فليتم صلاته» (6) . وهذا نص في المسألة يقدم على عموم غيره.\rوقال الحنفية: تفسد الصلاة حينئذ؛ لأنها صارت في وقت النهي.\r-------------------------------\r(1) رواه مسلم.\r(2) مراقي الفلاح: ص 31.\r(3) الشرح الصغير: 1 / 365، مغني المحتاج: 1 / 129، المغني: 2 / 102.\r(4) متفق عليه.\r(5) متفق عليه.\r(6) متفق عليه.","part":2,"page":314},{"id":1006,"text":"الفَصْلُ العَاشِر: أَنْواعُ الصَّلاة\rوفيه مباحث ثمانية:\rالمبحث الأول ـ صلاة الجماعة وأحكامها (الإمامة والاقتداء):\rوفيه بحث صلاة المسبوق، والاستخلاف والبناء على الصلاة. الكلام في هذا المبحث يتناول المطالب الخمسة الآتية:\rالجماعة، الإمامة، القدوة، الأمور المشتركة بين الإمام والمأموم، الاستخلاف في الصلاة.\rالمطلب الأول ـ الجماعة:\rتعريفها، مشروعيتها وفضلها وحكمتها، حكمها، أقل الجماعة أو من تنعقد به الجماعة، أفضل الجماعة، إدراك ثوابها، إدراك الفريضة، المشي للجماعة والمبادرة إليها مع الإمام، تكرار الجماعة في المسجد، الإعادة مع الجماعة، وقت استحباب القيام للصلاة، أعذار ترك الجماعة والجمعة.\rأولاً ـ تعريف الجماعة:\rالجماعة: هي الارتباط الحاصل بين صلاة الإمام والمأموم. وقد شرع الإسلام عدة مناسبات ولقاءات اجتماعية بين المسلمين لأداء العبادة في أوقات معلومة، منها أداء الصلوات الخمس في اليوم والليلة، ومنها صلاة الجمعة في الأسبوع، ومنها صلاة العيدين في السنة مرة لأهل كل بلد، ومنها عام للبلاد كلها وهو الوقوف بعرفة في السنة مرة، لأجل التواصل والتوادد وعدم التقاطع.\rثانياً ـ مشروعية الجماعة وفضلها وحكمتها:\rالجماعة مشروعة بالكتاب والسنة والإجماع. أما الكتاب: فقوله تعالى: {وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة..} [النساء:102/4] الآية. أمر الله بالجماعة في حالة الخوف أثناء الجهاد، ففي الأمن أولى، ولو لم تكن مطلوبة لرخص فيها حالة الخوف، ولم يجز الإخلال بواجبات الصلاة من أجلها.\rوأما السنة: فقوله صلّى الله عليه وسلم : «صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفذ، بسبع وعشرين درجة» (1) وفي رواية: «بخمس وعشرين درجة» (2)\rوأما الإجماع: فقد أجمع الصحابة على مشروعيتها بعد الهجرة. جاء في الإحياء للغزالي عن أبي سليمان الداراني أنه قال: لا يفوِّت أحد صلاة الجماعة إلا بذنب أذنبه، وكان السلف يعزون أنفسهم ثلاثة أيام إذا فاتتهم التكبيرة الأولى، وسبعة أيام إذا فاتتهم الجماعة.\r-------------------------------\r(1) رواه الجماعة إلا النسائي وأبا داود عن ابن عمر، والفذ: الفرد (جامع الأصول: 10 / 250).\r(2) هذه رواية أبي هريرة. ورواه البخاري أيضاً عن أبي سعيد الخدري، وأحمد عن ابن مسعود (نيل الأوطار: 3 / 126 وما بعدها) قال في المجموع: ولا منافاة لأن القليل لاينفي الكثير، أو أنه أخبر أولاً بالقليل ثم أعلمه الله تعالى بزيادة الفضل، فأخبر بها، أو أن ذلك يختلف باختلاف أحوال المصلين كثرة وقلة. قال الشوكاني: والراجح عندي أولها لدخول مفهوم الخمس تحت مفهوم السبع.","part":2,"page":315},{"id":1007,"text":"وفضلها: كما ذكر في الحديث السابق أنها أفضل من صلاة المنفرد بسبع وعشرين درجة، وأن بكل خطوة إليها حسنة ورفع درجة، كما في حديث ابن مسعود رضي الله عنه: «من سره أن يلقى الله تعالى غداً مسلماً، فليحافظ على هؤلاء الصلوات، حيث ينادى بهن، فإن الله تعالى شرع لنبيكم صلّى الله عليه وسلم سنن الهدى، وأنهن من سُنن الهدى، ولو أنكم صليتم في بيوتكم، كما يصلي هذا المتخلف في بيته، لتركتم سنة نبيكم صلّى الله عليه وسلم ،ولو تركتم سنة نبيكم لضللتم، وما من رجل يتطهر فيحسن الطُّهور، ثم يَعْمَد إلى مسجد من هذه المساجد، إلا كتب الله له بكل خطوة يخطوها حسنة، ويرفعه بها درجة، ويحط عنه سيئة، ولقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق، ولقد كان الرجل يؤتى به يُهادى بين الرجلين حتى يقام في الصف» (1) .\rوأنها أيضاً نور المسلم يوم القيامة، كما في قوله صلّى الله عليه وسلم : «بشر المشاءين في الظُلَم إلى المساجد بالنور التام يوم القيامة» (2) .\rوآكد الجماعات في غير الجمعة: جماعة الصبح ثم العشاء (3) ثم العصر، للحديثين الآتيين: عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم قال: «لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول، ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه، لاستهموا عليه، ولو يعلمون ما في التهجير، لاستبقوا إليه، ولو يعلمون ما في العتَمة والصبح لأتوهما، ولو حَبْوا» (4) .\r-------------------------------\r(1) رواه مسلم وأبو داود (نصب الراية: 2 / 21 - 22، جامع الأصول: 6 / 370)، ويهادى: يرفد أو يعان من جانبيه. وفي رواية: «ولو تركتم سنة نبيكم لكفرتم» .\r(2) رواه أبو داود والترمذي عن بريدة، وابن ماجه والحاكم عن أنس وعن سهل بن سعد، وهو صحيح.\r(3) المجموع: 4 / 91.\r(4) رواه البخاري ومسلم. والاستهام: الاقتراع، والتهجير: التبكير إلى الصلاة، والعتمة: العشاء.","part":2,"page":316},{"id":1008,"text":"وعن عثمان بن عفان رضي الله عنه، قال: سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلم يقول: «من صلى العشاء في جماعة، فكأنما قام نصف الليل، ومن صلى الصبح جماعة، فكأنما صلى الليل كله» (1) . أما العصر فلأنها الصلاة الوسطى.\rوحكمتها: تحقيق التآلف والتعارف والتعاون بين المسلمين، وغرس أصول المحبة والود في قلوبهم، وإشعارهم بأنهم إخوة متساوون متضامنون في السراء والضراء، دون فارق بينهم في الدرجة أو الرتبة أو الحرفة أو الثروة والجاه، أو الغنى والفقر.\rوفيها تعويد على النظام والانضباط وحب الطاعة في البر والمعروف، وتنعكس آثار ذلك كله على الحياة العامة والخاصة، فتثمر الصلاة جماعة أطيب الثمرات، وتحقق أبعد الأهداف، وتربي الناس على أفضل أصول التربية، وتربط أبناء المجتمع بأقوى الروابط؛ لأن ربهم واحد، وإمامهم واحد، وغايتهم واحدة، وسبيلهم واحدة.\rقال في الدر المختار: ومن حِكَمها: نظام الألفة وتعلم الجاهل من العالم. والألفة بتحصيل التعاهد باللقاء في أوقات الصلوات بين الجيران.\rثالثاً ـ حكم صلاة الجماعة:\rصلاة الجماعة إما سنة مؤكدة أو فرض.\rفقال الحنفية والمالكية (2) : الجماعة في الفرائض غير الجمعة سنة مؤكدة، للرجال العاقلين القادرين عليها من غير حرج، فلا تجب على النساء والصبيان والمجانين والعبيد والمقعد والمريض والشيخ الهرم ومقطوع اليد والرجل من خلاف.\r-------------------------------\r(1) رواه الجماعة إلا البخاري والترمذي، وفي رواية الترمذي: «ومن صلى العشاء والفجر في جماعة» .\r(2) وهو رأي أيضاً لبعض الشافعية. فتح القدير:243/1، الدر المختار:515/1، اللباب: 80/1، تبيين الحقائق: 132/1، الشرح الصغير: 424/1، بداية المجتهد: 136/1، المهذب: 93/1.","part":2,"page":317},{"id":1009,"text":"وكونها سنة؛ لأن ظاهر الحديث السابق «صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ بخمس وعشرين درجة، أو بسبع وعشرين درجة» يدل على أن الصلاة في الجماعات من جنس المندوب إليه، وكأنها كمال زائد على الصلاة الواجبة، فكأنه قال عليه الصلاة والسلام: صلاة الجماعة أكمل من صلاة المنفرد، والكمال إنما هو شيء زائد على الإجزاء. ويؤكده ما روي من حديث آخر: «الجماعة من سنن الهدى، لا يتخلف عنها إلا منافق» (1) . وهذا الرأي ليسره أولى من غيره، خصوصاً في وقتنا الحاضر، حيث ازدحمت الأشغال والارتباط بمواعيد عمل معينة، فإن تيسر لواحد المشاركة في الجماعة، وجب تحقيقاً لشعائر الإسلام.\rوقال الشافعية في الأصح المنصوص (2) : الجماعة فرض كفاية، لرجال أحرار مقيمين، لا عراة، في أداء مكتوبة، بحيث يظهر الشعار أي شعار الجماعة بإقامتها، في كل بلد صغير أو كبير. فإن امتنعوا كلُّهم من إقامتها قوتلوا (أي قاتلهم الإمام أو نائبه دون آحاد الناس)، ولا يتأكد الند ب للنساء تأكده للرجال في الأصح. بدليل قوله صلّى الله عليه وسلم : «ما من ثلاثة في قرية ولا بدو لا تقام فيهم الجماعة إلا استحوذ عليهم الشيطان (3) ، فعليك بالجماعة فإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية» (4) .\r-------------------------------\r(1) قال عنه الزيلعي: غريب بهذا اللفظ، وفي معناه حديث مسلم السابق عن ابن مسعود (نصب الراية: 21/1).\r(2) مغني المحتاج: 229/1 وما بعدها، المهذب: 93/1، المجموع: 88/4 وما بعدها.\r(3) أي غلب.\r(4) رواه أبو داود والنسائى وصححه ابن حبان والحاكم.","part":2,"page":318},{"id":1010,"text":"وقال الحنابلة (1) : الجماعة واجبة وجوب عين، للآية السابقة: {وإذا كنت فيهم..} [النساء:102/4] ويؤكده قوله تعالى: {واركعوا مع الراكعين} [البقرة:43/2]، وحديث أبي هريرة: «أثقل صلاة على المنافقين: صلاة العشاء وصلاة الفجر...» ، وفي حديثه أي أبي هريرة أيضاً: أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم قال: «والذي نفسي بيده، لقد هممت أن آمر بحطب ليحتطب، ثم آمر بالصلاة فيؤذن لها، ثم آمر رجلاً، فيؤم الناس، ثم أخالف إلى رجال لا يشهدون الصلاة، فأحرِّق عليهم بيوتهم» (2) ، وحديث الأعمى المشهور: وهو «أن رجلاً أعمى، قال: يا رسول الله، ليس لي قائد يقودني إلى المسجد!! فسأل النبي صلّى الله عليه وسلم أن يرخص له، فيصلي في بيته، فرخص له، فلما ولَّى دعاه، فقال: هل تسمع النداء؟ فقال: نعم، قال: فأجب» (3) ، وحديث ابن مسعود السابق: «لقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق..» وحديث جابر وأبي هريرة: «لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد» (4) .\rويعضد وجوب الجماعة: أن الشارع شرعها حال الخوف على صفة لا تجوز إلا في الأمن، وأباح الجمع لأجل المطر، وليس ذلك إلا محافظة على الجماعة، ولو كانت سنة لما جاز ذلك.\rلكن ليست الجماعة شرطاً لصحة الصلاة، كما نص الإمام أحمد.\r-------------------------------\r(1) المغني: 176/2 وما بعدها، كشاف القناع: 532/1 وما بعدها.\r(2) متفق عليه بين الشيخين البخاري ومسلم، ورواه أيضاً مالك وأبو داود والترمذي والنسائي (جامع الأصول: 369/6).\r(3) رواه مسلم، وروى مثله أبو داود بإسناد صحيح أو حسن عن ابن أم مكتوم.\r(4) رواه الدارقطني، وهو حديث ضعيف، ورواه البيهقي عن علي موقوفاً عليه.","part":2,"page":319},{"id":1011,"text":"رابعاً ـ أقل الجماعة أو من تنعقد به الجماعة:\rأقل الجماعة اثنان: إمام ومأموم ولو مع صبي عند الشافعية والحنفية (1) ، ولا تنعقد الجماعة مع صبي مميز عند المالكية والحنابلة (2) ؛ لكن عند الحنابلة في فرض لانفل فتصح به؛ لأن الصبي لا يصلح إماماً في الفرض، ويصح أن يؤم صغيراً في نفل؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلم أمَّ ابن عباس، وهو صبي في التهجد.\rودليلهم على أقل الجماعة: قوله صلّى الله عليه وسلم : «الاثنان فما فوقها جماعة» (3) .\rخامساً ـ أفضل الجماعة، وحضور النساء المساجد:\rالجماعة في المسجد لغير المرأة أو الخنثى أفضل منها في غير المسجد، كالبيت وجماعة المرأة (4) ، لخبر الصحيحين: «صلوا أيها الناس في بيوتكم، فإن أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة» أي فهي في المسجد أفضل؛ لأن المسجد مشتمل على الشرف والطهارة وإظهار الشعائر وكثرة الجماعة.\rوقد رتب الفقهاء أفضلية المساجد التي تقام فيها الجماعة:\rفقال الحنابلة (5) : إن كان البلد ثغراً؛ وهو المكان المخوف، فالأفضل لأهله\r-------------------------------\r(1) الدر المختار: 517/1، المجموع: 93/4 وما بعدها، مغني المحتاج: 229/1، 233، البدائع: 156/1.\r(2) كشاف القناع: 532/1، المغني: 178/1، الشرح الكبير: 321/1، الشرح الصغير: 427/1 وما بعدها.\r(3) رواه ابن ماجه والحاكم والبيهقي والعقيلي عن أبي موسى الأشعري. وأخرجه البيهقي عن أنس، وأخرجه الدارقطني عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، ورواه ابن عدي من حديث الحكم بن عميرة، وكلها ضعيفة (نصب الراية: 198/2).\r(4) مغني المحتاج: 230/1، المغني: 179/2.\r(5) كشاف القناع: 536/1، المغني: 179/1.","part":2,"page":320},{"id":1012,"text":"الاجتماع في مسجد واحد؛ لأنه أعلى للكلمة، وأوقع للهيبة. والأفضل لغيرهم: الصلاة في المسجد الذي لا تقام فيه الجماعة إلا بحضوره؛ لأن فيه تحصيل ثواب عمارة المسجد، وتحصيل الجماعة لمن يصلي فيه، وذلك معدوم في غيره، أو تقام فيه الجماعة بدون حضوره، لكن فيه جبر قلوب الإمام أو الجماعة. ثم المسجد العتيق؛ لأن الطاعة فيه أسبق.\rثم الأفضل من المساجد: ما كان أكثر جماعة، لقوله صلّى الله عليه وسلم : «صلاة الرجل مع الرجل أولى من صلاته وحده، وصلاته مع الرجلين أولى من صلاته مع الرجل، وما كان أكثر فهو أحب إلى الله » (1) .\rثم المسجد الأبعد أفضل من الصلاة في الأقرب، لقوله صلّى الله عليه وسلم : «إن أعظم الناس في الصلاة أجراً أبعدهم فأبعدهم ممشى» (2) ولكثرة حسناته بكثرة خطاه.\rوفضيلة أول الوقت أفضل من انتظار كثرة الجمع. وتقدم الجماعة مطلقاً على أول الوقت؛ لأنها واجبة، وأول الوقت سنة، ولا تعارض بين واجب ومسنون.\rوقال الشافعية (3) : الجماعة للرجال في المساجد أفضل إلا إذا كانت الجماعة في البيت أكثر. وما كثرت جماعته أفضل، إلا إذا تعطل عن الجماعة مسجد قريب، فالجماعة القليلة أفضل.\rوقال المالكية (4) : لا نزاع في أن الصلاة مع العلماء والصلحاء والكثير من أهل الخير أفضل من غيرها، لشمول الدعاء وسرعة الإجابة وكثرة الرحمة وقبول الشفاعة.\rحضور النساء إلى المساجد:\rأما حضور النساء إلى المساجد: فيجوز للعجوز، ويكره للشابة خوفاً من الفتنة والأولى للمرأة مطلقاً الصلاة في بيتها، وتتلخص آراء الفقهاء فيما يأتي:\r-------------------------------\r(1) رواه أحمد وأبو داود، وصححه ابن حبان عن أبي بن كعب.\r(2) رواه مسلم عن أبي موسى الأشعري مرفوعاً.\r(3) الحضرمية: ص 64، مغني المحتاج: 262/1.\r(4) الشرح الكبير: 320/1.","part":2,"page":321},{"id":1013,"text":"قال أبو حنيفة وصاحباه (1) : يكره للنساء الشوابّ حضور الجماعة مطلقاً، لما فيه من خوف الفتنة، وقال أبو حنيفة: ولا بأس بأن تخرج العجوز في الفجر والمغرب والعشاء؛ لأن فرط الشبق حامل (باعث) فتقع الفتنة، وفي غير هذه الأوقات الفساق نائمون في الفجر والعشاء، ومشغولون بالطعام في المغرب، وأجاز الصاحبان لها أن تخرج في الصلوات كلها؛ لأنه لا فتنة، لقلة الرغبة فيهن.\rوالمذهب المفتى به لدى المتأخرين: أنه يكره للنساء حضور الجماعة ولو لجمعة وعيد ووعظ، مطلقاً، ولو عجوزاً ليلاً، لفساد الزمان، وظهور الفسق.\rوقال المالكية (2) : يجوز خلافاً للأولى خروج امرأة متجالَّة لا أرب للرجال فيها للمسجد ولجماعة العيد والجنازة والاستسقاء والكسوف، كما يجوز خروج شابة غير مُفتنة لمسجد وجنازة قريب من أهلها، أما مخشية الفتنة فلا يجوز لها الخروج مطلقاً. قال ابن رشد: تحقيق القول في هذه المسألة عندي: أن النساء أربع:\rأ ـ عجوز انقطعت حاجة الرجال منها: فهذه كالرجل، فتخرج للمسجد للفرض، ولمجالس الذكر والعلم، وتخرج للصحراء للعيدين والاستسقاء ولجنازة أهلها وأقاربها ولقضاء حوائجها.\rب ـ ومتجالة لم تنقطع حاجة الرجال منها بالجملة: فهذه تخرج للمسجد للفرائض ومجالس العلم والذكر، ولا تكثر التردد في قضاء حوائجها، فيكره لها ذلك. وكلام العلامة خليل: أن هذه كالأولى.\rجـ ـ وشابة غير فارهة في الشباب والنجابة: تخرج للمسجد لصلاة الفرض جماعة، وفي جنازة أهلها وأقاربها، ولا تخرج لعيد ولا استسقاء ولا لمجالس ذكر أو علم.\rد ـ وشابة فارهة في الشباب والنجابة: فهذه لها الاختيار، فلها ألا تخرج أصلاً.\r-------------------------------\r(1) الكتاب مع اللباب:83/1، فتح القدير:529/1، الدر المختار وحاشية ابن عابدين: 529/1.\r(2) الشرح الكبير مع الدسوقي:335/1، الشرح الصغير:446/1 وما بعدها.","part":2,"page":322},{"id":1014,"text":"وقال الشافعية والحنابلة (1) : يكره للحسناء أو ذات الهيئة شابة أو غيرها حضور جماعة الرجال؛ لأنها مظنة الفتنة، وتصلي في بيتها. ويباح الحضور لغير الحسناء إذا خرجت تَفِلة (غير متطيبة) بإذن زوجها، وبيتها خير لها، لقوله صلّى الله عليه وسلم : «لاتمنعوا النساء أن يخرجن إلى المساجد، وبيوتهن خير لهن» وفي لفظ «إذا استأذنكم نساؤكم بالليل إلى المسجد، فأذنوا لهن» (2) أي إذا أمن المفسدة. ولقوله صلّى الله عليه وسلم في هيئة خروجها: «لا تمنعوا إماء الله مساجد الله ، وليخرجن تَفِلات» (3) أي غير متطيبات. وعن أم سلمة: أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم قال: « خير مساجد النساء قعر بيوتهن» (4) .\rوالخلاصة: لاتخرج المرأة الجميلة للمساجد، وتخرج العجوز.\r-------------------------------\r(1) مغني المحتاج:230/1، كشاف القناع:535/1،551،569، المغني:202/2 ومابعدها.\r(2) رواه الجماعة إلا ابن ماجه. والرواية الأولى لأحمد وأبي داود عن ابن عمر (نيل الأوطار: 130/3).\r(3) رواه أحمد وأبو داود عن أبي هريرة (المصدر السابق).\r(4) رواه أحمد (نيل الأوطار:131/3).","part":2,"page":323},{"id":1015,"text":"سادساً ـ إدراك ثواب الجماعة:\rالثواب الأكمل يحصل لمن أدرك الصلاة مع الإمام من أولها إلى آخرها، فإن إدراك تكبيرة الإحرام مع الإمام فضيلة، لحديث رواه الترمذي عن أنس: أن النبي صلّى الله عليه وسلم قال: «من صلى لله أربعين يوماً في جماعة، يدرك التكبيرة الأولى، كتب له براءتان: براءة من النار، وبراءة من النفاق» (1) ، وروي: «لكل شيء صفوة، وصفوة الصلاة: التكبيرة الأولى، فحافظوا عليها» (2) ولحديث: «إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا ركع فاركعوا، وإذا سجد فاسجدوا» (3) إذ الفاء للتعقيب.\rوالصحيح عند الشافعية: إدراك فضيلة الجماعة ما لم يسلِّم الإمام، وإن لم يقعد معه، بأن انتهى سلامه عقب تحرّمه، وإن بدأ بالسلام قبله، لإدراكه ركناً معه، لكنه دون فضل من يدركها من أولها. واستثنوا صلاة الجمعة فإن جماعتها لا تدرك إلا بإدراك ركعة كاملة مع الإمام.\rوقال الحنابلة والحنفية (4) : من كبر قبل سلام الإمام التسليمة الأولى، أدرك الجماعة، ولو لم يجلس معه؛ لأنه أدرك جزءاً من صلاة الإمام، فأشبه ما لو أدرك ركعة.\rوقال المالكية (5) : إنما يحصل فضل الجماعة الوارد به الخبر المتضمن كون ثوابها بخمس أو بسبع وعشرين درجة، بإدراك ركعة كاملة يدركها مع الإمام، بأن يمكّن يديه من ركبتيه أو مما قاربهما قبل رفع الإمام وإن لم يطمئن إلا بعد رفعه. أما مدرك ما دون الركعة فلا يحصل له فضل الجماعة، وإن كان مأموراً بالدخول مع الإمام، وأنه مأجور بلا نزاع.\rوالخلاصة: تدرك صلاة الجماعة عند الجمهور بالتحريمة، وبركعة عند المالكية.\r-------------------------------\r(1) حديث منقطع، قالوا: لكنه من الفضائل فيتسامح فيه.\r(2) رواه البزار من حديث أبي هريرة وأبي الدرداء مرفوعاً.\r(3) مغني المحتاج:231/1.\r(4) المغني:540/2،546.\r(5) الشرح الكبير:320/1.","part":2,"page":324},{"id":1016,"text":"سابعاً ـ إدراك الفريضة مع الإمام:\rاتفق أئمة المذاهب (1) على أن من أدرك الإمام راكعاً في ركوعه، فإنه يدرك الركعة مع الإمام، وتسقط عنه القراءة كما بينا سابقاً، لقوله صلّى الله عليه وسلم: «من أدرك ركعة من الصلاة مع الإمام، فقد أدرك الصلاة» (2) فإن ركع بعد رفع الإمام رأسه من الركوع، لم تحسب الركعة. لكن المالكية قالوا: إنما تدرك الركعة مع الإمام بانحناء المأموم في أول ركعة له مع الإمام قبل اعتدال الإمام من ركوعه، ولو حال رفعه، ولو لم يطمئن المأموم في ركوعه إلا بعد اعتدال الإمام مطمئناً، ثم يكبر لركوع أو سجود بعد تكبيرة الإحرام، ولايؤخر الدخول مع الإمام في أي حالة من الحالات حتى يقوم للركعة التي تليها، وإن شك هل ركع قبل اعتدال الإمام أو بعده لم تحسب له الركعة.\rوقال الحنابلة: من أدرك الإمام راكعاً، أجزأته تكبيرة الإحرام عن تكبيرة الركوع نصاً، لأنه فعل زيد بن ثابت وابن عمر، ولا يعرف لهما مخالف في الصحابة، ولأنه اجتمع عبادتان من جنس واحد، فأجزأ الركن عن الواجب، كطواف الزيارة والوداع.\rواشترط الشافعية كالمالكية تكبيرة الركوع عدا تكبيرة الإحرام ليدرك جزءاً من القيام.\rوهل يركع من أدرك الإمام راكعاً دون الصف؟\rقال المالكية (3) : يحرم (أي يكبر تكبيرة الإحرام) من خشي فوات ركعة برفع الإمام من ركوعه إن لم يحرم، دون الصف، إن ظن إدراكه قبل رفع رأس الإمام من الركوع. فإن لم يظن إدراك الصف قبل رفع الإمام، تابع مشيه بلا خَبَب (هرولة)، إلا أن تكون الركعة الأخيرة من صلاة الإمام، فإنه يحرم في مكانه دون الصف، لئلا تفوته الصلاة، ثم مشى، حتى يدخل في الصف.\r-------------------------------\r(1) فتح القدير:344/1، تبيين الحقائق:184/1، مراقي الفلاح: ص78، الشرح الصغير:426/1،463، كشاف القناع:540/1.\r(2) رواه البخاري ومسلم (نيل الأوطار:151/3).\r(3) الشرح الصغير: 461/1 وما بعدها.","part":2,"page":325},{"id":1017,"text":"وقال الحنابلة وغيرهم من بقية الفقهاء (1) : لا يركع دون الصف إلا إذا مشى ودخل في الصف قبل رفع الإمام رأسه من الركوع، أو يأتي آخر فيقف معه. وجملة ذلك: أن من ركع دون الصف ثم دخل فيه لايخلو من ثلاثة أحوال:\rآ ـ إذا صلى ركعة كاملة، فلا تصح صلاته، لقول النبي صلّى الله عليه وسلم : «لا صلاة لفرد خلف الصف» (2) .\rب ـ أن يمشي راكعاً حتى يدخل في الصف قبل رفع الإمام رأسه من الركوع، أو أن يأتي آخر، فيقف معه قبل أن يرفع الإمام رأسه من الركوع، فإن صلاته تصح، لأنه أدرك مع الإمام في الصف ما يدرك به الركعة.\rجـ ـ إذا دخل في الصف بعد رفع رأسه من الركوع: فمتى كان جاهلاً بتحريم ذلك، صحت صلاته، وإن علم لم تصح، بدليل ما روى البخاري وغيره: «أن أبا بكرة انتهى إلى النبي صلّى الله عليه وسلم ، وهو راكع، فركع قبل أن يصل إلى الصف، فذكر ذلك للنبي صلّى الله عليه وسلم ، فقال: زادك الله حرصاً، ولا تعد» (2) ، فلم يأمره بإعادة الصلاة ونهاه عن العود.\rثامناً - المشي للجماعة والمبادرة إليها مع الإمام :\rالمشي للجماعة:\rيستحب لمن قصد الجماعة أن يمشي إليها، وعليه السكينة والوقار (3) ، لقوله صلّى الله عليه وسلم : «إذا سمعتم الإقامة، فامشوا إلى الصلاة، وعليكم السكينة والوقار، ولاتسرعوا، فما أدركتم فصلّوا، وما فاتكم فأتموا» (4) .\rوذكر المالكية (5) : أنه يجوز الإسراع لإدراك الصلاة مع الجماعة، بلا خَبَب (أي هرولة: وهي ما دون الجري) وتكره الهرولة؛ لأنها تذهب الخشوع، والجري أولى.\rالمبادرة للاقتداء مع الإمام:\rيبادر المصلي للاقتداء بالإمام، سواء أكان قائماً أم راكعاً أم ساجداً أم نحوه.\rوهل له أن يصلي النافلة؟\r-------------------------------\r(1) المغني:234/2 وما بعدها.\r(2) رواه أحمد وابن ماجه عن علي بن شيبان (نيل الأوطار:184/3).\r(3) رواه البخاري وأحمد وأبو داود والنسائى، ورواية أبي داود بلفظ: «أن أبا بكرة جاء، ورسول الله صلّى الله عليه وسلم راكع، فركع دون الصف، ثم مشى إلى الصف، فلما قضى النبي صلّى الله عليه وسلم الصلاة، قال: أيكم الذي ركع دون الصف، ثم مشى إلى الصف، فقال أبو بكرة: أنا، فقال النبي صلّى الله عليه وسلم: زادك الله حرصاً، ولا تعد» (نيل الأوطار: 184/3). (2) المهذب:94/1، كشاف القناع:378/1 وما بعدها.\r(4) رواه الجماعة إلا الترمذي عن أبي هريرة، وروى أحمد والشيخان في معناه عن أبي قتادة (نيل الأوطار:134/3).\r(5) الشرح الصغير:445/1.","part":2,"page":326},{"id":1018,"text":"قال المالكية (1) : يحرم على المتخلف ابتداء صلاة، فرضاً أو نفلاً بجماعة أو لا، بعد إقامة الصلاة لإمام راتب. وإن أقيمت تلك الصلاة بمسجد، والمصلي في صلاة فريضة أو نافلة بالمسجد أو رحبته: فإن خشي فوات ركعة مع الإمام، قطع صلاته، ودخل مع الإمام مطلقاً، سواء أكانت نافلة أم فرضاً غير الصلاة المقامة، وسواء عقد ركعة أم لا، ويقطع صلاته بسلام أو مناف للصلاة ككلام ونية إبطال.\rوإن لم يخش فوات ركعة: فإن كانت الصلاة نافلة أتمها ركعتين، ويندب أن يتمها جالساً. وإن كانت الصلاة التي هو بها هي المقامة نفسها ـ بأن كان في العصر، فأقيمت للإمام ـ انصرف عن شفع ولا يتمها، فلو صلى ركعة ضم لها أخرى، وإن كان في الثانية كملها، وإن كان في الثالثة قبل كمالها بسجودها، رجع للجلوس فتشهد، وسلم. هذا إن كان في صلاة رباعية.\rفإن كان في صلاة صبح أو مغرب، فأقيمت، قطع صلاته، ودخل مع الإمام، لئلا يصير متنفلاً بوقت نهي. وإن أتم ثانية المغرب، أو الثالثة، أو ثانية الصبح، كملها بنية الفريضة.\rوقال الشافعية (2) : إن كان المصلي في صلاة نافلة، ثم أقيمت الجماعة: فإن لم يخش فوات الجماعة، أتم النافلة، ثم دخل في الجماعة.\rوإن خشي فوات الجماعة، قطع النافلة؛ لأن الجماعة أفضل.\rوإن دخل في فرض الوقت ثم أقيمت الجماعة: فالأفضل أن يقطع، ويدخل في الجماعة. وفي المذهب الجديد وهو الأصح: له أن ينوي الدخول في الجماعة من غير أن يقطع صلاته؛ لأنه لما جاز أن يصلي بعض صلاته منفرداً، ثم يصير إماماً، بأن يجيء من يأتم به، جاز أن يصلي بعض صلاته منفرداً، ثم يصير مأموماً، ومن المقرر عندهم أنه يجوز أن يغير ترتيب صلاته بالمتابعة، كالمسبوق بركعة.\r-------------------------------\r(1) الشرح الصغير: 431/1، القوانين الفقهية: ص68.\r(2) المهذب: 94/1، المجموع: 105/4-110.","part":2,"page":327},{"id":1019,"text":"وإن حضر وقد أقيمت الصلاة، لم يشتغل عنها بنافلة، لقوله صلّى الله عليه وسلم: «إذا أقيمت الصلاة، فلا صلاة إلا المكتوبة» (1) .\rوقال الحنابلة (2) : إذا شرع المؤذن في إقامة الصلاة التي يريد الصلاة مع إمامها، عملاً برواية ابن حبان بلفظ «إذا أخذ المؤذن في الإقامة» ، فلا صلاة إلا المكتوبة، فلا يشرع في نفل مطلق ولا سنة راتبه من سنة فجر أو غيرها، في المسجد أو غيره ولو ببيته، لعموم الحديث السابق: «إذا أقيمت الصلاة ...» ، فإذاشرع في نافلة بعد الشروع في الإقامة، لم تنعقد، لما روي عن أبي هريرة «وكان عمر يضرب على كل صلاة بعد الإقامة» .\rوإن أقيمت الصلاة، وهو في النافلة، ولو كان خارج المسجد، أتمها خفيفة، ولو فاتته ركعة، لقوله تعالى: {ولا تبطلوا أعمالكم} [محمد:33/47] ولا يزيد على ركعتين، فإن كان شرع في الركعة الثالثة، أتمها أربعاً، لأنها أفضل من الثلاث. فإن سلَّم من ثلاث ركعات، جاز نصاً في المسألتين، إلا أن يخشى المتنفل فوات ما تدرك به الجماعة، فيقطعها؛ لأن الفرض أهم.\rوللحنفية تفصيل خاص، يشبه في قطع الفريضة مذهبي المالكية والشافعية في الجملة، ويستقل في ضرورة صلاة سنة الفجر، وهو ما يأتي (3) :\r-------------------------------\r(1) متفق عليه بين الشيخين عن أبي هريرة.\r(2) كشاف القناع:539/1 وما بعدها.\r(3) فتح القدير:335/1-342، تبيين الحقائق:180/1-184. مراقي الفلاح: ص77 ومابعدها.","part":2,"page":328},{"id":1020,"text":"إذا شرع المصلي في أداء فرض أو قضائه منفرداً، ثم أقيمت الجماعة: فإن شرع في صلاة الفجر أو المغرب: فإن كان في الركعة الأولى، ولو بعد السجود،فعليه أن يقطع صلاته بتسليمة، ثم يدخل في الجماعة. وإن كان في الركعة الثانية، قطعها أيضاً إن كان قبل السجود، وأتمهامنفرداً إن كان بعد السجود.\rوإن شرع في صلاة رباعية كالظهر أو العصر: فإن كان المنفرد قبل السجود في الركعتين الأولى (1) ، قطع صلاته ولحق الإمام. وإن كان بعد السجود أتم الركعتين أي صلى شفعاً وسلم، ودخل مع الجماعة إحرازاً لفضيلة الجماعة، وصار ما صلاه نفلاً، صيانة للمؤدى عن البطلان.\rوإن قام للثالثة، فأقيمت الجماعة قبل سجوده، قطع قائماً بتسليمة واحدة. أما إن أتم الركعة الثالثة من الرباعية أو من المغرب، فإنه يتم صلاته منفرداً؛ لأن للأكثر حكم الكل. ثم يصلي مع الجماعة نافلة؛ لأن الفرض لا يتكرر في وقت واحد، بدليل ما قال يزيد بن الأسود: شهدت مع النبي صلّى الله عليه وسلم حَجَّتَه، فصليت معه صلاة الصبح في مسجد الخيف، فلما قضى صلاته، انحرف، فإذا هو برجلين في أخرى القوم لم يصليا، فقال: عليَّ بهما، فجيء بهما تُرعَد فرائصُهما (2) ، فقال: ما منعكما أن تصليا معنا؟ فقالا: يا رسول الله ، إنا كنا قد صلينا في رحالنا، قال: فلا تفعلا، إذا صليتما في رحالكما، ثم أتيتما مسجد جماعة، فصلِّيا معهم، فإنها لكما نافلة (3) .\r-------------------------------\r(1) عبارتهم في ذلك: ثم لم يقيد الركعة الأولى بالسجدة، يقطع ويشرع مع الإمام، وهو الصحيح.\r(2) الفرائص: جمع فريصة: وهي اللحمة من الجنب والكتف التي لا تزال ترعد أي تتحرك من الدابة، واستعير للإنسان؛ لأن له فريصة، وهي ترجف عند الخوف. وسبب ارتعاد فرائصهما: ما اجتمع في رسول الله صلّى الله عليه وسلم من الهيبة العظيمة والحرمة الجسيمة، لكل من رآه، مع كثرة تواضعه.\r(3) رواه الخمسة إلا ابن ماجه (نيل الأوطار:92/3).","part":2,"page":329},{"id":1021,"text":"ومن دخل المسجد، والصلاة تقام، اشترك مع الجماعة ويترك السنة، لأنه يؤديها بعد الفرض والسنة البعدية، إلا سنة الفجر، فإنه يصليها عند باب المسجد، ثم يدخل، إذا لم يخف فوت الجماعة، لأنه أمكنه الجمع بين الفضيلتين. فإن خشي فوت الجماعة، دخل مع الإمام في الفريضة؛ لأن ثواب الجماعة أعظم، والوعيد بالترك ألزم.\rوإذا فاتته ركعتا الفجر، لا يقضيهما قبل طلوع الشمس؛ لأنه يبقى نفلاً مطلقاً، وهو مكروه بعد الصبح ، ولا بعد ارتفاع الشمس عند أبي حنيفة وأبي يوسف؛ لأن الأصل في السنة ألا تقضى، لاختصاص القضاء بالواجب، والرسول صلّى الله عليه وسلم إنما قضى السنة تبعاً للفرض غداة طلوع الشمس عليه ليلة التعريس (1) في الوادي، فبقي ما عداه على الأصل: وهو عدم القضاء، وعلى هذا فلا تقضى سنة الفجر إلا تبعاً للفرض إذا فاتت مع الفرض.\rوقال محمد: أحب إلي أن يقضيهما (أي ركعتي الفجر) إلى وقت الزوال، لأنه عليه السلام قضاهما بعد ارتفاع الشمس غداة ليلة التعريس.\rوإن شرع في سنة الظهر القبلية، فأقيمت الجماعة، أو في سنة الجمعة فصعد الخطيب المنبر، سلم بعد ركعتين وهو الأوجه، ثم قضى السنة أربعاً بعد أداء الفرض والسنة البعدية، حتى لا يفوت فرض الاستماع والأداء على وجه أكمل. وهذا رأي أبي حنيفة وأبي يوسف. وعند محمد: تقضى قبل السنة البعدية. قال الشلبي (2) : والأولى تقديم الركعتين أي السنة البعدية؛ لأن الأربع أي السنة القبلية فاتت عن الموضع المسنون، فلا تفوت الركعتان أيضاً عن موضعهما قصداً بلا ضرورة.\r-------------------------------\r(1) التعريس: نزول القوم في السفر من آخر الليل يقعون فيه وقعة للاستراحة ثم يرتحلون.\r(2) حاشية الشلبي على تبيين الحقائق:183/1.","part":2,"page":330},{"id":1022,"text":"تاسعاً ـ تكرار الجماعة في المسجد:\rعرفنا في مكروهات الصلاة سابقاً أن الحنفية (1) قالوا: يكره تكرار الجماعة بأذان وإقامة في مسجد مَحِلِّة، إلا إذا صلى بهما فيه أولاً غير أهله، أو أهله لكن بمخافته الأذان، أو كرر أهله الجماعة بدون الأذان والإقامة، أو كان مسجد طريق، أو مسجداً لا إمام له ولا مؤذن، ويصلي الناس فيه فوجاً فوجاً، والأفضل أن يصلي كل فريق بأذان وإقامة على حدة.\rوالمراد بمسجد المحلة: ما له إمام وجماعة معلومون. والكراهة إذا تكرر الأذان، فلو صلى جماعة في مسجد المحلة بغير أذان أبيح، لكن ظاهر الرواية عند الحنفية أنه مكروه، فما يفعل في بعض المساجد من الصلاة بأئمة متعددة وجماعات مترتبة مكروه عندهم.\rودليلهم: أنه عليه الصلاة والسلام كان قد خرج، ليصلح بين قوم، فعاد إلى المسجد، وقد صلى أهل المسجد، فرجع إلى منزله، فجمع أهله وصلى. ولو جاز ذلك لما اختار الصلاة في بيته على الجماعة في المسجد. ولأن ذلك حامل على تكثير الجماعة، فلو أبيح التكرار بدون كراهة لا يجتمع الناس، لعلمهم أن الجماعة لا تفوتهم.\rأما مسجد الشارع، فالناس فيه سواء، لا اختصاص له بفريق دون فريق. وعلى هذا لا يكره تكرار الجماعة في مساجد الطرق: وهي ما ليس لها إمام وجماعة معينون.\rوقال المالكية (2) : يكره تكرار الجماعة في مسجد له إمام راتب، وكذلك\r-------------------------------\r(1) الدر المختار ورد المحتار:516/1.\r(2) الشرح الصغير:432/1،442 وما بعدها.","part":2,"page":331},{"id":1023,"text":"يكره إقامة الجماعة قبل الإمام الراتب، ويحرم إقامة جماعة مع جماعة الإمام الراتب. والقاعدة عندهم: أنه متى أقيمت الصلاة مع الإمام الراتب، فلا يجوز إقامة صلاة أخرى فرضاً أو نفلاً، لا جماعة ولا فرادى. ومن صلى جماعة مع الإمام الراتب، وجب عليه الخروج من المسجد، لئلا يؤدي إلى الطعن في الإمام. وإذا دخل جماعة مسجداً، فوجدوا الإمام الراتب قد صلى، ندب لهم الخروج ليصلوا جماعة خارج المسجد، إلا المساجد الثلاثة (المسجد الحرام ومسجد المدينة والمسجد الأقصى)، فيصلون فيها فرادى، إن دخلوها؛ لأن الصلاة المنفردة فيها أفضل من جماعة غيرها.\rوإذا تعدد الأئمة الراتبون، بأن يصلي أحدهم بعد الآخر، كره على الراجح. ويكره تعدد الجماعات في وقت واحد، لما فيه من التشويش.\rولا يكره تكرار الجماعة في المساجد التي ليس لها إمام راتب.\rوقال الشافعية (1) : يكره إقامة الجماعة في مسجد بغير إذن من الإمام الراتب مطلقاً قبله أو بعده أو معه، ولا يكره تكرار الجماعة في المسجد المطروق في ممر الناس، أو في السوق، أو فيما ليس له إمام راتب، أو له وضاق المسجد عن الجميع، أو خيف خروج الوقت؛ لأنه لا يحمل التكرار على المكيدة.\rوقال الحنابلة (2) : يحرم إقامة جماعة في مسجد قبل إمامه الراتب إلا بإذنه، لأنه بمنزلة صاحب البيت، وهو أحق بها، لقوله صلّى الله عليه وسلم : «لا يؤمَّنَّ الرجل الرجل في بيته إلا بإذنه» (3) ، ولأنه يؤدي إلى التنفير عنه، وكذلك يحرم إقامة جماعة أخرى\r-------------------------------\r(1) مغني المحتاج:234/1، المهذب:95/1.\r(2) كشاف القناع:536/1-539، المغني:180/1.\r(3) رواه أبو داود عن أبي هريرة عن النبي صلّى الله عليه وسلم قال: «لا يحل لرجل يؤمن بالله واليوم الآخر أن يؤم قوماً إلا بإذنهم، ولا يخص نفسه بدعوة دونهم، فإن فعل فقد خانهم» (نيل الأوطار:159/3).","part":2,"page":332},{"id":1024,"text":"أثناء صلاة الإمام الراتب، ولا تصح الصلاة في كلتا الحالتين. وعلى هذا فلا يحرم ولا تكره الجماعة بإذن الإمام الراتب؛ لأنه مع الإذن يكون المأذون نائباً عن الراتب، ولا تحرم ولا تكره أيضاً إذا تأخر الإمام الراتب لعذر، أو ظن عدم حضوره، أو ظن حضوره ولم يكن يكره أن يصلي غيره في حال غيبته.\rولا يكره تكرار الجماعة بإمامة غير الراتب بعد انتهاء الإمام الراتب، إلا في مسجدي مكة والمدينة فقط، فإنه تكره إعادة الجماعة فيهما، رغبة في توفير الجماعة، أي لئلا يتوانى الناس في حضور الجماعة مع الراتب في المسجدين إذا أمكنهم الصلاة في جماعة أخرى، وذلك إلا لعذر كنوم ونحوه عن الجماعة، فلا يكره لمن فاتته إعادتها بالمسجدين.\rويكره تعدد الأئمة الراتبين بالمسجدين المذكورين، لفوات فضيلة أول الوقت لمن يتأخر، وفوات كثرة الجمع، وإن اختلفت المذاهب.\rويكره للإمام إعادة الصلاة مرتين، بأن يؤم بالناس مرتين في صلاة واحدة، بأن ينوي بالثانية عن فائتة أو غيرها، وبالأولى فرض الوقت. والأئمة متفقون على أنه بدعة مكروهة.\rعاشراً ـ إعادة المنفرد الصلاة جماعة:\rاتفق الفقهاء على أنه يجوز لمن صلى منفرداً أن يعيد الصلاة في جماعة وتكون الثانية نفلاً، عملاً بما ثبت في السنة في حديث يزيد بن الأسود السابق، وفي حديث آخر: أن رجلاً جاء إلى المسجد بعد صلاة النبي صلّى الله عليه وسلم العصر، فقال: «من يتصدق على هذا، فيصلي معه؟ فصلى معه رجل من القوم» (1) .\r-------------------------------\r(1) رواه أحمد وأبو داود، والترمذي وحسنه، من حديث أبي سعيد الخدري، وإسناده جيد.","part":2,"page":333},{"id":1025,"text":"ولكن للفقهاء تفصيل في إعادة الصلاة:\rقال الحنفية (1) : يجوز للمنفرد إعادة الصلاة مع إمام جماعة، وتكون صلاته الثانية نفلاً بدليل حديث يزيد بن الأسود السابق في بحث إدراك الفريضة. والذي قال فيه النبي صلّى الله عليه وسلم لرجلين في أخريات الصفوف، لم يصليا معه صلاة الظهر: «إذا صليتما في رحالكما، ثم أتيتما مسجد جماعة، فصليا معهم فإنها لكما نافلة» . وإذا كانت نفلاً، أعطيت حكم النافلة، فتكره إعادة صلاة العصر؛ لأن النفل ممنوع بعد العصر، وتكره صلاة النفل خلف النفل إذا كانت الجماعة أكثر من ثلاثة، وإلا فلا تكره إن أعادوها بدون أذان، وتكره مطقاً إن أعادوها بأذان. وتجوز إذا كان إمامه يصلي فرضاً، لا نفلاً؛ لأن صلاة النافلة خلف الفرض غير مكروهة.\rوقال المالكية (2) : من صلى في جماعة لم يعد في أخرى إلا إذا دخل أحد المساجد الثلاثة فيندب له الإعادة. ومن صلى منفرداً جازت له الإعادة في جماعة: اثنين فأكثر، لا مع واحد، إلا إذا كان إماماً راتباً بمسجد، فيعيد معه؛ لأن الراتب كالجماعة، ويعيد كل الصلوات غير المغرب، والعشاء بعد الوتر، فتحرم إعادتها لتحصيل فضل الجماعة، أما المغرب فلا تعاد؛ لأنها تصير مع الأول شفعاً؛ لأن المعادة في حكم النفل، والعشاء تعاد قبل الوتر، ولا تعاد بعده؛ لأنه إن أعاد الوتر يلزم مخالفة قوله صلّى الله عليه وسلم : «لا وتران في ليلة» ، وإن لم يعد، لزم مخالفة: «اجعلوا آخر صلاتكم من الليل وتراً» .\rولكل منفرد إعادة الصلاة إلا من صلى منفرداً في أحد المساجد الثلاثة، فلا يندب له إعادتها جماعة خارجها، ويندب إعادتها جماعة فيها.\rويعيد إذا كان مأموماً، ولا يصح أن يكون إماماً ، كما قال الحنفية. وينوي المعيد الفرض، مفوضاً لله تعالى في قبول أي الصلاتين.\r-------------------------------\r(1) فتح القدير:337/1.\r(2) بداية المجتهد:137/1 ومابعدها، القوانين الفقهية: ص68، الشرح الصغير: 427/1 وما بعدها.","part":2,"page":334},{"id":1026,"text":"وقال الشافعية (1) : يسن للمصلي وحده، وكذا للجماعة في الأصح: إعادة الفرض بنية الفرض في الأصح مع منفرد أو جماعة يدركها في الوقت ولو ركعة فيه على الراجح، ولو كان الوقت وقت كراهة، وتكون الإعادة مرة واحدة على الراجح، ولا يندب أن يعيد الصلاة المنذروة ولا صلاة الجنازة، إذ لا يتنفل بها، ويشترط أن تكون الصلاة الثانية صحيحة وإن لم تغن عن القضاء، وألا ينفرد وقت الإحرام بالصلاة الثانية من قيام لقادر، وأن تكون الجماعة مطلوبة في حق من يعيدها، فإن كان عارياً فلا يعيدها في غير ظلام. ويصح أن يكون المعيد إماماً.\rوإذا صلى وأعاد مع الجماعة، فالفرض هو الأول في المذهب الجديد، لخبر يزيد بن الأسود السابق، إذ اعتبر النبي فيه الصلاة الثانية نافلة، ولأنه أسقط الفرض بالصلاة الأولى، فوجب أن تكون الثانية نفلاً. وينوي إعادة الصلاة المفروضة، حتى لا تكون نفلاً مبتدءاً.\rوقال الحنابلة (2) : يستحب لمن صلى فرضه منفرداً أو في جماعة أن يعيد الصلاة إذا أقيمت الجماعة وهو في المسجد، ولو كان وقت الإعادة وقت نهي، سواء أكانت الإعادة مع الإمام الراتب أو غيره، إلا المغرب، فلا تسن إعادتها؛ لأن المعادة تطوع، وهو لا يكون بوتر. وتكون صلاته الأولى فرضه، لحديث يزيد ابن الأسود السابق. وينوي بالثانية كونها معادة؛ لأن الأولى أسقطت الفرض. وإن نوى المعادة نفلاً صح، لمطابقته الواقع، وإن نواها ظهراً مثلاً، صحت، وكانت نفلاً.\rأما من كان خارج المسجد، فوجد جماعة تقام: فإن كان الوقت وقت نهي، لم يستحب له الدخول، حتى تفرغ الصلاة، وتحرم عليه الإعادة ولم تصح، سواء قصد بدخوله المسجد تحصيل الجماعة أم لا. وأما إذا لم يكن الوقت وقت نهي، وقصد المسجد للإعادة، فلا تسن له الإعادة، وإن لم يقصد ذلك، كانت الإعادة مسنونة.\r-------------------------------\r(1) مغني المحتاج:233/1 وما بعدها، المهذب:95/1.\r(2) كشاف القناع:537/1 وما بعدها.","part":2,"page":335},{"id":1027,"text":"الحادي عشر ـ وقت استحباب القيام للجماعة أو الصلاة:\rعرفنا في بحث أحكام الإقامة للصلاة أن للفقهاء آراء أربعة في وقت استحباب القيام لصلاة الجماعة، نوجزها هنا:\rذهب الحنفية: إلى أن المصلي يقوم عند «حي على الفلاح» وبعد قيام الإمام.\rوذهب الحنابلة: إلى أنه يقوم عند «قد قامت الصلاة» .\rورأي الشافعية: أنه يقوم بعد انتهاء المقيم من الإقامة.\rوقال المالكية: ذلك موكول إلى قدر طاقة الناس، حال الإقامة أو أولها أو بعدها، إذ ليس في هذا شرع مسموع إلا حديث أبي قتادة السابق: أنه عليه الصلاة والسلام قال: «إذ أقيمت الصلاة فلا تقوموا حتى تروني» قال ابن رشد: فإن صح هذا ـ وقد بينا أنه حديث متفق عليه ـ وجب العمل به، وإلا فالمسألة باقية على أصلها المعفو عنه، أعني أنه ليس فيها شرع، وأنه متى قام كل واحد، فحسن (1) .\rالثاني عشر ـ أعذار ترك الجماعة والجمعة:\rيعذر المرء بترك الجمعة والجماعة، فلا تجبان للأسباب الآتية (2) :\r1ً - المرض الذي يشق معه الحضور كمشقة المطر، وإن لم يبلغ حداً يسقط القيام في الفرض، بخلاف المرض الخفيف كصداع يسير وحمى خفيفة فليس بعذر. ومثله تمريض من لا متعهد له ولو غير قريب ونحوه؛ لأن دفع الضرر عن الآدمي من المهمات، ولأنه يتألم على القريب أكثر مما يتألم بذهاب المال. وغير القريب كالزوجة والصهر والصديق والأستاذ.\r-------------------------------\r(1) بداية المجتهد: 145/1.\r(2) الدر المختار:519/1 وما بعدها، مراقي الفلاح: ص48، البدائع:155/1، مغني المحتاج:234-236، المهذب:94/1، المجموع:100/4-102، كشاف القناع:583/1-587، المغني629/1-630، القوانين الفقهية: ص69 ومابعدها، الشرح الصغير:514/1-516.","part":2,"page":336},{"id":1028,"text":"ودليل عذر المرض: قوله تعالى: {وما جعل عليكم في الدين من حرج} [الحج:78/22] وأنه صلّى الله عليه وسلم لما مرض تخلف عن المسجد، وقال: «مروا أبا بكر فليصل بالناس» (1) ويعذر في ذلك خائف حدوث المرض، لما روى ابن عباس: أن النبي صلّى الله عليه وسلم فسر العذر: بالخوف والمرض (2) . فلا تجب الجماعة على مريض ومقعد وزمِن ومقطوع يد ورجل من خلاف أو رجل فقط، ومفلوج وشيخ كبير عاجز وأعمى وإن وجد قائداً في رأي الحنفية، ولا يعذر حينئذ عند الحنابلة والمالكية والشافعية في ترك الجمعة دون الجماعة كما سيأتي.\r2ً - أن يخاف ضرراً في نفسه أو ماله أو عرضه أو مريضاً يشق معه الذهاب كما ذكر، بدليل ما روى ابن عباس رضي الله عنه: أن النبي صلّى الله عليه وسلم قال: «من سمع النداء، فلم يجبه، فلا صلاة له إلا من عذر، قالوا: يارسول الله ، وما العذر؟ قال: خوف أو مرض» .\rفلا تجب الجماعة والجمعة بسبب خوف ظالم، وحبس معسر، أو ملازمة غريم معسر، وعُرْي، وخوف عقوبة يرجى تركها كتعزير لله تعالى، أو لآدمي، وقَوَد (قصاص) وحد قذف مما يقبل العفو إن تغيب أياماً، وخوف زيادة المرض أو تباطئه. فإن لم يتضرر المريض بإتيانه المسجد راكباً أو محمولاً أو تبرع أحد بأن يركبه أو يحمله أو يقوده إن كان أعمى، لزمته عند الحنابلة والمالكية والشافعية الجمعة لعدم تكررها دون الجماعة. ولا تجب الجماعة والجمعة بسبب الخوف عن الانقطاع عن الرفقة في السفر ولو سفر نزهة. أو بسبب الخوف من تلف مال كخبز في تنور، وطبيخ على نار ونحوه، أو الخوف من فوات فرصة كالخوف من ذهاب شخص يدله على ضائع في مكان ما.\r-------------------------------\r(1) متفق عليه.\r(2) رواه أبو داود وغيره، وفي إسناده رجل مدلس، ولم يضعفه أبو داود.","part":2,"page":337},{"id":1029,"text":"3ً - المطر، والوَحَل (الطين) والبرد الشديد، والحر ظهراً، والريح الشديدة في الليل لا في النهار، والظلمة الشديدة، بدليل ما روى ابن عمر رضي الله عنه، قال: «كنا إذا كنا مع رسول الله صلّى الله عليه وسلم في سفر، وكانت ليلة مظلمة أو مطيرة، نادى مناديه: أن صلوا في رحالكم» (1) ، والثلج والجليد كالمطر.\r4ً - مدافعة الأخبثين (البول والغائط) أو أحدهما، لأن ذلك يمنعه من إكمال الصلاة وخشوعها. وحضور طعام تتوقه نفسه، أي جوع وعطش شديدان، لخبر أنس في الصحيحين: «لا تعجلن حتى تفرغ منه» ، وإرادة سفر، ويخشى أن تفوته القافلة أي تأهب لسفر مع رفقة ترحل، أما السفر نفسه فليس بعذر، وغلبة نعاس ومشقة؛ لأن رجلاً صلى مع معاذ، ثم انفرد، فصلى وحده عند تطويل معاذ، فلم ينكر عليه النبي صلّى الله عليه وسلم حين أخبره. لكن الصبر والتجلد على دفع النعاس، والصلاة جماعة أفضل، لما فيه من نيل فضل الجماعة. وأضاف الحنفية: واشتغاله بالفقه لابغيره.\r5ً - أكل منتن نيء إن لم يمكنه إزالته، ويكره حضور المسجد لمن أكل ثوماً أو بصلاً أو فجلاً ونحوه، حتى يذهب ريحه، لتأذي الملائكة بريحه، ولحديث: «من أكل ثوماً أو بصلاً، فليعتزلنا، وليعتزل مسجدنا، وليقعد في بيته» (1) . ومثله جزار له رائحة منتنة، ونحوه من كل ذي رائحة منتنة، لأن العلة الأذى. وكذا من به برص أو جذام يتأذى به قياساً على أكل الثوم ونحوه بجامع الأذى.\r6ً - الحبس في مكان، لقوله تعالى: {لا يكلف الله نفساً إلا وسعها} [البقرة:286/2].\r-------------------------------\r(1) رواه البخاري ومسلم، ولفظهما: «ألا صلوا في الرحال» والرحال: المنازل، سواء أكانت من مدر (طين) أو شعر أو وبر أو غير ذلك. ورواه ابن ماجه بإسناد صحيح، ولم يقل: في السفر. وهناك أحاديث أخرى في الموضوع (نيل الأوطار:155/3).","part":2,"page":338},{"id":1030,"text":"7ً - أضاف الشافعية: تقطير سقوف الأسواق والزلزلة، والسموم: وهي ريح حارة ليلاً أو نهاراً، والبحث عن ضالة يرجوها، والسعي في استرداد مغصوب، والسمن المفرط، والهم المانع من الخشوع، والاشتغال بتجهيز ميت، ووجود من يؤذيه في طريقه أو في المسجد، وزفاف زوجته إليه في الصلاة الليلية، وتطويل الإمام على المشروع، وترك سنة مقصودة، وكونه سريع القراءة والمأموم بطيئاً، أو ممن يكره الاقتداء به، وكونه يخشى وقوع فتنة له أو به.\rوأيدهم الحنابلة في عذر تطويل الإمام، وزفاف الزوجة أو العرس. وتسقط الجمعة والجماعة عند المالكية لمدة ستة أيام بسبب الزفاف، ولا تسقط عن العروس في السابع على المشهور. وأضافوا كالشافعية: يعذر من عليه قصاص (قَوَد) إن رجا العفو عنه، ومن عليه حد القذف، إن رجا العفو أيضاً؛ لأنه حق آدم. أما من عليه حد لله تعالى كحد الزنا وشرب الخمر وقطع السرقة، فلا يعذر في ترك الجمعة ولا الجماعة؛ لأن الحدود لا يدخلها المصالحة، بخلاف القصاص.\rوخلاصة ما يسقط به حضور الجماعة عند الحنفية: واحد من ثمانية عشر أمراً: مطر، وبرد، وخوف، وظلمة، وحبس، وعمى، وفلج، وقطع يد ورجل، وسقام، وإقعاد، ووحل، وزمانة، وشيخوخة، وتكرار فقه بجماعة تفوته، وحضور طعام تتوقه نفسه، وإرادة سفر، وقيامه بمريض، وشدة ريح ليلاً لا نهاراً. وإذا انقطع عن الجماعة لعذر من أعذارها المبيحة للتخلف يحصل له ثوابها.\rالمطلب الثاني ـ الإمامة:\rتعريفها، نوعاها، شروط الأئمة أو من تصح إمامته، الأحق بالإمامة، مكروهات الإمامة ومن تكره إمامته، متى تفسد صلاة الإمام دون المؤتم، ما تفسد به صلاة الإمام والمأمومين، ما يحمله الإمام عن المأموم، الأحكام الخاصة بالإمام.\r-------------------------------\r(1) رواه البخاري ومسلم عن جابر، وفي لفظ: «من أكل من هذه الشجرة الخبيثة فلا يقربن مصلانا» .","part":2,"page":339},{"id":1031,"text":"أولاً ـ تعريف الإمامة ونوعاها:\rكل من يقتدى به ويتبع في خير أو شر، فهو إمام، قال الله تعالى: {وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا} [الأنبياء:73/21]، وقال: {وجعلناهم أئمة يَدْعون إلى النار} [القصص:41/28].\rوالإمامة نوعان (1) : كبرى وصغرى.\rفالكبرى: استحقاق تصرف عام على الأنام أي على الخلق، والمقصود بالتصرف العام: طاعة الإمام. أو هي رياسة عامة في الدين والدنيا، خلافة عن النبي صلّى الله عليه وسلم . قال الماوردي (2) : الإمامة موضوعة لخلافة النبوة في حراسة الدين وسياسة الدنيا.\rوتعيين الإمام واجب شرعي من أهم الواجبات باتفاق العلماء (3) ، ويشترط كونه مسلماً حراً ذكراً عاقلاً بالغاً، قادراً، قرشياً، ولا يشترط كونه هاشمياً علوياً (أي من أولاد علي كما قال به بعض الشيعة) معصوماً كما قالت الإمامية والإسماعيلية. ويكره تقليد الفاسق، ويعزل بالفسق إلا لفتنة، ويجب أن يدعى له بالصلاح. وتصح الإمامة بأحد أمور ثلاثة:\rاختيار أهل الحل والعقد، والوراثة (الإمامة بالعهد)، والغلبة والقهر للضرورة، بلا مبايعة أهل الحل والعقد (4) .\rوالإمامة الصغرى: هي إمامة الصلاة، وهي ارتباط صلاة المؤتم بالإمام.\rثانياً ـ شروط صحة الإمامة أو الجماعة:\rتصح إمامة الإمام بالشروط التالية (5) :\r1 - الإسلام: فلا تصح إمامة الكافر بالاتفاق. وذكر الحنابلة (6) : إذا صلى خلف من شك في إسلامه، أو كونه خنثى، فصلاته صحيحة، ما لم يبن كفره،وكونه خنثى مشكلاً؛ لأن الظاهر من المصلين الإسلام، لاسيما إذا كان إماماً، والظاهر السلامة من كونه خنثى، لاسيما من يؤم الرجال. فإن تبين بعد الصلاة أنه كان كافراً أو خنثى مشكلاً فعليه الإعادة. ويحكم بإسلام الشخص بالصلاة، سواء أكان في دار الحرب أم في دار الإسلام، وسواء صلى جماعة أو منفرداً، فإن أقام بعد ذلك على الإسلام، فلا كلام، وإن لم يقم عليه، فهو مرتد، يجري عليه أحكام المرتدين.\r-------------------------------\r(1) الدر المختار ورد المحتار:511/1-513.\r(2) الأحكام السلطانية: ص3.\r(3) المرجعان السابقان، الأحكام السلطانية لأبي يعلى: ص3.\r(4) المراجع السابقة.\r(5) الدر المختار: 513/1 وما بعدها، و539-554، اللباب:82/1، البدائع:156/1ومابعدها، الشرح الصغير:433/1-436، القوانين الفقهية: ص67، المهذب:97/1، مغني المحتاج:238/1، 241، كشاف القناع:559/1-560، 564-568، 570، المغني:192/1، 194-195، 197-201، 228، المجموع:147/4-162.\r(6) المغني: 200/1 وما بعدها.","part":2,"page":340},{"id":1032,"text":"وإن مات قبل ظهور ما ينافي الإسلام فهو مسلم، يرثه ورثته المسلمون دون الكافرين.\rوكذلك قال الشافعية (1) : لو بان كون الإمام كافراً أو امرأة، وجبت إعادة الصلاة.\r2 - العقل: فلا تصح الصلاة خلف مجنون؛ لأن صلاته لنفسه باطلة. فإن كان جنونه متقطعاً، صحت الصلاة وراءه حال إفاقته، ولكن يكره الاقتداء به، لئلا يعرض الصلاة للإبطال في أثنائها، لوجود الجنون فيها، والصلاة صحيحة؛ لأن الأصل السلامة، فلا تفسد بالاحتمال. ويلاحظ أن عدَّ هذين الشرطين من شروط الإمام مسامحة، إذ هما شرطان في الصلاة مطلقاً. والمعتوه والسكران مثل المجنون لاتصح الصلاة خلفهما، كما لاتصح صلاتهما.\r3 - البلوغ: فلا تصح إمامة المميز عند الجمهور للبالغ، في فرض أو نفل عند الحنفية، وفي فرض فقط عند المالكية والحنابلة، أما في النفل ككسوف وتراويح فتصح إمامته لمثله، لأنه متنفل يؤم متنفلاً، ودليلهم ما روى الأثرم عن ابن مسعود وابن عباس: «لا يؤم الغلام حتى يحتلم» ولأن الإمامة حال كمال، والصبي ليس من أهل الكمال، ولأنه لا يؤمن الصبي لإخلاله بشروط الصلاة أو القراءة.\r-------------------------------\r(1) مغني المحتاج:241/1.","part":2,"page":341},{"id":1033,"text":"وقال الشافعية: يجوز اقتداء البالغ بالصبي المميز، لما روي عن عمرو بن سلمة قال: « أممت على عهد رسول الله صلّى الله عليه وسلم وأنا غلام ابن سبع سنين» (1) والأصح صحة إمامة الصبي عندهم في الجمعة أيضاً، مع الكراهة.\r4 - الذكورة المحققة إذا كان المقتدي به رجلاً أو خنثى: فلا تصح إمامة المرأة والخنثى للرجال، لا في فرض ولا في نفل. أما إن كان المقتدي نساء فلا تشترط الذكورة في إمامهن عند الشافعية والحنابلة، فتصح إمامة المرأة للنساء عندهم، بدليل ما روي عن عائشة وأم سلمة وعطاء: أن المرأة تؤم النساء، وروى الدارقطني عن أم ورقة: أنه صلّى الله عليه وسلم «أذن لها أن تؤم نساء دارها» .\rولا تكره عند الشافعية جماعة النساء، بل تستحب وتقف وسطهن (2) ، وروي عن أحمد روايتان (3) : رواية أن ذلك مستحب، ورواية أن ذلك غير مستحب.\rولا تصح إمامة النساء عند المالكية، وتشترط الذكورة في الإمام (4) .\rوقال الحنفية (5) : يكره تحريماً جماعة النساء وحدهن بغير رجال ولو في التراويح، في غير صلاة الجنازة، فلاتكره فيها؛ لأنها فريضة غير مكررة، فإن فعلن وقفت الإمام وسطهن كما يصلى للعراة. ودليل الكراهة: قوله صلّى الله عليه وسلم : «صلاة المرأة في بيتها أفضل من صلاتها في حجرتها، وصلاتها في مخدعها أفضل من صلاتها في بيتها» (6) ، ولأنه يلزمهن أحد محظورين: إما قيام الإمام وسط\r-------------------------------\r(1) رواه البخاري في صحيحه عن جابر، ورواه البخاري والنسائي بنحوه عن عمرو بن سلمة (نيل الأوطار:165/3).\r(2) المجموع: 96/4.\r(3) المغني:202/1، كشاف القناع:564/1.\r(4) الشرح الصغير:433/1.\r(5) تبيين الحقائق:13/1، الدر المختار:528/1 وما بعدها، اللباب:82/1.\r(6) أخرجه أبو داود عن ابن مسعود، وأخرج أحمد والطبراني من حديث أم حميد الساعدية نحوه (نيل الأوطار:132/3).","part":2,"page":342},{"id":1034,"text":"الصف، وهو مكروه، أو تقدم الإمام، وهو أيضاً مكروه في حقهن، فصرن كالعراة لم يشرع في حقهن الجماعة أصلاً، ولهذا لم يشرع لهن الأذان، وهو دعاء إلى الجماعة، ولولا كراهية جماعتهن لشرع.\rكما يكره عندهم حضورهن الجماعة مطلقاً ولو الجمعة والعيد والوعظ ليلاً، أما نهاراً فجائز إن أمنت الفتنة، على المذهب المفتى به كما بينا سابقاً، وتكره أيضاً إمامة الرجل لهن في بيت ليس معهن رجل غيره، ولا محرم منه كأخته أو زوجته، فإذا كان معهن واحد ممن ذكر، أو أمهن في المسجد، لا يكره، وهذا موافق لمذهب الحنابلة؛ لأنه صلّى الله عليه وسلم «نهى أن يخلو الرجل بالأجنبية» ولما فيه من مخالطة الوسواس.\r5 - الطهارة من الحدث والخبث: فلا تصح إمامة المحدث، أو من عليه نجاسة لبطلان صلاته، سواء عند الجمهور أكان عالماً بذلك أم ناسياً. وقال المالكية: الشرط: عدم تعمد الحدث، وإن لم يعلم الإمام بذلك إلا بعد الفراغ من الصلاة، فإن تعمد الإمام الحدث، بطلت صلاته وصلاة من اقتدى به، وإن كان ناسياً، فصلاته صحيحة إن لم يعلم بالنجاسة إلا بعد الفراغ من الصلاة؛ لأن الطهارة من الخبث شرط لصحة الصلاة مع العلم فقط عندهم، ولا يصح الاقتداء بالمحدث أو الجنب إن علم ذلك، وتصح صلاة المقتدين، ولهم ثواب الجماعة باتفاق المذاهب الأربعة إلا في الجمعة عند الشافعية والحنابلة إذا كان المصلون بالإمام أربعين مع المحدث أو المتنجس، إن علموا بحدث الإمام أو بوجود نجاسة عليه، بعد الفراغ من الصلاة، لقوله صلّى الله عليه وسلم : «إذا صلى الجنب بالقوم، أعاد صلاته، وتمت للقوم صلاتهم» (1) .\r-------------------------------\r(1) رواه محمد بن الحسين الحراني عن البراء بن عازب، وروي مثله عن عمر وعثمان وعلي وابن عمر (كشاف القناع:565/1)","part":2,"page":343},{"id":1035,"text":"وقال الشافعية: لا يصح الاقتداء بمن تلزمه إعادة الصلاة كمقيم تيمم لفقد الماء، ومن على بدنه نجاسة يخاف من غسلها، ومحدث صلى لفقد الطهورين.\r6 - إحسان القراءة والأركان: أي أن يحسن الإمام قراءة ما لا تصح الصلاة إلا به، وأن يقوم بالأركان، فلا يصح اقتداء قارئ بأمي (1) عند الجمهور، وتجب الإعادة على القارئ المؤتم به، كما لاتصح الصلاة خلف أخرس ولو بأخرس مثله، ولا خلف عاجز عن ركوع أو سجود أو قعود أو استقبال القبلة، أو اجتناب النجاسة، إلا بمثله، فتصح الصلاة خلف المماثل، إلا ثلاثة عند الحنفية: الخنثى المشكل والمستحاضة والمتحيرة (2) لاحتمال الحيض.\rوقال المالكية: يشترط في الإمام القدرة على الأركان، فإن عجز عن ركن منها، قولي كالفاتحة أوفعلي كالركوع أو السجود أو القيام، لم يصح الاقتداء به، إلا إذا تساوى الإمام والمأموم في العجز، فيصح اقتداء أمي بمثله إن لم يوجد قارئ على الأصح، ويصح اقتداء أخرس بمثله، وعاجز عن القيام صلى جالساً بمثله، إلا المومئ أي الذي فرضه الإيماء من قيام أو جلوس أو اضطجاع، فلا يصح له على المشهور الاقتداء بمثله.\r7 - كونه غير مأموم: فلا يصح الاقتداء بمأموم (مقتد) بغيره، في حال قدرته؛ لأنه تابع لغيره يلحقه سهوه، ومن شأن الإمام الاستقلال، وأن يتحمل هو سهو غيره، فلا يجتمعان، وهذا إجماع.\rأما الاقتداء بمن كان مقتدياً بالإمام (وهو المسبوق) بعد انقطاع القدوة: ففيه آراء.\r-------------------------------\r(1) الأمي: هو من لا يحسن الفاتحة أو بعضها، أو يخل بحرف منها، وإن كان يحسن غيرها. فلا يجوز لمن يحسنها أن يأتم به، ويصح لمثله أن يأتم به.\r(2) وتسمى الضالة والمضلة: وهي من نسيت عادتها.","part":2,"page":344},{"id":1036,"text":"قال الحنفية (1) : لا يجوز اقتداء المسبوق بغيره ولا الاقتداء به، لأنه في الأصل تبع لغيره، فهو في موضع الاقتداء، والاقتداء بناء التحريمة على التحريمة، فالمقتدي عقد تحريمته لما انعقدت له تحريمة الإمام، فكلما انعقدت له تحريمة الإمام، جاز البناء من المقتدي، وما لا فلا.\rوكذلك قال المالكية (2) : لا يجوز الاقتداء بمسبوق قام لقضاء ما عليه، فاقتدى به غيره، ولو لم يعلم بأن إمامه مأموم، إلا بعد الفراغ من صلاته. أما المدرك: وهو من أدرك مع الإمام ما دون ركعة، فيصح الاقتداء به إذا قام لصلاته، وينوي المدرك الإمامية بعد أن كان ناوياً المأمومية؛ لأنه منفرد لم يثبت له حكم المأمومية.\rوقال الحنابلة (3) : إن سلم الإمام، فائتم أحد المصلين بصاحبه في قضاء ما فاتهما، صح، أو ائتم مقيم بمثله فيما بقي من صلاتهما إذا سلم إمام مسافر، صح ذلك؛ لأنه انتقال من جماعة إلى جماعة أخرى، لعذر، فجاز كالاستخلاف، بدليل قصة أبي بكر: وهي أن النبي صلّى الله عليه وسلم جاء وأبو بكر في الصلاة، فتأخر أبو بكر، وتقدم النبي صلّى الله عليه وسلم ، فأتم بهم الصلاة وفعل هذا مرة أخرى، وكلا الحديثين صحيح متفق عليهما.\rكما يصح الاقتداء بمن كان مسبوقاً بعد أن سلم إمامه، أو بعد أن نوى مفارقة الإمام، وتصح عندهم نية المفارقة، في غير الجمعة، أما فيها فلا يصح الاقتداء.\rوقال الشافعية (4) : تنقطع القدوة بمجرد خروج الإمام من صلاته بسلام من حدث أو غيره، لزوال الرابطة، وحينئذ فيسجد لسهو نفسه، ويقتدي بغيره، وغيره به.\rوالخلاصة: إن الحنفية والمالكية لا يجيزون الاقتداء بمن كان مقتدياً بعد سلام إمامه، ويصح عند الشافعية والحنابلة، وهو أولى.\r-------------------------------\r(1) فتح القدير:277/1.\r(2) الشرح الصغير:434/1.\r(3) المغني:105/2، 233، كشاف القناع:376/1 وما بعدها.\r(4) مغني المحتاج: 259/1.","part":2,"page":345},{"id":1037,"text":"8 - اشتراط الحنفية والحنابلة (1) : السلامة من الأعذار: كالرعاف الدائم، وانفلات الريح، وسلس البول، ونحوها، فلا تصح إمامة من قام به عذر من هذه الأعذار إلا لمعذور مثله، بشرط أن يتحد عذرهما؛ لأنه صلّى الله عليه وسلم «صلى بأصحابه في المطر بالإيماء» ، فإن اختلف العذر لم يجز، فيصلي من به سلس البول خلف مثله، أما إذا صلى خلف من به السلس وانفلات الريح، لا يجوز؛ لأن الإمام صاحب عذرين، والمؤتم صاحب عذر واحد. والذي يصح هو اقتداء ذي عذرين بذي عذر، ولا عكسه.\rولم يشترط المالكية هذا الشرط، وإنما يكره أن يؤم صاحب العذر من ليس به عذر، لأنه يصح عندهم إمامة من به سلس البول إذا لازمه ولو نصف الزمن، وكذا من به انفلات ريح أو غير ذلك مما لا ينقض الوضوء عندهم.\rوكذلك لم يشترط الشافعية هذا الشرط، فتصح إمامة صاحب العذر الذي لاتجب معه إعادة الصلاة لمقتد سليم.\r9 - أن يكون الإمام صحيح اللسان، بحيث ينطق بالحروف على وجهها، فلا تصح إمامة الألثغ وهو من يبدل الراء غيناً، أو السين ثاء، أو الذال زاياً، لعدم المساواة، إلا إذا كان المقتدي مثله في الحال.\rويعد كالألثغ عند الحنفية: التمتام: وهو الذي يكرر التاء في كلامه، والفأفاء وهو الذي يكرر الفاء، لا تصح إمامتهما عندهم إلا لمن يماثلهما.\rواستثنى الحنابلة: من يبدل ضاد المغضوب والضالين بظاء، فتصح إمامته بمن لا يبدلها ظاء، لأنه لا يصير أمياً بهذا الإبدال.\rوالأرت: وهو من يدغم في غير موضع الإدغام، كقارئ المستقيم بتاء أو سين مشددة فيقول: المتقيم، ومن يخل بحرف أو تشديدة من الفاتحة، يعدان كالألثغ عند الشافعية، لا تصح إمامتهما إلا للمثل.\rوقال الجمهور غير الحنفية: تصح إمامة التمتام والفأفاء ولو لغير المماثل مع الكراهة.\r-------------------------------\r(1) كشاف القناع: 560/2 وما بعدها، 570، الدر المختار ورد المحتار: 541/1.","part":2,"page":346},{"id":1038,"text":"الصلاة وراء المخالف في المذهب:\r10 - اشتراط الحنفية والشافعية: أن تكون صلاة الإمام صحيحة في مذهب المأموم: فلو صلى حنفي خلف شافعي سال منه دم، ولم يتوضأ بعده، أو صلى شافعي خلف حنفي لمس امرأة مثلاً، فصلاة المأموم باطلة؛ لأنه يرى بطلان صلاة إمامه.\rوزاد الحنفية (1) أنه تكره الصلاة خلف شافعي. وقال الشافعية (2) : الأفضل الصلاة خلف إمام شافعي، لا حنفي أو غيره ممن لا يعتقد وجوب بعض الأركان والشروط، وإن علم الإتيان بها؛ لأنه مع ذلك لا يعتقد وجوب بعض الأركان.\rوقال المالكية والحنابلة (3) : ما كان شرطاً في صحة الصلاة، فالعبرة فيه بمذهب الإمام فقط، فلو اقتدى مالكي أو حنبلي بحنفي أو شافعي لم يمسح جميع الرأس في الوضوء، لأنه شرط عند الأولين، فصلاته صحيحة، لصحة صلاة الإمام في مذهبه.\rوأما ما كان شرطاً في صحة الاقتداء، فالعبرة فيه بمذهب المأموم، فلو اقتدى مالكي أو حنبلي في صلاة فرض بشافعي يصلي نفلاً، فصلاته باطلة، لأن صلاة المفترض بالمتنفل باطلة عند المالكية والحنابلة، وشرط الاقتداء: اتحاد صلاة الإمام والمأموم.\rوأرى لزوم الأخذ بمذهبي المالكية والحنابلة في الشق الأول، لأنه الأصح منطقاً، وتكون الصلاة خلف المخالفين في الفروع المذهبية صحيحة غير مكروهة؛ إذ العبرة بمذهب الإمام؛ لأن الصحابة والتابعين ومن بعدهم لم يزل بعضهم يأتمّ ببعض مع اختلافهم في الفروع، فكان ذلك إجماعاً، وبه تنتهي آثار العصبية المذهبية.\r11 - اشتراط الحنابلة أن يكون الإمام عدلاً، فلا تصح إمامة الفاسق (4) ولو بمثله، فلو صلى شخص خلف الفاسق، ثم علم بفسقه، وجبت عليه إعادة الصلاة، إلا في صلاة الجمعة والعيدين، فإنهما تصحان خلف الفاسق إن لم تتيسر الصلاة خلف عدل.\rواشتراط المالكية: أن يكون الإمام سليماً من الفسق المتعلق بالصلاة، كأن يتهاون في شرائطها أو فرائضها، كمن يصلي بلا وضوء أو يترك قراءة الفاتحة. أما إن كان الفسق لا يتعلق بالصلاة كالزاني، أو شارب الخمر، فتصح إمامته مع الكراهة على الراجح.\r-------------------------------\r(1) الدر المختار: 526/1 .\r(2) الحضرمية: ص 64.\r(3) الشرح الصغير: 444/1، المغني: 190/2، كشاف القناع: 557/1، 563.\r(4) الفاسق: هو من اقترف كبيرة، أو داوم على صغيرة.","part":2,"page":347},{"id":1039,"text":"12 - اشتراط المالكية والحنفية والحنابلة: ألا يكون الإمام معيداً صلاته لتحصيل فضيلة الجماعة، فلا يصح اقتداء مفترض بمعيد؛ لأن صلاة المعيد نفل، ولا يصح فرض وراء نفل، وأن يكون الإمام عالماً بكيفية الصلاة على الوجه الذي تصح به، وعالماً بكيفية شرائطها، كالوضوء والغسل على الوجه الصحيح، وإنه لم يميز الأركان من غيرها.\rثالثاً - الأحق بالإمامة:\rأحق الناس بالإمامة في ظروفنا الحاضرة: هو الأفقه الأعلم بأحكام الصلاة، وهذا هو المفهوم فقهاً، إلا أن الفقهاء ذكروا ترتيباً يحسن بيانه في كل مذهب على حدة.\rمذهب الحنفية (1) : الأحق بالإمامة: الأعلم بأحكام الصلاة فقط صحة وفساداً بشرط اجتنابه الفواحش الظاهرة، وحفظه من القرآن قدر فرض: أي ما تجوز به الصلاة.\rثم الأحسن تلاوة وتجويداً للقراءة، لقوله صلّى الله عليه وسلم : «يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله ، فإن كانوا في القراءة سواء، فأعلمهم بالسنة..» (2) .\rثم الأورع أي الأكثر اتقاء للشبهات، والتقوى: اتقاء المحرمات، لقوله عليه السلام: «إن سركم أن تقبل صلاتكم، فليؤمكم علماؤكم، فإنهم وفدكم فيما بينكم وبين ربكم» (3) .\r-------------------------------\r(1) الدر المختار: 520/1 - 522، فتح القدير: 245/1-248، الكتاب مع اللباب: 81/1 ومابعدها، البدائع:157/1 ومابعدها.\r(2) رواه الجماعة إلا البخاري من حديث أبي مسعود الأنصاري ( نصب الراية: 24/2 ).\r(3) رواه الطبراني في معجمه، والحاكم إلا أنه قال: « فليؤمكم خياركم » وسكت عنه، من حديث أبي مرثد الغنوي ( المصدر السابق: ص 26 ).","part":2,"page":348},{"id":1040,"text":"ثم الأسن: أي أكبرهم سناً؛ لأنه أكثر خشوعاً ولأن في تقديمه تكثير الجماعة، لقوله عليه السلام لابن أبي مليكة: «وليؤمكما أكبركما» (1) .\rثم الأحسن خلُقاً (إلفة بالناس)، ثم الأحسن وجهاً (أي أكثرهم تهجداً)، ثم الأشرف نسباً، ثم الأنظف ثوباً.\rفإن استووا في ذلك كله يُقْرَع بينهم، أو الخيار إلى القوم، وإن اختلفوا اعتبر الأكثر.\rفإن كان بينهم سلطان، فالسلطان مقدَّم، ثم الأمير، ثم القاضي، ثم صاحب المنزل، ولو مستأجراً، لقوله صلّى الله عليه وسلم : «من زار قوماً فلا يؤمهم، وليؤمَّهم رجل منهم» (2) . ويقدم القاضي على إمام المسجد.\rوعلى هذا يقدم السلطان أو القاضي، فإن لم يوجد أحدهما يقدم صاحب البيت، ومثله إمام المسجد الراتب، فهذا أولى بالإمامة من غيره مطلقاً.\rمذهب المالكية (3) : يندب تقديم سلطان أو نائبه ولو بمسجد له إمام راتب، ثم الإمام الراتب في المسجد، ثم رب المنزل فيه، ويقدم المستأجر على المالك؛ لأنه مالك لمنافعه. وإن كان صاحب المنزل امرأة أنابت من يصلح للإمامة؛ لأن إمامتها لا تصح، والأولى لها استخلاف الأفضل.\rثم الأفقه (الأعلم بأحكام الصلاة)، ثم الأعلم بالسنة أو الحديث حفظاً ورواية، ثم الأقرأ، أي الأدرى بطرق القرآن أو بالقراءة والأمكن من غيره في\r-------------------------------\r(1) أخرجه الأئمة الستة عن مالك بن الحويرث ( المصدر السابق: ص 26 ).\r(2) رواه الخمسة ( أحمد وأصحاب السنن ) عن مالك بن الحويرث ( نيل الأوطار: 159/3).\r(3) الشرح الصغير: 454/1-457، بداية المجتهد: 139/1، القوانين الفقهية: ص 68، الشرح الكبير: 342/1-345.","part":2,"page":349},{"id":1041,"text":"مخارج الحروف، ثم الأعبد، أي الأكثر عبادة من صوم وصلاة وغيرهما، ثم الأقدم إسلاماً، ثم الأرقى نسباً كالقرشي، ومعلوم النسب يقدم على مجهوله، ثم الأحسن خلقاً، ثم الأحسن لباساً، أي الأجمل وهو لابس الجديد المباح غير الحرير، واللباس الحسن شرعاً: هو البياض خاصة، جديداً أو لا. فإن تساووا قدم الأورع (1) والزاهد والحر على غيرهم، ويقدم الأعدل على مجهول الحال، والأب على الابن، والعم على ابن أخيه، فإن تساووا في كل شيء، أقرع بينهم، إلا إذا رضوا بتقديم أحدهم.\rمذهب الشافعية (2) : أحق الناس بالإمامة: الوالي في محل ولايته، لقوله صلّى الله عليه وسلم : «لا يُؤمَّنَّ الرجلُ الرجلَ في سلطانه، ولا يقعد في بيته على تكرمته إلا بإذنه» (3) . قال الشوكاني: والظاهر أن المراد به السلطان الذي إليه ولاية أمور الناس لاصاحب البيت ونحوه. فيتقدم أو يقدم غيره ولو في ملك غيره، ولو كان غيره أكثر منه قرآناً وفقهاً وورعاً وفضلاً، فالوالي في محل ولايته أولى من الأفقه والمالك.\rثم الإمام الراتب، ثم الساكن بحق إن كان أهلاً لها (ومالك المنفعة أولى بالإمامة من الأفقه، والأصح تقديم المكتري على المكري، والمعير على المستعير)، فإن لم يكن أهلاً فله التقديم.\rثم يقدم الأفقه، فالأقرأ، فالأورع، فالأقدم هجرة، ثم الأسبق إسلاماً، فالأفضل نسباً، فالأحسن سيرة، فالأنظف ثوباً، ثم نظيف البدن، ثم طيّب الصَّنْعة، ثم الأحسن صوتاً، فالأحسن صورة، أي وجهاً، فالمتزوج.\r-------------------------------\r(1) هو التارك للشبهات خوف الوقوع في المحرمات.\r(2) المهذب: 98/1-99، مغني المحتاج: 242/1-244، الحضرمية: ص 72-73.\r(3) رواه أحمد ومسلم، وفي رواية أبي داود: « ولا يؤم الرجل في بيته ولا في سلطانه » ورواية سعيد ابن منصور « لا يؤم الرجل الرجل في سلطانه إلا بإذنه.. » ( نيل الأوطار:157/3 ).","part":2,"page":350},{"id":1042,"text":"فإن استووا في جميع ما ذكر وتنازعوا، أقرع بينهم، والعدل أولى من الفاسق (وإن كان أفقه أو أقرأ)، والبالغ أولى من الصبي (وإن كان أفقه أو أقرأ)، والحر أولى من العبد، والمقيم أولى من المسافر، وولد الحلال أولى من ولد الزنا، والأعمى مثل البصير؛ لأن الأعمى لا ينظر إلى ما يشغله فهو أخشع، والبصير ينظر إلى الخبث فهو أحفظ لتجنبه، أي أبعد عن النجاسة.\rمذهب الحنابلة (1) : الأولى بالإمامة الأجود قراءة الأفقه، لحديث أبي سعيد الخدري: «إذا كانوا ثلاثة فليؤمهم أحدهم، وأحقهم بالإمامة أقرؤهم» (2) ، وقدم النبي صلّى الله عليه وسلم أبا بكر لأنه كان حافظاً للقرآن وكان مع ذلك من أفقه الصحابة رضي الله عنهم. ومذهب أحمد تقديم القارئ على الفقيه، لحديث أبي مسعود السابق: «يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله » ، وهذا خلاف مذاهب الأئمة الآخرين، فإنه يقدم عندهم الأفقه كما بينا، لأن الأقرأ من الصحابة كان هو الأفقه ضرورة، بخلاف ما عليه الناس اليوم، ولأن الحاجة إلى الفقه في الإمامة أمس من الحاجة إلى القراءة.\rثم الأجود قراءة الفقيه، ثم الأجود قراءة فقط، وإن لم يكن فقيهاً، إذا كان يعلم أحكام الصلاة وما يحتاجه فيها، ثم الأفقه والأعلم بأحكام الصلاة، ويقدم قارئ لا يعلم فقه صلاته على فقيه أمي لا يحسن الفاتحة؛ لأنها ركن في الصلاة، بخلاف معرفة أحكامها، فإن استووا في عدم القراءة قدم الأعلم بأحكام الصلاة.\rفإن استووا في القراءة والفقه، قدم أكبرهم سناً، لحديث مالك بن الحويرث المتقدم: «وليؤمكم أكبركم» ، ثم الأشرف نسباً: وهو من كان قرشياً، قياساً على\r-------------------------------\r(1) المغني: 181/2 - 185، كشاف القناع: 554/1 - 556 .\r(2) رواه مسلم، وروى أبو داود عن ابن عباس مرفوعاً: « ليؤذن لكم خياركم، وليؤمكم أقرؤكم» .","part":2,"page":351},{"id":1043,"text":"الإمامة الكبرى، لقوله صلّى الله عليه وسلم «الأئمة من قريش» (1) ، ثم الأقدم هجرة بسبقه إلى دار الإسلام مسلماً (2) ، ومثله الأسبق إسلاماً، لحديث أبي مسعود المتقدم: «فإن كانوا في الهجرة سواء، فأقدمهم مسلماً» أي إسلاماً.\rثم الأتقى لقوله تعالى: {إن أكرمكم عند الله أتقاكم} [الحجرات:13/49].\rفإن استووا فيما تقدم أقرع بينهم.\rويقدم السلطان مطلقاً على غيره، كما يقدم في المسجد الإمام الراتب، وفي البيت صاحبه إن كان صالحاً للإمامة.\rرابعاً ـ من تكره إمامته ومكروهات الإمامة:\rتكره إمامة بعض الأشخاص الآتية (3) وهم:\r1ً - الفاسق العالم، ولو لمثله عند المالكية والشافعية والحنابلة، لعدم اهتمامه بالدين. واستثنى الحنابلة صلاة الجمعة والعيد، فتصح إمامته للضرورة، وأجاز الحنفية إمامته لمثله. ودليل الكراهة ما روى ابن ماجه عن جابر عن النبي صلّى الله عليه وسلم قال: «لاتؤمَّنَّ امرأة رجلاً، ولا أعرابي مهاجراً، ولا يؤمن فاجر مؤمناً إلا أن يقهره بسلطان يخاف سيفه أو سوطه» .\r-------------------------------\r(1) رواه أحمد والنسائي والضياء عن أنس ( الفتح الكبير: 504/1 ) ويؤيده حديث « قدموا قريشاً ولاتقدموها » رواه الشافعي والبيهقي عن الزهري بلاغاً، وابن عدي عن أبي هريرة، والبزار عن علي، والطبراني عن عبد الله بن السائب، بأسانيد صحيحة ( الجامع الصغير ).\r(2) وعلم منه بقاء الهجرة.\r(3) الدر المختار: 522/1 - 531، مراقي الفلاح: ص 49، فتح القدير: 347/1 - 249، البدائع: 156/1 ومابعدها، الشرح الصغير: 439/1 - 449، القوانين الفقهية: ص67، 69، مغني المحتاج: 232/1، 242، المغني: 193/2-198، 209-211، كشاف القناع: 549/1، و566-571، 581، الحضرمية: ص70.","part":2,"page":352},{"id":1044,"text":"وإنما صحت إمامته، لما روى الشيخان: أن ابن عمر كان يصلي خلف الحجاج، وروي «صلوا خلف كل بر وفاجر» (1) .\r2ً - المبتدع الذي لا يكفر ببدعته: كالفاسق، بل أولى. والمبتدع: صاحب البدعة: وهي اعتقاد خلاف المعروف عن الرسول صلّى الله عليه وسلم ، لا بمعاندة، بل بنوع شبهة، كمسح الشيعة على الرجلين، وإنكارهم المسح على الخفين ونحو ذلك.\rويلاحظ: أن كل من كان من أهل قبلتنا لا يكفر بالبدعة المبنية على شبهة، حتى الخوارج الذين يستحلون دماءنا وأموالنا وسب الرسول صلّى الله عليه وسلم ، وينكرون صفاته تعالى، وجواز رؤيته، لكونه عن تأويل وشبهة، بدليل قبول شهادتهم.\rفإن أنكر المبتدع بعض ما علم من الدين بالضرورة (البداهة) كفر، كقوله: إن الله تعالى جسم كالأجسام، وإنكاره صحبة الرسول عليه السلام الصديق، لما فيه من تكذيب قوله تعالى: {إذ يقول لصاحبه} [التوبة:40/9]، فلا يصح الاقتداء به أصلاً.\r3ً - الأعمى: تكره إمامته تنزيهاً عند الحنفية والمالكية والحنابلة، لأنه لا يتوقى النجاسة، واستثنى الحنفية حالة كونه أعلم القوم، فهو أولى.\rوأجاز الشافعية إمامته بدون كراهة، فهو كالبصير، إذ الأعمى أخشع، والبصير يتجنب النجاسة، ففي كلٍ مزية ليست في الآخر، وتصح إمامته عند الكل؛ لأن الصحيح عن ابن عباس: أنه كان يؤم وهو أعمى.\r-------------------------------\r(1) أخرجه الدار قطني عن أبي هريرة، وهو حديث منقطع، ولله الحمد، وروى ابن ماجه عن واثلة بن الأسقع: « لا تكفروا أهل ملتكم، وإن عملوا الكبائر، وصلوا مع كل إمام، وجاهدوا مع كل أمير، وصلوا على كل ميت من أهل القبلة » وفيه مجهول ( نصب الراية: 26/2-27، نيل الأوطار: 162/3).","part":2,"page":353},{"id":1045,"text":"وقال أنس: «إن النبي صلّى الله عليه وسلم استخلف ابن أم مكتوم، يؤم الناس، وهو أعمى» (1) ، ولأن العمى فقد حاسة لايخل بشيء من أفعال الصلاة ولا بشروطها، فأشبه فقد الشم. والأعشى وهو سيء البصر ليلاً ونهاراً كالأعمى، والأصم كالأعمى عند الحنابلة والشافعية، الأولى صحة إمامته. وكذلك أقطع اليدين تصح إمامته في رواية اختارها القاضي أبو يعلى، وفي رواية مرجوحة: لاتصح إمامته. ولا يصح الائتمام بأقطع الرجلين.\r4ً - أن يؤم قوماً هم له كارهون: والكراهة تحريمية عند الحنفية، لحديث: «لايقبل الله صلاة من تقدم قوماً، وهم له كارهون» (2) .\r5ً - يكره تطويل الصلاة على القوم تطويلاً زائداً على قدر السنة في قراءة وأذكار، والكراهة تحريمية عند الحنفية، سواء رضي القوم أم لا.\rواستثنى الشافعية والحنابلة: حالة الرضا بالتطويل من جماعة محصورين فإنه تستحب الإطالة، لزوال علة الكراهة، وهي التنفير.\rودليل كراهة التطويل: أحاديث: منها حديث أبي هريرة أن النبي صلّى الله عليه وسلم قال: «إذا صلى أحدكم بالناس فليخفف، فإن فيهم الضعيف والسقيم والكبير، فإذا صلى لنفسه، فليطوِّل ما شاء» (3) وعن أبي مسعود الأنصاري وعقبة بن عامر قالا: «جاء رجل إلى النبي صلّى الله عليه وسلم ، فقال: إني لأتأخر عن صلاة الصبح من أجل فلان، مما\r-------------------------------\r(1) رواه أبو أداود وأحمد ( نيل الأوطار: 160/3 ) وروى البخاري والنسائي أن عتبة بن مالك كان يؤم قومه، وهو أعمى ( المصدر السابق ).\r(2) رواه أبو داود وابن ماجه عن عبد الله بن عمرو، وروى الترمي عن أبي أمامة: « ثلاثة لاتجاوز صلاتهم آذانهم، منهم: وإمام قوم وهم له كارهون » ( نيل الأوطار: 176/3).\r(3) رواه الجماعة، وروى أحمد والشيخان عن أنس حديثين في تخفيف النبي صلّى الله عليه وسلم صلاته ( نيل الأوطار: 3/731، نصب الراية: 29/2 ).","part":2,"page":354},{"id":1046,"text":"يطيل بنا، قال: فما رأيت النبي صلّى الله عليه وسلم غضب في موعظة قط أشد مما غضب يومئذ، فقال: ياأيها الناس، إن منكم منفِّرين، فأيكم أم بالناس فليوجز، فإن فيهم الضعيف، والكبير، وذا الحاجة» (1) ومعناه أن يقتصر على أدنى الكمال من التسبيح وسائر أجزاء الصلاة.\r6ً - انتظار الداخل: قال الجمهور غير الشافعية (2) : يكره للإمام انتظار الداخل لأن انتظاره تشريك في العبادة، فلا يشرع كالرياء، ودفعاً للمشقة عن المصلين؛ لأنه يبعد أن يكون فيهم من لا يشق عليه، والذين مع الإمام أعظم حرمة من الداخل، فلا يشق على من معه لنفع الداخل.\rوقال الشافعية (3) : يستحب على المذهب للإمام والمنفرد انتظار الداخل لمحل الصلاة مريداً الاقتداء به في الركوع غير الثاني من صلاة الكسوف، وفي التشهد الأخيرمن صلاة تشرع فيها الجماعة، بشرط ألا يطول الانتظار بحيث لو وزع على جميع الصلاة لظهر أثره، ولا يميز بين الداخلين لصداقة أو شرف أو سيادة ونحو ذلك، للإعانة على إدراك الركعة، أو إدراك فضل الجماعة. وقد ثبت أن النبي صلّى الله عليه وسلم كان يطيل الركعة الأولى حتى لا يسمع وقع قدم، ولأن منتظر الصلاة في صلاة ، وقد كان النبي صلّى الله عليه وسلم ينتظر الجماعة، وشرع الانتظار في صلاة الخوف لتدركه الطائفة الثانية.\rووافق ابن قدامة الحنبلي الشافعية، وقال القاضي من الحنابلة: الانتظار جائز غير مستحب، وإنما ينتظر من كان ذا حرمة، كأهل العلم ونظرائهم من أهل الفضل.\r-------------------------------\r(1) متفق عليه، وروى البخاري ومسلم مثله عن معاذ، لاتكن فتاناً، فإنه يصلي وراءك الكبير والضعيف وذو الحاجة والمسافر » ( نصب الراية: 29/2 - 30 ).\r(2) الشرح الصغير: 432/1، القوانين الفقهية: ص 69، كشاف القناع: 55/1، المغني: 236/2.\r(3) الحضرمية: ص65، المغني، المكان السابق، مغني المحتاج: 232/1.","part":2,"page":355},{"id":1047,"text":"7ً - تكره إمامة اللّحّان (كثير اللحن) الذي لا يحيل المعنى كجر دال (الحمد) ونصب هاء (الله) ونصب ياء (الرب) ونحوه من الفاتحة، وتصح صلاته بمن لا يلحن؛ لأنه أتى بفرض القراءة.\r8ً - تكره إمامة من لا يفصح ببعض الحروف كالضاد والقاف، وتصح إمامته، سواء أكان أعجمياً أم عربياً. وتكره عند الجمهور غير الحنفية كما بينا: إمامة التمتام (وهو من يكرر التاء) والفأفاء (وهو من يكرر الفاء)، وتصح الصلاة خلفهما؛ لأنهما يأتيان بالحروف على الكمال، ويزيدان زيادة، وهما مغلوبان عليها، فعفي عنها، ويكره تقديمهما لهذه الزيادة.\r9ً - تكره إمامة الأعرابي (وهو ساكن البادية) لغيره من أهل الحاضرة ولو بسفر لا لمثله. وذكر الحنفية أن التركمان والأكراد والعامي كالأعرابي، لما فيه من الجفاء والإمام شافع، فينبغي أن يكون ذا لين ورحمة، وبسبب الجهل، وإمامة الجاهل سواء أكان بدوياً أم حضرياً مكروهة مع وجود العالم. وقال الحنابلة: لا بأس بالصلاة وراء الأعرابي إذا صلح دينه.","part":2,"page":356},{"id":1048,"text":"10ً - يكره أن يكون الإمام أعلى من المأمومين بقدر ذراع فأكثر، سواء أراد تعليمهم الصلاة أو لم يرد، لحديث حذيفة وأبي مسعود أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم قال: «إذا أم الرجل القوم، فلا يقومن في مكان أرفع من مقامهم» (1) وكان ابن مسعود ينهى عن ذلك. ويكره أيضاً عند الحنفية والمالكية والشافعية ارتفاع المقتدين عن مكان الإمام بقدر ذراع أيضاً، وتتقيد الكراهة عندهم بما إذا لم يكن في الحالتين مع الإمام في موقفه واحد على الأقل من المقتدين، فإ ن وجد معه واحد فأكثر لم يكره، واستثنى المالكية من ذلك صلاة الجمعة فإنها على سطح المسجد باطلة، كما استثنوا مع الشافعية العلو لأجل ضرورة أو حاجة أو قصد تعليم للمأمومين كيفية الصلاة، فيجوز ، وبطلت صلاة الإمام والمأموم إن قصد بعلوه الكبر، لمنافاته الصلاة.\rوتختص الكراهة عند الحنابلة بمن هو أسفل من الإمام، لا بمن يساويه أو هو أعلى منه؛ لأن المعنى وجد بمن هو أسفل دون غيرهم.\rولا بأس عند الحنابلة والمالكية بالعلو اليسير مثل درجة المنبر، أي حوالي الشبر أو الذراع، كما استثنى المالكية العلو لضرورة كتعليم الناس الصلاة، لحديث سهل أن النبي صلّى الله عليه وسلم صلَّى على الدرجة السفلى من المنبر (2) .\r11ً - تكره الصلاة عند غير الحنابلة خلف ولد الزنا إن وجد غيره يؤم الناس؛ إذ ليس له أب يربيه ويؤدبه ويعلمه، فيغلب عليه الجهل، ولنفرة الناس عنه. وقيد الحنفية كراهة إمامته بحالة كونه جاهلاً، إذ لو كان عالماً تقياً لا تكره إمامته؛ لأن الكراهة للنقائص لا لذاته، كما قيد المالكية كراهة إمامته فيما إذا جعل إماماً راتباً، وأجاز الشافعية إمامته لمثله.\rمكروهات الإمامة في المذاهب:\rمذهب الحنفية (3) :\r-------------------------------\r(1) رواهما أبو داود ( نيل الأوطار: 193/3 ).\r(2) متفق عليه ( المصدر السابق ).\r(3) الدر المختار ورد المحتار: 525/1 ومابعدها، و531.","part":2,"page":357},{"id":1049,"text":"يكره تنزيهاً إمامة الأمرد الصبيح الوجه، وإن كان أعلم القوم، إن كان يخشى من إمامته الفتنة والشهوة، وإلا فلا كراهة على الأظهر. وتكره إمامة السفيه (وهو الذي لا يحسن التصرف على مقتضى الشرع أو العقل) والمفلوج، والأبرص الذي انتشر برصه، والمجذوم، والمجبوب، والحاقن بالبول، والأعرج الذي يقوم ببعض قدمه، ومقطوع اليد، وشارب الخمر (1) ، وآكل الربا، والنمام: (وهو من ينقل الكلام بين الناس على جهة الإفساد، والنميمة من الكبائر، ويحرم على الإنسان قبولها)، والمرائي: (وهو من يقصد أن يراه الناس، سواء تكلف تحسين الطاعات أو لا) والمتصنع: (من يتكلف تحسين الطاعات). ومن أمَّ الناس بأجر إلا إذا شرط الواقف له أجراً، فلا تكره إمامته؛ لأنه يأخذه كصدقة ومعونة. ويكره تنزيهاً قيام الإمام الراتب في غير المحراب إذا أم جماعة كثيرة، لئلا يلزم عدم قيامه في الوسط، فلو لم يلزم ذلك لا يكره.\rويكره تحريماً جماعة النساء، كما بينا سابقاً.\rمذهب المالكية (2) :\rتكره إمامة ذي سلس كبول ونحوه، وذي قَرْح أي دمل سائل لصحيح، ومثلهما كل من تلبس بنجاسة معفو عنها لسالم منها، لا لمثله.\rوكره إمامة أقلف أو أغلف (غير المختون)، ومجهول أي لم يعلم حاله أهو عدل أو فاسق، ومثله مجهول النسب.\rوتكره إمامة بعض الأشخاص في حالة دون حالة :\rيكره جعل الخصي ومن يتكسر في كلامه كالنساء وولد الزنا إماماً راتباً في فرض أو سنة كعيد، ولا يكره إذا لم يجعل إماماً راتباً.\rوتكره الصلاة بين الأساطين أي الأعمدة، وصلا ة المأموم أمام أو قُدَّام الإمام بلا ضرورة، وإلا لم تكره.\r-------------------------------\r(1) هذا ومن ذكر بعده إلى المتصنع يدخل في صفة الفاسق.\r(2) الشرح الصغير: 439/1-449.","part":2,"page":358},{"id":1050,"text":"ويكره اقتداء من بأسفل السفينة بمن بأعلاها، لعدم تمكنهم من ملاحظة الإمام، وقد تدور، فيختل عليهم أمر الصلاة، بخلاف العكس، أي اقتداء الأعلى بالأسفل. كما يكره اقتداء من بأبي قبيس بمن يصلي بالمسجد الحرام، وهو جبل عال تجاه ركن الحجر الأسود، لعدم تمام التمكن من أفعال الإمام.\rوكره صلاة رجل بين نساء وعكسه أي امرأة بين رجال.\rوكره إمامة بمسجد بلا رِداء يلقيه الإمام على كتفيه، بخلاف المأموم والمنفرد، فلا يكره لهما عدم الرداء، بل هو خلاف الأولى، مما يدل على أن الرداء يندب لكل مصل، والندب للإمام أوكد.\rوكره تنفل الإمام بالمحراب؛ لأنه لا يستحقه إلا حال كونه إماماً، ولأنه قد يوهم غيره أنه في صلاة فرض، فيقتدي به.\rوكره صلاة جماعة في المسجد قبل الإمام الراتب، وحرم معه، كما يكره صلاة جماعة بعد صلاة الإمام الراتب، وإن أذن لغيره في ذلك، كما بينا سابقاً في تكرار الجماعة.\rوتجوز إمامة بعض الأشخاص مع كونها خلاف الأولى في كل ما يأتي:\rفتجوز كما بينا إمامة الأعمى، وإمامة مخالف في الفروع، وإمامة ألكن: وهو من لايكاد يخرج بعض الحروف من مخارجها لعجمة أو غيرها، مثل أن يقلب الحاء هاء، أو الراء لاماً، أو الضاد دالاً.\rوإمامة محدود لقذف أو شرب أو غيرها، وإمامة عنِّين (1) ، وإمامة أقطع يداً أو رجلاً، وأشل، على الراجح فيهما، ومجذوم (أي من قام به داء الجذام) لكن إن اشتد جذامه، وجب تنحيته عن الإمامة، بل عن الاجتماع بالناس.وجاز إمامة صبي بمثله، وجاز إسراع لإدراك الصلاة جماعة بلا خبب (هرولة) كما بينا.\rوجاز بمسجد قتل عقرب وحية وفأرة. وجاز إحضار صبي شأنه لا يعبث، أو ينكف إذا نهي، وإلا منع إحضاره.\r-------------------------------\r(1) وهو من له ذكر صغير لايتأتى به الجماع، أو من لاينتشر ذكره.","part":2,"page":359},{"id":1051,"text":"وجاز البصق القليل في مسجد فيه حصباء أو تراب أو تحت حصيرة، ويمنع الكثير أو البصق في المسجد المبلَّط، أو فوق الحصيرة، أو على حائط المسجد لتقذيره. ويندب البصق في الثوب، وجهة اليسار أو تحت القدم اليسرى، فإن تعسر عليه ذلك بصق جهة يمينه، فإن تعسر بصق أمامه.\rوجاز كما بينا خروج امرأة متجالَّة (لا أرب للرجال فيها) لمسجد الجماعة والعيد ونحوه، على التفصيل السابق في خروج النساء للمساجد.\rوجاز فصل مأموم عن إمامه بنهر صغير أو طريق أو زرع، لا يمنع من رؤية أفعال الإمام أو سماعه، للأمن من الخلل في صلاته.\rوجاز مع خلاف الأولى كما بينا علو مأموم على إمامه ولو بسطح في غير جمعة، لأن الجمعة لا تصح بسطح المسجد. ويكره علو إمام على المأموم إلا العلو اليسير أو لضرورة أو لقصد تعليم المأمومين كيفية الصلاة، وبطلت الصلاة إن قصد بالعلو الكبر.\rوجاز التبليغ خلف الإمام واقتداء الناس بسبب سماع المبلِّغ.\rوجاز اقتداء برؤية الإمام أو المأموم، وإن كان المأموم بدار مثلاً، والإمام بمسجد، ولا يشترط إمكان التوصل إليه.","part":2,"page":360},{"id":1052,"text":"مذهب الشافعية (1) :\rتكره إمامة المتغلب على الإمامة ولايستحقها، ومن لا يتحرز عن النجاسة، ومن يحترف حرفة دنيئة كالحجام، ومن يكرهه أكثر القوم لأمر مذموم كإكثار الضحك، ومجهول الأب وولد الزنا إلا لمثله، كما بينا، وتكره إمامة الأقلف ولو بالغاً، كما تكره إمامة الصبي ولو أفقه من البالغ، كما ذكرنا، وإمامة الفأفاء والوأواء والتمتام واللاحن بما لم يغير المعنى كضم هاء (لله )، وضم صاد الصراط، وهمزة {اهدنا} [الفاتحة:6/1] ونحوه، فإن لحن لحناً غيَّر المعنى كضم تاء {أنعمت} [الفاتحة:7/1] أو كسرها أبطل صلاة من أمكنه التعلم، فإن عجز لسانه أو لم يمض زمن إمكان تعلمه: فإن كان في الفاتحة فهو كالأمي ولا تصح قدوة قارئ بأمي في الجديد، أما في غير الفاتحة، كما إذا قرأ بجر اللام لرسوله في قوله تعالى: {أنَّ الله بريء من المشركين ورسولُه} [التوبة:3/9] فتصح صلاته والقدوة به إذا كان عاجزاً، أو جاهلاً لم يمض زمن إمكان تعلمه، أو ناسياً؛ لأن الكلام اليسير بهذه الشروط لا يقدح في الصلاة.\rوتكره كما بينا إمامة مخالف في الفروع، وارتفاع مكان الإمام عن مكان المأموم وعكسه من غير حاجة كضيق المسجد. ولا تكره إمامة الأعمى.\rمذهب الحنابلة (2) :\rبينا أنه تكره عندهم إمامة الأعمى والأعشى والأصم، والأقلف ولو بالغاً (3) ،ومقطوع اليدين أو إحداهما، ولا تصح إمامة مقطوع الرجلين إلا بمثله؛\r-------------------------------\r(1) مغني المحتاج:239/1 -241، الحضرمية: ص73.\r(2) المغني:193/2،198،200،209،230 ومابعدها، كشاف القناع:556/1،568،570،581.\r(3) للاختلاف في صحة إمامته، والنجاسة تحت القلفة بمحل لاتمكنه إزالتها منه: معفو عنها، لعدم إمكان إزالتها، ومثل هذه النجاسة لاتؤثر في صحة الصلاة.","part":2,"page":361},{"id":1053,"text":"لأنه ميؤوس من قيامه، فلم تصح إمامته كالمريض الزمِن، وتصح على الأصح مع الكراهة إمامة مقطوع الرجلين أو إحداهما الذي يمكنه القيام؛ لأنه يسجد على الباقي من رجله أو حائلها، بأن يتخذ له رجلين من خشب أو نحوه.\rوتكره إمامة مقطوع الأنف ومن تُضحك رؤيته أو صورته، ومن اختلف في صحة إمامته، والموسوس في رأي لئلا يقتدي به عامي، وظاهر كلامهم: لا يكره.\rوتكره كما ذكرنا إمامة الفأفاء والتمتام، ومن لا يفصح ببعض الحروف كالضاد والقاف، واللحان الذي يلحن ولا يغير المعنى كجر دال {الحمد لله } [الفاتحة:2/1]، وتصح صلاته بمن لا يلحن؛ لأنه أتى بفرض القراءة.\rويكره كما بينا أيضاً ارتفاع مكان الإمام عن المأموم ذراعاً فأكثر، لا العكس فلا كراهة في ارتفاع مكان المأموم، ولا يعيد الجمعة من يصليها فوق سطح المسجد، روى الشافعي عن أبي هريرة: «أنه صلى على ظهر المسجد بصلاة الإمام» ورواه سعيد بن منصور عن أنس. ويكره أن يؤم قوماً أكثرهم يكرهه بحق، لخلل في دينه أو فضله، فإن كرهه نصفهم لم يكره، والأولى ألا يؤمهم، إزالة لذلك الاختلاف، ولا يكره الائتمام به؛ لأن الكراهة في حقه دونهم.\rوتكره إمامة الرجل للنساء الأجنبيات، ولا رجل معهن، لأنه صلّى الله عليه وسلم «نهى أن يخلو الرجل بالأجنبية» (1) ولما فيه من مخالطة الوسواس. ولا بأس أن يؤم بذوات محارمه، أو أجنبيات معهن رجل فأكثر؛ لأن النساء كن يشهدن مع النبي صلّى الله عليه وسلم الصلاة.-------------------------------\r(1) روى البخاري ومسلم عن ابن عباس: «لايخلون رجل بامرأة إلا ومعها ذو مَحْرم، ولاتسافر المرأة إلا مع ذي محرم» ( سبل السلام:183/2).","part":2,"page":362},{"id":1054,"text":"وتكره إمامة المفضول مع وجود الأفضل، لقوله صلّى الله عليه وسلم : «إذا أمَّ الرجل القوم، وفيهم من هو خير منه، لم يزالوا في سَفال» (1) .\rولا بأس بإمامة ولد زنا ولقيط، ومنفي بلعان، وخصي، وجندي، وأعرابي إذا سلم دينهم وصلحوا للإمامة، لعموم قوله صلّى الله عليه وسلم : «يؤم القوم أقرؤهم» ، وصلى السابقون خلف ابن زياد، وهو ممن في نسبته نظر، وقالت عائشة: «ليس عليه من وزر أبويه شيء» قالت: قال تعالى: {ولا تزر وازرة وزر أخرى} [الإسراء:17/15]، ولأن كلاً منهم حر مرضي في دينه، يصلح لها كغيره.\rخامساً ـ متى تفسد صلاة الإمام دون المؤتم؟\rقال الحنفية (2) : إن كان بالإمام حدث أو جنابة أو مفسد للصلاة سابق على تكبيرة الإمام، أو مقارن لتكبيرة المقتدي، أو سابق عليها بعد تكبيرة الإمام، بطلت صلاة الإمام والمقتدي، لتضمن صلاة الإمام صلاة المؤتم صحة وفساداً، أي أن صلاة الإمام متضمنة لصلاة المقتدي، فإذا صحت صلاة الإمام صحت صلاة المقتدي، إلا لمانع آخر، وإذا فسدت صلاته فسدت صلاة المقتدي؛ لأنه متى فسد الشيء فسد ما في ضمنه. فمن اقتدى بإمام ثم علم المقتدي أن الإمام على غير وضوء، أعاد الصلاة اتفاقاً، لظهور بطلانها.\rأما لو طرأ المفسد أو خلل الشرط أو الركن، فإن الصلاة تنعقد أولاً ثم تبطل صلاة الإمام عند وجود الخلل أو الحدث مثلاً، ولا يعيد المقتدي صلاته، كما لو ارتد الإمام، أو سعى إلى الجمعة بعد ما صلى الظهر بجماعة فسدت صلاته فقط. وكذا لو عاد إلى سجود التلاوة بعد ما تفرق المقتدون، ولو سلم القوم قبل الإمام، بعدما قعد قدر التشهد، ثم عرض له الحدث، فإنها تبطل صلاته وحده.\r-------------------------------\r(1) ذكره أحمد في رسالته، والسفال: ضد العلو.\r(2) الدر المختار ورد المحتار:553/1 ومابعدها،567، الكتاب بشرح اللباب:84/1.","part":2,"page":363},{"id":1055,"text":"ففي هذه المسائل تفسد صلاة الإمام، وتصح صلاة المؤتم، ولاتنتقض القاعدة السابقة ( صلاة الإمام متضمنة لصلاة المؤتم) بذلك؛ لأن هذا الفساد طارئ على صلاة الإمام بعد فراغ الإمامة، فلا إمام ولا مؤتم في الحقيقة.\rوقال المالكية (1) : إذا صلى الإمام بجنابة أو على غير وضوء، بطلت صلاته اتفاقاً في العمد والنسيان. وتبطل صلاة المأموم في العمد دون النسيان.\rوقال الشافعية (2) : إذا بان الإمام امرأة أو كافراً، وجب على المقتدي إعادة الصلاة، لأنه مقصر بترك البحث عن الإمام الصالح، ولعدم أهلية الإمام للإمامة.\rأما لو بان كون الإمام جنباً أو محدثاً أو ذا نجاسة خفية في ثوبه أو بدنه، فلا تجب على المقتدي إعادة الصلاة لانتفاء التقصير، إلا في الجمعة إذا كان المصلون مع الإمام أربعين فقط مع المحدث أو ذي النجاسة. وتجب الإعادة على المقتدي إذا كانت النجاسة ظاهرة، لتقصيره في هذه الحالة. والنجاسة الظاهرة: ما تكون بحيث لو تأمَّلها المأموم لرآها. والخفية بخلافها.\rوقال الحنابلة (3) : إذا بان الإمام امرأة أو كافراً، وجبت إعادة الصلاة على المؤتم كما قال الشافعية، إذ تمتاز المرأة بالصوت والهيئة وغيرهما، والكفر لا يخفى غالباً، فالجاهل بذلك مفرط.\rولا تصح إمامة محدث أو متنجس يعلم ذلك؛ لأنه أخل بشرط الصلاة مع القدرة، فأشبه المتلاعب، ويجب على المقتدي في حال علم الإمام بحدثه أو نجسه أن يعيد صلاته، وإن كان جاهلاً بحال الإمام.\r-------------------------------\r(1) القوانين الفقهية: ص69.\r(2) مغني المحتاج:241/1، المهذب:97/1.\r(3) كشاف القناع:559/1،564، 565، المغني:99/3.","part":2,"page":364},{"id":1056,"text":"أما لو كان الإمام جاهلاً بالحدث أو النجس، وكذلك المأمومون يجهلون ذلك، حتى قضوا الصلاة، فتصح صلاة المأموم وحده، دون الإمام، للحديث السابق: «إذا صلى الجنب بالقوم أعاد صلاته، وتمت للقوم صلاتهم» .\rوعليه إذا صلى الإمام بالجماعة محدثاً أو جنباً غير عالم بحدثه، فلم يعلم هو ولا المأمومون، حتى فرغوا من الصلاة، فصلاتهم صحيحة اتفاقاً وصلاة الإمام باطلة.\rسادساً ـ ما تفسد به صلاة الإمام والمأمومين:\rتبين من الفقرة السابقة: أن العلماء اتفقوا على أنه إذا طرأ الحدث في الصلاة على الإمام، فتفسد صلاته، وتظل صلاة المأمومين صحيحة.\rأما لو صلى الإمام بالناس وهو جنب أو محدث، وعلم بذلك المأمومون بعد الصلاة، فهل تفسد صلاتهم أم لا؟ أجيب عنه في الفقرة السابقة (1) وموجزه ما يأتي: فقال الحنفية: صلاتهم فاسدة مطلقاً.\rوقال المالكية: تبطل صلاتهم في حال العمد دون النسيان.\rوقال الشافعية والحنابلة: صلاتهم صحيحة، إلا في الجمعة إذا كان المصلون مع الإمام أربعين فقط، فتفسد حينئذ.\rوسبب الاختلاف: هل صحة انعقاد صلاة المأموم مرتبطة بصحة صلاة الإمام، أم ليست مرتبطة؟\rفمن رآها مرتبطة وهم الحنفية، قال: صلاتهم فاسدة.\rومن رآها غير مرتبطة وهم الشافعية والحنابلة، قال: صلاتهم صحيحة.\rومن فرق بين السهو والعمد، وهم المالكية، أخذ بظاهر الأثر الآتي: عن أبي بكرة: «أن النبي صلّى الله عليه وسلم استفتح، فكبَّر ثم أومأ إليهم: أن مكانكم، ثم دخل، ثم خرج ورأسه يقطر، فصلى بهم، فلما قضى الصلاة، قال: إنما أنا بشر مثلكم، وإني كنت جُنُباً» (2) فظاهر هذا أنهم بنوا على صلاتهم.\rورأى الشافعية والحنابلة أنه لو كانت الصلاة مرتبطة، للزم أن يبدؤوا بالصلاة مرة ثانية.\r-------------------------------\r(1) بداية المجتهد:150/1 وما بعدها.\r(2) نيل الأوطار:175/3.","part":2,"page":365},{"id":1057,"text":"سابعاً ـ ما يحمله الإمام عن المأموم:\rيتحمل الإمام سهو المأموم، واتفق الفقهاء على أنه لا يحمل الإمام من فرائض الصلاة شيئاً عن المأموم ما عدا القراءة، فإنهم اختلفوا في ذلك على ثلاثة أقوال (1) :\rأحدها ـ للمالكية والحنابلة: أن المأموم يقرأ مع الإمام فيما أسر فيه، ولا يقرأ معه فيما جهر به. وكذلك يقرأ عند الحنابلة في الجهرية إذا لم يسمع، ولا يقرأ إذا سمع (2) .\rوالثاني ـ للحنفية: أنه لا يقرأ معه أصلاً.\rوالثالث ـ للشافعية: أنه يقرأ فيما أسر أم الكتاب (الفاتحة) وغيرها، وفيما جهر أم الكتاب فقط.\rوالسبب في اختلافهم اختلاف الأحاديث في هذا الموضوع، وهي أربعة أحاديث سبق ذكرها في أركان الصلاة وهي:\r1 - حديث «لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب» .\r2 - حديث مالك عن أبي هريرة: أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم انصرف من صلاة جهر فيها بالقراءة، فقال: هل قرأ معي منكم أحد آنفاً؟ فقال رجل: نعم، أنا يا رسول الله ، فقال رسول الله : إني أقول ما لي أنازع القرآن؟ فانتهى الناس عن القراءة فيما جهر فيه رسول الله صلّى الله عليه وسلم .\r3 - حديث عبادة بن الصامت، قال: صلى بنا رسول الله صلّى الله عليه وسلم صلاة الغداة، فثقلت عليه القراءة، فلما انصرف، قال: إني لأراكم تقرؤون وراء الإمام؟ قلنا: نعم، قال: فلا تفعلوا إلا بأم القرآن (3) .\r-------------------------------\r(1) بداية المجتهد:149/1 ومابعدها.\r(2) قالوا: تسن قراءة المأموم الفاتحة في سكتات الإمام، ولو كان سكوته لتنفس، ولا يضر تفريقها أي الفاتحة، وتسن قراءته فيما لا يجهر الإمام فيه، لما روى ابن ماجه عن جابر بن عبد الله قال: «كنا نقرأ في الظهر والعصر خلف الإمام في الركعتين الأوليين بفاتحة الكتاب وسورة، وفي الأخريين بفاتحة الكتاب» (كشاف القناع:544/1).\r(3) قال ابن عبد البر: حديث عبادة هنا من رواية مكحول وغيره، متصل السند، صحيح.","part":2,"page":366},{"id":1058,"text":"4 - حديث جابر عن النبي صلّى الله عليه وسلم قال: «من كان له إمام، فقراءته له قراءة» وفي معناه حديث خامس صححه أحمد بن حنبل وهو: «إذا قرأ الإمام فأنصتوا» .\rاختلف الفقهاء في الجمع بين هذه الأحاديث، فالشافعية استثنوا من النهي عن القراءة فيما جهر فيه الإمام قراءة أم القرآن فقط عملاً بحديث ابن الصامت.\rوالمالكية والحنابلة: استثنوا من عموم حديث «لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب» المأموم فقط في صلاة الجهر، للنهي الوارد عن القراءة فيما جهر فيه الإمام في حديث أبي هريرة، وأكد ذلك بظاهر قوله تعالى: {وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون} [الأعراف:204/7] قا لوا: وهذا إنما ورد في الصلاة.\rوالحنفية: استثنوا القراءة الواجبة على المصلي المأموم فقط، سراً كانت\rالصلاة أو جهراً، وجعلوا الوجوب الوارد في القراءة في حق الإمام والمنفرد فقط، عملاً بحديث جابر، فصار حديث جابر مخصصاً لقوله عليه الصلاة والسلام: «واقرأ ما تيسر معك فقط» لأنهم لا يرون وجوب قراءة أم القرآن في الصلاة، وإنما يرون وجوب القراءة مطلقاً، لقوله تعالى: {فاقرؤوا ما تيسر من القرآن} [المزمل:20/73].\rما ذكره الحنابلة فيما يتحمله الإمام عن المأموم:\rقال الحنابلة (1) : يتحمل الإمام عن المأموم ثمانية أشياء:\rالفاتحة، وسجود السهو إذا دخل معه في الركعة الأولى (وهو اللاحق)، والسترة قدَّامه، لما تقدم «سترة الإمام سترة لمن خلفه» ، والتشهد الأول إذا سبقه بركعة من رباعية لوجوب المتابعة، وسجود تلاوة أتى بها المأموم في الصلاة خلف الإمام، وفيما إذا سجد الإمام لتلاوة سجدة قرأها في صلاة سرية، وقول: سمع الله لمن حمده، وقول: ملء السموات وملء الأرض... الخ بعد التحميد، ودعاء القنوت إن كان يسمع المأموم، فيؤمن فقط، وإلا قنت.\rويوافقهم الحنفية والمالكية في الفاتحة وقول سمع الله لمن حمده، وقول: ملء السموات كما يوافقهم سائر المذاهب في الباقي.","part":2,"page":367},{"id":1059,"text":"ثامناً ـ الأحكام الخاصة بالإمام:\rهناك أربع مسائل خاصة بالإمام وهي: هل يؤمن الإمام إذا فرغ من قراءة الفاتحة، أو المأموم هو الذي يؤمن فقط، ومتى يكبر الإمام تكبيرة الإحرام، وهل يفتح على الإمام إذا أرتج عليه أو لا، وهل يجوز أن يكون موضعه أرفع من موضع المأمومين؟\rقد عرفنا أحكام هذه المسائل في المذاهب ما عدا الثانية منها، ونوجز هنا الكلام فيها (1) .\rالمسألة الأولى ـ هل يؤمن الإمام إذا فرغ من قراءة الفاتحة، أو المأموم هو الذي يؤمن فقط؟\rذهب مالك إلى أنه لا يؤمن.\rوذهب جمهور الفقهاء إلى أنه يؤمن كالمأموم سواء.\rوسبب اختلافهم حديثان متعارضان في الظاهر:\rأحدهما ـ حديث أبي هريرة أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم قال: «إذا أمَّن الإمام فأمِّنوا، فإن من وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه» (2) .\rوالثاني ـ حديث أبي هريرة أيضاً قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم إذا قال الإمام: غير المغضوب عليهم ولا الضالين، فقولوا: آمين (3) .\rفالحديث الأول نص في تأمين الإمام. والحديث الثاني: يستدل منه على أن الإمام لا يؤمن؛ لأنه لو كان يؤمن، لما أمر المأموم بالتأمين عند الفراغ من الفاتحة قبل أن يؤمن الإمام؛ لأن الإمام، كما قال عليه الصلاة والسلام إنما جعل ليؤتم به.\rفرجح مالك الحديث الثاني الذي رواه، لكون السامع هو المؤمن، لا القارئ الداعي.\rورجح الجمهور الحديث الأول لكونه نصاً في الموضوع؛ لأنه ليس فيه شيء من حكم الإمام، وإنما الخلاف بينه وبين الحديث الآخر في موضع تأمين المأموم فقط، لا في: هل يؤمن الإمام أو لا يؤمن.\r-------------------------------\r(1) بداية المجتهد:141/1-143.\r(2) رواه الجماعة (تيل الأوطار:222/2).\r(3) رواه مالك، وفي رواية أبي داود وابن ماجه: قال: آمين (نيل الأوطار:224/2).","part":2,"page":368},{"id":1060,"text":"المسألة الثانية ـ متى يكبر الإمام تكبيرة الإحرام؟\rقال الجمهور: لا يكبر الإمام إلا بعد تمام الإقامة واستواء الصفوف.\rوقال الحنفية: إن موضع التكبير هو قبل أن يتم الإقامة، واستحسنوا تكبيره عند قول المؤذن: قد قامت الصلاة.\rوسبب الخلاف تعارض ظاهر حديث أنس وحديث بلال.\rأما حديث أنس: فقال: أقبل علينا رسول الله صلّى الله عليه وسلم قبل أن يكبر في الصلاة، فقال: أقيموا صفوفكم وتراصوا، فإني أراكم من راء ظهري (1) . وظاهر هذا أن الكلام منه كان بعد الفراغ من الإقامة، مثلما روي عن عمر: أنه كان إذا تمت الإقامة، واستوت الصفوف، حينئذ يكبر.\rوأما حديث بلال: فإنه روى أنه كان يقيم للنبي صلّى الله عليه وسلم ، فكان يقول له: يا رسول الله ، لا تسبقني بآمين (2) . فهذا يدل على أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم كان يكبر، والإقامة لم تتم.\rالمسألة الثالثة ـ هل يفتح على الإمام إذا أرتج عليه أو لا؟\rذكر البحث فيها في مبطلات الصلاة، وقد عرفنا أن المذاهب الأربعة وغيرها أجازوا الفتح على الإمام إذا أرتج عليه وهو مشهور عن ابن عمر.\r-------------------------------\r(1) رواه البخاري ومسلم (المجموع:124/4).\r(2) أخرجه الطحاوي.","part":2,"page":369},{"id":1061,"text":"ومنعه بعض العلماء وهو مشهور عن علي. وسبب الخلاف: اختلاف الآثار، فقد روي أنه «صلى رسول الله صلّى الله عليه وسلم ، فترك آية، فقال له رجل: يا رسول الله ، آية كذا وكذا، قال: فهلا ذكرتنيها؟!»(1) ، وروي عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: «يا علي، لاتفتح على الإمام في الصلاة» (2) . والرأي الأول أصح رواية وعملاً.\rالمسألة الرابعة ـ ارتفاع الإمام عن المأمومين:\rبينا سابقاً أنه يجوز في المذاهب الأربعة ارتفاع الإمام عن المأمومين مع الكراهة، إلا الارتفاع اليسير فلا كراهة فيه عند المالكية والحنابلة، وإلا حالة الضرورة أو قصد التعليم عند الشافعية. ومنع قوم ذلك.\rوسبب الخلاف فيه حديثان متعارضان:\rأحدهما ـ الحديث الثابت أنه عليه الصلاة والسلام أمَّ الناس على المنبر ليعلمهم الصلاة، وأنه كان إذا أراد أن يسجد نزل من على المنبر (3) .\rوالثاني ـ ما رواه أبو داود أن حذيفة أمَّ الناس على دكَّان (4) فأخذ ابن مسعود بقميصه، فجذبه، فلما فرغ من صلاته، قال: ألم تعلم أنهم كانوا ينهون عن ذلك (5) .\rمسألة خامسة ملحقة ـ هل يجب على الإمام أن ينوي الإمامة أو لا؟\rذهب قوم إلى أنه ليس ذلك بواجب عليه، لحديث ابن عباس أنه قام إلى جنب رسول الله صلّى الله عليه وسلم بعد دخوله في الصلاة.\rورأى قوم أن هذا محتمل، وأنه لا بد من ذلك؛ إذ كان يحمل بعض أفعال الصلاة عن المأمومين. وسنعود لهذا البحث.\r-------------------------------\r(1) رواه أبو داود وعبد الله بن أحمد في مسند أبيه عن مُسوَّر بن يزيد المالكي (نيل الأوطار:322/2) وروي أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم تردد في آية، فلما انصرف، قال: أين أُبيّ، ألم يكن في القوم، أي يريد الفتح عليه.\r(2) أخرجه أبو داود عن أبي إسحاق السبيعي عن الحارث الأعور عن علي، لكن لم يثبت سماع السبيعي عن الأعور، ورواه عبد الرزاق بلفظ «لا تفتحن على الإمام وأنت في الصلاة» .\r(3) هذا حديث سهل بن سعد، وهو متفق عليه (نيل الأوطار:193/3).\r(4) الدكان: الحانوت، وأصله الدَّكة: وهو المكان المرتفع يجلس عليه.\r(5) رواه أبو داود عن هَمَّام أن حذيفة أم الناس بالمدائن على دكان... الحديث (نيل الأوطار:193/3).","part":2,"page":370},{"id":1062,"text":"المطلب الثالث ـ القدوة:\rشروط القدوة، نية مقارنة الإمام وقطع القدوة، أحوال المقتدي (المدرك، اللاحق، المسبوق)، ما يفعله المقتدي بعد فراغ إمامه من واجب وغيره.\rأولاً ـ شروط صحة القدوة:\rذكر الشافعية (1) سبعة شروط لصحة القدوة يمكن فهمها من فروع المطلب الثاني السابق وهي ما يأتي:\r1ً - ألا يعلم المقتدي بطلان صلاة إمامه بحدث أو غيره، وألا يعتقد بطلانها من حيث الاجتهاد في غير اختلاف المذاهب في الفروع: كمجتهدين اختلفا في القبلة أو في إناءين من الماء: طاهر ونجس، بأن أدى اجتهاد أحدهما إلى غير ما أدى إليه اجتهاد الآخر في المسألتين.\rفإن تعدد الطاهر من الآنية: كأن كانت الأواني ثلاثة، والطاهر منها اثنان والمجتهدون ثلاثة، وظن كل منهم طهارة إنائه فقط، فالأصح صحة اقتداء بعضهم ببعض، ما لم يتعين إناء الإمام للنجاسة.\rفإن ظن واحد باجتهاده طهارة إناء غيره، جاز له الاقتداء به قطعاً.\rأما اختلاف المذاهب في الفروع: فلو اقتدى شافعي بحنفي مسَّ فرجه، أو افتصد، فالأصح الصحة في الفصد، دون المس، اعتباراً باعتقاد المقتدي لأنه محدث عنده بالمس، دون الفصد.\r2ً - ألا يعتقد وجوب قضاء الصلاة: كمقيم تيمم، لفقد ماء بمحل يغلب فيه وجوده.\r-------------------------------\r(1) مغني المحتاج:237/1-240، الحضرمية: ص67.","part":2,"page":371},{"id":1063,"text":"3ً - ألا يكون مأموماً، فلا تصح قدوة بمقتد في حال قدوته؛ لأنه تابع لغيره يلحقه سهوه، ومن شأن الإمام الاستقلال، وأن يتحمل هو سهو غيره، فلا يجتمعان، وهذا إجماع.\r4ً - ألا يكون مشكوكاً في كونه إماماً أو مأموماً: فإن شك لم يصح اقتداؤه به.\r5ً - ألا يكون أمياً: وهو من لا يحسن حرفاً من الفاتحة، أو يخل بتشديدة منها، إلا إذا اقتدى به مثله.\r6ً - ألا يقتدي الرجل بالمرأة. فلو صلى خلفه ثم تبين كفره أو جنونه أو كونه امرأة أو مأموماً أو أمياً، أعادها، إلا إن بان محدثاً أو جنباً أو عليه نجاسة خفية، أو قائماً بركعة زائدة فاقتدى به، فلا إعادة عليه.\rولو نسي حدث إمامه، ثم تذكره، أعاد.\rثانياً ـ نية مفارقة الإمام وقطع القدوة:\rعرفنا سابقاً أنه عند الشافعية: تنقطع القدوة بمجرد خروج الإمام من صلاته، بحدث أو غيره. وقال الشافعية والحنابلة (1) : إن أحرم الشخص مأموماً، ثم نوى مفارقة الإمام وإتمام صلاته منفرداً، جاز عند الشافعية سواء أكان لعذر، أم لغير عذر مع الكراهة، لمفارقته للجماعة المطلوبة وجوباً أو ندباً مؤكداً. وجاز لعذر فقط عند الحنابلة، أما لغير عذر ففيه روايتان: إحداهما: تفسد صلاته وهي الأصح والثانية: تصح. واستثنى الشافعية الجمعة فلا تصح نية المفارقة في الركعة الأولى منها، والصلاة التي يريد إعادتها جماعة، فلا تصح نية المفارقة في شيء منها، وكذا الصلاة المجموعة تقديماً.\rومن العذر: تطويل الإمام، أو تركه سنة مقصودة، كتشهد أول وقنوت، فله فراقه ليأتي بتلك السنة، أو المرض، أو خشية غلبة النعاس أو شيء يفسد صلاته، أو خوف فوات ماله أو تلفه، أو فوت رفقته، أو من يخرج من الصف ثم لا يجد من يقف معه.\rودليلهم مافي الصحيحين: «أن معاذاً صلى بأصحابه العشاء، فطوَّل عليهم، فانصرف رجل، فصلى، ثم أتى النبي صلّى الله عليه وسلم ، فأخبره بالقصة، فغضب وأنكر على معاذ، ولم ينكر على الرجل، ولم يأمره بالإعادة» .\rوأجاز الحنفية (2) فقط مع الكراهة سلام المقتدي قبل الإمام، ولا تجوز المفارقة. وقال المالكية (3) : من اقتدى بإمام لم يجز له مفارقته.\r-------------------------------\r(1) مغني المحتاج:259/1، المغني:233/2، كشاف القناع:372/1 ومابعدها. المهذب:97/1.\r(2) الدر المختار:560/1.\r(3) الشرح الصغير:449/1.","part":2,"page":372},{"id":1064,"text":"ثالثاً ـ أحوال المقتدي (المدرك، اللاحق، المسبوق):\rللمقتدي أحوال ثلاثة: مدرك، ولاحق، ومسبوق، ولأحكامهم تفصيل في المذاهب.\rمذهب الحنفية (1) :\rالمدرك: من صلى جميع الصلاةكاملة مع الإمام. وهذا صلاته تامة لا شيء فيها.\rواللاحق: من فاتته الركعات كلها أو بعضها مع الإمام، على الرغم من ابتدائه الصلاة معه، كأن عرض له عذر كغفلة أو نوم أو زحمة (2) أو سبق حدث، أو صلاة خوف (أي في الطائفة الأولى، وأما الثانية فمسبوقة) أو كان مقيماً ائتم بمسافر، أو بلا عذر: كأن سبق إمامه في ركوع وسجود، فإنه يقضي ركعة.\rوحكمه: أنه كمؤتم حقيقة فيما فاته، فلا تنقطع تبعيته للإمام، فلا يقرأ في قضاء مافاته من الركعات، ولا يسجد للسهو لأنه لا سجود على المأموم فيما يسهو به خلف إمامه، ولا يتغير فرضه، فيصير أربعاً، بنية الإقامة إن كان مسافراً، ويبدأ بقضاء ما فاته أثناء صلاة الإمام، ثم يتابعه فيما بقي إن أدركه ويسلم معه، فإن لم يدركه، مضى في صلاته إلى النهاية.\rوإذا كان اللاحق مسبوقاً بأن بدأ مع الإمام في الركعة الثانية، ثم فاتته ركعة فأكثر خلف الإمام، فعليه القراءة في قضاء ما سبق به.\rوالمسبوق: من سبقه الإمام بكل الصلاة أو ببعضها (3) . وحكمه أنه كالمنفرد بعد البدء بقضاء ما فاته، فيأتي بدعاء الثناء، والتعوذ لأنه للقراءة، ويقرأ؛ لأنه\r-------------------------------\r(1) الدر المختار:555/1-560، فتح القدير:277/1 ومابعدها، تبيين الحقائق:137/3 ومابعدها.\r(2) بأن زحمه الناس في الجمعة مثلاً، فلم يقدر على أداء الركعة الأولى مع الإمام، وقدر على الباقي، فيصليها، ثم يتابعه.\r(3) أن يُسبق بكل الركعات: بأن اقتدى بالإمام بعد ركوع الركعة الأخيرة. وسبقه ببعضها: بأن يفوته بعض الركعات.","part":2,"page":373},{"id":1065,"text":"يقضي أول صلاته في حق القراءة، فلو ترك القراءة، فسدت صلاته، كما يقضي آخر صلاته في حق التشهد.\rومحل إتيانه بالثناء: إن كان في ركعة سرية أتى بالثناء بعد تكبيرة الإحرام، وإن أدرك الإمام في ركعة جهرية، لا يأتي به مع الإمام على الصحيح، بل يأتي به عند قضاء ما فاته، وعندئذ يتعوذ ويبسمل للقراءة كالمنفرد.\rوالمسبوق: إن أدرك الإمام وهو راكع، كبر للإحرام قائماً، ثم ركع معه، وتحسب له هذه الركعة.\rوإن أدركه بعد الركوع، كبر للإحرام قائماً، ثم تابعه فيما هو فيه من أعمال الصلاة، ولا تحسب الركعة، ثم يقضي ما فاته بعد سلام الإمام، ويقرأ الفاتحة وسورة بعدها في قضاء كل من الركعتين الأولى والثانية من صلاته، فلو فاتته هاتان الركعتان قرأ فيما يقضيه الفاتحة وسورة، ولو فاته ركعة مثلاً قضى ركعة وقرأ فيها الفاتحة والسورة.\rوالمسبوق كالمنفرد إلا في أربع مسائل فهو كمقتد:\rإحداها ـ لا يجوز اقتداؤه بغيره ولا الاقتداء به.\rثانيها ـ لو كبَّر ناوياً استئناف صلاة جديدة وقطعها، صار مستأنفاً وقاطعاً للصلاة الأولى، بخلاف المنفرد.\rثالثها ـ لو قام إلى قضاء ما سبق به، وعلى الإمام سجدتا سهو، ولو قبل اقتدائه، فعليه أن يعود فيسجد معه، ما لم يقيد الركعة التي قام لقضائها بسجدة، فإن لم يعد حتى سجد، يمضي في صلاته، وعليه إن يسجد في آخر صلاته، بخلاف المنفرد، فإنه لا يلزمه السجود لسهو غيره.\rكذلك يلزمه متابعة الإمام في قضاء سجدة التلاوة، على التفصيل المذكور. رابعها ـ يأتي بتكبيرات التشريق (1) اتفاقاً بين الحنفية، بخلاف المنفرد، حيث لا يأتي بها عند أبي حنيفة.\r-------------------------------\r(1) يجب عند الحنفية: تكبير التشريق في عيد الأضحى من بعد فجر عرفة إلى عصر العيد مرة، فور كل فرض، أدي بجماعة مستحبة، على إمام مقيم.","part":2,"page":374},{"id":1066,"text":"ومن أحكام المسبوق:\rأنه يكره تحريماً أن يقوم المسبوق لقضاء ما فاته قبل سلام إمامه إذا قعد قدر التشهد، إلا في مواضع تعتبر عذراً:\rالأول: إذا خاف المسبوق الماسح زوال مدته إذا انتظر سلام الإمام.\rالثاني: إذا خاف خروج الوقت، وكان صاحب عذر، حتى لا ينتقض وضوءه.\rالثالث: إذا خاف في الجمعة دخول وقت العصر، إذا انتظر سلام الإمام.\rالرابع: إذا خاف المسبوق دخول وقت الظهر في العيدين، أو خاف طلوع الشمس في الفجر، إذا انتظر سلام الإمام.\rالخامس: إذا خاف المسبوق أن يسبقه الحدث.\rالسادس: إذا خاف أن يمر الناس بين يديه إذا انتظر سلام الإمام، ففي هذه المواضع كلها للمسبوق أن يقوم فيها لإكمال صلاته قبل سلام إمامه.\rمذهب المالكية (1) :\rالمدرك: الذي أدرك جميع الصلاة مع الإمام، صلاته تامة، ولاقضاء عليه بعد سلام إمامه؛ لأنه لم يفته شيء من الصلاة.\rواللاحق: الذي فاته شيء من الصلاة بعد الدخول مع الإمام لعذر كزحمة أو نعاس لا ينقض الوضوء، له أحوال ثلاثة: أن يفوته ركوع أو اعتدال منه، أن تفوته سجدة أو سجدتان، أن تفوته ركعة فأكثر.\rالحالة الأولى ـ وهي أن يفوت المأموم الركوع أو الرفع منه مع الإمام، فإما أن يكون ذلك في الركعة الأولى أو غيرها. فإن كان في الركعة الأولى اتبع الإمام فيما هو فيه من الصلاة، وألغى هذه الركعة، وقضى ركعة بعد سلام الإمام.\rوإن كان ذلك الفوات في غير الركعة الأولى: فإن أمكنه تدارك الإمام في السجود ولو في السجدة الثانية، فعل مافاته ليدرك الإمام، وإن لم يتمكن من تدارك الإمام في السجود، فإنه يلغي هذه الركعة، ويقضيها بعد سلام الإمام.\r-------------------------------\r(1) الشرح الصغير:458/1-461، الشرح الكبير:345/1-349، القوانين الفقهية: ص70 ومابعدها، بداية المجتهد:181/1-182.","part":2,"page":375},{"id":1067,"text":"الحالة الثانية ـ أن يفوته سجدة أو سجدتان: فإن أمكنه السجود وإدراك الإمام في ركوع الركعة التالية، فعل ما فاته ولحق الإمام وتحسب له الركعة. وإن لم يمكنه السجود على النحو المذكور، ألغى الركعة واتبع الإمام فيما هو فيه، وأتى بركعة بعد سلام الإمام، ولا يسجد للسهو، لأن الإمام يتحمل عنه سهوه.\rالحالة الثالثة ـ أن تفوته ركعة أو أكثر بعد الدخول مع الإمام: فيقضي مافاته بعد سلام الإمام، على النحو الذي فاته بالنسبة للقراءة والقنوت.\rأما المسبوق: الذي فاته ركعة أو أكثر قبل الدخول مع الإمام، فحكمه أنه يجب عليه أن يقضي بعد سلام الإمام ما فاته من الصلاة. والمشهور أنه يقضي القول، ويبني على الأفعال، علماً بأن المراد بالقول هو القراءة، والمراد بالفعل هو ماعدا القراءة، فيشمل التسميع والتحميد والقنوت.\rومعنى قضاء القول: أن يجعل ما فاته المسبوق قبل دخوله مع الإمام بالنسبة إليه هو أول صلاته، وما أدركه معه هو آخرها، فيأتي بالقراءة على صفتها من سر أو جهر.\rومعنى البناء على الفعل (1) : أن يجعل ما أدركه مع الإمام أول صلاته، ومافاته آخر صلاته، فيكون كالمصلي وحده. فهو عكس البناء على القول.\rوتوضيح ذلك: إن أدرك المسبوق الركعة الرابعة فقط من العشاء، فإذا سلم الإمام، أتى بركعة يقرأ فيها جهراً بالفاتحة والسورة؛ لأنها أولى صلاته بالنسبة للقراءة،ثم يجلس بعدها للتشهد؛ لأنها ثانية له بالنسبة للجلوس. ثم يقوم فيأتي بركعة، يقرأ فيها جهراً بالفاتحة والسورة؛ لأنها ثانية له بالنسبة للقراءة، ولا يجلس بعدها للتشهد لأنها ثالثة له بالنسبة للجلوس. ثم يأتي بركعة ثالثة يقرأ فيها سراً، ثم يجلس للتشهد الأخير؛ لأنها رابعة بالنسبة للأفعال، ثم يسلم.\r-------------------------------\r(1) الفعل: هو ماعدا القراءة بصفتها، فيشمل التسميع والتحميد والقنوت كما تقدم.","part":2,"page":376},{"id":1068,"text":"ومدرك الركعة الثانية في صلاة الصبح مع الإمام، يقنت في ركعة القضاء؛ لأنها الثانية بالنسبة للفعل، الذي منه القنوت، ويجمع بين التسميع والتحميد؛ لأن الركعة الثانية آخرته، وهو فيها كالمصلي وحده.\rأما إن سجد الإمام سجود سهو: فإن كان قبلياً سجد معه، وإن كان بعدياً أخره حتى يفرغ من قضاء ما عليه.\rوأما التكبير أثناء نهوض المسبوق لقضاء ما عليه: فإن أدرك مع الإمام ركعتين أو أقل من ركعة، كبر حال القيام؛ لأن جلوسه في محله، فيقوم بتكبير، وإلا فلا يكبر حال القيام، بل يقوم ساكتاً؛ لأن جلوسه في غير محله، وإنما هو لموافقة الإمام.\rوإن أدرك المسبوق ركوع الإمام، فمكن من ركبتيه قبل أن يرفع الإمام رأسه من الركوع، فقد أدرك الركعة. وإن لم يدرك المسبوق ركوع الركعة الأخيرة، فدخل في السجود أو الجلوس، فقد فاتته الصلاة كلها، فيقوم فيصليها كاملة؛ فإن جرى له ذلك في صلاة الجمعة، صلاها ظهراً أربعاً.\rالشافعية (1) :\rالمقتدي: إما موافق أو مسبوق. والموافق: هو من أدرك مع الإمام قدر الفاتحة، سواء الركعة الأولى وغيرها. والمسبوق: هو من لم يدرك مع الإمام من الركعة الأولى أو غيرها قدراً يسع الفاتحة.\rوالموافق: إن تخلف عن الإمام بركن فعلي عامداً بلا عذر، بأن فرغ الإمام منه، وهو فيما قبله، لم تبطل صلاته في الأصح؛ لأنه تخلف يسير، سواء أكان طويلاً، كأن ابتدأ الإمام رفع الاعتدال، والمأموم في قيام القراءة، أم قصيراً، كأن رفع الإمام رأسه من السجدة الأولى، وهوى من الجلسة بعدها للسجود، والمأموم في السجدة الأولى.\rوإن تخلف بركنين فعليين، بأن فرغ الإمام منهما، وهو فيما قبلهما، كأن ابتدأ الإمام هويّ السجود، والمأموم في قيام القراءة.\rأ - فإن لم يكن عذر، كأن تخلف لقراءة السورة أو لتسبيحات الركوع والسجود، بطلت صلاته، لكثرة المخالفة.\rب ـ وإن كان عذر: بأن اشتغل بدعاء الافتتاح، أو ركع إمامه فشك في الفاتحة، أو تذكر تركها أو أسرع الإمام قراءته مثلاً، أو كان المأموم بطيء القراءة لعجز، لا لوسوسة، وركع أي الإمام قبل إتمام المأموم الفاتحة، فالصحيح أن المأموم يتم فاتحته، ويسعى خلف إمامه على نظم صلاة نفسه، ما لم يسبق بأكثر من ثلاثة أركان مقصودة في نفسها، طويلة أي ما لم يسبق بثلاثة فما دونها، وهي الركوع والسجودان، أخذاً من صلاته صلّى الله عليه وسلم بعُسْفان، فلا يعد منها القصير: وهو الاعتدال والجلوس بين السجدتين.\r-------------------------------\r(1) مغني المحتاج:256/1 -258، المهذب:95/1، حاشية الباجوري:204/1، الحضرمية: ص71 ومابعدها.","part":2,"page":377},{"id":1069,"text":"فإن سبق بأكثر من الأركان الثلاثة، بأن لم يفرغ من الفاتحة إلا والإمام قائم عن السجود، أو جالس للتشهد، فالأصح أنه لا تلزمه المفارقة، بل يتبع الإمام فيما هو فيه، ثم يتدارك بعد سلام الإمام ما فاته، كالمسبوق، لما في مراعاة نظم صلاته في هذه الحالة من المخالفة الفاحشة. وهذا كله مفرع على شرط متابعة المقتدي للإمام.\rأما المسبوق: فيسن له ألا يشتغل بسنة بعد التحرم، بل بالفاتحة، إلا أن يظن إدراكها مع اشتغاله بالسنة. فإن لم يشتغل بسنة، تبع إمامه في الركوع وجوباً، وسقط عنه ما بقي من الفاتحة، فإن تخلف لإتمام قراءته، حتى رفع الإمام من الركوع، فاتته الركعة، ولا تبطل صلاته، إلا إذا تخلف عنه بركنين فعليين بلا عذر.","part":2,"page":378},{"id":1070,"text":"وإن اشتغل المسبوق بسنة كدعاء الافتتاح أو التعوذ، قرأ بقدرها من الفاتحة وجوباً، ثم إن فرغ مما عليه، وأدرك الركوع مطمئناً يقيناً مع الإمام أدرك الركعة. وإن فرغ مما عليه، والإمام في الاعتدال، وافقه فيه وفاتته الركعة. وإن لم يفرغ مما عليه واستمر في القراءة وأراد الإمام الهويّ للسجود، تعينت نية المفارقة؛ لأنه إن هوى الإمام للسجود، ولم ينو المفارقة، بطلت صلاته، وإن هوى معه، بطلت صلاته أيضاً. وإن لم يشتغل بسنة، قطع القراءة، وركع مع الإمام.\rولو علم المأموم في ركوعه أنه ترك الفاتحة، لم يعد إليها، بل يصلي ركعة بعد سلام الإمام.\rولو علم المأموم ترك الفاتحة أو شك فيه، وقد ركع الإمام، ولم يركع هو، قرأها وجوباً لبقاء محلها، ويعد متخلفاً بعذر، ويطبَّق عليه حكم بطيء القراءة ، في الموافق.\rوالمسبوق الذي فاته بعض ركعات الصلاة مع الإمام: إن أدرك مع الإمام مقدار الركوع الجائز بأن أدركه راكعاً واطمأن معه، فقد أدرك الركعة، وإن لم يدرك ذلك أو أدركه في ركوع زائد أو في الثاني من صلاة الكسوفين، لم يدرك الركعة، لما روى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلّى الله عليه وسلم قال: «من أدرك الركوع من الركعة الأخيرة يوم الجمعة، فليضف إليها أخرى، ومن لم يدرك الركوع، فليصل الظهر أربعاً» (1) .\rوإن أدركه ساجداً، كبر للإحرام، ثم سجد من غير تكبير، على المذهب.\rوإن أدركه في آخر الصلاة، كبر للإحرام، وقعد، وحصل له فضيلة الجماعة، فإن أدرك معه الركعة الأخيرة، كان ذلك أول صلاته، لما روي عن علي رضي الله عنه أنه قال: «ما أدركت فهو أول صلاتك» وعن ابن عمر أنه قال: «يكبر، فإذا سلم الإمام قام إلى ما بقي من صلاته» وبه تقررت قاعدة المذهب وهي: ما أدركه المسبوق أول صلاته، وما يتداركه آخرها، لقوله صلّى الله عليه وسلم : «ما أدركتم\r-------------------------------\r(1) هذا الحديث بهذا اللفظ غريب، ورواه الدارقطني بإسناد ضعيف ولفظه: « من أدرك من الجمعة ركعة، فليصل إليها أخرى، فإن أدركهم جلوساً، صلى الظهر أربعاً » ( المجموع:113/4).","part":2,"page":379},{"id":1071,"text":"فصلوا، وما فاتكم فأتموا» (1) . وهذا بخلاف مذاهب الأئمة الآخرين فعندهم: ما أدركه آخر صلاته وما يتداركه أول صلاته، لقوله صلّى الله عليه وسلم : «ما أدركتم فصلوا وما فاتكم فاقضوا» (2) .\rوإن كانت الصلاة فيها قنوت، فقنت مع الإمام أعاد القنوت في آخر صلاته؛ لأن مافعله مع الإمام فعله للمتابعة، فإذا بلغ إلى موضعه، أعاد كما لو تشهد مع الإمام، ثم قام إلى ما بقي، فإنه يعيد التشهد.\rويسن للمسبوق الذي فاتته الركعتان الأوليان أو إحداهما أن يقرأ سورة بعد الفاتحة في الركعتين الأخيرتين أو الأولى منهما، لئلا تخلو صلاته من سورة.\rالحنابلة (3) :\rالمسبوق يشمل عندهم ( اللاحق ) عند الحنفية والمالكية، فمن اقتدى بالإمام من أول الصلاة، أو بعد ركعة فأكثر وفاته شيء منها فهو في الحالتين مسبوق .أما اللاحق الذي بدأ صلاته مع الإمام من أولها، وتخلف عنه بركن أو ركنين لعذر من نوم لا ينقض الوضوء أوغفلة أو سهو أوعجلة ونحوه كزحام، فيجب عليه أن يفعله ويلحق به إذا لم يخش فوت الركعة التالية؛ لأنه أمكنه استدراكه من غير محذور، فلزمه، وتصح الركعة التي أتى بها. وإن لم يأت بها أو خشي فوت الركعة التالية مع الإمام، وجب عليه متابعة إمامه، ولغت الركعة، ووجب عليه قضاؤها على صفتها بعد سلام الإمام.\r-------------------------------\r(1) رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة من طرق كثيرة، فهذه الرواية أولى، كما قال البيهقي (المجموع:120/4).\r(2) رواه أحمد والبخاري ومسلم والنسائي ( المصدر السابق).\r(3) كشاف القناع:540/1-543،546 -549.","part":2,"page":380},{"id":1072,"text":"والإتيان بها على صفتها معناه: أنه لو فاتته الركعة الأولى، أتى بها بالاستفتاح والتعوذ وقراءة سورة بعد الفاتحة. وإن كانت الثانية قرأ سورة بعد الفاتحة، وإن كانت الثالثة أو الرابعة قرأ الفاتحة فقط.\rوإن تخلف عن السجود مع الإمام لعذر، تابع إمامه في السجود الثاني وتمت له الركعة، على أن يقضي ما فاته على صفته بعد سلام الإمام.\rوإن تخلف عن إمامه بركعة فأكثر، لعذر من نوم أو غفلة أو نحوه، تابعه فيما بقي من صلاته، وقضى المأموم ما تخلف به بعد سلام إمامه، كمسبوق.\rوأما إن تخلف المقتدي عن إمامه بركن بلا عذر، فهو كسبق الإمام بركن: إن فعل ذلك عامداً عالماً، بطلت صلاته، لأنه ترك فرض المتابعة متعمداً. وإن فعل ذلك جاهلاً أو ناسياً، بطلت تلك الركعة إذا لم يأت بما فاته مع إمامه؛ لأنه لم يقتد بإمامه في الركوع، وتصح صلاته، لحديث «عفي عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه» .\rوأما المسبوق: فإن سبق بالركوع أو بركنين عمداً بطلت صلاته مطلقاً، وإن سبقه بغير ركوع كالهوي للسجود، أو سبقه سهواً لم تبطل صلاته، لكن يجب إعادة ما أتى به بعد إمامه، فإن لم يأت به، ألغيت الركعة.\rوما أدرك المسبوق مع الإمام فهو آخر صلاته، كما بينا، فإن أدركه فيما بعد الركعة الأولى كالثانية أو الثالثة، لم يستفتح ولم يستعذ، ومايقضيه المسبوق هو أول صلاته، فيستفتح له، ويتعوذ، ويقرأ السورة، لحديث أبي هريرة السابق أن النبي صلّى الله عليه وسلم قال: «ما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فاقضوا» (1) .\r-------------------------------\r(1) رواه الشيخان وأحمد والنسائي من طريق ابن عيينة عن الزهري عن ابن المسيب عن أبي هريرة، قال مسلم: أخطأ ابن عيينة في هذه اللفظة: «فاقضوا» ولا أعلم رواها عن الزهري غيره.","part":2,"page":381},{"id":1073,"text":"ويتورك المسبوق مع إمامه في موضع توركه؛ لأنه آخر صلاته، وإن لم يعتد به،كما يتورك المسبوق فيما يقضيه للتشهد الثاني، فلو أدرك ركعتين من رباعية، جلس مع الإمام متوركاً متابعة له للتشهد الأول، وجلس بعد قضاء الركعتين أيضاً متوركاً؛ لأنه يعقبه سلامه. ويندب أن يكرر التشهد الأول، حتى يسلم إمامه التسليمتين؛ لأنه تشهد واقع في وسط الصلاة، فلم تشرع فيه الزيادة على الأول.\rوإذا سلم المسبوق مع إمامه سهواً، وجب عليه أن يسجد للسهو في آخر صلاته. وكذا يسجد للسهو إن سها فيما يصليه مع الإمام، وفيما انفرد بقضائه، ولو شارك الإمام في سجوده لسهوه. وإذا لم يسجد الإمام لسهو، وجب على المسبوق سجود السهو بعد قضاء ما فاته.\rويعتبر المسبوق مدركاً للجماعة متى أدرك تكبيرة الإحرام قبل سلام إمامه التسليمة الأولى، ولا يكون مدركاً للركعة إلا إذا ركع مع الإمام قبل رفع رأسه من الركوع، غير شاكّ في إدراك الإمام راكعاً، ولو لم يدرك معه الطمأنينة إذا اطمأن هو، ثم لحق إمامه، لحديث أبي هريرة مرفوعاً: «إذا جئتم إلى الصلاة، ونحن سجود، فاسجدوا، ولا تعدوها شيئاً، ومن أدرك الركوع فقد أدرك الركعة» (1) .\rرابعاً: ما يفعله المقتدي بعد فراغ إمامه من واجب وغيره :\rذكر الحنفية (2) بعض الأحكام الفرعية المتعلقة بالمقتدي بعد فراغ إمامه وهي:\rأ ـ لو سلم الإمام قبل فراغ المقتدي من قراءة التشهد، فعليه أن يتمه، ثم يسلم.\rب ـ لو سلم الإمام قبل فراغ المقتدي من الصلوات الإبراهيمية أو الدعاء، يتركها، ويسلم مع الإمام.\rجـ ـ إذا قام الإمام قبل فراغ المقتدي من قراءة التشهد الأول،أتمه ثم تابع إمامه.\rد ـ إذا رفع الإمام رأسه من الركوع أو السجود قبل فراغ المقتدي من إتمام ثلاث تسبيحات، تابعه، وتركها.\rهـ ـ إذا زاد الإمام سجدة، أو قام بعد القعود الأخير ساهياً، لا يتبعه المقتدي ولو تابعه فسدت صلاته، بل ينتظره، ويسبح لتنبيه الإمام لخطئه، فإن عاد الإمام قبل تقييده الزائدة بسجدة، سجد الإمام للسهو، وسلم المقتدي معه، فإن أتى بسجدة بعد الزائد ، سلم المقتدي وحده، لخروج الإمام إلى غير صلاته.\rوإن سلم المقتدي قبل أن يقيد الإمام ما زاده بسجدة، فسد فرضه.\rو ـ يكره سلام المقتدي بعد تشهد الإمام قبل سلامه، لتركه المتابعة، وصحت صلاته، كما صحت صلاة الإمام على الصحيح.\rز ـ يكره تحريماً الخروج من مسجد بعد الأذان، حتى يصلي الشخص، إلا إذا كان إماماً أو مؤذناً لمسجد آخر، أو خرج بعد صلاته منفرداً.\rح ـ لو ظن الإمام السهو، فسجد له، فتابعه المقتدي، فبان أن لا سهو، فالأشبه الفساد لصلاة المقتدي، لاقتدائه في موضع الانفراد.\r-------------------------------\r(1) رواه أبو داود بإسناد حسن.\r(2) مراقي الفلاح: ص50، الدر المختار:560/1.","part":2,"page":382},{"id":1074,"text":"المطلب الرابع ـ الأمور المشتركة بين الإمام والمأموم :\rشروط الاقتداء بالإمام، موقف الإمام والمأموم، أمر الإمام بتسوية الصفوف، صلاة المنفرد عن الصف.\rأولاً ـ شروط الاقتداء بالإمام :\rعرفنا شروط كل من الإمام والمقتدي الخاصة بهما، ونبحث هنا شروط ارتباط المقتدي بالإمام أو شروط صحة الجماعة وهي ما يأتي (1) :\r1 - نية المؤتم الاقتداء باتفاق المذاهب :\rأي ينوي المأموم مع تكبيرة الإحرام الاقتداء أو الجماعة أو المأمومية، فلو ترك هذه النية أو مع الشك فيها، وتابعه في الأفعال، بطلت صلاة المقتدي، ولا يجب تعيين الإمام باسمه، فإن عينه وأخطأ بطلت صلاته عند الشافعية.\r-------------------------------\r(1) الدر المختار:513/1، 515،552، البدائع:138/1،146، الكتاب مع اللباب:84/1، الشرح الصغير:449/1،453، الشرح الكبير:337/1-341، القوانين الفقهية: ص68ومابعدها، مغني المحتاج:252/1-258، الحضرمية: ص68،71، المغني:213/2 ومابعدها،231-234، كشاف القناع:565/1،571،579 ومابعدها.","part":2,"page":383},{"id":1075,"text":"لكن لابد من تعيين إمام معين بصفة الإمامة، فلو نوى الائتمام بأحد رجلين يصليان، لا بعينه، لم يصح، حتى يعين الإمام بوصفه، لأن تعيينه شرط، ولا يجوز الائتمام بأكثر من واحد، فلو نوى الائتمام بإمامين لم يجز؛ لأنه لا يمكن اتباعهما معاً.\rوشرط النية: أن تكون مقارنة للتحريمة عند الشافعية، وأجاز الحنفية أن تكون متقدمة على التحريمة بشرط ألا يفصل بينها وبين التحريمة فاصل أجنبي (1) ، والأفضل عندهم وعند الحنابلة: أن تكون مقارنة خروجاً من الخلاف. واشترط المالكية المقارنة للتحريمة أو قبلها بزمن يسير، كما تقدم في بحث اشتراط النية في الصلاة.\rوبناء على هذا الشرط: لو شرع امرؤ في الصلاة منفرداً، لم يجز له الانتقال للجماعة إلا في حالة الاستخلاف، كما سيأتي، كما لا يجوز عكسه عند الحنفية والمالكية، وهو أن ينتقل للانفراد، بأن ينوي مفارقة الإمام، وأجاز الشافعية والحنابلة كما بينا نية مفارقة الإمام، وإتمام الصلاة منفرداً، لعذر عند الحنابلة، أو لغير عذر مع الكراهة عند الشافعية، كما بينا سابقاً.\r-------------------------------\r(1) قال الحنفية: من أراد الدخول في صلاة غيره، يحتاج إلى نيتين: نية نفس الصلاة، ونية المتابعة للإمام بأن ينوي فرض الوقت، والاقتداء بالإمام فيه.","part":2,"page":384},{"id":1076,"text":"أما نية الإمام الإمامة: فلا تشترط عند الجمهور غير الحنابلة، بل تستحب ليحوز فضيلة الجماعة، فإن لم ينو لم تحصل له، إذ ليس للمرء من عمله إلا ما نوى.\rواستثنى الشافعية والمالكية الصلاة التي تتوقف صحتها على الجماعة، كالجمعة، والمجموعة للمطر، والمعادة، وصلاة الخوف، فلا بد فيها من نية الإمام الإمامة.\rواستثنى الحنفية اقتداء النساء بالرجل، فإنه يشترط نية الرجل الإمامة لصحة اقتداء النساء به.\rوقال الحنابلة: تشترط أيضاً نية الإمامة، فينوي الإمام أنه إمام، والمأموم أنه مأموم، وإلا فسدت الصلاة. لكن لو أحرم الشخص منفرداً، ثم جاء آخر، فصلى معه، فنوى إمامته، صح في النفل، عملاً بحديث ابن عباس، وهو أنه قال: «بتُ عند خالتي ميمونة، فقام النبي صلّى الله عليه وسلم متطوعاً من الليل، فقام إلى القربة، فتوضأ، فقام، فصلى، فقمت لما رأيته صنع ذلك، فتوضأت من القربة، ثم قمت إلى شقه الأيسر، فأخذ بيدي من وراء ظهره يعدلني كذلك إلى الشق الأيمن» (1) .\rأما في الفريضة: فإن كان المصلي ينتظر أحداً، كإمام المسجد، فإنه يُحرم وحده، وينتظر من يأتي، فيصلي معه، فيجوز ذلك أيضاً عند الحنابلة؛ لأن النبيصلّى الله عليه وسلم أحرم وحده، ثم جاء جابر وجبارة، فأحرما معه، فصلى بهما، ولم ينكر فعلهما. والظاهر أنها كانت صلاة مفروضة؛ لأنهم كانوا مسافرين. أما في غير هذه الحالة، فلا يصح الاقتداء لمن لم ينو الإمامة.\r-------------------------------\r(1) متفق عليه.","part":2,"page":385},{"id":1077,"text":"2 ـ اتحاد صلاتي الإمام والمأموم :\rللفقهاء آراء في تحديد هذا الاتحاد، فقال الحنفية (1) : الاتحاد أن يمكنه (أي المقتدي) الدخول في صلاة بنية صلاة الإمام، فتكون صلاة الإمام متضمنة لصلاة المقتدي. فلا يصلي المفترض خلف المتنفل؛ لأن الاقتداء بناء، ووصف الفرضية معدوم في حق الإمام، فلا يتحقق البناء على المعدوم، ولا من يصلي فرضاً خلف من يصلي فرضاً آخر؛ لأن الاقتداء شركة وموافقة، فلا بد من الاتحاد سبباً وفعلاً ووصفاً. لأن الاقتداء بناء التحريمة على التحريمة، كما بينا أي أن الاتحاد في الفرضية ونوع الفريضة.\rويصلي المتنفل خلف المفترض؛ لأن فيه بناء الضعيف على القوي، وهو جائز، إلا التراويح في الصحيح؛ فلا يصح الاقتداء فيها بالمفترض لأنها سنة على هيئة مخصوصة، فيراعى وضعها الخاص للخروج عن العهدة أي التبعة أو المسؤولية.\rويصح اقتداء متنفل بمتنفل ومنه ناذر نفل بناذر آخر، ومن يرى الوتر واجباً (وهم الحنفية) بمن يراه سنة، ومن اقتدى في العصر، وهو مقيم، بعد الغروب، بمن أحرم قبله، لاتحاد صلاة الإمام مع صلاة المقتدي في الصور الثلاث.\rويصح اقتداء متوضئ بمتيمم، وغاسل بماسح على خف أو جبيرة، وقائم بقاعد يركع ويسجد، لا مومئ؛ فالمومئ يصلي خلف مثله، إلا أن يومئ المؤتم قاعداً، والإمام مضطجعاً؛ لأن القعود معتبر، فتثبت به القعدة، أما صلاة القائم بالقاعد فلأنه صلّى الله عليه وسلم صلى آخر صلاته قاعداً، والناس قيام (2) ، وأبو بكر يبلغهم تكبيره، كما يصح اقتداء قائم بأحدب الظهر، وإن بلغ حدبه الركوع على المعتمد، وكذا الاقتداء بأعرج. ويصح اقتداء مومئ بمثله إلا أن يومئ الإمام مضطجعاً، والمؤتم قاعداً أو قائماً فإنه لا يجوز، على المختار، لقوة حال المأموم.\r-------------------------------\r(1) الكتاب بشرح اللباب:84/1، الدر المختار ورد المحتار:514/1،550-552، فتح القدير:261/1-265.\r(2) أخرجه البخاري ومسلم عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعو د( نصب الراية:41/2).","part":2,"page":386},{"id":1078,"text":"وقال المالكية (1) : يشترط الاتحاد في ذات الصلاة، فلا يصح اقتداء بصلاة ظهر خلف عصر مثلاً، وفي صفة الصلاة أداء وقضاء، فلا يصح أداء خلف قضاء ولا عكسه، وفي زمن الصلاة، وإن اتفقا في القضاء، فلا يصح ظهر يوم السبت خلف ظهر يوم الأحد، ولا عكسه، ولا يصح اقتداء في صلاة صبح بعد طلوع شمس بمن أدرك ركعة قبل طلوع الشمس؛ لأنها للإمام أداء، وللمأموم قضاء.\rويصح اقتداء نفل خلف فرض كركعتي الضحى، خلف صبح بعد الشمس، وركعتي نفل خلف صلاة سفرية، أو أربع خلف صلاة حضرية.\rوقال الحنابلة (2) : الاتحاد في نوع الفرض وقتاً واسماً،فلا يصح ائتمام من يصلي الظهر بمن يصلي العصر،أو غيرهما كالعشاء، وعكسه، كما لا تصح صلاة مفترض خلف مفترض بفرض غيره وقتاً واسماً؛ لقوله صلّى الله عليه وسلم : «إنما جعل الإمام ليؤتم به، فلا تختلفوا عليه» ،ولا يصح اقتداء مفترض بمتنفل، لهذا الحديث، ولأن صلاة المأموم لا تؤدى بنية الإمام، فأشبه صلاة الجمعة خلف من يصلي الظهر. ولا يصح أن يؤم من عدم الماء والتراب، أو به قروح لا يستطيع معها مس البشرة بأحدهما بمن تطهر بأحدهما.\rولا يصح الاقتداء في صلاة تخالف الأخرى في الأفعال، كصلاة الكسوف أو الجمعة خلف من يصلي غيرهما، وصلاة غيرهما وراء من يصليهما؛ لأنه يفضي إلى مخالفة إمامه في الأفعال، وهو منهي عنه.\rويصح اقتداء متنفل بمفترض، بدليل قوله صلّى الله عليه وسلم في إعادة الصلاة جماعة: «من يتصدق على هذا؟ فقام رجل فصلى معه» ويصح ائتمام متوضئ بمتيمم؛ لأنه أتى بالطهارة على الوجه الذي يلزمه، والعكس أولى. ويصح ائتمام ما سح على حائل بغاسل، لأن الغسل رافع للحدث.\r-------------------------------\r(1) الشرح الصغير:451/1.\r(2) كشاف القناع:561/1 ومابعدها،570 ومابعدها، المغني:220/2-227.","part":2,"page":387},{"id":1079,"text":"ويصح ائتمام من يؤدي الصلاة بمن يقضيها، وعكسه؛ لأن الصلاة واحدة، وإنما اختلف الوقت.\rويصح ائتمام قاضي ظهر يوم، بقاضي ظهر يوم آخر، لأن الصلاة واحدة، وإنما اختلف الوقت. ويلاحظ أن هاتين الحالتين خلاف مذهب المالكية.\rويجوز للعاجز عن القيام أن يؤم مثله.\rولا يؤم القاعد من يقدر على القيام إلا بشرطين:\rأحدهما: أن يكون إمام الحي؛ لأنه لا حاجة بالناس إلى تقديم عاجز عن القيام إذا لم يكن الإمام الراتب، فلا يتحمل إسقاط ركن في الصلاة لغير حاجة، والنبي صلّى الله عليه وسلم حيث فعل ذلك، كان هو الإمام الراتب.\rالثاني: أن يكون مرضه يرجى زواله، لأن النبي صلّى الله عليه وسلم كان يرجى برؤه، ولأن اتخاذ الزَّمِن ومن لا يرجى قدرته على القيام إماماً راتباً، يفضي إلى تركهم القيام، ولا حاجة إليه.\rوعليه لا تصح الصلاة خلف عاجز عن القيام؛ لأنه عجز عن ركن من أركان الصلاة، فلم يصح الاقتداء به، كالعاجز عن القراءة إلا بمثله، إلا إمام الحي، المرجو زوال علته: وهو كل إمام مسجد راتب.\rوإذا صلى إمام الحي جالساً، صلى من وراءه جلوساً، لحديث أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم : «إنما جعل الإمام ليؤتم به، فلا تختلفوا عليه، وإذا صلى جالساً فصلوا جلوساً أجمعون» (1) ، وعن عائشة رضي الله عنها قالت: «صلى بنا رسول الله صلّى الله عليه وسلم في بيته، وهو شاكٍ، فصلى جالساً، وصلى وراءه قوم قياماً، فأشار إليهم: أن اجلسوا، فلما انصرف قال: إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا ركع فاركعوا، وإذا رفع فارفعوا، وإذا قال: سمع الله لمن حمده، فقولوا: ربنا ولك الحمد، وإذا صلى جالساً، فصلوا جلوساً أجمعون» (2) ، ولأنها حالة قعود الإمام، فكان على المأمومين متابعته كحال التشهد.\rفإن صلوا قياماً خلف إمام الحي المرجو زوال علته، صحت صلاتهم؛ لأنه صلّى الله عليه وسلم لم يأمر من صلى خلفه قائماً بالإعادة، ولأن القيام هو الأصل.\rوالأفضل لهذا الإمام إذا مرض أن يستخلف؛ لأن الناس اختلفوا في صحة إمامته، فيخرج من الخلاف، ولأن صلاة القائم أكمل، فيستحب أن يكون الإمام كامل الصلاة.\r-------------------------------\r(1) متفق عليه قال ابن عبد البر: روي هذا مرفوعاً من طرق متواترة.\r(2) وروى أنس ونحوه، أخرجهما البخاري ومسلم، وروى جابر عن النبي ص مثله، أخرجه مسلم، ورواه أسيد بن حضير، وعمل به. قال ابن عبد البر: روي هذا الحديث عن النبي ص من طرق متواترة، من حديث أنس، وجابر، وأبي هريرة، وابن عمر، وعائشة، كلها بأسانيد صحاح.","part":2,"page":388},{"id":1080,"text":"واكتفى الشافعية (1) باشتراط توافق نظم صلاتي الإمام والمقتدي، فإن اختلف نظم صلاتيهما كصلاة مكتوبة وصلاة كسوف، أو مكتوبة وصلاة جنازة، لم تصح القدوة فيها على الصحيح؛ لتعذر المتابعة باختلاف فعلهما.\rوتصح قدوة المؤدي بالقاضي (الأداء خلف القضاء) وعكسه، والمفترض بالمتنفل، وعكسه، والظهر خلف العصر وعكسه، وكذا الظهر بالصبح والمغرب، ويكون المقتدي حينئذ كالمسبوق، يتم صلاته بعد سلام إمامه، ولا تضر في هذه الحالة متابعة الإمام في القنوت والجلوس الأخير في المغرب، وللمقتدي فراق الإمام إذا اشتغل بالقنوت والجلوس، مراعاة لنظم صلاته.\rوتجوز صلاة الصبح خلف الظهر في الأظهر، فإذا قام الإمام للركعة الثالثة، فإن شاء فارقه وسلم، وإن شاء انتظره ليسلِّم معه، وانتظاره أفضل. وإن أمكنه أي المقتدي القنوت في الركعة الثانية قنت وإلا تركه، وله فراق الإمام ليقنت.\rوالخلاصة : إن أشد المذاهب في شرط اتحاد صلاتي الإمام والمؤتم هو المالكي، ثم الحنفي، ثم الحنبلي، ثم الشافعي، ولايجيز المالكية خلافاً للجمهور صلاة القائم خلف القاعد، ويصلي المأموم قاعداً عند الحنابلة خلف الجالس.\r3 - ألا يتقدم المأموم على إمامه بعقبه (مؤخر قدمه)، أو بأليته (عجزه) إن صلى قاعداً أو بجنبه إن صلى مضطجعاً. فإن ساواه جاز وكره، ويندب تخلفه عنه قليلاً، وإن تقدم عليه لم تصح صلاته، وهذا شرط عند الجمهور (الحنفية والشافعية والحنابلة) (2) ، لقوله عليه الصلاة والسلام: «إنما جعل الإمام ليؤتم به» ولأنه يحتاج في الاقتداء إلى الالتفات إلى ورائه، ولأن ذلك لم ينقل عن النبي صلّى الله عليه وسلم ولا هو في معنى المنقول.\r-------------------------------\r(1) مغني المحتاج:253/1 ومابعدها، الحضرمية: ص70.\r(2) المجموع:194/1.","part":2,"page":389},{"id":1081,"text":"والعبرة في ذلك التقدم بالعقب، فإن تقدمت أصابع المقتدي لكبر قدمه على قدم الإمام، ما لم يتقدم أكثر القدم، صحت صلاته.\rوأجاز الحنفية والحنابلة التقدم على الإمام في الصلاة حول الكعبة. وكذلك أجاز الشافعية التقدم على الإمام إذا كان المأموم في غير جهة إمامه، فإن كان المأموم والإمام في جهة واحدة، لم يصح تقدمه عليه، ويكره التقدم لغير ضرورة كضيق المسجد، وإلا فلا كراهة. وتبطل الصلاة في الجديد إن تقدم المأموم على إمامه؛ لأنه وقف في موضع ليس بموقف مؤتم بحال، فأشبه إذا وقف في موضع نجس.\rوقال المالكية: لا يشترط هذا الشرط، فلو تقدم المأموم على إمامه ولو كان المتقدم جميع المأمومين، صحت الصلاة على المعتمد، لكن يكره التقدم لغير ضرورة، لأن ذلك لايمنع الاقتداء به، فأشبه من خلفه.\r4 ـ اتحاد مكان صلاة الإمام والمقتدي برؤية أو سماع ولو بمبلِّغ، فلو اختلف مكانهما لم يصح الاقتداء، على تفصيل بين المذاهب. وهذا شرط عند الجمهور غير المالكية؛ لأن الاقتداء يقتضي التبعية في الصلاة، والمكان من لوازم الصلاة، فيقتضي التبعية في المكان ضرورة، وعند اختلاف المكان تنعدم التبعية في المكان، فتنعدم التبعية في الصلاة، لانعدام لازمها.","part":2,"page":390},{"id":1082,"text":"أما المالكية فقالوا: لا يشترط هذا الشرط، فاختلاف مكان الإمام والمأموم لا يمنع صحة الاقتداء، ووجود حائل من نهر أو طريق أو جدار لا يمنع الاقتداء، متى أمكن ضبط أفعال الإمام برؤية أو سماع، ولا يشترط إمكان التوصل إليه، إلا الجمعة، فلو صلى المأموم في بيت مجاور للمسجد مقتدياً بإمامه، فصلاته باطلة؛ لأن الجامع شرط في صحة الجمعة.\rوأما تفصيل رأي الحنفية (1) : فهو أن اختلاف المكان بين الإمام والمأموم مفسد للاقتداء، سواء اشتبه على المأموم حال إمامه أو لم يشتبه على الصحيح. فلو اقتدى راجل براكب، أو بالعكس، أو راكب براكب دابة أخرى، لم يصح الاقتداء لاختلاف المكان، فلو كانا على دابة واحدة صح الاقتداء لاتحاد المكان.\rومن كان بينه وبين الإمام طريق عام يمر فيه الناس، أو نهر عظيم، أو خلاء (أي فضاء) في الصحراء، أو في مسجد كبير جداً كمسجد القدس يسع صفين فأكثر، أوصف من النساء بلا حائل قدر ذراع أو بغير ارتفاعهن قدر قامة الرجل، لا يصح الاقتداء؛ لأن ذلك يوجب اختلاف المكانين عرفاً، مع اختلافهما حقيقة، فيمنع صحة الاقتداء، لقول عمر رضي الله عنه: «من كان بينه وبين الإمام نهر أو طريق أو صف من النساء، فلا صلاة له» .\rومقدار الطريق العام الذي يمنع صحة الاقتداء: هو مقدار ما تمر فيه العجلة (العربة) أو تمر فيه الأحمال على الدواب. والمراد بالنهر: ما يسع زورقاً يمر فيه.\rفإن كانت الصفوف متصلة على الطريق، كما يحصل في الحرمين أو في المساجد المزدحمة بالمصلين، جاز الاقتداء؛ لأن اتصال الصفوف أخرجه من أن يكون ممر الناس، فلم يبق طريقاً، بل صار مصلى في حق هذه الصلاة. وكذلك إن كان على النهر جسر وعليه صف متصل.\rوالحائل كجدار كبير لا يمنع الاقتداء إن لم يشتبه حال إمامه بسماع من الإمام أو مبلِّغ عنه أو رؤية ولو لأحد المقتدين ولو من باب مشبك يمنع الوصول، ولم يختلف المكان حقيقة كمسجد، وبيت، فإن المسجد مكان واحد، إلا إذا كان المسجد كبيراً جداً، وكذا البيت حكمه حكم المسجد في ذلك لاحكم الصحراء.\r-------------------------------\r(1) البدائع:145/1 ومابعدها، الدر المختار ورد المحتار:514/1،547-549.","part":2,"page":391},{"id":1083,"text":"وبه تبين أن الحائل لا يمنع الاقتداء بشرط عدم الاشتباه وعدم اختلاف المكان، ولا يشترط إمكان الوصول إلى الإمام وعدمه.\rفالاقتداء بالإمام في أقصى المسجد، والإمام في المحراب، يجوز؛ لأن المسجد على تباعد أطرافه، جعل في الحكم كمكان واحد. ولو قصد المبلِّغ بتكبيرة الإحرام مجرد التبليغ، فتبطل صلاة من يقتدي بتبليغه.\rولو وقف المقتدي على سطح المسجد أو على سطح بناء بجنب المسجد متصل به ليس بينهما طريق، واقتدى بالإمام: فإن كان وقوفه خلف الإمام أو بحذائه، أجزأه؛ لأن أبا هريرة رضي الله عنه وقف على سطح، واقتدى بالإمام، وهو في جوفه، ولأن سطح المسجد تبع للمسجد، وحكم التبع حكم الأصل، فكأنه في جوف المسجد. وهذا إذا كان لا يشتبه عليه حال إمامه، فإن كان يشتبه لا يجوز.\rوإن كان وقوفه متقدماً على الإمام لا يجزئه، لانعدام معنى التبعية.\rأما لو اقتدى رجل في داره بإمام المسجد، وكانت داره منفصلة عن المسجد بطريق ونحوه، فلا يصح الاقتداء لاختلاف المكان.\rوالخلاصة: إن اختلاف المكان يمنع صحة الاقتداء، سواء اشتبه على المأموم حال إمامه أو لم يشتبه، واتحاد المكان في المسجد أو البيت مع وجود حائل فاصل يمنع الاقتداء إن اشتبه حال الإمام. أما وجود فاصل يسع صفين أو أكثر في الصحراء أو في المسجد الكبير جداً، فيمنع الاقتداء.","part":2,"page":392},{"id":1084,"text":"وأما الشافعية (1) فقالوا: يشترط لصحة القدوة أن يعلم المتقدي بانتقالات إمامه، بأن يراه أو يرى بعض صف، أو يسمعه، ولو من مبلِّغ، وإن لم يكن مصلياً.\rأ ـ فإن كان الإمام والمأموم مجتمعين في مسجد، صح الاقتداء، وإن بعدت المسافة بينهما فيه أكثر من ثلاث مئة ذراع، أو حالت بينهما أبنية كبئر وسطح ومنارة، أو أغلق الباب أثناء الصلاة، فلو صلى شخص في آخر المسجد والإمام في أوله، صح الاقتداء بشرط إمكان المرور بأن لا يوجد بينهما حائل يمنع وصول المأموم إلى الإمام كباب مسمَّر قبل الدخول في الصلاة. ولا فرق في إمكان الوصول إلى الإمام بين أن يكون الشخص مستقبلاً القبلة أو مستدبراً لها.\rويعد سطح المسجد ورحبته ونحوهما في حكم المسجد.\rب ـ أما إن كان الإمام والمأموم في غير مسجد، كصحراء: فتصح الصلاة بشرط ألا يكون بينهما، وبين كل صفين، أكثر من ثلاث مئة ذراع تقريباً (2) ، فلا يضر زيادة ثلاثة أذرع مثلاً، وألا يكون بينهما جدار أو باب مغلق أو مردود أو شباك. ولو كان الإمام في المسجد والمأموم خارجه، فالثلاث مئة ذراع محسوبة من آخر المسجد. ولا يضر على الصحيح وجود فاصل أو تخلل الشارع، أو النهر الكبير الذي تجري فيه السفن ويسبح فيه السباحون، ولا تخلل البحر بين سفينتين.\rوإن كان الإمام والمأموم في بناءين كغرف المدارس، أو العمارتين، صح الاقتداء في أصح الطريقين على النحو التالي: فإن كان بناء المأموم يميناً أو شمالاً، وجب اتصال صف من أحد البناءين بالآخر، ولا تضر في الأصح فُرجة لا تسع واقفاً. وإن كان بناء المأموم خلف بناء الإمام، فالصحيح صحة القدوة بشرط ألا يكون بين الصفين أكثر من ثلاث مئة ذراع.\rوإن صح اقتداء الشخص في بناء آخر، صح اقتداء من خلفه أو بجنبه، وإن حال بينه وبين الإمام جدار.\r-------------------------------\r(1) مغني المحتاج:248/1-251، الحضرمية: ص69ومابعدها.\r(2) بذراع الآدمي المعتدل وهو شبران.","part":2,"page":393},{"id":1085,"text":"ولو وقف المقتدي في علو في غير المسجد، كالشرفة في وسط دار مثلاً، وإمامه في سفل، كصحن تلك الدار، أو عكسه أي كان الوقوف عكس الوقوف المذكور، يشترط بالإضافة لشرط اتصال صف من أحدهما بالآخر، محاذاة (موازاة) بعض بدن المأموم بعض بدن الإمام، بأن يحاذي رأس الأسفل قدم الأعلى، مع اعتدال قامة الأسفل.\rوأما الحنابلة (1) فلهم تفصيل آخر مستقل قالوا فيه: اختلاف مكان الإمام والمأموم يمنع صحة الاقتداء على النحو التالي:\rأ ـ إن كان الإمام والمأموم في المسجد، صح الاقتداء، ولو كان بينهما حائل أو لم ير الإمام، متى سمع تكبيرة الإحرام، ولو لم تتصل الصفوف عرفاً؛ لأن المسجد بني للجماعة، فكل من حصل فيه حصل في محل الجماعة، بخلاف خارج المسجد، فإنه ليس معداً للاجتماع فيه، فلذلك اشترط الاتصال فيه.\rب ـ وإن كانا خارج المسجد، فيصح الاقتداء بشرط رؤية الإمام أو مشاهدة من وراء الإمام، ولو في بعض أحوال الصلاة كحال القيام أو الركوع، ولو كان بينهما أكثر من ثلاث مئة ذراع، ولو كانت الرؤية مما لا يمكن النفاذ منه كشباك ونحوه، فإن لم ير المأموم الإمام أو بعض من وراءه، لم يصح اقتداؤه به، ولو سمع التكبير، لقول عائشة لنساء كن يصلين في حجرتها: «لا تصلين بصلاة الإمام، فإنكن دونه في حجاب» ، ولأنه لا يمكن الاقتداء به في الغالب. ودليل اشتراط الرؤية حديث عائشة قالت: «كان رسول الله صلّى الله عليه وسلم يصلي من الليل ، وجدار الحجرة قصير، فرأى الناس شخص رسول الله صلّى الله عليه وسلم ، فقام أناس يصلون بصلاته، وأصبحوا يتحدثون بذلك، فقام الليلة الثانية، فقام معه أناس يصلون بصلاته» (2) والظاهر أنهم كانوا يرونه في حال قيامه.\r-------------------------------\r(1) كشاف القناع:579/1-580، المغني:206/2-209.\r(2) رواه البخاري.","part":2,"page":394},{"id":1086,"text":"ولا يشترط اتصال الصفوف خارج المسجد، لعدم الفارق بين المسجد وخارجه، إذا حصلت الرؤية المعتبرة وأمكن الاقتداء أي المتابعة.\rجـ ـ إن كان بينهما نهر تجري فيه السفن، لم تصح القدوة، كما لا تصح إن كان بينهما طريق، ولم تتصل فيه الصفوف عرفاً، وكان الصلاة مما لا تصح في الطريق كصلاة الجمعة والعيد والاستسقاء والكسوف والجنازة.\rفإن اتصلت الصفوف في الطريق، صحت القدوة وصلاة المأموم. أما إن انقطعت الصفوف في الطريق مطلقاً، سواء أكانت تلك الصلاة مما تصح في الطريق أم لا، لم تصح صلاة المأموم؛ لأن الطريق ليست محلاً للصلاة، فصار ذلك كوجود النهر.\rولا تصح أيضاً صلاة من بسفينة وإمامه في أخرى غير مقرونة بها؛ لأن الماء طريق، وليست الصفوف متصلة، إلا في شدة الخوف، فلا يمنع ذلك الاقتداء للحاجة.\rويأتم بالإمام من في أعلى المسجد وغير المسجد إذا اتصلت الصفوف، فالعلو لا يمنع الاقتداء بالإمام.\r5 - متابعة المأموم إمامه :\rهذا شرط لصحة القدوة؛ لأن الاقتداء يقتضي التبعية في أفعال الصلاة، وتتحقق التبعية بأن يصير المقتدي مصلِّياً ما صلاَّه الإمام. لخبر الصحيحين: «إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا كبر فكبروا، وإذا ركع فاركعوا» .\rوللمذاهب آراء في تحقيق معنى هذا الشرط، الذي لولاه لفسدت صلاة المقتدي، ويتصور تنفيذ المتابعة بإحدى صور ثلاث: المقارنة، بأن يقارن فعل المأموم فعل إمامه، كأن يقارنه في التحريمة أو الركوع ونحوه، والتعقيب: بأن يكون فعل المأموم الفعل عقب فعل إمامه مباشرة، والتراخي في الفعل: بأن يأتي به بعد إتيان الإمام بفعله متراخياً عنه، ويدركه قبل الدخول في ركن آخر بعده.","part":2,"page":395},{"id":1087,"text":"قال الحنفية :\rالمتابعة بإحدى صورها الثلاث المذكورة تكون فرضاً في فروض الصلاة، وواجبة في الواجب، وسنة في السنة. فلو ترك الركوع مع الإمام بأن ركع قبله أو بعده، ولم يشاركه فيه، أو سجد قبل الإمام أو بعده ولم يشاركه في السجود، تلغى الركعة التي لم تتحقق فيها المتابعة، ويجب عليه قضاؤها بعد سلام الإمام وإلا بطلت صلاته. ولو ترك المتابعة في القنوت أثم؛ لأنه ترك واجباً، ولو ترك المتابعة في تسبيح الركوع مثلاً فقد ترك السنة.\rولا تلزم المتابعة في أمور أربعة:\rالأول : إذا زاد الإمام عمداً في صلاته سجدة.\rالثاني: إذا زاد في تكبيرات العيد.\rالثالث: إذا زاد في تكبيرات الجنازة، كأن كبر خمساً.\rالرابع: أن يقوم الإمام سهواً إلى ركعة زائدة عن الفرض بعد القعود الأخير، فإن عاد بعد تنبيه المقتدي له، صحت الصلاة، ووجب سجود السهو، وإن قيّد ركعته الزائدة بسجدة، سلم المقتدي وحده. وإن قام الإمام قبل القعود الأخير وقيد ركعته الزائدة بسجدة، بطلت صلاتهم جميعاً.\rوللمقتدي أن يأتي بأمور تسعة ولا يتابع في تركها وهي: رفع اليدين في التحريمة، وقراءة الثناء، وتكبيرات الركوع، وتكبيرات السجود، والتسبيح فيهما، والتسميع، وقراءة التشهد، والسلام، وتكبير التشريق.\rويتابع المقتدي الإمام في ترك أمور خمسة وهي:\rتكبيرات العيد، والقعدة الأولى، وسجدة التلاوة، وسجود السهو، والقنوت إذا خاف فوت الركوع، فإن لم يخف ذلك فعليه القنوت.\rوالمتابعة في تكبيرة الإحرام أفضل، فإن كبر قبل الإمام فلا تصح صلاته، وإن تراخى في التكبير، فقد فاته إدراك وقت فضيلة التحريمة، وإن كبر مع تكبيرة الإمام جاز، فإن فرغ قبله لم يجزه.\rوكذلك المتابعة في السلام أفضل: بأن يسلم المأموم مع إمامه، إن أتم تشهده، لا قبله، ولا بعده، فإن سلم قبله بعد أن أتم تشهده صحت صلاته مع الكراهة إن كان بغير عذر، وإن سلم بعده فقد ترك الأفضل.\rوإن لم يتم المقتدي تشهده، أتمه، ثم سلم.","part":2,"page":396},{"id":1088,"text":"وقال المالكية (1) :\rالمتابعة: أن يكون فعل المأموم عقب فعل الإمام، فلا يسبقه ولا يساويه ولا يتأخر عنه. والمتابعة للإمام بهذا المعنى شرط في الإحرام والسلام فقط، بأن يكبر للإحرام بعده، ويسلم بعده. فلو ساواه بطلت صلاته، ويصح أن يبتدئ بعد الإمام ويختم بعده قطعاً أو معه على الصحيح، ولا يصح أن يختم قبله.\rوأما المتابعة في غير الإحرام والسلام، فليست بشرط، فلو ساوى المأموم إمامه في الركوع أو السجود مثلاً، صحت صلاته مع الكراهة، وحرم عليه أن يسبق الإمام في غير الإحرام والسلام من سائر الأركان، لكن إن سبقه لا تبطل به الصلاة إن اشترك مع الإمام.\rفإن سبقه في الركوع أو السجود وانتظر الإمام فيه حتى ركع أو سجد صحت صلاته، وأثم إن كان متعمداً لهذا السبق.\rوإن لم ينتظره، بل رفع قبله، بطلت صلاته. وإن رفع ساهياً، عاد إليه وصحت صلاته.\rوإذا تأخر عن إمامه، كأن ركع بعد أن رفع الإمام من الركوع، فإن حصل ذلك في الركعة الأولى عمداً، بطلت صلاته، لإعراضه عن المأمومية. وإن حصل ذلك سهواً، ألغى هذه الركعة، وقضاها بعد سلام إمامه.\rأما إن رفع قبل إمامه في غير الركعة الأولى، فلا تبطل الصلاة، وأثم إن كان عامداً.\rوإن ترك المأموم القنوت في الصبح، مع إتيان الإمام به، فلا إثم عليه، لأن القنوت مندوب.\rولا يتابع المأموم الإمام في أمور هي:\rأن يزيد الإمام في تكبيرات العيد، ولو كانت الزيادة بحسب مذهب الإمام.\rوأن يزيد في تكبير الجنازة عن أربع.\rوأن يقوم الإمام لركعة زائدة سهواً، فعلى المأموم أن يجلس، وإن تابعه فيها عمداً بطلت صلاته. وللمقتدي أن يفعل أموراً ولو تركها الإمام وهي:\r-------------------------------\r(1) الشرح الصغير:452/1-454، الشرح الكبير:340/1ومابعدها، بداية المجتهد:148/1","part":2,"page":397},{"id":1089,"text":"رفع اليدين في تكبيرة الإحرام لأنه مندوب، وتكبيرات الصلاة، لأنها سنة، وتكبيرات التشريق عقب الصلاة، لأنها مندوبة، وسجود السهو عن إمامه بشرط أن يدرك معه ركعة وإلا بطلت صلاته، لأنه سنة، وتكبيرات العيد؛ لأنها سنة.\rويتابع المقتدي إمامه في ترك الجلوس الأول، والعودة له قبل أن يفارق الأرض بيديه وركبتيه، كما يتابعه في ترك سجود التلاوة إن تركه.\rوتبطل الصلاة إن ترك الإمام السلام، ولو أتى به المأموم لأنه ركن لا بد منه لكل مصلٍ.\rوقال الشافعية (1) :\rتجب المتابعة في أفعال الصلاة لا في أقوالها، بأن يتأخر ابتداء فعل المأموم عن ابتداء فعل الإمام، ويتقدم ابتداء فعل المأموم على فراغ الإمام من الفعل، وتندب المتابعة في الأقوال، لما في الصحيحين: «إنما جعل الإمام ليؤتم به» ، فإن قارنه في فعل أو قول، لم يضر أي لم يأثم؛ لأن القدوة منتظمة لا مخالفة فيها، بل هي مكروهة ومفوِّتة لفضيلة الجماعة، لا رتكابه المكروه.\rإلا تكبيرة الإحرام، فإن قارن المأموم الإمام فيها، بطلت.\rوكذا تبطل الصلاة إن تقدم المأموم على إمامه أو تأخر بركنين فعليين بلا عذر أي أنه يشترط تيقن تأخر جميع تكبيرته للإحرام عن جميع تكبيرة إمامه، وألا يتقدم أو يتأخر عن إمامه بركنين فعليين لغير عذر وألا يتقدم سلامه عن سلام الإمام.\rوعلى هذا لا تبطل الصلاة إن قارنه في غير التحرم، أو تقدم عليه بركن فعلي، أو تأخر عنه به، في الأصح، لكن المقارنة في السلام مكروهة فقط، والسلام قبل الإمام مبطل للصلاة، وإن سبق الإمام بركنين فعليين بلا عذر كأن سجد والإمام في القراءة، بطلت الصلاة. ولا يضر السبق بركنين غير فعليين كتشهد وصلاة على النبي صلّى الله عليه وسلم ، ولكن يكره بلا عذر، ولا يضر السبق بركنين أحدهما قولي والآخر فعلي كقراءة الفاتحة والركوع ولكن يحرم الركن الفعلي.\r-------------------------------\r(1) مغني المحتاج:255/1 ومابعدها، الحضرمية: ص71، المهذب:96/1.","part":2,"page":398},{"id":1090,"text":"فيحرم على المقتدي تقدمه على الإمام بركن فعلي تام، كأن ركع أو رفع والإمام قائم، لخبر الصحيح: «أما يخشى الذي يرفع رأسه قبل الإمام أن يحول الله رأسه رأس حمار، أو يجعل صورته صورة حمار» (1) .\rوإن تخلف المقتدي عن الإمام بعذر كبطء قراءة بلا وسوسة، واشتغال الموافق بدعاء الافتتاح أو ركع إمامه، فشك في الفاتحة، أو تذكر تركها، أو أسرع الإمام قراءته، عذر إلى ثلاثة أركان طويلة، كما بينا في بحث الموافق، فإن زاد، فالأصح يتبعه فيما هو فيه، ثم يتدارك بعد سلام الإمام.\rوقال الحنابلة (2) :\rالمتابعة: ألا يسبق المأموم إمامه بفعل من أفعال الصلاة، أو بتكبيرة الإحرام أو بالسلام، وألا يتخلف عنه بفعل من الأفعال. ويستحب أن يشرع المأموم في أفعال الصلاة بعد فراغ الإمام مما كان فيه، للحديث السابق: «إنما جعل الإمام ليؤتم به..» .\rفإن سبقه بالركوع عمداً بأن ركع ورفع قبل ركوع الإمام، بطلت صلاته.\rوإن سبقه بركن غير الركوع كالهوي للسجود، أو القيام للركعة التالية، لم تبطل صلاته، ولكن يجب عليه الرجوع ليأتي بما فعله بعد إمامه. أما إن فعل شيئاً من ذلك سهواً أو جهلاً، فصلاته صحيحة، لكن يجب عليه إعادة ما فعله بعد إمامه.\rويحرم سبق الإمام عمداً بشيء من أفعال الصلاة، للحديثين السابقين: «إنما جعل الإمام..» «أما يخشى أحدكم إذا رفع رأسه..» ولا يكره للمأموم سبق الإمام ولا موافقته بغير الإحرام والسلام، كالقراءة والتسبيح والتشهد.\rوإن سبقه بركنين عمداً بطلت صلاته، وإن سبقه سهواً لم تبطل لكنه يعيد ما أتى به، فإن لم يعده، ألغيت الركعة.\rومقارنة المقتدي لإمامه في أفعال الصلاة مكروهة كالشافعية.\rوإن سبقه أو ساواه في تكبيرة الإحرام، بطلت صلاته، عمداً أو سهواً.\rوإن سبقه في السلام عمداً بطلت صلاته، وإن كان سهواً، أتى به بعد سلام إمامه، وإلا بطلت صلاته.\r-------------------------------\r(1) متفق عليه.\r(2) كشاف القناع:546/1-549.","part":2,"page":399},{"id":1091,"text":"ولو تأخر المقتدي عن إمامه بركن عمداً: فإن كان الركن ركوعاً، بطلت صلاته، وإن كان غير الركوع أو كان التأخر سهواً أو جهلاً، وجب عليه الإتيان به، ما لم يخف فوات الركعة التالية، فإن خاف ذلك، تابع الإمام، ولغت الركعة، وعليه الإتيان بها بعد سلام إمامه.\rولو كان التأخر عن الإمام بركنين عمداً، بطلت صلاته، وإن كان سهواً وجب عليه الإتيان بهما إذا لم يخف فوات الركعة التالية، وإلا ألغيت الركعة، وأتى بها بعد سلام الإمام.\rوإن تخلف المأموم عن إمامه بركن بلا عذر فهو كتفصيل حكم السبق به، وإن تخلف عنه بعذر من نوم أو غفلة ونحوهما، فعله ولحق بإمامه وجوباً، وإن لم يأت به، لم تصح الركعة، ويأتي بها بعد سلام الإمام.\rولو سبق الإمام المأموم بالقراءة، وركع الإمام، تبعه المأموم وقطع القراءة، لأنها في حقه مستحبة، والمتابعة واجبة، ولا تعارض بين واجب ومستحب. أما التشهد: فإن سبق به الإمام، أتمه المأموم، ثم سلم، لعموم الأوامر بالتشهد.\rوالخلاصة: إن المقارنة مع تكبيرة الإمام جائزة عند الحنفية والحنابلة، مبطلة للصلاة عند المالكية والشافعية، كما أن السبق بها مبطل اتفاقاً، أما من رفع رأسه قبل الإمام، فقد أساء عند الجمهور (منهم أئمة المذاهب) ولكن صلاته جائزة، وأنه يجب عليه أن يرجع، فيتبع الإمام.\r6 - اشترط الشافعية أيضاً: الموافقة للإمام في سنة تفحش المخالفة بها، فلو ترك الإمام سجدة التلاوة، وسجدها المأموم، أو عكسه، أو ترك الإمام التشهد الأول، وأتى به المأموم، بطلت صلاته إن علم وتعمد.\rوإن تشهد الإمام، وقام المأموم عمداً، لم تبطل صلاته؛ لأنه انتقل إلى فرض آخر، وهو القيام، لكن يندب له العود، خروجاً من خلاف من أوجبه.\rفالموافقة في سنة تنحصر في ثلاث سنن: سجدة التلاوة في صبح يوم الجمعة، وسجود السهو، والتشهد الأول. أما القنوت، فلا يجب على المقتدي متابعة إمامه فيه، فعلاً ولا تركاً.","part":2,"page":400},{"id":1092,"text":"واشترط الشافعية أيضاً: أن يكون الإمام في صلاة لا تجب إعادتها، فلا يصح الاقتداء بفاقد الطهورين؛ لأن صلاته تجب إعادتها.\r7 - اشترط الحنفية أيضاً عدم محاذاة المرأة ولو كانت محرماً في الصف، وإلا بطلت صلاة ثلاثة: المحاذي يميناً وشمالاً ومن خلفها بالشروط الستة الآتية (1) عملاً بما وردت به النصوص:\rالأول ـ أن تكون المرأة المحاذية مشتهاة، بأن كانت بنت سبع سنين وهي ضخمة تصلح للجماع، أو ثمان أو تسع فأكثر، ولا تفسد بالمجنونة لعدم جواز صلاتها.\rالثاني ـ أن تكون الصلاة مطلقة أي كاملة الأركان، وهي التي لها ركوع وسجود، وإن كانا يصليان إيماء، أو لم تتحد صلاتهما كصلاة ظهر بمصلي عصر على الصحيح. وخرج بالمطلقة صلاة الجنازة، فلا تبطل بالمحاذاة للمرأة.\rالثالث ـ أن تكون الصلاة مشتركة بينهما تحريمة وأداء: ومعنى المشتركة تحريمة: أن يكونا بانيين تحريمتهما على تحريمة الإمام. ومعنى المشتركة أداء: أن يكون لهما إمام فيما يؤديانه تحقيقاً أو تقديراً (2) ، وذلك يشمل المدرك: الذي أدرك أول الصلاة مع الإمام وأدرك جميع الصلاة كاملة مع الإمام، واللاحق: وهو الذي أدرك أول الصلاة، وفاته من آخرها شيء بسبب النوم أو الحدث.\rأما المسبوق فلا تفسد صلاته فيما يقضيه أو يتمه مما فاته من صلاته.\rوأما المحاذاة في الصلاة بدون اشتراك فمكروه.\rالرابع ـ ألا يكون بينهما حائل: بمقدار ذراع في غلظ إصبع على الأقل، أو فرجة تسع رجلاً.\rالخامس ـ أن تكون المحاذاة في ركن كامل، فلو تحرمت في صف، وركعت في آخر، وسجدت في ثالث، فسدت صلاة من عن يمينها ويسارها وخلفها من كل صلاة.\r-------------------------------\r(1) تبيين الحقائق: 137/1 ومابعدها، فتح القدير:257/1 ومابعدها، الدر المختار ورد المحتار:514، و535-537.\r(2) الأداء تحقيقاً أي حال المحاذاة، وتقديراً: أي فيما يتمه اللاحق، فكأنه خلف الإمام تقديراً.","part":2,"page":401},{"id":1093,"text":"السادس ـ أن تتحد الجهة: فإن اختلفت كالصلاة في جوف الكعبة، وصلاة التحري في الليلة المظلمة، فلا تبطل.\rوجامع هذه الشروط: أن يقال: محاذاة مشتهاة، منوية الإمامة، في ركن، صلاة مطلقة، مشتركة تحريمة وأداء، مع اتحاد مكان وجهة، دون حائل ولا فرجة.\rوالمرأة الواحدة: تفسد صلاة ثلاثة: واحد عن يمينها، وآخر عن شمالها، وآخر خلفها إلى آخر الصفوف، ليس غير، لأن من فسدت صلاته يصير حائلاً بينها وبين الذي يليه.\rوالمرأتان تفسدان صلاة أربعة: وهم اثنان خلفهما إلى آخر الصفوف، واثنان عن يمين وشمال. والثلاث في الصحيح يفسدن صلاة واحد عن يمينهن، وآخر عن شمالهن، وثلاثة ثلاثة إلى آخر الصفوف.\rومحاذاة الأمرد الصبيح المشتهى، لا يفسد الصلاة على المذهب؛ لأن الفساد في المرأة غير معلل بالشهوة، بل بترك فرض المقام.\rوقال الجمهور غير الحنفية (1) :\rإن وقفت المرأة في صف الرجال، لم تبطل صلاة من يليها ولاصلاة من خلفها، فلا يمنع وجود صف تام من النساء اقتداء من خلفهن من الرجال، ولا تبطل صلاة من أمامها، ولا صلاتها، كما لو وقفت في غير صلاة، والأمر بتأخير المرأة «أخروهن من حيث أخرهن الله » (2) لا يقتضي الفساد مع عدمه؛ لأن ترتيب الصفوف سنة نبوية فقط، والمخالفة من الرجال أو النساء لا تبطل الصلاة، بدليل أن ابن عباس وقف على يسار النبي صلّى الله عليه وسلم ، فلم تبطل صلاته، وأحرم أبو بكرة خلف الصف وركع ثم مشى إلى الصف، فقال له النبي صلّى الله عليه وسلم : «زادك الله حرصاً ولا تَعُد» .\r-------------------------------\r(1) الشرح الصغير:458/1، المهذب:100/1، كشاف القناع:575/1، المغني:215/1،243، القوانين الفقهية: ص69.\r(2) قال عنه الزيلعي: حديث غريب مرفوعاً، وهو في مصنف عبد الرزاق موقوف على ابن مسعود من طريق عبد الرزاق، رواه الطبراني في معجمه (نصب الراية:36/2).","part":2,"page":402},{"id":1094,"text":"واشترط الحنفية أيضاً لصحة الاقتداء: ألا يفصل بين الإمام والمأموم صف من النساء، فإن كن ثلاثاً فسدت صلاة ثلاثة من الرجال إلى آخر الصفوف، وإن كن اثنتين فسدت صلاة اثنين من الرجال خلفهما إلى آخر الصفوف، وإن كانت واحدة،فسدت صلاة محاذيها يميناً وشمالاً، ومن كان خلفها أي صلاة رجل واحد إلى آخر الصفوف.\rوقال غير الحنفية: يكره أن يصلي وأمامه امرأة أخرى تصلي لحديث: «أخروهن من حيث أخرهن الله » أما في غير الصلاة فلايكره، لخبر عائشة، وروى أبو حفص عن أم سلمة، قالت: «كان فراشي حيال مصلى النبي صلّى الله عليه وسلم » .\rوذكر الحنفية شرطاً آخر لصحة الاقتداء وهو كما قدمنا شرط في الإمام: وهو صحة صلاة الإمام، فلو تبين فسادها فسقاً من الإمام، أو نسياناً لمضي مدة المسح على الخف، أو لوجود الحدث أو غير ذلك، لم تصح صلاة المقتدي، لعدم صحة البناء على صلاة الإمام.\rكذلك لا يصح الاقتداء إن كانت الصلاة صحيحة في زعم الإمام، فاسدة في زعم المقتدي، لبنائه على الفاسد في زعمه، فلا يصح. أما لو فسدت الصلاة في زعم الإمام وهو لا يعلم به، وعلمه المقتدي، صحت الصلاة في قول الأكثر، وهو الأصح؛ لأن المقتدي يرى جواز صلاة إمامه، والمعتبر في حقه رأي نفسه (1) .\r8- اشترط الحنابلة (2) أن يقف المأموم إن كان واحداً عن يمين الإمام، فإن خالف ووقف عن يساره أو خلفه مع خلو يمينه، وصلى ركعة كاملة، بطلت صلاته إن كان ذكراً أو خنثى، لأن النبي صلّى الله عليه وسلم أدار ابن عباس وجابراً إلى اليمين وهو في الصلاة. فإن كان امرأة، فلا تبطل صلاتها بالوقوف خلف الإمام؛ لأنه موقفها المشروع.\rوإذا وقف المأموم عن يسار الإمام، أحرم أو لا، سُنَّ للإمام أن يديره من ورائه إلى يمينه، ولم تبطل تحريمته، لفعله صلّى الله عليه وسلم السابق بابن عباس وجابر.\rثانياً: موقف الإمام والمأموم :\rللصلاة جماعةً كيفية منظمة على نحو مرتب معين ثابت في السنة النبوية، بحيث يتقدم الإمام، ويقف المأمومون خلفه رجالاً كانوا أو نساء؛ لفعله صلّى الله عليه وسلم : «كان إذا قام إلى الصلاة قام أصحابه خلفه» (3) ويتقدم الإمام إلا إمام العراة، فيقف وجوباً وسطهم عند الحنابلة وندباً عند غيرهم، وإلا إمامة النساء فيستحب للمرأة أن تقف وسطهن، لما روي عن عائشة، ورواه سعيد بن منصور عن أم سلمة أنهما أمتا نساء وسطهن (4) ، ولأنه يستحب لها التستر، وهذا أستر للمرأة الإمام.\r-------------------------------\r(1) رد المحتار:514/1.\r(2) كشاف القناع:573/1.\r(3) رواه أحمد وأبو داود عن أبي مالك الأشعري (نصب الراية:36/2، نيل الأوطار:182/3).\r(4) رواهما الشافعي في مسنده والبيهقي في سننه بإسنادين حسنين.","part":2,"page":403},{"id":1095,"text":"وكيفية وقوف المأمومين على النحو التالي (1) :\rأ ـ إذا كان مع الإمام رجل واحد أو صبي مميز، استحب أن يقف عن يمين الإمام، مع تأخره قليلاً بعقبه. وتكره عند الجمهور مساواته له، أو الوقوف عن يساره أو خلفه لمخالفته السنة، وتصح الصلاة ولا تبطل. وقال الحنابلة كما بينا: تبطل الصلاة إن صلى على هذا النحو المخالف ركعة كاملة.\rودليل هذه الكيفية ما روى ابن عباس رضي الله عنهما قال: «بت عند خالتي ميمونة، فقام رسول الله صلّى الله عليه وسلم يصلي، فقمت عن يساره، فجعلني عن يمينه» (2) .\rب ـ إن كان رجل وامرأة، قام الرجل عن يمين الإمام، والمرأة خلف الرجل. وقال الحنابلة: إن أم الرجل خنثى مشكلاً وحده، فالصحيح أن يقف عن يمين الإمام احتياطاً لاحتمال أن يكون رجلاً. فإن كان مع الخنثى رجل، وقف الرجل عن يمين الإمام، والخنثى عن يساره، أو عن يمين الرجل، ولا يقفان خلفه، لجواز أن يكون امرأة، وإن كان رجلاً وخنثى وقف الثلاثة صفاً خلف الإمام.\rجـ ـ إن كان رجلان أو رجل وصبي، صفَّا خلف الإمام، وكذا إن كان امرأة أو نسوة، تقوم أو يقمن خلفه بحيث لا يزيد ما بينه وبين المقتدين عن ثلاثة أذرع، لخبر مسلم عن جابر قال: «صليت خلف رسول الله صلّى الله عليه وسلم ، فقمت عن يمينه، ثم جاء جابر ابن صخر، فقام عن يساره، فأخذ بأيدينا جميعاً حتى أقامنا خلفه» (3) .\r-------------------------------\r(1) الدر المختار:529/1-534، فتح القدير:254/1، الكتاب بشرح اللباب:82/1 ومابعدها، الشرح الصغير:457/1 ومابعدها، القوانين الفقهية: ص69، المهذب:99/1 ومابعدها، المجموع186ومابعدها، مغني المحتاج:246/1 ومابعدها، كشاف القناع:571/1-579، المغني:204/2، 212-219، بداية المجتهد:143/1.\r(2) رواه البخاري ومسلم.\r(3) رواه مسلم، وأبو داود ولفظ الأخير: «أن جابراً وجباراً...» .","part":2,"page":404},{"id":1096,"text":"أما الرجل والصبي والمرأة والنسوة،فلما في الصحيحين عن أنس: «أنه عليه الصلاة والسلام صلى في بيت أم سليم، فقمت أنا ويتيم خلفه، وأم سليم خلفنا» (1) ، فلو حدثت مخالفة لما ذكر كره.\rوقال الحنابلة في الصبي والرجل: يقف الرجل عن يمين الإمام والصبي يقف عن يمينه أو يساره، لا خلفه. وقال الحنفية في هذا: لا تكره المساواة مع الإمام.\r-------------------------------\r(1) نيل الأوطار:182/3، وروى الجماعة عن أنس: أنه قام مع اليتيم خلف النبي، وقامت العجوز من ورائهما (المصدر نفسه).","part":2,"page":405},{"id":1097,"text":"د ـ إذا اجتمع رجال وصبيان وخناثى وإناث: صف الرجال ثم الصبيان، ثم الخناثى ولو منفردة، ثم النساء، لقوله صلّى الله عليه وسلم : «ليلني منكم أولو الأحلام والنُّهى، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ولا تختلفوا فتختلف قلوبكم، وإياكم وهيشات الأسواق» (1) ، وعلى هذا: السنة أن يتقدم في الصف الأول أولو الفضل والسن، ويلي الإمام أكملهم، ويؤخر الصبيان والغلمان، ولا يلون الإمام. والزائد يقف خلف الصف، ولو قام واحد بجنب الإمام، وخلفه صف، كره إجماعاً.\rهـ ـ يقف الإمام وسط القوم في الصف، لقوله صلّى الله عليه وسلم : «وسطوا الإمام وسدّوا الخلل» (2) ، والسنة أن يقوم في المحراب ليعتدل الطرفان لأن المحاريب نصبت وسط المساجد، وقد عينت لمقام الإمام فإن وقف عن يمينهم أو يسارهم، فقد أساء بمخالفة السنة، والإساءة عند الحنفية دون كراهة التحريم، وأفحش من كراهة التنزيه (3) . قال أبو حنيفة وقوله هو الأصح: أكره أن يقوم الإمام بين الساريتين، أو في زاويةأو في ناحية المسجد، أو إلى سارية؛ لأنه خلاف عمل الأمة.\r-------------------------------\r(1) روي من حديث ابن مسعود، والبراء بن عازب، فأما الأول فأخرجه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي، وأما الثاني فرواه مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه، وأما الثالث فرواه الحاكم في المستدرك (نصب الراية:37/2).\r(2) رواه أبو داود.\r(3) رد المحتار:530/1 ومابعدها. وتقدم الإمام عند الحنفية أمام الصف: واجب.","part":2,"page":406},{"id":1098,"text":"فضل الصف الأول: المستحب أن يتقدم الناس في الصف الأول (1) ، لما روى أبو هريرة رضي الله عنه، أن النبي صلّى الله عليه وسلم قال: «لو يعلمون ما في الصف المقدم لكانت قرعة» (2) وروى البراء رضي الله عنه أن النبي صلّى الله عليه وسلم قال: «إن الله وملائكته يصلون على الصف الأول» (3) ، ولقوله صلّى الله عليه وسلم : «خير صفوف الرجال أولها، وشرها آخرها، وخير صفوف النساء آخرها، وشرها أولها» (4) وهذا التصريح بأفضلية الصف الأول للرجال وأنه خيرها لما فيه من إحراز الفضيلة، وكون شرها آخرها لما فيه من ترك الفضيلة الحاصلة بالتقدم إلى الصف الأول. وكون خيرها آخرها للنساء للبعد عن مخالطة الرجال.\rوالمستحب أن يعتمدوا يمين الإمام، لما روى البراء قال: «كان يعجبنا عن يمين رسول الله صلّى الله عليه وسلم ؛ لأنه كان يبدأ بمن عن يمينه، فيسلم عليه» (5) .\rفإن وجد في الصف الأول فرجة استحب أن يسدها، لما روى أنس رضي الله عنه قال: «قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم : أتموا الصف الأول، فإن كان نقص ففي المؤخر» (6) .\rو ـ محاذاة المرأة الرجل في الصلاة: يرى الحنفية أنه إذا صلت امرأة في صف الرجال أو رجل في صف النساء، فسدت صلاة من حاذته المرأة من الرجال، ولا تفسد صلاة المرأة. وذهب الجمهور إلى كراهة ذلك، وقالوا:\r-------------------------------\r(1) القوانين الفقهية: ص69، بداية المجتهد:144/1، المجموع:195/4، الدر المختار:532/1.\r(2) رواه البخاري ومسلم.\r(3) حديث صحيح رواه أبو داود بإسناد صحيح.\r(4) رواه الجماعة إلا البخاري عن أبي هريرة (نيل الأوطار:183/3).\r(5) رواه مسلم، ولفظه: «كنا إذا صلينا خلف رسول الله صلّى الله عليه وسلم أحببنا أن نكون عن يمينه، يقبل علينا بوجهه» .\r(6) رواه أبو داود بإسناد حسن.","part":2,"page":407},{"id":1099,"text":"لا تفسد صلاة أحد من الرجال ولامن النساء (1) .\rثالثاً ـ أمر الإمام بتسوية الصفوف وسد الثغرات:\rيستحب للإمام أن يأمر بتسوية الصفوف، وسد الخلل (الثغرات) (2) ، وتسوية المناكب (3) ، لحديث أَنس: «اعتدلوا في صفوفكم، وتراصوا، فإني أراكم من وراء ظهري، قال أنس: فلقد رأيت أحدنا يلصق منكبه بمنكب صاحبه، وقدمه بقدمه» (4) ويقول الإمام: «لا تختلفوا فتختلف قلوبكم» لحديث أبي هريرة قال: «كان رسول الله صلّى الله عليه وسلم يتخلل الصف من ناحية إلى ناحية، يمسح صدورنا ومناكبنا، ويقول: «لا تختلفوا فتختلف قلوبكم» (5) .\rرابعاً ـ صلاة المنفرد عن الصف:\rاختلف الفقهاء في صحة الصلاة خلف الصفوف منفرداً على رأيين (6) : فقال الجمهور غير الحنابلة: إذا صلى إنسان خلف الصف وحده، فصلاته تجزئ، بدليل حديث أنس المتقدم المتضمن قيام العجوز وحدها خلف الصف، وحديث أبي بكرة: «أنه انتهى إلى النبي صلّى الله عليه وسلم وهو راكع فركع قبل أن يصل إلى الصف، فذكر ذلك للنبي صلّى الله عليه وسلم ، فقال:\r-------------------------------\r(1) الهداية57/2، المهذب: 100/1، المغني:37/2.\r(2) الخلل: انفراج ما بين الشيئين.\r(3) المجموع:124/4 ومابعدها، بداية المجتهد:144/1.\r(4) رواه البخاري ومسلم (نيل الأوطار:187/3) وروى الجماعة إلا البخاري عن النعمان بن بشير: «عباد الله، لتسوُّن بين صفوفكم أو ليخالفَنَّ الله بين وجوهكم» (المصدر نفسه).\r(5) رواه مسلم عن أبي هريرة ، ورواه عبد الرزاق عن جابر بن عبد الله، ورواه أحمد وأبو داود عن ابن عمر.\r(6) البدائع:146/1، بداية المجتهد:144/1، المجموع:192/4، الحضرمية: ص68، المغني 211/2 ومابعدها،234، القوانين الفقهية: ص69.","part":2,"page":408},{"id":1100,"text":"زادك الله حرصاً، ولا تعُد» (1) وحديث ابن عباس قال: « أتيت النبي صلّى الله عليه وسلم من آخر الليل، فصليت خلفه، فأخذ بيدي، فجرَّني حتى جعلني حِذَاءه» (2) .\rإلا أن الشافعية والحنفية قالوا: الصلاة صحيحة مع الكراهة، وقال الشافعية: فإن لم يجد المصلي سعة أحرم، ثم جرَّ واحداً من الصف إليه، ليصطف معه، خروجاً من الخلاف، وحملوا الحديثين الآتيين الواردين بالإعادة على الاستحباب جمعاً بين الأدلة، وقوله صلّى الله عليه وسلم : «لا صلاة للذي خلف الصف» أي لا صلاة كاملة، كقوله صلّى الله عليه وسلم «لا صلاة بحضرة طعام» وهذا أولى الآراء، لقوة دليله. لكن ذكر الحنفية: أنه لو انفرد ثم مشى ليلحق بالصف، فإن مشى في صلاته مقدار صف واحد لا تفسد، وإن مشى أكثر من ذلك فسدت. ولم يوافق المالكية الشافعية فقالوا: من لم يجد مدخلاً في الصف، صلى وراءه، ولم يجذب إليه رجلاً.\rوقال الحنابلة: صلاة المنفرد إذا صلى ركعة كاملة خلف الصف وحده فاسدة غير مجزئة، وتجب إعادتها، بدليل حديث وابصة بن معبد: «أن النبي صلّى الله عليه وسلم رأى رجلاً يصلي خلف الصف وحده، فأمره أن يعيد صلاته» (3) وحديث علي بن شيبان: « أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم رأى رجلاً يصلي خلف الصف، فوقف، حتى انصرف الرجل، فقال له: استقبل صلاتك، فلا صلاة لمنفرد خلف الصف» (4) .\r-------------------------------\r(1) رواه أحمد والبخاري وأبو داود والنسائي (نيل الأوطار:184/3).\r(2) رواه أحمد (المصدر السابق نفسه).\r(3) رواه ا الخمسة إلا النسائي (نيل الأوطار:184/3).\r(4) رواه أحمد وابن ماجه (المصدر السابق).","part":2,"page":409},{"id":1101,"text":"المطلب الخامس ـ الاستخلاف في الصلاة :\rالاستخلاف: إنابة الإمام غيره من المقتدين إذا كان صالحاً للإمامة، لإتمام الصلاة بدل الإمام لعذر قام به. فيصير الثاني إماماً، ويخرج الأول عن الإمامة، ويصبح في حكم المقتدي بالثاني.\rوطريقته: أن يأخذ الإمام بثوب المقتدي ولو مسبوقاً، ويجره إلى المحراب، لكن استخلاف المدرك أولى. ويتأخر الإمام محدود باً واضعاً يده على أنفه، موهماً أنه قد رعف قهراً. ويتم الاستخلاف بالإشارة لا بالكلام، ويشير بأصبعه لعدد الركعات الباقية. ويضع يده على ركبته لترك ركوع، وعلى جبهته لترك سجود، وعلى فمه لقراءة.\rوسببه: طروء عذر للإمام من حدث أو مرض شديد أو عجز عن القراءة الواجبة كالفاتحة ونحو ذلك.\rوفي أحكامه وأسبابه وشروطه تفصيل بين المذاهب:\rفقال الحنفية (1) :\rالاستخلاف جائز، بدليل حديث عائشة أن النبي صلّى الله عليه وسلم قال: «من أصابه قيء أو رعاف، أو قَلَس (2) ، أو مذي، فلينصرف، فليتوضأ، ثم ليبن على صلاته، وهو في ذلك لا يتكلم» (3) وذكره الكاساني في البدائع عن أبي هريرة بلفظ لم أجده: «إذا صلى أحدكم، فقاء أو رعف في صلاته، فليضع يده على فمه، وليقدم من لم يسبق بشيء من صلاته، ولينصرف وليتوضأ، وليبن على صلاته، ما لم يتكلم» .\rوالأصح من ذلك: حديث عائشة في استخلاف النبي صلّى الله عليه وسلم أبا بكر رضي الله عنه: «مروا أبا بكر فليصل بالناس» ، ثم تأخر أبي بكر، وصلاة النبي صلّى الله عليه وسلم بالناس، وافتتاحه القراءة من الموضع الذي انتهى إليه أبو بكر (4) .\r-------------------------------\r(1) البدائع:220/1-233، الدر المختار:560/1-574، فتح القدير:267/1-276، تبيين الحقائق:147/1 ومابعدها، الكتاب مع اللباب:86/1.\r(2) القلس: ما خرج من الحلق ملء الفم أو دونه، وليس بقيء، فإن عاد فهو القيء.\r(3) أخرجه ابن ماجه والدارقطني، والصحيح أنه مرسل، وفيه ضعيف (نصب الراية:61/2، نيل الأوطار:187/1) وروي في معناه عن ابن عباس عند الدارقطني وغيره وفيه متروك، وعن أبي سعيد عند الدارقطني وفيه متروك أيضاً (نيل الأوطار:188/1).\r(4) رواه البخاري ومسلم.","part":2,"page":410},{"id":1102,"text":"وعن عمر رضي الله عنه أنه سبقه الحدث فتأخروقدم رجلاً. وعن عثمان رضي الله عنه مثله، ولأن بالناس حاجة إلى إتمام صلاتهم بالإمام، وقد التزم الإمام بذلك، فإذا عجز عن الوفاء بما التزم بنفسه، استعان بمن يقدر عليه، رعاية لمصلحة المأمومين، كيلا تبطل صلاتهم بالمنازعة.\rوبناء عليه: إن سبق الإمام الحدث، انصرف، فإن كان إماماً استخلف وتوضأ وبنى على صلاته، واستئناف الصلاة في حق جميع المصلين أفضل، خروجاً من الخلاف لمن منعه. ويتعين الاستئناف إن لم يكن قعد قدر التشهد الأخير بسبب الجنون أو الحدث عمداً أو الاحتلام بنوم أو تفكير أو نظر أو مس بشهوة، أو إغماء أو قهقهة، لأنه يندر وجود هذه العوارض، فلم يكن في معنى ما ورد به النص، ويستأنف الوضوء والصلاة.\rوسبب الاستخلاف: إما سبق حدث اضطراري، لا اختيار للإمام فيه ولا في سببه ومنه الحدث من نحو عطاس، أو عجز عن قراءة قدر المفروض في رأي أبي حنيفة، لحديث أبي بكر الصديق رضي الله عنه، فإنه لما أحس بالنبي صلّى الله عليه وسلم حَصِر عن القراءة، فتأخر، وتقدم النبي صلّى الله عليه وسلم وأتم الصلاة.\rولا يستخلف بسبب حصر بول أو غائط، أو بسبب عجز عن الركوع السجود، لأن له أن يتم قاعداً، أو بسبب خوف أو نسيان قراءة أصلاً؛ لأنه صار أمياً، فتفسد صلاة القوم، أو بسبب إصابة نجاسة من غيره كبول كثير من غير سبق حدثه، أو كشف عورته في صلاته بقدر ركن؛ لأن صلاته حينئذ تفسد، ويفسد معها صلاة المأمومين.\rويشترط لصحة الاستخلاف عند الحنفية شروط ثلاثة:\rأولها ـ توافر شروط البناء على الصلاة السابقة؛ لأن الاستخلاف في الحقيقة بناء من الخليفة على ما صلاه الإمام، وهي ثلاثة عشر شرطاً:","part":2,"page":411},{"id":1103,"text":"كون الحدث قهرياً، من بدنه لا من نجاسة غيره، وكونه غير موجب للغسل كإنزال بتفكر، وغير نادر كالإغماء والجنون والقهقهة، وألا يؤدي ركناً مع الحدث، أو يمشي، ولم يفعل منافياً عمداً كأن يحدث باختياره، ولا ما لا حاجة له به كالذهاب لماء بعيد مع وجود القريب، وألا يتراخى قدر ركن بغير عذر كزحمة، وألا يتبين أنه كان محدثاً سابقاً قبل الدخول في الصلاة، وألا يتذكر فائتة إن كان صاحب ترتيب مطلوب منه (بأن خرج وقت الصلاة السادسة بعد الفائتة) لأنه تفسد الصلاة الوقتية التي يصليها بذلك السبب، وألا يُتم المؤتم في غير مكانه، فمن سبقه الحدث إماماً أو مأموماً وجب عليه أن يعود بعد الوضوء ليصلي مع الإمام إذا لم يكن قد فرغ إمامه من صلاته، فلو أتم في مكانه فسدت صلاته، أما المنفرد فله أن يتم في مكانه أوغيره، وألا يستخلف الإمام غير صالح للإمامة كصبي وامرأة وأمي، فإذا استخلف أحدهم فسدت صلاته وصلاة القوم.\rثانيها ـ ألا يخرج الإمام من المسجد أو المصلى العام في الصحراء، أو الدار التي كان يصلي فيها قبل الاستخلاف، لأنه على إمامته ما لم يجاوز هذا الحد، فإن خرج بطلت الصلاة ، أي صلاة القوم والخليفة دون الإمام في الأصح، ما لم يتقدم أحد المصلين بنفسه ناوياً الإمامة.\rثالثها ـ ألا يجاوز الصفوف قبل الاستخلاف إن ذهب يمنة أو يسرة، وألا يجاوز السترة قدامه، أو موضع السجود إن لم تكن له سترة على المعتمد، إن كان يصلي في الصحراء.\rوإذا لم يحصل استخلاف، وأتم القوم الصلاة فرادى، بطلت صلاة الجميع.\rولو استخلف الإمام مسبوقاً أو لاحقاً أو مقيماً وهو مسافر، صح لكن المدرك أولى. فلو أتم المسبوق صلاة الإمام قدم غيره مدركاً ليقوم بالسلام أي ليسلم بالقوم. ولو كان الخليفة مسبوقاً بركعتين، فرضت عليه القعدتان؛ لأن القعدة الأولى فرض على إمامه، وهو قائم مقامه، والثانية فرض عليه.","part":2,"page":412},{"id":1104,"text":"ولو جهل الخليفة المقدار الباقي من الصلاة، قعد في كل ركعة احتياطاً، للاحتمال في كل ركعة أنها آخر صلاة الإمام.\rوقال المالكية (1) :\rالاستخلاف: هو استنابة الإمام غيره من المأمومين لتكميل الصلاة بهم لعذر قام به. وحكمه: الندب في غير الجمعة، والوجوب فيها.\rوطريقته: أن يستخلف بالإشارة أو بالكلام واحداً من الجماعة ليتم الصلاة بالقوم. وندب استخلاف الأقرب للإمام من الصف الذي يليه، لأنه أدرى بأفعاله ولتيسر تقدمه، فيقتدون به. وندب تقدم المستخلف إلى موضع الإمام الأصلي إن قرب كالصفين، وندب ترك كلام في حالة الحدث وتذكره، ورعاف يقطع الصلاة. ويندب للإمام إذا خرج من الصلاة أن يمسك بأنفه، موهماً أنه راعف ستراً على نفسه.\rوشرطه: أن يكون الخليفة قد دخل في الصلاة قبل طروء العذر. فإن لم يستخلف، قدم الجماعة واحداً منهم، فإن لم يقدموا تقدم واحد منهم، فإن لم يفعلوا صلوا فرادى، وصحت صلاتهم إلا في الجمعة. أما الجمعة فتبطل إن أتموها فرادى لاشتراط الجماعة فيها.\rويبدأ الخليفة من حيث وقف الإمام الأول.\rوأعذار أو أسباب الاستخلاف ثلاثة:\rالأول ـ الخوف على مال للإمام أو لغيره، أو على نفس من التلف لو استمر في صلاته. فإذا خاف الإمام سرقة أوغصباً، أو خاف على صبي الوقوع في بئر أو نار، فيهلك أو يحصل له شدة أذى، وجب عليه قطع الصلاة لحفظ المال، وإنقاذ النفس من الهلاك.\r-------------------------------\r(1) الشرح الصغير:465/1-472، الشرح الكبير:349/1-358، القوانين الفقهية: ص69ومابعدها.","part":2,"page":413},{"id":1105,"text":"الثاني ـ أن يطرأ على الإمام ما يمنعه من الإمامة، كالعجز عن ركن كالقيام أو الركوع، أو قراءة الفاتحة، أو حصول رعاف مانع للإمامة وهو ماكان دون درهم، أما رعاف القطع أي قطع الصلاة فهو من موانع الصلاة بأن زاد عن درهم وسال ولطخ المكان أو خاف تلويث المسجد، فيندب فيه للإمام الاستخلاف وإن وجب عليه قطع الصلاة، ولا تبطل الصلاة بسببه على المأمومين على المعتمد، ومثله سقوط النجاسة على الإمام أو تذكره لها فيها على المعتمد.\rالثالث ـ أن يطرأ على الإمام ما يبطل الصلاة: كأن يسبقه الحدث من بول أو ريح أو غيرهما، وهو يصلي، أو يتذكر أنه كان محدثاً قبل الصلاة، أو غلبت عليه القهقهة أو طرأ عليه جنون أو إغماء أو موت، أو رعف رعافاً تبطل به الصلاة على المشهور، أو طرأ عليه شك هل دخل الصلاة بوضوء أو لا، أو تحقق الطهارة والحدث وشك في السابق منهما، أما إن شك هل انتقض وضوءه فلا يقطع الصلاة ويستمر فيها، ثم إن بان الطهر لم يعد الصلاة، وإلا أعاد الإمام فقط.\rوينتظر المسبوق سلام المستخلف، فإن لم ينتظره بطلت صلاته، وإن كان المستخلف مسبوقاً، أشار لهم جميعاً بأن يجلسوا، وقام لقضاء ما عليه.\rوإن جهل الخليفة المسبوق ما صلى الأول، أشار لهم، فأفهموه بالإشارة أوالكلام إن لم يفهم الإشارة. وإن قيل للخليفة: أسقطت ركوعاً مثلاً، عمل بذلك إن لم يعلم خلافه.\rوعلى الخليفة أن يراعي نظم صلاة الإمام، ويندب أن يقرأ من انتهاء قراءة الإمام إن علم بانتهاء قراءته، وإلا ابتدأ القراءة وجلس في محل الجلوس، وهكذا بحسب كون الصلاة سرية أو جهرية.","part":2,"page":414},{"id":1106,"text":"وقال الشافعية (1) :\rيجوز الاستخلاف في المذهب الجديد، فإذا خرج الإمام من صلاة الجمعة أو غيرها بحدث تعمده أو سبقه أو نسيه، أو غيره كرعاف وتعاطي فعل مبطل للصلاة، أو بلا سبب، جاز الاستخلاف في الأظهر الجديد، لأنها صلاة بإمامين، وهي جائزة، وصح «أن أبا بكر رضي الله تعالى عنه كان يصلي بالناس، فجاء رسول الله صلّى الله عليه وسلم ، فجلس إلى جنبه، فاقتدى به أبو بكر، والناس» (2) ، وقد استخلف عمر رضي الله عنه حين طعن (3) .\rوالاستخلاف مندوب للإمام، ولو تقدم واحد بنفسه جاز، واستخلاف المصلين أولى من استخلاف الإمام، لأن الحق في ذلك لهم، إلا في الركعة الأولى من الجمعة، فإنه واجب عليهم أن يستخلفوا واحداً منهم لتدرك بها الجمعة، دون الركعة الثانية، فلا يلزم الاستخلاف، لإدراكهم مع الإمام ركعة كالمسبوق، فيتمونها فرادى جمعة.\rويشترط لصحة الاستخلاف في الجمعة شرطان:\rأحدهما ـ أن يستخلف الإمام للجمعة مقتدياً به قبل حدثه، فلا يصح استخلاف من لم يكن مقتدياً بالإمام. ولا يشترط كون المقتدي حضر الخطبة لا الركعة الأولى في الأصح فيهما.\rوالثاني ـ أن يستخلف عن قرب، بألا يمضي زمن قبل الاستخلاف يسع ركناً قصيراً من أركان الصلاة.\rفإن كان الخليفة قد أدرك الركعة الأولى من الجمعة مع الإمام، تمت الجمعة مطلقاً للخليفة والمأمومين. وإن لم يدرك الركعة الأولى تمت الجمعة للمقتدين دونه في الأصح فيهما. ولا يلزم المقتدين في الجمعة وغيرها استئناف نية القدوة في الأصح.\r-------------------------------\r(1) المجموع:139/4-146، مغني المحتاج:297/1 ومابعدها، المهذب:96/1 ومابعدها،117.\r(2) رواه الشيخان، كما بينا.\r(3) رواه البيهقي.","part":2,"page":415},{"id":1107,"text":"أما في غير الجمعة فلا يشترط شيء لصحة الاستخلاف، بل يجوز أن يستخلف غير مقتد، وأن يستخلف بعد طول الفصل، لكن يحتاج المقتدون لنية الاقتداء بالقلب إن كان الخليفة غير مقتد قبل الاستخلاف، وكانت صلاته مخالفة لصلاة الإمام، كأن كان في الركعة الأولى مثلاً، والإمام في الثانية. كما يحتاجون لنية القدوة إذا طال الفصل بأن مضى زمن يسع ركناً فأكثر. وعلى الخليفة أن يراعي نظم صلاة الإمام وجوباً في الواجب وندباً في المندوب. وعلى المسبوق أيضاً أن يراعي نظم صلاة الإمام، فإذا صلى ركعة تشهد، وأشار إليهم ليفارقوه أو ينتظروا.\rوإذا لم يستخلف أحد في غير الجمعة نوى المقتدون المفارقة، وأتموا صلاتهم فرادى، وصحت. أما الجمعة فلهم نية المفارقة إذا أدركوا الركعة الأولى جماعة، وأتموا فرادى في الثانية إذا بقي العدد أربعين إلى آخر الصلاة.\rوقال الحنابلة (1) :\rيجوز الاستخلاف لعذر كخوف ومرض شديد، وعجز عن ركن قولي كالفاتحة أو واجب قولي كتسبيحات الركوع والسجود.\rولا يجوز الاستخلاف لسبق الحدث للإمام، لأن صلاته تبطل به، ويلزمه استئنافها، خلافاً لبقية الأئمة، ودليلهم حديث علي بن طلق: «إذا فسا أحدكم في صلاته، فلينصرف، فليتوضأ، وليعد الصلاة» (2) ورأي الجمهور أصح بدليل استخلاف عمر لعبد الرحمن بن عوف لما طعن.\rوالمستخلف ولو كان من غير المقتدين كما قال الشافعية يبني على ما مضى من صلاة الإمام من قراءة أو ركعة أو سجدة، ويقضي من سبق ببعض الصلاة بعد فراغ صلاة المأمومين. فإذا كان مسبوقاً استخلف قبل السلام من يسلم بهم، وقام لقضاء ما سبقه به الإمام، فإن لم يستخلف كان للمصلي الخيار بين أن يسلموا لأنفسهم، أو ينتظروه جالسين حتى يقضي ما فاته، ويسلم بهم.\rوإذا لم يستخلف الإمام، جاز للقوم أن يستخلفوا بدله، ليتم بهم الصلاة، كما جاز لهم أن يتموها فرادى.\rوإن قدمت كل طائفة من المأمومين لهم إماماً يصلي بهم، جاز عندهم كالشافعية. وقال الحنفية: تفسد صلاتهم كلهم.\rويبني الخليفة الذي كان مع الإمام في الصلاة على فعل: أي ترتيب الإمام؛ لأنه نائبه، حتى في القراءة يأخذ من حيث بلغ الإمام؛ لأن قراءة الإمام قراءة له. أما الخليفة الذي لم يكن مع الإمام في الصلاة، فإنه يبتدئ الفاتحة، ولا يبني على قراءة الإمام؛ لأنه لم يأت بفرض القراءة، ولم يوجد ما يسقطه عنه؛ لأنه لم يصر مأموماً بحال، لكن يسرّ ما كان قرأه الإمام من الفاتحة، ثم يجهر بما بقي من القراءة ليحصل البناء على فعل الإمام.\rفإن لم يعلم الخليفة المسبوق، أو الذي لم يدخل مع الإمام في الصلاة، ماصلى الإمام الأول، بنى الخليفة على اليقين، كالمصلي يشك في عدد الركعات. فإن سبَّح له المأموم للتنبيه، رجع إليه، ليبني على ترتيب الأول.\rوالخلاصة: إن أكثر المذاهب سعة في قضية الاستخلاف هو مذهب الشافعية إذ إنهم أجازوه لغير سبب، وبالكلام من الإمام، ثم المالكية، ثم الحنفية، ثم الحنابلة.\r-------------------------------\r(1) المغني:102/2-105، كشاف القناع:374/1-377.\r(2) رواه أبو داود بإسناد جيد.","part":2,"page":416},{"id":1108,"text":"المبحث الثاني ـ صلاة الجمعة\rفرضيتها ومنزلتها،وفضل السعي إليها وحكمتها، ومن تجب عليه، كيفيتها ومقدارها، شروط صحتها، سنن الخطبة ومكروهاتها، سنن الجمعة ومكروهاتها، مفسدات الخطبة، صلاة الظهر يوم الجمعة، ففي هذا المبحث تسعة مطالب.\rوسميت جمعة لاجتماع الناس لها، وقيل: لما جمع في يومها من الخير، وقيل: لأن خلق آدم جمع فيه، أو لاجتماعه فيه مع حواء في الأرض. واسمها القديم في الجاهلية يوم العروبة: أي المبين المعظم، وقيل: يوم الرحمة.\rالمطلب الأول ـ فرضية الجمعة ومنزلتها:\rصلاة الجمعة فرض عين (1) ، يكفر جاحدها لثبوتها بالدليل القطعي، وهي فرض مستقل ليست بدلاً عن الظهر، لعدم انعقادها بنية الظهر ممن لا تجب الجمعة عليه كالمسافر والمرأة، وهي آكد من الظهر، بل هي أفضل الصلوات، ويومها أفضل الأيام، وخير يوم طلعت فيه الشمس، يعتق الله فيه ست مئة ألف عتيق من النار، من مات فيه كتب الله له أجر شهيد، ووقي فتنة القبر، ودليل فضل يومها حديث مرفوع: «يوم الجمعة سيد الأيام وأعظمها، وأعظم عند الله من يوم الفطر، ويوم الأضحى (2) .\r-------------------------------\r(1) الدر المختار:747/1، الشرح الصغير:493/1، مغني المحتاج:276/1، المغني:294/2 ومابعدها، كشاف القناع:21/2.\r(2) ذكره البيهقي في فضائل الأوقات من حديث أبي لبانة بن عبد المنذر.","part":2,"page":417},{"id":1109,"text":"وأخرج الترمذي من حديث أبي هريرة وقال: حسن صحيح: أن النبي صلّى الله عليه وسلم قال: «خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة، فيه خلق آدم، وفيه دخل الجنة، وفيه أخرج منها، ولا تقوم الساعة إلا في يوم الجمعة» .\rوأدلة فرضيتها العينية المستقلة، لا الكفائية: القرآن: وهو قوله تعالى: {ياأيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة، فاسعوا إلى ذكر الله ، وذروا البيع} [الجمعة:9/62] أي امضوا إلى ذكر الله ، فأمر بالسعي، والأمر يقتضي الوجوب، ولا يجب السعي إلا إلى واجب، ونهى عن البيع لئلا يشتغل به عنها، فلو لم تكن واجبة لما نهي عن البيع من أجلها، والمراد بالسعي ههنا: الذهاب إليها، لا الإسراع.\rوالسنة: وهو قوله صلّى الله عليه وسلم : «لينتهين أقوام عن وَدْعهم الجُمعات، أو ليختِمَنَّ الله على قلوبهم، ثم ليكونُنَّ من الغافلين» (1) وقوله: «رواح الجمعة واجب على كل محتلم» (2) وقوله عليه السلام أيضاً: «من ترك الجمعة ثلاث جمع تهاوناً، طبع الله على قلبه» (3) .\rوتاركها يستحق العقاب، لقوله صلّى الله عليه وسلم لقوم يتخلفون عن الجمعة: «لقد هممت أن آمُر رجلاً يُصلّي بالناس، ثم أحّرق على رجال يتخلفون عن الجمعة بيوتهم» (4) .\r-------------------------------\r(1) رواه مسلم عن أبي هريرة، ورواه أحمد والنسائي من حديث ابن عمر وابن عباس (نيل الأوطار:221/3).\r(2) رواه النسائي عن حفصة رضي الله عنها، ورواه أبو داود عن طارق بن شهاب بلفظ «الجمعة حق واجب على كل مسلم في جماعة إلا أربعة: عبد مملوك، أو امرأة، أو صبي، أو مريض» (نيل الأوطار:226/3).\r(3) رواه الخمسة عن أبي الجَعْد الضَّمْري، وله صحبة وصححه الحاكم، ولأحمد وابن ماجه من حديث جابر نحوه (نيل الأوطار:221/3).\r(4) رواه أحمد ومسلم عن ابن مسعود (نيل الأوطار:221/3).","part":2,"page":418},{"id":1110,"text":"والإجماع: فقد أجمع المسلمون على وجوب الجمعة.\rوفرضت بمكة قبل الهجرة، لما روى الدارقطني عن ابن عباس قال: «أذن للنبي صلّى الله عليه وسلم في الجمعة قبل أن يهاجر، فلم يستطع أن يجمع بمكة، فكتب إلى مصعب بن عمير: « أما بعد، فانظر إلى اليوم الذي تجهر فيه اليهود بالزبور لسبتهم، فاجمعوا نساءكم وأبناءكم، فإذا مال النهار عن شطره عند الزوال من يوم الجمعة، فتقربوا إلى الله بركعتين» .\rفأول من جمّع مصعب بن عمير حتى قدم النبي صلّى الله عليه وسلم المدينة، فجمع عند الزوال من الظهر. وكان أسعد بن زرارة هو الذي جمع الناس، وكان مصعب نزيلهم، وكان يصلي بهم، ويقرئهم ويعلمهم الإسلام، وكان يسمى المقرئ، فأسعد دعاهم، ومصعب صلى بهم.\rوالدليل على أن الجمعة فرض مستقل، وأنها ليست ظهراً مقصوراً، وإن كان وقتها وقت الظهر، وتدرك به: هو أن الظهر لايغني عنها، ولقول عمر رضي الله عنه: «الجمعة ركعتان، تمام غير قصر، على لسان نبيكم صلّى الله عليه وسلم ، وقد خاب من افترى» (1) .\r-------------------------------\r(1) رواه الإمام أحمد وغيره، وقال النووي في المجموع: إنه حسن.","part":2,"page":419},{"id":1111,"text":"المطلب الثاني ـ فضل السعي إلى الجمعة وحكمتها:\rحكمتها: الجمعة شرعت لدعم الفكر الجماعي، وتجمع المسلمين وتعارفهم وتآلفهم، وتوحيد كلمتهم، وتدريبهم على طواعية القائد، والتزام متطلبات القيادة، وتذكيرهم بشرع الإسلام دستوراً وأحكاماً وأخلاقاً وآداباً وسلوكاً، وتنفيذاً لأوامر الجهاد، وما تتطلبه المصلحة العامة في الداخل والخارج، والأمر\rبالمعروف والنهي عن المنكر. والخلاصة: إن تكرار الوعظ والتذكير الدائم كل أسبوع له أثر واضح في إصلاح الفرد والجماعة لقوله تعالى: {وذكِّر، فإنّ الذكرى تنفع المؤمنين} [الذاريات:55/51].\rالسعي إليها: ومن أجل تلك الأهداف والغايات السامية، ولكسب الثواب الأخروي، كان السعي للجمعة واجباً ،حكمه حكم الجمعة؛ لأنه ذريعة إليها لقوله سبحانه: {فاسعَوْا إلى ذكر الله } [الجمعة:9/62]، والتبكير إليها فضيلة، وكان ترك أعمال التجارة من بيع وشراء ومختلف شؤون الحياة أمراً لازماً لئلا يتشاغل عنها ويؤدي ذلك إلى إهمالها أو تعطيلها.\rويبدأ وجوب السعي إليها عند الجمهور بالنداء إليها بالأذان الذي بين يدي الخطيب، وعند الحنفية بالأذان الأول عند الزوال، إلا إذا كان بعيد الدار عن المسجد، فيجب عليه السعي بقدر ما يدرك الفريضة (1) .\rوللتبكير إلى الجمعة درجات في الثواب، قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم : « من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة، ثم راح، فكأنما قرَّب بَدَنة، ومن راح في الساعة الثانية، فكأنما قرب بقرة، ومن راح في الساعة الثالثة، فكأنما قرب كبشاً أقرن، ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما قرّب دجاجة، ومن راح في الساعة الخامسة فكأنما قرب بيضة، فإذا خرج الإمام حضرت الملائكة يستمعون الذكر» (2) .\rوقت الرواح المرغب فيه إلى الجمعة: اعتقد جماعة منهم الجمهور غير المالكية: أن هذه الساعات هي من أول النهار إلى الزوال، وتنقسم إلى خمس، فندبوا الرواح من أول النهار، لكن الأظهر ما ذكرته المالكية: أنها أجزاء ساعة قبل\r-------------------------------\r(1) المغني:297/2.\r(2) رواه الجماعة إلا ابن ماجه عن أبي هريرة رضي الله عنه (نيل الأوطار:237/3).","part":2,"page":420},{"id":1112,"text":"الزوال؛ لأن الساعة شرعاً ولغة هي الجزءمن أجزاء الزمان، ولم ينقل عند أحد من الصحابة أنه ذهب إلى الجمعة قبل طلوع الشمس أو بعدها بقليل (1) .\rوأداء الجمعة بآدابها يغفر للمؤمن ما بين الجمعتين، لقوله صلّى الله عليه وسلم : «الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان مكفِّرات ما بينهن إذا اجتُنِبت الكبائر» (2) ولقوله عليه السلام: «من اغتسل ثم أتى الجمعة حتى يفرغ الإمام من خطبته، ثم يصلِّي معه، غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى، وفضلُ ـ أي زيادة ـ ثلاثة أيام» (3) .\rساعة الإجابة: وفيها ساعة يستجاب الدعاء فيها، « عن أبي هريرة أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم ذكر يوم الجمعة، فقال: فيه ساعة لا يوافقها عبد مسلم، وهو قائم يصلي، يسأل الله تعالى شيئاً إلا أعطاه إياه، أشار ـ أي النبي صلّى الله عليه وسلم ـ بيده يقللها» (4) ، وفي تحديد وقت هذه الساعة أقوال أصحها ـ كما ثبت عن أبي بردة في صحيح مسلم ـ : أنها فيما بين أن يجلس الإمام على المنبر إلى أن يقضي الصلاة.\rخصوصيات الجمعة: وللجمعة مزايا متعددة هي مئة مزية أوضحها الإمام السيوطي في كتاب خاص بعنوان ( خصوصيات يوم الجمعة ) (5) ، ومنها أنه تجتمع الأرواح فيها، وتزار القبور، ويأمن الميت من عذاب القبر، ومن مات فيه أو\r-------------------------------\r(1) بداية المجتهد:160/1، نيل الأوطار:230/3.\r(2) رواه مسلم عن أبي هريرة (الترغيب والترهيب:92/2).\r(3) رواه مسلم عن أبي هريرة، ورواه أحمد عن أبي أيوب بلفظ آخر، ورواه الطبراني في الأوسط عن ابن عمر، ورواه البزار والطبراني في الأوسط عن ابن عباس، وأخرجه أبو داود عن عبد الله بن عمرو ابن العاص (سبل السلام:54/2، نيل الأوطار:236/3).\r(4) متفق عليه (سبل السلام:54/2).\r(5) طبع دار الفكر بدمشق عام 1964.","part":2,"page":421},{"id":1113,"text":"في ليلته أمن فيه من عذاب القبر، ولا تسجر فيه جهنم، وفيه يزور أهل الجنة ربهم تعالى (1) .\rالتشريك في العبادة: ومن سعى يريد الجمعة، وحوائجه، وكان معظم مقصوده الجمعة، نال ثواب السعي إليها، قال الحنفية (2) : وبهذا يعلم أن من شرَّك في عبادته، فالعبرة للأغلب.\rالبيع وقت النداء لصلاة الجمعة: يجب السعي لأداء الجمعة كما بينا عند الجمهور عند الأذان الثاني الذي يكون بين يدي الخطيب على المنبر، وقال الحنفية في الأصح: يجب السعي بعد الأذان الأول، وإن لم يكن في زمن الرسول صلّى الله عليه وسلم ، بل في زمن عثمان رضي الله عنه.\rويكره تحريماً عند الحنفية، ويحرم عند غيرهم التشاغل عن الجمعة بالبيع وغيره من العقود من إجارة ونكاح وصلح وسائر صنايع الأعمال، وذلك عند الجمهور بعد الشروع في الأذان بين يدي الخطيب، مما فيه تشاغل عن السعي إلى الجمعة، لقوله تعالى: {إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة، فاسعوا إلى ذكر الله ، وذروا البيع} [الجمعة:9/62]، فورد النص على البيع، وقيس عليه غيره، سواء أكان عقداً أم لا، لأن كل ذلك يمنع عن تحقيق الغاية المطلوبة وهي أداء الجمعة (3) .\rوأضاف الشافعية أنه يكره البيع ونحوه قبل الأذان بعد الزوال.\r-------------------------------\r(1) الدر المختار: 773/1.\r(2) الدر المختار: 772/1.\r(3) الدر المختار ورد المحتار: 770/1، البدائع: 270/1، بداية المجتهد: 160/1، و167/2، القوانين الفقهية: ص31، المهذب: 110/1، حاشية الدسوقي: 386/1، مغني المحتاج: 25/1 ومابعدها.","part":2,"page":422},{"id":1114,"text":"وقال الحنابلة (1) : لا يحرم غير البيع من العقود كالإجارة والصلح والنكاح؛ لأن النهي مختص بالبيع، وغيره لا يساويه في الشغل عن السعي، لقلة وجوده، فلا يصح قياسه على البيع.\rغير أني لا أتردد في تصويب الرأي الأول، وعدم الالتفات للرأي الثاني، لأن الأمور بمقاصدها، ولأن الحنابلة القائلين بسد الذرائع يلزمهم سد كل الوسائل المؤدية إلى إهمال الجمعة.\rوتحريم البيع ووجوب السعي يختص بالمخاطبين بالجمعة، أما غيرهم من النساء والصبيان والمسافرين، فلا يثبت في حقهم ذلك.\rوهل البيع إذا وقع وقت النداء صحيح، أو باطل يفسخ (2) ؟ قال الحنفية: البيع صحيح مكروه تحريماً؛ لأن الأمر بترك البيع ليس لعين البيع، بل لترك استماع الخطبة، ويقرب من قولهم قول الشافعية: البيع صحيح حرام.\rوقال المالكية: إنه من البيوع الفاسدة، ويفسخ على المشهور، وكذلك قال الحنابلة: لا يصح هذا البيع.\rوسبب اختلافهم: هل النهي عن الشيء الذي أصله مباح إذا تقيد النهي بصفة يعود بفساد المنهي عنه، أو لا؟.\r-------------------------------\r(1) المغني:297/2 ومابعدها.\r(2) المراجع السابقة، تبصرة الحكام لابن فرحون بهامش فتح العلي: 378/2، الشرح الصغير:514/1.","part":2,"page":423},{"id":1115,"text":"المطلب الثالث ـ من تجب عليه الجمعة أو شروط وجوب الجمعة:\rالجمعة كغيرها من الصلوات الخمس في الأركان والشروط والآداب، وتختص بشروط لوجوبها وصحتها ولزومها، وبآداب.\rتجب الجمعة على كل مكلف (بالغ عاقل) حر، ذكر، مقيم غير مسافر، بلا مرض ونحوه من الأعذار، سمع النداء، فلا تجب على صبي ومجنون ونحوه، وعبد، وامرأة ومسافر، ومريض، وخائف وأعمى وإن وجد قائداً عند أبي حنيفة، ويجب عليه إن وجد من يقوده عند المالكية والشافعية، والحنابلة والصاحبين من الحنفية، ومن لم يسمع النداء، على تفصيل آتٍ،ولا على معذور بمشقة مطر ووَحَل وثلج. لكن إن حضر هؤلاء وصلوا مع الناس، أجزأهم ذلك عن فرض الوقت،؛ لأنهم تحملوا المشقة، فصاروا كالمسافر إذا صام، ولأن كل من صحت ظهره ممن لا تلزمه الجمعة صحت جمعته بالإجماع، لأنها إذا أجزأت عمن لا عذر له، فصاحب العذر أولى، وإنما سقطت عنه رفقاً به، فترك الجمعة للمعذور رخصة، فلو أدى الجمعة سقط عنه الظهر، وتقع الجمعة فرضاً، وترك الترخص يعيد الأمر إلى العزيمة، أي أنه إن تكلف حضورها وجبت عليه، وانعقدت به، ويصح أن يكون إماماً فيها. روى أبو داود عن النبي صلّى الله عليه وسلم قال: «الجمعة حق واجب على كل مسلم في جماعة إلا أربعة: عبد مملوك، أو امرأة، أو صبي، أو مريض» .\rوبه يتبين أن شروط وجوب الجمعة هي ما يأتي:\rيشترط لوجوب الجمعة شروط وجوب الطهارة والصلاة ، وهي ثلاثة عند الجمهور: (الإسلام والبلوغ والعقل) وعشرة عند المالكية وهي: الإسلام والبلوغ والعقل، وعدم الحيض والنفاس، ودخول الوقت، وعدم النوم، وعدم النسيان، وعدم الإكراه، ووجود الماء أو الصعيد، والقدرة على الفعل بقدر الإمكان.\rويزاد عليها أربعة شروط (1) :\r-------------------------------\r(1) الدر المختار: 762/1-764، البدائع: 256/1، الكتاب مع اللباب: 111/1-113، فتح القدير: 714/1، الشرح الصغير: 494/1 ومابعدها، القوانين الفقهية: ص79، بداية المجتهد: 151/1، مغني المحتاج: 276/1 ومابعدها، المهذب: 109/1، كشاف القناع: 23/2-25، المغني: 298/2، 327-332، 338-324.","part":2,"page":424},{"id":1116,"text":"1 - الذكورة: فلا تجب الجمعة على أنثى.\r2 - الحرية: فلا تجب على عبد.\r3 - الإقامة في محل الجمعة: فلا تجب على مسافر لم ينو الإقامة (1) لحديث «لاجمعة على مسافر» (2) ، وفي هذا تفصيل المذاهب: قال الحنفية: يشترط الإقامة في مصر أي بلد كبير: وهو ما لا يسع أكبر مساجدها أهلها المكلفين بالجمعة، والقرية بخلافها. فلا تجب الجمعة على مقيم بقرية.\rوتجب الجمعة أيضاً على من كان في فِناء المصر أي ما امتد من جوانبها، وقدروه بفرسخ (5544 م) في المختار للفتوى.\rأما من كان خارج المصر: فتجب عليه الجمعة إن كان يسمع النداء من المنائر بأعلى صوت. وهو قول محمد، وبه يفتى، لحديث أبي داود: «الجمعة على كل من سمع النداء» .\rولا جمعة على من يقيم في أطراف المصر، ويفصل بينه وبينها مسافة من مزارع ونحوها، وإن بلغه النداء. وتقدير البعد بغَلوة سهم أي مقدار رمية وهي (أربع مئة ذراع) أو ميل، ليس بشيء.\rوالخلاصة: تجب الجمعة على من يسكن المصر، أو ما يتصل به، فلا تجب على أهل السواد (القرى) ولو كان قريباً، وتجب الجمعة على مسافر نوى الإقامة لمدة خمسة عشر يوماً، وليس الاستيطان (دوام الإقامة) شرطاً لوجوب الجمعة.\r-------------------------------\r(1) مدة الإقامة خمسة عشر يوماً عند الحنفية، وأربعة أيام عند الشافعية والمالكية والحنابلة.\r(2) روي مرفوعاً، لكن قال البيهقي: الصحيح وقفه على ابن عمر.","part":2,"page":425},{"id":1117,"text":"وروى الدارقطني وغيره عن النبي صلّى الله عليه وسلم : «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فعليه الجمعة إلا امرأة ومسافراً وعبداً ومريضاً» . وقال المالكية: تجب الجمعة على مسافر نوى الإقامة أربعة أيام صحاح فأكثر، وإن لم تنعقد به. وتجب الجمعة على مقيم ببلد الجمعة، وعلى المقيم بقرية أو خيمة بعيدة عن بلد الجمعة بنحو فرسخ أو ثلاثة أميال وثلث، لا أكثر، وتقدر المسافة من المنارة التي في طرف البلد. ولا يشترط في بلد الجمعة أن يكون مصراً، فتصح في القرية، وفي الأخصاص (وهي بيوت الجريد أو القصب)، ولا تصح ولا تجب في بيوت الشعر؛ لأن الغالب عليهم الارتحال، إلا إذا كانوا قريبين من بلد الجمعة، كما لا تصح ولا تجب على من أقام مؤقتاً في مكان ولو لشهر مثلاً، إذ لا بد من الاستيطان: وهو الإقامة في بلد على التأبيد.\rوقال الشافعية: تجب الجمعة على المقيم في بلد، مصر أو قرية، سمع النداء أو لم يسمعه، وعلى من في خارجه إن سمع النداء، لقوله صلّى الله عليه وسلم : «الجمعة على من سمع النداء» (1) فلا جمعة على الحصادين، إلا إذا سمعوا النداء. والاعتبار في سماع النداء: أن يقف المؤذن في طرف البلد، والأصوات هادئة، والريح ساكنة، وهو مستمع، فإذا سمع النداء لزمه، وإن لم يسمع لم يلزمه.\rوتجب الجمعة على مسافر نوى الإقامة أربعة أيام، أو سافر يوم الجمعة بعد فجر يومها، فإن سافر قبل الفجر فلا جمعة عليه، ولكن لا تنعقد الجمعة بالعدد المطلوب وهوأربعون بالمسافر، بل لا بد من كون الأربعين متوطنين، فالاستيطان شرط الانعقاد لا شرط الوجوب للجمعة، كما أن شرط صحة الجمعة هو وقوعها في بناء لا صحراء. روى البيهقي عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: «مضت السنة أن في كل أربعين فما فوق ذلك جمعة» وروى أبو داود عن كعب بن مالك\r-------------------------------\r(1) رواه أبو داود، والدارقطني وقال فيه: «إنما الجمعة على من سمع النداء» من حديث عبد الله بن عمرو (نيل الأوطار: 225/3).","part":2,"page":426},{"id":1118,"text":"رضي الله عنه: «أن أول من جمَّع بهم ـ أي في المدينة ـ أسعد بن زرارة رضي الله عنه، وكانوا يومئذٍ أربعين» .\rومذهب الحنابلة: تجب الجمعة على مستوطنين ببناء أو ماقاربه من الصحراء، مقيم في بلد وإن لم يكن مصراً تقام فيه الجمعة، ولو كان بينه وبين موضع إقامة الجمعة فرسخ، ولو لم يسمع النداء؛ لأنه بلد واحد، فلا فرق بين البعيد والقريب، ولأن بُعد الفرسخ في مظنة القرب.\rكما تجب الجمعة على من كان خارج البلد الذي تقام فيه الجمعة إذا كان بينه وبين موضعها فرسخ تقريباً فأقل كما قال المالكية؛ لأنه من أهل الجمعة، ويسمع النداء كأهل المصر، والعبرة بسماعه من المنارة، لا بين يدي الإمام. والمعتبر مظنة السماع غالباً، كما قال الشافعية: إذا كان المؤذن صيِّتاً، والرياح ساكنة، والأصوات هادئة، والعوارض منتفية.\rوتجب على المسافر إذا نوى الإقامة أربعة أيام فأكثر، أو كان سفره معصية، لئلا تكون المعصية سبباً للتخفيف عنه، أو كان بينه وبين بلد إقامته فرسخ فأقل، أو سافر مسافة دون مسافة القصر.\rولا تجب الجمعة على من كان في قرية لا يبلغ عددهم أربعين، أو كان مقيماً في خيام (ما يبنى من عيدان الشجر) ونحوها كبيوت الشعر، أو كان مسافراً سفراً لمسافة القصر (98كم)، أو كان بينه وبين موضع الجمعة أكثر من فرسخ، أو مقيم في قرية يظعن أهلها عنها في الشتاء دون الصيف أو في بعض السنة؛ لأنهم ليسوا من أهلها، ولا يسمعون نداءها، ولأنه صلّى الله عليه وسلم وأصحابه كانوا يسافرون في الحج وغيره، فلم يصل أحد منهم الجمعة في السفر.","part":2,"page":427},{"id":1119,"text":"ولا جمعة بمنى وعرفة نصاً؛ لأنه لم ينقل فعلها هناك.\rالسفر يوم الجمعة: للفقهاء رأيان في مشروعية السفر يوم الجمعة بعد الفجر (1) ، فأجازه الحنفية والمالكية، ومنعه الشافعية والحنابلة إن خيف فوت الجمعة، واتفقوا على منعه بعد دخول وقت الظهر (أي بعد الزوال) وقبل أداء صلاتها.\rقال الحنفية: لابأس بالسفر يوم الجمعة إذا خرج عن عمران المصر قبل دخول وقت الظهر، والصحيح أنه يكره السفر بعد الزوال وقبل أن يصلي الجمعة، ولا يكره قبل الزوال.\rوكذلك قال المالكية: يجوز السفر يوم الجمعة قبل الزوال، ولكنه يكره لمن لا يدركها في طريقه، ويحرم ويمنع بعد الزوال وقبل الصلاة اتفاقاً. ودليلهم قول عمر: «الجمعة لا تحبس عن سفر» .\rوقال الشافعية والحنابلة: يحرم على من تجب عليه الجمعة السفر قبل الزوال وبعده، إلا أن تمكنه الجمعة في طريقه أو يتضرر بتخلفه عن الرفقة أو كان السفر واجباً كالسفر لحج ضاق وقته وخاف فوته، لما روى ابن عمر: «أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم قال: من سافر من دار إقامة يوم الجمعة، دعت عليه الملائكة، لا يُصحَب في سفره، ولا يعان على حاجته» (2) ، وهذا وعيد لا يلحق بالمباح، ولأن الجمعة قد وجبت عليه، فلم يجز له الاشتغال بما يمنع منها كاللهو والتجارة.\rكذلك كره الشافعية السفر ليلة الجمعة، جاء في الإحياء للغزالي: «من سافر ليلة الجمعة دعا عليه ملكان» .\rوفي تقديري أن رأي المالكية والحنفية أصح، تيسيراً على الناس، ومنعاً للحرج، ولضعف حديث الفريق الثاني.\r-------------------------------\r(1) الدر المختار: 771/1، الشرح الصغير: 512/1، القوانين الفقهية: ص80، المهذب: 110/1، مغني المحتاج: 278/1 وما بعدها، المغني: 362/2-364، الشرح الصغير: 514/1-516، خصوصيات يوم الجمعة للسيوطي: ص73، الشرح الكبير: 387.\r(2) رواه الدارقطني في الأفراد، وأخرجه الخطيب في الرواة عن مالك بسند ضعيف عن أبي هريرة.","part":2,"page":428},{"id":1120,"text":"4 - السلامة من الأعذار: فلا بد لمن تجب عليه الجمعة من الصحة، والأمن، والحرية، والبصر، والقدرة على المشي، وعدم الحبس، وعدم المطر الشديد والوحل والثلج ونحوها، كما بينا في بحث أعذار مسقطات الجماعة والجمعة.\rفلا تجب الجمعة على مريض لعجزه عن ذلك، وممرِّض إن بقي المريض ضائعاً، وشيخ فانٍ، وخائف على نفسه أو ماله أو لخوف غريم أو ظالم أو فتنة، وعبد؛ لأنه مشغول بخدمة مولاه، وأعمى عند أبي حنيفة، ويجب عليه عند الحنابلة والصاحبين والمالكية والشافعية إذا وجد، أي الأعمى قائداً، ولا يجب عليه إن وجد قائداً عند أبي حنيفة ، ولا تجب على مفلوج الرِّجل ومقطوعها وزَمِن، ومحبوس، ومعذور بمشقة مطر ووحل وثلج. ولا تجب على قروي عند الحنفية.\rسقوط الجمعة عمن حضر العيد إلا الإمام عند الحنابلة:\rقال الحنابلة (1) : كما تسقط الجمعة عن ذوي الأعذار أو الأشغال كمريض ونحوه، تسقط عمن حضر العيد مع الإمام إن اتفق عيد في يوم جمعة إسقاط حضور، لا إسقاط وجوب، إلا الإمام، فإنها لا تسقط عنه، إلا أن لايجتمع له من يصلي به الجمعة، ويصح أن يؤم فيها، والأفضل حضورها خروجاً من الخلاف.\rودليلهم: حديث زيد بن أرقم: «من شاء أن يُجمِّع فليُجمِّع» (2) ، وحديث أبي هريرة عن رسول الله صلّى الله عليه وسلم قال: «اجتمع في يومكم هذا عيدان، فمن شاء أجزأه من الجمعة، وإنا مجمِّعون» (3) ، ولأن الجمعة إنما زادت عن الظهر بالخطبة، وقد حصل سماعها في العيد، فأجزأه عن سماعها ثانياً،ولأن وقتها واحد، فسقطت إحداهما بالأخرى كالجمعة مع الظهر.\rوقوله: ( إنا مجمعون ) يدل على أن الإمام لاتسقط عنه، ولأنه لو تركها،لامتنع فعل الجمعة في حق من تجب عليه ومن يريدها ممن سقطت عنه، بخلاف غيره من الناس.\r-------------------------------\r(1) المغني: 358/2، كشاف القناع: 44/2.\r(2) رواه الإمام أحمد، وأبو داود ولفظه «من شاء أن يصلي فليصل» .\r(3) رواه ابن ماجه. وعن ابن عمر وابن عباس عن النبي صلّى الله عليه وسلم نحو ذلك.","part":2,"page":429},{"id":1121,"text":"المطلب الرابع ـ كيفية الجمعة ومقدارها:\rالجمعة: ركعتان وخطبتان قبلها (1) ، قال عمر: «صلاة الجمعة ركعتان، تمام غير قصر، وقد خاب من افترى» (2) فلها ركنان: الصلاة والخطبة، والصلاة ركعتان بقراءة جهرية إجماعاً، والخطبة: فرض وهي خطبتان قبل الصلاة، وشرط في صحة الجمعة على الأصح، وأقل ما يسمى خطبة عند العرب، تشمل على حمد لله تعالى وصلاة على رسوله، ووعظ في أمور الدين والدنيا، وقرآن. ويسن قبلها أربع ركعات اتفاقاً، وبعدها عند الجمهور غير المالكية أربع أيضاً.\rالمطلب الخامس ـ شروط صحة الجمعة:\rيشترط لصحة الجمعة زيادة على شروط صحة الصلاة الإحدى عشرة المتقدمة سبعة شرائط عند الحنفية والشافعية، وخمسة شرائط عند المالكية وأربعة لدى الحنبلية (3) .\r1 - وقت الظهر:\rفتصح فيه فقط، ولا تصح بعده، ولا تقضى جمعة، فلو ضاق الوقت، أحرموا، بالظهر، ولا تصح عند الجمهور غير الحنابلة قبله، أي قبل وقت الزوال، بدليل مواظبة النبي صلّى الله عليه وسلم على صلاة الجمعة إذا زالت الشمس، قال أنس رضي الله عنه: «كان رسول الله صلّى الله عليه وسلم يصلي الجمعة حين تميل الشمس» (4) أي إلى الغروب،وهو الزوال، وعلى ذلك جرى الخلفاء الراشدون فمن بعدهم، ولأن الجمعة والظهر فرْضا وقت واحد، فلم يختلف وقتهما، كصلاة الحضر وصلاة السفر.\rوقال الحنابلة: يجوز أداء الجمعة قبل الزوال، وأول وقتها أول وقت صلاة العيد، لقول عبد الله بن سَيْدان السُّلَمي، «شهدت الجمعة مع أبي بكر، فكانت خطبته وصلاته قبل نصف النهار، ثم شهدتها مع عمر، فكانت صلاته وخطبته إلى أن أقول: انتصف النهار، ثم شهدتها مع عمر، فكانت صلاته وخطبته إلى أن أقول: انتصف النهار، ثم شهدتها مع عثمان، فكانت صلاته وخطبته إلى أن أقول: زال النهار، فما رأيت أحداً عاب ذلك، ولا أنكره» (5) فكان كالإجماع، ولأنها صلاة عيد، أشبهت العيدين.\r-------------------------------\r(1) البدائع: 256/1، بداية المجتهد: 155/1، القوانين الفقهية: ص81، مغني المحتاج: 276/1، كشاف القناع: 21/2، 41.\r(2) رواه أحمد وابن ماجه والنسائي.\r(3) الدر المختار: 747/1-761، فتح القدير:408/1-416، البدائع: 256/1، 262، 266، اللباب: 110/1-112، الشرح الصغير: 495/1-500، الشرح الكبير: 372/1-378، بداية المجتهد: 152/1-154، القوانين الفقهية: ص80-81، مغني المحتاج: 279/1-285، المهذب: 110/1 ومابعدها، 117، حاشية الشرقاوي: 261/1-266، كشاف القناع: 27/2، 34، 42 ومابعدها، المغني: 295/2، 327-337، 356-359.\r(4) رواه أحمد والبخاري وأبو داود والترمذي (نيل الأوطا: 259/3).\r(5) رواه الدارقطني وأحمد واحتج به، وقال: وكذلك روي عن ابن مسعود وجابر وسعيد ومعاوية: «أنهم صلوها قبل الزوال» (نيل الأوطار: 259/3).","part":2,"page":430},{"id":1122,"text":"وتفعل قبل الزوال جوازاً أو رخصة، وتجب بالزوال، وفعلها بعد الزوال أفضل لما روى سلمة بن الأكوع قال: «كنا نجمِّع مع رسول الله صلّى الله عليه وسلم إذا زالت الشمس، ثم نرجع نتتبَّع الفيء» (1) .\rوآخر وقت الجمعة: آخر وقت الظهر بغير خلاف، ولأنها بدل منها، أو واقعة موقعها، فوجب الإلحاق بها، لما بينهما من المشابهة.\rمتى تدرك الصلاة جمعة؟\rللفقهاء رأيان في إدراك جزء من صلاة الجمعة مع الإمام.\rفقال الحنفية على الراجح (2) : من أدرك الإمام يوم الجمعة في أي جزء من صلاته، صلى معه ما أدرك، وأكمل الجمعة، وأدرك الجمعة، حتى وإن أدركه في التشهد أو في سجود السهو. وهو رأي أبي حنيفة وأبي يوسف، لقوله صلّى الله عليه وسلم : «ماأدركتم فصلوا، وما فاتكم فاقضوا» (3) .\rوقال الجمهور (4) : إذا أدرك الركعة الثانية مع الإمام، فقد أدرك الجمعة، وأتمها جمعة، وإن لم يدرك معه الركعة الثانية، أتمها ظهراً، لإطلاق قوله صلّى الله عليه وسلم : «من أدرك ركعة من الجمعة فليصل إليها أخرى» وفي لفظ: «من أدرك ركعة من الصلاة، فقد أدرك الصلاة» وفي رواية: «من أدرك في الجمعة ركعة فقد أدرك الصلاة» (5) .\r-------------------------------\r(1) رواه الشيخان: البخاري ومسلم (نيل الأوطار: المكان السابق).\r(2) فتح القدير: 419/1، الكتاب مع اللباب: 114/1.\r(3) رواه أحمد وابن حبان عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة مرفوعاً. قال مسلم: أخطأ ابن عيينة في هذه اللفظة، ولا أعلم رواهاعن الزهري غيره. أخرجه الأئمة الستة بلفظ: «فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا» (نصب الراية: 200/2).\r(4) مغني المحتاج: 299/1 ومابعدها، كشاف القناع: 28/2، 33، المغني: 312/2.\r(5) اللفظ الأول لابن ماجه، والثاني متفق عليه عند الشيخين، والثالث رواه الأثرم.","part":2,"page":431},{"id":1123,"text":"2 - البلد:\rأي كونها في مصر جامع، أو في مصلى المصر عند الحنفية: وهو كل موضع له أمير وقاض ينفذ الأحكام ويقيم الحدود، هذا في مشهور المذهب الحنفي، لكن المفتى به عند أكثر الحنفية، أن المصر كما قدمنا: هو ما لا يسع أكبر مساجدها أهلها المكلفين بالجمعة. وهذا شرط وجوب وصحة، فلا يصح أداء الجمعة إلا في المصر وتوابعه، ولا تجب على أهل القرى التي ليست من توابع المصر، ولا يصح أداء الجمعة فيها. ودليلهم على اشتراط المصر: ما رواه عبد الرزاق عن علي موقوفاً: «لا جمعة، ولا تشريق إلا في مصر جامع» .","part":2,"page":432},{"id":1124,"text":"وقال المالكية: كونها في موضع الاستيطان، وهو إما بلد أو قرية، مبنية بأحجار ونحوها، أو بأخصاص من قصب أو أعواد شجر، لا خيم من شعر أو قماش؛ لأن الغالب على أهلها الارتحال، فأشبهوا المسافرين. وهذا شرط صحة ووجوب عند المالكية؛ لأن الصحيح عندهم أن الشروط الأربعة وهي الإمام والجماعة والمسجد وموضع الاستيطان هي شروط وجوب وصحة معاً، ولا بد أن تستغني القرية بأهلها عادة، بالأمن على أنفسهم، والاكتفاء في معاشهم عن غيرهم. ولا يحدون بحد كمئة أو أقل أو أكثر.\rوقرر الشافعية: أن تقام الجمعة في خِطّة بلد أو قرية، وإن لم تكن في مسجد. ولا تلزم الجمعة في الأظهر أهل الخيام وإن استقروا في الصحراء أبداً؛ لأنهم على هيئة المسافرين أو المستوفزين للسفر، وليس لهم أبنية المستوطنين، ولأن قبائل العرب الذين كانوا مقيمين حول المدينة ما كانوا يصلونها، وما أمرهم النبي صلّى الله عليه وسلم بها.\rوالمراد بالخِطَّة: الأرض التي خُطَّ عليها أعلام للبناء فيها. ويقصد بها هنا الأمكنة المعدودة من البلد. وهي تشبه المخطط التنظيمي لكل بلد في عصرنا. ولا بد أن تكون الأبنية مجتمعة بحسب العرف.\rواشترط الحنابلة: أن يكون المكلفون بالجمعة وهم أربعون فأكثر مستوطنين أي مقيمين بقرية مجتمعة البناء، بما جرت العادة بالبناء به، من حجر أو لبن أو طين أو قصب أو شجر؛ لأنه صلّى الله عليه وسلم «كتب إلى قرى عُرينة أن يصلوا الجمعة» ولا جمعة على أهل الخيام وبيوت الشعر والحركات، ولا تصح منهم؛ لأن ذلك لا ينصب للاستيطان غالباً.\rوالخلاصة: لا بد لإقامة الجمعة عند الجمهور من كونها في مدينة أو قرية، ولابد أن تكون القرية كبيرة عند الحنفية، فلا تجب على سكان القرى الصغيرة، أي لا بد من المصر عندهم، أما عند غيرهم فلا يشترط المصر، والقرية والبلد سواء.","part":2,"page":433},{"id":1125,"text":"3 - الجماعة:\rالجماعة شرط، لما رواه أبو داود: «الجمعة حق واجب على كل مسلم في جماعة..» وانعقد الإجماع على ذلك. وأقل الجماعة عند أبي حنيفة ومحمد في الأصح: ثلاثة رجال سوى الإمام، ولو كانوا مسافرين أو مرضى؛ لأن أقل الجمع الصحيح إنما هو الثلاث، والجماعة شرط مستقل في الجمعة، لقوله تعالى: {فاسعوا إلى ذكر الله } [الجمعة:9/62] والجمعة مشتقة من الجماعة، ولا بد لهم من مذكر وهو الخطيب. فإن تركوا الإمام أو نفروا بعد التحريمة قبل السجود، فسدت الجمعة، وصليت الظهر. وإن عادوا وأدركوا الإمام راكعاً، أو بقي ثلاثة رجال يصلون مع الإمام. أو نفروا بعد الخطبة وصلى الإمام بآخرين، صحت الجمعة، فوجود الجماعة: شرط انعقاد الأداء، لا شرط دوام وبقاء إلى آخر الصلاة، ولا يتحقق الأداء إلا بوجود تمام الأركان وهي القيام والقراءة والركوع والسجود، فلو نفروا بعد التحريمة قبل السجود فسدت الجمعة، ويستقبل (يستأنف) لظهر، كما بينا.\rوقال المالكية: يشترط حضور اثني عشر رجلاً للصلاة والخطبة، لما روي عن جابر أن النبي صلّى الله عليه وسلم كان يخطب قائماً يوم الجمعة، فجاءت عِير (إبل تحمل التجارة) من الشام، فانفتل الناس إليها، حتى لم يبق إلا اثنا عشر رجلاً، فأنزلت هذه الآية التي في الجمعة: { وإذا رأ وا تجارة أو لهواً، انفضوا إليها، وتركوك قائماً } (1) [الجمعة:11/62].\rويشترط لهذا الشرط شرطان أيضاً:\rالأول ـ أن يكون العدد من أهل البلد، فلا تصح من المقيمين به لنحو تجارة، إذا لم يحضرها العدد المذكور من المستوطنين بالبلد.\rالثاني ـ أن يكونوا باقين مع الإمام من أول الخطبة حتى السلام من صلاتها، فلو فسدت صلاة واحد منهم، ولو بعد سلام الإمام، بطلت الجمعة، أي أن بقاء الجماعة إلى كمال الصلاة شرط على المشهور.\rوقال الشافعية والحنابلة: تقام الجمعة بحضور أربعين فأكثر بالإمام من أهل القرية المكلفين الأحرار الذكور المستوطنين، بحيث لا يظعن منه أحدهم شتاء ولاصيفاً إلا لحاجة، ولو كانوا مرضى أو خرساً أو صماً، لا مسافرين، لكن يجوز كون الإمام مسافراً إن زاد العدد عن الأربعين، ولا تنعقد الجمعة بأقل من أربعين، لحديث كعب المتضمن أن عدد المصلين في أول صلاة جمعة بالمدينة مع أسعد بن زرارة كانوا أربعين رجلاً (2) . وروى البيهقي عن ابن مسعود أنه صلّى الله عليه وسلم جمع بالمدينة\r-------------------------------\r(1) حديث الانفضاض هذا رواه أحمد ومسلم والترمذي وصححه (نيل الأوطار: 278/3).\r(2) رواه أبو داود وابن ماجه (نيل الأوطار: 230/3).","part":2,"page":434},{"id":1126,"text":"وكانوا أربعين رجلاً. ولم يثبت أنه صلّى الله عليه وسلم صلى بأقل من أربعين، فلا تجوز بأقل منه. فلو انفض الأربعون أو بعضهم في الخطبة، لم تصح الجمعة؛ لأن سماع الأربعين جميع أركان الخطبة مطلوب، والمقصود من الخطبة إسماع الناس، فإن نقصوا عن الأربعين قبل إتمام الجمعة استأنفوا ظهراً ولم يتموها جمعة؛ لأن العدد شرط، فاعتبر في جميعها كالطهارة.\rويظهر لي أن الجمعة تتطلب الاجتماع، فمتى تحققت الجماعة الكثيرة عرفاً، وجبت الجمعة وصحت، وليس هناك نص صريح في اشتراط عدد معين. والجماعة في الجمعة شرط بالاتفاق، إذ كان معلوماً من الشرع أنها حال موجودة في الصلاة. فإن سبق أحد المصلين بركعة، صحت جمعته، وأتى بركعة ثانية، فإن لم يدرك مع الإمام ركوع الركعة الثانية، أتم صلاته ظهراً، والدليل ما رواه النسائي وابن ماجه والدارقطني عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم : «من أدرك ركعة من صلاة الجمعة وغيرها، فليضف إليها أخرى، وقد تمت صلاته» .","part":2,"page":435},{"id":1127,"text":"4 - كون الأمير أو نائبه هو الإمام، والإذن العام من الإمام بفتح أبواب الجامع للواردين عليه.\rاشترط الحنفية هذين الشرطين:\rالأول ـ أن يكون السلطان ولو متغلباً أو نائبه، أو من يأذن له بإقامة الجمعة كوزارة الأوقاف الآن هو إمام الجمعة وخطيبها؛ لأنها تقام بجمع عظيم، وقد تقع منازعة في شؤون الجمعة، فلا بد منه تتميماً لأمره، ومنعاً من تقدم أحد.\rوالثاني ـ الإذن العام: وهو أن تفتح أبواب الجامع ويؤذن للناس بالدخول إذناً عاماً، بأن لا يمنع أحد ممن تصح منه الجمعة عن دخول الموضع الذي تصلى فيه؛ لأن كل تجمع يتطلب الإذن بالحضور، ولأنه لا يحصل معنى الاجتماع إلا بالإذن، ولأنها من شعائر الإسلام، وخصائص الدين، فلزم إقامتها على سبيل الاشتهار والعموم.\rولم يشترط غير الحنفية هذين الشرطين، فلا يشترط إذن الإمام لصحة الجمعة، ولا حضوره؛ لأن علياً صلى بالناس، وعثمان محصور، فلم ينكره أحد، وصوبه عثمان (1) ، ولأن الجمعة فرض الوقت، فأشبهت الظهر في عدم هذين الشرطين (2) .\r5 - أن تكون بالإمام وفي الجامع:\rاشترط المالكية هذين الشرطين وهما: أن تصلى بإمام مقيم، فلا تصح أفراداً، وأن يكون مقيماً غير مسافر، ولو لم يكن متوطناً، وأن يكون هوالخطيب إلا لعذر يبيح الاستخلاف كرعاف ونقض وضوء، وأن يكون حراً فلا تصح إمامة العبد. ولا يشترط أن يكون الإمام والياً، خلافاً للحنفية.\rوأن تكون الصلاة بجامع يجمع فيه على الدوام، فلا تصح في البيوت ولا في رحبة دار، ولا في خان، ولا في ساحة من الأرض، وفي الجملة: لا تصح المواضع المحجورة كالدور والحوانيت.\rوللجامع شروط أربعة: أن يكون مبنياً، وأن يكون بناؤه بحسب العادة والعرف فيجوز بالقصب ونحوه، وأن يكون متحداً، ومتصلاً بالبلد، فالجمعة لا تكون إلا متحدة في البلد، وإذا تعددت الجمع، فالذي تصح الجمعة فيه هو الجامع العتيق الأقدم؛ دون غيره، والمراد بالعتيق: ما أقيمت فيه الجمعة ابتداء،ولو تأخر بناؤه عن غيره.\r-------------------------------\r(1) رواه البخاري بمعناه.\r(2) كشاف القناع: 41/2.","part":2,"page":436},{"id":1128,"text":"ولا يشترط كون الجامع مسقفاً على الراجح، ولا قصد تأبيد إقامة الجمعة فيه، ولا قصد إقامة الصلوات الخمس فيه.\rوتصح الجمعة في رحاب المسجد: وهي ما زيد خارج محيطه لتوسعته، وتصح في طرق المسجد المتصلة به من غير فصل ببيوت أو حوانيت أو أشياء محجورة، سواء ضاق المسجد أو اتصلت الصفوف أم لا، وتكره في الرحاب والطرق من غير ضرورة.\rولا تجوز الجمعة على سطح المسجد، ولو ضاق بالناس، ولا في الأماكن المحجورة كالدور والحوانيت.\r6 - عدم تعدد الجمع لغير حاجة:\rاشترط الشافعية لصحة الجمعة ألا يسبقها ولا يقارنها جمعة في البلد أو القرية، إلا لكبر البلد وعسر اجتماع الناس في مكان، وتعسر الاجتماع: إما لكثرة الناس، أو لقتال بينهم، أو لبعد أطراف البلد، بأن يكون من بطرفها لا يبلغهم صوت المؤذن بالشروط السابقة في وجوب الجمعة.\rودليل هذا الشرط أنه صلّى الله عليه وسلم وصحبه والخلفاء الراشدين والتابعين لم يقيموا سوى جمعة واحدة، ولأن الاقتصار على واحدة أدعى لتحقيق المقصود من إظهار شعار الاجتماع، واجتماع الكلمة.\rفإن سبقت إحدى الجمع غيرها فهي الصحيحة، وما بعدها باطل؛ لأنه لا يزاد على واحدة وإن تقارنتا فهما باطلتان. والعبرة في السبق والمقارنة: بالراء من تكبيرة إحرام الإمام. فإن علم السابق ثم نسي، وجبت الظهر على الجميع، لالتباس الصحيحة بالفاسدة، وإن علمت المقارنة أو لم يعلم سبق ولا مقارنة، أعيدت الجمعة إن اتسع الوقت، لعدم وقوع جمعة مجزئة. وإن تعددت الجمعة لحاجة، بأن عسر اجتماع بمكان، جاز التعدد، وصحت صلاة الجميع على الأصح، سواء وقع إحرام الأئمة معاً أو مرتباً، وسن صلاة الظهر احتياطاً، فالاحتياط لمن صلى ببلد تعددت فيه الجمعة لحاجة، ولم يعلم سبق جمعته: أن يعيدها ظهراً، خروجاً من خلاف من منع التعدد ، ولو لحاجة. وينوي آخر ظهر بعد صلاة الجمعة أو ينوي الظهر احتياطاً، خروجاً عن عهدة فرض الوقت بأداء الظهر.","part":2,"page":437},{"id":1129,"text":"وصلاة الظهر بعد الجمعة: إما واجبة إن تعددت الجمع لغير حاجة، أو مستحبة إذا كان التعدد بقدر الحاجة فقط، أو زائداً عليها ولم يدر هل التعدد لحاجة أو لا، أو حرام فيما إذا كان بالبلد جمعة واحدة فقط كبعض قرى الأرياف.\rوكذلك قرر المالكية على الراجح: أنه يمنع تعدد الجمعة في مسجدين أو أكثر في مصر واحد، ولا تكون الجمعة إلا متحدة في البلد، فإن تعددت صحت جمعة الجامع الأقدم أو العتيق: وهو المسجد الذي أقيمت فيه أول جمعة في البلد، ولو تأخر بناؤه عن غيره، كما بينا (1) .\rوالحنابلة مع الشافعية والمالكية فيما ذكر (2) : وهو إن كان البلد كبيراً يحتاج إلى جوامع أو في حال خوف الفتنة بأن يكون بين أهل البلد عداوة، أو في حال سعة البلد وتباعد أطرافه، فصلاه الجمعة في جميعها جائزة؛ لأنها صلاة شرع لها الاجتماع والخطبة، فجازت فيما يحتاج إليه من المواضع كصلاة العيد، وقد ثبت أن علياً رضي الله عنه كان يخرج يوم العيد إلى المصلى، ويستخلف على ضعَفَة الناس أبا مسعود البدري فيصلي بهم. وأما ترك النبي صلّى الله عليه وسلم وأصحابه إقامة جمعتين، فلعدم الحاجة إليه، ولأن الصحابة كانوا يؤثرون سماع خطبته عليه السلام، وشهود جمعته، وإن بعدت منازلهم، لأنه المبلغ عن الله تعالى.\rولما دعت الحاجة إلى تعدد الجمعات في الأمصار، صليت في أماكن، ولم ينكر أحد، فكان إجماعاً.\rوإن تحققت الحاجة بجمعتين اثنتين، لم تجز الجمعة الثالثة لعدم الحاجة إليها، وهكذا الرابعة والخامسة.\rويحرم إقامة الجمعة والعيد بأكثر من موضع من البلد لغير حاجة، ويحرم إذن الحاكم في إقامة جمعة زائدة عند عدم الحاجة إليها، كما يحرم الإذن فيما زاد على قدر الحاجة.\r-------------------------------\r(1) الشرح الصغير: 500/1، القوانين الفقهية: ص80 ومابعدها.\r(2) المغني: 334/2 ومابعدها، كشاف القناع: 42/2-44.","part":2,"page":438},{"id":1130,"text":"فإن أقيمت الجمعة في موضعين فأكثر مع عدم الحاجة، فجمعة الإمام (الحاكم) التي باشرها أو أذن فيها: هي الصحيحة؛ لأن في تصحيح غيرها افتياتاً عليه، وتفويتاً لجمعته.\rفإن استويا في الإذن وعدم إذن الإمام، فالسابقة هي الصحيحة، والثانية باطلة. والسبق يكون بتكبيرة الإحرام، كما قال الشافعية، لا بالشروع في الخطبة ولا بالسلام. وإن تقارنتا معاً، واستوتا في الإذن أو عدمه، بطلتا؛ لأنه لا يمكن تصحيحهما.\rوإن جهلت الجمعة الأولى ببلد لغير حاجة، أو لم يعلم سبق إحداهما، أو علم الحال ثم أنسي، صلوا ظهراً.\rوالخلاصة: إن رأي الجمهور ( المالكية على المشهور، والشافعية والحنابلة) والكاساني من الحنفية: هو عدم جواز التعدد إلا لحاجة. أما الحنفية (1) على المذهب وعليه الفتوى فقالوا: يؤدى أكثر من جمعة في مصر واحد بمواضع كثيرة دفعاً للحرج؛ لأن في إلزام اتحاد الموضع حرجاً بيناً، لتطويل المسافة على أكثر الحاضرين، ولم يوجد دليل على عدم جواز التعدد، والضرورة أو الحاجة تقضي بعدم اشتراطه، لا سيما في المدن الكبرى.\r-------------------------------\r(1) الدر المختار ورد المحتار: 755/1 ومابعدها. قال في شرح المنية: الأولى هو الاحتياط: لأن الخلاف في جواز التعدد عدمه قوي، وكون الصحيح جواز التعدد للضرورة للفتوى: لايمنع شرعية الاحتياط للتقوى.","part":2,"page":439},{"id":1131,"text":"والحق: رجحان هذا الرأي، لاتساع البنيان، وكثرة الناس، وللحاجة في التيسير عليهم في أداء الجمعة، ولأن منع التعدد لم يقم عليه دليل صحيح، قال ابن رشد (1) : لو كان شرط عدم التعدد، واشتراط المصر والسلطان واشتراط مالك المسجد شروطاً في صحة صلاة الجمعة، لما جاز أن يسكت عنها عليه الصلاة والسلام، ولا أن يترك بيانها، لقوله تعالى: {لتبين للناس ما نزل إليهم} [النحل:44/16]، ولقوله تعالى: {إلا لتبين لهم الذي اختلفوا فيه} [النحل:64/16]، وتعدد الجمع اليوم يتفق مع مبدأ يسر الإسلام ودفع الحرج عن المصلين، ولا تجب صلاة الظهر على أحد من المصلين، كما قرر بعض الشافعية كالرملي في المدن الكبرى كالقاهرة وبغداد ودمشق، وأما كون الجمعة لمن سبق فمعناه زيادة الأجر لمن بكر في المجيء للمسجد. قال ابن تيمية: إقامة الجمعة في المدينة الكبيرة في موضعين للحاجة يجوز عند أكثر العلماء، ولهذا لما بنيت بغداد ولها جانبان أقاموا فيها جمعة في الجانب الشرقي، وجمعة في الجانب الغربي، وجوز ذلك أكثر العلماء (2) .\r-------------------------------\r(1) بداية المجتهد: 154/1.\r(2) فتاوى ابن تيمية 208/24.","part":2,"page":440},{"id":1132,"text":"7 - الخطبة قبل الصلاة:\rاتفق الفقهاء على أن الخطبة شرط في الجمعة، لا تصح بدونها (1) ، لقوله تعالى: {فاسعوا إلى ذكر الله } [الجمعة:9/62] والذكر: هو الخطبة، ولأن النبي صلّى الله عليه وسلم لم يصل الجمعة بدون الخطبة (2) ، وقد قال: «صلوا كما رأيتموني أصلي» ، وعن عمر وعائشة رضي الله عنهما أنهما قالا: قصرت الصلاة لأجل الخطبة. والأصح عند الحنفية: أن الخطبة ليست قائمة مقام ركعتين، بل كشطرها في الثواب، لما ورد به الأثر من أن الخطبة كشطر الصلاة.\rوهي خطبتان قبل الصلاة اتفاقاً، واختلف الفقهاء في شروط الخطبة.\rفقال الحنفية (3) :\rيخطب الإمام بعد الزوال قبل الصلاة خطبتين خفيفتين بقدر سورة من طوال المفصل، يفصل بينهما بقَعْدة قدر قراءة ثلاث آيات، ويخفض جهره بالثانية عن الأولى، ويخطب قائماً، مستقبل الناس، على طهارة من الحدثين، وستر عورة، ولو كان الحاضرون صُمَّاً أو نياماً.\rولو خطب قاعداً أو على غير طهارة، جاز لحصول المقصود، إلا أنه يكره لمخالفته الموروث، وللفصل بينها وبين الصلاة لتجديد طهارته، فالطهارة والقيام سنةعندهم، والسبب في ذلك أنها لا تقوم مقام الركعتين في الأصح؛ لأنها تنافي الصلاة، لما فيها من استدبار القبلة والكلام، فلا يشترط لها شرائط الصلاة.\r-------------------------------\r(1) تبيين الحقائق: 219/1 ومابعدها، الشرح الصغير: 499/1، مغني المحتاج: 285/1، المغني: 302/2.\r(2) ذكره البيهقي، واستدل ابن الجوزي على وجوب الخطبة بهذا، مع حديث «صلوا كما رأيتموني أصلي» وأخرج مسلم عن جابر بن سمرة «أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم كان يخطب قائماً، ثم يجلس، ثم يقوم، فيخطب قائماً...» وأخرج أبو داود عن ابن عمر، قال: كان النبي صلّى الله عليه وسلم يخطب خطبتين، كان يجلس إذا صعِد المنبر حتى يفرغ أذان المؤذن، ثم يقوم، ثم يجلس، فلا يتكلم، ويقوم، فيخطب» وفي أحد رواته: فيه مقال (نصب الراية 196/2).\r(3) فتح القدير مع العناية:413/1-415، الدر المختار: 757/1-760، مراقي الفلاح: ص87، البدائع: 262/1، تبيين الحقائق: 219/1 ومابعدها.","part":2,"page":441},{"id":1133,"text":"ولو اقتصر الخطيب على ذكر الله تعالى كتحميدة أو تهليلة أو تسبيحة، فقال: الحمد لله ، أو سبحان الله ، أو لا إله إلا الله ، جاز عند أبي حنيفة مع الكراهة، لقوله تعالى: {فاسعَوْا إلى ذكر الله } [الجمعة:9/62] والمراد به الخطبة باتفاق المفسرين، وقد أطلق عليها الذكر، من غير فصل بين قليل وكثير، فالزيادة عليها نسخ، وروي أن « عثمان رضي الله عنه: لما صعد المنبر أول جمعة ولّي، قال: الحمد لله ، فأرتج (أي أغلق)، فنزل، وصلى» وكان بمحضر من علماء الصحابة، ولم ينكر عليه أحد، فدل على أن هذا المقدار كاف.\rوقال الصاحبان: لا بد من ذِكْر طويل يسمى خطبة، وأقله قدر التشهد؛ لأن الخطبة هي الواجبة، والتسبيحة أو التحميدة لا تسمى خطبة. وشروط الخطبة عند الحنفية ستة: أن تكون قبل الصلاة، وبقصد الخطبة، وفي الوقت، وأن يسمعها واحد ممن تنعقد بهم الجمعة على الأقل في الصحيح، فيكفي حضور عبد أو مريض أو مسافر ولو جنباً، ولا تصح بحضور صبي أو امرأة فقط، ولا يشترط سماع جماعة.\rويشترط أيضاً ألا يفصل فاصل كثير أجنبي كتناول غداء أو غسل بين الخطبة والصلاة، فإن وجد أعيدت الخطبة، لبطلان الخطبة الأولى. ولا يشترط اتحاد الإمام والخطيب، لكن لا ينبغي أن يصلي غير الخطيب؛ لأنهما كشيء واحد. وأجازوا الخطبة، بغير العربية ولو لقادر عليها، سواء أكان القوم عرباً أم غيرهم. ويبدأ قبل الخطبة الثانية بالتعوذ سراً، ثم يحمد الله تعالى والثناء عليه، ويأتي بالشهادتين، والصلاة على النبي صلّى الله عليه وسلم ، والعظة والتذكير، ويندب ذكر الخلفاء الراشدين والعمّين (حمزة والعباس)، ولا يندب الدعاء للسلطان، وجوزه بعضهم، فقد ثبت أن أبا موسى الأشعري أمير الكوفة دعا لعمر، ويكره تحريماً وصفه بما ليس فيه.\rواشترط المالكية (1) تسعة شروط لخطبتي الجمعة هي:\rالأول ـ أن يكون الخطيب قائماً، والأظهر أن هذا واجب غير شرط، فإن جلس أتم خطبته وصحت.\r-------------------------------\r(1) الشرح الصغير: 499/1، الشرح الكبير: 372/1،378 ومابعدها، 386.","part":2,"page":442},{"id":1134,"text":"الثاني ـ أن تكون الخطبتان بعد الزوال، فإن تقدمتا عليه، لم يجز.\rالثالث ـ أن يكونا مما تسميه العرب خطبة، ولو سجعتين نحو: اتقوا الله فيما أمر، وانتهوا عما نهى عنه وزجر، فإن سبح أو هلل أو كبر، لم يجزه. وندب ثناء على الله ، وصلاة على نبيه، وأمر بتقوى، ودعا بمغفرة وقراءة شيء من القرآن، فإذا قال: الحمد لله ، والصلاة والسلام على رسول الله صلّى الله عليه وسلم ، أما بعد: أوصيكم بتقوى الله وطاعته، وأحذركم عن معصيته ومخالفته، قال تعالى: {فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره، ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره} [الزلزلة:7/99-8]. ثم يجلس ويقول بعد قيامه بعد الثناء والصلاة على النبي صلّى الله عليه وسلم : أما بعد، فاتقوا الله فيما أمر، وانتهوا عما نهى عنه وزجر، يغفر الله لنا ولكم، لكان آتياً بالخطبة على الوجه الأكمل باتفاق العلماء.\rالرابع ـ كونهما داخل المسجد كالصلاة، فلو خطبهما خارجه، لم يصحا.\rالخامس ـ أن يكونا قبل الصلاة، فلا تصح قبلهما، فإن أخرهما عنهما، أعيدت الصلاة إن قرب الزمن عرفاً، ولم يخرج من المسجد، فإن طال الزمن أعيدتا؛ لأنهما مع الصلاة كركعتين من الظهر.\rالسادس ـ أن يحضرهما الجماعة: الاثنا عشر، فإن لم يحضروا من أولهما، لم يجزيا؛ لأنهما كركعتين.\rالسابع والثامن والتاسع ـ أن يجهر بهما، وأن يكونا بالعربية، ولو للأعاجم، واتصال أجزائهما ببعض وأن تتصل الصلاة بهما، وليس من شرط الخطبتين الطهارة على المشهور، لكن كره فيهما ترك الطهر من الحدثين الأصغر والأكبر، ووجب انتظاره لعذر قرب زواله بالعرف كحدث حصل بعد الخطبة، أو رعاف يسير والماء قريب.\rولا يصلي غير من يخطب إلا لعذر، فيشترط اتحاد الإمام والخطيب إلا لعذر طرأ عليه كجنون ورعاف مع بعد الماء.","part":2,"page":443},{"id":1135,"text":"وقال الشافعية (1) :\rللخطبة خمسة أركان أو فروض: حمد الله تعالى، والصلاة على رسول الله صلّى الله عليه وسلم ، والوصية بالتقوى، وتجب هذه الثلاثة في كل من الخطبتين، وقراءة آية مفهمة في إحدى الخطبتين، والدعاء للمؤمنين والمؤمنات بأمر أخروي.\rأما الأول وهو الحمد فلما رواه مسلم، وأما الثاني فلأن الخطبة عبادة، فتفتقر إلى ذكر الله تعالى وذكر رسوله، كالأذان والصلاة، وأما الثالث فلما رواه مسلم، ولأن المقصود من الخطبة الوعظ والتحذير، ولا يتعين لفظ الوصية بالتقوى الصحيح؛ لأن الفرض الوعظ والحمل على طاعة الله تعالى، فيكفي ما دل على الموعظة، طويلاً كان أو قصيراً كأطيعوا الله وراقبوه. وأما الرابع: فلما رواه الشيخان، سواء أكانت الآية وعداً أم وعيداً أم حكماً أم قصة. وأما الخامس: فلنقل الخلف له عن السلف. وكون الدعاء في الثانية؛ لأنه يليق بالخواتم.\rوالأصح أن ترتيب الأركان ليس بشرط، وإنما هو سنة.\rوشروط كل من الخطبتين خمسة عشر هي ما يأتي:\rكونهما قبل الصلاة، عدم الانصراف عنهما بصارف، القيام لمن قدر عليه اتباعاً للسنة، وكونهما بالعربية، وفي الوقت بعد الزوال، والجلوس بينهما بالطمأنينة كالجلوس بين السجدتين بقدر سورة الإخلاص استحباباً، أما القاعد فيفصل بسكتة، وإسماع العدد الذي تنعقد به الجمعة: بأن يرفع الخطيب صوته بأركانهما حتى يسمعها تسعة وثلاثون غيره كاملون، فلا بد من الإسماع والسماع بالفعل، لا بالقوة، فلو كانوا صُماً أو بعضهم لم تصح كبعدهم. وإلا كان الخطيب من الأربعين فيشترط أن يسمع نفسه، فلو كان أصم لم يكف.\rوالولاء بين كلمات كل من الخطبتين، وبينهما وبين الصلاة اتباعاً للسنة، فلا يجوز الفصل الطويل بين الخطبة والصلاة، كما قال الحنفية.\r-------------------------------\r(1) مغني المحتاج: 285/1-287، 111/1، المهذب: 111/1، الحضرمية: ص80.","part":2,"page":444},{"id":1136,"text":"وطهارة الحدثين وطهارة النجس في الثوب والبدن والمكان، وستر العورة، اتباعاً للسنة؛ لأن الخطبة قائمة مقام الركعتين، فتكون بمنزلة الصلاة، حتى يشترط لها دخول الوقت، فيشترط لها سائر شروط الصلاة من ستر العورة وطهارة الثوب والبدن والمكان.\rوأن تقع الخطبتان في مكان تصح فيه الجمعة، وأن يكون الخطيب ذكراً، وأن تصح إمامته بالقوم، وأن يعتقد العالم الركن ركناً والسنة سنة، وغير العالم ألا يعتقد الفرض سنة.\rوقال الحنابلة (1) :\rيشترط للجمعة أن يتقدمها خطبتان، للأدلة السابقة، وهما بدل ركعتين لما تقدم عن عمر وعائشة، ولا يقال: إنهما بدل ركعتين من الظهر؛ لأن الجمعة ليست بدلاً عن الظهر، بل الظهر بدل عنها إذا فاتت.\rويشترط لصحة كل من الخطبتين ما يأتي: حمد الله بلفظ: الحمد لله ، فلا يجزئ غيره، لحديث أبي هريرة مرفوعاً: «كل كلام لا يبدأ فيه بالحمد لله فهو أجذم» (2) أي أقطع، وعن ابن مسعود قال: «كان النبي صلّى الله عليه وسلم إذا تشهد قال: الحمد لله » (3) .\rوالصلاة على رسول الله صلّى الله عليه وسلم بلفظ الصلاة؛ لأن كل عبادة افتقرت إلى ذكر الله تعالى، افتقرت إلى ذكر رسوله، كالأذان. ولا يجب السلام عليه مع الصلاة عليهصلّى الله عليه وسلم .\rوقراءة آية كاملة لقول جابر: «كان صلّى الله عليه وسلم يقرأ آيات، ويذكِّر الناس» (4) ، ولأن الخطبتين أقيمتا مقام ركعتين، والخطبة فرض، فوجبت فيها القراءة كالصلاة، ولا تتعين آية، وإنما يقرأ ما شاء، ولو قرأ: {ثم نظر} [المدثر:21/74] ، و {مدهامتان} [الرحمن:64/55] لم يكف.\r-------------------------------\r(1) المغني: 302/2- 310، كشاف القناع: 34/2- 37، 40.\r(2) رواه أبو داود، ورواه جماعة مرسلاً.\r(3) رواه أبو داود.\r(4) رواه مسلم.","part":2,"page":445},{"id":1137,"text":"والوصية بتقوى الله تعالى؛ لأنه المقصود، ولا يتعين لفظها، وأقلها: اتقوا الله ، وأطيعوا الله ونحوه، وهذه الشروط أو الأركان الأربعة متفقة مع الشافعية. وإن أراد الخطيب الدعاء لإنسان دعا، فالدعاء للمسلمين والمسلمات سنة، ولا بأس بالدعاء لمعين حتى السلطان والدعاء له مستحب في الجملة؛ لأن سلطان المسلمين إذا صلح كان فيه صلاح لهم، وكان أبو موسى يدعو لعمر وأبي بكر، كما قدمنا.\rولو اقتصر على ( اطيعوا الله ، واجتنبوا معاصيه ) فالأظهر لا يكفي، والتسبيح والتهليل لا يسمى خطبة ولا بد من اسم الخطبة عرفاً. وتبطل الخطبة بكلام محرم في أثنائها ولو يسيراً، كما يبطل الأذان من باب أولى.\rويشترط في الخطبة اثنا عشر شرطاً هي ما يأتي: الشروط السابقة، والقيام لمن قدر، فإن قعد لعجز عن القيام أو لعذر من مرض، فلا بأس، كما تصح الصلاة من القاعد العاجز عن القيام، والراجح أن القيام سنة لا واجب.\rوالموالاة بين الخطبتين وبين أجزائها، وبين الصلاة، فلا يصح الفصل الطويل بين ما ذكر، فإن فصل بكلام طويل أو سكوت طويل نحوه، استؤنفت الخطبة.\rوالمرجع في طول الفصل وقصره إلى العادة. وإن احتاج إلى الطهارة تطهر وبنى على خطبته ما لم يطل الفصل.\rوتشترط النية، لحديث «إنما الأعمال بالنيات» فلو خطب بغير النية، لم يعتد بها عندهم وعند الحنفية، ولم يشترط المالكية النية، كما لم يشترطها الشافعية، وإنما اشترطوا عدم الصارف، فلو حمد الله للعطاس لم يكف للخطبة.\rورفع الصوت بحيث يسمع العدد المعتبر وهو أربعون، إن لم يعرض مانع من السماع، كنوم أوغفلة أو صمم بعضهم، فإن لم يسمعوا الخطبة لخفض صوت الخطيب أوبُعده عنهم، لم تصح الخطبة لعدم حصول المقصود بها. فإن كان عدم السماع لنوم أو غفلة أو مطر ونحوه كصمم وطرش أو كان أعاجم والخطيب سميع عربي، صحت الخطبة والصلاة.","part":2,"page":446},{"id":1138,"text":"وأن تكون بالعربية، فلا تصح الخطبة بغير العربية مع القدرة عليها، كقراءة القرآن، فإنها لا تجزئ بغير العربية، وتصح الخطبة لا القراءة بغير العربية مع العجز عنها.\rوإسماع العدد المعتبر للجمعة: وهو أربعون فأكثر، لسماع القدر الواجب؛ لأنه ذكْر اشترط للصلاة، فاشترط له العدد كتكبيرة الإحرام.\rوأن تكون الخطبة في الوقت،وأن يكون الخطيب ممن تجب عليه الجمعة، فلا تجزئ خطبة عبد أو مسافر.\rولا تشترط للخطبتين الطهارة عن الحدثين: الأصغر والأكبر، ولا ستر العورة وإزالة النجاسة، وإنما السنة أن يخطب متطهراً مزيلاً النجاسة ساتر العورة، وقال ابن قدامة: والأشبه بأصول المذهب اشتراط الطهارة من الجنابة.\rولا يشترط أن يتولى الخطبتين من يتولى الصلاة؛ لأن الخطبة منفصلة عن الصلاة، وإنما السنة أن يتولى الصلاة من يتولى الخطبة؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلم كان يتولاهما بنفسه، وكذلك خلفاؤه من بعده. وإن خطب رجل، وصلى آخر لعذر، جاز.\rكما لا يشترط أن يتولى الخطبتين رجل واحد، لأن كلاً منهما منفصلة عن الأخرى، بل يستحب ذلك، خروجاً من الخلاف في كل ما ذكر.\rويستحب أن يجلس بين الخطبتين جلسة خفيفة؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلم كان يفعل ذلك (1) . فإن خطب جالساً لعذر فصل بين الخطبتين بسكتة.\rويسن أن يستقبل الخطيب الناس بوجهه؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلم كان يفعل ذلك، ولأنه أبلغ في سماع الناس، وأعدل بينهم. ولو خالف هذا واستدبر الناس واستقبل القبلة، صحت الخطبة لحصول المقصود بدونه.\rالمطلب السادس ـ سنن الخطبة ومكروهاتها:\rأما سنن الخطبة فهي عند الحنفية ثماني عشرة سنة، وهي ما يأتي، مع بيان آراء الفقهاء الآخرين (2) .\r1 - الطهارة وستر العورة سنة عند الجمهور، شرط لصحة الخطبة عند الشافعية كما بينا، والطهارة من الجنابة شرط عند الحنابلة.\r2 - كونها على منبر، بالاتفاق، اتباعاً للسنة كما روى الشيخان، ويسن أن يكون المنبر على يمين المحراب (أي مصلى الإمام) إذ هكذا وضع منبره صلّى الله عليه وسلم ، وينبغي أن يكون بين المنبر والقبلة قدر ذراع أو ذراعين .\rفإن لم يتيسر المنبر فعلى موضع مرتفع، لأنه أبلغ في الإعلام، فإن تعذر استند إلى نحو خشبة كما كان يفعل صلّى الله عليه وسلم قبل إيجاد المنبر، وكان النبي قد خطب إلى جذع، فلما اتخذ المنبر تحول إليه، فحن الجذع، فأتاه النبي صلّى الله عليه وسلم فالتزمه أو مسحه.\r-------------------------------\r(1) قال ابن عمر: «كان صلّى الله عليه وسلم يخطب خطبتين وهو قائم، يفصل بينهما بجلوس» متفق عليه.\r(2) مراقي الفلاح: ص88 ومابعدها، البدائع: 263/1-265، فتح القدير: 421/1، الدر المختار: 758/1-760، 769-772، الشرح الصغير: 503/1، 505-510، القوانين الفقهية: ص81، بداية المجتهد: 152/1 ومابعدها، 158، المهذب: 112/1، مغني المحتاج: 288/1-290، الحضرمية: ص81، كشاف القناع: 38/2-41، 49-55، المغني: 295/2-300، حاشية الباجوري: 230/1، المجموع: 420/4-424.","part":2,"page":447},{"id":1139,"text":"وكان منبره صلّى الله عليه وسلم ثلاث درجات غير درجة المستراح. ويستحب أن يقف على الدرجة التي تليها، كما كان يفعل النبي عليه السلام.\r3 - الجلوس على المنبر قبل الشروع في الخطبة، عملاً بالسنة لحديث ابن عمر السابق عند أبي داود، وهو متفق عليه.\r4 - استقبال القوم بوجهه دون التفات يميناً وشمالاً، سنة بالاتفاق، لما روى ابن ماجه عن عدي بن ثابت عن أبيه عن جده قال: كان النبي صلّى الله عليه وسلم إذا قام على المنبر استقبله الناس بوجوههم.","part":2,"page":448},{"id":1140,"text":"5 - أن يسلم على الناس إذا صعد المنبر، اتباعاً للسنة، عند الشافعية والحنابلة، وحال خروجه للخطبة عند المالكية، لما روى ابن ماجه عن جابر قال: «كان النبي صلّى الله عليه وسلم إذا صعد المنبر سلم» (1) ؛ لأنه استقبال للناس بعد استدبار في صعوده، أشبه من فارق قوماً، ثم عاد إليهم. ويجب رد السلام.\rولا يسلم على القوم عند الحنفية؛ لأنه يلجئهم إلى ما نهوا عنه من الكلام، والحديث الثاني غير مقبول.\r6 - أن يؤذن مؤذن واحد، لا جماعة، بين يدي الخطيب، إذا جلس على المنبر، وهذا هو الأذان الذي كان على عهد رسول الله صلّى الله عليه وسلم . وهذا متفق عليه، روى البخاري عن السائب بن يزيد أنه قال: «النداء يومَ الجمعة أوله إذا جلس الإمام على المنبر، على عهد رسول الله صلّى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر، فلما كان عثمان وكثُر الناس زاد النداء الثالث على الزَّوراء (2) ، ولم يكن للنبي صلّى الله عليه وسلم مؤذن غير واحد» (3) .\r7 - البداءة بحمد الله والثناء عليه، والشهادتين، والصلاة على النبي صلّى الله عليه وسلم ، والعظة والتذكير، وقراءة آية من القرآن، وخطبتان، والجلوس بين الخطبتين. وإعادة الحمد والثناء، والصلاة على النبي صلّى الله عليه وسلم في ابتداء الخطبة الثانية، والدعاء فيها للمؤمنين والمؤمنات بالمغفرة لهم وإجراء النعم ودفع النقم، والنصر على الأعداء، والمعافاة من الأمراض والأدواء، والاستغفار.\rوهذا كله سنة عند الحنفية، مندوب عند المالكية، ومنها أركان خمسة عند الشافعية، وهي شروط أربعة ما عدا الدعاء عند الحنابلة، بيناها.\r-------------------------------\r(1) ورواه الأثرم عن أبي بكر وعمر وابن مسعود وابن الزبير، ورواه البخاري عن عثمان. لكن في إسناد حديث جابر: ابن لهيعة (نيل الأوطار: 261/3).\r(2) الزوراء: موضع بسوق المدينة، على المعتمد، وهذا النداء الثالث: هو في الواقع الأذان الأول على المنابر، وسمي ثالثاً باعتبار كونه مزيداً، ويسمى ثانياً باعتبار الأذان الحقيقي، وعبر عنه بالنداء الثالث، لأن الإقامة هي النداء الثاني.\r(3) ورواه أيضاً النسائي وأبو داود (نيل الأوطار: 262/3).","part":2,"page":449},{"id":1141,"text":"وروي أنه صلّى الله عليه وسلم كان يقرأ في الخطبة: { يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولاً سديداً..} [الأحزاب:33/70] إلى قوله تعالى {فوزاً عظيماً} (1) [الأحزاب:33/71] ويندب عند المالكية ختم الخطبة الأولى بشيء من القرآن، وختم الثانية بقول: يغفر الله لنا ولكم. كما يندب الترضي على الصحابة، والدعاء لولي الأمر بالنصر على الأعداء وإعزاز الإسلام به.\rوقال الشافعية: يسن أن يختم الخطبة الثانية بقوله: أستغفر الله لي ولكم.\r8 - إسماع القوم الخطبة، ورفع الصوت بها: سنة عند الجمهور، مندوب عند المالكية؛ لأنه أبلغ في الإعلام، روى مسلم عن جابر، قال: «كان رسول الله صلّى الله عليه وسلم إذا خطب احمرَّت عيناه، وعلا صوته، واشتد غضبه، حتى كأنه منذر جيش يقول: صبَّحكم ومسَّاكم، ويقول: أما بعد: فإن خير الحديث كتاب الله ...» .\r9 - اعتماد الخطيب بيساره أثناء قيامه على نحو عصا أو سيف أو قوس: سنة عند الجمهور، مندوب عند المالكية، لما روى الحكم بن حزن قال: «وفدت على النبي صلّى الله عليه وسلم ، فشهدنا معه الجمعة، فقام متوكئاً على سيف أو قوس أو عصا، مختصراً» (2) ، ولأنه أمكن له، فالاستناد إلى شيء يعطي قوة للخطيب. كما أنه يجعل يمناه على المنبر.\r10- تقصير الخطبتين، وكون الثانية أقصر من الأولى: سنة عند الجمهور، مندوب عند المالكية، لما روى مسلم عن عمار مرفوعاً: «إن طول صلاة الرجل، وقصر خطبته مئنة فقهه، فأطيلوا الصلاة، وقصِّروا الخطبة» (3) .\rويسن أيضاً كون الخطبة بليغة مفهومة بلا تمطيط كالأذان، وأن يتعظ الخطيب بما يعظ به الناس، ليحصل الانتفاع بوعظه، ولقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لِمَ تقولون ما لا تفعلون، كبُر مقتاً عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون} [الصف:2/61-3] (4) .\r11 - الإنصات أثناء الخطبة: سنة عند الشافعية (5) للحاضرين، ويكره لهم الكلام فيها، وفي الجديد: لا يحرم عليهم الكلام، لقوله تعالى: {وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا} [الأعراف:204/7] ذكر كثير من المفسرين أنه ورد في الخطبة.\r-------------------------------\r(1) الأحزاب: 70.\r(2) رواه أبو داود، وحقق ابن المقيم في زاد المعاد أن ذلك كان قبل اتخاذ المنبر.\r(3) ورواه أحمد أيضاً. والمئنة: العلامة والمظنة (نيل الأوطار: 269/3).\r(4) وروي عنه صلّى الله عليه وسلم : «عرض علي قوم تقرض شفاههم بمقاريض من نار، فقيل لي: هؤلاء خطباء من أمتك يقولون ما لا يفعلون» .\r(5) مغني المحتاج: 287/1 ومابعدها.","part":2,"page":450},{"id":1142,"text":"وكراهة الكلام، لقوله صلّى الله عليه وسلم : «إذا قلت لصاحبك: أنصت يوم الجمعة، والإمام يخطب، فقد لغوت» (1) وقوله عليه السلام: «ومن قال: صَهْ، فقد لغا، ومن لغا فلا جمعة له» (2) قال العلماء: معناه لا جمعة له كاملة للإجماع على سقوط فرض الوقت عنه. وروى أحمد عن ابن عباس حديثاً: «من تكلم يوم الجمعة، والإمام يخطب فهو كمثل الحمار يحمل أسفاراً، والذي يقول له: أنصت، ليست له جمعة» .\rوعدم حرمه الكلام في الخطبة: للأخبار الدالة على جوازه، كخبر الصحيحين عن أنس: «بينما النبي صلّى الله عليه وسلم يخطب يوم الجمعة، فقام أعرابي، فقال: يا رسول الله ، هلك المال، وجاع العيال، فادع الله لنا، فرفع يديه ودعا» فلم ينكر عليه الكلام، ولم يبين له وجوب السكوت، والحاضرون كلهم في ذلك سواء.\rواستثنى الشافعية ومثلهم الحنابلة من الإنصات أموراً: منها إنذار أعمى من الوقوع في بئر، أو من دب إليه عقرب مثلاً، ويستحب أن يقتصر على الإشارة إن أغنت، ومنها: تحية المسجد للداخل بركعتين خفيفتين يقتصر فيهما على الواجبات، ومنها تشميت العاطس إذا حمد الله تعالى، وحمد العاطس إذا عطس خفية، ومنها رد السلام، وإن كان البدء به للداخل مكروهاً، لأن رد السلام واجب، ومنها: الصلاة على النبي صلّى الله عليه وسلم عند سماع ذكره.\r-------------------------------\r(1) رواه الجماعة إلا ابن ماجه عن أبي هريرة (نيل الأوطار: 271/3).\r(2) رواه أحمد وأبو داود عن علي (المصدر السابق).","part":2,"page":451},{"id":1143,"text":"وأباح الحنابلة أيضاً: الكلام إذا شرع الخطيب في الدعاء؛ لأنه يكون قد فرغ من أركان الخطبة، والدعاء لا يجب الإنصات له، وأباحوا لمن بعد عن الخطيب ولم يسمعه الاشتغال بالقراءة والذكر والصلاة على النبي صلّى الله عليه وسلم خفية، وفعله أفضل من سكوته لتحصيل الأجر، ويسجد للتلاوة لعموم الأدلة، وليس له الجهر بصوته، ولا إقراء القرآن، ولا المذاكرة في الفقه، لئلا يشتغل غيره عن الاستماع، ولا أن يصلي؛ لأنه يحرم ابتداء غير تحية مسجد بعد خروج الإمام، ولا أن يجلس في حلقة؛ لأنه يكره التحلق يوم الجمعة قبل الصلاة؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلم «نهى عن التحلق يوم الجمعة قبل الصلاة» (1) .\rويجب الإنصات من حين يأخذ الإمام في الخطبة عند المالكية والحنابلة، وبمجرد صعود الإمام المنبر عند أبي حنيفة (2) ، ويحرم الكلام عند المالكية والحنابلة من غير الخطيب، ولا يسلم ولا يرد السلام ولا يشمِّت العاطس عند المالكية، ويكره تحريماً عند الحنفية الكلام من قريب أو بعيد، ورد السلام، وتشميت العاطس، وكل ما حرم في الصلاة حرم في الخطبة، فيحرم أكل وشرب وكلام ولو تسبيحاً أو أمراً بمعروف، بل يجب عليه أن يستمع ويسكت. وإشارة الأخرس المفهومة ككلام لقيامها مقامه في البيع وغيره.\rويباح الكلام قبل البدء في الخطبة وبعد الفراغ منها اتفاقاً، وفي أثناء الجلوس بين الخطبتين عند الحنابلة والشافعية وأبي يوسف، ويحرم في أثناء الجلوس المذكور عند المالكية ومحمد بن الحسن.\rويندب عند المالكية حمد الله تعالى سراً لعاطس حال الخطبة، ويجوز عندهم مع خلاف الأولى ذكر الله تعالى كتسبيح وتهليل سراً إذا قل، حال الخطبة، ومنع الكثير جهراً؛ لأنه يؤدي إلى ترك واجب، وهو الاستماع.\r-------------------------------\r(1) رواه أحمد وأبو داود والنسائي.\r(2) البدائع: 264/1، الكتاب مع اللباب: 115/1، مراقي الفلاح: ص88، الشرح الكبير: 387/1، الشرح الصغير: 509/1 ومابعدها، بداية المجتهد: 320/2-325، كشاف القناع:37/2.","part":2,"page":452},{"id":1144,"text":"ولا يحرم الكلام على الخطيب، ولا على من سأله الخطيب، كأن يأمر إنساناً لغا أو خالف السنة أو ينهاه، فيقول: أنصت، أو لا تتكلم، أو لا تتخط أعناق الناس ونحو ذلك، وجاز للمأمور إجابته إظهاراً لعذره؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلم «سأل سليكاً الداخل، وهو يخطب: أصليت؟ قال: لا» (1) وعن ابن عمر: «أن عمر بينا هو يخطب يوم الجمعة، إذ دخل رجل من أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلم ، فناداه عمر: أية ساعة هذه قال: إني شغلت اليوم، فلم أتقلب إلى أهلي، حتى سمعت النداء، فلم أزد على أن توضأت، قال عمر: الوضوء أيضاً؟! وقد علمت أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم كان يأمر بالغسل» (2) ،ولأن تحريم الكلام علته الاشتغال عن الإنصات الواجب وسماع الخطبة، ولا يحصل ههنا. وكذلك من كلم الإمام لحاجة، أو سأله عن مسألة، بدليل الخبر المذكور.\r-------------------------------\r(1) رواه مسلم، وروي في موضوعه عن جابر (نيل الأوطار: 256/3).\r(2) متفق عليه.","part":2,"page":453},{"id":1145,"text":"الترقية بين يدي الخطيب:\rوهي قراءة: { إن الله وملائكته يصلون على النبي } [الأحزاب:56/33] وإيراد الحديث المتفق عليه: «إذا قلت لصاحبك أنصت فقد لغوت» . وحكمها أنها بدعة لحدوثها بعد الصدر الأول، قيل: لكنها حسنة لما فيها من التذكير بمضمون الحديث والآية، غير أنها مكروهة تحريماً عند أبي حنيفة لحرمة أي كلام بعد صعود الإمام المنبر، وجائزة عند الصاحبين، وبدعة مكروهة عند المالكية إلا إذا شرطها الواقف في كتاب وقفه، وقال الشافعية: هي بدعة حسنة فيها تذكير بخير، وأجاز الحنابلة الكلام قبل الخطبة وفي الجلوس بين الخطبتين.\r21 - تحية المسجد للداخل والإمام يخطب: سنة عند الشافعية والحنابلة (1) لما روى جابر قال: جاء رجل إلى النبي صلّى الله عليه وسلم وهو يخطب الناس، فقال: «وصليت يا فلان؟» قال: لا، قال: «قم فاركع» وفي رواية: «فصل ركعتين» (2) وقال صلّى الله عليه وسلم في رواية: «إذا جاء أحدكم والإمام يخطب، فليصل ركعتين» (3) وماعدا التحية تحرم الصلاة بمجرد صعود الخطيب المنبر، حتى وإن لم يباشر بالخطبة.\rوقال أبو حنيفة ومالك (4) : إذا خرج الإمام إلى المنبر فلا صلاة ولا كلام، فلا تصلى تحية المسجد وتكره، وإنما يجلس الداخل ولا يركع؛لأن النبي صلّى الله عليه وسلم قال للذي جاء يتخطى رقاب الناس: «اجلس، قد آذيت» (5) وأجاز المالكية التحية لداخل يقتدى به من عالم أو سلطان أو إمام، لا لغيرهم.\r13 - نزول الإمام عن المنبر: قال الشافعية: يبادر الخطيب بالنزول عن المنبر ليبلغ المحراب، مع فراغ المؤذن من الإقامة، مبالغة في تحقيق الموالاة ما أمكن بين الخطبة والصلاة.\r-------------------------------\r(1) المجموع: 427/4 ومابعدها، المهذب: 115/1، المغني: 319/2.\r(2) متفق عليه، بل رواه الجماعة، وروى الخمسة إلا أبا داود عن أبي سعيد الخدري مثله (نيل الأوطار: 255/3).\r(3) رواه مسلم بلفظه، والبخاري بمعناه عن جابر، ورواه أحمد ومسلم وأبو داود: «إذا جاء أحدكم يوم الجمعة والإمام يخطب فليركع ركعتين وليتجوَّز فيهما» (نيل الأوطار: 256/3).\r(4) اللباب: 115/1، مراقي الفلاح: ص88 ومابعدها، رد المحتار: 769/1، القوانين الفقهية: ص81، بداية المجتهد: 158/1.\r(5) رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه، وأحمد عن عبد الله بن بسر، وزاد أحمد: «وآنيت» أي أبطأت وتأخرت (نيل الأوطار: 252/3).","part":2,"page":454},{"id":1146,"text":"وقال الحنابلة: إذا فرغ الإمام من الخطبة، نزل عند قول المؤذن: قد قامت الصلاة، كما يقوم إلى الصلاة عندهم غير الخطيب حينئذ. ويستحب أن يكون حال صعود الخطيب على تؤدة، وإذا نزل يكون مسرعاً من غير عجلة، مبالغة في الموالاة بين الخطبتين والصلاة.\rوالجمهور غير الشافعية الذين لم يشترطوا الطهارة في الخطبتين، جعلوها سنة.","part":2,"page":455},{"id":1147,"text":"مكروهات الخطبة:\rمكروهات الخطبة عند الحنفية والمالكية: هي ترك سنة من السنن المتقدمة، ومن أهمها تطويل الخطبة وترك الطهارة، فكلاهما مكروه، ومنها عند الحنفية: أن يسلم الخطيب على القوم إذا استوى على المنبر.\rويكره باتفاق العلماء تخطي الرقاب (1) أثناء الخطبة لغير الإمام ولغير فرجة؛ لأنه يؤذي الجالسين، ولنهي النبي صلّى الله عليه وسلم عنه في حديث عبد الله بن بُسْر المتقدم: «اجلس فقد آذيت» (2) والكراهة تحريمية عند الحنفية والشافعية على المختار، ويجوز إن كان هناك فُرْجة لتقصير القوم بإخلاء فرجة، مع كونه خلاف الأولى عند المالكية، وكراهة التخطي عند الشافعية والحنابلة مطلقة، سواء أكان قبل الخطبة أم أثناءها، لأن العلة هي إيذاء الجالسين، ويكره التخطي عند المالكية قبل جلوس الخطيب على المنبر لغير فرجة، لأنه يؤذي الجالسين، ولكنهم أجازوا التخطي بعد الخطبة للصلاة، وقبل الصلاة لفرجةأو غيرها، كما أجازوا مع غيرهم المشي بين الصفوف مطلقاً ولو حال الخطبة؛ لأنه ليس من التخطي.\rوأجاز الحنابلة التخطي لفرجة لمن عادته الصلاة في موضع، كذلك أجاز الشافعية التخطي لفرجة، وأضافوا أنه يجوز التخطي إذا كان المتخطي ممن لا يتأذى به كرجل صالح أو عظيم، أو كانت الصفوف الأولى ممن لا تنعقد بهم الجمعة كالصبيان، فيجب التخطي في هذه الحالة.\rوقال الحنفية: لا بأس بالتخطي بشرطين: الأول ـ ألا يؤذي أحداً به بأن يطأ ثوبه أو يمس جسده، والثاني ـ أن يكون ذلك قبل شروع الإمام في الخطبة، وإلا كره تحريماً، إلا إذا كان التخطي لضرورة كأن لم يجد مكاناً إلا بالتخطي. فلا بأس بالتخطي عندهم ما لم يأخذ الإمام في الخطبة، ولم يؤذ أحداً.\rوليس ترك السنن المتقدمة عند الشافعية والحنابلة مكروهاً على إطلاقه، بل منه ما هو مكروه، ومنه ما هو خلاف الأولى.\r-------------------------------\r(1) التخطي: أن يرفع رجله ويخطى بها كتف الجالس.\r(2) وروى أحمد أيضاً عن أرقم بن أبي الأرقم المخزومي: «الذي يتخطى رقاب الناس يوم الجمعة، ويفرق بين الاثنين بعد خروج الإمام، كالجارّ قُصْبه (أي أمعاءه) في النار» (نيل الأوطار: 252/3).","part":2,"page":456},{"id":1148,"text":"فمن المكروه في الخطبة عند الشافعية: أن يتكلم سامعها أثناءها، وأن يؤذّن جماعة بين يدي الخطيب وهو مكروه أيضاً عند الحنابلة، وأن يلتفت الإمام في الخطبة الثانية، وأن يشير بيده أو غيرها، وأن يدق درج المنبر. ويكره الاحتباء (1) للحاضرين في الخطبة، لما صح من النهي عنه (2) ، ولأنه يجلب النوم.\rومن خلاف الأولى عند الشافعية: أن يغمض السامع والإمام عينيه لغير حاجة حال الخطبة. ومن نعس سن انتقاله من مكانه إن لم يتخط أحداً في انتقاله، لحديث الترمذي وصححه وأبي داود: «إذا نعس أحدكم في مجلسه، فليتحول إلى غيره» فالسنة مطاردة النعاس ومغالبته.\rومن المكروه عند الحنابلة (3) : استدبار الخطيب القوم حال الخطبة، ورفع يديه حال الدعاء في الخطبة، وفاقاً للمالكية والشافعية وغيرهم.\rوأجاز الحنابلة الاحتباء مع ستر العورة،لأنه فعله جماعة من الصحابة، وضعّفوا حديث النهي عنه، كما أجازوا القرفصاء: وهي الجلوس على أليتيه رافعاً ركبتيه إلى صدره، مفضياً بأخمص قدميه إلى الأرض. وكان الإمام أحمد يقصد هذه الجلسة،ولا جلسة أخشع منها.\r-------------------------------\r(1) الاحتباء: الجلوس على الأليتين، وضم الفخدين والساقين إلى البطن بالذراعين ليستند.\r(2) رواه أبو داود والترمذي وحسَّنه عن سهل بن معاذ: « أن النبي صلّى الله عليه وسلم نهى عن الحبوة يوم الجمعة، والإمام يخطب » .\r(3) المغني: 326/2، كشاف القناع: 379/1 ، 40/2 ومابعدها.","part":2,"page":457},{"id":1149,"text":"ويكره عند الحنابلة والشافعية التشبيك في المساجد، ومن حين يخرج المصلي من بيته قاصداً المسجد، لخبر أبي سعيد أنه صلّى الله عليه وسلم : «إذا كان أحدكم في المسجد، فلا يشبكنَّ، فإن التشبيك من الشيطان، وإن أحدكم لا يزال في صلاة ماكان في المسجد حتى يخرج منه» (1) قال بعض العلماء: إذا كان ينتظر الصلاة، جمعاً بين الأخبار، فإنه ورد أنه «لما انفتل صلّى الله عليه وسلم من الصلاة التي سلم قبل إتمامها، شبك بين أصابعه» .\rوأما كراهةالتشبيك أثناء الذهاب للمسجد: فلحديث كعب بن عُجرة أن النبي صلّى الله عليه وسلم قال: «إذا توضأ أحدكم فأحسن وضوءه، ثم خرج عامداً إلى المسجد، فلا يشبِّك بين أصابعه، فإنه في صلاة» (2) .\rويكره العبث حال الخطبة، لقول النبي صلّى الله عليه وسلم : «من مس الحصى فقد لغا» (3) ، ويكره الشرب مالم يشتد عطشه.\rالتصدق وقت الخطبة:\rقال الحنفية (4) : يكره تحريماً التخطي للسؤال بكل حال. واختاربعض الحنفية: جواز السؤال والإعطاء إن كان لا يمر السائل بين يدي المصلي، ولا يتخطى الرقاب، ولا يسأل إلحافاً.\rوكذلك قال الحنابلة (5) وغيرهم: ولا يتصدق على سائل وقت الخطبة؛ لأن السائل فعل ما لا يجوز له فعله، فلا يعينه المرء على مالا يجوز، قال أحمد: وإن حصب السائل كان أعجب إلي؛ لأن ابن عمر فعل ذلك لسائل سأل، والإمام يخطب يوم الجمعة، ولا ينال السائل الصدقة حال الخطبة؛ لأنه إعانة على محرم.\rفإن سأل أحد الصدقة قبل الخطبة، ثم جلس للخطبة، جاز التصدق عليه ومناولته الصدقة.\rوأجاز الحنابلة الصدقة حال الخطبة على من لم يسأل، وعلى من سألها الإمام له.\rوالصدقة على باب المسجد عند الدخول والخروج أولى من الصدقة حال الخطبة.\r-------------------------------\r(1) رواه أحمد، ورواه مسلم في صحيحه عن أبي هريرة.\r(2) رواه أبو داود.\r(3) رواه ابن ماجه عن أبي هريرة، وهو حديث حسن، وصححه الترمذي.\r(4) الدر المختار: 772/1.\r(5) كشاف القناع: 53/2 ومابعدها، المغني: 326/2.","part":2,"page":458},{"id":1150,"text":"المطلب السابع ـ سنن الجمعة ومكروهاتها:\rيسن لصلاة الجمعة ما يأتي (1) :\r1ً - الاغتسال والتطيب ولبس أحسن الثياب لمن يأتي الجمعة: سنة عند الجمهور، مستحب عند المالكية، لحديث أبي هريرة السابق في التبكير إلى الجمعة: «من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة، ثم راح، فكأنما قرب بَدَنة..» ولخبر البيهقي بسند صحيح: «من أتى الجمعة من الرجال والنساء، فليغتسل، ومن لم يأتها فليس عليه غسل» . وقد سبق ذكر حديثين في الأغسال المسنونة وهما: «غسل الجمعة واجب على كل محتلم» والوجوب محمول على السنية، للحديث الثاني: «من توضأ يوم الجمعة، فبها ونعمت، ومن اغتسل فالغسل أفضل» . وروى البخاري ومسلم: «إذا جاء أحدكم إلى الجمعة فليغتسل» .\rووقت الغسل من فجر الجمعة إلى الزوال، وتقريبه من ذهابه للصلاة أفضل؛ لأنه أبلغ في المقصود من انتفاء الرائحة الكريهة، ويشترط عند المالكية: اتصاله بالرواح إلى المسجد، ولا يضر الفصل اليسير، فإن فصل كثيراً أو تغذى خارج المسجد، أو نام خارجه اختياراً أو اضطراراً، أعاده لبطلانه فلا يجزئ الغسل عندهم قبل الفجر، ولا غير متصل بالرواح. ويفتقر الغسل إلى النية؛ لأنه عبادة محضة، فاحتاج إلى النية كتجديد الوضوء، فإن اغتسل للجمعة والجنابة غسلاً واحداً،ونواهما، أجزأه بلا خلاف. والغسل سنة مؤكدة.\r-------------------------------\r(1) البدائع: 269/1 ومابعدها، الدر المختار: 772/1، الشرح الصغير: 503/1-509، بداية المجتهد: 158/1 ومابعدها، القوانين الفقهية: ص81، مغني المحتاج: 290/1-295، حاشية الباجوري: 228/1-230، المهذب: 113/1 ومابعدها، كشاف القناع: 46/2-53، المغني:350/2-355،365 ومابعدها","part":2,"page":459},{"id":1151,"text":"وأما التطيب ولبس أحسن الثياب أو التجمل فلحديث: «من اغتسل يوم الجمعة، ومسَّ من طيب إن كان عنده، ولبس من أحسن الثياب ثم خرج وعليه السكينة، حتى يأتي المسجد، فيركع إن بَدَا له ولم يؤذ أحداً، ثم أنصت إذا خرج إمامه، حتى يصلي، كانت له كفارة لما بينها وبين الجمعة الأخرى» (1) والمندوب لبس الأبيض يوم الجمعة، فالثياب البيض أفضل الثياب لحديث «البسوا الثياب البيض، فإنها أطهر وأطيب، وكفنوا فيها موتاكم» (2) .\r2ً - التبكير للجمعة ماشياً بسكينة ووقار والاقتراب من الإمام. والاشتغال في طريقه بقراءة أو ذكر؛ لما ثبت في السنة، كحديث أبي هريرة السابق، وخبر: «من غَسَل يوم الجمعة واغتسل، وبكر وابتكر، ومشى ولم يركب، ودنا من الإمام، فاستمع، ولم يلغ، كان له بكل خطوة عمل سنة، أجر صيامها وقيامها» (3) .\rوقال المالكية: الذهاب للجمعة وقت الهاجرة ، وتبتدئ بقدر ساعة قبل الزوال. وفي حديث آخر مفاده أن الاقتراب من الإمام مطلوب: «احضروا الذِّكْر،وادنوا من الإمام، فإن الرجل لا يزال يتباعد، حتى يؤخر في الجنة، وإن دخلها (4) » والمشي بالسكينة، لحديث الصحيحين: «إذا أتيتم الصلاة فعليكم بالسكينة يجوز الركوب لعذر في الذهاب والإياب.»\rوالاشتغال بالقراءة أو الذِّكر: لقوله صلّى الله عليه وسلم : «إن الملائكة تصلي على أحدكم ما دام في مجلسه، تقول: اللهم اغفر له، اللهم ارحمه ما لم يحدث، وإن أحدكم في صلاة ما دامت الصلاة تحبسه» (5) فدل أن شأن المصلي الاشتغال بالقراءة والذكر. والتبكير للجمعة سنة لغير الإمام، أما هو فلا يسن له التبكير......\r-------------------------------\r(1) رواه أحمد عن أبي أيوب رضي الله عنه (نيل الأوطار: 236/3.\r(2) رواه أحمد والترمذي والنسائي وابن ماجه والحاكم عن سمرة، وهو صحيح حسن.\r(3) رواه الترمذي وحسنه، والحاكم وصححه وأبو داود وابن ماجه. وقوله غسل: يجوز بالتشديد والتخفيف أرجح، والمراد: غسل ثيابه ورأسه ثم اغتسل، أو غسل زوجته بأن جامعها فألجأها إلى الغسل ثم اغتسل، كما هو السنة عند الحنابلة في يوم الجمعة، أو غسل أعضاء الوضوء بأن توضأ ثم اغتسل.\r(4) رواه أبو داود، وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي.\r(5) رواه الشيخان.","part":2,"page":460},{"id":1152,"text":"3ً - تنظيف الجسد وتحسين الهيئة قبل الصلاة: بتقليم الأظفاروقص الشارب ونتف الإبط وحلق العانة ونحو ذلك كإزالة الرائحة الكريهة بالسواك للفم وغيره من مواطن الرائحة في الجسم. ويسن للإمام أن يزيد في حسن الهيئة والعِمَّة والارتداء، اتباعاً للسنة، ولأنه منظور إليه.\rوكما يسن أخذ الظفر إن طال يوم الجمعة، يسن أيضاً يوم الخميس، ويوم الاثنين، دون بقية الأيام.\rودليل كون التحسين يوم الجمعة ما روى البغوي بسنده عن عبد الله بن عمرو ابن العاص أن النبي صلّى الله عليه وسلم «كان يأخذ أظفاره وشاربه كل جمعة» .\rوقال الحنفية (1) : الأفضل حلق الشعر وقلم الظفر بعدها أي بعد الجمعة، ويكره ذلك في يوم الجمعة قبل الصلاة، لما فيه من معنى الحج، والحلق ونحوه قبل الحج غير مشروع.\r4ً - قراءة سورة الكهف يوم الجمعة وليلتها: لقوله صلّى الله عليه وسلم : «من قرأ الكهف في يوم الجمعة أضاء له من النور ما بين الجمعتين» (2) وفي رواية: «من قرأ سورة الكهف في يوم الجمعة أو ليلتها، وقي فتنة الدجال» وقراءتها نهاراًآكد، والحكمة من قراءتها: أن الساعة تقوم يوم الجمعة، كما ثبت في صحيح مسلم، والجمعة مشبهة بها لما فيها من اجتماع الخلق، وفي الكهف ذكر أهوال القيامة.\r5ً - الإكثار من الدعاء يومها وليلتها: أما يومها فلرجاء أن يصادف ساعة الإجابة؛ «لأنه صلّى الله عليه وسلم ذكر يوم الجمعة، فقال: فيه ساعة لا يوافقها عبد مسلم، وهو قائم يصلي، يسأل الله تعالى شيئاً إلا أعطاه إياه، وأشار بيده يقللها» (3) وفي رواية لمسلم: «وهي ساعة خفيفة» والصواب في ساعة الإجابة ـ كما بينا ـ ما ثبت في صحيح مسلم: «أن النبي صلّى الله عليه وسلم قال: هي ما بين أن يجلس الإمام، إلى أن يقضي الصلاة» .\r-------------------------------\r(1) الدر المختار ورد المحتار: 772/1،788.\r(2) رواه الحاكم، وقال: صحيح الإسناد. وروى الدرامي والبيهقي: «من قرأها ليلة الجمعة، أضاء له من النور ما بينه وبين البيت العتيق» وفي بعض الطرق: «غفر له إلى الجمعة الأخرى، وفضل ثلاثة أيام، وصلى عليه ألف ملك، حتى يصبح وعوفي من الداء، وذات الجنب والبرص والجذام وفتنة الدجال» .\r(3) رواه الشيخان، وذكر في رواية: وهو قائم يصلي، والمراد بالصلاة: انتظارها، وبالقيام: الملازمة.","part":2,"page":461},{"id":1153,"text":"6ً -الإكثار من الصلاة على رسول الله صلّى الله عليه وسلم يومها وليلتها: لخبر: «إن من أفضل أيامكم يوم الجمعة، فأكثروا عليَّ من الصلاة فيه، فإن صلاتكم معروضة علي» (1) وخبر: «أكثروا علي من الصلاة ليلة الجمعة ويوم الجمعة، فمن صلى علي صلاة، صلى الله عليه بها عشراً» (2) .\rوصيغة الصلاة أن يقول: ( اللهم صل على محمد عبدك ونبيك ورسولك النبي الأمي ) أو ( اللهم صل على محمد، كلما ذكرك الذاكرون، وصل على محمد وعلى آل محمد، كلما غفل عن ذكره الغافلون ).\r7ً - يقرأ الإمام جهراً بعد الفاتحة في الركعة الأولى «الجمعة» وفي الثانية «المنافقون» اتباعاً للسنة ـ رواه مسلم. وروي أيضاً أنه صلّى الله عليه وسلم كان يقرأ في الجمعة: سبح اسم ربك الأعلى، و: «هل أتاك حديث الغاشية» .\r8ً - قراءة: الم. السجدة، و: هل أتى على الإنسان: سنة في صلاة الصبح يوم الجمعة: لما روى ابن عباس وأبو هريرة: «أن النبي صلّى الله عليه وسلم كان يقرأ في صلاة الفجر يوم الجمعة: الم. تنزيل و: هل أتى على الإنسان حين من الدهر» (3) ولا تستحب المداومة عليها؛ لأن لفظ الخبر يدل عليها، وخشية ظن افتراضها.\r9ً - صلاة أربع ركعات قبل الجمعة، وأربع بعدها، كالظهر مستحب عند الجمهور: لأن النبي صلّى الله عليه وسلم «كان يركع من قبل الجمعة أربعاً» (4) وكان الصحابة يصلون قبل الجمعة أربع ركعات، وكان ابن مسعود يصلي قبل الجمعة أربع ركعات، وبعدها أربع ركعات (5) .\r-------------------------------\r(1) رواه أبو داود وغيره بأسانيد صحيحة.\r(2) رواه البيهقي بإسناد جيد.\r(3) رواه مسلم.\r(4) رواه ابن ماجه.\r(5) رواه سعيد بن منصور.","part":2,"page":462},{"id":1154,"text":"وروى الجماعة إلا البخاري عن أبي هريرة أن النبي صلّى الله عليه وسلم قال: «إذا صلى أحدكم ركعتين» (1) . وأكثر السنة بعدها ست ركعات لقول ابن عمر: «كان صلّى الله عليه وسلم يفعله» (2) ، أو أربع ركعات لما رواه مسلم عن أبي هريرة. والتنفل قبل الجمعة ما لم يخرج الإمام إلى المنبر إلا تحية المسجد، لما رواه أحمد عن نبيشة الهذلي عن النبي صلّى الله عليه وسلم قال: «إن المسلم إذا اغتسل يوم الجمعة، ثم أقبل إلى المسجد، لا يؤذي أحداً، فإن لم يجد الإمام خرج، صلى ما بدا له، وإن وجد الإمام قد خرج، جلس، فاستمع وأنصت، حتى يقضي الإمام جمعته، إن لم يُغفر له في جمعته تلك ذنوبُه كلها: أن تكون كفارة للجمعة التي تليها» .\rوقال المالكية (3) : يكره التنفل عند الأذان الأول، لا قبله، لجالس في المسجد، لا داخل يقتدي به من عالم أو سلطان أو إمام، لا لغيرهم، خوف اعتقاد العامة وجوبه. ويكره التنفل بعد صلاة الجمعة أيضاً إلى أن ينصرف الناس.\rويسن لمن صلى السنة: أن يصليها عند الحنابلة في مكانه في المسجد، وأن يفصل عند الشافعية والحنابلة بينها وبين الجمعة بكلام أو انتقال من مكانه، أ و خروج إلى منزله، لما روى السائب بن يزيد، قال: «صليت مع معاوية الجمعة في المقصورة، فلما سلَّم الإمام قمت في مقامي، فصليت، فلما دخل أرسل إلي، فقال: لا تعُد لما فعلت، إذا صليت الجمعة، فلا تصليها بصلاة حتى تتكلم أو تخرج، فإن رسول الله صلّى الله عليه وسلم أمرنا بذلك ألا نوصل صلاة حتى نتكلم أو نخرج» قال الشافعية (4) : يسن ألا يصل صلاة الجمعة بصلاة، للاتباع، ورواه مسلم، ويكفي الفصل بينهما بكلام أو تحول أو نحوه.\r-------------------------------\r(1) رواه أبو داود من حديث ابن عمر. وروى الجماعة عن ابن عمر أن النبي صلّى الله عليه وسلم كان يصلي بعد الجمعة ركعتين في بيته (نيل الأوطار: 280/3).\r(2) رواه أبو داود.\r(3) الشرح الصغير: 511/1.\r(4) مغني المحتاج: 295/1.","part":2,"page":463},{"id":1155,"text":"10ً - قراءة الفاتحة والإخلاص والمعوذتين بعد الجمعة: روى ابن السني من حديث أنس مرفوعاً: «من قرأ إذا سلم الإمام يوم الجمعة قبل أن يثني رجليه فاتحة الكتاب، وقل هو الله أحد، والمعوذتين سبعاً، غفر له ما تقدم من ذنبه، وما تأخر، وأعطي من الأجر بعدد من آمن بالله ورسوله» .\r11ً - يستحب لمن نعس يوم الجمعة أن يتحول عن موضعه، لما روى ابن عمر قال: سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلم يقول: «إذا نعس أحدكم يوم الجمعة في مجلسه، فليتحول إلى غيره» (1) .\rمكروهات الجمعة :\rيكره يوم الجمعة ما يأتي بالإضافة لمكروهات الخطبة السابقة:\r1ً - قال الحنفية (2) : يكره تحريماً صلاة الظهر يوم الجمعة بجماعة، في مكان إقامة الجمعة وهو المصر، في سجن أو غير سجن، كما روي عن علي رضي الله عنه.\r2ً - وقال الحنفية أيضاً: يكره تحريماً البيع والشراء يوم الجمعة إذا صعد الإمام المنبر، وأذن المؤذنون بين يديه، لقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة، فاسعوا إلى ذكر الله ، وذروا البيع} [الجمعة:62/9]، والأمر بترك البيع يكون نهياً عن مباشرته، وأدنى درجات النهي الكراهة.\r3ً - يكره التخطي باتفاق العلماء، على التفصيل المذكور في مكروهات الخطبة.\r-------------------------------\r(1) رواه الإمام أحمد في مسنده، وأبو مسعود أحمد بن الفرات في سننه.\r(2) البدائع: 270/1.","part":2,"page":464},{"id":1156,"text":"4ً - يحرم أن يقيم إنساناً من مكانه، ويجلس فيه (1) ، لما روى ابن عمر قال: «نهى رسول الله صلّى الله عليه وسلم أن يقيم الرجل ـ يعني أخاه ـ من مقعده، ويجلس فيه» (2) ، ولأن المسجد بيت الله ، والناس فيه سواء، قال الله تعالى: {سواء العاكف فيه، والباد} [الحج:25/22]، فمن سبق إلى مكان فهو أحق به، لقول النبي صلّى الله عليه وسلم : «من سبق إلى ما لم يسبق إليه، فهو أحق به» (3) .\rوإن وجد مصلىً مفروشاً في موضع، فليس لغيره عند الحنابلة على الراجح رفعه؛ لأنه كالنائب عنه، ولما فيه من الافتيات على صاحبه، والتصرف في غير ملكه بغير إذنه، ولأنه ربما أفضى إلى الخصومة، ولأنه سبق إليه، فكان كمتحجر الموات، وذلك ما لم تحضر الصلاة، فله حينئذ رفعه والصلاة مكانه؛ لأنه لا حرمة له بنفسه، وإنما الحرمة لصاحبه، ولم يحضر. ويكره الجلوس والصلاة عليه.\r5ً - قال المالكية (4) : يكره ترك العمل يوم الجمعة لأجله، لما فيه من التشبه باليهود والنصارى في السبت والأحد. ويحرم السلام من داخل أو جالس على أحد، ويحرم رد السلام ولو بالإشارة، وتشميت عاطس والرد عليه، ونهي لاغ أو إشارة له بأن ينكف عن اللغو.\rالسجود على الظهر ونحوه في الزحمة:\rقال الحنفية والشافعية والحنابلة (5) : متى قدر المزحوم على السجود على ظهر\r-------------------------------\r(1) كشاف القناع: 49/2 ومابعدها، المغني: 351/2 ومابعدها.\r(2) متفق عليه، ولفظ مسلم: «لا يقيمن أحدكم أخاه يوم الجمعة، ثم ليخالف إلى مقعده، فيقعد فيه، ولكن يقول: افسحوا» .\r(3) رواه أبو داود.\r(4) الشرح الصغير: 511/1-513.\r(5) مغني المحتاج: 298/1 ومابعدها، المهذب: 115/1، المغني: 313/2 ومابعدها، كشاف القناع: 32/2.","part":2,"page":465},{"id":1157,"text":"إنسان أو قدميه، لزمه ذلك وأجزأه، لما روي عن عمر: «إذا اشتد الزحام، فليسجد على ظهر أخيه» (1) ، ولأنه أتى بما يمكنه حال العجز، فصح، كالمريض يسجد على المِرْفقة.\rولا يحتاج هنا إلى إذنه؛ لأن الأمر فيه يسير.\rوقال المالكية: لا يفعل، وتبطل الصلاة، إن فعل، لقول النبي صلّى الله عليه وسلم «ومكِّن جبهتك من الأرض» .\rالمطلب الثامن ـ مفسدات الجمعة :\rتفسد الجمعة بما تفسد به سائر الصلوات الأخرى، ويضاف إليها مفسدات أخرى خاصة بها هي ما يلي (2) :\r1 - خروج وقت الظهر في خلال الصلاة عند الجمهور، وقال المالكية لاتفسد؛ لأن الجمعة كغيرها فرض مؤقت بوقت، وهو وقت الظهر، وخروج الوقت لا يفسد.\rوكذا تفسد عند أبي حنيفة بخروج الوقت بعدما قعد قدر التشهد، ولا تفسد عند الصاحبين.\r2 - فوت الجماعة الجمعة قبل أن يقيد الإمام الركعة بالسجدة، بأن نفر الناس عنه عند أبي حنيفة. وعند الصاحبين: لا تفسد. أما فوت الجماعة أي انفضاضها بعد تقييد الركعة بالسجدة، فلا تفسد باتفاق أبي حنيفة وصاحبيه.\rفإن فسدت الجمعة بسبب خروج الوقت أو بفوت الجماعة، تصلى ظهراً.\rوإن فسدت بما تفسد به عامة الصلوات من الحدث العمد والكلام وغير ذلك، تصلى جمعة عند وجود شرائطها.\r-------------------------------\r(1) رواه البيهقي بإسناد صحيح، وسعيد بن منصور في سننه.\r(2) البدائع: 269/1.","part":2,"page":466},{"id":1158,"text":"المطلب التاسع ـ صلاة الظهر يوم الجمعة:\rبالرغم من أن صلاة الجمعة هي الفريضة الأصلية، فإنه قد تصلى الظهر بدلاً عنها في حالات:\rصلاتها بعد الجمعة، وصلاتها في المنزل قبل الجمعة بغير عذر، وصلاتها بجماعة من أصحاب الأعذار، وتعجيلها ممن لا تجب عليه الجمعة، وصلاة الظهر بسبب خروج الوقت، أو بسبب اختلال شرط من شرائط صحة الجمعة.\rأولاً ـ صلاة الظهر بعد الجمعة:\rإن كانت الجمعة في البلد موحدة، فهي صحيحة باتفاق الفقهاء، ولا تطلب الظهر من أحد، بل تحرم.\rأما إن تعددت الجمع في أجزاء متعددة من كل بلد، كما هو المشاهد في عصرنا، فجمعة الجامع العتيق الذي صليت فيها أول جمعة هي الصحيحة عند المالكية، وعلى المصلين في الجوامع الأخرى أداء الظهر.\rوجمعة الحاكم التي اشترك فيها هي الصحيحة عند الحنابلة، وعلى الجوامع الأخرى صلاة الظهر.\rوالجمعة السابقة براء تكبيرة الإحرام: هي المنعقدة عند الشافعية، وعلى أرباب الجمعات الأخرى صلاة الظهر، والظهر واجبة على من تأخر، أو في حالالعلم بسبق جمعة ولم تتعين، أو تعينت ونسيت، إن كان التعدد لغير حاجة، كما هو الغالب في المدن الإسلامية. وتستحب الظهر احتياطاً إن تعددت الجمع لحاجة. وهذا الافتراض يصعب ضبطه الآن بغير إحصاء شامل.\rوتصح الجمعات كلها في البلد الواحد في المذهب الحنفي دفعاً للحرج، ويكره تحريماً صلاة الظهر بعد الجمعة بجماعة.","part":2,"page":467},{"id":1159,"text":"وقد سبق بيان ذلك كله في شرط عدم تعدد الجمعة لغير حاجة. والحق أن الجمعة هي فرض الوقت الأصلي، وليس لمن اشترط عدم تعدد الجمع إلا الواقع العملي في صدر الإسلام، وهو لا يصلح دليلاً، وإن كان الأفضل وحدة الجمعة، ولمن شاء أن يصلي الظهر منفرداً فلا مانع، وينبغي العمل على منع الظهر بجماعة بعد الجمعة حفاظاً على وحدة المسلمين، ولا يصح قياس حالة البلدان الكبرى وكثرة سكانها على حالة ( المدينة ) في صدر الإسلام حيث كان المسلمون قلة، والخليفة خطيب المسلمين، ومنبره وسيلة إعلام لجميع المسلمين في شؤون الجهاد وعلاج أزمة القحط والوباء ونحو ذلك من الأحداث الكبرى. وبما أن الجمعة كانت واحدة في عهد النبي صلّى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين والصحابة والتابعين، فلم يكن هناك مجال لإعادة صلاة الظهر بعد الجمعة، ولا مجال أيضاً على سبيل الإيجاب إقامة صلاة الظهربجماعة بعد الجمعة بسبب كون تعدد الجمعة في المدن الكبرى والقرى المتسعة لحاجة واضحة، فيبقى الأمر القرآني بأداء صلاة الجمعة هو الواجب فعله فقط دون غيره.\rثانياً ـ صلاة الظهر في المنزل يوم الجمعة بغير عذر:\rقال الحنفية (1) : من صلى الظهر في منزله يوم الجمعة، قبل صلاة الإمام، ولاعذر له، حرم ذلك، وجازت صلاته جوازاً موقوفاً: فإن بدا له، ولو بمعذرة على المذهب أن يحضر الجمعة، فتوجه إليها، والإمام إليها، والإمام فيها، ولم تُقَم بعد، بطلت صلاة الظهر، وصارت نفلاً عند أبي حنيفة بالسعي، وإن لم يدركها؛ لأن السعي إلى الجمعة من خصائص الجمعة، فينزل منزلتها في حق ارتفاض الظهر احتياطاً، بخلاف ما بعد الفراغ منها؛ لأنه ليس يسعى إليها.\r-------------------------------\r(1) الكتاب مع اللباب: 113/1 ومابعدها، البدائع: 257/1، الدر المختار: 764/1 ومابعدها، فتح القدير: 417/1 ومابعدها، مراقي الفلاح: ص89.","part":2,"page":468},{"id":1160,"text":"وقال الصاحبان: لا تبطل حتى يدخل مع الإمام؛ لأن السعي دون الظهر، فلا ينقضه بعد تمامه، والجمعة فوق الظهر، فينقضها، وصار كما لو توجه إلى الجمعة بعد فراغ الإمام.\rواتفق أبو حنيفة وصاحباه على أن السعي إذا كان بعدما فرغ الإمام من الجمعة، لم يبطل ظهره اتفاقاً.\rوقال الجمهور (المالكية والشافعية في الجديد والحنابلة) (1) : لا تصح للمرء صلاته الظهر قبل أ ن يصلي الإمام الجمعة، ويلزمه السعي إلى الجمعة إن ظن أنه يدركها؛ لأنها المفروضة عليه، فإن أدركها معه صلاها، وإن فاتته فعليه صلاة الظهر، وإن ظن أنه لا يدركها، انتظر حتى يتيقن أن الإمام قد صلى، ثم يصلي الظهر، والخلاصة: إنه إن صلى الظهر قبل الجمعة لا تصح وتجب عليه الجمعة، فإن كان بعد صلاة الجمعة أجزأه مع عصيانه.\rودليلهم: أنه صلى ما لم يخاطب به، وترك ما خوطب به، فلم تصح، كما لو صلى العصر مكان الظهر، ولا نزاع في أنه مخاطب بالجمعة، فسقطت عنه الظهر، كما لو كان بعيداً، ولا خلاف في أنه يأثم بتركه، وترك السعي إليها.\rثالثاً ـ صلاة الظهر جماعة من أصحاب الأعذار:\rقال الحنفية (2) : يكره تحريماً أن يصلي المعذورون من مسافر ومسجون ومريض وغيرهم الظهر بجماعة يوم الجمعة في موطن إقامة الجمعة (في المصر) قبل الجمعة وبعدها؛ لما فيه من الإخلال بالجمعة، إذ هي جامعة للجماعات، وربما يتطرق غير المعذور إلى الاقتداء بهم، ولما فيه من صورة معارضة الجمعة بإقامة غيرها. أما أهل القرى ممن لا جمعة عليهم فلهم صلاة الظهر بجماعة، ويكره أيضاً لمن فاتتهم الجمعة من أهل المصر صلاة الظهر جماعة، وإنما يصلونها فرادى بغير جماعة ولا أذان ولا إقامة، ويستحب للمريض تأخير الظهر إلى فراغ الإمام، وكره إن لم يؤخر على الصحيح.\r-------------------------------\r(1) المغني: 342/2 ومابعدها، كشاف القناع:25/2 ومابعدها، القوانين الفقهية: ص80، الشرح الصغير: 508/1\r(2) فتح القدير: 419/1، الدر المختار: 766/1 ومابعدها.","part":2,"page":469},{"id":1161,"text":"وقال الجمهور غير الحنفية (1) : يجوز لمن فاتتهم الجمعة لعذر أو لمن لا تجب عليه الجمعة أن يصلوها ظهراً في جماعة،تحصيلاً لثواب الجماعة المذكور في الحديث: «صلاة الجماعة تفضل صلاة الفرد بخمس وعشرين درجة» وروي عن ابن مسعود أنه فاتته الجمعة، فصلى بعلقمة والأسود.\rلكن قال المالكية: تكره صلاة الظهر جماعة يوم الجمعة لغير أرباب الأعذار الكثيرة الوقوع، والأولى الجماعة لأرباب الأعذار الكثيرة الوقوع.\rورأى الحنابلة أنه: لا يستحب إعادتها جماعة في مسجد النبي صلّى الله عليه وسلم ، ولا في مسجد تكره إعادة الجماعة فيه، وتكره أيضاً في المسجد الذي أقيمت فيه الجمعة؛ لأنه يؤدي إلى التهمة كالرغبة عن الجمعة، أو أنه لا يرى الصلاة خلف الإمام، أو يعيد الصلاة معه فيه، وربما أفضى إلى فتنة أو لحوق ضرر به وبغيره، وإنما يصليها في منزله أو في موضع لاتحصل هذه المفسدة بصلاتها فيه.\rواتفق الجمهور مع الحنفية على أنه يستحب لمن يرجو زوال عذره أن يؤخر الظهر إلى اليأس عن إدراك الجمعة؛ لأنه قد يزول عذره، فإن زال عذره بعد الفراغ من الظهر كأن قدم من السفر، أو شفي من المرض، أو انفك من وثاقه،أعاد الجمعة إن أدركها. كذلك الصبي يعيد الجمعة إذا بلغ بعد أن صلى الظهر.\r-------------------------------\r(1) القوانين الفقهية: ص 80، الشرح الصغير مع حاشية الصاوي: 508/1، مغني المحتاج: 279/1، المهذب: 109/1، المغني: 344/2 ومابعدها، كشاف القناع: 26/2.","part":2,"page":470},{"id":1162,"text":"رابعاً ـ تعجيل صلاة الظهر ممن لا تجب عليه الجمعة:\rقال أكثر أهل العلم (1) : من لا تجب عليه الجمعة كالمسافر والعبد والمرأة والمريض المزمن وسائر المعذورين، له أن يصلي الظهر قبل صلاة الإمام في الجمعة؛ لأنه لم يخاطب بالجمعة، فصحت منه الظهر، كما لو كان بعيداً من موضع الجمعة.\rفإن صلاها، ثم سعى إلى الجمعة، لم تبطل ظهره عند الجمهور، وكانت الجمعة نفلاً في حقه، سواء زال عذره، أو لم يزل. وقال أبو حنيفة كما قال في الحالة الأولى: تبطل ظهره بالسعي إليها.\rخامساً ـ صلاة الظهر بسبب خروج وقت الظهر:\rإذا انتهى وقت الظهر أو ضاق عن الجمعة بأن لم يبق منه ما يسع الخطبة والركعتين، سقطت الجمعة، فلا تقضى جمعة باتفاق العلماء (2) ، وإنما تصلى ظهراً، لأن القضاء على حسب الأداء، والأداء فات بشرائط مخصوصة، يتعذر تحصيلها على فرد، فتسقط، بخلاف سائر المكتوبات إذا فاتت عن أوقاتها.\rسادساً ـ صلاة الظهر بسبب اختلال شرط من شرائط الجمعة:\rإذا لم يتوافر شرط من شرائط صحة الجمعة الأخرى غير دخول الوقت، كأن نقص عدد المصلين عن المطلوب، أو لم يدرك المسبوق ركعة مع الإمام عند الجمهور، أو أي جزء من الصلاة ولو سجود السهو عند الحنفية، أو لم يتوافر البنيان وغير ذلك، صلى الناس الظهر بدلاً عن الجمعة (3) .\r-------------------------------\r(1) المراجع السابقة.\r(2) البدائع: 269/1، مغني المحتاج: 279/1، المغني: 318/2، حاشية الباجوري: 223/1.\r(3) البدائع: 269/1، مغني المحتاج: 279/1، المغني: 312/2،316،332 كشاف القناع: 31/2.","part":2,"page":471},{"id":1163,"text":"المبحث الثالث ـ صلاة المسافر (القصر والجمع)\rوفيه مطلبان: الأول ـ قصر الصلاة، مشروعيته، وسببه، وشروطه، حالة اقتداء المسافر بالمقيم وبالعكس، ما يمنع القصر، قضاء الصلاة الفائتة في السفر، وصلاة السنن في السفر.\rالثاني ـ الجمع بين الصلاتين، أسبابه، وشروطه.\rالمطلب الأول ـ قصر الصلاة الرباعية:\rأولاً ـ مشروعية القصر،وهل القصر عزيمة أو رخصة؟\rالقصر جائز بالقرآن والسنة والإجماع (1) .\rأما القرآن: فقوله تعالى: {وإذا ضربتم في الأرض، فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة، إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا} [النساء:101/4] والقصر جائز سواء في حالة الخوف أم الأمن، لكن تعليق القصر على الخوف في الآية، كان لتقرير الحالة الواقعة؛ لأن غالب أسفار النبي صلّى الله عليه وسلم لم تخل منه. قال يعلى بن أمية لعمر بن الخطاب: «ما لنا نقصر وقد أمنا؟ فقال: سألت النبي صلّى الله عليه وسلم فقال: صدقة تصدق الله بها عليكم، فاقبلوا صدقته» (2) .\rوأما السنة: فقد تواترت الأخبار أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم كان يقصر في أسفاره حاجاً ومعتمراً وغازياً محارباً، وقال ابن عمر: «صحبت النبي صلّى الله عليه وسلم ، فكان لا يزيد في السفر على ركعتين، وأبو بكر وعمر وعثمان كذلك» (3) .\rوأجمع أهل العلم على أن من سافر سفراً تقصر في مثله الصلاة، سواء كان السفر واجباً كسفر الحج إلى المسجد الحرام والجهاد والهجرة والعمرة، أو مستحباً كالسفر لزيارة الإخوان، وعيادة المرضى، وزيارة أحد المسجدين: مسجد المدينة والأقصى، وزيارة الوالدين أو أحدهما، أو مباحاً كالسفر لنزهة أو فرجة أو تجارة، أو مكرهاً على السفر، كأسير أوزانٍ مغرَّب: وهو الزاني غير المحصن الذي ينفى سنة بعد الجلد، أو مكروهاً كسفر المنفرد بنفسه دون جماعة.\rوالقصر: هو اختصار الصلاة الرباعية إلى ركعتين.\rوالذي يقصر إجماعاً (4) : هو الصلاة الرباعية من ظهر وعصر وعشاء، دون الفجر والمغرب؛ لأنه إذا قصر الفجر، بقي منه ركعة، ولا نظير لها في الفرض، وإذا قصر المغرب الذي هو وتر النهار، بطل كونه وتراً.\r-------------------------------\r(1) المغني: 254/2، كشاف القناع: 593/1 ومابعدها، مغين المحتاج: 262/1 ومابعدها.\r(2) رواه مسلم.\r(3) متفق عليه، وروي مثله في الصحيحين عن ابن مسعود، وأنس.\r(4) كشاف القناع: 595/1، المغني: 267/2.","part":2,"page":472},{"id":1164,"text":"روى أحمد عن عائشة رضي الله عنها: «فرضت الصلاة ركعتين، إلا المغرب، فإنه وتر النهار، ثم زيدت في الحضر، وأقرت في السفر على ما كانت عليه » . وروى علي بن عاصم عن عائشة حديثاً يتضمن استثناء صلاة المغرب وصلاة الغداة (الصبح) وصلاة الجمعة من جواز القصر.\rوالأحكام المتعلقة بالسفر: هي القصر، والجمع، والمسح على الخف ثلاثة أيام، وإباحة الفطر في رمضان، وهذه الأربعة تختص بالسفر الطويل، وحرمة\rخروج المرأة بغير محرم، وسقوط الجمعة والعيدين والأضحية، وإباحة أكل الميتة للمضطر، والصلاة على الراحلة، والتيمم وإسقاط الفرض به، وهذه متعلقة بالسفر القصير، إلا أن أكل الميتة والتيمم لا يختصان بالسفر (1) .\rحكم القصر أو هل القصر رخصة أو عزيمة واجب؟\rوبعبارة أخرى: هل المسافر ملزم شرعاً بالقصر، أم أنه مخير بينه وبين الإتمام، وأيهما أفضل: القصر أم الإتمام؟\rتتردد أقوال الفقهاء المعتمدة بين آراء ثلاثة: إنه فرض، إنه سنة، إنه رخصة مخير فيها المسافر (2) .\rقال الحنفية: القصر واجب ـ عزيمة، وفرض المسافر في كل صلاة رباعية ركعتان، لا تجوز له الزيادة عليهما عمداً، ويجب سجود السهو إن كان سهواً، فإن أتم الرباعية وصلى أربعاً، وقد قعد في الركعة الثانية مقدار التشهد، أجزأته الركعتان عن فرضه، وكانت الركعتان الأخريان له نافلة، ويكون مسيئاً، وإن لم يقعد في الثانية مقدار التشهد، بطلت صلاته، لاختلاط النافلة بها قبل إكمالها.\rودليلهم أحاديث ثابتة، منها حديث عائشة: «فرضت الصلاة ركعتين ركعتين، فأقرت صلاة السفر، وزيد في صلاة الحضر» (3) وحديث ابن عباس:\r-------------------------------\r(1) اللباب شرح الكتاب: 106/1، كشاف القناع: 608/1، مغني المحتاج: 275/1، المغني: 261/2 ومابعدها.\r(2) الدر المختار: 735/1، مراقي الفلاح: ص72، الكتاب مع اللباب: 107/1، بداية المجتهد: 161/1، القوانين الفقهية: ص84، الشرح الكبير: 358/1، مغني المحتاج: 271/1، المهذب: 101/1، كشاف القناع: 601/1، المغني: 267/2-270.\r(3) أخرجه الشيخان في الصحيحين، وفي لفظ: «فرض الله الصلاة حين فرضها ركعتين، فأتمها في الحضر، وأقرت صلاة السفر على الفريضة الأولى» (نصب الراية: 188/2).","part":2,"page":473},{"id":1165,"text":"«فرض الله الصلاة على لسان نبيكم في الحضر أربع ركعات، وفي السفر ركعتين، وفي الخوف ركعة» (1) .\rوقال المالكية على المشهور الراجح: القصر سنة مؤكدة؛ لفعل النبيصلّى الله عليه وسلم ، فإنه لم يصح عنه في أسفاره أنه أتم الصلاة قط، كما في الحديث المتقدم عن ابن عمر وغيره.\rوقال الشافعية والحنابلة: القصر رخصة على سبيل التخير، فللمسافر أن يتم أو يقصر، والقصر أفضل من الإتمام مطلقاً عند الحنابلة؛ لأنه صلّى الله عليه وسلم داوم عليه، وكذا الخلفاء الراشدون من بعده، وهو عند الشافعية على المشهور أفضل من الإتمام إذا وجد في نفسه كراهة القصر، أو إذا بلغ ثلاث مراحل عند الحنفية تقدر بـ 69 كم اتباعاً للسنة، وخروجاً من خلاف من أوجبه كأبي حنيفة. لكن الصوم في السفر أفضل من الفطر إن لم يتضرر به لقوله تعالى: {وأن تصوموا خير لكم} [البقرة:184/2].\rودليلهم:\r1ً - الآية السابقة: {فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة} [النساء:101/4]، وهذا يدل على أن القصر رخصة مخير بين فعله وتركه كسائر الرخص.\r2ً - والحديث السابق عن عمر: «صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته» وقوله صلّى الله عليه وسلم: «إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه» (2) .\r-------------------------------\r(1) أخرجه مسلم، ورواه الطبراني بلفظ «افترض رسول الله صلّى الله عليه وسلم ركعتين في السفر، كما افترض في الحضر أربعاً» (نصب الراية: 189/2).\r(2) رواه أحمد والبيهقي عن ابن عمر، والطبراني عن ابن عباس مرفوعاً، وعن ابن مسعود بنحوه موقوفاً على الأصح، وذكره أحمد عن ابن مسعود بلفظ: «إن الله يحب أن تؤتى رخصه، كما يكره أن تؤتى معصيته» وهو ضعيف.","part":2,"page":474},{"id":1166,"text":"3ً - وثبت في صحيح مسلم وغيره أن الصحابة كانوا يسافرون مع رسول الله صلّى الله عليه وسلم ، فمنهم القاصر، ومنهم المتم، ومنهم الصائم ومنهم المفطر، لا يعيب بعضهم على بعض (1) .\r4ً - وقالت عائشة: «خرجت مع النبي صلّى الله عليه وسلم في عُمْرة في رمضان، فأفطر وصُمتُ، وقصر وأتممت، فقلت: بأبي وأمي، أفطرتَ وصمتُ، وقصرتَ وأتممتُ، فقال: أحسنت ياعائشة» (2) .\rيظهر من هذه الأدلة الأربعة أن القصر رخصة، وهو الراجح المتبادر للذهن.\rثانياً ـ سبب مشروعية القصر:\rالحكمة من القصر: هو دفع المشقة والحرج الذي قد يتعرض له المسافر غالباً، والتيسير عليه في حقوق الله تعالى، والترغيب في أداء الفرائض، وعدم التنفير من القيام بالواجب، فلا يبقى لمقصر أو مهمل حجة أوذريعة في ترك فرض الصلاة.\rوسبب مشروعية القصر: هو السفر الطويل، المباح عند الجمهور غير الحنفية. والكلام عن السفر المبيح للقصر الذي تتغير به الأحكام الشرعية يتطلب بحث أمور أربعة وهي: المسافة التي يجوز فيها القصر، نوع السفر الذي تقصر فيه الصلاة:المباح أم أي سفر، الموضع الذي يبدأ منه المسافر بالقصر (أول السفر)، مقدار الزمان الذي يقصر فيه إذا أقام المسافر في موضع.\r-------------------------------\r(1) قاله النووي في شرح مسلم، لكن ليس في صحيح مسلم قوله: «فمنهم القاصر ومنهم المتم» .\r(2) رواه الدارقطني، وقال: هذا إسناد حسن (نيل الأوطار: 3/202).","part":2,"page":475},{"id":1167,"text":"الموضوع الأول - المسافة التي يجوز فيها القصر:\rاختلف الفقهاء في تقدير مسافة السفر التي يقصر فيها، فقال الحنفية (1) : أقل ما تقصر فيه الصلاة مسيرة ثلاثة أيام ولياليها من أقصر أيام السنة في البلاد المعتدلة (2) ، بسير الإبل ومشي الأقدام، ولا يشترط سفر كل يوم إلى الليل، بل أن يسافر في كل يوم منها من الصباح إلى الزوال (الظهر)، فالمعتبر هو السير الوسط مع الاستراحات العادية، فلو أسرع وقطع تلك المسافة من أقل من ذلك كما في وسائل المواصلات الحديثة، جاز له القصر. فإذا قصد الإنسان موضعاً بينه وبين مقصده مسيرة ثلاثة أيام، جاز له القصر، فإن لم يقصد موضعاً، وطاف الدنيا من غير قصد إلى قطع مسيرة ثلاثة أيام لا يترخص بالقصر.\rوالتقدير بثلاث مراحل قريب من التقدير بثلاثة أيام؛ لأن المعتاد من السير في كل يوم مرحلة واحدة، خصوصاً في أقصر أيام السنة. ولا يصح القصر في أقل من هذه المسافة، كما لا يصح التقدير عندهم بالفراسخ (3) على المعتمد الصحيح، ودليلهم القياس على مدة المسح على الخف المقدرة بالسنة، وهي نص حديث: «يمسح المقيم كمال يوم وليلة، والمسافر ثلاثة أيام ولياليها» (4) .\rوالمعتبر في البحر والجبل: مايناسبه أو ما يليق بحاله لقطع المسافة، ففي البحر تعتبر تلك المسافة بحسب اعتدال الريح، لا ساكنة ولا عالية، وفي الجبل يعتبر السير فيه بثلاثة أيام ولياليها بحسب طبيعته، وإن كانت تلك المسافة في السهل تقطع بما دونها.\r-------------------------------\r(1) الدر المختار ورد المحتار: 732/1-735، فتح القدير: 392/1-394، اللباب:106/1، مراقي الفلاح: ص71.\r(2) أي البلاد التي يمكن قطع المرحلة المذكورة في معظم اليوم من أقصر أيامها، فلا يرد أن أقصر أيام السنة في بلاد البلغار قد يكون ساعة أو أكثر أو أقل.\r(3) الفرسخ:ثلاثة أميال، والميل أربعة آلاف ذراع.\r(4) رواه ابن أبي شيبة عن علي (نصب الراية: 183/2).","part":2,"page":476},{"id":1168,"text":"ومجموع مدة الثلاثة الأيام بالساعات يختلف بحسب كل بلد، ففي مصر وما ساواها من العرض عشرون ساعة وربع، في كل يوم سبع ساعات إلا ربعاً، ومجموع الثلاثة الأيام في الشام عشرون ساعة إلا ثلث ساعة تقريباً في كل يوم ست ساعات وثلثي ساعة إلا درجة ونصفاً.\rوقال الجمهور غير الحنفية (1) : السفر الطويل المبيح للقصر المقدر بالزمن: يومان معتدلان أو مرحلتان بسير الأثقال ودبيب الأقدام، أي سير الإبل المثقلة بالأحمال على المعتاد من سير وحط وترحال وأكل وشرب وصلاة كالمسافة بين جدة ومكة أو الطائف ومكة أو من عُسفان إلى مكة، ويقدر بالمسافة ذهاباً: بأربعة بُر ُد أو ستة عشر فرسخاً، أو ثمانية وأربعين ميلاً هاشمياً، والميل: ستة آلاف ذراع (2) ، كما ذكر الشافعية والحنابلة، وقال المالكية على الصحيح: الميل ثلاثة آلاف وخمس مئة ذراع، وتقدر بحوالي (89 كم) وعلى وجه الدقة:88.704 كم ثمان وثمانين كيلو وسبع مئة وأربعة أمتار، ويقصر حتى لو قطع تلك المسافة بساعة واحدة، كالسفر بالطائرة والسيارة ونحوها؛ لأنه صدق عليه أنه سافر أربعة برد.\rوالمسافة في البحر كالمسافة في البر.\rودليلهم: قول النبي صلّى الله عليه وسلم : «يا أهل مكة، لا تقصروا في أقل من أربعة برد، من مكة إلى عُسْفان» (3) وما روي عن ابن عمر وابن عباس رضي الله عنهما: كانا يصليان ركعتين ويفطران في أربعة بُرُد، فما فوق، ولأن في هذا القدر تتكرر مشقة الشد والترحال، وفيما دونه لا تتكرر.\r-------------------------------\r(1) بداية المجتهد:162/1، الشرح الصغير: 474/1 ومابعدها، الشرح الكبير:358/1-361، المهذب:102/1، المغني: 255/2 ومابعدها، المجموع: 213/4 ومابعدها.\r(2) الذراع: أربعة وعشرون أصبعاً كما ذكر الشافعية والحنابلة، أو 32 أصبعاً كما بينا في جدول المقاييس، والذراع: 2،46 سم، والإصبع: ست شعيرات معتدلات، وتساوي 925،1سم.\r(3) رواه الدارقطني عن ابن عباس، وروي موقوفاً على ابن عباس، قال الخطابي: هو أصح الروايتين عن ابن عمر. وقول الصحابي عند الحنابلة حجة، خصوصاً إذا خالف القياس.","part":2,"page":477},{"id":1169,"text":"وهذه المسافة عند الشافعية محددة تماماً، فيضر نقص المسافة مهما قل. وهي تقريباً لا تحديداً عند الحنابلة والمالكية، فلا يضر عند الحنابلة نقصان المسافة عن هذا المقدار بشيء قليل كميل أو ميلين، ولا يضر عند المالكية نقصان ثمانية أميال.\rواستثنى المالكية خلافاً لغيرهم (الجمهور) من هذه المسافة أهل مكة ومنى ومزدلفة والمُحَصَّب إذا خرجوا في الحج للوقوف بعرفة، فإنه عملاً بالسنة يسن لهم القصر في الذهاب والإياب إذا بقي عليهم شيء من أعمال الحج التي تؤدى في غير وطنهم، وإلا بأن وصلوا وطنهم أتموا الصلاة.\rوناقش ابن قدامة (1) أدلة الجمهور: بأنه روي عن ابن عباس وابن عمر خلاف المذكور، وأنه معارض لظاهر القرآن؛لأن ظاهره إباحة القصر لكل من ضرب في الأرض بدون تحديد مسافة، وأنه مخالف لسنة النبي صلّى الله عليه وسلم ، قال أنس: «إن رسول الله صلّى الله عليه وسلم كان إذا خرج مسيرة ثلاثة أميال، أو ثلاثة فراسخ، صلى ركعتين» (2) ،وقال ابن قدامة في نهاية نقاشه: الحجة مع من أباح القصر لكل مسافر، إلا أن ينعقد الإجماع على خلافه.\r-------------------------------\r(1) المغني: 257/2 ومابعدها.\r(2) رواه أحمد ومسلم وأبو داود عن شعبة عن يحيى بن يزيد الهنائي أنه سأل أنساً.. والتردد بين الأميال والفرسخ شك من الراوي: شعبة (نيل الأوطار: 205/3).","part":2,"page":478},{"id":1170,"text":"الثاني ـ نوع السفر الذي تقصر فيه الصلاة:\rقال الحنفية (1) : يجوز القصر في كل سفر، سواء أكان قربة أم مباحاً أم معصية، فيجوز القصر لقاطع الطريق ونحوه ممن كان عاصياً بسفره؛ لأن القبح المجاور لشيء مشروع لا يعدم المشروعية، والقبح المجاور: هو ما يقبل الانفكاك كالبيع وقت النداء لصلاة الجمعة، فإنه قبُح لترك السعي، وهو قابل للانفكاك، إذ قد يوجد ترك السعي للجمعة، بدون البيع، وبالعكس، فكذا السفر، فإنه يمكن قطع الطريق والسرقة مثلاً بلا سفر، وبالعكس. أما القبح لعينه كالكفر، أو القبح شرعاً كبيع الحر، فإنه يعدم المشروعية. ودليلهم بعبارة أخرى على أن العاصي والمطيع في سفرهما سواء في الرخصة: هو إطلاق النصوص وهو: { وإذا ضربتم في الأرض.. } [النساء:101/4] ولأن نفس السفر ليس بمعصية، وإنما المعصية ما يكون بعده أو يجاوره، فلا يؤثر على رخصة القصر.\rوقال الجمهور غير الحنفية (2) : لا تباح الرخص المختصة بالسفر من القصر والجمع والفطر والمسح ثلاثاً والصلاة على الراحلة تطوعاً في سفر المعصية كالإباق، وقطع الطريق، والتجارة في الخمر والمحرمات، وهذا هو العاصي بسفره أي الذي أنشأ سفراً لأجل المعصية أو يقصد محلاً لفعل محرم، فلا يقصر الصلاة، ويحرم عليه القصر؛ لأن السفر سبب الرخصة، فلا تناط بالمعصية، فيكون المبدأ عندهم: ( الرخص لا تناط بالمعاصي ) حتى أكل الميتة، لقوله تعالى: {فمن اضطر غير باغ ولا عاد، فلا إثم عليه} [البقرة:173/2]، أباح الأكل إن لم يكن عادياً ولا باغياً، فلا يباح لباغ ولاعاد، ولأن الترخص شرع للإعانة على تحصيل المقصد\r-------------------------------\r(1) الدر المختار: 733/1، 736، تبيين الحقائق: 215/1 ومابعدها، فتح القدير: 405/1 ومابعدها.\r(2) بداية المجتهد: 163/1، الشرح الصغير: 477/1، مغني المحتاج: 268/1، المهذب: 102/1، المغني: 261/2 ومابعدها، 597/8، كشاف القناع: 596/1،194/6.","part":2,"page":479},{"id":1171,"text":"المباح توصلاً إلى المصلحة، فلو شرع ههنا، لشرع إعانة على المحرم، تحصيلاً للمفسدة، والشرع منزه عن هذا.\rوذكر المالكية أنه يكره القصر للاهٍ بالسفر.\rأما العاصي في السفر: وهو الذي قصد سفراً لغرض مشروع، لكنه ارتكب في أثناء السفر معصية كزنا أو سرقة أو غصب، أو قذف أو غيبة، فيجوز له الترخص من قصر وغيره؛ لأنه لم يقصد السفر لذلك أي للمعصية، وإنما لغرض مشروع، فهو كالمقيم العاصي.\rقال النووي الشافعي: لو أنشأ امرؤ سفراً مباحاً ثم جعله معصية فلا ترخص في الأصح، ولو أنشأه عاصياً ثم تاب، فمنشئ للسفر من حين التوبة.\rالثالث ـ الموضع الذي يبدأ منه المسافر بالقصر ـ أول السفر:\rلا تكفي نية السفر لقصر الصلاة قبل مباشرة السفر وتجاوز حدود البلد، بل لا بد من مباشرة السفر حتى يحق له القصر والفطر، وقد اتفق الفقهاء (1) على أن أول السفر الذي يجوز به القصر ونحوه:هو أن يخرج المسافر من بيوت البلد التي خرج منها ويجعلها وراء ظهره، أو يجاوز العمران من الجانب الذي خرج منه، وإن لم يجاوزها من جانب آخر؛ لأن الإقامة تتعلق بدخولها، فيتعلق السفر بالخروج عنها، لقوله تعالى: {وإذا ضربتم في الأرض، فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة} [النساء:101/4] ولا يكون ضارباً في الأرض حتى يخرج. وسيأتي تفصيل المذاهب في هذا الموضوع.\rولا يُتم صلاته حتى يدخل أول بيوت البلد الذي يقصده للإقامة فيه.\rولا يزال المسافر على حكم السفر حتى ينوي الإقامة مدة معينة سنذكرها.\r-------------------------------\r(1) الكتاب مع اللباب: 107/1، مراقي الفلاح: ص71، فتح القدير: 396/1، بداية المجتهد: 163/1، الشرح الصغير: 476/1 ومابعدها، مغني المحتاج: 263/1 ومابعدها، المهذب: 102/1، المغني: 259/2-261.","part":2,"page":480},{"id":1172,"text":"الرابع ـ مقدار الزمان الذي يقصر فيه إذا أقام المسافر في موضع:\rيظل للمسافر حق القصر ما لم ينو الإقامة في بلد مدة معينة، وقد اختلف الفقهاء على رأيين في تقدير هذه المدة (1) .\rفقال الحنفية: يصير المسافر مقيماً ، ويمتنع عليه القصر إذا نوى الإقامة في بلد خمسة عشر يوماً، فصاعداً، فإن نوى تلك المدة، لزمه الإتمام، وإن نوى أقل من ذلك قصر.\rودليلهم: القياس على مدة الطهر للمرأة؛ لأنهما مدتان موجبتان العودة إلى الأصل، فإن مدة الطهر توجب إعادة ما سقط بالحيض، والإقامة توجب إعادة ما سقط بالسفر، فكما قدر مدة الطهر بخمسة عشر يوماً، فكذلك يقدر أدنى مدة الإقامة. وهذا التقرير مأثور عن ابن عباس وابن عمر، قالا: إذا دخلت بلدة وأنت مسافر، وفي عزمك أن تقيم بها خمسة عشر يوماً، فأكمل الصلاة، وإن كنت لا تدري متى تظعن فاقصر.\rوإن كان ينتظر قضاء حاجة معينة، له القصر ولو طال الترقب سنين، فمن دخل بلداً، ولم ينو أن يقيم فيه خمسة عشر يوماً، وإنما يترقب السفر، ويقول: أخرج غداً أو بعد غد مثلاً، حتى بقي على ذلك سنين، صلى ركعتين أي قصر؛ لأن ابن عمر أقام بأذربيجان ستة أشهر، وكان يقصر، وروي عن جماعة من الصحابة مثل ذلك.\rوإذا دخل العسكر أرض الحرب، فنووا الإقامة بها خمسة عشر يوماً، أو حاصروا فيها مدينة أو حصناً، قصروا، ولم يتموا الصلاة، لعدم صحة النية؛ لأن الداخل قلق غير مستقر، فهو متردد بين أن يَهزِم العدو فيَقر، أو يُهزَم من عدوه فيفر. وهذا موافق لمذهب المالكية أيضاً.\r-------------------------------\r(1) فتح القدير مع العناية: 397/1 ومابعدها، اللباب: 107/1 ومابعدها، بداية المجتهد: 63/1 ومابعدها، الشرح الصغير: 481/1، مغني المحتاج: 264/1 ومابعدها، المهذب: 103/1، كشاف القناع: 605/1، القوانين الفقهية: ص85، الشرح الكبير: 364/1.","part":2,"page":481},{"id":1173,"text":"وقال المالكية والشافعية: إذا نوى المسافر إقامة أربعة أيام بموضع، أتم صلاته؛ لأن الله تعالى أباح القصر بشرط الضرب في الأرض، والمقيم والعازم على الإقامة غير ضارب في الأرض، والسنة بينت أن ما دون الأربع لا يقطع السفر، ففي الصحيحين: «يقيم المهاجر بعد قضاء نسكه ثلاثاً» وأقام النبي صلّى الله عليه وسلم بمكة في عمرته ثلاثاً يقصر (1) .\rوقدر المالكية المدة المذكورة بعشرين صلاة في مدة الإقامة، فإذا نقصت عن ذلك قصر.\rولم يحسب المالكية والشافعية يومي الدخول والخروج على الصحيح عند الشافعية؛ لأن في الأول حط الأمتعة، وفي الثاني الرحيل، وهما من أشغال السفر.\rوقال الحنابلة: إذا نوى أكثر من أربعة أيام أو أكثر من عشرين صلاة، أتم، لحديث جابر وابن عباس أن النبي صلّى الله عليه وسلم قدم مكة صبيحة رابعة ذي الحجة، فأقام بها أما حديث الصحيحين فهو أن النبي صلّى الله عليه وسلم حرم الإقامة بمكة على المهاجرين، ثم رخص لهم أن يقيموا ثلاثة أيام (المجموع: 243/4). الرابع والخامس والسادس، وصلى الصبح في اليوم الثامن، ثم خرج إلى منى، وكان يقصر الصلاة في هذه الأيام، وقال أنس: «أقمنا بمكة عشراً نقصر الصلاة» (2) ، قال ابن حجر في الفتح: ولاشك أنه خرج من مكة صبح الرابع عشر، فتكون مدة الإقامة بمكة ونواحيها عشرة أيام بلياليها، كما قال أنس، وتكون مدة إقامته بمكة أربعة أيام، لا سواها، لأنه خرج منها في اليوم الثامن، فصلى بمنى.\rويحسب من المدة عند الحنابلة يوم الدخول والخروج.\rفإن كان ينتظر قضاء حاجة يتوقعها كل وقت أو يرجونجاحها أو جهاد عدو أو على أهبة السفر يوماً فيوماً، جاز له القصر عند المالكية والحنابلة، مهما طالت المدة، ما لم ينو الإقامة، كما قرر الحنفية.\r-------------------------------\r(1) راجع نيل الأوطار: 207/3 ومابعدها.\r(2) متفق عليهما (المصدر السابق).","part":2,"page":482},{"id":1174,"text":"وقال الشافعية: له القصر ثمانية عشر يوماً غير يومي الدخول والخروج؛ لأنهصلّى الله عليه وسلم أقامها بمكة عام الفتح لحرب هوازن، يقصر الصلاة (1) .\rثالثاً ـ شروط القصر:\rاشترط الفقهاء لصحة القصر الشروط الآتية (2) :\r1 - أن يكون السفر طويلاً مقدراً بمسيرة مرحلتين أو يومين أو ستة عشر فرسخاً عند الجمهور، أو ثلاث مراحل أو ثلاثة أيام بلياليها عند الحنفية، على الخلاف السابق بيانه.\r2 - أن يكون السفر مباحاً غير محرم أو محظور كالسفر للسرقة أو لقطع الطريق، ونحو ذلك، في رأي الجمهور غير الحنفية. فإن قصر المرء في سفر المعصية لا تنعقد صلاته عند الشافعية والحنابلة؛ لأنه فعل ما يعتقد تحريمه كمن صلى وهو يعتقد أنه محدث، ويصح القصر مع الإثم عند المالكية.\rولا يقصر عند الحنابلة لسفر مكروه، ويقصر عند المالكية والشافعية.\rويرى الحنفية: أنه يجوز القصر في السفر المحرم والمكروه والمباح كما بينا ويقصر لسفر التجارة والتنزه والتفرج، ولزيارة المساجد والآثار، والقبور، وهو الصحيح عند الحنابلة في زيارة القبور.\r3 - مجاوزة العمران من موضع إقامته: كما بينا، وللفقهاء تفريعات في توضيح هذا الشرط.\r-------------------------------\r(2) رواه أبو داود عن عمران بن حصين، والترمذي وحسنه، وإن كان في سنده ضعيف؛ لأن له شواهد تجبره كما قال ابن حجر. ورويت روايات أخرى أصحها أنها تسعة عشر، كما قال البيهقي، وقدمت رواية الثمانية عشر على التسعة عشر مع كونها أصح، لأن الأولى عن عمران سليمة من الاضطراب، والأخرى عن ابن عباس مضطربة، ففيها تسعة عشر، وسبعة عشر.\r(3) تبيين الحقائق: 209/1-216، القوانين الفقهية: ص84-85، الشرح الصغير: 486/1، مغني المحتاج: 266/1-271، المهذب: 101/1-103، الحضرمية: ص76 ومابعدها، كشاف القناع: 593/1-603، مراقي الفلاح: ص71.","part":2,"page":483},{"id":1175,"text":"فقال الحنفية (1) : أن يجاوز بيوت البلد التي يقيم فيها من الجهة التي خرج منها، وإن لم يجاوزها من جانب آخر. وأن يجاوز كل البيوت ولو كانت متفرقة متى كان أصلها من البلد، وأن يجاوز ما حول البلد من مساكن، والقرى المتصلة بالبلد. ويشترط أن يجاوز الساحة (الفناء) المتصلة بموضع إقامته: وهو المكان المعد لصالح السكان كركض الدواب ودفن الموتى وإلقاء التراب.\rولا يشترط أن تغيب البيوت عن بصره، ولا مجاوزة البيوت الخربة، ولا مجاوزة البساتين؛ لأنها لا تعتبر من العمران، وإن اتصلت بالبناء أو سكنها أهل البلدة.\rوإذا كان ساكناً في الأخبية (الخيام) فلا بد من مجاوزتها، وإذا كان مقيماً على ماء أو محتطب فلا بد من مفارقته، ما لم يكن المحتطب واسعاً جداً، والنهر بعيد المنبع أو المصب، وإلا فالعبرة بمجاوزة العمران.\rوقال المالكية (2) : المسافر إما حضري، أو بدوي، أو جبلي.\rفالحضري: الساكن في مدينة أو بلد أو قرية ولو لا جمعة فيها، لا يقصر إلا إذا جاوز بنيانها والفضاء الذي حولها والبساتين المتصلة بها ولو حكماً: بأن يرتفق أو ينتفع سكانها بها بنار أو خبز أو طبخ، والمسكونة بأهلها ولو في بعض العام. ولا يشترط مجاوزة المزارع والبساتين المنفصلة، أو غير المسكونة في وقت من العام.\rوالبدوي: ساكن البادية أو الخيام، لا يقصر إلا إذا جاوز جميع خيام أو بيوت القبيلة أو القبائل المتعاونة فيما بينها، ولو كانت متفرقة، حيث جمعهم اسم الحي والدار (3) ، أو الدار فقط.\rوالجبلي: ساكن الجبال يقصر إذا جاوز محله أو مكانه.\rوساكن القرية التي لا بساتين فيها مسكونة: يقصر إذا جاوز بيوت القرية والأبنية الخرا ب التي في طرفها.\rوساكن البساتين: يقصر بمجرد انفصاله عن مسكنه، سواء أكانت تلك البساتين متصلة بالبلد أم منفصله عنها.\r-------------------------------\r(1) رد المحتار: 732/1 ومابعدها.\r(2) الشرح الكبير مع الدسوقي: 359/1 ومابعدها.\r(3) المراد بالحي: القبيلة، والمراد بالدار: المنزل الذي ينزلون فيه، والحلة والمنزل بمعنى واحد.","part":2,"page":484},{"id":1176,"text":"وقال الشافعية (1) : إن كان للبلد أو القرية سور، فأول السفر مجاوزة السور، وإن كان وراءه عمارة في الأصح.\rوإن لم يكن للبلد أو القرية سور: فأول السفر مجاوزة آخر العمران، وإن تخلله نهر أو بستان أو خراب، حتى لا يبقى بيت متصل أو منفصل عن محل الإقامة، ولا يشترط مجاوزة الخراب المهجور الخارج عن العمران؛ لأنه ليس محل إقامة، كما لا يشترط مجاوزة البساتين والمزارع، وإن اتصلت بما سافر منه. ولا بد من مجاوزة المقابر المتصلة بالقرية التي لا سور لها.\rوساكن الخيام: يقصر إن جاوز الحِلَّة، أي البيوت التي يجتمع أهلها فيها للسمر، ويستعير بعضهم من بعض، سواء أكانت مجتمعة أم متفرقة، وجاوز أيضاً مرافق الخيام كمطرح الرماد وملعب الصبيان ومرابط الخيل؛ لأنها معدودة من مواضع إقامتهم.\rويعتبر مع مجاوزة المرافق عرض الوادي إن سافر في عرضه، ومجاوزة المهبط إن كان في ربوة (مرتفع)، والمصعد إن كان في وَهْدة (منخفض)، هذا إن اعتدلت الثلاثة (الوادي والمهبط والمصعد)، فإن اتسعت اكتفي بمجاوزة الحلة عرفاً.\rوساكن غير الأبنية والخيام يبتدئ سفره بمجاوزة محل رحله ومرافقه. هذا كله في سفر البر، أما السفر في البحر: فيبتدئ من أول تحرك أو جري السفينة أو الزورق،فإن جرت السفينة محاذية للأبنية التي في البلدة فلا بد من مجاوزة تلك الأبنية.\rوينتهي السفر بوصوله سور وطنه، أو عمرانه إن كان غير مسور.\r-------------------------------\r(1) مغني المحتاج: 263/1 ومابعدها.","part":2,"page":485},{"id":1177,"text":"وقال الحنابلة (1) : يقصر المسافر إذا فارق خيام قومه، أو بيوت قريته العامرة، سواء أكانت داخل السور أم خارجه، بما يعد مفارقة عرفاً؛ لأن الله تعالى إنما أباح القصر لمن ضرب في الأرض، وسواء اتصل بها بيوت خربة أو صحراء، فإن اتصل بالبيوت الخربة بيوت عامرة أو بساتين يسكنها أهلها ولو ضيفاً مثلاً وقت النزهة، فلا يقصر إلا بمفارقة الجميع من الخراب والعامر والبساتين المسكونة.\rولو كان للبلد محال، كل محلة منفردة عن الأخرى، كبغداد في الماضي، فمتى خرج من محلته، أبيح له القصر إذا فارق أهله. وإن كان بعضها متصلاً ببعض كاتصال أحياء المدن المعاصرة، لم يقصر حتى يفارقها جميعها.\rولو كانت قريتان متدانيتين (متقاربتين)، واتصل بناء إحداهما بالأخرى، فهما كالواحدة، وإن لم يتصل بناؤهما، فلكل قرية حكم نفسها.\rوالملاح الذي يسير بسفينته وليس له بيت سوى سفينته، فيها أهله وتنوره وحاجته، لا يباح له الترخص.\r4 - أن يقصد من ابتداء السفر موضعاً معيناً، ويعزم أن يقطع مسافة القصر من غير تردد فلا قصر ولا فطر لهائم: وهو من خرج على وجهه لا يدري أين يتوجه، ولا لمن خرج يطلب آبقاً أو حيواناً هارباً، أو غريماً يرجع متى وجده، ولا لسائح لا يقصد مكاناً معيناً، كما لا قصر لمن طاف الأرض كلها من غير قصد إلى قطع مسافة القصر المطلوبة؛ لأنه لم يقصد قطع المسافة، وكذلك لا يقصر عند الجمهور إذا نوى قطع المسافة ونوى الإقامة أثناءها بما يقطع السفر، كما سنبين.\rوقال الحنفية: له أن يقصر حتى يقيم بالفعل، ولا تضر نية الإقامة السابقة، وهذا هو المعقول الأولى بالاتباع.\r-------------------------------\r(1) المغني:261/2، كشاف القناع: 598/1.","part":2,"page":486},{"id":1178,"text":"5 - الاستقلال بالرأي: فمن كان تابعاً غيره ممن هو مالك أمره كالزوجة مع زوجها، والجندي مع أميره، والخادم مع سيده والطالب مع أستاذه، ولا يعرف كل واحد منهم مقصده، لا يقصر؛ لأن شرط قصد موضع معين لم يتحقق. وهذا الشرط عند الشافعية مقيد بما قبل قطع مسافة القصر، فإن قطعوا مسافة القصر، قصروا، وإن لم يقصر المتبوعون لتيقن طول سفرهم.\rوأضاف الشافعية: أن التابع إن نوى الرجوع من سفره متى تخلص من التبعية، كالجندي إذا شطب اسمه، والخادم إذا ترك الخدمة، لا يقصر حتى يقطع مسافة القصر وهي المرحلتان أو اليومان.\rأما عند الحنفية فهذا الشرط مطلق،فليس للتابع القصر ما لم ينو متبوعه السفر. ولا يلزم التبع بإتمام الصلاة إلا إن علم بنية المتبوع الإقامة في الأصح، فلو صلى مخالفاً له قبل علمه صحت في الأصح.\r6 - ألا يقتدي من يقصر بمقيم أو بمسافر يتم الصلاة، أو بمشكوك السفر عند الشافعية والحنابلة: فإن فعل ذلك وجب عليه إتمام الصلاة، ولو اقتدى به في التشهد الأخير.\rلكن الحنفية لم يجيزوا اقتداء المسافر بالمقيم إلا في الوقت، فيتم صلاته؛ لأن فرضه يتغير من اثنين إلى أربع. أما بعد خروج الوقت فلا يجوز له الاقتداء بالمقيم؛ لأن فرضه استقر في ذمته ركعتين فقط، فلا يتغير فرضه إلى أربع بعد خروج الوقت،فإن خالف واقتدى به بطلت صلاته. 7 - أن ينوي القصر عند الإحرام بالصلاة: وهذا شرط عند الشافعية والحنابلة؛ لأن الأصل الإتمام، وإطلاق النية ينصرف إليه، فكان لا بد من نية القصر.\rواكتفى المالكية باشتراط نية القصر في أول صلاة يقصرها في السفر، ولا يلزم تجديدها فيما بعدها من الصلوات كنية الصيام أول رمضان، فإنها تكفي عن باقي الشهر.\rأما الحنفية: فاكتفوا بنية السفر قبل الصلاة، فمتى نوى السفر، كان فرضه القصر ركعتين، فلا ينويه عند الإحرام لكل صلاة.","part":2,"page":487},{"id":1179,"text":"8 - البلوغ: شرط عند الحنفية، فلا يقصر الصبي الصلاة في السفر. ولم يشترطه جمهور الفقهاء، فيصح للصبي القصر؛ لأن كل من له قصد صحيح، ونوى سفراً يبلغ المسافة المقررة يقصر.\r9 - اشترط الشافعية أن يدوم سفره من أول الصلاة إلى آخرها: فإن انتهت به سفينته إلى محل إقامته،أو سارت به منها، أو شك هل نوى الإقامة، أو هل هذه البلدة التي وصلها هي بلده أو لا، وهو في أثناء الصلاة في الجميع، أتم صلاته، لزوال سبب الرخصة، أو الشك في زواله.\rخلاصة آراء الفقهاء في شروط القصر:\rمذهب الحنفية: يقصر من نوى السفر، وقصد موضعاً معيناً، ولو عاصياً بسفره، متى جاوز بيوت محل إقامته، وجاوز ما اتصل به من فناء البلد، والفناء: المكان المعد لمصالح البلد، كركض الدواب ودفن الموتى. كما يشترط أن يجاوز ربض البلد: وهو ماحول المدينة من بيوت ومساكن، فإنه في حكم المصر، وكذا يشترط في الصحيح مجاوزة القرى المتصلة بربض البلد. ويشترط لصحة نية السفر ثلاثة أمور:\rالاستقلال بالحكم على الأوضاع من إقامة وسفر، والبلوغ، وعدم نقصان السفر عن ثلاثة أيام.\rمذهب المالكية: شروط القصر ستة:\rطول السفر وهي ثمانية وأربعون ميلاً على المشهور، وأن يعزم من أول سفره على قطع المسافة من غير تردد، وأن يقصد جهة معينة، وأن يكون السفر مباحاً، وأن يجاوز البلد وما يتصل به من الأبنية والبساتين المعمورة، وألا يعزم في خلال سفره على إقامة أربعة أيام بلياليها.","part":2,"page":488},{"id":1180,"text":"مذهب الشافعية: شروط القصر ثمانية:\rأن يكون السفر طويلاً وهو ثمانية وأربعون ميلاً هاشمية (1) ، أو مرحلتان وهما سير يومين بلا ليلة معتدلين، أو ليلتين بلا يوم معتدلتين، أو يوم وليلة معتدلين، بسير الأثقال، والبحر كالبر؛ وقصد موضع معين أول سفره ليعلم أنه طويل، فيقصر أو لا؛ وأن يكون السفر مباحاً فلا قصر لعاص بسفره، ولا لناشزة من زوجها؛ والعلم بجواز القصر، فلو قصر جاهلاً به لم تصح صلاته لتلاعبه؛ وأن ينوي القصر في الإحرام للصلاة؛ وأن يتحرز عما ينافي نية القصر في أثناء دوام الصلاة، كنية الإتمام، فلو نواه بعد نية القصر أتم؛ وألا يقتدي ولو لحظة بمتم ولا بمشكوك السفر ولا بإمام محدث، فإن اقتدى به في أي جزء من صلاته، لزمه الإتمام، لخبر الإمام أحمد بإسناد صحيح عن ابن عباس: «سئل: ما بال المسافر يصلي ركعتين إذا انفرد، وأربعاً إذا ائتم بمقيم؟ فقال: تلك السنة» .\rويشترط أخيراً كونه مسافراً في جميع صلاته، فلو نوى الإقامة فيها، أو بلغت سفينته دار إقامته، أتم.\rمذهب الحنابلة: شروط القصر ثمانية:\rإذا كان السفر طويلاً وهو ثمانية وأربعون ميلاً هاشمية، وواجباً أو مباحاً؛ وأن يجاوز بيوت قريته، ويجعلها وراء ظهره بما يعد مفارقة عرفاً، وأن ينوي سفراً يبلغ تلك المسافة، والمعتبر نية المسافر سفر المسافة، لا حقيقتها، فمن نوى ذلك قصر، ولو رجع قبل استكمال المسافة؛ وأن يقصد موضعاً معيناً في ابتداء السفر؛ وأن ينوي القصر عند أول الصلاة؛ وألا يقتدي بمقيم ولا بمشكوك في سفره ولا بمن تلزمه إعادة الصلاة كمن يقتدي بمقيم يحدث في أثناء الصلاة، فيلزمه إعادتها تامة؛ لأنها وجبت عليه تامة في الابتداء، فلا يجوز أن تعاد مقصورة؛ وكونه مسافراً في جميع الصلاة، كما قال الشافعية.\r-------------------------------\r(1) الهاشمية: هي المنسوبة لبني أمية.","part":2,"page":489},{"id":1181,"text":"ويرى ابن تيمية في مقدار السفر عدم تحديده بمسافة معينة، فكل ما يسمى سفراً عن الأماكن في عادات الناس يجوز فيه القصر، وليس للسفر حد مقدر في الشرع ولا في اللغة، بل ما سموه سفراً فهو سفر (1) .\rرابعاً ـ اقتداء المسافر بالمقيم وعلى العكس:\rاقتداء المسافر بالمقيم: اتفق الفقهاء (2) على أنه يجوز اقتداء المسافر بالمقيم، مع الكراهة عند المالكية، لمخالفة المسافر سنته من القصر، وعلى أنه إذا اقتدى المسافر بالمقيم، يجب عليه إتمام الصلاة أربعاً، متابعة للإمام، ويتغير فرضه عند الحنفية إلى الأربع، كما يتغير بنية الإقامة.\rواشترط الحنفية لجواز الاقتداء بقاء الوقت، ولو قدر ما يسع التحريمة، أما عند خروج الوقت فلا يصح اقتداء المسافر بالمقيم؛ لأن فرضه لا يتغير بعد الوقت، لانقضاء السبب، كما لا يتغير عندهم بنية الإقامة.\rوالدليل على وجوب الإتمام من السنة: هو ما ذكرناه عن ابن عباس أنه قيل له: «ما بال المسافر يصلي ركعتين في حال الانفراد، وأربعاً إذا ائتم بمقيم؟ فقال: تلك السنة» (3) ، وقال نافع: «كان ابن عمر إذا صلى مع الإمام، صلاها أربعاً، وإذا صلى وحده صلاها ركعتين» (4) ، وقال النبي صلّى الله عليه وسلم : «إنما جعل الإمام ليؤتم به، فلا تختلفوا عليه» .\rوأضاف الشافعية والحنابلة: أنه لو رَعَف الإمام المسافر، واستخلف غيره، أتم المقتدون دون الإمام.\rاقتداء المقيم بالمسافر: اتفق الفقهاء (5) أيضاً على أنه يجوز اقتداء المقيم بالمسافر، مع الكراهة عند المالكية، لمخالفة نية إمامه، فإذا صلى المسافر بالمقيمين ركعتين سلم، ثم أتم المقيمون صلاتهم. ويستحب للمسافر الإمام أن يقول عقب التسليمتين: أتموا صلاتكم، فإني مسافر، لدفع توهم أنه سها، ولئلا يشتبه على الجاهل عدد ركعات الصلاة، فيظن أن الرباعية ركعتان.\r-------------------------------\r(1) فتاوى ابن تيمية 12/24-18، 135.\r(2) الكتاب مع اللباب: 109/1، مراقي الفلاح: ص72، الدر المختار: 740/1 ومابعدها، فتح القدير: 399/1، الشرح الصغير: 482/1، القوانين الفقهية: ص 84، المهذب:103/1، مغني المحتاج: 269/1، كشاف القناع: 602/1، المغني: 284/2، المجموع:236/4-242.\r(3) رواه أحمد في المسند. وقوله «السنة» ينصرف إلى سنة رسول الله صلّى الله عليه وسلم .\r(4) رواه مسلم.\r(5) المراجع السابقة، الكتاب، مراقي، الدر، فتح القدير: ص401، القوانين، الشرح الصغير: ص482، 484، المغني: ص286.","part":2,"page":490},{"id":1182,"text":"وذكر الحنفية أنه ينبغي أن يقول ذلك قبل شروعه في الصلاة، وإلا فبعد سلامه.\rودليل الجواز: ما رواه عمران بن حصين قال: « ما سافر رسول الله صلّى الله عليه وسلم سَفَراً إلا صلى ركعتين، حتى يرجع، وإنه أقام بمكة زمن الفتح ثمان عشرة ليلة، يصلي بالناس ركعتين ركعتين، إلا المغرب، ثم يقول: يا أهل مكة، قوموا فصلوا ركعتين أخريين، فإنا قوم سَفْر» (1) .\rوإذا قام الإمام للإتمام سهواً أو جهلاً بعد نية القصر، سبّح له المأموم، بأن يقول: سبحان الله ، فإن رجع سجد لسهوه، وإن لم يرجع فلا يتبعه، بل يجلس حتى يسلم إمامه.\rخامساً ـ ما يمنع القصر:\rينتهي سفر المسافر، ويمتنع القصر، ويجب الإتمام بنية الإقامة في موضع أثناء سفره مدة معينة بيناها (51 يوماً عند الحنفية، و4 أيام عند المالكية والشافعية، وأكثر من 4 أيام عند الحنابلة)، وبالرجوع فعلاً إلى محل إقامته المعتادة، وبغيرها من حالات أخرى مقررة في المذاهب.\r1 - أن ينوي المسافر الإقامة مدة معينة:\rلما روي عن أبي هريرة أنه «صلى مع النبي صلّى الله عليه وسلم إلى مكة في المسير والمُقام بمكة إلى أن رجعوا ركعتين» (2) وبما أنه لم يحدد النص مدة الإقامة فقد اختلف الفقهاء في تقدير المدة:\r-------------------------------\r(1) رواه أحمد وأبو داود، والترمذي وحسنه، والبيهقي، وفي إسناده ضعيف، وإنما حسن الترمذي حديثه لشواهده، كما قال الحافظ ابن حجر. وروى مالك في الموطأ مثله عن عمر، ورجال إسناده أئمة ثقات (نيل الأوطار: 166/3).\r(2) رواه أبو داود الطيالسي في مسنده (نيل الأوطار: 207/3).","part":2,"page":491},{"id":1183,"text":"فقال الحنفية (1) :\rيمتنع القصر بنية الإقامة ولو في الصلاة ما لم يخرج وقتها ولم يكن لاحقاً مدة نصف ظهر (15 يوماً) كاملة فأكثر، فإن نوى الإقامة أقل من هذه المدة ولو بساعة، أو نواها بعد أن خرج الوقت وهو فيها، أو كان لاحقاً مدركاً الإمام أول الصلاة، والإمام مسافر، فأحدث أو نام، فانتبه بعد فراغ الإمام، ونوى الإقامة، لم يتم الصلاة، وإنما يقصرها ولو بقي سنين مسافراً؛ لأن الإقامة لا تتحقق بأقل من نصف الشهر، ولأن الواجب بعد خروج الوقت استقر في الذمة كما هو في الوقت، ولأن اللاحق في الحكم كأنه خلف الإمام.\rولا تمنع نية الإقامة القصر إلا بشروط أربعة:\rالأول ـ أن يترك السير بالفعل: فلو نوى الإقامة وهو ما يزال مسافراً يسيراً، لايكون مقيماً، ويجب عليه القصر.\rالثاني ـ أن يكون موضع الإقامة صالحاً لها كمدينة أو قرية لكل الناس، أو برية لأهل الخيام، فلو نوى الإقامة في موضع غير صالح كبحر أو جزيرة مهجورة أو صحراء خالية من الناس، قصر.\rالثالث ـ أن يكون الموضع واحداً غير متعدد: فلو نوى الإقامة خمسة عشر يوماً ببلدتين مستقلتين كمكة ومنى، لم تصح نيته ويقصر؛ إذ لا بد من نية الإقامة تلك المدة في موضع واحد.\rالرابع ـ أن يكون ناوي الإقامة مستقلاً بالرأي: أما لو كان تابعاً لغيره كالمرأة والخادم وإن نوى الإقامة، فيقصر ولا يتم، إلا إن علم نية متبوعه الإقامة في الأصح، فيتم الصلاة مثله، كما سبق.\r-------------------------------\r(1) الدر المختار ورد المحتار: 736/1-738، الكتاب مع اللباب: 107/1-108.","part":2,"page":492},{"id":1184,"text":"ومن ترقب السفر غداً أو بعده، أو انتظر قادماً أو قافلة مثلاً ما لم يعلم تأخرها نصف شهر، أو كان مع العسكر الذين نووا الإقامة في دار الحرب، أو حاصر حصناً في دار الحرب، قصر الصلاة، ولم يتمها، كما بينا سابقاً.\rوقال المالكية (1) :\rيمتنع القصر بنية الإقامة أربعة أيام صحاح غير يومي الدخول والخروج، تستلزم عشرين صلاة، وإلا فلا، أو العلم بإقامة الأربعة الأيام عادة في محل ما، بأن كانت عادةالقافلة أن تقيم في ذلك المحل أربعة أيام، فإنه يتم. فإن لم تجب عليه العشرون صلاة، كأن دخل بلداً قبل فجر السبت مثلاً، ونوى الإقامة إلى غروب يوم الثلاثاء، وخرج قبل العشاء، قصر، ولم ينقطع حكم سفره؛ لأنه وإن كانت الأربعة الأيام صحاحاً، إلا أنه لم يجب عليه عشرون صلاة.\rوإن لم يقم أربعة أيام كأن دخل بلداً قبل العصر، ولم يكن صلى الظهر، ونوى الارتحال بعد صبح اليوم الخامس، لم ينقطع حكم سفره؛ لأنه وإن وجب عليه عشرون صلاة، إلا أنه لم يقم إلا ثلاثة أيام صحاح.\rفلا بد من الأمرين أو الشرطين معاً: إقامة أربعة أيام صحاح، ووجوب عشرين صلاة.\rومن أقام لحاجة متى قضيت سافر، فلا ينقطع القصر، ولو طالت المدة، إلا إذا علم أنها لا تقضى حاجته إلا بعد الأربعة الأيام. ومثله من لم ينو الإقامة وأقام مدة طويلة، له أن يقصر.\rومن نوى الإقامة وهو في الصلاة، قطع الصلاة، وندب أن يشفع إن صلى ركعة بسجدتيها، ولا تجزئ صلاة تامة إن أتمها، ولا مقصورة إن قصرها. وإن نوى الإقامة بعد الفراغ من الصلاة، أعادها بوقت اختياري أي وقتها المعتاد.\r-------------------------------\r(1) الشرح الكبير: 364/1، الشرح الصغير: 364/1، القوانين الفقهية: ص 85.","part":2,"page":493},{"id":1185,"text":"ولا يشترط في محل الإقامة: أن يكون صالحاً للإقامة فيه. ويستثنى من نية الإقامة حالة العسكر في دار الحرب الذي ينوي إقامة أربعة أيام فأكثر، فلا ينقطع حكم سفره، ويقصر.\rوقال الشافعية (1) :\rيمتنع القصر إذا نوى المسافر إقامة أربعة أيام تامة بلياليها، أو نوى الإقامة مطلقاً، غير يومي الدخول والخروج، على الصحيح، بموضع صالح للإقامة أو غير صالح كصحراء على الأصح، فإن نوى أقل من أربعة أيام، قصر. وإن كانت له حاجة وجزم بأنها لا تقضى في أربعة أيام، أتم ولم يقصر، سواء نوى الإقامة أم لا.\rأما إن أقام ببلد بنية أن يرحل إذا تحققت حاجة يتوقعها كل وقت، فله القصر إلى ثمانية عشر يوماً، كما ذكرت.\rوقال الحنابلة (2) :\rيمتنع القصر لو نوى المسافر إقامة مطلقة بأن لم يحدها بزمن معين، ولو في مكان غير صالح للإقامة كبادية ودار حرب، أو نوى إقامة أكثر من عشرين صلاة، أو أكثر من أربعة أيام مع يومي الدخول والخروج، وأتم صلاته.\rلكن إن أقام لحاجة يتوقع قضاءها، فله القصر، ولو استمر سنين، وهذا هو رأي الجمهور، وقصره الشافعية على ثمانية عشر يوماً كما بينا.\r2 - العودة إلى محل الإقامة الدائمة، أو نية العودة:\rسأبحث هذه الحالة في ضوء المصطلحات الحديثة للإقامة والوطن بالاعتماد على اصطلاح الفقهاء في الماضي، والاصطلاحات الحديثة هي ما يلي:\rأ ـ الوطن: هو إقليم الدولة التي ينتمي إليها ويحمل جنسيتها بحسب التقسيم الإقليمي للدول المعاصرة. وهذا المفهوم لا صلة له ببحثنا.\rب - محل الإقامة الدائمة: هو محل العمل الذي يسكن فيه، أو محل المعيشة.\rجـ ـ محل الميلاد: هو البلد الذي ولد ونشأ فيه، وفيه أهله وعشيرته، ويشمل هذين الاثنين عند الحنفية: الوطن الأصلي إذ هو موطن الولادة، أو التزوج، أو التوطن.\r-------------------------------\r(1) مغني المحتاج: 264/1 ومابعدها.\r(2) كشاف القناع: 605/1.","part":2,"page":494},{"id":1186,"text":"د ـ محل الإقامة المؤقتة: هو المكان الذي يقيم فيه لفترة زمنية مؤقتة أو لمهمة قد تطول وقد تقصر، ويقابله عند الحنفية «وطن الإقامة» إذا كانت نصف شهر فأكثر، ووطن السكنى إذا أقام دون نصف شهر.\rهـ ـ بلد الزوجة: هو البلد الذي له فيه زوجة إما الزوجة الوحيدة أو الثانية ويدخل تحت مفهوم الوطن الأصلي.\rوبحثنا يتردد بين هذه المصطلحات الأربعة الأخيرة.\rقال الحنفية (1) :\rالوطن ثلاثة أنواع:\rالوطن الأصلي: هو الذي ولد فيه أو تزوج، أو لم يتزوج وقصد التعيش فيه، لا الارتحال عنه.\rووطن الإقامة: موضع نوى الإقامة فيه نصف شهر فما فوقه.\rووطن السكنى: هو ما ينوي الإقامة فيه دون نصف شهر، وهذا لم يعتبره المحققون في حالة تغيير الموطن.\rمتى يتم المسافر الصلاة عادة؟ إذا دخل المسافر بلده أي محل إقامته الدائمة، أتم الصلاة، وإن لم ينو الإقامة فيه، كأن دخله لقضاء حاجة؛ لأنه معين للإقامة، وقد زال سبب الرخصة وهو السفر. هذا إن سار مدة السفر (3 أيام بلياليها)، وإلا بأن رجع إلى بلده قبل قطع مسافة السفر، أتم بمجرد نية العودة، لعدم تحقق السفر المجيز للقصر. وإذن فيجب عليه الإتمام في هاتين الحالتين: العودة للوطن، ونية العودة قبل قطع مسافة القصر، فإن عاد بعد قطع مسافة القصر، يقصر حتى يعود لبلده بالفعل.\r-------------------------------\r(1) اللباب: 109/1، مراقي الفلاح: ص 73، الدر المختار ورد المحتار: 736/1، 742 ومابعدها، فتح القدير: 403/1 ومابعدها.","part":2,"page":495},{"id":1187,"text":"متى يتم المسافر الصلاة ومتى يقصر حالة الانتقال عن الوطن؟\rأ ـ الانتقال عن الوطن الأصلي: يتم الصلاة إذا انتقل من محل الإقامة الدائمة كمركز الوظيفة اليوم إلى موطن آخر له فيه زوجة، أو إلى محل الميلاد الذي بقي له فيه أهل أي زوجة، كالريف، فمن كان موظفاً في دمشق مثلاً ثم سافر إلى قريته الأصلية في الريف لزيارة الأهل (الزوجة)، أتم الصلاة، سواء أكانت المسافة بين مقر العمل أو الوظيفة وبين الريف مسافة القصر أم لا؛ لأنه في هذه الحالة يكون له موطنان، وكل منهما وطن أصلي له.\rفإن لم يبق له أهل في الريف، وإن بقي فيه عقار (أرض أو دار)، قصر الصلاة؛ لأن محل الميلاد وإن كان وطناً أصلياً له، إلا أنه بطل بمثله وهو مقر عمله، وبه يتبين أن الوطن الأصلي للإنسان يبطل إذا هاجر بنفسه وأهله ومتاعه إلى بلد آخر، فإن عاد إلى بلده الأول لعمل مثلاً، وجب عليه قصر الصلاة.\rكذلك يقصر الصلاة إن عاد إلى بلد مقر الوظيفة، بعد أن انتقل عنها بكل أهله، واستوطن بلداً غيرها؛ لأنه لم يبق له وطناً، إذ إن الوطن الأصلي يبطل بمثله، دون السفر عنه، بدليل أنه عليه السلام بعد الهجرة عد نفسه بمكة من المسافرين، أما لو سافر عنه إلى بلد آخر مدة مؤقتة كأن ترك دمشق إلى حلب، ثم عاد إليه فيتم الصلاة؛ لأن الوطن الأصلي لا يبطل حكمه بوطن الإقامة ولا بالسفر؛ لأن الشيء لا يبطل بما هو دونه، بل بما هو مثله أو فوقه.\rب ـ الانتقال عن محل الإقامة المؤقتة (وطن الإقامة): من تنقل في البلدان فأقام في بلد نصف شهر مثلاً، ثم عاد إليه، قصر الصلاة فيه مالم ينو الإقامة مجدداً نصف شهر؛ لأن وطن الإقامة يبطل حكمه بمثله، وبالسفر عنه أي بإنشاء السفر منه، كما يبطل بالوطن الأصلي.\rولا يبطل وطن الإقامة بإنشاء السفر من غيره، مادام المسافر يمرّ عليه، ومادامت المسافة بينه وبين المكان الذي أنشأ السفر منه دون مسافة القصر.","part":2,"page":496},{"id":1188,"text":"وقال المالكية (1) :\rيمتنع القصر على المسافر وعليه الإتمام إن عاد إلى بلدته الأصلية التي نشأ فيها وينتسب إليها، أو مرّ فيها، أو إلى البلد التي نوى فيها إقامة دائمة، أو إلى بلد الزوجة التي دخل بها وكانت غير ناشز وإن لم ينو إقامة أربعة أيام، أو إلى البلد التي نوى فيها الإقامة أربعة أيام فأكثر. أما دخول بلد الزوجة التي لم يدخل بها أو كانت ناشزاً، فلا يمنع القصر.\rأما في أثناء الرجوع، فإن الرجوع في حقه سفر مستقل، فإن كان هناك مسافة قصر، قصر الصلاة، وإلا فلا، ويتم الصلاة حينئذ.\rويمتنع القصر أيضاً بنية دخوله وطنه أو مكان زوجته في أثناء الطريق، إن لم يكن بينه وبين المحل المنوي دخوله مسافة القصر الشرعية.\rوقال الشافعية (2) :\rا لوطن: هو محل الإقامة الدائمة صيفاً وشتاءً. ويمتنع القصر برجوعه إلى وطنه، وإلى موضع نوى الإقامة فيه مطلقاً، أو أربعة أيام صحيحة، أو لحاجة لا تنقضي إلا في المدة المذكورة، كما يمتنع القصر بنية الرجوع إلى وطنه أو بالتردد فيه وهو ماكث غير سائر، ومستقل غير تابع، ولو بمحل لا يصلح للإقامة كمفازة، من دون مسافة القصر، فإن نوى الرجوع وهو سائر أو تابع لغيره كالزوجة لزوجها فيقصر حتى يرجع فعلاً.\rوكذلك يقصر إذا كان قاصداً المرور بوطنه فقط دون الإقامة، كما أنه يقصر في بلد أقام فيها إن كان يتوقع قضاء حاجة كل وقت إلى ثمانية عشر يوماً، ويقصر أيضاً بالرجوع إلى غير وطنه (وهو غير محل الإقامة الدائمة) وإن كان له فيه أهل أو عشيرة، ولا يقصر بنية الرجوع إلى غير وطنه إذا كان الرجوع لغير حاجة، فإن كان لحاجة كتطهر فيقصر.\r-------------------------------\r(1) الشرح الكبير: 362/1 ومابعدها، الشرح الصغير: 480/1 ومابعدها.\r(2) مغني المحتاج: 264/1.","part":2,"page":497},{"id":1189,"text":"وقال الحنابلة (1) :\rمن رجع إلى الوطن الذي سافر منه، أو نوى الرجوع قبل قطع مسافة القصر، فلا يقصر وإنما يتم الصلاة، كما إنه يتمها إذا مرّ (أي مسافر) بوطنه، ولو لم يكن له حاجة سوى المرور؛ لأنه في حكم المقيم إذ ذاك.\rأو مر ببلد له فيه امرأة، ولو لم يكن وطنه، حتى يفارقه، لأنه كما سبق في حكم المقيم إذ ذاك.\rأو مر ببلد تزوج فيه، حتى يفارقه، لحديث عثمان، سمعت النبي صلّى الله عليه وسلم يقول: «من تأهل في بلد، فليصل صلاة المقيم» (2) وظاهره: ولو بعد فراق الزوجة، أما لو كان له به أقارب كأم وأب أو ماشية أو مال، لم يمتنع عليه القصر، إذا لم يكن مما سبق.\rخلاصة آراء المذاهب في الحالات التي يمتنع فيها القصر ويصبح المسافر فيها في حكم المقيم:\rالحنفية (3) : يمتنع القصر بنية الإقامة نصف شهر ببلد أو قرية واحدة، لا ببلدتين لم يعين المبيت بإحداهما، وبالعودة إلى وطنه (محل إقامته الدائمة)، إن قطع مسافة القصر عن بلده، وباقتداء المسافربالمقيم، وبعدم الاستقلال بالرأي، وبعدم قصد جهة معينة.\rالمالكية (4) : يقطع القصر أحد أمور خمسة:\rالأول ـ دخول بلدِه الراجع هو إليه، سواء أكانت وطنه أم لا، وإن لم ينو إقامة أربعة أيام إلا مقيماً ببلد إقامة مؤقتة تركه ناوياً السفر، ثم عاد إليه، فله القصر.\rوالمراد ببلده الذي سافر منه: هو وطنه أو محل زوجته الكائن في أثناء المسافة. وإنما كان دخول البلد قاطعاً للقصر؛ لأن دخول البلد مظنة للإقامة، فإذا كفت نية الإقامة في قطع القصر، ففعل الإقامة أولى.\rالثاني ـ الرجوع إلى وطنه أو محل زوجته المدخول بها قبل أن يقطع مسافة القصر، ومجرد الأخذ في الرجوع يقطع حكم السفر.\r-------------------------------\r(1) كشاف القناع:600/1.\r(2) رواه أحمد.\r(3) اللباب شرح الكتاب: 107/1-108، مراقي الفلاح: ص72، الدر المختار: 736/1-738.\r(4) الشرح الكبير: 362/1-364، الشرح الصغير: 480/1-481.","part":2,"page":498},{"id":1190,"text":"الثالث ـ دخول وطنه أثناء المرور عليه، بأن كان بمحل آخر غير وطنه، وسافر منه إلى بلد آخر.\rالرابع ـ نية الإقامة أربعة أيام صحاح تستلزم عشرين صلاة، أو العلم مسبقاً بإقامة الأربعة الأيام عادة في محل، اعتادت القافلة أن تقيم فيه.\rالخامس ـ دخول مكان زوجة دخل بها فقط؛ لأنه في حكم الوطن. أما دخول مكان الأقارب كأم أو أب، فلا يقطع السفر ولا يمنع القصر.\rالشافعية (1) : يمتنع القصر بنية الإقامة أربعة أيام صحيحة، وبالعودة لوطنه (محل الإقامة الدائمة)، وباقتداء المسافر بالمقيم أو بمشكوك السفر، وبعدم قصد جهة معينة، وبعدم الاستقلال بالرأي دون مسافة القصر، وبسفر المعصية، وبانقطاع السفر أثناء الصلاة، وبعدم نية القصر أثناء الإحرام.\rالحنابلة (2) : يمنع القصر ويجب الإتمام في إحدى وعشرين صورة:\rالأولى ـ مرور المسافر بوطنه ولو لم يكن له حاجة سوى المرور عليه.\rالثانية ـ المرور ببلد له فيه امرأة، ولو لم يكن وطنه.\rالثالثة ـ المرور ببلد تزوج فيه، وقد سبق ذكر هذه الحالات قريباً.\rالرابعة ـ إن أحرم مقيماً في حضر، ثم سافر.\rالخامسة ـ إن دخل عليه وقت صلاة في الحضر، ثم سافر.\rالسادسة ـ إن أحرم بالصلاة الرباعية في سفر، ثم أقام، كراكب سفينة وصلت إلى وطنه أثناء الصلاة، تغليباً لحكم الحضر.\rالسابعة والثامنة ـ إن ذكر صلاة حضر في سفر، أوعكسه: أي صلاة سفر في حضر، لزمه أن يتم؛ لأنه الأصل، فغلِّب حكم الحضر.\rالتاسعة والعاشرة ـ ائتم بمقيم أو بمن يلزمه الإتمام.\rالحادية عشرة ـ ائتم بمن يشك في كونه مسافراً، أو بمن يغلب على ظنه أنه مقيم، ولو بان بعدئذ كونه مسافراً، لعدم الجزم بكونه مسافراً عند الإحرام.\r-------------------------------\r(1) مغني المحتاج: 267/1-271.\r(2) كشاف القناع: 600/1-605.","part":2,"page":499},{"id":1191,"text":"الثانية عشرة ـ أحرم بصلاة يلزمه إتمامها، ففسدت وأعادها: كمن يقتدي بمقيم فيحدث في أثناء الصلاة، فيلزمه إعادتها تامة؛ لأنها وجبت عليه أولاً تامة، فلا يجوز أن تعاد مقصورة.\rالثالثة عشرة ـ إن لم ينو القصر عند دخوله الصلاة أي عند إحرامه، فيلزمه أن يتم؛ لأنه الأصل، وإطلاق النية ينصرف إليه.\rالرابعة عشرة ـ إن شك في الصلاة: هل نوى القصر أم لا، ولو تذكر بعدئذ في أثناء الصلاة، لزمه أن يتم، لوجود ما أوجب الإتمام في بعضها، فغلب؛ لأنه الأصل. الخامسة عشرة ـ إن تعمد ترك صلاة أو بعضها في سفر، بأن أخرها بلا عذر، حتى خرج وقتها، فيلزمه أن يتم، قياساً على السفر المحرَّم، لأنه صار عاصياً بتأخيرها متعمداً من غير عذر.\rالسادسة عشرة ـ العزم على قلب السفر لمعصية كقطع الطريق، ونية الرجوع في مكان بينه وبين موطنه دون مسافة القصر.\rالسابعة عشرة ـ إن تاب في الصلاة من سفر المعصية، لزمه أن يتم، وكذلك يتم إن قصر معتقداً تحريم القصر، ولو أنه مخطئ في اعتقاده.\rالثامنة عشرة ـ إن نوى المسافر في الصلاة الإتمام، بعد أن نوى القصر، أتم وجوباً؛ لأنه رجع إلى الأصل.\rالتاسعة عشرة ـ إن نوى إقامة مطلقة: بأن لم يحدها بزمن، في بلد، ولو في دار حرب، أو في بادية لا يقام فيها، لزوال السفر المبيح للقصر بنية الإقامة.\rالعشرون ـ إن نوى إقامة أكثر من عشرين صلاة، أتم.\rالحادية والعشرون ـ إن شك في نيته: هل نوى إقامة ما يمنع القصر أم لا، أتم؛ لأن الإتمام هو الأصل، فلا ينتقل عنه مع الشك في مبيح الرخصة.\rسادساً ـ قضاء الصلاة الفائتة في السفر:\rسبق بيانه في بحث قضاء الفوائت، وأوجز هنا آراء الفقهاء فيه:\rقال الحنفية والمالكية (1) :\rمن فاتته صلاة في السفر قضاها في الحضر ركعتين، كما فاتته في السفر، ومن فاتته صلاة في الحضر قضاها في السفر أربعاً؛ لأنه بعدما تقرر لا يتغير؛ ولأن القضاء بحسب الأداء.\r-------------------------------\r(1) فتح القدير: 405/1، مراقي الفلاح: ص72، اللباب: 110/1، القوانين الفقهية: ص71، الشرح الكبير: 263/1.","part":2,"page":500},{"id":1192,"text":"وقال الشافعية والحنابلة (1) :\rالصلاة الفائتة في الحضر، تقضى أربعاً سواء في السفر أم في الحضر؛ لأن القصر رخصة من رخص السفر، فيبطل بزواله كالمسح ثلاثة أيام، ولأنها ثبتت في ذمته تامة، وفائتة السفر تقضى مقصورة في السفر دون الحضر، في الأظهر عند الشافعية؛ لأنها وجبت في السفر، فينظر إلى وجود السبب.\rوقد تعادل في نظري الرأيان، وللمرء الأخذ بأحدهما، ويختار بحسب ما يراه أحوط ديناً.\rسابعاً ـ صلاة السنن في السفر:\rقال النووي (2) : قد اتفق الفقهاء على استحباب النوافل المطلقة في السفر، واختلفوا في استحباب النوافل الراتبة، فتركها ابن عمر وآخرون، واستحبها الشافعي وأصحابه والجمهور.\rودليلهم أولاً ـ الأحاديث العامة الواردة في ندب مطلق الرواتب، وحديث صلاته صلّى الله عليه وسلم الضحى في يوم الفتح، وركعتي الصبح، حين ناموا حتى طلعت الشمس، وأحاديث أخر ذكرها أصحاب السنن .\rوثانياً ـ القياس على النوافل المطلقة.\rوأما ما في الصحيحين عن ابن عمر، أنه قال: صحبت النبي صلّى الله عليه وسلم ، فلم أره يُسبِّح ـ أي يتنفل ـ في السفر، وفي رواية: صحبت رسول الله صلّى الله عليه وسلم ،وكان لا يزيد في السفر على ركعتين، وأبا بكروعمر وعثمان كذلك، فقال النووي: لعل النبي صلّى الله عليه وسلم كان يصلي الرواتب في رحله، ولا يراه ابن عمر، فإن النافلة في البيت أفضل، ولعله تركها في بعض الأوقات تنبيهاً على جواز تركها.\r-------------------------------\r(1) مغني المحتاج: 263/1، المغني: 282/2 ومابعدها.\r(2) نيل الأوطار: 219/3 ومابعدها.","part":2,"page":501},{"id":1193,"text":"وقال الحنفية (1) : ويأتي المسافر بالسنن الرواتب إن كان في حال أمن وقرار أي نازلاً مستقراً، وإلا بأن كان في حال خوف وفرار، أي في السير، لا يأتي بها، وهو المختار.\rوحرر ابن تيميمة الموضوع قائلاً: فعل السنن الرواتب في السفر جائز، فمن شاء فعلها، ومن شاء تركها باتفاق الأئمة، والفعل أحياناً أفضل لحاجة الإنسان إليها، والترك أحياناً أفضل إذا اشتغل الإنسان بما هو أفضل منها، لكن النبي صلّى الله عليه وسلم لم يكن يصلي من الرواتب إلا ركعتي الفجر والوتر. أما الصلاة قبل الظهر وبعدها، وبعد المغرب، فلم ينقل أحد عن النبي صلّى الله عليه وسلم أنه فعل ذلك في السفر (2) .\rالمطلب الثاني ـ الجمع بين الصلاتين:\rأولاً ـ مشروعية الجمع:\rيجوز عند الجمهور غير الحنفية (3) الجمع بين الظهر والعصر تقديماً في وقت الأولى، وتأخيراً في وقت الثانية، والجمعة كالظهر في جمع التقديم، وبين المغرب والعشاء تقديماً وتأخيراً أيضاً في السفر الطويل كما في القصر (89كم).\rفالصلوات التي تجمع: الظهر والعصر، والمغرب والعشاء في وقت إحداهما ويسمى الجمع في وقت الصلاة الأولى: جمع التقديم، والجمع في وقت الصلاة الثانية: جمع التأخير. والأفضل عدم الجمع خروجاً من الخلاف، ولعدم مداومة النبي صلّى الله عليه وسلم عليه، ولو كان أفضل لأدامه كالقصر.\rودليل جمع التأخير: الثابت في الصحيحين عن أنس وابن عمررضي الله عنهما، أما حديث الأول، فقال أنس: كا ن رسول الله صلّى الله عليه وسلم إذا رحل قبل أن تزيغ ـ تميل ظهراً ـ الشمس، أخر الظهر إلى وقت العصر، ثم نزل يجمع بينهما، فإن زاغت قبل أن يرتحل صلى الظهر، ثم ركب (4) .\r-------------------------------\r(1) الدر المختار: 742/1.\r(2) فتاوى ابن تيمية 279/22-280.\r(3) الشرح الكبير:368/1، مغني المحتاج:271/1 ومابعدها، المهذب: 104/1، كشاف القناع: 3/2، المغني: 271/2.\r(4) متفق عليه (نيل الأوطار: 212/3).","part":2,"page":502},{"id":1194,"text":"وأما حديث ابن عمر فهو: أنه استُغيث على بعض أهله، فجدَّ به السير، فأخر المغرب حتى غاب الشَّفَق، ثم نزل، فجمع بينهما، ثم أخبرهم أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم كان يفعل ذلك إذا جدَّ به السير (1) .\rودليل جمع التقديم: الصحيح من حديث معاذ رضي الله عنه: أن النبي صلّى الله عليه وسلم كان في غزوة تبوك إذا ارتحل بعد المغرب عجل العشاء فصلاها مع المغرب» (2) .\rوقال الحنفية (3) : لا يجوز الجمع إلا في يوم عرفة للمحرم بالحج جمع تقديم بين الظهر والعصر بأذان واحد وإقامتين؛ لأن العصر يؤدى قبل وقته المعهود، فيفرد بالإقامة إعلاماً للناس. وفي ليلة المزدلفة جمع تأخير بين المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامة واحدة؛ لأن العشاء في وقتها فلم تحتج للإعلام.\rواحتجوا بأن مواقيت الصلاة تثبت بالتواتر، فلا يجوز تركها بخبر الواحد.\rوقال ابن مسعود فيما يرويه الشيخان: «والذي لا إله غيره، ما صلى رسول الله صلّى الله عليه وسلم صلاة قط إلا لوقتها، إلا صلاتين، جمع بين الظهر والعصر بعرفة، وبين المغرب والعشاء بجَمْع» أي بالمزدلفة.\rوالحق: جواز الجمع لثبوته بالسنة، والسنة مصدر تشريعي كالقرآن.\rثانياً ـ أسباب الجمع بين الصلاتين وشروطه:\rاتفق مجيزو الجمع تقديماً وتأخيراً على جوازه في أحوال ثلاثة: هي السفر، والمطر ونحوه من الثلج والبرد، والجمع بعرفة والمزدلفة، واختلفوا فيما سواها، وفي شروط صحة الجمع.\r-------------------------------\r(1) رواه الترمذي بهذا اللفظ، ومعناه عند الجماعة إلا ابن ماجه. وروي حديث جمع التأخير أيضاً عن معاذ بن جبل وابن عباس رضي الله عنهما (نيل الأوطار: 213/3ومابعدها).\r(2) رواه أحمد وأبو داود والترمذي وحسنه، والدارقطني والحاكم، والبيهقي وابن حبان وصححاه (المصدر السابق).\r(3) اللباب: 185/1، 187.","part":2,"page":503},{"id":1195,"text":"فقال المالكية (1) : أسباب الجمع بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء تقديماً وتأخيراً ستة: هي السفر، والمطر، والوحل مع الظلمة، والمرض كالإغماء ونحوه، وجمع عرفة، ومزدلفة، وكلها يرخص لها الجمع جوازاً للرجل أو المرأة، إلا جمع عرفة ومزدلفة، فهو سنة.\rأما السفر: فيجوز فيه الجمع مطلقاً، سواء أكان طويلاً أم قصيراً في مسافة القصر، إذا كان في البرّ لا في البحر، قصراً للرخصة على موردها، وكان غير عاص بالسفر وغير لاه.\rويشترط لجواز جمع التقديم في السفر شرطان:\r1ً - أن تزول عليه الشمس (يدخل الظهر) وهو مسافر في مكان نزوله للاستراحة.\r2ً - أن ينوي الارتحال قبل وقت العصر، والنزول للاستراحة بعد غروب الشمس فإن نوى الاستراحة قبل اصفرار الشمس، صلى الظهر فقط، وأخر العصر وجوباً لوقتها الاختياري، فإن قدمه أجزأته الصلاة.\rوإن نوى الاستراحة بعد الاصفرار وقبل الغروب، صلى الظهر في وقته، وخُيِّر في العصر إن شاء قدمها، وإن شاء أخَّرها حتى ينزل للاستراحة.\rوإن دخل وقت الظهر (أي بزوال الشمس) وهو سائر: فإن نوى النزول وقت الاصفرار أو قبله، أخر الظهر، وجمعها مع العصر جمع تأخير، وإن نوى النزول بعد الغروب، فيجمع بين الصلاتين جمعاً صورياً، فيصلي الظهر في آخر وقتها الاختياري، والعصر في أول وقتها الاختياري.\rوالمغرب والعشاء له حكم هذا التفصيل، مع ملاحظة أن غروب الشمس ينزل منزلة الزوال عند الظهر، وطلوع الفجر كالغروب، وابتداء الثلثين الأخيرين من الليل كاصفرار الشمس.\rوأما المرض كالمبطون أوغيره فيجيز الجمع الصوري: بأن يصلي الفرض المتقدم في آخر وقته الاختياري، والفرض الثاني في أول وقته الاختياري، وفائدته عدم الكراهة. أما الصحيح فله الجمع الصوري مع الكراهة.\r-------------------------------\r(1) الشرح الصغير: 487/1 - 492، الشرح الكبير: 368/1 - 372، القوانين الفقهية: ص82، بداية المجتهد: 165، 167 .","part":2,"page":504},{"id":1196,"text":"ومن خاف إغماء أو دَوْخة أو حمى عند دخول وقت الصلاة الثانية (العصر أو العشاء) فله تقديم الثانية عند الأولى؛ جوازاً على الراجح.\rوالخلاصة: إن المريض يجمع إن خاف أن يغيب على عقله أو إن كان الجمع أرفق به، ووقته في وقت الأولى.\rوأما المطر أو البرد أو الثلج، أو الطين مع الظلمة الواقع أو المتوقع: فيجيز جمع التقديم فقط لمن يصلي العشاءين (المغرب والعشاء) بجماعة في المسجد، إذا كان المطر غزيراً يحمل أوساط الناس على تغطية رؤوسهم، والوحل أو الطين كثيراً يمنع أواسط الناس من لبس المداس. ولا يجوز الجمع إلا باجتماع الوحل مع الظلمة، لا بأحدهما فقط.\rولو انقطع المطر بعد الشروع في الجمع، جاز الاستمرار فيه.\rوالمشهور أن يكون هذا الجمع بأذان وإقامة لكل واحدة من الصلاتين ويكون الأذان الأول للمغرب على المنارة بصوت مرتفع والثاني بصوت منخفض في المسجد، لا على المنارة، ويؤخر البدء بالمغرب ندباً بعد الأذان بقدر ثلاث ركعات، ثم ينصرف الناس إلى منازلهم من غير تنفل في المسجد؛ لأن النفل حينئذ مكروه، فلا نفل بعد الجمع في المسجد، ولا وتر حتى يغيب الشفق.\rولا يتنفل بين الصلاتين، والنفل مكروه لا يمنع صحة الجمع، ولا يجوز هذا الجمع لجار المسجد، ولو كان مريضاً يشق عليه الخروج للمسجد، أو كان امرأة ولا يخشى منها الفتنة.\rوكذلك لا يجوز هذا الجمع لمن صلى منفرداً في المسجد إلا أن يكون إماماً راتباً له منزل ينصرف إليه، فإنه يجمع وحده، وينوي الجمع والإمامة؛ لأنه ينزل منزلة الجماعة.\rوتجب نية الجمع في الصلاة الأولى كنية الإمامة.","part":2,"page":505},{"id":1197,"text":"وأما الجمع في الحج فهو سنة اتفاقاً، فيسن للحاج أن يجمع بين الظهر والعصر جمع تقديم بعرفة، سواء أكان من أهلها أم أهل غيرها من أماكن النسك كمنى ومزدلفة، أو من أهل الآفاق، ويقصر من لم يكن من أهل عرفة للسنة، وإن لم تكن المسافة مسافة قصر. ويسن أيضاً للحاج أن يصلي المغرب والعشاء جمع تأخير بمزدلفة، ويسن قصر العشاء لغير أهل مزدلفة؛ لأن القاعدة أن الجمع سنة لكل حاج، والقصر خاص بغير أهل المكان الذي فيه وهو عرفة ومزدلفة.\rالشافعية (1) : أجازوا الجمع فقط في السفر والمطر والحج بعرفة ومزدلفة.\rأما الجمع بسبب المطر أو الثلج والبرد الذائبين: فالأظهر جوازه تقديماً لمن صلى بجماعة في مسجد بعيد، وتأذى بالمطر في طريقه، والمذهب الجديد منع جمع التأخير فيه؛ لأن استدامة المطر غير متيقنة فقد ينقطع، فيؤدي إلى إخراج الصلاة عن وقتها من غير عذر.\rودليلهم على جواز جمع التقديم: ما في الصحيحين عن ابن عباس «صلى بنا رسول الله صلّى الله عليه وسلم بالمدينة الظهر والعصر جميعاً، والمغرب والعشاء جميعاً » زاد مسلم «من غير خوف ولا سفر» . وشرط جواز التقديم: وجود المطر عند السلام من الصلاة الأولى، ليتصل المطر بأول الثانية، فلا بد من امتداده بينهما، ولا يضر انقطاعه فيما عدا ذلك.\rويجمع العصر مع الجمعة في المطر جمع تقديم، وإن لم يكن موجوداً حال الخطبة؛ لأنها ليست من الصلاة.\rوالمشهور في المذهب عدم جواز الجمع بسبب الوحل والريح والظلمة والمرض لحديث مواقيت الصلاة، ولايجوز مخالفته إلا بنص صريح.\rو «لأن النبي صلّى الله عليه وسلم مرض أمراضاً كثيرة، ولم ينقل جمعة بالمرض صريحاً» .\rولأن من كان ضعيفاً ومنزله بعيداً عن المسجد بعداً كثيراً، لا يجوز له الجمع، مع المشقة الظاهرة، فكذا المريض.\r-------------------------------\r(1) المجموع: 253/4،269 المهذب: 104/1 ومابعدها، مغني المحتاج: 271/1-275.","part":2,"page":506},{"id":1198,"text":"ويندب جمع التقديم للحاج بعرفة، وجمع التأخير بمزدلفة، كما قال المالكية.\rوأما الجمع بسبب السفر فيجوز تقديماً وتأخيراً إذا كان السفر طويلاً كما في القصر.\rويشترط لجمع التقديم ستة شروط:\rالأول ـ نية الجمع: أي أن ينوي جمع التقديم، في أول الصلاة الأولى، وتجوز في أثنائها في الأظهر، ولو مع السلام منها.\rالثاني ـ الترتيب أي البُداءة بالأولى صاحبة الوقت: وهو أن يقدم الأولى، ثم يصلي الثانية؛ لأن الوقت للأولى، وإنما يفعل الثانية تبعاً للأولى، فلا بد من تقديم المتبوع، فلو صلاهما مبتدئاً بالأولى، فبان فسادها بفوات شرط أو ركن، فسدت الثانية أيضاً، لانتفاء شرطها من البداءة بالأولى، ولكن تنعقد الثانية نافلة على الصحيح.\rالثالث ـ الموالاة أي التتابع بألا يفصل بينهما فاصل طويل؛ لأن الجمع يجعلهما كصلاة واحدة، فوجب الولاء كركعات الصلاة أي فلا يفرق بينهما، كما لا يجوز أن يفرق بين الركعات في صلاة واحدة، فإن فصل بينهما بفصل طويل ولو بعذر كسهو وإغماء، بطل الجمع، ووجب تأخير الصلاة الثانية إلى وقتها، لفوات شرط الجمع، وإن فصل بينهما بفصل يسير، لم يضر، كالفصل بينهما بالأذان والإقامة والطهارة، لما في الصحيحين عن أسامة: «أن النبي صلّى الله عليه وسلم لما جمع بنمرة، أقام للصلاة بينهما» . ويعرف طول الفصل بالعرف؛ لأنه لا ضابط له في الشرع ولا في اللغة.\rوللمتيمم الجمع بين الصلاتين على الصحيح، كالمتوضئ، فلايضر تخلل طلب خفيف للماء؛ لأن ذلك من مصلحة الصلاة، فأشبه الإقامة، بل أولى؛ لأنه شرط دونها.\rويلاحظ أن هذه الشروط الثلاثة (نية الجمع، والترتيب والموالاة) لا تجب في جمع التأخير على الصحيح.\rالرابع ـ دوام السفر إلى الإحرام بالصلاة الثانية، حتى ولو انقطع سفره بعد ذلك أثناءها. أما إذا نقطع سفره قبل الشروع في الثانية، فلا يصح الجمع، لزوال السبب.\rالخامس ـ بقاء وقت الصلاة الأولى يقيناً إلى عقد الصلاة الثانية.","part":2,"page":507},{"id":1199,"text":"السادس ـ ظن صحة الصلاة الأولى: فلو جمع العصر مع الجمعة في مكان تعددت فيه لغير حاجة، وشك في السبق والمعية، لا يصح جمع العصر معها جمع تقديم.\rويشترط لجمع التأخير شرطان فقط:\rالأول ـ نية التأخير قبل خروج وقت الصلاة الأولى، ولو بقدر ركعة: أي بزمن لو ابتدئت فيه، كانت أداء. وإلا فيعصي، وتكون قضاء. ودليل اشتراط النية: أنه قد يؤخر للجمع، وقد يؤخر لغيره، فلا بد من نية يتميز بها التأخير المشروع عن غيره.\rالثاني ـ دوام السفر إلى تمام الصلاة الثانية، فإن لم يدم إلى ذلك بأن أقام ولو في أثنائها، صارت الأولى (وهي الظهر أو المغرب) قضاء؛ لأنها تابعة للثانية في الأداء للعذر، وقد زال قبل تمامها. أما الترتيب: فليس بواجب؛ لأن وقت الثانية وقت الأولى، فجاز البداية بما شاء منهما. وأما التتابع: فلا يجب أيضاً؛ لأن الأولى مع الثانية كصلاة فائتة مع صلاة حاضرة، فجاز التفريق بينهما. وإنما الترتيب والتتابع سنة، وليس بشرط.\rأما سنة الصلاة: فإذا جمع الظهر والعصر قدم سنة الظهر التي قبلها، وله تأخيرها، سواء أجمع تقديماً أم تأخيراً، ولو توسيطها إن جمع تأخيراً، سواء قدم الظهر أم العصر. وإذا جمع المغرب والعشاء، أخر سنتهما، وله توسيط سنة المغرب إن جمع تأخيراً، وقدم المغرب، وتوسيط سنة العشاء إن جمع تأخيراً وقدم العشاء. وما سوى ذلك ممنوع.\rالحنابلة (1) : يجوز جمع التقديم والتأخير في ثمان حالات:\rإحداها ـ السفر الطويل المبيح للقصر، أي قصر الصلاة الرباعية: بأن يكون السفر غير حرام ولا مكروه، ويبلغ مسافة يومين، لأنه أي الجمع رخصة تثبت لدفع المشقة في السفر، فاختصت بالطويل كالقصر والمسح ثلاثاً.\rالثانية ـ المرض: الذي يؤدي إلى مشقة وضعف بترك الجمع، لأن النبي صلّى الله عليه وسلم «جمع من غير خوف ولا مطر» وفي رواية «من غير خوف ولا سفر» (2) ، ولا عذر بعد ذلك إلا المرض، واحتج أحمد بأن المرض أشد من السفر. والمريض مخير في التقديم والتأخير كالمسافر، فإن استوى عنده الأمران فالتأخير أولى.\rالثالثة ـ الإرضاع: يجوز الجمع لمرضع، لمشقة تطهير النجاسة لكل صلاة، فهي كالمريضة.\r-------------------------------\r(1) كشاف القناع: 3/2-8، المغني: 273/2-281.\r(2) رواهما مسلم من حديث ابن عباس.","part":2,"page":508},{"id":1200,"text":"الرابعة ـ العجز عن الطهارة بالماء أو التيمم لكل صلاة: يجوز الجمع لعاجز عنهما، دفعاً للمشقة؛ لأنه كالمسافر والمريض.\rالخامسة ـ العجز عن معرفة الوقت: يجوز الجمع لعاجز عن ذلك كالأعمى.\rالسادسة ـ الاستحاضة ونحوها: يجوز الجمع لمستحاضة ونحوها كصاحب سلس بول أو مذي أو رعاف دائم ونحوه، لما جاء في حديث حَمْنة السابق حين استفتت النبي صلّى الله عليه وسلم في الاستحاضة، حيث قال فيه: «فإن قويت على أن تؤخري الظهر، وتعجلي العصر، فتغتسلين وتجمعين بين الصلاتين، فافعلي» (1) ومن به سلس البول ونحوه في معناها.\rالسابعة والثامنة: العذر أو الشغل: يجوز لمن له شغل، أو عذر يبيح ترك الجمعة والجماعة، كخوف على نفسه أو حرمته أو ماله، أو تضرر في معيشة يحتاجها بترك الجمع ونحوه. وهذا منفذ يلجأ إليه العمال وأصحاب المزارع للسقي في وقت النوبة (أو الدور).\rوالجمع للمطر: جائز بين المغرب والعشاء، كما قال المالكية، لما قال أبو سلمة ابن عبد الرحمن: «إن من السنة إذا كان يوم مطير أن يجمع بين المغرب والعشاء» (2) وهذا ينصرف إلى سنة رسول الله صلّى الله عليه وسلم .\rولا يجوز الجمع بين الظهر والعصر، لقول أبي سلمة السابق، فلم يرد إلا في المغرب والعشاء. والجمع للمطر يكون في وقت الأولى، لفعل السلف، ولأن تأخير الأولى إلى وقت الثانية يفضي إلى لزوم المشقة والخروج في الظلمة، أو طول الانتظار في المسجد إلى دخول وقت العشاء. وإن اختار الناس تأخير الجمع جاز. والمطر المبيح للجمع: هو ما يبل الثياب، وتلحق المشقة بالخروج فيه.\r-------------------------------\r(1) رواه أحمد وأبو داودوالترمذي وصححه.\r(2) رواه الأثرم.","part":2,"page":509},{"id":1201,"text":"والثلج والبرد كالمطر في ذلك. أما الطل والمطر الخفيف الذي لا يبل الثياب فلا يبيح.\rوأما الوحل بمجرده فهو عذر في الأصح؛ لأن المشقة تلحق بذلك في النعال والثياب، كما تلحق بالمطر؛ لأن الوحل يلوث الثياب والنعال، ويعرض الإنسان للزلق فيتأذى به بنفسه وثيابه، وذلك أعظم من البلل.\rوأما الريح الشديدة في الليلة المظلمة الباردة: فيبيح الجمع في الأصح؛لأن ذلك عذر في الجمعة والجماعة، روى نافع عن ابن عمر، قال: «كان رسول الله صلّى الله عليه وسلم ينادي مناديه في الليلة المطيرة أو الليلة الباردة ذات الريح: صلوا في رحالكم» (1) .\rوهذه الأعذار كلها تبيح الجمع تقديماً وتأخيراً، حتى لمن يصلي في بيته ، أو يصلي في مسجد ولو كان طريقه مسقوفاً، ولمقيم في المسجد ونحوه كمن بينه وبين المسجد خطوات يسيرة، ولو لم ينله إلا مشقة يسيرة.\rوفعل الأرفق من جمع التقديم أو التأخير لمن يباح له أفضل بكل حال، لحديث معاذ السابق، المتضمن التخيير بحسب الحاجة بين التقديم والتأخير (2) ، وروى مالك عن معاذ: «وأخر النبي صلّى الله عليه وسلم الصلاة يوماً في غزوة تبوك، ثم خرج فصلى الظهر والعصر جميعاً، ثم دخل ثم خرج، فصلى المغرب والعشاء جميعاً» (3) ، فإن استويا فالتأخير أفضل لأنه أحوط، وفيه خروج من الخلاف، وعمل بالأحاديث كلها.\r-------------------------------\r(1) رواه ابن ماجه.\r(2) رواه أحمد وأبو داود والترمذي. وروى الشافعي وأحمد نحوه عن ابن عباس (نيل الأوطار: 213/3).\r(3) قال ابن عبد البر: هذا حديث ثابت الإسناد.","part":2,"page":510},{"id":1202,"text":"قال ابن تيمية: جمع رسول الله صلّى الله عليه وسلم بين الصلاتين في السفر والحضر أيضاً لئلا يحرج أمته، روى مسلم وغيره عن ابن عباس أنه قال: «صلى رسول الله صلّى الله عليه وسلم الظهر والعصر جميعاً، والمغرب والعشاء جميعاً من غير خوف ولا سفر» (1) .\rلكن الجمع في أثناء الحج يكون تقديماً بين الظهر والعصر في عرفة، وتأخيراً في المزدلفة بين المغرب والعشاء، لفعله صلّى الله عليه وسلم ، لاشتغاله وقت العصر بعرفة بالدعاء، ووقت المغرب ليلة المزدلفة بالسير إليها.\rشروط الجمع: يشترط لصحة الجمع مطلقاً تقديماً وتأخيراً: مراعاة الترتيب بين الصلوات، فيقدم الأولى على الثانية، ولا يسقط ـ على الصحيح في المذهب ـ الترتيب هنا بالنسيان، كما يسقط في قضاء الفوائت.\rويشترط لصحة جمع التقديم شروط أربعة أخرى:\rالأول ـ نية الجمع عند الإحرام بالصلاة الأولى: لحديث «إنما الأعمال بالنيات» .\rالثاني ـ الموالاة: فلا يفرق بين المجموعتين إلا بقدر الإقامة والوضوء الخفيف؛ لأن معنى الجمع المتابعة والمقارنة، ولا يحصل ذلك مع التفريق الطويل، والخفيف أمر يسير وهو معفو عنه، وهما من مصالح الصلاة.\rالثالث ـ وجود العذر المبيح للجمع من سفر أو مرض ونحوه عند افتتاح الصلاتين المجموعتين، وعند سلام الأولى؛ لأن افتتاح الأولى من موضع النية وفراغها، وافتتاح الثانية موضع الجمع، فلو انقطع المطر، ولم يوجد وحل بعده قبل ذلك، بطل الجمع.\rالرابع ـ دوام العذر إلى فراغ الثانية شرط في السفر والمرض: فلو انقطع السفر قبل ذلك، بطل الجمع. ولا يشترط دوام العذر إلى فراغ الثانية في جمع مطر ونحوه كثلج وبرد إن خلفه وحل.\rويشترط لجمع التأخير شرطان:\r-------------------------------\r(1) فتاوى ابن تيمية 64/24،72 ومابعدها.","part":2,"page":511},{"id":1203,"text":"الأول ـ نية الجمع في وقت الصلاة الأولى ما لم يضق وقتها عن فعلها، فإن ضاق وقت الأولى عن فعلها، لم يصح الجمع؛ لأن تأخيرها إلى القدر الذي يضيق عن فعلها حرام، ويأثم بالتأخير.\rالثاني ـ استمرار العذر إلى دخول وقت الثانية؛ لأن المجوِّز للجمع العذر، فإذا لم يستمر، وجب ألا يجوز، لزوال المقتضي، كالمريض يبرأ، والمسافر يقدم، والمطر ينقطع. ولا أثر لزوال العذر بعد دخول وقت الثانية؛ لأنهما صارتا واجبتين في ذمته، فلا بد له من فعلهما.\rويشترط الترتيب في كل من الجمعين، كما قدمنا. ولا تشترط الموالاة في جمع التأخير، فلا بأس بالتطوع بينهما، كما لا تشترط نية الجمع في الثانية؛ لأنها مفعولة في وقتها، فهي أداء بكل حال.\rولا يشترط في نوعي الجمع اتحاد إمام ولا مأموم، فلو تنوع الإمام في صلاتي الجمع، أو نوى الجمع إماماً بمن لا يجمع، صح الجمع؛ لأن لكل صلاة حكم نفسها، وهي منفردة بنيتها.\rوإذا بان فساد الأولى بعد الجمع بنسيان ركن أو غيره، بطلت الأولى والثانية. السنن: إذا جمع في وقت الأولى: فله أن يصلي سنة الثانية منهما، ويوتر قبل دخول وقت الثانية؛ لأن سنتها تابعة لها، فيتبعها في فعلها ووقتها. وبما أن وقت الوتر: ما بين صلاة العشاء إلى صلاة الصبح، وقد صلى العشاء، فإن وقته يدخل بعد صلاة العشاء جمعاً.","part":2,"page":512},{"id":1204,"text":"المبحث الرابع ـ صلاة العيدين\rسبب التسمية: سمي العيد بهذا الاسم؛ لأن لله تعالى فيه عوائد الإحسان أي أنواع الإحسان العائدة على عباده في كل عام، منها الفطر بعد المنع عن الطعام وصدقة الفطر، وإتمام الحج بطواف الزيارة، ولحوم الأضاحي وغيرها؛ ولأن العادة فيه الفرح والسرور والنشاط والحبور غالباً بسبب ذلك، وأصل معنى (عيد) لغةً: عود، والعود هو الرجوع، فهو يعود ويتكرر بالفرح كل عام.\rمضمون البحث: الكلام عن صلاة العيد يتناول أدلة مشروعيتها، وحكمها الفقهي، ووقتها وموضعها، وكيفيتها أو صفتها، وخطبتها، وحكم التكبير في العيدين، وسنن العيد أو مستحباته أو وظائفه، والتنفل قبل العيد وبعده، كيفية صلاته صلّى الله عليه وسلم صلاة عيد الفطر والأضحى وكيفية خطبته.\rأولاً ـ أدلة مشروعية صلاة العيد:\rشرعت صلاة العيد في السنة الأولى من الهجرة، بدليل ما روى أنس: «قدم رسول الله صلّى الله عليه وسلم المدينة، ولهم يومان يلعبون فيهما، فقال: ما هذان اليومان؟ قالوا: كنا نلعب فيهما في الجاهلية، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلم : إن الله قد أبدلكما خيراً منهما: يوم الأضحى، ويوم الفطر» .\rوأدلة مشروعيتها: الكتاب والسنة والإجماع (1) .\rأما الكتاب: فقوله تعالى: {فصل لربك وانحر} [الكوثر:108/2] المشهور في التفسير: أن المراد بذلك صلاة العيد أي صلاة الأضحى والذبح.\rوأما السنة: فثبت أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم بالتواتر كان يصلي صلاة العيدين. وأول عيد صلاه صلّى الله عليه وسلم : عيد الفطر في السنة الثانية من الهجرة. قال ابن عباس: «شهدت صلاة الفطر مع رسول الله صلّى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر، فكلهم يصليها قبل الخطبة» وعنه «أن النبي صلّى الله عليه وسلم صلى العيد بغير أذان ولا إقامة» (2) .\rثانياً ـ حكمها الفقهي:\rيتردد حكم صلاة العيد بين آراء ثلاثة: كونها فرض كفاية، أو واجباً، أو سنة.\r-------------------------------\r(1) المغني: 367/2، مغني المحتاج: 310/1.\r(2) متفق عليهما.....","part":2,"page":513},{"id":1205,"text":"فقال الحنابلة في ظاهر المذهب (1) : صلاة العيد فرض كفاية، إذا قام بها من يكفي سقطت عن الباقين، أي كصلاة الجنازة، للآية السابقة {فصل لربك وانحر} [الكوثر:108/2] وهي صلاة العيد في المشهور في السِّيَر، وكان النبي صلّى الله عليه وسلم والخلفاء بعده يداومون عليها، ولأنها من أعلام الدين الظاهرة، فكانت واجبة كالجهاد، ولم تجب عيناً على كل مسلم، لحديث الأعرابي الآتي: «إلا أن تطَّوع» المقتضي نفي وجوب صلاة، سوى الخمس، وإنما وجب العيد بفعل النبي صلّى الله عليه وسلم،ومن صلى معه.\rفإن تركها أهل بلد يبلغون أربعين بلا عذر، قاتلهم الإمام كالأذان؛ لأنها من شعائر الإسلام الظاهرة، وفي تركها تهاون بالدين.\rوقال الحنفية في الأصح (2) : تجب صلاة العيدين على من تجب عليه الجمعة بشرائطها المتقدمة سوى الخطبة، فإنها سنة بعدها.\rودليلهم على الوجوب: مواظبة النبي صلّى الله عليه وسلم عليها.\rوقال المالكية والشافعية (3) : هي سنة مؤكدة تلي الوتر في التأكيد، لمن تجب عليه الجمعة: وهو الذكر البالغ الحر المقيم ببلد الجمعة، أو النائي عنه كبعد فرسخ (5544م) منه، ولا تندب عند المالكية لصبي وامرأة وعبد ومسافر لم ينو إقامة تقطع حكم السفر، وندبت لغير المرأة الشابة، ولا تندب لحاج ولا لأهل منى، ولو غير حاجين.\rوتشرع عند الشافعية للمنفرد كالجماعة، والعبد والمرأة والمسافر والخنثى والصغير، فلا تتوقف على شروط الجمعة من اعتبار الجماعة والعدد وغيرهما. وهي أفضل في حق غير الحاج بمنى من تركها بالإجماع.\rودليلهم على سنيتها: قوله صلّى الله عليه وسلم للأعرابي السائل عن الصلاة: «خمس صلوات كتبهن الله تعالى على عباده، قال له: هل علي غيرها؟ قال: لا، إلا أن تطَّوع» (4) وكونها مؤكدة: لمواظبته صلّى الله عليه وسلم عليها.\rوالتهنئة بالعيد والأعوام والأشهر مشروعة مباحة، لا سنة فيها ولا بدعة (5) .\r-------------------------------\r(1) المغني: 267/2، كشاف القناع: 55/2\r(2) فتح القدير: 422/1، الدر المختار: 774/1، تبيين الحقائق: 223/1 ومابعدها، مراقي الفلاح: ص89.\r(3) الشرح الصغير: 523/1، القوانين الفقهية: ص85، مغني المحتاج: 310/1، المهذب:118/1.\r(4) أخرجه البخاري ومسلم عن طلحة بن عبيد الله ( نصب الراية: 208/2 ).\r(5) مغني المحتاج: 316/1 .","part":2,"page":514},{"id":1206,"text":"شرائط وجوبها وجوازها:\rقال الحنفية (1) : كل ما هو شرط وجوب الجمعة وجوازها فهو شرط وجوب صلاة العيدين، وجوازها، من الإمام والجماعة، والمصر، والوقت، إلا الخطبة فإنها سنة بعد الصلاة، ولو تركها جازت صلاة العيد.\rأما الإمام أي حضور السلطان أو الحاكم أو نائبه: فهو شرط أداء العيد كالجمعة، لما ثبت في السنة، ولأنه لو لم يشترط السلطان، لأدى إلى الفتنة، بسبب تجمع الناس، وتنازعهم على التقدم للإمامة لما فيها من الشرف والعلو والرفعة.\rوأما المصر: فلقول علي موقوفاً عليه: «لا جمعة ولا تشريق، ولا صلاة فطر، ولا أضحى، إلا في مصر جامع أو مدينة عظيمة» (2) .\rوأما الجماعة: فلأنها ما أديت إلا بجماعة.\rوأما الوقت: فإنها لا تؤدى إلا في وقت مخصوص، كما جرى به التوارث عن السلف.\rوالذكورة والعقل والبلوغ والحرية وصحة البدن والإقامة من شرائط وجوبها، كما هي من شرائط وجوب الجمعة، فلا تجب على النسوان والصبيان والمجانين والعبيد بدون إذن مواليهم، ولا على الزمنى والمرضى والمسافرين، كما لاتجب عليهم الجمعة.\rأما الحنابلة (3) فقالوا: يشترط لصحة صلاة العيد استيطان أربعين عدد الجمعة ولا يشترط لها إذن، ويفعلها المسافر والعبد والمرأة والمنفرد تبعاً لأهل وجوبها.\r-------------------------------\r(1) البدائع: 275/1، وانظر أيضاً ص 261.\r(2) رواه ابن أبي شيبة في مصنفه، ورواه عبد الرزاق بلفظ «لا جمعة ولا تشريق إلا في مصر جامع» (نصب الراية: 195/2)\r(3) كشاف القناع: 58/2، المغني: 392/2.","part":2,"page":515},{"id":1207,"text":"خروج النساء إلى صلاة العيد:\rاتفق الفقهاء منهم الحنفية والمالكية (1) على أنه لا يرخص للشابات من النساء الخروج إلى الجمعة والعيدين وشيء من الصلاة، لقوله تعالى: { وقَرْن في بيوتكن} [الأحزاب:33/33] والأمر بالقرار نهي عن الانتقال، ولأن خروجهن سبب الفتنة بلا شك، والفتنة حرام، وما أدى إلى الحرام فهو حرام.\rوأما العجائز: فلا خوف في أن يرخص لهن الخروج في الفجر والمغرب والعشاء، والعيدين، واختلفوا في الظهر والعصر والجمعة، كما بينا سابقاً. وهذا التفصيل بين الشابة والعجوز هو مذهب الآخرين أيضاً.\rوعبارة الشافعية والحنابلة (2) : لا بأس بحضور النساء مصلى العيد غير ذوات الهيئات فلا تحضر المطيبات، ولا لابسات ثياب الزينة أو الشهرة، لما روت أم عطية، قالت: «كان رسول الله صلّى الله عليه وسلم يخرج العَواتِق والحُيَّض، وذوات الخدور في العيد، فأما الحُيَّض فكن يعتزلن الصلاة، ويشهدن الخير ودعوة المسلمين» (3) .\rوإذا أراد النساء الحضور تنظفن بالماء، ولا يتطيبن، ولا يلبسن الشهرة من الثياب، أي الثياب الفاخرة، ويعتزلن الرجال فلا يختلطن بهم، ويعتزل الحُيَّض المُصلَّى للحديث السابق، ولقوله صلّى الله عليه وسلم : «لا تمنعوا إماء الله مساجد الله ، وليخرجن تَفِلات» (4) أي غير عطرات، ولأن المرأة إذا تطيبت ولبست الشهرة من الثياب، دعا ذلك إلى الفساد.\r-------------------------------\r(1) البدائع: 275/1، الشرح الصغير: 530/1، بداية المجتهد: 211/1.\r(2) مغني المحتاج: 310/1، المهذب: 119/1، المجموع:96/4،365، 11/5، المغني: 375/2، كشاف القناع: 58/2.\r(3) رواه الجماعة. والعواتق: جمع عاتق، وهي المرأة الشابة أول ماتدرك. وذوات الخدور: جمع خِدْر وهو ناحية في البيت يجعل عليها ستر، فتكون فيه البنت البكر، وهي المخدَّرة أي خدرات في الخدور. والحيض جمع حائض وهذه ذات الدم في العادة الشهرية.\r(4) رواه البخاري ومسلم.","part":2,"page":516},{"id":1208,"text":"ثالثاً ـ وقتها:\rاتفق الفقهاء على أن وقت صلاة العيد: هو ما بعد طلوع الشمس قدر رمح أو رمحين، أي بعد حوالي نصف ساعة من الطلوع، إلى قبيل الزوال، أي قبل دخول وقت الظهر، وهو وقت صلاة الضحى؛ للنهي عن الصلاة عند طلوع الشمس، فتحرم عند الشروق، وتكره بعدها عند الجمهور، فإذا صلوا قبل ارتفاع الشمس قدر رمح لا تكون عند الحنفية صلاة عيد، بل نفلاً محرماً (1) .\rتعجيل الصلاة وتأخيرها: يسن تعجيل صلاة الأضحى في أول وقتها بحيث يوافق الحجاج بمنى في ذبحهم، وتأخير صلاة الفطر عن أول وقتها قليلاً، لما روى الشافعي مرسلاً أن النبي صلّى الله عليه وسلم كتب إلى عمرو بن حزم، وهو بنجران: «أن عجِّل الأضحى، وأخر الفطر، وذكِّر الناس» ولأنه يتسع لذلك وقت الأضحية، ووقت صدقة الفطر.\rهل تقضى صلاة العيد وهل تصلى منفرداً؟ للفقهاء رأيان:\rقال الحنفية والمالكية (2) : من فاتته صلاة العيد مع الإمام، لم يقضها؛ لفوات وقتها، والنوافل لا تقضى، ولأنها لم تعرف قربة إلا بشرائط لا تتم بالمنفرد، فلو أمكنه الذهاب لإمام آخر فعل، لأنها تؤدى بمواضع اتفاقاً. ولا تجوز للمنفرد وإنما تصلى جماعة.\rوقال الشافعية والحنابلة (3) : من فاتته صلاة العيد مع الإمام، سنَّ له قضاؤها على صفتها، لفعل أنس، ولأنه قضاء صلاة، فكان على صفتها كسائر الصلوات. وله قضاؤها متى شاء في العيد وما بعده متى اتفق، والأفضل قضاؤها في بقية اليوم.\rوتجوز صلاة العيد للمنفرد والعبد والمسافر والمرأة، كما بينا.\r-------------------------------\r(1) فتح القدير: 424/1، اللباب: 117/1، مراقي الفلاح: ص90، الدر المختار: 779/1، البدائع: 276/1، الشرح الصغير: 524/1، القوانين الفقهية: ص85، مغني المحتاج: 310/1، المهذب: 118/1، كشاف القناع: 56/2.\r(2) فتح القدير: 429/1، اللباب: 118/1، الشرح الصغير: 524/1، القوانين الفقهية: ص85.\r(3) مغني المحتاج: 315/1، المهذب: 120/1، كشاف القناع: 58/2،63، المغني: 390/2-392.","part":2,"page":517},{"id":1209,"text":"المدرك عند الشافعية والحنابلة: إن أدرك المصلي الإمام في الخطبة، صلى تحية المسجد ثم جلس فسمعها، ولو كان بمسجد، ثم صلى العيد متى شاء، قبل الزوال أو بعده على صفتها، ولو منفرداً أو بجماعة دون أربعين؛ لأنها عند الشافعية نفل، فجاز للمنفرد فعلها كصلاة الكسوف، وتصير عند الحنابلة القائلين بفرضيتها تطوعاً لسقوط فرض الكفاية بالطائفة الأولى (1) .\rوإن أدرك المرء الإمام في التشهد، جلس معه، فإذا سلم الإمام، قام فصلى ركعتين، يأتي فيهما بالتكبير؛ لأنه أدرك بعض الصلاة التي ليست مبدلة من أربع، فقضاها على صفتها كسائر الصلوات.\rصلاتها في اليوم الثاني إذا تأخر إثبات العيد لما بعد الزوال:\rإذا لم يعلم قوم بالعيد إلا بعد زوال الشمس (أي ظهر العيد)،أو غُمَّ الهلال على الناس، فشهدوا عند الإمام برؤية الهلال بعد الزوال، أو حصل عذر مانع كمطر شديد، ففي جواز صلاة العيد في اليوم التالي رأيان:\rقال المالكية (2) : لا تصلى من الغد، ولا تنوب عن صلاة الجمعة؛لفوات وقتها.\rوقال الجمهور (3) : تصلى في اليوم التالي من الغد،وفي عيد الأضحى إلى ثلاثة أيام،لما روى أبو عمير بن أنس عن عمومة له من أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلم ، قال: «غمَّ علينا هلال شوال، فأصبحنا صياماً، فجاء ركب في آخر النهار، فشهدوا أنهم رأوا الهلال بالأمس، فأمر النبي صلّى الله عليه وسلم الناس أن يفطروا من يومهم، وأن يخرجوا غداً لعيدهم» (4) أي إلى المصلى كما في رواية البيهقي.\rوهذا هو الراجح، قال أبو بكر الخطيب: «سنة النبي صلّى الله عليه وسلم أولى أن تتبع» ، وحديث أبي عمير صحيح، فالمصير إليه واجب، وكالفرائض.\r-------------------------------\r(1) كشاف القناع: 63/2\r(2) القوانين الفقهية: ص58 ومابعدها.\r(3) الدر المختار:783/1، تبيين الحقائق: 226/1، الفتاوى الهندية: 142/1، مراقي الفلاح: ص91، المهذب: 121/1، مغني المحتاج: 315/1، المغني: 391/2 ومابعدها، كشاف القناع: 56/2 .\r(4) رواه أبو داود والدارقطني وحسنه، والنسائي بأسانيد صحيحة، ورواه البيهقي أيضاً، ثم قال: وهذا إسناد صحيح ( المجموع: 31/5 )","part":2,"page":518},{"id":1210,"text":"وإن شهد اثنان برؤية هلال شوال ليلة الحادي والثلاثين صلوا بالاتفاق في الغد، ولا يكون ذلك قضاء؛ لأن فطرهم غداً، لما روت عائشة رضي الله عنها أن النبي صلّى الله عليه وسلم قال: «فطركم يوم تفطرون، وأضحاكم يوم تضحون، وعرفتكم يوم تعرفون» (1) .\rرابعاً ـ موضع أداء صلاة العيد:\rللفقهاء رأيان متقاربان (2) ، فقال الجمهور غير الشافعية: موضعها في غير مكة: المصلى (الصحراء خارج البلد، على أن يكون قريباً من البلد عرفاً عند الحنابلة) لا المسجد، إلا من ضرورة أو عذر، وتكره في المسجد، بدليل فعل النبي صلّى الله عليه وسلم ، والكراهة لمخالفة فعله عليه السلام. فإن كان عذر لم تكره، لقول أبي هريرة: «أصابنا مطر في يوم عيد، فصلى بنا النبي صلّى الله عليه وسلم في المسجد» (3) وروي أن عمر وعثمان رضي الله عنهما صليا في المسجد في المطر.\rأما في مكة: فالأفضل فعلها في المسجد الحرام، لشرف المكان، ومشاهدة الكعبة، وذلك من أكبر شعائر الدين.\r-------------------------------\r(1) حديث صحيح رواه الترمذي وغيره ( المرجع السابق ).\r(2) تبيين الحقائق: 224/1، مراقي الفلاح: ص90، القوانين الفقهية: ص85، الدر المختار ورد المحتار: 777/1، الفتاوى الهندية: 140/1، مغني المحتاج: 312 ومابعدها، المجموع: 5/5 ومابعدها، المهذب: 118/1، كشاف القناع: 59/2 .\r(3) رواه أبو داود بإسناد جيد، ورواه الحاكم وقال: هو صحيح ( المجموع: 6/5 ).","part":2,"page":519},{"id":1211,"text":"وقال الشافعية: فعل صلاة العيد في المسجد أفضل؛ لأنه أشرف وأنظف من غيره، إلا إذا كان مسجد البلد ضيقاً، فالسنة أن تصلى في المصلى، لما روي أن النبي صلّى الله عليه وسلم كان يخرج إلى المصلى (1) ، ولأن الناس يكثرون في صلاة العيد، وإذا كان المسجد ضيقاً تأذى الناس. قال الشافعية رحمه الله : فإن كان المسجد واسعاً، فصلى في الصحراء فلا بأس، وإن كان ضيقاً، فصلى فيه ولم يخرج إلى المصلى، كرهت.\rفإن كان في الناس ضعفاء، استخلف الإمام في مسجد البلد من يصلي بهم، لما روي أن علياً رضي الله عنه استخلف أبا مسعود الأنصاري رضي الله عنه، ليصلي بضعَفة الناس في المسجد (2) .\rوقال الحنفية: ولا يخرج المنبر إلى المصلى (الجبانة) يوم العيد، ولا بأس ببنائه دون إخراجه.\rخامساً ـ كيفية صلاة العيد أو صفتها:\r-------------------------------\r(1) حديث صحيح رواه البخاري ومسلم عن أبي سعيد الخدري.\r(2) رواه الشافعي بإسناد صحيح. والضعفة: بفتح الضاد والعين: بمعنى الضعفاء جمع ضعيف.","part":2,"page":520},{"id":1212,"text":"صلاة العيد ركعتان بالاتفاق، لقول عمر رضي الله عنه: «صلاة الأضحى ركعتان، وصلاة الفطر ركعتان، وصلاة السفر ركعتان، وصلاة الجمعة ركعتان تمام غير قصر على لسان نبيكم، وقد خاب من افترى» (1) وهي تشمل بعد الإحرام على تكبيرات: ثلاث عند الحنفية، وست في الأولى وخمس في الثانية عند المالكية والحنابلة، وسبع في الأولى وخمس في الثانية عند الشافعية قبل القراءة في الركعتين إلا عند الحنفية في الركعة الثانية يكون التكبير بعد القراءة، ويندب بعد الفاتحة قراءة سورتين هما عند الجمهور: {سبح اسم ربك الأعلى} [الأعلى:87/1] و {الغاشية} [الغاشية:88]، ولكن عند المالكية يقرأ في الثانية سورة {والشمس} [الشمس:91] ونحوها، وعند الشافعية: {ق} [ق:50/1]\rو {اقتربت} [القمر:54/1]. ولا يؤذَّن لها ولا يقام، لما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «شهدت العيد مع رسول الله صلّى الله عليه وسلم ومع أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم، فكلهم صلى قبل الخطبة بغير أذان ولا إقامة» (2) والسنة أن ينادى لها: «الصلاة جامعة» لما روي عن الزهري أنه كان ينادَى به (3) وقياساً على صلاة الكسوف.\rويبدأ بها عند الجمهور غير المالكية بالنية بقلبه ولسانه فيقول: ( أصلي صلاة العيد لله تعالى ) إماماً أو مقتدياً، ويأتي بعد الإحرام بدعاء الافتتاح أو الثناء.\rكيفيتها في المذاهب:\rالحنفية (4) :\r-------------------------------\r(1) رواه أحمد والنسائي وغيرهما.\r(2) حديث صحيح رواه أبو داود بإسناد صحيح على شرط البخاري ومسلم، إلا أنه قال: وعمر أو عثمان. ورواه البخاري ومسلم عن ابن عباس وجابر: قالا: « لم يكن يؤذن يوم الفطر والأضحى ».\r(3) رواه الشافعي بإسناد ضعيف مرسلاً. ويغني عن هذا الحديث الضعيف القياس على صلاة الكسوف، فقد روى البخاري ومسلم عن عائشة، وعبد الله بن عمرو بن العاص أنه صلّى الله عليه وسلم أمر منادياً ينادي لما كسفت الشمس: « الصلاة جامعة » ( المجموع: 17/5 ) والشرح الصغير: 191/2 .\r(4) اللباب: 117/1 ومابعدها، مراقي الفلاح: ص90، فتح القدير: 425/1 - 427، تبيين الحقائق: 225/1، الدر المختار: 779/1 - 782، البدائع: 277/1 ومابعدها، الفتاوى الهندية: 141/1.....","part":2,"page":521},{"id":1213,"text":"ينادى ( الصلاة جامعة )، ثم ينوي المصلي إماماً أو مقتدياً صلاة العيد بقلبه ولسانه قائلاً: ( أصلي صلاة العيد لله تعالى ) إماماً للإمام، ومقتدياً للمؤتمين، ثم يكبر تكبيرة الإحرام ثم يضع يديه تحت سرته، ثم يقرأ الإمام والمؤتم الثناء: (سبحانك اللّهم وبحمد ك..الخ)، ثم يكبر الإمام والقوم ثلاثاً تسمى تكبيرات الزوائد، لزيادتها على تكبيرة الإحرام والركوع، رافعاً يديه في كل منها، ثم يرسلها، ويسكت بعد كل تكبيرة مقدار ثلاث تسبيحات، ولا يسن ذِكْر معين، ولابأس بأن يقول: (سبحان الله والحمد لله ، ولا إله إلا الله ، والله أكبر)، ثم توضع اليدان تحت السرة.\rثم يتعوذ الإمام ويسمي سراً، ثم يقرأ جهراً الفاتحة، وسورة بعدها، وندب أن تكون سورة {الأعلى} [الأعلى:6/87] تماماً، ثم يركع الإمام والقوم.\rفإذا قام للركعة الثانية: ابتدأ بالبسملة، ثم بالفاتحة، ثم بالسورة ليوالي بين القراءتين، وهو الأفضل عندهم، وندب أن تكون سورة {الغاشية} [الغاشية:1/88] (1) .\rثم يكبر الإمام والقوم تكبيرات الزوائد ثلاثاً مع رفع اليدين كما في الركعة الأولى، لأثر ابن مسعود، قال: «يكبر تكبيرة، ويفتتح به الصلاة، ثم يكبر بعدها ثلاثاً، ثم يقرأ، ثم يكبر تكبيرة، يركع بها، ثم يسجد، ثم يقوم، فيقرأ، ثم يكبر ثلاثاً، ثم يكبر تكبيرة، يركع بها» (2) ، ثم تتم الركعة الثانية إلى السلام.\r-------------------------------\r(1) رواه أبو حنيفة يرفعه إلى النبي صلّى الله عليه وسلم: « كان يقرأ في العيدين ويوم الجمعة بسبح اسم ربك الأعلى، وهل أتاك حديث الغاشية » ورواه مرة في العيدين فقط. ورواه أحمد عن سمرة في العيدين ( نيل الأوطار: 296/3 ).\r(2) رواه الطحاوي في الآثار: ص40 (نصب الراية: 214/2 في الحاشية).","part":2,"page":522},{"id":1214,"text":"فإن قدم التكبيرات في الثانية على القراءة جاز، وكذا إذا كبر زيادة على الثلاث إلى ست عشرة تكبيرة، فإذا زاد لا يلزم المؤتم المتابعة.\rوإن نسي الإمام التكبيرات وركع، فإنه يعود ويكبر، ولا يعيد القراءة، ويعيد الركوع.\rأما المسبوق الذي سبقه الإمام: فإن كان قبل التكبيرات الزوائد، يتابع الإمام على مذهبه، ويترك رأيه. وإن أدركه بعدما كبر الإمام الزوائد وشرع في القراءة، فإنه يكبر تكبيرة الافتتاح، ويأتي بالزوائد برأي نفسه لا برأي الإمام؛ لأنه مسبوق.\rوإن أدرك الإمام في الركوع: فإن لم يخف فوت الركعة مع الإمام، يكبر للافتتاح قائماً، ويأتي بالزوائد، ثم يتابع الإمام في الركوع. وإن خاف إن كبر أن يرفع الإمام رأسه من الركوع، كبر للافتتاح، ثم كبر للركوع، وركع؛ لأنه لو لم يركع يفوته الركوع والركعة، وهذا لايجوز. ثم إذا ركع يكبر تكبيرات العيد في الركوع عند أبي حنيفة ومحمد؛ لأن للركوع حكم القيام. وقال أبو يوسف. لا يكبر؛ لأنه فات عن محله، وهو القيام، فيسقط كالقنوت.\rوعلى الرأي الأول الراجح: إن أمكنه الجمع بين التكبيرات والتسبيحات جمع بينهما، وإن لم يمكنه الجمع بينهما يأتي بالتكبيرات دون التسبيحات؛ لأن التكبيرات واجبة، والتسبيحات سنة، والاشتغال بالواجب أولى. فإن رفع الإمام رأسه من الركوع قبل أن يتمها رفع رأسه؛ لأن متابعة الإمام واجبة، وسقط عنه ما بقي من التكبيرات؛ لأنه فات محلها.","part":2,"page":523},{"id":1215,"text":"هذا إذا أدرك الإمام في الركعة الأولى. فإن أدركه في الركعة الثانية، كبر للافتتاح، وتابع إمامه في الركعة الثانية، فإذا فرغ الإمام من صلاته، قام إلى قضاء\rما سبق به، متبعاً رأي نفسه؛ لأنه منفرد فيما يقضي، بخلاف اللاحق؛ لأنه في الحكم كأنه خلف الإمام.\rوتقدم صلاة العيد على صلاة الجنازة إذا اجتمعتا، وتقدم صلاة الجنازة على الخطبة.\rالمالكية (1) :\rكالحنفية في أداء صلاة العيد ركعتين جهراً بلا أذان ولا إقامة، واستحباب قراءة {سبح} [الأعلى:87] ونحوها، وسورة {والشمس} [الشمس:91] ونحوها، إلا أن التكبير في الركعة الأولى ست بعد تكبيرة الإحرام، وفي الثانية خمس غير تكبيرة القيام، قبل القراءة ندباً، فإن أخر التكبير عن القراءة صح، وخالف المندوب. ولا يتبع المؤتم الإمام في التأخير عن القراءة ولا في الزيادة عن هذا القدر. ودليلهم على عدد التكبير عمل أهل المدينة، وقول ابن عمر: «شهدت الأضحى والفطر مع أبي هريرة، فكبر في الأولى سبع تكبيرات قبل القراءة، وفي الآخرة خمساً قبل القراءة» .\rويندب موالاة التكبير إلا الإمام فيندب له الانتظار بعد كل تكبيرة، حتى يكبر المقتدون به، ويرفع يديه في تكبيرة الإحرام فقط، ولا يرفع يديه مع التكبيرات في المشهور، ويكره الرفع. ويسكت المكبر. ويكره أن يقول شيئاً من تسبيح أو تحميد أو تهليل أو غيرها.\rوالتكبيرات سنة مؤكدة، فلو نسي الإمام شيئاً منها، وتذكره في أثناء قراءته أوبعدها، كبَّر، ما لم يركع، وأعاد القراءة، وسجد بعد السلام سجود السهو، لزيادة القراءة الأولى.\r-------------------------------\r(1) الشرح الصغير: 525/1 ومابعدها، الشرح الكبير: 397/1، 400، القوانين الفقهية: ص86، بداية المجتهد: 209/1 ومابعدها.","part":2,"page":524},{"id":1216,"text":"وإن تذكره بعد أن ركع، استمرَ في صلاته وجوباً، ولا يرجع له، إذ لا يرجع من فرض لنفل، وإلا بطلت الصلاة، ويسجد الإمام للسهو ولو لترك تكبيرة واحدة، إذ كل تكبيرة منها سنة مؤكدة. وأما المؤتم فالإمام يحمله عنه.\rوإذا لم يسمع المقتدي تكبير الإمام تحرّى تكبيره وكبر.\rوالمسبوق: لا يكبر ما فاته أثناء تكبير الإمام، ويكمل ما فاته بسبب تأخر اقتدائه بعد فراغ الإمام منه، وإذا اقتدى بالإمام أثناء القراءة بعد التكبير، فإنه يأتي بالتكبير بعد إحرامه، سواء في الركعة الأولى أو الثانية. ويأتي بست تكبيرات في الأولى، وبخمس في الثانية. وإذا فاتته الركعة الأولى يقضيها ستاً غير تكبيرة القيام، وإن أدرك مع الإمام أقل من ركعة، قضى ركعتين بعد سلام الإمام، يكبر في الأولى ستاً، وفي الثانية خمساً.\rالشافعية (1) :\rهم كالحنفية في دعاء الافتتاح والتعوذ والجهر بالقراءة، إلا أن التكبير عندهم سبع في الأولى، خمس في الثانية، قبل القراءة مع رفع اليدين في الجميع، يقف بين كل ثنتين كآية معتدلة، يهلل ويكبر ويمجِّد (أي يعظم الله )، واضعاً يمناه على يسراه بينهما، تحت صدره، ويحسن في ذلك الباقيات الصالحات: ( سبحان الله والحمد لله ، ولا إله إلا الله ، والله أكبر) (2) ثم يتعوذ ويقرأ. والتكبير ليس فرضاً ولا بعضاً من أبعاض الصلاة، وإنما هو سنة أو هيئة كالتعوذ ودعاء الافتتاح، فلا يسجد للسهو لتركهن عمداً ولا سهواً، وإن كان الترك لكلهن أو بعضهن مكروهاً.\rولو نسيها المصلي وتذكرها قبل الركوع، وشرع في القراءة، ولو لم يتم الفاتحة، لم يتداركها، وفاتت في المذهب الجديد لفوات محله، فلو عاد لم تبطل صلاته، ولو عاد إلى القيام في الركوع أوبعده ليكبر، فإن صلاته تبطل إن كان عالماً متعمداً. والجهل كالنسيان.\r-------------------------------\r(1) مغني المحتاج: 310/1-311، المهذب: 120/1، المجموع: 18/5 ومابعدها.\r(2) ولو قال مااعتاده الناس وهو: ( الله أكبر تكبيراً، والحمد لله ؛كثيراً، وسبحان الله بكرة وأصيلاً، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم تسليماً كثيراً ) لكان حسناً، ولايأتي به بعد التكبيرة السابقة، وإنما يتعوذ ويقرأ الفاتحة كغيرها من الصلوات.","part":2,"page":525},{"id":1217,"text":"ولو زاد الإمام عن عدد التكبير لا يتابعه المأموم، وإذا ترك الإمام التكبير تابعه المأموم في تركه، فإن فعل بطلت صلاته إذا رفع يديه ثلاث مرات متوالية؛ لأنه فعل كثير تبطل به الصلاة، وإلا فلا تبطل. وإذا كبر الإمام أقل من هذا العدد تابعه المؤتم. والمسبوق ببعض الصلاة يكبر إذا فرغ من قضاء ما فاته.\rودليلهم على عدد التكبير: ما رواه الترمذي وحسنه (1) : «أنه صلّى الله عليه وسلم كبَّر في العيدين في الأولى سبعاً قبل القراءة، وفي الثانية خمساً قبل القراءة» .\rودليلهم على التسبيح والتحميد بين التكبيرات: ما رواه البيهقي عن ابن مسعود قولاً وفعلاً، وقال أبو موسى الأشعري وحذيفة: صدق. وهي الباقيات الصالحات، قال تعالى: {والباقيات الصالحات خير عند ربك ثواباً وخير أملاً} [الكهف:18/46] وهي عند ابن عباس وجماعة.\rودليلهم على رفع اليدين: ما روي أن عمر رضي الله عنه «كان يرفع يديه في كل تكبيرة في العيد» (2) .\rوالسنة أن يقرأ بعد الفاتحة في الركعة الأولى: { ق } [ق:1/50] ، وفي الثانية: {اقتربت} [القمر:54/1]، بكمالهما جهراً، بدليل ما رواه أبو واقد الليثي: «كان رسول الله صلّى الله عليه وسلم يقرأ في الفطر والأضحى بـ { ق والقرآن المجيد} [ق:50/1]، و { اقتربت الساعة} [القمر:54/1] (3) ، والجهر بالقراءة لنقل الخلف عن السلف.\rولو قرأ في الأولى: {سبح اسم ربك الأعلى} [الأعلى:87/1]، وفي الثانية: {هل أتاك حديث الغاشية} [الغاشية:1/88]، كان سنة أيضاً، لثبوته أيضاً في صحيح مسلم. وله أن يقرأ أيضاًَ في الأولى (الكافرون) [الكافرون:109/1] وفي الثانية (الإخلاص) [الإخلاص:112].\r-------------------------------\r(1) عن كثير بن عبد الله عن أبيه عن جده، ورواه ابن ماجه، ولم يذكر القراءة ورواه أيضاً أبو داود بإسناد حسن عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده (نيل الأوطار: 297/3).\r(2) رواه البيهقي في حديث مرسل عن عطاء، ورواه في السنن عن عمر بإسناد منقطع وضعيف.\r(3) رواه الجماعة إلا البخاري، وأبو واقد: اسمه الحارث بن عوف (نيل الأوطار: 296/3، المجموع: 19/5-20).","part":2,"page":526},{"id":1218,"text":"الحنابلة (1) :\rهم كالجمهور غير المالكية في دعاء الافتتاح والتعوذ قبل القراءة، وكالمالكية في عدد التكبير: في الأولى ستاً زوائد، وفي الثانية خمساً، لما روى أحمد عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: «أن النبي صلّى الله عليه وسلم كبر في عيد ثنتي عشرة تكبيرة، سبعاً في الأولى، وخمساً في الآخرة» (2) وعدوا السبع مع تكبيرة الإحرام، خلافاً للشافعية.\rويرفع يديه مع كل تكبيرة، لحديث وائل بن حجر: «أنه صلّى الله عليه وسلم كان يرفع يديه في التكبير» ويقول بين كل تكبيرتين زائدتين: «الله أكبر كبيراً، والحمد لله كثيراً، وسبحان الله بكرة وأصيلاً، وصلى الله على محمد وآله وسلم تسليماً كثيراً» لحديث ابن مسعود السابق في رأي الشافعية. وإن أحب قال غير ذلك من الذكر؛ إذ ليس فيه ذِكْر مؤقت أي محدود. ولا يأتي بعد التكبيرة الأخيرة في الركعتين بذكر أصلاً.\rوالتكبير والذكر بين التكبيرات كما قال الشافعية: سنة، وليس بواجب، ولا تبطل الصلاة بتركه عمداً ولا سهواً. فإن نسي التكبير وشرع في القراءة، لم يعد إليه، لأنه سنة فات محلها، كما لو نسي الاستفتاح أو التعوذ، حتى شرع في القراءة، أو نسي قراءة سورة حتى ركع.\r-------------------------------\r(1) المغني:376/2-384، 396، كشاف القناع: 59/2-61، 63، 65.\r(2) قال الترمذي: حديث حسن، وهو أحسن حديث في الباب، ورواه ابن ماجه، وصححه ابن المديني. وفي رواية: «التكبير سبع في الأولى، وخمس في الآخرة، والقراءة بعدهما كلتيهما» رواه أبو داود والدارقطني. وقال أحمد: اختلف أصحاب النبي صلّى الله عليه وسلم في التكبير، وكله جائز، وقال ابن الجوزي: ليس يروى عن النبي صلّى الله عليه وسلم في التكبير في العيدين حديث صحيح.","part":2,"page":527},{"id":1219,"text":"كذلك لا يأتي بالتكبير إن أدرك الإمام قائماً بعد التكبير الزائد أو بعضه، لفوات محله، كما لو أدرك الإمام راكعاً. والمسبوق ولو بنوم أو غفلة ببعض صلاته يكبر إذا فرغ من قضاء ما فاته، وهو قول أكثر أهل العلم، ويعمل في القضاء بمذهبه، ودليلهم عموم قوله صلّى الله عليه وسلم : «ما أدركتم فصلوا، ومافاتكم فاقضوا» .\rويقرأ في الركعة الأولى بعد الفاتحة بسبح، وفي الثانية بعد الفاتحة بالغاشية لحديث سمرة بن جندب «أن النبي صلّى الله عليه وسلم كان يقرأ في العيدين بسبح اسم ربك الأعلى، وهل أتاك حديث الغاشية» (1) ؛لأن في سورة {الأعلى} [الأعلى:87] حثاً على الصدقة والصلاة في قوله {قد أفلح من تزكى، وذكر اسم ربه فصلى} [الأعلى:87/14-15] (2) .\rويجهر بالقراءة، لما روى الدارقطني عن ابن عمر قال: «كان النبي صلّى الله عليه وسلم يجهر بالقراءة في العيدين والاستسقاء» .\rسادساً ـ خطبة العيد:\rتسن عند الجمهور وتندب عند المالكية خطبتان للعيد كخطبتي الجمعة في الأركان والشروط والسنن والمكروهات، بعد صلاة العيد خلافاً للجمعة، بلا خلاف بين المسلمين، يذكِّر الإمام في خطبة عيد الفطر بأحكام زكاة الفطر (3) ،\r-------------------------------\r(1) رواه أحمد ولابن ماجه من حديث ابن عباس والنعمان بن بشير مثله، وروي عن عمر وأنس.\r(2) هكذا فسره سعيد بن المسيب وعمر بن عبد العزيز.\r(3) اللباب: 118/1-119، مراقي الفلاح: ص91، تبيين الحقائق: 226/1، الفتاوى الهندية: 141/1، فتح القدير: 428/1 ومابعدها، الدر المختار:782/1-784، الشرح الصغير: 530/1، الشرح الكبير: 400/1، القوانين الفقهية: ص86، مغني المحتاج: 311/1 ومابعدها، المهذب: 120/1، المجموع: 36/5، المغني:384/2-387، كشاف القناع: 61/2-62.","part":2,"page":528},{"id":1220,"text":"لقوله صلّى الله عليه وسلم : «أغنوهم عن السؤال في هذا اليوم» (1) ، وفي عيد الأضحى بأحكام الأضحية وتكبيرات التشريق ووقوف الناس بعرفة وغيرها، تشبهاً بالحجاج، وما يحتاجون إليه في يومهم، ويحسن تعليمهم ذلك في خطبة الجمعة السابقة على العيد. وإذا صعد على المنبر لا يجلس عند الحنفية، ويجلس عند الحنابلة والمالكية والشافعية ليستريح.\rودليل سنية الخطبة: التأسي بالنبي صلّى الله عليه وسلم وبخلفائه الراشدين فلا يجب حضورها ولا استماعها، لما روى عطاء عن عبد الله بن السائب قال: «شهدت مع النبي صلّى الله عليه وسلم العيد، فلما انقضت الصلاة، قال: إنا نخطب، فمن أحب أن يجلس للخطبة، فليجلس، ومن أحب أن يذهب فليذهب» (2) ولو ترك الخطبة جازت صلاة العيد.\rوكونها بعد الصلاة اتباعاً للسنة أيضاً، فإن ابن عمر قال: «إن النبي صلّى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر وعثمان كانوا يصلون العيدين قبل الخطبة» (3) فلو خطب الإمام قبل الصلاة صح عند الحنفية وأساء، لترك السنة، لأن التأخير سنة.\rويبدأ الخطيب خطبته بالتكبير، كما يكبر في أثنائها، من غير تحديد عند المالكية، وقيل عندهم: سبعاً في أولها. وعند الجمهور: يكبر في الخطبة الأولى تسع تكبيرات متوالية، وفي الثانية: يكبر في الثانية بسبع متوالية أيضاً، لما روى سعيد بن منصور عن عبيد الله بن عتبة، قال: «كان يكبر الإمام يومي العيد قبل أن\r-------------------------------\r(1) انظر كشاف القناع: 62/2 .\r(2) رواه ابن ماجه، وإسناده ثقات، وأبو داود والنسائي، وقالا: مرسل (نيل الأوطار:305/3).\r(3) متفق عليه. وروى الشيخان أيضاً عن أبي سعيد: «كان النبي صلّى الله عليه وسلم يخرج يوم الفطر والأضحى إلى المصلى وأول شيء يبدأ به الصلاة، ثم ينصرف مقابل الناس، والناس جلوس على صفوفهم، فيعظهم ويوصيهم ويأمرهم..» (نيل الأوطار: 303/3).","part":2,"page":529},{"id":1221,"text":"يخطب تسع تكبيرات، وفي الثانية: سبع تكبيرات» ويستحب عند الحنفية أيضاً أن يكبر الإمام قبل نزوله من المنبر أربع عشرة مرة، ويندب للإمام بعد فراغه من الخطبة أن يعيدها لمن فاته سماعها، ولو نساء، اتباعاً للسنة، رواه الشيخان.\rويلاحظ أن الخطب المشروعة عشر: خطبة الجمعة، والعيدين، والكسوفين، والاستسقاء، والزواج، وأربع في الحج عند الشافعية، وثلاث عند الحنفية، وكلها بعد الصلاة إلا خطبتي الجمعة وعرفة فقبلها، وخطبة الزواج لا تقترن بصلاة، وكل منها ثنتان إلا الثلاثة الباقية في الحج عند الشافعية ما عدا خطبة عرفة، وخطبة النكاح، ففرادى، ويبدأ بالتحميد في ثلاث: خطبة الجمعة والاستسقاء والزواج، ويبدأ بالتكبير في خمس أوست: خطبة العيدين، وثلاث أو أربع خطب الحج. إلا التي بمكة وعرفة، يبدأ فيها بالتكبير ثم بالتلبية، ثم بالخطبة.\rوتختلف خطبة العيد عن خطبة الجمعة في أمور:\rمنها ـ أن خطبة الجمعة تكون قبل الصلاة، وخطبة العيد بعد الصلاة، فإذا قدمها لم تصح عند غير الحنفية، ويندب إعادتها بعد الصلاة. ومنها ـ أن خطبتي الجمعة تبدآن بالحمد لله ، وهو شرط أو ركن عند الشافعية والحنابلة، سنة عند الحنفية، مندوب عند المالكية، أما خطبتا العيدين فيسن افتتاحهما بالتكبير.\rومنها ـ يسن بالمستمع خطبة العيد عند الحنفية والحنابلة والمالكية أن يكبر سراً عند تكبير الخطيب، أما خطبة الجمعة فيحرم الكلام فيها، ولو ذكراً عند الجمهور، وقال الحنفية: لا يكره الذكر في خطبة الجمعة والعيد على الأصح. ويحرم الكلام غير التكبير عند الحنابلة في كل من خطبة العيد والجمعة.","part":2,"page":530},{"id":1222,"text":"وقال الشافعية: الكلام مكروه لا محرم في خطبة الجمعة والعيد، ولا يكبر الحاضرون في حال الخطبة، بل يستمعونها. ومنها ـ أن الخطيب عند الحنفية خلافاً للجمهور لايجلس إذا صعد المنبر، ويجلس في خطبة الجمعة.\rومنها ـ أن الخطيب عند المالكية إذا أحدث في أثناء خطبة العيد يستمر ولا يستخلف، بخلاف خطبة الجمعة، فإنه إذا أحدث فيها يستخلف.\rومنها ـ أن خطبة العيد عند الشافعية لا يشترط فيها شروط خطبة الجمعة من قيام وطهارة وستر عورة وجلوس بين الخطبتين، وإنما يسن ذلك فقط.\rسابعاً ـ حكم التكبير في العيدين:\rاتفق الفقهاء على مشروعية التكبير في العيدين في الغدو إلى الصلاة، وفي إدبار الصلوات أيام الحج. أما التكبير في الغدو إلى صلاة العيد: فقال أبو حنيفة (1) : يندب التكبير سراً في عيد الفطر في الخروج إلى المصلى لحديث «خير الذكر الخفي، وخير الرزق ما يكفي» (2) ، ويقطعه إذا انتهى إلى المصلى في رواية، وفي رواية: إلى الصلاة. وقال الصاحبان: يكبر جهراً، واتفقوا على التكبير جهراً في عيد الأضحى في الطريق.\rوقال الجمهور (3) : يكبر في المنازل والمساجد والأسوق والطرق أي عند الغدو إلى الصلاة جهراً، إلى أن تبدأ الصلاة، وعند الحنابلة: إلى فراغ الخطبة، وهو في الفطر آكد من تكبير ليلة الأضحى لقوله تعالى: {ولتكملوا العدة، ولتكبروا الله على ما هداكم، ولعلكم تشكرون} [البقرة:185/2] ولما فيه من إظهار شعائر الإسلام، وتذكير الغير.\r-------------------------------\r(1) فتح القدير: 423/1، الفتاوى الهندية: 142/1، مراقي الفلاح: ص90، اللباب: 117/1، الدر المختار: 784/1-785.\r(2) رواه أحمد وابن حبان والبيهقي في شعب الإيمان عن سعد.\r(3) الشرح الصغير: 529/1، القوانين الفقهية: ص86، المجموع: 36/5-37. مغني المحتاج: 314/1 ومابعدها، كشاف القناع: 63/2-64، المغني: 368/2، 369، 372-374، 393-595.","part":2,"page":531},{"id":1223,"text":"ويندب التكبير المطلق (وهو ما لا يكون عقب الصلاة) عند الشافعية والحنابلة: من غروب شمس ليلة عيد الفطر، لا ما قبلها: ولا يسن التكبير المقيد (وهو المفعول عقب الصلاة) ليلة الفطر عند الحنابلة وفي الأصح عند الشافعية، لعدم وروده.\rوصيغة التكبير:\rعند الحنفية والحنابلة شفعاً: ( الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله ، والله أكبر،الله أكبر (ثنتين)، ولله الحمد ) عملاً بخبر جابر عن النبي صلّى الله عليه وسلم الآتي، وهو قول الخليفتين الراشدين، وقول ابن مسعود.\rوصيغته عند المالكية والشافعية في الجديد ثلاثاً: ( الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر )، وهذا هو الأحسن عند المالكية، فإن زاد ( لا إله إلا الله ، والله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد ) فهو حسن، عملاً بما ورد عن جابر وابن عباس رضي الله عنهم، ويستحب أن يزيد عند الشافعية بعد التكبيرة الثالثة:( الله أكبر كبيراً، والحمد لله كثيراً، وسبحان الله بكرة وأصيلاً ) كما قاله النبي صلّى الله عليه وسلم على الصفا. ويسن أن يقول أيضاً بعد هذا: ( لا إله إلا الله ولا نعبد إلا إياه، مخلصين له الدين ، ولو كره الكافرون، لا إله إلا الله وحده، صدق وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده، لا إله إلا الله والله أكبر). وهذه الزيادة إن شاءها عند الحنفية، ويختمها بقوله: ( اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد، وعلى أصحاب محمد، وعلى أزواج محمد، وسلم تسليماً كثيراً ).\rوأما التكبير في إدبار الصلوات أيام الحج في عيد الأضحى:\rفقال الحنفية (1) :\rيجب على الرجال والنساء تكبير التشريق (2) في الأصح مرة، وإن زاد عليها يكون فضلاً، عقب كل فرض عيني بلا فصل يمنع البناء على الصلاة (كالخروج من المسجد أو الكلام أو الحدث عامداً) ويؤدى بجماعة أو منفرداً، ولو قضاء، ويكون التكبير للرجال جهراً، وتخافت المرأة بالتكبير، ولا يكبر عقب الوتر وصلاة العيد.\rومدته : من فجر يوم عرفة إلى عصر يوم العيد عند أبي حنيفة، وإلى صلاة العصر من آخر أيام التشريق عند الصاحبين، وبقولهما يفتى، فهي ثلاث وعشرون صلاة.\rوالتكبير واجب عقيب الصلوات المفروضات على كل من صلى المكتوبة، ولو منفرداً أو مسافراً أو مقتدياً؛ لأنه تبع لها، على المفتى به من قول الصاحبين. والمسبوق يكبر وجوباً كاللاحق، بعد قضاءما فاته من الصلاة مع الإمام، ولو ترك الإمام التكبير يكبر المقتدي.\rويبدأ المحرم بالتكبير، ثم بالتلبية (3) ،ولا يفتقر التكبير للطهارة، ولا لتكبير الإمام، فلو تركه الإمام كبر المقتدي.\r-------------------------------\r(1) الدر المختار: 784/1-787، تبيين الحقائق: 226/1 ومابعدها، اللباب: 119/1 ومابعدها، فتح القدير: 430/1-431.\r(2) التشريق: تقديم اللحم بالقائه في المشرقة تحت ضوء الشمس، وقد جرت العادة بتشريق لحوم أضاحي في الأيام الثلاثة بعد العيد، فسميت أيام التشريق، وأيام التشريق: هي الأيام المعدودات، أما الأيام المعلومات فهي أيام العشر من أول ذي الحجة.\r(3) ذكر في الدر المختار أن المحرم يبدأ بالتلبية.","part":2,"page":532},{"id":1224,"text":"ودليلهم على إيجاب التكبير ومدته: قوله تعالى: {واذكروا الله في أيام معدودات} [البقرة:203/2] وحديث جابر: «كان رسول الله صلّى الله عليه وسلم يكبر في صلاة الفجر يوم عرفة، إلى صلاة العصر، من آخر أيام التشريق، حين يسلِّم من المكتوبات» وفي لفظ: «كان رسول الله صلّى الله عليه وسلم إذا صلى الصبح من غداة عرفة، أقبل على أصحابه، فيقول: على مكانكم، ويقول: الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله ، والله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد، فيكبر من غداة عرفة إلى صلاة العصر، من آخر أيام التشريق» (1) .\r-------------------------------\r(1) رواه الدارقطني، وفيه جابر الجعفي سيء الحال، وعمرو بن شمر أسوأ حالاً منه، بل هو من الهالكين (نصب الراية: 223/2 ومابعدها) والأصح أن صيغة التكبير مأثورة عن ابن مسعود عند ابن أبي شيبة، بسند جيد. وقال الصنعاني في (سبل السلام: 72/2): وأما صفة التكبير فأصح ماورد فيه: مارواه عبد الرزاق عن سلمان بسند صحيح قال: «كبروا، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر كبيراً» ، وقد روي عن سعيد بن جبير ومجاهد وابن أبي ليلى، وقول للشافعي، وزاد فيه «ولله الحمد» .","part":2,"page":533},{"id":1225,"text":"وقال المالكية (1) :\rيندب للجماعة والفرد التكبير إثر كل صلاة من الصلوات المكتوبات من خمس عشرة فريضة وقتية، من ظهر يوم النحر إلى صبح اليوم الرابع، لقوله تعالى: {ويذكروا اسم الله في أيام معلومات} [الحج:28/22] وهذا الخطاب وإن كان مقصوداً به أهل الحج، فإن الجمهور رأوا أنه يعم الحجاج وغيرهم، وتلقى الناس ذلك بالعمل، والناس تبع للحجيج وهم يكبرون من الظهر.\rولا يكبر بعد نافلة، ولا مقضية من الفرائض، وإن نسي التكبير كبَّر إذا تذكر إن قرب الزمن، لا إن خرج من المسجد أو طال عرفاً. وكبّر مؤتم ندباً ترك إمامه التكبير، وندب تنبيه الناسي ولو بالكلام.\r-------------------------------\r(1) بداية المجتهد: 213/1، الشرح الصغير:531/1، القوانين الفقهية: ص86، الشرح الكبير: 401/1.","part":2,"page":534},{"id":1226,"text":"وقال الشافعية في الأظهر (1) :\rيكبّر الحاج عقب الصلوات من ظهر النحر، لأنها أول صلاته بمنى ووقت انتهاء التلبية ويختم بصبح آخر التشريق لأنها آخر صلاة يصليها بمنى، كما قال المالكية؛ وغير الحاج كالحاج في الأظهر والمشهور في المذهب؛ لأن الناس تبع للحجيج، ولإطلاق حديث مسلم: «أيام منى أيام أكل وشرب وذكر الله تعالى» وقيل: من صبح عرفة إلى عصر آخر التشريق، والعمل على هذا في الأمصار، وصح من فعل عمر وعلي وابن مسعود وابن عباس رضي الله عنهم، واختاره النووي، وقال: إنه الأصح. ولا يكبر الحاج ليلةالأضحى، بل يلبي؛ لأن التلبية شعاره، والمعتمر يلبي إلى أن يشرع في الطواف.\rوالأظهر أنه يُكَّبر في هذه الأيام للفائتةوالراتبة والمنذورة والنافلة المطلقة أو المقيدة، وذات السبب كتحية المسجد؛ لأنه شعار الوقت.\rوالتكبير سنة في العيدين في المنازل والطرق والمساجد والأسواق برفع الصوت، لما روى نافع عن عبد الله بن عمر أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم كان يخرج في العيدين مع الفضل بن عباس وعبد الله بن عباس، وعلي وجعفر، والحسن والحسين وأسامة بن زيد وزيد بن حارثة وأيمن بن أم أيمن، رافعاً صوته بالتهليل والتكبير، ويأخذ طريق الحدادين حتى يأتي المصلَّى (2) .\rويكبر لرؤية الأنعام (وهي الإبل والبقر والغنم) في الأيام المعلومات وهي عشر ذي الحجة، لقوله تعالى: {ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام} [الحج:28/22] .\r-------------------------------\r(1) مغني المحتاج: 314/1، المهذب: 121/1، المجموع:24/5-42.\r(2) المصلى: مكان صحراوي كان قرب المدينة، قرب المسجد النبوي الشريف، وقد دخل الآن في مبانيها، وأقيم فيه مسجد الغمامة الآن.","part":2,"page":535},{"id":1227,"text":"وقال الحنابلة (1) :\rيسن التكبير مطلقاً في العيدين، ويسن إظهاره في المساجد والمنازل والطرق، حضراً وسفراً، في كل موضع يجوز فيه ذكر الله ، ويسن الجهر به لغير أنثى، من كل من كان من أهل الصلاة من مميز وبالغ، حر أوعبد، ذكر أو أنثى، من أهل القرى والأمصار، عقب كل فريضة ولو مقضية، تصلى في جماعة في المشهور، في ثلاث وعشرين فريضة من فجر يوم عرفة إلى عصر آخر أيام التشريق، لحديث جابر السابق أن النبي صلّى الله عليه وسلم صلى الصبح يوم عرفة، وأقبل علينا، فقال: «الله أكبر، الله أكبر» ومد التكبير إلى العصر من آخر أيام التشريق (2) ، وفي بعضها «الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله ، والله أكبر، ولله الحمد» . والمسافر كالمقيم، والحاج المحرم كغير الحاج في مدة التكبير؛ لأنه قبل ذلك مشغول بالتلبية، ويبدأ بالتكبير ثم يلبي. لأن التكبير من جنس الصلاة.\rولا يكبر من صلى وحده، لقول ابن مسعود: «إنما التكبير على من صلى جماعة» (3) ، ولأنه ذكر مختص بوقت العيد، فأشبه الخطبة.\rويكبر مأموم نسي إمامه التكبير ليحوز الفضيلة، كقول: آمين.\rويأتي بالتكبير الإمام مستقبل الناس، لحديث جابر السابق أن النبي صلّى الله عليه وسلم «كان يقبل بوجهه على أصحابه، ويقول: على مكانكم، ثم يكبر» ويكبر غير الإمام مستقبل القبلة؛ لأنه ذكر مختص بالصلاة، أشبه الأذان والإقامة. ويجزئ التكبير مرة واحدة، وإن زاد على مرة فلا بأس، وإن كرره ثلاثاً فحسن. والأولى أن يُكبَّر عقب صلاة العيد؛ لأنها صلاة مفروضة في جماعة، فأشبهت صلاة الفجر، ولأن هذه الصلاة أخص بالعيد، فكانت أحق بتكبيره.\rويستحب التكبير أيضاً في أيام العشر من ذي الحجة وهي الأيام المعلومات، لقوله تعالى: {ويذكروا اسم الله في أيام معلومات} [الحج:28/22] .\r-------------------------------\r(1) كشاف القناع: 63/2-67، المغني: 393/2-398.\r(2) أخرجه الدارقطني من طرق، وقد بينا ضعفه.\r(3) رواه ابن المنذر.","part":2,"page":536},{"id":1228,"text":"ثامناً ـ سنن العيد أو مستحباته أو وظائفه:\rيستحب في مقدمات عيد الأضحى الاجتهاد في عمل الخير، أيام عشر ذي الحجة، من ذِكْر الله تعالى والصيام والصدقة وسائر أعمال البر؛ لأنها أفضل الأيام، لحديث «مامن أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله عز وجل من هذه الأيام،يعني أيام العشر، قالوا: يا رسول الله ، ولا الجهاد في سبيل الله ؟ قال: ولا الجهاد في سبيل الله ، إلا رجل خرج بنفسه وماله، ثم لم يرجع بشيء من ذلك» (1) .\rويندب الامتناع عن تقليم الأظفار وحلق الرأس في عشر ذي الحجة، لما ورد في صحيح مسلم، قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم : «إذا دخل العشر، وأراد بعضكم أن يضحي، فلا يأخذن شعراً، ولا يقلمن ظفراً» .\rويندب في العيد عدا التكبير ما يأتي (2) :\r1ً - إحياء ليلتي العيد بطاعة الله تعالى أي بالعبادة من ذكر وصلاة وتلاوة قرآن، وتكبير وتسبيح واستغفار، ويحصل ذلك بالثلث الأخير من الليل، والأولى إحياء الليل كله، لقوله صلّى الله عليه وسلم :\r-------------------------------\r(1) رواه الجماعة إلا مسلماً والنسائي عن ابن عباس رضي الله عنهما (نيل الأوطار: 312/3).\r(2) مراقي الفلاح:89/1 ومابعدها، تبيين الحقائق: 224/1 ومابعدها، فتح القدير: 423/1،429، الفتاوى الهندية: 140/1، الدر المختار: 776/1 ومابعدها، اللباب: 116/1 ومابعدها، الشرح الصغير: 527/1-531، مغني المحتاج: 312/1 ومابعدها، المهذب: 119/1، المغني: 369/2-374، 389،399، كشاف القناع: 56/2-58.","part":2,"page":537},{"id":1229,"text":"«من أحيا ليلة الفطر وليلة الأضحى محتسباً، لم يمت قلبه يوم تموت القلوب» (1) .\rويقوم مقام ذلك: صلاة العشاء والصبح في جماعة.\rوالدعاء في ليلتي العيد مستجاب، فيستحب كما يستحب في ليلة الجمعة وليلتي أول رجب ونصف شعبان.\r2ً - الغسل والتطيب والاستياك ولبس الرجال أحسن الثياب، قياساً على الجمعة، وإظهاراً لنعمة الله وشكره. ويدخل وقت الغسل عند الشافعية بنصف الليل، وعند المالكية: بالسدس الأخير من الليل، ويندب كونه بعد صلاة الصبح، وعند الحنفية والحنابلة بعد الصبح قبل الذهاب إلى المصلى، وهو غسل عند الحنفية للصلاة؛ لأنه صلّى الله عليه وسلم كان يغتسل يوم الفطر ويوم النحر (2) ، وكان علي وعمر رضي الله عنهما يغتسلان يوم العيد.\rوكان عليه السلام يتطيب يوم العيد، ولو من طيب أهله. وكان للنبي صلّى الله عليه وسلم بردة حمراء يلبسها يوم العيد (3) . وتخرج النساء كما بينا ببذلة بلا طيب خشية الافتتان بها.\rويتنظف ويتزين بإزالة الظفر والريح الكريهة كالجمعة، والإمام بذلك آكد؛ لأنه منظور إليه من بين سائر الناس.\r3ً - تبكير المأموم ماشياً إن لم يكن عذر إلى الصلاة بعد صلاة الصبح ولو قبل الشمس بسكينة ووقار: ليحصل له الدنو من الإمام من غير تخط للرقاب، وانتظار الصلاة فيكثر ثوابه، لقول علي: «من السنة أن يخرج إلى العيد ماشياً» (4) ، ولأن النبي صلّى الله عليه وسلم ما ركب في عيد ولا جنازة.\rوأما الإمام فيسن له التأخر إلى وقت الصلاة، لحديث أبي سعيد عند مسلم: «كان النبي صلّى الله عليه وسلم يخرج يوم الفطر والأضحى إلى المصلى، فأول شيء يبدأ به: الصلاة» .\r\r-------------------------------\r(1) رواه الطبراني في الكبير عن عبادة بن الصامت، ورواه الدار قطني موقوفاً، قال النووي: وأسانيده ضعيفة. وأخرجه ابن ماجه عن أبي أمامة، وهو حديث حسن بلفظ: « من قام ليلتي العيد، محتسباً لله تعالى، لم يمت قلبه يوم تموت القلوب » .\r(2) رواه ابن ماجه عن ابن عباس، وهو ضعيف ( نصب الراية: 85/1 ).\r(3) رواه البيهقي عن ابن عباس، ورواه ابن عبد البر وابن خزيمة في صحيحه عن جابر: « كان للنبي حلة يلبسها في العيدين ويوم الجمعة ».\r(4) رواه الترمذي: وقال: العمل على هذا عند أكثر أهل العلم.","part":2,"page":538},{"id":1230,"text":"ولا بأس بالركوب في العود، لقول علي: «ثم تركب إذا رجعت» ؛ لأنه غير قاصد إلى قربة. وقال الحنفية: لا بأس بالركوب في الجمعة والعيدين، والمشي أفضل في حق من يقدر عليه.\rوعبر الحنفية عن هذا بمندوبين: التبكر: وهو سرعة الانتباه أول الوقت أو قبله لأداء العبادة بنشاط، والابتكار: وهو المسارعة إلى المصلى لينال فضيلته والصف الأول.\rويذهب الإمام وغيره ندباً إلى المصلى كمافي صلاة الجمعة من طريق، ويرجع من أخرى، اتباعاً للسنة، كما روى البخاري (1) لتشهد له الطريقان، أو لزيادة الأجر، ويخص الذهاب بأطولهما تكثيراً للأجر، ويرجع في أقصرهما.\rويندب للإمام الإسراع في الخروج إلى صلاة الأضحى والتأخر قليلاً في الخروج إلى صلاة الفطر، لما ورد مرسلاً من أمره صلّى الله عليه وسلم بذلك، وليتسع الوقت للتضحية ولإخراج الفطرة، كما سبق.\r4ً - أن يأكل في عيد الفطر قبل الصلاة، وأن يكون المأكول تمرات وتراً، ويؤخر الأكل في الأضحى حتى يرجع من الصلاة، والأكل في الفطر آكد من الإمساك في الأضحى، لحديث أنس: «كان رسول الله صلّى الله عليه وسلم لا يغدو يوم الفطر حتى يأكل تمرات» (2) وزاد في رواية منقطعة «ويأكلهن وتراً» وحديث بريدة: «أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم كان لا يخرج يوم الفطر حتى يأكل، وكان لا يأكل يوم النحر، حتى يصلي» (3) ليأكل من الأضحية إن ضحى، والأولى من كبدها؛ لأنه أسرع هضماً وتناولاً. فإن لم يضح خير عند الحنابلة بين الأكل قبل الصلاة وبعدها.\rويندب تأخير الأكل في الأضحى مطلقاً، ضحى أم لا.\r-------------------------------\r(1) رواه البخاري عن جابر أن النبي صلّى الله عليه وسلم «كان إذا خرج إلى العيد خالف الطريق» ورواه مسلم من حديث أبي هريرة.\r(2) رواه البخاري (نصب الراية: 208/2).\r(3) رواه الترمذي وابن ماجه ( المصدر السابق ).","part":2,"page":539},{"id":1231,"text":"5ً - أن يؤدي صدقة الفطر قبل خروج الناس إلى الصلاة، ولا بأس بأدائها قبل العيد بأيام، تمكيناً للفقير من الانتفاع بها في العيد، قال ابن عباس: فرض رسول الله صلّى الله عليه وسلم زكاة الفطر طُهرة للصائم من اللغو والرَّفَث، وطعْمه للمساكين، فمن أداها قبل الصلاة، فهي زكاة مقبولة، ومن أداها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات» (1) .\r6ً - التوسعة على الأهل، وكثرة الصدقة النافلة بحسب الطاقة زيادة عن عادته، ليغنيهم عن السؤال.\r7ً - إظهار البشاشة والفرح في وجه من يلقاه من المؤمنين، وزيارة الأحياء من الأرحامـ والأصحاب، إظهاراً للفرح والسرور، وتوثيقاً لرابطة الأخوة والمحبة.\r8ً - قال الحنفية: يندب صلاة الصبح في مسجد الحي، لقضاء حقه، ثم يذهب إلى المصلى. ورأى جمهور الفقهاء أنه يندب إيقاع الصلاة في المصلى في الصحراء لا في المسجد، والسنة عند الشافعية أيضاً أن تصلى صلاة العيد في المصلى إذا كان المسجد ضيقاً، وإلا فالمسجد أفضل، كما بينا في موضع صلاة العيد.\rتاسعاً ـ التنفل قبل العيد وبعده :\rللفقهاء رأيان: رأي الجمهور: لا يصلى قبل صلاة العيد ولا بعدها، وهو الأصح لدي، ورأي الشافعية: يصلى قبلها بعد ارتفاع الشمس لغير الإمام، وبعدها أيضاً. وتفصيل الآراء ما يأتي:\r-------------------------------\r(1) رواه أبو داود وابن ماجه والدارقطني والحاكم وصححه: ( نيل الأوطار: 4 / 184 ).","part":2,"page":540},{"id":1232,"text":"رأي الحنفية (1) :\rيكره التنفل قبل صلاة العيد مطلقاً في المصلى والبيت وبعدها في المصلى فقط، ويجوز في البيت، لحديث ابن عباس رضي الله عنهما: «خرج النبي صلّى الله عليه وسلم يوم عيد، فصلى ركعتين، لم يصل قبلهما ولا بعدهما» (2) وحديث أبي سعيد رضي الله عنه عن النبي صلّى الله عليه وسلم : «أنه كان لا يُصلِّي قبل العيد شيئاً، فإذا رجع إلى منزله صلى ركعتين» (3) .\r-------------------------------\r(1) فتح القدير: 424/1، الدر المختار: 777/1 ومابعدها، اللباب: 117/1، مراقي الفلاح: ص90.\r(2) رواه الجماعة (نيل الأوطار:300/3) ويؤيده حديث ابن عمر عند أحمد والترمذي وصححه، وللبخاري عن ابن عباس: أنه كره الصلاة قبل العيد.\r(3) رواه ابن ماجه وأحمد بمعناه (نيل الأوطار: 301/3).","part":2,"page":541},{"id":1233,"text":"المالكية في المشهور (1) :\rيكره التنفل قبل صلاة العيد وبعدها في المصلى لحديث ابن عباس وابن عمر لا في المسجد، ففي المسجد لا يكره قبلها ولا بعدها، أما عدم كراهته قبلها فلأن السنة الخروج بعد الشمس، والتحية حينئذ مطلوبة اتفاقاً، وأما عدم كراهته بعد صلاتها، فلندور حضور أهل البدع لصلاة الجماعة في المسجد.\rالحنابلة (2) :\rيكره التنفل قبل صلاة العيد وبعدها للإمام والمأموم في موضع الصلاة، سواء أكان في المصلى أم المسجد، لحديث ابن عباس السابق، ونحوه عن ابن عمر، ولنهي الصحابة عنه وعملهم به، ولأنه وقت نهي عن التنفل فيه كسائر أوقات النهي.\rويكره أيضاً قضاء فائتة في مصلى العيد قبل مفارقته، إماماً كان أو مأموماً، في صحراء أو في مسجد، لئلا يقتدي به.\rولا بأس بالتنفل إذا خرج من المصلى في منزل أو غيره، لما روى حرب عن ابن مسعود «أنه كان يصلي يوم العيد إذا رجع إلى منزله أربع ركعات أو ركعتين» . فهذا كالحنفية تماماً.\rولا بأس أن يقول الرجل للرجل يوم العيد: تقبل الله منا ومنك.\rالشافعية (3) :\rلا يكره النفل قبل صلاة العيد بعد ارتفاع الشمس لغير الإمام، لانتفاء الأسباب المقتضية للكراهة، فهو ليس بوقت منهي عن الصلاة فيه، ولما روي عن أبي بردة وأنس والحسن وجابر بن زيد أنهم كانوا يصلون يوم العيد قبل خروج الإمام.\rأما قبل ارتفاع الشمس: فإنه وقت كراهة. وأما الإمام فيكره له النفل قبلها وبعدها لاشتغاله بغير الأهم، ولمخالفته فعل النبي صلّى الله عليه وسلم . وأما غير الإمام بعد صلاة العيد فإن كان يسمع الخطبة فيكره له، وإلا فلا.\rومن دخل والخطيب يخطب، فإن كان في مسجد بدأ بالتحية، لقوله صلّى الله عليه وسلم : «إذا جاء أحدكم المسجد فليركع ركعتين» ، كما بينا في النوافل، ثم بعد فراغ الخطبة يصلي في المسجد صلاة العيد، فلو صلى فيه بدل تحية العيد، وهو أولى، حصل له ثواب التحية والعيد. ولو دخل وعليه مكتوبة يفعلها ويحصل بها التحية.\rوإن كانت الصلاة في صحراء: سن له الجلوس ليستمع الخطبة؛ إذ لا تحية، وأخر صلاة العيد إلا إن خشي الداخل فواتها، فيقدمها على الاستماع. وإذا أخرها فهو مخير بين أن يصليها في المصلى، وبين أن يصليها بغيره إلا إن خشي الفوات بالتأخير.\rعاشراً ـ كيفية صلاته صلّى الله عليه وسلم صلاة عيد الفطر والأضحى وكيفية خطبته:\rيحسن ختم هذا المبحث ببيان هذه الكيفية، كما رواها الثقات. عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، قال نبي الله صلّى الله عليه وسلم : «التكبير في الفطر ـ أي صلاته ـ سبع في الأولى، وخمس في الأخرى، والقراءة ـ الحمد وسورة ـ بعدهما كلتيهما» (4) .\r-------------------------------\r(1) بداية المجتهد: 212/1، الشرح الكبير: 401/1، الشرح الصغير: 531/1.\r(2) كشاف القناع: 62/2-63، المغني: 387/2-389،399.\r(3) المهذب: 119/1، مغني المحتاج: 313/1.\r(4) أخرجه أبو داود، ونقل الترمذي عن البخاري تصحيحه، وأخرجه أحمد وعلي بن المديني وصححاه (سبل السلام:86/2).","part":2,"page":542},{"id":1234,"text":"وعن أبي سعيد قال: « كان رسول الله صلّى الله عليه وسلم يخرج يوم الفطر والأضحى إلى المصلى، وأول شيء يبدأ به الصلاة، ثم ينصرف، فيقوم مقابل الناس، والناس على صفوفهم، فيعظهم ويأمرهم» (1) .\rوعن جابر رضي الله عنه قال: «شهدت مع النبي صلّى الله عليه وسلم يوم العيد، فبدأ بالصلاة قبل الخطبة بغير أذان ولا إقامة، ثم قام متوكئاً على بلال، فأمر بتقوى الله ، وحث على الطاعة، ووعظ الناس وذكرَّهم، ثم مضى حتى أتى النساء، فوعظهن وذكرهن» (2) .\rوعن سعد المؤذن رضي الله عنه قال: «كان النبي صلّى الله عليه وسلم يكبر بين أضعاف الخطبة، يكثر التكبير في خطبة العيدين» (3) .\rوعن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة رضي الله عنه قال: «السنة أن يخطب الإمام في العيدين خطبتين، يفصل بينهما بجلوس» (4) .\rحادي عشر - صلاة الجمعة في يوم العيد:\rإن صادف وجود العيد في يوم جمعة، سقط حضور الجمعة عمن صلى العيد إلا الإمام، فإنها لاتسقط عنه إلا أن لايجتمع له من يصلي به الجمعة. وهذا مذهب الحنابلة، لما رواه أبو داود والإمام أحمد عن إياس بن أبي رملة الشامي (5) قال : «شهدت معاوية يسأل زيد بن أرقم، هل شهدت مع رسول الله صلّى الله عليه وسلم عيدين اجتمعا في يوم واحد؟ قال: نعم، قال: فكيف صنع؟ قال: صلى العيد، ثم رخص في الجمعة» فقال: « من شاء أن يصلي فليصل » أو « من شاء أن يجمّع فليجمِّع » وروى ابن ماجه عن أبي هريرة عن رسول الله صلّى الله عليه وسلم قال: « اجتمع في يومكم هذا عيدان، فمن شاء أجزأه من الجمعة، وإنا مجمّعون » . ولأنه تحقق المقصود بسماع خطبة العيد، فأجزأ ذلك عن سماعها ثانياً، ولأن وقتها واحد في رأيهم وهو الساعة السادسة، فسقطت إحداهما بالأخرى، كالجمعة مع الظهر.\rوقال الجمهور ( بقية المذاهب ): تجب الجمعة، لعموم الآية الآمرة بها، والأخبار الدالة على وجوبها؛ ولأنهما صلاتان واجبتان، فلم تسقط إحداهما بالأخرى، كالظهر مع العيد (6) .\r-------------------------------\r(1) متفق عليه (المرجع السابق: ص67).\r(2) رواه مسلم والنسائي (نيل الأوطار:304/3).\r(3) رواه ابن ماجه وفيه ضعيف، وقد أخرج نحوه البيهقي من حديث عبيد الله بن عبد الله بن عتبة قال: السنة أن تفتتح الخطبة بتسع تكبيرات تترى، والثانية بسبع تكبيرات تترى (نيل الأوطار:305/3)،\r(4) رواه الشافعي (المصدر السابق).\r(5) هو مجهول، ولكن الحديث صححه علي بن المديني.\r(6) المغني لابن قدامة:358/2 .","part":2,"page":543},{"id":1235,"text":"المبحث الخامس ـ صلاة الكسوف والخسوف\rمعنى الكسوف والخسوف، مشروعية صلاة الكسوفين ونحوها، صفتها (كيفيتها، الجهر والإسرار بالقراءة فيها، وقتها، هل من شرطها الخطبة؟، الجماعة فيها وموضعها. هل خسوف القمر مثل كسوف الشمس؟) متى يدركها المسبوق؟، هل تقدم صلاة الكسوف على غيرها عند اجتماعها معها؟.\rأولاً ـ معنى الكسوف والخسوف:\rالكسوف والخسوف: شيء واحد، ويقال لهما كسوفان وخسوفان، والأشهر في تعبير الفقهاء: تخصيص الكسوف بالشمس والخسوف بالقمر.\rوالكسوف: هو ذهاب ضوء الشمس أو بعضه في النهار لحيلولة ظلمة القمر بين الشمس والأرض.\rوالخسوف: هو ذهاب ضوء القمر أو بعضه ليلاً لحيلولة ظل الأرض بين الشمس والقمر. ولا يحدث عادة كسوف الشمس إلا في الاستسرار آخر الشهر إذا اجتمع النيِّران، كما لا يحدث خسوف القمر إلا في الإبدار، إذا تقابل النيِّران.","part":2,"page":544},{"id":1236,"text":"ثانياً ـ مشروعية صلاة الكسوفين ونحوها وحكمها الفقهي:\rصلاة الكسوف والخسوف سنة (1) ثابتة مؤكدة باتفاق الفقهاء (2) ، بدليل قوله تعالى: {ومن آياته الليل والنهار والشمس والقمر، لا تسجدوا للشمس ولا للقمر، واسجدوا لله الذي خلقهن} [فصلت:37/41] أي أنه يصلى عند كسوفهما. وقوله صلّى الله عليه وسلم يوم مات ابنه إبراهيم: «إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله ، لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا رأيتم ذلك، فصلوا وادعوا، حتى ينكشف ما بكم» (3) .\rوهي مشروعة حضراً وسفراً للرجال والنساء، أي في حق كل من هو مخاطب بالمكتوبات الخمس؛ لأنه صلّى الله عليه وسلم فعلها لكسوف الشمس، كما رواه الشيخان، ولخسوف القمر، كما رواه ابن حبان في كتابه الثقات، وللصبيان والعجائز حضورها كالجمعة والعيدين. ويؤمر بها من تجب عليه الجمعة اتفاقاً.\rوإنما لم تجب لخبر الصحيحين المتقدم: «هل علي غيرها؟ ـ أي الخمس ـ قال: لا، إلا أن تطَّوّع» .\rوتشرع بلا أذان ولا إقامة وتسن فيها الجماعة، ويندب أن ينادى لها: «الصلاة جامعة» ؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلم «بعث منادياً ينادي: الصلاة جامعة» (4) .\r-------------------------------\r(1) يرى المالكية والحنفية: أن صلاة الكسوف سنة مؤكدة، وصلاة الخسوف مندوبة.\r(2) البدائع:280/1، الدر المختار:788/1، الشرح الصغير:532/1،536، القوانين الفقهية: ص88، مغني المحتاج:316/1، المهذب:122/1، المغني:426/1 ومابعدها، كشاف القناع:67/2 ومابعدها.\r(3) متفق عليه بين البخاري ومسلم وأحمد (نيل الأوطار:326/3) وأخرجه البخاري ومسلم أيضاً من حديث عائشة والمغيرة، ومن حديث ابن عمر، ومن حديث ابي مسعود الأنصاري، وأخرجه مسلم من حديث جابر بن عبد الله، والحاكم من حديث النعمان بن بشير (نصب الراية:231/2).\r(4) متفق عليه عن عبد الله بن عمرو (نيل الأوطار:325/3).","part":2,"page":545},{"id":1237,"text":"وتصلى جماعة أو فرادى، سراً أو جهراً، بخطبة أو بلا خطبة، على التفصيل الآتي بين المذاهب، لكن فعلها في مسجد الجمعة والجماعة أفضل؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلم صلى في المسجد (1) .\rولا يشترط لها إذن الإمام، كصلاة الاستسقاء؛ لأن كلاً منهما نافلة، وليس إذنه شرطاً في نافلة.\rويسن الغسل لها (2) ، كما تقدم بيانه في بحث الأغسال المسنونة؛ لأنها صلاة يشرع لها الاجتماع، والخطبة عند الشافعية، والوعظ ندباً عند المالكية، فيسن لها الغسل، كصلاة الجمعة والعيدين.\rالصلاة عند الفزع:\rقال المالكية (3) : لا يؤمر المرء بالصلاة عند الزلازل والمخاوف والآيات التي هي عبرة؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلم لم يصل لغير الكسوفين، وقد كان في عصره بعض هذه الآيات، وكذلك خلفاؤه من بعده، لم يصلوا.\rوقال الجمهور (4) : يصلى للزلزلة فرادى لا جماعة، لفعل ابن عباس (5) ، ولا يصلى عند الحنابلة لغيرها من سائر الآيات، كالصواعق والريح الشديدة والظلمة بالنهار، والضياء بالليل، لعدم نقل ذلك عنه صلّى الله عليه وسلم وأصحابه، مع أنه وجد في زمانهم انشقاق القمر، وهبوب الرياح والصواعق.\r-------------------------------\r(1) لحديث عائشة وغيره المتفق عليه.\r(2) المهذب:122/1، كشاف القناع:172/1،86/2، مغني المحتاج:319/1.\r(3) القوانين الفقهية: ص88.\r(4) مراقي الفلاح: ص92، البدائع:282/1، الحضرمية: ص88، المجموع:58/5 ومابعدها، المهذب:123/1، المغني:429/2، كشاف القناع:73/2.\r(5) رواه سعيد بن منصور والبيهقي.","part":2,"page":546},{"id":1238,"text":"وأضاف الحنفية والشافعية: أنه يندب أن يصلي الناس فرادى ركعتين مثل كيفية الصلوات، لا على هيئة الخسوف لنحو الزلازل، كالصواعق والظلمة الهائلة نهاراً، والريح الشديدة مطلقاً ليلاً أو نهاراً، والفزع بانتشار الكواكب والضوء الهائل ليلاً، والثلج والأمطار الدائمة، وعموم الأمراض، والخوف الغالب من العدو ونحو ذلك من الأفزاع والأهوال؛ لأنها آيات مخوفة للعباد، ليتركوا المعاصي ويرجعوا إلى طاعة الله تعالى التي بها فوزهم وصلاحهم، قياساً على صلاة الكسوف (1) ، وصلاة الكسوف التجاء إلى الله تعالى لكشف الغمة، وهكذا شأن المؤمن يلجأ إلى الله سبحانه كلما ألم به مكروه، واشتد به الضر، وأحدق به الخطر، لذا يسن لكل أحد أن يتضرع بالدعاء عند الزلازل والرياح الشديدة والصواعق والخسف، لئلا يكون غافلاً؛ لأنه صلّى الله عليه وسلم كان إذا عصفت الريح قال: «اللهم إني أسألك خيرها وخير ما فيها وخير ما أرسلت به، وأعوذ بك من شرها، وشر ما فيها، وشر ما أرسلت به.\rثالثاً ـ صفة صلاة الكسوف:\rاختلف الفقهاء في أمور ستة تتعلق بصفة صلاة الكسوف وهي ما يلي:\r1 ً ـ كيفيتها:\rللفقهاء في كيفية صلاة الكسوف رأيان:\rرأي الحنفية (2) :\rصلاة الكسوف ركعتان كهيئة الصلوات الأخرى من صلاة العيد والجمعة\r-------------------------------\r(1) وذكر الحنفية حديثاً غريباً بلفظ «إذا رأيتم من هذه الأفزاع شيئاً فارغبوا إلى الله بالدعاء» أو «فاذكروا الله واستغفروه» (نصب الراية:234/2-235).\r(2) البدائع:280/1، فتح القدير:234/1 ومابعدها، مراقي الفلاح: ص92، الدر المختار:788/1 ومابعدها، الكتاب واللباب:120/1 ومابعدها.","part":2,"page":547},{"id":1239,"text":"والنافلة، بلا خطبة ولا أذان ولا إقامة، ولا تكرار ركوع في كل ركعة، بل ركوع واحد، وسجدتان، لما رواه أبو داود في سننه: «أنه عليه الصلاة والسلام صلى ركعتين، فأطال فيهما القيام، ثم انصرف، وانجلت الشمس، فقال: إنما هذه الآيات يخوف الله تعالى بها عباده، فإذا رأيتموها فصلوا، كأحدث صلاة صليتموهامن المكتوب» (1) قال الكمال بن الهمام: وهي الصبح، فإن كسوف الشمس كان عند ارتفاعها قيد رمحين.\rرأي الجمهور (2) :\rصلاة الكسوف ركعتان، في كل ركعة قيامان، وقراءتان وركوعان، وسجودان. والسنة أو الأكمل أن يقرأ في القيام الأول بعد الفاتحة سورة البقرة أو نحوها في الطول، وفي القيام الثاني بعد الفاتحة دون ذلك أي بقدر مئتي آية مثل آل عمران، وفي القيام الثالث بعد الفاتحة دون ذلك، أي بقدر مئة وخمسين آية،مثل النساء، وفي القيام الرابع بعد الفاتحة دون ذلك بقدر مئة تقريباً مثل المائدة.\rفيقرأ أولاً المقدار الأول، ثم يركع، ثم يرفع، ويقرأ المقدار الثاني، ثم يركع ثم يرفع، ثم يسجد كما يسجد في غيرها، ويطيل الركوع، والسجود في الصحيح عند الشافعية، ويكرر ذلك في الركعة الثانية.\r-------------------------------\r(1) رواه أبو داود والنسائي والحاكم عن قبيصة بن مخارق الهلالي (نصب الراية:230/2) وهناك حديثان آخران، عند البخاري عن أبي بكرة، وعند مسلم عن عبد الرحمن بن سمرة، يدل ظاهرهما أن الركعتين بركوع واحد (نصب الراية:229/2، نيل الأوطار:331/3) كما أنه ورد مثلهما عن ابن عمر والنعمان بن بشير.\r(2) القوانين الفقهية: ص88، بداية المجتهد:203/1، الشرح الصغير:532/1، مغني المحتاج:317/1، المهذب:122/1، المغني:422/2-426، كشاف القناع:69/2-72.","part":2,"page":548},{"id":1240,"text":"ويسبح في الركوع الأول قدر مئة من البقرة، وفي الثاني ثمانين، والثالثة سبعين، والرابع خمسين تقريباً.\rوأخيراً ذكر الحنابلة أنه يجوز فعل صلاة الكسوف على كل صفة وردت عن الشارع، إن شاء أتى في كل ركعة بركوعين وهو الأفضل؛ لأنه أكثر في الرواية، وإن شاء صلاها بثلاثة ركوعات في كل ركعة. لما روى مسلم عن جابر: أن النبي صلّى الله عليه وسلم « صلى ست ركعات بأربع سجدات » أو أربعة ركوعات في كل ركعة، لما روى ابن عباس أن النبي صلّى الله عليه وسلم: «صلى في كسوف: قرأ، ثم ركع، ثم قرأ ثم ركع، ثم قرأ ثم ركع، ثم قرأ ثم ركع، والأخرى مثلها » (1) .\rأوخمسة ركوعات في كل ركعة، لما روى أبو العالية عن أبي بن كعب قال: «انكسفت الشمس على عهد النبي صلّى الله عليه وسلم وأنه صلى بهم، فقرأ سورة من الطوال، ثم ركع خمس ركعات، وسجد سجدتين، ثم قام إلى الثانية، فقرأ سورة من الطوال، وركع خمس ركعات، وسجد سجدتين، ثم جلس كما هو مستقبل القبلة يدعو حتى انجلى كسوفها» (2) ، ولا يزيد على خمسة ركوعات في كل ركعة؛ لأنه لم يرد به نص، والقياس لا يقتضيه.\rوإن شاء فعل صلاة الكسوف كنافلة بركوع واحد؛ لأن ما زاد عليه سنة.\rومهما قرأ به جاز، سواء أكانت القراءة طويلة أم قصيرة، وقد روي عن عائشة: «أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم كان يصلي في كسوف الشمس والقمر أر بع ركعات وأربع سجدات، وقرأ في الأولى بالعنكبوت والروم، وفي الثانية بيس» (3) .\r-------------------------------\r(1) رواه مسلم وأبو داود والنسائي، وفي لفظ «صلى النبي ص حين كسفت الشمس ثماني ركعات في أربع سجدات» رواه أحمد ومسلم والنسائي.\r(2) رواه أبو داود وعبد الله بن أحمد.\r(3) أخرجه الدارقطني.","part":2,"page":549},{"id":1241,"text":"ودليل الجمهور على تعدد الركوع اثنين: حديث عبد الله بن عمرو، قال: «لما كُسفت الشمس على عهد النبي صلّى الله عليه وسلم نودي أن « الصلاة جامعة»، فركع النبي صلّى الله عليه وسلم ركعتين في سجدة، ثم قام فركع ركعتين في سجدة، ثم جُلِي عن الشمس، قالت عائشة: ما ركعت ركوعاً قط، ولا سجدت سجوداً قط، كان أطول منه» (1) .\rوحديث عائشة رضي الله عنها قالت: «خَسَفَت الشمس على عهد رسول الله صلّى الله عليه وسلم ، فبعث منادياً: الصلاة جامعةً، فقام فصلى أربع رَكَعات في ركعتين، وأربع سَجَدات» (2) .\rوهذان الحديثان ونحوهما ثابتة في الصحيحين، فهي أشهر وأصح، فقدمت على بقية الروايات. قال ابن عبد البر: هذان الحديثان من أصح ما روي في هذا الباب.\rودليلهم على إطالة القراءة والركوع والقيام: حديث ابن عباس رضي الله عنهما، قال: «خَسَفت الشمس، فصلى رسول الله صلّى الله عليه وسلم ، فقام قياماً طويلاً نحواً من سورة البقرة، ثم ركع ركوعاً طويلاً، ثم رفع فقام قياماً طويلاً، وهو دون القيام الأول، ثم ركع ركوعاً طويلاً، وهو دون الركوع الأول، ثم سجد، ثم قام قياماً طويلاً، وهو دون القيام الأول، ثم ركع ركوعاً طويلاً، وهو دون الركوع الأول، ثم رفع فقام قياماً طويلاً، وهو دون القيام الأول، ثم ركع ركوعاً طويلاً، وهو دون الركوع الأول، ثم سجد، ثم انصرف، وقد تجلَّت الشمس... الخ» (3) .\rودليلهم على تطويل السجود: حديث ثبت في الصحيحين في صلاته صلّى الله عليه وسلم لكسوف الشمس من حديث أبي موسى.\r-------------------------------\r(1) المراد بالسجدة هنا: الركعة بتمامها، وبالركعتين: الركوعان: كما في رواية عائشة وابن عباس، والحديث متفق عليه (نيل الأوطار:325/3).\r(2) حديث متفق عليه (المصدر السابق).\r(3) متفق عليه (المصدر نفسه).","part":2,"page":550},{"id":1242,"text":"2 ً ـ الجهر والإسرار بالقراءة في صلاة الكسوفين:\rللفقهاء آراء ثلاثة في الجهر بالقراءة أو الإخفات والإسرار في صلاتي الكسوف والخسوف.\rفقال أبو حنيفة (1) : يخفي الإمام القراءة في صلاة الكسوف، لحديث ابن عباس وسمرة رضي الله عنهما، أما حديث الأول فقال: «صليت مع النبي صلّى الله عليه وسلم الكسوف فلم أسمع منه حرفاً من القراءة» (2) ، وأما حديث سمرة فقال: «صلى بنا رسول الله صلّى الله عليه وسلم في كسوف، لا يسمع له صوتاً» (3) ، والأصل في صلاة النهار الإخفاء.\rوأما صلاة الخسوف فتصلى فرادى سراً.\rوقال الصاحبان: يجهر الإمام في صلاة الكسوف، لحديث عائشة: أنه صلّى الله عليه وسلم جهر فيها (4) .\r-------------------------------\r(1) فتح القدير:433/1-436، البدائع:281/1-282، الدر المختار:789/1، اللباب:121/1، مراقي الفلاح: ص92.\r(2) رواه أحمد وأبو يعلى في مسنديهما، والبيهقي والطبراني وأبو نعيم في الحليمة، وفيه ابن لهيعة (نصب الراية:233/2).\r(2) أخرجه أصحاب السنن الأربعة، وقال عنه الترمذي: حديث حسن صحيح (نصب الراية:234/2).\r(4) رواه البخاري ومسلم، وللبخاري مثله من حديث أسماء بنت أبي بكر، ورواه أبو داود والترمذي وابن حبان (نصب الراية:232/2، نيل الأوطار:331/3).","part":2,"page":551},{"id":1243,"text":"وقال المالكية والشافعية (1) : يسر الإمام في صلاة الكسوف، لحديثي ابن عباس وسمرة المتقدمين، ولأنها صلاة نهارية، كما قال الحنفية، ويجهر في صلاة خسوف القمر؛ لأنها صلاة ليل أو ملحقة بها، وقد جهر النبي صلّى الله عليه وسلم في صلاة الخسوف بقراءته، في حديث عائشة المذكور.\rوقال الحنابلة (2) : يجهر في صلاتي الكسوف والخسوف، لقول عائشة: «إن النبي صلّى الله عليه وسلم جهر في صلاة الخسوف بقراءته، فصلى أربع ركعات في ركعتين، وأربع سجدات» (3) وفي لفظ: «صلى صلاة الكسوف فجهر بالقراءة فيها» (4) .\rوالخلاصة: الإسرار في صلاة الكسوف مذهب الجمهور، ولكني أرجح مذهب الحنابلة والصاحبين في الجهر بصلاة الكسوف والخسوف، قال الشوكاني: الجهر أولى من الإسرار، لأنه زيادة.\r3 ً ـ وقت صلاة الكسوف والخسوف:\rتصلى هذه الصلاة وقت حدوث الكسوف والخسوف. وهل تصلى في الأوقات المنهي عن الصلاة فيها؟ الجمهور: لا تصلى فيها؛ لأن تلك الأوقات تختص بجميع أجناس الصلاة، والشافعية: تصلى فيها؛ لأن تلك الأحاديث الواردة في النهي عن الصلاة في أوقات خمسة تختص بالنوافل، وصلاة الكسوف سنة، فتجوز في أي وقت.\r-------------------------------\r(1) بداية المجتهد:204/1، الشرح الصغير:534/1،536، القوانين الفقهية: ص88، مغني المحتاج:318/1، المهذب:122/1.\r(2) المغني:423/2، كشا ف القناع:69/2.\r(3) رواه البخاري ومسلم (نصب الراية، ونيل الأوطار: المكان السابق).\r(4) صححه الترمذي.","part":2,"page":552},{"id":1244,"text":"وتفصيل آراء المذاهب كما يأتي، قال الحنفية (1) : وقت صلاة الكسوف هو الوقت الذي يستحب فيه أداء سائر الصلوات دون الأوقات المكروهة؛ لأن أداء النوافل أو الواجبات في هذه الأوقات مكروهة، كسجدة التلاوة وغيرها.\rوقال المالكية (2) : لا يصلى لكسوف الشمس إلا في الوقت الذي تجوز فيه النافلة، فوقتها كالعيد والاستسقاء من حلّ النافلة إلى الزوال، وهذه رواية المدونة عن مالك، فإذا كسفت بعد الزوال لم تُصلَّ. وعلى رواية غير المدونة: يصلى لها حالاً، ويصلى لها بعد العصر.\rوأما صلاة الخسوف: فيندب تكرارها حتى ينجلي القمر، أو يغيب في الأفق، أو يطلع الفجر، فإن حصل واحد من هذه الثلاثة فلا صلاة.\rوقال الشافعية (3) : تصلى صلاة الكسوفين في جميع الأوقات؛ لأنها ذات سبب، وتفوت صلاة كسوف الشمس، بالانجلاء لجميع المنكسف، وبغروب الشمس كاسفة،دليل الأول خبر: «إذا رأيتم ذلك ـ أي الكسوف ـ فادعوا الله وصلوا حتى ينكشف مابكم» (4) فدل على عدم الصلاة بعد ذلك.\rودليل الثاني: أن الانتفاع بالصلاة يبطل بغروبها نيرة أو مكسوفة لزوال سلطانها.\rوتفوت صلاة خسوف القمر: بالانجلاء لحصول المقصود، وبطلوع الشمس وهو ـ أي القمرـ منخسف لعدم الانتفاع حينئذ بضوئه. ولا تفوت في الجديد بطلوع الفجر لبقاء ظلمة الليل والانتفاع به، كما لاتفوت بغروب القمر خاسفاً، لبقاء محل سلطنته وهو الليل، فغروبه كغيبوبته تحت السحاب خاسفاً.\r-------------------------------\r(1) البدائع:282/1.\r(2) بداية المجتهد:205/1، الشرح الصغير:533/1، 536.\r(3) مغني المحتاج:319/1، المجموع:57/5.\r(4) حديث متفق عليه عن المغيرة بن شعبة، بلفظ «...فإذا رأيتموها ـ أي الشمس والقمر ـ فادعوا الله تعالى، وصلوا حتى ينجلي» (نيل الأوطار:334/3).","part":2,"page":553},{"id":1245,"text":"وقال الحنابلة (1) : وقتها: من حين الكسوف إلى حين التجلي، لحديث المغيرة السابق وغيره، وإن تجلى الكسوف وهو فيها أتمها خفيفة على صفتها، لقوله صلّى الله عليه وسلم في حديث أبي مسعود: «فصلوا وادعوا حتى ينكشف ما بكم» (2) ، ولأن المقصود التجلي وقد حصل. ولا يقطع الصلاة، لقوله تعالى: {ولا تبطلوا أعمالكم} [محمد:33/47] ولكن شرع تخفيفها حينئذ لزوال السبب.\rوإن شك في التجلي لنحو غيم أتمها من غير تخفيف؛ لأن الأصل عدمه، فيعمل بالأصل في حال بقاء الكسوف، ويعمل بالأصل في وجود الكسوف إذا شك فيه، فلا يصلي؛ لأن الأصل عدمه.\rوتفوت صلاة الكسوفين بالتجلي قبل الصلاة، أو بغيبوبة الشمس كاسفة،\rأو بطلوع الشمس والقمر خاسف،أو بطلوع الفجر والقمر خاسف؛ لأنه ذهب وقت الانتفاع بهما (3) .\rوإن وقع الكسوف في وقت نهي عن الصلاة، دعا الله وذكره بلا صلاة، لعموم أحاديث النهي. ويؤيده ما روى قتادة قال: «انكسفت الشمس بعد العصر، ونحن بمكة، فقاموا يدعون قياماً، فسألت عن ذلك فقال: هكذا كانوا يصنعون» (4) .\r-------------------------------\r(1) كشاف القناع:68/2-71، المغني:428/2.\r(2) متفق عليه.\r(3) لا عبرة بقول المنجمين في كسوف ولا غيره مما يخبرون به، ولا يجوز العمل به؛ لأنه من الرجم بالغيب.\r(4) رواه الأثرم. وإن فاتت صلاة الكسوف بفوات وقتها لم تقض، لقوله صلّى الله عليه وسلم : «فصلوا حتى ينجلي» .","part":2,"page":554},{"id":1246,"text":"4 ً - هل لصلاة الكسوف خطبة؟\rثبت أن النبي صلّى الله عليه وسلم لما انصرف من صلاة الكسوف وقد تجلت الشمس، حمد الله وأثنى عليه، ثم قال: «إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله ، لا ينخسفان لموت أحد ولا لحياته...» الحديث (1) .\rفقال جماعة: إنه خطب؛ لأن من سنة هذه الصلاة الخطبة، كالحال في صلاة العيدين والاستسقاء.\rوقال آخرون: إن خطبة النبي صلّى الله عليه وسلم إنما كانت يومئذ؛ لأن الناس زعموا أن الشمس إنما كسفت لموت إبراهيم ابنه عليه السلام.\rوتفصيل آراء المذاهب هو مايأتي (2) :\rقال الحنفية والحنابلة: لا خطبة لصلاة الكسوف؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلم «أمر بالصلاة دون الخطبة» وإنما خطب بعد الصلاة ليعلمهم حكمها، وهذا مختص به، وليس في الخبر ما يدل على أنه خطب كخطبتي الجمعة.\rوكذلك قال المالكية: لا يشترط لهذه الصلاة خطبة، وإنما يندب وعظ بعدها مشتمل على الثناء على الله ، والصلاة والسلام على نبيه، لفعله عليه الصلاة والسلام ذلك.\rوقال الشافعية: السنة أن يخطب الإمام لصلاة الكسوفين خطبتين بعد الصلاة، كخطبة العيد والجمعة بأركانهما، اتباعاً للسنة، قالت عائشة: « إن النبي صلّى الله عليه وسلم لما فرغ من صلاته، قام، فخطب الناس فأثنى على الله بما هو أهله، ثم قال: إن الشمس والقمر...» (3) ويحث فيهما السامعين على التوبة من الذنوب، وعلى فعل الخير كصدقة ودعاء واستغفار، للأمر بذلك في البخاري وغيره، ويحذرهم الاغترار والغفلة، ويذكر في كل وقت من الحث والزجر ما يناسبه.\rلكن لا يخطب الإمام ببلد فيها وال إلا بأمر الوالي، وإلا فيكره.\rذكر الله تعالى والدعاء: اتفق الفقهاء على أنه يستحب ذكر الله تعالى والدعاء والاستغفار والصدقة والتقرب إلى الله تعالى بما استطاع من القرب، لقوله صلّى الله عليه وسلم : «فإذا رأيتم ذلك فادعوا الله وكبروا وتصدقوا وصلوا» وفي لفظ: «إذا رأيتم شيئاً من ذلك فافزعوا إلى ذكر الله ودعائه واستغفاره» (4) ولأنه تخويف من الله تعالى، فينبغي أن يبادر إلى طاعة الله تعالى ليكشفه عن عباده.\rوالدعاء يكون بعد الصلاة، يدعو الإمام جالساً مستقبل القبلة إن شاء، أو قائماً مستقبل الناس.\r5 ً ـ الجماعة في صلاة الكسوف وموضعها :\rاتفق الفقهاء (5) على أن صلاة الكسوف تسن جماعةً في المسجد، وينادى لها ( الصلاة جامعة )، اتباعاً للسنة كما في الصحيحين، قالت عائشة: «خرج النبي\r-------------------------------\r(1) حديث متفق عليه عن عائشة رضي الله عنها (نيل الأوطار:325/3).\r(2) اللباب:121/1، البدائع:282/1، بداية المجتهد:205/1 ومابعدها، الشرح الصغير:535/1، المهذب:122/1، كشاف القناع:68/2 ومابعدها، المغني:425/2.\r(3) هو الحديث المتفق عليه عن عائشة السابق.\r(4) متفق عليهما، الأول عن عائشة، والثاني عن أبي موسى رضي الله عنهما (نيل الأوطار:334/3).\r(5) البدائع:282/1، رد المحتار:788/1، فتح القدير:436/1، بداية المجتهد:203/1،206، الشرح الصغير:533/1،535، مغني المحتاج:318/1، المغني:420/2، كشاف القناع:68/2، القوانين الفقهية: ص88.","part":2,"page":555},{"id":1247,"text":"صلّى الله عليه وسلم إلى المسجد، فقام وكبر، وصف الناس وراءه» (1) . ويصلي بالناس الإمام الذي يصلِّي بهم الجمعة.\rوأجاز الحنابلة والشافعية: صلاتها فرادى؛ لأنها نافلة، ليس من شرطها الاستيطان، فلم تشترط لها الجماعة كالنوافل. وقال الحنفية: إن لم يحضر إمام الجمعة صلاها الناس فرادى ركعتين أو أربعاً، في منازلهم.\rوأما صلاة خسوف القمر، ففيها رأيان: قال الحنفية والمالكية: إنها تصلى فرادى (أفذاذاً) كسائر النوافل؛ لأن الصلاة بجماعة في خسوف القمر لم تنقل عن النبي صلّى الله عليه وسلم ، مع أن خسوفه كان أكثر من كسوف الشمس، ولأن الأصل أن غير المكتوبة لا تؤدى بجماعة، قال النبي صلّى الله عليه وسلم : «صلاة الرجل في بيته أفضل إلا المكتوبة» إلا إذا ثبت بالدليل كما في العيدين وقيام رمضان وكسوف الشمس، ولأن الاجتماع بالليل متعذر، أو سبب الوقوع في الفتنة.\rوتصلى عند الشافعية والحنابلة صلاة الخسوف جماعة كالكسوف، لما روي عن ابن عباس أنه صلى بالناس في خسوف القمر، وقال: صليت كما رأيت رسول الله صلّى الله عليه وسلم (2) ، ولحديث محمود بن لبيد: «فإذا رأيتموها كذلك فافزعوا إلى المساجد» (3) .\rوهذا الرأي أولى؛ إذ لا فرق بين الخسوف والكسوف، وتسقط عمن له عذر في التخلف عن أداء الجماعة.\rأما سبب الاختلاف بين الرأيين: فهو اختلافهم في مفهوم قوله صلّى الله عليه وسلم : «إن\r-------------------------------\r(1) متفق عليه.\r(2) رواه الشافعي في مسنده عن الحسن البصري (نيل الأوطار:333/3).\r(3) رواه أحمد والحاكم وابن حبان (المصدر السابق).","part":2,"page":556},{"id":1248,"text":"الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا ينخسفان لموت أحد، ولا لحياته، فإذا رأيتموها، فادعوا الله ، وصلوا، حتى يكشف مابكم، وتصدقوا» (1) فالفريق الثاني الذي فهم من الأمر بالصلاة فيهما معنى واحداً: وهي الصفة التي فعلها في كسوف الشمس، رأى أن الصلاة فيها جماعة.\rوالفريق الأول الذي فهم من ذلك معنى مختلفاً؛ لأنه لم يرو عنه عليه الصلاة والسلام أنه صلى في خسوف القمر مع كثرة دورانه، قال: المفهوم من ذلك أقل ما ينطلق عليه اسم صلاة في الشرع، وهي النافلة فذاً.\rولا تقضى صلاة الخسوف والكسوف؛ لأنها مقرونة بسببها، فإذا زال السبب، فات موجبها، وهو انجلاء الشمس وغياب القمر أو الشمس كاسفاً.\r6 ً ـ هل صلاة خسوف القمر مثل صلاة الكسوف؟\rقال الحنفية (2) : تصلى صلاة الخسوف ركعتين أو أربعاً فرادى، كالنافلة، في المنازل.\rوقال المالكية (3) : يندب لخسوف القمر ركعتان جهراً كالنوافل بقيام وركوع فقط على العادة.\rوقال الشافعية والحنابلة (4) : صلاة الخسوف كالكسوف، بجماعة، بركوعين وقيامين وقراءتين وسجدتين في كل ركعة، لكنها تؤدى جهراً لا سراً عند الشافعية، كما هو المقرر فيهما عند الحنابلة، لقول عائشة:\r-------------------------------\r(1) أخرجه البخاري ومسلم.\r(2) البدائع:282/1، مراقي الفلاح: ص92، الكتاب:121/1.\r(3) القوانين الفقهية: ص88، بداية المجتهد:206/1، الشرح الصغير:536/1.\r(4) مغني المحتاج:318/1، المغني:424/2، كشاف القناع:69/2.","part":2,"page":557},{"id":1249,"text":"«إن النبي صلّى الله عليه وسلم جهر في صلاة الخسوف بقراءته، فصلى أربع ركعات في ركعتين، وأربع سجدات» (1) .\rرابعاً ـ متى يدركها المسبوق؟\rعرفنا أن لهذه الصلاة هيئة مخصوصة تتميز عند غير الحنفية بركوعين في كل ركعة، فهل يدركها المسبوق بالركوع الأول أو بالثاني؟\rقال المالكية (2) : تدرك الركعة من ركعتي الكسوف مع الإمام بالركوع الثاني، فيكون هو الفرض، وأما الأول فهو سنة، والراجح أن الفاتحة فرض مطلقاً.\rوقال الشافعية (3) : من أدرك الإمام في ركوع أول، أدرك الركعة، كما في سائر الصلوات، أما من أدركه في ركوع ثان أو قيام ثان، فلا يدرك الركعة في الأظهر؛ لأن الأصل هو الركوع الأول وقيامه، والركوع الثاني وقيامه في حكم التابع.\rوهذا هو الراجح لدي، لأنه المتبادر للذهن، والثاني استثناء.\rوقال القاضي أبو يعلى من الحنابلة (4) : إذا أدرك المأموم الإمام في الركوع الثاني، احتمل أن تفوته الركعة؛ لأنه قد فاته من الركعة ركوع، كما لو فاته الركوع من غير هذه الصلاة. ويحتمل أن صلاته تصح؛ لأنه يجوز أن يصلي هذه الصلاة بركوع واحد، فاجتزئ به في حق المسبوق.\rخامساً ـ هل تقدم صلاة الكسوف على غيرها عند اجتماعها معها؟\rإذا اجتمع صلاتان كالكسوف مع غيره من الجمعة أو فرض آخر أو العيد، أو الجنازة أو الوتر فأيهما يقدم؟\rقال الشافعية والحنابلة (5) :يقدم الفرض إن خيف فوته، لضيق وقته، وإلا بأن لم يخف فوت الفرض، يقدم الكسوف، ثم يخطب للجمعة متعرضاً للكسوف، ثم تصلى الجمعة، وتكفي عند الشافعية خطبة الجمعة عن خطبة الكسوف.\rولو اجتمع عيد أوكسوف مع صلاة جنازة، قدمت الجنازة على الكسوف والعيد إكراماً للميت، ولأنه ربما يتغير بالانتظار، كما تقدم الجنازة على صلاة الجمعة إن لم يخف فوتها.\rوتقدم صلاة الكسوف على صلاة العيد والمكتوبة إن أمن الفوت.\rويقدم الخسوف على الوتر باتفاق الشافعية والحنابلة، كما يقدم عند الشافعية على التراويح، وإن خيف فوت الوتر أو التراويح؛ لأنه آكد، ولأن الوتر يمكن تداركه بالقضاء. وتقدم التراويح على الخسوف عند الحنابلة إذا تعذر فعلهما؛ لأنها تختص برمضان وتفوت بفواته.\r-------------------------------\r(1) متفق عليه.\r(2) الشرح الصغير:535/1.\r(3) مغني المحتاج: 319/1.\r(4) المغني:428/2.\r(5) مغني المحتاج:319/1 ومابعدها، المهذب:123/1، كشاف القناع: 72/2 ومابعدها، المغني:421/2 وما بعدها.","part":2,"page":558},{"id":1250,"text":"المبحث السادس ـ صلاة الاستسقاء\rتعريف الاستسقاء وسببه، مشروعية صلاة الاستسقاء، صفة الصلاة، ووقتها والمكلف بها، والجهر بالقراءة فيها، خطبتها والدعاء فيها وبعدها، ما يستحب في الاستسقاء قبل الصلاة وبعدها (وظائف الاستسقاء)، الدعاء عند المطر وغيره من الأحداث، التنفل في المصلى.\rأولاً ـ تعريف الاستسقاء وسببه :\rالاستسقاء: لغة: طلب السقيا، وشرعاً: طلب السقي من الله تعالى بمطر عند حاجة العباد إليه على صفة مخصوصة (1) أي بصلاة وخطبة واستغفار وحمد وثناء.\rوسببه: قلة الأمطار: وشح المياه، والشعور بالحاجة لسقي الزرع وشرب الحيوان، ويحدث الجفاف عادة ابتلاء من الله تعالى، بسبب غفلة الناس عن ربهم، وتفشي المعاصي بينهم (2) ، فيحتاج الأمر للتوبة والاستغفار والتضرع إلى الله\r-------------------------------\r(1) الشرح الصغير:537/1، مغني المحتاج:321/1، كشاف القناع:74/1، مراقي الفلاح: ص93.\r(2) روى ابن ماجه عن ابن عمر رضي الله عنهما في حديث له: أن النبي صلّى الله عليه وسلم قال: لم ينقُص قوم المكيال والميزان إلا أخذوا بالسِّنين، وشدة المؤنة، وجور السلطان عليهم، ولم يمْنعوا زكاة أموالهم، إلا مُنعوا القطر من السماء، ولولا البهائم لم يُمطروا» (نيل الأوطار:2/4).","part":2,"page":559},{"id":1251,"text":"تعالى، فإذا فعل العباد ذلك، تفضل عليهم خالقهم وأنعم عليهم بإنزال المطر، كما قص علينا القرآن الكريم من دعاء الأنبياء نوح وموسى وهود عليهم السلام لإغاثة أقوامهم، قال تعالى عن نوح: {فقلت: استغفروا ربكم، إنه كان غفاراً، يرسل السماء عليكم مدراراً، ويمددكم بأموال وبنين، ويجعل لكم جنات، ويجعل لكم أنهاراً} [نوح:71/10-11-12] وقال عن موسى: {وإذ استسقى موسى لقومه، فقلنا: اضرب بعصاك الحجر..} [البقرة:60/2] وقال عن موسى: {ويا قوم استغفروا ربكم، ثم توبوا إليه، يرسل السماء عليكم مدراراً، ويزدكم قوة إلى قوتكم} [هود:52/11].\rثانياً ـ مشروعية صلاة الاستسقاء:\rقال أبو حنيفة رحمه الله (1) : ليس في الاستسقاء صلاة مسنونة في جماعة، فإذا صلى الناس فرادى أو وُحداناً، جاز من غير كراهة؛ لأنها نفل مطلق، وإنما الاستسقاء: دعاء واستغفار؛ لأنه السبب لإرسال الأمطار، بلا جماعة مسنونة، وبلا خطبة، وبلا قلب رداء، وبلا حضور ذمي، لقوله تعالى: {فقلت: استغفروا ربكم إنه كان غفاراً، يرسل السماء عليكم مدراراً} [نوح:71/10]، ورسول الله صلّى الله عليه وسلم استسقى، ولم يرو عنه الصلاة.\rورد الحافظ الزيلعي فقال (2) : أما استسقاؤه عليه السلام، فصحيح ثابت، وأما إنه لم يرو عنه الصلاة، فهذا غير صحيح، بل صح أنه صلى فيه، كما سيأتي، وليس في الحديث أنه استسقى، ولم يصل، بل غاية ما يوجد ذكر الاستسقاء، دون ذكر الصلاة، ولا يلزم من عدم ذكر الشيء عدم وقوعه.\r-------------------------------\r(1) الكتاب مع اللباب:121/1 ومابعدها، مراقي الفلاح: ص93، فتح القدير:437/1، البدائع:282/1، الدر المختار:790/1ومابعدها.\r(2) نصب الراية:238/2.","part":2,"page":560},{"id":1252,"text":"وقال جمهور الفقهاء منهم الصاحبان (1) : صلاة الاستسقاء سنة مؤكدة حضراً وسفراً، عند الحاجة، ثابتة بسنة رسول الله صلّى الله عليه وسلم وخلفائه، رضي الله عنهم. وتكرر في أيام ثانياً وثالثاً وأكثر، إن تأخر السقي، حتى يسقيهم الله تعالى، فإن الله يحب الملحين في الدعاء (2) .\rودليل سنيتها أحاديث متعددة ،منها حديث ابن عباس: أن النبي صلّى الله عليه وسلم صلى في الاستسقاء ركعتين، كصلاة العيد (3) .\rوحديث عائشة أن النبي صلّى الله عليه وسلم خطب في الاستسقاء «ثم نزل فصلى ركعتين...» (4) وحديث أبي هريرة وعبد الله بن زيد وعباد بن تميم عن عمه (5) .\rوإن تأهب الناس لصلاة الاستسقاء، فسقوا وأمطروا قبلها، صلوها عند المالكية لطلب سعة، واجتمعوا عند الشافعية (6) للشكر والدعاء، ويصلون صلاة الاستسقاء المعروفة شكراً أيضاً، على الصحيح، كما يجتمعون للدعاء ونحوه، والأصح أنه يخطب بهم الإمام أيضاً، ولو سقوا في أثنائها أتموها، جزماً.\rوعند الحنابلة (7) : لا يخرج الناس حينئذ للصلاة، وشكروا الله على نعمته، وسألوه المزيد من فضله. أما إن خرجوا فأمطروا قبل أن يصلوا، صلوا شكراً لله تعالى، وحمدوه ودعوه.\r-------------------------------\r(1) بداية المجتهد:207/1، القوانين الفقهية: ص87، الشرح الصغير:538/1، مغني المحتاج:321/1، المهذب:123/1، المغني:439/2 ومابعدها، كشاف القناع:74/2.\r(2) رواه ابن عدي والعقيلي عن عائشة، وضعفاه، وفي الصحيحين: «يستجاب لأحدكم ما لم يعجل، يقول: دعوت فلم يستجب لي» .\r(3) أخرجه أصحاب السنن الأربعة (نصب الراية:239/2، نيل الأوطار:6/4).\r(4) رواه أبو داود (نيل الأوطار:3/4).\r(5) الأول رواه أحمد وابن ماجه، والثاني رواه أحمد، والثالث رواه أبو داود والترمذي والبخاري ومسلم، وهو صحيح (نيل الأوطار: 4/4، المجموع:65/5) .\r(6) مغني المحتاج:321/1، الشرح الصغير:540/1 ومابعدها.\r(7) المغني:440/2.","part":2,"page":561},{"id":1253,"text":"ثالثاً ـ صفة صلاة الاستسقاء ووقتها والمكلف بها والقراءة فيها:\rاتفق الجمهور غير أبي حنيفة (1) على أن صلاة الاستسقاء ركعتان بجماعة في المصلى بالصحراء خارج البلد، بلا أذان ولا إقامة، وإنما ينادى لها ( الصلاة جامعة)؛ لأنه صلّى الله عليه وسلم لم يقمها إلا في الصحراء، وهي أوسع من غيرها في المصلى، ويجهر فيهما بالقراءة، كصلاة العيد، بعدد تكبيراته عند الشافعية والحنابلة بعد الافتتاح قبل التعوذ، سبعاً في الركعة الأولى، وخمساً في الثانية برفع يديه ووقوفه بين كل تكبيرتين كآية معتدلة، قال ابن عباس: «سنة الاستسقاء سنة العيدين» فتسن في الصحراء، مع تكبير العيد، بلا أذان ولا إقامة لأنها صلاة شرع لها الاجتماع والخطبة.\rويجعل عند المالكية والشافعية، والصاحبين من الحنفية في المشهور الاستغفار بدل التكبير، فليس في الاستسقاء تكبير، بل فيه الاستغفار بدل التكبير.\rويقرأ في الصلاة ما شاء جهراً، كما في صلاة العيدين، والأفضل أن يقرأ فيهما عند المالكية بسبح، والشمس وضحاها، وعند الحنابلة والصاحبين مثلما يقرأ في صلاة العيد بسبح اسم ربك الأعلى، وهل أتاك حديث الغاشية، كما في حديث ابن عباس المتقدم وحديث أنس عند ابن قتيبة في غريب الحديث، وإن شاء قرأ في الركعة الأولى بـ {إنا أرسلنا نوحاً} [نوح:71/1] لمناسبتها الحال، وفي الركعة الثانية سورة أخرى من غير تعيين.\r-------------------------------\r(1) القوانين الفقهية: ص87، الشرح الكبير:405/1، الشرح الصغير:537/1، مغني المحتاج:323/1 ومابعدها، المهذب:123/1 ومابعدها، كشاف القناع:74/2-75، المغني:430/2-432.","part":2,"page":562},{"id":1254,"text":"وعند الشافعية: يقرأ في الأولى جهراً بسورة { ق } [ق:50/1] وفي الثانية: {اقتربت} [القمر:54/1] في الأصح، أو بسبح والغاشية، قياساً لا نصاً. ودليل الجهر بالقراءة حديث عبد الله بن زيد وغيره: «ثم صلى ركعتين جهر فيهما بالقراءة» (1) ، وكما تفعل جماعة ـ وهو الأفضل ـ تفعل فرادى.\rوالمستحب الخروج إلى الصحراء، إلا في مكة والمدينة وبيت المقدس ففي المسجد الحرام والمسجد النبوي والمسجد الأقصى، فيخرج الناس ثلاثة أيام مشاة في ثياب خَلِقة غَسِيلة، متذللين متواضعين، خاشعين لله تعالى، ناكسين رؤوسهم، مقدمين الصدقة كل يوم قبل خروجهم، ويجددون التوبة، ويستسقون بالضَّعَفة والشيوخ والعجائز والأطفال.\rولا يشترط إذن الإمام لصلاة الاستسقاء عند أبي حنيفة؛ لأن المقصود هو الدعاء فلا يشترط له إذن الإمام، ويشترط ذلك عند الشافعية، وعن الإمام أحمد روايتان (2) .\rوأما وقتها: فليس لها وقت معين، ولا تختص بوقت العيد، إلا أنها لا تفعل في وقت النهي عن الصلاة، بغير خلاف؛ لأن وقتها متسع، فلا حاجة إلى فعلها في وقت النهي. ويسن فعلها أول النهار، وقت صلاة العيد، لحديث عائشة: «أنه صلّى الله عليه وسلم خرج حين بدا حاجب الشمس» (3) ، ولأنها تشبه صلاة العيد في الموضع والصفة، فكذلك في الوقت؛ لأن وقتها لا يفوت بزوال الشمس؛ لأنها ليس لها يوم معين، فلا يكون لها وقت معين.\r-------------------------------\r(1) رواه أحمد والبخاري وأبو داود والنسائي (نيل الأوطار: 4/4).\r(2) البدائع:284/1، مغني المحتاج:325/1، المغني:438/2 ومابعدها.\r(3) رواه أبو داود.","part":2,"page":563},{"id":1255,"text":"ولا تتقيد بزوال الشمس ظهراً، فيجوز فعلها بعده، كسائر النوافل (1) . وإن استسقى الناس عقب صلواتهم أو في خطبة الجمعة، أصابوا السنة، فيجوز الاستسقاء بالدعاء من غير صلاة لحديث عمر رضي الله عنه أنه خرج يستسقي، فصعد المنبر فقال: «استغفروا ربكم إنه كان غفاراً، يرسل السماء عليكم مدراراً، ويمددكم بأموال وبنين، ويجعل لكم جنات، ويجعل لكم أنهاراً، استغفروا ربكم، إنه كان غفاراً، ثم نزل، فقيل: يا أمير المؤمنين، لو استسقيت؟ فقال: لقد طلبت بمجاديح السماء التي يستنزل بها القطر» (2) .\rوالمكلف بها (3) : الرجال القادرون على المشي، ولا يؤمر بها النساء والصبيان غير المميزين على المشهور عند المالكية، وقال الشافعية والحنفية: يندب خروج الأطفال والشيوخ والعجائز، ومن لا هيئة لها من النساء، والخنثى القبيح المنظر؛ لأن دعاءهم أقرب إلى الإجابة، إذ الكبير أرق قلباً، والصغير لا ذنب عليه، ولقوله صلّى الله عليه وسلم : «وهل ترزقون وتنصرون إلا بضعفائكم» (4) . ويكره خروج الشابات والنساء ذوات الهيئة، خوف الفتنة.\r-------------------------------\r(1) بداية المجتهد:209/1، الشرح الصغير:538/1، مغني المحتاج:324/1، المغني:432/2،440 ومابعدها، كشاف القناع:75/2.\r(2) رواه البيهقي عن الشعبي، والمجاديح: جمع مجدح، وهو كل نجم كانت العرب تقول: يمطر به، فأخبر عمر رضي الله عنه: أن الاستغفار: هو المجاديح الحقيقية التي يستنزل بها القطر، لا الأنواء، وإنما قصد التشبيه. وقيل: مجاديحها: مفاتيحها، وقد جاء في رواية: بمفاتيح السماء (المجموع:76/5،78 ومابعدها).\r(3) البدائع:283/1 ومابعدها، اللباب:123/1، فتح القدير:441/1، مراقي الفلاح: ص93، الدر المختار:791/1، المجموع:72/5،83، القوانين الفقهية: ص87، الشرح الصغير:538/1، مغني المحتاج:322/1-323، المهذب:123/1-125، المغني:430/2،439، 441، كشاف القناع:76/2-77، 82.\r(4) رواه البخاري.","part":2,"page":564},{"id":1256,"text":"إخراج الدواب: ولا يستحب عند المالكية والحنابلة إخراج البهائم والمجانين؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلم لم يفعله.\rويستحب إخراجها مع أولادها عند الحنفية، والشافعية في الأصح، ويباح ذلك عند الحنابلة؛ لأن الرزق مشترك بين الكل (1) ، وليحصل التحنّن، ويظهر الضجيج بالحاجات، روى البزار مرفوعاً بسند ضعيف: «لولا أطفال رُضَّع، وعباد رُكَّع، وبهائم رُتَّع، لصب عليكم العذاب صباً» . وروي أن سليمان عليه السلام «خرج يستسقي، فرأى نملة مستلقية، وهي تقول: اللهم إنا خلق من خلقك، ليس بنا غنى عن رزقك، فقال سليمان: ارجعوا فقد سقيتم بدعوة غيركم» (2) .\rالتوسل بذوي الصلاح:\rويستحب إخراج أهل الدين والصلاح، لأنه أسرع لإجابتهم، وقد استسقى عمر بالعباس، ومعاوية بيزيد بن الأسود الجرشي، واستسقى به الضحاك بن قيس مرة أخرى ، فلابأس بالتوسل بالصالحين ، قال ابن عمر: استسقى عمر عام الرمادة بالعباس ، فقال: اللهم إن هذا عمُّ نبيك صلّى الله عليه وسلم نتوجه إليك به، فاسقنا، فما برحوا حتى سقاهم الله عز وجل. وقال معاوية: اللهم إنا نستشفع إليك بخيرنا وأفضلنا يزيد بن الأسود ، يايزيد ، ارفع يديك ، فرفع يديه ، ودعا الله تعالى، فثارت في الغرب سحابة مثل الترس، وهب لها ريح، فسقوا، حتى كادوا لايبلغون منازلهم (3) .\r-------------------------------\r(1) المراجع السابقة.\r(2) حديث استسقاء النملة رواه الحاكم بمعناه بإسناده عن أبي هريرة، وهو صحيح الإسناد (المجموع:68/5).\r(3) حديث عمر رواه البخاري من رواية أنس أن عمر كان يفعله، وحديث استسقاء معاوية بيزيد مشهور (المجموع:68/5، نيل الأوطار:6/4).","part":2,"page":565},{"id":1257,"text":"وهيئة الخارج للاستسقاء كما بينا: أن يكون متضرعاً لله تعالى، متبذلاً أي في ثياب البذلة، لافي ثياب الزينة، ولا يتطيب؛ لأنه من كمال الزينة، ويكون متخشعاً في مشيه، وجلوسه في خضوع، متضرعاً إلى الله تعالى، متذللاً له، راغباً إليه. قال ابن عباس: خرج رسول الله صلّى الله عليه وسلم متواضعاً متبذلاً متخشعاً متضرعاً (1) .\rوهل يخرج أهل الذمة؟\rقال الحنفية: لا يحضر أهل الذمةلاستسقاء؛ لأن الخروج للدعاء، وقد قال تعالى: {وما دعاء الكافرين إلا في ضلال} [الرعد:14/13]، ولأنه لاستنزال الرحمة، وإنما تنزل عليهم اللعنة، وإن كان الراجح أن دعاء الكافر قد يستجاب استدراجاً. وأما الآية السابقة {وما دعاء} [الرعد:14/13] ففي الآخرة.\rوقال الجمهور: لا يمنع أهل الذمة من الخروج مع المسلمين، وأمروا أن يكونوا منفردين لا يختلطون بنا في مصلانا، ولا عند الخروج، ويكره اختلاطهم بنا، كما يكره خروجهم عند الشافعي، ولا يؤمن على دعائهم؛ لأن دعاء الكافر غير مقبول. وكونهم لا يمنعون الحضور؛ لأنهم يسترزقون ويطلبون أرزاقهم من ربهم، وفضل الله واسع، وقد يجيبهم الله تعالى استدراجاً، وطعمة في الدنيا، قال تعالى: {سنستدرجهم من حيث لا يعلمون} [الأعراف:182/7] والله ضمن أرزاقهم في الدنيا كما ضمن أرزاق المؤمنين.\rوانفرادهم عن المسلمين؛ لأنه لا يؤمن أن يصيبهم عذاب، فيعم من حضرهم،فإن قوم عاد استسقوا، فأرسل الله عليهم ريحاً صرصراً فأهلكتهم.\r-------------------------------\r(1) رواه أحمد والنسائي وابن ماجه (نيل الأوطار:6/4).","part":2,"page":566},{"id":1258,"text":"رابعاً ـ خطبة الاستسقاء:\rقال أبو حنيفة (1) لاخطبة للاستسقاء؛ لأنها تبع للجماعة، ولا جماعة لها عنده، وإنما دعاء واستغفار يستقبل فيهما الإمام القبلة. قال ابن عباس حينما سئل عن صلاة الاستسقاء: خرج رسول الله صلّى الله عليه وسلم متواضعاً متبذلاً (2) ، متخشعاً، متضرعاً، فصلى ركعتين، كما يُصلَّى في العيد، لم يخطب خطبتكم هذه (3) .\rوقال الصاحبان: يصلي الإمام بالناس ركعتين يجهر فيهما بالقراءة، ثم يخطب، ويستقبل القبلة بالدعاء. ويخطب خطبتين بينهما جلسة كالعيد عند محمد، وخطبة واحدة عند أبي يوسف، ويكون معظم الخطبة الاستغفار.\rوقال الجمهور (4) : يخطب الإمام للاستسقاء بعد الصلاة على الصحيح خطبتين كصلاة العيد عند المالكية والشافعية، لقول ابن عباس: صنع رسول الله صلّى الله عليه وسلم في الاستسقاء كما صنع في العيدين، وخطبة واحدة عند الحنابلة؛ لأنه لم ينقل أنهصلّى الله عليه وسلم خطب بأكثر منها.\rودليلهم على طلب الخطبة وكونها بعد الصلاة: حديث أبي هريرة: «خرج نبي الله صلّى الله عليه وسلم يوماً يستسقي،فصلى بنا ركعتين بلا أذان ولا إقامة، ثم خطبنا، ودعا الله عز وجل، وحول وجهه نحو القبلة رافعاً يديه، ثم قلب رداءه، فجعل الأيمن على الأيسر، والأيسر على الأيمن» (5) .\r-------------------------------\r(1) فتح القدير مع العناية:439/1 ومابعدها، البدائع:283/1 ومابعدها، اللباب: 122/1 ومابعدها.\r(2) أي لا بساً ثياب البذلة (المهنة والعمل) تاركاً ثياب الزينة، تواضعاً لله تعالى.\r(3) رواه أحمد والنسائي وابن ماجه (نيل الأوطار:6/4).\r(4) الشرح الصغير:539/1، القوانين الفقهية: ص87، بداية المجتهد:208/1، المجموع:75/5 ومابعدها، مغني المحتاج:324/1 ومابعدها، الشرح الكبير للدردير:406/1، كشاف القناع:80/2، المغني:433/2-436.\r(5) رواه أحمد وابن ماجه (نيل الأوطار: 4/4) وروى أحمد مثله عن عبد الله بن زيد.","part":2,"page":567},{"id":1259,"text":"وتجوز عند الشافعية الخطبة قبل الصلاة، لحديث عبد الله بن زيد: «رأيت النبي صلّى الله عليه وسلم يوم خرج يستسقي، فحوَّل إلى الناس ظهره، واستقبل القبلة يدعو، ثم حول رداءه، ثم صلى ركعتين جهر فيهما بالقراءة» (1) .\rوتختلف عن خطبة العيد في رأي المالكية والشافعية أن الإمام يستغفر الله تعالى بدل التكبير، فيقول: ( أستغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه) ويكثر فيها بالاتفاق الاستغفار؛ لأنه سبب لنزول الغيث، روى سعيد: «أن عمر خرج يستسقي، فلم يزد على الاستغفار، فقالوا: ما رأيناك استسقيت فقال: لقد طلبت الغيث بمجاديح السماء الذي يُستنزَل به المطر، ثم قرأ: استغفروا ربكم، إنه كان غفاراً، يرسل السماء عليكم مدراراً» (2) .\rولا حد للاستغفار عند المالكية في أول الخطبة الأولى والثانية.\rويستغفر الخطيب في الخطبة الأولى عند الشافعية تسعاً، وفي الثانية سبعاً، ويستحب أن يكثر من الاستغفار، لقوله تعالى: {استغفروا ربكم، إنه كان غفاراً، يرسل السماء عليكم مدراراً} [نوح:71/10-11]. ويفتتح الإمام عند الحنابلة الخطبة بالتكبير تسعاً نسَقاً كخطبة العيد، ويكثر فيها عندهم الصلاة على النبي صلّى الله عليه وسلم ؛ لأنها معونة على الإجابة، قال عمر: «الدعاء موقوف بين السماء والأرض، لا يصعد منه شيء حتى تصلي على نبيك» (3) ، ويقرأ كثيراً: {استغفروا ربكم إنه كان غفاراً} [نوح:71/10] وسائر الآيات التي فيها الأمر به، فإن الله تعالى وعدهم بإرسال الغيث إذا استغفروه.\r-------------------------------\r(1) رواه أحمد والبخاري ومسلم وأبو داود والنسائي، لكن لم يذكر مسلم الجهر بالقراءة (المصدر السابق).\r(2) سبق تخريجه عند البيهقي، وعن علي نحوه (نيل الأوطار:7/4) ومجاديح السماء، أنواؤها، والمراد بالأنواء: النجوم التي يحصل عندها المطر عادة، فشبه الاستغفار بها.\r(3) رواه الترمذي.","part":2,"page":568},{"id":1260,"text":"الدعاء بالخطبة: ويدعو الإمام في الخطبة الأولى: اللهم اسقنا غيثاً مغيثاً، هنيئاً مريئاً مَريعاً، غَدَقاً، مجلِّلاً، سَحَّاً، طَبَقاً دائماً، لحديث ابن عباس (1) .\rاللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين (أي الآيسين بتأخير المطر)،اللهم إن بالعباد والبلاد والخلق من اللأواء (شدة الجوع)، والجَهد (قلة الخير وسوء الحال)، والضنك (أي الضيق)، ما لا نشكو إلا إليك.\rاللهم أنبت لنا الزرع، وأدرّ لنا الضرع، واسقنا من بركات السماء، وأنبت لنا من بركات الأرض. اللهم ارفع عنا الجهد والعُرْي والجوع، واكشف عنا من البلاء، ما لا يكشفه غيرك.\rاللهم إنا نستغفرك، إنك كنت غفاراً، فأرسل السماء علينا مدراراً أي دراً ، والمراد مطراً كثيراً. وكل ذلك ثابت بحديث واحد عن عبد الله بن عمر.\rويبالغ في الدعاء سراً وجهراً لقوله تعالى: {ادعوا ربكم تضرعاً وخفية} [الأعراف:55/7] ويؤمن القوم على دعائه، فيقول: اللهم إنك أمرتنا بدعائك، ووعدتنا إجابتك، وقد دعوناك كما أمرتنا، فاستجب لنا كما وعدتنا، إنك لا تخلف الميعاد (2) . وكان من دعائه صلّى الله عليه وسلم : «الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، لا إله إلا الله يفعل ما يريد، اللهم أنت الله ، لا إله إلا أنت، أنت الغني ونحن الفقراء، أنزل علينا الغيث، واجعل ما أنزلت لنا قوة وبلاغاً إلى حين» (3) .\r-------------------------------\r(1) رواه ابن ماجه، ومعناه: اللهم اسقنا مطراً، منقذاً من الشدة بإروائه، طيباً لا ينغصه شيء، محمر العاقبة، ذا ريع أي نماء، كثير الماء والخير، يجلل الأرض أي يعمها، شديد الوقع على الأرض، مطبقاً على الأرض أي مستوعباً لها، دائماً إلى انتهاء الحاجة (نيل الأوطار:9/4).\r(2) لقوله تعالى: {وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان} [البقرة:2/186] والدعاء سراً: أقرب إلى الإخلاص، وأبلغ في الخشوع والخضوع، وأسرع في الإجابة.\r(3) رواه أبو داود وابن حبان والحاكم عن عائشة (سنن أبي داود:267/1، نيل الأوطار:3/4).","part":2,"page":569},{"id":1261,"text":"أما الناس فيسرون بالدعاء إن أسر الإمام، ويجهرون به إن جهر.\rويستحب للخطيب استقبال القبلة في أثناء الدعاء، لحديث عبد الله بن زيد المتقدم. وهذا ما قرره الصاحبان، وهو أن الإمام يستقبل القبلة بالدعاء في الخطبة.\rوقال المالكية: يستقبل القبلة بوجهه قائماً بعد الفراغ من الخطبتين، ويبالغ في الدعاء برفع الكرب والقحط وإنزال الغيث والرحمة وعدم المؤاخذة بالذنوب، ولا يدعو لأحد من الناس.\rوقال الشافعية: يستقبل الإمام القبلة بعد صدر (نحو ثلث) الخطبة الثانية، ثم يدعو (1) سراً وجهراً، ثم يستقبل الناس بوجهه ويحثهم على الطاعة، ويصلي على النبي صلّى الله عليه وسلم ويقرأ آية أو آيتين، ويدعو للمؤمنين والمؤمنات، ويختم بقوله: أستغفر الله لي ولكم.\rوقال الحنابلة: يستقبل القبلة في أثناء الخطبة.\rرفع الأيدي في الدعاء: ويستحب رفع الأيدي في دعاء الاستسقاء، لحديث أنس: «كان النبي صلّى الله عليه وسلم لا يرفع يديه في شيء من دعائه إلا في الاستسقاء، فإنه كان يرفع يديه، حتى يُرى بياض إبطيه» (2) وفي حديث أيضاً لأنس: فرفع النبي صلّى الله عليه وسلم ورفع الناس أيديهم.\rقلب الرداء أو تحويله: قال الصاحبان أبو يوسف ومحمد: يقلب الإمام رداءه عند الدعاء، لما روي أنه صلّى الله عليه وسلم : «لما استسقى حوَّل ظهره إلى الناس، واستقبل القبلة، وحوَّل رداءه» (3) .\r-------------------------------\r(1) قال النووي : فيه استحباب استقبال القبلة للدعاء، ويلحق به الوضوء والغسل والتيمم والقراءة وسائر الطاعات، إلا ما خرج بدليل كالخطبة.\r(2) متفق عليه بين أحمد والبخاري ومسلم (نيل الأوطار:8/4).\r(3) سبق تخريجه، وقال الزيلعي: رواه الأئمة الستة، وأحمد (نصب الراية:242/2).","part":2,"page":570},{"id":1262,"text":"وصفة القَلْب: إن كان مربَّعاً جعل أعلاه أسفله، وإن كان مُدَوَّراً كالجبة، جعل الجانب الأيمن على الأيسر.\rولا يقلب القوم أرديتهم؛ لأنه لم ينقل أنه عليه السلام أمرهم بذلك ولا يسن القلب عند أبي حنيفة؛ لأن الاستسقاء دعاء عنده، فلا يستحب تحويل الرداء فيه كسائر الأدعية.\rوقال الجمهور: يحول الإمام رداءه عند استقبال القبلة، على الخلاف السابق في وقت الاستقبال، ويحول الناس الذكور مثله أي مثل الإمام، وهم جلوس، لحديث عبد الله بن زيد، وحديث عائشة، وحديث أبي هريرة كما تقدم (1) وليقلب الله ما بهم من الجدب إلى الخصب، وجاء هذا المعنى في بعض الحديث، روي «أن النبي صلّى الله عليه وسلم حول رداءه ليتحول القحط» (2) .\rوصفة التحويل: أن يجعل يمينه يساره وعكسه أي يجعل الأيمن على الأيسر، والأيسر على الأيمن، بلا تنكيس للرداء عند المالكية والحنابلة، أي فلا يجعل الحاشية السفلى التي على رجليه على أكتافه.\rومع التنكيس في المذهب الجديد للشافعي، فيجعل أعلاه أسفله وعكسه، لحديث: «أنه صلّى الله عليه وسلم استسقى، وعليه خميصة له سوداء، فأراد أن يأخذ أسفلها فيجعله أعلاها، فثقُلت عليه، فقلَبها الأيمن على الأيسر، والأيسر على الأيمن» (3) .\r-------------------------------\r(1) انظر نيل الأوطار:3/4-4، قال السهيلي: وكان طول ردائه صلّى الله عليه وسلم أربعة أذرع، وعرضه ذراعين وشبراً.\r(2) رواه الدارقطني عن جعفر بن محمد عن أبيه.\r(3) رواه أحمد وأبو داود، والخميصة: كساء أسود مربع له علَمان (نيل الأوطار:11/4-12).","part":2,"page":571},{"id":1263,"text":"ودليل التحويل للناس: حديث عبد الله بن زيد: «رأيت رسول الله صلّى الله عليه وسلم حين استسقى لنا، أطال الدعاء، وأكثر المسألة، ثم تحول إلى القبلة، وحول رداءه، فقلبه ظهراً لبطن، وتحول الناس معه» (1) .\rقال الحنابلة: ويظل الرداء محولاً حتى يُنزغ مع الثياب بعد الوصول إلى المنزل، لعدم نقل إعادته. والخلاصة: إن تحويل الرداء للتفاؤل بتحويل الحال من الشدة إلى الرخاء، و «كان رسول الله صلّى الله عليه وسلم يحب الفأل الحسن» (2) .\rخامساً ـ ما يستحب في الاستسقاء أو وظائف الاستسقاء:\rيستحب للاستسقاء ما يأتي (3) بالإضافة لما ذكر سابقاً في الخطبة والخروج للصلاة:\r1ً - يأمر الإمام الناس بالتوبة من المعاصي، والتقرب إلى الله تعالى بوجوه البر والخير من صدقة وغيرها، والخروج من المظالم وأداء الحقوق؛ لأن ذلك أرجى للإجابة، قال تعالى: {ويا قوم استغفروا ربكم ثم توبوا إليه، يرسل السماء عليكم مدراراً} [هود:52/11]، ولأن المعاصي والمظالم سبب القحط ومنع القطر، والتقوى سبب البركات، لقوله تعالى: {ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض} [الأعراف:7/96] ويأمرالإمام أيضاً بصيام ثلاثة أيام متتابعة قبل صلاة الاستسقاء، ويخرج الناس في يوم آخر صياماً، أو في اليوم الرابع إلى الصحراء صياماً فتصير أيام الصيام أربعة؛ لأنه وسيلة إلى نزول الغيث لما فيه من الرياضة والخشوع، وقد روي:\r-------------------------------\r(1) رواه أحمد (نيل الأوطار:11/4).\r(2) رواه الشيخان عن أنس بلفظ: «يعجبني الفأل: الكلمة الحسنة، والكلمة الطيبة» وفي رواية لمسلم «وأحب الفأل الصالح» .\r(3) الدر المختار: 792/1، البدائع:284/1، اللباب:122/1 ومابعدها، مراقي الفلاح: ص93، القوانين الفقهية: ص67، الشرح الصغير:538/1-540، مغني المحتاج:321/1-326، المهذب:123/1-125، المغني:430/2، 438، كشاف القناع:75/2 ومابعدها.","part":2,"page":572},{"id":1264,"text":"«ثلاثة لا ترد دعوتهم: الصائم حتى يفطر، والإمام العادل، والمظلوم» (1) .\rقال الشافعية: ويلزم الناس امتثال أمر الإمام. وقال الحنابلة: ولا يلزم الصيام والصدقة بأمره.\rويأمرهم الإمام أيضاً بالصدقة؛ لأنها متضمنة للرحمة المفضية إلى رحمتهم بنزول الغيث. كما يأمرهم بترك التشاحن من الشحناء وهي العداوة؛ لأنها تحمل على المعصية والبهت، وتمنع نزول الخير بدليل قوله صلّى الله عليه وسلم : «خرجت لأخبركم بليلة القدر، فتلاحى فلان وفلان، فرفعت» (2) ويعين الإمام يوماً يخرج الناس فيه (3) .\r2ً - أن يخرج الإمام والناس مشاة إلى الاستسقاء في الصحراء ثلاثة أيام متتابعة، إلا في مكة والمدينة وبيت المقدس، فيجتمعون في المسجد الحرام، والمسجد النبوي، والمسجد الأقصى، كما قدمنا.\rوإن لم يخرج الإمام خرج الناس لصلاة الاستسقاء عند الحنفية، وإذا خرجوا، اشتغلوا بالدعاء، ولم يصلوا بجماعة إلا إذا أمر الإمام إنساناً أن يصلي بهم جماعة؛ لأن هذا دعاء، فلا يشترط له حضور الإمام. وإن خرجوا بغير إذن الإمام، جاز؛ لأنه دعاء، فلا يشترط له إذن الإمام.\rوقال الشافعية: إذا كان الوالي بالبلد لا يخرج الناس إلى الصحراء حتى يأذن لهم، لخوف الفتنة. وعند الحنابلة روايتان: إحداهما ـ لا يستحب إلا بخروج الإمام أو نائبه، فإذا خرجوا دعوا وانصرفوا بلا صلاة ولا خطبة. وفي رواية أخرى: إنهم يصلون لأنفسهم، ويخطب بهم أحدهم.\r3ً - التنظيف للاستسقاء بغسل وسواك وإزالة رائحة وتقليم أظفار ونحوه، لئلا يؤذي الناس، وهو يوم يجتمعون له كالجمعة.\rولا يستحب التطيب؛ لأنه يوم استكانة وخضوع، ولأن الطيب للزينة وليس هذا وقت زينة.\r-------------------------------\r(1) رواه الترمذي عن أبي هريرة وقال: حديث حسن، ورواه البيهقي عن أنس، وقال: «دعوة الصائم والوالد والمسافر» .\r(2) رواه أحمد ومسلم عن أبي سعيد الخدري (نيل الأوطار:277/4) وتلاحى: تنازع.\r(3) رواه أبو داود عن عائشة (نيل الأوطار:3/4).","part":2,"page":573},{"id":1265,"text":"4ً - يخرج المرء إلى المصلى متواضعاً متذللاً، متخشعاً (خاضعاً) متضرعاً (مستكيناً) متبذلاً (في ثياب بَذْلة)، لحديث ابن عباس السابق: «خرج النبي صلّى الله عليه وسلم للاستسقاء متذللاً متواضعاً متخشعاً، حتى أتى المصلى» (1) .\r5ً - التوسل بأهل الدين والصلاح والشيوخ والعلماء المتقين والعجائز والأطفال والدواب، تحصيلاً للتحنن، وإظهار الضجيج بالحاجات، كما بينا سابقاً (2) ، ويسن لكل من حضر أن يستشفع سراً بخالص عمله.\r6ً - الخروج إلى المصلى في الصحراء: لحديث عائشة: «شكا الناس إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلم قحوط المطر، فأمر بمنبر، فوضع له في المصلى» (3) ، ولأن الجمع يكثر، فكان المصلى أرفق بهم.\r7ً - الدعاء بالمأثور في الخطبة كما بينا، وعند نزول الغيث، لما روى البيهقي «أن الدعاء يستجاب في أربعة مواطن: عند التقاء الصفوف، ونزول الغيث، وإقامة الصلاة ورؤية الكعبة» ولما روى البخاري عن عائشة «أن النبي صلّى الله عليه وسلم كان إذا رأى المطر، قال: صيباً نافعاً» أي مطراً شديداً. ومجموع الدعاء عند نزول المطر من أحاديث متفرقة: «اللهم صيّباً هنيئاً، وسيباً ـ أي عطاء ـ نافعاً، مطرنا بفضل الله ورحمته» ويقول عند التضرر بكثرة المطر: «اللهم حوالينا ولا علينا، اللهم على الآكام والظراب، وبطون الأودية ومنابت الشجر» (4) «اللهم سقيا رحمة ولا سقيا عذاب، ولا محق ولا بلاء، ولا هَدْم ولا غَرَق» (5) .\r-------------------------------\r(1) قال الترمذي: حديث حسن صحيح.\r(2) اتفق الأئمة على أن الدعاء عند قبر رجاء الإجابة بدعة، لا قربة. وقال أحمد وغيره: في قوله صلّى الله عليه وسلم : «أعوذ بكلمات الله التامة من شر ما خلق» : الاستعاذة لا تكون بمخلوق (كشاف القناع:77/2).\r(3) رواه أبو داود بإسناد صحيح، والحاكم وقال: صحيح على شرط البخاري ومسلم.\r(4) متفق عليه عن أنس. والظراب جمع ظرب: وهي الرابية الصغيرة (نيل الأوطار:13/4).\r(5) رواه الشافعي في مسنده، وهو مرسل (نيل الأوطار:10/4).","part":2,"page":574},{"id":1266,"text":"ويكره أن يقول: مطرنا بنَوْء كذا:\rأي بوقت النجم الفلاني على عادة العرب في إضافة الأمطار إلى الأنواء، لإيهامه أن النوء ممطر حقيقة. فإن اعتقد أنه الفاعل له حقيقة كفر، وعليه يحمل ما في الصحيحين، حكاية عن الله تعالى: «أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر، فأما من قال: مطرنا بفضل الله ورحمته، فذاك مؤمن بي كافر بالكواكب، ومن قال: مطرنا بنوء كذا، فذاك كافر بي، مؤمن بالكوكب» .\rويكره سب الريح، بل يسن الدعاء عندها لخبر: «الريح من روح الله ـ أي رحمته ـ تأتي بالرحمة، وتأتي بالعذاب، فإذا رأيتموها فلا تسبوها، واسألوا الله خيرها، واستعيذوا بالله من شرها» (1) بل يقول كما قدمنا: «اللهم إني أسألك خيرها وخير ما فيها، وخير ما أرسلت به، وأعوذ بك من شرها وشر ما فيها وشر ما أرسلت به» (2) «اللهم اجعلها رحمة ولا تجعلها عذاباً، اللهم اجعلها رياحاً ولا تجعلها ريحاً» (3) .\rويسبح عند الرعد والصواعق، فيقول: «سبحان من يسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته» (4) وعند البرق يقول: «سبحان من يريكم البرق خوفاً وطمعاً» ويستحب ألا يُتْبع بصرَه البرقَ؛ لأن السلف الصلاح كانوا يكرهون الإشارة إلى الرعد والبرق ويقولون عند ذلك: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، سُبُّوح قُدُّوس» فيختار الاقتداء بهم في ذلك.\rويقول عند انقضاض الكوكب: «ما شاء الله ، لا قوة إلا بالله » (5) .\rوإذا سمع نهيق حمار، استعذ بالله من الشيطان الرجيم، لخبر الشيخين.\rوإذا سمع نُباح كلب، استعاذ، فيقول: أستعيذ بالله من الشيطان الرجيم، لحديث أبي داود.\rوإذا سمع صياح الديكة، سأل الله من فضله، لخبر الشيخين.\r-------------------------------\r(1) رواه أبو داود والنسائي والحاكم بإسناد حسن عن أبي هريرة.\r(2) رواه مسلم.\r(3) رواه الطبراني في الكبير.\r(4) رواه مالك في الموطأ عن عبد الله بن الزبير. وقيس بالرعد البرق. وروى الترمذي بعد هذا الدعاء: «اللهم لا تقتلنا بغضبك، ولا تهلكنا بعذابك، وعافنا قبل ذلك » وروى أبو نعيم في الحلية عن أبي زكريا: «من قال: سبحان الله وبحمده عن البرق، لم تصبه صاعقة» .\r(5) لخبر رواه ابن السني والطبراني في الأوسط.","part":2,"page":575},{"id":1267,"text":"8ً - يستحب لأهل الخصب أن يدعو لأهل الجدب؛ لأنه من التعاون على البر والتقوى.\r9ً - وقال الشافعية: يستحب لكل أحد أن يبرز (يظهر) لأول مطر السنة، وأول كل مطر ويكشف من جسده غير عورته ليصيبه شيء من المطر تبركاً. وروى مسلم «أنه صلّى الله عليه وسلم حسر عن ثوبه حى أصابه المطر، وقال: إنه حديث عهد بربه» (1) أي بخلقه وتنزيله وتكوينه، ويستحب أيضاً أن يغتسل أو يتوضأ بماء السيل، لما روى الشافعي في الأم، بإسناد منقطع: «أنه صلّى الله عليه وسلم كان إذا سال السيل قال: اخرجوا بنا إلى هذا الذي جعله الله طهوراً، فنتطهر به، ونحمد الله عليه» .\r10ً - قال المالكية: جاز التنفل في المصلى أو المسجد قبل صلاة الاستسقاء وبعدها؛ لأن المقصود من الاستسقاء الإقلاع عن الخطايا، والاستكثار من فعل الخير.\rوذلك بخلاف العيد، فإنه - كما قدمنا- يكره عند الجمهور غير الشافعية التنفل قبل صلاته وبعدها بالمصلى، لا في المسجد عند المالكية، وفي المسجد أيضاً عند الحنفية والحنابلة، لكن لا بعدها عند الحنفية.\rوالدعاء يكون ببطن الكف إذا كان لطلب شيء وتحصيله، وبظهر الكف إلى السماء إذا أريد به رفع البلاء (2) .\r11 - تعاد صلاة الاستسقاء ثانياً وثالثاً إن لم يُسْقَوْا، فإن تأهبوا للصلاة، فسقوا قبلها اجتمعوا للشكر والدعاء بالزيادة، ويصلون صلاة الاستسقاء المعروفة شكراً لله تعالى، كما يجتمعون للدعاء ونحوه. جاء في الصحيحين: «يستجاب لأحدكم ما لم يعجّل، يقول: دعوت، فلم يستجب لي» وقال تعالى: {لئن شكرتم لأزيدنكم} [إبراهيم:7/14]. حكي عن أصبغ أنه قال: استُسقي للنيل بمصر خمسة وعشرين يوماً متوالية.\r-------------------------------\r(1) ورواه أيضاً أحمد وأبو داود (نيل الأوطار:12/4).\r(2) هذا مستفاد من حديث خلاد بن السائب عن أبيه «أن النبي صلّى الله عليه وسلم كان إذا سأل، جعل بطن كفيه إلى السماء، وإذا استعاذ جعل ظهرهما إليها» وروى مسلم عن أنس «أن النبي صلّى الله عليه وسلم استسقى فأشار بظهر كفه إلى السماء، وروى ابن عباس ـ وإن كان ضعيفاً ـ «سلوا الله ببطون أكفكم، ولا تسألوه بظهرها» (سبل السلام:83/2).","part":2,"page":576},{"id":1268,"text":"المبحث السابع ـ صلاة الخوف\rمشروعيتها، سببها وشروطها، كيفيتها أو صفتها، صفة ما يقضيه المسبوق فيها، متى تفسد؟ الصلاة عند التحام القتال واشتداد الخوف.\rأولاً ـ مشروعية صلاة الخوف:\rصلاة الخوف مشروعة عند جمهور الفقهاء (1) ، هي سنة ثابتة بالكتاب والسنة في أثناء قتال الكفار: أما الكتاب: فقول الله تعالى: {وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة. فلتقم طائفة منهم معك، وليأخذوا أسلحتهم، فإذا سجدوا فليكونوا من ورائكم، ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا فليصلوا معك، وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم، ودَّ الذين كفروا لو تغفُلون عن أسلحتكم وأمتعتكم، فيميلون عليكم ميلة واحدة ..} الآية (2) وماثبت في حقه عليه السلام ثبت في حق أمته، مالم يقم دليل على اختصاصه؛ لأن الله تعالى أمر باتباعه، وتخصيصه بالخطاب: { وإذا كنت} [النساء:102/4] لا يقتضي تخصيصه بالحكم، بدليل قوله تعالى: {خذ من أموالهم صدقة} [التوبة:103/9].\rوأما السنة: فقد ثبت وصح أنه صلّى الله عليه وسلم صلى صلاة الخوف في أربعة مواضع:\r-------------------------------\r(1) فتح القدير:441/1، الدر المختار:792/1، اللباب:124/1، بداية المجتهد:169/1، الشرح الصغير:517/1، القوانين: ص83، مغني المحتاج:327/1، المهذب:105/1، المغني:400/2 ومابعدها، كشاف القناع:9/3.\r(2) النساء:102.","part":2,"page":577},{"id":1269,"text":"في غزوة ذات الرِّقاع التي حدثت بعد الخندق على الصواب، وبطن نخل (اسم موضع في نجد بأرض غطفان) وعُسْفان (يبعد عن مكة نحو مرحلتين)، وذي قَرَد (ماء على بريد من المدينة،وتعرف بغزوة الغابة، في ربيع الأول سنة ست قبل الحديبية) (1) وصلاها النبي صلّى الله عليه وسلم أربعاً وعشرين مرة. وقد وردت بها الأحاديث الآتية في صفة صلاتها، مع خبر «صلوا كما رأيتموني أصلي» .\rوأجمع الصحابة على فعلها، وصلاها علي وأبو موسى الأشعري وحذيفة، وهي عند الجمهور والمشهور من المذهب المالكي جائزة في السفر والحضر، وقصرها ابن الماجشون من المالكية على حالة السفر.\rوقال أبو يوسف: إن صلاة الخوف مختصة بالنبي صلّى الله عليه وسلم ، فكانت مشروعة في حياته عليه السلام، لقوله تعالى: {وإذا كنت فيهم} [النساء:102/4]، وحكمة مشروعيتها في حياته صلّى الله عليه وسلم أن ينال كل فريق فضيلة الصلاة خلفه، وهم كانوا حراصاً على درك هذه الفضيلة، وقد ارتفع بعده عليه الصلاة والسلام، وكل طائفة تتمكن من أداء الصلاة بإمام خاص،فلا يجوز أداؤها بصفة فيها ذهاب ومجيء ونحوهما مما يخالف صفة الصلاة. ولا تصلى صلاة الخوف بعد النبي صلّى الله عليه وسلم بإمام واحد، وإنما تصلى بعده بإمامين، يصلي واحد منهما بطائفة ر كعتين، ثم يصلي الآخربطائفة أخرى وهي الحارسة ركعتين أيضاً، وتحرس التي قد صلت.\rورد هذا الاستدلال: بأن الصحابة قد أقاموها بعده عليه الصلاة والسلام، وهم أعرف بانتهاء الجواز أو بقائه.\rوالغاية من تشريعها: هو حرص الإسلام على أداء الصلاة جماعة، لتظل رابطة التجمع قوية صلبة دائمة، حتى في أشد أوقات المحن والمخاطر والأزمات.\r-------------------------------\r(1) الدر المختار ورد المحتار:794/1-795.","part":2,"page":578},{"id":1270,"text":"وتأثير الخوف في تغيير هيئة الصلاة وصفتها، لا في تغيير عدد ركعاتها، فلا يغيره الخوف، في قول الأكثرين.\rثانياً ـ سبب صلاة الخوف وشروطها:\rإن الخوف من هجوم العدو سبب لهذه الصلاة، كما رأى ابن عابدين (1) ، وحضور العدو شرط، كما في صلاة المسافر، فإن المشقة سبب لها، والسفر الشرعي شرط. والمراد بالخوف: حضرة العدو، لا حقيقة الخوف، فإن حضرة العدو أو وجوده أقيمت مقام الخوف. ولا تختص صلاة الخوف بالقتال، بل تجوز في كل خوف، كهرب من سيل أو حريق أوسبع أو جمل أو كلب ضار أو صائل أو لص أو حية ونحو ذلك، ولم يجد معدلاً عنه (2) .\rويشترط لصلاة الخوف ما يأتي (3) :\r1ً - أن يكون القتال مباحاً: أي مأذوناً فيه، سواء أكان واجباً كقتال الكفار الحربيين، والبغاة، والمحاربين (قطاع الطرق) القاصدين سفك الدماء وهتك الحرمات، لقوله تعالى: {إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا} [النساء:101/4]، أم جائزاً كقتال من أراد أخذ مال المسلمين.\rفلا تصح صلاة الخوف من البغاة والعصاة بالسفر؛ لأنها رحمة وتخفيف ورخصة، فلا يجوز أن تتعلق أو تباح بالمعاصي، أي أن صلاة الخوف لا تجوز في القتال المحظور أو الحرام، كقتال أهل العدل وقتال أصحاب الأموال لأخذ أموالهم.\r-------------------------------\r(1) رد المحتار:793/1.\r(2) المجموع:319/4.\r(3) الدر المختار:794، فتح القدير:441/1، اللباب:125/1، شرح الرسالة:253/1-254، الشرح الصغير:517/1، مغني المحتاج:305/1-306، المهذب:105/1، كشاف القناع:9/3، القوانين الفقهية: ص83-84، المغني:406/3،408،416،418 ومابعدها، الشرح الكبير:391/1-394.","part":2,"page":579},{"id":1271,"text":"2ً - حضور العدو أو السبع، أو خوف الغرق أو الحَرَق: فمن خاف العدو أو الخطر، سواء أكان الخوف على النفس أم المال، جاز له صلاة الخوف عند الجمهور والمشهور من مذهب المالكية في السفر والحضر وفي البحر والبر، في القتال أوغيره، لعموم قوله تعالى: {وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة} [النساء:102/4] فهو عام في كل حال. فلو رأوا سواداً ظنوه عدواً، فصلوها، فإن تبين الأمر كما ظنوا صحت صلاتهم، وإن ظهر خلافه، لم تجز، فإذا كانت الصلاة من غير خوف فسدت، قال الشافعية والحنابلة: من أمن وهو في الصلاة أتمها صلاة آمن، ومن كان آمناً فاشتد خوفه أتمها صلاة خائف. وقال المالكية: من أمن صلى صلاة أمان. وتكون صلاة الحضر تامة، وصلاة السفر الرباعية مقصورة؛ لأن الخوف كما قدمنا لا يؤثر في عدد الركعات، ففي السفر الذي يبيح القصر (98كم) يصلي الإمام بكل طائفة ركعة، وفي الحضر يصلي الإمام بكل طائفة ركعتين.\rثالثاً ـ كيفية أداء صلاة الخوف أو صفتها:\rاتفق الفقهاء على ناحيتين مهمتين:\rأولاهما ـ أنه يجوز للجيش أن يصلوا بإمامين، كل طائفة بإمام.\rوثانيتهما ـ أنه في اشتداد الخوف وتعذر الجماعة، يجوز للجنود أن يصلوا فرادى ركباناً وراجلين، في مواقعهم وخنادقهم، يومئون إيماء بالركوع والسجود إلى أي جهة شاءوا، إلى القبلة وإلى غيرها، يبتدئون تكبيرة الإحرام إلى القبلة إن قدروا، أو إلى غيرها؛ لأن هذه صلاة للضرورة، تسقط بها الأركان والتوجه إلى القبلة. وأما صلاة الخوف جماعة لكل الجنود، بإمام واحد: فتجوز صلاتها على أي صفة صلاها رسول الله صلّى الله عليه وسلم ، وقد جاءت الأخبار بأنها على ستة عشر نوعاً، في صحيح مسلم بعضها، ومعظمها في سنن أبي داود، وفي صحيح ابن حبان منها تسعة، ففي كل مرة كان صلّى الله عليه وسلم يفعل ما هو أحوط للصلاة وأبلغ في الحراسة.","part":2,"page":580},{"id":1272,"text":"والمشهور من ذلك سبع صفات، اختار الجمهور منها أقواها وأصحها لديهم، وأجازها كلها الحنابلة، واختار الإمام أحمد منها حديث سهل، وهي ما يأتي (1) :\rالأولى ـ صلاة النبي صلّى الله عليه وسلم في عسفان (2) : اعتمدها الشافعية والحنابلة إذا كان العدو في جهة القبلة: وهي أن يصف الإمام الناس خلفه صفين فأكثر، ويصلي بهم جميعاً ركعة إلى أن يسجد، فإذا سجد سجد معه الصف الذي يليه، وحرس الصف الآخر حتى يقوم الإمام إلى الركعة الثانية، فإذا قام سجد الصف المتخلف، ولحقوه.\rوفي الركعة الثانية سجد معه الصف الذي حرس أولاً في الركعة الأولى، وحرس الصف الآخر. فإذا جلس الإمام للتشهد سجد من حرس، وتشهد بالصفين، وسلم بهم جميعاً. فهي صلاة مقصورة لكونها في السفر. وقد اشترط الحنابلة لهذه الصفة: ألا يخاف المسلمون كميناً يأتي من خلف المسلمين، وألا يخفى بعض الكفار عن المسلمين، وأن يكون في المصلين كثرة يمكن تفريقهم طائفتين، كل طائفة ثلاثة فأكثر؛ لأن الله تعالى ذكر الطائفة بلفظ الجمع { فإذا سجدوا..} [النساء:102/4] وأقل الجمع ثلاثة. فإن خاف المسلمون كميناً (يكمن في الحرب)، أو خفي بعضهم عن المسلمين، أو كان المسلمون أقل من ستة أشخاص، صلوا على غير هذا الوجه.\r-------------------------------\r(1) اللبا ب:125/1 ومابعدها، فتح القدير:441/1-443، بداية المجتهد:170/1-171، المغني:401-416، مغني المحتاج:301/1-305، الشرح الصغير:518/1 ومابعدها، القوانين الفقهية: ص83، كشاف القناع:10/2-17، نيل الأوطار:316/3-322، الشرح الكبير:391/1 ومابعدها، شرح الرسالة:253/1.\r(2) روى هذه الصفة أبو داود من حديث أبي عياش الزرقاني، قال: «فصلاها النبي صلّى الله عليه وسلم مرتين: مرة بعسفان، ومرة بأرض بني سليم» ورواها أيضاً أحمد ومسلم وابن ماجه من حديث جابر (نيل الأوطار:319/3).","part":2,"page":581},{"id":1273,"text":"الثانية ـ صلاة النبي صلّى الله عليه وسلم في غزوة ذات الرقاع (1) : وهي التي اختارها الشافعية (2) والحنابلة إذا كان العدو في غير جهة القبلة، كما اختارها المالكية مطلقاً في مشهور المذهب، سواء أكان العدو في جهة القبلة أم لا. وهي أن يقسم الإمام العسكر طائفتين: طائفة معه، وأخرى تحرس العدو، فيصلي بأذان وإقامة بالطائفة الأولى التي معه في الصلاة الثنائية ركعة، وفي الثلاثية والرباعية ركعتين، ثم يتمون لأنفسهم ويسلمون، ثم يذهبون ويحرسون.\rوتأتي الطائفة الثانية،فيقتدون، ويصلي بهم الإمام الركعة الثانية في الثنائية، والركعتين الأخريين في الرباعية، والثالثة في المغرب، ويسلم الإمام، ويتمون صلاتهم بفاتحة وسورة، ولكن بعد سلامه عند المالكية، وينتظر الإمام في التشهد عند الشافعية والحنابلة ثم يسلم بهم، كما هو نص الحديث، ويقرأ الإمام بعد قيامه للركعة الثانية الفاتحة وسورة بعدها في زمن انتظاره الفرقة الثانية، ويكرر التشهد أو يطيل الدعاء فيه. ولا يسلم قبلهم عند الشافعية والحنابلة لقوله تعالى: {ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا، فليصلوا معك} [النساء:102/4] فيدل على أن صلاتهم كلها معه،وتحصل المعادلة بين الفرقتين، فإن الأولى أدركت مع الإمام فضيلة الإحرام، والثانية فضيلة السلام.\r-------------------------------\r(1) روى هذه الصفة الجماعة إلا ابن ماجه عن صالح بن خَوَّات عن سهل بن أبي حَثْمة وهي التي قال عنها أحمد: «وأما حديث سهل، فأنا أختاره» وسميت الغزوة بذات الرقاع؛ لأن أقدامهم نقبت، فلفوا على أرجلهم الخرق (نيل الأوطار:316/3).\r(2) والأصح عند الشافعية أنها أفضل من صلاة بطن نخل الآتية.","part":2,"page":582},{"id":1274,"text":"الثالثة ـ صلاة النبي صلّى الله عليه وسلم كما رواها ابن عمر (1) ، وهي التي اختارها الحنفية: أن يجعل الناس طائفتين: طائفة في وجه العدو، وطائفة خلفه، فيصلي بهذه الطائفة ركعة وسجدتين وتتمم صلاتها عند الجمهور بقراءة سورة الفاتحة وتسلم وتذهب للحراسة. وقال الحنفية: ثم تمضي إلى وجه العدو للحراسة بدون إتمام الصلاة.\rوتأتي الطائفة الأخرى، فيصلي بهم الإمام ركعة وسجدتين، ويتشهد ويسلم وحده لتمام صلاته، ولم يسلموا عند الحنفية لأنهم مسبوقون، وإنما يذهبون مشاة للحراسة في وجه العدو. وتتم هذه الطائفة صلاتها عند الجمهور بقراءة سورة مع الفاتحة ثم تعود لمواقعها. وقال الحنفية: ثم تجيء الطائفة الأولى إلى مكانها الأول، أو تصلي في مكانها تقليلاً للمشي، فتتم صلاتها وحدها بغير قراءة عند الحنفية؛ لأنهم في حكم اللاحقين، وتشهدوا وسلموا، وعادوا لحراسة العدو.\rثم تأتي الطائفة الثانية، فتتم صلاتها بقراءة سورة مع الفاتحة؛ لأنهم لم يدخلوا مع الإمام في أول الصلاة، فاعتبروا في حكم السابقين. ومذهب أشهب تلميذ مالك موافق في هذه الكيفية لمذهب الحنفية.\rكيفية أداء الصلوات الخمس حال الإقامة:\rفإن كان الإمام مقيماً صلى بالطائفة الأولى ركعتين من الرباعية، وبالطائفة الثانية ركعتين، تسوية بينهما. ويصلي ـ في المذاهب الأربعة ـ بالطائفة الأولى ركعتين من المغرب، وبالثانية ركعة؛ لأنه إذا لم يكن بدّ من التفضيل فالأولى أحق به، وما فات الثانية ينجبر بإدراكها السلام مع الإمام. ويصلي الصبح بكل طائفة ركعة.\r-------------------------------\r(1) حديث متفق عليه (نيل الأوطار:318/3).","part":2,"page":583},{"id":1275,"text":"الرابعة ـ صلاة النبي صلّى الله عليه وسلم في بطن نخل (مكان من نجد بأرض غطفان) (1) ، واعتمدها الشافعية بعد صلاة ذات الرقاع إذا كان العدو في غير جهة القبلة: وهي أن يصلي الإمام مرتين صلاة كاملة، بكل طائفة مرة، ويسلم بكل طائفة. وصفتها حسنة قليلة الكلفة لا تحتاج إلى مفارقة الإمام ولا إلى تعريف كيفية الصلاة، وليس فيها أكثر من أن الإمام في الصلاة الثانية متنفل يؤم مفترضين، وهو جائز اتفاقاً، وعند الحنابلة والحنفية جائز في صلاة الخوف فقط، ممنوع في غيرها.\rالخامسة ـ صلاة النبي صلّى الله عليه وسلم في ذات الرقاع كما رواها جابر(2) : وهي أن يصلي الإمام الصلاة الرباعية تامة أربعاً بالنسبة إليه، وتصلي معه كل طائفة صلاة مقصورة ركعتين، بلا قضاء للركعتين، فكان للإمام أربع تامة، وللقوم ركعتان مقصورة.\rالسادسة ـ صلاة النبي صلّى الله عليه وسلم بذي قَرَد ( ماء على بريد:22176 م من المدينة) . رواها ابن عباس، وحذيفة، وزيد بن ثابت (3) وغيرهم، ومنعها أكثر الفقهاء، فقال الشافعي عن حديث ابن عباس: «لا يثبت» ؛ لأن الخوف لا يؤثر في نقص الركعات، وأجازها الإمام أحمد والمحدثون لصحة الأحاديث فيها: وهي أن يصف الإمام الناس صفين: صفاً خلفه، وصفاً موازي العدو، ويصلي الرباعية الجائز قصرها بكل طائفة ركعة فقط، بلا قضاء ركعة أخرى.\rالسابعة ـ صلاته صلّى الله عليه وسلم بأصحابه عام غزوة نجد، رواها أبو هريرة (4) : وهي\r-------------------------------\r(1) رواه الشيخان وأحمد وأبو داود والنسائي عن أبي بكرة، ورواه الشافعي والنسائي عن جابر مرفوعاً إلى النبي صلّى الله عليه وسلم ( نيل الأوطار:320/3).\r(2) متفق عليه بين أحمد والشيخين: البخاري ومسلم ( نيل الأوطار:319/3).\r(3) حديث ابن عباس رواه النسائي بإسناد رجاله ثقات، وحديث حذيفة رواه أبو داود والنسائي، وحديث زيد رواه النسائي ( نيل الأوطار:321/3-322).\r(4) رواه أحمد وأبو داود والنسائي (نيل الأوطار:320/3-321).","part":2,"page":584},{"id":1276,"text":"أن تقوم مع الإمام طائفة، وتبقى طائفة أخرى تجاه العدو، وظهرها إلى القبلة، ثم يحرم وتحرم معه الطائفتان، وتصلي معه إحدى الطائفتين ركعة، ثم يذهبون فيقومون في وجه العدو، ثم تأتي الطائفة الأخرى، فتصلي لنفسها ركعة،والإمام قائم، ثم يصلي بهم الركعة التي بقيت معه. ثم تأتي الطائفة القائمة في وجه العدو، فيصلون لأنفسهم ركعة، والإمام قاعد، ثم يسلم الإمام ويسلمون جميعاً، أي أن ابتداء الصلاة وانتهاءها تم باشتراك الطائفتين مع الإمام.\rحمل السلاح في أثناء الصلاة: يسن للمصلي عند الشافعية والحنابلة (1) في صلاة شدة الخوف حمل السلاح في أثناء الصلاة احتياطاً، ليدفع به العدو عن نفسه، لقوله تعالى: {وليأخذوا أسلحتهم} [النساء:102/4] وقوله {ولا جناح عليكم إن كان بكم أذى من مطر، أو كنتم مرضى أن تضعوا أسلحتكم} [النساء:102/4] فدل على الجناح (الإثم) عند عدم ذلك، لكن لا يحمل في الصلاة سلاحاً نجساً، ولا ما يتأذى به الناس من الرمح في وسط الناس.\rصلاة الجمعة في حال الخوف: قال الشافعية والحنابلة (2) : تصلى الجمعة في حال الخوف ببلد حضراً لا سفراً، بشرط كون كل طائفة أربعين رجلاً فأكثر ممن تصح بهم الجمعة، ويسمعون الخطبة.\rوتكون الصلاة كصلاة عسفان وكذات الرقاع، لا كصلاة بطن نخل التي تتعدد في صلاة الإمام مرتين بكل طائفة مرة؛ إذ لا تقام جمعة بعد أخرى، ولا يجوز أن يخطب بإحدى الطائفتين، ويصلي بالأخرى، حتى يصلي معه من حضر الخطبة.\r-------------------------------\r(1) مغني المحتاج:304/1، كشاف القناع:17/2، المهذب:107/1.\r(2) مغني المحتاج:303/1، المغني:405/2، كشاف القناع:17/2.","part":2,"page":585},{"id":1277,"text":"سهو الإمام في صلاة الخوف: قال المالكية والشافعية والحنابلة (1) : إذا فرق الإمام العسكر فرقتين كما حدث في صلاة ذات الرقاع أو صلاة عسفان، فسهو الإمام في الركعة الأولى يلحق الجميع، فيسجد المفارقون للسهو عند تمام صلاتهم؛ لأن صلاة الإمام ذاتها نقص في صلاتهم، إلا أن المالكية قالوا: تسجد الفرقة الأولى للسجود القبلي قبل السلام، والبعدي بعده، وتسجد الفرقة الثانية السجود القبلي مع الإمام، وتسجد السجود البعدي بعد قضاء ما عليها.\rأما بعد المفارقة في الركعة الثانية: فلا يلحق سهو الإمام الأولين؛ لمفارقتهم الإمام قبل السهو.\rوتسجد الفرقة الثانية مع الإمام آخر صلاته، ويلحقهم سهوه في حال انتظارهم.\rأما سهو كل فرقة في الركعة الأولى للفرقة الأولى، وفي الركعة الثانية للفرقة الثانية، فيتحمله الإمام، لاقتداء الفرقة الأولى بالإمام حقيقة في الركعة الأولى، واقتداء الفرقة الثانية حكماً في الركعة الثانية.\rرابعاً ـ صفة ما يقضيه المسبوق في صلاة الخوف، هل هو أول صلاته أو آخرها؟\rسبق بحث هذا الموضوع في صلاة الجماعة ـ بحث المسبوق، وملخصه (2) : أن الشافعي قال: ما يدركه المسبوق أول صلاته، وما يقضيه آخر صلاته لقوله صلّى الله عليه وسلم : «ما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا» وهذا هو المتبادر للذهن المتفق مع ترتيب ما أنجز من أعمال الصلاة، فمن أدرك ركعة في صلاة المغرب، قام إلى ركعة واحدة، فقرأ الفاتحة وسورة، ثم جلس للتشهد، ثم أتى بركعة يقرأ فيها الفاتحة فقط.\r-------------------------------\r(1) الشرح الصغير:520/1، مغني المحتاج:303/1-304، كشاف القناع:12/2، المهذب:106/1.\r(2) المغني:407/2-408، بداية المجتهد:181/1 ومابعدها.","part":2,"page":586},{"id":1278,"text":"وقال الحنفية والحنابلة في ظاهر المذهب: ما يقضيه المسبوق أول صلاته، وما يدركه مع الإمام آخرها، أي عكس ترتيب ما أنجز من أعمال الصلاة ، لخبر «ماأدركتم فصلوا، وما فاتكم فاقضوا» ، فيقرأ دعاء الافتتاح ويتعوذ، ويقرأ السورة بعد الفاتحة، وإذا أدرك مع الإمام ركعة من المغرب فقط، صلى ركعتين من غير أن يجلس بينهما، ثم قام.\rوقال المالكية: يفرق بين الأقوال والأفعال، فيقضي في الأقوال أي القراءة، كالحنفية والحنابلة، ويبني في الأفعال أي الأداء كالشافعية.\rخامساً ـ متى تبطل صلاة الخوف؟\rقال الحنفية (1) : تفسد صلاة الخوف بمشي لغير اصطفاف، وسبق حدث، وركوب مطلقاً أي لاصطفاف أو غيره؛ لأن الركوب عمل كثير، وهو مما لا يحتاج إليه، بخلاف المشي، فإنه أمر لا بد منه، حتى يصطفوا بإزار العدو.\rكما تفسد بقتال كثير، لا بقليل كرَمْية سهم، فلا يقاتل المصلون حال الصلاة لعدم الضرورة إليه، فإذا فعلوا ذلك، وكان كثيراً، بطلت صلاتهم لمنافاته للصلاة من غير ضرورة إليه، بخلاف المشي، فإنه ضروري لأجل الاصطفاف.\rقال النووي (2) : لا يجوز الصياح ولا غيره من الكلام بلا خلاف، فإن صاح فبان منه حرفان، بطلت صلاته بلا خلاف؛ لأنه ليس محتاجاً إليه، بخلاف المشي وغيره.\rولا تضر الأفعال اليسيرة بلا خلاف؛ لأنها لا تضر في غير الخوف ففيه أولى.\rوأما الأفعال الكثيرة: فإن لم تتعلق بالقتال، بطلت الصلاة بلا خلاف. وإن تعلقت به كالطعنات والضربات المتوالية، فإن لم يحتج إليها أبطلت بلا خلاف أيضاً؛ لأنها عبث.\rوإن احتاج إليها فالأصح عند الأكثرين: أن الصلاة لا تبطل؛ قياساً على المشي، ولأن مدار القتال على الضرب، ولا يحصل المقصود غالباً بضربة وضربتين، ولا يمكن التفريق بين الضربات.\r-------------------------------\r(1) الدر المختار:794/1، فتح القدير:444/1، اللباب:126/1.\r(2) المجموع:317/4، المهذب:107/1.","part":2,"page":587},{"id":1279,"text":"سادساً ـ الصلاة عند التحام القتال واشتداد الخوف:\rاتفق الفقهاء ـ كما أشرنا - على أنه ليس للصلاة كيفية معينة عند اشتداد الخوف من العدو، ويصلي العسكر إيماء. وعبارات الفقهاء في ذلك ما يأتي:\rقال الحنفية (1) : إن اشتد خوف العسكر بحيث لا يدعهم العدو يصلون وعجزوا عن النزول، صلوا ركباناً فرادى؛ لأنه لا يصح الاقتداء لاختلاف المكان بين الإمام والمأمومين، ويومئون بالركوع والسجود إلى أي جهة شاؤوا، إذا لم يقدروا على التوجه إلى القبلة، لقوله تعالى: {فإن خفتم فرجالاً أو ركباناً} [البقرة:239/2]، وسقط التوجه للقبلة للضرورة، كما سقطت أركان الصلاة.\rوالسابح في البحر: إن أمكنه أن يرسل أعضاءه ساعة صلى بالإيماء، وإلا لاتصح صلاته، كصلاة الماشي والسائف، وهو يضرب بالسيف، فلا يصلي أحد حال المسايفة.\rوقال الجمهور: تجوز الصلاة إيماء عند اشتداد الخوف وفي حال التحام القتال، وهي صلاة المسايفة.\rوعبارة المالكية (2) : تجوز الصلاة عند اشتداد الخوف، وفي حال المسايفة أو مناشبة الحرب، في آخر الوقت المختار، إيماء بالركوع والسجود إن لم يمكنا، ويخفض للسجود أكثر من الركوع، فرادى (وُحداناً) ، بقدر الطاقة، مشاة أو ركباناً، وقوفاً أو ركضاً، مستقبلي القبلة وغير مستقبليها.\rفيحل للمصلي صلاة الالتحام للضرورة مشي وهرولة وجري وركض، وضرب وطعن للعدو، وكلام من تحذير وإغراء، وأمر ونهي، وعدم توجه للقبلة، ومسك سلاح ملطخ بالدم. فإن أمنوا في صلاة الالتحام أتموا صلاة أمن بركوع وسجود.\r-------------------------------\r(1) الدر المختار:794/1، فتح القدير:445/1، مراقي الفلاح: ص94، اللباب:127/1.\r(2) بداية المجتهد:172/1، الشرح الصغير:520/1- 521، شرح الرسالة:254/1، القوانين الفقهية: ص83.","part":2,"page":588},{"id":1280,"text":"وعبارة الشافعية (1) : إذا التحم القتال أو اشتد الخوف يصلي كل واحد كيف أمكن راكباً وماشياً، وأومأ للركوع والسجود، إن عجز عنهما، والسجود أخفض. ويعذر في ترك القبلة، وكذا الأعمال الكثيرة لحاجة في الأصح، ولا يعذر في الصياح بل تبطل به الصلاة، ويُلقي السلاح إذا دُمي دماً لا يعفى عنه، حذراً من بطلان الصلاة، فإن احتاج إلى إمساكه بأن لم يكن له منه بد، أمسكه للحاجة. ولاقضاء للصلاة حينئذ في الأظهر.\rوله أن يصلي هذه الصلاة (أي شدة الخوف) حضراً وسفراً، في كل قتال وهزيمة مباحين وهرب من حريق وسيل وسبع وغريم عند الإعسار، وخوف حبسه.\rوعبارة الحنابلة (2) : إذا كان الخوف شديداً، وهم في حال المسايفة، صلوا رجالاً وركباناً ، إلى القبلة وإلى غيرها، يومئون إيماء بالركوع والسجود على قدر الطاقة، ويكون سجودهم أخفض من ركوعهم كالمريض، يبتدئون تكبيرة الإحرام إلى القبلة إن قدروا أو إلى غيرها. ويتقدمون ويتأخرون، ويضربون ويطعنون، ويكرون ويفرون، ولا يؤخرون الصلاة عن وقتها.\rويصح أن يصلوا في حال شدة الخوف جماعة، بل تجب، رجالاً وركباناً، بشرط إمكان المتابعة، فإن لم تمكن لم تجب الجماعة ولا تنعقد.\rولا يضر تأخر الإمام عن المأموم في شدة الخوف، للحاجة إليه.\rولا يضر تلويث سلاحه بدم ولو كان كثيراً، وتبطل الصلاة بالصياح والكلام لعدم الحاجة إليه.\rوتجوز هذه الصلاة لمن هرب من عدو هرباً مباحاً كخوف قتل أو أسر محرَّم بأن يكون الكفار أكثر من مثلي المسلمين، أو هرب من سيل أو سبع ونحوه، كنار أو غريم ظالم، أو خاف على نفسه أو أهله أو ماله من شيء مما سبق.\r-------------------------------\r(1) مغني المحتاج:304/1 ومابعدها، المهذب:107/1.\r(2) المغني:416/2-418، كشاف القناع:18/2 ومابعدها.","part":2,"page":589},{"id":1281,"text":"المبحث الثامن ـ صلاة الجنازة، وأحكام الجنائز والشهداء والقبور\rوفيه أربعةمطالب، علماً بأن المراد بالجنازة ـ بفتح الجيم أو كسرها ـ الميت في النعش:\rالمطلب الأول ـ ما يطلب من المسلم قبل الموت، وما يستحب حالة الاحتضار وبعد الموت من التجهيز.\rالمطلب الثاني ـ حقوق الميت (الغسل، والتكفين، والصلاة عليه، وحمل الجنازة والدفن).\rالمطلب الثالث ـ التعزية والبكاء على الميت.\rالمطلب الرابع ـ الشهادة في سبيل الله .\rوفي كل مطلب فروع كثيرة، أبحث كل مطلب منها على حدة.\rالمطلب الأول ـ مايطلب من المسلم قبل الموت، وما يستحب حالة الاحتضار وبعد الموت من التجهيز:\rالاستعداد للموت: الموت جسر بين حياتين: حياة الدنيا الفانية، وحياة الآخرة الخالدة، والدنيا مزرعة للآخرة، فمن عمل صالحاً في دنياه، نجا من سوء الحساب والعذاب في الآخرة، وكان من الخالدين في جنان الله ، ومن عمل سوءاً كان من المعذبين في نار جهنم إلا أن يعفو الله عنه. والموت انتقال من عالم لآخر، وليس فناء، وإنما هو مفارقة الروح للبدن، والروح عند جمهور المتكلمين: جسم لطيف مشتبك بالبدن اشتباك الماء بالعود الأخضر، وهو باق لايفنى عند أهل السنة. وقوله تعالى: { الله يتوفى الأنفس حين موتها } [الزمر:39/42] تقديره عند موت أجسادها.","part":2,"page":590},{"id":1282,"text":"والمستحب لكل إنسان ذكر الموت والاستعداد له (1) ، لقوله صلّى الله عليه وسلم : «أكثروا من ذكر هاذم اللذات» (2) يعني الموت، والهاذم: القاطع. زاد البيهقي والنسائي: «فإنه ما ذكر في كثير إلا قلله، ولا قليل إلا كثره» أي كثير من الدنيا، وقليل من العمل. ولحديث ابن مسعود: «أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم قال لأصحابه: استحيوا من الله حق الحياء، قالوا : نستحيي يانبي الله ، والحمد لله ، قال: ليس كذلك، ولكن من استحيا من الله حق الحياء، فليحفظ الرأس وما وعى، وليحفظ البطن وما حوى، وليذكر الموت والبلى، ومن أراد الآخرة ترك زينة الدنيا، ومن فعل ذلك، فقد استحيا من الله حق الحياء» (3) .\rوالاستعداد للموت: بالخروج من المظالم، والتوبة من المعاصي، والإقبال على الطاعات، لقوله تعالى: {فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملاً صالحاً، ولايشرك بعبادة ربه أحداً} [الكهف:18/110] ولما روى البراء بن عازب أن النبي صلّى الله عليه وسلم أبصر جماعة يحفرون قبراً، فبكى حتى بلَّ الثرى بدموعه، وقال: «إخواني لمثل هذا فأعدوا» (4) أي تأهبوا واتخذوا له عُدة، وهي ما يعد للحوادث.\rويسن للمريض عند الاحتضار أن يحسن الظن بالله تعالى، متناسياً آثامه وسيئاته، معتقداً أنه مقبل على رب كريم غفار للذنوب كلها، ما دام مؤمناً، للحديث القدسي الصحيح الذي أخرجه البخاري ومسلم : «أنا عند ظن عبدي بي» .\r-------------------------------\r(1) المهذب:126/1، مغني المحتاج:329/1، كشاف القناع:87/2، المغني:448/2. (2) رواه الترمذي والنسائي وابن ماجه وأبو نعيم في الحلية عن ابن عمر بلفظ «أكثروا ذكر هاذم اللذات: الموت» ورواه الحاكم والبيهقي عن أبي هريرة، ورواه آخرون عن أنس، وهو صحيح.\r(3) رواه الترمذي بإسناد حسن.\r(4) رواه ابن ماجه بإسناد حسن.","part":2,"page":591},{"id":1283,"text":"عيادة المريض: تسن عيادة المريض (1) ، قال البراء: «أمرنا رسول الله صلّى الله عليه وسلم باتباع الجنائز وعيادة المريض» (2) ، وعن أبي هريرة مرفوعاً: «حق المسلم على المسلم ست، إذا لقيته فسلم عليه، وإذا دعاك فأجبه، وإذا استنصحك فانصح له، وإذا عطس فحمد الله فشمِّته، وإذا مرض فعده، وإذا مات فاتْبعه» (3) ، وعن علي رضي الله عنه: «أن النبي صلّى الله عليه وسلم قال: ما من مسلم يعود مسلماً غدوة إلا صلى عليه سبعون ألف ملك حتى يمسي، وإن عاده عشية إلا صلى عليه سبعون ألف ملك حتى يصبح، وكان له خريف في الجنة» (4) .\rالرقية: إذا دخل الرجل على مريض دعا له بالصلاح والعافية ورقاه، قال ثابت لأنس: يا أبا حمزة اشتكيت، قال أنس: أفلا أرقيك برقية رسول الله صلّى الله عليه وسلم ؟ قال: بلى، قال: «اللهم رب الناس، مذهب الباس، اشف أنت الشافي، شفاء لا يغادر سقماً» ، وروى أبو سعيد قال: «بسم الله أرقيك من كل شيء يؤذيك، من شر كل نفس، وعين حاسدة، الله يشفيك» (5) .\r-------------------------------\r(1) مغني المحتاج:257/1، المهذب:126/1، المجموع:94/5-103، المغني:449/2، كشاف القناع:85/2-91.\r(2) رواه البخاري ومسلم.\r(3) رواه البخاري ومسلم وأبو داود.\r(4) قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب.\r(5) قال أبو زرعة: كلا هذين الحديثين صحيح........","part":2,"page":592},{"id":1284,"text":"والمستحب أن يقول: ( أسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يشفيك ) سبع مرات، لما روي أن النبي صلّى الله عليه وسلم قال: «من عاد مريضاً لم يحضره أجله، فقال عنده سبع مرات: أسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يشفيك، عافاه الله تعالى من ذلك المرض» (1) .\rويستحب أن يقرأ عنده فاتحة الكتاب، لقوله صلّى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: «وما يدريك أنها رقية؟» ، وأن يقرأ عنده سورة الإخلاص والمعوذتين. فقد ثبت ذلك عنه صلّى الله عليه وسلم ،وروى أبو داود: «أنه صلّى الله عليه وسلم قال:إذا جاء رجل يعود مريضاً، فليقل:اللهم اشف عبد ك ينكأ بك عدواً، أو يمشي لك إلى صلاة» ، وصح أن جبريل عاد النبي صلّى الله عليه وسلم فقال: «بسم الله أرقيك من كل شيء يؤذيك، من شر كل نفس ، أو عين حاسد، الله يشفيك، باسمه أرقيك» وأنه صلّى الله عليه وسلم كان إذا دخل على من يعوده، قال: «لا بأس، طهور إن شاء الله » .\rمجاملة المريض :ويسأل العائد المريض عن حاله، وينفِّس له في الأجل بما يطيب نفسه، إدخالاً للسرور عليه، ولقولهصلّى الله عليه وسلم : «إذا دخلتم على المريض فنفِّسوا له في الأجل، فإنه لا يرد من قضاء الله شيئاً، وإنه يطيب نفس المريض» (2) ويرغِّبه في التوبة والوصية، لحديث «ما حق امرئ مسلم يبيت ليلتين وله شيء يوصي فيه، إلا ووصيته مكتوبة عنده» (3) .\rولا يطيل العائد الجلوس عند المريض خوفاً من الضجر، وتكره العيادة وسط النهار، ويعاد بكرة أوعشياً، ويعاد في رمضان ليلاً، لأنه ربما رأى من المريض مايضعفه.\rالشكوى والصبر وحسن الظن بالله تعالى: ويخبر المريض عن حاله من الوجع، ولو لغير طبيب بلا شكوى، بعد أن يحمد الله ، لحديث ابن مسعود مرفوعاً: «إذا كان الشكر قبل الشكوى فليس بشاكٍ»\r-------------------------------\r(1) حديث صحيح رواه أبو داود والحاكم والترمذي والنسائي عن ابن عباس، قال الترمذي: هو حديث حسن، وقال الحاكم: صحيح على شرط البخاري.\r(2) رواه ابن ماجه، وهو ضعيف.\r(3) متفق عليه من حديث ابن عمر.","part":2,"page":593},{"id":1285,"text":"ويستحب أن يصبَّر المريض وكل مبتلى، للأمر به في قوله تعالى: {واصبر وما صبرك إلا بالله } [النحل:16/127] وقوله: { إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب} [الزمر:39/10] وقوله صلّى الله عليه وسلم : «والصبر ضياء» (1) ، وروي أن امرأة جاءت إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلم فقالت: « يارسول الله ، ادع الله أن يشفيني، فقال: إن شئت دعوت الله فشفاك، وإن شئت فاصبري ولا حساب عليك، فقالت: أصبر ولا حساب علي» (2) .\rوالصبر الجميل: صبر بلا شكوى إلى المخلوق، والشكوى إلى الخالق لا تنافي الصبر، بل هي مطلوبة، ومن الشكوى إلى الله قول أيوب: «رب إني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين» وقول يعقوب: «إنما أشكو بثي وحزني إلى الله » .\rوينبغي كما تقدم أن يكون المريض حسن الظن بالله تعالى، لما روى جابر رضي الله عنه أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم قال: «لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله تعالى» (3) ومعناه: أن يظن أن الله تعالى يرحمه، ويرجو ذلك كرماً ورحمة ومسامحة؛ لأنه أكرم الأكرمين يعفو عن السيئات، ويقيل العثرات، فيقدم الرجاء على الخوف، كما في الحديث الصحيح: «أنا عند حسن ظن عبدي بي» (4) .\rكراهة تمني الموت: يكره تمني الموت لضر نزل بالمرء في بدنه أو ضيق في دنياه أو نحو ذلك، جاء في الصحيحين: «لا يتمنين أحدكم الموت لضر أصابه، فإن كان لا بد فاعلاً، فليقل: اللهم أحيني ما كانت الحياة خيراً لي، وتوفني ما كانت الوفاة خيراً لي.\r» ولا يكره تمني الموت لضرر بدينه أو خوف فتنة، لقوله صلّى الله عليه وسلم : «وإذا أردت بعبادك فتنة، فاقبضني إليك غير مفتون» .\r-------------------------------\r(1) رواه مسلم عن أبي مالك الأشعري.\r(2) رواه البغوي بلفظه عن أبي هريرة، ورواه بلفظ آخر البخاري ومسلم عن ابن عباس.\r(3) رواه مسلم.\r(4) متفق عليه في الصحيحين عن أبي هريرة مرفوعاً، زاد أحمد: «إن ظن بي خيراً فله، وإن ظن شراً فله» .","part":2,"page":594},{"id":1286,"text":"وتمني الشهادة في سبيل الله ليس من تمني الموت المنهي عنه:\rالتداوي: قال الشافعية: ويسن للمريض التداوي، لخبر: «إن الله لم يضع داء إلا وضع له دواء، غير المحرَّم» (1) ، وخبر ابن مسعود: «ما أنزل الله داء إلا وأنزل له دواء، جهله من جهله، وعلمه من علمه، فعليكم بألبان البقر، فإنها تُرِمُّ من كل الشجر» (2) أي تأكل. وخبر أبي الدرداء: « إن الله تعالى أنزل الداء والدواء، وجعل لكل داء دواء، فتداووا ولا تداووا بالحرام» (3) ويكره إكراه المريض على التداوي وعلى الطعام، لما في ذلك من التشويش عليه.\rقال النووي في المجموع (4) : إن ترك التداوي توكلاً، فهو فضيلة.\rوكذلك قال الحنابلة (5) : ترك الدواء أفضل؛ لأنه أقرب إلى التوكل. ولا يجب التداوي ولو ظن نفعه، لكن يجوز اتفاقاً، ولا ينافي التوكل، لخبر أبي الدرداء السابق. ويحرم التداوي بسُمْ لقوله تعالى: {ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة} [البقرة:195/2].\r-------------------------------\r(1) قال الترمذي: حسن صحيح.\r(2) رواه ابن حبان والحاكم عن ابن مسعود.\r(3) رواه أبو داود في سننه بإسناد فيه ضعف، ولم يضعفه هو، وما لم يضعفه فهو عنده صحيح أو حسن. وروى البخاري عن أبي هريرة «إن الله لم ينزل داء إلا أنزل له شفاء» .\r(4) المجموع:95/5.\r(5) كشاف القناع:85/2.","part":2,"page":595},{"id":1287,"text":"عيادة الذمي: قال الحنابلة (1) : تحرم عيادة الذمي كبداءته بالسلام.\rوقال الشافعية (2) : لا تستحب عيادة الذمي، لكن تجوز إن كان هناك جوار أو قرابة أو نحوهما كرجاء إسلامه، وفاء بصلة الرحم وحق الجوار. جاء في صحيح البخاري عن أنس قال: «كان غلام يهودي يخدم النبي صلّى الله عليه وسلم فمرض، فأتاه النبي صلّى الله عليه وسلم يعوده، فقعد عند رأسه، فقال له: أسلم، فنظر إلى أبيه، وهو عنده، فقال له: أطع أبا القاسم، فأسلم، فخرج النبي صلّى الله عليه وسلم وهو يقول: الحمد لله الذي أنقذه من النار» .\rتوبة اليأس وإيمان اليأس (3) : اتفق العلماء على أن إيمان اليأس لا يقبل، لقوله تعالى: {فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا} [غافر:40/85]واليأس: معاينة أسباب الموت بحيث يعلم قطعاً أن الموت يدركه لا محالة.\rوقال الأشاعرة : إن توبة اليأس لا تقبل كإيمان اليأس، لعدم الاختيار، وعدم توافر ركن التوبة: وهو العزم بطريق التصميم على ألا يعود في المستقبل إلى ما ارتكب من المعاصي.\rوالمختار عند الحنفية: أن توبة اليأس مقبولة، لا إيمان اليأس؛ لأن الكافر غير عارف بالله تعالى، ويبدأ إيماناً وعرفاناً جديداً، والفاسق عارف، وحاله حال البقاء، والبقاء أسهل من الابتداء، ولقوله صلّى الله عليه وسلم : «إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر» (4) والغرغرة تكون قرب كون الروح في الحلقوم، وحينئذ فلا يمكن النطق.\rموت الفجأة وهيئة البعث: صح أن الميت يبعث بالحالة التي يموت فيها من الأعمال، لقوله صلّى الله عليه وسلم : «يبعث كل عبد على مامات عليه» (5) . وصح أن موت الفجأة أخذة أسف، وروي أنه صلّى الله عليه وسلم استعاذ من موت الفجأة. والتوفيق بين الأمرين: أن يحمل الأول على من له تعلقات يحتاج بسببها إلى الإيصاء والتوبة، أما المتيقظون فإنه تخفيف ورفق بهم، روي عن ابن مسعود وعائشة: أن موت الفجأة راحة للمؤمن، وأخذة غضب للكافر (6) .\rما يستحب حال الاحتضار: يستحب للمحتضر وهو من حضره الموت ولم يمت ما يأتي (7) ، علماً بأن علامة الاحتضار: استرخاء قدميه، واعوجاج منخره، وانخساف صد غيه، والاحتضار: هو ظهور دلائل الموت على المريض.\rأ - إضجاعه على جنبه الأيمن إلى القبلة، اتباعاً للسنة، لقوله صلّى الله عليه وسلم عن البيت الحرام: «قبلتكم أحياء وأمواتاً» (8) ، ولقول حذيفة: «وجهوني» وقول فاطمة الزهراء لأم رافع: «استقبلي بي القبلة» (9) .\r-------------------------------\r(1) كشاف القناع:88/2.\r(2) المجموع:99/1، مغني المحتاج:329/1-330.\r(3) رد المحتار والدر المختار:796/1....\r(4) أخرجه أبو داود وأحمد والترمذي وابن ماجه وابن حبان والحاكم والبيهقي عن ابن عمر، وهو حديث حسن.\r(5) رواه مسلم وابن ماجه عن جابر.\r(6) مغني المحتاج:368/1.\r(7) الدر المختار ورد المحتار:795-800، فتح القدير:446/1 ومابعدها، مراقي الفلاح: ص94ومابعدها، اللباب:127/1 ومابعدها، بداية المجتهد:218/1، القوانين الفقهية: ص91، الشرح الصغير:561/1-563، الشرح الكبير:423/1، مغني المحتاج:330/1-332، المهذب:126/1 ومابعدها، المغني:449/2-453، كشاف القناع:92/2-96.\r(8) رواه أبو داود، وقال عليه السلام: «خير المجالس ما استقبل به القبلة» .\r(9) أخرجه أحمد (نصب الراية:250/2).","part":2,"page":596},{"id":1288,"text":"فإن تعذر ذلك لضيق المكان ونحوه يوضع مستلقياً على قفاه ووجهه وقدماه نحو القبلة؛ لأنه أيسر لخروج روحه. وإن شق عليه ترك على حاله. ويسن تجريع المحتضر بماء بارد بملعقة أو قطنة مثلاً.\rب - تلقينه الشهادة مرة: وهي «لا إله إلا الله » بأن يقول القريب عنده ذلك، لقوله صلّى الله عليه وسلم : «لقنوا موتاكم لا إله إلا الله » (1) وزيد في رواية: «فإنه ليس مسلم يقولها عند الموت إلا أنجته من النار» وروى أبو داود والحاكم حديثاً عن معاذ: «من كان آخر كلامه لا إله إلا الله ، دخل الجنة» .\rوقال الحنفية المالكية: يلقن ندباً الشهادتين قبل الغرغرة، لأن الأولى لا تقبل بدون الثانية. وذلك عند الجميع في لطف ومداراة. من غير إلحاح عليه ولا تكرار ولا أمر، لئلا يضجر، فإن تكلم بشيء فيعيد تلقينه لتكون «لا إله إلا الله » آخر كلامه.","part":2,"page":597},{"id":1289,"text":"وأضاف الحنفية: لا يلقن بعد تلحيده: وضعه في القبر، وإن فعل فالتلقين مشروع عند أهل السنة، ويكفي أن يقال: «يا فلان ابن فلان، أو يا عبد الله بن عبد الله ، اذكر دينك الذي كنت عليه في دار الدنيا، من شهادة أن لا إله إلا الله ، وأن محمداً رسول الله ، وقل: رضيت بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد نبياً» (2) . ويغتفر في حق المحتضر ما ظهر منه من كلمات كفرية، ويعامل معاملة موتى المسلمين، حملاً على أنه في حال زوال عقله.\rوقد أجمع أهل السنة على أن سؤال الملكين في القبر حق، وأن كل ذي روح من بني آدم يسأل في القبر. والأرجح عند ابن عبد البر والسيوطي: أن الآثار دلت على أنه لا يكون السؤال إلا لمؤمن أو منافق، ممن يكون منسوباً إلى أهل القبلة بظاهر الشهادة، دون الكافر الجاحد.\rوذكر السيوطي أن من لايسأل ثمانية: الشهيد والمرابط، والمطعون، والميت زمن الطاعون إذا كان صابراً محتسباً، والصدِّيق، والأطفال، والميت يوم الجمعة أو ليلتها، والقارئ كل ليلة: تبارك الملك. وضم بعضهم إليها السجدة، والقارئ في مرض موته: قل هو الله أحد.\r-------------------------------\r(1) أخرجه الجماعة إلا البخاري عن أبي سعيد الخدري، وروي أيضاً عن أبي هريرة وجابر بن عبد الله وعائشة وعبد الله بن جعفر وواثلة بن الأسقع، وابن عمر (نصب الراية:253/2).\r(2) روي عنه عليه الصلاة والسلام أنه أمر بالتلقين بعد الدفن، فيقول: «يا فلان ابن فلان، اذكر دينك الذي كنت عليه، من شهادة أن لا إله إلا الله ، وأن محمداً رسول الله، وأن الجنة حق، والنار حق، وأن البعث حق، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور، وأنك رضيت بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد صلّى الله عليه وسلم نبياً، وبالقرآن إماماً، وبالكعبة قبلة، وبالمؤمنين إخواناً»","part":2,"page":598},{"id":1290,"text":"جـ ـ قراءة القرآن عند المحتضر: قال المالكية: تكره القراءة عند الموت إن فعله استناناً كما يكره القراءة بعد الموت، وعلى القبر؛ لأنه ليس من عمل السلف، لكن المتأخرون على أنه لا بأس بقراءة القرآن والذكر وجعل ثوابه للميت، ويحصل له الأجر إن شاء الله . وقال الجمهور: يندب قراءة {يس} لحديث «اقرؤوا على موتاكم يس» (1) واستحسن بعض متأخري الحنفية والشافعية قراءة {الرعد} أيضا ً، لقولجابر: «إنها تهون عليه خروج روحه»\r.والحكمة من قراءة {يس} أن أحوال القيامة والبعث مذكورة فيها، فإذا قرئت عنده، تجدد له ذكر تلك الأحوال.\rد ـ أن يتولى أرفق أهل المريض به، وأعلمهم بسياسته، وأتقاهم لربه تعالى إذا مات لا قبل الموت: إغماض عينيه، وشد لَحْييه (الفك السفلي) بعصابة من أسفلهما، وتربط فوق رأسه، تحسيناً له، ويقول: «بسم الله ، وعلى ملة رسول الله، اللهم يسِّر عليه أمره، وسهِّل عليه ما بعده، وأسعده بلقائك، واجعل ما خرج إليه خيراً مما خرج عنه» قال الحنفية: ويخرج من عنده الحائض والنفساء والجنب، لامتناع حضور الملائكة بسببهم.\r-------------------------------\r(1) رواه أبو داود وابن حبان وصححه، وابن ماجه وأحمد (نيل الأوطار:22/4)","part":2,"page":599},{"id":1291,"text":"ويحضر عنده الطيب كبخور، وتلين مفاصله (1) من اليدين والرجلين، وتلين أصابعه، ويستر جميع بدنه بثوب خفيف كما فعل بالنبي صلّى الله عليه وسلم إذ سُجِّي (غطي) ببُرد حِبرة (ثوب في أعلام)، ويوضع على بطنه شيء ثقيل من أنواع الحديد، لئلا ينتفخ فيقبح منظره، ويوضع على سرير ونحوه مما هو مرتفع لئلا تسرع له هوام الأرض، وتنزع ثيابه عنه لئلا يسرع فساده، ويوجه للقبلة كمحتضر، كما تقدم، وتوضع يداه بجنبيه، ولا يجوز وضعهما على صدره؛ لأنه من عمل الكفار، وتكره عند الحنفية قراءة القرآن عنده حتى يغسل. وجاز تقبيل الميت تبركاً ومودة واحتراماً؛ لأن رسول الله صلّى الله عليه وسلم قبَّل عثمان بن مظعون، وقبل أبو بكر النبي بعد موته (2) وإن أحب أهل الميت أن يروه لم يمنعوا، لقول جابر: لما قتل أبي جعلت أكشف الثوب عن وجهه وأبكي.\rهـ ـ النعي: قال الجمهور غير الحنابلة (3) : لا بأس بإعلام الناس بموت إنسان للصلاة وغيرها، لما روى الشيخان: أنه صلّى الله عليه وسلم نعى لأصحابه النجاشي في اليوم الذي مات فيه، وأنه نعى جعفر بن أبي طالب، وزيد بن حارثة، وعبد الله بن رواحة. واستحسن بعض متأخري الحنفية وهو الأصح النداء في الأسواق لجنازة الشخص إن كان عالماً أوزاهداً، أو ممن يتبرك به.\r\rوهذا هو الأولى لا سيما في عصرنا لتعلق حقوق معينة بالميت، والتزامه بالواجبات.\rويكره نعي الجاهلية: وهو النداء بذكر مفاخر الميت ومآثره، للنهي عنه، كما صححه الترمذي. وهو أمر يخالف مجرد الإعلام بالموت.\r-------------------------------\r(1) بأن يرد ساعده إلى عضده ثم يمده، ويرد ساقه إلى فخذيه، وفخذيه إلى بطنه، ويردهما.\r(2) الحديث الأول رواه أحمد وابن ماجه والترمذي وصححه عن عائشة، والحديث الثاني رواه البخاري والنسائي وابن ماجه عن عائشة (نيل الأوطار:24/4-25).\r(3) الدر المختار:840/1، مراقي الفلاح: ص95، الشرح الصغير:562/1، مغني المحتاج:357/1.","part":2,"page":600},{"id":1292,"text":"وقال الحنابلة (1) : يكره النعي: وهو أن يبعث منادياً ينادي في الناس: أن فلاناً قد مات، ليشهدوا جنازته، لما روى حذيفة قال: سمعت النبي صلّى الله عليه وسلم ينهى عن النعي (2) ، وقال حذيفة: إذا مت فلا تؤذنوا بي أحداً، فإني أخاف أن يكون نعياً، وقال ابن عمر: «الإيذان بالميت نعي الجاهلية» . وقد قرر صاحب المهذب عند الشافعية كراهة نعي الميت، إلا أن المعتمد هو ما ذكره النووي أولاً.\rو ـ الإسراع بالتجهيز: إذا تيقنا من الموت يستحب الإسراع في أمور ثلاثة: التجهيز، وقضاء الديون، وتفريق وصيته.\rأما التجهيز: فيستحب المسارعة فيه، خوفاً من تغير الميت، قال الإمام أحمد: «كرامة الميت تعجيله» لما روي أن طلحة بن البراء مرض، فأتاه النبي صلّى الله عليه وسلم يعوده، فقال: «إني لا أرى طلحة إلا قد حدث فيه الموت، فآذنوني به وعجِّلوا، فإنه لا ينبغي لجيفة مسلم أن يُحبَس بين ظهري أهله» (3) . وتؤيده أحاديث الإسراع بالجنازة، مثل حديث علي: «ثلاث يا علي لا يؤخرن: الصلاة إذا آنت، والجنازة إذا حضرت، والأيم إذا وجدت كفؤاً» (4) .\rولا بأس أن ينتظر بالجنازة مقدار ما يجتمع لها جماعة، للدعاء له في الصلاة عليه، ما لم يخف عليه، أو يشق على الناس.\r-------------------------------\r(1) المغني:570/2، المهذب:132/1.\r(2) قال الترمذي: هذا حديث حسن.\r(3) رواه أبو داود عن الحصين بن وَحْوَح، وفي إسناده مجهولان (نيل الأوطار:22/4).\r(4) أخرجه أحمد والترمذي إلا أنه قال: «لا تؤخرها» مكان «لا يؤخرون» (نيل الأوطار:23/4).","part":2,"page":601},{"id":1293,"text":"وأما الإسراع بقضاء الدين: فلتخفيف المسؤولية عن الميت، قال صلّى الله عليه وسلم : «نفس المؤمن معلّقة بدينه، حتى يقضى عنه» (1) هذا إذا كان له مال يقضى منه دينه. وأما من لا مال له، ومات عازماً على القضاء، فقد ورد في الأحاديث ما يدل على أن الله تعالى يقضي عنه، مثل حديث أبي أمامة: «من دان بدين، في نفسه وفاؤه، ومات، تجاوز الله عنه، وأرضى غريمه بما شاء، ومن دان بدين وليس في نفسه وفاؤه، ومات، اقتص الله لغريمه منه يوم القيامة» (2) وحديث ابن عمر: «الدين دينان، فمن مات وهو ينوي قضاءه، فأنا وليه، ومن مات ولا ينوي قضاءه، فذلك الذي يؤخذ من حسناته، ليس يومئذ دينار ولا درهم» (3) .\rوأما المسارعة إلى تفريق وصيته: فذلك ليعجل له ثوابها، بانتفاع الموصى له بها، علماً بأن الوصية بعد الدين، وقبل حقوق الورثة.\rالمطلب الثاني ـ حقوق الميت:\rللميت على ذويه وإخوانه حقوق أربعة، هي فروض كفائية بالإضافة إلى حق أو واجب التجهيز السابق ذكره: وهي الغسل والتكفين والصلاة عليه، ودفنه وحمل جنازته واتباعه، لإجماع العلماء، وللأمر به في الأخبار الصحيحة في غير الدفن، إلا أن اتباعه سنة كما سيأتي، فلو دفن قبل غسله أو تكفينه لزم نبشه، ثم يتدارك ما حدث:\r-------------------------------\r(1) رواه أحمد وابن ماجه والترمذي: وقال: حديث حسن، من حديث أبي هريرة.\r(2) أخرجه الطبراني عن أبي أمامة مرفوعاً.\r(3) أخرجه الطبراني أيضاً (راجع الأحاديث في نيل الأوطار:23/4) .","part":2,"page":602},{"id":1294,"text":"الفرض الأول ـ تغسيل الميت:\rحكم الغسل، وصفة الغاسل، وحالة المغسول وشروطه، وكيفية الغسل ومقداره ومندوباته، هل يوضأ الميت؟ (1) .\rأولاً ـ حكم الغسل:\rغسل الميت فرض كفاية، لقوله في الذي سقط من بعيره: «اغسلوه بماء وسِدْر، وكفنوه في ثوبيه» (2) . وتسن المبادرة لغسل الميت عند التيقن من موته، ولو دفن قبل الغسل، لزم نبشه ويغسل. فإن لم يوجد إلا بعض الميت يغسل ويصلى عليه عند الشافعية والحنابلة، لفعل الصحابة. وقال أبو حنيفة ومالك: إن وجد الأكثر، صلي عليه، وإلا فلا. ويقوم التيمم مقام غسل الميت عند فقد الماء أوتعذر الغسل، كما إذا خيف تقطع بدنه إذا غسل، وإلا فإنه يغسل بصب الماء عليه.\rثانياً ـ صفة الغاسل:\r1 ً - من هو الأولى بالغسل؟ يغسل الرجل الرجل، وتغسل المرأةُ المرأةَ ، فكل منهما أولى بجنسه اتفاقاً، حتى لو حضر الميت الرجل كافر ومسلمة أجنبية غسله الكافر عند الجمهور، والمرأة الأجنبية أولى بالغسل من الزوج خروجاً من الخلاف. وهل يغسل الرجل زوجته وبالعكس؟\rقال الحنفية: لا يجوز للرجل غسل زوجته ومسها لانقطاع النكاح، ويجوز له النظر إليها في الأصح؛ لأن النظر أخف من المس، فجاز لشبهة الاختلاف. ويجوز للمرأة أن تغسل زوجها، ولو كانت معتدة من طلاق رجعي لبقاء العدة، أو كانت ذمية، بشرط بقاء الزوجية إلى وقت الغسل.\r-------------------------------\r(1) الدر المختار:800/1-806، فتح القدير:448/1-451، مراقي الفلاح: ص96 ومابعدها، اللباب:128/1-130، الشرح الصغير:542/1-549، القوانين الفقهية: ص 92، بداية المجتهد:218/1-225، مغني المحتاج:332/1-336، المهذب:127/1-129، المغني:453/2-464، 523، 537-539، كشاف القناع:96/2- 112.\r(2) متفق عليه، والسدر: ورق النبق، لأن له رغوة كالصابون.","part":2,"page":603},{"id":1295,"text":"وقال الجمهور: يجوز لكل من الزوجين غسل الآخر بعد الموت، ويلفان خرقة على اليد، ولا مس، سواء أكانت المرأة مسلمة أم ذمية خلافاً للحنابلة في الذمية، إذا اتصلت الرابطة الزوجية إلى الموت، اتفاقاً، وكذا للمرأة غسل زوجها وإن انقطعت الرابطة الزوجية عند الشافعية بأن انقضت عدتها وتزوجت، عملاً بحديث عائشةالثاني الآتي. وقال غير الشافعية: المرأة البائنة كالأجنبية، والمطلقة الرجعية كالزوجة فعلاً. وينظر أحد الزوجين إذا غسل الآخر غير العورة.\rودليلهم على غسل أحد الزوجين الآخر: حديث عائشة: قالت: رجع إلي رسول الله صلّى الله عليه وسلم من جنازة بالبقيع، وأنا أجد صداعاً في رأسي، وأقول: وارأساه، فقال: بل أنا وارأساه، ما ضرَّك لو متِّ قبلي، فغسَّلتكِ وكفنتكِ، ثم صليت عليك ودفنتكِ (1) .\rوكانت عائشة تقول: «لو استقبلتُ من أمري ما استدبرتُ، ما غسَّل رسولَ الله صلّى الله عليه وسلم إلا نساؤه» (2) .\rوغسَّل علي فاطمة رضي الله عنهما، وأوصى الصديق زوجته أسماء أن تغسله فغسلته.\rويغسل الرجل ذوات محارمه من فوق ثوب.\rويجوز اتفاقاً للرجل والمرأة تغسيل صبي وصبية لم يشتهيا؛ لحل النظر والمس له. ويصح عند الحنابلة مع الكراهة كون الغاسل صبياً مميزاً.\rوأولى الناس بغسل الميت الرجل : أولاهم بالصلاة عليه، وأولى الناس بالمرأة: قراباتها، ويقدّمن على زوج، في الأصح عند الشافعية والحنابلة. وقال المالكية: يقدم الزوجان على العصبة وعلى قرابة المرأة من المحارم، بحكم الحاكم عند التنازع.\r-------------------------------\r(1) رواه أحمد وابن ماجه.\r(2) رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه (راجعهما في نيل الأوطار:27/4).","part":2,"page":604},{"id":1296,"text":"فأولى الناس بالرجل: هم الرجال العصبات من النسب، فيقدم الأب ثم الجد، ثم الابن ثم ابن الابن، ثم الأخ ثم ابن الأخ، ثم العم ثم ابن العم؛ لأنهم أحق بالصلاة عليه، فكانوا أحق بالغسل، ويقدم الأفقه على الأسن، ثم الزوجة بعدهم في الأصح عند الشافعية والحنابلة، فالأجانب أولى من الزوجة خروجاً من الخلاف. ثم المرأة المحرم كأم وبنت وأخت وعمة وخالة عند المالكية، فإن لم توجد امرأة محرم ولو بمصاهرة يممته امرأة أجنبية.\rوقدم الحنابلة على العصبات: وصي الميت إن كان عدلاً، فهو أولى الناس بغسل الميت؛ لأنه حق للميت، فقدم فيه وصيه على غيره، كباقي حقوقه، ولأن أبا بكر أوصى أن تغسله زوجته أسماء، وأوصى أنس أن يغسله محمد بن سيرين.\rوأولى الناس بالمرأة: ذات القرابة المحرمية: وهي كل امرأة لو كانت رجلاً، لم يحل له نكاحها بسبب القرابة؛ لأنهن أشد في الشفقة، ثم ذوات الأرحام غير المحارم كبنت العم، ثم المرأة الأجنبية، ثم الزوج في الأصح عند الشافعية والحنابلة، فالأجنبية أولى من زوج، خروجاً من الخلاف، ثم رجال القرابة المحارم كترتيب أولويتهم في الصلاة، وابن العم كالأجنبي. فإن ماتت امرأة بين رجال فقط، أو مات رجل بين نساء فقط، يممه المَحْرم، فإن لم يكن يممه الأجنبي عند الحنفية والحنابلة والشافعية بخرقة أو حائل، وقال المالكية: يمم الرجل المرأة الأجنبية إلى كوعيها، وتيممه إلى مرفقيه.\r2 ً - شروط الغاسل: يشترط في الغاسل عند الحنابلة ما يأتي:\rأ - الإسلام: فلا يصح كون الغاسل كافراً؛ لأن الغسل عبادة، وليس الكافر من أهلها.\rب ـ النية: لحديث «إنما الأعمال بالنيات» .\rجـ ـ العقل: لأن غير العاقل ليس أهلاً للنية.","part":2,"page":605},{"id":1297,"text":"ولم يشترط الجمهور شرطي الإسلام والنية،فيصح غسل الكافر، ويجزئ الغسل بدون نية، لكن يجب غسل الغريق، فيحرك في الماء بنية الغسل ثلاثاً؛ لأنا مأمورون بغسل الميت. لكن قال الحنفية: النية ليست لصحة الطهارة، بل شرط لإسقاط الفرض عن المكلفين.\r3 ً - ما يستحب في الغاسل: يستحب أن يكون الغاسل ثقة أميناً عارفاً بأحكام الغسل، لقول ابن عمر: «لا يغسل موتاكم إلا المأمونون» (1) .\rوينبغي للغاسل ولمن حضر غض أبصارهم إلا من حاجة، وأن يستر ما يطلع عليه من عيب يحب الميت أن يستره ولا يحدث به، لقوله صلّى الله عليه وسلم : «من ستر مسلماً ستره الله يوم القيامة» (2) وقوله: «من غسَّل ميتاً، فأدى فيه الأمانة، ولم يُفْش عليه ما يكون منه عند ذلك، خرج من ذنوبه كيومَ ولدته أمه، وقال: ليله أقربكم إن كان يعلم، فإن لم يكن يعلم، فمن ترون عنده حظاً من ورع وأمانة» (3) وقوله: «من غسل ميتاً وكتم عليه، غفر الله له أربعين مرة» (4) ، وإن رأى الغاسل حسناً، مثل أمارات الخير من وضاءة الوجه والتبسم ونحو ذلك، استحب إظهاره، ليكثر الترحم عليه، ويحصل الحث على مثل طريقته، والتشبه بجميل سيرته.\rويستحب أن يستر الميت عن العيون؛ لأنه قد يكون في بدنه عيب كان يكتمه، كما ذكرت، لحديث «اذكروا محاسن موتاكم، وكفوا عن مساويهم» (5) .\rويستحب ألا يغسل تحت السماء، ولايحضره إلا من يعين في أمره ما دام يغسل، فيغسل في بيت.\rويستحب ألا يستعين بغيره إن كان فيه كفاية، وإن احتاج إلى معين،استعان بمن لا بد له منه، ويكره حضور غير المعين للغسل.\r-------------------------------\r(1) ورواه ابن ماجه عن النبي صلّى الله عليه وسلم أنه قال: «ليغسل موتاكم المأمونون» .\r(2) متفق عليه عن ابن عمر (نيل الأوطار:25/4).\r(3) رواه أحمد عن عائشة، وفي إسناده جابر الجعفي وفيه كلام كثير (المصدر السابق).\r(4) رواه الحاكم عن أبي رافع وهو صحيح.\r(5) رواه أبو داود والترمذي والحاكم والبيهقي عن ابن عمر، وهو صحيح.","part":2,"page":606},{"id":1298,"text":"ويستحب أن يكون بقربه مجمرة بخور، حتى إن كانت له رائحة لم تظهر ولا يجوز للغاسل أن ينظر إلى عورة الميت ابن سبع فأكثر، لقوله صلّى الله عليه وسلم لعلي: «لا تنظر إلى فخذ حي أو ميت» (1) ولا يجوز أن يمس عورته؛ لأنه إذا لم يجز النظر، فالمس أولى.\rويستحب ألا ينظر إلى سائر بدنه إلا فيما لابد منه، ويستحب ألا يمس سائر بدنه؛ لأن علياً رضي الله عنه غسل النبي صلّى الله عليه وسلم وبيده خرقة يتبع بها ماتحت القميص. فالواجب استعمال خرقة أو نحوها حال غسل العورة، والمندوب استعمالها لغسل سائر الجسد.\rوالأفضل أن يغسل الميت مجاناً، ويكره عند الحنابلة أخذ الأجرة على شيء من الغسل والتكفين والحمل والدفن. وأجاز الحنفية أخذ الأجر على تلك الأمور، فالحمال والحفار كالغاسل، إن وجد غيره، وإلا بأن لم يوجد غيره فلا يجوز أخذ الأجرة لتعينه عليه، أي لأنه صار واجباً عليه عيناً، ولا يجوز أخذ الأجرة على الطاعة. وهذا رأي المتقدمين، وأجاز المتأخرون أخذ الأجرة على الطاعات للضرورة.\r-------------------------------\r(1) رواه أبو داود بلفظ «لا تبرز فخذك، ولاتنظر إلى فخذ حي أو ميت» .","part":2,"page":607},{"id":1299,"text":"ويستحب عند الجمهور لمن غسل ميتاً أن يغتسل بعد فراغه من غسله، لما روى أبو هريرة أن النبي صلّى الله عليه وسلم قال: «من غسل ميتاً فليغتسل» (1) .\rثالثاً ـ حالة المغسول (2) :\rالأكمل وضع الميت بموضع خال عن الناس مستور على لوح، والأفضل أن يكون تحت سقف؛ لأنه أستر له.\rوإن كان الميت مقطوع الرأس، أو كانت أعضاؤه مقطوعة، لفق أو ربط بعضها إلى بعض بالتقميط والطين الحر، حتى لايتبين تشويهه، فإن سقط من الميت شيء كأسنانه غسل وجعل معه في الكفن.\rوالمستحب أن يجلسه الغاسل إجلاساً رفيقاً مائلاً إلى ورائه، واضعاً يمينه على كتفه، وإبهامه في نقرة قفاه، مسنداً ظهره إلى ركبته اليمنى، ويمسح بطنه مسحاً بليغاً ليخرج ما فيه، وكلما أمرَّ اليد على البطن، صب عليه ماء كثيراً، حتى لا تظهر رائحة ما قد يخرج منه، ثم يضجعه مستلقياً إلى قفاه.\rويجب ستر عورة المغسول، إلا من له دون سبع سنين، فلا بأس بغسله مجرداً، كما ذكر الحنابلة، ثم يجرد عند الجمهور من ثيابه ندباً، لأنه أمكن في تغسيله، وأبلغ في تطهيره، وأشبه بغسل الحي، وأصون له من التنجيس، إذ يحتمل خروج النجاسة منه.\r-------------------------------\r(1) رواه أبو داود وابن ماجه وابن حبان، وقال البيهقي: الصحيح أنه موقوف على أبي هريرة (المجموع:141/5).\r(2) الدر المختار:800/1 ومابعدها، الشرح الصغير:546/1-548، المهذب:128/1، مغني المحتاج:332/1 ومابعدها، كشاف القناع:103/2، 111، المغني:457/2،539، بداية المجتهد:222/1","part":2,"page":608},{"id":1300,"text":"ولو غسله في قميص خفيف واسع الكمين، جاز. وقال الشافعية: لا يجرد وإنما يغسل ندباً في قميص؛ لأنه أستر له، وقد غسل صلّى الله عليه وسلم في قميص (1) .\rرابعاً ـ شروط إيجاب الغسل:\rأما شروط إيجاب غسل الميت فهي ما يلي (2) :\r1 ً - أن يكون مسلماً: فلا يجب غسل الميت الكافر: بل يحرم عند الجمهور، وأجاز الشافعية غسله؛ لأن غسل الميت للنظافة، ولأن النبي صلّى الله عليه وسلم «أمر علياً، فغسل والده وكفنه» (3) ، والأصح عند الشافعية وجوب تكفين الميت ودفنه.\r2 ً - أحكام السِّقط: أن يكون معلوم الحياة: فلا يصلى عند المالكية على مولود ولا سِقْط (الولد الميت أو غير التام الأشهر) إلا أن علمت حياته بارتضاع أو حركة أو استهلال (صراخ) ولو لحظة، لحديث: «الطفل لا يصلى عليه ولا يرث ولا يورث حتى يَستَهِلَّ» (4) . وروى ابن ماجه عن جابر رضي ا لله عنه عن النبي صلّى الله عليه وسلم: «إذا استهلّ السِّقْطَ صُلِّي عليه وورث» .\rوقال الحنفية: يغسل المولود ويصلى عليه ويرث ويورث إن استهل: أي وجد منه ما يدل على حياته بعد خروج أكثره. وإن لم يستهل يغسل ويسمى عند أبي يوسف وهو الأصح، فيفتى به على خلاف ظاهر الرواية، إكراماً لبني آدم، أي أنه إذا نزل حياً فهو كالكبير، وإن لم يظهر منه صراخ، فإن نزل ميتاً فيغسل إن كان تام الخَلْق، ولا يغسل إن لم يكن تام الخلق، بل ظهر بعض خلقه، وإنما يصب عليه الماء ويلف في خرقة ويدفن ويسمى، لأنه يحشر يوم القيامة.\rوقال الشافعية: إن ظهرت أمارات الحياة كاختلاج، غُسِّل، وصلي عليه في الأظهر لاحتمال الحياة وللاحتياط، وإن لم تظهرعليه أمارات الحياة لم يُصَلَّ عليه وإن بلغ أربعة أشهر في الأظهر، لعدم ظهور حياته، ولكن يجب غسله وتكفينه ودفنه، في الحالة الأخيرة، ولا يغسل على المذهب قبل أربعة أشهر. وقال الحنابلة: إذا ولد السقط لأكثر من أربعة أشهر، غسل وصلي عليه. لحديث: «والسقط يصلى عليه» (5) .\rوالخلاصة: إن الفقهاء اتفقوا على وجوب غسل السقط إن خرج حياً واستهل، ويصلى عليه. فإن لم تظهر عليه أمارات الحياة غسل وكفن ودفن مطلقاً عند الحنفية،وعند الشافعية إن بلغ أربعة أشهر، ولم يصل عليه. ويغسل ويصلى عليه عند الحنابلة إذا ولد لأكثر من أربعة أشهر، فالشافعية والحنابلة متفقون على عدم غسله قبل أربعة أشهر.\r-------------------------------\r(1) رواه أبو داود وغيره بإسناد صحيح.\r(2) الدر المختار:804/1،829، الشرح الصغير:542/1 ومابعدها، القوانين الفقهية: ص93 ومابعدها، مغني المحتاج:348/1 ومابعدها، المهذب:134/1، المغني:522/2،539، كشاف القناع:126/2،133.\r(3) رواه أبو داود والنسائي.\r(4) رواه الترمذي. والاستهلال: الصياح أوالعطاس أو أي حركة تدل على الحياة.\r(5) رواه أبو داود والترمذي، وفي لفظ للترمذي: «والطفل يصلى عليه» وقال: هذا حديث حسن صحيح.","part":2,"page":609},{"id":1301,"text":"3 ًً - أن يوجد جسد الميت، أو أكثره عند الحنفية والمالكية، بأن وجد عند الحنفية أكثر البدن أو نصفه مع الرأس، وإن وجد عند المالكية ثلثا بدنه ولو مع الرأس، وإلا كان غسله مكروهاً. وقال الشافعية والحنابلة: إن لم يوجد إلا بعض الميت ولو كان قليلاً غسل وصلي عليه، لفعل الصحابة.\r4 ً - ألا يكون شهيداً قتل في معركة لإعلاء كلمة الله : فالشهيد ـ كما سيأتي ـ لا يغسل ولا يكفن ولا يصلى عليه، ويدفن بثيابه وينزع عنه سلاحه عند الجمهور، وقال أبو حنيفة: لا يغسل ولكن يصلى عليه. والدليل على عدم الغسل قوله صلّى الله عليه وسلم في قتلى أحد: «لا تغسلوهم، فإن كل جرح أو كل دم يفوح مسكاً يوم القيامة، ولم يصل عليهم» (1) .\rخامساً ـ هل يوضأ الميت؟\rاتفق أئمة المذاهب على أن الغاسل يوضئ الميت غير الصغير كالحي بعد إزالة ما به من نجس أو وسخ، بالسدر أو الصابون، وغسل سوأتيه بخرقة، لكن بدون مضمضة واستنشاق عند الحنفية والحنابلة، للحرج، لأنه إذا دخل الماء في الفم والأنف، فوصل إلى جوفه حرك النجاسة. وبهما قليلاً عند المالكية والشافعية بأن يضع الغاسل الماء في فمه عند إمالة رأسه. فإن كان الميت جنباً أو حائضاً أو نفساء، فُعلا اتفاقاً، تتميماً للطهارة.\rوعلى هذا فيبدأ بالوضوء في غسل الميت، لقول رسول الله صلّى الله عليه وسلم للنساء اللاتي غسلن ابنته: «ابدأن بميامنها ومواضع الوضوء منها» (2) وفي حديث أم عطية:\r-------------------------------\r(1) رواه أحمد.\r(2) متفق عليه.","part":2,"page":610},{"id":1302,"text":"«فإذا فرغت من غسل سفلتها غسلاً نقياً بماء وسدر، فوضئيها وضوء الصلاة، ثم اغسليها» (1) .\rسادساً ـ كيفية الغسل ومقداره ومندوباته:\rغسل الميت كغسل الجنابة الواجب فيه كونه مرة واحدة، يعمم فيها الجسد، بعد إزالة النجس، بشرط كون الماء طهوراً، فيوضع الميت على سرير، وتستر عورته ما بين سرته وركبته، بعد تجريده عن ثيابه عند الجمهور، وبقميص عند الشافعية، وتغسل عورته بخرقة ملفوفة على يد الغاسل، ثم يوضأ، كما سبق بيانه.\rثم يغسل الرأس ثم اللحية بسدر (ورق النبق يستعمل في التنظيف) أو خطْمي، بأن يسحق ويضرب بماء قليل في إناء حتى تبدو له رغوة، ثم يعرك به الموضع، لإزالة الوسخ، ثم يصب عليه الماء الطهور، الذي هو شرط لصحة الغسل، فإن لم يوجد سدر فيستعمل الصابون أو نحوه من أشنان، أوغاسول يعرك به الموضع، ثم يفاض عليه الماء للتنظيف. ويدخل أصبعه في فيه، ويسوك بها أسنانه، ولا يفتح فاه، وينظف ما تحت أظفاره.\rثم يغسل الشق الأيمن إلى القدم بعد إضجاعه على شقه الأيسر، ثم الأيسر، بالصابون ونحوه، ثم يصب عليه الماء الخالص. فهذه هي الغسلة الأولى الواجبة.\rويندب تكرار الغسل ثلاثاً، فتزاد غسله ثانية وثالثة، ثم ينشف في ثوب، ويجعل الحنوط (وهو العطر المركب من الأشياء الطيبة غير زعفران وورس) على رأسه ولحيته، ويوضع الكافور على مواضع سجوده (2) . سواء فيه المحرم بالحج أو العمرة وغيره عند الحنفية والمالكية، فيطيب المحرم ويغطى رأسه عندهم، لعموم الأمر بالغسل مطلقاً.\rوقال الشافعية والحنابلة: لا يغطى رأس المحرم إذا مات، ولا يمس طيباً، لحديث ابن عباس، قال: «أُتي النبي صلّى الله عليه وسلم برجل وقصته (رمته فكسرت عنقه) راحلته، فمات، وهو محرم، فقال: كفنوه في ثوبين، واغسلوه بماء وسدر، ولا تخمِّروا رأسه ولا تقربوه طيباً،\r-------------------------------\r(1) رواه الجماعة عن أم عطية (نيل الأوطار:30/4).\r(2) وهي الجبهة والأنف واليدان والركبتان والقدمان","part":2,"page":611},{"id":1303,"text":"فإنه يبعث يوم القيامة يلبي» (1) فالمحرم الميت كالمحرم الحي لبقاء إحرامه عندهم.\rويغسل بالماء البارد الخالص، مع قليل كافور لغير المحرم عند الشافعية والحنابلة لأمره صلّى الله عليه وسلم (2) ، ولأنه يقوي البدن ويدفع الهوام، لكن قال الحنفية: يسخن الماء إن تيسر؛ لأنه أبلغ في التنظيف، وقال الحنابلة: ولا بأس بغسله في حمام، بماء حار، إن احتيج إليه لشدة برد أو وسخ لا يزول إلا به، فإن لم تكن حاجة كره.\rويكون الغسل وتراً، لحديث «إن الله وتر يحب الوتر» (3) من غير إعادة وضوء، فإن لم ينق الميت بالثلاث الغسلات، غسل إلى سبع، فإن لم ينق بسبع غسلات، فالأولى غسله حتى ينقى، لقوله صلّى الله عليه وسلم : « اغسلنها ثلاثاً أو خمساً أو سبعاً أو أكثر من ذلك إن رأيتن» (4) .\rهل يسرح شعر الميت ويؤخذ ظفره وشعره (5) :\rقال الحنفية والمالكية: لا يسرح ولا يحلق شعره ولا يقص ظفره إلا المكسور، ولا شعره من رأسه ولحيته، ولا يختن، إذ لاحاجة إليه، لأنه للزينة وقد استغني عنها، فهذا مكروه، والكراهة عند الحنفية تحريمية. فلو قطع ظفره أو شعره، أدرج معه في الكفن. وهذا هو الرأي الأولى؛ لأن الميت يحتاج للستر بكل ماله وما عليه.\r-------------------------------\r(1) رواه الجماعة (نيل الأوطار:40/4).\r(2) وهو «واجعلن في الأخيرة كافوراً» متفق عليه من حديث أم عطية، أي في الغسلة الأخيرة.\r(3) رواه ابن نصر عن أبي هريرة وعن ابن عمر، ورواه الترمذي عن علي وابن ماجه عن ابن مسعود بلفظ «إن الله تعالى وتر يحب الوتر، فأوتروا يا أهل القرآن» .\r(4) رواه الجماعة من حديث أم عطية (نيل الأوطار:30/4).\r(5) الدر المختار:803/1، مراقي الفلاح: ص96، القوانين الفقهية: ص93، الشرح الصغير:568/1، مغني المحتاج:333/1،336، المغني:541/2 ومابعدها، كشاف القناع:110/2.","part":2,"page":612},{"id":1304,"text":"وقال الشافعية في الجديد: يسرح شعر رأسه ولحيته بمشط واسع الأسنان برفق، ويرد المنتوف إليه. والأظهر كراهة أخذ شعر رأسه، وظفره وشعر إبطه وعانته وشاربه؛ لأن أجزاء الميت محترمة، ولم يثبت فيه شيء فهو محدث، وصح النهي عن محدثات الأمور، ولا يختن الميت إذا كان أقلف.\rوقال الحنابلة في أرجح الروايتين عن أحمد: ويقص شارب غير مَحْرم، ويقلم أظفاره إن طالا، ويؤخذ شعر إبطيه؛ لأن ذلك تنظيف لا يتعلق بقطع عضو، فأشبه إزالة الأوساخ والأدران، ويعضد ذلك العمومات في سنن الفطرة، ويجعل ما أخذ من الشارب والأظفار وشعر الإبطين مع الميت، كعضو ساقط، لما روى أحمد من حديث أم عطية قالت: « يغسل رأس الميتة، فما سقط من شعرها في أيديهم، غسلوه، ثم ردوه في رأسها» . ولأن دفن الشعر والظفر مستحب في حق الحي، ففي حق الميت أولى.ويعاد غسل ما أخذ من الميت من شعر وظفر، لقول أم عطية: «غسلوه ثم ردوه» ، ولأنه جزء من الميت كعضو من أعضائه.\rأما المرأة فالمعتمد عن المالكية والحنفية وباقي المذاهب: أنه يندب ضَفْر شعرها.\rاستعمال القطن: قال الحنفية: ليس في الغسل استعمال القطن في الروايات الظاهرة، لكن قال الزيلعي وصاحب الدر المختار: لا بأس بأن يجعل القطن على وجه الميت وأن يحشى به مخارقه كالدبر والقبل والأذنين والأنف والفم. وكذلك قال فقهاء المذاهب الأخرى: لا بأس أن يحشى بقطن مخرجه وغيره، حتى لا يخرج منه شيء من نجاسة أو دم، ويجعل على رأسه قطن عند الحنابلة.\rخلاصة مندوبات الغسل: يندب في غسل الميت ما يأتي:\r1 - أن يوضأ كوضوء الحي في أول الغسلات، بعد إزالة ما عليه من نجاسة أو وسخ بالسدر أو الصابون.\r2 - ستر العورة لأحد الزوجين بغسل صاحبه، أي إذا غسل أحدهما الآخر.....","part":2,"page":613},{"id":1305,"text":"3 - تجريد الميت من ثيابه بعد ستر عورته عند الجمهور، وعند الشافعي: يغسل بقميص ونحوه. ويسن ستر الميت حالة الغسل عن العيون، منعاً من الاطلاع على عورته أو عيب فيه، ويكره النظر إلى الميت ولو من غاسل، لغير حاجة، لأن جميعه صار عورة إكراماً له.\r4 - استعمال السدر أو الصابون في الغسلات، والكافور في الغسلة الأخيرة، وعند الشافعية: أن يجعل في كل غسلة قليل كافور، وذلك إن تيسر وإلا فماء خالص بارد، أو ساخن عند الحاجة.\r5 - إيتار الغسل: أي جعله وتراً ثلاثاً أو خمساً أو سبعاً، ولا يتكرر الوضوء بتكرر الغسل، ويستحب كون الغسل ثلاثاً، والواجب فيه مرة واحدة. وإن خرج من الميت شيء من أحد السبيلين أو غيرهما بعد الغسلات الثلاث أعيد وضوءه وغسله عند الحنابلة، ويكتفى بإزالة النجس عند غيرهم.\r6 - عصر بطنه حال الغسل برفق، لإخراج ما في بطنه من النجاسة.\r7 - كثرة صب الماء في حال غسل مخرجيه لإزالة النجاسة، وتقليل العفونة؛ لأن الشأن في الأموات كثرة ذلك، ثم ينشف لئلا تبتل الأكفان.\r8 - لف خرقة كثيفة على يد الغاسل حال غسل العورة من تحت السرة، ويستحب للغاسل ألا يمس سائر بدن الميت إلا بخرقة.\r9 - تعهد أسنانه وأنفه بخرقة نظيفة عند المضمضة والاستنشاق في رأي المالكية والشافعية، وكذلك عند الحنابلة: تنظف أسنانه ومنخراه بخرقة مبلولة، دون أن يدخل الماء في الفم والأنف. وينظف ما تحت أظفاره أيضاً.\r10 - إمالة رأسه برفق للتمكن من غسل الفم والأنف في حال المضمضة والاستنشاق، لئلا يدخل الماء في جوفه. وندب تنشيق الميت بخرقة طاهرة قبل التكفين.\r11- عدم حضور غير مساعد أو معين للغاسل.\r12 - التيامن في الغسل: بأن يغسل الشق الأيمن ثم الأيسر، ثم يحرّفه الغاسل إلى شقه الأيسر فيغسل شقه الأيمن من القفا والظهر إلى القدم، ثم يفعل كذلك بشقه الأيمن. ويصب عليه الماء عند كل إضجاع ثلاث مرات، أو أكثر بحسب الحاجة، كما أبنت.....","part":2,"page":614},{"id":1306,"text":"13 - يستحب عند الحنابلة خضب لحية رجل ورأس امرأة، ولو غير شائبين بحناء، لقول أنس: «اصنعوا بموتاكم ما تصنعون بعرائسكم» .\r14 - يجعل الحَنُوط (العطر المركب من الأشياء الطيبة) على رأسه ولحيته، والكافور على مساجده ( وهي مواضع سجوده وهي الجبهة والأنف واليدان والركبتان والقدمان) كرامة لها، سواء فيه عند المالكية والحنفية وغيره، فيطيب ويغطى رأسه. ويبخر (يجمر) سريره وتراً، إخفاء لكريه الرائحة، وتعظيماً للميت.\rالفرض الثاني ـ تكفين الميت:\rحكمه والملزم بالكفن، ومقدار الكفن وصفته وكيفيته، وما يندب فيه (1) :\rأولاً ـ حكم التكفين والملزم بالكفن:\rتكفين الميت فرض كفاية على جماعة المسلمين، لقوله صلّى الله عليه وسلم في المحرم «كفِّنوه في ثوبيه» (2) .\rونفقات التكفين ومؤنة التجهيز من حمل للمقبرة ودفن ونحوه: من تركة الميت، أي ماله الخاص الذي لم يتعلق به حق الغير كالمرهون، ويقدم على الدين والوصية، فإن لم يكن له مال فعلى من تلزمه نفقته في حال الحياة، وعلى الزوج تكفين زوجته عند الحنفية، والشافعية في الأصح؛ لأنها في نفقته في الحياة، أما عند المالكية والحنابلة فلا يلزم الزوج كفن امرأته ولا مؤنة تجهيزها؛ لأن النفقة والكسوة وجبا في حال الزواج للتمكين من الاستمتاع، بدليل سقوطها بالنشوز والبينونة، وقد انقطع ذلك بالموت، فأشبهت غير الزوجة (الأجنبية). ولا شك أن المقبول هو الرأي الأول إذ لا يعقل التفريق في هذا بين الموت والحياة، وأما سقوط النفقة بالنشوز ونحوه فلحملها على العودة لبيت الزوجية.\rفإن لم يوجد أحد تلزمه نفقة الميت، فنفقة تكفينه وتجهيزه من بيت المال إن وجد، وإلا فعلى جماعة المسملين المستطيعين.\r-------------------------------\r(1) اللباب:130/1 ومابعدها، مراقي الفلاح: ص97، فتح القدير:452/1-455، الدر المختار ورد المحتار:806/1-810، القوانين الفقهية: ص 93، الشرح الصغير:551/1ومابعدها، بداية المجتهد:224 ومابعدها، مغني المحتاج:336/1-340، المهذب:129/1-131، المغني:464/2-472،537، كشاف القناع:118/2-126.\r(2) رواه الجماعة عن ابن عباس (نيل الأوطار:40/4).","part":2,"page":615},{"id":1307,"text":"ثانياً ـ صفة الكفن ومقداره وكيفيته:\rيكفن الميت بعد غسله بما يحل له لبسه في حال الحياة (1) فيكفن في الجائز من اللباس، ولا يكفن الرجل بالحرير، وتكفن المرأة به عند الجمهور، ولا تكفن به عند الحنابلة. ويشترط في الكفن ألا يصف البشرة؛ لأن ما يصفها غير ساتر، فوجوده كعدمه. ويجب أن يكون الكفن طاهراً، فلا يجوز تكفينه بالمتنجس مع القدرة على الطاهر.\rويجب أن يكفن الميت عند الحنابلة، وندباً عند المالكية والحنفية في ملبوس مثله في الجمع والأعياد مالم يوص بدونه فتتبع وصيته، لأمر الشارع بتحسينه.\rقال رسول الله صلّى الله عليه وسلم : «إذا كفن أحدكم أخاه، فليُحْسن كفنه» (2) وتحسين الكفن واجب عند الحنابلة، مستحب عند غيرهم.\rوأقل الكفن: ثوب واحد يستر جميع البدن، إلا رأس المحرم عند الشافعية والحنابلة، ولا تُنفَّذ وصيته بإسقاطه. وأكثره سبع. والأفضل للرجل ثلاثة، وللمرأة خمسة. أما الرجل فلقول عائشة رضي الله عنها: «كُفِّن رسول الله صلّى الله عليه وسلم في ثلاثة أثواب بيض سَحُولية (3) جُدَد يمانية، ليس فيها قميص ولا عمامة، أُدرج فيها إدراجاً» (4) .\rوأما المرأة: فلزيادة الستر في حقها، ولحديث ليلى الثقفية الآتي. وللفقهاء تفصيلات في ذلك:\r-------------------------------\r(1) مغني المحتاج:336/1.\r(2) رواه أحمد ومسلم وأبو داود عن جابر، ورواه ابن ماجه والترمذي عن أبي قتادة بلفظ: «إذا ولي أحدكم أخاه فليحسن كفنه» .\r(3) نسبة إلى سحول: قرية باليمن.\r(4) رواه الجماعة عن عائشة (نيل الأوطار:36/4).","part":2,"page":616},{"id":1308,"text":"قال الحنفية: الكفن ثلاثة أنواع: كفن الضرورة، وكفن الكفاية، وكفن السنة، كل منها إما للرجل أو للمرأة، فأقل ما يكفن فيه الرجل عادة ثوبان، والسنة فيه ثلاثة أثواب، وأقل ما تكفن فيه المرأة ثلاثة أثواب، والسنة خمسة أثواب.\r1 - كفن الضرورة للرجل والمرأة: هو مقدار ما يوجد حال الضرورة أو العجز، أما الذي يسقط به الفرض عن المكلفين فهو أقل الكفن، وأقله ما يعم البدن؛ لأن مصعب بن عمير رضي الله عنه حين استشهد، كفن في ثوب واحد (1) .\r2 - كفن الكفاية: وهو أدنى ما يلبس حال الحياة، وكفنه: كسوته بعد الوفاة. وهو ثوبان للرجل: إزار ولفافة، في الأصح، وللمرأة: ثوبان وخمار، ويكره أقل من ذلك.\rأما الرجل: فلقول أبي بكر حين حضره الموت: «كفنوني في ثوبيّ هذين اللذين كنت أصلي فيهما، واغسلوهما، فإنهما للمُهل والتراب» (2) ،ولأنه أدنى لباس الأحياء.\rوالإزار: خلاف إزار الحي من الفَرْق (أعلى الرأس) إلى القدم، واللِّفافة مثله: من القَرْن (الخُصلة من الشعر) إلى القدم أي من الرأس إلى القدم. وقال ابن الهمام: أنا لا أعلم وجه مخالفة إزار الميت إزا ر الحي من السنة.\rوأما المرأة: فلسترها بالخمار: وهو غطاء الوجه والرأس.\r3 - وكفن السنة: هو أكمل الأكفان، وهو للرجل: ثلاثة أثواب: إزار، وقميص، ولِفافة. والقميص: من أصل العُنُق إلى القدمين بلا دِخْرِيص (ما يضاف لتوسعة القميص من الجانبين) ولا كمين.\rوللمرأة خمسة أثواب: إزار، وقميص (درع)، وخمار، وخِرْقة يُربط بها ثَدْياها، وعرضها من الثدي إلى السرة، ولفافة.\r-------------------------------\r(1) رواه الجماعة إلا ابن ماجه عن خبّاب بن الأرت (نيل الأوطار:33/4).\r(2) رواه ابن سعد في الطبقات، وذكره محمد بن الحسن في الآثار بلاغاً. والمهل: القيح والصديد (نصب الراية:263/2) ورواه البخاري بمعناه.","part":2,"page":617},{"id":1309,"text":"أما الرجل: فلحديث ابن عباس: « أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم كُفِّن في ثلاثة أثواب: قميصه الذي مات فيه، وحُلَّة نجرانية، الحلة: ثوبان» (1) وهذا دليل للحنفية والمالكية الذين قالوا باستحباب القميص. وذهب الجمهور إلى أنه غير مستحب، لحديث عائشة السابق: «ليس فيها قميص ولاعمامة» .\rوتكره العِمَامة للميت عند الحنفية في الأصح، وهي ما يلف على الرأس، لحديث عائشة المذكور. واستحسنها المتأخرون للعلماء والأشراف.\rولا بأس بالزيادة على الثلاثة، إلى خمسة.\rوأما المرأة: فلحديث ليلى بنت قانف الثقفية، المتضمن تكفين أم كُلْثوم بنت الرسول صلّى الله عليه وسلم عند وفاتها بخمسة أثواب (2) .\rويكره التكفين للرجال بالحرير والمعصفر والمزعفر ونحوها إلا إذا لم يوجد غيرها، ويجوز ذلك للنساء.\rوكيفية التكفين: أن يبسط للرجل اللفافة أولاً، ثم يبسط عليها الإزار، ثم يقمص، ثم يطوى الإزار عليه، ويبتدأ بالجانب الأيسر، فيلقى عليه، ثم بالأيمن ليكون على الأيسر، كما في حالة الحياة، ثم اللفافة.\rوأما المرأة: فتبسط لها اللفافة والإزار، ثم توضع على الإزار وتلبس القميص، ويجعل شعرها ضفيرتين على صدرها فوق القميص، ثم يجعل الخمار فوق الشعر، تحت اللفافة، ثم يطوى الإزار واللفافة، ثم تربط الخرقة فوق الأكفان، وفوق القدمين.\rوقال المالكية: أقله ثوب واحد، وأكثره سبع، ويستحب الوتر في الكفن، فالثلاثة أفضل من الاثنين، ومن الأربعة، والواجب من الكفن للذكر ما يستر العورة، والباقي سنة، ومازاد عن ذلك مندوب. وأما المرأة فيجب ستر جميع بدنها.\r-------------------------------\r(1) رواه أحمد وأبو داود، وفي سنده يزيد بن أبي زياد، وهو مجمع على ضعفه (نيل الأوطار:36/4).\r(2) رواه أحمد وأبو داود، وفي بعض رجاله كلام عند البعض (نصب الراية:263/2، نيل الأوطار:39/4).","part":2,"page":618},{"id":1310,"text":"والأفضل في مشهور المذهب أن يكفن الرجل بخمسة أثواب: إزار (من سرته لركبته) وقميص له أكمام، وعمامة، ولفافتان؛لأن المقصود بحديث عائشة: هو الإباحة لا التقدير.\rوالأفضل أن تكفن المرأة بسبعة أثواب : بزيادة لفافتين، فتكون اللفائف أربعة؛ لأن المقصود من حديث ليلى الثقفية بيان الإباحة لا التقدير، كما في الرجل.\rوندب خمار (1) يلف على رأس المرأة ووجهها، بدل العمامة للرجل.\rوندب عَذَبة قدر ذراع تجعل على وجه الرجل. ويكره التكفين بالحرير والخز (2) والنجس إن وجد غيره، وإلا فلا يكره.\rوقال الشافعية: أقل الكفن ثوب ساتر للعورة، وهي في الرجل:ما بين السرة والركبة، وفي المرأة: غير الوجه والكفين. أما بالنسبة لحق الميت، فيجب ثوب يعم به جميع البدن، إلا رأس المحرم، ووجه المحرمة، تكريماً له، وستراً لما يعرض له من التغير.\rويحرم تكفين الرجل بالحرير والمزعفر إذا وجد غيرهما، ويجوز مع الكراهة تكفين المرأة بهما.\rوالأفضل للرجل ثلاث لفائف عملاً بحديث عائشة المتقدم، وكما قال الحنفية، والأفضل ألا يكون فيه قميص ولا عمامة، لحديث عائشة المذكور، ويجوز بلا كراهة رابع وخامس بزيادة قميص وعمامة تحتهن؛ لأن ابن عمر كفن ابناً له في خمسة أثواب:\r-------------------------------\r(1) سمي خماراً لتخمير الرأس والعنق، أي تغطيتها به.\r(2) الخز: هو مانسج من صوف وحرير، أو هو الحرير.","part":2,"page":619},{"id":1311,"text":"قميص وعمامة، وثلاث لفائف (1) .\rوالأفضل للمرأة والخنثى خمس لفائف: إزار، ثم قميص، ثم خمار، ثم لفافتان، لزيادة الستر في حقها، وتكره الزيادة على ذلك. وكيفية التكفين: أن يبسط أحسن اللفائف وأوسعها، وتوضع الثانية فوقها، وكذا الثالثة، ويوضع على كل واحدة حنوط وكافور (2) ، ويوضع الميت فوقها مستلقياً، وعليه حنوط وكافور، ويُشد ألياه، ويجعل على منافذ بطنه قطن، ويلف عليه اللفائف وتشد، فإذا وضع في قبره نزعت الأربطة ولا يلبس المحرم الذكر مخيطاً، ولا يستر رأسه ولا وجه المحرمة.\rوقال الحنابلة: الكفن الواجب: ثوب يستر جميع بدن الميت، رجلاً أو امرأة. والأفضل ـ كما قال الشافعية ـ أن يكفن الرجل في ثلاثة أثواب بيض، يدرج فيها إدراجاً، ويجعل الحنوط (الطيب) فيما بينهما، وليس فيها قميص ولا عمامة لا يزاد عليها، ولا ينقص، لحديث عائشة السابق. ويجوز التكفين في ثوبين، لقول النبي صلّى الله عليه وسلم في المحرم الذي وقصته دابته: «اغسلوه بماء وسِدْر، وكفنوه في ثوبين» (3) وتكره الزيادة على الثلاث، لما فيه من إضاعة المال المنهي عنه.\rوالمحرم بناء على هذا الحديث يغسل بماء وسدر، ولا يقرب طيباً، ويكفن في ثوبيه، ولا يغطى رأسه ولا رجلاه.\rويكفن الصبي في خرقة، وإن كفن في ثلاثة فلا بأس. فإن لم يجد الرجل ثوباً يستر جميعه، ستر رأسه، وجعل على رجليه حشيشاً أو ورقاً.\rوالأفضل أن تكفن المرأة في خمسة أثواب: قميص، ومئزر، ولفافة، وقناع (أي خمار للرأس والوجه)، وخامسة تشد بها فخذاها، لحديث ليلى الثقفية، ولما روت أم عطية أن النبي صلّى الله عليه وسلم ناولها إزاراً، ودرعاً (قميصاً) وخماراً، وثوبين.\r-------------------------------\r(1) رواه البيهقي.\r(2) هو أيضاً نوع من الطيب، فهو من عطف الجزء على الكل، ولأنه يستحب الإكثار منه.\r(3) رواه البخاري.","part":2,"page":620},{"id":1312,"text":"وكيفية التكفين: كما تقدم عند الشافعية، علماً بأن الخمار يجعل على الرأس والإزار في الوسط، والقميص يلبس، وتبخر الأكفان، ولا يوضع شيء من الحنوط على ظهر اللفافة العليا، لكراهة عمر وابنه وأبي هريرة ذلك، ولا يوضع الحنوط أيضاً على الثوب الذي يجعل على النعش؛ لأنه ليس من الكفن، ويوضع الطيب على مواضع سجوده كجبهته وأنفه وركبتيه وأطراف قدميه، تشريفاً لها، لكنها مختصة بالسجود، وعلى مغابنه كطي ركبتيه، وتحت إبطيه، وكذا سرته؛ لأن ابن عمر كان يُتبع مغابن الميت ومرافقه بالمسك. ويطيب رأسه ولحيته، ويكره أن يطيب داخل عينيه؛ لأنه يفسدهما.\rويرد طرف اللفافة العليا من الجانب الأيسر على شقه الأيمن، ثم يرد طرفها\rالأيمن على شقه الأيسر؛ لأنه عادة لبس الحي في قباء ورداء ونحوهما. ثم ترد اللفافة الثانية والثالثة كذلك. ويجعل ما عند رأس الميت من فاضل الكفن أكثر مما عند رجليه لشرفه، ولأنه أحق بالستر. ويجعل الفاضل عن وجهه ورجليه عليهما، ليصير الكفن كالكيس فلا ينتشر، ثم تعقد اللفائف إن خف انتشارها، ثم تحل العُقَد في القبر؛ لقول ابن مسعود: «إذا أدخلتم الميت اللحد، فحلوا العُقَد» (1) .\rوإن كفن الميت في قميص كقميص الحي بكمين ودخاريص، وفي إزار ولفافة، جاز من غير كراهة؛ لأنه صلّى الله عليه وسلم «ألبس عبد الله بن أبي قميصه لما مات» (2) ،ولا يزرُّ القميص على الميت، لعدم الحاجة.\rويحرم التكفين للرجل والمرأة بحرير ومنسوج بذهب أو فضة إلا عند الضرورة، بأن لم يوجد غيره، والتحريم للمرأة لأنه إنما أبيح لها في حال الحياة، لأنه محل الزينة والشهوة، وقد زال ذلك بموتها.\rثالثاً - ما يندب في الأكفان:\rيندب ما يأتي، مع ما ذكر من صفة الكفن ومقداره في البحث السابق:\r1ً - بياض الكفن من كتان، أو قطن وهو أولى، لقوله صلّى الله عليه وسلم : «البَسوا من ثيابكم البياض، فإنها من خير ثيابكم، وكفنوا فيها موتاكم» (3) .\r-------------------------------\r(1) رواه الأثرم.\r(2) رواه البخاري.\r(3) رواه الخمسة (أحمد وأصحاب السنن الأربعة) إلا النسائي وصححه الترمذي عن ابن عباس، ورواه أيضاً الشافعي وابن حبان والحاكم والبيهقي، وصححه ابن القطان (نيل الأوطار:38/4).","part":2,"page":621},{"id":1313,"text":"2ً - تجمير الكفن (أي تبخيره بالعود ونحوه) وتراً: أي ثلاثاً، لقوله صلّى الله عليه وسلم : «إذا أجمرتم الميت ـ أي بخرتموه ـ فأجمروه ثلاثاً» (1) .\rإلا المحرم فلا يُطيَّب عند الشافعية والحنابلة، لقوله صلّى الله عليه وسلم في الرجل الذي وقصته ناقته بعرفة: «اغسلوه بماء وسدر، وكفنوه في ثوبيه، ولا تحنِّطوه، ولا تجمروا رأسه، فإن الله تعالى يبعثه يوم القيامة ملبياً» (2) .\rوخالف المالكية والحنفية في ذلك، وقالوا: إن قصة هذا الرجل واقعة عين لا عموم لها، فتختص به. واعتذر الداودي عن مالك فقال: إنه لم يبلغه الحديث. وأجيب بأن الحديث ظاهر في أن العلة كونه في النسك، وهي عامة في كل محرم، والأصل أن كل ما ثبت لواحد في زمن النبي صلّى الله عليه وسلم ثبت لغيره، حتى يثبت التخصيص.\rويندب أيضاً وضع الحنوط (الطيب) من كافور أو غيره داخل كل لفافة من الكفن، ويجعل على قطن يلصق بمنافذه (عينيه وأنفه وفمه وأذنيه ومخرجه) ويجعل أيضاً على مساجده (جبهته وكفيه وركبتيه وأصابع رجليه) ومغابنه (إبطيه وباطن ركبتيه ومنخره وخلف أذنيه).\r3ً - الزيادة على الكفن الواحد: فالاثنان أفضل من الواحد، وإن كان وتراً، تكريماً وستراً للميت.\r4ً - كون الكفن وتراً: فالثلاثة أفضل من الاثنين ومن الأربعة.\r5ً - تحسين الكفن من غير مغالاة، لقوله صلّى الله عليه وسلم : « إذا ولي أحدكم أخاه فليحسن\r-------------------------------\r(1) رواه أحمد والبيهقي والبزار، قيل: ورجاله رجال الصحيح (نيل الأوطار:40/4).\r(2) رواه الجماعة عن ابن عباس (المصدر السابق).","part":2,"page":622},{"id":1314,"text":"كفنه» (1) وتحسين الكفن عند المالكية والحنفية بأن يكون ندباً، بثياب كالثياب الشرعية التي يلبسها في الجمعة، لحصول البركة بثياب مشاهد الخير.\rوعند الحنابلة يجب أن يكفن في ملبوس مثله في الجمع والأعياد، لأمر الشارع بتحسينه.\rوعند الشافعية: المستحب أن يبسط أحسن الأكفان وأوسعها، لأن المراد بإحسان الكفن: بياضه ونظافته وسبوغه وكثافته، لا ارتفاعه، إذ تكره المبالغة فيه للنهي عنه، فيكون المغسول أفضل من الجديد؛ لأن مآله للبلا، والقطن أفضل من غيره؛ لأنه كفنه كان كذلك.\rواتفق الكل على عدم المغالاة في الكفن، لقوله صلّى الله عليه وسلم: « لاتغلوا في الكفن، فإنه يسلب سلباً سريعاً» (2) .\rالفرض الثالث ـ الصلاة على الميت:\rحكمها، من الأولى بها، حالة اجتماع الجنائز، أركانها، مكان وقوف الإمام من الجنازة، حالة المسبوق، شروطها، كيفيتها وسننها، وقتها، الصلاة على الميت بعد الدفن، الصلاة على الغائب، الصلاة على الميت في المسجد والمقبرة، الصلاة على المولود.\rأولاً ـ حكم الصلاة على الميت:\rالصلاة على الميت غير الشهيد فرض كفاية على الأحياء بالإجماع، كالتجهيز والغسل والتكفين والدفن (3) ، إذا فعلها البعض ولو واحداً سقط الإثم عن الباقين، وهي من خصائص هذه الأمة، كالإيصاء بالثلث. وقد صلى الصحابة على النبي ، وأمر النبي بالصلاة على السقط والطفل، وصلى النبي على النجاشي (4) .\rوإذا أريدت الصلاة، نودي «الصلاة على الميت» .\r-------------------------------\r(1) رواه ابن ماجه والترمذي، وسبق ذكر رواية أخرى عن جابر عند أحمد ومسلم والترمذي (نيل الأوطار:34/4 ومابعدها).\r(2) رواه أبو داود عن علي، وهو حديث حسن.\r(3) الدر المختار ورد المحتار:811/1،814، مراقي الفلاح: ص98، العناية بهامش فتح القدير: 455/1، المهذب:132/1.\r(4) روى الصلاة على النبي ابن ماجه عن ابن عباس، وروى أحمد وأبو داود الصلاة على السقط عن المغيرة، وروى أحمد والنسائي والترمذي الصلاة على الطفل، وروى أحمد والشيخان الصلاة على النجاشي (نيل الأوطار:41/4،45،48).","part":2,"page":623},{"id":1315,"text":"وهي عند الحنفية (1) فرض على مسلم مات إلا أربعة : هم البغاة وقطاع الطرق، إذا قتلوا في الحرب، وأهل العُصْبة، أو أهل العصبية، والمكابر في مصر ليلاً بسلاح، أو بخناق (وهو من تكرر منه الخنِق في المصر).\rأما البغاة: وهم قوم مسلمون خرجوا على طاعة الإمام بغير حق، فلا يغسلون ولا يصلى عليهم، إهانة لهم، وزجراً لغيرهم عن فعلهم، وذلك إذا قتلوا في أثناء حربهم. أما إذا قتلوا بعد استيلاء السلطة الحاكمة عليهم، فإنهم يغسلون ويصلى عليهم؛ لأن قتلهم حينئذ للسياسة أو لكسر شوكتهم، فهو في حكم الحد، لعود نفعه إلى الجماعة.\rوأما قطاع الطرق: وهم جماعة من المسلمين خرجوا على المارة بقصد أخذ أموالهم، فلايغسلون ولا يصلى عليهم كالبغاة إذا قتلوا في الحرب، ويغسلون ويصلى عليهم إذا قتلوا بعد ثبوت يد الإمام عليهم؛ لأن قتل قاطع الطريق في هذه الحالة حد أو قصاص، ومن قتل بذلك يغسل ويصلى عليه. ويكون قتله قصاصاً في حالة سقوط الحد كقطع الطريق على قريب محرم.\rفلو مات واحد من البغاة أو القطاع حتف أنفه قبل الأخذ أو بعده، يصلى عليه.\rوأما أهل العُصْبة أو العصبية: وهم الذين يتعاونون على الظلم، ويغضبون للقوم أو القبيلة (2) ، فحكم المقتولين منهم في العصبية كحكم أهل البغي على التفصيل السابق. ومنهم الواقفون الناظرون إليهم إن أصابهم حجر أو غيره، وماتوا في تلك الحالة. أما لو ماتوا بعد تفريقهم فيصلى عليهم.\r-------------------------------\r(1) الدر المختار:814/1 ومابعدها، مغني المحتاج:361/1.\r(2) العصبي: من يعين قومه على الظلم، ويغضب لعصبته، ومنه الحديث «ليس منا من دعا إلى عصبية، وليس منا من قاتل على عصبية، وليس منا من مات على عصبية» حديث حسن رواه أبو داود عن جبير بن مطعم.","part":2,"page":624},{"id":1316,"text":"وأما المكابر في مصر بسلاح أو خنق: فهو قاطع طريق على الرأي المفتى به عند الحنفية، وهو قول أبي يوسف، إذا كان في المصر ليلاً مطلقاً، أو نهاراً بسلاح أو بتكرر الخنق منه، يقتل سياسة لسعيه بالفساد، ولدفع شره. وحكمه كقاطع الطريق، أو البغاة، لا يغسل ولا يصلى عليه.\rولا يصلى على قاتل أحد أبويه إهانة له إذا قتله الإمام قصاصاً، فإن مات حتف أنفه يصلى عليه.\rومن قتل نفسه عمداً يغسل ويصلى عليه، على المفتى به عند الحنفية، وعند الشافعية، وإن كان أعظم وزراً من قاتل غيره؛ لأنه فاسق غير ساع في الأرض بالفساد، وإن كان باغياً على نفسه كسائر فساق المسلمين.\rورأى قوم كأبي يوسف وابن الهمام أنه لا يصلى عليه، لما في صحيح مسلم أنه عليه السلام أتي برجل قتل نفسه، فلم يصل عليه (1) .\rوقال المالكية (2) : ولا يصلي الإمام على من قتله في حد أو قصاص، ويصلي عليه غيره، لأن رسول الله صلّى الله عليه وسلم لم يصل على ماعز، ولم ينه عن الصلاة عليه (3) .\rوقال المالكية أيضاً: وينبغي لأهل الفضل أن يجتنبوا الصلاة على المبتدعة، ومظهري الكبائر، ردعاً لأمثالهم.\rواستثنى الحنابلة من فرضية صلاة الجنازة الشهيد والمقتول ظلماً، كما استثنى الجمهور غير الحنفية الشهيد كما سيأتي. وقد ثبت أنه صلّى الله عليه وسلم ترك الصلاة على الغالّ (الخائن) من الغنيمة، وقاتل نفسه (4) .\rثانياً ـ من الأولى بالصلاة على الجنازة؟\rللفقهاء آراء ثلاثة (5) :\rالرأي الأول ـ للحنفية: السلطان إن حضر أو نائبه أحق بالصلاة على الميت بسبب السلطنة، ولأن في التقدم عليه ازدراء به، فإن لم يحضر فالقاضي؛ لأنه\r-------------------------------\r(1) رواه مسلم عن جابر بن سمرة.\r(2) بداية المجتهد:231/1 ومابعدها، القوانين الفقهية: ص94، شرح الرسالة:276/1.\r(3) أخرجه أبو داود.\r(4) الأول رواه أحمد وأصحاب السنن إلا الترمذي عن زيد بن خالد الجهني، والثاني رواه الجماعة إلا البخاري عن جابر بن سمرة (نيل الأوطار:46/4-47).\r(5) فتح القدير:457/1،463، الدر المختار:823/1 ومابعدها، اللباب:131/1 ومابعدها، مراقي الفلاح: ص98، بداية المجتهد:233/1، القوانين الفقهية: ص94، الشرح الصغير:558/1، مغني المحتاج:346/1 ومابعدها، المغني:480/2-485، كشاف القناع:127/2.","part":2,"page":625},{"id":1317,"text":"صاحب ولاية، فإن لم يحضر فيقدم إمام الحي؛ لأنه رضيه في حياته، فكان أولى بالصلاة عليه في مماته، ثم يقدم الولي الذكر المكلف بترتيب عصوبة أو أولياء النكاح إلا الأب فيقدم على الابن، ويقدم الأقرب فالأقرب كترتيبهم في ولاية الزواج. ولمن له حق التقدم أن يأذن لغيره. ومن له ولاية التقدم أحق ممن أوصى له الميت بالصلاة عليه على المفتى به؛ لأن الوصية باطلة.\rفإن صلى عليه غير الولي والسلطان ونائبه، فللولي إعادة الصلاة، ولو على قبره إن شاء، لأجل حقه، لا لإسقاط الفرض. وإن صلى الولي لم يجز لأحد أن يُصلي عليه بعده؛ لأن الفرض تأدى بالأول، والتنفل بالصلاة على الجنازة غير مشروع.\rفإن دفن ولم يُصَلَّ عليه، صلِّي على قبره، ما لم يغلب على الظن تفسخه، لاختلاف الحال والزمان والمكان.","part":2,"page":626},{"id":1318,"text":"الرأي الثاني ـ للمالكية والحنابلة: أحق الناس بالصلاة على الميت: من أوصى الميت أن يصلي عليه، عملاً بفعل الصحابة، فقد أوصى أبو بكر أن يصلي عليه عمر، وعمر أوصى أن يصلي عليه صهيب، وعائشة أوصت أن يصلي عليها أبو هريرة، وأم سلمة أوصت أن يصلي عليها سعيد بن زيد...إلخ، ثم الوالي أو الأمير، للحديث السابق: «لا يؤم الرجل الرجل في سلطانه» ، ثم الأولياء العصبات على ترتيب ولايتهم في النكاح، فيقدم الأب وإن علا، ثم الابن وإن سفل، ثم الأقرب فالأقرب من العصبات، فيقدم الأخ، ثم العم ثم ابن العم، وهكذا.\rلكن يقدم الأخ وابنه عند المالكية على الجد؛ لأنه يدلي بالبنوة، والجد يدلي بالأبوة. ويصلي النساء في المذهب المالكية عند عدم الرجال دفعة واحدة أفذاذاً، إذ لا تصح إمامتهن لديهم.\rويقدم الأفضل فالأفضل، فيقدم الرجال على النساء، والكبار على الصغار، ومن له مزية دينية، فإن استووا قدم بالسن، فإن استووا قدم بالقرعة أو التراضي.هذا قول المالكية. وعبارة الحنابلة: يقدم الأحق بالإمامة في المكتوبات، لعموم قول النبي صلّى الله عليه وسلم : «يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله » .\rالرأي الثالث ـ للشافعية في الجديد: أن الولي أولى بالإمامة من الوالي، وإن أوصى الميت لغير الولي، لأن الصلاة حقه، فلا تنفذ وصيته بإسقاطها كالإرث، لأن المقصود من الصلاة على الجنازة هو الدعاء للميت، ودعاء القريب أقرب إلى الإجابة لتألمه وانكسار قلبه. وأما وصايا الصحابة بالصلاة عليهم، فمحمولة على أن أولياءهم أجازوا الوصية. فيقدم الأب، ثم الجد وإن علا، ثم الابن، ثم ابنه وإن سفل، ثم الأخ، والأظهر تقدم الأخ الشقيق على الأخ لأب، ثم ابن الأخ الشقيق، ثم لأب، ثم بقية العصبة النسبية على ترتيب الإرث، فيقدم عم شقيق ثم لأب، ثم ابن عم شقيق ثم لأب.\rثم ذوو الأرحام،يقدم الأقرب فالأقرب، فيقدم أبو الأم، ثم الأخ لأم، ثم الخال، ثم العم لأم.","part":2,"page":627},{"id":1319,"text":"ولو اجتمع وليان في درجة كابنين أو أخوين، وكلاهما صالح للإمامة، فالأسن في الإسلام العدل أولى من الأفقه ونحوه.\rثالثاً ـ حالة اجتماع الجنائز:\rاتفقت المذاهب (1) على جواز الصلاة على الجنائز المتعددة دفعة واحدة، وعلى أن إفراد كل جنازة بصلاة أفضل، ويقدم الأفضل فالأفضل؛ لأن الإفراد أكثر عملاً وأرجى قبولاً.\rوفي حال اجتماع الجنائز قال الحنفية: تصف صفاً عريضاً، ويقوم الإمام عند أفضلهم، أو تصف صفاً طويلاً مما يلي القبلة، بحيث يكون صدر كل واحد منهم قدام الإمام، محاذياً له.\rرابعاً ـ أركان صلاة الجنازة وسننها وكيفيتها:\rلصلاة الجنازة ركنان عند الحنفية، وخمسة عند المالكية، وسبعة عند الشافعية والحنابلة.\rأما مذهب الحنفية (2) : فللصلاة عندهم ركنان: التكبيرات الأربع، والقيام. والتكبيرة الأولى ـ تكبيرة الإحرام ركن لا شرط، فلم يجز بناء تكبيرة أخرى عليها. والتكبيرات أربع، كل تكبيرة قائمة مقام ركعة. ويجب السلام مرتين بعد التكبيرة الرابعة. فالواجب عندهم شيء واحد هو السلام، والركن: اثنان: التكبير والقيام. والنية شرط لا ركن، ولا تجوز الصلاة على الجنازة راكباً ولا قاعداً عذر استحساناً.\rوسنن الصلاة: ثلاث: التحميد والثناء، والدعاء فيها، والصلاة على النبي صلّى الله عليه وسلم ، أما التحميد والثناء: فهو ( سبحانك اللهم وبحمدك ) بعد التكبيرة الأولى، والصلاة على النبي بعد الثانية، والدعاء للميت بعد الثالثة. ويندب أن تكون صفوف المصلين ثلاثة للحديث الآتي: «من صلى عليه ثلاثة صفوف غفر له» .\r-------------------------------\r(1) مراقي الفلاح: ص99، الدر المختار:821/1-822، القوانين الفقهية: ص95، مغني المحتاج: 348/1، المغني:562/2.\r(2) الدر المختار:813/1،816، مراقي الفلاح: ص98، فتح القدير:459/1 ومابعدها.","part":2,"page":628},{"id":1320,"text":"وكيفيتها: أن يرفع المصلي يديه في التكبيرة الأولى فقط، ويدعو بعدها بدعاء الثناء: وهو ( سبحانك اللهم وبحمدك )، ثم يصلي على النبي صلّى الله عليه وسلم ، كما في التشهد بعد التكبيرة الثانية؛ لأن تقديمها سنة الدعاء (1) ، ثم يكبر تكبيرة يدعو فيها لنفسه وللميت وللمسلمين، ثم يكبر الرابعة ويسلم؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلم كبر أربعاً في آخر صلاة صلاها (2) ، فنسخت ما قبلها، فكان ما بعد التكبيرة الرابعة أوان التحلل، وذلك بالسلام. وليس بعد هذه التكبيرة دعاء إلا السلام في ظاهر الرواية. واختار بعض مشايخ الحنفية أن يقال: {ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار} [البقرة:2/201] أو {ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا.. الآية} [آل عمران:3/8] .\rولا قراءة ولا تشهد فيها، ولو كبر الإمام خمساً، لم يتبع، فيمكث المؤتم حتى يسلم معه إذا سلم. ولا يتعين للدعاء شيء معين، والدعاء بالمأثور بعد التكبيرة الثالثة أحسن وأبلغ لرجاء قبوله، ومنه: « اللهم اغفر له وارحمه، وعافه واعف عنه، وأكرم نُزُله، ووسِّع مَدْخله، واغسله بالماء والثلج والبَرَد، ونقِّه من الخطايا كما يُنقَّى الثوب الأبيض من الدَّنَس، وأبدله داراً خيراً من داره،\r-------------------------------\r(1) قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم : «إذا أراد أحدكم أن يدعو فليحمد الله ، وليصل على النبي، ثم يدعو» .\r(2) روي من حديث ابن عباس عند الحاكم، ومن حديث عمر بن الخطاب عند البيهقي والطبراني، ومن حديث ابن أبي حثمة عند ابن عبد البر، ومن حديث أنس عند الحارث بن أبي أسامة في مسنده (نصب الراية:267/2).","part":2,"page":629},{"id":1321,"text":"وأهلاً خيراً من أهله (1) وأدخله الجنة، وقه فتنة القبر وعذاب النار» (2) .\rومن المأثور أيضاً: «اللهم اغفر لحيِّنا وميتنا وشاهدنا وغائبنا، وصغيرنا (3) وكبيرنا، وذكرنا وأنثانا، اللهم من أحييته منا فأحيه على الإسلام، ومن توفَّيته منا، فتوفَّه على الإيمان، اللهم لا تحرمنا أجره ولا تضلَّنا بعده» (4) .\rولا يستغفر لمجنون وصبي، إذ لا ذنب لهما، ويقول في الدعاء: «اللهم اجعله لنا فَرَطاً، واجعله لنا أجراً وذخراً، واجعله لنا شافعاً ومشفعاً» (5) .\rوأما مذهب المالكية (6) : فلصلاة الجنازة عندهم خمسة أركان:\rأولها - النية: بأن يقصد الصلاة على هذا الميت، أو على من حضر من أموات المسلمين، ولا يشترط معرفة كونه ذكراً أو أنثى، ولا يضر عدم استحضار أنها فرض كفاية، ولا اعتقاد الذكورة أو الأنوثة، إذ المقصود هذا الميت.\rوثانيها - أربع تكبيرات، لا يزاد عليها ولاينقص عن الأربعة، كل تكبيرة بمنزلة ركعة في الجملة.\r-------------------------------\r(1) المراد إبدال الأوصاف لا إبدال الذوات.\r(2) رواه مسلم والترمذي والنسائي عن عوف بن مالك، وقال: «حتى تمنيت أن أكون ذلك الميت» (سبل السلام:104/2).\r(3) أي ثبته عند التكليف للأفعال الصالحة، وإلا فلا ذنب له، والمراد: استيعاب الدعاء، فالمعنى: اغفر للمسلمين كلهم.\r(4) رواه مسلم وأصحاب السنن الأربعة (سبل السلام:105/2) والمراد بكلمة «الإسلام» المعنى اللغوي وهو الاستسلام والانقياد لله تعالى، والمراد بكلمة «الإيمان» المعنى الشرعي وهو التصديق القلبي، والإسلام مناسب لحال الحياة: وهو الانقياد بالأعمال الظاهرة، والإيمان مناسب لحال الوفاة لأن العمل غير موجود.\r(5) فرطاً: أي أجراً متقدماً، والفرط: هو الذي يتقدم الإنسان من ولده، وذخراً: ذخيرة، وشافعاً مشفعاً أي مقبول الشفاعة.\r(6) الشرح الصغير:553/1 ومابعدها، القوانين الفقهية: ص94، شرح الرسالة:280/1-284، الشرح الكبير:41/1-413، بداية المجتهد:226/1 ومابعدها.","part":2,"page":630},{"id":1322,"text":"فإن زاد الإمام خامسة عمداً أو سهواً لم ينتظر، بل يسلّمون قبله، وصحت لهم وله أيضاً، إذ التكبير ليس كالركعات من كل وجه. فإن انتظروا سلموا معه وصحت الصلاة.\rوإن نقص عن الأربع سبِّح له، فإن رجع، وكبر الرابعة كبروا معه وسلموا بسلامه، وإلا يرجع كبروا لأنفسهم وسلموا وصحت.\rوإنما خالفت صلاة الجنازة غيرها؛ لأن بعض السلف كان يرى أنها أكثر من أربع تكبيرات، وبعضهم يرى أنها أقل.\rويرى الشيعة الإمامية (1) أنها خمس تكبيرات بينها أربعة أدعية، ولا يتعين دعاء. ودليل القائلين بالزيادة على أربع حديث حذيفة: أنه صلى على جنازة فكبر خمساً، ثم التفت، فقال: ما نسيت ولاوَهِمت، ولكن كبرت كما كبر النبي صلّى الله عليه وسلم ، صلى على جنازة فكبر خمساً (2) .\rورجح جمهور أهل السنة كون التكبير أربعاً بمرجحات منها: أنها في الصحيحين، ولإجماع الصحابة على العمل بها، وأنها آخر ما وقع منه صلّى الله عليه وسلم (3) .\rوثالثها: الدعاء للميت بين التكبيرات بما تيسر، ولو: «اللهم اغفر له» ويدعو بعد التكبيرة الرابعة إن أحب، وإن أحب لم يدع وسلم، والمشهور عدم وجوب الدعاء، والمختار عند الدردير: وجوب الدعاء بعد هذه التكبيرة، وليس في الصلاة قراءة الفاتحة، لكن من الورع مراعاة الخلاف.\r-------------------------------\r(1) المختصر النافع في فقه الإمامية: ص64.\r(2) رواه أحمد، وفي إسناده يحيى بن عبد الله الجابري، وهو متكلم عليه. وروى البخاري عن علي أنه كبر على سهل بن حنيف ستاً، وقال: إنه شهد بدراً (نيل الأوطار:59/4).\r(3) أخرج الحاكم عن ابن عباس: «آخر ما كبر رسول الله صلّى الله عليه وسلم على الجنائز أربع» (نيل الأوطار:58/4).","part":2,"page":631},{"id":1323,"text":"ويثنِّي إن كان الميت اثنين، ويجمع إن كانوا جماعة، فيقول في حال التثنية: «اللهم إنهما عبداك وابنا عبيدك، وابنا أمتيك كانا يشهدان» ويقول للجماعة: «اللهم إنهم عبيدك، وأبناء عبيدك، وأبناء إمائك كانوا يشهدون» ويغلَّب الذكر على الأنثى إن اجتمع ذكور وإناث.\rودليل مشروعية الدعاء للميت حديث: «إذا صليتم على الميت، فأخلصوا له الدعاء» (1) . والدعاء من الإمام والمأموم بعد كل تكبيرة، وأقله: «اللهم اغفر له» أو ارحمه وما في معناه.\rوأحسنه دعاء أبي هريرة رضي الله عنه وهو أن يقول بعد الثناء على الله تعالى، والصلاة على نبيه: «اللهم إنه عبدك وابن عبادك، وابن أمتك، كان يشهد أن لا إله إلا الله ، وأن محمداً عبدك ورسولك، وأنت أعلم به، اللهم إن كان محسناً فزد في إحسانه، وإن كان مسيئاً فتجاوز عن سيئاته، اللهم لا تحرمنا أجره، ولا تفتنا بعده» (2) .\rويقول في المرأة: «اللهم إنها أمتك وبنت عبدك، وبنت أمتك» وفي الطفل الذكر: «اللهم إنه عبدك وابن عبدك، أنت خلقته ورزقته وأنت أمتَّه وأنت تحييه، اللهم اجعله لوالديه سلفاً وذخراً وفرطاً (3) ، وأجراً، وثقِّل به موازينهما، وأعظم به أجورهما، ولا تفتنا وإياهما بعده، اللهم ألحقه بصالح سلف المؤمنين في كفالة إبراهيم، وأبدله داراً خيراً من داره، وأهلاً خيراً من أهله، وعافه من فتنة القبر، وعذاب جهنم» .\r-------------------------------\r(1) رواه أبو داود وابن حبان وابن ماجه وفيه ابن إسحاق، وقد عنعن (نيل الأوطار:63/4).\r(2) وروي أيضاً عن أبي قتادة، رواه أحمد والبيهقي وذكره الشافعي، وسنده ضعيف (المجموع:193/5-195).\r(3) أي أجراً يتقدمهما حتى يردا عليه، كما سبق بيانه. ورابعها: تسليمة واحدة يجهر بها الإمام بقدر التسميع، وندب لغير الإمام إسرارها.","part":2,"page":632},{"id":1324,"text":"وخامسها: قيام لها لقادر على القيام، لا لعاجز عنه.\rومندوباتها:\r1 - رفع اليدين حذو المنكبين عند التكبيرة الأولى فقط.\r2 - وابتداء الدعاء بحمد الله والصلاة على نبيه صلّى الله عليه وسلم ، بأن يقول: «الحمد لله الذي أمات وأحيا، والحمد لله الذي يحيي الموتى، وهو على كل شيء قدير، اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما صليت وباركت على إبراهيم، وعلى آل براهيم، في العالمين إنك حميد مجيد» .\r3 - وإسرار الدعاء.\r4 - ووقوف إمام وسط الميت الذكر، وحذو منكبي غيره من أنثى أو خنثى، جاعلاً رأس الميت عن يمين الإمام، إلا في الروضة الشريفة، فتجعل رأسه على يسار الإمام تجاه رأس النبي صلّى الله عليه وسلم ، وإلا لزم قلة الأدب.\rودليلهم حديث سمرة: «أن النبي صلّى الله عليه وسلم صلى على امرأة ماتت في نفاسها، فقام عليها وسطها» (1) قال الحافظ ابن حجر في الفتح: أورد المصنف (البخاري) الترجمة، وأراد عدم التفرقة بين الرجل والمرأة، وأشار إلى تضعيف ما رواه أبو داود والترمذي عن أنس بن مالك أنه صلى على رجل، فقام عند رأسه، وصلى على امرأة فقام عند عجيزتها.\rوكيفية الصلاة على المشهور: أن يكبر، ثم يبتدئ بحمد الله والصلاة على رسوله ـ الصلاة الإبراهيمية، ويدعو للميت، يقول هذا إثر كل تكبيرة،ويقول بعد الرابعة: اللهم اغفر لحينا وميتنا وحاضرنا وغائبنا، وصغيرنا وكبيرنا، وذكرنا وأنثاناً، إنك تعلم متقلبنا ومثوانا، ولوالدينا ولمن سبقنا بالإيمان وللمسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات. اللهم من أحييته منا فأحيه على الإيمان، ومن توفيته منا، فتوفه على الإسلام، وأسعدنا بلقائك، وطيبنا للموت وطيبه لنا، واجعل فيه راحتنا ومسرتنا. ثم يسلّم.\r-------------------------------\r(1) رواه الجماعة وحسنه الترمذي (نيل الأوطار:66/4).","part":2,"page":633},{"id":1325,"text":"وقال الشافعية والحنابلة (1) : لصلاة الجنازة أركان سبعة إلا أن النية عند الحنابلة شرط لا ركن ، كما قال الحنفية.\r1ً - النية كسائر الصلوات، لقوله صلّى الله عليه وسلم : «إنما الأعمال بالنيات» وصفة النية: أن ينوي الصلاة على هذا الميت، أو هؤلاء الموتى إن كانوا جماعة. وتكفي نية مطلق الفرض. ولا يجب تعيين الميت، فإن عين وأخطأ ، بطلت الصلاة عند الشافعية.\rويضع يمينه على شماله بعد حطهما، أوفراغ التكبير، ويجعلهما عند الحنابلة تحت سرته، وعند الشافعية: ما بين سرته وصدره. ويتعوذ ويبسمل قبل الفاتحة، ولايستفتح أي لا يقرأ دعاء الافتتاح؛ لأنها صلاة مبنية على التخفيف، ولذلك لم يشرع فيها قراءة سورة بعد الفاتحة.\r2ً - أربع تكبيرات بتكبيرة الإحرام: لما في الصحيحين عن أنس وغيره: «أن النبي صلّى الله عليه وسلم كبر على الجنازة أربعاً» وفي صحيح مسلم: «أن النبي صلّى الله عليه وسلم نعى النجاشي في اليوم الذي مات فيه، فخرج إلى المصلى، وكبر أربع تكبيرات» وفي مسلم أيضاً عن ابن عباس: «أنه صلّى الله عليه وسلم صلى على قبر بعدما دفن، وكبر أربعاً» (2) وقد قال صلّى الله عليه وسلم : «صلوا كما رأيتموني أصلي» فإن خمَّس الإمام لم تبطل الصلاة، في الأصح عند الشافعية، ولا يتابعه المأموم، بل يسلِّم أو ينتظره ليسلم معه.\rوقال الحنابلة: إن كبر الإمام خمساً كبر المقتدي بتكبيره، ولا تجوز الزيادة على سبع تكبيرات، ولا أنقص من أربع، والأفضل ألا يزيد على أربع خروجاً من الخلاف.\r-------------------------------\r(1) مغني المحتاج:-340/1-342، 361، المهذب:133/1 ومابعدها، المجموع:184/5-198، المغني:485/2-492، 514-516، كشاف القناع:130/2-135.\r(2) قد ثبت الأربع في رواية أبي هريرة وابن عباس وجابر (نيل الأوطار: 48/4 ومابعدها،57).","part":2,"page":634},{"id":1326,"text":"3ً - قراءة الفاتحة بعد التكبيرة الأولى: كغيرها من الصلوات، ولخبر البخاري وغيره: «أن ابن عباس قرأ بها في صلاة الجنازة، وقال: لتعلموا أنها سنة» . ومحلها بعد التكبيرة الأولى، كما روى البيهقي. والمعتمد لدى الشافعية أنه تجزئ الفاتحة بعد غير التكبيرة الأولى من الثانية والثالثة والرابعة.\r4ً - الصلاة على رسول الله صلّى الله عليه وسلم (الصلاة الإبراهيمية) بعد الثانية، لفعل السلف، والصحيح عند الشافعية أن الصلاة على الآل لا تجب. وتجب عند الحنابلة وتكون كما في التشهد، ولا يزاد عليه.\r5ً - الدعاء للميت بعد الثالثة بخصوصه؛ لأنه المقصود الأعظم من الصلاة، وما قبله مقدمة له، للحديث السابق: «إذا صليتم على الميت فأخلصوا له الدعاء» وأقله: «اللهم ارحمه، واللهم اغفر له» والأكمل ما سيأتي. ولا يكفي الدعاء للمؤمنين والمؤمنات. ويجب أن يكون الدعاء بعد التكبيرة الثالثة، اتباعاً للسنة، ولا يجب بعد الرابعة.\r6ً - السلام بعد التكبيرات وهو في صلاة الجنازة تسليمتان كغيرها من الصلوات في كيفيته وتعدده. روى البيهقي بإسناد جيد عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: «كان النبي صلّى الله عليه وسلم يفعل التسليم على الجنازة مثل التسليم في الصلاة» .\r7ً - القيام إن قدر عليه، كغيرها من الفرائض، ولا خلاف بين العلماء في أنه لا يجوز لأحد أن يصلي على الجنازة، وهو راكب؛ لأنه يفوت القيام الواجب.\rوسننها: رفع اليدين في التكبيرات حذو المنكبين، ووضعهما بعد كل تكبيرة تحت صدره عند الشافعية، وتحت سرته عند الحنابلة.","part":2,"page":635},{"id":1327,"text":"وإسرار القراءة. والأصح عند الشافعية، والحنابلة: ندب التعوذ دون الافتتاح، والتأمين بعد الفاتحة. وتسوية الصف في الصلاة على الجنازة، كما فعل النبي صلّى الله عليه وسلم في الصلاة على النجاشي، وأضاف الشافعية: التحميد قبل الصلاة على النبي صلّى الله عليه وسلم ، والدعاء للمؤمنين والمؤمنات بعد الصلاة على النبي، والتسليمة الثانية. وأضاف الحنابلة: ويسن وقوف المصلي مكانه حتى ترفع الجنازة، كما روي عن ابن عمر ومجاهد، ويستحب في المذهبين ثلاثة صفوف، لحديث: «من صلى عليه ثلاثة صفوف فقد أوجب» (1) .\rواتفق الفقهاء على أنه تسن صلاة الجنازة جماعة، لحديث «ما من مسلم يموت فيصلي عليه ثلاثة صفوف من المسلمين إلا وجبت» (2) وتجوز فرادى لأن النبي صلّى الله عليه وسلم مات فصلى عليه الناس فوجاً فوجاً.\rكيفية الصلاة: يقرأ بعد التكبيرة الأولى الفاتحة فقط من غير سورة سراً ولو ليلاً، لفعل النبي صلّى الله عليه وسلم (3) ، كما تقدم، ثم يصلي سراً على النبي صلّى الله عليه وسلم بعد التكبيرة الثانية، لما روى الشافعي والأثرم بإسنادهما عن أبي أمامة بن سهل أنه أخبره رجل من أصحاب النبي صلّى الله عليه وسلم «أن السنة في الصلاة على الجنازة أن يكبر الإمام، ثم يقرأ بفاتحة الكتاب بعد التكبيرة الأولى سراً في نفسه، ثم يصلي على النبي صلّى الله عليه وسلم ، ويخلص الدعاء للميت، ثم يسلم» (4) .\rوتكون الصلاة على النبي صلّى الله عليه وسلم ، كما في التشهد؛ لأنه صلّى الله عليه وسلم لما سألوه: «كيف نصلي عليك؟ علمهم ذلك» كما تقدم، ولا يزيد على ما في التشهد.\r-------------------------------\r(1) رواه الخلال بإسناده، وقال الترمذي: هذا حديث حسن.\r(2) حديث حسن رواه أبو داود والترمذي.\r(3) رواه البخاري وأبو داود والترمذي وصححه والنسائي عن ابن عباس، ورواه الشافعي في مسنده عن أبي أمامة بن سهل (نيل الأوطار:60/4).\r(4) نيل الأوطار:60/4، وفي إسناده مطرف، وقد قواه البيهقي في المعرفة من حديث الزهري، وأخرج نحوه الحاكم من وجه آخر، وأخرجه أيضاً النسائي وعبد الرزاق، قال في الفتح: وإسناده صحيح.","part":2,"page":636},{"id":1328,"text":"ويدعو للميت في التكبيرة الثالثة سراً بأحسن ما يحضره، لقوله صلّى الله عليه وسلم : «إذا صليتم على الميت فأخلصوا له الدعاء» ولا تحديد في الدعاء للميت، ويسن الدعاء بالمأثور، فيقول: «اللهم اغفر لحينا وميتنا...» و «اللهم اغفر له وارحمه..» الخ مما سبق ذكره عند الحنفية، و «اللهم هذا عبدك وابن عبدك، خرج من روح الدنيا وسعتها، ومحبوبه وأحباؤه فيها، إلى ظلمة القبر وما هو لا قيه، كان يشهد أن لا إله إلا الله ، وأن محمداً عبدك ورسولك وأنت أعلم به،اللهم إنه نزل بك، وأنت خير منزول به، وأصبح فقيراً إلى رحمتك، وأنت غني عن عذابه، وقد جئناك راغبين إليك شفعاء له، اللهم إن كان محسناً فزد في إحسانه، وإن كان مسيئاً فتجاوز عن سيئاته، ولقه برحمتك رضاك، وقه فتنة القبر وعذابه، وافسح له قبره، وجاف الأرض عن جنبيه، ولقه برحمتك الأمن من عذابك، حتى تبعثه إلى جنتك يا أرحم الراحمين» (1) .\rويقول في الطفل: «اللهم اجعله فَرَطاَ لأبويه، وسلفاً وذخراً، وعظة واعتباراً، وشفيعاً، وثقِّل به موازينَهما، وأفرغ الصبر على قلوبهما» لأن ذلك مناسب للحال.\r-------------------------------\r(1) جمع ذلك الشافعي رضي الله عنه من الأخبار، واستحسنه الأصحاب.","part":2,"page":637},{"id":1329,"text":"ويقول عند الشافعية بعد التكبيرة الرابعة: «اللهم لا تحرمنا أجره، ولا تفتنَّا بعده، واغفر لنا وله» ويسن أن يطول الدعاء بعد هذه التكبيرة الرابعة، لثبوته عنه صلّى الله عليه وسلم (1) ويقرأ آية: {الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به..} [غافر:7/40] الآية.\rويقف عند الحنابلة بعد التكبيرة الرابعة قليلاً. لما روى الجوزجاني عن زيد بن أرقم أن النبي «كان يكبر أربعاً، ثم يقف ما شاء الله ، فكنت أحسب هذه الوقفة لتكبير آخر الصفوف» ولا يشرع بعدها دعاء.\rوالخلاصة: إن صلاة الجنازة تبدأ بالنية وتشتمل على أربع تكبيرات ودعاء للميت حال القيام، وصلاة على النبي صلّى الله عليه وسلم وفاتحة وسلام إلا أن النية شرط لا ركن عند الحنفية والحنابلة، ومحل الدعاء عند الجمهور بعد التكبيرة الثالثة، وعقب كل تكبيرة حتى الرابعة على المعتمد عند المالكية، والصلاة على النبي مسنونة عند الحنفية، مندوبة عند المالكية، ركن عند الآخرين، والسلام واجب عند الحنفية ركن عند الجمهور، وقراءة الفاتحة مكروهة تحريماً بنية التلاوة جائزة بنية الدعاء عند الحنفية، ومكروهة تنزيهاً عند المالكية وركن عند الآخرين. ولو زاد الإمام عن أربع تكبيرات لا يتابعه المقتدي في الزيادة، وإنما ينتظره ليسلم معه عند الحنفية والشافعية، ويسلم عند المالكية، ويتابعه إلى سبع تكبيرات عند الحنابلة.\rخامساً ـ مكان وقوف الإمام من الجنازة:\rاختلف الفقهاء في تحديد مكان وقوف الإمام أمام الجنازة على آراء (2) :\rفقال الحنفية: يندب أن يقوم الإمام بحذاء الصدر مطلقاً للرجل والمرأة؛ لأنه محل الإيمان، والشفاعة لأجل إيمانه، وعملاً بما روي عن ابن مسعود.\rوقال المالكية: يقف الإمام عند وسط الرجل، وعند منكبي المرأة.\rوقال الشافعية: يندب أن يقف المصلي إماماً أو منفرداً عند رأس الرجل، وعند عجز الأنثى، أي ألياها، اتباعاً للسنة، كما روى الترمذي وحسنه، وحكمة المخالفة: المبالغة في ستر الأنثى. أما المأموم فيقف في الصف حيث كان.\r-------------------------------\r(1) رواه الحاكم وصححه.\r(2) الدر المختار:819/1، بداية المجتهد:228/1ومابعدها، القوانين الفقهية: ص95، مغني المحتاج:348/1، المغني:517/2، فتح القدير:462/1، الشرح الكبير مع الدسوقي:418/1.","part":2,"page":638},{"id":1330,"text":"وقال الحنابلة: يقوم الإمام عند صدر الرجل ووسط المرأة. ومنشأ الخلاف: اختلاف الآثار في ذلك: ففي حديث سمرة بن جندب قال: «صليت وراء رسول الله صلّى الله عليه وسلم على امرأة ماتت في نفاسها، فقام عليها رسول الله صلّى الله عليه وسلم في الصلاة وسطها» (1) وفي حديث أبي غالب الحنَّاط قال: «شهدت أنس بن مالك صلى على جنازة رجل، فقام عند رأسه، فلما رُفِعت أُتي بجنازة امرأة، فصلى عليها، فقام وسطها، وفينا العلاء بن زياد العلوي، فلما رأى اختلاف قيامه على الرجل والمرأة، قال: يا أبا حمزة: هكذا كان رسول الله صلّى الله عليه وسلم يقوم من الرجل حيث قمتُ، ومن المرأة حيث قمتُ، قال: نعم» (2) وفي لفظ لأبي داود: «فقال العلاء بن زياد: هكذا كان رسول الله صلّى الله عليه وسلم يصلي على الجنازة كصلاتك يكبر عليها أربعاً، ويقوم عند رأس الرجل، وعَجيزة المرأة، قال: نعم» .\rفمنهم من أخذ بحديث سمرة للاتفاق على صحته، وقال: المرأة في ذلك والرجل سواء؛ لأن الأصل أن حكمهما واحد، إلا أن يثبت في ذلك فارق شرعي.\rومنهم من صحح حديث أبي غالب، وقال: فيه زيادة على حديث سمرة، فيجب المصير إليها، وليس بينهما تعارض أصلاً.\r-------------------------------\r(1) رواه الجماعة (نيل الأوطار:66/4).\r(2) رواه أحمد وابن ماجه والترمذي وأبو داود (المصدر السابق).","part":2,"page":639},{"id":1331,"text":"سادساً ـ حالة المسبوق في صلاة الجنازة :\rاتفق الفقهاء على أن المسبوق يتابع الإمام فيما لحقه، ويتم ما فاته، ولكن لهم تفصيلات في كيفية الإتمام (1) .\rفقال الحنفية: المسبوق ببعض التكبيرات يكبر للتحريمة ثم لا يكبر في الحال، بل ينتظر تكبير الإمام ليكبر معه للافتتاح؛ لأن كل تكبيرة ركعة، كما سبق، ثم يكبر ما فاته كالمدرك الحاضر، بعد فراغ الإمام، تكبيراً متتابعاً، بلا دعاء إن خشي رفع الميت على الأعناق.\rأما لو جاء المسبوق بعد تكبيرة الإمام الرابعة فقد فاتته الصلاة، لتعذر الدخول في تكبيرة الإمام.\rوكذلك قال المالكية: يكبر المسبوق للتحريمة، ثم يصبر وجوباً إلى أن يكبر الإمام، فإن كبر صحت صلاته، ولا يعتد بها عند أكثر المشايخ، ثم يدعو المسبوق بعذ فراغ الإمام إن تركت الجنازة، وإلا بأن رفعت والى التكبير بلا دعاء وسلم. فالمالكية كالحنفية تماماً.\rوقال الشافعية: يكبر المسبوق ويقرأ الفاتحة، وإن كان الإمام في تكبيرة أخرى غير الأولى، فإن كبر الإمام تكبيرة أخرى قبل شروع المأموم في الفاتحة بأن كبر عقب تكبيره، كبر معه، وسقطت القراءة، وتابعه في الأصح، كما لو ركع الإمام عقب تكبير المسبوق، فإنه يركع معه، ويتحملها عنه. وإذا سلم الإمام وجب على المسبوق تدارك باقي التكبيرات بأذكارها.\rوقال الحنابلة: من فاته شيء من التكبير قضاه متتابعاً، فإن سلم مع الإمام ولم يقض، فلا بأس وصحت صلاته، أي أن المسبوق بتكبير الصلاة في الجنازة يسن له قضاء ما فاته منها على صفته، عملاً بقول ابن عمر: إنه لا يقضي.\r-------------------------------\r(1) الدر المختار:819/1-821، الشرح الصغير:556/1، مغني المحتاج:344/1، المغني:494/2 مابعدها، كشاف القناع: 139/2، القوانين الفقهية: ص95، بداية المجتهد:230/1.","part":2,"page":640},{"id":1332,"text":"ولما روي عن عائشة أنها قالت: «يا رسول الله ، إني أصلي على الجنازة، ويخفى علي بعض التكبير؟ قال: ما سمعت فكبري، وما فاتك فلا قضاء عليك» (1) .\rفإن خشي المسبوق رفع الجنازة، تابع بين التكبير من غير قراءة ولا صلاة على النبي صلّى الله عليه وسلم ولا دعاء للميت، سواء رفعت الجنازة أم لا.\rومتى رفعت الجنازة بعد الصلاة عليها لم توضع لأحد يريد أن يصلي عليها، تحقيقاً للمبادرة إلى مواراة الميت، أي يكره ذلك.\rسابعاً ـ شروط الصلاة على الميت:\rيشترط في المصلي لصحة صلاة الجنازة شروط الصلاة (2) من إسلام وعقل وتمييز وطهارة وستر عورة (مع أحد العاتقين عند الحنابلة) وطهارة أو اجتناب نجاسة في البدن والثوب والمكان، واستقبال القبلة، والنية، وغيرها من الشروط إلا الوقت، لأنها صلاة، فهي كغيرها من الصلوات، سوى الوقت، والجماعة فلا يشترطان فيها، أما الوقت فمطلق غير مقيد بزمن معين، وأما الجماعة فلا تشترط فيها كالمكتوبة، بل تسن لخبر مسلم: «ما من رجل مسلم يموت، فيقوم على جنازته أربعون رجلاً لا يشركون بالله شيئاً، إلا شفعهم الله فيه» ويسقط فرض الصلاة بواحد؛ لأن الجماعة لا تشترط فيها، ولا يسقط الفرض بالنساء، وهناك رجال، في الأصح عند الشافعية؛ لأن فيه استهانة بالميت.\rوإنما صلت الصحابة على النبي صلّى الله عليه وسلم فرادى (3) ـ كما رواه البيهقي وغيره ـ لعظم أمره، وتنافسهم في ألا يتولى الإمامة في الصلاة عليه أحد، أو لأنه لم يكن قد تعين إمام يؤم القوم، فلو تقدم واحد في الصلاة، لصار مقدماً في كل شيء وتعين للخلافة.\rويشترط على المذهب عند الشافعية ألا يتقدم المصلي على الجنازة الحاضرة،ولا على القبر إذا صلي عليه، اتباعاً لفعل السلف، ولأن الميت كالإمام.\rويشترط في الميت لفرضية الصلاة عليه ما يأتي (4) :\r-------------------------------\r(1) ذكر الحديث في المغني وكشاف القناع، المكان السابق.\r(2) رد المحتار:811/1، القوانين الفقهية: ص95، مغني المحتاج:344/1، كشاف القناع:134/2،136، المهذب:132/1،135، بداية المجتهد:235/1، الشرح الصغير:574/1.\r(3) أي جماعات بعد جماعات.\r(4) الدر المختار ورد المحتار:811/1-813، القوانين الفقهية: ص 93 ومابعدها، مراقي الفلاح: ص98، المهذب:132/1، المجموع:165/5، كشاف القناع:126/2، المغني:558/2 وما بعدها.","part":2,"page":641},{"id":1333,"text":"1ً - أن يكون الميت مسلماً: ولو بطريق التبعية لأحد أبويه، أو للدار، فلا يصلى على كافر أصلاً لقوله تعالى: {ولا تصل على أحد منهم مات أبداً} [التوبة:9/84]، ويصلى على سائر المسلمين من أهل الكبائر والمرجوم في الزنا وغيرهم.\r2َ - أن يكون جسده هو أو أكثره موجوداً، وهذا شرط عند الحنفية والمالكية. فلا يصلى على عضو.\r3ً - أن يكون حاضراً موضوعاً على الأرض أمام المصلي، في اتجاه القبلة: وهذا شرط عند الحنفية ، فلا يصلى على غائب، محمول على نحو دابة، وموضوع خلف الإمام، ووافقهم المالكية على اشتراط كون الميت حاضراً.\rوأما الصلاة على النجاشي فهي خصوصية له. وأما وضع الميت أمام المصلي فمندوب عند المالكية. وتجوز الصلاة عند الشافعية والمالكية على الميت المحمول على دابة أو أيدي الناس أو أعناقهم.\r4ً - أن يكون قبل الصلاة عليه معلوم الحياة: وهذا شرط عند الجمهور خلافاً للحنابلة، فلا يصلى على مولود ولا سِقْط، إلا إن علمت حياته بارتضاع أو حركة، أو يستهل صارخاً، كما سأبين.\r5ً - طهارة الميت: فلا تجوز الصلاة عليه قبل الغسل أو التيمم.\r6ً - ألا يكون شهيداً: وهو من مات في معترك الجهاد، وهذا شرط عند الجمهور، فلايغسل ولا يكفن، ولا يصلى عليه، ويدفن بثيابه، وينزع عنه السلاح. وقال الحنفية : يكفن الشهيد ويصلى عليه، ولا يغسل. فإن قتل المسلم في غير الجهاد ظلماً أو أخرج من المعترك حياً، ولم تنفذ مقاتله، ثم مات، غسل، وصلي عليه في المشهور عند المالكية، ولدى بقية الفقهاء.","part":2,"page":642},{"id":1334,"text":"ومن قتل في المعترك في قتال المسلمين غسل وصلي عليه عند المالكية والشافعية، وقال الحنفية كما أبنت: لا يغسل ولا يصلى عليه. وقال الحنابلة: يغسل الباغي ويكفن ويصلى عليه، وأما أهل العدل فلا يغسلون ولا يكفنون ولا يصلى عليهم؛ لأنهم كالشهداء في معركة المشركين (1) .\rثامناً ـ وقت الصلاة على الجنازة:\rسبق الكلام عن ذلك في بحث الأوقات التي تكره فيها الصلاة، وملخصه (2) :\rقال الحنفية: يكره تحريماً ولا يصلى على الجنازة في الأوقات الخمسة التي ورد النهي عن الصلاة فيها، وهي عند طلوع الشمس، وغروبها، واستوائها في منتصف النهار، ومابعد صلاة الصبح حتى الطلوع، وما بعد صلاة العصر حتى الغروب.\rوقال المالكية والحنابلة: تحرم ولا يصلى على الجنازة في الأوقات الثلاثة التي ورد النهي عن الصلاة فيها، وهي وقت الطلوع والغروب وزوال الشمس لظاهر حديث عقبة بن عامر: «ثلاث ساعات كان رسول الله صلّى الله عليه وسلم ينهانا أن نصلي فيها وأن نقبر موتانا..» الحديث. وتجوز الصلاة في الوقتين الآخرين وهما ما بعد صلاتي الصبح والعصر إلى الطلوع والغروب.\rوقال الشافعية: يجوز فعل صلاة الجنازة في جميع الأوقات؛ لأنها صلاة لها سبب، فجاز فعلها في كل وقت.\rوأرى الأخذ بمذهب الشافعية في حال الضرورة أو الحاجة، ويمتنع من الصلاة في الأحوال الأخرى، رعاية للخلاف.\r-------------------------------\r(1) الكتاب مع اللباب:136/1، القوانين الفقهية: ص94، مغني المحتاج:350/1، المغني:534/2.\r(2) انظر بداية المجتهد:234/1، المهذب:132/1، المغني:554/2 ومابعدها.","part":2,"page":643},{"id":1335,"text":"تاسعاً ـ الصلاة على الميت بعد الدفن وتكرار الصلاة عليه قبل الدفن:\rيكره عند الحنفية والمالكية تكرار الصلاة على الجنازة حيث كانت الأولى في جماعة، فإن لم تكن في جماعة أعيدت ندباً بجماعة قبل الدفن (1) .\rوأجاز الشافعيةوالحنابلة تكرار الصلاة على الجنازة مرة أخرى، لمن لم يصل عليها أولاً، ولو بعد الدفن (2) ، بل يسن ذلك عند الشافعية، فقد فعله عدد من الصحابة، وفي حديث متفق عليه عن ابن عباس قال: «انتهى النبي صلّى الله عليه وسلم إلى قبر رطب، فصفوا خلفه، وكبرأربعاً» .\rأما الصلاة على الميت بعد الدفن: فجائزة باتفاق الفقهاء إذا لم يكن صلي عليه؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلم صلى على قبر امرأة من الأنصار (3) . ويحسن ذكر عبارات الفقهاء لمعرفة القيود الشرعية للصلاة:\rقال الحنفية (4) : إن دفن الميت ولم يصل عليه، صلي على قبره، استحساناً ما لم يغلب على الظن تفسخه، والمعتبر في معرفة عدم التفسخ أكبر الرأي من غير تقدير في الأصح، لاختلاف الحال والزمان والمكان .\rوقال المالكية (5) : إن كان لم يصل على الميت، أخرج للصلاة عليه مالم يفرغ من دفنه، فإن دفن صلي على القبر، ما لم يتغير.\r-------------------------------\r(1) الشرح الصغير:596/1.\r(2) المغني:511/2-512، مغني المحتاج:361/1.\r(3) رواه ابن حبان في صحيحه والحاكم في المستدرك من حديث خارجة بن زيد بن ثابت (نصب الراية:265/2).\r(4) فتح القدير:458/1 ومابعدها، الكتاب مع اللباب:132/1، مراقي الفلاح: ص99، الدر المختار:826/1 ومابعدها.\r(5) الشرح الكبير مع الدسوقي:412/1، القوانين الفقهية: ص95، بداية المجتهد:230/1 ومابعدها.","part":2,"page":644},{"id":1336,"text":"وقال الشافعية (1) : إذا دفن الميت قبل الصلاة، صلي على القبر؛ لأن الصلاة تصل إليه في القبر. وإن دفن من غير غسل أو إلى غير القبلة، ولم يخش عليه الفساد في نبشه، نبش وغسل ووجه إلى القبلة؛ لأنه واجب مقدور على فعله، فوجب فعله. وإن خشي عليه الفساد، لم ينبش؛ لأنه تعذر فعله، فسقط كما يسقط وضوء الحي واستقبال القبلة في الصلاة إذا تعذر.\rوإن أدخل القبر ولم يهل التراب عليه، يخرج ويصلى عليه.\rوقال الحنابلة (2) : إذا دفن الميت غير متوجه إلى القبلة، أو قبل الصلاة عليه، نبش ووجه إليها، تداركاً لذلك الواجب، وصلي عليه، ليوجد شرط الصلاة. كذلك يخرج ليكفن إن دفن قبل تكفينه.\rودليلهم على الصلاة: أن النبي صلّى الله عليه وسلم ذكر رجلاً مات، فقال: «فدلوني على قبره، فأتى قبره، فصلى عليه» (3) .\rلكن لا يصلى على القبر بعد شهر، لما روى سعيد بن المسيب «أن أم سعد ماتت والنبي صلّى الله عليه وسلم غائب، فلما قدم صلى عليها، وقد مضى لذلك شهر» (4) قال أحمد: أكثر ما سمعنا أن النبي صلّى الله عليه وسلم صلى على قبر أم سعد بن عبادة بعد شهر. ولأنها مدة يغلب على الظن بقاء الميت فيها، فجازت الصلاة عليه فيها كما قبل الثلاث، وكالغالب.\rوقبر النبي صلّى الله عليه وسلم لا يصلى عليه؛ لأنه لا يصلى على القبر بعد شهر (5) .\rعاشراً ـ الصلاة على الغائب:\rللفقهاء رأيان في الصلاة على الغائب عن البلد (6) :\rرأي الحنفية والمالكية: عدم جواز الصلاة على الغائب، وصلاة النبي على النجاشي لغوية أو خصوصية، وتكون الصلاة حينئذ مكروهة.\rورأى الشافعية والحنابلة: جواز الصلاة على الميت الغائب عن البلد، وإن قربت المسافة، ولم يكن في جهة القبلة، لكن المصلي يستقبل القبلة، لما روى جابر: «أن النبي صلّى الله عليه وسلم صلى على أصحمة النجاشي، فكبر عليه أربعاً» (7) .\rوتتوقت الصلاة على الغائب عند الحنابلة بشهر، كالصلاة على القبر؛ لأنه لا يعلم بقاؤه من غير تلاش أكثر من ذلك.\r-------------------------------\r(1) المهذب:138/1، المجموع:264/5.\r(2) كشاف القناع:97/2، المغني:511/2،519.\r(3) متفق عليه (نيل الأوطار: 51/4).\r(4) أخرجه الترمذي (المصدر السابق).\r(5) عن ابن عباس: «أن النبي صلّى الله عليه وسلم صلى على قبر بعد شهر» . وعنه «أن النبي صلّى الله عليه وسلم صلى على ميت بعد ثلاث» رواهما الدارقطني (نيل الأوطار:51/4).\r(6) الدر المختار:813/41، القوانين الفقهية: ص94، الشرح الصغير:571/1، المجموع:209/5، المهذب:134/1، مغني المحتاج:345/1، المغني:512/2 ومابعدها، كشاف القناع:126/2.\r(7) متفق عليه، وروى أحمد مثله عن أبي هريرة، كما روى ذلك أحمد والنسائي والترمذي وصححه (نيل الأوطار:48/4 ومابعدها).","part":2,"page":645},{"id":1337,"text":"الحادي عشر ـ الصلاة على المولود:\rيصلى على المولود أو السقط عند الحنابلة (1) إذا ولد لأكثر من أربعة أشهر، ويغسل أيضاً، والسقط: الولد تضعه المرأة ميتاً، أو لغير تمام، فأما إن خرج حياً واستهل فإنه يغسل ويصلى عليه بغير خلاف.\rواستدلوا بقول النبي صلّى الله عليه وسلم : «والسقط يصلى عليه، ويدعى لوالديه بالمغفرة والرحمة» (2) وفي لفظ رواية النسائي والترمذي: «والطفل يصلى عليه» وقال أبو بكر الصديق رضي الله عنه: «ما أحد أحق أن يصلى عليه من الطفل» ، ولأنه نسمة نفخ فيه الروح، فيصلي عليه كالمستهل، فإن النبي صلّى الله عليه وسلم أخبر في حديثه الصادق المصدوق أنه ينفخ فيه الروح لأربعة أشهر.\rوقال الجمهور (3) : يصلى على المولود إن ظهرت عليه أمارات الحياة. وعباراتهم ما يأتي:\rقال الحنفية: إن استهل المولود سمي وغسل وصلي عليه، واستهلال الصبي: أن يرفع صوته بالبكاء عند الولادة، أو أن يوجد منه ما يدل على حياته بعد خروج أكثره. وإن لم يستهل غسل وسمي في الأصح المفتى به على خلاف ظاهر الرواية، ويدرج في خرقة إكراماً لبني آدم، ولم يصل عليه.\rودليلهم حديث علي: أنه سمع سمع رسول الله صلّى الله عليه وسلم يقول في السقط: «لا يصلى عليه حتى يستهل، فإذا استهل صلي عليه، وعُقل، وورِّث، وإن لم يستهل لم يصل عليه، ولم يورث ولم يُعقل» (4) أي لادية له وهي خمسون ديناراً.\r-------------------------------\r(1) المغني:522/2، كشاف القناع:116/2 ومابعدها.\r(2) رواه أحمد والنسائي وأبو داود والترمذي، وقال عن حديثه: هذا حديث حسن صحيح.\r(3) فتح القدير:465/1، الدر المختار:828/1-830، مراقي الفلاح: ص99 ومابعدها، الشرح الصغير:574/1، القوانين الفقهية: ص93 ومابعدها، مغني المحتاج:349/1، المهذب:134/1، بداية المجتهد: 232/1 ومابعدها.\r(4) رواه ابن عدي، وروى أيضاً مثله عن ابن عباس بلفظ «إذا استهل الصبي صلي عليه، وورث» وروى الترمذي والنسائي وابن ماجه عن جابر موقوفاً عليه في الأصح: «الطفل لا يصلى عليه، ولا يرث، ولا يورث حتى يستهل» (نصب الراية:277/2-278).","part":2,"page":646},{"id":1338,"text":"وقال الشافعية: السقط إن استهل أو بكى ككبير، فيغسل ويكفن ويصلى عليه ويدفن لتيقن موته بعد حياته. وإن لم يستهل أو لم يبك: فإن ظهرت أمارة الحياة كاختلاج صلِّي عليه في الأظهر، لاحتمال الحياة بهذه القرينة الدالة عليها وللاحتياط. وإن لم تظهر لم يصل عليه، وإن بلغ أربعة أشهر في الأظهر.\rوالسقط: هو الذي لم يبلغ تمام أشهره، أما من بلغها فيصلى عليه مطلقاً. ودليلهم حديث المغيرة بن شعبة عن النبي صلّى الله عليه وسلم قال: «السقط يصلى عليه، ويدعى لوالديه بالمغفرة والرحمة» (1) وحديث «صلوا على أطفالكم فإنها من أفراطكم» (2) .\rوقال المالكية: يصلى على المولود أو السقط إن علمت حياته بارتضاع أو حركة أو يستهل صارخاً. ويكره غسله والصلاة عليه إن لم يستهل صارخاً، ولو تحرك أو بال أو عطس إن لم تتحقق حياته. ويغسل دم السقط ويلف بخرقة ويوارى وجوباً فيهما، وندباً في الأول: وهو الغسل.\rالثاني عشر ـ مكان الصلاة:\rيصلى على الميت في المصلى، كما فعل النبي صلّى الله عليه وسلم حينما برز للمصلى في صلاته على النجاشي.\r-------------------------------\r(1) أخرجه أصحاب السنن الأربعة، وقال عنه الترمذي: حديث حسن صحيح، ورواه الحاكم، وقال: على شرط البخاري، وفي سنده اضطراب ( نصب الراية:279/2).\r(2) حديث ضعيف أخرجه ابن ماجه عن أبي هريرة(المصدر السابق).","part":2,"page":647},{"id":1339,"text":"وأما الصلاة في المقبرة على الجنازة فهي ـ كما بينا في مكروهات الصلاة ـ مكروهة عند الحنفية والشافعية للنهي الوارد عن الصلاة فيها: «نهي صلّى الله عليه وسلم عن الصلاة في سبعة مواطن: في المزبلة والمجزرة والمقبرة وقارعة الطريق، وفي الحمام، وفي معاطن الإبل، وفوق بيت الله العتيق» ولقول النبي صلّى الله عليه وسلم : «الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام» (1) .\rوأجاز المالكية والحنابلة الصلاة على الجنازة في المقبرة، لعموم قوله عليه الصلاة والسلام: «جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً» .\rواستثنى الشافعية من الكراهة مقابر الأنبياء وشهداء المعركة لأنهم أحياء في قبورهم (2) . ويكره استقبال القبر في الصلاة لخبر مسلم: «لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها» ويحرم استقبال قبره صلّى الله عليه وسلم وقبور سائر الأنبياء عليهم أفضل الصلاة والسلام (3) . ورأي المالكية والحنابلة أقوى في تقديري لعدم صحة حديث النهي عن الصلاة في الأماكن السبعة. وأما الحديث الثاني فيحتمل تخصيص صلاة الجنازة منه.\rوأما الصلاة على الجنازة في المسجد:\rففيها رأيان: الكراهة عند الحنفية والمالكية، والجواز عند الشافعية والحنابلة (4) .\r-------------------------------\r(1) الحديث الأول رواه الترمذي، وقال: إسناده ليس بالقوي، والحديث الثاني رواه أحمد وابن حبان والترمذي وأبو داود وابن ماجه عن أبي سعيد.\r(2) البدائع :115/1، بداية المجتهد:235/1، مغني المحتاج:203/1، المغني:294/2.\r(3) مغني المحتاج: المكان السابق.\r(4) الدر المختار:89/1، فتح القدير:463/1 ومابعدها، اللباب:133/1، مراقي الفلاح: ص 99، بداية المجتهد:234/1، القوانين الفقهية: ص95، الشرح الصغير:568/1، مغني المحتاج:361/1، المهذب:132/1، المغني:493/2.","part":2,"page":648},{"id":1340,"text":"أما الاتجاه الأول وهو كراهة الصلاة، سواء أكانت الجنازة في المسجد أم خارجه، فلحديث أبي هريرة: «من صلى على ميت في المسجد، فلا شيء له» (1) ، ولأن المسجد بني لأداء المكتوبات وتوابعها كنافلة وأذكار وتدريس علم، ولأنه يحتمل تلويث المسجد، والكراهة تحريمية عند الحنفية، تنزيهية عند المالكية.\rوكما تكره الصلاة على الجنازة في المسجد، يكره إدخالها فيه.\rوأما الاتجاه الثاني: وهو إباحة الصلاة على الجنازة في المسجد، بل إنه يستحب ذلك عند الشافعية إن لم يخش تلويثه، فلأن المسجد أشرف، وعملاً بما ثبت في السنة عن عائشة: «والله لقد صلى رسول الله صلّى الله عليه وسلم على ابني بيضاء في المسجد: سهيل وأخيه» وفي رواية: «ما صلى رسول الله صلّى الله عليه وسلم على سهيل بن البيضاء إلا في جوف المسجد» (2) ، وصلي على أبي بكر وعمر في المسجد» (3) .\rويظهر لي أن الاتجاه الثاني أقوى؛ لأن حديث أبي هريرة غير ثابت، أو غير متفق على ثبوته،قال النووي: إنه ضعيف لا يصح الاحتجاج به. وقال أحمد بن حنبل: حديث ضعيف تفرد به صالح مولى التوءمة، وهو ضعيف.\r-------------------------------\r(1) رواه أبو داود وابن ماجه وابن عدي، وابن أبي شيبة، ولفظ الأخير «فلا صلاة له» وهو ضعيف (نصب الراية:275/2، نيل الأوطار:68/4 ومابعدها).\r(2) اللفظ الأول رواه مسلم، والثاني رواه الجماعة إلا البخاري (نيل الأوطار:68/4، نصب الراية:276/2).\r(3) رواه سعيد وروى الثاني مالك (نيل الأوطار، المكان السابق).","part":2,"page":649},{"id":1341,"text":"الفرض الرابع ـ دفن الميت:\rوفيه بحث ما يأتي:\rأولاً ـ حمل الميت لغير بلد موته، ثانياً ـ حمل الجنازة، ثالثاً ـ سنن الجنازة، رابعاً ـ وجوب الدفن وندب تعجيله، خامساً ـ مكروهات الجنازة، سادساً ـ صفة القبور واحترامها والجلوس عليها والاتكاء عليها، وما يوضع على القبر من آس ونحوه، وما يكتب عليه وعلى الكفن، سابعاً ـ أحكام الدفن (كيفيته، مكانه، زمنه، ما يقال عند الدفن، التلقين بعد الدفن، ستر القبر، الدفن في تابوت)، ثامناً ـ زيارة القبور للرجال والنساء والسلام على الميت، واجتماع الأرواح.\rأولاً ـ حمل الميت لغير بلد موته:\rللفقهاء آراء ثلاثة في نقل الميت لغير بلد موته: الكراهة لغير غرض صحيح، والإباحة، والتحريم (1) :\rفقال الحنابلة: السنة دفن الميت في مكان صرعه أو موته، لقوله صلّى الله عليه وسلم : «تدفن الأجساد حيث تفيض الأرواح» (2) ، وحمل الميت إلى غير بلده لغير حاجة مكروه، لما نقل عن عائشة أنه «لما مات عبد الرحمن بن أبي بكر بالحبَش ـ وهو مكان بينه وبين المدينة اثنا عشر ميلاً ـ ونقل إلى مكة، أتت قبره، وقالت: والله لو حضرتك مادفنتك إلا حيث مت، ولو شهدتك ما زرتك» (3) وهو محمول على أنها لم تر غرضاً في نقله، وأنه تأذى به.\rفإن كان النقل لغرض صحيح فلا كراهة، لما في الموطأ عن مالك أنه سمع غير واحد يقول: «إن سعد بن أبي وقاص وسعيد بن زيد ماتا بالعقيق، فحملا إلى المدينة، ودفنا بها» وقال سفيان بن عيينة: مات ابن عمر ههنا، وأوصى أن لا يدفن ههنا، وأن يدفن بسَرَف (4) .\r-------------------------------\r(1) كشاف القناع:97/2-98، المغني:510/2 ومابعدها، القوانين الفقهية: ص96، مراقي الفلاح: ص102، رد المحتار والدر المختار:840/1، مغني المحتاج:365/1.\r(2) روى الخمسة (أحمد وأصحاب السنن الأربعة) وصححه الترمذي عن جابر قال: «أمر رسول الله صلّى الله عليه وسلم بقتلى أحد أن يردوا إلى مصارعهم، وكانوا نقلوا إلى المدينة» وروى البزار بإسناد حسن عن أبي سعيد مثله (نيل الأوطار: 112/4، مجمع الزوائد:43/3).\r(3) رواه الترمذي.\r(4) ذكره ابن المنذر.","part":2,"page":650},{"id":1342,"text":"وقال الحنفية والمالكية: لا بأس بنقل الميت من بلد إلى آخر إن كان لم يدفن، والنقل عند الحنفية جائز قدر ميل أو ميلين، لكن يندب دفنه في جهة موته، أي في مقابر أهل المكان الذي مات فيه أو قتل، للحديث السابق أنه صلّى الله عليه وسلم أمر بدفن قتلى أُحد في مضاجعهم، مع أن مقبرة المدينة قريبة، ودفنت الصحابة الذين فتحوا دمشق عند أبوابها، ولم يدفنوا كلهم في محل واحد.\rوقال الشافعية: يحرم نقل الميت قبل دفنه إلى بلد آخر، ليدفن فيه، وإن لم يتغير، لما فيه من تأخير دفنه، ومن التعريض لهتك حرمته.\rثانياً ـ حمل الجنازة وكيفيته:\rحمل الجنازة فرض كفاية بلا خلاف، وهو بر وطاعة وإكرام للميت. وقال الشافعية: لا بأس باتباع المسلم جنازة قريبه الكافر، لأنه عليه الصلاة والسلام ـ فيما رواه أبو داود ـ أمر علياً رضي الله عنه أن يواري أبا طالب.\rوقالوا أيضاً: يحرم حمل الجنازة على هيئة مزرية كحمله في قفة أو غِرارة (جوالق) ونحو ذلك، ويحمل على سرير أو لوح أو محمل، ولا خلاف في أنه لا يحمل الجنازة إلا الرجال، سواء أكان الميت ذكراً أم أنثى؛ لأن النساء يضعفن عن الحمل، وربما انكشف منهن شيء لو حملن.\rوللفقهاء آراء ثلاثة في كيفية حمل الميت: التربيع عند الحنفية والحنابلة، وما بين العمودين عند الشافعية، وعدم ترتيب وضع معين على المشهور عند المالكية (1) .\rأما الحنفية والحنابلة فقالوا: يوضع الميت على النعش بعد أن يغسل ويكفن، مستلقياً على ظهره؛ لأنه أمكن، ويسن أن يحمله أربع؛ لأنه يسن التربيع في حمله، والتربيع أفضل من الحمل بين العمودين، لحديث أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود عن أبيه، قال: «من اتبع جنازة فليحمل بجوانب السرير كلها، فإنها من السنة، ثم إن شاء فليطَّوَعْ، وإن شاء فليدع» (2) .\r-------------------------------\r(1) الدر المختار:833/1، فتح القدير:467/1،469،الكتاب مع اللباب:133/1 وما بعدها،مراقي الفلاح: ص100، القوانين الفقهية:ص96، الشرح الصغير:565/1، المهذب:135/1، كشاف القناع:146/2 ومابعدها، المجموع:233/5، المغني:478/2، مغني المحتاج:359/1.\r(2) رواه سعيد بن منصور وابن ماجه، وإسناده ثقات، إلا أن أبا عبيدة لم يسمع من أبيه.","part":2,"page":651},{"id":1343,"text":"وصفة التربيع: أن يضع النعش اليسرى على كتفه اليمنى، ثم ينتقل إلى قائمة السرير المؤخرة، فيضعها على كتفه اليمنى أيضاً، ثم يدعها لغيره، ثم يضع قائمته اليمنى على كتفه اليسرى، ثم يدعها لغيره، وينتقل إلى قائمة السرير اليمنى، فيضعها على كتفه اليسرى. فتكون البداءة من الجانبين بالرأس، والختام من الجانبين بالرجلين، لما فيها من الموافقة لكيفية غسله.\rويمشي في كل مرة عشر خطوات، لحديث: «من حمل جنازة أربعين خطوة، كفرت عنه أربعين كبيرة» (1) .\rوإن حمل الميت بين العمودين وهما القائمتان، كل عمود على عاتق رجل كره عند الحنفية، وكان حسناً،ولم يكره عند الحنابلة، لرواية ابن منصور، ولأنه صلّى الله عليه وسلم «حمل جنازة سعد بن معاذ بين العمودين» (2) ، وروي عن عثمان وابن الزبير وابن عمر وأبي هريرة «أنهم فعلوا ذلك» (3) .\rوقال الشافعية: الحمل بين العمودين أفضل من التربيع، وهو أن يجعل الحامل رأسه بين عمودي مقدمة النعش، ويجعلهما على كاهله.\rويجوز الحمل من الجوانب الأربعة، لكن الأول أفضل؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلم حمل جنازة سعد بن معاذ بين العمودين، ولفعل الصحابة المذكورين.\rوقال المالكية: ليس في حمل الجنازة ترتيب معين على المشهور، فيجوز البدء في حمل السرير بأي ناحية بلا تعيين، قال خليل: والمعين مبتدع؛ لأنه عين ما لا أصل له في الشرع، ويجوز أن يحمل النعش اثنان أو ثلاثة أو أربعة.\r-------------------------------\r(1) ذكره الزيلعي والكاساني في البدائع. وذكر ابن عباس عن واثلة: «من حمل بجوانب السرير الأربع، غفر له أربعون كبيرة» وهو ضعيف.\r(2) ذكره الشافعي في المختصر والبيهقي في كتاب المعرفة، وأشار إلى تضعيفه.\r(3) رواها الشافعي والبيهقي بأسانيد ضعيفة إلا أثر سعد فصحيح.","part":2,"page":652},{"id":1344,"text":"ثالثاً ـ سنن تشييع الجنازة:\rيسن في حمل الجنازة ما يأتي:\r1 - الإسراع بالجنازة: يستحب الإسراع بالجنازة (أي فوق المشي المعتاد، ودون الخَبَب ـ أي العَدْو السريع ـ لكراهته) بحيث لا يضطرب الميت على الجنازة، لما روى أبو هريرة أن النبي صلّى الله عليه وسلم قال: «أسرعوا بالجنازة، فإن تكن صالحة فخير تقدمونها، وإن تكن سوى ذلك فشر تضعونه عن رقابكم» (1) ، وكراهة الخبب لما روى عبد الله بن مسعود، قال: «سألنا رسول الله صلّى الله عليه وسلم عن السير بالجنازة، فقال: دون الخبب، فإن يكن خيراً يعجل إليه، وإن يكن شراً، فبعداً لأصحاب النار» (2) .\rواستحباب الإسراع باتفاق العلماء إلا أن يخاف من الإسراع انفجار الميت أو تغيره ونحوه ، فيتأنى (3) .\r2 - اتباع الجنازة: يستحب اتباع الجنازة اتفاقاً (4) ، لما روى البراء قال: «أمرنا رسول الله صلّى الله عليه وسلم باتباع الجنازة، وعيادة المريض، وتشميت العاطس، وإجابة الداعي، ونصر المظلوم» (5) . واتباع الجنازة سنة للرجال، كما في الحديث المتقدم، مكروه للنساء، لما رواه البخاري ومسلم عن أم عطية رضي الله عنها قالت: «نهينا عن اتباع الجنائز ولم يُعزَم علينا» أي لم يشدد علينا في النهي، ولم يحرم علينا الاتباع.\r-------------------------------\r(1) رواه البخاري وهذا لفظه، ومسلم أيضاً ولفظه «فخيراً تقدمونها عليه» .\r(2) رواه أبو داود والترمذي والبيهقي وغيرهم، واتفقوا على تضعيفه، وروى أحمد عن أبي موسى حديث «عليكم القصد» وهو ضد الإفراط (نيل الأوطار:70/4).\r(3) اللباب:134/1، الشرح الكبير:418/1، المهذب:135/1، المغني:472/2-473.\r(4) الدر المختار:833/1، الشرح الكبير:418/1، المهذب:136/1، مغني المحتاج:367/1، المجموع:286/5، المغني:473/2.\r(5) رواه الجماعة، منهم البخاري ومسلم (نيل الأوطار:70/4).","part":2,"page":653},{"id":1345,"text":"وروى ابن ماجه عن علي رضي الله عنه قال: «خرج علينا رسول الله صلّى الله عليه وسلم، فإذا نسوة جلوس، فقال: ما يجلسكن ؟ قلن: ننتظر الجنازة، قال: هل تغَسِّلن؟ قلن: لا، قال: هل تَحمِلْنَ؟ قلن: لا، قال: هل تُدْلينَ فيمن يُدْلي؟ أي هل تنزلن الميت في القبر ـ قلن: لا، قال: فارجِعْن مأزورات غير مأجورات» أي عليكن الإثم، ولا أجر لكنّ.\rويتطلب اتباع الجنازة أموراً ثلاثة:\rأ ـ أن يصلي عليها: قال زيد بن ثابت: إذا صليت فقد قضيت الذي عليك.\rب ـ أن يتبعها إلى القبر، ثم يقف حتى تدفن، لحديث أبي هريرة: «من تبع جنازة فصلى عليها فله قيراط، وإن شهد دفنها فله قيراطان، القيراط مثل أحد» (1) .\rجـ ـ أن يقف بعد الدفن، فيستغفر له، ويسأل الله له التثبيت، ويدعو له بالرحمة، فإنه روي عن النبي صلّى الله عليه وسلم أنه كان إذا دفن ميتاً، وقف، وقال: «استغفروا له، واسألوا الله له التثبيت، فإنه الآن يسأل» (2) و روي عن ابن عمر أنه كان يقرأ عنده بعد الدفن أول البقرة وخاتمتها.\rوروى مسلم عن عمرو بن العاص أنه قال: «إذا دفنتموني، فأقيموا بعد ذلك حول قبري ساعة قدر ما تنحر جزور، ويفرّق لحمها حتى أستأنس بكم، وأعلم ماذا أراجع رسل ربي» .\r3 - الخشوع والتفكر بالموت: يستحب لمتبع الجنازة (3) أن يكون متخشعاً، متفكراً في مآله، متعظاً بالموت، وبما يصير إليه الميت، ولا يتحدث بأحاديث\r-------------------------------\r(1) رواه البخاري ومسلم، وفي رواية لهما: «القيراطان مثل الجبلين العظيمين» .\r(2) رواه أبو داود والبزار، وقال الحاكم: إنه صحيح الإسناد.\r(3) المغني:474/2.","part":2,"page":654},{"id":1346,"text":"الدنيا، ولا يضحك. قال سعد بن معاذ: «ما تبعت جنازة فحدثت نفسي بغير ما هو مفعول بها» ورأى بعض السلف رجلاً يضحك في جنازة، فقال: أتضحك وأنت تتبع الجنازة؟ لا كلمتك أبداً.\r4 - ستر نعش المرأة: يندب عند المالكية والشافعية والحنابلة (1) ستر نعش المرأة بقُبَّة تجعل فوق ظهر النعش، تعمل من خشب أو جريد نخل أو قصب، لأنه أبلغ في الستر، قال بعضهم: أول من اتخذ له ذلك زينب بنت جحش أم المؤمنين، وقال ابن عبد البر: فاطمة بنت رسول الله صلّى الله عليه وسلم أول من غُطِّي نعشها في الإسلام، ثم زينب بنت جحش.\r5 - المشي أمام الجنازة: يسن عند فقهاء الحديث (مالك والشافعي وأحمد) (2) المشي أمام الجنازة، وبقربها بحيث يراها إن التفت لأنه إذا بعد لم يكن معها، والمشي أمامها، لما روى ابن عمر: «أنه رأى النبي صلّى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر يمشون أمام الجنازة» (3) ولأن المشيع شفيع للميت، والشفيع يتقدم على المشفوع له.\rوأضاف الحنابلة: ولا يكره كون المشاة خلف الجنازة؛ لأنها متبوعة، ولا أن يمشوا حيث شاؤوا عن يمينها أو يسارها بحيث يعدّون تابعين لها. وذكر المالكية على المشهور: أن الراكب يسير خلف الجنازة.\rوقال فقهاء الرأي منهم الحنفية (4) : يندب المشي خلف الجنازة؛ لأنها\r-------------------------------\r(1) الشرح الكبير:418/1، كشاف القناع:146/2، مغني المحتاج:359/1.\r(2) بداية المجتهد:225/1، المهذب:136/1، المغني:474/2، كشاف القناع:149/2، المجموع:238/5، القوانين الفقهية: ص96.\r(3) رواه الخمسة (أحمد وأصحاب السنن) واحتج به أحمد (نيل الأوطار:71/4).\r(4) الدر المختار:834/1، مراقي الفلاح: ص 101.","part":2,"page":655},{"id":1347,"text":"متبوعة (1) ، إلا أن يكون خلفها نساء فالمشي أمامها حسن، ولو مشى أمامها جاز، وفيه فضيلة أيضاً، لكن إن تباعد عنها أو تقدم الكل أو ركب أمامها، أو فيها كره.\rودليلهم حديث ابن مسعود المتقدم: «سألنا النبي صلّى الله عليه وسلم عن المشي خلف الجنازة، فقال: ما دون الخبب» فقرر قولهم: خلف الجنازة، ولم ينكره، وحديث طاوس أنه قال: «ما مشى رسول اصلّى الله عليه وسلم حتى مات خلف الجنازة» (2) .\rويظهر أن كلاً من المشي أمام الجنازة أو خلفها جائز، لحديث المغيرة بن شعبة: عن النبي صلّى الله عليه وسلم قال: «الراكب خلف الجنازة، والماشي أمامها قريباً منها عن يمينها أو عن يسارها، والسِقْط يُصلَّى عليه، ويدعى لوالديه بالمغفرة والرحمة» (3) .\r6- القيام للجنازة: قال النووي وجماعة: يخير المسلم بين القيام والقعود (4) ، روى ابن عمر عن عامر بن ربيعة عن النبي صلّى الله عليه وسلم قال: «إذا رأيتم الجنازة، فقوموا لها حتى يُخلّفكَم أو توضع» (5) .\rوقال الجمهور منهم أئمة المذاهب الأربعة (6) : لا يقام للجنازة؛ لأن القيام منسوخ، بدليل قول علي رضي الله عنه: «كان رسول الله صلّى الله عليه وسلم أمرنا بالقيام في الجنازة، ثم جلس بعد ذلك، وأمرنا بالجلوس» (7) وسبب القعود مخالفة اليهود،\r-------------------------------\r(1) هذا إشارة لحديث البراء بن عازب المتقدم: «أمرنا رسول الله صلّى الله عليه وسلم باتباع الجنائز» .\r(2) قال الشوكاني: وهذا مع كونه مرسلاً، لم أقف عليه في شيء من كتب الحديث (نيل الأوطار:72/4).\r(3) رواه أحمد وأصحاب السنن، وصححه ابن حبان والحاكم (نيل الأوطار:45/4،72).\r(4) المجموع:239/5.\r(5) رواه الجماعة (نيل الأوطار:75/4).\r(6) القوانين الفقهية: ص 96، المغني:479/2، الشرح الصغير:570/1، الدر المختار:834/1، المجموع، المكان السابق، نيل الأوطار:76/4.\r(7) رواه أحمد وأبو داود، وابن ماجه بنحوه (نيل الأوطار: المكان السابق).","part":2,"page":656},{"id":1348,"text":"قال عبادة بن الصامت: «كان رسول الله صلّى الله عليه وسلم يقوم في الجنازة حتى توضع في اللحد، فمر حَبْر (عالم) من اليهود، فقال: هكذا نفعل، فجلس رسول الله صلّى الله عليه وسلم ، وقال: اجلسوا خالفوهم» (1) ، وصرح المالكية بكراهة القيام للجنازة؛ لأنه ليس من عمل السلف.\r7 - عدم جلوس المشيعين حتى توضع الجنازة: المستحب لمن يتبع الجنازة ألا يجلس حتى توضع عن أعناق الرجال؛ لأنه قد تقع الحاجة إلى التعاون، والقيام أمكن منه (2) ، ولحديث: «إذا رأيتم الجنازة فقوموا لها، فمن اتَّبعها فلا يجلس حتى توضع» (3) أي في الأرض، كما في رواية أبي داود.\rولا مانع ولا كراهة من تشييع المسلم جنازة قريبه الكافر.\rرابعاً ـ مكروهات الجنازة:\rذكر الفقهاء طائفة من مكروهات الجنازة، أهمها ما يأتي (4) :\r1 - تأخير الصلاة والدفن، لزيادة المصلين أو ليصلي عليه جمع عظيم بعد صلاة الجمعة، إلا إذا خيف فوتها بسبب دفنه، للخبر الصحيح: «أسرعوا بالجنازة» ولا بأس بانتظار الولي عن قرب ما لم يخش تغير الميت، وقال المالكية: ويكره\r-------------------------------\r(1) رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه والبيهقي، وإسناده ضعيف.\r(2) فتح القدير:469/1، المغني:480/2، المهذب:136/1.\r(3) رواه الجماعة إلا ابن ماجه عن أبي سعيد الخدري(نيل الأوطار:74/4).\r(4) الدر المختار:833/1-835، الكتاب مع اللباب:134/1، فتح القدير:469/1، الشرح الصغير:566/1،568-574، المهذب:136/1، المجموع:237/5-240، مغني المحتاج:359/1 ومابعدها، المغني:475/2-477،480، كشاف القناع:149/2 ومابعدها، الشرح الكبير:421/1-424.","part":2,"page":657},{"id":1349,"text":"للمشيعين الانصراف عن الجنازة بلا صلاة عليها ولو بإذن أهلها، والانصراف بعد الصلاة بلا إذن من أهلها إن لم يطولوا، فإن أذنوا أو طولوا جاز الانصراف.\r2 - الجلوس قبل وضع الجنازة على الأرض، والقيام بعده. ولايقوم أحد في المصلى إذا رأى الجنازة، ولا من مرت عليه، كما بينت في البحث السابق.\r3 - الركوب: السنة ألا يركب؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلم «ما ركب في عيد، ولاجنازة» (1) وقال ثوبان: «خرجنا مع النبي صلّى الله عليه وسلم في جنازة، فرأى ناساً رُكباناً، فقال: ألا تستحيون، إن ملائكة الله على أقدامهم، وأنتم على ظهور الدواب» (2) .\rأما الركوب في الرجوع فلا بأس به، لحديث جابر بن سمرة أن « النبي صلّى الله عليه وسلم أُتي بفرس مُعْرَوْر (أي عريان)، فركبه حين انصرفنا من جنازة ابن الدحداح، ونحن نمشي حوله» (3) .\r4 - اللَّغَط أي رفع الصوت بذكر أو قراءة والصياح خلف الجنازة، كقول: «استغفروا لها» ونحوه، لما روى البيهقي أن الصحابة كرهوا رفع الصوت عند الجنائز عند القتال وعند الذكر، وسمع ابن عمر قائلاً يقول: «استغفروا له غفر الله لكم، فقال: لا غفر الله لك» (4) وكره الحسن وغيره قولهم: «استغفروا لأخيكم» .\rوالصواب ما كان عليه السلف من السكوت في حال السير مع الجنازة والاشتغال بالتفكر في الموت وما يتعلق به، كما أبنت. وما يفعله جهلة القراء بالتمطيط وإخراج الكلام عن موضوعه، فحرام يجب إنكاره.\r-------------------------------\r(1) قال النووي: غريب (المجموع:237/5).\r(2) رواه ابن ماجه والترمذي (نيل الأوطار:72/4).\r(3) رواه أحمد ومسلم والنسائي، وروى أبو داود عن ثوبان مثله (نيل الأوطار:72/4).\r(4) رواه سعيد بن منصور في سننه.","part":2,"page":658},{"id":1350,"text":"5 - اتباع الجنازة بنار في مجمرة بخور أو غيرها، لما فيه من التشاؤم القبيح بأنه من أهل النار، ولخبر أبي داود: «لا تتبع الجنازة بصوت ولا نار» .\rويكره أيضاً اتباعها بنائحة وتزجر، لما روى عمرو بن العاص قال: «إذا أنا مت، فلا تصحبني نار ولا نائحة» (1) وعن أبي موسى رضي الله عنه أنه وصى: لاتتبعوني بصارخة ولا بمجمرة، ولا تجعلوا بيني وبين الأرض شيئاً (2) . ويكره اجتماع نساء لبكاء سراً، ومنع جهراً، كالقول القبيح مطلقاً.\r6 - اتباع النساء الجنائز، الكراهةعند الجمهور تنزيهية، لما روي عن أم عطية قالت: «نهينا عن اتباع الجنائز ولم يعزم علينا» (3) أي أنه نهي تنزيه، وعند الحنفية الكراهة تحريمية، لحديث «ارجعن مأزورات غير مأجورات» (4) ويعضده المعنى الحادث باختلاف الزمان الذي أشارت إليه عائشة بقولها: «لو أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم رأى ما أحدث النساء بعده، لمنعهن كما منعت نساء بني إسرائيل» .\r-------------------------------\r(1) رواه مسلم في صحيحه في جملة حديث طويل فيه أحكام كثيرة في كتاب الإيمان.\r(2) رواه البيهقي.\r(3) رواه البخاري ومسلم في الصحيحين.\r(4) رواه ابن ماجه بسند ضعيف، أوله «أن النبي صلّى الله عليه وسلم خرج، فإذا نسوة جلوس، قال: ما يجلسكن؟ قلن: ننتظر الجنازة، قال: هل تغسلن؟ قلن: لا، قال: هل تحملن؟ قلن: لا، قال: هل تدلين فيمن يدلي؟ قلن: لا، قال: فارجعن...» .","part":2,"page":659},{"id":1351,"text":"وأجاز المالكية خروج امرأة متجالَّة: عجوز لا أرب للرجل فيها، أو شابة لم يخش فتنتها في جنازة من عظُمت مصيبته عليها كأب وأم وزوج وابن وبنت وأخ وأخت. وحرم على مخشيَّة الفتنة مطلقاً. وخروج الزوجة المتجالة وغير مخشية الفتنة مستثنى من أحكام العدة والإحداد.\r7 - قال المالكية: يكره تكبير نعش لميت صغير، لما فيه من المباهاة والنفاق، ويكره فرش النعش بحرير أو خز، أي منسوج من الصوف والحرير.\r8 - قال الحنابلة: مس الجنازة بالأيدي والأكمام والمناديل محدث مكروه، وقد منع العلماء مس القبر، فمس الجسد مع خوف الأذى أولى بالمنع.\rويكره تقليد غير المسلمين في حمل أكاليل الورد لما فيه من إتلاف المال والمفاخرة والمباهاة.\rخامساً ـ حكم الدفن وتعجيله:\rأجمع الفقهاء على أن دفن الميت فرض على الكفاية (1) ؛ لأن في تركه على وجه الأرض هتكاً لحرمته، ويتأذى الناس من رائحته، والأصل فيه قوله تعالى: {ألم نجعل الأرض كفاتاً، أحياء وأمواتاً} [المرسلات:77/25-26] والكفت: الجمع، وقوله سبحانه في دفن هابيل: {فبعث الله غراباً يبحث في الأرض، ليريه كيف يواري سوأة أخيه} [المائدة:5/31] ، وقوله: {ثم أماته فأقبره} [عبس:21/80]0\rوالأفضل أن يعجل بتجهيز الميت ودفنه من حين موته، للحديث المتقدم: «أسرعوا بالجنازة، فإن كانت صالحة فخير تقدمونها إليه، وإن كانت غير ذلك فشر تضعونه عن رقابكم» واستثنى المالكية الغريق فإنه يستحب عندهم تأخير دفنه مخافة بقاء حياته.\rوالدفن في المقبرة أفضل؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلم كان يدفن الموتى بالبقيع (2) ، ولأنه يكثر الدعاء له ممن يزوره، ولأنه أقل ضرراً على الأحياء من ورثته، وأشبه بمساكن الآخرة (3) .\r-------------------------------\r(1) رد المحتار والدر المختار:833/1، بداية المجتهد:218/1،235، المجموع:241/5، كشاف القناع:96/2،146،152.\r(2) حديث صحيح متواتر.\r(3) مراقي الفلاح: ص102، الدر المختار:836/1، الشرح الصغير:574/1، المجموع:241/5، المغني:508/2 ومابعدها.","part":2,"page":660},{"id":1352,"text":"الدفن في البيوت: يجوز ولا يحرم الدفن في البيت؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلم دفن في حجرة عائشة رضي الله عنها (1) .\rلكن الدفن في البيوت لغير النبي ولو للسقط مكروه، لاختصاصه بالأنبياء عليهم الصلاة والسلام.\rويكره الدفن في القباب ونحوها من البيوت المعقودة لجماعة، لمخالفته السنة.\rالدفن في البقاع الشريفة: يستحب الدفن في أفضل مقبرة: وهي التي يكثر فيها الصالحون والشهداء لتناله بركتهم، وكذلك في البقاع الشريفة، روى البخاري ومسلم أن موسى عليه السلام لما حضره الموت، سأل الله تعالى أن يدنيه إلى الأرض المقدسة رمية بحجر، قال النبي صلّى الله عليه وسلم : «لو كنتم ثَمَّ لأريتكم قبره عند الكثيب الأحمر» ، ولأن عمر رضي الله عنه استأذن عائشة رضي الله عنها أن يدفن مع صاحبيه (2) : أي النبي صلّى الله عليه وسلم وأبي بكر.\rجمع الأقارب في موضع واحد: يستحب أن يجمع الأقارب في موضع واحد، لأن النبي صلّى الله عليه وسلم «ترك عند رأس عثمان بن مظعون صخرة، وقال: أتعلم بها قبر أخي، وأدفن إليه من مات من أهلي» (3) ، ولأن ذلك أسهل لزيارتهم، وأكثر للترحم عليهم.\r-------------------------------\r(1) حديث صحيح متواتر.\r(2) حديث صحيح رواه البخاري وغيره.\r(3) رواه أبو داود والبيهقي عن المطلب بن عبد الله بن حَنْطَب، وهو من التابعين، عمن أخبره عن النبي صلّى الله عليه وسلم فهو مسند لا مرسل، لأن الصحابة كلهم عدول.","part":2,"page":661},{"id":1353,"text":"سادساً ـ صفة القبور واحترامها:\rللقبور صفات مستمدة من السنة النبوية ومما تقتضيه الحاجة وهي ما يلي (1) :\r1ً - أقل القبر حفرة تمنع الرائحة والسبع عن نبش تلك الحفرة لأكل الميت؛ لأن الحكمة في وجوب الدفن عدم انتهاك حرمته بانتشار رائحته، واستقذار جيفته وأكل السباع له.\r2ً - ويندب عند الجمهور غير المالكية أن يوسع طولاً وعرضاً ويعمَّق بأن يزاد في نزوله، لقوله صلّى الله عليه وسلم في قتلى أحد: «احفروا وأوسعوا وأعمقوا» (2) ، ولأن تعميق القبر أنفى لظهور الرائحة التي تستضر بها الأحياء، وأبعد لقدرة الوحش على نبشه، وآكد لستر الميت، وروى البيهقي أن النبي صلّى الله عليه وسلم قال لحفار: «أوسع من قبل الرأس، ومن قبل الرجلين» .\rوالتعميق عند الشافعية وأكثر الحنابلة: قدر قامة وبسطة من رجل معتدل، يأن يقوم باسطاً يديه مرفوعتين؛ لأن عمر رضي الله عنه وصى بذلك، ولم ينكر عليه أحد، وهما أربعة أذرع ونصف. وقال أحمد رحمه الله : يعمق القبر إلى الصدر، الرجل والمرأة في ذلك سواء.\rوعند الحنفية: مقدار نصف قامة، أو إلى حد الصدر، وإن زاد مقدار قامة فهو أحسن. فالأدنى نصف القامة، والأعلى القامة. وطوله: على قدر طول الميت، وعرضه: على قدر نصف طوله.\r-------------------------------\r(1) الدر المختار:835/1-839،847، فتح القدير:469/1-472، مراقي الفلاح: ص101 ومابعدها، الكتاب:134/1 ومابعدها، بداية المجتهد:235/1 ومابعدها، القوانين الفقهية: ص96،97، الشرح الكبير:419/1، الشرح الصغير:558/1،560،572،578، مغني المحتاج:351/1،364، المهذب:139/1، المغني:497/2-499،504-508، كشاف القناع:154/2-163، شرح الرسالة:277/1-280، المجموع:284/5.\r(2) رواه الترمذي، وقال: حسن صحيح.","part":2,"page":662},{"id":1354,"text":"وقال المالكية: وندب عدم تعميق القبر جداً، بل قدر الذراع فقط إذا كان لحداً.\r3ً - واللَّحْد باتفاق الفقهاء أفضل من الشَّق: والمراد باللحد: أن يحفر في جانب القبر القبلي مكان يوضع فيه الميت بقدر ما يسعه ويستره. أما الشق: فهو أن يحفر قعر القبر كالنهر، أو يبنى جانباه بلبن أو غيره غير ما مسته النار، ويجعل بينهما شق يوضع فيه الميت، ويسقف عليه ببلاط أو حجارة أو لبن أو خشب ونحوها، ويرفع السقف قليلاً بحيث لا يمس الميت. ويكره الشق عند الحنابلة، لقوله صلّى الله عليه وسلم : «اللحد لنا والشق لغيرنا» (1) .\rوفصل الحنفية والمالكية والشافعية فقالوا: إن اللحد أفضل إن كانت الأرض صلبة، لقول سعد بن أبي وقاص في مرض موته: «الحدوا لي لحداً، وانصبوا على اللبِن نصباً، كما فعل برسول الله صلّى الله عليه وسلم » (2) . فإن كانت الأرض رخوة فالشق أفضل خشية الانهيار.\rويجب عند الشافعية والحنابلة ويندب عند المالكية والحنفية أن يوضع الميت في القبر مستقبل القبلة، ويسند وجهه إلى جدار القبر ويسند ظهره بلبنة ونحوها ليمنعه من الاستلقاء على قفاه، لقوله صلّى الله عليه وسلم : «قبلتكم أحياء وأمواتاً» ولأن ذلك طريقة المسلمين، بنقل الخلف عن السلف، ولأن النبي صلّى الله عليه وسلم هكذا دفن.\rويسن - كما سأبين - أن يسلَّ الميت من قبل رأسه، بعد أن يوضع عند أسفل القبر، ويمدد برفق في القبر. ويسن أن ينزله في القبر أقرب الناس إليه من الذكور، وأن يقول الذي يلحده: «بسم الله وعلى سنة رسول الله » اتباعاً لأمر الرسول صلّى الله عليه وسلم فيما رواه أبو داود والترمذي عن ابن عمر.\r-------------------------------\r(1) رواه أبو داود والترمذي وغيرهما، لكنه ضعيف.\r(2) رواه مسلم.","part":2,"page":663},{"id":1355,"text":"ويوضع اللبِن (الطوب النيء) على اللحد، بأن يسد من جهة القبر، ويقام اللبن فيه، اتقاءً لوجهه، عن التراب، لقول سعد: «وانصبوا علي اللبن نصباً» . ويكره الآجُرّ (الطوب المُحرَق) والخشب؛ لأنهما لإحكام البناء، وهو لا يليق بالميت؛ لأن القبر موضع اللبِن. ولا بأس بالقصب مع اللبِن.\rثم يهال التراب على القبر، سَتْراً له وصيانة.\r4ً - يسن لكل من حضر عند القبر أن يحثو التراب في القبر من قبل رأسه أو غيره ثلاث حَثَيات باليد، قبل إهالة التراب عليه، لحديث أبي هريرة: «أن النبي صلّى الله عليه وسلم صلى على جنازة، ثم أتى قبر الميت، فحثى عليه من قبل رأسه ثلاثاً» (1) ، وعن عامر بن ربيعة أن النبي صلّى الله عليه وسلم «صلى على عثمان بن مظعون، فكبر عليه أربعاً، وأتى القبر، فحثى عليه ثلاث حثيات، وهو قائم عند رأسه» (2) ، ولأن مواراته فرض كفاية، وبالحثي يصير ممن شارك فيها، وفي ذلك أقوى عبرة وتذكار، فاستحب لذلك.\r5ً - يرفع القبر قدر شبر فقط، ليعرف أنه قبر، فيتوقى، ويترحم على صاحبه، ولأن قبره صلّى الله عليه وسلم رفع نحو شبر (3) ، وروى الشافعي عن جابر «أن النبي صلّى الله عليه وسلم رفع قبره عن الأرض قدر شبر» وعن القاسم بن محمد قال: «قلت لعائشة: يا أماه، اكشفي لي عن قبر النبي صلّى الله عليه وسلم وصاحبيه، فكشفت لي عن ثلاثة قبور، لا مشرفة ولا لاطئة، مبطوحة ببطحاء العرصة الحمراء» (4) .\r6ً - تسنيم القبر عند الجمهور أفضل من تسطيحه أي تربيعه، لقول سفيان\r-------------------------------\r(1) رواه ابن ماجه.\r(2) رواه الدارقطني.\r(3) رواه ابن حبان في صحيحه.\r(4) رواه أبو داود (نيل الأوطار:82/4).","part":2,"page":664},{"id":1356,"text":"التَّمار: «رأيت قبر النبي صلّى الله عليه وسلم مسنماً» (1) وكذلك قبور الصحابة من بعده، ولأن التسطيح أشبه بأبنية أهل الدنيا، واستثنى الحنابلة دار الحرب إذا تعذر نقل الميت، فالأولى تسوية القبر بالأرض وإخفاؤه، خوفاً من أن ينبش، فيمثل به.\rوقال الشافعية: الصحيح أن تسطيح القبر أولى من تسنيمه، كما فعل بقبره صلّى الله عليه وسلم وقبري صاحبيه رضي الله تعالى عنهما (2) .\r7ً - يكره تجصيص القبر والبناء، والكتابة عليه والمبيت عنده، واتخاذ مسجد عليه، وتقبيله والطواف به وتبخيره، والاستشفاء بالتربةمن الأسقام، وكذا يكره التطيين عند الحنفية والمالكية.\rأما التجصيص: أي التبييض أي الطلاء بالجص وهوا لجبس، ومثله تزويقه ونقشه، والبناءعليه كقبة أو بيت، فمكروه للنهي عنهما في صحيح مسلم الآتي. وإن كان البناء على القبر للمباهاة أو في أرض مسبلة (مخصصة للدفن بحسب العادة ) أو موقوفة، فيحرم ويهدم، لأنه في حالة المباهاة من الإعجاب والكبر المنهي عنهما، وفي الموقوفة والمسبلة، فلما في ذلك من التضييق والتحجير على الناس.\rوذكر ابن عبد الحكم تلميذ مالك أنه لا تنفذ وصية من أوصى بالبناء على قبره، أي بناء بيوت، وعليه يجب هدم ما بني على القبور من القباب والسقائف والروضات. لكن لا بأس عند اللخمي من المالكية ببناء حاجز بين القبور ليعرف به. وقيل عند الحنفية: لابأس بتطيين القبر، واليوم اعتاد الناس التسنيم باللبن\r-------------------------------\r(1) رواه البخاري في صحيحه (المصدر السابق) وروى الجماعة إلا البخاري وابن ماجه أن علياً بعث أبا الهياج الأسدي وقال: «أبعثك على ما بعثني رسول الله صلّى الله عليه وسلم : لا تدع تمثالاً إلا طمسته، ولا قبراً مشرفاً إلا سويته» (نيل الأوطار:83/4).\r(2) رواه أبو داود بإسناد صحيح.","part":2,"page":665},{"id":1357,"text":"صيانة للقبر عن النبش، ورأوا ذلك حسناً، وفي الأثر: «ما رآه المسلمون حسناً فهوعند الله حسن» . ولا بأس عند الحنابلة أيضاً من تطيين القبر. وكره أحمد الفسطاط والخيمة على القبر، عملاً بوصية أبي هريرة كما روى أحمد في مسنده، وبأمر ابن عمر بنزع فسطاط على قبر عبد الرحمن.\rوأما الكتابة على القبر فمكروهة عند الجمهور، سواء اسم صاحبه أوغيره، عند رأسه أم في غيره، أو كتابة الرقاع إليه ودسها في الأنقاب، وتحرم عند المالكية كتابة القرآن على القبر، ودليلهم: ما روى جابر: «نهى رسول الله صلّى الله عليه وسلم عن تجصيص القبور، وأن يكتب عليها، وأن يبنى عليها» (1) .\rوقال الحنفية: لا بأس بالكتابة على القبر إن احتيج إليها حتى لا يذهب الأثر ولا يمتهن؛ لأن النهي عنها وإن صح، فقد وجد الإجماع العملي بها (2) ، فقد أخرج الحاكم النهي عنها من طرق، ثم قال: هذه الأسانيد صحيحة، وليس العمل عليها، فإن أئمة المسلمين من المشرق إلى المغرب مكتوب على قبورهم، وهو عمل أخذ به الخلف عن السلف،ويتقوى بما أخرجه أبو داود بإسناد جيد أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم «حمل حجراً، فوضعها عند رأس عثمان بن مظعون، وقال:أتعلم بها قبر أخي، وأدفن إليه من مات من أهلي» ، فإن الكتابة طريق تعرف القبر بها. ويباح عندهم أيضاً أن يكتب على الكفن «بسم الله الرحمن الرحيم» أو «يرجى أن يغفر الله للميت» .\rوالخلاصة: إن النهي عن الكتابة محمول على عدم الحاجة، ، وأن الكتابة بغير عذر، أو كتابة شيء من القرآن أو الشعر أو إطراء مدح له ونحو ذلك فهو مكروه.\r-------------------------------\r(1) رواه مسلم وغيره.\r(2) رد المحتار لابن عابدين:839/1.","part":2,"page":666},{"id":1358,"text":"وأما اتخاذ المساجد على القبور فهو مكروه، حرام عند بعض المحدثين والحنابلة لقوله صلّى الله عليه وسلم : «قاتل الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» (1) ظاهره أنهم كانوا يجعلونها مساجد يصلون فيها، لكن ذكر ابن القاسم تلميذ مالك أنه لابأ س بالمسجد على القبور العافية (المندرسة) ويكره على غير العافية. وتكره أيضاً الصلاة إلى القبر، لحديث «لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها» (2) .\rوأما التقبيل والاستشفاء بالتربة ونحوه فلأن ذلك كله من البدع، لكن لا بأس كما ذكر الشافعية على الصحيح من تطييب القبر.\r8ً - يوضع على القبر حصى، وعند رأسه حجر أو خشبة: أما وضع الحصى فلما رواه الشافعي مرسلاً «أنه وضعه على قبر ابنه إبراهيم» وروي أنه رأى على قبره فرجة فأمر بها فسدت، وقال: « إنها لا تضر ولا تنفع، وإن العبد إذا عمل شيئاً، أحب الله منه أن يتقنه» . وأما وضع الحجر ونحوه لتعليم القبر، فللحديث المتقدم: «أنه صلّى الله عليه وسلم وضع عند رأس عثمان بن مظعون صخرة، وقال: أتعلم بها قبر أخي، وأدفن إليه من مات من أهلي» .\r9ً - لا يجوز اتخاذ السرج على القبور، لقول النبي صلّى الله عليه وسلم : «لعن الله زوارات القبور، والمتخذين عليها السرج» (3) .\r-------------------------------\r(1) متفق عليه عن أبي هريرة، وروى الخمسة إلا ابن ماجه عن ابن عباس، قال: «لعن رسول الله صلّى الله عليه وسلم زائرات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج» (نيل الأوطار:90/4) وفيه دليل على تحريم زيارة القبور للنساء كما سيأتي.\r(2) رواه مسلم عن أبي مرثد الغنوي.\r(3) رواه الخمسة إلا ابن ماجه عن ابن عباس، كما تقدم.","part":2,"page":667},{"id":1359,"text":"احترام القبور: أما احترام القبور فهو أمر مقرر في السنة ولدى جميع الفقهاء (1) ، ومظاهر الاحترام ما يأتي:\r1- يكره الجلوس على القبر، والمشي عليه، والنوم وقضاء الحاجة من بول أوغائط، لقوله صلّى الله عليه وسلم : «لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها» (2) ، وقوله: «لأن يجلس أحدكم على جمرة، فتخلص إلى جلده، خير له من أن يجلس على قبر» (3) ، والكراهة عند الحنفية تحريمية إذا كان الجلوس لقضاء الحاجة، تنزيهية لغير ذلك، إلا أنهم قالوا على المختار: لا يكره الجلوس على القبر للقراءة، لتأدية القراءة بالسكينة والتدبر والاتعاظ، ولم يجز الشافعية والحنابلة الجلوس إلا لضرورة، وجعلوا الاتكاء أو الاستناد إلى القبر مكروهاً كالجلوس.\rوأما المالكية فقالوا: يكره المشي على القبر بشرطين: إن كان مسنماً أو مسطباً، والحال أن الطريق بجانبه،فإن زال تسنيمه أو لم تكن هناك طريق، جاز المشي عليه. أما الجلوس على القبر لغير بول أو غائط فيجوز، وحملوا حديث النهي عن الجلوس على المقابر على التخلي (قضاء الحاجة). وعن علي كرم الله وجهه أنه كان يجلس على المقابر ويتوسدها.\r2 - يحرم نبش القبر ما دام يظن فيه شيء من عظام الميت فيه: فلا تنبش عظام الموتى عند حفر القبور، ولا تزال عن موضعها، ويتقى كسر عظامها، لقوله صلّى الله عليه وسلم : «كسر عظم الميت ككسر عظم الحي في الإثم» أو «كسر عظم الميت ككسره\r-------------------------------\r(1) مراقي الفلاح: ص103، رد المحتار:846/1، الشرح الصغير:559/1،573، الشرح الكبير:428/1 ومابعدها، القوانين الفقهية: ص97، المجموع:264/5، مغني المحتاج:354/1، المهذب:139/1،كشاف القناع:162/2،164،165،166، المغني:507/3،551،565.\r(2) رواه مسلم عن أبي مرثد الغنوي.\r(3) رواه الجماعة، وفسر فيه الجلوس بالحدث، وهو حرام بالإجماع.","part":2,"page":668},{"id":1360,"text":"حياً» (1) ويستثنى من ذلك حالات تقتضيها الضرورة أو الحاجة والغرض الصحيح وأهمها ما يأتي (2) :\rأ ـ إذا دفن من غير كفن أو غير غسل أو إلى غير القبلة، ولم يتغير حاله أو لم يخش عليه الفساد في نبش وكفن وغسل ووجه إلى القبلة؛ لأنه واجب مقدور على فعله، فوجب عليه، وروى سعيد في سننه أن رجالاً قبروا صاحباً لهم، لم يغسلوه ولم يجدوا له كفناً، ثم لقوا معاذ بن جبل، فأمرهم أن يخرجوه فأخرجوه من قبره، ثم غسِّل وكفِّن، وحُنِّط، ثم صلي عليه (3) .\rولم يجز الشافعية في الأصح نبش القبر لتكفين الميت؛ لأن المقصود حصل وهو ستره بالتراب.\rفإن خشي عليه الفساد أو التغير، لم ينبش؛ لأنه تعذر فعله، فسقط كما يسقط وضوء الحي واستقبال القبلة في الصلاة إذا تعذر.\rأما الصلاة على الميت إذا دفن قبلها، فتصلى على القبر؛ لأنها تصل إليه في القبر. وينبش عند المالكية، وعند الحنابلة، ويصلى عليه في رواية عن أحمد، ولاينبش عند الحنفية لوضعه لغير القبلة أوعلى يساره، وينبش لغير ذلك مما سيأتي.\rب ـ إذا كان الكفن مغصوباً وأبى صاحبه أن يأخذ القيمة، أو كانت الأرض مغصوبة، ولم يرض مالكها ببقائه.\rجـ ـ لضيق المسجد الجامع، أو دفن معه آخر عند الضيق. وإذا نبش للدفن أو اتخاذ مسجد محل القبر جاز، ولا يجوز عند المالكية للزرع والبناء، وأجاز الحنفية الزرع والبناء في محل قبر إذا بلي وصار تراباً.\r-------------------------------\r(1) الأول رواه ابن ماجه عن أم سلمة، وهو حديث حسن، والثاني رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه عن عائشة، وهو حسن أيضاً.\r(2) الدر المختار:839/1،840، مراقي الفلاح: ص102، الشرح الصغير:577/1، القوانين الفقهية: ص93،97، المهذب:138/1، المجموع:266/5-268، المغني:511/2،551-554، كشاف القناع:97/2،98.\r(3) نيل الأوطار: 4/211 ومابعدها، وفيه أيضاً أن النبي صلّى الله عليه وسلم أخرج عبد الله بن أُبي من قبره فنفث فيه من ريقه وألبسه قميصه، رواه البخاري.","part":2,"page":669},{"id":1361,"text":"د ـ إذا دفن معه مال من حلي أوغيره، أو وقع في القبر مال لآدمي قليل أو كثير، وطالب به صاحبه، لما روي أن المغيرة بن شعبة طرح خاتمه في قبر رسول الله صلّى الله عليه وسلم ، فقال: خاتمي، ففتح موضعاً فيه، فأخذه (1) .\rولم يجز المالكية نبش القبر لمال قليل للميت، أو إذا تغير الميت، ويعطى صاحبه مثله أو قيمته من التركة (المثل في المثلي، والقيمة في القيمي).\rهـ ـ إذا بلع الشخص جوهرة لغيره، ومات وطالب صاحبها، شق جوفه، وردت الجوهرة. فإن كانت الجوهرة للميت شق أيضاً عند الحنفية وسحنون المالكي وفي الأصح عند الشافعية، ولم يشق عند أحمد وابن حبيب المالكي وفي وجه آخر عند الشافعية.\rشق بطن الحامل:\rو ـ إذا ماتت الحبلى، وفي بطنها جنين حي يضطرب، شق جوفها عند أكثر الفقهاء؛ لأنه استبقاء حي، بإتلاف جزء من الميت، فأشبه إذا اضطر إلى أكل الميت.\rوالمذهب عند الحنابلة: أنه لا يشق بطن الميتة لإخراج ولدها، مسلمة كانت أو ذمية، وتخرجه القوابل إن علمت حياته بحركة.\r3 - نقل الميت بعد الدفن: للفقهاء رأيان: رأي المالكية والحنابلة بالجواز لمصلحة،ورأي الشافعية بعدم الجواز إلا لضرورة، وعدم الجواز مطلقاً عند الحنفية، على التفصيل الآتي (2) :\rقال المالكية: يجوز نقل الميت من مكان إلى آخر، أو من بلد إلى آخر، أو من حضر لبدو، بشرط ألا ينفجر حال نقله، وألا تنتهك حرمته، وأن يكون لمصلحة كأن يخاف عليه أن يأكله البحر أو السبع، أو ترجى بركة الموضع المنقول إليه، أو ليدفن بين أهله، أو لأجل قرب زيارة أهله.\r-------------------------------\r(1) حديث المغيرة ضعيف غريب، قال الحاكم أبو أحمد شيخ الحاكم أبي عبد الله: لا يصح هذا الحديث (المجموع:266/5).\r(2) الدر المختار ورد المحتار:840/1، الشرح الصغير:566/1، الشرح الكبير:421/1، المجموع:270/5، مغني المحتاج:366/1، كشاف القناع:97/2.","part":2,"page":670},{"id":1362,"text":"وقال الحنابلة: يجوز نقل الميت لغرض صحيح كدفنه في بقعةخير من بقعته التي دفن فيها، ولمجاورة صالح لتعود عليه بركته، إلا الشهيد إذا دفن بمصرعه، فلا ينقل عنه لغيره، حتى لو نقل منه رد إليه ندباً؛ لأن دفنه في مصرعه (مكان قتله) سنة، فقد أمر النبي صلّى الله عليه وسلم بقتلى أحد أن يردوا إلى مصارعهم، وكانوا نقلوا إلى المدينة (1) .\rوقال الشافعية: نبش الميت بعد دفنه للنقل وغيره حرام إلا لضرورة بأن دفن بلا غسل ولا تيمم. أو في أرض أو ثوب مغصوبين، و وقع فيه مال، أو دفن لغير القبلة، لا للتكفين في الأصح؛ لأن غرض التكفين الستر، وقد حصل بالتراب، مع ما في النبش من هتك حرمته، كما أبنت.\rوقال الحنفية: لا يجوز النقل بعد الدفن مطلقاً، وأما نقل يعقوب ويوسف عليهما السلام من مصر إلى الشام ليكونا مع آبائهما الكرام، فهو شرع من قبلنا، ولم يتوافر فيه شروط كونه شرعاً لنا، وعليه: لا يجوز كسر عظامه ولا تحويلها ولو كان الميت ذمياً، ولا ينبش وإن طال الزمان.\rوفي الجملة: تلتقي هذه الأقوال في ضرورة احترام الميت، وتحرص على إبقائه في مكانه، فهو الأصل، ويجوز النقل عند الجمهور لضرورة أو مصلحة أو غرض صحيح، ولا يجوز عند الحنفية مطلقاً.\r-------------------------------\r(1) رواه الخمسة وصححه الترمذي عن جابر (نيل الأوطار:112/4).","part":2,"page":671},{"id":1363,"text":"4 - قال الشافعية (1) : لا بأس بتطييب القبر، وقالوا أيضاً مع الحنابلة والحنفية: ويندب أن يرش القبر بماء، ويسن وضع الجريد الأخضر والريحان ونحوه من الشيء الرطب على القبر حفظاً لترابه من الاندراس، ولا يجوز للغير أخذه من على القبر قبل يبسه؛ لأن صاحبه لم يعرض عنه إلا عند يبسه، لزوال نفعه الذي كان فيه وقت رطوبته، وهو الاستغفار.\rودليلهم على رش الماء: «أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم رش على قبر ابنه إبراهيم ووضع عليه حصباء (2) » .\rوكذلك قال الحنفية (3) : يكره قطع النبات الرطب والحشيش من المقبرة، دون اليابس؛ لأنه مادام رطباً يسبح الله تعالى، فيؤنس الميت، وتنزل بذكره الرحمة. ويندب وضع الجريد والآس ونحوهما على القبور. والدليل: ما ورد في الحديث الصحيح من وضعه عليه الصلاة والسلام الجريدة الخضراء، بعد شقها نصفين على القبرين اللذين يعذبان، وتعليله بالتخفيف عنهما ما لم ييبسا أي يخفف عنهما ببركة تسبيحهما؛ إذ هو أكمل من تسبيح اليابس، لما في الأخضر من نوع حياة.\rفكراهة قطع ذلك وإن نبت بنفسه، لما فيه من تفويت حق الميت.\r5 - جمع أكثر من ميت في قبر واحد: اتفقت كلمة الفقهاء على أنه لا يجوز أن يدفن اثنان في قبر واحد إلا لضرورة (4) قال جابر: دفن مع أبي رجل، فلم تطب نفسي حتى أخرجتُه، فجعلته في قبر على حدة (5) ولأن النبي صلّى الله عليه وسلم لم يدفن في كل قبر إلا واحداً.\rوالضرورة: كأن كثر الأموات وعسر إفراد كل ميت بقبر، أو لضيق المكان أو تعذر الحافر، ولو كانوا ذكوراً وإناثاً أجانب.\rويقدم حينئذ الأفضل كترتيبهم في الإمامة، فيقدم الأحق بالإمامة إلى جدار القبر القبلي، فيكون الرجل مما يلي القبلة، والمرأة خلفه، والصبي خلفهما؛ لأنه صلّى الله عليه وسلم كان يسأل في قتلى أحد عن أكثرهم قرآناً، فيقدمه إلى اللحد، لكن لا يقدم فرع على أصله من جنسه، وإن علا، حتى يقدم الجد ولو من قبل الأم، وكذا الجد، فيقدم الأب على الابن وإن كان أفضل منه لحرمة الأبوة، وتقدم الأم على البنت وإن كانت أفضل.\r-------------------------------\r(1) مغني المحتاج:364/1، المغني:504/2، الدر المختار:838/1، كشاف القناع:191/2.\r(2) رواه الشافعي (نيل الأوطار:84/4).\r(3) رد المحتار:846/1، مراقي الفلاح: ص103.\r(4) مراقي الفلاح: ص102، الشرح الصغير:567/1، الشرح الكبير:419/1،422، القوانين الفقهية: ص97، مغني المحتاج:354/1، المغني:562/2-563، المجموع:244/5 ومابعدها.\r(5) رواه البخاري والنسائي (نيل الأوطار:112/4).","part":2,"page":672},{"id":1364,"text":"ويجعل بين كل اثنين حاجز من التراب، كما أمر النبي صلّى الله عليه وسلم في بعض الغزوات.\rولو بلي الميت وصار تراباً، جاز دفن غيره في قبره، ويرجع فيه إلى أهل الخبرة بتلك الأرض. ولا ينبش قبر ميت باق.\rسابعاً ـ أحكام الدفن:\r1 - كيفيته:\rللفقهاء آراء ثلاثة في كيفية إنزال الميت القبر (1) .\rفقال الحنفية: يُدخل الميت مما يلي القبلة إن أمكن كما أدخل النبي صلّى الله عليه وسلم ، وهو أن توضع الجنازة في جانب القبلة من القبر، ويحمل الميت، فيوضع في اللحد، فيكون الآخذ له مستقبل القبلة لشرف القبلة، وهذا إذا لم يُخشَ على القبر أن ينهار، وإلا فيسل من قبل رأسه أو رِجْليه.\rوقال المالكية: لا بأس أن يدخل الميت في قبره من أي ناحية كان، والقبلة أولى.\rوقال الشافعية والحنابلة: يستحب أن يدخل القبر من عند رجليه، إن كان أسهل عليهم، ثم يسل سلاً إلى القبر، لما روى ابن عباس رضي الله عنه أن النبي صلّى الله عليه وسلم سُلَّ من قبل رأسه سلاً (2) ، ولأن ذلك أسهل.\r-------------------------------\r(1) اللباب:134/1، مراقي الفلاح: ص101، الدر المختار:836/1، 838، الشرح الكبير:422/1، القوانين الفقهية: ص96، الشرح الصغير:559/1، المهذب:137/1، المغني:496/2،499،501-505، المجموع:254/5-260، مغني المحتاج:363/1.\r(2) رواه الشافعي في الأم والبيهقي بإسناد صحيح.","part":2,"page":673},{"id":1365,"text":"وتحل عُقد الأكفان من عند رأسه ورجليه؛ لأن عقدها كان لخوف الانتشار، وقد أمن من ذلك بدفنه،وقد روي أن النبي صلّى الله عليه وسلم لما أدخل نعيم بن مسعود الأشجعي القبر، نزع الأخلّة (1) بفيه، وعن ابن مسعود وسمرة بن جندب نحو ذلك.\rويوجه الميت إلى القبلة على جنبه الأيمن.\rويضع الرجل في قبره الرجال، بدون تقدير عدد معين، وأولى الناس بدفنه أولاهم بالصلاة عليه من أقاربه، والمرأة يُدخلها زوجها أو محرمها: وهو من كان يحل له النظر إليها في حياتها، ولها السفر معه، فإن لم يكن فالنساء فإن لم يكن فصالحو المؤمنين من الشيوخ القادرين على الدفن.\rوتمد يده اليمنى مع جسده، قال المالكية: ويعدل رأسه ورجلاه بالتراب حتى يستوي، وقال الشافعية: يستحب أن يوسد رأسه لبنة أو حجر أو نحوهما، واتفقوا على أنه لا يفرش تحته شيء، ويكره أن يجعل تحته فرش أو مضربة أو مخدة، أو ثوب، أو حصير، لما روي عن عمر رضي الله عنه أنه قال: «إذا أنزلتموني في اللحد، فأفضوا بخدي إلى الأرض» وعن أبي موسى: «لا تجعلوا بيني وبين الأرض شيئاً» وينصب اللبن على اللحد نصباً، لما روي عن سعد بن أبي وقاص قال: «اصنعوا بي كما صنعتم برسول الله صلّى الله عليه وسلم ، انصبوا عليَّ اللبن، وأهيلوا علي التراب» (2) ، ويكره الآجر (الطوب المحرق) والخشب، فلا يدخل القبر آجراً ولا خشباً ولا شيئاً مسته النار (3) ، ولا بأس عند الحنفية والحنابلة بالقصب ثم يهال التراب عليه.\rويستحب لكل من دنا على شفير القبر - كما أوضحت - أن يحثو ثلاث حثيات من التراب؛\r-------------------------------\r(1) الأخلة جمع خلال: وهو ما يخل أو يشبك به الثوب.\r(2) رواه مسلم بلفظه إلا قوله: «وأهيلوا علي التراب» .\r(3) عللوا ذلك بأنه من بناء المترفين، وأما ما مسته النار فللتشاؤم بأنه من أهل النار.","part":2,"page":674},{"id":1366,"text":"لأن النبي صلّى الله عليه وسلم حثا في قبر ثلاث حثيات من التراب (1) .\rويستحب كما تقدم أن يقف جماعة على القبر بعد الدفن بساعة يدعون للميت بعد دفنه، ويقرؤون بقدر ما ينحر الجزور ويفرق لحمه، لما روى عثمان رضي الله عنه قال: «كان النبي صلّى الله عليه وسلم إذا فرغ من دفن الميت، يقف عليه، وقال: «استغفروا لأخيكم، واسألوا الله له التثبيت، فإنه الآن يسأل» (2) .\r2 - مكان الدفن والدفن في البحر:\rالدفن في المقبرة أفضل منه في غيرها، لما يلحقه من دعاء الزوار والمارين (3) ، ولأنه صلّى الله عليه وسلم كان يدفن أهله وأصحابه بالبقيع، ولا بأس بشرائه موضع قبره، ويوصي بدفنه فيه، كما فعل عثمان وعائشة.\rولا يدفن كافر في مقبرة المسلمين، ولا مسلم في مقبرة الكفار (4) .\rولو ماتت ذمية (يهودية أو نصرانية) وهي حامل من مسلم، ومات جنينها في جوفها، فالصحيح عند الشافعية، والحنابلة (5) : أنها تدفن بين مقابر المسلمين والكفار، ويكون ظهرها إلى القبلة؛ لأن وجه الجنين إلى ظهر أمه، فتدفن منفردة، لأن ولدها مسلم، فيتأذى بعذابهم، ولا تدفن في مقابر المسلمين؛ لأنها كافرة.\rأما لو مات إنسان في سفينة في البحر: فاتفق الفقهاء (6) على أنه يغسل ويكفن ويصلى عليه، وينتظر به الوصول إلى البر إن رجوا الوصول في يوم أو يومين ليدفنوه فيه، ما لم يخافوا عليه الفساد.\r-------------------------------\r(1) رواه البيهقي من حديث عامر بن ربيعة، وإسناده ضعيف، إلا أن له شاهداً رواه ابن ماجه عن أبي هريرة.\r(2) رواه أبو داود والبيهقي بإسناد جيد (نيل الأوطار:89/4).\r(3) مغني المحتاج:362/1، كشاف القناع:167/2، المغني:508/2.\r(4) المجموع:246/5.\r(5) المجموع:246/5، المغني:563/2.\r(6) الدر المختار ورد المحتار:836/1، الشرح الكبير:429/1، الشرح الصغير:579، القوانين الفقهية: ص96، المجموع:247/5، المغني:500/2.","part":2,"page":675},{"id":1367,"text":"فإن كان البر بعيداً أو خيف عليه التغير، شدت عليه أكفانه، ويوضع بتابوت عند الحنفية، ويثقل بشيء كحجر ليرسب عند الحنابلة، ولا يثقل عند المالكية، ويلقى في الماء مستقبل القبلة على الشق الأيمن. وقال الشافعية: يجعل بين لوحين ويلقى في البحر، لأنه ربما وقع في ساحل فيدفن، فإن كان أهل الساحل كفاراً، ألقي في البحر.\rورأي الجمهور أولى؛ لأنه يحصل به الستر المقصود من دفنه، والقاؤه بين لوحين تعريض له للتغير والهتك، وربما بقي على الساحل مهتوكاً عرياناً.\r3 - زمان الدفن:\rالأفضل الدفن نهاراً، وفي غير الأوقات التي تكره صلاة النوافل فيها، ويجوز ولايكره الدفن ليلاً، وهو المختار عند الحنفية، والشافعية والحنابلة، وأجاز الشافعية الدفن في وقت كراهة الصلاة ما لم يتحرَّه، فإن تحراه وتعمده كره (1) .\rودليل جواز الدفن ليلاً: أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم دفن ليلاً، كما ذكر أحمد عن عائشة، ودفن أبو بكر بالليل، كما ذكر البخاري تعليقاً في باب الدفن بالليل (2) ، ودفن الصحابة إنساناً بالليل في حال حياة الرسول عليه السلام (3) .\r-------------------------------\r(1) الدر المختار:847/1، المجموع:269/5، مغني المحتاج:363/1، المغني:555/2 ومابعدها.\r(2) راجع نيل الأوطار:88/4، وقد وصل البخاري حديث دفن أبي بكر في آخر كتاب الجنائز في باب موت يوم الاثنين من حديث عائشة.\r(3) رواه البخاري وابن ماجه عن ابن عباس، قال البخاري: ودفن أبو بكر ليلاً، وروى أبو داود عن جابر أن النبي دفن رجلاً ليلاً (نيل الأوطار:88/4).","part":2,"page":676},{"id":1368,"text":"4 - ما يقال عند الدفن:\rيندب لواضع الميت في القبر أن يقول حين يضعه في قبره (1) : «بسم الله ، وعلى ملة رسول الله صلّى الله عليه وسلم » ، اتباعاً للسنة (2) ، وفي رواية «سنة» بدل «ملة» .\rويسن أن يزيد في الدعاء ما يناسب الحال. روى ابن ماجه عن ابن عمر أنه كان يقول أثناء تسوية اللبن على اللحد: «اللهم أجرها ـ أي الجنازة ـ من الشيطان، ومن عذاب القبر، اللهم جافِ الأرض عن جنبيها، وصعد روحها، ولقها منك رضواناً» وروى ابن المنذر أن عمر كان إذا سوى على الميت قال: «اللهم، أَسْلَمه إليك الأهل والمال والعشيرة، وذنبه عظيم فاغفر له» .\r5 - التلقين بعد الدفن:\rيستحب عند الشافعية والحنابلة (3) تلقين الميت المكلف بعد الدفن، ويقعد الملقن عند رأس القبر، فيقال له: «يا عبد الله ابن أمة الله ، اذكر ما خرجت عليه من دار الدنيا: شهادة أن لا إله إلا الله ، وأن محمداً رسول الله ، وأن الجنة حق، والنار حق، وأن البعث حق، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور، وأنك رضيت بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد صلّى الله عليه وسلم نبياً، وبالقرآن إماماً، وبالكعبة قبلة، وبالمؤمنين إخواناً» لحديث ورد فيه (4) . قال النووي في الروضة: والحديث وإن كان ضعيفاً، لكنه اعتضد بشواهد من الأحاديث الصحيحة، ولم تزل الناس على العمل به من العصر الأول في زمن من يقتدى به، وقد قال تعالى: {وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين} [الذاريات:55/51]، وأحوج ما يكون العبد إلى التذكير في هذه الحالة.\r-------------------------------\r(1) مراقي الفلاح: ص101، مغني المحتاج:362/1، المغني:500/2، الدر المختار:837/1.\r(2) رواه الترمذي، وقال: هذا حديث حسن غريب، وصححه ابن حبان والحاكم.\r(3) مغني المحتاج:367/1، كشاف القناع:157/2، المغني: 506/2.\r(4) رواه الطبراني في الكبير، قال الهيثمي في (مجمع الزوائد:43/3): وفي إسناده جماعة لم أعرفهم. وقال عنه الحافظ ابن حجر في التلخيص الحبير: وإسناده صالح، وقد قواه الضياء في أحكامه (نيل الأوطار:89/4 ومابعدها).","part":2,"page":677},{"id":1369,"text":"والحق ـ في تقديري ـ مع القائلين بعدم سنية التلقين، والظاهر أن المستحب لذلك هم الصحابة، بدليل ما روي عن راشد بن سعد، وضَمْرة بن حبيب، وحكيم ابن عمر قالوا: «إذا سوِّي على الميت قبره، وانصرف الناس عنه، كانوا يستحبون أن يقال للميت عند قبره: يا فلان، قل: لا إله إلا الله ، أشهد أن لا إله إلا الله ، ثلاث مرات، يا فلان قل: ربيَ الله ، ودينيَ الإسلام، ونبيّي محمد صلّى الله عليه وسلم، ثم ينصرف» (1) .\rوقد عرفنا أنه يندب عند الحنفية والمالكية تلقين المحتضر الشهادتين ولا يلقن بعد الدفن.\r6 - ستر القبر:\rلا خلاف بين أهل العلم في استحباب ستر قبر المرأة بغطاء؛ لأن المرأة عورة، ولا يؤمن أن يبدو منها شيء، فيراه الحاضرون، فإن كان الميت رجلاً كره ستره عند الحنابلة، ولا يستر عند المالكية والحنفية إلا لعذر، ودليل الستر للمرأة فعل عمر وعلي وغيرهما (2) .\rواستحب الشافعية ستر القبر مطلقاً عند إدخال الميت فيه، وإن كان الميت رجلاً؛ لأنه صلّى الله عليه وسلم ستر قبر سعد بن معاذ، ولأنه أستر لما عساه أن ينكشف مما كان يجب ستره، وهو للأنثى آكد منه لغيرها (3) .\r-------------------------------\r(1) رواه سعيد بن منصور في سننه (نيل الأوطار:89/4).\r(2) المغني:500/2، الشرح الصغير:553/1، الدر المختار:838/1.\r(3) مغني المحتاج:362/1.","part":2,"page":678},{"id":1370,"text":"7 - الدفن في تابوت أو صندوق:\rالدفن في التابوت (أي السِحْلية: وهو أن يجعل في وعاء كالصندوق) هو من سنة النصارى لدفن أمواتهم، ويستعمل عندنا لحالة العذر فقط، كما يبين من كلام فقهائنا (1) .\rقال الحنفية: لا بأس باتخاذ التابوت ولو من حجر أو حديد للميت عند الحاجة كرخاوة الأرض، وكونها ندية، أو لميت البحر، أو للمرأة مطلقاً، ويسن أن يفرش فيه التراب.\rوقال المالكية: الأولى عدم الدفن في التابوت، وإنما يندب سد اللحد بلبن (طوب نيء)، فلوح خشب، فقَرْمود (طوب على صورة وجوه الخيل)، فآجر (طوب محروق)، فتراب يلتُّ بالماء ليتماسك.\rوقال الشافعية: يكره دفن الميت في تابوت إلا في أرض ندية أو رخوة، أو كان في الميت تهرية بحريق، أو لذع، بحيث لا يضبطه إلا التابوت، أو كانت امرأة لامحرم لها، لئلا يمسها الأجانب عند الدفن أو غيره.\rوقال الحنابلة: لا يستحب الدفن في تابوت؛ لأنه لم ينقل عن النبي صلّى الله عليه وسلم ولاأصحابه، وفيه تشبه بأهل الدنيا، والأرض أنشف لفضلاته.\rثامناً ـ زيارة القبور:\rمذهب أهل السنة: أن الروح: هي النفس الناطقة المستعدة للبيان، وفهم الخطاب، ولا تفنى بفناء الجسد، وأنه جوهر لا عَرَض. وتجتمع أرواح الموتى،\r-------------------------------\r(1) الدر المختار:836/1، الشرح الصغير:560/1، مغني المحتاج:363/1، المهذب:137/1، المغني:503/2.","part":2,"page":679},{"id":1371,"text":"فينزل الأعلى إلى الأدنى، لا العكس. ومذهب سلف الأمة وأئمتها: أن العذاب أو النعيم يحصل لروح الميت وبدنه، وأن الروح تبقى بعد مفارقة البدن منعمة أو معذبة، وتتصل أيضاً بالبدن أحياناً، فيحصل له معها النعيم أو العذاب.\rوهناك لأهل السنة قول آخر: أن النعيم والعذاب يكون للبدن دون الروح.\rواستفاضت الآثار بمعرفة الميت بأحوال أهله وأصحابه في الدنيا، وأن ذلك يعرض عليه، وجاءت الآثار بأنه يرى أيضاً، وبأنه يدري بما فعل عنده، ويسر بما كان حسناً، ويتألم بما كان قبيحاً.\rويعرف الميت زائره يوم الجمعة قبل طلوع الشمس. وهذا الوقت آكد، وينتفع بالخير، ويتأذى بالمنكر عنده (1) .\rأما حكم زيارة القبور فللفقهاء فيه رأيان (2) بالنسبة للنساء. أما الرجال فلا خلاف بين أهل العلم في إباحة زيارتهم القبور:\rأ ـ رأي الحنفية: تندب زيارة القبور، للرجال والنساء على الأصح، لما روى ابن أبي شيبة أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم «كان يأتي قبور الشهداء بأحد، على رأس كل حول، فيقول: السلام عليكم بما صبرتم، فنعم عقبى الدار» وقد كان رسول الله صلّى الله عليه وسلم يخرج إلى البقيع لزيارة الموتى، ويقول: «السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم لا حقون، أسأل الله لي ولكم العافية» وقال عليه الصلاة والسلام: « كنت نهيتكم عن زيارة القبور، فزوروها، فإنها تذكركم الموت» (3) وفي لفظ «فإنها تذكِّر الآخرة» .\rوالأفضل أن تكون الزيارة يوم الجمعة والسبت والاثنين والخميس. والسنة زيارتها قائماً، والدعاء عندها قائماً، كما كان يفعل رسول الله صلّى الله عليه وسلم في الخروج إلى البقيع.\rويستحب للزائر أن يقرأ سورة {يس} لما ورد عن أنس أنه قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم : «من دخل المقابر فقرأ يس ـ أي وأهدى ثوابها للأموات ـ خفف الله عنهم يومئذ، وكان له بعدد ما فيها حسنات» (4) وقال عليه السلام: «اقرؤوا على موتاكم يس» (5) .\rويقرأ أيضاً من القرآن ما تيسر له من الفاتحة، وأول البقرة إلى «المفلحون» وآية الكرسي، وآمن الرسول، وتبارك الملك، وسورة التكاثر، والإخلاص اثنتي عشرة مرة أو إحدى عشرة مرة، أو سبعاً أو ثلاثاً، والمعوذتين ثلاث مرات، ثم يقول: «اللهم أوصل ثواب ما قرأناه إلى فلان أو إليهم» . وروى الدارقطني: «من مر على المقابر، فقرأ: قل هو الله إحدى عشرة مرة، ثم وهب أجرها للأموات، أعطي من الأجر بعدد الأموات» .\r-------------------------------\r(1) كشاف القناع:190/2 ومابعدها.\r(2) الدر المختار ورد المحتار:843/1 ومابعدها، مراقي الفلاح: ص103، الشرح الكبير:422/1، الشرح الصغير:563/1، شرح الرسالة:288/1، مغني المحتاج:364/1-365، المغني:564/2، 565،570، كشاف القناع:164/2،173 ومابعدها.\r(3) رواه مسلم عن أبي بريدة، ورواه أيضاً أصحاب السنن إلا الترمذي بأسانيد صحيحة، وروى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: «زار رسول الله صلّى الله عليه وسلم قبر أمه، فبكى وأبكى من حوله، ثم قال: إني استأذنت ربي عز وجل أن أستغفر لها، فلم يأذن لي، واستأذنته في أن أزور قبرها، فأذن لي، فزوروا القبور، فإنها تذكركم الموت» .\r(4) ذكره في البحر الرائق، ورواية الزيلعي: «وكان له ـ أي للقارئ ـ بعدد من فيها من الأموات» والظاهر أنه ضعيف.\r(5) رواه أحمد وأبو داود وابن حبان والحاكم عن معقل بن يسار، وهو حديث حسن.","part":2,"page":680},{"id":1372,"text":"وزيارة النساء إن كانت لتجديد الحزن والبكاء والندب على ما جرت به عادتهن لا تجوز، وعليه حمل حديث «لعن الله زائرات القبور» فإن كانت للاعتبار والترحم من غير بكاء، فلا بأس.\rوالأفضل لمن يتصدق نفلاً أن ينوي لجميع المؤمنين والمؤمنات؛ لأنها تصل إليهم، ولا ينقص من أجره شيء. ويستحب إهداء ثواب القراءة للنبي صلّى الله عليه وسلم ، لأنه أنقذنا من الضلالة، ففي ذلك نوع شكر، وإسداء جميل له.\rب ـ رأي الجمهور: تندب زيارة القبور للرجال للاعتبار والتذكر وتكره للنساء، وكانت زيارتها منهياً عنها، ثم نسخت، لقوله صلّى الله عليه وسلم : «كنت نهيتكم عن زيارة القبور، فزوروها» وفي رواية: «ولا تقولوا هُجْراً» أي كلاماً قبيحاً، ولا تدخل النساء في ضمير الرجال على المختار. وزيارة قبور الكفار مباحة. وأما وقت الزيارة فقال مالك: بلغني أن الأرواح بفناء المقابر، فلا تختص زيارتها بيوم بعينه، وإنما يختص يوم الجمعة لفضله والفراغ فيه.","part":2,"page":681},{"id":1373,"text":"وسبب كراهتها للنساءلأنها مظنة لطلب بكائهن ورفع أصواتهن، لما فيهن من رقة القلب، وكثرة الجزع، وقلة احتمال المصائب، وإنما لم تحرم لما روى مسلم عن أم عطية: «نهينا عن زيارة القبور، ولم يعزم علينا» وكراهة زيارتهن لحديث: «لعن الله زوَّارات القبور» (1) . ولكن يسن لهن زيارة قبر رسول الله صلّى الله عليه وسلم ، ويلحق بذلك قبور بقية الأنبياء والصالحين، بشرط عدم التبرج والاختلاط ورفع الأصوات.\rلكن قال المالكية: هذا في حق الشابة، أما المتجالة التي لا أرب للرجال بها فكالرجال. ويكره الأكل والشرب والضحك وكثرة الكلام، وكذا قراءة القرآن بالأصوات المرتفعة، واتخاذ ذلك عادة لهم.\rويندب أن يسلِّم الزائر على قبور المسلمين، ويقرأ، ويدعو.\rأما السلام فيكون مستقبلاً وجه الميت، قائلاً ما علَّمه النبي صلّى الله عليه وسلم لأصحابه إذا خرجوا للمقابر: «السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وإنا إن شاء الله (2) بكم لاحقون» . أو «السلام على أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، وإنا إن شاء الله تعالى بكم لا حقون، أسأل الله لنا ولكم العافية» رواهما مسلم، زاد أبو داود: «اللهم لا تحرمنا أجرهم ولا تفتنا بعدهم» لكن بسند ضعيف.\rويقرأ عنده ما تيسر من القرآن، وهو سنة في المقابر، فإن الثواب للحاضرين، والميت كحاضر يرجى له الرحمة.\rويدعو للميت عقب القراءة، رجاء الإجابة؛ لأن الدعاء ينفع الميت، وهو عقب القراءة أقرب إلى الإجابة. وعند الدعاء يستقبل القبلة.\rوكان النبي صلّى الله عليه وسلم يقول: «اللهم اغفر لأهل بقيع الغرقد» والغرقد: شجر له شوك، والبقيع: مدفن أهل المدينة.\rويستحب ـ كما ذكر الشافعية ـ الإكثار من الزيارة، وأن يكثر الوقوف عند قبور أهل الخير والفضل، ويقف الزائر أمام القبر كما يقف أمام الحي.\r-------------------------------\r(1) قال الترمذي: هذ ا حديث صحيح، رواه الخمسة إلا النسائي.\r(2) قوله: «إن شاء الله» : الصحيح أنه للتبرك وامتثال قوله تعالى: {ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غداً إلا أن يشاء الله} [الكهف:23/18-24] ( المجموع:280/5).","part":2,"page":682},{"id":1374,"text":"ويكره تقبيل التابوت الذي يجعل على القبر، وتقبيل القبر واستلامه، وتقبيل الأعتاب عند الدخول لزيارة الأولياء، فإن هذا كله من البدع التي ارتكبها الناس: {أفمن زين له سوء عمله، فرآه حسناً} [فاطر:8/35].\rويستحب عند الحنابلة خلع النعال إذا دخل المقابر، للأمر به في حديث بُشَير\rابن الخَصَّاصية (1) ، ولم ير أكثر العلماء بذلك بأساً لإقرار النبي صلّى الله عليه وسلم ذلك، في حديث رواه البخاري.\rالمطلب الثالث ـ التعزية وتوابعها:\rأولاً ـ تعريفها وحكمها (2) :\rهي أن يسلِّي أهل الميت ويحملهم على الصبر بوعد الأجر، ويرغبهم في الرضا بالقضاء والقدر، ويدعو للميت المسلم وتكون إلى ثلاث ليال بأيامها، وتكره بعدها إلا لغائب، حتى لا يجدد له الحزن، ولإذن الشارع في الإحداد في الثلاث، بقوله صلّى الله عليه وسلم : «لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تُحدَّ على ميت فوق ثلاثة أيام، إلا على زوجها أربعة أشهر وعشراً» (3) . ويكره عند غير المالكية تكرار التعزية، فلا يعزي عند القبر من عزى قبل ذلك، وهي بعد الدفن أفضل منها قبله؛ لأن أهل الميت مشغولون بتجهيزه، ووحشتهم بعد الدفن لفراقه أكثر.\rويكره عند الشافعية والحنابلة الجلوس للتعزية بأن يجلس المصاب في مكان أو في السرادقات على الطريق ليعزوه، أو يجلس المعزي عند المصاب للتعزية، لما في ذلك من استدامة الحزن. وقال الحنفية: لا بأس بالجلوس للتعزية في غير المسجد ثلاثة أيام، وأولها أفضلها، وقال في الفتاوى الظهيرية: لا بأس بها لأهل الميت في البيت أو المسجد، والناس يأتونهم ويعزونهم. ويكره المبيت عند أهل\r-------------------------------\r(1) رواه أبو داود، وإسناده جيد.\r(2) الدر المختار ورد المحتار:841/1 وما بعدها، تبيين الحقائق:246/1، شرح الرسالة:283/1، الشرح الكبير:419/1، الشرح الصغير:560/1، المهذب:138/1 ومابعدها، كشاف القناع:185/2 ومابعدها، المغني:543/2 ومابعدها، المجموع:273/5-276.\r(3) رواه البخاري ومسلم عن أم سلمة، وعن أم حبيبة بنت أبي سفيان (نيل الأوطار:292/6).","part":2,"page":683},{"id":1375,"text":"الميت وتكون التعزية في بيت المصاب، وليس في ألفاظ التعزية شيء محدد، فيقول المعزي للمسلم: «أعظم الله أجرك وأحسن عزاءك، وغفر لميتك» وإن عزى مسلماً بكافر يقول: «أعظم الله أجرك، وأحسن عزاءك» ويمسك عن الدعاء للميت؛ لأن الدعاء والاستغفار له منهي عنه. وإن عزى كافراً بمسلم قال: «أحسن الله عزاءك، وغفر لميتك» وإن عزى كافراً بكافر قال: «أخلف الله علينا وعليك، ولانقص عددك» .\rوقال الحنابلة: تحرم تعزية الكافر؛ لأن فيها تعظيماً للكافر كبداءته بالسلام، ويقول المعزَّى: «استجاب الله دعاءك، ورحمنا وإياك» ولا تكره المصافحة أو أخذ المعزي بيد من عزاه.\rوالتعزية تستحب للرجال والنساء اللاتي لا يفتن، في الصغير والكبير، والذكر والأنثى، بلا خلاف بين العلماء، إلا أن الثوري قال: لا تستحب التعزية بعد الدفن، لأنه خاتمة أمره. وتكره تعزية الرجل لامرأة حسناء أجنبية غير محرم له، خشية الفتنة.\rودليل استحباب التعزية أحاديث، منها: «من عزى مصاباً فله مثل أجره» (1) ومنها: «من عزى أخاه بمصيبة، كساه الله من حلل الكرامة يوم القيامة» (2) .\rثانياً ـ البكاء والرثاء والنياحة واللطم والشق:\rيجوز بالاتفاق البكاء على الميت قبل الدفن وبعده؛ بلا رفع صوت أوقول قبيح، أو ندب أو نواح (3) ، لما روى جابر: أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم قال: «يا إبراهيم، إنا\r-------------------------------\r(1) رواه الترمذي وابن ماجه، قال الترمذي: غريب، وقال ابن الجوزي: موضوع.\r(2) رواه ابن ماجه.\r(3) الدر المختار:841/1، الشرح الصغير:566/1،579، الشرح الكبير:421/1، مغني المحتاج:355/1 ومابعدها، المهذب:139/1، المغني:545/2-547، كشاف القناع:188/2 ومابعدها، المجموع:276/5-280.","part":2,"page":684},{"id":1376,"text":"لا نغني عنك من الله شيئاً، ثم ذرفت عيناه، فقال له عبد الرحمن بن عوف: يارسول الله ، أتبكي، أو لم تنه عن البكاء؟ قال: لا، ولكن نهيت عن النوح» (1) . وورد في الصحيحين: «أنه صلّى الله عليه وسلم لما فاضت عيناه، لما رفع إليه ابن بنته، ونفسه تقعقع كأنها في شَنَّة (2) ـ أي لها صوت وحشرجة كصوت ما ألقي في قربة بالية ـ قال له سعد: ما هذا يا رسول الله ؟ قال: هذه رحمة، جعلها الله في قلوب عباده، وإنما يرحم الله من عباده الرحماء» .\rوالبكاء لا ينافي الرضا، بخلاف البكاء عليه لفوات حظه منه.\rوأما حديث «إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه» (3) فمؤول عند جمهور العلماء على من وصى أهله أن يبكى عليه، ويناح بعد موته، فنفذت وصيته، فهذا يعذب ببكاء أهله عليه، ونوحهم؛ لأنه بسببه ومنسوب إليه، وكان من عادة العرب الوصية بذلك، ومنه قول طَرَفة بن العبد:\rإذا متّ فانعيني بما أنا أهله وشقي علي الجيب ياابنة معبد\rأما من بكى عليه أهله وناحوا عليه من غير وصية منه، فلا يعذب ببكائهم ونوحهم، لقوله تعالى: {ولا تزر وازرة وزر أخرى} [الأنعام:164/6].\rولا بأس ـ كما ذكر الحنفية ـ برثاء الميت بشعر أو غيره، لكن يكره الإفراط في مدحه، لا سيما عند جنازته، لحديث «من تعزى بعزاء الجاهلية،\r-------------------------------\r(1) رواه الترمذي، وهو حديث حسن، ومعناه في الصحيحين من رواية غير جابر.\r(2) الشنة: القربة الخلق أي البالية.\r(3) رواه البخاري ومسلم عن عمر، وعن عائشة أن ابن عمر يقول: «الميت يعذب ببكاء الحي» وردته بآية {ولا تزر وازرة وزر أخرى} [الأنعام:164/6].","part":2,"page":685},{"id":1377,"text":"فأعضّوه بهَنِ أبيه ولا تكْنوا» (1) وهذا أمر تأديب ومبالغة في الزجر عن دعوى الجاهلية.\rويحرم الندب بتعديد شمائله، والنوح، والجزع بضرب صدر أو رأس وشق جيب ونحوهما.\rأما الندب: فهو تعداد محاسن الميت، وما يَلْقون بفقده بلفظـ النداء، بالواو بدل الياء، مثل قولهم: وارجلاه، واجبلاه، وانقطاع ظهراه، واكهفاه، ياعزي، ياسندي ونحوه، لحديث: «ما من ميت يموت فيقدم باكيهم، فيقول: واجبلاه، واسنداه، أو نحو ذلك، إلا وكل به ملكان يلهَزانه، أهكذا كنت» (2) وذلك إن أوصى بما ذكر، أو كان كافراً.\rوأما النوح: فهو رفع الصوت بالندب، لخبر «النائحة إذا لم تتب تقام يوم القيامة، وعليها سربال من قطران، ودرع من جرب» (3) وخبر «لعن الله النائحة والمستمعة» (4) .\rوأما الجزع: بضرب الصدر ونحوه كشق جيب ونشر شعر، وتسويد وجه، وإلقاء رماد على رأس، ورفع صوت بإفراط في البكاء، فهو حرام أيضاً، لخبر الشيخين: «ليس منا من ضرب الخدود، وشق الجيوب، ودعا بدعوى الجاهلية» وفي الصحيحين «أنه صلّى الله عليه وسلم برئ من الصالقة، والحالقة، والشاقة» فالصالقة: التي ترفع صوتها عند المصيبة، والحالقة: التي تحلق شعرها عند المصيبة، والشاقة: التي تشق ثيابها.\r-------------------------------\r(1) المراد به قولهم في الاستغاثة: يالفلان، وقولوا له: اعضض بذكر أبيك، ولا تكنوا عن الذكر بالهن، رواه أحمد والنسائي وابن حبان عن أبي بن كعب (كشف الخفا:332/2).\r(2) رواه الترمذي وحسنه، واللهز: الدفع في الصدر باليد، وهي مقبوضة. والفعل لهز يلهز على وزن فتح يفتح.\r(3) رواه مسلم، والسربال: القميص.\r(4) رواه أحمد وأبو داود عن أبي سعيد، وهو صحيح.","part":2,"page":686},{"id":1378,"text":"ثالثاً ـ ما ينبغي للمصاب والثواب على المصيبة (1) :\rينبغي للمصاب أن يستعين بالله تعالى ويتعزى بعزائه، ويمتثل أمره في الاستعانة بالصبر والصلاة، ويتنجز ما وعد الله به الصابرين حيث يقول سبحانه: {وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا: إنا لله وإنا إليه راجعون. أولئك عليهم صلوات} ـ أي مغفرة ـ {من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون} [البقرة:155/2-156-157].\rوعليه يسن للمصاب أن يسترجع، فيقول: { إنا لله وإنا إليه راجعون} [البقرة:156] (أي نحن عبيده يفعل بنا ما يشاء، ونحن مقرّون بالبعث والجزاء على أعمالنا) و «اللهم أْجُرْني في مصيبتي، وأخلف لي خيراً منها» ، ويصلي ركعتين، كما فعل ابن عباس، وقرأ {واستعينوا بالصبر والصلاة} [البقرة:45/2]، وقال حذيفة: «كان النبي صلّى الله عليه وسلم إذا حَزَ به أمر صبر» (2) وروى مسلم عن أم سلمة مرفوعاً: « إذا حضرتم المريض أو الميت، فقولوا خيراً، فإن الملائكة يؤمِّنون على ما تقولون» فلما مات أبو سلمة قال: « قولي: اللهم اغفر لي وله، وأعقبني عقبة حسنة» (3) .\rويسن للمصاب أن يصبر، والصبر: الحبس، قال تعالى: {واصبروا إن الله مع الصابرين} [الأنفال:46/8]، وقال صلّى الله عليه وسلم : «والصبر ضياء» (4) .\r-------------------------------\r(1) الدر المختار:841/1، الشرح الصغير:561/1، المجموع:274/5، كشاف القناع:187/2.\r(2) رواه أحمد وأبو داود. وحز به الأمر: نابه واشتد عليه، أو ضغطه.\r(3) روى مسلم في صحيحه عن أم سلمة رضي الله عنها قالت: «سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلم يقول: ما من عبد تصيبه مصيبة، فيقول: إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم أْجُرْني في مصيبتي، وأخلف لي خيراً منها، إلا أجره الله في مصيبته، وأخلف له خيراً منها، قالت: فلما مات أبو سلمة: قلت كما أمرني رسول الله صلّى الله عليه وسلم ، فأخلف لي خيراً منه رسول الله صلّى الله عليه وسلم » .\r(4) رواه مسلم من حديث أبي مالك الحارث بن عاصم الأشعري رضي الله عنه بلفظ : «الطُّهور شطر الإيمان..» .","part":2,"page":687},{"id":1379,"text":"وفي الصبر على موت الولد أجر كبير، لأخبار، منها ما في الصحيحين: أنه صلّى الله عليه وسلم قال: «لايموت لأحد من المسلمين ثلاثة من الولد فتمسه النار، إلا تحلَّة القسم» يشير إلى قوله تعالى: {وإن منكم إلا واردها} [مريم:71/19] والصحيح: أن المراد به المرور على الصراط.\rوأخرج البخاري أنه صلّى الله عليه وسلم قال: «يقول الله تعالى: ما لعبدي المؤمن من جزاء إذا قبضت صفيه من أهل الدنيا، ثم احتسبه، إلا الجنة» .\rوثبت في الصحيحين عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما، قال: «أرسلت إحدى بنات النبي صلّى الله عليه وسلم إليه تدعوه وتخبره أن صبياً لها أو ابناً في الموت، فقال للرسول: ارجع إليها، فأخبرها أن لله ما أخذ، وله ما أعطى، وكل شيء عنده بأجل مسمى، فمرها فلتصبر ولتحتسب» (1) .\rوالثواب على المصيبة: في الصبر عليها، لا على المصيبة نفسها، فالمصائب نفسها لا ثواب فيها، لأنها ليست من كسب العبد وإرادته، وإنما يثاب على كسبه، والصبر من كسبه أو فعله. وهذا قول الحنابلة والعز بن عبد السلام.\rوالرضا بالقضاء والقدر فوق الصبر، فإنه يوجب رضا الله سبحانه وتعالى.\rوصرح الشافعي رحمه الله بأن كلاً من المجنون والمريض المغلوب على عقله مأجور، مثاب، مكفر عنه بالمرض، فحكم بالأجر مع انتفاء العقل المستلزم لانتفاء الصبر،\r-------------------------------","part":2,"page":688},{"id":1380,"text":"ويؤيده خبر الصحيحين: « مايصيب المسلم من نَصَب - تعب - ولا وَصَب ـ مرض ـ ولا همّ ولا حزن ولا أذى ولا غم، حتى الشوكة يشاكها، إلا كفَّر الله بها من خطاياه» والحديث الصحيح: «إذا مرض العبد أو سافر، كتب له مثل ما كان يعمله صحيحاً مقيماً» .\rفمن أصيب وصبر يحصل له ثوابان: لنفس المصيبة، وللصبر عليها. ومن انتفى صبره، فإن كان لعذر كجنون فكذلك، أو لنحو جزع لم يحصل من ذينك الثوابين شيء.\rرابعاً ـ ضيافة أهل الميت وصنع الطعام لهم:\rيستحب لأقرباء الميت وجيرانه أن يصنعوا طعاماً لأهل الميت (1) ، لما روي أنه لما قتل جعفر بن أبي طالب كرم الله وجهه، قال النبي صلّى الله عليه وسلم : «اصنعوا لآل جعفر طعاماً، فإنه قد جاءهم أمر يشغلهم عنه » (2) . ويبعث بهم إليهم إعانة لهم، وجبراً لقلوبهم، فإنهم ربما اشتغلوا بمصيبتهم، وبمن يأتي إليهم عن إصلاح طعام لأنفسهم، ويكون الطعام بحيث يشبعهم في يومهم وليلتهم.\rأما صنع أهل البيت طعاماً للناس، فمكروه وبدعة لا أصل لها؛ لأن فيه زيادة على مصيبتهم، وشغلاً لهم إلى شغلهم، وتشبهاً بصنع أهل الجاهلية. وإن كان في الورثة قاصر دون البلوغ، فيحرم إعداد الطعام وتقديمه، قال جرير بن عبد الله : «كنا نعد الاجتماع إلى أهل الميت وصنعهم الطعام من النياحة» وإن دعت الحاجة إلى\r-------------------------------\r(1) فتح القدير:473/1، الدر المختار:841/1، الشرح الصغير:561/1، المجموع:285/5 وما بعدها، المهذب:140/1، المغني:550/2، شرح الرسالة:289/1.\r(2) رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه والبيهقي وغيرهم من رواية عبد الله بن جعفر، قال الترمذي: حديث حسن. ورواه أحمد وابن ماجه أيضاً من رواية أسماء بنت عميس. وقد قتل جعفر في غزوة مؤتة سنة ثمان من الهجرة في جمادى.","part":2,"page":689},{"id":1381,"text":"ذلك، جاز، فإنه ربما جاءهم من يحضر ميتهم من القرى والأماكن البعيدة، ويبيت عندهم ولا يمكنهم إلا أن يضيفوه.\rخامساً ـ القراءة على الميت وإهداء الثواب له:\rههنا مسائل للفقهاء (1) :\rأ ـ أجمع العلماء على انتفاع الميت بالدعاء والاستغفار بنحو «اللهم اغفر له، اللهم ارحمه» ، والصدقة، وأداء الواجبات البدنية ـ المالية التي تدخلها النيابة كالحج، لقوله تعالى: {والذين جاءوا من بعدهم يقولون: ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان} [الحشر:10/59] وقوله سبحانه: {واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات} [محمد:19/47]، ودعا النبي صلّى الله عليه وسلم لأبي سلمة حين مات، وللميت الذي صلى عليه في حديث عوف بن مالك، ولكل ميت صلى عليه. وسأل رجل النبي صلّى الله عليه وسلم فقال: «يا رسول الله ، إن أمي ماتت، فينفعها إن تصدقت عنها؟ قال: نعم» (2) ، وجاءت امرأة إلى النبي صلّى الله عليه وسلم فقالت: «يا رسول الله ، إن فريضة الله في الحج أدركت أبي شيخاً كبيراً، لا يستطيع أن يثبت على الراحلة، أفأحج عنه؟ قال: أرأيت لو كان على أبيك دين أكنت قاضيته؟ قالت: نعم، قال: فدين الله أحق أن يقضى» (3) وقال للذي سأله: «إن أمي ماتت وعليها صوم شهر، أفأصوم عنها؟ قال: نعم» .\r-------------------------------\r(1) الدر المختار ورد المحتار:844/1 ومابعدها، فتح القدير:473/1، شرح الرسالة:289/1، الشرح الكبير:423/1، الشرح الصغير:568/1،580، مغني المحتاج:69/3-70، المغني:566/2-570، كشاف القناع:191/2، المهذب:464/1.\r(2) رواه أبو داود، وروي ذلك عن سعد بن عبادة.\r(3) رواه أحمد والنسائي عن عبد الله بن الزبير (نيل الأوطار:285/4ومابعدها).","part":2,"page":690},{"id":1382,"text":"قال ابن قدامة: وهذه أحاديث صحاح، وفيها دلالة على انتفاع الميت بسائر القرب؛ لأن الصوم والدعاء والاستغفار عبادات بدنية، وقد أوصل الله نفعها إلى الميت، فكذلك ما سواها.\rب ـ اختلف العلماء في وصول ثواب العبادات البدنية المحضة كالصلاة وتلاوة القرآن إلى غير فاعلها على رأيين: رأي الحنفية والحنابلة ومتأخري الشافعية والمالكية بوصول القراءة للميت إذا كان بحضرته، أو دعا له عقبها، ولو غائباً؛ لأن محل القراءة تنزل فيه الرحمة والبركة، والدعاء عقبها أرجى للقبول.\rورأي متقدمي المالكية والمشهور عند الشافعية الأوائل: عدم وصول ثواب العبادات المحضة لغير فاعلها.\rقال الحنفية: المختار عدم كراهة إجلاس القارئين ليقرؤوا عند القبر، وقالوا في باب الحج عن الغير: للإنسان أن يجعل ثواب عمله لغيره: صلاة كان عمله، أو صوماً أو صدقة أوغيرها، وأن ذلك لا ينقص من أجره شيئاً.\rوقال الحنابلة: لا بأس بالقراءة عند القبر، للحديث المتقدم: «من دخل المقابر، فقرأ سورة يس، خفف عنهم يومئذ، وكان له بعدد من فيها حسنات» وحديث «من زار قبر والديه، فقرأ عنده أو عندهما يس، غفر له» (1) .\rوقال المالكية: تكره القراءة على الميت بعد موته وعلى قبره؛ لأنه ليس من عمل السلف، لكن المتأخرون على أنه لا بأس بقراءة القرآن والذكر وجعل ثوابه للميت، ويحصل له الأجر إن شاء الله .\rوقال متقدمو الشافعية: المشهور أنه لا ينفغ الميت ثواب غير عمله، كالصلاة\r-------------------------------\r(1) كلاهما ضعيف، والأول أضعف من الثاني، كما أشار السيوطي في جامعه.","part":2,"page":691},{"id":1383,"text":"عنه قضاء أو غيرها وقراءة القرآن. وحقق المتأخرون منهم وصول ثواب القراءة للميت، كالفاتحة وغيرها. وعليه عمل الناس، وما رآه المسلمون حسناً فهو عند الله حسن. وإذا ثبت أن الفاتحة تنفع الحي الملدوغ، وأقر النبي صلّى الله عليه وسلم ذلك بقوله: «وما يدريك أنها رقية؟» كان نفع الميت بها أولى.\rوبذلك يكون مذهب متأخري الشافعية كمذاهب الأئمة الثلاثة: أن ثواب القراءة يصل إلى الميت، قال السبكي: والذي دل عليه الخبر بالاستنباط أن بعض القرآن إذا قصد به نفع الميت وتخفيف ما هو فيه، نفعه، إذ ثبت أن الفاتحة لما قصد بها القارئ نفع الملدوغ نفعته، وأقره النبي صلّى الله عليه وسلم بقوله: «وما يدريك أنها رقية» وإذا نفعت الحي بالقصد، كان نفع الميت بها أولى. وقد جوز القاضي حسين الاستئجار على قراءة القرآن عند الميت. قال ابن الصلاح: وينبغي أن يقول: «اللهم أوصل ثواب ما قرأنا لفلان» فيجعله دعاء، ولا يختلف في ذلك القريب والبعيد، وينبغي الجزم بنفع هذا؛ لأنه إذا نفع الدعاء وجاز بما ليس للداعي، فلأن يجوز بما له أولى، وهذا لا يختص بالقراءة، بل يجري في سائر الأعمال.\rالمطلب الرابع ـ الشهادة في سبيل الله :\rفضل الشهادة في سبيل الله ، تعريف الشهيد، أحكامه، شهداء غير المعركة.\rفضل الشهادة في سبيل الله :\rالتضحية بالنفس أسمى درجات الإخلاص والتفاني في سبيل المبدأ والعقيدة، وأصدق برهان على صحة الإيمان، وطريق الخلود في جنان الله والفوز برضوان الله تعالى، والأمة أو الجماعة بأمس الحاجة في كل زمان إلى تضحيات العديد من أبنائها دفاعاً عن النفس والبلاد، وحفاظاً على المقدسات والحرمات، ولا يكتب لها العزة والكرامة والهيبة إلا بجسور من الضحايا في سبيل تحقيق غاياتها، ودماء تضرج من أجل كرامتها ووجودها.","part":2,"page":692},{"id":1384,"text":"لهذا كتب الله الحياة والخلود للشهداء، وغفر للشهيد كل ذنوبه إلا الدين لتعلقه بحقوق الناس المادية، وبوأه المنزلة العالية في الجنة مع الأنبياء والمرسلين، كما دلت عليه النصوص الشرعية. فقال تعالى: {ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً، بل أحياء عند ربهم يُرزقون، فرحين بما آتاهم الله من فضله، ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون، يستبشرون بنعمة من الله وفضل وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين} [آل عمران:169/3-171] عن مسروق رضي الله عنه، قال: سأل عبد الله - أي ابن مسعود - عن هذه الآية: {ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً، بل أحياء عند ربهم يُرزقون؟} [آل عمران:169/3] فقال: أما أنا فقد سألت عن ذلك رسول الله صلّى الله عليه وسلم، فقال: «أرواحهم في جوف طير خُضْر، لها قناديل معلقة بالعرش، تسرح من الجنة حيث شاءت، ثم تأوي إلى تلك القناديل...» الحديث (1) .\rوالمعنى أن الله تعالى أحياهم وأعطاهم القدرة على التمتع بثمار الجنة، والتفكه بها والتنقل في أرجائها، قال تعالى: {ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات، بل أحياء، ولكن لا تشعرون} [البقرة:154/2] إلا أن حياتهم ليست بالجسد، وإنما هي من نوع خاص لا يدرك بالعقل، بل بالوحي.\rوقال النبي صلّى الله عليه وسلم : «ما أحد يدخل الجنة يحب أن يرجع إلى الدنيا، وإن له ما على الأرض من شيء إلا الشهيد، فإنه يتمنى أن يرجع إلى الدنيا، فيقتل عشر مرات، لما يرى من الكرامة» (2) .\r-------------------------------\r(1) رواه مسلم والترمذي وغيرهما (الترغيب والترهيب:326/2ومابعدها).\r(2) رواه البخاري ومسلم والترمذي عن أنس (المصدر السابق:310/2 وما بعدها).","part":2,"page":693},{"id":1385,"text":"وقال عليه الصلاة والسلام: «والذي نفس محمد بيده: لودِدْت أن أغزو في سبيل الله فأُقتل، ثم أغزو فأُقتل» (1) ، «يُغفر للشهيد كلُ ذنب إلا الدَّيْن» (2) .\rتعريف الشهيد:\rسمي الشهيد شهيداً؛ لأنه مشهود له بالجنة، أو لأنه حي عند ربه حاضر شاهد، أو تشهد موته الملائكة (3) . والشهيد الذي يستحق الفضائل السابقة ونحوها هو شهيد المعركة مع العدو. وقد أورد الفقهاء تعريفات متقاربة له بحسب رأيهم في بعض المسائل المتعلقة به.\rفقال الحنفية (4) : الشهيد من قتله أهل الحرب، أو أهل البغي، أو قطاع الطريق، أو اللصوص في منزله ليلاً أو نهاراً بأي آلة: مثقل أو محدد، أو وجد في المعركة وبه أثر كجرح وكسر وحرق وخروج دم من أذن أو عين، أو قتله مسلم ظلماً عمداً بمحدد، وكان مسلماً مكلفاً (بالغاً عاقلاً) طاهراً (خالياً من حيض أو نفاس أو جنابة)، ولم يرتث بعد انقضاء الحرب،أي لا يموت عقب الإصابة.\rوالارتثاث: أن يأكل أو يشرب أو يُداوى، أو يبقى حياً حتى يمضي عليه وقت صلاة وهو يعقل، أو ينقل من المعركة حياً، أي وهو يعقل.\rأما المقتول حداً أو قصاصاً، فإنه يغسل ويصلى عليه، لأنه لم يقتل ظلماً، وإنما قتل بحق، وأما من قتل من البغاة أو قطاع الطرق فلا يغسل ولا يصلى عليه.\rوبه يتبين أن شروط تحقيق الشهادة عندهم: هي الإسلام والعقل والبلوغ، والطهارة من الحدث الأكبر، وأن يموت عقب الإصابة. وأن كل مقتول في المعركة مع العدو، أو قتل ظلماً، أو دفاعاً عن النفس أو المال فهو شهيد. أما من خرج حياً من المعركة، أو كان جنباً فلا تطبق عليه أحكام الشهيد.\rويلاحظ أن هذا المذهب ومذهب الحنابلة أوسع الآراء في تحديد المقصود من الشهيد ماعدا اشتراط الطهارة من الحدث الأكبر.\r-------------------------------\r(1) رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة (المصدر السابق).\r(2) رواه مسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص (المصدر السابق).\r(3) الدر المختار:848/1، اللباب:135/1، مغني المحتاج:350/1.\r(4) الدر المختار ورد المحتار:848/1، مراقي الفلاح: ص103ومابعدها، اللباب:135/1-137.","part":2,"page":694},{"id":1386,"text":"وقال المالكية (1) : الشهيد: من مات في معترك المشركين، ومن أخرج من المعركة في حكم الأموات وهو من رفع من المعركة حياً منفوذ المقاتل، أو مغموراً (أي يعاني غمرات الموت: شدائده): وهو من لم يأكل ولم يشرب ولم يتكلم إلى أن مات، فإن قتل في غير المعركة ظلماً، أو أخرج من المعترك حياً، ولم تنفذ مقاتله، ثم مات، غسل وصلي عليه في المشهور، كما أن من قتل في المعترك في قتال المسلمين غسل وصلي عليه، ويغسل الجنب.\rوقال الشافعية (2) : الشهيد: هو من مات من المسلمين في جهاد الكفار بسبب من أسباب قتالهم قبل انقضاء الحرب، كأن قتله كافر، أو أصابه سلاح مسلم خطأ، أو عاد إليه سلاحه، أو تردى في بئر أو وهدة، أو رفسته دابته فمات، أو قتله مسلم باغٍ استعان به أهل الحرب.\rفإن مات لا بسبب القتال، أو بعد انقضاء المعركة، أو في حال قتال البغاة، فغير شهيد في الأظهر.\rولا تشترط الطهارة من الحدث الأكبر عند المالكية والشافعية، فمن مات جنباً فإنه لا يغسل.\r-------------------------------\r(1) الشرح الكبير:425/1 ومابعدها، الشرح الصغير:575/1 ومابعدها، القوانين الفقهية: ص94، بداية المجتهد:219/1، 232.\r(2) مغني المحتاج:350/1،361، المهذب:135/1.","part":2,"page":695},{"id":1387,"text":"فالشهيد عند المالكية والشافعية: هو من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا (1) .\rوقاتل نفسه كغيره في الغسل والصلاة عليه، لحديث: «الصلاة واجبة على كل مسلم براً كان أو فاجراً، وإن عمل الكبائر» (2) . هذا رأي الجماهير، لكن مذهب عمر بن عبد العزيز والأوزاعي: لا يصلى على قاتل نفسه لعصيانه، بدليل ماروى مسلم عن جابر بن سمرة قال: أتي النبي صلّى الله عليه وسلم برجل قتل نفسه بمشاقِص ـ سهام عراض ـ فلم يصل عليه.\rوقال الحنابلة (3) : الشهيد: هو من مات بسبب القتال مع الكفار وقت قيام القتال، أو هو المقتول بأيدي العدو من الكفار، أو البغاة، أو المقتول ظلماً، ولو كان غير مكلف رجلاً أو امرأة. أو كان غالاًّ (خائناً): كتم من الغنيمة شيئاً. ومن عاد إليه سلاحه فقتله فهو كالمقتول بأيدي العدو، لكن تشترط الطهارة من الحدث الأكبر كالحنفية، فمن قتل جنباً غسل. كذلك يغسل ويصلى عليه من حمل وبه رمق أي حياة مستقرة، وإن كان شهيداً.\rودليلهم على غير المكلف: عموم حديث جابر أن النبي صلّى الله عليه وسلم «أمر بدفن قتلى أحد في دمائهم، ولم يغسلهم، ولم يصل عليهم» (4) ، وقد كان في شهداء أحد حارثة بن النعمان، وهو صغير، وليس هذا خاصاً بهم؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلم علل ذلك\r-------------------------------\r(1) روى البخاري ومسلم والترمذي وأبو داود والنسائي عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: «سئل رسول الله صلّى الله عليه وسلم عن الرجل: يقاتل شجاعة، ويقاتل حميّة، ويقاتل رياءً، أي ذلك في سبيل الله؟ فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا » (جامع الأصول:194/3).\r(2) رواه البيهقي، وقال: هو أصح ما في الباب إلا أن فيه إرسالاً والمرسل حجة إذا اعتضد بأحد أمور، منها قول أكثر أهل العلم، وهو موجود هنا.\r(3) المغني:528/2-535، كشاف القناع:113/2-115.\r(4) رواه البخاري.","part":2,"page":696},{"id":1388,"text":"بعلة توجد في سائر الشهداء، فقال: «والذي نفسي بيده لا يُكلَم أحد في سبيل الله ـ والله أعلم بمن يكلم في سبيله ـ إلا جاء يوم القيامة، اللون لون الدم، والريح ريح المسك» (1) .\rودليلهم على أن من قتل مظلوماً ملحق بشهيد المعركة: حديث: «من قتل دون دمه فهو شهيد، ومن قتل دون ماله فهو شهيد ، ومن قتل دون أهله فهو شهيد» (2) ، ولأن هؤلاء مقتولون بغير حق، فأشبهوا قتلى الكفار، فلا يغسلون.\rوأما من قتل من أهل العدل في المعركة مع البغاة: فحكمه في الغسل والصلاة عليه حكم من قتل في معركة المشركين؛ لأن علياً رضي الله عنه لم يغسل من قتل معه، وعمار أوصى ألا يغسل، وقال: ادفنوني في ثيابي، فإني مخاصم. قال أحمد: قد أوصى أصحاب الجمل، إنا مستشهدون غداً، فلا تنزعوا عنا ثوباً، ولا تغسلوا عنا دماً، ولأنه شهيد المعركة، فأشبه قتيل الكفار.\rأما الباغي: فقال الخرقي: من قتل منهم غسل وكفن وصلي عليه، ويحتمل إلحاقه بأهل العدل؛ لأنه لم ينقل إلينا غسل أهل الجمل وصفين من الجانبين، ولأنهم يكثرون في المعترك، فيشق غسلهم، فأشبهوا أهل العدل.\rأحكام الشهداء:\rللشهداء أحكام استثنائية من الدفن والغسل والتكفين والصلاة عليهم كما يتبين من آراء الفقهاء الآتية (3) ، علماً بأن للحنفية رأياً، وللجمهور رأياً آخر.\rقال الحنفية: يكفن الشهيد بثيابه، ويصلي عليه، ولا يغسل إذا كان مكلفاً طاهراً، وأما الجنب والحائض والنفساء إذا استشهد، فيغسل عند أبي حنيفة، كما يغسل الصبي والمجنون. وقال الصاحبان: لا يغسَّلان.\rاستدل أبو حنيفة على وجوب غسل الجنب ونحوه بما صح عنه صلّى الله عليه وسلم أنه لما قتل حنظلة بن أبي عامر الثقفي، قال: إن صاحبكم حنظلة تُغسِّله الملائكة، فسألوا زوجته، فقالت: خرج وهو جنب،\r-------------------------------\r(1) متفق عليه من حديث أبي هريرة.\r(2) رواه أبو داود والترمذي وصححه من حديث سعيد بن زيد.\r(3) المراجع السابقة.","part":2,"page":697},{"id":1389,"text":"فقال عليه الصلاة والسلام: لذلك غسلته الملائكة (1) .\rوأورد الصاحبان: أنه لو كان الغسل واجباً، لوجب على بني آدم، ولما اكتفي بفعل الملائكة. ورد عليهما بالمنع بأنه يحصل بفعلهم؛ لأن الواجب نفس الغسل، أما الغاسل فيجوز أن يكون أياً كان.\rولا يغسل عن الشهيد دمه، ولا ينزع عنه ثيابه، وإنما يدفن بدمه وثيابه بعد نزع الفرو والحشو والخف والسلاح مما لا يصلح للكفن، لقوله صلّى الله عليه وسلم : «زمّلوهم بدمائهم» (2) .\rوقال الجمهور: لا يغسل الشهيد ولا يكفن ولا يصلى عليه إبقاء لأثر الشهادة عليهم وتعظيمهم باستغنائهم عن دعاء الناس لهم. ولكن تزال النجاسة الحاصلة من غير الدم؛ لأنها ليست من أثر الشهادة، بدليل حديث جابر: «أن النبي صلّى الله عليه وسلم أمر بدفن شهداء أحد في دمائهم، ولم يغسلهم، ولم يصل عليهم» (3) وروى البخاري ومسلم أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم قال: «والذي نفس محمد بيده، ما من كَلْم يُكْلَم في سبيل الله إلا جاء كهيئته حين كُلِم: اللون لون الدم، والريح ريح مسك» .\rويدفن الشهيد بثيابه بعد تنحية الجلود والسلاح عنه، لقول النبي صلّى الله عليه وسلم : «ادفنوهم بثيابهم» (4) ، لكن ليس هذا عند الحنابلة بحتم، ولكنه الأولى.\rويستحب دفن الشهيد في مصرعه الذي قتل فيه، للحديث المتقدم المتضمن أمر النبي صلّى الله عليه وسلم بدفن شهداء أحد في مصارعهم.\rوالبالغ وغيره سواء؛ لأنه مسلم قتل في معترك المشركين بقتالهم، فأشبه البالغ، وهذا ما يقتضيه العدل، وتؤيده السنة في فعل النبي صلّى الله عليه وسلم بشهداء أحد، وفيهم صغير، وهو حارثة بن النعمان. ولكن لا يغسل الجنب ونحوه عند المالكية والشافعية؛ لأن حنظلة بن الراهب قتل يوم أحد، وهو جنب، ولم يغسله النبي صلّى الله عليه وسلم، وقال: «رأيت الملائكة تغسله» (5) وهذا هو الحق؛ إذ لو كان الغسل واجباً لم يسقط إلا بفعلنا، ولأنه طهر عن حدث، فسقط بالشهادة كغسل الميت، فيحرم.\r-------------------------------\r(1) رواه محمد بن إسحاق في المغازي عن محمود بن لبيد (نيل الأوطار:29/4).\r(2) رواه الشافعي وأحمد والبيهقي والنسائي.\r(3) متفق عليه.\r(4) روى أبو داود وابن ماجه عن ابن عباس «أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم أمر بقتلى أحد أن ينزع عنهم الحديد والجلود، وأن يدفنوا في ثيابهم بدمائهم» .\r(5) رواه ابن حبان والحاكم في صحيحهما.","part":2,"page":698},{"id":1390,"text":"شهداء غير المعركة:\rالشهيد الذي تكلمنا عنه: هو المختص بثواب خاص، وهو شهيد الدنيا والآخرة. وهناك شهداء آخرون في حكم الآخرة، وفي حكم الدنيا فقط، فالشهداء ثلاثة:\r1 - شهيد في حكم الدنيا والآخرة: وهو شهيد المعركة، أما حكم الدنيا فلا يغسل ولا يصلى عليه عند الجمهور كما أبنت، وأما حكم الآخرة فله ثواب خاص وهو الشهيد الكامل الشهادة.\r2 - وشهيد في حكم الدنيا فقط: وهو عند الشافعية: من قتل في قتال الكفار بسببه،وقد غل من الغنيمة، أو قتل مدبراً، أو قاتل رياء أو نحوه، أي لايغسل ولايصلى عليه، ولا ثواب له في الآخرة.\r3 - شهيد في حكم الآخرة فقط: كالمقتول ظلماً من غير قتال، والمبطون إذا مات بالبطن، والمطعون إذا مات بالطاعون، والغريق إذا مات بالغرق، والغريب إذا مات بالغربة، وطالب العلم إذا مات على طلبه، أو مات عشقاً (1) أو بالطلق أو بدار الحرب أو نحو ذلك (2) .\rقال الحنابلة (3) : الشهداء غير شهيد المعركة بضعة وعشرون، وعدهم السيوطي نحو الثلاثين: المطعون أي الميت بالطاعون، والمبطون، والغريق، والشريق، والحريق، وصاحب الهدم، أي من مات بانهدام شيء عليه، كمن ألقي عليه حائط ونحوه، لقول صلّى الله عليه وسلم : «والشهداء خمسة: المطعون، والمبطون، والغريق، وصاحب الهَدْم، والشهيد في سبيل الله » (4) وصاحب ذات الجنب، وصاحب السِّل، وصاحب داء في الوجه، والصابر في الطاعون، والمتردي من رؤوس الجبال بغير فعل الكفار، ومن مات في سبيل الله كمن مات في الحج ومن مات في طلب العلم، ومن طلب الشهادة بنية صادقة، وموت المرابط (حارس الحدود والثغور)، وأمناء الله في الأرض وهم العلماء، والمجنون والنفساء واللديغ، ومن قتل دون دينه أو دمه، أو ماله، أو أهله، أو مظلِمته، وفريس\r-------------------------------\r(1) قال ابن عباس: «من عشق وعف وكتم، مات شهيداً» الأصح وقفه عليه، فشرطه العفة والكتمان.\r(2) مغني المحتاج:350/1، الدر المختار ورد المحتار:852/1 وما بعدها.\r(3) كشاف القناع:115/2 ومابعدها، المغني:536/2.\r(4) رواه أحمد والترمذي، وقال: حسن صحيح. وفي حديث آخر: «الشهادة سبع سوى القتل» وزاد على ما ذكر في هذا الخبر: صاحب الحريق، وصاحب ذات الجنب، والمرأة في حالة النفاس.","part":2,"page":699},{"id":1391,"text":"السبع، ومن خر عن دابته، والغريب (1) ، والعاشق إذا عف وكتم، والميت ليلة الجمعة، والمرتث: وهو من نقل من المعركة حياً، أو من أكل أو شرب أو نام أو تداوى بعد طعنه، وبقي حياً وقت صلاة.\rوالخلاصة: إن كل من مات. بسبب مرض أو حادث أو دفاع عن النفس، أو نقل من قلب المعركة حياً، أو مات في أثناء الغربة، أو طلب العلم، أو ليلة الجمعة، فهو شهيد آخرة.\rوحكم هؤلاء الشهداء في الدنيا، أي شهداء الآخرة: أن الواحد منهم يغسل ويكفن ويصلى عليه اتفاقاً كغيره من الموتى. أما في الآخرة فله ثواب الآخرة فقط، وله أجر الشهداء يوم القيامة.\rالمعصية والشهادة: المعصية لا تمنع الاتصاف بالشهادة، فيكون الميت شهيداً عاصياً؛ لأن الطاعة لا تلغي المعصية إلا في الصغائر، قال تعالى: {إن الحسنات يذهبن السيئات} [هود:114/11] أي إن الحسنات بامتثال الأوامر، خصوصاً في العبادات التي أهمها الصلاة يذهبن السيئات، قال صلّى الله عليه وسلم : «وأتبع السيئة الحسنة تمحها» (2) .\rقال بعض الفقهاء: من غرق في قطع الطريق فهو شهيد، وعليه إثم معصيته، وكل من مات بسبب معصيته فليس بشهيد، وإن مات في معصية بسبب من أسباب الشهادة، فله أجر شهادته، وعليه إثم معصيته. ،ولو قاتل على فرس مغصوب أو كان قوم في معصية فوقع عليهم البيت، فلهم الشهادة، وعليهم إثم المعصية.\r-------------------------------\r(1) لما رواه ابن ماجه بإسناد ضعيف، والدارقطني وصححه عن ابن عباس مرفوعاً: «موت الغريب شهيد» .\r(2) حديث حسن رواه الترمذي عن أبي ذر جُندُب بن جُنادة، وأبي عبد الرحمن معاذ بن جبل رضي الله عنهما.","part":2,"page":700},{"id":1392,"text":"وهذا يعني أنه إذا مات في حالة من حالات الشهادة أثناء معصية فهو شهيد عاص، وإذا مات بسبب المعصية فليس بشهيد. فالمرأة التي تموت بالولادة من الزنا الظاهر أنها شهيدة، أما لو تسببت امرأة في إلقاء حملها فليست بشهيدة للعصيان بالسبب. ومن ركب البحرلمعصية أو سافر آبقاً (هارباً) أو ناشزة، فمات فليس بشهيد (1) .\rانتهى الجزء الثاني ويتبعه الجزء الثالث\r(الصيام، الاعتكاف، الزكاة، الحج والعمرة)\r-------------------------------\r(1) رد المحتار لابن عابدين:854/1.","part":2,"page":701},{"id":1393,"text":"......................................الفِقْهُ الإسلاميُّ وأدلَّتُهُ...............................\r..........................................الجزء الثالث....................................\rالبَابُ الثَّالث: الصِّيامُ والاعتكاف\rوفيه فصلان: الأول عن الصيام، والثاني عن الاعتكاف\rالفَصْلُ الأوَّل: الصِّيام\rوفيه ثمانية مباحث:\rالمبحث الأول ـ تعريف الصوم، وركنه وزمنه وفوائده، وفضل رمضان، وليلة القدر، وأهم الأحداث التاريخية الواقعة في رمضان.\rالمبحث الثاني ـ فرضية الصيام وأنواعه (الصوم المفروض وصوم التطوع).\rالمبحث الثالث ـ متى يجب الصوم؟ وكيفية إثبات الشهر واختلاف المطالع.\rالمبحث الرابع ـ شروط الصوم ـ شروط الوجوب وشروط الصحة.\rالمبحث الخامس ـ سنن الصوم وآدابه ومكروهاته.\rالمبحث السادس ـ الأعذار المبيحة للفطر.\rالمبحث السابع ـ ما يفسد الصوم ومالا يفسده.\rالمبحث الثامن ـ قضاء الصوم وكفارته وفديته.\rملحق ـ ما يلزم الوفاء به من المنذور.\rوأبدأ بالأول فالأول فيما يأتي:\rالمبحث الأول ـ تعريف الصوم وزمنه وفوائده، وفضل رمضان وليلة القدر، وأهم الأحداث التاريخية في رمضان:\rوفيه ثلاثة مطالب:\rالمطلب الأول ـ تعريف الصوم، وركنه وزمنه وفوائده:\rتعريف الصوم: الصوم لغة: الإمساك والكف عن الشيء، قال: صام عن الكلام، أي أمسك عنه، قال تعالى إخباراً عن مريم: {إني نذرت للرحمن صوماً} [مريم:26/19] أي صمتاً وإمساكاً عن الكلام، وقال العرب: صام النهار: إذا وقف سير الشمس وسط النهار عند الظهيرة (1) .\rوشرعاً: هو الإمساك نهاراً عن المفطِّرات بنية من أهله من طلوع الفجر إلى غروب الشمس (2) . أي أن الصوم امتناع فعلي عن شهوتي البطن والفرج، وعن كل شيء حسي يدخل الجوف من دواء ونحوه، في زمن معين: وهو من طلوع الفجر الثاني أي الصادق إلى غروب الشمس، من شخص معين أهل له: وهو المسلم العاقل غير الحائض والنفساء، بنية وهي عزم القلب على إيجاد الفعل جزماً بدون تردد، لتمييز العبادة عن العادة.\rوركن الصوم: الإمساك عن شهوتي البطن والفرج، أو الإمساك عن المفطرات، وزاد المالكية والشافعية ركناً آخر وهو النية ليلاً.\r-------------------------------\r(1) وقال الشاعر:\rخيل صيام وخيل غير صائمة تحت العجاج واخرى تعلك اللجما\rوأراد بالصائمة الممسكة عن الصهيل.\r(2) اللباب: 162/1، الشرح الصغير: 681/1-698، مغني المحتاج: 420/1، المغني: 84/3، كشاف القناع: 348/2 ومابعدها.","part":3,"page":1},{"id":1394,"text":"وزمن الصوم: من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، ويؤخذ في البلاد التي يتساوى الليل والنهار فيها، أو في حالة طول النهار أحياناً كبلغاريا بتقدير وقت الصوم بحسب أقرب البلاد منها، أو بتوقيت مكة. ودليله قوله تعالى: {وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر} [البقرة:187/2] وعبر بالخيط مجازاً، يعني بياض النهار من سواد الليل، وهذا يحصل بطلوع الفجر. قال ابن عبد البر: في قول النبي صلّى الله عليه وسلم : «إن بلالاً يؤذن بليل، فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم» دليل على أن الخيط الأبيض هو الصباح، وأن السحور لا يكون الا قبل الفجر، بالإجماع .\rو فوائد الصيام كثيرة من الناحيتين الروحية والمادية :\rفالصوم طاعة لله تعالى، يثاب عليها المؤمن ثواباً مفتوحاً لا حدود له ، لأنه لله سبحانه، وكرم الله واسع، وكرم الله واسع، وينال بها رضوان الله، واستحقاق دخول الجنان من باب خاص أعد للصائمين يقال له الريان (1) ويبعد نفسه عن عذاب الله تعالى بسبب ما قد يرتكبه من معاص ، فهو كفارة للذنوب من عام لآخر ، وبالطاعة يستقيم أمر المؤمن على الحق الذي شرعه الله عز وجل ، لأن الصوم يحقق التقوى التي هي امتثال للأوامر الإلهية واجتناب النواهي، قالله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم، لعلكم تتقون} [البقرة:183/2].\r-------------------------------\r(1) روى البخاري ومسلم والنسائي والترمذي عن سهل بن سعد عن النبي صلّى الله عليه وسلم قال: «إن في الجنة باباً يقال له الريان، يدخل منه الصائمون يوم القيامة، لا يدخل منه أحد غيرهم، فإذا دخلوا أغلق فلم يدخل منه أحد» (الترغيب والترهيب: 82/2-83).","part":3,"page":2},{"id":1395,"text":"والصوم مدرسة خلقية كبرى يتدرب فيها المؤمن على خصال كثيرة، فهو جهاد للنفس، ومقاومة للأهواء ونزعات الشيطان التي قد تلوح له، ويتعود به\rالإنسان خلق الصبر على ما قد يُحرَم منه، وعلى الأهواء والشدائد التي قد يتعرض لها، إذ يجد الطعام الشهي يطبخ أمامه، والروائح تهيج عصارات معدته، والماء العذب البارد يترقرق في ناظريه، فيمتنع منه، منتظراً وقت الإذن الرباني بتناوله.\rوالصوم يعلِّم الأمانة ومراقبة الله تعالى في السر والعلن؛ إذ لا رقيب على الصائم في امتناعه عن الطيبات إلا الله وحده.\rوالصوم يقوي الإرادة، ويشحذ العزيمة، ويعلِّم الصبر، ويساعد على صفاء الذهن، واتقاد الفكر، وإلهام الآراء الثاقبة إذا تخطى الصائم مرحلة الاسترخاء، وتناسى ما قد يطرأ له من عوارض الارتخاء والفتور أحياناً، قال لقمان لابنه: «يا بني، إذا امتلأت المعدة نامت الفكرة، وخرست الحكمة، وقعدت الأعضاء عن العبادة» .\rوالصوم يعلِّم النظام والانضباط؛ لأنه يجبر الصائم على تناول الطعام والشراب في وقت محدد وموعد معين. والصوم يشعر بوحدة المسلمين الحسية في المشارق والمغارب، فهم جميعاً يصومون ويفطرون في وقت واحد؛ لأن ربهم واحد، وعبادتهم موحدة.\rوينمي الصوم في الإنسان عاطفة الرحمة والأخوة، والشعور برابطة التضامن والتعاون التي تربط المسلمين فيما بينهم، فيدفعه إحساسه بالجوع والحاجة مثلاً إلى صلة الآخرين، والمساهمة في القضاء على غائلة الفقر والجوع والمرض، فتتقوى أواصر الروابط الاجتماعية بين الناس، ويتعاون الكل في معالجة الحالات المرضية في المجتمع.","part":3,"page":3},{"id":1396,"text":"والصوم فعلاً يجدد حياة الإنسان بتجدد الخلايا وطرح ماشاخ منها، وإراحة المعدة وجهاز الهضم، وحمية الجسد، والتخلص من الفضلات المترسبة والأطعمة غير المهضومة، والعفونات أو الرطوبات التي تتركها الأطعمة والأشربة، قال النبي صلّى الله عليه وسلم : «صوموا تصحوا» (1) ، وقال طبيب العرب: الحارث بن كَلْدة: «المعدة بيت الداء، والحِمْية رأس كل دواء» .\rوالصيام جهاد للنفس، وتخليصها مما علق بها من شوائب الدنيا وآثامها، وكسر حدة الشهوة والأهواء، وتهذيبها وضبطها في طعامها وشرابها، بدليل قول النبي صلّى الله عليه وسلم : «يا معشر الشباب: من استطاع منكم الباءة، فليتزوج، فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء» (2) وقال الكمال بن الهمام (3) : الصوم ثالث أركان الإسلام بعد «لا إله إلا الله ، محمد رسول الله » والصلاة، شرعه سبحانه لفوائد أعظمها كونه موجباً أشياء:\rمنها: سكون النفس الأمارة، وكسر سورتها في الفضول المتعلقة بجميع الجوارح من العين واللسان والأذن والفرج، فإن به تضعف حركتها في محسوساتها، ولذا قيل: إذا جاعت النفس شبعت جميع الأعضاء، وإذا شبعت جاعت كلها.\rومنها: كونه موجباً للرحمةوالعطف على المساكين، فإنه لما ذاق ألم الجوع في بعض الأوقات، ذكر من هذا حاله في عموم الأوقات، فتسارع إليه الرقة عليه، فينال بذلك ما عند الله تعالى من حسن الجزاء.\rومنها: موافقة الفقراء بتحمل ما يتحملون أحياناً، وفي ذلك رفع حاله عند الله تعالى.\r-------------------------------\r(1) رواه ابن السني وأبو نعيم في الطب عن أبي هريرة، وهو حديث حسن.\r(2) رواه الجماعة عن ابن مسعود (نيل الأوطار: 99/6) والباءة: مؤن الزواج وتكاليفه، والوجاء: أي يضعف شهوة النكاح، تشبيهاً بقطع السيف.\r(3) فتح القدير: 43/2 ومابعدها.","part":3,"page":4},{"id":1397,"text":"وقال في الإيضاح: اعلم أن الصوم من أعظم أركان الدين وأوثق قوانين الشرع المتين، به قهر النفس الأمارة بالسوء، وإنه مركب من أعمال القلب، ومن المنع عن المآكل والمشارب والمناكح عامة يومه، وهو أجمل الخصال، غير أنه أشق التكاليف على النفوس (1) ، وقد مدحه الله بآية {إن المسلمين والمسلمات} ... {والخاشعين والخاشعات والمتصدقين والمتصدقات والصائمين والصائمات} [الأحزاب:35/33] .\rالمطلب الثاني ـ فضل رمضان وليلة القدر:\rرمضان سيد الشهور، فيه بدأ نزول القرآن، وهو شهر الطاعة والقربة والبر والإحسان، وشهر المغفرة والرحمة والرضوان، فيه ليلة القدر التي هي خير من ألف شهر، وبه عون المؤمن على أمر دينه وطلب إصلاح دنياه، وهو موسم تكثر فيه مناسبات إجابة الدعاء.\rوقد ورد في السنة النبوية ما يدل على فضل رمضان وفضل الصوم فيه.\rمن ذلك ما يأتي:\r1ً - «سيد الشهور شهر رمضان، وسيد الأيام يوم الجمعة» (2) «ولو يعلم العباد ما في شهر رمضان لتمنى العباد أن يكون شهر رمضان سنة» (3) . وروى الطبراني عن عبادة بن الصامت أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم قال يوماً وقد حضر رمضان: «أتاكم رمضان شهر بركة، يغشاكم الله فيه، فيُنزل الرحمة، ويحُطُّ الخطايا، ويستجيب فيه الدعاء، ينظر الله تعالى إلى تنافسكم فيه، ويباهي بكم ملائكته، فأروا الله من أنفسكم خيراً، فإن الشقي من حرم فيه رحمة الله عز وجل» .\r-------------------------------\r(1) حاشية ابن عابدين: 109/2.\r(2) رواه الطبراني في الكبير عن عبد الله بن مسعود، وفيه انقطاع (مجمع الزوائد: 140/3).\r(3) رواه الطبراني في الكبير وابن خزيمة في صحيحه والبيهقي من طريقه عن أبي مسعود الغفاري، وفي راو من سنده كلام (الترغيب والترهيب: 102/2، مجمع الزوائد: 141/3).","part":3,"page":5},{"id":1398,"text":"2ً - «إذا جاء رمضان فتِّحت أبواب الجنة، وغلِّقت أبواب النار، وصُفِّدت الشياطين» (1) .\r3ً - «الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان مكفِّرات ما بينهن إذا اجتنبت الكبائر» (2) .\r4ً - «كل عمل ابن آدم يضاعف، الحسنةُ بعشر أمثالها إلى سبع مئة ضَعْف، قال الله تعالى: إلا الصوم، فإنه لي وأنا أجزي به، يدع شهوته وطعامه من أجلي، للصائم فرحتان: فرحة عند فطره، وفرحة عند لقاء ربه، ولخُلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك» (3) .\rوفي رواية للترمذي، قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم : إن ربكم يقول: «كل حسنة بعشر أمثالها إلى سبع مئة ضِعْف، والصوم لي وأنا أجزي به، والصوم جُنَّة (4) من النار، ولخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك، وإن جَهِل على أحدكم جاهل وهو صائم، فليقل: إني صائم، إني صائم» .\r5ً - «من قام رمضان إيماناً واحتساباً، غفر له ما تقدم من ذنبه» (5) أي من أحيا لياليه بصلاة التراويح أوغيرها بالذكر والاستغفار وتلاوة القرآن تصديقاً لما وعده الله على ذلك من أجر، محتسباً ومدخراً أجره عند الله تعالى لا غيره، بخلوص عمله لله ، لم يشرك به غيره، غفرت له ذنوبه غير حقوق العباد، فتتوقف على إبراء الذمة، أو المسامحة.\r6ً - عن سلمان رضي الله عنه قال: خطبنا رسول الله صلّى الله عليه وسلم في آخر يوم من شعبان، قال: «يا أيها الناس قد أظلكم شهر عظيم مبارك، شهر فيه ليلة خير من ألف شهر، شهر جعل الله صيامه فريضة، وقيام ليله تطوّعاً، من تقرب فيه بخصلة من الخير، كان كمن أدى فريضة فيما سواه، ومن أدى فريضة فيه، كان كمن أدى سبعين فريضة فيما سواه.\r-------------------------------\r(1) رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة (الترغيب والترهيب: 97/2).\r(2) رواه مسلم عن أبي هريرة (الترغيب والترهيب: 92/2).\r(3) رواه مسلم عن أبي هريرة. والخلوف: تغير رائحة الفم (الترغيب والترهيب: 81/2).\r(4) الجُنة: ما يستر ويقي مما يخاف منه، ومعنى الحديث: إن الصوم يستر صاحبه، ويحفظه من الوقوع في المعاصي.\r(5) متفق عليه عند البخاري وغيره (أصحاب الكتب الستة) عن أبي هريرة. واحتساباً: أي طلباً لوجه الله تعالى وثوابه. والاحتساب من الحَسْب كالاعتداد من العد، أي يعتد عمله.","part":3,"page":6},{"id":1399,"text":"وهو شهر الصبر، والصبر ثوابه الجنة، وشهر المواساة، وشهر يزاد في رزق المؤمن فيه، من فطَّر فيه صائماً، كان مغفرة لذنوبه وعتقَ رقبته من النار، وكان له مثل أجره من غير أن ينقص من أجره شيء.\rقالوا: يا رسول الله ، ليس كلُّنا يجدُ ما يفطر الصائم؟ فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلم يعطي الله هذا الثواب من فطر صائماً على تمرة، أو على شَرْبة ماء، أو مَذْقة (1) لبن.\rوهو شهر أوله رحمة، وأوسطه مغفرة، وآخره عتق من النار، من خفف عن مملوكه فيه غفر الله له، وأعتقه من النار.\rواستكْثِروا فيه من أربع خصال: خصلتين ترضون بهما ربكم، وخصلتين لا غِنَاء بكم عنهما، فأما الخصلتان اللتان تُرضون بهما ربكم: فشهادة أن لا إله إلا الله، وتستغفرونه. وأما الخصلتان اللتان لا غناء بكم عنهما: فتسألون الله الجنة، وتعوذون به من النار.\rومن سقى صائماً، سقاه الله من حوضي شَرْبة لا يظمأ حتى يدخل الجنة» (2) .\rليلة القدر: يستحب طلب ليلة القدر؛ لأنها ليلة شريفة مباركة معظمة مفضلة، ترجى إجابة الدعاء فيها، وهي أفضل الليالي حتى ليلة الجمعة (3) ، قال تعالى: {ليلة القدر خير من ألف شهر} [القدر:3/97] أي قيامها والعمل فيها خير من العمل في ألف شهر خالية منها، وقال صلّى الله عليه وسلم : «من قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً، غفر له ما تقدم من ذنبه» (4) وعن عائشة أن النبي كان إذا دخل العشر الأواخر أحيا الليل، وأيقظ أهله وشد المئزر» (5) أي اعتزل النساء، ولأحمد ومسلم: كان يجتهد في العشر الأواخر ما لا يجتهد في غيرها.\rوهي مختصة بالعشر الأواخر في ليالي الوترمن رمضان، لقوله صلّى الله عليه وسلم : «التمسوها في العشر الأواخر من شهر رمضان، في كل وتر» (6) .\rوأرجح الأقوال عند العلماء أنها في ليلة السابع والعشرين من رمضان، قال\r-------------------------------\r(1) مزيج خليط.\r(2) رواه ابن خزيمة في صحيحه، ثم قال: صح الخبر، ورواه من طريق البيهقي، ورواه أبو الشيخ ابن حيان في الثواب باختصار عنهما (الترغيب والترهيب: 94/2 ومابعدها).\r(3) المهذب: 189/1، المجموع: 492/6-503، المغني: 178/3-183، كشاف القناع: 401/2-404.\r(4) رواه البخاري وأبو داود والترمذي والنسائي عن أبي هريرة.\r(5) متفق عليه (نيل الأوطار: 270/4).\r(6) متفق عليه من حديث أبي سعيد الخدري، وأبي ذر.","part":3,"page":7},{"id":1400,"text":"أبي بن كعب: «والله لقد علم ابن مسعود أنها في رمضان، وأنها في ليلة سبع وعشرين، ولكن كره أن يخبركم فتتكلوا» (1) ، وعن معاوية «أن النبي صلّى الله عليه وسلم قال في ليلة القدر: ليلة سبع وعشرين» (2) ويرجحه قول ابن عباس: «سورة القدر: ثلاثون كلمة، السابعة والعشرون فيها: هي» (3) وروى أحمد بإسناد صحيح عن ابن عمر حديثاً نصه: «من كان متحرّيها فليتحرها ليلة سبع وعشرين، أو قال: تحروها ليلة سبع وعشرين» .\rوالحكمة في إخفائها: أن يجتهد الناس في طلبها، ويجدّوا في العبادة طمعاً في إدراكها، كما أخفيت ساعة الإجابة يوم الجمعة، وأخفي اسمه الأعظم في أسمائه، ورضاه في الحسنات، إلى غير ذلك.\rوالمستحب أن يدعو المؤمن فيها بأن يقول: «اللهم إنك عفو، تحب العفو، فاعف عني» لما روت عائشة رضي الله عنها قالت: يا رسول الله ، أرأيت إن وافقت ليلة القدر، ما ذا أقول فيها؟ قال: «قولي: اللهم إنك عفو تحب العفو، فاعف عني» (4) .\rوأما علاماتها: فالمشهور فيها ما ذكره أبي بن كعب عن النبي صلّى الله عليه وسلم : «إن الشمس تطلع في صبيحة يومها بيضاء لا شعاع لها» (5) وفي بعض الأحاديث: «\r-------------------------------\r(1) رواه الترمذي وصححه.\r(2) رواه أبو داود مرفوعاً، والراجح وقفه على معاوية، وله حكم الرفع (سبل السلام: 176/2).\r(3) قال ابن حجر في فتح الباري: وقد اختلف في تعيينها على أربعين قولاً، وأرجحهما كلها أنها في وتر العشر الأواخر، وأنها تنتقل. وقال الصنعاني: وأظهر الأقوال أنها في السبع الأواخر (المصدر السابق).\r(4) رواه الخمسة (أحمد وأصحاب السنن) غير أبي داود، وصححه الترمذي والحاكم (المصدر السابق).\r(5) رواه أحمد ومسلم وأبو داود والترمذي وصححه (نيل الأوطار: 272/4).","part":3,"page":8},{"id":1401,"text":"بيضاء مثل الطست» وروي أيضاً عنه صلّى الله عليه وسلم : «إن أمارة ليلة القدر: أنها ليلة صافية بلجة، كأن فيها قمراً ساطعاً، ساكنة ساجية، لا برد فيها ولاحر، ولا يحل لكوكب أن يرمى به فيها حتى تصبح، وإن أمارتها أن الشمس صبيحتها تخرج مستوية، ليس فيها شعاع، مثل القمر ليلة البدر، لايحل للشيطان أن يخرج معها يومئذ» وروى ابن خزيمة من حديث ابن عباس مرفوعاً: «ليلة القدر طلقة لا حارّة ولا باردة، تصبح الشمس يومها حمراء ضعيفة» ولأحمد من حديث عبادة: «لا حر فيها ولا برد، وإنها ساكنة صاحية، وقمرها ساطع» ، وورد في علامتها أحاديث منها عن جابر بن سمرة عند ابن أبي شيبة، وعن جابر بن عبد الله عند ابن خزيمة، وعن أبي هريرة عنده، وعن ابن مسعود عند ابن أبي شيبة وعن غيرهم (1) .\r-------------------------------\r(1) نيل الأوطار: 275/4.","part":3,"page":9},{"id":1402,"text":"المطلب الثالث ـ أهم الأحداث التاريخية الواقعة في رمضان:\rإن أهم حدث في رمضان هو نزول القرآن الكريم في ليلة الخامس والعشرين. ثم وقعت أحداث تاريخية فاصلة كبرى في شهر رمضان، تدل على أن الإسلام يقدر الأمور حق قدرها، وأن شعار الصوم هو القوة والجهاد والعمل، لا الضعف والهروب والفتور والكسل، فالمسلم يتفاعل مع واقع الحياة، ويتكيف مع الظروف، فلا يثنيه واجب ديني عن واجب معيشي أو حياتي، ولا تحد من عزيمته وهمته أهواء الدنيا، ومغريات الطعام والشراب، ولا يصح لمسلم أن يقول: إن الصوم يعطل الأعمال، ويؤخر المجتمعات، فسبيل الإسلام معروف وهو الجهاد، ودين الله وشرعه يسر لا عسر، فقد أباح الفطر وحضَّ عليه في السفر والحرب، وحكم بأن الصائمين حينئذ متنطعون متشددون، وبأن المفطرين في الجهاد ذهبوا\rبالأجر كله، كما بيَّن النبي صلّى الله عليه وسلم في فتح مكة، وكان أول المفطرين. ودليل ما نقول: هذه الأحداث الكبرى التي وقعت في رمضان ونكتفي بذكر أشهرها، للاستدلال على أن النصر مرتبط بتطهير النفوس وصفائها وسموها وترفعها عن أدران المادة، وأن أيام رمضان مباركة ينتهز فيها الخير والنصر والفضل الإلهي، إذا توجهت القلوب لرب الأرض والسماء، قال الله تعالى: : {وما النصر إلا من عند الله } [آل عمران:126/3].\r1 - معركة بدر الكبرى: وهي يوم الفرقان الذي فرق الله فيه بين الحق والباطل، فانتصر فيه الإسلام ـ رمز القيم العليا في التوحيد والتفكير والحياة السوية والأخلاق الصحيحة ـ واندحر الشرك والوثنية ـ رمز الانحدار والتخلف والتعقيد وإهدار الكرامة الإنسانية. والمعركة حدثت في يوم الجمعة في السابع عشر من شهر رمضان من السنة الثانية للهجرة، قال تعالى: {ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة، فاتقوا الله لعلكم تشكرون} [آل عمران:123/3]، وقال ابن عباس: كانت يوم الجمعة السابع عشر من شهر رمضان، وفيها قتل فرعون الأمة أبو جهل أكبر أعداء الإسلام.","part":3,"page":10},{"id":1403,"text":"2 - فتح مكة: وهو الفتح الأكبر لقوله تعالى: {إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً} [الفتح:1/48] حدث في يوم الجمعة في العشرين أو الحادي والعشرين من رمضان من السنة الثامنة للهجرة، وقد تم به القضاء على فلول الوثنية، وتم به تحطيم الأصنام حول الكعبة. وفي رمضان من السنة الخامسة كان استعداد المسلمين لغزوة الخندق التي وقعت في شوال من العام نفسه.\r3 - وقعت بعض أحداث غزوة تبوك في رمضان سنة 9هـ، وفي رمضان كانت معركة القادسية، ومعركة البويب، وفتح رودس.\r4 - انتشر الإسلام في اليمن في السنة العاشرة في رمضان، وأرسل النبي صلّى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب على رأس سرية إلى اليمن، وحمل معه كتاباً إليهم.\r5 - هدم خالد بن الوليد لخمس بقين من رمضان في السنة الثامنة البيت الذي كانت تعبد فيه العزى في نخلة، وقال للرسول صلّى الله عليه وسلم : «تلك العزى ولا تعبد أبداً» (1) . ووجه الرسول صلّى الله عليه وسلم السرايا لهدم الأصنام.\r6 - قدم في السنة التاسعة في رمضان وفد ثقيف من الطائف إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلم يريدون الإسلام، وهدم فيها صنم اللات الذي كانت تعبده ثقيف (2) .\r7 - في صبيحة يوم الجمعة في 25 من رمضان479 هـ حدثت موقعة الزلاَّقة (سهل يقع على مقربة من البرتغال الحالية) أو يوم العروبة والإسلام، وانتصر فيها جيش المرابطين المسلمين في الأندلس بقيادة يوسف بن تاشفين على جيش الفرنجة البالغ ثمانين ألف مقاتل بقيادة الفونس السادس ملك قشتالة.\r8 - موقعة عين جالوت: (قرية بين بيسان ونابلس) حدثت في صبيحة يوم الجمعة في الخامس عشر من رمضان سنة 658 هـ الموافق 3 أيلول (سبتمبر)1260م، بقيادة السلطان قُطُز سلطان المماليك في مصر، بعد أن صاح بأعلى صوته «وإسلاماه» ، وانتصر فيها على المغول الذين ولوا الأدبار لا يلوون على شيء (3) ، وتم فيها توحيد مصر وبلاد الشام (4) . وإنقاذ الإسلام والمسلمين من\r-------------------------------\r(1) البداية والنهاية لابن كثير: 316/4.\r(2) المرجع السابق: 316/5.\r(3) الحركة الصليبية للدكتور سعيد عبد الفتاح عاشور: 1136/2، ط ثانية، مكتبة الأنجلو المصرية.\r(4) أما موقعة حطين شمال طبرية سنة 583 هـ/1187م فقد وقعت في يوم السبت 14 ربيع الآخر الموافق 4 تموز، ولكن دخل صلاح الدين الأيوبي القدس في ليلة السابع والعشرين من رجب في ذكرى الإسراء والمعراج في 12 أكتوبر (تشرين الأول) سنة 1187م (الحركة الصليبية: 808/2-811،822).","part":3,"page":11},{"id":1404,"text":"همجية المغول، كما أن البطل صلاح الدين خاض معارك حاسمة ضد الصليبيين في رمضان.\r9 - فتح الأندلس: في رمضان كانت معركة طريف تمهيداً لفتح الأندلس، وكانت معركة الزلاَّقة، ثم حدث فتح الأندلس في 28 رمضان سنة 92هـ/19 يوليو (تموز)711 م بقيادة طارق بن زياد بعد أن هزم روذريق قائد القوط في موقعة حاسمة تعرف بـ «موقعة البحيرة» بعد أن استولى على مضيق جبل طارق وأحرق سفنه، وقال كلمته المشهورة: «البحر من ورائكم والعد ومن أمامكم» ، ثم تم بعدها فتح قرطبة وغرناطة وطليطلة العاصمة السياسية للأندلس (1) .\rوفي رمضان كانت آخر المعارك مع الصليبيين لتطهير أرضنا وديارنا من أرجاسهم. وفي العاشر من رمضان سنة 1393هـ/1973م كانت معركة العبور، أي عبور القوات المصرية المسلحة قناة السويس من الضفة الغربية إلى الضفة الشرقية، بعد احتلال اليهود لها مدة نحو سبع سنوات في الخامس من شهر حزيران سنة 1967م، ووصلت في العاشر من شهر رمضان القوات السورية إلى شواطئ بحيرة طبرية. ولقّن الفلسطينيون العدو الصهيوني في رمضان في معركة الكرامة في نيسان (أبريل) سنة 1968م درساً لا ينساه مع قلتهم وتمكن العدو في موقع استراتيجي رائع.\r-------------------------------\r(1) التاريخ السياسي للدولة العربية، للدكتور عبد المنعم ماجد: 204/2).","part":3,"page":12},{"id":1405,"text":"المبحث الثاني ـ فرضية الصيام وأنواعه:\rفرضية الصيام وتاريخها: صوم شهر رمضان ركن من أركان الإسلام وفرض من فروضه (1) ، بدليل القرآن والسنة والإجماع:\rأما القرآن: فقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام، كما كتب على الذين من قبلكم، لعلكم تتقون} [البقرة:183/2] إلى قوله تعالى: {فمن شهد منكم الشهر فليصمه} [البقرة:185/2].\rوأما السنة: فقول النبي صلّى الله عليه وسلم : «بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله ، وأن محمداً رسول الله ، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت من استطاع إليه سبيلاً» (2) ، وعن طلحة بن عبيد الله أن رجلاً جاء إلى النبي صلّى الله عليه وسلم ثائر الرأس فقال: يا رسول الله ، أخبرني ماذا فرض الله عليّ من الصيام؟ قال: شهررمضان، قال: هل علي غيره؟ قال: لا، إلا أن تطوع شيئاً. قال: فأخبرني ماذا فرض الله علي من الزكاة؟ فأخبره رسول الله صلّى الله عليه وسلم بشرائع الإسلام، قال: والذي أكرمك لا أتطوع شيئاً، ولا أنقص مما فرض الله علي شيئاً، فقال النبي صلّى الله عليه وسلم : «أفلح إن صدق، أو دخل الجنة إن صدق» (3) .\rوأجمع المسلمون على وجوب صيام شهر رمضان.\rوفُرض صوم رمضان بعد صرف القبلة إلى الكعبة لعشر من شعبان في السنة الثانية من الهجرة بسنة ونصف إجماعاً، وصام النبي صلّى الله عليه وسلم تسعة رمضانات في تسع سنين، وتوفي النبي صلّى الله عليه وسلم في شهر ربيع الأول سنة إحدى عشرة من الهجرة (4) .\r-------------------------------\r(1) الفرق بين الركن والفرض: أن الركن يجب اعتقاده ولا يتم العمل إلا به، سواء أكان فرضاً أم نفلاً، والفرض: ما يعاقب على تركه، وأركان الإسلام: أي جوانبه التي يبنى عليها، فمتى فقد ركن منها لم يتم الإسلام.\r(2) رواه البخاري ومسلم من طرق كثيرة عن ابن عمر.\r(3) متفق عليه بين البخاري ومسلم.\r(4) المجموع: 273/6 ومابعدها، الدر المختار: 109/2، كشاف القناع: 349/2، بداية المجتهد: 274/1، المغني: 84/3.","part":3,"page":13},{"id":1406,"text":"وجاحد وجوب صوم رمضان كافر يعامل كالمرتد، فيستتاب، فإن تاب قبل منه، وإلا قتل حداً إذا لم يكن قريب عهد بالإسلام أو نشأ بعيداً عن العلماء. أما تارك الصيام كسلاً بغير عذر، ،ولم يكن جاحداً لوجوبه، فهو فاسق، وليس بكافر.\rأنواع الصيام:\rالصوم أنواع: واجب، وتطوع، وحرام، ومكروه (1) .\rوقال الحنفية: الصوم ثمانية أنواع: فرض معين كصوم رمضان أداء، وغير معين كقضاء رمضان وصوم الكفارات، وواجب معين كنذر معين، وغير معين كالنذر المطلق، ونفل مسنون كصوم عاشوراء وتاسوعاء، ونفل مندوب أو مستحب كأيام البيض من كل شهر، ومكروه تحريماً كصوم العيدين، ومكروه تنزيهاً كعاشوراء وحده، وسبت وحده، ونيروز ومهرجان.\rالنوع الأول ـ الواجب:\rوهو ثلاثة أقسام: منه ما يجب للزمان نفسه وهو صوم شهر رمضان، ومنه ما يجب لعلة وهو صيام الكفارات، ومنه ما يجب بإيجاب الإنسان ذلك على نفسه، وهو صيام النذر.\rوالصوم اللازم عند الحنفية نوعان: فرض وواجب. والفرض نوعان: معين كصوم أداء، وغير معين كصوم رمضان قضاء، وصوم الكفارات، ولكنه أي الأخير فرض عملاً، لا اعتقاداً، ولذا لايكفر جاحده.\rوالواجب نوعان: معين كالنذر المعين،وغير المعين كالنذر المطلق، وكقضاء ما أفسده من صوم النفل.\r-------------------------------\r(1) اللباب: 162/1،173، فتح القدير: 43/2 ومابعدها، 54، الدر المختار وحاشيته: 112/2-116، مراقي الفلاح: ص105 ومابعدها، بداية المجتهد: 274/1، 300، الشرح الصغير: 687/1،722، القوانين الفقهية: ص114، مغني المحتاج: 420/1، 433، 445-449، كشاف القناع: 349/2، 393 ومابعدها، 398، المغني: 89/3، 142، 163.","part":3,"page":14},{"id":1407,"text":"النوع الثاني ـ الصوم الحرام عند الجمهور أو المكروه تحريماً عند الحنفية: وهو ما يأتي:\r1 ً - صيام المرأة نفلاً بغير إذن زوجها أو علمها برضاه إلا إذا لم يكن محتاجاً لها كأن كان غائباً أو محرماً بحج أو عمرة أو معتكفاً، لخبر الصحيحين: «لا يحل لامرأة أن تصوم، وزوجها شاهد إلا بإذنه» ولأن حق الزوج فرض، لا يجوز تركه لنفل، فلوصامت بغير إذنه صح، وإن كان حراماً كالصلاة في دار مغصوبة، وللزوج أن يفطرها، لقيام حقه واحتياجه. وهذا الصوم مكروه تنزيهاً عند الحنفية.\r2 ً - صوم يوم الشك: وهو يوم الثلاثين من شعبان إذا تردد الناس في كونه من رمضان، وللفقهاء عبارات متقاربة في تحديده، واختلفوا في حكمه، مع اتفاقهم على عدم الكراهة وإباحة صومه إن صادف عادة للمسلم بصوم تطوع كيوم الاثنين أو الخميس.\rفقال الحنفية (1) : هو آخر يوم من شعبان يوم الثلاثين إذا شك بسبب الغيم أمن رمضان هو أم من شعبان. فلو كانت السماء صحواً ولم ير هلال أحد فليس بيوم شك.\rوحكمه : أنه مكروه تحريماً إذا نوى أنه من رمضان أو من واجب آخر. ويكره أيضاً صوم ما قبل رمضان بيوم أو يومين، لحديث: «لا تَقدَّموا رمضان بصوم يوم أو يومين، إلا رجل كان يصوم صوماً، فيصومه» (2) فيكره صومه إلا أن يوافق صوماً كان يصومه المسلم، خوفاً من أن يظن أنه زيادة على صوم رمضان، ولا يكره صوم نفل جزم به بلا ترديد بينه وبين صوم آخر، فلا يصام يوم الشك إلا تطوعاً.\rوقال المالكية على المشهور (3) : إنه يوم الثلاثين من شعبان إذا كان بالسماء في ليلته (أي ليلة الثلاثين) غيم، ولم ير هلال رمضان. فإن كانت السماء صحواً لم يكن يوم شك؛ لأنه إذا لم تثبت رؤية هلال رمضان، كان اليوم من شعبان جزماً. وهذا كمذهب الحنفية.\r-------------------------------\r(1) فتح القدير : 53/1 وما بعدها ،الدر المختار : 119/2 وما بعدها ،مراقي الفلاح ،ص 107.\r(2) رواه الأئمة الستة في كتبهم عن أبي هريرة (نصب الراية: 440/2).\r(3) الشرح الكبير: 513/1، الشرح الصغير: 686/1 وما بعدها، القوانين الفقهية: ص115، شرح الرسالة: 293/1-295.","part":3,"page":15},{"id":1408,"text":"والراجح عند الدردير والدسوقي وغيرهما أن يوم الشك: صبيحة الثلاثين من شعبان إذا كانت السماء صحواً أو غيماً، وتحدث بالرؤية من لا تقبل شهادته كعبد أو امرأة أو فاسق. أما يوم الغيم فهو من شعبان جزماً؛ لخبر الصحيحين: «فإن غم عليكم، فأكملوا عدة شعبان ثلاثين» .\rوحكمه: أنه يكره صومه للاحتياط على أنه من رمضان، ولا يجزئه صومه عن رمضان، فمن أصبح فلم يأكل ولم يشرب، ثم تبين له أن ذلك اليوم من رمضان، لم يجزه، وجاز صومه لمن اعتاد الصوم تطوعاً سرداً أو يوماً معيناً كيوم الخميس مثلاً، فصادف يوم الشك، كما جاز صومه تطوعاً، وقضاء عن رمضان سابق،وكفارة عن يمين أوغيره، ولنذر يوم معين أو يوم قدوم شخص مثلاً، فصادف يوم الشك. ويندب الإمساك (الكف عن المفطر) يوم الشك ليتحقق الحال، فإن ثبت رمضان وجب الإمساك لحرمة الشهر، ولو لم يكن أمسك أولاً.\rوقال الشافعية (1) : يوم الشك: هو يوم الثلاثين من شعبان في حال الصحو، إذا تحدث الناس برؤية الهلال ليلته، ولم يعلم من رآه، ولم يشهد برؤيته أحد، أو شهد بها صبيان أو عبيد أو فسقة أو نساء، وظن صدقهم، أو شهد شخص عدل ولم يكتف به. وليس إطباق الغيم بشك، كما أنه إذا لم يتحدث أحد من الناس بالرؤية فليس بشك، بل هو يوم من شعبان، وإن أطبق الغيم، لخبر الصحيحين المتقدم: «فإن غم عليكم، فأكملوا عدة شعبان ثلاثين» .\r-------------------------------\r(1) مغني المحتاج: 433/1،438.","part":3,"page":16},{"id":1409,"text":"وحكمه: أنه يحرم ولا يصح التطوع بالصوم يوم الشك، ولقول عمار بن ياسر رضي الله عنه: «من صام يوم الشك، قد عصى أبا القاسم صلّى الله عليه وسلم » (1) . وحكمة التحريم: توفير القوة على صوم رمضان، وضبط زمن الصوم وتوحيده بين الناس، دون زيادة. وكذلك يحرم صوم يوم أو يومين قبل رمضان، والأظهر أنه يلزم الإمساك من أكل يوم الشك، ثم ثبت كونه من رمضان، لأن صومه واجب عليه، إلا أنه جهله.\rويجوز صوم يوم الشك عن القضاء والنذر والكفارة، ولموافقة عادة تطوعه، ونحوه مما له سبب يقتضي الصوم، على الأصح مسارعة لبراءة الذمة، فيما عدا الاعتياد، وعملاً في الاعتياد بالحديث المتقدم: «... إلا رجل كان يصوم صوماً، فليصمه» ويجب الإمساك على من أصبح يوم الشك مفطراً، ثم تبين أنه من رمضان، ثم يقضيه بعد رمضان فوراً، وإن صامه متردداً بين كونه نفلاً من شعبان أو فرضاً من رمضان،لم يصح فرضاً ولا نفلاً إن ظهر أنه من رمضان.\rوقال الحنابلة (2) : يوم الشك: هو يوم الثلاثين من شعبان إذا لم ير الهلال ليلته، مع كون السماء صحواً لا علة فيها من غيم أو قَتَر ونحوهما، أو شهد برؤية الهلال من ردت شهادته لفسق ونحوه، فهم في تحديده كالشافعية.\rوحكمه كما قال المالكية: يكره ويصح صوم يوم الشك بنية الرمضانية احتياطاً، ولا يجزئ إن ظهر منه، إلا إذا وافق عادة له، أو وصله بصيام قبله، فلا كراهة، للحديث المتقدم: «لا تقدموا رمضان بصوم يوم أو يومين، إلا رجل كان يصوم صوماً، فليصمه» وإلا أن يصومه عن قضاء أو نذر أو كفارة، فلا كراهة؛ لأن صومه واجب إذاً. وإن صامه موافقة لعادة ثم تبين أنه من رمضان، فلا يجزئه عنه، ويجب عليه الإمساك فيه، وقضاء يوم بعده . والخلاصة: إن صوم يوم الشك مكروه عند الجمهور، حرام عند الشافعية.\r-------------------------------\r(1) رواه أصحاب السنن الأربعة، وصححه الترمذي وغيره.\r(2) المغني: 89/3، كشاف القناع: 350/2-351،398 ومابعدها.","part":3,"page":17},{"id":1410,"text":"3 ً - صوم عيد الفطر والأضحى وأيام التشريق بعده: مكروه تحريماً عن الحنفية، حرام لا يصح عند باقي الأئمة (1) ، سواء أكان الصوم فرضاً أم نفلاً، ويكون عاصياً إن قصد صيامها، ولا يجزئه عن الفرض لما روى أبو هريرة: «أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم نهى عن صيام يومين: يوم فطر ، ويوم أضحى» (2) والنهي عند غير الحنفية يقتضي فساد المنهي عنه وتحريمه. وروى مسلم في صحيحه عن النبي صلّى الله عليه وسلم : «أيام منى أيام أكل وشرب وذكْر الله تعالى» . وقصر المالكية تحريم صوم التشريق على يومين بعد الأضحى، وقال الجمهور: ثلاثة أيام بعده، وأما صوم اليوم الرابع عند المالكية فمكروه فقط.\rوتحريم الصوم في أيام العيدين عند الشافعية، ولو لمتمتع بالحج والعمرة، للنهي عن صيامها كما رواه أبو داود بإسناد صحيح. واستثنى الجمهور (الحنفية والمالكية والحنابلة) حالة الحج للمتمتع والقارن، فأجازوا لهما صيامهما، لقول ابن عمر وعائشة:\r-------------------------------\r(1) الدر المختار: 114/2، مراقي الفلاح: ص106، القوانين الفقهية: ص114، مغني المحتاج: 433/1، المهذب: 189/1، المغني: 163/3، كشاف القناع: 399/2.\r(2) متفق عليه، وعن أبي سعيد الخدري عند الشيخين (البخاري ومسلم) مثله.","part":3,"page":18},{"id":1411,"text":"«لم يرخص في أيام التشريق أن يُصَمْنَ إلا لمن لم يجد الهدي» (1) .\r4 ً - صوم الحائض والنفساء حرام ولا يصح ولا ينعقد، كما أبنت في مبحث الحيض والنفاس، وعليهما قضاء الصوم دون الصلاة.\r5 ً - قال الشافعية: يحرم صوم النصف الأخير من شعبان الذي منه يوم الشك، إلا لوِرْد بأن اعتاد صوم الدهر أو صوم يوم وفطر يوم أو صوم يوم معين كالاثنين فصادف ما بعد النصف، أو نذر مستقر في ذمته، أو قضاء لنفل أو فرض، أو كفارة، أو وصل صوم ما بعد النصف بما قبله، ولو بيوم النصف.\rودليلهم حديث: «إذا انتصف شعبان، فلا تصوموا» (2) ولم يأخذ به الحنابلة وغيرهم لضعف الحديث في رأي أحمد.\r6 ً - صيام من يخاف على نفسه الهلاك بصومه.\rالنوع الثالث ـ الصوم المكروه:\rهو كصوم الدهر (3) ، وإفراد يوم الجمعة بالصوم، وإفراد يوم السبت، وصوم يوم الشك وصوم يوم أو يومين قبل رمضان عند الجمهور، ويحرم الأخيران عند الشافعية، والراجح عند المالكية عدم كراهة صوم الدهر وإفراد الجمعة بالصوم. والكراهة فيهما عند غير المالكية تنزيهية.وللفقهاء تفصيلات في بيان الصوم المكروه:\r-------------------------------\r(1) رواه البخاري.\r(2) رواه أحمد وأصحاب السنن الأربعة عن أبي هريرة، وهو حسن، كما ذكر السيوطي وصححه ابن حبان وغيره (سبل السلام: 171/2).\r(3) الدهر: الأبد المحدود، وأما قوله صلّى الله عليه وسلم: «لا تسبوا الدهر، فإن الدهر هو الله » فمعناه أن ما أصابك من الدهر فالله فاعله، ليس الدهر، فإذا سببت به الدهر، فكأنك أردت الله سبحانه (مغني المحتاج: 448/1).","part":3,"page":19},{"id":1412,"text":"فقال الحنفية (1) : الصوم المكروه قسمان: مكروه تحريماً، ومكروه تنزيهاً. والمكروه تحريماً: هو صوم أيام العيدين والتشريق وصوم يوم الشك، لورود النهي السابق عن صيامها، فإذا صامها انعقد صومه مع الإثم، ولا يلزم القضاء لمن شرع في صومه وأفسده، لأن المبدأ الأصولي عندهم هو أن النهي المتوجه إلى وصف من أوصاف العمل اللازم له يقتضي فساد الوصف فقط، ويبقى أصل العمل على مشروعيته.\rوالمكروه تنزيهاً: هو إفراد صيام يوم عاشوراء (العاشر من المحرم) عن التاسع أوعن الحادي عشر، وإفراد يوم الجمعة في قول البعض، ويوم السبت، ويوم النيروز (يوم في طرف الربيع) والمهرجان (يوم في طرف الخريف) بالصوم إلا أن يوافق ذلك عادته، فتزول علة الكراهة، أما الجمعة فلقوله صلّى الله عليه وسلم : «لا تختصوا ليلة الجمعة بقيام من بين الليالي، ولا تختصوا يوم الجمعة بصيام من بين الأيام إلا أن يكون في صوم يصومه أحدكم» (2) . وأما السبت: فلقوله صلّى الله عليه وسلم : «لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افترض عليكم، فإن لم يجد أحدكم إلا لحاء عنبة أو عود شجرة، فليمضغه» (3) . وأما النيروز والمهرجان فلأن فيه تعظيم أيام نهينا عن تعظيمها.\rويكره تنزيهاً أيضاً صوم الدهر؛ لأنه يضعفه، ولحديث «لا صام من صام الأبد» (4) ويكره صوم الصمت: وهو أن يصوم ولا يتكلم بشيء، وعليه أن يتكلم بخير وبحاجة دعت إليه. ويكره صوم الوصال ولو بين يومين فقط، وهو ألا يفطر بعد الغروب أصلاً حتى يتصل صوم الغد بالأمس، للنهي عنه، قال صلّى الله عليه وسلم : «إياكم والوصال» (5) وقالت عائشة: «نهاهم النبي صلّى الله عليه وسلم عن الوصال رحمة لهم، فقالوا: إنك تواصل؟ قال: إني لست كهيئتكم، إني يطعمني ربي ويسقيني» (6) .\rويكره صوم المسافر إذا أجهده الصوم، وصوم المرأة تطوعاً بغير رضا زوجها، وله أن يفطرها، لقيام حقه واحتياجه، إلا أن يكون مريضاً أو صائماً أو محرماً بحج أو عمرة.\rوقال المالكية (7) : قال العلامة خليل: يندب صوم الدهر ولا يكره، للإجماع على لزومه لمن نذره، ولو كان مكروهاً أو ممنوعاً لما لزم على القاعدة، ويندب صوم يوم الجمعة ولا يكره لأن محل النهي عن ذلك على خوف فرضه، وقد انتفت هذه العلة بوفاته عليه الصلاة والسلام، وقال ابن جزي: المكروه: صوم الدهر، وصوم يوم الجمعة خصوصاً إلا أن يصوم يوماً قبله، أو يوماً بعده، وصوم السبت خصوصاً، وصوم يوم عرفة بعرفة، وصوم يوم الشك: وهو آخر يوم من شعبان احتياطاً إذا لم يظهر الهلال. وصوم اليوم الرابع من النحر، إلا لقارن أو متمتع أو لمن لزمه هدي لنقص في الحج، أو في حالة النذر والكفارات، فلا يكره.\r-------------------------------\r(1) الدر المختار: 114/2 ومابعدها، مراقي الفلاح: ص106.\r(2) رواه مسلم، ورواه الجماعة عن أبي هريرة بلفظ «لا تصوموا يوم الجمعة إلا وقبله يوم أو بعده يوم» (نيل الأوطار: 249/4).\r(3) رواه أحمد وأصحاب السنن إلا النسائي عن عبد الله بن بُسْر عن أخته الصماء (نيل الأوطار: 251/4).\r(4) متفق عليه بين أحمد والشيخين عن عبد الله بن عمرو (نيل الأوطار: 254/4).\r(5) متفق عليه عن أبي هريرة (نيل الأوطار: 219/4).\r(6) متفق عليه (نيل الأوطار: 219/4).\r(7) القوانين الفقهية: ص 115،119، الشرح الصغير: 686/1،692-694،722-723، الشرح الكبير مع الدسوقي: 534/1 .","part":3,"page":20},{"id":1413,"text":"ويكره صوم التطوع لمن عليه صوم واجب كالقضاء، وصوم الضيف بدون إذن المضيف، وصوم يوم المولد النبوي، لأنه شبيه بالأعياد.\rويكره نذر صوم يوم مكرر ككل خميس، لأن التزام يوم متكرر أو دائم يؤدي إلى التثاقل والندم، فيكون لغير الطاعة أقرب. ويكره تطوع بصوم قبل صوم واجب غير معيَّن، كقضاء رمضان وكفارة. أما المعين فلا يكره التطوع فيه. ويكره تعيين صوم الثلاثة البيض من كل شهر وهي الثالث عشر وتالياه، فراراً من التحديد، كما يكره صوم ستة من شوال إن وصلها بالعيد مظهراً لها، ولا يكره إن فرقها أو أخرها أو صامها سراً، لانتفاء علة اعتقاد الوجوب.","part":3,"page":21},{"id":1414,"text":"وقال الشافعية (1) : يكره إفراد الجمعة بالصوم، وإفراد السبت والأحد بالصوم، وصوم الدهر غير العيد والتشريق لمن خاف به ضرراً أو فوت حق واجب أو مستحب، للنهي المتقدم عنها في الأحاديث السابقة، ولخبر البخاري: «إن لربك عليك حقاً، ولأهلك عليك حقاً، ولجسدك عليك حقاً» ، وعليه حمل خبر الصحيحين: «لا صام من صام الأبد» .\rويستحب صوم الدهر لمن لم يخف ضرراً أو فوت حق، لإطلاق الأدلة، ولأنه صلّى الله عليه وسلم قال: «من صام الدهر ضيقت عليه جهنم هكذا، وعقد تسعين» (2) .\rوهذا موافق لمذهب الحنابلة أيضاً.\rويكره صوم المريض والمسافر والحامل والمرضع والشيخ الكبير إذا خافوا مشقة ورأى الجمهور أن الحديث في صوم الدهر على ظاهره، وحملوه على من صام الأيام المنهي عنها. شديدة، وقد يحرم صومهم إذا خافوا الهلاك أو تلف عضو بترك الغذاء. ولا يكره صوم يوم النيروز والمهرجان.\rوقال الحنابلة (3) : مثل الشافعية؛ وزادوا أنه يكره صوم الوصال: وهو ألا يفطر بين اليومين، وتزول الكراهة بأكل تمرة ونحوها، ويكره صوم بسفر قصر ولو بلا مشقة، فلو سافر ليفطر حرم السفر والفطر. ويكره إفراد رجب بالصوم؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلم «نهى عن صيامه» (4) ، ولأن فيه إحياء لشعار الجاهلية بتعظيمه، وتزول الكراهة بفطره فيه، ولو يوماً، أو بصومه شهراً آخر من السنة، ولايكره إفراد شهر غير رجب بالصوم.\rويكره إفراد يوم نيروز (اليوم الرابع من الربيع) ويوم مهرجان (اليوم التاسع عشر من الخريف) بالصوم، وهما عيدان للكفار، لما فيه من موافقة الكفار في تعظيمهما.\rويكره أيضاً صوم يوم الشك، كما سبق، وتقدم رمضان بصوم يوم أو يومين، ولا يكره تقدمه بأكثر من يومين.\r-------------------------------\r(1) مغني المحتاج: 447/1 ومابعدها، المهذب: 188/1 ومابعدها.\r(2) رواه البيهقي وأحمد، ومعنى «ضيقت عليه» أي عنه، فلم يدخلها، أو لا يكون له فيها موضع (نيل الأوطار: 255/4)\r(3) كشاف القناع: 397/2-399، غاية المنتهى: 334/1.\r(4) رواه ابن ماجه عن ابن عباس، وهو ضعيف. وكل حديث روي في فضل صوم رجب أو الصلاة فيه فكذب باتفاق أهل العلم.","part":3,"page":22},{"id":1415,"text":"النوع الرابع ـ صوم التطوع أو الصوم المندوب:\rالتطوع: التقرب إلى الله تعالى بما ليس بفرض من العبادات، مأخوذ من قوله تعالى: {ومن تطوع خيراً} [البقرة:158/2]، وقد يعبر عنه بالنافلة كما في الصلاة، لقوله تعالى: {ومن الليل فتهجد به نافلة لك} [الإسراء:79/17]. ولا\rشك أن الصوم ـ كما أبنت ـ من أفضل العبادات، ففي الصحيحين: «من صام يوماً في سبيل الله ، باعد الله تعالى وجهه عن النار سبعين خريفاً» وفي الحديث المتقدم: «كل عمل ابن آدم له، إلا الصوم فإنه لي، وأنا أجزي به» .\rوأيام صوم التطوع بالاتفاق ما يلي:\r1 - صوم يوم وإفطار يوم: أفضل صوم التطوع صيام يوم، وإفطار يوم، لخبر الصحيحين: «أفضل الصيام صوم داود، كان يصوم يوماً، ويفطر يوماً» وفيه «لاأفضل من ذلك» (1) .\r2 - صوم ثلاثةأيام من كل شهر، والأفضل أن تكون الأيام البيض أي أيام الليالي البيض، وهي الثالث عشر، والرابع عشر، والخامس عشر، وسميت بيضاً لابيضاضها ليلاً بالقمر، نهاراً بالشمس، وأجرها كصوم الدهر، بتضعيف الأجر، الحسنة بعشر أمثالها من غير حصول المضرة أو المفسدة التي في صيام الدهر. ودليلها ما روى أبو ذر أن النبي صلّى الله عليه وسلم قال له: «إذا صمت من الشهر ثلاثة أيام، فصم ثالث عشرة، ورابع عشرة، وخامس عشرة» (2) وروي «أن النبي صلّى الله عليه وسلم كان يصوم عدة ثلاثة أيام من كل شهر» (3) .\r-------------------------------\r(1) متفق عليه من حديث عبد الله بن عمرو، ولفظه: «صم يوماً وأفطر يوماً، فذلك صيام داود، وهو أفضل الصيام، قلت: فإني أطيق أفضل من ذلك، فقال: لا أفضل من ذلك» (نيل الأوطار: 254/4).\r(2) رواه الترمذي وحسنه، والنسائي وابن حبان في صحيحه، وأحمد (نيل الأوطار: 252/4 ومابعدها، سبل السلام: 168/2).\r(3) رواه أصحاب السنن وصححه ابن خزيمة من حديث ابن مسعود، وأخرج مسلم من حديث عائشة «كان رسول الله صلّى الله عليه وسلم يصوم من كل شهر ثلاثة أيام، ما يبالي في أي الشهر صام» (سبل السلام: 168/2).","part":3,"page":23},{"id":1416,"text":"3 - صوم يوم الاثنين والخميس من كل أسبوع، لقول أسامة بن زيد إن النبي صلّى الله عليه وسلم كان يصوم يوم الاثنين والخميس، فسئل عن ذلك فقال: «إن أعمال الناس تعرض يوم الاثنين ويوم الخميس» (1) ، وفي لفظ: «وأحب أن يُعْرَض عملي وأنا صائم» .\r4 - صوم ستة أيام من شوال، ولو متفرقة، ولكن تتابعها أفضل عقب العيد مبادرة إلى العبادة، ويحصل له ثوابها ولو صام قضاء أو نذراً أو غير ذلك، فمن صامها بعد أن صام رمضان، فكأنما صام الدهر فرضاً، لما روى أبو أيوب «من صام رمضان، ثم أتبعه ستاً من شوال، فذاك صيام الدهر» (2) وروى ثوبان: «صيام شهر بعشرة أشهر، وصيام ستة أيام بشهرين، فذلك سنة» (3) يعني أن الحسنة بعشر أمثالها، الشهر بعشرة أشهر، والستة بستين، فذلك سنة كاملة.\r5 - صوم يوم عرفة: هو تاسع ذي الحجة لغير الحاج، لخبر مسلم: «صيام يوم عرفة أحتسب على الله أنه يكفر السنة التي قبلها، والسنة التي بعده» وهو أفضل الأيام لخبر مسلم: «ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه من النار من يوم عرفة» ، وأما قوله صلّى الله عليه وسلم : «خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة» فمحمول على غير يوم عرفة بقرينة ما ذكر (4) .\rأما الحاج فلا يسن له صوم يوم عرفة، بل يسن له فطره وإن كان قوياً، ليقوى على الدعاء، واتباعاً للسنة، كما روى الشيخان، فصومه له خلاف الأولى، قال\r-------------------------------\r(1) رواه أبو داود.\r(2) رواه الجماعة إلا البخاري والنسائي، ورواه أحمد من حديث جابر (نيل الأوطار: 237/4).\r(3) رواه سعيد بن منصور بإسناده عن ثوبان.\r(4) قيل: المكفر الصغائر دون الكبائر، ورد عليه: وهذا تحكم يحتاج إلى دليل، والحديث عام، وفضل الله واسع لا يحجر.","part":3,"page":24},{"id":1417,"text":"أبو هريرة رضي الله عنه: «نهى رسول الله صلّى الله عليه وسلم عن صوم يوم عرفة بعرفات» (1) . ولا بأس بصومه للحاج عند الحنفية إذا لم يضعفه الصوم.\r6 - صوم الأيام الثمانية من ذي الحجة قبل يوم عرفة للحاج وغيره، لقول حفصة: «أربع لم يكن يدعُهنَّ رسول الله صلّى الله عليه وسلم : صيام عاشوراء، والعشر، وثلاثة أيام من كل شهر، والركعتين قبل الغداة» (2) وقد تقدم في بحث «صلاة العيدين» أحاديث تدل على فضيلة العمل في عشر ذي الحجة عموماً، والصوم مندرج تحتها.\r7 - صوم تاسوعاء وعاشوراء: وهما التاسع والعاشر من شهر المحرم، ويسن الجمع بينهما، لحديث ابن عباس مرفوعاً: «لئن بقيت إلى قابل لأصومن التاسع والعاشر» (3) ويتأكد صيام عاشوراء لقوله صلّى الله عليه وسلم فيه: «أحتسب على الله تعالى أن يكفر السنة التي قبله» (4) ، وإنما لم يجب صومه لخبر الصحيحين: «إن هذا اليوم يوم عاشوراء، ولم يكتب عليكم صيامه، فمن شاء فليصم، ومن شاء فليفطر» وحملوا الأخبار الواردة بالأمر بصومه على تأكد الاستحباب.\rوالحكمة من صيام عاشوراء: ما بينه ابن عباس، قائلاً: «قدم النبي صلّى الله عليه وسلم ،\r-------------------------------\r(1) رواه أحمد وابن ماجه (نيل الأوطار: 239/4).\r(2) رواه أحمد وأبو داود والنسائي (نيل الأوطار: 238/4).\r(3) رواه الخلال بإسناد جيد، واحتج به أحمد، وروى مسلم: «لئن بقيت إلى قابل لأصومن اليوم التاسع» .\r(4) روى الجماعة إلا البخاري والترمذي عن أبي قتادة قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم : «صوم يوم عرفة يكفر سنتين ماضية ومستقبلة، وصوم يوم عاشوراء يكفر سنة ماضية» وحكمة التفرقة: أن عرفة يوم محمدي: يعني أن صومه مختص بأمة محمد صلّى الله عليه وسلم ، وعاشوراء يوم موسوي، ونبينا محمد صلّى الله عليه وسلم أفضل الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين (نيل الأوطار: 238/4)، وأحتسب: أطلب الأجر والثواب.","part":3,"page":25},{"id":1418,"text":"فرأى اليهود تصوم عاشوراء، فقال: ما هذا؟ قالوا: يومٌ صالح، نجَّى الله فيه موسى وبني إسرائيل من عدوهم، فصامه موسى، فقال: أنا أحق بموسى منكم، فصامه، وأمر بصيامه» (1) .\rفإن لم يصم مع عاشوراء تاسوعاء، سن عند الشافعية أن يصوم معه الحادي عشر، بل نص الشافعي في الأم والإملاء على استحباب صوم الثلاثة. وذكر الحنابلة أنه إن اشتبه على المسلم أول الشهر، صام ثلاثة أيام، ليتيقن صومها. وتاسوعاء وعاشوراء آكد شهر الله المحرم.\rولا يكره عند الجمهور غير إفراد العاشر بالصوم.\r8 - صيام الأشهر الحرم ـ وهي أربع: ثلاثة متوالية؛ وهي ذو القعدة وذو الحجة والمحرَّم، وواحد منفرد وهو رجب، وهي أفضل الشهور للصوم بعد رمضان، وأفضل الأشهر الحرم: المحرم، ثم رجب، ثم باقي الحرم، ثم بعد الحرم شعبان.\rواستحباب صوم هذه الأشهر هو عند المالكية والشافعية (2) ، واكتفى الحنابلة باستحباب صوم المحرم، فهو عندهم أفضل الصيام بعد صيام شهر رمضان، لقوله صلّى الله عليه وسلم : «أفضل الصلاة بعد المكتوبة جوف الليل، وأفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرَّم» (3) ، وأفضل المحرم يوم عاشوراء، كما تقدم. وقال الحنفية: المندوب في الأشهر الحرم أن يصوم ثلاثة أيام من كل منها، وهي الخميس والجمعة والسبت.\r-------------------------------\r(1) متفق عليه (نيل الأوطار: 241/4).\r(2) القوانين الفقهية: ص 114، الحضرمية: ص 118.\r(3) رواه مسلم وغيره من حديث أبي هريرة.","part":3,"page":26},{"id":1419,"text":"9 - صوم شعبان: لحديث أم سلمة: أن النبي صلّى الله عليه وسلم لم يكن يصوم من السنة شهراً تاماً إلا شعبان يصل به رمضان (1) ، وعن عائشة قالت: «لم يكن النبي صلّى الله عليه وسلم يصوم أكثر من شعبان، فإنه كان يصومه كله» (2) وكره قوم صوم النصف الآخر من شعبان، وقال الشافعية: لا يصح صومه، للحديث المتقدم: «إذا انتصف شعبان فلا تصوموا» .\rآراء المذاهب في الصوم المندوب:\rللفقهاء تصنيفات لأيام الصوم المتطوع بها، هي ما يأتي:\rقال الحنفية (3) : صوم التطوع أنواع ثلاثة: مسنون، ومندوب، ونفل: والمسنون: هو ما واظب عليه النبي صلّى الله عليه وسلم ، والمندوب أو المستحب: هو مالم يواظب عليه صلّى الله عليه وسلم ، وإن لم يفعله بعدما رغب إليه. والنفل: ما سوى ذلك وهو ما رغب فيه الشرع من مطلق الصوم.\rأما المسنون: فهو صوم عاشوراء مع التاسع.\rوأما المندوب: فهو صوم ثلاثة أيام من كل شهر، ويندب كونها الأيام البيض: وهي الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر، وصوم الاثنين والخميس، وصوم ست من شوال ولا يكره التتابع على المختار، وكل صوم ثبت طلبه والوعد عليه بالسنة كصوم داود عليه السلام. ومنه صوم يوم الجمعة ولو منفرداً، فلا بأس بصيامه عند أبي حنيفة ومحمد، لما روي عن ابن عباس أنه كان يصومه ولا يفطر.\rومنه صوم يوم عرفة، ولو لحاج لم يضعفه عن الوقوف بعرفات، ولا يخل بالدعوات، فلو أضعفه كره.\rوأما النفل: فهو ما سوى ذلك مما لم يثبت كراهيته.\rوذكر الحنفية تصنيفاً آخر، فقالوا:\r-------------------------------\r(1) رواه الخمسة (أحمد وأصحاب السنن) ولفظ ابن ماجه، «كان يصوم شهري شعبان ورمضان» (نيل الأوطار: 245/4).\r(2) متفق عليه (المصدر والمكان السابق).\r(3) الدر المختار ورد المحتار: 113/2-116، 171، مراقي الفلاح: ص 105 ومابعدها.","part":3,"page":27},{"id":1420,"text":"أنواع الصوم اللازم ثلاثة عشر: سبعة متتابعة: وهي رمضان، وكفارة ظهار وقتل، ويمين، وإفطار رمضان بلا عذر، ونذر معين، وصوم اعتكاف واجب، وستة يخير فيها بين التتابع والتفريق وهي: صوم النفل، وقضاء رمضان، وصوم القران والتمتع في الحج إذا عجز عن الذبح، وفدية حلق، وجزاء صيد، ونذر مطلق عن التقييد بشهر كذا وعن التتابع أو نيته.\rوقال المالكية (1) : التطوع ثلاثة أنواع: سنة ومستحب ونافلة، فهم كالحنفية.\rفالسنة: صيام يوم عاشوراء: وهو عاشر المحرم.\rوالمستحب: صيام الأشهر الحرم وشعبان والعشر الأول من ذي الحجة، ويوم عرفة، وستة أيام من شوال، وثلاثة أيام من كل شهر، ويوم الاثنين والخميس.\rوالنافلة: كل صوم لغير وقت ولا سبب في غير الأيام التي يجب أو يمنع.\rوذكر الشافعية (2) : أن صوم التطوع المؤكد قسمان: قسم لا يتكرر كصوم الدهر. وقسم يتكرر، وهو أنواع ثلاثة:\rالأول ـ ما يتكرر بتكرر السنين: وهو صوم يوم عرفة لغير الحاج والمسافر، وعشر ذي الحجة، وعاشوراء وتاسوعاء، والحادي عشر من المحرم، وست من شوال ويسن تواليها واتصالها بالعيد. وسن صوم الأشهر الحرم (وهي ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب) وكذا يسن صوم شعبان.\rالثاني ـ مايتكرر بتكرر الشهور: وهي الأيام البيض: وهي الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر من كل شهر، والأيام السود: وهي الثامن والعشرون وتالياه، وعند نقص الشهر يعوض عنه أول الشهر، ويسن أن يصوم معها السابع والعشرين احتياطاً.\rوخصت أيام البيض وأيام السود بذلك لتعميم ليالي الأولى بالنور والثانية بالسواد، فناسب صوم الأولى شكراً، والثانية لطلب كشف السواد، ولأن الشهر ضيف قد أشرف على الرحيل، فناسب تزويده بذلك.\rالثالث ـ ما يتكرر بتكرر الأسابيع: وهو الاثنين والخميس.\r-------------------------------\r(1) القوانين الفقهية: ص 114، بداية المجتهد: 298/1-118.\r(2) مغني المحتاج: 446/1 ومابعدها، الحضرمية: ص 118.","part":3,"page":28},{"id":1421,"text":"وسرد الحنابلة (1) أوقات صوم التطوع فقالوا:\rأفضل صوم التطوع يوم ويوم، ولا يكره صوم الدهر إلا لخائف ضرراً أو فوت حق. وسن ثلاثة من كل شهر، وكونها أيام البيض أفضل: وهي الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر،\rوذلك كصيام الدهر، فإن الحسنة بعشر أمثالها.\rويسن صوم الاثنين والخميس، وستة من شوال، والأولى تتابعها وعقب العيد، إلا لمانع كقضاء، ومن صامها مع رمضان، كأنما صام الدهر.\r-------------------------------\r(1) كشاف القناع: 393/2 - 396، غاية المنتهى: 334/1 ومابعدها.","part":3,"page":29},{"id":1422,"text":"ويسن صوم المُحرَّم، وهو أفضل الصيام بعد رمضان، وآكده عاشوراء وهو كفارة سنة (1) ، ثم تاسوعاء، ولا يكره إفراد العاشر بالصوم. ويسن صوم أيام عشر ذي الحجة، وهي أفضل من العشر الأخير من رمضان، وآكده يوم عرفة، وهو كفارة سنتين، والمراد كفارة الصغائر، فإن لم تكن رُجي تخفيف الكبائر، فإن لم تكن فرفع درجات.\rولا يستحب صيام يوم عرفة لمن كان بعرفة من الحاج، بل فطره أفضل، لما روت أم الفضل بنت الحارث «أنها أرسلت إلى النبي صلّى الله عليه وسلم بقدح لبن، وهو واقف على بعيره بعرفة، فشرب» (2) ، وأخبر ابن عمر أنه «حج مع النبي صلّى الله عليه وسلم ، ثم أبي بكر، ثم عمر، ثم عثمان، فلم يصمه أحد منهم» ولأنه يُضعف عن الدعاء، فكان تركه أفضل.\rويكره إفراد رجب بالصوم، لما تقدم سابقاً في الصوم المكروه. ولا يكره إفراد شهر غير رجب بالصوم؛ لأنه صلّى الله عليه وسلم «كان يصوم شعبان ورمضان» أي أحياناً، إذ لم يداوم على غير رمضان.\rهل يلزم التطوع بالشروع فيه؟\rللفقهاء نظريتان في هذا الموضوع، الأولى للحنفية والمالكية، والثانية للشافعية والحنابلة:\r-------------------------------\r(1) وينبغي فيه التوسعة على العيال، قال إبراهيم بن محمد بن المنتشر، وكان أفضل أهل زمانه، أنه بلغه «من وسع على عياله يوم عاشوراء، وسَّع الله عليه سائر سنته» .\r(2) متفق عليه.","part":3,"page":30},{"id":1423,"text":"قال الفريق الأول (1) : من دخل في صوم التطوع أو في صلاة التطوع، لزمه إتمامه، فإن أفسده قضاه وجوباً، كما أنه إذا سافر عمداً فأفطر لسفره، فعليه القضاء، لأن المؤدى قربة وعمل صار لله تعالى، فتجب صيانته بالمضي فيه عن الإبطال، ولا سبيل إلى صيانة ما أداه إلا بلزوم الباقي، وإذا وجب المضي وجب القضاء، ولأن الوفاء بالعقد مع الله واجب، وحله حرام في كل عبادة يتوقف أولها على آخرها، لقوله تعالى: {ولا تبطلوا أعمالكم} [محمد:33/47] وقال مالك: لا ينبغي أن يفطر من صام متطوعاً، إلا من ضرورة، وبلغني أن ابن عمر قال: من صام متطوعاً، ثم أفطر من غير ضرورة، فذلك الذي يلعب بدينه، وقياساً على النذر، فإن النفل ينقلب واجباً بالنذر، ويجب أداؤه، لكن ذكر الحنفية أنه إذا شرع متطوعاً في خمسة أيام: يومي العيدين وأيام التشريق، فلا يلزمه قضاؤها في ظاهر الرواية.\rوقال الفريق الثاني (2) : من دخل في تطوع غير حج وعمرة كأن شرع في صوم أو صلاة أو اعتكاف أو طواف أو وضوء أو قراءة سورة الكهف ليلة الجمعة أو يومها، أو التسبيحات عقب الصلاة، فلا يلزمه إتمامه، وله قطعه، ولا قضاء عليه، ولا مؤاخذة في قطعه لكن يستحب له إتمامه، لأنه تكميل العبادة، وهو مطلوب، ويكره الخروج منه بلا عذر، لظاهر قوله تعالى: {ولا تبطلوا أعمالكم} [محمد:33/47] وللخروج من خلاف من أوجب إتمامه، ولما فيه من تفويت الأجر.\rفإن وجد عذر كمساعدة ضيف في الأكل إذا عز عليه امتناع مضيفه منه، أو عكسه، فلا يكره الخروج منه، بل يستحب لخبر: «وإن لزَوْرك عليك حقاً» والزور: الزائرون، وخبر «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فليكرم ضيفه» (3) .\rودليلهم على عدم لزوم النفل بالشروع فيه في الصوم: قوله صلّى الله عليه وسلم : «الصائم المتطوع أمير نفسه، إن شاء صام، وإن شاء أفطر» (4) وتقاس الصلاة وبقية النوافل غير الحج والعمرة على الصوم، ولأن أصل مشروعية النفل غير لازم، والقضاء يتبع المقضي عنه، فإذا لم يكن واجباً، لم يكن القضاء واجباً، بل يستحب، وروي جواز قطع صوم التطوع عن ابن عمر وابن عباس وابن مسعود.\rأما التطوع بالحج أو العمرة فيحرم قطعه، لمخالفته غيره في لزوم الإتمام، والكفارة بالجماع، لأن الوصول إليهما لا يحصل في الغالب إلا بعد كلفة عظيمة، ومشقة شديدة، وإنفاق مال كثير، ففي إبطالهما تضييع لماله، وإبطال لأعماله الكثيرة.\rالمبحث الثالث ـ متى يجب الصوم، وكيفية إثبات هلال الشهر واختلاف المطالع؟:\rوفيه مطالب ثلاثة:\rالمطلب الأول ـ متى يجب الصوم؟\rيجب الصوم بأحد أمور ثلاثة (5) .\rالأول ـ النذر: بأن ينذر المرء صوم يوم أو شهر تقرباً إلى الله تعالى، فيجب عليه بإيجابه على نفسه، ويكون سبب صوم المنذور هو النذر، فلو عين شهراً أو يوماً، وصام شهراً أو يوماً قبله عنه، أجزأه، لوجود السبب، ويلغو التعيين.\r-------------------------------\r(1) اللباب شرح الكتاب: 171/1 ومابعدها، فتح القدير: 85/2، 105، الدر المختار: 164/2، شرح الرسالة لابن أبي زيد القيرواني: 296/1، فواتح الرحموت: 114/1، كشف الأسرار: 632/1.\r(2) مغني المحتاج: 437/1، 448، كشاف القناع: 400/2، المغني: 151/3 ومابعدها، شرح المحلي على جمع الجوامع: 69/1، غاية الوصول للأنصاري: ص 12، أصول الفقه الإسلامي للمؤلف، 1ص 79 ومابعدها، ط ثانية بدار الفكر.\r(3) رواهما الشيخان.\r(4) رواه أحمد وصححه من حديث أم هانئ، وقال الحاكم: صحيح الإسناد، وضعفه البخاري.\r(5) الدر المختار ورد المحتار: 111/2، مغني المحتاج: 420/1، الشرح الكبير: 509/1، كشاف القناع: 349/2.","part":3,"page":31},{"id":1424,"text":"الثاني ـ الكفارات: عن معصية ارتكبها المرء، كالقتل الخطأ، وحنث اليمين، وإفطار رمضان بالجماع نهاراً، والظهار، ويكون سبب الصوم هو القتل أو الحنث أو الإفطار، أو المظاهرة.\rالثالث ـ شهود جزء من شهر رمضان من ليل أو نهار على المختار عند الحنفية، فيكون السبب شهود الشهر.\rويجب صوم رمضان: إما برؤية هلاله إذا كانت السماء صحواً، أو بإكمال شعبان ثلاثين يوماً إذا وجد غيم أوغبار ونحوهما، لقوله تعالى: {فمن شهد منكم الشهر فليصمه} [البقرة:185/2] وقوله صلّى الله عليه وسلم : «صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإن غمّ عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين» (1) وفي لفظ البخاري: «الشهر تسع وعشرون ليلة، فلا تصوموا حتى تروه، فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين» وفي لفظ لمسلم: «أنه ذكر رمضان، فضرب بيده، فقال: الشهر هكذا وهكذا وهكذا، ثم عقد إبهامه في الثالثة، صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم فاقدُروا ثلاثين» وقد يقع نقص الشهر أي تسعة وعشرين يوماً مدة شهرين أو ثلاثة أو أربعة فقط، كما في شرح مسلم للنووي، ولا تثبت بقية توابع رمضان كصلاة التراويح ووجوب الإمساك على من أصبح مفطراً إلا برؤية الهلال، أو إكمال شعبان ثلاثين يوماً.\r-------------------------------\r(1) رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة، ورواه البخاري عن ابن عمر، ورواه مسلم والنسائي وابن ماجه عن ابن عمر أيضاً بلفظ آخر، ورواه أحمد والنسائي عن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب، ورواه أحمد والنسائي والترمذي بمعناه وصححه عن ابن عباس، وروي عن آخرين (نيل الأوطار: 188/4-192).","part":3,"page":32},{"id":1425,"text":"المطلب الثاني ـ كيفية إثبات هلال رمضان وهلال شوال:\rتتردد أقوال الفقهاء في طريق إثبات هلال رمضان وشوال بين اتجاهات ثلاثة: رؤية جمع عظيم، ورؤية مسلمين عدلين، ورؤية رجل عدل واحد.\rأما الحنفية (1) فقالوا:\rأ ـ إذا كانت السماء صحواً: فلا بد من رؤية جمع عظيم لإثبات رمضان، والفطر أو العيد، ومقدار الجمع: من يقع العلم الشرعي (أي غلبة الظن) بخبرهم، وتقديرهم مفوض إلى رأي الإمام في الأصح؛ واشتراط الجمع لأن المَطْلع متحد في ذلك المحل، والموانع منتفية، والأبصار سليمة، والهمم في طلب الهلال مستقيمة، فالتفرد في الرؤية من بين الجم الغفير ـ مع ذلك ـ ظاهر في غلط الرأي.\rولا بد من أن يقول الواحد منهم في الإدلاء بشهادته: «أشهد» .\rب ـ وأما إذا لم تكن السماء صحواً بسبب غيم أو غبار ونحوه، فيكتفي الإمام في رؤية الهلال بشهادة مسلم واحد عدل عاقل بالغ، (والعدل: هو الذي غلبت حسناته سيئاته) أو مستور الحال في الصحيح، رجلاً كان أو امرأة، حراً أم غيره، لأنه أمر ديني، فأشبه رواية الأخبار. ولا يشترط في هذه الحالة أن يقول: «أشهد» وتكون الشهادة في مصر أمام القاضي، وفي القرية في المسجد بين الناس.\rوتجوز الشهادة على الشهادة، فتصح الشهادة أمام القاضي بناء على شهادة شخص آخر رأى الهلال.\rومن رأى الهلال وحده، صام، وإن لم يقبل الإمام شهادته، فلوأفطر وجب عليه القضاء دون الكفارة.\rولا يعتمد على ما يخبر به أهل الميقات والحساب والتنجيم، لمخالفته شريعة نبينا عليه أفضل الصلاة والتسليم؛ لأنه وإن صح الحساب أو الرصد، فلسنا مكلفين شرعاً إلا بالرؤية العادية.\r-------------------------------\r(1) رسائل ابن عابدين: 253/1، الدر المختار: 123/2-130، مراقي الفلاح: ص108 ومابعدها، اللباب: 164/1.","part":3,"page":33},{"id":1426,"text":"وقال المالكية (1) : يثبت هلال رمضان بالرؤية على أوجه ثلاثة هي ما يأتي:\r1ً - أن يراه جماعة كثيرة وإن لم يكونوا عدولاً: وهم كل عدد يؤمن في العادة تواطؤهم على الكذب. ولا يشترط أن يكونوا ذكوراً أحراراً عدولاً.\r2ً - أن يراه عَدْلان فأكثر: فيثبت بهما الصوم والفطر في حالة الغيم أو الصحو. والعدل: هو الذكر الحر البالغ العاقل الذي لم يرتكب معصية كبيرة ولم يصر على معصية صغيرة، ولم يفعل ما يخل بالمروءة. فلا يجب الصوم في حالة الغيم برؤية عدل واحد أو امرأة أو امرأتين على المشهور، ويجب الصوم قطعاً على الرائي في حق نفسه. وتجوز الشهادة بناء على شهادة العدلين إذا نقل الخبر عن كل واحد اثنان، ولا يكفي نقل واحد. ولا يشترط في إخبار العدلين أو غيرهم لفظ «أشهد» .\r3ً - أن يراه شاهد واحد عدل: فيثبت الصوم والفطر له في حق العمل بنفسه أو في حق من أخبره ممن لا يعتني بأمر الهلال، ولا يجب على من يعتني بأمر الهلال الصوم برؤيته، ولا يجوز الإفطار بها، فلا يجوز للحاكم أن يحكم بثبوت الهلال برؤية عدل فقط. ولا يشترط في الواحد الذكورة ولا الحرية. فإن كان الإمام هو الرائي وجب الصوم والإفطار.\rويجب على العدل أو العدلين رفع الأمر للحاكم أنه رأى الهلال ليفتح باب الشهادة، ولأنه قد يكون الحاكم ممن يرى الثبوت بعدل.\rأما هلال شوال: فيثبت برؤية الجماعة الكثيرة التي يؤمن تواطؤها على الكذب ويفيد خبرها العلم أو برؤية العدلين كما هو الشأن في إثبات هلال رمضان.\rولا يثبت الهلال بقول منجّم أي حاسب يحسب سير القمر، لا في حق نفسه ولا غيره؛ لأن الشارع أناط الصوم والفطر والحج برؤية الهلال، لا بوجوده إن فرض صحة قوله، فالعمل بالمراصد الفلكية وإن كانت صحيحة لا يجوز، ولايطلب شرعاً، كما تقدم.\r-------------------------------\r(1) القوانين الفقهية: ص115 ومابعدها، الشرح الصغير: 682/1 ومابعدها، الشرح الكبير: 509/1 ومابعدها.","part":3,"page":34},{"id":1427,"text":"وقال الشافعية (1) : تثبت رؤية الهلال لرمضان أو شوال أو غيرهما بالنسبة إلى عموم الناس برؤية شخص عدل، ولو مستور الحال، سواء أكانت السماء مصحية أم لا، بشرط أن يكون الرائي عدلاً مسلماً بالغاً عاقلاً حراً ذكراً، وأن يأتي بلفظ «أشهد» فلا تثبت برؤية الفاسق والصبي والمجنون والعبد والمرأة. ودليلهم: أن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما رأى الهلال، فأخبر رسول الله صلّى الله عليه وسلم بذلك، فصام وأمر الناس بصيامه (2) . وعن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: «جاء أعرابي إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلم فقال: إني رأيت هلال رمضان، فقال: أتشهد أن لا إله إلا الله ؟ قال: نعم، قال: تشهد أن محمداً رسول الله ؟ قال: نعم، قال: يا بلال، أذن في الناس، فليصوموا غداً» (3) والمعنى في ثبوته بالواحد الاحتياط للصوم.\rأما الرائي نفسه فيجب عليه الصوم، ولو لم يكن عدلاً (أي فاسقاً) أو كان صبياً أو امرأة أو كافراً، أو لم يشهد عند القاضي، أو شهد ولم تسمع شهادته، كما يجب الصوم على من صدقه ووثق بشهادته.\rوإذا صمنا برؤية عدل، ولم نر الهلال ثلاثين،أفطرنا في الأصح، وإن كانت السماء صحواً، لكمال العدد بحجة شرعية.\r-------------------------------\r(1) المهذب: 179/1، مغني المحتاج: 420/1-422.\r(2) رواه أبو داود وصححه ابن حبان، ورواه الحاكم وقال: على شرط مسلم.\r(3) صححه ابن حبان والحاكم ورواه أبو داود والترمذي.","part":3,"page":35},{"id":1428,"text":"وقال الحنابلة (1) : يقبل في إثبات هلال رمضان قول مكلف عدل واحد ظاهراً وباطناً ذكراً أو أنثى حراً أو عبداً، ولو لم يقل: أشهد أو شهدت أني رأيته، فلا يقبل قول مميز ولا مستور الحال لعدم الثقة بقوله في الغيم والصحو، ولو كان الرائي في جمع كثير ولم يره منهم غيره. ودليلهم الحديث المتقدم أنه صلّى الله عليه وسلم صوَّم الناس بقول ابن عمر، ولقبوله خبر الأعرابي السابق به، ولأنه خبر ديني وهو أحوط، ولا تهمة فيه، بخلاف آخر الشهر، ولاختلاف حال الرائي والمرئي، فلو حكم حاكم بشهادة واحد، عمل بها وجوباً. ولا يعتبر لوجوب الصوم لفظ الشهادة، ولايختص بحاكم، فيلزم الصوم من سمعه من عدل. ولا يجب على من رأى الهلال إخبار الناس أو أن يذهب إلى القاضي أو إلى المسجد. ويجب الصوم على من ردت شهادته لفسق أو غيره، لعموم الحديث: «صوموا لرؤيته» ولا يفطر إلا مع الناس؛ لأن الفطر لا يباح إلا بشهادة عدلين. وإن رأى هلال شوال وحده لم يفطر لحديث أبي هريرة يرفعه قال: «الفطر يوم يفطرون، والأضحى يوم يضحون» (2) ولاحتمال خطئه وتهمته، فوجب الاحتياط. وتثبت بقية الأحكام إذا ثبتت رؤية هلال رمضان بواحد من وقوع الطلاق المعلق به، وحلول آجال الديون المؤجلة إليه، وغيرها كانقضاء العدة والخيار المشروط ومدة الإيلاء ونحوها تبعاً للصوم.\rولا يجب الصوم - كما تقدم - بالحساب والنجوم ولو كثرت إصابتها، لعدم استناده لما يعول عليه شرعاً.\rولا يقبل في إثبات بقية الشهور كشوال (من أجل العيد) وغيره إلا رجلان عدلان، بلفظ الشهادة؛ لأن ذلك مما يطلع عليه الرجال غالباً، وليس بمال ولا يقصد به المال.\r-------------------------------\r(1) كشاف القناع: 352/2-358، المغني: 156/3-163.\r(2) رواه الترمذي، وقال: حسن صحيح غريب.","part":3,"page":36},{"id":1429,"text":"وإنما ترك ذلك في إثبات رمضان احتياطاً للعبادة.وإذا صام الناس بشهادة اثنين: ثلاثين يوماً، فلم يروا الهلال، أفطروا، سواء في حال الغيم أو الصحو، لحديث عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب السابق أن النبي صلّى الله عليه وسلم : «وإن شهد شاهدان فصوموا وأفطروا» (1) .\rولا يفطروا إن صاموا الثلاثين يوماً بشهادة واحد، لأنه فطر، فلا يجوز أن يستند إلى واحد، كما لو شهد بهلال شوال.\rوإن صاموا ثمانية وعشرين يوماً، ثم رأوا الهلال، قضوا يوماً فقط. وإن صاموا لأجل غيم ونحوه كقَتر ودخان، لم يفطروا؛ لأن الصوم إنما كان احتياطاً، فمع موافقته،للأصل: وهو بقاء رمضان، أولى. وإن رأى هلال شوال عدلان، ولم يشهدا عند الحاكم، جاز لمن سمع شهادتهما الفطر إذا عرف عدالتهما، وجاز لكل واحد منهما أن يفطر بقولهما إذا عرف عدالة الآخر، لقوله صلّى الله عليه وسلم : «فإن شهد شاهدان فصوموا وأفطروا» فإن لم يعرف أحدهما عدالة الآخر، لم يجز له الفطر لاحتمال فسقه إلا أن يحكم بذلك حاكم، فيزول اللبس.\rوإن شهد شاهدان عند الحاكم برؤية هلال شوال: فإن رد الحاكم شهادتهما، لجهله بحالهما، فلمن علم عدالتهما الفطر؛ لأن رده ههنا ليس بحكم منه بعدم قبول شهادتهما، إنما هو توقف لعدم علمه بحالهما، فهو كالتوقف عن الحكم انتظاراً للبينة، فلو ثبتت عدالتهما بعد ذلك ممن زكاهما حكم بها، لوجود المقتضي، وأما إن رد الحاكم شهادتهما لفسقهما، فليس لهما ولا لغيرهما الفطر بشهادتهما.\r-------------------------------\r(1) رواه النسائي وأحمد.","part":3,"page":37},{"id":1430,"text":"وإذا اشتبهت الأشهر على أسير أو سجين أو من بمفازة أو بدار حرب ونحوهم، اجتهد وتحرى في معرفة شهر رمضان وجوباً؛ لأنه أمكنه تأدية فرضه بالاجتهاد، فلزمه كاستقبال القبلة، فإن وافق ذلك شهر رمضان أو ما بعد رمضان، أجزأه. وإن تبين أن الشهر الذي صامه ناقص، ورمضان الذي فاته كامل تمام، لزمه قضاء النقص؛ لأن القضاء يجب أن يكون بعدد المتروك. وإن وافق صومه شهراً قبل رمضان كشعبان لم يجزئه؛ لأنه أتى بالعبادة قبل وقتها، فلم يجزئه، كالصلاة، فلو وافق بعضه رمضان، فما وافقه أوبعده، أجزأه، دون ما قبله.\rوإن صام من اشتبهت عليه الأشهر، بلا اجتهاد، فكمن خفيت عليه القبلة، لا يجزيه مع القدرة على الاجتهاد.\rوالخلاصة: إن الحنفية يشترطون لإثبات هلال رمضان وشوال رؤية جمع عظيم إذا كانت السماء صحواً، وتكفي رؤية العدل الواحد في حال الغيم ونحوه. ولا بد عند المالكية من رؤية عدلين أو أكثر، وتكفي رؤية العدل الواحد عندهم في حق من لا يهتم بأمر الهلال.\rوتكفي رؤية عدل واحد عند الشافعية والحنابلة، ولو مستور الحال عند الشافعية، ولا يكفي المستور عند الحنابلة، كما لا بد عند الحنابلة والمالكية من رؤية هلال شوال من عدلين لإثبات العيد.\rوتقبل شهادة المرأة عند الحنفية والحنابلة، ولا تقبل عند المالكية والشافعية.\rطلب رؤية الهلال: قال الحنفية (1) : يجب للناس أن يلتمسوا الهلال في اليوم التاسع والعشرين من شعبان، وكذا هلال شوال لأجل إكمال العدة، فإن رأوه صاموا، وإن غم عليهم، أكملوا عدة شعبان ثلاثين يوماً، ثم صاموا؛ لأن الأصل بقاء الشهر، فلا ينتقل عنه إلا بدليل، ولم يوجد.\r-------------------------------\r(1) اللباب شرح الكتاب: 163/1.","part":3,"page":38},{"id":1431,"text":"وقال الحنابلة (1) : يستحب ترائي الهلال احتياطاً للصوم، وحذاراً من الاختلاف، قالت عائشة: «كان النبي صلّى الله عليه وسلم يتحفظ في شعبان ما لا يتحفظ في غيره، ثم يصوم لرؤية رمضان» (2) وروى أبو هريرة مرفوعاً: «أحصوا هلال شعبان لرمضان» (3) .\rويسن إذا رأى المرء الهلال كبَّر ثلاثاً، وقال: «اللهم أهلّه علينا باليُمن والإيمان، والأمن والأمان، ربي وربك الله » ويقول ثلاث مرات: «هلال خير ورشد» ويقول: «آمنت بالذي خلقك» ثم يقول: «الحمد لله الذي ذهب بشهر كذا، وجاء بشهر كذا» وروى الأثرم عن ابن عمر، قال: «كان النبي صلّى الله عليه وسلم إذا رأى الهلال قال: الله أكبر، اللهم أهلّه علينا بالأمن والإيمان، والسلامة والإسلام، والتوفيق لما تحب وترضى، ربي وربك الله » .\rوإذا رئي الهلال يكره عند الحنفية أن يشير الناس إليه، لأنه من عمل الجاهلية.\rالمطلب الثالث ـ اختلاف المطالع:\rاختلف الفقهاء على رأيين في وجوب الصوم وعدم وجوبه على جميع المسلمين في المشارق والمغارب في وقت واحد، بحسب القول باتفاق مطالع القمر أو اختلاف المطالع، ففي رأي الجمهور: يوحد الصوم بين المسلمين، ولا عبرة باختلاف المطالع. وفي رأي الشافعية يختلف بدء الصوم والعيد بحسب اختلاف مطالع القمر بين مسافات بعيدة. ولا عبرة في الأصح بما قاله بعض الشافعية: من ملاحظة الفرق بين البلد القريب والبعيد بحسب مسافة القصر (89 كم).\rهذا مع العلم بأن اختلاف المطالع نفسه لانزاع فيه، فهو أمر واقع بين البلاد البعيدة كاختلاف مطالع الشمس، ولا خلاف في أن للإمام الأمر بالصوم بما ثبت لديه؛ لأن حكم الحاكم يرفع الخلاف،\r-------------------------------\r(1) كشاف القناع: 349/2.\r(2) رواه الدارقطني بإسناد صحيح.\r(3) رواه الترمذي.","part":3,"page":39},{"id":1432,"text":"وأجمعوا أنه لا يراعى ذلك في البلدان النائية جداً كالأندلس والحجاز، وأندونيسيا والمغرب العربي (1) .\rوأذكر أولاً عبارات الفقهاء في هذا الموضوع المهم.\rقال الحنفية (2) : اختلاف المطالع، ورؤية الهلال نهاراً قبل الزوال وبعده غير معتبر، على ظاهر المذهب، وعليه أكثر المشايخ، وعليه الفتوى، فيلزم أهل المشرق برؤية أهل المغرب، إذا ثبت عندهم رؤية أولئك، بطريق موجب، كأن يتحمل اثنان الشهادة، أو يشهدا على حكم القاضي، أو يستفيض الخبر، بخلاف ما إذا أخبر أهل بلدة كذا رأوه؛ لأنه حكاية.\rوقال المالكية (3) : إذا رئي الهلال، عمَّ الصوم سائر البلاد، قريباً أو بعيداً، ولا يراعى في ذلك مسافة قصر، ولا اتفاق المطالع، ولا عدمها، فيجب الصوم على كل منقول إليه، إن نقل ثبوته بشهادة عدلين أو بجماعة مستفيضة، أي منتشرة.\rوقال الحنابلة (4) : إذا ثبتت رؤية الهلال بمكان، قريباً كان أو بعيداً، لزم الناس كلهم الصوم، وحكم من لم يره حكم من رآه.\rوأما الشافعية فقالوارين فرسخاً (5) : إذا رئي الهلال ببلد لزم حكمه البلد القريب لا البعيد، بحسب اختلاف المطالع في الأصح، واختلاف المطالع لا يكون في أقل من أربعة وعشرين فرسخاً (6) .\rوإذا لم نوجب على البلد الآخر وهو البعيد، فسافر إليه من بلد الرؤية من صام به، فالأصح أنه يوافقهم وجوباً في الصوم آخراً، وإن كان قد أتم ثلاثين؛ لأنه بالانتقال إلى بلدهم، صار واحداً منهم، فيلزمه حكمهم، وروي أن ابن عباس أمر كُرَيْباً بذلك كما سيأتي.\r-------------------------------\r(1) رد المحتار لابن عابدين: 131/2، مجموعة رسائل ابن عابدين: 253/1، تفسير القرطبي: 296/2، فتح الباري: 87/4، المجموع: 300/6، بداية المجتهد: 278/1، القوانين الفقهية: ص116.\r(2) الدر المختار ورد المحتار: 131/2-132، مراقي الفلاح: ص109.\r(3) الشرح الكبير: 510/1، بداية المجتهد: 278/1 ومابعدها، القوانين الفقهية: ص116.\r(4) كشاف القناع: 353/2.\r(5) المجموع: 297/6-303، مغني المحتاج: 422/1-423.\r(6) الفرسخ (5544 م) وهذه المسافة تساوي 5544×24=056،133 كم، انظر جدول المقاييس، علماً بأن مسافة القصر (89كم): هي أربعة برد أو ستة عشرة فرسخاً، والفرسخ ثلاثة أميال والميل أربعة آلاف خطوة، والخطوة: ثلاثة أقدام، والقدمان: ذراع، والذراع: أربعة وعشرون إصبعاً معترضات.","part":3,"page":40},{"id":1433,"text":"ومن سافر من البلد الآخر الذي لم ير فيه الهلال إلى بلد الرؤية، عيَّد معهم وجوباً، لأنه صار واحداً منهم، سواء أصام ثمانية وعشرين يوماً، أم تسعة وعشرين بأن كان رمضان تاماً عندهم، وقضى يوماً إن صام ثمانية وعشرين؛ لأن الشهر لا يكون كذلك.\rومن أصبح معيِّداً، فسارت سفينته أو طائرته إلى بلدة بعيدة أهلها صيام،فالأصح أن يمسك بقية اليوم وجوباً؛ لأنه صار واحداً منهم.\rالأدلة:\rأدلة الشافعية: استدلوا على اعتبار اختلاف المطالع بالسنة والقياس والمعقول:\r1ً - السنة: استدلوا بحديثين: أولهما حديث كُرَيب، وثانيهما حديث ابن عمر:\rأ - حديث كريب: أن أم الفضل بعثته إلى معاوية بالشام، فقال: فقدمتُ الشام، فقضيت حاجتها، واستُهلَّ علي رمضان ُ وأنا بالشام، فرأيت الهلال ليلة الجمعة، ثم قدمتُ المدينةفي آخر الشهر، فسألني عبد الله بن عباس، ثم ذكر الهلال، فقال: متى رأيتم الهلال؟ فقلت: رأيناه ليلة الجمعة، فقال: أنت رأيتَه؟ فقلت: نعم، ورآه الناس وصاموا، وصام معاوية، فقال: لكنا رأيناه ليلة السبت، فلا نزال نصوم حتى نُكْمِل ثلاثين أو نراه، فقلت: ألا نكتفي برؤية معاوية وصيامه؟ فقال: لا، هكذا أمَرَنا رسول الله صلّى الله عليه وسلم (1) .\rفدل على أن ابن عباس لم يأخذ برؤية أهل الشام، وأنه لا يلزم أهل بلد العمل برؤية أهل بلد آخر.\rب ـ حديث ابن عمر: أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم قال: «إنما الشهر تسع وعشرون، فلا تصوموا حتى تروه، ولا تفطروا حتى تروه، فإن غُمّ عليكم فاقدُروا له» (2) وهو يدل على أن وجوب الصوم منوط بالرؤية، لكن ليس المراد رؤية كل واحد ، بل رؤية البعض.\r-------------------------------\r(1) رواه الجماعة إلا البخاري وابن ماجه (نيل الأوطار: 194/4).\r(2) رواه مسلم وأحمد (نيل الأوطار: 189/4 وما بعدها).","part":3,"page":41},{"id":1434,"text":"2ً - القياس: قاسوا اختلاف مطالع القمر على اختلاف مطالع الشمس المنوط به اختلاف مواقيت الصلاة.\r3ً - المعقول: أناط الشرع إيجاب الصوم بولادة شهر رمضان، وبدء الشهر يختلف باختلاف البلاد وتباعدها، مما يقتضي اختلاف حكم بدء الصوم تبعاً لاختلاف البلدان.\rأدلة الجمهور: استدلوا بالسنة والقياس.\rأما السنة: فهو حديث أبي هريرة وغيره: «صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين» (1) فهو يدل على أن إيجاب الصوم على كل المسلمين معلق بمطلق الرؤية، والمطلق يجري على إطلاقه، فتكفي رؤية الجماعة أو الفرد المقبول الشهادة.\rوأما القياس: فإنهم قاسوا البلدان البعيدة على المدن القريبة من بلد الرؤية، إذ لا فرق، والتفرقة تحكُّم، لا تعتمد على دليل.\rهذا ... وقد ذكر ابن حجر في الفتح ستة أقوال في الموضوع، وقال الصنعاني: والأقرب لزوم أهل بلد الرؤية وما يتصل بها من الجهات التي على سَمْتها (2) أي على خط من خطوط الطول: وهي ما بين الشمال إلى الجنوب إذ بذلك تتحد المطالع، وتختلف المطالع بعدم التساوي في طول البلدين أو باختلاف درجات خطوط العرض.\rوقال الشوكاني: إن الحجة إنما هي في المرفوع من رواية ابن عباس، لا في\r-------------------------------\r(1) رواه البخاري ومسلم (نيل الأوطار: 191/4).\r(2) سبل السلام: 151/2.","part":3,"page":42},{"id":1435,"text":"اجتهاده الذي فهم عنه الناس، والمشار إليه بقوله: «هكذا أمرنا رسول الله صلّى الله عليه وسلم» وقوله: «فلا نزال نصوم حتى نكمل الثلاثين» .\rوالأمر الوارد في حديث ابن عمر، لا يختص بأهل ناحية على جهة الانفراد، بل هو خطاب لكل من يصلح له من المسلمين، فالاستدلال به على لزوم رؤية أهل بلد لغيرهم من أهل البلاد، أظهر من الاستدلال به على عدم اللزوم؛ لأنه إذا رآه أهل بلد، فقد رآه المسلمون، فيلزم غيرهم ما لزمهم.\rوالذي ينبغي اعتماده هو ماذهب إليه المالكية وجماعة من الزيدية واختاره المهدي منهم، وحكاه القرطبي عن شيوخه: أنه إذا رآه أهل بلد، لزم أهل البلاد كلها (1) .\rوهذا الرأي(رأي الجمهور) هو الراجح لدي توحيداً للعبادة بين المسلمين، ومنعاً من الاختلاف غير المقبول في عصرنا، ولأن إيجاب الصوم معلق بالرؤية، دون تفرقة بين الأقطار.\rوالعلوم الفلكية تؤيد توحيد أول الشهر الشرعي بين الحكومات الإسلامية، لأن أقصى مدة بين مطلع القمر في أقصى بلد إسلامي وبين مطلعه في أقصى بلد إسلامي آخر هو نحو 9 ساعات، فتكون بلاد الإسلام كلها مشتركة في أجزاء من الليل تمكنها من الصيام عند ثبوت الرؤية والتبليغ بها برقياً أو هاتفياً (2) .\rوالاحتياط هو الاكتفاء بتوحيد الأعياد في حدود البلاد العربية بدءاً من عمان في الشرق إلى المغرب الأقصى.\r-------------------------------\r(1) نيل الأوطار: 195/4.\r(2) كتاب الشيخ محمد أبو العلا البنا مدرس الفلك بكلية الشريعة بالأزهر المشار إليه في بحث الشيخ المرحوم محمد السايس، في بحوث المؤتمر الثالث لمجمع البحوث الإسلامية: ص 99 ومابعدها.","part":3,"page":43},{"id":1436,"text":"المبحث الرابع ـ شروط الصوم:\rفيه مطلبان: الأول ـ في شروط الوجوب، والثاني ـ في شروط صحة الأداء.\rالمطلب الأول ـ شروط وجوب الصوم :\rاشترط الفقهاء لوجوب الصوم شروطاً خمسة هي ما يأتي (1) :\r1 - الإسلام: شرط وجوب عند الحنفية: شرط صحة عند الجمهور، فلا يجب الصوم على الكافر، ولا يطالب بالقضاء عند الأولين، ولا يصح صوم الكافر بحال ولو مرتداً عند الآخرين، وليس عليه القضاء عندهم أيضاً. ومنشأ الخلاف: مخاطبة الكفار بفروع الشريعة، فعند الحنفية: إن الكفار غير مخاطبين بفروع الشريعة التي هي عبادات، وعند الجمهور: الكفار مخاطبون بفروع الشريعة في حال كفرهم بمعنى أنه يجب عليهم الإسلام، ثم الصوم، إذ لا يصح الصوم لأنه عبادة بدنية محضة تفتقر إلى النية، فكان من شرطه الإسلام كالصلاة، ويزاد في عقوبتهم في الآخرة بسبب ذلك؛، ولكن لا يطالبون بفعلها في حال كفرهم، فتنحصر ثمرة الخلاف في مضاعفة العذاب في الآخرة، فعند الحنفية: العذاب واحد على الكفر، وعند الجمهور يضاعف العذاب على الكفر وعلى ترك التكاليف الشرعية (2) .\rفإن أسلم الكافر في شهر رمضان، صام ما يستقبل من بقية شهره، وليس عليه قضاء ما سبق بالاتفاق، لقوله تعالى: {قل للذين كفروا: إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف} [الأنفال:38/8]، ولأن في إيجاب قضاء ما فات في حال الكفر تنفيراً عن الإسلام. والردة تمنع صحة الصوم، لقوله تعالى: {لئن أشركت ليحبطن عملك} [الزمر:65/39].\r-------------------------------\r(1) البدائع: 87/2-89، فتح القدير: 87/2-93، الدر المختار: 145/2 ومابعدها، اللباب: 172/1 ومابعدها، الشرح الصغير: 681/1 ومابعدها، القوانين الفقهية: ص113 ومابعدها، المهذب: 177/1 ومابعدها، مغني المحتاج: 432/1-438، المغني: 153/3-156، كشاف القناع: 359/2-364، شرح الرسالة: 300/1 ومابعدها، 306، بداية المجتهد: 188/1 ومابعدها، المغني: 98/3 ومابعدها.\r(2) انظر كتابي أصول الفقه الإسلامي 79/1 ومابعدها، ط دار الفكر.","part":3,"page":44},{"id":1437,"text":"أما إن أسلم الكافر في أثناء النهار، فيلزمه عند الحنابلة إمساك بقية اليوم، وقضاؤه ، لأنه أدرك جزءاً من وقت العبادة، فلزمته، كما لو أدرك جزءاً من وقت الصلاة، ويستحب الكف عن الأكل عندالحنفية والمالكية والشافعية مراعاة لحرمة أو لحق الوقت بالتشبه بالصائمين، كما يستحب القضاء عند المالكية، ولا يلزم عند الحنفية. ولا قضاء عليه في الأصح عند الشافعية لعدم التمكن من زمن يسع الأداء، ولا يلزمه إمساك بقية النهار في الأصح؛ لأنه أفطر لعذر فأشبه المسافر والمريض. لكن إن أسلم المرتد، وجب عليه عند الشافعية والحنابلة قضاء ما تركه في حال الكفر؛ لأنه التزم ذلك بالإسلام، فلم يسقط ذلك بالردة كحقوق الآدميين.\r2 - 3 - البلوغ والعقل: فلا يجب الصوم على صبي ومجنون ومغمى عليه وسكران، لعدم توجه الخطاب التكليفي لهم بعدم الأهلية للصوم، المفهوم من قوله صلّى الله عليه وسلم : «رفع القلم عن ثلاث: عن الصبي حتى يبلغ، وعن المجنون حتى يفيق، وعن النائم حتى يستيقظ» فمن زال عقله غير مخاطب بالصوم في حال زوال العقل، ولا يصح الصوم من المجنون والمغمى عليه والسكران لعدم إمكان النية منه.\rويصح الصوم من الصبي المميز أو المميزة كالصلاة، ويجب عند الشافعية والحنفية والحنابلة على وليه أمره به إذا أطاقه بعد بلوغه سبع سنين، وضربه حينئذ على الصوم بعد بلوغه عشر سنين، إذا تركه ليعتاده، كالصلاة، إلا أن الصوم أشق، فاعتبرت له الطاقة، لأنه قد يطيق الصلاة من لا يطيق الصيام.\rوقال المالكية: لا يؤمر الصبيان بالصوم بخلاف الصلاة ، فلا صيام على الصبيان حتى يحتلم الغلام وتحيض الفتاة، وبالبلوغ لزمتهم أعمال الأبدان فريضة.","part":3,"page":45},{"id":1438,"text":"فإذا بلغ الصبي أثناء اليوم أمسك عند الحنفية بقية اليوم، كما لو أسلم الكافر، وصام ما بعده من الأيام، لتحقق السببية والأهلية، ولم يقض اليوم الذي تأهل فيه، ولا ما مضى قبله من الشهر، لعدم الخطاب بعدم الأهلية له. ومن أغمي عليه في رمضان، لم يقض عند الحنفية اليوم الذي حدث فيه الإغماء، لوجود الصوم، وهو الإمساك المقرون بالنية، إذ الظاهر وجودها منه؛ لأن ظاهر حال المسلم في ليالي رمضان عدم الخلو عن النية. وقضى ما بعده من الأيام لانعدام النية. وإن أغمي عليه أول ليلة قضاه كله غير يوم تلك النية، لأن ظاهر حال المسلم نية الصوم.\rومن أغمي عليه رمضان كله، قضاه؛ لأنه نوع مرض يُضعف القُوى، ولا يزيل الحجا، فيصير عذراً في التأخير، لا في الإسقاط.\rوإذا أفاق المجنون في بعض رمضان، قضى ما مضى منه؛ لأن السبب ـ وهو شهود الشهر ـ قد وجد، وأهلية نفس الوجوب بالذمة وهي متحققة بلا مانع، فإذا تحقق الوجوب بلا مانع، تعين القضاء. وإن استوعب الجنون جميع ما يمكنه فيه إنشاء الصوم، لا يقضي للحرج، بخلاف الإغماء؛ لأنه لا يستوعب الوقت عادة، وامتداده نادر، ولا حرج في ترتيب الحكم على ما هو من النوادر. والخلاصة: إن الإغماء والجنون المتقطع لا يمنع إيجاب الصوم وقضاءه، وأما الجنون المستوعب لجميع الشهر، فلا قضاء على صاحبه، وأما الإغماء ففيه القضاء، والسكر كالإغماء.\rوقال المالكية: لا يصح صوم المجنون، ويجب عليه القضاء مطلقاً في المشهور، لقوله صلّى الله عليه وسلم : «وعن المجنون حتى يفيق» قال ابن رشد: وفيه ضعف، ولا يصح أيضاً صوم المغمى عليه مطلقاً، ويجب عليه القضاء إن بقي مغمى عليه يوماً فأكثر، فإن أغمي عليه يسيراً كنصف اليوم فأقل بعد الفجر، لم يقض.","part":3,"page":46},{"id":1439,"text":"وإن أغمي عليه ليلاً، فأفاق بعد طلوع الفجر، فعليه قضاء الصوم، لفوات محل النية، وهو ليس بعاقل، ولا يقضي من الصلوات إلا ما أفاق في وقتها، ويختلف الإغماء عن النوم لكونه بين رتبتي الجنون والنوم.\rولا يقضي النائم مطلقاً ولو نام كل النهار، والسكر كالإغماء إلا أنه يلزمه الإمساك في يومه، ومن سكر ليلاً وأصبح ذاهب العقل، لم يجز له الفطر، ويلزمه القضاء.\rوقال الشافعية: إذا بلغ الصبي أو أفاق المجنون في أثناء النهار، فكما لو أسلم الكافر، لا قضاء عليهم في الأصح، ولا يلزمهم إمساك بقية النهار في الأصح.\rويجب قضاء ما فات بالإغماء والردة والسكر، دون الكفر الأصلي والصِّبا والجنون إلا إذا كان متعدياً بجنونه بأن تناول ليلاً عامداً شيئاً أزال عقله نهاراً، فعليه قضاء ما جن فيه من الأيام، فلا يجب قضاء ما فات على الكافر، لما في وجوبه من التنفير عن الإسلام، ولقوله تعالى {قل للذين كفروا: إن ينتهوا يُغفر لهم ما قد سلف} [الأنفال:38/8]، ولا على الصبي والمجنون لارتفاع قلم التكليف عنهما. ولو ارتد، ثم جن أو سكر، فالأصح قضاء جميع أيام الجنون، وأيام السكر، لأن حكم الردة مستمر، بخلاف السكر. ويجب القضاء على الحائض والمفطر بلا عذر، وتارك النية، والمسافر والمريض، كما سيأتي.\rوقال الحنابلة: إن بلغ الصغير صائماً ذكراً كان أو أنثى في أثناء نهار رمضان بتمام سن الخامسة عشرة أو باحتلام (أي إنزال مني بسبب حلم)، أتم صومه بغير خلاف، ولاقضاء عليه إن كان نوى ليلاً، ولا مانع أن يكون أول الصيام نفلاً وباقيه فرضاً، كنذر إتمام نفل.\rوإذا أفاق المجنون في أثناء الشهر، فعليه صوم ما بقي من الأيام بغير خلاف، ولا يلزمه سواء أكان متعدياً بجنونه أم لا قضاء ما مضى خلافاً للمالكية، وخلافاً للحنفية إن أفاق في أثناء الشهر؛ لأن الجنون معنى يزيل التكليف، فلم يجب القضاء في زمانه كالصغر والكبر.","part":3,"page":47},{"id":1440,"text":"وأما قضاء اليوم الذي أسلم فيه الكافر أو بلغ الصغير أو أفاق فيه المجنون، وإمساكه فيه، ففيه روايتان، أصحهما لزوم إمساك ذلك اليوم وقضاؤه، لحرمة الوقت، ولقيام البينة فيه بالرؤية، ولإدراكه جزءاً من وقته كالصلاة. وكذا يلزم الإمساك والقضاء على كل من أفطر لغير عذر، ومن أفطر ظاناً أن الفجر لم يطلع وقد كان طلع، أو ظن الشمس قد غابت ولم تغب، أو الناسي النية، أو طهرت الحائض والنفساء، أو تعمدت مكلفة الفطر، ثم حاضت أو نفست، أو تعمد الفطر مقيم ثم سافر، أو قدم مسافر أو أقام مدة تمنع القصر، أو برئ مريض مفطر. أما النوم فلا يؤثر في الصوم، سواء وجد في بعض النهار أو جميعه.\rوالخلاصة: أن الجنون المستمر لا يوجب القضاء عند الجمهور، ويوجبه عند المالكية على المشهور. أما الإغماء فيوجب القضاء بالاتفاق. ويصح صوم المغمى عليه عند الشافعية والحنابلة إن أفاق لحظة من النهار، فإن أطبق الإغماء جميع النهار لم يصح الصوم، ويصح صوم المغمى عليه مطلقاً عند الحنفية، ولا يصح صومه عند المالكية إلا إذا أغمي يسيراً كنصف اليوم فأقل.\r4 - 5 - القدرة (أو الصحة من المرض)، والإقامة: فلا يجب الصوم على المريض والمسافر، ويجب عليهما القضاء إن أفطرا إجماعاً، ويصح صومهما إن صاما، والدليل قوله تعالى: {أياماً معدودات، فمن كان منكم مريضاً أو على سفر، فعدة من أيام أخر، وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين، فمن تطوع خيراً فهو خير له، وأن تصوموا خير لكم إن كنتم تعلمون} [البقرة:184/2] وإذا قدم المسافر أمسك عن الطعام والشراب بقية يومه، كما إذا طهرت الحائض في بعض النهار.","part":3,"page":48},{"id":1441,"text":"كما لايجب الصوم على من لم يطقه للكبر، ولا على نحو حائض لعجزها شرعاً، ولا على حامل أو مرضع لعجزهما حساً. ويشترط لعدم وجوب الصوم على المسافر أن يكون السفر سفر قصر، وأن يكون عند الجمهور (غير الحنفية) مباحاً؛ لأن الرخص لا تناط بالمعاصي، ولا يشترط كونه مباحاً عند الحنفية؛ لأن سبب وجود الترخص وهو السفر قائم، وأن يكون السفر عند الجمهور (غير الحنابلة) قبل الفجر، فلو أصبح المقيم صائماً، فسافر، فلا يفطر؛ لأن الصوم عبادة اجتمع فيها الحضر والسفر، فغلب جانب الحضر؛ لأنه الأصل. لكن لو أصبح صائماً فمرض، أفطر لوجود المبيح للإفطار، ولو أقام المسافر، وشفي المريض، حرم الفطر.\rولم يشترط الحنابلة هذا الشرط، لكن الأفضل لمن سافر في أثناء يوم نوى صيامه إتمام الصوم، خروجاً من خلاف من لم يبح له الفطر، تغليباً لحكم الحضر، كالصلاة. وأضاف الحنفية شرطاً آخر لوجوب الصوم وهو مفهوم أصولياً: وهو العلم بالوجوب لمن أسلم بدار الحرب، أو الكون بدار الإسلام لمن نشأ فيها.\rالمطلب الثاني ـ شروط صحة الصوم:\rاشترط الحنفية (1) لصحة الصوم شروطاً ثلاثة: هي النية، والخلو عما ينافي الصوم من حيض ونفاس، وعما يفسده. فإذا حاضت المرأة أفطرت وقضت.\rواشترط المالكية (2) أربعة شروط هي النية، والطهارة عن الحيض والنفاس، والإسلام، والزمان القابل للصوم، فلا يصح في يوم العيد، واشترطوا أيضاً لصحة الصوم: العقل: فلا يصح من مجنون ولا مغمى عليه، ولا يجب عليهما أيضاً.\rواشترط الشافعية (3) أربعة شروط أيضاً: وهي الإسلام، والعقل، والنقاء عن الحيض والنفاس جميع النهار، وكون الوقت قابلاً للصوم، فلا يصح صوم الكافر والمجنون والصبي غير المميز والحائض والنفساء.أما النية فهي ركن عندهم.\rواشترط الحنابلة (4) شروطاً ثلاثة: هي الإسلام، والنية، والطهارة عن الحيض والنفاس. ويظهر من ذلك أن الفقهاء اتفقوا على اشتراط النية، والطهارة من الحيض والنفاس جميع النهار. وأما الإسلام فهو شرط صحة عند الجمهور وشرط وجوب عند الحنفية كما بينا. وسنبحث شرط النية تفصيلاً.\r-------------------------------\r(1) مراقي الفلاح: ص 105، الدر المختار: 116/2 ومابعدها.\r(2) القوانين الفقهية: ص 113، الشرح الصغير: 681/1 ومابعدها، 695 ومابعدها، الشرح الكبير: 522/1.\r(3) مغني المحتاج: 423/1،432، المهذب: 177/1.\r(4) كشاف القناع: 359/2،366،376، المغني: 137/3 ومابعدها.","part":3,"page":49},{"id":1442,"text":"شرط الطهارة: اتفق الفقهاء على أنه لا يشترط الخلو عن الجنابة، حتى يتمكن من إزالتها، ولضرورة حصولها ليلاً وطروء النهار، ولما روت عائشة وأم سلمة: أن النبي صلّى الله عليه وسلم كان يصبح جُنُباً من جماع غير احتلام، ثم يصوم في رمضان (1) . وعن أم سلمة قالت: كان رسول الله صلّى الله عليه وسلم يصبح جنباً من جماع لا حُلُم، ثم لا يفطر ولا يقضي (2) . فمن أصبح جنباً ولم يتطهر، أو امرأة حائض طهرت قبل الفجر، فلم يغتسلا إلا بعد الفجر، أجزأهما صوم ذلك اليوم.\rأما النية فأذكر في الصوم تعريفها وهل هي شرط أو ركن، ومحلها، وشروطها، وصفتها، وأثرها.\rتعريف النية: القصد وهو اعتقاد القلب فعل شيء وعزمه عليه، من غير تردد. والمراد بها هنا: قصد الصوم، فمتى خطر بقلبه في الليل أن غداً من رمضان وأنه صائم فيه، فقد نوى.\rهل النية شرط أو ركن؟\rاتفق الفقهاء على أن النية مطلوبة في كل أنواع الصيام، فرضاً كان أوتطوعاً، إما على سبيل الشرطية أو الركنية، علماً بأن الشرط: ما كان خارج ماهية أو حقيقة الشيء، والركن عند الحنفية: ما كان جزءاً من الماهية. لقوله صلّى الله عليه وسلم : «إنما الأعمال بالنيات» (3) وقوله أيضاً: «من لم يُجمع الصيام قبل الفجر، فلا صيام له» (4) وعن\r-------------------------------\r(1) متفق عليه (نيل الأوطار: 212/4).\r(2) رواه الشيخان (المصدر السابق).\r(3) رواه البخاري ومسلم عن عمر رضي الله عنه.\r(4) رواه الخمسة (أحمد وأصحاب السنن) عن حفصة رضي الله عنها (نيل الأوطار: 195/4).","part":3,"page":50},{"id":1443,"text":"عائشة مرفوعاً إلى النبي صلّى الله عليه وسلم : «من لم يبيت الصيام قبل طلوع الفجر، فلا صيام له» (1) ولأن الصوم عبادة محضة، فافتقر إلى النية كالصلاة.\rواعتبرها الحنفية والحنابلة وكذا المالكية على الراجح، شرطاً (2) ؛ لأن صوم رمضان وغيره عبادة، والعبادة: اسم لفعل يأتيه العبد باختياره خالصاً لله تعالى بأمره، والاختيار والإخلاص لا يتحققان بدون النية، فلا يصح أداء الصوم إلا بالنية، تمييزاً للعبادات عن العادات.\rوهي عند الشافعية (3) ركن كالإمساك عن المفطرات.\rومحل النية: القلب، ولا تكفي باللسان قطعاً، ولا يشترط التلفظ بها قطعاً (4) . لكن يسن عند الجمهور (غير المالكية) التلفظ بها، والأولى عند المالكية ترك التلفظ بها.\rشروط النية: يشترط في النية ما يأتي:\r1 - تبييت النية: أي إيقاعها ليلاً، وهو شرط متفق عليه (5) ، للحديث السابق: «من لم يبيت الصيام قبل طلوع الفجر، فلا صيام له» ولأن النية عند ابتداء العبادة كالصلاة.\rلكن تساهل بعض الفقهاء أحياناً في تحديد وقت النية لبعض أنواع الصيام.\r-------------------------------\r(1) رواه الدارقطني، وقال: إسناده كلهم ثقات، وفي لفظ «من لم يبيت الصيام من الليل فلا صيام له» .\r(2) البدائع:83/2، كشاف القناع: 366/2، الشرح الكبير مع الدسوقي: 520/1.\r(3) مغني المحتاج: 423/1.\r(4) مغني المحتاج،المكان السابق.\r(5) البدائع: 85/2، الشرح الكبير: 520/1، الشرح الصغير: 695/1، مغني المحتاج: 423/1، كشاف القناع: 366/2، المغني: 91/3.","part":3,"page":51},{"id":1444,"text":"فقال الحنفية (1) : الأفضل في الصيامات كلها أن ينوي وقت طلوع الفجر إن أمكنه ذلك، أو من الليل؛ لأن النية عند طلوع الفجر تقارن أول جزء من العبادة حقيقة، ومن الليل تقارنه تقديراً.\rوإن نوى بعد طلوع الفجر: فإن كان الصوم ديناً، لا يجوز بالإجماع، وإن كان عيناً وهو صوم رمضان، وصوم التطوع خارج رمضان، والمنذور المعين، يجوز.\rفالصوم نوعان:\rأ ـ نوع يشترط له تبييت النية وتعيينها: وهو ما يثبت في الذمة: وهو قضاء رمضان، وقضاء ما أفسده من نفل، وصوم الكفارات بأنواعها ككفارة اليمين وصوم التمتع والقران، والنذر المطلق، كقوله: إن شفى الله مريضي، فعلي صوم يوم مثلاً، فحصل الشفاء. فلا يجوز صوم ذلك إلا بنية من الليل.\rب ـ ونوع لا يشترط في تبييت النية وتعيينها: وهو ما يتعلق بزمان بعينه، كصوم رمضان، والنذر المعين زمانه، والنفل كله مستحبه ومكروهه، يصح بنية من الليل إلى ما قبل نصف النهار على الأصح، ونصف النهار: من طلوع الفجر إلى وقت الضحوة الكبرى.\rوقال المالكية (2) : يشترط لصحة النية إيقاعها في الليل من الغروب إلى آخر جزء منه ، أو إيقاعها مع طلوع الفجر، ولايضر في الحالة الأولى ماحدث بعد النية من أكل أو شرب أو جماع، أو نوم، بخلاف الإغماء والجنون، فيبطلانها إن استمرا للفجر، وإلا فلا. فلو نوى نهاراً قبل الغروب لليوم المستقبل، أو قبل الزوال لليوم الذي هو فيه، لم تنعقد ولو نفلاً.\r-------------------------------\r(1) البدائع: 85/2، فتح القدير: 43/2-50،62، مراقي الفلاح: ص106 ومابعدها، الكتاب مع اللباب: 163/1.\r(2) الشرح الصغير: 695/1 ومابعدها، الشرح الكبير: 520/1، القوانين الفقهية: ص115،117، بداية المجتهد:284/1.","part":3,"page":52},{"id":1445,"text":"وقال الشافعية (1) : يشترط لفرض الصوم من رمضان، أو غيره كقضاء أو نذر تبييت النية ليلاً، والصحيح أنه لا يشترط النصف الآخر من الليل، وأنه لا يضر الأكل والجماع بعدها، وأنه لا يجب تجديد النية إذا نام ثم تنبه.\rويصح صوم النفل بنية قبل الزوال؛ لأنه صلّى الله عليه وسلم قال لعائشة يوماً: «هل عندكم من غداء؟ قالت: لا، قال: فإني إذن أصوم، قالت: وقال لي يوماً آخر: أعندكم شيء؟ قلت: نعم، قال: إذن أفطر، وإن كنت فرضت الصوم» (2) واختص بما قبل الزوال للخبر، إذ الغداء: اسم لما يؤكل قبل الزوال، والعشاء: اسم لما يؤكل بعده، ولأنه مضبوط بيِّن، ولإدراك معظم النهار به. وبدهي أنه يشترط لصحة الصوم الامتناع عن المفطرات من أول النهار.\rوقال الحنابلة (3) كالشافعية: الصوم الواجب أو الفرض لا يصح إلا بنية من الليل، للحديث المتقدم: «من لم يجمع الصيام قبل الفجر، فلا صيام له» ، وأما صوم التطوع فيصح بنية قبل النهار، وبعده خلافاً للشافعية، إذا لم يكن طعم بعد الفجر، لحديث عائشة المتقدم، قالت: «دخل علي النبي صلّى الله عليه وسلم ذات يوم، فقال: هل عندكم شيء؟ فقلنا: لا، قال: فإني إذاً صائم» (4) ويدل عليه أيضاً حديث عاشوراء: «هذا يوم عاشوراء، ولم يكتب الله عليكم صيامه، وأنا صائم، فمن شاء فليصم، ومن شاء فليفطر» (6) ، ولأن الصلاة خفف نفلهاعن فرضها، بدليل أنه لا يشترط القيام لنفلها، وتجوز الصلاة في السفر على الراحلة إلى غير القبلة، فكذا الصيام، ولما فيه من تكثيره لكونه يَعنّ له، فعفي عنه. وهذا قول أبي الدرداء وأبي طلحةومعاذ وابن مسعود وحذيفة وسعيد بن المسيب وسعيد بن جبير والنخعي وأصحاب الرأي.\rويبدو لي أنه الرأي الأرجح، وحديث عائشة مخصص لحديث «لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل» بل الحديث الأول أصح من الثاني، كما قال ابن قدامة.\r2 - تعيين النية في الفرض: هذا شرط عند الجمهور، وليس بشرط عند الحنفية. قال الحنفية (6)\r-------------------------------\r(1) مغني المحتاج:423/1 ومابعدها.\r(2) رواه الدارقطني وصحح إسناده.\r(3) المغني:91/3،96، كشاف القناع: 366/2-369.\r(4) رواه مسلم وأبو داود والنسائي.\r(5) متفق عليه عن معاوية.\r(6) المراجع السابقة، فتح القدير: 50/2.","part":3,"page":53},{"id":1446,"text":"كما تقدم في الشرط السابق: لا يشترط تعيين النية في الصوم، المتعلق بزمان معين كصوم رمضان ونذر معين زمانه ونفل مطلق، لأن الزمن المخصص له وهو شهر رمضان ونحوه من نذر يوم محدد بذاته وقت مضيق أو معيار، لا يسع إلاصوم رمضان.\rويصح أداء رمضان بنية واجب آخر لمن كان صحيحاً مقيماً، أما المسافر فإنه يقع عما نواه من الواجب. وأما المريض: فكذلك يقع عما نواه عند أبي حنيفة إذا نوى واجباً آخر؛ لأنه شغل الوقت بالأهم لتحتمه للحال، وتخيره في صوم رمضان إلى إدراك العدة. ورجح هذا الرأي صاحب «الهداية» وأكثر مشايخ بخارى، لعجزه المقدور. ولا فرق بين المسافر والمقيم والصحيح والسقيم عند أبي يوسف ومحمد في وقوع صومه عن رمضان إذا نوى عن واجب آخر؛ لأن الرخصة إنما ثبتت حتى لاتلزم المعذور مشقة، فإذا تحملها التحق بغير المعذور.\rوقال الجمهور (1) : يجب تعيين النية في الصوم الواجب: وهو أن يعتقد أنه يصوم غداً من رمضان، أو من قضائه، أو من كفارته، أو نذره. فلا يجزئ نية الصوم المطلق؛ لأن الصوم (2) عبادة مضافة إلى وقت، فوجب التعيين في نيتها كالصلوات الخمس، والقضاء.\rوإن نوى في رمضان صيام غيره، لم يجزه عن واحد منهما.\r-------------------------------\r(1) القوانين الفقهية: ص 117، الدسوقي على الشرح الكبير: 520/1، بداية المجتهد: 283/1، مغني المحتاج: 242/1-624، المغني:94/3 ومابعدها، كشاف القناع:367/2 ومابعدها.\r(2) ومثله طواف الزيارة، فإنه يحتاج إلى التعيين، فلو طاف ينوي به الوداع، أو طاف بنية الطواف مطلقاً، لم يجزئه عن طواف الزيارة.","part":3,"page":54},{"id":1447,"text":"3 - الجزم بالنية: هذا شرط أيضاً عند الجمهور، وليس بشرط عند الحنفية. أما الحنفية (1) : فيرون أنه لا يشترط في الصوم المقيد بزمن معين أن تكون النية جازمة، فإن نوى الصوم ليلة الثلاثين من شعبان، على أنه إن ظهر كونه من رمضان، أجزأ عن رمضان ماصامه بأي نية كانت، إلا أن يكون مسافراً أو نواه عن واجب آخر، فيقع عما نواه عنه.\rويكره تحريماً عندهم كما أبنت، في يوم الشك كل صوم من فرض وواجب، وصوم تردد فيه بين نفل وواجب، إلا صوم نفل جزم به، بلا ترديد بينه وبين صوم آخر، فإنه لا يكره.\rورأى الجمهور (2) أنه لا بد أن تكون النية جازمة، فلو نوى ليلة الشك إن كان غداً من رمضان، فأنا صائم فرضاً، وإلا فهو نفل، أو واجب آخر عينه بنيته، كأن ينويه عن نذر أو كفارة، لم يجزئه عن واحد منهما، لعدم جزمه بالنية لأحدهما، إذ لم يعين الصوم من رمضان جزماً.\rومن قال: أنا صائم غداً إن شاء الله ، فإن قصد بالمشيئة الشك والتردد في العزم والقصد، فسدت نيته لعدم الجزم بها، وإن لم يقصد ذلك بل نوى التبرك أو لم ينو شيئاً، لم تفسد نيته، إذ قصده أن فعله للصوم بمشيئة الله وتوفيقه وتيسيره. كما لايفسد الإيمان بقوله: أنا مؤمن إن شاء الله ، وكذا سائر العبادات لا تفسد بذكر المشيئة في نيتها.\r-------------------------------\r(1) مراقي الفلاح: ص107.\r(2) المراجع السابقة.","part":3,"page":55},{"id":1448,"text":"لكن لا يضر التردد بعد حصول الظن باستصحاب كآخر رمضان، أو حصول الظن بشهادة أو باجتهاد كالأسير، فلو نوى ليلة الثلاثين من رمضان صوم غد إن كان من رمضان، أجزأه وصح صومه إن كان منه، لأن الأصل بقاء رمضان، وصومه مبني على أصل لم يثبت زواله، ولا يؤثر تردده لأنه حكم صومه مع الجزم، بخلاف ما إذا نواه ليلة الثلاثين من شعبان؛ لأنه لا أصل معه يبنى عليه.\rومن نوى الصوم غداً معتقداً كونه من رمضان بشهادة موثوقة، صح صومه.\rولو اشتبه رمضان على أسير أو محبوس أو نحوه، صام شهراً بالاجتهاد، كما يجتهد للصلاة في القبلة والوقت، وذلك بأمارة كالربيع والخريف والحر والبرد، فلو صام بلا اجتهاد، فوافق رمضان، لم يجزئه لتردده في النية. فلو اجتهد وتحير، فلم يظهر له شيء، فيرى النووي في المجموع أنه لا يلزمه أن يصوم.\rأما نية الفرضية: فليست بشرط باتفاق المذاهب، وهو المعتمد عند الشافعية (1) بخلاف المقرر في الصلاة؛ لأن صوم رمضان من البالغ لا يقع إلا فرضاً، بخلاف الصلاة، فإن المعادة نفل.\rوكذلك لا يشترط بالاتفاق تعيين السنة، ولا الأداء، ولا الإضافة إلى الله تعالى، وهو الصحيح عند الشافعية؛ لأن المقصود متحقق بنية الصوم، والتعيين بجزئ عن ذلك.\r\r-------------------------------\r(1) مغني المحتاج:425/1، كشاف القناع: 367/2.","part":3,"page":56},{"id":1449,"text":"4 - تعدد النية بتعدد الأيام: هذا شرط عند الجمهور، وليس بشرط عند المالكية (1) ، فيشترط عند الجمهور النية لكل يوم من رمضان على حدة؛ لأن صوم كل يوم عبادة على حدة، غير متعلقة باليوم الآخر، بدليل أن ما يفسد أحدهما لا يفسد الآخر، فيشترط لكل يوم منه نية على حدة.\rوقال المالكية: تجزئ نية واحدة لرمضان في أوله، فيجوز صوم جميع الشهر بنية واحدة، وكذلك في صيام متتابع مثل كفارة رمضان وكفارة قتل أو ظهار ما لم يقطعه بسفر أو مرض أو نحوهما، أو لم يكن على حالة يجوز له الفطر كحيض ونفاس وجنون، فيلزمه استئناف النية، أي تجديدها فلا تكفي النية الواحدة، وإن لم يجب استئناف الصوم، فالصوم السابق صحيح لا ينقطع تتابعه، ولكن تجدد النية، وتندب النية كل ليلة فيما تكفي فيه النية الواحدة. ودليلهم أن الواجب صوم الشهر، لقوله تعالى: {فمن شهد منكم الشهر فليصمه} [البقرة:185/2]، والشهر: اسم لزمان واحد، فكان الصوم من أوله إلى آخره عبادة واحدة، كالصلاة والحج، فيتأدى بنية واحدة.\rصفة النية وأثرها:\rقال الحنفية (2) : يصح صوم رمضان ونحوه كالنذر المعين زمانه بمطلق النية، وبنية النفل، وبنية واجب آخر، كما أبنت، ولا يجب تبييت نية صوم رمضان.\r-------------------------------\r(1) البدائع:85/2، الشرح الصغير:697/1، بداية المجتهد: 282/1 ومابعدها، القوانين الفقهية: ص 117، مغني المحتاج: 424/1، المغني:93/3.\r(2) مراقي الفلاح: ص 106 ومابعدها.","part":3,"page":57},{"id":1450,"text":"وقال المالكية (1) : صفة النية: أن تكون معينة مبيتة جازمة.\rوقال الشافعية (2) : كمال النية في رمضان: أن ينوي صوم غد عن أداء فرض رمضان هذه السنة لله تعالى. والمعتمد أنه لا يجب في التعيين نية الفرضية.\rوقال الحنابلة (3) : من خطر باله أنه صائم غداً، فقد نوى، ويجب تعيين النية بأن يعتقد أنه يصوم غداً من رمضان أو من قضائه أو من نذره أو كفارته، ولا يجب مع التعيين نية الفريضة.\rواتفق غير الحنفية على وجوب تبييت النية، كما اتفق غير الشافعية على أن الأكل والشرب بنية الصوم أو التسحر نية، إلا أن ينوي معه عدم الصيام. ولا يقوم مقام النية عند الشافعية التسحر في جميع أنواع الطعام، إلا إذا خطر له الصوم عند التسحر ونواه، كأن يتسحر بنية الصوم، أو امتنع من الأكل عند الفجر خوف الإفطار.\rوأثر النية: هو تحقيق الثواب، فيحكم بالصوم الشرعي المثاب عليه من وقت النية؛ لأن ما قبله لم يوجد فيه قصد القربة، فلا يقع عبادة، لقوله صلّى الله عليه وسلم : «وإنما لكل امرئ ما نوى» ، فيصح تطوع حائض أو نفساء طهرت في يوم بصوم بقيته، وتطوع كافر أسلم في يوم بصوم بقية اليوم، ولم يكن كل من الحائض والكافر قد أكلا من طلوع الفجر (4) .\r-------------------------------\r(1) القوانين الفقهية: ص117، بداية المجتهد: 283/1.\r(2) مغني المحتاج: 425/1.\r(3) كشاف القناع: 367/2.\r(4) كشاف القناع: 370/2.","part":3,"page":58},{"id":1451,"text":"خلاصة آراء المذاهب في شروط الصوم:\rالحنفية (1) : شروط الصوم عندهم ثلاثة أنواع: شروط وجوب، وشروط وجوب الأداء،وشروط صحة الأداء.\rأما شروط الوجوب، فهي أربعة: الإسلام، والعقل، والبلوغ، والعلم بالوجوب لمن أسلم بدار الحرب، أو الكون بدار الإسلام، ومن جن رمضان كله لم يقضه، وإن أفاق المجنون في بعضه قضى ما مضى، أما من أغمي عليه في رمضان كله قضاه، ومن أغمي عليه في أثناء يوم في رمضان لم يقضه لوجود الصوم فيه وهو الإمساك المقرون بالنية، وقضى ما بعده.\rوأما شروط وجوب الأداء، فهي اثنان: الصحة من مرض وحيض ونفاس، فلا يجب الأداء على المريض، والإقامة، فلا يجب الأداء على مسافر، ولكن يجب عليهما القضاء.\rوأما شروط صحة الأداء، فهي ثلاثة: النية فلا يصح أداء الصوم إلا بالنية، والخلو عن ما نع الحيض والنفاس، فلا يصح أداء الصوم منهما، وعليهما القضاء، والخلو عما يفسد الصوم بطروء مفسد عليه.\rالمالكية (2) : شروط الصوم أنواع ثلاثة: شروط وجوب، وشروط صحة، وشروط وجوب وصحة معاً، ومجموعها سبعة: الإسلام، والبلوغ، والعقل ، والطهارة من دم الحيض والنفاس، والصحة، والإقامة، والنية.\rويلاحظ أن النية شرط على الراجح كما في حاشية الدسوقي، واعتبرها الدردير في الشرح الصغير ركناً، وما قد يذكر من أن النية ركن فهو تسامح. أما شروط الوجوب فهي ثلاثة: البلوغ، والصحة، والإقامة، فلا يجب الصوم على صبي ولو كان مراهقاً، ولكن يجوز صيامه، ولا يندب، ولا يجب على الولي أمره به، ولا يجب على المريض أوالعاجز ومنه المكره، ولا على المسافر ويجب عليهما القضاء.\rوأما شروط الصحة: فهي اثنان: الإسلام، فلا يصح من الكافر، وإن كان واجباً عليه، ويعاقب على تركه زيادة على عقاب الكفر، والزمان القابل للصوم، فلا يصح في يوم العيد.\rوأما شروط الوجوب والصحة معاً فهي ثلاثة:\rالأول ـ الطهارة من دم الحيض والنفاس: فلا يجب عليهما، ولا يصح منهما، وعليهما القضاء بعد زوال المانع. ويجب عليهما المباشرة في الأداء بمجرد الطهارة.\rوالثاني ـ العقل: لأن من زال عقله غير مخاطب بالصوم في حال العقل، فلا يجب على المجنون والمغمى عليه، ولا يصح منهما. أما القضاء فيجب على المجنون مطلقاً في المشهور إذا أفاق من جنونه، وعلى المغمى عليه إن استمر إغماؤه يوماً فأكثر، أو أغمي عليه معظم اليوم، ولا يجب عليه إن أغمي عليه يسيراً بعد الفجر بأن دام نصف اليوم فأقل. والسكران كالمغمى عليه في وجوب القضاء، إلا أنه يلزمه الإمساك بقية يومه.\rوأما النائم: فلا يجب عليه قضاء ما فاته مطلقاً، متى بيت النية أول الشهر.\r-------------------------------\r(1) مراقي الفلاح: ص105، فتح القدير: 87/2-90، البدائْع: 87/2-89.\r(2) القوانين الفقهية: ص 113 ومابعدها، بداية المجتهد: 282/1 ومابعدها، شرح الرسالة: 301/1، الشرح الصغير: 681/1 ومابعدها، 695، 701، الشرح الكبير: 520/1،","part":3,"page":59},{"id":1452,"text":"والثالث ـ النية: فهي شرط صحة الصوم على الراجح الأظهر؛ لأن النية القصد إلى الشيء، ومعلوم أن القصد للشيء خارج عن ماهية الشيء، وتكفي نية واحدة لكل صوم يجب تتابعه كرمضان وكفارته وكفارة قتل أو ظهار إذا لم ينقطع تتابعه بنحو مرض أو سفر، وندبت كل ليلة فيما تكفي فيه النية الواحدة.\rوالخلاصة: أن الصوم يسقط وجوبه عن اثني عشر: الصبي، والمجنون، والحائض، والنفساء، والمغمى عليه، والمسافر، والصحيح الضعيف البنية العاجز عن القيام به، والمتعطش، والمريض، والحامل، والمرضع، والشيخ الكبير.\rالشافعية (1) : شروط الصوم لديهم نوعان: شروط وجوب وشروط صحة. أما شروط الوجوب فأربعة هي ما يأتي:\r1ً - الإسلام: فلا يجب على الكافر الأصلي وجوب مطالبة في الدنيا كالصلاة، وإنما يعاقب في الآخرة على تركه، ويجب على المرتد وجوب مطالبة أي قضاء مافاته بعد إسلامه.\r2ً - البلوغ: فلا يجب على الصبي لا أداء ولا قضاء، ويؤمر به لسبع، ويضرب على تركه لعشر.\r3ً - العقل: فلا يجب على المجنون لا أداء ولاقضاء إلا إذا زال عقله بتعديه، فيلزمه قضاؤه. ومثله السكران المتعدي بسكره يلزمه القضاء، أما غير المتعدي بسكره، كما في حالة الغلط، فلا يطالب بقضاء زمن السكر.\r4ً - الإطاقة: فلا يجب على العاجز بنحو هرم أو مرض لا يرجى برؤه، ولا على حائض لعجزها شرعاً. وضابط المرض: هو ما يبيح التيمم وهو ما يصعب معه الصوم أو يناله به ضرر شديد.\rوأما شروط الصحة فأربعة أيضاً، هي ما يأتي:\r1ً - الإسلام حال الصيام: فلا يصح من كافر أصلي أو مرتد.\r-------------------------------\r(1) مغني المحتاج: 427/1، 432 ومابعدها، 436 ومابعدها، الحضرمية: ص110-113.","part":3,"page":60},{"id":1453,"text":"2ً - التمييز: أو العقل في جميع النهار: فلا يصح صوم الطفل غير المميز، والمجنون، لفقدان النية، ويصح من صبي مميز. ولا يصح من سكران أو مغمى عليه، لكن لا يضر في الأظهر السكر والإغماء إن أفاق لحظة في النهار. وكذلك لا يضر النوم المستغرق لجميع النهار على الصحيح، لبقاء أهلية الخطاب.\r3ً - النقاء عن الحيض والنفاس في جميع النهار: فلا يصح صوم الحائض والنفساء بالإجماع، ولو طرأ في أثناء النهار حيض أونفاس أو ردة أو جنون، بطل الصوم.\r4ً - كون الوقت قابلاً للصوم: فلا يصح صوم العيدين، ولا أيام التشريق، وكذلك لا يصح صوم يوم الشك، ولا النصف الأخير من شعبان إلا لورد بأن اعتاد صوم الدهر أو صوم يوم وفطر يوم معين كالاثنين، فصادف ما بعد النصف أو يوم الشك، وإلا إذا صام فيهما لنذر أو قضاء أو كفارة أو وصل ما بعد النصف بما قبله.\rوأما النية: فهي ركن، وتشترط لكل يوم، ويجب التبييت في الفرض دون النفل، فتجزئه نيته قبل الزوال، ويجب التعيين أيضاً، ولا تجب نية الفرضية في الفرض.\rوكذلك الإمساك عن الجماع عمداً وعن الاستمتاع وعن الاستقاءة وعن دخول عين جوفاً ركن أيضاً، كما سأبين في مبطلات الصوم.\rالحنابلة (1) : شروط الصوم عندهم نوعان: شروط وجوب، وشروط صحة. أما شروط الوجوب فهي أربعة:\r1 - الإسلام: فلا يجب الصوم على كافر ولو مرتداً، لأنه عبادة بدنية تفتقر إلى النية، فكان من شرطه الإسلام كالصلاة، ولا يصح منه أيضاً، فلو ارتد في يوم وهو صائم فيه، بطل صومه، لقوله تعالى: {لئن أشركت ليحبطن عملك} [الزمر:65/39] فإن عاد إلى الإسلام قضى ذلك اليوم.\r2 - البلوغ: فلا يجب الصوم على صبي ولو كان مراهقاً، لحديث «رفع القلم عن ثلاث» . ويجب على ولي المميز أمره به إذا أطاقه، وضربه عليه إذا تركه، ليعتاده كالصلاة.\r\r-------------------------------\r(1) كشاف القناع: 359/2-367، غاية المنتهى: 322/1-326","part":3,"page":61},{"id":1454,"text":"3 - العقل: فلا يجب الصوم على مجنون، للحديث السابق «رفع القلم عن ثلاث» ولا يصح منه، لعدم إمكان النية منه. ولا يجب على الصبي غير المميز، ويصح من المميز كالصلاة. ومن جن في أثناء اليوم، لزمه إمساك ذلك اليوم وقضاؤه لحرمة الوقت، ولإدراكه جزءاً من وقته كالصلاة. أما إذا جن يوماً كاملاً فأكثر، فلا يجب عليه قضاؤه، بخلاف المغمى عليه، فإنه يجب عليه القضاء، ولو طال زمن الإغماء، لأنه مرض غير رافع للتكليف، ويصح الصوم ممن جن أو أغمي عليه إذا أفاق جزءاً من النهار، حيث نوى ليلاً، وكذا يصح ممن نام كل النهار، فمن نام جميع النهار، صح صومه، لأنه معتاد ولا يزيل الإحساس بالكلية، ويجب القضاء على السكران، سواء أكان متعدياً بسكره أم لا.\r4 - القدرة على الصوم: فلا يجب على العاجز عنه لكبر أو مرض لا يرجى برؤه، لأنه عاجز عنه، فلا يكلف به، لقوله تعالى: {لا يكلف الله نفساً إلا وسعها} [البقرة:286/2]. وأما المرض الذي يرجى برؤه فيوجب أداء الصوم إذا برأ منه، وقضاء ما فاته من رمضان.\rوأما شروط الصحة فهي أربعة أيضاً: 1 - النية: أي النية المعينة لما يصومه من الليل لكل يوم واجب، ولا تسقط بسهو أوغيره، ولا يضر لو أتى بعدها ليلاً بأكل أو شرب أو جماع ونحوه، ولا تجب نية الفرضية في الفرض، ولا الوجوب في الواجب، لأن التعيين يجزئ عن ذلك، وتصح النية نهاراً في النفل ولو بعد الزوال إذا كان ممسكاً عن المفطر من طلوع الفجر.\r2 - الطهارة من الحيض والنفاس، فلا يصح صوم الحائض والنفساء ويحرم فعله، ويجب عليهما الأداء بمجرد انقطاع الدم ليلاً، والقضاء لما فاتهما.\r3 - الإسلام: فلا يصح من الكافر ولو كان مرتداً.\r4 - العقل أي التمييز: فلا يصح من غير المميز وهو الذي لم يبلغ سبع سنين.","part":3,"page":62},{"id":1455,"text":"المبحث الخامس ـ سنن الصوم وآدابه ومكروهاته:\rفيه مطلبان:\rالمطلب الأول ـ سنن الصوم وآدابه:\rيستحب للصائم ما يأتي (1) :....\r1ً - السحور على شيء وإن قل ولو جرعة ماء، وتأخيره لآخر الليل، أما السحور: فللتقوي به على الصوم، كما دل عليه خبر الصحيحين: «تسحروا فإن في السَّحور بركة» وخبر الحاكم في صحيحه: «استعينوا بطعام السحر على صيام النهار، وبقيلولة النهار على قيام الليل» وخبر أحمد رحمه الله : «السحور بركة، فلا تدَعوه، ولو أن يجرع أحدكم جرعة ماء، فإن الله وملائكته يصلون على المتسحرين» (2) . وأما تأخير السحور ما لم يقع في شك في الفجر، فلحديث الطبراني: «ثلاث من أخلاق المرسلين: تعجيل الإفطار، وتأخير السحور، ووضع اليمين على الشمال في الصلاة» ولخبر الإمام أحمد: «لا تزال أمتي بخير ما عجلوا الفطر وأخروا السحور» (3) وحديث: «دع ما يريبك إلى ما لايريبك» .\r2ً - تعجيل الفطرعند تيقن الغروب وقبل الصلاة، ويندب أن يكون على رطب، فتمر، فحلو، فماء، وأن يكون وتراً ثلاثة فأكثر لحديث: «لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر» (4) ، والفطر قبل الصلاة أفضل، لفعله صلّى الله عليه وسلم (5) . وكونه وتراً، لخبر أنس: «كان رسول الله صلّى الله عليه وسلم يفطر على رُطَبات قبل أن يصلي، فإن لم تكن رطبات فتَمَرات، فإن لم تكن تمرات، حَسَا حَسَوات من ماء» (6) ، ويمكن التعجيل في غير يوم غيم، وفي حالة الغيم ينبغي تيقن الغروب والاحتياط حفظاً للصوم عن الإفساد، ورأى الشافعية أنه يحرم الوصال في الصوم: وهو صوم يومين فأكثر من غير أن يتناول بينهما في الليل مفطراً، للنهي عنه في الصحيحين، وعلة ذلك: الضعف، مع كون الوصال من خصوصياته صلّى الله عليه وسلم .\r3ً - الدعاء عقب الفطر بالمأثور: بأن يقول: «اللهم إني لك صمت، وعلى\r-------------------------------\r(1) البدائع: 105/2-108، مراقي الفلاح: ص115، الدر المختار: 157/2، الشرح الكبير: 515/1، الشرح الصغير: 689/1 ومابعدها، القوانين الفقهية: ص115، مغني المحتاج: 434/1-436، الحضرمية: ص113-115، كشاف القناع: 385/2-388، المغني: 103/3، 169-171،178.\r(2) وفيه ضعف.\r(3) رواه أحمد عن أبي ذر (نيل الأوطار: 221/4).\r(4) متفق عليه عن سهل بن سعد، وروى أحمد والترمذي عن أبي هريرة أن النبي صلّى الله عليه وسلم قال: «يقول الله عز وجل: إن أحب عبادي إلي أعجلُهم فطراً» (نيل الأوطار:217/4).\r(5) رواه مسلم من حديث عائشة، وابن عبد البر عن أنس.\r(6) رواه أحمد وأبو داود والترمذي، وروى الخمسة إلا النسائي عن سلمان بن عامر: «إذا أفطر أحدكم، فليفطر على تمر، فإن لم يجد فليفطر على ماء، فإنه طهور» (نيل الأوطار: 220/4).","part":3,"page":63},{"id":1456,"text":"رزقك أفطرت، وعليك توكلت، وبك آمنت، ذهب الظمأ، وابتلت العروق، وثبت الأجر إن شاء الله تعالى. يا واسع الفضل اغفر لي، الحمد لله الذي أعانني فصمت، ورزقني فأفطرت» .\rوسنية الدعاء؛ لأن للصائم دعوة لا ترد، لحديث: «للصائم عند فطره دعوة لاتُرد» (1) ، وصيغة الدعاء ثابتة هكذا في السنة (2) .\r4ً - تفطير صائمين ولو على تمرة أو شربة ماء أوغيرهما، والأكمل أن يشبعهم، لقوله صلّى الله عليه وسلم : «من فطَّر صائماً كان له مثل أجره، غير أنه لا ينقُص من أجر الصائم شيء» (3) .\r5ً - الاغتسال عن الجنابة والحيض والنفاس قبل الفجر، ليكون على طهر من أول الصوم، وليخرج من خلاف أبي هريرة حيث قال: لا يصح صومه، وخشيةمن وصول الماء إلى باطن أذن أو دبر أو نحوه. وبناء عليه: يكره عند الشافعية للصائم دخول الحمام من غير حاجة، لجواز أن يضره، فيفطر، ولأنه من الترفه الذي لايناسب حكمة الصوم . فلو لم يغتسل مطلقاً صح صومه، وأثم من حيث الصلاة.\rولو طهرت الحائض أو النفساء ليلاً، ونوت الصوم وصامت، أو صام الجنب\r-------------------------------\r(1) رواه ابن ماجه من حديث عبد الله بن عمرو.\r(2) فقوله «اللهم لك صمت وعلى رزقك أفطرت» رواه أبو داود مرسلاً، وروى أيضاً «ذهب الظمأ...إلخ» وروى الدارقطني من حديث أنس وابن عباس: أن النبي صلّى الله عليه وسلم قال: «اللهم لك صمنا، وعلى رزقك أفطرنا، فتقبل منا، إنك أنت السميع العليم» وروى الدارقطني أيضاً عن ابن عمر «ذهب الظمأ...» الحديث.\r(3) رواه الترمذي وصححه، والنسائي وابن ماجه وابن خزيمة وابن حبان في صحيحهما عن زيد بن خالد الجهني (الترغيب والترهيب: 144/2).","part":3,"page":64},{"id":1457,"text":"بلا غسل، صح الصوم، لقوله تعالى: {فالآن باشروهن وابتغوا ما كتب الله لكم} [البقرة:187/2] ولخبر الصحيحين المتقدم: «كان النبي صلّى الله عليه وسلم يصبح جنباً من جماع، غير احتلام، ثم يغتسل، ويصوم» وأما خبر البخاري: «من أصبح جنباً فلا صوم له» فحملوه على من أصبح مجامعاً واستدام الجماع.\r6ً - كف اللسان والجوارح عن فضول الكلام والأفعال التي لا إثم فيها. وأما الكف عن الحرام كالغيبة والنميمة والكذب فيتأكد في رمضان، وهو واجب في كل زمان، وفعله حرام في أي وقت، وقال عليه السلام: «من لم يدع قول الزور والعمل به، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه» (1) ، «رب صائم حظه من صيامه الجوع والعطش، ورب قائم حظه من قيامه السهر» (2) فإن شتم، سن في رمضان قوله جهراً: إني صائم، لحديث الصحيحين عن أبي هريرة مرفوعاً: «إذا كان يوم صوم أحدكم، فلا يرفث ولا يصخب، فإن شاتمه أحد أو قاتله، فليقل: إني صائم» أما في غير رمضان فيقوله سراً يزجر نفسه بذلك، خوف الرياء.\r7ً - ترك الشهوات المباحة التي لا تبطل الصوم من التلذذ بمسموع ومبصر وملموس ومشموم كشم ريحان ولمسه والنظر إليه، لما في ذلك من الترفه الذي لايناسب حكمة الصوم، ويكره له ذلك كله، كدخول الحمام.\r-------------------------------\r(1) رواه البخاري وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه من حديث أبي هريرة (الترغيب والترهيب: 146/2).\r(2) رواه الطبراني في الكبير عن ابن عمر، وإسناده لا بأس به (المصدر السابق: ص 148).","part":3,"page":65},{"id":1458,"text":"8ً - يسن عند الشافعية: ترك الفصد والحجامة لنفسه ولغيره خروجاً من خلاف من فطَّر بذلك، ويسن بالاتفاق ترك مضغ البان (العلك غير المصحوب بسكر) وغيره لأنه يجمع الريق، ويؤدي للعطش، وترك ذوق الطعام أو غيره خوف وصول شيء إلى الحلق، وترك القبلة، وتحرم القبلة إن خشي فيها الإنزال.\rأما كون الحجامة لا تفطر عند الشافعية فلأنه صلّى الله عليه وسلم احتجم وهو صائم (1) . وأما حديث: «أفطر الحاجم والمحجوم» (2) فهو منسوخ، وتفطر الحجامة عند الحنابلة.\r9ً - التوسعة على العيال (الأسرة) والإحسان إلى الأرحام، والإكثار من الصدقة على الفقراء والمساكين، لخبر الصحيحين: «أنه صلّى الله عليه وسلم كان أجود الناس بالخير، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل» والحكمة في ذلك تفريغ قلوب الصائمين والقائمين للعبادة بدفع حاجاتهم.\r10ً - الاشتغال بالعلم وتلاوة القرآن ومدارسته، والأذكار والصلاة على النبي صلّى الله عليه وسلم ، كلما تيسر له ذلك ليلاً أو نهاراً. لخبر الصحيحين: «كان جبريل يلقى النبي صلّى الله عليه وسلم في كل ليلة من رمضان، فيدارسه القرآن» ومثله كل أعمال الخير؛ لأن الصدقة في رمضان تعدل فريضة فيما سواه، فتضاعف الحسنات به.\r11ً - الاعتكاف لا سيما في العشر الأواخر من رمضان، لأنه أقرب إلى صيانة النفس عن المنهيات، وإتيانها بالمأمورات، ولرجاء أن يصادف ليلة القدر إذ هي منحصرة فيه، وروى مسلم أنه صلّى الله عليه وسلم كان يجتهد في العشر الأواخر ما لا يجتهد في غيره. وقالت عائشة: «كان النبي صلّى الله عليه وسلم إذا دخل العشر الأواخر أحيا الليل، وأيقظ أهله، وشد المئزر» (3) أي اعتزل النساء.\r-------------------------------\r(1) رواه أبو داود وابن ماجه والترمذي وصححه عن ابن عباس (نيل الأوطار: 202/4).\r(2) رواه أحمد والترمذي عن رافع بن خديج، ولأحمد وأبي داود وابن ماجه مثله من حديث ثوبان وشداد بن أوس (نيل الأوطار:200/4).\r(3) متفق عليه (نيل الأوطار: 270/4) ورواه أيضاً عبد الرزاق عن الثوري، وابن أبي شيبة عن أبي بكر ابن عياش.","part":3,"page":66},{"id":1459,"text":"والسنة في ليلة القدر كما أبنت أن يقول: «اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني» ويكتمها ويحييها ويحيي يومها كليلتها.\rهذه هي سنن الصوم، أفاض في بيانها الشافعية والحنابلة وغيرهم، واقتصر الحنفية على القول باستحباب ثلاثة أمور: السحور، وتأخيره، وتعجيل الفطر في غير يوم غيم.\rوقال المالكية: سننه السحور وتعجيل الفطر، وتأخير السحور، وحفظ اللسان والجوارح، والاعتكاف في آخر رمضان.\rوفضائله: عمارته بالعبادة، والإكثار من الصدقة، والفطر على حلال دون شبهة، وابتداء الفطر على التمر أو الماء، وقيام لياليه وخصوصاً ليلة القدر.\rالمطلب الثاني ـ مكروهات الصيام:\rيكره في الصوم ما يأتي:\r1ً - صوم الوصال: وهو ألا يفطر بين اليومين بأكل وشرب، وهو مكروه عند أكثر العلماء (1) ، ومحرم عند الشافعية، كما تقدم، إلا للنبي صلّى الله عليه وسلم فمباح له، لحديث ابن عمر: «واصل رسول الله صلّى الله عليه وسلم في رمضان، فواصل الناس، فنهى رسول الله صلّى الله عليه وسلم عن الوصال، فقالوا: إنك تواصل؟ قال: إني لست كأحدكم، إني أظل يطعمني ربي ويسقيني» (2) وهذا يقتضي اختصاصه بذلك، ومنع إلحاق غيره به. ولا يحرم عند الجمهور؛ لأن النهي وقع رفقاً ورحمة، ولهذا واصل رسول الله صلّى الله عليه وسلم بهم، وواصلوا بعده. ويحرم عند الشافعية للنهي عنه، كما سبق.\r2ً - القبلة، ومقدمات الجماع ولو فكراً أو نظراً، لأنه ربما أداه للفطر بالمني، وهذا إن علمت السلامة من ذلك وإلا حرم.\r-------------------------------\r(1) المغني: 171/3، كشاف القناع:399/2.\r(2) متفق عليه، وروي مثله أيضاً حديثان آخران متفق عليهما عن أبي هريرة وعائشة، وروى البخاري وأبو داود عن أبي سعيد (نيل الأوطار: 219/4).","part":3,"page":67},{"id":1460,"text":"3ً - الترفه بالمباحات كالتطيب نهاراً وشم الطيب والحمام.\r4ً - ذوق الطعام والعلك، خوفاً من وصول شيء إلى الجوف بالذوق، ولأن العلك يجمع الريق، فإن ابتلعه أفطر في رأي، وإن ألقاه عطشه.\rخلاصة المكروهات في المذاهب:\rقال الحنفية (1) : يكره للصائم سبعة أمور:\r1ً - ذوق شيء ومضغه بلا عذر، لما فيه من تعريض الصوم للفساد.\r2ً - مضغ العلك غير المصحوب بسكر (2) ؛ لأنه يتهم بالإفطار بمضغه، سواء المرأة والرجل.\r3ً و 4ً - القبلة، والمس والمعانقة والمباشرة الفاحشة، إن لم يأمن فيها على نفسه الإنزال أو الجماع، في ظاهر الرواية، لما في ذلك من تعريض الصوم للفساد بعاقبة الفعل. ويكره التقبيل الفاحش بمضغ شفتها. وإن أمن المفسد لا بأس.\r5ً - 6ً - جمع الريق في الفم قصداً، ثم ابتلاعه، تحاشياً له عن الشبهة.\r7ً - ما ظن أنه يضعفه كالفصد والحجامة.\rولا يكره للصائم تسعة أمور:\r1 ، 2 - القبلة والمباشرة مع الأمن من الإنزال والوقاع، لما روت عائشة أنه عليه الصلاة والسلام كان يقبل ويباشر، وهو صائم (3) .\r3 ، 4 - دهن الشارب بالطيب، والكحل.\r5 ، 6- الحجامة والفصد إذا لم يضعفه كل منهما عن الصوم.\r7 - السواك آخر النهار، بل هو سنة في أول النهار وآخره، ولو كان رطباً أو مبلولاً بالماء.\r8 - المضمضة والاستنشاق لغير وضوء.\r9 - الاغتسال والالتفاف بثوب مبتل للتبرد، على المفتى به.\r-------------------------------\r(1) الدر المختار: 153/2-155، مراقي الفلاح: ص114 ومابعدها.\r(2) وهو المصطكى، وقيل: اللبان.\r(3) رواه الشيخان.","part":3,"page":68},{"id":1461,"text":"وقال المالكية (1) : يكره للصائم ما يأتي:\r1 - إدخال الفم كل رطب له طعم وإن مجه، وذوق شيء له طعم كملح وعسل وخل، لينظر حاله، ولو لصانعه، مخافة أن يسبق لحلقه شيء منه.\r2 - مضغ عِلْك كلبان وتمرة لطفل، فإن سبقه شيء منهما لحلقه فيجب القضاء.\r3 - الدخول على المرأة والنظر إليها، ومقدمة جماع ولو فكراً أو نظراً؛ لأنه ربما أداه للفطر بالمذي أو المني، وهذا إن علمت السلامة من ذلك، وإلا حرم.\r4 - تطيب نهاراً وشم الطيب نهاراً.\r5 - الوصال في الصوم.\r6 - المبالغة في المضمضة والاستنشاق.\r7 - مداواة نخر الأسنان نهاراً إلا لخوف ضرر في تأخيره لليل بحدوث مرض أو زيادته أو شدة تألم. فإن ابتلع من الدواء شيئاً قهراً، قضى اليوم.\r8 - الإكثار من النوم بالنهار.\r9 - فضول القول والعمل.\r10 - الحجامة.\rوقال الشافعية (2) :\rتكره الحجامة والفصد، والقبلة وتحرم إن خشي فيها الإنزال، ويكره ذوق الطعام، والعلك، ودخول الحمام، والتلذذ بمسموع ومبصر وملموس ومشموم كشم الريحان ولمسه، والنظر إليه، لما في ذلك من الترفه الذي لا يناسب حكمة الصوم. والأصح أن كراهة القبلة إن حركت شهوته تحريمية.\rويكره أيضاً السواك بعد الزوال إلى الغروب، للخبر الصحيح المتقدم: «لخُلوف فم الصائم يوم القيامة أفضل عند الله من ريح المسك» أي التغير، واختص بما بعد الزوال؛ لأن التغير ينشأ غالباً قبله من أثر الطعام وبعده من أثر العبادة. ومعنى أطيبيته عند الله تعالى: ثناؤه تعالى عليه، ورضاه به. وتكره المبالغة في المضمضة والاستنشاق، مخافة وصول شيء إلى الحلق.\rوقال الحنابلة (3) : يكره للصائم ما يأتي:\r-------------------------------\r(1) الشرح الصغير: 692/1-695، الشرح الكبير: 517/1 وما بعدها، القوانين الفقهية: ص 115، 119.\r(2) مغني المحتاج: 431/1، 436.\r(3) كشاف القناع: 383/2-386، المغني: 106/3-110، غاية المنتهى: 331/1.","part":3,"page":69},{"id":1462,"text":"1 - أن يجمع ريقه ويبتلعه، لأنه قد اختلف في الفطر به، فإن فعله قصداً لم يفطر، لأنه يصل إلى جوفه من معدنه. وإن أخرجه لما بين شفتيه أو انفصل عن فمه، ثم ابتلعه، أفطر؛ لأنه فارق معدنه، مع إمكان التحرز منه في العادة. ولا بأس بابتلاع الصائم ريقه بحسب المعتاد، بغير خلاف؛ لأنه لا يمكن التحرز منه\rكغبار الطريق. ويحرم على الصائم بلع نخامة، ويفطر بها إذا بلعها، سواء أكانت من جوفه أم صدره أم دماغه، بعد أن تصل إلى فمه، لأنها من غير الفم كالقيء.\r2 - المبالغة في المضمضة والاستنشاق، لقوله صلّى الله عليه وسلم للقيط بن صبرة: «وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائماًَ» وقد تقدم في الوضوء. ولا يفطر بالمضمضة والاستنشاق المعتادين بلا خلاف، سواء كان في الطهارة أوغيرها.\r3 - ذوق طعام بلا حاجة؛ لأنه لا يأمن أن يصل إلى حلقه، فيفطره، فإن وجد طعم المذوق في حلقه، أفطر لإطلاق الكراهة.\r4 - مضغ العلك الذي لا يتحلل منه أجزاء؛ لأنه يجمع الريق، ويجلو الفم، ويورث العطش، فإن وجد طعمه في حلقه أفطر، لوصول شيء أجنبي يمكن التحرز منه. ويحرم مضغ ما يتحلل منه أجزاء من علك وغيره، ولو لم يبتلع ريقه إقامة للمظِنة مقام المئِنة.\r5 - القبلة لمن تحرك شهوته فقط، لقول عائشة السابق: «كان النبي صلّى الله عليه وسلم يُقبِّل، وهو صائم، ويباشر وهو صائم، وكان أملككم لإربه» (1) «ونهى النبي صلّى الله عليه وسلم عنها شاباً ورخص لشيخ» (2) .\rوإن ظن الإنزال مع القبلة لفرط شهوته، حرم بغير خلاف. ولا تكره القبلة، ولا مقدمات الوطء كلها من اللمس وتكرار النظر ممن لا تحرك شهوته.\r6 - ترك الصائم بقية طعام بين أسنانه، خشية أن يجري ريقه بشيء منه إلى جوفه.\r-------------------------------\r(1) متفق عليه. والإرب: الشهوة والحاجة.\r(2) حديث حسن رواه أبو داود من حديث أبي هريرة، ورواه سعيد عن أبي هريرة وأبي الدرداء، وكذا عن ابن عباس بإسناد صحيح.","part":3,"page":70},{"id":1463,"text":"7 - شم ما لا يأمن أن تجذبه أنفاسه إلى حلقه، كسحيق مسك، وكافور ودهن وبخور وعنبر ونحوها.\rولا بأس أن يغتسل الصائم، لأن النبي صلّى الله عليه وسلم كان يغتسل من الجنابة ثم يصوم (1) ، ولا بأس بالسواك للصائم، قال عامر بن ربيعة: رأيت النبي صلّى الله عليه وسلم ما لا أحصي يتسوك وهو صائم (2) .\rالمبحث السادس - الأعذار المبيحة للفطر:\rيباح الفطرلأعذار أهمها سبع أو تسع هي ما يأتي (3) ، وقد نظمها بعضهم بقوله:\rوعوارض الصوم التي قد يغتفر للمرء فيها الفطر تسع تستطر\rحبل وإرضاع وإكراه سفر مرض جهاد جَوْعةعطش كبر\r1 - السفر: لقوله تعالى: {فمن كان منكم مريضاً أو على سفر فعدة من أيام أخر} [البقرة:185/2] والسفر في عرف اللغة: عبارة عن خروج يُتكلف فيه مؤنة، ويفصل فيه بُعْد في المسافة. ولم يرد فيه من الشارع نص، لكن ورد فيه تنبيه، وهو قوله عليه السلام في الصحيح: «لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر مسيرة يوم وليلة إلا معها ذو مَحْرم منها» .\r-------------------------------\r(1) متفق عليه عن عائشة وأم سلمة.\r(2) قال الترمذي: هذا حديث حسن.\r(3) الدر المختار:158/2-168، مراقي الفلاح: ص115-117، البدائع: 94/2-97، الشرح الكبير: 534/1، القوانين الفقهية: ص120-122، الشرح الصغير: 689/1-691، بداية المجتهد: 285/1-288، مغني المحتاج: 437-440، المهذب:178/1 ومابعدها، غاية المنتهى: 333/1، المغني: 99/3 ومابعدها، كشاف القناع: 361/2-365.","part":3,"page":71},{"id":1464,"text":"أ ـ والسفر المبيح للفطر: هو السفر الطويل الذي يبيح قصر الصلاة الرباعية وذلك لمسافة تقدر بحوالي 89 كم، وبشرط عند الجمهور: أن ينشئ السفر قبل طلوع الفجر ويصل إلى مكان يبدأ فيه جواز القصر وهو بحيث يترك البيوت وراء ظهره، إذ لا يباح له الفطر بالشروع في السفر بعد ما أصبح صائماً، تغليباً لحكم الحضر على السفر إذا اجتمعا. فإذا شرع بالسفر بأن جاوز عمران بلدة قبل طلوع الفجر، جاز له الإفطار، وعليه القضاء. وإن شرع في الصوم، ثم تعرض لمشقة شديدة لا تحتمل عادة، أفطر وقضى، لحديث جابر: «أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم خرج إلى مكة عام الفتح، فصام حتى بلغ كُرَاع الغميم (1) ، وصام الناس معه، فقيل له: إن الناس قد شق عليهم الصيام، وإن الناس ينظرون فيما فعلت، فدعا بقدح من ماء بعد العصر، فشرب والناس ينظرون إليه، فأفطر بعضهم، وصام بعضهم، فبلغه أن ناساً صاموا، فقال: أولئك العصاة» (2) قال الشوكاني: فيه دليل على أنه يجوز للمسافر أن يفطر بعد أن نوى الصيام من الليل، وهو قول الجمهور.\rوأجاز الحنابلة للمسافر الإفطار ولو سافر من بلده في أثناء النهار ولو بعد الزوال، لأن السفر معنى لو وجد ليلاً واستمر في النهار، لأباح الفطر، فإذا وجد في أثنائه أباحه كالمرض، وعملاً بما رواه أبو داود عن أبي بصرة الغفاري الذي أفطر بعد شروعه في السفر، وقال: إنها سنة رسول الله صلّى الله عليه وسلم .\r-------------------------------\r(1) كراع الغميم: اسم واد أمام عسفان، وهو من أراضي أعالي المدينة.\r(2) رواه مسلم والنسائي والترمذي وصححه (نيل الأوطار: 266/4).","part":3,"page":72},{"id":1465,"text":"واشترط الشافعية شرطاً ثالثاً: وهو ألا يكون الشخص مديماً للسفر، فإن كان مديماً له كسائقي السيارات، حرم عليه الفطر، إلا إذا لحقه بالصوم مشقة، كالمشقة التي تبيح التيمم: وهي الخوف على نفس أو منفعة عضو من التلف، أو الخوف من طول مدة المرض، أو حدوث شين قبيح في عضو ظاهر: وهو ما لا يعد كشفه هتكاً للمروءة، بأن يبدو في المهنة غالباً.\rوهناك شرطان آخران عند الجمهور غير الحنفية: أن يكون السفر مباحاً، وألا ينوي إقامة أربعة أيام في خلال سفره، وأضاف المالكية شرطاً آخر: هو أن يبيِّت الفطر قبل الفجر في السفر، فإن السفر لا يبيح قصراً ولا فطراً إلا بالنية والفعل، كما سيأتي في الفقرة التالية. وأجاز الحنفية الفطر في السفر ولو بمعصية.\rوالخلاصة: أن المالكية يبيحون الفطر بسبب السفر بأربعة شروط: أن يكون السفر سفر قصر، وأن يكون مباحاً، وأن يشرع قبل الفجر إذا كان أول يوم، وأن يبيت الفطر.\rب ـ ولو أصبح المسافر صائماً، ثم بدا له أن يفطر، جاز له ذلك ولا إثم عليه عند الشافعية والحنابلة، عملاً بحديث صحيح متفق عليه عن ابن عباس، ولأن النبي صلّى الله عليه وسلم أفطر في أثناء فتح مكة (1) . ويحرم الفطر ويأثم عند الحنفية والمالكية، وعليه القضاء فقط عند الجمهور، والقضاء والكفارة عند المالكية، لأنه أفطر في صوم رمضان، فلزمه ذلك، كما لو كان مقيماً أو حاضراً.\r-------------------------------\r(1) وأفطر تبعاً له بعض الناس، وصام بعضهم، فقال عنهم النبي: «أولئك العصاة» رواه مسلم.","part":3,"page":73},{"id":1466,"text":"والصوم عند الحنفية والمالكية والشافعية أفضل للمسافر إن لم يتضرر، أو لم تكن عند الحنفية عامة رفقته مفطرين، ولا مشتركين في النفقة، فإن كانوا مشتركين في النفقة أو مفطرين، فالأفضل فطره موافقة للجماعة، ويجب الفطر ويحرم الصوم في حال الضرر. ودليلهم عموم قوله تعالى دون تقييده بحال الكبير الذي لايطيق الصوم: {وأن تصوموا خير لكم} [البقرة:184/2] والتضرر: هو الخوف من التلف أو تلف عضو منه أو تعطيل منفعة.\rوقال الحنابلة: يسن الفطر ويكره الصوم في حالة سفر القصر، ولو بلا مشقة؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلم قال عن الصائمين عام الفتح: «أولئك العصاة» ولقوله صلّى الله عليه وسلم\rفي الصحيحين: «ليس من البر الصوم في السفر» . والرأي الأول هو المعقول عملاً بظاهر الآية: {وأن تصوموا خير لكم} [البقرة:184/2] ولأن الفطر عام الفتح من أجل القتال.\rجـ ـ وليس للمسافر أن يصوم في رمضان عن غيره كالنذر والقضاء؛ لأن الفطر أبيح رخصة عنه، فإذا لم يرد التخفيف عن نفسه، لزمه أن يأتي بالأصل.\rفإن نوى المسافر أو المريض صوماً غير رمضان، لم يصح صومه عند الجمهور لا عن رمضان ولا عما نواه؛ لأنه أبيح له الفطر للعذر، فلم يجز له أن يصومه عن غير رمضان كالمريض. وقال الحنفية: يقع عما نواه إذا كان واجباً،لا تطوعاً؛ لأنه زمن أبيح له فطره، فكان له صومه عن واجب عليه كغير شهر رمضان.","part":3,"page":74},{"id":1467,"text":"د ـ وإن صام المسافر ومثله المريض أجزأه باتفاق المذاهب الأربعة عن فرضه، وقال الظاهرية: لا يجزيه. ومنشأ الاختلاف هو المفهوم من قوله تعال: {فمن كان منكم مريضاً أو على سفر، فعدة من أيام أخر} [البقرة:185/2] فقال الجمهور: الكلام محمول على المجاز، وتقديره: ( فأفطر فعدة من أيام أخر ) وهذا الحذف هو المعروف بلحن الخطاب. وقال الظاهرية: الكلام محمول على الحقيقة، لا المجاز، وفرض المسافر هو عدة من أيام أخر، فمن قدر وأفطر، ففرضه عدة من أيام أخر إذا أفطر.\rوتأيد مذهب الجمهور بحديث أنس: «كنا نسافر مع رسول الله صلّى الله عليه وسلم ، فلم يعب الصائم على المفطر، ولا المفطر على الصائم» (1) .\rوتأيد مذهب أهل الظاهر بما ثبت عن ابن عباس: « أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم خرج إلى مكة عام الفتح في رمضان، فصام حتى بلغ الكَديد (وهو ماء بين عُسْفان وقُديد) فأفطر، وأفطروا» (2) وكانوا يأخذون بالأحدث فالأحدث أو بالآخر فالآخر من أمر رسول الله صلّى الله عليه وسلم .\r2 - المرض: معنى يوجب تغير الطبيعة إلى الفساد، وهو يجيز الفطر كالسفر، للآية السابقة: {فمن كان منكم مريضاً أو على سفر، فعدة من أيام أخر} [البقرة:185/2].\rأ ـ وضابط المرض المبيح الفطر: هوالذي يشق معه الصوم مشقة شديدة أو يخاف الهلاك منه إن صام، أو يخاف بالصوم زيادة المرض أو بطء البرء أي تأخره (3) . فإن لم يتضرر الصائم بالصوم كمن به جرب أو وجع ضرس أو إصبع أو دمل ونحوه، لم يبح له الفطر.\rوالصحيح الذي يخاف المرض أوالضعف بغلبة الظن بأمارة أو تجربة أو بإخبار طبيب حاذق مسلم مستور العدالة، كالمريض عند الحنفية. والصحيح الذي يظن الهلاك أو الأذى الشديد كالمريض عند المالكية.\rوليس الصحيح كالمريض عند الشافعية والحنابلة.\r-------------------------------\r(1) متفق عليه (نيل الأوطار: 222/4) وروى مسلم عن أبي سعيد مثله.\r(2) متفق عليه (المصدر السابق).\r(3) يرى الأطباء أن الأمراض المبيحة للفطر هي مثل: مرض القلب الشديد، والسل (التدرن) والتهابات الرئة، والورم الرئوي، والسرطانات، والتهاب الكلية الحاد،والمصاب بحصاة في المجاري البولية مع اختلاطات والتهابات، وتصلب الشرايين، والقرحة، والسُّكري الشديد، ومرض الفتق الحجابي، والقرحة الاثني عشرية والأمراض الخبيثة أو الإنتانية في الجهاز الهضمي، والأمراض الكبدية المزمنة مثل تشمع الكبد، وأمراض سوء الامتصاص، وحالات الإسهال الشديدة والتهاب البنكرياس الحاد والحصيات المرارية والتهابات الكولون المزمنة.","part":3,"page":75},{"id":1468,"text":"وإن غلب على الظن الهلاك بسبب الصوم، أو الضرر الشديد كتعطيل حاسة من الحواس، وجب الفطر.\rوأضاف الحنفية أن المحارب الذي يخاف الضعف عن القتال، وليس مسافراً، له الفطر قبل الحرب، ومن له نوبة حمى أو عادة حيض، لابأس بفطره على ظن وجوده.\rفالجهاد ولو بدون سفر سبب من أسباب إباحة الفطر، للتقوي على لقاء العدو، وعملاً بالثابت في السنة عام فتح مكة.\rب ـ ولا يجب عند الجمهور على المريض أن ينوي الترخص بالفطر، ويجب ذلك عند الشافعية وإلا كان آثماً. وإن صام المريض في مرضه، أجزأه صومه؛ لصدوره من أهله في محله، كما لو أتم المسافر.\rجـ ـ وللفقهاء آراء في فطر المريض: فقال الحنفية والشافعية: المرض يبيح الفطر. وقال الحنابلة: يسن الفطر حالة المرض ويكره الصوم، لآية {فمن كان منكم مريضاً أو على سفر، فعدة من أيام أخر} [البقرة:185/2]، أي فليصم عدد ما أفطره. وقال المالكية: للمريض أحوال أربعة:\rالأولى: ألا يقدر على الصوم بحال، أو يخاف الهلاك من المرض أو الضعف إن صام، فالفطر عليه واجب.\rالثانية: أن يقدر على الصوم بمشقة فالفطر له جائز، فهم كالحنفية والشافعية، وقال ابن العربي: يستحب (1) .\rالثالثة: أن يقدر بمشقة ويخاف زيادة المرض، ففي وجوب فطره قولان.\rالرابعة: ألا يشق عليه ولا يخاف زيادة المرض، فلا يفطر عند الجمهور، خلافاً لابن سيرين.\r-------------------------------\r(1) أحكام القرآن: 77/1.","part":3,"page":76},{"id":1469,"text":"د ـ إذا أصبح المريض أو المسافر على نية الصيام، ثم زال عذره ، لم يجز له الفطر. وإن أصبح على نية الفطر ثم زال عذره، جاز له الأكل بقية يومه، وكذلك من أصبح مفطراً لعذر مبيح، ثم زال عذره في بقية يومه، عند الجمهور خلافاً لأبي حنيفة.\rهـ ـ لا يصح بالاتفاق لمريض ولا لمسافر أن يصوم تطوعاً في رمضان. وكذا لا يصح عند الجمهور أن يصوم واجباً آخر، ويصح ذلك عند الحنفية على الراجح، كما تبين في عذر السفر.\rوعلى المريض والمسافر في رأي الشافعية الكفارة مع القضاء إذا جاء رمضان آخر، ولم يقض، والكفارة: هي إطعام مد من غالب قوت البلد عن كل يوم.\rوتتكرر الكفارة بتكرر السنين. لكن إن استمر العذر حتى دخل رمضان آخر، فلا شيء عليه سوى القضاء . وإن مات قبل التمكن من القضاء، فلا شيء عليه. وإن مات بعد التمكن من القضاء، صام عنه وليه ندباً، فإن لم يصم عنه وليه، أطعم من تركته عن كل يوم مداً من طعام غالب قوت البلد؛ لما روى الترمذي عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: «من مات وعليه صيام شهر، فليُطعَم عنه مكان كل يوم مسكيناً» وروى البخاري ومسلم عن عائشة رضي الله عنها: أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم قال: «من مات وعليه صيام، صام عنه وليه» .","part":3,"page":77},{"id":1470,"text":"3 - 4 - الحمل والرضاع: يباح للحامل والمرضع الإفطار إذا خافتا على أنفسهما أو على الولد ، سواء أكان الولد ولد المرضعة أم لا، أ ي نسباً أو رضاعاً، وسواء أكانت أماً أم مستأجرة، وكان الخوف نقصان العقل أو الهلاك أو المرض، والخوف المعتبر: ما كان مستنداً لغلبة الظن بتجربة سابقة، أو إخبار طبيب مسلم حاذق عدل. ودليل الجواز لهما: القياس على المريض والمسافر، وقوله صلّى الله عليه وسلم : «إن الله عز وجل وضع عن المسافر الصوم وشطر الصلاة، وعن الحبلى والمرضع الصوم» (1) ويحرم الصوم إن خافت الحامل أوالمرضع على نفسها أو ولدها الهلاك.\rوإذا أفطرتا وجب القضاء دون الفدية عند الحنفية، ومع الفدية إن خافتا على ولدهما فقط عند الشافعية والحنابلة، ومع الفدية على المرضع فقط لا الحامل عند المالكية، كما سيأتي.\r5 - الهرم: يجوز إجماعاً الفطر للشيخ الفاني والعجوز الفانية العاجزين عن الصوم في جميع فصول السنة، ولا قضاء عليهما، لعدم القدرة، وعليهما عن كل يوم فدية طعام مسكين، وتستحب الفدية فقط عند المالكية، لقوله تعالى: {وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين} [البقرة:184/2] قال ابن عباس: ليست بمنسوخة، هي للشيخ الكبير والمرأة الكبيرة لا يستطيعان أن يصوما، فيطعمان مكان كل يوم مسكيناً (2) .\rومثلهما: المريض الذي لا يرجى برؤه، لقوله تعالى: { وما جعل عليكم في الدين من حرج} [الحج:78/22]. أما من عجز عن الصوم في رمضان ولكن يقدر على قضائه في وقت آخر، فيجب عليه القضاء ولا فدية عليه.\r6 - إرهاق الجوع والعطش: يجوز الفطر لمن حصل له أو أرهقه جوع أو عطش شديد يخاف منه الهلاك أو نقصان العقل أو ذهاب بعض الحواس، بحيث لم يقدر معه على الصوم، وعليه القضاء. فإن خاف على نفسه الهلاك، حرم عليه الصيام، لقوله تعالى : {ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة} [البقرة:195/2].\r-------------------------------\r(1) رواه الخمسة ( أحمد وأصحاب السنن) عن أنس بن مالك الكعبي (نيل الأوطار: 230/4).\r(2) رواه البخاري ( المصدر السابق: ص 231 ).","part":3,"page":78},{"id":1471,"text":"وإذا أفطر المرهق بالجوع أو العطش، فاختلف: هل يمسك بقية يومه، أو يجوز له الأكل.\r7 - الإكراه: يباح الفطر للمستكره، وعليه عند الجمهور القضاء، وعند الشافعية لا يفطر المستكره. وإذا وطئت المرأة مكرهة أو نائمة، فعليها القضاء.\rهذه أهم الأعذار المبيحة للفطر، أما الحيض والنفاس والجنون الطارئ على الصائم فيبيح الفطر، بل ولا يوجب الصوم ولا يصح معه، كما تقدم في الشروط.\rصاحب العمل الشاق: قال أبو بكر الآجري (1) : من صنعته شاقة، فإن خاف بالصوم تلفاً، أفطر وقضى إن ضره ترك الصنعة، فإن لم يضره تركها، أثم بالفطر، وإن لم ينتف التضرر بتركها، فلا إثم عليه بالفطر للعذر. وقرر جمهور الفقهاء أنه يجب على صاحب العمل الشاق كالحصاد والخباز والحداد وعمال المناجم أن يتسحر وينوي الصوم، فإن حصل له عطش شديد أو جوع شديد يخاف منه الضرر، جاز له الفطر، وعليه القضاء، فإن تحقق الضرر وجب الفطر، لقوله تعالى: {ولاتقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيماً} [النساء:29/4].\rإنقاذ الغريق ونحوه: قال الحنابلة (2) : يجب الفطر على من احتاجه غيره لإنقاذ آدمي معصوم من مهلكة كغرق ونحوه، ولا يفدي، فإن قدر بدون فطر حرم، فإن دخل الماء حلقه، لم يفطر.\rصوم التطوع: ولا يجوز الفطر بلا عذر للمتطوع بالصوم عند الحنفية القائلين بلزوم النفل في الشروع بالعبادة في الرواية الصحيحة، والضيافة عذر في الأظهر للضيف والمضيف قبل الزوال لا بعده، إلا أن يكون في عدم الفطر بعد الزوال عقوق لأحد الأبوين، لا غيرهما، لتأكد الصوم.\r-------------------------------\r(1) كشاف القناع: 361/2، غاية المنتهى:323/1.\r(2) غاية المنتهى: 324/1.","part":3,"page":79},{"id":1472,"text":"وإذا أفطر المتطوع على أي حال، وجب عليه عند الحنفية القضاء، إلا إذا شرع متطوعاً في خمسة أيام: يومي العيد، وأيام التشريق، فلا يلزمه قضاؤها بإفسادها في ظاهر الرواية، كما بان سابقاً.\rالإمساك بعد الفطر بعذر: اختلف الفقهاء على رأيين بوجوب الإمساك بقيةالنهار أو استحبابه على من أفطر في رمضان بعذر من الأعذار، فقال الحنفية والحنابلة بالوجوب، وقال الشافعية بالاستحباب، وقال المالكية بعدم الوجوب وعدم الاستحباب إلا في حالتين، وتفصيل الحالات والآراء يظهر فيما يأتي.\rقال الحنفية (1) : يجب الإمساك بقية اليوم على من فسد صومه ولو بعذر ثم زال، وعلى حائض ونفساء طهرتا بعد طلوع الفجر، وعلى مسافر أقام،ومريض برئ، ومجنون أفاق، وعلى صبي بلغ وكافر أسلم، لحرمة الوقت بالقدر الممكن، وعليهم القضاء إلا الأخيرين (الصبي والكافر) لعدم توافر الخطاب التكليفي لهما عند طلوع الفجر عليهما. وقد عرفنا أن الجنون المتقطع، لا المستوعب جميع الشهر يوجب القضاء، بخلاف الإغماء، فإنه يوجب القضاء ولو استوعب جميع الشهر؛ لأنه نوع مرض، إلا أنه لا يقضي اليوم الذي حدث فيه الإغماء أو حدث في ليلته، لوجود شرط الصوم وهو النية.\rوقال المالكية (2) : إمساك بقية اليوم يؤمر به من أفطر في رمضان خاصة أو في نذر واجب عمداً أو إكراهاً أو نسياناً، لا من أفطر لعذر مبيح، فمن أفطر لأجل عذر يباح له الفطر، ثم زال عذره، لا يستحب له الإمساك، كأن زال الحيض أو النفاس في أثناء نهار رمضان، أو انقضى السفر، أو زال الصبا وبلغ في أثناء نهار\r-------------------------------\r(1) مراقي الفلاح: ص 114، البدائع:102/2 ومابعدها.\r(2) حاشية الدسوقي على الشرح الكبير: 514/1، 525، القوانين الفقهية: ص124، الشرح الصغير وحاشية الصاوي: 705/1 ومابعدها.","part":3,"page":80},{"id":1473,"text":"رمضان، أو زال الجنون أو الإغماء، أو قوي المريض المفطر، أو زال اضطرار المضطر للأكل أو الشرب، فلا يستحب لهم الإمساك، ويجوز لهم التمادي في تعاطي الفطر. لكن يندب إمساك يوم الشك بقدر ما جرت العادة فيه بثبوت الشهر من المارين في الطريق من السفارة، وذلك بارتفاع النهار. ويجب الإمساك أيضاً في حال الإفطار نسياناً في صوم النفل، لا في العمد الحرام على المعتمد، ولا في الصوم الذي يجب فيه التتابع ككفارة الظهار والقتل.\rويرى الشافعية (1) : أنه يلزم الإمساك من تعدى بالفطر كأن أكل، عقوبة له ومعارضة لتقصيره، أو من نسي النية من الليل؛ لأن نسيانه يشعر بترك الاهتمام بأمر العبادة، فهو نوع من التقصير، وفي يوم الشك إن تبين كونه من رمضان، لما في فطره من نوع تقصير لعدم الاجتهاد في الرؤية، ويجب قضاؤه على الفور على المعتمد.\rولا يلزم الإمساك بقية النهار في الأصح إذا بلغ الصبي مفطراً، أو أفاق المجنون، أو أسلم الكافر، في أثناء النهار، لعدم التمكن من زمن يسع الأداء، لكن يندب القضاء لمن أفاق أو أسلم في أثناء النهار، خروجاً من الخلاف.\rكما لا يلزم الإمساك مسافراً أو مريضاً زال عذرهما بعد الفطر، كأن أكلا؛ لأن زوال العذر بعد الترخص لا يؤثر، كما لو قصر المسافر، ثم أقام، والوقت باق، لكن يستحب لهم الإمساك لحرمة الوقت، ويستحب أيضاً للحائض أو النفساء إذا طهرت.\rوإنما لم يجب الإمساك؛ لأن الفطر مباح لهم مع العلم بحال اليوم، وزوال العذر بعد الترخص لا يؤثر.\r-------------------------------\r(1) مغني المحتاج: 438/1، الحضرمية: ص413.","part":3,"page":81},{"id":1474,"text":"ويرى الحنابلة (1) : أنه يلزم الإمساك من أفطر بغير عذر، أو أفطر يظن أن الفجر لم يطلع وقد كان طلع، أو يظن أن الشمس قد غابت ولم تغب، أو الناسي لنية الصوم ونحوهم، بلا خلاف بين العلماء.\rويلزم الإمساك أيضاً على الراجح كل من زال عذره في أثناء النهار، وعليه القضاء، كالصبي والمجنون والكافر، والمريض والمسافر، والحائض والنفساء، إذا زالت أعذارهم في النهار، فبلغ الصبي، وأفاق المجنون، وأسلم الكافر، وصح المريض المفطر، وأقام المسافر، وطهرت الحائض والنفساء. ولهم ثواب إمساك، لاثواب صيام.\rفإن بلغ الصغير صائماً بسن، أو احتلام، وقد نوى من الليل، أتم وأجزأ، كنذر إتمام نفل، وإن علم مسافر أنه يقدم غداً أهله، لزمه الصوم.\rالمبحث السابع ـ ما يفسد الصوم وما لا يفسده:\rاختلف الفقهاء في هذا المبحث من ناحيتي الشكل (الصياغة) والموضوع، اختلافاً يقتضي بياناً مستقلاً في كل مذهب على حدة.\rالحنفية (2) : ما يفسد الصوم نوعان: نوع يوجب القضاء فقط، ونوع يوجب القضاء والكفارة.\rأولاً ـ مايفسد الصوم ويوجب القضاء فقط دون الكفارة:\rوهو سبعة وخمسون شيئاً تقريباً، يمكن تصنيفها في ثلاثة أشياء:\rالأول ـ أن يتناول ما ليس بغذاء ولا في معنى الغذاء وهو الدواء: وهو تناول كل شيء لا يقصد به التغذي عادة ولا يميل إليه ا لطبع، كأن أكل الصائم أرزاً نيئاً، أو عجيناً أو دقيقاً غير مخلوط بشيء يؤكل عادة كالسمن والدبس والعسل والسكر، وإلا وجبت به الكفارة، أو أكل ملحاً كثيراً دفعة واحدة، فإن أكل ملحاً قليلاً، وجبت به الكفارة، أو أكل ثمرة قبل نضجها، أو أكل ما بقي بين أسنانه، وكان قدر الحمصة، فإن كان أقل، فلا يفسد، أو أكل جوزة رطبة.\rأو أكل طيناً غير أرمني لم يعتد أكله، أما أكل الطين الأرمني (وهو معروف عند العطارين) فيوجب الكفارة.\r-------------------------------\r(1) المغني: 134/3، غاية المنتهى: 320/1.\r(2) الدر المختار: 132/2-153، فتح القدير: 64/2-77، البدائع، 94/2-102، اللباب: 165/1-173، مراقي الفلاح: 109-114، تبيين الحقائق: 322/1-332.","part":3,"page":82},{"id":1475,"text":"أو أكل نواة (بزرة) أو قطناً أو ورقاً، أو جلداً، أو ابتلع حصاة أو حديداً أو تراباً أو حجراً أو درهماً أو ديناراً ونحو ذلك، أو أدخل دخاناً بصنعه، أو أدخل ماء أو دواء في جوفه بواسطة الحقنة في قبل المرأة أو الدبر مطلقاً أو الأنف أو الحلق، أو استعط في أنفه شيئاً (1) أو قطر في أذنه دهناً، لا ماء على الصحيح لعدم سريان الماء، ولضرر الدماغ به، أو دخل حلقه مطر أو ثلج في الأصح، ولم يبتلعه بصنعه.\rوالخلاصة: اتفق الحنفية على أنه لو أنزل قطرة في قبل المرأة، فسد صومها؛ لأن القطرة كالحقنة. وأما القطرة في إحليل الرجل فلا تفطر في الأظهر، أو على المذهب وهو قول أبي حنيفة ومحمد كما سيأتي في بحث مالا يفسد الصوم ـ رقم11 وقال أبو يوسف: يفطر الصائم.\rأو استقاء (تعمد إخراج القيد) من جوفه، أو خرج كرهاً وأعاده بصنعه، إذا كان القيء عمداً ملء الفم أو ولو كان أقل من ملء الفم في حالة الإعادة بقدر حمصة منه فأكثر على الصحيح، وكان ذاكراً لصومه، فإن ذرعه (غلبه) القيء، أو كان القيء حال الاستقاءة أقل من ملء الفم، أو كان ناسياً لصومه، أو كان القيء بلغماً لا طعاماً، لم يفطر في جميع هذه الحالات اتفاقاً، والدليل حديث: «من ذرعه القيء، فليس عليه قضاء، ومن استقاء عمداً فليقض» (2) .\rالثاني ـ أن يتناول غذاء، أو دواء لعذر شرعي كمرض أو سفر أو إكراه أو خطأ أو إهمال أو شبهة: كأن سبق خطأ ماء المضمضة إلى جوفه، أو داوى جرحاً في رأسه أو بطنه، فوصل الدواء إلى دماغه أو جوفه، أو صب أحد ماء في جوف إنسان نائم، أو أفطرت امرأة خوفاً على نفسها من أن تمرض من الخدمة.\r-------------------------------\r(1) الحقنة: صب الدواء في الدبر أو قبل المرأة، والسعوط: صبه في الأنف.\r(2) رواه الخمسة إلا النسائي عن أبي هريرة (نيل الأوطار: 204/4).","part":3,"page":83},{"id":1476,"text":"أو أكل أو جامع عمداً لشبهة شرعية بعد أن أكل ناسياً أو جامع ناسياً، أو أكل بعدما نوى نهاراً، ولم يكن قد بيت نيته ليلاً، أو أكل المسافر الذي نوى الصوم ليلاً بعد أن نوى الإقامة، أو أكل أو جامع في حالة السفر بعد أن أصبح مقيماً ناوياً الصوم من الليل، ثم بدأ السفر نهاراً، لشبهة السفر، وإن لم يحل له الفطر.\rأو أكل أو شرب أو جامع شاكاً في طلوع الفجر، وهو طالع، ولا كفارة عليه للشبهة؛ لأن الأصل بقاء الليل أو أفطر ظاناً الغروب، والشمس باقية؛ ولا كفارة عليه لغلبة الظن بحدوث الغروب.\rومن جامع قبل طلوع الفجر أو أكل، ثم طلع عليه الفجر، فإن نزع فوراً، أو ألقى ما في فمه، لم يفسد صومه.\rالثالث - إذا قضى شهوة الفرج غير كاملة: كأن أنزل المني بوطء ميتة أو بهيمة أو صغيرة لا تشتهى، أو بمفاخذة أو تبطين، أو قبلة أو لمس، أو عبث بباطن الكف، أو وطئت المرأة وهي نائمة، أو قطرت في فرجها دهناً ونحوه.\rويلحق به ما إذا أدخل أصبعه مبلولة بماء أو دهن في دبره، أواستنجى فوصل الماء إلى داخل دبره، أو أدخل في دبره قطنة أو خرقة أو طرف حقنة ولم يبق منه شيء، أو أدخلت المرأة أصبعها مبلولة بماء أودهن في فرجها الداخل، أو أدخلت قطنة أو خشبة أو عوداً وغيبته؛ لأنه تم الدخول، بخلاف ما لو بقي طرفه خارجاً؛ لأن عدم تمام الدخول كعدم دخول شيء بالمرة، فلا يفسد الصوم إذا بقي منه في الخارج شيء بحيث لم يغب كله. وعلى هذا لايفسد عندهم الصوم بالفحص النسائي بإدخال آلة منظار وبقاء طرفها خارجاً، ويفسد بإدخال الإصبع ونحوها، خلافاً للحنابلة في إدخال الإصبع، كما سيأتي.\rومما يلحق به: ما إذا أفسد صوماً غير أداء رمضان بجماع أو غيره، لعدم هتك حرمة الشهر.","part":3,"page":84},{"id":1477,"text":"ثانياً ـ ما يفسد الصوم ويوجب القضاء والكفارة معاً:\rوهو اثنان وعشرون شيئاً تقريباً، إذا فعل الصائم المكلف منها شيئاً، مبيتاً النية في أداء رمضان، متعمداً، طائعاً، غير مضطر، ولم يطرأ ما يبيح الفطر بعده كمرض، أو قبله كسفر. فلو فعلها صبي، أو لم يبيت النية، أو كان في قضاء ما فاته من رمضان أو في صوم آخر غير رمضان، أو كان ناسياً أو مخطئاً، أو مستكرهاً، أو مضطراً، أو طرأ عليه سفر أو مرض، فلا كفارة عليه، وإنما عليه القضاء فقط.\rويمكن تصنيفها بشيئين:\rالأول ـ أن يتناول غذاء أو ما في معناه بدون عذر شرعي : كالأكل والشرب، والدواء، والدخان المعروف ، والأفيون والحشيش ونحوهما من المخدرات، لأن الشهوة فيه ظاهرة. والأكل يشمل كل ما هم مأكول عادة، من أنواع الشحوم واللحوم المختلفة ، النيئ والمطبوخ والقديد ، والفواكه والخضروات ومنها أكل ورق الكرم وقشر البطيخ , والنشويات ، ومنها حب الحنطة وقضمها, ولو حبة أو سمسمة أو نحوها من خارج فمه في المختار ، إلا إذا مضغت فتلاشت ، ولم يصل منها شيئ الى جوفه. ومنها الأكل عمداً بعد أن يغتاب آخر ظناً منه أنه أفطر بالغيبة , أو بعد حجامة أو مس أو قبلة بشهوة أو بعد مضاجعة من غير إنزال ، أو دهن شاربه ، ظاناً أنه أفطر بذلك، إلا إذا أفتاه فقيه ومن هذا النوع ابتلاع مطر دخل الى فمه ، وابتلاع ريق زوجته أو حبيبه للتلذذ به . ومنه اكل الطين الأرمني ( مهم معروف عند العطارين ) ، والطين غير الأرمني ، وهذا معروف كما في حالة الذي اعتاد أكل الطين ، ومنه تناول قليل الملح في المختار. والدليل حديث (الفطر مما دخل ) (1)\rالثاني ـ أن يقضي شهوة الفرج كاملة: وهو الجماع في القبل أو الدبر، سواء الفاعل والمفعول به، ولو بمجرد التقاء الختانين وإن لم ينزل، بشرط أن يكون المفعول به آدمياً حياً يشتهى. وتجب الكفارة اتفاقاً إن مكنت المرأة من نفسها صغيراً أو مجنوناً.\rوالدليل: حادثة الأعرابي الذي جامع امرأته في نهار رمضان، وإلزام النبي صلّى الله عليه وسلم له بالكفارة (عتق رقبة، ثم صوم شهرين متتابعين إن لم يجد الرقبة، ثم إطعام ستين مسكيناً عند العجز عن الصوم) (2) .\r-------------------------------\r(1) رواه أبو يعلى الموصلي في مسنده عن عائشة بلفظ «إنما الإفطار مما دخل، وليس مما خرج» (نصب الراية: 2/352).\r(2) رواه الجماعة عن أبي هريرة (نيل الأوطار: 214/4).","part":3,"page":85},{"id":1478,"text":"ما لا يفسد الصوم عند الحنفية:\rهو أربعة وعشرون شيئاً تقريباً:\r1ً - الأكل أو الشرب أو الجماع ناسياً، لقوله صلّى الله عليه وسلم : «من نسي وهو صائم، فأكل أو شرب، فليتم صومه، فإنما أطعمه الله وسقاه» (1) وفي لفظ : «من أفطر يوماً من رمضان ناسياً فلا قضاء عليه ولا كفارة» والجماع في معناهما، فإن تذكر نزع فوراً، فإن مكث بعده، فسد صومه. ولو نزع خشية طلوع الفجر، فأمنى بعد الفجر والنزع، ليس عليه شيء، وإن حرك نفسه ولم ينزع، أو نزع ثم أولج، لزمته الكفارة.\rويجب تذكير الناسي القادر على الصوم ليترك الأكل، ويكره عدم تذكيره، والأولى عدم تذكير العاجز الذي لا قوة له لطفاً به.\r2ً - إنزال المني بنظر أو فكر، وإن أدام النظر والفكر؛ لأنه لم يوجد منه صورةالجماع ولا معناه، وهو الإنزال عن مباشرة وإن كان آثماً. وفعل المرأتين (السحاق) بلا إنزال منهما لا يفسد الصوم، لكن الفاعل يأثم، ولا يلزم من الحرمة فيما ذكر الإفطار. وكذا لا يفطر بالاحتلام نهاراً.\r3ً - القطرة أو الاكتحال في العين، ولو وجد الصائم الطعم أو الأثر في حلقه؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلم اكتحل في رمضان، وهو صائم (2) .\r4ً - الحجامة: لأن النبي صلّى الله عليه وسلم احتجم وهو محرم، واحتجم وهو صائم (3) .\r-------------------------------\r(1) رواه الجماعة إلا النسائي عن أبي هريرة(المصدر السابق: ص206).\r(2) أخرجه ابن ماجه عن عائشة، وهو ضعيف (المصدر السابق: ص205).\r(3) رواه أحمد والبخاري عن ابن عباس (المصدر السابق: 202).","part":3,"page":86},{"id":1479,"text":"5ً - السواك ولو كان مبلولا ً بالماء؛ لأنه سنة.\r6ً - المضمضة والاستنشاق، ولو فعلهما لغير الوضوء، لكن لا يبالغ فيهما لئلا يدخل شيء إلى الجوف.\r7ً - الاغتسال أو السباحة، أو التلفف بثوب مبتل، للتبرد لدفع الحر، وإدخال عود إلى الأذن.\r8ً - الاغتياب، ونية الفطر، ولم يفطر.\r9ً - دخول الدخان، أوالغبار ولو غبار الطاحون، أو الذباب، أوأثر طعم الأدوية إلى الحلق، بلا صنع الصائم أي رغماً عنه وهو ذاكر الصوم؛ لأنه لا يمكن الاحتراز أو الامتناع عنها.\rلكن لو تبخر ببخور، فآواه إلى نفسه، واشتم دخانه، ذاكراً لصومه، أفطر، لإمكان التحرز عنه. ولا يتوهم أنه كشم الورد ومائه، والمسك، لوجود الفرق بين هواء تطيب بريح المسك وشبهه، وبين جوهر دخان وصل إلى جوفه بفعله.\r10ً - خلع الضرس، ما لم يبتلع شيئاً من الدم أو الدواء، فيفطر.\r11ً - صب ماء أو دهن أو حقنة في الإحليل (مجرى البول في قبل الرجل)، أو دخول ماء في الأذن بسبب خوض نهر، أو إدخال العود في الأذن وإخراج درن الصماخ؛ لأن الإحليل ليس بمنفذ مفتوح، ودخول الماء في الأذن للضرورة، ولعدم وصول المفطر إلى الدماغ بإدخال العود للأذن، والأولى ترك ذلك كله.\r12ً - ابتلاع النخامة، واشتنشاق المخاط عمداً وابتلاعه، لنزوله من الدماغ، لكن الأولى رميه لقذارته، وخروجاً من خلاف من أفسد الصوم بابتلاعه. 13- القيء قسراً عنه، أو عودته قهراً ولو كان ملء الفم، في الصحيح، والاستقاءة عمداً بما هو أقل من ملء الفم على الصحيح، لكن لو أعاد ما قاء أو قدر حمصة منه، وكان أصل القيء ملء الفم، أفطر باتفاق الحنفية ولا كفارة، على المختار، وإن عاد قسراً، لم يفطر، سواء أكان القيء العائد قليلاً أم كثيراً (1) .","part":3,"page":87},{"id":1480,"text":"والخلاصة: أن القيء عامداً ملء الفم أو إعادة القيء مفطر يوجب القضاء فقط دون الكفارة، أما القيء قهراً أو عودة القيء بنفسه أو القيء أقل من ملء الفم فلا يفطر.\r14ً - أكل ما بين الأسنان، وكان دون الحمصة، لأنه تبع لريقة. أو مضغ مثل سمسمة من خارج فمه، حتى تلاشت ولم يجد لها طعماً في حلقه، لعدم ابتلاع شيء.\r15ً - إذاأصبح جنباً، ولو استمر يوماً بالجنابة؛ لأن الجنابة لا تؤثر في صحة الصوم للزومها الصوم للضرورة، كما تقدم سابقاً، وإن كان الغسل فرضاً للصلاة، لقوله تعالى: {وإن كنتم جنباً فاطهروا} [المائدة:6/5] ولأنه من آداب الإسلام، لقوله صلّى الله عليه وسلم : «لا تدخل الملائكة بيتاً فيه صورة، ولا كلب، ولا جنب» (2) .\r16ً - الحُقَن في العضل أو تحت الجلد أو في الوريد، والأولى عند الإمكان تأخيرها إلى المساء، أما الحقن الشرجية فتفطر.\r17ً - شم الروائح العطرية كالورد أو الزهر والمسك أو الطيب.\r-------------------------------\r(1) الدر المختار: 151/2 ومابعدها، تبيين الحقائق: 325/1 ومابعدها.\r(2) رواه أبو داود والنسائي والحاكم عن علي.","part":3,"page":88},{"id":1481,"text":"المالكية (1) : ما يفسد الصيام نوعان: أحدهما ـ يوجب القضاء فقط، والثاني ـ يوجب القضاء والكفارة.\rالأول ـ ما يفسد الصوم ويوجب القضاء فقط: هو ما يأتي:\r1ً - الإفطار متعمداً في صيام فرض غير رمضان، كقضاء رمضان، والكفارات والنذر غير المعين، وصوم المتمتع والقارن إذا لم يجد الهدي.\rأما النذر المعين، كما لو نذر صوم يوم معين، أو أيام معينة، أو شهر معين، فإن أفطر فيه لعذر مانع من صحته كحيض ونفاس وإغماء وجنون، أو لعذر مانع من أدائه كمرض واقع، أو شدة ضرر أو زيادته أو تأخر برئه، فلا يقضى لفوات وقته، وإن زال عذره وبقي منه شيء، وجب صومه.\r2ً - الإفطار متعمداً في صيام فرض رمضان إذا لم تتوافر شروط الكفارة، كالإفطار لعذر مبيح كالمرض والسفر، أو لعذر يرفع الإثم كالنسيان والخطأ والإكراه، والإفطار بسبب خروج المذي، أو خروج المني بنظر أو فكر مع لذة معتادة بلا استدامة نظر وكانت عادته الإنزال عند الاستراحة. وفي الجملة: كل فرض أفطر فيه يجب عليه قضاؤه إلا النذر المعين لعذر.\r3ً - الإفطار متعمداً في صوم التطوع؛ لأن الشروع في النفل ملزم عندهم، كما تقدم. فإن أفطر فيه ناسياً أو بعذر مبيح، فلا قضاء عليه.\rوالخلاصة: إن من أفطر عامداً في جميع أنواع الصيام، فعليه القضاء، ولا يكفِّر إلا في رمضان، ومن أفطر في جميعها ناسياً، فعليه القضاء دون الكفارة، إلا في التطوع فلا قضاء ولا كفارة.\rأما المفطرات فهي خمسة:\r1 - الجماع الذي يوجب الغسل.\r2 - إخراج المني أو المذي بالتقبيل أو المباشرة أو النظر أو الفكر المستديمين.\r3 - الاستقاءة (تعمد القيء) سواء ملأ الفم أم لا، بخلاف ما إذا غلبه القيء إلا إذا رجع شيء منه ولو غلبة، فيفسد صومه.\r4 - وصول مائع إلى الحلق من فم أو أنف أو أذن، عمداً أو سهواً أو خطأ أو غلبة كماء المضمضة أو السواك، وفي حكم المائع: البخور وبخار القِدْر إذا استنشقهما، فوصلا إلى حلقه، والدخان المعروف، والاكتحال نهاراً ودهن الشعر نهاراً إذا وجد طعمهما في الحلق، فإن تحقق عدم وصول الكحل والدهن للحلق فلاشيء عليه، كأن حدث ذلك ليلاً.\r-------------------------------\r(1) القوانين الفقهية: ص1119،122-124، الشرح الصغير: 698/1-712،715 ومابعدها، الشرح الكبير مع الدسوقي: 523/1-534، بداية المجتهد: 281/1 ومابعدها.","part":3,"page":89},{"id":1482,"text":"5 - وصول أي شيء إلى المعدة، سواء أكان مائعاً أم غيره من فم أو أنف أو أذن أو عين أو مسام رأس، إذا كان وصوله عمداً أو خطأ أوسهواً أو غلبة. أما الحقنة في الإحليل (وهو ثقبة الذكر) فلا تفسد الصوم، وكذا نبش الأذن بنحو عود لا شيء فيه، ولا يضر ابتلاع ما بين الأسنان من طعام ولو عمداً فلا يفطر.\rوهكذا: كل ما وصل للمعدة من منفذ عال سواء أكان مائعاً أم غير مائع موجب للقضاء، سواء أكان ذلك المنفذ واسعاً أم ضيقاً، بخلاف ما يصل للمعدة من منفذ سافل، فإنه يشترط كونه واسعاً كالدبر وقبل المرأة والثقبة. لا كإحليل رجل وجائفة: وهي الخرق الصغير جداً الواصل للبطن، وصل للمعدة أو لا، ويشترط كونه مائعاً لا جامداً، فوصول المائع للمعدة مفسد مطلقاً، سواء أكان المنفذ عالياً أم من الأسفل، ووصول الجامد لها لا يفسد إلا إذا كان المنفذ عالياً. ويجب القضاء على من أفطر في صوم الفرض مطلقاً، أي سواء حدث الفطر عمداً أو سهواً أوغلبة أو إكراهاً، وسواء أكان الفطر حراماً أم جائزاً أم واجباً كمن أفطر خوف هلاك، وسواء وجبت الكفارة أم لا، أو كان الفرض أصلياً أم نذراً.\rالثاني ـ ما يفسد الصوم ويوجب القضاء والكفارة معاً بالفطر في رمضان فقط دون غيره: هو ما يأتي:\r1ً - الجماع عمداً: أي إدخال الحشفة في فرج مطيق ولو بهيمة، وإن لم ينزل المني، إذا انتهك حرمة رمضان بأن كان غير مبال بها بأن تعمدها اختياراً بلا تأويل قريب، احترازاً من الناسي والجاهل والمتأول، وذلك سواء أتى زوجته أو أجنبية، فإن طاوعته المرأة فعليه الكفارة وعليها، وإن وطئها نائمة أو مكرهة كفر عنه وعنها، وإن جامع ناسياً أو مكرهاً أو متأولاً، فلا كفارة عليه.","part":3,"page":90},{"id":1483,"text":"2ً - إخراج المني أو المذي يقظة مع لذة معتادة بتقبيل أو مباشرة فيما دون الفرج، أو بنظر أو تفكر عند الاستدامة أو كانت عادته الإنزال عند الاستدامة، أو كانت عادته الإمناء بمجرد النظر، فمن قبَّل فأمنى فقد أفطر اتفاقاً، وإن أمذى فيفطر عند مالك وأحمد دون غيرهما.\rولا كفارة على الراجح إذا أمنى بتعمد النظر أو الفكر، ولم تكن عادته الإنزال بهما، أو أمنى بمجرد الفكر أو النظر من غير استدامة لهما (1) .\r3ً - الأكل والشر ب عمداً، ومثلهما بلع كل ما يصل إلى الحلق من الفم خاصة، ولو لم يغذ كنحو حصاة وصلت الجوف، وتعمد القيء وابتلاع شيء منه ولو غلبة، وتعمد الاستياك بجوزاء (2) نهاراً وابتلاعه ولوغلبة، وذلك قياساً على الجماع والإنزال، لانتهاك حرمة شهر رمضان. ولا تجب الكفارة بالإفطار ناسياً، ولا بما يصل إلى الجوف من غير الفم كالأنف والأذن؛ لأن الكفارة معللة بالانتهاك الذي هو أخص من العمد.\r4ً - تجب الكفارة بالإصباح بنية الفطر، ولو نوى الصيام بعده على الأصح، وبفرض النية أي رفعها نهاراً على الأصح.\r5ً - تعمد الفطر لغير عذر، ثم مرض أو سافر، أو حاضت المرأة، فتجب الكفارة على المشهور.\rولا تجب الكفارة إلا بالشروط السبعة الآتية المفهومة مما سبق بيانه وهي:\rأولاً ـ أن يكون الفطر في أداء رمضان، فلا تجب الكفارة في غيره، كقضاء رمضان وصوم منذور، وصوم كفارة أو نفل.\rثانياً ـ أن يتعمد الفطر: فلا كفارة على ناس، أو مخطئ، أو معذور بعذر كمرض أو سفر.\rثالثاً ـ أن يكون مختاراً: فلا كفارة على مستكره، أو مفطر غلبة.\r-------------------------------\r(1) الحاصل: أنه إذا أمنى بمجرد الفكر أو النظر من غير استدامة لهما، فلا كفارة قطعاً، وإن استدامهما حتى أنزل، فإن كانت عادته الإنزال بهما عند الاستدامة، فالكفارة قطعاً، وإن كانت عادته عدم الإنزال بهما عند الاستدامة، فخالف عادته وأمنى، فلا كفارة على المختار.\r(2) الجوزاء: قشر يتخذ من أصول شجر الجوزاء، يستعمله بعض نساء أهل المغرب.","part":3,"page":91},{"id":1484,"text":"رابعاً ـ أن يكون عالماً بحرمة الفطر، فلا كفارة على جاهلها، كحديث عهد بالإسلام، ظن أن الصوم لا يحرم معه الجماع، فجامع، فلا كفارة عليه. ولا كفارة على من جهل حلول رمضان، كمن أفطر يوم الشك قبل ثبوت الهلال.\rخامساً ـ أن ينتهك حرمة شهر رمضان أي لا يبالي بها: فلا كفارة على متأول\rتأويلاً قريباً: وهو المستند في فطره لأمر موجود، مثل أن يفطر ناسياً أو مكرهاً، ثم أكل أو شرب عمداً، ظاناً عدم وجوب الإمساك عليه، فلا كفارة عليه لاستناده لأمر موجود سابقاً وهوالفطر نسياناً أو بإكراه. ومثل من أفطر بسبب سفر أقل من مسافة القصر، ظاناً أن الفطر مباح له، لظاهر قوله تعالى: {ومن كان مريضاً أو على سفر، فعدة من أيام أخر} [البقرة:184/2-185] ونحو من تعمد الفطر يوم الثلاثين من رمضان منتهكاً للحرمة، ثم تبين أنه يوم العيد، وكذلك الحائض تفطر متعمدة، ثم تعلم أنها حاضت قبل فطرها، فلا كفارة عليها على المعتمد.\rأما المتأول تأويلاً بعيداً كمن اعتاد الحُمَّى أو الحيض في يوم معين، فبيت نية الفطر، ولم يحدث العارض، فعليه الكفارة. ومثله من اغتاب ظاناً بطلان صومه فأفطر متعمداً، فعليه الكفارة.\rسادساً ـ أن يكون الواصل من الفم: فلو وصل شيء من الأذن أو العين فلا كفارة، وإن وجب القضاء، كما أبنت.\rسابعاً ـ أن يكون الوصول للمعدة: فلو وصل شيء إلى حلق الصائم، ورده، فلا كفارة عليه.","part":3,"page":92},{"id":1485,"text":"ما لا يفسد الصوم:\rلا يفسد الصوم بأحوال قد يتوهم فيها وهي:\r1ً - من غلبه القيء، ولم يرجع منه شيء لحلقه، أو غلبه الذباب أو البعوض، أوغبار الطريق، أو غبار الدقيق لصانعه وهو الطحان والناخل والمغربل والحامل ونحوه في أثناء مزاولة المهنة كحافر القبر وناقل التراب لغرض، لأنه لا يمكن الاحتراز عنه، ولضرورة الصنعة. أما غير الصانع فعليه القضاء.\r2ً - الحقنة في الإحليل أي ثقبة الذكر، ولو بمائع، لأنه لا يصل عادة للمعدة.\r3ً - دهن الجائفة بالدواء: أي دهن الجرح في البطن أو الجنب الواصل للجوف، لأنه لا يصل لمحل الأكل والشرب، وإلا لمات من ساعته.\r4ً - نزع المأكول أو المشروب أو الفرج عند طلوع الفجر، فإن ظن النازع إباحة الفطر، فأفطر، فلا كفارة عليه، لأن فطره بتأويل قريب.\r5ً - من غلبه المني أو المذي بمجرد النظر أو الفكر أي غير المستديم.\r6ً - من ابتلع ريقه، أو ما بين أسنانه من بقايا الطعام، إلا إذا كان كثيراً عرفاً.\r7ً - المضمضة للعطش، والإصباح بالجنابة، والسواك في كل النهار لمقتض شرعي من وضوء وصلاة وقراءة وذكر الله تعالى.\r8ً - الحجامة لا تفطر، ولكنها تكره.\rالشافعية (1) : ما يفسد الصوم نوعان: نوع يوجب القضاء فقط، ونوع يوجب القضاء والكفارة.\rالأول ـ ما يفسد الصوم ويوجب القضاء فقط:\rيفسد الصوم ويجب القضاء فقط دون الكفارة بالأمور الآتية، ويجب الإمساك بقية النهار على من أفطر بغير عذر؛ لأنه أفطر بغير عذر.\r1- وصول شيء مادي (عين) إلى الجوف وإن قل كسمسمة، أو لم يؤكل\r-------------------------------\r(1) مغني المحتاج: 427/1-432،442 ومابعدها، المهذب: 183/1-185.","part":3,"page":93},{"id":1486,"text":"عادة كحصاة أو تراب، من منفذ مفتوح كالفم والأنف والأذن والقُبُل (الإحليل) والدبر وجرح الدماغ، إذا كان عمداً؛ لأن الصوم هو الإمساك عن كل ما يصل إلى الجوف، وهذا ما أمسك، فمن أكل أو شرب ناسياً، أو مكرهاً، أو جاهلاً بأن ذلك مفطر بسبب قرب عهده بالإسلام، أو نشأ ببادية بعيدة عن العلماء، لم يفطر، سواء أكان المأكول قليلاً أم كثيراً، لعدم توافر العمد. وعدم الفطر بالإكراه هو الأظهر. ولو وصل جوفَه ذباب أو بعوضة، أو غبار الطريق، ولو تعمد فتح فمه حتى دخل التراب جوفه، أو غربلة الدقيق ، أو وصول الأثر كوصول الريح بالشم إلى دماغه، لم يفطر، لعدم توافر القصد، ولما فيه من المشقة الشديدة، ولأنه معفو عن التراب في حال تعمد فتح الفم. لكن لو استخدم مريض الربو بخاخة الهواء عند ضيق النِّفَس، فإنه يفطر؛ لأن ما يعفى عن جنسه كالتراب والهواء مقصور على حالة الابتلاء العام، فإن كان الشيء خاصاً، كتعمد ابتلاع رائحة شواء لحم، فيفطر، لسهولة الاحتراز عنه. ومثل ذلك تناول حب تصلب الشرايين عند الإحساس بالضيق.\rولا يفطر ببلع ريقه الطاهر الخالص من معدنه (وهو الفم جميعه الذي فيه قراره ومنه ينبع) ولو بعد جمْعه ثم ابتلاعه في الأصح وإن أخرجه على لسانه لعسر الاحتراز عنه، ولأنه في حال جمعه لم يخرج عن معدنه، فهوكابتلاعه متفرقاً من معدنه. فإن خرج الريق عن فمه ثم رده وابتلعه؛ أو بلّ خيطاً بريقه، ورده إلى فمه، وعليه رطوبة تنفصل، وابتلعها؛ أو ابتلع ريقه مخلوطاً بغيره، أو متنجساً، أفطر في الحالات الثلاث، أما الأولى فلخروجه عن معدنه فصار كالأعيان الخارجة، وأما الثانية فلأنه لا ضرورة إليه، وأما الثالثة فلأنه أجنبي عن الريق.","part":3,"page":94},{"id":1487,"text":"وكذلك لا يفطر بابتلاع ما بقي من الطعام بين الأسنان من غير قصد إن عجز عن تمييزه ومجه، لأنه معذور فيه غير مقصر، فإن قدر على تمييزه ومجه وابتلعه ولو قليلاً دون الحمصة، فإنه يفطر، فيفطر بجري الريق بما بين الأسنان لقدرته على مجه، ويفطر - كما سيأتي - بالنخامة أيضاً وهي التي تنزل من الرأس أو الجوف، ووصلت إلى حد الظاهر من الفم، فأجراها هو. أما لو جرت بنفسها وعجز عن مجها فلا يفطر للعذر، كما لا يفطر إذا لم تصل إلى حد الظاهر، كأن نزلت من دماغه إلى حلقه، وهي في حد الباطن، ثم إلى جوفه، وإن قدر على مجها، لأنها نزلت من جوف إلى جوف.\rويفطر بتناول الدخان المعروف ونحوه كالتمباك والنشوق، وبوصول شيء إلى باطن الدماغ، والبطن، والأمعاء، والمثانة، وبالحقنة في الإحليل (مخرج البول من الذكر، واللبن من الثدي)، وبالتقطيرفي باطن الأذن، وبإدخال عود ونحوه لباطن الأذن؛ لأن كل ذلك جوف، وقد وصل إليه من منفذ مفتوح.\rولا يضر وصول الدهن إلى الجوف بتسرب المسام (وهي ثقب البدن) ولا الاكتحال وإن وجد طعم الكحل في حلقه؛ لأن الواصل إليه ليس من منفذ وإنما من المسام، وقد روى البيهقي أنه صلّى الله عليه وسلم «كان يكتحل بالإثمد وهو صائم» فلا يكره الاكتحال للصائم.\r2 - ابتلاع النُّخامة: وهي ما ينزل من الرأس أو الجوف، أما لو جرت بنفسها وعجز عن مجها، فلا يفطر، وإن تركها مع القدرة على لفظها، فوصلت الجوف، أفطر في الأصح لتقصيره، كما تقدم بيانه أيضاً.\r3 - سبق ماء المضمضة أ و الاستنشاق المشروع إلى جوفه، في حال المبالغة في ذلك؛ لأن الصائم منهي عن المبالغة. فإن لم يبالغ فلا يفطر، لأنه تولد من مأمور به بغير اختياره.\rوإن سبق الماء غير المشروع إلى جوفه، كما في حال التبرد، أو العبث،أو في المرة الرابعة من المضمضة أو الاستنشاق، أفطر؛ لأنه غير مأمور بذلك، بل منهي عنه في الرابعة.","part":3,"page":95},{"id":1488,"text":"4 - الاستقاءة أي تعمد القيء، حتى لو تيقن على الصحيح أنه لم يرجع شيء إلى جوفه، لأن المفطر عينها، لظاهر خبر ابن حبان وغيره: «من ذرَعه القيء (1) ، وهو صائم، فليس عليه قضاء، ومن استقاء فليقض» هذا إذا كان عالماً بالتحريم عامداً مختاراً لذلك، فإن كان جاهلاً لقرب عهده بالإسلام، أو نشأ بعيداً عن العلماء، أو ناسياً أو مكرهاً، فإنه لا يفطر.\r5 - الاستمناء (وهو إخراج المني بغير جماع، محرَّماً كأن أخرجه بيده، أو غير محرَّم كإخراجه بيد زوجته)، وخروج المني بلمس وقبلة ومضاجعة بلا حائل؛ لأنه إنزال بمباشرة.\rولا يفطر بإنزال المني بفكر (وهو إعمال الخاطر في الشيء)، أو نظر بشهوة، أو بضم امرأة بحائل بشهوة؛ إذ لا مباشرة، فأشبه الاحتلام، مع أنه يحرم تكريرها وإن لم ينزل.\r6 - أن يتبين الغلط بالأكل نهاراً بسبب طلوع الفجر، أو لعدم غروب الشمس، إذ لا عبرة بالظن البيِّن خطؤه.\rويحل الإفطار آخر النهار بالاجتهاد بسبب قراءة ورد أو غيره كوقت الصلاة، والاحتياط ألا يأكل آخر النهار إلا بيقين، ويجوز الأكل آخر الليل إذا ظن بقاء الليل أوشك؛ لأن الأصل بقاء الليل. ولو طلع الفجر، وفي فمه طعام، فلفظه، صح صومه، وكذا يصح لو كان مجامعاً فنزع في الحال، فإن مكث بطل الصوم.\r7 - يفطر بطروء الجنون والردة والحيض والنفاس، لمنافاة ذلك مع شروط صحة الصوم من العقل والإسلام والطهارة من الدماء الطارئة، أخرج البخاري ومسلم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم قال في المرأة، وقد سئل عن نقصان دينها: «أليس إذا حاضت لم تصل ولم تصم؟» .\rالثاني - ما يوجب القضاء والكفارة والتعزير:\rيجب القضاء والكفارة مع التعزير وإمساك بقية اليوم، بشيء واحد، وهو الجماع الذي يفسد صوم يوم من رمضان بشروط أربعة عشر وهي:\r-------------------------------\r(1) أي غلب عليه.","part":3,"page":96},{"id":1489,"text":"1ً - أن يكون ناوياً للصوم ليلاً: فلو ترك النية لم يصح صومه، ويجب عليه الإمساك.\r2ً، 3ً، 4ً - أن يكون متعمداً مختاراً، عالماً بالتحريم: فلا كفارة على ناس أو مكره، أو جاهل التحريم بسب قرب إسلامه.\r5ً - أن يحدث الجماع في نهار رمضان: فلا كفارة على جماع مفسد غير رمضان من نفل أو نذر أو قضاء، أو كفارة، والجماع في نهار رمضان حرام لقوله تعالى: {أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم هن لباس لكم وأنتم لباس لهن} ... {فالآن باشروهن} ـ إلى قوله تعالى: {ثم أتموا الصيام إلى الليل} [البقرة:187/2].\r6ً - أن يفسد الصوم بالجماع وحده: فإن أكل ثم جامع، لا كفارة عليه، ولا كفارة بغير الجماع كالأكل والشرب والاستمناء باليد، والمباشرة فيما دون الفرج المفضية إلى الإنزال. 7ً - أن يكون آثماً بهذا الجماع: فلا كفارة على صبي، ولا على صائم مسافر أو مريض جامع بنية الترخص أو بغيرها في الأصح،لإباحة الفطر له، ولا على من زنى ناسياً للصوم؛ لأنه ناسٍ، ولا على مسافر أفطر بالزنا مترخصاً بالفطر؛ لأن الفطر جائز له.\r8ً - أن يكون معتقداً صحة صومه: فلا كفارة على من جامع عامداً بعد الأكل ناسياً وظن أنه أفطر بالأكل، لأنه يعتقد أنه غير صائم، وإن كان الأصح بطلان صومه بهذا الجماع.\r9ً - ألا يكون مخطئاً: فلا كفارة على من جامع ظاناً وقت الجماع بقاء الليل، أو دخول المغرب، فتبين أنه جامع نهاراً، لانتفاء الإثم.\r10ً - ألا يجن أو يموت بعد الوطء في أثناء النهار الذي جامع فيه قبل الغروب: فلا كفارة على من جن أو مات حينئذ لعدم الأهلية، فحدوث الجنون أو الموت يسقط الكفارة قطعاً، لأنه تبين بطروء ذلك أنه لم يكن في صوم، لمنافاته له، أي أن صوم هذا اليوم خرج عن كونه مستحقاً، فلم يجب بالوطء فيه كفارة، كصوم المسافر، أو كما لو قامت البينة أنه من شوال.","part":3,"page":97},{"id":1490,"text":"11ً - أن يكون الوطء منسوباً إليه: فلو عَلَتْه امرأة وأنزل بالإدخال، فلا كفارة عليه، إلا إن أغراها بذلك.\r12ً - أن يكون الجماع بإدخال الحشفة، أو قدرها من مقطوعها، فلا كفارة على من لم يتحقق منه الإيلاج بالقدر المذكور، ولكن يجب عليه الإمساك.\r13ً - أن يتم الجماع في فرج ولو دبراً،أو ميتة أو بهيمة: فلا كفارة على من وطئ في غير فرج. ووطء المرأة في الدبر، واللواط، كالوطء في الفرج.\r14ً - أن يكون واطئاً لا موطوءاً: فلا كفارة على المفعول به مطلقاً وإنما الكفارة على الفاعل، وتلزم المرأة بالقضاء فقط.\rوحدوث السفر أو المرض أو الإغماء أو الردة بعد الجماع لا يسقط الكفارة، لتحقق هتك حرمة الصوم قبل ذلك؛ لأن المرض والسفر لا ينافيان الصوم، فيتحقق هتك حرمته، وأما طروء الردة فلا يبيح الفطر.\rويجب قضاء اليوم الذي أفسده (يوم الإفساد) على الصحيح مع الكفارة.\rوتتعدد الكفارة بتعدد الفساد، فمن جامع في يومين لزمه كفارتان؛ لأن كل يوم عبادة مستقلة، فلا تتداخل كفارتاهما، كحجتين جامع فيهما، ولو جامع في جميع أيام رمضان لزمه كفارات بعددها.\rوتلزم الكفارة من انفرد برؤية الهلال، وجامع في يومه.\rما لا يفسد الصوم عند الشافعية:\rلا يفسد الصوم بوصول شيء إلى الجوف بنسيان أو إكراه أو جهل يعذر به شرعاً، ولا بما عجز عن مجه كالنخامة وما بين الأسنان من الطعام، ولا بما يشق الاحتراز عنه كغبار الطريق وغربلة الدقيق والذباب والبعوض.\rولا يفسد الصوم أيضاً بالفصدِ، إذ لا خلاف فيه، ولا بالحجامة؛ «لأنه صلّى الله عليه وسلم احتجم وهو صائم، واحتجم وهو محرِم» (1) ، لكنها تكره إلا لحاجة.\rولا يفسد بالاكتحال ولكنه خلاف الأولى على الراجح، ولا بالتقبيل ولكنه\r-------------------------------\r(1) رواه البخاري، وروى النسائي «احتجم وهو صائم محرم» وهو ناسخ لحديث «أفطر الحاجم والمحجوم» .","part":3,"page":98},{"id":1491,"text":"يكره لمن حركت القبلة شهوته، ولا بالمعانقة والمباشرة، ولا بالإنزال بفكر ونظر بشهوة، ولا بمضغ العلك (اللبان غير المشوب بشيء) أو ذوق الطعام، ولكنهما يكرهان إلا لحاجة، ولا بالسواك، ولكنه يكره بعد الزوال إلا لسبب يقتضيه كأكل بصل نسياناً، ولا بالتمتع بالشهوات من المبصرات والمشمومات والمسموعات، ولكنه يكره.\rالحنابلة (1) : إفساد الصوم إما أن يوجب القضاء أو القضاء والكفارة.\rالأول ـ ما يفسد الصوم ويوجب القضاء فقط: هو مايأتي:\r1ً - دخول شيء مادي من منفذ إلى الجوف أو الدماغ عمداً واختياراً، مع تذكر الصوم، ولو جهل التحريم، سواء أكان مغذياً كالأكل والشرب أم غير مغذٍّ كالحصاة وابتلاع النخامة والسعوط ( النشوق ) والدواء أو الدهن الذي يصل إلى الحلق أو الدماغ، والحقنة في الدبر، وابتلاع الدخان قصداً، لأنه واصل إلى جوفه باختياره، فأشبه الأكل. فلا يفطر بوصول شيء غير قاصد الفعل، أو ناسياً أو نائماً أو مكرهاً، لحديث: «عفي عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه» وحديث «من نسي وهو صائم ...» .\r2ً - الاكتحال بكحل يتحقق معه وصوله إلى الحلق؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلم «أمر بالإثمد المروح عند النوم، وقال: ليتقه الصائم» (2) ، ولأن العين منفذ، لكنه غير معتاد، كالواصل من الأنف. فإن لم يتحقق وصوله إلى حلقه، فلا فطر، لعدم تحقق ما ينافي الصوم.\r-------------------------------\r(1) المغني: 102/3-127،135-137، كشاف القناع: 362/2،370-381.\r(2) رواه أبو داود والبخاري في تاريخه، من حديث عبد الرحمن بن النعمان بن سعيد بن هوذة عن أبيه عن جده، لكنه ضعيف.","part":3,"page":99},{"id":1492,"text":"3ً - الاستقاءة أي استدعاء القيء عمداً، فقاء طعاماً أو مراراً، أو بلغماً أو دماً أوغيره، ولو قل، لحديث أبي هريرة المرفوع: «من ذَرَعه القيء فليس عليه قضاء، ومن استقاء عمداً فليقض» (1)\r4ً - الحجامة: يفطر بها الحاجم والمحجوم إذا ظهر دم، وإلا لم يفطر، لحديث « أفطر الحاجم والمحجوم» (2) وقالوا: إن حديث الجمهور القاضي بعدم الإفطار بالحجامة منسوخ بهذا الحديث، بدليل ما روى ابن عباس أنه قال: احتجم رسول الله صلّى الله عليه وسلم بالقاحة بقرن وناب، وهو محرم صائم، فوجد لذلك ضعفاً شديداً، فنهى رسول الله صلّى الله عليه وسلم أن يحجم الصائم (3) .\r5ً - التقبيل والاستمناء واللمس والمباشرة دون الفرج فأمنى، أو أمذى، وتكرار النظر فأمنى لا إن أمذى، إذ فعل ذلك عامداً، وهو ذاكر لصومه: يوجب القضاء بلا كفارة إذا كان صوماً واجباً، لما روى أبو داود عن عمر: أنه قال: «هششت، فقبلت وأنا صائم، فقلت: يا رسول الله ، إني فعلت أمراً عظيماً، قبّلت وأنا صائم، قال: أرأيت لو تمضمضت من إناء وأنت صائم؟ قلت: لا بأس به، قال: فَمهْ» فشبه القبلة بالمضمضة من حيث إنها من مقدمات الفطر، فإن القبلة إذا كان معها نزول، أفطر وإلا فلا، فلا فطر بدون إنزال، لقول عائشة: «كان النبي صلّى الله عليه وسلم يقبل وهو صائم، وكان أملككم لإربه» (4) .\rوالإفطار بتكرار النظر والإمناء، لأنه إنزال بفعل يلتذ به، ويمكن التحرز منه،\r-------------------------------\r(1) رواه الخمسة، وقال الترمذي: حسن غريب، ورواه أيضاً الدارقطني وقال: إسناده كلهم ثقات.\r(2) رواه عن النبي صلّى الله عليه وسلم أحد عشر نفساً، منهم رافع بن خديج الذي روى حديثه أحمد والترمذي (نيل الأوطار: 200/4).\r(3) رواه أبو إسحاق الجوزجاني.\r(4) رواه البخاري، والإرب: حاجة النفس ووطرها.","part":3,"page":100},{"id":1493,"text":"فأشبه الإنزال باللمس. أما عدم الإفطار بتكرار النظر والإمذاء، فلأنه لانص فيه، والقياس على إنزال المني، لمخالفته إياه في الأحكام.\r6ً - الردة مطلقاً، لقوله تعالى: {لئن أشركت ليحبطن عملك} [الزمر:65/39].\r7ً - الموت يفسد صوم اليوم الذي مات فيه الصائم في صوم النذر والكفارة، فيطعم من تركته مسكين.\r8ً - تبين الغلط في الأكل نهاراً: فإن أكل أو شرب شاكاً في غروب الشمس أفطر وقضى؛ لأن الأصل بقاء النهار، أو أكل أو شرب ظاناً بقاء النهار مالم يتحقق أنه كان بعد الغروب؛ لأن الله تعالى أمر بإتمام الصوم إلى الليل، ولم يتمه، أو أكل ظاناً أنه ليل، فبان نهاراً؛ لأن الله تعالى أمر بإتمام الصوم، ولم يتمه. ويقضي أيضاً لو أكل ونحوه ناسياً فظن أنه أفطر، فأكل ونحوه عمداً.\rولا يقضي إن أكل ونحوه ظاناً غروب الشمس، ودام شكه، ولم يتبين له الحال؛ لأن الأصل براءته. أو إن أكل وبان أن أكله كان ليلاً؛ لأنه أتم صومه.\rالثاني ـ ما يوجب القضاء والكفارة معاً:\rوهو شيء واحد وهو الجماع في نهار رمضان، بلا عذر سابق كمن به مرض، في فرج: قبل أو دبر من آدمي أو غيره كبهيمة، من حي أو ميت، أنزل أم لا.","part":3,"page":101},{"id":1494,"text":"إذا كان عامداً أو ساهياً، أو مخطئاً، أو جاهلاً، أو مختاراً أو مكرهاً، سواء أكره في حال اليقظة أم في حال النوم، لحديث أبي هريرة المتفق عليه في إيجاب الكفارة على المجامع، وأما كون الساهي أو الناسي كالعامد في ظاهر المذهب، والمكره كالمختار، النائم كالمستيقظ، فلأنه صلّى الله عليه وسلم لم يستفصل الأعرابي، ولو اختلف الحكم بذلك لاستفصله؛ لأن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز، والسؤال معاد في الجواب، كأنه قال: إذا واقعت في صوم رمضان فكفِّر، ولأنه عبادة يحرم الوطء فيه، فاستوى عمده وغيره كالحج. وأما كونه لا فرق بين أن ينزل أو لا، فلأنه في مظنة الإنزال، وأما الكفارة في حالة الإكراه: فلأن الإكراه على الوطء لا يمكن؛ لأنه لا يطأ حتى ينتشر، ولا ينتشر إلا عن شهوة، فكان كغير المكره.\rوأما كونه لا فرق بين كون الفرج قبلاً أو دبراً، من ذكر أو أنثى، فلأنه أفسد صوم رمضان بجماع في الفرج، فأوجب الكفارة. وأما الوطء في فرج البهيمة فلأنه وطء في فرج موجب للغسل مفسد للصوم، فأشبه وطء الآدمية، ويفسد صوم المرأة كالرجل بالجماع، لأنه نوع من المفطرات، فاستوى فيه الرجل والمرأة كالأكل، وتلزمها الكفارة إذا جومعت بغير عذر؛ لأنها هتكت حرمة صوم رمضان بالجماع، فتلزمها الكفارة كالرجل. ولا تلزمها الكفارة مع العذر، كنوم أو إكراه، أو نسيان، أو جهل؛ لأنها معذورة، ويفسد صومها بذلك، فيلزمها القضاء.\rلكن لو استدخلت صائمة ذكر نائم أو صبي أو مجنون، بطل صومها للجماع، فيجب عليها القضاء والكفارة، إن كان في نهار رمضان.\rوإن تساحقت امرأتان وإن أنزلا، أوأنزل مجبوب بالسحاق، فسد الصوم: لأنه إذا فسد الصوم باللمس مع الإنزال، ففيما ذكر بطريق الأولى، ولا كفارة عليهما ولا على المجبوب في الأصح؛ لأن ذلك ليس بمنصوص، ولا في معنى المنصوص عليه، فيبقى على الأصل.","part":3,"page":102},{"id":1495,"text":"وإن جامع في يومين من رمضان واحد، ولم يكفر لليوم الأول، فعليه كفارتان؛ لأن كل يوم عبادة، وكالحجتين، وكيومين من رمضانين، وأما إن جامع ثم جامع في يوم واحد قبل التكفير، فعليه كفارة واحدة بغير خلاف. وإن جامع ثم كفر، ثم جامع في يومه، فعليه كفارة ثانية، لأنه وطء محرم، وقد تكرر فتتكرر هي كالحج.\rوتلزم الكفارة إذا وطئ كل من لزمه الإمساك، كمن لم يعلم برؤية الهلال إلا بعد طلوع الفجر، أو نسي النية، أو أكل عامداً، ثم جامع، لهتكه حرمة الزمن به، ولأنها تجب على المستديم للوطء.\rوإذا طلع الفجر وهو مجامع فاستدام الجماع، فعليه القضاء والكفارة، لأنه ترك صوم رمضان بجماع، أثم به لحرمة الصوم، فوجبت به الكفارة ، كما لو وطئ بعد طلوع الفجر.\rوإن نزع في الحال مع أول طلوع الفجر، فعليه القضاء والكفارة، فالنزع جماع، فلوطلع عليه الفجر وهو مجامع، فنزع في الحال، مع أول طلوع الفجر الثاني، فعليه القضاء والكفارة؛ لأنه يلتذ بالنزع، كما يلتذ بالإيلاج.\rولو جامع يعتقد بقاء الليل، فبان نهاراً وأن الفجر كان قد طلع، وجب عليه القضاء والكفارة؛ لأنه لا فرق بين العامد والمخطئ، كما بينا. ولو جامع في أول النهار، ثم مرض أو جن، أو كانت امرأة فحاضت أو نفست في أثناء النهار، لم تسقط الكفارة؛ لأنه معنى طرأ بعد وجوب الكفارة، فلم يسقطها كالسفر، ولأنه أفسد صوماً واجباً في رمضان بجماع تام، فاستقرت الكفارة عليه، كما لولم يطرأ عذر.\rوإن جامع دون الفرج عمداً، فأنزل ولومذياً، فسد الصوم، ولا كفارة، لأنه ليس بجماع، وإن لم ينزل لم يفسد صومه، كاللمس والقبلة. ولا تجب الكفارة بالفطر في غير رمضان، باتفاق أكثر العلماء، لأنه جامع في غير رمضان، فلم تلزمه كفارة، كما لو جامع في صيام الكفارة، ويفارق القضاء الأداء، لأنه متعين بزمان محترم، فالجماع فيه هتك له، بخلاف القضاء.","part":3,"page":103},{"id":1496,"text":"ومن به شبق يخاف أن ينشق ذكره أو أنثياه أو مثانته، جامع وقضى ولا يكفر للضرورة مثل أكل الميتة للمضطر، وإن اندفعت شهوته بغير الجماع كالاستمناء بيده أو يد زوجته ونحوه كالمفاخذة، لم يجز له الوطء، كالصائل يندفع بالأسهل، لا ينتقل إلى غيره.\rوحكم المريض الذي ينتفع بالجماع في مرضه حكم من خاف تشقق فرجه في جواز الوطء.\rوفي حال الضرورة إلى وطء حائض وصائمة بالغ، يكون وطء الصائمة أولى من وطء الحائض؛ لأن تحريم وطء الحائض بنص القرآن. وإن لم تكن الزوجة بالغاً، وجب اجتناب الحائض، للاستغناء عنه بلا محذور، فيطأ الصغيرة وكذا المجنونة.\rوإن تعذر قضاء ذي الشبق لدوام شبقه، فهو ككبير عجز عن الصوم، فيطعم لكل يوم مسكيناً، ولا قضاء إلا مع عذر معتاد كمرض أو سفر.\rمالا يفسد الصوم:\rلا يفطر الصائم بما يأتي:\r1ً - بما لا يمكن الاحتراز عنه: كابتلاع الريق وغبار الطريق وغربلة الدقيق والتقطير في إحليل ولو وصل مثانته، لعدم المنفذ، وكذا إن جمع الريق ثم ابتلعه قصداً، لم يفطر؛ لأنه يصل إلى جوفه من معدنه (أي فمه)، فإن خرج ريقه إلى ثوبه، أو بين أصابعه، أو بين شفتيه، ثم عاد فابتلعه، أو بلع ريق غيره، أفطر؛ لأنه ابتلعه من غير فمه، فأشبه ما لو بلع غيره. ولا يفطر ببصق النخامة بلا قصد من مخرج الحاء المهملة، فإن ابتلعها أفطر.\r2ً - بالمضمضة والاستنشاق بغير خلاف، سواء أكان في الطهارة أم غيرها وسواء بالغ أم زاد عن الثلاث، بدليل حديث عمر السابق في القبلة، وقياسها على المضمضة، لكن تكره المضمضة عبثاً و لحر أو عطش.\r3ً - بمضغ العلك: وهو الذي لا يتحلل منه أجزاء، وإنما الذي يصلب ويقوى كلما مضغه، ولكن يكره مضغه ولا يحرم؛ لأنه يجمع الريق، ويورث العطش.\r4ً - بالقبلة واللمس والمفاخذة ونحوها بدون إنزال: فإن أنزل فسد صومه، ولا كفارة عليه؛ لأنه ليس بجماع.","part":3,"page":104},{"id":1497,"text":"5ً - الإمذاء بتكرار النظر، لأنه لا نص فيه، والإمناء بغير تكرار النظر، لعدم إمكان التحرز من النظرة الأولى، وتكرار النظر بغير إنزال. ولا يفطر إن فكر فأمنى أو أمذى، لقوله صلّى الله عليه وسلم : «عفي لأمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تعمل أو تتكلم به» (1) .\rكما لا يفطر إن حصل الإنزال بفكر غالب أي غير اختياري، بأن لم يتسبب فيه، أو احتلم أو أنزل لغير شهوة، كالذي يخرج منه المني لمرض أو لسقطة من موضع عال، أو خروجاً منه لهيجان شهوة من غير أن يمس ذكره بيد، أو أمنى نهاراً من وطء ليل، لأنه لم يتسبب إليه في النهار، أو أمنى ليلاً من مباشرته نهاراً.\r6ً - الفصد والشرط، وإخراج الدم برعاف، وجرح الصائم نفسه أو جرحه غيره بإذنه ولم يصل إلى جوفه شيء من آلة الجرح، ولو كان الجرح بدل الحجامة، لأنه لا نص فيه، والقياس لا يقتضيه.\r7ً - دخول شيء إلى الجوف غير قاصد الفعل: بأن فعل ذلك ناسياً أو مكرهاً أو نائماً، لأنه لا قصد للنائم، وللحديث المتقدم: «من نسي وهو صائم فأكل أو شرب، فليتم صومه، فإنما أطعمه الله وسقاه» . ويجب على من رأى الصائم إعلامه إذا أراد الأكل أو الشرب ناسياً أو جاهلاً، كإعلام نائم إذا ضاق وقت الصلاة.\r8ً - الشك في طلوع الفجر: من أكل أو شرب أو جامع شاكاً في طلوع الفجر، ودام شكه؛ لأن الأصل بقاء الليل، فيكون زمانه الشك منه، ولظاهر الآية: {وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر} [البقرة:187/2]. لكن يفطر وعليه القضاء إن أكل ظاناً أن الفجر لم يطلع وقد كان طلع، أو أفطر يظن أن الشمس قد غابت ولم تغب، لأنه يمكن التحرز منه.\r-------------------------------\r(1) رواه أصحاب الكتب الستة عن أبي هريرة، والطبراني عن عمران بن حصين بلفظ «إن الله تجاوز لأمتي عما حدثت به أنفسها ما لم تتكلم به أو تعمل به» هو صحيح (الجامع الصغير: 68/1).","part":3,"page":105},{"id":1498,"text":"9ً - غلبة القيء: فمن ذرعه القيء (1) فلا شيء عليه، بخلاف من استقاء فعليه القضاء.\r10ً - السواك كل النهاروعدم الاغتسال من الجنابة، لكن يستحب الغسل ليلاً قبل طلوع الفجر الثاني لكل من لزمه الغسل من جنابة وحائض ونفساء انقطع دمها، وكافر أسلم، خروجاً من الخلاف.\r11ً - الكحل إن لم يجد طعمه في الحلق، وتلطيخ باطن القدم بالحناء، مع وجود طعمه بالحلق.\r12ً - إدخال المرأة أصبعها أو غيرها في فرجها ولو مبتلة.\rوخلاصة آراء المذاهب في أهم المواضع السابقة: أن الجماع في نهار رمضان موجب للقضاء والكفارة والإمساك بقية النهار، وكذلك الأكل والشرب عمداً عند الحنفيةوالمالكية خلافاً لغيرهم قياساً على الجماع، بجامع انتهاك حرمة الشهر.\rويفطر الصائم بالاتفاق بالقيء عمداً أو بتناول أي شيء مادي يصل إلى الجوف عمداً، سواء أكان مغذياً أم غير مغذٍّ، ولا يفطر بالفصد اتفاقاً كما لا يفطر عند الجمهور بالأكل ونحوه ناسياً، ويفطر عند المالكية، ولا يفطر بالأكل مكرهاً عند الشافعية والحنابلة، ويفطر عند المالكية والحنفية، ولا يفطر عند الحنابلة بغلبة ماء المضمضة ويفطر بها عند المالكية، وأما عند الشافعية فيفطر في حالة المبالغةأو العبث والتبرد أو الزيادة على الثلاث.\rولا يفطر بالاكتحال عند الشافعية والحنفية، ويفطر به عند المالكية والحنابلة، إن وجد طعم الكحل في الحلق. ولا يفطر عند الجمهور بالحقنة في الإحليل، ويفطر بها عند الشافعية. ولا يفطر عند الجمهور بنبش الأذن بعود أو إدخاله فيها، ويفطر به عند الشافعية.\r-------------------------------\r(1) ذرعه القيء أي خرج منه بغير اختياره.","part":3,"page":106},{"id":1499,"text":"ولا يفطر بالحجامة عند الجمهور وإنما تكره،ويفطر بها عند الحنابلة. ولا يفطر بإنزال المذي عند الحنفية والشافعية، ويفطر به عند المالكية والحنابلة في حال التقبيل أو المباشرة فيما دون الفرج، أما في حال تكرار النظر فلا يفطر به عند الحنابلة، ويفطر في رأي المالكية به أو بالتفكر عند الاستدامة، أو الاعتياد. وتتداخل الكفارة فلا تجب إلا واحدة بتكرر الإفطار في أيام عند الحنفية، وتتعدد الكفارة بتعدد الإفطار في أيام مختلفة عند الشافعية والحنابلة والمالكية (الجمهور).\rالمبحث الثامن ـ قضاء الصوم وكفارته وفديته:\rوفيه مطالب ثلاثة:\rالمطلب الأول ـ قضاء الصوم:\rأولاً ـ لوازم الإفطار: قال المالكية: يترتب على الإفطار سبعة أمور هي: القضاء، والكفارة الكبرى، والكفارة الصغرى (وهي الفدية)، والإمساك، وقطع التتابع، والعقوبة، وقطع النية (1) .\rثانياً ـ حكم القضاء: يجب باتفاق الفقهاء القضاء على من أفطر يوماً أو أكثر من رمضان، بعذر كالمرض والسفر والحيض ونحوه، أو بغير عذر كترك النية عمداً أو سهواً (2) ، لقوله تعالى: { فمن كان منكم مريضاً أو على سفر فعدة من أيام أخر} [البقرة:184/2-185] والتقدير: فأفطر فعدة. وقالت عائشة في حديث سابق: «كنا نحيض على عهد رسول الله صلّى الله عليه وسلم ، فنؤمر بقضاء الصوم» .\r\r-------------------------------\r(1) القوانين الفقهية: ص122-125.\r(2) فتح القدير: 80/2 ومابعدها، بداية المجتهد: 288/1، الشرح الصغير: 703/1، مغني المحتاج: 437/1، كشاف القناع: 389/2، المغني: 135/3.","part":3,"page":107},{"id":1500,"text":"ويأثم المفطر بلا عذر، لقوله صلّى الله عليه وسلم : «من أفطر يوماً من رمضان من غير رخصة (1) ، ولا مرض، لم يقضه (2) صوم الدهر كله، وإن صامه» (3) .\rوالمقضي وجوباً: هو رمضان، وأيام الكفارة، والنذر، وحالة الشروع في التطوع في رأي الحنفية والمالكية، لكن المالكية أوجبوا القضاء على من أفطر في التطوع متعمداً، أما من أفطر فيه ناسياً، أتم ولا قضاء عليه إجماعاً، وإن أفطر فيه بعذر مبيح فلا قضاء.\rووقت قضاء رمضان: ما بعد انتهائه إلى مجيء رمضان المقبل، ويندب تعجيل القضاء إبراء للذمة ومسارعة إلى إسقاط الواجب، ويجب العزم على قضاء كل عبادة إذا لم يفعلها فوراً،ويتعين القضاء فوراً إذا بقي من الوقت لحلول رمضان الثاني بقدر ما فاته، ويرى الشافعية وجوب المبادرة بالقضاء أي القضاء فوراً إذا كان الفطر في رمضان بغير عذر شرعي، ويكره لمن عليه قضاء رمضان أن يتطوع بصوم. وأما إذا أخر القضاء حتى دخل رمضان آخر، فقال الجمهور: يجب عليه بعد صيام رمضان الداخل القضاء والكفارة (الفدية). وقال الحنفية: لا فدية عليه سواء أكان التأخير بعذر أم بغير عذر. وتتكرر الفدية عند الشافعية بتكرر الأعوام.\rولكن لا يجزئ القضاء في الأيام المنهي عن صومها كأيام العيد، ولا في الوقت المنذور صومه كالأيام الأولى من ذي الحجة، ولا في أيام رمضان الحاضر؛ لأنه متعين للأداء، فلا يقبل صوماً آخر سواه. ويجزئ القضاء في يوم الشك لصحة صومه تطوعاً، كما تقدم.\rوالقضاء يكون بالعدد، فإذا كان رمضان تسعة وعشرين يوماً، وجب قضاء ذلك المقدار فقط من شهر آخر.\r-------------------------------\r(1) الرخصة في الأمر: خلاف التشديد فيه، والمراد هنا: إجازة تثبت العذر كسفر في طاعة، أو سبب أباح الله له به الفطر.\r(2) أي لم يؤد قضاءه بالفعل، ولم يجزه في الواقع.\r(3) رواه الترمذي، واللفظ له، وأبو داود والنسائي، وابن ماجه وابن خزيمة في صحيحه، والبيهقي، من حديث أبي هريرة (الترغيب والترهيب: 108/2).","part":3,"page":108},{"id":1501,"text":"تتابع القضاء: اتفق أكثر الفقهاء (1) على أنه يستحب موالاة القضاء أو تتابعه، لكن لا يشترط التتابع والفور في قضاء رمضان، فإن شاء فرقه وإن شاء تابعه، لإطلاق النص القرآني الموجب للقضاء، إلا إذا لم يبق من شعبان المقبل إلا ما يتسع للقضاء فقط، فيتعين التتابع لضيق الوقت، كأداء رمضان في حق من لاعذر له.\rودليل عدم وجوب التتابع ظاهر قوله تعالى: {فعدة من أيام أخر} [البقرة:184/2-185] فإنه يقتضي إيجاب العدد فقط، لا إيجاب التتابع.\rوشرط الظاهرية والحسن البصري التتابع، لما روي عن عائشة أنها قالت: «نزلت: فعدة من أيام أخر متتابعات» فسقط: متتابعات.\rصوم الولي عن الميت قضاء: من مات وعليه صيام شيء من رمضان فله حالان (2) :\rأحدهما ـ أن يموت قبل إمكان الصيام، إما لضيق الوقت أو لعذر من مرض أو سفر أو عجز عن الصوم، فلا شيء عليه عند أكثر العلماء لعدم تقصيره، ولا إثم عليه؛ لأنه فرض لم يتمكن منه إلى الموت، فسقط حكمه إلى غير بدل كالحج. وبناء عليه: إن مات المريض أو المسافر، وهما على حالهما، لم يلزمهما القضاء.\r-------------------------------\r(1) فتح القدير: 81/2، اللباب: 171/1، مراقي الفلاح: ص116، بداية المجتهد: 289/1، مغني المحتاج: 445/1، الحضرمية: ص113، كشاف القناع: 388/2 ومابعدها، القوانين الفقهية: ص121، المغني: 150/3.\r(2) اللباب: 170/1، فتح القدير: 83/2-85، بداية المجتهد: 290/1، مغني المحتاج: 438/1 ومابعدها، المغني: 142/3 ومابعدها، كشاف القناع: 360/2، القوانين الفقهية: ص121، المهذب: 187/1.","part":3,"page":109},{"id":1502,"text":"الحال الثاني ـ أن يموت بعد إمكان القضاء، فلا يصوم عنه وليه أي لم يجب صومه عند أكثر الفقهاء، ولم يصح صومه عنه عند الشافعية في الجديد؛ لأنه عبادة بدنية محضة، وجبت بأصل الشرع فلم تدخلها النيابة في الحياة و بعد الموت كالصلاة، ولحديث: «لا يصلي أحد عن أحد، ولا يصوم أحد عن أحد، ولكن يطعم عنه مكان كل يوم مدّ من حنطة» (1) ويستحب عند الحنابلة للولي أن يصوم عن الميت؛ لأنه أحوط لبراءة الميت.\rوهل يجب الإطعام عنه من التركة؟\rقال الحنفية والمالكية: إن أوصى بالإطعام، أطعم عنه وليه لكل يوم مسكيناً نصف صاع (2) من تمر أوشعير؛ لأنه عجز عن الأداء في آخر عمره، فصار كالشيخ الفاني، ولا بد من الإيصاء.\rوقال الشافعية في الجديد والحنابلة على الراجح: الواجب أن يطعم عنه لكل يوم مد طعام (3) لكل مسكين، للحديث السابق، ولقول عائشة أيضاً: «يطعم عنه في قضاء رمضان، ولا يصام عنه» (4) ولحديث ابن عمر: «من مات وعليه صيام شهر، فليطعم عنه مكان كل يوم مسكيناً» (5) .\rهذا... ويرى أصحاب الحديث وجماعة من محدثي الشافعية وأبو ثور\r-------------------------------\r(1) قال عنه الحافظ الزيلعي: غريب مرفوعاً، وروي موقوفاً على ابن عباس، وابن عمر، فحديث الأول رواه النسائي، والثاني رواه عبد الرزاق في مصنفه (نصب الراية: 463/2).\r(2) الصاع: أربعة أمداد وهو يساوي 2751 غم.\r(3) المد: رطل وثلث بالرطل البغدادي، وبالكيل المصري: نصف قدح من غالب قوت بلده ويساوي 675 غم.\r(4) قال الشوكاني عنه: وهو ضعيف جداً.\r(5) رواه ابن ماجه.","part":3,"page":110},{"id":1503,"text":"والأوزاعي والظاهرية وغيرهم أنه يصوم الولي عن الميت إذا مات، وعليه صوم، أي صوم كان من رمضان أو نذراً، والولي على الأرجح: هو كل قريب، ودليلهم أحاديث ثابتة، منها حديث عائشة المتفق عليه أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم قال: «من مات وعليه صيام، صام عنه وليه» (1) وقيد ابن عباس والليث وأبو عبيد وأبو ثور ذلك بصوم النذر.\rالمطلب الثاني ـ الكفارة:\rوأما الكفارة: فالكلام في موجبها وحكمها ودليلها، وأنواعها وتعددها (2) :\rفموجبها: إفساد صوم رمضان خاصة، عمداً قصداً، لانتهاك حرمة الصوم من غير مبيح للفطر، فلا كفارة على من أفطر في قضاء رمضان عند الجمهور، ولا كفارة على الناسي والمكره، ولا تجب في القبلة، ولا على الحائض والنفساء والمجنون والمغمى عليه؛ لأنه من غير فعلهم، ولاعلى المريض والمسافر، والمرهق بالجوع والعطش، والحامل، لعذرهم، ولا على المرتد؛ لأنه هتك حرمة الإسلام، لا حرمة الصيام خصوصاً. وقد سبق بحث الحالات الموجبة للكفارة في المذاهب، وأهمها الجماع بالاتفاق ، والإفطار المتعمد بالأكل ونحوه عند الحنفية والمالكية.\rوحكمها: أنها واجبة بالفطر في رمضان فقط دون غيره إن أفطر فيه ـ لدى الحنفية والمالكية ـ منتهكاً لحرمته، أي غير مبال بها، بأن تعمدها اختياراً، بلا تأويل\r-------------------------------\r(1) نيل الأوطار: 235/4-237.\r(2) الدر المختار: 150/2 ومابعدها، مراقي الفلاح: ص112، البدائع: 89/2 ومابعدها، الشرح الصغير: 706/1-715، بداية المجتهد: 289/1-297، القوانين الفقهية: ص122-124، مغني المحتاج: 444/1، المهذب: 184/1، المغني 125/3-134، كشاف القناع: 381/2-382.","part":3,"page":111},{"id":1504,"text":"قريب ـ على حد تعبير المالكية ـ احترازاً من الناسي والجاهل والمتأول، فلا كفارة عليهم، كما أبنت، وكان الفطر بجماع ونحوه، وبأكل ونحوه عند الحنفية والمالكية. واشترط الشافعية لإيجاب هذه الكفارة أن يكون المجامع ذاكراً لصومه، عالماً بالحرمة، غير مترخص بسفر أو مرض. فمن جامع ناسياً أو جاهلاً بالحرمة، أو أفسد صوماً غير صوم رمضان، أو أفطر متعمداً بغير الجماع، أو كان مسافراً ، فلا كفارة عليه، وعليه القضاء فقط.\rودليل إيجابها: حديث أبي هريرة قال: جاء رجل إلى النبي صلّى الله عليه وسلم ، فقال: هلكتُ يا رسول الله ، قال: وما أهلكك؟ قال: وقعت على امرأتي في رمضان، قال: هل تجد ما تعتق رقبة؟ قال: لا ، قال: فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟ قال: لا، قال: فهل تجد ما تطعم ستين مسكيناً؟ قال: لا.\rقال: ثم جلس، فأُتي النبي صلّى الله عليه وسلم بعَرَق (1) فيه تمر، قال: تصدق بهذا، قال: فهل على أفقر منا، فما بين لابتيها (2) أهلُ بيت أحوج إليه منا؟! فضحك النبي صلّى الله عليه وسلم حتى بدت نواجذه، وقال: اذهب فأطعمه أهلك (3) .\rوفي لفظ ابن ماجه قال: أعتق رقبة؟ قال: لا أجدها، قال: صم شهرين متتابعين؟ قال: لا أطيق، قال: أطعم ستين مسكيناً. وفي لفظ لابن ماجه وأبي داود في رواية: «وصم يوماً مكانه» .-------------------------------\r(1) العرق: الزنبيل، وهو المكتل، يسع خمسة عشر صاعاً، ووقع عند الطبراني في الأوسط: أنه أتي بمكتل فيه عشرون صاعاً، فقال: تصدق بهذا.\r(2) اللابتان: تثنية لابة، وهي الحرة، والحرة: الأرض التي فيهاحجارة سود.\r(3) رواه الجماعة عن أبي هريرة (نيل الأوطار:214/4).","part":3,"page":112},{"id":1505,"text":"قال الشوكاني: استدل به على سقوط الكفارة بالإعسار لما تقرر أنها لا تصرف في النفس والعيال، ولم يبين صلّى الله عليه وسلم استقرارها في ذمته إلى حين يساره، وهو أحد قولي الشافعي، وجزم به عيسى بن دينار من المالكية، وقال الجمهور: لاتسقط بالإعسار، قالوا: وليس في الخبر ما يدل على سقوطها عن المعسر، بل فيه ما يدل على استقرارها عليه، والذي أذن له في التصرف فيه ليس على سبيل الكفارة (نيل الأوطار: 216/4). قال ابن تيمية الجد: وفيه دلالة قوية على الترتيب. وظاهر لفظ الدارقطني: أن المرأة كانت مكرهة.\rويجب قضاء اليوم مع الكفارة. ويجب القضاء على الزوجة الموطوءة إن لم تجب عليها الكفارة.\rأنواع الكفارة: ثلاثة: عتق، وصيام، وإطعام، مثل كفارة الظهار والقتل الخطأ في الترتيب عند الجمهور، فإن عجز عن العتق بأن لم يجد رقبة فصيام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع صومهما أطعم ستين مسكيناً. والإطعام عند المالكية أفضل الخصال، والكفارة واجبة عندهم على التخيير لا على الترتيب (1) . قال الشوكاني: في حديث أبي هريرة دليل على أنه يجزئ التكفير بواحدة من الثلاث الخصال. وظاهر الحديث أيضاً أن الكفارة بالخصال الثلاث على الترتيب. قال البيضاوي: لأن ترتيب الخصال بالفاء. وأضاف الشوكاني قائلاً: وقد وقع في الروايات ما يدل على الترتيب والتخيير، والذين رووا الترتيب أكثر، ومعهم الزيادة (2) ، فيكون دليل المالكية العمل برواية أخرى فيها التخيير.\rوالخلاصة: إن الكفارة مرتبة في رأي الجمهور، وقال المالكية: الكفارة واجبة في ثلاثة أنواع على التخيير، إما إطعام ستين مسكيناً وهو الأفضل، و صيام شهرين متتابعين، أوعتق رقبة.\rفالعتق: تحرير رقبة مؤمنة عند الجمهور غير الحنفية: سليمة من العيوب أي عيوب فوات منفعة البطش والمشي والكلام والنظر والعقل، قياساً في اشتراط الإيمان على كفارة القتل الخطأ، وقال الحنفية: ولو كانت غير مؤمنة، لإطلاق نص الحديث السابق.\r-------------------------------\r(1) الشرح الصغير: 713/1.\r(2) نيل الأوطار: 215/4.","part":3,"page":113},{"id":1506,"text":"والصيام عند العجز عن الرقبة: صيام شهرين متتابعين، ليس فيهما يوم عيد، ولا أيام التشريق، ولا يجزئه الصوم إن قدر على العتق قبل البدء بالصوم، فلو قدر على العتق في أثناء الصوم ولو في آخر يوم، لزمه العتق عند الحنفية، ولم يلزمه عند الجمهور الانتقال عن الصوم إلى العتق، إلا أن يشاء أن يعتق، فيجزئه، ويكون قد فعل الأولى أي يندب له عتق الرقبة. فلو أفطر ولو لعذر إلا لعذر الحيض استأنف عند الحنفية الصوم من جديد، ويستأنف الصوم عند المالكية إن أفطر متعمداً.\rولا يستأنف إن أفطر ناسياً أو لعذر، أو لغلط في العدد. وقال الشافعية: لو أفسد يوماً ولو اليوم الأخير ولو بعذر كسفر ومرض وإرضاع ونسيان نية، استأنف الشهرين، لكن لا يضر الفطر بحيض ونفاس وجنون وإغماء مستغرق؛ لأن كلاً منها ينافي الصوم مع كونه اضطرارياً، وقال الحنابلة: لا ينقطع التتابع بالفطر لمرض أو حيض.\rوالإطعام عند عدم استطاعة الصوم: إطعام ستين مسكيناً، لكل مسكين عند الجمهور مد من القمح بمد النبي صلّى الله عليه وسلم أو نصف صاع من تمر أوشعير، وعند الحنفية: مدان، أو يغذيهم ويعشيهم غداء وعشاء مشبعين، أو غداءين أو عشاءين، أو عشاء وسحوراً. والمدان أو نصف الصاع: هما من بُر أو دقيقه أو سويقه، أو يعطي كل فقير صاع تمر أوصاع شعير أوزبيب أو يعطي عند الحنفية قيمة نصف الصاع من البر، أو الصاع من غيره من غير المنصوص عليه، ولو في أوقات متفرقة، لحصول الواجب.","part":3,"page":114},{"id":1507,"text":"ولا يجوز للفقير صرف الكفارة إلى عياله، كالزكاة وسائر الكفارات، وأما خبر «أطعمه أهلك» فهو خصوصية، أو أن لغير المكفر الذي تطوع بالتكفير عن غيره صرف الكفارة للمكفر عنه تطوعاً. والأصح عند الشافعية أن له العدول عن الصوم إلى الإطعام لغُلمة (أي شدة الحاجة للنكاح) ؛ لأن حرارة الصوم وشدة الغلمة قد يفضيان به إلى الوقاع، ولو في يوم واحد من الشهرين، وذلك يقتضي استئنافها لبطلان التتابع، وهو حرج شديد.\rوتشترط النية عند أداء الكفارة في رأي الشافعية، بأن ينوي العتق أو الصوم أو الإطعام عن الكفارة؛ لأنها حق مالي أو بدني يجب تطهيراً كالزكاة والصيام، فلا بد لصحتها من النية.\rتعدد الكفارة أو تداخلها بتعدد الإفطار في أيام: إن تكرر الجماع، أو الإفطار بأكل ونحوه في رأي الحنفية والمالكية، قبل التكفير عن الأول، فإما أن يكون في يوم واحد، أو في يومين:\rأ ـ فإن كان في يوم واحد، فكفارة واحدة تجزئه، بالاتفاق.\rب ـ وإن كان في يومين أو أكثر من رمضان: فعليه كفارتان أو أكثر، عند الجمهور؛ لأن كل يوم عبادة منفردة، فإذا وجبت بإفساده، لم تتداخل، كرمضانين وكالحجتين.\rوتجزئ كفارة واحدة عند الحنفية عن جماع وأكل متعمد متعدد في أيام لم يتخلله تكفير، ولو من رمضانين على الصحيح، فإن تخلل تكفير لا تكفي كفارة واحدة في ظاهر الرواية؛ لأن الكفارة جزاء عن جناية تكرر سببها قبل استيفائها، والمقصود بها الزجر، فيجب أن تتداخل كالحد، ويحصل بها مقصودها، وفي حال تخلل التكفير لم يحصل الزجر بعوده لانتهاك حرمة الشهر.","part":3,"page":115},{"id":1508,"text":"ومن عجز عن الكفارة، استقرت في ذمته، والمعتبر حاله حين التكفير، فإن قدر على خصلة فعلها.\rطروء العذر بعد الإفطار عمداً: إن حدوث السفر أو المرض بعد الجماع، أو الأكل المقيس عليه عند القائلين به، لا يسقط الكفارة عند الشافعية والمالكية والحنابلة؛ لأن العذر معنى طرأ بعد وجوب الكفارة، فلم يسقطها، ولأن السفر المنشأ في أثناء النهار لا يبيح الفطر عند غير الحنابلة، فلا يؤثر فيما وجب من الكفارة، ولأن المرض، لا ينافي الصوم، فيتحقق هتك حرمته.\rورأى الحنفية أن الكفارة تسقط بعد الإفطار بطروء حيض أو نفاس أو مرض مبيح للفطر في يومه الذي أفسده؛ لأن اليوم لا يتجزأ ثبوتاً وسقوطاً للكفارة، فتمكنت الشبهة في عدم استحقاقه من أوله بعروض العذر في آخره، ولا تسقط عمن سوفر به كرهاً أو سافر اختياراً، بعد لزومها في ظاهر الرواية، والفرق بين الحالين أنه في السفر المكره عليه لم يجئ العذر من قبل صاحب الحق، وفي غير السفر تمكنت الشبهة في عدم استحقاق الكفارة من أول اليوم بعروض العذر في آخره؛ لأن الكفارة إنما تجب في صوم مستحق، وهو لا يتجزأ ثبوتاً وسقوطاً.\rالمطلب الثالث ـ الفدية:\rأما الفدية: فالكلام في حكمها، وسببها، وتكررها بتكرر السنين(1 ) :\rفحكم الفدية: الوجوب، لقوله تعالى: {وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين} [البقرة:184/2] أي على الذين يتحملون الصوم بمشقة شديدة الفدية. والفدية عند الحنفية: نصف صاع من بُرّ، أي قيمته، بشرط دوام عجز الفاني والفانية إلى\r-------------------------------\r(1) مراقي الفلاح: ص116، الكتاب مع اللباب: 170/1-171، فتح القدير: 81/2-82، الشرح الصغير: 720/1-722، بداية المجتهد: 289/1، القوانين الفقهية: ص124، مغني المحتاج: 440/1 ومابعدها، المهذب: 178/1،187، المغني: 139/3-143، كشاف القناع:389/2 ومابعدها.","part":3,"page":116},{"id":1509,"text":"الموت. ومد من الطعام من غالب قوت البلد عن كل يوم عند الجمهور، بقدر ما فاته من الأيام. ومصارف الفدية والنذور المطلقة والكفارات والصدقات الواجبة: هي مصارف الزكاة.\rو سببها:\r1 - العجز عن الصيام، فتجب باتفاق الفقهاء على من لا يقدر على الصوم بحال، وهو الشيخ الكبير والعجوز، إذا كان يجهدهما الصوم ويشق عليهما مشقة شديدة، فلهما أن يفطرا ويطعما لكل يوم مسكيناً، للآية السابقة: {وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين} [البقرة:184/2] وقول ابن عباس: « نزلت رخصة للشيخ الكبير» ولأن الأداء صوم واجب، فجاز أن يسقط إلى الكفارة كالقضاء. والشيخ الهمّ (1) له ذمة صحيحة، فإن كان عاجزاً عن الإطعام أيضاً فلا شيء عليه، و {لا يكلف الله نفساً إلا وسعها} [البقرة:286/2] وقال الحنفية: يستغفر الله سبحانه، ويستقبله أي يطلب منه العفو عن تقصيره في حقه.\rوأما المريض إذا مات فلا يجب الإطعام عنه؛ لأن ذلك يؤدي إلى أن يجب على الميت ابتداء، بخلاف ما إذا أمكنه الصوم فلم يفعل، حتى مات؛ لأن وجوب الإطعام يستند إلى حال الحياة.\r2 - وتجب الفدية أيضاً بالاتفاق على المريض الذي لا يرجى برؤه، لعدم وجوب الصوم عليه، كما تقدم، لقوله عز وجل: {وما جعل عليكم في الدين من حرج} [الحج:78/22].\r3 - وتجب الفدية كذلك عند الجمهور (غير الحنفية) مع القضاء على الحامل\r-------------------------------\r(1) الهم: الشيخ الفاني، والمرأة: هِمَّة.","part":3,"page":117},{"id":1510,"text":"والمرضع إذا خافتا على ولدهما، أما إن خافتا على أنفسهما، فلهما الفطر، وعليهما القضاء فقط، بالاتفاق. ودليله الآية السابقة: {وعلى الذين يطيقونه فدية..} [البقرة:184/2] وهما داخلتان في عموم الآية، قال ابن عباس: «كانت رخصة الشيخ الكبير والمرأة الكبيرة، وهما يطيقان الصيام أن يفطرا، ويطعما مكان كل يوم مسكيناً، والحبلى والمرضع إذا خافتا على أولادهما أفطرتا وأطعمتا» (1) ، ولأنه فطر بسبب نفس عاجزة من طريق الخلقة، فوجبت به الكفارة كالشيخ الهرم.\rولا تجب عليهما الفدية مطلقاً عند الحنفية، لحديث أنس بن مالك الكعبي: «إن الله وضع عن المسافر شطر الصلاة، وعن الحامل والمرضع الصوم ـ أو الصيام ـ والله لقد قالها رسول الله صلّى الله عليه وسلم ، أحدهما أو كليهما» (2) فلم يأمر بكفارة، ولأنه فطر أبيح لعذر، فلم يجب به كفارة كالفطر للمرضى.\rورأي الجمهور أقوى وأصح لدي؛ لأنه نص في المطلوب، وحديث أنس مطلق لم يتعرض للكفارة.\r4 - وتجب الفدية أيضاً مع القضاء عند الجمهور (غير الحنفية) على من فرط في قضاء رمضان، فأخره حتى جاء رمضان آخر مثله بقدر ما فاته من الأيام، قياساً على من أفطر متعمداً؛ لأن كليهما مستهين بحرمة الصوم، ولا تجب على من اتصل عذره من مرض أو سفر أو جنون أو حيض أو نفاس.\r-------------------------------\r(1) رواه أبو داود (نيل الأوطار: 231/4).\r(2) رواه النسائي والترمذي، وقال: هذا حديث حسن، وبقية الخمسة (أحمد وأبو داود وابن ماجه) (نيل الأوطار: 230/4).","part":3,"page":118},{"id":1511,"text":"تكرر الفدية: ولا تتكرر الفدية عند المالكية والحنابلة بتكرر الأعوام وإنما تتداخل كالحدود، والأصح في رأي الشافعية: أنها تتكرر بتكرر السنين؛ لأن الحقوق المالية لا تتداخل (1) . وقال الحنفية: لا فدية بالتأخير إلى رمضان آخر، لإطلاق النص القرآني. {فمن كان منكم مريضاً أو على سفر فعدة من أيام أخر} [البقرة:184/2-185] فكان وجوب القضاء على التراخي، حتى كان له أن يتطوع، فلا يلزمه بالتأخير شيء ولأنه القياس في الكفارات، غير أنه تارك للأولِى من المسارعة في القضاء.\rوالفدية والكفارة والنذر وقتها العمر كله، والأولى التعجيل بقدر الإمكان وأن تكون الفدية في رمضان، لأن الثواب فيه أكثر.ويرى الحنابلة أن النذر والكفارة واجبان على الفور؛ لأنه مقتضى الأمر.\rباقي لوازم الإفطار: أما إمساك بقية اليوم وعقوبة منتهك حرمة صوم رمضان فقد سبق الكلام عليهما.\rوأما قطع التتابع: فهو عند المالكية لمن أفطر متعمداً في صيام النذر والكفارات المتتابعات كالقتل والظهار، فيستأنف، بخلاف من قطع الصوم ناسياً أو لعذر، أو لغلط في العدة، فإنه يبني على ما كان معه. وقد عرفنا رأي بقية المذاهب الأخرى.\rوأما قطع النية: فإنها تنقطع بإفساد الصوم أو تركه مطلقاً لعذر أو لغير عذر، ولزوال تحتم الصوم كالسفر، وإن صام فيه، وإنما ينقطع استصحابها حكماً. وهذا عند المالكية الذين يكتفون بنية واحدة أول شهر رمضان.\r-------------------------------\r(1) يؤيده ما يروى بإسناد ضعيف عن أبي هريرة عن النبي صلّى الله عليه وسلم في رجل مرض في رمضان، فأفطر، ثم صح، ولم يصم حتى أدركه رمضان آخر، فقال: يصوم الذي أدركه، ثم يصوم الشهر الذي أفطر فيه، ويطعم كل يوم مسكيناً» ورواه الدارقطني موقوفاً (نيل الأوطار: 233/4).","part":3,"page":119},{"id":1512,"text":"ملحق ـ ما يلزم الوفاء به من منذور الصوم والصلاة وغيرهما:\rقال الحنفية (1) : إذا نذر الإنسان شيئاً لزمه الوفاء به بشروط أربعة:\r1ً - أن يكون من جنسه واجب: فلا تلزم عيادة المريض أو قراءة المولد النبوي، إذ ليس من جنسها واجب، وإيجاب الإنسان شيئاً على نفسه معتبر بإيجاب الله تعالى، إذ له الاتباع، لا الابتداع.\rوأجاز الحنفية نذر صوم يوم العيد، لأن صومه عندهم حرام بوصفه، لا بأصله، أي لما يترتب عليه من الإعراض عن ضيافة الله ، أما أصل الصوم فمشروع.\r2ً - أن يكون مقصوداً لذاته، لا لغيره: فلا يلزم الوضوء بنذره،ولا قراءة القرآن، لكون الوضوء ليس مقصوداً لذاته، لأنه شرع شرطاً لغيره، كحل الصلاة.\r3ً - ألا يكون واجباً: فلا يصح نذر الواجبات كالصلوات الخمس؛ لأن إيجاب الواجب محال، ولا يصح نذر الوتر وسجدة التلاوة عند الحنفية القائلين بوجوبهما؛ لأنها واجبة بإيجاب الشارع.\r4ً - ألا يكون المنذور محالاً كقوله: لله علي صوم الأمس أو البارحة، إذ لايلزمه.\rوبناء عليه يصح نذر الاعتكاف، والصلاة غير المفروضة، والصوم والتصدق بالمال، والذبح، لوجود شيء من جنسها شرعاً كالأضحية. ويصح ـ كما تقدم ـ عند الحنفية نذر صوم العيدين وأيام التشريق في المختار، لكن يجب فطرها وقضاؤها، وإن صامها أجزأه مع الحرمة.\rوإن نذر شيئاً مطلقاً كصلاة ركعتين، أو معلقاً بشرط، مثل إن رزقني الله غلاماً، فعلي إطعام عشرة مساكين، ووجد الشرط، لزمه الوفاء به، لقوله تعالى: {وليوفوا نذورهم} [الحج:29/22] ولقوله صلّى الله عليه وسلم : «من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصي الله ، فلا يعصه» (2) .\rويلغى عند الحنفية ماعدا زفر تعيين الزمان والمكان والدرهم والفقير، فيجزئه صوم رجب عن نذره صوم شعبان، ويجزئه صلاة ركعتين بأي بلد، وقد كان نذر أداءهما بمكة، أو المسجد النبوي، أو الأقصى، لأن صحة النذر باعتبار القربة، لا المكان؛ لأن الصلاة تعظيم الله تعالى بجميع البدن، والأمكنة كلها في هذا المعنى سواء، وإن تفاوت الفضل. ويجزئه التصدق بدرهم عن درهم عينه له، والصرف لزيد الفقير بنذره لعمر؛ لأن المقصود من الصدقة سد خلة المحتاج، أو ابتغاء وجه الله ، وهذا المعنى حاصل بدون مراعاة زمان ومكان وشخص.\rوإن علق النذر بشرط، مثل «إن قدم فلان فلله علي أن أتصدق بكذا» لا يجزئه عنه ما فعله قبل وجود شرطه؛ لأن المعلق بالشرط عدم قبل وجوده، وإنما يجوز الأداء بعد وجود السبب الذي علق النذر به.\rوسيأتي في بحث النذر تفصيل آراء المذاهب الأخرى.\r-------------------------------\r(1) مراقي الفلاح: ص117.\r(2) رواه البخاري.","part":3,"page":120},{"id":1513,"text":"الفَصْلُ الثَّاني : الاعتِكَاف\rفيه مباحث ستة وهي:\rالمبحث الأول ـ تعريف الاعتكاف ومشروعيته والهدف منه، ومكانه وزمانه.\rالمبحث الثاني ـ حكم الاعتكاف وما يوجبه النذر على المعتكف.\rالمبحث الثالث ـ شروط الاعتكاف.\rالمبحث الرابع ـ ما يلزم المعتكف وما يجوز له.\rالمبحث الخامس ـ آداب المعتكف، ومكروهات الاعتكاف ومبطلاته.\rالمبحث السادس ـ حكم الاعتكاف إذا فسد.\rوأبدأ ببحثها على الترتيب المذكور.\rالمبحث الأول ـ تعريف الاعتكاف ومشروعيته والهدف منه، ومكانه وزمانه:\rتعريفه: الاعتكاف لغة: اللبث وملازمة الشيء أو الدوام عليه خيراً كان أو شراً. ومنه قوله تعالى: {يعكفون على أصنام لهم} [الأعراف:138/7] وقوله: { ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون} [الأنبياء:53/21] وقوله سبحانه: {ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد} [البقرة:187/2].","part":3,"page":121},{"id":1514,"text":"وشرعاً له تعاريف متقاربة في المذاهب، قال الحنفية (1) : هو اللبث في المسجد الذي تقام فيه الجماعة، مع الصوم، ونية الاعتكاف، فاللبث ركنه؛ لأنه ينبئ عنه، فكان وجوده به، والصوم في الاعتكاف المنذور والنية من شروطه. ويكون من الرجل في مسجد جماعة: وهو ماله إمام ومؤذن، أديت فيه الصلوات الخمس أو لا، ومن المرأة: في مسجد بيتها: وهو محل عينته للصلاة، ويكره في المسجد، ولا يصح في غير موضع صلاتها من بيتها.\rوقال المالكية (2) : هو لزوم مسلم مميز مسجداً مباحاً لكل الناس، بصوم، كافاً عن الجماع ومقدماته، يوماً وليلة فأكثر، للعبادة، بنية. فلا يصح من كافر، ولا من غير مميز، ولا في مسجد البيت المحجور عن الناس، ولا بغير صوم، أي صوم كان: فرض أو نفل، من رمضان أو غيره، ويبطل بالجماع ومقدماته ليلاً أو نهاراً، وأقله يوم وليلة ولا حد لأكثره، بقصد العبادة بنية، إذ هو عبادة، وكل عبادة تفتقر للنية.\rوعبارة الشافعية (3) : هو اللبث في المسجد من شخص مخصوص بنية.\rوعبارة الحنابلة (4) : هو لزوم المسجد لطاعة الله ، على صفة مخصوصة، من مسلم عاقل ولو مميزاً ، طاهر مما يوجب غسلاً، وأقله ساعة، فلا يصح من كافر ولو مرتداً، ولا من مجنون ولا طفل، لعدم النية، ولا من جنب ونحوه ولو متوضئاً، ولا يكفي العبور، وإنما أقله لحظة.\r-------------------------------\r(1) فتح القدير: 106/2، الدر المختار: 176/2، مراقي الفلاح: ص118، اللباب: 174/1.\r(2) الشرح الكبير:541/1 ومابعدها، الشرح الصغير: 725/1 ومابعدها.\r(3) مغني المحتاج: 449/1.\r(4) كشاف القناع: 404/2، المغني: 183/3.","part":3,"page":122},{"id":1515,"text":"وأدلة مشروعيته (1) : الكتاب والسنة والإجماع، فمن الكتاب: قوله تعالى: {ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد} [البقرة:187/2] ومثله {أن طهرا بيتي للطائفين والعاكفين} [البقرة:125/2] فالإضافة في الآية الأولى إلى المساجد المختصة بالقربات، وترك الوطء المباح لأجله، دليل على أنه قربة.\rوالسنة: لما روى ابن عمر وأنس وعائشة أن «النبي صلّى الله عليه وسلم كان يعتكف في العشر الأواخر من رمضان، منذ قدم المدينة إلى أن توفاه الله تعالى» (2) وقال الزهري: «عجباً من الناس، كيف تركوا الاعتكاف، ورسول الله صلّى الله عليه وسلم كان يفعل الشيء ويتركه، وما ترك الاعتكاف حتى قبض» .\rوهو من الشرائع القديمة، قال الله تعالى: {وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل أن طهرا بيتي للطائفين والعاكفين} [البقرة:125/2].\rوالهدف منه: صفاء القلب بمراقبة الرب والإقبال والانقطا ع إلى العبادة في أوقات الفراغ، متجرداً لها، ولله تعالى، من شواغل الدنيا وأعمالها، ومسلِّماً النفس إلى المولى بتفويض أمرها إلى عزيز جنابه والاعتماد على كرمه والوقوف ببابه، وملازمة عبادته في بيته سبحانه وتعالى والتقرب إليه ليقرب من رحمته، والتحصن بحصنه عز وجل، فلا يصل إليه عدوه بكيده وقهره، لقوة سلطان الله وقهره وعزيز تأييده ونصره. فهو من أشرف الأعمال وأحبها إلى الله تعالى إذا كان عن إخلاص لله سبحانه؛ لأنه منتظر للصلاة، وهو كالمصلي، وهي حالة قرب.\rفإذا انضم إليه الصوم عند مشترطيها ازداد المؤمن قرباً من الله بما يفيض على الصائمين من طهارة القلوب، وصفاء النفوس.\rوأفضله في العشر الأواخر من رمضان ليتعرض لليلة القدر التي هي خير من ألف شهر.\r-------------------------------\r(1) مراقي الفلاح: ص120، مغني المحتاج: 449/1، المغني: 183/3.\r(2) متفق عليه، عبارة الصحيحين: «أنه صلّى الله عليه وسلم اعتكف العشر الأوسط من رمضان ثم اعتكف العشر الأواخر، ولازمه حتى توفاه الله تعالى» ثم اعتكف أزواجه من بعده. (نيل الأوطار: 264/4).","part":3,"page":123},{"id":1516,"text":"وزمانه: أنه مستحب كل وقت في رمضان وغيره، وأقله عند الحنفية (1) نفلاً: مدة يسيرة غير محدودة، وإنما بمجرد المكث مع النية، ولو نواه ماشياً على المفتى به؛ لأنه متبرع، وليس الصوم في النفل من شرطه، ويعد كل جزء من اللبث عبادة مع النية بلا انضمام إلى آخر. ولا يلزم قضاء نفل شرع فيه على الظاهر من المذهب؛ لأنه لا يشترط له الصوم.\rوأقله عند المالكية (2) : يوم وليلة، والاختيار: ألا ينقص عن عشرة أيام، بمطلق صوم من رمضان أو غيره، فلا يصح من مفطر، ولو لعذر، فمن لا يستطيع الصوم لا يصح اعتكافه.\rوالأصح عند الشافعية (3) :أنه يشترط في الاعتكاف لبث قدر يسمى عكوفاً أي إقامة، بحيث يكون زمنها فوق زمن الطمأنينة في الركوع ونحوه، فلا يكفي قدرها، ولا يجب السكون، بل يكفي التردد فيه.\rوأقله عند الحنابلة (4) : ساعة أي ما يسمى به معتكفاً لابثاً، ولو لحظة. فالجمهور على الاكتفاء بمدة يسيرة، والمالكية يشترطون لأقله يوماً وليلة.\rومكانه: عند الحنفية (5) للرجل أو المميز في مسجد الجماعة: وهو ما له إمام ومؤذن، سواء أديت فيه الصلوات الخمس أو لا، وأما الجامع فيصح فيه مطلقاً اتفاقاً، بدليل قول ابن مسعود:\r-------------------------------\r(1) مراقي الفلاح ونور الإيضاح: ص119.\r(2) الشرح الكبير والصغير، المكان السابق، القوانين الفقهية: ص125.\r(3) مغني المحتاج: 451/1، المهذب: 190/1 ومابعدها.\r(4) كشاف القناع: 404/2.\r(5) الدر المختار ورد المحتار:176/2.","part":3,"page":124},{"id":1517,"text":"«لا اعتكاف إلا في مسجد جماعة» (1) ،وللمرأة في مسجد بيتها: وهو المعد لصلاتها، الذي يندب لها ولكل أحد اتخاذه.\rوعند الحنابلة (2) : لا يجوز الاعتكاف من رجل تلزمه الصلاة جماعة إلا في مسجد تقام فيه الجماعة، فلا يصح بغير مسجد بلا خلاف، لقوله تعالى: {ولاتباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد} [البقرة:187/2] فلو صح في غيرها لم تختص بتحريم المباشرة؛ إذ هي محرمة في الاعتكاف مطلقاً. وإنما اشترط كون المسجد مما يجمع فيه؛ لأن الجماعة واجبة، واعتكاف الرجل في مسجد لا تقام فيه الجماعة يفضي إلى أحد أمرين: إما ترك الجماعةالواجبة، وإما خروجه إليها، فيتكرر ذلك منه كثيراً مع إمكان التحرز منه، وذلك مناف للاعتكاف: وهو لزوم المعتكف والإقامة على طاعة الله فيه.\rويصح الاعتكاف في كل مسجد في الحالات التالية:\r1ً - إن كان الاعتكاف مدة غير وقت الصلاة كليلة، أو بعض يوم، لعدم المانع. وإن كانت الجماعة تقام في مسجد في بعض الزمان، جاز الاعتكاف فيه في ذلك الزمان دون غيره.\r2ً - إن كان المعتكف ممن لا تلزمه الجماعة كالمريض والمعذور والمرأة والصبي ومن هو في قرية لا يصلي فيها سواه، فله أن يعتكف في كل مسجد؛ لأن الجماعة غير واجبة عليه. ولا يصح للمرأة الاعتكاف في مسجد بيتها؛ لأنه ليس بمسجد حقيقة ولا حكماً، ولوجاز لفعلته أمهات المؤمنين، ولو مرة، تبييناً للجواز.\rوإذا اعتكفت المرأة في المسجد، استحب لها أن تستتر بشيء؛ لأن أزواج النبي صلّى الله عليه وسلم لما أردن الاعتكاف أمرن بأبنيتهن، فضربن في المسجد، ولأن المسجد يحضره الرجال، وخير لهم وللنساء ألا يرونهن ولا يرينهم.\rولا يصح الاعتكاف ممن تلزمه الجماعة في مسجد تقام فيه الجمعة دون الجماعة إذا كان يأتي عليه وقت صلاة، حتى لا يترك الجماعة.\r-------------------------------\r(1) رواه الطبراني ( نصب الراية: 490/2 ).\r(2) المغني: 187/3 - 191، كشاف القناع: 409/2-412.","part":3,"page":125},{"id":1518,"text":"ويلاحظ أن سطح المسجد ورحبته المحطوطة به وعليها باب، ومنارته التي تكون فيه أو التي بابها فيه من المسجد، بدليل منع الجنب من الدخول فيما ذكر.\rوكذا كل ما زيد في المسجد حتى في الثواب يعد من المسجد، ولو المسجد الحرام ومسجد المدينة، لما روي عن أبي هريرة أن النبي صلّى الله عليه وسلم قال: «لو بني هذا المسجد إلى صنعاء، كان مسجدي» (1) وقال عمر لما زاد المسجد: «لو زدنا فيه حتى يبلغ الجبانة، كان مسجد النبي صلّى الله عليه وسلم » .\rولو اعتكف من لا تلزمه الجمعة كالمسافر والمرأة في مسجد لا تصلى فيه الجمعة، بطل اعتكافه بخروجه إليها إن لم يشترط الخروج إليها؛ لأنه خروج لازم لا بد له منه.\rوالأفضل الاعتكاف في المسجد إذا كانت الجمعة تتخلله، لئلا يحتاج إلى الخروج إليها، فيترك الاعتكاف، مع إمكان التحرز منه.\rومن نذر الاعتكاف أو الصلاة في مسجد غير المساجد الثلاثة، فله فعل المنذور من اعتكاف أو صلاة في غيره؛ لأن الله تعالى لم يعين لعبادته موضعاً، فلم يتعين بالنذر، ولو تعين لا حتاج إلى شد رحل.\rوإن نذر الاعتكاف أو الصلاة في أحد المساجد الثلاثة: المسجد الحرام،ومسجد النبي صلّى الله عليه وسلم ، والمسجد الأقصى، لم يجزئه في غيرها، لفضل العبادة فيها على غيرها، فتتعين بالتعيين. وله شد الرحال إلى المسجد الذي عينه من الثلاثة، لحديث أبي هريرة: « لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، والمسجد الأقصى، ومسجدي هذا » (2) .\rوأفضلها المسجد الحرام، ثم مسجد النبي صلّى الله عليه وسلم ، ثم المسجد الأقصى (3) ، فإن عين الأفضل منها وهو المسجد الحرام في نذره، لم يجزئه الاعتكاف ولا الصلاة فيما دونه، لعدم مساواته له.\rوقال المالكية (4) : مكان الاعتكاف هو المساجد كلها، ولايصح في مسجد البيوت المحجورة،\r-------------------------------\r(1) حديث ضعيف، رواه الزبير بن بكار في أخبار المدينة.\r(2) متفق عليه. وقال بعضهم: إلا مسجد قباء؛ لأنه صلّى الله عليه وسلم « كان يأتيه كل سبت راكباً وماشياً، ويصلي فيه ركعتين » متفق عليه، وكان ابن عمر يفعله.\r(3) روى الجماعة إلا أبا داود عن أبي هريرة: « صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام » ولأحمد وأبي داود من حديث جابر بن عبد الله مثله، وزاد: « وصلاة في المسجد الحرام أفضل من مئة ألف صلاة فيما سواه » .\r(4) القوانين الفقهية: ص 125، الشرح الصغير: 725/1، 253/2-255،265.","part":3,"page":126},{"id":1519,"text":"ومن نوى الاعتكاف مدة يتعين عليه إتيان الجمعة في أثنائها، تعين الجامع، لأنه إن خرج إلى الجمعة، بطل اعتكافه. ويلزم الوفاء بالنذر في المكان الذي عينه الناذر، فإذا عين مسجد مكة أو المدينة في نذر الصلاة أو الاعتكاف، وجب عليه الوفاء فيهما. والمدينة عند المالكية أفضل من مكة، ومسجدها أفضل من المسجد الحرام، ويليهما المسجد الأقصى، لما رواه الدارقطني والطبراني من حديث رافع بن خديج: « المدينة خير من مكة » ولما ورد في دعائه صلّى الله عليه وسلم: « اللهم كما أخرجتني من أحب البلاد إلي، فأسكني في أحب البلاد إليك » وروى الطبراني عن بلال بن الحارث المزني: « رمضان بالمدينة خير من ألف رمضان\rفيما سواها من البلدان، وجمعة بالمدينة خير من ألف جمعة فيما سواها من البلدان» .\rوكذلك قال الشافعية (1) : إنما يصح الاعتكاف في المسجد، سواء في سطحه أو غيره التابع له، والجامع (2) أولى بالاعتكاف فيه من غيره، للخروج من خلاف من أوجبه، ولكثرة الجماعة فيه، وللاستغناء عن الخروج للجمعة. ويجب الجامع للاعتكاف فيه إن نذر مدة متتابعة فيها يوم الجمعة، وكان ممن تلزمه الجمعة، ولم يشترط الخروج لها.\r-------------------------------\r(1) مغني المحتاج: 450/1 ومابعدها، المجموع: 508/6 ومابعدها، المهذب: 190/1 ومابعدها.\r(2) سمي الجامع لجمعه الناس واجتماعهم فيه.","part":3,"page":127},{"id":1520,"text":"والجديد أنه لايصح اعتكاف امرأة في مسجد بيتها: وهو المعتزل المهيأ للصلاة؛ لأنه ليس بمسجد بدليل جواز تغييره ومكث الجنب فيه، ولأن نساء النبي صلّى الله عليه وسلم ورضي عنهن كن يعتكفن في المسجد، ولو كفى بيوتهن لكان لهن أولى.\rوإن نذر أن يعتكف في مسجد غير المساجد الثلاثة بعينه، جاز - كما قال الحنابلة - أن يعتكف في غيره؛ لأنه لا مزية لبعضها على بعض، فلم يتعين.\rوإن نذر أن يعتكف في أحد المساجد الثلاثة ( المسجد الحرام ومسجد المدينة والأقصى ) تعين، ولزمه أن يعتكف فيه، لما روى عمر رضي الله عنه، قال: « قلت لرسول الله صلّى الله عليه وسلم: إني نذرت أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام، فقال له النبي صلّى الله عليه وسلم: أوف بنذرك » (1) ويقوم المسجد الحرام مقامهما لمزيد فضله عليهما وتعلق النسك به، ولا عكس، فلا يقومان مقام المسجد الحرام؛ لأنهما دونه في الفضل، ويقوم مسجد المدينة مقام الأقصى؛ لأنه أفضل منه، ولا عكس، لأنه دونه في الفضل.\rوالخلاصة: إن المالكية والشافعية يجيزون الاعتكاف في أي مسجد، والحنفية والحنابلة يشترطو ن كونه في المسجد الجامع، ولا يجوز عند الجمهور الاعتكاف في مسجد البيوت، ويجوز ذلك للمرأة عند الحنفية.\rالمبحث الثاني ـ حكم الاعتكاف وما يوجبه النذر على المعتكف:\rوفيه مطلبان:\rالمطلب الأول ـ حكم الاعتكاف:\rالاعتكاف غير المنذور مستحب باتفاق العلماء، ولكن يحسن بيان الآراء المذهبية لتحديد رتبة السنة على وجه الدقة.\r-------------------------------\r(1) رواه البخاري ومسلم.","part":3,"page":128},{"id":1521,"text":"فقال الحنفية (1) : الاعتكاف ثلاثة أنواع: واجب، وسنة مؤكدة، ومستحب.\rأما الواجب: فهو المنذور، كقوله: «لله علي أن أعتكف يوماً» أو أكثر مثلاً.\rوأما السنة المؤكدة على سبيل الكفاية: فهي اعتكاف العشر الأواخر من رمضان، لاعتكافه صلّى الله عليه وسلم العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله ، ثم اعتكف أزواجه بعده.\rوأما المستحب: فهو في أي وقت سوى العشر الأخير، ولم يكن منذوراً، كأن ينوي الاعتكاف عند دخول المسجد، وأقله: مدة يسيرة، ولو كانت ماشياً على المفتى به.\rوالصوم شرط لصحة الاعتكاف المنذور فقط وغير شرط في التطوع، وأقله يوم، فلو نذر اعتكاف ليلة لم يصح، وإن نوى معها اليوم لعدم محليتها للصوم، أما لو نوى بها اليوم صح، والفرق أنه في الحالة الأولى جعل اليوم تبعاً لليلة، ولما بطل نذره في المتبوع وهو الليلة، بطل في التابع وهو اليوم، وأما في الحالة الثانية، فقد أطلق الليلة، وأراد اليوم مجازاً مرسلاً، باستعمال الليلة في مطلق الزمن وهو اليوم، فكان اليوم مقصوداً.\rولو نذر الاعتكاف ليلاً ونهاراً، وإن لم يكن الليل محلاً للصوم، لأنه يدخل الليل تبعاً.\rوقال المالكية (2) : الاعتكاف قربة ونافلة من نوافل الخير ومندوب إليه بالشرع أو مرغب فيه شرعاً للرجال والنساء، لا سيما في العشر الأواخر من رمضان، ويجب بالنذر.\rوقال الشافعية والحنابلة (3) : الاعتكاف سنة أو مستحب كل وقت، إلا أن يكون نذراً، فيلزم الوفاء به؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلم فعله وداوم عليه، تقرباً إلى الله تعالى، واعتكف أزواجه بعده معه. فإن نذره وجب الوفاء به على الصفة التي نذرها من تتابع وغيره، لحديث: «من نذر أن يطيع الله فليطعه» (4) وعن عمر أنه قال: «يا رسول الله : إني نذرت أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام، فقال: أوف بنذرك» (5) .\r-------------------------------\r(1) الدر المختار:177/2، مراقي الفلاح: ص118 ومابعدها، فتح القدير: 105/2 ومابعدها.\r(2) الشرح الصغير: 725/1، القوانين الفقهية: ص125، بداية المجتهد: 302/1.\r(3) مغني المحتاج: 449/1، المهذب: 190/1، المغني: 184/3، كشاف القناع: 405/2.\r(4) رواه البخاري.\r(5) رواه البخاري ومسلم.","part":3,"page":129},{"id":1522,"text":"المطلب الثاني ـ ما يوجبه النذر على المعتكف:\rإذا نذر المسلم نذر يوم أو أيام، فهل يدخل معه الليل، وهل يجب التتابع بين الأيام أو لا، ومتى يدخل المعتكف هل قبل الغروب أو قبل طلوع الفجر؟.\rالجمهور يرون دخول الليل مع اليوم، ويجب التتابع بين الأيام المنذورة كأسبوع و شهر، ويدخل المعتكف قبل غروب شمس ذلك اليوم، ويخرج بعد الغروب من آخر يوم. والشافعية لا يرون دخول الليلة مع اليوم إلا في العشر الأخير من رمضان، ولا يلزمه التتابع فيه على الأظهر إلا بشرط، ويدخل المعتكف قبل طلوع الفجر، ويخرج منه بعد غروب الشمس (1) .\rوعبارة الحنفية: من أوجب على نفسه اعتكاف يومين فأكثر، لزمه اعتكافها بلياليها؛ لأن الليالي تدخل تبعاً؛ لأن ذكر الأيام بلفظ الجمع يدخل فيها لياليها، ويلزمه تتابعها وإن لم يشترط التتابع؛ لأن مبنى الاعتكاف على التتابع، بخلاف الصوم فإن مبناه على التفرق؛ لأن الليالي غير قابلة للصوم، فيجب على التفرق، أما الاعتكاف فالأوقات كلها قابلة له.\rوتدخل الليلة الأولى، ويدخل المسجد قبل الغروب من أول ليلة، ويخرج منه بعد الغروب من آخر أيامه.\rومن نذر اعتكاف الليالي لزمته الأيام، وتلزمه الليالي بنذر اعتكاف أيام متتابعة، ويلاحظ أن الليالي تابعة للأيام التالية إلا ليلة عرفة وليالي النحر فتبع للنُهُر الماضية رفقاً بالناس.\rوعبارة المالكية: ولزم المعتكف يوم بليلته المنذورة، وإن نذر ليلة فقط، فمن نذر ليلة الخميس، لزمه ليلته وصبيحتها، ولا يتحقق الصوم الذي هو من شروط الاعتكاف غير المنذور، فيلزم مانواه قل أو كثر بدخوله معتكفه.\r-------------------------------\r(1) فتح القدير: 114/2 ومابعدها، الدر المختار: 186/2 ومابعدها، نور الإيضاح: ص120، اللباب: 176/1، الشرح الصغير: 729/1 ومابعدها، المجموع: 519/6-526، مغني المحتاج: 455/1 ومابعدها، المهذب: 191/1، كشاف القناع: 412/2-413، المغني: 210/3-215.","part":3,"page":130},{"id":1523,"text":"ولزم دخول المعتكف قبل الغروب أو معه، ليتحقق له كمال الليلة. ولزم خروجه من معتكفه بعد الغروب ليتحقق له كمال النهار.\rوعبارة الحنابلة: من نذر اعتكاف شهر، لزمه التتابع، ودخلت فيه الليالي، ودخل معتكفه قبل غروب شمس ليلته الأولى، ولا يخرج إلا بعد غروب شمس آخر أيامه.\rوإن نذر اعتكاف يوم لم يجز تفريقه، ولم تدخل ليلته، ويلزمه أن يدخل معتكفه قبل طلوع الفجر، ويخرج منه بعد غروب الشمس؛ لأن الليلة ليست من اليوم، وهي من الشهر، وإطلاق اليوم يفهم منه التتابع فيلزمه، كما لو قال متتابعاً، وكذا إطلاق الشهر يقتضي التتابع، كما لو حلف: «لا يكلم زيداً شهراً» وكمدة الإيلاء والعُنَّة والعدة، بخلاف الصيام. فإن أتى بشهر بين هلالين أجزأه ذلك، وإن كان الشهر ناقصاً، وإن اعتكف ثلاثين يوماً من شهرين جاز؛ وتدخل فيه الليالي؛ لأن الشهر عبارة عنهما، ولا يجزئه أقل من ذلك.\rوعبارة الشافعية: إذا نذر اعتكاف يوم لم يلزمه معه ليلة، بلا خلاف، فالليلة ليست من اليوم، بل يلزمه أن يدخل معتكفه قبل طلوع الفجر، ويخرج منه بعد غروب الشمس؛ لأن حقيقة اليوم: ما بين الفجر وغروب الشمس.\rوإن نذر اعتكاف شهر بعينه، لزمه اعتكافه ليلاً ونهاراً أي دخلت لياليه، سواء أكان الشهر تاماً أم ناقصاً؛ لأن الشهر عبارة عما بين الهلالين أي جميع الشهر، تم أو نقص إلا أن يستثنيها لفظاَ. وإن نذر اعتكاف نهار الشهر، لزمه النهار دون الليل؛ لأنه خص النهار، فلا يلزمه الليل. وهذا موافق للحنابلة.","part":3,"page":131},{"id":1524,"text":"والراجح عند الأكثرين من الشافعية أنه إن نوى التتابع أو صرح به، لزمته الليلة، وإلا فلا. والصحيح أنه لا يجب التتابع بلا شرط، وأنه لو نذر يوماً لم يجز تفريق ساعاته، وأنه لو عين مدة كأسبوع وتعرض للتتابع فيها لفظاً وفاتته، لزمه التتابع في القضاء، وإن لم يتعرض للتتابع لم يلزمه في القضاء جزماً؛ لأن التتابع فيه لم يقع مقصوداً، بل لضرورة تعين الوقت، فأشبه التتابع في شهر رمضان.\rولو قال: لله علي أن أعتكف العشر الأخير من رمضان، دخلت لياليه، حتى الليلة الأولى، ويجزئه وإن نقص الشهر، لأن هذا الاسم يقع على ما بعد العشرين إلى آخر الشهر، بخلاف قوله: عشرة أيام من آخر الشهر، وكان ناقصاً لا يجزئه؛ لأنه جرَّد القصد إليها، فيلزمه أن يعتكف بعده يوماً.\rولو نذر اعتكاف يوم معين ففاته فقضاه ليلاً، أجزأه. ولو نذر اعتكاف يوم قدوم زيد فقدم ليلاً، فالمعتمد أن يقضي يوماً كاملاً، وذلك إذا قدم حياً مختاراً، فلو قدم فيه ميتاً أو قدم مكرهاً، فلا شيء عليه.\rالمبحث الثالث ـ شروط الاعتكاف\rيشترط لصحة الاعتكاف ما يلي (1) :\r1ً - الإسلام: فلا يصح الاعتكاف من الكافر؛ لأنه من فروع الإيمان.\r2ً - العقل أو التمييز: فلا يصح من مجنون ونحوه، ولا من صبي غير مميز؛ لأنه ليس من أهل العبادات، فلم يصح منه الاعتكاف كالكافر، ويصح اعتكاف الصبي المميز.\r3ً - كونه في المسجد: فلا يصح في البيوت، كما تقدم، إلا أن الحنفية أجازوا للمرأة الاعتكاف في مسجد بيتها: وهو محل عينته للصلاة فيه.\r-------------------------------\r(1) الدر المختار: 177/2-179، فتح القدير: 106/2 ومابعدها، مراقي الفلاح: ص119، القوانين الفقهية: ص125، الشرح الصغير: 725/1 ومابعدها، المهذب: 190/1-192، مغني المحتاج: 453/1 ومابعدها، المغني: 184/3-186، كشاف القناع: 406/2-409.","part":3,"page":132},{"id":1525,"text":"4ً - النية اتفاقاً: فلا يصح الاعتكاف إلا بالنية، للحديث المتقدم: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى» ولأنه عبادة محضة، فلم تصح من غير نية كالصوم والصلاة وسائر العبادات. وأضاف الشافعية: إن كان الاعتكاف فرضاً، لزمه تعيين النية للفرض، لتميزه عن التطوع.\r5ً - الصوم: شرط مطلقاً عند المالكية، وشرط عند الحنفية في الاعتكاف المنذور فقط دون غيره من التطوع، وليس بشرط عند الشافعية والحنابلة فيصح بلا صوم، إلا أن ينذره مع الاعتكاف، ويصح عند الجمهور غير المالكية اعتكاف الليل وحده إذا لم يكن منذوراً.\rودليل المشترطين حديث: «لا اعتكاف إلا بصوم» (1) .\rودليل غير المشترطين حديث عمر أنه قال: «يا رسول الله ، إني نذرت أن أعتكف في المسجد الحرام ليلة، فقال له: أوف بنذرك» (2) وفي رواية أنه جعل على نفسه أن يعتكف يوماً.. الخ فلم يشترط له الصيام، ولصحة اعتكاف الليل، لأنه لاصيام فيه، ولحديث ابن عباس: «ليس على المعتكف صيام إلا أن يجعله على نفسه» (3) .\r6ً - الطهارة من الجنابة والحيض والنفاس: شرط عند الجمهور، إلا أن الخلو من الجنابة شرط عند المالكية لحل المكث في المسجد، لا لصحة الاعتكاف، فإذا احتلم المعتكف وجب عليه الغسل إما في المسجد إن وجد فيه ماء، أوخارج المسجد.\rوكذلك قال الحنفية: الخلو من الجنابة شرط لحل الاعتكاف، لا لصحته، فلو اعتكف الجنب، صح اعتكافه مع الحرمة. وأما الخلو عن الحيض والنفاس فهو شرط لصحة الاعتكاف الواجب\r-------------------------------\r(1) رواه الدارقطني والبيهقي عن عائشة، إلا أنه ضعيف (نصب الراية: 486/2).\r(2) رواه البخاري ومسلم، والدارقطني عن ابن عمر عن عمر (نصب الراية: 488/2).\r(3) رواه الدارقطني عن ابن عباس، ورجح الدارقطني والبيهقي وقفه، وأخرجه الحاكم مرفوعاً، وقال: صحيح الإسناد (نيل الأوطار: 268/4).وهو المنذور؛ لأن الصوم شرط لصحته، ولا يصح الصوم من الحائض والنفساء.","part":3,"page":133},{"id":1526,"text":"7ً - إذن الزوج لزوجته: شرط عند الحنفية والشافعية والحنابلة، فلا يصح اعتكاف المرأة بغير إذن زوجها، ولو كان اعتكافها منذوراً. ورأى المالكية أن اعتكاف المرأة بغير إذن زوجها صحيح مع الإثم.\rوأضاف ابن جزي المالكي شرطاً آخر: وهو الاشتغال بالعبادة على قدر الاستطاعة ليلاً ونهاراً، من الصلاة والذكر والتلاوة خاصة، عند ابن القاسم، ومن سائر أعمال الآخرة عند ابن وهب، فعلى الأول، وهو الراجح، لا يشهد جنازة ولا يعود مريضاً، ولا يدرس العلم، وعلى الثاني: يفعل ذلك.\rالمبحث الرابع: ما يلزم المعتكف وما يجوز له\rاتفق الفقهاء على أنه يلزم المعتكف في الاعتكاف الواجب البقاء في المسجد، لتحقيق ركن الاعتكاف وهو المكث والملازمة والحبس، ولا يخرج إلا لعذر شرعي أو ضرورة أو حاجة.\rقال الحنفية (1) :\rيجوز للمعتكف الخروج في اعتكاف النفل أو السنة المؤكدة، لأن الخروج ينهي الاعتكاف ولا يبطله، لكن لو شرع في المسنون وهو العشر الأواخر من رمضان بنيته، ثم أفسده، يجب عليه قضاؤه: أي قضاء العشر كله في رأي أبي يوسف، وقضاء اليوم الذي أفسده لاستقلال كل يوم بنفسه، في رأي جمهور الحنفية.\rوحرم على المعتكف اعتكافاً واجباً الخروج إلا لعذر شرعي كأداء صلاة الجمعة والعيدين، فيخرج في وقت يمكنه إدراكها مع صلاة سنة الجمعة قبلها، ثم يعود، وإن أتم اعتكافه في الجامع صح وكره.\rأو لحاجة طبيعية: كالبول والغائط وإزالة النجاسة، والاغتسال من جنابة باحتلام؛ لأنه عليه الصلاة والسلام كان لا يخرج من معتكفه إلا لحاجة.\rأو لحاجة ضرورية: كانهدام المسجد، أو أداء شهادة تعينت عليه، أو خوف على نفسه أو متاعه من المكابرين، أو إخراج ظالم له كرهاً وتفرق أهله. وعليه أن يدخل مسجداً آخر غيره من ساعته.\r-------------------------------\r(1) فتح القدير: 109/2-112، الدر المختار ورد المحتار: 180/2-185، مراقي الفلاح: ص119.","part":3,"page":134},{"id":1527,"text":"فإن خرج ولو ناسياً ساعة بلا عذر، فسد الواجب، وانتهى به غيره، وعليه قضاء الواجب الذي أفسده إلا إذا أفسده بالردة؛ لأنها تسقط ما وجب عليه قبلها. وإن خرج لعذر يغلب وقوعه: وهو الحاجة الطبيعية الشرعية لم يفسد اعتكافه. وإن خرج لعذر نادر كإنجاء غريق وانهدام مسجد، فلا يأثم، لكن يبطل اعتكافه، إذا لم يخرج إلى مسجد آخر مباشرة.\rويفسد اعتكافه بالخروج لعيادة مريض أو تشييع جنازة، وإن تعينت عليه، إلا أنه لا يأثم، كما في المرض. قالت عائشة: «السنة على المعتكف ألا يعود مريضاً، ولا يشهد جنازة، ولا يمسَّ امرأة ولا يباشرها، ولا يخرج لحاجة إلا لما لا بد منه، ولا اعتكاف إلا بصوم، ولا اعتكاف إلا في مسجد جامع» (1) .\rوالأكل والشرب والنوم والعقد المحتاج إليه لنفسه أوعياله كبيع ونكاح ورجعة يكون في معتكفه؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلم لم يكن له مأوى إلا المسجد، ولأنه يمكن قضاء هذه الحاجة في المسجد، فلا ضرورة إلى الخروج.\rفلا بأس بأن يبيع ويبتاع في المسجد من غير أن يحضر السلعة، لأنه قد يحتاج إلى ذلك بأن لا يجد من يقوم بحاجته، لكن يكره تحريماً البيع لتجارة وإحضار المبيع أو السلعة إلى المسجد، ومبايعة غير المعتكف فيه مطلقاً؛ لأن المسجد محرر عن حقوق العباد، وفيه انشغال بها، وورد حديث: «جنبوا مساجدكم ـ أو مساجدنا ـ صبيانكم ومجانينكم، وشراءكم، وبيعكم، وخصوماتكم... الحديث» (2) ، وثبت أنه «صلّى الله عليه وسلم نهى عن الشراء والبيع في المسجد، وأن ينشد فيه ضالة، أو ينشد فيه شعر، ونهى عن التحلق قبل الصلاة يوم الجمعة» (3) .\rوأما الأكل والشرب والنوم لغير المعتكف في المسجد، فمكروه إلا لغريب، كما في أشباه ابن نجيم، وقال ابن كمال: لايكره الأكل والشرب والنوم فيه مطلقاً مقيماً كان أوغريباً، مضطجعاً أو متكئاً، رجلاه إلى القبلة أو إلى غيرها.\rوقال المالكية (4) : لا يخرج من معتكفه إلا لأربعة أمور: لحاجة الإنسان، ولما لابد منه من شراء معاشه، وللمرض، والحيض، وإذا خرج لشيء من ذلك، فهو\r-------------------------------\r(1) رواه أبو داود والنسائي (نيل الأوطار: 267/4).\r(2) حديث ضعيف رواه ابن ماجه والطبراني في معجمه من حديث واثلة بن الأسقع، ورواه الطبراني أيضاً من حديث أبي الدرداء وأبي أمامة، ورواه عبد الرزاق من حديث معاذ (نصب الراية: 491/2-492).\r(3) رواه أصحاب السنن وحسنه الترمذي.\r(4) القوانين الفقهية: ص125، الشرح الصغير: 734/1 ومابعدها.","part":3,"page":135},{"id":1528,"text":"في حكم الاعتكاف حتى يرجع. فلا يخرج لعيادة مريض وصلاة جنازة وصعود لأذان أو سطح للمسجد، ويجوز سلامه على من بقربه، وتطيبه بأنواع الطيب وإن كره للصائم غير المعتكف، لأن معه مانعاً يمنعه من إفساد اعتكافه وهو بالمسجد، وجاز له أن يزوج ويتزوج، ويستصحب ثوباً غير الذي عليه، لأنه ربما احتاج له.\rوقال الشافعية (1) : لايجوز للمعتكف أن يخرج من المسجد لغير عذر، لقول عائشة: «إن كان رسول الله صلّى الله عليه وسلم ليدخل علي رأسه وهو في المسجد، فأرِّجله، وكان لا يدخل البيت إلا لحاجة الإنسان، إذا كان معتكفاً» (2) فيجوز أن يخرج رأسه وأرجله أو يخرج للحاجة الطبيعية، ولا يبطل اعتكافه لحديث عائشة هذا. فإن خرج من غير عذر بطل اعتكافه؛ لأنه فعل ما ينافي الاعتكاف: وهو اللبث في المسجد.\rوله أن يخرج إلى منارة المسجد ليؤذن فيها، ولو كانت على الراجح خارج المسجد وخارج رحبته (وهي ما كان مضافاً إلى المسجد محجراً عليه) ولا يبطل اعتكافه، ويجوز أن يمضي إلى البيت للأكل، ولا يبطل اعتكافه، في النصوص؛ لأن الأكل في المسجد ينقص المروءة، فلم يلزمه. كما له الخروج لشرب الماء إن عطش ولم يجد الماء في المسجد.\rويخرج لصلاة الجنازة وعيادة المريض في اعتكاف التطوع، ولا يخرج في اعتكاف الفرض، فإن خرج في الحالين بطل اعتكافه.\rويلزمه الخروج لصلاة الجمعة إن كان من أهل الفرض، والاعتكاف في غير الجامع؛ لأن الجمعة فرض في الشرع، فلا يجوز تركها بالاعتكاف، ويبطل\r-------------------------------\r(1) المجموع: 528/6-565، المهذب: 192/1-194.\r(2) رواه البخاري ومسلم.","part":3,"page":136},{"id":1529,"text":"اعتكافه وتتابعه في الأصح المشهور من نصوص الشافعي؛ لأنه كان يمكنه الاحتراز من الخروج، بأن يعتكف في غير الجامع، فإن لم يفعل بطل اعتكافه.\rويلزمه الخروج لأداء شهادة إن تعين عليه؛ لأنه تعين لحق آدمي، فقدم على الاعتكاف، ولا يبطل اعتكافه على الراجح؛ لأنه مضطر إلى الخروج. وللمعتكفة أن تخرج إذا طلقت لتعتد، ولا يبطل اعتكافها أيضاً، لاضطرارها إلى الخروج.\rومن مرض مرضاً لا يؤمن معه تلويث المسجد كإطلاق الجوف وسلس البول، خرج كما يخرج لحاجة الإنسان ولا ينقطع التتابع على المشهور الصحيح. وإن كان مرضاً يسيراً يمكن معه المقام في المسجد من غير مشقة كالصداع ووجع الضرس والعين ونحوها لم يخرج، فإن خرج بطل اعتكافه. وإن كان مرضاً يشق معه الإقامة في المسجد لحاجته إلى الفراش والخادم وتردد الطبيب ونحو ذلك،فيباح له الخروج، والأصح أنه لا ينقطع به التتابع.\rوإن أغمي عليه، فأخرج من المسجد، لم يبطل اعتكافه؛ لأنه لم يخرج باختياره وإن سكر فسد اعتكافه. وإن ارتد ثم أسلم بنى على اعتكافه.\rوإن حاضت المعتكفة، خرجت من المسجد؛ لأنه لا يمكنها المقام في المسجد، ولم يبطل اعتكافها إن كان في مدة لا يمكن حفظها من الحيض، وإذا طهرت بنَت عليه، كما لو حاضت في صوم شهرين متتابعين. ويبطل اعتكافها إن كان في مدة يمكن حفظهامن الحيض، كما لوحاضت في صوم ثلاثة أيام متتابعة.\rويبطل الاعتكاف بالخروج إلى الحج الذي أحرم به؛ لأن الخروج حدث باختياره لأنه كان يسعه أن يؤخره. وإن خاف من ظالم فخرج واستتر، لم يبطل اعتكافه؛ لأنه مضطر إلى الخروج بسبب هو معذرو فيه.","part":3,"page":137},{"id":1530,"text":"وإن خرج من المسجد ناسياً أو مكرهاً محمولاً أو أكره حتى خرج بنفسه، أو أخرجه السلطان ظلماً لم يبطل اعتكافه، لقوله صلّى الله عليه وسلم : «رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه» (1) فإن أخرجه السلطان بحق، كأن وجب عليه حق وهو يماطل به مع قدرته عليه، أو أخرجه ليقيم عليه عقوبة شرعية من حد أو قصاص أو تعزير ثبت عليه بإقراره، بطل اعتكافه. وإن ثبت عليه بالبينة لم يبطل ولا ينقطع به التتابع، فإذا عاد بنى.\rوإن خرج لعذر، ثم زال العذر، وتمكن من العود، فلم يعد، بطل اعتكافه؛ لأنه ترك الاعتكاف من غير عذر، فأشبه إذا خرج من غير عذر.\rويجور للمعتكف أن يلبس ما يلبسه في غير الاعتكاف؛ لأنه لم ينقل عن النبي صلّى الله عليه وسلم أنه غيَّر شيئاً من ملابسه. ويجوز أن يتطيب ويتزين؛ لأنه لو حرم التطيب عليه لحرم ترجيل الشعر كالإحرام، وقد روى الشيخان أن عائشة كانت ترجِّل شعر رسول الله صلّى الله عليه وسلم في الاعتكاف، فدل على أنه لا يحرم عليه الطيب. ويجوز أن يتزوج ويزوج قياساً على جواز الطيب. ويجوز دراسة العلم وتدريسه، لأن ذلك كله زيادة خير، ويجوز أن يأمر بالأمر الخفيف في ماله وضيعته، ويبيع ويبتاع، لكنه لا يكثر منه؛ لأن المسجد ينزه عن أن يتخذ موضعاً للبيع والشراء، فإن أكثر من ذلك كره لأجل المسجد، ولم يبطل به الاعتكاف. ويجوز أن يأكل في المسجد؛ لأنه عمل قليل لا بد منه، ويجوز أن يضع فيه المائدة؛ لأن ذلك أنظف للمسجد، ويغسل فيه اليد، وإن غسل في الطست فهو أحسن.\r-------------------------------\r(1) حديث حسن رواه ابن ماجه والبيهقي وغيرهما عن ابن عباس بلفظ «إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه» .","part":3,"page":138},{"id":1531,"text":"وقال الحنابلة (1) : المعتكف الذي لزمه تتابع الاعتكاف كمن نذر شهراً أو أياماً متتابعة ونحوه، لم يجز له الخروج من المسجد إلا لحاجة الإنسان أو لما لا بد له منه، أو لصلاة الجمعة، لحديث عائشة السابق: «السنة للمعتكف ألا يخرج إلا لما لا بد له منه» كحاجة الإنسان من بول وغائط وقيء بغتةً وغسل متنجس يحتاجه، والطهارة عند الحدث كغسل جنابة ووضوء لحدث؛ لأن الجنب يحرم عليه اللبث في المسجد، والمحدث لا تصح صلاته بدون وضوء.\rويخرج المعتكف ليأتي بمأكول ومشروب يحتاجه إن لم يكن له من يأتيه به. ولا يجوز خروجه لأجل أكله وشربه في بيته، لعدم الحاجة، لإباحة ذلك في المسجد، ولا نقص فيه.\rويخرج للجمعة إن كانت واجبة عليه؛ لأنه خروج لواجب فلم يبطل اعتكافه، كالمعتدة، أو شرط الخروج إليها، وإن لم تكن واجبة، للشرط، وله التبكير إليها؛ لأنه خروج جائز، فجاز تعجيله، كالخروج لحاجة الإنسان، وله إطالة المقام بعد الجمعة، ولا يكره لصلاحية الموضع للاعتكاف.\rويخرج لنفير متعين إن احتيج إليه؛ لأن ذلك واجب كالجمعة، ولشهادة تعيَّن عليه أداؤها، ولخوف من فتنة على نفسه أو حرمته، أو ماله نهباً أو حريقاً ونحوه كالغرق؛ لأنه عذر في ترك الواجب بأصل الشرع كالجمعة، ولمرض يتعذر معه المقام، أو لا يمكنه المقام معه إلا بمشقة شديدة، بأن يحتاج إلى خدمة فراش، ولا يبطل اعتكافه بخروجه لشيء مما تقدم للحاجة إليه.\rولا يجوز له الخروج إن كان المرض خفيفاً كصداع وحمى خفيفة ووجع ضرس؛ لأنه خروج لما له منه بد، فأشبه المبيت ببيته.\r-------------------------------\r(1) المغني: 191/3-196، 200-210، كشاف القناع: 414/2-420.","part":3,"page":139},{"id":1532,"text":"ولا يبطل اعتكافه أيضاً إن أكرهه السلطان أو غيره على الخروج من معتكفه، بأن حمل وأخرج، أو هدده قادر بسلطنة، أو تغلب كلص وقاطع طريق، فخرج بنفسه؛ لأن مثل ذلك يبيح ترك الجمعة والجماعة، فهو كالمريض والحائض.\rولا يبطل اعتكافه إن خرج من المسجد ناسياً، للحديث السابق «عفي عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه» ، ويبني على اعتكافه إذا زال العذر في كل ما تقدم مما لا يبطل فيه الاعتكاف.\rوتخرج المرأة المعتكفة من المسجد لوجود حيض ونفاس، فإذا طهرت رجعت إلى المسجد؛ لأن اللبث معهما في المسجد حرام. وتخرج أيضاً لعدة وفاة في منزلها، لوجوبها شرعاً كالجمعة، وهو حق لله ولآدمي، لا يستدرك إذا ترك، بخلاف الاعتكاف، ولا يبطل بذلك.\rولا تمنع المستحاضة الاعتكاف؛ لأن الاستحاضة لا تمنع الصلاة، ويجب عليها أن تتحفظ لئلا تلوث المسجد.\rولا يعود المعتكف مريضاً ولا يشهد جنازة، ولا يجهزها خارج المسجد إلا بشرط بأن يشترط ذلك؛ أو وجوب بأن يتعين ذلك عليه، لعدم غيره؛ لأنه لا بد منه إذن.\rوإن شرط الوطء في اعتكافه أو الخروج للفرجة أو النزهة أوالبيع للتجارة، أو التكسب بالصناعة في المسجد؛ لم يجز الشرط؛ لأن الله تعالى قال: {ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد} [البقرة:187/2] فاشتراط ذلك اشتراط لمعصية الله تعالى، والصناعة في المسجد منهي عنها في غير الاعتكاف، ففي الاعتكاف أولى، وسائر ما ذكر يشبه ذلك، ولا حاجة إليه. ولا يجوز للمعتكف أن يتجر أو يتكسب بالصنعة، إلا ما لابد له منه، للنهي السابق عن البيع والشراء في المسجد.\rولا بأس أن يتزوج (يعقد عقد الزواج) في المسجد، ويشهد النكاح؛ لأن الاعتكاف عبادة لا تحرم الطيب، فلم تحرم النكاح كالصوم، ولأن عقد النكاح طاعة، وحضوره قربة، ومدته لا تتطاول، فيتشاغل به عن الاعتكاف، فلم يكره فيه، كتشميت العاطس ورد السلام.","part":3,"page":140},{"id":1533,"text":"ولا بأس أن يتنظف بأنواع التنظيف؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلم «كان يرجل رأسه وهومعتكف» وله أن يتطيب ويلبس الرفيع من الثياب، ولكن ليس ذلك بمستحب.\rولا بأس أن يأكل المعتكف في المسجد، ويضع سُفْرة كيلا يلوث المسجد، ويغسل يده في الطست، ولا يجوز أن يخرج لغسل يده؛ لأن من ذلك بداً.\rوالخلاصة: إن الخروج المباح في الاعتكاف الواجب أربعة أنواع:\rأحدها : ما لا يوجب قضاء ولا كفارة: وهو الخروج لحاجة الإنسان وشبهه مما لا بد منه.\rوالثاني: ما يوجب قضاء بلا كفارة: وهو الخروج للحيض.\rوالثالث: ما يوجب قضاء وكفارة يمين: وهو الخروج لفتنة خاف منها على نفسه إن قعد في المسجد، أو على ماله نهباً أو حريقاً. فإذا أمن بنى على ما مضى إذا كان نذر أياماً معلومة، وقضى ما ترك، وكفر كفارة يمين.\rوالرابع: ما يوجب قضاء، وفي الكفارة وجهان: وهو الخروج الواجب كالخروج في النفير أو العدة أو أداء الشهادة، ففي قول القاضي أبي يعلى: لا كفارة عليه؛ لأنه واجب لحق الله تعالى، فأشبه الخروج للحيض. وظاهر كلام الخرقي: وجوبها؛ لأنه خروج غير معتاد، فأوجب الكفارة، كالخروج لفتنة.","part":3,"page":141},{"id":1534,"text":"المبحث الخامس ـ آداب المعتكف ومكروهات الاعتكاف ومبطلاته:\rآ ـ آداب المعتكف (1) :\r1ً - يستحب للمعتكف التشاغل على قدر الاستطاعة ليلاً ونهاراً بالصلاة، وتلاوة القرآن، وذكر الله تعالى نحو لا إله إلا الله ، ومنه الاستغفار، والفكر القلبي في ملكوت السموات والأرض ودقائق الحكم، والصلاة على النبي صلّى الله عليه وسلم ، وتفسير القرآن ودراسة الحديث، والسيرة، وقصص الأنبياء وحكايات الصالحين، ومدارسة العلم، ونحو ذلك من الطاعات المحضة. وعد المالكية ذلك من شروط الاعتكاف على سبيل الندب، لكنهم مع الحنابلة كرهوا اشتغال المعتكف بعلم ولو شرعياً، تعليماً أو تعلماً إن كثر لا إن قل؛ لأن المقصود من الاعتكاف صفاء القلب بمراقبة الرب، وهو إنما يحصل غالباً بالأذكار وعدم الاشتغال بالناس، والكتابة ولو كان المكتوب مصحفاً، لما فيها من اشتغال عن ملاحظة الرب تعالى، وليس المقصود من الاعتكاف كثرة الثواب، بل صفاء مرآة القلب الذي به سعادة الدارين.\r2ً - يسن الصيام للمعتكف عند الجمهور (غير المالكية) الذين لا يشترطونه، والمالكية يشترطون الصوم، والحنفية يشترطونه في الاعتكاف المنذور.\r3ً - يندب أن يكون الاعتكاف في المسجد الجامع عند المالكية والشافعية الذين لا يشترطون ذلك، كما اشترطه الحنفية والحنابلة، وأفضل المساجد لذلك: المسجد الحرام ثم المسجد النبوي، ثم المسجد الأقصى.\r4ً - يند ب الاعتكاف في رمضان، لأنه من أفضل الشهور، لا سيما في العشر الأخير من رمضان بالاتفاق؛ لأن فيها ليلة القدر التي هي خير من ألف شهر؛ لما بينت وهو ما روي عن عائشة:\r-------------------------------\r(1) الدر المختار: 185/1، القوانين الفقهية: ص125 ومابعدها، الشرح الصغير: 730/1-735، المهذب: 194/1، المغني: 203/3 ومابعدها، كشاف القناع: 422/2.","part":3,"page":142},{"id":1535,"text":"«أن النبي صلّى الله عليه وسلم كان إذا دخل العشر الأواخر أحيا الليل، وأيقظ أهله، وشد المئزر» (1) .\r5ً - يندب مكث المعتكف ليلة العيد إذا اتصل اعتكافه بها، ليخرج منه إلى المصلى، فيوصل عبادة بعبادة، ولما ورد من فضل إحياء هذه الليلة: «من قام ليلتي العيد، محتسباً لله تعالى، لم يمت قلبه يوم تموت القلوب» (2) أي أن الله يثبِّته على الإيمان عند النزع وعند سؤال الملكين وسؤال القيامة.\r6ً - يجتنب المعتكف كل مالا يعنيه من الأقوال والأفعال، ولا يكثر الكلام؛ لأن من كثر كلامه كثر سَقَطه، وفي الحديث: «من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه» (3) .\rويجتنب الجدال والمراء والسباب والفحش، فإن ذلك مكروه في غير الاعتكاف،ففيه أولى، ولا يبطل الاعتكاف بشيء من ذلك؛ لأنه لما لم يبطل بمباح الكلام لم يبطل بمحظور.\rولا يتكلم المعتكف إلا بخير، ولا بأس بالكلام لحاجته، ومحادثة غيره، فإن صفية زوج النبي صلّى الله عليه وسلم قالت: «كان رسول الله صلّى الله عليه وسلم معتكفاً، فأتيته أزوره ليلاً، فحدثته، ثم قمت، فانقلبت، أي رجعت فقام معي ليقلبني ـ وكان مسكنها في دار أسامة بن زيد ـ فمر رجلان من الأنصار، فلما رأيا النبي صلّى الله عليه وسلم أسرعا، فقال النبي صلّى الله عليه وسلم : «على رِسْلكما، إنها صفية بنت حيي، فقالا: سبحان الله ، يا رسول الله ، فقال: إن الشيطان يجري من الإنسان مجرى الدم، وإني خشيت أن يقذف في قلوبكما شراً، أو قال: شيئاً» (4) ، وقال علي رضي الله عنه: «أيما رجل اعتكف فلا يساب ولا يرفث في الحديث، ويأمر أهله بالحاجة ـ أي وهو يمشي ـ ولا يجلس عندهم» (5) .\rب ـ مكروهات الاعتكاف :\rإن ترك بعض الآداب المذكورة مكروه، وكذلك يكره ما يلي في المذاهب الفقهية:\rيكره تحريماً عند الحنفية (6) : إحضار المبيع في المسجد؛ لأن المسجد محرر من حقوق العباد، فلا يجعله كالدكان.\rويكره عقد ما كان للتجارة، لأن المعتكف منقطع إلى الله تعالى، فلا يشتغل بأمور الدنيا.\rويكره الصمت إن اعتقده قربة؛ لأنه منهي عنه؛ لأنه صوم أهل الكتاب، وقد نسخ.\rويكره عند المالكية ما يأتي (7) :\r1ً - أن ينقص عن عشرة أيام أو يزيد عن شهر.\r-------------------------------\r(1) متفق عليه (نيل الأوطار: 270/4).\r(2) رواه ابن ماجه عن أبي أمامة.\r(3) حديث حسن رواه الترمذي وغيره هكذا عن أبي هريرة.\r(4) متفق عليه.\r(5) رواه الإمام أحمد.\r(6) مراقي الفلاح ونور الإيضاح: ص119، الدر المختار: 184/2 ومابعدها.\r(7) الشرح الصغير: 732/1-774، الشرح الكبير: 584/1 ومابعدها.","part":3,"page":143},{"id":1536,"text":"2ً -أكله بفناء المسجد أو رحبته التي زيدت لتوسعته، وإنما يأكل فيه على حدة.\r3ً - أن يعتكف القادر بدون أكل أو شرب أو لباس حتى لايخرج، فإن اعتكف غير مكفي، خرج لأقرب مكان لشراء ما يحتاجه، وإلا فسد اعتكافه. ويكره اعتكاف ما ليس عنده ما يكفيه.\r4ً - دخوله بمنزل به أهله (أي زوجته) أثناء خروجه لقضاء حاجة، لئلا يطرأ عليه منهما ما يفسد اعتكافه.\r5ً - الاشتغال بعلم إن كثر ولو شرعياً، تعليماً أوتعلماً؛ أو بكتابة وإن كان المكتوب مصحفاً؛ لأن المقصود من الاعتكاف رياضة النفس وصفاء القلب بمراقبة الرب، وذلك يحصل بالذكر والصلاة. وأجاز العلامة خليل للمعتكف إقراء القرآن على غيره أو سماعه من الغير، لا على وجه التعليم والتعلم.\r6ً - الاشتغال بكل فعل غير ذكر وتلاوة وصلاة، كأن يشتغل بعيادة مريض، وصلاة جنازة ولو لاصقت المعتكف، وصعود لأذان بمنار أو سطح، وإقامة الصلاة، أما الإمامة فلا بأس بها، بل مستحبة، لأنه صلّى الله عليه وسلم كان يعتكف ويصلي إماماً.\r7ً - السلام على الغير إن بعد، وجاز سلامه على من بقربه. ويكره عند الشافعية (1) : الإكثار من اتخاذ موضع للبيع والشراء، أو العمل الصناعي، والحجامة والفصد إن أمن تلويث المسجد، وإلا حرم.\rويكره عند الحنابلة (2) : الاشتغال بإقراء القرآن وتدريس العلم ودرسه\r-------------------------------\r(1) المهذب: 194/1.\r(2) المغني: 204/3، كشاف القناع: 422/2 ومابعدها.","part":3,"page":144},{"id":1537,"text":"ومناظرة الفقهاء ومجالستهم وكتابة الحديث ونحو ذلك مما يتعدى نفعه. والخوض فيما لا يعنيه من جدال ومراء وكثرة كلام ونحوه، والصمت عن الكلام؛ لأنه ليس من شريعة الإسلام، لحديث علي: «لا صمات يوم إلى الليل» (1) و «دخل أبو بكر على امرأة من أحمس يقال لها: زينب، فرآها لا تتكلم، فقال: ما لها لا تتكلم؟ فقالوا: حجت مصمتة، فقال لها: تكلمي، فإن هذا لا يحل، هذا من عمل الجاهلية، فتكلمت» (2) .\rجـ ـ مبطلات الاعتكاف:\rيبطل الاعتكاف أو يفسد بما يأتي (3) :\r1ً - الخروج بلا عذر شرعي كالخروج للبيع والشراء، أو لغير حاجة طبيعية التي هي كالبول أو الغائط، أو لغير ضرورة التي هي كانهدام المسجد، على التفصيل المذكور في «ما يلزم المعتكف» ويبطل الاعتكاف بالخروج المتعين عند المالكية وإن وجب كالخروج للجهاد المتعين والحبس في دين.فإن خرج لضرورة كشراء مأكول أو مشروب و لطهارة أو قضاء حاجة أو غسل جنابة، أو عذر شرعي كالخروج لصلاة الجمعة، فلا يبطل اعتكافه، من غير زيادة على قدر الضرورة، وإلا بطل.\r-------------------------------\r(1) رواه أبو داود بلفظ «لا يتم بعد احتلام ولا صمات يوم إلى الليل» وأسند أبو حنيفة عن أبي هريرة أن النبي صلّى الله عليه وسلم نهى عن صوم الوصال، وعن صوم الصمت» .\r(2) رواه البخاري.\r(3) الدر المختار: 185/2 ومابعدها، مراقي الفلاح: ص120، الشرح الكبير: 543/1 ومابعدها، القوانين الفقهية : ص126، الشرح الصغير: 728/1، 737 ومابعدها، مغني المحتاج: 452/1-455، المهذب: 193/1 ومابعدها، المغني:196/3-200، كشاف القناع: 409/2-421 ومابعدها.","part":3,"page":145},{"id":1538,"text":"2ً -الجماع، ولو كان عند الجمهور ناسياً أو مكرهاً ليلاً أو نهاراً؛ لأن الوطء في الاعتكاف حرام بالإجماع، لقوله تعالى: {ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد، تلك حدود الله فلا تقربوها} [البقرة:187/2] فإن وطئ في الفرج عمداً أفسد اعتكافه بالإجماع.\rوكذا في غير العمد عند الجمهور؛ لأن ما حرم في الاعتكاف استوى عمده وسهوه في إفساده كالخروج من المسجد، ولا كفارة في الوطء عند الحنابلة في ظاهر المذهب، وفي باقي المذاهب، لأن الاعتكاف عبادة لا تجب بأصل الشرع، فلم تجب بإفسادها كفارة كالنوافل.\rوقال الشافعية: الجماع المفسد هو المتعمد مع العلم والاختيار، فلا يفسد الاعتكاف بالجماع ناسياً أوجاهلاً أو مكرهاً، كالخروج في هذه الحالات، ولأنها مباشرة لا تفسد الصوم، فلم تفسد الاعتكاف كالمباشرة فيما دون الفرج، ولعموم قوله صلّى الله عليه وسلم : «رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه» .\r3ً - الإنزال في حال المباشرة بشهوة كالقبلة واللمس والتفخيذ، بالاتفاق، لعموم قوله تعالى: { ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد } [البقرة:187/2].\rأما لو أمنى بالتفكير أو بالنظر، أو باشر ولم ينزل، فلا يفسد اعتكافه عندالجمهور؛ لأنها مباشرة لا تفسد صوماً ولا حجاً، فلم تفسد الاعتكاف، كالمباشرة لغير شهوة، لكن الشافعية قيدوا ذلك بما إذا لم يكن عادة له، فإن كان ذلك عادة له فيفسد الاعتكاف.","part":3,"page":146},{"id":1539,"text":"وقال المالكية: الإمناء بالفكرأو النظر، والمباشرة وإن لم ينزل يفسد الاعتكاف؛ لأنها مباشرة محرمة، فأفسدت الاعتكاف كما لو أنزل، ولا بأس بالمباشرة لغير شهوة اتفاقاً كأن تغسل رأسه أو تناوله شيئاً؛ لأن «النبي صلّى الله عليه وسلم كان يدني رأسه إلى عائشة وهو معتكف فترجله» (1) .\r4ً - الردة: إذا ارتد المعتكف، بطل اعتكافه لقوله تعالى: {لئن أشركت ليحبطن عملك} [الزمر:65/39] ولأنه خرج بالردة عن كونه من أهل الاعتكاف، ولا يقضي عند الجمهور إذا عاد للإسلام ترغيباً له في الإسلام. ويجب عليه القضاء عند الحنابلة في النذر، وعليه كفارة يمين في نذر أيام معينة كالعشر الأواخر من رمضان.\r5ً - السكر نهاراً، وكذا ليلاً إن تعمده عند الجمهور، وإن دخل في الاعتكاف عند الشافعية، لعدم أهليته للعبادة، لكن قيد الشافعية السكر بأن يحصل بسبب تعديه.\r6ً - الإغماء والجنون الطويلان: فإذا جن المعتكف أو أغمي عليه أياماً بطل اعتكافه عند الجمهور إذا كان متعدياً بالجنون عند الشافعية، لعدم أهليته للعبادة، ويحسب عند الشافعية زمن الإغماء من الاعتكاف، دون زمن الحيض والنفاس والجنابة والجنون. وقال الحنابلة: لا يبطل الاعتكاف بالإغماء كما لا يبطل بالنوم، بجامع بقاء التكليف.\r7ً- الحيض والنفاس: فإذا حاضت المرأة أو نفست بطل اعتكافها.\r8ً - الأكل عمداً عند المالكية والحنفية مشترطي الصوم، فإذا أكل المعتكف عمداً بطل اعتكافه، ولا يبطل بالأكل ناسياً.\r9ً - الوقوع في كبيرة كالغيبة والنميمة والقذف يبطل الاعتكاف عند المالكية في أحد قولين مشهورين، ولا يبطله عند الجمهور وفي قول مشهور آخر عند المالكية.\r-------------------------------\r(1) رواه أحمد والشيخان عن عائشة رضي الله عنها","part":3,"page":147},{"id":1540,"text":"المبحث السادس ـ حكم الاعتكاف إذا فسد:\rللفقهاء تفصيلات في ذلك.\rفقال الحنفية (1) : الاعتكاف إذا فسد لا يخلو إما أن يكون واجباً أي منذوراً، وإما أن يكون تطوعاً.\rأ ـ فإن كان واجباً: أي إذا فسد الاعتكاف الواجب، وجب قضاؤه إلا إذا فسد بالردة خاصة، فإن كان اعتكاف شهر بعينه يقضي قدر ما فسد ليس غير، ولا يلزمه الاستئناف أي البدء من أول الشهر، كصوم رمضان. وإذا كان اعتكاف شهر بغير عينه، يلزمه الاستئناف من أوله؛ لأنه يلزمه متتابعاً، فيراعى فيه صفة التتابع، وذلك سواء فسد بصنعه من غير عذر كالخروج والجماع والأكل والشرب في النهار، إلا في الردة، أو فسد بصنعه بعذر، كما إذا مرض فاحتاج إلى الخروج، أو بغير صنعه كالحيض والجنون والإغماء الطويل؛ لأن القضاء يجب جبراً للفائت.\rوأما دليل سقوط القضاء في الردة: فقوله تعالى: {قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف} [الأنفال:38/8] وقول النبي صلّى الله عليه وسلم : «الإسلام يجب ما كان قبله» (2) .\rومن نذر اعتكاف شهر بعينه كالمحرم،ثم فات كله، قضى الكل متتابعاً؛ لأنه صار الاعتكاف ديناً في ذمته. وإن قدر على قضائه فلم يقضه حتى أيس من حياته، يجب عليه أن يوصي بالفدية لكل يوم طعام مسكين لأجل الصوم، لا لأجل الاعتكاف، كما في قضاء رمضان والصوم المنذور في وقت بعينه. وإن كان مريضاً وقت النذر،فذهب الوقت وهو مريض حتى مات، فلا شيء عليه.\rب ـ وأما اعتكاف التطوع إذا قطعه قبل تمام اليوم، فلا شيء عليه في رواية الأصل.\rوقال المالكية (3) : مبطلات الاعتكاف الواجب قسمان:\rالأول ـ ما يبطل ما فعل منه ويوجب استئنافه: كالخروج برجليه معاً بغير ضرورة أو لمرض أحد أبويه، أو لصلاة الجمعة وكان معتكفاً في مسجد غير جامع، وكتعمد الفطر أو السكر، والوطء والقبلة بشهوة واللمس ليلاً. فمن نذر أياماً معينة كأسبوع أو ثلاثة أيام، ثم حدث منه ما ذكر مما يبطل اعتكافه، لزمه القضاء واستئناف الاعتكاف من أوله.\r-------------------------------\r(1) البدائع: 117/2، فتح القدير: 114/2.\r(2) حديث ضعيف رواه ابن سعد عن الزبير وعن جبير بن مطعم.\r(3) الشرح الكبير: 551/1، الشرح الصغير: 726/1-728، 737 ومابعدها.","part":3,"page":148},{"id":1541,"text":"الثاني ـ ما يخص زمنه ولا يبطل ما قبله: وهو ثلاثة أنواع:\rأ ـ مايمنع الصوم فقط: وهو وجود العيد وطروء مرض خفيف، فمن نذر شهر ذي الحجة، فلا يخرج يوم الأضحى، وإلا بطل اعتكافه من أصله، ومن أفطر ناسياً، أو طرأ له مرض خفيف منعه من الصوم، فإنه بعد مضي يوم الفطر، يجب عليه البناء على ما فعله سابقاً.\rب ـ ما يمنع المكث في المسجد: كسلس البول وإسالة جرح أو دمل يخشى معه تلوث المسجد، فيجب عليه الخروج والعودة فوراً بمجرد زوال عذره المانع من البقاء في المسجد، وبنى على اعتكافه السابق.\rجـ ـ ما يمنع الصوم والمكث في المسجد معاً: كالحيض والنفاس، وحكمه كالحالة السابقة تماماً.\rفإن أخر الرجوع ولو لعذر من نسيان أو إكراه، بطل اعتكافه واستأنفه، إلا إن أخر الرجوع ليلة العيد ويومه، فلا يبطل، لعدم صحة صومه لكل أحد، فإذا حصل للشخص المعتكف حيض أو نفاس أو إغماء أو مرض شديد في أثناء الاعتكاف، فخرج من المسجد للبيت، ثم زال ذلك العذر ليلة العيد، فأخر الرجوع للمسجد حتى مضى يوم العيد، وتالياه في عيد الأضحى، فإن اعتكافه لا يبطل.\rأما لوطهرت الحائض أو صح المريض وأخر كل منهما الرجوع، فيبطل الاعتكاف لصحة الصوم بعد زوال العذر.\rوقال الشافعية (1) : إذا فعل المعتكف في الاعتكاف ما يبطله من خروج أو مباشرة، أو مقام في البيت بعد زوال العذر:\rأ ـ فإن كان ذلك في التطوع، لم يبطل ما مضى من الاعتكاف؛ لأن ذلك القدر لو أفرده واقتصر عليه أجزأه، ولا يجب عليه إتمامه؛ لأنه لا يجب عليه المضي في فاسده، فلا يلزمه بالشروع كالصوم.\rب ـ وإن كان اعتكافه منذوراً: فإن لم يشرط فيه التتابع، لم يبطل ما مضى من اعتكافه، لما ذكر في التطوع، لكن يلزمه هنا أن يتمم المدة المنذورة؛ لأن الجميع قد وجب عليه، وقد فعل البعض، فوجب الباقي.\rوإن كان قد شرط التتابع، بطل التتابع، ويجب عليه أن يستأنف ليأتي به على\r-------------------------------\r(1) مغني المحتاج: 454/1 ومابعدها، المهذب: 194/1.","part":3,"page":149},{"id":1542,"text":"الصفة التي وجبت عليه. وعلى هذا يقطع التتابع السكر والكفر وتعمد الجماع وتعمد الخروج من المسجد، لا لقضاء الحاجة، ولا الأكل ولا الشرب إن تعذر الماء في المسجد، ولا للمرض إن شق لبثه فيه، أو خشي تلويثه، ولا الإغماء والجنون إذا حصل أحدهما للمعتكف، ولا إن أكره بغير حق على الخروج، ولا يقطع التتابع الحيض إن لم تسعه مدة الطهر: بأن طالت مدة الاعتكاف بحيث لا ينفك عن الحيض غالباً بأن يكون أكثر من خمسة عشر يوماً.\rولا يقطعه أيضاً خروج مؤذن راتب (متخصص) إلى منارة المسجد المنفصلة عنه لكنها قريبة منه للأذان، لإلفه صعودها للأذان، وإلف الناس صوته، ولا يقطعه الخروج لإقامة حد ثبت عليه بغير إقراره، ولا لأجل عدة ليست بسببها، ولا لأجل أداء شهادة تعين عليها تحملها وأداؤها، للعذر في جميع ذلك، بخلاف أضداده.\rوإن خرج المعتكف من المسجد لغير قضاء الحاجة لزمه استئناف النية، فإن خرج لها لا يلزمه استئناف النية.\rوقال الحنابلة(1 ) : إن كان الاعتكاف تطوعاً وخرج من المسجد، لعذر غير معتاد كنفير وشهادة واجبة، وخوف من فتنة ومرض ونحوه وطال خروجه، خيِّر بين الرجوع وعدمه، لعدم وجوبه بالشروع.\rوإن كان الاعتكاف واجباً وجب عليه الرجوع إلى معتكفه لأداء ما وجب عليه. ولا يخلو النذر من ثلاثة أحوال بالاستقراء:\rأحدها ـ نذر اعتكاف أيام غير متتابعة ولا معينة، كنذر عشرة أيام مثلاً:\rوحكمه أنه يلزمه أن يتم ما بقي عليه من الأيام محتسباً بما مضى، ويبتدئ اليوم الذي خرج فيه من أوله، ليكون متتابعاً، ولا كفارة عليه؛ لأنه أتى المنذور على الوجه المطلوب.\r-------------------------------\r(1) كشاف القناع :417/2،419،420.","part":3,"page":150},{"id":1543,"text":"الثاني ـ نذر أيام متتابعة غير معينة، بأن قال: لله علي أعتكف عشرة متتابعة، فاعتكف بعضها، ثم خرج للعذر السابق، وطال خروجه. وحكمه: أنه يخير بين البناء على ما مضى، بأن يقضي ما بقي من الأيام، وعليه كفارة يمين، جبراً لفوات التتابع، وبين الاستئناف بلا كفارة؛ لأنه أتى بالمنذور على وجهه المطلوب، فلم يلزمه شيء.\rالثالث ـ نذر أيام معينة، كالعشر الأخير من رمضان: وحكمه أن عليه قضاء ما ترك ليأتي بالواجب، وعليه كفارة يمين، لفوات المحل المنذور.\rوإن خرج المعتكف جميعه (1) لما له منه بد مختاراً عمداً، أو مكرهاً بحق كمن عليه دين يمكنه وفاؤه ولم يفعل، فأخرج له، بطل اعتكافه، وإن قل زمن خروجه لذلك؛ لأنه خرج من معتكفه لغير حاجة، كما لو طال.\rثم إن كان في نذر متتابع بشرط أو نية: بأن نذر عشرة أيام متتابعة أو نواها كذلك، ثم خرج لذلك، استأنف؛ لأنه لا يمكنه فعل المنذور على وجهه إلا به، ولا كفارة عليه، لإتيانه بالمنذور على وجهه.\rوإن كان خرج من معتكفه مكرهاً بغير حق أو ناسياً، لم يبطل اعتكافه ويبني على اعتكافه السابق، لحديث: «عفي لأمتي عن الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه» .\rوإن كان المعتكف في نذر معين متتابع كنذر شعبان متتابعاً، أو في نذر معين كشعبان ولم يقيد ه بالتتابع، استأنف، لتضمن نذره التتابع، وكفر كفارة يمين، لتركه المنذور في وقته المعين بلا عذر. ويكون القضاء في الكل والاستئناف في الكل على صفة الأداء فيما يمكن، فإن كان الأول مشروطاً فيه الصوم، أو في أحد المساجد الثلاثة، أو نحو ذلك، فإن المقضي أو المستأنف يكون كذلك. أما ما لا يمكن، كما لو عين زمناً ومضى، فإنه لا يمكن تداركه.\r-------------------------------\r(1) يفهم منه أنه لو خرج بعض جسده لم يبطل اعتكافه،لقول عائشة: كان النبي صلّى الله عليه وسلم إذا اعتكف يدني رأسه إليَ ،فأرجَله متفق عليه .","part":3,"page":151},{"id":1544,"text":"البَابُ الرَّابع: الزَّكاةُ وأنْواعِها\rوفيه فصول ثلاثة:\rالأول - فريضة الزكاة\rالثاني - صدقة الفطر\rالثالث - صدقة التطوع\rالفَصْلُ الأوَّل: الزَّكاةُ\rوفيه مباحث سبعة:\rالمبحث الأول ـ تعريف الزكاة وحكمتها وفرضيتها وعقاب ما نع الزكاة.\rالمبحث الثاني ـ سبب الزكاة وركنها وشرطها.\rالمبحث الثالث ـ وقت وجوب الزكاة ووقت أدائها.\rالمبحث الرابع ـ أنواع الأموال التي تجب فيها الزكاة.\rالمبحث الخامس ـ هل تجب الزكاة في العمارات والمصانع وكسب العمل والمهن الحرة؟\rالمبحث السادس ـ مصارف الزكاة.\rالمبحث السابع ـ آداب الزكاة وممنوعاتها.\rوأبدأ بالبيان على وفق الترتيب المذكور.\rالمبحث الأول ـ تعريف الزكاة وحكمتها وفرضيتها وعقاب مانع الزكاة:\rأولاً ـ تعريف الزكاة:\rالزكاة لغة: النمو والزيادة يقال: زكا الزرع: إذا نما وزاد، وزكت النفقة: إذا بورك فيها، وقد تطلق بمعنى الطهارة، قال تعالى: {قد أفلح من زكاها} [الشمس:9/91] أي طهرها عن الأدناس، ومثله قوله سبحانه: {قد أفلح من تزكى} [الأعلى:14/87]، وتطلق أيضاً على المدح، قال تعالى: {فلا تزكوا أنفسكم} [النجم:32/53] وعلى الصلاح، يقال: رجل زكيّ، أي زائد الخير، من قوم أزكياء، وزكّى القاضي الشهود: إذا بين زيادتهم في الخير.\rوسمي المال المخرج في الشرع زكاة؛ لأنه يزيد في المخرج منه، ويقيه الآفات، قال تعالى: {وآتوا الزكاة} [البقرة:43/2].\rوتتمثل هذه المعاني اللغوية في قوله سبحانه: {خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها} [التوبة:103/9] فهي تطهر مؤديها من الإثم وتنمي أجره وماله.\rوالزكاة شرعاً (1) : حق يجب في المال، وعرفها المالكية بأنها: إخراج جزء مخصوص من مال بلغ نصاباً، لمستحقه، إن تم الملك، وحول، غير معدن وحرث. وعرفها الحنفية بأنها: تمليك جزء مال مخصوص من مال مخصوص لشخص مخصوص، عينه الشارع لوجه الله تعالى. فقولهم «تمليك»\r-------------------------------\r(1) العناية بهامش الفتح: 481/1، مراقي الفلاح: ص121، الدر المختار: 2/2 ومابعدها، اللباب: 139/1، الشرح الكبير: 430/1، المغني: 572/2، كشاف القناع: 191/2 ومابعدها.","part":3,"page":152},{"id":1545,"text":"احترز به عن «الإباحة» فلو أطعم يتيماً ناوياًالزكاة، لا يجزيه، إلا إذا دفع إليه المطعوم، كما لو كساه، ولكن بشرط أن يعقل القبض، إلا إذا حكم عليه بنفقة الأيتام. وقولهم «جزء مال» خرج المنفعة، فلو أسكن فقيراً داره سنة، ناوياً الزكاة، لا يجزيه. والجزء المخصوص: هو المقدار الواجب دفعه، والمال المخصوص: هو النصاب المقدر شرعاً، والشخص المخصوص: هم مستحقو الزكاة. وقولهم «عينه الشارع» هو ربع عشر نصاب معين مضى عليه الحول، فأخرج صدقة النافلة والفطرة. وقولهم «لله تعالى» أي بقصد مرضاة الله تعالى.\rوعرفها الشافعية بأنها اسم لما يخرج عن مال و بدن على وجه مخصوص.\rوتعريفها عند الحنابلة هو أنها حق واجب في مال مخصوص لطائفة مخصوصة في وقت مخصوص.\rوالطائفة: هم الأصناف الثمانية المشار إليهم بقوله تعالى: {إنما الصدقات للفقراء والمساكين } ـ الآية[التوبة:60/9] والوقت المخصوص: هو تمام الحول في الماشية والنقود (الأثمان) وعروض التجارة، وعند اشتداد الحب في الحبوب، وعند بدو صلاح الثمرة التي تجب فيها الزكاة، وعند حصول ما تجب فيه الزكاة من العسل، واستخراج ما تجب فيه من المعادن، وعند غروب الشمس من ليلة الفطر، لوجوب زكاة الفطر.\rوخرج بقوله «واجب» الحق المسنون كابتداء السلام واتباع الجنائز. وبقوله «في مال» رد السلام ونحوه، وبقوله «مخصوص» ما يجب في كل الأموال كالديون والنفقات، وبقوله: «لطائفة مخصوصة» نحو الدية؛ لأنها لورثة المقتول، وبقوله «في وقت مخصوص» نحو النذر والكفارة.","part":3,"page":153},{"id":1546,"text":"وبه يتبين أن الزكاة أطلقت في عرف الفقهاء على فعل الإيتاء نفسه، أي أداء الحق الواجب في المال، وأطلقت أيضاً على الجزء المقدر من المال الذي فرضه الله حقاً للفقراء. وتسمى الزكاة صدقة، لدلالتها على صدق العبد في العبودية وطاعة الله تعالى.\rثانياً ـ حكمة الزكاة:\rالتفاوت بين الناس في الأرزاق والمواهب وتحصيل المكاسب أمر واقع طارئ يحتاج في شرع الله إلى علاج، قال الله تعالى: {والله فضل بعضكم على بعض في الرزق} [النحل:71/16]أي أن الله تعالى فضل بعضنا على بعض في الرزق، وأوجب على الغني أن يعطي الفقير حقاً واجباً مفروضاً، لا تطوعاً ولا مِنَّة ؛ لقوله تعالى: {وفي أموالهم حق للسائل والمحروم} [الذاريات:19/51].\rوفريضة الزكاة أولى الوسائل لعلاج ذلك التفاوت، وتحقيق التكافل أو الضمان الاجتماعي في الإسلام.\rفهي أولاً ـ تصون المال وتحصنه من تطلع الأعين وامتداد أيدي الآثمين والمجرمين، قال صلّى الله عليه وسلم : «حصِّنوا أموالكم بالزكاة، وداووا مرضاكم بالصدقة، وأعدّوا للبلاء الدعاء» (1) .\rوهي ثانياً ـ عون للفقراء والمحتاجين، تأخذ بأيديهم لاستئناف العمل والنشاط إن كانوا قادرين، وتساعدهم على ظروف العيش الكريم إن كانوا عاجزين، فتحمي المجتمع من مرض الفقر، والدولة من الإرهاق والضعف. والجماعة مسؤولة بالتضامن عن الفقراء وكفايتهم، فقد روي: «إن الله فرض على\r-------------------------------\r(1) رواه الطبراني وأبو نعيم في الحلية والخطيب عن ابن مسعود، ورواه أبو داود مرسلاً عن الحسن، وهو ضعيف.","part":3,"page":154},{"id":1547,"text":"أغنياء المسلمين في أموالهم بقدر الذي يسع فقراءهم، ولن يجهد الفقراء إذا جاعوا أوعروا إلا ما يصنع أغنياؤهم، ألا وإن الله يحاسبهم حساباً شديداً ويعذبهم عذاباً أليماً» (1) وروي أيضاً «ويل للأغنياء من الفقراء يوم القيامة، يقولون: ربنا ظلمونا حقوقنا التي فرضت لنا عليهم، فيقول الله تعالى: وعزتي وجلالي لأدنينكم ولأباعدنهم، ثم تلا صلّى الله عليه وسلم : واللذين في أموالهم حق معلوم للسائل والمحروم» [المعارج:24/70-25] (2) .\rوالمصلحة في أداء الزكاة تعود في النتيجة على أرباب الأموال؛ لأنهم بأدائها يسهمون في تنمية ودعم القوة الشرائية للفقراء، فتنمو بالتالي أموال المزكين ويربحون بكثرة المبادلات.\rوهي ثالثاً ـ تطهر النفس من داء الشح والبخل، وتعوِّد المؤمن البذل والسخاء، كيلا يقتصر على الزكاة، وإنما يساهم بواجبه الاجتماعي في رفد الدولة بالعطاء عند الحاجة، وتجهيز الجيوش، وصد العدوان، وفي إمداد الفقراء إلى حد الكفاية، إذ عليه أيضاً الوفاء بالنذور، وأداء الكفارات المالية بسبب (الحنث في اليمين، والظهار، والقتل الخطأ، وانتهاك حرمة شهر رمضان). وهناك وصايا الخير والأوقاف، والأضاحي وصدقات الفطر، وصدقات التطوع والهبات ونحوها. وكل ذلك يؤدي إلى تحقيق أصول التكافل الاجتماعي بين الفقراء والأغنياء، ويحقق معاني الأخوة والمحبة بين أبناء المجتمع الواحد، ويسهم في التقريب بين فئات الناس، ويحفظ مستوى الكفاية للجميع.\rوهي رابعاً ـ وجبت شكراً لنعمة المال، حتى إنها تضاف إليه، فيقال: زكاة المال، والإضافة للسببية كصلاة الظهر وصوم الشهر وحج البيت.\r-------------------------------\r(1) رواه الطبراني عن علي، وهو ضعيف (مجمع الزوائد: 62/3).\r(2) رواه الطبراني عن أنس، وهو ضعيف أيضاً (المصدر السابق).","part":3,"page":155},{"id":1548,"text":"ثالثاً ـ فرضية الزكاة:\rالزكاة ركن من أركان الإسلام الخمسة، وفرض من فروضه، وفرضت في المدينة في شوال السنة الثانية من الهجرة بعد فرض رمضان وزكاة الفطر، ولكن لا تجب على الأنبياء إجماعاً؛ لأن الزكاة طهرة لمن عساه أن يتدنس، والأنبياء مبرؤون منه،ولأن ما في أيديهم ودائع لله ، ولأنهم لا ملك لهم، ولا يُورَثون أيضاً، وقرنت بالصلاة في القرآن الكريم في اثنين وثمانين موضعاً، مما يدل على كمال الاتصال بينهما.\rوهي واجبة بكتاب الله تعالى، وسنة رسوله صلّى الله عليه وسلم ، وإجماع الأمة.\rأما الكتاب: فقوله تعالى: {وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة} [البقرة:43/2] وقوله: {خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها} [التوبة:103/9] وقوله سبحانه: {وآتوا حقه يوم حصاده} [الأنعام:141/6] وآي سوى ذلك.\rوأما السنة: فقوله صلّى الله عليه وسلم : «بني الإسلام على خمس... منها إيتاء الزكاة» (1) وبعث النبي صلّى الله عليه وسلم معاذاً إلى اليمن، فقال: «أعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم، فترد على فقرائهم» (2) وأخبار أخرى.\rوأجمع المسلمون في جميع الأعصار على وجوب الزكاة، واتفق الصحابة رضي الله عنهم على قتال مانعيها، فمن أنكر فرضيتها كفر وارتد إن كان مسلماً ناشئاً ببلاد الإسلام بين أهل العلم، وتجري عليه أحكام المرتدين ويستتاب ثلاثاً،\r-------------------------------\r(1) سبق تخريجه، ومثله حديث أبي هريرة عند البخاري ومسلم، قال: « كان رسول الله صلّى الله عليه وسلم ذات يوم جالساً، فأتاه رجل، فقال: يارسول الله، ما الإسلام؟ قال: أن تعبد الله، ولا تشرك به شيئاً، وتقيم الصلاة المكتوبة، وتؤدي الزكاة المفروضة، وتصوم شهر رمضان » وكان الرجل هو جبريل عليه السلام.\r(2) رواه الجماعة عن ابن عباس (نيل الأوطار: 114/4).","part":3,"page":156},{"id":1549,"text":"فإن تاب وإلا قتل. ومن أنكر وجوبها جهلاً به إما لحداثة عهده بالإسلام، أو لأنه نشأ ببادية نائية عن الأمصار، عُرِّف وجوبها ولا يحكم بكفره؛ لأنه معذور.\rرابعاً ـ عقاب مانع الزكاة:\rلمانع الزكاة عقاب في الآخرة وعقاب في الدنيا، أما عقاب الآخرة فهو العذاب الأليم، لقوله تعالى: {والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله ، فبشرهم بعذاب أليم. يوم يحمى عليها في نار جهنم، فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم، هذا ما كنزتم لأنفسكم، فذوقوا ما كنتم تكنزون} [التوبة:34/9-35].\rولقوله صلّى الله عليه وسلم : «من آتاه الله مالاً، فلم يؤد زكاته، مُثِّل له شجاعاً أقرع، له زبيبتان، يطوقه يوم القيامة، يأخذ بلهزمتيه يعني شدقيه، ثم يقول: أنا مالك أنا كنزك» . ثم تلا: {ولا تحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خيراً لهم، بل هو شر لهم سَيُطَوَّقون ما بخلوا به يوم القيامة، ولله ميراث السموات والأرض والله بما تعملون خبير} » [آل عمران:180/3] (1) .\rوفي رواية: «مامن صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي منها حقها ـ أي زكاتها ـ إلا إذا كان يوم القيامة، صُفِّحت صفائح من نار، فأحمي عليها في نار جهنم، فيكوى بها جنبه وجبينه وظهره، كلما ردت أعيدت له في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، حتى يقضى بين العباد، فيرى سبيله، إما إلى الجنة، وإما إلى النار» .\rوأما العقاب الدنيوي للفرد بسبب التقصير والإهمال فهو أخذها منه والتعزير والتغريم المالي وأخذ الحاكم شطر المال قهراً عنه، قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم : «من أعطاها\rـ أي الزكاة ـ مؤتجراً فله أجرها، ومن منعها فإنا آخذوها وشطر إبله عَزْمة من عزمات ربنا\r-------------------------------\r(1) رواه أصحاب الكتب الستة إلا الترمذي عن أبي هريرة (جمع الفوائد: 376/1).","part":3,"page":157},{"id":1550,"text":"تبارك وتعالى، لا يحل لآل محمد منها شيء» (1) .\rفإن كان مانع الزكاة جاحداً لوجوبها فقد كفر، كما تبين، وقتل كما يقتل المرتد؛ لأن وجوب الزكاة معلوم من دين الله عز وجل ضرورة (بداهة)، فمن جحد وجوبها فقد كذَّب الله تعالى، وكذَّب رسوله صلّى الله عليه وسلم ، فحكم بكفره.\rوتقاتل الجماعة مانعة الزكاة جحوداً، كما فعل الصحابة في عهد الخليفة الأول ـ أبي بكر رضي الله عنهم، قال أبو بكر: «والله لأقاتلن من فرَّق بين الصلاة والزكاة، فإن الزكاة حق المال، والله لو منعوني عَنَاقاً (2) كانوا يؤدونها إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلم لقاتلتهم على منعها» (3) وفي لفظ مسلم والترمذي وأبي داود : «لو منعوني عقالاً كانوا يؤدونه» وبناء عليه قال العلماء بالاتفاق: إذا منع واحد أو جمع الزكاة وامتنعوا بالقتال، وجب على الإمام قتالهم، وإن منعها جهلاً بوجوبها أو بخلاً بها لم يكفر.\rالمبحث الثاني ـ سبب الزكاة وشروطهاوركنها:\rقال الحنفية (4) : سبب الزكاة: ملك مقدار النصاب النامي ولو تقديراً بالقدرة على الاستنماء بشرط حولان الحول القمري لا الشمسي، وبشرط عدم الدين الذي له مطالب من جهة العباد، وكونه زائداً عن حاجته الأصلية.\r-------------------------------\r(1) من حديث بهز بن حكيم عن أبيه عن جده، رواه أحمد والنسائي، وأبو داود وقال: وشطر ماله، وهو حجة في أخذها من الممتنع ووقوعها موقعها ( نيل الأوطار: 121/4 ومابعدها).\r(2) هو الأنثى من أولاد المعز، وفي الرواية الأخرى: عقالاً، والمراد بالعقال عند جماعة: هو زكاة عام، إذ لايجوز القتال على الحل الذي يعقل به البعير، وقال كثير من المحققين: المراد به الحبل الذي يعقل به البعير، على سبيل المبالغة.\r(3) رواه الجماعة إلا ابن ماجه عن أبي هريرة ( نيل الأوطار: 119/4 ).\r(4) الدر المختار: 5/2-12، فتح القدير: 487/1 .","part":3,"page":158},{"id":1551,"text":"ويلاحظ أن السبب والشرط يتوقف عليهما وجود الشيء، إلا أن السبب يضاف إليه الوجوب، دون الشرط، فمن لم يملك النصاب لا زكاة عليه، فلا زكاة في الأوقاف، لعدم الملك، ولا فيما أحرزه العدو في ديارهم؛ لأنهم ملكوه بالإحراز.\rوالمقصود بالنصاب: هو ما نصبه الشارع علامة على وجوب الزكاة من المقادير الآتية في بحث أموال الزكاة، كمائتي درهم أوعشرين ديناراً.\rوبناء عليه لا زكاة على مال اشتراه للتجارة قبل قبضه، لعدم الملك التام، ولازكاة باتفاق المذاهب على الحوائج الأصلية من ثياب البدن والأمتعة ودور السكنى (العقارات) وأثاث المنزل، ودواب الركوب، وسلاح الاستعمال، والكتب العلمية وإن لم تكن لأهلها إذا لم ينو بها التجارة، وآلات المحترفين؛ لأنها مشغولة بالحاجة الأصلية، وليست بنامية أصلاً.\rولا زكاة عند الحنفية أيضاً لعدم النمو في مال مفقود أوضال وجده بعد سنين، ولا في ساقط في بحر استخرجه بعد سنين، ولا في مغصوب لابينة عليه، فلو كانت له بينة تجب الزكاة بعد قبضه من الغاصب لما مضى من السنين، ولا في مدفون ببرية نسي مكانه ثم تذكره، ولا في وديعة منسية عند غير معارفه، أي عند الأجانب، فلو كانت منسية عند معارفه تجب الزكاة لتفريطه بالنسيان في غير محله. ولا في دين جحده المديون سنين ولا بينة له عليه، ثم توافرت له بينة بأن أقر بعدها عند قوم، ولا على ما أخذه مصادرة، أي ظلماً ثم وصل إليه بعد سنين. أما لو كان الدين على مقر مليء أوعلى معسر أو مفلس (محكوم بإفلاسه) أو على جاحد عليه بينة، فعليه الزكاة على ما مضى، على المعتمد في حالة الجاحد، إن وصل إلى ملكه. ودليل الحنفية على عدم وجوب الزكاة في هذه الأحوال: حديث «لا زكاة في مال الضِّمار» (1) أي ما لا يمكن الانتفاع به مع بقاء الملك.\r-------------------------------\r(1) نسب إلى علي، وهو غريب ليس بمعروف، وذكره سبط ابن الجوزي في آثار الإنصاف عن عثمان وابن عمر، ورواه أبو عبيد في الأموال عن الحسن البصري، ورواه مالك عن عمر بن عبد العزيز، وفيه انقطاع، قال مالك: الضمار: المحبوس عن صاحبه. والضمار في اللغة: الغائب الذي لا يرجى، وأصله الإضمار أي التغييب والإخفاء (نصب الراية: 334/2، رد المحتار: 12/2).","part":3,"page":159},{"id":1552,"text":"ولا زكاة بالاتفاق على ما لم يحل عليه الحول، أي يمضي عليه سنة، كما بينت السنة النبوية الآتي بيانها في الشروط.\rولا زكاة بالاتفاق على سائر الجواهر واللآلئ ونحوها كالياقوت والزبرجد والفيروزج والمرجان، لعدم ورود ما يوجبها في الشرع، ولأنها معدة للاستعمال، إلا أن تكون للتجارة.\rولا زكاة عندالجمهور على المواشي العلوفة والعوامل، وإنما الزكاة على السائمة، وأوجب المالكية الزكاة على المعلوفة والعوامل.\rوأما ركن الزكاة: فهو إخراج جزء من النصاب بإنهاء يد المالك عنه، وتمليكه إلى الفقير وتسليمه إليه أو إلى من هو نائب عنه وهو الإمام أو المصدِّق (الجابي) (1) .\rشروط الزكاة: للزكاة شروط وجوب وشروط صحة، فتجب بالاتفاق على الحر المسلم البالغ العاقل إذا ملك نصاباً ملكاً تاماً، وحال عليه الحول، وتصح بالنية المقارنة للأداء اتفاقاً.\rأما شروط وجوب الزكاة أي فرضيتها، فهي ما يأتي (2) :\r1 - الحرية: فلا تجب الزكاة اتفاقاً على العبد؛ لأنه لا يملك، والسيد مالك لما في يد عبده، والمكاتب ونحوه وإن ملك، إلا أن ملكه ليس تاماً. وإنما تجب الزكاة في رأي الجمهور على سيده لأنه مالك لمال عبده، فكانت زكاته عليه كالمال الذي في يد الشريك المضارب والوكيل. وقال المالكية: لا زكاة في مال العبد لا على العبد ولا على سيده؛ لأن ملك العبد ناقص، والزكاة إنما تجب على تام الملك، ولأن السيد لايملك مال العبد.\r-------------------------------\r(1) البدائع: 39/2 .\r(2) فتح القدير: 481/1-486، الدر المختار: 4/2 ومابعدها، 13، اللباب: 140/1، بداية المجتهد: 236/1، حاشية الدسوقي: 431/1، 459، 463، القوانين الفقهية: ص98 ومابعدها، الشرح الصغير: 589/1 ومابعدها، 629، شرح الرسالة: 317/1، الأم: 125/4، المهذب: 140/1، 143 ومابعدها، المجموع: 293/5-299، المغني: 621/2-628، كشاف القناع: 195/2، 239 ومابعدها، 283،285، حاشية الباجوري: 270/1-275.","part":3,"page":160},{"id":1553,"text":"2 - الإسلام: فلا زكاة على كافر بالإجماع؛ لأنها عبادة مطهرة وهو ليس من أهل الطهر.\rوأوجب الشافعية خلافاً لغيرهم على المرتد زكاة ماله قبل ردته، أي في حال الإسلام، ولاتسقط عنه، خلافاً لأبي حنيفة فإنه أسقطها عنه، لأنه يصير كالكافر الأصلي. وأما زكاة ماله حال الردة، فالأصح عند الشافعية أن حكمها حكم ماله، وماله موقوف، فإن عاد إلى الإسلام وتبينا بقاء ماله فتجب عليه، وإلا فلا.\rولم يوجب الفقهاء على الكافر الأصلي الزكاة إلا في حالتين:\rإحداهما ـ العشور: قال المالكية والحنابلة والشافعية: يؤخذ العشر من تجار أهل الذمة والحربيين إذا اتجروا إلى بلد من بلاد المسلمين من غير بلادهم، وإن تكرر ذلك مراراً في السنة، سواء بلغ ما بأيديهم نصاباً أم لا.\rويؤخذ عند المالكية نصف العشر منهم مما حملوا إلى مكة والمدينة وقراهما من القمح والزيت خاصة.\rواشترط أبو حنيفة فيه النصاب، وقال: إنما يؤخذ من الذمي نصف العشر خاصة، ومن الحربي العشر، على أساس المجازاة أو المعاملة بالمثل.\rوقال الشافعي، لا يؤخذ منهم شيء إلا بالشرط، فإن شرط على الحربي العشر حال أخذه أخذ وإلا فلا.\rوالثانية ـ قال أبو حنيفة والشافعي وأحمد: تضاعف الزكاة على نصارى بني تغلب خاصة (1) ؛ لأنها بديل عن الجزية، وعملاً بفعل عمر رضي الله عنه.\rولا يحفظ عن مالك في ذلك نص.\r-------------------------------\r(1) بنو تغلب: عرب نصارى، همَّ عمر رضي الله عنه أن يضرب عليهم الجزية فأبوا، وقالوا: نحن عرب لا نؤدي ما يؤدي العجم، ولكن خذ منا ما يأخذ بعضكم من بعض، يعني الصدقة، فقال عمر: لا، هذه فرض المسلمين، فقالوا: فزذ ما شئت بهذا الاسم، لا باسم الجزية، ففعل وتراضى هو وهم أن يضاعف عليهم الصدقة. وفي رواية: هي جزية سموها ماشئتم (رد المحتار: 37/2).","part":3,"page":161},{"id":1554,"text":"3 - البلوغ والعقل: شرط عند الحنفية، فلا زكاة على صبي ومجنون في مالهما؛ لأنهما غير مخاطبين بأداء العبادة كالصلاة والصوم.\rوقال الجمهور: لا يشترطان، وتجب الزكاة في مال الصبي والمجنون، ويخرجها الولي من مالهما لحديث «من ولي يتيماً له مال فليتجر له، ولا يتركه حتى تأكله الصدقة» وفي رواية: «ابتغوا في مال اليتامى، لا تأكلها الزكاة» (1) ، ولأن الزكاة تراد لثواب المزكي، ومواساة الفقير، والصبي والمجنون من أهل الثواب، ومن أهل المواساة، ولهذا يجب عليهما نفقة الأقارب. وهذا الرأي أولى لما فيه من تحقيق مصلحة الفقراء، وسد حاجتهم، وتحصين المال من تطلَّع المحتاجين إليه، وتزكية النفس، وتدريبها على خلُق المعونة والجود.\r4 - كون المال مما تجب فيه الزكاة: وهو خمسة أصناف: النقدان ولو غير مضروبين وما يحل محلهما من الأوراق النقدية، والمعدن والركاز، وعروض التجارة، والزروع والثمار، والأنعام الأهلية السائمة عند الجمهور، وكذا المعلوفة عند المالكية.\r-------------------------------\r(1) حديث ضعيف رواه الترمذي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، ورواه الشافعي والبيهقي بإسناد صحيح عن يوسف بن ماهك عن النبي صلّى الله عليه وسلم مرسلاً، ورواه البيهقي عن عمر موقوفاً عليه، وقال: إسناده صحيح (المجموع: 5/792، نصب الراية: 331/2 ومابعدها).","part":3,"page":162},{"id":1555,"text":"ويشترط كون المال نامياً؛ لأن معنى الزكاة وهو النماء لا يحصل إلا من المال النامي، وليس المقصود حقيقة النماء، وإنما كون المال معداً للاستنماء بالتجارة أو بالسوم أي الرعي عند الجمهور؛ لأن الإسامة سبب لحصول الدر والنسل والسمن، والتجارة سبب لحصول الربح، فيقام السبب مقام المسبب.\rفلا زكاة في الجواهر واللآلئ والمعادن غير الذهب والفضة، ولا في الأمتعة وأصول الأملاك والعقارات، ولا في الخيل والبغال والحمير والفهود والكلاب المعلمة، والعسل والألبان وآلات الصناعة وكتب العلم إلا أن تكون للتجارة.\rوأوجب أبو حنيفة الزكاة في الخيل السائمة للتناسل، والمفتى به عدم الزكاة فيها، وأوجبها الحنفية والحنابلة والظاهرية في العسل، ولم يوجبها فيه المالكية والشافعية.\r5 - كون المال نصاباً أو مقداراً بقيمة نصاب: وهو ما نصبه الشرع علامة على توفر الغنى ووجوب الزكاة من المقادير الآتية. وسيأتي في بحث أنواع أموال الزكاة بيان الأنصبة الشرعية، وخلاصتها: نصاب الذهب عشرون مثقالاً أو ديناراً، ونصاب الفضة مائتا درهم، ونصاب الحبوب، والثمار بعد الجفاف عند غير الحنفية خمسة أوسق (653 كغ)، وأول نصاب الغنم أربعون شاة، والإبل خمس، والبقر ثلاثون.\r6 - الملك التام للمال: واختلف الفقهاء في المراد بالملك، أهو ملك اليد (الحيازة) أم ملك التصرف أم أصل الملك؟","part":3,"page":163},{"id":1556,"text":"فقال الحنفية (1) : المقصود أصل الملك وملك اليد (2) ، بأن يكون مملوكاً، فلا زكاة في سوائم الوقف والخيل الموقوفة، لعدم الملك، ولا تجب الزكاة في المال الذي استوى عليه العدو وأحرزه بداره؛ لأن الأعداء في رأي الحنفية ملكوه بالإحراز، فزال ملك المسلم عنه، ولا في الزرع النابت في أرض مباحة لعدم الملك، ولا على المدين الذي في يده مال للغير لعدم الملك، وإنما زكاة هذا المال على المالك الأصلي. وأيضاً أن يكون مملوكاً في اليد أي مقبوضاً، فلو ملك شيئاً ولم يقبضه، كصداق المرأة قبل قبضه، فلا زكاة عليها فيه. ولا زكاة في المال الضمار: وهو كل مال غير مقدور الانتفاع به، مع قيام أصل الملك، كالحيوان الضال، والمال المفقود والمال الساقط في البحر، والمال الذي أخذه السلطان مصادرة، والدين المجحود إذا لم يكن للمالك بينة وحال الحول ثم صار له بينة، بأن أقر عند الناس، والمال المدفون في الصحراء إذا خفي على المالك مكانه، فإن كان مدفوناً في البيت تجب فيه الزكاة بالإجماع. وعلى هذا لا زكاة في رأي الحنفية على مايقابل الدين من مال المزكي؛ لأن مقدار الدين هو في الواقع مملوك للدائن لا للمدين.\r-------------------------------\r(1) البدائع: 9/2، رد المحتار: 5/2.\r(2) اعتبر صاحب الكنز هذا شرطاً، واعتبره صاحب الدرر سبباً كما أوضحت، وقال القرافي: إنه سبب.","part":3,"page":164},{"id":1557,"text":"وقال المالكية (1) : المقصود أصل الملك والقدرة على التصرف فيما ملك، فلا زكاة على المرتهن فيما تحت يده من شيء غير مملوك له، لعدم الملك، ولا زكاة في مال مباح لعموم الناس، كالزرع النابت وحده في أرض غير مملوكة لأحد، لعدم الملك، ولا زكاة على غير مالك كغاصب ووديع وملتقط.\rوتجب الزكاة على المرأة في صداقها بعد قبضه ومضي حول عليه، وتجب الزكاة على الواقف في ملكه إن بلغ نصاباً، أو نقص عن النصاب وكان عند الواقف ما يكمل به النصاب، إن تولى المالك القيام به بأن كان النبات تحت يد الواقف يزرعه ويعالجه حتى يثمر ثم يفرقه؛ لأن الوقف لا يخرج العين عندهم عن الملك. وتجب الزكاة في المغصوب والمسروق والمجحود والمدفون في محل والضال (الضائع) ، وإذا قبضه زكاة لحول واحد، أما الوديعة إذا مكثت أعواماً عند الوديع، فتزكى بعد قبضها لكل عام مضى مدة إقامتها عند الأمين. وتجب الزكاة على المدين في مال النقود الذي بيده لغيره، متى مضى حول عليه، إن كان عنده ما يمكنه أن يوفي الدين منه من عقار أو غيره؛ لأنه بالقدرة على دفع قيمته صار مملوكاً له. فإن كان المال الذي عنده حرثاً (زرعاً أو ثمراً) أو ماشية أو معدناً، فتجب عليه زكاته، ولو لم يكن عنده ما يوفي به الدين.\rوقال الشافعية (2) : المطلوب توافر أصل الملك التام والقدرة على التصرف، فلا زكاة على السيد في مال المكاتب؛ لأنه لا يملك التصرف فيه، فهو كمال الأجنبي، ولا زكاة في الأوقاف؛ لأنها في الأصح على ملك الله تعالى، ولا على المال المباح لعموم ملك الناس كزرع نبت بفلاة وحده، دون أن يستنبته أحد؛ لعدم الملك الخاص.\r-------------------------------\r(1) الشرح الكبير: 431/1، 457، 484 ومابعدها، الشرح الصغير: 588/1، 622 ومابعدها، 647.\r(2) المجموع: 308/5-318، المهذب: 141/1 ومابعدها، الأم 42/1-43.","part":3,"page":165},{"id":1558,"text":"وتجب الزكاة على المستأجر لأرض الوقف المأجورة، مع أجرة الأرض، وعلى الموقوف عليه المعين في ثمار الأشجار الموقوفة من نخل وعنب. وفي الجديد تجب الزكاة في المال المغصوب والضال، واللقطة في السنة الأولى، والمسروق والساقط في البحر والمال الغائب والشيء المودع بعد عود المال إلى يد المالك؛ لأنه مال مملوك لصاحبه يملك المطالبة به، ويجبر الغاصب على تسليمه إليه، كالمال الذي في يد وكيله.\rوالصحيح أنه تجب الزكاة على الملتقط إذا مضى عليه حول من حين ملك اللقطة؛ لأنه ملك مضى عليه حول في يد مالكه.\rوالأصح أن الدين لا يمنع وجوب الزكاة؛ لأن الزكاة تتعلق بعين المال، والدين يتعلق بالذمة، فلا يمنع أحدهما الآخر، كوجود الدين وأرش الجناية. ويؤيده ما رواه مالك في الموطأ: أن عثمان بن عفان رضي الله عنه كان يقول: «هذا شهر زكاتكم، فمن كان عليه دين، فليؤدّ زكاته، حتى تحْصُلَ أموالكم، فتؤدون منه الزكاة» .\rويجب على المرأة زكاة صداقها وتخرجها بعد قبضه؛ لأنه في يد زوجها قبيل الدين.\rوعلى المدين زكاة المال الذي استدانه من غيره: إذا حال عليه الحول وهو في ملكه؛ لأنه ملكه بالاستقراض ملكاً تاماً.\rوقال الحنابلة (1) : لا بد من توافر أصل الملك والقدرة على التصرف حسب اختياره. فلا تجب الزكاة في الموقوف على غير معين كالمساجد والمدارس والمساكين\r-------------------------------\r(1) المغني: 48/3-53.","part":3,"page":166},{"id":1559,"text":"ونحوها، وتجب الزكاة في الموقوف على معين كأرض أو شجر. وتجب على الراجح في المغصوب والمسروق والمجحود والضال إذا قبضه كالدين. وتجب في اللقطة على الملتقط إذ صارت بعد الحول كسائر أمواله، إذا مضى عليها حول بعد تعريفها. والمرأة إذا قبضت صداقها زكته لما مضى؛ لأنه دين، وحكمه كزكاة الديون على مامضى، فإن قبضت صداقها قبل الدخول ومضى عليه حول، فزكته، ثم طلقها الزوج قبل الدخول، رجع فيها بنصفه، وكانت الزكاة من النصف الباقي لها.\r7 - مضي عام أو حَوَلان حول قمري على ملك النصاب: لقوله صلّى الله عليه وسلم : «لازكاة في مال حتى يحول عليه الحول» (1) ولإجماع التابعين والفقهاء. وحول الزكاة قمري لا شمسي بالاتفاق كباقي أحكام الإسلام من صوم وحج. ولفقهاء المذاهب آراء متقاربة في حولان الحول.\rفقال الحنفية (2) : يشترط كون النصاب كاملاً في طرفي الحول، سواء بقي في أثنائه كاملاً أم لا، فإذا ملك إنسان نصاباً في بدء الحول، ثم استمر كاملاً لنهاية الحول، من غير أن ينقطع تماماً في الأثناء، أو يذهب كله في أثناء العام، وجبت الزكاة، وتجب أيضاً إن نقص في أثناء الحول، ثم تم في آخره؛ فنقصان النصاب في الحول لا يضر إن كمل في طرفيه.\rوالمستفاد ولو بهبة أو إرث في وسط الحول يضم إلى أصل المال، وتجب فيه الزكاة؛ لأنه يعسر مراعاة وضبط الحول لكل مستفاد، وفي ذلك حرج لا سيما إذا كان النصاب دراهم وهو صاحب غلة يستفيد كل يوم درهماً أو درهمين، والحول ما شرط إلا تيسيراً للمزكي.\r-------------------------------\r(1) روي من حديث علي عند أبي داود وهو حسن، ومن حديث ابن عمر وأنس عند الدارقطني وهو إما ضعيف أو موقوف، ومن حديث عائشة عند ابن ماجه وهو ضعيف (نصب الراية: 328/2 ومابعدها).\r(2) مراقي الفلاح: ص121، الدر المختار: 31/2،72، فتح القدير: 510/1، البدائع: 51/2","part":3,"page":167},{"id":1560,"text":"وحولان الحول شرط في غير زكاة الزرع والثمار، أما فيهما فتجب الزكاة عند ظهور الثمرة والأمن عليها من الفساد إذا بلغت حداً ينتفع بها، وإن لم يستحق الحصاد.\rوقال المالكية (1) : حولان الحول شرط في العين (الذهب والفضة) والتجارة، والأنعام، وليس بشرط في المعدن والركاز والحرث (2) (الزرع والثمار) ، وإنما تجب في ذلك بطيبه (3) ولو لم يحل الحول.\rأما المال المستفاد في أثناء الحول غير ماتجدد من الحيوان: فإن كان من هبة أو ميراث، أو من بيع أو غير ذلك، لم تجب عليه زكاة حتى يحول عليه الحول. وإن كان ربح مال أو تجارة، زكاة لحول أصله، سواء أكان الأصل نصاباً، أم دونه إذا أتم نصاباً بربحه؛ لأن ربح المال مضموم إلى أصله، فإذا نقص النصاب من الذهب أو الفضة في أثناء الحول ثم ربح فيه أو اتجر فربح، وجبت الزكاة، وخلاصة القاعدة عندهم: أن حول ربح المال حول أصله، وكذلك حول نسل الأنعام حول الأمهات.\rويشترط أيضاً مجيء الساعي مع الحول في الماشية، فلا تجب الزكاة فيها قبل مجيئه.\r-------------------------------\r(1) القوانين الفقهية: ص99، 101، الشرح الصغير: 590/1، بداية المجتهد: 261/1-263، شرح الرسالة: 326/1.\r(2) سمي حرثاً: لأنه تحرث الأرض لأجله غالباً، والحرث: الحبوب وذوات الزيوت الأربع، والتمر والزبيب.\r(3) تجب الزكاة بإفراك الحب: وهو طيبه وبلوغه حد الأكل منه واستغناؤه عن السقي لا باليبس والحصاد ولا بالتصفية، وطيب الثمر:هو الزهو في بلح النخل، وظهور الحلاوة في العنب (الشرح الصغير: 615/1) هذا ما ذكره الدردير، وجاء في الرسالة (318/1) أن الوجوب يتعلق بيوم الحصاد والجداد وهو المشهور.","part":3,"page":168},{"id":1561,"text":"وقال الشافعية (1) : مثل المالكية: حولان الحول شرط في زكاة الأثمان (النقود) وعروض التجارة والماشية، وليس بشرط في الثمار والزرع والمعادن والركاز. ويشترط مضي حول كامل متوال، فلو نقص النصاب في أثناء الحول ولو لحظة لم تجب الزكاة إلا في نتاج الماشية، فيتبع الأمهات في الحول وإلا في ربح التجارة فيزكى على حول أصله إذا كان الأصل نصاباً، فمتى تخلل زوال الملك أثناء الحول بمعاوضة أو غيرها كالبيع والهبة، استأنف الحول، وإذا كان النصاب كاملاً في بدء الحول ثم نقص في أثنائه، ثم كمل بعد ذلك، لم تجب الزكاة إلا مضي حول كامل من يوم التمام.\rوأما المستفاد في أثناء الحول بالبيع أو الهبة أو الإرث أوالوقت ونحوها مما يستفاد لا من نفس المال، فله حول جديد مستقل عن الأصل أي في غير النتاج وربح التجارة كما تقدم، فيستأنف له الحول لتجدد الملك، ولا يجمع إلى ما عنده في الحول.\rويكره، وقيل: يحرم وعليه كثيرون أن يزيل ملكه عما تجب الزكاة في عينه بقصد رفع وجوب الزكاة؛ لأنه فرار من القربة.\rوقال الحنابلة (2) : يشترط حولان الحول في زكاة الأثمان (الذهب والفضة) والمواشي وعروض التجارة، ولايشترط في غيرها من الثمار والزروع والمعادن والركاز. والمعتبر وجود النصاب في جميع الحول، ولا يضر النقص اليسير كنصف يوم أو ساعات. فلو نقص النصاب في أثناء الحول وجب بدء حول جديد إلا في النتاج وأرباح التجارة، فإنها تضم إلى أصلها؛ هأنها تبع له ومتولدة منه، والأرباح تكثر وتتكرر في الأيام والساعات، ويعسر ضبطها، وكذلك النتاج، وقد يوجد ولا يشعر به، فالمشقة أتم لكثرة تكرره.\r-------------------------------\r(1) المهذب: 143/1، المجموع: 328/5 ومابعدها، الحضرمية: ص99.\r(2) المغني: 625/2-629.","part":3,"page":169},{"id":1562,"text":"أما المستفاد في أثناء الحول من غير ربح مال التجارة ونتاج السائمة بالبيع أو الهبة أو الميراث أو الاغتنام ونحو ذلك، فله حول مستقل، لا تجب زكاته إلا بمضي حول تام عليه، لأنه يندر ولا يتكرر، فلا يشق ضبط حول له، فإن شق فهو دون المشقة في النتاج والأرباح، فيمتنع قياسه عليها.\rوالخلاصة: إن حولان الحول شرط متفق عليه، وأن نتاج الماشية وأرباح التجارة تضم إلى أصل النصاب بالاتفاق، أما المستفاد في أثناء الحول من جنس المال غير النتاج والأرباح فيضم إليه ويزكى معه عند الحنفية، تيسيراً على المزكي، ودفعاً للمشقة والعسر عنه، إذ يعسر حساب الحول لكل مستفاد، والحول ما شرط إلا تيسيراً على الناس في إخراج الزكاة.\rويحسب لكل مستفاد حول جديد عند الجمهور، لأنه مقتضى العدل، ولتجدد الملك، فيشترط له الحول كالمستفاد من غير جنس المال الأصلي الذي بدئ به النصاب، ولحديث: «من استفاد مالاً فلا زكاة فيه حتى يحول عليه الحول» (1) .\r8 - عدم الدين: شرط عند الحنفية في زكاة ماعدا الحرث (الزروع والثمار)، وعند الحنابلة في كل الأموال، وعند المالكية في زكاة العين (الذهب والفضة) دون زكاة الحرث والماشية والمعادن. وليس بشرط عند الشافعية (2) . وتفصيل الآراء فيما يأتي:\rقال الحنفية: الدين الذي له مطالب من جهة العباد يمنع وجوب الزكاة سواء أكان لله كزكاة وخراج (ضريبة الأرض)، أم كان لإنسان، ولو دين كفالة؛ لأن للدائن المكفول له أخذ الدين من أيهم شاء من المدين أو الكفيل، ولو ديناً مؤجلاً، ولو صداق زوجته المؤجل للفراق، أو كان نفقة لزمته بقضاء القاضي أو بالتراضي.\rأما الدين الذي ليس له مطالب من جهة العباد كدين النذر والكفارة والحج، فلا يمنع وجوب الزكاة.\r-------------------------------\r(1) حديث موقوف على ابن عمر، رواه الترمذي والدارقطني والبيهقي ( نصب الراية: 330/2).\r(2) الدر المختار: 6/2 ومابعدها،الشرح الصغير: 647/1-649، القوانين الفقهية: ص99، المهذب: 142/1، المجموع: 313/5 ومابعدها، المغني: 41/3 ومابعدها.","part":3,"page":170},{"id":1563,"text":"ولا يمنع الدين وجوب العشر (زكاة الزروع والثمار) والخراج، والكفارة، أي أن الدين لا يمنع وجوب التكفير بالمال على الأصح.\rوقال الحنابلة: الدين يمنع وجوب الزكاة في الأموال الباطنة وهي الأثمان (النقود) وعروض التجارة، لقول عثمان بن عفان: «هذا شهر زكاتكم، فمن كان عليه دين، فليؤده، حتى تخرجوا زكاة أموالكم» (1) وفي رواية: «فمن كان عليه دين، فليقض دينه، وليترك بقية ماله» قال ذلك بمحضر من الصحابة، فلم ينكروه، فدل على اتفاقهم عليه.\rوكذلك يمنع الدين الزكاة في الأموال الظاهرة: وهي الأنعام السائمة والحبوب والثمار، فيبتدئ بالدين فيقضيه، ثم ينظر ما بقي عنده بعد إخراج النفقة، فيزكي ما بقي، لما ذكر في الأموال الباطنة.\rويمنع الدين الزكاة إذا كان يستغرق النصاب أو ينقصه، ولا يجد ما يقضيه سوى النصاب، أو ما لا يستغني عنه، مثل أن يكون عليه عشرون مثقالاً، وعليه مثقال أو أكثر أو أقل مما ينقص به النصاب إذا قضاه به، ولا يجد قضاء له من غير النصاب. فإن كان له ثلاثون مثقالاً وعليه عشرة، فعليه زكاة العشرين، وإن كان عليه أكثر من عشرة، فلا زكاة عليه، أي أن مقدار الدين لا يمنع الزكاة إذا زاد ماله عن الدين، فإن كان الدين مساوياً نصاب الزكاة أو ينقصه، فهذا هو الذي يمنع الزكاة.\rوقال المالكية: الدين يسقط زكاة العين (الذهب والفضة) إذا لم يكن عروض تفي به، ولو كان الدين مؤجلاً، أو كان مهراً عليه لامرأته، أو مؤخراً،أو مقدماً، أو نفقة متجمدة عليه لزوجة أو أب أو ابن، أو دين زكاة عليه، لا دين كفارة ليمين أو ظهار أو صوم، ولا دين هدي وجب عليه في حج أو عمرة، فلا يسقطان زكاة العين.\r-------------------------------\r(1) رواه أبو عبيد في الأموال.","part":3,"page":171},{"id":1564,"text":"فإن كانت له عروض تفي بدينه، لم تسقط الزكاة عنه، ويجعل ذلك في نظير الدين الذي عليه، ويزكي ما عليه من العين.\rولا تسقط عنه الزكاة إلا بشرطين:\rأولهما ـ إن حال حول العرض عنده:\rوالثاني ـ أن يكون العرض مما يباع على المفلس، كثياب ونحاس وماشية ولو دابة ركوب أو ثياب جمعة أو كتب فقه، فإن كان ثوب جسده أو دار سكناه فلا يباع، إلا أن يكون ذلك فاضلاً عن حاجته الضرورية. وتعتبر قيمة العرض وقت وجوب الزكاة آخر الحول. وإن كان له دين مرجو الحصول ولو مؤجلاً، فإنه يجعله فيما عليه، ويزكي ماعنده من العين. أما إن كان غير مرجو، كما لو كان على معسر أو ظالم لا تناله الأحكام فلا يجعل بدلاً عن الدين الواجب عليه.\rولا يسقط الدين زكاة الحرث (الزرع والثمر) والماشية والمعدن؛ لأن الزكاة تجب في أعيانها.\rولو وُهب الدين للمدين أو أبرأه الدائن (صاحب الدين) منه، فلا زكاة في الموهوب حتى يحول عليه الحول في يد الموهوب له؛ لأن الهبة إنشاء لملك النصاب الذي بيده، فلا تجب الزكاة فيه إلا إذا استأنف حولاً من الهبة.\rوقال الشافعي في الجديد: الدين الذي يستغرق أموال الزكاة أو ينقص المال عن النصاب لا يمنع وجوب الزكاة، فتجب الزكاة على مالك المال؛ لأن الزكاة تتعلق بالعين، والدين يتعلق بالذمة، فلا يمنع أحدهما الآخر كالدين وأرش الجناية.","part":3,"page":172},{"id":1565,"text":"9 - الزيادة عن الحاجات الأصلية: اشترط الحنفية (1) كون المال الواجب فيه الزكاة فارغاً عن الدين وعن الحاجة الأصلية لمالكه؛ لأن المشغول بها كالمعدوم، وفسر ابن ملك الحاجة الأصلية: بأنها ما يدفع الهلاك عن الإنسان تحقيقاً كالنفقة ودار السكنى وآلات الحرب والثياب المحتاج إليها لدفع الحر أو البرد، أو تقديراً كالدين، فإن المديون محتاج إلى قضاء دينه بما في يده من النصاب، دفعاً عن نفسه الحبس الذي هو كالهلاك، وكآلات الحرفة وأثاث المنزل، ودواب الركوب وكتب العلم لأهلها؛ فإن الجهل عندهم كالهلاك، فإذا كانت له دراهم مستحقة بصرفها إلى تلك الحوائج، صارت كالمعدومة، كما أن الماء المستحق صرفه إلى العطش، كان كالمعدوم، وجاز عنده التيمم.\rشروط صحة أداء الزكاة:\r1 ً - النية: اتفق الفقهاء (2) على أن النية شرط في أداء الزكاة، تمييزاً لها عن الكفارات وبقية الصدقات، لقول النبي صلّى الله عليه وسلم : «إنما الأعمال بالنيات» وأداؤها عمل، ولأنها عبادة كالصلاة فتحتاج إلى نية لتمييز الفرض عن النفل. وللفقهاء تفصيلات في النية.\rقال الحنفية: لا يجوز أداء الزكاة إلا بنية مقارنة للأداء إلى الفقير، ولو حكماً، كما لو دفع بلا نية ثم نوى، والمال في يد الفقير، أو نوى عند الدفع للوكيل، ثم دفع الوكيل بلا نية، أو مقارنة لعزل مقدار الواجب؛ لأن الزكاة عبادة، فكان من شرطها النية، والأصل فيها الاقتران بالأداء، إلا أن الدفع للفقراء يتفرق فاكتفي بوجودها حالة العزل، تيسيراً على المزكي، كتقديم النية في الصوم. فلو عزل الزكاة ثم ضاعت أو سرقت أو تلفت، لم تسقط عنه، ويغرم بدلها؛ لأنه يمكن إخراج الزكاة من بقية المال، ولو مات ورثت عنه وأخرجت.\r-------------------------------\r(1) الدر المختار ورد المحتار: 7/2-8\r(2) فتح القدير: 493/1، الدر المختار: 4/2، 14-15، البدائع: 40/2، الكتاب: 140/1 ومابعدها، القوانين الفقهية: ص99، المهذب: 170/1، المجموع: 182/6 ومابعدها، الحضرمية: ص150، المغني: 638/2 ومابعدها، الشرح الصغير: 666/1 ومابعدها، 670 ومابعدها.","part":3,"page":173},{"id":1566,"text":"ومن تصدق بجميع ماله، لا ينوي الزكاة، سقط فرضها عنه استحساناً، بشرط ألا ينوي بها واجباً آخر من نذر أوغيره؛ لأن الواجب جزء منه، فكان متعيناً فيه، فلا حاجة إلى التعيين، وعلى هذا لو كان له دين على فقير، فأبرأه عنه، سقط زكاة المبلغ المبرأ عنه، سواء نوى به عن الزكاة أو لم ينو، لأنه كالهلاك.\rولو تصدق ببعض النصاب لم تسقط زكاة ما تصدق به عند أبي يوسف وهو المختار عند صاحب الهداية، فتجب زكاته وزكاة الباقي؛ لأن البعض المؤدى لم يتعين لأداء الواجب. وقال محمد: تسقط زكاة الجزء المؤدى، كما في حالة التصدق بكل المال، للتيقن بإخراج الجزء الذي هو الزكاة.\rوقال المالكية: تشترط النية لأداء الزكاة عند الدفع، ويكفي عند عزلها، والصحيح أنها تجزئ من دفعها كرهاً عنه كالصبي والمجنون، وتجزئ نية الإمام أو من يقوم مقامه عن نية المزكي.\rوقال الشافعية: تجب النية بالقلب، ولا يشترط النطق بها، فينوي: «هذا زكاة مالي» ولو بدون ذكر الفرض؛ لأن الزكاة لا تكون إلا فرضاً، ونحو ذلك، كهذا فرض صدقة مالي أو صدقة مالي المفروضة، أو الصدقة المفروضة، أو فرض الصدقة.","part":3,"page":174},{"id":1567,"text":"ويجوز تقديم النية على الدفع بشرط أن تقارن عزل الزكاة، أو إعطاءها للوكيل أو بعده، وقبل التفرقة، كما تجزئ بعد العزل وقبل التفرقة وإن لم تقارن أحدهما، ويجوز تفويضها للوكيل إن كان من أهلها بأن يكون مسلماً مكلفاً لأن الزكاة حق مالي، ويجوز التوكيل في أداء الحقوق المالية، كالتوكيل في دفع الديون والأثمان، وإعادة الودائع والعواري إلى أصحابها، أما نحو الصبي والكافر فيجوز توكيله في أدائها، لكن بشرط أن يعين له المدفوع إليه. وتجب نية الولي في زكاة الصبي والمجنون والسفيه وإلا ضمنها لتقصيره. ولو دفعها المزكي للإمام بلا نية لم تجزئه نية الإمام في الأظهر. وإذا أخذت قهراً من المزكي نوى عند الأخذ منه، وإلا وجب على الآخذ النية.\rفإذا لم تتوافر النية عند دفع الزكاة، لم تفد نية الإمام الذي جباها، ولا يعتبر المال المدفوع للفقراء مجزئاً عن الزكاة، وإنما هو صدقة عادية. وكذلك قال الحنابلة: النية أن يعتقد أنها زكاته، أو زكاة ما يخرج عنه كالصبي والمجنون، ومحلها القلب؛ لأن محل الاعتقادات كلها القلب. ويجوز تقديم النية على الأداء بالزمن اليسير كسائر العبادات، وإن دفع الزكاة إلى وكيله ونوى هو دون الوكيل، جاز، إذا لم تتقدم نيته الدفع بزمن طويل. فإن تقدمت النية بزمن طويل لم يجز، إلا إذا نوى حال الدفع إلى الوكيل، ونوى الوكيل عند الدفع إلى المستحق.\rلكن إن أخذ الإمام الزكاة قهراً أجزأت من غير نية؛ لأن تعذر النية في حقه أسقط وجوبها عنه كالصغير والمجنون.\rولو تصدق الإنسان بجميع ماله تطوعاً، ولم ينو به الزكاة، لم يجزئه عند الجمهور غير الحنفية؛ لأنه لم ينو به الفرض، كما لو تصدق ببعضه، وكما لو صلى مئة ركعة، ولم ينو الفرض بها. وقال الحنفية: تسقط عنه الزكاة استحساناً خلافاً للقياس.","part":3,"page":175},{"id":1568,"text":"2 - التمليك: يشترط التمليك لصحة أداء الزكاة (1) بأن تعطى للمستحقين، فلا يكفي فيها الإباحة أو الإطعام إلا بطريق التمليك، ولا تصرف عند الحنفية إلى مجنون وصبي غير مراهق (مميز) إلا إذا قبض لهما من يجوز له قبضه كالأب والوصي وغيرهما. وذلك لقوله تعالى: {وآتوا الزكاة} [البقرة:43/2] والإيتاء هو التمليك، وسمى الله تعالى الزكاة صدقة بقوله عز وجل: {إنما الصدقات للفقراء} [التوبة:60/9] والتصدق تمليك، واللام في كلمة «للفقراء» ـ كما قال الشافعية ـ لام التمليك، كما يقال: «هذا المال لزيد» .\rواشترط المالكية (2) لأداء الزكاة شروطاً ثلاثة أخرى:\r1 - إخراجها بعد وجوبها بالحول أو الطيب أو مجيء الساعي، فإن أخرجها قبل وقتها، لم تجزه خلافاً لجمهور الفقهاء. وتأخيرها بعد وقتها مع التمكن من إخراجها سبب للضمان والعصيان.\r2 - دفعها لمن يستحقها لا لغيره.\r3 - كونها من عين ما وجبت فيه.\r-------------------------------\r(1) البدائع: 39/2، الدر المختار: 85/2، أحكام القرآن لابن العربي: 947/2، المهذب: 171/1، المغني: 665/2-667.\r(2) شرح الرسالة: 317/1، القوانين الفقهية: ص99.","part":3,"page":176},{"id":1569,"text":"المبحث الثالث ـ وقت وجوب الزكاة ووقت أدائها:\rوفيه مطالب أربعة:\rالمطلب الأول ـ وقت وجوب الزكاة:\rاتفق الفقهاء (1) في المفتى به عند الحنفية (2) على وجوب الزكاة فوراً بعد استيفاء شروطها من ملك النصاب وحولان الحول ونحوهما، فمن وجبت عليه الزكاة وقدر على إخراجها لم يجز له تأخيرها،ويأثم بالتأخير بلا عذر، وترد شهادته عند الحنفية، لأنه حق يجب صرفه إلى الآدمي توجهت المطالبة بالدفع إليه، والأمر بالصرف إلى الفقير ومن معه قرينه الفور؛ لأنها لدفع حاجته، فإذا لم تجب معجلة لم يحصل المقصود من الإيجاب على وجه التمام. والإخراج على الفور بشرطين:\rأولاً ـ أن يتمكن من إخراجها، بأن كان المال حاضراً عنده، ثانياً ـ أن يحضر الأصناف المستحقون لها أو نوابهم أو الإمام أو وكيله الساعي.\rفإن أخرها وهو قادر على أدائها ضمنها؛ لأنه أخر ما وجب عليه مع إمكان الأداء، كالوديعة إذا طالب بها صاحبها، ويأثم بالتأخير، لحبسه مال الفقراء عنده بغير حق، وهو حرام، إلا إذا أخر في رأي الشافعية لانتظار قريب أو جار أو من هو أحوج من الحاضرين، بشرط ألا يتضرر الحاضرون بالتأخير ضرراً بليغاً. وعليه لايجوز للجمعيات الخيرية تأخير صرف الزكاة كرصيد مدور لحساب الجمعية؛ لأن دفع الزكاة واجب على الفور.\rالمطلب الثاني ـ وقت أداء الزكاة:\rتؤدى الزكاة بحسب نوع المال الذي تجب فيه.\rأ ـ فزكاة الأموال من النقدين (الذهب والفضة) وعروض التجارة (3) ، والسوائم تدفع منها بعد تمام الحول مرة واحدة في كل عام.\rب ـ وزكاة الزروع والثمار تدفع من غلاتها عند تكرر الإنتاج ولو تكرر مراراً في العام الواحد، فلا يشترط حولان الحول، ولا بلوغ النصاب عند الحنفية، ويشترط النصاب عند الجمهور.\r-------------------------------\r(1) الدر المختار: 16/2 وما بعدها، شرح الرسالة: 317/1، القوانين الفقهية: ص99، بجيرمي الخطيب: 320/2، المجموع: 302/5، 305، المهذب: 140/1، كشاف القناع: 192/2، المغني: 684/2.\r(2) لكن يذكر الأصوليون من الحنفية في بحث دلالة الأمر على الفور أو التراخي: أن أداء الزكاة والحج على التراخي على المعتمد ( أصول السرخسي 26/1، مسلّم الثبوت 318/1، كتابي في أصول الفقه 229/1-232).\r(3) أي البضائع التجارية على اختلاف أنواعها.","part":3,"page":177},{"id":1570,"text":"أما وقت وجوب العشر في الثمار فمختلف فيه:\rقال أبو حنيفة وزفر (1) : يجب عند ظهور الثمرة والأمن عليها من الفساد، وإن لم يستحق الحصاد إذا بلغت حداً ينتفع بها (2) .\rوقال الدردير المالكي (3) : وجوب الزكاة بإفراك الحب، أي طيبه وبلوغه حد الأكل منه واستغنائه عن السقي، لا باليبس ولا بالحصاد ولا بالتصفية؛ وبطيب الثمر: وهو الزهو في بلح النحل، وظهور الحلاوة في العنب.\rوقال الشافعية (4) : تجب الزكاة ببدو صلاح الثمر، واشتداد الحب؛ لأن الثمر حينئذ ثمرة كاملة، وهو قبل ذلك حصرم وبلح، والحب حينئذ طعام وهو قبل ذلك بَقْل أي طري. وليس المر اد بوجوب الزكاة بما ذكر وجوب إخراجها في الحال، بل انعقاد سبب وجوب إخراج التمر والزبيب والحب المصفى عند الصيرورة كذلك. علماً بأن مؤنة الجفاف والتصفية والجذاذ والدياس والحمل وغيرها مما يحتاج إلى مؤنة على المالك ليست من مال الزكاة.\rوالحنابلة (5) كالشافعية: تجب الزكاة عند اشتداد الحب في الحبوب، وعند بدو صالح الثمرة التي تجب فيها الزكاة.\rجـ ـ تجب زكاة العسل في رأي الحنفية والحنابلة عند حصول ما تجب فيه، وزكاة المعادن عند استخراج ما تجب فيه. وزكاة الفطر في رأي غير الحنفية عند غروب الشمس من ليلة الفطر.\r-------------------------------\r(1) رد المحتار: 72/2.\r(2) وقال أبو يوسف: عند استحقاق الحصاد، وقال محمد: إذا حصدت وصارت في الجرين (بيدر الحب).\r(3) الشرح الصغير: 615/1، وقال في (شرح الرسالة: 318/1): الوجوب يتعلق بيوم استحقاق الحصاد والجداد وهو المشهور، فتجب يوم الاستحقاق، وتخرج بحسب الإمكان.\r(4) مغني المحتاج: 386/1.\r(5) كشاف القناع: 192/2.","part":3,"page":178},{"id":1571,"text":"المطلب الثالث ـ تعجيل الزكاة قبل الحول:\rاتفق العلماء على أنه لا يجوز تعجيل الزكاة قبل ملك النصاب؛ لأنه لم يوجد سبب وجوبها، فلم يجز تقديمها كأداء الثمن قبل البيع، والدية قبل القتل (1) .\rأما تعجيل الزكاة متى وجد سبب وجوب الزكاة، وهو النصاب الكامل، ففيه رأيان للفقهاء.\r1 - قال الجمهور (2) : يجوز تطوعاً تقديم الزكاة على الحول، وهو مالك للنصاب، لأنه أدي بعد سبب الوجوب، ولما روى علي كرم الله وجهه أن العباس رضي الله عنه سأل رسول الله صلّى الله عليه وسلم ليعجل زكاة ماله قبل محلها، فرخص له في ذلك (3) ، ولأنه حق مال أجِّل للرفق، فجاز تعجيله قبل أجله أو محله، كالدين المؤجل ودية الخطأ، فهي تشبه الحقوق المالية المؤجلة.\rوذكر الشافعية أن شرط إجزاء المعجل: أن يبقى المالك أهلاً للوجوب إلى آخر الحول في الحول، ودخول شوال في الفطرة، وأن يكون القابض في آخر الحول أو عند دخول شوال مستحقاً. وإذا لم يجزئه المعجل لفوات أحد هذين الشرطين، استرد من القابض إن علم القابض أنها زكاة معجلة. وإن مات المالك أو القابض قبل ذلك أو ارتد القابض أو غاب أو استغنى بمال غير المعجل كزكاة أخرى ولو معجلة، أو نقص النصاب أو زال عن ملكه وليس مال تجارة، لم يجزئه المعجل لخروجه عن الأهلية عند الوجوب.\r-------------------------------\r(1) المهذب: 166/1، المغني: 631/2.\r(2) فتح القدير: 516/1، البدائع: 50/2 ومابعدها، المجموع: 139/6 ومابعدها، المهذب: 166/1 ومابعدها، الحضرمية: ص150، المغني: 629/2 ومابعدها، كشاف القناع: 310/2 ومابعدها.\r(3) رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه والترمذي بإسناد حسن، وذكر أبو داود أنه روي عن الحسن بن مسلم مرسلاً وأنه أصح (نيل الأوطار: 149/4).","part":3,"page":179},{"id":1572,"text":"2 - وقال الظاهرية والمالكية(1 ) : لا يجوز إخراج الزكاة قبل الحول؛ لأنها عبادة تشبه الصلاة، فلم يجز إخراجها قبل الوقت (2) ، ولأن الحول أحد شرطي الزكاة، فلم يجز تقديم الزكاة عليه، كالنصاب.\rالمبحث الرابع ـ هلاك المال بعد وجوب الزكاة:\rللفقهاء رأيان في سقوط الزكاة بعد وجوبها وهلاك المال:\r1 - فقال الحنفية (3) : إن هلك المال بعد وجوب الزكاة، سقطت الزكاة؛ كما أنه يسقط العشر وخراج المقاسمة؛ لأن الواجب جزء من النصاب، وتحقيقاً للتيسير، فإن الزكاة وجبت بقدرة مُيسِّرة أي بقاء اليسر إلى وقت أداء الزكاة، فيسقط الواجب بهلاك محله، سواء تمكن من الأداء أم لا؛ لأن الشرع علق الوجوب بقدرة ميسرة، والمعلق بقدرة ميسرة لا يبقى بدونها، والقدرة الميسرة هنا هي وصف النماء، لا النصاب.\rولا تسقط الزكاة بالاستهلاك، وإن انتفت القدرة الميسرة، لوجود التعدي.\rوإن هلك البعض يسقط بقدر الهالك اعتباراً للبعض بالكل.\rأما زكاة الفطر ومثلها مال الحج: فلا تسقط بهلاك المال بعد الوجوب، كما لا يبطل الزواج بموت الشهود.\rوسبب التفرقة أن الزكاة تتعلق بالنماء، فشرطت له القدرة الميسرة (وهي ما يوجب يسر الأداء على العبد) تيسيراً على الناس إذ الإنسان إنما يخاطب بأداء ما يقدر عليه، ويجوز ألا يكون له مال سواه، أما الفطرة ومثلها مال الحج فلم تتعلق بالنماء وإنما تجب في الذمة فشرطت له القدرة الممكِّنة (وهي ما يشترط للتمكن من الفعل وإحداثه).\rويلاحظ أن هلاك المال بعد الإقراض والإعارة واستبدال مال التجارة بمال التجارة: هلاك، فلا يضمن الزكاة، وأما استبدال مال التجارة بغير مال التجارة واستبدال الماشية السائمة بالسائمة فهو استهلاك، فيضمن زكاته.\r-------------------------------\r(1) بداية المجتهد: 266/1، الشرح الكبير: 431/1، القوانين الفقهية: ص99، نيل الأوطار: 151/4.\r(2) احتج ابن قدامة لهم بحديث أن النبي صلّى الله عليه وسلم قال: «لا تؤدي زكاة قبل حلول الحول» .\r(3) فتح القدير: 514/1-516، الدر المختار: 28/2 ومابعدها، 100 ومابعدها، البدائع: 15/2.","part":3,"page":180},{"id":1573,"text":"2 - قال الجمهور (1) : إن هلك المال بعد وجوب الزكاة لم تسقط الزكاة، وإنما يضمنها، فيكون إمكان الأداء شرطاً في الضمان لا في الوجوب؛ لأن من تقرر عليه الواجب لا يبرأ عنه بالعجز عن الأداء كما في صدقة الفطر والحج وديون الناس، والزكاة حق متعين على رب المال، فإن تلف قبل وصوله إلى مستحقه لم يبرأ منه بذلك، كدين الآدمي. ولو عزل قدر الزكاة، فنوى أنه زكاة فتلف، فهو في ضمان رب المال، ولا تسقط الزكاة عنه بذلك، سواء قدر على أن يدفعها إليه أو لم يقدر.\rواستثنى المالكية زكاة الماشية؛ لأن وجوبها عندهم إنما يتم بشرط خروج الساعي، مع الحول، فإن تلفت فلا تضمن زكاتها.\rهذا وقد ذكر ابن رشد خمسة أقوال فيما إذا أخرج الزكاة فضاعت كأن تسرق أو تحترق: وهي قول: إنه لا يضمن بإطلاق، وقول: إنه يضمن بإطلاق، وقول: وما بعدها. إن فرط ضمن وإن لم يفرط لم يضمن، وهو مشهور مذهب مالك، وقول: إن فرط ضمن، وإن لم يفرط زكى ما بقي، وبه قال أبو ثور والشافعي.\r-------------------------------\r(1) بداية المجتهد: 241/1، المهذب: 144/1، القوانين الفقهية: ص99، المغني: 685/2","part":3,"page":181},{"id":1574,"text":"والقول الخامس: يعد الذاهب من الجميع و يكون المساكين ورب المال شريكين في الباقي بقدر حظهما من حظ رب المال (1) .\rالمبحث الخامس ـ أنواع الأموال التي تجب فيها الزكاة:\rتجب الزكاة في أنواع خمسة من المال وهي:\rالنقود، والمعادن والركاز، وعروض التجارة، والزروع والثمار، والأنعام وهي الإبل والبقر والغنم. وأوجب أبو حنيفة خلافاً لصاحبيه الزكاة في الخيل والمفتى به هو رأيهما، وبحثها في المطالب الستة الآتية:\rالمطلب الأول ـ زكاة النقود (الذهب والفضة والورق النقدي):\rاتفق الفقهاء (2) على وجوب الزكاة في النقود سواء أكانت سبائك أم مضروبة أم آنية، أم كانت حلياً عند الحنفية، للأدلة السابقة من الكتاب والسنة والإجماع في وجوب الزكاة مطلقاً، ونبحث هنا ما يأتي:\rأولاً ـ نصابها والمقدار الواجب فيها:\rنصاب الذهب: عشرون مثقالاً (3) أو ديناراً (4) ، كانت تعادل أربع عشرة ليرة ذهبية عثمانية تقريباً، أو خمس عشرة ليرة ذهبية افرنسية، واثنتي عشرة ليرة إنكليزية (5) وتساوي بالمثقال العراقي مئة غرام تقريباً وبالمثقال العجمي ستة وتسعين غراماً، وعند الجمهور 91 و 25/23 غراماً.\rوالفرق بين نوعي المثقال (2،0) إذ المثقال العجمي (8،4 غم) والمثقال العراقي (5 غرامات)، ولنعتمد على الأقل من باب الاحتياط،وهو التقدير بـ 85 غراماً باعتبار الدرهم العربي (2.975 غم) وهو الأولى.\rونصاب الفضة: مئتا درهم تساوي عند الحنفية (700) غراماً تقريباً، وعند الجمهور (642) غراماً تقريباً (6) ، والأدق (595 غم).\rويضم عند الجمهور (غير الشافعية ) أحد النقدين إلى الآخر في تكميل النصاب، فيضم الذهب إلى الفضة وبالعكس بالقيمة، فمن له مئة درهم وخمسة مثاقيل قيمتها مئة، عليه زكاتها؛ لأن مقاصدها وزكاتهما متفقة، فهما كنوعي الجنس الواحد .\rوقال الشافعية: لا يضم أحدهما إلى الآخر كالإبل والبقر، وإنما يكمل النوع\r-------------------------------\r(1) بداية المجتهد: 240/1.\r(2) فتح القدير: 519/1-525، الدر المختار: 38/2-46، اللباب: 148/1 ومابعدها، الشرح الصغير: 620/1، القوانين الفقهية: ص100، مغني المحتاج: 389/1 ومابعدها، المهذب: 157/1 ومابعدها، المغني: 1/3-16، كشاف القناع: 266/2-275، شرح الرسالة: 322/1 ومابعدها.\r(3) المثقال عند الحنفية يساوي خمسة غرامات، وحدده بنك فيصل الإسلامي في السودان بـ 457،4 غم، وهو الوسط المعقول، أو 25،4 غم.\r(4) يلاحظ أن الدينار عند الحنابلة أصغر من المثقال فيكون النصاب:\rـــــــــ + ــــــــــ 25 دينار.\r(5) الليرة الإنكليزية:50،2 درهم، والليرة العثمانية 25،2 درهم، والليرة الافرنسية 2 درهم.\r(6) كانت المئتا درهم وزن سبعة مثاقيل، والدينار عشرون قيراطاً، والقيراط خمس شعيرات، فيكون الدرهم الشرعي سبعين شعيرة والمثقال مئة شعيرة، وهناك مطابقة بين المثقال والدينار، والدرهم الشرعي عند الحنفية (50،3 غم) وعند الجمهور (208،3 غم) والدرهم العربي (975،2 غم).","part":3,"page":182},{"id":1575,"text":"بالنوع من الجنس الواحد وإن اختلفا جودة ورداءة، والرأي الأول هو الواجب الاتباع اليوم في العملات الورقية، وضم نوع منها إلى آخر أصبح ضرورياً ومتعيناً.\rسعر الصرف: يجب تقدير نصاب الزكاة في كل زمان بحسب القوة الشرائية للنقد المعاصر، وبحسب سعر الصرف لكل من الذهب والفضة في كل سنة وفي بلد المزكي وقت إخراج الزكاة، فقد أصبح متقلباً غير ثابت دائماً، والشرع حدد مبلغين متعادلين: إما عشرون ديناراً (مثقالاً) أو مئتا درهم، وكانا شيئاً واحداً ولهما سعر واحد.\rويجب أيضاً اعتبار النصاب الحالي كما كان هو المقرر في أصل الشرع، دون النظر إلى تفاوت السعر القائم الآن بين الذهب والفضة. وتقدر الأوراق النقدية في الأرجح دليلاً بسعر الذهب؛ لأنه هو الأصل في التعامل، ولأن غطاء النقود هو بالذهب، ولأن المثقال كان في زمن النبي صلّى الله عليه وسلم وعند أهل مكة هو أساس العملة (1) ، وهو أساس تقدير الديات. ويسأل الصراف عن سعر الذهب بالعملة المحلية الرائجة في كل بلد، مثلاً يعادل الجنية المصري ذهباً في وقت من الأوقات (2.5587) غم، ويساوي غرام الذهب في سوريا الآن حوالي 500 ليرة سورية(2) . أما غرام الفضة فيساوي الآن حوالي عشر ليرات سورية. ويرى كثير من علماء العصر أن النقود تقدر بسعر الفضة احتياطاً لمصلحة الفقراء، ولأن ذلك أنفع لهم. وأرى الأخذ بهذا الرأي؛ لأنه يفتى بما هو أنفع للفقراء.\rوينبغي لفت النظر إلى أن دفع الزكاة للجمعيات يجب إيصالها بأعيانها\r-------------------------------\r(1) الخراج في الدولة الإسلامية للدكتور ضياء الدين الريس: ص 344.\r(2) في أواسط عام 1993 م.","part":3,"page":183},{"id":1576,"text":"للمستحقين، ولا يجوز للقائمين على الجمعيات أن يشتروا بأموال الزكاة أغذية أو ألبسة ونحوها يقدمونها للفقراء، لأنهم لم يوكلوهم في هذا، كما لا يجوز لجمعيات المعاهد العلمية الشرعية شراء شيء كالكتب وغيرها من أموال الزكاة، وعلى إدارة الجمعيات أن يحصلوا على تفويض أو توكيل من طلاب العلم، بصرف أموال الزكاة على حوائجهم من طعام وشراب وكتب وأوراق ونحو ذلك، لأن تمليك الزكاة للمستحقين شرط أساسي، ثم يتصرف المستحق بما يحقق مصلحته. ولا يجوز لجمعية أن تقوم بنفسها ببناء مبان أو معامل من أموال الزكاة لصرف ريعها على المستحقين إذ لا وكالة لدى الجمعية من المستحقين في هذا. لكن يجوز للضرورة إيجاد مراكز صحية وتوزيع أدوية للفقراء مثلاً على ألا تأخذ صفة الوقف، حتى يجوز بيعها وتوزيع أثمانها للمستحقين.\rمقدار الزكاة: المقدار الواجب في النقدين (الذهب والفضة) ربع العشر أي (2.50%) فإذا ملك الإنسان مئتي درهم، وحال عليها الحول، ففيها خمسة دراهم، وفي العشرين مثقالاً نصف دينار.\rوالدليل: هو أحاديث ثابتة، منها حديث علي عن النبي صلّى الله عليه وسلم قال: «إذا كانت لك مئتي درهم، وحال عليها الحول، ففيها خمسة دراهم، وليس عليك شيء يعني في الذهب حتى يكون لك عشرون ديناراً، فإذا كانت لك عشرون ديناراً، وحال عليها الحول، ففيها نصف دينار» (1) .\rومنها حديث أبي سعيد الخدري: «ليس فيما دون خمسة أوسق من التمر صدقة، وليس فيما دون خمس أواق من الوَرِق صدقة، وليس فيما دون خمس ذَوْد من الإبل صدقة» (2) وروى البخاري: «وفي الرِّقة: ربع العشر» والرقة والورِق: الفضة.\r-------------------------------\r(1) رواه أبو داود والبيهقي بإسناد جيد (نيل الأوطار:138/4).\r(2) رواه الشيخان، واللفظ للبخاري، والورق بكسر الراء: الفضة، والذود: من الثلاثة إلى العشرة، لا واحد له من لفظه، ومقدار الأوقية في هذا الحديث أربعون درهماً بالاتفاق، والمراد بالدرهم: الخالص من الفضة، سواء أكان مضروباً أم غير مضروب(نيل الأوطار: 126/4، 138).","part":3,"page":184},{"id":1577,"text":"ويدفع عن الذهب ذهباً وعن الفضة فضة، فإن أراد أن يدفع ذهباً عن فضة أو فضة عن ذهب، جاز في الحالتين عند المالكية، ويكون الدفع بالقيمة في المشهور، ولم يجز ذلك عند الشافعية.\rثانياً ـ ما نقص عن النصاب وما زاد عليه:\rتجب الزكاة كما عرفنا بالإجماع في الذهب إذا كان عشرين مثقالاً (ديناراًً) قيمتها مئتا درهم. أما ما دون العشرين مثقالاً، فلا زكاة فيه إلا أن يتم بورِق (فضة) أو عروض تجارة.\rوأجمع العلماء على أنه إذا كان أقل من عشرين مثقالاً، ولا يبلغ مئتي درهم، فلا زكاة فيه لعدم بلوغ النصاب، وقال عامة الفقهاء: نصاب الذهب عشرون مثقالاً من غير اعتبار قيمتها ولا تقديرها بالفضة (1) ، قال صلّى الله عليه وسلم : «ليس في أقل من عشرين مثقالاً من الذهب، ولا في أقل من مئتي درهم صدقة» (2) .\rأما الزيادة على النصاب: فلا شيء فيها عند أبي حنيفة (3) حتى تبلغ أربعين درهماً، فيكون فيها درهم، ثم في كل أربعين درهماً درهم، ولا شيء فيما بينهما.\r-------------------------------\r\r(1) المغني: 4/3، اللباب: 148/1.\r(2) رواه أبو عبيد.\r(3) اللباب: 149/1، الدر المختار: 42/2، فتح القدير: 520/1.","part":3,"page":185},{"id":1578,"text":"كذلك لا زكاة في زيادة الدنانير حتى تبلغ أربعة دنانير. وهذا هوالصحيح عند الحنفية، لقول عليه السلام: «من كل أربعين درهماً درهم» (1) .\rوقال الصاحبان وجمهور الفقهاء (2) : ما زاد على المئتين فزكاته بحسابه، وإن قلَّت الزيادة، لقوله صلّى الله عليه وسلم : «هاتوا ربع العشر من كل أربعين درهماً درهماً، وليس عليكم شيء حتى يتم مئتين، فإذا كانت مئتي درهم ففيها خمسة دراهم، فما زاد فبحساب ذلك» (3) وهذا هو المعقول.\rثالثاً ـ حكم المغشوش أو المخلوط بغيره :\rالمغشوش: هو المخلوط بما هو أدون منه كذهب بفضة، وفضة بنحاس. وللفقهاء في زكاته آراء ثلاثة (4) :\r1 - قال الحنفية: غالب الفضة فضة، وغالب الذهب ذهب، وإذا كان الغالب عليهما الغش، فهي في حكم العروض التجارية، ولا بد من أن تبلغ قيمتها نصاباً، ولا بد فيها من نية التجارة كسائر العروض، إلا إذا كان يخلص منها فضة تبلغ نصاباً، لأنه لا تعتبر في عين الفضة القيمة، ولا نية التجارة. واختلف في الغش المساوي، والمختار: لزوم الزكاة احتياطاً.\r-------------------------------\r(1) رواه أحمد وأبو داود والترمذي عن علي بلفظـ: «قد عفوت لكم عن صدقة الخيل والرقيق، فهاتوا صدقة الرِّقة من كل أربعين درهماً درهماً، وليس في تسعين ومئة شيء، فإذا بلغت مئتين ففيها خمسة دراهم» (نيل الأوطار: 4/731).\r(2) المغني: 3/6، الشرح الصغير: 1/026، الحضرمية: ص101.\r(3) رواه الدارقطني والأثرم، ورواه أبو داود عن علي، وروي ذلك موقوفاً على علي وابن عمر.\r(4) اللباب: 1/941، الدر المختار: 2/24، الشرح الصغير: 1/226، مغني المحتاج: 1/093، المغني: 3/5، فتح القدير: 1/325، القوانين الفقهية: ص001 ومابعدها.","part":3,"page":186},{"id":1579,"text":"2 - وقال المالكية: المعتبر هو الرواج، فتجب الزكاة في الكاملة الوزن، والمغشوشة (المخلوطة بنحو نحاس)، وناقصة الوزن إن راجت كل منهما رواجاً كرواج الكاملة الوزن، فإن لم ترج حُسب الخالص على تقدير التصفية في المغشوشة، واعتبر الكمال في الناقصة بزيادة دينار أو أكثر، فمتى كملت زكيت وإلا فلا. وعلى هذا فإن كانت الدراهم أو الدنانير مخلوطة بالنحاس أو غيره، أسقط وزكي عن الصافي.\r3 - وقال الشافعية والحنابلة: لاشيء في المغشوش حتى يبلغ خالصه نصاباً كاملاً، فمن ملك ذهباً أو فضة مغشوشة أو مختلطاً بغيره، فلا زكاة فيه حتى يبلغ قدر الذهب والفضة نصاباً، لقوله عليه السلام: «ليس فيما دون خمس أواق من الورِق صدقة» فإن لم يعلم قدر ما فيه منهما، وشك هل بلغ نصاباً أو لا، عمل بالأظهر بحيث يتيقن أن ما أخرجه من الذهب محيط بقدر الزكاة، أو بسبكهما (أي التمييز بينهما بالنار) ليعلم ما فيه منهما، ويخرج الزكاة ليسقط الفرض بيقين.\rولو اختلط إناء من الذهب والفضة، بأن أذيبا وصيغ منهما الإناء، كأن كان وزنه ألف درهم، أحدهما ست مئة والآخر أربع مئة، وجهل أكثرهما، زكى كلاً منهما بفرضه، الأكثر ذهباً أو فضة، احتياطاً. ولا يجوز افتراض كله ذهباً؛ لأن أحد الجنسين لا يجزئ عن الآخر، وإن كان أعلى منه، أو ميَّز بينهما بالنار، ويحصل ذلك بسبك قدر يسير إذا تساوت أجزاؤه.","part":3,"page":187},{"id":1580,"text":"رابعاً ـ زكاة الحلي:\rاتفق الفقهاء على وجوب الزكاة ـ كما أبنت ـ في النقدين في المسكوك وغيره، كالسبائك والتبر والأواني والحلي الحرام كحلي الرجل عدا خاتم الفضة وأدوات الاستعمال والزينة في المنزل. ولا زكاة في الحلي من غير الذهب والفضة كالماس واللؤلؤ والياقوت. والحلي الذي تجب فيه الزكاة عند المالكية (1) : هو المتخذ للتجارة بالإجماع، ويعتبر بحسب وزنه دون قيمة صياغته، وكذلك الأواني والمباخر للتجارة والمكحلة والمِرْوَد ولو لامرأة، والمتخذ للادخار ونوائب الزمن وحوادثه لا للاستعمال، وحلي المرأة إذا انكسر في خمس صور:\rأحدها ـ أن يتكسر بحيث لا يرجى عوده إلى ما كان عليه إلا بسكبه مرة أخرى.\rثانيها ـ التهشم ونية عدم إصلاحه.\rثالثها ـ التهشم مع نية إصلاحه.\rرابعها ـ التهشم مع عدم نية شيء أصلاً، لا إصلاحه ولا عدم إصلاحه.\rخامسها ـ عدم التهشم مع نية عدم إصلاحه.\rولا زكاة في الحلي إذا اتخذه الإنسان لأجل الكراء، سواء أكان المتخذ له رجلاً أم امرأة. ولا في الحلي المباح للمرأة كالسوار، ولا في الحلي الجائز للرجل كقبضة السيف المعد للجهاد والخاتم الفضي والأنف والأسنان وحلية المصحف والسيف، والمتخذ لمن يجوز له استعماله كزوجته وابنته الموجودتين عنده حالاً، وكانتا صالحتين للتزين لكبرهن، فإن اتخذه لمن سيوجد أو لمن سيصلح للتزين لصغره الآن فتجب الزكاة.\rوالحلي الذي تجب فيه الزكاة عند الشافعية (2) : هو الذي يقصد كنزه وادخاره، والأواني، وما يتحلى به الرجل من حلي المرأة، وما تتحلى به المرأة من\r-------------------------------\r(1) الشرح الكبير مع الدسوقي:460/1، القوانين الفقهية: ص 101، بداية المجتهد: 242/1.\r(2) مغني المحتاج: 390/1 ومابعدها، المجموع: 29/6 ومابعدها، المهذب : 158/1 ومابعدها، الحضرمية: ص102.","part":3,"page":188},{"id":1581,"text":"حلي الرجل كسيف، والتبر المغصوب المصوغ حلياً، وحلي النساء الذي بالغن في الإسراف فيه بأن بلغ مئتي مثقال (حوالي 850 غم) وكذلك ما يكره استعماله قياساً على المحرم كضبة الإناء الكبيرة للحاجة، أو الصغيرة للزينة (1) . جاء في إعانة الطالبين (158/2 ومابعدها): ويحل الذهب والفضة بلاسرف لامرأة وصبي إجماعاً في نحو السوار والخلخال والطوق، ولا تجب الزكاة فيها. أما مع السرف فلا يحل شيء من ذلك كخلخال وزن مجموع فردتيه مئتا مثقال، فتجب فيه الزكاة. والتقدير بمئتي مثقال مأخوذ من أثر عن صحابي.\rوتجب الزكاة أيضاً على الراجح في حلي المرأة إذا انكسر بحيث يمنع الاستعمال، ويحتاج إلى سبك وصوغ.\rولا زكاة في الأظهر في الحلي المباح للمرأة، كخلخال وسوار ونحوهما؛ لأنه معدّ لاستعمال مباح، فأشبه العوامل من النعم.\rوأما الحلي الذي تجب فيه الزكاة عند الحنابلة(2 ) : فهو المتخذ للتجارة ، والحلي المحرم للمرأة الذي ليس لها اتخاذه، كما إذا اتخذت حلية الرجال المحرَّمة، كحلية السيف والمِنْطقة ( النطاق ) وسوار الرجل وخاتمه الذهب، وحلية مراكب الحيوان، ولباس الخيل كاللجم والسروج، وقلائد الكلاب، وحلية الركاب، والمرآة والمشط والمكحلة، والميل والمسرحة، والمروحة والمشربة والمدهنة والمسعط والمجمرة والمعلقة والقنديل، والآنية، وحلية كتب العلم بخلاف المصحف، وحلية الدواة والمقلمة، وما أعد للكراء، أو للقُنية والادخار أو النفقة إذا احتاج إليها، أو لم يقصد به شيئاً.-------------------------------\r(1) الأصح عند الشافعية تحريم تحلية الكعبة وسائر المساجد بالذهب والفضة، وتمويه سقوفها وتعليق قناديلها، ولا خلاف في تحريم تمويه سقف بيته وجداره بذهب أو فضة (المجموع: 39/6). والضبة: مايشد به الإناء، لإصلاحه.\r(2) المغني: 9/3-17، كشاف القناع: 272/2-275","part":3,"page":189},{"id":1582,"text":"وكذا حلي المرأة إذا انكسر واحتاج إلى صوغ، فإن لم يحتج إلى صوغ ونوت إصلاحه، فلا زكاة فيه، ولا زكاة فيما إذا انكسر الحلي كسراً لايمنع الاستعمال واللبس، فهو كالصحيح، إلا أن تنوي كسره وسبكه، ففيه الزكاة حينئذ؛ لأنها نوت صرفه عن الاستعمال.\rوليس في حلي المرأة زكاة في ظاهر المذهب إذا كان مما تلبسه أو تعيره، ولا ممن يحرم عليه، كرجل يتخذ حلي النساء لإعارتهن، وامرأة تتخذ حلي الرجال لإعارتهم.\rوالخلاصة أن الجمهور لا يرون الزكاة في حلي المرأة المعتاد، لقوله صلّى الله عليه وسلم : «ليس في الحلي زكاة» (1) وهو قول ابن عمر وعائشة وأسماء بنتي أبي بكر، ولأنه مرصد للاستعمال المباح، فلم تجب فيه الزكاة، كالعوامل من الأنعام، وثياب القنية (الاستعمال الشخصي) ولأن الإسلام أوجب الزكاة في المال النامي المغل فقط: وهو ما من شأنه أن ينمى ولو عطله صاحبه، والحلي المباح لا نماء فيه، بخلاف ما إذا اتخذ كنزاً أو كان فيه سرف ظاهر ومجاوزة للمعتاد، أواستعمله الرجال حلية لهم أو استعمل في الآنية والتحف والتماثيل ونحوها، فتجب في كل ذلك الزكاة.\rوقال الحنفية (2) : الزكاة واجبة في الحلي للرجال والنساء تبراً كان أو سبيكة، آنية أو غيرها؛ لأن الذهب والفضة مال نام، ودليل النماء موجود: وهو الإعداد للتجارة خِلْقة، بخلاف الثياب، ولأنهما خُلقا أثماناً، فيزكيهما المالك كيف كانا.\r-------------------------------\r(1) رواه الطبراني عن جابر، وقال البيهقي: لا أصل له، إنما روي عن جابر من قوله غير مرفوع (المجموع: 32/6). وروى الشافعي أن رجلاً سأل جابر بن عبد الله رضي الله عنهما عن الحلي، أفيه زكاة؟ فقال: لا.\r(2) فتح القدير: 524/1، الدر المختار: 41/2.","part":3,"page":190},{"id":1583,"text":"ويؤيدهم حديث «أن النبي صلّى الله عليه وسلم قال لامرأة في يدها سواران من ذهب: هل تعطين زكاة هذا؟ قالت: لا، قال: أيسرك أن يسوِّرك الله بسوارين من نار؟! (1) » .\rوالمعتبر عند غير الشافعية في نصاب الحلي الذي تجب فيه الزكاة: الوزن لا القيمة، فلو ملك حلياً قيمته مئتا درهم، ووزنه دون المئتين، لم يكن عليه زكاة، وإن بلغ مئتين وزناً، ففيه الزكاة، وإن نقص في القيمة، للحديث المتقدم: «ليس فيما دون خمس أواق من الورِق صدقة» .\rواستثنى الحنابلة أن يكون الحلي للتجارة، فيقوم، فإذا بلغت قيمته بالذهب والفضة نصاباً، ففيه الزكاة؛ لأن الزكاة متعلقة بالقيمة، ومالم يكن للتجارة، فالزكاة في عينه، فيعتبر بلوغ قيمته ووزنه نصاباً، وهو مخير بين إخراج ربع عشر حلية مشاعاً أو دفع ما يساوي ربع عشرها من جنسها.\rفإن كان في الحلي جوهر ولآلئ مرصعة، فالزكاة في الحلي من الذهب والفضة دون الجوهر؛ لأنها لا زكاة فيها عند أحد من أهل العلم، كما أبنت، فإن كان الحلي للتجارة قومه بما فيه من الجواهر؛ لأن الجواهر لو كانت مفردة عن الذهب والفضة، وهي للتجارة ، لقومت وزكيت، فكذلك إذا كانت في حلي التجارة.\rوقال الشافعية: حيث أوجبنا الزكاة في الحلي، واختلفت قيمته ووزنه، فالعبرة بقيمته لا وزنه، بخلاف المحرم لعينه كالأواني، فالعبرة بوزنه لا قيمته، فلو كان له حلي وزنه مئتا درهم، وقيمته ثلاث مئة، تخير بين أن يخرج ربع عشره مشاعاً، ثم يبيعه الساعي بغير جنسه، ويفرق ثمنه على المستحقين، أو يخرج خمسة مصوغة قيمتها سبعة ونصف نقداً، ولا يجوز كسره ليعطي منه خمسة مكسرة؛ لأن فيه ضرراً عليه وعلى المستحقين.\r-------------------------------\r(1) حديث ضعيف رواه أبو داود عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده.","part":3,"page":191},{"id":1584,"text":"خامساً ـ زكاة الدين:\rالمال البالغ نصاباً والذي هو دين لإنسان في ذمة آخر، وحال عليه الحول، تجب زكاته بشروط مفصلة في المذاهب.\rقال الحنفية (1) : الدين عند الإمام أبي حنيفة ثلاثة أنواع: قوي، ومتوسط، وضعيف.\rفالقوي: هو بدل القرض ومال التجارة كثمن العروض التجارية، إذا كان على مقرٍّ به ولو مفلساً ، أو على جاحد عليه بينة، تجب فيه الزكاة إذا قبضه، لما مضى من الأعوام، كلما قبض أربعين درهماً، ففيه درهم واحد؛ لأن مادون الخمس من النصاب عفولا زكاة فيه، وما زاد عن ذلك فزكاته بحسابه.\rوالمتوسط: هو بدل ما ليس للتجارة أي ما ليس دين تجارة كثمن دار السكنى وثمن الثياب المحتاج إليها، لا يجب فيه الزكاة إلا إذا قبض منه نصاباً (مئتي درهم) فإن قبض مئتي درهم زكى لما مضى، ويعتبر الماضي من الحول من وقت لزومه لذمة المشتري، في صحيح الرواية.\rفالدين المتوسط مثل الدين القوي في حولان الحول عليه، فيعتبر حوله من وقت التزام المدين به، لا من وقت القبض في الأصح.\rوالضعيف: هو بدل ما ليس بمال، كالمهر والميراث والوصية وبدل الخلع والصلح عن دم العمد، والدية، فإن المهر ليس بدلاً عن مال أخذه الزوج من زوجته، وكذا بدل الخلع ليس بدلاً عن مال تدفعه الزوجة لزوجها. ومثله دين الوصية، والدية وبدل الصلح، والميراث. لا تجب فيه الزكاة مالم يقبض نصاباً ويحول عليه الحول بعد القبض.\rوالخلاصة: أن الزكاة تجب في كل أنواع الدين المذكورة، لكن الأداء يكون عند القبض، قبض خُمْس النصاب في القوي، وقبض كامل النصاب في المتوسط والضعيف، وبما أن الدين الضعيف كسب جديد، فيجب حولان الحول.\r-------------------------------\r(1) البدائع: 10/2، الدر المختار: 47/2 ومابعدها، مراقي الفلاح: ص 121.","part":3,"page":192},{"id":1585,"text":"وقال الصاحبان: الديون كلها سواء، وكلها قوية، تجب الزكاة فيها قبل القبض إلا الدية على العاقلة (العصبة)، فإنه لا تجب الزكاة فيها أصلاً ما لم تقبض ويحول عليها الحول، لأن تلك الديون ما عدا الدية ملك لصاحبها، لكن لا يطالب بالأداء للحال، وإنما عند القبض.\rوقال المالكية (1) : الديون ثلاثة أنواع:\r1 - ما يحتاج لحولان الحول بعد القبض: مثل ديون المواريث والهبات والأوقاف والصدقات، والصداق والخلع،وأرش (تعويض) الجناية، والدية، لا زكاة فيه حتى يقبضه ويحول عليه الحول عنده من يوم القبض، فمن ورث مالاً من أبيه عينت له المحكمة حارساً قبل أن يقبضه لسبب ما، واستمر ديناً له أعواماً كثيرة، فإنه لا زكاة عليه في كل تلك الأعوام، حتى يقبضه ويمضي عليه عام عنده بعد قبضه. وهذا هو الدين الضعيف عند الحنفية. ومنه ثمن بيع العروض المقتناة كبيع متاع أو عقار، وهو الدين المتوسط عند الحنفية، فإذا باع دار سكناه بثمن مؤجل للمستقبل، فإنه يزكي على ما قبضه إذا كان المقبوض نصاباً فأكثر وحال عليه الحول.\r2 - ما يزكى لعام واحد فقط: وهو دين القرض وديون التجارة، وهو الدين القوي عند الحنفية، تجب فيه الزكاة بشروط أربعة:\rأولها ـ أن يكون أصل الدين الذي أعطاه للمدين ذهباً أو فضة، أو ثمن عروض تجارية محتكرة كثياب مثلاً.\rثانيها ـ أن يقبض شيئاً من الدين، فإن لم يقبض شيئاً فلا زكاة عليه.\rثالثها ـ أن يكون المقبوض نقداً (ذهباً أو فضة): فإن قبض عروضاً تجارية كثياب أو قمح فلا زكاة عليه.\rرابعها ـ أن يكون المقبوض نصاباً على الأقل، ولو قبضه لعدة مرات، أو يكون المقبوض أقل من نصاب، ولكن عنده ما يكمل النصاب من ذهب أو فضة حال الحول عليها.\r-------------------------------\r(1) الشرح الكبير: 458/1 ومابعدها، بداية المجتهد: 264/1 ومابعدها، الشرح الصغير: 628/1 ومابعدها.","part":3,"page":193},{"id":1586,"text":"3 - دين المدير: وهو التاجر الذي يبيع ويشتري بالسعر الحاضر. فإذا كان أصل الدين عروض تجارة، فإنه يزكي الدين كل عام، مع إضافته إلى قيم العروض التي عنده، وإلى ما باع به من الذهب والفضة.\rوقال الشافعية (1) : على الدائن زكاة الدين عن الأعوام الماضية عند التمكن من أخذ دينه، إذا كان الدين من نوع الدراهم والدنانير، أو عروض التجارة. فإن كان الدين ماشية أو مطعوماً كالتمر والعنب، فلا زكاة فيه.\rورأى الحنابلة (2) : أنه تجب زكاة الدين، سواء أكان الدين حالاً أم مؤجلاً، وسواء أكان المدين معترفاً به باذلاً له، أم معسراً أم جاحداً أم مماطلاً به، إلا أنه لا يجب إخراج زكاته إلا إذا قبضه، فيؤدي لما مضى فوراً؛ لأنه دين ثابت في الذمة، فلم يلزمه الإخراج قبل قبضه، ولأن الزكاة للمواساة، وليس من المواساة أن يخرج زكاة مال لا ينتفع به، ولأن هذا المال في جميع الأحوال على حال واحد، فوجب أن يتساوى في وجوب الزكاة أو سقوطها، كسائر الأموال.\rأما الوديعة فهي بمنزلة ما في يده، لأن الوديع نائب عن المودع في حفظه، ويده كيده، ويزكيه لما مضى؛ لأنه مملوك له يقدر على الانتفاع به، فلزمته زكاته كسائر أمواله.\rوالخلاصة: إن كان الدين حياً: وهو ما كان الدين معترفاً به مستعداً لسداده في وقته أو عند طلبه، فعند جمهور الأئمة: على الدائن زكاته. وإن كان الدين على معسر لا يرجى منه السداد، أو على مماطل أو جاحد له، غير معترف به، فعند أكثر الأئمة: لا زكاة فيه.\rوأما زكاة التأمين النقدي: فهي على مالكه، والتأمين النقدي هو الذي يدفعه المستأجر للمالك، فهو مال مملوك للمستأجر عند المالك ضماناً لسداد الأجرة في مواعيدها، تجب زكاته على مالكه لا على المؤجر، إذا توافرت شروط الوجوب.\r\r-------------------------------\r(1) المهذب: 142/1، المجموع: 313/5.\r(2) المغني: 46/3 ومابعدها.","part":3,"page":194},{"id":1587,"text":"سادساً ـ زكاة الأوراق النقدية:\rالأوراق النقدية والنقود المعدنية: هي التي يتم التبادل بها بدلاً عن الذهب والفضة، وتعد بمثابة حوالة مصرفية على المصرف المركزي للدولة بما يعادلها ذهباً من الرصيد الذهبي المخزون الذي يغطي العملة المتداولة، إلا أن أغلب الدول حرمت التعامل بالذهب، فلم تعد تسمح بسحب الرصيد المقابل لكل ورقة نقدية أو نقد معدني مصنوع من خلائط معدنية معينة كالبرونز والنحاس وغيرهما، حفاظاً على الرصيد الذهبي في خزانة الدولة. وبما أن هذا النظام ظهر حديثاً بعد الحرب العالمية الأولى، فلم يتكلم فيه فقهاؤنا القدامى، وقد بحث فقهاء العصر حكم زكاة هذه النقود الورقية (1) ، فقرروا وجوب الزكاة فيها عند جمهور الفقهاء (الحنفية والمالكية والشافعية)؛ لأن هذه النقود إما بمثابة دين قوي على خزانة الدولة، أو سندات دين، أو حوالة مصرفية بقيمتها ديناً على المصرف.\rولم ير أتباع المذهب الحنبلي الزكاة فيها حتى يتم صرفها فعلاً بالمعدن النفيس (الذهب أو الفضة) قياساً على قبض الدين.\rوالحق وجوب الزكاة فيها؛ لأنها أصبحت هي أثمان الأشياء، وامتنع التعامل بالذهب، ولم تسمح أي دولة بأخذ الرصيد المقابل لأي فئه من أوراق التعامل، ولا يصح قياس هذه النقود على الدين؛ لأن هذا الدين لا ينتفع به صاحبه وهو الدائن، ولم يوجب الفقهاء زكاته إلا بعد قبضه لاحتمال عدم القبض، أما هذه النقود فينتفع بها حاملها فعلاً كما ينتفع بالذهب الذي اعتبر ثمناً للأشياء، وهو يحوزها فعلاً، فلا يصح القول بوجود اختلاف في زكاة هذه النقود. والقول بعدم الزكاة فيها لاشك بأنه اجتهاد خطأ؛ لأنه يؤدي في النتيجة البينة ألاّ زكاة على أخطر وأهم نوع من أموال الزكاة، فيجب قطعاً أن تزكى النقود الورقية زكاة الدين الحالّ على مليء، كما هو المقرر لدى الشافعية، ويجب فيها ربع العشر (2.50%).\r-------------------------------\r(1) انظر الفقه على المذاهب الأربعة: 486/1، ط خامسة.","part":3,"page":195},{"id":1588,"text":"ويقدر نصابها ـ كما أبنت ـ بسعر صرف نصاب الذهب المقرر شرعاً وهو عشرون ديناراً أو مثقالاً، ونختار أن يكون وزنها ذهباً 85غراماً، ومن الفضة (595 غراماً) عملاً بالدرهم العربي وهو (975،2 غم)، والأصح تقدير النصاب الورقي بالذهب؛ لأنه المعادل لنصاب الأنعام (الإبل والبقر والغنم)، ولارتفاع مستوى المعيشة وغلاء الحاجيات، وإن كان يرى كثير من علماء العصر تقدير النصاب بالفضة؛ لأنه أنفع للفقراء، وللاحتياط في الدين، ولأن نصاب الفضة مجمع عليه، وثابت بالسنة الصحيحة، وكان يساوي في الماضي ستة وعشرين ريالاً مصرياً وتسعة قروش وثلثي قرش، ونحو خمسين ريالاً في السعودية ودولة الإمارات، ونحو 60 أو 55 روبية في باكستان والهند.\rولا تجب الزكاة على الأوراق النقدية إلا ببلوغها النصاب الشرعي، وبحولان الحول، وبالفراغ من الدين وهو الحق والعدل، وزاد الحنفية: وبأن يكون النصاب فاضلاً عن الحاجات الأصلية لمالكه من نفقة وكسوة وأجرة سكنى وآلة حرب (1) .\rوالسندات جمع سند، والسند تعهد مكتوب بمبلغ من الدين (القرض) لحامله في تاريخ معين، نظير فائدة مقدرة. والسهم: النصيب في رأس المال.\rوالسهم يمثل جزءاً من رأس مال الشركة، وصاحبه مساهم، والسند يمثل جزءاً من قرض على شركة أو دولة، وحامله مقرض أو دائن.\rوالتعامل بالأسهم جائز شرعاً، أما التعامل بالسندات فحرام لاشتمالها على الفائدة الربوية.\rوبالرغم من تحريم السندات (2) ، فإنه تجب زكاتها، لأنها تمثل ديناً لصاحبها، وتؤدى زكاتها عن كل عام، عملاً برأي جمهور الفقهاء غير المالكية؛ لأن الدين\r-------------------------------\r(1) الدر المختار ورد المحتار: 5/2-8.\r(2) تحريم التعامل بالسندات لايمنع من التملك التام فتجب فيها الزكاة، أما المال الحرام كالمغصوب والمسروق ومال الرشوة والتزوير والاحتكار والغش والربا ونحوها، فلا زكاة فيه عند الحنفية خلافاً للجمهور، لأنه غير مملوك لحائزه، ويجب رده لصاحبه الحقيقي؛ منعاً من أكل الأموال بالباطل.","part":3,"page":196},{"id":1589,"text":"المرجو (وهو ما كان على مقر موسر) تجب زكاته في كل عام. وأما سندات الاستثمار فالأولى أن تزكى كزكاة النقود أي بنسبة 5،2% من قيمتها.\rوأما الأسهم: فتجب زكاتها أيضاً بحسب قيمتها الحقيقية في البيع والشراء، كزكاة العروض التجارية، أي تؤدى زكاتها على رأس المال مع أرباحها في نهاية العام بنسبة (5،2% في المئة) إذا كان الأصل والربح نصاباً أو يكمل مع مال مالكها نصاباً، ويعفى الحد الأدنى للمعيشة إذا لم يكن لصاحب الأسهم مورد رزق آخر سواها، كأرملة ويتيم ونحوهما. هذا في الشركات التجارية، أما في الشركات الصناعية كشركات السكر والنفط ونحوها كالمطابع والمصانع، فتقدر الأسهم بقيمتها الحالية مع حسم قيمة المباني والآلات وأدوات الإنتاج.\rوالخلاصة: أنه تجب زكاة الأسهم والسندات بمقدار ربع العشر أي 5،2% من قيمتها مع ربحها في نهاية كل عام، على ما لكها الذي حال عليه الحول بعد تملكها. أو تؤدى الزكاة جملة واحدة عن غلة الشركة وإيرادها بمقدار العشر من صافي الأرباح قياساً على نصاب الزروع والثمار، باعتبار أن أموال الشركة نامية بالصناعة ونحوها. ففي الحالة الأولى نعتبر صاحب الأسهم له وصف التاجر، وفي الحالة الثانية نعتبر الشركة لها وصف المنتج.","part":3,"page":197},{"id":1590,"text":"سابعاً ـ تفصيل آراء العلماء في زكاة الأسهم في الشركات :\rسبب وجود التعامل بالأسهم والسندات :\rإن الإنسان حريص دائماً على تحقيق الأرباح وابتغاء فضل ا لله من خلال التجارة الفردية أو الخاصة، والجماعية أو العامة، وذلك عملاً بترغيب الشريعة واستجابة لحب النفس الفطري في تنمية المال واستثماره، كيلا تأكله الصدقة، وتستأصل الزكاة أصل رأس المال مع مرور السنوات والأعوام. وقد لا يتمكن رأس المال الخاص في الغالب من تمويل المشروعات الصناعية والزراعية والتجارية الكبرى، التي تحتاج إلى رؤوس أموال ضخمة، كالشركات المساهمة التي تتطلب أموالاً كثيرة لوجودها، فظهر في العصر الحديث طريقة تجزئة رأس المال الكبير بواسطة ما يسمى بالأسهم التي تطرح في الحياة الاقتصادية، وتسدد قيمتها من المئات أو آلاف الناس.وقد تحتاج الشركة القائمة إلى الاقتراض من الأفراد، فتلجأ إلى ما يسمى بالسندات في مقابل دفع فائدة مقطوعة معينة.\rوكل من الأسهم والسندات تسمى في العرف الاقتصادي الحديث بالأوراق المالية، التي يتداولها الناس عامة فيما بينهم، إما بواسطة الاعلان في الجرائد أو الصحف اليومية، وإما في أسواق خاصة تسمى ( بورصات الأوراق المالية ).","part":3,"page":198},{"id":1591,"text":"وقد تساءل الناس منذ ظهور الشركات المساهمة في الربع الثاني من القرن العشرين عن حكم التعامل بالأسهم والسندات حلاً وحرمة، وعن حكم الزكاة الواجبة فيها، ومن تجب عليه الزكاة؟ وأفتى علماء العصر بفتاوى متشابهة في مشروعية التعامل بالأسهم وحرمة التعامل بالسندات، لما تشتمل عليه من الربا بسبب دفع فائدة مقطوعة على مبالغ الديون المدونة فيها. واختلفوا في نسبة الواجب في الزكاة أهي ربع العشر أم العشر،كما اختلفوا فيمن تجب عليه زكاة الأسهم، أهو مالك السهم أم الشركة، ولكنهم اتفقوا على وجوب الزكاة في كل من الأسهم والسندات إذا بلغت قميتها النصاب الشرعي، وإن اختلطت السندات بالحرام وصاحبها الربا وخبث الكسب، لأن الحرمة المصاحبة لجزء من المال لا تمنع من فرض الزكاة، بل إنه على العكس لا سبيل إلى التخلص من المال الحرام إلا بالصدقة به. تعريف الأسهم والسندات:\rالأسهم: عبارة عن صكوك متساوية القيمة، غير قابلة للتجزئة، وقابلة للتداول بالطرق التجارية، وتمثّل حقوق المساهمين في الشركات التي أسهموا في رأس مالها.\rفالسهم يمثل جزءاً من رأس مال الشركة، وصاحبه مساهم، والأسهم تتصف بالخصائص التالية (1) :\rأ ـ أنها متساوية القيمة الاسمية: فلا يجوز إصدار أسهم بقيمة مختلفة، والقيمة المتساوية هي القيمة الاسمية التي يصدر بها السهم، والتي يحددها القانون بنسبة تتراوح في بعض البلاد كالإمارات بين درهم ومئة درهم.\rوالقيمة الاسمية للسهم تختلف عن كل من قيمته التجارية والحقيقية، فالقيمة الاسمية هي القيمة المبينة في الصك والتي تدون عليه، ويحسب على أساسها مجموع رأس مال الشركة.\rأما القيمة التجارية: فهي قيمة السهم في السوق أو البورصة، وهي قيمة متغيرة بحسب العرض والطلب وأحوال السوق وسمعة الشركة وسلامة مركزها المالي.\rوأما القيمة الحقيقية للسهم: فهي القيمة المالية التي يمثلها السهم فيما لو تمت تصفية الشركة وقسمة موجوداتها على عدد الأسهم.\rب ـ أنها غير قابلة للتجزئة: أي لا يمكن أن تتمثل في صورة كسور حين يتعدد مالكو السهم في مواجهة الشركة.\r-------------------------------\r(1) انظر الشركات التجارية للدكتور حسين غنايم: ص 189ومابعدها.","part":3,"page":199},{"id":1592,"text":"جـ ـ أنها قابلة للتداول بالطرق التجارية: أي يمكن انتقال ملكية الأسهم من شخص إلى آخر بالطرق التجارية المعروفة، ودونما حوالة مدنية من قبل الشركة.\rوإن كان السهم إذنياً (أي يصدر لإذن أو أمر المساهم) فإن تداوله يتم بطريق التظهير.\rوإن كان السهم لحامله (أي يصدر من دون ذكر صاحبه) فإن تداوله يتم بمجرد التسليم أي المناولة اليدوية.\rومعظم القوانين تستلزم أن تصدر الأسهم اسمية، وبعضها يجيز إصدار الأسهم لحاملها بشروط.\rوالخلاصة: إن الأسهم تمثل حصصاً في شركة أموال.\rأما السندات فهي جمع سند، والسند: صك مالي قابل للتداول يُمنح للمكتتب لقاء المبالغ التي أقرضها، ويخوّله استعادة مبلغ القرض، علاوة على الفوائد المستحقة، وذلك بحلول أجله. وبعبارة أخرى: السند: تعهد مكتوب بمبلغ من الدين (القرض) لحامله في تاريخ معين، نظير فائدة مقدرة.\rوالسند يشبه السهم من حيث وجود قيمة اسمية لكل منهما، ومن حيث قابليتهما للتداول بالطرق التجارية، وعدم قابليتهما للتجزئة.\rوالفارق الأساسي بين السهم والسند: أن السهم يمثل حصة في الشركة، بمعنى أن صاحبه شريك، في حين أن السند يمثّل ديناً على الشركة، أو يمثل جزءاً من قرض شركة أو دولة، بمعنى أن صاحبه مقرض أو دائن.\rوبناء عليه، يحصل صاحب السهم على أرباح حين تحقق الشركة أرباحاً فقط، أما صاحب السند فيتلقى فائدة ثابتة سنوياً، سواء ربحت الشركة أم لا. وتكون الأسهم في الغالب اسمية، ضماناً لرقابة الدولة على حاملي الأسهم، أما السندات فتكون إما اسمية أو لحاملها.","part":3,"page":200},{"id":1593,"text":"التعامل بالأوراق المالية التجارية:\rالتعامل بالأسهم جائز شرعاً، لأن أصحاب الأسهم شركاء في الشركة بنسبة ما يملكون من أسهم، عشرة أو عشرين أو مئة مثلاً، أما التعامل بالسندات فحرام شرعاً، لاشتمالها على الفائدة الربوية المقطوعة بغض النظر عن الربح والخسارة، فهي قروض بفائدة، وقد جاء في المؤتمر الثاني للمصرف الإسلامي بالكويت عام 1403 هـ / 1983 م أن ما يسمى بالفائدة في اصطلاح الاقتصاديين الغربيين ومن تابعهم هوعين الربا المحرم شرعاً، وجاء في الاجتماع الأول للفتوى والرقابة الشرعية للبنوك الإسلامية بالقاهرة عام 1403 هـ /1983 م أنه بإجماع الآراء لايصح للبنك الإسلامي استثمار جزء من أمواله في شراء أسهم الشركات التي يكون هدفها التعامل بالربا، لكون موارد تلك الشركات ونفقاتها تشتمل على فوائد مدفوعة وفوائد مقبوضة.\rزكاة السندات:\rأشير هنا إلى حكم زكاة السندات، لأنه ليس من موضوع بحثي، فأقول: بالرغم من تحريم السندات، فإنه تجب زكاتها، لأنها تمثل ديناً لصاحبها، وتؤدى زكاتها عن كل عام،عملاً برأي جمهور الفقهاء غير المالكية، لأن الدين المرجو (وهو ما كان على مقر موسر) تجب زكاته في كل عام. وشهادات الاستثمار أو سندات الاستثمار هي في الحقيقة سندات، وتجب فيها الزكاة، وإن كان عائدها خبيثاً وكسبها حراماً، وتزكى السندات كزكاة النقود أو عروض التجارة، أي بنسبة 5،2% من قيمتها. وذلك لأن تحريم التعامل بالسندات لا يمنع من وجود التملك التام، فتجب فيها الزكاة. أما المال الحرام كالمغصوب والمسروق ومال الرشوة والتزوير والاحتكار والغش والربا ونحوها، فلا زكاة فيه، لأنه غير مملوك لحائزه، ويجب رده لصاحبه الحقيقي، منعاً من أكل الأموال بالباطل، فإن بقي في حوزة حائزه وحال عليه الحول، ولم يرد لصاحبه، فتجب فيه زكاته، رعاية لمصالح الفقراء.","part":3,"page":201},{"id":1594,"text":"زكاة أسهم الشركات:\rيتناول هذا الموضوع بحث أمور ثلاثة: هي وجوب الزكاة في الأسهم، والنسبة أو المقدار الواجب إخراجه، ومن تجب عليه الزكاة، أهو صاحب السهم أم الشركة؟.\rآراء العلماء المعاصرين في زكاة الأسهم:\rمن الطبيعي أنه ليس للعلماء القدامى رأي في زكاة الأسهم،لأنه موضوع معاصر حديث، وإنما تكلم فيه العلماء المعاصرون، ولم أجد في كلام واحد منهم صواباً شاملاً فيما اجتهد فيه، وإنما وجدت جانباً من الصواب والحق في كل اجتهاد، فلكل عالم بحث هذا الموضوع إصابة في جهة وخطأ في جهة أخرى، وسأعرض هذه الآراء وأبين مدى الإصابة والخطأ فيها، ثم أذكر رأيي نهائياً في الموضوع.\r1 - رأي الشيخ عبد الرحمن عيسى:\rيقسم الشيخ عبد الرحمن عيسى في كتابه «المعاملات الحديثة وأحكامها» الأسهم إلى نوعين بحسب موضوع استثمارها (1) :\rأ ـ أسهم الشركات الصناعية.\rب ـ أسهم الشركات التجارية.\rأما أسهم الشركات الصناعية المحضة التي لا تمارس عملاً تجارياً كشركات الصباغة، وشركات التبريد، وشركات الفنادق، وشركات الإعلانات، وشركات السيارات، والمركبات الكهربائية (الترام)، وشركات النقل البري والبحري، وشركات الطيران، فلا تجب الزكاة فيها، إلا فيما تنتجه هذه الأسهم من ربح، يضم إلى مال المساهم، ويزكيه معها زكاة المال، بعد حولان الحول عليه، وبلوغه النصاب الشرعي، لأن قيمة هذه الأسهم موضوعة في الآلات والإدارات والمباني ونحوها.\r-------------------------------\r(1) وقد ذكر الأستاذ الدكتور يوسف القرضاوي ذلك في كتابه «فقه الزكاة 523/1 ومابعدها، وكذلك الدكتور خليفة بابكر الحسن في كتابه «بحوث ودراسات إسلامية» ص 101.","part":3,"page":202},{"id":1595,"text":"وأما أسهم الشركات التجارية وهي التي تشتري البضائع وتبيعها كشركات التجارة الخارجية، وشركات الاستيراد والتصدير، وشركات بيع المصنوعات الوطنية، أو التي تقوم بتصنيع بعض المواد الخام أو تشتريها، مثل شركات البترول وشركات الغزل والنسيج، وشركات الحديد والصلب، والشركات الكيماوية، فتجب الزكاة فيها، لأنها تمارس عملاً تجارياً، سواء معه صناعة أو لا، وتقدر الأسهم بقيمتها الحالية، بعد حسم قيمة المباني والالآت والأدوات المملوكة لهذه الشركات، وتقدر هذه القيمة للأصول الثابتة إما بالربع أو أكثر أو أقل.\rوهذا يعني أن الشركات التجارية المحضة تجب زكاة أسهمها بحسب قيمتها التجارية في الأسواق، مع أرباحها المقررة لها في نهاية العام، كزكاة العروض التجارية بنسبة 5،2% إذا كان أصل رأس المال والربح نصاباً شرعياً، ولا زكاة على المحل التجاري من حيث البناء والتجهيزات التي فيه.\rأما الشركات الصناعية ـ التجارية كشركات السكّر والنفط والمطابع وصناعة السفن والطائرات والسيارات، فتقدر الأسهم بقيمتها التجارية الحالية، مع حسم قيمة المباني والالآت وأداوت الإنتاج.\rوهذا الرأي يناسب المقرر في المذاهب الأربعة، وهو أن المصانع والعمارات الاستغلالية لا زكاة فيها، وإنما الزكاة على أرباحها السنوية إذا بلغت النصاب الشرعي وحال الحول عليها (أي مضى عام عليها في يد صاحبها) وهو الرأي الذي أخذ به مجمع الفقه الإسلامي في جدة في دورته الثانية لعام 1406 هـ /1985 م. وقرر فقهاء المذاهب أنه لا زكاة على سلاح الاستعمال وكتب العالم وآلات المحترفين، لأنها مشغولة بالحاجة الأصلية، وليست بنامية أصلاً، وسبب الزكاة ملك النصاب النامي ولو تقديراً بالقدرة على الاستنماء.","part":3,"page":203},{"id":1596,"text":"وجاء في المعيار المعرب 402/1 لأبي العباس الونشريسي: وسئل عن الصناع يمر عليهم الحول، وبأيديهم من مصنوعاتهم ما إذا قوموها وأضافوها إلى مالهم من النقد،اجتمع فيه نصاب، هل يجب عليهم التقويم، ويزكون ما حضر بأيديهم أم لا؟.\rفأجاب بقوله: الحكم في ذلك أن الصناع يزكون ما حال الحول على أصله من النقد الذي بأيديهم إذا كان نصاباً، ولا يقومون صناعاتهم، ويستقبلون بأثمانها الحول، لأنها فوائد كسبهم استفادوها وقت بيعهم، إلا أن ما وضع فيه الصانع صناعته، من جلد أو خشب أو حديد أو نحو ذلك، يقومه المدير، مجرداً من الصناعة، إذا كان اشتراه للتجارة.\rوهي فتوى في غاية الدقة، والتيسير على الصناع، كصناع الأحذية والمفروشات والخزائن الحديدية ونحوها. وإني لمؤيد رأي الشيخ عبد الرحمن عيسى المذكور آنفاً، مع ملاحظة إيجاب الزكاة على الشركات الصناعية إذا كانت منتوجاتها تجارية، معدّة للبيع أو التصدير، بعد استقطاع قيمة الآلة والبناء، فالمطابع مثلاً تزكي كل ما تنتجه في آخر العام من أوراق وكتب مملوكة لها، كما أنها تزكي أرباحها المستفادة من أجور ما تطبعه لحساب المتعاملين معها، وتحسم قيمة آلة الطباعة وآلة التجليد ونحوهما من مجموع رأس المال.\rلكن الأستاذ الدكتور يوسف القرضاوي لم يرتض هذا الرأي وأوجب الزكاة في أسهم الشركات جميعها، صناعية وتجارية، وقال عن تفرقة الشيخ عبد الرحمن عيسى بين نوعي الأسهم: هي نتيجة يأباها عدل الشريعة التي لا تفرق بين متماثلين، ثم استصوب الرأي الثاني للأستاذ الشيخ محمد أبي زهرة ومن وافقه الذي لا يفرق بين نوعي الأسهم تبعاً لنوع شركاتها، ورأى أنه أوفق بالنظر إلى الأفراد، وأيسر في الحساب، ثم قال: بخلاف ما إذا قامت دولة مسلمة، وأرادت جمع الزكاة من الشركات، فقد أرى الاتجاه الأول (رأي الشيخ عيسى) أولى وأرجح، والله أعلم (1) .\r2 - رأي الأساتذة عبد الوهاب خلاف وعبد الرحمن حسن ومحمد أبو زهرة (2) :\rيرى هؤلاء الأساتذة أن الأسهم والسندات ـ الأوراق المالية ـ إذا كانت قد اتخذت للتجارة، فإنها تكون عروضاً تجارية، يجب فيها ما يجب في عروض\r-------------------------------\r(1) فقه الزكاة للقرضاوي: 525/1، 528.\r(2) حلقة الدراسات الاجتماعية الثالثة: ص242، بحث الأستاذ الشيخ محمد أبو زهرة، في مجمع البحوث الإسلامية ـ المؤتمر الثاني في القاهرة في أيار «مايو» 1965.","part":3,"page":204},{"id":1597,"text":"التجارة من زكاة أي 5،2%، وتكون الزكاة ربع العشر من الأصل والنماء، على حسب ما قرره جمهور الفقهاء.\rورجح الدكتور القرضاوي هذا الاتجاه قائلاً: ولعل هذا الاتجاه والإفتاء أوفق بالنظر إلى الأفراد من الاتجاه الأول، فكل مساهم يعرف مقدار أسهمه، ويعرف كل عام أرباحها، فيستطيع أن يزكيها بسهولة، بخلاف الاتجاه الأول وما فيه من تفرقة بين أسهم في شركة، وأسهم في أخرى، فبعضها تؤخذ الزكاة من إيرادها، وبعضها تؤخذ زكاته من الأسهم نفسها بحسب قيمتها، مضافاً إليها الربح، وفي هذا شيء من التعقيد بالنظر إلى الفرد العادي.\rولكني أرى أن الاتجاه الأول هو المقرر فقهاً، وهو الذي جرى عليه العمل منذ ظهور الشركات المساهمة وبدء انتشارها في الأربعينات، ولا تعقيد في الأمر، فالمسلم يعرف أن الالآت الصناعية لا زكاة فيها، فإذا وظف ماله بطريق الأسهم في شركات صناعية، يحسم ما يقابل تلك الالآت، وإذا وظف ماله في أسهم شركات تجارية، زكاها كزكاة الأموال التجارية.","part":3,"page":205},{"id":1598,"text":"وللأستاذ الشيخ محمد أبو زهرة رأي قديم فيه تفصيل، ورد في تقرير حلقة الدراسات الاجتماعية لجامعة الدول العربية المنعقدة بدمشق سنة 1952، وهو الرأي الذي أعلنه أيضاً في المؤتمر الثاني لمجمع البحوث الإسلامية سنة 1965، ومفاده: أن الأسهم والسندات إذا اتخذت للتجارة، أو بغرض المضاربة، وإعادة بيعها في أسواق الأوراق المالية، والكسب من تجارتها، تعتبر من عروض التجارة، ويؤخذ منها الزكاة بتقدير قيمتها في أول العام، وقيمتها في آخره، بنسبة 5،2% ربع العشر من الأصل والنماء متى بلغت نصاباً.\rأما إذا كانت بغرض الاستثمار وتوظيف الأموال، لا المضاربة والكسب من البيع والشراء، وإنما تقتنى للكسب من عائدها، وما تدرّه عليه من ربح سنوي، فإن الزكاة الواجبة على الشركة، تكفي عن الزكاة على حملة الأسهم (1) .\rوهذا الرأي ينظر إلى الأسهم من جهة الشخص الذي يمتلكها، وعلى وفق نيته فيها، هل يقصد الاتجار أم الاستثمار؟ وهو رأ ي ينسجم مع الوقت الذي لم تكن الشركات فيه تزكي أموالها أو تسأل عن كيفية الزكاة.\rولا أرى حاجة لهذا التفصيل، لأن الهدف من شراء الأسهم واحد وهو الاتجار والاسترباح، وأن هذه الأسهم تزكى مثل زكاة عروض التجارة.\r3 - فتوى هيئة الرقابة الشرعية لبنك فيصل الإسلامي السوداني:\rجاء في الفتوى رقم (17) حول أسس زكاة أسهم بنك فيصل الإسلامي السوداني لهيئة الرقابة الشرعية من غير أن تستفتى، ما يلي:\rرأت الهيئة بأغلبية الأعضاء (2) أن يخرج البنك زكاة أسهمه على الأسس التالية:\r1- يخرج البنك زكاة الأسهم عند حولان الحول بمقدار ربع العشر 5،2% من النقود الموجودة من المدفوع من قيمة الأسهم، زائداً قيمة عروض التجارة الخاصة بالأسهم، ولا زكاة في عروض القنية (الأصول الثابتة) زائداً ربح الأسهم.\r2 - العقارات التي يشتريها البنك بمال الأسهم إن كان اشتراها للتجارة فيها بالبيع والشراء، زكاها زكاة عروض التجارة، أي يضيف قيمتها إلى النقود الموجودة من الأسهم، وإن كان اشتراها ليؤجرها، فإنه يزكيها زكاة الأصول الثابتة بإخراج العشر 10% من أجرتها عندما يتسلمها.\r-------------------------------\r(1) انظر ص137، وأشار إليه الدكتور شوقي إسماعيل شحاتة في كتابه « التطبيق المعاصر للزكاة » ص118، واعتمده في بحثه.\r(2) أربعة أعضاء من خمسة، ويرى العضو الخامس الدكتور خليفة بابكر الأخذ بالرأي الذي يعامل الأسهم معاملة الأموال الثابتة، ويزكى ربحها فقط بمقدار العشر أي 10% من الأرباح.","part":3,"page":206},{"id":1599,"text":"3 - إذا كان البنك أعطى بعض مال الأسهم لمن يعمل فيه مضاربة ـ التمويل، زكى رأس المال الذي مول به المضارب ونصيبه من الربح.\r4 - إذا كان على البنك ديون تجارة حالّة من مال الأسهم، وله ديون على غيره تزيد على الديون التي عليه، فإنه يطرح الديون التي عليه من الديون الموجودة التي له، ويزكي الباقي، وإذا كانت الديون التي على البنك تزيد عن الديون التي له، طرح الزائد من النقود التي عنده وزكى الباقي، وإذا كانت ديون التجارة التي للبنك مؤجلة ومرجوة، فإنها تقوّم بعرض، ثم يقوّم العرض بنقد حال، وتزكى هذه القيمة.\r5 - إذا كان للبنك ديون (قرض) زكاها زكاة النقود الموجودة مادام سدادها مرجواً.\r6 - يستفسرمن أصحاب الأسهم الصغيرة التي لا تبلغ النصاب، هل يجب عليهم فيها زكاة إذا ضمت إلى غيرها؟ فإن قالوا: لا تجب فيها الزكاة، لأنهم لايملكون ما يكملها نصاباً، استبعدت قيمتها من جملة الأسهم.","part":3,"page":207},{"id":1600,"text":"هذه الأسس تتفق في جملتها مع الرأي القائل: إن الأسهم تزكى زكاة عروض التجارة، ولكنها تختلف عنها في بعض التفصيلات، حيث إنه في هذه الأسس اعتبرت قيمة الأسهم الحقيقية أي الاسمية، لا القيمة السوقية كما يرى القائلون باعتبارها عروض تجارة، لأن القيمة السوقية تقديرية، والقيمة الحقيقية تمثل الواقع فعلاً، ولا يصح اللجوء إلى التقدير ما دامت معرفة الحقيقة ممكنة، كما أخرجت العقارات المتخذة للاستغلال، وجعلت الزكاة من أجرتها، لا من قيمتها، لأنها ليست عروض تجارة في الواقع.\rومن الواضح أن المدفوع من القسط الأول من الأسهم قد حال عليه الحول، ووجبت زكاته، وعلى البنك أن يستخرجها على الأسس المتقدمة. وإذا كان تطبيق هذه الأسس متعذراً في الوقت الحاضر، فإنه يجوز أن يخرج البنك بالنسبة للقسط الأول 5،2% من المبالغ المدفوعة عنه، بعد طرح قيمة الأثاثات الثابتة، والأسهم التي لا تبلغ النصاب حتى ترد إفادة أصحابها.. على أن يفكر في الطريقة التي تمكن من تطبيق هذه الأسس كاملة مستقبلاً.\rوهذا الحل المؤقت لا يختلف عن الرأي القائل باعتبار الأسهم عروض تجارة تؤخذ الزكاة من قيمتها في السوق، مضافاً إليها الربح بعد طرح قيمة الأثاثات الثابتة إلا في ناحيتين:\rالأولى ـ اعتبار القيمة الاسمية للسهم.\rالثانية: عدم إضافة الربح، لأنه غير معروف ، وعدم طرح المنصرفات وإن كانت معروفة، لأن المفروض أن تغطى المنصرفات من الربح، لا من رأس المال، ومادام الربح لم يؤخذ في الاعتبار، فمن العدل ألا تؤخذ المنصرفات أيضاً في الاعتبار، والله أعلم.\rومع تأييدي لهذه الفتوى في الجملة، فإني أعارضها في الأمور التالية:","part":3,"page":208},{"id":1601,"text":"أولاً ـ العقارات المستغلة تزكى من أرباحها بنسبة 5،2%، وليس العشر من أجرتها حينما يتسلمها، وذلك بعد حولان الحول عليها وهي قائمة في يد أصحابها أو لدى البنك. ثانياً ـ تزكى الأسهم في الشركات زكاة الخليطين، ولو كانت أسهم المساهم لا تبلغ نصاباً شرعياً وحدها بالنسبة إليه، كما سيأتي.\rثالثاً ـ تقدر الأسهم بالقيمة التجارية الموجودة في الأسواق (بورصات الأوراق المالية) فإنها أصبحت معروفة، وقد تتجاوز القيمة الاسمية عشرات أو مئات المرات، كما حدث فعلاً في بعض الأسواق. فإذا لم تعرف حالياً تجب زكاتها بمجرد معرفتها.\rرابعاً ـ تضاف الأرباح عند معرفتها إلى أصل قيمة الأسهم، إذ ما من شركة إلا وتضع ميزانية شاملة في آخر كل عام، تبين فيها الأصول والخصوم بالتعبير التجاري، أو رأس المال والأرباح والديون.\rالمقدار الواجب إخراجه في زكاة الأسهم:\rتزكى الأسهم ـ كما عرفنا ـ زكاة عروض التجارة، فيكون مقدار الواجب فيها هو ربع العشر 5،2% من الأصل والنماء أو الربح. وإذا كنا قد استبعدنا التفصيل المذكور في الرأي القديم للأستاذ الشيخ محمد أبو زهرة، واعتمدنا رأي الشيخ عبد الرحمن عيسى، مع ضرورة التمييز بين ما هو تجاري وما هو صناعي، فإن ما قرره المرحوم أبو زهرة من زكاة الأسهم التجارية بنسبة 5،2%، وزكاة الأسهم المتخذة للاستثمار كزكاة الأصول الثابتة 10%، غير مناسب، ومخالف لما قرره فقهاؤنا في رأيهم المشهور من أن نسبة الزكاة في عروض التجارة هي 5،2%. فيكون جعله نسبة زكاة أسهم الاستثمار 10% غير متفق مع المذاهب الفقهية، ولاداعي للتفرقة بين أسهم التجارة وأسهم الاستثمار، وبخاصة فإنه في رأيه الأخير لم يذكر هذا التفصيل، واكتفى بالقول بوجوب الزكاة على الأسهم مثل زكاة عروض التجارة. والخلاصة: تجب زكاة الأسهم والسندات بنسبة ربع العشر 5،2% من قيمتها التجارية مع ربحها في نهاية كل عام، ولا تزكى الأصول الثابتة من صافي الأرباح 10%.","part":3,"page":209},{"id":1602,"text":"من تجب عليه زكاة الأسهم:\rيرى الأساتذة أبو زهرة ومن معه أن ما يؤخذ من الأسهم والسندات لمن يتجر فيها غير ما يؤخذ من الشركات نفسها، لأن الشركات التي تؤخذ منها الزكاة تكون باعتبار أن أموال الشركة نامية بالصناعة ونحوها، أما الأسهم للمتّجر فيها فهي أموال نامية باعتبارها عروض تجارة.\rوقد انتقد الدكتور القرضاوي بحق هذا الازدواج، لإيجاب الزكاة على الأسهم ذاتها مرتين، باعتبار صاحب الأسهم مرة بوصفه تاجراً، فأخذنا من أسهمه وربحها جميعاً ربع العشر، ثم مرة أخرى بوصفه منتجاً، فأخذنا من ربح أسهمه أو من إيراد الشركة العشر، والراجح أن نكتفي بإحدى الزكاتين: إما الزكاة عن قيمة الأسهم مع ربحها بمقدار ربع العشر، وإما الزكاة عن غلة الشركة وإيرادها بمقدار العشر من الصافي، منعاً للثنيا أو الازدواج.\rوأرى أن زكاة الأسهم هي فقط ربع العشر 5،2% من الأصل مع الربح السنوي، وتقوَّم الأسهم كما تقوم عروض التجارة في آخر كل عام بحسب سعرها في السوق وقت إخراج الزكاة، لا بحسب سعر شرائها، وتضم الأسهم التجارية إلى بعضها عند التقويم، ولو اختلفت أجناسها في التجارة، والصناعة بعد حسم قيمة الآلات الصناعية.","part":3,"page":210},{"id":1603,"text":"وتزكي الشركات جميع الأسهم،لأن للشركة ربحاً من الأسهم، فهي شريك للمساهم، ولأن الشركة المساهمة لها شخصية اعتبارية مستقلة (1) ، وبما أن الزكاة تكليف متعلق بالمال نفسه، فإنها تجب على الشخص الاعتباري، حيث لا يشترط فيها التكليف الذي أساسه البلوغ مع العقل، وقياساً على زكاة الماشية في مذهب الشافعية الجديد القائلين بتأثير الخلطة في المواشي وغيرها، وهومذهب المالكية والحنابلة أيضاً في المواشي (2) ، عملاً بعموم الحديث النبوي الثابت في الزكاة: «لا يجمع بين متفرّق ولا يفرّق بين مجتمع خشية الصدقة» ولأن السهم يعبر عن قيمة مالية أو مبلغ من مال، فهو مال تجب فيه الزكاة، فأثرت الخلطة في زكاتها كالماشية، ولأن المالين كالمال الواحد في المؤن (التكليف) من مخزن وناطور وغيرهما، فهي أي غير المواشي من النقود والحبوب والثمار وعروض التجارة، كالمواشي، فتخف المؤونة إذا كان المخزن والميزان والبائع واحداً.\rوحينئد لا يعفى من زكاة الأسهم في الشركات المساهمة أحد من المساهمين، ولو كانت حصته سهماً واحداً، وتؤدى الزكاة من صافي مال الشركة المساهمة النامي ونمائه، بنسبة 5،2% ربع العشر، فلا تحتسب قيمة الأموال والأصول الثابتة ـ عروض القنية ـ كالأراضي والمباني والالآت وغيرها، لأن السهم يمثل حصة في صافي الشركة المساهمة من أموال وأصول ثابتة وأموال وأصول متداولة (نقود وعروض تجارة).\rأما القول بزكاة الأسهم كزكاة الأصول الثابتة بنسبة 10% من الأرباح، فهو رأي ضعيف لا تقره آراء فقهائنا القدامى.\rثم إن في إلزام الشركة المساهمة بإخراج زكاة الأسهم جميعها نفعاً محققاً للفقراء.\r-------------------------------\r(1) وهذا رأي الدكتور شوقي إسماعيل شحاتة في التطبيق المعاصر للزكاة: ص 119.\r(2) انظر مايأتي في بحث: زكاة الغنم.","part":3,"page":211},{"id":1604,"text":"ويؤيد هذا الرأي أن أستاذنا الشيخ محمد أبو زهرة رأى في المؤتمر الثاني لمجمع البحوث الإسلامية سنة 1965م كما تقدم أنه إذا كانت الأسهم تتخذ للاستثمار، وهي ممثلة في رأس مال شركة مساهمة، فإن دفع الشركة للزكاة يغني عن دفع حامل السهم.\rإلا أن مجمع البحوث الإسلامية أوصى بأنه في الشركات المساهمة التي يساهم فيها عدد من الأفراد لا ينظر في تطبيق هذه الأحكام إلى مجموع أرباح الشركات، وإنما ينظر إلى ما يخص كل شريك على حدة.\rلكني أخالف هذا الاتجاه للأسباب السابقة، أما في حال تفرقة الزكاة وتوزيعها فلا مانع من إعطاء صاحب الأسهم زكاته ليتولى تفرقتها بالنيابة عن الشركة، وأصالة عن نفسه.\rوقد قررت الجمعية العمومية لحاملي أسهم دار المال الإسلامي في المملكة العربية السعودية إعطاء الحق لمن يريد من المساهمين بسحب الزكاة المستحقة على حصته من الأسهم لتوزيعها بمعرفته الشخصية، وكان القرار ينص على استمرار الدار في مباشرة خصم (حسم) مبالغها (الزكاة) والمستحقة شرعاً.\rوعلى كل مساهم يرغب في القيام بصرف ما يخصه من مبالغ طلب ذلك قبل ثلاثة أشهر من نهاية السنة المالية، وذلك حتى تقوم الدار بتسليمها له على وفق الإجراءات التي تقرها هيئة الرقابة الشرعية للدار.\rوالخلاصة: أرى أن تكون زكاة الأسهم في الشركات بحسب قيمتها التجارية المعلن عنها في الأسواق لا بقيمتها الاسمية فقط، وأن تزكى زكاة عروض التجارة بنسبة 5،2% إذا كانت الشركة تجارية، فإن كانت الشركة صناعية محضة لا تتاجر ولا تنتج سلعاً تجارية، فلا تزكى الأسهم، أما إن نتجت سلعاً تجارية كشركة نتاج الثلاّجات فتزكى الأسهم بعد استقطاع ما يقابل قيمة الآلات الصناعية والمباني. وتقوم الشركة نفسها بتقدير زكاة الأسهم جميعها وتزكيها هي، لا أصحاب الأسهم، ويمكنها أثناء توزيع الزكاة إعطاء صاحب الأسهم زكاتها ليقوم هو بإعطائها للفقراء، والله أعلم.","part":3,"page":212},{"id":1605,"text":"المطلب الثاني ـ زكاة المعادن والركاز:\rاختلف الفقهاء في معنى المعدن، والركاز أو الكنز، وفي أنواع المعادن التي تجب فيها الزكاة، وفي مقادير الزكاة في كل من المعدن والركاز. فالمعدن هو الركاز عند الحنفية، وهما مختلفان عند الجمهور، والمعدن الواجب فيه الزكاة: هو الذهب والفضة عند المالكية والشافعية، وهو كل ما ينطبع بالنار عند الحنفية، ويشمل كل أنواع المعادن الجامدة والسائلة عند الحنابلة. وفي المعادن: الخمس لدى الحنفية، وربع العشر عند الشافعية والمالكية والحنابلة، وفي الركاز الخمس بالاتفاق، ويظهر ذلك من التفصيل الآتي، علماً بأن الواجب في المعادن زكاة عند الجمهور، غنيمة عند الحنفية، وأن الواجب في الركاز عند الجمهورغنيمة للمصالح العامة، ويصرف مصارف الزكاة عند الشافعية، ويشترط في المعدن بلوغ النصاب بالاتفاق، ولا يشترط في الركاز بلوغ النصاب عند الجمهور ويشترط ذلك عند الشافعية.\rوالمعدن والركاز وإن كانا من الذهب والفضة إلا أنهما اعتبرا نوعاً مستقلاً، لتعلق أحكام خاصة بهما، كاشتراط الحول والنسبة المئوية التي تدفع للمستحقين.\r1 - مذهب الحنفية (1) :\rالمعدن، والركاز أو الكنز بمعنى واحد: وهو كل مال مدفون تحت الأرض، إلا أن المعدن هو ما خلقه الله تعالى في الأرض يوم خلق الأرض، والركاز أوالكنز: هوالمال المدفون بفعل الناس الكفار.\rوالمعادن ثلاثة أنواع:\rأ ـ جامد يذوب وينطبع بالنار كالنقدين (الذهب والفضة) والحديد والنحاس والرصاص، ويلحق به الزئبق، وهذا هو الذي يجب فيه الزكاة وهي الخمس، وإن لم يبلغ نصاباً.\rب ـ جامد لا يذوب ولا ينطبع بالنار كالجص والنورة (حجر الكلس) والكحل، والزرنيخ وسائر الأحجار كالياقوت والملح.\rجـ ـ مائع ليس بجامد: كالقار (الزفت) والنفط (البترول).\r-------------------------------\r(1) فتح القدير: 537/1-543، الدر المختار: 59/2-65، البدائع:65/2-68.","part":3,"page":213},{"id":1606,"text":"ولا يجب الخمس إلا في النوع الأول، سواء وجد في أرض خراجية أو عشرية (1) ، ويصرف الخمس مصارف خمس الغنيمة، ودليلهم الكتاب والسنة الصحيحة والقياس.\rأما الكتاب: فقوله تعالى: {واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه} [الأنفال:41/8] ويعد المعدن غنيمة؛ لأنه كان في محله من الأرض في أيدي الكفرة، وقد استولى عليه المسلمون عنوة.\rوأما السنة: فقوله صلّى الله عليه وسلم : «العجماء جُبَار ـ أي هدر لا شيء فيه ـ والبئر جبار،\rوالمعدن جبار، وفي الركاز الخمس» (2) والركاز يشمل المعدن والكنز؛ لأنه من الركز أي المركوز، سواء من الخالق أو المخلوق.\rوأما القياس: فهو قياس المعدن على الكنز الجاهلي، بجامع ثبوت معنى الغنيمة في كل منهما، فيجب الخمس فيهما.\rوالزائد عن الخمس: إن وجد في أرض مملوكة فهو لمالكه. وإن وجد في أرض غير مملوكة لأحد كالصحراء والجبل فهو للواجد.\rووجوب الخمس في الركاز: هو إن كان عليه علامة الجاهلية كوثن أو صليب ونحوهما، فإن كان عليه علامة الإسلام مثل كلمة الشهادة؛ أو اسم حاكم مسلم، فهو لقطة لا يجب فيه الخمس.\r-------------------------------\r(1) الأرض الخراجية: هي كل أرض فتحت عنوة وأقر أهلها عليها، أو صالحهم الإمام على دفع الخراج (ضريبة أهل الكفار) إلا أرض مكة، فإنها فتحت عنوة وتركت لأهلها، ولم يوظف عليها الخراج. والأرض العشرية: هي كل أرض أسلم أهلها عليها قبل أن يقدر عليها، أو فتحت عنوة وقسمت بين الغانمين، وأرض العرب كلها أرض عشر، يجب فيها العشر الذي هو وظيفة أرض المسلمين (الكتاب مع اللباب: 137/4 ومابعدها) فالأولى للدولة، والثانية مملوكة.\r(2) رواه الأئمة الستة في كتبهم عن أبي هريرة (نصب الراية: 380/2).","part":3,"page":214},{"id":1607,"text":"وكذلك لا يجب الخمس عند أبي حنيفة إن وجد المعدن أو الركاز في دار مملوكة؛ لأنه جزء من أجزاء الأرض مركب فيها، ولا مؤنة (ضريبة) في سائر الأجزاء، فكذا في هذا الجزء. وقال الصاحبان: فيه الخمس، لإطلاق الحديث السابق: «وفي الركاز الخمس» من غير تفرقة بين الأرض والدار. وفرق أبو حنيفة بينهما بأن الدار ملكت خالية عن المؤن (التكاليف) دون الأرض، بدليل وجوب العشر والخراج في الأرض دون الدار، فتكون هذه المؤنة (الخمس) واجبة مثلهما في الأرض دون الدار.\rولا زكاة في النوعين الآخرين من المعادن (ما لا ينطبع بالنار، والمائع) إلا الزئبق من المائع، فإنه يجب فيه الخمس؛ لأنه كالرصاص.\rولا زكاة في الفيروزج الذي يوجد في الجبال، لقوله صلّى الله عليه وسلم : «لا خمس في الحجر» (1) .\rولا زكاة في اللؤلؤ (مطر الربيع) والعنبر (حشيش يطلع في البحر، أو خثي دابة) ولا في جميع ما يستخرج من البحر من الحلي ولو ذهباً كنزاً؛ لأنه لم يرد عليه القهر، فلم يكن غنيمة، إلا إذا أعد للتجارة.\rوأما الكنز أو الركاز: فيجب فيه الخمس إذا وجد في أرض لا مالك لها، للحديث السابق: «وفي الركاز الخمس» ويلحق به كل ما يوجد تحت الأرض من الأمتعة من سلاح وآلات وثياب ونحو ذلك؛ لأنه غنيمة بمنزلة الذهب والفضة.\rومن دخل دار الحرب بأمان، فوجد في دار بعضهم ركازاً، رده عليهم تحرزاً عن الغدر؛ لأن ما في الدار في يد صاحبها خاصة، وإن لم يرده وأخرجه من دار الحرب ملكه ملكاً خبيثاً، فيتصدق به. وإن وجده في صحراء في دار الحرب، فهو للواجد؛ لأنه ليس في يد أحد على الخصوص، فلا يعد غدراً، ولا شيء فيه؛ لأنه بمنزلة المتلصص في دار الحرب غير المجاهر إذا أخذ شيئاً من أموال الحربيين، وأحرزه بدار الإسلام.\r2 - مذهب المالكية (2) :\rالمعدن غير الركاز، والمعدن: هو ما خلقه الله في الأرض من ذهب أو فضة أو غيرهما كالنحاس والرصاص والكبريت، ويحتاج إخراجه إلى عمل وتصفية.\rملكية المعادن: المعادن أنواع ثلاثة:\r-------------------------------\r(1) قال الزيلعي عنه: غريب، وأخرج ابن عدي في الكامل عن عمرو بن شعيب عن أبيه: «لا زكاة في حجر» وفيه ضعيف أو مجهول. وأخرج ابن أبي شيبة عن عكرمة: «ليس في حجر اللؤلؤ، ولا حجر الزمرد زكاة، إلا أن يكون للتجارة، فإن كانت للتجارة ففيه الزكاة» (نصب الراية: 283/2).\r(2) القوانين الفقهية: ص102، بداية المجتهد: 250/1، الشرح الصغير: 650/1-656، الشرح الكبير: 486/1-492.","part":3,"page":215},{"id":1608,"text":"الأول ـ أن تكون في أرض غير متملكة: فهي للإمام (الدولة) يقطعها لمن شاء من المسلمين، أو يجعلها في بيت المال لمنافعهم، لا لنفسه.\rالثاني ـ أن تكون في أرض مملوكة لشخص معين: هي للإمام أيضاً، ولايختص بها رب الأرض. وقيل: لصاحبها.\rالثالث ـ أن تكون في أرض ممتلكة لغير شخص معين كأرض العنوة والصلح: أرض العنوة للإمام، ومعادن أرض الصلح لأهلها، ولا نتعرض لهم فيها ماداموا كفاراً، فإن أسلموا رجع الأمر للإمام. والخلاصة: أن حكم المعدن مطلقاً للإمام (أي السلطان أو نائبه) إلا أرض الصلح ما دام أهلها كفاراً.\rالواجب في المعدن: تجب الزكاة في المعدن، وهي ربع العشر إن كان نصاباً، وبشرط الحرية والإسلام كما يشترط في الزكاة، لكن لا حول في زكاة المعدن، بل يزكى لوقته كالزرع، والمعدن الذي تجب فيه الزكاة هو الذهب والفضة فقط، لا غيرهما من المعادن من نحاس ورصاص وزئبق وغيرها إلا إذا جعلت عروض تجارة. وسبب الاختلاف بينهم وبين الحنفية في مقدار الواجب: هو هل اسم الركاز يتناول المعدن أو لا يتناوله؟ الحنفية قالوا: يتناوله، فيعمل بالحديث السابق: «وفي الركاز الخمس» والمالكية قالوا: لا يتناوله فتجب فيه زكاة النقدين ربع العشر، وتصرف مصارف الزكاة.","part":3,"page":216},{"id":1609,"text":"ويضم في الزكاة المعدن المستخرج ثانياً لما استخرج أولاً، متى كان العِرْق واحداً، أي متصلاً بما خرج أولاً، فإن بلغ الجميع نصاباً فأكثر، زكاه، وإن تراخى العمل.\rولا يضم عِرْق لآخر، كما لا يضم معدن لآخر، وتخرج الزكاة من كل واحد على انفراده.\rويستثنى من ذلك ما يسمى بالنَّدْرَة: وهي القطعة الخالصة من الذهب أو الفضة التي يسهل تصفيتها من التراب، فلا تحتاج إلى عناء في التخليص، ويخرج منها الخمس، ولو دون نصاب، وتصرف مصارف الغنيمة وهو مصالح المسلمين، كما قال الحنفية في المعدن الذي ينطبع بالنار.\rوأما الركاز أوالكنز: فهو دفين الجاهلية من ذهب أو فضة أو غيرهما، فإن شك في المال المدفون، أهو جاهلي أم غيره، اعتبر جاهلياً.\rملكيته: يختلف حكم ملكية الركاز باختلاف الأرض التي وجد فيها، وهو أربعة أنواع:\rالأول ـ أن يوجد في الفيافي، ويكون من دفن الجاهلية: فهو لواجده.\rالثاني ـ أن يوجد في أرض مملوكة: فهو لمالك الأرض الأصلي بإحياء أو بإرث منه، لا لواجده، ولا لمالكها بشراء أو هبة، بل للبائع الأصلي أوالواهب إن علم، وإلا فلقطة.\rالثالث ـ أن يوجد في أرض فتحت عنوة: فهو لواجده.\rالرابع ـ أن يوجد في أرض فتحت صلحاً: فهو لواجده.\rهذا كله مالم يكن بطابع المسلمين، فإن كان بطابع المسلمين، فحكمه حكم اللقطة: يُعرَّف عاماً ثم يكون لواجده.\rزكاته: يجب الخمس في الركاز مطلقاً، سواء أكان ذهباً أم فضة أم غيرهما، وسواء وجده مسلم أو غيره. ويصرف الخمس كالغنائم في المصالح العامة، إلا إذا احتاج إخراجه إلى عمل كبير أو نفقة عظيمة، فيكون الواجب فيه ربع العشر، ويصرف في مصارف الزكاة.\rولا يشترط في الواجب في الركاز في الحالين بلوغ النصاب، والباقي من الركاز بعد إخراج الواجب يكون للواجد، إلا إذا كان في أرض مملوكة، فيكون لمالك الأرض الأصلي، كما بينت.","part":3,"page":217},{"id":1610,"text":"ولا زكاة فيما لفظه (طرحه) البحر مما لم يكن مملوكاً لأحد، كعنبر ولؤلؤ ومرجان وسمك (1) ، ويكون لواجده الذي وضع يده عليه أولاً، بلا تخميس؛ لأن أصله الإباحة. فإن سبق ملكه لأحد من أهل الجاهلية، فهو لواجده بعد تخميسه؛ لأنه من الركاز. وإن علم أنه لمسلم أو ذمي فهو لقطة، يعرَّف عاماً.\r3 - مذهب الشافعية (2) :\rالمعدن غير الركاز، فالمعدن: ما يستخرج من مكان خلقه الله تعالى فيه، وهو خاص بالذهب والفضة، كما قال المالكية.\rويجب فيه ربع العشر إن كان ذهباً أو فضة، لا غيرهما كياقوت وزبرجد ونحاس وحديد، سواء وجد في أرض مباحة أو مملوكة لحر مسلم، لعموم أدلة الزكاة السابقة، كخبر: «وفي الرِّقَة ربع العشر» ، بشرط كونه نصاباً، كما قال باقي الأئمة، ولا يشترط حولان الحول على المذهب؛ لأن الحول إنما يعتبر لأجل تكامل النماء، والمستخرج من المعدن نماء في نفسه، فأشبه الثمار والزروع.\rويضم بعض المستخرج إلى بعض إن اتحد المعدن المخرج، وتتابع العمل، كما يضم المتلاحق من الثمار، ولا يشترط بقاء الأول على ملك المستخرج، ويشترط اتحاد المكان المستخرج منه، فلو تعدد لم يضم؛ لأن الغالب في اختلاف المكان استئناف العمل. وإذا قطع العمل بعذر كإصلاح الآلة وهرب الأجراء والمرض والسفر، ثم عاد إليه، ضُمَّ، وإن طال الزمن عرفاً لعدم إعراضه. وإذا قطع العمل بلا عذر فلا يضم، لإعراضه عن العمل.\rويضم الخارج الثاني إلى الأول، كما يضم إلى ما ملكه بغير المعدن في إكمال النصاب ،وتخرج زكاته عقب تخليصه وتنقيته، فلو أخرج قبل تصفيته لا تجزئ.\rوأما الركاز فهو دفين الجاهلية (3) ، ويجب فيه الخمس، كما قرر الحنفية،\r-------------------------------\r(1) وهذا موافق لمذهب الحنفية السابق.\r(2) مغني المحتاج: 394/1-396، المهذب: 162/1.\r(3) المراد بالجاهلية: ما قبل الإسلام أي قبل مبعث النبي صلّى الله عليه وسلم .","part":3,"page":218},{"id":1611,"text":"حالاً بشروط الزكاة من حرية وإسلام وبلوغ نصاب، وكونه من النقدين (الذهب والفضة المضروب منهما والسبيكة)؛ لأنه مال مستفاد من الأرض، فاختص بما تجب فيه الزكاة قدراً ونوعاً كالمعدن، ولا يشترط حولان الحول، ويصرف مصرف الزكاة على المشهور. ودليل قدر الواجب فيه حديث أبي هريرة المتقدم: «وفي الركاز الخمس» .\rفإن لم يكن دفين الجاهلية: بأن كان إسلامياً بوجود علامة عليه تدل على إسلاميته، أو لم يعلم أهو جاهلي أو إسلامي: فهو لمالكه أو وارثه إن علم؛ لأن مال المسلم لا يملك بالاستيلاء عليه. وإن لم يعلم مالكه، فلقطة، يعرّفه الواجد، كما يعرّف اللقطة الموجودة على وجه الأرض.\rوإذا وجد الركاز في أرض مملوكة لشخص أو لموقوف عليه، فللشخص إن ادعاه، يأخذه بلا يمين، كأمتعة الدار، وإن لم يدعه بأن نفاه أو سكت، فلمن سبقه من المالكين، حتى ينتهي الأمر إلى محيي الأرض.\rوإذا وجد الركاز في مسجد أو شارع، فلقطة على المذهب، يفعل فيه ما يفعل باللقطة مما سبق؛ لأن يد المسلمين عليه، وقد جهل مالكه، فيكون لقطة.\rولو تنازع في ملك الركاز بائع ومشتر، أو مُكْر ومكتر، أو معير ومستعير، صُدِّق ذو اليد (أي المشتري والمكتري والمستعير) بيمينه؛ كما لو تنازعا في أمتعة الدار.\r4 - مذهب الحنابلة (1) :\rالمعدن غير الركاز، والمعدن: هو مااستنبط من الأرض مما خلقه الله تعالى وكان من غير جنسها، فليس هو شيء دفن، سواء أكان جامداً أم مائعاً.\rملكيته: المعادن الجامدة كالذهب والفضة والنحاس تملك بملك الأرض التي هي فيها؛ لأنها جزء من أجزاء الأرض، فهي كالتراب والأحجار الثابتة، بخلاف\r-------------------------------\r(1) المغني: 17/3-29.","part":3,"page":219},{"id":1612,"text":"الركاز، فإنه ليس من أجزاء الأرض. فعلى هذا ما يجده الواجد في ملك أو في موات، فهو أحق به، وإن سبق اثنان إلى معدن في موات فالسابق أولى به مادام يعمل، فإذا تركه جاز لغيره العمل فيه، وما يجده في مملوك يعرف مالكه، فهو لمالك المكان.\rأما المعادن السائلة كالنفط والزرنيخ ونحو ذلك، فهي مباحة على كل حال، إلا أنه يكره له دخول ملك غيره إلا بإذنه.\rصفة المعدن الذي تجب فيه الزكاة: هو كل ما خرج من الأرض مما يخلق فيها، فإذا أخرج من المعادن من الذهب عشرون مثقالاً، أو من الفضة مئتا درهم (نصاب الزكاة)، أو قيمة ذلك من الحديد والرصاص والنحاس والزئبق والياقوت والزبرجد والبلور والعقيق والكحل والزرنيخ، وكذلك المعادن السائلة كالقار (الزفت) والنفط والكبريت ونحو ذلك، مما يستخرج من الأرض، ففيه الزكاة فوراً أي من وقت الإخراج.\rودليلهم عموم قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم، ومما أخرجنا لكم من الأرض} [البقرة:267/2] وأنه معدن، فتعلقت الزكاة بالخارج منه كالأثمان (الذهب والفضة). وأما الطين فليس بمعدن؛ لأنه تراب، والمعدن: ما كان في الأرض من غير جنسها.\rقدر الواجب وصفته: قدر الواجب في المعدن هو ربع العشر، وصفته أنه زكاة، كما قال الشافعية، لما روى أبو عبيد: «أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم أقطع بلال بن الحارث المزني معادن القَبَلية (1) في ناحية الفُرْع، قال: فتلك المعادن لا يؤخذ منها إلا الزكاة إلى اليوم» ولأنه حق يحرم على أغنياء ذوي القربى، فكان زكاة كالواجب في الأثمان التي كانت مملوكة له.\r-------------------------------\r(1) قال أبو عبيد: القبلية بلاد معروفة بالحجاز.","part":3,"page":220},{"id":1613,"text":"نصاب المعادن: هو ما يبلغ من الذهب عشرين مثقالاً، ومن الفضة مئتي درهم، أو قيمة ذلك من غيرهما، لقوله صلّى الله عليه وسلم : «ليس فيما دون خمس أواق صدقة» وقوله: «ليس في تسعين ومئة شيء» وقوله: «ليس عليكم في الذهب شيء حتى يبلغ عشرين مثقالاً» .\rولا يشترط له الحول لحصوله دفعة واحدة، فأشبه الزروع والثمار.\rويعتبر إخراج النصاب دفعة واحدة، أو دفعات لا يترك العمل بينهن ترك إهمال. وترك العمل ليلاً أو للاستراحة أو لعذر من مرض أو لإصلاح الأداة ونحوه لا يقطع حكم العمل.\rويضم ما خرج في العملين بعضه إلى بعض في إكمال النصاب. ولا يضم أحد الأجناس إلى جنس آخر، ويعتبر لكل معدن نصاب مستقل بانفراده؛ لأن المعادن أجناس، فلا يكمل نصاب أحدهما بالآخر كغير المعدن، إلا في الذهب والفضة، فيضم كل منهما إلى الآخر في تكميل النصاب، كما يضم إلى كل منهما معدن آخر، وكما تضم عروض التجارة إلى الأثمان (الذهب والفضة).\rوقت الوجوب: تجب الزكاة في المعدن حين الإخراج وبلوغ النصاب، ولا يعتبر له حول باتفاق المذاهب الأربعة؛ لأنه مال مستفاد من الأرض، فلا يعتبر في وجوب حقه حول، كالزرع والثمار والركاز.\rشروط إخراج الزكاة في المعادن: يشترط شرطان:\rالأول ـ أن يبلغ بعد سبكه وتصفيته نصاباً إن كان ذهباً أو فضة أو تبلغ قيمته نصاباً إن كان غيرهما، كما أوضحت.","part":3,"page":221},{"id":1614,"text":"الثاني ـ أن يكون مخرجه ممن تجب عليه الزكاة، فلا تجب على الذمي أو الكافر أو المدين أو نحو ذلك.\rمعادن البحر: لا زكاة في المستخرج من البحر كاللؤلؤ والمرجان والعنبر والسمك ونحوه، كما قرر باقي المذاهب، لقول ابن عباس: «ليس في العنبر شيء، إنما هو شيء ألقاه البحر» وعن جابر نحوه (1) ، ولأنه قد كان يخرج على عهد رسول الله صلّى الله عليه وسلم وخلفائه، فلم يأت فيه سنة، ولا عن أحد من خلفائه، ولأن الأصل عدم الوجوب فيه، ولا يصح قياسه على معدن البر؛ لأن العنبر إنما يلقيه البحر، فيوجد ملقى في البر على الأرض من غير تعب، فأشبه المباحات المأخوذة من البر، وأما السمك فهو صيد، فلم يجب فيه زكاة كصيد البر.\rوأما الركاز: فهو دفين الجاهلية، أي مال الكفار المأخوذ في عهد الإسلام، قل أو كثر، ويلحق به ما وجد على وجه الأرض وكان عليه علامة الكفار. وفيه الخمس، كما قرر الحنفية والشافعية والمالكية، للحديث السابق المتفق عليه: «العجماء جُبَار، وفي الركاز الخمس» .\rفإن وجد عليه أو على بعضه علامة الإسلام كآية قرآن أو اسم النبي صلّى الله عليه وسلم أو أحد من خلفاء المسلمين أو وال لهم، فهو لقطة، تجري عليه أحكامها؛ لأنه ملك مسلم لم يعلم زواله عنه.\rوخمس الركاز يوضع في بيت المال ويصرف في المصالح العامة، وباقيه لواجده إن وجده في أرض مباحة، ولمالك الأرض إن وجد في أرض مملوكة، وهو للواجد إن وجده في ملك غيره إن لم يدّعه المالك، فإن ادعاه مالك الأرض فهو له مع يمينه.\rوإن وجد الركاز في دار الحرب: فإن لم يقدر إلا بجماعة من المسلمين، فهو غنيمة لهم، وإن قدر عليه بنفسه، فهو لواجده، كما لو وجده في موات في أرض المسلمين.\rصفة الركاز الذي فيه الخمس: هو كل ما كان مالاً على اختلاف أنواعه من الذهب والفضة والحديد والرصاص والنحاس والآنية وغير ذلك، لعموم الحديث: «وفي الركاز الخمس» .\r-------------------------------\r(1) رواهما أبو عبيد.","part":3,"page":222},{"id":1615,"text":"قدر الواجب في الركاز ومصرفه: أما قدره فهو الخمس، للحديث المتقدم والإجماع، وأما مصرفه على الأصح من الروايتين عن أحمد فهو مصرف الفيء للمصالح العامة، عملاً بفعل عمر في هذا الشأن، ولأنه مال مخمس زالت عنه يد الكافر، فأشبه خمس الغنيمة.\rمن يجب عليه الخمس: هو كل من وجده من مسلم وذمي وحر وغيره وكبير وصغير وعاقل ومجنون، وهو رأي الجمهور لعموم حديث «وفي الركاز الخمس» ، وقال الشافعية: لا يجب الخمس إلا على من تجب عليه الزكاة؛ لأنه زكاة.\rويجوز أن يتولى الإنسان تفرقة الخمس بنفسه، وهو رأي الفقهاء الآخرين؛ لأن علياً أمر واجد الكنز بتفرقته على المساكين.\rالمطلب الثالث ـ زكاة عروض التجارة :\rأبحث فيه المقصود بعروض التجارة، وشروط الزكاة فيها، وتقويم العروض ومقدار الواجب، وحكم ضم الربح والنماء ومال غير التجارة إلى أصل المال، وكيفية زكاة التجارة عند المالكية، وزكاة شركة المضاربة.\rأولاً ـ معنى عروض التجارة:\rالعروض جمع عَرَض (بفتحتين): حطام الدنيا، وبسكون الراء: هي ما عدا النقدين (الدراهم الفضية والدنانير الذهبية) من الأمتعة والعقارات وأنواع الحيوان والزروع والثياب ونحو ذلك مما أعد للتجارة. ويدخل فيها عند المالكية الحلي الذي اتخذ للتجارة. والعقار الذي يتجر فيه صاحبه بالبيع والشراء حكمه حكم السلع التجارية، ويزكى زكاة عروض التجارة. أما العقار الذي يسكنه صاحبه أو يكون مقراً لعمله كمحل للتجارة ومكان للصناعة، فلا زكاة فيه.\rثانياً ـ شروط زكاة العروض التجارية:\rاشترط الفقهاء لوجوب زكاة عروض التجارة شروطاً، أربعة عند الحنفية، وخمسة عند المالكية، وستة عند الشافعية، وشرطين فقط عند الحنابلة (1) ، منها ثلاثة شروط متفق عليها وهي بلوغ النصاب، وحولان الحول، ونية التجارة، ومنها شروط زوائد في بعض المذاهب، وهي ما يأتي:\r1 ً - بلوغ النصاب: أن تبلغ قيمة أموال التجارة نصاباً من الذهب أو الفضة المضروبين، وتعتبر في البلد الذي فيه المال، فإن كان في مفازة اعتبرت قيمتها في أقرب الأمصار إلى تلك المفازة.\rودليلهم على هذا الشرط أحاديث مرفوعة وموقوفة تتضمن تقويم مال التجارة، فيؤدى من كل مئتي درهم خمسة دراهم (2) .\r-------------------------------\r(1) البدائع: 21/2، الدر المختار: 45/2، تبيين الحقائق: 280/1، فتح القدير: 526/1-528، اللباب: 150/1 ومابعدها، بداية المجتهد: 260/1-264، القوانين الفقهية: ص103، الشرح الصغير: 636/1-638، 641 مغني المحتاج: 397/1-400، المهذب: 159/1-161، كشاف القناع: 280/2 ومابعدها، المغني: 29/3-36.\r(2) من المرفوعة حديث حسن عند أبي داود عن سمرة بن جندب، ومن الموقوفة حديث عن عمر رواه أحمد وعبد الرزاق والدارقطني ( نصب الراية: 375/2-378).","part":3,"page":223},{"id":1616,"text":"وقال المالكية في هذا الشرط: إن كان التاجر محتكراً وجب أن يبيع من عروض التجارة بنصاب من الذهب أو الفضة. وإن كان مديراً لزم أن يبيع من ذلك بأي شيء منهما ولو درهماً.\rوالمدير: هو الذي يبيع ويشتري ولا ينتظر وقتاً ولا ينضبط له حول كأهل الأسواق، فيجعل لنفسه شهراً في السنة ينظر فيه ما معه من النقود، ويقوِّم مامعه من العروض ويضمه إلى النقود، ويؤدي زكاة ذلك إن بلغ نصاباً بعد إسقاط الدين إن كان عليه.\rوأما المحتكر أو غير المدير: فهو الذي يشتري السلع، وينتظر بها الغلاء. فلا زكاة عليه فيها حتى يبيعها، فإن باعها بعد حول أو أحوال، زكى الثمن لسنة واحدة.","part":3,"page":224},{"id":1617,"text":"والخلاصة: إن الجمهور غير المالكية قالوا: المدير وغير المدير لهما حكم واحد، وأن من اشترى عرضاً للتجارة فحال عليه الحول، قومه وزكاه، فلا يجب على المدير شيء عند الجمهور؛ لأن الحول إنما يشترط في عين المال، لا في نوعه. وأما مالك فأوجب على المدير الزكاة، وإن لم يحل الحول على عين المال، ويكفي حولانه على نوع المال، لئلا تسقط الزكاة رأساً عن المدير، وهذا أخذ بمبدأ المصالح المرسلة التي لا يشترط فيها عند مالك استنادها إلى أصول منصوص عليها.\r2 ً - حولان الحول: أن يحول على الأموال (أي القيمة) الحول من وقت ملك العروض، لا على السلعة نفسها. والمعتبر في ذلك عند الحنفية، والمالكية (في غير المدير): طرفا الحول لا وسطه، أما في الابتداء فلتحقق الغنى، وأما في الانتهاء فللوجوب، فمن ملك في أول الحول نصاباً، ثم نقص في أثنائه، ثم كمل في آخره، وجبت فيه الزكاة، أما لو نقص في أوله أو في آخره فلا تجب فيه الزكاة. والمعتبر عند الشافعية: بلوغ النصاب آخر الحول من البدء بالمتاجرة؛ لأنه وقت الوجوب، لا بطرفيه معاً أي أوله وآخره، وبناء عليه إذا كان مع تاجر في أول الحول ما يكمل به النصاب كمئة درهم اشترى بخمسين منها عرضاً للتجارة، فبلغت قيمته في آخر الحول مئة وخمسين، فإنه تلزمه زكاة الجميع آخر الحول.\rوالمعتبر عند الحنابلة: بلوغ النصاب في جميع الحول، ولا يضر النقص اليسير في أثنائه كنصف يوم مثلاً، أي أنه لا زكاة قبل اكتمال النصاب في البدء والأثناء والانتهاء.\r3 ً - نية التجارة حال الشراء: أن ينوي المالك بالعروض التجارة حالة شرائها، أما إذا كانت النية بعد الملك، فلا بد من اقتران عمل التجارة بنية، ويشترط أيضاً عند الحنفية أن يكون الشيء المتجر فيه صالحاً لنية التجارة، فلو اشترى أرضاً خراجية للتجارة، ففيها الخراج لا الزكاة، ولو اشترى أرضاً عشرىة وزرعها، وجب في الزرع الناتج العشر، دون الزكاة.","part":3,"page":225},{"id":1618,"text":"واشترط الشافعية أن ينوي بالعروض التجارة حال المعاوضة في صلب العقد أو في مجلسه، فإن لم ينو على هذا الوجه فلا زكاة فيها. ويشترط تجديد نية التجارة عند كل معاوضة حتى يفرغ رأس المال.\r4 ً - ملك العروض بمعاوضة: اشترط الجمهور غير الحنفية أن تملك العروض بمعاوضة كشراء وإجارة ومهر، فإن ملكت بغير معاوضة كإرث أو خلع أو هبة أو وصية أو صدقة مثلاً، كأن ترك شخص لورثته عروض تجارة، فلا زكاة فيها حتى يتصرفوا فيها بنية التجارة. وزاد المالكية أن يكون ثمن العروض ممتلكاً بمعاوضة مالية أيضاً، لا بنحو هبة أو إرث، ومن كان يبيع العروض بالعرض ولا ينض (يتحول نقداً) له من ثمن ذلك نقد، فلا زكاة عليه عند المالكية إلا أن يفعل ذلك فراراً من الزكاة فلا تسقط، وعليه الزكاة عند المذاهب الأخرى.\r5 ً - ألا يقصد بالمال القِنْية (أي إمساكه للانتفاع به وعدم الاتجار به): هذا شرط ذكره الشافعية والحنابلة والمالكية، فإن قصد ذلك انقطع الحول، وإذا أراد التجارة بعدئذ، احتاج لتجديد نية التجارة.\r6 ً - ألا يصير جميع مال التجارة في أثناء الحول نقداً وهو أقل من النصاب: هذا شرط آخر عند الشافعية، فإن صار جميع المال نقداً مع كونه أقل من نصاب، انقطع الحول. ولم يشترط غير الشافعية هذا الشرط.\r7 ً - ألا تتعلق الزكاة بعين العرض: هذا شرط عند المالكية، فإن تعلقت الزكاة بعينه كحلي الذهب أو الفضة، وكالماشية (الإبل والبقر والغنم) والحرث (الزرع والثمر) وجبت زكاته إن بلغ نصاباً مثل زكاة النقدين والأنعام والحرث، فإن لم تتعلق الزكاة بعين المال كالثياب والكتب وجبت زكاة التجارة.\rوالخلاصة: إن الحنابلة اشترطوا لوجوب الزكاة في عروض التجارة شرطين (1) :\rالأول ـ أن يملكها بفعله كالشراء، وهو الشرط الرابع لدينا.\rالثاني ـ أن ينوي التجارة حال التملك، وهو الشرط الثالث السابق.\rوالحنفية اشترطوا أربعة شروط:\rالأول ـ بلوغ النصاب.\r-------------------------------\r(1) الواقع أن هذين الشرطين اللذين ذكرا في كتاب الفقه على المذاهب الأربعة: 490/1 منقولان عن المغني: 31/3، وكشاف القناع: 280/2، وهما شرطان لتصير العروض للتجارة، وهما مقرران أيضاً لدى الشافعية (المهذب: 159/1) أما بقية الشروط مثل بلوغ النصاب وحولان الحول فيقررهما الحنابلة مثل الشافعية تماماً (انظر المغني: 30/3-32، 36).","part":3,"page":226},{"id":1619,"text":"والثاني ـ حولان الحول.\rوالثالث ـ نية التجارة مصحوبة بعمل التجارة فعلاً؛ لأن مجرد النية لا يكفي.\rوالرابع ـ أن تكون الأموال صالحة لنية التجارة.\rوالمالكية اشترطوا خمسة شروط:\rالأول ـ ألا تتعلق الزكاة في عينه كالثياب والكتب.\rالثاني ـ أن يملك العرض بمعاوضة أو مبادلة كشراء، لا بإرث وهبة ونحوهما.\rالثالث ـ أن ينوي بالعرض التجارة حال شرائه.\rالرابع ـ أن يكون ثمن الشراء الذي اشترى به العرض مملوكاً بمعاوضة مالية أي بشراء، لا بنحو إرث أو هبة مثلاً.\rالخامس ـ أن يبيع المحتكر من ذلك العرض نصاباً فأكثر، أو بأي شيء ولو درهماً إذا كان مديراً.\rوالشافعية اشترطوا ستة شروط:\rالأول ـ أن تملك العروض بمعاوضة كشراء، لا بإرث مثلاً.\rالثاني ـ أن ينوي بالعروض التجارة في صلب عقد المعاوضة أو في مجلسه، وإلا احتاج لتجديد نية التجارة.\rالثالث ـ ألا يقصد بالمال القنية.\rالرابع ـ مضي الحول من وقت ملك العروض أي من الشراء.\rالخامس ـ ألا يصير جميع مال التجارة نقوداً وكان أقل من نصاب، وعبر عنه الشافعية بقولهم: ألا ينضّ المال في الأظهر أي يصير الكل نقداً من نقود البلد ببيع أو إتلاف من شخص معتد.\rالسادس ـ أن تبلغ قيمة العروض آخر الحول نصاباً.","part":3,"page":227},{"id":1620,"text":"ثالثاً ـ تقويم العروض ومقدار الواجب في هذه الزكاة وطريقة التقويم :\rيقوِّم التاجر العروض أو البضائع التجارية في آخر كل عام بحسب سعرها في وقت إخراج الزكاة، لا بحسب سعر شرائها، ويخرج الزكاة المطلوبة، وتضم السلع التجارية بعضها إلى بعض عند التقويم ولو اختلفت أجناسها، كثياب وجلود ومواد تموينية، وتجب الزكاة بلا خلاف في قيمة العروض، لا في عينها؛ لأن النصاب معتبر بالقيمة، فكانت الزكاة منها، وواجب التجارة هو ربع عشر القيمة كالنقد باتفاق العلماء، قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن في العروض التي يراد بها التجارة: الزكاة إذا حال عليها الحول (1) .\rوأدلة وجوب زكاة التجارة ما يأتي (2) :\r1ً - قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم} [البقرة:267/2] قال مجاهد: نزلت في التجارة.\r2ً - وقوله صلّى الله عليه وسلم : «في الإبل صدقتها، وفي البقر صدقتها، وفي الغنم صدقتها، وفي البَزّ (3) صدقته» (4) وقال سمرة بن جندب: «كان رسول الله صلّى الله عليه وسلم يأمرنا\r-------------------------------\r(1) المغني: 29/3.\r(2) مغني المحتاج: 397/1، المغني: 30/3، البدائع: 20/2-21.\r(3) البز بفتح الباء: الثياب المعدة للبيع عند البزاين، والسلاح، وبما أن زكاة العين (أي اقتطاع جزء من ذات الشيء) لا تجب في السلاح والثياب، فتعين حمل الحديث على زكاة التجارة.\r(4) رواه الحاكم بإسنادين صحيحين على شرط الشيخين، والدارقطني، عن أبي ذر.","part":3,"page":228},{"id":1621,"text":"أن نخرج الزكاة مما نعده للبيع» (1) وعن أبي عمرو بن حماس عن أبيه قال: «أمرني عمر، فقال: أدّ زكاة مالك، فقلت: ما لي مال إلا جعاب وأدم، فقال: قوّمها، ثم أدّ زكاتها» (2) قال ابن قدامة صاحب المغني: وهذه قصة يشتهر مثلها، ولم تنكر، فيكون إجماعاً.\rوأما ما حكي عن مالك وداود أنه لا زكاة في التجارة لحديث : «عفوت لكم عن صدقة الخيل والرقيق» فالمراد به زكاة العين فلا زكاة في عين الخيل، لازكاة القيمة، بدليل الأخبار التي ذكرتها، ثم إن هذا الخبر عام، والأخبار المذكورة خاصة، فيجب تقديمها. والمقرر عند المالكية هو وجوب زكاة التجارة.\rوطريقة تقويم العروض (3) : هي عند الجمهور غير الشافعية أن تقوم السلع إذا حال الحول بالأحظ للمساكين من ذهب أو فضة احتياطاً لحق الفقراء، ولا تقوم بما اشتريت به. فإذا حال الحول على العروض، وقيمتها بالفضة نصاب، ولا تبلغ نصاباً بالذهب، قومناها بالفضة ليحصل للفقراء منها حظ، ولو كانت قيمتها بالفضة دون النصاب، وبالذهب تبلغ نصاباً قومناها بالذهب لتجب الزكاة فيها، ولا فرق بين أن يكون اشتراؤها بذهب أو فضة أو عروض.\rوقال الشافعية: تقوم العروض بما اشتراها التاجر به من ذهب أو فضة؛ لأن نصاب العروض مبني على ما اشتراه به، فيجب أن تجب الزكاة فيه، وتعتبر به، كما لو لم يشتر به شيئاً. وعلى هذا إن ملك العرض بنقد قوِّم به إن ملك بنصاب أو دونه في الأصح، سواء أكان ذلك النقد هو الغالب أم لا، وسواء أبطله السلطان أم لا، لأنه أصل ما بيده، فكان أولى من غيره. وإن ملك العرض بعرض آخر للقنية أو بخلع أو نكاح أو صلح عن دم عمد، فيقوَّم بغالب نقد البلد، من الدراهم والدنانير؛ لأنه لما تعذر التقويم بالأصل، رجع إلى نقد البلد، على قاعدة التقويمات في الإتلاف ونحوه.\rفإن حال الحول بمحل لا نقد فيه، كبلد يتعامل فيه بالفلوس أو نحوها، اعتبر أقرب البلاد إليه.\rولو ملك بدين في ذمة البائع أو بنحو سبائك، قوِّم بجنسه من النقد.\r-------------------------------\r(1) رواه أبو داود بإسناد مقارب عن سمرة.\r(2) رواه الإمام أحمد وأبو عبيد.\r(3) فتح القدير: 527/1، البدائع: 21/2، المغني: 33/3، بداية المجتهد: 260/1 ومابعدها، مغني المحتاج: 399/1، المهذب: 161/1.","part":3,"page":229},{"id":1622,"text":"فإن غلب نقدان على التساوي في التعامل بالبلد، وبلغ مال التجارة بأحدهما دون الآخر نصاباً، قوم به، لبلوغه نصاباً بنقد غالب. فإن بلغ نصاباً بكل من النقدين الغالبين، قوم بالأنفع منهما للفقراء. وإن ملك العرض بنقد وعرض آخر، كأن اشترى بمئتي درهم وعرض قنية، قوم ما قابل النقد به، والباقي بغالب نقد البلد، كما لو انفرد الشراء بواحد منهما.\rورأي الجمهور أولى لسهولته ومراعاته مصالح الفقراء. وعلى هذا يجب على كل تاجر أن يجرد آخر كل عام ما لديه من بضائع، ويقدر قيمتها وقت الجرد عند الجمهور بالنقود الرائجة، فإن بلغت نصاباً، وجب عليه إخراج ربع عشر قيمة هذه الأموال 5،2%، ويضم الربح إلى رأس المال، ولا يقوَّم الأثاث وموجودات المحل وأدوات التجارة والصناعة والكسب وفروغ المحل.\rهل يجوز إخراج الزكاة من عروض التجارة؟\rاختلف الفقهاء على رأيين (1) :\rفقال الحنفية: يخير التاجر بين العين أو القيمة، فللمالك الخيار عند حولان الحول بين الإخراج من قيمة التجارة، فيخرج ربع عشر القيمة، وبين الإخراج من عينها، فيخرج ربع عشر العين التجارية؛ لأن التجارة مال تجب فيه الزكاة، فجاز إخراجها من عينه كسائر الأموال، وعلى هذا يصح لتاجر القماش مثلاً إخراج الزكاة من أعيان الأقمشة على أن يراعى اختيار الوسط من كل نوع، ويدفع الزكاة من كل نوع ، لا أن يخرج الكاسد أو يخرج نوعاً واحداً عن جميع الأنواع.\rوقال الجمهور : يجب إخراج القيمة، ولا يجوز الإخراج من عين العروض التجارية؛ لأن النصاب معتبر بالقيمة، فكانت الزكاة منها كالعين في سائر الأموال، ولا نسلم أن الزكاة تجب في المال، وإنما وجبت في قيمته.\r-------------------------------\r(1) البدائع: 21/2، مغني المحتاج: 399/1، المغني: 31/3، القوانين الفقهية: ص103.","part":3,"page":230},{"id":1623,"text":"رابعاً ـ حكم ضم الربح والنماء ومال غير التجارة إلى أصل المال :\rاتفق فقهاء المذاهب على أنه تضم أرباح التجارة إلى أصل رأس المال في الحول، كما يضم أيضاً عند الحنفية خلافاً لغيرهم المال المستفاد من غير التجارة كعطية وإرث إلى أصل المال، ويتضح ذلك فيما يأتي:\rقال الحنفية (1) : يضم الربح الناتج عن التجارة، والولد أو النماء في الماشية، والمال المستفاد من غير التجارة كالإرث والهبة إلى أصل رأس المال، إذا كان مالكاً للنصاب، في أول الحول الذي هو وقت انعقاد سبب إيجاب الزكاة، وبقي في أثناء الحول شيء من النصاب الذي انعقد عليه الحول، ليضم المستفاد إليه، وكان آخر الحول بمقدار النصاب، ويزكى الجميع في تمام الحول؛ لأن المستفاد من جنس الأصل وتبع له؛ لأنه زيادة عليه؛ إذ الأصل يزداد به ويتكثر، والزيادة تبع للمزيد عليه، والتبع لا يفرد بالحكم حتى لا ينقلب أصلاً. أما المستفاد بعد الحول، فلا يضم إلى الأصل في حق الماضي بلا خلاف. والسوائم المختلفة الجنس كالإبل والغنم لا تضم إلى بعضها. والنقدان كما بينت سابقاً يضم أحدهما إلى الآخر في تكميل النصاب.\rوقال المالكية (2) : يضم الربح الناتج عن التجارة، وغلة المكترى للتجارة لأصل المال الذي نتج عنه في أثناء الحول، ولو كان الأصل أقل من نصاب.\rوأما المستفاد بدون تجارة كالإرث والهبة، فلا يضم إلى أصل رأس المال في الحول، ولو كان نصاباً، بل يبدأ به حولاً جديداً من يوم ملكه.\rوأما الماشية المستفادة بإرث أو هبة ونحوهما فتضم إلى الماشية التي عنده إن كانت نصاباً، ولا تضم لها إن كانت أقل من نصاب.\r-------------------------------\r(1) البدائع: 13/2 ومابعدها، فتح القدير: 529/1، الدر المختار: 31/2، تبيين الحقائق: 280/1\r(2) الشرح الكبير مع الدسوقي: 461/1-463، بداية المجتهد: 263/1، وقالوا: نماء العين ربح وغلة وفائدة، أما الربح فهو ما يزيد عن ثمن المبيع المتجر به على ثمنه الأول ذهباً أو فضة، وحكمه أنه يضم لحول أصله ولو أقل من نصاب. والغلة: ما تجدد من سلع التجارة قبل بيع رقابها (ذواتها) كثمر النخل المشترى للتجارة، وحكمها أنه يبدأ بها حولاً من يوم قبضها. والفائدة: ما تجدد لا عن مال أو عن مال غير مزكى كعطية وميراث وثمن عرض القنية، وحكمها البدء (الاستقبال) بها حولاً من يوم حصولها.","part":3,"page":231},{"id":1624,"text":"ورأى الشافعية (1) في الأصح: أن الربح وولد العرض وثمره كثمر الشجرة وأغصانها وورقها وصوف الحيوان ووبره وشعره، هو مال تجارة يضم لأصل رأس المال، وأن حوله حول الأصل؛ ولو كان الأصل دون نصاب؛ لأن الربح ونحوه جزء من الأصل، فحوله حول الأصل تبعاً كنتاج الماشية السائمة.\rوأما المال المستفاد من غير التجارة: فلا يضم إلى مال التجارة في الحول، وإنما له حول مستقل من يوم ملكه.\rومذهب الحنابلة (2) كالشافعية تقريباً إلا في اشتراط كون الأصل نصاباً، فقالوا: إذا كان في ملك إنسان نصاب للزكاة، فاتجر فيه، فنمى، أدى زكاة الأصل مع النماء إذا حال الحول، فحول النماء مبني على حول الأصل؛ لأنه تابع له في الملك، فتبعه في الحول كنتاج الماشية.وأما المال المستفاد من غير التجارة فلا يضم إلى حول الأصل، بل له حول مستقل من يوم ملكه.\rخامساً ـ كيفية زكاة التجارة عند المالكية :\rالتاجر عند المالكية إما محتكر أو مدير، أو محتكر ومدير معاً (3) .\rأ ـ أما المحتكر: وهو الذي يشتري السلع، وينتظر بها الغلاء، وحكمه: أنه لا زكاة عليه فيها حتى يبيعها، فإن باعها بعد عام أو أعوام بالنقود ، زكى الثمن لسنة واحدة، وإن بقي عنده منها شيء، ضم الثمن إلى ما عنده منها.\r-------------------------------\r(1) مغني المحتاج: 399/1.\r(2) المغني: 37/3.\r(3) الشرح الصغير: 639/1-642، القوانين الفقهية: ص103.","part":3,"page":232},{"id":1625,"text":"وهذا مخالف لرأي الجمهور غير المالكية، فإنهم يقولون: يزكي المحتكر كل عام وإن لم يبع، ويخير عند الحنفية بين إخراج الزكاة من عين العروض أو قيمتها. ولا يجوز عند الشافعية في الجديد، والحنابلة الإخراج من عين العروض، كما تقدم سابقاً.\rويعتبر مبدأ حول المحتكر عند المالكية: يوم ملك الأصل أو يوم زكاته إن كان قد زكَّاه.\rوأما ديون المحتكر التي له من التجارة: فلا يزكيها إلا إذا قبضها، ويزكيها لعام واحد فقط.\rب ـ وأما المدير: فهو الذي يبيع ويشتري ولا ينتظر وقتاً، ولا ينضبط له حول، كأهل الأسواق، فيجعل لنفسه شهراً في السنة، ينظر فيه ما معه من النقود، ويقوَّم ما معه من العروض،ويضمه إلى النقود ، ويؤدي زكاة ذلك إن بلغ نصاباً بعد إسقاط الدين إن كان عليه.\rفحكم زكاته: أن يقوم في كل عام ما عنده من عروض، ولو كسد سوقها وبقيت عنده أعواماً، ثم يضم قيمتها إلى ما عنده من النقود، ويزكي الجميع.\rويعتبر مبدأ حول المدير من وقت تملك الثمن الذي اشترى به عروض التجارة، أي أن حوله حول أصل المال الذي اشترى به السلع، فيبتدئ الحول من يوم ملك الأصل أو من يوم زكاته، ولو تأخرت الإدارة عنه، كما لو ملك نصاباً أو زكاة في شهر المحرم، ثم أداره في رجب، أي شرع في التجارة على وجه الإدارة في رجب، فحوله من المحرم.\rوأما الديون التي للمدير من التجارة: فإن كانت حالة الأداء بأن كانت واجبة الدفع في الحال، أو حل أجل دفعها، وكانت مرجوة الخلاص (أي الدفع) ممن هي عليه، فيضم مقدار الدين إلى أصل المال، ويزكي الكل. وإن كان الدين عرضاً تجارياً أو مؤجلاً مرجو الخلاص، فإنه يقومه ويضم القيمة إلى أصل المال، ويزكي الجميع.\rأما إذا كان الدين على فقير معدم لا يرجى خلاصه منه،فلا تجب عليه زكاته إلا إذا قبضه من المدين، فإذا قبضه زكاه لعام واحد فقط.","part":3,"page":233},{"id":1626,"text":"ولا يقوَّم على المدير الأواني التي توضع فيها سلع التجارة ولا آلات العمل.\rجـ ـ وأما إذا كان التاجر محتكراً لبعض السلع، ومديراً للبعض الآخر: فإن تساويا أو كان الأقل للإدارة والأكثر للاحتكار، زكى المحتكر على حكم الاحتكار، يعني يزكي ثمنه بعد قبضه لعام واحد، وزكى المدير على حكم الإدارة، يعني يقوِّمه كل عام.\rوإن كان الأكثر للإدارة والأقل للاحتكار، فالجميع إدارة، وبطل حكم الاحتكار، أي يقوَّم الجميع كل عام، تغليباً لجانب الإدارة على حكم الاحتكار.\rسادساً ـ زكاة شركة المضاربة:\rيزكي رب المال (المالك) رأس المال وحصته من الربح، ويزكي العامل حصته من الربح، على النحو الآتي عند الفقهاء (1) :\rقال أبو حنيفة: يزكي كل واحد من المالك والعامل بحسب حظه أو نصيبه، كل سنة، ولا يؤخر إلى المفاصلة، أي التصفية.\rوقال الحنابلة: يزكي رب المال رأس المال والربح الحاصل؛ لأن ربح التجارة حوله حول أصله، فمن دفع إلى رجل ألفاً مضاربة على أن الربح بينهما نصفان، فحال الحول، وقد صار ثلاثة آلاف، فعلى رب المال زكاة ألفين.\rوأما العامل: فليس عليه زكاة في حصته حتى يتم اقتسام الربح، ويستأنف حولاً من حينئذ؛ لأن ملك المضارب غير تام، فإذا تحاسب المضارب مع المالك، زكى المضارب إذا حال عليه الحول من حين الحساب؛ لأنه علم مقدار ماله في مال الشركة، ولأنه إذا حدثت خسارة بعد ذلك كانت الخسارة (الوضيعة) على رب المال.\r-------------------------------\r(1) راجع القوانين الفقهية: ص 103-104، الشرح الكبير: 477/1، الشرح الصغير: 642/1، مغني المحتاج: 401/1، المغني: 38/3 ومابعدها.","part":3,"page":234},{"id":1627,"text":"وقال الشافعية: يلزم المالك زكاة رأس المال وحصته من الربح؛ لأنه مالك لهما. والمذهب أنه يلزم العامل زكاة حصته من الربح؛ لأنه متمكن من التوصل إليه متى شاء بالقسمة، فأشبه الدين الحالّ على مليء، ويبتدئ حول حصته من حين ظهور الربح، ولا يلزمه إخراج الزكاة قبل القسمة على المذهب.\rوقال المالكية: إذا كان مال القراض حاضراً ببلد رب المال، ولو حكماً بأن علم حاله في غيبته، تجب عليه زكاته زكاة إدارة، أي يقوم مالديه كل عام من رأس مال وربح، ويزكي رأس ماله وحصته من الربح، قبل المفاصلة أي الحساب والتصفية في ظاهر المذهب، لكن المعتمد أنه لا يزكي إلا بعد المفاصلة، ويزكي حينئد عن السنوات الماضية كلها. وكذلك إن غاب المال ولم يعلم حاله من بقاء أو تلف ومن ربح أو خسران، يزكيه عن السنوات الماضية.\rوأما العامل: فإنما يزكي حصته من الربح بعد المفاصلة لسنة واحدة.\rالمطلب الرابع ـ زكاة الزروع والثمار (أو زكاة النبات أو الخارج من الأرض ) :\rالكلام في هذا المطلب يتناول فرضية زكاة الزروع والثمار وسبب الفرضية، وشروطها، وما تجب فيه هذه الزكاة، والنصاب الذي تبدأ به الزكاة، ومقدار الواجب وصفته، ووقت الوجوب وإخراج الزكاة، وما يضم بعضه إلى بعض، وزكاة الثمار الموقوفة، وزكاة الأرض المستأجرة، وزكاة الأرض الخراجية ـ (الأراضي العشرية والخراجية ونوعا الخراج) العاشر وضريبة العشور، إخراج زكاة الزرع والثمر وإسقاطها.","part":3,"page":235},{"id":1628,"text":"أولاً ـ فرضية زكاة الزروع والثمار وسبب الفرضية(1 ) :\rهذه الزكاة واجبة بدليل من القرآن والسنة والإجماع والمعقول:\rأما القرآن: ققوله تعالى: {وآتوا حقه يوم حصاده} [الأنعام:141/6] قال ابن عباس: حقه: الزكاة المفروضة، وقال مرة: العشر، ونصف العشر، وقوله: {يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم، ومما أخرجنا لكم من الأرض} [البقرة:267/2] والزكاة تسمى نفقة، بدليل قوله تعالى: {والذين يكنزون الذهب والفضة، ولا ينفقونها في سبيل الله} [التوبة:34/9].\rوأما السنة: فقوله صلّى الله عليه وسلم : «فيما سقت السماء والعيون أو كان عَثَرياً (2) العشر، وفيما سقي بالنضح نصف العشر» (3) وقوله: «فيما سقت الأنهار والغَيْم: العشور، وفيما سقي بالسانية (4) نصف العشور» (5) .\rوأما الإجماع : فقد أجمعت الأمة على فرضية العشر.\rوأما المعقول: فكما ذكرت في حكمة مشروعية الزكاة؛ لأن إخراج العشر إلى الفقير من باب شكر النعمة، وإقدار العاجز، وتقويته على القيام بالفرائض، ومن باب تطهير النفس عن الذنوب وتزكيتها، وكل ذلك لازم عقلاً وشرعاً.\rوأما سبب فرضية هذه الزكاة: فهو الأرض النامية بالخارج منها، حقيقة في\r-------------------------------\r(1) البدائع: 53/2 ومابعدها، مغني المحتاج: 381/1، بداية المجتهد: 245/1، المغني: 689/2 ومابعدها، كشاف القناع: 236/2، فتح القدير: 4/2.\r(2) العثري: ما يسقيه المطر أو تشرب عروقه من ماء قريب من غير سقي، وفي لفظ « بعلاً » .\r(3) رواه الجماعة إلا مسلماً عن ابن عمر (نيل الأوطار: 139/4 ومابعدها).\r(4) السانية: البعير الذي يستقى به الماء من البئر.\r(5) رواه أحمد ومسلم والنسائي وأبو داود وقال: الأنهار والعيون، عن جابر (نيل الأوطار: المكان السابق).","part":3,"page":236},{"id":1629,"text":"حق العشر، أو تقديراً في حق الخراج، فلوأصاب الخارج آفة، فهلك لا يجب فيه العشر في الأرض العشرية، ولا الخراج في الأرض الخراجية، لفوات النماء حقيقة وتقديراً. ولو كانت الأرض عشرية فتمكن من زراعتها، فلم تزرع، لا يجب العشر، لعدم الخارج حقيقة. ولو كانت أرضاً خراجية يجب الخراج، لوجود الخارج تقديراً.\rولا تجب زكاة الزروع إلا بعد انعقاد الحب واشتداده، ولو بعضه. ولا تثبت الزكاة في الثمار إلا بعد بدو صلاحها، أي ظهور نضجها باحمرار أو اصفرار أو تموه أوتلون، بحسب المعهود في كل ثمر، ويكفي ظهور الصلاح في بعض الثمر من جنس واحد، كما سأبين.\rثانياً ـ شروط زكاة الزروع والثمار:\rهناك شروط عامة في كل زكاة، ذكرتها سابقاً كالأهلية من البلوغ والعقل، فلا تجب الزكاة عند الحنفية في مال الصبي والمجنون إلا زكاة الخارج من الأرض، وكالإسلام، فلا تجب على الكافر؛ لأن فيها معنى العبادة، والكافر ليس من أهل التكليف بها.\rويضاف لها شروط خاصة بها، مفصلة في المذاهب.\rفعند الحنفية (1) يشترط زيادة على الشروط العامة ما يأتي:\r1ً - أن تكون الأرض عشرية: فلا تجب الزكاة في الأرض الخراجية؛ لأن العشر والخراج لا يجتمعان في أرض واحدة عندهم.\r2ً - وجود الخارج: فلو لم تخرج الأرض شيئاً، لم يجب العشر؛ لأن الواجب جزء من الخارج.\r3ً - أن يكون الخارج مما يقصد بزراعته نماء الأرض واستثمارها أواستغلالها، فلا تجب هذه الزكاة في الحطب والحشيش ونحوهما؛ لأن الأرض لا تنمو بزراعة ذلك، بل تفسد بها.\rولا يشترط عند أبي حنيفة النصاب لوجوب العشر، فيجب العشر في كثير الخارج وقليله.\r-------------------------------\r(1) البدائع: 57/2-63.","part":3,"page":237},{"id":1630,"text":"واشترط المالكية (1) شرطين:\r1ً - أن يكون الناتج من الحبوب، ومن الثمار (التمر والزبيب والزيتون) ولازكاة في الفواكه كالتفاح والرمان، ولا في الخضروات والبقول. وذلك سواء في الأرض الخراجية كأرض مصر والشام التي فتحت عنوة، وخراجها لا يسقط عنها الزكاة، وغير الخراجية: وهي أرض الصلح التي أسلم أهلها عليها، وأرض الموات.\r2ً - أن يكون الناتج نصاباً وهو خمسة أوسق (653 كغ) ، والوسق ستون صاعاً، والصاع أربعة أمداد بمد النبي صلّى الله عليه وسلم ، وهو اثنا عشر قنطاراً أندلسية.\rواشترط الشافعية ثلاثة شروط (2) :\r1ً - أن يكون الناتج الذي تخرجه الأرض مما يقتات ويدخر وينبته الآدميون: فمن الحب: الحنطة والشعير والدُخن والذرة والأرز والعدس والحمص وما أشبه ذلك، ومن الثمار: التمر والزبيب. ولا زكاة في الخضروات والبقول والفواكه كالقثاء والبطيخ والرمان والقصب. والزكاة على الحبوب بعد تصفيتها من القش والتبن.\r2ً - أن يكون الناتج نصاباً كاملاً، وهو خمسة أوسق وهي ألف وست مئة رطل بغدادية، وبالدمشقي في الأصح ثلاث مئة واثنان وأربعون رطلاً وستة أسباع رطل، وهي تساوي 653 كغ.\r3ً - أن يكون مملوكاً لمالك معين: فلا زكاة في الموقوف على المساجد على الصحيح، إذ ليس لها مالك معين، ولا زكاة في نخيل الصحراء المباح إذ ليس له مالك معين.\rواشترط الحنابلة شروطاً ثلاثة (3) :\r1ً - أن يكون الناتج قابلاً للادخار والبقاء مما يجمع هذه الأوصاف: الكيل والبقاء واليبس في الحبوب والثمار، مما ينبته الآدميون إذا نبت في أرضه، سواء أكان قوتاً كالحبوب، أم من القطنيات كالعدس والحمص والباقلا (الفول)، أم من المقبِّلات كالكمون والكراويا وحب القثاء وحب الخيار، أم من حب البقول كحب الفجل والقرطم والترمس والسمسم، وسائر الحبوب.\r-------------------------------\r(1) الشرح الصغير: 608/1ومابعدها، القوانين الفقهية: ص105.\r(2) المهذب: 156/1 ومابعدها، مغني المحتاج: 381/1 ومابعدها.\r(3) المغني: 690/2-695، كشاف القناع: 239/2-242.","part":3,"page":238},{"id":1631,"text":"وتجب أيضاً في الثمار مما جمع هذه الأوصاف كالتمر والزبيب واللوز والفستق والبندق.\rولا زكاة في الفواكه كالخوخ والدراق والكمثرى والتفاح، ولا في الخضر، كالقثاء والخيار والباذنجان واللفت والجزر.\r2ً - أن يبلغ الناتج نصاباً وهو خمسة أوسق بعد التصفية في الحبوب والجفاف في الثمار، وهي( 1428و7/4) رطلاً مصرياً أو (50 كيلة) أو 4 أرادب، والأردب المصري 128 لتر ماء، أو 96 قدحاً.\r3ً - أن يكون النصاب مملوكاً للحر المسلم وقت وجوب الزكاة فيه: وهو وقت اشتداد الحب وبدو صلاح الثمر، فتجب الزكاة فيما نبت بنفسه مما يزرعه الآدمي، كمن سقط له حب في أرضه، فنبت؛ لأنه يملكه وقت الوجوب، وفعل الزرع ليس شرطاً، ولا زكاة فيما يكتسبه اللقاط، أو يوهب له بعد بدو صلاحه، أو يشتريه ونحوه بعد ذلك، أو يأخذه الحصَّاد ونحوه أجرة لحصاده ودياسه ونحوه، كأجرة تصفيته أو نطارته، ولا فيما يملك من زرع وثمرة بعد بدو صلاحه بشراء أو إرث أو غيرهما كصداق وعوض خلع وإجارة وعوض صلح؛ لأنه لم يكن مالكاً له وقت الوجوب. ولا زكاة فيما يجتنيه من مباح، سواء نبت في أرضه أو أخذه من موات؛ لأنه لا يملك إلا بأخذه، فلم يكن وقت الوجوب في ملكه.\rثالثاً ـ ما تجب فيه الزكاة:\rللفقهاء رأيان في زكاة ما تخرجه الأرض، رأي يعمم في كل خارج، ورأي يخصص الخارج فيما يقتات ويدخر (1) .\rالرأي الأول ـ لأبي حنيفة: تجب الزكاة في قليل ما أخرجته الأرض وكثيره إلا الحطب والحشيش والقصب الفارسي (وهو ما يتخذ منه الأقلام، أما قصب السكر ففيه العشر)\r-------------------------------\r(1) فتح القدير: 2/2 ومابعدها، اللباب: 151/1 ومابعدها، الشرح الكبير: 447/1 ومابعدها، الشرح الصغير: 609/1 ومابعدها، القوانين الفقهية: ص105، مغني المحتاج: 281/1 ومابعدها، المهذب: 156/1، المغني: 690/2 ومابعدها، كشاف القناع: 236/2-238، المجموع: 432/5-442.","part":3,"page":239},{"id":1632,"text":"والسعف والتبن، وكل ما لا يقصد به استغلال الأرض ويكون في أطرافها. أما إذا اتخذ أرضَه مَقْصَبة أو مَشْجَرة أو مَنْبِتا للحشيش، وساق إليه الماء، ومنع الناس عنه، فيجب فيه العشر. وأطلق الوجوب فيما أخرجته الأرض لعدم اشتراط الحول؛ لأن فيه معنى المؤنة (الضريبة)، ولذا كان للإمام أخذ هذه الزكاة (العشر) جبراً، ويؤخذ من التركة، ويجب مع الدين، وفي أرض الصغير والمجنون والوقف.\rودليله: حديث «ما أخرجته الأرض ففيه العشر» (1) عمم الواجب في كل خارج، والصحيح عند الحنفية ما قاله الإمام، ورجح الكل دليله.\rالرأي الثاني ـ للصاحبين وجمهور الفقهاء: لا تجب زكاة الزروع والثمار إلا فيما يقبل الاقتيات والادخار وعند الحنابلة: فيما ييبس ويبقى ويكال، ولا زكاة في الخَضروات (بفتح الخاء) والفواكه. وهذا هو الراجح.\rأما الصاحبان من الحنفية فقالا: لا يجب العشر إلا فيما له ثمرة باقية إذا بلغ خمسة أوسق، وليس في الخضروات (الفواكه كالتفاح والكمثرى وغيرهما، أو البقول كالكراث والكرفس ونحوهما) عندهما عُشْر، لعدم الثمرة الباقية.\rوأما المالكية فقالوا: تجب الزكاة في عشرين صنفاً: أما الحبوب فسبعة عشر: القطاني السبعة (وهي الحمص ـ بكسر الميم وفتحها، والفول، واللوبيا والعدس، والتُرمس، والجُلْبان، والبسيلة) والقمح، والسُلت (نوع من الشعير لا قشر له)، والعلس، والذرة، والدُخن، وأُرْز، وذوات الزيوت الأربعة: وهي الزيتون والسمسم، والقِرطِم (حب العصفر)، وحب الفجل الأحمر، أما الفجل الأبيض فلا زكاة في حبه، إذ لا زيت له.\r-------------------------------\r(1) قال الزيلعي عنه: غريب بهذا اللفظ، وبمعناه حديث ابن عمر السابق: «فيما سقت السماء والعيون العشر» (نصب الراية: 384/2).","part":3,"page":240},{"id":1633,"text":"وأما الثمار فثلاثة: التمر والزبيب والزيتون، لقول عمر: «وفي الزيتون العشر» .\rولا تجب الزكاة في الفواكه كالتين والرمان والتفاح ونحوها، ولا في بزر الكتان، والسَّلْجَم (اللفت)، ولا في جوز ولوز، ولا غير ذلك.\rوأما الشافعية: فقرروا أن الزكاة تختص بالقوت، وهو من الثمار: التمر والزبيب (1) ، ومن الحب: الحنطة والشعير والأرزُّ والعدس والماش، وسائر المقتات اختياراً كالحِمِّص، والباقلا (الفول) والذرة، والهرطمان: (حب متوسط بين الحنطة والشعير) وهو الجُلْبانة والكِرْسنة والحِلْبة والخشخاش والسمسم.\rولا زكاة في القثَّاء والبطيخ والرمان، والقَضْب (البرسيم)؛ لأن الرسول صلّى الله عليه وسلم عفا عنه. ولا زكاة في الفواكه كخوخ ورمان وتين ولوز وجوز هند وتفاح ومِشْمِشِ، ولا زكاة في حبوب البوادي كحب الحنظل، ولا في الوحشيات من الظباء ونحوها، ولا في الموقوف على المساجد والقناطر والرباطات (الثغور) والفقراء والمساكين، على الصحيح؛ إذ ليس له مالك معين، ولا في الزيتون والزعفران والورس والقِرْطِمُ (حب العصفر) ولا في العسل، في المذهب الجديد.\rوقال الحنابلة: تجب الزكاة في كل مقتات مكيل مدخر من الحبوب، كالحنطة والشعيروالسُلت (وهو نوع من الشعير لونه لون الحنطة، وطبعه كالشعير في البرودة) والذرة والقطنيات (2) ، كالباقلاء (الفول) والحمص واللوبيا والعدس والماش والتُرْمس (حب عريض أصغر من الفول) والدخن والأرز والهرطمان (وهو الجلبانة والكرسنة والحلبة والخشخاش والسمسم) والعلس (نوع من الحنطة يدخر في قشره ).\r-------------------------------\r(1) أخرج الترمذي من حديث عتَّاب بن أسَيْد رضي الله عنه: «أمرني رسول الله صلّى الله عليه وسلم أن يُخْرَص العنب كما يخرص النخل، وتؤخذ زكاته زبيباً، كما تؤخذ صدقة النخل تمراً»\r(2) بكسر القاف وفتحها وضمها، وتشديد الياء وتخفيفها، سمي بذلك: من قطن يقطن في البيت؛ لأنها تمكث فيه..","part":3,"page":241},{"id":1634,"text":"وتجب الزكاة في بزر البقول كلها: كالهندبا والكرفس والبصل وبزر قَطُونا ونحوها، وبزر الرياحين جميعاً، وبزر الكزبرة والكمون والكراويا والشونيز (يقال له: الحبة السوداء)، وحب الرازيانج (وهو الشمروالأنيسون وحب القضب) والخَرْدل وبزر الكتان، وبزر القطن واليقطين (وهو القرع) وبزر البقلة والحمقاء، وبزر الباذنجان والخس والجزر.\rوفي حب البقول: كالرَّشَاد (1) ، وحب الفجل، والقرطم (حب العصفر).\rوتجب الزكاة في كل ثمر يكال ويدخر، كالتمر والزبيب واللوز والفستق والبندق والسماق.\rوالخلاصة :أن الزكاة تجب في الحبوب والبزور والثمار المدخرة.\rوالأظهر كما في كتاب الفروع وجوب الزكاة في العُنَّاب والتين والمشمش والتوت؛ لأنه يدخر كالتمر،والمعتمد لا زكاة فيها؛ لأن العادة لم تجر بادخاره وتجب الزكاة في صعتر وأشنان وحب ذلك، وكل ورق مقصود، كورق سدر وخطمي وآسي؛ لأنه نبات مكيل مدخر. ولا تجب الزكاة في قطن وكتان وقنب وزعفران وورس ونيل وجوز الهند، وسائر الفواكه كالخوخ والتفاح أو الإجاص والكمثرى، والسفرجل والرمان والنبق والزعرور والموز؛ لأنها ليست مكيلة، ولا في الجوز؛ لأنه معدود، ولا في قصب السكر.\rولا زكاة في الخضر كبطيخ وقثاء وخيار وباذَنجان ولِفت وسلق وكُرنْب وقنبيط وبصل وثوم وكراث وجزر وفجل ونحوه، لحديث علي: أن النبي صلّى الله عليه وسلم\r-------------------------------\r(1) الرشاد: بقلة سنوية من الفصيلة الصليبية، تزرع وتنبت برية، ولها حب حريف يسمى حب الرشاد.","part":3,"page":242},{"id":1635,"text":"قال: «ليس في الخضروات صدقة» (1) . ولا في البقول كالهندَبا والكرَفْس والنعناع والرشاد وبقلة الحمقاء والقرظ والكزبرة والجرجير ونحوه.\rولا في المسك والزهر، كالورد والبنفسج والنرجس واللينوفر والخيري: وهو المنثور، ونحوه كالزنبق، ولافي طلع الفُحَّال (وهو ذكر النخل)، ولا في السُّعُف (وهو أغصان النخل، أي جريد النخل الذي لم يجرد عنه خوصه، فإن جرد عنه خوصه فجريد) ولا في الخوص (وهو ورق السعف)، ولا في قشور الحب والتبن والحطب والخشب وأغصان الخلاف، وورق التوت والكلأ، والقصب الفارسي، ولبن الماشية وصوفها ونحو ذلك كالوبر والشعر، وكذا الحرير ودود القز؛ لأن ذلك كله ليس منصوصاً عليه، ولا في معنى المنصوص عليه، فبقي على أصل العفو.\rوالخلاصة بالنسبة للزيتون: أنه لا زكاة فيه عند الشافعية في الجديد والمعتمد عند الحنابلة، وفيه الزكاة عند أبي حنيفة والمالكية (2) ونصابه عند المالكية خمسة أوسق زيتون.\rزكاة العسل: اختلف الفقهاء في حكم زكاة العسل على رأيين (3) :\rفقال الحنفية والحنابلة: فيه العشر، إلا أن أبا حنيفة قال: يجب فيه العشر إذا أخذ من أرض العشر، قل المأخوذ أو كثر وليس في أرض الخارج من أرض الخراج عشر، وقال الحنابلة: نصاب العسل عشرة أفراق، وهي جمع فَرْق، والفرق عندهم ستة عشر رطلاً، فيكون النصاب مئة وستين رطلاً بالبغدادي أو 34و7/2 رطل دمشقي، ومئة وأربعة بالمصري، والرطل عند الحنفية: 130 درهماً، والدرهم الوسطي ( 975،2 غم).\rودليلهم على وجوب الزكاة في العسل آثار منها:\r-------------------------------\r(1) وعن عائشة معناه، رواهما الدارقطني، وروى الأثرم في سننه عن موسى بن طلحة حديثاً عن الخضروات: «ليس في ذلك صدقة» وهو مرسل قوي (نيل الأوطار: 142/4.\r(2) الأموال: ص504 وما بعدها، المغني: 694/2 ومابعدها، 713، نيل المآرب 185/1.\r(3) البدائع: 61/2 وما بعدها، اللباب: 153/1، الأموال لأبي عبيد: 506 ومابعدها، فتح القدير: 5/2، المجموع: 434/5 ومابعدها، مغني المحتاج: 382/1، كشاف القناع: 257/2، المغني: 713/2.","part":3,"page":243},{"id":1636,"text":"ما رواه أبو سيَّارة المُتَعي قال: قلت: «يا رسول الله ، إن لي نحلاً، قال: فأدِّ العشور» (1) .\rوما رواه عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلّى الله عليه وسلم : «أنه أخذ من العسل العشر» (2) وعن عمر رضي الله عنه أنه كان يأخذ عن العسل العشر من كل عشر قِرَب قربة.\rوروى العقيلي في الضعفاء من طريق عبد الرزاق عن أبي هريرة حديثاً : «في العسل العشر» (3) .\rوقال المالكية والشافعية: لا زكاة في العسل، بدليل أمرين:\rالأول ـ ما قاله الترمذي: «لا يصح عن النبي صلّى الله عليه وسلم في هذا كبير شيء» وما قاله ابن المنذر: «إنه ليس في وجوب الصدقة فيه خبر يثبت ولا إجماع» .\rالثاني ـ أنه مائع خارج من حيوان، فأشبه اللبن، واللبن لا زكاة فيه بالإجماع.\rورجح أبو عبيد أن يكون أربابه يؤمرون بأداء صدقته، ويُحثُّون عليها، ويكره لهم منعها، ولا يؤمن عليهم المأثم في كتمانها، من غير أن يكون ذلك فرضاً عليهم.\r-------------------------------\r(1) رواه أحمد وابن ماجه وأبو داود والبيهقي، وهو منقطع (نيل الأوطار: 145/4 ومابعدها).\r(2) رواه ابن ماجه، روي مسنداً ومرسلاً (المرجع السابق) ورواه أيضاً أبو عبيد والأثرم.\r(3) قال الزيلعي: لم أجده في مصنف عبد الرزاق بهذا اللفظ، وإنما لفظه أن النبي صلّى الله عليه وسلم كتب إلى أهل اليمن: أن يؤخذ من أهل العسل العشر (نصب الراية: 390/2).","part":3,"page":244},{"id":1637,"text":"رابعاً ـ النصاب الذي يبدأ به زكاة الزرع والثمر:\rقال أبو حنيفة (1) : النصاب ليس بشرط لوجوب العشر، فيجب العشر في كثير الخارج وقليله، لعموم قوله تعالى { يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم، ومما أخرجنا لكم من الأرض} [البقرة:267/2] وقوله عز وجل: {وآتوا حقه يوم حصاده} [الأنعام:141/6] وقول النبي صلّى الله عليه وسلم : «ما سقته السماء ففيه العشر، وما سقي بغَرْب أو دالية، ففيه نصف العشر» (2) من غير تفصيل بين القليل والكثير. ولأن سبب الوجوب وهي الأرض النامية بالخارج لا يميز بين القليل والكثير، وكل شيء أخرجته الأرض مما فيه العشر لا يحتسب فيه أجر العمال ونفقة الزرع من أدوات الحراثة؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلم حكم بتفاوت الواجب بتفاوت المؤنة (التكاليف) ؛ لأنه قال: «ما سقته السماء ففيه العشر وما سقي بغَرْب ففيه نصف العشر» وعلى هذا تكون النفقات على الزارع، وتجب الزكاة في كل الخارج بدون أن تحسم منه النفقات.\rوقال الصاحبان وجمهور الفقهاء (3) : النصاب شرط، فلا تجب فيه الزكاة في شيء من الزروع والثمار حتى تبلغ خمسة أوسق وهي (653 كغ) أو 50\r-------------------------------\r(1) البدائع: 59/2، فتح القدير: 2/2 ومابعدها.\r(2) رواه أبو مطيع البلخي عن أبان بن عياش عن رجل عن النبي صلّى الله عليه وسلم ، لكن إسناده لا يساوي شيئاً (نصب الراية: 385/2) والغرب: الدلو العظيمة، والدالية: الناعورة يديرها الماء. وأخرج البخاري عن ابن عمر رضي الله عنهما عن رسول الله صلّى الله عليه وسلم قال: «فيما سقت السماء والعيون أو كان عَثَرياً العشر، وفيما سقي بالنضج نصف العشر» والعثري: ما نبت بالمطر أو امتصاص العروق من نهر مجاور، وهو المسمى بالبَعْل في مقابل زرع السَقْي.\r(3) القوانين الفقهية: ص105، الشرح الصغير: 608/1 ومابعدها، الشرح الكبير: 447/1 ومابعدها، مغني المحتاج: 382/1 ومابعدها، المغني: 690/2،695-699، المجموع:439/5.","part":3,"page":245},{"id":1638,"text":"كيلة مصرية، لقول النبي صلّى الله عليه وسلم : «ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة» (1) والوسق ستون صاعاً، وهذا حديث خاص بهذه الزكاة، يجب تقديمه، وتخصيص عموم أدلة أبي حنيفة، كما خصص قوله: «في سائمة الإبل الزكاة» بقوله في نهاية هذا الحديث: «ليس فيما دون خمسة ذَوْد صدقة» ،وقوله: «في الرِّقة العشر» بقوله «ليس فيما دون خمس أواق صدقة» ، ولأنه مال تجب فيه الصدقة، فلم تجب في يسيره كسائر الأموال الزكائية، ولأن الصدقة تجب على الأغنياء، ولا يحصل الغنى بدون النصاب، كسائر الأموال الزكائية. وهذا هو الراجح لدي لصحة الحديث.\rوإنما لم يعتبر الحول؛ لأنه يكمل نماؤه باستحصاده لا ببقائه، واعتبر الحول في غيره من الزكوات؛ لأنه مظنة لكمال النماء في سائر الأموال. والنصاب معتبر بالكيل، فإن الأوساق مكيلة، وكان الصاع مكيال أهل المدينة في عهد النبي صلّى الله عليه وسلم وقدره أربعة أمداد، والصاع خمسة أرطال وثلث رطل، والرطل (675غم) وذكر الشافعية والحنابلة أنه يعتبر النصاب تمراً أو زبيباً إن تتمر وتزبب، لحديث مسلم «ليس في حب ولا تمر صدقة حتى يبلغ خمسة أوسق» وإن لم يتتمر الرطب ولم يتزبب العنب، بأن لم يأت منه تمر ولا زبيب جيدان في العادة، أو كانت تطول مدة جفافه كسنة، اعتبر نصاباً رطباً وعنباً، فيوسق رطباً وعنباً؛ لأن ذلك وقت كماله. فيكمل به نصاب ما يجف من ذلك، وتخرج الزكاة من كل منهما في الحال؛ لأن ذلك أكمل أحوالهما.\rويعتبر الحب خمسة أوسق حال كونه مصفى من تبنه؛ لأنه لا يدخر فيه ولا يؤكل معه.\rوأما ما ادخر في قشره كالأَرُزّ والعلس، فنصابه عشرة أوسق، اعتباراً بقشره\r-------------------------------\r(1) رواه الجماعة عن أبي سعيد الخدري (نيل الأوطار: 141/4).","part":3,"page":246},{"id":1639,"text":"الذي يكون ادخاره فيه أصلح له أو أبقى بالنصف، ولا يضم ثمر عام إلى ثمر عام آخر في إكمال النصاب، ولا زرع عام إلى زرع عام آخر كذلك، ويضم ثمر العام بعضه لبعض، وكذلك زرع العام بعضه لبعض، وإن اختلف إدراكه لاختلاف أنواعه وبلاده حرارة وبرودة. والمراد بالعام هنا: اثنا عشر شهراً عربية.\rوذكر المالكية أن المعتبر كون الحب منقى من تبنه وصوانه الذي لا يخزن به، مقدر الجفاف، وكون الرطب تمراً والعنب زبيباً، فإن بيع رطباً أوعنباً فيجب نصف عشر القيمة، ونصف عشر ثمن فول أخضر وحمص مما شأنه ألا ييبس. ويؤخذ نصف العشر من زيت ماله زيت. ويحسب في النصاب الشرعي قشر الأرز والعلس والشعير الذي يخزن به. فلو كان الأرز مثلاً مقشوراً أربعة أوسق، وبقشره خمسة أوسق زكي، وإن كان أقل فلا زكاة.\rواتفق الجمهور مع الحنفية على أنه لا ينقص النصاب بمؤنة الحصاد والدياس وغيرهما من نفقات الزرع.\rخامساً ـ مقدار الواجب وصفته:\rاتفق الفقهاء (1) على أن العشر يجب فيما سقي بغير مؤنة (مشقة) كالذي يشرب من السماء (الأمطار)، وما يشرب بعروقه: وهوالذي يشرب من ماء قريب منه.\rويجب نصف العشر فيما سقي بالمؤن كالدوالي (النواعير) النواضح.\rوالدليل لهم قول النبي صلّى الله عليه وسلم المتقدم: «فيما سقت السماء والعيون، أو كان عَثَرياً العشر، وما سقي بالنضح نصف العشر» (2) ، وانعقد الإجماع على ذلك، كما قال البيهقي وغيره. فإن سقي نصف السنة بكلفة ونصفها بغير كلفة ففيه ثلاثة أرباع العشر، عملاً بمقتضى كل واحد منهما. وإن سقي بأحدهما أكثر من الآخر، اعتبر الأكثر، فوجب مقتضاه، وسقط حكم الآخر.\rوسبب التفرقة واضح وهو كثرة المؤنة في أرض السقي، وخفتها في أرض البعل (3) ، كما هو الفرق بين الماشية المعلوفة والسائمة.\r-------------------------------\r(1) البدائع: 62/2-63، القوانين الفقهية: ص106، الشرح الصغير: 610/1-612، مغني المحتاج: 685/1، المغني: 698/2، 702، كشاف القناع: 242/2 وما بعدها.\r(2) رواه الجماعة إلا مسلماً عن ابن عمر، وعند مسلم من حديث جابر «فيما سقت الأنهار والغيم العشر، وفيما سقي بالسانية نصف العشر» وفي رواية لأبي داود: «إن في البعل العشر» .\r(3) قال أهل اللغة: البعل: ما يشرب بعروقه، والعثري: ما سقي بماء السيل الجاري إليه في حفرة، وتسمى الحفرة عاثوراء، لتعثر المار بها إذا لم يعلمها. والسواني: هي النواضح، وهي الإبل التي يستقى بها لشرب الأرض.","part":3,"page":247},{"id":1640,"text":"ولا وقص (لا عفو) في نصاب الحبوب والثمار، بل مهما زاد على النصاب أخرج منه بالحساب، فيخرج العشر أو نصفه، فإنه لا ضرر في تبعيضه، بخلاف الماشية ففي تبعيضها ضرر. وأما صفة الواجب: فهو جزء من الخارج أو قيمته عند الحنفية. وأما عند الجمهور: الواجب عين الجزء ولا يجوز غيره.\rهل تحسم النفقات التي تصرف على المزروعات؟\rينفق المزارع عادة على زراعته نفقات مثل ثمن البذار والسماد وأجور الحرث (الفلاحة) والري والتنقية والحصاد وغير ذلك.\rجاء في الفتوى رقم (15) في ندوة البركة السادسة في جدة أن هناك آراء ثلاثة في الموضوع، رأي بحسم جميع النفقات، ورأي بعدم حسم التكاليف، ورأي متوسط بإسقاط الثلث من المحصول، ثم إخراج الزكاة من الباقي، وقد\rاختار الحاضرون الرأي الثالث المتوسط، ثم يتم حساب الزكاة بإخراج العشر إن كان الريّ بماء السماء، ونصف العشر إن كان بآلة.\rوهذا مستمد من كلام ابن العربي في شرح الترمذي، عملاً بحديث النبي صلّى الله عليه وسلم: « دعوا الثلث أو الربع » والذي عليه عمل المسلمين والمذاهب الأربعة كما ذكر ابن حزم في المحلى ( 258/5 )","part":3,"page":248},{"id":1641,"text":"وصرح به الفقهاء أنه لايجوز إسقاط شيء من النفقة؛ لأن الزكاة تعلقت بعين الخارج لقوله تعالى: { وآتوا حقه يوم حصاده } [الأنعام:141/6] وهذا ما أرجحه (1) .\rسادساً ـ وقت الوجوب:\rوقت الوجوب عند أبي حنيفة (2) : وقت خروج الزرع، وظهور الثمر، لقوله تعالى: {أنفقوا من طيبات ما كسبتم، ومما أخرجنا لكم من الأرض} [البقرة:267/2] أمر الله تعالى بالإنفاق مما أخرجه من الأرض، فدل أن الوجوب متعلق بالخروج. فإن استهلكها صاحبها بعد الوجوب يضمن عشره، وأما قبل الوجوب فلا يضمن، ولو هلك الخارج بنفسه فلا عشر في الهالك.\rووقت الوجوب عند المالكية: في الثمار الطيب (وهو الزهو في بلح النخل، وظهور الحلاوة في العنب)، وفي الزرع: إفراك الحب، أي طيبه وبلوغه حد الأكل منه، واستغناؤه عن السقي، لا باليبس ولا بالحصاد ولا بالتصفية (3) . وأما عند الشافعية والحنابلة (4) : فتجب الزكاة ببدو صلاح الثمر؛ لأنه حينئذ ثمرة كاملة، وهو قبل ذلك حصرم وبلح، وببدو اشتداد الحب؛ لأنه حينئذ طعام، وهو قبل ذلك بقل.\rوليس المراد بوجوب الزكاة بما ذكر: إخراجها في الحال، بل انعقاد سبب وجوب إخراج الثمر والزبيب والحب المصفى عند الصيرورة كذلك.\rوبناء على الرأي الأخير إن أتلفها صاحبها أو تلفت بتفريطه أو عدوانه بعد الوجوب، لم تسقط عنه الزكاة. وإن كان قبل الوجوب سقطت، إلا أن يقصد بذلك الفرار من الزكاة، فيضمنها ولا تسقط عنه.\rوإن جذَّها وجعلها في الجرين (موضع تجفيف التمر)، أو جعل الزرع في البيدر، استقر الوجوب عليه. وإن تلفت بعد ذلك لم تسقط الزكاة عنه، وعليه ضمانها، كما لو تلف نصاب الماشية السائمة أو الأثمان (النقود) بعد الحول.\rوإن تلفت الثمرة قبل بدو الصلاح أو الزرع قبل اشتداد الحب، فلا زكاة فيه.\r-------------------------------\r(1) انظر وقارن فقه الزكاة للدكتور يوسف القرضاوي 394/1 - 397.\r(2) البدائع: 63/2 .\r(3) القوانين الفقهية: ص 106، الشرح الصغير: 615/1، الشرح الكبير: 451/1 .\r(4) مغني المحتاج: 386/1، كشاف القناع: 245/2، المجموع:454/5، المغني: 702/2-705، المهذب:157/1.","part":3,"page":249},{"id":1642,"text":"ويصح تصرف المالك في النصاب قبل الخرص وبعده بالبيع والهبة وغيرهما، فإن باعه أو وهبه بعد بدو صلاحه، فصدقته على البائع والواهب. وهذا قول الحنابلة والمالكية.\rوقال الحنفية: إذا باع الزرع قبل إدراكه، وجبت الزكاة على المشتري. وقال الشافعية: تجب الزكاة على مالك الزرع عند الوجوب.\rسابعاً ـ ما يضم بعضه إلى بعض:\rلا خلاف بين أهل العلم في غير الحبوب والثمار: أنه لا يضم جنس إلى جنس آخر في تكميل النصاب، فالماشية ثلاثة أجناس: الإبل، والبقر، والغنم، لا يضم جنس منها إلى آخر. والثمار لا يضم جنس إلى غيره، فلا يضم التمر إلى الزبيب، ولا إلى اللوز، والفستق، والبندق. ولا يضم شيء من هذه إلى غيره، ولا تضم الأثمار إلى شيء من السائمة، ولا من الحبوب والثمار.\rولا خلاف بينهم في أن أنواع الأجناس يضم بعضها إلى بعض في إكمال النصاب.\rولا خلاف بينهم أيضاً في أن العروض التجارية تضم إلى الأثمان (النقود)، وتضم الأثمان إليها، إلا أن الشافعي لا يضمها إلا إلى جنس ما اشتريت به؛ لأن نصابها معتبر به (1) .\rولا خلاف عند الجمهور غير المالكية في ضم الحنطة إلى العلس؛ لأنه نوع منها، ومثله السلت يضم إلى الشعير؛ لأنه منه، فيضم إليه عند غير الشافعية.\rواختلف العلماء في ضم الحبوب بعضها إلى بعض، وفي ضم أحد النقدين إلى الآخر.\rفقال الحنفية والشافعية: لا يضم جنس منها إلى غيره، ويعتبر النصاب في كل جنس منها منفرداً؛ لأنها أجناس، فاعتبر النصاب في كل جنس منها منفرداً كالثمار أيضاً والمواشي. لكن يلاحظ أن أبا حنيفة يوجب الزكاة في كل ما أخرجت الأرض، ولا يشترط النصاب، فلا تثور مشكلة الضم لديه.\rوقال المالكية والقاضي من الحنابلة: إن الحنطة تضم إلى الشعير، وتضم القطنيات بعضها إلى بعض؛ لأن هذا كله مقتات، فيضم بعضه إلى بعض كأنواع الحنطة.\r-------------------------------\r(1) المغني: 730/2. وتفصيل هذه الآراء كما يأتي:","part":3,"page":250},{"id":1643,"text":"قال المالكية (1) : تضم القطاني السبعة (الحمص والفول واللوبيا والعدس والترمس والجُلْبان والبسيلة) لبعضها بعضاً؛ لأنها جنس واحد في الزكاة، فإذا اجتمع من جميعها أو من اثنين منها ما فيه الزكاة، زكاه، وأخرج من كل صنف منها ما ينوبه. والقمح والشعير والسلت صنف واحد، فتضم لبعضها.\rويجزئ إخراج الأعلى من الأدنى لا عكسه، كقمح وسلت وشعير؛ لأن الثلاثة جنس واحد. ولا يضم شيء منها لعلس (حب طويل يشبه البُرّ باليمن)؛ لأنه جنس منفرد، ولا يضم شيء منها لذرة ولا دخن ولا أرز؛ لأن كل واحد منها جنس على حدة، فلا يضم واحد منها لآخر، بل يعتبر كل واحد منها جنساً على حدة.\rوذوات الزيوت الأربع: وهي الزيتون والسِّمسِم، وبذر الفُجل الأحمر، والقرطم: أجناس، لا يضم بعضها إلى بعض.\rوتضم أنواع الجنس الواحد لبعضها، فالزبيب بأصنافه جنس واحد، ولا يضم هو لغيره، والتمر بأصنافه جنس واحد، والقمح بأصنافه الجيد منها والرديء جنس واحد.\rوقال الشافعية (2) : لا يكمل جنس بجنس، ويضم النوع إلى النوع، ويخرج من كل من النوعين بقسطه، لعدم المشقة فيه بخلاف المواشي، فإن الأصح أن المزكي يخرج نوعاً منها، بشرط اعتبار القيمة والتوزيع، ولا يؤخذ البعض من هذا والبعض من هذا، لما فيه من المشقة، فإن عسر إخراج جزء من كل نوع لكثرة الأنواع وقلة الحاصل من كل نوع، أخرج الوسط منها، لا أعلاها ولا أدناها، رعاية للجانبين.\rويضم العلس إلى الحنطة؛ لأنه نوع منها، وهو قوت صنعاء اليمن. والسُلْت جنس مستقل، فلا يضم إلى غيره كالشعير.\rولا يضم ثمرة عام وزرعه إلى آخر، ويضم ثمر العام بعضه إلى بعض، وإن اختلف وقت إدراكه، لاختلاف أنواعه وبلاده حرارة أو برودة. والأظهر في الضم وقوع حصاديهما في سنة.\r-------------------------------\r(1) الشرح الصغير: 613/1 ومابعدها، القوانين الفقهية: ص106، الشرح الكبير: 449/1 ومابعدها.\r(2) المجموع: 5/344، المهذب: 157/1، مغني المحتاج: 384/1.","part":3,"page":251},{"id":1644,"text":"وقال ابن قدامة من الحنابلة (1) : الصحيح عند القاضي أبي يعلى من الروايات الثلاث عن أحمد: أن الحنطة تضم إلى الشعير، وتضم القطنيات بعضها إلى بعض، وكذلك يضم الذهب والفضة. وتضم أنواع الجنس من حبوب أو ثمار من عام واحد بعضها إلى بعض في تكميل النصاب، كأنواع الماشية والنقدين.\rفالسلت نوع من الشعير، فيضم إليه، والعلس: نوع من الحنطة، فيضم إليها.\rويضم زرع العام الواحد، وثمرة العام الواحد إلى بعض، في تكميل النصاب، سواء اتفق وقت زرعه وإدراكه أو اختلف، وسواء اتفق وقت ظهور الثمرة وإدراكها أو اختلف.\rوقال البُهوتي في كشاف القناع: تضم أنواع الجنس الواحد من حبوب وثمار من عام واحد، ولا يضم جنس إلى آخركبُر إلى شعير، أو د ُخن أو ذرة أو عدس ونحوه؛ لأنها أجناس يجوز التفاضل فيها، فلم يضم بعضها إلى بعض، كأجناس الثمار وأجناس الماشية، ولا يصح القياس على ضم العلس إلى الحنطة؛ لأنه نوع منها. ولا تضم النقود أو الأثمان من الذهب والفضة إلى بعضها، ولا إلى شيء من الحبوب أو الثمار أو الماشية؛ لأنها أجناس مختلفة، إلا إلى عروض التجارة، فتضم النقود (الأثمان) إلى قيمتها. وهذا هو المعتمد لدى الحنابلة، فيتفق رأيهم مع المذاهب الأخرى.\rوالخلاصة: أن الحنطة تضم مع الشعير لدى المالكية والقاضي من الحنابلة، ولا يضمان عند الشافعية وفي المعتمد عند الحنابلة، وأما القطاني فتضم لبعضها عند المالكية والحنابلة، ولا تضم عند الشافعية وفي رواية أخرى عن الإمام أحمد.\r-------------------------------\r(1) المغني:730/2 ومابعدها، كشاف القناع: 241/2 ومابعدها .","part":3,"page":252},{"id":1645,"text":"ثامناً ـ زكاة الثمار الموقوفة :\rللفقهاء رأيان في زكاة الموقوف بالنظر لاشتراط ملك الأرض أو عدم اشتراطه، رأي يوجب الزكاة، ورأي يعفي منها (1) .\rقال الحنفية: الشرط ملك الخارج من الأرض، فيجب العشر في الأراضي التي لا مالك لها، وهي الأراضي الموقوفة، لعموم قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم، ومما أخرجنا لكم من الأرض} [البقرة:267/2] وقوله عز وجل: {وآتوا حقه يوم حصاده} [الأنعام:141/6] وقول النبي صلّى الله عليه وسلم : «ما سقته السماء ففيه العشر، وماسقي بغرب أو دالية، ففيه نصف العشر» ولأن العشر يجب في الشيء الخارج، لا في الأرض نفسها، فكان ملك الأرض وعدمه بمنزلة واحدة.\rوقال المالكية كالحنفية: يجب على الواقف أو متولي الوقف زكاة عين: ذهب أو فضة وقفت للسلف أي القرض، إن مر عليها حول من يوم ملكها، أو كانت هي مع ما لم يوقف نصاباً؛ إذ وقفها لا يسقط زكاتها عليه منها كل عام. كما يزكى نبات وقف ليزرع كل عام في أرض مملوكة أو مستأجرة، ويزكى حيوان من الأنعام وقف ليفرق لبنه أو صوفه أو ليحمل عليه أو يركب، ونسله تبع له، ولو سكت عنه، على مساجد أو على فقراء غير معينين أو معينين، إن تولى المالك تفرقته وسقيه وعلاجه بنفسه أو نائبه. فإن لم يتول المالك القيام به، وإنما تولاه المعينون الموقوف عليهم الذين وضعوا أيديهم عليه وحازوه، وصاروا يزرعون النبات ويفرقون ما حصل على أنفسهم، فعليهم الزكاة إن حصل لكل واحد منهم نصاب، وإلا فلا، ما لم يكن عنده ما يضمه له ويكمل به النصاب.\rوقال الشافعية: لا تجب الزكاة على الصحيح في ثمار البستان وغلة القرية الموقوفين على المساجد والقناطر والرباطات (2) والفقراء والمساكين، إذ ليس لها مالك معين.\rوفصل الحنابلة، فأوجبوا الزكاة في موقوف على معين من سائمة أو غلة أرض وشجر، إن بلغت حصة كل واحد نصاباً، ولم يوجبوها في موقوف على غير معين أو مسجد.\r-------------------------------\r(1) البدائع: 56/2، الشرح الكبير: 485/1 ومابعدها، مغني المحتاج: 382/1، كشاف القناع: 242/2، غاية المنتهى: 266/1 وما بعدها.\r(2) الرباطات: المعاهد المبنية والموقوفة للفقراء.","part":3,"page":253},{"id":1646,"text":"تاسعاً ـ زكاة الأرض المستأجرة:\rاختلف الفقهاء على رأيين في هذه الزكاة، أهي على المؤجر، أم على المستأجر (1) .\rقال أبو حنيفة: زكاة الأرض على المؤجر؛ لأنه من مؤنتها فهي كالخراج الموظَّف؛ لأن بدله وهو الأجرة له، فصار كأنه زرع بنفسه، ولأن الأرض أصل الوجوب.\rوخالفه الصاحبان، فقالوا: الزكاة على المستأجر؛ لأن العشر يجب في الخارج، والخارج ملك المستأجر، فكان العشر عليه كالمستعير. لكن الفتوى على قول الإمام، وعليه العمل؛ لأنه ظاهر الرواية. فإن كان إيجاب الزكاة على المستأجر أنفع للفقراء، وجبت عليه، وبه أفتى المتأخرون.\rوقال الجمهور: إذا استأجر إنسان أرضاً، فزرعها، أو استعار أرضاً فزرعها، أو غرسها ثمراً تجب فيه الزكاة، فالعشر على المستأجر والمستعير دون مالك الأرض؛ لأنه واجب في الزرع، فكان على مالكه، وهو المستأجر أو المستعير، لقوله تعالى: {وآتوا حقه يوم حصاده} [الأنعام:141/6] وقوله صلّى الله عليه وسلم : « فيما سقت السماء العشر ـ الحديث» وفي إيجاب الزكاة على المالك إجحاف ينافي المواساة، وهي من حقوق الزرع، بدليل أنها لا تجب إن لم تزرع، وتتقيد بقدره.\rعاشراً ـ زكاة الأرض الخراجية :\rنوعا الأرض: الأراضي نوعان: عشرية وخراجية (2) .\rأما العشرية: فهي التي يجب فيها العشر الذي فيه معنى العبادة، وتشمل ما يأتي:\rأ ـ أرض العرب من العُذَيب (قرية من قرى الكوفة) إلى أقصى حدود اليمن\r-------------------------------\r(1) البدائع: 56/2، اللباب: 154/1، المهذب: 157/1، المغني: 728/2، كشاف القناع: 253/2، فتح القدير: 8/2، بداية المجتهد: 239/1.\r(2) البدائع: 57/2 ومابعدها، اللباب: 137/4-139، الفتاوى الهندية: 219/2، فتح القدير: 358/4 وما بعدها، بداية المجتهد: 239/1 ومابعدها.","part":3,"page":254},{"id":1647,"text":"وعدن؛ لأن رسول الله صلّى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين بعده لم يأخذوا من أرض العرب خراجاً، فدل أنها عشرية.\rب ـ والأرض التي أسلم عليها أهلها طوعاً؛ لأنها أرض إسلامية يناسبها ما في معنى العبادة.\rجـ ـ والأرض التي فتحت عنوة وقهراً، وقسمت بين الغانمين المسلمين؛ للعلة السابقة.\rد ـ دار المسلم إذا اتخذها بستاناً، وكان يسقى بماء العشر، فإن كان يسقى بماء الخراج فهو خراجي.\rوأما ماأحياه المسلم من الأرض الميتة بإذن الإمام عند الحنفية والمالكية، فقال أبو يوسف : إن كانت من حيز أرض العشر، فهي عشرية، وإن كانت من حيز أرض الخراج، فهي خراجية، والبصرة عنده عشرية، بإجماع الصحابة رضي الله عنهم .\rوقال محمد : إن أحياها بماء السماء، ببئر استنبطها، أو بماء الأنهار العظام التي لاتملك مثل دجلة والفرات، فهي عشرية. وإن شق لها نهراً من أنهار الأعاجم، فهي خراجية.\rوأما الخراجية: فهي التي يجب فيها الخراج، لأنها في الأصل أرض الكفار، وهي الأراضي التي فتحت عنوة وقهراً، فمنَّ الإمام على أهلها، وتركها في يد أربابها، بعد أن وضع على أشخاصهم الجزية إذا لم يسلموا، وعلى أراضيهم الخراج، أسلموا أو لم يسلموا، مثل أرض سواد العراق والشام ومصر والهند. هذا رأي الحنفية . وقال الجمهور (1) : الأرض الخراجية ثلاثة أنواع:\r1ً - ما فتحت عنوة ولم تقسم بين الغانمين.\r2ً - ما جلا عنها أهلها خوفاً منا.\r3ً - ما صولح أهلها عليها على أنها لنا، ونقرها معهم بالخراج الذي يفرضه الإمام عليهم.\rوالأرض العشرية التي لا خراج عليها؛ لأنها ملك أهلها، وهي الأرض المملوكة خمسة أنواع:\r1ً - التي أسلم أهلها عليها كالمدينة المنورة ونحوها كجُواثى من قرى البحرين.\r-------------------------------\r(1) كشاف القناع:255/2 ومابعدها، المغني: 716/2-719، الأحكام السلطانية للماوردى: ص132 ومابعدها، الأحكام السلطانية لأبي يعلى: ص130 ومابعدها، الأموال لأبي عبيد: ص68 وما بعدها: 100 وما بعدها.","part":3,"page":255},{"id":1648,"text":"2ً - ما أحياه المسلمون واختطوه، كالبصرة التي بنيت في خلافة عمر رضي الله عنه، في سنة ثمان عشرة، بعد وقف سواد العراق، فدخلت في حده، دون حكمه.\r3ً - ماصولح أهلها على أنها لهم بخراج يضرب عليها كاليمن.\r4ً - ما أقطعها الخلفاء الراشدون من سواد العراق إقطاع تمليك.\r5ً - ما فتح عنوة وقسم بين الغانمين، كنصف خيبر (على نحو أربع مراحل من المدينة إلى جهة الشام) .\rنوعا الخراج: والخراج نوعان: خراج وظيفة، وخراج مقاسمة (1).\rأما خراج الوظيفة: فهو الضريبة المفروضة على الأرض، سواء استغلها صاحبها أم تركها. وقد وظفه عمر رضي الله عنه، وكان في كل جريب أرض بيضاء تصلح للزراعة قفيز مما يزرع فيها ودرهم (2). ومبنى هذا الخراج على الطاقة.\rوأما خراج المقاسمة: فهو الضريبة المقطوعة من الناتج الزراعي، كأن يؤخذ نصف الخراج أو ثلثه أو ربعه، وقد فعله النبي - صلى الله عليه وسلم - لما فتح خيبر، ويكون ذلك في الخراج كالعشر، إلا أنه يوضع موضع الخراج؛ لأنه خراج حقيقة.\rواتفق العلماء على أن الأرض الخراجية إذا كانت ملكاً لغير مسلم، وجب فيها الخراج، ولا عشر فيها، وعلى أن العشرية إذا كانت لغير مسلم، وجب فيها العشر.\rزكاة الأرض الخراجية: اختلف الفقهاء في الأرض الخراجية إذا صارت ملكاً لمسلم، هل تبقى وظيفتها الخراج فقط، أو يجتمع فيها العشر والخراج أو يبدل خراجها بعشر؟\r1 - قال الحنفية (3) : إن كانت الأرض خراجية يجب فيها الخراج، ولا يجب في الخارج منها العشر، فالعشر والخراج لا يجتمعان في أرض واحدة.\r2 - وقال الأئمة الثلاثة (4) : يجتمع في الخارج من أرض الخراج العشر والخراج.\rالأدلة:\rاستدل الحنفية بما يأتي:\rأ ـ ما روي عن ابن مسعود عن النبي صلّى الله عليه وسلم أنه قال: «لا يجتمع عشر وخراج في أرض مسلم» (5) .\rب ـ لم يأخذ أحد من أئمة العدل وولاة الجور من أرض سواد العراق عشراً، فالقول بوجوب العشر مع الخراج يخالف الإجماع، فيكون باطلاً.\rجـ ـ إن سبب كل من الخراج والعشر واحد، وهو الأرض النامية، فلا يجتمعان في أرض واحدة، كما لا يجتمع زكاتان في مال واحد، وهي زكاة السائمة والتجارة.\rواستدل الجمهور بما يأتي:\rأ ـ بعموم الآيات والأحاديث المتقدمة التي ذكرتها في فرضية زكاة الأرض، والتي تدل على الوجوب، سواء أكانت الأرض خراجية أم عشرية.\rب ـ بأن الخراج والعشر حقان مختلفان ذاتاً ومحلاً وسبباً ومصرفاً ودليلاً، أما اختلافهما ذاتاً فلأن العشر فيه معنى العبادة، والخراج فيه معنى العقوبة، وأما\r-------------------------------\r(1) البدائع: 2/62 وما بعدها، الأحكام السلطانية للماوردي: ص 141.\r(2) الجريب: أرض طولها ستون ذراعاً، وعرضها ستون ذراعاً، بذراع كسرى، يزيد على ذراع العامة بقصبة، والقفيز عشر الجريب طولاً، وأما كيلاً فهو اثنا عشر صاعاً.\r\r(3) فتح القدير: 4/365 وما بعدها، البدائع: 2/57، اللباب: 1/154، مقارنة المذاهب في الفقه: ص51 وما بعدها.\r(4) الشرح الصغير:609/1، المهذب:609/1، المهذب: 157/1، المغني: 725/2\r(5) حديث ضعيف جداً ذكره ابن عدي في الكامل عن يحيى بن عنبسة، قال ابن حبان: ليس هذا الحديث من كلام النبوة ( انظر فتح القدير:366/4، كشاف القناع: 255/2 ) ويحمل على الخراج الذي هو الجزية.","part":3,"page":256},{"id":1649,"text":"اختلافهما محلاً فلأن العشر يجب في الخارج، والخراج يتعلق بالذمة. أما اختلافهما سبباً فلأن سبب العشر نفس الخارج، فلا يجب بدونه، وسبب الخراج: الأرض النامية أي الصالحة للزراعة، بدليل وجوبه وإن لم تزرع الأرض.\rوأما اختلافهما مصرفاً: فلأن مصرف العشر الفقراء، ومصرف الخراج المصالح العامة أو المقاتلة. وأما اختلافهما دليلاً، فلأن دليل العشر النص، ودليل الخراج الاجتهاد المبني على مراعاة المصالح.\rوإذا ثبت اختلافهما من هذه الوجوه، فلا مانع من اجتماعهما، فوجوب أحدهما لا يمنع وجوب الآخر، كاجتماع الجزاء والقيمة في الصيد الحرمي المملوك.\rوالراجح هو رأي الجمهور بسبب ضعف حديث الحنفية، ولأن الخراج واجب اجتهادي لتقوية جماعة المسلمين وسد الحاجات العامة، وأن العشر واجب ديني على المسلمين، فلا تنافي بينهما. وليس في الخراج معنى العقوبة، إذ لو كان عقوبة لما وجب على المسلم كالجزية.\rوصرح الحنفية كابن عابدين (رد المحتار 67/2) وغيره بأن الأراضي الخراجية في مصر والشام، حيث صارت لبيت المال سقط عنها الخراج، لعدم من يجب عليه، والمأخوذ منها الآن أجرة لا خراج، ويصير العشر هو الواجب فيها.\rأحد عشر ـ العاشر وضريبة العشور (1) :\rالعاشر : من نصبه الإمام على الطريق ليأخذ الصدقات من التجار. فإذا حدث اختلاف بينه وبين التجار، فأنكر أحدهم تمام الحول، أو الفراغ من الدين، كان منكراً لوجوب الزكاة، والقول قول المنكر بيمينه.\rوكذا إذا قال: أديتها إلى عاشر آخر، أو أديتها أنا إلى الفقراء في بلدي، صدق بيمينه.\rوما صدق فيه المسلم، صدق فيه الذمي، تخفيفاً عنه.\r-------------------------------\r(1) فتح القدير: 530/1-536 .","part":3,"page":257},{"id":1650,"text":"ومقدار ما يأخذه العاشر من المسلم: ربع العشر، ومن الذمي نصف العشر ومن الحربيين العشر، بدليل ما رواه محمد بن الحسن عن زياد بن حَدير، قال: «بعثني عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى عين التمر مصدِّقاً، فأمرني أن آخذ من المسلمين من أموالهم إذا اختلفوا بها للتجارة ربع العشر، ومن أموال أهل الذمة نصف العشر، ومن أموال أهل الحرب العشر» .\rوالأصل المقرر عند الحنفية في الأخذ من الحربيين: هو المعاملة بالمثل، فإن كانوا لا يأخذون أصلاً لا نأخذ منهم شيئاً، ليتركوا الأخذ من تجارنا، ولأنا أحق بمكارم الأخلاق، وإن مر حربي بخمسين درهماً لم يؤخذ منه شيء إلا أن يكونوا يأخذون منا من مثلها؛ لأن المأخوذ زكاة أو ضعفها، فلا بد من النصاب. وإن مر حربي بمئتي درهم (وهو نصاب الزكاة) ولا يعلم كم يأخذون منا، نأخذ منه العشر، لقول عمر رضي الله عنه: «فإن أعياكم فالعشر» .\rوإن مر حربي على عاشر، فعشره، ثم مرَّ مرة أخرى، لم يعشره حتى يحول الحول؛ لأن الأخذ في كل مرة استئصال المال، وحق الأخذ لحفظه، ولأن حكم الأمان الأول باق، وأما بعد الحول فيتجدد الأمان؛ لأنه لا يمكن من الإقامة في دارنا إلا حولاً، والأخذ بعده لا يستأصل المال.\rفإن عشره، فرجع إلى دار الحرب، ثم خرج من يومه ذلك، عشره أيضاً؛ لأنه رجع بأمان جديد، وكذا الأخذ بعده لا يفضي إلى استئصال المال. وإن مر ذمي بخمر أو خنزير بنية التجارة وتبلغ القيمة مئتي درهم، عشر عند أبي حنيفة ومحمد الخمر من قيمتها دون الخنزير؛ لأن حق الأخذ للحماية، والمسلم يحمي خمر نفسه للتخليل، فكذا يحميها على غيره، ولا يحمي خنزير نفسه، بل يجب تسييبه بالإسلام، فكذا لا يحميه على غيره. وقال أبو يوسف: يعشرهما إذا مر بهما جملة، كأنه جعل الخنزير تبعاً للخمر، فإن مر بكل واحد على الانفراد، عشر الخمر دون الخنزير.\rوقال الشافعي: لا يعشرهما؛ لأنه لا قيمة لهما.","part":3,"page":258},{"id":1651,"text":"وإن مر الحربي المضارب بمال غيره بمئتي درهم على العاشر، لم يعشرها؛ لأنه ليس بمالك ولا نائب عن المالك في أداء الزكاة، إلا أن يكون في المال ربح يبلغ نصيبه نصاباً، فيؤخذ منه؛ لأنه مالك له.\rاثنا عشر ـ إخراج الزكاة وإسقاطها:\rأبحث هنا موضوعات:\rالأول ـ ركن الإخراج:\rهو التمليك، لقوله تعالى: {وآتوا حقه يوم حصاده} [الأنعام:141/6] والإيتاء هو التمليك، لقوله تعالى: {وآتوا الزكاة} [البقرة:277/2] فلا تتأدى بطعام الإباحة، وبما ليس بتمليك من بناء المساجد ونحو ذلك (1) .\rالثاني ـ كيفية الإخراج:\rلا خلاف بين العلماء في أنه إذا كان المال الذي فيه الزكاة نوعاً واحداً، أخذ منه، جيداً كان أو رديئاً؛ لأن حق الفقراء يجب على طريقة المواساة، فهم بمنزلة الشركاء.\rوإن كان أنواعاً، أخذ من كل نوع ما يخصه، في رأي الحنابلة والحنفية، وقال مالك: يؤخذ من الوسط، لا من الأعلى ولا من الأدنى، ولا من كل نوع، للمشقة، إلا أن يتطوع المزكي بدفع الأعلى.\rوقال الشافعي: يؤخذ من كل نوع جزء منه، فإن عسر أخرج الوسط.\rولا يجوز اتفاقاً إخراج الرديء، لقوله تعالى: {ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون} [البقرة:267/2] (2) .\rولا يجوز أخذ الجيد عن الرديء، لقول النبي صلّى الله عليه وسلم : «إياك وكرائم أموالهم» (3) إلا أن يتطوع رب المال بذلك.\rالثالث ـ وقت إخراج الزكاة:\rلا تؤخذ زكاة الحبوب إلا بعد التصفية، ولا زكاة الثمار إلا بعد الجفاف، بالاتفاق (4) ؛ لأنه أوان الكمال وحال الادخار، ومؤنة التصفية والحصاد والجفاف إلى حين الإخراج على المالك، ولا يحسب شيء منها من الزكاة بالاتفاق، لأن الثمرة كالماشية، ومؤنة الماشية وحفظها ورعيها والقيام عليها إلى حين الإخراج على صاحبها.\r-------------------------------\r(1) البدائع: 64/2 وما بعدها.\r(2) المغني: 712/2 ومابعدها، الشرح الصغير: 619/1، مغني المحتاج: 384/1، الشرح الكبير مع الدسوقي:454/1 ومابعدها.\r(3) رواه الجماعة عن ابن عباس: أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم لما بعث معاذاً إلى اليمن..(نيل الأوطار: 114/4).\r(4) المجموع: 481/5، المغني: 711/2.","part":3,"page":259},{"id":1652,"text":"فإن أخذ الساعي الزكاة قبل التجفيف فقد أساء، ويرده إن كان رطباً بحاله، وإن تلف رد مثله، وإن جففه وكان قدر الزكاة، فقد استوفى الواجب، وإن كان دونه أخذ الباقي، وإن كان زائداً رد الفضل.\rوإن كان المخرج لها رب المال، لم يجزه، ولزمه إخراج الفضل بعد التجفيف؛ لأنه أخرج غير الفرض، فلم يجزه، كما لو أخرج الصغير من الماشية عن الكبار.\rالرابع - تقدير الواجب في الثمار بالخرص:\rالخرص : الحزر والتخمين أي التقدير الظني بواسطة رجل عدل خبير.\rوقد أنكر الحنفية الخرص؛ لأنه رجم بالغيب، وظن وتخمين لا يلزم به حكم، كما أنكروا القرعة، وإنما كان الخرص تخويفاً للأكره (الحراثين) لئلا يخونوا (1) .\rوقال الجمهور (2) : يسن خرص الثمار (التمر والعنب) دون غيرهما كالزيتون، إذا بدا صلاحها أو طيبها، لا قبله، وينبغي للإمام أن يبعث ساعيه إذا بدا صلاح الثمار ليخرصها ويعرف قدر الزكاة، ويعرِّف المالك ذلك. فإن لم يبعث الإمام أحداً فللمالك أن يأتي بعارف يخرص ما في بستانه من التمر والعنب، سواء أكان من شأنهما اليبس أم لا، كرطب وعنب مصر، ليضبط ما تجب الزكاة فيه منهما.\r-------------------------------\r(1) المغني: 706/2، الأموال: ص493 وما بعدها.\r(2) الشرح الكبير: 452/1، الشرح الصغير: 617/1 ومابعدها، مغني المحتاج: 389/1 ومابعدها، المغني: 706/1-710.","part":3,"page":260},{"id":1653,"text":"ودليلهم: أن النبي صلّى الله عليه وسلم «كان يبعث على الناس من يخرُص عليهم كرومهم وثمارهم» وقال عَتَّاب بن أسيد: «أمر رسول الله صلّى الله عليه وسلم أن يُخْرَص العنب، كما يخرص النخل، فتؤخذ زكاته زبيباً، كما تؤخذ صدقة النخل تمراً» (1) .\rترك الثلث أو الربع: ويدخل جميع الثمر في الخرص، ويترك الخارص عند الشافعية والحنابلة الثلث أو الربع توسعة على أرباب الأموال، لقوله صلّى الله عليه وسلم في حديث سهل بن أبي حثمة: «إذا خرصتم فخذوا، ودعوا الثلث، فإن لم تدَعوا الثلث، فدعوا الربع» (2) ولا يترك عند الحنفية والمالكية شيء؛ لأن في إسناد حديث سهل راوياً لا يعرف حاله، كما قال ابن القطان.\rالاكتفاء بخارص واحد: ويجزئ خارص واحد؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلم كان يبعث عبد الله بن رَوَاحة، فيخرُص النخل حين يطيب (3) ، ولم يذكر معه غيره، ولأن الخارص يفعل ما يؤديه اجتهاده إليه، فهو كالحاكم والقائف.\rشروط الخارص - شرط الخارص: العدالة أو الأمانة؛ لأن الفاسق لا يقبل قوله، والحرية والذكورة؛ لأن الخرص ولاية، وليس الرقيق والمرأة من أهلها. ولابد أن يكون عالماً بالخرص؛ لأن الخرص اجتهاد، والجاهل بالشيء ليس من أهل الاجتهاد فيه.\rصفة الخرص - صفة الخرص تختلف باختلاف الثمر: فإن كان نوعاً واحداً، فإنه يطيف بكل نخلة أو شجرة، وينظركم في الجميع رطباً أو عنباً، ثم يقدر ما يجيء منها تمراً. وإن كان أنواعاً، خرص كل نوع على حدته؛ لأن الأنواع تختلف، فمنها ما يكثر رطبه ويقل تمره، ومنها ما يكون بالعكس، وهكذا العنب.\rفإذا خرص على المالك وعرَّفه قدر الزكاة، خيره الخارص بين أن يضمن قدر الزكاة، ويتصرف فيها بما شاء من أكل وغيره، وبين حفظها إلى وقت الجداد والجفاف.\r-------------------------------\r(1) روى الحديث الأول الترمذي وابن ماجه عن عَتّاب بن أسيد، وروى الثاني أبو داود والترمذي (نيل الأوطار: 143/4).\r(2) رواه الخمسة إلا ابن ماجه ( المرجع السابق) وأخرجه أيضاً ابن حبان والحاكم وصححاه.\r(3) رواه أحمد وأبو داود عن عائشة ( المرجع السابق).","part":3,"page":261},{"id":1654,"text":"فإن اختار حفظها ثم أتلفها بتفريطه، فعليه ضمان نصيب الفقراء بالخرص. وإن أتلفها أجنبي، فعليه قيمة ما أتلف. وإن تلفت بجائحة سماوية، سقط عن الملاك الخرص؛ لأنها تلفت قبل استقرار زكاتها، ويسقط من الزكاة بمقدار التالف، ويزكى الباقي إن لم يتلف الكل، وكان الباقي بمقدار النصاب.\rوإن ادعى المالك هلاك الثمار أو تلفها بغير تفريطه، بسبب خفي كالسرقة، أو ظاهر كحريق أو برد أو نهب، صدق قوله بيمينه عند الشافعية، وبغير يمين عند الحنابلة.\rخطأ الخارص: إذا أخطأ الخارص التقدير: فزاد أو نقص، يلزم المالك عند الإمام مالك بما قال الخارص، زاد أو نقص، إذا كانت الزكاة متقاربة؛ لأنه حكم واقع لا نقض له (1) .\rوقال الشافعية (2) : إن ادعى المالك حيف الخارص أو غلطه بما يبعد، أي لا يقع عادة من أهل المعرفة بالخرص كالربع مثلاً، لم يقبل قوله إلا ببينة. وإن كان بمحتمل، قبل في الأصح، وحط عنه ما ادعاه؛ لأنه أمين، فوجب الرجوع إليه في دعوى نقصه عند كيله؛ لأن الكيل يقين، والخرص تخمين، فالإحالة عليه أولى.\r-------------------------------\r(1) الأموال: ص 494 ومابعدها.\r(2) مغني المحتاج: 388/1.","part":3,"page":262},{"id":1655,"text":"وقال الحنابلة (1) : إن ادعى رب المال غلط الخارص، وكان ما ادعاه محتملاً، قبل قوله بغير يمين، وإن لم يكن محتملاً مثل أن يدعي غلط النصف ونحوه، لم يقبل منه؛ لأنه لا يحتمل، فيعلم كذبه. وإن قال: لم يحصل في يدي غير هذا، قبل منه بغير يمين؛ لأنه قد يتلف بعضها بآفة لا نعلمها.\rالخامس ـ ما تسقط به زكاة النبات :\rقال الحنفية وغيرهم (2) : تسقط هذه الزكاة بعد الوجوب بهلاك الخارج من غير صنع المالك؛ لأن الواجب في الخارج، فإذا هلك هلك بما فيه، كهلاك نصاب الزكاة بعد الحول.\rوإن استهلك الثمر أو الزرع: فإن استهلكه غير المالك، أخذ الضمان منه، وأدي عشره. وإن استهلك بعضه، أدى عشر القدر المستهلك من الضمان. وإن استهلك المالك أو استهلك البعض، بأن أكله، ضمن عشر الهالك، وصار ديناً في ذمته في قول أبي حنيفة.\rوتسقط الزكاة عند الحنفية خلافاً لغيرهم بالردة؛ لأن في العشر معنى العبادة، والكافر ليس من أهل العبادة.\rوكذلك تسقط هذه الزكاة عند الحنفية خلافاً للجمهور بموت المالك من غير وصية، إذا كان استهلك الخارج، كما في بقية أنواع الزكاة. أما إن كان الخارج قائماً بعينه، فيؤدى العشر منه في ظاهر الرواية عند الحنفية.\rالمطلب الخامس ـ زكاة الحيوان أو الأنعام:\rمشروعيتها، وشروطها، وأنواعها ونصاب كل نوع، وزكاة الخليطين في الماشية وغيرها، وأحكام متفرقة في زكاة الحيوان (هل تجب الزكاة في العين أم في الذمة؟ دفع القيمة في الزكاة، ضم أنواع الأجناس إلى بعضها، كون الفرع أو النتاج يتبع الأصل في الزكاة، المستفاد في أثناء الحول، الزكاة في النصاب دون العفو، ما يأخذه الساعي العامل أو الجابي).\rأولاً ـ مشروعية زكاة الحيوان:\rتقررت فرضية زكاة الحيوان في السنة النبوية في أحاديث صحاح أو حسنة أشهرها اثنان:\rالأول ـ حديث أبي بكر (3) المتضمن مقدار زكاة الإبل ونصابها، ومقدار زكاة الماشية ونصابها، وكيفية زكاة الخليطين، وما يخرج من زكاة المواشي وهو أوسط الأنواع، لا الهَرِمة والعوراء، والذكر إلا أن يشاء المصدِّق (4) ، وما يجوز أخذ بعضه عن بعض في الإبل، وكون زكاة الفضة (الرِّقة) ربع العشر.\rوالثاني ـ حديث معاذ المتضمن نصاب زكاة البقر (5) .\rوأجمع العلماء على فرضية الزكاة في الأنعام (6) : الإبل والبقر والغنم\r-------------------------------\r(1) المغني: 708/2.\r(2) البدائع: 65/2، مغني المحتاج: 387/1.\r(3) رواه أحمد والنسائي وأبو داود والبخاري والدارقطني عن أنس، ورواه أيضاً أحمد وأبو داود والترمذي عن الزهري عن سالم عن أبيه، وهو حديث حسن (نيل الأوطار: 124/4-131، سبل السلام: 121/2-124).\r(4) المصدق: المالك في رأي أبي عبيد، وجميع الرواة يرون أنه العامل.\r(5) رواه الخمسة (أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه) عن معاذ، ورواه أيضاً أحمد عن يحيى ابن الحكم أن معاذاً قال... (نيل الأوطار: 132/4، سبل السلام: 124/2).\r(6) الأنعام: جمع نَعَم، وهو اسم جمع لا واحد له من لفظه، يذكر ويؤنث، سميت نعماً لكثرة نعم الله فيهاعلى خلقه، لأنها تتخذ للنماء غالباً لكثرة منافعها.","part":3,"page":263},{"id":1656,"text":"الإنسية، لا في الخيل والرقيق والبغال والحمير والظباء، وأوجب أبو حنيفة الزكاة في الخيل، خلافاً للصاحبين، فإنهما قالا: لا زكاة في الخيل، وبرأيهما يفتى.\rثانياً ـ شروط وجوب زكاة الحيوان:\rاشترط الفقهاء لوجوب زكاة الحيوان خمسة شروط، على خلاف في بعضها، وهي ما يأتي (1) :\r1ً - أن تكون الأنعام وهي الإبل والبقر والغنم إنسية، لا وحشية، أما المتولد بين الإنسي والوحشي، كالمتولد من الشاة والظبي أو المتولد من البقر الأهلي والوحشي: فلا زكاة فيه عند الشافعية وفي المشهور عند المالكية؛ لأن الأصل عدم الوجوب، ولا نص ولا إجماع في ذلك إذ لا يطلق عليه اسم الشاة، وهو متولد من وحشي، فأشبه المتولد من وحشيين.\rوقال الحنابلة: تجب فيه الزكاة كالمتولد بين سائمة ومعلوفة.\rوقال الحنفية: إن كانت الأم أهلية، وجبت فيه الزكاة ويكمل به النصاب، وإلا فلا؛ لأن ولد البهيمة يتبع أمه (2) .\r2ً - أن تكون الأنعام بالغة نصاباً شرعياً على النحو المبين في السنة، كما سيوضح في زكاة كل نوع.\r-------------------------------\r(1) الدر المختار:30/2 ومابعدها، فتح القدير:494/1-502،509، الشرح الصغير: 590/1-594، القوانين الفقهية: ص107 ومابعدها، مغني المحتاج: 368/1 ومابعدها،378-380، المهذب:142/1-150، المغني: 575/2-577،591-596،604،625، كشاف القناع:212/2.\r(2) البدائع:30/2 وما بعدها، الشرح الكبير مع الدسوقي:432/1، مغني المحتاج: 369/1، المغني:595/2.","part":3,"page":264},{"id":1657,"text":"3ً ، 4ً - أن يحول عليها حول كامل في ملك صاحبها: بأن يمضي على تملكها عام كامل من بدء الملكية، ويبقى الملك فيها جميع الحول، فلو لم يمض الحول في ملكه، لم تجب عليه الزكاة، لحديث: «لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول» (1) ، ولأنه لا يتكامل نماء المال قبل تمام الحول، وذلك إلا في النتاج فإنه يتبع الأمهات في الحول.\rولو زال الملك عن الماشية في الحول عن النصاب أو بعضه، ببيع أو غيره، فعاد بشراء أوغيره، أو بادل بمثله مبادلة صحيحة لا للتجارة، كإبل بإبل، أو بجنس آخر كإبل ببقر، استأنف الحول أي بدأ حولاً جديداً لانقطاع الحول الأول بما فعله، فصار ملكاً جديداً، فلا بد من حول جديد للحديث المتقدم.\r5ً - كونها سائمة أي راعية في معظم الحول، لا معلوفة، ولا عاملة في حرث ونحوه، وهذا شرط عند الجمهور غير المالكية، لحديث: «في كل سائمة إبل في أربعين بنت لبون» (2) وحديث «وفي صدقة الغنم في سائمتها إذا كانت أربعين إلى عشرين ومئة: شاة» (3) وتقاس البقر على الإبل والغنم.\rوالسائمة عندالحنفية والحنابلة: هي التى ترعى العشب المباح في البراري في أكثر العام، بقصد الدر أو النسل أو التسمين، فإن أسامها (رعاها) للذبح أو الحمل أو الركوب أو الحرث، فلا زكاة فيها. وإن أسامها للتجارة ففيها زكاة التجارة. ولا يضر العلف اليسير؛ لأن للأكثر حكم الكل. ولو علفها نصف السنة أو أكثر من نصفها، فلا زكاة فيها.\r-------------------------------\r(1) رواه أبو داود، وللترمذي عن ابن عمر: «من استفاد مالاً، فلا زكاة عليه حتى يحول عليه الحول» (سبل السلام: 129/2).\r(2) رواه أبو داود وغيره، وقال الحاكم: صحيح الإسناد، والراوي بهز بن حكيم عن أبيه (سبل السلام: 126/2).\r(3) رواه البخاري في حديث أنس عن أبي بكر المتقدم.","part":3,"page":265},{"id":1658,"text":"أما إن سامت (رعت) بنفسها بدون أن يقصد مالكها ذلك، فلا زكاة فيها عند الحنفية، وفيها الزكاة عند الحنابلة.\rوالسائمة عند الشافعية: أن يرسلها صاحبها للمرعى في كلأ مباح في جميع الحول أو في الغالبية العظمى منه، ولا يضر علف يسير تعيش بدونه بلا ضرر بيِّن كيوم أو يومين؛ لأن الماشية تصبر اليومين ولا تصبر الثلاثة غالباً، فإن علفت معظم العام، أو في مدة لا تعيش بدونه، أو تعيش في تلك المدة ولكن بضرر بيِّن، فلا تجب زكاتها، لوجود المؤنة (النفقة والمشقة).\rولو سامت بنفسها، أوبفعل الغاصب أو المشتري شراء فاسداً، أو كانت عوامل في حَرْث ونَضْح (حمل الماء للشرب) ونحوه، فلا زكاة في الأصح، لعدم إسامة المالك، وإنما اعتبر قصده دون قصد الاعتلاف؛ لأن السوم يؤثر في وجوب الزكاة، فاعتبر فيه قصده، والاعتلاف يؤثر في سقوطها، فلا يعتبر قصده؛ لأن الأصل عدم وجوبها. وبذلك يشترط عند الشافعية: أن يكون كل السوم من المالك، فلا زكاة فيما سامت بنفسها أو أسامها غير المالك.\rومذهب المالكية (1) : أن الزكاة تجب في الأنعام، سواء أكانت سائمة (راعية) أم معلوفة، أم عوامل، لعموم حديث أبي بكر المتقدم في الإبل: «في كل خمس شاة» .\rومنشأ الخلاف بين الرأيين كما بين ابن رشد: معارضة المطلق للمقيد، ومعارضة دليل الخطاب للعموم، ومعارضة القياس لعموم اللفظ، أما المطلق فحديث: «في كل أربعين شاة شاة» وأما المقيد فحديث «في سائمة الغنم الزكاة»\r-------------------------------\r(1) القوانين الفقهية: ص108، بداية المجتهد:244/1، الشرح الكبير: 432/1، الشرح الصغير:592/1.","part":3,"page":266},{"id":1659,"text":"فمن غلب المطلق على المقيد، وهم المالكية، قال: الزكاة في السائمة وغير السائمة. ومن غلَّب المقيد وهم الجمهور قال: الزكاة في السائمة منها فقط، وتغليب المقيد علي المطلق أشهر من تغليب المطلق على المقيد.\rوأما دليل الخطاب (مفهوم المخالفة) فحديث «في سائمة الغنم» يقتضي ألا زكاة في غير السائمة، وعموم حديث «في أربعين شاةً شاةٌ» يقتضي أن السائمة في هذا بمنزلة غير السائمة، وقد أخذ المالكية بمبدأ أن عموم اللفظ أقوى من دليل الخطاب.\rوأما القياس المعارض لعموم حديث «في أربعين شاة شاة» : فهو أن السائمة هي التي يتحقق مقصود الزكاة فيها وهو النماء والربح، وهو الموجود فيها أكثر ذلك، والزكاة إنما هي فضلات الأموال، والفضلات إنما توجد في الأموال السائمة، ولذلك اشترط فيها الحول، فالجمهور خصصوا بهذا القياس ذلك العموم، فلم يوجبوا الزكاة في غير السائمة. والمالكية لم يخصصوا ذلك، ورأوا أن العموم أقوى، فأوجبوا الزكاة في الصنفين جميعاً.\rورأيي أن قول الجمهور أصح، لاشتمال آخر الحديث صراحة على كون الماشية سائمة، وهو الذي يجب حمل أول الحديث عن الإبل عليه، إذ لا يعقل تعارض آخر الحديث مع أوله، فحديث أنس المتضمن كتاب أبي بكر في فرائض صدقة المواشي ذكر فيه أولاً مقادير زكاة الإبل، ثم ذكر فيه زكاة الغنم بلفظ «وفي صدقة الغنم في سائمتها إذا كانت أربعين ففيها شاة إلى عشرين ومئة» .\rثالثاً ـ أنواع الأنعام التي تجب فيها الزكاة ونصاب كل نوع منها:\rتجب الزكاة في الإبل والبقر والغنم، وأوجب أبو حنيفة خلافاً لصاحبيه الزكاة في الخيول، والفتوى على قولهما أنه لا زكاة في الخيل إلا إذا كانت للتجارة.....","part":3,"page":267},{"id":1660,"text":"زكاة الإبل:\rالإبل: الذكور والإناث، الكبار والصغار، والصغار تبع للكبار، والمقصود منها السوائم عند غير المالكية، وكذا المعلوفة عند المالكية: لا زكاة فيما دون خمس من الإبل بإجماع المسلمين، لقول النبي صلّى الله عليه وسلم : «ومن لم يكن معه إلا أربع من الإبل، فليس عليه فيها صدقة، إلا أن يشاء ربها» وقال: «ليس فيما دون خمس ذَوْدٍ صدقة» (1) وأجمع العلماء على أن في خمس من الإبل شاةً، وفي العشر شاتين، وفي الخمس عشرة ثلاث شياه، وفي العشرين أربع شياه (2) ، لحديث أبي بكر المتقدم. ولا يجزئ في الغنم المخرجة في الزكاة إلا الجَذَع من الضأن والثني من المعز (3) ، فيخرج أحدهما بحسب غالب غنم البلد من المعز والضأن عند المالكية، ولا يتعين عند الجمهور غالب غنم البلد، لخبر «في كل خمس شاة» والشاة تطلق على الضأن والمعز.\rوأجمعوا على أنه إذا بلغت خمساً وعشرين إلى خمس وثلاثين ( 25-35 ) ففيها بنت مخاض (وهي التي لها سنة من الإبل ودخلت في الثانية)، وأضاف الشافعية والمالكية: أو ابن لبون له سنتان إن فقدها.\rوفي ست وثلاثين إلى خمس وأربعين (36-45) بنت لبون (وهي ماأتمت سنتين ودخلت في الثالثة.\rوفي ست وأربعين إلى ستين (46-60) حِقَّة (وهي ما أتمت ثلاث سنين ودخلت في الرابعة).\r-------------------------------\r(1) متفق عليه. والذود: وهو من الإبل: من الثلاثة إلى العشرة، لا واحد له من لفظه.\r(2) انظر آراء الفقهاء في هذا النوع في فتح القدير: 494/1 وما بعدها، البدائع: 31/2 وما بعدها، الشرح الكبير: 432/1 وما بعدها، الشرح الصغير: 594/1 ومابعدها، القوانين الفقهية: ص 108، المهذب: 145/1 وما بعدها، مغني المحتاج: 369/1 ومابعدها، المغني: 579/2 ومابعدها، كشاف القناع: 213/2 ومابعدها.\r(3) الجذع والثني: هو ما أتم السنة ودخل في الثانية، واشترط الشافعية إتمام المعز سنتين، وأجاز الحنابلة كون الجذع متماً ستة أشهر.....","part":3,"page":268},{"id":1661,"text":"وفي إحدى وستين إلى خمس وسبعين (61-75) جَذَعة (وهي ما أتمت أربع سنين ودخلت في الخامسة) (1) .\rوفي ست وسبعين إلى تسعين (76-90) بنتا لبون.\rوفي إحدى وتسعين إلى مئة وعشرين (91-120) حقتان، كما دلت كتب السنة في حديث أبي بكر..\rوفي مئة وإحدى وعشرين إلى مئة وتسع وعشرين (121-129) ثلاث بنات لبون عند الجمهور.\rوعند الحنفية: حقتان وشاة؛ لأنه إذا زادت عن مئة وعشرين تستأنف عندهم الفريضة، فيكون في الخمس من الإبل شاة مع الحقتين، وفي العشر شاتان، وفي خمس عشرة ثلاث شياه، وفي العشرين أربع شياه، وفي خمس وعشرين بنت مخاض مع الحقتين، فإذا بلغت مئة وخمسين فيكون فيها ثلاث حِقاق، فإذا زادت عن ذلك تستأنف الفريضة أيضاً على النحو المذكور، ففي الخمس شاة مع ثلاث حقاق إلخ.\rويخير الساعي لا المالك عند المالكية في (121-129) بين حقتين وبين ثلاث بنات لبون إذا وجد الصنفان عند المزكي، أو فقدا، ويتعين عليه أخذ ما وجد عند رب المال من الحقتين أو ثلاث بنات اللبون.\rوفي مئة وثلاثين فأكثر: في كل أربعين عند الجمهور بنت لبون، وفي كل خمسة حقة، لقول النبي صلّى الله عليه وسلم : «فإذا زادت على عشرين ومئة، ففي كل أربعين بنت لبون» (1) وفي رواية الدارقطني: «إلى عشرين ومئة، فإذا زادت واحدة ففي كل أربعين بنت لبون، وفي كل خمسين حقه» .\rوأما الحنفية فقالوا كما تقدم: إذا زادت عن مئة وعشرين تستأنف الفريضة في مواضع ثلاثة، أي أنه لا يجب فيما زاد على مئة وعشرين حتى تبلغ الزيادة خمساً، فإذا بلغت خمساً كان فيها شاة مع الواجب المتقدم، وهو الحقتان.\rالموضع الأول: تستأنف الفريضة بعد الـ 121:\rففي 121-129 تجب حقتان وشاة.\rوفي 130-134 تجب حقتان وشاتان.\rوفي 135-139 تجب حقتان وثلاث شياه.\r-------------------------------\r(1) يلاحظ أن الحنابلة في تقدير الأعمار لم يشترطوا الدخول في السنة التالية، واكتفوا بإكمال السنة السابقة.....","part":3,"page":269},{"id":1662,"text":"وفي 140-144 تجب حقتان وأربع شياه.\rوفي 145-149 تجب حقتان وبنت مخاض.\rوالموضع الثاني: تستأنف الفريضة من 150.\rففي 150-154 يجب الفريضة من150.\rوفي 155-159 يجب ثلاث حقاق وشاة.\rوهكذا مع الثلاث حقاق يكون في الخمس شاة، وفي العشر شاتان، وفي خمس عشرة ثلاث شياه، وفي عشرين أربع شياه، وفي خمس وعشرين بنت مخاض، وفي ست وثلاثين بنت لبون، فإذا بلغت مئة وستاً وتسعين (196) ففيها أربع حقاق، إلى مئتين (200).\rوالموضع الثالث: بعد المئتين تستأنف الفريضة أبداً كما تستأنف في الخمسين بعد المئة والخمسين (150) حتى يجب في كل خمسين حقة.\rولا تجزئ عندهم ذكور الإبل إلا بالقيمة للإناث، بخلاف البقر والغنم، فإن المالك مخير. ودليلهم على استئناف الفريضة: ما وجد في كتاب أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم المتضمن ما يخرج من فرائض الإبل حتى عشرين ومئة: «فإذا كانت أكثر من عشرين ومئة، فإنها تعاد إلى أول فريضة الإبل» (2) .\rاتفق الفقهاء على أن ما بين الفريضتين من الفرائض المتقدمة وهو ما يسمى الأوقاص معفو عنه، فالخمس إلى التسع من الإبل فيها شاة واحدة،ولا شيء في مقابل الزائد عن الخمس، لما روى أبو عبيد عن يحيى بن الحكم أن النبي صلّى الله عليه وسلم قال: «إن الأوقاص لا صدقة فيها» ولأن العفو مال ناقص عن نصاب.\rحالة مصادفة الفرضين: ذكر الشافعية (3) : أنه لو اتفق فرضان في الإبل كمئتي بعير، ففيها أربع حقاق أو خمس بنات لبون، فالمذهب عندهم: لا يتعين أربع حقاق، بل هن، أو خمس بنات لبون؛ لأن المئتين أربع خمسينات أو خمس أربعينات، لحديث أبي داود وغيره عن كتاب رسول الله صلّى الله عليه وسلم : «فإذا كانت مئتين\r-------------------------------\r(1) رواه أبو داود والترمذي\r(2) رواه أبو داود في المراسيل وإسحاق بن راهويه في مسنده والطحاوي في مشكل الآثار عن حماد بن سلمة.\r(3) مغني المحتاج: 371/1-373، المهذب: 147/1.....","part":3,"page":270},{"id":1663,"text":"ففيها أربع حقاق أو خمس بنات لبون، أيّ السنَّين وجدت أخذت» فإن وجد المالك بماله أحدهما أخذ منه، وإن لم يجد فله تحصيل ما شاء من النوعين بشراء أو غيره.\rوإن وجد الفرضين معاً في ماله تعين الأغبط (أي الأنفع للمستحقين بزيادة قيمة أوغيرها)، ولا يجزىء غير الأغبط إن دلّس الدافع في إعطائه بأن أخفي الأغبط، و قصر الساعي، وإن لم يدلس الدافع ولم يقصر الساعي، فيجزئ المدفوع عن الزكاة مع وجوب قدر التفاوت بينه وبين قيمة الأغبط؛ لأنه لم يدفع الفرض بكماله، فوجب جبر نقصه.\rالجبران حالة فقد أحد الفروض: من فقد واجبه، كأن لزمه بنت مخاض، فلم يجدها عنده، صعد إلى أعلى منه وأخذ من المدفوع له شاتين (1) أو عشرين درهماً (2) ، عملاً بما روى البخاري عن أنس في كتاب أبي بكر المتقدم، أو نزل إلى أسفل من الواجب بدرجة وأعطى على حسب اختياره شاتين أو عشرين درهماً. وهذا رأي الشافعية والحنابلة (3) ، وقال الحنفية: يدفع المالك في هذه الحالة قيمة ما وجب عليه، أو يدفع ما دون السن الواجبة والفرق المطلوب من الدراهم، أو أخذ الساعي أعلى منها ورد الفضل (4) .\rوله صعود درجتين وأخذ جبرانين، كإعطاء بنت مخاض بدل الحقة بشرط تعذر وجود الدرجة القربى في تلك الجهة، فلا يصعد عن بنت المخاض إلى الحقة، أو ينزل عن الحقة إلى بنت المخاض إلا عند تعذر بنت اللبون، لإمكان الاستغناء عن الجبران الزائد.\rواتفق الفقهاء على أنه يجوز أن يخرج المالك عن الواجب سناً أعلى من جنسه؛ لأنه زاد على الواجب من جنسه.\r-------------------------------\r(1) أي كالشاتين اللتين تجزئان في الأضحية.\r(2) المراد بها الدراهم الشرعية من الفضة الخالصة.\r(3) المغني 587/2 ومابعدها، كشاف القناع: 219/2.\r(4) الكتاب مع اللباب: 146/1....","part":3,"page":271},{"id":1664,"text":"زكاة البقر:\rثبتت فرضية زكاة البقر كما تقدم بالسنة والإجماع، أما السنة فمنها حديث معاذ: « أن النبي صلّى الله عليه وسلم بعثه إلى اليمن، وأمره أن يأخذ من كل ثلاثين بقرة تبيعاً أو تبيعة، ومن كل أربعين مُسِنَّة، أو عَدْله مَعَافرياً» (1) والتبيع: ذو الحول ذكراً كان أو أنثى، والمسنة: ذات الحولين، والمعافر: الثياب الممعافرية، نسبة إلى حي في اليمن تنسب إليهم هذه الثياب.\rومنها حديث أبي ذر: «ما من صاحب إبل ولا بقر ولا غنم لا تؤدى زكاتها إلا جاءت يوم القيامة أعظم ما كانت، وأسمن، تنطحه بقرونها، وتطؤه بأخفافها، كلما نفذت أخراها، عادت عليها أولاها، حتى يقضى بين الناس» (2) .\rولا زكاة فيما دون الثلاثين من البقر، لحديث معاذ السابق، ولا زكاة عند الجمهور في غير السائمة، وعند المالكية: تجب الزكاة في المعلوفة والعوامل، كالإبل. والأرجح كما تقدم رأي الجمهور، لحديث: «ليس في البقر العوامل صدقة» (3) . ولأن صفة النماء معتبرة في الزكاة، ولا يوجد إلا في السائمة.\rواتفق الفقهاء (4) عملاً بحديث معاذ على أن أول نصاب البقر ومثله الجاموس ثلاثون، ففي ثلاثين إلى تسع وثلاثين (30-39) بقرة: تبيع أو تبيعة، وهو عند الجمهور: ما أتم السنة ودخل في الثانية، وعند المالكية: ما أتم سنتين ودخل في الثالثة، وذلك إذا حال عليها الحول.\r-------------------------------\r(1) رواه الخمسة واللفظ لأحمد.\r(2) متفق عليه.\r(3) رواه الدارقطني عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وروى أبو داود عن علي: « ليس على العوامل - أي من البقر - شيء » ( سنن أبي داود: 362/1 ).\r(4) الدر المختار: 24/2، فتح القدير: 499/1 ومابعدها، البدائع: 28/2، الشرح الصغير: 597/1، القوانين الفقهية: ص108، مغني المحتاج: 374/1، المهذب: 128/1، المغني: 592/2، كشاف القناع: 221/2 ومابعدها....","part":3,"page":272},{"id":1665,"text":"وأوجب الحنفية الزكاة في البقر والجاموس ولو متولداً من وحشي وأهلية بخلاف عكسه ، أي المتولد من أهلي ووحشية، كما بينت.\rوفي أربعين إلى تسع وخمسين (40-59): مسنّة: وهي عند الجمهور ما أتمت السنتين ودخلت في الثالثة، وهي الثنية. وقال المالكية: هي ما أوفت ثلاث سنين ودخلت في الرابع. وأجاز الحنفية في هذا النصاب دفع مُسنِّ ذكر أو مسنة.\rثم في كل ثلاثين بدءاً من الستين تبيع، وفي كل أربعين مسنة. ففي (60-69): تبيعان أو تبيعتان، وفي (70-79):مسنة وتبيع،يدفع عن 40 مسنة وعن 30 تبيع، وفي (80-89) مسنتان، وفي (90-99) ثلاثة أتبعة، وفي مئة تبيعتان ومسنة، عن 60 تبيعان، وعن 40مسنة، وهكذا يتغير الفرض في كل عشرة من تبيع إلى مسنة، عملاً بحديث معاذ.\rوقال المالكية: في مئة وعشرين، يخير الساعي (آخذ الزكاة) بين أخذ ثلاث مسنات أو أربعة أتبعة إذا وجد الصنفان معاً أو فقدا معاً. فإذا وجد أحدهما فقط عند المالك تعين أخذه.\rالعفو: وما بين الفريضتين عفو إلا فيما زاد على الأربعين إلى الستين، فيجب عند أبي حنيفة في الزيادة بقدر ذلك، ففي الواحدة: ربع عشر مُسِنَّة، وفي الاثنين: نصف عشر مسنة، وفي الثلاثة: ثلاثة أرباع عُشْر مسنة، وفي الأربع: عُشْر مسنَّة. وقال الصاحبان: وعلى رأيهما الفتوى، وقولهما هو المختار: لا شيء في الزيادة على الأربعين، حتى تبلغ إلى ستين، فيكون فيها تبيعان أو تبيعتان ولا خلاف في أن الجواميس والبقر سواء لاتحاد الجنسية، إذ هو نوع منه.\rولا يخرج الذكر في الزكاة أصلاً إذا كانت الحيوانات ذكوراً وإناثاً؛ لأن الأنثى أفضل، لما فيها من الدر والنسل، إلا في البقر، لنص حديث معاذ السابق. فإن كان النصاب كله ذكوراً، أجزأ الذكر في جميع أنواع زكاة الحيوان من إبل أو بقر أو غنم؛ لأن الزكاة وجبت مواساة، فلا يكلفها من غير ماله.....","part":3,"page":273},{"id":1666,"text":"زكاة الغنم:\rتشمل الضأن والمعز، ذكوراً وإناثاً:\rوهي أيضاً واجبة بالسنة والإجماع كما تقدم، أما السنة فحديث أنس في كتاب أبي بكر المذكور فيه: «وفي صدقة الغنم في سائمتها إذا كانت أربعين إلى عشرين ومئة شاةٍ: شاةٌ، فإذا زادت على عشرين ومئة إلى مئتين، ففيها شاتان، فإذا زادت على مئتين إلى ثلاث مئة، ففيها ثلاث شياه، فإذا زادت على ثلاث مئة، ففي كل مئةٍ:شاة» .\rفإذا كانت سائمة الرجل ناقصةً عن أربعين شاةً: شاةً واحدةً، فليس فيها صدقة، إلا أن يشاء ربها.\rولا يُجمع بين مُتفرِّق، ولا يُفرَّق بين مُجتَمِِع خشية الصدقة (1) . وما كان من خليطين، فإنهما يتراجعان بينهما بالسوية (2) .\rولا يُخرج في الصدقة هَرِمة ولا ذات عُوار، ولا تيس إلا أن يشاء المصدِّق (3) .\rوبناء عليه اتفق الفقهاء (4) على أنه ليس فيما دون أربعين من الغنم السائمة أكثر السنة صدقة، لعدم بلوغ النصاب، ولا زكاة عند الجمهور في المعلوفة والعوامل؛ لأنها من الحوائج الأصلية. وسوى المالكية بين المعلوفة والسائمة في وجوب الزكاة.\rفإذا كانت أربعين إلى مئة وعشرين (40-120): شاة، وحال عليها الحول، ففيها شاة واحدة.\rوفي مئة وإحدى وعشرين إلى مئتين (121-200): شاتان.\rوفي مئتين وواحدة إلى ثلاث مئة وتسع وتسعين (201-399): ثلاث شياه.\rوفي أربع مئة (400) : أربع شياه.\rثم في كل مئة: شاة.\rولا خلاف في أن الضأن والمَعِز سواء في النصاب والوجوب وأداء الواجب،\r-------------------------------\r(1) الجمع بين المفترق: أن يكون لكل شريك من ثلاثة شركاء أربعون شاة مقدار النصاب، فلا يجمع بين الحصص لإخراج شاة واحدة فقط. والتفريق بين مجتمع: أن يكون لكل شريك من الشريكين مئة وشاة، فيكون على كليهما ثلاث شياه، فلا يفرق غنمهما، حتى يخرج عن كل واحد منهما سوى شاة واحدة.\r(2) معناه أن يكون لشريك مثلاً أربعون بقرة، وللآخر ثلاثون بقرة، ومالهما مشترك، فيأخذ الساعي عن الأربعين مسنة وعن الثلاثين تبيعاً، ثم يرجع باذل المسنة بثلاثة أسباعها على شريكه، وباذل التبيع بأربعة أسباعه على شريكه.\r(3) المصدق: هو المالك، والاستثناءراجع إلى الأخير وهو التيس.\r(4) البدائع:28/2 وما بعدها، فتح القدير: 501/1 وما بعدها، الشرح الكبير: 435/1، القوانين الفقهية: ص108، المهذب:148/1، مغني المحتاج: 374/1، المغني: 596/2 ومابعدها، 605، كشاف القناع: 225/2-227.","part":3,"page":274},{"id":1667,"text":"ولا يؤخذ إلا الثني وهو ما تمت له سنة عند الجمهور، وشرط الشافعية في المعز أن يكون له سنتان، واكتفى الحنابلة في جذع الضأن أن يكون مما له ستة أشهر، فإن تطوع المالك بأفضل منها في السن، جاز، ودليل الحنابلة: ما رواه مالك عن سويد ابن غفلة قال: «أتانا مصدّق رسول الله صلّى الله عليه وسلم وقال: أمرنا أن نأخذ الجذعة من الضأن، والثنية من المعز» قال إبراهيم الحربي: إنما أجزأ الجذع من الضأن لأنه يلقح، والمعز لايلقح، إلا إذا كان ثنياً.\rواتفق الفقهاء على أن ما بين الفريضتين في كل الأحوال عفو، لا زكاة فيه.\rوالأصح عند الشافعية: أنه يجوز إخراج ضأن عن معز أو عكسه، بشرط رعاية القيمة، كأن تساوي ثنية المعز في القيمة جَذَعة الضأن، وعكسه، لاتحاد الجنس.\rوأجاز الحنابلة أيضاً إخراج ثنية المعز (وهي ما لها سنة كاملة) عن جذع الضأن، وإخراج جذع الضأن (وهو ما له ستة أشهر فأكثر) عن ثنية المعز، ولا يجبر أحدهما عن الآخر بالقيمة، لعدم وروده.\rزكاة الخيل والبغال والحمير:\rلا شيء من الزكاة في البغال إجماعاً إلا أن تكون للتجارة؛ لأنها تصير من العروض التجارية، وتجب الزكاة أيضاً في الخيل إن كانت للتجارة بلا خلاف.\rوأما الخيل غير التجارية: فقال أبو حنيفة (1) : إذا كانت سائمة ذكوراً وإناثاً، أو إناثاً فقط، من أجل الدر والنسل، فتجب فيها الزكاة، وصاحبها بالخيار:\r-------------------------------\r(1) الكتاب مع اللباب: 145/1 ومابعدها، البدائع: 34/2، فتح القدير: 502/1، الدر المختار: 25/2 وما بعدها.....","part":3,"page":275},{"id":1668,"text":"إن شاء أعطى عن كل فرس ديناراً، وإن شاء قوَّمها، وأعطى عن كل مئتي درهم خمسة دراهم كعروض التجارة، وأما ذكور الخيل السائمة منفردة فلا زكاة فيها، لعدم الرواية في السنة.\rودليله: حديث جابر: «في كل فرس سائمة دينار أو عشرة دراهم» (1) ، وروي أن عمر بن الخطاب كتب إلى أبي عبيدة بن الجراح رضي الله عنهما في صدقة الخيل: أن خيّر أربابها، فإن شاؤوا أدوا من كل فرس ديناراً، وإلا قوِّمْها، وخذ من كل مئتي درهم خمسة دراهم (2) .\rوقال الصاحبان، وبقولهما يفتى: لا زكاة في الخيل ولا في شيء من البغال والحمير إلا أن تكون للتجارة. وهذا موافق لرأي بقية الأئمة (3) . بدليل حديث «ليس على المسلم صدقة في عبده ولا فرسه» (4) ، وقال أبو هريرة: سئل رسول الله صلّى الله عليه وسلم عن الحمير، فيها زكاة، فقال: ما جاءني فيها شيء إلا هذه الآية الفاذّة: {فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره، ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره} [الزلزلة:7/99-8] (5) وروى علي حديث « عفوت لكم عن صدقة الخيل والرقيق » (6) . وأما عمر فإنما أخذ منهم شيئاً تبرعوا به، وسألوا أخذه، وعوضهم عنه برزق عبيدهم. وهذا الرأي هو الصحيح. وبه يتبين أن ليس في الإسلام زكاة خيل وبغال وحمير.\r-------------------------------\r(1) أخرجه البيهقي والدارقطني، وهو ضعيف جداً (نصب الراية: 357/2 وما بعدها).\r(2) الأثر مروي عند الدارقطني بنحو آخر مقارب للمذكور (نصب الراية: 358/2).\r(3) بداية المجتهد:243/1، الشرح الصغير: 589/1، مغني المحتاج: 369/1، المغني: 620/2.\r(4) رواه الجماعة عن أبي هريرة، ولأبي داود: «ليس في الخيل والرقيق زكاة إلا زكاة الفطر» (نيل الأوطار: 136/4).\r(5) رواه أحمد عن أبي هريرة، وفي الصحيحين معناه (المصدر السابق).....\r(6) رواه الترمذي عن علي.","part":3,"page":276},{"id":1669,"text":"رابعاً ـ زكاة الخليطين في الماشية وغيرها:\rلا يتأثر وجوب الزكاة عند الحنفية بالخلطة أي الشركة؛ لأن ملك كل واحد دون النصاب، كما لو لم يختلط بغيره، فإذا اختلطا في نصابين بأن كان كل واحد منهما يملك أربعين من الغنم، وجبت على كل واحد منهما شاة، للحديث النبوي: «في أربعين شاةً شاةٌ» .\rوقال الجمهور: للخلطة في الماشية تأثير في الزكاة، فيزكى الخليطان زكاة المالك الواحد، إلا أن المالكية قالوا: إن اجتمع نصاب من مجموع حصة كليهما فلا زكاة عليهما، والخلطة إنما تؤثر إذا كان لكل واحد من الشركاء نصاب.\rوتفصيل مذاهب الجمهور ما يأتي:\rقال المالكية (1) : خلطاء الماشية المتحدة النوع يكون حكمهم حكم المالك الواحد في الزكاة، كثلاثة لكل واحد أربعون من الغنم، فعليهم شاة واحدة، على كل ثلثها، فالخلطة أثرت فأوجذت التخفيف، أما لو كانوا متفرقين فعلى كل واحد شاة . وقد تؤدي الخلطة إلى التثقيل، كما لو كان لأحدهما مئة وشاة وللآخر مئة من الغنم وشاة، فعليهما ثلاث شياه، ولولا الخلطة لكان على كل منهما شاة واحدة، فالخلطة أوجبت الثالثة، فلا يفرق بين مجتمع، ولا يجمع بين مفترق، خشية الزكاة.\rولا تؤثر الخلطة إلا إذا كان لكل واحد من الخليطين مقدار النصاب لو انفرد بنفسه، فإن اجتمع نصاب من مجموع الحصتين، فلا زكاة عليهما. وإن لم يكمل من مجموعهما نصاب فلا زكاة عليهما إجماعاً. وإن كان لأحدهما نصاب وللآخر أقل من نصاب، فيزكي صاحب النصاب وحده زكاة المنفرد.\rوالاختلاط المؤثر يكون بتوافر شروط أربعة:\rأولها ـ عدم نية الفرار من الزكاة بالاشتراك.\rثانيها ـ أن تكون ماشية كل واحد من الخليطين مما يضم بعضه إلى بعض كالضأن والمعز.\r-------------------------------\r(1) الشرح الصغير: 602/1، القوانين الفقهية: ص108، الشرح الكبير: 439/1.","part":3,"page":277},{"id":1670,"text":"ثالثها ـ أن يكون كل واحد من الشريكين مخاطباً شرعاً بالزكاة: بأن يكون حراً، مسلماً، ملك نصاباً، تم حوله. فإن كان أحدهما تجب عليه الزكاة فقط والآخر كافر مثلاً، وجبت على الأول وحده، حيث توفرت الشروط. وإن حال الحول على ماشية أحدهما دون الآخر، زكى الآخر زكاة المنفرد.\rرابعها ـ أن يتم الاختلاط في الراعى والفحل والدلو والمسرح والمبيت. بأن يكن لهما راع واحد أو أكثر، فيشتركان في الرعي، أو يتعاونان ولو لم يحتج لهما، ويتم التلقيح في الجميع بفحل واحد بإذنهما، وتشرب من ماء واحد مملوك لهما أو لأحدهما ولا يمنع الآخر، وتسرح معاً، وتبيت معاً، إلا أنه إذا تعدد المسرح أو المبيت بشرط الحاجة فلا يضر.\rوقال الشافعية والحنابلة (1) : إما أن تكون الخلطة أي الشركة في المواشي، أو في غيرها من الأموال.\rأ ـ أما في غير المواشي وهي النقود (الأثمان) والحبوب والثمار وعروض التجارة، فلا تؤثر الخلطة فيها عند الحنابلة، لقوله صلّى الله عليه وسلم : «لا يجمع بين متفرق خشية الصدقة» لأنه إنما تكون الخلطة في الماشية، لأن فيها منفعة أحياناً وضرراً أحياناً، أما غير الماشية فلا يتصور فيها غير الضرر برب المال، لأنه تجب فيها الزكاة فيما زاد على النصاب بحسابه، فلا أثر لجمعها، أي لا يعفى منها شيء بعد النصاب، وعليه فتؤخذ من كل واحد منهم زكاته على انفراد إذا كان ما يخصه تجب فيه الزكاة.\r-------------------------------\r(1) المهذب: 150/1-153، مغني المحتاج: 376/1 ومابعدها، المغني: 607/2-619، كشاف القناع: 227/2-235، شرح المجموع: 408/5 ومابعدها.","part":3,"page":278},{"id":1671,"text":"وتؤثر الخلطة على الجديد في مذهب الشافعية في غير المواشي، لعموم الحديث السابق: «لا يجمع بين متفرق ولا يفرق بين مجتمع خشية الصدقة» ،ولأنه مال تجب فيه الزكاة فأثرت الخلطة في زكاتها كالماشية، ولأن المالين كالمال الواحد في المؤن (التكاليف) من مخزن وناطور وغيرهما، فهي كالمواشي، فتخف المؤونة إذا كان المخزن والميزان والبائع واحداً. والخلاصة: إن الحنابلة قالوا: لا منفعة للشركاء في الشركة في غير الماشية، وقال الشافعية: المنفعة متوفرة، فيزكى المالان كالمال الواحد.\rب ـ أما الخلطة في المواشي: بأن اشترك أهل الزكاة في ماشية، فلها تأثير عند الشافعية والحنابلة في الزكاة إيجاباً وإسقاطاً وتشديداً وتخفيفاً، فتصير الأموال كالمال الواحد، للحديث السابق: «لا يجمع بين متفرِّق ولا يُفَرَّق بين مجتمع..» نهى المالك عن التفريق وعن الجمع خشية وجوب الزكاة أو كثرتها، ونهى الساعي عنها خشية سقوطها أو قلتها.\rوالخلطة الجائزة المؤثرة نوعان: خلطة شيوع أو أعيان، وخلطة مجاورة أو أوصاف.\rأما خلطة الأعيان: فهي أن يشترك أهل الزكاة في ماشية من جنس واحد بإرث أوشراء أو هبة أو غيره، وهي نصاب، أو أقل ولأحدهما نصاب فأكثر وداما على ذلك كإرث أخوين أربعين غنمة، أو شراء اثنين معاً ثلاثين بقرة. أو هي أن تكون الماشية مشتركة بينهما لكل واحد منهما منها نصيب مشاع، أي أن المالين هنا ممتزجان امتزاج شيوع، فلا يتميز أحدهما عما يملكه الآخر، وإنما لكل منهما جزء غير متعين من المال المملوك بنسبة ما يملك.\rوأما خلطة المجاورة أو الأوصاف: وهي أن يكون مال كل واحد منهما مميزاً، فخلطاه واشتركا في الأوصاف التي نذكرها، سواء تساويا في الحصة أو اختلفا، مثل أن يكون لرجل شاة، ولآخر تسعة وثلاثون، أو يكون لأربعين رجلاً أربعون شاة، لكل واحد منهم شاة، أي أن المالين هنا غير ممتزجين، بل هما منفصلان متميزان.","part":3,"page":279},{"id":1672,"text":"فلا يشترط عندهم خلافاً للمالكية أن تكون حصة كل منهم قبل الاشتراك نصاباً، ولا تشترط نية الخلطة؛ لأن خفة المؤنة على الشركاء باتحاد المواقف لا تختلف قصداً وعدمه، أي أن المقصود بالخلطة من الارتفاق يحصل بدونها، ولأن النية لا تؤثر في الخلطة، فلا تؤثر في حكمهما. وإنما اشترط الاتحاد في أمور ليجمع المالان كالمال الواحد، ولتخف المؤنة على المحسن بالزكاة.\rوهذه الشركة بنوعيها قد تفيد الشريكين تخفيفاً كالاشتراك في ثمانين شاة على السواء، أو تثقيلاً كالاشتراك في أربعين، أو تخفيفاً على أحدهما وتثقيلاً على الآخر، كأن ملكا ستين لأحدهما ثلثاها وللآخر ثلثها، وقد لا تفيد تخفيفاً ولا تثقيلاً كمئتين على السواء.\rوتجب الزكاة في مال الشركة كما تجب في مال الرجل الواحد بشروط:\r1ً - أن يكون الشريكان من أهل وجوب الزكاة، ومن المعلوم أنه لا تجب الزكاة إلا على حر مسلم تام الملك.\r2ً - أن يكون المال المختلط نصاباً، فلا زكاة على ما لم يبلغ مقدار النصاب.\r3ً - أن يمضي عليهما حول كامل، وإلا زكى كل منهما على انفراد بحسب مضي حوله، فإن كان لرجل أربعون شاة، ومضى عليهما بعض الحول، ثم باع بعضها مشاعاً، انقطع حول البائع فيما لم يبع، ويستأنفان حولاً جديداً من حين البيع.\r4ً - ألا يتميز مال أحدهما عن الآخر في ستة أوصاف: المسرح، والمبيت (المُراح) والمشرب (مكان الشرب فقط)، والمحلب (موضع الحلب)، والفحل (1) ، والراعي ؛ لأنه إذا تميز مال كل واحد منهم بشيء مما ذكر، لم يصيرا كمال واحد، والقصد بالخلطة (الشركة): أن يصير المالان كمال واحد لتخف المؤنة (النفقة). ويجوز تعدد الرعاة قطعاً بشرط ألا تنفرد هذه عن هذه براع.\r-------------------------------\r(1) المسرح: الموضع الذي تجتمع فيه ثم تساق إلى المرعى، ويستتبع ذلك الاتحاد في المرعى: وهو الموضع الذي ترعى فيه، واتحاد المممر بينهما. والمراح بضم الميم: مأواها ليلاً، واتحاد الفحل أو الفحول: أن تكون مرسلة فيها تنزو على كل من الماشيتين بحيث لا تختص ماشية هذا بفحل عن ماشية الآخر.","part":3,"page":280},{"id":1673,"text":"والأصل في هذه الشروط الحديث السابق: «لا يجمع بين متفرق، ولا يفرق بين مجتمع خشية الصدقة، وما كان من خليطين، فإنهما يتراجعان بينهما بالسوية» ولأن المالين صارا كمال واحد في المؤن، فوجب أن تكون زكاته زكاة المال الواحد ويؤيد ذلك حديث آخر: «والخليطان: ما اجتمعا على الفحل والرعي والحوض» (1) فنص على هذه الثلاثة، ونبّه على ما سواها.\rما يأخذه الساعي من مال الشركة (الخلطة) والتراجع فيما بينهم بالحصص:\rقال الشافعية في الأصح والحنابلة في ظاهر كلام أحمد (2) : يأخذ الساعي فرض الزكاة من مال أي الخليطين إن شاء، سواء دعت الحاجة إلى ذلك أم لا، مثال الحاجة: أن تكون الفريضة عيناً واحدة، لا يمكن أخذها إلا من أحد المالين، ومثال عدم الحاجة: أن يجد فرض كل واحد من المالين فيه؛ لأن المالين بالخلطة جعلا كالمال الواحد في وجوب الزكاة، فوجب أن يجوز الأخذ منهما.\rودليل ذلك قول النبي صلّى الله عليه وسلم : «لا يجمع بين متفرق، ولا يفرق بين مجتمع خشية الصدقة» وهما خشيتان: خشية رب المال من زيادة الصدقة، وخشية الساعي من نقصانها، فليس لأرباب الأموال أن يجمعوا أموالهم المتفرقة التي كان الواجب في كل واحد منها شاة، ليقل الواجب فيها، ولا أن يفرقوا أموالهم المجتمعة التي كان فيها باجتماعها فرض، ليسقط عنها بتفرقتها، وليس للساعي أن يفرق بين الخلطاء لتكثر الزكاة، ولا أن يجمعها إذا كانت متفرقة لتجب الزكاة.\r-------------------------------\r(1) رواه الدارقطني والبيهقي بإسناد ضعيف عن سعد بن أبي وقاص.\r(2) المهذب: 153/1، شرح المجموع: 426/5 ومابعدها، المغني: 614/2 ومابعدها، كشاف القناع: 234/2 ومابعدها.","part":3,"page":281},{"id":1674,"text":"ومتى أخذ الساعي الفرض من مال أحدهما،رجع على شريكه بقدر حصته من الفرض، وهذا رأي المالكية أيضاً (1) ، عملاً بالحديث السابق عن أنس: «ما كان من خليطين فإنهما يتراجعان بالسوية» فإذا كان لأحدهما ثلث المال، وللآخر ثلثاه، فأخذ الفرض من مال صاحب الثلث، رجع بثلثي قيمة المخرج على صاحبه، وإن أخذه من الآخر، رجع على صاحب الثلث بثلث قيمة المخرج.\rوالقول قول المرجوع عليه مع يمينه إذا اختلفا، وعدمت البينة؛ لأنه غارم، فكان القول قوله، كالغاصب إذا اختلف مع المالك في قيمة المغصوب بعد تلفه.\rوإن أخذ الساعي أكثر من الفرض بغير تأويل، مثل أن يأخذ شاتين مكان شاة، أو يأخذ جذعة مكان حقة، لم يكن للمأخوذ منه الرجوع إلا بقدر الواجب دون الزيادة؛ لأنه ظلمه، فلا يرجع به على غير الظالم.\rوإن أخذ أكثر من الحق بتأويل سائغ، كأن يأخذ الصحيحة عن المراض، والكبيرة عن الصغار، فإنه يرجع على شريكه بنصف ما أخذ منه؛ لأن ذلك اجتهاد من السلطان، فلا ينقض ما فعله باجتهاده. وكذلك يرجع عليه إن أخذ منه قيمة الفرض؛ لأنه أخذها باجتهاده.\rخامساً ـ أحكام متفرقة في زكاة الحيوان:\r1 - هل تجب الزكاة في العين أو في الذمة؟\rللفقهاء رأيان (2) :\rأ ـ قال الحنفية والمالكية والشافعي في مذهبه الجديد: الزكاةتجب في العين دون الذمة، فإذا هلك المال بعد وجوب الزكاة، ولو بعد مَنْع الساعي في الأصح عند الحنفية، سقطت الزكاة عنه، لأنه حق يتعلق بالمال، فيسقط بهلاكه، فيتعلق بعينه، كحق المضارب. وإذا هلك بعض المال سقط حظه من الزكاة.\rأما الاستهلاك فلا يسقط الزكاة؛ لأنها بعد الوجوب بمنزلة الأمانة، فإذا استهلكها صاحبها ضمنها كالوديعة.\r-------------------------------\r(1) القوانين الفقهية: ص.109 .\r(2) الدر المختار: 27/2 ومابعدها، الكتاب مع اللباب: 148/1، شرح المجموع: 341/5 ومابعدها، 454 ومابعدها، البدائع: 22/2-25، المغني: 678/2-679، القوانين الفقهية: ص 99.","part":3,"page":282},{"id":1675,"text":"ب ـ وقال الحنابلة: تجب الزكاة في الذمة بحلول الحول، وإن تلف المال فرط أو لم يفرط، وإذا حال الحول على مال ولم يؤد زكاته، وجب أداؤها لما مضى.\rوفرع الشافعية أيضاً على مبدأ تعلق الزكاة بالعين دون الذمة: أنه إذا باع المالك مال الزكاة بعد وجوبها فيه، سواء أكان تمراً أم حباً أم ماشية أم نقداً أم غيره، قبل إخراجها، كان البيع باطلاً في قدر فرض الزكاة، وقدر الفرض للمساكين، فلا يجوز بيعه بغير إذنهم؛ لأنهم شركاء فيه.\rوأجاز الحنفية والحنابلة بيع مال الزكاة، على أن يضمن البائع قدر الزكاة.\r2 - دفع القيمة في الزكاة:\rأ ـ قال الحنفية (1) تفريعاً على مبدئهم أن الواجب في الزكاة جزء من النصاب إما صورة ومعنى، أو معنى فقط: يجوز دفع القيمة في الزكاة، وكذا في العشر والخراج وزكاة الفطرة والنذر والكفارة غير الإعتاق، وتعتبر القيمة يوم الوجوب عند الإمام أبي حنيفة، وعند الصاحبين: يوم الأداء، وفي السوائم يوم الأداء بالاتفاق بينهم، ويُقوَّم الواجب في البلد الذي فيه المال، فإن كان في مفازة ففي أقرب الأمصار إليه. ودليلهم أن الواجب أداء جزء من النصاب من حيث المعنى، وهو المالية، وأداء القيمة مثل أداء الجزء من النصاب من حيث إنه مال، ولأن في ذلك تيسيراً على المزكي، وتوفيراً لحرية الفقير في التصرف بالمال بحسب الحاجة.\rوقد روي أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم رأى في إبل الصدقة ناقة كوماء (2) ، فغضب على المصدِّق (العامل)، وقال: ألم أنهكم عن أخذ كرائم أموال الناس (3) ؟ فقال:\r-------------------------------\r(1) البدائع: 25/2، الدر المختار: 29/2، اللباب: 147/1، فتح القدير: 507/1.\r(2) أي مُشرفة السنام عاليته، فالكوماء، هي الناقة العظيمة السنام.\r(3) ورد النهي عن ذلك في حديث ابن عباس عند الجماعة بلفظ «فإياك وكرائم أموالهم» (نيل الأوطار: 114/4).","part":3,"page":283},{"id":1676,"text":"أخذتها ببعيرين من إبل الصدقة، وفي رواية: ارتجعتها، فسكت رسول الله صلّى الله عليه وسلم . فأخذ البعير ببعيرين يكون باعتبار القيمة (1) .\rب ـ وقال الجمهور (2) : لا يجزئ إخراج القيمة في شيء من الزكاة؛ لأن الحق لله تعالى، وقد علقه على ما نص عليه، فلا يجوز نقل ذلك إلى غيره، كالأضحية لما علقها على الأنعام، لم يجز نقلها إلى غيرها. وبعبارة أخرى: إن الزكاة قربة لله تعالى، وكل ما كان كذلك، فسبيله أن يتبع فيه أمر الله تعالى. وقال النبي صلّى الله عليه وسلم : «في أربعين شاة شاة، وفي مئتي درهم خمسة دراهم» وهو وارد بياناً لمجمل قوله تعالى: {وآتوا الزكاة} [البقرة:277/2] فتكون الشاة المذكورة هي الزكاة المأمور بها، والأمر يقتضي الوجوب، ولأن النبي صلّى الله عليه وسلم قال لمعاذ حين بعثه إلى اليمن: «خذ الحب من الحب، والشاة من الغنم، والبعير من الإبل، والبقرة من البقر» (3) وهو نص يجب التزامه، ولا يتجاوز عنه إلى القيمة؛ لأنه يكون أخذاً من غير المأمور به في الحديث، ولأن مخرج القيمة قد عدل عن المنصوص، فلم يجزئه، كما لو أخرج الرديء مكان الجيد، وهذا كله يدل على أن الزكاة واجبة في العين.\rقال الشافعية: لا يجوز أخذ القيمة في الزكاة إلا في خمس مسائل: زكاة التجارة، والجُبران (وهو شاتان أوعشرون درهماً في الإبل في حال عدم وجود الواجب)، وفي حالة إخراج الشاة عن الإبل دون الخمسة والعشرين، علماً بأن\r-------------------------------\r(1) رواه أحمد والبيهقي.\r(2) الشرح الكبير: 502/1، بداية المجتهد: 260/1، المهذب: 150/1، شرح المجموع: 401/5 ومابعدها،253/6، تحفة الطلاب للأنصاري: ص95، كشاف القناع: 226/2، المغني: 65/2-66.\r(3) رواه أبو داود وابن ماجه (نيل الأوطار: 152/4).","part":3,"page":284},{"id":1677,"text":"الشاة وإن لم تكن قيمة فهي بمعناها، وفي حالة جبر التفاوت بين الأغبط وغيره بنقد أو جزء من الأغبط فيما لو أخذ الساعي في اجتماع فرضين غير الأغبط باجتهاده بلا تقصير منه، ولا تدليس من المالك. وفي حالة صرف الإمام للمستحقين ما أخذه من النقد من المستحق الذي استغنى بدلاً عن زكاة تعجلها، ولم يقع المعجل الموقع المطلوب لاستغناء المستحقين.\rوأرجح رأي الحنفية؛ لأن المقصود من الزكاة إغناء الفقير وسد حاجة المحتاج، وهذا يتحقق بأداء القيمة، كما يحصل بأداء جزء من عين المال المزكى، ولأن الفقير يرغب الآن في القيمة أكثر من رغبته في أعيان الأموال، ولأن إعطاء القيمة أهون على الناس وأيسر في الحساب.\r3 - ضم أنواع الأجناس إلى بعضها :\rلا خلاف بين أهل العلم في ضم أنواع الأجناس، بعضها إلى بعض في إيجاب الزكاة (1) ، فيضم المعز إلى الضأن، والجواميس إلى البقر، والبُخْت (2) من الإبل إلى العِرَاب.\rويخرج المزكي عند الجمهور الزكاة من أي الأنواع أحبَّ، سواء دعت الحاجة إلى ذلك: بأن يكون الواجب واحداً، أو لا يكون أحد النوعين موجباً لواحد، أو لم تدع الحاجة: بأن يكون كل واحد من النوعين يجب فيه فريضة كاملة؛ لأنهما نوعا جنس واحد، من الماشية، فجاز الإخراج من أيهما شاء.\rفإن كانت عشرين ضأناً، وعشرين معزاً، أخذ من أحدهما ما يكون قيمته نصف شاة ضأن ونصف معز.\r-------------------------------\r(1) المغني: 605/2 ومابعدها، القوانين الفقهية: ص 108، اللباب: 143/1، مغني المحتاج: 374/1 ومابعدها، كشاف القناع: 224/2، الشرح الصغير: 598/1.\r(2) البخت: جمع البُختي وهو المتولد بين العربي والعجمي، منسوب إلى بُخْتَ نَصَّر. والعراب: جمع عربي وهي جرد ملس حسان الألوان كريمة.","part":3,"page":285},{"id":1678,"text":"وقال الشافعية: إن اتحد نوع الماشية أخذ الفرض منه، كأن كانت إبله كلها من صفة واحدة أو بقرة كلها جواميس، ويجوز في الأصح أخذ ضأن عن معز أو عكسه بشرط رعاية القيمة. وإن اختلف النوع كضأن ومعز، فالأظهر أن يخرج المالك ما شاء من النوعين، مقسَّطاً عليهما بالقيمة، فإذا وجد ثلاثون عنزاً وعَشْر نَعَجات من الضأن، أخذ الساعي عنزاً، أو نعجة بقيمة ثلاثة أرباع عنز ورُبُع نعجة،وفي عنز بقيمة ثلاثة أرباع نعجة وربع عنز.\rوبه يكون الشافعية في الحقيقة كباقي المذاهب إلا في مراعاة فرق القيمة بين المعز والضأن.\r4 - كون الفرع أو النتاج يتبع الأصل في الزكاة:\rاتفق أئمة المذاهب الأربعة (1) على أن النتاج أو الفرع ـ أولاد الأنعام يتبع الأمهات في الحول، فكل ما نُتج أو تولد من الأمهات وتم انفصاله قبل تمام حول النصاب الأصلي ولو بلحظة، يزكى بحول الأصل، لقول عمر رضي الله عنه لساعيه: «اعتد عليهم بالسخلة (2) يروح بها الراعي على يديه، ولا تأخذها منهم» (3) ، ولأن الحول إنما اشترط لتكامل النماء الحاصل، والنتاج نماء في نفسه، فيجب أن يضم إليه في الحول كأموال التجارة.\rفعلى هذا إذا كان عنده مئة وعشرون من الغنم، فولدت واحدة منها سخلة قبل الحول بلحظة، والأمهات كلها باقية، لزمه شاتان.\rأما لو انفصل النتاج بعد الحول أو قبله، ولم يتم انفصاله إلا بعده، كجنين خرج بعضه في الحول، ولم يتم انفصاله إلا بعد تمام الحول، لم يكن حول النصاب الأصلي حوله، لانقضاء حول أصله، ولأن الحول الثاني أولى به.\r-------------------------------\r(1) البدائع: 31/2، فتح القدير: 504/1، الدر المختار: 26/2، القوانين الفقهية: ص 109، الشرح الصغير: 591/1، مغني المحتاج: 378/1، المغني: 602/2، 604، الشرح الكبير: 432/1.\r(2) السخلة: الصغيرة من أولاد المعز والضأن ما لم تبلغ سنة، وتطلق على الذكر والأنثى.\r(3) رواه مالك في الموطأ (نصب الراية: 355/2).","part":3,"page":286},{"id":1679,"text":"زكاة الصغار: يرى أبو حنيفة ومحمد أنه ليس في الفُصلان والحُملان والعجاجيل زكاة إلا أن يكون معها كبار ولو واحداً، ويجب ذلك الواحد مالم يكن جيداً، فيلزم الوسط، وعلى هذا فإنه يشترط أن تبلغ الماشية سناً يجزئ مثله في الزكاة وهو السنة، بأن تكون كلها أو بعضها مسانّ، لأن السن يتغيربه الفرض، فكان لنقصانه تأثير في الزكاة كالعدد. وخالفهما باقي الأئمة فأوجبوا فيها الزكاة، لأن السخال تعد مع غيرها، فتعد منفردة كالأمهات، والعدد تزيد الزكاة بزيادته بخلاف السن.\r5 - الحيوان المستفاد في أثناء الحول :\rقال الحنفية والمالكية (1) : من كان له نصاب، فاستفاد في أثناء الحول شيئاً من جنسه بشراء أو هبة أو صدقة، ضمه إليه أي إلى النصاب، وزكاه معه، كربح مال التجارة ونتاج السائمة، ويعتبر حوله حول أصله، لأنه تبع له من جنسه، فأشبه النماء المتصل، وهو زيادة قيمة عروض التجارة. وإن لم يكن من جنسه لا يضم اتفاقاً.\rوقال الشافعية والحنابلة (2) : لا يضم المملوك بشراء أو غيره كهبة أو إرث أو وصية إلى ما عنده، في الحول، وإنما يبدأ له حول جديد؛ لأنه ليس في معنى النتاج؛ لأن الدليل قد قام على اشتراط الحول، واستثني النتاج لقول عمر المتقدم، فبقي ما عداه على الأصل. ثم إن الأولاد والنتاج تابعة في الملك، فتملك بملك الأصل، بخلاف المستفاد.\r-------------------------------\r(1) فتح القدير: 510/1، الدر المختار: 31/2، اللباب: 147/1، الشرح الصغير: 593/1، حاشية الدسوقي: 432/1.\r(2) مغني المحتاج: 379/1 ، المغني: 627/2.","part":3,"page":287},{"id":1680,"text":"ويتفرع على الخلاف: من كان عنده نصاب من النعم كخمس من الإبل، وثلاثين من البقر، وأربعين من الغنم فأكثر، فاستفاد بهبة أو صدقة، أو استحقاق في وقف، أو دين، أو بشراء قدر نصاب آخر أو ما يكمل نصاباً آخر، فإنه على رأي الحنفية والمالكية يضم للأول الذي كان عنده، ويزكيه معه، فيكون عليه شاتان بعد أن كان عليه واحدة مثلاً، أو تبيعان بعد أن كان عليه تبيع، أو حقة مثلاً.\rومثله: من كان عنده نصاب نقدي في بدء الحول، ثم قبض رواتب شهرية، فيضم ما يدخره ولو من آخر راتب إلى أصل النصاب، ويزكيه معه.\rأما عند الشافعية والحنابلة، فإنه يكون للمستفاد أو المتجدد من الدخل حول مستقل على حدة، كل متجدد أو مدخر جديد له حوله.\r6 - الزكاة في النصاب دون العفو (الأوقاص ) :\rالأوقاص: جمع وقص: وهو ما بين الفريضتين من كل الأنعام.\rلا زكاة في الأوقاص، وهي عفو أي معفو عنها باتفاق المذاهب (1) ، فلا تتعلق به الزكاة، بل تتعلق بالنصاب المقرر شرعاً فقط، لقوله صلّى الله عليه وسلم : «إن الأوقاص لا صدقة فيها» (2) ، ولأن العفو مال ناقص عن نصاب، يتعلق به فرض مبتدأ، فلم يتعلق به الوجوب قبله، كما لو نقص عن النصاب الأول.\rفما دون النصاب عفو، وما فوقه إلى حد آخر عفو، فلو هلك العفو، وبقي النصاب، بقي كل الواجب، كأن كان له تسع من الإبل، أو مئة وعشرون من الغنم، فهلك بعد الحول من الإبل أربع، ومن الغنم ثمانون، لم يسقط من الزكاة شيء.\r7 - ما يأخذه الساعي :\rالساعي أو العامل أو المصدِّق: هو الموظف المخصص من الحاكم لجمع الزكاة وجبايتها من المالكين.\r-------------------------------\r(1) فتح القدير: 511/1، الشرح الصغير: 599/1، المهذب: 145/1، المغني: 604/2، كشاف القناع: 219/2.\r(2) رواه أبو عبيد في الأموال عن يحيى بن الحكم.","part":3,"page":288},{"id":1681,"text":"فإن كان في المال المزكى كرائم ولئام (1) ، وسمان ومهازيل، وصحاح ومراض، وكبار وصغار، وجب الوسط بقدر قيمة المالين، طلباً للتعديل بينهما، وهو عند الحنفية أعلى الأدنى وأدنى الأعلى،فلا يؤخذ من خيار الأموال ولا من شرارها، ولا من الأولاد، فإن كانت كلها جياداً فجيد عند الحنفية (2) ، لقوله صلّى الله عليه وسلم في حديث معاذ المتقدم: «فإياك وكرائم أموالهم» وقوله أيضاً: «إن الله تعالى لم يسألكم خيره، ولم يأمركم بشره» (3) ، ولأن مبنى الزكاة على المواساة، وأخذ الصحيحة عن المراض مثلاً إخلال بالمواساة، ولأن فيه مراعاة لجانبي المالك والمستحق.\rوقد فرع الفقهاء بناء على هذا المبدأ تفريعات:\rفقال الحنفية(4 ) : ليس للساعي أن يأخذ الجيد ولا الرديء إلا من طريق التقويم برضا صاحب المال. ولا يؤخذ الرُّبَّى (التي وضعت وهي تربي ولدها، يعني قريبة العهد بالولادة) ، ولا الماخض (التي قد حان ولادها أي في بطنها ولد) ، ولا الأكولة (التي تسمن للأكل) .\rويأخذ الساعي الوسط، سواء أكان النصاب من نوع واحد، أم من نوعين كالضأن والمعز، والبقر والجواميس، والعراب والبخت، والوسط: هو أن يكون أدنى من الأرفع، وأرفع من الأدون.\r-------------------------------\r(1) الكرائم: جمع كريمة، وهي الجامعة للكمال الممكن في حقها من غزارة لبن أو جمال صورة أو كثرة لحم أو صوف. واللئام: جمع لئيمة وهي ضد الكريمة.\r(2) البدائع: 32/2-34، الدر المختار: 30/2 ومابعدها، فتح القدير: 506/1،510، اللباب: 146/1، الشرح الكبير: 434/1-436، الشرح الصغير: 598/1،604، القوانين الفقهية: ص 108، مغني المحتاج: 375/1 ومابعدها، المهذب: 147/1،150، المغني: 598/2-604، كشاف القناع: 213/2، 219، 223 ومابعدها.\r(3) رواه أبو داود.\r(4) البدائع، المكان السابق.","part":3,"page":289},{"id":1682,"text":"ولا يأخذ الذكر في زكاة الإبل، فتتعين الأنوثة في الواجب في الإبل من جنسها من بنت المخاض وبنت اللبون والحقة والجذعة، ولا يجوز الذكور منها وهو ابن المخاض وابن اللبون والحق والجذع، إلا بطريق التقويم؛ لأن الواجب المنصوص عليه هو الإناث، ودفع القيمة في الزكاة جائز عندهم.\rأما في البقر فيجوز فيها الذكر والأنثى، لورود النص بذلك، كما تقدم.\rوليس في الصغار والذكور وحدها زكاة، فإذا وجدت الصغار والكبار عدّت مع بعضها، ويجب فيها ما يجب في الكبار وهو المسنة.\rوإذا فقد الساعي في مال المالك ما يجب أخذه، بأن وجب عليه سن فلم توجد عنده، أخذ أعلى منها وردّ الفضل (قيمة الزيادة عن المدفوع) ، أو أخذ أدنى منها وأخذ الفضل، ولا يقدر عندهم بشيء؛ لأنه بحسب الأوقات غلاء ورخصاً (1) .\rوقال المالكية: يتعين على الساعي أخذ الوسط من الواجب، فلا يؤخذ من خيار الأموال ولا من شرارها، حتى ولو كان عند المزكي خيار فقط أو شرار فقط، إلا أن يرى الساعي أن أخذ المعينة أحظ للفقراء لكثرة لحمها مثلاً. ولا يؤخذ من الأولاد. وإذا تساوى عدد الضأن والمعز أو غيرهما، خيّر الساعي، فإن لم يتساويا أخذ من الأكثر،كثلاثين من الضأن وعشرة من المعز أو عكس ذلك، وكعشرين من البقر وعشرة من الجواميس، فيأخذ من الأكثر؛ لأن الحكم للغالب.\r-------------------------------\r(1) خلافاً للشافعية والحنابلة الذين قدروا الفضل الذي يرد بشاتين أو عشرين درهماً.","part":3,"page":290},{"id":1683,"text":"وقال الشافعية: لا تؤخذ مريضة، ولا معيبة، إلا من مثلها بأن كانت ماشيته كلها منها، ولا يؤخذ ذكر؛ لأن النص ورد في الإناث إلا إذا وجب كابن اللبون والتبيع في البقر، أو كانت ماشيته كلها ذكوراً في الأصح، كما تؤخذ المريضة والمعيبةمن مثلها. ويؤخذ من الصغار صغيرة في المذهب الجديد.ولا تؤخذ الرُّبَّى (الحديثة العهد بالنتاج) ولا الأكولة (المسمنة للأكل) ولا ماخض (حامل)، ولا فحل الغنم، ولا خِيار، لحديث معاذ السابق «إياك وكرائم أموالهم» ولقول عمر رضي الله عنه: «ولا تؤخذ الأكولة، ولا الربى، ولا الماخض، ولا فحل الغنم» إلا برضا المالك في جميع ما ذكر؛لأنه محسن بالزيادة، وقد قال تعالى: {ما على المحسنين من سبيل} [التوبة:91/9].\rوقد عرفنا أنه بالنسبة للجبران: إذا لم يجد الساعي الفرض المطلوب في الإبل كان للمالك الصعود والنزول درجة أو درجتين، فدفع الأعلى أو الأدنى مع أخذ الدافع شاتين أو عشرين درهماً، وذلك تخفيفاً على المالك، حتى لايكلف الشراء، والخيار في الشاتين أو العشرين درهماً للدافع سواء أكان مالكاً أم ساعياً، لحديث أنس في كتاب أبي بكر عند البخاري.\rوقال الحنابلة: لايؤخذ في الصدقة تيس ( ذكر ) ولا هَرِمة، ولا ذات عوار ((معيبة) إلا ما شاء المصدِّق أي العامل، بأن يرى ذلك بأن يكون جميع النصاب من جنس المذكورات، فيكون له أن يأخذ من جنس المال، فيأخذ هرمة (كبيرة) من الهرمات، وذات عوار من أمثالها، وتيساً من التيوس، كما قرر الشافعية، ودليلهم حديث أبي بكر عن أنس المتقدم.\rولا يجوز إخراج المعيبة عن الصحاح، وإن كثرت قيمتها، للنهي عن أخذها، ولما فيه من الإضرار بالفقراء.\rولا تؤخذ الرُّبَّى ولا الماخض ولا الأكولة، كما بينت في مذهب الشافعية، ولا تؤخذ السخلة الصغيرة إلا إذا كانت الماشية كلها صغاراً، فيجوز أخذ الصغيرة في الصحيح من المذهب، كما قرر الشافعية.","part":3,"page":291},{"id":1684,"text":"ورأيهم في الجبران كالشافعية أيضاً، فمن وجبت عليه سن في الزكاة فعدمها، خيِّر المالك دون الساعي، أو الفقير ونحوه في الصعود إلى ما يليها في ملكه، ثم إلى ما يليه إن عدمه، وفي النزول إلى ما يليها في ملكه ثم إلى ما يليه، إلى درجة ثالثة من فوق أو من أسفل، مع شاتين أو عشرين درهماً ويتضاعف الجبران مع زيادة الدرجة، ولا مدخل للجبران في غير الإبل؛ لأن النص إنما ورد فيها، فيقتصر عليه، وليس غيرها في معناها، لكثرة قيمتها، ولأن الغنم لا تختلف فريضتها باختلاف سنها، وما بين الفريضتين في البقر يخالف ما بين الفريضتين في الإبل، فامتنع القياس.\rفمن عدم فريضة البقر أو فريضة الغنم، ووجد دونها، حرم إخراجها، ولزمه تحصيل الفريضة وإخراجها، وإن وجد أعلى منها فدفعها بغير جبران، قبلت منه، وإن لم يفعل أي يدفع الأعلى عن الواجب كُلِّف شراء الفريضة من غير ماله، لكونه طريقاً إلى أداء الواجب.\rالمبحث السادس ـ هل تجب الزكاة في العمارات والمصانع، وكسب العمل والمهن الحرة؟\rأوضحت في بحث زكاة النقود حكم زكاة الأسهم والسندات، ويخصص هذا المبحث لزكاة الدخل أو المورد الذي يحصل عليه الإنسان من طريق المباني المؤجرة والمعامل الصناعية، والأعمال والمهن الحرة. وفيه مطلبان:\rالمطلب الأول ـ زكاة العمارات والمصانع ونحوها :\rاتجه رأس المال في الوقت الحاضر لتشغيله في نواحٍ من الاستثمارات غير الأرض والتجارة، وذلك عن طريق إقامة المباني أو العمارات بقصد الكراء، والمصانع المعدة للإنتاج، ووسائل النقل من طائرات وبواخر (سفن) وسيارات، ومزارع الأبقار والدواجن وتشترك كلها في صفة واحدة هي أنها لا تجب الزكاة في عينها وإنما في ريعها وغلتها أو أرباحها.","part":3,"page":292},{"id":1685,"text":"وبالرغم من أن جمهور فقهائنا لم ينصوا على وجوب الزكاة في هذا النوع من المستغلات، وقالوا: لا زكاة في دور السكنى وأثاث المنزل وأدوات الحرفة ودواب الركوب، كما ذكرت سابقاً، فإني أرى ضرورة الزكاة في غلة العقارات بشروطها الآتية، لوجود علة وجوب الزكاة فيها وهي النماء، والحكم يدورمع علته وجوداً وعدماً، ولتوفر حكمة تشريع الزكاة فيها أيضاً وهي التزكية والتطهير لأرباب المال أنفسهم،ومواساة المحتاجين، والمساهمة في القضاء على الفقر الذي يشغل أنظمة العالم الحاضرة.\rوقد قرر مؤتمر علماء المسلمين الثاني ومؤتمر البحوث الإسلامية الثاني عام 1385هـ /1965 م: أن الأموال النامية التي لم يرد نص ولا رأي فقهي بإيجاب الزكاة فيها حكمها كالآتي: لا تجب الزكاة في أعيان العمائر الاستغلالية والمصانع والسفن والطائرات وما أشبهها، بل تجب في صافي غلتها عند توافر شروط النصاب، وحولان الحول.\rومقدار الزكاة: هو ربع العشر في نهاية الحول، أي ربع عشر صافي الغلة في نهاية الحول (أي 5،2%) كزكاة التجارة والنقود. وفي الشركات لا ينظر إلى مجموع أرباح الشركات، وإنما ينظر إلى ما يخص كل شريك على حدة.\rوهذا القرار يتفق مع المروي عن الإمام أحمد الذي يرى أنه تزكى هذه المستغلات من غلتها وإيرادها، ومع رأي بعض المالكية الذين يرون تزكية فوائد المستغلات عند قبضها (1) .\rويرى ابن عقيل الحنبلي والهادوية من الزيدية وجوب الزكاة في المستغل من كل شيء لأجل الاستغلال، فيشمل العقار المعد للكراء، وكل سلعة تؤجر وتعد للإجارة أي يقوم رأس المال في كل عام ويزكى زكاة التجارة (2) .","part":3,"page":293},{"id":1686,"text":"المطلب الثاني ـ زكاة كسب العمل والمهن الحرة :\rالعمل: إما حر غير مرتبط بالدولة كعمل الطبيب والمهندس والمحامي والخياط والنجار وغيرهم من أصحاب المهن الحرة.\rوإما مقيد مرتبط بوظيفة تابعة للدولة أو نحوها من المؤسسات والشركات العامة أو الخاصة، فيعطى الموظف راتباً شهرياً كما هو معروف. والدخل الذي يكسبه كل من صاحب العمل الحر أو الموظف ينطبق عليه فقهاً وصف «المال المستفاد» (3) .\rوالمقرر في المذاهب الأربعة أنه لا زكاة في المال المستفاد حتى يبلغ نصاباً ويتم حولاً، ويزكى في رأي غير الشافعية المال المدخر كله ولو من آخر لحظة قبل انتهاء الحول بعد توفر أصل النصاب.\rويمكن القول بوجوب الزكاة في المال المستفاد بمجرد قبضه، ولو لم يمض عليه حول، أخذاً برأي بعض الصحابة (ابن عباس وابن مسعود ومعاوية) وبعض التابعين (الزهري والحسن البصري ومكحول) ورأي عمر بن عبد العزيز، والباقر والصادق والناصر، وداود الظاهري. ومقدار الواجب: هو ربع العشر، عملاً بعموم النصوص التي أوجبت الزكاة في النقود وهي ربع العشر، سواء حال عليها الحول، أم كانت مستفادة. وإذا زكى المسلم كسب العمل أو المهنة عند استفادته أو قبضه لايزكيه مرة أخرى عند انتهاء الحول.\rوبذلك يتساوى أصحاب الدخل المتعاقب مع الفلاح الذي تجب عليه زكاة الزروع والثمار بمجرد الحصاد والدياس.\rالمبحث السابع ـ مصارف الزكاة :\rفيه مطلبان: الأول ـ مستحقو الزكاة، والثاني ـ أحكام متفرقة في توزيع الزكاة.\rالمطلب الأول ـ من هم مستحقو الزكاة؟\rأولاً ـ دليل تحديدهم :\rنصت الآية القرآنية 60 من سورة التوبة على أصناف ثمانية تستحق الزكاة وهي قوله تعالى: {إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل، فريضة من الله ، والله عليم حكيم} [التوبة:60/9] فدلت على أنه تصرف الزكاة إلى الأصناف الثمانية.\r-------------------------------\r(1) المغني:29/3،47، شرح الرسالة:329/1.\r(2) بدائع الفوائد لابن القيم: 143/3، البحر الزخار: 147/2.\r(3) انظر فقه الزكاة للدكتور يوسف القرضاوي: 487/1-250.","part":3,"page":294},{"id":1687,"text":"وروى الجماعة عن ابن عباس أن النبي صلّى الله عليه وسلم قال لمعاذ بن جبل حينما بعثه إلى اليمن «.. فإن هم أطاعوك لذلك ـ أي الإقرار بوجوب الزكاة عليهم ـ فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم، فترد على فقرائهم..» دل على أن الزكاة تؤخذ من قبل الإمام من أغنياء المسلمين، وتصرف في فقرائهم، وكونها في فقرائهم استدل به لمذهب مالك وغيره بأنه يكفي إخراج الزكاة في صنف واحد.\rثانياً ـ هل يجب تعميم الأصناف الثمانية؟\rقال الشافعية (1) : يجب صرف جميع الصدقات الواجبة سواء الفطرة وزكاة الأموال إلى ثمانية أصناف، عملاً بالآية الكريمة {إنما الصدقات..} [التوبة:60/9] أضافت الآية جميع الصدقات إلى هذه الأصناف بلام التمليك، وشركت بينهم بواو التشريك، فدلت على أن الصدقات كلها مملوكة لهم، مشتركة بينهم. فإن كان الذي يفرق الزكاة هو الإمام، قسمها على ثمانية أسهم، منها سهم العامل، وهو أول ما يبدأ به؛ لأنه يأخذه على وجه العوض، وأما غيره فيأخذه على وجه المواساة. وإن كان مفرق الزكاة هو المالك أو وكيله سقط نصيب العامل، وصرفت إلى الأصناف السبعة الباقية إن وجدوا، وإلا فللموجودين منهم، والمستحب أن يعم كل صنف إن أمكن، ولا يجوز أن يصرف لأقل من ثلاثة من كل صنف؛ لأن أقل الجمع ثلاثة، فإن دفع لاثنين ضمن نصيب الثالث إلا العامل، فإنه يجوز أن يكون واحداً إن حصلت به الكفاية.\rوالغالب وجوده الآن في البلاد أربعة: الفقير والمسكين والغارم وابن السبيل. وأجاز جمع من الشافعية دفع زكاة الفطر لثلاثة فقراء أو مساكين، واختار الرُّوياني من الشافعية صرف الزكاة إلى ثلاثة من أهل السهمان، قال: وهو الاختيار من حيث الفتوى لتعذر العمل بمذهبنا.\r-------------------------------\r(1) المهذب:170/1-173، حاشية الباجوري: 291/1-294، مغني: 116/3 ومابعدها.","part":3,"page":295},{"id":1688,"text":"ومذهب الجمهور (الحنفية والمالكية والحنابلة) (1) : جواز صرف الزكاة إلى صنف واحد، وأجاز الحنفية والمالكية صرفها إلى شخص واحد من أحد الأصناف. وندب عند المالكية صرفها إلى المضطر أي أشدهم حاجة على غيره. ويستحب صرفها في الأصناف الثمانية خروجاً من الخلاف وتحصيلاً للإجزاء يقيناً، ولا يجب الاستيعاب.\rودليلهم أن الآية تعني عدم جواز صرفها لغير هذه الأصناف، وأما فيهم فهي تدل على التخيير، أي إنها لبيان الأصناف التي يجوز الدفع إليهم، لا لتعيين الدفع فيهم.\rو أما دليل جواز الاقتصار على شخص واحد من أحد الأصناف فهو أن الجمع المعرف بأل «الفقراء .. » ينبغي حملها على المجاز، وهو جنس الفقير، الذي يتحقق بواحد، لتعذر حملها على الحقيقة: وهو الاستغراق، أي الشمول لجميع الفقراء، إذ يصير المعنى أن كل صدقة لكل فقير، وهو غير معقول.\rثالثاً ـ بيان الأصناف الثمانية:\rمستحقو الزكاة هم ثمانية أصناف: وهم الفقراء والمساكين والعاملون عليها، والمؤلفة قلوبهم، وفي الرقاب، والغارمون، وفي سبيل الله ، وابن السبيل (2) .\r1 - أما الفقراء: أصحاب السهم الأول: فهم جمع فقير، والفقير في رأي الشافعية والحنابلة: هو من ليس له مال ولا كسب يقع موقعاً من كفايته، أو حاجته. فليس له زوج ولا أصل ولا فرع يكفيه نفقته، ولا يحقق كفايته مطعماً وملبساً ومسكناً كمن يحتاج إلى عشرة ولا يجد إلا ثلاثة، حتى وإن كان صحيحاً يسأل الناس أو كان له مسكن وثوب يتجمل به.\r-------------------------------\r(1) الكتاب مع اللباب: 156/1، فتح القدير: 14/2، البدائع: 46/2، الدر المختار: 84/2، القوانين الفقهية: ص110 ومابعدها، بداية المجتهد: 267/1، المغني: 668/2، الشرح الصغير: 664/1، كشاف القناع: 335/2 ومابعدها.\r(2) البدائع: 43/2-46، الدر المختار: 79/1-84، فتح القدير: 14/2-20، الشرح الكبير: 492/1-497، الشرح الصغير: 657/1-664، بداية المجتهد: 266/1-269، القوانين الفقهية: ص109 -111، المهذب: 170/1-173، كشاف القناع: 316/2-332، المغني: 665/2 ومابعدها.","part":3,"page":296},{"id":1689,"text":"2 - وأما المساكين أصحاب السهم الثاني فهم جمع مسكين: والمسكين: هو الذي يقدر على كسب ما يسد مسداً من حاجته، ولكن لا يكفيه، كمن يحتاج إلى عشرة وعنده ثمانية لا تكفيه الكفاية اللائقة بحاله من مطعم وملبس ومسكن.\rفالفقير عند الشافعية والحنابلة: أسوأ حالاً من المسكين، فالفقير: هو من لا مال له ولا كسب أصلاً، أو كان يملك أو يكتسب أقل من نصف ما يكفيه لنفسه ومن تجب عليه نفقته (ممونه) من غير إسراف ولا تقتير. والمسكين: هو من يملك أو يكتسب نصف ما يحتاجه فأكثر، ولكن لم يصل إلى قدر كفايته. والمراد بالكفاية في حق المكتسب: كفاية يوم بيوم، وفي حق غيره: ما بقي من عمره الغالب وهو اثنان وستون سنة.\rودليلهم على أن الفقير أسوأ حالاً من المسكين: بداءة ا لله تعالى بذكر الفقراء، وإنما يبدأ عادة بالأهم فالأهم. وقال تعالى: {أما السفنية فكانت لمساكين\rيعملون في البحر} [الكهف:79/18] فأخبر أن لهم سفينة يعملون فيها، وقد سأل النبي المسكنة واستعاذ من الفقر، فقال: «اللهم أحيني مسكيناً، وأمتني مسكيناً، واحشرني في زمرة المساكين» (1) ، ولا يجوز أن يسأل شدة الحاجة، ويستعيذ من حالة أصلح منها. ولأن الفقير هو المفقور لغة: وهو الذي نزعت فقرة من فقار ظهره، فانقطع صلبه.\rوقال الحنفية والمالكية: المسكين أسوأ حالاً من الفقير، كما نقل عن بعض أئمة اللغة، ولقوله تعالى: {أو مسكيناً ذا متربة} [البلد:16/90] أي ألصق جلده بالتراب ليواري به جسده، مما يدل على غاية الضرر والشدة (2) ، ولأن المسكين: هو الذي يسكن حيث يحل، لأنه لا مسكن له، مما يدل على شدة الضرر والبؤس.\r-------------------------------\r(1) رواه الترمذي.\r(2) ناقشهم الفريق الأول بأنه يجوز التعبير عن الفقير بالمسكين مطلقاً، وأن هذا النعت لا يستحقه بإطلاق اسم المسكنة. وناقش الفريق الثاني استدلال الأولين بآية السفينة بأنه قيل لهم : مساكين ترحماً.","part":3,"page":297},{"id":1690,"text":"3 - والصنف الثالث ـ العاملون عليها: وهم السعاة لجباية الصدقة، ويشترط فيهم العدالة والمعرفة بفقه الزكاة،ويدخل العاشر والكاتب وقاسم الزكاة بين مستحقيها وحافظ المال، والحاشر: الذي يجمع أرباب الأموال، والعريف: الذي يعرف أرباب الاستحاق. وعدّاد المواشي والكيال والوزان والراعي، وكل من يحتاج إليه في الزكاة لدخولهم في مسمّى «العامل» غير قاض ووال لاستغنائهما بمالهما في بيت المال. أما أجرة الكيل والوزن في حال تسليم الزكاة من المالك ومؤنة دفعها، فعلى المالك؛ لأن تسليمها عليه، فكذلك مؤنته. أما مؤنة ذلك حال الدفع إلى جباة الزكاة، فمن سهم العمال.\rوالذي يعطى للعامل: هو بمثابة الأجرة على العمل، فيعطاها ولو كان غنياً، أما لو اعتبرت زكاة أو صدقة لما حلت للغني.\r4 - والصنف الرابع ـ المؤلفة قلوبهم: منهم ضعفاء النية في الإسلام، فيعطون ليتقوى إسلامهم. وهم نوعان: مسلمون وكفار.\rأما الكفار فصنفان: صنف يرجى خيره، وصنف يخاف شره. وقد ثبت أن النبي صلّى الله عليه وسلم أعطى قوماً من الكفار، يتألف قلوبهم ليسلموا، ففي صحيح مسلم: أنه صلّى الله عليه وسلم أعطى أبا سفيان بن حرب وصفوان بن أمية وعيينة بن حصن والأقرع بن حابس، وعباس بن مرداس، كل إنسان منهم مئة من الإبل. وأعطى أيضاً علقمة ابن علاثة من غنائم حنين (1) .\rواختلف العلماء في إعطاء المؤلفة قلوبهم من الزكاة حال كونهم كفاراً، فقال الحنابلة والمالكية: يعطون ترغيباً في الإسلام؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلم «أعطى المؤلفة من المسلمين والمشركين» .\r-------------------------------\r(1) نيل الأوطار : 166/4 .","part":3,"page":298},{"id":1691,"text":"وقال الحنفية والشافعية: لا يعطى الكافر من الزكاة لا لتأليف ولا لغيره، وقد كان إعطاؤهم في صدر الإسلام في حال قلة عدد المسلمين وكثرة عدوهم، وقد أعز الله الإسلام وأهله، واستغنى بهم عن تألف الكفار، ولم يعطهم الخلفاء الراشدون بعد رسول الله صلّى الله عليه وسلم ، قال عمر رضي الله عنه: «إنا لا نعطي على الإسلام شيئاً، فمن شاء فليؤمن، ومن شاء فليكفر» .\rوأما المسلمون من المؤلفة: فهم أصناف يعطون بسبب احتياجنا إليهم:\r1 - ضعفاء النية في الإسلام: يعطون ليتقوى إسلامهم.\r2 - الشريف المسلم في قومه الذي يتوقع بإعطائه إسلام نظرائه، فقد أعطى النبي صلّى الله عليه وسلم أبا سفيان بن حرب وجماعة ممن ذكر، وأعطى الرسول صلّى الله عليه وسلم الزبرقان بن بدر وعدي بن حاتم، لشرفهما في قومهما.\r3 - المقيم في ثغر في ثغور المسلمين المجاورة للكفار، ليكفينا شر من يليه من الكفار بالقتال.\r4 - من يجبي الصدقات من قوم يتعذر إرسال ساع إليهم، وإن لم يمنعوها. وقد ثبت أن أبا بكر أعطى عدي بن حاتم حين قدم عليه بزكاته وزكاة قومه عام الردة.\rوقد اختلف العلماء في بقاء سهم المؤلفة قلوبهم بعد النبي صلّى الله عليه وسلم : فقال الحنفية ومالك: قد سقط سهم المؤلفة بانتشار الإسلام وغلبته؛ لأن الله تعالى أعز الإسلام، وأغنى عنهم وعن استمالتهم إلى الدخول فيه. فيكون عدد الأصناف سبعة لا ثمانية، وذلك بإجماع الصحابة. قال مالك: لا حاجة إلى المؤلفة الآن لقوة الإسلام.","part":3,"page":299},{"id":1692,"text":"وقال الجمهور منهم خليل من المالكية: حكم المؤلفة باق لم ينسخ، فيعطون عند الحاجة، ويحمل ترك عمر وعثمان وعلي إعطاءهم: على عدم الحاجة إلى إعطائهم في خلافتهم، لا لسقوط سهمهم، فإن الآية من آخر ما نزل، وأعطى أبو بكر عدي بن حاتم والزبرقان بن بدر، كما ذكرت، ولأن المقصود من دفعها إليهم ترغيبهم في الإسلام لأجل إنقاذ مهجهم من النار، لا لإعانتهم لنا حتى يسقط بفشو الإسلام.\r5 - والصنف الخامس ـ في الرقاب: وهم عند الحنفية والشافعية: المكاتبون (1) المسلمون الذي لا يجدون وفاء ما يؤدون، ولو مع القوة والكسب؛ لأنه لا يمكن الدفع إلى الشخص الذي يراد فك رقبته إلا إذا كان مكاتباً، ولو اشتري بالسهم عبيد، لم يكن الدفع إليهم، وإنما هو دفع إلى سادتهم، ولم يتحقق التمليك المطلوب في أداء الزكاة، ويؤكده قوله تعالى: {وآتوهم من مال الله الذي آتاكم} [النور:33/24] وفسر ابن عباس «في الرقاب» بأنهم المكاتبون.\rوقال المالكية والحنابلة: يشترى بسهمهم رقيق، فيعتق؛ لأن كل موضع ذكرت فيه الرقبة، يراد بها عتقها، والعتق والتحرير لا يكون إلا في القن (العبد الخالص العبودية) كما في الكفارات.\rوشرط إعطاء المكاتب هو كونه مسلماً، محتاجاً.\rوبما أنه لا يوجد الآن في العالم رقيق، لإلغائه وتحريمه دولياً، فإن هذا السهم لا وجود له حقيقة، وما قد يوجد ليس له طريق شرعي جائز.\r-------------------------------\r(1) المكاتب: من كاتبه سيده على أقساط معينة، فإذا وفاها صار حراً. والكتابة مندوبة لقوله تعالى: {فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيراً } [النور:33/24] من أجل تحرير الرقاب.","part":3,"page":300},{"id":1693,"text":"6 - والصنف السادس ـ الغارمون: وهم المدينون، سواء استدان المدين عند الشافعية والحنابلة لنفسه أم لغيره، وسواء أكان دينه في طاعة أم معصية. فإن استدان لنفسه لم يعط إلا إذا كان فقيراً، وإن استدان لإصلاح ذات البين ولو بين أهل ذمة، بسبب إتلاف نفس أو مال أو نهب، فيعطى من سهم الغارمين، ولو كان غنياً، لقوله صلّى الله عليه وسلم : «لا تحل الصدقة لغني إلا خمسة: لغاز في سبيل الله ، أو لعامل عليهم، أو لغارم، أو لرجل اشتراها بماله، أو لرجل له جار مسكين، فتصدق على المسكين، فأهدى المسكين إليه» (1) .\rوقال الحنفية: الغارم: من لزمه دين، ولا يملك نصاباً فاضلاً عن دينه. وقال المالكية: الغارم: هو من فدحه الدين للناس في غير سفه ولا فساد، أي من ليس عنده ما يوفي به دينه، إذا كان الدين في غير معصية كشرب خمر وقمار، ولم يستدن لأخذ الزكاة، كأن يكون عنده ما يكفيه وتوسع في الإنفاق بالدين لأجل أن يأخذ من الزكاة، فلا يعطى منها؛ لأنه قصد مذموم، بخلاف فقير استدان للضرورة، ناوياً الأخذ من الزكاة، فإنه يعطى قدر دينه منها لحسن قصده.\rلكن إن تاب من استدان لمعصية، أو بقصد ذميم، فإنه يعطى على الأحسن.\r-------------------------------\r(1) رواه أبو داود وابن ماجه عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.","part":3,"page":301},{"id":1694,"text":"7 - والصنف السابع - في سبيل الله : وهم الغزاة المجاهدون الذين لا حق لهم في ديوان الجند؛ لأن السبيل عند الإطلاق هو الغزو، ولقوله تعالى: {إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفاً} [الصف:4/61] وقوله: {وقاتلوا في سبيل الله } [البقرة:190/2] وغير ذلك، فيدفع إليهم لإنجاز مهمتهم وعونهم ولو كانوا عند الجمهور أغنياء؛ لأنه مصلحة عامة. وأما من له شيء مقدر في الديوان فلا يعطى؛ لأن من له رزق راتب يكفيه، فهو مستغن به.\rلكن لا يحج أحد بزكاة ماله، ولا يغزو (يجاهد) بزكاة ماله، ولا يُحَج بها عنه، ولا يُغْزى بها عنه لعدم الإيتاء المأمور به.\rوقال أبو حنيفة: لا يعطى الغازي في سبيل الله إلا إذا كان فقيراً.\rوالحج عند الحنابلة وبعض الحنفية من السبيل، فيعطى مريد الحج من الزكاة، لما روى أبو داود عن ابن عباس: «أن رجلاً جعل ناقة في سبيل الله ، فأرادت امرأته الحج، فقال لها النبي صلّى الله عليه وسلم : اركبيها، فإن الحج من سبيل الله » فيأخذ مريد الحج من الزكاة إن كان فقيراً، ما يؤدي به فرض حج أو فرض عمرة، أو يستعين به في أداء الفرضين؛ لأنه يحتاج إلى إسقاط الفرض. وأما التطوع فله عنه مندوحة.\r8 - والصنف الثامن ـ ابن السبيل : هو المسافر أو من يريد السفر في طاعة غير معصية، فيعجز عن بلوغ مقصده إلا بمعونة، والطاعة: مثل الحج والجهاد وزيارة مندوبة.\rيعطى ابن السبيل ما يبلغ به مقصده، إذا كان محتاجاً في سفره، ولو كان غنياً في وطنه.","part":3,"page":302},{"id":1695,"text":"رابعاً ـ هل تعطى الزكاة لغير هذه الأصناف؟\rاتفق جماهير فقهاء المذاهب (1) على أنه لا يجوز صرف الزكاة إلى غير من ذكر الله تعالى من بناء المساجد والجسور والقناطر والسقايات وكري الأنهار وإصلاح الطرقات، وتكفين الموتى، وقضاء الدين، والتوسعة على الأضياف، وبناء الأسوار وإعداد وسائل الجهاد، كصناعة السفن الحربية وشراء السلاح، ونحو ذلك من القرب التي لم يذكرها الله تعالى مما لا تمليك فيه؛ لأن الله سبحانه وتعالى قال: {إنما الصدقات للفقراء} [التوبة:60/9] وكلمة «إنما» للحصر والإثبات، تثبت المذكور وتنفي ماعداه، فلا يجوز صرف الزكاة إلى هذه الوجوه؛ لأنه لم يوجد التمليك أصلاً.\rلكن فسر الكاساني في البدائع سبيل ا لله . بجميع القرب، فيدخل فيه كل من سعى في طاعة الله وسبيل الخيرات إذا كان محتاجاً؛ لأن «في سبيل الله » عام في الملك، أي يشمل عمارة المساجد ونحوها مما ذكر، وفسر بعض الحنفية «سبيل الله بطلب العلم ولو كان الطالب غنياً » . قال أنس والحسن: «ما أعطيت في الجسور والطرق، فهي صدقة ماضية» .\rوقال مالك: سبل الله كثيرة، ولكني لا أعلم خلافاً في أن المراد بسبيل الله ههنا الغزو.\r-------------------------------\r(1) الدر المختار ورد المحتار: 81/2، 83، 85، البدائع: 45/2، الشرح الكبير: 497/1، المهذب: 170/1، 173، المغني: 667/2، القوانين الفقهية: ص111، أحكام القرآن لابن العربي: 957/2.","part":3,"page":303},{"id":1696,"text":"خامساً ـ مقدار ما يعطى لمستحقي الزكاة:\rاختلف الفقهاء في مقدار ما يعطى للفقير والمسكين (1) :\rفقال الشافعية والحنابلة: يجوز أن يدفع إلى كل منهما ما تزول به حاجته أو كفايته من أداة يعمل بها إن كان فيه قوة، أو بضاعة يتجر فيها، حتى ولو احتاج إلى مال كثير للبضاعة التي تصلح له، ويحسن التجارة فيها؛ لأن الله أثبت الصدقات لهؤلاء الأصناف دفعاً لحاجتهم وتحصيلاً لمصلحتهم، فالمقصود من الزكاة سد الخلة ودفع الحاجة، فيعطى الفقير والمسكين ما يحقق حاجته وهو كفاية سنة. وقال صلّى الله عليه وسلم في حديث قبيصة عند مسلم: «فحلت له المسألة حتى يصيب قواماً من عيش، أو سِداداً من عيش» والسداد: الكفاية.\rوكره أبو حنيفة إعطاء إنسان نصاب الزكاة وهو قدر مئتي درهم، ويجزئ إعطاء أي قدر.\rوأجاز مالك إعطاء نصاب، ويرد الأمر إلى الاجتهاد، فإن الغرض إغناء الفقير حتى يصير غنياً. لكن لا يعطى عند المالكية أكثر من كفاية سنة.\rودليل أبي حنيفة ومالك أن الآية ليس فيها تحديد مقدار ما يعطى كل واحد من الأصناف.\rوأما مقدار ما يعطى للعامل: فاتفق الفقهاء (2) على أنه يدفع إليه الإمام بقدر عمله، أي ما يسعه أو يكفيه وأعوانه بالوسط، مدة ذهابهم وإيابهم، لكن قيد الحنفية ذلك بألا يزاد على نصف ما يقبضه.\rوأما ما يعطى للغارم: فبقدر ما عليه من الدين إذا كان في طاعة وفي غير سرف، بل في أمر ضروري.\rوكذلك ابن السبيل: يعطى ما يوصله إلى بلده (3) .\rسادساً ـ من سأل الزكاة وكان غير مستحق:\rهذه مسألة تشترك فيها الأصناف الثمانية كلها (4) ، وهي من سأل الزكاة وعلم الإمام أنه ليس مستحقاً، لم يجز له صرف الزكاة إليه. وإن علم استحقاقه، جاز الصرف إليه بلا خلاف.\r-------------------------------\r(1) الدر المختار: 88/2،93، فتح القدير: 28/2، الشرح الكبير مع الدسوقي: 494/1، أحكام القرآن لابن العربي: 961/2، المجموع: 202/6، المهذب: 171/1، مغني المحتاج: 114/3، بداية المجتهد:268/1 ومابعدها، كشاف القناع: 317/2 ومابعدها.\r(2) الكتاب مع اللباب: 155/1، الشرح الكبير: 495/1، بداية المجتهد: 269/1، المهذب: 171/1، كشاف القناع: 322/2، الدر المختار: 81/2.\r(3) بداية المجتهد: 268/1 ومابعدها.\r(4) المجموع: 214/6 ومابعدها، وانظر الشرح الصغير: 668/1، كشاف القناع: 334/2.","part":3,"page":304},{"id":1697,"text":"وإن لم يعرف حاله فالصفات قسمان: خفية وجلية:\rفالخفي: الفقر والمسكنة، فلا يطالب مدعيها ببينة لعسرها، فلو عرف له مال، وادعى هلاكه، لم يقبل إلا ببينة، ولو ادعى عيالاً فلا بد من البينة في الأصح.\rوالجلي: نوعان: أحدهما ـ يتعلق الاستحقاق فيه بمعنى في المستقبل، وذلك في الغازي وابن السبيل، فيعطيان بقولهما بلا بينة ولا يمين. ثم إن لم يحققا ما ادعيا، ولم يخرجا، استرد منهما ما أخذا، ويترصد للخروج بحسب المعتاد على وجه التقريب.\rوالثاني ـ يتعلق الاستحقاق فيه بمعنى في الحال، وهذا النوع يشترك فيه بقية الأصناف، فالعامل إذا ادعى العمل طولب بالبينة، وكذلك المكاتب والغارم. وأما المؤلف قلبه: فإن قال: نيتي ضعيفة في الإسلام، قبل قوله؛ لأن كلامه يصدقه، وإن قال: أنا شريف مطاع في قومي، طولب بالبينة. قال الرافعي من الشافعية: واشتهار الحال بين الناس قائم مقام البينة في كل من يطالب بها من الأصناف، لحصول العلم أو الظن بالاستفاضة.\rسابعاً ـ شروط المستحقين أو أوصافهم:\rاشترط الفقهاء في مستحق الزكاة شروطاً خمسة هي ما يأتي (1) :\r1 - أن يكون فقيراً إلا العامل فإنه يعطى ولو كان غنياً لأنه يستحقه أجرة ولأنه فرغ نفسه لهذا العمل، فيحتاج إلى الكفاية، وإلا ابن السبيل إذا كان له في\r-------------------------------\r(1) البدائع: 43/2-48، فتح القدير: 21/2-29، الفتاوى الهندية: 176/1، الدر المختار وحاشية ابن عابدين: 81/2-90، 94، الشرح الكبير: 494/1 ومابعدها، بداية المجتهد: 267/1 ومابعدها، الشرح الصغير: 659/1-668، مغني المحتاج: 112/3، بجيرمي الخطيب: 319/2، المهذب: 174/1-175، المجموع: 244/6-248، حاشية الباجوري: 295/1، كشاف القناع: 317/2-344، المغني: 646/2-650، 661، أحكام القرآن لابن العربي: 945/2-963.","part":3,"page":305},{"id":1698,"text":"وطنه مال، فهو بمنزلة الفقير؛ لأن الحاجة هي المعتبرة، وهو الآن فقير يداً، وإن كان غنياً ظاهراً، وإلا المؤلف والغازي في رأي الشافعية والحنابلة.\rوالفقر شرط عام لصرف جميع الصدقات المفروضة والواجبة كالعشور والكفارات والنذور وصدقة الفطر، لعموم قوله تعالى: {إنما الصدقات للفقراء} [التوبة:60/9].\rوعليه لا يجوز صرف الزكاة وغيرها من الواجبات لغني، لقوله صلّى الله عليه وسلم : «لاتحل الصدقة لغني، ولا ذي مِرّة سوي» (1) وجاز دفع الزكاة لأربعة أو خمسة من الأغنياء: وهم العامل، والمؤلف، والغازي، والغارم لإصلاح ذات البين عند الشافعية والحنابلة، لقوله صلّى الله عليه وسلم : «لا تحل الصدقة لغني إلا لخمسة: لعامل، أو رجل اشتراها بماله، أوغاز في سبيل الله ، أو لغارم، أو مسكين تُصدِّق عليه منها فأهدى منها لغني» (2) .\rوالغني عند الحنفية (3) : هو من ملك قدر نصاب فارغ عن حاجته الأصلية من أي مال. فيعطى من الزكاة من كان يملك أقل من نصاب شرعي، ولو كان صحيحاً قوياً قادراً على الكسب؛ لأنه فقير والفقراء هم المصارف، ولأن حقيقة الحاجة لا يوقف عليها، فأدير الحكم على دليلها وهو فقد النصاب، فلا بأس أن يعطى من الزكاة من له مسكن وما يتأثث به في منزله وخادم وفرس وسلاح وثياب البدن،\r-------------------------------\r(1) رواه أبو داود والترمذي من حديث عمرو بن العاص. والمرّة: القوة والشدة، والسوي:المستوي الخلْق، التام الأعضاء.\r(2) رواه أبو داود وابن ماجه.\r(3) الدر المختار: 88/2 ،96، البدائع: 48/2، فتح القدير: 27/2 ومابعدها، قالوا: لو دفع الزكاة إلى أخته، ولها على زوجها مهر يبلغ نصاباً، وهو ملي مقر، ولو طلبت لا يمتنع عن الأداء، لا تجوز، وإلا جاز.","part":3,"page":306},{"id":1699,"text":"وكتب العلم إن كان من أهله؛ لأن هذه الأشياء من الحوائج الأصلية اللازمة التي لابد منها للإنسان، فإن كان له فضل عن ذلك تبلغ قيمته مئتي درهم، حرم عليه أخذ الصدقة. ويجوز أداء الزكاة للمكاتب وإن حصل نصاباً زائداً عن بدل الكتابة، ولا يجوز دفع الزكاة إلى من يملك نصاباً من أي مال كان؛ لأن الغنى الشرعي مقدر به.\rوالغني عند المالكية (1) : هو من ملك كفايته لمدة سنة، والفقير: هو من ملك من المال أقل من كفاية السنة، فيعطى من الزكاة ولو ملك نصاباً فأكثر لكنه لا يكفيه لعامه، ولو كان قوياً قادراً على الكسب أي كسب ما يكفيه بصنعة تارك لها وغير مشتغل بها، ولو كان تركه التكسب بها اختياراً على المشهور. ومن لم يجد كفاية سنة ويقوم بالإنفاق عليه نحو والد أو بيت مال بمرتب لا يكفيه من أكل وكسوة، أو من صنعة لا تكفيه، فيعطى من الزكاة.\rوالغني عند الشافعية (2) : من كانت عنده الكفاية في عمره الغالب وهو اثنان وستون سنة، إلا إذا كان له مال يتجر فيه، فيعتبر ربحه في كل يوم، فإن كان أقل من نصف الكفاية في ذلك اليوم، فهو فقير. وكذا إذا جاوز العمر الغالب فالعبرة بكل يوم على حدة، فإن كان له مال أو كسب لا يكفيه في نصف اليوم فهو فقير.\rوالفقير: هو من لا مال له أصلاً ولا كسب حلال، و له مال أو كسب حلال لا يكفيه بأن كان أقل من نصف الكفاية، ولم يكن له منفق يعطيه ما يكفيه كالزوج بالنسبة للزوجة. والمعتبر: كسب يليق بحاله ومروءته، وأما ما لا يليق به فهو كالمعدوم. وتحل الزكاة لطالب العلوم الشرعية؛ لأن تحصيل العلم فرض كفاية، ويخاف من الإقبال على الكسب الانقطاع عن التحصيل.\r-------------------------------\r(1) الشرح الكبير وحاشية الدسوقي: 494/1.\r(2) المجموع: 197/6-202، مغني المحتاج: 107/3-108،246.","part":3,"page":307},{"id":1700,"text":"والمسكين: هو من قدر على مال أو كسب حلال يساوي نصف ما يكفيه في العمر الغالب.\rولا يعطى الفقير أو المسكين من الزكاة إذا كان قادراً على الكسب، للحديث السابق عند أبي داود بإسناد صحيح: «لا حظ فيها لغني، ولا لقوي مكتسب» .\rلكن تعطى الزكاة للعبد المكاتب ولو مع القدرة والكسب.\rوالخلاصة: لا يمنع الفقير مسكنه وثيابه وماله الغائب في مسافة مرحلتين (مسافة القصر) ودينه المؤجل وكسب لا يليق به، ولايشترط فيه الزمانة ولا التعفف عن المسألة في الجديد، والمكفي بنفقة قريب أو زوج ليس فقيراً في الأصح. ولو اشتغل بعلم والكسب يمنعه من اشتغاله بذلك، فهو فقير.\rوالغني عند الحنابلة (1) في أظهر الروايتين عن أحمد: هو من ملك خمسين درهماً أو قيمتها من الذهب، أو وجود ما تحصل به الكفاية على الدوام من كسب أو تجارة أو عقار أو نحو ذلك، لحديث أبي داود والترمذي: «الغنى: خمسون درهماً أو قيمتها من الذهب» والفقير: من لا يجد شيئاً البتة (أي قطعاً)،أو يجد شيئاً يسيراً من الكفاية دون نصفها من كسب أو غيره، مما لا يقع موقعاً من كفايته، كدرهمين من عشرة. والمسكين: من يجد معظم الكفاية أو نصفها من كسب أو غيره. فيعطى كل منهما كفايته مع عائلته سنة. ولا يعطى كل منهما من الزكاة إذا كان قادراً على الاكتساب إذ إنه لاحظ فيها لغني ولا لقوي مكتسب، كما روى أبو داود. لكن إذا تفرغ القادر على التكسب لطلب العلم، وتعذر الجمع بين طلب العلم والتكسب، يعطى من الزكاة، ولا يعطى إذا تفرغ للعبادة، لقصور نفعها.\r-------------------------------\r(1) كشاف القناع: 317/2، 319، 334 ومابعدها، المغني: 661/2.","part":3,"page":308},{"id":1701,"text":"والخلاصة: أن المانع من الصدقة وهو الغنى: هو أقل ما ينطلق عليه الاسم عند الشافعية والحنابلة أخذاً بالمعنى اللغوي للكلمة، وهو ملك النصاب عند الحنفية أخذاً بالمعنى الشرعي؛ لأن الشرع اعتبر في حديث معاذ مالك النصاب هو الغني. وقال مالك: ليس في ذلك حد إنما هو راجع إلى الاجتهاد، وذلك يختلف باختلاف الحالات والحاجات والأشخاص والأمكنة والأزمنة.\rويحرم سؤال الزكاة أو صدقة التطوع أو الكفارة ونحوها، وله ما يغنيه أي يكفيه؛ لأنه لا يحل له أخذها إذن، ووسائل المحرم محرمة.\rالإعلام بكون المدفوع زكاة: إذا دفع المسلم الزكاة إلى من يظنه فقيراً أو رآه ظاهر الحاجة، لم يحتج إلى إعلامه أنها زكاة.\rإذا ظهر كونه غنياً أو غير مستحق: إن دفعت إلى من ظاهره الفقر أو يظنه فقيراً، فبان غنياً، أو ظنه مسلماً، فبان كافراً ، لم يجزه ذلك عن الفرض ويجب ردها منه، في رأي المالكية والشافعية وفي الراجح عند الحنابلة (1) ؛ لأنه دفع الواجب إلى غير مستحقه، فلم يخرج من عهدته، كما لو دفعها إلى كافر أو ذي قرابة، كديون الآدميين. ثم إن كان المال باقياً، استرجع منه، ودفع إلى فقير، وإن كان فائتاً، أخذ البدل، وصرف إلى فقير. فإن لم يكن للمدفوع إليه مال، لم يجب على رب المال ضمانه؛ لأنه إذا دفعه إلى الإمام، سقط الفرض عنه بذلك، ولا يضمنه الإمام؛ لأنه أمين غير مفرط. وإن كان الدافع هو رب المال نفسه، فإن لم يبين عند الدفع أنه زكاة واجبة، لم يكن له أن يرجع، لأنه قد يدفع عن زكاة واجبة وعن تطوع. وإن كان قد بين أنها زكاة، رجع فيها.\r-------------------------------\r(1) المهذب: 175/1، المغني: 667/2 ومابعدها، كشاف القناع: 344/2، الشرح الصغير: 668/1، غاية المنتهى: 315/1 ومابعدها.","part":3,"page":309},{"id":1702,"text":"والخلاصة: إن الجمهور يقررون أنه لا تجزئ الزكاة إذا دفعت لغير مستحق إلا الإمام، ومثله عند المالكية نائب القاضي والوصي، فإنها تجزئ إن تعذر ردها؛ لأنهم يدفعونها بالاجتهاد. واستثنى الحنابلة حالة الدفع لغني ظنه فقيراً، فإنها تجزئه.\rوقال الحنفية (1) : إذا دفع الزكاة لإنسان ثم بان أنه غني أو ذمي، أو أنه أبوه أو ابنه أو امرأته أو هاشمي، لا يعيد الدفع؛ لأنه أتى بما في وسعه، أي أتى بالتمليك الذي هو ركن الأداء على قدر وسعه، إذ ليس مكلفاً بأكثر من التحري والبحث، فلو دفع بلا تحرٍ، لم يجز؛ لأنه أخطأ.\r2 - أن يكون مستحق الزكاة مسلماً: إلا المؤلفة قلوبهم في رأي المالكية والحنابلة: فلا يجوز صرف الزكاة إلى الكافر بلا خلاف، لحديث معاذ رضي الله عنه المتقدم: «خذها من أغنيائهم وردها في فقرائهم» أمر بوضع الزكاة في فقراء من يؤخذ من أغنيائهم وهم المسلمون، فلا يجوز وضعها في غيرهم.\rوأما ما سوى الزكاة من صدقة الفطر والكفارات والنذور، فلا شك في أن صرفها إلى فقراء المسلمين أفضل؛ لأن الصرف إليهم يقع إعانة لهم على الطاعة. وهل يجوز صرفها إلى أهل الذمة؟\rقال أبو حنيفة ومحمد: يجوز، لقوله تعالى: {إن تبدوا الصدقات فنعما هي، وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء، فهو خير لكم، ويكفر عنكم من سيئاتكم} [البقرة:271/2] من غير تفرقة بين فقير وفقير، وعموم هذا النص يقتضي جواز صرف الزكاة إليهم، إلا أنه خص منه الزكاة لحديث معاذ، وقوله تعالى في\r-------------------------------\r(1) الدر المختار ورد المحتار: 93/2، الكتاب مع اللباب: 157/1.","part":3,"page":310},{"id":1703,"text":"الكفارات: {فكفارته إطعام عشرة مساكين..} [المائدة:89/5] من غير تفرقة بين مسكين ومسكين، إلا أنه خص منه الحربي بدليل حتى لا يكون ذلك إعانة لهم على قتالنا، ولأن صرف الصدقة إلى أهل الذمة من باب إيصال البر إليهم، وما نهينا عن ذلك، قال تعالى: {لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين، ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم...} [الممتحنة:8/60].\rوقال أبو يوسف وزفر والشافعي والجمهور: لا يجوز صرف غير الزكاة أيضاً إلى الذميين قياساً على الزكاة، وعلى الحربي.\r3 - ألا يكون المستحق من بني هاشم: لأن آل البيت تحرم عليهم الزكاة؛ لأنها أوساخ الناس، ولهم من خمس الخمس في البيت ما يكفيهم، بدليل قوله صلّى الله عليه وسلم : «إن هذه الصدقات إنما هي أوساخ الناس، وإنها لا تحل لمحمد، ولا لآل محمد» (1) .\rوبنو هاشم الذين تحرم عليهم الصدقات عند الكرخي من الحنفية والحنابلة (2) : آل العباس، وآل علي وآل جعفر وآل عقيل بني أبي طالب، وآل الحارث بن عبد المطلب، لعموم الحديث المتقدم (3) وكذلك قال الشافعية (4) : هم\r-------------------------------\r(1) رواه مسلم في حديث طويل من رواية عبد المطلب بن ربيعة مرفوعاًً، وروى الخمسة (أحمد وأصحاب السنن) عن أبي رافع: «إن الصدقة لا تحل لنا» (نصب الراية: 403/2، نيل الأوطار: 174/4).\r(2) البدائع: 49/2، كشاف القناع: 339/2.\r(3) الهاشمي: من لهاشم عليه ولادة، كأولاد العباس وحمزة وأبي طالب وأبي لهب، وأولاد فاطمة، وقد أدخل الحنابلة آل أبي لهب بن عبد المطلب؛ لأنه ثبت أنه أسلم عتبة ومعتب ابنا أبي لهب عام الفتح، وسر صلّى الله عليه وسلم بإسلامهما، ودعا لهما، وشهدا معه حنيناً والطائف ولهما عقب عند أهل النسب (نيل الأوطار: 172/4) وهاشم: هو ثاني أجداد النبي صلّى الله عليه وسلم، فهو أبو عبد المطلب.\r(4) شرح المجموع: 244/6 وما بعدها.","part":3,"page":311},{"id":1704,"text":"بنو هاشم وبنو المطلب لقوله صلّى الله عليه وسلم : «إن بني هاشم وبني المطلب شيء واحد، وشبك بين أصابعه» (1) .\rوقال أبو حنيفة والمالكية (2) : هم بنو هاشم فقط، وأما بنو المطلب أخو هاشم فليسوا عندهم من آل البيت، فيعطون من الزكاة على المشهور.\rهذا ... وقد نقل عن أبي حنيفة وعن المالكية وبعض الشافعية: جواز إعطاء الهاشميين من الزكاة، لأنهم حرموا من بيت المال سهم ذوي القربي، منعاً لتضييعهم ولحاجتهم، عملاً بالمصالح المرسلة. وإعطاؤهم ـ كما قال الدسوقي المالكي ـ حينئذ أفضل من إعطاء غيرهم. وتحل صدقة التطوع لهم عند الأكثرين.\r4 - ألا يكون ممن تلزم المزكي نفقته من الأقارب والزوجات ولو في العدة: لأن ذلك يمنع وقوع الأداء تمليكاً للفقير من كل وجه، بل يكون صرفاً إلى نفسه من وجه، فهو يجلب لنفسه نفعاً، وهو منع وجوب النفقة عليه.فلا تدفع الزكاة إلى الوالدين وإن علوا (أي الأجداد) والمولودين وإن سفلوا (أي الأحفاد والأسباط)، ولا إلى الزوجات (حتى ولو كانت الزوجة مبانة في العدة ولو بثلاث في مذهب الحنفية)؛ بصفة الفقر أو المسكنة؛ لأن نفقتهم واجبة على المزكي، والزكاة للحاجة، ،ولا حاجة مع وجوب النفقة، ولأن أحدهم ينتفع بمال الآخر، بل ولا يجوز دفعها عند الشافعية لشخص لا تلزم المزكي نفسه نفقته، وإنما تلزم غيره؛ لأنه غير محتاج، كمكتسب كل يوم قدر كفايته. وأجاز الحنفية دفع الزكاة لامرأة فقيرة وزوجها غني؛ لأنها لا تستحق على زوجها إلا مقدار النفقة، فلا تعد بذلك القدر غنية، ولا يجوز عندهم دفع زكاة الزاني لولده من الزنا إلا إذا كان الولد من ذات زوج معروف.\r-------------------------------\r(1) رواه البخاري عن جبير بن مطعم.\r(2) الشرح الصغير: 659/1، الشرح الكبير: 493/1.","part":3,"page":312},{"id":1705,"text":"لكن يجوز دفعها لمن ذكر بصفة كونهم غارمين أو غزاة مجاهدين مثلاً. وأجاز الشافعية كما في المجموع للنووي والمالكية وابن تيمية إعطاء الزكاة لولد أو والد لاتلزم المزكي نفقته، إذا كان فقيراً؛ لأنه حينئذ كالأجنبي، وأباح المالكية للمرأة دفع زكاة فطرها - لا الزكاة الواجبة - إلى زوجها الفقير.\rقال الأستاذ أبو إسحاق الشيرازي في المهذب: «ولا يجوز دفع الزكاة إلى من تلزمه نفقته من الأقارب والزوجات من سهم الفقراء؛ لأن ذلك إنما جعل للحاجة، ولا حاجة بهم مع وجوب النفقة» .\rوقال النووي عن الأصحاب: ويجوز أن يدفع إلى ولده ووالده من سهم العاملين والمكاتبين والغارمين والغزاة إذا كانوا بهذه الصفة. ولا يجوز أن يدفع إليه من سهم المؤلفة إن كان ممن يلزمه نفقته؛ لأن نفعه يعود إليه، وهو إسقاط النفقة، فإن كان ممن لا يلزمه نفقته،جاز رفعه إليه (1) . وعلى هذا من استقل من الأولاد بكسب لا يكفيه، وليس في منزل أبيه، يجوز إعطاؤه من الزكاة عند الشافعية.\rوهل يجوز دفع الزوجة إلى زوجها زكاتها؟\rقال أبو حنيفة، والحنابلة على الراجح (2) : لا يجوز؛ لأن الزكاة تعود إليها بإنفاقه عليها.\rوقال الصاحبان والشافعية، والمالكية على الصحيح (3) : يجوز له ولأولادها، لحديث زينب امرأة ابن مسعود:\r-------------------------------\r(1) المجموع للنووي: 247/6.\r(2) الدر المختار: 86/2-90، البدائع: 40/2، كشاف القناع: 338/2 وما بعدها، الكتاب مع اللباب: 156/1.\r(3) البدائع: 40/2، أحكام ابن العربي: 960/2، المجموع: 247/6، حاشية الصاوي: 658/1.","part":3,"page":313},{"id":1706,"text":"«زوجُك وولدك أحق من تصدقت عليهم به» (1) ، ولأن نفقة الزوج والأولاد غير واجبة على الزوجة والأم.\rويجوز دفع الزكاة إلى بقية الأقارب الفقراء غير المذكورين كالأخ والأخت والعمة والعم والخالة والخال ونحوهم، لحديث الطبراني عن سلمان بن عامر: «الصدقة على المسكين صدقة وهي لذي الرحم اثنتان: صدقة وصلة» بل إن القرابة أحق بزكاة المزكي، قال مالك: أفضل من وضعت فيه زكاتك قرابتك الذين لا تعول.\rويجوز دفع الزكاة لزوجة أبيه وابنه وزوج ابنته (الصهر). ولم يجز المالكية دفع الزكاة لمن كانت نفقته لازمة عليه أو كان له مرتب في بيت المال يكفيه. وكذلك لم يجز الحنابلة دفع الزكاة إلى عمودي النسب في حال تجب نفقتهم فيه عليه أو لا تجب نفقتهم فيه، ورثوا أو لم يرثوا، حتى ذوي الأرحام منهم، كأبي الأم وولد البنت.\rأما صدقات التطوع(2 ) : فيجوز دفعها للأصول والفروع والزوجات والأزواج، والدفع إليهم أولى؛ لأن فيه أجرين: أجر الصدقة وأجر الصلة.\rوتجوز صدقة التطوع للأغنياء والكفار، ولهم أخذها، وفيه أجر، لقوله تعالى: {ويطعمون الطعام على حبه مسكيناً ويتيماً وأسيراً} [الإنسان:8/76] ولم يكن الأسير يومئذ إلا كافراً، وكسى عمر خاله مشركاً حلة كان النبي صلّى الله عليه وسلم كساه إياها، وقال النبي صلّى الله عليه وسلم لأسماء بنت أبي بكر التي استفتته في صلة أمها وهي مشركة: «صلي أمك» (3) ، لكن يستحب للغني عن السؤال، مع وجود حاجتهم، فقال: {يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف} [البقرة: 273/2] فإن أخذها الغني مظهراً للفاقة، حرم عليه ذلك، وإن كانت تطوعاً، لما فيه من الكذب والتغرير.\r-------------------------------\r(1) رواه البخاري ومسلم.\r(2) البدائع: 50/2، أحكام القرآن لابن العربي: 960/2، المجموع: 258/6 ومابعدها، كشاف القناع: 345/2 ومابعدها.\r(3) رواه البخاري ومسلم وأبو داود.","part":3,"page":314},{"id":1707,"text":"وإذا أخطأ المزكي كأن دفع الزكاة في ظلمة مثلاً، فأداها إلى أحد أصوله أو فروعه، من غير أن يعلم، فلا إعادة عليه عند أبي حنيفة ومحمد، وعليه الإعادة عند أبي يوسف والشافعي وأحمد.\r5 - أن يكون بالغاً عاقلاً حراً: فلا تجزئ لعبد اتفاقاً، ولا تجزئ عند الحنفية (1) لصغير غير مراهق (ما دون السابعة) ولا مجنون إلا إذا قبض عن الصغير والمجنون لهما من يجوز له قبضه كالأب والوصي وغيرهما، وتجوز عندهم لصبيان أقاربه المميزين في مناسبة عيد أوغيره، ولا يجوز دفع الزكاة لولد الغني إذا كان صغيراً، لأن الولد الصغير يعد غنياً بغنى أبيه، ويجوز إعطاؤها له إذا كان كبيراً فقيراً؛ لأنه لايعد غنياً بمال أبيه، فكان كالأجنبي، كما لا يعد الأب غنياً بغنى ابنه، ولا الزوجة بغنى زوجها، ولا الطفل بغنى أمه.\rواشترط الشافعية (2) أن يكون قابض الزكاة رشيداً: وهو البالغ العاقل حسن التصرف، فلا تجزئ لصبي أو مجنون أو سفيه ديانة كتارك الصلاة إلا أن يقبضها له وليه لسفهه أو قصوره.\rواشترط المالكية (3) أن يكون عامل الزكاة بالغاً، فلا تعطى الزكاة لقاصر.\rأما الحنابلة (4) : فأجازوا دفع الزكاة إلى الكبير والصغير، سواء أكل الطعام أو لم يأكل، والمجنون، لكن يقبضها ولي الصغير والمجنون عنهما، أو القيِّم عليهما، روى الدارقطني عن أبي جحيفة قال: «بعث رسول الله صلّى الله عليه وسلم ساعياً، فأخذ الصدقة من أغنيائنا، فردها في فقرائنا، وكنت غلاماً يتيماً لا مال لي، فأعطاني قَلُوصاً» أي ناقة شابة.\r-------------------------------\r(1) حاشية ابن عابدين: 81/2، 85، 90 ومابعدها، البدائع: 47/2.\r(2) مغني المحتاج: 112/3.\r(3) الشرح الكبير: 494/1.\r(4) المغني: 646/2.","part":3,"page":315},{"id":1708,"text":"وبناء على هذه الشروط: لا يجوز دفع الزكاة لغني بمال أو كسب، ولا لعبد، ولا لبني هاشم، وبني المطلب عند الجمهور غير المالكية وأبي حنيفة في الأخير، ولا لكافر، ولا لمن تلزم المزكي أو غيره نفقته، ولا للصغار والمجانين بأنفسهم، ولا لمن ليس في بلد الزكاة كما سأبين في مسألة نقل الزكاة. وأضاف الحنفية: لا يجوز صرف الزكاة لأهل البدع كالمشبهة في ذات الله أو في الصفات. وأجاز الحنفية دفع الزكاة للفقراء في المواسم والأعياد، أو لمن يأتيه ببشارة ونحوها.\rالمطلب الثاني ـ أحكام متفرقة في توزيع الزكاة:\rأولاً ـ دفع الزكاة إلى الإمام وإخراج الإنسان زكاة نفسه :\rدل قوله تعالى: {والعاملين عليها} [التوبة:60/9] على أن أخذ الزكوات إلى الإمام، إذ لو جاز للمالك أداء الزكاة إلى المستحقين، لما احتيج إلى عامل لجبايتها. ويؤكده قوله تعالى: {خذ من أموالهم صدقة} [التوبة:103/9].\rويجب على الإمام (1) أن يبعث السعاة لأخذ الصدقة؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلم والخلفاء من بعده كانوا يبعثون السعاة، ولأن في الناس من يملك المال، ولا يعرف ما يجب عليه، وفيهم من يبخل، فوجب أن يبعث من يأخذ.\rولا يبعث الإمام إلا ساعياً حراً عدلاً ثقة؛ لأن هذا ولاية وأمانة، والعبد والفاسق ليسا من أهل الأمانة والولاية. ولا يبعث إلا فقيهاً؛ لأنه يحتاج إلى معرفة ما يؤخذ وما لا يؤخذ، ويحتاج إلى الاجتهاد فيما يعرض له من مسائل الزكاة وأحكامها.\rوهناك آية تجيز لأرباب الأموال دفع الزكاة بأنفسهم إلى المستحقين وهي قوله تعالى: {والذين في أموالهم حق معلوم للسائل والمحروم} [المعارج:24/70-25] لأنه إذا كان ذلك الحق حقاً للسائل والمحروم، وجب أن يجوز دفعه إليهما مباشرة.\rوعملاً بما دلت عليه الآيات فصل العلماء في بيان تفرقة الزكاة.\r-------------------------------\r(1) المهذب: 168/1.","part":3,"page":316},{"id":1709,"text":"أ ـ فإن كان مال الزكاة خفياً أو باطناً: وهو الذهب والفضة وأموال التجارة في مواضعها، جاز للمالك أن يفرقها بنفسه، أو أن يدفعها إلى الإمام، لأن رسول الله صلّى الله عليه وسلم طالب بزكاته، وتبعه في ذلك أبو بكر وعمر، ثم طالب بها عثمان لمدة، ولما كثرت أموال الناس ورأى أن في تتبعها حرجاً على الأمة، فوض الأداء إلى أربابها. ودفعها إلى الإمام لأنه نائب عن الفقراء، فجاز الدفع إليه كولي اليتيم، ولأن الإمام أعلم بمصارفها، ودفعها إليه يبرئه ظاهراً وباطناً، لاحتمال أن يكون غير مستحق لها، ولأنه يخرج من الخلاف وتزول التهمة عنه.\rب ـ وإن كان مال الزكاة ظاهراً: وهو المواشي والزروع والثمار والمال الذي يمر به التاجر على العاشر، فيجب عند الجمهور منهم الحنفية والمالكية (1) دفعها إلى الإمام، فإن فرقها بنفسه، لم يحتسب له ما أدى، لقوله تعالى: {خذ من أموالهم صدقة} [التوبة:103/9] أمر الله نبيه بأخذ الزكاة، فدل أن للإمام المطالبة بذلك والأخذ. ودل ذكر «العاملين عليها» في المصارف على أن للإمام مطالبة أرباب الأموال بالصدقات.\rوكان النبي يبعث المصدِّقين (الجباة) إلى أحياء العرب والبلدان والآفاق لأخذ الصدقات من الأنعام والمواشي في أماكنها (2) .\rوتابعه على ذلك الخلفاء الراشدون، وقال أبو بكر رضي الله عنه لما امتنعت العرب عن أداء الزكاة: «والله لو منعوني عقالاً كانوا يؤدونه إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلم ، لحاربتهم عليه» (3) .\rلكن المالكية قالوا: إذا كان الإمام عدلاً، وجب دفع الزكاة إليه، وإن كان غير عدل، فإن لم يتمكن المزكي صرفها عنه، دفعت إليه وأجزأت. وإن تمكن صرفها عنه دفعها صاحبها لمستحقها. ويستحب ألا يتولى دفعها بنفسه خوف الثناء.\r-------------------------------\r(1) البدائع: 35/2، الشرح الصغير: 670/1، القوانين الفقهية: ص111.\r(2) ثبت ذلك في حديث أنس عن أبي بكر عند أحمد والنسائي وأبي داود والبخاري، وعند الخمسة عن معاذ بن جبل، وعن رواة آخرين (نيل الأوطار: 124/4 ومابعدها، 132 ومابعدها).\r(3) رواه الجماعة إلا ابن ماجه عن أبي هريرة (نيل الأوطار: 119/4).","part":3,"page":317},{"id":1710,"text":"وقال الشافعي في الجديد (1) : يجوز للمزكي أن يفرق زكاة الأموال الظاهرة بنفسه كزكاة الباطن؛ لأنها زكاة، فجاز أن يفرقها بنفسه كزكاة المال الباطن.\rوقال الحنابلة (2) : يستحب للإنسان أن يلي تفرقة الزكاة بنفسه، ليكون على يقين من وصولها إلى مستحقها، سواء أكانت من الأموال الظاهرة أم الباطنة. قال أحمد: أعجب إلي أن يخرجها، وإن دفعها إلى السلطان فهو جائز. ودليلهم أن المزكي دفع الحق إلى مستحقه الجائز تصرفه، فأجزأه، كما لو دفع الدين إلى غريمه، وكزكاة الأموال الباطنة، ولأن المال الظاهر أحد نوعي الزكاة، فأشبه النوع الآخر، ولتوفير أجر العُمالة (رزق العامل).\rولكن للإمام أخذها، وهذا لا خلاف فيه، لدلالة الآية: {خذ من أموالهم صدقة} [التوبة:103/9]، ومطالبة أبي بكر لهم بها بكونهم لم يؤدوها إلى أهلها، ولو أدوها إلى أهلها لم يقاتلهم عليها.\rوعلى كل حال فالواقع أن إخراج الزكاة أصبح منوطاً بأرباب الأموال، ويطلب اليوم سن تشريعات فريضة الزكاة، وقيام الدولة بجبايتها، بسبب تقصير الكثير عن أدائها، على أن تصرف في المصارف الشرعية، وأن يكون الحاكم عادلاً أميناً على مصالح المسلمين.\r-------------------------------\r(1) المهذب: 168/1.\r(2) المغني: 641/2.","part":3,"page":318},{"id":1711,"text":"ثانياً ـ التوكيل في أداء الزكاة :\rاتفق الفقهاء (1) على أنه يجوز التوكيل في أداء الزكاة، بشرط النية من الموكل أو المؤدي، فلو نوى عند الأداء أو الدفع للوكيل عند الحنفية والشافعية، أو قبل الأداء بزمن يسير عند الحنابلة، أو عند العزل لدى المالكية والحنفية والشافعية، ثم أداها الوكيل إلى الفقير بلا نية جاز؛ لأن تفرقة الزكاة من حقوق المال، فجاز أن يوكل في أدائه كديون الآدميين. وللوكيل أن يوكل غيره بلا إذن ولو نوى الوكيل ولم ينو الموكل، لم يجز؛ لأن الفرض يتعلق به، والإجزاء يقع عنه، وإن دفعها إلى الإمام ناوياً ولم ينو الإمام حال دفعها إلى الفقراء، جاز.\rوبناء عليه يجوز في رأي الحنفية توكيل الذمي غير المسلم بأداء الزكاة للفقراء؛ لأن المؤدي في الحقيقة هو المسلم. ولو قال الموكل: هذا تطوع أوعن كفارتي، ثم نواه عن الزكاة قبل دفع الوكيل، صح. وللوكيل أن يدفع الزكاة لولده الفقير أو زوجته الفقيرة إذا لم يأمره بالدفع إلى شخص معين، ولا يجوز له أن يأخذ الزكاة لنفسه إلا إذا قال له الموكل: ضعها حيث شئت.\rوإن أمره بالدفع إلى شخص معين، فدفعها الوكيل لغيره، فيه قولان عند الحنفية: قول بأنه لا يضمن، كمن نذر أن يتصدق على فلان معين، له أن يتصدق على غيره، وقول رجحه ابن عابدين: يضمن؛ لأن الوكيل يستمد سلطته بالتصرف من الموكل، وقد أمر بالدفع إلى فلان، فلا يملك الدفع إلى غيره، كمن أوصى لزيد بكذا، ليس للوصي الدفع إلى غيره.\r-------------------------------\r(1) البدائع: 40/2 ومابعدها، الدر المحتار: 14/2 وما بعدها، الشرح الصغير: 666/1 ومابعدها، المهذب: 168/1، المغني: 63/8/2 ومابعدها.","part":3,"page":319},{"id":1712,"text":"ثالثاً ـ شرط المال المؤدى :\rيشترط أن يكون المؤدى مالاً متقوماً على الإطلاق، سواء أكان عند الحنفية (1) منصوصاً عليه أم لا، من جنس المال الذي وجبت فيه الزكاة أم من غير جنسه، والأصل عندهم أو القاعدة: أن كل مال يجوز التصدق به تطوعاً، يجوز أداء الزكاة منه، ومالا فلا. وعليه: لو أعطى الفقير سلعة من السلع كقماش أوخبز أوسكر أو سمن أو حذاء، ناوياً الزكاة صح. وعند غير الحنفية: يتعين أداء المنصوص عليه، وقد بحث الموضوع في إخراج القيمة في الزكاة.\rرابعاً ـ نقل الزكاة لبلد آخر غير بلد المزكي :\rالقاعدة العامة أن تفرَّق صدقة كل قوم فيهم، لحديث معاذ المتقدم: «خذها من أغنيائهم وردها في فقرائهم» ، والمعتبر عند الحنفية والشافعية والحنابلة في زكاة المال: المكان الذي فيه المال، والمعتبر في صدقة الفطر: المكان الذي فيه المتصدق اعتباراً بسبب الوجوب فيهما، وللفقهاء تفصيل في نقل الزكاة من بلد إلى آخر (2) .\rقال الحنفية: يكره تنزيهاً نقل الزكاة من بلد إلى بلد آخر إلا أن ينقلها إلى قرابته المحاويج ليسد حاجتهم، أو إلى قوم هم أحوج إليها أوأصلح أو أورع أو أنفع للمسلمين، أو من دار الحرب إلى دار الإسلام، أو إلى طالب علم، أو إلى الزهاد، أو كانت معجلة قبل تمام الحول، فلا يكره نقلها. ولو نقلها لغير هذه الأحوال جاز؛ لأن المصرف مطلق الفقراء.\rوقال المالكية: لا يجوز نقل الزكاة لبلد لمسافة القصر، فأكثر، إلا لمن هو أحوج إليها، ويجوز نقلها لمن هو دون مسافة القصر ( 89 كم)؛ لأنه في حكم موضع الوجوب، ويتعين تفرقتها فوراً بموضع الوجوب: وهو في الحرث (الزرع والثمر) والماشية: الموضع الذي جبيت منه، وفي النقود وعروض التجارة: موضع المالك، حيث كان، ما لم يسافر، ويوكل من يخرج عنه ببلد المال.\r-------------------------------\r(1) البدائع: 41/2.\r(2) الدر المختار: 93/2-95، الفتاوى الهندية: 178/1، الكتاب مع اللباب: 158/1، فتح القدير: 28/2 ومابعدها، القوانين الفقهية: ص111، الشرح الصغير: 667، أحكام القرآن لابن العربي: 963/2، المجموع: 237/6، مغني المحتاج: 118/3، بجيرمي الخطيب: 318/2، المهذب: 173/1، المغني: 671/2-674.","part":3,"page":320},{"id":1713,"text":"وقال الشافعية: الأظهر منع نقل الزكاة، ويجب صرفها إلى الأصناف في البلد الذي فيه المال، لحديث معاذ المتقدم، فإن لم توجد الأصناف في البلد الذي وجبت فيه الزكاة، أو لم يوجد بعضهم، أو فضل شيء عن بعض وجد منهم، نقلت إلى أقرب البلاد لبلد الوجوب.\rوقال الحنابلة: المذهب أنه لا يجوز نقل الصدقة من بلد مال الزكاة إلى بلد\rمسافة القصر، أي يحرم نقلها إلى مسافة القصر، ولكن تجزئه. ويجوز نقلها لأقل من مسافة القصر من البلد الذي فيه المال. والمستحب تفرقة الصدقة في بلدها، ثم الأقرب فالأقرب من القرى والبلدان.\rخامساً ـ أخذ البغاة والخوارج الزكاة :\rإذا تغلبت فئة الخوارج والبغاة على بلد إسلامي، فأخذوا زكواتهم وعشور أراضيهم وخراجها، ثم استعادها الإمام منهم أو أخذ السلطان الجائر الزكاة، أجزأ المدفوع عن أصحابه ولا يثنّى عليهم، وأجزأ دفع الخراج عن المكلف به، سواء عدل الآخذ فيما أخذ أو جار، وسواء أخذها قهراً أو دفعت إليه اختياراً. وذلك عملاً بفعل الصحابة، ولأن المعطي دفعها إلى أهل الولاية، ولأن حق الأخذ للإمام لأجل الحفظ والحماية، ولم يوجد ذلك منه، فجاز دفعها لغيره (1) . لكن قال الحنفية: إلا أن المعطين يفتون فيما بينهم وبين ربهم أن يؤدوا الزكاة والعشور ثانياً. وقالوا أيضاً: لو أخذ السلطان الصدقات أو الجبايات أو أخذ مالاً مصادرة إن نوى المأخوذ منه الصدقة عند الدفع، جاز وبه يفتى، أو إذا دفع إلى كل جائر بنية الصدقة يجزئ، والأحوط الإعادة.\r-------------------------------\r(1) البدائع: 36/2، فتح القدير: 512/1، المغني: 644/2 ومابعدها، الدر المختار: 33/2.","part":3,"page":321},{"id":1714,"text":"سادساً ـ الحيلة لإسقاط الزكاة :\rيحرم التحايل لإسقاط الزكاة كأن يهب المال المزكى لفقير ثم يشتريه منه، أو يهبه لقريب قبل حولان الحول ثم يسترده منه فيما بعد.\rولو أبدل النصاب بغير جنسه كإبدال الماشية بدراهم، فراراً من الزكاة، أو أتلف جزءاً من النصاب قصداً للتنقيص لتسقط عنه الزكاة، أو جعل السائمة علوفة، لم تسقط عنه الزكاة عند الحنابلة والمالكية (1) سداً للذرائع، لأنه قصد إسقاط نصيب من انعقد سبب استحقاقه، ولقوله تعالى: {إنا بلوناهم كما بلونا أصحاب الجنة، إذ أقسموا ليصرمُنَّها مصبحين، ولا يستثنون، فطاف عليها طائف من ربك، وهم نائمون، فأصبحت كالصريم} [القلم:17/68-20] فعاقبهم الله تعالى بذلك، لفرارهم من الصدقة. قال أبو يوسف: لا يحتال في إبطال الصدقة بوجه ولا سبب.\rوقال أبو حنيفة والشافعي: تسقط عنه الزكاة؛ لأنه نقص قبل تمام حوله، فلم تجب فيه الزكاة، كما لو أتلف لحاجته.\rسابعاً ـ هل تجزئ الضريبة المدفوعة للدولة عن الزكاة؟\rلا تجزئ أصلاً الضريبة عن الزكاة؛ لأن الزكاة عبادة مفروضة على المسلم شكراً لله تعالى وتقرباً إليه، والضريبة التزام مالي محض خال عن كل معنى للعبادة والقربة، ولذا شرطت النية في الزكاة ولم تشرط في الضريبة، ولأن الزكاة حق مقدر شرعاً، بخلاف الضريبة فإنها تخضع لتقدير السلطة، ولأن الزكاة حق ثابت دائم، والضريبة مؤقتة بحسب الحاجة، ولأن مصارف الزكاة هي الأصناف الثمانية: الفقراء والمساكين المسلمون إلخ، والضريبة تصرف لتغطية النفقات العامة للدولة. وللزكاة أهداف روحية وخلقية واجتماعية إنسانية، أما الضريبة فلا يقصد بها تحقيق شيء من تلك الأهداف (2) .\r-------------------------------\r(1) المغني: 676/2، مغني المحتاج: 379/1، حاشية ابن عابدين: 45/2، الخراج لأبي يوسف: ص80.\r(2) فقه الزكاة للقرضاوي: 997-1003.","part":3,"page":322},{"id":1715,"text":"ثامناً ـ حكم من مات وعليه زكاة أمواله، أو هل تسقط الزكاة بالموت؟\rاختلف الفقهاء في ذلك (1) ، فقال المالكية والشافعية والحنابلة: من وجبت عليه زكاة وتمكن من أدائها، فمات قبل أدائها، عصى، ووجب إخراجها من تركته، وإن لم يوص بها، ولا تسقط بموته؛ لأنها حق واجب تصح الوصية به، أو حق مال لزمه في حال الحياة، فلم يسقط بالموت كدين الآدمي. ولكن تنفذ من ثلث التركة كالوصية في مشهور مذهب المالكية، ومن رأس مال التركة كلها في رأي الشافعي وأحمد.\rوإذا اجتمع في تركة الميت دين لله تعالى ودين لآدمي، مثال الأول: زكاة وكفارة ونذر وجزاء صيد حرمي وغير ذلك، فالأصح عند الشافعية تقديم دين الله تعالى.\rوقال أبو حنيفة: تسقط عنه الزكاة بالموت، إلا أن يوصي بها وصية، فتخرج من الثلث، ويزاحم بها أصحاب الوصايا، وإذا لم يوص بها سقطت؛ لأنها عبادة من شرطها النية، فسقطت بموت من هي عليه كالصوم.\rفتكون مسقطات الزكاة عند الحنفية ثلاثة: موت من عليه الزكاة من غير وصية، والردة، وهلاك النصاب بعد الحول قبل التمكن من الأداء وبعده، خلافاً للشافعي وغيره في الأمور الثلاثة.\rتاسعاً ـ إسقاط الدين لا يقع عن الزكاة:\rيترتب على اشتراط تمليك الزكاة للفقراء ونحوهم (2) أن المسامحة بالدين لا\r-------------------------------\r(1) بداية المجتهد: 241/1 ومابعدها، المهذب: 175/1، المجموع: 250/6 وما بعدها، المغني: 683/2 ومابعدها، 80/3 ومابعدها، البدائع: 52/2 وما بعدها.\r(2) البدائع: 39/2، الدر المختار: 85/2، الفتاوى الهندية: 178/1، كشاف القناع: 337/2.","part":3,"page":323},{"id":1716,"text":"تجزئ عند الحنفية عن الزكاة، وإنما يجب إعطاء الزكاة للفقير، ويمكن استيفاء الدين منه بعد ذلك فيعطيه الزكاة، ثم بعد أن يستلمها يقول له: أعطني ديني، وكذلك أجاز الحنابلة الإعطاء للمدين ثم يستوفي منه حقه، ما لم يكن حيلة أي بأن شرط عليه أن يردها عليه من دينه. ولو اشترى بالزكاة طعاماً، فأطعم الفقراء غداء وعشاء، ولم يدفع عين المال إليهم لايجوز، لعدم التمليك، ولو دفع الزكاة للفقير لا يتم الدفع ما لم يقبضها بنفسه أو يقبضها له وليه أو وصيه.\rولو قضى دين ميت فقير بنية الزكاة، لم يصح عن الزكاة؛ لأنه لم يوجد التمليك من الفقير، لعدم قبضه، لكن لو قضى دين فقير حي بأمره، جاز عن الزكاة، لوجود التمليك من الفقير؛ لأنه لما أمره به، صار وكيلاً عنه في القبض، فصار كأن الفقير قبض الصدقة بنفسه، وملكها للغريم الدائن.\rعاشراً ـ الإبراء من الدين على مستحق الزكاة واحتسابه منها واعتبار ما أخرج، على ظن الوجوب، زكاة معجلة :\rهذا الموضوع: «الإبراء من الدين» ليقع عن الزكاة يثار البحث حوله من قديم، وتبرز الحاجة إلى معرفة حكمه بنحو متميز في عصرنا حيث تلكأ الناس عن دفع الزكاة المفروضة، وأهملوا إخراجها، ولجأ بعضهم إلى بعض الحيل للتخلص من أدائها.","part":3,"page":324},{"id":1717,"text":"وقبل التعرف على الحكم الواجب الاتباع، يجب التذكر بأن منهج العالم وإفتائه يكون بما ترجح دليله، وظهر وجه الحق فيه، كما قرر العلماء، كما أن ما أيدته القواعد الشرعية الكثيرة، واطمأن إليه العقل وارتاحت له النفس، أو قال به أكثر العلماء، يكون مرجحاً الأخذ به. ويفرح بعض الناس اليوم كلما وجد رأياً في رحاب وزوايا الفقه الإسلامي، فيدعو للأخذ به، وإن كان شاذاً أو ضعيفاً،من غير حاجة ملحة أو ضرورة ملجئة، علماً بأنه ما أكثر الآراء والخلافات! فلا تكاد تخلو مسألة من قولين فأكثر قد تصل إلى عشرة أقوال، وليس التجديد أو الترجيح أو الاجتهاد بإحياء الآراء الشاذة.\rوهذه المسألة موضوع البحث قد يبدو فيها لأول وهلة دون مراعاة قواعد الشريعة، الميل للأخذ بما تيسر على الناس، فيؤدي الغني زكاة ماله عن طريق إبراء ما له من ديون في ذمم الآخرين المستحقين، واعتبار المدفوع زكاة معجلة على رأي جمهور الفقهاء غير الظاهرية والمالكية، الذين يجيزون تعجيل الزكاة قبل الحول، ولعام واحد لا لعامين، وبعد ملك النصاب الشرعي؛ لأنه أداء بعد سبب الوجوب.\rوهبة الدين لمن هو عليه يسمى إبراء؛ لأن الهبة الحقيقية تكون لغير من عليه الدين (1) .\rوأبين في هذا البحث آراء العلماء وأدلتهم، وما ترجح لدي منها بعد مناقشتها.\rآراء العلماء في الإبراء من الدين واحتسابه من الزكاة :\rللفقهاء رأيان في هذا الموضوع، رأي بالجواز والإجزاء، ورأي بعدم الجواز والإجزاء.\rأما الرأي الأول: فهو للظاهرية وبعض التابعين (الحسن البصري وعطاء) والشيعة الجعفرية.\rوأما الرأي الثاني: فهو للجمهور الأعظم: أئمة المذاهب الأربعة، والإباضية والزيدية وسفيان الثوري وأبي عبيد.\rوأبدأ ببيان الرأي الأول ذاكراً مقولة أنصاره وأدلتهم:\r-------------------------------\r(1) حاشية الصاوي على الشرح الصغير: 649/1.","part":3,"page":325},{"id":1718,"text":"أ ـ فقال ابن حزم الظاهري: من كان له دين على بعض أهل الصدقات فتصدق عليه بدينه قبله، ونوى بذلك أنه من زكاته، أجزأه ذلك، وكذلك لو تصدق بذلك الدين على من يستحقه، وأحاله به على من هو له عنده، ونوى بذلك الزكاة، فإنه يجزئه.\rبرهان ذلك: أنه مأمور بالصدقة الواجبة، وبأن يتصدق على أهل الصدقات من زكاته الواجبة بما عليه منها، فإذا كان إبراؤه من الدين يسمى صدقة، فقد أجزأه. ويؤيد ذلك ما رواه مسلم عن أبي سعيد الخدري قال: «أصيب رجل على عهد رسول الله صلّى الله عليه وسلم في ثمار ابتاعها، فكثر دينه، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلم : تصدّقوا عليه..» (1) .\rلكن الحديث واضح في بذل الصدقات وأداء المال بالفعل من القادرين الأغنياء لهذا الرجل المديون الذي استغرقت الديون ماله، سواء أكان المتصدق دائناً له أم لا. ولا شك بأن دفع المال صدقة يختلف عن الإبراء من الدين الذي هو إسقاط الدين، فإن الصدقات سبيل للإغناء، وتمكين من وفاء الديون، وعون للمدين على التخلص من أزمة الدين أو الإفلاس، بسداد الديون لأصحابها مما تجمع لديه من الصدقات، والإبراء من الدين إسقاط لا تمليك عند أكثر الفقهاء كما سيأتي، وهو إن اعتبر صدقة تطوع على المدين المعسر، إلا أنه يتعذر اعتباره زكاة؛ لاشتراط كون النية عند أداء الزكاة مقارنة للأداء، كما سيأتي:\r-------------------------------\r(1) المحلى لابن حزم: 105/6 ومابعدها، ف/698، ط دار الآفاق الجديدة بيروت.","part":3,"page":326},{"id":1719,"text":"ب ـ وقال بعض التابعين (الحسن البصري وعطاء ) : يجزئ جعل الدين عن الزكاة لمدين معسر؛ لأنه لو دفعه إليه، ثم أخذه منه، جاز، فكذا إذا لم يقبضه، كما لو كانت له عنده دراهم وديعة، ودفعها عن الزكاة، فإنه يجزئه، سواء قبضها أم لا، فمن أراد ترك الدين الذي هو عليه، وأن يحسبه من زكاة ماله الذي في يده، أجزأه عن الزكاة، بشرط أن يكون الذي عليه الدين من أهل الزكاة الذين يصح دفعها إليهم. قيل لعطاء بن أبي رباح: لي على رجل دين، وهو معسر، أفأدعه له، وأحتسب به من زكاة مالي؟ فقال: نعم.\rوكان الحسن لا يرى بذلك بأساً إذا كان ذلك من قرض، ثم قال: فأما بيوعكم هذه فلا (1) ، أي إذا كان الدين ثمناً لسلعة، فلا يراه الحسن مجزئاً، حتى لا يكون ذلك ذريعة للتجار باحتساب ما تعذر اقتضاؤه من الدين، وجعله من الزكاة.\rلكن ناقش الحافظ أبو عبيد هذا الرأي قائلاً: وإنما نرى الحسن وعطاء كانا يرخصان في ذلك، أي في احتساب الدين من الزكاة، لمذهبهما الخاص في الزكاة، وذلك أن عطاء كان لا يرى في الدين زكاة، وإنْ على المليء، وإن الحسن كان ذلك رأيه في الدين الضمار، وهذا الذي على المعسر هو ضمار: وهو الغائب الذي لا يرجى وصوله، فإذا رجي فليس بضمار (2) ، وهذا الذي على المعسر هو ضمار، لايرجوه، فاستوى قولهما ههنا، فلما رأيا أنه لا يلزم ربّ المال حقّ الله في ماله هذا.\r-------------------------------\r(1) المجموع للنووي: 157/6، مكتبة الإرشاد ـ جدة، الأموال لأبي عبيد: ص 533، 611، منشورات مكتبة الكليات الأزهرية ودار الفكر بمصر.\r(2) ومن جملته: المال المفقود، والآبق: والضال، والمغضوب إذا لم يكن عليه بينة، والدين الذي جحده المدين.","part":3,"page":327},{"id":1720,"text":"قال علي رضي الله عنه: «لا زكاة في المال الضمار» ولأن السبب هو المال النامي، ولا نماء إلا بالقدرة على التصرف، ولا قدرة عليه. الغائب، جعلاه كزكاة قد كان أخرجها، فأنفذها إلى هذا المعسر، وبانت من ماله، فلم يبق عليه إلا أن ينوي بها الزكاة، وأن يبرئ صاحبه منها، فرأياه مجزئاً عنه إذا جاءت النية والإبراء. وهذا مذهب لا أعلم أحداً يعمل به، ولا يذهب إليه أحد من أهل الأثر وأهل الرأي (1) .\rوإذا كان في هذا القول تيسير على صاحب الدين وعلى المدين جميعاً، فإن محل التيسير وحالته شرط ضروري لكل يسر، فالصلاة تقصر في حال السفر، مثلاً، والصيام لا يطلب من المسافر والمريض، لوجود ظرف السفر والمرض، فإن لم يتوافر للتيسير مجال أو محل أو حالة مقبولة شرعاً كما في هذا الإبراء عن دين المعسر، كان ذلك عبثاً في شرع الله ودينه، كما أن فيه إخلالاً بأحكام الزكاة وشروطها.\rجـ ـ وقال الشيعة الإمامية (الجعفرية ) : إذا كان على إنسان دين، ولا يقدر على قضائه، وهو مستحق للزكاة، جاز له أن يقاصّه من الزكاة، وكذلك إن كان الدين على ميت، جاز له أن يقاصّه منها. سأل رجل جعفر الصادق قائلاً: لي دين على قوم قد طال حبسه عندهم، لا يقدرون على قضائه، وهم مستوجبون للزكاة: هل لي أن أدعه، فأحتسب به عليهم من الزكاة؟ قال: نعم (2) .\rوهذا رأي يحتاج إلى الدليل، وقواعد الشرع تأباه؛ لأنه لا يعدو أن يكون دين المعسر مالاً ساقطاً ضائعاً يتعذر الوفاء به، فيجعل أداة لإجزائه عن الزكاة، وحيلة لإغنائه عنها، وهو في جميع الأحوال مال ميؤوس من الحصول عليه.\r-------------------------------\r(1) الأموال، المرجع السابق 533.\r(2) الفقه على المذاهب الخمسة: ص 175 ومابعدها للأستاذ محمد جواد مغنيِّة، الطبعة الخامسة، دار العلم للملايين ـ بيروت، فقه الإمام جعفر، للأستاذ مغنيِّة: 88/2، النهاية في مجرد الفقه والفتاوى لشيخ الطائفة محمد بن الحسن علي الطوسي (385-460 هـ ) ـ دار الكتاب العربي ـ بيروت: ص188.","part":3,"page":328},{"id":1721,"text":"وأما أنصار الرأي الثاني وهم الجمهور الأعظم فيقولون: إن الإبراء من الدين عن المدين المعسر أو إسقاط الدين أو المسامحة بالدين لا يقع عن الزكاة بحال، ولا يجزئ عنها، وإنما يجب إعطاء الزكاة فعلاً للفقير، كما لو قضى دين ميت فقير بنية الزكاة، لم يصح عن الزكاة، لأنه لا يوجد التمليك من الفقير، لعدم قبضه. لكن لو قضى دين فقير حي بأمره، جاز عن الزكاة، لوجود التمليك من الفقير؛ لأنه لما أمره به، صار وكيلاً عنه في القبض، فصار كأن الفقير قبض الصدقة لنفسه، وملّكها للغريم الدائن.\rوأذكر عبارة كل مذهب من هؤلاء:\rأ ـ قال الحنفية: تتعلق الزكاة بعين المال المزكى، كتعلق حق الرهن بالمال المرهون، ولا يزول هذا الحق إلا بالدفع إلى المستحق (1) . ولا يجوز أداء الزكاة إلا بنية مقارنة للأداء أو مقارنة لعزل مقدار الواجب؛ لأن الزكاة عبادة، فكان من شرطها النية، والأصل فيها الاقتران، إلا أن الدفع يتفرق، فاكتفي بوجودها ـ أي النية ـ حالة العزل تيسيراً كتقديم النية في الصوم.\rوعلى هذا لو كان لشخص دين على فقير،فأبرأه عنه، ناوياً به الأداء عن الزكاة، لم يجزئه؛ لأن الإبراء إسقاط، والساقط ليس بمال، فلا يجزئ أن يكون الساقط عن المال الواجب في الذمة، وبناء عليه قالوا: لا يجوز الأداء في صورتين، يهمنا منهما الصورة الأولى:\r-------------------------------\r(1) وقال الشافعية والمالكية والإمامية: إن الزكاة تجب في عين المال، والفقير شريك حقيقي للمالك، بدليل قوله تعالى: { وفي أموالهم حق للسائل والمحروم} [الذاريات:19/51] وقد تواترت الأحاديث أن الله أشرك بين الأغنياء والفقراء في الأموال، ولكن قد أجاز الشرع رفقاً بالمالك أن يؤدي هذا الحق من الأموال الأخرى التي لا زكاة فيها.","part":3,"page":329},{"id":1722,"text":"الأولى ـ أداء الدين عن العين، كجعله ما في ذمة مديونه زكاة لماله الحاضر بخلاف ما إذا أمر فقيراً بقبض دين له على آخر عن زكاة دين عنده، فإنه يجوز: لأنه عند قبض الفقير يصير عيناً، فكان عيناً عن عين، أي فكان قبض الدين الذي تحول بالقبض إلى شيء معين مجزئاً عن قبض عين مال الزكاة المستحق للفقير في مال الغني.\rالثانية ـ أداء دين عن دين سيقبض: كما لوأبرأ الفقير عن بعض النصاب ناوياً به الأداء عن الباقي؛ لأن الباقي يصير عينا بالقبض، فيصير مؤدياً بالدين عن العين (1) .\rب ـ وكذلك قال المالكية: تجب نية الزكاة عند الدفع إلى الفقير، ويكفي عند عزلها، ولا يجب إعلام الفقير، بل يكره، لما فيه من كسر قلب الفقير، وأضافوا أنه لا يجوز إخراج الزكاة قبل الحول؛ لأنها عبادة تشبه الصلاة، فلم يجز إخراجها قبل الوقت، ولأن الحول أحد شرطي الزكاة، فلم يجز تقديم الزكاة عليه، كالنصاب، ويكره تقديم الزكاة أو تعجيلها قبل وجوبها بنحو شهر فقط،لا أكثر في عين (ذهب أو فضة) وما شية، لا ساعي لها، فتجزئ مع الكراهة، بخلاف ما لها ساع، وبخلاف الحرث، فلا تجزئ. وقالوا أيضاً: لو سرق مستحق بقدر الزكاة، فلا تكفي، لعدم النية (2) .\rوجاء في المعيار المعرب للونشريسي بعنوان: لا يقتطع الدين الذي على الفقراء في الزكاة: وسئل عمن له دين على فقراء، هل يقطعه عليهم فيما وجب له عليهم من زكاته، أم لا؟ فأجاب: لا يجوز فعله، ولا يجزئ إن فعل (3) .\r-------------------------------\r(1) البدائع: 39/2، فتح القدير: 169/2-171، ط دار الفكر ـ بيروت، حاشية ابن عابدين: 270/2-271، الطبعة الثانية، طبعة البابي الحلبي بمصر، الفتاوى الهندية: 178/1.\r(2) الشرح الصغير: 666/1،669،671، الشرح الكبير: 431/1، بداية المجتهد: 266/1، القوانين الفقهية: ص 99.\r(3) المعيار المعرب: 389/1.","part":3,"page":330},{"id":1723,"text":"جـ ـ وقال الشافعية أيضاً: تجب النية عند الدفع إلى الفقير أو عند التفريق، ولو عزل مقدار الزكاة، ونوى عند العزل، جاز، فإن لم ينو المالك عند الدفع للسلطان، لم يجزئ على الصحيح (1) .\rوجاء في المجموع للنووي (2) : إذا كان لرجل على معسر دين، فأراد أن يجعله عن زكاته، وقال له: جعلته عن زكاتي، فوجهان حكاهما صاحب البيان: أصحهما: لا يجزئه، وبه قطع الصيمرى، وهو مذهب أبي حنيفة وأحمد: لأن الزكاة في ذمته، فلا يبرأ إلا بإقباضها. والثاني يجزئه، وهو مذهب الحسن البصري وعطاء؛ لأنه لو دفعه إليه، ثم أخذه منه جاز، فكذا إذا لم يقبضه...الخ ما ذكر سابقاً.\rأما إذا دفع الزكاة إليه بشرط أن يردها إليه عن دينه، فلا يصح الدفع، ولا تسقط الزكاة بالاتفاق، ولا يصح قضاء الدين بذلك بالاتفاق، ممن صرح بالمسأله القفّال في الفتاوى وصاحب التهذيب في باب الشرط في المهر، وصاحب البيان هنا، والرافعي وآخرون. ولو نويا ذلك،ولم يشرطاه، جاز بالاتفاق، وأجزأه عن الزكاة، وإذا رده إليه عن الدين برئ منه.\rقال البغوي: ولو قال المدين: ادفع إلي عن زكاتك حتى أقضيك دينك، ففعل أجزأه عن الزكاة، وملكه القابض، ولا يلزمه دفعه إليه عن دينه، فإن دفعه أجزأه.\rقال القفال: ولو قال رب المال للمدين: اقض ما عليك على أن أرده عليك عن زكاتي، فقضاه، صح القضاء، ولا يلزمه رده إليه، وهذا متفق عليه. وذكر\r-------------------------------\r(2) السراج الوهاج شرح المنهاج: ص134، ط دار المعرفة ـ بيروت.\r(2) المجموع: 157/6.","part":3,"page":331},{"id":1724,"text":"الرُّوياني في البحر: أنه لو أعطى مسكيناً زكاة، وواعده أن يردها إليه ببيع أو هبة أو ليصرفها المزكي في كسوة المسكين ومصالحه، ففي كونه قبضاً صحيحاً احتمالان: قلت ـ أي النووي ـ الأصح لا يجزئه، كما لو شرط أن يرد إليه عن دينه عليه. قال القفال: ولو كانت له حنطة عند فقير وديعة، فقال: كُلْ منها لنفسك كذا، ونوى ذلك عن الزكاة، ففي إجزائه عن الزكاة وجهان: وجه المنع: أن المالك لم يَكِلْه، وكَيْل الفقير لا يعتبر، ولو كان وكّله بشراء ذلك القدر، فاشتراه وقبضه، ثم قال له الموكل: خذه لنفسك، ونواه زكاة، أجزأه؛ لأنه لا يحتاج إلى كيله. والله تعالى أعلم.\rد ـ وقال الحنابلة: تشترط النية في أداء الزكاة، ويجوز تقديمها على الأداء بالزمن اليسير كسائر العبادات فلا بد من نية مقارنة أو مقاربة، ويجب إعطاء الزكاة للفقير، لكن لو أعطى المدين، ثم استوفى منه حقه، جاز، ما لم يكن حيلة، أي بأن شرط عليه أن يردها عليه من دينه (1) ، كما ذكر النووي.\rقال في كشاف القناع: ولا يكفي إبراء من دينه بنية الزكاة، سواء كان المخرج عنه ديناً أو عيناً، ولا تكفي الحوالة بها؛ لأن ذلك ليس إيتاء لها، وكذا الحوالة عليها؛ لأنه لا دين له يحيل عليه، إلا أن تكون بمعنى الإذن في القبض (2) .\rهـ ـ وقال الإباضية: إن قال الدافع أي الذي لزمته الزكاة، وكان بصدد دفعها للمدين: قضيت لك مالي عليك من دين أو تباعة، فاقبله ولا تعطه ـ أي الدين ـ لي، أو على فلان، فخذه منه في زكاة مالي أي لزكاة أو بدل زكاة مالي، لم تجزه أيضاً عند بعض؛ إذ ذلك كبيع دين بدين، وهو لا يجوز إن شاء الله تعالى، وإن\r-------------------------------\r(1) المغني: 638/2 ومابعدها، كشاف القناع: 337/2 - ط مكة، الشرح الكبير مع المغني: 533/2.\r(2) كشاف القناع: 269/2، ط عالم الكتب ـ بيروت.","part":3,"page":332},{"id":1725,"text":"قضاه ثم تصدق به عليه جاز. وقيل: يجزيه إذ هي كالهبة لما في الذمة، وهبة ما في الذمة جائزة، والأول مختار «الديوان» وقيل: يجزيه إذا قال: قضيت ما لي عليك، بشرط أن يجد من أين يتخلص مما عليه، وإن لم يجد فقولان أيضاً (1) .\rو ـ وقال الزيدية: ولا يجوز ولا يجزئ الإبراء للفقير عن دين عليه لرب المال بنية جعل الدين زكاة المبري، بل يقبضه رب المال من الفقير، ثم يصرفه فيه، أو يوكله بقبضه من نفسه، ثم يصرفه في نفسه أو يوكل الفقير رب المال بأن يقبض له زكاة من نفسه، ثم يقبضه عن دينه، ويحتاج إلى قبضين: الأول للزكاة، والثاني للقضاء. والعلة في عدم إجزاء الإبراء: أنه أخرج من غير العين، ومن شرطه أيضاً التمليك، ولأن الدين ناقص، فلا يجزئ عن الكامل، يعني لا تصير زكاة. وأما الفقير فقد برئ من الدين، ولا يقال: هو على غرض ولم يحصل، لأن الغرض من جهة نفسه لا يمنع حصوله من صحة البراءة. وقيل: هو لا يبرأ إذ هو في مقابلة الإجزاء ولم يحصل، إلا أن يبرئه عالما ًبعدم الإجزاء ، فتصح البراءة.\rوشرطوا في صرف رب المال ما يقبضه من الفقير المدين في الدين: أن يكون المقبوض من جنس الدين، وأما إذا كان من غير جنسه، فهو بيع، فلا يصح أن يتولى الطرفين واحد. وقيل: يصح مطلقاً، وغايته: أن يكون فاسداً، وهو يملك بالقبض (2) .\rز ـ كان سفيان الثوري يكره احتساب الدين من الزكاة، ولا يراه مجزئاً، كما ذكر أبو عبيد (3) .\r-------------------------------\r(1) شرح النيل وشفاء الغليل للعلامة محمد بن يوسف أطَّفَيِّش: 251/3 وما بعدها.\r(2) شرح الأزهار لأبي الحسن عبد الله بن مفتاح: 541/1-542، مطبعة حجازي بالقاهرة.\r(3) الأموال لأبي عبيد: ص 533.","part":3,"page":333},{"id":1726,"text":"ح ـ كذلك لم ير أبو عبيد إجزاء الزكاة بجعلها عن الدين، واستدل على ذلك بأدلة ثلاثة هي:\rالأول ـ أن سنة رسول الله صلّى الله عليه وسلم في الصدقة (الزكاة) كانت على خلاف هذا الفعل؛ لأنه إنما كان يأخذها من أعيان المال عن ظهر أيدي الأغنياء (أي مقبوضاً منهم) ثم يردها في الفقراء. وكذلك كانت الخلفاء بعده، ولم يأتنا أحد منهم أنه أذن لأحد في احتساب دين من زكاة، وقد علمنا أن الناس قد كانوا يتداينون في دهرهم.\rالثاني ـ أن هذا مال تاو (والتوى: الهلاك والضياع والخسارة) غير موجود قد خرج من يد صاحبه على معنى القرض والدين، ثم هو يريد تحويله بعد التواء إلى غيره بالنية، فهذا ليس بجائز في معاملات الناس بينهم، حتى يقبض ذلك الدين، ثم يستأنف الوجه الآخر، فكيف يجوز فيما بين العباد وبين الله عز وجل؟ أي لأن حقوق العباد مبنية على المشاحّة، وحقوق الله عز وجل مبناها على المسامحة.\rالثالث ـ أن هذا المزكي لا يؤمن أن يكون إنما أراد أن يقي ماله بهذا الدين الذي قد يئس منه، فيجعله ردءاً لماله يقيه به، إذا كان منه يائساً، وليس يقبل الله تبارك وتعالى إلا ما كان له خالصاً (1) .\rالترجيح: تبين لنا ضعف الأدلة التي اعتمد عليها أنصار الرأي الأول الذين يرون احتساب الدين من الزكاة، وأدركنا قوة أدلة الرأي الثاني الذين يرون أن إسقاط الدين أو الإبراء منه لا يقع عن الزكاة، ويمكن تلخيص أدلتهم فيما يأتي:\r1 - كون الدين في الذمة غير مملوك للمزكي الدائن؛ لأن الدين لا يملك إلا بالقبض.\r2 - عدم توافر القبض الذي يحقق معنى إعطاء الزكاة للمستحقين.\r3 - يشترط في الزكاة وغيرها مقارنة النية للأداء دائماً.\r-------------------------------\r(1) الأموال لأبي عبيد: ص 533-534.","part":3,"page":334},{"id":1727,"text":"4 - التمليك شرط لصحة أداء الزكاة بأن تعطى للمستحقين، فلا يكفي فيها الإباحة أو الإطعام إلا بطريق التمليك، لقوله تعالى: {إنما الصدقات للفقراء} [التوبة:60/9] والتصدق تمليك، واللام في كلمة «للفقراء» لام التمليك. والدّين لا يملك إلا بالقبض، كما قال الإمامية أنفسهم (1) .\rوالإبراء عند الحنفية والحنابلة إسقاط لا تمليك، وإذا كان الإبراء عند المالكية نقلاً للملك، وتمليكاً للمدين ما في ذمته في الجديد عند الشافعية، فإن هذا لا ينطبق عندهم على حالة الإبراء من الدين لاحتسابه من الزكاة، كما قرروا فيما سبق؛ لأن المسامحة بالدين لا تعد تمليكاً.\r5 - إن هذا الإبراء يعد حيلة للتهرب من الزكاة، وطريقاً للتخلص من حقوق الفقراء.\r6 - يعد هذا الإبراء مثل بيع دين في دين، كما ذكر الإباضية، وهو لا يجوز.\r7 - هذا عمل مخالف للسنة النبوية ولفعل الخلفاء الراشدين والصحابة والتابعين.\r8 - إن المال الموجود عند المدين مال تاو، أي تالف ضائع هالك.\r9 - أراد المزكي وقاية ماله بهذا الدين الذي صار ميئوساً منه.\r10 - قد تتحول صفة القبض كالهبة للوديع أو المستعير دون حاجة لتجديد القبض كماذكر الحنفية، لكن يتعذر القول بهذا في الزكاة لفوات وقت النية، وهو مقارنتها للأداء والإقباض. والله أعلم، والحمد لله رب العالمين.\rالمبحث الثامن ـ آداب الزكاة وممنوعاتها :\rقال ابن جزي المالكي (2) : ممنوعات الزكاة ثلاثة:\r1 - أن تبطل بالمن والأذى؛ لأن المن بالصدقة يحبطها أي يمنع ثوابها لآية: {ياأيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى} [البقرة:264/2] كذلك لا يستعظم مقدارها؛ لأن ذلك محبط للأعمال.\r2 - وأن يشتري الرجل صدقته.\r3 - وأن يحشر المصدِّق (الساعي) الناس إليها، بل يزكيهم بمواضعهم.\r-------------------------------\r(1) الفقه على المذاهب الخمسة للأستاذ محمد جواد مغنية: ص 167.\r(2) القوانين الفقهية: ص 99 وما بعدها.","part":3,"page":335},{"id":1728,"text":"ووافق الحنابلة المالكية في الممنوع الثاني قائلين (1) : ليس لمخرج الزكاة شراؤها ممن صارت إليه، لما روي عن عمر أنه قال: «حَمَلتُ على فرس في سبيل الله ، فأضاعه الذي كان عنده، وظننت أنه باعه برخص، فأردت أن أشتريه» فسألت رسول الله صلّى الله عليه وسلم ، فقال: «لا تبتعه، ولا تعد في صدقتك ولو أعطاكه بدرهم، فإن العائد في صدقته كالكلب يعود في قيئه» (2) .\rوقال الشافعي وغيره: يجوز استرداد الزكاة بالشراء وغيره؛ لقول النبي صلّى الله عليه وسلم السابق: «لا تحل الصدقة لغني إلا لخمسة: رجل ابتاعها بماله...» (3) قال النووي (4) عن حديث عمر: هذا نهي تنزيه لا تحريم، فيكره لمن تصدق بشيء أو أخرجه في زكاة أو كفارة أو نذر أو نحو ذلك من القربات أن يشتريه ممن دفعه هو إليه أو يهبه أو يتملكه باختياره منه، فأما إذا ورثه منه، فلا كراهة فيه.\rوأضاف ابن جزي قائلاً: إن آداب الزكاة ستة:\r1 - أن يخرجها طيبة بها نفسه.\r2، 3 - وأن تكون من أطيب كسبه ومن خياره ، أي أحله وأجوده وأحبه إليه، لكن يأخذ الساعي ـ كما بينت ـ أوسط المال.\r4 - أن يسترها عن أعين الناس، وهذا رأي الحنفية أيضاً، فالإسرار بإخراجها أفضل، لكونه أبعد عن الرياء، وعن إذلال الفقير، إلا إذا كان غنياً، ليقتدي به غيره من الأغنياء.\r-------------------------------\r(1) المغني: 651/2.\r(2) متفق عليه عن زيد بن أسلم عن أبيه: ومعنى « حملت...» أي تصدقت به ووهبته لمن يقاتل عليه في سبيل الله، فأضاعه صاحبه، أي قصر في القيام بعلفه ومؤنته (شرح مسلم: 62/11).\r(3) رواه أبو داود وغيره.\r(4) شرح مسلم: 62/11.","part":3,"page":336},{"id":1729,"text":"وقال الشافعية والحنابلة (1) : الأفضل في الزكاة: إظهار إخراجها، ليراه غيره، فيعمل عمله، ولئلا يساء الظن به وذلك بالنسبة للمالك في غير الأموال الباطنة، وللإمام مطلقاً. أما صدقة التطوع فالأفضل الإسرار بها اتفاقاً، لحديث السبعة الذين يستظلون بظل العرش، والذي منهم: «من أخفى صدقته حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه» (2) وأضاف الشافعية: إنْ أظهرها مقتدى به ليقتدى به، ولم يقصد رياء ولا سمعة ولا تأذى به الآخذ، كان الإظهار أفضل.\r5 - وأن يوكل في إخراجها، خوف الثناء.\r6 - وأن يدعو المزكي عند دفعها، فيقول: «اللهم اجعلها مغنماً، ولا تجعلها مغرماً» ويقول الآخذ والعامل: «آجَرَك الله فيما أعطيت، وبارك لك فيما أبقيت، وجعله لك طهوراً» .\rويمكن إضافة آداب أخرى منها (3) .\r7 - أن يختار لأداء الزكاة من اتصف بالتقوى والعلم وإخفاء الفقر والقرابة أو الرحم؛ لأن في إعطاء المال عوناً على طاعة الله ، وتحصيل العلم، وتحقيق التعفف، ولأن الصدقة على الأقارب فيها أجران لكونها صدقة وصلة.\r8 - المبادرة لإخراج الزكاة، امتثالاً لأمر الله ، علماً بأنها تجب على الفور، فلو أخرها ليدفعها إلى من هو أحق بها من ذي قرابة أو ذي حاجة شديدة، قال الحنابلة: فإن كان شيئاً يسيراً، فلا بأس، وإن كان كثيراً، لم يجز. قال أحمد: «لا يجزي على أقاربه من الزكاة في كل شهر» يعني لا يؤخر إخراجها حتى يدفعها إليهم متفرقة في كل شهر شيئاً. فإن عجلها فدفعها إليهم أو إلى غيرهم متفرقة أو مجموعة، جاز؛ لأنه لم يؤخرها عن وقتها.\r9 - يندب عند الحنفية الدفع إلى الفقير بما يغنيه عن سؤال جميع ما يحتاجه في يومه لنفسه وعياله.\r10 - لا حاجة لإعلام الفقير بكون المدفوع له هو زكاة، كما ذكر سابقاً.\r-------------------------------\r(1) المجموع: 253/6، غاية المنتهى: 302/1.\r(2) رواه مالك والترمذي عن أبي هريرة وأبي سعيد، ورواه أحمد والشيخان والنسائي عن أبي هريرة ورواه مسلم عن أبي هريرة وأبي سعيد معاً.\r(1) غاية المنتهى: 314/1، المغني: 685/2، الدر المختار: 95/2، فتح القدير: 28/2.","part":3,"page":337},{"id":1730,"text":"مبحثان ملحقان بمصارف الزكاة :\r1 ً - سهم المؤلفة قلوبهم من الزكاة :\rإن من الثمار اليانعة للصحوة الإسلامية المباركة العناية بفريضة الزكاة وترشيد صرفها إلى المستحقين المحتاجين أو الذين هم نتاج نمو الدعوة الإسلامية في أرجاء العالم، للدلالة على إسهام شريعة الله تعالى في تحقيق التكافل أو التضامن الاجتماعي، وحل مشكلات الاقتصاد العالمية والمحلية، على أساس من الوعي الديني الصحيح، والدافع الذاتي القوي المتفاعل مع تطلعات واحتياجات المجتمع، دون حاجة إلى الإجبار والإكراه، أو القسر والضغط والتهديد بعقوبات رادعة زاجرة.\rوإذا كان من أصول السياسة الشرعية الحكيمة وجود قواعد الاستحسان والاستصلاح وسد الذرائع، فإن من أهم تطبيقاتها تخصيص أحد مصارف الزكاة الثمانية، وهو سهم المؤلفة قلوبهم، لعلاج ظاهرة اجتماعية وهي الحاجة إلى تثبيت الإىمان والإسلام في قلوب الذين يدخلون حديثاً في الإسلام، أو استمالة نفوس بعض المترددين في الاعتقاد الذي ينتظرون من يقدم لهم شيئاً من الأموال والمنافع والخدمات، أو تسخير طاقاتهم المادية والمعنوية في سبيل الدفاع عن حرمات الإسلام ومبادئه وقضايا الأمة المصيرية في معركتها المستمرة مع الأعداء الحاقدين، والكتاب المغرضين، وأصحاب المواقف المشبوهة.","part":3,"page":338},{"id":1731,"text":"وإني أبين هنا بكل وضوح حقيقة مصرف «المؤلفة قلوبهم» أحد مصارف الزكاة الثمانية التي نصت عليها الآية (60) من سورة التوبة، وهي: {إنما الصدقات للفقراء، والمساكين، والعاملين عليها، والمؤلفة قلوبهم، وفي الرقاب، والغارمين، وفي سبيل الله، وابن السبيل، فريضةً من الله ، والله عليم حكيم} [التوبة:60/9].\rخطة البحث :\r1 - معنى المؤلف قلوبهم، وهل نسخ سهمهم بعد موت الرسول صلّى الله عليه وسلم ، أو مازال باقياً لم ينسخ؟\r2 - الأحوال التي يستعمل فيها هذا السهم، ومدى حاجة الإسلام والمسلمين إليه في هذا الزمان.\r3 - تأليف قلوب الذين يؤمل إسلامهم أو تأثيرهم في توجيه المجتمع لصالح الدعوة الإسلامية.\r4 - استخدام هذا المصرف في إيجاد مؤسسات لرعاية المسلمين الجدد.\r5 - تأليف قلوب بعض الحكومات والدول غير الإسلامية، والتي تحوي جاليات إسلامية لتحقيق الأمن لها، أو بعض الدول غير الإسلامية التي تعارض إقامة مشاريع إسلامية على أرضها.\r6 - المشاركة في سهم المؤلفة قلوبهم في التبرعات التي تجمع للكوارث والنكبات التي تصيب بعض الدول غير الإسلامية كالزلازل والفيضانات.\r7 - صرف جزء من سهم المؤلفة قلوبهم في الأمور الدعائية لتحسين النظرة إلى الإسلام والمسلمين.\rوأبدأ ببيان هذه العناصر تباعاً.\r1 - معنى المؤلفة قلوبهم، وهل نسخ سهمهم بعد موت الرسول صلّى الله عليه وسلم ، أو مازال باقياً لم ينسخ؟\rالمؤلفة قلوبهم: هم قوم من الكفار يراد بإغراء المال استمالة قلوبهم إلى الإسلام فيرجى خيرهم، أو منع أذاهم وضررهم بسبب الخوف من شرهم، أو جماعة من المسلمين ضعفاء النية في الإسلام يعطون من الزكاة لتقوية إسلامهم وتثبيتهم على الدين، أو ترغيب نظرائهم في الإسلام، أو لجباية الصدقات من قومهم، أو لقتال من يليهم ويجاورهم من الكفار (1) . أو هم كما قال الحسن وابن جريح: الذين كانوا يتألفون بالعطية، ولا حسبة لهم في الإسلام (2) .\r-------------------------------\r(1) المجموع للنووي: 206/6 وما بعدها.\r(2) الأموال: ص 606.","part":3,"page":339},{"id":1732,"text":"وعرفهم الطبري بأنهم قوم كانوا يتألفون على الإسلام، ممن لم تصح نصرته، استصلاحاً به نفسه وعشيرته، كأبي سفيان بن حرب، وعيينة بن بدر، والأقرع بن حابس ونظرائهم من رؤساء القبائل، وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل (1) .\rوعرفهم القرطبي بقوله: هم قوم كانوا في صدر الإسلام ممن يظهر الإسلام، يتألفون بدفع سهم من الصدقة إليهم لضعف يقينهم (2) .\rوقد ورد في السنة النبوية أحاديث كثيرة تدل على جواز التأليف لمن لم يرسخ إيمانه من مال الله عز وجل، منها إعطاؤه صلّى الله عليه وسلم أبا سفيان بن حرب، وصفوان بن أمية وعيينة بن حصن، والأقرع بن حابس، وعباس بن مرداس، ومالك بن عوف النضري وحكيم بن حزام وغيرهم، كل إنسان منهم مئة من الإبل (3) إلا عبد الرحمن بن يربوع وحويطب بن عبد العزى، فإنه أعطى كل رجل منهما خمسين. وهؤلاء جميعاً قوم من رؤساء قريش وصناديد العرب الطلقاء لهم شوكة وقوة وأتباع كثيرون، بعضهم أسلم حقيقة، وبعضهم أسلم ظاهراً لا حقيقة وكان من المنافقين، وبعضهم كان من المسالمين.\rوروي أيضاً أنه صلّى الله عليه وسلم أعطى عَلْقمة بن عُلاَثة مئة من الإبل، ثم قال للأنصار لما عتبوا عليه، «ألا ترضون أن يذهب الناس بالشاء والإبل، وتذهبون برسول الله صلّى الله عليه وسلم إلى رحالكم؟» ثم قال لما بلغه أنهم قالوا: يعطي صناديد نجد ويدعنا؟ «إنما فعلت ذلك لأتألفهم» كما في صحيح مسلم (4) .\rوأخرج الإمام أحمد بإسناد صحيح عن أنس رضي الله عنه: «أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم لم يكن يُسأل شيئاً على الإسلام إلا أعطاه، قال: فأتاه رجل فسأله، فأمر له بشاء كثير بين جبلين من شاء الصدقة، قال فرجع إلى قومه، فقال: يا قوم أسلموا، فإن محمداً يعطي عطاء من لا يخشى الفاقة» .\r-------------------------------\r(1) تفسير الطبري: 112/10.\r(2) تفسير القرطبي: 178/8.\r(3) نيل الأوطار: 166/4، فتح القدير: 14/2.\r(4) المرجع السابق والمكان السابق.","part":3,"page":340},{"id":1733,"text":"وأخرج أحمد والبخاري عن عمرو بن تَغْلِب: «أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم أتي بمال أو سبي، فقسمه، فأعطى رجالاً، فبلغه أن الذين ترك عتبوا، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد، فوالله ، إني لأعطي الرجل، وأدع الرجل، والذي أدع أحب إلي من الذي أعطي، ولكني أعطي أقواماً لما أرى في قلوبهم من الجزع والهلع، وأكل أقواماً إلى ما جعل في قلوبهم من الغنى والخير منهم عمرو بن تغلب،فوالله ما\rأحب أن لي بكلمة رسول الله صلّى الله عليه وسلم حُمْر النعم» . وقال الزهري حينما سئل عن المؤلفة قلوبهم: هم من أسلم من يهودي أو نصراني، وإن كان غنياً (1) .\rتدل هذه الأحاديث وغيرها دلالة واضحة على أن النبي صلّى الله عليه وسلم كان يعطي بعض الكفار ومن لم يرسخ الإيمان في قلبه من الزكاة مال الله عز وجل. ثم امتنع أبو بكر وعمر رضي الله عنهما من إعطاء المؤلفة قلوبهم، أما أبو بكر فامتنع من إعطاء أبي سفيان وعيينة والأقرع وعباس بن مرداس، وقال عمر: «إنا لا نعطي على الإسلام شيئاً، فمن شاء فليؤمن، ومن شاء فليكفر» .\rوفي ضوء هذا الواقع برز خلاف بين العلماء في مدى بقاء سهم المؤلفة قلوبهم، هل ما زال باقياً لم ينسخ، أو أنه نسخ بعد وفاة الرسول صلّى الله عليه وسلم ؟\rانقسم العلماء في هذا الشأن فريقين: فريق يقول بالنسخ: وأنه لا سهم لأحد في الصدقة المفروضة إلا لذي حاجة إليها. وفريق آخر يقول بأن حكم المؤلفة باق لم ينسخ، فهم في كل زمان ولهم حق في الصدقات (2) .\rويحتاج الأمر إلى إيراد آراء المذاهب، كل مذهب على حدة، لوجود الخلاف أحياناً في المذهب الواحد، ووجود تفصيل في بعض المذاهب.\rذهب الحنفية (3) إلى سقوط سهم المؤلفة قلوبهم، وانتساخ سهمهم وذهابه بعد وفاة النبي صلّى الله عليه وسلم ، إما لزوال علة الحكم وهي إعزاز الدين والحاجة إليهم في صدر الإسلام حال ضعف المسلمين، فبعد أن اعتز الإسلام زالت الحاجة، فهو من قبيل انتهاء الحكم لانتهاء علته\r-------------------------------\r(1) تفسير الطبري: 112/10.\r(2) المرجع السابق: ص 113.\r(3) البدائع: 44/2، رد المحتار على الدر المختار: 82/2-83، فتح القدير مع الهداية: 2/41.","part":3,"page":341},{"id":1734,"text":"الغائية التي كان لأجلها الدفع أو الإعطاء، فإن الدفع كان لإعزاز الدين، وقد أعز الله الإسلام وأغنى عنهم، كما قال ابن عابدين نقلاً عن البحر الرائق. وقال المرغيناني في الهداية: وقد سقط سهم المؤلفة قلوبهم، لأن الله تعالى أعز الإسلام، وأغنى عنهم، وعلى ذلك انعقد الإجماع.\rأو سقط سهمهم، لأن الحكم نسخ بقوله صلّى الله عليه وسلم لمعاذ في آخر الأمر عن الزكاة: «خذها من أغنيائهم، وردها في فقرائهم» (1) .\r-------------------------------\r(1) رواه الجماعة عن ابن عباس رضي الله عنهما. ويروى أن عمر بن الخطاب حين جاءه عُيينة بن حصن قال: {الحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ، فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ، وَمَنْ شاءَ فَلْيكْفُرْ } [الكهف:29/18].","part":3,"page":342},{"id":1735,"text":"أو لأن الناسخ كما ذكر الكاساني هو إجماع الصحابة على ذلك، فإن أبا بكر وعمر رضي الله عنهما ما أعطيا المؤلفة قلوبهم شيئاً من الصدقات، ولم ينكر عليهما أحد من الصحابة رضي الله عنهم، فإنه روي أنه لما قبض رسول الله صلّى الله عليه وسلم جاؤوا إلى أبي بكر، واستبدلوا الخط منه لسهامهم (أي إصدار كتاب رسمي بحقوقهم) فبدل لهم الخط، ثم جاؤوا إلى عمر رضي الله عنه، وأخبروه بذلك، فأخذ الخط من أيديهم ومزقه، وقال: «إن رسول الله كان يعطيكم ليؤلفكم على الإسلام، فأما اليوم، فقد أعز الله دينه، فإن ثَبَتُّم على الإسلام، وإلا فليس بيننا وبينكم إلا السيف» فانصرفوا إلى أبي بكر، فأخبروه بما صنع عمر رضي الله عنهما، وقالوا: «أنت الخليفة أم هو؟ فقال: إن شاء الله هو» ، ولم ينكر أبو بكر قوله وفعله، وبلغ ذلك الصحابة، فلم ينكروا، فيكون إجماعاً منهم على ذلك، ولأنه ثبت باتفاق الأمة أن النبي صلّى الله عليه وسلم إنما كان يعطيهم ليتألفهم على الإسلام، ولهذا سماهم الله «المؤلفة قلوبهم» والإسلام يومئذ في ضعف، وأهله قلة، وأولئك كثير، ذوو قوة وعدد، واليوم بحمد الله عزّ الإسلام وكثر أهله، واشتدت دعائمه، ورسخ بنيانه، وصار أهل الشرك أذلاّء. والحكم متى ثبت معقولاً بمعنى خاص ينتهي بذهاب ذلك المعنى.\rيعني: ليس اليوم مؤلفة.\rوأخرج ابن أبي شيبة عن الشعبي قال: «إنما كانت المؤلفة على عهد النبي صلّى الله عليه وسلم، فلما ولّي أبو بكر انقطعت» .","part":3,"page":343},{"id":1736,"text":"ويرى بعض المالكية ( القاضي عبد الوهاب وصححه ابن بشير وابن الحاجب واعتمده العلامة خليل في مختصره: «أن حكم المؤلَّف قلبه (وهو كافر يعطى من الزكاة ليسلم، وقيل: مسلم حديث عهد بإسلام ليتمكن إسلامه) باق لم ينسخ، أي أن تأليفه بالدفع إليه ما يزال معمولاً به، لأن المقصود من دفع الزكاة إليه ترغيبه في الإسلام لأجل إنقاذ مهجته من النار» .\rوالمشهور من المذهب والراجح انقطاع سهم المؤلفة قلوبهم، بعزة الإسلام، لأن المقصود من دفع الزكاة إليهم ترغيبهم في الإسلام لأجل إعانتهم لنا.\rهذا إذا كان المؤلف كافراً يعطى ترغيباً له في الإسلام، فإن كان حديث عهد بإسلام، فحكمه باق اتفاقاً، ليتمكن إسلامه (1) .\rوعليه، فإن المالكية يوافقون الحنفية في القول بنسخ سهم المؤلفة للكفار، ويخالفونهم فيما إذا كانوا حديثي العهد بالإسلام، فالحكم باق فيهم. وهو قول عمروالحسن البصري والشعبي وغيرهم، فإنهم قالوا: (نقطع هذا الصنف بعز الإسلام وظهوره) (2) ، وهو أيضاً رأي الإباضية الذين قالوا: هو عندنا سقوطه ما دام الإمام قوياً، وعنهم غنياً، وجاز إن نزل قوم بالإسلام منزلة خيف منهم ضعفه، تألفهم لدفع شرهم عنه وجلب نفعهم له (3) .\rومذهب الشافعية كالمالكية في التفصيل، فإنهم قالوا: إن المؤلفة قلوبهم من الكفار لا يعطون شيئاً من الزكاة بلا خلاف لكفرهم، والصحيح أنهم لا يعطون شيئاً البتة من خمس الخمس الآتي من الغنائم والفيء، والمرصد للمصالح العامة؛ لأن الله تعالى قد أعز الإسلام وأهله عن تألف الكفار، والنبي صلّى الله عليه وسلم إنما أعطاهم حين كان الإسلام ضعيفاً، وقد زال ذلك، والله أعلم.\r-------------------------------\r(1) الشرح الكبير للدردير وحاشية الدسوقي عليه: 495/1، الشرح الصغير: 660/1.\r(2) تفسير القرطبي:181/8.\r(3) شرح النيل:233/3.","part":3,"page":344},{"id":1737,"text":"وأما مؤلفة الإسلام، فصنف دخلوا في الإسلام، ونيتهم ضعيفة، فيعطون تألفاً ليثبتوا، وصنف آخر لهم شرف في قومهم نطلب بتأليفهم إسلام نظائرهم، وصنف إن أعطوا جاهدوا من يليهم أو يقبضوا الزكاة من مانعيها، والمذهب أنهم يعطون، والله أعلم (1) .\rوذهب الحنابلة إلى أن حكم المؤلف باق: وهو السيد المطاع في عشيرته ممن يرجى إسلامه أو يخشى شره كخوارج، أو يرجى بعطيته قوة إيمانه أو إسلام نظيره، أو جبايتها ممن لا يعطيها، أو دفع عن المسلمين، أو نصح في الجهاد، ويعطى ما يحصل به التأليف، ويقبل قوله في ضعف إسلامه، أي أنه يعطى عند الحاجة.\rودليلهم واضح وهو العمل بنص الآية في مصارف الزكاة، والنبي صلّى الله عليه وسلم قال: «إن الله تعالى حكم فيها، فجزأها ثمانية أجزاء» وكان يعطي المؤلفة كثيراً في أخبار مشهورة، ولم يزل كذلك حتى مات، ولا يجوز ترك كتاب الله وسنة رسوله إلا بنسخ، والنسخ لا يثبت بالاحتمال، كما لا يصح النسخ بعد وفاة النبي صلّى الله عليه وسلم . ويحمل ترك عمر وعثمان وعلي إعطاءهم على عدم الحاجة إلى إعطائهم في خلافتهم، لا لسقوط سهمهم، فإن الآية من آخر ما نزل، وأعطى أبو بكر عدي بن حاتم والزِّبْرِقان بن بدر، ولأن المقصود من دفعها إليهم\r-------------------------------\r(1) كفاية الأخيار: 381/1، ط قطر، المهذب: 172/1.","part":3,"page":345},{"id":1738,"text":"ترغيبهم في الإسلام لأجل إنقاذ مهجهم من النار، لا لإعانتهم لنا حتى يسقط بفشو الإسلام (1) . قال الزهري: لا أعلم شيئاً نسخ حكم المؤلفة.\rويوافق الشيعة الجعفرية والزيدية على هذا الرأي وهو أن حكم المؤلفة باق لم ينسخ ولم يبدل (2) .\rوالخلاصة: أن المؤلفة الكفار يعطون من الزكاة في رأي، ولا يعطون منها في رأي آخر، وأما المؤلفة المسلمون فيعطون من الزكاة اتفاقاً إذا كانوا حديثي عهد بإسلام ليتمكن الإسلام في نفوسهم كما ذكر الدسوقي، لكن يلاحظ أن هذا الاتفاق منقوض بمخالفة الحنفية الذين قالوا بنسخ سهم المؤلفة قلوبهم مطلقاً كما تقدم.\rوالراجح لدي أن سهم المؤلفة باق لم ينسخ، ويعطون من الزكاة أو من سهم المصالح عند الحاجة، سواء أكانوا مسلمين أم كفاراً. قال أبو عبيد في كتاب الأموال: وأما ما قال الحسن وابن شهاب، فعلى أن الأمر ماض أبداً، وهذا هو القول عندي، لأن الآية محكمة، لا نعلم لها ناسخاً من كتاب ولا سنة (3) .\rوقال الشوكاني رحمه الله : والظاهر جواز التأليف عند الحاجة إليه، فإذا كان في زمن الإمام قوم لا يطيعونه إلا للدنيا، ولا يقدر على إدخالهم تحت طاعته بالقسر والغلب، فله أن يتألفهم، ولا يكون لفشو الإسلام تأثير؛ لأنه لم ينفع في خصوص هذه الواقعة، وقد عدّ ابن الجوزي أسماء المؤلفة قلوبهم في جزء مفرد، فبلغوا نحو الخمسين نَفْساً (4) .\r-------------------------------\r(1) المغني: 666/2، كشاف القناع: 325/2، غاية المنتهى: 310/1، نيل المآرب: 319/1.\r(2) المختصر النافع في فقه الإمامية: ص 83، البحر الزخار: 179/2-180.\r(3) الأموال: ص 607.\r(4) نيل الأوطار: 166/4 وما بعدها.","part":3,"page":346},{"id":1739,"text":"وقال الطبري بعد أن أورد الخلاف بين العلماء في بقاء أو نسخ سهم المؤلفة: والصواب من القول في ذلك عندي أن الله جعل الصدقة في معنيين:\rأحدهما ـ سد خَلَّة المسلمين، والآخر ـ معونة الإسلام وتقويته، فما كان في معرفة الإسلام وتقوية أسبابه، فإنه يعطاه الغني والفقير، لأنه لا يعطاه من يعطاه بالحاجة منه إليه، وإنما يعطاه معونة للدين، وذلك كما يعطاه بالجهاد في سبيل الله ، فإنه يعطى ذلك غنياً كان أو فقيراً للغزو ـ الجهاد ـ لا لسد خلته، وكذلك المؤلفة قلوبهم يعطون ذلك، وإن كانوا أغنياء، بإعطائهموه أمر الإسلام وطلب تقويته وتأييده، وقد أعطى النبي صلّى الله عليه وسلم من أعطى من المؤلفة قلوبهم بعد أن فتح الله عليه الفتوح وفشا الإسلام وعز أهله، فلا حجة لمحتج بأن يقول: لا يتألف اليوم على الإسلام أحد لامتناع أهله بكثرة العدد ممن أرادهم، وقد أعطى النبي صلّى الله عليه وسلم من أعطى منهم في الحال التي وصفت (1) .\r2 - الأحوال التي يستعمل فيها هذا السهم، ومدى حاجة الإسلام والمسلمين إليه في هذا الزمان:\rالمؤلفة قلوبهم كما ذكر النووي وغيره قسمان: مسلمون وكفار (2) . أما الكفار فنوعان: نوع يرجى خيره، وآخر يخاف شره. وقد كان النبي صلّى الله عليه وسلم يعطيهم، وقد أوضحت أن الراجح دوام إعطائهم عند الحاجة بعد النبي صلّى الله عليه وسلم ، إذ لم يثبت النسخ بدليل معتبر، والحاجة تتكرر في كل زمان، وتقتضيها أحوال النفوس في القوة والضعف.\rوأما المسلمون فهم أربعة أنواع:\rأحدها ـ قوم لهم شرف وهم السادة المطاعون في عشائرهم: فيعطون ليرغب نظراؤهم في الإسلام؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلم أعطى الزبرقان بن بدر وعدي بن حاتم.\r-------------------------------\r(1) تفسير الطبري: 113/10.\r(2) المجموع: 206/6 وما بعدها، كشاف القناع: 325/2 وما بعدها، ونقل ذلك السيد رشيد رضا في تفسير المنار: 574/10 وما بعدها.","part":3,"page":347},{"id":1740,"text":"والثاني ـ قوم أسلموا، ونيتهم في الإسلام ضعيفة: فيعطون لتقوى نيتهم، لأن النبي صلّى الله عليه وسلم أعطى أبا سفيان بن حرب، وصفوان بن أمية، والأقرع بن حابس، وعيينة بن حصن، لكل منهم مئة من الإبل، كما تقدم. ويعطون بعد النبي صلّى الله عليه وسلم ؛ لأن المعنى الذي به أعطوا قد يوجد بعد النبي صلّى الله عليه وسلم .\rوالثالث ـ قوم يليهم قوم من الكفار أن أعطوا قاتلوهم.\rوالرابع ـ قوم يليهم قوم من أهل الصدقات أن أعطوا جبوا الصدقات.\rوالخلاصة: يكون مجموع الفريقين ستة أصناف.\rيتبين من هذا أن أحوال استعمال سهم المؤلفة قلوبهم كثيرة، ويقدر ولي الأمر المسلم المصلحة في إعطائهم في كل زمان أخذاً برأي الحنابلة والشيعة مطلقاً، وعملاً باتفاق الفقهاء إذا كانوا مسلمين حديثي عهد بالإسلام، ليتمكن الإسلام في قلوبهم.\rويمكن إيراد أمثلة واقعية في عصرنا لأحوال المؤلفة:\rأولاً ـ درء المخاطر والمفاسد عن المسلمين: إذا كان بعض غير المسلمين في موقع استراتيجي حيوي يمكن أن ينفذ منه الأعداء،ويدخلوا إلى بلاد الإسلام، فيجوز إعطاؤهم من الزكاة لدفع الأخطار وحماية البلاد ورعاية المصالح الإسلامية. فقد نص الفقهاء على إعطاء المؤلفة إذا كان يرجى بعطائهم النصح في الجهاد، أو الدفع عن المسلمين، بأن كانوا في الثغور أطراف بلاد الإسلام، أو كف شرهم كالخوارج ونحوهم. ثانياً ـ الاستعانة بغير المسلمين في الجهاد: إذا احتاج المسلمون إلى الاستعانة بغيرهم في الحروب، إما لضعف في المسلمين، أو لتوافر خبرة فنية عسكرية في غيرهم، أو لأغراض حربية أخرى، فيجوز صرف جزء من الزكاة في هذا المجال، للضرورة والمصلحة.","part":3,"page":348},{"id":1741,"text":"ثالثاً ـ جباية الصدقات ونحوها: إذا تعذرت جباية الصدقات ونحوها من ضرائب الخراج والعشور (الرسوم الجمركية) وأمكن استيفاؤها من طريق بعض الكفار، فلا مانع من إعطائهم شيئاً من الزكاة، لأن بهذا العطاء يحصل المسلمون على أموال أخرى متعذرة التحصيل أو ميئوسة الدفع. والفقهاء نصوا على إعطاء المؤلفة إذا كان لهم قوة على جباية الزكاة ممن لا يعطيها إلا بالتخويف والتهديد .\rرابعاً ـ نشر الدعوة الإسلامية ومقاومة وسائل التبشير: إن إرساليات التبشير بالنصرانية وحملات التنصير في بعض البلاد الإسلامية كأفريقيا وأندونيسيا وغيرها، تحتاج لمزيد من المقاومة والحد منها وإيقاف أنشطتها بمختلف الوسائل، وحينئذ يمكن صرف جزء كبير من الزكاة في هذا المجال، كما يجوز إعطاء الزكاة في سبيل نشر الدعوة الإسلامية بمختلف الطرق، سواء بالمبعوثين المتخصصين، أم بطباعة الكتب الصغيرة التي تعرّف بالإسلام وترد على اتهامات ودسائس وشبهات المغرضين، لأن الهدف الأصلي من تشريع سهم المؤلفة هو الترغيب في الإسلام وتثبيت عقيدته بين الناس.\rخامساً ـ الإسهام في تخفيف ويلات الكوارث من زلازل وفيضانات ومجاعات على أن تكون مقرونة بالدعوة إلى الإسلام: إذا كان المبشرون وبعض الدول النصرانية يستغلون هذه الحالات، ويبادرون إلى تقديم بعض المساعدات المادية والغذائية للمحتاجين، فأولى بنا نحن المسلمين أن نسهم بأقصى ما وسعنا من الدعم المادي المقرون ببيان سريع لفضائل الإسلام وبساطة عقيدته ويسر أحكامه في أوقات الشدة والرخاء، لأن المقصود من الزكاة سد حاجة المحتاجين، وإعانة المسلمين وتقوية الإسلام.","part":3,"page":349},{"id":1742,"text":"سادساً ـ إغراء رؤساء الدول الفقيرة أو الأقوام المتخلفة، أو القبائل والعشائر البائسة ببعض المنح والمبالغ المالية أو الهدايا، لتأليف قلوبهم أو رجاء إسلامهم أو كف شرهم، أو تقليد رعاياهم واتِّباعهم لهم في الدخول بالإسلام، كما كان يفعل النبي صلّى الله عليه وسلم مع رؤساء قريش وصناديد العرب، كما تقدم. وقد نص الفقهاء على إعطاء المؤلفة رجاء إسلام نظرائهم، وأعطى أبو بكر عدي بن حاتم والزبرقان بن بدر، مع حسن نياتهما وإسلامهما، رجاء إسلام نظرائهما.\rسابعاً ـ تقوية ضعاف الإيمان: نص فقهاؤنا ومنهم الحنابلة على أنه يعطى سهم المؤلفة لمسلم يرجى بعطيته قوة إيمانه، لما روى أبو بكر في كتاب التفسير عن ابن عباس في قوله تعالى: { والمؤلفة قلوبهم } [التوبة:60/9] قال: «هم قوم كانوا يأتون رسول الله صلّى الله عليه وسلم وكان رسول الله صلّى الله عليه وسلم يرضخ لهم من الصدقات، فإذا أعطاهم من الصدقة قالوا: هذا دين صالح، وإن كان غير ذلك عابوه» (1) .\r3 ـ تأليف قلوب الأفراد الذين يؤمل إسلامهم أو تأثيرهم في توجيه المجتمع لصالح الدعوة الإسلامية :\rإن الهدف الأصلي من تخصيص سهم المؤلفة في مصارف الزكاة هو نشر الدعوة الإسلامية بإغراءات مالية تجتذب بعض النفوس الضعيفة التي يستهويها المال وحب النفع المادي، ويكثر هذا الصنف في المجتمعات الفقيرة أو الضعيفة أو قليلة الإنتاج أو محدودة الدخل.\rفإذا لوحظ وجود هذا الميل عند بعض الأفراد الذين يرجى إسلامهم،أو كان لهم شيء من النفوذ والتأثير في مجتمعاتهم لصالح الدعوة الإسلامية، لزمت المبادرة لإعطائهم شيئاً من مال الله تعالى، سواء على مستوى بعض الحكومات غير المسلمة، أو بعض الهيئات والتجمعات والقبائل، أو بعض الأفراد العاديين، أو الخطباء والكتاب ونحوهم ممن يرجى تأثيرهم في توجيه المجتمع نحو دعوة الله للحق والخير والتوحيد.\r-------------------------------\r(1) تفسير الطبري: 112/10.","part":3,"page":350},{"id":1743,"text":"ونص فقهاؤنا كما تقدم على أن من أنواع المؤلفة: من يعطى ليقوى إيمانه، أو إسلام نظيره، أو نصحه في الجهاد، أو الدفع عن المسلمين ونحوه، وكان النبي صلّى الله عليه وسلم يعطي من الزكاة صنفاً أسلموا ونيتهم في الإسلام ضعيفة، فيتألفون لتقوى نيتهم ويثبتوا (1) .\r4 - استخدام هذا المصرف في إيجاد مؤسسات لرعاية المسلمين الجدد :\rيجوز للمزكي دفع الزكاة لوكيل عنه يتولى صرفها في بعض أو جميع مستحقيها أو مصارفها المنصوص عليهم في القرآن الكريم، لكن يجب دفع الزكاة على الفور باتفاق الفقهاء.\rوبناء عليه يمكن تخصيص أو إيجاد مؤسسات عامة ينفق عليها من سهم العاملين، وتتولى تفقد أحوال المسلمين الجدد في أنحاء العالم، وإمدادهم بما يحتاجون، ورعايتهم مادياً ومعنوياً، صحياً وثقافياً، بإعطائهم شيئاً من أموال الزكاة، لتثبيتهم على الدين وتشجيعهم وإشعارهم بالنصرة والعون أمام أقوامهم، لأن المهم هو رعاية من أسلم والحفاظ عليه.\rقال أبو عبيد: فإذا كان قوم، هذه حالهم، لا رغبة لهم في الإسلام إلا للنيل، وكان في ردتهم ومحاربتهم إن ارتدوا ضرر على الإسلام، لما عندهم من العز والمنعة، فرأى الإمام أن يرضخ لهم من الصدقة، فعل ذلك لخلال ثلاث ـ إحداهن ـ الأخذ بالكتاب والسنة.\rوالثانية ـ البقيا على المسلمين.\r-------------------------------\r(1) كشاف القناع: 326/2، المجموع: 209/6، تفسير ابن كثير: 365/2.","part":3,"page":351},{"id":1744,"text":"والثالثة ـ أنه ليس بيائس أن تمادى بهم الإسلام أن يفقهوه وتحسن فيه رغبتهم (1) .\rوقال السيد رشيد رضا: الأولى من المرابطين في الثغور وحدود بلاد الأعداء بالتأليف في زماننا، قوم من المسلمين يتألفهم الكفار ليدخلوهم تحت حمايتهم، أو في دينهم، فإننا نجد دول الاستعمار الطامعة في استعباد جميع المسلمين وفي ردهم عن دينهم، يخصصون من أموال دولهم سهماً للمؤلفة قلوبهم من المسلمين، فمنهم من يؤلفون لأجل تنصيره وإخراجه من حظيرة الإسلام، ومنهم من يؤلفونه لأجل الدخول في حمايتهم ومشاقة الدول الإسلامية أو الوحدة الإسلامية، ككثير من أمراء جزيرة العرب وسلاطينها !! أفليس المسلمون أولى بهذا منهم (2) .\r5 - تأليف قلوب بعض الحكومات والدول غير الإسلامية، والتي تحوي جاليات إسلامية لتحقيق الأمن لها، أو بعض الدول غير الإسلامية التي تعارض إقامة مشاريع إسلامية على أرضها :\rإن أي دعم للإسلام والمسلمين أمر مطلوب شرعاً، سواء فيما يتعلق باعتناق الإسلام ديناً،أو رعاية المسلمين، والحفاظ على وجودهم وأمنهم وهويتهم الشخصية الذاتية، أو حماية المصالح الإسلامية بنشر الدعوة إلى الله ، وإقامة المساجد والمراكز الإسلامية، وتوفير مختلف الإمكانات لتعليم القرآن، ونشر التربية الإسلامية، وتوعية الشباب والفتيات، وتحذيرهم من مخاطر ذوبان الشخصية الإسلامية، والتأثر بتقاليد وعادات غير المسلمين.\rلذا كان مشروعاً إنفاق المال في هذا السبيل، وإعطاء شيء من المساعدات من الزكاة وغيرها لبعض الحكومات والدول غير الإسلامية لحماية الجاليات الإسلامية وتحقيق الأمن لها وتمكينها من ممارسة شعائر الإسلام، وإبقاء الصبغة الإسلامية في الأسماء، والممارسات السلوكية، وتطبيق أحكام الشريعة الإسلامية في قضايا الزواج والطلاق والأيمان والنذور ونحوها من الأمور الخاصة اللصيقة بالشخصية، والمميزة لأوضاع المسلمين عن غيرهم.\r-------------------------------\r(1) الأموال: ص 607.\r(2) تفسير المنار: 574/10.","part":3,"page":352},{"id":1745,"text":"كما يكون مشروعاً تقديم بعض المعونات لبعض الدول غير الإسلامية للسماح للمسلمين بإقامة بعض المشاريع الإسلامية على أرضها، كبناء المساجد والمراكز والمدارس الإسلامية، ففي ذلك حماية للمسلمين أنفسهم من الضياع والانحراف وتشوه الصبغة الإسلامية النقية، وحفظ الطابع الإسلامي والعقيدة الإسلامية في نفوس أبنائها، فإن أخطر ما يهدد وجود الجاليات الإسلامية في أمريكا وأوربا وغيرهما من بلاد العالم هو ذوبان الصبغة الإسلامية من نفوس الجيل الثاني الذي ولد أو تربى في تلك البلاد غير الإسلامية. أما الآباء والأمهات الذين هاجروا إلى تلك البلاد (المغتربون) وهم الجيل الأول، فيغلب عليهم تمسكهم بشيء من الدين والأخلاق الإسلامية أو العربية، والاعتزاز باللغة العربية في كلامهم وكتاباتهم.\r6 - المشاركة في سهم المؤلفة قلوبهم في التبرعات التي تجمع للكوارث والنكبات التي تصيب بعض الدول غير الإسلامية كالزلازل والفيضانات :\rإن تحسين العلاقات بين المسلمين وغيرهم في مختلف البلاد غير الإسلامية أمر محمود في مضمار السياسة الشرعية؛ لأن تحسن العلاقات يخدم المصالح الإسلامية، وتعكر العلاقات وتوترها يضر بمصلحة المسلمين، وعلى التخصيص في حال الضعف، وفي ظروفنا الراهنة. وإذا كان الهدف من الجهاد في الإسلام هو الوصول إلى توطيد العلاقات السلمية، وحماية الأوضاع والظروف الأمنية، وإقرار المصالح المشروعة عن طريق المعاهدات، فإن كل ما يؤدي إلى هذه الغاية يكون جائزاً شرعاً.\rلكن نظراً لكون فريضة الزكاة ذات صلة وثقى وأصيلة برعاية أحوال المسلمين المحتاجين وتحقيق التكافل الاجتماعي بين المسلمين، وكونها مصبوغة بصبغة العبادات، فإنه يقتصر بقدر الإمكان على هذه النواحي وعلى مصارف الزكاة المنصوص عليها صراحة في القرآن الكريم، ولا يصح حينئذ دفع شيء من أموال الزكاة لتخفيف كوارث الأمم الأخرى.","part":3,"page":353},{"id":1746,"text":"لكن لا مانع شرعاً من دفع شيء من أموال المسلمين العامة من غير الزكاة لغيرهم لدفع شرهم ورفع ضررهم ورجاء خيرهم، كما صرح الفقهاء، فيجوز أن ندفع شيئاً من أموالنا بصفة تبرعات في أوقات المحن والأزمات، والكوارث والنكبات كالزلازل والفيضانات، ففي ذلك نوع من الوقاية وسد الذرائع. وقد أجاز بعض الشافعية إعطاء الكفار من موارد بيت المال العامة، لتأليف قلوبهم، وهو خمس الخمس من الفيء وغيره، لأنه مرصد للمصالح العامة، وهذا منها.\rوأما غير الشافعية الذين أجازوا دفع الزكاة للكفار لتأليف قلوبهم عند الحاجة، فلا ينطبق قولهم على هذه الأحول، وإنما أرادوا أن يكون التأليف مؤدياً بطريق مباشر أو غير مباشر إلى الدخول في الإسلام، قال قتادة: «المؤلفة قلوبهم: هم أناس من الأعراب ومن غيرهم كان نبي الله صلّى الله عليه وسلم يتألفهم بالعطية كيما يؤمنوا» (1) . ويبعد في تصور المنكوبين وحكوماتهم المعاصرة في الغالب الاتجاه نحو الإسلام من قريب أو بعيد في مثل هذه الأحوال، كل ما في الأمر أنهم يقدرون الدوافع الإنسانية الخيِّرة في المشاركة في التبرعات من أجل تخفيف وطأة الكوارث العامة، وتوجه عادة خطابات شكر دبلوماسية على تلك المبادرات الطيبة المصحوبة بالشعور الإنساني الكريم والعاطفة الأخوية بين أبناء المجتمع الإنساني، لأن الخلْق كلهم عيال الله ، وأحبهم إلى الله تعالى أنفعهم لعياله، كما ثبت في السنة النبوية، ولأن الإسلام دين الرحمة العامة للعالمين.","part":3,"page":354},{"id":1747,"text":"7 - صرف جزء من سهم المؤلفة قلوبهم في الأمور الدعائية لتحسين النظرة إلى الإسلام والمسلمين :\rنحن اليوم في العالم المعاصر نتأثر كثيراً بأساليب الدعاية والإعلام وبما يكتبه مشاهير الكتاب، وتتصدره الصحف اليومية والمجلات المتداولة، لذا كان لزاماً علينا أن نتفاعل بمعطيات العصر، ونستفيد منها في الإيجابيات والسلبيات، فنعرض أجمل ما لدينا من أفكار ومبادئ ونظريات وقيم خلقية شخصية واجتماعية، إنسانية ومادية، ونحارب كل مايحاك ضد شريعتنا وأخلاقنا ونظمنا من مؤامرات، ويوجه إليها من مفتريات واتهامات، ويعرض في ثناياها من شبهات وتأويلات باطلة.\rونكون في الحالين إيجاباً وسلباً في حركة جهاد يمليه علينا الواجب ويقتضيه الدين، أخرج الإمام أحمد وأبو داود والنسائي وابن حبان والحاكم عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلّى الله عليه وسلم قال: «جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم» .\rولا مانع بالإضافة لما تجود به نفوس المسلمين بالتبرع بالأموال في سبيل الله ، من صرف جزء من أموال الزكاة من سهم «في سبيل الله » أو من سهم «المؤلفة قلوبهم» لأصحاب الأقلام والألسنة لتحسين النظرة إلى الإسلام والمسلمين، وبيان حكمة التشريع، والدفاع عن الإسلام وقضايا المسلمين الوطنية والاجتماعية في أنحاء العالم ضد الافتراءات والاتهامات، ولتفنيد الشبهات، وصد التيارات وغزوات الفكر والثقافة المشوهة، وقد تبين سابقاً أن الطبري أجاز صرف سهم المؤلفة لتقوية الإسلام.\rويفضل شرعاً أن يكون صرف شيء من أموال المسلمين في الجانب الدعائي أو الإعلامي من موارد بيت المال العامة؛ لأن تلك الموارد مرصدة للمصالح العامة.\r-------------------------------\r(1) تفسير الطبري: 112/10.","part":3,"page":355},{"id":1748,"text":"والخلاصة: إن صرف شيء من أموال الزكاة في أي مجال يحتاج لتقدير واع من ولي الأمر العادل، واستشارة العلماء المتخصصين أهل الرأي والمشورة.وإذا أهملت الحكومات هذا الجانب، جاز للجمعيات أو المؤسسات الإسلامية العامة، لا للأفراد، القيام بهذا الواجب وتأليف غير المسلمين بالأساليب المختلفة للدفاع عن الإسلام ونشر الدعوة الإسلامية ورعاية أموال المسلمين الجدد.\r2 ً - مصرف الزكاة ( في الرقاب ) :\rإن لفريضة الزكاة شأناً كبيراً في الإسلام، وهي تقترن دائماً بفريضة الصلاة ، لتصلح العلاقة مع الله تعالى بالصلاة، والعلاقة مع أبناء المجتمع المسلم بالزكاة، ولا يكون أداء الزكاة محقِّقاً الهدف المنشود منها ما لم يلتزم المزكي صرفها حسبما أمر الله تعالى به في قوله: { إنما الصدقات للفقراء، والمساكين، والعاملين عليها، والمؤلفة قلوبهم، وفي الرقاب، والغارمين، وفي سبيل الله ،فريضةً من الله والله عليم حكيم} [التوبة:60/9].\rومصرف «وفي الرقاب» هو المصرف الخامس من مصارف الزكاة الثمانية التي حددتها الآية، وأبانت أوصاف مستحقي الزكاة.\rوبالرغم من أن الغالب وجوده الآن في عصرنا في البلاد الإسلامية أربعة أنواع وهم الفقير والمسكين والغارم وابن السبيل، فإن هناك حاجة ماسة للتعرف على مصرف «في الرقاب» بعد إلغاء الرق من العالم في العصر الحديث، ووجود حالات تقتضي صرف الزكاة فيها مثل استعباد الشعوب الإسلامية، وإنقاذ المسلمين من أشكال الاستعمار المختلفة، ومن أهمها الاستعمار الاستيطاني، ومساعدة الأسرى على الافتداء من براثن العدو، وإطلاق سراح السجناء والمسلمين من معتقلات الأعداء الجماعية والفردية وما فيها من معاملة وحشية منافية لأبسط مبادئ الإنسانية وحقوق الإنسان، كما في فلسطين المحتلة من قبل اليهود الذين أقاموا فيها على حساب الشعب الفلسطيني دولة إسرائيل بالتعاون مع الدول الكبرى، وبالدعم المتواصل لها.","part":3,"page":356},{"id":1749,"text":"خطة البحث :\rيمكن بحث مصرف «في الرقاب» في ضوء الخطة التالية:\r1 - معنى : في الرقاب.\r2 - غياب الرق في العصر الحالي.\r3 - السوابق التاريخية في العهود الإسلامية لاستخدام هذا المصرف في غير المكاتبين.\r4 - من مصارف «في الرقاب» في هذا الزمان «فكاك الأسرى» وتفصيل المذاهب الفقهية في سهم «في الرقاب» .\r5 - التطبيق الأصلي لهذا المصرف في إعانة المكاتب لتحرير نفسه من الرق.\r6 - هل تعطى الشعوب الإسلامية التي تئن تحت وطأة الحكومات الكافرة لتحرير نفسها من الاحتلال الذي تخضع له؟\r1 - معنى في الرقاب :\rإن ظاهر الكلمة وإطلاقها يقتضي تعميم المعنى بحيث يشمل تحرير الأنفس البشرية وعتقها وتخليصها من قيد العبودية للبشر، وفك الرقاب من الكتابة أو الرق أو الأسر، كما ذكر الزمخشري في الكشاف (1) .وقال الزجاج في قوله تعالى: «وفي الرقاب» : وفيه محذوف، والتقدير: وفي فك الرقاب (2) .\rوإنما عبر الله تعالى في الأصناف الأربعة الأولى باللام: {إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم} [التوبة:60/9] وفي الأصناف الأربعة الأخيرة بـ «في» : {وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل} [التوبة:60/9] للإيذان بأن الأربعة الأخيرة أرسخ في استحقاق التصدق عليهم ممن سبق ذكره؛ لأن «في» كما جاء في الكشاف للوعاء، فنبّه على\r-------------------------------\r(1) الكشاف: 198/2، طبع طهران.\r(2) تفسير الرازي: 114/16، ط دار الفكر في بيروت....","part":3,"page":357},{"id":1750,"text":"أنهم أحقاء بأن توضع فيهم الصدقات، ويجعلوا مظنّة لها ومصبّاً (1) . وكذلك في فك الغارمين من الغرم تخليص لهم وإنقاذ، وهكذا الشأن في مصرف: «في سبيل الله » إنقاذ جماعي للأمة بالجهاد، وكذا «ابن السبيل» ننقذه من أزمة وقوعه في الإفلاس، وانقطاعه في أثناء السفر إلى بلده.\rوقال البجيرمي الشافعي: أضاف الله تعالى في الآية الكريمة الصدقات إلى الأصناف الأربعة بلام الملك، وإلى الأربعة الأخيرة بـ «في» الظرفية للإشعار بإطلاق الملك في الأربعة الأولى، وتقييده في الأربعة الأخيرة، حتى إذا لم يحصل الصرف في مصارفها، استرجع، بخلافه في الأولى (2) .\rوقال الرازي في تفسيره: ولما ذكر الله تعالى الرقاب أبدل بحرف اللام حرف «في» فقال: «وفي الرقاب» فلا بد لهذا الفرق من فائدة، وتلك الفائدة هي أن تلك الأصناف الأربعة المتقدمة يدفع إليهم نصيبهم من الصدقات حتى يتصرفوا فيها كما شاؤوا، وأما «في الرقاب» فيوضع نصيبهم في تخليص رقبتهم عن الرق، ولا يدفع إليهم، ولا يمكنوا من التصرف في ذلك النصيب كيف شاؤوا، بل يوضع «في الرقاب» بأن يؤدى عنهم. وكذا القول في الغارمين يصرف المال في قضاء ديونهم، وفي الغزاة يصرف المال إلى إعداد ما يحتاجون إليه في الغزو، وابن السبيل كذلك. والحاصل: أن في الأصناف الأربعة الأولى يصرف المال إليهم حتى يتصرفوا فيه كما شاؤوا،وفي الأربعة الأخيرة لا يصرف المال إليهم، بل يصرف إلى جهات الحاجات المعتبرة في الصفات التي لأجلها استحقوا سهم الزكاة (3) أي أنه لا يشترط التمليك.\rوأكثر العلماء على أن المراد بقوله تعالى: {وفي الرقاب} [التوبة:60/9] المكاتبون (4) المسلمون الذين لا يجدون وفاء ما يؤدون، ولو مع توافر القدرة والقوة والكسب، لأنه لا يمكن الدفع إلى الشخص الذي يراد فك رقبته إلا إذا كان مكاتباً، ولو اشتري بالسهم عبيد، لم يكن الدفع إليهم وإنما هو دفع إلى سادتهم، ولم يتحقق التمليك المطلوب في أداء الزكاة، ويؤكده تعالى: {وآتوهم من مال الله الذي آتاكم} [النور:33/24] وفسر ابن عباس «في الرقاب» بأنهم المكاتبون .\r-------------------------------\r(1) الكشاف، المرجع والمكان السابق.\r(2) بجيرمي علي الخطيب: 313/2، ط دار المعرفة في بيروت.\r(3) التفسير الكبير: 115/16، المجلد 8.\r(4) المكاتب: هو العبد الذي كاتبه سيده على أقساط معينة، فإذا وفّاها صار حراً. والكتابة مندوبة لتحرير العبيد وإعتاقهم لقوله تعالى: { فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيراً } [النور:33/24] أي من أجل تحرير الرقاب.","part":3,"page":358},{"id":1751,"text":"ويرى الإمامان مالك وأحمد وغيرهما أنه يشترى بسهم «في الرقاب» رقيق، فيتعين، لأن كل موضع ذكرت فيه الرقبة، يراد بها عتقها. والعتق والتحرير لا يتصور إلا في القن (العبد الخالص العبودية) كما في الكفارات.\rوشرط إعطاء المكاتب: هو كونه مسلماً محتاجاً ، كما تقدم بيانه.\rوتخصيص سهم للرقاب في الزكاة دليل واضح على تشوف وتعطش الإسلام إلى التحرير والحرية أو فك الرقاب من قيد العبودية؛ ومن حكمة الله تعالى أنه نص في القرآن على التحرير أو العتق، ولم ينص على الاسترقاق، لأن الإسلام أول من نادى بتخليص العالم من ظاهرة الرق بفتح منافذ العتق والترغيب فيه؛ لأن الإنسان خلق حراً، فإذا طرأ في الماضي بعض الأحوال العارضة التي تقتضي المصلحة العامة فيها أن يكون الأسير رقيقاً، جاز الرق على سبيل المعاملة بالمثل مع الأعداء، إذ لا يعقل ألا يسترق المسلمون أحياناً بعض الأسرى، والأعداء يسترقون أسرى المسلمين.\r2 - غياب الرق في العصر الحالي :كان الرق مشروعاً عند الأمم القديمة والفلاسفة وأهل الكتاب من اليهود والنصارى، وكان الرومان أول من استعبد الأسرى وسخر الشعوب المغلوبة، وكانت وجوه الاسترقاق عندهم بالذات متعددة.\rوكان الرق عماد الحركة التجارية والزراعية، وعدّ نظاماً أساسياً في حياة الشعوب القديمة ودعامة في كيانها الاقتصادي والاجتماعي.\rولم ير أهل الإسلام المجتهدون ـ والحالة هذه - إلغاء الرق في العالم، حتى لا تصطدم دعوة الإسلام مع مألوف النفوس، ولئلا تضطرب الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية، فيكثر المجادلون والمعارضون،وينتشر الفقر والعوز في المجتمع، وتتعدد حينئذ جرائم العبيد قبل تحريرهم.","part":3,"page":359},{"id":1752,"text":"وبما أن الأصل في الإنسان وفي تشريع الإسلام هو الحرية، وأن الحرية مما يحرص الإسلام على وجودها وحمايتها، فإن الإسلام عالج قضية الرق بالتدريج، وهيأ أسباباً للقضاء على الرق، ومنع سائر مصادره ما عدا رق الأسر بسبب الحرب العادلة لدفع العدوان وحفظ التوازن مع الأمم الأخرى، ومعاملة بالمثل، وما عدا الرق بسبب الوراثة، ثم فتح منافذ عديدة لإنهاء الرق ورغَّب فيها من طريق العتق والتحرير إما قربة مجردة لله تعالى وطريق نجاة في الآخرة، وإما كفارة عن كثير من الجرائم والذنوب كالقتل واليمين التي حنث بها الحالف، والظهار من الزوجة، وجعل مصير الأسرى في الغالب إما المن (إطلاق السراح بدون مقابل) وإما الفداء أو المفاداة (تبادل الأسرى). وأوصى بمعاملة الرقيق بالحسنى، وخصص سهماً من الصدقات التي تجبى لتنفق في سبيل تحرير الرقاب.\rوأثمرت توجيهات الإسلام في تهيئة الضمير البشري للإحساس بهذه الظاهرة المرضية والعمل على القضاء عليها تدريجاً، بدلاً من مفاجأة العالم بالتحريم الفوري البات.\rوأدى هذا إلى إثبات حقيقة واضحة ماثلة للعيان هي أن الإسلام لا يتعارض مع إلغاء الرق من العالم، بل يحض عليه، ويرغب في استئصال موارده، علماً بأنه لا يجوز استرقاق حر أصلاً، ويمقت ما عرف بتجارة الرقيق والنخاسة، ويحرم كل ما كان حاصلاً في أواسط أفريقيا من اصطياد الرقيق ومعاملتهم أسوأ المعاملة، ولا يقر بحالٍ استعبادَ الشعوب واستعمارها الذي حل بصفة جماعية محل الرق الفردي، كما لا يجيز بديلاً آخر لدى أمريكا وبريطانيا وهو التفرقة العنصرية بين الأبيض والأسود.","part":3,"page":360},{"id":1753,"text":"وهكذا ظل نظام الرقيق معمولاً به في العصور الوسطى وما بعدها إلى أن استنكرت الدول الأوربية الإتجار في الرقيق بصفة عامة في مؤتمر فيينا سنة 1815م، ووقعت اتفاقيات كثيرة بعد هذا التاريخ، آخرها اتفاقية جنيف الإضافية في 7 أيلول (سبتمبر) 1956 التي ألغت الرق وتجارة الرقيق والحالات المماثلة للرق (1) .\r3 - السوابق التاريخية في العهود الإسلامية لاستخدام هذا المصرف في غير المكاتبين :\rرغب الإسلام في العتق وتحرير الرقاب بصفة عامة، وجعل أساس النجاة في الآخرة فك رقبة، قال الله تعالى: {فلا اقتحم العقبة وما أدراك ما العقبة؟ فك رقبة} [البلد:11/90-13]. وروى ابن عباس رضي الله عنهما عن رسول الله صلّى الله عليه وسلم أنه قال: «أيما مؤمن أعتق مؤمناً في الدنيا، أعتق الله تعالى بكل عضو منه عضواً من النار» (2) .\rو بادر الصحب الكرام كأبي بكر الصديق إلى إعتاق نفوس المسلمين المستضعفين الذين كانوا يعذبون من قبل زعماء قريش في صدر الإسلام، مثل بلال الحبشي وكذلك فعل عبد الله بن عمر، فإنه ما مات حتى أعتق ألف رقبة.\rولجأ بعض الخلفاء المسلمين إلى استخدام مصرف «في الرقاب» في إعتاق الرقيق غير المكاتبين، كما حدث في عهد الخليفة عمر بن عبد العزيز، قال يحيى بن سعيد: بعثني عمر بن عبد العزيز على صدقات إفريقية، فاقتضيتها، وطلبت فقراء نعطيها لهم، فلم نجد بها فقيراً، ولم نجد من يأخذها مني، قد أغنى عمر بن عبد العزيز الناس، فاشتريت بها رقاباً، فأعتقتهم، وولاؤهم للمسلمين (3) .\rولا شك بأن هذا الفعل أصبح في تقديري قدوة فعلية سار على منواله أئمة المسلمين وعامتهم في العصور المختلفة.\rوسيأتي بيان وقائع أخرى في هذا الموضوع في بحث أدّلة المذاهب على كيفية صرف سهم « في الرقاب» .\r-------------------------------\r(1) راجع كتابي: آثار الحرب في الفقه الإسلامي ـ دراسة مقارنة: ص 441-445 .\r(2) رواه الطبراني عن عمرو بن عَبْسة بلفظ: «.. وأيما رجل أعتق مسلماً، فكل عضو من المعتِق بعضو من المعتَق فداء له من النار» .\r(3) سيرة عمر بن عبد العزيز لابن عبد الحكم: ص 59، ط مكتبة وهبة بمصر.....","part":3,"page":361},{"id":1754,"text":"4 - من مصارف « في الرقاب » في هذا الزمان «فكاك الأسرى» وتفصيل المذاهب الفقهية في سهم « في الرقاب » :\rيحسن في هذا الموضوع بيان آراء العلماء من الصحابة والتابعين وغيرهم بصفة عامة، ثم بيان المذاهب الفقهية وأدلتها.\rآراء العلماء في بيان المقصود من الرقاب بصفة عامة :\rللعلماء أقوال أربعة في تفسير الرقاب (1) :\rالقول الأول: إن المراد بقوله «في الرقاب» في فك الرقاب، فهذا السهم موضوع لعتق الرقاب، يشترى به عبيد فيعتقون، وهو قول ابن عباس وابن عمر والحسن، وأبي عبيد، ومذهب مالك وأحمد وإسحاق وعبيد الله بن الحسن العنبري، فيجوز للإمام أن يشتري رقاباً من مال الصدقة، يعتقها عن المسلمين، ويكون ولاؤهم لجماعة المسلمين في رأي المالكية.\rوإن اشتراهم صاحب الزكاة وأعتقهم جاز.\rوالقول الثاني: إن سهم الرقاب موضوع في المكاتبين ليعتقوا به، فلا يبتاع من الرقاب صاحب الزكاة نسمة يعتقها بجرّ ولاء. وهذا قول أبي موسى الأشعري ومقاتل وسعيد بن جبير والليث بن سعد وابن وهب وابن زيد، وهو مذهب الشافعي وأبي ثور، ورواية عن مالك. واحتجوا بما روي عن ابن عباس رضي الله عنها أنه قال: قوله تعالى {وفي الرقاب} [التوبة:60/9] يريد المكاتب، وتأكد هذا بقوله تعالى: {وآتوهم من مال الله الذي آتاكم} [النور:33/24].\rقال القرطبي: والصحيح الأول: لأن الله عز وجل قال: {وفي الرقاب} [التوبة:60/9] فإذا كان للرقاب سهم من الصدقات، كان له أن يشتري رقبة، فيعتقها، ولا خلاف بين أهل العلم أن للرجل أن يشتري الفرس فيحمل عليه في\r-------------------------------\r(1) تفسير الرازي: 114/16 وما بعدها، ط دار الفكر في بيروت، تفسير القرطبي: 182/8 ومابعدها، طبع دار الكاتب العربي بالقاهرة، تفسير ابن كثير: 365/2. أضواء البيان للشيخ محمد الأمين الشنقيطي: 470/2 وما بعدها، ط عالم الكتب في بيروت، الأموال لأبي عبيد: ص 797 وما بعدها، ط مكتبة الكليات الأزهرية .....","part":3,"page":362},{"id":1755,"text":"سبيل الله ، فإذا كان له أن يشتري فرساً بالكمال من الزكاة، جاز أن يشتري رقبة بالكمال، لا فرق بين ذلك.\rوالقول الثالث: قول أبي حنيفة وأصحابه وقول سعيد بن جبير والنخعي: أنه لا يعتق من الزكاة رقبة كاملة، ولكن يعتق منها في رقبة، ويعان بها مكاتب، أي أنها لإعتاق العبد المبعض والمكاتب؛ لأن قوله تعالى: {وفي الرقاب} [التوبة:60/9] يقتضي أن يكون له فيه مدخل، وذلك ينافي كونه تاماً فيه. والأولى جعل القولين الثاني والثالث قولاً واحداً.\rوالقول الرابع: قول الزهري، قال: سهم الرقاب نصفان: نصف للمكاتبين من المسلمين، ونصف يشترى به رقاب ممن صلوا وصاموا، وقدم إسلامهم، فيعتقون من الصلاة. وهو رأي أبي عبيد.\rوأضاف الشافعية أصحاب القول الثاني إلى ما سبق قولهم: والاحتياط في سهم الرقاب دفعه إلى السيد بإذن المكاتب، والدليل عليه أنه تعالى أثبت الصدقات للأصناف الأربعة الذين تقدم ذكرهم بلام التمليك، وهو قوله: { إنما الصدقات للفقراء...} [التوبة:60/9].\rوالخلاصة: إن العلماء ما عدا المالكية والحنابلة اتفقوا على صرف سهم « في الرقاب » في إعتاق العبد المكاتب، واختلفوا في أمرين: إعتاق الرقاب، وفك الأسارى. أما إعتاق الرقاب فقال الكيا الطبري: إن العتق إبطال ملك، وليس بتمليك، وما يدفع إلى المكاتب تمليك، ومن حق الصدقة ألا تجزي إلا إذا جرى فيها التمليك. وهذا رأي الحنفية والشافعية، فلا يصرف شيء من الزكاة في إعتاق العبد القن (الخالص العبودية)","part":3,"page":363},{"id":1756,"text":"ورأى المالكية والحنابلة أنه يمكن المساهمة بشيء من الزكاة في إعتاق الرقاب مطلقاً. وإليه مال البخاري وابن المنذر. قال القرطبي: قد ورد حديث ينص على جواز عتق الرقبة، وإعانة المكاتب معاً، أخرجه أحمد والدارقطني عن البراء بن عازب قال: جاء رجل إلى النبي صلّى الله عليه وسلم، فقال: «دلَّني على عمل يقربني من الجنة ويباعدني من النار، قال: لئن كنت أقصرت الخطبة، لقد أعرضت المسألة، أعتق النسمة وفك الرقبة: فقال: يا رسول الله ، أوليستا واحدة؟ قال: لا، عتق النسمة أن تنفرد بعتقها، وفك الرقبة: أن تعين في ثمنها» . وناقشه الحنفية بقولهم: ليس فيه ما يستلزم كون هذا هو معنى «وفي الرقاب» المذكور في الآية.\rويؤيده في المكاتب حديث آخر رواه الخمسة إلا أبا داود (1) عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن النبي صلّى الله عليه وسلم قال: « ثلاثة حق على الله عونهم: المجاهد في سبيل الله، والمكاتب الذي يريد الأداء، والناكح الذي يريد العفاف» .\rوأما فك الأسارى:فقال أصبغ وابن القاسم:لا يجوز صرف الزكاة في فكاك الأسرى. والمشهور عند المالكية أنه لا تجزئ الزكاة في فك أسير، وهذا قول الحنفية والشافعية. وقال ابن حبيب وابن عبد الحكم: يجوز؛ لأنها رقبة ملكت بملك الرق، فهي تخرج من رق إلى عتق، وكان ذلك أحق وأولى من فك الرقاب الذي بأيدينا؛ لأنه إذا كان فك المسلم عن رق المسلم عبادة، وجائزاً من الصدقة، فأحرى وأولى أن يكون ذلك في فك المسلم عن رق الكافر وذله. وهذا قول الحنابلة.\rتفصيل المذاهب الفقهية في سهم «في الرقاب» وأدلتهم :\rاتجهت المذاهب الفقهية اتجاهين في بيان سهم «في الرقاب» الاتجاه الأول المضيق للحنفية والشافعية: وهو قصر صرف هذا السهم على المكاتبين، والاتجاه الثاني الموسع ـ للمالكية والحنابلة: وهو صرف هذا السهم في تحرير الرقاب وإعتاق\r-------------------------------\r(1) الخمسة: أحمد وأصحاب السنن الأربعة. ورواه أيضاً الحاكم.","part":3,"page":364},{"id":1757,"text":"العبيد مطلقاً، سواء في مذهب الحنابلة أكانوا مكاتبين أم خالصي العبودية. أما صرف شيء منه في فكاك الأسرى فأجازه الحنابلة دون المالكية في المشهور لديهم.\rوأذكر خلاصة رأي كل مذهب على حدة ثم أعقبه بأدلة الاتجاهين:\r1 - قال الحنفية (1) : الصنف الخامس «في الرقاب» هم المكاتبون غير الهاشميين، فيعان المكاتبون من الزكاة في فك رقابهم، وإن ملك المكاتب نصاباً زائداً على بدل الكتابة.\r2 - وقال الشافعية (2) : الصنف الخامس: الرقاب: وهم المكاتبون كتابة صحيحة لغير مزك، فيعطون، ولو بغير إذن ساداتهم، أو قبل حلول النجوم (الأقساط) ما يعينهم على العتق، إن لم يكن معهم ما يفي بنجومهم. أما مكاتب المزكي فلا يعطى من زكاته شيئاً لعود الفائدة إليه مع كونه ملكه.\r3 - وقال المالكية (3) : تصرف الزكاة لرقيق مؤمن لا كافر، يعتق منها، بأن يشترى منها رقيق فيعتق، أو يكون عنده عبد أو أمة يقوِّمه قيمة عدل ويعتقه عن زكاته، وهذا معنى قوله تعالى: {وفي الرقاب} [التوبة:60/9].\rويشترط في الرقيق أن يكون خالصاً، لم تنعقد حرىة فيه كمكاتب، ومدبر، ومعتق لأجل، وأم ولد، وإلا فلا يجزئ، والمشهور أن العتق صحيح، وإن لم يجزئ عن الزكاة.\r-------------------------------\r(1) أحكام القرآن للجصاص:125/3، ط بيروت، فتح القدير: 263/2، ط دار الفكر في بيروت، حاشية ابن عابدين (رد المحتار على الدر المختار): 341/2، ط البابي الحلبي بمصر.\r(2) شرح المجموع للنووي: 146/6 وما بعدها، مطبعة المدني بالقاهرة، بجيرمي علي الخطيب:313/2 وما بعدها، ط دار المعرفة في بيروت .\r(3) مواهب الجليل للحطاب: 350/2، الطبعة الثانية 1978، الشرح الصغير للدردير وحاشية الصاوي عليه: 661/1.","part":3,"page":365},{"id":1758,"text":"ويشترط أيضاً ألا يعتق الرقيق بالملك نفسه على رب المال، كالأبوين والأولاد والحواشي القريبة: الإخوة والأخوات، لقوله صلّى الله عليه وسلم ـ فيما رواه أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه والحاكم عن سمرة ـ «من ملك ذا رحم محرم فهو حر» . فإن اشترى رب المال من زكاته من يعتق عليه فلا يجزئه إلا أن يدفعها الإمام، فيشتري بها والد ربّ المال ولده، ويعتقه، فيجزئ حيث لا تواطؤ.\rويكون ولاء المعتق إذا عتق من الزكاة للمسلمين، سواء صرح المعتق بذلك أو سكت، بل ولو شرطه لنفسه، وأما لو قال: أنت حر عني وولاؤك للمسلمين، فلا تجزئه عن الزكاة، والعتق لازم، والولاء له؛ لأن الولاء لمن أعتق.\rوالمشهور عند المالكية أنه لا تجزئ الزكاة في فك الأسير، وقال ابن حبيب: هو أحق وأولى من فك الرقاب التي بأيدينا، ووافقه ابن عبد الحكم.\r4 - ومذهب الحنابلة(1 ) كما ذكروا في كتبهم المعتمدة: أن الصنف الخامس: الرقاب: وهم المكاتبون المسلمون الذين لا يجدون وفاء ما يؤدون، ولو مع القوة والكسب، لعموم قوله تعالى: {وفي الرقاب} [التوبة:60/9]. قال في المبدع: لا يختلف المذهب أنهم، أي المكاتبون من الرقاب، بدليل قوله: أعتقت رقابي، فإنه يشملهم؛ وفي قوله تعالى: {فكاتبوهم} [النور:33/24] إشعار به ولأنه يملك المال على سيده، ويصرف إليه أرش جنايته، فكان الإعطاء له إعطاء لسيده، لا في الرقاب.\rوللمكاتب الأخذ قبل حلول نجم (قسط) لئلا يؤدي إلى فسخ الكتابة عند حلول النجم، ولا شيء معه.\rوالأولى دفع الزكاة إلى سيد المكاتب، من دفع الزكاة إلى المكاتب .\r-------------------------------\r(1) كشاف القناع للبهوتي: 279/2 وما بعدها، ط عالم الكتب في بيروت، الروض المربع بشرح زاد المستنقع للشيخ منصور بن يونس البهوتي: ص 151، المغني والشرح الكبير: 709/2.","part":3,"page":366},{"id":1759,"text":"ويجوز أن يشتري المزكي من الزكاة رقبة لا تعتق عليه. فيعتقها، لقول ابن عباس. ويجوز أن يعتق قِنّه أو مكاتَبه عنها؛ لأنه فك رقبة الأسير، فهو كفك رقبة العبد من الرق، ولأن فيه إعزازاً للدين، أشبه ما يدفع إلى الغارم لفك رقبته من الدين.\rوالولاء عند الحنابلة للمعتق: لما رواه الشيخان عن عائشة رضي الله عنهما أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم قال: «إنما الولاء لمن أعتق» . أما ما أعتقه الساعي من الزكاة أو الإمام منها، فولاؤه للمسلمين، لأنه نائب عنهم.\rأدلة المذاهب :\rأدلة الاتجاه الأول للحنفية والشافعية ومن وافقهم من السلف :\rاستدل هؤلاء على أن سهم «في الرقاب» يصرف في مساعدة المكاتبين على تحرير أنفسهم بما يلي:\r1 - إن قوله عز وجل: {وفي الرقاب} [التوبة:60/9]، كقوله تعالى: {وفي سبيل الله} [التوبة:60/9] وهناك يجب الدفع إلى المجاهدين، فكذا يجب هنا الدفع إلى الرقاب، ولا يكون دفعاً إليهم إلا على مذهبنا أي للمكاتبين.\rوأما من قال: يشترى به عبيد، فليس بدفع إليهم، وإنما هو دفع إلى ساداتهم، ولأن في جميع الأصناف يسلم السهم إلى المستحق ويملكه إياه، فينبغي أن يكون كذلك هنا، ولأن ما قالوه يؤدي إلى تعطيل هذا السهم في حق كثير من الناس؛ لأن من الناس من لا يجب عليه من الزكاة لهذا السهم ما يشتري به رقبة يعتقها، وإن أعتق بعضها قوِّم عليه الباقي، ولا يلزمه صرف زكاة الأموال الباطنة إلى الإمام بالإجماع، فيؤدي إلى تفويته. وأما على مذهبنا فيمكنه صرفه إليهم، ولو كان درهماً.\rوتخصص كلمة «في الرقاب» بالمكاتبين لعدم وجود قرينة لصرف الزكاة إلى القن، وقد وجدت القرينة في الكفارة بالعبد القن، وهي أن التحرير لا يكون إلا في القن، ولم توجد هذه القرينة في مسألتنا، فحملناه على المكاتبين لما ذكرناه أولاً (1) .\r-------------------------------\r(1) شرح المجموع:146/6 - 147.","part":3,"page":367},{"id":1760,"text":"وخلاصة هذا الدليل اشتراط التمليك لمستحق الزكاة، وهذا يتصور في المكاتب دون العبد القن (الخالص العبودية) فلا تصرف الزكاة في الإعتاق، أي إعتاق الرقبة من الزكاة، وإنما يعان المكاتبون من الزكاة على الكتابة. ويلاحظ أن اختلاف التعبير بين الأصناف الأربعة الأولى وبين الأربعة الأخيرة دليل على عدم اشتراط التمليك المطلق في الأخيرة كما ذكر الرازي.\r2 - إن عتق الرقبة لا يسمى صدقة، وما أعطي في ثمن الرقبة فليس بصدقة، لأن بائعها أخذه ثمناً لعبد، فلم تحصل بعتق الرقبة صدقة، والله تعالى إنما جعل الصدقات في الرقاب، فما ليس بصدقة فهو غير مجزئ (1) .\rوأيضاً فإن الصدقة تقتضي تمليكاً، والعبد لم يملك شيئاً بالعتق، وإنما سقط عن رقبته، وهو ملك للمولى، ولم يحصل ذلك الرق للعبد، لأنه لو حصل له، لوجب أن يقوم فيه مقام المولى، فيتصرف في رقبته، كما يتصرف المولى، فثبت أن الذي حصل للعبد إنما هو سقوط ملك المولى، وإنه لم يملك بذلك شيئاً، فلا يجوز أن يكون ذلك مجزياً من الصدقة، إذ شرط الصدقة وقوع الملك للمتصدق عليه.\rوأيضاً فإن العتق واقع في ملك المولى غير منتقل إلى الغير، ولذلك ثبت ولاؤه منه، فغير جائز وقوعه عن الصدقة. ولما قامت الحجة عن رسول الله صلّى الله عليه وسلم أن الولاء لمن أعتق،\r-------------------------------\r(1) أحكام القرآن للجصاص الرازي: 135/3.","part":3,"page":368},{"id":1761,"text":"وجب ألا يكون الولاء لغيره، فإذا انتفى أن يكون الولاء إلا لمن أعتق، ثبت أن المراد به المكاتبون (1) . والجواب عن اشتراط التمليك ذكر سابقاً.\r3 - روى عبد الرحمن بن سهل بن حنيف عن أبيه أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم قال: «من أعان مكاتباً في رقبته أو غازياً في عسرته، أو مجاهداً في سبيله، أظله الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله» فثبت بذلك أن الصدقة على المكاتبين معونة لهم في رقابهم حتى يعتقوا، وذلك موافق لقوله تعالى: { وفي الرقاب } [التوبة:60/9].\rفلما قال: { وفي الرقاب } [التوبة:60/9] كان الأولى أن يكون في معونتها بأن يعطى المكاتب حتى يفك العبد رقبته من الرق، وليس هو ابتياعها وعتقها؛ لأن الثمن حينئذ يأخذه البائْع، وليس في ذلك قربة (2) ، وإنما القربة في أن يعطى العبد نفسه حتى يفك به رقبته، وذلك لا يكون إلا بعد الكتابة، لأنه قبلها يحصل للمولى، وإذا كان مكاتباً فما يأخذه لا يملكه المولى، وإنما يحصل للمكاتب، فيجزي من الزكاة (3) .\r4 - إن عتق الرقبة يسقط حق المولى عن رقبته من غير تمليك، ولا يحتاج فيه إلى إذن المولى، فيكون بمنزلة من قضى دين رجل بغير أمره، فلا يجزي من زكاته، وإن دفعه إلى الغارم، فقضى به دين نفسه، جاز، كذلك إذا دفعه إلى المكاتب، فملكه، أجزأه عن الزكاة، وإذا أعتقه لم يجزه؛ لأنه لم يملكه، وحصل العتق بغير قبوله ولا إ ذنه (4) .\r5 - أخرج عن الحسن البصري والزهري وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم قالوا: في الرقاب هم المكاتبون (5) .\r-------------------------------\r(1) المرجع والمكان السابق.\r(2) وهذا كلام عجيب، أليس بذل المال في سبيل إعتاق الرقيق من أعظم القربات عند الله تعالى؟ قال الله تعالى: {وما أدراك ما العقبة؟ فك رقبة} [البلد:12/90-13].\r(3) المرجع السابق....\r(4) المرجع السابق.\r(5) فتح القدير: 263/2.","part":3,"page":369},{"id":1762,"text":"6 - أخرج الطبري في تفسيره من طريق محمد بن إسحاق عن الحسن بن دينار عن الحسن البصري أن مكاتباً قام إلى أبي موسى الأشعري، وهو يخطب يوم الجمعة، فقال له: أيها الأمير، حث الناس عليّ، فحث عليه أبو موسى، فألقى الناس عليه، هذا يلقي عمامة، وهذا يلقي ملاءة، وهذا يلقي خاتماً حتى ألقى الناس عليه سواداً كبيراً، فلما رأى أبو موسى ما ألقي عليه قال: اجمعوه، ثم أمر به فبيع، فأعطى المكاتب مكاتبته، ثم أعطى الفضل في الرقاب، ولم يرد على الناس. وقال: إن هذا الذي أعطوه في الرقاب.\rوهذا في تقديري لا يمنع من صرف الزكاة في إعتاق الرقبة.\rأدلة الاتجاه الثاني للمالكية والحنابلة ومن وافقهم من السلف :\rاستدل هؤلاء على صرف سهم «في الرقاب» في إعتاق الرقيق بما يأتي:\r1 - أن الرقاب أعم من أن يعطى المكاتب أو يشتري المزكي رقبة فيعتقها استقلالاً، فهو تعبير مطلق يؤخذ فيه على إطلاقه.\r2 - لو اختصت الرقاب بالمكاتب لدخل في حكم الغارمين؛ لأنه غارم.\r3 - إن شراء الرقبة لتعتق أولى من إعانة المكاتب؛ لأنه قد يعان ولا يعتق، لأن المكاتب عبد ما بقي عليه درهم، ولأن الشراء يتيسر في كل وقت، بخلاف الكتابة.","part":3,"page":370},{"id":1763,"text":"الرأي الراجح :\rيتبين من مقارنة أدلة المذاهب المتقدمة رجحان رأي أصحاب الاتجاه الثاني؛ لأن قوله تعالى: {وفي الرقاب} [التوبة:60/9] مطلق، والمطلق يجري على إطلاقه. والذي أرجحه من الآراء هو قول ابن عباس وابن عمر والحسن البصري والزهري وأبي عبيد ومذهب الحنابلة: وهو جعل «في الرقاب» في معونةالمكاتبين وفي عتق الأرقاء جميعاً وفي فكاك الأسرى، عملاً بإطلاق التعبير القرآني: «في الرقاب» . قال ابن عباس: الرقاب أعم من المكاتبين، فلا بأس أن تعتق الرقبة من الزكاة. ولا خوف من أن يصير إلى المزكي ميراث عتيقة بالولاء، لأن صاحب الولاء يتحمل دية وأرش وتعويض الجنايات التي يرتكبها المعتَق، فيكون أحدهما بالآخر، أي الغنم بالغرم. وإذا كان يجوز عود الزكاة إلى الأقارب ميراثاً للمزكي في سنة النبي صلّى الله عليه وسلم ، فلا مانع من رجوع الولاء للمزكي، قال أبو عبيد: فإذا كانت السعة منه صلّى الله عليه وسلم في رجوع الصدقة بعينها ميراثاً للمزكي، فرجوع وراثة الولاء أوسع وأحرى بالجواز (1) .\rوهذا الاتجاه يجمع بين الآراء المختلفة، وهو الظاهر وهو الحق، لأن الآية تحتمل الأمرين (المكاتب والرقيق القن) وحديث البراء المتقدم فيه دليل على أن فك الرقاب غير عتقها، وعلى أن العتق وإعانة المكاتبين على مال الكتابة من الأعمال المقربة من الجنة، والمبعدة من النار.\r-------------------------------\r(1) الأموال: ص 799.","part":3,"page":371},{"id":1764,"text":"5 - التطبيق الأصلي لهذا المصرف في إعانة المكاتب لتحرير نفسه من الرق :\rرغب الله تعالى في كتابة العبد على أقساط معينة مؤجلة ليتمكن من عتق نفسه واسترداد حريته، في قوله تعالى: {والذين يبتغون الكتاب مما ملكت أيمانكم فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيراً، وآتوهم من مال الله الذي آتاكم} [النور:33/24] وقد أخرج النسائي من حديث علي رضي الله عنه مرفوعاً أنه صلّى الله عليه وسلم قال: «في الآية ربع الكتابة» (1) . وقد فسر قوله تعالى: {وفي الرقاب} [التوبة:60/9] بإعانة المكاتبين. وأخرج ابن جرير وغيره عن علي رضي الله عنه أنه قال: أمر الله السيد أن يدع الربع للمكاتب من ثمنه. وهذا تعليم من الله وليس بفريضة، ولكن فيه أجر. وقد أوردتُ أحاديث في أدلة المذاهب لعون المكاتب. وعملاً بهذا الأمر الإلهي والأحاديث الواردة في ترغيب السيد بمكاتبة عبده، بادر الناس في الماضي إلى مساعدة المكاتب من الزكاة وغيرها لتحرير رقبته من العبودية، حتى وإن ملك نصاباً زائداً على بدل الكتابة، كما يرى الحنفية، وبشرط ألا يكون مع المكاتب ما يفي بنجومه (أقساطه) كما يرى الشافعية والحنابلة، فيعطى المكاتب وفاء دينه لعجزه عن وفاء ما عليه، ولو مع قدرته على التكسب ولو قبل حلول أجل ميعاد تسديد النجم (القسط). ويعطى من الصدقات غير الزكاة في مذهب المالكية.\rوالتطبيق الفعلي لسهم «في الرقاب» وصرفه في المكاتبين كان في الغالب يتم بإعطائهم من الزكاة النقدية أو العينية، كالزروع والثمار والأنعام، أو من الصدقات، كما دل عليه الحديث السابق في أدلة المذاهب عن الحسن البصري أن مكاتباً قام إلى أبي موسى الأشعري، وهو يخطب يوم الجمعة، عارضاً حاجته،\r-------------------------------\r(1) وليس في الآية تعرض لمقدار ما يعطى المكاتب، إنما فيها الأمر بالمساعدة، ولهذا قال النسائي: والصواب وقفه.","part":3,"page":372},{"id":1765,"text":"وطلب حث الناس على مساعدته، فاستجاب أبو موسى لطلبه، وأمر الناس بمعاونته، فبادروا إلى إلقاء بعض أمتعتهم عليه، فجمعت ثم بيعت وأعطى ـ أبو موسى ـ المكاتب مكاتبته، ثم أعطى الفضل الزائد في مكاتبين آخرين، ولم ترد الأمتعة على الناس.\rوالقصد من المساعدة واضح وهو تمكين المكاتب من تحرير نفسه من الرق، وتصفية آثار العبودية؛ لأن الإسلام شجع على العتق، وتخليص الأرقاء من الرق. ولا سبيل إلى التحرير إذا لم يعتقه سيده إلا بالمعاوضة، أي الكتابة على أقساط معينة، أخرج أبو داود بإسناد حسن عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلّى الله عليه وسلم قال: «المكاتب عبد ما بقي عليه من مكاتبته درهم» .\r6 - هل تعطى الشعوب الإسلامية التي تئن تحت وطأة الحكومات الكافرة لتحرير نفسها من الاحتلال الذي تخضع له؟\rالاصطلاح الشرعي لكلمة «الرقاب» واضح في أن المراد بهم تحرير الأرقاء من العبودية، فردا كانوا أو جماعة. أما الاستعمار وأشكاله العنصرية البغيضة فلا ينطبق عليه مفهوم الاسترقاق أو الرق المعروف، لذا يصعب القول بأن الاستعمار كالاسترقاق، أو أن تعطى الشعوب المستعمرة من سهم «الرقاب» لتحرير نفسها من الاستعمار. ولكن رأينا السيد الشيخ رشيد رضا يجيز إعطاء الشعوب المستعمرة من الزكاة للتحرر من الاستعباد وإعادة مجد الإسلام، بل لإعادة ما سلبه الأجانب من دار الإسلام، إذا لم يكن مصرف «في الرقاب» مستعملاً في تحرير الأفراد بسبب إلغاء الرق من العالم (1) . وتابعه على ذلك أستاذنا المرحوم الشيخ محمود شلتوت في كتابه: « الإسلام عقيدة وشريعة » وسبب هذا الاتجاه أن الصرف حينئذ\r----------------------------------\r(1) تفسير المنار: 515/10، ط دار المعرفة في بيروت.","part":3,"page":373},{"id":1766,"text":"يعد إنقاذاً للمسلمين من رق الكفار، وما الزكاة المعطاة إلا بذل العشر أو ربع العشر مما فضل عن حاجة الأغنياء.\rوهذا توسع في فهم مدلول «الرقاب» ومجاز في توجيه الكلمة نحو نظام مستحدث يختلف شرعاً وعملاً عن الرق المألوف، وإن أشبهه في عيوبه ومثالبه، فليس للمستعمرين أي حكم شرعي من أحكام الرق يمكن تطبيقه ما عدا وجوب جهادهم وطردهم من البلاد.\rويمكن مساعدة الشعوب المضطهدة أو المستعمرة أو التي احتلت أراضيها بالقوة والظلم والاغتصاب من مصرف «في سبيل الله » أي مصرف الجهاد، ولكن بقدر محدود ومن الصدقات الأخرى الحرة، ومن موارد الدولة العامة التي تنفق على المصالح العامة وتجبى على أساس آخر غير الزكاة.\rخاتمة البحث\rتبين من البحث أن مصرف «في الرقاب» أحد مصارف الزكاة يشمل بإطلاقه تحرير الأرقاء من الرق، ومعونة المكاتبين على تحرير أنفسهم، وفكاك الأسرى المسلمين من قيد الأسر وأغلال الحبس في بلاد الكفار.\rوبما أن الرق انتهى ولله الحمد من العالم، فيمكن تخصيص جزء من الزكاة لفك الأسرى المسلمين أخذاً بمذهب الإمام أحمد رضي الله عنه؛ لأنه فيه فك رقبة من الأسر.\rكما يمكن إعانة الشعوب المستعمرة من مصرف الجهاد: «في سبيل الله » لتتمكن من طرد المستعمرين وتحرير البلاد من رجسهم، وتخليصهم من ويلات الاستعمار.","part":3,"page":374},{"id":1767,"text":"الفَصْلُ الثَّاني: صَدَقَةُ الفِطْرِ\rوفيه مباحث خمسة:\rالمبحث الأول ـ مشروعيتها وحكمها ومن يؤمر بها.\rالمبحث الثاني ـ وقت وجوبها وحكم تعجيلها وتأجيلها.\rالمبحث الثالث ـ جنس الواجب وصفته ومقداره.\rالمبحث الرابع ـ مندوباتها ومباحاتها.\rالمبحث الخامس ـ مصرفها أو من يأخذها.\rالمبحث الأول ـ مشروعية صدقة الفطر وحكمها ومن يؤمر بها :\rشرعت زكاة الفطر في شعبان في السنة الثانية من الهجرة، عام فرض صوم رمضان، قبل الزكاة، وأدلة وجوبها أخبار ، منها:\r1 - خبر ابن عمر: فيما رواه الجماعة إلا ابن ماجه: «فرض رسول الله صلّى الله عليه وسلم زكاة الفطر من رمضان على الناس صاعاً من تمر، أو صاعاً من شعير، على كل حر أو عبد، ذكر أو أنثى من المسلمين» والصاع قدح وثلث بالكيل المصري الحالي، وبالقديم قدحان، أو ثُمن مد دمشقي وهو المعروف بالثمنية ويساوي (2751 غم) وعند الحنفية (3800 غم)، وفي الخبر دليل على اشتراط الإسلام في وجوب الفطرة، فلا تجب على الكافر.\r2 - وخبر أبي سعيد: «كنا نخرج زكاة الفطر إذ كان فينا رسول الله صلّى الله عليه وسلم صاعاً من طعام، أو صاعاً من تمر، أو صاعاً من شعير، أو صاعاً من زبيب، أو صاعاً من أَقِط، فلا أزال أخرجه كما كنت أخرجه ما عشت» (1) والمراد بالطعام هنا الحنطة، والأقط: لبن يابس غير منزوع الزبد، كما فسره الشوكاني. والمشهور أنه منزوع الزبد.\r3 - وخبر ابن عباس: «فرض رسول الله صلّى الله عليه وسلم زكاة الفطر طُهْرة للصائم من اللغو والرَّفَث، وطُعْمة للمساكين، فمن أداها قبل الصلاة فهي زكاة مقبولة، ومن أدَّاها بعد الصلاة فهي صدقة من الصَّدَقات» (2) . والرفث: الفحش من الكلام، والطعمة: هو الطعام الذي يؤكل. وفيه دليل على أن الفطرة تصرف في المساكين دون غيرهم من مصارف الزكاة.\r4 - وخبر عبد الله بن ثعلبة: « خطب رسول الله صلّى الله عليه وسلم قبل يوم الفطر بيوم أو يومين، فقال: أدّوا صاعاً من بُرّ أو قمح أو صاعاً من تمر أو شعير عن كل حر أو عبد صغير أو كبير » (3) .\rوهي تدل على أن مقدار الفطرة صاع من حنطة أو شعير أو تمر، وخصص بعضهم هذه الأخبار بأحاديث أخرى تدل على الاكتفاء بنصف صاع من قمح، منها حديث ابن عباس مرفوعاً عند الحاكم، بلفظ: «صدقة الفطر: مدان من قمح» وأخرج نحوه الترمذي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرفوعاً أيضاً، وغير ذلك (4) .\r-------------------------------\r(1) رواه الجماعة ( نيل الأوطار: 179/4 ).\r(2) رواه أبو داود وابن ماجه ( المرجع السابق: 184/4 ).\r(3) أخرجه عبد الرزاق. ورواه أبو داود وغيره عن الزهري من وجوه ( نصب الراية: 406/2 ).\r(4) انظر نيل الأوطار: 183/4 .","part":3,"page":375},{"id":1768,"text":"وحكمتها: جبر نقص الصوم ، وإغناء الفقراء عن السؤال يوم العيد ، قال وكيع بن الجراح : ( زكاة الفطر لشهر رمضان كسجدة السهو للصلاة ) ، تجبر نقصان الصوم ، كما يجبر السجود نقصان الصلاة ) وورد (أغنوهم عن الطوف في هذا اليوم ) (1) أي أغنوا الفقراء عن السؤال في يوم العيد.\rوحكمها: الوجوب على كل حر مسلم، قادر عليها وقته (2) ، للأوامر السابقة في الأحاديث، قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن صدقة الفطر فرض. وقال إسحاق: هو كالإجماع من أهل العلم.\rوقال بعض الحنفية(3 ) : واجبات الإسلام سبعة: الفطرة، ونفقة ذي الرحم، ووتر، وأضحية، وعمرة، وخدمة أبويه، والمرأة لزوجها. والمعنى أن هذه السبعة من واجبات الإسلام،وهناك واجبات أخرى كصلاة الجماعة والعيدين وغيرهما.\rوالمأمور بها أو من تجب عليه: هو عند الحنفية (4) : كل حر مسلم صغير أو كبير ذكر أو أنثى، عاقل أو مجنون، إذا كان مالكاً لمقدار النصاب (من أي مال كان) الفاضل عن حاجته الأصلية: (من مسكن وثياب وأثاث ـ متاع البيت ـ وفرس وسلاح وخادم، ومن حوائج عياله أيضاً، ومن دينه كذلك) . وعلى الجد أن يخرج صدقة الفطر عن أولاد ابنه دون أولاد ابنته إذا كانوا فقراء عند فقد أبيهم.\rفيشترط لوجوبها أمور ثلاثة (5) : الإسلام والحرية وملك النصاب الفاضل\r-------------------------------\r(1) رواه الدارقطني وابن عدي والحاكم في علوم الحديث عن ابن عمر. (2)\rالدر المختار: 98/2 وما بعدها، الفتاوى الهندية: 179/1، الشرح الصغير: 627/1، بداية المجتهد: 269/1، مغني المحتاج: 402/1، المهذب: 163/1، المغني: 55/3، كشاف القناع: 287/2.\r(3) الدر المختار ورد المحتار: 109/2.\r(4) الكتاب مع اللباب: 159/1 ومابعدها، الدر المختار: 99/2، 101.\r(5) فتح القدير: 29/2-31، الدر المختار: 99/2، الفتاوى الهندية: 179/1-181.","part":3,"page":376},{"id":1769,"text":"عن حاجته الأصلية، أما الأمران الأول والثاني فللأحاديث السابقة، وأما ملك النصاب، فلقوله صلّى الله عليه وسلم : «لا صدقة إلا عن ظهر غنى» (1) وقدر اليسار بالنصاب؛ لأن الشرع قدره به، فاضلاً عما ذكر من الحوائج الأصلية؛ لأن المستحق بالحاجة الأصلية كالمعدوم.\rويؤديها من وجبت عليه عن نفسه وأولاده الصغار، والمعتوهين والمجانين الفقراء، وعن مماليكه للخدمة، لا للتجارة، ويؤدي المولى المسلم الفطرة عن عبده الكافر؛ لأن السبب قد تحقق، والمولى من أهل الوجوب.\rولا يجب عليه أن يؤديها عن أبيه وأمه، وإن كانا في عياله؛ لأن لا ولاية له عليهم كالأولاد الكبار. ولا يجب أن يؤدي عن إخوته الصغار؛ ولا عن قرابته، وإن كانوا في عياله. ولا يؤدي عن زوجته ولا عن أولاده الكبار، وإن كانوا في عياله، لكن لو أدى عنهم أو عن زوجته بغير أمرهم، أجزأهم استحساناً.\rوعدم أدائها عن الزوجة لقصور الولاية والمؤنة، فإنه لا يليها في غير حقوق الزواج، ولا يمونها في غير النفقات الدورية كالمداواة، والأصل العام عندهم: أن صدقة الفطر متعلقة بالولاية والمؤنة، فكل من كان عليه ولايته ومؤنته ونفقته، فإنه تجب عليه صدقة الفطر فيه، وإلا فلا.\rوقال الجمهور(2 ) : زكاة الفطر على كل حر صغير أو كبير، ذكر أو أنثى من المسلمين، أي كما قال الحنفية، فلا فطرة على كافر، إلا عند الشافعية والمالكية في عبده وقريبه المسلم في الأصح، ولا فطرة عند المالكية والشافعية على رقيق، لا عن\r-------------------------------\r(1) رواه أحمد في مسنده عن أبي هريرة، وهو في الصحيحين «خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى» (نصب الراية: 411/2).\r(2) الشرح الكبير: 504/1-506، مغني المحتاج: 402/1-404، 407، كشاف القناع: 287/2-290، المغني: 69/3،71،76.","part":3,"page":377},{"id":1770,"text":"نفسه ولا عن غيره، لعدم ملكه. وعليه الفطرة عند الحنابلة، لعموم الحديث السابق: «فرض رسول الله صلّى الله عليه وسلم زكاة الفطر على كل حر أو عبد، ذكر أو أنثى من المسلمين» وتجب عند الجمهور خلافاً للحنفية على كل من ملك قوته وقوت من تلزمه نفقته ليلة العيد ويومه، فمن ملك فاضلاً عما يحتاجه لنفسه ولمن تلزمه مؤنته من مسكن وخادم يحتاج إليه ودابة وثياب ونحوها من الحاجات الأصلية، وجبت عليه الفطرة، حتى عند المالكية لو كان قادراً على الفطرة بالاستدانة مع رجاء الوفاء؛ لأنه قادر حكماً.\rومن لزمه فطرة نفسه، لزمه فطرة من تلزمه نفقته بقرابة كوالديه الفقيرين، أو زوجية أو ملك رقيق إذا كانوا مسلمين ووجد ما يؤدي عنهم، لحديث مسلم: «ليس على المسلم في عبده صدقة إلا صدقة الفطر» والباقي بالقياس عليها، ولا تلزم المسلم فطرة القريب والزوجة والعبد الكفار، لقوله صلّى الله عليه وسلم في الخبر السابق: «من المسلمين» وذلك خلافاً للحنفية في العبد الكافر.\rويظل الأب ملزماً بفطرة أولاده الصغار حتى البلوغ، وعند المالكية: يستمر الإلزام للإناث حتى وقت الدخول بالأزواج أو طلب الدخول من غير مانع. وذكر الحنابلة أن الفطرة تجب في مال الصغير إذا لزمته مؤنة نفسه لغناه بمال أو كسب، ويخرجها أبوه منه.","part":3,"page":378},{"id":1771,"text":"ويشمل ذلك عند المالكية والحنابلة زوجة الأب الفقير وخادمه أيضاً، وخادم الزوجة إن لزمته نفقته: لأن الفطرة تابعة للنفقة، لعموم حديث ابن عمر عند الدارقطني: «أمرنا النبي صلّى الله عليه وسلم بصدقة الفطر: عن الصغير والكبير، والحر والعبد، ممن تمونون» . وقال الشافعية: لا يلزم في الأصح الابن فطرة زوجة أبيه، وإن وجبت نفقتها على الولد؛ لأن الولد يتحمل ما يلزم الأب حال إعساره وهو النفقة، أما الفطرة فلا تلزم حال الإعسار، ولو أخرج الرجل من ماله فطرة ولده الصغير الغني جاز، كأجنبي أذن، أما الكبير فلا بد من إذنه. ولا خلاف في أن من وجبت فطرته على غيره كالزوجة عند غير الحنفية تؤدى عنها ولو من غير إذن، سواء أكان حاضراً أم غائباً علمت حياته.\rهل تجب زكاة الفطر عند الحنفية بقدرة ممكّنة أو ميسِّرة؟\rالقدر الممكِّنة: هي ما يجب بمجرد التمكن من الفعل، فلا يشترط بقاؤها لبقاء الوجوب.\rوالقدر الميسرة: هي ما يجب بعد التمكن بصفة اليسر، فيشترط بقاؤها لبقاء الوجوب.\rقال الحنفية (1) : تجب الفطرة والأضحية، ونفقة المحارم على الراجح بقدرة ممكنة، فلا يشترط بقاء هذه القدرة وهي النصاب الشرعي هنا لبقاء الوجوب؛ لأنها شرط محض، لا بقدرة ميسرة، فلا تسقط الفطرة وكذا الحج بهلاك المال بعد الوجوب، فلو هلك المال بعد فجر يوم الفطر لا تسقط الفطرة، بخلاف الزكاة والعشر والخراج فإنها تسقط بهلاك المال، لاشتراط بقاء القدرة الميسرة: وهي وصف النماء.\rلكن إذا مات من عليه زكاة أو فطرة أو كفارة أو نذر، لم يؤخذ من تركته إلا أن يتبرع ورثته بذلك، وهم من أهل التبرع، فإن امتنعوا لم يجبروا عليه، وإن أوصى بذلك يجوز، وينفذ من ثلث ماله.\r-------------------------------\r(1) الدر المختار وحاشية ابن عابدين: 99/2 ومابعدها، الفتاوى الهندية: 182/1 .","part":3,"page":379},{"id":1772,"text":"وقال الجمهور (1) : إن مات من وجبت عليه الفطرة قبل أدائها، أخرجت من تركته؛ لأن حق الله سبحانه وحق الآدمي إذا تعلقا بمحل واحد، فكانا في الذمة أو كانا في العين، تساويا في الاستيفاء، أي إن الزكاة حق مال لزم في حال الحياة، فلم يسقط بالموت كدين الآدمي. و هذا هو الراجح عندي.\rالمبحث الثاني ـ وقت وجوب زكاة الفطر وحكم تعجيلها وتأجيلها :\rللفقهاء رأيان في وقت وجوب الفطرة وما يتبعه، فقال الحنفية (2) :تجب الفطرة بطلوع الفجر من يوم عيد الفطر؛ لأن الصدقة أضيفت إلى الفطر، والإضافة للاختصاص، والاختصاص للفطر باليوم دون الليل؛ إذ المراد فطر يضاد الصوم، وهو في اليوم دون الليل؛ لأن الصوم فيه حرام. فمن مات قبل ذلك أي طلوع الفجر، لم تجب فطرته، ومن أسلم أو ولد بعد طلوع الفجر لم تجب فطرته.\rويصح تعجليها وتأخيرها، فيجوز أداء صدقة الفطر إذا قدمه بعد دخول رمضان على وقت الوجوب وهو يوم الفطر، أو تأخيره عنه، أما جواز التقديم فلوجود سبب الوجوب، فصار كأداء الزكاة بعد وجوب النصاب، ولا تفصيل فيه بين مدة ومدة. وأما جواز الأداء بعد يوم الفطر فلأنه قربة مالية معقولة المعنى، فلا تسقط بعد الوجوب إلا بالأداء كالزكاة. والخلاصة: أنه يجوز تقديمها قبل يوم الفطر ولو قبل دخول رمضان، وإن أخروها عن يوم الفطر لم تسقط، وكان عليهم إخراجها، وكونها قبل دخول رمضان هو ظاهر الرواية، لكن المفتى به اشتراط دخول رمضان، فلا يجوز تقديمها عن رمضان.\r-------------------------------\r(1) المغني: 80/3 ومابعدها، المهذب: 175/1 .\r(2) تبيين الحقائق: 310/1 ومابعدها، الفتاوى الهندية: 179/1، فتح القدير: 41/2، اللباب: 161/1 ومابعدها، الدر المختار: 106/2.","part":3,"page":380},{"id":1773,"text":"وقال الجمهور (1) : تجب زكاة الفطر بغروب شمس ليلةعيد الفطر، أي أول ليلة العيد؛ لأنها مضافة في الأحاديث المتقدمة إلى الفطر من رمضان، فكانت واجبة به؛ لأن الإضافة تقتضي الاختصاص، وأول فطر يقع من جميع رمضان ولا صوم بعده بمغيب الشمس من ليلة الفطر، وانقضاء الصوم بغروب الشمس، وسبب الخلاف بين الجمهور والحنفية: هل زكاة الفطر عبادة متعلقة بيوم العيد؛ أو بخروج شهر رمضان؛ لأن ليلة العيد ليست من شهر رمضان.\rفمن مات بعد الغروب تجب عليه، أما من ولد أو أسلم بعد الغروب أو كان معسراً وقت الوجوب ثم أيسر بعده، فلا فطرة عليه عند الجمهور، لعدم وجود سبب الوجوب وعليه الفطرة عند الحنفية. ولا تسقط عند الجمهور بعد وجوبها بموت ولا غيره، وتبقى في ذمته أبداً حتى يخرجها.\rأما تعجيلها: فيجوز عند الشافعية تقديم الفطرة من أول شهر رمضان؛ لأنها تجب بسببين:\rصوم شهر رمضان، والفطر منه، فإذا وجد أحدهما، جاز تقديمها على الآخر، كزكاة المال بعد ملك النصاب وقبل الحول، ولا يجوز تقديمها على شهر رمضان؛ لأنه تقديم على السببين، فلا يجوز كإخراج زكاة المال قبل الحول والنصاب.\rويجوز عند المالكية والحنابلة تقديمها قبل العيد بيوم أو يومين، لا أكثر من ذلك، لقول ابن عمر: «كانوا يعطونها قبل الفطر بيوم أو يومين» (2) ولا تجزئ قبل ذلك، لفوات الإغناء المأمور به في\r-------------------------------\r(1) بداية المجتهد: 273/1، القوانين الفقهية: ص 112، الشرح الصغير: 677/1 ومابعدها، مغني المحتاج: 401/1 ومابعدها، المهذب: 165/1، كشاف القناع: 294/2، المغني: 67/3-69، الشرح الكبير: 508/1.\r(2) رواه البخاري.","part":3,"page":381},{"id":1774,"text":"قوله صلّى الله عليه وسلم : «أغنوهم عن الطلب هذا اليوم» (1) ، بخلاف زكاة المال.\rوأما تأخيرها عن صلاة العيد :\rفقال الشافعية: المستحب ألا تؤخر عن صلاة العيد، للأمر بها قبل الخروج إليها في الصحيحين، فإن أخرت استحب الأداء أول النهار للتوسعة على المستحقين، ويحرم تأخيرها عن يوم العيد بلا عذر، كغيبة ماله أو المستحقين، لفوات المعنى المقصود، وهو إغناؤهم عن الطلب في يوم السرور، فلو أخر بلا عذر، عصى وقضى، لخروج الوقت على الفور، لتأخيره من غير عذر. أما تأخير زكاة المال عن التمكين فتكون أداء، والفرق أن الفطرة مؤقتة بزمن محدود كالصلاة.\rوقال الحنابلة مثل الشافعية: آخر وقت الفطرة: غروب الشمس يوم الفطر، للحديث المتقدم: «أغنوهم عن الطلب هذا اليوم» فإن أخرها عن يوم العيد، أثم لتأخيره الواجب عن وقته، ولمخالفته الأمر، وعليه القضاء؛ لأنها عبادة، فلم تسقط بخروج الوقت، كالصلاة. والأفضل إخراج الفطرة يوم العيد قبل الصلاة أو قدرها في موضع لا يصلى فيه العيد، كما سأوضح.\rوقال المالكية: يجوز إخرجها بعد صلاة العيد يوم الفطر، ولا تسقط الفطرة بمضي زمنها، بل هي باقية في الذمة أبداً حتى يخرجها، كغيرها من الفرائض، وأثم إن أخرها عن يوم الفطر مع القدرة، فإن مضى زمنها مع العسر تسقط عنه.\r-------------------------------\r(1) رواه الدارقطني.","part":3,"page":382},{"id":1775,"text":"المبحث الثالث ـ جنس الواجب وصفته ومقداره :\rقال الحنفية (1) : تجب زكاة الفطر من أربعة أشياء: الحنطة والشعير والتمر والزبيب، وقدرها نصف صاع من حنطة أو صاع من شعير أو تمر أو زبيب، والصاع عند أبي حنيفة ومحمد ثمانية أرطال بالعراقي، والرطل العراقي مئة وثلاثون درهماً، ويساوي 3800 غراماً؛ لأنه عليه السلام كان يتوضأ بالمد رطلين، ويغتسل بالصاع ثمانية أرطال (2) ، وهكذا كان صاع عمر رضي الله عنه (3) وهو أصغر من الهاشمي، وكانوا يستعملون الهاشمي.\rودليلهم على تقدير الفطرة بصاع أو نصفه: حديث ثعلبة بن صعير العذري أنه قال: خطبنا رسول الله صلّى الله عليه وسلم فقال: «أدوا عن كل حر وعبد نصف صاع من بُرّ، أو صاعاً من تمر، أو صاعاً من شعير» (4) .\rدفع القيمة عندهم: يجوز عند الحنفية أن يعطي عن جميع ذلك القيمة دراهم أو دنانير أو فلوساً أو عروضاً أو ما شاء؛ لأن الواجب في الحقيقة إغناء الفقير، لقوله صلّى الله عليه وسلم : «أغنوهم عن المسألة في مثل هذا اليوم» والإغناء يحصل بالقيمة، بل أتم وأوفر وأيسر؛ لأنها أقرب إلى دفع الحاجة، فيتبين أن النص معلل بالإغناء.\r-------------------------------\r(1) البدائع: 72/2 ومابعدها، الفتاوى الهندية: 179/1، فتح القدير: 36/2-41، الكتاب مع اللباب: 147/1،160، تبيين الحقائق: 308/1 وما بعدها.\r(2) روي من حديث أنس عند الدارقطني من ثلاثة طرق، ومن حديث جابر عند ابن عدي، وهو ضعيف، والصحيح ما روي عن أنس أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم كان يتوضأ بالمد ويغتسل إلى خمسة أمداد، كما ذكر البيهقي (نصب الراية: 430/2).\r(3) رواه ابن أبي شيبة عن حسن بن صالح (المرجع السابق).\r(4) رواه أبو داود، وروي أيضاً عن ابن عباس في معناه (نيل الأوطار: 183/4، نصب الراية: 406/2 وما بعدها، 418) وهو حديث معلول مضطرب، بسبب الاختلاف في اسم أبي صعير، وفي اللفظ.","part":3,"page":383},{"id":1776,"text":"وقال الجمهور (1) : تؤدى زكاة الفطر من الحبوب والثمار المقتاتة وهي صاع، وتفصيل كلامهم ما يأتي.\rيرى المالكية: أنها تجب من غالب قوت البلد من أصناف تسعة فقط: قمح أو شعير أو سُلت (نوع من الشعير) أو ذرة أو دَخَن أو تمر أو زبيب أو أقط: وهو يابس اللبن المخرج زبده، فيتعين الإخراج مما غلب الاقتيات منه من هذه الأصناف التسعة، ولا يجزئ الإخراج من غيرها، ولا منها إن كان غالب القوت غيره، إلا أن يخرج الأحسن، كالقمح بدل الشعير. وزكاة الفطر صاع (أربعة أمداد) والمد: حفنة ملء اليدين المتوسطتين.\rوذهب الشافعية إلى أنها تجب من غالب قوت البلد أو المحل؛ لأن ذلك يختلف باختلاف النواحي، والمعتبر في غالب القوت غالب قوت السنة، ويجزئ الأعلى عن الأدنى، لا العكس، وذلك بزيادة الاقتيات في الأصح لا بالقيمة، فالبُرّ خير من التمر والأرُزّ، والأصح أن الشعير خير من التمر، وأن التمر خير من الزبيب، ولا يبعَّض الصاع المخرج عن الشخص الواحد من جنسين، ولو كان في بلد أقوات لا غالب فيها تخير، والأفضل أشرفها، والواجب: الحب السليم، فلا يجزئ المسوس والمعيب وإن كان يقتاته. ومقدارها صاع وهو في الأصح ست مئة درهم وخمسة وثمانون درهماً وخمسة أسباع درهم ( 685 و 8/5) أو خمسة أرطال وثلث بالبغدادي، وأربعة أرطال ونصف وربع رطل وسبع أوقية بالمصري.\rوقرر الحنابلة: أنه يجب المنصوص عليه من البر والشعير والتمر والزبيب والأقط، فإن لم توجد هذه الأصناف يجزئه كل مقتات من الحبوب والثمار، ولايجزئ المقتات من غيرها كاللحم واللبن.وظاهر المذهب أنه لا يجوز له العدول عن هذه الأصناف مع القدرة عليها، سواء كان المعدول إليه قوت بلده أو لم يكن، ويجوز إخراج الدقيق والسويق. ولا يجوز إخراج الخبز، ومن أي الأصناف المنصوص عليها أخرج جاز، وإن لم يكن قوتاً له، أو كان قوته غالب قوت البلد.\rومقدارها صاع عراقي وهو أربع حفنات بكفي رجل معتدل القامة؛ لأنه الذي أخرج به في عهده صلّى الله عليه وسلم ، ويقدر كما سبق عند الجمهور بـ (1572 غم) وعند جماعة: ( 6712 غم ) وهو ما اعتمدته في تقدير الأوسق الخمسة.\r-------------------------------\r(1) الشرح الصغير: 675/1 وما بعدها، بداية المجتهد: 272/1، القوانين الفقهية: ص112، مغني المحتاج: 405/1-407، المهذب: 165/1، المغني: 60/3-65،كشاف القناع: 295/2-297.","part":3,"page":384},{"id":1777,"text":"ودليل الجمهور: الأحاديث السابقة، وهي أصح من أحاديث الحنفية، ومنها حديث أبي سعيد الخدري: «كنا نخرج زكاة الفطر، إذ كان فينا النبي صلّى الله عليه وسلم صاعاً من طعام، أو صاعاً من شعير، أو صاعاً من تمر، أوصاعاً من زبيب، أوصاعاً من أقط» وروى الدارقطني عن مالك بن أنس أن صاع النبي صلّى الله عليه وسلم خمسة أرطال وثلث بالعراقي.\rدفع القيمة عندهم: لا يجزئ عند الجمهور إخراج القيمة عن هذه الأصناف،فمن أعطى القيمة لم تجزئه، لقول ابن عمر: «فرض رسول الله صلّى الله عليه وسلم صدقة الفطر صاعاً من تمر، وصاعاً من شعير» (1) فإذا عدل عن ذلك فقد ترك المفروض.\rالمبحث الرابع ـ مندوباتها ومباحاتها :\rاتفق الفقهاء (2) على أنه يستحب إخراج صدقة الفطر يوم الفطر بعد الفجر قبل الصلاة، لحديث ابن عمر: « أن النبي صلّى الله عليه وسلم أمر بها أن تؤدى قبل خروج الناس إلى\r-------------------------------\r(1) رواه الجماعة ( نيل الأوطار: 179/4 ).\r(2) فتح القدير: 42/2، اللباب: 162/1، حاشية ابن عابدين: 107/2، القوانين الفقهية: ص 112، الشرح الصغير: 677/1، المهذب: 165/1، مغني المحتاج: 402/1، كشاف القناع: 294/2، المغني: 66/3 ومابعدها.","part":3,"page":385},{"id":1778,"text":"الصلاة» (1) ولحديث ابن عباس: «من أداها قبل الصلاة فهي زكاة مقبولة، ومن أداها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات» (2) والمراد بالزكاة: صدقة الفطر، والمراد بالصدقة: أنها التي يتصدق بها في سائر الأوقات، وأمر القبول فيها متوقف على مشيئة الله تعالى.\rإلا أن أكثرية الفقهاء ذهبوا إلى أن إخراجها قبل صلاة العيد إنما هو مستحب فقط، وجزموا بأنها تجزئ إلى آخر يوم الفطر، فمن أخرها عن الصلاة، ترك الأفضل؛ لأن المقصود منها الإغناء عن الطواف والطلب في هذا اليوم، لحديث: «أغنوهم عن الطلب في هذا اليوم» فمتى أخرها لم يحصل إغناؤهم في جميعه، لا سيما في وقت الصلاة، فدل على أن تأخيرها عن الصلاة مكروه تنزيهاً، وأن الأمر بإخراجها قبل الصلاة للندب. ويحرم بالاتفاق تأخيرها عن يوم العيد؛ لأنها زكاة، فوجب أن يكون في تأخيرها إثم، كما في إخراج الصلاة عن وقتها.\rوذكر المالكية أنه يندب إخراجها من قوته الأحسن من قوت أهل البلد. وندب عدم زيادة على الصاع، بل تكره الزيادة؛ لأن الشارع إذا حدد شيئاً كان ما زاد عليه بدعة، والبدعة تارة تقتضي الفساد، وتارة تقتضي الكراهة، ومحل الكراهة إن تحققت الزيادة، وإلا فيتعين أن يزيد ما يزيل به الشك.\r-------------------------------\r(1) رواه الجماعة إلا ابن ماجه (نيل الأوطار: 183/4).\r(2) رواه أبو داود وابن ماجه (نيل الأوطار: 184/4).","part":3,"page":386},{"id":1779,"text":"المبحث الخامس ـ مصرفها أو من يأخذها :\rاتفق الفقهاء (1) على أن مصرف زكاة الفطر هو مصارف الزكاة المفروضة؛ لأن صدقة الفطر زكاة، فكان مصرفها مصرف سائر الزكوات؛ ولأنها صدقة، فتدخل في عموم قوله تعالى: {إنما الصدقات للفقراء والمساكين} [التوبة:60/9] ولا يجوز دفعها إلى من لا يجوز دفع زكاة المال إليه، ولا يجوز عند الجمهور (المالكية والشافعية والحنابلة) دفعها إلى ذمي؛ لأنها زكاة، فلم يجز دفعها إلى غير المسلمين، كزكاة المال، ولا خلاف في أن زكاة المال لا يجوز دفعها إلى غير المسلمين، قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على ألا يجزئ أن يعطى من زكاة المال أحد من أهل الذمة.\rوقال الحنفية: صدقة الفطر كالزكاة في المصارف وفي كل حال، إلا في جواز الدفع إلى الذمي مع الكراهة، وعدم سقوطها بهلاك المال، لكن الفتوى على قول أبي يوسف وهو عدم جواز صرفها للذمي، كزكاة الأموال، للحديث المتقدم في الزكاة: «صدقة تؤخذ من أغنيائهم وترد على فقرائهم» .\rوعليه: تدفع صدقة الفطر بالاتفاق لكل حر مسلم فقير، غير هاشمي لشرفه وتنزهه عن أوساخ الناس، لكن في الوقت الحاضر تعطى الزكوات للهاشمي لانقطاع موردهم من بيت المال.\rفإن لم يقدرالمسلم إلا على بعض الصاع ـ بعض الفطرة، أوبعض ما وجب عليه إن وجب أكثر من فطرة، أخرجه وجوباً، محافظة على الفطرة بقدر الإمكان، ويبدأ بنفسه، ثم بمن يعول، ويقدم ممن يعول عند الجمهور الزوجة لأن نفقتها آكد، والأظهر عند المالكية والحنابلة تقديم الوالد على الولد، ودليل الترتيب قوله عليه السلام: «ابدأ بنفسك، ثم بمن تعول» (2) ولأن الفطرة تنبني على النفقة، فكما يبدأ بنفسه في النفقة، فكذلك في الفطرة.\rويقدم عند الشافعية نفسه ثم زوجته، ثم ولده الصغير، ثم الأب، ثم الأم، ثم الولد الكبير، لخبر مسلم: «ابدأ بنفسك فتصدق عليها، فإن فضل شيء فلأهلك، فإن فضل عن أهلك شيء فلذي قرابتك» .\rويجوز أن يعطي من أقاربه من يجوز أن يعطيه من زكاة ماله، ولا يعطي منها غنياً، ولا ذا قربى تجب عليه نفقته، ولا أحداً ممن منع أخذ زكاة المال. ويجوز صرفها في الأصناف الثمانية؛ لأنها صدقة، فأشبهت صدقة المال.\r-------------------------------\r(1) الدر المختار ورد المحتار: 107/1-108، بداية المجتهد: 273/1، القوانين الفقهية: ص 112، الشرح الصغير:677/1 ومابعدها، المهذب: 170/1، حاشية الباجوري: 291/1، المغني: 74/3، 78، 79، مغني المحتاج: 405/1.\r(2) هذا مجموع حديثين: الشق الأول منه رواه أحمد ومسلم وأبو داود والنسائي عن جابر، والثاني مروي عن حكيم بن حزام عند الطبراني، وعن طارق المحاربي عند النسائي (نيل الأوطار: 321/6، 327).","part":3,"page":387},{"id":1780,"text":"وظاهر المذهب الشافعي أنه يجب دفعها للأصناف الثمانية، وفيه عسر، واختار بعض الشافعية صرفها إلى واحد، ولا بأس بتقليده في زماننا هذا، كما قال الباجوري، وقال بعضهم: لو كان الشافعي حياً لأفتى به.\rوأجازالفقهاء دفع صاع واحد لمساكين يقتسمونه، وأباح غير الشافعي دفع آصع متعددة لواحد من الفقراء، ودفع كل شخص فطرته إلى مسكين أو مساكين، أي إن الجمهور أجازوا إعطاء الواحد ما يلزم الجماعة، والجماعة ما يلزم الواحد، أي دفع صدقة جماعة إلى مسكين واحد، لكن لا خلاف بين الفقهاء في إعطاء\rالجماعة ما يلزم الواحد؛ لأنه صرف صدقته إلى مستحقها، فبرئ منها كما لو دفعها إلى واحد.\rأما إعطاء الواحد صدقة الجماعة: فإن الشافعي أوجب تفرقة الصدقة على ستة أصناف، ودفع حصة كل صنف إلى ثلاثة منهم، كما ذكر في مصارف الزكاة. والراجح رأي الجمهور؛ لأنها صدقة لغير معين، فجاز صرفها إلى واحد، فيجوز أن يأخذ الواحد زكاة أكثر من واحد.","part":3,"page":388},{"id":1781,"text":"الفَصْلُ الثَّالث: صَدَقَةُ التَّطوّع\rالكلام عن أحكام صدقة التطوع: يشمل استحبابها، الإسرار بها، التصدق بجميع المال، الأولى في الصدقة، المتصدق عليه (الغني، الكافر، القريب، صاحب الحاجة الشديدة، الصدقة على الميت) صدقة المديون ومن عليه نفقة، نية جميع المؤمنين، التصدق من المال الحرام، كراهة استرداد الصدقة بشراء أو غيره، وحرمة السؤال لغير حاجة، وكراهة السؤال بوجه الله تعالى.\rأولاً ـ حكم صدقة التطوع :\rصدقة التطوع مستحبة في جميع الأوقات، وسنة بدليل الكتاب والسنة (1) . أما الكتاب: فقوله تعالى: {من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً، فيضاعفه له أضعافاً كثيرة} [البقرة:245/2] وأمر الله سبحانه بالصدقة في آيات كثيرة. وأما السنة: فأحاديث عديدة منها قوله صلّى الله عليه وسلم : «من أطعم جائعاً أطعمه الله من ثمار الجنة، ومن سقى مؤمناً على ظمأ، سقاه الله عز وجل يوم القيامة من الرحيق المختوم، ومن كسا مؤمناً عارياً، كساه الله من خُضْر الجنة» (2) .\r-------------------------------\r(1) مغني المحتاج: 120/3، المغني: 81/3.\r(2) رواه أبو داود والترمذي بإسناد جيد، وخضر الجنة بضم الخاء وإسكان الضاد: ثيابها الخضر.","part":3,"page":389},{"id":1782,"text":"ومنها قوله عليه السلام: «إن العبد إذا تصدَّق من طيِّب، تقبلها الله منه، وأخذها بيمينه، فرباها كما يُربِّي مُهْره أو فصيله، وإن الرجل ليتصدق بالُّلقْمة فتربُو في يد الله ، أو في كف الله ، حتى تكون مثل الجبل، فتصدقوا» (1) وقد تصبح الصدقة حراماً: كأن يعلم أن آخذها يصرفها في معصية. وقد تجب الصدقة: كأن وجد مضطراً، ومعه ما يطعمه فاضلاً عن حاجته.\rثانياً ـ الإسرار بها ودفعها في رمضان :\rصدقة السر أفضل من صدقة العلانية أو الجهر، فالأفضل الإسرار بصدقة التطوع بخلاف الزكاة، لقوله تعالى: {إن تبدوا الصدقات فنعمَّا هي، وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم، ويكفر عنكم من سيئاتكم} [البقرة:271/2]، ولما في الصحيحين عن أبي هريرة في خبر السبعة الذين يظلهم الله تحت ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله: «ورجل تصدق بصدقة، فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه» وروى الطبراني في الصغير: «صدقة السر تطفئ غضب الرب» .\rودفعها في رمضان أفضل من دفعها في غيره، لما رواه الترمذي عن أنس رضي الله عنه: «سئل رسول الله صلّى الله عليه وسلم ، أي الصدقة أفضل؟ قال: صدقة في رمضان» ولأن الفقراء فيه يضعفون ويعجزون عن الكسب بسبب الصوم، ولأن الحسنات تضاعف فيه.\rوتتأكد في الأيام الفاضلة كعشر ذي الحجة وأيام العيد، وكذا في الأماكن الشريفة كمكة والمدينة، وفي الجهاد والحج، وعند الأمور المهمة كالكسوف والمرض والسفر.\rوتتأكد الصدقة بالماء إن كان الاحتياج إليه أكثر من الطعام؛ لخبر أبي داود: «أي الصدقة أفضل؟ قال: الماء» ، فإن كانت الحاجة إلى الطعام فهو أفضل، وتتأكد أيضاً بالمنيحة: وهي الشاة اللبون ونحوها يعطيها المحتاج يشرب لبنها ما دامت لبوناً ثم يردها إليه، لما في ذلك من مزيد البر والإحسان.\rويستحب الإكثار من الصدقة في أوقات الحاجات، لقوله تعالى: {أو إطعام في يوم ذي مسغبة} [البلد:14/90].\r-------------------------------\r(1) رواه ابن خزيمة عن أبي هريرة، ورواية البخاري ومسلم والنسائي والترمذي وابن ماجه عن أبي هريرة بلفظ «من تصدَّق بعِدْل تمرة من كسب طيب، ولا يقبل الله إلا الطيب، فإن الله يقبلها بيمينه، ثم يربِّيها، لصاحبها، كما يربِّي أحدكم فَلُوَّه حتى تكون مثل الجبل» وعدل: مقدار، والأخذ باليمين معناه القبول والرضا، والمهر: هو الفلو، والفصيل: هو ولد الناقة إذا فطم. والله طيب: أي منزه عن النقائض.","part":3,"page":390},{"id":1783,"text":"ويسن التصدق عقب كل معصية، وتسن التسمية عند التصدق؛ لأن الصدقة عبادة (1) .\rثالثاً ـ التصدق بجميع المال :\rإن كان الرجل وحده، أو كان مسؤولاً عمن يمون كفايتهم، فأراد الصدقة بجميع ماله، وكان ذا مكسب، أو كان واثقاً من نفسه بحسن التوكل، والصبر على الفقر، والتعفف عن المسألة، فهو حسن، وإلا فلا يجوز بل يكره (2) ؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلم سئل: «أي الصدقة أفضل؟ قال: سرّ إلى فقير أو جَهْد من مُقلّ» (3) ، وروي عن عمر رضي الله عنه قال: أمرنا رسول الله صلّى الله عليه وسلم أن نتصدق، فوافق ذلك مالاً عندي، فقلت: اليوم أسبق أبا بكر إن سبقته يوماً، فجئته بنصف مالي، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: ما أبقيت لأهلك؟ قلت: أبقيت لهم مثله، فأتاه أبو بكر بكل\rماعنده، فقال له: ما أبقيت لأهلك؟ قال: الله ورسوله، فقلت: لا أسابقك إلى شيء بعده أبداً (1) . فهذا كان فضيلة في حق أبي بكر رضي الله عنه، لقوة يقينه وكمال إيمانه، وكان أيضاً تاجراً ذا مكسب.\rرابعاً ـ الأولى في الصدقة :\rالأولى أن يتصدق المرء من الفاضل عن كفايته وكفاية من يمونه على الدوام، وإن تصدق بما ينقص من مؤنة من يمونه أثم (5) ، لقوله صلّى الله عليه وسلم في الأولى: «خير الصدقة: ما كان عن ظهر غنى، وابدأ بمن تعول» (6) أي عن غنى النفس وصبرها على الفقر، ولقوله عليه السلام في حالة الإثم: «كفى بالمرء إثما أن يضيع من يقوت» (7) .\rخامساً ـ استحباب التصدق بما فضل عن الحاجة :\rيستحب أن يتصدق بما فضل عما يلزمه من النفقات (8) ، لقوله صلّى الله عليه وسلم : «ليتصدق الرجل من ديناره، وليتصدق من درهمه، وليتصدق من صاع بره، وليتصدق من صاع تمره» (9) .\r-------------------------------\r(1) مغني المحتاج: 121/3، 123، المغني: 82/3، المجموع: 258/6-260.\r(2) الدر المختار: 96/2، مغني المحتاج: 122/3، المغني: 83/3.\r(3) رواه أحمد والطبراني عن أبي أمامة، وفي إسناده علي بن يزيد ( الترغيب والترهيب: 32/2).\r(4) رواه الترمذي وصححه.\r(5) المجموع: 253/6، ومابعدها، المهذب: 175/1، الدر، ومغني المحتاج، المغني: المكان السابق.\r(6) متفق عليه، وروى القسم الأول منه أبو داود وصححه الحاكم.\r(7) حديث حسن رواه أبو داود والنسائي عن أبي هريرة، والقوت: مايقوم به بدن الإنسان من الطعام.\r(8) المجموع: 255/6 ومابعدها، المهذب: 175/1 .\r(9) حديث صحيح رواه مسلم عن جرير بن عبد الله.","part":3,"page":391},{"id":1784,"text":"سادساً ـ التصدق بما تيسر :\rيستحب أن يتصد ق بما تيسر، ولا يستقله،ولا يمتنع من الصدقة به لقلته وحقارته، فإن قليل الخير كثير عند الله تعالى، وما قبله الله تعالى وبارك فيه، فليس هو بقليل (1) ، قال الله تعالى: {فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره} [الزلزلة:7/99]، وفي الصحيحين عن عدي بن حاتم: «اتقوا النار ولو بشق تمرة» وفي الصحيحين أيضاً عن أبي هريرة: «يا نساء المسلمات لا تحقرِنَّ جارة أن تهدي لجارتها ولو فِرْسن شاة» والفرسن من البعير والشاة كالحافر من غيرهما. وروى النسائي وابن خزيمة وابن حبان عن أبي هريرة: «سَبَق درهم مئة ألف درهم، فقال رجل: وكيف ذاك يا رسول الله ؟ قال: رجل له مال كثير أخذ من عُرْضه - جانبه- مئة ألف درهم تصدق بها، ورجل ليس له إلا درهمان، فأخذ أحدهما، فتصدق به » .\rسابعاً ـ التصدق على الصلحاء :\rيستحب أن يخص بصدقته الصلحاء، وأهل الخير والمروءات والحاجات (2) .\rثامناً ـ المتصدق عليه (3) :\rأ ـ الأقارب: الأفضل أن يخص بالصدقة الأقارب، ثم الجيران، فهم أولى من الأجانب، لقوله تعالى: {يتيماً ذا مقربة} [البلد:15/90] ولقوله صلّى الله عليه وسلم لزينب\r-------------------------------\r(1) المجموع: 261/6 .\r(2) المجموع: 261/6.\r(3) المجموع: 258/6-262، المهذب:176/1، مغني المحتاج: 120/3 ومابعدها، المغني: 82/3.","part":3,"page":392},{"id":1785,"text":"امرأة عبد الله بن مسعود: «زوجك وولدك أحق من تصدقت عليهم» (1) ، ولقوله عليه السلام في حديث حسن رواه أحمد وابن ماجه والترمذي: «الصدقةعلى المسكين صدقة، وهي على ذي الرحم اثنتان: صدقة وصلة» » ولخبر البخاري عن عائشة: «إن لي جارين فإلى أيهما أهدي؟ فقال: إلى أقربهما منك باباً» وهكذا الحكم في الزكوات والكفارات والنذور والوصايا والأوقاف وسائر جهات البر، يستحب فيها تقديم الأقارب إذا كانوا مستحقين. ويستحب أن يقصد بصدقته من أقاربه أشدهم له عداوة ليتألف قلبه ويرده إلى المحبة والألفة.\rب ـ صاحب الحاجة الشديدة: تستحب الصدقة على من اشتدت حاجته لقول الله تعالى: {أو مسكيناً ذا متربة} [البلد:16/90].\rجـ ـ الغني والهاشمي والكافر والفاسق: تحل الصدقة لغني ولو من ذوي القربى، لقول جعفر بن محمد عن أبيه: أنه كان يشرب من سقايات بين مكة والمدينة، فقيل له: أتشرب من الصدقة؟ فقال: «إنما حرَّم الله علينا الصدقة المفروضة» (2) ، وأقر النبي صلّى الله عليه وسلم في حديث الصحيحين عن أبي هريرة صدقة رجل على سارق وزانية وغني، وفيه: «أما صدقتك على سارق فلعله أن يستعف عن سرقته، وأما الزانية فلعلها تستعف عن زناها، وأما الغني فلعله يعتبر، وينفق مما آتاه الله تعالى» . لكن يستحب للغني التنزه عنها، ويكره له التعرض لأخذها.\rوأما الصدقة على الهاشمي: فقد عرفنا في الزكاة جوازها في رأي أكثرية العلماء، فهي تحل للهاشميين دونه صلّى الله عليه وسلم تشريفاً له.\r-------------------------------\r(1) رواه البخاري ومسلم، وفيه جواب عن وضع الصدقة في زوجها وبني أخ لها يتامى: «نعم لها أجران: أجر القرابة وأجر الصدقة» (نيل الأوطار:176/4).\r(2) رواه الشافعي والبيهقي.","part":3,"page":393},{"id":1786,"text":"وتحل الصدقة أيضاً على فاسق، وكافر من يهودي أو نصراني أو مجوسي، ذمي أو حربي، لقوله تعالى: { ويطعمون الطعام على حبه مسكيناً ويتيماً وأسيراً} [الإنسان:8/76] ومعلوم أن الأسير حربي. ولقوله صلّى الله عليه وسلم في الصحيحين عن أبي هريرة فيمن سقى الكلب العطشان: «في كل كبد رطبة أجر» وأما حديث: «لا يأكل طعامك إلا تقي» فأريد به الأولى.\rد ـ الصدقة على الميت: ينفع الميت ـ كما قدمنا في الجنائز ـ صدقة عليه من أكل أو شرب أو كسوة أو درهم أو دينار، وينفعه أيضاً دعاء له بنحو: «اللهم اغفر له» «اللهم ارحمه» بالإجماع، ولا يتصدق عليه بالأعمال البدنية كأن تهب له ثواب صلاة أو صوم (1) ، وأما قراءة القرآن كالفاتحة، فقال مالك والشافعي، لا ينتفع بها، ورأي الأكثرين: أنه ينتفع.\rتاسعاً ـ صدقة المديون ومن عليه نفقة (2) :\rيستحب ألا يتصدق من عليه دين، أو من تلزمه نفقة لنفسه أو عياله، حتى يؤدي ما عليه. والأصح عند الشافعية تحريم الصدقة من مدين لا يجد لدينه وفاء، أو من ملزم بنفقة بما يحتاج إليه لنفقته أو نفقة من عليه نفقته في يومه وليلته؛ لأنه حق واجب، فلم يجز تركه بصدقة التطوع، فيقدم الدين لأن أداءه واجب، فيتقدم على المسنون، فإن رجا له وفاء من جهة أخرى ظاهرة، فلا بأس بالتصدق به، إلا إن حصل بذلك تأخير، وكان الواجب وفاء الدين على الفور بمطالبة أو غيرها. وأما تقديم ما يحتاجه للنفقة، فللحديث السابق: «كفى بالمرء إثماً أن يضيِّع من يقوت،\r-------------------------------\r(1) الشرح الصغير: 580/1.\r(2) الدر المختار 96/2، مغني المحتاج: 122/3، المجموع: 253/6، المهذب: 175/1.","part":3,"page":394},{"id":1787,"text":"وابدأ بمن تعول» (1) ، ولأن كفاية العيال فرض، وهو مقدم على النفل، والضيافة كالصدقة.\rوأما خبر الأنصاري الذي نزل به الضيف، فأطعمه قوته وقوت صبيانه، فمحمول على أن الصبيان لم يكونوا محتاجين حاجة شديدة حينئذ إلى الأكل. وأما الرجل والمرأة فتبرعا بحقهما، وكانا صابرين، وإنما قال فيه لأمّهم: نوميهم خوفاً من أن يطلبوا الأكل على عادة الصبيان في الطلب من غير حاجة.\rعاشراً ـ نية جميع المؤمنين :\rالأفضل أن ينوي بالصدقة النافلة جميع المؤمنين والمؤمنات؛ لأنها تصل إليهم، ولا ينقص من أجره شيء (2) .\rأحد عشر ـ التصدق من المال الحرام :\rقال الحنفية (3) : إذا تصدق بالمال الحرام القطعي، أو بنى من الحرام بعينه مسجداً ونحوه مما يرجو به التقرب، مع رجاء الثواب الناشئ عن استحلاله، كفر؛ لأن استحلال المعصية كفر، والحرام لا ثواب فيه. ولا يكفر إذا أخذ ظلماً من إنسان مئة، ومن آخر مئة، وخلطهما، ثم تصدق به؛ لأنه ليس بحرام بعينه قطعاً لاستهلاكه بالخلط، ولأنه ملكه بالخلط ، ثم يضمنه. والخلاصة: أن شرط الكفر شيئان: قطعية الدليل، وكونه حراماً لعينه مثل لحم الميتة، أما مال الغير فهو حرام لغيره، لا لعينه، فلا يكون أخذه عند الحنفية حراماً محضاً، وإن كان لا يباح الانتفاع به قبل أداء البدل.\rاثنا عشر ـ ما يحرم وما يكره وما يستحب في الصدقة :\rيحرم السؤال على الغني بمال أو كسب، ويحرم عليه إظهار الفاقة وإن لم يسأل (4) ، وعلى هذا المعنى الأخير حملوا خبر الذي مات من أهل الصُّفة، وترك دينارين، فقال صلّى الله عليه وسلم : «كيَّتان من نار» .\rوالمن بالصدقة يحبطها، أي يمنع ثوابها،لقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لاتبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى} [البقرة:264/2].\r-------------------------------\r(1) رواه أبو داود بإسناد صحيح، ورواه مسلم بمعناه.\r(2) الدر المختار ورد المحتار: 97/2.\r(3) المرجع السابق: 35/2.\r(4) مغني المحتاج: 120/3، الحضرمية: ص109.","part":3,"page":395},{"id":1788,"text":"ويكره تعمد الصدقة بالرديء، لقول الله تعالى: {ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون} [البقرة:267/2]، ويستحب تعمد أجود ماله وأحبه إليه (1) ، لقوله سبحانه: {لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون} [آل عمران:92/3].\rوتكره الصدقة بما فيه شبهة، ويستحب أن يختار أجل ماله وأبعده عن الحرام والشبهة (2) ، لحديث أبي هريرة المتقدم في الصحيحين: «من تصدق بعِدْل تمرة من كسب طيب، ولا يقبل الله إلا الطيب، فإن الله يقبلها بيمينه، ثم يربِّيها لصاحبها كما يربي أحدكم فَلُوَّه حتى تكون مثل الجبل» .\rويستحب أن تكون الصدقة مقرونة بطيب نفس وبشر، لما فيه من تكثير الأجر وجبر القلب. وتسن التسمية عند الرفع إلى المتصدق عليه؛ لأنها عبادة، قال العلماء: ولا يطمع المتصدق في الدعاء من المتصدق عليه، لئلا ينقص أجر الصدقة، فإن دعا له استحب أن يرد عليه مثلها لتسلم له صدقته (3) .\rويكره لمن تصدق بصدقةأو دفع لغيره زكاة أو كفارة أو عن نذر وغيرها من وجوه الطاعات: أن يأخذ صدقته أو يتملك ممن أعطاه ببيع أو معاوضة أو هبة، أو غيره، ولا يكره تملكه منه بالإرث،ولا يكره أيضاً أن يتملكه من غيره إذا انتقل إليه، لحديث عمر السابق في الصحيحين: «حَمَلتُ على فرس في سبيل الله ، فأضاعه الذي كان عنده، فأردت أن أشتريه منه، وظننت أنه بائعه برخص، فسألت النبي صلّى الله عليه وسلم عن ذلك، فقال: لا تشتره، وإن أعطاكه بدرهم، فإن العائد في صدقته كالكلب يعود في قيئه» .\rويلاحظ أن من دفع إلى وكيله أو ولده أوغلامه أو غيرهم شيئاً يعطيه لسائل أو غيره صدقة تطوع، لم يزل ملكه عنه حتى يقبضه المبعوث إليه، فإن لم يدفعه إلى من عينه، استحب له ألا يعود فيه، بل يتصدق به على غيره، فإن استرده وتصرف فيه، جاز؛ لأنه باق على ملكه (4) .\rويكره للإنسان أن يسأل بوجه الله غير الجنة، وأن يمنع من سأل بالله ، وتشفع به (5) ، لخبر «لا يسأل بوجه الله إلا الجنة» (6) وخبر: «من استعاذ بالله فأعيذوه، ومن سألكم بالله فأعطوه، ومن استجار بالله فأجيروه، ومن صنع إليكم معروفاً فكافئوه، فإن لم تجدوا فادعوا له، حتى تعلموا أن قد كافأتموه» (7) أي جازيتموه.\r-------------------------------\r(1) المجموع: 262/6.\r(2) المرجع والمكان السابق.\r(3) مغني المحتاج: 123/3، الحضرمية: ص109.\r(4) المجموع: 263/6.\r(5) مغني المحتاج:122/3.\r(6) رواه أبو داود والضياء في المختارة عن جابر بن عبد الله، وهو صحيح.\r(7) رواه أبو داود ، والنسائي واللفظ له، وابن حبان في صحيحه والحاكم، وقال: صحيح على شرطهما، من حديث عبد الله بن عمرو.","part":3,"page":396},{"id":1789,"text":"البَابُ الخامسُ : الحجّ والعُمْرة\rفيه فصول ثلاثة:\rالفصل الأول ـ أحكام الحج والعمرة.\rالفصل الثاني ـ خصائص الحرمين ـ مكة والمدينة.\rالفصل الثالث ـ آداب السفر للحج وغيره وآداب الحاج العائد بعد رجوعه من سفره.\rويلاحظ أنني أخرت بحث الحج عن الصلاة والزكاة والصوم؛ لأن الصلاة عماد الدين ولشدة الحاجة إليها لتكررها كل يوم خمس مرات، ثم الزكاة لكونها قرينة لها في أكثر المواضع في القرآن، ثم الصوم لتكرره كل سنة، وأما الحج ففي العمر مرة.\rالفَصْلُ الأوَّل: أحكامُ الحجّ والعُمرة\rوهو يشتمل على أمور ثلاثة:\rالأول ـ بيان مقدمات هذه العبادة بمعرفة حكم كل من الحج والعمرة وشروطهما.\rوالثاني ـ مقومات الحج والعمرة وهي الأفعال المطلوبة والمتروكات بالإحرام، وفيه توضيح الأركان والواجبات والسنن.\rوالثالث ـ اللواحق وهي أحكام الأفعال التابعة للإحرام، من إحصار وفوات، وجزاء جنايات، وهدي. وهذا الفصل هو صلب موضوع هذا الباب الذي خصصته لبيان الدعامة الرابعة من دعائم الإسلام بعد بيان الدعامات الثلاث: وهي الصلاة والصوم والزكاة.\rويمكن بحث موضوعاته في المباحث الثلاثة عشر التالية:","part":3,"page":397},{"id":1790,"text":"المبحث الأول ـ تعريف الحج والعمرة ومكانتهما في الإسلام وحكمتهما وحكمهما.\rالمبحث الثاني ـ شروط الحج والعمرة (شروط الوجوب والصحة أو الأداء) وموانعهما. المبحث الثالث ـ مواقيت الحج والعمرة الزمانية والمكانية.\rالمبحث الرابع ـ أعمال الحج والعمرة وصفة حجة النبي صلّى الله عليه وسلم وعمرته.\rالمبحث الخامس ـ أركان الحج والعمرة.\rالمبحث السادس ـ واجبات الحج.\rالمبحث السابع ـ سنن الحج والعمرة.\rالمبحث الثامن ـ كيفية أداء الحج والعمرة.\rالمبحث التاسع ـ كيفية التحلل من الحج.\rالمبحث العاشر ـ محظورات الإحرام ومباحاته.\rالمبحث الحادي عشر ـ جزاء الجنايات في الحج أو العمرة.\rالمبحث الثاني عشر ـ الإحصار والفوات.\rالمبحث الثالث عشر ـ الهدي.\rوأبدأ ببيانها على الترتيب المذكور.\rالمبحث الأول ـ تعريف الحج والعمرة ومكانتهما في الإسلام وحكمتهما وحكمهما :\rأولاً ـ تعريف الحج والعمرة :\rالحج لغة: القصد مطلقاً، وعن الخليل قال: الحج: كثرة القصد إلى من تعظمه.\rوشرعاً: قصد الكعبة لأداء أفعال مخصوصة، أو هو زيارة مكان مخصوص في زمن مخصوص بفعل مخصوص. والزيارة: هي الذهاب. والمكان المخصوص: الكعبة وعرفة. والزمن المخصوص: هو أشهر الحج : وهي شوال وذو القعدة وذو الحجة، والعشر الأوائل من ذي الحجة، ولكل فعل زمن خاص، فالطواف مثلاً عند الجمهور: من فجر النحر إلى آخر العمر، والوقوف بعرفة: من زوال الشمس يوم عرفة لطلوع فجر يوم النحر.والفعل المخصوص: أن يأتي مُُحْرماً بنية الحج إلى أماكن معينة (1) .\rوتاريخ مشروعيته على الصحيح: أن الحج فرض في أواخر سنة تسع من الهجرة، وأن آية فرضه هي قوله تعالى: {ولله على الناس حج البيت} [آل عمران:97/3] نزلت عام الوفود أواخر سنة تسع وهو رأي أكثر العلماء، وأنه صلّى الله عليه وسلم لم يؤخر الحج بعد فرضه عاماً واحداً، وإنما أخره عليه السلام للسنة العاشرة لعذر، وهو نزول الآية بعد فوات الوقت (2) ، فكان حجه بعد الهجرة حجة واحدة سنة عشر، كما روى أحمد ومسلم.\rوالعمرة لغة: الزيارة، وقيل: القصد إلى مكان عامر، وسميت بذلك؛ لأنها تفعل في العمر كله. وشرعاً: قصد الكعبة للنسك وهو الطواف والسعي (3) . ولايغني عنها الحج وإن اشتمل عليها.\r-------------------------------\r(1) الدر المختار:189/2، اللباب: 177/1، فتح القدير: 120/2، مغني المحتاج: 459/1 ومابعدها، المغني: 217/3، الشرح الكبير مع الدسوقي: 2/2، كشاف القناع: 437/2.\r(2) حاشية ابن عابدين نقلاً عن ابن القيم: 190/2.\r(3) مغني المحتاج: 460/1، كشاف القناع:436/2 وما بعدها.","part":3,"page":398},{"id":1791,"text":"ثانياً ـ مكانة الحج والعمرة في الإسلام وحكمتهما :\rالحج: هو الركن الخامس من أركان الإسلام، فرضه الله تعالى على المستطيع، والعمرة مثله، فهما أصلان عند الشافعية والحنابلة، لقوله تعالى:\r{وأتموا الحج والعمرة لله } [البقرة:196/2] وهي سنة عند المالكية والحنفية، كما سأبين، وقد اعتمر النبي صلّى الله عليه وسلم أربع عُمَر، كلهن في ذي القعْدة إلا التي مع حَجَّته (1) : الأولى من الحديبية سنة ست من الهجرة، والثانية سنة سبع وهي عمرة القضاء، والثالثة سنة ثمان عام الفتح، والرابعة مع حجته سنة عشر، وكان إحرامها في ذي القعدة وأعمالها في ذي الحجة.\rقال القاضي حسين من الشافعية: الحج أفضل العبادات لاشتماله على المال والبدن، وقال الحليمي: الحج يجمع معاني العبادات كلها، فمن حج فكأنما صام وصلى واعتكف وزكى ورابط في سبيل الله وغزا، ولأنا دعينا إليه، ونحن في أصلاب الآباء كالإيمان الذي هو أفضل العبادات.\rوالراجح عند الشافعية والحنابلة أن الصلاة أفضل منه (2) ؛ لأن الصلاة عماد الدين.\r-------------------------------\r(1) رواه مسلم عن أنس (شرح مسلم: 234/8 وما بعدها).\r(2) المرجعان والمكانان السابقان رقم (3).","part":3,"page":399},{"id":1792,"text":"وهل الحج أفضل من الجهاد؟\rاختلفت الأحاديث المشتملة على بيان فاضل الأعمال من مفضولها، فتارة تجعل الأفضل الجهاد، وتارة الإيمان، وتارة الصلاة، وتارة غير ذلك، من هذه الأحاديث: حديث الشيخين عن أبي هريرة قال: «سئل رسول الله صلّى الله عليه وسلم ، أي الأعمال أفضل؟ قال: إيمان بالله وبرسوله، قيل: ثم ماذا؟ قال: ثم الجهاد في سبيل الله ، قيل: ثم ماذا؟ قال: ثم حج مبرور» ،ومنها حديث الجماعة إلا أبا داود عن أبي هريرة أيضاً: «العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما، والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة» والمبرور: المقبول، ورجح النووي أنه الذي لا يخالطه شيء من الإثم.\rقال الشوكاني (1) : وأحق ما قيل في الجمع بين الأحاديث: أن بيان الفضيلة يختلف باختلاف المخاطب، فإذا كان المخاطب ممن له تأثير في القتال، وقوة مقارعة الأبطال، قيل له: أفضل الأعمال: الجهاد، وإذا كان كثير المال، قيل له: أفضل الأعمال: الصدقة، ثم كذلك يكون الاختلاف على حسب اختلاف المخاطبين.\rوقال المالكية (2) : الحج ولو تطوّعاً أفضل من الجهاد، إلا في حالة الخوف من العدو، فيفضل الجهاد على حج التطوع.\rحكمة المشروعية: يتحقق بالحج والعمرة فرض الكفاية وهو إحياء الكعبة كل سنة بالعبادة، وتمتاز العمرة عن الحج بإمكانها في كل أيام العام أو العمر، فهي أيسر من الحج الذي يتقيد بأيام معلومات.\r-------------------------------\r(1) نيل الأوطار: 282/4 ومابعدها.\r(2) الشرح الكبير: 10/2.","part":3,"page":400},{"id":1793,"text":"وللحج فوائد شخصية وجماعية، أما أهم فوائده الشخصية فهي ما يأتي: يكفِّر الحج الذنوب الصغائر ويطهر النفس من شوائب المعاصي، وقال بعض العلماء كبعض الحنفية: والكبائر أيضاً، بدليل الحديث السابق: «العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة» فلا يقتصر لصاحبه من الجزاء على تكفير بعض ذنوبه، بل لا بد أن يدخل الجنة، ولقوله صلّى الله عليه وسلم أيضاً: «من حج، فلم يرفُث، ولم يفسُق، رجع من ذنوبه كيومَ ولدته أمُّه» (1) أي بغير ذنب.\rوقال عليه السلام: «الحجاج والعُمَّار وفد الله ، إن دعوه أجابهم، وإن استغفروه غفر لهم» (2) وقال أيضاً: «يُغْفَر للحاج، ولمن استغفر له الحاج» (3) .\rقال القاضي عياض: أجمع أهل السنة أن الكبائر لا يكفرها إلا التوبة، ولا قائل بسقوط الدين، ولو حقاً لله تعالى، كدين الصلاة والزكاة.\rفالحج يغفر الذنوب، ويزيل الخطايا إلا حقوق الآدميين، فإنها تتعلق بالذمة، حتى يجمع الله أصحاب الحقوق، ليأخذ كل حقه، ومن الجائز أن الله تعالى يتكرم، فيرضي صاحب الحق بما أعد له من النعيم وحسن الجزاء، فيسامح المدين تفضلاً وتكرماً، فلا بد من أداء حقوق الآدميين، أما حقوق الله فمبنية على تسامح الكريم الغفور الرحيم.\rوالحج يطهر النفس، ويعيدها إلى الصفاء والإخلاص، مما يؤدي إلى تجديد الحياة، ورفع معنويات الإنسان، وتقوية الأمل وحسن الظن بالله تعالى.\rويقوي الحج الإيمان، ويعين على تجديد العهد مع الله ، ويساعد على التوبة الخالصة الصدوق، ويهذب النفس، ويرقق المشاعر ويهيج العواطف نحو بيت الله العتيق.\r-------------------------------\r(1) رواه عن أبي هريرة البخاري ومسلم والنسائي وابن ماجه، والترمذي إلا أنه قال: «غفر له ماتقدم من ذنبه» والرفث: الفحش من القول، وقيل: هو الجماع. والفسق: المعصية.\r(2) رواه عن أبي هريرة النسائي وابن ماجه وابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما، ولفظهما: «وفد الله ثلاثة: الحاج، والمعتمر، والغازي» .\r(3) رواه البزار والطبراني في الصغير، وابن خزيمة في صحيحه والحاكم، ولفظهما: «اللهم اغفر للحاج، ولمن استغفر له الحاج» .","part":3,"page":401},{"id":1794,"text":"ويذكر الحج المؤمن بماضي الإسلام التليد، وبجهاد النبي صلّى الله عليه وسلم والسلف الصالح الذين أناروا الدنيا بالعمل الصالح.\rوالحج كغيره من الأسفار يعوِّد الإنسان على الصبر وتحمل المتاعب، ويعلم الانضباط والتزام الأوامر، فيستعذب الألم في سبيل الله تعالى، ويدفع إلى التضحية والإيثار.\rوبالحج يؤدي العبد لربه شكر النعمة: نعمة المال، ونعمة العافية، ويغرس في النفس روح العبودية الكاملة، والخضوع الصادق الأكيد لشرع الله ودينه، قال الكاساني (1) : في الحج إظهار العبودية وشكر النعمة، أما إظهار العبودية فهو إظهار التذلل للمعبود، وفي الحج ذلك؛ لأن الحاج في حال إحرامه يظهر الشعث ويرفض أسباب التزين والارتفاق، ويظهر بصورة عبد سخط عليه مولاه، فيتعرض بسوء حاله لعطف مولاه. وأما شكر النعمة: فلأن العبادات بعضها بدنية وبعضها مالية، والحج عبادة لا تقوم إلا بالبدن والمال، ولهذا لا يجب إلا عند وجود المال وصحة البدن، فكان فيه شكر النعمتين، وشكر النعمة ليس إلا استعمالها في طاعة المنعم، وشكر النعمة واجب عقلاً وشرعاً.\rوأما أهم فوائد الحج الجماعية: فهو أنه يؤدي بلا شك إلى تعارف أبناء الأمة على اختلاف ألوانهم ولغاتهم وأوطانهم، وإمكان تبادل المنافع الاقتصادية الحرة فيما بينهم، والمذاكرة في شؤون المسلمين العامة، وتعاونهم صفاً واحداً أمام أعدائهم، وغير ذلك مما يدخل في معنى قوله تعالى: {ليشهدوا منافع لهم} [الحج:28/22].\r-------------------------------\r(1) البدائع: 118/2.","part":3,"page":402},{"id":1795,"text":"ويُشعر الحج بقوة الرابطة الأخوية مع المؤمنين في جميع أنحاء الأرض المعبر عنها في قوله تعالى: { إنما المؤمنون إخوة } [الحجرات:10/49] ويحس الناس أنهم حقاً متساوون، لا فضل لعربي على أعجمي، ولا لأبيض على أسود إلا بالتقوى.\rويساعد الحج على نشر الدعوة الإسلامية ودعم نشاط الدعاة في أنحاء المعمورة، على النحو الذي بدأ به النبي نشر دعوته بلقاء وفود الحجيج كل عام.\rوأما الاعتماد على موسم الحج ليكون مؤتمراً شعبياً عاماً لمخاطبة المؤمنين، فهو غير مطلوب شرعاً؛ لأن المعول في السياسة الإسلامية على رأي أهل الخبرة والاختصاص والمشورة، فهم المرجع والمقصد، ولأن كثرة المسلمين الهائلة تمنع تحقيق الفائدة المرجوة، ولأن تخطيط السياسة ووضع المنهج الإسلامي منوط برأي الحكام المسلمين، ولم يعد بيد أحد من الأفراد العاديين شيء من النفوذ أو السلطة لتحقيق شيء يذكر.\rثالثاً ـ حكم الحج والعمرة :\rاتفق العلماء على فرضية الحج مرة في العمر، بدليل الكتاب والسنة.\rأما الكتاب: فقول ا لله تعالى: {ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلاً، ومن كفر فإن الله غني عن العالمين} [آل عمران:97/3] روي عن ابن عباس: «ومن كفر باعتقاده أنه غير واجب» وقال تعالى: {وأتموا الحج والعمرة لله} [البقرة:196/2] وقال سبحانه: {وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالاً، وعلى كل ضامر، يأتين من كل فج عميق، ليشهدوا منافع لهم، ويذكروا اسم الله في أيام معلومات} [الحج:27/22-28].\rوأما السنة: فقول النبي صلّى الله عليه وسلم : «بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله ، وأن محمداً رسول الله ، وإقامِ الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحج البيت، وصوم رمضان» (1) .\r-------------------------------\r(1) رواه البخاري ومسلم عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما .","part":3,"page":403},{"id":1796,"text":"كون فريضة الحج مرة: الدليل على فرضية الحج مرة واحدة في العمر بأصل الشرع: هو حديث أبي هريرة، قال: «خطبنا رسول الله صلّى الله عليه وسلم فقال: يا أيها الناس، قد فرض الله عليكم الحج فحجُّوا، فقال رجل: أكلَّ عام يا رسول الله ؟ فسكت، حتى قالها ثلاثاً، فقال النبي صلّى الله عليه وسلم : لو قلت: نعم، لوجَبَت ولما استطعتم» (1) وحديث ابن عباس بمعناه، وفيه تعيين الرجل وهو الأقرع بن حابس، وفيه أيضاً «من زاد فهو تطوع» (2) ، ويؤكده أن الأمر لا يقتضي التكرار، فلا يكون الأمر القرآني مفيداً تكرار الحج.\rوأما حديث البيهقي وابن حبان الآمر بالحج في كل خمسة أعوام فمحمول على الندب، ونصه عن الخدري: «أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم قال: يقول الله عز وجل: إن عبداً صحّحت له جسمه، ووسَّعت عليه في المعيشة، تمضي عليه خمسة أعوام، لا يَفِد إلي لمحروم» أي من جمع له الصحة والقوة واليسار مندوب له الحج كل خمس سنين، وإلا كان محروماً من الأجر ومطروداً من رضوان الله تعالى.\rوأجمع العلماء على أن الحج لا يجب إلا مرة (3) ، والزائد عن ذلك تطوع، قال صلّى الله عليه وسلم : «تابعوا بين الحج والعمرة، فإنهما ينفيان الفقر والذنوب، كما ينفي الكير خَبَث الحديد والذهب والفضة، وليس للحجة المبرورة ثواب إلا الجنة» (4) .\rوقد يجب الحج أكثر من مرة لعارض: كنذر بأن يقول: لله علي حجة؛ لأن النذر من أسباب الوجوب في العبادات والقرب المقصودة، وكذلك يجب في حالة القضاء عند إفساد التطوع.\r-------------------------------\r(1) رواه أحمد ومسلم والنسائي (نيل الأوطار: 279/4، شرح مسلم: 101/9).\r(2) رواه أحمد والنسائي (نيل الأوطار، المكان السابق).\r(3) شرح مسلم:101/9، المجموع:8/7، نيل الأوطار: 280/4، الدر المختار: 190/2، فتح القدير: 122/2.\r(4) رواه الترمذي والنسائي وابن ماجه عن ابن مسعود.","part":3,"page":404},{"id":1797,"text":"وقد يحرم الحج كالحج بمال حرام، وقد يكره كالحج بلا إذن ممن يجب استئذانه (1) ، كأحد أبويه المحتاج إلى خدمته، والأجداد والجدات كالأبوين عند فقدهما، وكالدائن الغريم لمدين لا مال له يقضي به، وكالكفيل لصالح الدائن، فيكره خروجه بلا إذنهم أي الأب والدائن. والكراهة عند الحنفية تحريمية.\rوذكر المالكية والشافعية والحنفية أنه مع عصيان الحاج بمال حرام، فإنه يصح الحج فرضاً أو نفلاً بالمال الحرام كالصلاة في الأرض المغصوبة، ويسقط عنه الفرض والنفل، إذ لا منافاة بين الصحة والعصيان. وخالف الحنابلة فلم يجيزوا الحج بالمال الحرام، إذ لا تصح عندهم الصلاة في الأرض المغصوبة.\rنوع الفرضية: النُسُك إما فرض عين، وهو على من لم يحج بالشروط الآتية، وإما فرض كفاية: وهو إحياء الكعبة كل سنة بالحج والعمرة، وإما تطوع محض، ولا يتصور إلا في الأرقاء والصبيان، وإما مندوب كل خمس سنوات.\rتكرار العمرة: لا بأس عند الشافعية والحنابلة والحنفية أن يعتمر في السنة مراراً (2) ؛ لأن عائشة اعتمرت في شهر مرتين بأمر النبي صلّى الله عليه وسلم عمرة مع قرانها، وعمرة بعد حجها، ولأن النبي صلّى الله عليه وسلم قال فيما رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة: «العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما» .\rوكره المالكية تكرار العمرة في السنة، وقال النخعي: ما كانوا يعتمرون في السنة إلا مرة، ولأن النبي صلّى الله عليه وسلم لم يفعله.\r-------------------------------\r(1) البدائع: 223/2، مغني المحتاج: 460/1،470، الشرح الكبير: 10/2.\r(2) المغني:226/3، شرح مسلم: 118/9.","part":3,"page":405},{"id":1798,"text":"هل وجوب الحج على الفور أو على التراخي؟\rللعلماء في ذلك اتجاهان:\rقال أبو حنيفة وأبو يوسف والمالكية في أرجح القولين والحنابلة (1) : يجب الحج بعد توافر الاستطاعة وبقية الشروط الآتية على الفور في العام الأول، أي في أول أوقات الإمكان، فيفسق وترد شهادته بتأخيره سنيناً؛ لأن تأخيره معصية صغيرة، وبارتكابه مرة لا يفسق إلا بالإصرار، لأن الفورية ظنية، بسبب كون دليلها ظنياً كما قال الحنفية، ويدل عليه أنه لو تراخى كان أداء، وإن أثم بموته قبله، وقالوا: لو لم يحج حتى أتلف ماله، وسعه أن يستقرض ويحج، ولو غير قادر على وفائه، ويرجى ألا يؤاخذه ا لله بذلك إذا كان ناوياً الوفاء لو قدر. وذكر الحنابلة أن من فرط فيه حتى توفي أخرج عنه من جميع ماله حجة وعمرة. واستدلوا بقوله تعالى: { ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلاً } [آل عمران:97/3] وقوله: {وأتموا الحج والعمرة لله } [البقرة:196/2] والأمر على الفور عندهم.\rواستدلوا أيضاً بأحاديث منها: «حجوا قبل أن لا تحجوا» (2) وحديث «تعجَّلوا إلى الحج يعني الفريضة، فإن أحدكم لا يدري ما يعرِض له» (3) وحديث «من لم يحبسه مرض أو حاجة ظاهرة أو مشقة ظاهرة أو سلطان جائر، فلم يحج، فليمت\r-------------------------------\r(1) الدر المختار: 191/2 ومابعدها، البدائع: 119/2، الشرح الصغير: 4/2، كشاف القناع: 465/2، المغني: 208/3، 241.\r(2) حديث صحيح رواه الحاكم والبيهقي عن علي.\r(3) رواه أحمد وأبو القاسم الأصبهاني عن ابن عباس، وفي سنده أبو إسرائيل ضعيف الحفظ (نيل الأوطار:284/4).","part":3,"page":406},{"id":1799,"text":"إن شاء يهودياً، وإن شاء نصرانياً» (1) ورواية الترمذي: «من ملك زاداً وراحلة تبلغه إلى بيت الله ، ولم يحج فلا عليه أن يموت يهودياً أو نصرانياً، وذلك لأن الله تعالى قال في كتابه: { ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا } (:2) [آل عمران:97/3] وهي مع غيرها تدل على وجوب الحج على الفور، فإنه ألحق الوعيد بمن أخر الحج عن أول أوقات الإمكان؛ لأنه قال: «من ملك.. فلم يحج» والفاء للتعقيب بلا فصل، أي لم يحج عقب ملك الزاد والراحلة، بلا فاصل.\rوقال الشافعية (3) ومحمد من الحنفية: وجوب الحج على التراخي، وليس معناه تعين التأخير، بل بمعنى عدم لزوم الفور، ويسن لمن وجب عليه الحج أوالعمرة بنفسه أو بغيره ألا يؤخر ذلك عن سنة الإمكان، مبادرة إلى براءة ذمته، ومسارعة إلى الطاعات، لقوله تعالى: {فاستبقوا الخيرات} [البقرة:148/2] ولأنه إذا أخره عرّضه للفوات ولحوادث الزمان. ويجوز أن يؤخره من سنة إلى سنة؛ لأن فريضة الحج نزلت على المشهور عندهم سنة ست، فأخر النبي صلّى الله عليه وسلم إلى سنة عشر من غير عذر، فلو لم يجز التأخير لما أخره.\rوهذا الرأي أولى ليسره على الناس وعدم الحكم بالتأثيم، ولأن الأحاديث التي احتج بها الجمهور كلها ضعيفة، والحج فرض سنة ست عند نزول سورة آل عمران، كما حقق الشافعية، ومن قال: إنه فرض سنة عشر فقد أخطأ؛ لأن السورة نزلت قبلها قطعاً، لكن تعجيل الحج ضروري للاحتياط.\r-------------------------------\r(1) رواه سعيد بن منصور وأحمد وأبو يعلى والبيهقي عن أبي أمامة مرفوعاً، وفيه ليث بن أبي سليم ضعيف (المرجع السابق).\r(2) قال الترمذي: غريب، في إسناده مقال، وفيه ضعف.\r(3) شرح المجموع: 82/7 ومابعدها، المهذب: 199/1، الإيضاح: ص 17، مغني المحتاج: 460/1، 470.","part":3,"page":407},{"id":1800,"text":"حكم العمرة: قال الحنفية على المذهب والمالكية على أرجح القولين (1) : العمرة سنة (مؤكدة) مرة واحدة في العمر؛ لأن الأحاديث المشهورة الثابتة الواردة في تعداد فرائض الإسلام لم يذكر منها العمرة، مثل حديث ابن عمر: «بني الإسلام على خمس» فإنه ذكر الحج مفرداً، وروى جابر أن أعرابياً جاء إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلم ، فقال: « يا رسول الله ، أخبرني عن العمرة، أواجبة هي؟ فقال: لا، وأن تعتمر خير لك» (2) وفي رواية «أولى لك» .\rوروى أبو هريرة: «الحج جهاد والعمرة تطوع» (3) .\rوقال الشافعية في الأظهر، والحنابلة (4) : العمرة فرض كالحج، لقوله تعالى: {وأتموا الحج والعمرة لله } [البقرة:196/2] أي ائتوا بهما تامين ومقتضى الأمر الوجوب، ولخبر عائشة رضي الله عنها قالت: «قلت: يا رسول الله، هل على النساء جهاد؟ قال: نعم، جهاد لا قتال فيه: الحج والعمرة» (5) .\rويظهر لي أن الرأي الثاني أصح، لدلالة هذه الآية، ولضعف أحاديث الفريق الأول.\r-------------------------------\r(1) الدر المختار: 206/2، فتح القدير: 306/2، البدائع: 226/2، مراقي الفلاح: ص126، الشرح الصغير: 4/2، القوانين الفقهية: ص142، بداية المجتهد: 1312/1. ويلاحظ أن الكاساني في البدائع اختار القول بوجوب العمرة كصدقة الفطر والأضحية والوتر.\r(2) رواه الترمذي وصححه أحمد والبيهقي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد (نيل الأوطار: 281/4) لكن في إسناده الحجاج بن أرطاة وهو ضعيف، وتصحيح الترمذي له فيه نظر؛ لأن الأكثر على تضعيف الحجاج، قال النووي: اتفق الحفاظ على ضعفه.\r(3) رواه الدارقطني والبيهقي وابن حزم، وإسناده ضعيف، كما قال الحافظ ابن حجر، وقال أيضاً: ولا يصح من ذلك شيء (نيل الأوطار، المكان السابق).\r(4) مغني المحتاج: 460/1، الإيضاح في مناسك الحج للنووي،ص 71، المغني:223/3 ومابعدها.\r(5) رواه ابن ماجه والبيهقي وغيرهما بأسانيد صحيحة.","part":3,"page":408},{"id":1801,"text":"وذكر الحنابلة عن أحمد: أنه ليس على أهل مكة عمرة، بدليل أن ابن عباس كان يرى العمرة واجبة، ويقول: يا أهل مكة، ليس عليكم عمرة، إنما عمرتكم طوافكم بالبيت. وروي أيضاً عن عطاء، لأن ركن العمرة ومعظمها بالطواف بالبيت، وهم يفعلونه، فأجزأ عنهم.\rالمبحث الثاني ـ شروط الحج والعمرة وموانعهما :\rوفيه مطلبان:\rالمطلب الأول ـ شروط الحج والعمرة :\rالشروط: إما عامة للرجال والنساء، أو خاصة بالنساء، وهي إن توفرت وجب الحج وأداؤه، وإلا فلا.\rأما الشروط العامة: فمنها ما هو شرط وجوب وصحة أو أداء: وهو الإسلام والعقل، ومنها ما هو شرط للوجوب والإجزاء وليس بشرط للصحة: وهو البلوغ والحرية، ومنها ما هو شرط للوجوب فقط: وهو الاستطاعة.\rوهذه الشروط هي ما يأتي (1) :\r1 - الإسلام: فلا يجب الحج على الكافر وجوب مطالبة به في الدنيا حال كفره، ولا يصح منه، لعدم أهليته لأداء العبادة، فلو حج الكافر، ثم أسلم يجب عليه حجة الإسلام، ولا يعتد بما حج في حال الكفر. وكذا لا يجب عند الحنفية على الكافر في حق أحكام الآخرة، فلا يؤاخذ بالترك، لعدم خطاب الكافر بفروع الشريعة، ويؤاخذ عند الجمهور، لأنه مخاطب بالفروع.\r-------------------------------\r(1) البدائع: 120/2-123،160، فتح القدير:120/2 ومابعدها، الد ر المختار:193/2-199، اللباب:177/1، القوانين الفقهية: ص127، الشرح الصغير:6/2-13، بداية المجتهد:308/1 وما بعدها، المجموع:17/7-25، مغني المحتاج:461/1-465، المهذب:195/1،198 كشاف القناع:440/2-450، المغني: 208/3-222،241، 248-250، متن الإيضاح للنووي: ص99، المجموع: 17/1-47، غاية المنتهى:350/1-361.","part":3,"page":409},{"id":1802,"text":"ويرى المالكية أن الإسلام شرط صحة لا وجوب، فيجب الحج على الكافر ولا يصح منه إلا بالإسلام. والشافعية أوجبوا الحج على المرتد ولا يصح منه إلا إذا أسلم، أما الكافر الأصلي فلا يجب عليه.\r2 - التكليف أي البلوغ والعقل: فلا يجب على الصغير والمجنون؛ لأنهما غير مطالبين بالأحكام الشرعية، فلا يلزمهما الحج، ولا يصح الحج أو العمرة أيضاً من المجنون؛ لأنه ليس أهلاً للعبادة، ولو حجّا ثم بلغ الصغير، وأفاق المجنون، فعليهما حجة الإسلام، وما فعله الصبي قبل البلوغ يكون تطوعاً. قال النبي صلّى الله عليه وسلم : «رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يشب، وعن المعتوه حتى يعقل» (1) ، وقال أيضاً: «أيُّما صبي حج به أهله، فمات أجزأت عنه، فإن أدرك فعليه الحج، وأيما رجل مملوك حج به أهله، فمات، أجزأت عنه، فإن أُعتق فعليه الحج» (2) .\rولا يبطل الإحرام بالجنون والإغماء والموت والسكر والنوم كالصوم.\rولو حج الصبي، صح حجه، ولم يجزئه عن حجة الإسلام.\rولو حج المجنون والصبي الذي لا يعقل (غير المميز) لم يصح أداؤه منهما، لأن أداءه يتوقف على العقل.\r-------------------------------\r(1) رواه أبو داود وابن ماجه، والترمذي وقال: حديث حسن، وهو من رواية علي.\r(2) ذكره أحمد مرسلاً، ورواه الحاكم عن ابن عباس، وقال: حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه ( نصب الراية: 6/3، نيل الأوطار: 293/4 ) ورواه أيضاً الشافعي وسعيد بن منصور.","part":3,"page":410},{"id":1803,"text":"إحجاج الصغير والمجنون :\rأ ـ قال الشافعية والمالكية والحنابلة (1) : للولي من أب أو جد مثلاً حلالاً كان أو محرماً، حج عن نفسه أم لا، أن يحرم عن الصغير المميز أو عن غير المميز، أو عن المجنون، فينوي الولي بقلبه جعل كل منهما محرماً، أو يقول: أحرمت عنه، ولا يشترط حضورهما ولا مواجهتهما بالإحرام، ولا يصير الولي بذلك محرماً. ولا يجوز الإحرام عن المغمى عليه والمريض.\rوالدليل على جواز الإحرام عن الصغير والمجنون: «أن النبي صلّى الله عليه وسلم لقي رَكْباً بالرَّوْحاء، فقال: من القوم؟ قالوا: المسلمون، فقالوا: من أنت؟ فقال: رسول الله، فرَفَعت إليه امرأة صبياً، فسألت: ألهذا حج؟ قال: نعم، ولكِ أجر» (2) .\rإذن الولي: لا يجوز للصبي المميز أن يحرم إلا بإذن وليه وهو الأب، أو الجد عند عدم الأب، والوصي والقيم كالأب على الصحيح عند الشافعية، ولا يتولاه الأخ والعم والأم على الأصح عندهم إذا لم يكن له إيصاء ولا ولاية من الحاكم.\rوللولي أن يأذن لمن يحرم عن الصبي.\rوحيث صار الصبي غير المميز أو المجنون محرماً فعل الولي ما لا يتأتى منه، ولا يكفي فيه فعل الولي فقط، بل لابد من استصحابه معه، فيطوف به ويسعى، ولكن يركع عنه ركعتي الإحرام والطواف، وإن أركبه الولي في الطواف والسعي، فليكن سائقاً أو قائداً للدابة، فإن لم يفعل لم يصح طوافه.\rويجب على الصغير طهارة الخبث وستر العورة في الطواف، ولا يشترط طهارة الحدث (الوضوء).\rويحضر الولي الصغير والمجنون المواقف، وجوباً في الواجبة، وندباً في المندوبة، فإن قدر الصغير ونحوه على الرمي رمى وجوباً، وإن عجز عن تناول الأحجار، ناولها له وليه. وإن عجز عن الرمي، استحب للولي أن يضع الحجر في يده، ثم يرمي به بعد رميه عن نفسه، فإن لم يكن رمى عن نفسه، وقع الرمي عن نفسه، وإن نوى به الصبي.\r-------------------------------\r(1) مغني المحتاج:461/1 ومابعدها، الإيضاح: ص 99، المجموع:34/7 ومابعدها، الشرح الصغير:10/2، المغني: 252/3-254.\r(2) رواه أحمد ومسلم وأبو داود والنسائي عن ابن عباس (نيل الأوطار: 293/4) وفي معناه حديث ضعيف عن جابر، قال: «حججنا مع رسول الله صلّى الله عليه وسلم ومعنا النساء والصبيان، فلبينا عن الصبيان، ورمينا عنهم» ، رواه الترمذي وابن ماجه، وعن ابن عمر قال: «كنانحج بصبياننا، فمن استطاع منهم رمى، ومن لم يستطع رمي عنه» .","part":3,"page":411},{"id":1804,"text":"والخلاصة: إن كل ما أمكن الصبي فعله بنفسه، لزمه فعله، ولا ينوب غيره عنه، كالوقوف والمبيت بمزدلفة ونحوهما، وما عجز عنه، عمله الولي عنه.\rولو فرَّط المميز في شيء من أعمال الحج، كان وجوب الدم في مال الولي، ويجب عليه منعه من محظورات الإحرام. أما غير المميز فلا فدية في ارتكابه محظوراً على أحد.\rوالنفقة الزائدة بسبب السفر في مال الولي في الأصح؛ لأنه المورط له في ذلك.\rوإذا جامع الصبي في حجه، فسد وقضى ولو في حال الصبا، كالبالغ المتطوع بجامع صحة إحرام كل منهما، فيعتبر فيه لفساد حجه ما يعتبر في البالغ، من كونه عامداً عالماً بالتحريم، مختاراً مجامعاً قبل التحللين.\rويكتب للصبي ثواب ما عمل من الطاعات، ولا يكتب عليه معصية بالإجماع. ب ـ وقال أبو حنيفة في المشهور عنه: لا يصح حج الصبي، للحديث السابق: «رفع القلم عن ثلاثة: عن الصبي حتى يبلغ..» الخ وقياساً على النذر، فإنه لا يصح منه، ولأنه لا يجب عليه، ولا يصح منه، ولأنه لو صح منه لوجب عليه قضاؤه إذا أفسده، ولأنه عبادة بدنية، فلا يصح عقدها من الولي للصبي كالصلاة.\r3 - الحرية: فلا يجب الحج على العبد؛ لأنه عبادة تطول مدتها، وتتعلق بقطع مسافة، وتشترط لها الاستطاعة بالزاد والراحلة، ويضيع حقوق سيده المتعلقة به، فلم يجب عليه كالجهاد.\rحكم الحج حال الصبا والرق: وبناء على هذا الشرط وما قبله (1) : من حج وهو غير بالغ، فبلغ، أو كان عبداً فعتق، بعد انتهاء وقت عرفة، فعليه الحج كما تقدم، للحديث السابق: «أيما صبي حج به أهله... فإن أدرك فعليه الحج، وأيما مملوك حج به أهله... فإن أعتق فعليه الحج» .\rوإن بلغ الصبي، أو عتق العبد قبل الوقوف بعرفة، فأحرما ووقفا بعرفة، وأتما المناسك، أجزأهما عن حجة الإسلام، بلا خلاف؛ لأنه لم يفتهما شيء من أركان الحج، ولا فعلا شيئاً منها قبل وجوبه.\r-------------------------------\r(1) البدائع:121/2، الشرح الصغير:10/2، المجموع :43/7-47، المغني:248/3-250، كشاف القناع:442/2، اللباب: 177/1 ومابعدها.","part":3,"page":412},{"id":1805,"text":"وإن حدث البلوغ قبل الوقوف بعرفات أو في حال الوقوف، وهما محرمان، أجزأهما الحج عند الشافعية والحنابلة أيضاً عن حجة الإسلام؛ لأن الواحد منهما أدرك الوقوف حراً بالغاً، فأجزأه، كما لو أحرم تلك الساعة.\rولم يجزئهما عند المالكية والحنفية؛ لأنه يشترط لأداء الحج أن يكون المحرم وقت الإحرام حراً مكلفاً (أي بالغاً عاقلاً)، وإحرامهما انعقد لأداء النفل، فلا ينقلب لأداء الفرض.\rلكن قال الحنفية: لو جدد الصبي الإحرام قبل الوقوف بأن لبى أو نوى حجة الإسلام وأتم أعمال الحج من وقوف وطواف زيارة وسعي وغيرها، جاز، أما العبد لو فعل ذلك فلم يجز؛ لأن إحرام الصبي وقع صحيحاً غير لازم، لعدم الأهلية، فكان محتملاً للانتقاض، فإذا جدد الإحرام بحجة الإسلام، انتقض. وأما إحرام العبد فإنه وقع لازماً، لكونه أهلاً للخطاب، فانعقد إحرامه تطوعاً، فلا يصح إحرامه الثاني إلا بفسخ الأول، وإنه لايحتمل الانفساخ. وبه يختلف إحرامهما عن الكافر والمجنون، فإنه لا ينعقد إحرامهما أصلاً لعدم الأهلية.\rالإذن للصبي وللعبد وللزوجة: ليس للصبي المميز الإحرام بالحج إلا بإذن وليه ولا يصح إحرامه بغير إذنه؛ لأنه يؤدي إلى لزوم ما لم يلزم، فلم ينعقد عند غير الحنفية بنفسه كالبيع.\rوليس للعبد أن يحرم بغير إذن سيده بلا خلاف، لأنه يفوت به حقوق سيده الواجبة عليه بالتزام ما ليس بواجب، فإن فعل انعقد إحرامه صحيحاً؛ لأنها عبادة بدنية، فصح من العبد الدخول فيها بغير إذن سيده، كالصلاة والصوم، ولسيده تحليله في الأصح عند الشافعية والحنابلة (1) ؛ لأن في بقائه عليه تفويتاً لحقه من منافعه بغير إذنه، فلم يلزم ذلك سيده كالصوم المضر ببدنه، ويكون حينئذ كالمحصر.\r-------------------------------\r(1) المجموع: 36/7-41، كشاف القناع:442/2-449، المغني: 250/3.","part":3,"page":413},{"id":1806,"text":"وليس للزوجة الإحرام نفلاً (تطوعاً) إلا بإذن زوج، لتفويت حقه، وللزوج إن أحرمت زوجته بغير إذنه تحليلها منه؛ لأن حقه لازم، فملك إخراجها من الإحرام كالاعتكاف، وتكون كالمحصر؛ لأنها في معناه.\rوليس للوالدين منع ولدهما من حج الفرض والنذر، ولا تحليله منه، ولا يجوز للولد طاعتهما فيه، أي في ترك الحج الواجب أو التحليل، وكذا في كل ما وجب، كصلاة الجماعة، والجُمَع، والسفر للعلم الواجب؛ لأنها فرض، فلم يعتبر إذن الأبوين فيها، كالصلاة.\r4 - الاستطاعة البدنية والمالية والأمنية الموجبة للحج: وهي القدرة على الوصول إلى مكة، لقوله تعالى: {ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلاً} [آل عمران:97/3]، لكن للفقهاء بعض الاختلافات في حدود ووجوه الاستطاعة.\rقال الحنفية (1) : الاستطاعة أنواع ثلاثة: بدنية ومالية وأمنية، أما الاستطاعة البدنية:فهي صحة البدن، فلا حج على المريض والزَّمِن والمُقْعَد والمفلوج والأعمى وإن وجد قائداً، والشيخ الكبير الذي لا يثبت على الراحلة بنفسه، والمحبوس، والممنوع من قبل السلطان الجائر عن الخروج إلى الحج؛ لأن الله تعالى شرط الاستطاعة لوجوب الحج، والمراد منها استطاعة التكليف: وهي سلامة الأسباب ووسائل الوصول. ومن جملة الأسباب:سلامة البدن عن الآفات المانعة من القيام بما لا بد منه في سفر الحج، فسر ابن عباس {من استطاع إليه سبيلاً} [آل عمران:97/3] أن السبيل أن يصح بدن العبد، ويكون له ثمن زاد وراحلة، من غير أن يحجب.\r-------------------------------\r(1) البدائع:121/2-125، اللباب: 177/1، الدر المختار: 194/2-199.","part":3,"page":414},{"id":1807,"text":"وأما الاستطاعة المالية: فهي ملك الزاد والراحلة،بأن يقدر على الزاد ذهاباً وإياباً، وعلى الراحلة ـ وسيلة الركوب، زائداً ذلك عن حاجة مسكنه وما لا بد منه كالثياب وأثاث المنزل والخادم ونحو ذلك؛ لأنها مشغولة بالحاجة الأصلية، وزائداً أيضاً عن نفقة عياله الذين تلزمه نفقاتهم إلى حين عودته.\rويشترط في القدرة على الراحلة شروط:\rأ ـ أن تكون مختصة به، فلا يكفي القدرة على راحلة مشتركة يركبها مع غيره على التعاقب. والقدرة اليوم بالاشتراك في السيارات أو البواخر أو الطائرات.\rب ـ أن تكون بحسب أحوال الناس: فمن لا يستطيع الركوب على القتَب (وهو الرَّحْل أو الإكاف الصغير حول سنام البعير) ولم يجد شيئاً آخر كالهودج أو المحمل، لايجب عليه الحج.\rجـ ـ أن تطلب بالنسبة للآفاقي: وهو من كان بعيداً عن مكة بثلاثة أيام فأكثر. أما المكي أو القريب من مكة (وهو من كان بينه وبين مكة أقل من ثلاثة أيام)، فيجب عليه الحج متى قدر على المشي.\rوأما الاستطاعة الأمنية: فهي أن يكون الطريق آمناً بغلبة السلامة ولو بالرشوة؛ لأن استطاعة الحج لا تثبت بدونه، وهو شرط وجوب، في المروي عن أبي حنيفة. وقال بعضهم: إنه شرط أداء.\rوأمن المرأة: أن يكون معها أيضاً مَحْرم بالغ عاقل أو مراهق مأمون غير فاسق، برحم أو صِهْريّة، أو زوج، يحج بها على نفقتها، ويكره تحريماً أن تحج المرأة بغير المحرم أو الزوج، إذا كان بينها وبين مكة مدة سفر: وهي مسيرة ثلاثة أيام ولياليها فصاعداً،فلو حجت بلا محرم جاز مع الكراهة، والأصح أنه لا يجب عليها التزوج عند فقد المحرم، ووجود المحرم شرط وجوب، وقيل: شرط أداء. لكن لاتسافر المرأة مع أخيها رضاعاً في زماننا لغلبة الفساد، لكراهة الخلوة بها كالصهرة (الحماية ) الشابة.","part":3,"page":415},{"id":1808,"text":"والذي اختاره الكمال بن الهمام في الفتح أن وجود المحرم مع توافر الصحة وأمن الطريق شروط وجوب الأداء، فيجب الإيصاء إن منع المرض أو خوف الطريق، أو لم يوجد زوج ولا محرم.\rثم إن شرط وجوب الحج من الزاد والراحلة وغير ذلك يعتبر وجودها وقت خروج أهل بلده، فإن جاء وقت الخروج والمال في يده، فليس له أن يصرفه في غيره.\rوقال المالكية (1) : الاستطاعة: هي إمكان الوصول إلى مكة بحسب العادة، إما ماشياً أو راكباً، أي الاستطاعة ذهاباً فقط، ولا تعتبر الاستطاعة في الإياب إلا إذا لم يمكنه الإقامة بمكة أو في أقرب بلد يمكنه أن يعيش فيه، ولا يلزم رجوعه لخصوص بلده.\rوتكون الاستطاعة بثلاثة أشياء، وهي:\rأ ـ قوة البدن: أي إمكان الوصول لمكة إمكاناً عادياً بمشي أو ركوب، ببرّ أو بحر، بلا مشقة فادحة، أي عظيمة خارجة عن العادة، أما المشقة المعتادة فلا بد منها، إذ السفر قطعة من العذاب. والاستطاعة بالقدرة على المشي مما تفرد به المالكية. حتى إن الأعمى القادر على المشي يجب عليه الحج إذا وجد قائداً يقوده. ويكره للمرأة الحج بمشي بعيد.\rب ـ ووجود الزاد المبلِّغ بحسب أحوال الناس وبحسب عوائدهم، ويقوم مقام الزاد الصنعة إذا كانت لا تزري بصاحبها وتكفي حاجته.\rويدل ذلك على أن المالكية لم يشترطوا وجود الزاد والراحلة بالذات، فالمشي يغني عن الراحلة لمن قدر عليه، والصنعة التي تدر ربحاً كافياً تغني عن اصطحاب الزاد أو النفقة عليه.\r-------------------------------\r(1) الشرح الكبير: 5/2-10، الشرح الصغير:10/2-13، بداية المجتهد:309/1، القوانين الفقهية: ص127.","part":3,"page":416},{"id":1809,"text":"وتتحقق الاستطاعة بالقدرة على الوصول إلى مكة، ولو بثمن شيء يباع على المفلس من ماشية وعقار وكتب علم وآلة صانع ونحوها، أو حتى ولو صار فقيراً بعد حجه، أو ولو ترك أولاده ومن تلزمه نفقته للصدقة عليهم من الناس إن لم يخش عليهم هلاكاً أو أذىً شديداً، بأن كان الشأن عدم الصدقة عليهم أو عدم من يحفظهم.\rولا يجب الحج بالاستدانة ولو من ولده إذا لم يرج وفاء، وبالعطية من هبة أو صدقة بغير سؤال، ولا بالسؤال مطلقاً أي سواء أكانت عادته السؤال أم لا، لكن الراجح أن من عادته السؤال بالحضر، وعلم أو ظن الإعطاء في السفر ما يكفيه، يجب عليه الحج، أي أن معتاد السؤال في بلده يجب عليه الحج بشرط ظن الإعطاء، وإلا فلا يجب عليه.\rجـ ـ توافر السبيل: وهي الطريق المسلوكة بالبر أو بالبحر متى كانت السلامة فيه غالبة، فإن لم تغلب فلا يجب الحج إذا تعين البحر طريقاً. ويكره للمرأة الحج في ركوب بحر إلا أن تختص بمكان في السفينة.\rوهذا يتطلب كون الطريق آمناً على النفس والمال من غاصب وسارق وقاطع طريق: إذا كان المال ذا شأن بالنسبة للمأخوذ منه، فقد يكون الدينار ذا بال بالنسبة لشخص، ولا شأن له بالنسبة لآخر. ويزاد في حق المرأة: أن يكون معها زوج أو محرم بنسب أو رضاع أو صهرية (1) من محارمها، أو رفقة مأمونة عند عدم الزوج أو المحرم في حج الفرض ومنه النذر والحنث، سواء أكانت الرفقة نساء فقط، أم مجموعاً من الرجال والنساء. وإذا كانت المرأة معتدة من طلاق أو وفاة وجب عليها البقاء في بيت العدة، فلو فعلت صح حجها مع الإثم.\rوقال الشافعية (2) : للاستطاعة المباشرة بالنفس بحج أو عمرة لمن كان بعيداً عن مكة مسافة القصر (89 كم) شروط سبعة تشمل أنواع الاستطاعة الثلاثة السابقة:\r-------------------------------\r(1) لقوله صلّى الله عليه وسلم : «لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر يوماً وليلة إلا ومعها مَحْرم» .\r(2) مغني المحتاج:463/1-0470، المهذب:196/1-198، الإيضاح للنووي: ص16-17 .","part":3,"page":417},{"id":1810,"text":"الأول ـ القدرة البدنية: بأن يكون صحيح الجسد، قادراً أن يثبت على الراحلة بلا ضرر شديد أو مشقة شديدة، وإلا فهو ليس بمستطع بنفسه. وعلى الأعمى الحج والعمرة إن وجد قائداً يقوده ويهديه عند نزوله، ويركبه عند ركوبه. والمحجور عليه بسفه يجب عليه الحج كغيره، لكن لا يدفع المال إليه لئلا يبذره، بل يخرج معه الولي بنفسه إن شاء لينفق عليه في الطريق بالمعروف، أو يرسل معه شخصاً ثقة ينوب عن الولي، ولو بأجرة مثله، إن لم يجد متبرعاً كافياً، لينفق عليه بالمعروف.\rالثاني ـ القدرة المالية: بوجود الزاد وأوعيته، ومؤنة (كلفة) ذهابه لمكة وإيابه (أي رجوعه منها إلى بلده، وإن لم يكن له فيها أهل وعشيرة) .\rفإن كان يكتسب كل يوم ما يفي بزاده، وسفره طويل (مرحلتان فأكثر أي 98 كم) ، لم يكلف الحج، حتى ولو كسب في يوم كفاية أيام؛ لأنه قد ينقطع عن\rالكسب لعارض، وإذا قدر عدم الانقطاع، فالجمع بين تعب السفر والكسب، فيه مشقة عظيمة. وذلك خلافاً لمذهب المالكية السابق في الاكتفاء بالصنعة أثناء السفر. أما إن كان السفر قصيراً، كأن كان بمكة، أو على دون مرحلتين منها، وهو يكتسب في يوم كفايةأيام، كُلِّف الحج، لقلة المشقة حينئذ.\rالثالث ـ وجود الراحلة (وسيلة الركوب) الصالحة لمثله بشراء بثمن المثل، أو استئجار بأجرة المثل، لمن كان بينه وبين مكة مرحلتان فأكثر، قدر على المشي أم لا، خلافاً للمالكية، ولكن يستحب للقادر على المشي الحج خروجاً من خلاف من أوجبه. وهذا الشرط من القدرة المالية أيضاً.","part":3,"page":418},{"id":1811,"text":"ومن كان بينه ومن مكة دون مرحلتين، وهو قوي على المشي، يلزمه الحج، فإن ضعف عن المشي، بأن عجز أو لحقه ضرر ظاهر، فهو كالبعيد، فيشترط في حقه وجود الراحلة.\rويشترط كون الزاد والراحلة فاضلين عن دينه الحال أو المؤجل، لآدمي أم لله تعالى كنذر وكفارة، وعن مؤنة (1) أي نفقة من تلزمه نفقته مدة ذهابه وإيابه، لئلا يضيعوا، وقد قال صلّى الله عليه وسلم : «كفى بالمرء إثماً أن يضيع من يقوت» (2) .\rوالأصح كون الزاد والراحلة فاضلين أيضاً عن مسكنه اللائق به وعن خادمه المحتاج إليه لمنصب أو عجز، لاحتياجه لهما في الحال.\rوالأصح أنه يلزم المرء صرف مال تجارته إلى الزاد والراحلة وتوابعهما. ويلزم من له مستغلات (أماكن أو دور للاستثمار) يحصل منها نفقته أن يبيعها ويصرفها لما ذكرفي الأصح، كما يلزمه صرفها لوفاء دينه.\rالرابع ـ وجود الماء والزاد وعلف الدابة في المواضع المعتاد حمله منها، بثمن المثل: وهو القدر المناسب به في ذلك الزمان والمكان، وإن غلت الأسعار. فإن لم يوجدوا، أو وجد أحدهم، أو وجد بأكثر من ثمن المثل، لم يلزمه النسك (الحج والعمرة). وهذا شرط أيضاً في القدرة المالية.\rالخامس ـ الاستطاعة الأمنية: أمن الطريق ولو ظناً على نفسه وماله في كل مكان بحسب ما يليق به، والمراد هو الأمن العام، فلو خاف على نفسه أو زوجه أو ماله سبعاً أو عدواً أو رَصديّاً (وهو من يرصد أي يرقب من يمر ليأخذ منه شيئاً)، ولا طريق له سواه، لم يجب الحج عليه، لحصول الضر.\rوإذا تحقق الأمن بالخفارة أو الحراسة في غالب الظن، وجب استئجار الحارس على الأصح، إن كان قادراً على أجر المثل.\r-------------------------------\r(1) التعبير بالمؤنة: أي الكلفة يشمل النفقة والكسوة والخدمة والسكنى وإعفاف الأب (تزويجه)، وكذا أجرة الطبيب وثمن الأدوية للقريب المحتاج إليها.\r(2) رواه أحمد وأبو داود والحاكم والبيهقي عن عبد الله بن عمرو، وهو صحيح.","part":3,"page":419},{"id":1812,"text":"السادس ـ أن يكون مع المرأة زوج، أو مَحْرم بنسب أو غيره، أو نسوة ثقات؛ لأن سفرها وحدها حرام، وإن كانت في قافلة أو مع جماعة، لخوف استمالتها وخديعتها، ولخبر الصحيحين: «لا تسافر المرأة يومين إلا ومعها زوجها أو ذو محرم» ولا يشترط كون الزوجة والمحرم ثقة؛ لأن الوازع الطبيعي أقوى من الشرعي.\rوأما النسوة فيشترط فيهن الثقة لعدم الأمن، والبلوغ، لخطر السفر، ويكتفى بالمراهقات في رأي المتأخرين، وأن يكنَّ ثلاثاً غير المرأة؛ لأنه أقل الجمع،ولا يجب الخروج مع امرأة واحدة. وهذا كله شرط للوجوب. أما الجواز فيجوز للمرأة أن تخرج لأداء حجة الإسلام (الفرض) مع المرأة الثقة على الصحيح. والأصح أنه لا يشترط وجود محرم لإحداهن، والأصح أنه يلزم المرأة أجرة المحرم إذا لم يخرج إلا بها. أما حج التطوع وغيره من الأسفار التي لا تجب، فليس للمرأة أن تخرج إليه مع امرأة، بل ولا مع النسوة الخلص، لكن لو تطوعت بحج، ومعها محرم، فمات، فلها إتمامه، ولها الهجرة من بلاد الكفر وحدها.\rالسابع ـ إمكان المسير: وهو أن يبقى من وقت الحج بعد القدرة بأنواعها ما يكفي لأدائه. وتعتبر الاستطاعة عند دخول وقته وهو شوال إلى عشر ذي الحجة، فلا يجب الحج إذا عجز في ذلك الوقت.\rوقال الحنابلة (1) : الاستطاعة المشترطة: هي القدرة على الزاد والراحلة؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلم فسر الاستطاعة بالزاد والراحلة، فوجب الرجوع إلى تفسيره: «سئل النبي صلّى الله عليه وسلم ما السبيل؟ قال: الزاد والراحلة» (2) روى ابن عمر: «جاء رجل إلى النبي صلّى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله ، مايوجب الحج؟ قال: الزاد والراحلة» (3) .\rواتفق الشافعية في الأصح والحنابلة على أنه لا يلزم الحج إذا بذل المال ولد أو أجنبي، ولا يجب قبوله، لما في قبول المال من المنة.\r-------------------------------\r(1) المغني:218/3-222، كشاف القناع:450/2-454.\r(2) رواه الدارقطني عن جابر وابن عمر وابن عمرو وأنس وعائشة رضي الله عنهم.\r(3) رواه الترمذي، وقال: حديث حسن.","part":3,"page":420},{"id":1813,"text":"ورأى الحنابلة كالشافعية أن من تكلف الحج ممن لا يلزمه، وأمكنه ذلك من غير ضرر يلحق بغيره، مثل أن يمشي ويكتسب بصناعة ونحوها، ولايسأل الناس، استحب له الحج، لقوله تعالى: {يأتوك رجالاً وعلى كل ضامر} [الحج:27/22] فقدم الرجال أي المشاة، ولأن في ذلك مبالغة في طاعة الله عز وجل، وخروجاً من الخلاف. ويكره الحج لمن حرفته السؤال.\rوالزاد المشروطة عند الحنابلة كالشافعية: وهو ما يحتاج إليه في ذهابه\rورجوعه، من مأكول ومشروب وكسوة، ويلزمه شراؤه بثمن المثل، أو بزيادة يسيرة لا تجحف بماله.\rويلزمه حمل الزاد والماء وعلف البهائم إن لم يجده في طريقه، فإن وجده في المنازل المعتادة، لم يلزمه حمله؛ لأن هذا يشق عليه ولم تجر العادة به.\rويشترط أيضاً القدرة على وعاء الزاد والماء؛ لأنه لا بد منه.\rويعتبر الزاد مع قرب المسافة وبعدها إن احتاج إليه؛ لأنه لا بد منه، فإن لم يحتج إليه لم يعتبر.\rوأما الراحلة أو المركوب: فيشترط أن تكون صالحة لمثله، إما بشراء أو بكراء لذهابه ورجوعه، وأن يجد ما يحتاج إليه من آلتها التي تصلح لمثله. ويطلب وجود الراحلة مع بعد المسافة فقط عن مكة، ولو قدر على المشي، لأن الاستطاعة هي الزاد والراحلة، وبعد المسافة: ما تقصر فيه الصلاة، أي مسيرة يومين معتدلين، ولا تعتبر الراحلة فيما دون مسافة القصر، من مكي وغيره بينه وبين مكة دون المسافة، ويلزمه المشي للقدرة على المشي فيها غالباً، ولأن مشقتها يسيرة، ولا يخشى فيها المشي للقدرة على المشي فيها غالباً، ولا يخشى فيها عطب إذا حدث انقطاع بها، إلا مع عجز لكبر ونحوه كمرض، فتعتبر الراحلة، حتى فيما دون المسافة للحاجة إليها إذن. ولا يلزمه السير حبواً وإن أمكنه لمزيد مشقته.","part":3,"page":421},{"id":1814,"text":"ويشترط أن يكون الزاد والراحلة فاضلاً عما يحتاج إليه لنفقة عياله الذين تلزمه مؤونتهم في مضيه ورجوعه، دون ما بعد رجوعه؛ لأن النفقة متعلقة بحقوق الآدميين، وهم أحوج، وحقهم آكد، وقد قال صلّى الله عليه وسلم : «كفى بالمرء إثماً أن يضيع من يقوت» (1) .\rوأن يكون ذلك فاضلاً عما يحتاج هو وأهله إليه من مسكن وخادم وما لابد منه، وأن يكون فاضلاً عن قضاء دينه؛ لأن قضاء الدين من حوائجه الأصلية، ويتعلق به حقوق الآدميين، فهو آكد.\rوإن احتاج إلى الزواج وخاف على نفسه العنت (الإثم والأمر الشاق) قدم التزويج، لأنه واجب عليه ولا غنى به عنه، فهو كنفقته، وإن لم يخف قدم الحج؛ لأن الزواج تطوع، فلا يقدم على الحج الواجب.\rومن له عقار يحتاج إليه لسكناه، أو سكنى عياله، أو يحتاج إلى أجرته، لنفقة نفسه أو عياله، أو بضاعة متى نقصها اختل ربحها، لم يكفهم، أو سائمة يحتاجون إليها، لم يلزمه الحج، فإن كان له من ذلك شيء فاضل عن حاجته، لزمه بيعه في الحج. وإن كان له كتب يحتاج إليها، لم يلزمه بيعها في الحج، وإن كانت مما لا يحتاج إليها، باع منها ما يكفيه للحج.\rوإن كان له دين على مليء باذل له يكفيه للحج، لزمه الحج؛ لأنه قادر، وإن كان على معسر أو تعذر استيفاؤه عليه، لم يلزمه.\rويشترط أيضاً أمن الطريق بحيث لا يوجد مانع من عدو ونحوه. ووجود زوج أو محرم للمرأة، فلا يجب عليها الحج ما لم يكن معها أحدهما. وإمكان المسير وهو أن تكمل فيه هذه الشرائط والوقت متسع يمكنه الخروج إلى الحج (2) . وهذا موافق لمذهبي الحنفية والشافعية أيضاً، لكن عند الحنابلة روايتان في هذين الشرطين: رواية أنهما من شرائط الوجوب كالحنفية والشافعية، فلا يجب الحج بدونهما، ورواية أنهما من شرائط لزوم السعي إلى الحج، فمن مات يجب الحج\r-------------------------------\r(1) رواه أحمد وأبو داود والحاكم والبيهقي عن عبد الله بن عمرو.\r(2) البدائع: 123/2-124 .....","part":3,"page":422},{"id":1815,"text":"عنه بعد موته لثبوته في ذمته، أما على الرواية الأولى فلم يجب عليه شيء، وهذا هو المذهب.\rوليس للرجل منع امرأته من حجة الإسلام عند أكثر العلماء، وهو قول للشافعي؛ لأنه فرض، فلم يكن له منعها منه، كصوم رمضان والصلوات الخمس. ويستحب أن تستأذنه في ذلك، فإن أذن وإلا خرجت بغير إذنه. فأما حج التطوع فله منعها منه.\rوقال الشافعية: للزوج منع الزوجة من الحج الفرض والمسنون؛ لأن حقه على الفور، والنسك على التراخي، وليس له منعها من الصوم والصلاة، والفرق: طول مدة الحج، بخلافهما.\rالشروط الخاصة بالنساء: أما الشروط الخاصة بالنساء فهي اثنان تفهم مما سبق بيانه في المذاهب وهما:\rأحدهما ـ أن يكون معها زوجها أو مَحْرم لها، فإن لم يوجد أحدهما لا يجب عليها الحج. وهذا متفق عليه للحديث السابق: «لا تسافر المرأة ثلاثة إلا ومعها ذو محرم» (1) ولحديث: «لا تحجن امرأة إلا ومعها زوج» (2) ، وأوجب الشافعية على المرأة الحج مع نسوة ثقات، لا مع واحدة فقط، وأوجب المالكية عليها الحج مع رفقة مأمونة من النساء فقط أو الرجال فقط، أو المجموع من الجنسين. ودليل الشافعية والمالكية عموم آية: {ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلاً} [آل عمران:97/3] فإذا أمنت المرأة الفساد على نفسها لزمها الحج.\r-------------------------------\r(1) متفق عليه عند البخاري ومسلم وأحمد عن ابن عمر (نيل الأوطار:290/4).\r(2) رواه الدارقطني وصححه أبو عوانة (نيل الأوطار: 491/4).","part":3,"page":423},{"id":1816,"text":"وضابط المحرم عند العلماء: من حرم عليه نكاحها على التأبيد بسبب مباح لحرمتها أي بنسب أو رضاع أو مصاهرة. فخرج بالتأبيد: زوج الأخت وزوج العمة، وخرج بالمباح: أم الموطوءة بشبهة وبنتها، وخرج بحرمتها: الزوجة الملاعنة (1) هذا ويلاحظ أن الخلاف بين الشافعية والمالكية وبين باقي الفقهاء محصور في سفر الفريضة ومنه سفر الحج، فلا يقاس عليه سفر الاختيار بالإجماع، خطب النبي صلّى الله عليه وسلم فقال: «لا يخلون رجل بامرأة إلا ومعها ذو محرم، ولا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم، فقام رجل، فقال: يا رسول الله ، إن امرأتي خرجت حاجة، وإني اكتتبت في غزوة كذا وكذا، فقال: انطلق، فحج مع امرأتك» (2) .\rوالثاني ـ ألا تكون معتدة عن طلاق أو وفاة؛ لأن الله تعالى نهى المعتدات عن الخروج بقوله عز وجل: {لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن} [الطلاق:1/65] ولأن الحج يمكن أداؤه في وقت آخر، فأما العدة فإنها تجب في وقت مخصوص وهو ما بعد الطلاق أو الوفاء مباشرة، فكان الجمع بين الأمرين أولى.\rويلاحظ أن هذين الشرطين مع شروط سلامة البدن من الآفات المانعة من السفر كالمرض والعمى، وزوال المانع الحسي كالحبس، وأمن الطريق هي شروط وجوب الأداء عند الحنفية وهي خمسة، أما شروط الوجوب أو الفرضية فهي ثمانية عندهم: وهي الإسلام والعقل والبلوغ والحرية والوقت والقدرة على الزاد ولو بمكة، والقدرة على الراحلة والقوة بلا مشقة.\rولو تكلف واحد ممن له عذر فحج عن نفسه، أجزأه عن حجة الإسلام إذا كان عند الحنفية بالغاً عاقلاً حراً؛ لأنه من أهل الفرض، إلا أنه لم يجب عليه،دفعاً للحرج عنه، فإذا تحمل الحرج وقع الحج موقعه.\rومنع الحنابلة خروج المرأة إلى الحج في عدة الوفاة، وأجازوا لها الخروج في عدة الطلاق المبتوت؛ لأن لزوم المنزل والمبيت فيه واجب في عدة الوفاة، والطلاق المبتوت لا يجب فيه ذلك. وأما عدة الرجعية إن خرجت للحج فتوفي زوجها، رجعت لتعتد في منزلها إن كانت قريبة، ومضت في سفرها إن كانت بعيدة.\r-------------------------------\r(1) نيل الأوطار: 291/4.\r(2) متفق عليه عن ابن عباس، واللفظ لمسلم (سبل السلام:183/2).","part":3,"page":424},{"id":1817,"text":"النيابة في الحج والحج عن الغير (1) :\rبحث هذا الموضوع يقتضي ما يأتي:\rأولاً ـ ما يقبل النيابة من العبادات وما لا يقبلها :\rالعبادات أنواع ثلاثة (2) :\rأ ـ عبادة مالية محضة كالزكاة والكفارة وتوزيع الأضاحي: يجوز النيابة فيها بالاتفاق في حالتي الاختيار والضرورة؛ لأن المقصود انتفاع أهلها بها، وذلك حاصل بأي شخص، أصيل أو نائب.\rب ـ عبادة بدنية محضة كالصلاة والصوم: لا تجوز النيابة فيها؛ لأن المقصود وهو إتعاب النفس لا يحصل بالإنابة.\rجـ ـ عبادة مركبة ـ بدنية ومالية معاً ـ كالحج: يجوز فيها عند الجمهور (غير المالكية) النيابة عند العجز أو الضرورة؛ لأن المشقة المقصودة تحصل بفعل النفس، وتحصل أيضاً بفعل الغير إذا كان بماله، فهذه العبادة تختلف عن الصلاة باشتمالها على القربة المالية غالباً بالإنفاق في الأسفار.\r-------------------------------\r(1) قال بعض أئمة النحاة: منع قوم إدخال أل على غير وكل وبعض؛ لأن هذه لا تتعرف بالإضافة فلا تتعرف بالألف واللام، وقال ابن عابدين: إنها تدخل عليها؛ لأن الألف واللام هنا ليست للتعريف، ولكنها المعاقبة للإضافة. (رد المحتار:323/2).\r(2) فتح القدير:308/2 ومابعدها، البدائع:212/2 ومابعدها، تبيين الحقائق:83/2-85، الدر المختار:326/2 ومابعدها، الشرح الكبير مع الدسوقي:10/2، الشرح الصغير:14/2-15، القوانين الفقهية: ص 128، الفروق للقرافي:205/2، مغني المحتاج: 468/1، متن الإيضاح: ص 17، غاية المنتهى:358/1، القواعد لابن رجب: ص 318، المغني:227/3-230.","part":3,"page":425},{"id":1818,"text":"وقال المالكية على الصحيح: لا تجوز النيابة عن الحي في حج الفرض أو النفل، بأجرة أو لا، والإجارة فيه فاسدة، لأنه عمل بدني لا يقبل النيابة، كالصلاة والصوم، إذ المقصود منه تأديب النفس بمفارقة الأوطان وتهذيبها بالخروج عن المعتاد، من لبس المخيط وغيره لتذكر المعاد والآخرة والقبر، وتعظيم شعائر الله في تلك البقاع، وإظهار الانقياد من الإنسان لما لم يعلم حقيقته، كرمي الجمار، والسعي بين الصفا والمروة وغيرهما، وهذه مصالح ومقاصد لا تتحقق إلا لمن باشرها بنفسه.\rأما الميت إذا أوصى بالحج فيصح عنه مع الكراهة، ويكره التطوع عنه بالحج.\rثانياً ـ إهداء ثواب الأعمال للميت :\rاتفق العلماء على وصول ثواب الدعاء والصدقة والهدي للميت، للحديث السابق: «إذا مات الإنسان، انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم يُنتفع به، و ولد صالح يدعو له» (1) .\rوقال جمهور أهل السنة والجماعة (2) : للإنسان أن يجعل ثواب عمله لغيره صلاة أو صوماً أو صدقة أو تلاوة قرآن، بأن يقول: اللهم اجعل ثواب ما أفعل لفلان، لما روي أن النبي صلّى الله عليه وسلم «ضحى بكبشين أملحين، أحدهما عن نفسه، والآخر عن أمته، ممن أقر بوحدانية الله تعالى، وشهد له بالبلاغ» (3) فإنه جعل تضحية إحدى الشاتين لأمته. ولما روي أن رجلاً سأل النبي صلّى الله عليه وسلم فقال: « كان لي أبوان أبرهما حال حياتهما، فكيف لي ببرهما بعد موتهما؛ فقال له عليه الصلاة والسلام: إن من البر بعد البر: أن تصلي لهما مع صلاتك وأن تصوم لهما مع صيامك» (4) .\r-------------------------------\r(1) رواه مسلم عن أبي هريرة (رياض الصالحين: ص 347).\r(2) المراجع السابقة.\r(3) روي فيه سبعة أحاديث وهي عن عائشة وأبي هريرة، وجابر وأبي رافع وحذيفة بن أسيد الغفاري وأبي طلحة الأنصاري وأنس، فحديث عائشة وأبي هريرة رواه ابن ماجه (انظر نصب الراية:151/2-154).\r(4) رواه الدارقطني، ويؤكده مارواه أيضاً عن علي: « من مر على المقابر وقرأ: قل هو الله أحد، إحدى عشرة مرة، ثم وهب أجرها للأموات، أعطي من الأجر بعدد الأموات » وروى أبو داود عن معقل بن يسار: « اقرؤوا على موتاكم سورة يس » .","part":3,"page":426},{"id":1819,"text":"وأما قوله تعالى: {وأن ليس للإنسان إلا ما سعى} [النجم:39/53] فيراد به: إلا إذا وهبه له، كما حققه الكمال بن الهمام، أو أنه ليس له من طريق العدل، وله من طريق الفضل، ويؤكده مضمون آية أخرى: { والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذ ريتَهم} [الطور:21/52] .\rوأما حديث «إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث» فلا يدل على انقطاع عمل غيره. وأما حديث: «لا يصوم أحد عن أحد، ولا يصلي أحد عن أحد» فهو في حق الخروج عن العهدة، لا في حق الثواب.\rوليس في ذلك شيء مما يستبعد عقلاً، إذ ليس فيه إلا جعل ما له من الأجر\rلغيره، والله تعالى هو الموصل إليه، وهو قادر عليه، ولا يختص ذلك بعمل دون عمل.\rوقال المعتزلة: ليس للإنسان أن يجعل ثواب عمله لغيره، ولا يصل إليه، ولاينفعه، لقوله تعالى: {وأن ليس للإنسان إلا ما سعى، وأن سعيه سوف يرى} [النجم:39/53-40] ولأن الثواب هو الجنة، وليس في قدرة العبد أن يجعلها لنفسه فضلاً عن غيره.\rوقال مالك والشافعي: يجوز جعل ثواب العمل للغير في الصدقة والعبادة المالية وفي الحج، ولا يجوز في غيره من الطاعات كالصلاة والصوم وقراءة القرآن وغيره.","part":3,"page":427},{"id":1820,"text":"ثالثاً ـ مشروعية النيابة في الحج وأقوال الفقهاء فيما يجوز منها :\rيجوز الحج عن الغير الذي مات ولم يحج، أو عن المريض الحي الذي عجز عن الحج لعذر وله مال، وآراء الفقهاء هي ما يأتي (1) :\rقال الحنفية: من لم يجب عليه الحج بنفسه لعذر كالمريض ونحوه، وله مال، يلزمه أن يُحج رجلاً عنه، ويجزئه عن حجة الإسلام، أي أنه تجوز النيابة في الحج عند العجز فقط لا عند القدرة، بشرط دوام العجز إلى الموت. وأما المقصر الذي مات فتصح منه بل تجب الوصية بالإحجاج عنه ويكون من بلده، إن لم يعين مكاناً آخر، فهما حالتان: العجز وبعد الموت بالوصية.\rوالمعتمد عند المالكية: أن النيابة عن الحي لا تجوز، ولا تصح مطلقاً إلا عن ميت أوصى بالحج، فتصح مع الكراهة وتنفذ من ثلث ماله. ولا حج على المعضوب إلا أن يستطيع بنفسه، للآية {من استطاع إليه سبيلاً} [آل عمران:97/3] وهذا غير مستطيع.\rوأجاز الشافعية الحج عن الغير في حالتين:\rأ ـ حالة المعضوب: وهو العاجز عن الحج بنفسه لكبر أو زمانة أو غير ذلك، الذي لا يثبت على الراحلة. بل يلزمه الحج إن وجد من يحج عنه بأجرة المثل بشرط كونها فاضلة عن حاجاته المذكورة فيمن حج بنفسه، لكن لا يشترط نفقة العيال ذهاباً وإياباً؛ لأنه مستطيع بغيره؛ لأن الاستطاعة كما تكون بالنفس تكون ببذل المال وطاعة الرجال، فيجب على من عجز عن الحج بنفسه لهرم أو مرض لا يرجى برؤه الاستنابة إن قدر عليها بماله أو بمن يطيعه بأن كان متبرعاً موثوقاً به.\rب ـ وحالة من يأتيه الموت ولم يحج، فيجب على ورثته الإحجاج عنه من تركته، كما يقضى منها دينه، ويلزمهم أن يخرجوا من ماله بما يحج به عنه، بالنفقة الكافية ذهاباً وإياباً.\r-------------------------------\r(1) البدائع: 124/2، 212، الدر المختار: 326/2-333، الشرح الصغير:15/2، بداية المجتهد:309/1، مغني المحتاج: 468/1 ومابعدها، المغني: 227/3 ومابعدها، كشاف القناع: 241-244، 455/2-459 .","part":3,"page":428},{"id":1821,"text":"والخلاصة: إن الاستطاعة للحج نوعان عند الشافعية: استطاعة مباشرة بنفسه، واستطاعة تحصيله بغيره، أما الأولى فيشترط لها الأمور السابقة: الراحلة لمن كان بينه وبين مكة مسافة القصر (مرحلتان) فصاعداً، والزاد، وأمن الطريق، وصحة البدن، وإمكان المسير: وهو أن يبقى من الزمان بعد وجود الزاد والراحلة ما يمكن فيه السير المعهود إلى الحج.\rوأما الثانية: فهي أن يعجز عن الحج بنفسه بموت أو كبر، أو زمانة أو مرض لايرجى زواله أو هرم بحيث لا يستطيع الثبوت على الراحلة إلا بمشقة شديدة. وهذا العاجز الحي يسمى معضوباً.\rوتجب الاستنابة عن الميت إذا كان قد استطاع في حياته، ولم يحج، إذا كان له تركة، وإلا فلا يجب على الوارث. ويجوز للوارث والأجنبي الحج عنه سواء أوصى به أم لا.\rوأما المعضوب فلا يصح عنه الحج بغير إذنه، وتلزمه الاستنابة إن وجد مالاً يستأجر به من يحج عنه فاضلاً عن حاجته يوم الاستئجار خاصة، سواء وجد أجرة راكب أو ماش، بشرط أن يرضى بأجر المثل. وإن لم يجد مالاً ووجد من يتبرع عنه بالحج من أولاده الذكور أو الإناث، لزمه استنابته.\rوتجوز الاستنابة في حج التطوع للميت والمعضوب على الأصح.\rولو استناب المعضوب من يحج عنه، ثم زال العضب وشفي، لم يجزه على الأصح، بل عليه أن يحج (1) .\rوعلى هذا: من وجب عليه الحج فلم يحج حتى مات ينظر:\rإن مات قبل أن يتمكن من الأداء سقط فرضه، ولم يجب القضاء.\rوإن مات بعد التمكن من الأداء، لم يسقط الفرض، ويجب قضاؤه من تركته، ويجب قضاؤه عنه من الميقات؛ لأن الحج يجب من الميقات، ويجب من رأس المال؛ لأنه دين واجب، فكان من رأس المال كدين الآدمي. وإن اجتمع الحج ودين الآدمي، والتركة لا تتسع لهما، الأصح أنه يقدم الحج (2) .\r-------------------------------\r(1) كتاب الإيضاح للنووي: ص16 ومابعدها، طبعة الجمالية بمصر، المهذب:199/1.\r(2) المهذب:199/1، المجموع:89/7 ومابعدها.","part":3,"page":429},{"id":1822,"text":"وأجاز الحنابلة كالشافعية الحج عن الغير في حالتين أيضاً:\r1 - المعضوب: وهو من عجز عن السعي إلى الحج والعمرة لكبر أو زمانة، أو مرض لا يرجى برؤه، أو ثقل لا يقدر معه الركوب على الراحلة إلا بمشقة غير محتملة، أو أيست المرأة من محرم.\rيلزم كل من هؤلاء الحج إن وجد من ينوب عنه حراً، ومالاً يستنيبه به، فيحج عنه ويعتمر على الفور من بلده، أو من الموضع الذي أيسر منه إن كان غير بلده.\rويجوز أن يكون النائب رجلاً عن امرأة وبالعكس: امرأة عن رجل، بلا خلاف بين العلماء، لكن يكره عند الحنفية إحجاج المرأة لاشتمال حجها عادة على نوع من النقصان، فإنها لا ترمل في الطواف وفي السعي بين الصفا والمروة، ولاتحلق.\rوإن لم يجد مالاً يستنيب به، فلا حج عليه بغير خلاف؛ لأن الصحيح (غير المريض) لو لم يجد ما يحج به، لم يجب، فالمريض أولى. وإن وجد مالاً ولم يجد من ينوب عنه، فعلى الروايتين السابقتين في إمكان المسير: هل هو من شرائط الوجوب وهو المذهب، فلا يجب عليه شيء بعد الموت. أم من شرائط لزوم السعي للحج، فيجب الحج عنه بعد موته.\rومن يرجى زوال مرضه وفك حبسه، ليس له أن يستنيب، فإن فعل لم يجزئه؛ لأنه يرجو القدرة على الحج بنفسه، فلم يكن له الاستنابة، ولا تجزئه إن فعل كالفقير.\rوإن عوفي المعضوب قبل إحرام النائب لم يجزئه حج النائب عنه اتفاقاً للقدرة على المبدل قبل الشروع في البدل، كالمتيمم يجد الماء. ومتى أحج المعضوب عن نفسه، ثم عوفي، لم يجب عليه حج آخر؛ لأنه أتى بما أمر به، فخرج عن العهدة، كما لو لم يبرأ. وقال الشافعية والحنفية: يلزمه حج آخر؛ لأن هذا بدل إياس، فإذا برأ تبينا أنه لم يكن مأيوساً منه، فلزمه الأصل، كالآيسة إذا اعتدت بالشهور، ثم حاضت، لا تجزئها تلك العدة.","part":3,"page":430},{"id":1823,"text":"ولا يجوز الحج والعمرة عن حي إلا بإذنه فرضاً كان أو تطوعاً؛ لأنها عبادة تدخلها النيابة، فلم تجز عن البالغ العاقل إلا بإذنه كالزكاة.\r2 - الميت الذي وجب عليه الحج: من وجب عليه الحج، لاستكمال الشرائط السابقة المطلوبة، ثم توفي قبله، فرّط في الحج بأن أخره لغير عذر، أو لم يفرط كالتأخير لمرض يرجى برؤه أو لحبس أو أسر أو نحوه، أخرج عنه من جميع ما له حجة وعمرة، ولو لم يوص به. ويكون الإحجاج عنه من حيث وجب عليه، لا من حيث مكان موته؛ لأن القضاء يكون بصفة الأداء، بل يجب ألا يكون النائب من خارج بلده التي تبعد فوق مسافة القصر، ويجوز من نائب من بلد آخر دون مسافة القصر؛ لأن ما دونها في حكم الحاضر. وإن مات من وجب عليه الحج في الطريق أو مات نائبه في الطريق، حج عنه من حيث مات هو أو نائبه، فيما بقي مسافة وقولاً وفعلاً.\rويسقط الحج عن الميت بحج أجنبي عنه، ولو بلا إذن وليه؛ لأنه صلّى الله عليه وسلم شبَّهه بالدين، أي إن الحج عن الميت يجوز عنه بغير إذنه واجباً كان أو تطوعاً، بخلاف الحي؛ لأنه صلّى الله عليه وسلم أمر بالحج عن الميت، مع العلم أنه لا إذن له، وما جاز فرضه جاز نفله كالصدقة.\rوإن وصى المسلم بحج نفل ولم يعين محل الاستنابة، جاز أن يحج عنه من الميقات أي ميقات بلد الموصي، ما لم تمنع منه قرينة بأن يوصي أن يحج بقدر يكفي للنفقة من بلده، فيتعين منها، فإن ضاق ماله عن الحج من بلده بأن لم يخلف مالاً يفي به، أو كان عليه دين،أخذ للحج بحصته، وحج به من حيث يبلغ، لشبهه بالدين.\rوالخلاصة: إن المالكية والحنفية يجيزون الحج عن الميت إذا أوصى وتنفذ الوصية من ثلث المال، وأجاز الجمهور غير المالكية عن الحي العاجز لمرض ونحوه. وحج النائب يكون عند الحنفية والحنابلة من بلد المنوب عنه، وعند الشافعية من الميقات.\rوتنفذ الوصية عند الشافعية والحنابلة من رأس المال، لا من الثلث فقط.","part":3,"page":431},{"id":1824,"text":"وحج النائب عن الميت يكون على الفور عند الجمهور، لقوله تعالى: {وأتموا الحج والعمرة لله } [البقرة:196/2] {ولله على الناس حج البيت} [آل عمران:97/3] والأمر على الفور، وعند الشافعي: على التراخي، وللنائب تأخيره؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلم أمّر أبا بكر على الحج وتخلف بالمدينة، لا محارباً ولا مشغولاً بشيء وتخلف أكثر الناس قادرين على الحج، فدل على أن وجوبه على التراخي.\rأدلة المشروعية: استدل الفقهاء على مشروعية النيابة في الحج بحديث ابن عباس وغيره: «أن امرأة من خَثْعَم، قالت: يا رسول الله ، إن أبي أدركته فريضة الله في الحج شيخاً كبيراً، لا يستطيع أن يستوي على ظهر بعيره؟ قال: فحُجِّي عنه» (1) فدل على جواز الحج عن الوالد غير القادر على الحج، علماً بأن ذلك كان في حجة الوداع.\rوعن ابن عباس أيضاً: «أن امرأة من جهينة جاءت إلى النبي صلّى الله عليه وسلم ، فقالت: إن أمي نذرت أن تحج، فلم تحج، حتى ماتت، أفأحج عنها؟ قال: نعم، حُجِّي عنها، أرأيتِ لو كان على أمِّك دين أكنت قاضيتَه؟ اقضوا الله ، فالله أحق بالوفاء» (2) .\rورواه الدارقطني بلفظ: «أتى النبي صلّى الله عليه وسلم رجل، فقال: إن أبي مات، وعليه حجة الإسلام، أفأحج عنه؟ قال: أرأيت لو أن أباك ترك ديناً عليه، أقضيتَه عنه؟ قال: نعم، قال: فاحجُجْ عن أبيك» . دل على إجزاء الحج عن الميت من الولد، وشبَّهه بالدين، ودلت روايات أخرى على صحة الحج عن الميت من الوارث وغيره، إذ فيها «إن أختي نذرت أن تحج» ولم يستفصله أوارث هو أم لا؟\r-------------------------------\r(1) رواه الجماعة (أحمد وأصحاب الكتب الستة) عن ابن عباس، وروى أحمد والترمذي وصححه مثله عن علي، ورواه أحمد، والنسائي بمعناه عن عبد الله بن الزبير بلفظ «جاء رجل من خثعم» يصف حال أبيه الكبير (نيل الأوطار:285/4 وما بعدها، سبل السلام: 181/2)........\r(2) رواه البخاري، والنسائي بمعناه عن ابن عباس (المرجعان السابقان:286/4، و182/2).","part":3,"page":432},{"id":1825,"text":"ودلت السنة أيضاً على اشتراط كون النائب قد حج عن نفسه، عن ابن عباس: «أن النبي صلّى الله عليه وسلم سمع رجلاً يقول: لبّيك عن شُبْرمة، قال: من شُبْرمة؟ قال: أخ لي، أوقريب لي، قال: حججت عن نفسك؟ قال: لا، قال: حجَّ عن نفسك، ثم حج عن شبرمة» (1) .\rرابعاً ـ الاستئجار على الحج :\rلم يجز متقدمو الحنفية (2) الاستئجار على الحج والأذان وتعليم القرآن والفقه ونحوه من القربات الدينية لاختصاص فاعلها بها، فلو قال رجل لآخر: «استأجرتك على أن تحج عني بكذا» لم يجز حجه، والمذهب وقوع الحج عن المحجوج عنه. وإنما يقول: أمرتك أن تحج عني، بلا ذكر إجارة، وتكون له نفقة مثله بطريق الكفاية؛ لأنه فرغ من نفسه لعمل ينتفع به المستأجر. وإنما جاز الحج عنه؛ لأنه لما بطلت الإجارة، بقي الأمر بالحج. والزائد عن نفقة المثل في الطريق وغيره يرد على الآمر إلا إذا تبرع به الورثة، أو أوصى الميت بأن الفضل للحاج.\rودليلهم على عدم جواز الإجارة على الحج وبقية الطاعات: أن أبي بن كعب كان يعلِّم رجلاً القرآن، فأهدى له قوساً، فسأل النبي صلّى الله عليه وسلم عن ذلك، فقال له:\r-------------------------------\r(1) رواه أبو داود وابن ماجه، وقال: «فاجعل هذه عن نفسك، ثم احجج عن شبرمة» والدارقطني وفيه قال: « هذه عنك وحج عن شبرمة » (نيل الأوطار:292/4).\r(2) الدر المختار وحاشية ابن عابدين:329/2 .","part":3,"page":433},{"id":1826,"text":"«إن سرك أن تتقلد قوساً من نار، فتقلدها» (1) ، وقال النبي صلّى الله عليه وسلم لعثمان بن أبي العاص: «واتخذ مؤذناً لا يأخذ على أذانه أجراً» (2) ولأنها عبادة يختص فاعلها أن يكون من أهل القربة، فلم يجز أخذ الأجرة عليها كالصلاة والصوم .\rوأجاز جمهور الفقهاء (3) ومتأخرو الحنفية: الإجارة على الحج وبقية الطاعات، لقول النبي صلّى الله عليه وسلم : «إن أحق ما أخذتم عليه أجراً كتابُ الله » (4) ، وأخذ أصحاب النبي صلّى الله عليه وسلم الجُعْل على الرُّقية بكتاب الله ، وأخبروا بذلك النبي، فصوبهم فيه (5) ، ولأنه يجوز أخذ النفقة على الحج، كما أقر متقدمو الحنفية أنفسهم، فجاز الاستئجار عليه، كبناء المساجد والقناطر.\rوفائدة الخلاف بين الرأيين: أنه متى لم يجز أخذ الأجرة على الحج، فلا يكون إلا نائباً محضاً، وما يدفع إليه من المال، يكون نفقة لطريقه، فلو مات أو أحصر أو مرض أو ضل الطريق، لم يلزمه الضمان لما أنفق؛ لأنه إنفاق بإذن صاحب المال. وما يلزم من الدماء للنائب بفعل محظور، فعليه في ماله؛ لأنه لم يؤذن له في الجناية، فكان موجبها عليه، كمالو لم يكن نائباً. وإن أفسد الحجة فالقضاء عليه، ويرد ما أخذ؛ لأن الحجة لم تجزئ عن المستنيب لتفريطه وجنايته، وكذلك إن فاته الحج بتفريطه. أما إن فاته بغير تفريط احتسب له بالنفقة؛ لأنه لم يفت بفعله، فلم يكن مخالفاً، كما لو مات. وإن مات في بعض الطريق فإنه يحج عنه من حيث انتهى، وما فضل معه من المال، رده، إلا أن يؤذن له في أخذه، وينفق على نفسه بقدر الحاجة ولاتقتير. وإذا سلك النائب طريقاً يمكنه سلوك أقرب منه، ففاضل النفقة في ماله، وإن أقام بمكة مدة القصر، بعد إمكان السفر راجعاً، أنفق من مال نفسه .\r-------------------------------\r(1) رواه ابن ماجه (نيل الأوطار:286/5).\r(2) رواه أبو داود وابن ماجه (المرجع السابق).\r(3) القوانين الفقهية: ص 128، الشرح الصغير: 15/2، مغني المحتاج:469/1 ومابعدها، المغني:231/3 ومابعدها.\r(4) رواه البخاري عن ابن عباس (المرجع السابق: ص289).\r(5) رواه الجماعة إلا النسائي عن أبي سعيد الخدري (المرجع السابق).","part":3,"page":434},{"id":1827,"text":"وإن جاز الاستئجار على الحج عن حي أو ميت، اعتبر فيه شروط الإجارة من معرفة الأجرة، وعقد الإجارة، وما يأخذه أجرة له يملكه، ويباح له التصرف فيه، والتوسع به في النفقة وغيرها، وما فضل فهو له. وإن أحصر أو ضل الطريق، أو ضاعت النفقة منه، فهو في ضمانه والحج عليه. وإن مات انفسخت الإجارة؛ لأن المعقود عليه تلف، فانفسخ العقد، كما لو ماتت البهيمة المستأجرة، ويكون الحج أيضاً من موضع بلغ إليه النائب، وما لزمه من الدماء فعليه؛ لأن الحج عليه.\rالإجارة على الحج عند المالكية: هؤلاء وإن أجازوا الإجارة على الحج عن الميت الذي أوصى به، لكنهم قالوا بكراهة إجارة الإنسان نفسه في عمل لله تعالى، حجاً أو غيره، كقراءة وإمامة وتعليم علم، إلا تعليم كتاب الله تعالى، وتصح إن أجر نفسه. والإجارة على الحج عندهم نوعان:\rالأول ـ إجارة بأجرة معلومة تكون ملكاً للأجير، كسائر الإجارات، فما عجز عن كفايته، وفاه من ماله، وما فضل كان له. الثاني ـ البلاغ: وهو أن يدفع إليه المال ليحج عنه، فإن احتاج إلى زيادة، أخذها من المستأجر، وإن فضل شيء رده إليه.\rوإذا أوصى الميت أن يحج عنه من ماله، وكان صَرُورة (لم يحج)، نفذت الوصية من ثلث ماله، وإن لم يوص سقط عنه.\rوينوي الأجير الحج لمن حج عنه، ويجوز أن يكون الأجير على الحج لم يحج حجة الفريضة عندهم وعند الحنفية، خلافاً للشافعية والحنابلة، كما سأبيِّن في الشروط.\rخامساً ـ شروط الحج عن الغير :\rاشترط الحنفية (1) عشرين شرطاً للحج عن الغير أذكرها مع آراء الفقهاء الآخرين :\r1 - نية النائب عن الأصيل عند الإحرام؛ لأن النائب يحج عن الأصيل لاعن نفسه، فلا بد من نيته، والأفضل أن يقول بلسانه: أحرمت عن فلان، ولبيت عن فلان، فيقول مثلاً: نويت الحج عن فلان وأحرمت به لله تعالى، ولبيك عن فلان، كما إذا حج عن نفسه، ولو نسي اسمه فنوى عن الأصيل صح، وتكفي نية القلب. وهذا الشرط متفق عليه.....","part":3,"page":435},{"id":1828,"text":"2 - أن يكون الأصيل عاجزاً عن أداء الحج بنفسه، وله مال. فإن كان قادراً على الأداء، بأن كان صحيح البدن، وله مال، لا يجوز حج غيره عنه. وهذا باتفاق الجمهور غير المالكية، أما المالكية فلم يجيزوا الحج عن الحي مطلقاً، وعليه: لا يجوز أن يستنيب في الحج الواجب من يقدر على الحج بنفسه إجماعاً.\rوأجاز الكل الحج عن الميت، لكن إذا أوصى عند الحنفية والمالكية، أو وإن لم يوص عند الآخرين، ويجب الحج عنه إن كان قادراً ومات مفرطاً عند الشافعية والحنابلة.\r3 - أن يستمر العجز كالحبس والمرض إلى الموت: وهذا باتفاق الحنفية والشافعية؛ فلو زال العجز قبل الموت، لم يجزئه حج النائب؛ لأن جواز الحج عن الغير ثبت بخلاف القياس لضرورة العجز الذي لا يرجى برؤه، فيتقيد الجواز به.\rوقال الحنابلة: يجزئه؛ لأنه أتى بما أمر به، فخرج عن العهدة، كما لو لم يزل عذره.\r4 - وجوب الحج: فلو أحج الفقير أو غيره ممن لم يجب عليه الحج عن الفرض، لم يجز حج غيره، وإن وجب بعد ذلك.\r5 - وجود العذر قبل الإحجاج: فلو أحج صحيح غيره، ثم عجز، لا يجزيه. وهذان الشرطان مفهومان بداهة.\r6 - أن تكون النفقة من مال الأصيل، كلها أو أكثرها عند الحنفية، إلا الوارث إذا تبرع بالحج عن مورثه، تبرأ ذمة الميت، إذا لم يكن قد أوصى بالإحجاج عنه .\r-------------------------------\r(1) الدر المختار ورد المحتار:327/2-333، فتح القدير:317/2-321، البدائع:212/2 ومابعدها، الشرح الصغير:15/2، الشرح الكبير:18/2، القوانين الفقهية: ص128، شرح المحلي: 90/2، كتاب الإيضاح: ص17،18 ، المهذب: 1/199 ، المجموع: 7/98 ، مغني المحتاج: 1/470وما بعدها ، المغني: 3/230،243-245 ، كشاف القناع: 2/462 وما بعدها.....","part":3,"page":436},{"id":1829,"text":"فإن تطوع النائب بالحج من مال نفسه، لم يقع عند الحنفية عن الميت، وكذا إذا أوصى الميت المورث أن يحج عنه بماله، ومات، فتطوع عنه وارثه بمال نفسه، لايجزئ الميت؛ لأن الفرض تعلق بماله، فإذا لم يحج بماله، لم يسقط عنه الفرض. وأجاز الشافعية والحنابلة التطوع بالحج من الوارث أو الأجنبي عن الغير مطلقاً، سواء أوصى الميت أم لم يوص أو لم يأذن الوارث للأجنبي، كمن يتبرع بقضاء دين غيره.\r7 - أن يحرم من الميقات على النحو الذي طالب به الأصيل: فلو اعتمر، وقد أمره بالحج، ثم حج من مكة، لا يجوز، ويضمن، أي لو أمره بالإفراد بالحج، فتمتع بالعمرة، لم يقع حجه عنه، ويضمن باتفاق الحنفية، ولو أمره بالإفراد فقرن بالحج والعمرة فهو مخالف ضامن للنفقات عند أبي حنيفة، ويجوز ذلك عند الصاحبين عن الأصيل استحساناً.\rوإن أوصى الميت بالحج، وحدد المال أو المكان، فالأمر على ما حدده وعينه، وإن لم يحدد شيئاً فيحج عنه من بلده قياساً لا استحساناً، والعمل على القياس.\rوقال الشافعية: يجب على النائب الحج من ميقات الأصيل؛ لأن الحج يجب من الميقات. ولو أمره بالإفراد فقرن عن الآمر، فيقع ذلك عن الآمر كما قال الصاحبان. أما إذا أمره بالإفراد فتمتع عن الآمر، لم يقع حجه عنه، ولايجوز ذلك عن حجة الإسلام، كما قال الحنفية. وسوى المالكية بين القران والتمتع إذا فعلا، وكان الإفراد يجزئ، إن كان الشرط من الوصي لا الأصيل.............","part":3,"page":437},{"id":1830,"text":"وقال الحنابلة: يجب على النائب الحج من بلد الأصيل؛ لأن الحج واجب على العاجز أو الميت من بلده، فوجب أن ينوب عنه منه؛ لأن القضاء يكون على وفق الأداء، كقضاء الصلاة والصيام. وكذلك الحكم في حج النذر والقضاء. وصحح الحنابلة الحج عن الأصيل في كل الحالات إفراداً وقراناً وتمتعاً، ويرجع على الأجير بفرق أجرة المسافة، أو توفير الميقات. فإن كان للأصيل وطنان، استنيب من أقربهما. وإن خرج الشخص للحج، فمات في الطريق، حج عنه من حيث مات؛ لأنه أسقط بعض ما وجب عليه، فلم يجب ثانياً. وكذلك إن مات نائبه، استنيب من حيث مات كذلك.\rولو أحرم شخص بالحج، ثم مات، صحت النيابة عنه فيما بقي من النسك؛ سواء أكان إحرامه لنفسه أم لغيره؛ لأنها عبادة تدخلها النيابة، فإذا مات بعد فعل بعضها، قضى عنه باقيها كالزكاة.\rفإن لم يخلف الميت تركة تفي بالحج من بلده، حج عنه من حيث تبلغ.\rوإن أوصى ميت بحج تطوع، فلم يف ثلثه بالحج من بلده، حج به من حيث بلغ، أو يعان به في الحج. ويستناب عن الميت ثقة بأقل ما يوجد، إلا أن يرضى الورثة بزيادة، أو يكون قد أوصى بشيء، فيجوز ما أوصى به ما لم يزد على الثلث.\r8 - الأمر بالحج: شرط الحنفية أن يأمر الأصيل بالحج عنه، فلا يجوز الحج عن الغير بغير إذنه، إلا الوارث، فإنه يجوز أن يحج عن المورث بغير إذنه، وتبرأ ذمة الميت إذا لم يكن أوصى بالحج عنه، ودليلهم حديث الخثعمية السابق. وفي نطاق المشيئة الإلهية: لو حج عنه أجنبي تسقط عنه حجة الإسلام إن شاء الله تعالى؛ لأنه إيصال للثواب، وهو لا يختص بأحد من قريب أو بعيد، قال أبو حنيفة: يجزيه إن شاء الله ، وبعد الوصية يجزيه من غير المشيئة.....................","part":3,"page":438},{"id":1831,"text":"9 - وشرط الحنفية أيضاً عدم اشتراط الإجرة، فلا يجوز كما تقدم عندهم الاستئجار على الحج، فلو استأجر رجلاً، بأن قال: استأجرتك على أن تحج عني بكذا، لم يجز حجه عنه والمعتمد أنه يقع عنه، وإنما يقول: أمرتك أن تحج عني، بلا ذكر إجارة. وأجاز الجمهور كما بينا الاستئجار على الحج. وأبان الحنابلة أنه يستحب أن يحج الإنسان عن أبويه إذا كانا ميتين أو عاجزين؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلم أمر أبا رزين فقال: «حج عن أبيك واعتمر» و «سألت امرأة رسول الله صلّى الله عليه وسلم عن أبيها مات ولم يحج، فقال: حج عن أبيك» وعن جابر: «من حج عن أبويه أو قضى عنهما مغرماً، بعث يوم القيامة مع الأبرار» . (1)\rويستحب البداءة بالحج عن الأم إن كان تطوعاً أو واجباً عليهما؛ لأن الأم مقدمة في البر، قال أبو هريرة: «جاء رجل إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلم فقال: من أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال: أُمُّك، قال: ثم من؟ قال: أُمُّك، قال: ثم من؟ قال: أمُّك، قال: ثم من؟ قال: أبوك» (2) . وإن كان الحج واجباً على الأب دون الأم، بدأ به؛ لأنه واجب، فكان أولى من التطوع.\rوقال الحنفية: من أهل بحجة عن أبويه، يجزيه أن يجعله عن أحدهما؛ لأن من حج عن غيره بغير إذنه، يجعل ثواب حجه له بعد أداء الحج، فلغت نيته قبل أدائه، وصح جعل ثوابه لأحدهما بعد الأداء، بخلاف المأمور بالحج، كما تقدم.\r10 - أهلية النائب لصحة الحج: بأن يكون مكلفاً (بالغاً عاقلاً) بالاتفاق وأجاز الحنفية كون النائب مميزاً (مراهقاً) فلا يصح عندهم إحجاج صبي غير مميز.\rحج الصَّرُورة: الصرورة: من لم يحج عن نفسه، أجاز الحنفية مع الكراهة التحريمية حج الصرورة ولم يشترطوا أن يكون النائب قد حج عن نفسه، عملاً بإطلاق حديث الخثعمية: «حجي عن أبيك» من غير استفسار عن سبقها الحج عن نفسها، وترك الاستفصال في وقائع الأحوال ينزل منزلة عموم المقال أو الخطاب.\r-------------------------------\r(1) روى الدارقطني كل تلك الأحاديث.\r(2) رواه مسلم والبخاري.","part":3,"page":439},{"id":1832,"text":"أما سبب الكراهة فهو أنه تارك فرض الحج.\rوكذلك قال المالكية: يكره الحج عن غيره أي في حالة الوصية بالحج قبل أن يحج عن نفسه، بناء على أن الحج واجب على التراخي، وإلا منع على القول بأنه على الفور وهو المعتمد عندهم.\rوقال الشافعية والحنابلة: لا يصح الحج عن الغير ما لم يكن النائب قد حج عن نفسه حجة الإسلام، للحديث السابق الذي أمر به النبي صلّى الله عليه وسلم رجلاً يلبي عن شبرمة، فقال له: «حج عن نفسك، ثم عن شبرمة» ويحمل ترك الاستفصال في حديث الخثعمية على علمه عليه السلام بأنها حجت عن نفسها أولاً، وإن لم يرو لنا طريق علمه بذلك، جمعاً بين الأدلة كلها، كما قال الكمال بن الهمام.\rويؤيده حديث آخر: «لا صرورة في الإسلام» (1) .\rكذلك لا يجوز أن يتنفل بالحج والعمرة، وعليه فرضهما، ولا يحج ولا يعتمر عن النذر، وعليه فرض حجة الإسلام؛ لأن النفل والنذر أضعف من حجة الإسلام، فلا يجوز تقديمهما عليها، كحج غيره على حجه. فإن أحرم عن غيره، وعليه فرضه، انعقد إحرامه لنفسه عما عليه، للرواية السابقة عن ابن عباس: «أن النبي صلّى الله عليه وسلم قال لمن يحج عن شبرمة: حججت عن نفسك؟ قال: لا، قال: فاجعل هذه عن نفسك، ثم احجج عن شبرمة» .\rوعليه لو اجتمع على إنسان حجة الإسلام وقضاء ونذر، قدمت حجة الإسلام، ثم القضاء ثم النذر، ولو أحرم بغيرها وقع عنها، لا عما نوى.\r11 - أن يحج النائب راكباً؛ لأن المفروض عليه هو الحج راكباً، فينصرف\r-------------------------------\r(1) رواه أبو داود بإسناد صحيح، بعضه على شرط مسلم، وباقيه على شرطه البخاري،قال الشافعي: أكره أن يسمى من لم يحج صرورة. وسمي صرورة؛ لأنه صرّ بنفسه عن إخراجها في الحج. وكذلك قال الحنابلة: تكره تسمية من لم يحج صرورة، للحديث المذكور: «لا صرورة في الإسلام» .","part":3,"page":440},{"id":1833,"text":"مطلق الأمر بالحج إليه، فإذا حج ماشياً فقد خالف، فيضمن النفقة، فمن أمر غيره بالحج عنه، فحج ماشياً، ضمن النفقة.\rوالمعتبر عند الحنفية: ركوب أكثر الطريق، إلا إن ضاقت النفقة، فحج ماشياً، جاز. وكون وجوب الحج راكباً هو رأي الجمهور غير المالكية. أما المالكية فيوجبون الحج ماشياً بلا مشقة شديدة، كما عرفنا.\r12 - أن يحج النائب عن الأصيل من وطنه إن اتسع ثلث التركة، في حالة الوصية بالحج، وإن لم يتسع يحج عنه من حيث يبلغ. هذا رأي الحنفية.\rورأى الشافعية والحنابلة أنه يحج عنه من جميع مال الميت؛ لأنه دين واجب، فكان من رأس المال، كدين الآدمي.\r13 - أن يحج النائب بنفسه إن عينه الأصيل، بأن قال: يحج عني فلان، لا غيره، فلا يجوز حج غيره، ولا يقع الحج عن الميت، ويضمن الحاج الأول والثاني نفقة الحج. أما إن فوض الأصيل النائب، فقال له: اصنع ماشئت، فله حينئذ أن يدفع المال إلى غيره، ويقع الحج عن الآمر.\r14 - ألا يفسد النائب حجه: فلو أفسده، لم يقع عن الآمر، وإن قضاه عند الحنفية، كما سأبين؛ لأنه أمره بحجة صحيحة: وهي الخالية عن الجماع، ولم يفعل ذلك، فصار مخالفاً، فيضمن ما أنفق، ويقع الحج له لا عن الأصيل؛ لأن من أفسد حجة يلزمه قضاؤه.","part":3,"page":441},{"id":1834,"text":"15 - عدم المخالفة: فلو أمره بالإفراد، فقرن أو تمتع، ولو عن الميت، لم يقع عنه، ويضمن النفقة. ولو أمره بالعمرة فاعتمر، ثم حج عن نفسه، أو بالحج، فحج، ثم اعتمر عن نفسه، جاز، إلا أن نفقة إقامته للحج أو العمرة عن نفسه في ماله، فإذا فرغ عادت في مال الميت، وإن عكس لم يجز. 16 - أن يحرم بحجة واحدة: فلو أهل بحجة عن الآمر، ثم بأخرى عن نفسه، لم يجز، إلا إن رفض الثانية.\r17 - أن يفرد الحج عن واحد لو أمره رجلان بالحج، فلو أهل عنهما، ضمن.\r18 ، 19 - إسلام النائب والأصيل وتوفر العقل لديهما، فلا يصح الحج من المسلم للكافر، ولا من المجنون لغيره، ولا عكسه، لكن لو وجب الحج عن المجنون قبل طروء جنونه، صح الإحجاج عنه.\r20 - عدم الفوات أي عدم تفويت الوقوف بعرفة، كما سيأتي.\rالحج النفل عن الغير: هذه الشرائط كلها عند الحنفية في الحج الفرض، أما الحج النفل عن الغير، فلا يشترط فيه شيء منها إلا الإسلام والعقل والتمييز، وكذا الاستئجار عليه، لاتساع باب النفل، فإنه يتسامح في النفل ولا يتسامح في الفرض (1) .\rسادساً ـ مخالفة النائب :\rالأصل في النائب بالحج عن الغير أن يلتزم ما وكله به الأصيل أو أمره به، فإذا خالف الأمر، ما الحكم؟\rقال الحنفية (2) : يصير المأمور بالحج مخالفاً في الحالات التالية:\rأ ـ إذا أمره بحجة مفردة أو بعمرة مفردة، فقرن بينهما: فهو مخالف ضامن عند أبي حنيفة؛ لأنه لم يأت بالمأمور به؛ لأنه أمر بسفر على نحو معين، لا غير، ولم يأت به، فخالف أمر الآمر، فضمن. وقال الصاحبان: يجزئ ذلك عن الآمر استحساناً، ولا يُضمن فيه دم القران على الحاج؛ لأنه فعل المأمور به، وزاد خيراً، فكان مأذوناً في الزيادة دلالة، فلم يكن مخالفاً، فهي مخالفة إلى خير.\r-------------------------------\r(1) حاشية ابن عابدين: 329/2 .\r(2) البدائع: 213/2-216 .","part":3,"page":442},{"id":1835,"text":"ب ـ لو أمره بالحج عنه، فاعتمر: ضمن؛ لأنه خالف. ولو اعتمر، ثم حج من مكة، يضمن النفقة باتفاق الحنفية، لأمره له بالحج بسفر، وقد أتى بالحج من غير سفر.\rجـ ـ لوأمره أن يعتمر، فأحرم بالعمرة واعتمر، ثم أحرم بالحج عن نفسه، لم يكن مخالفاً؛ لأنه فعل ما أمر به: وهو أداء العمرة بالسفر، وحجه عن نفسه بعدئذ كاشتغاله بعمل آخر من التجارة وغيرها، لكن النفقة في حجه تكون من ماله، لأنه عمل لنفسه.\rد - إذا أمره أن يحج عنه، فحج عنه ماشياً، يضمن؛ لأنه خالف؛ لأن الأمر بالحج ينصرف إلى الحج المتعارف في الشرع وهوالحج راكباً؛ لأن الله تعالى أمر بذلك، فعند الإطلاق ينصرف إليه. فإذا حج ماشياً، فقد خالف.\rهـ ـ لو أمره اثنان بالحج عنهما، فأحرم عنهما معاً، فهو مخالف، ويقع الحج عنه، ويضمن النفقة لهما إن أنفق من مالهما؛ لأن كل واحد منهما أمره بحج تام ولم يفعل، فصار مخالفاً لأمرهما، فلم يقع حجه عنهما، فيضمن لهما. ووقع الحج عن الحاج؛ لأن الأصل أن يقع كل فعل عن فاعله، وإنما يقع لغيره بجعله، فإذا خالف لم يصر لغيره، فبقي فعله له.\rوإن أحرم بحجة عن أحدهما بعينه، وقع عنه، ويضمن للآخر النفقة، وإن أحرم بحجة عن أحدهما بغير تعيين، فله أن يجعله عن أحدهما أيهما شاء، ما لم يتصل بها الأداء. وكذلك لو أحرم الابن بالحج عن أحد أبويه، صح وإن لم يكن معيناً، ثم يعين أحدهما؛ لأن الإحرام ليس من الأداء، بل هو شرط جواز أداء أفعال الحج.\rوإن أمره أحدهما بحجة، وأمره الآخر بعمرة: فإن أذنا له بالجمع وهو القران، فجمع، جاز. وإن لم يأذنا له بالجمع، فجمع، جاز عند الكرخي، ولم يجز عند القدوري وهو الأرجح؛ لأنه خالف؛ لأنه أمره بسفر ينصرف كله إلى الحج، وقد صرفه إلى الحج والعمرة، فصار مخالفاً.","part":3,"page":443},{"id":1836,"text":"جزاء المخالفة: إذا فعل المأمور بالحج ما يوجب الدم (ذبح شاة مثلاً) أو غيره، فهو عليه. ولو قرن عن الآمر بأمره، فدم القران عليه. والحاصل: أن جميع الدماء المتعلقة بالإحرام في مال الحاج، إلا دم الإحصار خاصة، فإنه في مال المحجوج عنه؛ لأنه هو الذي أدخل الحاج في هذه العهدة، فكان من جنس النفقة والمؤنة، وذلك من مال المحجوج عنه.\rفإن جامع الحاج القائم بالحج عن غيره قبل الوقوف بعرفة، فسد حجه، ويمضي فيه، والنفقة في ماله، ويضمن ما أنفق من مال المحجوج عنه قبل ذلك، وعليه القضاء من مال نفسه.\rو ـ من حج عن غيره، فمرض في الطريق، لم يجز له أن يدفع النفقة إلى من يحج عن الميت إلا أن يكون أذن له في ذلك؛ لأنه مأمور بالحج، لا بالإحجاج.\rز ـ لو أحج رجلاً يؤدي الحج، ويقيم بمكة، جاز؛ لأن فرض الحج، صار مؤدىً بالفراغ عن أفعاله. والأفضل أن يحج، ثم يعود إليه، لأنه كلما كانت النفقة أكثر، كان الثواب للآمر أكثر وأوفر. وإذا فرغ المأمور بالحج من الحج، ونوى الإقامة خمسة عشر يوماً فصاعداً، أنفق من مال نفسه؛ لأن نية الإقامة قد صحت، فصار تاركاً للسفر، فلم يعد مأذوناً بالإنفاق من مال الآمر، ولو أنفق ضمن؛ لأنه أنفق مال غيره بغير إذنه.\rفإن أقام أياماً بمكة من غير نية الإقامة: فإن أقام إقامة معتادة كثلاثة أيام، فالنفقة في مال المحجوج عنه، وإن زاد على المعتاد، فالنفقة من ماله.\rوالإقامة للتجارة والإجارة لا يمنعان جواز الحج، ويجوز حج التاجر والأجير والمكاري، لقوله عز وجل: {ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلاً من ربكم} [البقرة:198/2].","part":3,"page":444},{"id":1837,"text":"وقال الحنابلة(1 ) :\rأ ـ إذا أمره بحج، فتمتع أو اعتمر لنفسه من الميقات، ثم حج: فإن خرج إلى الميقات فأحرم منه بالحج، جاز ولا شيء عليه، وهو مذهب الشافعي أيضاً؛ لأنه إذا أحرم من الميقات، فقد أتى بالحج صحيحاً من ميقاته. وإن أحرم بالحج من مكة، فعليه دم لترك ميقاته، ويرد من النفقة بقدر ما ترك من إحرام الحج فيما بين الميقات ومكة؛ لأن إخلاله كان بما يجبره الدم، فلم تسقط نفقته، كما لو تجاوز الميقات غير محرم، فأحرم دونه.\rب ـ وإن أمره بالإفراد، فقرن، لم يضمن شيئاً عند الحنابلة والشافعية، وهو رأي الصاحبين، خلافاً لرأي أبي حنيفة المتقدم؛ لأنه مخالف. ودليلهم أنه أتى بما أمر به وزيادة، فصح ولم يضمن، كما لو أمره بشراء شاة بدينار فاشترى شاتين تساوي إحداهما ديناراً.\rثم إن كان أمره بالعمرة بعد الحج، ففعلها، فلا شيء عليه، وإن لم يفعل رد من النفقة بقدرها.\rجـ ـ وإن أمره بالتمتع، فقرن، وقع عن الآمر عند الحنابلة والشافعية؛ لأنه أمر بهما، وإنما خالف في أنه أمره بالإحرام بالحج من مكة، فأحرم به من الميقات، ولا يرد شيئاً من النفقة.\rوإن أفرد، وقع عن الأصيل أيضاً، ويرد نصف النفقة؛ لأنه أخل بالإحرام بالعمرة من الميقات، وقد أمره به، وإحرامه بالحج من الميقات زيادة لا يستحق به شيئاً.\rد ـ إن أمره بالقران، فأفرد أو تمتع، صح،،ووقع النسكان عن الآمر، ويرد من النفقة بقدر ما ترك من إحرام النسك الذي تركه من الميقات.\rهـ ـ إن استنابه رجلان: أحدهما للحج والآخر للعمرة، وأذنا له في القران، ففعل، جاز؛ لأنه نسك مشروع. وإن قرن من غير إذنهما، صح ووقع عنهما، خلافاً للحنفية، ويرد من نفقة كل واحد منهما نصفها؛ لأنه جعل السفر عنهما بغير إذنهما، وقد أتى بما أمر به، وإنما خالف في صفته، لا في أصله، فأشبه من أمر بالتمتع فقرن.\rوإن أذن أحدهما دون الآخر، رد على غير الآمر نصف نفقته وحده.\r-------------------------------\r(1) المغني: 234/3-236.","part":3,"page":445},{"id":1838,"text":"ودم القران على النائب إذا لم يؤذن له فيه، لعدم الإذن في سببه. ويكون الدم على من وكلاه، إن أذنا، لوجود الإذن في سببه. فإن أذن أحدهما دون الآخر، فعلى الآذن نصف الدم، ونصفه على النائب.\rو ـ إن أمر بالحج، فحج، ثم اعتمر لنفسه، أو أمره بعمرة، فاعتمر، ثم حج عن نفسه، صح، ولم يرد شيئاً من النفقة؛ لأنه أتى بما أمر به على وجهه. وإن أمره بالإحرام من ميقات، فأحرم من غيره، جاز؛ لأنهما سواء في الإجزاء.\rوإن أمره بالإحرام من بلده، فأحرم من الميقات، جاز؛ لأنه الأفضل.\rوإن أمره بالإحرام من الميقات، فأحرم من بلده، جاز؛ لأنه زيادة لا تضر.\rوإن أمره بالحج في سنة، أو بالاعتمار في شهر، ففعله في غيره، جاز؛ لأنه مأذون فيه في الجملة.\rز ـ إن استنابه اثنان في نسك، فأحرم به عنهما، وقع عن نفسه دونهما، كما قال الحنفية؛ لأنه لا يمكن وقوعه عنهما، وليس أحدهما بأولى من صاحبه.\rوإن أحرم عن نفسه وغيره، وقع عن نفسه؛ لأنه إذا وقع عن نفسه أيضاً، ولم ينوها، فمع نيته أولى.\rوإن أحرم عن أحدهما غير معين، احتمل أن يقع عن نفسه أيضاً؛ لأن أحدهما ليس أولى من الآخر، فأشبه ما لو أحرم عنهما. واحتمل أن يصح؛لأن الإحرام يصح بالمجهول، فصح عن المجهول، وإلا صرفه إلى من شاء منهما.فإن لم يفعل حتى طاف شوطاً، وقع عن نفسه، ولم يكن له صرفه إلى أحدهما؛ لأن الطواف لا يقع عن غير معين.\rالمطلب الثاني ـ موانع الحج :\rيفهم من المطلب السابق في شروط الحج أن هناك موانع للحج هي ما يأتي (1) :\r1 ً - الأبوة: للأبوين وإن علا أحدهما منع الولد غير المكي من الإحرام بتطوع حج أو عمرة، وليس لهما المنع من الفرض؛ لأن خدمة الأبوين جهاد كما في الصحيحين. ويسن استئذانهما في الفرض أيضاً.\r-------------------------------\r(1) القوانين الفقهية: ص140 ومابعدها، الحضرمية: ص136 ومابعدها، كشاف القناع:446/2-450، المغني: 240/3، البدائع:120/2، الدر المختار: 200/2.","part":3,"page":446},{"id":1839,"text":"2 ً - الزوجية: للزوج عند الشافعية منع الزوجة من الحج الفرض والمسنون؛ لأنه حقه على الفور، والنسك عندهم على التراخي، ويسن لها أن تحرم بغير إذنه. وقال الجمهور: ليس للزوج منع الزوجة من الفرض؛ لأنه واجب على الفور، ولو أحرمت بالفرض لم يكن له تحليلها إلا أن يضر ذلك به.\r3 ً - الرق: للسيد منع عبده من الحج الفرض والمسنون، ويتحلل إذا منعه كالمحصر، وليس له منعه من الإتمام إذا أحرم بإذنه، ودليل جواز المنع أن منافع العبد مستغرقة للسيد.\r4 ً - الحبس ظلماً أو بدين وهو معسر، فله التحلل.\r5 ً - استحقاق الدين: للمستحق الدائن منع الموسر من السفر، وليس له التحليل، وليس للمدين أن يتحلل، بل يؤدي الدين. فإن كان الدين مؤجلاً لم يمنعه الدائن من السفر.\r6 ً - الحجر: فلا يحج السفيه إلا بإذن وليه أو وصيه. وقد ذكر المالكية دون غيرهم هذه الحالة.\r7 ً - الإحصار بسبب عدو بعد الإحرام: بأن يمنع المحرم عن المضي في نسكه من جميع الطرق إلا بقتال أو بذل مال، فللمحصر التحلل إجماعاً بعد أن ينتظر مدة يرجى فيها كشف المانع.\rفإذا يئس تحلل بموضعه حيث كان من الحرم وغيره، ولا هدي عليه عند المالكية، وإن كان معه هدي نحره. وقال الجمهور: يتحلل بذبح ما يجزئ في الأضحية: شاة أو سُبْع بقرة أو سُبْع بدنة، ويحلق أو يقصر عند الشافعية، ولا قضاء عليه عندهم، ولا عمرة ، فإن كان صرورة (لم يحج) فعليه حجة الإسلام. وعليه الحلق إن كان في الحرم، ولا حلق عليه إن كان الإحصار في الحل عند الحنفية، وعليه القضاء عندهم وعند المالكية والحنابلة، كما سيأتي بيانه، ولا حلق عليه في الراجح عند الحنابلة. ويتحلل بالنية أيضاً عند الشافعية والحنابلة.","part":3,"page":447},{"id":1840,"text":"وللمحصر خمس حالات كما ذكر المالكية: يصح الإحلال في ثلاث: وهي أن يكون العذر طارئاً بعد الإحرام، أو متقدماً ولم يعلم به، أوعلم وكان يرى أنه لايصده. ويمتنع الإحلال في حالة رابعة، وهي إن صد عن طريق وهو قادر على الوصول من غيره.\rويصح في حالة خامسة: وهي إن شرط التحلل لفراغ زاد، أو مرض أو شك هل يصدونه أو لا، أو غير ذلك.\r8 ً - المرض: من أصابه المرض بعد الإحرام، لزمه عند المالكية والحنابلة والشافعية أن يقيم على إحرامه حتى يبرأ، وإن طال ذلك.\rوأجاز الحنفية التحلل بالمرض كالمحصر بالعدو.\rالمبحث الثالث ـ مواقيت الحج والعمرة الزمانية والمكانية :\rوفيه مطلبان:\rالمطلب الأول ـ وقت الحج والعمرة :\r1 - وقت الحج: للحج وقت معين، أشار إليه القرآن الكريم في آية: {يسألونك عن الأهلة قل: هي مواقيت للناس والحج} [البقرة:189/2] وقوله تعالى: {الحج أشهرٌ معلومات} [البقرة:179/2] أي معظمه في أشهر معلومات.\rوأشهر الحج عند المالكية (1) : هي الأشهر الثلاثة كلها: وهي شوال وذو القعدة وذو الحجة (2) ، فهي كلها محل للحج، لعموم قوله سبحانه: {الحج أشهرٌ معلومات} [البقرة:197/2] فوجب أن يطلق على جميع أيام ذي الحجة؛ لأن أقل الجمع ثلاثة. ويبتدئ وقت الإحرام من أول شوال في أول ليلة عيد الفطر، ويمتد لفجر يوم النحر (الأضحى)، فمن أحرم قبل فجر الأضحى بلحظة، وهوبعرفة، فقد أدرك الحج، وبقي عليه طواف الإفاضة والسعي بعدها؛ لأن الركن عندهم الوقوف بعرفة ليلاً، وقد حصل.\rويكره الإحرام قبل بدء شوال، لكنه ينعقد ويصح عندهم، كما يكر ه الإحرام قبل مكانه المخصص له الآتي بيانه. والسبب في صحة الإحرام قبل ميقاته الزماني والمكاني: أنه وقت كمال، لا وقت وجوب.\r-------------------------------\r(1) بداية المجتهد:315/1، الشرح الصغير: 17/2 ومابعدها، الشرح الكبير: 21/2 ومابعدها.\r(2) قال عمر وابنه وابن عباس: «أشهر الحج: شوال، وذو القعدة، وذو الحجة» .","part":3,"page":448},{"id":1841,"text":"ويجزئ تأخر طواف الإفاضة إلى آخر شهر ذي الحجة.\rفالمدة من بدء شوال لما قبيل فجر يوم الأضحى: وقت لجواز ابتداء الإحرام بالحج. ومن طلوع فجر الأضحى لآخر ذي الحجة: وقت لجواز التحلل من الحج. والأفضل لأهل مكة الإحرام من أول ذي الحجة على المعتمد.\rوأشهر الحج عند الحنفية والحنابلة (1) : شوال وذو القعدة وعشر من ذي الحجة، لما روي عن العبادلة الأربعة (ابن مسعود، وابن عباس، وابن عمر، وابن الزبير) ولقول النبي صلّى الله عليه وسلم : «يوم الحج الأكبر: يوم النحر» (2) ، فكيف يجوز أن يكون يوم الحج الأكبر ليس من أشهره؟ ولأن يوم النحر فيه ركن الحج، وهو طواف الزيارة، وفيه كثير من أفعال الحج، كرمي جمرة العقبة والنحر والحلق والطواف والسعي والرجوع إلى منى، ولأن الحج يفوت بمضي عشر ذي الحجة، ومع بقاء الوقت لا يتحقق الفوات.\rوهذا يدل على أن المراد من قوله تعالى: {الحج أشهرٌ معلومات} [البقرة:197/2] شهران وبعض الثالث، لا كله. وما بعد عشر ذي الحجة ليس من أشهره؛ لأنه ليس بوقت لإحرامه ولا لأركانه، فهو كالمحرَّم.\rولا يمتنع التعبير بلفظ الجمع عن شيئين وبعض الثالث، كالقروء الثلاثة يحتسب منها الطهر الذي طلقها فيه، وقوله تعالى في الآية السابقة: { فمن فرض فيهن الحج } أي في أكثرهن.\rفإن قدم الإحرام بالحج على هذه الأشهر، جاز إحرامه ، وانعقد حجاً ، ولا ينقلب عمرة ، لعموم قوله تعالى : {وأتموا الحج والعمرة لله } [البقرة:196/2]\r-------------------------------\r(1) فتح القدير: 220/2 ومابعدها، الكتاب مع اللباب: 198/1، المغني: 271/3، 295، كشاف القناع: 472/2.\r(2) رواه أبو داود ، وروى البخاري أن النبي صلّى الله عليه وسلم قال في خطبته يوم النحر: «هذا يوم الحج الأكبر» .","part":3,"page":449},{"id":1842,"text":"لكن لا يجوز له شيء من أفعال الحج إلا في أشهره، فمتى أحرم انعقد إحرامه؛ لأنه مأمور بالإتمام، ولأن الإحرام عند الحنفية شرط، فأشبه الطهارة في جواز التقديم على الوقت، ولأن الإحرام تحريم أشياء وإيجاب أشياء، وذلك يصح في كل زمان، فصار كتقديم الإحرام على الميقات المكاني، فهم شبهوا ميقات الزمان بميقات المكان، وعلى كل: يكره الإحرام بالحج قبل أشهر الحج، لما أخرجه البخاري عن ابن عباس: «من السنة ألا يُحرَم بالحج إلا في أشهر الحج» .\rوأما الشافعية (1) فقالوا كالحنفية والحنابلة: أشهر الحج: شوال وذو القعدة وعشر ليال من ذي الحجة: وهو إلى أن يطلع الفجر من يوم النحر، لكنهم رأوا أنه إن أحرم شخص بالحج في غير أشهره، انعقد إحرامه بالعمرة؛ لأنها عبادة مؤقتة، فإذا عقدها في غير وقتها، انعقد غيرها من جنسها، كصلاة الظهر إذا أحرم بهاقبل الزوال، فإنه ينعقد إحرامه بالنفل، فهم شبهوا ميقات الزمان بوقت الصلاة، فلا يقع الحج قبل الوقت. ودليلهم الآية: {الحج أشهرٌ معلومات} [البقرة:197/2] تقديره وقت الحج أشهر، أو أشهر الحج أشهر معلومات، فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه، ومتى ثبت أنه وقته، لم يجز تقديم إحرامه عليه كأوقات الصلوات.\rولا يصح في السنة الواحدة أكثر من حجة؛ لأن الوقت يستغرق أفعال الحجة الواحدة، فلا يمكن أداء الحجة الأخرى.\r2 - وقت العمرة: اتفق العلماء (2) على أن العمرة تجوز في أي وقت من أوقات السنة، في أشهر الحج وغيرها، أي إن ميقات العمرة الزماني جميع العام، فهو وقت لإحرام العمرة، لعدم المخصص لها بوقت دون آخر، ولأن النبي صلّى الله عليه وسلم\r-------------------------------\r(1) مغني المحتاج: 471/1، المهذب: 200/1.\r(2) اللباب:215/1، بداية المجتهد: 315/1، المجموع: 133/7 ومابعدها، المهذب: 200/1، مغني المحتاج: 471/1، كشاف القناع: 472/2، المغني: 226/3، القوانين الفقهية: ص130.","part":3,"page":450},{"id":1843,"text":"اعتمر عمرتين في ذي القعدة وفي شوال (1) ، وقال عليه الصلاة والسلام: «عمرة في رمضان تعدل حجة» (2) وقال فيما رواه مسلم: «دخلت العمرة في الحج ـ مرتين، لا بل لأبد أبد» ومعناه في أصح الأقوال أن العمرة يجوز فعلها في أشهر الحج إلى يوم القيامة، والمقصود به إبطال ماكانت الجاهلية تزعمه من امتناع العمرة في أشهر الحج.\rتفصيل القول في تكرار العمرة: لا يكره عند الجمهور تكرار العمرة في السنة، فلا بأس أن يعتمر في السنة مراراً، لحديث عائشة السابق من اعتماره عليه السلام عمرتين في ذي القعدة وشوال، أي في آخر شوال وأول ذي القعدة.\rوحديث أنس في الصحيحين: «اعتمر صلّى الله عليه وسلم أربع عمر، كلهن في ذي القعدة التي مع حجته» وحديث أبي هريرة في الصحيحين أيضا: «العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما» وبناء عليه قال الشافعية: يسن الإكثار من العمرة، ولو في اليوم الواحد، إذ هي أفضل من الطواف على المعتمد، لكن حديث عائشة هو أقوى الأدلة، وأما الأحاديث الأخرى فليست دلالاتها ظاهرة من سنة واحدة.\rوقال المالكية: تكره العمرة في السنة أكثر من مرة؛ لأنها عبادة تشتمل على الطواف والسعي،فلا تفعل في السنة إلا مرة، كالحج. ونوقش ذلك بأن الحج مؤقت لا يتصور تكراره في السنة، والعمرة غير مؤقتة، فتصور تكرارها كالصلاة.\rمتى تكره العمرة؟ يكره فعل العمرة كراهة تحريم عند الحنفية في يوم عرفة (الوقفة) ويوم النحر (العيد) وأيام التشريق الثلاثة عقب العيد؛ لأنها أيام الحج، فكانت متعينة له.\r-------------------------------\r(1) رواه أبو داود في سننه بإسناد صحيح عن عائشة.\r(2) رواه أبو داود والترمذي والنسائي وغيرهم عن أم معقل الصحابية رضي الله عنها، ورواه البخاري ومسلم عن ابن عباس.","part":3,"page":451},{"id":1844,"text":"وقال المالكية: يستثنى المحرم بحج من كون وقت العمرة جميع العام، فلا يصح إحرامه بعمرة إلا إذا فرغ من جميع أفعال الحج من طواف وسعي ورمي لجميع الجمرات، إن لم يتعجل ، وبقدر رميها من اليوم الرابع بعد الزوال إن تعجل، أي إنه لا يصح إحرامه بالعمرة إلا بعد الفراغ بالفعل من رمي اليوم الرابع إن لم يتعجل، أو بقدره إذا تعجل بأن قدم طوافه وسعيه.\rوكره الإحرام بعد رميه اليوم الرابع إلى الغروب منه، فإن أحرم بها بعد الرمي في اليوم الرابع وقبل الغروب صح إحرامه ووجب عليه تأخير طوافه وسعيه بعد الغروب، وإلا لم يعتد بفعله على المذهب، وأعادهما بعده، وإلا فهو باق على إحرامه أبداً.\rوقال الشافعية: يمتنع على الحاج الإحرام بالعمرة، ما دام عليه شيء من أعمال الحج، كالرمي؛ لأن بقاء حكم الإحرام كبقاء الإحرام نفسه، ولا تكره في وقت، ولا يكره تكرارها كما تقدم بيانه.\rورأى الحنابلة: أنه لا كراهة للعمرة بالإحرام بها يوم النحر ويوم عرفة وأيام التشريق، كالطواف المجرد؛ إذ الأصل عدم الكراهة، ولا دليل عليها.\rالمطلب الثاني ـ ميقات الحج والعمرة المكاني :\rالميقات لغة: الحد، وشرعاً: موضع وزمان معين لعبادة مخصوصة. ولا يجوز للإنسان أن يجاوز الميقات إلا محرماً بحج أو عمرة، وإلا وجب عليه دم أو العودة إليه. فإن قدم الإحرام على الميقات جاز بالاتفاق. وهو أفضل عند الحنفية إن أمن اقتراف المحظورات. ودليل الجواز والأفضلية قوله تعالى: {وأتموا الحج والعمرة لله } [البقرة:196/2] وإتمامهما أن يحرم بهما من دويرة أهله، كما قال علي وابن مسعود،ولأن إتمام الحج مفسر به، والمشقة فيه أكثر والتعظيم أوفر.","part":3,"page":452},{"id":1845,"text":"ويختلف نوع الميقات بين من كان بمكة وبين الآفاقي: القادم لمكة من غير أهلها (1).\rأولاً ـ ميقات من كان مقيماً بمكة: من كان بمكة مكياً أو آفاقياً فميقاته في الحج: الحَرم ـ مكة نفسها؛ لأن رسول الله صلّى الله عليه وسلم أمر أصحابه أن يحرموا بالحج من جوف مكة، فقال: «حتى أهل مكة يهلّون منها» (2) ومثله من منزله في الحرم خارج مكة، وندب إحرامه في المسجد الحرام.\rوميقاته في العمرة: من أدنى الحِلّ ولو بأقل من خطوة من أي جانب شاء، ليتحقق وقوع السفر؛ لأن أداء الحج في عرفة، وهي في الحل، فيكون الإحرام من الحرم، وأداء العمرة في الحرم. فيكون الإحرام من الحِلّ ليجمع في إحرامه بين الحل والحرم، إذ هو شرط في كل إحرام. فإن أحرم بها في الحرم، انعقد وعليه دم إلا إن خرج بعد إحرامه إليه.\rوأفضل بقاع الحل للإحرام بالعمرة: الجِعْرانة عند الشافعية؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلم اعتمر منها، كما روى الشيخان، ثم التنعيم لأمره صلّى الله عليه وسلم عائشة بالاعتمار منه، ثم الحديبية (3) . وأفضلها عند الحنفية والحنابلة: التنعيم؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلم « أمر\r-------------------------------\r(1) فتح القدير: 131/2-134، البدائع: 163/2- 167، اللباب: 178/1 ومابعدها، القوانين الفقهية: ص 130، حاشية الباجوري: 328/1، الشرح الكبير: 22/2، الشرح الصغير: 18/2-25، مغني المحتاج: 473/1-476، المهذب: 202/1-204، كشاف القناع: 466/2-469، المغني: 257/3-267.\r(2) رواه الشيخان. وروى مسلم عن جابر: «أمرنا النبي صلّى الله عليه وسلم لما حللنا أن نحرم من الأبطح» (نصب الراية: 16/3).\r(3) الجعرانة: قرية في طريق الطائف على ستة فراسخ من مكة. والتنعيم: المكان المعروف بمساجد عائشة. والحديبية: بئر بين طريقي جدة والمدينة على ستة فراسخ من مكة.","part":3,"page":453},{"id":1846,"text":"عبد الرحمن بن أبي بكر أن يُعمر عائشة من التنعيم» (1) لأنها أقرب الحل إلى مكة، ثم الجعرانة، ثم الحديبية.\rوللشخص عند المالكية: أن يحرم من الجعرانة أو التنعيم.\rثانياً ـ أهل الحل :\rوهم الذين منازلهم داخل المواقيت الخمسة كأهل بستان بني عامر وغيرهم، فهم داخل المواقيت وخارج الحرم.\rقال المالكية: من كان منزله أقرب إلى مكة من الميقات، فميقاته من منزله في الحج أو العمرة.\rوقال الشافعية والحنابلة: من سلك طريقاً لا ينتهي إلى ميقات، أحرم من محاذاته في بر أو بحر، فإن حاذى ميقاتين أحرم من محاذاة أقربهما إليه، فإن استويا في القرب إليه أحرم من محاذاة أبعدهما من مكة، وإن لم يحاذ ميقاتاً أحرم على مرحلتين من مكة. ومن مسكنه بين مكة والميقات، فيمقاته مسكنه.\rومن جاوز ميقاتاً وهو غير مريد للنسك، ثم أراده، فميقاته موضعه.\rوقال الحنفية: ميقات أهل الحل للحج أو العمرة دويرة أهلهم، أو من حيث شاؤوا من الحل الذي بين دويرة أهلهم وبين الحرم، لقوله عز وجل: {وأتموا الحج والعمرة لله } [البقرة:196/2] وقد فسرها علي وابن مسعود بأن تحرم بهما من دويرة أهلك. فلا يجوز لهم أن يجاوزوا ميقاتهم للحج أو العمرة إلا محرمين. والحل الذي بين دويرة أهلهم وبين الحرم كشيء واحد، فيجوز إحرامهم إلى آخر أجزاء الحل.\rوالخلاصة: إن ميقات الحج والعمرة لمن كان داخل المواقيت هو بالاتفاق: الحل وذلك من أماكنهم، ويجوز لهم عند الحنفية دخول مكة لحاجة من غير إحرام.\rثالثاً ـ الآفاقي أو أهل الآفاق :\rوهم الذين منازلهم خارج المواقيت التي وقَّت لهم ولمن مر عليها من غيرهم ممن أراد الحج أو العمرة رسول ُ الله صلّى الله عليه وسلم وهي خمسة، كما في حديث الصحيحين عن ابن عباس: «أنه صلّى الله عليه وسلم وقَّت لأهل المدينة ذا الحُلَيفة، ولأهل الشام الجُحْفة، ولأهل نجد قَرْن المنازل، ولأهل اليمن يَلَمْلَم، وقال: فهنّ لهنّ، ولمن أتى عليهن من غير أهلهن، لمن كان يريد الحج والعمرة،\r-------------------------------\r(1) متفق عليه.","part":3,"page":454},{"id":1847,"text":"فمن كان دونهن فمهَلُّه من أهله، وكذلك حتى أهل مكة يُهلُّون منها» (1) فإنه شمل أربعة مواقيت.\rوأما ذات عرق: ففي صحيح مسلم عن جابر مرفوعاً قال: «مَهَلّ أهل المدينة من ذي الحليفة والطريقِ الآخر من الجحفة، ومَهلُّ أهل العراق من ذات عِرْق» (2) .\rهذه هي المواقيت الخمسة لغير المقيم بمكة، منقسمة بحسب جهات الحرم، ولا يجوز أن يتجاوزها الإنسان مريداً مكة بالحج أو بالعمرة، إلا محرماً بأحد هذين النسكين وهي ما يأتي:\r1 - ميقات أهل المدينة: ذو الحليفة (آبار علي): مكان على ستة أميال من المدينة، وعشر مراحل من مكة، فهو أبعد المواقيت (460 كم).\r2 - ميقات أهل الشام ومصر والمغرب كله: الجُحفة (رابغ): موضع على ثلاث مراحل من مكة (187 كم). وبما أن أهل الشام الآن يمرون بميقات أهل المدينة وبهذا الميقات، فيخيرون بالإحرام منهما؛ لأن الواجب على من مرّ بميقاتين ألا يتجاوز آخرهما إلا محرماً، ومن الأول أفضل.\r3 - ميقات أهل العراق وغيرهم من أهل المشرق: ذات عِرْق: قرية على مرحلتين من مكة مشرفة على وادي العقيق، في الشمال الشرقي من مكة (194كم).\r4 - ميقات أهل اليمن وتهامة والهند: يَلَمْلَم: جبل جنوبي مكة على مرحلتين منها.\r5 - ميقات أهل نجد والكويت والإمارات والطائف: قَرْن المنازل: جبل على مرحلتين من مكة، ويقال له أيضاً قرن الثعالب. وهو قريب من المكان المسمى الآن بالسيل (94 كم).\rومن تجاوز الميقات دون إحرام وجب عليه الدم إلا إذا عاد إليه، ولا يسقط عنه الدم عند المالكية، وإن رجع إليه بعد إحرامه، على تفصيل سيأتي. وإذا تجاوز الميقات بنية الإقامة في مكان غير الحرم، جاز له ذلك إذا نوى الإقامة مدة خمسة عشر يوماً عند الحنفية، فهي أقل مدة الإقامة في مذهبهم؛ لأن حكم الوطن لا يثبت إلا بنية الإقامة لتلك المدة.\r-------------------------------\r(1) نيل الأوطار: 295/4.\r(2) نيل الأوطار: 295/4.","part":3,"page":455},{"id":1848,"text":"من حاذى الميقات ومن لم يحاذه: من سلك طريقاً في بر أو بحر أو جو بين ميقاتين، فإنه يجتهد حتى يكون إحرامه بحذو الميقات الذي هو إلى طريقه أقرب، ويحرم من محاذاة أقرب الميقاتين إليه، وإن كان الآخر أبعد إلى مكة. فإن استويا في القرب إليه، أحرم من محاذاة أبعدهما من مكة. وإن لم يعرف حذو الميقات المقارب لطريقه، احتاط فأحرم من بعد، بحيث يتيقن أنه لم يجاوز الميقات إلا محرماً؛ لأن الإحرام قبل الميقات جائز، وتأخيره عنه لا يجوز، فالاحتياط فعل ما لا شك فيه. وإن لم يحاذ ميقاتاً مما سبق، أحرم على مرحلتين (89 كم) من مكة، إذ لا ميقات أقل مسافة من هذا القدر.\rحكم الداخل إلى مكة بعد أن حج واعتمر: قال الشافعية (1) : من حج واعتمر حجة الإسلام وعمرته، ثم أراد دخول مكة لحاجة لا تتكرر، كزيارة أوتجارة أو رسالة، أو كان مكياً مسافراً، فأراد دخولها عائداً من سفره، فهل يلزمه الإحرام بحج أو عمرة؟ فيه تفصيل:\rأ ـ إن دخلها لقتال بغاة أو قطاع طريق أو غيرهما من القتال الواجب أوالمباح، أو دخلها خائفاً من ظالم أو غريم يمسه، وهو معسر لا يمكنه الظهور لأداء النسك إلا بمشقة ومخاطرة، لم يلزمه الإحرام بلا خلاف؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلم دخل مكة يوم الفتح بغير إحرام (2) ؛ لأنه كان لا يأمن أن يقاتل.\rب ـ يستحب لكل داخل إلى مكة لا يتكرر دخوله الإحرام، ويكره الدخول بغير إحرام، فمن دخل مكة لحاجة لا تتكرر كالتجارة والزيارة وعيادة المريض، فالأصح عند الشافعية أنه يستحب له الإحرام، ولا يجب مطلقاً. وقال مالك وأحمد: يلزمه، وقال أبو حنيفة: إن كانت داره في الميقات أو أقرب إلى مكة، جاز دخوله بلا إحرام، وإلا فلا.\rجـ ـ من كان يتكرر دخوله كالحطاب والحشاش والصياد والسقّاء والبريد والسائقين ونحوهم، يجوز دخوله بغير نسك، لما روى ابن عباس: «لا يدخل أحد\r-------------------------------\r(1) المجموع: 10/7-16، المهذب: 195/1، الدر المختار: 212/2 ومابعدها، الشرح الصغير: 24/2، المغني: 268/3 وما بعدها.\r(2) رواه مسلم والنسائي عن جابر (نيل الأوطار: 300/4).","part":3,"page":456},{"id":1849,"text":"مكة إلامحرماً، ورخص للحطابين» (1) ولأن في إيجاب الإحرام على هؤلاء مشقة.\rوأما أهل الحرم: فلا إحرام عليهم بالدخول إلى مكة بلا خلاف، كما لا تشرع تحية المسجد لمن انتقل من موضع منه إلى موضع آخر منه.\rومن أراد دخول الحرم ولم يرد دخول مكة، فحكمه حكم دخول مكة، على التفصيل والخلاف السابق.\rوإذا وجب الإحرام لدخول الحرم، فدخل بغير إحرام، عصى، ولا يلزمه القضاء عند الشافعية على المذهب، خوفاً من التسلسل، قال بعض الشافعية: كل عبادة واجبة إذا تركها لزمه القضاء أو الكفارة إلا الإحرام لدخول مكة،وإمساك يوم الشك إذا ثبت أنه من رمضان، فمن ترك مع أنه يجب عليه إمساكه، لم يلزمه قضاء الإمساك ولا الكفارة.\rوقال أبو حنيفة: يلزمه القضاء؛ إذ يجب قضاء كل الواجبات.\rد ـ من لا يكلف الحج كالعبد والصبي والكافر إذا أعتق العبد أو بلغ الصبي أو أسلم الكافر، وأرادوا الإحرام: فإنهم عند الحنابلة والمالكية يحرمون من موضعهم ولا دم عليهم؛ لأنهم أحرموا من الموضع الذي وجب عليهم الإحرام معه، فأشبهوا المكي ومن قريته دون الميقات إذا أحرم منها.\rويجب على جميعهم الدم عند الشافعية؛ لأن كل واحد منهم ترك الواجب عليه.\rوقال الحنفية: لا دم على الكافر الذي يسلم، والصبي الذي يبلغ، وأما العبد فعليه دم.\r-------------------------------\r(1) رواه ابن أبي شيبة، وفيه راو ضعيف (المرجع السابق، نصب الراية: 15/3).","part":3,"page":457},{"id":1850,"text":"هل الإحرام من الميقات أفضل أو من دار أهله؟\rقال الحنفية (1) : الإحرام من بلده أفضل إن كان في أشهر الحج، وأمن على نفسه، لقوله تعالى: {وأتموا الحج والعمرة} [البقرة:196/2] قال علي وابن مسعود: إتمامهما أن تحرم بهما من دويرة أهلك، ولقوله صلّى الله عليه وسلم : «من أحرم من المسجد الأقصى إلى المسجد الحرام بحج أوعمرة، غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، أو وجبت له الجنة» (2) ، ولأنه أكثر عملاً، وأحرم عمر من إيليا (القدس)، وقال للضبِّي بن معبد الذي أحرم من داره: «هديت لسنة نبيك صلّى الله عليه وسلم » (3) .\rوقال جمهور الفقهاء (4) : الإحرام من الميقات أفضل، لأنه الموافق للأحاديث الصحيحة، ولفعل النبي صلّى الله عليه وسلم وأصحابه، فإنهم أحرموا من الميقات، ولا يفعلون إلا الفضل، وأحرم النبي بحجة الوداع من الميقات بالإجماع، وكذا في عمرة الحديبية، كما رواه البخاري في المغازي، ولأن في مصابرة الإحرام بالتقدم عن الميقات عسراً وتغريراً بالعبادة، وإن كان جائزاً.\rويدل له قوله صلّى الله عليه وسلم : «يستمتع أحدكم بحله ما استطاع، فإنه لا يدري ما يعرض له في إحرامه» (5) ، وروى الحسن «أن عمران بن حصين أحرم من مصره، فبلغ ذلك عمر، فغضب: وقال: يتسامع الناس أن رجلاً من أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلم أحرم من مصره » وقال: «إن عبد الله بن عامر أحرم من خراسان، فلما قدم\r-------------------------------\r(1) البدائْع: 164/2، اللباب: 178/1.\r(2) رواه أبو داود وأحمد عن أم سلمة، وفي لفظ رواه ابن ماجه: «من أهل بعمرة من بيت المقدس غفر له» وهو ضعيف (نيل الأوطار: 298/4).\r(3) رواه النسائي وأبو داود.\r(4) بداية المجتهد: 314/1، مغني المحتاج: 475/1، المغني: 264/3.\r(5) رواه أبو يعلى الموصلي في مسنده عن أبي أيوب.","part":3,"page":458},{"id":1851,"text":"على عثمان، لامه فيما صنع، وكرهه له» (1) قال البخاري: «كره عثمان أن يحرم من خراسان أو كرمان» .\rوهذا هو الأرجح لدي دفعاً للمشقة عن النفس، وبعداً عن التعرض لفعل محظورات الإحرام. وأما حديث الإحرام من بيت المقدس فيه ضعف، وأما قول عمر للضبي: «هديت لسنة نبيك» فإنه يعني في القران بين الحج والعمرة، لا في الإحرام من قبل الميقات، فإن سنة النبي صلّى الله عليه وسلم الإحرام من الميقات. وأما قول عمر وعلي: «إتمام العمرة أن تنشئها من بلدك» فمعناه أن تنشئ لها سفراً من بلد ك، تقصد له، ليس أن تحرم بها من دويرة أهلك. وهذا ما فسره به سفيان وأحمد، ولا يصح أن يفسر بالإحرام نفسه، فإن النبي صلّى الله عليه وسلم وأصحابه ما أحرموا بها من بيوتهم.\rجزاء من تجاوز الميقات بدون إحرام: لو جاوز الشخص ميقاتاً من المواقيت الخمسة، يريد الحج أو العمرة، بغير إحرام، ثم عاد قبل أن يحرم، وأحرم من الميقات، وجاوزه محرماً، لا يجب عليه دم بالإجماع؛ لأنه لما عاد إلى الميقات قبل أن يحرم،وأحرم، التحقت تلك المجاوزة بالعدم، وصار هذا ابتداء إحرام منه.\rأما لو أحرم بعدما جاوز الميقات قبل أن يعمل شيئاً من أفعال الحج، ثم عاد إلى الميقات، ففيه آراء للفقهاء (2) ، علماً بأن هذه الآراء تنطبق عند الحنفية على المكي الذي ترك ميقاته، فأحرم للحج من الحل، والعمرة من الحرم:\r1 - قال أبو حنيفة: إن عاد إلى الميقات، ولبى، سقط عنه الدم، وإن لم يلب لا يسقط، لقول ابن عباس للذي أحرم بعد الميقات: «ارجع إلى الميقات، فلبّ، وإلا فلا حج لك» أوجب التلبية من الميقات، فلزم اعتبارها.\r-------------------------------\r(1) رواهما سعيد والأثرم.\r(2) البدائع: 165/2-167، الشرح الصغير: 24/2 ومابعدها، الشرح الكبير: 24/2 ومابعدها، مغني المحتاج: 474/1 وما بعدها، المغني: 261/3، 266.","part":3,"page":459},{"id":1852,"text":"2 - قال الصاحبان والشافعية والحنابلة: من جاوز الميقات، فأحرم، لزمه دم إن لم يعد، وإن أحرم ثم عاد قبل تلبسه بنسك كالطواف سقط عنه الدم، لبى أو لم يلب، علم تحريم ذلك أو جهله؛ لأن حق الميقات في مجاوزته إياه محرماً، لا في إنشاء الإحرام منه، وسقوط الدم عنه لما روى ابن عباس عن النبي صلّى الله عليه وسلم أنه قال: «من ترك نسكاً، فعليه دم» (1) . وإن تجاوز الميقات بغير إحرام لزمه العود ليحرم منه، إلا إذا ضاق الوقت أو كان الطريق مخوفاً.\rوينطبق هذا على المكي بالحرم إن لم يخرج إلى الميقات، وأتى بأفعال العمرة، عليه دم، وأجزأته، فلو خرج إلى الحل بعد إحرامه سقط الدم، كما لو جاوز الميقات ثم عاد إليه محرماً.\rولو أفسد المحرم من دون الميقات حجه، لم يسقط عنه الدم عند الحنابلة والشافعية. وقال الحنفية: يسقط؛ لأن القضاء واجب.\r3 - وقال المالكية: من تجاوز الميقات وأحرم، لم يلزمه الرجوع إليه، وعليه الدم، لتعديه الميقات حلالاً، ولا يسقط عنه رجوعه له بعد الإحرام، لتعديه.\rفإن لم يكن أحرم وجب الرجوع للميقات إلا لعذر كخوف فوات لحجة لو رجع، أو فوات رفقة، أو خاف على نفس أو مال أو عدم قدرة على الرجوع، فلا يجب عليه الرجوع حينئذ، ويجب عليه الدم لتعديه الميقات حلالاً.\r-------------------------------\r(1) روي موقوفاً ومرفوعاً، والموقوف رواه مالك وغيره بإسناد صحيح، بلفظ: « من نسي من نسكه شيئاً أو تركه، فليهرق دماً» .","part":3,"page":460},{"id":1853,"text":"المبحث الرابع ـ أعمال الحج والعمرة وصفة حجة النبي وعمرته :\rأولاً ـ أعمال الحج: عشرة وهي ما يأت (1) :\r1 - الإحرام: نية الحج أو العمرة أو هما، بأن يقول: نويت الحج أو العمرة وأحرمت به أو بها لله تعالى. وإن حج أو اعتمر عن غيره، قال: نويت الحج أو العمرة عن فلان، وأحرمت به أو بها لله تعالى. ثم يلبي عقيب صلاة ركعتي الإحرام.\r2 - دخول مكة من أعلاها وهي كَدَاء، ثم دخول المسجد الحرام من باب بني شيبة، ثم طواف القدوم بالابتداء بالركن الأسود.\r3 - الطواف: وهو ثلاثة: طواف القدوم، وطواف الإفاضة، وطواف الوداع.\r4 - السعي بين الصفا والمروة.\r5 - الوقوف بعرفة وبمنى: يخرج إلى منى في اليوم الثامن من ذي الحجة وهو يوم التروية (2) ، فيصلي فيها الظهر والعصر، ويبيت بها، ثم يروح إلى عرفة بعد طلوع الشمس، فيجمع في اليوم التاسع بين الظهر والعصر مع الإمام في مسجد نمرة أو في غيره، ثم يقف بعرفة حيث يقف الناس.\r6 - المبيت بمزدلفة: وهي ما بين منى وعرفة، ويجمع الحجاج بالمزدلفة بين المغرب والعشاء مقصورة بعد مغيب الشفق في ليلة العيد. ويصلون الفجر في المشعر الحرام: وهو آخر أرض المزدلفة، ويقفون للتضرع والدعاء، ثم يدفعون منها قبل طلوع الشمس إلى منى.\r7 - رمي الجمار: يرمي الحاج يوم النحر بمنى جمرة العقبة (وهي الجمرة الكبرى) بعد طلوع الشمس قدر رمح، بسبع حصيات.\rويرمي سائر الجمرات الثلاث في أيام منى: وهي ثاني العيد وثالثه ورابعه، كل جمرة سبع حصيات، مبتدئاً بالجمرة الأولى (الصغرى) وهي التي تلي مسجد الخيف من جهة عرفات، ثم الوسطى، ثم جمرة العقبة، بين الزوال والغروب.\r8 - الحلق أو التقصير، والأول أفضل للرجال. وتقص المرأة ولا تحلق، وتقطع من جميع شعرها نحو الأنملة، ويدعو عند الحلق، وذلك يوم النحر بعد رمي جمرة العقبة والذبح إن كان معه هدي. ثم يأتي مكة، فيطوف طواف الإفاضة وهو المفروض.\r-------------------------------\r(1) القوانين الفقهية: ص131-135 .\r(2) سمي يوم التروية، لأن إبراهيم عليه السلام لما أمر بذبح ولده، رأى ليلة التروية، فلما أصبح تروى في نفسه، أي فكر من الصباح إلى الرواح، أمن الله هذا الحلم أم من الشيطان، فسمي ذلك اليوم يوم التروية، أو لأن الناس يتزودون فيه بالماء للري في عرفة.","part":3,"page":461},{"id":1854,"text":"9 - الذبح: يذبح بعد رمي الجمرة الكبرى، ويجوز الحلق قبل الذبح، والذبح قبل الجمرة. ويجوز ذبح الهدي قبل طلوع الشمس.\r10 - طواف الوداع: مستحب عند المالكية، واجب عند الجمهور.\rولا يؤمر به أهل مكة ولا من أقام بها من غير أهلها.\rوإذا حاضت المرأة بعد الإفاضة خرجت قبل الوداع عند المالكية.\rثانياً ـ أعمال العمرة: أربعة وهي :\rالإحرام، والطواف، والسعي بين الصفا والمروة، والحلق أو التقصير.\rثالثاً ـ عمرة النبي صلّى الله عليه وسلم :\rروى الشيخان وأحمد عن أنس: «أن النبي صلّى الله عليه وسلم اعتمر أربع عُمَر (1) في ذي القَعْدة إلا التي اعتمر مع حَجَتَّه: عُمرَته من الحُدَيْبِية، ومن العام المُقْبل، ومن الجِعْرانة حيث قسم غنائم حنين، وعمرته مع حَجته» فهي أربع عمر: عمرة الحديبية لزيارة البيت الحرام في السنة السادسة من الهجرة، وعمرة القضاء من السنة السابعة، وعمرة الجعرانة في السنة الثامنة في وادي حنين بين مكة والطائف، على بعد ثلاث ليال من مكة، والعمرة التي مع حجة الوداع في السنة التاسعة.\rرابعاً ـ حجة النبي صلّى الله عليه وسلم ـ حجة الوداع :\rروى مسلم وغيره (2) صفة حجة النبي صلّى الله عليه وسلم ، وهو حديث عظيم مشتمل على جمل من الفوائد، ونفائس من مهمات القواعد، وأحكام الفقه التي بلغت نيفاً وخمسين نوعاً، كما ذكر الإمام النووي رحمه الله عن أبي بكر بن المنذر رحمه الله .\rونص الحديث: قال جعفر بن محمد عن أبيه: دخلنا على جابر بن عبد الله ، فسأل عن القوم حتى انتهى إليّ، فقلت: أنا محمد بن علي بن حسين، فأهوى بيده إلى رأسي، فنزع زِرِّي الأعلى، ثم نزع زري الأسفل، ثم وضع كفه بين ثَدْيي، وأنا يؤمئذ غلام شاب، فقال: مرحباً بك ياابن أخي، سل عما شئت، فسألته: وهو أعمى، وحَضَر وقت الصلاة، فقام في نَسَاجة (3) ملتحفاً بها كلما وضعها على مَنْكبه، رجع طرفاها إليه من صغَرها، ورداؤه إلى جَنْبه على المِشْجَب (4) ،\r-------------------------------\r(1) ثبت مثل هذا من حديث عائشة وابن عمر عند البخاري وغيره (نيل الأوطار: 298/4).\r(2) رواه أيضاً أبو داود والنسائي والدارمي وابن أبي شيبة (انظر شرح مسلم: 170/8-195).\r(3) هي ثوب مُلفَّق على هيئة الطيلسان.\r(4) المشجب: اسم لأعواد يوضع عليها الثياب ومتاع البيت.","part":3,"page":462},{"id":1855,"text":"فصلى بنا (1) فقلت: أخبرني عن حَجَّة رسول الله صلّى الله عليه وسلم (2) ، فقال بيده، فعقد تِسْعاً فقال:\rإن رسول الله صلّى الله عليه وسلم مكث تسع سنين لم يحج، ثم أذَّن في الناس في العاشرة أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم حاجٌّ، فقدِم المدينةَ بشر كثير، يلتمس أن يأتمَّ برسول الله صلّى الله عليه وسلم ، ويعمل مثل عمله (3) .\rفخرجنا معه حتى أتينا ذا الحليفة، فولدت أسماءُ بنت عُمَيس محمد بن أبي بكر، فأرسلتْ إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلم ، كيف أصنع؟ قال: اغتسلي واستثفري بثوب وأحرمي (4) .\rفصلى رسول الله صلّى الله عليه وسلم في المسجد (5) ، ثم ركب القَصْواء (6) ، حتى إذا استوت به ناقته على البيداء، نظرتُ إلى مدّ بصري بين يديه من راكب وماشٍ، وعن يمينه مثلَ ذلك، وعن يساره مثلَ ذلك، ومن خلفه مثلَ ذلك، ورسول الله صلّى الله عليه وسلم بين أظهرنا، وعليه ينزل القرآن، وهو يعرف تأويله، وما عمل به من شيء عملنا به. فأهَلَّ بالتوحيد (7) : لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد\r-------------------------------\r(1) هذا المقطع ترحيب بالزائر وملاطفة له مما يليق به وتأنيسه.\r(2) المراد حجة الوداع.\r(3) هذا يدل على أنهم كلهم أحرموا بالحج؛ لأنه صلّى الله عليه وسلم أحرم بالحج.\r(4) الاستثفار: هو أن تشد المرأة في وسطها شيئاً وتأخذ خرقة عريضة تجعلها على محل الدم وتشد طرفيها من قدامها ومن ورائها.\r(5) فيه استحباب ركعتي الإحرام.\r(6) قال ابن قتيبة: كانت للنبي صلّى الله عليه وسلم نوق: القصواء (التي قطع طرف أذنها) والجدعاء (التي قطع من أذنها أكثر من القصواء) والعضباء (مشقوقة الأذن)، وقال محمد بن إبراهيم التيمي التابعي وغيره: إن العضباء والقصواء والجدعاء اسم لناقة واحدة كانت لرسول الله صلّى الله عليه وسلم .\r(7) يعني قوله: «لبيك لا شريك لك» . والتلبية معناها: إجابة إلى الدعاء، وإشعار للإقامة عليها.","part":3,"page":463},{"id":1856,"text":"والنعمة لك والمُلك، لا شريك لك. وأهلَّ الناس بهذا الذي يُهلُّون به، فلم يردَّ رسول الله صلّى الله عليه وسلم شيئاً منه، ولزم رسول لله صلّى الله عليه وسلم تلبيته (1) .\rقال جابر: لسنا ننوي إلا الحج، لسنا نعرف العمرة (2) ، حتى إذا أتينا البيت معه، استلم الركن (3) ، فَرَمل ثلاثاً، ومشى أربعاً (4) ، ثم نَفَذ إلى مَقَام إبراهيم عليه السلام، فقرأ: {واتخِذوا من مقام إبراهيم مُصَلَّى} [البقرة:125/2]، فجعل المَقَام بينه وبين البيت (5) .\rفكان أبي يقول ـ ولا أعلم ذكَره إلا عن النبي صلّى الله عليه وسلم ـ كان يقرأ في الركعتين: {قل: هو الله أحد} [الإخلاص:1/112] و {قل: يا أيها الكافرون} [الكافرون:1/109]. ثم رجع إلى الركن فاستلمه، ثم خرج من الباب إلى الصفا (6) ، فلما دنا من الصفا قرأ: {إن الصفا والمروة من شعائر الله } [البقرة:2/158]، أبدأ بما بدأ الله به، فبدأ بالصفا، فرَقَى عليه، حتى رأى البيت، فاستقبل القبلة، فوحّد الله وكبَّره، قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهوعلى كل شيء قدير، لا إله إلا الله وحده، أنجز وعده، ونصر عبده،\r-------------------------------\r(1) فيه دليل على استحباب الاقتصار على تلبية رسول الله ، كما قال أكثر العلماء منهم مالك والشافعي. دون زيادة، كقول ابن عمر: لبيك وسعديك والخير بيديك والرغباء إليك والعمل. وعن أنس: لبيك حقاً تعبداً ورقاً.\r(2) فيه دليل لمن قال بترجيح الإفراد.\r(3) أي مسح الحجر بيده، في بدء الطواف. وفيه أن يسن لمن دخل مكة قبل الوقوف بعرفات طواف القدوم.\r(4) فيه سنية الرمل في الأشواط الثلاثة الأول والمشي على العادة في الأربع الأخيرة. والرمل: أسرع المشي مع تقارب الخطا.\r(5) فيه سنية صلاة ركعتي الطواف خلف المقام، أو في الحِجْر أو في المسجد، أو في مكة وسائر الحرم.\r(6) فيه استحباب العود بعد صلاة ركعتي الطواف لاستلام الحجر، ثم يخرج من باب الصفا ليسعى.","part":3,"page":464},{"id":1857,"text":"وهزم الأحزاب وحده (1) ، ثم دعا بين ذلك، قال مثلَ هذا ثلاثَ مرات.\rثم نزل إلى المَرْوة، حتى إذا انصبت قدماه في بطن الوادي، سعى، حتى إذا صعدتا، مشى حتى أتى المروة، ففعل على المروة كما فعل على الصفا (2) .\rفقال: لو أني استقبلت من أمري ما استدبرتُ، لم أسق الهدي (3) ، وجعلتها عمرة، فمن كان منكم ليس معه هَدْي، فلَيحِلَّ وليَجْعلْها عمرة.\rفقام سراقة بن مالك بن جُعْشم، فقال: يا رسول الله ، ألعامنا هذا أم لأبد؟ فشبَّك رسول الله صلّى الله عليه وسلم أصابعه واحدة في الأخرى، وقال: دخلت العمرة في الحج (4) ـ مرتين، لا بل لأبد أبد.\rوقدم علي من اليمن ببُدْن النبي صلّى الله عليه وسلم ، فوجد فاطمة ممن حَلَّ، ولبست ثياباً صبيغاً واكتحلت، فأنكر ذلك عليها (5) . فقالت: إن أبي أمرني بهذا، قال: فكان علي يقول بالعراق: فذهبت إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلم مُحَرِّشاً على فاطمة، للذي صنعت، مستفتياً لرسول الله صلّى الله عليه وسلم فيما ذَكَرت عنه، فأخبرتُه أني أنكرت ذلك عليها، فقالت: صَدقَتْ صدقت، ماذا قلتَ حين فَرَضْتَ الحج (6) ؟ قال: قلتُ: اللهم إني أُهِلُّ بما أَهَلَّ به رسولك (7) ،قال: فإن معي الهدي، فلا تحِلَّ.\r-------------------------------\r(1) معناه هزمهم بغير قتال من الآدميين ولا بسبب من جهتهم. والأحزاب: الذين تحزبوا على رسول الله صلّى الله عليه وسلم يوم الخندق في شوال سنة أربع هجرية.\r(2) فيه أنه يسن عليها من الذكر والدعاء والرقي مثلما يسن على الصفا.\r(3) أي لو علمت آخراً ما علمت أولاً لما سقت الهدي.\r(4) معناه أن العمرة يجوز فعلها في أشهر الحج إلى يوم القيامة، فأبطل ذلك عادة العرب وزعمهم أن العمرة في أشهر الحج ممنوعة (شرح مسلم: 166/8 ومابعدها).\r(5) فيه جواز إنكار الرجل على زوجته ما رآه منها من نقص في دينها،لأنه ظن أن ذلك لا يجوز فأنكره.\r(6) أي أوجبته على نفسك، والمقصود: ماذا نويت؟\r(7) فيه جواز تعليق الإحرام بإحرام كإحرام فلان.","part":3,"page":465},{"id":1858,"text":"قال: فكان جماعةُ الهدي الذي قدم به علي من اليمن، والذي أتى به النبي صلّى الله عليه وسلم مئةً، قال: فحلَّ الناس كلُّهم، وقصَّروا (1) ، إلا النبي صلّى الله عليه وسلم ومن كان معه هدي.\rفلما كان يوم التروية (2) ، توجَّهوا إلى منى، فأهلُّوا بالحج (3) ، وركب رسول الله صلّى الله عليه وسلم ، فصلَّى بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر (4) ، ثم مكث قليلاً حتى طلعت الشمس، وأمر بقُبَّة من شَعَر تضرب له بنمِرة (5) .\rفسار رسول الله صلّى الله عليه وسلم ، ولا تشك قريش إلا أنه واقف عند المشعر الحرام، كما كانت قريش تصنع في الجاهلية (6) ، فأجاز رسول الله صلّى الله عليه وسلم (7) حتى أتى عرفة (8) ، فوجد القبَّة قد ضربت له بنمرة، فنزل بها (9) ، حتى إذا زاغت الشمس أمر بالقصواء فرُحِلَت له (10) ، فأتى بطن الوادي (11) ، فخطب الناس (12) وقال:\r-------------------------------\r(1) كلهم أي معظمهم؛ لأن عائشة لم تحل ولم تكن ممن ساق الهدي. والتقصير مع أن الحلق أفضل لإبقاء شعر يحلق في الحج.\r(2) هو اليوم الثامن من ذي الحجة.\r(3) فيه أن الأفضل لمن كان بمكة وأراد الإحرام بالحج أن يحرم يوم التروية، وهومذهب الشافعي وموافقيه.\r(4) فيه سنية أداء الصلوات الخمس بمنى.\r(5) نمرة: موضع بجنب عرفات وليست من عرفات.\r(6) معناه أن قريشاً كانت في الجاهلية تقف في المشعر الحرام: وهو جبل في المزدلفة، يقال له: قزح؛ لأن المزدلفة من الحرم.\r(7) أي جاوز المزدلفة، ولم يقف بها، وتوجه إلى عرفات.\r(8) أي قارب عرفات، بدليل إقامة القبة له في نمرة.\r(9) أي بنمرة، وفيه أن دخول عرفات قبل صلاتي الظهر والعصر جمعاً خلاف السنة.\r(10) أي جعل عليها الرحل بعد زوال الشمس أي دخول وقت الظهر.\r(11) هو وادي عُرَنة، ليست عرنة من أرض عرفات عند العلماء إلا مالكاً فقال: هي من عرفات.\r(12) فيه استحباب الخطبة للإمام بالحجيج يوم عرفة في هذا الموضع، وهو سنة باتفاق جماهير العلماء إلا المالكية.","part":3,"page":466},{"id":1859,"text":"إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا (1) ، ألا كلُّ شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع، ودماء الجاهلية موضوعة، وإن أول دم أضَع من دمائنا: دم ابن ربيعة بن الحارث، كان مُسْتَرضَعاً في بني هُذَيل، فقتلته هذيل، وربا الجاهلية موضوع، وأول ربا أضع ربانا ـ ربا عبَّاس بن عبد المطلب، فإنه موضوع كله (2) .\rفاتقوا الله في النساء، فإنكم أخذتموهن بأمان الله (3) ، واستحللتم فروجهن بكلمة الله (4) ، ولكم عليهن ألا يُوطئن فُرُشكم أحداً تكرهونه، فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضرباً غير مبرِّح (5) ، ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف (6) .\rوقد تركت فيكم ما لَنْ تضلوا بعده إن اعتصمتم به: كتابُ الله ، وأنتم تُسألون عني، فما أنتم قائلون؟ قالوا: نشهد أنك قد بلَّغت وأديت ونصحت. فقال بإصبِعَه السبَّابة يرفعها إلى السماء، وينكُتُها إلى الناس (7) : اللهم اشهد، ثلاث مرات.\rثم أذَّن، ثم أقام، فصلى الظهر، ثم أقام، فصلى العصر، ولم يصل بينهما شيئاً (8) .\r-------------------------------\r(1) معناه متأكدة التحريم شديدته.\r(2) فيه إبطال أفعال الجاهلية وبيوعها التي لم يتصل بها قبض. وقوله عليه السلام: «تحت قدمي» إشارة إلى إبطاله. وكون الربا موضوع كله: معناه الزائد على رأس المال باطل يرد إلى أصحابه، فالوضع: الرد والإبطال.\r(3) فيه الحث على مراعاة حق النساء والوصية بهن ومعاشرتهن بالمعروف.\r(4) أي بإباحة الله، والكلمة: قوله تعالى: {فانكحوا ما طاب لكم من النساء} [النساء:3/4].\r(5) المراد ألا يأذن لأحد تكرهونه في دخول بيوتكم والجلوس في منازلكم، سواء أكان أجنبياً أم أحداً من محارم الزوجة أو امرأة. والضرب غير المبرح أي الذي ليس بشديد ولا شاق.\r(6) فيه وجوب نفقة الزوجة وكسوتها.\r(7) أي يقلبها ويرددها إلى الناس، مشيراً إليهم.\r(8) فيه مشروعية الجمع بين الظهر والعصر بإجماع الأمة في ذلك اليوم، وهو إما بسبب النسك عند أبي حنيفة أو بسبب السفر عند الشافعي.","part":3,"page":467},{"id":1860,"text":"ثم ركب رسول الله صلّى الله عليه وسلم حتى أتى الموقف (1) ، فجعل بطن ناقته القصواء إلى الصخَرَات (2) ، وجعل حَبْل المشاة بين يديه، واستقبل القبلة (3) ، فلم يَزَل واقفاً حتى غَرَبت الشمسه (4) ، وذهبت الصُّفْرة قليلاً حتى غاب القُرْص، وأردف أسامة خلفه (5) ، ودفَع رسول الله صلّى الله عليه وسلم وقد شَنَق للقصواء الزِّمام، حتى إن رأسها ليُصيب مَوْرِك رَحْله (6) ، ويقول بيده اليمنى:\rأيها الناس، السكينةَ السكينةَ، كلما أتى حَبْلاً من الحبال (7) ، أرخى لها قليلاً حتى تَصْعَد.\rحتى أتى المزدلفة، فصلى بها المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين ولم يسبِّح بينهما شيئاً (8) .\rثم اضطجع رسول الله صلّى الله عليه وسلم حتى طلع الفجر (9) ، وصلى الفجر حتى تبيَّن له الصبح بأذان وإقامة.\r-------------------------------\r(1) أي مكان الوقوف بعرفة مقابل الصخرات أمام الجبل. ========","part":3,"page":468},{"id":1861,"text":"............................................................................\r-------------------------------\r========\r(2) يستحب أن يقف عند الصخرات المفترشات في أسفل جبل الرحمة: وهو الجبل الذي بوسط أرض عرفات، وأما ما اشتهر بين العوام من الاعتناء بصعود الجبل وتوهمهم أنه لا يصح الوقوف إلا فيه فغلط، بل الصواب جواز الوقوف في كل جزء من أرض عرفات.\r(3) فيه استحباب استقبال الكعبة في الوقوف. وحبل المشاة: أي مجتمعهم.\r(4) يندب الوقوف إلى ما بعد المغرب، وهو مذهب الجمهور، وقال مالك: لا يصح الوقوف في النهار منفرداً، بل لا بد من الليل وحده.\r(5) فيه جواز الإرداف إذا كانت الدابة مطيقة.\r(6) شنق: ضم وضيق. ومورك الرحل: هو الموضع الذي يثني الراكب رجله عليه قدام واسطة الرحل إذا مل من الركوب. وفي هذا استحباب الرفق في السير من الراكب بالمشاة وبأصحاب الدواب الضعيفة.\r(7) أي ألزموا السكينة، وهي الرفق والطمأنينة. ففيه أن السكينة في الدفع من عرفات سنة، فإذا وجد فرجة أسرع، كما في الحديث الآخر. والحبل: التل اللطيف من الرمل الضخم.\r(8) فيه استحباب جمع التأخير بين المغرب والعشاء، وهو عند أبي حنيفة بسبب النسك فيجوز لأهل مكة والمزدلفة ومنى وغيرهم، وعند الشافعية بسبب السفر فلا يجوز إلا لمسافر مسافة مرحلتين. ومعنى «لم يسبح» لم يصل بينهما نافلة، والنافلة تسمى سبحة لاشتمالها على التسبيح.\r(9) فيه أن المبيت بالمزدلفة نسكٌ واجب، والسنة أن يبقى بالمزدلفة حتى يصلي بها الصبح إلا الضعفة فالسنة لهم الدفع قبل الفجر.","part":3,"page":469},{"id":1862,"text":"ثم ركب القصواء حتى أتى المشعر الحرام (1) ، فاستقبل القبلة، فدعاه وكبَّره وهلَّله ووحدَّه، فلم يزل واقفاً حتى أسفر (2) جداً، فدفع قبل أن تطلع الشمس، وأردف الفضل بن عبَّاس، وكان رجلاً حسن الشَّعْر أبيض وسيماً (3) ، فلما دفع رسول الله صلّى الله عليه وسلم ، مرَّت به ظُعُن (4) يجرين، فطفِق الفضل ينظر إليهن، فوضع رسول الله صلّى الله عليه وسلم يده على وجه الفضل (5) ، فحوَّل الفضل وجهه إلى الشق الآخر، فحوَّل رسول الله صلّى الله عليه وسلم يده من الشق الآخر على وجه الفضل، يصرف وجهه من الشق الآخر ينظر، حتى أتى بطن مُحَسِّر (6) ، فحرَّك قليلاً.\rثم سلك الطريق الوسطى (7) التي تخرج على الجمرة الكبرى، حتى أتى الجمرة التي عند الشجرة (8) . فرماها بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة منها مثل حصى الخَذْف (9) ، رمى من بطن الوادي.\rثم انصرف إلى المنحر، فنحر ثلاثاً وستين بيده، ثم أعطى علياً، فنحر ما\r-------------------------------\r(1) هو جبل معروف في المزدلفة وهو قُزَح، وقال جمهور المفسرين وأهل السير والحديث: المشعر الحرام جميع المزدلفة.\r(2) يعود الضمير إلى الفجر ومعناه إسفاراً بليغاً.\r(3) أي حسناً والمقصود أنه بصفة من تفتتن النساء به لحسنه.\r(4) الظعن جمع ظعينة، وأصل الظعينة، البعير الذي عليه امرأة، ثم تسمى به المرأة مجازاً لملابستها البعير.\r(5) فيه الحث على غض البصر عن الأجنبيات وغضهن عن الرجال الأجانب.\r(6) سمي بذلك لأن فيه أصحاب الفيل حسر فيه أي أعيا وكل.\r(7) فيه أن سلوك هذا الطريق في الرجوع من عرفات سنة.\r(8) الجمرة الكبرى: هي جمرة العقبة وهي التي عند الشجرة، وفيه أن السنة البدء بهذه الجمرة، ولا يفعل شيئاً قبل رميها.\r(9) هو نحو حبة الباقلاء، وينبغي ألا تكون أكبر ولا أصغر، بشرط كونها حجراً وهو رأي الجمهور، جوز أبو حنيفة الرمي بكل ما كان من أجزاء الأرض ولو من المعادن.","part":3,"page":470},{"id":1863,"text":"غبرَ (1) ، وأشركه في هَدْيه (2) ، ثم أمَر من كل بَدَنة بِبضْعة، فجعلت في قِدْر، فطبخت، فأكلا من لحمها، وشربا من مَرَقها (3) .\rثم ركب رسول الله صلّى الله عليه وسلم ،فأفاض إلى البيت (4) ، فصلى بمكة الظهر، فأتى بني عبد المطلب يسقون على زمزم، فقال: انزِعوا بني عبد المطلب (5) ، فلولا أن يغلِبكم الناس على سقايتكم لنزعت معكم (6) ، فناولوه دَلْواً فشرب منه (7) .\r-------------------------------\r(1) أي ما بقي، وفيه استحباب تكثير الهدي، واستحباب ذبح المهدي بنفسه، وجواز الاستنابة فيه، وذلك جائز بالإجماع إذا كان النائب مسلماً. ويجوز عند الشافعية كون النائب كتابياً بشرط نية المهدي عند الدفع إليه أو عند ذبحه. والظاهر أن النبي صلّى الله عليه وسلم نحر البدن التي جاءت معه من المدينة، وأعطى علياً البدن التي جاءت معه من اليمن.\r(2) ظاهره أنه أشركه في نفس الهدي، وقال القاضي عياض: وعندي أنه لم يكن تشريكاً حقيقة، بل أعطاه قدراً يذبحه.\r(3) البضعة: القطعة من اللحم، وفيه استحباب الأكل من هدي التطوع وأضحيته.\r(4) هذا طواف الإفاضة، وهو ركن من أركان الحج بإجماع المسلمين، وأول وقته عند الشافعية: من نصف ليلة النحر.\r(5) أي استقوا بالدلاء وانزعوها بالرشاء (الحبل)، ويسقون على زمزم: معناه يغرفون بالدلاء ويصبونه في الحياض ونحوها ويسبِّلونه للناس. وزمزم: البئر المشهورة في المسجد الحرام، بينها وبين الكعبة ثمانية وثلاثون ذراعاً.\r(6) معناه لولا خوفي أن يعتقد الناس ذلك من مناسك الحج ويزدحمون عليه بحيث يغلبونكم ويدفعونكم عن الاستقاء لاستقيت معكم.\r(7) فيه استحباب شرب ماء زمزم.","part":3,"page":471},{"id":1864,"text":"خامساً ـ أحكام أعمال الحج عند الفقهاء :\rللحج عند الفقهاء: أركان وواجبات وسنن، أذكرها هنا بإيجاز ثم أعقبها بجدول مقارن بين المذاهب.\rالمذهب الأول ـ قال الحنفية (1) :\rركن الحج نوعان: الوقوف بعرفة، وهو الركن الأصلي للحج، وطواف الإفاضة (الزيارة) . وفوت الركن يوجب الفساد والبطلان، والركن أو الفرض: هو ما ثبت بدليل مقطوع به. أما الواجب: فهو ما ثبت بدليل ظني، فإن تركه لعذر فلا شيء عليه، وإن تركه لغير عذر لزمه دم.\rوواجبات الحج كثيرة أهمها خمسة: السعي بين الصفا والمروة، والوقوف بمزدلفة ولو بمقدار لحظة في النصف الثاني من الليل، ورمي الجمار، والحلق أو التقصير، وطواف الصَّدَر (الوداع) . علماً بأن الحلق والطواف بالبيت بعد الذبح، والذبح يختص بأيام النحر لا يجوز قبلها.\rوسنن الحج: غسل الإحرام والتطيب له (2) ، والنطق بما نوى بأن يقول المفرد: اللهم إني أريد الحج فيسره لي وتقبله مني، ويقول المعتمر: اللهم إني أريد العمرة فيسرها لي، وتقبلها مني، ويقول القارن: اللهم إني أريد العمرة والحج فيسرهما لي وتقبلهما مني.\rوالتلبية عقب كل صلاة فريضة أو نافلة بأن يقول: «لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك» وهي تلبية رسول الله صلّى الله عليه وسلم .\rودخول مكة ليلاً أو نهاراً، ثم دخول المسجد الحرام من باب بني شيبة، والقول عند رؤية الكعبة في الخفاء: «سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر، اللهم هذا بيتك عظمته وشرفته وكرمته فزده تعظيماً وتشريفاً وتكريماً» .\r-------------------------------\r(1) البدائع: 125/2، 133، 143 ومابعدها، 148.\r(2) البقاء على التطيب لا يسمى تطيباً فلا يكره.","part":3,"page":472},{"id":1865,"text":"ويبدأ غير المكي المفرد أو القارن بطواف القدوم من الحجر الأسود، مستقبلاً له، مكبراً رافعاً يديه كما يرفعهما في الصلاة، حذو منكبيه، والأفضل أن يقبله اتباعاً للنبي صلّى الله عليه وسلم إن أمكنه من غير أن يؤذي أحداً، وإلا استقبله وكبر وهلل وحمد الله وأثنى عليه وصلى على النبي صلّى الله عليه وسلم كما يصلي عليه في الصلاة.\rثم يطوف سبعة أشواط يرمل في الثلاثة الأول، ويمشي على هيئته في الأربعة الباقية، ويستلم الحجر في كل شوط يفتتح به إن استطاع من غير أن يؤذي أحداً، ولَيس استلام الركن اليماني سنة، لكن إن استلمه فحسن، أي فهو مستحب وليس بسنة عند أبي حنيفة خلافاً لمحمد.\rثم يصلي ركعتين في نهاية المطاف عند مقام إبراهيم أو حيث تيسر عليه من المسجد، وركعتا الطواف صلاة واجبة عند الحنفية خلافاً لغيرهم.\rومن السنن: خطبة الإمام في ثلاثة مواضع: في اليوم السابع قبل يوم التروية، ويوم عرفة، وفي اليوم الحادي عشر من ذي الحجة، وهي خطبة واحدة بعد صلاة الظهر إلا خطبة عرفة فهي خطبتان بعد الزوال قبل الصلاة.\rوصفة الخطبة: هي أن يحمد الله تعالى، ويثني عليه، ويكبر ويهلل، ويعظ الناس، فيأمرهم بما أمر الله عز وجل وينهاهم عما نهاهم الله عنه، ويعلمهم مناسك الحج من الوقوف بعرفة والإفاضة منها والوقوف بمزدلفة.\rثم يصلي الإمام بالناس الظهر والعصر مقصورتين مجموعتين جمع تقديم بأذان واحد وإقامتين، ولم يتنفل قبلهما ولا بعدهما، كما فعل النبي صلّى الله عليه وسلم . ويخفي الإمام القراءة فيهما بخلاف الجمعة والعيدين، فإنه يجهر فيهما بالقراءة، وذلك سواء المكي المحرم وغيره. ثم يروح الإمام والناس إلى عرفات، عقيب الصلاة، يقفون فيها حتى غروب الشمس، يكبرون ويهللون ويحمدون الله تعالى ويثنون عليه ويصلون على النبي صلّى الله عليه وسلم ، ويسألون الله تعالى حوائجهم ويتضرعون إليه بالدعاء.","part":3,"page":473},{"id":1866,"text":"ومن السنن: البقاء في المزدلفة حتى يسفر ضوء النهار.\rومنها المبيت بمنى ليلة الثامن من ذي الحجة (يوم عرفة) وأداء خمس صلوات فيها، كما فعل النبي صلّى الله عليه وسلم في حجة الوداع. وكذلك المبيت بمنى ليلتين: ليلة الأول من أيام التشريق والثاني من أيام الرمي، ويكره أن يبيت في غير منى من أيام منى، فإن فعل لا شيء عليه، ويكون مسيئاً؛ لأنه البيتوتة بمنى ليست واجبة، بل هي سنة؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلم أرخص للعباس أن يبيت بمكة للسقاية (1) .\rوالسنة أن يرمي جمرة العقبة بعد طلوع الشمس من يوم النحر قبل الزوال بسبع حصيات مثل حصى الخذف، بوضع كل حصاة على السبابة والإبهام، كأنه يخذف بها.\rوترمى الجمرات الثلاث بعد الزوال من اليوم الثاني والثالث، ويكبر مع كل حصاة، مبتدئاً بالجمرة الأولى التي تلي مسجد الخيف، ثم الوسطى، ثم الكبرى جمرة العقبة، فإذا فرغ منها عند كل جمرة يقف عندها فيكبر ويهلل ويحمد الله تعالى، ويثني عليه، ويصلي على النبي صلّى الله عليه وسلم ويسأل الله تعالى حوائجه.\rوتؤخذ الجمار من مزدلفة أو من الطريق، اتباعاً لفعل النبي صلّى الله عليه وسلم ، وإن رمى بحصاة أخذها من الجمرة أجزأه وقد أساء، لقوله صلّى الله عليه وسلم ـ فيما يرويه البخاري ومسلم ـ «ارم ولا حرج» مطلقاً.\r-------------------------------\r(1) حديث متفق عليه عن ابن عباس (نيل الأوطار: 79/5).","part":3,"page":474},{"id":1867,"text":"وتقطع التلبية مع أول حصاة يرمي بها جمرة العقبة؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلم قطع التلبية عند أول حصاة رمى بها جمرة العقبة (1) .\rومن السنن: التحصيب: وهو النزول بوادي المحصب أو الأبطح، وهو موضع بين منى ومكة عند مدخل مكة بين الجبلين، إلى المقبرة المسماة بالحجون، ينزل به ساعة، فإنه سنة؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم نزلوا بالأبطح (2) .\rأعمال العمرة: وأما العمرة عند الحنفية (3) : فركنها الطواف، لقوله تعالى: {وليطوفوا بالبيت العتيق} [الحج:29/22].\rوواجباتها اثنان: السعي بين الصفا والمروة، والحلق أو التقصير.\rوسنتها: أن يقطع التلبية إذا استلم الحجر عند أول شوط من الطواف.\rالمذهب الثاني ـ مذهب المالكية(4 ) :\rللحج أركان وواجبات وسنن ومندوبات. والركن أو الفرض: هو ما لاتحصل حقيقة الحج أو العمرة إلا به، والواجب: ما يحرم تركه اختياراً لغير ضرورة، ولا يفسد النسك بتركه وينجبر بالدم.\rأركان الحج أربعة :\r1 - الإحرام: وهو النية المقترنة بقول أو فعل متعلق بالحج، كالتلبية والتوجه إلى الطريق. والأرجح أنه ينعقد بمجرد النية.\r2 - السعي بين الصفا والمروة سبعة أشواط: وهو كما ذكر الأجهوري أفضل من الوقوف بعرفة، لقربه من البيت، وتبعيته للطواف الأفضل من الوقوف، لتعلقه بالبيت المقصود بالحج.\r3 - الحضور بعرفة ليلة النحر، ولو بالمرور بها، إن علم أنه عرفة ونوى الحضور الركن.\r4 - طواف الإفاضة سبعة أشواط بالبيت.\rوأركان العمرة ثلاثة :\rإحرام من المواقيت أو من الحل، وطواف بالبيت سبعاً، وسعي بين الصفا والمروة سبعاً. وأما حلق الرأس فهو واجب، ويكره تكرارها في العام الواحد.\rوللإحرام واجبات وسنن ومندوبات، علماً بأنه لا دم في ترك السنن:\r-------------------------------\r(1) مفهوم من حديث جابر الطويل في حجة الوداع، ورواه البيهقي صراحة عن ابن مسعود (نصب الراية: 79/2).\r(2) أخرجه مسلم عن ابن عمر أن النبي صلّى الله عليه وسلم ، وأبا بكر وعمر كانوا ينزلون بالأبطح (المرج السابق: ص88) ورواه الزهري عن سالم، ولكن ورد عن عائشة: «نزول الأبطح ليس بسنة، إنما نزله رسول الله صلّى الله عليه وسلم؛ لأنه كان أسمحَ لخروجه إذا خرج» (نيل الأوطار: 83/5-84).\r(3) البدائع: 226/2 ومابعدها.\r(4) الشرح الصغير: 16/2، 39، 53، 60، 72، ومابعدها، القوانين الفقهية: ص131-134.","part":3,"page":475},{"id":1868,"text":"أما واجباته: فهي التجرد من المخيط وكشف الرأس للذكر، والتلبية، ووصلها بالإحرام، فمن تركها رأساً أو فصل بينها وبين الإحرام بفاصل طويل، فعليه دم.\rوسنن الإحرام: غسل متصل به، ولبس إزار وسطه، ورداء على كتفيه، ونعلين في رجليه، فلو التحف برداء أو كساء أجزأ وخالف السنة.\rويسن ركعتان بعد الغسل وقبل الإحرام، ويجزئ عنهما الفرض، وفاته الأفضل. ويندب للراكب الإحرام إذا استوى على ظهر دابته، وللماشي إذا مشى.\rويندب للمحرم إزالة شعثه قبل الغسل، بأن يقص أظفاره وشاربه ويحلق عانته، وينتف شعر إبطه، ويرجل شعر رأسه أو يحلقه إذا كان من أهل الحلق، ليستريح بذلك من ضررها، وهو محرم.\rويندب الاقتصار على تلبية الرسول صلّى الله عليه وسلم ، وهي «لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك، والملك، لا شريك لك» (1) .\rويندب تجديدها لتغير حال، كقيام وقعود وصعود وهبوط ورحيل وحط ويقظة من نوم أو غفلة، وخلف صلاة ولو نافلة، وعند ملاقاة رفاق.\rوندب توسط في علو صوته، فلا يسرُّها، ولا يرفع صوته جداً.\rوندب توسط في تردادها، فلا يترك حتى تفوته الشعيرة، ولا يوالي حتى يلحقه الضجر.\rويلبي المحرم من مكة في المكان الذي أحرم منه، سواء في المسجد أم في غيره.\rويلبي الآفاقي المعتمر من الميقات وكذا المعتمر الذي فاته الحج لإحصار أو مرض إلى أن يصل إلى الحرم المكي العام.\rويلبي المعتمر من دون الميقات كالجعرانة إلى أن يصل لبيوت مكة.\rويلبي المحرم من الميقات بالحج ولو قارناً حتى يصل لبيوت مكة أو حتى يبدأ بطواف القدوم.\r-------------------------------\r(1) رواه الشيخان عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، ومعناه: إجابة بعد إجابة، أي أجبتك الآن كما أجبتك حين أذن إبراهيم به في الناس، وحين خاطبت الأرواح بـ «ألست بربكم» والأحسن ما قاله النووي في المجموع: معنى لبيك: إجابة لك بعد إجابة، في جميع أمرك وكل خطاباتك.","part":3,"page":476},{"id":1869,"text":"وواجب السعي: أن يسعى بعد طواف واجب كالقدوم والإفاضة. وأن يقدمه على الوقوف بعرفة إن وجب عليه طواف القدوم، وإلا أخره عقب طواف الإفاضة.\rويجب طواف القدوم بشروط ثلاثة: على المفرد أو القارن المحرم من الحِلّ، إذا لم يزاحمه الوقت وخشي فوات الحج لو اشتغل به، ولم يردف الحج على العمرة بحرم، أي لم ينو الحج بعد الإحرام بالعمرة قبل الشروع في طوافها. ويعذر الحائض والنفساء والمغمى عليه والمجنون في ترك طواف القدوم، كما في حالةالخوف من فوات الحج.\rوواجب الطواف: ركعتان بعد الفراغ منه، يقرأ فيهما ندباً بعد الفاتحة بالكافرون في الركعة الأولى، وبالإخلاص في الثانية. وندب إيقاع الركعتين في مقام إبراهيم.\rويجب ابتداء الطواف من الحجر الأسود، والمشي لقادر عليه كالسعي، وإلا لزمه دم.\rوندب دعاء بعد تمام الطواف قبل الركعتين بالملتزم: حائط البيت بين الحجر الأسود وباب البيت، يضع صدره عليه، ويفرش ذراعيه عليه، ويدعو بما شاء، ويسمى الحطيم أيضاً.\rوندب كثرة شرب ماء زمزم، لأنه بركة، بنية حسنة، لقوله صلّى الله عليه وسلم : «ماء زمزم لما شرب له» (1) ، وندب نقله إلى بلده وأهله للتبرك به.\rوسنن الطواف :\r1 - تقبيل الحجر، بلا صوت، ندباً، أوله قبل الشروع فيه إذا لم تكن زحمة، وإلا لمس باليد أو بالعود، ووضعا على الفم، ويندب أن يكبر مع كل تقبيل ونحوه قائلاً: ( بسم الله والله أكبر، اللهم إيماناً بك، وتصديقاً بكتابك، ووفاء بعهدك، واتباعاً لسنة نبيك محمد )ص ( ^*^) .\r2 - واستلام الركن اليماني أول شوط، بأن يضع يده اليمنى عليه، ويضعها على فمه.\r-------------------------------\r(1) رواه عن جابر: احمد وابن ماجة والبيهقي وابن أبي شيبة.","part":3,"page":477},{"id":1870,"text":"3 - ورمَل ذَكَر ولوغير بالغ في الأشواط الثلاثة الأول فقط في غير زحمة، لمن أحرم من الميقات، والرمل: الإسراع في المشي دون الجري، وذلك في طواف القدوم وطواف العمرة إن أحرم من الميقات. فإن لم يحرم من الميقات فيندب الرمل في طواف الإفاضة لمن لم يطف طواف القدوم لعذر أو نسيان.\r4 - الدعاء بما يحب من طلب عافية وعلم وتوفيق وسعة رزق بما يفتح عليه، دون تحديد في ذلك. والأولى الدعاء بقوله تعالى: {ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار} [البقرة:201/2] وبالمأثور مثل «اللهم إني آمنت بكتابك الذي أنزلت، وبنبيك الذي أرسلت، فاغفر لي ما قدمت وماأخرت» (1) .\rوسنن السعي أربع :\r1ً - تقبيل الحجر الأسود قبل الخروج له وبعد صلاة ركعتي الطواف.\r2ً - الصعود على الصفا والمروة. وتصعد المرأة إن خلا الموضع من الرجال.\r3ً - الإسراع بين الميلين الأخضرين فوق الرمَل ودون الجري، في الذهاب إلى المروة، وفي العودة إلى الصفا.\r4ً - الدعاء على الصفا والمروة، سواء رقي أو لم يرقَ، قام أو جلس.\rومندوبات الطواف: رمل في الثلاثة الأول لمحرم من دون المواقيت كالتنعيم والجعرانة، في طواف الإفاضة إن لم يطف طواف القدوم لعذر أو نسيان. وتقبيل الحجر الأسود واستلام الركن اليماني في غير الشوط الأول.\rومندوبات السعي: شروط الصلاة من طهارة وستر عورة، ووقوف على الصفا والمروة، والجلوس مكروه أو خلاف الأولى.\rوواجب الوقوف بعرفة: طمأنينة، أي استقرار بقدر الجلسة بين السجدتين، قائماً أو جالساً أو راكباً، والركوب أفضل.\r-------------------------------\r(1) رواه البخاري.","part":3,"page":478},{"id":1871,"text":"وسنن الوقوف بعرفة :\r1ً - خطبتان كالجمعة بعد الزوال بمسجد نمرة، يعلمهم الخطيب بهما بعد الحمد والشهادتين ما عليهم من المناسك، قبل الأذان للظهر، من جمع وقصر ورمي الجمار وطواف الإفاضة والتقاط الجمرات من المزدلفة والمبيت بها وصلاة الصبح فيها، والنفر إلى الوقوف بالمشعر الحرام إلى قرب طلوع الفجر، ثم السير لمنى لرمي جمرة العقبة، والإسراع ببطن محسر، ثم الحلق أو التقصير ، والذبح أو نحر الهدايا.\r2ً - الجمع بين الصلاتين جمع تقديم بين الظهر والعصر في نمرة وقصرهما ما عدا أهل عرفة فيتمون. والجمع بين المغرب والعشاء جمع تأخير في مزدلفة وقصرهما إلا أهل مزدلفة، فيتمون. والحاصل أن أهل مكة ومنى ومزدلفة وعرفة يتمون الصلاة في محلهم ويقصر غيرهم.\rومندوبات الوقوف بعرفة :\r1ً - الوقوف بجبل الرحمة: مكان معلوم شرقي عرفة عند الصخرات العظام.\r2ً - الوقوف مع الناس؛ لأن في جمعهم مزيد الرحمة والقبول.\r3ً - الركوب حال الوقوف، ثم القيام على القدمين إلا لتعب فيجلس.\r4ً - الدعاء بما أحب من خيري الدنيا والآخرة، والتضرع إلى الله ، أي الخشوع والابتهال، حتى الغروب؛ لأنه أقرب للإجابة.\rأما الوقوف بالمزدلفة فواجب بقدر حط الرحال وصلاة العشاءين، وتناول شيء فيها من أكل أو شرب، فإن لم ينزل فدم.\rومندوباته:\r1 - المبيت بها، وارتحاله منها بعد صلاة الصبح فيها بغلس قبل أن تتعارف الوجوه.\r2 - والوقوف بالمشعر الحرم (محل يلي مزدلفة جهة منى) للدعاء بالمغفرة وغيرها والثناء على الله للإسفار مستقبلاً للبيت جهة المغرب؛ لأن هذه الأماكن كلها شرقي مكة.\r3 - والإسراع ببطن مُحَسِّر (واد بين المشعر الحرام ومنى، بقدر رمية الحجر بالمقلاع من قويّ).","part":3,"page":479},{"id":1872,"text":"ومندوبات الرمي بمنى وما بعده :\r1 - رمي العقبة ولو راكباً بمجرد الوصول لها أول يوم النحر من طلوع الشمس إلى الزوال، بسبع حصيات يلتقطها من المزدلفة مثل حصى الخذف، ورمي غير العقبة إثر الزوال قبل صلاة الظهر متوضئاً، مبتدئاً بالجمرة الأولى التي تلي مسجد الخيف، ثم الوسطى، ثم العقبة، فإن خالف هذا الترتيب لم يصح الرمي.\r2 - مشي الرامي في غير جمرة العقبة يوم النحر.\r3 - التكبير بأن يقول: ( الله أكبر ) أو ( بسم الله ، الله أكبر، رغماً للشيطان وحزبه، ورضاء الرحمن ) مع رمي كل حصاة من العقبة أوغيرها، والوقوف على يسار الجمرة الوسطى والدعاء والثناء على الله مستقبلاً القبلة قدر قراءة سورة البقرة إثر رمي الجمرتين الأولى والوسطى، والانصراف بعد جمرة العقبةلضيق محلها.\r4 - تتابع الحصيات بالرمي: فلا يفصل بينهما شاغل من كلام أو غيره.\r5 - التقاط الحصى بنفسه أو غيره من أي مكان، إلا حصى العقبة فمن المزدلفة.\r6 - ذبح الهدي والحلق قبل الزوال إن أمكن.\r7 - تأخير الحلق أو التقصير عن الذبح. أما التقصير بقدر الأنملة فللمرأة من جميع شعرها، ويجزئ الرجل إما قريباً من أصل الشعر، أو من الأطراف، بنحو الأنملة. ولا يجزئ حلق بعض شعر الرأس للذكر، ولا تقصير البعض للأنثى.\r8 - التحصيب: نزول غير المتعجل بعد رمي جمار اليوم الثالث بالمحصب (بطحاء خارج مكة) ليصلي فيه أربع صلوات: الظهر والعصر والمغرب والعشاء، كما فعل النبي صلّى الله عليه وسلم ، وأما المتعجل فلا يندب له ذلك. فإذا رمى العقبة ونحر وحلق أو قصر، نزل من منى لمكة لطواف الإفاضة. ولا تسن صلاة العيد بمنى ولا بالمسجد الحرام؛ لأن الحاج لا عيد له. وما يقع الآن من صلاة العيد بالمسجد الحرام بعد رمي جمرة العقبة، فعلى غير مذهب المالكية.\rواجبان في رمي العقبة: الواجب تقديم رمي العقبة على الحلق؛ لأنه إذا لم يرمها لم يحصل له تحلل، فلا يجوز له حلق ولا غيره من محرمات الإحرام.","part":3,"page":480},{"id":1873,"text":"ويجب تقديم الرمي المذكور أيضاً على طواف الإفاضة. فإن أخر الرمي عن الحلق أو على الإفاضة فعليه دم. أما تقديم الرمي على النحر، وتقديم النحر أو الحلق على الإفاضة، فليس بواجب بل مندوب.\rوالحاصل أن الذي يفعل يوم النحر أربعة: الرمي، فالنحر، فالحلق، فالإفاضة.\rومندوبات طواف الإفاضة :\rأن يفعل في ثوبي إحرامه، ليكون جميع أركان الحج بهما.\rوأن يفعل عقب الحلق بلا تأخير إلا بقدر قضاء حاجته.\rالمذهب الثالث ـ مذهب الشافعية (1) :\rأعمال الحج ثلاثة أنواع: أركان وواجبات وسنن. أما الأركان: فلا يتم الحج ولا يجزئ حتى يأتي بجميعها، ولا يحل من إحرامه مهما بقي منها شيء، حتى لو أتى بالأركان كلها إلا أنه ترك طوفة من السبع، أو مرة من السعي، لم يصح الحج، ولم يحصل التحلل الثاني، وكذا لو حلق شعرتين لم يتم حجه، ولا يحل حتى يحلق أو يقصر شعرة ثالثة. ولا يجبر شيء من الأركان بدم ولا غيره، بل لا بد من فعلها.\rوالطواف والسعي والحلق: لا آخر لوقتها، بل لا تفوت مادام حياً، ولا يختص الحلق بمنى والحرم، بل يجوز في الوطن وغيره.\rوالترتيب بين الأركان واجب، فيقدم الإحرام على جميعها، والوقوف على طواف الإفاضة والحلق، ويشترط كون السعي بعد طواف صحيح، ويصح السعي بعد طواف القدوم. ولا يجب الترتيب بين الطواف والحلق.\rوأما الواجبات: فمن ترك شيئاً منها لزمه دم، ويصح الحج بدونه، سواء تركها عمداً أوسهواً، لكن يأثم العامد.\rوأما السنن: فمن تركها لا شيء عليه، لا إثم ولا دم ولا غيره، لكن فاته الكمال والفضيلة وعظيم ثوابها.\r-------------------------------\r(1) حاشية الباجوري: 323/1-334 ، كتاب الإيضاح للنووي: ص69-70، مغني المحتاج: 513/1.","part":3,"page":481},{"id":1874,"text":"1 - الأركان: أركان الحج خمسة: الإحرام، والوقوف بعرفة، والطواف، والسعي، والحلق أو التقصير (1) .\rوأركان العمرة أربعة: الإحرام والطواف والسعي والحلق أو التقصير.\r2 - الواجبات: واجبات الحج خمسة: أولها ـ الإحرام من الميقات الزماني والمكاني، فميقات الحج الزماني: ( شوال وذو القعدة وعشر ليال من ذي الحجة)، وميقات العمرة: جميع السنة، فإن كل أجزاء العام وقت لإحرامها. والميقات المكاني للحج:مكة نفسها للمقيم بها مكياً كان أو آفاقياً، وأما غير المقيم فيحرم من أحد المواقيت الخمسة السابق ذكرها (ذو الحليفة لأهل المدينة، والجحفة لأهل الشام ومصر والمغرب، ويلملم لأهل اليمن، وقَرْن المنازل لأهل نجد، وذات عِرْق لأهل المشرق).\rوثانيها ـ رمي الجمار الثلاث: يبدأ بالأولى الصغرى (2) وهي التي تلي مسجد الخيف، ثم الوسطى، ثم جمرة العقبة (وهي التي تلي مكة)، في كل يوم من أيام التشريق. ورمي جمرة العقبة فقط يوم النحر.\rوثالثها ـ المبيت في المزدلفة، وهذا على الراجح في المذهب أنه واجب لا سنة.\rرابعها ـ المبيت بمنى، وهذا على الراجح في المذهب.\rخامسها ـ طواف الوداع عند إرادة الخروج من مكة لسفر، حاجاً كان أو لا، طويلاً كان السفر أو قصيراً، والقول بوجوبه هو الأظهر.\r3 - السنن: سنن الحج العامة ثمانٍ أو أكثر: وهي كل ما عدا الأركان والواجبات:\rأحدها ـ الإفراد: وهو تقديم الحج على العمرة، بأن يحرم أولاً بالحج من ميقاته ثم يفرغ منه، ثم يحرم بالعمرة من أدنى الحل، وأفضل بقاعه ـ كما تقدم ـ الجعرانة، ثم التنعيم، ثم الحديبية.\rثانيها ـ التلبية: ولفظها: ( لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن\r-------------------------------\r(1) اعتبار الحلق ركناً عند الشافعية هو القو ل المشهور والمعتمد في المذهب، فلا يجبر تركه بدم كالطواف، ويتوقف التحلل عليه.\r(2) يلاحظ أن الجمرة الكبرى هي جمرة العقبة، وورد في بعض كتب الشافعية والحنابلة خطأ أن الأولى هي الكبرى.","part":3,"page":482},{"id":1875,"text":"الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك) (1) ومن لا يحسنها بالعربية يأتي بها بغيرها، وتجوز الترجمة عنها بغير العربية، مع القدرة على العربية، على الأوجه. ويسن الإكثار منها في أثناء الإحرام، ويرفع الرجل صوته بها.\rوإذا فرغ من التلبية صلى على النبي صلّى الله عليه وسلم ، وسأل الله الجنة ورضوانه، واستعاذ به من النار.\rثالثها ـ طواف القدوم: للحاج الذي دخل مكة قبل الوقوف بعرفة. أما المعتمر إذا طاف للعمرة أجزأه عن طواف القدوم.\rرابعها ـ ركعتا الطواف بعد الفراغ منه، خلف المقام، يسر بالقراءة فيهما نهاراً، ويجهر بهما ليلاً. فإذا لم يصلهما خلف المقام ففي الحِجْر (حجر إسماعيل)، وإلا ففي المسجد، وإلا ففي أي موضع شاء من الحرم وغيره.\rخامسها ـ التجرد عند إرادة الإحرام (2) عن المخيط من الثياب وعن منسوجها ومعقودها ولو بعضو من أعضاء البدن، وعن غير الثياب من خف ونعل ساتر أصابع الرجلين، بخلاف ما لا يستر ذلك. ثم لبس إزار ورداء أبيضين جديدين وإلا فنظيفين، لخبر «البسوا من ثيابكم البياض» وخبر أبي عوانة في صحيحه: «ليحرم أحدكم في إزار ورداء ونعلين» .\rسادسها ـ إلقاء الإمام أربع خطب (3) : الأولى ـ يوم السابع من ذي الحجة، يخطب عند الكعبة بعد صلاة الظهر. والثانية ـ يوم عرفات ببطن عرنة، وتحدث\r-------------------------------\r(1) المعنى: أنا مقيم على إجابتك حيث دعوتنا للحج، إجابة بعد الإجابة، وإقامة بعد إقامة.\r(2) يلاحظ أن التجرد عن المخيط ونحوه حالة الإحرام واجب على المعتمد، أما السنية فهي عند إرادة الإحرام.\r(3) شرح مسلم للنووي: 182/8، مغني المحتاج: 495/1 وما بعدها.","part":3,"page":483},{"id":1876,"text":"عادة في مسجد نمرة، والثالثة ـ يوم النحر. والرابعة ـ في اليوم الثاني من أيام التشريق بعد صلاة الظهر، يعلمهم فيها فيها جواز النفر وما بعدها من طواف الوداع وغيره، ويودعهم ويحثهم على طاعة الله تعالى، وعلى أن يختموا حجهم بالاستقامة، والثبات على طاعة الله تعالى، وأن يكونوا بعد الحج خيراً منهم قبله، وألا ينسوا ما عاهدوا الله عليه من خير. ويعلمهم في كل خطبة من هذه ما يحتاجون إليه إلى الخطبة الأخرى.\rوكل هذه الخطب أفراد أي خطبة واحدة، وبعد صلاة الظهر، إلا التي يوم عرفات، فإنها خطبتان قبل الصلاة.\rسابعها ـ الأغسال المسنونة في الحج وهي سبعة :\rيسن الغسل لأحد أمور سبعة: 1 - للإحرام (1) ، فإن عجز مريد الإحرام عن الغسل لفقد الماء أو عدم قدرته على استعماله تيمم. 2، 3 - ولدخول الحرم ولدخول مكة ولو حلالاً (2) . 4 - وللوقوف بعرفة، والأفضل كونه بنمرة . 5 - وللوقوف بمزدلفة عند المشعر الحرام بعد فجر يوم النحر. 6 - ولكل يوم من أيام التشريق الثلاثة بعد الزوال للرمي لآثار وردت فيها، ولأنها مواضع اجتماع كغسل الجمعة. 7 - ولدخول المدينة.\rثامنها ـ شرب ماء زمزم ولو لغير حاج ومعتمر، والتضلع منه واستقبال القبلة عند شربه، وأن يقول: ( اللهم إنه بلغني عن نبيك صلّى الله عليه وسلم أن ماء زمزم لما شرب له، وأنا أشربه لسعادة الدنيا والآخرة، اللهم فافعل).\r-------------------------------\r(1) أي عند إرادة الإحرام بحج أو عمرة أو بهما، من رجل أو امرأة ولو حائضاً أو نفساء، رواه الترمذي، وحسنه.\r(2) رواه الشيخان في المحرم، والشافعي في الحلال.","part":3,"page":484},{"id":1877,"text":"وكان ابن عباس إذا شرب يقول: «اللهم إني أسألك علماً نافعاً، ورزقاً واسعاً، وشفاء من كل داء» (1) ويسن أن يسمي الله تعالى ويشرب ويتنفس ثلاثاً، وأن ينضح منه على رأسه ووجهه وصدره.\rوهناك سنن أخرى خاصة في كل عمل من أعمال الحج:\rأولاً ـ سنن الإحرام (2) :\rيسن الغسل له كما تقدم، وتطييب البدن، وكذا الثوب في الأصح، وأن تخضِّب المرأة يديها، وأن يصلي ركعتين للإحرام قبله، اتباعاً لفعل النبي صلّى الله عليه وسلم كما روى الشيخان، يقرأ في الأولى «الكافرون» وفي الثانية الإخلاص، والأفضل أن يحرم الشخص بمجرد التحرك بسير الدابة ونحوها إذا كان راكباً، وببدء المشي إذا كان ماشياً، والإكثار من التلبية ورفع الصوت بها وعند تغاير الأحوال كركوب ونزول وصعود وهبوط واختلاط رُفْقة. ويسن عند الشافعيةاستقبال القبلة عند بدء الإحرام، ويقول: ( اللهم أحرم لك شعري وبشري ولحمي ودمي ) .\rثانياً ـ سنن الطواف (3) :\rأن يطوف ماشياً ولو امرأة اتباعاً للسنة كما روى مسلم، ويستلم أول طوافه وفي كل طوفة الحجر الأسود بيده اليمنى ويقبّله ويضع جبهته عليه، اتباعاً للسنة كما روى الشيخان، فإن عجز أشار إليه بيده. ولا يستلم الركنين الشاميين ( وهما اللذان عند الحِجْر ) ولا يقبلهما، لما في الصحيحين عن ابن عمر: «أنه صلّى الله عليه وسلم كان لا يستلم إلا الحجَر والركن اليماني» ويستلم بيده الركن اليماني ولا يقبله؛ لأنه لم ينقل.\rويقول عند بدء الطواف مقابل الحجَر: ( بسم الله ، والله أكبر، اللهم إيماناً بك وتصديقاً بكتابك، ووفاء بعهدك، واتباعاً لسنة نبيك محمد صلّى الله عليه وسلم ).\rويقول قبالة باب الكعبة: ( اللهم إن البيت بيتك، والحرم حرمك، والأمن أمنك. وهذا مقام العائذ بك من النار ) أي هذا الملتجئ المستعيذ بك من النار.\rويقول بين الركنين اليمانيين، أي اليماني وركن الحجَر: «اللهم آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار» .\rويدعو في جميع طوافه بما شاء، ومأثور الدعاء أفضل من غير المأثور، والقرآن أفضل الذكر.\r-------------------------------\r(1) قال الحاكم: صحيح الإسناد.\r(2) مغني المحتاج: 478/1-483.\r(3) مغني المحتاج: 487/1-492.","part":3,"page":485},{"id":1878,"text":"ويرمل في الأشواط الثلاثة الأولى في كل طواف يعقبه سعي، بأن يسرع الطائف مشيه مقارباً خطاه، ويمشي في الباقي من طوافه على هينته، لما روى الشيخان عن ابن عمر: «كان رسول الله صلّى الله عليه وسلم إذا طاف بالبيت طواف الأول خبَّ ثلاثا، ومشى أربعاً» وليقل أثناء الرمل: «اللهم اجعله حجاً مبروراً، وذنباً مغفوراً، وسعياً مشكوراً» .\rويضطبع الذَّكَر ولو صبياً في الطواف، والسعي على الصحيح اتباعاً للسنة كما رواه أبو داود: وهو جعل وسط ردائه تحت منكبه الأيمن وطرفيه على الأيسر. ولا ترمل المرأة ولا تضطبع.\rويوالي بين الطوفات السبع خروجاً من خلاف من أوجبها، فيكره التفريق بلا عذر، ومن الأعذار: إقامة الجماعة وعروض حاجة لا بد منها، ويكره قطع الطواف المفروض لصلاة جنازة أو سنة راتبة.\rويقرب من البيت لشرفه، ولأنه أيسر في الاستلام والتقبيل. والقرب من البيت بلا رمَل عند الزحمة أولى من البعد عنه، والرمل مع البعد أولى من القرب. ويصلي بعد الطواف ركعتين خلف المقام، لما ثبت في الصحيحين «أنه صلّى الله عليه وسلم صلاهما خلف المقام، وقال: خذوا عني مناسككم» يقرأ في الركعة الأولى «الكافرون» وفي الثانية « الإخلاص » ويجهر ليلاً بهما.\rويكثر من دخول الحِجْر والصلاة فيه والدعاء. وتسن النية في طواف النسك، وتجب في طواف لم يشمله نسك وفي طواف الوداع.\rثالثاً ـ سنن السعي :\rيسن أن يستلم الساعي بيده الحجر الأسود بعد انتهاء الطواف وصلاة ركعتيه (1) ، ثم يخرج من باب الصفا للسعي بين الصفا والمروة (2) .\rويستحب أن يرقى الذكَر على الصفا والمروة قدر قامة إنسان معتدل، وأن يشاهد البيت؛ لأنه «صلّى الله عليه وسلم رقى على كل منهما حتى رأى البيت» (3) .\rفإذا رقى قال: ( الله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد، الله أكبر على ما هدانا، والحمد لله على ما أولانا، لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيي ويميت، بيده الخير، وهو على كل شيء قدير ) ( لا إله إلا الله وحده، أنجز وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده، لا إله إلا الله ، ولا نعبد إلا إياه، مخلصين له الدين، ولو كره الكافرون ).\rثم يدعو بما يشاء ديناً ودنيا، ويعيد الذِّكْر والدعاء السابقين، ثانياً وثالثاً (4) .\r-------------------------------\r(1) رواه مسلم.\r(2) رواه مسلم. وباب الصفا: هو الباب المقابل لما بين الركنين اليمانيين.\r(3) رواه مسلم.\r(4) رواه مسلم.","part":3,"page":486},{"id":1879,"text":"ويسن أن يمشي أول السعي وآخره، ويعدو الذكَر (يسعى سعياً شديداً فوق الرمل) في الوسط الذي بين الصفا والمروة بين الميلين الأخضرين (1) .\rويقول الذكر في عدوه: ( رب اغفر وارحم وتجاوز عما تعلم، إنك أنت الأعز الأكرم ).\rرابعاً ـ سنن الوقوف بعرفة (2) :\rيسن أن يخطب الإمام بعد زوال اليوم التاسع (أي بعد الظهر) خطبتين، ثم يصلي بالناس الظهر والعصر قصراً وجمع تقديم اتباعاً للسنة كما رواه مسلم.\rويسن الوقوف إلى الغروب (3) ، والأفضل كونه بعد الغروب حتى تزول الصفرة قليلاً.\rويسن أن يذكر الحجاج الله تعالى ويدعونه، وأن يكثروا التهليل لقوله صلّى الله عليه وسلم : «خير الدعاء دعاء يوم عرفة، وخير ما قلت أنا والنبيون قبلي: لا إله إلا الله وحده، لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير» (4) وزاد البيهقي: «اللهم اجعل في قلبي نوراً، وفي سمعي نوراً، وفي بصري نوراً، اللهم اشرح لي صدري، ويسر لي أمري» .\rويسن الإكثار من الصلاة على النبي صلّى الله عليه وسلم ، ولا يتكلف السجع في الدعاء، ولا بأس بالسجع إذا كان محفوظاً، أو كان من غير قصد له.\r-------------------------------\r(1) رواه مسلم.\r(2) مغني المحتاج: 496/1 ومابعدها.\r(3) رواه مسلم.\r(4) رواه الترمذي عن عبد الله بن عمرو.","part":3,"page":487},{"id":1880,"text":"ويسن قراءة القرآن. ويستحب أن يكثر من قراءة سورة الحشر في عرفة، وقراءة سورة الإخلاص، لقوله صلّى الله عليه وسلم : «من قرأ قل هو الله أحد ألف مرة يوم عرفة، أُعطي ماسأل» (1) .\rويسن رفع اليدين في الدعاء (2) ، وأن يقف مستقبل القبلة متطهراً، ولا يُفرط في الجهر بالدعاء أو غيره.\rوالأفضل للرجل أن يقف راكباً، على الأظهر.\rولا فضيلة في صعود جبل الرحمة.\rومن أدعية عرفة المختار: ( ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار، اللهم إني ظلمت نفسي ظلماً كثيراً، ولا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر لي مغفرة من عندك، وارحمني، إنك أنت الغفور الرحيم.\rاللهم انقلني من ذلّ المعصية إلى عز الطاعة، واكفني بحلالك عن حرامك، وأغنني بفضلك عمن سواك، ونور قلبي وقبري، واهدني وأعذني من الشر كله، واجمع لي الخير، اللهم إني أسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى ).\rوينبغي أن يستغفر للمؤمنين في دعائه، لقوله صلّى الله عليه وسلم : «اللهم اغفر للحاج، ولمن استغفر له الحاج» (3) .\r-------------------------------\r(1) من كتاب الدعوات للمستغفري عن ابن عباس مرفوعاً. قال الحسن البصري: الدعاء مستجاب في مواضع: في الطواف، وعند الملتزم، وتحت الميزاب، وفي البيت، وعلى الصفا والمروة، وفي السعي، وخلف المقام، وفي عرفات، والمزدلفة، وعند الجمرات.\r(2) لخبر: «ترفع الأيدي في سبعة مواطن: عند افتتاح الصلاة، واستقبال البيت، والصفا والمروة، والموقفين، والجمرتين» .\r(3) رواه الحاكم وقال: صحيح الإسناد.","part":3,"page":488},{"id":1881,"text":"يجب المبيت بمزدلفة بعد الدفع من عرفة اتباعاً للسنة (1) ، فإن لم يكن بها في النصف الثاني أراق دماً، ويسن جمع المغرب والعشاء فيها جمع تأخير (2) اتباعاً للسنة (3) .\rخامساً ـ سنن الوقوف بمزدلفة :\rويسن تقديم النساء والضَّعَفة بعد نصف الليل إلى منى، ويبقى غيرهم حتى يصلوا الصبح مُغلِّسين، اتباعاً للسنة (4) ، ثم يدفعون إلى منى، ويأخذون من مزدلفة حصى الجمار وهي سبعون حصاة، لما روى النسائي والبيهقي بإسناد صحيح عن الفضل بن العباس: «أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم قال له غداة يوم النحر: التقط لي حصى، قال: فلقطت له حصيات مثل حصى الخذف» ، ولأن بها جبلاً في أحجاره رخاوة، ولأن السنة أنه إذا أتى إلى منى لا يعرج على غير الرمي، فسنَّ له أن يأخذ الحصى من مزدلفة، حتى لا يشغله عنه.\rويسن الوقوف عند المشعر الحرام في الطريق إلى منى، مع ذكر الله تعالى، والدعاء إلى الإسفار مستقبلين القبلة للاتباع (5) ، ويكثرون من قولهم: ( اللهم ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار ) ويضيف له: ( اللهم كما أوقفتنا فيه وأريتنا إياه، فوفقنا لذكرك كما هديتنا، واغفر لنا وارحمنا كما وعدتنا بقولك وقولك الحق: {فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام، واذكروه كما هداكم، وإن كنتم من قبله لمن الضالين. ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس واستغفروا الله ، إن الله غفور رحيم} [البقرة:198/2-199] ).\rويقول أيضاً: ( الله أكبر ـ ثلاثاً ـ لا إله إلا الله والله أكبر ولله الحمد ).\rثم يسير الحجاج قبل طلوع الشمس بسكينة ووقار، وشعارهم التلبية والذكر، ويكره تأخير السير حتى تطلع الشمس.\r-------------------------------\r(1) رواه مسلم.\r(2) مغني المحتاج: 498/1-501.\r(3) رواه الشيخان.\r(4) تقديم الضعفة رواه الشيخان عن عائشة، وقال ابن عباس: «أنا ممن قدم النبيُ صلّى الله عليه وسلم ليلة المزدلفة في ضعفة أهله» . والتغليس رواه الشيخان أيضاً، وهو مستحب كل يوم وليس خاصاً بمزدلفة. والتغليس: السير بغلس ـ وهو ظلمة آخر الليل.\r(5) رواه مسلم.","part":3,"page":489},{"id":1882,"text":"ويسرعون في وادي مُحَسِّر (1) سواء أكان الحاج ماشياً أم راكباً.\rسادساً ـ سنن الرمي في منى :\rيرمي كل شخص بعد طلوع شمس يوم النحر سبع حصيات جمرة العقبة (الجمرة الكبرى) (2) . ويقطع التلبية عند ابتداء الرمي، وهذا الرمي تحية منى، فلا يبتدئ فيها بغيره.\rوالسنة لرامي هذه الجمرة أن يستقبلها، ويجعل مكة عن يساره، ومنى عن يمينه، كما فعل النبي صلّى الله عليه وسلم ، ويكبر مع كل حصاة بدل التلبية (3) ، فيقول:\r( الله أكبر ـ ثلاثاً ـ لا إله إلا الله والله أكبر، ولله الحمد ).\rويسن أن يرمي بيده اليمنى رافعاً لها حتى يرى بياض إبطيه، ولا ترفع المرأة، ولا يقف الرامي للدعاء عند هذه الجمرة.\rويسن الترتيب في يوم العيد بين هذه الأمور الأربعة: الرمي للعقبة، ثم الذبح (ذبح الهدي)، ثم الحلق أو التقصير، ثم طواف الإفاضة، ويدخل وقت هذه الأمور بنصف ليلةالنحر، ويبقى وقت الرمي إلى آخر يوم النحر. ويختص الذبح بوقت الأضحية. ولا آخر لوقت الحلق والطواف والسعي.\r-------------------------------\r(1) وادي محسر: خمس مئة ذراع وخمسة وأربعون ذراعاً وهو موضع فاصل بين مزدلفة ومنى، والإسراع فيه رواه مسلم، لنزول العذاب فيه على أصحاب الفيل القاصدين هدم البيت، وسمي به لأن فيل أصحاب الفيل حسر فيه أي أعيا.\r(2) للاتباع، رواه مسلم، وهذه الجمرة ليست من منى، بل حد منى من الجانب الغربي جهة مكة.\r(3) للاتباع رواه مسلم.","part":3,"page":490},{"id":1883,"text":"ويرمي الحاج أيضاً الجمرات الثلاث كل جمرة سبع حصيات في أيام التشريق الثلاثة، وهي حادي عشر الحجة وتالياه (1) ، بعد زوال الشمس من كل يوم إلى الغروب، مبتدئاً بالأولى ثم الوسطى ثم جمرة العقبة، التي هي ليست من منى، بل منى تنتهي إليها.\rوالسنة أن يرمي بقدر حصى الخذف: وهو دون الأنملة طولاً وعرضاً في قدر الباقلاء، فلو رمى بأكبر منه أو بأصغر، كره، وأجزأه.\rالمذهب الرابع ـ مذهب الحنابلة (2) :\rأركان الحج أربعة :\r1 - إحرام وينعقد بمجرد النية 2 - ووقوف بعرفة 3 - وطواف زيارة، فلو تركه وخرج من مكة، رجع معتمراً 4 - وسعي بين الصفاة والمروة.\rوأركان العمرة ثلاثة: 1 - إحرام، 2- وطواف، 3- وسعي.\rفمن ترك ركناً لم يصح الحج أو العمرة أو لم يتم نسكه إلا به، ومن ترك الإحرام لم ينعقد نسكه.\rوواجبات الحج سبعة :\rإحرام من الميقات، ووقوف بعرفة نهاراً للغروب، ومبيت بمزدلفة لبعد نصف الليل إن وافاها قبله، ومبيت بمنى، ورمي الجمرات مرتباً يبدأ بالأولى، ثم الثانية (الوسطى) ثم الثالثة (جمرة العقبة)، وحلق أو تقصير، وطواف وداع (وهو طواف الصَّدر) (3) .\rوواجبات العمرة: شيئان:\rحلق أو تقصير، وإحرام من الحل أو الميقات.\rفمن ترك واجباً ولو سهواً أو جهلاً، فعليه دم، فإن عجز عنه صام عشرة أيام كالمتمتع.\rوالسنن:\rكمبيت بمنى ليلة عرفة، وطواف قدوم، ورمل، واضطباع، وتلبية، واستلام الركنين (الأسود واليماني)، وتقبيل الحجر، ومشي وسعي في مواضعهما، وخطب وأذكار، ودعاء، ورقي بصفا ومروة، واغتسال، وتطيب في بدن، وصلاة ركعتين قبل الإحرام، وعقب طواف، واستقبال قبلة عند رمي.\rولا شيء في ترك ذلك كله، ويجب بالنذر.\rوسنن الإحرام (4) :\rالغسل، أو التيمم عند العجز أو العذر كما ذكر في غاية المنتهى، وأخذ الشعر والظفر وقطع الرائحة الكريهة، وتطيب بنحو مسك وعود وماء ورد، وخضاب للمرأة بحناء.\rولبس إزار ورداء أبيضين نظيفين، ونعلين، بعد تجرد الذكَر عن المخيط، والإحرام بعد صلاة فرض أو ركعتين نفلاً.\r-------------------------------\r(1) للاتباع المعلوم من الأخبار الصحيحة، مع خبر «خذوا عني مناسككم» .\r(2) كشاف القناع: 605/2، غاية المنتهى: 421/1 وما بعدها، المحرر في الفقه الحنبلي لابن تيمية: ص 242-245.\r(3) سمي بذلك، لأن الصدر رجوع المسافر من مقصده، ولأنه يفعل بعده.\r(4) غاية المنتهى: 365/1 ومابعدها، 371، كشاف القناع: 488/2 ومابعدها.","part":3,"page":491},{"id":1884,"text":"والتلبية عقب الإحرام على الأصح، والإكثار منها (1) في الارتفاع والهبوط ودبر الصلوات المكتوبات، وعند إقبال الليل وإدبار النهار، ولقاء الرفقة، ورفع الصوت بها (2) ، ولكن لا يجهد نفسه في رفعه زيادة عن الطاقة خشية ضرر يصيبه. ويسن الدعاء بعد التلبية، فيسأل الله الجنة، ويعوذ به من النار (3) ، ويدعو بما أحب، ويسن عقبها الصلاة على النبي صلّى الله عليه وسلم ؛ لأنه موضع يشرع فيه ذكر الله تعالى، فشرعت فيه الصلاة عليه صلّى الله عليه وسلم كالصلاة، ولا يرفع صوته بالدعاء والصلاة على النبي عقب التلبية، لعدم وروده. وكره لأنثى الجهر بها بأكثر مما تسمع رفيقتها، ولطائف بالبيت.\rوصفة التلبية بالإجماع: ( لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك ) ولا تستحب الزيادة عليها، اتباعاً لفعل النبي صلّى الله عليه وسلم .\rولا تشرع التلبية بغير العربية لقادر على العربية، لأنه ذكر مشروع، فإن عجز عن العربية، لبى بلغته كالتكبير في الصلاة.\r-------------------------------\r(1) لخبر سهل بن سعد: «ما من مسلم يلبي إلا لبّى ما عن يمينه وشماله، من شجر أو حجر، أو مدر، حتى تنقطع الأرض من ههنا وههنا» رواه الترمذي بإسناد جيد، وابن ماجه.\r(2) لقول أنس: «سمعتهم يصرخون بها صراخاً» رواه البخاري.\r(3) لما رواه الدارقطني عن خزيمة بن ثابت: «أن النبي صلّى الله عليه وسلم كان إذا فرغ من تلبيته، سأل الله مغفرته ورضوانه، واستعاذ برحمته من النار» .","part":3,"page":492},{"id":1885,"text":"وسنن الطواف (1) :\rاستلام الحجر بيده اليمنى، وتقبيله ونحوه، واضطباع، ورمل في الأشواط الثلاثة الأولى (وهو سرعة المشي ومقاربة الخطا) ، ومشي في مواضعه ودعاء وذكر ودنو من البيت، وصلاة ركعتين بعده. والرمل أولى من الدنو للبيت، ولا يسن رمل ولا اضطباع في غير طواف الإفاضة.\rفإن شق تقبيل الحجر استلمه بيده اليمنى وقبلها، فإن شق الاستلام أشار إليه بيده أو بشيء ولا يقبله.\rويسن استقبال الحجر بوجهه، ويقول: «بسم الله والله أكبر، اللهم إيماناً بك و تصديقاً بكتابك، ووفاء بعهدك، واتباعاً لسنة نبيك محمد صلّى الله عليه وسلم » يقول ذلك كلما استلمه، وزاد جماعة «الله أكبر، لا إله إلا الله ، والله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد» .\rويقرب طائف جانبه الأيسر للبيت.\rويستلم الركن اليماني (2) ولا يقبله، وذلك في كل شوط، ولا يستلم الشامي والغربي.\rويقول بين الركنين اليماني والأسود: { ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار } [البقرة:201/2].\rويقول في بقية طوافه: ( اللهم اجعله حجاً مبروراً، وسعياً مشكوراً، وذنباً مغفوراً، ربنا اغفر وارحم، واهدني السبيل الأقوم، وتجاوز عما تعلم، وأنت الأعز الأكرم ) ، ويذكر ويدعو بما أحب، وسن قراءة فيه.\r-------------------------------\r(1) غاية المنتهى: 399/1-402.\r(2) الطائف عن يسار البيت أول ركن يمر به يسمى الشامي والعراقي (وهو جهة الشام)، ثم يليه الركن الغربي (وهو جهة الغرب)، ثم اليماني (جهة اليمن).","part":3,"page":493},{"id":1886,"text":"وسنن السعي (1) :\rكما ذكر عند الشافعية، يخرج للسعي من باب الصفا (وهو طرف جبل أبي قبيس) ويرقى الذكَرالصفا ليرى البيت، فيستقبله، ويكبر ثلاثاً، ويقول ثلاثاً: (الحمد لله على ما هدانا، لا إله إلا الله وحده لا شريك له..إلخ) المذكور سابقاً ويدعو بما أحب، ثم ينزل من الصفا، ويمشي ثم يرمل بين الميلين الأخضرين. ثم يرقى المروة، ويقول عليها ما قال على الصفا. ولا ترقى المرأة ولا ترمل.\rوخلاصة سننه: طهارة حدث وخبث وستر عورة، وذكر ودعاء، وإسراع ومشي بمواضعه، ورقي، وموالاة بينه وبين طواف. فإن طاف بيوم، وسعى في آخر، فلا بأس.\rوسنن الوقوف بعرفة (2) :\rكالمذكور عند الشافعية أيضاً، وأهمها خطبة الإمام بنمرة (قبيل عرفة) خطبة قصيرة (3) مفتتحة بالتكبير، يعلمهم فيها الوقوف بعرفة ووقته، والدفع منه، والمبيت بمزدلفة ونحوه، والجمع تقديماً بين الظهر والعصر.\rويسن الوقوف راكباً بخلاف سائر المناسك، مستقبل القبلة عند الصخرات الكبار المفترشة أسفل جبل الرحمة، ولا يشرع صعوده.\rويكثر من الدعاء مع رفع الأيدي، والاستغفار ، والتضرع، والخشوع، وإظهار الضعف، والافتقار، والإلحاح في الدعاء، وتكرار الدعاء ثلاثاً. ويكثر من قول: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له..إلخ» المذكور عند الشافعية.\r-------------------------------\r(1) غاية المنتهى: 404/1-406.\r(2) المرجع السابق: 407/1 ومابعدها، 412، 415.\r(3) يخطب الإمام أيضاً بمنى يوم النحر، وفي ثاني أيام التشريق. ويدعو بما أحب، ويكثر البكاء مع ذلك، فهناك تسكب العبرات، وتقال العثرات.","part":3,"page":494},{"id":1887,"text":"وسنن الوقوف بمزدلفة (1) :\rالدفع إليها بعد غروب اليوم التاسع بسكينة واستغفار، علماً بأنه يجب المبيت بها لنصف الليل، وجمع العشاءين بها جمع تأخير، وصلاة الصبح بها بغلس، ثم إتيان المشعر الحرام (2) ، فيرقى عليه أو يقف عنده مع حمد الله وتكبيره، والدعاء إليه إلى الإسفار جداً، كما ذكر عند الشافعية: ( اللهم كما وقفتنا فيه وأريتنا إياه، فوفقنا لذكرك كما هديتنا..إلخ ) .\rوالإسراع في وادي محسِّر، ماشياً أو راكباً.\rويأخذ الحاج من المزدلفة سبعين حصاة أكبر من الحمص ودون البندق، كحصى الخَذْف، ويكره أخذ الحصى من منى وسائر الحرم. ولا يسن غسل غير نجس، وتجزئ حصاة نجسة مع الكراهة.\rوسنن الرمي في منى (3) :\rالبدء برمي جمرة العقبة بسبع حصيات وهو تحية منى، بعد نصف ليلة النحر كالطواف. ويندب الرمي بعد الشروق، وأن يكبر مع كل حصاة قائلاً:\r( اللهم اجعله حجاً مبروراً، وذنباً مغفوراً، وسعياً مشكوراً ) وأن يستبطن الوادي، ويستقبل القبلة، ويرمي على جانبه الأيمن، ويرفع يده حتى يرى بياض إبطه، ولا يقف عندها، بل يرميها ماشياً، وله رميها من فوقها، ويقطع التلبية عند أول الرمي.\rويسن الحلق بعد ذبح الهدي، والحلق أفضل من التقصير، والسنة ترتيب أربعة أمور يوم النحر: الرمي، ثم النحر، ثم الحلق، ثم الطواف، كما وصف جابر في حج النبي صلّى الله عليه وسلم (4) ، فإن أخل بترتيبها ناسياً أو جاهلاً بالسنة، فلا شيء عليه في قول أكثر العلماء، خلافاً لأبي حنيفة، فإنه يوجب الدم إن قدم الحلق على الرمي، أو على النحر.\rويسن أخذ ظفر وشارب وشعر إبط وأنف وعانة، وتطيب عند تحلل من الحج.\rوتسن الخطبة يوم عرفة.\rويندب أن يخطب الإمام بمنى يوم النحر خطبة يفتتحها بالتكبير ويعلمهم فيها النحر والإفاضة والرمي.\rويسن رمي الجمرات في أيام التشريق قبل أداء صلاة الظهر، مع وجوب البدء بالجمرة الأولى وهي التي تلي مسجد الخيف وأبعدهن عن مكة، فيجعلها عن يساره مستقبلاً القبلة، ويرمي، ثم يتقدم قليلاً، لئلا يصيبه حصى.\rثم يقف يدعو دعاء طويلاً رافعاً يديه.\rثم يرجم الجمرة الوسطى، فيجعلها عن يمينه مستقبلاً القبلة، ثم يقف عندهم فيدعو. ثم يرجم جمرة العقبة ويجعلها عن يمينه مستقبلاً القبلة، ويستبطن الوادي، ولا يقف عندها. وترتيب رجمها شرط.\rويندب أن يخطب الإمام ثاني أيام التشريق، خطبة يعلمهم حكم التعجيل والتأخير، وتوديعهم، ويحثهم.\rويجوز لغير الإمام التعجيل في اليوم الثاني، وهو النفر الأول، فإن غربت الشمس وهو في منى لزمه مبيت ورمي من غد . ويسقط رمي اليوم الثالث عن متعجل، ويدفن حصاه في المرمى.\rويسن إذا نفر من منى النزول بالأبطح (وهو المحصَّب: وهو مابين الجبلين إلى المقبرة) فيصلي به الظهرين والعشاءين، ويهجع يسيراً، ثم يدخل مكة.\r-------------------------------\r(1) غاية المنتهى: 409/1 ومابعدها.\r(2) جبل صغير بالمزدلفة، هو جبل قزح، وتسمى المزدلفة كلها مشعراً.\r(3) غاية المنتهى: 410/1 ومابعدها، 414 ومابعدها.\r(4) المغني: 446/3.","part":3,"page":495},{"id":1888,"text":"......................جدول بأهم أحكام أعمال الحج في المذاهب.........................\r........العمل.........................الحنفية..........المالكية........الشافعية........الحنابلة\r1-حكم الحج.......فرض فوراً على المستطيع...فرض فوراً...فرض على التراخي...فرض فوراً\r2-حكم العمرة...سنة مؤكدة....سنة مؤكدة على المشهور...فرض على التراخي...فرض فوراً\r3-الإحرام بالحج(نيته).................شرط...........ركن.............ركن.........ركن\r4-الإحرام بالعمرة(بيتها)...............شرط...........ركن.............ركن.........ركن\r5-الإحرام من الميقات.................واجب..........واجب..........واجب.......واجب\r6-اقتران الإحرام بالتلبية..............واجب..........واجب............سنة..........سنة\r7-الغسل للإحرام......................سنة.............سنة.............سنة..........سنة\r8-التطيب للإحرام.....................سنة.............سنة.............سنة..........سنة\r9-التلبية.............................واجبة...........واجبة.............سنة..........سنة\r10-طواف القدوم للمفرد والقارن....سنة.....واجب على الأصح.......سنة...........سنة\r11-نية الطواف......................شرط............واجب...........سنة...........سنة\r12-بدء الطواف من الحجر الأسود....واجب..........واجب..........شرط..........شرط\r13-جعل البيت عن يسار الطائف.....واجب..........شرط............شرط..........شرط\r14-المشي في الطواف للقادر عليه....واجب...........واجب...........سنة...........شرط\r15-الطهارة من الحدثين في الطواف...واجب...........شرط...........شرط..........شرط\r16-طهارة البدن والثوب والمكان......سنة.............شرط...........شرط..........شرط\r17-كون الطواف من وراء الحطيم أو الحجر...واجب...شرط..........شرط..........شرط\r18-كون الطواف في المسجد.........شرط.............شرط..........شرط..........شرط\r19-كون الطواف سبعة أشواط......واجب............شرط..........شرط...........شرط\r20-الموالاة بين أشواط الطواف.......سنة.............واجب...........سنة..........واجب\r21-ستر العورة في الطواف.........واجب.............شرط...........شرط..........شرط\r22-ركعتا الطواف.................واجب ...........واجب...........سنة............سنة\r23-طواف العمرة..................ركن..............ركن...........ركن............ركن\r24-السعي بين الصفا والمروة.......واجب.............ركن..........ركن.............ركن\r25-وقوع السعي بعد الطواف.....واجب............واجب.........شرط............شرط\r26-نية السعي....................واجب.............شرط...........شرط...........شرط\r27-بدء السعي بالصفا وحتمه بالمروة...واجب........شرط...........شرط...........شرط\r28-المشي في السعي للقادر........واجب............واجب..........سنة.............شرط\r29-كون السعي سبعة أشواط.....واجب.............شرط..........شرط............شرط\r30-الموالاة بين أشواط السعي.......سنة..............شرط..........سنة..............شرط\r31-الحلق أو التقصير في العمرة...واجب............واجب....ركن على المشهور.....واجب\r32-المبيت بمنى ليلة عرفة...........سنة..............سنة..............سنة.............سنة\r33-الوقوف بعرفة................ركن..............ركن.............ركن............ركن\r34-وقت الوقوف بعرفة...من بعد الزوال من يوم عرفة إلى طلوع فجر يوم النحر بالاتفاق(1)\r35-امتداد الوقوف لما بعد الغروب إن وقف نهاراً...واجب...واجب....سنة...........واجب\r36-الدفع من عرفة مع الإمام أو نائبه..............واجب...واجب....سنة...........واجب\r37-الجمع بمزدلفة بين المغرب والعشاء تقديماً.......واجب....سنة.....سنة.............سنة\r38-الوقوف بمزدلفة...واجب ولو لحظة......واجب ويكفي...واجب ويكفي...المبيت واجب\r.......................بعد الفجر......مقدار حط الرحال.....لحظة في...لما بعد منتصف الليل\r.......................******....وجمع الصلاتين وتناول شيء...النصف الثاني......******\r....................******....من الطعام والشراب،والمبيت مندوب...من الليل....******\r39-الوقوف بمزدلفة عندالمشعر...مستحب...مندوب والمعتمد أنه سنة....سنة..........سنة\rالحرام من الفجر إلى الشروق..............................................................\r40-رمي جمرة العقبة يوم النحر......واجب..........واجب..........واجب.......واجب\r41-الحلق أو التقصير في الحج.......واجب.....ركن على المعتمد.....واجب.......واجب\r42-الترتيب بين الرمي والذبح والحلق...واجب......سنة..............سنة...........سنة\r43-طواف الإفاضة...أكثره ركن(ثلاثة وأكثر الرابع)...ركن..........ركن..........ركن\r44-كون طواف الإفاضةفي أيام النحر...واجب...واجب في ذي الحجة...سنة...سنةيوم العيد\r45-تأخير طواف الإفاضة عن رمي العقبة...سنة......واجب..........سنة.........واجب\r46-رمي الجمار الثلاث في أيام التشريق....واجب....واجب.........واجب.......واجب\r47-عد تأخير الرمي إلى الليل..............سنة......واجب...........سنة......واجب على ......................******......******........******غير سقاة ورعاة فيرمون ليلاً ونهاراً\r48-المبيت بمنى ليالي التشريق...سنة...واجب إلا لراعي الإبل والسقَّاء...واجب لغير...واجب\r.....................******.......******...................الرعاء وأهل السقاية...******\r49-طواف الوداع............واجب..........مندوب..........واجب على المعتمد...واجب\r50-أداء العمرة في أيام التشريق...مكروه تحريماً...لا يصح ويكره...يصح بغير كراهة... يصح\r..............******...بعد رمي اليوم الرابع إلى الغروب...بعد إنهاء أعمال الحج...بغير كراهة\r51-ترتيب الجمار............سنة.............واجب............واجب..............واجب\r(الأولى فالوسطى فالعقبة)...................................................................\r-------------------------------\r(1) اتفقوا على آخر وقت الوقوف، واختلفوا في بدئه، فقال الحنابلة: يبدء الوقوف من طلوع فجر يوم عرفة ( المغني: 415/3).","part":3,"page":496},{"id":1889,"text":"المبحث الخامس - أركان الحج والعمرة:\rأركان الحج: عرفنا أن للحج عند الحنفية ركنين فقط هما: الوقوف بعرفة وطواف الإفاضة. وأركان الحج عند المالكية والحنابلة أربعة: الإحرام والوقوف بعرفة، وطواف الإفاضة، والسعي. وأركانه عند الشافعية خمسة: الإحرام، والوقوف بعرفة، والطواف والسعي ،والحلق أو التقصير.\rأركان العمرة: ركن العمرة عند الحنفية: الطواف بالبيت.\rوللعمرة عند المالكية والحنابلة أركان ثلاثة: الإحرام، والطواف، والسعي.\rوأركانها عند الشافعية أربعة: الإحرام والطواف والسعي والحلق أو التقصير.\rويلاحظ أن الحلق أو التقصير عند الجمهور غير الشافعية واجب لا ركن.\rوأبحث هذه الأمور تفصيلاً:\rالمطلب الأول ـ الإحرام :\rحقيقته: الدخول في الحرمة ، والمراد هنا نية الدخول في النسك من حج أو عمرة، أو الدخول في حرمات مخصوصة أي التزامها. وإذا تم الإحرام لا يخرج عنه إلا بعمل النسك الذي أحرم به، فإن أفسده وجب قضاؤه، وإن فاته الوقوف بعرفة أتمه عمرة، وإن أحصر أي منع عن إكماله، ذبح هدياً وقضاه.\rوالكلام فيه يشمل ما يصير به الشخص محرماً، صفة الإحرام، والإحرام كإحرام فلان، مكان الإحرام وزمانه، ومايفعله مريد الإحرام، ومايحرم به من حج أو عمرة أو بهما، وإضافة الإحرام إلى الإحرام، وإدخال العمرة على الحج وعلى العكس، وفسخ الإحرام.\rأولاً - مايصير به الشخص محرماً :\rلا خلاف في أنه إذا نوى حجاً أو عمرة، وقرن النية بقول أو فعل من خصائص الإحرام، يصير محرماً، بأن لبى ناوياً به الحج، أو العمرة، أو بهما معاً.\rولا خلاف بين الشافعية والحنابلة وفي الأرجح عند المالكية أن الإحرام ينعقد بمجرد النية، لكن يلزمه عند المالكية دم في ترك التلبية، والتجرد من المخيط ونحوه، حين النية. أما قرن النية بقول أو فعل، فقال الحنفية:\rلا يصيرشارعاً في الإحرام بمجرد النية، ما لم يأتِ بالتلبية، أي أن الإحرام لايثبت بمجرد النية ما لم يقترن بها قول أوفعل هو من خصائص الإحرام أو دلائله، والنية ليست بركن عندهم، بل هي شرط، وإذا لبى ناوياً فقد أحرم عندهم.\rوعبارة المالكية: الإحرام: ينعقد بالنية المقترنة بقول أو فعل متعلق بالحج، كالتلبية والتوجه إلى الطريق، لكن الأرجح أنه ينعقد بمجرد النية، ويلزمه دم في ترك التلبية والتجرد من المخيط حين النية.\rوعبارة الشافعية والحنابلة: الإحرام: بأن ينوي الدخول في النسك، فلا ينعقد بدون النية، فإن اقتصر على النية، ولم يلب، أجزأه، وإن لبى بلا نية لم ينعقد إحرامه ولا يشترط قرن النية بالتلبية؛ لأنها من الأذكار، فلم تجب في الحج كسائر الأذكار.\rوالحاصل أن الإحرام ينعقد بالنية عند الجمهور، ولا ينعقد بمجردها عند الحنفية وإنما لا بد من قرنه بقول أوفعل من خصائص الإحرام، كالتلبية أو التجرد من المخيط ونحوه (1) .\rولا يصح الإحرام إلا بالنية، لقوله صلّى الله عليه وسلم : «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى» (2) ولأنه عبادة محضة، فلم تصح من غير نية، كالصوم والصلاة.\rومحل النية: القلب، والإحرام: النية بالقلب، والأفضل عند أكثر العلماء أن ينطق بما نواه؛ لما روى أنس رضي الله عنه قال: «سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلم يقول: لبيك بحجة وعمرة» (3) ولأنه إذا نطق به كان أبعد عن السهو.\r-------------------------------\r(1) البدائع: 161/2 ومابعدها، فتح القدير: 134/2 ومابعدها، اللباب: 179/1 ومابعدها، القوانين الفقهية: ص 131، الشرح الصغير: 16/2 وما بعدها، 25، مغني المحتاج: 476/1-478، المهذب: 204/1 ومابعدها، غاية المنتهى: 365/1، المجموع: 226/7 ومابعدها، المغني: 281/3-288.\r(2) رواه البخاري ومسلم عن عمر رضي الله عنه.\r(3) رواه مسلم، قيل: وقع الاشتباه لأنس، لا لمن دونه، في القران بين الحج والعمرة.","part":3,"page":497},{"id":1890,"text":"فيقول: نويت الحج أو العمرة وأحرمت به أو بها لله تعالى، أو يقول: اللهم إني أريد الحج أو العمرة، فيسره لي وتقبله مني. وإن أراد القران قال: اللهم إني أريد العمرة والحج، ثم يجب أن يلبي عند الحنفية عقيب صلاته، لأنه صلّى الله عليه وسلم «لبى في د ُبُر صلاته» ويستحب التلبية عند الجمهور بعد الإحرام أي مع النية.\rوإن حج أو اعتمر عن غيره قال: «نويت الحج أو العمرة عن فلان وأحرمت به أو بها لله تعالى» .\rوإن كان مفرداً الإحرام بالحج نوى بتلبيته الحج؛ لأنه عبادة، والأعمال بالنيات.\rوالتلبية كما بينت في المبحث السابق أن يقول: «لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والمُلْك، لا شريك لك» وهي المنقولةعن رسول الله صلّى الله عليه وسلم . ولا ينبغي أن يخل بشيء من هذه الكلمات، لأنه هو المنقول باتفاق الرواة، فلا ينقص عنه، فإن زاد عليها جاز بلا كراهة.\rثانياً ـ صفة الإحرام تعييناً وإطلاقاً وإحالة واشتراطاً (1) :\rالأفضل أن يعين المحرم ما أحرم به من حج أو عمرة أو هما معاً، فالتعيين أفضل من الإطلاق؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلم أمر أصحابه بالإحرام بنسك معين، فقال فيما روته عائشة: «من شاء منكم أن يهل بحج وعمرة فليهل، ومن أراد أن يهل بحج فليهل، ومن أراد أن يهل بعمرة فليهل» (2) .\r-------------------------------\r(1) البدائع: 163/2، الشرح الصغير: 25/2 ومابعدها، المهذب: 205/1، مغني المحتاج: 1/674-874، المغني: 284/3-487، الشرح الكبير: 26/2 وما بعدها.\r(2) متفق عليه عن عائشة (نيل الأوطار: 308/4 ومابعدها) ومعنى الإهلال: رفع الصوت بالتلبية من قولهم: استهل الصبي: إذا صاح، والأصل فيه: أنهم كانوا إذا رئي الهلال صاحوا، فيقال: استهل الهلال، ثم قيل لكل صائح: مستهل.","part":3,"page":498},{"id":1891,"text":"ورأى الحنفية: أنه لو أحرم بالحج، ولم يعين حجة الإسلام، وعليه حجة الإسلام، يقع عنها استحساناً؛ لأن الظاهر من حاله أنه لا يريد بإحرام الحج حجة التطوع، ويبقي نفسه في عهدة الفرض، فيحمل على حجة الإسلام بدلالة حاله، فكان الإطلاق فيه تعييناً كما في صوم رمضان. ولو نوى التطوع يقع عن التطوع؛ لأن دلالة حاله لا تفيد مع التعيين الصريح.\rوكذلك قال الشافعية: ليس التعيين شرطاً في انعقاد النسك، فلو أحرم بنسك نفل وعليه نسك فرض، انصرف إلى الفرض.\rوينعقد الإحرام معيناً: بأن ينوي حجاً أو عمرة أو كليهما بالإجماع، ولحديث عائشة المتقدم، وينعقد أيضاً مطلقاً بألا يزيد على الإحرام نفسه، بأن ينوي الدخول في النسك الصالح للأنواع الثلاثة، أو يقتصر على قوله: «أحرمت» ، بدليل ما روى الشافعي: «أنه صلّى الله عليه وسلم خرج هو وأصحابه مهلِّين ينتظرون القضاء (أي نزول الوحي) فأمر من لا هدي معه أن يجعل إحرامه عمرة، ومن معه هدي أن يجعله حجاً» .\rوفي حالة الإطلاق هذه قال الحنفية: يمضي في أيهما شاء ما لم يطف بالبيت شوطاً، فإن طاف شوطاً، كان إحرامه عن العمرة؛ لأن الطواف ركن في العمرة، وطواف القدوم سنة، فإيقاعه عن الركن أولى، وتتعين العمرة بفعله كما تتعين بقصده.","part":3,"page":499},{"id":1892,"text":"وقال المالكية: إن أبهم نية الإحرام بأن لم يعين شيئاً بأن نوى النسك لله تعالى من غير ملاحظة حج أو عمرة أو هما، ندب صرفه أي تعيينه لحج فيكون مفرداً، والقياس صرفه لقران؛ لأنه أحوط لاشتماله على النسكين كالناسي لما عينه.\rوقال الشافعية والحنابلة: إن أحرم مطلقاً في أشهر الحج، صرفه بالنية إلى ما شاء من الأنساك، ثم اشتغل بالأعمال، فلو طاف ثم صرفه للحج وقع طوافه عند الشافعية عن القدوم، وإن أطلق الإحرام في غير أشهر الحج، فالأصح عند الشافعية انعقاده عمرة، فلا يصرفه إلى الحج في أشهره.\rوالأولى عند الحنابلة: صرف الإحرام إلى العمرة؛ لأنه إن كان في غير أشهر الحج، فالإحرام بالحج مكروه أو ممتنع، والأول أرجح عندهم، وإن كان في أشهر الحج، فالعمرة أولى؛ لأن التمتع عندهم أفضل، وقد أمر النبي صلّى الله عليه وسلم أبا موسى حين أحرم بما أهل به رسول الله صلّى الله عليه وسلم أن يجعله عمرة.\rتعليق الإحرام أو الإحرام بما أحرم به فلان (1) أو إبهام الإحرام: يصح إبهام الإحرام: وهو أن يحرم به بما أحرم به فلان، لما روى أبو موسى قال: «قدمت على رسول الله صلّى الله عليه وسلم ، فقال: كيف أهللت؟ قال: قلت: لبيك بإهلال كإهلال رسول الله صلّى الله عليه وسلم ، قال: أحسنت، فأمرني فطفت بالبيت وبالصفا والمروة، ثم قال: حل» (2) . فإن لم يكن فلان محرماً، انعقد إحرامه مطلقاً، وإن كان محرماً بنسك معين انعقد إحرامه كإحرامه، وإن تعذر معرفة إحرامه بموته كان حكمه كالناسي.\r-------------------------------\r(1) هذا هو المراد بالإحالة أي بإحالة الإحرام على إحرام فلان، وهو أن يحرم بإحرام كإحرام فلان، فيصير محرماً مثل إحرام فلان (شرح مسلم 198/8 ومابعدها).\r(2) متفق عليه (شرح مسلم 198/8 ومابعدها).","part":3,"page":500},{"id":1893,"text":"حكم نسيان ما عينه: إذا أحرم بنسك، ثم نسي ما عينه، أهو حج أو عمرة أو هما، قبل الطواف، فله عند الحنابلة صرفه إلى أي نسك شاء. ويكون قراناً عند المالكية والحنفية والشافعية في الجديد؛ لأنه تلبس بالإحرام يقيناً، فلا يتحلل إلا بيقين الإتيان بالمشروع فيه، فيعمل أعمال النسكين ليتحقق الخروج عما شرع فيه، فتبرأ ذمته من الحج بعد إتيانه بأعماله، ولا تبرأ ذمته من العمرة لاحتمال أنه أحرم بالحج، ويمتنع إدخالها عليه ولا دم عليه، فيبرأ من الحج فقط، وعليه عند المالكية تجديد نية الحج.\rومنشأ الخلاف بين الرأيين: هو فسخ الحج إلى العمرة، فإنه جائز عند الحنابلة، وغير جائز عند الجمهور.\rالاشتراط في الإحرام (1) : أجاز الشافعية والحنابلة الاشتراط في الإحرام، وهو التحلل لمانع مرضي ونحوه، ولا يجوز التحلل مع عدم الاشتراط، بدليل حديث ابن عباس: «أن ضُبَاعة بنت الزبير قالت: يا رسول الله ، إني امرأة ثقيلة (2) ، وإني أريد الحج، فكيف تأمرني؟ فقال: أَهِلِّي واشتراطي أن مَحِلِّي (3) حيث حبستني، قال: فأدْركَت» (4) .\rوقال أبو حنيفة ومالك: لا يصح الاشتراط، عملاً برأي ابن عمر، وقالا عن الأحاديث: إنها قصة عين، وإنها مخصوصة بضباعة. ومنشأ الخلاف: هل خطابه صلّى الله عليه وسلم لواحد يكون غيره فيه مثله أو لا؟\rمن أحرم بحجتين أو عمرتين: إن أحرم، انعقد بإحداهما، ولغت الأخرى عند الحنابلة؛ لأنهما عبادتان لا يلزمه المضي فيهما، فلم يصح الإحرام بهما كالصلاتين، فلو أفسد حجته أو عمرته، لم يلزمه إلا قضاؤها.\r-------------------------------\r(1) نيل الأوطار: 4/803، المغني: 282/3 وما بعدها.\r(2) في رواية عائشة «وجيعة» .\r(3) أي مكان إحلالي.\r(4) رواه الجماعة إلا البخاري، وللنسائي في رواية «فإن لكِ على ربِّك ما استثنيت» (نيل الأوطار: 307/4) وله روايات أخرى: عن عائشة في المتفق عليه، وعن عكرمة عند أحمد.","part":3,"page":501},{"id":1894,"text":"وقال أبو حنيفة ومالك والشافعي: ينعقد بهما، وعليه قضاء إحداهما، لأنه أحرم بها ولم يتمها، وإن أفسد ما نواه يلزمه قضاؤهما معاً بناء على صحة إحرامه بهما.\rثالثاً ـ مكان الإحرام وزمانه :\rمكان الإحرام: هو المسمى بالميقات. وزمان الإحرام هو وقت الحج والعمرة وقد بحثت الأمرين في المبحث الثالث.\rوتبيَّن فيه أن وقت العمرة بالاتفاق: جميع أجزاء السنة ما عدا يوم العيد (عيد النحر) وأيام التشريق عند الحنفية والمالكية.\rووقت الحج في أشهر ثلاثة معينة: هي شوال وذو القعدة وعشر من ذي الحجة عند الجمهور، وذو الحجة كله عند المالكية.\rوالناس في حق المواقيت أصناف ثلاثة (1) :\rالصنف الأول ـ أهل الآفاق: وهم الذين منازلهم خارج المواقيت التي وقَّت لهم رسول الله صلّى الله عليه وسلم وهي خمسة ثابتة في السنة، وهي ذو الحليفة لأهل المدينة، والجحفة لأهل الشام، وقرن المنازل لأهل نجد، ويلملم لأهل اليمن، وذات عرق لأهل العراق.\rوالصنف الثاني ـ أهل الحل: وهم الذين منازلهم داخل المواقيت الخمسة خارج الحرم كأهل بستان بني عامر وغيرهم، وميقاتهم دويرة أهلهم، أو حيث شاؤوا من الحل الذي بين دويرة أهلهم وبين الحرم.\rوالصنف الثالث ـ أهل مكة الحرم: وميقاتهم للحج الحرم، وللعمرة الحل، فيحرم المكي من دويرة أهله للحج، أو حيث شاء من الحرم، ويحرم للعمرة من الحل وهو التنعيم أوغيره.\rرابعاً ـ ما يفعله مريد الإحرام :\rإذا أراد الشخص الإحرام يفعل السنن المذكورة سابقاً في بحث أعمال الحج وأهمها ما يأتي (2) . أما ما يجتنبه المحرم من اللباس والحذاء وغيرهما فيعرف في بحث محظورات الإحرام.\r-------------------------------\r(1) البدائع: 163/2-167.\r(2) فتح القدير: 134/2-140، اللباب: 179/1 ومابعدها، 188، القوانين الفقهية: ص 131، الشرح الصغير: 29/2 ومابعدها، مغني المحتاج: 478/1-482، 501، المهذب: 204/1 ومابعدها، المجموع: 211/7-226، المغني: 270/3-275، 288-293، 301، 325، 430، غاية المنتهى: 365/1 ومابعدها.","part":3,"page":502},{"id":1895,"text":"1 - يغتسل تنظفاً، أو يتوضأ، والغسل أفضل؛ لأنه أتم نظافة، ولأنه عليه الصلاة والسلام اغتسل لإحرامه (1) ، وهو للنظافة لا للطهارة، ولذا تفعله المرأة الحائض والنفساء، لما روى ابن عباس مرفوعاً إلى النبي صلّى الله عليه وسلم : «أن النفساء والحائض تغتسل وتُحرم، وتقضي المناسك كلها، غير أن لا تطوف بالبيت» (2) وأمر النبي صلّى الله عليه وسلم أسماء بنت عميس، وهي نفساء أن تغتسل (3) .\rفدل على أن الاغتسال مشروع للنساء عند الإحرام، كما يشرع للرجال؛ لأنه نسك، وهو في حق الحائض والنفساء آكد، لورود الخبر فيهما.\rوهذا متفق عليه. فإن لم يجد ماء تيمم عند الشافعية؛ لأن الغسل يراد للقربة والنظافة، فإذا تعذر أحدهما يبقى الآخر، ولأن التيمم ينوب عن الغسل الواجب، فعن المندوب أولى. ولو وجد ماء لا يكفيه للغسل ويكفيه للوضوء، توضأ به وتيمم عن الغسل.\rولا يسن له التيمم في رأي ابن قدامة؛ لأنه غسل مسنون، فلم يستحب التيمم عند عدمه كغسل الجمعة، والفرق بين الواجب والمسنون؛ أن الواجب يراد لإباحة الصلاة، والتيمم يقوم مقامه في ذلك، والمسنون يراد للتنظيف وقطع الرائحة، والتيمم لا يحصِّل هذا، بل يزيد شعثاً وتغييراً، والراجح عند الحنابلة جواز التيمم كما في غاية المنتهى.\rويستحب التنظيف أيضاً بأزالة الشَّعَث (الوسخ من غبار وغيره) وقطع\r-------------------------------\r(1) رواه الدارمي والترمذي وغيرهما عن زيد بن ثابت: أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم اغتسل لإحرامه (نصب الراية: 17/3).\r(2) رواه أبو داود والترمذي عن ابن عباس (نيل الأوطار: 303/4).\r(3) رواه مسلم عن جابر.","part":3,"page":503},{"id":1896,"text":"الرائحة، ونتف الإبط، وقص الشارب، وقلم الأظفار، وحلق العانة وترجيل الشعر؛ لأن الإحرام أمر يسن له الاغتسال والطيب، فيسن له هذا كالجمعة.\r2 - يتجرد الذكر من المخيط، ويلبس ثوبين نظيفين: إزاراً ورداءاً جديدين ثم مغسولين، ونعلين، لقوله صلّى الله عليه وسلم : «وليحرم أحدكم في إزار ورداء ونعلين، فإن لم يجد نعلين فلْيلبَس خُفَّين، ولْيَقْطَعهما أسفل من الكعبين» (1) ، ولا يلزم قطعهما في المشهور عن أحمد، لحديث ابن عباس: «ومن لم يجد نعلين فليلبس خفين» (2) .\rوالمرأة: إحرامها في كشف وجهها باتفاق الفقهاء، فإن احتاجت إلى ستر وجهها لمرور الرجال قريباً منها، فإنها عند الحنابلة تسدل الثوب من فوق رأسها على وجهها؛ لفعل عائشة ومحرمات أخريات مع رسول الله صلّى الله عليه وسلم (3) .\r3 - يتطيب في بدنه قبل الإحرام عند الجمهور، لا في الثوب عند الحنفية والحنابلة، لأنه مباين له، وكذا في ثوبه في الأصح عند الشافعية، لحديث عائشة: «كنت أطيِّب النبي صلّى الله عليه وسلم عند إحرامه بأطيبِ ما أجد» (4) أي في وقت إحرامه. ولابأس باستدامة أثر الطيب بعد الإحرام،لحديث الصحيحين عن عائشة: «كأني أنظر إلى وبيص المسك في مفرق رسول الله صلّى الله عليه وسلم » والوبيص: هو البريق، والمفرق: وسط الرأس.\r-------------------------------\r(1) رواه أحمد عن ابن عمر، والكعبان: العظمان الناتئان عند مفصل الساق والقدم (نيل الأوطار: 305/4).\r(2) متفق عليه، فيكون هذا ناسخاً لحديث ابن عمر المتقدم (نيل الأوطار: 4/5).\r(3) رواه أبو داود والأثرم عن عائشة.\r(4) رواه البخاري ومسلم، وللنسائي: حين أراد الإحرام.","part":3,"page":504},{"id":1897,"text":"ولا يتطيب عند المالكية، ويكره الطيب قبل الغسل أو بعده بما تبقى رائحته، لما روي أن رجلاً أتى النبي صلّى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله ، كيف ترى في رجل أحرم بعمرة وهو متضمخ بطيب؟ فسكت النبي صلّى الله عليه وسلم ، يعني ساعة، ثم قال «: اغسل الطيب الذي بك ـ ثلاث مرات ـ وانزع عنك الجبة، واصنع في عمرتك ما تصنع في حجتك» (1) ، ولأنه يمنع من ابتداء الطيب، فمنع استدامته كاللبس.\rوالظاهر جواز التطيب قبل الإحرام؛ لأن قصة صاحب الجبة كانت عام حنين بالجعرانة سنة ثمان،وحديث عائشة في حجة الوداع سنة عشر، فيكون ناسخاً للحديث الأول، وفعل النبي صلّى الله عليه وسلم حجة على ابن عمر الذي كان ينهى عن الطيب عند الإحرام.\rويسن عند الشافعية والحنابلة أن تخضب المرأة للإحرام يديها إلى الكوع (الرسغ) بالحناء، لما روى ابن عمر أن ذلك من السنة.\r4 - يصلي صلاة ركعتي الإحرام بعد الغسل وقبل الإحرام بالاتفاق، أو يكون الإحرام عند المالكية والحنابلة عقب صلاة مفروضة، أما الأول فلما روى الشيخان أنه «صلّى الله عليه وسلم صلى بذي الحليفة ركعتين، ثم أحرم» (2) . ويحرمان في وقت الكراهة في غير حرم مكة، ويسن أن يقرأ في الركعة الأولى: {قل يا أيها الكافرون} [الكافرون:1/109] وفي الثانية: ( الإخلاص).\rوأما الإحرام عقب صلاة مكتوبة وهو الأولى عند الحنابلة، فلما روى أبو داود والأثرم عن سعيد بن المسيب عن ابن عباس قال: « أوجب رسول الله صلّى الله عليه وسلم الإحرام حين فرغ من صلاته..» .\rويجوز عند الحنابلة على السواء الإحرام عقيب الصلاة، أو إذا استوت به راحلته، أو بدأ بالسير، فإذا استوى على راحلته لبى.\r-------------------------------\r(1) متفق عليه عن يعلى بن أمية.\r(2) نصب الراية: 20/3 ومابعدها.","part":3,"page":505},{"id":1898,"text":"والأفضل عند المالكية والشافعية أن يحرم إذا سارت به راحلته، لما رواه الشيخان، أو إذا توجه لطريقه ماشياً، لما روى مسلم عن جابر: «أمرنا رسول الله صلّى الله عليه وسلم لما أهللنا ـ أي أردنا أن نهل ـ أن نحرم إذا توجهنا» .\r5 - يلبي، والتلبية عقيب الصلاة عند الحنفية، لأن النبي صلّى الله عليه وسلم «لبى في دُبُر صلاته» (1) وهو الأفضل، و يلبي بعد ما استوت به راحلته، ثم ينوي، فإن كان مفرداً الإحرام بالحج، نوى بتلبيته الحج؛ لأنه عبادة، والأعمال بالنيات.\rويلبي عند الشافعية مع النية، لخبر مسلم: «إذا توجهتم إلى منى، فأهلوا بالحج» والإهلال: رفع الصوت بالتلبية، والعبرة بالنية لا بالتلبية، فلو لبى بغير مانوى، فالعبرة بما نوى.\rويلبي عند المالكية والحنابلة إذا استوى على راحلته، وأخذ في المشي، لما روى البخاري عن أنس وابن عمر: «أن النبي صلّى الله عليه وسلم لما ركب راحلته، واستوت به أهلَّ» وقال ابن عباس: «أوجب رسول الله صلّى الله عليه وسلم الإحرام حين فرغ من صلاته، فلما ركب راحلته، واستوت به قائمة، أهل» يعني لبى، ومعنى الإهلال: رفع الصوت بالتلبية.\rويجدد التلبية عند كل هبوط وصعود، وحدوث حادث ولقاء رفقة، وخلف الصلوات، وعند سماع من يلبي.\rويستحب إكثار التلبية، ورفع الصوت بها أثناء إحرامه دون إسراف إلا للنساء، لقوله صلّى الله عليه وسلم :\r-------------------------------\r(1) أخرجه الترمذي والنسائي عن ابن عباس (نصب الراية: 21/3).","part":3,"page":506},{"id":1899,"text":"«أفضل الحج: العج والثج» (1) فالعج: رفع الصوت بالتلبية، والثج : إراقة الدم.\rوصيغة التلبية كما سبق: ( لبيك اللهم (2) لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك ) والمستحب ألا يزيد عليها، فإن زاد فيها، جاز.\rفإذا لبى ناوياً فقد أحرم عند الحنفية.\rمتى يقطع التلبية؟ يقطع التلبية عند المالكية إذا أخذ في الطواف، ويعاودها بعد الفراغ من السعي، إلى أن يقطعها إذا زالت الشمس من يوم عرفة، عملاً بما روي عن علي وأم سلمة: أنهما كانا يلبيان حتى تزول الشمس يوم عرفة. ويقطع التلبية عند الجمهور (غير المالكية) عند ابتداء الرمي لجمرة العقبة يوم العيد بأول حصاة يرميها؛ لأنه صلّى الله عليه وسلم لم يزل ملبياً حتى رماها (3) ، ولأنه يتحلل بالرمي.\rهذا عند الحنفية إن رمى قبل الحلق، فإن حلق قبل الرمي، قطع التلبية؛ لأنها لا تثبت مع التحلل.\rأما المعتمر فيقطع التلبية عند الشروع بالطواف.\rخامساً ـ ما يحرم به من حج أو عمرة أو بهما :\rاتفق الفقهاء على أن أوجه أداء الحج والعمرة، أو ما يحرم به في الأصل، ثلاثة أنواع: الإفراد، والتمتع، والقران، أي أداء الحج وحده، والعمرة وحدها، والعمرة مع الحج، والأشخاص المحرمون ثلاثة: مفرد بالحج، ومفرد بالعمرة، وجامع بينهما، الأول: هو المفرد، والثاني: المتمتع، والثالث: القارن.\rوالمفرد بالحج: هو الذي يحرم بالحج لا غير، فيؤدي الحج أولاً، ثم يحرم بالعمرة.\rوالمتمتع: هو الذي يحرم بالعمرة أولاً في أشهر الحج ويتمها، ثم يحرم بالحج في سنته وأشهره.\r-------------------------------\r(1) رواه الترمذي وابن ماجه عن ابن عمر، ورواه الترمذي عن أبي بكر الصديق، ورواه أبو القاسم الأصبهاني عن جابر، ورواه ابن أبي شيبة وأبو يعلى عن ابن مسعود (نصب الراية: 34/3).\r(2) أصله يا الله، حذف حرف النداء، وعوض عنه الميم.\r(3) رواه الشيخان من حديث الفضل بن عباس.","part":3,"page":507},{"id":1900,"text":"والقارن: هو الآفاقي (غير المكي) الذي يجمع بين إحرام العمرة وإحرام الحج قبل وجود ركن العمرة وهو الطواف، فيأتي بالعمرة أولاً، ثم يأتي بالحج قبل أن يحل من العمرة بالحلق أو التقصير، سواء جمع بين الإحرامين بكلام موصول أو مفصول، فلو أحرم بالعمرة، ثم أحرم بالحج بعد ذلك قبل الطواف للعمرة (أو أكثره عند الحنفية) كان قارناً، لوجود معنى القران: وهو الجمع بين الإحرامين، ولو كان إحرامه للحج بعد طواف العمرة أو أكثره لا يكون قارناً، بل يكون متمتعاً، لوجود معنى التمتع: وهو أن يكون إحرامه بالحج بعد وجود ركن العمرة كله عند الحنفية وهو الطواف، والسعي بعده عند الجمهور، والحلق أو التقصير أيضاً عند الشافعية على المعتمد (1) .\rواختلف فقهاء المذاهب في الأفضل من هذه الأوجه على أقوال ثلاثة:\r1 - فقال الحنفية (2) : القران (وهو الجمع بين إحرام العمرة والحج في سفر واحد) أفضل من التمتع والإفراد؛ لأن فيه استدامة الإحرام بهما من الميقات إلى أن يفرغ منهما، ولا كذلك التمتع، فكان القران أولى منه، ولقوله صلّى الله عليه وسلم :\r-------------------------------\r(1) البدائع: 167/2، القوانين الفقهية: ص135، مغني المحتاج: 513/1 ومابعدها، غاية المنتهى: 366/1 ومابعدها.\r(2) فتح القدير: 199/2 ومابعدها، اللباب مع الكتاب: 192/1 ومابعدها، تبيين الحقائق: 40/2 ومابعدها.","part":3,"page":508},{"id":1901,"text":"«أهلُّوا يا آل محمد بعمرة في حجة» (1) . وقال أنس: «سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلم يلبي بالحج والعمرة يقول: لبيك عمرة وحجة» (2) .\r2 - وقال المالكية والشافعية (3) : الإفراد بالحج أفضل من القران والتمتع، إن اعتمر عامه؛ لأنه لا يجب معه هدي، ولأن النبي صلّى الله عليه وسلم حج مفرداً على الأصح، قالت عائشة: «خرجنا مع رسول الله صلّى الله عليه وسلم عام حجة الوداع، فمنا من أهَلَّ بعمرة، ومنا من أّهل بحج وعمرة، وأهل رسول الله صلّى الله عليه وسلم بالحج» (4) ، وروي الإفراد عن النبي صلّى الله عليه وسلم عن جابر بن عبد الله من طرق شتى متواترة صحاح، وهو قول أبي بكر وعمر وعثمان وعائشة وجابر.\rثم القران عند المالكية يلي الإفراد في الفضل، وللقران صورتان:\rأولاهما ـ بأن ينوي القران أو العمرة والحج بنية واحدة، ويجب تقديم العمرة في النية والملاحظة إن رتب بينهما، ويندب تقديمها في اللفظ إن تلفظ.\rوالثانية ـ أن ينوي العمرة، ثم يبدو له فيردف الحج عليها، ولا يصح إرداف عمرة على حج، لقوته، فلا يقبل غيره.\rوالتمتع عند الشافعية بعد الإفراد، ثم القران؛ لأن المتمتع يأتي بعملين كاملين غير أنه لا ينشئ لهما ميقاتين. وأما القارن فإنه يأتي بعمل واحد من ميقات واحد. فالشافعية ينظرون لكثرة الأعمال.\r-------------------------------\r(1) أخرجه الطحاوي عن أم سلمة (نصب الراية: 99/3).\r(2) أخرجه البخاري ومسلم عن أنس (المرجع السابق).\r(3) الشرح الصغير: 34/2، القوانين الفقهية: ص135، بداية المجتهد: 324/1، مغني المحتاج: 514/1، المهذب:200/1 ومابعدها، المجموع: 137/7-199، الشرح الكبير: 27/2-29.\r(4) رواه البخاري ومسلم.","part":3,"page":509},{"id":1902,"text":"3 - وقال الحنابلة (1) : التمتع أفضل، فالإفراد، فالقران، أي عكس الترتيب عند الشافعية بين الأول والثاني. والتمتع: أن يحرم بعمرة في أشهر الحج، ثم يحرم بالحج في عامه من أين شاء بعد فراغه منها.\rودليلهم أن النبي صلّى الله عليه وسلم كان متمتعاً، لما قال ابن عمر: «تمتع رسول الله صلّى الله عليه وسلم في عام حجة الوداع بالعمرة إلى الحج، وأهدى وساق الهدي معه من ذي الحليفة» (2) .\rوقال النبي صلّى الله عليه وسلم : «لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي، ولجعلتها عمرة» (3) .\rهذه هي أقوال الفقهاء في بيان الأفضلية بين هذه الأنواع، والسبب في اختلافهم: اختلافهم فيما فعل رسول الله صلّى الله عليه وسلم من ذلك، ولكل رأي ما يؤيده من الروايات الصحيحة، وأرجح الرأي الثاني؛ لأن رواة أحاديثه أكثر، ولأن جابراً منهم أقدم صحبة وأشد عناية بضبط المناسك، وبالإجماع على أنه لا كراهة في الإفراد، وبأن التمتع والقران يجب فيهما بالدم جبراً للنقص، بخلاف الإفراد. قال النووي في المجموع (4) : والصواب الذي نعتقده أنه صلّى الله عليه وسلم أحرم بحج، ثم أدخل عليه العمرة، فصار قارناً، وإدخال العمرة على الحج جائز على أحد القولين عندنا، وعلى الأصح لا يجوز لنا، وجاز للنبي صلّى الله عليه وسلم تلك السنة للحاجة، وأمر به في قوله: «لبيك عمرة في حجة» (5) .\r-------------------------------\r(1) غاية المنتهى: 366/1 .\r(2) رواه البخاري ومسلم عن ابن عمر (نصب الراية: 113/3).\r(3) رواه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي عن جابر بن عبد الله (جمع الفوائد: 469/1 ومابعدها).\r(4) المجموع: 150/7.\r(5) رواه مسلم عن أنس.","part":3,"page":510},{"id":1903,"text":"سادساً ـ إضافة الإحرام إلى الإحرام وإدخال الحج على العمرة وبالعكس وفسخ الحج إلى العمرة :\rإضافة الإحرام إلى الإحرام :\rقال الحنفية(1 ) : إضافة الإحرام إلى الإحرام من المكي ونحوه جناية، وكذلك إضافة إحرام العمرة إلى إحرام الحج من الآفاقي جناية أيضاً توجب الدم. أما إضافة الحج إلى العمرة فجائز لا جناية فيه. وتفصيل الكلام كما يأتي:\r1 - ضم الحج إلى العمرة: إذا أحرم المكي بعمرة، فأدخل عليها إحرام حجة، فهناك ثلاثة احتمالات:\rأ ـ إما أن يدخله قبل أن يطوف، فترتفض عمرته اتفاقاً بين أئمة الحنفية، ولو فعل هذا آفاقي (غير مكي) كان قارناً.\rب ـ أو يدخله بعد أن يطوف أكثر الأشواط، فترتفض حجته اتفاقاً، ولو فعل هذا آفاقي كان متمتعاً إن كان الطواف في أشهر الحج.\rجـ ـ أو يدخله بعد أن يطوف الأقل من الأشواط كثلاثة مثلاً، فهي محل خلاف بين الإمام وصاحبيه، قال أبو حنيفة: يرفض الحج، لما يلزم رفض العمرة من إبطال العمل، وقد تأكد إحرام العمرة بأداء شيء من أعمالها، وإحرام الحج لم يتأكد، ورفض غير المتأكد أيسر.\rوقال الصاحبان: ترفض العمرة، لأنها أدنى حالاً، إذ ليس من جنسها فرض، بخلاف الحج، ولأن العمرة أقل أعمالاً، وأيسر قضاء لعدم توقيتها وقلة أعمالها.\rولو فعل هذا آفاقي كان قارناً. وكل من رفض نسكاً فعليه دم، لما روى أبو حنيفة عن عبد الملك بن عمير عن عائشة رضي الله عنها: «أن النبي صلّى الله عليه وسلم أمر لرفضها العمرة بدم» .\rوفي رفض العمرة قضاؤها فقط، وفي رفض الحج قضاء الحج والعمرة جميعاً، أما قضاء الحج فلأنه صح شروعه فيه ثم رفضه، وأما العمرة فهي في معنى فائت الحج، وفائت الحج يتحلل بأفعال العمرة، وقد تعذر التحلل بأفعالها ههنا؛ لأنه في العمرة، والجمع بين العمرتين منهي عنه، فيجب عليه قضاء الحج والعمرة جميعاً.\rوإذا لم يرفض المكي ومن بمعناه العمرة أو الحج، ومضى عليهما وأداهما، أجزأه؛ لأنه أدى أفعالهما كما التزمهما، غير أنه منهي عنهما، أي عن إحرام الحج وإحرام العمرة جميعاً؛ لأن الجمع بين إحرامي الحج أو إحرامي العمرة بدعة، والنهي لا يمنع تحقق الفعل، وعليه دم لجمعه بينهما، لارتكابه المنهي عنه ووجود النقصان في عمله.\r2 - ضم الحج لحجة أخرى: من أحرم بالحج، ثم أحرم يوم النحر بحجة أخرى:\r-------------------------------\r(1) فتح القدير: 288/2-294، تبيين الحقائق: 74/2-76.","part":3,"page":511},{"id":1904,"text":"أ ـ فإن حلق في الحجة الأولى، لزمته الأخرى ولا شيء عليه؛ لأنه حل من الأول وأحرم للثاني بعده.\rب ـ وإن لم يحلق في الأولى، لزمته الأخرى ويقضيها، وعليه دم لصحة شروعه فيه سواء عند أبي حنيفة حلق بعد الإحرام الثاني أو لم يحلق؛ لأنه إن حلق يكون جانياً على الإحرام الثاني، وإن لم يحلق يكون مؤخراً للحلق في الحج الأول عن أيام النحر، وهو يوجب الدم عنده. وقال الصاحبان: إن لم يحلق أو يقصر بعد ما أحرم بالحج الثاني، فلا شيء عليه؛ لأن تأخير الحلق عندهما عن أيام النحر لا يوجب شيئاً عندهما، وإن حلق بعد الإحرام بالثاني يجب عليه الدم، لجنايته عليه.\r3 - ضم العمرة إلى العمرة: من فرغ من عمرته إلا التقصير، فأحرم بأخرى، فعليه دم باتفاق الحنفية، لإحرامه قبل الوقت؛ لأن وقته بعد الحلق للإحرام الأول، ولم يوجد، ولأنه جمع بين إحرامي العمرة، وهكذا مكروه، فيلزمه دم، وهو دم جبر وكفارة.\r4 - ضم العمرة إلى الحج: من أهل بالحج، ثم أحرم بالعمرة، لزمه الاثنان، لأن الجمع بينهما مشروع في حق الآفاقي، فيصير قارناً، لكنه أخطا السنة فيصير مسيئاً؛ لأن السنة إدخال الحج على العمرة، لا إدخال العمرة على الحج، قال الله تعالى: {فمن تمتع بالعمرة إلى الحج...} [البقرة:2/196] الآية، جعل الحج آخر الغايتين، لكن لما لم يؤد الحج صح.\rومن أحرم بحج، ثم بعمرة، ثم وقف بعرفات قبل أن يدخل مكة، فقد رفض عمرته بالوقوف، وإن لم يقف بعرفة لا يصير رافضاً؛ لأنه يصير قارناً بالجمع بين الحج والعمرة، وهو مشروع في حق الآفاقي، لكنه مسيء بتقديم إحرام الحج على إحرام العمرة، لكونه أخطأ السنة؛ لأن السنة في القران: أن يحرم بهما معاً، أو يقدم إحرام العمرة على إحرام الحج.","part":3,"page":512},{"id":1905,"text":"وإن طاف للحج طواف القدوم، ثم أحرم بعمرة، ومضى عليهما بأن يقدم أفعال العمرة على أفعال الحج، وجب عليه دم، لجمعه بينهما؛ لأنه قارن، ولكنه أساء أكثر من الأول حيث أخر إحرام العمرة عن طواف الحج. ويستحب أن يرفض عمرته؛ لأن إحرام الحج قد تأكد بشيء من أعماله، وإذا رفض عمرته يقضيها لصحة الشروع فيها، وعليه دم لرفضها. وإن أهلَّ الحاج بعمرة يوم النحر أو في أيام التشريق، لزمته العمرة، ولزمه رفضها: لأنه قد أدى ركن الحج، فيصير بانياً أفعال العمرة على أفعال الحج من كل وجه، فكان خطأ محضاً لكراهة العمرة في هذه الأيام تعظيماً لأمر الحج، فترفض العمرة، وإذا رفضها وجب عليه دم للتحلل منها قبل أوانه. ويجب عليه قضاؤها لصحة الشروع فيها. فإن مضى على العمرة التي أحرم لها يوم النحر وأدى أفعالها أجزأه، وعليه دم لجمعه بين أعمالها وأعمال الحج الباقية إن كان الإحرام بها بعد الحلق، أو لجمعه بينهما في الإحرام إن كان الإحرام بها قبل الحلق.\rومن فاته الحج، فأحرم بعمرة أو بحجة، فإنه يرفض التي أحرم بها؛ لأن فائت الحج يتحلل بأفعال العمرة، من غير أن ينقلب إحرامه إحرام العمرة، فيصير جامعاً بين العمرتين في الأفعال، وهو بدعة، فيرفضها، كما لو أحرم بحجتين، وعليه قضاؤها لصحة الشروع فيها، وعليه دم لرفضها بالتحلل قبل أوانه.\rرأي الجمهور في إدخال الحج على العمرة وبالعكس :\rأجاز جمهور الفقهاء (1) إدخال الحج على العمرة بشرط أن يكون الإدخال قبل الشروع في طواف العمرة، وبشرط كونه عند الحنفية قبل أداء أربعة أشواط من طواف العمرة، ويكون قارناً بلا خلاف. فإن أدخله على العمرة بعد الطواف فليس له ذلك ولا يصير قارناً؛ لأنه شارع في التحلل من العمرة، فلم يجز إدخال الحج عليها.\rودليلهم: فعل ابن عمر الذي أحرم بعمرة، ثم جمع معها حجة، ثم قال: هكذا صنع النبي صلّى الله عليه وسلم (2) .\r-------------------------------\r(1) نيل الأوطار: 318/4، الشرح الصغير: 35/2، المغني: 484/3، اللباب: 193/10.\r(2) متفق عليه عن نافع (نيل الأوطار: 317/4).","part":3,"page":513},{"id":1906,"text":"ولا يجوز إدخال العمرة على الحج، كما أبنت في مذهب الحنفية، لكنه عندهم يصير قارناً، وعند الجمهور: لا يصح الإدخال ولا يصير قارناً؛ لما رواه الأثرم أن علياً منع من أراد ذلك، ولأن إدخال العمرة على الحج لا يفيد إلا ما أفاده الإحرام الأول كتكرر الاستئجار على عمل في المدة.\rفسخ الحج إلى العمرة :\rأي تحويل النية من الإحرام بالحج إلى العمرة. اتفق العلماء على أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم أمر أصحابه عام حجه بفسخ الحج إلى العمرة وقال: «أحلوا من إحرامكم، فطوفوا بالبيت وبين الصفا والمروة، وقصِّروا وأقيموا حلالاً.. إلى أن قال: لولا أني سُقْت الهدي، لفعلت مثل الذي أمرتكم به، ولكن لا يَحِلّ مني حَرام حتى يبلغ الهدي مَحِلَّه» (1) والرواية المشهورة: «لو استقبلت من أمري ما استدبرت لما سقت الهدي، ولجعلتها عمرة» فإنه عليه السلام أمر من لم يسق الهدي من أصحابه أن يفسخ إهلاله بالحج إلى العمرة. ثم اختلف العلماء في هذا الفسخ، هل هو خاص للصحابة في تلك السنة خاصة، أم باق لهم ولغيرهم إلى يوم القيامة (2) ؟.\rفقال الحنابلة والظاهرية: ليس خاصاً، بل هو باق إلى يوم القيامة، فيجوز لكل من أحرم بحج، وليس معه هدي أن يقلب إحرامه عمرة، ويتحلل بأفعالها.\rوقال الجمهور، منهم (المالكية والحنفية والشافعية): هو مختص بهم في تلك السنة، لا يجوز بعدها، وإنما أمروا به تلك السنة ليخالفوا ما كانت عليه الجاهلية من تحريم العمرة في أشهر الحج، بدليل حديث أبي ذر عند مسلم: «كانت المتعة في الحج لأصحاب محمد صلّى الله عليه وسلم » يعني فسخ الحج إلى العمرة.\r-------------------------------\r(1) هذا لفظ رواية مسلم عن موسى بن نافع (شرح مسلم: 166/8).\r(2) شرحُ مسلم: 167/8، بداية المجتهد: 322/1، المغني: 287/3.","part":3,"page":514},{"id":1907,"text":"وفي كتاب النسائي عن الحارث بن بلال عن أبيه قال: قلت: يا رسول الله ، فسخ الحج لنا خاصة أم للناس عامة؟ فقال: بل لنا خاصة.\rوقال عمر: متعتان على عهد رسول الله صلّى الله عليه وسلم أنا أنهى عنهما، وأعاقب عليهما: متعة النساء (زواج المتعة)، ومتعة الحج.\rوقال عثمان أيضاً: متعة الحج كانت لنا، وليست لكم.\rوقال أبو ذر: ما كان لأحد بعدنا أن يحرم بالحج، ثم يفسخه في عمرة.\rويؤكد ذلك ظاهر قوله تعالى: {وأتموا الحج والعمرة لله } [البقرة:196/2].\rالمطلب الثاني ـ الطواف\rأنواعه وحكم كل نوع، وشروطه (ومنها مكانه، وزمانه، ومقداره) وسننه.\rأولاً ـ أنواع الطواف وحكم كل نوع (1) :\rالأطوفة المشروعة في الحج ثلاثة: طواف القدوم، وطواف الإفاضة (أو الزيارة،أو طواف الركن) ، وطواف الوداع (أو طواف الصَّدَر) وهو طواف آخر العهد بالبيت، سمي بذلك لأنه يودّع البيت ويصدُرُ به. وما زاد على هذه الأطوفة فهو نفل. أما السعي فواحد، ولا يكون السعي إلا بعد طواف، فإن سعى مع طواف القدوم لم يسْع بعده، وإن لم يسْع معه، سعى مع طواف الزيارة.\rهذا .. وقد أجمعوا على أن المكي ليس عليه إلا طواف الإفاضة. كما أجمعوا على أنه ليس على المعتمر إلا طواف العمرة، فليس عليه طواف قدوم. وأجمعوا على أن المتمتع عليه طوافان: طواف للعمرة لحله منها، وطواف للحج، يوم النحر.\r-------------------------------\r(1) البدائع:127/2 ومابعدها، 142 ومابعدها، اللباب: 184/1، 189، 191، شرح المجموع: 12/8 ومابعدها، القوانين الفقهية: ص 132، الشرح الكبير: 33/2 وما بعدها، الشرح الصغير: 42/2، 60، 70، مغني المحتاج: 484/1، 503، 509 ومابعدها، المغني: 370/3، 440، 442، 444، 458-465، حاشية الباجوري: 334/1، كتاب الإيضاح للنووي: ص 76-77، غاية المنتهى: 395/1، 413، 416 ومابعدها، بداية المجتهد: 332/1.","part":3,"page":515},{"id":1908,"text":"أما المفرد للحج فليس عليه إلا طواف واحد يوم النحر، ويجب عليه عند المالكية القدوم أيضاً إن اتسع الوقت له، ويسن ذلك عند الجمهور.\rوأما القارن فيجزئه عند الجمهور طواف واحد وسعي واحد، عملاً بمذهب ابن عمر وجابر، وقال الحنفية: على القارن طوافان وسعيان عملاً بمذهب علي وابن مسعود.\rوأجمعوا على أن الواجب من هذه الأطوفة الثلاثة الذي يفوت الحج بفواته: هو طواف الإفاضة، لقوله تعالى: {وليطوفوا بالبيت العتيق} [الحج:92/22] وأنه لا يجزئ عنه دم.\rوأجمعوا ما عدا طائفة من المالكية على أنه لا يجزئ طواف القدوم عن طواف الإفاضة إذا نسي طواف الإفاضة، لكونه قبل يوم النحر.\rورأى جمهور العلماء أن طواف الوداع يجزئ عن طواف الإفاضة إن لم يكن طاف طواف الإفاضة؛ لأنه طواف بالبيت معمول في وقت الوجوب الذي هو طواف الإفاضة، بخلاف طواف القدوم الذي هو قبل وقت طواف الإفاضة.\rوالحاصل أن العمرة ليس فيها طواف قدوم، وإنما فيها طواف واحد، يقال له طواف الفرض وطواف الركن، وإذا طاف للعمرة أجزأه عن طواف القدوم وطواف الفرض.\rوالقارن والمفرد بالحج يطوف ثلاثة أطوفة: طواف القدوم، وطواف الإفاضة، وطواف الوداع. وهناك طواف رابع متطوع به غير ما ذكر، ولا يكفي القارن عند الحنفية طواف واحد، بل عليه طوافان للعمرة وللحج وطواف القدوم للمفرد والقارن إذا كانا قد أحرما من غير مكة ودخلاها قبل الوقوف بعرفة.\rأما طواف القدوم: فهو سنة عند جمهور الفقهاء لحاج دخل مكة قبل الوقوف بعرفة، سواء أكان مفرداً أم قارناً، وليس على أهل مكة طواف القدوم،لانعدام القدوم في حقهم، وأما غير أهل مكة فسنة لهم بدليل الثابت في خبر الصحيحين، ولا يسن للحاج بعد الوقوف بعرفة، ولا للمعتمر؛ لأنه دخل وقت طوافهما المفروض.","part":3,"page":516},{"id":1909,"text":"وعليه فيسقط طواف القد وم عن ثلاثة: المكي ومن في حكمه وهو من كان منزله دون المواقيت، والمعتمر والمتمتع ولو آفاقياً، ومن قصد عرفة رأساً للوقوف. وقال المالكية: يجب على من أحرم من الحِلّ ولو كان مكياً، وتجب الفدية على من قصد عرفة وترك طواف القدوم وكان الوقت متسعاً، وقال الحنابلة: يطوف المتمتع للقدوم قبل طواف الإفاضة، ثم يطوف طواف الإفاضة.\rويسن أيضاً عند الشافعية طواف القدوم للحلال (غير المحرم) الداخل إلى مكة؛ لأنه يسمى طواف القادم والورود والوارد والتحية.\rوالحكمة منه: أن الطواف تحية البيت، لا المسجد، فيبدأ به لا بصلاة تحية المسجد؛ لأن القصد من إتيان المسجد البيت، وتحيته الطواف. ولا يبدأ بالطواف إذا خاف فوات الصلاة المفروضة، أو السنة المؤكدة، أو وجد جماعة قائمة، أو تذكر فائتة مكتوبة، فإنه يقدم ذلك على الطواف.\rولو أقيمت الصلاة وهوفي أثناء الطواف قطعه وصلى، وكذا لو حضرت جنازة قطعه إن كان نفلاً.\rويستحب للمحرم أول دخوله مكة ألا يعرج على استئجار منزل أو غيره قبل أن يطوف طواف القدوم.\rلكن لو قدمت امرأة نهاراً هي ذات جمال أو شرف، وهي التي لا تبرز للرجال، سنَّ لها أن تؤخره إلى الليل.\rولو دخل المسجد الحرام وقد منع الناس من الطواف، صلى تحية المسجد.\rولا يفوت طواف القدوم بالجلوس في المسجد، كما تفوت به تحية المسجد، لكنه يفوت بالوقوف بعرفة، لا بالخروج من مكة.\rويطوف القارن عند الحنفية طواف القدوم بعد إنهاء أعمال العمرة، أي بعد طواف العمرة والسعي بين الصفا والمروة.","part":3,"page":517},{"id":1910,"text":"وقال المالكية: يجب طواف القدوم لمن دخل المسجد الحرام، وينوي وجوبه ليقع واجباً، فإن نوى بطوافه نفلاً، أعاده بنية الوجوب، وأعاد السعي الذي سعاه بعد النفل ليقع بعد واجب، وذلك ما لم يخف فوتاً لحجه إن اشتغل بالإعادة، فإن خاف الفوات ترك الإعادة لطوافه وسعيه، وأعاد السعي بعد الإفاضة، وعليه دم لفوات طواف القدوم إن كان الوقت متسعاً، فإن خشي فوات الوقوف لو اشتغل بطواف القدوم سقط عنه ولا فدية عليه.\rوالحاصل: أن طواف القدوم واجب عند المالكية بشروط ثلاثة: إن أحرم المفرد أو القارن من الحل ولو كان مقيماً بمكة؛ ولم يزاحمه الوقت بحيث يخشى فوات الحج إن اشتغل بالقدوم، فإن خشيه خرج لعرفة وتركه؛ ولم يُردف الحج على العمرة في حرم. فإن اختل شرط من الثلاثة لم يجب عليه طواف القدوم ولادم عليه. ووجوب الدم على من ترك طواف القدوم بشرطين: أولهما ـ أن يقدم السعي بعد ذلك الطواف على الإفاضة. وثانيهما ـ ألا يعيد سعيه بعد الإفاضة حتى رجع لبلده. فإن أعاده بعد الإفاضة، فلا دم عليه.\rوأما طواف الإفاضة أوالزيارة (1) : فهو ركن باتفاق الفقهاء، لا يتم الحج إلا به، لقوله عز وجل: {وليطًّوفوا بالبيت العتيق} [الحج:29/22] قال ابن عبد البر: هو من فرائض الحج، لا خلاف في ذلك بين العلماء. وقالت عائشة: «حججنا مع النبي صلّى الله عليه وسلم ، فأفضنا يوم النحر، فحاضت صفية، فأراد النبي صلّى الله عليه وسلم منها ما يريد الرجل من أهله، فقلت: يا رسول الله ، إنها حائض، قال: أحابستنا هي؟ قالوا:يا رسول الله ، إنها قد أفاضت يوم النحر، قال: اخرجوا» (2) فدل على أن هذا الطواف لا بد منه، وأنه حابس لمن لم يأت به، ولأن الحج أحد النسكين، فكان الطواف ركناً كالعمرة.\r-------------------------------\r(1) سمي طواف الإفاضة: لأنه يؤتى به عند الإفاضة من منى إلى مكة، وسمي طواف الزيارة لأن الحاج يأتي من منى فيزور البيت ولا يقيم، وإنما يبيت بمنى.\r(2) متفق عليه (نيل الأوطار: 88/5).","part":3,"page":518},{"id":1911,"text":"فمن ترك طواف الزيارة، رجع من بلده متى أمكنه محرماً، لا يجزئه غير ذلك، لقصة صفية المتقدمة، فإنه صلّى الله عليه وسلم قال بعد أن حاضت: «أحابستنا هي؟ قيل: إنها قد أفاضت يوم النحر، قال: فلتنفر إذاً» . فهذا يدل على أن هذا الطواف لا بد منه، وأنه حابس لمن لم يأت به، فإن نوى التحلل ورفض إحرامه، لم يحل بذلك؛ لأن الإحرام لا يخرج منه بنية الخروج. وعلى هذا فإذا فات طواف الإفاضة عن أيام النحر لا يسقط، بل يجب أن يأتي به؛ لأن سائر الأوقات وقته.\rوأما طواف الوداع (1) لمن أراد الخروج من مكة: فهو مندوب عند المالكية؛ لكل من خرج من مكة ولو كان مكياً؛ لأنه لا يجب على الحائض والنفساء، ولو كان واجباً لوجب عليهما كطواف الزيارة.\rوواجب عند باقي المذاهب يجبر تركه بدم، لما قال ابن عباس: «أمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت، إلا أنه خفف عن الحائض» (2) وفي لفظ لمسلم «كان الناس ينصرفون من كل وجه، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلم : لا ينفرن أحد، حتى يكون آخر عهده بالبيت» ، وأخرج الترمذي عن عمر: «من حج البيت فليكن آخر عهده بالبيت، إلا الحيَّض، ورخص لهن رسول الله صلّى الله عليه وسلم » (3) ، وليس في سقوطه عن المعذور ما يجوِّز سقوطه لغيره، كالصلاة تسقط عن الحائض، وتجب على غيرها، بل تخصيص الحائض بإسقاطه عنها دليل على وجوبه على غيرها.\rجزاء ترك الوداع: إذا ثبت وجوبه، فإنه ليس بركن بغير خلاف، ويجبر تركه بدم كسائر الواجبات، فلو خرج الحاج من مكة أو منى بلا وداع عامداً أو ناسياً أو جاهلاً بوجوبه، وعاد بعد خروجه قبل مسافة القصر من مكة، وطاف للوداع، سقط وجوبه عند الشافعية والحنابلة؛ لأن من دون مسافة القصر في حكم الحاضر في أنه لا يقصر ولا يفطر، وهو معدود من حاضري المسجد الحرام، وروي أن عمر «رد رجلاً من مَرّ الظهران إلى مكة ليكون آخر عهده بالبيت» (4) وعليه أن\r-------------------------------\r(1) سمي بذلك لأنه لتوديع البيت، وسمي بطواف الصدر لأنه عند صدور الناس من مكة ورجوعهم إلى وطنهم.\r(2) متفق عليه.\r(3) قال الترمذي: حديث حسن صحيح، وكذلك رواه النسائي والحاكم، والشافعي وزاد فيه: «فإن آخر النسك: الطواف بالبيت» (نصب الراية: 89/3).\r(4) رواه سعيد بن منصور في سننه.","part":3,"page":519},{"id":1912,"text":"يرجع إن كان قريباً من مكة، والقريب: هو الذي بينه وبين مكة دون مسافة القصر، وإن كان بعيداً بعث بدم، والبعيد: من بلغ مسافة القصر.\rشرائطه: لطواف الوداع شرائط وجوب، وصحة أو جواز.\rفمن أهم شرائط الوجوب اثنان:\r1 - أن يكون من أهل الآفاق: فليس عند الحنفية على أهل مكة ومن في حكمهم وهو من كان منزله داخل المواقيت طواف وداع إذا حجوا؛ لأن هذا الطواف إنما وجب توديعاً للبيت. وقال الحنابلة: من كان منزله في الحرم فهو كالمكي لا وداع عليه، ومن كان منزله خارج الحرم قريباً منه فلا يخرج حتى يودع، لعموم الحديث السابق: «لا ينفرن أحد حتى يكون آخر عهده بالبيت» (1) وقال الشافعية: يجب الوداع لكل من أراد الخروج من مكة لسفر ولو مكياً سواء أكان السفر طويلاً أم قصيراً، لحديث ابن عباس المتقدم: «لا ينفرن أحد..» . ولحديث أنس: «أنه صلّى الله عليه وسلم لما فرغ من أعمال الحج طاف للوداع» وهذا العموم للمكي مندوب عند المالكية كما عرفنا.","part":3,"page":520},{"id":1913,"text":"2 - الطهارة من الحيض والنفاس: فلا يجب على الحائض والنفساء، ولا يجب عليهما الدم بتركه، للحديث السابق: «رخص للحيَّض» ترك هذا الطواف، لا إلى بدل، فدل على أنه ليس واجباً عليهن، إذ لو كان واجباً لما جاز تركه إلا إلى بدل، وهو الدم، فإذا حاضت المرأة قبل أن تودع، خرجت ولا وداع عليها ولا فدية بالاتفاق، لحديث عائشة المتقدم: أن صفية حاضت، فأمرها النبي صلّى الله عليه وسلم أن تنصرف بلا وداع.\rولم يشترط لوجوب هذا الطواف الطهارة عن الحدث والجنابة، وإنما يجب على المحدث والجنب؛ لأنه يمكنهما إزالة الحدث والجنابة.\rوشرطا صحة طواف الوداع :\r1ً - النية؛ لأنه عبادة، فلا بد له من النية. لكن تعيين النية ليس بشرط عند الحنفية، فلو طاف بعد طواف الزيارة، دون أن يعين شيئاً، أو نوى تطوعاً، كان طواف صدر؛ لأن الوقت تعين له، فينصرف مطلق النية إليه كصوم رمضان.\r2ً - أن يكون بعد طواف الزيارة: فلو طاف بعد النفر من عرفات لا ينوي شيئاً، أو نوى تطوعاً أو نوى طواف الصدر، وقع عن الزيارة لا عن الصدر؛ لأن الوقت له، وطواف الصدر مرتب عليه.\rويتأدى طواف الوداع عند المالكية بطواف الإفاضة وطواف العمرة، وحصل له ثوابه إن نواه بهما كتحية المسجد تؤدى بالفرض.\rقدره وكيفيته وسننه: كسائر الأطوفة التي سأذكرها.\rوقته: بعد فراغ المرء من جميع أمور الحج، وحين إرادته السفر من مكة، ليكون آخر عهده بالبيت.\r-------------------------------\r(1) رواه أحمد ومسلم وأبو داود وابن ماجه، وفي رواية متفق عليها: «أُمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت، إلا أنه خُفّف عن المرأة الحائض » ، وروى أحمد عن ابن عباس أن النبي صلّى الله عليه وسلم رخص للحائض أن تصدر قبل أن تطوف بالبيت إذا كانت قد طافت في الإفاضة.","part":3,"page":521},{"id":1914,"text":"وهذا عند الحنفية بيان الوقت المستحب أو الأفضل، فلو أطال الإقامة بمكة ولم يستوطنها صح طوافه وإن أقام سنة بعد الطواف، ويجوز طواف الوداع عند الحنفية في أيام النحر وبعدها، ويكون أداء لا قضاء.\rوقال الجمهور (غير الحنفية): يكون طواف الوداع عند خروج الحاج ليكون آخر عهده بالبيت، فإن طاف للوداع، ثم اشتغل بتجارة وإقامة، فعليه إعادته، للحديث المتقدم: «لا ينفرن أحد حتى يكون آخر عهده بالبيت» ، ولأنه إذا أقام بعده، خرج عن أن يكون وداعاً في العادة، فلم يجزه،كما لو طافه قبل حل النفر.\rفأما إن قضى حاجة في طريقه، أو اشترى زاداً أو شيئاً لنفسه في طريقه، لم يعد؛ لأن ذلك ليس بإقامة تخرج طوافه عن أن يكون آخر عهده بالبيت.\rمكانه: حول البيت، لا يجوز إلا به، لقوله صلّى الله عليه وسلم : «من حج هذا البيت، فليكن آخر عهده به الطواف» والطواف بالبيت: هو الطواف حوله، فإن نفر ولم يطف، يجب عليه أن يرجع ويطوف ما لم يجاوز الميقات عند الحنفية، ومن دون مسافة القصر عند الشافعية والحنابلة؛ لأنه ترك طوافاً واجباً، وأمكنه أن يأتي به من غير حاجة إلى تجديد الإحرام. وإن جاوز الميقات عند الحنفية أو مسافة القصر عند الشافعية والحنابلة، لا يجب عليه الرجوع، والأولى ألا يرجع، ويريق دماً مكان الطواف؛ لأن هذا أنفع للفقراء وأيسر عليه، لما فيه من دفع مشقة السفر، وضرر التزام الإحرام بعمرة، لأنه إذا رجع أحرم بعمرة، فطاف طواف العمرة، وسعى، ثم يطوف الوداع، ولا شيء عليه عند الحنفية، والحنابلة في الأصح، لتأخيره عن مكانه.\rولا يسقط عنه الدم على الصحيح عند الشافعية والقاضي أبي يعلى الحنبلي. إن عاد بعد مسافة القصر؛ لأنه قد استقرعليه الدم بالسفر الطويل، أي بلوغه مسافة القصر.","part":3,"page":522},{"id":1915,"text":"صلاة ركعتين، والوقوف في الملتزم والحطيم والدعاء وشرب ماء زمزم وتقبيل الحجر بعد طواف الوداع :\rإذا فرغ المودع من طوافه سبعاً ومن جميع أموره، صلى ركعتين كما فعل النبي صلّى الله عليه وسلم ، ويستحب أن يقف المودع في الملتزم (وهو ما بين الركن ـ الحجر الأسود ـ والباب قدر أربعة أذرع) فيلتزمه ملصقاً به صدره ووجهه ويبسط يديه عليه، ويجعل يمينه نحو الباب ويساره نحو الحجر، ويدعو الله عز وجل، كما فعل النبي صلّى الله عليه وسلم (1) .\rويأتي الحطيم أيضاً: وهو تحت الميزاب، ثم يشرب من زمزم، ويستلم الحجر ويقبله.\rقال منصور: سألت مجاهداً إذا أردتُ الوداع كيف أصنع؟ قال: تطوف بالبيت سبعاً، وتصلي ركعتين خلف المقام، ثم تأتي زمزم، فتشرب من مائها، ثم تأتي الملتزم ما بين الحجَر والباب، فتستلمه، ثم تد عو، ثم تسأل حاجتك، ثم تستلم الحجر، وتنصرف.\rوقال الفقهاء (2) : يقول في دعائه عند الملتزم: « اللهم هذا بيتُك وأنا عبدك وابن عبدك، حملْتني على ما سخَّرت لي من خلْقِك، وسيرتني في بلادك، حتى بلَّغتني بنعمتك إلى بيتك، وأعنْتَني على أداء نُسُكي، فإن كنت رضيتَ عني، فازدد عني رضاً، وإلا فمُنَّ الآن قبل أن تنأى عن بيتك داري، فهذا أوان انصرافي، إن أذنت لي، غير مستَبدِل بك ولا ببَيْتك، ولا راغبٍ عنك ولا عن بيتك، اللهم فأصْحِبني العافيةَ في بدني، والصحة في جسمي، والعصمة في ديني،وأحسن منقلبي، وارزقني طاعتك أبداً ما أبقيتني، واجمع لي بين خيري الدنيا والآخرة، إنك على كل شيء قدير» .\rأما المرأة إذا كانت حائضاً، فلا تدخل المسجد، ووقفت على بابه، فدعت بذلك.\r-------------------------------\r(1) رواه أبو داود عن عبد الرحمن بن صفوان، وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده.\r(2) هو من كلام الإمام الشافعي، أخرجه البيهقي.","part":3,"page":523},{"id":1916,"text":"كيفية الرجوع: المذهب الصحيح عند الشافعية وباقي المذاهب: أن المودع يخرج ويولي ظهره إلى الكعبة، ولا يمشي قهقرى، كما يفعله كثير من الناس، قالوا: بل المشي قهقرى مكروه، فإنه ليس فيه سنة مروية ولا أثر محكي، وما لا أصل له لا يعرج عليه. قال مجاهد: إذا كدت تخرج من باب المسجد، فالتفت، ثم انظر إلى الكعبة، ثم قل: اللهم لا تجعله آخر العهد.\rوكان النبي صلّى الله عليه وسلم إذا انصرف من حج أو عمرة أو غزو يقول: «آيبون تائبون عابدون، لربنا حامدون، صدق الله وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده» .\rأخذ شيء من الحرم: لا يجوز أخذ شيء من تراب الحرم وأحجاره معه إلى بلاده ولا إلى غيره من الحل، ولا يجوز أخذ شيء من طيب الكعبة، لا للتبرك ولا لغيره، ومن أخذ شيئاً من ذلك لزمه رده إليها؛ ولا يجوز قطع شيء من سترة الكعبة ولا نقله ولا بيعه ولا شراؤه ولا وضعه بين أوراق المصحف، ومن حمل من ذلك شيئاً لزمه رده.\rويحرم إتلاف صيد الحرم على الحلال والمحرم وتملكه وأكله.\rويجوز إخراج ماء زمزم من جميع مياه الحرم ونقله إلى جميع البلدان؛ لأن الماء يستخلف، بخلاف التراب والحجر.","part":3,"page":524},{"id":1917,"text":"ثانياً ـ شروط الطواف أو واجباته :\rيشترط لصحة الطواف خمسة شروط عند الحنفية، وسبعة شروط عند المالكية، وثمانية شروط عند الشافعية، وأربعة عشر شرطاً عند الحنابلة:\rأما شروط الطواف عند الحنفية، فهي ما يلي (1) :\r1ً - نية الطواف: يشترط توافر أصل النية بالطواف دون حاجة لتعيين النية حال وجود الطواف في وقته، فلو لم ينو أصلاً، بأن طاف هارباً، أو طالباً لغريم، لم يجز. والفرق بين الطواف وبين الوقوف بعرفة في اشتراط النية للأول دون الثاني: هو أن الوقوف ركن يقع في حال قيام الإحرام نفسه، فتكفيه النية السابقة وهي نية الحج، كالركوع والسجود في الصلاة. أما الطواف فلا يؤتى به في حال قيام الإحرام نفسه، لأنه يقع به التحلل من الحج، ولا إحرام حال وجود التحلل.\r2ً - أن يطوف القادر ماشياً، لا راكباً إلا من عذر: فلو طاف راكباً من غير عذر فعليه الإعادة ما دام بمكة، وإن عاد إلى أهله يلزمه دم، لقوله تعالى: {وليطوفوا بالبيت العتيق} [الحج:29/22] والراكب ليس بطائف حقيقة، فأوجب ذلك نقصاً فيه، فوجب جبره بالدم.\r3ً - مكانه: أن يقع حول البيت في المسجد، لقوله تعالى: {وليطوفوا بالبيت العتيق} [الحج:29/22] والطواف بالبيت هو الطواف حوله، فيجوز الطواف في المسجد الحرام قريباً من البيت أو بعيداً عنه، بشرط أن يكون في المسجد، فلو طاف من وراء زمزم قريباً من حائط المسجد، أجزأه، لوجود الطواف بالبيت. ولو طاف حول المسجد وبينه وبين البيت حيطان المسجد، لم يجز؛ لأن حيطان المسجد حاجزة، فلم يطف بالبيت، لعدم الطواف حوله.\rويطوف من خارج الحطيم؛ لأن الحطيم من البيت على لسان رسول الله صلّى الله عليه وسلم.\r-------------------------------\r(1) البدائع: 128/2-132، فتح القدير: 180/2-182.","part":3,"page":525},{"id":1918,"text":"4ً - زمانه: زمان طواف الإفاضة يبدأ حين يطلع الفجر الثاني من يوم النحر، فلا يجوز قبله، وليس لآخره زمان معين موقت به فرضاً، بل جميع الليالي والأيام وقته فرضاً، فلو أخره عن يوم النحر لا شيء عليه، لإطلاق حديث: «افعل ولا حرج» ، لكن عليه لتأخيره عن أيام النحر دم عند أبي حنيفة. وإن رجع إلى أهله رجع إلى مكة بإحرامه الأول، ولا يحتاج إلى إحرام جديد، وعليه دم لتأخيره. وأما إنه لا يجوز قبل فجر النحر فلأن ليلة النحر وقت ركن آخر وهو الوقوف بعرفة، فلا يكون وقتاً للطواف؛ لأن الوقت الواحد لا يكون وقتاً لركنين.\r5ً - مقداره المفروض منه هو أكثر الأشواط: وهو ثلاثة أشواط وأكثر الشوط الرابع، فأما الإكمال إلى سبعة أشواط فواجب، وليس بفرض.\rأما الطهارة عن الحدث والجنابة والحيض والنفاس فليست بشرط عند الحنفية لجواز الطواف، وليست بفرض، بل واجبة، حتى يجوز الطواف بدونها، لقوله تعالى: {وليطوفوا بالبيت العتيق} [الحج:29/22] أمر بالطواف مطلقاً عن شرط الطهارة، ولايجوز تقييد مطلق الكتاب بخبر الواحد، فيحمل حديث: «الطواف صلاة إلا أن الله تعالى أباح فيه الكلام» (1) على التشبيه، كما في قوله تعالى: {وأزواجه أمهاتهم} [الأحزاب:6/33] أي كأمهاتهم، ومعناه الطواف كالصلاة، إما في الثواب، أو في أصل الفرضية.\rفإذا طاف من غير طهارة فما دام بمكة تجب عليه الإعادة، لجبر الشيء بجنسه، وإن أعاد في أيام النحر فلا شيء عليه، وإن أخره عنها فعليه دم عند أبي حنيفة. وإن لم يعد ورجع إلى أهله فعليه الدم، غير أنه إن كان محدثاً فعليه شاة لكون النقصان يسيراً، وإن كان جنباً فعليه بدنة، لكون النقصان فاحشاً.\rوأما الموالاة في الطواف فليست بشرط عند الحنفية، فلو صلى الطائف صلاة جنازة أو مكتوبة أو ذهب لتجديد الوضوء، ثم عاد، بنى على طوافه، ولا يلزمه الاستئناف، لقوله تعالى: {وليطوفوا بالبيت العتيق} [الحج:29/22] مطلقاً عن شرط الموالاة.\r-------------------------------\r(1) رواه ابن حبان والحاكم عن ابن عباس بلفظ: «الطواف بالبيت صلاة، إلا أن الله قد أحل فيه النطق، فمن نطق فيه فلا ينطق إلا بخير» وأخرجه الترمذي بلفظ : «الطواف حول البيت مثل الصلاة» (نصب الراية: 57/3).","part":3,"page":526},{"id":1919,"text":"وليس الابتداء من الحجر الأسود بشرط أيضاً عند الحنفية، بل هو سنة في ظاهر الرواية، فلو افتتح من مكان آخر من غير عذر، أجزأه مع الكراهة، لقوله تعالى: {وليطوفوا بالبيت العتيق} [الحج:29/22] مطلقاً عن شرط الابتداء بالحجر الأسود.\rولا بأس أن يطوف وعليه خفاه أو نعلاه إذا كانا طاهرتين، لما روي عن النبي صلّى الله عليه وسلم أنه طاف مع نعليه، كما ذكر الكاساني.\rوشروط الطواف عند المالكية سبعة هي ما يلي (1) :\r1ً - الطهارة من الحدث والنجس وستر العورة كالصلاة، إلا أنه يباح فيه الكلام.\r2ً - الموالاة بلا فصل كثير بين الأشواط، فإن فصل كثيراً لحاجة أو لغيرها ابتدأه من أوله.\rويجب أن يقطع طوافه لإقامة صلاة فريضة مع إمام راتب: وهو إمام مقام إبراهيم، وهو المعروف بمقام الشافعي. ولا يقطعه مع إمام غير راتب. وإذا أقيمت الصلاة أثناء شوط، ندب له كمال الشوط الذي هو فيه، بأن ينتهي للحجَر ليبني على طوافه المتقدم من أول الشوط، فإن لم يكمله ابتدأ من موضع خروجه، ويبني على ما فعله من طوافه بعد سلامه، وقبل تنفله.\rوالحاصل: أن صلاة الفريضة لا تبطل الطواف، وتبطله النافلة والجنازة، ولايبطله الفصل لعذر كرعاف، فإنه يبني على ما سبق بعد غسل الدم بشرط ألا يتعدى موضعاً قريباً لأبعد منه، وألا يبعد المكان في نفسه، وألا يطأ نجاسة.\r3ً - الترتيب: وهو أن يجعل البيت عن يساره ويبتدئ بالحجر الأسود.\r4ً - أن يكون بجميع بدنه خارجاً عن البيت، فلا يمشي على الشاذروان ولا على الحِجْر.\r-------------------------------\r(1) القوانين الفقهية: ص 132، الشرح الصغير: 46/2-48،60، بداية المجتهد: 330/1 ومابعدها.","part":3,"page":527},{"id":1920,"text":"5ً - أن يطوف بداخل المسجد: فلا يجزئ خارجه.\r6ً - كون الطواف سبعة أشواط من الحجر الأسود إلى الحجر، فلا يجزئ أقل من سبعة، فلو اقتصر على ستة مثلاً لم تجزه. فإن شك في عدد الأشواط هل طاف ثلاثة أو أربعة، بنى على الأقل.\r7ً - صلاة ركعتين بعد الطواف.\rأما المشي لقادر عليه: فهو واجب عند المالكية كالمشي في السعي، فإن لم يمش بأن ركب أو حمل، فعليه دم إن لم يُعدْه وقد خرج من مكة، فإن أعاده ماشياً بعد رجوعه له من بلده، فلا دم عليه. ولا دم على العاجز عن المشي ولا إعادة عليه.\rوكذلك الابتداء من الحجر الأسود واجب عند المالكية، فإن ابتدأ من غيره لزمه دم.\rوأما وقت طواف الإفاضة عند المالكية فهو من طلوع فجر يوم النحر، كما قال الحنفية، فلا يصح قبله، كما لا يصح رمي جمرة العقبة قبل فجر النحر.\rوواجبات الطواف عند الشافعية بما يشمل الشروط والأركان ثمان وهي ما يأتي (1) :\r1ً - ستر العورة كسترها في الصلاة: لما في الصحيحين: «لا يطوف بالبيت عريان» . فإن عجز عنها، طاف عارياً، وأجزأه كما لو صلى كذلك.\r2ً و 3ً - طهارة الحدث والنجس في الثوب والبدن والمكان؛ لأن الطواف في البيت صلاة، كما نطق به الخبر المتقدم، فلو أحدث أو تنجس بدنه أو ثوبه أو مطافه بغير معفو عنه، أو عري مع القدرة على الستر في أثناء الطواف، تطهر وستر عورته، وبنى على طوافه، حتى وإن تعمد ذلك وطال الفصل، إذ لا تشترط الموالاة فيه عندهم كالوضوء، ويسن الاستئناف.\rلكن غلبة النجاسة في المطاف أصبحت مما عمت به البلوى، فيعفى عما يشق الاحتراز عنه أيام الموسم وغيره، بشرط ألا يتعمد المشي عليها، وألا يكون فيها رطوبة.\rوالأوجه أن للمتيمم والعاجز عن الماء طواف الركن ليستفيدا به التحلل، ثم إن عادا إلى مكة، لزمتهما إعادته.\r-------------------------------\r(1) مغني المحتاج: 485/1-487،504.","part":3,"page":528},{"id":1921,"text":"4ً - أن يجعل الطائف البيت عن يساره، مارّاً تلقاء وجهه إلى جهة الباب، اتباعاً للسنة كما رواه مسلم، مع خبر: «خذوا عني مناسككم» فإن خالف ذلك لم يصح طوافه لمعارضته الشرع. ولو طاف مستلقياً على ظهره، أو على وجهه، مع مراعاة كون البيت عن يساره، صح.\r5ً - الابتداء من الحجر الأسود: اتباعاً للسنة كما رواه مسلم، ومحاذاته له بجميع بدنه، أي جميع شقه الأيسر بحيث لا يتقدم من الشق الأيسر على جزء من الحجر، فلو لم يحاذه أو لم يحاذ بعضه بجميع شقه، كأن جاوزه ببعض شقه إلى جهة الباب، لم يصح طوافه. فإذا انتهى إليه، ابتدأ منه.\rويشترط أن يكون الطواف خارج البيت وحجر إسماعيل والشاذَرْوَان (1) ، فلو مشى على الشاذَرْوَان أو مسّ الجدار الكائن في موازاته، أوأدخل جزءاً منه في هواء الشاذروان أو دخل من إحدى فتحتي الحِجْر (2) وخرج من الفتحة الأخرى، أو خلف منه قدر الذي من البيت وهو ستة أذرع، واقتحم الجدار، وخرج من الجانب الآخر، لم يصح طوافه. أما كون الطواف في غير الحجر، فلقوله تعالى: {وليطوفوا بالبيت العتيق} [الحج:29/22] وإنما يكون طائفاً به إذا كان خارجاً عنه، وإلا فهو طائف فيه.\rوأما الحِجْر: فلأنه صلّى الله عليه وسلم إنما طاف خارجه، وقال: «خذوا عني مناسككم» ولخبر مسلم عن عائشة رضي الله عنها: «سألت رسول الله عن الحِجْر، أمن البيت هو؟ قال: نعم، قلت: فما بالهم لم يدخلوه في البيت؟ قال: إن قومك قصرت بهم النفقة، قلت: فما شأن بابه مرتفعاً ؟ قال: فعل ذلك قومك ليدخلوا من شاؤوا، ويمنعوا من شاؤوا، ولولا أن قومك حديثو عهد بجاهلية، فأخاف أن تنكر قلوبهم أن أدخل الجدار في البيت، وأن ألصق بابه بالأرض لفعلت» وظاهر الخبر أن الحِجرجميعه من البيت، لكن الصحيح أنه ليس كذلك، بل الذي هو من البيت قدر ستة أذرع تتصل بالبيت، ومع ذلك يجب الطواف خارجه؛ لأن الحج باب اتباع.\r-------------------------------\r(1) هو القدر الذي ترك من عرض الأساس خارجاً عن عرض الجدار، مرتفعاً عن وجه الأرض قدر ثلثي ذراع أي هو الجدار القصير المسنم بين الركنين الغربي واليماني، تركته قريش لضيق النفقة، وهو جزء من البيت.\r(2) هو ما بين الركنين الشاميين من جهة الشمال، المحوط بجدار قصير بينه وبين كل من الركنين فتحة، والآن أغلقت الفتحة الغربية، وهو قدر ستة أذرع.","part":3,"page":529},{"id":1922,"text":"وبعبارة أخرى: هو الجزء الأسفل اللاصق لجدار البيت والذي هو محاذٍ لجدارها كالرصيف، وهو ما فضل منها عند بنائها. ويلاحظ أن من قبَّل الحجر الأسود، فرأسه في حال التقبيل في جزء من البيت، فيلزمه أن يقر قدميه في محلهما حتى يفرغ من التقبيل ويعتدل قائماً.\r6ً - أن يطوف بالبيت سبعاً ولو في الأوقات المنهي عن الصلاة فيها للاتباع، فلو ترك من السبع شيئاً، وإن قل، لم يجزه، فلو شك في العدد أخذ بالأقل، كعدد ركعات الصلاة.\r7ً - أن يكون الطواف داخل المسجد: للاتباع أيضاً، فلا يصح حوله بالإجماع. ويصح داخل المسجد وإن وسِّع، وحال حائل بين الطائف والبيت كالسواري، ويصح على سطح المسجد، وإن كان سقف المسجد أعلى من البيت، كالصلاة على جبل أبي قبيس، مع ارتفاعه عن البيت، وهذا هو المعتمد.\r8ً - نية الطواف إن استقل: بأن لم يشمله نسك كسائر العبادات، كالطواف المنذور والمتطوع به. أما الذي شمله نسك وهو طواف الركن للحج أو العمرة وطواف القدوم، فلا يحتاج إلى نية، لشمول نية النسك له.\rولا بد لطواف الوداع من نية؛ لأنه يقع بعد التحلل، ولأنه ليس من المناسك عند الشيخين (الرافعي والنووي). ولا بد في النية من التعيين.\rأما وقت طواف الإفاضة ومثله رمي العقبة والذبح والحلق فيدخل بنصف ليلة النحر؛ لأنه صلّى الله عليه وسلم «أرسل أم سلمة ليلة النحر فرمت قبل الفجر، ثم أفاضت» (1) .\rوأما المشي في الطواف فليس عند الشافعية شرطاً بل هو سنة، كما رواه مسلم، ويسن أن يكون حافياً في طوافه عند عدم العذر.\r-------------------------------\r(1) رواه أبو داود بإسناد صحيح على شرط مسلم عن عائشة رضي الله عنها.","part":3,"page":530},{"id":1923,"text":"وأما صلاة ركعتي الطواف فسنة عندهم. وللطواف واجبات دينية: منها أن يصون نفسه عن كل مخالفة في وقت الطواف، ومنها ـ أن يصون قلبه عن احتقار من يراه، ومنها ـ أن يلتزم الأدب، ومنها ـ أن يحفظ يده وبصره عن كل معصية.\rوشروط الطواف عند الحنابلة: أربعة عشر (1) :\rإسلام وعقل، ونية معينة، ودخول وقت، وستر عورة لقادر، وطهارة حدث لا لطفل، وطهارة خبث، وتكميل السبْع يقيناً، فإن شك أخذ باليقين، ويقبل في بيان عدد الأشواط قول عدلين، وجعل البيت عن يساره، غير متقهقر، ومشي لقادر، وموالاته، وكونه داخل المسجد لا يخرج عنه، وأن يبتدئه من الحجر الأسود فيحاذيه، وألا يدخل في شيء من البيت كالحِجْر والشاذروان.\rأما وقت طواف الإفاضة: فيدخل من نصف ليلة النحر، كما قال الشافعية.\rوأما ركعتا الطواف فسنة كما قرر الشافعية.\rخلاصة آراء الفقهاء في شروط الطواف :\rيمكن تلخيص ماسبق من بيان الآراء الفقهية في شروط الطواف على النحو التالي:\r1 - الطهارة عن الحدث والنجس ليست بشرط عند الحنفية، وإنما هي واجب، وشرط عند باقي المذاهب.\r2 - نية الطواف: أصل النية لا تعيينها شرط عند الحنفية، وليست بشرط عند المالكية، والنية مع التعيين شرط عند الشافعية إن استقل الطواف عن نسك يشمله، والنية المعينة شرط عند الحنابلة.\r3 - المشي للقادر شرط عند الحنفية والحنابلة، واجب عند المالكية، وليس بشرط عند الشافعية، وإنما هو سنة.\r4 - كون الطواف في المسجد شرط بالاتفاق.\r5 - الابتداء بالحجر الأسود: ليس بشرط وإنما هو واجب عند الحنفية، وعند المالكية، وشرط عند الشافعية والحنابلة. وترك الواجب يوجب الدم فيما لو ابتدأ من غير الحجر.\r-------------------------------\r(1) غاية المنتهى: 402/1، المغني: 440/3 ومابعدها.","part":3,"page":531},{"id":1924,"text":"6 - الترتيب أو جعل البيت عن يسار الطائف: واجب لدى الحنفية يلزم دم بتركه، وشرط عند باقي المذاهب؛ لأن الطائف كالمؤتم بالكعبة، والواحد يقف عن يمين الإمام، ويساره له.\r7 - الموالاة: ليست شرطاً عند الحنفية والشافعية، وشرط عند المالكية والحنابلة.\r8 - كون الطواف سبعة أشواط: شرط عند الجمهور (غير الحنفية) واجب لاشرط عن الحنفية، وإنما الفرض أكثر الأشواط.\r9 - زمان طواف الإفاضة: بعد فجر يوم النحر في مذهبي الحنفية والمالكية، ويجوز بعد منتصف ليلة النحر في مذهبي الشافعية والحنابلة.\r10- صلاة ركعتي الطواف: واجب عند المالكية، وواجب في وقت مباح فيه الصلاة لا كراهة فيه،عند الحنفية. وسنة عند الشافعية والحنابلة.\rحج المرأة الحائض :\rإذا حاضت المرأة أو نفست عند الإحرام اغتسلت للإحرام وأحرمت وصنعت كما يصنعه الحاج، غير أنها لا تطوف بالبيت حتى تطهر، وإذا حاضت المرأة أو نفست فلا غسل عليها بعد الإحرام، وإنما يلزمها أن تشد الحفاظ الذي تضعه كل أنثى على محل الدم، لمنع تسربه للخارج. ثم تفعل سائر مناسك الحج إلا الطواف بالبيت؛ لأن رسول الله صلّى الله عليه وسلم أمر عائشة رضي الله عنها أن تصنع ما يصنع الحاج غير الطواف بالبيت (1) . وقال في حديث صحيح لأسماء بنت عميس: «اصنعي ما يصنع الحاج غير ألا تطوفي بالبيت» .\rوعلى هذا فلا تلزم بطواف القدوم ولا بقضائه؛ لأنه سنة عند الجمهور (غير المالكية) وإذا كانت متمتعة ثم حاضت قبل الطواف للعمرة، لم يكن لها أن تطوف بالبيت؛ لأن الطواف بالبيت صلاة، وهي ممنوعة من دخول المسجد، فإن خشيت فوات الحج أحرمت بالحج مع عمرتها، وتصير قارنة عند الجمهور، وقال أبو حنيفة: ترفض العمرة وتهل بالحج، عملاً بحديث عائشة عند مسلم: «انقضي رأسك، وامتشطي، وأهلي بالحج، ودعي العمرة» ثم قال عليه السلام لها بعد أن اعتمرت من التنعيم: «وهذه عمرة مكان عمرتك» فدل كل هذا على أنها رفضت عمرتها وأحرمت بحج.\r-------------------------------\r(1) متفق عليه عن جابر، وروى مسلم عن عائشة أن النبي صلّى الله عليه وسلم أمرها بالإعراض عن أفعال العمرة، وأن تحرم بالحج، فتصير قارنة وتقف بعرفات، وتفعل المناسك كلها إلا الطواف، فتؤخره حتى تطهر (شرح مسلم: 134/8-140، نيل الأوطار: 318/4).","part":3,"page":532},{"id":1925,"text":"وحجة الجمهور: حديث جابر أنه صلّى الله عليه وسلم أمر عائشة أن تهل بالحج، فأصبحت قارنة، حتى إذا طهرت طافت بالكعبة، وبالصفا والمروة. ثم قال لها: «قد حللت من حجتك وعمرتك» والاعتمار من التنعيم لم يأمرها به النبي صلّى الله عليه وسلم ، وإنما فعلت ذلك زيارة زارت بها البيت، وإدخال الحج على العمرة جائز بالإجماع من غير خشية الفوات، فمع خشية الفوات أولى. ولا يصح الخروج من الحج أو العمرة بعد الإحرام بنية الخروج، وإنما يخرج منها بالتحلل بعد فراغها. ومعنى «دعي العمرة» أي ارفضي العمل فيها، وإتمام أفعالها التي هي الطواف والسعي وتقصير شعر الرأس، فإنها تدخل في أفعال الحج.","part":3,"page":533},{"id":1926,"text":"وإذا حاضت المرأة بعد الوقوف بعرفة وطواف الزيارة، انصرفت من مكة، ولاشيء عليها لطواف الصدَر، فليس على المرأة الحائض وداع ولا فدية إذا حاضت قبل أن تودع، باتفاق فقهاء الأمصار، بدليل حديث صفية المتقدم حين قالوا: «يارسول الله ، إنها حائض! فقال: أحابستنا هي؟ قالوا: يا رسول الله ، إنها قد أفاضت يوم النحر، قال: فلتنفر إذاً» ولم يأمرها بفدية ولا غيرها. وفي حديث ابن عباس السابق: «إلا أنه ـ أي طواف الوداع ـ خفف عن المرأة الحائض» والنفساء مثل الحائض في الحكم؛ لأن أحكام النفاس أحكام الحيض فيما يوجب ويسقط. وإذا اضطرت المرأة اضطراراً شديداً لمغادرة مكة قبل انتهاء مدة الحيض أو النفاس، ولم تكن قد طافت طواف الإفاضة، فتغتسل وتشد الحفاظ الموضوع في أسفل البطن شداً محكماً، ثم تطوف بالبيت سبعاً طواف الإفاضة، ثم تسعى بين الصفا والمروة سبعاً، وعليها ذبح بدنة (وهي ما أتم خمس سنين من الإبل أو أتم سنتين من البقر) وذلك تقليداً للحنفية الذين يقولون بصحة الطواف حينئذ، مع الحرمة، ووجوب إهداء البدنة (1) .\rثالثاً ـ سنن الطواف :\rأبنت سنن الحج في كل مذهب على حدة ،وألخص هنا منها سنن الطواف (2) :\r-------------------------------\r(1) راجع الموضوع في شرح مسلم: 139/8 وما بعدها، بداية المجتهد:331/1، فتح القدير: 222/2-224، مغني المحتاج: 514/1، المغني: 461/3، 481 ومابعدها.\r(2) الدر المختار: 227/2-233، البدائع: 131/2، مراقي الفلاح: ص 124، القوانين الفقهية: ص132، الشرح الصغير: 48/2-52، الإيضاح: ص 34-44، مغني المحتاج: 487/1-492، غاية المنتهى: 402/1، المغني: 372/3-376،379،383.","part":3,"page":534},{"id":1927,"text":"1 ً - استلام الحجر الأسود ( أي لمسه بيده اليمنى أو بكفيه) أول طوافه وفي بدء كل شوط وتقبيله بلا صوت، ووضع جبهته عليه عند الشافعية بلا إيذاء، إذا لم تكن زحمة، فإن لم يتمكن من الاستلام باليد استلم بعود ونحوه مع استقباله بجميع بدنه، فإن عجز أشار بيده، ثم وضع العود أو يده على فيه بعد اللمس بأحدهما بلا صوت، فإذا أظهر الصوت جاز على الأرجح عند المالكية، وكره مالك السجود وتمريغ الوجه على الحجر، ويسن عند الشافعية أن يكون التقبيل ووضع الجبهة ثلاثاً.\rويكبر ويهلل ويحمد الله تعالى، ويصلي على النبي صلّى الله عليه وسلم .\rودليل التقبيل فعل الرسول صلّى الله عليه وسلم ، كما رواه الشيخان، ودليل وضع جبهته عليه اتباع السنة كما رواه البيهقي. ودليل الاستلام باليد دون إيذاء: «أن النبي صلّى الله عليه وسلم قال: ياعمر، إنك رجل قوي، لا تزاحم على الحجر، فتؤذي الضعيف، إن وجدت خلوة، وإلا فهلل وكبر (1) » . ولأن ترك الإيذاء واجب، وتقبيل ما استلمه به من يد أو نحو عصا، لخبر الصحيحين: «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم» ولما روى مسلم بن نافع قال: «رأيت ابن عمر يستلم الحجر بيده، ويقول: ما تركته منذ رأيت رسول الله صلّى الله عليه وسلم يفعله» .\rوتكرار الاستلام والتقبيل في كل طوفة من الطوفات السبع، لحديث «أنه صلّى الله عليه وسلم كان لا يدع أن يستلم الركن اليماني والحجر الأسود في كل طوفة» (2) .\rولو استقبل الحجر مطلقاً، ونوى الطواف عند من اشترط النية وهم الحنفية والحنابلة، كفى في تحقيق المقصود الذي هو الابتداء من الحجر.\r-------------------------------\r(1) رواه الشافعي وأحمد عن عمر رضي الله عنه.\r(2) رواه أبو داود والنسائي عن ابن عمر رضي الله عنهما.","part":3,"page":535},{"id":1928,"text":"ولا يستلم بيده الركنين الشاميين (وهما اللذان عندهما الحِجْر) ولا يقبلهما، ويستلم الركن اليماني (وهو الذي يسبق ركن الحجر) في آخر كل شوط، ولايقبله، لأنه لم ينقل، لما في الصحيحين عن ابن عمر: «أنه صلّى الله عليه وسلم كان لا يستلم إلا الحَجَر والركن اليماني» .\rويستحب للمرأة عند الحنابلة إذا قدمت مكة نهاراً تأخير الطواف إلى الليل ليكون أستر لها، ولا يستحب لها مزاحمة الرجال لاستلام الحجر، لكن تشير بيدها إليه كالذي لا يمكنه الوصول إليه.\r2 ً - الدعاء: وليس بمحدود ويدعو بما يشاء. وأفضله الدعاء المأثور، فيقول في أول كل طوفة: ( بسم الله والله أكبر، اللهم إيماناً بك، وتصديقاً بكتابك ووفاء بعهدك (1) ، واتباعاً لسنة نبيك محمد صلّى الله عليه وسلم .\rوليقل قبالة باب الكعبة: ( اللهم إن ا لبيت بيتك، والحرمَ حرمك، والأمن أمنك، وهذا مقام العائذ بك من النار (2) ).\rوليقل بين الركنين اليمانيين: ( اللهم آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار ).\rومأثور الدعاء أفضل من قراءة القرآن، للاتباع، والقراءة أفضل من غير مأثور الدعاء؛ لأن الموضع موضع ذكر، والقرآن أفضل الذكر، وفي الحديث القدسي يقول الرب سبحانه وتعالى: «من شغله ذكري عن مسألتي، أعطيته أفضل ماأعطي السائلين، وفضلُ كلام الله تعالى على سائر الكلام كفضل الله تعالى على سائر خلقه» (3) ، لكن تكره القراءة عند المالكية.\rويسن الإسرار بالذكر والقراءة؛ لأنه أجمع للخشوع.\rويراعي ذلك أيضاً في كل طوفة اغتناماً للثواب، والدعاء في الأولى ثم في الأوتار آكد، كتقبيل الحجر واستلامه، لحديث: «إن الله وتر يحب الوتر» .\r-------------------------------\r(1) وهو الميثاق الذي أخذه الله تعالى علينا بامتثال أمره واجتناب نهيه.\r(2) أي نفس الداعي: أي هذا الملتجئ المستعيذ بك من النار.\r(3) رواه الترمذي وحسنه.","part":3,"page":536},{"id":1929,"text":"ويكره إنشاد الشعر، والتحدث في الطواف للحديث السابق: «الطواف بالبيت صلاة فأقلوا في الكلام» وفي رواية «فمن نطق فيه فلا ينطق إلا بخير» ولأن ذلك يشغله عن الدعاء.\r3 ً - الرَّمَل (1) للرجال أو الصبيان دون النساء في الأشواط الثلاثة الأُوَل، وهو عند الحنفية والشافعية سنة في كل طواف يعقبه سعي بأن يكون بعد طواف قدوم أو ركن يعقبه سعي ، وهذا هو المشهور، ولا يرمل إذا كان طاف طواف القدوم أو اللقاء، وسعى عقيبه. فإن كان لم يطف طواف القدوم أو كان قد طاف لكنه لم يسع عقبيه، فإنه يرمل من طواف الزيارة، وطواف العمرة.\rوقال المالكية: يسن الرمل لمحرم بحج أو عمرة في طواف القدوم وطواف العمرة؛ لأن ما رمل فيه النبي صلّى الله عليه وسلم كان للقدوم وسعى عقبه.\rومحل استنان الرمل إن أحرم بحج أو عمرة أو بهما من الميقات بأن كان آفاقياً أو كان من أهله، وإلا فيندب. أي يندب لمحرم بحج أو عمرة من دون المواقيت كالتنعيم والجعرانة، وفي طواف الإفاضة لمن لم يطف طواف القدوم لعذر أو نسيان، وأحرم من الميقات. ولا يندب الرمل في طواف تطوع ووداع.\rوكذلك قال الحنابلة مثل المالكية: لا يسن الرمل في غير طواف القدوم أو طواف العمرة.\r-------------------------------\r(1) الرمل أو الخبب: الإسراع في المشي دون الجري أو الإسراع في المشي مع مقاربة الخطو من غير عدو فيه ولا وثب، وهذا الرمل مما زال سببه وبقي حكمه، فإن سببه رفع التهمة عن أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلم حين قدموا مكة بعمرة، فكان كفار مكة يظنون فيهم الضعف بسبب حمى المدينة، وكانوا يقولون: قد أوهنتهم حمى يثرب، فأمروا بالرمل في ابتداء الأشواط، لمنع تهمة الضعف.","part":3,"page":537},{"id":1930,"text":"ويمشي في الأشواط الباقية من طوافه على هينته، لما رواه الشيخان عن ابن عمر قال: «كان رسول الله صلّى الله عليه وسلم إذا طاف بالبيت الطواف الأول خبَّ ثلاثاً، ومشى أربعاً» وروى مسلم عنه قال: «رمل النبي صلّى الله عليه وسلم من الحَجَر ومشى أربعاً» .\rفإن طاف راكباً أو محمولاً، حرك الدابة، ورمل به الحامل، ويكره ترك الرمل بلا عذر، ولو تركه في شيء من الثلاثة، لم يقضه في الأر بعة الباقية؛ لأن هيئتها السكون، فلا يغير، كما لو ترك الجهر في الركعتين الأوليين، فلا يقضى بعدهما لتفويت سنة الإسرار.\rوليقل في أثناء الرمل: «اللهم اجعله حجاً مبروراً، وذنباً مغفوراً، وسعياً مشكوراً» .\r4 ً - الاضطباع عند الجمهور غير مالك: وهو جعل وسط الرداء تحت كتفه اليمنى، ورد طرفيه على كتفه اليسرى، وإبقاء كتفه اليمنى مكشوفة. لما روى يعلى ابن أمية: «أن النبي صلّى الله عليه وسلم طاف مضطبعاً» (1) ، وروى ابن عباس: «أن النبي صلّى الله عليه وسلم وأصحابه اعتمروا من الجِعْرانة، فرملوا بالبيت وجعلوا أرديتهم تحت آباطهم، ثم قذفوها على عواتقهم اليسرى» (2) .\rوهو سنة عند الحنفية والشافعية والحنابلة كالرمل في جميع كل طواف يرمل فيه، ولا يسن في طواف لا رمل فيه، وكذا يضطبع عند الشافعية على الصحيح في السعي قياساً على الطواف بجامع قصد مسافة مأمور بتكريرها، سواء اضطبع في الطواف قبله أم لا. ولا يستحب في الأصح في ركعتي الطواف، لكراهة الاضطباع في الصلاة، فيزيله عند إرادتها، ويعيده عند إرادة السعي.\r-------------------------------\r(1) رواه أبو داود بإسناد صحيح وابن ماجه، والترمذي وصححه (نيل الأوطار: 38/5).\r(2) رواه أحمد وأبو داود، وقوله: تحت آباطهم: أن يجعله تحت عاتقه الأيمن، وقذفوها أي طرحوا طرفيها، وعواتقهم جمع عاتق وهو المنكب (نيل الأوطار: 38/5).","part":3,"page":538},{"id":1931,"text":"ولا يضطبع عند الحنفية والحنابلة في غير الطواف، فإن فرغ من الطواف سوى رداءه؛ لأن الاضطباع غير مستحب في الصلاة، ولا في السعي، لأن النبي صلّى الله عليه وسلم لم يضطبع فيه، والسنة في الاقتداء به.\rولا ترمُل المرأة ولا تضطبع، أي لا يطلب منها ذلك؛ لأن بالرمل تتبين أعطافها، وبالاضطباع ينكشف ما هو عورة منها.\rوليس على أهل مكة رمل، عملاً بقول ابن عباس وابن عمر.\r5 ً - الدنو أو القرب من البيت للذكور: لشرفه ولأنه المقصود، ولأنه أيسر في الاستلام والتقبيل. والأولى كما قال بعضهم أن يجعل بينه وبين البيت ثلاث خطوات ليأمن مرور بعض جسده على الشاذَرْوان. وإن تأذى غيره بنحو زحمة، فالبعد أولى.\rأما المرأة والخنثى فيكونان في حاشية المطاف، فإن طافا خاليين فكالرجل في استحباب القرب.\rوهذا مستحب عند الشافعية والحنابلة،لكن الرمل عند الشافعية مع البعد أولى من الدنو، فإن كان لا يتمكن من الرمل أيضاً أو يخاف صدم النساء أو الاختلاط بهن، فالدنو أولى.\rومن سنن الطواف المؤكدة أيضاً عند الشافعية والحنابلة: المشي لقادر عليه، وصلاة ركعتي الطواف بعده خلف مقام إبراهيم، ثم في الحِجْر تحت الميزاب، ثم في المسجد الحرام، ثم في الحرم حيث شاء من الأمكنة في أي زمان. وهذان واجبان عند المالكية والحنفية. وإذا صلى المكتوبة بعد طوافه أجزأته عن ركعتي الطواف عند الحنابلة؛ لأنهما ركعتان شرعتا للنسك، فأجزأت عنهما المكتوبة كركعتي الإحرام، ولا تجزئ عنهما المكتوبة عند الحنفية والمالكية كركعتي الفجر.\rومن سننه أيضاً الموالاة بين الأشواط عند الحنفية والشافعية، وهي شرط عند المالكية والحنابلة.\rوتسن النية عند الشافعية في طواف النسك، وتجب في طواف لم يشمله نسك وفي طواف وداع.","part":3,"page":539},{"id":1932,"text":"المطلب الثالث ـ السعي :\rالسعي واجب عند الحنفية، ركن عند باقي الأئمة، لقوله صلّى الله عليه وسلم : «اسعوا فإن الله كتب عليكم السعي» و «كتب عليكم السعي فاسعوا» (1) وأما قوله تعالى: {إن الصفا والمروة من شعائر الله ، فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطَّوف بهما} [البقرة:158/2] فهو لرفع الإثم على من تطوف بهما، رداً على ما كان في الجاهلية من التحرج من السعي بينهما، لأنه كان عليهما صنمان.\rوأبحث هنا واجباته، وسننه وحكم تأخره عن وقته الأصلي (2) .\rأولاً ـ واجبات السعي أو شروطه :\rللسعي بين الصفا والمروة شروط أو واجبات هي:\r1 ً - أن يتقدمه طواف صحيح بحيث لا يتخلل بينهما الوقوف بعرفة، اتباعاً للسنة، وقد قال صلّى الله عليه وسلم : «خذوا عني مناسككم» ولأن السعي تبع للطواف. ومن سعى بعد طواف قدوم لم يُعده، والأفضل للقارن عند الحنفية تقديم السعي.\rوأجاز الحنفية أن يكون السعي بعد وجود أكثر الطواف قبل تمامه؛ لأن للأكثر حكم الكل.\rويصح كونه بعد طواف مطلقاً ولو مسنوناً عند الجمهور، وأن يكون بعد طواف ركن أو قدوم عند الشافعية.\r2 ً - الترتيب: بأن يبدأ بالصفا ويختم بالمروة؛ لأنه صلّى الله عليه وسلم بدأ بالصفا، وقال:\r-------------------------------\r(1) رواهما أحمد، الأول عن حبيبة بن أبي تِجراة، والثاني عن صفية بنت شيبة (نيل الأوطار: 50/5).\r(2) البدائع:134/2 ومابعدها، الدر المختار:234/2، الشرح الصغير:50/2 ومابعدها، الشرح الكبير:41/2، القوانين الفقهية: ص132، مغني المحتاج:493/1 ومابعدها، الحضرمية: ص 128، الإيضاح: ص 44-47، غاية المنتهى: 404/1-406، المغني:385-389.","part":3,"page":540},{"id":1933,"text":"«ابدؤوا بما بدأ الله به» (1) وهو قوله تعالى: {إن الصفا والمروة من شعائر الله } [البقرة:158/2] فإذا بدأ بالمروة إلى الصفا لا يعتد بذلك الشوط.\r3 ً - أن يكون سبعة أشواط: بأن يقف على الصفا أربع مرات، وعلى المروة أربعاً ويختم بها، ويحسب الذهاب إلى المروة مرة، والعود منها إلى الصفا مرة أخرى. فإن شك في العدد بنى على الأقل. ودليل هذا المقدار: إجماع الأمة، وفعل رسول الله صلّى الله عليه وسلم (2) .\r4 ً - استيعاب ما بين الصفا والمروة: يجب أن يقطع جميع المسافة بين الصفا والمروة، فلو بقي منها بعض خطوة لم يصح سعيه، اقتداء بفعل النبي صلّى الله عليه وسلم.\r5 ً - الموالاة بين الأشواط: شرط عند المالكية والحنابلة، سنة عند غيرهم، كالطواف.\rوأضاف الحنابلة شروطاً أخرى فتصبح شروط السعي عندهم تسعة وهي:\rإسلام، وعقل، ونية معينة، ومشي لقادر.\rوأما الطهارة عن الجنابة والحيض: فليست بشرط للسعي كالوقوف بعرفة، فيجوز سعي الجنب والحائض بعد أن كان طوافه بالبيت في حال طهارة عن الجنابة والحيض ؛ لأن هذا نسك غير متعلق بالبيت.\rثانياً ـ سنن السعي :\rيسن للسعي بين الصفا والمروة ما يأتي:\r1ً - استلام الحجر الأسود وتقبيله بعد الانتهاء من الطواف وصلاة ركعتي الطواف، ثم الخروج من باب الصفا (وهو الباب المقابل لما بين الركنين اليمانيين) للسعي بين الصفا والمروة، اتباعاً للسنة كما رواه مسلم.\r2ً - اتصاله بالطواف: أي الموالاة بين الطواف والسعي، وكذا الموالاة في مرات السعي. ويكره للساعي أن يقف أثناء سعيه لحديث أو غيره، فإن طاف بيوم وسعى في آخر، جاز، ولا تسن عقبه صلاة.\r3ً - الطهارة له من الحدث والخبث وستر العورة.\r4ً - المشي للقادر لا الركوب.\r-------------------------------\r(1) رواه النسائي بإسناد على شرط مسلم، وهو في مسلم بلفظ «أبدأ»على الخبر لا الأمر، ورواه أصحاب السنن الأربعة بلفظ «نبدأ».\r(2) رواه الشيخان.","part":3,"page":541},{"id":1934,"text":"5ً - الصعود للذكر دون غيره على الصفا والمروة بحيث يرى الكعبة من الباب، وذلك بقدر قامة عند الشافعية. ويسن الصعود للمرأة إن خلا الموضع من الرجال، وإلا وقفت أسفلهما. 6ً - الدعاء بما شاء والأذكار، وتكرارها ثلاثاً بعد كل مرة عند الشافعية، مستقبلاً البيت، داعياً بصوت مرتفع، رافعاً يديه إلى نحو السماء (1) ، والدعاء بالمأثور أفضل، فيكبر ويهلل ويصلي على النبي صلّى الله عليه وسلم ويقول:\r«الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر ولله الحمد، الله أكبر على ما هدانا، والحمد لله على ما أولانا (2) ، لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له المُلْك وله الحمد، يحيي ويميت، بيده (3) الخير، وهو على كل شيء قدير. لا إله إلا الله وحده، أنجز وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده، لا إله إلا الله ، ولا نعبد إلا إياه مخلصين له الدين ولو كره الكافرون» اتباعاً للسنة كما رواه مسلم. «اللهم اجعل في قلبي نوراً وفي بصري نوراً، اللهم اشرح لي صدري، ويسر لي أمري، اللهم لك الحمد كالذي نقول، وخيراً مما نقول» .\rثم يدعو بما شاء من أمري الدين والدنيا، ويستحب فيه قراءة القرآن.\r7ً - الإسراع (أو العَدْو) للذكور في وسط المسعى ما بين الميلين الأخضرين الملاصقين لجدار المسجد، فوق الرمَل، ودون الجري (4) ، في ذهابه إلى الصفا، وعودته من المروة، اتباعاً للسنة كما رواه مسلم. وأما الأنثى والخنثى فتمشي في الكل.\rويقول الذكر في عدوه، وكذا المرأة والخنثى في محله: ( رب اغفر وارحم، وتجاوز عما تعلم، إنك أنت الأعز الأكرم ) وإن كان راكباً، حرك المركوب من غير أن يؤذي أحداً.\r-------------------------------\r(1) ترفع الأيدي إلى الله تبارك وتعالى في سبعة مواطن: في الإحرام بالصلاة، وأول ما ينظر إلى الكعبة، وعلى الصفا، وعلى المروة، وبعرفات، وبالمزدلفة، وعند الجمرتين الأولى والوسطى.\r(2) من نعمه التي لا تحصى.\r(3) أي قدرته.\r(4) وهذه هي الهرولة.","part":3,"page":542},{"id":1935,"text":"8ً - الأفضل ـ كما ذكر النووي ـ أن يتحرى زمن الخلوة لسعيه وطوافه، وإذا كثرت الزحمة، فينبغي أن يتحفظ من إيذاء الناس، وترك هيئة السعي أهون من إيذاء المسلم و من تعريض نفسه إلى الأذى. وإذا عجز عن السعي الشديد في موضعه بين الميلين للزحمة، تشبه في حركته بالساعي، كما هو الشأن في الرمل.\rثالثاً ـ حكم تأخير السعي عن وقته الأصلي :\rإذا أخر السعي عن وقته الأصلي وهي أيام النحر، بعد طواف الزيارة (1) :\rأ ـ فإن كان لم يرجع إلى أهله، فإنه يسعى، ولا شيء عليه؛ لأنه أتى بما وجب عليه، ولا يلزمه بالتأخير شيء؛ لأنه فعله في وقته الأصلي: وهو ما بعد طواف الزيارة. ولا يضره عند الحنفية إن كان قد جامع لوقوع التحلل بطوف الزيارة، إذ السعي ليس بركن عندهم حتى يمنع التحلل.\rب ـ وإن كان رجع إلى أهله، فعليه عند الحنفية دم، لتركه السعي بغير عذر، والسعي عندهم واجب لا ركن، وإن أراد أن يعود إلى مكة، يعود بإحرام جديد؛ لأن إحرامه الأول قد ارتفع بطواف الزيارة لوقوع التحلل به، فيحتاج إلى تجديد الإحرام، وإذا عاد وسعى، سقط عنه الدم؛ لأنه تدارك الترك.\rوالسعي ـ كما بينت ـ ركن عند الجمهور لا يتم الحج إلا به، ولا يجبر تركه بدم.\r-------------------------------\r(1) البدائع:135/2.","part":3,"page":543},{"id":1936,"text":"المطلب الرابع ـ الوقوف بعرفة :\rحكمه، مكانه، زمانه، مقداره، سننه، حكمه إذا فات عن وقته (1) .\rأولاً ـ حكم الوقوف بعرفة :\rأجمع العلماء على أنه الركن الأصلي من أركان الحج، لقوله صلّى الله عليه وسلم : «الحج عرفة» (2) أي الحج: الوقوف بعرفة، وأجمعت الأمة على كون الوقوف ركناً في الحج، لا يتم إلا به.\rفمن فاته فعليه حج من عام قابل، والهدي في قول أكثرهم.\rثانياً ـ مكان الوقوف :\rعرفة كلها موقف، لقول النبي صلّى الله عليه وسلم : «قد وقفت ههنا، وعرفة كلها موقف» (3) فمن وقف بعرفة في أي مكان، والأفضل عند جبل الرحمة، فقد تم حجه مطلقاً من غير تعيين موضع دون موضع. إلا أنه ينبغي ألا يقف في بطن عرنة؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلم نهى عن ذلك، وأخبر أنه وادي الشيطان، قال النبي: «كل عرفة موقف وارفعوا عن بطن عرنة» (4) فليس وادي عُرَنة من الموقف، ولا يجزئ الوقوف قبل عرفة كنمرة مثلاً، قال ابن عبد البر: أجمع العلماء عل أن من وقف به لا يجزئه.\rوحد عرفة: من الجبل المشرف على عرنة إلى الجبال المقابلة له إلى ما يلي حوائط بني عامر. وهي الآن معروفة بحدود معينة، وليس منها عرنة ولا نَمِرة ومسجد إبراهيم عليه السلام، فإن آخره منها وصدره عن عرنة.\rوالمستحب أن يقف عند الصخرات الكبار المفترشة في أسفل جبل الرحمة، ويستقبل القبلة، لما جاء في حديث جابر المتقدم: «أن النبي صلّى الله عليه وسلم جعل بطن ناقته القصواء إلى الصخرات، وجعل منها جبل المشاة بين يديه، واستقبل القبلة» .\r-------------------------------\r(1) البدائع:125/2-127، الدر المختار: 237/2 ومابعدها، اللباب: 191/1 وما بعدها، الشرح الصغير: 53/2-57، القوانين الفقهية: ص 133، بداية المجتهد: 235/1-337، مغني المحتاج: 496/1،513، الإيضاح: ص 47، المغني: 407/3-416، غاية المنتهى:408/1.\r(2) رواه الترمذي وأبو داود وابن ماجه والنسائي.\r(3) رواه أبو داود وابن ماجه.\r(4) رواه ابن ماجه.","part":3,"page":544},{"id":1937,"text":"ثالثاً ـ زمان الوقوف :\rيقف الحاج بالاتفاق من حين زوال الشمس يوم عرفة إلى طلوع الفجر الثاني من يوم النحر، لأن النبي صلّى الله عليه وسلم وقف بعرفة بعد الزوال وقال: خذوا عني مناسككم. وقال الحنابلة: يبدأ وقت الوقوف من طلوع الفجر يوم عرفة إلى طلوع فجر يوم النحر، لقوله صلّى الله عليه وسلم : «من شهد صلاتنا هذه، ووقف معنا حتى ندفع، وقد وقف بعرفة قبل ذلك ليلاً أو نهاراً، فقد تم حجه، وقضى تفثه» (1) .\rفن وقف بعرفة قبل الزوال وأفاض منها قبل الزوال لا يعتد بوقوفه بالإجماع، وفاته الحج إن لم يرجع فيقف بعد الزوال أو جزءاً من ليلة النحر قبل طلوع الفجر.\rومن وقف بعرفات ولو مروراً أو نائماً أو مغمى عليه، و لم يعلم أنها عرفة، في هذا الوقت، أجزأه ذلك عند الحنفية عن الوقوف. قال عبد الرحمن بن يَعْمُر الديلي: « أتيت رسول الله صلّى الله عليه وسلم بعرفة، فجاء نفر من أهل نجد، فقالوا: يارسول\r-------------------------------\r(1) رواه الخمسةعن عروة بن مضرس، والمشهور أن التفث: ما يصنعه المحرم عند حله من تقصير شعر أو حلقه وحلق العانة ونتف الإبط وغيره من خصال الفطرة.","part":3,"page":545},{"id":1938,"text":"الله، كيف الحج؟ قال: الحج عرفة. فمن جاء قبل صلاة الفجر ليلة جَمْع، فقد تم حجه» (1) .\rواشترط المالكية في المار شرطين وهما أن يعلم أنه عرفة، وأن ينوي الحضور الركن، وأجازوا كون الواقف نائماً أو مغمى عليه كالحنفية.\rواشترط الشافعية والحنابلة كون الواقف عاقلاً أهلاً للعبادة، سواء فيه الصبي والنائم وغيرهما؛ لأن النائم في حكم المستيقظ. وأما المغمى عليه والسكران فلا يصح وقوفهما؛ لأنهما ليسا من أهل العبادة، وكل منهما زائل العقل بغير نوم، فمن كان من أهل العبادة وحصل في جزء يسير من أجزاء عرفات في لحظة لطيفة من وقت الوقوف المذكور (وهو ما بين زوال شمس يوم عرفة إلى طلوع الفجر من يوم النحر عند الجمهور، ومن طلوع فجر يوم عرفة عند الحنابلة) صح وقوفه، سواء حضر عمداً أو وقف مع الغفلة، أو مع البيع والشراء، أو التحدث واللهو، أو في حال النوم، أو اجتاز بعرفات ماراً في وقت الوقوف، وهو جاهل لا يعلم أنها عرفات، ولم يلبث أصلاً، بل اجتاز مسرعاً في طرف من أرضها المحدودة، أو اجتازها في طلب غريم هارب أو بهيمة شاردة أو كان نائماً على بعيره، فانتهى به البعير إلى عرفات، فمر بها البعير، أو غير ذلك مما هو في معناه، يصح وقوفه في جميع ذلك، ولكن يفوته كمال الفضيلة.\rويجب عند الجمهور (الحنفية والمالكية والحنابلة) الوقوف إلى غروب الشمس، ليجمع بين الليل والنهار في الوقوف بعرفة، فإن النبي صلّى الله عليه وسلم وقف بعرفة حتى غابت الشمس، في حديث جابر السابق. وفي حديث علي وأسامة: «أن النبي صلّى الله عليه وسلم دفع حين غابت الشمس» فإن دفع قبل الغروب فحجه صحيح تام عند أكثر أهل العلم، وعليه دم.\r-------------------------------\r(1) رواه أبو داود وابن ماجه، وليلة جمع: هي ليلة المبيت بالمزدلفة (نيل الأوطار: 59/5).","part":3,"page":546},{"id":1939,"text":"وقال الشافعية: يسن الجمع بين الليل والنهار فقط، اتباعاً للسنة، فلا دم على من دفع من عرفة قبل الغروب، وإن لم يعد إليها بعده، لما في الخبر الصحيح: «أن من أتى عرفة قبل الفجر ليلاً أو نهاراً، فقد تم حجه» (1) ولو لزمه دم لكان حجه ناقصاً، نعم، يسن له دم، وهو دم ترتيب وتقدير، خروجاً من خلاف من أوجبه.\rوقال المالكية: الركن الحضور بعرفة ليلة النحر، على أي حالة كانت، ولو بالمرور بها، إن علم أنه عرفة، ونوى الحضور، وهذان شرطان في المار فقط كما تقدم، أو كان مغمى عليه. فمن وقف بعرفة بعد الزوال، ثم دفع منها قبل غروب الشمس، فعليه حج قابل، إلا أن يرجع قبل الفجر. لكن إن دفع من عرفة قبل الإمام وبعد غروب الشمس أجزأه. وبهذا يكون شرط صحة الوقوف عندهم: هو أن يقف ليلاً، ودليلهم أنه صلّى الله عليه وسلم وقف بعرفة حين غربت الشمس، وروى ابن عمر: أن النبي صلّى الله عليه وسلم قال: «من أدرك عرفات بليل، فقد أدرك الحج، ومن فاته عرفات بليل، فقد فاته الحج، فليحل بعمرة، وعليه الحج من قابل» .\rونوقش الدليل الأول بأن فعله عليه السلام على جهة الأفضل؛ لأنه كان مخيراً بين ذلك. وأن الحديث الثاني هو بيان آخر وقت الوقوف.\rوالحاصل أن الجمهور يقولون: يجزئ الوقوف ليلاً أو نهاراً بعد الزوال، وقال المالكية: الواجب الوقوف ليلاً، فمن تركه فينجبر بالدم، كما أن الحنفية والحنابلة يوجبون الدم على من ترك الوقوف ليلاً، والشافعية قالوا: يسن له الدم فقط.\r-------------------------------\r(1) رواه الخمسة ( أحمد وأصحاب السنن الأربعة ) وصححه الترمذي عن عروة بن مُضَرِّس بن أوس. وهو حجة في أن نهار عرفة كله وقت للوقوف ( نيل الأوطار: 58/5 ) لكن قرر العلماء على أن المراد بقوله عليه السلام في هذا الحديث « نهاراً » أنه بعد الزوال. ويلاحظ أن الحنابلة أجازوا الوقوف من الفجر يوم عرفة، عملاً بظاهر هذا الحديث.","part":3,"page":547},{"id":1940,"text":"رابعاً ـ مقدار الوقوف :\rاتفق العلماء على أنه يكفي الوقوف في جزء من أرض عرفة، ولو في لحظة لطيفة، وأوجب المالكية الطمأنينة بعد الغروب في الوقوف أي الاستقرار بقدر الجلسة بين السجدتين قائماً أو جالساً أو راكباً. فالقدر المفروض من الوقوف: هو وجوده بعرفة ساعة من هذا الوقت، سواء أكان عالماً بها أم جاهلاً، نائماً أم يقظان مفيقاً، أم مغمى عليه أم سكران أم مجنوناً في رأي الحنفية والمالكية، وسواء وقف بها أو مرَّ، وهو يمشي أو على الدابة، أو محمولاً؛ لأنه أتى بالقدر المفروض: وهو وجوده كائناً بها، للحديث السابق: «من وقف بعرفة، فقد تم حجه» . والمشي والسير لا يخلو عن وقفة، سواء نوى الوقوف أم لم ينو.\rولا خلاف في أنه لا يشترط للوقوف طهارة ولا ستارة ولا استقبال القبلة ولانية، فيصح كون الواقف محدثاً أو جنباً أو حائضاً أو نفساء. قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن من وقف الوقوف بعرفة غير طاهر مدرك للحج، ولا شيء عليه.\rبدليل قول النبي صلّى الله عليه وسلم لعائشة: «افعلي ما يفعله الحاج غير الطواف بالبيت» ووقفت عائشة بعرفة حائضاً بأمر النبي، لكن يستحب كما سأبين أن يكون طاهراً.\rخامساً ـ حكم الحاج إذا فاته الوقوف :\rإذا فات الوقوف بعرفة، فات الحج في تلك السنة، ولا يمكن استداركه فيها، لأن ركن الشيء ذاته، وبقاء الشيء مع فوات ذاته محال.\rوذكر النووي في الإيضاح (ص 54): إذا غلط الحجاج، فوقفوا في غير يوم عرفة نظر: إن غلطوا بالتأخير، فوقفوا في العاشر من ذي الحجة، أجزأهم وتم حجهم، ولا شيء عليهم، سواء بان الغلط بعد الوقوف أو في حال الوقوف.\rولو غلطوا فوقفوا في الحادي عشر، أو غلطوا في التقديم، فوقفوا في الثامن من ذي الحجة، أوغلطوا في المكان، فوقفوا في غير أرض عرفات، فلا يصح حجهم بحال.\rولو وقع الغلط بالوقوف في العاشر لطائفة يسيرة، لا للحجيج العام، لم يجزهم على الأصح.","part":3,"page":548},{"id":1941,"text":"ولو شهد واحد أو عدد برؤية هلال ذي الحجة، فردت شهادتهم، لزم الشهود الوقوف في التاسع عندهم، وإن كان الناس يقفون بعده.\rسادساً ـ سنن الوقوف بعرفة وآدابه :\rيسن الاتجاه أو الرواح إلى منى في يوم التروية ـ الثامن من ذي الحجة ـ والمكث أو المبيت بها إلى فجر عرفة، ثم الرواح إلى عرفات بعد طلوع الشمس، فيقيم الحجاج بنمرة قرب عرفات اتباعاً للسنة كما روى مسلم، ولا يدخلون عرفات، وقال الحنابلة: إن شاؤوا أقاموا بعرفة حتى تزول الشمس، ثم يخطب الإمام قبل صلاة الظهر خطبتين كالجمعة، يعلم الناس فيها مناسكهم من موضع الوقوف ووقته والدفع من عرفات، ومبيتهم بمزدلفة وأخذ الحصى لرمي الجمار، لحديث جابر المتقدم أن النبي صلّى الله عليه وسلم فعل ذلك.\rثم يؤذن المؤذن، ويصلي الإمام بالناس الظهر والعصر جمع تقديم مع قصرهما اتباعاً للسنة كما روى مسلم، بأذان وإقامتين وقراءة سرية، دون أن يفصل بينهما بشيء، ولا يصلى عند الحنفية بعد أداء العصر في وقت الظهر. وهذا الجمع نسك من أعمال الحج عند الحنفية، فيشمل المقيم والمسافر، لكن لو كان مقيماً كإمام مكة صلى بهم صلاة المقيمين، ولا يجوز له القصر، ولا للحجاج الاقتداء به.\rورأى المالكية أيضاً أنه يسن الجمع بين الظهرين جمع تقديم حتى لأهل عرفة. ويسن قصرهما إلا لأهل عرفة بأذان ثان وإقامة للعصر من غير تنفل بينهما، ومن فاته الجمع مع الإمام جمع في رحله.\rوأجاز الحنابلة أيضاً الجمع لكل من بعرفة من مكي وغيره، أما قصر الصلاة فلا يجوز لأهل مكة. والحاصل أن الجمهور يرون جواز هذا الجمع لكل حاج، أما القصر فلا يجوز لأهل عرفة وأهل مكة، وأجاز المالكية القصر لأهل مكة.","part":3,"page":549},{"id":1942,"text":"ورأى الشافعية: أن هذا الجمع والقصر وفي المزدلفة أيضاً للسفر لا للنسك، فهما جائزان للمسافر فقط، ويختصان بسفر القصر، فيأمر الإمام المكيين ومن لم يبلغ سفره مسافة القصر (89كم) بالإتمام وعدم الجمع، كأن يقول لهم بعد السلام: ياأهل مكة ومن سفره قصير أتموا، فإنا قوم سَفْر. وإذا دخل الحجاج مكة ونووا أن يقيموا بها أربعة أيام لزمهم الإتمام، فإذا خرجوا يوم التروية إلى منى، ونووا الذهاب إلى أوطانهم عنذ فراغ مناسكهم، كان لهم القصر من حين خرجوا؛ لأنهم أنشؤوا سفراً تقصر فيه الصلاة.\rثم بعد الفراغ من الصلاة يذهبون إلى الموقف، ويعجلون السير إليه، وسنن الوقوف وآدابه: هي ما يأتي (1) :\r1ً - الاغتسال بنمرة.\r2ً - ألا يدخل أحد عرفات إلا بعد الزوال والصلاتين.\r3ً - أن يخطب الإمام خطبتين ويجمع الصلاتين، كما تقدم.\r4ً - تعجيل الوقوف عقب الصلاتين.\r5ً - الأفضل كون الوقوف عند الصخرات الكبار في أسفل جبل الرحمة.\r6ً - ينبغي أن يبقى في الموقف حتى تغرب الشمس، فيجمع في وقوفه بين الليل والنهار، بل هو واجب عند الجمهور غير الشافعية.\r7ً - الأفضل أن يقف راكباً، وهو أفضل من الماشي، اقتداء برسول الله صلّى الله عليه وسلم ، ولأنه أعون على الدعاء، وهو المهم في هذا الموضع.\r8ً - استقبال القبلة مع التطهير وستر العورة ونية الوقوف بعرفة (2) ، فلو وقف محدثاً أو جنباً أو حائضاً أو عليه نجاسة، أو مكشوف العورة، صح وقوفه، وفاتته الفضيلة.\r9ً - الأفضل للواقف ألا يستظل، بل يبرز للشمس، إلا لعذر، بأن يتضرر أو أن ينقص دعاؤه واجتهاده.\r10ً - أن يكون مفطراً؛ لأن الفطر أعون على الدعاء، وقد ثبت في الصحيح أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم وقف مفطراً.\r11ً - أن يكون حاضر القلب، فارغاً من الشواغل عن الدعاء.\r-------------------------------\r(1) الإيضاح: 51-54.\r(2) سبب التفرقة عند الحنفية والحنابلة بين الطواف والوقوف باشتراط النية في الطواف دون الوقوف: أن النية عند الإحرام تضمنت جمبع ما يفعل فيه، والوقوف يفعل في حالة الإحرام، وأما الطواف فيقع به التحلل، فاشترط فيه عند الحنفية أصل النية دون تعيينها.","part":3,"page":550},{"id":1943,"text":"12 - الحذر من المخاصمة والمشاتمة والمنافرة والكلام القبيح، بل ينبغي أن يحترز عن الكلام المباح ما أمكنه، فإنه تضييع للوقت المهم فيما لا يعني.\r13 - الاستكثار من عمل الخير في يوم عرفة وسائر أيام ذي الحجة، لقوله صلّى الله عليه وسلم: «ما العمل في أيام أفضل منه في هذه الأيام ـ يعني أيام العشر ـ قالوا: ولا الجهاد؟ قال: ولا الجهاد، إلا رجل خرج يخاطر بماله ونفسه، فلم يرجع بشيء» (1) .\r14 - الإكثار من الدعاء والتهليل وقراءة القرآن والاستغفار والتضرع والخشوع وإظهار الضعف والافتقار، والإلحاح في الدعاء، وتكرار الدعاء ثلاثاً، والتسبيح والتحميد والتكبير، ويكثر البكاء مع ذلك، فهنالك تسكب العبرات، وتقال العثرات.\rوأفضل ذلك ما رواه الترمذي وغيره عن رسول الله صلّى الله عليه وسلم أنه قال: «أفضل الدعاء يوم عرفة، وأفضل ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير» .\rوفي كتاب الترمذي عن علي رضي الله عنه قال: أكثر ما دعا به النبي صلّى الله عليه وسلم يوم عرفة في الموقف:\r«اللهم لك الحمد كالذي نقول وخيراً مما نقول، اللهم لك صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي، وإليك مآبي، ولك ربي تراثي» .\r-------------------------------\r(1) رواه البخاري عن ابن عباس. وأيام العشر: هي الأيام المعلومات. وأيام التشريق هي المعدودات، وقال ابن جزي المالكي في قوانينه: ص143: الأيام المعلومات: هي أيام النحر الثلاثة، والأيام المعدودات: هي أيام منى، وهي أيام التشريق: وهي الثلاثة بعد يوم النحر، فيوم النحر معلوم غير معدود ، والثاني والثالث معلومان معدودان، والرابع معدود غير معلوم.","part":3,"page":551},{"id":1944,"text":"اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر ووسوسة الصدر وشتات الأمر. اللهم إني أعوذ بك من شر ما تجيء به الريح.\rومن الأدعية المختارة: ( اللهم آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار. اللهم إني ظلمت نفسي ظلماً كثيراً، وإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر لي مغفرة من عندك، وارحمني، إنك أنت الغفور الرحيم. اللهم اغفر لي مغفرة من عندك تصلح بها شأني في الدارين، وارحمني رحمة منك أسعد بها في الدارين، وتب علي توبة نصوحاً لا أنكثها أبداً، وألزمني سبيل الاستقامة لا أزيغ عنها أبداً، اللهم انقلني من ذل المعصية إلى عز الطاعة، وأغنني بحلالك عن حرامك، وبطاعتك عن معصيتك، وبفضلك عمن سواك، ونور قلبي وقبري، وأعذني من الشر كله، واجمع لي الخير كله، استودعتك ديني وأمانتي وقلبي وبدني وخواتيم عملي، وجميع ما أنعمت به علي وعلى جميع أحبائي والمسلمين أجمعين ).\rويستحب أن يكثر من التلبية رافعاً بها صوته، ومن الصلاة على رسول الله صلّى الله عليه وسلم.\rوينبغي أن يأتي بهذه الأنواع كلها، فتارة يدعو، وتارة يهلل، وتارة يكبر، وتارة يلبي، وتارة يصلي على النبي صلّى الله عليه وسلم ، وتارة يستغفر ويدعو منفرداً، ومع جماعة.\rوليدع لنفسه ووالديه وأقاربه وشيوخه وأصحابه وأحبابه وأصدقائه وسائر من أحسن إليه وسائر المسلمين.\rويستحب الإكثار من الاستغفار والتلفظ بالتوبة من جميع المخالفات، مع الاعتقاد بالقلب، وأن يكثر من البكاء مع الذكر والدعاء، فهناك تسكب العبرات وتستقال العثرات وترتجى الطلبات.","part":3,"page":552},{"id":1945,"text":"وإنه لمجمع عظيم وموقف جسيم يجتمع فيه خيار عباد الله المخلصين وخواصه المقربين، وهو أعظم مجامع الدنيا، وثبت في صحيح مسلم عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم قال: «ما من يوم أكثر من أن يعتق الله تعالى فيه عبداً من النار من يوم عرفة، وإنه يباهي بهم الملائكة، يقول: ما أراد هؤلاء» .\rالمبحث السادس - واجبات الحج :\rواجبات الحج والعمرة التي يجزئ الدم بتركها مختلف فيها بين الفقهاء كما عرفنا: فواجبات الحج عند الحنفية اثنان وعشرون وأوصلها في كتاب اللباب إلى خمسة وثلاثين، منها: : السعي، والوقوف بالمزدلفة ولو بمقدار لحظة في النصف الثاني من الليل، ورمي الجمار، والحلق أو التقصير، وطواف الوداع. وذلك عند الحنفية للآفاقي غير الحائض ،أي من هو خارج المواقيت .\rوواجبات العمرة عندهم اثنان: السعي، والحلق أو التقصير.\rوواجبات الحج عند المالكية خمسة: طواف القدوم على الأصح، والوقوف بالمزدلفة، ورمي الجمار، والحلق أو التقصير على المشهور والمبيت بمنى، وواجب العمرة هو الحلق أو التقصير.\rوواجبات الحج عند الشافعية خمسة: الإحرام من الميقات الزماني والمكاني، ورمي الجمار، والمبيت في المزدلفة أي الوقوف فيها، والمبيت بمنى على الراجح، وطواف الوداع. وأعمال العمرة كلها أركان عندهم، إلا الإحرام من الحل فإنه واجب، كما أن الحلق أو التقصير ركن في الحج والعمرة على المشهور.\rوواجبات الحج عند الحنابلة ستة: إحرام من الميقات، ووقوف بعرفة نهاراً للغروب، ومبيت بمزدلفة لبعد نصف الليل، ومبيت بمنى، ورمي الجمرات مرتباً، وحلق أو تقصير، وطواف وداع.\rوواجبات العمرة اثنان: حلق أوتقصير، وإحرام من الحل. وقد بينت أحكام الإحرام من الميقات، والسعي، وأنواع الطواف، وبقي علينا بحث الواجبات الأخرى فيما يلي:","part":3,"page":553},{"id":1946,"text":"المطلب الأول ـ الوقوف بالمزدلفة :\rصفته الشرعية، ركنه، مكانه، زمانه، حكم فواته عن وقته، سننه (1) .\rأولاً ـ صفة الوقوف بالمزدلفة :\rالوقوف بالمزدلفة واجب باتفاق المذاهب لا ركن، فمن تركه لزمه دم، والمبيت بها واجب عند الحنابلة، سنة عند الحنفية ، والمالكية، وعند الشافعية قولان: واجب أو سنة، والراجح عند النووي والسبكي الوجوب، ومحل القولين: حيث لا عذر، أما المعذور فلا دم عليه جزماً، ومن المعذورين: من جاء عرفة ليلاً فاشتغل بالوقوف عنه، ومن أفاض من عرفة إلى مكة وطاف للركن وفاته الوقوف بمزدلفة، قال الأذرعي : وينبغي حمله على من لم يمكنه الدفع إلى المزدلفة، أي بلا مشقة، فإن أمكنه وجب جمعاً بين الواجبين. ومن المعذورين: ما لو خافت المرأة طروء الحيض أو النفاس فبادرت إلى مكة بالطواف. وفي كفاية الاختيار: المبيت بالمزدلفة سنة، وقدر الواجب عند الحنفية: ساعة ولو لطيفة ولو ماراً، كما في عرفة، وقدر السنة: امتداد الوقوف إلى الإسفار جداً.\rوعند الحنابلة: البقاء بها لما بعد منتصف الليل، فإن دفع بعد نصف الليل فلا شيء عليه، وعند الشافعية: الحصول بها لحظة فيما بعد منتصف الليل.\rوعند المالكية: بقدر حط الرحال وصلاة العشاءين، وتناول شيء من أكل أو شرب فيها. ورأي الجمهور غير الحنابلة أيسر المذاهب الذي يسع الناس الآن لكثرة الحجيج وصعوبة المبيت.\rوأما إتيان المشعر الحرام: وهو جبل قُزَح في المزدلفة فهو مستحب عند الحنفية، سنة على المعتمد عند المالكية، وسنة عند الشافعية والحنابلة.\r-------------------------------\r(1) البدائع:135/2 ومابعدها،155 ومابعدها، الدر المختار:214/2-245، فتح القدير:169/2-173، اللباب:186/1 ومابعدها، الشرح الصغير: 57/2 ومابعدها، القوانين الفقهية: ص133، الإيضاح: ص55 ومابعدها، مغني المحتاج:499/1 ومابعدها،409/1 ومابعدها، المغني:417/2-426،450-456، شرح المجموع: 120/8، كفاية الاختيار: 430/1.","part":3,"page":554},{"id":1947,"text":"ودليل وجوب المبيت بالمزدلفة: قوله تعالى: {فإذا أفضتم من عرفات، فاذكروا الله عند المشعر الحرام} [البقرة:198/2] وقول النبي صلّى الله عليه وسلم : «من شهد صلاتنا هذه ـ أي صلاة الفجر ـ ووقف معنا حتى ندفع، وقد وقف بعرفة قبل ذلك ليلاً أو نهاراً، فقد تم حجه، وقضى تفثه» رواه الخمسة وصححه الترمذي.\rوللمزدلفة أسماء: مزدلفة وجَمْع والمشعر الحرام،وحد المزدلفة: من مأزمي عرفة إلى قرن محسِّر، وما على يمين ذلك وشماله من الشعاب، ففي أي موضع منها وقف أجزأه، لقول النبي صلّى الله عليه وسلم : «المزدلفة موقف» (1) .\rثانياً ـ ركن الوقوف بالمزدلفة :\rقال الحنفية: ركنه: كينونته بمزد لفة، سواء أكان بفعل نفسه أم فعل غيره، بأن يكون محمولاً بأمره، أو بغير أمره وهو نائم أومغمى عليه، أو مجنون أو سكران، نواه أو لم ينو، علم بها أو لم يعلم، ولو ماراً كالوقوف بعرفة.\rوقال المالكية: يجب النزول بالمزدلفة بقدر حط الرحال وصلاة العشاءين، وتناول شيء من أكل أو شرب فيها، فإذا لم ينزل فدم، والوقوف بالمشعر الحرام سنة على المعتمد.\rوقال الشافعية: الواجب الذي يكفي في المبيت بالمزدلفة الحصول بها لحظة، كالوقوف بعرفة، فيكفي المرور بها، وإن لم يمكث، ووقته بعد نصف الليل. ويسن تقديم النساء والضعََفَة بعد نصف الليل إلى منى، وشعارهم: التلبية والتكبير تأسياً به صلّى الله عليه وسلم (2) ، ويبقى غيرهم حتى يصلوا الصبح مغلِّسين.\rوقال الحنابلة: المبيت بمزدلفة واجب، من تركه فعليه دم، ومن بات بها لم يجز له الدفع قبل منتصف الليل، فإن دفع بعده فلا شيء عليه، لقوله صلّى الله عليه وسلم : «خذوا عني مناسككم» وإنما أبيح الدفع بعد نصف الليل بما ورد من الرخصة فيه، قال ابن عباس: «كنت فيمن قدم النبي صلّى الله عليه وسلم في ضَعَفة أهله من مزدلفة إلى منى» وكذلك رخص لأسماء (3) .\r-------------------------------\r(1) رواه أبو داود وابن ماجه.\r(2) رواه الشيخان (نصب الراية:72/3).\r(3) متفق عليه.","part":3,"page":555},{"id":1948,"text":"ولا تشترط الطهارة عن الجنابة والحيض، ولأنه عبادة لا تتعلق بالبيت، فتصح من غير طهارة كالوقوف بعرفة ورمي الجمار.\rثالثاً ـ مكان الوقوف بالمزدلفة :\rالمزدلفة (وهي ما بين منى وعرفة) كلها موقف إلا بطن مُحَسِّر (وهو واد بين منى ومزدلفة)، فيصح الوقوف في أي جزء من أجزاء مزدلفة، وينزل في أي موضع شاء منها إلا وادي محسر، لقوله صلّى الله عليه وسلم : «عرفات كلها موقف، إلا بطن عُرَنة، ومزدلفة كلها موقف إلا وادي محسر» (1) .\r-------------------------------\r(1) رواه خمسة من الصحابة: جابر عند ابن ماجه، وجبير بن مطعم عند أحمد، وابن عباس عند الطبراني والحاكم، وابن عمر عند ابن عدي، وأبو هريرة عند ابن عدي، وهو ضعيف إلا حديث ابن عباس قال عنه الحاكم: صحيح على شرط مسلم، ويراجع، ولفظه «عرفه كلها موقف، وارفعوا عن بطن عرنة، والمزدلفة كلها موقف، وارفعوا عن بطن محسر» (نصب الراية: 60/3 ومابعدها).","part":3,"page":556},{"id":1949,"text":"ويكره النزول في المحسر عند الحنفية، لكن لو وقف به أجزأ مع الكراهة.\rوالأفضل أن يكون وقوفه خلف الإمام على الجبل الذي يقف عليه الإمام وهو جبل قُزَح (المشعر الحرام وهو آخر المزدلفة)؛ لأنه روي أنه صلّى الله عليه وسلم وقف عليه، وقال: «خذوا عني مناسككم» (1) .\rرابعاً ـ زمان الوقوف بالمزدلفة :\rللفقهاء رأيان:\r1 - رأي الحنفية: هو أن زمان الوقوف هو ما بين طلوع الفجر من يوم النحر وطلوع الشمس؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلم في حديث جابر وابن عمر دفع قبل طلوع الشمس، فمن وقف بها قبل طلوع الفجر، أو بعد طلوع الشمس لا يعتد به. وقد ر الواجب منه ساعة ولو لطيفة، وقدر السنة: امتداد الوقوف إلى الإسفار جداً، والسنة أن يبيت ليلة النحر بمزدلفة، والبيتوتة ليست بواجبة، إنما الواجب هو الوقوف، والأفضل أن يكون وقوفه بعد الصلاة، فيصلي صلاة الفجر بغلس، ثم يقف عند المشعر الحرام، فيدعو الله تعالى، ويسأله حوائجه إلى أن يسفر، ثم يفيض منها قبل طلوع الشمس إلى منى، ولو أفاض بعد طلوع الفجر قبل صلاة الفجر، فقد أساء ولا شيء عليه لتركه السنة.\r2 - ورأي الجمهور: هو أن زمان الوقوف هو الليل، وتفصيل ذلك ما يأتي:\rقال المالكية: زمان الوقوف في أي جزء من أجزاء الليل بقدر حط الرحال وصلاة العشاءين وتناول شيء من الأكل أو الشرب. والسنة: المبيت بالمزدلفة ليلة النحر، فإذا طلع الفجر صلوا الصبح بغلس، ثم نهضوا إلى المشعر الحرام (وهو آخر المزدلفة وجبل صغير فيها) وذلك سنة على المعتمد، فيقفون للتضرع والدعاء إلى الإسفار، ثم يدفعون منها قبل طلوع الشمس إلى منى، ويسرعون في وادي محسر.\rوقال الشافعية: وقت الوقوف بالمزدلفة بعد نصف الليل، فمن لم يكن فيها في النصف الثاني، أراق دماً.\r-------------------------------\r(1) رواه جابر في حديثه الطويل المتقدم.","part":3,"page":557},{"id":1950,"text":"وقال الحنابلة: المبيت بالمزدلفة حتى يطلع الفجر واجب، من تركه فعليه دم، فإذا صلى الصبح في أول وقته وقف عند المشعر الحرام، فيرقى عليه إن أمكنه، وإلا وقف عنده فذكر الله تعالى ودعا واجتهد، لقوله تعالى: {فإذا أفضتم من عرفات، فاذكروا الله عند المشعر الحرام} [البقرة:198/2] وفي حديث جابر: «أن النبي صلّى الله عليه وسلم أتى المشعر الحرام، فرقى عليه، فدعا الله ، وهلله وكبره، ووحده» . ومن بات بالمزد لفة لم يجز له الدفع قبل نصف الليل، فإن دفع بعده فلا شيء عليه.\rخامساً ـ حكم فوات الوقوف بالمزدلفة عن وقته :\rقال الحنفية: إن فات الوقوف فإن كان لعذر، فلا شيء عليه، لأنه صلّى الله عليه وسلم قدم ضعفة أهله، ولم يأمرهم بالكفارة، وإن كان فواته لغير عذر، فعليه دم؛ لأنه ترك الواجب من غير عذر، وإنه يوجب الكفارة.\rوقال الجمهور: ترك الوقوف بالمزدلفة يوجب الدم.\rسادساً ـ سنن الوقوف بالمزدلفة :\rيستحب في المزدلفة ما يأتي:\r1ً - الاغتسال فيها بالليل للوقوف بالمشعر الحرام وللعيد، ولما فيها من الاجتماع، فمن لم يجد ماء تيمم، كما ذكر النووي في الإيضاح.\r2ً - الجمع بين صلاتي المغرب والعشاء جمع تأخير، بإقامة لكل صلاة، كجمع التقديم في نمرة، ويجمع منفرداً أو مع الإمام.\r3ً - إحياء هذه الليلة بالعبادة من الصلاة والتلاوة والذكر والدعاء والتضرع.\r4ً - التأهب بعد نصف الليل وأخذ حصى الجمار من المزدلفة، لجمرة العقبة يوم النحر وهي سبع حصيات، ولأيام التشريق الثلاثة ثلاثاً وستين حصاة، فصار المجموع سبعين حصاة، بقدر حصى الخَذْف وهي دون أنملة، نحو حبة الباقلا، ويكره أن يكون أكبر من ذلك، ويكره كسر الحجارة له إلا لعذر بل يلتقطها صغاراً، وقد ورد نهي عن كسرها ههنا، لأنه يفضي إلى الأذى.","part":3,"page":558},{"id":1951,"text":"ومن أي موضع أخذ جاز، لكن يكره من المسجد ومن المواضع النجسة ومن الجمرات التي رمي بها، لقول ابن عباس: «ما تقبل منها رفع، وما لم يتقبل ترك، ولولا ذلك لسد ما بين الجبلين» .\rولا يكره غسل حصى الجمار، واستحب النووي وبعض الحنابلة أن يغسلها، لأنه روي عن ابن عمر أنه غسله، وقال في غاية المنتهى للحنابلة: لا يسن غسل غير نجس.\r5ً - الوقوف بالمشعر الحرام، والصعود عليه إن أمكنه، وإلا وقف عنده أو تحته.\r6ً - صلاة الصبح في أول وقتها، والمبالغة في التبكير بها في هذا اليوم آكد من باقي الأيام، اقتداء برسول الله صلّى الله عليه وسلم ، وليتسع الوقت لوظائف أخرى، فإنها كثيرة في هذا اليوم، فليس في أيام الحج أكثر عملاً منه.\r7ً - الوقوف عند المشعر الحرام بعد صلاة الفجر مستقبل الكعبة، فيدعو ويحمد الله تعالى ويكبره ويهلله ويوحده ويكثر من التلبية، ويستحب أن يقول في دعائه:\r( اللهم كما أوقفتنا فيه، وأريتنا إياه، فوفقنا لذكرك كما هديتنا، واغفر لنا وارحمنا كما وعدتنا بقولك، وقولك الحق: { فإذا أفضتم من عرفات، فاذكروا الله عند المشعر الحرام، واذكروه كما هداكم، وإن كنتم من قبله لمن الضالين. ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس، واستغفروا الله ، إن الله غفور رحيم } [البقرة:198/2-199]، ويقول أيضاً:( الله أكبر ـ ثلاثاً ـ لا إله إلا الله ، والله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد ).\rويقف حتى يسفر جداً، لما في حديث جابر المتقدم: «أن النبي صلّى الله عليه وسلم لم يزل واقفاً حتى أسفر جداً» ثم يدفع قبل طلوع الشمس اتباعاً لفعل النبي صلّى الله عليه وسلم ، وشعاره التلبية والذكر، للآية السابقة:","part":3,"page":559},{"id":1952,"text":"{فإذا أفضتم من عرفات...} [البقرة:198/2] ولأن النبي صلّى الله عليه وسلم لم يزل يلبي حتى رمى الجمرة (1) .\r8ً - تقديم الضَّعَفة من النساء وغيرهن قبل طلوع الفجر إلى منى ليرموا جمرة العقبة قبل زحمة الناس، ويكون تقديمهم بعد نصف الليل. وهذه هي السنة عند الشافعية.\rأما غيرهم فيمكثون حتى يصلوا الصبح بمزدلفة، كما سبق، فإذا صلوها، دفعوا متوجهين إلى منى.\r9ً - الإسراع في وادي مُحَسِّر (وهو واد فاصل بين مزدلفة ومنى) (2) إن كان ماشياً، وتحريك دابته من كان راكباً، بقدر رمية حجر، حتى يقطعوا عرض الوادي، للاتباع في الراكب، كما روى مسلم، ويقاس الماشي عليه، ولنزول العذاب فيه على أصحاب الفيل القاصدين هدم البيت.\rوفيما عدا ذلك المستحب الإتيان إلى المزدلفة والدفع منها بالسكينة والوقار لما في حديث جابر السابق: «أيها الناس السكينة السكينة» (3) .\rالمطلب الثاني ـ رمي الجمار في منى وحكم المبيت فيها :\rأما الرمي فأبين معناه، ووجوبه والإنابة فيه، ووقته، ومكانه، وشروطه، أو عدد الجمار وقدرها وجنسها ومأخذها، ومقدار ما يرمى كل يوم عند كل موضع، وكيفية الرمي وما يسن في ذلك وما يكره، وحكمه إذا تأخر عن وقته (4) . ثم أبيّن حكم المبيت بمنى.\rأولاً ـ معنى رمي الجمار وحكمته وحد منى :\rرمي الجمار في اللغة: هو القذف بالأحجار الصغار وهي الحصى، إذ الجمار جمع جمرة، والجمرة: هي الحجر الصغير وهي الحصاة، وفي الشرع: هو القذف بالحصى في زمان مخصوص ومكان مخصوص وعدد مخصوص كما سيأتي. فلو وضع الحصى وضعاً لم يجزئ، لعدم الرمي وهو القذف. وإن طرحها طرحاً أجزأه، لوجود الرمي، إلا أنه رمي خفيف، يقصد به رجم إبليس.\r-------------------------------\r(1) متفق عليه عن الفضل بن عباس.\r(2) ويسمى وادي النار أيضاً، وهو خمس مئة ذراع وخمسة وأربعون ذراعاً.\r(3) وروى البخاري عن ابن عباس: «أيها الناس، عليكم السكينة، فإن البر ليس بالإيضاع» .\r(4) البدائع:136/2-139،156-159، الدر المختار:245/2-249، القوانين الفقهية: ص134، اللباب:188/1-190، الشرح الصغير: 58/2 ومابعدها ، 63-69، مغني المحتاج: 501/1، 504، 506-509، الإيضاح: ص58-60، المغني: 424/3-430، غاية المنتهى: 410/1-411، 414.","part":3,"page":560},{"id":1953,"text":"وحكمته: أنه عمل رمزي يمثل مقاومة الشيطان الذي يريد إيقاع الناس بالمعاصي، بالفعل المادي، ليس في وقته فحسب وإنما في كل وقت؛ لأن المحسوس يدل على المعقول، وهو أيضاً اقتداء بفعل سيدنا إبراهيم عليه السلام وزوجته هاجر وابنه إسماعيل حينما أوحي إلى إبراهيم بذبح ولده، فكان كل منهم يرمي إبليس بحصيات لإنهاء وساوسه بألا يفعل الذبح، ولتحقيق امتثال أمر الله ، دون تردد أو تثبيط عنه.\rوحد منى: ما بين وادي مُحْسِّر وجمرة العقبة، ومنى: شِعْب طوله نحو ميلين، وعرضه يسير، أما الجبال المحيطة به فما أقبل منها عليه فهو من منى، وما أدبر منها فليس من منى.\rوالجمرات ثلاث: الأولى ( أو الصغرى )، والوسطى، وجمرة العقبة (أو الكبرى أو الأخيرة)، والأولى تلي مسجد الخَيْف، ومسجد الخيف أو مسجد إبراهيم عليه السلام على أقل من ميل عن مكة. وجمرة العقبة: في آخر منى من جهة مكة، وليست العقبة التي تنسب إليها هذه الجمرة من منى، وهي الجمرة التي بايع رسول الله صلّى الله عليه وسلم الأنصار عندها قبل الهجرة وهي صخرة عظيمة في أول منى بالنسبة للآتي من مكة، وهي كلها تقع في وسط الشارع. وتبعد الأخيرة عن الوسطى نحو 551 متراً، ويبدأ الحاج بالأولى، ويختم بالثالثة.\rثانياً ـ وجوب الرمي والإنابة فيه :\rرمي الجمار (جمرة العقبة يوم النحر، والجمار الثلاث أيام التشريق) واجب اتفاقاً، اتباعاً لفعل النبي صلّى الله عليه وسلم ، قال جابر: «رأيت النبي صلّى الله عليه وسلم يرمي الجمرة على راحلته يوم النحر، ويقول: لتأخذوا عني مناسككم، فإني لا أدري لعلي لا أحُجّ بعد حَجَّتي هذه» (1) .\r-------------------------------\r(1) رواه أحمد ومسلم والنسائي ( نيل الأوطار:65/5).","part":3,"page":561},{"id":1954,"text":"وتجوز الإنابة في الرمي لمن عجز عن الرمي بنفسه لمرض أو حبس، أو كبر سن أو حمل المرأة، فيصح للمريض بعلة لا يرجى زوالها قبل انتهاء وقت الرمي، وللمحبوس وكبير السن والحامل أن يوكل عنه من يرمي عنه الجمرات كلها، ويجوز التوكل عن عدة أشخاص، على أن يرمي الوكيل عن نفسه أولاً كل جمرة من الجمرات الثلاث، ويستحب أن يناول النائب الحصى إن قدر، ويكبر هو، فيقول: ( الله أكبر ـ ثلاثاً ـ لا إله إلا الله ، والله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد ) كما نقل عن الشافعي رحمه الله .\rولكن يجب عند المالكية على الموكل دم، وفائدة الاستنابة: سقوط الإثم عن الموكل، ويبقى ملزماً بإراقة دم. وتوكيل المرأة غيرها في حال الزحمة الشديدة أولى من المرض في تقديري.\rثالثاً ـ وقت الرمي :\rأ ـ رمي جمرة العقبة (أو الكبرى ) : يدخل وقته عند الشافعية والحنابلة من نصف ليلة النحر، والأفضل أن يكون بعد طلوع الشمس؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلم أمر أم سلمة ليلة النحر، فرمت جمرة العقبة قبل الفجر، ثم مضت فأفاضت (1) . ورميها هو تحية منى فلا يبتدأ فيها بغيره.\rووقته عند المالكية والحنفية: بعد طلوع الشمس يوم العيد، لقوله صلّى الله عليه وسلم : «لا ترموا حتى تطلع الشمس» (2) ويقطع المفرد بالحج والقارن التلبية عند الجمهور عند ابتداء رمي هذه الجمرة عند أول حصاة، لما رواه الجماعة عن الفضل بن عباس\r-------------------------------\r(1) رواهاه أبو داود.\r(2) رواه الخمسة ( أحمد وأصحاب السنن الأربعة ) عن ابن عباس، وصححه الترمذي ولفظه: «قدَّم ضعَفَة أهله، وقال: لا ترموا حتى تطلع الشمس» ( نيل الأوطار: 67/5 ).","part":3,"page":562},{"id":1955,"text":"قال: «كنت رديف النبي صلّى الله عليه وسلم من جَمْع إلى منى، فلم يزل يلبي حتى رمى جمرة العقبة» (1) والمعتمر يقطع التلبية عند بدء الطواف.\rوقال المالكية: تقطع التلبية إذا زالت الشمس من يوم عرفة إذا راح إلى الموقف. ويستمر وقت رمي هذه الجمرة إلى آخر النهار - نهار العيد، لما روى البخاري: «أن رجلاً قال للنبي صلّى الله عليه وسلم : إني رميت بعدما أمسيت، فقال: لا حرج» والمساء: بعد الزوال.\rب ـ رمي الجمرات الثلاث أيام التشريق: بعد زوال الشمس في كل يوم أي بعد الظهر بالاتفاق، لقول ابن عباس: «رمى رسول الله صلّى الله عليه وسلم الجمار حين زالت الشمس» (2) فلا يجوز الرمي قبل الزوال، ويستمر الوقت للغروب.\rوإن أخر الرمي إلى الليل كان قضاء عند المالكية، لخروج وقت الأداء وهو النهار الذي يجب فيه الرمي، وعليه دم بالتأخير، والواجب دم واحد في تأخير حصاة فأكثر.\rوقال الحنفية: إن أخر الرمي إلى الليل، ورمى قبل طلوع الفجر، جاز، ولا شيء عليه؛ لأن الليل وقت الرمي في أيام الرمي. ويجوز عند أبي حنيفة الرمي في اليوم الثالث من أيام التشريق، وهو اليوم الرابع من أيام الرمي، قبل الزوال، لقول ابن عباس: « إذا افتتح النهار من آخر أيام التشريق جاز الرمي » .\rوقال الحنابلة: لا يجزئ رمي إلا نهاراً بعد الزوال، غير سقاة ورعاة فيرمون ليلاً ونهاراً.\rوقال الشافعية: وقت الرمي: من الزوال إلى الغروب، فلو ترك رمي يوم تداركه في باقي الأيام، وعلى هذا يبقى وقت الرمي في أيام التشريق إ لى الغروب من كل يوم، ولكن لو أخر رمي يوم ومنه رمي جمرة العقبة إلى ما بعده من أيام الرمي يقع أداء، فلا يخرج وقت الرمي بالغروب على المعتمد.\r-------------------------------\r(1) نيل الأوطار: 322/4.\r(2) رواه أحمد وابن ماجه والترمذي (نيل الأوطار: 79/5).","part":3,"page":563},{"id":1956,"text":"ولرعاء الإبل وأهل السقاية (1) تأخير الرمي عن وقت الاختيار يوماً فقط، ويؤدونه في تاليه قبل رميه، لا رمي يومين متواليين.\rوإذا رمى في اليوم الثاني من أيام التشريق بعد الزوال، فأراد أن ينفر من منى إلى مكة، وهو المراد من النفر الأول، فله ذلك، لقوله تعالى: {فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه} [البقرة:2/203] أي بترك الرمي في اليوم الثالث، والأفضل ألا يتعجل، بل يتأخر إلى آخر أيام التشريق، وهو اليوم الثالث منها، فيستوفي الرمي في الأيام كلها، ثم ينفر، وهو معنى النفر الثاني في قوله تعالى: {ومن تأخر فلا إثم عليه} [البقرة:203/2] .\rقال ابن عباس في هذه الآية: « فمن تعجل في يومين غفر له، ومن تأخر غفر له » .\rوكذا قال ابن مسعود في قوله تعالى: {فلا إثم عليه} [البقرة:203/2]: رجع مغفوراً له، وذلك مشروط بالتقوى، لقوله تعالى: {لمن اتقى} [البقرة:203/2].\rووقت التعجيل عند الجمهور في ثاني أيام التشريق، وهو النفر الأول، يكون قبل غروب الشمس للآية السابقة، وحديث عبد الرحمن بن يعمر عند أبي داود وابن ماجه: «أيام منى ثلاثة، فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه، ومن تأخر فلا إثم عليه» واليوم: اسم للنهار، فمن أدركه الليل، فما تعجل في يومين، فإن غربت الشمس وهو بها لم يخرج حتى يرمي من غد بعد الزوال.\r-------------------------------\r(1) أهل السقاية: موضع بالمسجد الحرام يسقى فيه الماء، ويجعل في حياض يسبل للشاربين، فيسقط عنهم المبيت، لأنه صلّى الله عليه وسلم رخص للعباس أن يبيت بمكة ليالي منى، لأجل السقاية، رواه الشيخان.","part":3,"page":564},{"id":1957,"text":"وقال الحنفية: للحاج أن ينفر ما لم يطلع الفجر من اليوم الرابع من أيام العيد، فإذا طلع الفجر، لم يكن له أن ينفر لدخول وقت الرمي (1) .\rرابعاً ـ مكان الرمي :\rالرمي في يوم النحر: عند جمرة العقبة، وفي الأيام الأخر عند ثلاثة مواضع: عند الجمرة الأولى، والوسطى، والعقبة، بشروط وقوع ذلك كله مكان وقوع الجمرة، لا مكان الرمي، فلو رمى الجمرة من مكان بعيد، فوقعت الحصاة عند الجمرة، أجزأه، وإن لم تقع عندها، لم تجزئه، إلا إذا وقعت عند الحنفية بقرب منها؛ لأن ما يقرب من ذلك المكان، كان في حكمه، لكونه تبعاً له.\rخامساً ـ شروط الرمي: يشترط لصحة الرمي مطلقاً ما يأتي :\r1ً - أن يكون الرمي بيد، ويكون المرمي عند الجمهور حجراً اتباعاً للسنة، فلا يكفي الرمي بقوس، ولا الرمي بالرجل ولا بالمقلاع، ولا بالطين، ولا بغير الحصى كجوهر وذهب وزبرجد وفيروزج وياقوت ونحاس وغير ذلك من المعادن. وقال الحنفية: يجوز الرمي بكل ما كان من جنس الأرض كالحجر والمدر والطين وكل ما يجوز التيمم به، ولو كفاً من تراب، فيقوم مقام حصاة واحدة، ولا يجوز بخشب وعنبر ولؤلؤ وجواهر؛ لأنه إعزاز لا إهانة، ولا بذهب وفضة، لأنه يسمى نثاراً لا رمياً، ولا بعر؛ لأنه ليس من جنس الأرض.\r2ً - أن يكون الحصى كحصى الخذف (2) : وهو أكبر من الحمص ودون البندق، كالفولة أو النواة، ولا يجزئ صغير جداً كالحمصة ويكره كبير ويجزئ. وهذا شرط عند المالكية، سنة عند غيرهم، لأن النبي صلّى الله عليه وسلم أمر الصحابة أن يرموا بمثل حصى الخذف (3) .\r-------------------------------\r(1) فتح القدير: 298/2، الشرح الصغير: 64/2، السراج الوهاج: ص 165، كشاف القناع: 511/2، طبع بيروت، المغني والشرح الكبير: 479/3، ط بيروت.\r(2) الخذف: هو رمي الحصى بالأصبعين.\r(3) رواه الخمسة ( أحمد وأصحاب السنن) وصححه الترمذي عن جابر (نيل الأوطار: 64/5).","part":3,"page":565},{"id":1958,"text":"3ً - أن يسمى الفعل رمياً: فلا يكفي الوضع في المرمى؛ لأنه لا يسمى رمياً، ولأنه خلاف الوارد، ويشترط قصد الجمرة (1) بالرمي، فلو رمى إلى غيرها كأن رمى في الهواء، فوقع في المرمى، لم يكف. ولو وقع الرمي على الحائط الذي بجمرة العقبة، كما يفعله كثير من الناس فأصابه، ثم وقع في المرمى لا يجزئ. كما لا يجزئ لو وقعت الحصاة دون الجمرة التي هي محل الرمي، ولم تصل الحصاة إليها، ولو وقعت الحصاة في شق من بناء الجمرات أجزأت على التحقيق.\r4ً - أن يقع الحصى في المرمى، فإن وقع دونه، لم يجزئه بالاتفاق؛ لأنه مأمور بالرمي ولم يرم.\r5ً - رمي السبع واحدة واحدة أي سبع رميات، وترتيب الجمرات بأن يبدأ بالجمرة التي تلي مسجد الخيف، وهي أولاهن من جهة عرفات، ثم الوسطى، ثم جمرة العقبة، اتباعاً للسنة، كما روى البخاري. وهذا عند الجمهور، فلو خالف الترتيب بأن قدم العقبة أو الوسطى، لم يجزئ؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلم رتبها في الرمي، وقال: «خذوا عني مناسككم» وليس عدد السبع شرطاً عند الحنابلة، فإن نقص حصاة أو حصاتين فلا بأس.\rوقال الحنفية: الترتيب بين الجمرات سنة.\rوإن شك في عدد الحصيات السبع، بنى على الأقل، وحقق المطلوب يقيناً، وإن رمى دفعة واحدة لم يجزئ، وحُسب ذلك واحدة.\r6ً - أن يكون الرمي من المُحرم بنفسه، ويستنيب لعجزه كما بينت، ويشترط في النائب أن يكون رمى عن نفسه أولاً، فلو لم يرم وقع عن نفسه كأصل الحج، ويندب أن يناول النائب الحصى، ويكبر إن أمكن، وإلا تناولها النائب وكبر بنفسه.\rولا يشترط بقاء الحجر في المرمى، ولا كون الرامي خارجاً عن الجمرة، ولا الطهارة، ولا طهارة الحصى، فتجزئ حصاة نجسة مع الكراهة.\r-------------------------------\r(1) الجمرة: هي البناء أو السارية الآن وما حوله من موضع الحصى.","part":3,"page":566},{"id":1959,"text":"مأخذها: وتؤخذ حصى الجمار من مزدلفة أو من الطريق من محسر وغيره أو من أي مكان غير نجس، لما روي أن النبي صلّى الله عليه وسلم أمر ابن عباس رضي الله عنهما أن يأخذ الحصى من مزدلفة (1) ، وعليه فعل المسلمين. وأخذ الحصى من مزدلفة: سنة فقط. ويكره عند الحنابلة أخذ الحصى من منى وسائر الحرم، ومن المرحاض.\rوإن رمى بحصاة أخذها من الجمرة أجزأه مع الكراهة عند الحنفية، لقوله صلّى الله عليه وسلم في الصحيحين: «ارم ولا حرج» مطلقاً، والكراهة لأنها مردودة لما روي: «من قبلت حجته رفعت جمرته» .\rولا يجزئه في رأي الفقهاء الآخرين؛ لأنها حصى مستعملة، ولأن ما تقبِّل رفع، كما ورد وشوهد (2) ، ولولا ذلك لسد الحصى على التوالي الأزمان المتطاولة ما بين الجبلين.\rمقدار ما يرمى كل يوم عند كل موضع: ترمى جمرة العقبة يوم النحر بسبع حصيات، وترمى كل جمرة من الجمرات الثلاث في أيام التشريق بسبع حصيات، فيكون المرمي في كل يوم إحدى وعشرين حصاة. ففي حديث جابر عند مسلم «أنه صلّى الله عليه وسلم رمى جمرة العقبة بسبع حصيات، يكبر مع كل حصاة منها» . وفي حديث ابن عمر عند البخاري « أنه صلّى الله عليه وسلم رمى كل جمرة بسبع حصيات ، يكبر كلما رمى بحصاة» .\rسادساً ـ كيفية الرمي وسننه :\r1 - يرفع الرجل أو الصبي يده بالرمي حتى يرى بياض إبطه، بخلاف المرأة والخنثى.\r2 - يكون الرمي باليد اليمنى.\r3 - يرمي جمرة العقبة من بطن الوادي، فيجعل مكة عن يساره ومنى عن يمينه، ويستقبل العقبة، ثم يرمي، ولا يقف عندها؛ لأنه لا رمي بعده، والأصل أن كل رمي بعده رمي يقف عنده، ويدعو، وما ليس بعده رمي لا يقف عنده، عملاً\r-------------------------------\r(1) رواه ابن عدي وأحمد والحاكم والنسائي ( نصب الراية: 76/3 )، وروى أحمد ومسلم عن الفضل ابن عباس أن النبي صلّى الله عليه وسلم قال: «عليكم بحصى الخذف الذي يرمى به الجمرة » (نيل الأوطار:62/5).\r(2) روى الدارقطني والحاكم وصححه عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: « قلت: يارسول الله، هذه الجمار التي نرمي بها كل عام، فنحسب أنها تنقص، فقال: إن مايقبل منها رفع، ولولا ذلك لرأيتها أمثال الجبال» وقال ابن عباس: «أما علمت أن من يقبل حجه يرفع حصاه» (نصب الراية: 78/3 ومابعدها).","part":3,"page":567},{"id":1960,"text":"بفعل النبي صلّى الله عليه وسلم (1) . ويستقبل القبلة في رمي الجمرات أيام التشريق، ويرمي الجمرتين الأوليين من علوّ، ويدنو من الجمرة في رمي أيام التشريق بحيث لا يبلغه حصى الرامين، وفي حال الاستقبال تكون مكة جهة يساره ومنى جهة يمينه. والحاصل أنه يرمي الجمرتين الأوليين من فوقهما، والعقبة من أسفلها، ويدعو بعد الجمرة الأولى والثانية وينصرف بعد جمرة العقبة من غير دعاء.\r4 - يرمي عند الشافعية راجلاً، لا راكباً إلا في يوم النفر، فالسنة أن يرمي راكباً لينفر عقبه، وثبت في الصحيح عن رسول الله صلّى الله عليه وسلم « أنه يرمي راكباً إن كان أتى منى راكباً » . وقال الحنابلة: يرميها راكباً أو راجلاً كيفما شاء؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلم «رماها على راحلته (2) » . وقال الحنفية والمالكية: الأفضل الرمي ماشياً، أو راكباً.\r5 - يكبر مع كل حصاة، فيقول:\r( الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر كبيراً والحمد لله كثيراً، وسبحان الله بكرة وأصيلاً، لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير. لا إله إلا الله ، ولا نعبد إلا إياه مخلصين له الدين ولو كره الكافرون. لا إله إلا الله وحده صدق وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده، لا إله إلا الله ، والله أكبر ) ودليل التكبير: ما ثبت في أحاديث جابر المتقدم وابن مسعود وابن عمر (3) . وإن قال: «اللهم اجعله حجاً مبروراً، وذنباً مغفوراً، وعملاً مشكوراً» فحسن؛ لأن ابن مسعود وابن عمر كانا يقولان نحو ذلك.\rثم يقف مستقبل القبلة ويدعو، ويذكر الله تعالى، ويهلل ويسبح بعد رمي\r-------------------------------\r(1) روى البخاري عن ابن عمر قال مبيناً فعل النبي صلّى الله عليه وسلم : «ثم يأتي الجمرة التي عند العقبة، فيرميها بسبع حصيات، يكبر كلما رماها بحصاة، ثم ينصرف، ولا يقف عندها» (نصب الراية: 77/3).\r(2) رواه مسلم عن جابر في حديثه الطويل، ورواه أحمد عن ابن عمر.\r(3) نصب الراية:76/3 ومابعدها.","part":3,"page":568},{"id":1961,"text":"بفعل النبي صلّى الله عليه وسلم (1) . ويستقبل القبلة في رمي الجمرات أيام التشريق، ويرمي الجمرتين الأوليين من علوّ، ويدنو من الجمرة في رمي أيام التشريق بحيث لا يبلغه حصى الرامين، وفي حال الاستقبال تكون مكة جهة يساره ومنى جهة يمينه. والحاصل أنه يرمي الجمرتين الأوليين من فوقهما، والعقبة من أسفلها، ويدعو بعد الجمرة الأولى والثانية وينصرف بعد جمرة العقبة من غير دعاء.\r4 - يرمي عند الشافعية راجلاً، لا راكباً إلا في يوم النفر، فالسنة أن يرمي راكباً لينفر عقبه، وثبت في الصحيح عن رسول الله صلّى الله عليه وسلم « أنه يرمي راكباً إن كان أتى منى راكباً » . وقال الحنابلة: يرميها راكباً أو راجلاً كيفما شاء؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلم «رماها على راحلته (2) » . وقال الحنفية والمالكية: الأفضل الرمي ماشياً، أو راكباً.\r-------------------------------\r(1) روى البخاري عن ابن عمر قال مبيناً فعل النبي صلّى الله عليه وسلم : «ثم يأتي الجمرة التي عند العقبة، فيرميها بسبع حصيات، يكبر كلما رماها بحصاة، ثم ينصرف، ولا يقف عندها» (نصب الراية: 77/3).\r(2) رواه مسلم عن جابر في حديثه الطويل، ورواه أحمد عن ابن عمر.","part":3,"page":569},{"id":1962,"text":"5 - يكبر مع كل حصاة، فيقول:\r( الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر كبيراً والحمد لله كثيراً، وسبحان الله بكرة وأصيلاً، لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير. لا إله إلا الله ، ولا نعبد إلا إياه مخلصين له الدين ولو كره الكافرون. لا إله إلا الله وحده صدق وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده، لا إله إلا الله ، والله أكبر ) ودليل التكبير: ما ثبت في أحاديث جابر المتقدم وابن مسعود وابن عمر (1) . وإن قال: «اللهم اجعله حجاً مبروراً، وذنباً مغفوراً، وعملاً مشكوراً» فحسن؛ لأن ابن مسعود وابن عمر كانا يقولان نحو ذلك.\rثم يقف مستقبل القبلة ويدعو، ويذكر الله تعالى، ويهلل ويسبح بعد رمي الجمرة الأولى، بقدر قراءة سورة البقرة، وكذا بعد رمي الثانية، لا الثالثة، بل يمضي في طريقه بعد رميها للاتباع في ذلك، كما روى البخاري، إلا بقدر سورة البقرة، فرواه البيهقي من فعل ابن عمر.\r6 - يقطع التلبية عند الجمهور مع أول حصاة في رمي جمرة العقبة، إن رمى قبل الحلق، وإن حلق قبل الرمي قطع التلبية؛ لأنها لا تثبت مع التحلل كما ثبت في حديث جابر الطويل المتقدم وغيره. وقال المالكية كما بينا: يقطع التلبية من ظهر يوم عرفة.\r7 - يستحب أن يكون الحجر عند الجمهور مثل حصى الخذف، لا أكبر ولا أصغر. وشرط المالكية ذلك، فلو رمى بأكبر منه كره وأجازه بالاتفاق، وكذا لو رمى بأصغر منه أجزأه مع الكراهة عند الجمهور، ولا يجزئ صغير جداً عند المالكية.\r8 - ويستحب أن يكون الحجر طاهراً، فلو رمى بنجس كره وأجزأه. ويكره أن يرمي بما أخذه من المسجد أو من الحرم أو من الموضع النجس، أو بما رمى به غيره، ولو رمى بشيءٍ من ذلك أجزأه.\rويندب عند المالكية وغيرهم تتابع الحصيات بالرمي ، فلا يفصل بينها بشاغل من كلام أو غيره، ولا تجب موالاة الرمي.\rسابعاً ـ حكم تأخيرر الرمي عن وقته :\rرمي الجمار واجب كما عرفنا، فإن تأخرعن وقته أو فات، وجب دم، على النحو المقرر فقهاً، فقال الحنفية (2) : إذا ترك من جمار يوم النحر حصاة أو حصاتين أو ثلاثاً إلى الغد، فإنه يرمي ما ترك أو يتصدق لكل حصاة نصف صاع من حنطة (3) إلا أن يبلغ قدر الطعام دماً فينقص ما شاء. والأصل أن ما يجب في جميعه دم يجب في أقله صدقة، فلو ترك الرمي كله إلى الغد، كان عليه دم عند أبي حنيفة، فإذا ترك أقله تجب عليه الصدقة إلا أن يبلغ دماً، وإن ترك الأكثر منها فعليه دم في قول أبي حنيفة؛ لأن في جميعه دماً عنده، فكذا في أكثره.\rوإن ترك الرمي كله في سائر الأيام إلى آخر أىام الرمي، وهو اليوم الرابع، فإنه يرميها فيه على الترتيب، وعليه دم عند أبي حنيفة؛ لأن الرمي مؤقت عنده.\r-------------------------------\r(1) نصب الراية:76/3 ومابعدها.\r(2) البدائع: 2/138 ، اللباب: 1/205.\r(3) الصاع الشرعي أو البغدادي 2751 غراماً.","part":3,"page":570},{"id":1963,"text":"ولو ترك رمي الكل وهو الجمار الثلاث لزمه دم عند أبي حنيفة؛ لأن جنس الجناية واحد، حظرها إحرام واحد، فيكفيها دم واحد، كما لو حلق ربع رأسه، فإنه يجب عليه دم واحد، ولو حلق جميع رأسه يلزمه دم واحد أيضاً، وكذا لو طيب عضواً واحداً أو طيب أعضاءه كلها، أو لبس ثوباً واحداً أو لبس ثياباً كثيرة، لا يلزمه في ذلك كله إلا دم واحد.\rفإذا ترك رمي الكل حتى غربت الشمس من آخر أيام التشريق وهو آخر أيام الرمي، يسقط عنه الرمي، وعليه دم واحد باتفاق الحنفية، لفوات وقته، وتعذر القضاء، وتركه الواجب عن وقته.\rوقال المالكية (1) : إذا أخر رمي حصاة فأكثر من الجمار لليل أو ليوم بعده، وجب عليه دم، لخروج وقت الأداء وهو النهار، ودخول وقت القضاء.\rويقضي رمي جمرة العقبة أو اليوم الثاني أو الثالث قبل غروب شمس اليوم الرابع، سواء أخره لعذر أم لا، أو خالف ترتيب الجمرات، وعليه دم.\rويفوت الرمي بغروب الرابع، وعليه دم. ويلزم الدم أيضاً العاجز إذا استناب في الرمي، ويأثم أيضاً إذا لم يستنب لتقصيره، وعلى النائب دم ثان إن أخر الرمي لليل لغير عذر.\r-------------------------------\r(1) الشرح الصغير: 63/2، 68، الشرح الكبير مع الدسوقي: 47/2 ومابعدها.","part":3,"page":571},{"id":1964,"text":"وقال الشافعية (1) : إذا ترك رمي يوم أو رمي جمرة العقبة يوم النحر، تداركه في باقي الأيام من أيام التشريق في الأظهر، عملاً بنص الحديث المبيح لتأخير الرمي للرعاء وأهل السقاية، وبالقياس عليهم في غيرهم، إذ لا فرق بين المعذور وغيره، كما في الوقوف بعرفة والمبيت بالمزدلفة، ولا دم عليه إن تداركه لحصول الانجبار بالمأتي به، وإن لم يتداركه فعليه دم في رمي يوم أو يومين أو ثلاثة أو يوم النحر مع أيام التشريق، لاتحاد جنس الرمي، فأشبه حلق الرأس. والمذهب وجوب دم كامل في ترك ثلاث حصيات؛ لأن الثلاث أقل الجمع، كما لو أزال ثلاث شعرات متواليات، وروى البيهقي عن ابن عباس بإسناد صحيح أنه قال: «من ترك نسكاً فعليه دم» وفي ترك الحصاة الواحدة مدّ، وفي الثنتين مدّان.\rوقال الحنابلة (2) : إذا أخر رمي يوم إلى ما بعده، أو أخر الرمي كله إلى آخر أيام التشريق، ترك السنة، ولا شيء عليه، كما قال الشافعية، إلا أنه يقدم بالنية رمي اليوم الأول ثم الثاني، ثم الثالث؛ لأن أيام التشريق وقت للرمي، فإن أخره من أول وقته إلى آخره، لم يلزمه شيء، كما لو أخر الوقوف بعرفة إلى آخر وقته، ولأنه وقت يجوز الرمي فيه، فجاز في آخره كاليوم الأول.\rولا يكون رميه في اليوم الثاني قضاء وإنما هو أداء، مع ترك الأفضل؛ لأنه وقت واحد.\rفإن ترك الرمي أو خالف ترتيب الجمرات، وجب دم.\rوإن نقص حصاة أو حصاتين فلا بأس، ولا ينقص أكثر من ذلك، قال ابن عمر: «ما أبالي رميت بست أو سبع» .\r-------------------------------\r(1) مغني المحتاج: 508/1 ومابعدها.\r(2) المغني: 455/3 ومابعدها، غاية المنتهى: 410/1، 414، 415، 421.","part":3,"page":572},{"id":1965,"text":"حكم المبيت بمنى: المبيت بمنى ليلة الثامن من ذي الحجة سنة اتفاقاً، لكن للفقهاء رأىان في المبيت بمنى في ليالي التشريق: رأي أنه سنة، ورأي أنه واجب (1) .\rأما الرأي الأول فهو للحنفية، فإنهم قالوا: المبيت بمنى ليلة الثامن من ذي الحجة سنة، وكذلك المبيت بمنى ليلتي الحادي عشر والثاني عشر من ذي الحجة سنة أيضاً، فإن أقام بمنى لأجل الرمي فعل الأفضل، وإن تركه لا شيء عليه، ويكون مسيئاً؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلم أرخص للعباس أن يبيت بمكة للسقاية، كما أوضحت سابقاً.\rوأما الرأي الثاني فهو للجمهور: وهو أن المبيت بمنى ليلتي التشريق واجب، فمن تركه كان عليه دم عند المالكية والشافعية، وتفصيل رأي كل مذهب ما يأتي:\rقال المالكية: المبيت ليلة الحادي عشر والثاني عشر واجب، لكن رخص مالك جوازاً لراعي الإبل فقط بعد رمي العقبة يوم النحر أن ينصرف إلى رعيه، ويترك المبيت في هاتين الليلتين، ويأتي اليوم الثالث من أيام النحر، فيرمي لليومين، اليوم الثاني الذي فاته، وهو في رعيه، والثالث الذي حضر فيه، ثم إن شاء أقام لرمي الثالث من أيام الرمي.\rوكذا رخص لصاحب السقاية في ترك المبيت خاصة، فلا بد من أن يأتي نهاراً للرمي، ثم ينصرف؛ لأن ذا السقاية ينزع الماء من زمزم ليلاً، ويفرغه في الحياض.\rوقال الشافعية: المبيت بمنى ليلتي التشريق واجب اتباعاً للسنة مع خبر «خذوا عني مناسككم» والواجب معظم الليل، خلافاً للمبيت بمزدلفة الذي يكتفى فيه بساعة في النصف الثاني بمزدلفة، للتخفيف في أداء المناسك في تلك الليلة، فمن ترك المبيت في منى وجب عليه دم.\rويسقط مبيت منى ومزدلفة والدم عن المعذورين وهم الرِّعاء وأهل السقاية؛ لأنه صلّى الله عليه وسلم رخص لرعاء الإبل أن يتركوا المبيت بمنى، وقيس بمنى مزدلفة، ولأنه صلّى الله عليه وسلم رخص للعباس أن يبيت بمكة ليالي منى، لأجل السقاية، كما روى الشيخان.\r-------------------------------\r(1) فتح القدير: ، اللباب: 183/2، الشرح الصغير وحاشيته: 65/2، مغني المحتاج: 505/1 ومابعدها، المغني: 449/3، الإيضاح: ص 66 ومابعدها.","part":3,"page":573},{"id":1966,"text":"ويسقط مبيت منى ومزدلفة أيضاً عمن له عذرآخر كمن له مال يخاف ضياعه لو اشتغل بالمبيت أو يخاف على نفسه أو مال معه أو له مريض يحتاج إلى تعهده، أو يكون به مرض يشق معه المبيت أو نحو ذلك.\rويسقط مبيت مزدلفة لوانتهى ليلة العيد إلى عرفات، فاشتغل بالوقوف عن المبيت فيها، وإنما يؤمر بالمبيت المتفرغون.\rوقال الحنابلة: السنة لمن أفاض يوم النحر أن يرجع إلى منى؛ لأن «النبي صلّى الله عليه وسلم أفاض يوم النحر، ثم رجع، فصلى الظهر بمنى» (1) وقالت عائشة: «أفاض رسول الله صلّى الله عليه وسلم من آخر يومه حين صلى الظهر، ثم رجع إلى منى، فمكث بها ليالي أيام التشريق» (2) .\rوالمبيت بمنى ليالي منى واجب ، لكن إن ترك المبيت بمنى، فلا شيء عليه كما قال الحنفية؛ لأن الشرع لم يرد فيه بشيء. وروي عن أحمد أيضاً: في الليالي الثلاث دم، لقول ابن عباس: «من ترك من نسكه شيئاً، أو نسيه فليهرق دماً» .\r-------------------------------\r(1) متفق عليه.\r(2) رواه أبو داود.","part":3,"page":574},{"id":1967,"text":"المطلب الثالث ـ الحلق أو التقصير :\rهو إزالة شعر الرأس أو التقصير في حج أو عمرة في وقته.\rوأبحث هنا وجوبه، مقدار الواجب، زمانه ومكانه، أثره المترتب عليه، حكم تأخيره عن زمانه ومكانه (1) .\rأولاً ـ وجوب الحلق أو التقصير: رأى الجمهور: أن الحلق أو التقصير نسك واجب، لقوله تعالى: {ثم ليقضوا تفثهم} [الحج:29/22] والتفث ـ كما قال ابن عمر: «حلاق الشعر ولبس الثياب وما يتبع ذلك » ، ولما روى أنس: «أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم أتى منى، فأتى الجمرة، فرماها، ثم أتى منزله بمنى ونحر، ثم قال للحلاق: خذ، وأشار إلى جانبه الأيمن، ثم الأيسر، ثم جعل يعطيه الناس» (2) ، وقال أبو هريرة: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم : «اللهم اغفر للمُحلِّقين ، قالوا: يا رسول الله، وللمقصرين؟ قال: اللهم اغفر للمحلقين، قالوا: يا رسول الله ، وللمقصرين؟ قال: وللمقصرين (3) » .\rورأى الشافعية: أن الحلق أو التقصير ركن في الحج والعمرة؛ لأنه نُسُك على المشهور؛ لأن الحلق أفضل من التقصير للذكر، والتفضيل إنما يقع في العبادات دون المباحات، وروى ابن حبان في صحيحه أنه صلّى الله عليه وسلم قال: «لكل من حلق رأسه، بكل شعرة سقطت: نور يوم القيامة» .\rولا حلق على المرأة بالاتفاق، وإنما عليها التقصير، فهو سنة المرأة، لقوله صلّى الله عليه وسلم : «ليس على النساء الحلق، إنما على النساء التقصير» (4) وأخرج الترمذي عن علي حديث: «نهى أن تحلق المرأة رأسها» (5) وتقصيرها بأن تأخذ من أطراف شعرها قدر أنملة ، لما روي عن عمر رضي الله عنه حينما قيل له: « كم تقصر المرأة؟ فقال: مثل هذه » ، وأشار إلى أنملته.\rوليس على الحاج عند الحنفية إذا حلق أن يأخذ شيئاً من لحيته؛ لأن الواجب حلق الرأس بالنص وهو قوله تعالى: {لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق لتدخُلُنَّ المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلِّقين رؤوسكم ومقصرين} [الفتح:27/48] وقال الشافعية: يسن أن يأخذ من شاربه أو لحيته شيئاً، ليكون قد وضع من شعره شيئاً لله تعالى.\rوالأصلع الذي لا شعر على رأسه يجب عند الحنفية أن يُمر الموسى على رأسه، لقوله صلّى الله عليه وسلم : «وما أمرتكم به، فأتوا منه ما استطعتم» (6) فصاحب الشعر يجب عليه إزالته، وإمرار الموسى على رأسه، فإذا سقط أحدهما لتعذره وجب الآخر، فإذا عجز عن تحقيق الحلق، فلم يعجز عن التشبه بالحالقين.\r-------------------------------\r(1) البدائع: 140/2-142، بداية المجتهد: 340/1، الشرح الكبير: 46/2، الشرح الصغير: 59/2، 62، 73، مغني المحتاج: 502/1، 513، المغني: 434/3-439، غاية المنتهىِ: 412/1، القوانين الفقهية: ص 134، الإىضاح: ص 58، 63.\r(2) رواه أحمد ومسلم وأبو داود (نيل الأوطار: 68/5).\r(3) متفق عليه (نيل الأوطار: 69/5).\r(4) رواه الدارقطني وأبو داود عن ابن عباس (نيل الأوطار: 70/5).\r(5) وروت عائشة مثله: « أن النبي صلّى الله عليه وسلم نهى المرأة أن تحلق رأسها » .\r(6) رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة، ولفظه: «ما نهيتكم عنه فاجتنبوه، وما أمرتكم به...» .","part":3,"page":575},{"id":1968,"text":"ويستحب عند الجمهور إمرار الموسى على رأس الأصلع، لقول ابن عمر: «من جاء يوم النحر، ولم يكن على رأسه شعر، أجرى الموسى على رأسه» .\rثانياً ـ مقدار الواجب :\rالأفضل حلق جميع الرأس بالاتفاق، لقوله تعالى: {مُحَلِّقين رؤوسكم ومقصرين} [الفتح:27/48] فإن العرب تبدأ بالأهم والأفضل، ولحديث أبي هريرة المتقدم، الذي جعل فيه التقصير في المرتبة الثالثة بعد الحلق.\rوالرأس يقع على جميعه، فإن حلق بعض الرأس لم يجزه عند الحنفية أقل من الربع، وإن حلق ربع الرأس أجزأه مع الكراهة؛ لأن ربع الرأس يقوم مقام كله في القربات المتعلقة بالرأس، كمسح ربع الرأس في الوضوء، والكراهة لترك المسنون: وهو حلق جميع الرأس.\rوأما تقدير التقصير: فهو عند المالكية والحنابلة بقدر الأنملة أو أزيد أو أنقص بيسير، والأنملة: رأس الأصبع من المفصل الأعلى.\rوأوجب الحنفية ما يزيد على قدر الأنملة، حتى يحقق التقصير من جميع الشعر، ويتيقن من استيفاء قدر الواجب، فيخرج عن العهدة بيقين.\rوقال الشافعية: أقل إزالة شعر الرأس أو التقصير: ثلاث شعرات، لقوله تعالى: {محلِّقين رؤوسكم} [الفتح:27/48] أي شعر رؤوسكم؛ لأن الرأس لا يحلق، والشعر جمع، وأقله ثلاث، أو أن يقدر لفظ الشعر منكراً فيكتفى في الوجوب بمسمى الجمع. ولو لم يكن هناك إلا شعرة وجب إزالتها.\rوالإزالة: إما حلقاً أو تقصيراً و إحراقاً أو نتفاً.\rومن لا شعر برأسه يستحب إمرار الموسى عليه، وعند الحنفية: يجب كما تقدم.","part":3,"page":576},{"id":1969,"text":"ثالثاً ـ زمان الحلق ومكانه :\rيرى أبو حنيفة: أن الحلق يختص بالزمان والمكان، فزمانه: أيام النحر، ومكانه الحرم، فلو أخر الحلق عن أيام النحر أو حلق خارج الحرم، يجب عليه دم؛ لأنه صلّى الله عليه وسلم حلق في أيام النحر في الحرم، فصار فعله بياناً لمطلق الكتاب، ويجب عليه بتأخيره دم؛ لأن تأخير الواجب بمنزلة الترك في حق وجوب الجابر.\rوقال المالكية: لو أخر الحلق ولو سهواً لبلده، ولو قربت، فعليه دم.\rأما لو أخر الحلق عن أيام الرمي الثلاثة بعد يوم النحر، ففي قول ضعيف عليه دم، والمقرر في المدونة ألا دم عليه، فإن حلق بمكة أيام التشريق، أو بعدها، أو حلق في الحل في أيام منى، فلا شيء عليه.\rوقال الشافعية ، والحنابلة في الراجح من الروايتين عندهم: يدخل وقت الرمي والذبح والحلق بنصف ليلة النحر، لكن السنة تقديم رمي، فنحر، فحلق، فطواف إفاضة.\rوالحلق والطواف والسعي لا آخر لوقتها، فلا دم على من أخر الحلق عن أيام منى أو قدمه على رمي، أو نحر أو طاف قبل رمي ولو كان عالماً ، ودليلهم أن الله تعالى بيَّن أول وقت الحلق بقوله: { ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي مَحِلَّه} [البقرة:196/2]،ولم يتبين آخره، فمتى أتى به أجزأه كطواف الزيارة والسعي، ولأن الأصل عدم التأقيت، ويبقى الحاج محرماً حتى يأتي بما عليه من الحلق والطواف والسعي، لكن الأفضل فعلها يوم النحر، ويكره تأخيرها عن يوم النحر، ويكون تأخيرها عن أيام التشريق أو عن خروجه عن مكة أشد كراهة.","part":3,"page":577},{"id":1970,"text":"رابعاً ـ الأثر المترتب على الحلق أو التقصير أو حكمه :\rحكم الحلق أو التقصير: صيرورة المحرم حلالاً، فيحل له كل شيء إلا النساء عند الحنفية، أي إن المحرم إذا رمى جمرة العقبة ثم حلق، حل له كل ما كان محظوراً بالإحرام إلا النساء، فيبقى ما كان محرماً عليه من النساء من الوطء والقبلة واللمس لشهوة، وعقد الزواج عند الجمهور غير الحنفية، ويحل له ماسواه، فإن حلق أو قصر ورمى العقبة، حل له عندهم كل شيء إلا النساء، لقوله صلّى الله عليه وسلم : «إذا رميتم وحلقتم، فقد حل لكم الطيب والثياب، وكل شيء إلا النساء» (1) وفي لفظ «إذا رمى أحدكم جمرة العقبة، وحلق رأسه، فقد حل له كل شيء إلا النساء» (2) ، أي الوطء والمباشرة فيما دون الفرج.\rوقال الشافعية والحنابلة: يحل كل شيء بالرمي والحلق إلا عقد النكاح (3) ، والوطء، والمباشرة فيما دون الفرج، لحديث: «إذا رميتم الجمرة، فقد حل لكم كل شيء إلا النساء» (4) .\rوقال المالكية: يحل بالرمي والحلق كل شيء إلا النساء والصيد والطيب، ولا يحل شيء من هذه الأمور إلا بطواف الإفاضة.\rويقال للتحلل بعد الحلق: التحلل الأول، وبعد الطواف: التحلل الأكبر كما سنبين.\rخامساً ـ حكم تأخير الحلق عن الزمان والمكان :\rإذا أخر الحلق عن زمانه أو مكانه، وجب الدم عند أبي حنيفة، ويجب الدم عند المالكية فقط إذا رجع إلى بلده جاهلاً أو ناسياً، والراجح ألا يجب شيء بالتأخير عن أيام التشريق الثلاثة بعد يوم النحر، ما لم يرجع لبلده.\rوقال الشافعية والحنابلة وأبو يوسف: لا يجب الدم بتأخير الحلق عن أيام الرمي، أو لما بعد العودة إلى البلد، كما تقدم.\r-------------------------------\r(1) رواه سعيد عن عائشة.\r(2) رواه الأثرم وأبو داود، إلا أنه قال: هو ضعيف.\r(3) وهذا على الأظهر عند الشافعية، كما رجح النووي رحمه الله.\r(4) رواه النسائي بإسناد جيد.","part":3,"page":578},{"id":1971,"text":"المبحث السابع ـ سنن الحج والعمرة :\rذكرت تفصيلاً سنن الحج والعمرة في كل مذهب، وأهم هذه السنن إجمالاً:\r1ً - الغسل، والتطيب للإحرام، وركعتا الإحرام.\r2ً - التلبية عقب الإحرام وبعد كل صلاة.\r3ً - طواف القدوم عند الجمهور، وقال المالكية: إنه واجب.\r4ً - ركعتا الطواف عند الشافعية والحنابلة، وأداؤها واجب عند الحنفية والمالكية.\r5ً - المبيت بمنى ليلة يوم عرفة وأداء خمس صلوات بمنى يوم التروية، وهي الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر، اتباعاً للسنة.\r6ً - المبيت بالمزدلفة ليلة يوم النحر والإسفار بها قبل طلوع الشمس سنة عند الحنفية، وإنما الواجب عندهم الوقوف بالمزدلفة بعد الفجر، اتباعاً للسنة في حديث جابر المتقدم. وقال الحنابلة: المبيت واجب، وقال المالكية: الوجوب بمقدار حط الرحال، وقال الشافعية: يكفي في المبيت بالمزدلفة لحظة في النصف الثاني من الليل.\r7ً - المبيت بمنى ليالي التشريق سنة عند الحنفية، واجب عند الأئمة الآخرين، لغير ذوي الأعذار، اتباعاً لفعل النبي صلّى الله عليه وسلم فيما رواه أبو داود.\r8ً - التحصيب: وهو النزول بوادي المحصَّب بعد النفر من منى إلى مكة فيما بين الجبلين عن طريق مقبرة الحجون، سنة عند الحنفية والحنابلة، مستحب عند غيرهم، مع الاتفاق أنه ليس من المناسك التي يلزم فعلها.\rودليل السنية: قول أسامة بن زيد في حجة النبي صلّى الله عليه وسلم : « قلت: يا رسول الله، أين تنزل غداً؟ قال: هل ترك لنا عقيل منزلا ً؟ » ثم قال: « نحن نازلون بخيف بني كنانة حيث قاسمت قريش على الكفر» (1) والخيف: هو المحصب أي الوادي.\rودليل الاستحباب حديث عائشة: «إنما نزل رسول الله صلّى الله عليه وسلم المحصب ليكون أسمح لخروجه، وليس بسنة، فمن شاء نزله، ومن شاء لم ينزله» (2) .\r9ً - خطب الحج: هي خطبة واحدة بعد الظهر، إلا خطبة عرفة فهي خطبتان بعد الزوال قبل الصلاة. وللفقهاء رأيان في عدد خطب الحج (3) : رأي إنها ثلاثة،\r-------------------------------\r(1) رواه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه، والمقاسمة: هي تحالف قريش وبني كنانة على ألا يناكحوا بني هاشم وبني المطلب ولا يبايعوهم، ولا يؤوهم حتى يسلِّموا إليهم رسول الله صلّى الله عليه وسلم (نيل الأوطار: 84/5).\r(2) متفق عليه (نيل الأوطار: 83/5 ومابعدها).\r(3) البدائع: 151/2 ومابعدها، الدر المختار: 236/2 ومابعدها، القوانين الفقهية: ص133، الشرح الصغير: 54/2، مغني المحتاج: 495/1 وما بعدها، الإيضاح: ص 47، غاية المنتهى: 412/1، 315، المغني: 407/3، 445، 456، المحرر: 249/1.","part":3,"page":579},{"id":1972,"text":"ورأي إنها أربعة. أما الرأي الأول فهو للحنفية والمالكية والحنابلة: أن الخطب ثلاثة:\rالخطبة الأولى ـ في السابع من ذي الحجة: تسن هذه الخطبة في مكة عند الكعبة في سابع ذي الحجة بعد صلاة الظهر، وهي خطبة واحدة لا يجلس فيها بالاتفاق، وهي أول الخطب، يعلمهم فيها الإمام مناسك الحج.\rوكون هذه الخطبة هي الأولى هو مذهب الجمهور، بدليل حديث ابن عمر: «كان رسول الله صلّى الله عليه وسلم إذا كان قبل التروية بيوم، خطب الناس وأخبرهم بمناسكهم» (1) .\rواعتبر الحنابلة خطبة يوم عرفة هي الأولى.\rوإذا كان يوم التروية يوم جمعة، خرج بهم الإمام عند الشافعية قبل الفجر؛ لأن السفر يومها بعد الفجر وقبل الزوال حرام، وإذا كان يوم عرفة يوم جمعة، جاز خروج الحجاج بعد الفجر، ولم يصل النبي صلّى الله عليه وسلم الجمعة بعرفة، مع أنه قد ثبت في الصحيحين أن يوم عرفة الذي وقف فيه النبي صلّى الله عليه وسلم كان يوم جمعة.\rوجاز الخروج مطلقاً يوم التروية وغيره عند الحنابلة، سواء قبل الفجر أم قبل الزوال، فإن شاء الحاج خرج، وإن شاء أقام حتى يصلي.\rالخطبة الثانية ـ يوم عرفة :\rوهي خطبتان خفيفتان بعرفات قبل الصلاة اتفاقاً، يجلس بينهما الخطيب كما في الجمعة، يعلمهم في الأولى المناسك من موضع الوقوف بعرفة ووقته والدفع\r-------------------------------\r(1) أخرجه البيهقي بإسناد جيد.","part":3,"page":580},{"id":1973,"text":"من عرفات، ومبيتهم في المزدلفة، وأخذ الحصى لرمي الجمار، ويحثهم على إكثار الذكر والدعاء بالموقف، لحديث جابر المتقدم أن النبي صلّى الله عليه وسلم فعل ذلك.\rقال المالكية والشافعية: يبدأ المؤذن والإمام يخطب أو بعد فراغه من الخطبة، ويفرغ من الخطبة الثانية مع فراغ المؤذن، وقال الحنابلة: يأمر الإمام بالأذان بعد الخطبة.\rثم يصلي الإمام بالناس الظهر والعصر قصراً وجمع تقديم، اتباعاً للسنة كما روى مسلم، وذلك بأذان واحد وإقامتين وقراءة سرية، دون أن يصلي بينهما شيئاً من السنن، ولا بعد أداء العصر في وقت الظهر عند الحنفية.\rالخطبة الثالثة عند الشافعية وهي الثانية عند الحنابلة: يوم النحر (العيد) بمنى :\rوهي خطبة واحدة، يعلم الإمام فيها الناس مناسكهم من النحر والإفاضة والرمي، لما روى ابن عباس: «أن النبي صلّى الله عليه وسلم خطب الناس يوم النحر، يعني بمنى» (1) .\rوعن رافع بن عمرو المزني قال: «رأيت رسول الله صلّى الله عليه وسلم يخطب الناس بمنى، حين ارتفع الضحى على بغلة شهباء، وعلى بعير عنه، والناس بين قائم وقاعد» (2) .\rولأن يوم النحر تكثر فيه أفعال الحج، ويحتاج الناس إلى تعلم أحكام ذلك، فكانت الخطبة محتاجاً إليها لأجل هذا الغرض، كيوم عرفة.\rالخطبة الثالثة عند الجمهور، وهي الرابعة عند الشافعية: ثاني أيام منى :\rوهي خطبة واحدة متفق عليها، يعلم الإمام فيها الناس حكم التعجيل والتأخير وتوديعهم، لما روي عن رجلين من بني بكر قالا:\r-------------------------------\r(1) أخرجه البخاري.\r(2) رواه أبو داود.","part":3,"page":581},{"id":1974,"text":"«رأينا رسول الله صلّى الله عليه وسلم يخطب بين أوساط أيام التشريق، ونحن عند راحلته» (1) ، ولأن بالناس حاجة إلى أن يعلمهم: كيف يتعجلون، وكيف يودعون، بخلاف اليوم الأول من أيام منى.\rوالخلاصة: إن الخطب أربعة عند الشافعية وهي خطبة السابع، وخطبة التاسع من ذي الحجة يوم عرفة، ويوم العيد بمنى، وفي اليوم الحادي عشر: ثاني أيام التشريق بمنى.\rوهي ثلاثة عندالحنابلة: يوم عرفة، ويوم النحر، وثاني أيام منى.\rوكذلك هي ثلاثة عند الحنفية والمالكية: سابع ذي الحجة في المسجد الحرام، ويوم عرفة بعد الزوال قبل الصلاة، وفي اليوم الحادي عشر.\rوكلها مفردة إلا خطبة يوم عرفة فهي خطبتان، ومتفق عليها كما يلاحظ.\rالمبحث الثامن ـ كيفية أداء الحج والعمرة :\rعرفنا أن أداء الحج والعمرة له حالات ثلاث: الإفراد، التمتع، القران (2) ، وبينت الأفضل منها في المذاهب في بحث أركان الحج والعمرة.\rأولاً ـ كيفية الإفراد: الإفراد أن يحرم بالحج وحده، ثم لا يعتمر حتى يفرغ من حجه.\rوكيفيته: أن يغتسل أو يتوضأ قبل الإحرام، والغسل أفضل منه، ويلبس ثوبين جديدين أوغسيلين إزاراً ورداء، ويتطيب، ويصلي ركعتي الإحرام، في غير وقت الكراهة، ويقول: ( اللهم إني أريد الحج فيسِّره لي وتقبله مني )، ثم يلبي عقب صلاته، ناوياً بتلبيته الحج، ويكثر من التلبية عقيب الصلوات، وفي الصعود والنزول والركوب ولقاء الرفقة، وبالأسحار.\rفإذا لبى ناوياً فقد أحرم، فيمتنع عما نهى الله عنه من الرَّفث والفسوق والجدال (3) ، ولا يقتل صيداً ولا يشير إليه، ولا يدل عليه، ولا يلبس مخيطاً ولا خفاً، ولا يغطي رأسه ولا وجهه، ولا يمس طيباً، ولا ينتف أو يقص شعراً ولا ظفراً.\rولا بأس أن يغتسل بغير صابون؛ لأنه نوع طيب، وله أن يستظل بالبيت والمظلة، وأن يشد في وسطه الهِمْيان (وهو ما يجعل فيه الدراهم ويشد على الوسط) ومثله المنطقة.\rفإذا دخل مكة ابتدأ بالمسجد الحرام بعد تأمين أمتعته، داخلاً ـ كماذكر الحنفية ـ من باب السلام خاشعاً متواضعاً، ملاحظاً عظمة البيت وشرفه، فإذا عاين البيت كبر الله تعالى وهلل ثلاثاً ودعا بما أحب، فإنه من أرجى مواضع الإجابة.\rثم يطوف غير المكي طواف القدوم؛ لأنه تحية البيت، مبتدئاً بالحجر الأسود، مستقبلاً له، مكبراً مهللاً (4) ، رافعاً يديه كرفعهما للصلاة، مستلماً له بباطن كفيه، ثم مقبِّلاً له إن استطاع من غير أن يؤذي مسلماً (5) ، ثم يدور حول الكعبة عن\r-------------------------------\r(1) رواه أبو داود، وروى الدارقطني مثله عن سرَّاء بنت نبهان.\r(2) راجع فتح القدير: 134/2-224، اللباب شرح الكتاب: 179/1-199، القوانين الفقهية: ص 131-135، المهذب: 220/1-232، غاية المنتهى: 407/1-412.\r(3) الرفث: الجماع، أو الكلام الفاحش، والفسوق: المعاصي: والجدال: الخصام مع الرفقة وغيرهم.\r(4) يقول:( لا إله إلا الله، والله أكبر، اللهم أنت السلام، ومنك السلام، وإليك يعود السلام، فحينا ربنا بالسلام، اللهم إيماناً بك، وتصديقاً بكتابك،ووفاء بعهدك، واتباعاً لسنة نبيك محمدصلّى الله عليه وسلم ) .\r(5) يقول في أثناء الطواف: ( لا إله إلا الله وحده لا شريك له، صدق وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده ).","part":3,"page":582},{"id":1975,"text":"يساره، ويطوف بالبيت سبعة أشواط، من وراء الحطيم (الحِجْر)، ويستلم الحجَر والركن اليماني في كل شوط يمر بهما، ويختم الطواف بالاستلام كما ابتدأ به، ثم يصلي عند مقام إبراهيم أو حيث تيسر من المسجد، في وقت مباح غير مكروه.\rوليس على أهل مكة طواف القدوم، وإذا لم يدخل المحرم مكة وتوجه إلى عرفات ووقف بها، سقط عنه طواف القدوم، ولا شيء عليه لتركه.\rثم يسعى بين الصفا والمروة سبعاً، يصعد على كل منهما، ويستقبل البيت، مكبراً مهللاً، مصلياً على النبي صلّى الله عليه وسلم ، داعياً الله تعالى بحاجته، ويرمل بين الميلين الأخضرين، مبتدئاً بالصفا، مختتماً بالمروة.\rثم يقيم بمكة محرماً، يطوف بالبيت كلما بدا له، ثم يخرج في ثامن ذي الحجة إلى منى، فيبيت فيها، ويصلي فيها خمس صلوات (الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر).","part":3,"page":583},{"id":1976,"text":"وفي اليوم التاسع يتوجه إلى عرفات، فيصلي مع الإمام أو منفرداً في مسجد نمرة صلاة الظهر والعصر مقصورتين مجموعتين جمع تقديم، مستمعاً للخطبة بأذان واحد وإقامتين. ويستحب أن يغتسل قبل الوقوف.\rثم يتوجه إلى الموقف، فيقف بقرب الجبل، وعرفات كلها موقف إلا بطن عُرَنة، وينبغي للإمام أن يقف بعرفة على راحلته، ويدعو، ويعلم الناس المناسك، ويستحب أن يجتهد في الدعاء. ومن أدرك الوقوف بعرفة ما بين زوال الشمس من يوم عرفة إلى طلوع الفجر من يوم النحر، فقد أدرك الحج. ومن مرَّ بعرفة وهو نائم أو مغمى عليه، أو لم يعلم أنها عرفة، أجزأه ذلك عند الحنفية عن الوقوف.\rفإذا غربت الشمس،أفاض الإمام والناس معه على هينتهم على طريق المأزمين، حتى يأتوا المزدلفة، فينزلوا بها.والمستحب أن ينزل بقرب جبل قُزَح وهو المشعر الحرام. ويصلي الإمام بالناس المغرب والعشاء جمع تأخير مع قصر العشاء، بأذان واحد، وإقامة واحدة عند الحنفية، ولا يجوز عند أبي حنيفة ومحمد أن يصلي المغرب في الطريق إلى المزدلفة، وعليه إعادتها ما لم يطلع الفجر.\rفإذا طلع الفجر يوم النحر، صلى الإمام بالناس الفجر بغَلَس لأجل الوقوف، ثم وقف بمزدلفة وجوباً عند الحنفية ولو لحظة، ووقته من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، ووقف الناس معه، فدعا وكبر وهلل ولبى وصلى على النبي صلّى الله عليه وسلم ، ويلتقط حصى الرمي سبعين من المزدلفة.\rوالمزدلفة كلها موقف إلا بطن مُحَسِّر (وهو وادٍ بين منى ومزدلفة).\rثم أفاض الإمام والناس معه قبل طلوع الشمس حتى يأتوا منى، فيرمي جمرة العقبة من بطن الوادي بسبع حَصَيات مثل حصى الخذف، ويكبر مع كل حصاة، ولا يقف عندها؛ لأنه لا رمي بعدها، ويقطع التلبية مع أول حصاة (1) ،إن رمى قبل الحلق، فإن حلق قبل الرمي قطع التلبية؛ لأنها لا تثبت مع التحلل.\r-------------------------------\r(1) هذا رأي الجمهور، وقال المالكية: تقطع التلبية بزوال الشمس من يوم عرفة.","part":3,"page":584},{"id":1977,"text":"ثم يذبح تطوعاً إن أحب لأنه مفرد، ثم يحلق أو يقصر بمقدار الأنملة، والحلق أفضل من التقصير، فيحل له حينئذ كل شيء إلا النساء، وإلا الصيد والطيب عند المالكية.\rثم يأتي مكة يوم العيد أو بعده بيوم أو يومين، فيطوف طواف الزيارة (وهو طواف الفرض) سبعة أشواط، ثم يسعى بين الصفا والمروة، إن لم يكن سعى عقيب طواف القدوم، ويرمل الذكر في الأشواط الثلاثة الأولى من الطواف، ويضطبع (1) فيه إن سعى الآن؛ لأن الرمل والاضطباع مشروعان في كل طواف بعده سعي.\rويكره تأخير الطواف عن الأيام الثلاثة (وهي يوم العيد ويومان بعده)، فإن أخره عنها، لزمه دم عند أبي حنيفة.\rثم يعود إلى منى، فيقيم بها لأجل الرمي ووقته ما بعد الزوال من اليوم الثاني من أيام النحر، مبتدئاً برمي الجمرة التي تلي مسجد الخَيْف بسبع حصيات، يكبر مع كل حصاة، ويقف عندها ويدعو؛ لأن بعده رمي، ثم يرمي الجمرة الوسطى، ويقف عندها ويدعو، ثم يرمي جمرة العقبة، ولكنه لا يقف عندها؛ لأنه ليس بعدها رمي.\rثم يرمي في اليوم الثالث الجمار الثلاث بعد زوال الشمس، وله أن يتعجل النفر إلى مكة بعدئذ أو يقيم لرمي الجمار الثلاث في اليوم الرابع بعد الزوال بعد طلوع الفجر. وينزل بالمُحَصَّب (2) عند نفره إلى مكة.\rوإذا أراد الحاج مغادرة مكة، طاف بالبيت سبعة أشواط لا يرمل فيها طواف الوداع أو الصَّدَر، وهو واجب عند الجمهور غير المالكية إلا على أهل مكة، ثم يعود إلى أهله، لفراغه من أعمال الحج.\rوالمرأة والخنثى المشكل في جميع ماسبق كالرجل، غير أنها لا تكشف رأسها، وتكشف وجهها، ولا ترفع صوتها بالتلبية، ولا ترمُل في الطواف،\r-------------------------------\r(1) الرمل: أن يسرع الطائف مشيه مقارباً خطاه، والاضطباع: جعل وسط ردائه تحت منكبه الأيمن ويكشفه إن تيسر، ويلقي طرفيه على عاتقه الأيسر، ولا يسن ذلك في ركعتي الطواف لكراهته في الصلاة، ثم يعيده عند إرادة السعي.\r(2) يقال له: الأبطح وخيف بن كنانة.","part":3,"page":585},{"id":1978,"text":"ولاتهرول بين الميلين الأخضرين، ولا تحلق رأسها، ولكن تقصِّر، وتلبس المخيط والخفين. وإذا كانت حائضاً أو نفساء فعلت كل أفعال الحج غير الطواف بالبيت، فإنها تنتظر حتى تطهر.\rوإن حاضت المرأة عند الإحرام اغتسلت وأحرمت، وإن حاضت بعد الوقوف بعرفة وطواف الزيارة، انصرفت من مكة، ولا شيء عليها لترك طواف الصدر.\rثانياً ـ كيفية التمتع :\rالتمتع لغة: الانتفاع، وشرعاً عند الحنفية: الجمع بين إحرام العمرة وأفعالها، أو أكثرها، وإحرام الحج وأفعاله، في أشهر الحج، من غير إلمام صحيح بأهله.\rوالمتمتع نوعان عند الحنفية: متمتع يسوق الهدي، ومتمتع لا يسوق الهدي. وحكم الأول كالقارن إذا دخل مكة طاف وسعى، ولا يتحلل بعد العمرة، بل يظل محرماً، حتى يحرم بالحج يوم التروية، وينحر الهدي يوم النحر، لقوله صلّى الله عليه وسلم في حديث جابر المتقدم: «لو استقبلت من أمري ما استدبرت، لما سقت الهدي، ولجعلتها عمرة» فهذا يفيد أن التحلل لا يتأتى إلا بإفراد العمرة، وعدم سوق الهدي، ولو كان التحلل يجوز مع سوق الهدي لاكتفى بقوله: «لجعلتها عمرة» وتحللت (1) . وإذا أراد المتمتع أن يسوق الهدي، أحرم، وساق هديه.\rوصفة التمتع: أن يبتدئ من الميقات، فيحرم بعمرة، ويدخل مكة، فيطوف للعمرة، ويسعى، ويحلق أو يقصر، ويتحلل من عمرته بما فعل، ويقطع التلبية إذا ابتدأ بالطواف، ويقيم بمكة حلالاً.\rفإذا كان يوم التروية (الثامن من ذي الحجة) أحرم بالحج من المسجد الحرام ندباً، ويشترط أن يحرم من الحرم؛ لأن المتمتع في معنى المكي، وميقات المكي في الحج: الحرم، كما تقدم في المواقيت. ثم يفعل ما يفعله الحاج المنفرد.\rوالأفضل أن يقدم الإحرام قبل يوم التروية، لما فيه من المسارعة وزيادة المشقة.\r-------------------------------\r(1) فتح القدير: 214/2.","part":3,"page":586},{"id":1979,"text":"وعليه دم التمتع (1) ، فإن لم يجد الدم، صام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع، أي فرغ من أداء نسكه، ولو قبل وصوله إلى أهله.\rفإذا حلق يوم النحر، فقد حل من الإحرامين جميعاً؛ لأن الحلق مُحلِّل في الحج كالسلام في الصلاة، فيتحلل به عنهما.\rوليس لأهل مكة عند الجمهور تمتع ولا قران، وإنما لهم الإفراد خاصة، وقال الحنفية: يكره القران للمكي.\rبطلان التمتع: يبطل تمتع المتمتع إذا عاد إلى بلده بعد فراغه من العمرة، ولم يكن ساق الهدي؛ لأنه ألم بأهله بين النسكين إلماماً صحيحاً. أما إذا كان قد ساق الهدي، فلا يكون إلمامه صحيحاً، ولا يبطل تمتعه عند أبي حنيفة وأبي يوسف؛ لأنه يجب عليه عند الأول، ويندب عند الثاني العود إلى الحرم لأجل الحلق؛ لأنه مقيد بالحرم، والعود يمنع صحة الإلمام.\rأما القارن فلا يبطل قرانه بالعود إلى بلده باتفاق الحنفية. فيكون الفرق بين القران والتمتع عند الحنفية: هو أن التمتع يشترط فيه عدم الإلمام بأهله، والقران لايشترط فيه عدم الإلمام بأهله.\rمتى يكون المحرم بالعمرة قبل أشهر الحج متمتعاً؟ قال الحنفية: من أحرم بالعمرة قبل أشهر الحج، فطاف لعمرته أقل من أربعة أشواط ثم لم يتمها حتى دخلت أشهر الحج، فتمَّمها في أشهره، وأحرم بالحج، كان متمتعاً؛ لأن الإحرام عندهم شرط لا ركن، فيصح تقديمه على أشهر الحج كما بينت، وإنما يعتبر أداء الأفعال في أشهر الحج، وقد وجد الأكثر، وللأكثر حكم الكل.\rأما إن طاف لعمرته قبل أشهر الحج أربعة أشواط فصاعداً،ثم حج من عامه ذلك، لم يكن متمتعاً؛ لأنه أدى الأكثر قبل أشهر الحج، فصار كما إذا تحلل منها قبل أشهر الحج.\rوالحاصل أن الأكثر له حكم الكل عند الحنفية، فإذا حصل الأكثر قبل أشهر الحج، فكأنها حصلت كلها، والمتمتع:هو الذي يتم العمرة والحج في أشهر الحج.\r-------------------------------\r(1) وهو عند الحنفية دم شكر، فيأكل منه.","part":3,"page":587},{"id":1980,"text":"ثالثاً ـ كيفية القران :\rالقران لغة: الجمع بين الشيئين مطلقاً، وشرعاً: الجمع بين إحرام العمرة والحج في سفر واحد.\rوصفة القران: أن يهل بالعمرة والحج معاً من الميقات، إما حقيقة بنية الأمرين معاً، وإما حكماً عند الحنفية خلافاً لغيرهم: بأن أحرم بالعمرة أولاً، ثم بالحج قبل أن يطوف لها أكثر الطواف؛ لأن الجمع قد تحقق؛ لأن الأكثر منها قائم، ويصح العكس عند الجمهور: بأن يحرم بالحج، ثم يدخل العمرة عليه، لكنه مكروه عند الحنفية.\rوإدخال الحج على العمرة عند الجمهور (غير الحنفية) يكون قبل شروع المحرم في الطواف، فإن شرع فيه ولو بخطوة، فلايجوز إدخال الحج على العمرة. ويلحق القران عند الحنفية التمتع إذاساق المتمتع الهدي، كما أوضحت، فلا يتحلل بعد العمرة، كما هو شأن المتمتع، بل يظل محرماً حتى ينحر الهدي يوم النحر.\rويقول القارن عقيب صلاة ركعتي الإحرام: ( اللهم إني أريد الحج والعمرة، فيسرهما لي، وتقَّبلهما مني ) لبيك اللهم لبيك...إلخ.\rفإذا دخل القارن مكة، طاف بالبيت سبعة أشواط، يرمل في الثلاث الأُول منها، ويسعى بعدها بين الصفا والمروة. وهذه أفعال العمرة.\rثم يشرع عند الحنفية بأفعال الحج كالمُفرِد، ويطوف بعد السعي المذكور طواف القدوم، ويطوف طواف الإفاضة للحج، ويسعى أيضاً بين الصفا والمروة كالمفرد، لقوله تعالى: {وأتموا الحج والعمرة لله } [البقرة:196/2] وتمامها أن يأتي بأفعالهما على الكمال، ولم يفرق بين القارن وغيره.\rويدل له أن صبيّ بن معبد لما طاف طوافين وسعى سعيين، قال له عمر: «هديت لسنة نبيك» (1) ، وقال علي في القارن: «إذا أهللت بالحج والعمرة، فطف لهما طوافين، واسع لهما سعيين بالصفا والمروة» . (2) .\rوقال الجمهور (3) : يكفي للقارن طواف واحد وسعي واحد، لما روى الترمذي وصححه أنه صلّى الله عليه وسلم قال: «من أحرم بالحج والعمرة أجزأه طواف واحد،\r-------------------------------\r(1) قال الزيلعي: هذا الحديث لم يقع هكذا، فقد أخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجه عن الصبيّ بن معبد الثعلبي، قال: « أهللت بهما معا ً » ، فقال عمر: «هديت لسنة نبيك» (نصب الراية: 109/3).\r(2) رواه محمد بن الحسن في كتاب الآثار (نصب الراية: 111/3).\r(3) المغني: 456/3 ومابعدها، مغني المحتاج: 514/1.","part":3,"page":588},{"id":1981,"text":"وسعي واحد، حتى يحل منهما جميعاً» (1) لكن يطوف القارن كالمفرد طواف القدوم قبل طواف الإفاضة، ويسعى بعده إن لم يكن سعى عقب طواف القدوم.\rوقالت عائشة: «... وأما الذين جمعوا بين الحج والعمرة، فإنما طافوا طوافاً واحدا» (2) وقال صلّى الله عليه وسلم لعائشة لما جمعت بين الحج والعمرة: «يجزئ عنك طوافك بالصفا والمروة عن حجك وعمرتك» (3) .\rدم التمتع والقران: اتفق العلماء على أن المتمتع والقارن يلزمهما إذا أحرما بالحج الهدي (4) ، لقوله تعالى: {فمن تمتع بالعمرة إلى الحج، فما استيسر من الهدي} [البقرة:196/2].\rودم القران والتمتع: دم شكر فيأكل منه صاحبه عند الحنفية، ولا يأكل منهما عند الشافعية. وإن لم يدخل القارن مكة، وتوجه إلى عرفات، فقد صار عند الحنفية رافضاً لعمرته بالوقوف، وسقط عنه دم القران، وعليه دم لرفضه عمرته، وهو دم جبر لا يجوز أكله منه، ووجب عليه قضاؤها؛ لأنه بشروعه فيها أوجبها على نفسه، ولم يوجد منه الأداء، فلزمه القضاء.\rويسقط عند الشافعية دم التمتع إن عاد لإحرام الحج إلى الميقات.\rواختلف الفقهاء في وقت ذبح دم التمتع والقران (5) :\rفقال الجمهور: يجب ذبح شاة أو بقرة أو بدنة أو سُبْع بدنة أيام النحر بمنى بعد رمي جمرة العقبة يوم العيد وقبل الحلق؛ لأنه صلّى الله عليه وسلم نحر هديه على هذه الصفة.\r-------------------------------\r(1) وأخرجه أيضاً ابن ماجه عن ابن عمر، ورواه أحمد بلفظ «من قرن بين حجة وعمرة، أجزأه بهما طواف واحد» (نصب الراية: 108/3).\r(2) متفق عليه بين البخاري ومسلم.\r(3) أخرجه مسلم.\r(4) المغني: 469/3، مغني المحتاج: 516/1.\r(5) اللباب: 193/1، الشرح الصغير: 120/2، مغني المحتاج: 516/1، المغني: 475/3.","part":3,"page":589},{"id":1982,"text":"وقال الشافعية: الأفضل الذبح يوم النحر للاتباع وخروجاً من خلاف الأئمة الثلاثة، لكن وقت وجوب الدم هو الإحرام بالحج؛ لأنه حينئذ يصير متمتعاً بالعمرة إلى الحج، والأصح جواز ذبحه إذا فرغ من العمرة. ويختص ذبح الهدي بالحرم، والقدرة على الذبح في الحرم أيضاً، سواء أقدر عليه في بلده أم في غيره أم لا.\rفإن لم يجد هَدْياً يجب عليه صيام ثلاثة أيام في الحج، آخرها يوم عرفة، ثم يصوم سبعة أيام إذا رجع إلى أهله، وإن صامها بمكة بعد فراغه من الحج، جاز.\rوللفقهاء آراء في وقت الصيام البديل عن الهدي عند العجز عنه، وفي تتابع الأيام وغير ذلك :\rفقال الحنفية (1) : يجوز الصوم ولو كانت الأيام متفرقة، فلا يشترط تتابعها، ووقت صيام الأيام الثلاثة وقت أشهر الحج بعد الإحرام بالعمرة، لقوله تعالى: {فصيام ثلاثة أيام في الحج} [البقرة:196/2] أي في أشهره؛ لأن نفس الحج لا يصلح ظرفاً للصيام، لكن الأفضل أن يصوم قبل يوم التروية بيوم، ويجوز قبل يوم عرفة، فإن فاته صوم الأيام الثلاثة في أيام الحج، حتى جاء يوم النحر، لم يُجْزه إلا الدم؛ لأن الصوم بدل عن الهدي، والآية خصت الصوم بوقت الحج، فمن تأخر عن الصيام إلى يوم النحر، تحلل، ولزمه دمان: دم التمتع ودم التحلل قبل نحر الهدي.\rوله أن يصوم الأيام السبعة بعد تمام أيام الحج في أي مكان شاء، لقوله تعالى: {وسبعة إذا رجعتم} [البقرة:196/2] أي فرغتم من أفعال الحج، لكن في غير أيام التشريق.\rوجاز صوم الأيام الثلاثة قبل الشروع في أعمال الحج.\r-------------------------------\r(1) الدر المختار: 264/2 ومابعدها، اللباب: 193/1 ومابعدها.","part":3,"page":590},{"id":1983,"text":"وقال المالكية (1) : تجب متابعة الأيام الثلاثة وكذا السبعة في الصوم، وصوم الثلاثة يكون في أيام الحج آخرها يوم عرفة. ومن جهل أو نسي، صام أيام منى الثلاثة. ويكون صوم السبعة بعد ذلك إن شاء تعجلها في طريقه لأهله، وإن شاء أخرها إلى بلده. ولا يجوز صوم الثلاثة قبل الشروع في أعمال الحج.\rوقال الشافعية (2) : يندب تتابع صوم الثلاثة وكذا السبعة. ولو فاتته الثلاثة في الحج، فالأظهر أنه يلزمه قضاؤها؛ لأنه صوم مؤقت، فيقضى كصوم رمضان، ويلزمه أن يفرق في قضائها بينها وبين السبعة، بقدر أربعة أيام (يوم النحر وأيام التشريق) وبقدر إمكان السير إلى أهله على العادة الغالبة، كما في الأداء، فلو صام عشرة أيام ولاء، حصلت الثلاثة، ولا يعتد بالبقية لعدم التفريق.\rوالصوم يكون عند العجز عن الهدي حساً بأن فقده، و فقد ثمنه، أو للعجز عنه شرعاً بأن وجده بأكثر من ثمن مثله، أو كان محتاجاً إليه، أو إلى ثمنه أوغاب عنه ماله أو نحو ذلك.\rووقت صوم الأيام الثلاثة: بعد الإحرام بالحج، للآية: {فصيام ثلاثة أيام في الحج} [البقرة:196/2] فلا يجوز تقديمها على الإحرام بخلاف الدم؛ لأن الصوم عبادة بدنية، فلا يجوز تقديمها على وقتها كالصلاة، والدم عبادة مالية فأشبه الزكاة.\rوتستحب قبل يوم عرفة؛ لأن صومه في الحج مكروه، ويصوم بعد الثلاثة سبعة إذا رجع إلى وطنه وأهله في الأظهر، إن أراد الرجوع إليهم، لقوله تعالى: {وسبعة إذا رجعتم} [البقرة:196/2] ولقوله صلّى الله عليه وسلم :\r-------------------------------\r(1) القوانين الفقهية: ص 140، بداية المجتهد: 357/1.\r(2) مغني المحتاج: 516/1 ومابعدها.","part":3,"page":591},{"id":1984,"text":"«فمن لم يجد هدياً فليصم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله» (1) ،فلا يجوز صومها في الطريق لذلك. فإن أراد الإقامة بمكة، صامها بها.\rوفصل الحنابلة رأيهم في الصوم فقالوا (2) : لا يجب التتابع في صوم الأيام. ولكل من صوم الثلاثة والسبعة وقتان: وقت جواز، ووقت استحباب.\rفوقت الاستحباب أو الاختيار لصوم الثلاثة: هو أن يصومها ما بين إحرامه بالحج ويوم عرفة، ويكون آخر الثلاثة يوم عرفة، للحاجة إلى الصوم في هذا الوقت، وإن كان صومه غير مستحب.\rوأما وقت جواز صوم الثلاثة: فهو إذا أحرم بالعمرة، كما قال الحنفية، خلافاً للمالكية والشافعية القائلين بأنه لا يجوز الصوم إلا بعد الإحرام بالحج. ودليل الأولين : أن إحرام العمرة أحد إحرامي التمتع، فجاز الصوم بعده كإحرام الحج كتقديم الكفارة على الحنث. ودليل الآخرين آية: {فصيام ثلاثة أيام في الحج} [البقرة:196/2].\rوأما وقت الاختيار لصوم السبعة: فهو إذا رجع إلى أهله، للآية والحديث المتقدمين. وأما وقت الجواز: فمنذ تمضي أيام التشريق سواء في الطريق أو بمكة كيف شاء؛ لأن كل صوم لزمه وجاز في وطنه، جاز قبل ذلك كسائر الفروض، وأما الآية {إذا رجعتم} [البقرة:196/2] فإن الله تعالى جوز له تأخير الصيام الواجب، فلا يمنع ذلك الإجزاء قبله، كتأخير صوم رمضان في السفر والمرض بقوله سبحانه: {فعدة من أيام أخر} [البقرة:184/2]، ولأن الصوم وجد من أهله بعد وجود سببه، فأجزأه كصوم المسافر والمريض.\r-------------------------------\r(1) رواه الشيخان عن ابن عمر.\r(2) المغني: 476/3-478.","part":3,"page":592},{"id":1985,"text":"وإذا لم يصم المتمتع الأيام الثلاثة في الحج، صامها بعد ذلك ولو في أيام منى، كما قال المالكية والشافعية خلافاً للحنفية؛ لأنه صوم واجب، فلا يسقط بخروج وقته كصوم رمضان، والآية تدل على وجوبه لا على سقوطه، ويصح الصوم في أيام منى لقول عمر وعائشة: «لم يرخص في أيام التشريق أن يُصَمن إلا لمن لم يجد الهدي» (1) وهذا ينصرف إلى ترخيص النبي صلّى الله عليه وسلم ، ولأن الله تعالى أمر بصيام الثلاثة في الحج، ولم يبق من أيام الحج إلا هذه الأيام، فيتعين الصوم فيها، فإذا صام هذه الأيام، فحكمه حكم من صام قبل يوم النحر.\rوإذا صام عشرة أيام، لم يلزمه التفريق بين الثلاثة والسبعة، خلافاً للشافعية؛ لأنه صوم واجب في زمن يصح الصوم فيه، فلم يجب تفريقه، كسائر الصوم.\rووقت وجوب الصوم: وقت وجوب الهدي؛ لأن الصوم بدل، فكان وقت وجوبه وقت وجوب المبدل، كسائر الأبدال.\rالمبحث التاسع ـ كيفية التحلل من الحج :\rاتفق الفقهاء على أن في الحج تحللين: تحلل أصغر أو أول، وتحلل أكبر أو ثاني، لكنهم اختلفوا فيما يباح بالتحلل الأول على النحو الآتي (2) :\rأما التحلل الأول: فيحصل بفعل اثنين من ثلاثة: رمي جمرة العقبة والحلق وطواف الإفاضة، ويحل به كل شيء إلا النساء أي جماعهن ودواعيه عند الحنفية والشافعية والحنابلة، لقوله صلّى الله عليه وسلم :\r-------------------------------\r(1) رواه البخاري.\r(2) البدائع: 159/2، الدر المختار: 250/2 ومابعدها، الشرح الصغير: 58/2-60، القوانين الفقهية: ص 138، المهذب: 230/1، مغني المحتاج: 505/1، غاية المنتهى: 412/1، المغني: 438/3 ومابعدها، كشاف القناع: 585/2.","part":3,"page":593},{"id":1986,"text":"«إذا رميتم وحلقتم، فقد حل لكم الطيب والثياب وكل شيء إلا النساء» (1) فيبقى ما كان محرماً عليه من النساء من الوطء والقبلة واللمس لشهوة، وكذا عقد النكاح عند الشافعية والحنابلة، ويحل له ما سواه، كالصيد وحلق الشعر وتقليم الأظفار.\rويحل بهذا التحلل عند المالكية كل شيء إلا النساء والصيد والطيب لقول عمر: «إذا رميتم الجمرة، وذبحتم وحلقتم، فقد حل لكم كل شيء إلا الطيب والنساء» (2) ولقول الله تعالى: {لاتقتلوا الصيد وأنتم حرم} [المائدة:95/5] وهذا حرام.\rوأما التحلل الثاني أو الأكبر: فيحصل بفعل الشيء الثالث من الأشياء السابقة، فإذا كان قد رمى الجمرة وحلق، ثم طاف طواف الإفاضة، حل له كل شيء من المحرَّمات، وخرج عن إحرامه بالكلية بالإجماع، ويجب عليه الإتيان بما بقي من أعمال الرمي بالاتفاق، والمبيت بمنى عند الجمهور غير الحنفية، مع أنه غير محرم، كما أنه يخرج من الصلاة بالتسليمة الأولى، ويطلب منه التسليمة الثانية، لكن المطلوب في الحج على سبيل الوجوب، وفي الصلاة على سبيل الندب.\rويستحب تأخير الوطء عن باقي أيام الرمي ليزول عنه أثر الإحرام.\rالمبحث العاشر ـ محظورات الإحرام أو ممنوعاته، ومباحاته :\rالمحظورات: هي ما يحرم على المحرم بحج أوعمرة حتى يحلق رأسه بمنى. وهي أنواع كثيرة ترجع إلى أصول أربعة: هي لبس المخيط، وترفيه البدن وتنظيفه، والصيد ، والنساء.\rوهي أيضاً نوعان: نوع لا يوجب فساد الحج وهي الأصول الثلاثة الأولى، ونوع يوجب فساد الحج وهو الجماع.\r-------------------------------\r(1) رواه سعيد بن منصور عن عائشة رضي الله عنها، ورواه الأثرم وأبو داود بلفظ «إذا رمى أحدكم جمرة العقبة، فقد حل له كل شيء إلا النساء» قال أبو داود، هذا حديث ضعيف (نصب الراية: 80/3-81) وأخرجه النسائي وابن ماجه عن ابن عباس بلفظ: «إذا رميتم الجمرة، فقد حل لكم كل شيء إلا النساء» .\r(2) هذا منقطع، وقال عبد الله بن الزبير: «من سنة الحج: إذا رمى الجمرة الكبرى حل له كل شيء حرم عليه إلا النساء والطيب، حتى يزور البيت» رواه الحاكم وقال: على شرط الشيخين (نصب الراية: 81/3-82).","part":3,"page":594},{"id":1987,"text":"وتفصيل الكلام في هذه المحظورات وآراء الفقهاء فيها على النحو التالي (1) :\rالأصل الأول ـ لبس المخيط: يختلف الحكم بحسب كون المحرم رجلاً أو امرأة.\rأ ـ أما الرجل: فيحرم عليه بمجرد الإحرام ستر جميع رأسه أو بعضه بكل ما يعد ساتراً، سواء أكان مخيطاً أم غيره، فلا يجوز أن يضع على رأسه ووجهه عمامة ولا خرقة ولا قلنسوة، ولا يغطيه بثوب وإن بدت البشرة من ورائه، ولا يعصبه بعصابة ونحوها، لخبر الصحيحين: «أنه صلّى الله عليه وسلم قال في المحرم الذي خر عن بعيره ميتاً: لا تختمروا رأسه، فإنه يبعث يوم القيامة ملبياً» (2) . وذلك كله إلا لحاجة كمداواة أو حر أو برد، فيجوز التغطية، وتجب الفدية.\rأما ما لا يعد ساتراً فلا بأس به، مثل أن يتوسد عمامة أو وسادة أو ينغمس في ماء أو يستظل بمحمل أو نحوه. ولا يضر وضع يده على رأسه ولو طال، ولا يضر شد خيط عليه لصداع أو غيره. ولو وضع على رأسه حملاً أو زنبيلاً ونحوه، كره، ولا يحرم في الأصح عند الشافعية. ويجوز الاستظلال بمظلة أو بيت أو سيارة أو شجر أو خيمة.\rومنع الحنابلة من الاستظلال بمحمل ونحوه، و بنحو ثوب، ويجوز لعذر ويفدي.\rويحرم أيضاً ستر الوجه وباقي الجسد بغير إزار ورداء، فلا يلبس جبة ولا قميصاً ولا سراويل ولا\r-------------------------------\r(1) البدائع: 183/2-206، 216-219، القوانين الفقهية: ص 136-138، الشرح الصغير: 74/2-110، الإيضاح: ص 23-31، مغني المحتاج: 518/1-524، المهذب: 204/1-212، المغني: 295/3-344، كشاف القناع: 491/2-510، غاية المنتهى: 373/1-382.\r(2) رواه أيضاً أحمد والنسائي وابن ماجه عن ابن عباس (نيل الأوطار : 8/5).","part":3,"page":595},{"id":1988,"text":"خفاً ولا نعلاً مخيطاً، وإنما يلبس نعلاً (1) غير مخيطة أو قبقاباً ونحوه بحيث يظهر أغلب الأصابع، فإن لم يجدها أو لم يجد ثمنها فليلبس السراويل إذا لم يجد الإزار، والخفين بعد أن يقطعهما أسفل من الكعبين في رأي الحنفية والمالكية. وقال الحنابلة في المشهور والشافعية: لا يلزمه قطع الخفين.\rودليل جواز لبس السراويل والخفين عند العذر: ما رواه ابن عباس قال: «سمعت النبي صلّى الله عليه وسلم يخطب بعرفات يقول: من لم يجد نعلين فليلبس خفين، ومن لم يجد إزاراً فليلبس سراويل» (2) ولا فدية عليه في لبسهما عند الحنابلة والشافعية وعليه الفدية عند الحنفية والمالكية لحديث ابن عمر: «أن رجلاً سأل رسول الله صلّى الله عليه وسلم : ما يلبس المحرم من الثياب؟ فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلم : لا يلبس القميص ولا العمائم، ولا السراويلات، ولا البرانس، ولا الخفاف، إلا أحداً لا يجد نعلين، فليلبس الخفين وليقطعهما أسفل من الكعبين، ولا يلبس من الثياب شيئاً مسَّه الزعفران ولا الورس» (3) .\r-------------------------------\r(1) وهو ما يكون مفتوحاً من قدام، أما الحذاء أو الخف الذي له حاجز يستر مقدم الرجل فلايجوز.\r(2) متفق عليه.\r(3) متفق عليه.","part":3,"page":596},{"id":1989,"text":"ودليل الحنابلة والشافعية على عدم لزوم قطع الخفين (1) : حديث ابن عباس السابق: «من لم يجد نعلين، فليلبس خفين» وهو متأخر عن حديث ابن عمر المتقدم، لكونه في خطبة عرفات، فيكون ناسخاً له؛ لأنه لو كان القطع واجباً لبينه للناس، إذ لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة إليه، والمفهوم من إطلاق لبسِهما لبسُهما على حالهما من غير قطع، والأولى قطعهما عملاً بالحديث الصحيح، وخروجاً من الخلاف وأخذاً بالاحتياط.\rودليل الحنابلة على إسقاط الفدية بلبس السراويل والخفين: خبر ابن عباس أيضاً، لأنه أمر بلبسه، ولم يذكر فدية.\rوضابط ما يحرم لبسه: هو الملبوس والمعمول على قدر البدن أو قدر عضو منه بحيث يحيط به، إما بخياطة ،وإما بغير خياطة، فيشمل القميص والسراويل والجبة والقباء والخف، والقميص المنسوج غير المخيط، والدرع والجورب والملزق بعضه ببعض، والمعقود في سائر أجزاء بدنه.\rوالأصح عند الشافعية تحريم المداس: وهو الذي لا يستر الكعبين ويستر مقدم الرِجْل.\rوالمعتبر في اللبس: العادة في كل ملبوس، إذ به يحصل الترفه، فلو ارتدى بالقميص أو القباء أو التحف بهما أو اتزر بالسراويل فلا بأس ولا فدية. ولو ألقى على جسده قَباء (2) أو عباءة وكان بحيث لو قام أو قعد، لم يستمسك عليه إلا بمزيد عناية، لم تلزمه الفدية، فله أن يجعل المخيط على ظهره من غير لباس، ملتحفاً به أو مرتدياً. ويمنع عند المالكية غير المخيط إذا كان فيه رفاهية كجلد حيوان مسلوخ.\r-------------------------------\r(1) بناء عليه: يجوز لبس الحذاء الحالي (الجزمة أو الصَّباط) إن قطعه من الأمام من أعلى الأصابع، لا من مؤخرته من الوراء لأن الحذاء لا يستر عادة الكعبين، فتحقق قطع الخفين أسفل من الكعبين، ولا فدية حينئذ اتفاقاً.\r(2) كساء منفرج من أمام يلبس فوق الثياب.","part":3,"page":597},{"id":1990,"text":"ولا يجوز عند الشافعية عقد الرداء ولا أن يزره ولا يخله بخلال أو مسلة ولا يربط خيطاً في طرفه، ثم يربطه في طرفه الآخر، فلو زرَّ الإزار أو خاطه، حرم ولزمه الفدية. وله أن يعقد إزاره لستر العورة، لا رداءه، وله أن يغرز طرف ردائه في إزاره. وقال الحنفية: يكره أن يخلل الإزار بالخلال وأن يعقد الإزار.\rوله عند الشافعية والحنفية والحنابلة أن يتقلد السيف للحاجة (1) ، ويشد على وسطه الهِمْيان (2) والمِنْطقة، ويلبس الخاتم والساعة.\rولا يلبس ثوباً مصبوغاً بوَرْس (3) ولا زعفران ولا عُصْفُر (4) ، للحديث الصحيح: «ولا يلبس من الثياب ما مسه ورس أو زعفران» .\rومن أحرم وعليه قميص، فنزعه في الحال فلا فدية عليه، لقول النبي صلّى الله عليه وسلم لرجل أحرم بعمرة في جبة بعد ما تضمخ بطيب: «أما الطيب الذي بك فاغسله، وأما الجبة فانزعها، ثم اصنع في عمرتك ما تصنع في حجك» (5) فلم يأمر الرجل بفدية، أما إن استدام اللبس بعد إمكان نزعه، فعليه الفدية؛ لأن استدامة اللبس محرم كابتدائه، بدليل أن النبي صلّى الله عليه وسلم أمر الرجل بنزع جبته (6) .\r-------------------------------\r(1) روى البخاري وأحمد عن البراء وعن ابن عمر أن النبي صلّى الله عليه وسلم اتفق مع أهل مكة في عمرة القضاء ألا يحمل سلاحاً عليهم إلا السيوف (نيل الأوطار: 9/5).\r(2) وهو ما يجعل فيه الدراهم ويشد على الوسط. والمنطقة: حزام يجعل كالكيس يوضع فيه الدراهم.\r(3) الورس: نبت أصفر يزرع في اليمن، ويصبغ به، ويطيب به الطعام.\r(4) لأن لها رائحة طيبة.\r(5) متفق عليه.\r(6) قال ابن قدامة الحنبلي: وإنما لم يأمره بفدية لما مضى، فيما نرى، لأنه كان جاهلاً بالتحريم، فجرى مجرى الناسي.","part":3,"page":598},{"id":1991,"text":"ب ـ وأما المرأة: فتستر بالمخيط رأسها وسائر بدنها سوى الوجه، فالوجه في حقها كرأس الرجل، وإحرامها في وجهها، فيحرم عليها تغطيته في إحرامها، كما يحرم على الرجل تغطية رأسه باتفاق العلماء، لقوله صلّى الله عليه وسلم : «ولا تنتقب المرأة ولاتلبس القفازين» (1) وقوله: «إحرام المرأة في وجهها» .\rلكن قال الحنابلة: ولا خلاف في أن المرأة إذا احتاجت أحياناً إلى ستر وجهها لمرور الرجال قريباً منها، فإنها تسدل الثوب من فوق رأسها على وجهها (2) . لما روي عن عائشة رضي الله عنها قالت: «كان الركبان يمرون بنا ونحن محرمات مع رسول الله صلّى الله عليه وسلم ، فإذا حاذونا سدلت إحدانا جلبابها من رأسها على وجهها، فإذا جاوزونا كشفناه» (3) ، ولأن بالمرأة حاجة إلى ستر وجهها، فلم يحرم عليها ستره على الإطلاق كالعورة.\rوأباح المالكية للمرأة ستر وجهها عند الفتنة بلا غرز للساتر بإبرة ونحوها، وبلا ربط له برأسها، بل المطلوب سدله على رأسها ووجهها، أو تجعله كاللثام وتلقي طرفيه على رأسها بلا غرز ولا ربط (4) .\rوأجاز الشافعية والحنفية (5) ذلك بوجود حاجز عن الوجه فقالوا: للمرأة أن تسدل على وجهها ثوباً متجافياً عنه بخشبة ونحوها، سواء فعلته لحاجة من حر أو برد أو خوف فتنة ونحوها، أو لغير حاجة، فإن وقعت الخشبة فأصاب الثوب وجهها بغير اختيارها ورفعته في الحال، فلا فدية. وإن كان عمداً وقعت بغير اختيارها فاستدامت، لزمتها الفدية. وقال الشافعية: وإن ستر الخنثى المشكل وجهه فقط أو رأسه فقط، فلا فدية عليه، وإن سترهما معاً، لزمته الفدية. والصحيح عند الشافعية ألا فدية على المرأة إن اختضبت ولفت على يدها خرقة أو لفتها بلا خضاب.\rويحرم على الرجل لبس القفازين في يده، ويحرم ذلك أيضاً على المرأة، على الأصح عند الشافعية، ويلزمهما بلبسه الفدية.\rلبس المعذور: يلاحظ أن تحريم اللبس والستر هو إذا لم يكن عذر، فإذا لبس أو ستر شيئاً مما يجب كشفه، أثم ولزمته الفدية. أما المعذور الذي يحتاج لستر رأسه أو لبس المخيط لحر أو برد أو مداواة أو نحوها، أو احتاجت المرأة إلى ستر وجهها، فيجوز له وعليه الفدية.\rوالخلاصة: يحرم على الرجل لبس ما يحيط بالبدن أو الكف أو أي عضو إلا الخاتم والمنطقة والساعة ونحوها، وحكم المرأة في ذلك كله كالرجل إلا في ثلاثة أمور تجوز لها السترة وهي لبس المخيط والخفين وتغطية رأسها.\r-------------------------------\r(1) رواه البخاري وغيره.\r(2) المغني: 325/3-326.\r(3) رواه أبو داود والأثرم.\r(4) الشرح الصغير: 75/2.\r(5) الإيضاح: ص 24، البدائع: 186/2.","part":3,"page":599},{"id":1992,"text":"الأصل الثاني ـ ترفيه البدن بالطيب وإزالة الشعر وتقليم الظفر ونحوهما مما يجري مجرى الطيب :\rأما الطيب: فيحرم على المحرم استعماله في ثوب أو بدن، لقوله صلّى الله عليه وسلم : «ولايلبس من الثياب ما مسه ورس أو زعفران» والورس طيب. وكذا يحرم عند الشافعية دهن الرأس أو اللحية ولو من امرأة، ولو كان الدهن غير مطيب كزيت وشمع مذاب، لما فيه من التزين المنافي لحال المحرم فإنه أشعث أغبر، كما ورد في الخبر: «المحرم: الأشعث الأغبر» (1) ولقوله صلّى الله عليه وسلم في المحرم الذي وقصت به ناقته: «لا تخمروا رأسه، ولا تقربوه طيباً» فإن تطيب أو ادهن فعليه فدية.\rوقال أبو حنيفة: لو ادهن بدهن مطيب كدهن البنفسج والورد والزئبق، فعليه دم إذا بلغ عضواً كاملاً، وكذا لو ادهن بغير مطيب كالزيت والشيرج.\rوضابط حرمة الطيب عند الحنفية: هو مس الطيب بحيث يلزَق شيء منه بثوبه أو بدنه كاستعمال ماء الورد والمسك وغيرهما.\rولابأس عند الحنفية أن يغتسل المحرم ويدخل الحمام لأنه طهارة، فلا يمنع منها، وله أن يكتحل؛ لأن الكحل ليس له رائحة طيبة، فلا يكون طيباً، ولكن لا يغسل رأسه ولا لحيته بالخِطمي؛ لأنه نوع طيب ، ولأنه يقتل هوام الرأس.\r-------------------------------\r(1) أخرج الترمذي وابن ماجه عن ابن عمر قال: « قام رجل إلى النبي صلّى الله عليه وسلم فقال: من الحاج؟ فقال: الشعث التفل » .","part":3,"page":600},{"id":1993,"text":"وضابط حرمة الطيب عند المالكية كالحنفية: هو مس الطيب، ويكره شمه بلا مسّ له ولا يدهن مطلقاً بطيب لغير علة، وإلا جاز؛ لأن الضرورات تبيح المحظورات، ولابدهن غير مطيب، ولا يكتحل إلا من ضرورة، فيكتحل بما لا طيب فيه، ولا يأكل طعاماً فيه طيب لم تمسه النار، ولا يصحب طيباً فيكره، ولا يستديم شمه فيكره. ولا يدخل الحمام للتنظيف، ويجوز للتبرد أو الجنابة، وعليه الفدية كالشافعية وأبي حنيفة بدهن شيء من جسده أو شعره بدهن ولو بغير مطيب لغير ضرورة كعلة مرضية، فإن وجدت علة جاز الادهان ببطن كف أو بطن رجل ولا فدية اتفاقاً، وهناك قولان بالفدية وعدمها في دهن ظاهر الجسد (1) .\rورأي الشافعية كالحنفية والمالكية في الاستعمال المحرم للطيب: وهو أن يلصق الطيب ببدنه أو ثوبه على الوجه المعتاد في ذلك الطيب، فلو طيب جزءاً من بدنه بمسك أو نحوه لزمته الفدية، سواء في ظاهر البدن أو باطنه، بأن أكله أو احتقن به أو استعط. ولا يحرم أن يجلس في حانوت عطار أو موضع يبخر أو عند الكعبة وهي تبخر. ويكره في الأصح قصد اشتمام الرائحة. ولا فدية في الأصح إن مس طيباً فلم يعلق به شيء من عينه (ذات الطيب) ولو شم الورد فقد تطيب، ولوشم ماء الورد فليس متطيباً. ولو حمل مسكاً في زجاجة مغلقة، أو خرقة مشدودة أو كيس، فلا إثم عليه ولافدية، وإن وجد رائحته.\rوتحريم استعمال الطيب هو في حالة القصد، فإن تطيب ناسياً لإحرامه أو جاهلاً بتحريم الطيب أو مكرهاً، فلا إثم ولا فدية. وكذا لا إثم ولا فدية إذا جهل كون المستعمل طيباً، والأظهر عدم وجوب الفدية لو مس طيباً يظنه يابساً لا يعلق منه شيء، فكان رطباً.\rومتى ألصق طيباً ببدنه أو ثوبه على وجه يقتضي التحريم، عصى ولزمه الفدية، ووجب عليه المبادرة إلى إزالته.\r-------------------------------\r(1) الشرح الكبير: 59/2-61.","part":3,"page":601},{"id":1994,"text":"وإن استهلك الطيب في المخالط له بأن لم يبق له ريح ولا طعم ولا لون، كأن استعمل في دواء وأكله، جاز ولا فدية، فإن بقيت له رائحة في المستهلك فدى، ويجوز أكل ما فيه ريح طيبة كالتفاح والأترج. وإن بقي اللون دون الرائحة والطعم لم يحرم الدهن المستهلك على الأصح.\rويحرم كما بينت عندهم دهن شعر الرأس واللحية بكل دهن، سواء أكان مطيباً أم غير مطيب كالزيت والسمن ودهن الجوز واللوز. ولا بأس أن يدهن الأقرع رأسه، أو يدهن الأمرد ذقنه. ويجوز استعمال هذا الدهن في جميع البدن سوى الرأس واللحية، ولو شعرة أو بعضها، وبقية شعور الوجه كاللحية على المعتمد.\rولا يكره عند الشافعية غسل البدن والرأس بخطمي ونحوه كسدر وصابون من غير نتف، والأولى تركه، وترك الاكتحال الذي لا طيب فيه. والمعتمد عندهم كراهة ترجيل (تسريح) الشعر، وحك الشعر بالظفر.\rوتشدد الحنابلة فقالوا: يحرم تعمد الطيب مساً وشماً واستعمالاً، فمتى طيب محرم ثوبه أو بدنه، أو استعمل في أكل أو شرب أو ادهان أواكتحال أو استعاط أو احتقان طيباً يظهر طعمه أو ريحه، أو قصد شم دهن مطيب أو مسك أو عنبر أو زعفران أو ورس أو بخور عود أو نحوه، أو ما ينبته آدمي لطيب ويتخذ منه كورد وبنفسج ومنثور وياسمين وزنبق، وشمه أو مس ما يعلق به كماء ورد، حرم وعليه الفدية.\rولا يحرم إن شم بلا قصد، أو مس ما لا يعلق بالجسد كقطع المسك، أو شم الفواكه أو النباتات الصحراوية كالخزامى والقيصوم والنرجس والإذخر، أو ما ينبته آدمي لا بقصد طيب كحناء وعصفر وقرنفل، أو ادهن للحاجة بغير مطيب كزيت وشيرج، ولو في رأسه أو بدنه؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلم فعله (1) ، أو شم بلا قصد بسبب الجلوس عند عطار. وإذا تطيب ناسياً أو عامداً لزمه إزالته بما أمكن من الماء وغيره من المائعات. ولا يضر بقاء اللون دون الرائحة والطعم من الدهن المطيب في أكل أو شرب، لذهاب المقصود.\rوللمحرم غسل رأسه وبدنه في حمام وغيره، بلا تسريح؛ لأن تسريحه تعريض لقطع الشعر، وله مع الكراهة الغسل بسدر وخطمي ونحوهما كصابون وأشنان. وله غسل ثياب الإحرام.\rوالخلاصة: تحريم مسّ الطيب بالاتفاق، وكذا قصد شمه عند الحنابلة، ويكره عند غيرهم، وتحريم الادهان بالزيوت مطلقاً عند أبي حنيفة والمالكية، وبالدهن\r-------------------------------\r(1) رواه أحمد والترمذي وغيرهما من حديث ابن عمر مرفوعاً، وهو ضعيف.","part":3,"page":602},{"id":1995,"text":"المطيب عند الحنابلة، دون غير المطيب، ودهن الشعر والرأس فقط مطلقاً عند الشافعية ولو بغير مطيب. ويجوز الاغتسال ولو بالصابون عند الشافعية والحنابلة، ولا يجوز بالصابون ونحوه عند الحنفية، ويغتسل عند المالكية للتبرد لا للتنظيف.\rوأما إزالة الشعر من جميع بدنه ولو من أنفه بالحلق أو النتف وتقليم الأظفار: فحرام بالاتفاق لقوله تعالى: {ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله} [البقرة:196/2] وقيس سائر البدن على الرأس؛ لأنه في معناه، إذ حلقه يؤذن بالرفاهية، وهو ينافي الإحرام، والمحرم أشعث أغبر. وقيس النتف والقلع على الحلق؛ لأنهما في معناه، وإنما عبر النص بالحلق لأنه الغالب.\rفلا يقلم أظفاره ولا ينتف إبطه ولا يحلق عانته ولا شاربه وغيرهما من شعور البدن، ولا يقص شعره وشعر غيره، ولا يزيل الشعث والوسخ، ولا يطرح التفث (وهو الظفر المنكسر والشعر المنتوف وشبهه) ولا يقتل قملة ولا برغوثاً ولا يطرحهما عن نفسه، ولا يطرح القراد عن دابته، ولا يحك ما لا يراه من بدنه حكاً عنيفاً لئلا يكون فيه قملة فتقع، وذلك كله بغير عذر، فإن كان بعذر فلا إثم.","part":3,"page":603},{"id":1996,"text":"أما الفدية ففيها تفصيل آراء الفقهاء:\rقال الحنفية: إن حلق رأسه أو ربع رأسه أو ثلثه من غير عذر، فعليه دم لا يجزئه غيره؛ لأنه ارتفاق كامل من غير ضرورة، وإن حلقه لعذر، فعليه أحد الأشياء الثلاثة، لقوله عز وجل: {فمن كان منكم مريضاً أوبه أذى من رأسه، ففدية من صيام أو صدقة أو نسك} [البقرة:196/2]. وإن حلق دون الربع فعليه الصدقة عند أبي حنيفة.\rوإن حلق شاربه فعليه صدقة؛ لأن الشارب تبع للحية. وإذا نتف أحد الإبطين أو كليهما فعليه كفارة واحدة وهو الدم. وإذا قلم ظفراً عليه نصف صاع لكل ظفر، وإن قلم أظافير يد أو أو رجل من غير عذر وضرورة، فعليه دم؛ لأنه ارتفاق كامل، فتكاملت الجناية، فتجب كفارة كاملة. ويجب الجزاء بالحلق والتقليم العمد والسهو والطوع والكره.\rوقال المالكية: في إزالة الشعر والظفر الواحد والشعرات الأظفار العشرة لغير إماطة الأذى: حفنة من طعام، وفي قتل القَمْلة والقَملات إلى العشرة أو طرحها بلا قتل لا لإماطة الأذى حفنة من طعام يعطيها لفقير، فإن زاد عن العشرة ففدية تلزمه.\rولا شيء في طرح بُرْغوث ونحوه من كل ما يعيش بالأرض كدود ونمل وبعوض وقراد، إذا لم يقتله، ولا شيء في دخول حمام ولو طال مكثه فيه، إلا أن يزيل الوسخ عن جسده، فتلزمه الفدية حينئذ.\rولا يحرم إزالة ما تحت أظفاره وغسل يديه بمزيل الوسخ كالأشنان. ولا شيء بتساقط شعر من لحية أو رأس أو غيرهما بسبب وضوء أو غسل.\rوالأظهر عند الشافعية أن في الشعرة الواحدة مد طعام، وفي الشعرتين مدين، وتكمل الفدية في ثلاث شعرات أو ثلاثة أظفار، ولو كان ناسياً أوجاهلاً على الأصح، ولو بواسطة كحجامة وحك بنحو ظفر وتحريك رجل راكب على برذعة أو قتَب، وامتشاط، فيحرم ذلك إن علم إزالة الشعر به.وتجب الفدية، وإلا فيكره ولا فدية. ومنع الحنفية والمالكية الامتشاط مطلقاً.","part":3,"page":604},{"id":1997,"text":"وللمعذور في الحلق لإيذاء أو وسخ أو حر أو جراحة أو نحو ذلك أن يحلق ويفدي، لقوله تعالى: {فمن كان منكم مريضاً أو به أذى من رأسه، ففدية من صيام أو صدقة أو نسك} [البقرة:196/2]، وفي الصحيحين عن كعب بن عُجْرة قال: «فيَّ نزلت هذه الآية، أتيت رسول الله صلّى الله عليه وسلم ، فقال: ادن فدنوت، فقال: أيؤذيك هوام رأسك؟ قال ابن عوف: وأظنه قال: نعم، قال: فأمرني بفدية من صيام أو صدقة أو نسك» (1) .\rولكن يجوز قلع شعرة نبتت داخل جفنه وتأذى بها، ولا فدية، وكذا يجوز قطع شعر حاجبه أو رأسه إذا غطى عينه، ولا فدية، وكذا قطع ما انكسر من ظفره وتأذى به، ولا يقطع معه من الصحيح شيئاً.\rوالمعتمد كراهة ترجيل (تسريح الشعر) وحك الشعر بالظفر، ولا يكره كما بينت غسل بدنه ورأسه بخطمي وسدر من غير نتف شعر؛ لأن ذلك ليس للتزين، بل لإزالة الوسخ، لكن الأولى تركه، وللمحرم الاحتجام والفصد ما لم يقطع بهما شعراً، والأولى ترك الاكتحال الذي لا طيب فيه، وأما ما فيه طيب فهو حرام. ولا شيء بسقوط الشعر وحده دون نتف أو إزالة أو حك بنحو ظفر أو أثناء حجامة أو امتشاط.\rوقال الحنابلة كالشافعية: يجب إطعام مسكين فيما دون ثلاث من شعر أو ظفر، وتجب الفدية في ثلاث منها أو في التطيب واللبس، ولو في أثناء التمشيط أو تخليل اللحية، أو كان ناسياً أو مكرهاً. ويباح حك بدنه برفق بلا قطع شعره.\rولا فدية إن تفلى أو قتل قملاً، فإن كعب بن عجرة حين حلق رأسه قد أذهب قملاً كثيراً، ولم يجب عليه لذلك شيء، وإنما وجبت الفدية بحلق الشعر، ولأن القمل لا قيمة له، فأشبه البعوض والبراغيث، ولأنه ليس بصيد ولا هو مأكول. وله قلم الظفر إذا انكسر بقدر المنكسر من غير فدية تلزمه، قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم أن للمحرم أن يزيل ظفره بنفسه إذا انكسر، ولأن\r-------------------------------\r(1) نيل الأوطار: 11/5.","part":3,"page":605},{"id":1998,"text":"ما انكسر يؤذيه ويؤلمه، فأشبه الشعر النابت في عينه، والصيد الصائل عليه. فإن قص أكثر مما انكسر فعليه الفدية لذلك الزائد.\rولا ينظر في المرآة لإصلاح شيء كإزالة شعث أو تسوية شعر أو شيء من الزينة،لحديث «إن المحرم الأشعث الأغبر» وفي حديث آخر: «إن الله يباهي بأهل عرفة ملائكته، فيقول: يا ملائكتي انظروا إلى عبادي قد أتوني شعثاً غبراً ضاحين» أو كما جاء لفظ الحديث.ولافدية عليه بالنظر في المرآة على كل حال، وإنما ذلك أدب لا شيء على تاركه. وله النظر في المرآة لحاجة كمداواة جرح أو إزالة شعر نبت في جفنه ونحو ذلك مما أباح الشرع له فعله. والخلاصة: يكره النظر لزينة، ويجوز لحاجة.\rالأصل الثالث ـ النساء :\rوهذا يشمل أمرين: عقد الزواج، والجماع ومقدماته.\rأما عقد الزواج: فيحرم ولا يصح عند الجمهور إلا في حق النبي صلّى الله عليه وسلم ـ إن ثبت تزوجه ميمونة وهو محرم ـ ولا فدية فيه، فلا يتزوج المحرم ولو بوكيل غير محرم، ولا يزوج بولاية أو وكالة، فإن فعل فالزواج باطل. لقوله صلّى الله عليه وسلم : «لا يَنْكح المحرم ولا يُنكح، ولا يخطب» (1) ، ولأن الإحرام يحرم الطيب، فيحرم النكاح كالعدة. ومتى تزوج المحرم أو زوج، أو زُوِّجت محرمة، فالنكاح باطل؛ لأنه منهي عنه.\rوتكره الخطبة للمحرم، وخطبة المحرمة، ويكره للمحرم أن يخطب لحلال (غير محرم)، للحديث السابق «ولا يخطب» ولأنه تسبب إلى الحرام، فأشبه الإشارة إلى الصيد.\rوالإحرام الفاسد كالصحيح في منع النكاح وسائر المحظورات؛ لأن حكمه باق في وجوب ما يجب في الإحرام، فكذلك ما يحرم به.\r-------------------------------\r(1) رواه مسلم.","part":3,"page":606},{"id":1999,"text":"وأجاز الحنفية الزواج والخطبة للمحرم، لما روى ابن عباس: «أن النبي صلّى الله عليه وسلم تزوج ميمونة وهو محرم» (1) . ورد الجمهور بحديث ميمونة: «أن النبي صلّى الله عليه وسلم تزوجها حلالاً، وبنى بها حلالاً، وماتت بسَرف في الظلة التي بنى بها فيها» (2) وبحديث أبي رافع قال: «تزوج رسول الله صلّى الله عليه وسلم ميمونة وهو حلال، وبنى بها وهو حلال، وكنت أنا الرسول بينهما» (3) وميمونة وأبو رافع أعلم بذلك من ابن عباس، وأولى بالتقديم لو كان ابن عباس كبيراً، فكيف وقد كان صغيراً لا يعرف حقائق الأمور، ولا يقف عليها، وقد أنكر عليه هذا القول، وقال سعيد بن المسيب: «وَهِم ابن عباس، ما تزوجها النبي صلّى الله عليه وسلم إلا حلالاً» . ثم إن حديث «لا ينكح المحرم...» قول، فيقدم على الفعل المروي عن ابن عباس، وهو آكد، لأن الفعل يحتمل أن يكون مختصاً بما فعله عليه السلام.\rوأما الجماع ومقدماته: فيحرم بالاتفاق ولو لبهيمة، ويحرم على المرأة الحلال تمكين زوجها المحرم من الجماع؛ لأنه إعانة على معصية، ويحرم على الرجل الحلال جماع زوجته المحرمة.\rوبناء عليه: يحرم على المحرم الوطء في الفرج، ومقدمات الجماع من تقبيل ولمس بشهوة ومباشرة وجماع فيما دون الفرج، لقوله تعالى: {الحج أشهر معلومات، فمن فرض فيهن الحج، فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج} [البقرة:197/2] والرفث: ما يكنى به عن الجماع وجميع حاجات الرجال إلى النساء.\rويتوقى المحرم في إحرامه ما نهاه الله عنه في هذه الآية من الرفث (الجماع) والفسوق وهو السباب، والجدال: وهو المراء والمجادلة. وقال النبي صلّى الله عليه وسلم :\r-------------------------------\r(1) متفق عليه.\r(2) رواه أبو داود والأثرم.\r(3) قال الترمذي: هذا حديث حسن، وميمونة أعلم بنفسها، وأبو رافع صاحب القصة، وهو السفير فيها.","part":3,"page":607},{"id":2000,"text":"«من حج فلم يرفُث ولم يفسُق، خرج من ذنوبه كيومَ ولدته أمه» (1) .\rفإن جامع قبل الوقوف بعرفة أفسد حجه ومضى في فاسده وعليه القضاء فوراً من العام القادم، حتى وإن كان نسكه تطوعاً، وعليه بدنة، لقضاء الصحابة رضي الله تعالى عنهم بذلك، كما سأبين.\rوإن جامع بين التحللين، أو جامع ثانياً بعد جماعه الأول قبل التحللين، فعليه شاة.\rوإن جامع فيما دون الفرج أنزل أو لم ينزل، أو قبل أو لمس بشهوة أو باشر، فعليه دم، لكن لا يفسد حجه عند الجمهور غير المالكية، قال ابن عمر: «إذا باشر المحرم امرأته، فعليه دم» وذلك سواء فعل ما ذكر من الجماع ومقدماته عامداً أو ناسياً أو مكرهاً. أما لو نظر إلى فرج امرأته عن شهوة، فأمنى، فلا شيء عليه، بخلاف المس عن شهوة، إنه يوجب الدم، أمنى أو لم يمن، والفرق: أن اللمس: استمتاع بالمرأة وقضاء للشهوة، أما النظر فليس استمتاعاً ولا قضاء للشهوة، بل هو سبب لزرع الشهوة في القلب، والمحرم ليس ممنوعا عما يزرع الشهوة كالأكل.\rورأى الشافعية أنه إن باشر فيما دون الفرج ناسياً فلا شيء عليه، سواء أنزل أم لا. والاستمناء باليد يوجب الفدية. ولو كرر النظر إلى امرأة فأنزل من غير مباشرة ولا استمناء، فلا فدية عليه، كما قال الحنفية.\rوكذلك قال الحنابلة: إن فكر أو نظر فأنزل فلا شيء عليه؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلم كان ينظر إلى نسائه وهو محرم. وإن كرر النظر حتى أمذى أو أمنى، فعليه دم عندهم.\rأما المالكية فقالوا: إن إنزال المني مفسد الحج والعمرة مطلقاً، حتى وإن حدث بنظر أو فكر مستديمين، لا بمجردهما، بخلاف الإنزال بغيرهما لا يشترط فيه الإدامة. وبه يلتقي الحنابلة مع المالكية في إيجاب الدم في حال الاستدامة، لكن يختلف المذهبان في مجرد النظر أو الفكر، فعند المالكية: يجب دم، وعند الحنابلة: لا شيء عليه.\r-------------------------------\r(1) متفق عليه.","part":3,"page":608},{"id":2001,"text":"وللمحرم بالاتفاق أن يتجر ويصنع الصنائع ويرتجع زوجته مادامت في عدتها، لقوله تعالى: {ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلاًمن ربكم} [البقرة:198/2] أي في مواسم الحج، والمرأة الرجعية زوجة، والرجعة إمساك، لقوله تعالى: {فأمسكوهن بمعروف} [البقرة:231/2] فأبيح ذلك كالإمساك قبل الطلاق.\rما يفسد الحج، وحكمه إذا فسد :\rأولاً ـ شروط كونه مفسداً: يشترط في الجماع المفسد للحج شرطان عند الحنفية وغيرهم:\rالأول ـ أن يكون الجماع في الفرج: وهذا متفق عليه، فلو جامع فيما دون الفرج، أو لمس بشهوة، أو عانق، أو قبل، أو باشر، لا يفسد حجه، لكن تلزمه عند الحنفية الكفارة، سواء أنزل أو لم ينزل. وقال المالكية: وكذا الإنزال بالوطء أو بغيرالوطء إلا الاحتلام يوجب الدم.\rورأى الشافعية: أن الاستمناء باليد والمباشرة فيما دون الفرج حرام، لا يفسد الحج، ويوجب الدم إن أنزل. وشرطوا لإفساد الحج بالجماع أن يكون المجامع عالماً بالتحريم، فإن كان ناسياً أو جاهلاً بالتحريم أو جومعت المرأة مكرهة، لم يفسد الحج ولا فدية أيضاً في الأصح. والجماع وحده هو الذي يفسد الحج، سواء للرجل والمرأة، حتى لو استدخلت المرأة ذكر نائم، فسد حجها وعمرتها.\rوذهب الحنابلة إلى أنه إن وطئ دون الفرج، فلم ينزل، فعليه دم، وإن أنزل، فعليه بدنة، ولا يفسد حجه في الرواية الصحيحة. وقالوا: على الرجل المحرم بدنة إن وطئ في الفرج واستكرهها، فإن كانت طاوعته فعلى كل واحد منهما بدنة. وإذا تكرر الجماع، فإن كفر عن الأول، فعليه للثاني كفارة ثانية كالأول، وإن لم يكن كفر عن الأول، فكفارة واحدة.\rوالخلاصة: إن الجماع وحده مفسد للحج عند الجمهور، ويضم إليه الإنزال عند المالكية.","part":3,"page":609},{"id":2002,"text":"والثاني ـ أن يكون الجماع عند الحنفية قبل الوقوف بعرفة، فمن جامع بعد الوقوف بعرفة، لم يفسد حجه. وعليه بدنة إن جامع بعد الوقوف قبل الحلق، لأن الركن الأصلي هوالوقوف بعرفة، لحديث: «الحج عرفة» أي الوقوف بعرفة، وعليه مع فساد الحج شاة إن جامع قبل الوقوف، لما روي أن الصحابة قالوا: عليه هدي.\rوقال الجمهور غير الحنفية: يفسد الحج إن وقع قبل التحلل الأول (1) ،ولو بعد الوقوف؛ لأنه وطء صادف إحراماً صحيحاً لم يحصل في التحلل الأول، فأشبه ما قبل الوقوف. وعليه بدنة عند الشافعية والحنابلة، لقضاء الصحابة بذلك، وهدي عند المالكية في زمن القضاء، وأفضله الإبل، ثم البقر ثم الضأن، ثم المعز أما العمرة: فتفسد عند الحنفية (2) إن جامع قبل أن يطوف أربعة أشواط، وعليه قضاوها، وشاة. وإن وطئ بعدما طاف أربعة أشواط فلا تفسد، ولا يلزمه قضاؤها، وعليه شاة.\rوتفسد عند المالكية والحنابلة (3) إن جامع قبل تمام السعي، قبل الحلق، وعليه لإفسادها هدي عند المالكية، وشاة عند الحنابلة، ولا فدية على مكرهة، ولا يفسد بعد تمام السعي وقبل الحلق.\rوتفسد عند الشافعية (4) إن جامع قبل التحلل أو الفراغ منها، وعليه لإفسادها بدنة كالحج، لتغليظ الجناية.\rثانياً ـ حكم الحج إذا فسد :\rإذا فسد الحج بالجماع يجب المضي في فاسده، ويجب القضاء اتفاقاً على الفور من العام التالي، وإن كان نسكه تطوعاً؛ لأنه يلزم بالشروع فيه، فصار فرضاً، بخلاف باقي العبادات عند غير الحنفية. وفورية قضاء الفاسد؛ لأنه وإن كان وقت الحج موسعاً، يضيق بالشروع فيه، ولقول الصحابة بقضائه من قابل.\rويستوي في ذلك الرجل والمرأة لاستوائهما في المعنى الموجب للفساد.\r-------------------------------\r(1) التحلل الأول كماسبق يحصل بفعل اثنين من ثلاثةوهي رمي جمرة العقبة والحلق وطواف الإفاضة.\r(2) الكتاب مع اللباب: 202/1.\r(3) الشرح الصغير: 94/2، غاية المنتهى: 382/1.\r(4) مغني المحتاج: 522/1.","part":3,"page":610},{"id":2003,"text":"ويجب عليه بدنة عند الشافعية والحنابلة، سواء حدث الإفساد قبل الوقوف أم بعده، لقضاء الصحابة بذلك، بدون تفرقة بين ما قبل الوقوف وبعده، ولأنه جماع صادف إحراماً تاماً، فوجب به كما بعد الوقوف، والقضاء واجب على الصبي إن أفسد نسكه بالجماع.\rوعليه عند المالكية هدي زمن القضاء، لقول ابن عمر لمن واقع امرأته: «..فإذا كان في العام المقبل فاحجج أنت وامرأتك واهديا هدياً..» .\rوأوجب الحنفية عليه شاة إن جامع قبل الوقوف وفسد حجه، وبدنة إن جامع بعد الوقوف قبل الحلق وحجه صحيح؛ لأنه قبل الوقوف معنى يوجب القضاء، فلم يجب به بدنة كفوات الوقوف، ولأن ابن عباس أوجب البدنة في موضعين في الحج: أحدهما إذا طاف للزيارة جنباً ورجع إلى أهله ولم يعد، والثاني إذا جامع بعد الوقوف . وإذا كان المحرم قارناً فجامع قبل الوقوف فسد حجه وعمرته، وعليه دمان لكل واحد منهما شاة، وعليه المضي فيهما وإتمامهما على الفساد، وعليه قضاؤهما، ويسقط عنه دم القران، وأوجب الشافعية مع البدنة دم القران.\rالأصل الرابع ـ الصيد :\rلا يجوز للمحرم قتل صيد البر واصطياده أو الدلالة عليه، إلا المؤذي المبتدئ بالأذى غالباً كالأسد والذئب والحية والفأرة والعقرب والكلب العقور، والكلب عند المالكية: كل حيوان وحشي يخاف منه كالسباع. وعند أبي حنيفة: الكلب المعروف.","part":3,"page":611},{"id":2004,"text":"ويجوز للمحرم صيد البحر مطلقاً، وذبح المواشي الإنسية كالأنعام من الإبل والبقر والغنم، وذبح الطير الذي لا يطير في الهواء كالدجاج، والدليل قوله تعالى: {أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعاً لكم وللسيارة، وحرِّم عليكم صيد البر مادمتم حرماً} [المائدة:96/5]، وقوله سبحانه: {ياأيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حُرُم} [المائدة:95/5]، وتحريم الإشارة إلى الصيد والدلالة عليه والأكل منه واضح من حديث أبي قتادة لما صاد الحمار الوحشي وأصحابه محرمون، فقال النبي صلّى الله عليه وسلم لأصحابه: «هل أشار إليه إنسان أو أمره بشيء؟ قالوا: لا، قال: فكلوه» (1) وهذا دليل الحنفية القائلين: يجوز للمحرم أكل الصيد مطلقاً إذا صاده الحلال.\rوقال الجمهور: يحرم الأكل من لحم صيد البر على المحرم إذا صيد له، لحديث الصعب بن جَثَّامة: «أنه أهدى إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلم حماراً وحشياً وهو بالأبواء أو بودّان، فرده عليه، فلما رأى ما في وجهه قال: إنا لم نردَّه عليك، إلا أنا حُرُم» (2) وهذا الرأي أرجح؛ لأنه اقتصر في التعليل على كونه محرماً، كما قال الشوكاني، ولحديث آتٍ: «صيد البر لكم حلال ما لم تصيدوه أو يصد لكم» .\rوللمذاهب تفصيلات في الصيد الممنوع، خلاصتها ما يأتي:\rقال الحنفية (3) : لا يجوز للمحرم أن يتعرض لصيد البر المأكول وغير المأكول إلا المؤذي غالباً. والصيد الممنوع: كل حيوان بري متوحش بأصل الخلقة مباح أو مملوك، فلا يحرم على المحرم ذبح الإبل والبقر والغنم؛ لأنها ليست بصيد، لعدم الامتناع، والصيد هو الممتنع المتوحش، ولا يحرم الدجاج والبط الذي في المنازل. والكلب والسنَّور ( القط ) الأهلي ليس بصيد: لأنه مستأنس. ويحل صيد البحر\r-------------------------------\r(1) رواه مسلم، والبخاري بلفظ آخر عن أبي قتادة (نيل الأوطار: 21/5).\r(2) متفق عليه بين أحمد والشيخين (المرجع السابق: ص 18) ولأحمد ومسلم وأبي داود والنسائي مثله عن زيد بن أرقم.\r(3) البدائع: 195/2-206، الكتاب: 206/1-210، فتح القدير: 255/2.","part":3,"page":612},{"id":2005,"text":"للحلال والمحرم، للآية السابقة، والبحري: هو الذي توالده في البحر، سواء أكان لا يعيش إلا في البحر أم يعيش في البحر والبر. والبري: ما يكون توالده في البر، سواء أكان لا يعيش إلا في البر، أم يعيش في البر والبحر، فالعبرة للتوالد.\rولا بأس بقتل البرغوث والبعوض والنملة والذباب والقراد والزنبور؛ لأنها ليست بصيد، لانعدام التوحش والامتناع، ولأن هذه الأشياء من المؤذيات المبتدئة بالأذى غالباً، فالتحقت بالمؤذيات المنصوص عليها من الحية والعقرب في حديث: «خمس فواسق يقتلن في الحل والحرم: الحية والعقرب والفأرة والكلب العقور والغراب» (1) .\rولا يقتل القملة، لا لأنها صيد، بل لما فيها من إزالة التفث، لأنه متولد من البدن كالشعر، والمحرم منهي عن إزالة التفث من بدنه، فإن قتلها تصدق بشيء، كما لو أزال شعرة.\rوكذا لا يقتل الجرادة، لأنها صيد البر.\rولا بأس له بقتل هوام الأرض من الفأرة والحية والعقرب والخنافس والجعلان وصياح الليل والصرصر ونحوها؛ لأنها ليست بصيد، بل من حشرات الأرض. وكذا القنفذ وابن عرس؛ لأنهما من الهوام.\rوله أن يقتل ما لا يبتدئ بالأذى غالباً كالضبع والثعلب وغيرهما من الضب واليربوع والقرد والفيل والخنزير إن عدا عليه، ولا شيء عليه إذا قتله في قول أئمة الحنفية ما عدا زفر.\rوإن ذبح المحرم صيداً،فذبيحته ميتة لا يحل أكلها لأحد من مُحرم أو حلال، ولا بأس أن يأكل المحرم لحم صيد اصطاده حلال أوذبحه، إذا لم يدلَّه المحرم عليه، ولا أمره بصيد، سواء اصطاده لنفسه أو للمحرم، حيث لم يكن له فيه صنع.\r-------------------------------\r(1) رواه مسلم والنسائي وابن ماجه عن عائشة، وله ألفاظ أخرى عند أبي داود وأحمد.","part":3,"page":613},{"id":2006,"text":"وقال المالكية (1) : لايقتل المحرم شيئاً من صيد البر، ما أكل لحمه، ومالم يؤكل، كما قال الحنفية: سواء أكان ماشياً أم طائراً في الحرم أم في غيره، ولا يأمر به، ولا يدل عليه، ولا يشير إليه، فإن أمر أو دل، فقد أساء ولا كفارة عليه.\rولا يأكل لحم صيد صيد له أو من أجله، خلافاً للحنفية، وإن صيد في الحل لحلال، جاز للمحرم أكله.\rوكل ما ذبحه المحرم من الصيد أو قتله عمداً أو خطأ، فهو ميتة، ولا يجوز له ولا لغيره أكله، كما قال الحنفية.\rويجوز له ذبح المواشي الإنسية كالأنعام والطير الذي لا يطير في الهواء كالدجاج، وله صيد البحر مطلقاً، وهذا متفق عليه.\rوله قتل الحيوان المضر كالأسد ونحوه مما ذكر، وهذا متفق عليه.\rولا يقتل ضبعاً ولا خنزيراً ولا قرداً إلا أن يخاف من عاديته.\rويحرم قتل ما لا ضرر فيه من البعوضة فما فوقها.\rوقال الشافعية (2) : يحرم بالإحرام اصطياد كل حيوان مأكول بري متوحش مباح أو مملوك، وكذا المتولد من المأكول وغيره، أو من الإنسي وغيره، كالمتولد من حمار وحشي وحمار أهلي، أو من شاة وظبي، ويجب به الجزاء احتياطاً.\rويحرم الجراد، ولا يحرم السمك وصيد البحر: وهو مالا يعيش إلا في البحر. أما ما يعيش في البر والبحر فحرام، وتحرم الطيور المائية التي تغوص في الماء وتخرج. ولا يحرم ما ليس مأكولاً كما قال الحنابلة، خلافاً للحنفية والمالكية.\rولو ذبح المحرم صيداً، صار ميتة على الأصح، فيحرم على كل أحد أكله.\rويحرم على المحرم أكل صيد ذبحه هو، أو صاد ه غيره بإذنه، أوبغير إذنه، أو أعان عليه،أو كان له تسبب فيه، فإن أكل منه عصى، ولا جزاء عليه بسبب الأكل. ولو صاده حلال للمحرم ولا تسبب فيه، جاز له الأكل منه، ولا جزاء عليه، كما قال المالكية.\r-------------------------------\r(1) القوانين الفقهية: ص137، الشرح الصغير: 99/2-110.\r(2) مغني المحتاج: 524/1-526، المهذب: 210/1 ومابعدها، الإيضاح: ص 28 ومابعدها.","part":3,"page":614},{"id":2007,"text":"وقال الحنابلة (1) : يحرم على المحرم قتل صيد البر واصطياده والإعانة أو الدلالة عليه إذا كان وحشياً مأكولاً، أومتولداً منه ومن غيره، ويباح صيد غير المأكول كما قرر الشافعية.\rويحرم عليه أكله من ذلك كله، وكذا ما ذبح أو صيد لأجله فلا يأكل المحرم ما صاده الحلال أو ذبحه لأجله، كما قال الشافعية، لقوله صلّى الله عليه وسلم : «صيد البر لكم حلال ما لم تصيدوه أو يصد لكم» (2) ويتعين حمل حديث الصعب بن جثَّامة على هذا، ويكون امتناع النبي صلّى الله عليه وسلم عن الأكل من الحمار الوحشي لعلمه أو ظنه أنه صيد من أجله. ويحمل حديث أبي قتادة الذي استدل به الحنفية على جواز الأكل من الصيد الذي صاده الحلال، لا من أجل المحرم.\rويحرم قتل القمل وصئبانه؛ لأنه يترفه بإزالته كإزالة الشعر، ولو كان قتله بزئبق ونحوه، ويحرم رميه أيضاً، ولا جزاء فيه، لأنه ليس بصيد ولا قيمة له. ويحرم قتل الجراد ويضمن بقيمته في مكانه.\rوما حرم على المحرم لكونه صيد من أجله أو دل عليه أو أعان عليه، لم يحرم على الحلال أكله، لقول علي: «أطعموه حلالاً» وهو محمول على أنه صيد من أجلهم، ولم ينه النبي صلّى الله عليه وسلم الصعب بن جثامة عن أكل الحمار الوحشي، ولأنه صيد حلال، فأبيح للحلال أكله، كما لو صيد لهم.\rوهل يباح أكله لمحرم آخر لم يصد له؟ فيه احتمالان: قال عثمان: يباح، لظاهر الحديث «صيد البر لكم حلال مالم تصيدوه أو يصد لكم» وروي «أنه أهدي لعثمان صيد وهو محرم، فقال لأصحابه: كلوا، ولم يأكل هو، وقال: إنما صيد من أجلي» ولأنه لم يصد من أجله، فحل له كما لو صاده الحلال لنفسه.\r-------------------------------\r(1) المغني: 309/3-315، كشاف القناع: 502/2-514، غاية المنتهى: 376/1-379.\r(2) رواه أبو داود والنسائي والترمذي، وقال: هو أحسن حديث في الباب، وفيه جمع بين الأحاديث وبيان المختلف منها.","part":3,"page":615},{"id":2008,"text":"وقال علي: يحرم عليه، لقوله: «أطعموه حلالاً، فإنا حُرُم » وهذا ما أرجحه.\rوإذا ذبح المحرم الصيد، صار ميتة يحرم أكله على جميع الناس. وهذا متفق عليه؛ لأنه حيوان حرم عليه ذبحه لحق الله تعالى، فلم يحل بذبحه كذبح المجوسي.\rوالخلاصة يحرم عند الحنفية والمالكية الصيد المأكول وغيرالمأكول، ولا يحرم عند غيرهم إلا الصيد المأكول أو المتولد منه ومن غيره.\rوإذا اضطر المحرم فوجد صيداً وميتة، أكل الميتةعند الحنابلة والمالكية، وقال الشافعي: يأكل الصيد (1) .\rوأضاف الحنابلة: ويباح قتل الفواسق كالحية والغراب ونحوهما، وقتل كل ما كان طبعه الأذى، وإن لم يوجد منه الأذى كالأسد والنمر والذئب والفهد وما في معناه، والحشرات المؤذية كالزنبور والبق والبعوض والبراغيث. ويباح صيد البحر والنهر إلا في الحرم، ولو للحلال.\rمباحات الإحرام :\rيتلخص مماسبق بيانه أنه يباح للمحرم ما يأتي مما ليس من المحرمات السابقة (2) :\r1 - للمحرم غسل الرأس بما ينظفه من الوسخ كالسدر والخطمي وغيرهما من غيرنتف شيء من شعره، لكن الأولى ألا يفعل؛ لأن ذلك نوع من الترفه، والحاج أشعث أغبر. وله أن يغتسل من الجنابة بالإجماع، وإذا اغتسل من الجنابة استحب أن يغسل رأسه ببطون أنامله برفق، حتى يتسرب الماء في أصول شعره، ولا يحكه بأظفاره. ويكره له عند المالكية والحنابلة غسل رأسه بالسدر والخطمي ونحوهما، لما فيه من إزالة الشعث والتعرض لقلع الشعر. ويجوز له أيضاً غسل البدن في الحمام وغيره ولا يكره.\r2 - وله الاكتحال بما لا طيب فيه، ويكره بالإثمد إلا للحاجة فلا يكره.\r3 - لا بأس بالاختتان والفصد والحجامةإذا لم يقطع الشعر؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلم احتجم وهو محرم (3) ، ويجوز قلع الضرس وجبر الكسر، وحك الرأس والبدن برفق بأظفاره على وجه لا ينتف شعراً، أو يسقط قملة، والمستحب ألا يفعل.\r-------------------------------\r(1) هذا ما ذكره المغني:315/3 وكشاف القناع:514/3.\r(2) وانظر الإيضاح للنووي: ص 30، المغني: 297/3-308.\r(3) متفق عليه عن ابن عباس.","part":3,"page":616},{"id":2009,"text":"فلو حك رأسه أو لحيته، فسقط بحكه شعرة أوشعرات، لزمته الفدية أو التصدق بما شاء. ولو سقط شعر وشك، هل كان زائلاً بنفسه، أم انتتف بحكه فلا فدية على الأصح عند الشافعية.\rوللمحرم عند الشافعية أن ينحي القمل من بدنه وثيابه ولا كراهة في ذلك، وله قتله ولا شيء عليه، بل يستحب للمحرم قتله، كما يستحب لغيره. وهذا هو الراجح خلافاً لمن منع ذلك، تحقيقاً للنظافة ومنع الأذى. ويكره للمحرم أن يفلي رأسه ولحيته، فإن فعل، فأخرج منهما قملة وقتلها، تصدق ولو بلقمة على ما عليه الشافعي، وهذا التصدق مستحب. ولا يتفلى المحرم ولا يقتل القمل عند الحنابلة، فإن خالف وتفلى أو قتل قملاً أو ألقاه أو قتله بالزئبق فلا فدية عليه. وقال الحنفية: يتصدق بما شاء من كف من طعام.\r4 - للمحرم أن ينشد الشِعْر الذي لا يأثم فيه.\r5 - ولا يكره للمحرم والمحرمة النظر في المرآة، خلافاً للحنابلة والمالكية فيكره.\r6 - يباح قتل الفواسق كالحدأة والفأرة، بنص الحديث المتقدم، ويجوز قتل السباع، وقتل الحشرات المؤذية كالبعوض والبراغيث والذباب في رأي الجمهور غيرالمالكية.\r7 - يجوز صيد البحر، وذبح الأنعام الإنسية، والطيور التي لا تطير كالدجاج والبط والإوز الأهلي.","part":3,"page":617},{"id":2010,"text":"8 - يباح الاستظلال بالبيت والمحمل والمظلة ونحوها مما لا يصيب رأسه أو وجهه. ويكره الاستظلال بالمحمل عند المالكية والحنابلة، فإن فعل فعليه دم، ولكن له أن يستظل بالسقف والحائط والشجرة والخباء.\r9 - يجوز أن يشد على وسطه حزام النقود ولو كانت لغيره، ويجوز عقد الإزار لستر العورة، وكذا يجوز لبس حزام الفتق، وعليه الفدية.\r10 - يحل حمل السلاح وقتال العدو للحاجة، ولبس الخاتم والساعة والحزام (الكمر).\r11- يباح الكلام، ولكن يستحب للمحرم قلة الكلام في كل حال إلا فيما ينفع، صيانة لنفسه عن اللغو والوقوع في الكذب، وما لا يحل؛ لأن من كثر كلامه كثر سقطه. ويستحب للمحرم أن يشتغل بالتلبية وذكر الله تعالى أو قراءة القرآن، أو أمر بمعروف، أو نهي عن منكر، أو تعليم لجاهل، أو يأمر بحاجته، أو يسكت. وإن تكلم بما لا مأثم فيه، أو أنشد شعراً لا يقبح، فهو مباح ولا يكثر.\rالمبحث الحادي عشر ـ جزاء الجنايات\rتطرأ على المحرم عوارض: هي الجنايات، والإحصار، والفوات. أما الجنايات فهي جمع جناية، وهي لغة: ما تجنيه من شر، وشرعاً: ما حرم من الفعل بسبب الإحرام أو الحرم.\rوالجنايات نوعان :\r1 ً - جناية على الإحرام: هي ارتكاب مخالفة لأعمال الحج أو العمرة، أو اقتراف محظور من محظورات الإحرام السابقة، وترك واجب من واجبات الحج، ولو كان الجاني ناسياً أو جاهلاً أو مكرهاً أو مخطئاً، أو مغمى عليه، بشرط أن يكون الجاني عند الحنفية محرماً بالغاً، فلا شيء على الصبي عند الحنفية والمالكية والحنابلة؛ لأن عمده خطأ، لكن لو وطئ يفسد حجه ويمضي في فاسده، وفي وجوب القضاء عليه عند الحنابلة وجهان: الأول: لا يجب لعدم تكليفه، والثاني: يجب كوطء البالغ.","part":3,"page":618},{"id":2011,"text":"وأوجب الشافعية في الأصح على الصبي الفدية والقضاء إذا ارتكب محظوراً من محظورات الإحرام وكان عامداً لا ناسياً أو مكرهاً، بناء على أن عمده عمد، وهو أحد القولين المشهورين (1) .\rوالحاصل أنه يفسد حج الصبي بالجماع بلا خلاف بين أئمة المذاهب الأربعة خلافاً لداود الظاهري، وقال الدسوقي المالكي: لا يفسد حجه.\r2 ً - جناية على الحرم: وهي التعرض لصيد الحرم وشجره، سواء من المحرم أو غيره، إذا كان الشخص مكلفاً (بالغاً عاقلاً) ولو ناسياً أو جاهلاً أو مكرهاً أو مخطئاً. وذلك يوجب ضمان المثل أو القيمة، وسوف أبينه في بحث خصوصيات الحرم.\rأما الجناية على الإحرام: فقد توجب دماً (2) واحداً أو أكثر، أو صدقة، أو دون ذلك، أو قيمة، على النحو التالي (3) ، وهو يشمل بحث الفدية وجزاء الصيد.\rأولاً ـ الجناية التي توجب بدنة (ناقة أو بقرة) يوزع لحمها على فقراء الحرم:\r1ً - الجماع في أثناء الإحرام قبل التحلل الأول وبعد وقوف عرفة: ويفسد حجه عند الجمهور، ولا يفسد حجه عند الحنفية، فإن جامع المحرم زوجته قبل الوقوف فإنه يفسد حجه، وعليه شاة فقط عند الحنفية، ويمضي في فاسده من حج أو عمرة حتى التمام، ثم يقضيه بالاتفاق فوراً في العام المقبل إن كان حجاً، وبعد تمام الفاسد إن كان عمرة.\rوأوجب المالكية الهدي من الأنعام (الإبل ثم البقر ثم الضأن ثم المعز) بالجماع أو الإنزال بغير الاحتلام قبل الوقوف مطلقاً أو بعد الوقوف قبل طواف الإفاضة ورمي جمرة العقبة يوم النحر.\r-------------------------------\r(1) شرح المجموع:28/7، الإيضاح: ص 99.\r(2) يراد بكلمة الدم عند الإطلاق: هو وجوب الشاة أو سبع بدنة أو بقرة كالواجب في الأضحية.\r(3) الدر المختار:2733/2-296، فتح القدير:224/2-254، الكتاب مع اللباب: 199/1-210، القوانين الفقهية: ص 138 ومابعدها، بداية المجتهد: 346/1-356، الشرح الكبير: 54/1-71، الشرح الصغير: 84/2-98، مغني المحتاج: 521/1-526، المهذب: 210/1-217، غاية المنتهى: 384/1-391، المغني:255/3، 492-526، 544 ومابعدها، مراقي الفلاح: ص 26 ومابعدها، حاشية الشرقاوي: 510/1 ومابعدها.","part":3,"page":619},{"id":2012,"text":"2ً - إذا طاف طواف الإفاضة جنباً أو حائضاً أو نفساء.\rثانياً ـ الجناية التي توجب دمين :\rهي جناية القارن عند الحنفية، وهي كل جناية يجب بها على المفرد دم واحد، فعليه مثلاً دمان إذا حلق قبل الذبح، دم للتأخير ودم للقران على المذهب، وقال الشافعية والمالكية والحنابلة: القارن والمفرد في كفارات الإحرام واحد؛ لأن القارن كالمفرد في الأفعال، فكان كالمفرد في الكفارات، فتلزمه بالجماع بدنة واحدة بسبب الإفساد لاتحاد الإحرام، ويلزمه مع ذلك شاة للقران. والمتمتع كالقارن (1) .\rثالثاً ـ الجناية التي توجب دماً واحداً إما على سبيل التخيير أو الترتيب :\r1ً - لبس المخيط وتغطية الرأس والحلق وقص الأظفار والتطيب:\rقال الحنفية: إن لبس المحرم ثوباً مخيطاً أوغطى رأسه يوماً كاملاً ، فعليه دم (شاة) يفرق لحمها على فقراء الحرم، وإن كان أقل من ذلك، فعليه صدقة.\rوإن حلق موضع الحجامة، فعليه دم عند أبي حنيفة، وقال الصاحبان: عليه صدقة؛ لأنه غير مقصود في ذاته.\rوإن حلق ربع الرأس فصاعداً أو ربع اللحية، فعليه دم، وإن حلق أقل من الربع فعليه صدقة؛ لأن حلق بعض الرأس ارتفاق كامل لأنه معتاد، فتتكامل به الجناية، ويتقاصر فيما دونه.\rوإن قص في مجلس واحد أظافر يديه ورجليه جميعاً، أو أظافر يديه فقط أو أظافر يد واحدة أو رجل واحدة، فعليه شاة. وإن تعدد المجلس بأن قص أظافر يديه في مجلس، ثم أظافر رجليه في مجلس واحد وجب عليه دمان.\rوإن قص أقل من خمسة أظافر متفرقة من يديه ورجليه، فعليه صدقة عند أبي حنيفة وأبي يوسف.\rوإن طيب المحرم عضواً كاملاً كالرأس والفم واليد والرجل فأكثر أو جسمه كله، فعليه دم (شاة)؛ لأن المعتبر الكثرة، وحد الكثرة: هو العضو.\rوإن طيب المحرم ثوبه، لزمه دم بشرط لبسه يوماً كاملاً.\rوإن خضب رأسه أو يده أو لحيته بحناء وجب دم.\r-------------------------------\r(1) شرح المجموع: 7 385/7،394، 400، 418.","part":3,"page":620},{"id":2013,"text":"وإن ادهن بزيت أو شيرج، لزمه دم، لأنهما أصل الطيب (1) ، بخلاف بقية الأدهان كالسمن والشحم ودهن اللوز. أما لو أكل الزيت أو داوى به جرحه أو شقوق رجليه أو أقطر في أذنيه، فلا يجب عليه شيء، لا دم ولا صدقة باتفاق الحنفية، لأنه ليس بطيب من كل وجه، لكن لو استعمل المسك والعنبر والغالية والكافور ونحوهما مما هو طيب في نفسه، فإنه يلزمه الدم بالاستعمال ولو على وجه التداوي. ولو جعله في طعام وإن لم يطبخ فلا شيء فيه إذا كان مغلوباً، ويكره أكله، كما يكره شم الطيب والتفاح.\rوإن تطيب أو حلق أو لبس ثوباً لعذر فهو مخير: إن شاء ذبح شاة، وإن شاء تصدق على ستة مساكين بثلاثة أصوع (1) من طعام لكل مسكين نصف صاع، وإن شاء صام ثلاثة أيام، لقوله تعالى: {فمن كان منكم مريضاً أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نُسُك} [البقرة:196/2].\r-------------------------------\r(1) ومن الأدهان الموجبة لذبح شاة: زيت الشعر ونحوه أو الكريم.","part":3,"page":621},{"id":2014,"text":"وقال الجمهور غير الحنفية: من لبس أو حلق شعره أو قلم أظفاره أو تطيب أو ادهن أو أزال ثلاث شعرات متوالية عند الشافعية أو أزال أكثر من شعرتين أو ظفرين عند الحنابلة: يخير في الفدية بين ذبح شاة يتصدق بها، أو صيام ثلاثة أيام، أو إطعام ستة مساكين، لكل مسكين نصف صاع، وذبح الشاة يسمى نسكاً، فالنسك أحد خصال الفدية، سواء فعل المحظور عمداً أو خطأ أو جهلاً، والتخيير ثابت مع العسر واليسر في أي مكان شاء، ودليل التخيير الآية السابقة: {ففدية من صيام أو صدقة أو نسك} [البقرة:196/2] وقوله صلّى الله عليه وسلم لكعب بن عُجرة: «أيؤذيك هوامّ رأسك؟ قال: نعم، قال: انسك شاة، أو صم ثلاثة أيام، أو أطعم فَرقاً من الطعام (2) على ستة مساكين» وقيس بالحلق وبالمعذور غيرهما. فهذه الفدية عند الجمهور عامة للمعذور وغيره، وخاصة عند الحنفية بالمعذور. وشعر الرأس وغيره سواء في وجوب الفدية؛ لأن الشعر كله جنس واحد في البدن، ويجزئ البر والشعير والزبيب في الفدية، كما في الفطرة وكفارة اليمين. والواجب عند الحنابلة فدية واحدة مالم يكفر عن الأول، فإن كفر عن الأول ثم حلق ثانياً، فعليه كفارة ثانية. وإذا حلق المحرم رأس حلال أو قلم أظفاره،!فلا فدية عليه عند الجمهور، وقال أبو حنيفة: يلزمه صدقة؛ لأنه أتلف شعر آدمي، فأشبه شعر المحرم. وإن حلق رأس محرم بإذنه أو حلقه حلال بإذنه، فالفدية على المحلوق. وإن كان المحلوق مكرهاً أونائماً، فلا\r-------------------------------\r(1) جمع صاع، وهو جملة قلة، وجمع الكثرة صيعان. وجمعه على آصع من خطأ العوام، والصاع (2751) غراماً عند الجمهور، وعند الحنفية (3800 غم).\r(2) الفرق: ثلاثة آصع.","part":3,"page":622},{"id":2015,"text":"فدية على المحلوق رأسه عند المالكية والحنابلة،وقال أبو حنيفة:على المحلوق رأسه الفدية،وعن الشافعي كالمذهبين (1) .\rوهذه الفدية عند الشافعية والحنابلة تجب في مقدمات الجماع بشهوة كإمناء بنظرة ومباشرة بغير إنزال، وإمذاء بتكرار نظر أو تقبيل أو لمس أو مباشرة. وتجب أيضاً في الجماع الثاني بعد الجماع الأول، وفي حالة الجماع بين التحللين. والإنزال بغير الاحتلام عند المالكية كالجماع يفسد الحج ويوجب الهدي.\r2ً - الجماع ومقدماته:\rقال الحنفية: إن قبل أو لمس بشهوة أنزل أو لم ينزل في الأصح، أواستمنى بكفه، فعليه دم؛ لأن دواعي الجماع محرمة لأجل الإحرام مطلقاً، فيجب الدم مطلقاً.\rوإن جامع في أحد السبيلين من آدمي ولو ناسياً أو مكرهاً أو كانت نائمة، قبل الوقوف بعرفة، فسد حجه، ووجب عليه شاة أو سُبْع بدنة، ويمضي وجوباً في حجه الفاسد كغيره ممن لم يفسد حجه، ووجب عليه القضاء فوراً، ولو كان حجه نفلاً، لوجوبه بالشروع فيه، ولم يقع الموقع المطلوب. لكن ليس على صبي أو مجنون أفسد حجه دم ولا قضاء.\rفإن جامع بعد الوقوف بعرفة قبل الحلق أو الطواف، لم يفسد حجه، ويجب عليه بدنة، كما بينت؛ لأنه أعلى أنواع الجناية فغلظت عقوبتها.\rوإن جامع ثانياً فعليه شاة؛ لأنه وقع في إحرام مهتوك.\rوإن جامع بعد الوقوف والحلق، فعليه شاة، لبقاء إحرامه في حق النساء فقط أي بين التحللين الأول والثاني.\rومن جامع في العمرة قبل أن يطوف لها أربعة أشواط، أفسدها؛ لأن الطواف في العمرة بمنزلة الوقوف في الحج، ومضى فيها، وقضاها فوراً، ووجب عليه شاة؛ لأنها عند الحنفية سنة. وإن وطئ بعد ما طاف لها أربعة أشواط، وقبل الحلق، فعليه شاة، ولا تفسد عمرته، ولا يلزمه قضاؤها.\r-------------------------------\r(1) المغني: 494/3-496.","part":3,"page":623},{"id":2016,"text":"وقد سبق بيان رأي غير الحنفية في هذا المحظور، فعند الشافعية والحنابلة إن كان الوطء قبل التحلل الأول يجب عليه بدنة، فإن عدمها لزمه بقرة، فإن عدمها لزمه سبع شياه، فإن عدمها قوم البدنة بدراهم واشترى بقيمتها طعاماً وتصدق به، فإن عجز صام عن كل مد يوماً. فإن وطئ بين التحللين أو بعد الإفساد لزمه شاة، كما في الحلق ونحوه.\r3ً - ترك واجب من واجبات الحج:\rقال الحنفية: إن طاف طواف القدوم جنباً فعليه شاة لغلظ الجنابة. وإن طاف طواف الزيارة محدثاً، فعليه شاة؛ لأنه أدخل النقص في الركن. وإن طاف للقدوم محدثاً فعليه صدقة، وإن طاف للزيارة جنباً، فعليه بدنة لغلظ الجنابة. والأفضل أن يعيد الطواف ما دام بمكة ولا ذبح عليه.\rومن طاف طواف الصَّدَر (الوداع) محدثاً، فعليه صدقة، وإن طاف جنباً، فعليه شاة. ومن ترك من طواف الزيارة ثلاثة أشواط فما دونها، فعليه شاة. وإن ترك أربعة أشواط، بقي محرماً أبداً حتى يطوفها.\rوإن ترك طواف الوداع أو أربعة أشواط منه، فعليه شاة، ومن ترك من طواف الوداع ثلاثة أشواط فعليه صدقة.\rومن أعاد أي طواف على طهارة، سقط الدم، لإتيانه به على الوجه المشروع، والأصح وجوب الإعادة في حال الجنابة، وندبها في حال الحدث، ومن طاف وربع عضو من العورة مكشوف، أعاد الطواف ما دام بمكة، وإن لم يعد حتى خرج من مكة، فعليه دم.\rومن ترك السعي بين الصفا والمروة، فعليه شاة، وحجه تام.\rومن أفاض من عرفة قبل الإمام والغروب، فعليه دم، ويسقط بالعود قبل الغروب، لا بعده.\rومن ترك الوقوف بالمزدلفة، فعليه دم.\rومن ترك رمي الجمار في الأيام كلها بغروب شمس آخر أيام الرمي وهو اليوم الرابع، فعليه دم واحد، وإن ترك رمي يوم فعليه دم، وإن ترك رمي إحدى الجمار الثلاث. فعليه صدقة.\rوإن ترك رمي جمرة العقبة، فعليه دم.","part":3,"page":624},{"id":2017,"text":"ومن أخر الحلق حتى مضت أيام النحر، فعليه دم عند أبي حنيفة، وكذا لو أخر طواف الزيارة عن أيام النحر، فعليه دم عنده. وقال الصاحبان: لا شيء عليه. ويجب ذبح شاة على القارن والمتمتع بالاتفاق، كما بينت سابقاً. وكل ما وجب فيه دم على المفرد وجب فيه دمان على القارن: دم لحجته ودم لعمرته، إلا في حال تجاوز الميقات من غير إحرام عليه إن عاد دم واحد.\rوقال المالكية (1) : دماء الحج أو العمرة ثلاثة: الفدية، وجزاء الصيد، والهدي، وقد عرفنا الفدية، أما الهدي فيجب في خمسة أنواع: جبر ما تركه من الواجبات كترك التلبية أو طواف القدوم أو رمي الجمار أو المبيت بمنى والمزدلفة وغير ذلك، وهدي المتعة والقران، وكفارة الوطء ونحوه كمذي وقبلة بفم، وجزاء الصيد، وهدي الفوات. والهدي مرتب، بخلاف الفدية وجزاء الصيد.\rوقال الشافعية: حاصل الدماء الواجبة في الحج أربعة أنواع:\rالأول - دم ترتيب وتقدير: ومعنى الترتيب: أنه يلزمه الذبح، ولايجوز العدول إلى غيره إلا إذا عجز عنه. ومعنى التقدير: أن الشرع قدر مايعدل إليه بما لايزيد ولاينقص. وهو دم التمتع والقران والفوات، والمنوط بترك مأمور: وهو ترك الإحرام من الميقات، والمبيت بمزدلفة ومنى، وطواف الوداع، والواجب ذبح شاة للموسر، فإن عجز صام عشرة أيام.\rوالثاني - دم ترتيب وتعديل: بمعنى أن الشرع أمر فيه بالتقويم والعدول إلى غيره بحسب القيمة، ويلزمه في حال الجماع، فيجب فيه بدنة، ثم بقرة، ثم سبع شياه، فإن عجز قوم البدنة بدراهم، والدراهم طعاماً، وتصدق به، فإن عجز صام عن كل مد يوماً.\rويلزم في حال الإحصار ، فعليه شاة، ثم طعام بالتعديل، فإن عجز عن الطعام، صام عن كل مد يوماً، لقوله تعالى: {فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي} [البقرة:196/2].\r-------------------------------\r(1) الشرح الصغير:119/2، القوانين الفقهية: ص139.","part":3,"page":625},{"id":2018,"text":"والثالث- دم تخيير وتقدير: أي إنه يجوز العدول إلى غيره مع القدرة عليه. فيتخير في حلق ثلاث شعرات أو قلم ثلاثة أظفار بالتتابع، بين ذبح وإطعام ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع، وصوم ثلاثة أيام. ويتخير أيضاً في حال التطيب ودَهْن الرأس أو اللحية وبعض شعور الوجه، واللبس، ومقدمات الجماع، والاستمناء، والجماع غير المفسد. والفدية تجب في حلق الشعر ولو ناسياً أو جاهلاً بالحرمة، لعموم الآية: { ولاتحلقوا رؤوسكم} [البقرة:196/2]، بخلاف الناسي والجاهل في التمتع باللبس والطيب والدهن والجماع ومقدماته: لاتجب الفدية عليه لاشتراط العلم والقصد فيه.\rوالرابع ـ دم تخيير وتعديل: وهو دم جزاء الصيد والشجر، فيجب مثل الصيد، أوشراء حَبّ لأهل الحرم بقدر قيمته، يوزع على الفقراء، أو الصيام عن كل مد يوماً. فإن لم يكن للصيد مثل، خيِّر بين الإطعام أوالصيام إلا الحمام فيجب فيه شاة، والدليل آية المائدة 95: { يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حُرُم، ومن قتله منكم متعمداً، فجزاءٌ مِثْل ُما قتل من النَّعَم، يحكم به ذوا عدل منكم، هدياً بالغ الكعبة، أو كفارةٌ طعام مساكين، أو عَدْل ُ ذلك صياماً ليذوق وبال أمره..} [المائدة:95/5] وأما شجر الحرم ونباته فيحرم قطعه ويجب ضمانه بالقطع أو القلع، سواء النبات الذي ينبت بنفسه والمستنبت، ففي الشجرة الكبيرة بقرة، وفي الصغيرة شاة، عملاً بما رواه الشافعي عن ابن الزبير. فإن صغرت الشجرة جداً، ففيها القيمة.\rوقال الحنابلة: الفدية: ما يجب بسبب نسك أو حرم، وله تقديماً على فعل محظور لمعذور، وهي نوعان: تخيير وترتيب. فالتخيير: يكون بين ذبح شاة، أو صيام ثلاثة أيام أو إطعام ستة مساكين لكل مسكين مد بُر أو نصف صاع يجزئ في الفطرة. وذلك كفدية لبس المخيط، وطيب، وتغطية رأس، وإزالة أكثر من شعرتين أو ظفرين، ومقدمات الجماع كما تقدم، وجزاء صيد كما سأبين.","part":3,"page":626},{"id":2019,"text":"والترتيب :\rأ ـ إما بذبح شاة حال اليسار، وصيام عشرة أيام حال الإعسار، وذلك كدم التمتع والقران، وترك واجب، وفوات، وإحصار، والصوم في غير الإحصار: ثلاثة في أيام الحج، وسبعة إذا رجع إلى أهله، ولا يجب تتابع ولا تفريق في الأيام، ومن لم يصم الثلاثة في أيام منى، صام بعدها عشرة، وعليه دم مطلقاً، وعلى المحصر دم، فإن لم يجد ثمنه أو عدمه، صام عشرة أيام بنية التحلل ثم حل، ولا إطعام فيه.\rب ـ وإما بذبح بدنة ونحوها في الحج، وشاة في العمرة، فإن عجز صام عشرة أيام: ثلاثة في الحج، وسبعة إذا رجع، وذلك في حال الوطء وإنزال مني بمباشرة دون فرج، أو بتكرار نظر أو تقبيل أو لمس بشهوة، أواستمناء، ولو خطأ. والمرأة المطاوعة كالرجل، لا النائمة والمكرهة، ولا شيء على من فكر فأنزل أو احتلم أوأمذى بنظرة، ولا على من قتل القمل وعقد النكاح.\rرابعاً ـ ما يوجب الصدقة :\rالصدقة: نصف صاع من البر (1) ، أو قيمة ذلك من الدراهم عند الحنفية. وتجب الصدقة عند الحنفية فيما يأتي من الحالات التي أشرت إليها سابقاً وهي :\rأ ـ إن طيب المحرم أقل من عضو كامل.\rب ـ إن حلق أقل من ربع الرأس أو اللحية أو حلق شاربه.\rجـ ـ إن لبس المخيط أو ستر رأسه أقل من يوم أو أقل من ليلة.\rد ـ إن قص أقل من خمسة أظافير متفرقة، فلكل ظفر صدقة.\rهـ ـ إن طاف للقدوم أو للوداع أو لكل طواف تطوع محدثاً، فإن طاف للقدوم جنباً أو طاف طواف الزيارة محدثاً فعليه شاة، وإن طاف للزيارة جنباً فعليه بدنة. وإن طاف للوداع جنباً فعليه شاة.\rو ـ إن ترك شوطاً من أشواط طواف الوداع أو السعي، أو نقص حصاة من إحدى الجمار.\rز ـ إن حلق المحرم رأس غيره، سواء أكان الغير محرماً أم حلالاً. ولا شيء عليه إن طيب عضو غيره أو ألبسه مخيطاً إجماعاً.\r-------------------------------\r(1) وهو عند الحنفية 1900 غم، وعند الجمهور 1375 غم.","part":3,"page":627},{"id":2020,"text":"وقال المالكية: في قلم الظفر ترفهاً أوعبثاً، لا لإماطة الأذى، حفنة من طعام. وفي إزالة الشعر والشعرات والقملة والقملات لعشر لغير إماطة الأذى: حفنة من طعام يعطيها لفقير، فإن قلم أكثر من ظفر مطلقاً أو قلم واحداً فقط لإماطة الأذى، أو أزال أكثر من عشر مطلقاً، أو قتل أو طرح أكثر من عشر قملات مطلقاً لإماطة الأذى، فتلزمه فدية.\rوقال الشافعية: الأظهر أن في الشعرة والظفر مد طعام، وفي الشعرتين والظفرين مدين أي نصف صاع، وفي ثلاث شعرات وثلاثة أظفار فدية كاملة (شاة).\rوقال الحنابلة كالشافعية: في كل شعرة أو ظفر مد من طعام، وفي قطع بعض الظفر أوبعض الشعرة مثل ما في جميعه. والمذهب وجوب الفدية الكاملة في حلق ثلاث شعرات وقلم ثلاثة أظفار.\rخامساً ـ ما يوجب أقل من نصف صاع: وهو التصدق بما شاء :\rقال الحنفية: إن قتل جرادة، أو قملة أو اثنتين أوثلاثاً أو ألقاها من بدنه أو ثوبه، أو ألقى ثوبه بالشمس لتموت، أو دل عليها غيره، يتصدق بما شاء ككف طعام؛ لأن القملة متولدة من التفث الذي على البدن. ولو قتل قملة وجدها على الأرض لم يكن عليه شيء. والجراد من صيد البر.\rزمان الفدية ومكانها :\rقال الحنفية (1) : النسك: أي ذبح الشاة أو البدنة يختص بالحرم بالاتفاق؛ لأن الإراقة لم تعرف قربة إلا في زمان أو مكان، وهذا لم يختص بزمان، فتعين اختصاصه بالمكان.\rوأما الصوم: فيجزئ في أي موضع شاء؛ لأنه عبادة في كل مكان، ولا يشترط تتابع الأيام. وكذا الصدقة تصح في أي مكان شاء.\rوقال المالكية (2) : الفدية: وهي كفارة ما يفعله المحرم من الممنوعات إلا الصيد والوطء، لا تختص بأنواعها الثلاثة (الصيام والصدقة والنسك) بمكان أو زمان، فيجوز تأخيرها لبلده أو غيره في أي وقت شاء. أما الهدي الواجب جزاء للصيد أو الوطء فمحله منى أو مكة، فإن وقف بالهدي بعرفة بجزء من الليل ذبحه بمنى، وإلا فبمكة.\r-------------------------------\r(1) الدر المختار: 288/2، اللباب: 201/1.\r(2) الشرح الصغير: 93/2، القوانين الفقهية: ص 138 ومابعدها.","part":3,"page":628},{"id":2021,"text":"وقال الشافعية (1) : الدم الواجب بفعل حرام كالحلق لعذر أو ترك واجب عليه غير ركن كدم الجبرانات ودم التمتع والقرآن والحلق : لايختص بزمان ، ويختص ذبحه بالحرم في الأظهر ، ويجب صرف لحمه إلى مساكين الحرم وفقرائه: القاطنين منهم والغرباء ، فكل الدماء الواجبة وبدلها من الطعام تختص تفرقتها بالحرم على مساكينه ، وكذا يختص به الذبح ، إلا دم المحصر ، فيذبح حيث أحصر . ودم الفوات يجزئ قبل دخول وقت الإحرام بالقضاء ، كالتمتع إذا فرغ من عمرته ، فإنه يجوز له أن يذبح قبل الإحرام بالحج على المعتمد .\rوقال الحنابلة (2 ) : ما وجب لترك واجب، أو بفعل محظور من هدي أو إطعام يكون في الحرم. ويلزم ذبح هدي التمتع والقران والمنذور بالحرم، ويفرق لحمه على مساكينه.\rوالأفضل نحر ما وجب بحج بمنى، وما وجب بعمرة بالمروة، ومن عجز عن إيصال المذبوح للحرم حتى بوكيله، ينحره حيث قدر، ويفرقه بمنحره. وتجزئ فدية أذى في الرأس، ولبس المخيط، وتغطية الرأس، والطيب، وفدية فعل المحظور غير الصيد: خارج الحرم، ولو بلا عذر. ويدخل وقت ذبح الفدية من حين فعل الجناية، وقبله بعد وجود سببه المبيح ككفارة يمين، ويكون جزاء الصيد بعد جرحه، وفدية ترك الواجب عند تركه. ويجزئ دم الإحصار حيث أحصر. ويصح الصوم في كل مكان.\r-------------------------------\r(1) مغني المحتاج: 530/1-532.\r(2) غاية المنتهى:388/1 ومابعدها.","part":3,"page":629},{"id":2022,"text":"سادساً ـ الجناية التي توجب القيمة أو المثل (جزاء الصيد وقطع النبات ) :\rأوجب أبو حنيفة القيمة بقتل الصيد، وأوجب الجمهور المثل في المثلي أو القيمة.\rقال أبو حنيفة (1) : تجب القيمة بقتل الصيد أو الدلالة عليه. والصيد المقصود: هو كل حيوان بري متوحش بأصل خلقته، سواء أكان مباحاً أم مملوكاً مأكولاً أم غير مأكول كالأسد والنمر إذا لم يكن صائلاً، وكالنسر والبوم والغزال والنعام ونحوها، فلا يعد صيداً الكلب والهر والحية والعقرب والذباب والبعوض والبرغوث والقراد والسلحفاة، والفراشة والدجاج والبط ونحوها.\rوتجب القيمة على قاتله سواء أكان عامداً أم مخطئاً أم ناسياً لإحرامه، أم مبتدئاً بقتل الصيد أم عائداً إليه (أي تكرر منه) ؛ لأنه ضمان إتلاف، فأشبه غرامات الأموال.\rوتقدر القيمة عند أبي حنيفة وأبي يوسف: بأن يقوم الصيد في المكان الذي قتله المحرم فيه، أو في أقرب المواضع منه إن كان في برية، يقوّمه ذوا عدل لهما خبرة في تقويم الصيد، لقوله تعالى: { فجزاءٌ مثل ما قتل من النعم يحكم به ذوا عدل منكم } [المائدة:95/5] وقال في الهداية: والواحد يكفي، والاثنان أولى؛ لأنه أحوط وأبعد من الغلط، كما في حقوق العباد.\rثم يخير المحكوم عليه بالقيمة: إن شاء اشترى بها هدياً فذبح بمكة إن بلغت القيمة هدياً مجزئآً في الأضحية من إبل أو بقر أوغنم؛ وإن شاء اشترى بها طعاماً، فتصدق به على كل مسكين نصف صاع من بُر، أو صاعاً من تمر أوشعير؛ وإن شاء صام يوماً عن كل نصف صاع من بر أو صاع من تمر أو شعير. فإن فضل من الطعام أقل من نصف صاع فهو مخير: إن شاء تصدق به، وإن شاء صام عنه يوماً كاملاً. وتجب قيمة الحشيش والشجر النابت بنفسه الذي لا ينبته الناس في حرم مكة إذا قطعه الشخص البالغ إلا الإذخر والكمأة، سواء أكان محرماً أم حلالاً، وتوزع القيمة مثل توزيع جزاء صيد الحرم.\r-------------------------------\r(1) اللباب: 206/1 وما بعدها.","part":3,"page":630},{"id":2023,"text":"وقال المالكية(1) : جزاء الصيد أحد ثلاثة أنواع على التخيير كالفدية، بخلاف الهدي، يحكم بالجزاء من غير المخالف ذوا عدل فقيهان اثنان، فلا يكفي واحد أو كون الصائد أحدهما، ولا يكفي كافر، ولا فاسق، ولامرتكب ما يخل بالمروءة، ولا جاهل غير عالم بالحكم في الصيد؛ لأن كل من ولّي أمراً، فلا بد من أن يكون عالماً بما وُلّي به.\rوأنواع الجزاء الثلاثة هي :\rالنوع الأول: مثل الصيد الذي قتله من النَّعَم (الإبل والبقر والغنم) قدراً وصورة أو قدراً، بشرط كونه مجزئاً كما تجزئ الأضحية سناً وسلامة من العيوب. فلا يجزئ صغير ولا معيب.\rالنوع الثاني ـ قيمة الصيد طعاماً: بأن يقوَّم بطعام من غالب طعام أهل ذلك المكان الذي يخرج فيه. وتعتبر القيمة يوم التلف بمحل التلف، ويعطى لكل مسكين بمحل التلف مدّ بمد النبي صلّى الله عليه وسلم ، فإن لم يوجد فيه مساكين فيعطى لمساكين أقرب مكان له.\rالنوع الثالث - عدل ذلك الطعام صياماً: لكل مد صوم يوم، في أي مكان شاء من مكة أو غيرها، وفي أي زمان شاء، ولايتقيد بكونه في الحج أو بعد رجوعه.\rوطريق تقدير الحكمين لجزاء الصيد: في النعامة أو الفيل بَدَنة، وفي حمار الوحش أو بقرة الوحش بقرة، وفي الضَّبْع والثعلب والظبي وحمام حرم مكة ويمامه شاة. وفيما دون ذلك كفارة طعام أو صيام بتقويم الحكمين. ولا جزاء عندهم فيما حرم قطعه من الشجر في حرمي مكة والمدينة.\r-------------------------------\r(1) الشرح الصغير: 112/2-118.","part":3,"page":631},{"id":2024,"text":"وكذلك قال الشافعية (1) مثل المالكية: إن أتلف المحرم صيداً له مثل من النعم ففيه مثله، وإن لم يكن له مثل ففيه قيمة، ويتخير في جزاء إتلاف الصيد المثلي بين ثلاثة أمور: ذبح مثله والتصدق به على مساكين الحرم، أو أن يقوم المثل بالدراهم ويشتري به طعاماً لمساكين الحرم، أو يصوم عن كل مد يوماً. وغير المثلي: يتصدق بقيمته طعاماً أو يصوم عن كل مد يوماً. ففي النعامة بدنة، وفي بقر الوحش وحماره بقرة، وفي الغزال عنز، وفي الأرنب عَنَآق، وفي اليَرْبوع جَفْرة (أنثى المعز إذا بلغت أربعة أشهر وفصلت عن أمها)، وفي الضبع كبش، وفي الثعلب شاة، وفي الضب: جدي. وما لا نقل فيه يحكم بمثله من النعم عدلان، لقوله تعالى: {يحكم به ذوا عدل منكم} [المائدة:95/5] ويجب فيما لا مثل له مما لا نقل فيه من السُّنة أو عن الصحابة كالجراد وبقية الطيور ما عدا الحمام: القيمة، عملاً بالأصل في القيميات. وتقدر القيمة بموضع الإتلاف أو التلف لا بمكة على المذهب. ويلزم في الكبير كبير، وفي الصغير صغير، وفي الذكر ذكر، وفي الأنثى أنثى، وفي الصحيح صحيح، وفي المعيب معيب إن اتحد جنس العيب، وفي السمين سمين، وفي الهزيل هزيل، ولو فدى المريض بالصحيح أو المعيب أو الهزيل بالسمين\rفهو أفضل، وما لا مثل له مما فيه نقل وهو الحمام في الواحدة منها شاة.\rوالأظهر ضمان قطع نبات الحرم المكي الرطب الذي لا يستنبت، وقطع أشجاره، ففي قطع الشجرة الحرمية الكبيرة، بقرة لها سنة، وفي الصغيرة شاة، وفي الشجرة الصغير جداً: قيمتها. والمذهب وهو الأظهر أن النبات المستنبت وهو\r-------------------------------\r(1) مغني المحتاج: 524/1-529.","part":3,"page":632},{"id":2025,"text":"ما استنبته الآدميون من الشجر كغيره في الحرمة والضمان، لكن يحل الإذخر والشوك وغيره كالعوسج من كل مؤذ، كالصيد المؤذي، فلا ضمان في قطعه، والأصح حل أخذ نبات الحرم من حشيش ونحوه لعلف البهائم وللدواء، وللتغذي، للحاجة إليه، ولأن ذلك في معنى الزرع، ولا يضمن في الجديد صيد المدينة مع حرمته.\rوقال الحنابلة (1) أيضاً مثل الشافعية: يخير في جزاء الصيد بين مثل له، أو تقويمه بمحل تلف أو قربه بدراهم يشتري بها طعاماً، فيطعم كل مسكين مد بُر، أو نصف صاع من غيره، أو يصوم عن طعام كل مسكين يوماً، وإن بقي دون طعام صام. ويخير فيما لا مثل له من القيميات بين إطعام وصيام، ولا يجب تتابع فيه.\rويضمن نبات الحرم المكي وشجره حتى المزروع إلا الإذخر والكمأة والثمرة، فيجب في الشجرة الصغيرة شاة، وفيما فوقها بقرة، ويخير بين ذلك وبين تقويم الجزاء، وتوزع قيمته كجزاء الصيد، وتجب قيمة الحشيش. ولاجزاء في قطع ما حرم من صيد المدينة وشجرها.\rضوابط جزاء الصيد :\rأفاض ابن قدامة في بيان أحكام جزاء الصيد (2) ، أوجزها فيما يلي:\rأولاً ـ وجوب الجزاء على المحرم بقتل الصيد: أجمع أهل العلم على وجوبه، لقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حُرُم، ومن قتله منكم متعمداً فجزاء مثل ما قتل من النعم} [المائدة:95/5].\rوقتل الصيد نوعان: مباح ومحرم.\rفالمحرم: قتله ابتداء من غير سبب يبيح قتله، ففيه الجزاء. والمباح ثلاثة أنواع:\rأحدها: أن يضطر إلى أكله، فيباح له ذلك بغير خلاف نعلمه، لقوله تعالى: {ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة} [البقرة:195/2] ومتى قتله ضمنه، سواء وجد غيره أم لم يجد.\r-------------------------------\r(1) غاية المنتهى: 384/1-397.\r(2) المغني: 504/3-526.","part":3,"page":633},{"id":2026,"text":"الثاني : إذا صال عليه صيد، فلم يقدر على دفعه إلا بقتله، فله قتله، ولا ضمان عليه، وهذا موافق لرأي الشافعي وأبي حنيفة، لأنه قتله لدفع شره، فلم يضمنه كالآدمي الصائل.\rالثالث : إذا خلص صيداً من سبع أو شبكة صياد، أو أخذه ليخلص من رجله خيطاً ونحوه، فتلف بذلك، فلا ضمان عليه؛ لأنه فعل أبيح لحاجة الحيوان، فلم يضمن ما تلف به.\rثانياً ـ الجزاء واجب في الخطأ والعمد: وهذا متفق عليه بين أئمة المذاهب، لقول جابر: «جعل رسول الله صلّى الله عليه وسلم في الضبع يصيده المحرم كبشاً» وقال عليه الصلاة والسلام: «في بيض النعام يصيبه المحرم: ثمنه، ولم يفرق» (1) ولأنه ضمان إتلاف استوى عمده وخطؤه كمال الآدمي.\rثالثاً ـ الجزاء لا يجب إلا على المحرم: ولا فرق بين إحرام الحج وإحرام العمرة، سواء أكان مفرداً أم قارناً، لعموم النص فيهما، ولا خلاف في ذلك.\rرابعاً ـ الجزاء لا يجب إلا بقتل الصيد: لأنه الذي ورد به النص بقوله تعالى: {لا تقتلوا الصيد} [المائدة:95/5] والصيد: ما جمع ثلاثة أوصاف: وهو أن يكون مباحاً أكله، لا مالك له، ممتنعاً وحشياً، فلا جزاء فيما ليس بمأكول كسباع البهائم والمستخبث من الحشرات والطير وسائر المحرمات. وهذا قول أكثر أهل العلم، إلا أنهم أوجبوا الجزاء في المتولد بين المأكول وغيره، كالمتولد من الضبع والذئب، تغليباً لتحريم قتله.\rولا جزاء اتفاقاً بذبح وأكل ما ليس بوحشي، كبهيمة الأنعام كلها والخيل والدجاج ونحوها. والاعتبار في ذلك بالأصل لا بالحال.\rخامساً ـ وجوب الجزاء في صيد البر دون صيد البحر بغير خلاف: لقوله تعالى: {أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعاً لكم وللسيارة، وحرِّم عليكم صيد البر ما دمتم حرماً} [المائدة:96/5].\r-------------------------------\r(1) رواهما ابن ماجه.","part":3,"page":634},{"id":2027,"text":"ولا فرق بين حيوان البحر الملح، وبين ما في الأنهار والعيون، فإن اسم البحر يتناول الكل، لقوله تعالى: {وما يستوي البحران، هذا عذب فرات سائغ شرابه، وهذا ملح أجاج، ومن كلٍ تأكلون لحماً طرياً} [فاطر:12/35] وحيوان البحر: ماكان يعيش في الماء ويفرخ ويبيض فيه، كالسمك ونحوه، وإن كان مما يعيش في البر والبحر كالسلحفاة والسرطان فهو كالسمك لا جزاء فيه. أما طير الماء ففيه الجزاء باتفاق أهل العلم. وكذا الجراد فيه الجزاء في قول الأكثرين.\rسادساً ـ كيفية وجوب الجزاء بقتل الصيد: قال أبو حنيفة: الواجب القيمة؛ لأن الصيد ليس بمثلي. وقال الجمهور: الواجب المثل من النعم؛ لقوله تعالى: {فجزاء مثل ما قتل من النعم} [المائدة:95/5] وجعل النبي صلّى الله عليه وسلم في الضبع كبشاً، وأجمع الصحابة على إيجاب المثل، فقالوا: «في النعامة بدنة» وحكم ابن عباس وأبو عبيدة «في حمار الوحش ببدنة» وحكم عمر « فيه ببقرة » ، فليس المراد حقيقة المماثلة، فإنها لاتتحقق بين النعم والصيد، لكن أريدت المماثلة من حيث الصورة، وهو الأرجح لدي. والمتلف من الصيد قسمان:\r1 - قسم قضت فيه الصحابة: فيجب فيه ما قضت، وبه قال الحنابلة والشافعية. وقال مالك: يستأنف الحكم فيه، لقوله تعالى: {يحكم به ذوا عدل} [المائدة:95/5] لكن مذهب المالكية موافق للرأي الأول كما تقدم. ويدل للحنابلة وموافقيهم ما روي عن جابر: «أن النبي صلّى الله عليه وسلم جعل في الضبع يصيدها المحرم كبشاً» (1) وروى جابر عن النبي صلّى الله عليه وسلم : قال: «في الضبع كبش إذا أصاب المحرم، وفي الظبي شاة، وفي الأرنب عناق، وفي اليربوع جفرة» (2) .\r-------------------------------\r(1) رواه أبو داود وابن ماجه عن جابر.\r(2) رواه الدارقطني.","part":3,"page":635},{"id":2028,"text":"2 - وقسم لم تقض فيه الصحابة: فيرجع إلى قول عدلين من أهل الخبرة، لقوله تعالى: {يحكم به ذوا عدل منكم} [المائدة:95/5] فيحكمان فيه بأشبه الأشياء به من النعم من حيث الخلقة، لا من حيث القيمة، بدليل أن قضاء الصحابة لم يكن بالمثل في القيمة. ولم يشترط الحنابلة في الحاكم كونه فقيهاً خلافاً للمالكية، وإنما شرطوا فيه العدالة، للنص عليها.\rويجوز عند الحنابلة والشافعية كون قاتل الصيد أحد العدلين، لعموم قوله تعالى: {يحكم به ذوا عدل منكم} [المائدة:95/5] والقاتل مع غيره ذوا عدل منا.\rسابعاً ـ نوع الجزاء :\rقال الحنابلة والشافعية: في كبير الصيد مثله من النعم، وفي الصغير: صغير، وفي الذكر: ذكر، وفي الأنثى أنثى، وفي الصحيح صحيح، وفي المعيب: معيب، لقوله تعالى: {فجزاء مثل ما قتل من النعم} [المائدة:95/5] مثل الصغير صغير.\rوالجفرة: التي قد فطمت ورعت.\rوقال المالكية: يجب ما يجزئ في الأضحية، ففي الصغير كبير، وفي المعيب صحيح، لقوله تعالى: {هدياً بالغ الكعبة} [المائدة:95/5] ولا يجزئ في الهدي صغير ولا معيب.\rضمان جزء الصيد: أضاف الحنابلة: إن أتلف جزءاً من الصيد وجب ضمانه؛ لأن جملته مضمونة، فكان بعضه مضموناً كالآدمي والأموال، ولأن النبي صلّى الله عليه وسلم قال: «لا ينفَّر صيدها» فالجرح أولى بالنهي، والنهي يقتضي التحريم،وما كان محرماً من الصيد وجب ضمانه كنفسه. ويضمن بمثله من مثله. هذا إن اندمل الصيد ممتنعاً، فإن اندمل غير ممتنع ضمنه جميعه؛ لأنه عطَّله، فصار كالتالف، ولأنه مفض إلى تلفه، فصار كالجارح له جرحاً يتيقن به موته. قال ابن قدامة: وهذا مذهب أبي حنيفة.","part":3,"page":636},{"id":2029,"text":"ضمان مضاعفات الجرح: إن جرح المحرم صيداً، فوقع في شيء تلف به: ضمنه؛ لأنه تلف بسببه، وكذلك إن نفره فتلف في حال نفوره، ضمنه. فإن سكن في مكان وأمن من نفوره ثم تلف، لم يضمنه. ويجوز عند الحنابلة إخراج جزاء الصيد بعد جرحه وقبل موته.\rقاعدة الضمان: وكل ما يضمن به الآدمي يضمن به الصيد من مباشرة وتسبب. وما جنت عليه دابته بيدها أو فمها من الصيد. فالضمان على راكبها، أو قائدها أو سائقها، وما جنت برجلها، فلا ضمان عليه؛ لأنه لا يمكن حفظ رجلها.\rكيفية ضمان الطير: قال الجمهور: في النعامة بدنة، وفي الحمام شاة؛ لأن النعامة تشبه البعير في خلقته، فكانت البدنة مثلاً لها، وتوجب الآية المثل: {فجزاء مثل ما قتل من النعم} [المائدة:95/5] ولأن الآثار عن الصحابة ذكرت في الحمام شاة، وكذلك ما كان أكبر من الحمام كالحباري والكركي والكروان والحجل والأوز الكبير من طير الماء، فيه شاة. وقال أبو حنيفة: الواجب هو القيمة.\rولا خلاف في أن ضمان غير الحمام ونحوه من الطير هو القيمة في المكان الذي أتلفه فيه. وكذلك يضمن بيض الطير بقيمة الطير، لقول ابن عباس: «في بيض النعام قيمته» .","part":3,"page":637},{"id":2030,"text":"وقال المالكية (1) : يجب في الجنين وفي البيض عُشر دية الأم .\rثامناً ـ التخيير في جزاء الصيد: اتفقت المذاهب على أن قاتل الصيد مخير في الجزاء بين أحد أمور ثلاثة، بأيها شاء كفَّر، سواء أكان موسراً أم معسراً، والأمور الثلاثة: هي ذبح النظير، وتقويم النظير بدراهم ثم بطعام، لكل مسكين مد، وصيام يوم عن كل مد، لقوله تعالى: {هدياً بالغ الكعبة، أو كفارة طعام مساكين، أو عدل ذلك صياماً} [المائدة:95/5] و «أو» في الأمر للتخيير، بين المثل أو الإطعام أوالصيام. وإذا اختار المثل ذبحه، وتصدق به على مساكين الحرم، لقوله تعالى: {هدياً بالغ الكعبة} [المائدة:95/5] والهدي يجب ذبحه، ولا يجزئه أن يتصدق به حياً على المساكين، لتسميته هدياً، وله ذبحه في أي وقت شاء، ولا يختص ذلك بأيام النحر.\rكيفية تقدير الطعام ونوعه :\rقال الشافعية والحنابلة: متى اختار الإطعام: فإنه يقوم المثل بالدراهم، والدراهم بطعام ويتصدق به على المساكين؛ لأن المثل الواجب إذا قوم، لزمت قيمة مثله. ولا يجزئ إخراج القيمة؛ لأن الله تعالى خير بين ثلاثة أشياء ليست القيمة منها. ونوع الطعام المخرج: هو الذي يخرج في الفطرة وفدية الأذى: وهو الحنطة والشعير والتمر والزبيب. وقال مالك: يقوم الصيد لا المثل؛ لأن التقويم إذا وجب لأجل الإتلاف، قوم المتلف كالذي لا مثل له.\rتقدير الصيام :\rفي الصيام: يصوم عند الجمهور: عن كل مد يوماً؛ لأنها كفارة دخلها الصيام والإطعام، فكان في مقابلة المد ككفارة الظهار: المد فيها في مقابلة إطعام المسكين. وإذا بقي ما لا يعدل يوماً، صام يوماً كذلك.\rوقال أبو حنيفة: يصوم عن كل نصف صاع من بُرّ يوماً ، إذ لا يجوز عنده أن يطعم المسكين أقل من نصف صاع؛ لأن الطعام المذكور ينصرف إلى ما هو المعهود في الشرع.\r-------------------------------\r(1) الشرح الصغير: 118/2.","part":3,"page":638},{"id":2031,"text":"تاسعاً ـ ما لا مثل له من الصيد كالجراد: يخير قاتله بين أن يشتري بقيمته طعاماً، فيطعمه للمساكين، وبين أن يصوم. ولا يجوز إخراج القيمة عند الحنابلة في الظاهر، والشافعية، وإنما يتخير بين إخراج طعام بقيمته والصيام بعدد الأمداد.\rعاشراً ـ تكرار قتل الصيد والاشتراك في القتل: كلما قتل صيداً حكم عليه، فيجب الجزاء بقتل الصيد الثاني، كما يجب عليه إذا قتله ابتداء؛ لأنه كفارة عن قتل، فاستوى فيه المبتدئ والعائد كقتل الآدمي، ولأن هذه الكفارة بدل متلف يجب به المثل أو القيمة، فأشبه بدل مال الآدمي.\rولو اشترك جماعة في قتل صيد، فعليهم جزاء واحد في رأي الحنابلة على الصحيح والشافعية، لقوله تعالى: {فجزاء مثل ما قتل من النعم} [المائدة:95/5] والجماعة قد قتلوا صيداً، فيلزمهم مثله، والزائد خارج عن المثل، فلا يجب.\rوقال الحنفية (1) والمالكية: إذا اشترك المحرمان في قتل صيد، فعلى كل واحد منهما الجزاء كاملاً؛ لأن كل واحد منهما جنى على إحرام كامل. وإذا اشترك الحلالان في قتل صيد الحرم، فعليهما جزاء واحد؛ لأن الضمان هنا لحرمة الحرم، فجرى مجرى ضمان الأموال، كرجلين قتلا رجلاً خطأ، يجب عليهما دية واحدة، وعلى كل واحد منهما كفارة.\rوأضاف الحنابلة: إن كان شريك المحرم في قتل صيد مطلقاً حلالاً أو سبعاً، فلا شيء على الحلال، ويحكم على الحرام.\rوإن اشترك حرام وحلال في صيد حرمي، فالجزاء بينهما نصفان؛ لأن الإتلاف ينسب إلى كل واحد منهما نصفه.\rحادي عشر ـ تملك الصيد بالبيع ونحوه وزوال ملكيته عنه، وتملكه بالإرث :\rقال أكثر الفقهاء: إذا أحرم الرجل وفي ملكه صيد، لم يزل ملكه عنه، ولا يده الحكمية، مثل أن يكون في بلده أو في يد نائب له في غير مكانه. ولا شيء عليه إن مات، وله التصرف فيه بالبيع والهبة وغيرهما، ومن غصبه لزمه رده، ويلزمه إزالة يده المشاهدة عنه، فإذا كان في قبضته أو رحله أو خيمته أو قفص معه أو مربوطاً بحبل معه، لزمه إرساله.\rوالدليل على بقاء يد المالك عليه: أ نه لم يفعل في الصيد فعلاً، فلم يلزمه شيء، كما لو كان في ملك غيره.\rولا يملك المحرم الصيد ابتداء بالبيع ولا بالهبة ونحوهما من الأسباب، بدليل حديث الصعب بن جثَّامة المتقدم أنه صلّى الله عليه وسلم رد الحمار الوحشي على صاحبه، لأنه محرم. فإن أخذه بأحد هذه الأسباب، ثم تلف فعليه جزاؤه، وإن كان مبيعاً فعليه القيمة أو رده إلى مالكه، فإن أرسله فعليه ضمانه كما لو أتلفه، وليس عليه جزاء،وعليه رد المبيع أيضاً.\rوإن ورث المحرم صيداً ملكه؛ لأن الملك بالإرث ليس بفعل من جهته وإنما يدخل في ملكه حكماً، سواء اختار ذلك أو كرهه.\r-------------------------------\r(1) اللباب:211/1 ومابعدها.","part":3,"page":639},{"id":2032,"text":"...............................جدول محظورات الإحرام...............................\r.....المحرّمات.................ما يترتب على فعل شيءٍ منها عمداً أو سهواً أو جهلاً أو لعذر\r1-لبس الرجل المخيط من ....................الفدية بذبح شاة.............................\rالثياب أو الحذاء وستر بلا عذر.............................................................\r2-تغطية رأس الرجل ووجه المرأة..............الفدية بذبح شاة.............................\r3-إزالة الشعر من الجسم بأي ...الفدية بذبح شاة بحلق ربع الرأس عند الحنفية، وإلا فعليه نوع في أي موضع....................صدقة\r................................الفدية بذبح شاة بإزالة ما يزيد عن عشر شعرات عند المالكية\r................................وإلا فعليه حفنة من طعام.\r................................الفدية بذبح شاة بإزالة ثلاث شعرات فأكثر عند الشافعية\r................................والحنابلة، وإلا فعليه إطعام مسكين عند الحنابلة، ومد لشعرة ................................ومدان لشعرتين عند الشافعية\r4-تقليم الأظافر................الفدية بالذبح بتقليم أظافر يد أو رجل عند الحنفية، وأما عند ................................الأئمة الآخرين فعلى تفصيل إزالة الشعر.\r5-استعمال الطيب مطلقاً......الفدية بالذبح..............................................\r6-صيد الحيوان أو التعرّض له...جزاء عند الجمهور بالمثل أو التصدق بقيمته طعاماً، أو الصيام\r................................عن كل مد يوماً............................................\r...............................جزاء بالقيمة عند أبي حنيفة، ويخير فيها بين شراء هدي وذبحه\r..............................أو التصدق بطعام لكل مسكين نصف صاع من حنطة، أو صوم\r..............................يوم عن كل نصف صاع.....................................\r7-قطع نبات حرم مكة أو شجرة.....لا جزاء عند المالكي، وعليه القيمة عند أبي حنيفة، وعليه ......................................شاة أو بقرة عند الشافعية والحنابلة بحسب كون الشجرة\r......................................صغيرة أو كبيرة، وقيمة النبات.\r8-الجماع ومقدماته التي فيها .......فساد الحج بالجماع اتفاقاً، وكذا بالإنزال عند المالكية\rاستمتاع بالنساء.....................مع القضاء اتفاقاً، وذبح بدنة عند الشافعية والحنابلة،\r....................................وهدي عند المالكية، وبدنة بعد الوقوف عند الحنفية\r....................................وقبله شاة. ولافدية عند أحمد على المرأة النائمة والمكرهة،\r...................................ولا شيء عند الشافعية على من باشر مقدمات الجماع ناسياً\r...................................ولا على المجامع الناسي والجاهل بالتحريم والمرأة المكرهة، ...................................ولا يفسد الحج أيضاً بذلك عندهم.","part":3,"page":640},{"id":2033,"text":"المبحث الثاني عشر ـ الفوات والإحصار :\rالفوات: ما يفوت به الحج، وحكم الفوات (1) :\rما يفوت به الحج: من أحرم بالحج مطلقاً فرضاً أو نفلاً، صحيحاً أوفاسداً، ثم فاته الوقوف بعرفة حتى طلع الفجر من يوم النحر، فقد فاته الحج؛ لأن وقت الوقوف يمتد إليه، ولأن الحج عرفة.\rقال ابن جزي المالكي: وكذلك يفوت الحج بفوات أعماله كلها، وإذا أقام بعرفة حتى طلع الفجر من يوم النحر، سواء أكان وقف بها أم لم يقف. والعمرة لا تفوت؛ لأنها غير مؤقتة بوقت.\rحكم الفوات: قال الحنفية: من فاته الحج وجب عليه أن يتحلل بأفعال العمرة: بأن يطوف ويسعى من غير إحرام جديد لها، ويحلق أو يقصر، ثم يقضي الحج من عام قابل، ولا دم عليه؛ لأن التحلل وقع بأفعال العمرة، فكانت في حق فائت الحج بمنزله الدم في حق المحصَر، فلا يجمع بينهما،فلو كان الفوات سبباً للزوم الهدي للزم المحرم هديان: للفوات والإحصار.\rوقال الجمهور:من فاته الحج تحلل بعمرة من طواف وسعي وحلق أوتقصير، وقضى على الفور من عام قابل، ولزمه الهدي في وقت القضاء، وسقط عنه ما بقي من المناسك كالنزول بمزدلفة والوقوف بالمشعر الحرام والرمي والمبيت بمنى.\rأما دليل الفوات: فهو أن آخر الوقوف آخر ليلة النحر، فمن لم يدرك الوقت حتى طلع الفجر يومئذ، فاته الحج، بلا خلاف بين العلماء؛ لقول جابر:\r-------------------------------\r(1) البدائع: 220/2 ومابعدها، فتح القدير: 303/2 ومابعدها، اللباب: 214/1 ومابعدها، الشرح الصغير: 130/2 ومابعدها، القوانين الفقهية: ص 142، المهذب: 233/1، المغني: 526/3-530، مغني المحتاج: 537/1، حاشية الشرقاوي: 511/1 ومابعدها.","part":3,"page":641},{"id":2034,"text":"«لا يفوت الحج حتى يطلع الفجر من ليلة جَمْع، قال أبو الزبير، فقلت له: أقال رسول الله ذلك ؟ قال: نعم» (1) ، وقول النبي صلّى الله عليه وسلم : «الحج عرفة، فمن جاءقبل صلاة الفجر ليلة جَمْع، فقد تم حجه» : يدل على فواته بخروج ليلة جمع أي ليلة المزدلفة.\rوقال النبي صلّى الله عليه وسلم : «من وقف بعرفات بليل فقد أدرك الحج، ومن فاته عرفات بليل، فليحل بعمرة، وعليه الحج من قابل» (2) .\rودليل التحلل بعمرة: هو ما روي عن الصحابة كعمر وابن عمر (3) وغيرهما، ولأنه يجوز فسخ الحج إلى العمرة من غير فوات، فمع الفوات أولى.\rودليل لزوم القضاء من قابل، سواء أكان الفائت واجباً أم تطوعاً: هو ما روي عن الصحابة: عمر وابنه وابن عباس وابن الزبير ومروان، وقال صلّى الله عليه وسلم : «من فاته عرفات فاته الحج، فليحل بعمرة، وعليه الحج من قابل» (4) ، ولأن الحج يلزم بالشروع فيه، فيصير كالمنذور، بخلاف سائر التطوعات.\rوأما لزوم الهدي عند الجمهور خلافاً للحنفية: فلقول الصحابة المذكورين، ولما روى عطاء: أن النبي صلّى الله عليه وسلم قال: «من فاته الحج فعليه دم، وليجعلها عمرة، وليحج من قابل» (5) ، ولأنه حل من إحرامه قبل إتمامه فلزمه هدي، كالمحرم لم يفت حجه، فإنه يحل قبل فواته.\rبقاء الفائت محرماً لعام آخر: إن اختار من فاته الحج البقاء إحرامه ليحج من قابل، فله ذلك؛ لأن تطاول المدة بين الإحرام وفعل النسك لا يمنع إتمامه، كالعمرة، والمحرم بالحج في غير أشهره.\rصفة القضاء :\rقال الجمهور: إذا فات القارن الحج حل، وعليه مثل ما أهل به من قابل؛ لأن القضاء يجب على حسب الأداء في صورته ومعناه، ويلزمه هديان: هدي للقران، وهدي فواته.\rوقال الحنفية: يطوف ويسعى لعمرته، ثم لا يحل حتى يطوف ويسعى لحجه.\rالخطأ في وقت الوقوف: إذا أخطأ الناس، فوقفوا في اليوم الثامن أو في اليوم العاشر أي في غير ليلة عرفة، أجزأهم ذلك، ولم يجب عليهم القضاء، لقوله صلّى الله عليه وسلم : «يوم عرفة الذي يعرّف فيه الناس» (6) ، ولأن الخطأ نجم عن شهادة الشاهدين برؤية الهلال قبل الشهر بيوم، فوقفوا يوم الثامن، أو غم عليهم الهلال، فوقفوا يوم العاشر، ومثل هذا لا يؤمن في القضاء، فسقط.\r-------------------------------\r(1) رواه الأثرم بإسناده.\r(2) رواه الدارقطني عن ابن عمر، وضعفه.\r(3) رواه الشافعي في مسنده، وروى مالك في الموطأ بإسناد صحيح عن هبار بن الأسود أن عمر رضي الله عنه أفتى بوجوب القضاء والدم، واشتهر في الصحابة.\r(4) رواه الدارقطني عن ابن عباس.\r(5) رواه النجاد بإسناده.\r(6) رواه الدارقطني عن عبد العزيز بن عبد الله بن خالد بن أسيد، وروى الدارقطني أيضاً وغيره عن أبي هريرة أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم قال: «فطركم يوم تفطرون، وأضحاكم يوم تضحون» .","part":3,"page":642},{"id":2035,"text":"فإن اختلفوا فأصاب بعض، وأخطأ بعض، وقت الوقوف، لم يجزئهم؛ لأنهم غير معذورين في هذا.\rالإحصار :\rمعناه، أحكامه ومنها مكان ذبح دم الإحصار ووقته، ما يقضيه المحصر، زوال الإحصار (1) .\rأولاً ـ معنى الإحصار :\rالإحصار لغة: المنع، وشرعاً عند الحنفية: منع المحرم عن أداء الركنين (الوقوف والطواف). وعند الجمهور: منع المحرم من جميع الطرق عن إتمام الحج أو العمرة.\rوالمنع عند الحنفية: إما بعدو أو مرض أو ضياع نفقة أو حبس أو كسر أو عرج وغيرها من الموانع التي تمنع المحرم من إتمام ما أحرم به حقيقة أو شرعاً. ومن أحصر بمكة وهو ممنوع من الركنين: الوقوف والطواف، كان محصراً؛ لأنه تعذر عليه الإتمام، فصار كما إذا أحصر في الحل، وإن قدر على أحد الركنين، فليس بمحصر؛ لأنه إن قدر على الطواف تحلل به، وإن قدر على الوقوف فقد تم حجه، فليس بمحصر.\rوالمنع الذي يعدّ به المحرم محصراً عند الجمهور: هو ما يكون بعدو، فالإحصار بعدو بعد الإحرام مبيح للتحلل إجماعاً. ولا يجوز التحلل بعذر المرض أوالحبس في دَين يتمكن من أدائه، أو ذهاب نفقة، فمن مرض يصبر حتى يبرأ، فإذا برئ أتم ما أحرم به من حج أو عمرة. وعلى المدين أن يؤدي الدين ويمضي في\r-------------------------------\r(1) البدائع: 175/2-182، فتح القدير: 295/2 - 302، اللباب: 212/1-214، بداية المجتهد: 342/1-346، القوانين الفقهية: ص141، الشرح الصغير: 133/2-136، الشرح الكبير: 93/2-98، مغني المحتاج: 532/1- 537، المجموع: 242/8-268، المهذب: 233/1 - 235، المغني: 356/3 - 364، كشاف القناع: 607/2 - 614، الإيضاح: ص 97 -98.","part":3,"page":643},{"id":2036,"text":"حجه، فإن فاته الحج في الحبس لزمه المسير إلى مكة، ويتحلل بعمل عمرة، ويلزمه القضاء. ومن ذهبت نفقته بعث بهدي إن كان معه ليذبحه بمكة، وكان على إحرامه حتى يقدر على الوصول إلى البيت. وعليه، فكل من تعذر عليه الوصول إلى البيت بغير حصر العدو من مرض أو عرج أو ذهاب نفقة وضياع طرق ونحوه، لا يجوز له التحلل بذلك، بل يصبر حتى يزول عذره.\rالمحصر بمكة: من حصر بمكة عن البيت بعدو أو مرض أو حبس ولو بحق، ووقف بعرفة، فقد أدرك الحج، ولا يحل إلا بطواف الإفاضة، ولو بعد سنين.\rشرط التحلل: لكن إن شرط المحرم التحلل بمرض، تحلل به، لما في الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها قالت: «دخل رسول الله صلّى الله عليه وسلم على ضُبَاعة بنت الزبير، فقال لها: أردت الحج، فقالت: والله ، ما أجدني إلا وجعة، فقال: حجي واشترطي، وقولي: اللهم مَحِلِّي حيث حبستني» ويقاس عليه غيره. ولا يسقط عنه الدم عند الحنفية والشافعية إذا شرط عند الإحرام أنه يتحلل إذا أحصر.\rوقال الحنابلة: لاشيء عليه، لاهدي ولا قضاء ولاغيره، فإن للشرط تأثيراً في العبادات.","part":3,"page":644},{"id":2037,"text":"الأدلة :\rاستدل الحنفية: على عموم أسباب الإحصار بعموم قوله تعالى: { فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي } [البقرة:196/2] والمنع كما يكون من العدو، يكون من المرض وغيره، والعبرة بعموم اللفظ لابخصوص السبب، إذ الحكم يتبع اللفظ لا السبب. وعن الكسائي وأبي معاذ أن الإحصار من المرض، والحصر من العدو، فعلى هذا كانت الآية خاصة في الممنوع بسبب المرض. واستدل الجمهور: بأن آية الإحصار المذكورة: {فإن أحصرتم..} [البقرة:196/2] نزلت في أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلم حين أحصروا من العدو، وفي آخر الآية الشريفة دليل عليه، وهو قوله عز وجل: {فإذا أمنتم} [البقرة:196/2] والأمان: من العدو يكون (1) .\rوروي عن ابن عباس وابن عمر رضي الله عنهما أنهما قالا: «لا حصر إلا من عدو» .\rشروط التحلل عند المالكية: يرى المالكية أن للمحصر خمس حالات يصح له الإحلال في أربع منها: وهي أن يكون العذر طارئاً بعد الإحرام، أو متقدماً ولم يعلم به، أو علم وكان يرى أنه لا يصده، وأن يشرط الإحلال فيما إذا شك هل يصدونه أو لا؟\rويمتنع الإحلال في حالة واحدة، هي إن صد عن طريق، وهو قادر على الوصول من غيره.\rرفض الإحرام: إن قال المحرم: أنا أرفض الإحرام وأحل، فلبس الثياب، وذبح الصيد، وعمل ما يعمله الحلال، يظل محرماً، ويكون الإحرام باقياً في حقه، تلزمه أحكامه، ويلزمه جزاء كل جناية جناها عليه، فعليه في كل فعل فعله دم، وإن وطئ فعليه أيضاً للوطء بدنة، مع ما يجب عليه من الدماء، ويفسد حجه. وليس عليه لرفضه الإحرام شيء؛ لأنه مجرد نية لم تؤثر شيئاً.\r-------------------------------\r(1) لكن قال ابن رشد في (بداية المجتهد: 345/1): الأظهر أن قوله سبحانه: {فإذا أمنتم فمن تمتع بالعمرة إلى الحج} [البقرة:196/2] أنه في غير المحصر، بل هو في التمتع الحقيقي، فكأنه قال: فإذا لم تكونوا خائفين، لكن تمتعتم بالعمرة إلى الحج، فما استيسر من الهدي، ويدل على هذا التأويل قوله سبحانه: {ذلك لمن لَمْ يكن أهله حاضري المسجد الحرام} [البقرة:196/2] والمحصر يستوي فيه حاضر المسجد الحرام وغيره بإجماع.","part":3,"page":645},{"id":2038,"text":"تحليل الزوجة من حج تطوع: ذكر الشافعية والحنفية أن للزوج تحليل زوجته، كما له منعها ابتداء من حج أو عمرة تطوع أو فرض في الأظهر لم يأذن فيه، لئلا يتعطل حقه من الاستمتاع، كما له أن يخرجها من صوم النفل، وإن أذن لها، لم يجز لرضاه بالضرر. وتحليلها في الحال من غير ذبح هدي عند الحنفية، ومع الهدي عند الشافعية. والمراد بتحليله إياها: أن يأمرها بالتحلل، وتحللها كتحلل المحصر. فإن لم يأمرها، لم يجز لها التحلل. وليس للزوج تحليل الرجعية أو البائن، بل يحبسها للعدة، فإن انقضت عدتها أتمت عمرتها أو حجها إن بقي الوقت، وإلا تحللت بعمرة، ولزمها القضاء ودم الفوات.\rثانياً ـ أحكام الإحصار: يتعلق بالمحصر أحكام، لكن الأصل فيه حكمان: أحدهما ـ جواز التحلل عن الإحرام، والثاني ـ وجوب قضاء ما أحرم به بعد التحلل.\rأما جواز التحلل من الإحرام وهو الحكم الأول: فيقتضي بيان معنى التحلل ودليل جوازه، وما يتحلل به، ومكان وزمان ذبح الهدي.\rأما معنى التحلل: فهو فسخ الإحرام والخروج منه بالطريق الموضوع له شرعاً. وأما دليل جوازه فقوله تعالى: {فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي} [البقرة:196/2] وفيه إضمار، ومعناه: فإن أحصرتم عن إتمام الحج والعمرة، وأردتم أن تحلوا، فاذبحوا ما تيسر من الهدي، إذ الإحصار نفسه لا يوجب الهدي.","part":3,"page":646},{"id":2039,"text":"وأما ما يتحلل به: فإن أمكنه الوصول إلى البيت، تحلل بعمل عمرة، وإن تعذر عليه ذلك ذبح الهدي، فيبعث عند الحنفية بالهدي أو بثمنه ليشتري به هدياً، فيذبح عنه، وما لم يذبح لا يحل، سواء عند الحنفية شرط الشخص عند الإحرام الإحلال بغير ذبح عند الإحصار أو لم يشترط. والهدي: بدنة أو بقرة أو شاة.\rو رأي الجمهور: أن من أحصر تحلل بهدي، سواء أكان حاجاً أم معتمراً أم قارناً، للآية السابقة: {فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي} [البقرة:196/2] والآية نزلت بالحديبية حين صدّ المشركون النبي صلّى الله عليه وسلم عن البيت، وكان معتمراً، فنحر ثم حلق، وقال لأصحابه: «قوموا فانحروا، ثم احلقوا» (1) .\rوإن كان قارناً فعليه عند الشافعية والحنابلة دم واحد، وعند الحنفية دمان، بناء على أصل أن القارن عند الحنفية محرم بإحرامين، فلا يحل إلا بهذين، وعند الآخرين محرم بإحرام واحد، ويدخل إحرام العمرة في الحجة، فيكفيه دم واحد.\rفإن لم يكن مع المحصر هدي، وعجز عنه، انتقل عند الحنابلة إلى صوم عشرة أيام: ثلاثة في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله، لأنه دم واجب للإحرام، فكان له بدل كدم التمتع والطيب واللباس، ويبقى على إحرامه حتى يصوم أو ينحر الهدي؛ لأنهما أقيما مقام أفعال الحج، فلم يحل قبلهما. وانتقل عند الشافعية في الأصح إلى الإطعام، فتقوَّم الشاة دراهم، ويخرج بقيمتها طعاماً، فإن عجز صام عن كل مد يوماً، وإذا انتقل إلى الصوم، له التحلل في الحال في الأظهر.\rوقال الحنفية والمالكية: ليس للهدي الواجب بالإحصار بدل؛ لأنه لم يذكر في القرآن.\rوالتحلل عند الشافعية والحنابلة يكون بثلاثة أشياء: ذبح، ونية التحلل بالذبح، وحلق أو تقصير، لحديث «إنما الأعمال بالنيات» ولأن النبي صلّى الله عليه وسلم حلق يوم الحديبية، وفعله في النسك دال على الوجوب.\r-------------------------------\r(1) رواه البخاري وأحمد عن ابن عمر (نيل الأوطار: 9/5).","part":3,"page":647},{"id":2040,"text":"والحلق شرط أيضاً عند المالكية، وليس بشرط للتحلل، وإنما يحل المحصر بالذبح بدون الحلق في قول أبي حنيفة ومحمد، لإطلاق نص الآية السابقة: {فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي} [البقرة:196/2] فمن أوجب الحلق فقد جعله بعض الموجب، وهذا خلاف النص، ولأن الحلق للتحلل عن أفعال الحج، والمحصر لا يأتي بأفعال الحج، فلا حلق عليه، والحديث في الحلق بالحديبية محمول على الندب والاستحسان.\rوقال المالكية: المحصر بعدو أو فتنة في حج أو عمرة يتربص ما رجا كشف ذلك، فإذا يئس تحلل بموضعه حيث كان من الحرم وغيره، ولا هدي أو دم عليه. فإن كان معه هدي نحره وتحلل بالنية والحلق بشرطين: أولهما ـ إن لم يعلم بالمانع عند إرادة إحرامه. وثانيهما ـ أن ييأس من زوال المانع قبل الوقوف بعرفة، والمعتمد عند أشياخ المالكية أنه لا يتحلل إلا بحيث لو سار إلى عرفة من مكانه، لم يدرك الوقوف، فإن علم أو ظن أو شك أنه يزول المانع قبل الوقوف، فلا يتحلل حتى يفوت، فإن فات الوقوف فعل عمرة.\rوأما مكان ذبح الهدي عند الحنفية: فهو الحرم، لقوله تعالى: {ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله} [البقرة:2/196] ولو كان كل موضع محلاً له، لم يكن لذكر المحل فائدة، ولأنه عز وجل قال: {ثم مَحِلّها إلى البيت العتيق} [الحج:33/22] أي إلى البقعة التي فيها البيت. فلا يجوز عندهم ذبح دم الإحصار إلا في الحرم، فيبعث شاة تذبح في الحرم، ويواعد من يحملها يوماً بعينه يذبحها فيه، ثم يتحلل، أي يحل له ما كان محظوراً. ويجوز للمحصر بالعمرة أن يذبح متى شاء. أما الصدقة والصوم فيجزيان في أي مكان شاء.","part":3,"page":648},{"id":2041,"text":"وأما زمان ذبح الهدي: فيجوز عند أبي حنيفة ذبح الهدي قبل يوم النحر، لإطلاق النص، ولأنه لتعجيل التحلل. وقال الصاحبان: لا يجوز الذبح للمحصر بالحج إلا في يوم النحر كدم المتعة والقران. وعلى الرأي الأول وهو الراجح: يكون زمان ذبح الهدي مطلق الوقت، لا يتوقف بيوم النحر، سواء أكان الإحصار عن الحج أم عن العمرة.\rوحكم التحلل أي أثره: صيرورته حلالاً يباح له تناول جميع ما حظره الإحرام لارتفاع الحاظر، فيعود حلالاً كما كان قبل الإحرام.\rوقال الجمهور غير الحنفية: من تحلل ذبح شاة حيث أحصر في حل أو حرم وقت حصره، لإطلاق الآية السابقة: {فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي} [البقرة:196/2] ولأن النبي صلّى الله عليه وسلم حينما منعه كفار قريش نحر هديه وحلق رأسه بالحديبية، قبل يوم النحر، فله النحر في موضعه كما فعل النبي.\rلكن وإن جاز التحلل قبل يوم النحر، فالمستحب له عند الشافعية والحنابلة وأبي حنيفة مع ذلك الإقامة على إحرامه، رجاء زوال الحصر، فمتى زال قبل تحلله، فعليه المضي لإتمام نسكه، بغير خلاف.\rوالخلاصة ألا هدي على المحصر إن لم يكن معه عند المالكية، وعليه الهدي عند الجمهور.\rوأما ما يقضيه المحصر وهو الحكم الثاني فهو مايأتي :\rقال الحنفية: إذا تحلل المحصر بالحج، فعليه حجة وعمرة قضاء عما فاته؛ لأنه في معنى فائت الحج الذي يتحلل بأفعال العمرة، فإن لم يأت بها قضاها. هذا إذا لم يحج من عامه، فإن حج منه فلا عمرة عليه؛ لأنه ليس في معنى فائت الحج. وعلى المحصر بالعمرة القضاء لما شرع فيه، وعلى المحصر القارن حجة وعمرتان، أما الحج وإحدى العمرتين: فلما تبين أنه في معنى فائت الحج، وأما الثانية: فلأنه خرج منها بعد صحة الشروع فيها.\rوالحاصل أنه يجب عند الحنفية على المحصر قضاء ما أحرم به بعد التحلل:","part":3,"page":649},{"id":2042,"text":"أ ـ فإن كان أحرم بالحجة لاغير: فإن بقي وقت الحج عند زوال الإحصار وأراد أن يحج من عامه ذلك، أحرم وحج، وليس عليه نية القضاء، ولا عمرة عليه. وإن مضت السنة فعليه قضاء حجة وعمرة، ولا تسقط عنه تلك الحجة إلا بنية القضاء.\rب ـ وإن كان إحرامه بالعمرة لا غير، قضاها، لوجوبها بالشروع في أي وقت شاء؛ لأنه ليس لها وقت معين.\rجـ ـ وإن كان قارناً فأحرم بالعمرة والحجة: فعليه قضاء حجة وعمرتين، أما قضاء حجة وعمرة فلوجوبها بالشروع، وأما العمرة الأخرى فلفوات الحج في عامه ذلك؛ لأن العمرة تتعين بالإحصار، لأنها أقل الواجبين، وهو شيء متيقن.\rودليلهم في الجملة على وجوب القضاء: أن النبي صلّى الله عليه وسلم لما تحلل زمن الحديبية قضى من قابل، وسميت عمرة القضاء، ولأنه حل من إحرامه قبل إتمامه، فلزمه القضاء، كما لو فاته الحج.\rوقال المالكية: على المتحلل بفعل عمرة أو بالنية حجة الفريضة، ولا تسقط عنه بالتحلل المذكور. أما حجة التطوع: فيقضيها إذا كان التحلل لمرض أو خطأ عدد أو حبس بحق، وأما لو كان التحلل لعدو أو فتنة أو حبس ظلماً، فلا يطالب بالقضاء. وقال الشافعية: لا قضاء على المحصر المتطوع إن تحلل من إحصار عام أو خاص، لعدم وروده، وقد أحصر مع النبي صلّى الله عليه وسلم في الحديبية ألف وأربع مئة، ولم يعتمر معه في العام القابل إلا نفر يسير، أكثر ما قيل: إنهم سبع مئة.\rوإن لم يكن تطوعاً نظر: إن كان نسكه فرضاً مستقراً عليه، كحجة الإسلام فيما بعد السنة الأولى من سني الإمكان، أو كانت قضاء أو نذراً، بقي في ذمته، كما لو شرع في صلاة فرض ولم يتمها، فإنها تبقى في ذمته. وإن كان غير مستقر كحجة الإسلام في السنة الأولى من سني الإمكان، اعتبرت الاستطاعة بعد زوال الإحصار، إن وجدت وجب الحج، وإلا فلا.","part":3,"page":650},{"id":2043,"text":"وكذلك قال الحنابلة في الصحيح من المذهب: لا قضاء على المحصر إن تحلل ولم يجد طريقاً أخرى إلا أن يكون واجباً، يفعله بالوجوب السابق؛ لأنه تطوع جاز التحلل منه مع صلاح الوقت له، فلم يجب قضاؤه، كما لو دخل في الصوم يعتقد أنه واجب، فلم يكن. وأما خبر قضاء العمرة الذي احتج به الحنفية، فلم ينقل إلينا أن النبي صلّى الله عليه وسلم أمر أحداً بالقضاء، والذين اعتمروا مع النبي صلّى الله عليه وسلم كانوا نفراً يسيراً، كما تقدم في مذهب الشافعية.\rوالخلاصة: إن الحنفية يوجبون القضاء، والجمهور لايوجبونه.\rثالثاً - زوال الإحصار :\rقال الحنفية: إذا زال الإحصار قبل التحلل، فإن قدر على إدراك الهدي الذي بعثه، ليذبح في الحرم، وعلى الحج، لم يجز له التحلل، ولزمه المضي، لزوال العجز قبل حصول المقصود بالخلف، ويفعل بهديه مايشاء؛ لأنه ملكه، وقد كان مخصصاً لمقصود استغنى عنه. وإن قدر على إدراك الهدي دون الحج، تحلل، لعجزه عن الأصل. وإن قدر على إدراك الحج دون الهدي، جاز له التحلل استحساناً، لئلا يضيع عليه ماله مجاناً، إلا أن الأفضل التوجه لأداء الحج.\rوقال الجمهور: متى زال الحصر قبل تحلله، فعليه المضي لإتمام نسكه، وهذا لا خلاف فيه. وإن زال الحصر بعد فوات الحج، تحلل بعمل عمرة، فإن فات الحج قبل زوال الحصر، تحلل بهدي.\rووجوب المضي لإتمام النسك فيما إذا كانت حجته حجة الإسلام، أو كانت الحجة واجبة؛ لأن الحج عند الأكثرين غير الشافعية يجب على الفور، فإن لم تكن الحجة واجبة، فلا شيء عليه، كمن لم يحرم.","part":3,"page":651},{"id":2044,"text":"المبحث الثالث عشر ـ الهدي :\rمعنى الهدي، أنواعه وشروط دم التمتع، صفته، الأكل منه، مكان ذبحه وزمانه، ذابح الهدي، التصدق بلحمه، الانتفاع به، تقليد الهدي وإشعاره، عطب الهدي في الطريق (1) .\rأولاً ـ معنى الهدي :\rالهدي في اللغة: اسم لما يهدي أن يبعث وينقل، وفي الشرع:\rهو ما يهدى إلى الحرم من الأنعام (الإبل والبقر والغنم). وسوق الهدي سنة لمن أراد أن يحرم بحج أو عمرة.\rثانياً ـ أنواع الهدي وصفته :\rالهدي: بدنة أو بقرة أو شاة، وأدناه شاة. وقد يطلق الدم أو النسك على الهدي، والمراد بالنسك أو الدم هو الذبيحة وهي الشاة، لإجماع المسلمين على أن الشاة مجزئة في الفدية عن حلق الشعر أو قلم الظفر ونحو ذلك.\rوأفضل الهدي: البدنة ثم البقرة، ثم الضأن، ثم المعز، لما روي أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم لما أحصر بالحديبية، نحر البدن، وكان يختار من الأعمال أفضلها.\rوالمجزئ من الهدي بالاتفاق: ما يجزئ في الأضحية، وهو الثَّني فصاعداً، وهو عند الحنفية مثلاً: من الإبل ما تم له خمس سنين، ومن البقر: سنتان، ومن الغنم سنة ومن المعز ما له سنتان، لكن يجزئ عندهم وعند الحنابلة الجذع من الضأن: وهو ما دون الثني، وهو ماله ستة أشهر، لحديث: «يجزئ الجذع من الضأن: أضحية» (2) والهدي مثله.\rولا يجزئ في الهدي مقطوع الأذن أو أكثرها، ولا مقطوع الذَّنَب، ولا اليد ولا الرجل ولا الذاهبة العين، ولا العجفاء (كثيرة الهزال)، ولا العرجاء التي لا تمشي إلى المَنْسك (الموضع الذي تذبح النسائك فيه)؛ لأنها عيوب بينة.\rوالذكر والأنثى في الهدي سواء، لأن الله تعالى قال: {والبدنَ جعلناها لكم من شعائر الله } [الحج:36/22] ولم يذكر ذكراً ولا أنثى.\r-------------------------------\r(1) فتح القدير: 321/1-326، 333، الكتاب مع اللباب: 215/1-220، الشرح الصغير: 119/2-129، بداية المجتهد: 363/1-367، القوانين الفقهية: ص 139 ومابعدها، المهذب: 235/1-237، مغني المحتاج: 515/1، المغني: 470/3 ومابعدها، 480، 534-554، كشاف القناع: 615/2-619، شرح مسلم: 138/8، البدائع: 172/2-175، 179، المجموع: 269/8-296.\r(2) رواه ابن ماجه، والفرق بين جذع الضأن وجذع المعز: أن الأول ينزو فيلقح، بخلاف الثاني، ويعرف كونه أجذع بنمو الصوف على ظهره.","part":3,"page":652},{"id":2045,"text":"نوعا الهدي شرعاً: الهدي نوعان: واجب وتطوع.\rأما هدي التطوع: فهو ما يقدمه الإنسان قربة إلى الله تعالى بدون إيجاب سابق. ويستحب لمن قصد مكة حاجاً أو معتمراً أن يهدي إليها من بهيمة الأنعام، وينحره ويفرقه، لما روي « أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم أهدى مئة بدنة » (1) . والأفضل عند الجمهور سوق الهدي من بلده، فإن لم يكن، فمن طريقه من الميقات أو غيره أو من مكة أو منى، ولا يشترط أن يجمع الهدي بين الحل والحرم، ولا أن يقفه بعرفة، ولكن يستحب ذلك. وقال مالك: أحب للقارن أن يسوق هديه من حيث يحرم، فإن ابتاعه من دون ذلك مما يلي مكة بعد أن يقفه بعرفة، جاز، وقال في هدي المجامع: إن لم يكن ساقه فليشتره من مكة، ثم ليخرجه إلى الحل، وليسقه إلى مكة.\rوالمستحب أن يكون مايهديه سميناً حسناً، لقوله عز وجل: {ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب} [الحج:32/22] (2) قال ابن عباس في تفسيرها: الاستسمان والاستحسان والاستعظام.\rوالهدي الواجب نوعان: واجب بالنذر في ذمته للمساكين أو على الإطلاق، فإن نذر وجب عليه؛ لأنه قربة، فلزمه بالنذر.\rوواجب بغير النذر، كدم التمتع والقران، والدماء الواجبة تكون بترك واجب أو فعل محظور. وقد عرفنا أن الواجب بغير النذر عند المالكية خمسة أنواع:\rهدي المتعة والقران، وكفارة الوطء، وجبر ما تركه من الواجبات كرمي الجمار والمبيت بمنى والمزدلفة وغير ذلك، وهدي الفوات، وجزاء الصيد.\r-------------------------------\r(1) حديث صحيح رواه البخاري ومسلم.\r(2) الشعائر لغة: العلائم، وشعائر الله: معالم دينه.","part":3,"page":653},{"id":2046,"text":"الهدي الواجب بغير النذر: ينقسم الهدي الواجب بغير النذر عند الشافعية والحنابلة قسمين: منصوص عليه في القرآن، ومقيس على المنصوص (1) .\rأما المنصوص عليه: فهو أربعة أنواع: دم التمتع، وجزاء الصيد، وفدية دفع الأذى كحلق، وفدية الإحصار.\rفإن عدم المتمتع الدم، فعليه صيام ثلاثة أيام في الحج، وسبعة إذا رجع إلى أهله، للآية السابقة: {فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم} [البقرة:196/2] والعبرة بالعدم في محل الذبح، وإن كان له مال غائب عن ذلك المحل. ولا يجب عليه تحصيل الدم بأكثر من ثمن المثل.\rوإن فاته صوم الثلاثة الأيام في الحج، فرق بينها وبين السبعة، بقدر تفريقه بينهما في الأداء، وهو أربعة أيام، ومدة إمكان السير إلى وطنه، على العادة الغالبة.\rوجزاء الصيد: إن كان له مثل خير بين أمور ثلاثة: إخراج مثله، بأن يذبحه ويتصدق به على مساكين الحرم، أو تقويمه بدراهم يشتري بها مثلاً طعاماً يجزئ في الفطرة، ويتصدق به على مساكين الحرم، لكل مسكين مد، أو أن يصوم عن كل مد يوماً، لآية: {فجزاءٌ مثلُ ما قتل من النعم} [المائدة:95/5] وهو صوم التعديل، لقوله تعالى: {أوعدل ذلك صياماً} [المائدة:95/5] وإن لم يكن له مثل خير بين أمرين: تقويمه وشراء طعام به والتصدق به،أو صوم يوم عن كل مد. والمعتبر في قيمة غير المثلي: بمحل الإتلاف، لا بمكة، وفي قيمة المثلي بمكة، لا بمحل الإتلاف.\rوفدية دفع الأذى كحلق وتقليم أظفار: يخير بين أمور ثلاثة: ذبح شاة بصفة الأضحية والتصدق بلحمها على مساكين الحرم، وصوم ثلاثة أيام، وتصدق باثني عشر مداً على ستة مساكين في الحرم، لكل مسكين مدان، لقوله تعالى: {فمن كان منكم مريضاً أو به أذى من رأسه ـ أي فحلق ـ ففدية من صيام أو صدقة أو نسك} [البقرة:196/2].\r-------------------------------\r(1) حاشية الشرقاوي: 508/1-150، المغني: 543/3 ومابعدها.","part":3,"page":654},{"id":2047,"text":"ودم الإحصار: شاة بصفة الأضحية، لقوله تعالى: {فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي} [البقرة:2/196] فإن عدمها وقت الإخراج، فيجب عند الشافعية بدلها كدم التمتع وغيره، وهو طعام بقيمتها، فإن عجز عنه صام عن كل مد يوماً، قياساً على الدم الواجب بترك مأمور به، وعند الحنابلة: لا إطعام فيه وينتقل إلى صيام عشرة أيام، وقال مالك وأبو حنيفة: لا بدل له؛ لأنه لم يذكر في القرآن.\rوأما المقيس على المنصوص عليه فهو نوعان:\rأحدهما ـ لترك نسك يجبر تركه وهو خمسة: ترك الإحرام من الميقات والمبيت بمزدلفة، وبمنى، والرمي وطواف الوداع، ويقاس على دم التمتع، ويقاس عليه أيضاً دم الفوات، وهو ذبح شاة، فإن عجز صام عشرة أيام.\rوالثاني ـ الترفه: وهو خمسة أيضاً: الوطء في فرج أو غيره، واللمس بشهوة، والقبلة، والتطيب، واللباس،و يقاس على فدية الأذى: صيام أو صدقة أو نسك.\rثالثاً ـ شروط هدي التمتع :\rمن اعتمر في أشهر الحج، فطاف وسعى، ثم أحرم بالحج من عامه، ولم يكن خرج من مكة إلى ما تقصر فيه الصلاة، فهو متمتع، عليه دم بالإجماع، لقوله تعالى: {فمن تمتع بالعمرة إلى الحج، فما استيسر من الهدي، فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم، تلك عشرة كاملة، ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام} [البقرة:196/2].\rويمكن تلخيص شروط وجوب الدم على المتمتع بما يأتي وهي خمسة:\rالأول ـ أن يحرم بالعمرة في أشهر الحج: فإن أحرم بها في غير أشهره لم يكن متمتعاً، سواء وقعت أفعالها في أشهر الحج أو في غير أشهره. وهذا لا خلاف فيه إلا في شذوذ عن طاوس والحسن، إلا أن أبا حنيفة قال: إن طاف للعمرة أربعة أشواط في غير أشهر الحج، فليس بمتمتع، وإن طاف الأربعة في أشهر الحج، فهو متمتع؛ لأن العمرة صحت في أشهر الحج.","part":3,"page":655},{"id":2048,"text":"الثاني ـ أن يحج من عامه: فإن اعتمر في أشهر الحج، ولم يحج ذلك العام، بل حج من العام القابل، فليس بمتمتع، وهذا لا خلاف فيه إلا في قول شاذ عن الحسن؛ لأن الله تعالى قال: {فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي} [البقرة:196/2] وهذا يقتضي الموالاة بينهما.\rالثالث ـ ألا يسافر بين العمرة والحج سفراً بعيداً تقصر في مثله الصلاة. وهذا رأي الحنابلة: لقول عمر: «إذا اعتمر في أشهر الحج، ثم أقام، فهو متمتع، فإن خرج ورجع فليس بمتمتع» .\rوقال الشافعي وأحمد: إن رجع إلى الميقات فلا دم عليه.\rوقال الحنفية: إن رجع إلى مصره، بطلت متعته، وإلا فلا. وقال المالكية: إن رجع إلى مصره أو إلى غيره مما هو أبعد منه، بطلت متعته، وإلا فلا.\rالرابع ـ أن يحل من إحرام العمرة قبل إحرامه بالحج: فإن أدخل الحج على العمرة قبل حله منها، كما فعل النبي صلّى الله عليه وسلم والذين كان معهم الهدي من أصحابه، فهذا يصير قارناً، ولا يلزمه دم المتعة، لأمر النبي صلّى الله عليه وسلم في الحديث المتفق عليه عن عائشة التي حاضت بالإهلال بالحج وترك العمرة، ولم يوجب عليها هدياً ولا صوماً ولاصدقة.\rولكن عليه حينئذ دم للقران؛ لأنه صار قارناً، وترفه بسقوط أحد السفرين.\rالخامس ـ ألايكون من حاضري المسجد الحرام: وهذا متفق عليه، فلا يجب دم المتعة على حاضري المسجد الحرام، بنص القرآن الكريم: {ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام} [البقرة:196/2] ولأن حاضر المسجد الحرام ميقاته مكة، فلم يحصل له الترفه بترك أحد السفرين، ولأنه أحرم بالحج من ميقاته، فأشبه المفرد.","part":3,"page":656},{"id":2049,"text":"من هم حاضرو المسجد الحرام؟ وحاضرو المسجد الحرام عند الحنفية: من دون الميقات، لأنه موضع شرع فيه النسك، فأشبه الحرم. وعند المالكية: هم أهل مكة وذي طوى. وعند الشافعية في الأصح: هم من دون مرحلتين (مسافة القصر) من الحرم؛ لأن كل موضع ذكر الله فيه المسجد الحرام فهو الحرم، إلا قوله تعالى: {فول وجهك شطر المسجد الحرام} [البقرة:149/2] فهو الكعبة نفسها، فإلحاق هذا بالأعم الأغلب أولى. والقريب من الشيء يقال: إنه حاضره. وعند الحنابلة: هم أهل الحرم، ومن بينه وبين مكة دون مسافة القصر؛ لأن حاضر الشيء: من دنا منه، ومن دون مسافة القصر قريب في حكم الحاضر، كما قال الشافعية، بدليل أن من قصده لا يترخص رخص السفر.\rوإذا كان للمتمتع قريتان: قريبة وبعيدة، فهو من حاضري المسجد الحرام؛ لأن له أن يحرم من القريبة، فلم يكن بالتمتع مترفهاً بترك أحد السفرين.\rوعليه: إن دخل الآفا قي مكة متمتعاً ناوياً الإقامة بها، بعد تمتعه، فعليه دم المتعة.\rوإذا ترك الآفاقي الإحرام من الميقات، ثم نوى العمرة وحل منها، وأحرم بالحج من مكة من عامه، فهو متمتع، عليه دمان: دم المتعة، ودم ترك الإحرام من الميقات.\rالصيام بدل دم المتعة: إن لم يجد المتمتع الهدي، ينتقل إلى صيام ثلاثة أيام في الحج، وسبعة إذا رجع إلى وطنه. وتعتبر القدرة على الهدي في موضعه، فمتى عدمه في موضعه، جاز له الانتقال إلى الصيام، وإن كان قادراً علىه في بلده؛ لأن وجوبه موقت، وما كان وجوبه موقتاً اعتبرت القدرة عليه في موضعه، كالماء في الطهارة إذا عدمه في مكانه، انتقل إلى التراب. ولا يجب التتابع في أيام الصوم، وإنما يندب.\rوإذا لم يصم المتمتع الأيام الثلاثة في الحج، فإنه يصومها بعد ذلك عند الجمهور غير الحنفية، وتعين عليه الدم عند الحنفية، ولا يجزيه الصوم في وطنه، والأظهر عند الشافعية أنه يلزمه أن يفرق في قضائها بينها وبين السبعة.","part":3,"page":657},{"id":2050,"text":"ومن شرع في الصيام، ثم قدر على الهدي، لم يكن عليه عند الحنابلة والمالكية والشافعية الخروج من الصوم إلى الهدي، إلا إذا شاء، لأنه صوم دخل فيه لعدم الهدي.\rوالمرأة إذا أحرمت متمتعة، فحاضت قبل طواف العمرة، لم يكن لها أن تطوف بالبيت؛ لأن الطواف بالبيت صلاة، ولأنها ممنوعة من دخول المسجد. فإن خشيت فوات الحج، أحرمت بالحج مع عمرتها، وتصير قارنة. وهذا قول الجمهور، بدليل رواية مسلم لقصة عائشة التي حاضت، فإنها حجت أولاً، ثم اعتمرت من التنعيم.\rوقال أبو حنيفة: ترفض العمرة، وتهل بالحج، بدليل حديث عائشة المتقدم حينما حاضت، أهلت بالحج، وتركت العمرة، بدليل أمور ثلاثة: قوله عليه السلام لها: «دعي عمرتك» وقوله: «انقضي رأسك وامتشطي» وقوله: «هذه عمرة مكان عمرتك» .\rرابعاً ـ الأكل من الهدي :\rيرى الحنفية (1) أنه يجوز الأكل من هدي التطوع والمتعة والقران، إذا بلغ الهدي مَحِلَّه؛ لأنه دم نُسُك، فيجوز الأكل منه بمنزلة الأضحية. وما جاز لصاحبه الأكل منه، جاز للغني الأكل منه أيضاً. واشتراط بلوغ المحل، لأنه إذا لم يبلغ الحرم لا يحل الانتفاع منه لغير الفقير.\rولا يجوز الأكل من بقية الهدايا كدماء الكفارات والنذور وهدي الإحصار، والتطوع إذا لم يبلغ مَحِلَّه، ومحله: منى أو مكة.\r-------------------------------\r(1) اللباب : 217/1.","part":3,"page":658},{"id":2051,"text":"وقرر المالكية (1) أن صاحب الهدايا يأكل منها كلها إلا من أربعة: جزاء الصيد، ونسك الأذى، ونذر المساكين أي (النذر المعين للمساكين وهدي التطوع للمساكين) وهدي التطوع إذا عَطِب قبل محله (منى أو مكة) ، بأن عطب فنحره؛ لأنه يتهم بأنه تسبب في عطبه ليأكل منه، وليس عليه بدله. فإن أكل من هذه الأربعة، فعليه بدل البهيمة، إلا النذر المعين للمساكين يضمن فقط بقدر أكله منه.\rوكل ما يمنع الأكل منه، يختص بالمساكين.\rوما سوى هذه الأربعة يجوز لصاحبها الأكل منها مطلقاً؛ قبل المحل وبعده، وهو كل هدي وجب في حج أو عمرة، كهدي التمتع والقران، وتجاوز الميقات، وترك طواف القدوم أو الحلق، أو المبيت بمنى أو النزول بمزدلفة، أو الواجب بسبب المذي ونحوه، أو نذر مضمون لغير المساكين.\rويأكل منها أيضاً الغني والقريب. ويعد رسول صاحب الهدي غير الفقير كصاحبه في الأكل وعدمه، أما الفقير فيجوز له الأكل مما لا يجوز لصاحبه الأكل منه.\rوقال الشافعية (2) : الهدي نوعان: واجب ومتطوع به، أما الهدي الواجب: وهو ما يجب بفعل حرام، أو ترك واجب من واجبات الحج، أو بنذر، فلا يجوز للمهدي الأكل منه، بل يجب ذبحه في محله، وتفرقة جميعه على أهله من مكة أو غيرها، ويملكهم جملته ولو قبل سلخه. أما ما يقع الآن من ذبح الهدي ورميه، فلايجزئ ولا يقع هدياً.\r-------------------------------\r(1) الشرح الصغير: 125/2-128، القوانين الفقهية: ص 140، الشرح الكبير: 89/2.\r(2) حاشية الشرقاوي على تحفة الطلاب :506/1 وما بعدها،الايضاح:ص 63.","part":3,"page":659},{"id":2052,"text":"كذلك لا يجوز الأكل لمن تلزم المهدي نفقته، ورفقته ولو فقراء قافلته، وإن كبرت كالحج المصري، ولا للأغنياء مطلقاً.\rومحل عدم جواز الأكل من الهدي المنذور إذا كانت صيغة النذر صحيحة، كقوله: لله علي أن أهدي شاة للحرم. أما مايقع الآن من نذر شيء لسيدي أحمد البدوي وغيره، فيجوز لصاحبه الأكل منه، لعدم صحة نذره، لكن إن نذر ذلك لمجاوريه أو خدامه، ووجدوا في ذلك المكان، كان نذراً صحيحاً يمتنع الأكل منه (1) .\rوالخلاصة: لا يأكل من واجب؛ لأنه هدي وجب بالإحرام، فلم يجز الأكل منه كدم الكفارة، فلا يجوز الأكل من الهدي الواجب، وهدي القران والتمتع والمنذور ودم الجناية.\rوأما المتطوع به: فيجوز لصاحبه كالأضحية الأكل منه، ويلزمه التصدق بقدر ما ينطلق عليه الاسم: وهو أقل متمول. والأفضل إذا أراد تقسيمه أن يأكل منه ثلثه، ويهدي للأغنياء ثلثه، ويتصدق بثلثه، لقوله تعالى: {فكلوا منها وأطعموا القانع والمعتر} [الحج:36/22] والقانع: السائل أو الراضي بما عنده وبما يعطاه بلا سؤال، والمعتر: المتعرض للسؤال.\rوقال الحنابلة (2 ) : لا يأكل الإنسان من كل واجب كالواجب بنذر أو بتعيين كأن يقول: هذا هدي أو يقلده أو يشعره، إلا من هدي التمتع والقران دون ما سواهما؛ لأن أزواج النبي صلّى الله عليه وسلم تمتعن معه في حجة الوداع، وأدخلت عائشة الحج على العمرة، فصارت قارنة، ثم ذبح عنهن النبي صلّى الله عليه وسلم البقرة، فأكلن من لحومها،\r-------------------------------\r(1) ومثله نذر الشمعة للوقود: فإن كان في المكان المنذور له من ينتفع بضوئها، جاز وإلا فلا.\r(2) المغني: 537/3، 541-548، غاية المنتهى: 388/1.","part":3,"page":660},{"id":2053,"text":"ولأن دم المتعة والقران دم نسك، فأشبه التطوع. ولا يجوز أن يأكل من غير دم التمتع والقران؛ لأنه يجب بفعل محظور، فأشبه جزاء الصيد. ويستحب أن يأكل من هدي التطوع: وهو ما أوجبه بالتعيين ابتداء من غير أن يكون عن واجب في ذمته، وما نحره تطوعاً من غير أن يوجبه، لقوله تعالى: {فكلوا منها} [الحج:36/22] وأقل أحوال هذا الأمر الأمر بالاستحباب، ولأن النبي صلّى الله عليه وسلم أكل من بُدْنه (1) ، ويجوز التزود منه، لقول جابر: «كنا لا نأكل من بدننا فوق ثلاث، فرخص لنا النبي صلّى الله عليه وسلم ، فقال: كلوا وتزودوا، فأكلنا وتزودنا» (2) .\rوإن لم يأكل فلا بأس، فإن النبي صلّى الله عليه وسلم لما نحر البدنات الخمس، قال: «من شاء اقتطع» ولم يأكل منهن شيئاً.\rوالمحتسب أن يأكل اليسير منها، كما فعل النبي صلّى الله عليه وسلم ، وله الأكل كثيراً والتزود، كما جاء في حديث جابر، وتجزئه الصدقة باليسير منها كما في الأضحية. فإن أكلها، ضمن المشروع للصدقة منها، كما في الأضحية.\rوإن أكل مما منع من أكله أو أعطى الجازر منها شيئاً أو باع شيئاً منها أو أتلفه، ضمنه بمثله لحماً. وإن أطعم غنياً مما يجوز له الأكل منه على سبيل الهدية جاز، كما يجوز له ذلك في الأضحية؛ لأن ما ملك أكله ملك هديته.\rوالخلاصة: يجوز الأكل من دم التمتع والقران عند الجمهور، ولا يجوز عند الشافعية، ولا يجوز الأكل من المنذور ودم الجزاء اتفاقاً، ويجوز الأكل من المتطوع به بالاتفاق.\r-------------------------------\r(1) رواه مسلم.\r(2) رواه البخاري.","part":3,"page":661},{"id":2054,"text":"خامساً ـ مكان ذبح الهدي وزمانه :\rسبق بيان الكلام عن هذا الموضوع فيما يخص دم الإحصار، وأوضحه هنا بصفة عامة.\rقال الحنفية (1) : لا يجوز ذبح هدي المتعة والقران إلا في يوم النحر لأنه دم نسك، والصحيح أن يجوز ذبح دم التطوع قبل يوم النحر، وذبحه يوم النحر أفضل؛ لأن القربة في التطوعات باعتبار أنها هدايا، وذلك يتحقق ببلوغها إلى الحرم، فإذا وجد ذلك جاز ذبحها في غير يوم النحر، وفي أيام النحر أفضل؛ لأن معنى القربة في إراقة الدم فيه أظهر.\rويجوز ذبح بقية الهدايا أيّ وقت شاء؛ لأنها دماء كفارات، فلا تختص بيوم النحر، لأنها وجبت لجبر النقصان.\rولا يجوز ذبح الهدايا إلا في الحرم؛ لأن الهدي اسم لما يهدى إلى مكان، ومكانه الحرم.\rوقال المالكية (2) : يجب على المعتمد نحر الهدي بمنى بشروط ثلاثة: إن سيق الهدي في إحرامه بحج، ووقف به (3) بعرفة كوقوفه هو في كونه بجزء من الليل، وكان النحر في أيام النحر. فإن انتفت هذه الشروط أو بعضها، بأن لم يقف به بعرفة، أو لم يسق في حج، بأن سيق في عمرة، أو خرجت أيام النحر، فمحل ذبحه مكة.\rفكان محل الذبح إما منى بالشروط الثلاثة، وإما مكة لا غير عند فقدها.\r-------------------------------\r(1) الكتاب مع اللباب: 217/1 ومابعدها.\r(2) الشرح الصغير: 92/2-93، 120، الشرح الكبير: 86/2.\r(3) أو وقف به نائبه، فلا يكفي إذا اشتراه صبيحة عرفة من التجار الواقفين به جزءاً من الليل للبيع.","part":3,"page":662},{"id":2055,"text":"والأفضل فيما ذبح بمنى أن يكون عند الجمرة الأولى، ولو ذبح في أي موقع منها كفى وخالف الأفضل. ونحر الهدي يوم النحر.\rأما فدية المحظور من لبس أو طيب ونحوهما: وهي الشاة أو إطعام ستة مساكين من غالب قوت البلد الذي أخرجها فيه، أو صيام ثلاثة أيام ولو أيام منى (وهي ثاني يوم النحر وتالياه) فلا تختص بأنواعها الثلاثة بمكان أو زمان، فيجوز تأخيرها لبلده أو غيره في أي وقت شاء.\rوقال الشافعية (1) : وقت ذبح الهدي إن كان تطوعاً أو بنذر: وقت أضحية، أما إن كان بسبب فعل حرام أو ترك واجب، فلا يختص بوقت. ومكان الذبح للمحصر مكان حصره أو الحرم، ولغير المحصر: جميع الحرم، فالحرم كله منحر حيث نحر منه أجزأه في الحج والعمرة، لكن الأفضل للحاج ولو متمتعاً الذبح في منى، ولمعتمر غير متمتع الذبح في مكة عند المروة؛ لأنهما مكان تحللهما.\rوقال الحنابلة (2) : فدية الأذى بحلق رأس أو غيره: في الموضع الذي حلق فيه؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلم «أمر كعب بن عجرة بالفدية بالحديبية» ولم يأمره ببعثه إلى الحرم. وما عدا فدية الشعر من الدماء يكون بمكة، وأما جزاء الصيد فهو لمساكين الحرم، لقوله تعالى: {هدياً بالغ الكعبة} [المائدة:95/5] وأما الصيام فيجزئه في كل مكان، بلا خلاف.\rوالأفضل نحر ما وجب بحج بمنى، وما وجب بعمرة بالمروة، لما رواه أبو داود من قولهصلّى الله عليه وسلم : «كل منى منحر، وكل فجاج مكة منحر وطريق» ، والعاجز عن إيصاله للحرم، حتى بوكيله، ينحره حيث قدر، ويفرقه بمنحره، ويجزئ ما وجب بفعل محظور غير صيد: خارج الحرم، ولو بلا عذر، حيث وجد السبب، وبالحرم أيضاً.\rويدخل وقت ذبح فدية المحظور من حين فعله، وقبله بعد وجود سببه المبيح ككفارة يمين. ويكون وقت جزاء الصيد بعد جرحه، ووقت ترك الواجب عند تركه. ويجزئ دم إحصار حيث أحصر، وصوم وحلق بكل مكان، ووقت نحر الهدي والأضحية ثلاثة أيام: يوم النحر ويومان بعده.\rسادساً ـ ذابح الهدي :\rالأفضل عند الجمهور في البدن: النحر، وفي البقر والغنم، الذبح، والأولى بالاتفاق (3) أن يتولى الإنسان ذبح الهدي بنفسه إن كان يحسن ذلك؛ لأنه قربة، والعمل بنفسه في القربات أولى لما فيه من زيادة الخشوع، إلا أنه يقف عند الذبح إذا لم يذبح بنفسه؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلم نحر هديه بيده.\rوقال جابر: «نحر رسول الله صلّى الله عليه وسلم ثلاثاً وستين بدنة بيده، ثم أعطى علياً، فنحر ما غبر» .\rوإن ذبح الهدي غير صاحبه أجزأه، والمستحب أن يشهد ذبحه، لما روي أن النبي صلّى الله عليه وسلم قال لفاطمة: «احضري أضحيتك يغفر لك بأول قطرة من دمها» .\rوالأفضل أن يتولى تفريق اللحم بنفسه؛ لأنه أحوط وأقل للضرر على المساكين، وإن خلى بينه وبين المساكين جاز، لقوله عليه السلام: «من شاء اقتطع» .\rويباح للفقراء الأخذ من الهدي إذا لم يدفع إليهم، إما بالإذن الصريح لفظاً لحديث «من شاء اقتطع» أو بالإذن دلالة كالتخلية بينهم وبينه.\r-------------------------------\r(1) حاشية الشرقاوي: 506/1، الإيضاح: ص 63.\r(2) المغني: 432/3-434، 545/3-548، غاية المنتهى: 388/1 ومابعدها.\r(3) اللباب: 218/1، الشرح الصغير: 129/2، الشرح الكبير: 87/2، المغني: 541/3.","part":3,"page":663},{"id":2056,"text":"سابعاً ـ التصدق بلحم الهدي :\rأجاز الحنفية (1) أن يتصدق بلحم الهدي على مساكين الحرم وغيرهم؛ لأن الصدقة قربة معقولة، والصدقة على كل فقير قربة، وعلى مساكين الحرم أفضل، إلا أن يكون غيرهم أحوج.\rويتصدق بجلال الهدايا وخطامها (2) ، ولا يعطي الجزارة أجرة منها، لقوله صلّى الله عليه وسلم لعلي رضي الله عنه: «تصدَّق بجلالها وخُطُمها ولا تُعط الجزار منها» .\rوقال المالكية (3) كالحنفية: يوزع لحم الهدي والخِطام والجِلال على المساكين.\rويرى الشافعية (4) : أن جزاء الصيد، وفدية الأذى كحلق وتقليم أظفار ودم التمتع والقران يذبح ويتصدق به على مساكين الحرم، لقوله تعالى: {ثم محلها إلى البيت العتيق} [الحج:33/22].\rوأما رأي الحنابلة (5) : فهو أن كل هدي أو إطعام لترك نسك أو فوات أو فعل محظور لمساكين الحرم، إن قدر على إيصاله إليهم، إلا أن فدية الأذى توزع على المساكين في الموضع الذي حلق فيه، لما تقدم من أمر كعب بن عجرة بالفدية في الحديبية، ولقول ابن عباس: « الهدي والطعام بمكة، والصوم حيث شاء » ، ولأنه نسك يتعدى نفعه إلى المساكين، فاختص بالحرم كالهدي.\rويصح تفرقة اللحم أو إعطاؤه لمساكين الحرم ميتاً أو حياً لينحروه، وإلا استرده ونحره، فإن أبى أو عجز، ضمنه.\rومساكين الحرم: من كان فيه من أهله، أو وارد إليه من الحاج وغيرهم، وهم الذين يجوز دفع الزكاة إليهم، ويجوز إباحة الذبيحة لهم، لما روى أبو داود عن أنس: «أن النبي صلّى الله عليه وسلم نحر خمس بدنات، ثم قال: من شاء فليقتطع» .\rوما جاز تفريقه بغير الحرم، لم يجز دفعه إلى فقراء أهل الذمة في رأي الجمهور؛ لأن الذمي كافر فلم يجز الدفع إليه كالحربي. وأجاز الحنفية دفعه لأهل الذمة كالأضحية.\r-------------------------------\r(1) الكتاب مع اللباب: 218/1.\r(2) الجلال: جمع جُلّ، وهو كالكساء يقي الحيوان والبرد، وخطامها: زمامها.\r(3) الشرح الصغير مع حاشية الصاوي: 128/2.\r(4) حاشية الشرقاوي: 509/1.\r(5) المغني: 433/3، 545 ومابعدها، غاية المنتهى: 388/1.","part":3,"page":664},{"id":2057,"text":"ثامناً ـ الانتفاع بالهدي :\rيجوز الانتفاع بالهدي عند الضرورة أو الحاجة، فقال المالكية (1) : يجوز له ركوبه إن احتاج إليه، ويندب عدم ركوبه والحمل عليه بلا عذر، بل يكره، فإن اضطر لركوبه لم يكره، ولا يشرب من اللبن وإن فضل عن الفصيل.\rوقال الحنفية (2) : من ساق بَدَنة، فاضطر إلى ركوبها أو حمل متاعه عليها، ركبها وحملها، وإن استغنى عن ذلك لم يركبها، لأنه جعلها خالصاً لله ، فلا ينبغي أن يصرف لنفسه شيئاً من عينها أو منافعها إلى أن تبلغ محلها، ولقوله صلّى الله عليه وسلم : «اركبها بالمعروف إذا ألجئت إليها حتى تجد ظهراً» (3) . وإذا ركبها أو حملها، فانتقصت فعليه ضمان ما انتقص منها. وإن كان لها لبن لم يحلبها؛ لأن اللبن متولد منها، وينضح ضَرْعها بالماء البارد حتى ينقطع اللبن عنها، إن قرب محلها، وإلا حلبها وتصدق بلبنها كيلا يضر ذلك بها، وإن صرفه لنفسه، تصدق بمثله أو قيمته؛ لأنه مضمون عليه.\r-------------------------------\r(1) القوانين الفقهية: ص 140، الشرح الكبير: 92/2.\r(2) اللباب: 218/1 ومابعدها.\r(3) رواه أبو داود.","part":3,"page":665},{"id":2058,"text":"وقال الحنابلة (1) : له ركوب الهدي على وجه لايضر به، لما روى أبو هريرة وأنس: «أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم رأى رجلاً يسوق بدنة، فقال: اركبها، فقال: يا رسول الله ، إنها بدنة، فقال: اركبها، ويلك ـ في الثانية أو الثالثة» (2) وللمهدي شرب لبن الهدي؛ لأن بقاءه في الضرع يضرُّ به، فإذا كان ذا ولد لم يشرب إلا ما فضل عن ولده. وهذا هو الراجح لدي.\rوقال الشافعية (3) : للمحتاج دون غيره أن يركب الهدي المنذور ويشرب من لبنه ما فضل عن ولده، ولو تصدق به، كان أفضل، ولو كان عليه صوف لا منفعةله في جزه، ولا ضرر عليه في تركه، لم يجز له جزه، وإن كان عليه في بقائه ضرر، جاز له جزه، وينتفع به، فلو تصدق به كان أفضل.\rتاسعاً ـ تقليد الهدي وإشعاره :\rالتقليد: أن يعلق في عنق الهدي قلادة، مضفورة من حبل أو غيره، ويعلق بها نعلان أو نعل.\rوالإشعار: أن يشق سنام البدنة الأيمن عند الشافعية والحنابلة، أو الأيسر عند المالكية، ويقول حينئذ: «بسم الله والله أكبر» . والتقليد: هو المستحب بالاتفاق، أما الإشعار فمختلف فيه.\rفقال الحنفية (4) : الإشعار مكروه، لأنه مُثْلة، فكان غير جائز؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلم نهى عن تعذيب الحيوان، ولأنه إيلام فهو كقطع عضو منه وهذا هو الحق.\rولا يجب التعريف بالهدايا: وهو إحضارها عرفة،فإن عرَّف بهدي المتعة والقران والتطوع، فحسن؛ لأنه يتوَّقت بيوم النحر، فعسى ألا يجد من يُمسكه، فيحتاج إلى أن يعرّف به، ولأنه دم نسك، ومبناه على التشهير، بخلاف دماء الكفارات، فإنه يجوز ذبحها قبل يوم الجناية، فالستر بها أليق.\rويُقلَّد هدي التطوع والمتعة والقران إذا كان من الإبل والبقر؛ لأنه دم نسك، فيليق به الإظهار والشهرة، تعظيماً لشعائر الإسلام. وأما الغنم فلا يقلد، وكل ما يقلد يخرج به إلى عرفات، وما لا فلا.\rولا يقلد دم الإحصار؛ لأنه لرفع الإحرام، ولا دم الجنايات؛ لأنه دم جبر، فالأولى إخفاؤها وعدم إشهارها.\r-------------------------------\r(1) المغني: 540/3.\r(2) رواه البخاري ومسلم وأحمد.\r(3) الإيضاح: ص 62، شرح المجموع: 278/8، 281.\r(4) الكتاب مع اللباب: 218/1، 220.","part":3,"page":666},{"id":2059,"text":"وقال المالكية (1) : يستحب تقليد الهدي وإشعاره، وتجليله: وهو أن تكسى بجل من أرفع ما يقدر عليه من الثياب، ويشق فيه موضع السنام، ويساق كذلك إلى موضع النحر، فيزال عنه الجل، وينحر قائماً وذلك يوم النحر. ويتصدق بالجل والخطام، وتترك القلادة في الدم.\rوالإشعار والتقليد والتجليل كله في الإبل، وأما البقر فتقلد وتشعر، ولا تجلل، وأما الغنم فلا تقلد ولا تشعر ولا تجلل.\rوقال الشافعية (2) : إن ساق هدياً تطوعاً ومنذوراً، فإن كان بدنة أو بقرة، استحب له أن يقلدها نعلين لهما قيمة ليتصدق بهما، وأن يشعرها أيضاً؛ لما روى ابن عباس رضي الله عنهما: «أن النبي صلّى الله عليه وسلم صلى الظهر في ذي الحليفة، ثم أتى ببدنة، فأشعرها على صفحة سنامها الأيمن، ثم سلت الدم عنها، ثم قلدها\r-------------------------------\r(1) القوانين الفقهية: ص 139-140، الشرح الصغير: 122/2 ومابعدها.\r(2) المهذب: 235/1 ومابعدها، الإيضاح للنووي: ص 61، شرح المجموع:269/8.","part":3,"page":667},{"id":2060,"text":"نعلين» (1) ، ولأنه ربما اختلط بغيره، فإذا أشعر وقلد تميز، وربما ندَّ (هرب) فيعرف بالإشعار والتقليد ، فيرد.\rوإن ساق غنماً قلدها خُرَب القُرَب: وهي عراها وآذانها، لما روت عائشة رضي الله عنها أن النبي صلّى الله عليه وسلم : «أهدى مرة غنماً مقلدة» (2) ولأن الغنم يثقل عليها حمل النعال. ولا يشعرها؛ لأن الإشعار لا يظهر في الغنم لكثرة شعرها وصوفها، ولأنها ضعيفة.\rويكون تقليد الجميع والإشعار وهي مستقبلة القبلة، والبدنة باركة.\rوإذا قلد النعم وأشعرها، لم تصر هدياً واجباً، على المذهب الصحيح المشهور، كما لو كتب الوقف على باب داره.\rوقال الحنابلة (3) كالشافعية: يسن تقليد الهدي، سواء أكان إبلاً أم بقراً أم غنماً، لحديث عائشة السابق بلفظ: «كنت أفتل القلائد للنبي صلّى الله عليه وسلم ، فيقلد الغنم، ويقيم في أهله حلالاً» .\rويسن إشعار الإبل والبقر، لحديث عائشة المتفق عليه: «فتلت قلائد هد ي النبي صلّى الله عليه وسلم ، ثم أشعرها وقلدها» .\rوالخلاصة: إن الإشعار عند الجمهور للإبل والبقر، وهو مكروه عند الحنفية، ولا تقلد الغنم عند المالكية والحنفية، وإنما تقلد الإبل والبقر، ويقلد الكل عند الشافعية والحنابلة.\rعاشراً ـ عطب الهدي في الطريق :\rقال الحنفية (4) : من ساق هدياً فعَطِب (أي هلك) ، فإن كان تطوعاً فليس عليه غيره، وإن كان عن واجب، فعليه أن يقيم غيره مُقامه؛ لأن الواجب باق في ذمته حيث لم يقع موقعه، فصار كهلاك الدراهم المعدة للزكاة قبل أدائها.\rوإن أصابه عيب كبير، أقام غيره مقامه، لبقاء الواجب في ذمته، وصنع بالمعيب ما شاء.\rوإذا عطبت البدنة في الطريق (أي قاربت العطب) : فإن كان تطوعاً نحرها، وصَبَغ نعلها (أي قلادتها) بدمها، وضرب بقلادتها المصبوغة بدمها صفحتها (أي أحد جانبيها) ، ولم يأكل منها صاحبها، ولا غيره من الأغنياء، ليعلم الناس أنه هدي، فيأكل منه الفقراء دون الأغنياء.\rوإن كانت البدنة واجبة، أقام غيرها مُقامها، وصنع بها ما شاء؛ لأنها ملكه كسائر أملاكه.\rوقال المالكية (5) : إذا عطب هدي التطوع قبل محله، ينحره، ويخلي بينه وبين الناس، ولا يأكل منه، فإن أكل منه، فعليه بدله.\rوأما ولد الهدي المولود: فإن ولد قبل التقليد فيستحب نحره، ولا يجب حمله إلى مكة. وإن ولد بعد التقليد أو الإشعار، فيجب حمله إلى مكة على غير أمه، إن لم يمكن سوقه.\rوكذلك قال الشافعية (6) : إن عطب الهدي وخاف أن يهلك، نحره وغمس نعله التي قلده إياها في دمه، وضرب به صفحته وتركه موضعه، ليعلم من مر به أنه هدي، فيأكله. لما روى أبو قبيصة أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم كان يبعث بالهدي، ثم يقول:\r-------------------------------\r(1) رواه مسلم بلفظه.\r(2) رواه مسلم بلفظه، والبخاري بمعناه.\r(3) المغني: 549/3.\r(4) الكتاب: 219/1.\r(5) الشرح الكبير: 91/2-92.\r(6) المهذب: 1/632، المجموع: 278/8، 281-289.","part":3,"page":668},{"id":2061,"text":"«إن عطب منها شيء، فخشيت عليه موتاً، فانحرها، ثم اغمس نعلها في دمها، ثم اضرب صَفْحتها، ولا تطعمها أنت، ولا أحد من رفقتك» (1) .\rفإن كان تطوعاً : فله أن يفعل به ماشاء من بيع وذبح وأكل وإطعام لغيره، وتركه وغير ذلك؛ لأنه ملكه، ولا شيء في كل ذلك.\rوإن كان منذوراً: لزمه ذبحه، فإن تركه حتى هلك، لزمه ضمانه، كما لو فرط في حفظ الوديعة حتى تلفت.\rولا يجوز للمهدي ولا لسائق هذا الهدي وقائده الأكل منه، بلا خلاف للحديث السابق، ولا يجوز للأغنياء الأكل منه بلا خلاف؛ لأن الهدي مستحق للفقراء، فلا حق للأغنياء منه، ويجوز للفقراء من غير رفقة صاحب الهدي الأكل منه بالإجماع، لحديث ناجية الأسلمي أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم : «بعث معه بهدي، فقال: إن عطب فانحره، ثم اصبغ نعله في دمه، ثم خل بينه وبين الناس» (2) . والأصح أنه لا يجوز للفقراء من رفقة صاحب الهدي الأكل منه.\rوإذا أتلف المهدي الهدي، لزمه على المذهب ضمانه بأكثر الأمرين من قيمته ومثله، كما لو باع الأضحية المعينة وتلفت عند المشتري.\rوإن أتلف الهدي أجنبي، وجبت عليه القيمة، ويشترى بها المثل.\rوإذا اشترى هدياً، ثم نذر إهداءه، ثم وجد به عيباً، لم يجز له رده بالعيب، لأنه تعلق به حق الله تعالى، فلا يجوز إبطاله.\r-------------------------------\r(1) رواه مسلم في صحيحه.\r(2) رواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه، قال الترمذي: حديث حسن صحيح.","part":3,"page":669},{"id":2062,"text":"نعله التي قلده إياها في دمه، وضرب به صفحته وتركه موضعه، ليعلم من مر به أنه هدي، فيأكله. لما روى أبو قبيصة أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم كان يبعث بالهدي، ثم يقول: «إن عطب منها شيء، فخشيت عليه موتاً، فانحرها، ثم اغمس نعلها في دمها، ثم اضرب صَفْحتها، ولا تطعمها أنت، ولا أحد من رفقتك» (1) .\rفإن كان تطوعاً : فله أن يفعل به ماشاء من بيع وذبح وأكل وإطعام لغيره، وتركه وغير ذلك؛ لأنه ملكه، ولا شيء في كل ذلك.\rوإن كان منذوراً: لزمه ذبحه، فإن تركه حتى هلك، لزمه ضمانه، كما لو فرط في حفظ الوديعة حتى تلفت.\rولا يجوز للمهدي ولا لسائق هذا الهدي وقائده الأكل منه، بلا خلاف للحديث السابق، ولا يجوز للأغنياء الأكل منه بلا خلاف؛ لأن الهدي مستحق للفقراء، فلا حق للأغنياء منه، ويجوز للفقراء من غير رفقة صاحب الهدي الأكل منه بالإجماع، لحديث ناجية الأسلمي أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم : «بعث معه بهدي، فقال: إن عطب فانحره، ثم اصبغ نعله في دمه، ثم خل بينه وبين الناس» (2) . والأصح أنه لا يجوز للفقراء من رفقة صاحب الهدي الأكل منه.\rوإذا أتلف المهدي الهدي، لزمه على المذهب ضمانه بأكثر الأمرين من قيمته ومثله، كما لو باع الأضحية المعينة وتلفت عند المشتري.\rوإن أتلف الهدي أجنبي، وجبت عليه القيمة، ويشترى بها المثل.\rوإذا اشترى هدياً، ثم نذر إهداءه، ثم وجد به عيباً، لم يجز له رده بالعيب، لأنه تعلق به حق الله تعالى، فلا يجوز إبطاله.\rوإذا أتلف الهدي قبل بلوغ المنسك، أو بعده وقبل التمكين من ذبحه، فلاشيء عليه، لأنه أمانة لم يفرط فيها، كما لو ماتت أو سرقت الأضحية المعينة أو المنذورة المعينة قبل تمكنه من ذبحها يوم النحر.\rوإن ذبح الهدي أجنبي بغير إذن صاحبه، أجزأه عن النذر؛ لأن ذبحه لا يحتاج إلى قصده، ويلزم الذابح أرش نقصه: وهو ما بين قيمته حياً ومذبوحاً؛ لأنه لو أتلفه ضمنه، فإذا ذبحه ضمن نقصانه كشاة اللحم.\rوإذا ذبح الهدي المعين قبل المنسك، لزم التصدق بلحمه، ولزم البدل في وقته، كما لو ذبح الأضحية المعينة أو المنذورة قبل يوم النحر، يلزم التصدق بلحمها، ولا يجوز له أكل شيء منها، ويلزمه ذبح مثلها يوم النحر بدلاً عنها.\rوإذا ولد الهدي أو الأضحية المتطوع بهما، فالولد ملك لصاحبه كالأم، يتصرف فيه بما شاء من بيع وغيره كالأم. وأما ولد المنذور فيتبع الأم بلا خلاف.\rومذهب الحنابلة (3) كالشافعية إجمالاً: إن كان الهدي تطوعاً، وخاف عطبه أو عجز عن المشي وصحبة الرفاق، نحره بموضعه، وخلى بينه وبين المساكين، ولم يبح له أكل شيء منه، ولا لأحد من صحابته، وإن كانوا فقراء.\rوليس عليه بدل عنه، لحديث أبي قبيصة السابق.\rوإن كان نذراً فعليه البدل، لقوله صلى الله عليه وسلم: «من أهدى تطوعاً، ثم ضلت، فليس عليه البدل، إلا أن يشاء، فإن كان نذراً فعليه البدل» (4) .\rفإن أكل صاحب الهدي أو السائق أو رفقته منه، أو باع أو أطعم غنياً أو رفقته منها، ضمنه بمثله لحماً. وإن أتلفه أو تلف بتفريطه أو خاف عطبه، فلم ينحره حتى هلك، فعليه ضمانه بما يوصله إلى فقراء الحرم. وإن أطعم منه فقيراً أو أمره بالأكل منه، فلا ضمان عليه؛ لأنه أوصله إلى المستحق.\rوإن تعيب بفعل آدمي ، فعليه ما نقصه من القيمة يتصدق به.\r-------------------------------\r(1) رواه مسلم في صحيحه.\r(2) رواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه، قال الترمذي: حديث حسن صحيح.\r(3) المغني: 3/537-539.\r(4) رواه الدارقطني عن ابن عمر.","part":3,"page":670},{"id":2063,"text":"الفَصْلُ الثَّاني: خَصَائِصُ الحَرَمَين\rوفيه مبحثان: حرم مكة، وحرم المدينة\rالمبحث الأول ـ حرم مكة :\rحدود الحرم، بناء الكعبة ومزيتها وفضيلة المسجد الحرام، المجاورة بمكة، أيهما أفضل: مكة أم المدينة؟ آداب دخول مكة، محظورات الحرم المكي وخصائصه، زيارة أهم المعالم التاريخية في مكة.\rأولاً ـ حدود الحرم المكي :\rوهو الذي يحرم فيه الصيد والنبات، ويمنع أخذ ترابه وأحجاره، وبيان مايتعلق به من الأحكام وما يخالف غيره من الأرض.\rحد الحرم: من طريق المدينة على ثلاثة أميال من مكة عند بيوت بني نفار أو السقيا وتعرف الآن بمساجد عائشة، ومن طريق اليمن على سبعة أميال طرف أضاة لبِن في ثنيه لبن، ومن طريق العراق على سبعة أميال من مكة على ثنية جبل بالمنقطَع أو المقطع، ومن الطائف وبطن نمرة على طريق عرفات على سبعة أميال من مكة عند طرف عرفة، ومن طريق الجِعْرانة على تسعة أميال في شعب آل عبد الله ابن خالد، ومن جُدَّة على عشرة أميال من مكة عند منقطع الأعشاش. ومن بطن عرنة أحد عشر ميلاً. وأما وَجّ: وهو واد بالطائف فهو من الحل (1) .\rويلاحظ أن للحرم علامات من جوانبه كلها، ومنصوب عليه أنصاب، ذكر الأزرقي وغيره أن إبراهيم صلّى الله عليه وسلم عملها، وجبريل عليه السلام يريه مواضعها، ثم أمر النبي صلّى الله عليه وسلم بتجديدها، ثم عمر ثم عثمان ثم معاوية، وهي الآن بينة واضحة.\rوقد صارت المدينة حرماً بتحريم رسول الله صلّى الله عليه وسلم بعد أن كانت حلالاً. والصحيح أن مكة حرم منذ القديم، لقول النبي صلّى الله عليه وسلم يوم فتح مكة: «فإن هذا بلد حرمه الله تعالى يوم خلق السموات والأرض، وهو حرام بحرمة الله تعالى إلى يوم القيامة» (2) .\rثانياً ـ بناء الكعبة ومزيتها وفضيلة المسجد الحرام :\rبنيت الكعبة المشرفة خمس مرات (3) : بناء الملائكة أو آدم، أو شيث بن آدم كما قال السهيلي، وبناء إبراهيم على القواعد الأولى، وبناء قريش في الجاهلية بحضور الرسول صلّى الله عليه وسلم قبل البعثة، وبناء ابن الزبير، حين احترقت،و بناء الحجاج بن يوسف. وهذا البناء هو الموجود اليوم.\rوقد تم توسيع المسجد الحرام في عهد عمر بل إن عمر أول من بناه، ثم في عهد عثمان، ثم في عهد الوليد بن عبد الملك، ثم في عهد المهدي، واستقر الأمر على ذلك، إلى أن تم توسيعه الأخير عدة مرات في عهد السعوديين ويتم الآن أكبر\r-------------------------------\r(1) المجموع: 440 ومابعدها، الإيضاح: ص78، غاية المنتهى: 395/1، إعلام الساجد بأحكام المساجد للزركشي ص 63.\r(2) حديث صحيح رواه البخاري ومسلم عن ابن عباس رضي الله عنهما.\r(3) الإيضاح: ص 81، 84-85.","part":3,"page":671},{"id":2064,"text":"توسعة، من جهة الغرب، قال الشافعي: أحب أن تترك الكعبة على حالها، فلا تهدم؛ لأن هدمها يذهب حرمتها ويصير كالتلاعب بها. وقد كساها النبي صلّى الله عليه وسلم ثياباً يمانية، ثم كساها أبو بكر وعمر وعثمان ومعاوية وابن الزبير ومن بعدهم.\rوكان الوليد بن عبد الملك أول من ذهَّب البيت في الإسلام. وأجاز الغزالي تزيين الكعبة بالذهب والحرير ما لم ينسب إلى الإسراف. ويجوز تطييب الكعبة ويحرم أخذ شيء منه للتبرك وغيره، ومن أخذه لزمه رده إليها، فإن أراد التبرك أتى بطيب من عنده فمسحها به، ثم أخذه كما قال النووي.\rوالبيت الحرام: أول بيت من بيوت الله وجد على ظهر الأرض ليعبد الناس فيه ربهم، أولية شرف وزمان، لقوله سبحانه: {إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركاً وهدى للعالمين، فيه آيات بينات مقام إبراهيم، ومن دخله كان آمناً} [آل عمران:96/3] فأول دلائله وعلائمه الظاهرة: مقام إبراهيم، وثانيها أنه يجب تعظيمه بنسبته إلى الله، حتى إنه كان اللاجئ إليه عند العرب يصير آمناً ما دام فيه، وقد أقر الله تعالى هذه المزية في قوله: {وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمناً، واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى} [البقرة:125/2] {أو لم نمكن لهم حرماً آمناً} [القصص:57/28] {أو لم يروا أنا جعلنا حرماً آمناً ويتخطف الناس من حولهم} [العنكبوت:67/29] لذا يكره عند مالك والشافعي حمل السلاح في مكة لغير ضرورة و حاجة، فإن كانت حاجة جاز، ثبت في صحيح مسلم عن جابر أن النبي صلّى الله عليه وسلم قال: «لا يحل أن يحمل السلاح بمكة» .","part":3,"page":672},{"id":2065,"text":"وتضاعف في الحرم السيئات والحسنات، قال تعالى: {ومن يرد فيه بإلحاد بظلم، نذقه من عذاب أليم} [الحج:25/22] وثواب الصلاة فيه يعدل مئة ألف صلاة، قال صلّى الله عليه وسلم : «صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام، وصلاة في المسجد الحرام أفضل من صلاة في مسجدي هذا بمئة صلاة» (1) وفي لفظ عند أحمد من حديث ابن عمر: «وصلاة في المسجد الحرام أفضل من مئة ألف صلاة» وروى الطبراني عن أبي الدرداء: «الصلاة في المسجد الحرام بمئة ألف صلاة، والصلاة في مسجدي بألف صلاة، والصلاة في بيت المقدس بخمس مئة صلاة» وهذا يدل على أفضلية هذه المساجد الثلاثة: المسجد الحرام ثم المسجد النبوي ثم المسجد الأقصى، والمسجد الحرام أفضل المساجد على الإطلاق، ويقصد بالذات للعبادة فيه، ويجب أداء الصلاة فيه إذا نذرت، لقوله صلّى الله عليه وسلم : «لاتشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى» (2) .\rويطلق المسجد الحرام غالباً ويراد به هذا المسجد، وقد يراد به الحرم، وقد يراد به مكة، كما في قوله تعالى: {ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام} [البقرة:196/2] وقد ازدادت أهميته بجعله من أهم أماكن شعائر الحج في أيام معلومات (3) .\rثالثاً ـ المجاورة بمكة وفضيلتها :\rقال جماعة منهم النووي والزركشي (4) : إن حرم مكة كالمسجد الحرام في\r-------------------------------\r(1) رواه أحمد وصححه ابن حبان عن أبي الزبير (سبل السلام: 216/2).\r(2) رواه أحمد والشيخان وأبو داود والنسائي وابن ماجه عن أبي هريرة.\r(3) وقد عرفنا أن الأيام المعلومات عند المالكية هي أيام النحر الثلاثة، والأيام المعدودات هي أيام منى وهي أيام التشريق وهي الثلاثة بعد يوم النحر.\r(4) إعلام الساجد بأحكام المساجد: ص 119-129، فتح القدير: 335/2، الدر المختار: 354/2، الإيضاح: ص 84، غاية المنتهى: 395/1.","part":3,"page":673},{"id":2066,"text":"مضاعفة ثواب الصلاة بل وسائر أنواع الطاعات، قال الحسن البصري: صوم يوم بمكة بمئة ألف، وصدقة درهم بمئة ألف، وكل حسنة بمئة ألف.\rقال صلّى الله عليه وسلم : «رمضان بمكة أفضل من ألف رمضان بغير مكة» (1) وقال أيضاً: «من حج من مكة ماشياً، حتى يرجع إليها كتب له بكل خطوة سبع مئة حسنة من حسنات الحرم، وحسنات الحرم بمئة ألف حسنة» (2) .\rوقال جماعة من العلماء، منهم ابن عباس وابن مسعود ومجاهد وأحمد بن حنبل: تضاعف السيئات بمكة كما تضاعف الحسنات. وقال بعض المتأخرين: القائل بالمضاعفة: أراد مضاعفة مقدارها أي غلظها لا كميتها في العدد، فإن السيئة جزاؤها سيئة، لكن السيئات تتفاوت، فالسيئة في حرم الله أكبر وأعظم منها في طرف من أطراف البلاد.\rويعاقب فيها على الهم بالسيئات وإن لم يفعلها، قال تعالى: { ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم} [الحج:25/22] وهذا مستثنى من قاعدة الهم بالسيئة وعدم فعلها، تعظيماً لحرمة الحرم.\rأما المجاورة بمكة: فذهب مالك وأبو حنيفة إلى كراهتها، خوفاً من التقصير في حرمتها، والتبرم واعتياد المكان والأنس به، وذلك يجر إلى قلة المهابة والتعظيم، ولتهييج الشوق بالمفارقة لتنبعث داعية العود، وخوفاً من ركوب الخطايا والذنوب بها، فإن ذلك محظور، والراجح عند الحنفية رأي الصاحبين وهو عدم كراهة المجاورة بمكة أو المدينة، واختار بعضهم أن المجاورة بالمدينة أفضل منها بمكة.\r-------------------------------\r(1) رواه البزار عن ابن عمر، وهو ضعيف كما قال الهيثمي في مجمع الزوائد.\r(2) رواه الحاكم في المستدرك عن ابن عباس وقال: حديث صحيح الإسناد، ورواه البيهقي في سننه وضعَّفه.","part":3,"page":674},{"id":2067,"text":"واستحب الشافعية والحنابلة وصاحبا أبي حنيفة المجاورة لمن لم يخف الوقوع في محظور بمكة أو المدينة (1) ؛لأن النبي صلّى الله عليه وسلم قال عن مكة: «إنك لأحب البقاع إلى الله عز وجل، ولولا أني أخرجت منك ما خرجت» (2) قال أحمد: والمقام بالمدينة أحب إلي من المقام بمكة لمن قوي عليه؛ لأنها مهاجر المسلمين، وقال النبي صلّى الله عليه وسلم : «لا يصبر أحد على لأوائها وشدتها إلا كنت له شهيداً وشفيعاً يوم القيامة» (3) .\rرابعاً ـ هل مكة أفضل أو المدينة (4) ؟.\rقال القاضي عياض وغيره: انعقد الإجماع على أن أفضل بقع الأرض على الإطلاق المكان الذي ضم جسده صلّى الله عليه وسلم ، وعلى أن مكة والمدينة أفضل بقاع الأرض بعده.\rواختلفوا في أيهما أفضل مكة أم المدينة؟ فقال مالك تبعاً لعمر وغيره من الصحابة المدنيين بتفضيل المدينة؛ لأنها موطن الهجرة، ومستقر الصحابة، ومثوى الرسول صلّى الله عليه وسلم ، ولما ورد في فضلها من الأحاديث الصحيحة (5) ، منها: «إنها طيبة ـ يعني المدينة ـ وإنها تنفي الخَبَث كما تنفي النار خبث الفضة» (6) .\r-------------------------------\r(1) فتح القدير: 335/2، غاية المنتهى: 395/1، إعلام الساجد: ص129 ومابعدها، المغني: 556/3.\r(2) أخرجه الترمذي عن ابن عباس وعبد الله بن عدي بن الحمراء بعبارات مقاربة لهذا (جامع الأصول: 185/10).\r(3) رواه مسلم والموطأ والترمذي عن ابن عمر (جامع الأصول: 198/10).\r(4) الإيضاح: ص 72، الدر المختار: 352/2، إعلام الساجد: ص 185 ومابعدها، القوانين الفقهية: ص 143.\r(5) انظر جامع الأصول:192/10-211.\r(6) رواه مسلم عن زيد بن ثابت (جامع الأصول: 201/10).","part":3,"page":675},{"id":2068,"text":"وذهب أكثر العلماء، منهم الأئمة الثلاثة إلى تفضيل مكة، للحديث السابق عن مكة: «والله إنك لخير أرض الله ، وأحب أرض الله إلى الله ، ولولا أني أخرجت منك ما خرجت» (1) .\rوحديث: «يامكة، والله ، إنك لخير أرض الله ، وأحب البلاد إلى الله ، ولولا أني أخرجت منك ما خرجت» (2) .\rوحديث الترمذي أيضاً عن ابن عباس: أن النبي صلّى الله عليه وسلم قال لمكة: «ما أطيبك وأحبك إلي، ولولا أن قومي أخرجوني منك ما سكنت غيرك» .\rوذكر العز بن عبد السلام أوجه تفضيل مكة على المدينة، منها:\r1 - وجوب قصدها للحج والعمرة، وهما واجبان لا يقع مثلهما بالمدينة.\r2 - أن الله تعالى حرمها يوم خلق السموات والأرض.\r3 - أن الله جعلها حرماً آمناً في الجاهلية والإسلام.\r4 - لا يدخلها أحد إلا بحج أو عمرة وجوباً أو ندباً.\rخامساً ـ آداب دخول مكة :\rيستحب لمن دخل مكة ما يأتي (3) :\r1ً - ينبغي لمن أحرم بحج أو عمرة من الميقات أوغيره أن يتوجه إلى مكة، ومنها يكون خروجه إلى عرفات.\r2ً - إذا بلغ الحرم المكي دعا، فقال: «اللهم هذا حرمك وأمنك، فحرمني على النار، وآمني من عذابك يوم تبعث عبادك، واجعلني من أوليائك وأهل طاعتك» . هذا ويستحضر من الخشوع والخضوع في قلبه وجسده ما أمكنه.\r-------------------------------\r(1) رواه الترمذي، وقال: هذا حديث حسن صحيح.\r(2) رواه النسائي عن أبي هريرة.\r(3) الإيضاح: ص31-33، الكتاب مع اللباب: 182/1، الدر المختار ورد المحتار: 351/2، القوانين الفقهية: ص 143، مغني المحتاج: 511/1، المغني: 368/3-370، 555.","part":3,"page":676},{"id":2069,"text":"3ً - إذا بلغ مكة اغتسل بذي طوى (1) بنية غسل دخول مكة، فإن جاء من طريق آخر اغتسل في غيرها. وهذا الغسل مستحب لكل أحد حتى الحائض والنفساء والصبي.\r4ً - السنة أن يدخل مكة من ثنية كَداء (2) ، وإذا خرج راجعاً إلى بلده خرج من ثنية كُدا (3) .\r5ً - الأصح عند الشافعية أن يدخل مكة ماشياً لا راكباً.\r6ً - يدخلها الإنسان ليلاً أونهاراً، فقد دخلها رسول الله صلّى الله عليه وسلم نهاراً في الحج، وليلاً في عمرة له، والأفضل في الأصح عند الشافعية دخولها نهاراً.\r7ً - ينبغي أن يتحفظ في دخوله من إيذاء الناس في الزحمة، ويتلطف بمن يزاحمه، ويلحظ بقلبه جلالة البقعة التي هو فيها والتي يتجه إليها.\r8ً - ينبغي لمن يأتي من غير الحرم ألا يدخل مكة إلا محرماً بحج أو عمرة. والأصح عند الشافعية أن دخولها محرماً مستحب، وواجب عند غيرهم.\r9ً - يستحب إذا وقع بصره على البيت أن يرفع يديه، فقد جاء أنه يستجاب دعاء المسلم عند رؤية الكعبة، ويقول:\rأي من جهة الجنوب. ( اللهم زد هذا البيت تشريفاً وتعظيماً وتكريماً ومهابة، وزد من شرفه وعظمه ممن حجه أو اعتمره تشريفاً وتكريماً وتعظيماً وبراً ) ويضيف إليه: ( اللهم أنت السلام، ومنك السلام، فحينا ربنا بالسلام ).\rويدعو بما أحب من مهمات الآخرة والدنيا، وأهمها سؤال المغفرة. وينبغي أن يستحضر عند رؤية الكعبة ما أمكنه من الخشوع والتذلل والخضوع، فهذه عادة الصالحين والعارفين.\rويقول قبالة البيت: ( اللهم إن هذا البيت بيتك، والحرم حرمك، والأمن أمنك، وهذا مقام العائذ بك من النار ).\r10ً - يستحب ألا يعرج أول دخوله على استئجار منزل وتغيير ثياب وغير ذلك إلا الطواف الذي هو طواف القدوم وهو سنة عند الجمهور واجب عند المالكية. ويترك بعض الرفقة عند متاعهم ورواحلهم حتى يطوفوا، ثم يرجعوا إلى رواحلهم ومتاعهم واستئجار المنزل.\r-------------------------------\r(1) مثلثة الطاء، وهي في أسفل مكة في صوب طريق العمرة المعتادة ومسجد عائشة رضي الله عنها.\r(2) بفتح الكاف، وهي بأعلى مكة، ينحدر منها إلى المقابر، والثنية: هي الطريق الضيقة بين جبلين. أي من جهة الشمال.\r(3) بضم الكاف، وهي بأسفل مكة بقرب جبل قُعَيْقِعَان، وإلى صوب ذي طوى.","part":3,"page":677},{"id":2070,"text":"ويستحب للمرأة الجميلة أو الشريفة ألا تبرز للرجال، وتؤخر الطواف ودخول المسجد إلى الليل.\rويستحب الدخول إلى البيت الحرام من باب بني شيبة، ويقدم رجله اليمنى في الدخول، ويقول:\r( أعوذ بالله العظيم، وبوجهه الكريم، وسلطانه القديم من الشيطان الرجيم، بسم الله ، والحمد لله ، اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، اللهم اغفر لي ذنوبي، وافتح لي أبواب رحمتك). وإذا خرج قدم رجله اليسرى، وقال هذا، إلا أنه يقول:( وافتح لي أبواب فضلك ) وهذا الذكر والدعاء مستحب في كل مسجد.\r11ً - إذا دخل المسجد ينبغي ألا يشتغل بصلاة تحية المسجد، ولا غيرها، بل يقصد الحجر الأسود، ويبدأ بطواف القدوم، وهو تحية المسجد الحرام، والطواف مستحب لكل داخل محرماً كان أوغير محرم، إلا لأداء الصلاة المكتوبة أو قضائها، أو فوات الجماعة فيها، أو فوات الوتر أو سنة الفجر وغيرها من السنن الراتبة، فيقدم كل ذلك على الطواف ثم يطوف.\rولو دخل وقد منع الناس من الطواف صلى تحية المسجد.\r12ً - يستحب لمن حج أن يدخل البيت، ويصلي فيه ركعتين، كما فعل النبي صلّى الله عليه وسلم . ولا يدخل البيت بنعليه ولا خفيه، ولا يدخل حِجْر إسماعيل؛ لأنه من البيت، ولا يدخل الكعبة بسلاح.\rوثياب الكعبة إذا نزعت يتصدق بها، ولا يأخذ من طيب البيت شيئاً، ولا يخرج من تراب الحرم، ولا يدخل فيه من الحل، ولا يخرج من حجارة مكة وترابها إلى الحل.-\r13ً - يستحب لمن دخل مكة حاجاً أو معتمراً أن يختم القرآن فيها قبل رجوعه.\r14ً - يندب عند المالكية طواف الوداع، ويجب عند الأئمة الآخرين.","part":3,"page":678},{"id":2071,"text":"سادساً ـ الأحكام التي يخالف فيها الحرم غيره من البلاد (خصائصه ومحظوراته ) :\rللحرم المكي أحكام خاصة، أهمها ما يأتي (1) :\r1ً - ينبغي ألا يدخله أحد إلا بإحرام، وهو مستحب عند الشافعية، واجب عند غيرهم.\r2ً - يحرم صيد الحرم بالإجماع على الحلال والمحرم إلا المؤذيات المبتدئة بالأذى غالباً، وهو مضمون بإتلافه خلافاً لداود الظاهري، لحديث: «لا ينفَّر صيده» .\r3ً - يحرم قطع شجر الحرم ونباته الرطب الذي ينبت بنفسه ولا يستنبته الناس كالشيح والشوك والعوسج، إلا ما فيه ضرورة كالإذْخر (نبات طيب الرائحة) ، ويلحق به كما أبان المالكية ستة: السَّنَا (المعروف بالسنامكي) للحاجة إليه في التداوي، والهَشّ (قطع ورق الشجر بالمِحْجَن) (2) ، والعَصَا، والسواك، وقطع الشجر للبناء والسكنى بموضعه، وقطعه لإصلاح الحوائط والبساتين. لقوله صلّى الله عليه وسلم يوم فتح مكة: «إن هذا البلد حرَّمه الله يوم خلق السموات والأرض، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة، لا يُعْضَد شوكه، ولا يُنَفَّر صيده، ولا يَلْتقط لقطته إلا من عرَّفها، ولا يُخْتَلى خلاه (3) ، فقال العباس: يا رسول الله ، إلا الإذخِر، فإنه\r-------------------------------\r(1) المجموع: 443/7-444، المهذب: 218/1-220، الكتاب مع اللباب: 211/1، الشرح الصغير مع الصاوي: 110/2 وما بعدها، مغني المحتاج: 527/1 ومابعدها، المغني: 344/3-355، بداية المجتهد: 319/1، البدائع: 207/2-211، إعلام الساجد: ص137، 154-169، الدر المختار: 297/2 ومابعدها، الإيضاح: ص 95-97، طبعة الجمالية بمصر.\r(2) المحجن: العصا المعوجة من الطرف. أما خبط العصا على الشجر ليقع ورقه فهو حرام.\r(3) الخلا: الحشيش الرطب.","part":3,"page":679},{"id":2072,"text":"لقَيْنهم وبيوتهم، فقال: إلا الإذخر» (1) ويجب عند الجمهور ضمان الشجر خلافاً للمالكية.والمستنبت الذي استنبته الآدميون من الشجر كغيره على المذهب عند الشافعية وهو الأظهر في الحرمة والضمان، لعموم الحديث السابق. ويحل الإذخر، والشوك كالعوسج (نوع من الشوك) وغيره من كل مؤذ كالصيد المؤذي، فلا ضمان في قطعه. والأصح عند الشافعية حل أخذ نبات الحرم من حشيش ونحوه بالقطع لعلف البهائم وللدواء كالحنظل، وللتغذي كالرِّجْلة والبقلة للحاجة إليه (2) .\rولا يحرم عند غير الشافعية قطع ما أنبته الآدمي من الشجر كالجوز واللوز والنخل ونحوه كشجر الأراك، والرمان والخس والبطيخ والحنطة، ولا بأس بقطع اليابس من الشجر والحشيش لأنه قد مات، وليس له أخذ ورق الشجر، ويباح أخذ الكمأة من الحرم لأنها ليست من جنس النبات، بل هي من ودائع الأرض، وكذا الفقع؛ لأنه لا أصل له، فأشبه الثمرة. ولا شيء بقتل غراب وحدأة وفأرة وحية وكلب عقور وبعوض ونمل وبرغوث وقراد وسلحفاة وما ليس بصيد، على الخلاف والتفصيل السابق.\rوأما صيد وَج (واد بالطائف) وشجره: فحرام لا يضمن عند الشافعية، لحديث: «ألا إن صيد وج وعضاهه ـ يعني شجره ـ حرام محرم» (3) وهو مباح حلال عند الحنابلة؛ لأن الأصل الإباحة، والحديث ضعفه أحمد، لكن لايضمن قطعاً عند الشافعية.\r4ً - يمنع إخراج تراب الحرم وأحجاره، والمعتمد عند أكثر الشافعية كراهة ذلك، والأصح عند النووي التحريم. وقال الحنفية: لا بأس بإخراج الأحجار وترابه.\r-------------------------------\r(1) رواه البخاري ومسلم والنسائي عن ابن عباس (جامع الأصول: 183/10) وعضد الشجر: قطعه بالمِعْضَد: وهي حديدة تتخذ لقطعه. والقين: الحداد، والعبد أيضاً. ومعنى كونه لبيوتهم أنهم يسقُفونها به فوق الخشب.\r(2) مغني المحتاج 527/1 ومابعدها.\r(3) حديث ضعيف رواه البيهقي عن الزبير بن العوام.","part":3,"page":680},{"id":2073,"text":"5ً - يمنع عند الجمهور كل كافر من دخول الحرم، مقيماً كان أو ماراً. وأجازه أبو حنيفة ما لم يستوطنه.\r6ً - لا تحل لقطة مكة وحرمها لمتملك، وإنما تحل لمنشد يحفظها ويعرفها بخلاف سائر البلاد، للحديث المتقدم: «ولا تلتقط لقطته إلا من عرفها» .\r7ً - تغلظ الدية على القاتل الذي قتل في حرم مكة، لقول تعالى: {ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه} [البقرة:191/2] لأن للحرم تأثيراً في إثبات الأمن. وتغلظ وإن كان القتل خطأ، سواء أكان القاتل والمقتول معاً في الحرم، أم أحدهما فيه دون الآخر.\rوقدر التغليظ عند أحمد: هو الزيادة في العدد أي بمقدار الدية وثلث الدية.\rوعند الشافعي: التغليظ جاء في أسنان الإبل، لا الزيادة في العدد.\rولا تغلظ الدية بالقتل في حرم المدينة، في الأصح عند الشافعية.\rويجوز عند الجمهور خلافاً لجماعة قتال البغاة في حرم مكة على بغيهم إذا لم يمكن ردهم عن البغي إلا بالقتال؛ لأن قتال البغاة من حقوق الله تعالى التي لا يجوز إضاعتها، فحفظها في الحرم أولى من إضاعتها.\rوتقام الحدود والقصاص في الحرم عند المالكية والشافعية، لقوله تعالى: {ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه} [البقرة:191/2] ولأن النبي صلّى الله عليه وسلم أمر بقتل ابن خَطَل لما وجد متعلقاً بأستار الكعبة، وأمر النبي بقتل الفواسق الخمس في الحل والحرم؛ لأنها مؤذيات طبعاً. وروي عن أحمد وأبي حنيفة والظاهرية أن من وجب عليه الحد أو القصاص آمن ما دام في الحرم، لقوله تعالى: {ومن دخله كان آمناً} [آل عمران:97/3]","part":3,"page":681},{"id":2074,"text":"ولقوله صلّى الله عليه وسلم : «لا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دماً» (1) .\r8ً - تحريم دفن المشرك فيه ونبشه منه.\r9ً - تخصيص ذبح دماء الجزاءات في الحج والهدايا في الحرم.\r10ً- لا دم على المتمتع والقارن إذا كان من أهل الحرم.\r11ً- لا يكره عند الشافعية صلاة النفل التي لا سبب لها في وقت من الأوقات في الحرم، سواء في مكة وسائر الحرم.\r12ً- إذا نذر قصده، لزمه عند الشافعية الذهاب إليه بحج أوعمرة، بخلاف غيره من المساجد، فإنه لا يجب الذهاب إليه إذا نذره، إلا مسجد رسول الله صلّى الله عليه وسلم والمسجد الأقصى، فإنهما يتعينان أيضاً، للحديث السابق: «لا تشد الرحال..» .\r13ً- إذا نذر النحر وحده بمكة، لزمه عند الشافعية النحر بها، وتفرقة اللحم على مساكين الحرم، ولو نذر ذلك في بلد آخر، لم ينعقد نذره في أصح الوجهين.\r14ً- يحرم عند الشافعية استقبال الكعبة واستدبارها بالبول والغائط في الصحراء.\r15ً- مضاعفة الأجر في الصلوات وسائر الطاعات بالمسجد الحرام.\r16ً- يستحب لأهل مكة أن يصلوا العيد في المسجد الحرام، والأفضل لغيرهم الصلاة في المصلى، إذا كان المسجد عند الشافعية (2) ضيّقاً، فإن كان واسعاً فالمسجد أفضل من المصلى.\r17ً- لا يجوز إحرام المقيم في الحرم بالحج خارجه.\rسابعاً ـ زيارة أهم المعالم التاريخية بمكة :\rقال ابن جزي (3) : من المواضع التي ينبغي قصدها تبركاً: قبر إسماعيل عليه السلام وأمه هاجر وهما في الحِجْر، وقبر آدم عليه السلام في جبل أبي قبيس، والغار المذكور في القرآن وهو جبل أبي ثور، والغار الذي في جبل حراء حيث ابتدأ فيه نزول الوحي على رسول الله صلّى الله عليه وسلم ، وزيارة قبور من بمكة والمدينة من الصحابة والتابعين والأئمة.\rوجبل حراء أو جبل النور: يقع في شمال مكة على بعد خمسة كيلو مترات منها، وعلى يسار الذاهب إلى عرفات، وارتفاعه نحو 200 م، وفيه ابتدأ نزول الوحي على النبي صلّى الله عليه وسلم بأول سورة العلق.\r-------------------------------\r(1) رواه البخاري ومسلم في الصحيحين من الحديث السابق: «إن مكة حرمها الله ، ولم يحرمها الناس، فلا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دماً...» .\r(2) المجموع: 5/5.\r(3) القوانين الفقهية: ص 143.","part":3,"page":682},{"id":2075,"text":"وجبل ثور: أحد الجبال الكثيرة المحيطة بمكة، وارتفاعه نحو 500 م، يقع جنوبي مكة، وعلى مسافة ستة أميال منها، وهو ملجأ النبي عليه السلام وصاحبه أبي بكر أثناء الهجرة لمدة ثلاثة أيام.\rومن الأماكن الأثرية : دار الأرقم، قرب الصفا، وقد أسلم الأرقم المخزومي بعد ستة من الصحابة، وكانت داره مقر الدعوة السرية إلى الإسلام في مبدأ الأمر، وفيها أسلم عمر.\rومنها مقبرة المُعَلاَّة أو الحجون: شمال شرقي مكة، وهي مقبرة المكيين منذ العصر الجاهلي إلى اليوم، وتضم قبور بني هاشم من أجداد الرسول صلّى الله عليه وسلم وأعمامه، وقبور بعض الصحابة والتابعين، ففيها قبور جدي الرسول: عبد مناف وعبد المطلب، وعمه أبي طالب، وقبر السيدة آمنة أم النبي صلّى الله عليه وسلم ، والسيدة خديجة الكبرى زوجته، وقبر عبد الله بن الزبير، وأمه أسماء بنت أبي بكر.\rوأما منى: فقرية تقع على مسافة سبعة كيلو مترات من مكة، فيها الجمرات الثلاث: الصغرى والوسطى والكبرى، ومسجد الكبش نسبة إلى كبش فداء إسماعيل عليه السلام، ومسجد البيعة حيث بايع أهل المدينة الرسول عليه السلام، ومسجد الخيف الكبير.\rوأما عرفات: فجبل مرتفع بقدر (225 م) عن سطح البحر، ويقع على مسافة 25 كم في الجنوب الشرقي من مكة. وفي شماله يقع جبل الرحمة الذي وقف عنده الرسول صلّى الله عليه وسلم في السنة العاشرة من الهجرة يوم حجة الوداع، ونزل في هذا الموقف آية: {اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي، ورضيت لكم الإسلام ديناً} [المائدة:3/5].","part":3,"page":683},{"id":2076,"text":"المبحث الثاني ـ حرم المدينة :\rحدود الحرم، فضيلة المسجد النبوي، خصائص الحرم أو محظوراته وأوجه اختلاف حرم المدينة عن حرم مكة، زيارة المسجد وقبر النبي صلّى الله عليه وسلم ، زيارة المعالم الأثرية في المدينة.\rأولاً ـ حدود الحرم المدني :\rحرم المدينة جنوباً وشمالاً: بريد في بريد، ما بين عائر إلى ثور، لخبر الصحيحين: «المدينة حرم من عَيْر إلى ثَوْر» وعائر أوعير: اسم جبل مشهور بقرب المدينة، وثور: جبل صغير وراء أُحد من جهة الشمال، وجبل أحد من الحرم (1) . وشرقاً وغرباً بريد في بريد أيضاً ما بين لابتيها، لقوله صلّى الله عليه وسلم : «حرَّم رسول الله صلّى الله عليه وسلم ما بين لابتي المدينة» (2) فمساحتها بريد في بريد من جهاتها الأربع، وسورها الآن هو طرفها في زمنه صلّى الله عليه وسلم .\rوجعل النبي صلّى الله عليه وسلم حول المدينة اثني عشر ميلاً.\rوالأولى ألا تسمى «يثرب» لأنه اسم جاهلي قديم، اسمها طيبة وطابة والدار والمدينة ويثرب.\rثانياً ـ فضيلة المسجد النبوي :\rبنى الرسول صلّى الله عليه وسلم مع الصحابة هذا المسجد بمساحة 70 × 60 ذراعاً، ثم وسعه عمر، وعثمان، وعبد الملك بن مروان وابنه الوليد (3) ، وتم توسيعه الأخير على يد الملك عبد العزيز آل سعود، وضم إليه مساحة كبرى من جهة الغرب مصلى أثناء الحج. ويتم الآن إحداث أكبر توسعة له بحيث تشمل تقريباً المدينة القديمة.\rوالصلاة في هذا المسجد تربو على الصلاة في غيره بألف صلاة، لحديث أبي هريرة المتقدم في الصحيحين: «صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام» قال النووي: وهذا التفضيل يعم الفرض والنفل كمكة. وقال العلماء: وهذا فيما يرجع إلى الثواب، فثواب صلاة فيه يزيد على ألف صلاة\r-------------------------------\r(1) إعلام الساجد للزركشي: ص 226-229، مغني المحتاج: 529/1، غاية المنتهى: 397/1.\r(2) رواه مسلم عن عتبة بن مسلم وعن أبي سعيد الخدري وجابر بن عبد الله، واللابة: أرض ذات حجارة سود، واللابتان: شرقية وغربية (جامع الأصول: 194/10).\r(3) إعلام الساجد: ص 223-225.","part":3,"page":684},{"id":2077,"text":"فيما سواه، ولا يتعدى ذلك إلى الإجزاء، حتى لو كان عليه صلاتان، فصلى في مسجد المدينة صلاة لم تجزئه عنهما، وهذا لاخلاف فيه.\rورأى النووي أن هذه الفضيلة مختصة بنفس مسجده صلّى الله عليه وسلم الذي كان في زمانه، دون ما زيد فيه بعده، لقوله: «في مسجدي هذا» وذهب غيره إلى أنه لو وُسِّع ثبت له هذه الفضيلة، كما في مسجد مكة إذا وسع، فإن تلك الفضيلة ثابتة له، قال ابن عمر: «زاد عمر بن الخطاب في المسجد، قال: ولو زدنا فيه حتى بلغ الجبانة (1) ، كان مسجد رسول الله صلّى الله عليه وسلم » (2) .\rوفي حديث يبين فضل الصلاة في هذا المسجد: «من صلى في مسجدي أربعين صلاة لا تفوته صلاة كتبت له براءة من النار، ونجاة يوم القيامة» (3) ولو نذر الذهاب إلى المسجد النبوي أو إلى المسجد الأقصى، فالأصح عند الشافعية أنه يستحب له الذهاب ولا يجب، ويتحقق النذر باعتكاف ساعة في الأصح، والأفضل صلاة ركعتين فيه.\rثالثاً ـ خصائص الحرم المدني :\rحرم المدينة: ما بين لابيتها، واللابة: الحرة: وهي أرض فيها حجارة سود، كما قدمنا. ويمتاز هذا الحرم بأحكام منها ما يأتي (4) .\r-------------------------------\r(1) مقبرة المدينة.\r(2) إعلام الساجد: ص 246 ومابعدها.\r(3) رواه الطبراني في الأوسط عن أنس بن مالك،ولم يروه عن أنس إلا نُبيط، تفرد به ابن أبي الرجال.\r(4) إعلام الساجد للزركشي: ص242-273، القوانين الفقهية: ص 143، الشرح الصغير: 111/2 ومابعدها، المجموع: 447/7-455، الإيضاح: ص 96، المهذب: 219/1، مغني المحتاج: 529/1، المغني: 353/3-355، غاية المنتهى: 397/1، الدر المختار: 354/2.","part":3,"page":685},{"id":2078,"text":"1 - تحريم صيد المدينة وشجرها على الحلال والمحرم كمكة عند الجمهور، خلافاً لأبي حنيفة، للحديث السابق: «إن إبراهيم حرم مكة، وإني حرمت المدينة، ما بين لابتيها لا يقطع عضاهها، ولا يصاد صيدها» (1) وإذا فعل استغفر الله ولاشيء عليه،ولا يضمن القيمة عند الجمهور في الجديد الأصح عند الشافعية للحديث الآتي: «يا أبا عمير» ولأنه ليس محلاً للنسك، لكن مكة يضمن صيدها وشجرها.\rولعل أبا حنيفة يستدل بحديث «يا أبا عمير مافعل النغير» (2) لكن قال الجمهور: يحتمل أن يكون قبل تحريم المدينة، أو أن هذا الطائر من خارج حرم المدينة.\r2 - يحرم في رأي النووي نقل تراب حرم المدينةأو أحجاره عن حرم المدينة.\r3 - يستحب عند الشافعية والحنابلة المجاورة بالمدينة، لما يحصل في ذلك من نيل الدرجات ومزيد الكرامات، لقوله صلّى الله عليه وسلم : «من صبر على لأواء المدينة وشدتها، كنت له شهيداً وشفيعاً يوم القيامة» (3) .\rوالراجح عند الحنفية كما تقدم: أنه لا تكره المجاورة بالمدينة، وكذا بمكة لمن يثق بنفسه.\r4 - يستحب عند الشافعية الصيام بالمدينة والصدقة على سكانها وبرهم، فهم جيران رسول الله صلّى الله عليه وسلم ، خاصة أهل المدينة، وقد روى الطبراني بإسناد ضعيف أنه صلّى الله عليه وسلم قال: «رمضان بالمدينة خير من ألف رمضان فيما سواه من البلدان» .\r-------------------------------\r(1) رواه مسلم، والعضاه: شجر عظيم له شوك.\r(2) رواه أبو عوانة في صحيحه عن شُرحَبيل بن سعد، ورواه البخاري ومسلم عن أنس، والنغير: مصغر نغر، وهو طائر يشبه العصفور، أحمر المنقار.\r(3) رواه مسلم في صحيحه عن أبي هريرة وأبي سعيد وابن عمر رضي الله عنهم.","part":3,"page":686},{"id":2079,"text":"5 - يختص أهل المدينة بمزيد الشفاعة والإكرام، زائداً على غيرهم من الأمم، لحديث الصحيحين المتقدم عن أبي هريرة: «من صبر على لأواء المدينة..» وفي حديث آخر: «أول من أشفع له من أمتي: أهل المدينة، ثم أهل مكة، ثم أهل الطائف» (1) .\r6 - إذا عاين حيطان المدينة صلى على النبي صلّى الله عليه وسلم ، وقال: ( اللهم هذا حرم نبيك فاجعله وقاية لي من النار، وأماناً من العذاب وسوء الحساب ).\rرابعاً ـ الفرق بين حرم المدينة وحرم مكة :\rيختلف حرم المدينة عن حرم مكة في شيئين (2) :\rأحدهما ـ أنه يجوز أن يؤخذ من شجر حرم المدينة ما تدعو الحاجة إليه للمساند والوسائد والرحل، ومن حشيشها ما تدعو الحاجة إليه للعلف، لما روى جابر: «أن النبي صلّى الله عليه وسلم لما حرم المدينة، قالوا: يا رسول الله ، إنا أصحاب عمل وأصحاب نضح، وإنا لانستطيع أرضاً غير أرضنا، فرخص لنا، فقال: القائمتان والوسادة والعارضة والمسند، فأما غير ذلك فلا يعضد، ولا يخبط منها شيء» (3) فاستثنى ذلك وجعله مباحاً كاستثناءذلك وجعله مباحاً كاستثناء الإذخر بمكة.\rولما روى علي: «المدينة حرام ما بين عائر إلى ثور، لا يختلى خلاها، ولا ينفر صيدها، ولا يصلح أن يقطع منها شجرة إلا أن يعلف رجل بعيره» .\rوعن جابر أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم قال: «لا يخبط ولا يعضد حمى رسول الله صلّى الله عليه وسلم ،\r-------------------------------\r(1) رواه الطبراني والبزار عن عبد الملك بن عباد بن جعفر، لكنه لم يرو إلا هذا الحديث بهذا الإسناد.\r(2) مغني المحتاج: 528/1، إعلام الساجد: ص 234.\r(3) رواه أحمد. والمسند: مرْود البكرة أي محور البكرة.","part":3,"page":687},{"id":2080,"text":"ولكن يهش هشاً رفيقاً» (1) ،ولأن المدينة ذات شجر وزرع، فلو منعنا من احتشاشها مع الحاجة أفضى إلى الضرر، بخلاف مكة. ولا جزاء في مذهب المالكية خلافاً لغيرهم بقتل صيد المدينة وقطع شجرها، فإن فعل استغفر الله تعالى فقط.\rالثاني ـ أن من صاد صيداً خارج المدينة، ثم أدخله إليها، لم يلزمه إرساله؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلم كان يقول: «يا أبا عمير، ما فعل النغير» وهو طائر صغير، فظاهر هذا أنه أباح إمساكه بالمدينة إذ لم ينكر ذلك.\rوحرمة مكة أعظم من حرمة المدينة، بدليل أنه لا يدخلها الداخل إلا محرماً.\rخامساً ـ زيارة المسجد النبوي وقبر النبي صلّى الله عليه وسلم :\rيستحب زيارة المسجد النبوي، لأنه كما تقدم في الحديث الصحيح أحد المساجد الثلاثة التي تشد إليها الرحال، وزيارة قبر النبي صلّى الله عليه وسلم وصاحبيه؛ لأن موضع قبره عليه الصلاة والسلام أفضل بقاع الأرض. وآداب الزيارة وأحكامها ما يأتي (2) :\r1ً - تسن زيارة قبر رسول الله صلّى الله عليه وسلم ، لقوله عليه السلام: «من زار قبري وجبت له شفاعتي» (3) وقوله: «من جاءني زائراً لم تنزعه حاجة إلا زيارتي، كان\r-------------------------------\r(1) رواهما أبو داود.\r(2) الإيضاح: ص 86-88، 91، القوانين الفقهية: ص 143، مغني المحتاج: 512/1، غاية المنتهى: 396/1، المغني: 556/3-559، مراقي الفلاح: ص 127-129.\r(3) رواه ابن خزيمة في صحيحه والبزار والدارقطني عن ابن عمر رضي الله عنهما (نيل الأوطار: 95/5).","part":3,"page":688},{"id":2081,"text":"حقاً على الله تعالى أن أكون له شفيعاً يوم القيامة» (1) وروى البخاري: «من صلى علي عند قبري، وكل الله به ملكاً يبلغني، وكفي أمر دنياه وآخرته، وكنت له شفيعاً أو شهيداً يوم القيامة» .\rفزيارة قبره صلّى الله عليه وسلم من أفضل القربات وأنجح المساعي لقوله تعالى: {ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاؤوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول، لوجدوا الله تواباً رحيماً} [النساء:64/4]، وتتأكد الزيارة للحاج والمعتمر أكثر من غيره، لأمرين: أحدهما ـ أن الغالب على الحجيج الورود من آفاق بعيدة، فإذا قربوا من المدينة يقبح تركهم الزيارة. والثاني ـ لحديث ابن عمر: « من حج، ولم يزرني، فقد جفاني» (2) وحديث «من زارني بعد موتي فكأنما زارني في حياتي» (3) .\r2ً - يستحب للزائر أن ينوي مع زيارته صلّى الله عليه وسلم التقرب إلى الله تعالى بالمسافرة إلى مسجده صلّى الله عليه وسلم والصلاة فيه.\r3ً - يستحب في أثناء السفر لهذه الزيارة أن يكثر من الصلاة والتسليم على النبي صلّى الله عليه وسلم في طريقه، خصوصاً إذا رأى أشجار المدينة وحرمها.\r4ً - يستحب أن يغتسل قبل دخوله ويلبس أنظف ثيابه.\r5ً - يستحضر في قلبه حينئذ شرف المدينة وأنها أفضل الدنيا بعد مكة.\r6ً - ليقل عند باب مسجده صلّى الله عليه وسلم ما قدمناه عند المسجد الحرام وكل المساجد، ويقدم رجله اليمنى في الدخول، واليسرى في الخروج.\r-------------------------------\r(1) رواه ابن السكن في سننه الصحاح المأثورة. وروى أبو داود عن أبي هريرة حديثاً ضعيفاً: «ما من أحد سلم علي إلا رد الله علي روحي حتى أرد عليه السلام» وروى الدارقطني حديثاً آخر ضعيفاً: «من حج فزار قبري بعد وفاتي، فكأنما زارني في حياتي» ..\r(2) رواه ابن عدي في الكامل والدارقطني وابن حبان والبزار (نيل الأوطار: 95/5) وهو ضعيف.\r(3) رواه الدارقطني وأبو يعلى والبيهقي وابن عدي عن ابن عمر، ورواه غيرهم، وتعدد طرقه يقوي بعضها بعضاً.","part":3,"page":689},{"id":2082,"text":"ثم يقصد الروضة الكريمة (1) : وهي ما بين المنبر والقبر، فيصلي تحية المسجد، بجنب المنبر، وتكون الدائرة التي في قبلة المسجد بين عينيه، فذلك موقف رسول الله صلّى الله عليه وسلم .\r7ً - إذا صلى التحية في الروضة أو غيرها من المسجد، شكر الله تعالى على هذه النعمة، ويسأله إتمام ما قصده وقبول زيارته، ثم يأتي القبر الكريم، فيستدبر القبلة، ويستقبل جدار القبر، ويبعد من رأس القبر نحو أربعة أذرع، ويقف ناظراً إلى أسفل، خاشعاً، فارغ القلب من علائق الدنيا، مستحضراً قلبه جلالة موقفه صلّى الله عليه وسلم، ثم يسلم ولا يرفع صوته، فيقول:\r( السلام عليك يا رسول الله ، السلام عليك يا نبي الله ، السلام عليك ياخيرة الله ، السلام عليك يا خير خلق الله ، السلام عليك يا حبيب الله ، السلام عليك يا نذير، السلام عليك يا بشير، السلام عليك يا طُهر، السلام عليك يا طاهر، السلام عليك يا نبي الرحمة، السلام عليك يا نبي الأمة، السلام عليك يا أبا القاسم، السلام عليك يا رسول رب العالمين، السلام عليك يا سيد المرسلين وخاتم النبيين، السلام عليك يا خير الخلائق أجمعين، السلام عليك يا قائد الغر المحجلين، السلام عليك وعلى آلك وأهل بيتك وأزواجك وذريتك وأصحابك أجمعين، السلام عليك وعلى سائر الأنبياء وجميع عباد الله الصالحين.\rجزاك الله يا رسول الله عنا أفضل ما جزى نبياً ورسولاً عن أمته، وصلى الله عليك كلما ذكرك ذاكر، وغفل عن ذكرك غافل، أفضل وأكمل وأطيب ما صلى على أحد من الخلق أجمعين.\rأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنك عبده ورسوله وخيرته من خلقه. وأشهد أنك قد بلغت الرسالة وأديت الأمانة، ونصحت الأمة، وجاهدت في الله حق جهاده.\rاللهم وآته الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقاماً محموداً الذي وعدته، وآته نهاية ما ينبغي أن يسأله السائلون.\r-------------------------------\r(1) ما بين المنبر ومقام النبي صلّى الله عليه وسلم الذي كان يصلي فيه حتى توفي أربعة عشر ذراعاً وشبر، وما بين المنبر والقبر ثلاثة وخمسون ذراعاً وشبر.","part":3,"page":690},{"id":2083,"text":"اللهم صل على محمد عبدك ورسولك النبي الأمي، وعلى آل محمد وأزواجه وذريته، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، وبارك على محمد النبي الأمي، وعلى آل محمد وأزواجه وذريته، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين، إنك حميد مجيد ).\rومن أراد الاختصار، قال: ( السلام عليك يا رسول الله صلى الله عليك وسلم ).\rثم يتأخر نحو يمينه إلى الشرق قدر ذراع، فيسلم على أبي بكر رضي الله عنه، فيقول: ( السلام عليك يا أبا بكر صفي رسول الله ، وثانيه في الغار، جزاك الله عن أمة نبيه صلّى الله عليه وسلم خيرا ً ).\rثم يتأخر نحو اليمين قدر ذراع، فيسلم على عمر رضي الله عنه، فيقول: (السلام عليك يا عمر، أعز الله بك الإسلام، جزاك الله عن أمة محمد صلّى الله عليه وسلم خيراً ).\rثم يرجع قدر نصف ذراع فيقول: ( السلام عليكما يا ضجيعي رسول الله ورفيقيه ووزيريه ومشيريه والمعاونين له على القيام في الدين، القائمين بعده بمصالح المسلمين، جزاكما الله أحسن الجزاء ).\rثم يعود إلى رأس قبر النبي صلّى الله عليه وسلم ، في زاوية الحجرة المسورة، ويستقبل القبلة، ويحمد الله تعالى ويمجده، ويدعو لنفسه بما أهمه وما أحبه، ولوالديه، ولمن شاء من أقاربه، وأشياخه وإخوانه وسائر المسلمين، ويبتدئ بقوله: ( اللهم إنك قلت وقولك الحق: {ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاؤوك فاستغفروا الله ، واستغفر لهم الرسول، لوجدوا الله تواباً رحيماً} [النساء:64/4] وقد جئناك سامعين قولك، طائعين أمرك، مستشفعين بنبيك، ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلاً للذين آمنوا، ربنا إنك رؤوف رحيم. ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين ).","part":3,"page":691},{"id":2084,"text":"ثم يأتي الروضة، فيكثر فيها من الدعاء، والصلاة، فقد ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم ،قال: «ما بين قبري ومنبري روضة من رياض الجنة، ومنبري على حوضي» ويقف عند المنبر ويدعو.\rثم يأتي اسطوانة أبي لبابة التي ربط نفسه بها حتى تاب الله عليه، وهي بين القبر والمنبر، فيصلي ركعتين ويتوب إلى الله ويدعو بما شاء. ثم يأتي الأسطوانة الحنانة التي فيها بقية الجذع الذي حن إلى النبي صلّى الله عليه وسلم حين تركه، وخطب على المنبر، حتى نزل، فاحتضنه، فسكن.\r8ً - لا يجوز أن يطاف بقبر النبي صلّى الله عليه وسلم ، ويكره مسحه باليد وتقبيله، بل الأدب أن يبعد عنه كما يبعد منه لو حضر في حياته صلّى الله عليه وسلم .\r9ً - ينبغي له مدة إقامته بالمدينة أن يصلي الصلوات كلها بمسجد رسول الله صلّى الله عليه وسلم، وينبغي له أن ينوي الاعتكاف فيه، كما ينويه في المسجد الحرام. وإذا أراد وداع المدينة صلى ركعتين وقال: ( اللهم لا تجعله آخر العهد بحرم رسولك، وسهل لي العود إلى الحرمين سهلة، وارزقني العفو والعافية في الآخرة والدنيا، وردنا إليه سالمين غانمين ).\r10ً - كره مالك رحمه الله لأهل المدينة كلما دخل أحدهم المسجد وخرج الوقوف بالقبر، قال: وإنما ذلك للغرباء، أو لمن قدم من أهل المدينة من سفر أو خرج إلى سفر أن يقف عند قبر النبي صلّى الله عليه وسلم ، فيصلي عليه ويدعو له ولأبي بكر وعمر رضي الله عنهما. والفرق أن أهل المدينة مقيمون بها، وقد قال عليه السلام: «اللهم لا تجعل قبري وثناً يعبد» .","part":3,"page":692},{"id":2085,"text":"سادساً ـ زيارة أهم المعالم الأثرية في المدينة :\rيسن أن يأتي المشاهد بالمدينة، وهي نحو ثلاثين موضعاً يعرفها أهل المدينة، وأهمها ما يأتي (1) .\r1 - زيارة مساجد المدينة الأخرى: يستحب زيارة المساجد الأخرى، مثل مسجد قباء وهو في الجنوب الغربي من المدينة، وهو أول مسجد أسس في المدينة، وذلك يوم السبت ناوياً التقرب بزيارته والصلاة فيه، لحديث: «صلاة في مسجد قباء كعمرة» (2) ، وفي الصحيحين عن ابن عمر، قال: «كان رسول الله صلّى الله عليه وسلم يأتي مسجد قباء راكباً وماشياً، فيصلي فيه ركعتين» وفي رواية صحيحة: «كان يأتيه كل سبت» ويدعو بما شاء من كشف الكرب والحزن كما كشف عن رسول الله صلّى الله عليه وسلم حزنه وكربه في هذا المقام.\rومثل مسجد المصلى أو مسجد الغمامة: في المكان الذي كان رسول الله صلّى الله عليه وسلم يصلي فيه صلاة العيدين.\rومسجد الفتح: الواقع شمال البلدة الغربي على قطعة من جبل سَلْع، ويقع حيث كان الخندق.\rومسجد القبلتين: وهو مسجد صغير أقيم على حافة وادي العقيق شمال غربي المدينة، وسمي بذلك لأن فيه قبلتين: الأولى منهما نحو الشمال لبيت المقدس، والثانية إلى الجنوب نحو مكة.\r2 - زيارة البقيع: على بضع مئات من الأمتار من المسجد النبوي من جهة الشرق. فيه رفات أكثر من عشرة آلاف من كبار الصحابة رضي الله عنهم، منهم آل البيت وشهداء أحد، وبعض شهداء بدر. وتكون الزيارة خصوصاً يوم الجمعة أو يوم الخميس، بعد السلام على رسول الله صلّى الله عليه وسلم ، ويقول الزائر:\r( السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، اللهم اغفر لأهل بقيع الغرقد، اللهم اغفر لنا ولهم ).\r-------------------------------\r(1) الإيضاح: ص 90-91، مغني المحتاج: 512/1 ومابعدها.\r(2) رواه الترمذي وغيره عن أسيد بن ظهير رضي الله عنه، وهو صحيح.","part":3,"page":693},{"id":2086,"text":"ويزور القبور الظاهرة كقبر إبراهيم بن رسول الله صلّى الله عليه وسلم وعثمان والعباس والحسن بن علي وعلي بن الحسين، وجعفر بن محمد وغيرهم، ويختم بقبر صفية عمة رسول الله صلّى الله عليه وسلم . وفي فضل زيارة هذه القبور أحاديث صحيحة كثيرة.\r3 - زيارة الأماكن الأثرية: يستحب أن يزور بئر أريس التي روي أن النبي صلّى الله عليه وسلم تفل فيها، فيشرب من مائها ويتوضأ منه، وهي عند مسجد قباء.\rويأتي دار أبي أيوب الأنصاري شرقي المسجد النبوي من ناحيته الجنوبية. ودار عثمان بن عفان التي استشهد فيها، بجوار دار أبي أيوب، وفيها اليوم قبر أسد الدين شيركوه عم السلطان صلاح الدين الأيوبي، وقبر والد صلاح الدين الذي دفن مع أخيه.\rودار عبد الله بن عمر بن الخطاب، ودار أبي بكر، ودار خالد بن الوليد، حول المسجد النبوي.\rوتزار قرية بدر في الجنوب الغربي من المدينة، على مسافة 156 كم، ففيها انتصر المسلمون على المشركين في السابع عشر من رمضان في السنة الثانية للهجرة، وعلى مسيرة ميل جنوب القرية توجد قبور شهداء بدر.\rويزار جبل أحد: على بعد أربعة كيلو مترات شمال المدينة، وطوله من الشرق إلى الغرب 6 كم، وارتفاعه (1200م). وفيه قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم : «أحد جبل يحبنا ونحبه» (1) . وفي سفحه قبر سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه عم الرسول صلّى الله عليه وسلم الذي استشهد في غزوة أحد. وعلى مقربة منه مقابر الصحابة رضي الله عنهم الذين استشهدوا في هذه المعركة.\r-------------------------------\r(1) رواه البخاري عن سهل بن سعد، والترمذي عن أنس، وهو صحيح.","part":3,"page":694},{"id":2087,"text":"الفصل الثالث: آداب السفر للحج وغيره، وآداب الحاج العائد\rوفيه مبحثان:\rالمبحث الأول ـ آداب السفر للحج وغيره :\rذكر النووي آداباً عظيمة مفيدة للسفر وهي ما يأتي (1) :\r1ً - المشاورة: يستحب أن يشاور من يثق بدينه وخبرته وعلمه في حجه، وعلى المستشار أن يبذل له النصيحة، فإن المستشار مؤتمن والدين النصيحة.\r2ً - الاستخارة: ينبغي إذا عزم على الحج أو غيره أن يستخير الله تعالى، فيصلي ركعتين من غير الفريضة، ثم يقول بعدها:\r( اللهم إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم، فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم، وأنت علام الغيوب، اللهم إن كنت تعلم أن ـ ذهابي إلى الحج في هذا العام ـ خير في ديني ودنياي ومعاشي وعاقبة أمري وعاجله وآجله، فاقدره لي، ويسره لي، ثم بارك لي فيه. اللهم وإن كنت تعلم أنه شر لي في ديني ودنياي ومعاشي وعاقبة أمري وعاجله وآجله، فاصرفه عني، واصرفني عنه، واقدر لي الخير حيث كان، ثم رضني به ).\rويستحب أن يقرأ في هذه الصلاة بعد الفاتحة في الركعة الأولى (الكافرون) وفي الثانية ( الإخلاص ). ثم ليمض بعد الاستخارة لما ينشرح إليه صدره.\r3ً - التوبة ورد المظالم والديون: إذا عزم على السفر تاب من جميع المعاصي ورد المظالم إلى أهلها، وقضى ما أمكنه من ديونه، ورد الودائع، وطلب المسامحة ممن كان يعامله أو يصاحبه، وكتب وصيته وأشهد عليها، ووكل من يقضي عنه ديونه ما لم يتمكن من وفائها، وترك لأهله ما يحتاجونه من نفقة.\r4ً - إرضاء الوالدين والزوج: يجتهد في إرضاء والديه وكل من يبره، وتسترضي المرأة زوجها وأقاربها، ويستحب للزوج أن يحج مع امرأته.\rوليس للوالد منع الولد من حج الفريضة، وله المنع من حج التطوع، فإن أحرم فللوالد تحليله من هذا الحج على الأصح عند الشافعية.\r-------------------------------\r(1) الإيضاح: ص 4-11.","part":3,"page":695},{"id":2088,"text":"وللزوج أيضاً منع الزوجة من حج التطوع، وحج الفريضة على الأظهر عند الشافعية؛ لأن حقه على الفور. وإن كانت مطلقة حبسها للعدة وليس له التحليل إلا أن تكون رجعية، فيراجعها، ثم يحللها أي يأمرها بذبح شاة تنوي بها التحلل، وتقصر من رأسها ثلاث شعرات فأكثر.\r5ً - كون النفقة حلالاً: ليحرص على أن تكون نفقته حلالاً خالصة من الشبهة، فإن حج بما فيه شبهة أو بمال مغصوب صح حجه عند الجمهور، لكنه ليس حجاً مبروراً. وقال أحمد: لا يجزيه الحج بمال حرام.\r6ً - الاستكثار من الزاد الطيب والنفقة: يستحب الاستكثار منهما ليواسي منه المحتاجين، ولقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم، ومما أخرجنا لكم من الأرض، ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون} [البقرة:267/2] والمراد بالطيب هنا: الجيد، وبالخبيث: الرديء.\r7ً - ترك المماحكة في الشراء: يستحب ذلك بسبب الحج وكل ما يتقرب به إلى الله تعالى.\r8ً - عدم المشاركة في الزاد والراحلة والنفقة: يستحب ذلك إيثاراً للسلامة من المنازعات. 9ً - تحصيل مر كوب قوي مريح: يستحب ذلك، والركوب في الحج أفضل من المشي في المذهب الصحيح للشافعية، وقد ثبت في الأحاديث الصحيحة أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم حج راكباً، وكانت راحلته زاملته. والزاملة: البعير الذي يُحمل عليه الطعام والمتاع.\r10ً - تعلم كيفية الحج: لا بد إذا أراد الحج أن يتعلم كيفيته، وهذا فرض عين، إذ لا تصح العبادة ممن لا يعرفها. ويستحب أن يستصحب معه كتاباً واضحاً في مناسك الحج، وأن يديم مطالعته، ويكررها في جميع طريقه لتصير محققة عنده.","part":3,"page":696},{"id":2089,"text":"11ً - اصطحاب الرفيق: ينبغي أن يطلب له رفيقاً موافقاً، راغباً في الخير، كارهاً للشر، إن نسي ذكَّره، وإن ذكر أعانه. ويحرص على رضا رفيقه في جميع طريقه، ويتحمل كل واحد صاحبه، ويرى لصاحبه عليه فضلاً وحرمة، ولا يرى ذلك لنفسه، ويصبر على ما وقع منه أحياناً من جفاء ونحوه. وقد كره الرسول صلّى الله عليه وسلم الوحدة في السفر، وقال: «الراكب شيطان، والراكبان شيطانان والثلاثة ركب» (1) وإذا ترافق ثلاثة أو أكثر أمَّروا على أنفسهم أفضلهم وأجودهم رأياً، لحديث «إذا كانوا ثلاثة فليؤمِّروا أحدهم» (2) .\r12ً - التفرغ للعبادة والإخلاص: يستحب أن يتفرغ للعبادة، خالياً عن التجارة؛ لأنها تشغل القلب، فإن اتجر مع ذلك صح حجه، لقوله تعالى: {ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلاً من ربكم} [البقرة:198/2]، ويريد بعمله وجه الله تعالى، لقوله سبحانه {وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين} [البينة:5/98]. وقوله عليه السلام: «إنما الأعمال بالنيات» .\rوالأفضل في الحج عن الغير أن يكون متبرعاً، ولو حج بأجرة فقد ترك الأفضل، ويحصل لغيره العبادة، ويحصل له حضور تلك المشاهد الشريفة.\r13 - كون السفر يوم الخميس والتبكير: يستحب أن يكون سفره يوم الخميس، « إذ قلما\r-------------------------------\r(1) رواه أحمد وأبو داود والترمذي والحاكم عن عبد الله بن عمرو، وهو صحيح.\r(2) رواه أبو داود بإسناد حسن عن أبي هريرة.","part":3,"page":697},{"id":2090,"text":"خرج رسول الله صلّى الله عليه وسلم في سفر إلا يوم الخميس » (1) ، فإن فاته فيوم الاثنين، إذ فيه هاجر الرسول من مكة. ويستحب أن يبكر لحديث صخر الغامدي: «اللهم بارك لأمتي في بكورها» (2) .\r14ً - صلاة سنة السفر: يستحب إذا أراد الخروج من منزله أن يصلي ركعتين، يقرأ في الأولى بعد الفاتحة ( الكافرون ) وفي الثانية: ( الإخلاص) (3) ، ويستحب أن يقرأ بعد سلامه آية الكرسي، ولإيلاف قريش (4) ، وسورة الإخلاص والمعوذتين، ثم يدعو بحضور قلب وإخلاص بما تيسر من أمور الدنيا والآخرة، ويسأل الله تعالى الإعانة والتوفيق في سفره وغيره من أموره، فإذا نهض من جلوسه، قال مارواه أنس:\r«اللهم إليك توجهت، وبك اعتصمت، اللهم اكفني ما أهمني وما لم أهتم به، اللهم زودني التقوى، واغفر لي ذنبي» .\r15ً - الوداع: يستحب أن يودع أهله وجيرانه وأصدقاءه وأن يودعوه ويستسمحهم، ويقول كل واحد منهم لصاحبه: ( أستودع الله دينك وأمانتك وخواتيم عملك، زودك الله التقوى، وغفر ذنبك، ويسر لك الخير حيث كنت).\r16ً - الدعاء عند الخروج من البيت: السنة إذا أراد الخروج من بيته أن يقول ما صح عن رسول الله صلّى الله عليه وسلم : «اللهم إني أعوذ بك من أن أَضل أو أضل، أو أَزل أو أزل، أو أَظلم أو أظلم، أو أَجهل أو يجهل علي» وعن أنس أن النبي صلّى الله عليه وسلم قال: «إذا خرج الرجل من بيته، فقال: بسم الله ، توكلت على الله ، لا حول ولا قوة إلا بالله، يقال: هديت وكفيت ووقيت» .\rويستحب له أن يتصدق بشيء عند خروجه، وكذا بين يدي كل حاجة يريدها.\r-------------------------------\r(1) رواه الشيخان في الصحيحين عن كعب بن مالك.\r(2) رواه أبو داود والترمذي، وقال: هذا حديث حسن.\r(3) جاء في الحديث: «ما خلف أحد عند أهله أفضل من ركعتين، يركعهما عندهم حين يريد السفر» .\r(4) جاء فيهما آثار للسلف، منها «من قرأ آية الكرسي عند خروجه من منزله لم يصبه شيء يكرهه حتى يرجع من منسكه عن جماعة» .","part":3,"page":698},{"id":2091,"text":"17ً - الدعاء عند الركوب: يستحب إذا أراد الركوب أن يقول: ( بسم الله ) وإذا استوى على دابته قال: ( الحمد لله ، سبحان الذي سخر لنا هذا، وما كنا له مقرنين (1) ، وإنا إلى ربنا لمنقلبون ).\rثم يقول: ( الحمد لله ) ثلاث مرات ( الله أكبر ) ثلاث مرات.\rثم يقول: ( سبحانك، اللهم إني ظلمت نفسي، فاغفر لي، فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت ) للحديث الصحيح في ذلك.\rويستحب أن يضم إليه: «اللهم إنا نسألك في سفرنا هذا البر والتقوى، ومن العمل ما تحب وترضى، اللهم هوِّن علينا سفرنا واطْوِعنا بُعْده، اللهم أنت الصاحب في السفر، والخليفة في الأهل والمال. اللهم إنا نعوذ بك من وَعْثاء السفر وكآبة المنقلب، وسوء المنظر في الأهل والمال والولد» للحديث الصحيح في ذلك.\r18ً - السفر بالليل والرفق بالدابة: يستحب إكثار السفر في الليل، لحديث أنس: «عليكم الدُّلْجة، فإن الأرض تطوى بالليل» (2) ، وأن يريح دابته بالنزول عنها غدوة وعشية، ويتجنب النوم على ظهرها، للحديث الصحيح في النهي عن اتخاذ ظهور الدواب منابر، لكن يجوز للحاجة؛ لما ثبت في الصحيحين أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم خطب على راحلته.\rويحرم عليه أن يحمل على الدابة فوق طاقتها، وأن يجيعها من غير ضرورة.\rولا بأس بالارتداف على الدابة إذا أطاقته، فقد صحت الأحاديث في ذلك.\r19ً - التقشف والرفق في السفر: أن يتجنب الشبع المفرط والزينة والترفه والتبسط في ألوان الأطعمة، فإن الحاج أشعث أغبر، روى الترمذي وابن ماجه عن ابن عمر قال: «قام رجل إلى النبي صلّى الله عليه وسلم فقال: من الحاج؟ قال: الشَعِث التفِل» .\rوينبغي أن يستعمل الرفق وحسن الخلق مع الناس، ويتجنب المخاصمة والمخاشنة ومزاحمة الناس في الطريق وموارد الماء إذا أمكنه ذلك.\r-------------------------------\r(1) أي مطيقين.\r(2) رواه أبو داود والحاكم والبيهقي عن أنس، وهو صحيح.","part":3,"page":699},{"id":2092,"text":"ويصون لسانه من الشتم والغيبة ولعن الدواب وجميع الألفاظ القبيحة، للحديث المتقدم: «من حج فلم يرفث، ولم يفسق، خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه» .\r20ً - عدم اصطحاب الكلب أو الجرس: يكره أن يستصحب كلباً أو جرساً، لقوله صلّى الله عليه وسلم : «إن العير التي فيها الجرس لا تصحبها الملائكة» (1) وقوله: «لا تصحب الملائكة رفقة فيها كلب أو جرس» (2) «الجرس مزمار الشيطان» (3) .\r21ً - التكبير والتسبيح: السنة التكبير عند العلو، والتسبيح عند الهبوط في وادٍ ونحوه، بدون رفع الصوت.\r22ً - الدعاء عند رؤية بلد: يستحب إذا أشرف على قرية أو منزل يقول: «اللهم إني أسألك خيرها وخير أهلها وخير ما فيها، وأعوذ بك من شرها وشر أهلها وشر ما فيها» .\r23ً - الدعاء عند نزول منزل: السنة إذا نزل منزلاً أن يقول: ( أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق ) لحديث خولة بنت حكيم فيما رواه مسلم: «من نزل منزلاً ثم قال: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق، لم يضره شيء، حتى يرتحل من منزله ذلك» .\rويستحب أن يسبح في حال حطه الرحل، لقول أنس: «كنا إذا نزلنا سبحنا حتى نحط الرحال» .\r-------------------------------\r(1) رواه أبو داود بإسناد حسن عن أم حبيبة أم المؤمنين رضي الله عنها.\r(2) رواه مسلم عن أبي هريرة.\r(3) رواه أبو داو وغيره.","part":3,"page":700},{"id":2093,"text":"ويكره النزول في قارعة الطريق،لحديث أبي هريرة: «لا تعرِّسوا على الطريق فإنها مأوى الهوام بالليل» (1) .\r24ً - الدعاء عند دخول الليل: السنة إذا جن عليه الليل أن يقول ما رواه أبو داود عن ابن عمر قال: «كان رسول الله صلّى الله عليه وسلم إذا سافر، فأقبل الليل، قال: يا أرض، ربي وربك الله ، أعوذ بالله من شرك وشر ما فيك وشر ما خلق فيك، وشر ما يدب عليك، أعوذ بالله من أسد وْسْود، والحية والعقرب، ومن ساكن البلد (2) ، ومن والد وما ولد» .\r25ً - الدعاء عند الخوف: إذا خاف قوماً أو إنساناً أوغيره، قال ما رواه أبو موسى الأشعري: «أن النبي صلّى الله عليه وسلم كان إذا خاف قوماً، قال: اللهم إنا نجعلك في نحورهم، ونعوذ بك من شرورهم» (3) .\rويستحب أن يكثر من دعاء الكرب هنا وفي كل موطن وهو: «لا إله إلا الله العظيم الحليم، لا إله إلاالله رب العرش العظيم، لا إله إلا الله رب السموات ورب الأرض، ورب العرش الكريم » (4) .\r-------------------------------\r(1) ورواه ابن ماجه عن جابر بلفظ آخر، والتعريس: النزول ليلاً.\r(2) الأسود: الشخص، قال أهل اللغة: كل شخص يقال له أسود، وساكن البلد: الجن، والبلد: الأرض التي هي مأوى الحيوان، وإن لم يكن فيها بناء.\r(3) رواه أبو داود والنسائي وغيرهما.\r(4) رواه البخاري ومسلم عن ابن عباس.","part":3,"page":701},{"id":2094,"text":"وكان صلّى الله عليه وسلم إذا كربه أمر قال: «يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث» (1) .\r26ً - أذكار المسافر في الأزمات: إذا استصعبت دابته، قرأ في أذنيها {أفغير دين الله يبغون، وله أسلم من في السموات والأرض طوعاً وكرهاً، وإليه يرجعون} [آل عمران:83/3] و إذا انفلتت دابته نادى مرتين أو ثلاثاً: « يا عباد الله احبسوا» .\rوإذا ركب سفينة قال: {بسم الله مجريها ومرساها، إن ربي لغفور رحيم } [هود:41/11]. { وما قدروا الله حق قدره..} [الأنعام:91/6] الآية.\r27ً - الدعاء في السفر: يستحب الإكثار من الدعاء في جميع سفره لنفسه ولوالديه وأحبائه وولاة المسلمين وسائر المسلمين بمهمات أمور الآخرة والدنيا، لقوله صلّى الله عليه وسلم : «ثلاث دعوات مستجابات، لا شك فيهن: دعوة المظلوم، ودعوة المسافر، ودعوة الوالد على ولده» (2) .\r28ً - التزام الطهارة والصلاة: يستحب له المداومة على الطهارة والنوم على الطهارة، والمحافظة على الصلاة في أوقاتها المشروعة، وله عند الشافعية أن يقصر ويجمع، وله ترك الجمع والقصر، وله عند الشافعية فعل أحدهما وترك الآخر، لكن الأفضل أن يقصر وألا يجمع خروجاً من الخلاف؛ لأن أبا حنيفة رحمه الله يوجب القصر ويمنع الجمع، إلا في عرفات والمزدلفة.\rوإذا جمع أذَّن في وقت الأولى، وأقام لكل صلاة، كما تقدم في صلاة المسافر.\rويستحب صلاة الجماعة في السفر، ولكن لا تتأكد كتأكدها في الحضر.\rوتسن السنن الراتبة مع الفرائض في السفر، كما تسن في الحضر.\r-------------------------------\r(1) رواه الترمذي عن أنس بن مالك، قال الحاكم: إسناده صحيح.\r(2) رواه أبو داود والترمذي عن أبي هريرة، وليس في رواية أبي داود «على ولده» .","part":3,"page":702},{"id":2095,"text":"المبحث الثاني ـ آداب رجوع الحاج من سفره :\rللحاج وكل مسافر عند عودته إلى بلده آداب أهمها ما يأتي (1) :\r1ً - السنة أن يقول ما ثبت في الحديث عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم كان إذا قفل من غزو أو حج أو عمرة، كبر على كل شرف من الأرض ثلاث تكبيرات، ثم يقول: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، آيبون تائبون، عابدون ساجدون، لربنا حامدون، صدق الله وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده» (2) .\r2ً - السنة إذا قرب من وطنه أن يبعث قدامه من يخبر أهله، كيلا يقدم عليهم بغتة.\r3ً - يحسن أن يقول إذا أشرف على بلده: ( اللهم إني أسألك خيرها، وخير أهلها، وخير ما فيها، وأعوذ بك من شرها وشر ما فيها ) واستحب بعضهم أن يقول: «اللهم اجعل لنا بها قراراً و رزقاً حسناً، اللهم ارزقنا جناها، وأعذنا من وباها، وحببنا إلى أهلها، وحبب صالحي أهلها إلينا» رواه ابن السني في الأذكار.\r4ً - إذا قدم، فلا يطرق أهله في الليل، بل يدخل البلدة غدوة، وإلا ففي آخر النهار، روى مسلم عن أنس «أنه صلّى الله عليه وسلم كان لا يطرق أهله ليلاً، وكان يأتيهم غدوة أو عشية» .\r5ً - إذا وصل منزله، فالسنة أن يبتدئ بالمسجد، فيصلي فيه ركعتين، وإذا دخل منزله صلى أيضاً ركعتين، ودعا وشكر الله تعالى.\r6ً - يستحب لمن يسلم على الحاج أن يقول: ( قبل الله حجك، وغفر ذنبك، وأخلف نفقتك ) لقوله صلّى الله عليه وسلم : «اللهم اغفر للحاج، ولمن استغفر له الحاج» (3) . هذا وإن قيام العوام بذبح الشاة بين رجلي الحاج يؤدي إلى تحريم أكلها، إذ إن الذبح بنية تعظيم فلان يحرم أكلها ولو ذكر اسم الله عليها، أما مظاهر الاستقبال الزائدة فهو رياء ينافي الإخلاص في العبادة.\r7ً - يستحب أن يقول إذا دخل بيته ما كان يقوله النبي صلّى الله عليه وسلم فيما رواه ابن عباس: «كان النبي صلّى الله عليه وسلم إذا رجع من سفره، فدخل على أهله، قال: توباً توباً، لربنا أوباً، لا يغادر حوباً» توباً: أي نسألك توبة كاملة، ولا يغادر حوباً أي لا يترك إثماً.\r8ً - ينبغي أن يكون رجوعه خيراً مما كان، فهذا من علامات قبول الحج، وأن يكون خيره مستمراً في ازدياد.\rانتهى الجزء الثالث ويليه الجزء الرابع\r(الأيمان والنذور والكفارات، النظريات الفقهية وقرارات المجامع )\r-------------------------------\r(1) الإيضاح: ص 100 ومابعدها، المغني: 559/3.\r(2) رواه البخاري ومسلم عن ابن عمر.\r(3) رواه الحاكم عن ابن عمر وأبي هريرة، قال الحاكم: وهو صحيح على شرط مسلم، والدعاء المذكور رواه ابن السني مرفوعاً.","part":3,"page":703},{"id":2096,"text":".....................................الفِقْهُ الإسلاميُّ وأدلَّتُهُ.................................\r.........................................الجزء الرابع.......................................\rالمحتويات\rالبَابُ السَّادس: الأيمان والنُّذور والكفَّارات\rالفَصْلُ الأوَّل: الأيمان\rالمبحث الأول - تعريف اليمين ومشروعيتها وأنواعها وحكم كل نوع\rأنواع اليمين\r1 - اليمين الغموس\r2 - اليمين اللغو\r3- اليمين المنعقدة أو المؤكدة\rأنواع اليمين المنعقدة\rالنوع الأول - اليمين على ما هو متصور الوجود عادة\rالنوع الثاني - اليمين على ما هو مستحيل غير متصور الوجود أصلاً\rالنوع الثالث - اليمين على ما هو مستحيل عادة\rالمبحث الثاني - صيغة اليمين\r1 - اليمين باسم من أسماء الله تعالى\r2 - اليمين بصفة من صفات الله تعالى\r3 - اليمين بالله تعالى بطريق الكناية\r4 - اليمين بغير الله تعالى صورة ومعنى (الحلف بمخلوق)\r5 - الحلف بغير الله تعالى صورة ولكنها يمين بالله معنى\rالمبحث الثالث - شروط صحة اليمين\r1ً - شروط الحالف\r2ً - شروط المحلوف عليه\r3ً - شرط ركن اليمين\rالمبحث الرابع - أحوال اليمين التي يحلف عليها فعلاً\rالمطلب الأول - الحلف على الدخول\rالمطلب الثاني - الحلف على الخروج\rالمطلب الثالث - الحلف على الكلام\rالمطلب الرابع - الحلف على الأكل والشرب والذوق ونحوها\rالمطلب الخامس - الحلف على اللبس والكسوة\rالمطلب السادس - الحلف على الركوب\rالمطلب السابع - الحلف على الجلوس\rالمطلب الثامن - الحلف على السكنى\rالمطلب التاسع - الحلف على الضرب والقتل\rالمطلب العاشر - الحلف على مايضاف إلى غير الحالف\rبحثان ملحقان بهذا المطلب\rالبحث الأول - الحلف على فعل صادر من غير الحالف\rالبحث الثاني - فعل الغير بأمر الحالف\rالمطلب الحادي عشر - الحلف على تصرفات شرعية\rالفصل الثاني - النذور\rتعريف النذر وركنه\rشروط النذر\rشروط المنذور به\rحكم النذر\r1 - أصل حكم النذر\r2 - وقت ثبوت حكم النذر\r3 - كيفية ثبوت حكم النذر\rالفصل الثالث - الكفارات\rأنواع الكفارات\rكفارة اليمين ومشروعيتها وسبب وجوبها\rنوع الواجب في كفارة اليمين\rخصال الكفارة\r1 - الإطعام\r2 - الكسوة - صفتها وقدرها","part":4,"page":1},{"id":2097,"text":"3 - عتق الرقبة\r4 - الصوم - مقداره وشرطه\rالباب السابع - الحظر والإباحة\rالمبحث الأول - الأطعمة\rالمطلب الأول - أنواع الأطعمة وحكم كل نوع منها\rالمطلب الثاني - ما لا نص فيه - الاحتكام للذوق العربي\rالمطلب الثالث - حالة الضرورة\rأولاً - تعريف الضرورة وحكمها\rثانياً - شروط الضرورة أو ضوابطها\rثالثاً - هل تشمل الضرورة حالة السفر والحضر جميعاً؟\rرابعاً - جنس الشيء المستباح للضرورة\rخامساً - كيفية ترتيب الأفضلية بين مطعومات الضرورة سادساً - مقدار الجائز تناوله للضرورة\rسابعاً - حكم أخذ طعام قهراً للضرورة\rثامناً - حالات خاصة للضرورة أو الحاجة\rالمطلب الرابع - إجابة الولائم وموائد المنكر وآداب الطعام\rأولاً - إجابة الولائم وموائد المنكر\rثانياً - آداب الطعام والشراب\rالمبحث الثاني - الأشربة\rأولاً - حكم الأشربة\rثانياً - الانتباذ في الظروف والأواني\rثالثاً - تخلل الخمر وتخليلها\rالمبحث الثالث - اللبس والاستعمال والحلي\rالمبحث الرابع - الوطء والنظر واللمس واللهو والتصوير والرسم والوشم وأحكام الشعر والنتف والتفليج والسلام\rأولاً - الوطء وأحكامه\rثانياً - النظر\rالأول - نظر الرجل للمرأة\rالثاني - نظر المرأة للرجل\rالثالث - نظر الرجل إلى الرجل\rالرابع - نظر المرأة إلى المرأة\rثالثاً - اللمس\rرابعاً - اللهو\rخامساً - التصوير سادساً - وسم الحيوان\rسابعاً - أحكام الشعر\rثامناً - الوشم والنمص والتفليج\rتاسعاً - الترجل والتخنث\rعاشراً - السلام\rالمبحث الخامس - مسائل في البيع والتعامل\rأولاً - بيع السماد الطبيعي\rثانياً - استيفاء دين المسلم من ثمن خمر الذمي\rثالثاً - بيع العنب للخمار\rرابعاً - الإجارة للكنيسة أو حمل خمر الذمي\rخامساً - بيع بناء بيوت مكة وأرضها وإجارتها\rسادساً - دخول الكافر المساجد\rسابعاً - الاحتكار\rثامناً - التسعير\rالباب الثامن - الأضحية والعقيقة\rالفصل الأول - الأضحية","part":4,"page":2},{"id":2098,"text":"المبحث الأول - تعريف الأضحية ومشروعيتها وحكمها\rالمطلب الأول - تعريف الأضحية ومشروعيتها\rالمطلب الثاني - حكم الأضحية\rحالة تغير حكم الأضحية أو نوعا الأضحية\rالمبحث الثاني - شروط الأضحية\rالمطلب الأول - شروط إيجاب الأضحية أو سنيتها المطلب الثاني - شروط صحة الأضحية\rالمطلب الثالث - شروط المكلف بالأضحية\rالمبحث الثالث - وقت التضحية\rالمبحث الرابع - الحيوان المضحى به\rالمطلب الأول - نوع الحيوان المضحى به\rالمطلب الثاني - سن الحيوان المضحى به\rالمطلب الثالث - قدر الحيوان المضحى أو ما يجزئ عنه\rالمطلب الرابع - أوصاف الحيوان المضحى\rالمبحث الخامس - مندوبات الأضحية ومكروهاتها وما يسن لمريد التضحية\rالمبحث السادس - أحكام لحوم الضحايا\rالفصل الثاني - العقيقة وأحكام المولود\rالمبحث الأول - العقيقة\r1 - حكم العقيقة ومعناها وحكمتها\r2 - جنسها وسنها وصفتها\r3 - عددها\r4 - وقتها\r5 - حكم لحمها وجلدها\rالمبحث الثاني - أحكام المولود\rالباب التاسع - الذبائح والصيد\rالفصل الأول - الذبائح\rمقدمة في تعريف الذبح وحكمه شرعاً\rالمبحث الأول - الذابح المبحث الثاني - الذبح أو التذكية\rالمطلب الأول - عدد المقطوع\rالمطلب الثاني - موضع القطع\rالمطلب الثالث - الذبح من القفا\rالمطلب الرابع - قطع النخاع\rالمطلب الخامس - فورية الذبح\rالمطلب السادس - شروط الذبح أو التذكية الشرعية\rالمطلب السابع - سنن التذكية\rالمطلب الثامن - مكروهات التذكية\rالمطلب التاسع - أنواع التذكية\rالمطلب العاشر - ما يحرم أكله من المذبوح\rالمطلب الحادي عشر - أثر ذكاة الأم في الجنين\rالمطلب الثاني عشر - أثر الذكاة في المشرف على الموت أو المريض\rأولاً - أثر الزكاة في المشرف على الموت أو المريض\rثانياً - أثر الزكاة في الحيوان المريض\rالمطلب الثالث عشر - أثر الذكاة في غير المأكول\rالمبحث الثالث - آلة الذبح السكين الكالّة\rالمبحث الرابع - الحيوان الذبيح","part":4,"page":3},{"id":2099,"text":"النوع الأول - الحيوان المائي\rالنوع الثاني - الحيوان البري\rالنوع الثالث - الحيوان البرمائي ملحق - حول طرق الذبح الحديثة في المسلخ الحديث\rالفصل الثاني - الصيد\rالمبحث الأول - تعريف الصيد وحكمه أو مشروعيته\rالمبحث الثاني - شروط إباحة الصيد\rالمطلب الأول - شروط الصائد\rالمطلب الثاني - شروط آلة الصيد\rشروط السلاح المصيد به\rشروط الحيوان الصائد\rهل يجب غسل معضّ الكلب؟\rالمطلب الثالث - شروط المصيد\rالمبحث الثالث - ما يباح اصطياده من الحيوان عند الحنفية\rالمبحث الرابع - متى يملك الصائد المصيد؟\rحالة الاشتراك في الصيد\rالقسْمُ الثَّاني : النّظَريّات الفقهيّة\rتقديم\rالفصل الأول - نظرية الحق\rالمبحث الأول - تعريف الحق وأركانه\rالمطلب الأول - تعريف الحق\rالمطلب الثاني - أركان الحق\rالمبحث الثاني - أنواع الحق\rالتقسيم الأول - باعتبار صاحب الحق\r1 - حق الله تعالى ( الحق العام )\r2 - حق الإنسان ( العبد )\rتقسيم حق الشخص ( العبد )\rالأول - حقوق تقبل الإسقاط وحقوق لاتقبل الإسقاط\rالثاني - حقوق تورث وحقوق لا تورث\rالتقسيم الثاني - باعتبار محل الحق\r1 - الحقوق المالية وغير المالية\r2 - الحق الشخصي والحق العيني\r3 - الحقوق المجردة وغير المجردة\rالتقسيم الثالث - باعتبار المؤيد القضائي وعدمه\rالمبحث الثالث - مصادر الحق أو أسبابه\rالمبحث الرابع - أحكام الحق\r1 - استيفاء الحق\rالتسامح في الاستيفاء والأداء\r2 - حماية الحق\r3 - حق التأليف والنشر والتوزيع\r4 - استعمال الحق بوجه مشروع\rنقل الحق\rانقضاء الحق\rالفصل الثاني - الأموال\rالمبحث الأول - تعريف المال وإرثه\rالأشياء غير المادية - الحقوق والمنافع\rالمبحث الثاني - أقسام المال المطلب الأول - المال المتقوم وغير المتقوم\rالمطلب الثاني - العقار والمنقول\rالمطلب الثالث - المال المثلي والقيمي\rالذمة المالية وخصائصها\rالمطلب الرابع - المال الاستهلاكي والاستعمالي\rالفصل الثالث - الملكية وخصائصها","part":4,"page":4},{"id":2100,"text":"المطلب الأول - تعريف الملكية والملك\rالمطلب الثاني - قابلية المال للتملك وعدمها\r1 - مالا يقبل التمليك ولا التملك بحال\r2 - مالا يقبل التملك إلا بمسوغ شرعي\r3 - مايجوز تملكه وتمليكه مطلقاً بدون قيد\rالمطلب الثالث - أنواع الملك\rالمطلب الرابع - أنواع الملك الناقص\r1 - ملك العين فقط\r2 - ملك المنفعة الشخصي أو حق الانتفاع\r3 - ملك المنفعة العيني أو حق الارتفاق\rالمطلب الخامس - أسباب الملك التام\r1 - الاستيلاء على المباح\rأولاً - إحياء الموات\rثانياً - الاصطياد\rثالثاً - الاستيلاء على الكلأ والآجام\rرابعاً - الاستيلاء على المعادن والكنوز\r2 - العقود الناقلة للملكية\r3 - الخلفية\r4 - التولد من المملوك\rالفصل الرابع - نظرية العقد\rالمبحث الأول - تعريف العقد والفرق بينه وبين التصرف والالتزام والإرادة المنفردة\rالعقد والالتزام\rالعقد والإرادة المنفردة\rالالتزام بإرادة واحدة\rالمبحث الثاني - تكوين العقد\rالمطلب الأول - ركن العقد\rتعريف الإيجاب والقبول\rالمطلب الثاني - عناصر العقد\rالعنصر الأول - صيغة العقد\rالفرع الأول - أساليب صيغة الإيجاب والقبول\rالفرع الثاني - شروط الإيجاب والقبول\rمجلس العقد\rهل تشترط الفورية في القبول\rصيغة العقد\rكيفية إبرام التعاقد بالهاتف واللاسلكي ونحوهما\rزمن إتمام العقد في التعاقد بين غائبين\rالتعاقد حالة المشي أو الركوب العنصر الثاني - العاقد\rأولاً - الأهلية\r1 - أهلية الوجوب\r2 - أهلية الأداء\rأدوار الأهلية\rعوارض الأهلية\rثانياً - الولاية\rتعريف الولاية\rصلتها بالعقد والفرق بينها وبين الأهلية\rأنواع الولاية\rالأولياء ودرجاتهم\rمبدأ الولاية\rشروط الولي\rتصرفات الولي ومدى صلاحياته\rالوكالة\rأنواع الوكالة\rحكم تصرفات الوكيل\rالفرق بين الوكالة والرسالة\rحكم العقد وحقوقه في الوكالة\rالتصرفات التي يمارسها الوكيل نوعان\rانتهاء الوكالة\rالفضالة العنصر الثالث - محل العقد\r1 - أن يكون موجوداً وقت التعاقد","part":4,"page":5},{"id":2101,"text":"2 - أن يكون المعقود عليه مشروعاً\r3 - أن يكون مقدور التسليم وقت التعاقد\r4 - أن يكون معيناً معروفاً للعاقدين\rالعنصر الرابع - موضوع العقد\rالسبب في النظرية الحديثة عند القانونيين\rموقف الفقهاء من نظرية السبب بالمعنى الحديث\r1 - بيع العينة\r2 - بيع العنب لعاصر الخمر\r3 - بيع السلاح في الفتنة\r4 - زواج المحلِّل\rالمطلب الثالث - الإرادة العقدية\rالفرع الأول - صورية العقود\rالفرع الثاني - سلطان الإرادة العقدية\rالأولى - حرية التعاقد ورضائيته\rالثانية - حرية الاشتراط وترتيب آثار العقود والقوة الملزمة للعقد\rأولاً - مذهب الحنفية في الشروط\rثانياً - مذهب الحنابلة في الشروط\rالفرع الثالث - عيوب الإرادة أو عيوب الرضا\r1 - الإكراه\r2 - الغلط\r3 - التدليس أو التغرير\r4 - الغبن مع التغرير\rالمبحث الثالث - شروط العقد\rأولاً - شرائط الانعقاد\rثانياً - شرائط الصحة\rثالثاً - شرائط النفاذ\rرابعاً - شرائط اللزوم\rالمبحث الرابع - آثار العقد\rالمبحث الخامس - تصنيف العقود\rالتقسيم الأول - بحسب وصف العقد شرعاً\rمنشأ الخلاف بين الحنفية والجمهور\rالعقد الباطل\rالعقد الفاسد\rالعقد المكروه تحريماً\r1 - بيع النجش\r2 - تلقي الركبان أو الجلب\r3 - بيع الحاضر للبادي\r4 - البيع وقت النداء لصلاة الجمعة\rأنواع العقد الصحيح\rأنواع العقد النافذ\rالتقسيم الثاني - بالنظر إلى التسمية وعدمها\rالتقسيم الثالث - بالنظر إلى غاية العقد وأغراضه التقسيم الرابع - بالنظر إلى العينية وعدمها\rالتقسيم الخامس - باعتبار اتصال الأثر بالعقد وعدم اتصاله\r1 - العقد المنجز\r2 - العقد المضاف للمستقبل\r3 - العقد المعلق على شرط\rالمبحث السادس - الخيارات\rخيار المجلس عند الشافعية والحنابلة\rخيار التعيين\rخيار الشرط\rمدة الخيار\rأثر خيار الشرط\rخيار العيب\rخيار الرؤية\rخيار النقد\rالمبحث السابع - انتهاء العقد\rانتهاء العقد بالفسخ\rانتهاء العقد بالموت\rانتهاء العقد بعدم إجازة الموقوف","part":4,"page":6},{"id":2102,"text":"الفصل الخامس - المؤيدات الشرعية\rأولاً - المؤيدات المدنية\rأهم الفروق بين البطلان والفساد\rثانياً - المؤيدات التأديبية ( أو العقوبات) العقوبات غير المقدرة أو التعزيرات\rالشريعة أساس الحكم على الجريمة والعقاب\rالفصل السادس - نظرية الفسخ\rتعريف الفسخ لغة واصطلاحاً\rالفرق بين الفسخ والانفساخ\rالفرق بين الطلاق والفسخ\rالإبطال\rالفساد\rالفرق بين الفسخ والإفساد\rالحكم الإجمالي للفسخ ودليله\rشروط فسخ العقد\rأسباب الفسخ\rعدم لزوم العقد بطبيعته\rاستحالة تنفيذ أحد الالتزامين المتقابلين\rالفسخ للفساد عند الحنفية\rأنواع الفسخ\rالفسخ باعتباره جزاءً لعدم تنفيذ العاقد الآخر التزامه\rالفسخ بسبب الخيار ( الفسخ والقوة الملزمة للعقد )\rالفسخ للأعذار الطارئة\rالفسخ لاستحالة التنفيذ ( الفسخ وتحمل تبعة الهلاك )\rالفسخ للإفلاس والإعسار والمماطلة\rالفسخ بسبب البطلان أو الفساد أو الردة في الزواج الفسخ الرضائي والفسخ الجبري بطريق القضاء\rفرقة الفسخ: منها مايتوقف على القضاء، ومنها مالا يتوقف عليه\rالفسخ لعدم إجازة العقد الموقوف\rالفسخ بسبب الاستحقاق\rالاستحقاق بالنسبة لفسخ العقد نوعان:\rمايقبل الفسخ ومالا يقبل\rالعقود اللازمة للطرفين\rالعقود الجائزة غير اللازمة للطرفين\rالعقد اللازم لطرف دون آخر\rحالات فسخ العقود وحالات عدم الفسخ\rفسخ عقد البيع:\rفسخ عقد الإيجار\rحالات عدم الفسخ\rفروق بين الفسخ وغيره\rبعض أسباب الفسخ\rمتى يجوز عدم تنفيذ العقد أو ماهي شروط الدفع بعدم التنفيذ\rآثار الفسخ ( أحكامه )\r1 - انتهاء العقد بالفسخ\r2 - أثر الفسخ في الماضي ( الأثر المستند والمقتصر ) والمستقبل\rملحق - ما اقتبسه القانون المدني المعاصرمن الفقه الإسلامي\rمدى الاعتماد على الشريعة في القانونين المصري والسوري\rبعض المبادئ والنظريات العامة المقتبسة من الفقه الإسلامي\rالجزء الرابع من كتاب الفقه الإسلامي و أدلته\rالباب السادس\rالأيمان والنذور والكفّارات","part":4,"page":7},{"id":2103,"text":"الأيمان والنذور تشتمل لغة وفقهاً على معنى العقد والتصميم؛ لأن الأيمان: هي التي يعقدها الحالف بإرادته المنفردة قاصداً بها التصميم والعزم على فعل شيء أو تركه، وأما النذور: فهي التي يلتزم بها الناذر بقصد التوصل إلى تحقيق هدف معين. والكفارة: هي جزاء الحنث بالعقد الملتزم به.\rومن الواضح أن في اليمين والنذور والكفارة معنى العبادة والتعظيم والطاعة لوجود الالتزام بها نحو الله عزوجل.\rوأبدأ ببحث الأيمان نظراً لأهميتها وخطورتها وشيوعها بين الناس وأصالتها بالنسبة لغيرها، وذلك في فصول ثلاثة:\rالفَصْلُ الأوَّل: الأيمان\rالكلام عن الأيمان يتناول المباحث الأربعة الآتية:\rالمبحث الأول ـ تعريف اليمين ومشروعيتها وأنواعها وحكم كل نوع.\rالمبحث الثاني ـ صيغة اليمين.\rالمبحث الثالث ـ شروط اليمين.\rالمبحث الرابع ـ أحوال اليمين التي يحلف عليها فعلاً، وفيه أحد عشر مطلباً:\rالمطلب الأول ـ الحلف على الدخول.\rالمطلب الثاني ـ الحلف على الخروج.\rالمطلب الثالث ـ الحلف على الكلام.\rالمطلب الرابع ـ الحلف على الأكل والشرب.\rالمطلب الخامس ـ الحلف على اللبس والكسوة.\rالمطلب السادس ـ الحلف على الركوب.\rالمطلب السابع ـ الحلف على الجلوس. المطلب الثامن ـ الحلف على السكنى.\rالمطلب التاسع ـ الحلف على الضرب والقتل.\rالمطلب العاشر ـ الحلف على ما يضاف إلى غير الحالف.\rالمطلب الحادي عشر ـ الحلف على أمور شرعية.\rالمبحث الأول ـ تعريف اليمين ومشروعيّتها وأنواعها وحكم كل نوع :\rتعريف اليمين: اليمين في اللغة لها معان ثلاثة:\rأولها ـ القوة، ومنه قوله تعالى: {لأخذنا منه باليمين} [الحاقة:45/69] أي بالقوة، ثانيها ـ اليد اليمنى وقد سمي العضو باليمين لوفور قوته.\rثالثها ـ القسم أو الحلف، وأطلقت اليمين على الحلف؛ لأن الناس كانوا إذا تحالفوا يأخذ كل واحد منهم بيمين صاحبه.","part":4,"page":8},{"id":2104,"text":"وفي اصطلاح الفقهاء كما قال الحنفية: عبارة عن عقد قوي به عزم الحالف على الفعل أوالترك. وسمي هذا العقد باليمين؛ لأن العزيمة تتقوى بها (1) .\rمشروعية اليمين: اليمين مشروعة؛ لأن الله تعالى أقسم وأمر نبيه صلّى الله عليه وسلم بالقسم، مثل قوله سبحانه: {والليل إذا يغشى} [الليل:1/92] {والشمس وضحاها} [الشمس:1/91] {والنجم إذا هوى} [النجم:1/53] {والتين والزيتون} [التين:1/95] أي وربِّ هذه الأشياء على اعتبار أن المحلوف به محذوف. والنبي أمر بالحلف في ثلاثة مواضع: فقال سبحانه: {ويستنبئونك أحق هو؟ قل: إي وربي، إنه لحق وما أنتم بمعجزين} [يونس:10/53]، وقال تعالى: {قل: بلى وربي لتأتينكم} [سبأ:3/34]، وقال عز وجل: {قل: بلى وربي لتبعثن} [التغابن:7/64].\rوقد ثبت في السنة تشريع اليمين (2) ، فقال صلّى الله عليه وسلم : «إني ـ والله ـ إن شاء الله ، لا أحلف على يمين، فأرى غيرها خيراً منها إلا أتيت الذي هو خير، وتحللتها» (3) أي أديت كفارتها.\rلكن لايملك الحالف الرجوع عن اليمين والنذر والطلاق،وإنما تلزمه بمجرد النطق بها.\rواليمين وإن كانت في الأصل مباحة عند الفقهاء إلا أنه يكره الإفراط في الحلف بالله تعالى لقوله سبحانه: {ولا تطع كل حلاف مَهين} [القلم:10/68] وهذا ذم له يقتضي كراهة فعله. ولذا كان الإمام الشافعي رضي الله عنه يقول: «ما حلفت بالله تعالى صادقاً ولا كاذباً» (4) ، وقد تقرر أن اليمين مكروهة للنهي عنها بقوله تعالى:\r-------------------------------\r(1) راجع المبسوط للسرخسي: 8 ص126، فتح القدير: 4 ص 2، تبيين الحقائق للزيلعي: 3ص 106 ومابعدها، الدر المختار بهامش رد المحتار: 3 ص 48 ومابعدها، مغني المحتاج: 4 ص 320 ، الفتاوى الهندية: 2 ص 48.\r(2) المغني لابن قدامة الحنبلي: 8 ص 676-682، تبيين الحقائق، المرجع السابق.\r(3) رواه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي عن أبي موسى الأشعري، وفي رواية: «إلا كفرت عن يميني، وأتيت الذي هو خير» وفي لفظ بالعكس (راجع جامع الأصول: 12 ص301، نصب الراية: 297/3).\r(4) المغني، المرجع السابق: ص 678، الميزان للشعراني: 2 ص18، 130، مغني المحتاج: 4ص 325، الفتاوى الهندية: 2 ص 49.","part":4,"page":9},{"id":2105,"text":"{ولا تجعلوا الله عُرْضة لأيمانكم} [البقرة:224/2] أي لا تكثروا الحلف بالله ، لأنه ربما يعجز الحالف عن الوفاء به، إلا أن تكون اليمين في طاعة من فعل واجب أو مندوب وترك حرام أو مكروه، فتكون طاعة. وعلى هذا ليس من الأدب مع الله تعالى اتخاذ اليمين طريقاً للإقناع والتأثير وإنفاق السلعة والترغيب في المعاملات، أخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلم يقول: «الحلف مَنْفَقة للسلعة، مَمْحقة للبركة» .\rوذكر المالكية أن اليمين بغير الله مكروهة، وقيل: حرام، أما اليمين بنحو (اللات والعزى) فإن اعتقد تعظيمها فهو كفر، وإلا فهو حرام. وذكر الحنابلة أن الأيمان خمسة أنواع:\rأحدها ـ واجب: وهي التي ينجي بها إنساناً معصوماً من الهلاك.\rوالثاني ـ مندوب: وهو الذي تتعلق به مصلحة من إصلاح بين متخاصمين، أو إزالة حقد من قلب مسلم عن الحالف أو غيره أو دفع شر.\rوالثالث ـ المباح: مثل الحلف على فعل مباح أو تركه، والحلف على الإخبار بشيء هو صادق فيه أو يظن أنه فيه صادق.","part":4,"page":10},{"id":2106,"text":"والرابع ـ المكروه: وهو الحلف على فعل مكروه أو ترك مندوب.\rوالخامس ـ المحرم: وهو الحلف الكاذب ،فإن الله تعالى ذمه بقوله: {ويحلفون على الكذب وهم يعلمون} [المجادلة:14/58] ولأن الكذب حرام.\rأنواع اليمين: اليمين بالله تعالى ثلاثة أنواع: يمين منعقدة، ويمين الغموس، ويمين اللغو، قال محمد في كتاب (الأصل) : « الأيمان ثلاثة: يمين مكفَّرة، ويمين لا تكفَّر، ويمين نرجو ألا يؤاخذ الله بها صاحبها. وفسر الثالثة بيمين اللغو » (1) .\r1 - اليمين الغَموس: عرفها الحنفية والمالكية بأنها: اليمين الكاذبة قصداً في الماضي أو في الحال، أو هي الحلف على أمر ماض أو في الحال متعمداً الكذب فيه نفياً أو إثباتاً، مثل قول الحالف: ( والله لقد دخلت هذه الدار ) وهو يعلم أنه ما دخلها، أو قوله عن رجل: ( والله إنه خالد ) مع علمه أنه عامر ونحو ذلك.\rوحكمها عند الجمهور ومنهم الحنفية والمالكية والحنابلة على الراجح عندهم (2) : أنه يأثم فيها صاحبها، ويجب عليه التوبة والاستغفار، ولا كفارة عليه بالمال. استدلوا بقول الرسول صلّى الله عليه وسلم : «من حلف على يمين هو فيها فاجر، ليقتطع بها مال امرئ مسلم حرم الله عليه الجنة وأدخله النار» (3) وفي الصحيحين: «لقي الله وهو عليه غضبان» . قال ابن مسعود: «كنا نعد من اليمين التي لا كفارة لها: اليمين الغموس» وعن سعيد بن المسيب قال: «هي من الكبائر، وهي أعظم من أن تُكفَّر» ، يروى عن النبي صلّى الله عليه وسلم أنه قال: « من الكبائر: الإشراك بالله ، وعقوق الوالدين، وقتل النفس واليمين الغموس» (4) . والمعقول يؤيدهم وهو أن الذي أتى به الحالف أعظم من أن تكون فيه الكفارة، فلا ترفع الكفارة إثمها، ولا تشرع فيها، وقد سميت بالغموس؛ لأنها تغمس صاحبها في الإثم أو في النار.\r-------------------------------\r(1) البدائع: 2/3.\r(2) راجع المبسوط: 8 ص 127، البدائع: 3 ص3، 15، الفتاوى الهندية: 2 ص 48، فتح القدير: 4 ص 3، تبيين الحقائق: 3 ص107، الشرح الكبير للدردير بهامش حاشية الدسوقي: 2 ص 128، بداية المجتهد: 1 ص 396، المغني: 8 ص 686، القوانين الفقهية: ص 160.\r(3) أخرجه ابن حبان في صحيحه عن أبي أمامة، ورواية الصحيحين ومثلها رواية أبي داود والترمذي هي عن عبد الله بن مسعود، ورواه الطبراني في الكبير ورجاله ثقات عن العرس بن عميرة، ورواه أحمد والطبراني أيضاً عن أبي موسى بلفظ: «من حلف على يمين كاذبة ليقتطع بها مال أحد لقي الله عز وجل، وهو عليه غضبان» (راجع جامع الأصول: 12 ص 295، مجمع الزوائد: 4 ص 178، نصب الراية: 3 ص 292).\r(4) رواه البخاري من حديث ابن عمر، قال: جاء أعرابي إلى النبي صلّى الله عليه وسلم ، فقال: يا رسول الله ، ما الكبائر؟ فذكر في الحديث الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وقتل النفس، واليمين الغموس، وفيه قال السائل: وما اليمين الغموس؟ قال: «الذي يقتطع بها مال امرئ مسلم هو فيها كاذب» (راجع نيل الأوطار: 8 ص 235، سبل السلام: 4 ص 105 ومابعدها).","part":4,"page":11},{"id":2107,"text":"وقال الشافعية وجماعة: تجب الكفارة في اليمين الغموس، أي تسقط الكفارة الإثم فيها كما تسقطه في غير الغموس؛ لأنه وجدت من الحالف اليمين\rبالله تعالى والمخالفة مع القصد، فتلزمه الكفارة كما تلزمه في اليمين المنعقدة على أمر في المستقبل، والله تعالى يقول: {لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم، ولكن يؤاخذكم بما عقَّدتم الأيمان} [المائدة:89/5] وهذا النص عام يعم الحلف في الماضي والمستقبل، فتكون الآية موجبة الكفارة في اليمين الغموس، لكونها من الأيمان المنعقدة، وتعلق الإثم في هذه اليمين لا يمنع الكفارة، كما أن الظهار","part":4,"page":12},{"id":2108,"text":"منكر من القول وزور، وتتعلق به الكفارة (1) .\r2 - اليمين اللغو: اختلف العلماء في تحديد المراد منها، فقال الجمهور (2) : هي أن يخبر عن الماضي أوعن الحال على الظن أن المخبر به كما أخبر، وهو بخلافه، في النفي والإثبات. وبعبارة أخرى: هي أن يحلف على شيء يظنه كما حلف، فلم يكن كذلك. مثل قول الحالف: ( والله ماكلمت زيداً ) وفي ظنه أنه لم يكلمه، و: ( والله لقد كلمت زيدا ً ) وفي ظنه أنه كلمه، وهو بخلاف الواقع. أو يقول: ( والله إن هذا الطائر لغراب ) وفي ظنه أنه كذلك، ثم تبين في الواقع أن الطائر حمام مثلاً.\rوقال الشافعي (3) : لغو اليمين: ما لم تنعقد عليه النية. أو بعبارة أخرى: يمين اللغو: هي التي يسبق اللسان إلى لفظها بلا قصد لمعناها، أو يريد اليمين على شيء، فسبق لسانه إلى غيره، بدليل قوله تعالى: {لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم، ولكن يؤاخذكم بما عقَّدتم الأيمان} [المائدة:89/5] وروي عن ابن عمر وابن عباس وعائشة رضي الله عنهم أنهم قالوا: «هو قول الرجل: لا والله ، وبلى والله » (4) ولأن ما سبق إليه اللسان من غير قصد لا يؤاخذ به، كما لو سبق لسانه إلى كلمة الكفر.\rواتفق الفقهاء على أن يمين اللغو لا كفارة فيها، لقوله تعالى: {لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم} [المائدة:89/5]، ولأنها يمين غير منعقدة، فلم تجب فيها كفارة، ولأنها لا يقصد بها المخالفة، فأشبه ذلك ما لو حنث ناسياً (5) .\rوالشافعية يرون أن يمين اللغو تكون على أمر في الماضي أو الحال أو المستقبل؛ لأن الأدلة التي ذكروها لم تفرق بين الماضي والمستقبل، فكان الحلف لغواً على كل حال.\rوالحنفية يقولون: لا لغو في المستقبل، بل اليمين على أمر في المستقبل تعتبر يميناً منعقدة، وتجب فيها الكفارة إذا حنث الحالف، سواء قصد اليمين أو لم يقصد، وإنما تختص يمين اللغو في الماضي أو الحال فقط (6) بدليل قوله تعالى:\r-------------------------------\r(1) مغني المحتاج: 4 ص 325، المهذب للشيرازي: 2 ص 128.\r(2) المراجع السابقة : البدائع: ص 3 ص 17، الفتاوى الهندية: ص 49، بداية المجتهد: ص 395، المغني: ص 688، القوانين الفقهية: ص 159.\r(3) مغني المحتاج، المرجع السابق: ص 324، المهذب، المرجع السابق.\r(4) روى خبر عائشة البخاري والشافعي ومالك موقوفاً، وصحح ابن حبان رفعه، ورواه أبو داود مرفوعاً، وأخرجه البيهقي أيضاً. ونقله ابن المنذر عن ابن عمر وابن عباس وغيرهما من الصحابة وجماعة من التابعين (راجع جامع الأصول: 12 ص 307، نيل الأوطار: 8 ص 235 ومابعدها، سبل السلام: 4 ص 107).\r(5) المغني: 8 ص 687 ومابعدها، البدائع: 3 ص 17، القوانين الفقهية: ص 159.\r(6) البدائع: 3 ص 3-4.","part":4,"page":13},{"id":2109,"text":"{لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم} [المائدة:89/5]، واللغو في اللغة: اسم للشيء الذي لا حقيقة له، بل على ظن من الحالف أن الأمر كما حلف عليه، والحقيقة بخلاف ذلك، وهكذا اليمين على أمر في الماضي أو الحال، فهو مما لا حقيقة له إذ ليس فيه قصد اليمين: وهو المنع عن شيء أو الحث على شيء، فكان لغواً. أما اليمين في المستقبل فهي يمين منعقدة، كما سيأتي بيانه في اليمين المعقودة.\r3 - اليمين المنعقدة أو المعقودة أو المؤكدة: هي ما يحلف على أمر المستقبل أن يفعله أو لا يفعله، وحكم هذه اليمين وجوب الكفارة عند الحنث (1) لقوله تعالى: {لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم، ولكن يؤاخذكم بما عقَّدتم الأيمان، فكفارته...} [المائدة:89/5]، الآية. والمراد به اليمين في المستقبل، بدليل قوله تعالى: {واحفظوا أيمانكم} [المائدة:89/5]، ولا يتصور الحفظ عن الحنث والمخالفة إلا في المستقبل، ولأنه تعالى قال: {ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها} [النحل:91/16]، والنقض إنما يتصور في المستقبل (2) .\r-------------------------------\r(1) الحنث: الإثم والذنب من حنث بكسر النون يحنث بفتحها.\r(2) المبسوط: 8 ص 127، فتح القدير: 4 ص 5، تبيين الحقائق: 3 ص 109، البدائع: 3ص 17 ، المغني: 683/8، 689.","part":4,"page":14},{"id":2110,"text":"ووجوب الكفارة في هذه اليمين أمر مقرر بالاتفاق بعد الحنث، سواء أكانت اليمين على فعل واجب، أم ترك واجب، أم فعل معصية، أم ترك مندوب أم ترك المباح أم فعله (1) .\rفإن كانت اليمين على فعل واجب مثل قوله: ( والله لأصلين صلاة الظهر اليوم ) أو :( لأصومن رمضان ) فإنه يجب عليه الوفاء بيمينه، ولا يجوز له الامتناع عنه لقوله صلّى الله عليه وسلم : «من نذر أن يطيع الله فليطعه» (2) فإن امتنع عن البر يأثم ويحنث (3) ويلزمه الكفارة (4) .\r-------------------------------\r(1) البدائع: المرجع والمكان السابق.\r(2) رواه البخاري وأحمد وأصحاب السنن الأربعة عن عائشة رضي الله عنها، وتتمة الحديث: «ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه» (راجع نصب الراية: 3 ص 300، نيل الأوطار: 8ص240).\r(3) البر: هو الموافقة لما حلف عليه. والحنث: مخالفة ما حلف عليه من نفي أو إثبات، والبر عند المالكية: لا يكون إلا بأكمل الوجوه، والحنث يتحقق بأقل الوجوه، فمن حلف أن يأكل رغيفاً، لم يبر إلا بأكل جميعه، وإن حلف ألا يأكله، حنث بأكل بعضه (القوانين الفقهية: ص 161) وقال الحنفية: لا يتحقق البر والحنث إلا بفعل كل المحلوف عليه (البدائع: 3 ص 12، مختصر الطحاوي: ص 308).\r(4) البدائع: المرجع السابق، المغني: 8 ص 682.","part":4,"page":15},{"id":2111,"text":"وإن كانت اليمين على ترك الواجب أو على فعل المعصية كأن قال: ( والله لا أصلي صلاة الفرض ) أو : ( لا أصوم رمضان ) أو قال : ( والله لأشربن الخمر ) أو : ( لأقتلن فلانا ً ) أو:( لا أكلم والدي ) ونحو ذلك، فإنه يجب عليه للحال الكفارة بالتوبة والاستغفار، ثم يجب عليه الحنث والكفارة بالمال؛ لأن عقد هذه اليمين معصية (1) وقد قال صلّى الله عليه وسلم : «من حلف على يمين، فرأى غيرها خيراً منها، فليأت الذي هو خير وليكفر عن يمينه» (2) .\rوإن كانت اليمين على ترك المندوب مثل: ( والله لا أصلي نافلة، ولا أصوم تطوعاً، ولا أعود مريضاً ولا أشيع جنازة ) ونحو ذلك، أو على فعل المكروه مثل: ( والله لألتفت في الصلاة ) فالأفضل له ألا يفعل المكروه ويفعل المندوب أي يحنث، ويكفر عن يمينه، للحديث السابق: (من حلف على يمين..) ولقوله تعالى: {ولا يأتل (3) أولو الفضل منكم والسعة} .. [النور:22/24] الآية، نزلت في أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وقد حلف ألا يبرّ مِسْطحاً بسبب اشتراكه في حديث الإفك على عائشة (4) .\rوإن كانت اليمين على مباح تركاً أو فعلاً، كدخول دار، وأكل طعام، ولبس ثوب ونحوه، فالأفضل له البر أي ترك الحنث، لما فيه من تعظيم الله تعالى، وقد\r-------------------------------\r(1) البدائع : المرجع نفسه، مغني المحتاج: 4 ص 325، المغني: 8 ص 682.\r(2) رواه أحمد في مسنده ومسلم والترمذي وصححه عن أبي هريرة، ورواه أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه عن عبد الرحمن بن سمرة، ورواه أحمد ومسلم والنسائي وابن ماجه عن عدي بن حاتم وروي عن غير هؤلاء أيضاً ( راجع جامع الأصول: 12 ص 300، مجمع الزوائد : 4 ص 183، نصب الراية: 3 ص 296، نيل الأوطار: 8 ص 237، سبل السلام: 4 ص 103 ).\r(3) أي لايحلف، وقيل: المراد لايمتنع.\r(4) البدائع: 3 ص 16، مغني المحتاج: 4 ص 326، المغني: 8 ص 681 وما بعدها.","part":4,"page":16},{"id":2112,"text":"قال سبحانه: {ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها} [النحل:91/16] وله أن يُحنث نفسه، ويكفر عن يمينه (1) .\rحكم الناسي والمكره: الكفارة تجب في اليمين المنعقدة عند الحنفية والمالكية، سواء أكان الحانث عامداً أم ساهياً أم مخطئاً أم نائماً أم مغمى عليه أم مجنوناً أم مكرهاً (2) لأن الآية القرآنية وهي: {ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان} [المائدة:89/5] لم تفرق بين عامد وناس وغيره، ولقوله عليه الصلاة والسلام: «ثلاثة جدهن جد وهزلهن جد: النكاح والطلاق واليمين» (3) ، فمن حلف بعتق أو طلاق ألا يفعل شيئاً، ففعله ناسياً حنث؛ لأن هذا يتعلق به حق آدمي، فتعلق الحكم به مع النسيان كالإتلاف.\rوقال الشافعية والحنابلة (4) : لا كفارة ولا حنث على غير المكلف كالصبي والمجنون والنائم، لقوله صلّى الله عليه وسلم : «رفع القلم عن ثلاثة: عن الصبي حتى يبلغ، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن المجنون حتى يفيق» (5) ولا كفارة أيضاً على المغمى عليه\r-------------------------------\r(1) المراجع السابقة، القوانين الفقهية: ص 160.\r(2) البدائع: 3 ص17 ، تبين الحقائق : 3ص109 ، بداية المجتهد : 2ص 402، القوانين الفقهية : ص 161 ، فتح القدير 4ص6 ، الفتاوى الهندية : 2ص 49 ، الدر المختار : 3ص53 ، المغني : 8ص 726 ، الشرح الكبير : 2ص 142.\r(3) نص الحديث ليس هكذا ، وإنما لفظه ( النكاح والطلاق والرجعة ) أخرجه أبو داوود وابن ماجه والترمذي والحاكم في المستدرك والدارقطني والبيهقي . فاستبدال اليمين بالرجعة من صنع الفقهاء ( راجع نصب الراية : 3ص 293 وما بعدها ).\r(4) المهذب للشيرازي : 2 ص 128 ، حاشية الباجوري على متن أبي شجاع : 2ص 323 ، المغني : 8ص 676 ، 684 وما بعدها .\r(5) رواه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه وصححه الحاكم وأخرجه ابن حبان عن عائشة، ورواه بعضهم عن علي وعمر وابن عباس وأبي هريرة وغيرهم (راجع مجمع الزوائد: 6 ص 251، سبل السلام: 3 ص 180 ) وله ألفاظ منها لفظ رواية عائشة: « رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصغير حتى يكبر، وعن المجنون حتى يعقل أو يفيق» .","part":4,"page":17},{"id":2113,"text":"والسكران غير المتعدي بسكره، والساهي، إذ إنهم في معنى المذكورين في الحديث، فلا تنعقد اليمين منهم، كذلك لاتنعقد من المكرَه لقوله صلّى الله عليه وسلم : « ليس على مقهور يمنين» (1) ولقوله عليه السلام: « رفع عن أمتي الخطأ والنسيان ومااستكرهوا عليه» (2) .\rشروط انعقاد اليمين :\rيشترط لانعقاد اليمين الشروط العامة التالية:\r1ً - أن يكون الحالف بالغاً عاقلاً: فلا تنعقد يمين الصبي والمجنون، لرفع المؤاخذة عنهما، روى أبو داود عن علي رضي الله عنه، عن النبي صلّى الله عليه وسلم قال: « رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يَعْقِل » .\r2ً - ألا تكون اليمين لغواً: وهي مايجري على ألسنة الناس بغير قصد اليمين كما تقدم، مثل قولهم:( بلى والله، ولا والله).\r-------------------------------\r(1) أخرجه الدارقطني عن واثلة بن الأسقع وأبي أمامة، ثم قال: عنبسة ـ أحد رجال السند ـ ضعيف ، قال في التنقيح: حديث منكر، بل موضوع، وفيه جماعة ممن لايجوز الاحتجاج بهم ( راجع نصب الراية: 3 ص 294 ).\r(2) رواه الطبراني في الكبير عن ثوبان، ورواه أيضاً عن أبي الدرداء، وأخرجه ابن ماجه وابن حبان والحاكم عن ابن عباس مرفوعاً، ورواه ابن ماجه أيضاً عن أبي ذر، ورواه أبو نعيم في الحلية عن ابن عمر، وكل هذه الروايات بلفظ: «إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان ومااستكرهوا عليه» إلا حديث أبي الدرداء وثوبان فهو بلفظ: « إن الله تجاوز عن أمتي ثلاثة: الخطأ والنسيان وما أكرهوا عليه » ولكن ابن عدي في الكامل رواه عن أبي بكرة بلفظ: « رفع الله عن هذه الأمة ثلاثاً: الخطأ، والنسيان، والأمر يكرهون عليه » ورواه الطبراني في الأوسط عن عقبة بن عامر بلفظ: «وضع عن أمتي الخطأ والنسيان ومااستكرهوا عليه» وفيه ابن لهيعة وحديثه حسن، وفيه ضعف. وهكذا يظهر أن لفظ: « رفع عن أمتي..» ليس موجوداً، وإن كان الفقهاء لايذكرونه إلا بهذا اللفظ ( راجع نصب الراية: 2ص62، التلخيص الحبير: 1ص109، مجمع الزوائد: 6 ص 250 ).","part":4,"page":18},{"id":2114,"text":"3ً - أن يكون الحلف بذات الله تعالى مثل: أقسم بالله، أو بأحد أسمائه تعالى، مثل: أقسم بالرحمن أو برب العالمين، أو بصفة من صفاته تعالى مثل: أقسم بعزة الله، أو بعلمه أو بإرادته أو بقدرته.\rوسأبحث بعض الشروط المختلف فيها والمتفق عليها فيما سيأتي.\rأنواع اليمين المنعقدة: يشترط لانعقاد اليمين كما سيأتي أن يكون المحلوف عليه متصور الوجود حقيقة عند الحلف، ويشترط أيضاً لبقاء اليمين أن يكون المحلوف عليه متصور الوجود حقيقة بعد اليمين. وبناء على هذا الشرط عند الحنفية انقسمت اليمين المنعقدة إلى أنواع:\rالنوع الأول - أن تكون اليمين على ماهو متصور الوجود عادة.\rالنوع الثاني ــ أن تكون اليمين على ماهو غير متصور الوجود أصلاً.\rالنوع الثالث ــ أن تكون اليمين على ماهو متصور الوجود في نفسه، لكن لايوجد على مجرى العادة.","part":4,"page":19},{"id":2115,"text":"النوع الأول ــ أن تكون اليمين على ماهو متصور الوجود عادة :\rإذا كان المحلوف عليه أمراً يتصور حدوثه بحسب العادة والإمكان، فإما أن يكون الحلف في حالة الإثبات أي الإيجاب، أو في حالة النفي أي السلب.\rأولاً ـ إن كان الحلف في حالة الإثبات: فإما أن يكون الإثبات مطلقاً عن الوقت أو مؤقتاً (1) .\rآ ـ فإن كان الحلف في الإثبات مطلقاً عن التأقيت: مثل:( والله لآكلن هذا الرغيف ) أو: ( لأدخلن الدار ) أو: ( لآتين دمشق ) فما دام الحالف والمحلوف عليه قائمين، فاليمين باقية لا يحنث؛ لأن الحنث يتحقق عند عدم البر باليمين، وتصور البر ممكن في هذه الحالة: وهو فعل المحلوف عليه مرة في مدة العمر، فإذا هلك الحالف أو المحلوف عليه، حنث لحصول العجز عن تحقيق مقتضى البر، غير أنه إذا هلك المحلوف عليه يحنث وقت هلاكه، وإذا هلك الحالف يحنث في آخر جزء من أجزاء الحياة.\rب ـ وإن كان الحلف في الإثبات مؤقتاً: مثل: ( والله لآكلن هذا الرغيف اليوم ) أو: ( لأدخلن هذه الدار اليوم ) فما دام الحالف والمحلوف عليه قائمين، والوقت باقياً لا يحنث؛ لأن البر في الوقت مرجو فتبقى اليمين. وإن كان الحالف والمحلوف عليه قائمين، ولكن مضى الوقت، فإنه يحنث باتفاق الحنفية؛ لأن اليمين كانت مؤقتة بوقت، فإذا لم يفعل المحلوف عليه حتى انتهى الوقت، فإنه يحنث.\rأما إذا هلك أحدهما في الوقت المحدد: فإن هلك الحالف في الوقت ثم مضى الوقت فلا يحنث باتفاق الحنفية والحنابلة؛ لأن الحنث في اليمين المؤقتة بوقت يقع في آخر أجزاء الوقت، وهو في تلك اللحظة ميت، والميت لا يوصف بالحنث.\rوإن هلك المحلوف عليه وهو الرغيف مثلاً قبل مضي الوقت، فتبطل اليمين عند أبي حنيفة ومحمد وزفر.\r-------------------------------\r(1) راجع البدائع: 3 ص 12، المغني: 8 ص 786، 791.","part":4,"page":20},{"id":2116,"text":"وقال أبو يوسف والشافعية والحنابلة: لا تبطل اليمين، ويحنث، وتجب الكفارة. واختلفت الرواية عنه في وقت الحنث، روي عنه أنه يحنث عند غروب شمس اليوم المحدد فيه وقت اليمين، وروي عنه أنه يحنث للحال، قيل: وهو الصحيح من مذهبه.\rثانياً ـ إذا كان الحلف في حالة النفي: فإما أن يكون النفي مطلقاً عن التأقيت أو مؤقتاً.\rآ ـ فإن كان الحلف في النفي مطلقاً عن الوقت: مثل:( والله لا آكل هذا الرغيف ) أو: ( لا أدخل هذه الدار ) فإن فعل مرة حنث؛ لأنه لم يتحقق منه البر، وإذا هلك الحالف أو المحلوف عليه قبل الفعل: لا يحنث، لأنه تحقق منه شرط برّه في اليمين: وهو الامتناع عن الفعل.\rب ـ وإن كان الحلف في النفي مؤقتاً: مثل: ( والله لا آكل هذا الرغيف اليوم ) فإن مضى اليوم قبل الأكل، والحالف والمحلوف عليه قائمان، فقد بر في يمينه، لأنه وجد منه شرط البر، وهو ترك الأكل في اليوم كله. وإن هلك الحالف أو المحلوف عليه في اليوم برَّ في يمينه أيضاً؛ لأن شرط البر عدم الأكل، وقد تحقق. وإن فعل المحلوف عليه في الوقت المحدد حنث، لوجود شرط الحنث، وهو الفعل في الوقت.\rالنوع الثاني ـ أن تكون اليمين على ما هو مستحيل غير متصور الوجود أصلاً :\rهذا هو المستحيل عقلاً مثل قول الشخص: ( والله لأشربن الماء الذي في هذا الكوز وليس في الكوز ماء، أو قوله: «والله لأقضين دين فلان غداً» فقضاه اليوم، أو أبرأه صاحب الدين اليوم، ثم جاء الغد، وحكمه أنه لا تنعقد اليمين عند أبي حنيفة ومحمد وزفر ومالك وأبي الخطاب من الحنابلة (1) ؛ لأن اليمين إنما تعقد على متصورالوجود أو متوهم التصور، وليس ههنا واحد منهما، وإذا لم يكن البر باليمين متصوراً فلا يتصور الحنث، فلا فائدة في انعقاد اليمين.\r-------------------------------\r(1) البدائع: 3 ص 11، تبيين الحقائق: 3 ص 134، الدر المختار: 3 ص 109، المغني: 8 ص 730، القوانين الفقهية: ص 163.","part":4,"page":21},{"id":2117,"text":"وقال أبو يوسف والشافعي والقاضي من الحنابلة (1) : تنعقد اليمين موجبة للكفارة في الحال؛ لأن الحالف حلف على فعل نفسه في المستقبل، كما لو حلف ليطلقن امرأته، فماتت قبل طلاقها، ولا يشترط عند هؤلاء أن تكون اليمين على أمر متصور الوجود.\rوإن كان الحالف يعلم أنه لا ماء في الكوز، تنعقد اليمين عند أئمة الحنفية الثلاثة، وعند زفر: لا تنعقد.\rويجري هذا الخلاف السابق فيما إذا قال الحالف: ( والله لأقتلن فلاناً ) وهو لا يعلم بموته، فلا تنعقد اليمين عند أبي حنيفة ومحمد وزفر ومن وافقهم. وقال أبو يوسف ومن معه: تنعقد اليمين (2) .\rفإن كان الحالف عالماً بموت الشخص فإنه تنعقد اليمين عند الجمهور، وهو كالنوع الثالث وهو المستحيل عادة؛ لأنه لا يتصور أن يحييه الله ، فيقتله، فيكون البر باليمين متصوراً، إلاأنه خلاف المعتاد. وقال زفر: لا تنعقد يمينه.\r-------------------------------\r(1) المراجع السابقة، مغني المحتاج: 4 ص 320.\r(2) رتب الحنفية كيفية الأخذ بأقوال أئمتهم فقالوا: يأخذ القاضي والمفتي وغيرهما بقول أبي حنيفة على الإطلاق سواء أكان معه أحد أصحابه أو انفرد بالرأي، ولكن ذلك في غير بحوث القضاء والمواريث فإن الفتوى فيها على قول أبي يوسف لزيادة تجربته، ، ثم يؤخذ بقول أبي يوسف ثم بقول محمد ثم بقول زفر والحسن بن زياد. ويؤخذ بقول الصاحبين إذا خالفا الإمام فيما كان الاختلاف فيه بحسب تغيير الزمان وفيما أجمع عليه المتأخرون كالمزارعة والمعاملة (الدر المختار رد المحتار: 4 ص 325، 65/1).","part":4,"page":22},{"id":2118,"text":"النوع الثالث ـ أن تكون اليمين على ما هو مستحيل عادة :\rإذا كان الأمر المحلوف عليه متصور الوجود في نفسه، ولكنه مستحيل بحسب العادة كالصعود في السماء، و الطيران في الهواء، أو تحويل الحجر ذهباً، أو شرب ماء دجلة كله، أو قطع المسافة البعيدة في برهةوجيزة، فإنه تنعقد اليمين عند أبي حنيفة وصاحبيه وبقية أئمة المذاهب (1) ؛ لأن البر متصور الوجود في نفسه بأن يقدر الله تعالى الحالف على ذلك، كما أقدر الملائكة والجن والأنبياء على صعود السماء، وكذلك انقلاب الحجر ذهباً ممكن بتحويل الله تعالى، وهكذا كل ما ذكر إلا أن الحالف عاجز عن الأمر عادة، فبالنظر لتصور وجود المحلوف عليه حقيقة انعقدت اليمين، وبالنظر للعجز عن تحقيق المحلوف عليه عادة حنث في الحال، ووجبت الكفارة، كما لو حلف ليطلقن امرأته، فماتت.\rوقال زفر رحمه الله تعالى: لاينعقد يمين هذا الحالف: لأنه مستحيل عادة فيلحق بالمستحيل حقيقة، وبما أن اليمين لا ينعقد في المستحيل حقيقة فلا ينعقد كذلك في المستحيل عادة (2) .\rفإذا كانت هذه اليمين مؤقتة مثل: ( والله لأصعدن السماء اليوم ) فإنه عند أبي حنيفة ومحمد: يحنث في آخر اليوم؛ لأن البر يجب في المؤقتة في آخر اليوم عندهما، ويكون الوقت ظرفاً موسعاً.\rوقال أبو يوسف: يحنث في الحال، لتحقق عجزه عن البر في الحال. وهذا هو الصحيح من مذهبه (3) .\r-------------------------------\r(1) راجع البدائع: 3ص11 ومابعدها، تبيين الحقائق: 3ص135، الدر المختار: 3ص111، مغني المحتاج: 4ص320، المهذب: 3ص140، الشرح الكبير للدردير: 2ص126، المغني: 8ص 730، الميزان: 2ص129، 132.\r(2) مراجع الحنفية السابق ذكرها.\r(3) مراجع الحنفية السابقة.","part":4,"page":23},{"id":2119,"text":"يمين الفور: هناك نوع آخر من اليمين المنعقدة أي اليمين في المستقبل: وهو ما تكون اليمين مؤقتة دلالة أو معنى ومؤبدة لفظاً، وهي المسماة يمين الفور: وهي كل يمين خرجت جواباً لكلام، أو بناء على أمر، فتتقيد بذلك بدلالة الحال، مثل أن يقول شخص لآخر:( تعال تغد معي ) فقال: ( والله لا أتغدى) فلم يتغد معه، ثم رجع إلى منزله، فتغدى، وحكمها: أنه لا يحنث في يمينه استحساناً، والقياس أن يحنث وهو قول زفر.\rوجه القياس : أن الحالف منع نفسه عن الغداء في عموم الحالات، فتقييد اليمين في بعض الحالات دون بعض تخصيص للعموم.\rووجه الاستحسان: أن كلام الحالف خرج جواباً للسؤال، فينصرف إلى ما وقع السؤال عنه، والسؤال وقع عن الغداء المدعو إليه، فينصرف الجواب إليه، كأنه أعاد السؤال وقال:( والله لا أتغدى الغداء الذي دعوتني إليه ): يعني أن قصد الحالف متجه إلى الامتناع عن الغداء المدعو إليه بحسب عرف الناس، والأيمان مبنية على العرف عند الحنفية كما سيأتي بيانه.\rوهناك مثال آخر ليمين الفور وهو: إذا أرادت امرأة إنسان أن تخرج من الدار فقال لها زوجها: ( إن خرجت فأنت طالق ) فقعدت تاركة الخروج ساعة، ثم خرجت بعدئذ لا يحنث استحساناً؛ لأن دلالة الحال تدل على التقيد بذلك الخروج، كأنه قال: ( إن خرجت هذه الخرجة فأنت طالق ) فإن ذكر ما يدل على خلاف المقصود، كأن بين أن المراد الخروج مطلقاً في هذا اليوم، فيبطل اعتبار الفور، ويبطل أيضاً اعتبار الفور ويحنث بمطلق التغدي إن قال: ( إن تغديت اليوم (1) ).\r-------------------------------\r(1) راجع المبسوط: 8 ص 131، 186، البدائع: 3 ص 13، الدر المختار: 3 ص 29 ومابعدها، فتح القدير: 4 ص 42.","part":4,"page":24},{"id":2120,"text":"قضاء الحق قبل وقته: إذا حلف شخص أن يقضي حق غيره في وقت، فقضاه قبله، لم يحنث بيمينه عند الحنفية والحنابلة؛ لأن مقتضى هذه اليمين تعجيل القضاء قبل خروج الوقت، فإذا قضاه قبله، فقد قضى قبل خروج الوقت، وزاد خيراً، ولأن مبنى الأيمان على النية، ونية هذا بيمينه أداء الحق قبل خروج الوقت.\rوقال الشافعي ـ نقلاً عن ابن قدامة ـ : يحنث إذا قضاه قبله؛ لأنه ترك فعل ما حلف عليه مختاراً، فحنث كما لو قضاه بعده (1) .\rفعل بعض المحلوف عليه: إن حلف ليفعلن شيئاً، لم يبر عند الحنابلة إلا بفعل جميعه، وإن حلف ألا يفعله وأطلق، ففعل بعضه، ففيه روايتان عند الحنابلة، أرجحهما أنه يحنث بفعل البعض (2) .\rالمبحث الثاني ـ صيغة اليمين :\rتنقسم اليمين بحسب اللفظ المقسم به إلى خمسة أنواع:\r1 - يمين بالله تعالى صراحة باستعمال اسم من أسماء الله الحسنى.\r2 - يمين بالله تعالى صراحة باستعمال صفة من صفات الله .\r3 - يمين بالله تعالى بطريق الكناية.\r4 - يمين بالله تعالى من حيث المعنى.\r5 - يمين بغير الله تعالى صورة ومعنى.\r1 - اليمين باسم من أسماء الله تعالى :\rإن الحلف المباح: هو الحلف بالله تعالى، وإن الحالف بغير الله عاص، وقد اتفق العلماء على إباحة الأيمان بأسماء الله سبحانه، سواء أكان الاسم خاصاً لا يطلق إلا على الله تعالى نحو: الله ، والرحمن، أم مشتركاً في الإطلاق على الله تعالى وعلى غيره كالعليم والحكيم والكريم والحليم ونحو ذلك؛ لأن هذه الأسماء وإن أطلقت على المخلوقات إلا أنها تنصرف إلى الخالق بدلالة القسم، إذ القسم بغير الله تعالى لا يجوز، فكان المراد بالاسم اسم الله تعالى.\r-------------------------------\r(1) المغني: 790/8، الشرح الكبير: 153/2.\r(2) المغني: 782/8 ، 792.","part":4,"page":25},{"id":2121,"text":"حروف القسم: هي الباء، والواو، والتاء، كأن يقول الحالف: بالله ، أو والله ، أوتالله ، وهو بحسب استعمال العرب، وقد ورد الشرع بتأييد اللغة مثل قوله تعالى: {والله ربِّنا ما كنا مشركين} [الأنعام:23/6] {وتالله لأكيدن أصنامكم} [الأنبياء:57/21] {وأقسموا بالله } [فاطر:42/35] وقال صلّى الله عليه وسلم : «والله لأغزون قريشاً ـ ثلاث مرات، ثم قال في الثالثة: إن شاء الله » (1) ، وقال عليه السلام فيما يرويه عمر: «إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم، من كان حالفاً فليحلف بالله ، أو ليصمت» قال عمر: «فما حلفت بها بعد ذلك ذاكراً ولا آثراً» (2) .\rوالباء والواو يستعملان في جمع ما يقسم به من أسماء الله تعالى وصفاته. أما التاء فإنه لا يستعمل إلا في اسم الله تعالى، تقول: تالله ، ولا تقول: تالرحمن، تعزة الله تعالى.\r-------------------------------\r(1) رواه أبو داود وابن حبان والبيهقي وأبو يعلى وابن عدي عن عكرمة عن ابن عباس، بعضهم رواه مسنداً، وبعضهم رواه مرسلاً، قال ابن أبي حاتم في العلل: الأشبه إرساله، وقال ابن القطان: الصحيح مرسل (جامع الأصول: 12 ص 299، نصب الراية: 3 ص 302، مجمع الزوائد: 4 ص 182، نيل الأوطار: 8 ص 220).\r(2) رواه البخاري ومسلم وأصحاب السنن الأربعة وأحمد ومالك والبيهقي عن عمر قال: سمعت عمر يقول: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم : «إن الله ينهاكم.. الحديث» ومعنى قول عمر: «ما حلفت به ذاكراً» أي عن ذكر مني وعلم «ولا آثراً» : ولا راويا لها عن أحد أنه حلف بأبيه (راجع جامع الأصول: 12 ص 293، 311، نصب الراية: 3 ص 295، سبل السلام: 4 ص 101، نيل الأوطار: 8 ص 227).","part":4,"page":26},{"id":2122,"text":"ولو لم يذكر الحالف شيئاً من هذه الأدوات بأن قال: (اللهِ لا أفعل كذا) يكون يميناً عند الجمهور. وقال الشافعية: لو قال: (الله ) ورفع أو نصب أو جر فليس بيمين إلا بنية (1) .\r2 - اليمين بصفة من صفات الله تعالى :\rصفات الله تعالى ثلاثة أقسام:\rأحدها ـ ما لا يستعمل في عرف الناس وعاداتهم إلا في الصفة نفسها، فالحلف بها يكون يميناً، مثل: «وعزة الله ، وعظمته، وجلاله، وكبريائه» يكون حالفاً؛ لأن الحلف بهذه الصفات أمر متعارف بين الناس.\rالثاني ـ أن يحلف بصفة تستعمل صفة لله ولغيره على السواء، فالحلف بها يكون يميناً أيضاً، مثل ( وقدرة الله تعالى، وقوته وإرادته، ومشيئته ورضاه، ومحبته، وكلامه) (2) فإنه يكون حالفاً؛ لأن هذه الصفات، وإن استعملت في غير صفة الله ، لكن تعين المراد منها بقرينة القسم، إذ لا يجوز القسم بغير اسم الله تعالى وصفاته.\rومما يلحق بهذا القسم: أن يقول الحالف: (وأمانة الله ) في ظاهر الرواية عند الحنفية،وهو مذهب المالكية والحنابلة أيضاً. وذكر الطحاوي: أنه لايكون يميناً وإن نوى،دليله: أن أمانة الله فرائضه التي تعبد بها عباده من الصلاة والصوم وغيرهما. قال الله تعالى: {إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال..} [الأحزاب:72/33] الآية، فكان حلفاً بغير اسم الله عز وجل، فلا يكون يميناً.\rودليل ظاهر الرواية: أن الأمانة المضافة إلى الله تعالى عند القسم يراد بها صفته، بدليل أن «الأمين» من أسماء الله تعالى، وهو مشتق من الأمانة، فكان المراد بها ـ لا سيما في حالة القسم ـ صفة الله .\r-------------------------------\r(1) راجع هذا المبحث في البدائع: 3 ص 5، فتح القدير: 4 ص 8، تبيين الحقائق للزيلعي 3 ص 109، 111، الدر المختار: 3 ص 54، بداية المجتهد: 1 ص 394، مغني المحتاج: 4 ص 320-323، المهذب: 2 ص 129، المغني: 8 ص 677، 689-693.\r(2) الحلف بكلام الله أي بصفته يمين، كما في البدائع: 3 ص 6 وهو مذهب أبي حنيفة وصاحبيه. وقال صاحب الدر: وأما الحلف بكلام الله فيدور مع العرف أي لأن الكلام صفة مشتركة، والتعارف إنما يعتبر في الصفة المشتركة لا في غيرها (الدر المختار: 3 ص 56).","part":4,"page":27},{"id":2123,"text":"وقال المالكية: اليمين المنعقدة الموجبة للكفارة: الحلف بالله وبأسمائه كالعزيز والرحيم، وبصفاته كعلمه وقدرته وسمعه وبصره وكلامه ووحدانيته، وقدمه وبقائه وعزته وجلاله وعهده وميثاقه وذمته وكفالته وأمانته، وكذلك باسمه وحقه. ويلحق بذلك القرآن والمصحف على المشهور.\rوقال الشافعية في الراجح عندهم: لا ينعقد اليمين بأمانة الله إلا أن ينوي الحلف بصفة الله تعالى؛ لأن الأمانة تطلق على الفرائض والودائع والحقوق، كما في الآية السابقة.\rومن هذا القسم: ( وعهد الله ) (1) فهو يمين، وهذا باتفاق الحنفية والمالكية والحنابلة، وفي وجه عند الشافعية؛ لأن العادة الحلف بها والتغليظ بألفاظها كالحلف بالله وصفات،وفي الوجه الثاني عند الشافعية وهو الراجح: لا تعتبر يميناً ما لم ينو الحالف بها اليمين؛ لأنها تحتمل أن المراد بالعهد: هو استحقاق الله ما\r-------------------------------\r(1) المراد بعهد الله: أي إلزامه وتكاليفه.","part":4,"page":28},{"id":2124,"text":"تعبدنا به، فهو يمين، وتحتمل أن المراد بها ما أخذ علينا من العهد في العبادات، فليس بيمين، لأنه يمين بشيء محدث (1) .\rومن هذا القسم أيضاً: ( ووجه الله ) فهو يمين؛ لأنه الوجه المضاف إلى الله تعالى يراد به الذات، قال تعالى: {كل شيء هالك إلا وجهه} [القصص:88/28] أي ذاته.\rولو قال الحالف: ( وأيم الله ) كان يميناً وكذلك إذا قال: ( لعمر الله ) (2) .\rوقال الشافعية لو قال: ( وأيم الله ) أو ( لعمر الله ) ونوى به اليمين، كان يميناً (3) .\rوقال المالكية والحنابلة كالحنفية: إذا قال الحالف: (وأيم الله ) أو (أيمن الله ) أي بركته، فهو يمين تجب كفارته؛ لأن الحلف بذلك متعارف، وكذا إذا حلف بقوله (لعمر الله ) (4) .\rالثالث ـ أن يحلف بصفة تستعمل لله تعالى، ولغيره، لكن استعمالها في غير الصفة هو الغالب، فالحلف بها لا يكون يميناً، مثل قول الحالف: ( وعلم الله ) (ورحمة الله )، (وكلام الله ) أو غضبه أو سخطه أو رضاه (5) ، لا يكون هذا يميناً؛ لأنه يراد بهذه الصفات آثارها عادة، لا نفسها، فالعلم يراد به المعلوم غالباً، والرحمة يراد بها الجنة، قال تعالى: {ففي رحمة الله هم فيها خالدون} [آل عمران:107/3] والغضب والسخط يراد به أثر الغضب والسخط عادة:\r-------------------------------\r(1) راجع هذا المبحث في البدائع: 3 ص 6، فتح القدير: 4 ص 14، الفتاوى الهندية: 2 ص 49، الشرح الكبير للدردير: 3 ص 127، المغني: 8 ص 697، 703، المهذب: 2 ص 130، القوانين الفقهية: ص 158.\r(2) البدائع، المرجع السابق، الدر المختار: 3ص 58، تبيين الحقائق: 3 ص 110.\r(3) راجع المهذب: 2 ص 130، مغني المحتاج: 4 ص 324 وأصل الكلمة: وأيم أي أيمن فحذفت منه النون لكثرة الاستعمال كما حذفوها في ( يكن ) فقالوا ( يك).\r(4) الشرح الكير، المرجع السابق، المغني: 8 ص 691، 693، والمراد من قوله: (لعمر الله) أي البقاء والحياة.\r(5) أي إذا أريد بهذه الصفات آثارها، فلا يكون الحلف بها يميناً إلا بالنية","part":4,"page":29},{"id":2125,"text":"وهو العذاب والعقوبة، لا الصفة نفسها، فلا يصير بذلك حالفاً إلا إذا نوى به الصفة، وكذا العرب لم تتعارف القسم بعلم الله تعالى، فلا يكون يميناً بدون النية (1) . والخلاصة: أن المعول عليه هو العرف، فما تعارفه الناس أنه يمين فهو يمين وإلا فلا.\rوقال الشافعية والحنابلة: الحلف بكلام الله وعلمه وقدرته يمين إلا أن ينوي بالعلم المعلوم، وبالقدرة المقدور، كما يقال: ( اللهم اغفر لنا علمك فينا ) أي معلومك منا ومن زلاتنا. ويقال: انظر ( قدرة الله ) أي مقدوره (2) .\rالحلف على المصحف: الحلف على القرآن أو المصحف يمين باتفاق العلماء من مالكية وشافعية وحنابلة، وكذا عند الحنفية على ما رجحه الكمال بن الهمام والعيني؛ لأن الحالف بالمصحف إنما قصد الحلف بالمكتوب فيه: وهو القرآن، فإنه ما بين دفتي المصحف بإجماع المسلمين. وذلك إلا أن يريد الحالف بقوله (القرآن) الخطبة أو الصلاة، أو يريد بقوله ( المصحف ) الورق أو الجلد أو النقوش. وقد كان الحنفية يرون أن الحلف بالقرآن أو المصحف ليس يميناً، لأنه حلف بغير الله تعالى. ولكن بما أن القرآن كلام الله فهو من صفاته تعالى، لذا قال ابن الهمام: ولا يخفى أن الحلف بالقرآن الآن متعارف، فيكون يميناً، وقال العيني: وعندي أن المصحف يمين، لا سيما في زماننا (3) .\rومن حلف بحق القرآن، لزمته عند الجمهور كفارة واحدة؛ لأن تكرر اليمين بالله سبحانه لا يوجب أكثر من كفارة واحدة، فالحلف بصفة من صفاته أولى أن تجزئه كفارة واحدة. ونص الإمام أحمد على أنه تلزمه بكل آية كفارة يمين، لما رواه الأثرم عن مجاهد من قوله صلّى الله عليه وسلم : «من حلف بسورة من القرآن، فعليه بكل آية كفارة يمين صبر، فمن شاء بر، ومن شاء فجر» .\r-------------------------------\r(1) البدائع: 3 ص 6، تبيين الحقائق: 3 ص 109، فتح القدير: 4 ص 9، الدر المختار: 3 ص 58.\r(2) مغني المحتاج: 4 ص 321 ومابعدها، المغني: 8 ص 690 ومابعدها، المهذب: 2 ص 129.\r(3) انظر فتح القدير: 4 ص 9 -10، البدائع: 3 ص 8، الفتاوى الهندية: 2 ص 50، الدر المختار: 3 ص 56، الشرح الكبير للدردير: 2 ص 127، مغني المحتاج: 4 ص 322، المغني: 8 ص 695، 707.","part":4,"page":30},{"id":2126,"text":"الحلف بحق الله : اتفق المالكية والحنابلة، والشافعية في الأصح على أن الحلف بحق الله يعتبر يميناً مكفَّرة؛ لأن الحق اسم من أسماء الله تعالى، أو أن المراد به صفة لله تعالى؛ لأن لله حقوقاً يستحقها لنفسه من البقاء والعظمة والجلال والعزة، فكان الحلف بذلك كقوله: ( وقدرة الله ) (1) .\rوأما مذهب الحنفية في الحلف بحق الله ففيه اختلاف: فقال أبو حنيفة ومحمد وفي رواية عن أبي يوسف: لا يكون يميناً؛ لأن حق الله يراد به طاعة الله ومفروضاته، وليست هذه صفة لله ، إذ الطاعات حقوقه كما يتبادر إلى الفهم شرعاً وعرفاً، فيكون حلفاً بغير الله .\rوقالوا: فلو قال ( والحق ) يكون يميناً بالاتفاق. ولو قال: ( حقاً ) لا يكون يميناً؛ لأن الحق من أسماء الله تعالى، قال سبحانه: {ويعلمون أن الله هو الحق المبين} [النور:25/24] فذكره معرفاً بأل ينصرف إلىه، والحلف به متعارف. أما إذا ذكر منكَّراً بدون أل فهو مصدر منصوب بفعل مقدر، فكأنه قال: أفعل هذا الفعل لا محالة، فيراد به تحقيق الوعد، فقوله (حقاً) بمنزلة قوله: (صدقاً) وليس في ذلك شيء من معنى الحلف.\r-------------------------------\r(1) الشرح الكبير للدردير، مغني المحتاج، المرجعان السابقان، المغني، المرجع السابق: ص691.","part":4,"page":31},{"id":2127,"text":"والرواية الأخرى عن أبي يوسف: أن الحلف بحق الله يكون يميناً؛ لأن الحق من صفات الله تعالى، وهو حقّيته أي كونه تعالى ثابت الذات موجودها، فكأنه قال: ( والله الحق ) والحلف به متعارف، فوجب كونه يميناً (1) وهذا هو رأي بقية الأئمة كما عرفنا.\rالحلف بـ (لعمر الله ) : هي يمين موجبة الكفارة عند الجمهور؛ لأنه أقسم بصفة من صفات ذات الله ، كالحلف ببقاء الله تعالى. وقال الشافعي: إن قصد اليمين فهي يمين وإلا فلا. وإن قال: ( وأيم الله وأيمن الله ) فهي عند الجمهور يمين موجبة للكفارة. وقال الشافعي: هي يمين إن قصد اليمين كما تقدم سابقاً (2) .....\rالحلف بلفظ (أقسم بالله ونحوه ) : إذا قال الحالف:( أقسم بالله ، أو أحلف بالله أو أشهد بالله أو أعزم بالله لأفعلن كذا ) ، يكون يميناً، سواء نوى اليمين أو أطلق عند الحنفية والحنابلة، وفي الأصح عند الشافعية في حالة الإطلاق.\rوقال المالكية: يكون يميناً إن نوى وأراد اليمين بالله ، فإن لم يرد اليمين بالله فليست بيمين. والمراد بالنية: التقدير أي إن قدر أن هذا اللفظ يمين، فإذا لم يقدره ويلاحظه فلا يمين عليه.\rوالدليل على أن الحلف بذلك يمين هو عرف الناس واستعمالهم، قال الله تعالى: {فيقسمان بالله } [المائدة:106/5] {وأقسموا بالله } [الأنعام:109/6] ويدل عليه أنه لو قال الحالف: بالله ولم يقل: أقسم أو أشهد: أي لم يذكر الفعل، كان يميناً، وإنما كان يميناً بتقدير الفعل قبله؛ لأن الباء تتعلق بفعل مقدر، فإذا ذكر الفعل ونطق بالمقدَّر كان أولى بثبوت حكمه.\r-------------------------------\r(1) فتح القدير: 4 ص 11، البدائع: 3 ص 7، تبيين الحقائق: 3 ص 111، الدر المختار: 3ص62، الفتاوى الهندية: 2 ص 49.\r(2) المغني: 691/8-693.","part":4,"page":32},{"id":2128,"text":"وكذلك الحكم إن ذكر الفعل بلفظ الماضي، فقال: ( أقسمت بالله أو حلفت بالله لأفعلن كذا )، يكون يميناً (1) .\rالحلف على الغير: قال الشافعية وغيرهم (2) : إذا قال شخص لغيره: ( أقسم عليك بالله ، أو أسألك بالله لتفعلن كذا )، وأراد يمين نفسه فهو يمين، ويسن للمخاطب أن يبر الحالف، لما روى البخاري «أن النبي صلّى الله عليه وسلم أمر بإبرار المقسم» وهذا على سبيل الندب لا على سبيل الإيجاب، بدليل أن أبا بكر قال: «أقسمت عليك يا رسول الله لتخبرني بما أصبت مما أخطأت، فقال النبي صلّى الله عليه وسلم : لا تقسم يا أبا بكر» ولم يخبره، ولو وجب عليه إبراره لأخبره، فإن لم يبره فالكفارة على الحالف، وإن أراد يمين المخاطب أو لم يرد يميناً، بل أراد التشفع بالله عز وجل في الفعل لم يكن يميناً.\rالحلف بقوله (أقسم لأفعلن كذا ) : إذا ذكر الحالف القسم والخبر المقسم عليه، ولم يذكر المقسم به أي لفظ الجلالة بأن قال: (أشهد) أو (أحلف) أو (أقسم) أو (أعزم) لأفعلن كذا، كان يميناً عند جمهور الحنفية وفي رواية عن أحمد وهي الراجحة في مذهبه؛ لأن القسم لما لم يجز بغير الله تعالى، دل على أن هنالك مقسماً به محذوفاً: وهو اسم الله تعالى، مثل ( واسأل القرية ) أي أهلها، ولأن العرب تعارفت الحلف على هذا الوجه، قال الله تعالى: {يحلفون لكم لترضوا عنهم} [التوبة:96/9] ولم يقل: بالله ، وقال عز وجل: {إذ أقسموا ليصرمُنَّها مصبحين} [القلم:17/68] ولم يذكر بالله . وقال سبحانه: {إذا جاءك المنافقون قالوا: نشهد إنك لرسول الله} ـ إلى قوله ـ {اتخذوا أيمانهم جنة} [المنافقون:1/63] فسماها الله يميناً.\rوقال المالكية مثل قولهم حالة ذكر المقسم به، وهي الرواية الثانية عن أحمد، وقول زفر عند الحنفية: إن نوى اليمين بالله كان يميناً وإلا فلا؛ لأنه يحتمل القسم بالله وبغيره، فلم تكن يميناً حتى يصرفه بنية إلى ما تجب به الكفارة، واستثنى المالكية من ذلك لفظ (أعزم) فإنه لا يكون يميناً وإن نوى، لأن معنى (أعزم): أقصد وأهتم.\r-------------------------------\r(1) البدائع، فتح القدير: ص 12 المرجعان السابقان، بداية المجتهد: 1 ص 398، الشرح الكبير للدردير: 2 ص 127، مغني المحتاج: 4 ص 323، المهذب: 2 ص 131، المغني: 8 ص 700 ومابعدها، شرح الباجوري : 2 ص 321.\r(2) مغني المحتاج: 4 ص 324، المهذب: 2 ص 131، المغني: 8 ص 731.","part":4,"page":33},{"id":2129,"text":"وقال الشافعية: لا يكون يميناً وإن نوى؛ لأن ذكر المقسم به ركن من أركان اليمين (1) .\rتكرار المقسم به: إذا ذكر الحالف المقسم به مكرراً بدون حرف العطف مثل قوله: (والله الرحمن الرحيم الطالب الغالب المدرك ): كان يميناً واحدة بلا خلاف. وإن كرر المقسم به بواسطة حرف عطف مثل قوله: (والله والله) أو (والله والرحمن) لا أفعل كذا: كان يمينين في أرجح الروايتين عن أئمة الحنفية ما عدا زفر؛ لأنه لما عطف أحد الاسمين على الآخر كان الثاني غير الأول؛ لأن المعطوف غير المعطوف عليه، فكان كل واحد منهما يميناً على حدة. أما إذا لم يعطف أحدهما على الآخر، فيجعل الثاني صفة للأول.\rوقال زفر وهي الرواية الثانية عن أبي حنيفة: يكون ذلك يميناً واحدة في الحالتين؛ لأن حرف العطف قد يستعمل للاستئناف، وقد يستعمل للصفة، فإنه يقال: فلان العالم والزاهد والجواد والشجاع، فاحتمل المغايرة، واحتمل الصفة، فلا تثبت يمين أخرى مع الشك (2) .\rتكرار الخبر المقسم عليه: إذا كرر الحالف الخبر المقسم عليه بأن قال: ( والله لا أفعل كذا، لا أفعل ) أو قال: ( والله لا أكلم فلاناً والله لا أكلمه ) فإنه يكون عند الحنفية يمينين إلا إذا أراد بالكلام الثاني الإخبار عن الأول، فإنه يكون يميناً واحدة. والدليل على الحالة الأولى: أن الحالف لما أعاد المقسم عليه، علم أنه أراد به يميناً أخرى، إذ لو أراد الصفة أو التأكيد لما أعاد المقسم عليه (3) .\r3 - اليمين بالله تعالى بطريق الكناية :\r-------------------------------\r(1) المراجع السابقة: البدائع: ص 7، فتح القدير: ص 13، الدردير: ص 128، مغني المحتاج: ص323، المغني: 8 ص 702، 732، تبيين الحقائق: 3ص110، بداية المجتهد: ص 398.\r(2) البدائع: 3 ص 9، فتح القدير: 4 ص 13، الدر المختار: 3 ص 57.\r(3) البدائع: 3 ص 10.","part":4,"page":34},{"id":2130,"text":"إذا حلف إنسان بالخروج من الإسلام مثل أن يقول: إن فعلت كذا فأنا يهودي أو نصراني أو مجوسي أو بريء من الإسلام أو من رسول الله أو من القرآن أو كافر، أو يعبد من دون الله أو يعبد الصليب أو نحوه مما يكون اعتقاده كفراً، فهذا ما اختلف فيه فقهاؤنا: فقال الحنفية (1) وفي رواية عن أحمد: يكون يميناً موجبة للكفارة إذا فعل الشيء المحلوف عليه؛ لأن الناس تعارفوا الحلف بهذه الألفاظ من لدن رسول الله صلّى الله عليه وسلم إلى يومنا هذا من غير نكير، ولو لم يكن ذلك حلفاً لما تعارفوا؛ لأن الحلف بغير الله تعالى معصية، فدل تعارفهم على أنهم جعلوا المذكور كناية عن الحلف بالله عز وجل، وإن لم يعقل وجه الكناية فيه، كقول العرب: ( لله علي أن أضرب ثوبي حطيم (2) الكعبة ) فهذا جعل كناية عن النذر بالتصدق في عرفهم، وإن لم يعقل وجه الكناية فيه.\r-------------------------------\r(1) البدائع: المرجع السابق: ص 8، فتح القدير: 4 ص 13، الدر المختار: 3 ص 59، الفتاوى الهندية: 2 ص 51.\r(2) الحطيم: جدار حجر الكعبة، وقيل: ما بين الركن وزمزم والمقام.","part":4,"page":35},{"id":2131,"text":"وقال المالكية والشافعية والحنابلة في الرواية الصحيحة عندهم: لا يكون ذلك يميناً لخلوه عن ذكر اسم الله تعالى وصفته، ولا كفارة عليه بالحنث فيه، والحلف به معصية، والتلفظ به حرام. هذا إذا قصد بيمينه تبعيد نفسه عن المحلوف عليه، أما لو حلف على قصد الرضا بالتهود وما في معناه إذا فعل الفعل، كفر في الحال، فإن لم يعرف قصده، لا يحكم بكفره، كما رجح الشافعية (1) . ويؤيد هذا الرأي ماروى بريدة أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم قال: «من حلف أنه بريء من الإسلام، فإن كان كاذباً فقد قال، وإن كان صادقاً فلم يرجع إلى الإسلام سالماً» (2) .\rهذا إذا أضاف اليمين إلى المستقبل، فأما إذا أضاف اليمين إلى الماضي بأن قال: ( إني يهودي أو نصراني إن فعلت كذا في الماضي ) كاذباً قصداً، فهذا يمين الغموس، ولا كفارة فيه عند جمهور الفقهاء، كما بان سابقاً.\rلكن هل يكفرُ بقوله هذا؟\rاختلف مشايخ الحنفية في ذلك، والصحيح ما روى الحاكم الشهيد عن أبي يوسف أنه لا يكفر؛ لأنه ما قصد به الكفر، ولا اعتقده، وإنما قصد به ترويج كلامه وتصديقه فيه.\rوكذلك لا يكفُر في الصحيح إذا قال: ( يعلم الله أني فعلت كذا ) وهو يعلم\r-------------------------------\r(1) بداية المجتهد: 1 ص 396، الشرح الكبير للدردير : 2 ص 128، مغني المحتاج: 4 ص 324، المهذب: 2 ص 129، المغني: 8 ص 698، القوانين الفقهية: ص 158.\r(2) رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه والنسائي وصححه من حديث بريدة بلفظ «من حلف، فقال: إني بريء من الإسلام، فإن كان كاذباً، فهو كما قال؛ وإن كان صادقاً، فلن يرجع إلى الإسلام سالماً» . وروى أبو يعلى عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم : «من حلف على يمين فهو كما قال: إن قال: إني يهودي فهو يهودي، وإن قال: إني نصراني فهو نصراني، وإن قال: إني مجوسي فهو مجوسي» وفيه عنبس بن ميمون وهو متروك (راجع جامع الأصول: 12 ص 295، سبل السلام: 4 ص 102، نيل الأوطار: 8 ص 233، مجمع الزوائد : 4 ص 177).","part":4,"page":36},{"id":2132,"text":"أنه لم يفعل. وقيل: إنه يكفر إذا علم أن قوله هذا مكفر؛ لأنه بالإقدام عليه صار مختاراً للكفر، واختيار الكفر كفر (1) .\rالحلف بتحريم شيء من ماله: قال الحنابلة والحنفية (2) إن قال: (الحل علي حرام)، أو قال: (هذا حرام علي إن فعلت)، ثم فعل ، فهو مخير إن شاء ترك ماحرمه على نفسه، وإن شاء كفَّر. وقال المالكية والشافعية: ليس بيمين ولا شيء عليه؛ لأنه قصد تغيير المشروع، فلغا ما قصده. والراجح الرأي الأول لقوله تعالى: {يا أيها النبي لِم تحرمُ ما أحل الله لك} ـ إلى قوله ـ {قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم} [التحريم:1/66].\rهل اليمين بحسب نية الحالف أو المستحلف؟\rاتفق الفقهاء على أن اليمين في الدعاوى تكون بحسب نية المستحلف، واختلفوا في مثل الأيمان على الوعود ونحوه، فقال قوم: بحسب نية الحالف، وقال قوم آخرون: بحسب نية المستحلف.\rأما المالكية فقالوا: اليمين على نية المستحلف، ولا تقبل نية الحالف؛ لأن الخصم كأنه قبل هذه اليمين عوضاً عن حقه، ولأنه ثبت أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم قال: «اليمين على نية المستحلف» وفي رواية «يمينك على ما يصدقك به صاحبك» (3) .\r-------------------------------\r(1) البدائع: 3 ص 8، تحفة الفقهاء: 2 ص 443، الطبعة القديمة، الدر المختار: 3 ص 61.\r(2) المغني : 699/8 ومابعدها، 733 .\r(3) أخرج مسلم وابن ماجه هاتين الروايتين عن أبي هريرة، وأخرج أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه الرواية الثانية، وهو حجة لمن قال: الاعتبار بقصد المحلّف سواء أكان حاكماً أو دائناً عادياً ظالما أو مظلوماً، صَادقاً أو كاذباً ( راجع نيل الأوطار: 8 ص 218، جامع الأصول: 12 ص 307، الإلمام: ص 427، سبل السلام: 4 ص 102).","part":4,"page":37},{"id":2133,"text":"وأما الحنفية فقد فصلوا في رواية عن أبي حنيفة، فقالوا: اليمين على نية الحالف إذا كان مظلوماً، لأنه لا يقتطع بيمينه حقاً، فلا يأثم وإن نوى غير الظاهر من كلامه، وإن كان ظالماً فعلى نية المستحلف، لأنه يكون حينئذ آثماً إن نوى به غير ما حلف عليه. والمعول عليه عندهم هو أن اليمين على نية المستحلف إلا إذا كانت اليمين بالطلاق أو العتاق ونحوهما، فتعتبر نية الحالف إذا لم ينو خلاف الظاهر ظالماً كان الحالف أو مظلوماً، وكذلك إذا كانت اليمين بالله تعالى وكان الحالف مظلوماً، فإنه تعتبر نية الحالف أيضاً. والظالم: من يريد بيمينه إبطال حق الغير.\rووافق الحنابلة أبا حنيفة، فمن حلف فتأول في يمينه أي قصد بكلامه محتملاً يخالف ظاهره، فله تأويله إن كان مظلوماً، وإن كان ظالماً لم ينفعه تأويله.\rوأما الشافعية فقالوا: العبرة في اليمين بنية الحالف؛ لأن المقصود من الأيمان هو المعنى القائم بالنفس، لا ظاهر اللفظ (1) .\r4 - اليمين بغير الله تعالى صورة ومعنى (الحلف بمخلوق ) :\rإذا حلف الإنسان بغير الله تعالى، كالإسلام أو بأنبياء الله تعالى أو بملائكته أو بالكعبة أو بالصلاة والصوم والحج ،أو قال: (عليَّ سخط الله وعذابه ) أو بالآباء أو الأمهات أو الأبناء، أو بالصحابة أو بالسماء أو بالأرض أو بالشمس أو بالقمر والنجوم ونحوها، ومثل:( لعمرك وحياتك وعيشك وحقك ) فلا يكون يميناً\r-------------------------------\r(1) راجع هذا المبحث في بداية المجتهد: 1 ص 403، البدائع: 3 ص 20، الأشباه والنظائر لابن نجيم: 1 ص 81، مغني المحتاج: 4 ص 321، المغني: 8 ص 727، 763 ومابعدها، الشرح الكبير للدردير وحاشية الدسوقي عليه: 2 ص 139، القوانين الفقهية: ص162، الفرائد البهية في القواعد الفقهية للشيخ محمود حمزة: ص 35.","part":4,"page":38},{"id":2134,"text":"بإجماع العلماء، وهو مكروه (1) . قال الشافعي: أخشى أن يكون معصية ولا يجب عليه كفارة؛ لأنه حلف بغير الله تعالى، والناس وإن تعارفوا الحلف بالآباء ونحوهم لكن الشرع نهى عنه، وروي عن رسول الله صلّى الله عليه وسلم أنه قال: « لا تحلفوا بآبائكم ولا بالطواغيت » (2) ، « فمن كان حالفاً فليحلف بالله أو ليذر » (3) وقال عليه السلام: « من حلف بغير الله فقد أشرك » (4) ولأن هذا النوع من الحلف لتعظيم المحلوف به، وهذا التعظيم لايستحقه إلا الله تعالى.\r5 - اليمين بغير الله تعالى صورة ولكنها يمين بالله معنى :\rوهي اليمين بغير القربات التي يتقرب بها إلى الله تعالى، وهي الحلف بالطلاق والعتاق، أو كالمشي إلى مكة، والصوم والصدقة وغيرها، وذلك بذكر\r-------------------------------\r(1) البدائع ، المرجع السابق: ص 8 ، 21 ، فتح القدير: 4 ص 9 ، الفتاوى الهندية: 2 ص 48، الدر المختار: 3 ص 56، الشرح الكبير للدردير: 2 ص 128، مغني المحتاج: 4 ص 320، المهذب: 2 ص 129، المغني: 8 ص 677 ، 704 ، القوانين الفقهية: ص 158 .\r(2) رواه النسائي، وأخرجه مسلم بلفظ: « لاتحلفوا بالطواغي ولا بآبائكم » عن عبد الرحمن بن سمرة، ورواه البزار والطبراني في الكبير عن سمرة بلفظ: « لاتحلفوا بالطواغيت ولاتحلفوا بآبائكم واحلفوا بالله» وإسناد البزار ضعيف، وفي إسناد الطبراني مساتير ( راجع جامع الأصول: 12 ص 294، مجمع الزوائد: 4 ص 177 ) والمقصود بالطواغي والطواغيت: الأوثان ،وكل ماكان أهل الجاهلية يقدسونه ويعبدونه، وكذلك الشياطين، وكل رأس في ضلالة فهو طاغوت.\r(3) هذه العبارة من حديث آخر بلفظ: « إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم، فمن كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت » وفي رواية: « أو ليسكت » أخرجه أصحاب الكتب الستة ومالك وأحمد والبيهقي عن ابن عمر، وقد سبق تخريجه ( راجع جامع الأصول: 12 ص 293 ، نصب الراية: 3 ص 295 ).\r(4) رواه أحمد بهذا اللفظ عن ابن عمر، ورواه أبو داود والترمذي وحسنه الحاكم وصححه بلفظ: « من حلف بغير الله ، فقد كفر » ورواه الترمذي وابن حبان بلفظ: « فقد كفر وأشرك » للمبالغة في الزجر والتغليظ في ذلك، وهو في الجملة محمول على من اعتقد فيما حلف به من التعظيم مايعتقده في الله تعالى ( راجع جامع الأصول: 12 ص 293، نيل الأوطار : 8 ص 227 ، سبل السلام: 4 ص 101).","part":4,"page":39},{"id":2135,"text":"الشرط والجزاء (1) ، وبما أنه مانع عن تحصيل الشرط، وحامل على البر ، فهو بمنزلة ذكر اسم الله تعالى. ويتحقق هذا الحلف باستعمال أحد حروف الشرط وهي: إن، وإذا ، وإذا ما ، ومتى ، ومتى ما ، ومهما ، وكلما.\rمثل قوله لامرأته: ( إذا دخلت هذه الدار فأنت طالق ) أو: ( إن دخلت ) أو: ( متى دخلت ) أو: ( إذا مادخلت ) أو: ( متى مادخلت ) فإن وجد الدخول طلقت؛ لأن هذه حروف الشرط، فإذا وجد الشرط، حنث في يمينه، فإن تكرر دخولها لاتطلق ؛ لأن هذه الحروف لاتقتضي التكرار (2) .\rوحكمها: أنه يلزمه تنفيذ ما حلف به، ولا كفارة فيه.\rولو قال لامرأته : ( كلما دخلت هذه الدار فأنت طالق ) يحنث بدخولها الدار، فإن تكرر دخولها مرة ثانية أو ثالثة، تكرر وقوع الطلاق، فتطلق طلقة واحدة في كل مرة؛ لأن كلمة ( كلما ) تقتضي تكرار الأفعال، وهي قد دخلت على فعل الدخول. هذا إذا تكرر الدخول في حالة زوجية واحدة، فإن طلقت ثلاثاً، فتزوجت بزوج آخر، وعادت إليه، ثم دخلت الدار في المرة الرابعة، لايقع الطلاق عند أئمة الحنفية ماعدا زفر، لأن محل الجزاء قد فات (3) .\r-------------------------------\r(1) الشرط: العلامة، فسمي ماحلف عليه الحالف شرطاً: علامة على تحقق الجزاء، والجزاء: هو مادخل عليه حرف التعليق وهو حرف الفاء إذا كان الجواب متأخراً ذكره عن الشرط مثل: إن دخلت الدار فأنت طالق، فإن تقدم الجزاء فلا حاجة إلى حرف الفاء.\r(2) البدائع: 3 ص 21 ، القوانين الفقهية: ص 159.\r(3) البدائع، المرجع السابق: ص 23 .","part":4,"page":40},{"id":2136,"text":"ولو قال: ( كل امرأة أتزوجها فهي طالق ) فتزوج امرأة، تطلق لوجود الشرط، ولو تزوجها ثانية لاتطلق؛ لأن الطلاق توقف على الزواج لا على طريق التعليق بالشرط، بل لأنه أوقع الطلاق على امرأة متصفة بأنه تزوجها، ويحصل الاتصاف عند التزوج. ولو تزوج امرأة أخرى تطلق؛ لأن كلمة ( كل ) توجب عموم الأسماء أي كل ما يوصف بأنه امرأة، ولا توجب عموم الأفعال وتكرارها (1) .\rالجمع بين شرطين في يمين: إذا جمع الحالف بين شرطين بأن عطف أحدهما على الآخر بحرف الواو لايقع الطلاق إلا عند وجود الشرطين، مثل قوله: ( إن دخلت هذه الدار وهذه الدار ) فلا يقع الطلاق إلا عند دخول الدارين جميعاً، سواء قدم الشرط أو أخره أو كان متوسطاً، ولايشترط الترتيب في دخول الدارين؛ لأن حرف الواو لمطلق الجمع، ولعطف الشيء على جنسه، فيكون الشرط معطوفاً على الشرط لا على الجزاء.\rوكذلك إن عطف بحرف (الفاء) لابد من تحقق الشرطين أيضاً بأن قال:(إن دخلت هذه الدار، فهذه الدار، فأنت طالق) إلا أنه يشترط هنا دخول الدارين على الترتيب والتعقيب بلا تراخ.\rوكذلك إن كان العطف بحرف ( ثم ) لابد من تحقق الشرطين بأن قال:( إن دخلت هذه الدار، ثم هذه الدار، فأنت طالق ) فيقع الطلاق بدخول الدارين على الترتيب مع التراخي بأن يدخل الدارين الأولى ثم الثانية بعد مدة ساعة من الزمن أو أكثر منها؛ لأن حرف ( ثم ) للترتيب والتعقيب مع التراخي.\rوالحكم لايختلف في الجمع بين الشرطين، سواء كرر حرف العطف بدون الفعل، كما تقدم، أو كرر حرف العطف مع الفعل بأن قال:( إن دخلت هذه الدار ودخلت هذه الدار ) وذلك بالواو أو بالفاء أو بحرف ( ثم ) (2) .\r-------------------------------\r(1) البدائع: ص 21 .\r(2) البدائع : 3 ص 31 .","part":4,"page":41},{"id":2137,"text":"فإن قال: ( الأيمان تلزمني ) يحمل على العرف الثابت عند المالكية، والمراد به في بعض البلاد الطلاق الثلاث، فيلزمه (1) .\rتكرار الأيمان في مجلس واحد أو في مجلسين: إذا حلف إنسان فقال: (والله لا أكلم فلاناً ) ثم قال في ذلك المجلس، أو في مجلس آخر : ( والله لا أكلم فلاناً ) أو قال لامرأته: ( إن دخلت هذه الدار فأنت طالق ) ثم قال بعدئذ: ( إن دخلت هذه الدار فأنت طالق ) فهنا ثلاثة احتمالات: إما ألا يكون له نية، أو نوى بالثانية التغليظ والتشديد، أو نوى بالثانية الأولى.\rآ - فإن لم يكن نية: فلا شك أنهما يمينان، حتى لو فعل كان عليه كفارتان، فلو كلم فلاناً لزمه كفارتان، وفي اليمين بالطلاق يقع طلقتان إن تحقق الشرط.\rب - وإن نوى باليمين الثانية التغليظ: فكذلك عليه يمينان، ويلزمه كفارتان إذا كلم فلاناً، كما أنه يقع عليه طلاقان بدخول الدار. ودليل هاتين الحالتين هو أنه لما أعاد المقسم عليه مع المقسم به، علم أنه أراد به يميناً أخرى.\rجـ ــ وإن نوى باليمين الثانية الأولى: كان عليه يمين واحدة، لأنه نوى التكرار، وهو مستعمل في العرف للتأكيد، إلا أن في مسألة الطلاق لايصدق قضاء،ويصدق ديانة؛ لأن كلامه ظاهر في تكرار اليمين، فإن نوى خلاف الظاهر، صدق فيما بينه وبين الله تعالى (2) .\rوقال المالكية (3) كالحنفية: إذا حلف الحالف على شيء واحد بعينه مراراً كثيرة، ففي كل يمين كفارة، إلا أن ينوي أو يريد التأكيد.\r-------------------------------\r(1) القوانين الفقهية: ص 160 .\r(2) البدائع، المرجع السابق: ص 10، الفتاوى الهندية: 2 ص 53، تحفة الفقهاء: 2 ص 446 ومابعدها.\r(3) بداية المجتهد: 1 ص 407، الشرح الكبير: 2 ص 135 ومابعدها.","part":4,"page":42},{"id":2138,"text":"وقال الحنابلة (1) : إذا كرر الحالف اليمين على شيء واحد، مثل قوله: (والله لأغزون قريشاً، والله لأغزون قريشاً، والله لأغزون قريشاً )، فحنث، فليس عليه إلا كفارة واحدة.\rوعن الشافعي قولان (2) : أحدهما كالحنابلة، والآخر كالمالكية، والراجح فيما يظهر أنهم كالمالكية.\rوسبب الاختلاف: هل الموجب للتعدد هو تعدد الأيمان بالجنس أو بالعدد، فمن قال: اختلافها بالعدد، قال: لكل يمين كفارة إذا كرر. ومن قال: اختلافها بالجنس، قال: في هذه المسألة يمين واحدة.\rالمبحث الثالث ــ شروط صحة اليمين :\rاشترط الحنفية شروطاً لصحة اليمين بالله تعالى، سواء بالنسبة للحالف والمحلوف عليه وركن اليمين (3) .\r1 ً - شروط الحالف: يشترط في الحالف شرطان:\rأولهما - أن يكون الحالف عاقلاً بالغاً قاصداً إلى اليمين: فلا يصح يمين الصبي والمجنون والنائم.\rثانيهما - أن يكون مسلماً: فلا يصح يمين الكافر؛ لأن كفارة اليمين عبادة، والكافر ليس من أهلها. والدليل على أن الكفارة عبادة: أنها لاتتأدى بدون النية، وكذا لا تسقط بأداء الغير عن الحانث، وهذان حكمان مختصان بالعبادات، إذ غير العبادة لاتشترط فيه النية، ويسقط بأداء الغير مثل الديون ورد المغصوب ونحوها، والكافر ليس من أهل العبادات، فلاتجب بيمينه الكفارة.\r-------------------------------\r(1) المغني : 8 ص 705 .\r(2) المهذب: 2 ص 131، مغني المحتاج: 4 ص 323 .\r(3) البدائع: 3 ص 10 - 15، فتح القدير: 4 ص 3 ومابعدها، الفتاوى الهندية: 2 ص 48.","part":4,"page":43},{"id":2139,"text":"وقال غير الحنفية (1) : تصح اليمين من الكافر، وتلزمه الكفارة سواء حنث في أثناء كفره، أو بعد إسلامه، بدليل أن عمر رضي الله عنه نذر في الجاهلية أن يعتكف في المسجد الحرام، فأمره النبي صلّى الله عليه وسلم بالوفاء بنذره (2) ، ولأن الكافر من أهل اليمين بالله تعالى، بدليل قوله تعالى: { فيقسمان بالله } [المائدة:106/5].\rوأما الحرية فليست بشرط، فتصح يمين العبد، وكفارته بالصوم حال رقه، وكذا الطواعية والاختيار ليس شرطاً عند الحنفية والمالكية، فتصح اليمين من المكره؛ لأنها من التصرفات التي لاتحتمل الفسخ، فلا يؤثر الإكراه في اليمين كالطلاق والنذر ونحوهما.\rوقال الشافعية والحنابلة: يشترط أن يكون الحالف مختاراً، فلا تنعقد يمين المكره؛ لأنها من التصرفات التي لاتحتمل الفسخ، فلا يؤثر الإكراه في اليمين كالطلاق والنذر ونحوهما.\rوقال الشافعية والحنابلة: يشترط أن يكون الحالف مختاراً، فلا تنعقد يمين المكره ، لقوله صلّى الله عليه وسلم : « ليس على مقهور يمين » (3) ولأنه قول حمل عليه بغير حق، فلم يصح ككلمة الكفر، كما سبق بيانه في أنواع اليمين.\r-------------------------------\r(1) مغني المحتاج: 4 ص 320، المغني: 8 ص 676، الميزان للشعراني: 2 ص 130 .\r(2) رواه أصحاب الكتب الستة عن ابن عمر أن عمر قال: « يارسول الله، إني نذرت في الجاهلية أن أعتكف يوماً في المسجد الحرام؟ قال: أوف بنذرك» وزاد البخاري في رواية: «فاعتكف ليلة» الفعل بصيغة الأمر ( انظر جامع الأصول: 12 ص 185 ، الإلمام: ص 312، سبل السلام: 4 ص 115، نيل الأوطار: 8 ص 249، نصب الراية: 3 ص300).\r(3) حديث ضعيف، وقد سبق تخريجه.","part":4,"page":44},{"id":2140,"text":"2 ً - شرط المحلوف عليه : يشترط في المحلوف عليه عند أبي حنيفة ومحمد وزفر شرط واحد: وهو أن يكون متصور الوجود (1) حقيقة عند الحلف، وفي حال بقاء اليمين. وهو شرط انعقاد اليمين على أمر في المستقبل، وشرط لبقاء اليمين أيضاً، فلا ينعقد اليمين على ماهو مستحيل الوجود حقيقة، ولايبقى إذا صار بحال يستحيل وجوده.\rوقال أبو يوسف: ليس هذا بشرط لانعقاد اليمين ولا لبقائها، وإنما الشرط فقط أن تكون اليمين على أمر في المستقبل.\rواتفق أبو حنيفة وصاحباه على أن كون اليمين متصور الوجود عادة ليس بشرط لانعقاد اليمين، وقال زفر: هو شرط، لاتنعقد اليمين بدونه.\rويتوضح الخلاف بالأمثلة التطبيقية على كل من الحالتين: المستحيل حقيقة، والمستحيل عادة، وذكر بعضها في بحث أنواع اليمين.\rأما أمثلة النوع الأول وهو المستحيل حقيقة فهي: لو قال إنسان: ( والله لأشربن الماء الذي في هذا الكوز ) فتبين أنه لا ماء فيه، لاتنعقد اليمين عند أبي حنيفة ومحمد وزفر، لعدم تحقق شرط انعقاد اليمين: وهو تصور شرب الماء الذي حلف عليه.\rوعند أبي يوسف: تنعقد اليمين لوجود الشرط بحسب رأيه: وهو مجرد إضافة اليمين إلى المستقبل.\rفإن كان الحالف يعلم أنه لا ماء في الكوز، فهو من المستحيل عادة: تنعقد اليمين عند أئمة الحنفية الثلاثة، وعند زفر: لاتنعقد. ويجري هذا الخلاف فيما لو وقَّت اليمين فقال: ( والله لأشربن الماء الذي في هذا الكوز اليوم).\rوإذا قال الحالف: ( والله لأقتلن فلاناً ): مع أن فلاناً هذا ميت، وهو لايعلم بموته، لاتنعقد اليمين عند أبي حنيفة ومحمد وزفر، وعند أبي يوسف: تنعقد.\r-------------------------------\r(1) أي متصور البر والوفاء بمقتضى ما حلف عليه.","part":4,"page":45},{"id":2141,"text":"ويجري هذا الخلاف فيما إذا قال شخص: ( والله لأقضين دين فلان غداً ) فقضاه اليوم، أو أبرأه صاحب الدين قبل مجيء الغد، لايحنث في يمينه عند الطرفين وزفر والحنابلة. وعند أبي يوسف والشافعي: يحنث.\rوكذا إذا قال الزوج في اليمين بالطلاق: ( إن لم أشرب هذا الماء اليوم فامرأتي طالق ) ثم أهريق الماء قبل انقضاء اليوم: لايحنث عند الطرفين وزفر، وعند أبي يوسف: يحنث.\rوأما أمثلة النوع الثاني: وهو المستحيل عادة فهي: لو قال شخص: (والله لأمسن السماء ) أو ( لأصعدن السماء ) أو( لأحولن هذا الحجر ذهباً ) وحكمه: أنه تنعقد اليمين عند أئمة الحنفية الثلاثة. وعند زفر: لاتنعقد.\rالأدلة: استدل أبو يوسف على المستحيل حقيقة فقال: إن الحالف شرَط لحنثه عدم تحقق فعل من الأفعال: وهو القتل أو شرب الماء مثلاً، فإذا تحقق الشرط حنث، كما في المستحيل عادة.\rواستدل أبو حنيفة ومحمد وزفر: بأن اليمين تنعقد بقصد البر والوفاء بما حلف عليه، والكفارة تجب لستر الذنب الذي حصل بعدم البر وهو الحنث، فإذا لم يكن البر متصور الوجود حقيقة لايتصور الحنث، فلم يكن في انعقاد اليمين فائدة، فلاتنعقد . وهذا بخلاف المستحيل عادة، فإن البر متصور الوجود في نفسه حقيقة بأن يقدر الله تعالى الحالف على صعود السماء مثلاً، كما أقدر الملائكة والأنبياء عليهم السلام، إلا أنه عاجز عن ذلك عادة، فيحنث للعجز عن تحقيق مقتضى يمينه في العادة. واستدل زفر على عدم انعقاد اليمين في المستحيل عادة بقوله: المستحيل عادة يلحق بالمستحيل حقيقة، وبما أنه لاتنعقد اليمين في المستحيل حقيقة، فلا تنعقد في المستحيل عادة.\rواستدل جمهور الحنفية على انعقاد اليمين في المستحيل عادة: بأن الذي ينبغي مراعاته هو حقيقة الشيء والعادة فيه، فإذا قررنا انعقاد اليمين فقد اعتبرنا الحقيقة والعادة معاً، وهو أولى من النظر إلى العادة فقط، أو إهدار الحقيقة كما يرى زفر.","part":4,"page":46},{"id":2142,"text":"والخلاصة: إن زفر سوّى في الحكم بين المستحيل حقيقة والمستحيل عادة وهو عدم انعقاد اليمين، وأن أبا يوسف سوَّى في الحكم بين النوعين وهو انعقاد اليمين، وأن أبا حنيفة ومحمد فرقا بين المستحيل حقيقة والمستحيل عادة، فتنعقد اليمين في النوع الثاني دون الأول.\rووافق بقية أئمة المذاهب رأي جمهور الحنفية في المستحيل عادة. وأما في المستحيل عقلاً فقد اتفق الشافعي والقاضي من الحنابلة مع أبي يوسف في الرأي. كما اتفق مالك وأبو الخطاب من الحنابلة مع أبي حنيفة ومحمد وزفر رحمهم الله جميعاً، وسبق ذكر ذلك كله.\r3 ً ــ شرط ركن اليمين: ركن اليمين بالله تعالى: هو اللفظ الذي يستعمل في اليمين بالله تعالى، وهو مركب من المقسم عليه والمقسم به. وقد تكلمت عن المقسم به تحت عنوان: صيغة اليمين.\rالاستثناء في اليمين: اشترط جميع الفقهاء (1) في ركن اليمين نفسه:\r-------------------------------\r(1) راجع المغني لابن قدامة الحنبلي: 8 ص 715 ومابعدها، البدائع: 3 ص 15، مختصر الطحاوي: ص 308، بداية المجتهد: 1 ص 399، القوانين الفقهية: ص 166 ومابعدها.....","part":4,"page":47},{"id":2143,"text":"أن يخلو عن الاستثناء (1) ، مثل: إن شاء الله تعالى، أو إلا أن يشاء الله ، أو ماشاء الله، أو إلا أن يبدو لي غير هذا، أو إلا أن أرى غير هذا، أو إلا أن أحب غير هذا، أو قال: إن أعانني الله ، أو يسّر الله ، أو قال: بمعونة الله ، أو بتيسيره ونحو ذلك.\rفإن قال الحالف شيئاً مما ذكر متصلاً مع لفظ اليمين، لم تنعقد اليمين أي أن للاستثناء بالمشيئة تأثيراً في اليمين بالاتفاق. وإن فصل الاستثناء عن لفظ اليمين انعقدت.ودليله قول النبي صلّى الله عليه وسلم : «من حلف فقال: إن شاء الله لم يحنث» (2) وروى أبو داود: «من حلف فاستثنى: فإن شاء رجع، وإن شاء ترك» (3) فقول النبي عليه الصلاة والسلام: « من حلف فاستثنى» يقضي كونه عَقِبه لا منفصلاً عنه.\rوذكر المالكية شروطاً ثلاثة لتعطيل اليمين بالاستثناء بالمشيئة أو بإلا وهي ما يأتي (4) :\rأحدها ـ النطق باللسان، ولا يكفيه مجرد النية إلا في الاستثناء بمشيئة الله .\rالثاني ـ اتصاله باليمين من غير فصل إلا بنحو سعال أو عطاس أو تثاؤب وشبه ذلك. وقال الشافعي: لا بأس بالسكتة الخفيفة للتذكر أو للتنفس أو انقطاع الصوت.\r-------------------------------\r(1) إذا قال الحالف مع يمينه: ( إن شاء الله )، فهذا يسمى استثناء، روى ابن عمر عن النبي صلّى الله عليه وسلم أنه قال: «من حلف فقال: إن شاء الله فقد استثنى» .\r(2) رواه الترمذي والنسائي وابن ماجه عن أبي هريرة، وعند النسائي: «من حلف على يمين، فقال: إن شاء الله ، فقد استثنى» (راجع جامع الأصول: 12ص 298، نصب الراية: 3ص302).\r(3) رواه مالك والشافعي وأحمد وأصحاب السنن الأربعة وابن حبان والحاكم من حديث ابن عمر، وفي لفظ: «من حلف على يمين، فقال: إن شاء الله، فقد استثنى» وفي رواية الترمذي: «من حلف على يمين فقال: إن شاء الله، فلا حنث» رجاله رجال الصحيح إلا أن القاسم لم يدرك ابن مسعود ( المرجعان السابقان، مجمع الزوائد: 4 ص 182، الإلمام: ص 427، نيل الأوطار: 8 ص 219، سبل السلام: 4 ص 103).\r(4) القوانين الفقهية: ص 167، 171، الشرح الكبير: 2 ص 129، 161.","part":4,"page":48},{"id":2144,"text":"الثالث ـ قصد حل اليمين : فلو قصد تأكيد اليمين أو التفويض إلى الله أو التأدب والتبرك، لم ينفعه الاستثناء.\rأما النذر فلا ينفع فيه الاستثناء بالمشيئة.\rووافقهم بقية الفقهاء في الشرطين الأولين (1) . وإن قال: إلا أن يشاء فلان، فإن لم تعلم مشيئته لغيبة أو جنون أو موت، انحلت اليمين، لأنه لم يوجد الشرط. وإن عرفت مشيئته فشاء، لزمه الفعل.\rالمبحث الرابع ـ أحوال اليمين التي يحلف عليها فعلاً :\rيحلف الإنسان عادة على الأحوال المحيطة به من أكل وشرب ودخول وخروج وجلوس وركوب وسكنى ولبس وكلام وضرب ونحوها، قاصداً حث نفسه أو غيره على فعل الشيء أو المنع منه، فإن خالف مقتضى يمينه حنث ووجبت عليه الكفارة. لهذا كان مناسباً أن يعنون لهذا المبحث بأحوال اليمين التي يكون الكلام عنها في أحد عشر مطلباً بحسب ما هو الأغلب وقوعه بين الناس.\rوقبل البدء بالكلام عن هذه المطالب أحقق هذه المسائل المهمة التي اختلف فيها الفقهاء، والتي يتوقف إصدار الحكم في أهم موضوعات هذه المطالب على معرفتها وهي:\rهل الأيمان مبنية على العرف أو النية أوصيغة اللفظ؟\r\r-------------------------------\r(1) المغني: 8 ص 716 وما بعدها.","part":4,"page":49},{"id":2145,"text":"قال الحنفية: الأيمان مبنية على العرف والعادة لا على المقاصد والنيات، لأن غرض الحالف: هو المعهود المتعارف عنده، فيتقيد بغرضه. هذا هو الغالب عندهم، وقد تبنى الأيمان عندهم على الألفاظ لا على الأغراض (1) .\rوقال الشافعية: الأيمان مبنية على الحقيقة اللغوية أي بحسب صيغة اللفظ، لأن الحقيقة أحق بالإرادة والقصد، إلا أن ينوي شيئاً فيعمل بنيته، مثاله: لو حلف إنسان ألا يأكل رؤوساً، فأكل رؤوس حيتان (مفرده: حوت) فمن راعى العرف قال: لا يحنث، ومن راعى دلالة اللغة قال: يحنث. وكذلك يحنث من حلف لا يأكل لحماً ، فأكل شحماً مراعاة لدلالة اللفظ،وقال الآخرون: لا يحنث.\rوالخلاصة: أن الشافعي يتبع مقتضى اللغة تارة، وذلك عند ظهورها وشمولها، وهو الأصل العام، وتارة يتبع العرف إذا اشتهر واطرد......\rوقال مالك في المشهور من مذهبه: المعتبر في الأيمان التي لا يقضى (2) على حالفها بموجبها وكذلك النذور هو النية ( أي نية الحالف في غير الدعاوى ففيها تعتبر نية المستحلف كما بان سابقاً )، فإن عدمت فقرينة الحال، فإن عدمت فعرف اللفط أي ماقصد الناس من عرف أيمانهم، فإن عدم فدلالة اللغة، وقيل: لايراعى إلا النية أو ظاهر اللفظ اللغوي فقط، وقيل: يراعى النية وبساط الحال أي السبب الحامل على اليمين (3) ، أو المقام وقرينة السياق في اصطلاح علم المعاني. ولاينفع في النذر الاستثناء بالمشيئة.\rوأما الأيمان التي يقضى بها على صاحبها: ففي مجال الاستفتاء تراعى هذه الضوابط على هذا الترتيب، وإن كان مما يقضى بها عليه لم يراع فيها إلا اللفظ إلا أن يؤيد ما اد عاه من النية قرينة الحال أو العرف.\r-------------------------------\r(1) قال ابن عابدين في رسائله ( 1 ص 304 ): كل من هاتين القاعدتين مقيدة بالأخرى، فقولهم: (الأيمان مبنية على العرف) معناه العرف المستفاد من اللفظ لا الخارج عن اللفظ اللازم له. وقولهم: (الأيمان مبنية على الألفاظ لا الأغراض ) معناه الألفاظ العرفية. وإذا تعارض الوضع الأصلي للكلمة والوضع العرفي ترجح الوضع العرفي.\r(2) أي التي لايصدر فيها حكم قضائي ، وإنما يترك شأنها للحالف بينه وبين الله تعالى، وذلك في الأمور التي تكون علاقتها بنفس الإنسان أو بالله سبحانه. أما الأمور التي تتعلق بالناس فهذه مما يقضى فيها على الحالف.\r(3) حدود ابن عرفة: ص 137.","part":4,"page":50},{"id":2146,"text":"قال الشاطبي: من مذهب مالك أن يترك الدليل للعرف، فإنه رد الأيمان إلى العرف، مع أن اللغة تقتضي في ألفاظها غير مايقتضيه العرف. كمن حلف لايدخل بيتاً: لايحنث بدخول المسجد، لأنه لا يسمى بيتاً في العرف (1) .\rوقال الحنابلة: يرجع في الأيمان إلى النية أي نية الحالف، فإن نوى بيمينه مايحتمله اللفظ انصرفت يمينه إليه، سواء أكان مانواه موافقاً لظاهر اللفظ، أم مخالفاً له (2) لقول النبي صلّى الله عليه وسلم : «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ مانوى» (3) فإن لم ينو شيئاً رجع إلى سبب اليمين وما هيجها أو أثارها لدلالته على النية. فإن حلف لا يأوي مع امرأته في هذه الدار، فإن كان سبب يمينه غيظاً من جهة الدار لضرر لحقه منها أو منة عليه بها، اختصت يمينه بها. وإن كان لغيظ لحقه من المرأة يقضي جفاءها ولا أثر للدار فيه، تعلق ذلك بإيوائه معها في كل دار.\rهذا .. وقد عرفنا أنه ينقسم هذا المبحث إلى أحد عشر مطلباً أذكرها فيما يأتي:\rالمطلب الأول ــ الحلف على الدخول :\rأبدأ ببيان الأفعال أو الأحوال التي يحلف عليها فعلاً، وأولها الدخول لمكان باعتباره من أهم الأسباب التي تثير المشكلات، وتستدعي الحلول بعد انعقاد الأيمان المحلوفة لمنع المرء نفسه أو غيره من الدخول إلى مكان من الأمكنة.\r-------------------------------\r(1) الاعتصام : 141/2 .\r(2) انظر هذا المبحث في تبيين الحقائق: 3ص116 ومابعدها ، البدائع: 3 ص38، الفتاوى الهندية: 2ص63، الدر المختار: 3 ص 78، رسائل ابن عابدين: 1 ص 292، الأشباه والنظائر لابن نجيم: 1 ص 82، بداية المجتهد: 1 ص 398، 402 ومابعدها. الشرح الكبير للدردير: 2 ص 135، 139 ومابعدها، مغني المحتاج: 4 ص 335 ومابعدها، المغني: 8 ص 763 ومابعدها، القوانين الفقهية: ص 161 ومابعدها، 171.\r(3) رواه البخاري ومسلم عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وهو حديث متواتر عن ثلاثين صحابياً (شرح مسلم: 13 ص 53، الأربعين النووية: ص 16، النظم المتناثر من الحديث المتواتر للسيد جعفر الكتاني: ص 17 ).","part":4,"page":51},{"id":2147,"text":"معنى الدخول :\rالدخول: هو الانتقال من خارج المكان إلى داخله. فإن حلف إنسان لايدخل هذه الدار وهو فيها، فمكث بعد يمينه، لايحنث استحساناً، والقياس أن يحنث وهو قول غير الحنفية، ووجه ذلك أن المداومة على الفعل هي بحكم إنشاء الفعل. ووجه الاستحسان: أن معنى الدخول المذكور وهو ( الانتقال من خارج الشيء إلى داخله ) لايتحقق؛ لأن الدوام هو المكث، والمكث استقرار في الشيء فيستحيل أن يكون انتقالاً.\rولو حلف ألا يدخل داراً أو بيتاً أو مسجداً أو حماماً، فعلى أي وجه دخل: من الباب أو غيره، حنث لوجود الدخول، فإن نزل على سطحها، حنث عند الجمهور غير الشافعية؛ لأن سطح الدار منها، إذ الدار اسم لما تدور عليه الدائرة، والدائرة أحاطت بالسطح. وكذا لو أقام على حائط من حيطانها؛ لأن الحائط مما تدور عليه الدائرة، فكان كسطحها، وهذا هو مذهب المالكية والحنابلة في أن سطح الدار منها، وحكمه كحكمها.\rوقال الشافعية: لايحنث بصعود سطح من خارج الدار، لأنه لايسمى داخل الدار لغة ولا عرفاً، لأنه حاجز يقي الدار الحر، والبرد، فهو كحيطانها. ولو قام على ظلة للدار شارعة (1) أو كنيف شارع (2) : فإن كان مفتح ذلك إلى الدار يحنث، لأنه ينسب إليها،فيكون من جملة الدار وإلا فلا يحنث.\rوإن قام على أسكفَّة (3) الباب: فإن كان الباب إذا أغلق كانت الأسكفة خارجة عن الباب لم يحنث لأنه خارج، وإن بقيت من داخل الدار حنث، لأنه داخل؛ لأن الباب يغلق على مافي داخل الدار، لا على ما في الخارج.\rولو دخل دهليز (4) الدار حنث باتفاق الحنفية والشافعية؛ لأنه من داخل الدار. ولو دخل ظلة باب الدار لا يحنث، لأنها اسم للخارج.\rوإن أدخل الحالف إحدى رجليه في الدار، ولم يدخل الأخرى لا يحنث بالاتفاق؛ لأنه لم يوجد الدخول مطلقاً، وهو الانتقال بكله، وإنما دخل بعضه، وكذا إذا أدخل رأسه دون قدميه (5) .\rولو حلف لا يدخل داراً، فدخل داراً بعد انهدامها ولا بناء عليها لا يحنث.\r-------------------------------\r(1) الظلة: كل ما أظلك من بناء أو جبل أو سحاب أي سترك وألقى ظله عليك من الحر والبرد. وقول الفقهاء: ظلة الدار يريدون بها السدة التي فوق باب الدار، أي الساباط الذي يكون على باب الدار، ولايكون فوقه بناء. وكذلك إذا كان فوقه بناء إلا أن مفتحه إلى الطريق، وهو المراد بقوله: ظلة شارعة أي سقيفة تابعة للدار، ولكنها فوق طريق يسير فيه الناس. والشارعة مؤنث الشارع. وإنما لم يحنث في الحالة الأولى: فلأنه لاينطلق عليه اسم البيت ولعدم البيتوتة فيه. وفي الحالة الثانية: لايحنث لأنه ليس من جملة البيت المنسوب إلى شخص.\r(2) الكنيف: هو الكنَّة التي تشرع فوق باب الدار، أي السقفية.\r(3) الأسْكفَّة - بضم الألف والكاف وتشديد الفاء: وهي خشبة الباب التي يوطأ عليها.\r(4) الدهليز - بكسر الدال: ما بين الباب والدار.\r(5) انظر ما ذكر في البدائع: 3 ص 36، المبسوط: 8 ص 168، الفتاوى الهندية: 2 ص 64، تبيين الحقائق: 3 ص 118، فتح القدير: 4 ص 29، 34، الدر المختار: 3 ص 80، وانظر ما ذكر من مذاهب غير الحنفية في كتاب المغني:8 ص 772، 775، 778، مغني المحتاج: 4 ص 332، المهذب: 2 ص 132، القوانين الفقهية: ص 162، الشرح الكبير: 154/2.","part":4,"page":52},{"id":2148,"text":"ولو عين المحلوف عليه، فقال: (والله لا أدخل هذه الدار) فذهب بناؤها بعد يمينه، ثم دخلها، يحنث.\rوالفرق بين الصورتين: هو أنه إذا ذكر الحالف لفظ الدار منكَّراً، فإن النكرة تنصرف إلى المتعارف ، وهي الدار المبنية، فما لم يوجد البناء وهو وصف الدار لا يحنث، وأما إذا قال: (هذه الدار) فهو إشارة إلى الشيء المعين الحاضر، فيراعى ذات المعين، لا صفته؛ لأن الوصف للتعريف، والإشارة كافية للتعريف، وذات الدار قائمة بعد الانهدام؛ لأن الدار في اللغة اسم للعَرْصة يقال: دار عامرة ودار غير عامرة، وقد شهدت أشعار العرب بذلك، والعرصة قائمة بعد انهدام الدار.","part":4,"page":53},{"id":2149,"text":"ولو أعيد البناء فدخلها يحنث سواء ذكر الدار منكراً أو معيناً (1) .\rوقال الشافعية والمالكية: إن حلف لا يدخل هذه الدار فانهدمت، وصارت ساحة، أو جعلت حانوتاً أو بستاناً أومسجداً أو حماماً، فدخلها، لم يحنث، لأنه زال عنها اسم الدار. ثم إن أعيدت بغير تلك الآلة أي بأدوات بناء جديدة من حجارة واسمنت ونحوها لم يحنث بدخولها، لأنها غير تلك الدار. وإن أعيدت بآلتها الأولى ففيه وجهان:أحدهما وهو الأصح: يحنث، والآخر: لا يحنث (2) .\rالحلف على عدم دخول مسجد: لو قال شخص: (لا أدخل هذا المسجد) فهدم فصار صحراء ثم دخله، فإنه يحنث لأنه مسجد، وإن لم يكن مبنياً. وإذا دخل سطح المسجد يحنث، لأنه مسجد.\rالحلف على عدم دخول بيت: ولو حلف: لا يدخل بيتاً أو هذا البيت، فدخله بعدما انهدم ولابناء فيه، لا يحنث؛ لأن البيت اسم لما يبات فيه، ولا يبات إلا في البناء، وكذلك لا يطلق اسم البيت إلا على المبنى المسقف.\r-------------------------------\r(1) البدائع، المرجع السابق: ص 37، الدر المختار: 3 ص 81، فتح القدير: 4 ص 30-32 قال الشاعر:\rالدار دار وإن زالت حوائطها والبيت ليس ببيت بعد تهديم\r(2) المهذب: 2 ص 132، مغني المحتاج: 4 ص 332، الشرح الكبير للدردير: 2 ص 158.","part":4,"page":54},{"id":2150,"text":"الحلف على عدم دخول الفسطاط: لو حلف: ( لا يدخل هذا الفسطاط ) وهو مضروب في مكان، فقلع وضرب في مكان آخر، فدخله، يحنث؛ لأن اليمين يقع على عين الشيء، والعين باقية لا تتبدل بنقلها من مكان إلى مكان.\rعدم الجلوس إلى الحائط أو الأسطوانة: إذا حلف: ( لا يجلس إلى هذا الحائط، أو إلى هذه الأسطوانة ) فهدما، ثم بنيا بأنقاضهما، فجلس إليه: لا يحنث ؛ لأن الشيء الجديد غير القديم، فإن الحائط إذا هدم زال اسمه عنه، وكذا الأسطوانة.\rالحلف على القلم والمقص ونحوهما: إذا حلف : ( لا يكتب بهذا القلم) فكسر القلم، بحيث لم تبق صورته، ثم براه، فكتب به، لم يحنث، لأنه إذا كسر، فقد زال عنه اسم القلم، فبطلت اليمين.\rوكذلك إذا حلف على مقص أو سكين أو سيف، فكسر، ثم أعيد ثانية: لا يحنث؛ لأن اسم الشيء قد زال بالكسر.\rولو نزع الحالف مسمار المقص ونصاب السكين وجعل مكانه مسماراً آخر، أو نصاباً آخر: يحنث؛ لأن اسم الشيء لم يزل عنه، وإنما تغير وصف التركيب.\rالحلف على عدم دخول الدار ثم جعلها شيئاً آخر: لو حلف: ( لا يدخل هذه الدار ) فجعلها بستاناً أو حماماً أو مسجداً: لا يحنث، لأنها صارت شيئاً آخر من حيث الانتفاع بها والغرض من استعمالها (1) .\r-------------------------------\r(1) المبسوط: 8 ص 171، البدائع، المرجع السابق.","part":4,"page":55},{"id":2151,"text":"وإن حلف: (لا يدخل بيتاَ) فدخل مسجداً أو بِيعة أو كنيسة أو بيت نار (1) ، أو دخل الكعبة، أو حماماً أو دهليزاً و ظلة باب دار: لم يحنث بالاتفاق؛ لأن البيت ما أعدَّ للبيتوتة، وهذه البقاع ما بنيت لها ولأن هذه الأشياء لا تسمى بيتاً في العرف والعادة، ومن المعلوم عند الحنفية أن الأيمان مبنية على العرف. وكذلك لا يحنث إن دخل صُفَّة (2) في عرفنا الحاضر؛ لأن الصُفَّة لا تسمى بيتاً في العرف والعادة (3) .\rوهذا هو الحكم المقرر أيضاً عند الشافعية (4) ؛ لأن هذه الأشياء لا تدخل في إطلاق اسم البيت، ولأن البيت اسم لما جعل للإيواء والسكنى، وهذه الأشياء لم تجعل لذلك، ولا تسمى بيتاً عرفاً. ويحنث عندهم بدخول أو سكنى كل بيت من طين أو حجر أو آجر أو خيمة أو بيت شعر أو جلد، لأن اسم البيت يقع على ذلك كله حقيقة في اللغة، سواء أكان الحالف حضرياً أم بدوياً. وخالفهم المالكية (5) ، فقالوا: إن حلف ألا يدخل على فلان بيتاً، حنث إن دخل عليه في الحمام لا في المسجد.\rالحلف على عدم دخول باب الدار: لو حلف: ( لا يدخل من باب هذه الدار)، فدخلها من غير الباب، لم يحنث بالاتفاق، لعدم الشرط وهو الدخول من الباب. ولو جُعل للدار باب آخر، فدخل منه يحنث؛ لأن الحلف على باب منسوب إليها، فيستوي القديم والحادث إلا إن عين ذلك الباب في حلفه، ولو نواه ولم يعينه يدين فيما بينه وبين الله تعالى، لأن لفظه يحتمله، ولا يدين في القضاء، لأنه خلاف الظاهر، حيث أراد بالمطلق المقيد.\r-------------------------------\r(1) البيعة بكسر الباء، معبد النصارى، والكنيسة: معبد اليهود، وبيت النار: معبد المجوس.\r(2) الصفَّة: موضع مظلل وهو بيت صيفي يكون مسقوفاً بجريد النخل ونحوه. وصفة المسجد: مقعد بالقرب منه مظلل.\r(3) المسبوط، المرجع السابق: ص 169، الفتاوى الهندية: 2 ص 63، البدائع، المرجع السابق: ص 38، فتح القدير: 4 ص 29، 32، تبيين الحقائق: 3 ص 117، الدر المختار: 3 ص 80.\r(4) المهذب: 2 ص 132، مغني المحتاج: 4 ص 332، 334.\r(5) القوانين الفقهية: ص 163.","part":4,"page":56},{"id":2152,"text":"ولو حلف : ( لا يدخل من باب الدار ) : فمن أي باب دخل حنث إلا إذا أراد به الباب المعروف، فيدين فيما بينه وبين الله تعالى، دون القضاء (1) .\rالحلف على عدم دخول دار فلان: وإن حلف لا يدخل دار فلان فدخل داراً بين فلان وبين آخر، فإن كان فلان ساكناً فيها بالإجارة حنث، وإذا كان مالكاً بعضها حنث من باب أولى. وإن لم يكن ساكناً فيها لا يحنث، لأن الدار مضافة إلى الشخصين إضافة ملك، وكل الدار ليست مضافة إلى أحدهما، لأن بعض الدار لا يسمى داراً، وحينئذ لا يقال: إن الدار لفلان.\rوهذا يفترق عما إذا حلف لا يزرع أرض فلان، فزرع أرضاً بين فلان وشخص آخر، فإنه يحنث، لأن كل جزء من الأرض يسمى أرضا، وبعض الدار لا يسمى داراً كما ذكرت.\rوكذلك قال المالكية والشافعية في الأظهر (2) : من حلف لا يدخل على زيد، فدخل بيتاً فيه زيد وغيره حنث مطلقاً، لوجود صورة الدخول عليه. لكن لو حلف لا يسلم على فلان، فسلَّم على قوم هو فيهم واستثناه، لا يحنث، وإن أطلق حنث في الأظهر، كالدخول.\rالحلف على عدم دخول بيت فلان: لو حلف شخص لا يدخل بيت فلان، ولا نية له، فدخل صحن داره، وفلان ساكن فيها لا يحنث حتى يدخل البيت؛ لأن البيت اسم لموضع يبات فيه عادة، ولا يبات في صحن الدار عادة، فإن نواه يصدق، لأنه شدد على نفسه.\rالحلف على عدم دخول الدار إلا مجتازاً: لو حلف لا يدخل هذه الدار إلا مجتازاً أوعابر سبيل: فإن دخل وهو لا يريد الجلوس، لا يحنث، لأنه عقد يمينه على كل دخول، واستثنى دخولاً بصفة الاجتياز، وقد دخل على الصفة المستثناة.\rفإن دخل يعود مريضاً، ومن رأيه الجلوس عنده، يحنث، لأنه دخل لا على الصفة المستثناة.\r-------------------------------\r(1) البدائع، المرجع السابق: ص 38، فتح القدير، المرجع السابق: ص 34، المغني: 773/8.\r(2) مغني المحتاج: 334/4 ومابعدها، الشرح الكبير: 145/2 ومابعدها.","part":4,"page":57},{"id":2153,"text":"وإن دخل لايريد الجلوس، ثم بدا له بعد ما دخل فجلس، لا يحنث؛ لأنه لم يحنث بدخوله، والبقاء على الدخول ليس بدخول. وإن نوى بقوله: ( لا يدخلها إلا مجتازاً ) النزول فيها والدوام: لا يحنث بالجلوس، لأنه يقول: دخلت عابر سبيل: بمعنى أنه لم يدم على الدخول ولم يستقر (1) .\rالحلف بالدخول على فلان: لو حلف إنسان لا يدخل على فلان، فدخل عليه في بيته: فإن كان يقصده بالدخول حنث، وإن لم يقصده لا يحنث، وكذلك إذا دخل عليه في بيت رجل آخر، ولم يقصده بالدخول،لا يحنث. وإنما اعتبر القصد حتى يصير داخلاً عليه؛ لأن الإنسان إنما يحلف ألا يدخل على غيره استخفافاً به وتركاً لإكرامه عادة، وهذا لا يكون إلا مع القصد.\rوذكر الكرخي عن ابن سماعة في نوادره خلاف هذا، فقال في رجل قال: (والله لا أدخل على فلان بيتاً ) فدخل بيتاً على قوم، وفيهم فلان، ولم يعلم به الحالف، فإنه حانث بدخوله، فلم يعتبر القصد للدخول على فلان.\rودليله أنه جعل شرط الحنث الدخول على فلان، وقد وجد الشرط، والعلم بشرط الحنث ليس بشرط في الحنث، كمن حلف لا يكلم زيداً، فكلمه وهو لا يعرف أنه زيد. ولكن ظاهر المذهب هو الرأي الأول.\rولو علم الحالف أن فلاناً في القوم، فدخل ينوي الدخول على القوم لا عليه: لا يحنث فيما بينه وبين الله عز وجل، لأنه إذا قصد غيره لم يكن داخلاً عليه، ولا يصدق قضاء؛ لأن الظاهر دخوله على الجماعة وما في اعتقاده لا يعرفه القاضي.\rفإن دخل عليه في مسجد أو ظلة أو سقيفة أو دهليز دار: لم يحنث لأن الدخول يقع على الدخول المعتاد، وهو الذي يدخل الناس فيه بعضهم على بعض، ولا يكون هذا إلا في البيوت.\r-------------------------------\r(1) البدائع: ص 39.","part":4,"page":58},{"id":2154,"text":"فإن دخل في فسطاط (1) أو خيمة أو بيت شعر: لم يحنث إلا أن يكون المحلوف عليه من أهل البادية، لأنهم يسمون ذلك بيتاً، والتعويل في شأنه على العرف والعادة.\rولو دخل عليه في داره، وفلان في بيت من الدار: لم يحنث، لأنه ليس بدخول عليه. وإن كان في صحن الدار، يحنث، لأنه يكون داخلاً عليه إذا شاهده.\rوإن دخل عليه في المسجد أو الكعبة أو الحمام، لا يحنث لأن المقصود بهذه اليمين الامتناع من الدخول في المواضع التي يُكرَّم الناس بالدخول عليهم فيها، وهذا لا يوجد في هذه المواطن.\rولو دخل الحالف داراً ليس فيها فلان، فدخل فلان تلك الدار: لا يحنث، لأنه ما دخل على فلان، بل فلان دخل عليه فلا يحنث (2) .\rوذكر المالكية (3) : أن من حلف ألا يدخل دار فلان، فدخل داراً مكتراة له، حنث عندهم وعند الحنفية والحنابلة إن لم ينو دار الملك لأن الدار تضاف إلى ساكنها. ومن حلف ألا يدخل دار فلان، فانتقلت عن ملكه، لم يحنث بدخولها. وإن قال: ( هذه الدار ) حنث. وقال الشافعية: لا يحنث إلا بدخول دار يملكها؛ لأن الإضافة إلى المالك.\rواتفق الفقهاء (4) على أن من حلف لايدخل داراً، فأكره على دخولها، ولم يمكنه الامتناع، لم يحنث؛ لأن الفعل غير موجود منه ولا منسوب إليه.\rالمطلب الثاني ـ الحلف على الخروج :\rالخروج مقابل للدخول وهو: الانتقال من داخل الشيء إلى خارجه. فلا يكون المكث بعد الخروج خروجاً، كما لا يكون المكث بعد الدخول دخولاً، والخروج كما يكون من البلدان والدور والمنازل والبيوت، يكون من الأخبية والفساطيط والخيم والسفن لوجود تعريف الخروج، وذلك كالدخول.\rوالخروج من الدور المسكونة: أن يخرج الحالف بنفسه ومتاعه وعياله، كما إذا حلف لا يسكن فيها.\rوالخروج من القرى والبلدان: أن يخرج الحالف ببدنة خاصة.\r-------------------------------\r(1) الفسطاط: بيت من شعر.\r(2) انظر البدائع: 3 ص 41.\r(3) القوانين الفقهية: ص 162، المغني: 773/8، الشرح الكبير: 154/2.\r(4) المغني: 771/8.","part":4,"page":59},{"id":2155,"text":"وهذا مبني عل العرف، فإن من خرج من الدار، وأهله ومتاعه فيها لا يعد خارجاً من الدار، ومن خرج من البلد يعد خارجاً منها، وإن كان أهله ومتاعه فيها (1) . وهذا هو مذهب الحنابلة أيضاً (2) ، فالحلف على الخروج يقتضي الخروج بنفسه وأهله، كما لو حلف لا يسكنها. أما من حلف على الخروج من هذه البلدة، فتتناول يمينه عند الحنابلة الخروج بنفسه؛ لأن الدار يخرج منها صاحبها عادة في اليوم مرات، فظاهر حاله أنه لم يرد الخروج المعتاد، أما الخروج من البلد فهو بخلاف ذلك .\rوقال الشافعية: يتحقق معنى الخروج بأن يخرج الحالف بنفسه بنية الانتقال، لأنه المحلوف عليه، ولا يضر بقاء أهله ومتاعه (3) .\rويترتب على مذهب الحنفية ما يأتي (4) :\rالحلف على الخروج من البيت: لو قال رجل لامرأته: ( إن خرجت من البيت فأنت طالق ) فخرجت من البيت إلى صحن الدار، حنث، لأنه نوى ما يحتمله لفظه: وهو الانتقال من داخل الشيء إلى خارجه، ولأن البيت غير الدار، لأن البيت اسم لمسقف واحد، والدار اسم لحدود يجمع البيوت والمنازل، وبناء عليه إذا قال: ( إن دخل فلان بيتك ) فدخل صحن دارها، دون بيتها، لم يحنث.\rوالحكم في هذين المثالين مبني على عرف الذين كانوا في عصر المجتهدين، أما في عرف المتأخرين، فإن اسم البيت يطلق على الدار والمنزل، فيحنث في الثاني دون الأول.\rالحلف على الخروج من الدار: وإن قال:( إن خرجت من هذه الدار فأنت طالق ) فخرجت من هذه الدار من أي باب كان، ومن أي موضع كان: من فوق حائط، أو سطح أو نقب: حنث، لوجود شرط الحنث، وهو الخروج من الدار.\r-------------------------------\r(1) البدائع: 3 ص 42، فتح القدير: 4 ص 38، الدر المختار: 3 ص 85، الفتاوى الهندية: 2 ص 69، 73.\r(2) المغني: 8 ص 770.\r(3) مغني المحتاج: 4 ص 329.\r(4) انظر البدائع: 3 ص 42 ومابعدها، المبسوط: 8 ص 173 ومابعدها.","part":4,"page":60},{"id":2156,"text":"الخروج من الباب: ولو قال: ( إن خرجت من باب هذه الدار فأنت طالق) فخرجت من أي باب كان، سواء من الباب القديم أو من الباب الحادث بعد اليمين، حنث في يمينه لوجود شرط الحنث: وهو الخروج من باب الدار. فلو خرجت من السطح أو من فوق حائط أو نقب: لا يحنث، لأنه ليس بباب.\rولو عين باباً في يمينه فقال: ( إن خرجت من هذا الباب ) لا يحنث ما لم تخرج من الباب المعين. وإن خرجت من باب آخر، لا يحنث، لأنه قد يكون للتعيين فائدة أو غرض معين، فيعتبر ذلك.\rالخروج لأمر معين: لو قال: ( إن خرجت من هذه الدار إلا في أمر كذا) فخرجت في ذلك الأمر مرة، ثم خرجت لأمر آخر: يحنث، لأنه حرم عليها جميع حالات الخروج إلا خروجاً مقيداً بصفة معينة، فإذا وجد منها الخروج المستثنى لا يحنث، وإن وجد خروج آخر يحنث.\rوإن عنى بيمينه الخروج مرة يصح. وتكون ( إلا ) بمعنى ( حتى ) مجازاً، كأنه قال: ( إن خرجت من هذه الدار حتى تخرجي في أمر كذا ) فإذا خرجت في ذلك الأمر يسقط اليمين، لتحقق الغاية من اليمين، ولكن هذا يثبت ديانة لا قضاء، لأنه مخالف لحقيقة اللفظ.\rالخروج مع فلان: لو قال: ( إن خرجت من الدار مع فلان فأنت طالق) فخرجت وحدها أو مع غير فلان، ثم خرج فلان ولحقها: لم يحنث، لأن حرف (مع) للمصاحبة والقران، فيقتضي مقارنتها في الخروج، ولم يوجد، لأن الدوام على الخروج ليس بخروج.\rبعض الحالات المتعلقة بالخروج من الدار: لو قال: ( إن خرجت من هذه الدار فأنت طالق ) فدخلت في صحن الدار أو في بيت علو أو كنيف شارع (1) إلى الطريق العام، فإنه لا يحنث، لأن هذا لا يسمى خروجاً من الدار.\rهل الدوام على الشيء بحكم ابتداء الشيء؟ لو قال لها وهي خارجة من الدار:( إذا خرجت من الدار فأنت طالق ) لا يحنث. وكذلك إذا كانت في الدار، فقال: ( إن دخلت هذه الدار..إلخ ) لا يحنث، ويقع اليمين على خروج ودخول مستأنف.\r-------------------------------\r(1) أي السقيفة الممتدة خارج البيت إلى الشارع.","part":4,"page":61},{"id":2157,"text":"أما لو قال:( إن قمت أو قعدت أو لبست أو ركبت ) وهي قائمة أو قاعدة أو لابسة أو راكبة، فدامت على ذلك ساعة، يحنث.\rهذا هو مذهب الحنفية؛ لأن الخروج معناه الانتقال من الداخل إلى الخارج والدخول عكسه، وهذا مما لا دوام له، فلا يعتبر الدوام على الخروج خروجاً. أما الركوب ونظائره ففعل له دوام أي تتجدد أمثاله، فيكون له حكم الابتداء. ودليل التفرقة أنه يقال: ركبت أمس واليوم، ولبست أمس واليوم، ولا يقال: دخلت أمس واليوم إلا لدخول مبتدأ جديد (1) .\rوزعم الحنفية أن مذهب الشافعي يعتبر الدوام على الدخول والخروج له حكم ابتداء الفعل، وهذا غير صحيح، فإن نصوص المذهب الشافعي صريحة في أنه لو حلف إنسان ألا يدخل الدار وهو فيها، أو لا يخرج منها، وهو خارج، فلا حنث في الصورتين؛ لأن الدخول هو الانفصال من خارج إلى داخل، والخروج عكسه، ولم يوجد المعنى في الاستدامة، فلهذا لا يسمى دخولاً ولا خروجاً. أما الدوام على اللبس والركوب والقيام والقعود فله حكم الابتداء، فلو استمر في هذه الأحوال حنث (2) كما لاحظنا عند الحنفية.\rومثل الركوب: الأكل والضرب: فلو قال لها وهي في الأكل والضرب: (إذا أكلت أو ضربت، فأنت طالق) فدامت على ذلك: يقع اليمين؛ لأن كل جزء من هذا الفعل يسمى أكلاًوضرباً.\rومثل الدخول والخروج: ( الحيض والمرض ): فلو قال رجل لامرأته وهي حائض أو مريضة:\r( إن حضت أو مرضت، فأنت طالق ) فإن اليمين يقع على ما يستجد ويحدث من الحيض والمرض، كما هو عرف الناس.\rولو نوى ما يحدث من الحيض في هذه المدة أو يزاد من المرض: يصح، لأن الحيض ذو أجزاء، يحدث حالاً فحالاً، فتصح نيته.\r-------------------------------\r(1) البدائع: 3 ص 36.\r(2) مغني المحتاج: 4 ص 321.","part":4,"page":62},{"id":2158,"text":"ولو قال: ( إن حضت غدا ً ) وهو لا يعلم أنها حائض، فإن اليمين يقع على الحيض المستجد الحادث. وإن كان يعلم أنها حائض، فإن اليمين يقع على هذه الحيضة إذا دام الحيض منها إلى أن يطلع الفجر واستمر ثلاثة أيام في رأي الحنفية، لأنه لما علم أنها حائض وقد حلف، فقد أراد استمرار الحيض، وما لم يكن ثلاثة أيام لا يكون حيضاً.\rالحلف على الخروج بدون إذن: قد يحلف الرجل بطلاق امرأته إذا لم يأذن لها بالخروج، بإحدى الصيغ الآتية:\r1 - أن يقول:( أنت طالق إن خرجت من هذه الدار إلا بإذني أو برضاي) ونحوه.\r2 - أن يقول: ( أنت طالق إن خرجت من هذه الدار حتى آذن لك أو حتى أرضى ).\r3 - أن يقول: ( أنت طالق إن خرجت من هذه الدار إلا أن آذن لك أو إلا أن أرضى ).\rوأبدأ بالحالة الأولى وهي:\r1 - أن يقول: ( إلا بإذني أو برضاي ): إذا قال رجل لامرأته: ( أنت طالق إن خرجت إلا بإذني أو بأمري أو برضاي أو بعلمي ) أو قال: ( إن خرجت من هذه الدار بغير إذني، أو بغير أمري، أو بغير رضاي، أو بغير علمي ) ففي هذه الحالات كلها يحنث إن خرجت بغير إذنه، ويشترط الإذن في كل مرة، حتى لو أذن لها مرة فخرجت، ثم عادت، ثم خرجت بغير إذنه مرة أخرى، حنث. وكذلك لو أذن لها مرة، فقبل أن تخرج نهاها عن الخروج، ثم خرجت بعدئذ يحنث. وإن وجد خروج بإذن فهو خروج مستثنى من يمينه، فلا يكون داخلاً تحت اليمين، فلا يحنث.\rوالسبب فيه أنه جعل كل خروج شرطاً لوقوع الطلاق، واستثنى خروجاً موصوفاً بصفة: وهو أن يكون الخروج مصحوباً بالإذن؛ لأن الباء في اللغة للإلصاق، مثل كتبت بالقلم أي أنه التصقت الكتابة بالقلم ، فكل خروج لايكون بتلك الصفة، كان داخلاً في اليمين، وصار شرطاً للحنث. قال الله تعالى: { وما نتنزل إلا بأمر ربك } [مريم:64/19] أي لا يوجد نزول إلا بهذه الصفة.","part":4,"page":63},{"id":2159,"text":"ونظيره : ما لو قال لامرأته: ( إن خرجت إلا بملاءة، أو بقناع أو إلا راكبة فأنت طالق ) فإن وجد الخروج المستثنى لا يحنث، وإن وجد لا على ذلك الوصف: يحنث؛ لأن المستثنى غير داخل في اليمين، وغير المستثنى داخل، فيحنث، لوجود الشرط.\rفإن أراد بقوله: ( إلا بإذني ) مرة واحدة: تصح نيته، ويعمل بمقتضى نيته ديانة فيما بينه وبين الله عز وجل. أما قضاء فيعمل أيضاً بموجب النية عند أبي حنيفة ومحمد، وفي رواية عن أبي يوسف. وقيل: لا يعمل بنيته قضاء، لأنه نوى خلاف الظاهر؛ لأن ظاهر هذا الكلام يقتضي تكرار الإذن في كل مرة كما تقدم، وهو الرأي الراجح الذي عليه الفتوى عند الحنفية.\rأما وجه قول الطرفين: فهو أن تكرار الإذن لم يثبت بظاهر اللفظ، وإنما ثبت بإضمار الخروج، فإذا نوى مرة واحدة، فقد نوى ما يقتضيه ظاهر كلامه. والحقيقة أن ظاهر الكلام: هو تكرار الإذن. وأما إذا أريد باليمين الإذن مرة واحدة، فهذا مما يحتمله الكلام فقط، ولذا كان المعول عليه في الفتيا، هو رأي أبي يوسف، فيصدق الحالف في أنه نوى مرة واحدة ديانة لا قضاء، لأنه نوى التخفيف عن نفسه، فلا يصدق في القضاء.\rوالحيلة في هذه اليمين المتطلبة تكرار الإذن: أن يقول الزوج لامرأته: ( أذنت لك الدهر كله ) أو ( أذنت لك أبداً ) أو ( كلما شئت الخروج فقد أذنت لك ) فيثبت الإذن في كل مرة وجد فيها الخروج؛ لأن كلمة ( كلما ) توجب التعميم والتكرار. وكذلك لا يحنث إذا قال الزوج: ( أذنت لك عشرة أيام ) فخرجت مراراً في مدة العشرة.\rولو أذن الزوج لامرأته في قوله:( إلا بإذني ) مرة واحدة، ثم نهاها عن الخروج بعد صدور الإذن الخاص يصح نهيه، حتى لو خرجت بعد ذلك بغير إذنه: يحنث في يمينه؛ لأنه صح رجوعه عن الإذن، واليمين باقية، فجعل كأنه لم يأذن.\rأما لو أذن الزوج لامرأته إذناً عاماً: ثم نهاها عن الخروج بعدئذ نهياً عاماً عن جميع حالات الخروج، فهل يؤثر هذا النهي أو لا؟","part":4,"page":64},{"id":2160,"text":"قال محمد: يعمل بموجب النهي، ويبطل إذنه الصادر منه بالخروج، حتى إنها لو خرجت بعدئذ بغير إذنه،يحنث ، بدليل أنه لو أذن لها مرة، ثم نهاها يصح نهيه، فكذا إذا أذن لها في كل مرة، وجب العمل بنهيه، ويزول الإذن بالنهي.\rوقال أبو يوسف: لا يؤثر نهيه في الإذن السابق ويظل ساري المفعول، لأن الإذن العام بالخروج يرفع اليمين، لأنه بالإذن ألغى شرط وقوع الطلاق: وهو الخروج بدون إذن، فإذا وجد النهي العام عن الخروج فلا يؤثر، لأنه لا يمين هناك. وهذا بخلاف الإذن الخاص بالخروج مرة واحدة، فإنه لم ترتفع اليمين، فجاء النهي عن الخروج واليمين باقية، فصح النهي (1) .\r2 - أن يقول: ( حتى آذن لك ) : إذا قال رجل لامرأته: ( أنت طالق إن خرجت من هذه الدار حتى آذن لك أو آمر، أو أرضى أو أعلم ) فيكفي الإذن مرة واحدة، وتسقط اليمين، حتى لو أذن لها مرة، فخرجت ثم عادت، ثم خرجت بغير إذن لا يحنث، وكذا إذا أذن لها مرة ثم نهاها قبل أن تخرج، ثم خرجت بعدئذ لا يحنث؛ لأن كلمة ( حتى ) تفيد الغاية، وهي بمعنى( إلى ) وكلمة ( إلى ) لانتهاء الغاية، فينتهي اليمين بانتهاء ما بعد ( حتى ) فيصير وجود الإذن من الحالف غاية لمنع الخروج، فلا تبقى اليمين بعد وجود الغاية. فإذا حدث خروج بعدئذ، لا يحنث إذ لا يمين هناك؛ لأن اليمين سقطت بالإذن، فلا يعتبر النهي بعده. أما قبل الإذن فاليمين باقية فيحنث بالخروج.\r-------------------------------\r(1) المبسوط: 8 ص 173، البدائع: 3 ص 43 ومابعدها، فتح القدير: 4 ص 40، تبيين الحقائق: 3 ص 122، الدر المختار: 3 ص 89 ومابعدها.","part":4,"page":65},{"id":2161,"text":"ولو نوى بقوله: ( حتى آذن لك ) حصول الإذن في كل مرة: يصدق ديانة وقضاء، لأنه نوى التشديد على نفسه (1) .\r3 - أن يقول: ( إلا أن آذن لك ): إذا قال رجل لامرأته: ( أنت طالق إن خرجت من هذه الدار إلا أن آذن لك، أو آمر أو أعلم، أو أرضى ) فهذا بمنزلة قوله: ( حتى آذن ) عند عامة العلماء. فلو أذن لها مرة واحدة، فخرجت، ثم خرجت مرة أخرى بغير إذنه لم يحنث، لأن ( إلا أن ) كلمة تفيد معنى الغاية، فتنتهي اليمين بها، كما إذا قال: ( حتى آذن لك ).\rوالسبب في أن كلمة ( إلا أن ) تفيد معنى الغاية، مع أنها من حروف الاستثناء: هو أن صدر الكلام الذي قبل أداة الاستثناء ليس من جنس الإذن، حتى يستثنى الإذن منه، فيجعل مجازاً عن كلمة ( حتى ) لمناسبة بينهما: وهو أن حكم ما قبل الغاية مخالف لما بعدها، كما أن حكم ما قبل الاستثناء يخالف ما بعده.\rوقال الفراء من علماء النحو: قول القائل: ( إلا أن آذن لك ) مثل قوله: (إلا بإذني ) يتطلب تكرار الإذن في كل مرة من مرات الخروج، لأن المعنى ( إلا خروجاً بإذني )، إذ ( أن ) والفعل المضارع بعدها في تأويل المصدر، فصار تقدير الكلام: ( إن خرجت من الدار إلا خروجاً إذني ) وهذا كلام غيرمستقيم، فلزم تقدير الباء، فيصير( إلا خروجاً بإذني ) وإسقاط الباء في اللفظ مع ثبوتها في التقدير أمر جائز في اللغة، كما روي عن رؤبة بن العجاج أنه قيل له: كيف أصبحت؟ فقال: (خير، عافاك الله) أي بخير. وكذا يحذفون الباء في القسم، فيقولون: (الله) مكان قولهم: (بالله ) وإذا كان حذف الباء جائزاً قدرت في الكلام لضرورة تصحيحه، والدليل عليه قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم} [الأحزاب:53/33] أي إلا بإذن لكم يتكرر بتكرار الدخول في كل مرة.\r-------------------------------\r(1) انظر المراجع السابقة.","part":4,"page":66},{"id":2162,"text":"ورد الحنفية بأن تصحيح الكلام بجعل ( إلا ) بمعنى (حتى) و ( إلى ) أولى من تصحيح الكلام بالتقدير الذي قاله الفراء؛ لأن التصحيح بجعل كلمة قائمة مقام أخرى أولى من التصحيح بطريق الإصنمار والتقدير، لأن الأول تغيير بتصرف في الوصف، والإضمار إثبات أصل الكلام، ولا شك أن التصرف في الوصف بالتغيير والتبديل أولى من إثبات أصل الكلام. وأما قوله عز وجل: {إلا أن يؤذن لكم} [الأحزاب:53/33] فإنه اقتضى تكرار الإذن في كل مرة لابمقتضى اللفظ، بل بدليل آخر: وهو أن دخول دار الغير بغير إذنه حرام، ولأن الله تعالى قال؛ {إن ذلكم كان يؤذي النبي} [الأحزاب:53/33] ومعنى الأذى موجود في كل ساعة، فشرط الإذن في كل مرة (1) .\rوقال غير الحنفية (2) : الحكم في أنواع الألفاظ الثلاثة السابقة واحد، وهو أنه متى خرجت بغير إذنه، طلقت وانحلت يمينه؛ لأن حرف ( إن ) لا يقتضي تكراراً، فإذا حنث مرة انحلت اليمين؛ لأنه علق الطلاق على شرط، وقد وجد فيقع الطلاق، كما لو لم تخرج بإذنه. لكن الحنابلة قالوا: لابد من تكرار الإذن، كما سيأتي بيانه.\rتعليق الخروج بإذن فلان: لو قال الرجل لامرأته:( إن خرجت إلا بإذن فلان) فمات فلان قبل الإذن، بطلت اليمين عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله . وقال أبو يوسف رحمه الله : اليمين باقية، حتى لو خرجت بعدئذ يحنث. وهذا الخلاف مفرع على اختلافهم فيمن حلف ( ليشربن الماء الذي في هذا الكوز، ولا ماء فيه). فعند الطرفين: لا تنعقد اليمين؛ لأن تصور البر شرط لانعقاد اليمين ولبقائها في المستقبل عندهما. وعند أبي يوسف: تنعقد اليمين، لأنه لا يشترط هذا الشرط عنده، وإنما يكفي أن تكون اليمين على أمر في المستقبل.\r-------------------------------\r(1) المراجع السابقة.\r(2) المغني: 796/8، الشرح الكبير: 148/2، 157.","part":4,"page":67},{"id":2163,"text":"الإذن بالخروج دون أن تسمع المرأة: إن أذن الرجل لامرأته المحلوف عليها بالخروج من حيث لا تسمع عادة، فخرجت، بغير الإذن: يحنث عند أبي حنيفة ومحمد، لأن الإذن إعلام، قال الله تعالى: {وأذان من الله ورسوله} [التوبة:3/9] أي إعلام، والإذن بحيث لا تسمع يكون إعلاماً، فلا يكون إذناً، فلم يوجد مأذون فيه، فيحنث، ولأنه حرم عليها الخروج إلا خروجاً مأذوناً فيه مطلقاً بحيث يأذن وتسمع، والخروج الذي حصل مأذون فيه من جهة واحدة، فلم يكن هذا خروجاً مستثنى، فبقي داخلاً تحت الحرمة.\rوقال أبو يوسف: لا يحنث؛ لأن شرط الحنث وجود خروج غير مأذون فيه مطلقاً، والخروج الذي حصل مأذون فيه من وجه لوجود كلام الإذن فلم يوجد شرط الحنث، فلا يحنث بالشك.\rالحلف مقيد ببقاء الولاية: إذا حلف رجل على زوجته ألا تخرج من الدار، أو سلطان حلَّف رجلاً ألا يخرج من بلدة إلا بإذنه، ثم بانت المرأة من الزوج، أو عزل السلطان عن عمله، ثم خرجت المرأة والرجل بغير إذن: لم يحنث الحالف، وسقطت اليمين؛ لأن اليمين تقع على الحال التي يملك الحالف فيها الإذن: وهي بقاء الولاية، فإذا زالت الولاية زالت اليمين. وتنطبق هذه القاعدة على ما إذا حلَّف الدائن مدينه ألا يخرج من بلده إلا بإذنه، فاليمين مقيدة بحال قيام الدين، فإن خرج وعليه دين: يحنث. وإن خرج بعد أداء الدين أو إبراء المدين منه: لا يحنث؛ لأن اليمين سقطت، وإنما تتقيد اليمين ببقاء الدين. وهذا من تطبيقات يمين الفور التي تتقيد بدلالة الحال. ويترتب عليه أنه إن عاد الدين أو غيره على المدين لم تعد اليمين (1) .\rوالخلاصة: إن مذهب الحنفية يشترط تكرار الإذن في كل خروج في قول الحالف: ( إلا بإذني ) . أما قوله: ( حتى آذن ) أو ( إلا أن آذن ) فلا يقتضي تكرار الإذن، وإنما يكفي الإذن مرة واحدة، ثم تسقط اليمين.\r-------------------------------\r(1) انظر هذه القضايا الثلاث في البدائع: 3 ص 45-46.","part":4,"page":68},{"id":2164,"text":"مذاهب غير الحنفية في هذه الألفاظ: قال المالكية والشافعية: يكفي إذن واحد بالخروج في هذه الصور الثلاث: ( إلا بإذني) و (حتى آذن لك) و( إلا أن آذن لك ).\rفإذا أذن الحالف مرة واحدة تنحل اليمين، ولا يحنث بخروجها بعدئذ، لأن اليمين تعلقت بخروج واحد بحرف لا يقتضي التكرار، وإذا خرجت بغير إذن حنث. وإن خرجت بإذن بر في يمينه؛ لأن البر يتعلق بما يتعلق به الحنث.\rوقال الحنابلة: لا بد من تكرار الإذن في كل حالة من حالات الخروج في\rالصور الثلاث السابقة؛ لأن الحالف علق الطلاق بشرط، فإذا وجد الشرط وقع الطلاق، وتنحل اليمين إن حنث مرة واحدة (1) .\rالمطلب الثالث ـ الحلف على الكلام :\rلا بد من وقوع الكلام من الإنسان، لأنه يحتاج إلى إيصال ما في نفسه إلى غيره للوصول إلى مقاصده وأغراضه. وللكلام أهميته في التوفيق أو التنازع بين اثنين. ويحتاج المرء في الغالب إلى القسم لحمل نفسه أو غيره على التكلم أو الامتناع من التكلم. وسأذكر أهم حالات الحلف على الكلام: وهو إما أن يكون مطلقاً أو مؤقتاً.\rأما المطلق: فهو أن يحلف ألا يكلم فلاناً، فيقع على الأبد،حتى لو كلمه ولو بالسلام في أي وقت وفي أي مكان وعلى أي حال، حنث. ومن حالاته ما يأتي:\rالحلف على عدم تكليم فلان: لو حلف شخص على ألا يكلم فلاناً فناداه من مكان بعيد: فإن كان فلان هذا في موضع بحيث يسمع مثله لو أصغى إليه أذنه، فإنه يحنث عند الحنفية والحنابلة وفي قول عند المالكية، وإن لم يسمعه. وإن كان في موضع لا يسمع في مثله عادة بسبب بعد المسافة، فإنه لا يحنث. وكذا إذا كان المخاطب أصم بحيث لو أصغى إليه أذنه لا يسمع: لا يحنث.\rوالسبب: هو أن تكليم فلان: عبارة عن إسماع كلامه إياه، إلا أن الإسماع أمر باطن خفي، فأقيم السبب الظاهرالمؤدي إليه مقامه، وهو إمكان السماع في الموضع القريب.\r-------------------------------\r(1) انظر المغني: 8 ص 796 ومابعدها، الشرح الكبير للدردير: 2 ص 148، 157، الميزان للشعراني: 2 ص 132.","part":4,"page":69},{"id":2165,"text":"ولو حلف ألا يكلم فلاناً، فكلمه وهو نائم فأيقظه: حنث، لأنه كلمه وأسمعه، ولو لم يوقظه لم يحنث، وهو المختار عند عامة مشايخ الحنفية خلافاً لما ذكر القدوري من أنه إذا كان بحيث يسمع لو لم يكن نائماً يحنث؛ لأنه قد كلمه ووصل إلى سمعه إلا أنه لم يفهم لنومه، فصار كما إذا ناداه وهو في مكان بحيث يسمع إلا أنه لم يفهم لاشتغاله بأمر آخر. ورأي عامة المشايخ هو الأرجح، لأنه إذا لم يوقظه كان كما إذا ناداه من بعيد، وهو بحيث لا يسمع صوته، ولأن الإنسان لا يعد مكلماً للنائم إذا لم يتيقظ بكلامه، كما لا يعد متكلماً مع الغائب.\rولو مر الحالف على جماعة فيهم المحلوف عليه، فسلم عليهم: حنث لأنه كلمه وكلم غيره بالسلام، فإن قصد بالسلام الجماعة دونه لم يحنث وتصح نيته فيما بينه وبين الله تعالى ، لأنه نوى تخصيص كلامه، وإطلاق الكل وإرادة البعض جائز، ولكن لا يقبل منه هذا الادعاء قضاء، لأنه خلاف الظاهر من كلامه (1) .\rولو سلم في الصلاة والمحلوف عليه معه في الصلاة: فإما أن يكون الحالف إماماً أو مقتدياً:\r1 - فإن كان الحالف إماماً ينظر: إن كان المحلوف عليه خلفه، فسلم، لم يحنث بالتسليمة الأولى. وإن كان على يمينه: لا يحنث أيضاً؛ لأن التسلمية الأولى كلام في الصلاة؛ لأن المصلي يخرج بها عن الصلاة، فلا تكون من كلام الناس، بدليل أنها لا تفسد الصلاة.\rوإن كان شماله فقد اختلف المشايخ فيه: فقال بعضهم: يحنث، وقال بعضهم: لا يحنث.\r-------------------------------\r(1) انظر البدائع: 3 ص 47 ومابعدها، الفتاوى الهندية: 2 ص 89 وما بعدها، تبيين الحقائق: 3 ص 136، فتح القدير: 4 ص 63، الدر المختار: 3 ص 112، المغني: 822/8.","part":4,"page":70},{"id":2166,"text":"2 - وإن كان الحالف مقتدياً: فكذلك لا يحنث عند أبي حنيفة وأبي يوسف؛ لأن المقتدي لا يصير خارجاً عن الصلاة بسلام الإمام عندهما.\rوقال محمد: يحنث لأن المقتدي يصير خارجاً عن صلاته بسلام الإمام عنده، فقد تكلم كلاماً خارج الصلاة مع فلان، فيحنث.\rولو حلف لا يكلم فلاناً، فكتب إليه كتاباً، فانتهى الكتاب إليه، أو أرسل إليه رسولاً،فبلغ الرسالة إليه، أو أشار إليه بالإصبع: لا يحنث؛ لأن هذا ليس بكلام ، وذلك باتفاق الحنفية، والشافعية في الجديد. وقال الحنابلة والمالكية على الراجح: يحنث إلا أن يكون أراد ألا يشافهه (1) .\rالحلف على عدم التكلم: من حلف لا يتكلم اليوم، فقرأ القرآن، أو صلى، أو سبح: لم يحنث، استحساناً، ومثله التهليل والتكبير، وهو يتناول القراءة والتسبيح في الصلاة وخارجها؛ لأن هذا لا يسمى كلاماً عرفاً، أما في الصلاة فليس بكلام عرفاً ولا شرعاً، قال عليه الصلاة والسلام: «إن صلاتنا هذه لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، وإنما هي التهليل والتسبيح وقراءة القرآن» (2) وقوله صلّى الله عليه وسلم: «إن الله تعالى يحدث من أمره ما يشاء، وإن مما أحدث ألا نتكلم في الصلاة» (3) ، ولأن الكلام مفسد، ولو كانت هذه الأشياء من كلام الناس لأفسدت.\r-------------------------------\r(1) البدائع، المرجع السابق: ص 48، تبيين الحقائق، المرجع السابق، القوانين الفقهية: ص 164، مغني المحتاج: 345/4. المغني: 820/8، الشرح الكبير: 146/2.\r(2) رواه أحمد ومسلم والنسائي وأبو داود وابن حبان والبيهقي والطبراني عن معاوية بن الحكم السلمي (نصب الراية: 2 ص 66، نيل الأوطار: 2 ص 315).\r(3) رواه أحمد والنسائي وأبو داود وابن حبان في صحيحه عن ابن مسعود (انظر نيل الأوطار، المرجع السابق: ص 314).","part":4,"page":71},{"id":2167,"text":"وأما في غير الصلاة فلا يحنث، لأنه لا يسمى متكلماً في عرفنا المتأخر بل قارئاً ومسبحاً، ومبنى الأيمان على العرف (1) . وكذلك قال الشافعية والحنابلة: لا يحنث مطلقاً سواء قرأ في الصلاة أم في غيرها؛ لأن الكلام في العرف لا يطلق إلا على كلام الآدميين.\rوهذا هو مذهب الشافعية خلافاً لما زعم الحنفية من أن مذهب الشافعي مخالف لهم، فإنهم قالوا: لو حلف لا يتكلم فسبح الله تعالى أو حمده أو هلله أو كبره أو دعا أو قرأ قرآناً في الصلاة أو خارجها، ولو كان عليه حدث أكبر، فلا حنث بذلك، لانصراف الكلام إلى كلام الآدميين في محاوراتهم (2) .\rوأما الحلف على الكلام مؤقتاً: فهو نوعان: معين ومبهم.\rأما المعين: فنحو أن يحلف الرجل بالليل: لا يكلم فلاناً يوماً، فيحنث بكلامه من وقت الحلف إلى أن تغيب الشمس من الغد، فيدخل في يمينه بقية الليل. وكذلك لو حلف بالنهار لا يكلمه ليلة: إنه يحنث بكلامه من حين حلف إلى طلوع الفجر. ولو حلف في بعض النهار لا يكلمه يوماً فاليمين على بقية اليوم والليلة المستقبلة إلى مثل تلك الساعة التي حلف فيها من الغد.\rفإن قال في بعض اليوم: ( والله لا أكلمك اليوم )، فاليمين على باقي اليوم، فإذا غربت الشمس سقطت اليمين. وكذلك إذا قال بالليل: (والله لا أكلمك الليلة )، فإذا طلع الفجر ، سقطت اليمين.\rولو حلف لايكلمه شهراً: يقع على ثلاثين يوماً تبتدئ من حين الحلف. ولو قال : الشهر، يقع على بقية الشهر، ولو حلف لايكلمه السنة، يقع على بقية السنة.\r-------------------------------\r(1) البدائع: 3 ص 48، فتح القدير: 4 ص 65، تبيين الحقائق: 3 ص 137، الدر المختار: 3 ص 114، المغني: 824/8.\r(2) مغني المحتاج: 4 ص 345.","part":4,"page":72},{"id":2168,"text":"ولو قال: ( والله لا أكلمك يوماً ولا يومين )، فهو مثل قوله: والله لا أكلمك ثلاثة أيام في قول أبي حنيفة ومحمد، وفي رواية عن أبي يوسف. وذكر محمد في الجامع الصغير أنه يقع على يومين. ودليله: أن كل واحد منهما يمين منفردة، فصار لكل يمين مدة على حدة، وبذلك أصبح على اليوم الأول يمينان، وعلى اليوم الثاني يمين واحدة.\rودليل الرأي الأول: أن الحالف عطف اليومين على اليوم، والمعطوف غير المعطوف عليه، فاقتضى يومين آخرين غير الأول (1) .\rوأما المبهم: فنحو أن يحلف ألا يكلم فلاناً زمناً أو حيناً أو الزمان أو الحين: فإنه يقع على ستة أشهر؛ لأن الحين يستعمل، ويراد به الوقت القصير: قال الله تعالى: {فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون} [الروم:17/30] وقد يراد به الوقت الطويل، وهو أربعون سنة، قال تعالى: {هل أتى على الإنسان حين من الدهر} [الإنسان:1/76] وقد يراد به الوقت الوسط: وهو ستة أشهر، قال تعالى: {تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها} [إبراهيم:25/14] قيل: أي ستة أشهر، فحمل على الوسط، لأنا لا نعلم أنه يريد القليل أو الكثير.\rولو قال: ( لا أكلمه دهراً أو الدهر ) فقال أبو حنيفة: إن كانت له نية فهو على ما نوى، وإن لم تكن له نية، فلا أدري ما الدهر.\rوقال الصاحبان: إذا قال: دهراً أي (منكَّراً) فهو ستة أشهر، وإذا قال: الدهر أي (معرفاً) فهو على الأبد.\r-------------------------------\r(1) البدائع ، المرجع السابق : ص 48 وما بعدها ، تبين الحقائق ، المرجع السابق.","part":4,"page":73},{"id":2169,"text":"وقال بعض مشايخ الحنفية: لا خلاف في الدهر أنه الأبد، وإنما قال أبو حنيفة: ( لا أدري ما الدهر ) إذا قال: ( دهرا ً) (1) .\rوقال الشافعية والحنابلة (2) : إن حلف ألا يكلمه زمناً أو وقتاً أو دهراً أو عمراً فإنه يقع على القليل والكثير، فيبر بالقليل والكثير؛ لأن هذه الأسماء لا حد لها في اللغة، وتقع على القليل والكثير، فوجب حمله على أقل ما يتناوله اسمه. أما إذا حلف ألا يكلمه الدهر أو الأبد أو الزمان، فذلك على الأبد، لأن ذلك بالألف واللام، وهي للاستغراق، فتقتضي الدهر كله.\rولو قال: (والله لا أكلمك يوم الجمعة ) فله أن يكلمه في غير يوم الجمعة؛ لأن الجمعة اسم ليوم مخصوص. وكذلك لو قال: (جمعاً) له أن يكلمه في غير يوم الجمعة، لأن الجُمَع جمع جمعة وهي يوم الجمعة فلا يتناول غيره، بخلاف ما إذا قال: ( لا أكلمه أياماً ): إنه يدخل فيه الليالي.\rثم إذا قال (والله لا أكلمك جمعاً ) فهو على ثلاث جمع؛ لأن أقل الجمع الصحيح ثلاثة، فيحمل عليه. وإذا قال:( الجمع ) يقع اليمين على عشر جمع عند أبي حنيفة، وكذلك الأيام والأزمنة والأحايين والشهور والسنين: يقع اليمين على عشرة أيام، وعشرة أحايين أو أزمنة وعشرة أشهر وعشر سنين؛ لأن أكثر ما تناوله اسم الأيام ونحوه: هو عشرة؛ لأن بعد العشرة لا يقال: أيام، بل يقال: أحد عشر يوماً، ومئة يوم، وألف يوم.\rوقال الصاحبان: في الجُمَع والسنين يقع على الأبد، وكذا في الأحايين والأزمنة، وفي الأيام يقع على سبعة، وفي الشهور على اثني عشر؛ لأن الأصل عندهما فيما دخل عليه حرف التعريف هو (اللام) من أسماء الجمع: أن ينظر إن كان هناك معهود ينصرف إليه كالسبعة في الأيام بحسب أيام الأسبوع، والاثني عشر في الشهور، وإن لم يكن هناك معهود ينصرف إلى جميع الجنس، فيستغرق العمر كالسنين والأحايين والأزمنة.\r-------------------------------\r(1) البدائع : 3 ص 50، فتح القدير: 4 ص 72 .\r(2) المغني : 789/8 .","part":4,"page":74},{"id":2170,"text":"أما الأصل عند أبي حنيفة فهو كما لاحظنا: أن ينصرف الاسم إلى أقصى ما يطلق عليه لفظ الجمع عند اقترانه بالعدد: وذلك عشرة (1) .\rومن حلف ألا يكلمه حيناً، فكلمه قبل الستة أشهر، حنث عند الحنفية والحنابلة (2) ؛ لأن الحين المطلق في كلام الله أقله ستة أشهر، قال تعالى: {تؤتي أكلها كل حين} [إبراهيم:25/14] فسره جماعة بستة أشهر. وقال مالك: الحين سنة؛ لأنه فسر بعام. وقال الشافعي وأبو ثور: لا قدر له، ويبر بأدنى زمن؛ لأن الحين اسم مبهم يقع على القليل والكثير.\rولو حلف ( لا يكلمه أياماً ) فهو على ثلاثة أيام وهو الصحيح، لأنه ذكر لفظ الجمع منكراً، فيقع على أدنى الجمع الصحيح: وهو ثلاثة. وفي رواية: يقع على عشرة أيام عند أبي حنيفة، وعند الصاحبين: على سبعة.\rولو قال: ( لا أكلمك سنين ) فهو على ثلاث سنين باتفاق الحنفية والمالكية، لما ذكر أن أقل الجمع ثلاثة، فيحمل عليه (3) .\rوالخلاصة: أن أبا حنيفة وصاحبيه يقولون في الجمع المنكر: إنه يقع على أقل الجمع وهو ثلاثة، أما في الجمع المعرف: فالأصل عند أبي حنيفة: أن يقع على أقصى ما يطلق عليه لفظ الجمع عند اقترانه بالعدد وهو العشرة. والأصل عند الصاحبين: أن يقع على المعهود إن كان هناك معهود، وإلا فيقع على جميع الجنس.\rولو حلف ( لايكمله العمر) فهو على جميع العمر إذا لم تكن له نية. ولو قال: عمراً: فعن أبي يوسف روايتان: في رواية وهي الأظهر: يقع على ستة أشهر كالحين. وفي رواية: يقع على يوم.\rولو حلف ( لا يكلم فلاناً أياماً كثيرة ) : فهو على عشرة أيام عند أبي حنيفة. وعند الصاحبين: يقع على سبعة أيام .\rولو حلف ( لا يكلمه إلى بعيد ) يقع على شهر فصاعداً.\rولو حلف ( لا يكلمه إلى قريب ) فهو على أقل من شهر.\r-------------------------------\r(1) البدائع، المرجع السابق: ص 51، فتح القدير، المرجع السابق: ص 75.\r(2) المغني: 788/8.\r(3) البدائع: 3 ص 52، فتح القدير: 4 ص 73 ، الشرح الكبير: 155/2.","part":4,"page":75},{"id":2171,"text":"ولو حلف ( لا يكلمه عاجلاً أو آجلاً ) فالعاجل: يقع على أقل من شهر؛ لأن الشهر في حكم الكثير؛ لأنه يجعل زمناً آجلاً في الديون، فكان بعيداً. والآجل: يقع على الشهر فصاعداً.\rولو حلف ( لا يكلمه ملياً ) يقع على شهر كالبعيد.\rولو حلف ( ألا يكلمه الشتاء ) فأوله إذا لبس الناس الألبسة الشتوية، وآخره إذا ألقوها بحسب البلد الذي حلف فيه، والصيف على ضده: وهو من حين خلع الألبسة الشتوية إلى لبسها. والخريف والربيع معروفان بحسب المعلوم في اللغة (1) .\rومن حلف ألا يفعل شيئاً ففعل بعضه حنث إلا إن أراد الكل، فمن حلف ألا يزور شخصين أو لا يكلمهما فزار أو كلم أحدهما، إلا أن يكون أراد ألا يجتمع فعله بهما (2) .\rالمطلب الرابع ـ الحلف على الأكل والشرب والذوق ونحوها :\rالأكل: ـ هو إيصال ما يتأتى فيه المضغ بفمه إلى جوفه، مضَغه أو لم يمضغه، كالخبز واللحم والفاكهة ونحوها.\rوالشرب: ـ هو إيصال ما لا يتأتى فيه المضغ إلى جوفه، مثل كل المائعات من الماء والنبيذ واللبن والعسل الممزوج بالماء ونحوها (3) .\rوالذَّوْق: ـ هو إيصال المذوق إلى الفم ابتلعه أو لا، بعد أن وجد طعمه، لأن الذوق أحد الحواس الخمس التي تعلم بها الأشياء، ولذا يتحقق العلم بالطعم سواء ابتلع الشيء المذاق أو مجه، فكل أكل فيه ذوق، وليس كل ذوق أكلاً.\rالحلف على الذَّوْق: بناء عليه: إذا حلف لا يأكل ولا يشرب فذاق، لم يحنث. وإذا حلف لا يذوق طعاماً أو شراباً، فأدخله في فمه وعرف طعمه، حنث لحصول الذوق، وتحقق معناه الذي ذكر.\rولو حلف لا يذوق شيئاً وعنى به أكله وشربه: فإنه تصح نيته ويصدق ديانة بينه وبين الله عز وجل، ولا يصدق قضاء، ولا يحنث بالذوق، لأنه قد يراد بالذوق: الأكل والشرب في عرف الناس، يقول الرجل: ما ذقت اليوم شيئاً، وماذقت إلا الماء ـ يريد به الأكل والشرب.\r-------------------------------\r(1) البدائع، المرجع السابق.\r(2) المغني: 782/8.\r(3) المبسوط: 8 ص 175، البدائع: 3 ص 56، تبيين الحقائق: 3 ص 124، فتح القدير: 4ص44، الدر المختار: 3 ص 94، الفتاوى الهندية: 2 ص 75.","part":4,"page":76},{"id":2172,"text":"وأما السبب في أنه يصدق ديانة، فلأنه نوى ما يحتمله كلامه، ولا يصدق قضاء لعدوله عن ظاهر الكلام إلى معنى آخر.\rولو حلف لا يذوق ماء: فتمضمض في الوضوء: لا يحنث في يمينه، وإن حصل له العلم بطعم الماء؛ لأن ذلك لا يسمى ذوقاً عرفاً وعادة، لأن قصده التطهر، لا معرفة طعم المذوق (1) .\rولو حلف لا يشم شيئاً، فالشم عند الحنابلة يشمل كل نبت أو زهر طيب الرائحة، مثل الورد والبنفسج والنرجس. وقال الشافعي: لا يحنث إلا بشم الريحان الفارسي؛ لأنه المتعارف (2) .\rالحلف على الأكل :\r1 - لو حلف لا يأكل الرمان أو العنب، فمصه ورمى تفله وبلع ماءه، لا يحنث في الأكل، ولا في الشرب؛ لأن المص ليس بأكل ولا شرب، بل هو مص. وإن ابتلع العنب أو الرمان من غير مضغ: يحنث لأنه أكل.\r2 - مفهوم أكل الطعام: لو حلف لا يأكل طعاماً: فإن الطعام يقع بالاتفاق على الخبز، واللحم، والحلوى والفاكهة وما يؤكل على سبيل الإدام مع الخبز؛ لأن الطعام في اللغة: اسم لما يطعم، لقوله تعالى: {كل الطعام كان حلاً لبني إسرائيل إلا ما حرَّم إسرائيل على نفسه} [آل عمران:93/3] أما في العرف فقد اختص بما يؤكل بنفسه أو مع غيره عادة.\rوكذلك إذا حلف لا يأكل من طعام فلان، فأكل شيئاً مما ذكر من طعام فلان: يحنث. فإن أخذ من نبيذ فلان أو مائه، فأكل به بخبز نفسه: لا يحنث؛ لأن هذا لا يسمى طعاماً، لأنه لا يؤكل مع الخبز عادة، ولأن الشخص يسمى حينئذ طعام نفسه عادة.\r-------------------------------\r(1) المبسوط: 175/8، البدائع: 67/3 ومابعدها، تبيين الحقائق: 125/3، الدر المختار: 73/3، الفتاوى الهندية: 75/2، 84.\r(2) المغني: 813/8 وما بعدها.","part":4,"page":77},{"id":2173,"text":"ولو حلف ألا يأكل قوتاً، فأكل خبزاً أوتمراً أو زبيباً أو لحماً أو لبناً، حنث؛ لأن كل واحد من هذه يقتات في بعض البلدان.\r3 - كيفية أكل اللبن والخل: لو حلف لا يأكل هذا اللبن، فأكله مع الخبز أو التمر، أو حلف لا يأكل هذا الخل، فأكله مع الخبز: يحنث باتفاق الحنفية والشافعية؛ لأن أكل اللبن هكذا يكون عادة، وكذلك الخل لأنه من جملة الإدام، قال صلّى الله عليه وسلم : «نعم الإدام الخل» (1) ولو شربه لا يحنث، لأن هذا ليس بأكل (2) .\r4 - اليمين معلقة ببقاء العين لا بعد تغيرها: لو حلف لا يأكل هذا اللبن، فأكل مما يتخذ منه كالجبن والأقط (3) ونحوهما، لا يحنث بالاتفاق؛ لأنه قد تغير، فلا يبقى له اسم العين المحلوف عليها. ومثله: ما لو حلف ألا يأكل من هذه البيضة، فصارت فرخاً، فأكل من فرخ خرج منها، أو حلف لا يشرب من هذه الخمر، فصارت خلاً: لا يحنث، لأنه تغير عن أصله.\r-------------------------------\r(1) رواه أحمد في مسنده وأصحاب السنن الأربعة عن جابر بن عبد الله، ورواه مسلم والترمذي وأحمد وابن ماجه عن عائشة رضي الله عنها وهو حديث صحيح، ولفظ حديث جابر: «نعم الأدم الخل» (نيل الأوطار: 221/8) والإدام: ما يؤتدم به، وجمع الإدام أدم بضم الهمزة، مثل: كتاب وكتب، والأدم بإسكان الدال مفرد كالإدام.\r(2) البدائع، المرجع نفسه: ص 56، تبيين الحقائق، المرجع السابق، الشرح الكبير: 144/2، مغني المحتاج: 338/4، 340، 342. المغني: 806/8.\r(3) الأقط (بفتح الهمزة وكسر القاف): ما يتخذ من اللبن المخيض: يطبخ ثم يترك حتى يمصل.","part":4,"page":78},{"id":2174,"text":"وذكر الحنابلة (1) أن اللبن يتناول لبن الأنعام أوالصيد أو لبن الآدمية؛ لأن الاسم يتناوله حقيقة وعرفاً، وسواء أكان حليباً أم رائباً مائعاً أم مجمداً؛ لأن الجميع لبن.\rومثله أيضاً لو حلف ألا يأكل من هذا البُسْر فصار رُطَباً (2) أو لا يأكل من هذا الرطب فصار تمراً، أو لا يأكل من هذا العنب شيئاً، فصار زبيباً فأكله: لم يحنث في جميع ما ذكر باتفاق الحنفية والشافعية والمالكية؛ لأن الأصل أن اليمين متى تعلقت بعين تبقى ببقاء العين، وتزول بزوالها، إلا أن العين في الرطب وإن لم تتبدل، لكن زال بعضها: وهو الماء بالجفاف، فإذا جف الرطب، فقد زال عنه الماء، فصار آكلاً بعض العين المشار إليها فلا يحنث، وذلك كما لو حلف لا يأكل هذا الرغيف، فأكل بعضه.\rوقال الحنابلة (3) : لو حلف ألا يأكل هذا الرطب، فأكله تمراً حنث، كما يحنث من أكل كل ما تولد من ذلك الرطب. أما لو حلف ألا يأكل تمراً، فأكل رطباً، لم يحنث، وكذا لو حلف ألا يأكل عنباً، فأكل زبيباً أو دبساً، أو لا يكلم شاباً فكلم شيخاً، أو لا يشتري جدياً فاشترى تيساً لم يحنث؛ لأن اليمين تعلقت بالصفة دون العين، ولم توجد الصفة.\rومن حلف لا يأكل طعاماً يشتريه فلان، فاشتراه فلان وغيره، فأكل منه ولم تكن له نية، حنث عند المالكية والحنفية والحنابلة (4) لأن فلاناً مشتر لنصفه وهو طعام وقد أكله، فيجب أن يحنث كما لو اشتراه فلان فخلطه بما اشتراه غيره، فأكل الجميع. وقال الشافعية: لا يحنث؛ لأن كل جزء لم ينفرد أحدهما بشرائه، فلم يحنث به، كما لو حلف لا يلبس ثوباً اشتراه زيد، فلبس ثوباً اشتراه زيد وغيره.\rوهذا بخلاف الحالات الآتية:\r-------------------------------\r(1) المغني: 803/8.\r(2) البسر: هو التمر إذا تلون ولم ينضج، والرطب: ما نضج من البسر قبل أن يصير تمراً.\r(3) المغني: 800/8،802.\r(4) القوانين الفقهية: ص 163، مغني المحتاج: 352/4، المغني: 780/8.","part":4,"page":79},{"id":2175,"text":"لو حلف لا يأكل من لحم هذا الحَمل (1) أو هذا الجدي (2) فأكل منه بعدما صار كبشاً أو تيساً: فإنه يحنث عند الحنفية؛ لأن العين قائمة لم تتغير، واليمين وقعت على الذات المعينة.\rوإذا حلف ألا يكلم هذا الشاب، فكلمه بعدما شاخ: حنث لأن العين قائمة لم تتغير، وإنما الذي تغير هو الوصف، لا بعض الشخص المحلوف عليه.\rأما لوحلف لا يكلم شاباً، فكلم شيخاً: فإنه لا يحنث بالاتفاق؛ لأن اليمين وقعت على نكرة موصوفة بصفة الشباب، وذكر الصفة بمنزلة اشتراط الشرط، ومن المعلوم أن صفة الشباب لا تنطبق على الشيوخ.\rاختلاف الحنفية في حكم خلط اللبن بالماء: إذا حلف إنسان لا يذوق من هذا اللبن شيئاً، فصب فيه ماء فذاقه أو شربه: ينظر إذا كان اللبن غالباً: حنث، لأنه إذا كان غالباً يسمى لبناً، وإذا كان الماء غالباً لا يحنث، وهذا ينطبق على النبيذ إذا صبه في خل، أو الماء المالح إذا صب على ماء عذب، فالعبرة فيه للغلبة، وهذا باتفاق الصاحبين، غير أن أبا يوسف اعتبر الغلبة في اللون أو الطعم، لا في الأجزاء، فإن بقي لون اللبن أو طعمه يحنث وإن كان اللبن أقل. أما إذا ذهب طعم اللبن أو لونه فلا يحنث، وإن كانت أجزاء اللبن أكثر، لأنه إذا كان اللون والطعم كان اسم الشيء باقياً.\rونظر محمد إلى غلبة الأجزاء، فقال: إن كانت أجزاء المحلوف عليه غالبة يحنث، وإن كانت مغلوبة لا يحنث؛ لأن الحكم يتعلق بالأكثر ويكون الأقل تبعاً للأكثر.\r-------------------------------\r(1) الحمل: أي الخروف.\r(2) الجدي: ذكر الماعز في السنة الأولى.","part":4,"page":80},{"id":2176,"text":"وذكر محمد: أنه لو حلف إنسان لا يأكل سمناً، فأكل سويقاً لتَّه (1) بسمن ولا نية له أخرى: إن كانت أجزاء السمن تستبين في السويق ويوجد طعمه يحنث. وإن كان لا يوجد طعمه، ولا يرى مكانه لم يحنث لأنها إذا استبانت لم تصر مستهلكة ضِمْن غيرها، فكأنه أكل السمن بنفسه منفرداً، وإذا لم تستبن أجزاء السمن، فقد صارت مستهلكة في غيرها، فلا يعتد بها.\rاختلاط الشيء بجنسه: إذا اختلط المحلوف عليه بجنسه كاللبن المحلوف عليه إذا اختلط بلبن آخر، قال أبو يوسف: حكمه حكم خلط اللبن بالماء تعتبر فيه الغلبة، فإن كانت الغلبة لغير المحلوف عليه، لم يحنث في يمينه، لأنه في معنى الشيء المستهلك في غيره.\rوقال محمد: يحنث وإن كان المحلوف عليه مغلوباً؛ لأن الشيء لا يصير مستهلكاً بجنسه، وإنما يصير مستهلكاً بغير جنسه، وحينئذ يعتبر كأنه غير مغلوب.\rولكن يلاحظ أن الإمام محمد لم يجعل خلط الجنسين استهلاكاً أي (إعداماً لذات الشيء) إذا كان الجنس والنوع والصفة في كل منهما واحداً، فإذا اختلف النوع كلبن الضأن ولبن المعز، أو اختلفت الصفة كالماء العذب والماء المالح، فيجعل خلطهما استهلاكاً، ويعتبر الحكم في الخليط للغلبة كما في حالة اختلاط الجنسين (2) .\r5 - الحلف على الإدام: لو حلف لا يأكل إداماً، فالإدام: كل مايصطبغ (3) به مع الخبز عادة كاللبن والزيت والمرق والخل والعسل ونحوها، وما لا يصطبغ به فليس بإدام مثل: اللحم والجبن والبيض، وهذا قول أبي حنيفة، وفي رواية عن أبي يوسف. وقال محمد وبقية الفقهاء وفي رواية أخرى عن أبي يوسف: إن كل ما يؤكل بالخبز: فهو إدام مثل اللحم والبيض والجبن، بدليل ما روي عن رسول الله صلّى الله عليه وسلم أنه قال: «سيد إدام أهل الجنة اللحم» (4) ولأن الإدام من الائتدام وهو الموافقة، والموافقة بين هذه الأشياء وبين الخبز في الأكل أمرها ظاهر، فكانت إداماً، ولأن الناس يأتدمون بها عرفاً وعادة. وهذا هو الرأي الأظهر المفتى به عند الحنفية.\rوبناء عليه هناك ثلاثة أوجه في أكل الإدام:\rآ ـ إن أكل ما يؤتدم به كالزيت والخل يحنث بالاتفاق؛ لأن هذه الأشياء تصير تبعاً للخبز، ولا تؤكل مقصودة بنفسها، وهذا هو معنى الإدام.\r-------------------------------\r(1) السويق: هو الناعم من دقيق الحنطة والشعير، ولت السويق: خلطه بالسمن.\r(2) أنظر ما ذكر في المبسوط : 8/182 وما بعدها ، الفتاوى الهندية : 2 / 76 وما بعدها ، البدائع : 3/62 ومابعدها ، فتح القدير : 4 /45 وما بعدها ، تبين الحقائق : 3 /126 ، الدر المختار : 3/97.\r(3) يقال اصطبغ بالصبغ أي الإدام : ائتدم .\r(4) رواه ابن ماجه وابن أبي الدنيا عن أبي الدرداء مرفوعاً به بلفظ : «سيد طعام أهل الدنيا وأهل الجنة : اللحم » وسنده ضعيف ، ورواه ابن قتيبة في غريبه و الطبراني عن بريدة مرفوعاً أيضاً بلفظ : «سيد طعام أهل الدنيا والآخرة اللحم » رواه أبو نعيم في الطب عن علي ابن أبي طالب بلفظ : « سيد طعام أهل الدنيا والآخرة : اللحم » أو « خير طعام .. » ( أنظر نيل الأوطار : 8 /222 , المقاصد الحسنة للسخاوي : ص 244 , الجامع الصغير : 2/ 35).","part":4,"page":81},{"id":2177,"text":"ب ـ إن أكل مع الخبزوالجبن واللحم والبيض: يحنث على الرأي المختار، وهو قول محمد. ولا يحنث على الرأي المرجوح وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف.\rوأما الأرز: فإن كان في بلد يؤكل تبعاً للخبز يكون إداماً عند محمد، فيحنث بأكله، وإن كان يؤكل مقصوداً بنفسه في عرف الناس كما في بلاد الشرق الأقصى، فلا يحنث، لأنه ليس إداماً عندهم.\rجـ ـ وإن أكل مع الخبز عنباً وسائر الفواكه أو البقول: لا يحنث بالاتفاق، لأنه تؤكل وحدها، ولا تؤكل إداماً مقصوداً، بل هي تبع للأكل مع الإدام، إلا في موضع تؤكل تبعاً للخبز غالباً","part":4,"page":82},{"id":2178,"text":"مراعاة للعرف (1) .\r6 - عدم أكل اللحم: لو حلف لا يأكل لحماً، فأي لحم أكل من سائر الحيوان غير السمك حنث. أما إن أكل سمكاً فلا يحنث وإن سماه الله عز وجل لحماً في قوله تعالى: {لحماً طرياً} [فاطر:12/35] لأنه لا يسمى لحماً في العرف ولا يراد به عند الإطلاق اسم اللحم، فإن الرجل يقول: ما أكلت اللحم كذا يوماً، وإن كان قد أكل سمكاً ، وإطلاق القرآن عليه مجرد تسمية. وهذا هو مذهب الشافعية أيضاً (2) ، ولا يشمل الكَرْش والكَبِد والطِّحال والقلب في الأصح عند الشافعية، ويشمل لحم الرأس واللسان وشحم الظهر والجَنْب.\rوقال المالكية والحنابلة: يحنث بأكل شحم الظهر والجنب وبأكل السمك، لأن الله سماه لحماً في قوله سبحانه: {وهو الذي سخر البحر لتأكلوا منه لحماً طرياً} [النحل:14/16]، وقال: {ومن كلٍّ تأكلون لحماً طرياً} [فاطر:12/35]، ولأنه من جسم حيوان (3) .\rواللحم عند الحنابلة لا يشمل الشحم والمخ والدماغ، إلا إن أراد اجتناب الدسم، فيحنث بأكل الشحم.\rولو أكل شحم الظهر يحنث عند الحنفية؛ لأنه لحم سمين. ولو أكل شحم البطن والألية: لا يحنث، لأنه لا يسمى لحماً، ولا يباع مع اللحم أيضاً، فإن نواه يحنث؛ لأنه شدد على نفسه، ولأن فيه معنى اللحم من وجه وهو الدسومة. وكذلك يحنث إن نوى لحم السمك، لأنه لحم ناقص في معنى اللحمية.\rولو أكل أحشاء البطن مثل الكرش والكبد والقلب والكلي والرئة والأمعاء والطحال: ذكر الكرخي أنه يحنث في عادة أهل الكوفة في زمن أبي حنيفة، لأن ذلك يباع مع اللحم، وأما في الموضع الذي لا يباع مع اللحم كما في عرفنا الحاضر فلا يحنث به.\r-------------------------------\r(1) امبسوط : 8 /177 ، البدائع 3/57 ، الدر المختار : 3 /103 وما بعدها ، فتح القدير : 4/54 ، تبين الحقائق : 3/131 ، المغني : 8 /805 .\r(2) المهذب 2 /134 ، مغني المحتاج : 4 /336 .\r(3) المغني : 8 /809 , 811 وما بعدها , الشرح الكبير : 2 /143 .","part":4,"page":83},{"id":2179,"text":"ولو أكل لحم الرأس من الحيوانات، سوى السمك: يحنث؛ لأن الرأس عضو من أعضاء الحيوان، فكان لحمه كلحم سائر الأعضاء، بخلاف ما إذا حلف لايشتري لحماً، فاشترى رأساً: إنه لا يحنث، لأن مشتريه لا يسمى مشتري لحم، وإنما يقال: اشترى رأساً (1) .\r7 - عدم أكل الشحم: ولو حلف لا يأكل شحماً فاشترى شحم الظهر لم يحنث عند أبي حنيفة والشافعي وأحمد؛ لأنه لا يسمى شحماً عرفاً وعادة، بل يسمى لحماً سميناً، فلا يتناوله اسم الشحم عند الإطلاق، وتسمية الله تعالى إياه شحماً لا يدل على دخوله تحت اليمين إذا لم يكن متعارفاً، والأيمان مبنية على العرف، وإنما يحنث بشحم البطن والأمعاء.\rوقال الصاحبان والمالكية: يحنث بأكل شحم الظهر أيضاً، لقوله تعالى: {ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهما إلا ما حملت ظهورهما} [الأنعام:146/6] والمستثنى من جنس المستثنى منه، فدل أن شحم الظهر شحم حقيقة (2) وهذا ما يؤيده عرف اليوم أنه شحم.\r8 - عدم أكل الرأس أو شرائه: لو حلف لا يأكل رأساً أو لا يشتري: إن نوى الرؤوس كلها انصرف إليها، لأنه نوى حقيقة كلامه وشدد على نفسه. وإن لم يكن له نية فإن اسم الرأس يتناول جميع ما يباع في بلد الحالف من الرؤوس.\rوكان أبو حنيفة رحمه الله يقول أولاً: يدخل فيه رأس الإبل والبقر والغنم، ثم رجع فقال: يحنث في رأس البقر والغنم خاصة. وقال الصاحبان: لا يحنث إلا في رأس الغنم خاصة.\rقال متأخرو الحنفية: وهذا اختلاف عصر وزمان وتبدل عادة لا اختلاف حجة وبرهان، إذ مسائل الأيمان مبنية على العرف، فتدورمعه (3) .\rوقال الشافعية (4) : من حلف لا يأكل الرؤوس، ولا نية له، حنث برؤوس تباع وحدها، وهي\r-------------------------------\r(1) المبسوط : 8 /176 ، البدائع : 3/58 ، فتح القدير : 4/47, تبين الحقائق : 3/127 ، الدر المختار : 3 /99 .\r(2) المراجع السابقة: فتح القدير: ص 48، تبيين الحقائق: ص 128، الدر المختار: ص100، مغني المحتاج: 337/4، الشرح الكبير: 144/2.\r(3) انظر المبسوط، المرجع السابق، فتح القدير، المرجع السابق: ص 52، تبيين الحقائق: ص130، الدر المختار: ص 102، البدائع: ص 59.\r(4) مغني المحتاج: 335/4.","part":4,"page":84},{"id":2180,"text":"رؤوس الغنم قطعاً، وكذا الإبل والبقر على الصحيح؛ لأن ذلك هو المتعارف . ولا يحنث بأكل رؤوس طير وحوت وصيد وخيل إلا ببلد تباع فيه مفردة، لكثرتها واعتياد أهلها، فيحنث بأكلها فيه؛ لأنها كرؤوس الأنعام في حق غيرهم.\r9 - عدم أكل البيض: إذا حلف لا يأكل بيضاً: فإن نوى بيض كل شيء، يقع عليه عند الحنفية؛ لأنه نوى حقيقة كلامه، وشدد على نفسه وإن لم تكن له نية فيقع على ماله قشر: وهو بيض الطير والدجاج والأوز، بدلالة العرف (1) .ويقع اسم البيض عند الشافعية (2) على كل ما يفارق بائضه في الحياة كدجاجة ونعامة وحمام، لا سمك وجراد.\r10 - عدم أكل الطبيخ: لو حلف لا يأكل طبيخاً: فإن نوى اللحم وغيره يقع عليه، لأنه طبيخ حقيقة، وفيه تشديد على نفسه. وإن لم ينو شيئاً ينصرف إلى المتعارف عليه وهو كل مطبوخ بالماء. وكان العرف السابق يعني بالطبيخ: اللحم المطبوخ بالماء ليسهل أكله، ويعني أيضاً المرقة المتخذة منه لما فيها من أجزاء اللحم.\r11 - عدم أكل الشواء: لو حلف لا يأكل شواء ونوى أكل لحم مشوي بالنار: يحنث بأكل أي مشوي، لأنه نوى حقيقة كلامه وإن لم يكن له نية فإنما يقع على اللحم خاصة لتعارف الناس في السابق عليه، وأما اليوم فينصرف إلى ما يتعارفه الناس أيضاً.\r-------------------------------\r(1) البدائع: 59/3.\r(2) مغني المحتاج: 336/4.","part":4,"page":85},{"id":2181,"text":"12 - عدم أكل الحلو: إذا حلف لا يأكل حلواء أو حلواً أو حلاوة: فالأصل الذي كان مقرراً عند السابقين: هو أن الحلو: هو ما ليس من جنسه حامض. وغير الحلو: ما كان من جنسه حامض، والمرجع فيه إلى العرف.\rفيحنث بأكل الخبيص والعسل والسكر والرطب والتمر والتين وأشباهها، لأنه ليس من جنسها حامض، ولا يحنث بأكل العنب الحلو والبطيخ الحلو والرمان الحلو والإجاص الحلو والتفاح الحلو والزبيب؛ لأن من جنسها ما ليس بحلو، فلم يخلص معنى الحلاوة فيها.\rوأما الحلواء: فيقع على المصنوع من الحلاوة وحدها، أو مع غيرها كالخبيص والناطف: وهو ما يصنع من الطحينة والسكر (1) .\rوالحقيقة أن تفسير الحلوى وغيرها مرجعه إلى العرف كما قالوا، ففي عرفنا يراعى ما هو المقصود من الحلويات أو الحلاوة عند الناس.\rقال ابن عابدين: وفي زماننا، الحلو: كل ما يتحلى به من فاكهة وغيرها كتين وعنب وخبيصة وكنافة وقطائف، وأما الحلاوة والحلوى: فهي اسم لنوع خاص كالجوزية والسمسمية مما يعقد، وكذا ما يطبخ من السكر أوالعسل بطحين أو نشا (2) .\r13 - عدم أكل الفاكهة: الكلام في الحلف على ألا يأكل الفاكهة على النحو الذي ذكره فقهاء الحنفية بحسب عرفهم السابق يتناول أصنافاً ثلاثة أعرضها هنا عرضاً تاريخياً، ثم أذكر الحكم الفقهي الدائم:\rالصنف الأول: يحنث به باتفاق الحنفية: وهو أنه يقع على ثمرة كل شجرة سوى العنب والرطب والرمان، سواء منها الطري واليابس ؛ لأنه ينطبق عليها اسم الفاكهة: وهو كل ما يتفكه به ويؤكل قبل الطعام وبعده ، أي يتنعم به زيادة على المعتاد.\rالصنف الثاني: لا يحنث به بالاتفاق أيضاً: وهو أن يأكل القثاء والخيار والجزر؛ لأن معنى التفكه غير موجود فيها بحسب المعتاد، لأنها من البقول بيعاً وأكلاً.\r-------------------------------\r(1) المبسوط: 178/8، البدائع: 59/3، فتح القدير: 52/4، تبيين الحقائق: 129/3.\r(2) رد المحتار على الدر المختار: 103/3.","part":4,"page":86},{"id":2182,"text":"الصنف الثالث: اختلفوا فيه وهو العنب والرطب والرمان: فعند أبي حنيفة لا يحنث بها؛ لأن الفاكهة من التفكه: وهو التنعم بما لا يتعلق به البقاء زيادة على المعتاد، وهو مما لا يصلح غذاء ولا دواء، وهذه الأشياء مما يتغذى بها ويتداوى بها، لأن الرطب والعنب يؤكلان غذاء، ويتعلق بهما بقاء الجسد. وبعض الناس في بعض المواضع يكتفون بها. والرمان يؤكل للتداوي، فليس في هذه الأشياء معنى التفكه الكامل، فلا يتناولها اسم الفاكهة، ويؤيده قوله تعالى: {فأنبتنا فيها حباً، وعنباً وقضباً، وزيتوناً ونخلاً، وحدائق غُلْباً، وفاكهة وأبّا، متاعاً لكم ولأنعامكم} [عبس:27/80-32] فالله سبحانه عطف الفاكهة على العنب، والمعطوف غير المعطوف عليه.\rوقال الصاحبان: يحنث بأكل هذه الأشياء؛ لأن معنى التفكه موجود فيها عرفاً، فإنها أعز الفواكه، والتنعم بها يفوق التنعم بغيرها.\rهذا هو مذهب الحنفية في الفاكهة، والعبرة الآن للعرف، فيحنث الحالف بكل ما يعد فاكهة عرفاً. وأما قول أبي حنيفة بأن العنب والرطب والرمان ليس بفاكهة، فهذا اختلاف عرف وزمان، وكان في زمنه لا تعد هذه الأشياء من جملة الفواكه، فأفتى بحسب عرف زمانه، وقد تغير العرف في زمان الصاحبين، فكانت فتواهما مخالفة لفتوى الإمام رضي الله عنه.\rولو حلف لا يأكل فاكهة يابسة فأكل الجوز واللوز والتين ونحوها: فإنه كان في الماضي يحنث؛ لأن اسم الفاكهة يطلق على الرطب واليابس منها، وأما في عرفنا فلا يحنث في الجوز واللوز، لأنه لا يتفكه بهما (1) .\r-------------------------------\r(1) المبسوط: 179/8، البدائع: 60/3 ومابعدها، فتح القدير: 53/4، تبيين الحقائق: 130/4 ومابعدها، الدر المختار: 103/3.","part":4,"page":87},{"id":2183,"text":"وقال المالكية والشافعية والحنابلة (1) : يدخل في فاكهة: رُطَب النخيل وعنب ورمان وأتر ُجّ (نارنج) ورَطْب ويابس وليمون ونَبْق (ثمر حمل السدر)، وبِطّيخ ولبُّ فُسْتق وبُنْدق وغيرهما من اللبوب كلبّ لوز وجوز، في الأصح، ولا يشمل القثاء والخيار والجزر والباذنجان.\r14 - عدم أكل الحنطة: لو حلف لا يأكل من هذه الحنطة يقع على أكل عينها مقلية (2) ومطبوخة، ولا يقع على الحنطة النيئة إلا بالنية، كما لا يقع على الخبز، وما يتخذ من الدقيق إلا أن ينويه فيحنث به، وهذا عند أبي حنيفة رضي الله عنه؛ لأن اسم الحنطة لا يقع على الخبز حقيقة، فحملها على الخبز يكون حملاً على المجاز، والحقيقة أولى.\rورأى الشافعية (3) أنه يحنث بأكل الحنطة مطبوخة ونيئة ومقلية، ولا يحنث بأكل طحينها وسويقها وعجينها وخبزها. كذلك لا يتناول الرطب تمراً ولا بُسْراً (4) ، ولا يتناول العنب زبيباً.\rوقال الصاحبان رحمهما الله والمالكية: إن أكل الحنطة خبزاً حنث أيضاً،كما لو أكل من عينها؛ لأن المتعارف في إطلاق أكل الحنطة هو أكل المتخذ منها وهو الخبز، لا أكل عينها، يقال: فلان يأكل من حنطة كذا أي من خبزها، ومطلق الكلام يحمل على المتعارف. ومنشأ الخلاف في هذه القضية راجع إلى اختلافهم في مسألة في أصول الفقه: وهي أن الكلام إذا كان له حقيقة مستعملة ومجاز متعارف، فعند أبي حنيفة: الحقيقة أولى من المجاز المتعارف. وعند الصاحبين:\r-------------------------------\r(1) مغني المحتاج: 340/4 ومابعدها، القوانين الفقهية: ص 163، المغني: 804/8.\r(2) المقلية:هي التي يغليها الناس على النار ويأكلونها قضماً، وهي التي تسمى في عرف بلادنا (بليلة).\r(3) مغني المحتاج: 338/4.\r(4) قال أهل اللغة: ثمر النخل أوله طلع وكافور، ثم خَلال، ثم بلح، ثم بسر، ثم رطب، ثم تمر.","part":4,"page":88},{"id":2184,"text":"المجاز المتعارف أولى. فمن حلف لا يشرب من الفرات أو من هذا النهر فعند أبي حنيفة: يقع على الشرب كرعاً (1) حتى لو اغترف بإناء أو بيده: لا يحنث . وعند الصاحبين: يقع عليهما أخذاً بعموم المجاز.\rوعموم المجاز: معناه أن يكون للمجاز أفراد كثيرة، ومن جملة أفراده محل الحقيقة، فتدخل الحقيقة في المجاز، كمن حلف لا يدخل دار فلان، فإنه مجاز عن المسكن، وحقيقته الدار المملوكة لفلان، فيدخل في اليمين: ما يسكنه كيفما كان، سواء أكان مستأجراً أم عارية أم ملكاً لعموم المجاز اتفاقاً.\rعدم أكل الدقيق: ولو حلف لا يأكل من هذا الدقيق، فأكل مما يتخذ منه وهو الخبز: يحنث؛ لأن عينه لا يؤكل، وإنما يؤكل عادة خبزاً، ولا يستف إلا نادراً، والنادر ملحق بالعدم . فإن نوى لا يأكل عين الدقيق: لا يحنث بأكل ما يخبز منه، لأنه نوى حقيقة كلامه.\rعدم أكل الخبز: ولو حلف لا يأكل خبزاً فيمينه على حسب المعتاد عند أهل البلد فيما يعتبر أكله خبزاً، وذلك خبز الحنطة والشعير، لأنه هو المعتاد في غالب البلدان (2) .\rوالخبز في الحلف على أكله يتناول عند الشافعية (3) كل خبز كحنطة وشعير وأرز وباقلا (فول) وذ ُرة وحَمِّص.\rوبناء على مسألة الدقيق: إذا حلف لا يأكل من هذه الشجرة فأكل من ثمرتها: يحنث؛ لأن عينها لا تؤكل.\r-------------------------------\r(1) كَرع في الماء أو الإناء: مد عنقه وتناول الماء بفيه من موضعه.\r(2) انظر المبسوط: 181/8، البدائع، المرجع السابق: ص 61 ومابعدها، فتح القدير: 50/4 ومابعدها، تبيين الحقائق: 129/3، الدر المختار: 100/3 ومابعدها، الشرح الكبير: 145/2.\r(3) مغني المحتاج: 339/4.","part":4,"page":89},{"id":2185,"text":"15- الحلف على عدم الأكل وقصد طعام خاص: لو حلف لا يأكل أو لا يشرب، أو لا يلبس، ونوى طعاماً خاصاً وشراباً خاصاً، وثوباً: فإنه لا يصدق؛ لأنه نوى خلاف مقتضى كلامه وهو لا عموم له، فلا يحتمل الخصوص، والنية إنما تعمل في الملفوظ لتعيين بعض محتملاته. أما لو قال: لا آكل طعاماً، أو لا ألبس ثوباً، ونوى طعاماً بعينه وثوباً بعينه: يصدق ديانة لا قضاء، لأنه نوى تخصيص كلامه الظاهر منه العموم ولكنه يحتمل الخصوص (1) .\rوذكر المالكية (2) : أن من حلف ألا يأكل رغيفاً، فأكل بعضه، فإنه يحنث في المشهور، ولو حلف أن يأكله، لم يبر إلا بأكل جميعه. والقاعدة عندهم أن من حلف على فعل يحمل على أكثر ما يحتمله اللفظ على المشهور. ومن حلف على فعل شيء حنث بأكل ما يشتق منه، فمن حلف ألا يأكل قمحاً، حنث بأكل خبزه، ومن حلف ألا يأكل لبناً، حنث بأكل الجبن، ومن حلف ألا يأكل عنباً، حنث بأكل الزبيب.\rالحلف على الشرب :\rعرفنا معنى الشرب: وهو إيصال مالا يحتمل المضغ من المائعات إلى الجوف، فلو حلف لا يشرب، فأكل: لا يحنث، كما لو حلف لا يأكل، فشرب: لا يحنث؛ لأن الأكل والشرب فعلان متغايران. وإذا حلف لا يشرب ولا نية له: فأي شراب شرب من ماء أو غيره يحنث، لأنه منع نفسه عن الشرب عموماً، وسواء شرب قليلاً أو كثيراً، لأن بعض الشراب يسمى شراباً.\rولو حلف لا يشرب من دجلة أو من الفرات: قال أبو حنيفة: لا يحنث ما لم يشرب منه كرعاً: وهو أن يضع فاه عليه، فيشرب منه، فإن أخذ الماء بيده أو بإناء لم يحنث.\r-------------------------------\r(1) البدائع: ص 66، تبيين الحقائق: 133/3، الدر المختار: 105/3 ومابعدها.\r(2) القوانين الفقهية: ص 164 ومابعدها.","part":4,"page":90},{"id":2186,"text":"وقال الصاحبان: يحنث سواء شرب كرعاً أو بإناء أو اغترف بيده. دليلهما: أن مطلق اللفظ ينصرف إلى المتعارف عند أهل اللغة. والمتعارف عندهم: أن من رفع الماء من النهر بيده أو بإناء أنه يسمى شارباً من النهر، فيحمل مطلق الكلام على غلبة المتعارف، وإن كان مجازاً بعد أن كان متعارفاً، كما ذكرت قريباً، وهو مثل ما لو حلف لا يأكل من هذه الشجرة، فإنه ينصرف إلى الثمرة. ودليل أبي حنيفة: أن مطلق الكلام محمول على الحقيقة، وحقيقة الشرب من النهر: هو أن يكرع منه كرعاً بأن يضع فاه عليه فيشرب منه.\rالشرب من الجب أو البئر: إن حلف لا يشرب من ماء هذا الجب (1) أو البئر فاغترف بإناء أو بيده من الأول واستقى من الثاني وشرب: يحنث بالاتفاق، لأنه لا يمكن الشرب منه كرعاً.\rفلو حلف لا يشرب من هذا الجب: فهو على الاختلاف الذي ذكرته في الحلف من دجلة أو الفرات، فلا يحنث عند أبي حنيفة ما لم يكرع منه. وعند الصاحبين: يحنث مطلقاً (2) .\rالحلف على الغداء والعشاء والسحور: الغداء والعشاء والسحور عبارة عن أكل ما يقصد به الشبع عادة، ويعتبر غداء كل بلدة: ما تعارفه أهلها، فإن كان خبزاً فخبز، وإن كان لحماً فلحم، حتى إن الحضري إذا حلف على ترك الغداء، فشرب اللبن لم يحنث، والبدوي بخلافه، لأنه غداء في البادية أي أن المعتبر فيما يتغدى به عادة أهل بلد الحالف.\rولا بد من أن يأكل أكثر من نصف الشبع في غداء وعشاء وسحور.\r-------------------------------\r(1) الجب بضم الجيم: البئر العميقة.\r(2) المبسوط: 186/8 ومابعدها، البدائع: 66/3، فتح القدير: 58/4 ومابعدها، تبيين الحقائق: 134/3.","part":4,"page":91},{"id":2187,"text":"والغداء في الماضي: هو الأكل من طلوع الفجر إلى الظهر.\rوالعشاء في الماضي: هو الأكل من صلاة الظهر إلى نصف الليل؛ لأن مابعد الزوال يسمى عشاء، وعليه تسمى الظهر إحدى صلاتي العشاء في الحديث، فإنه ورد أن النبي صلّى الله عليه وسلم صلى إحدى صلاتي العشاء ركعتين: يريد به الراوي: الظهر أو العصر.\rوفي عرفنا اليوم يعتبر الأكل من طلوع الفجر إلى ارتفاع الضحى الأكبر فطوراً، ومابعده يدخل وقت الغداء وينتهي إلى العصر، لأنه أول وقت العشاء في عرفنا، وحينئذ يدخل وقت العشاء: وهو مابعد صلاة العصر، وهذا العرف يعمل به.\rوالسحور: هو الأكل من بعد نصف الليل إلى طلوع الفجر، مأخوذ من السحر وهو الثلث الأخير من الليل، وقد أطلق على النصف الثاني من الليل لقربه من الثلث الأخير.\rوأما التضحي: فهو الأكل في وقت الضحى. ووقت الضحى: هو من بعد طلوع الشمس من الساعة التي تحل فيها الصلاة إلى نصف النهار؛ لأن هذا وقت صلاة الضحى.\rوأما التصبيح: فهو ما بين طلوع الشمس إلى ارتفاع الضحوة الكبرى لأنه من الإصباح، وهذا يعرف بتسمية أهل اللغة.\rولو حلف ليأتينه غدوة: فهذا بعد طلوع الفجر إلى نصف النهار (1) .\rوإن حلف ألا يأكل شيئاً فشربه أو لا يشربه فأكله، لا يحنث عند الجمهور، وعن الإمام أحمد روايتان: إحداهما ـ يحنث؛ لأن اليمين على ترك أكل شيء أو شربه يقصد بها في العرف اجتناب ذلك الشيء، فحملت اليمين عليه إلا أن ينوي.\rوالثانية ـ لا يحنث؛ لأن الأفعال أنواع كالأعيان (2) .\rالمطلب الخامس ـ الحلف على اللبس والكسوة :\rمن حلف ألا يلبس ثوباً وهو لابسه، نزعه في الحال، فإن لم يفعل حنث بالاتفاق (3) .\rوإذا حلف إنسان ( لا يلبس قميصاً أو سراويل أو رداء ) فاتزر به: لا يحنث، وكذا إذا اعتم بشيء مما ذكر؛ لأن المطلق تعتبر فيه العادة، والاتزار والتعمم ليس بمعتاد في هذه الأشياء، فلا يحنث.\rولو حلف ( لا يلبس هذا القميص أو هذا الرداء ) فعلى أي حال لبسه حنث بالاتفاق (4) .\r-------------------------------\r(1) البدائع: 69/3، فتح القدير: 5/4، تبيين الحقائق: 132/3، الدر المختار: 105/3.\r(2) المغني: 816/8.\r(3) المغني: 777/8.\r(4) المغني: 779/8، الشرح الكبير: 154/2.","part":4,"page":92},{"id":2188,"text":"حتى بالاتزار والتعمم؛ لأن اليمين إذا تعلقت بعين اعتبر فيها وجود اسم العين، ولا تعتبر فيها الصفة المعتادة.\rولو حلف ( لا يلبس من غزل فلانة شيئاً ) فلبس ثوباً قد غزلته فلانة: يحنث في يمينه؛ لأن الغزل عينه لا يلبس، فيقع على ما يصنع منه، وهو الثوب. ولو نوى الغزل بعينه: لا يحنث إذا لبس الثوب، لأنه نوى حقيقة كلامه.\rولو حلف ( لا يلبس ثوباً من غزل فلانة ) يقع على الثوب، ولو نوى الغزل لايصدق.\rولو حلف ( لا يلبس ثوباً من غزل فلانة ) فلبس ثوباً من غزلها وغزل غيرها: لايحنث باتفاق الحنفية والشافعية؛ لأن الثوب اسم لشيء مقدر، فلا يقع على بعضه.\rوعند الحنابلة روايتان: إحداهما: يحنث كالصورة الآتية بعدها، والثانية: لايحنث.\rولو حلف ( لا يلبس من غزل فلانة ) فلبس ثوباً من غزلها وغزل غيرها: حنث بالاتفاق (1) ، لأن البعض يسمى غزلاً.\rأما لو حلف ( لا يلبس من غزل فلانة ) ولم يقل ثوباً: لم يحنث في التكة والزر والعروة والطوق؛ لأن هذا ليس بلبس في العادة، فلو لبس ثوباً تلابيبه (2) من غزل فلانة: يحنث؛ لأن هذا القدر ملبوس من غزلها بلبس الثوب (3) .\rومن حلف ( لا يلبس حلياً ) فلبس خاتم فضة لم يحنث؛ لأنه ليس بحلي عرفاً ولا شرعاً، حتى أبيح استعماله للرجال، وإن كان من ذهب حنث، لأنه حلي ولهذا لا يحل استعماله للرجال، ولو لبس عقد لؤلؤ يحنث عند الصاحبين، لأنه حلي حقيقة، والتحلي به معتاد، وهو الرأي المفتى به خلافاً لرأي أبي حنيفة القائل بأنه لا يحنث. وقال غير الحنفية: يحنث بلبس الفضة واللؤلؤ (4) .\r-------------------------------\r(1) المغني : 781/8.\r(2) التلابيب: جمع تلبيب وهو ما في موضع اللبب من الثياب، واللبب واللبة: موضع القلادة من الصدر.\r(3) انظر المبسوط: 2/9 ومابعدها، البدائع: 69/3 ومابعدها، تحفة الفقهاء، الطبعة القديمة: 483/2، فتح القدير: 96/4 ومابعدها.\r(4) فتح القدير: ص97، المهذب: 136/2، المغني: 779/8.","part":4,"page":93},{"id":2189,"text":"ولو حلف ( لا يكسو فلاناً شيئاً ) ولا نية له، فكساه قلنسوة، أو خفين أو جوربين: حنث؛ لأن الكسوة اسم لما يكسى به، وذلك يوجد في القليل والكثير.\rولو حلف (لا يكسو فلاناً ثوباً ) فأعطاه دراهم يشتري بها ثوباً لم يحنث، لأنه لم يكسه، وإنما وهبه دراهم، وشاوره فيما يفعل بها.\rولو أرسل له ثوب كسوة: حنث؛ لأن حقوق العقد أو اليمين لا تتعلق بالرسول، وإنما تتعلق بالمرسل (1) .\rالمطلب السادس ـ الحلف على الركوب :\rإذا حلف ( لا يركب دابة ) فهو يقع على الدواب التي يركبها الناس في حوائجهم في مواضع إقامتهم، كالفرس والحمار والبغل، فلو ركب ظهر إنسان أو بعيراً أو بقرة أو فيلاً: لا يحنث استحساناً إلا بالنية. والقياس أن يحنث في ركوب كل حيوان، لأن الدابة لفظ عام يشمل كل ما يدب على الأرض. قال تعالى: {وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها} [هود:6/11] إلا أنهم استحسنوا وحملوا اليمين على ما يركبه الناس في حوائجهم غالباً: وهو الخيل والبغال والحمير تخصيصاً للعموم بالعرف والعادة.\rقال صاحب الدر: وينبغي حنثه بالبعير في مصر والشام أي ( إذا كان ممن يركب البعير كالمسافر وأهل البدو ) وبالفيل في الهند للتعارف.\rولو حمل على الدابة مكرهاً فلا حنث.\rولو حلف ( لا يركب فرساً ) فركب برذوناً، أو حلف لا يركب برذوناً (2) فركب فرساً: لم يحنث؛ لأن كل حيوان يختلف عن الآخر، فالفرس عربي، والبرذون أعجمي.\rولو حلف ( لا يركب ) وقال: نويت الخيل: لا يصدق قضاء ولا ديانة، لأن المركوب ليس بمذكور، فلا يحتمل اللفظ التخصيص.\r-------------------------------\r(1) المبسوط: 4/9، البدائع: 71/3.\r(2) البرذون: التركي من الخيل، والجمع البراذين، وخلافها العراب","part":4,"page":94},{"id":2190,"text":". فإن حلف ( لا يركب الخيل ) فركب برذوناً أو فرساً: يحنث لأن الخيل اسم جنس، فيعم جميع أنواعه.\rولو حلف ( لا يركب دابة ) وهو راكبها فمكث على حاله ساعة: حنث؛ لأن الركوب له أمثال تتجدد مع الزمن، فله حكم الابتداء، مثل ما لو حلف لا يلبس وهو لا بس، أو لا يجلس وهو جالس (1) .\rالمطلب السابع ـ الحلف على الجلوس :\rإذا حلف ( لا يجلس على الأرض ) فجلس على شيء حائل بينه وبين الأرض كحصير أو بساط أو كرسي: لم يحنث، لأنه لا يسمى جالساً على الأرض؛ لأن الجالس على الأرض: من باشر الأرض، ولم يحل بينه وبينها شيء، بخلاف ما إذا حال بينه وبين الأرض ثيابه، فإنه لا يعتبر حائلاً لأن الثياب تبع له.\rوإن حلف ( لا يجلس على هذا الفراش ) فجعل عليه فراشاً مثله، ثم جلس: لم يحنث؛ لأن الجلوس ينسب إلى الفراش الثاني دون الأول.\rوخالف أبو يوسف في الفراش خاصة فقال: إذا حلف لا ينام على هذا الفراش، فجعل فوقه فراشاً آخر ونام عليه: حنث، لأنه يحصل به زيادة توطئة ولين، فيكونان مقصودين بالنوم عليهما.\rواتفقوا على أنه لو حلف لا ينام على هذا الفراش فجعل فوقه ملاءة أي شرشفاً: حنث لأنه تبع للفراش، فلا يمنع أن يقال: نام على الفراش.\rولو حلف ( لا يجلس على هذا السرير أو السطح ) فجعل فوقه مصلى أو بساطاً، ثم جلس عليه: حنث؛ لأن السرير يجلس عليه هكذا غالباً، ويقال: نام على السطح، وإن كان نام على فراش.\rفلو جعل فوق السرير سريراً أو بنى فوق السطح سطحاً: لم يحنث؛ لأن الجلوس ينسب إلى الثاني دون الأول.\r-------------------------------\r(1) المبسوط، المرجع السابق: 12/3 وما بعدها، البدائع: 71/3، فتح القدير: 42/4 ومابعدها، الدر المختار ورد المحتار: 94، الفتاوى الهندية: 74/2.","part":4,"page":95},{"id":2191,"text":"ولو نوى الجلوس على ألواح هذا السرير مباشرة دون أن يكون فوقه شيء: يصدق ديانة فيما بينه وبين الله ، لا قضاءً، لأنه خلاف المعتاد وإن كان حقيقة.\rولو قال: ( والله لا أنام على ألواح هذا السرير ) فجلس على بساط فوقه: لم يحنث، لأنه ما نام على ألواح.\rولو حلف ( لا يجلس على الأرض ) فجلس على السطح: يحنث لأنه يسمى أرض السطح (1) .\rالمطلب الثامن ـ الحلف على السكنى :\rإذا حلف ( لا يسكن هذه الدار ) فإن لم يكن ساكناً فيها فالسكنى: أن يسكنها بنفسه، وينقل إليها من متاعه ما يتأثث به، ويستعمله في منزله، فإذا فعل ذلك فهو ساكن، وحانث في يمينه؛ لأن السكنى هو الكون في المكان على طريق الاستقرار والمداومة، وهو يكون بما يسكن به عادة، ألا ترى أن من جلس في المسجد وبات فيه، لم يكن ساكناً في المسجد، ولو أقام فيه بما يتأثث به يسمى ساكن المسجد، فكان هذا معتبراً في اليمين.\rوقال الشافعية والحنابلة (2) : إن استدامة السكنى كابتدائها في وقوع اسم السكنى عليها، فإذا حلف ساكن الدار لايسكنها، فمتى أقام فيها بعد يمينه زمناً يمكنه فيه الخروج، حنث. وإن أقام لنقل متاعه لم يحنث؛ لأن الانتقال لايكون إلا بالأهل والمال، فيحتاج أن ينقل ذلك معه، حتى يكون منتقلاً. وإن أكره على المقام لم يحنث، لحديث العفو عن الاستكراه.\rوإن كان الرجل ساكناً في الدار فحلف لا يسكنها: فإنه لا يبر في يمينه ما لم ينتقل بنفسه وأهله وولده ومتاعه وخادمه ومن يقوم بشأنه في منزله، لأن السكنى في الدار بهذه الأشياء، فكان ترك السكنى فيها بضدها، فإذا لم يأخذ في النقلة من ساعته مع الإمكان: يحنث في يمينه. وهنا ثلاثة افتراضات:\r-------------------------------\r(1) البدائع: 71/3 ومابعدها، فتح القدير: 98/4، تبيين الحقائق: 155/3 ومابعدها.\r(2) مغني المحتاج: 329/4 ، المغني : 767/8 وما بعدها.","part":4,"page":96},{"id":2192,"text":"أحدها ـ إذا انتقل بأهله ومتاعه في الحال: لم يحنث عند أئمة الحنفية الثلاثة، ولا يؤثر وجود السكنى القليلة، لأنه لا يمكن الاحتراز عنه، فكان مستثنى دلالة. وقال زفر: يحنث لوجود شرط الحنث وهو السكنى.\rالثاني ـ لو انتقل بنفسه، ولم ينتقل بأهله ومتاعه: يحنث عند أئمة الحنفية والحنابلة؛ لأن السكنى في المكان ـ كما تقدم ـ هي الكون في الشيء على وجه الاستقرار، ولا يكون هذا إلا بما يسكن به عادة، فإذا حلف لا يسكنها وهو فيها، فالبر في إزالة ما كان به ساكناً، فإذا لم يفعل حنث، ولأن من حلف لا يسكن هذه الدار فخرج بنفسه، وأهله ومتاعه فيها يسمى في العرف والعادة ساكن الدار. هذا بخلاف ما إذا حلف لا يسكن في بلد فخرج منه وترك أهله فيه: لم يحنث؛ لأن العادة لا يقال لمن بدمشق وأهله بحلب: إنه ساكن بحلب.\rوقال الإمام الشافعي (1) : لا يحنث، ويكفي أن يخرج ببدنه بنية التحول، لأن اليمين على سكناه، وقد ترك السكنى، فلم يحنث بترك أهله ومتاعه، كما لو حلف لا يسكن في بلد، فخرج بنفسه وترك أهله فيه. وقال الشافعي محتجاً على الحنفية: إذا خرجت من مكة، وخلَّفت دفيترات بها أفأكون ساكناً بمكة؟!. ومن حلف لا يسكن داراً معينة أو لا يقيم فيها، فليخرج في الحال، فإن مكث بلا عذر حنث، حتى ولو أخرج متاعه؛ لأن المحلوف عليه سكناه، وهو موجود، إذ السكنى تطلق على الدوام كالابتداء، أما إن اشتغل بأسباب الخروج كجمع متاع وإخراج أهل ولبس ثوب، فلم يحنث بمكثه لذلك؛ لأنه لا يعدّ ساكناً، وإن طال مقامه بسبب ذلك. وكذلك الدوام على التزوج أو التطهر أو اللبس أو الركوب أو القيام أو القعود، له حكم ابتداء هذه الأفعال عندهم.\r-------------------------------\r(1) انظر مغني المحتاج: 329/4، المهذب: 132/2 .","part":4,"page":97},{"id":2193,"text":"وهذا بعكس الوطء والصوم والصلاة وبقاء الطيب، الدوام فيها ليس كالابتداء باتفاق الفقهاء (1) .\rالثالث ـ إذا انتقل بنفسه وأهله وماله ومتاعه وترك من أثاثه شيئاً يسيراً فإن أبا حنيفة قال: يحنث لأن السكنى قد ثبتت بكل ذلك فيبقى مابقي شيء منه.\rوقال أبو يوسف : يعتبرنقل الأكثر، لأن نقل الكل قد يتعذر في بعض الأوقات.\rوقال محمد: يعتبر ماتقوم به السكنى، قالوا: وهذا القول أحسن وأرفق بالناس. ولاشك أن من خرج على نية ترك المكان وعدم الرجوع إليه، ونقل من أمتعته مايقوم به أمر سكناه. وهو على نية نقل الباقي يقال عنه: ليس ساكناً فيه، بل انتقل منه، وسكن في مكان آخر، وبهذا يترجح قول محمد.\rفإن منع من الخروج والتحول بنفسه ومتاعه، وأوثقوه وقهروه: لايحنث وإن أقامـ على وضعه أياماً، لأنه ليس بساكن، إنما هو أسكن فيها عن إكراه، فلايحنث.\rوقال محمد: إذا خرج الحالف من ساعته، وخلف متاعه كله في المسكن، ومكث في طلب المنزل أياماً ثلاثة، فلم يجد مايستأجره وكان يمكنه أن يخرج من المنزل ويضع متاعه خارج الدار: لايحنث؛ لأن هذا من عمل النقلة عادة، لأن المعتاد أن ينتقل من منزل إلى منزل لا أن يلقي متاعه على الطريق.\rوقال محمد أيضاً: وإن كان الساكن موسراً وله متاع كثير، وهو يقدر على أن يستأجر من ينقل متاعه في يوم، فلم يفعل، وجعل ينقل بنفسه الأول فالأول، ومكث في النقلة سنة وهو لايترك الاشتغال بالنقل: فإنه لايحنث، لأنه لا يلزمه الانتقال بأسرع الوجوه.\rوإن حلف لا يسكن هذه الدار وهو ساكن فيها، فتحول ببدنه فقط، وقال: ذلك عنيت بيميني: يصدق ديانة فيما بينه وبين الله تعالى ولايصدق قضاء، لأنه نوى خلاف الظاهر والعادة.\r-------------------------------\r(1) المغني : 778/8 .","part":4,"page":98},{"id":2194,"text":"وإن كان حلف وهو غير ساكن فيها وقال: نويت الانتقال ببدني فقط يصدق ديانة وقضاء، لأنه نوى مايحتمله كلامه، ولأنه شدد على نفسه (1) .\rهل الدوام على السكنى له حكم الابتداء؟\rقال الحنفية: دوام السكنى واللبس والركوب له حكم الابتداء، حتى لو حلف لايلبس هذا الثوب وهو لابسه أو لايركب هذه الدابة وهو راكبها، أو لايسكن هذه الدار وهو ساكنها، واستمر على ماكان عليه: حنث؛ لأن هذه الأفعال تتجدد بحدوث أمثالها. وذلك بعكس الدخول والخروج والتزوج والتطهر: لايعتبر الدوام عليها بمثابة إنشائها.\rوالضابط الفارق بينهما: أن مايمتد فلدوامه حكم الابتداء كالقعود والقيام والنظر ونحوه، ومالا يمتد لا دوام له كالخروج والدخول. وهذا هو مذهب الشافعية أيضاً (2) .\rويترتب على هذا أن الحالف على السكنى واللبس والركوب ونحوها إذا انتقل للحال أو نزع الثوب حالاً، أو نزل عن الدابة حالاً: لايحنث. وقال زفر: يحنث لوجود اللبس والركوب والسكنى بعد اليمين، وإن قل الانتظار، وهو كاف للحنث (3) .\rالمطلب التاسع ــ الحلف على الضرب والقتل :\rإذا حلف إنسان بطلاق زوجته ليضربنها حتى يقتلها أو حتى ترفع ميتة ولانية له، فإن ضربها ضرباً شديداً بر في يمينه، لأنه يراد بمثل هذا القول في العادة شدة الضرب دون الإماتة.\rوقال الشافعية: البر بما يسمى ضرباً، فلا يكفي وضع اليد عليها ورفعها، ولايشترط فيه إيلام لصدق الاسم بدونه إلا أن يقول: ضرباً شديداً.\rولو حلف « ليضربن غلامه عشرة أسواط » فجمع عشرة أسواط، وضربه مرة واحدة، وأصاب كل سوط جلده: بر في يمينه ولايحنث عند الحنفية والشافعية، لأنه ضربه عشرة أسواط. فأما إذا لم يصب كل سوط جلده: فإنه يحنث، لأنه لايسمى ضارباً عشرة أسواط.\rوقال المالكية والحنابلة (4) : من حلف أن يضرب غيره مئة سوط فجمعها\r-------------------------------\r(1) المبسوط: 162/8 ومابعدها، الفتاوى الهندية: 69/2، البدائع: 72/3 ومابعدها، فتح القدير: 36/4 ومابعدها، تبيين الحقائق : 119/3.\r(2) مغني المحتاج: 331/4 ، المهذب: 132/2 .\r(3) المبسوط، المرجع السابق: ص35، تبيين الحقائق، المرجع السابق، الدر المختار: 3 ص 83.\r(4) القوانين الفقهية: ص 164، المغني: 819/8، الشرح الكبير: 143/2.","part":4,"page":99},{"id":2195,"text":"ضغثاً فيه عشرة أعواد، ثم ضربه بها ضربة واحدة لم يبر بيمينه؛ لأن معنى يمينه أن يضربه عشر ضربات، ولم يضربه إلا ضربة واحدة، فلم يبر، كما لو حلف ليضربنه عشر مرات بسوط.\rولو قال: ( والله لا أقتل فلاناً بدمشق ) أو قال: ( والله لا أتزوج فلانة بدمشق) فضرب فلاناً بحلب فمات بدمشق، أو زوجه الولي امرأة بحلب، فبلغها الخبر بدمشق، فأجازت العقد حنث في اليمينين جميعاً.\rوكذلك لو حلف على الزمان، فقال: ( لا أفعل ذلك يوم الجمعة ) فمات المحلوف عليه يوم الجمعة، أو أجازت المرأة النكاح يوم الجمعة: حنث الحالف.\rوهكذا يعتبر في القتل مكان زهوق الروح وزمانه، كما يعتبر في النكاح مكان الإجازة وزمانها. ويجري هذا في البيع والشراء: يعتبر مكان الإجازة ويوم الإجازة.\rوقال محمد: يعتبر في العقد مكان الفاعل وزمانه، وفي القتل كما قال أبو يوسف: يعتبر مكان زهوق الروح بالنسبة للمقتول وزمانه (1) .\rومن حلف ( لا يضرب امرأته ) ففعل بها أي فعل يوجعها كالعض وعصر الحلق وشد الشعر ولو ممازحاً: يحنث؛ لأن الضرب اسم لفعل مؤلم، وقد تحقق الإيلام. وقيل: لا يحنث في حال الملاعبة، لأنه يسمى في العرف ممازحة لا ضرباً.\rوإذا قال شخص: ( إن لم أقتل فلاناً فامرأتي طالق ) وفلان ميت: فإن كان الحالف عالماً بموته حين حلف حنث للحال؛ لأن يمينه تنعقد لتصور البر فيه، لأن الله تعالى قادر على إعادة الحياة فيه إذ الروح لا تموت، فيمكن قتله، ثم إنه يحنث في الحال للعجز عن البر في يمينه عادة مثل الحلف على صعود السماء.\r-------------------------------\r(1) البدائع: 76/3 ومابعدها، الفتاوى الهندية: 118/2.","part":4,"page":100},{"id":2196,"text":"وإن لم يعلم بموته لا يحنث عند أبي حنيفة ومحمد، لأنه عقد يمينه على حياة كانت فيه، ولا يتصور إزالتها، وقال أبو يوسف: يحنث لأن تصور البر ليس بشرط عنده لانعقاد اليمين. وهذا الخلاف جرى كما ذكر سابقاً في مسألة الكوز إذا كان يعلم ألا ماء فيه، فحلف وقال: ( إن لم أشرب الماء الذي في هذا الكوز فامرأتي طالق ) (1) .\rأما إن حلف أن يضرب فلاناً في غد، فمات الحالف في يومه، فلا حنث عليه عند الحنابلة والشافعية، وإن مات المحلوف عليه في الغد، حنث؛ لأنه لم يفعل ما حلف عليه في وقته من غير إكراه ولا نسيان، وهو من أهل الحنث (2) . وينطبق هذا الحكم على من قال: والله لأشربن ماء هذا الكوز غداً، فاندفق اليوم، أو لآكلن هذا الخبز غداً، فتلف اليوم، يحنث.\rالمطلب العاشر ـ الحلف على ما يضاف إلى غير الحالف :\rالحلف على ما في ملك فلان: إذا حلف إنسان على ما في ملك فلان: يحنث إذا كان الشيء مملوكاً له وقت فعل المحلوف عليه، سواء أكان ما في ملك فلان مملوكاً له وقت الحلف، أم لم يكن مملوكاً له حينذاك، كأن حلف ( لا يأكل طعام فلان أو لا يشرب شراب فلان أو لا يدخل دار فلان، أو لا يركب دابة فلان، أو لا يلبس ثوب فلان) ولم يكن شيء منها في ملكه، ثم استحدث الملك فيها، فإن زال الملك عن فلان، فحدث الفعل المحلوف عليه: لا يحنث بالاتفاق. وأما في حال وجود الملك فيحنث وهو الحكم المقرر في ظاهر الرواية عند الحنفية؛ لأن هذه اليمين عقدت على المنع من الفعل في ملك فلان، فيعتبر الملك القائم يوم الفعل. وهناك رواية أخرى في النوادر عن محمد، ورواية أخرى أيضاً عن أبي يوسف.\r-------------------------------\r(1) فتح القدير: 101/4، تبيين الحقائق: 159/3، الدر المختار: 143/3 ومابعدها. مغني المحتاج: 347/4.\r(2) المغني: 786/8 ومابعدها.","part":4,"page":101},{"id":2197,"text":"لكن إذا حلف ( لا يكلم زوج فلانة أو امرأة فلان أو صديق فلان، أو ابن فلان، أو أخ فلان ) فإنه يقع على ما كان متحققاً وقت الحلف، ولا يشمل ما يحدث من زوجية وصداقة وولد في المستقبل، فإن زال عقد النكاح ورابطة الصداقة، فكلم المحلوف عليه حنث بالاتفاق.\rوإذا حلف على ما في ملك فلان مع التعيين بالإشارة، كأن قال: ( لا أدخل دار فلان هذا، أو لا أركب دابة فلان هذا، أو لا ألبس ثوب فلان هذا ) فباع فلان داره أو دابته، أو ثوبه ثم دخل أو ركب أو لبس بعد زوال الملك عن فلان: لم يحنث عند أبي حنيفة وأبي يوسف إلا أن يعني ذات الشيء خاصة. وقال محمد: يحنث وإن زال ملك فلان إلا أن يعني ما دامت ملكاً لفلان، فأبو حنيفة وأبو يوسف اعتبرا الإشارة وإضافة الملك لفلان معاً وقت حدوث الفعل للحكم بالحنث فما لم يوجدا لا يحنث. ومحمد يعتبر الإشارة فقط.\rواتفقوا على أنه لو حلف ( لا أكلم هذا الشخص ) أو (لا أدخل هذه الدار) أو (لا أركب هذه الدابة) حنث بالمخالفة، لأنه تعتبر العين المشار إليها (1) .\rبحثان ملحقان بهذا المطلب:\rالبحث الأول ـ الحلف على فعل صادر من غير الحالف :\rإذا حلف إنسان ( لا يلبس مما يشتريه فلان ) فاشتراه فلان مع غيره: لم يحنث، لأنه لبس ثوباً اشترى فلان بعضه لا كله.\rولو حلف( لا يأكل مما يشتريه فلان ) فاشتراه فلان مع غيره فأكل منه حنث؛ لأنه قد أكل ما اشتراه فلان، لأن بعض الطعام طعام حقيقة، ويسمى أيضاً طعاماً عرفاً. وهذا بخلاف ما إذا حلف (لا يدخل دار فلان) فدخل داراً بينه وبين آخر، فإنه لا يحنث، لأن بعض الدار لا يسمى داراً. وكذلك لو حلف (لا يلبس ثوباً لفلان أو يشتريه فلان، أو نسجه فلان) فلبس ثوباً اشتراه فلان مع آخر، أو نسجه مع غيره، لأن بعض الثوب لا يسمى ثوباً.\rأما لو حلف (لا يلبس من نسج فلان) فنسجه فلان مع غيره، فإنه يحنث؛ لأنه يقال عنه: من نسج فلان.\r-------------------------------\r(1) البدائع: 79/3.","part":4,"page":102},{"id":2198,"text":"ولو حلف (لا يأكل من طبيخ فلان، أو من خبز فلان) فأكل مما طبخ فلان مع غيره أو من خبز مشترك بينه وبين غيره، حنث ؛ لأن كل جزء من الطبيخ طبيخ، وكل جزء من الخبز يسمى خبزاً.\rأما لو حلف (لا يأكل من قِدْر طبخها فلان) فأكل مما طبخ فلان مع غيره فلا يحنث؛ لأن كل جزء من القِدْر ليس بقدر.\rوكذا لو حلف ( لا يأكل لفلان رغيفاً ) فأكل رغيفاً مشتركاً: لا يحنث، لأن بعضه لا يسمى رغيفاً. والمقصود من الخباز: هو الذي يضرب الخبز في التنور أو الفرن، دون من عجنه وبسطه. وأما الطابخ: فهو الذي يوقد النار، دون الذي ينصب القدر، ويصب الماء واللحم فيه؛ لأن ذلك من مقدمات الطبخ؛ لأن الطبخ ما ينضج به اللحم، وهو يحصل بإيقاد النار.\rولو حلف (لا يأكل من كسب فلان) فالكسب: ما صار ملكاً للإنسان بفعله أو بقوله، مثل الاستيلاء على المباحات، والاصطياد، والبيع، والإجارة وقبول الهبة والصدقة والوصية ونحوها مما يحتاج إلى قبول لترتب الأثر الشرعي عليه.\rأما الميراث: فليس بكسب للوارث ؛ لأنه يثبت له الملك فيه من غير إرادة منه.\rولو مات المحلوف عليه، وقد كسب شيئاً فورثه رجل، فأكل الحالف منه: حنث؛ لأنه أكل من أكساب المحلوف عليه، وهو ليس كسباً للوارث، فيظل منسوباً للمورث.\rأما لو باع المحلوف عليه كسبه إلى رجل، فأكل منه الحالف فلا يحنث؛ لأن ملكيته انتقلت إلى المشتري، فلم يبق منسوباً إلى المالك الأصلي (1) .\rالبحث الثاني - فعل الغير بأمر الحالف :\rلو حلف إنسان على فعل، فقال: ( والله لا أفعل كذا ) ثم أمر غيره بأن يفعله، ففعل، ينظر في طبيعة المحلوف عليه:\r-------------------------------\r(1) البدائع: 57/3، 64.","part":4,"page":103},{"id":2199,"text":"1 - إن كان فعلاً له حقوق (1) ترجع إلى الفاعل كالبيع والشراء والإجارة، والقسمة: لا يحنث؛ لأن حقوق هذه العقود تختص بالعاقد المباشر لها دون الآمر وحينئذ لا ينسب الفعل إلى الآمر، وإنما ينسب إلى الفاعل باعتبار أنه العاقد في الحقيقة. وأما ما يرجع للآمر فهو حكم العقد أي ( الغرض والغاية من إنشائه ) ففي البيع: الحكم هو انتقال ملكية المبيع للمشتري وملكية الثمن للبائع.\rففي هذه الزمرة من العقود لا يحنث الحالف على فعلها كما بينت إلا إذا كان الحالف ممن لا يتولى القيام بهذه العقود بنفسه، كالقاضي والسلطان ونحوهما، فيحنث بمجرد أمر غيره بهذه الأفعال؛ لأن المعتاد أن تتم هذه العقود بواسطة غيره.\rوكذلك لو كان الوكيل هو الحالف فإنه يحنث؛ لأن حقوق العقد راجعة إليه، وأنه هو العاقد حقيقة، لا الآمر.\r2 - وإن كان المحلوف عليه فعلاً ترجع حقوقه إلى الآمر، أو كان مما ليس له حقوق، كالنكاح والطلاق والهبة والصدقة والكسوة وقضاء الحقوق واقتضائها والادعاء أمام القضاء والشركة: بأن حلف لا يشارك رجلاً، فأمر غيره بأن يعقد عقد الشركة معه، وكالضرب والذبح والقتل والبناء والخياطة والنفقة ونحوها، فإذا فعل الحالف هذه الأفعال بنفسه، أو أمر غيره ففعل، حنث؛ لأن مالا حقوق له أو ترجع حقوقه إلى الآمر، لا إلى الفاعل ينسب إلى الآمر، لا إلى الفاعل.\rوأما عقد الصلح: ففيه روايتان عن أبي يوسف: في رواية إذا حلف لا يصالح، فوكل بالصلح لم يحنث؛ لأن الصلح عقد معاوضة كالبيع. وفي رواية: أنه يحنث؛ لأن الصلح إسقاط حق كالإبراء.\r-------------------------------\r(1) حقوق العقد: هي الأعمال التي لا بد منها للوصول إلى حكم العقد لتمام الغاية والغرض منه، مثل تسليم المبيع وقبض الثمن والرد بالعيب أو بخيار الرؤية أو الشرط.","part":4,"page":104},{"id":2200,"text":"فإن قال الحالف في زمرة الأفعال التي ترجع الحقوق فيها إلى الآمر كالنكاح والطلاق: ( نويت أن أباشر ذلك بنفسي ) يصدق ديانة فيما بينه وبين الله تعالى، لا قضاء، لأنه نوى ما يحتمله كلامه إلا أنه خلاف الظاهر.\rولو قال الحالف فيما لا حقوق له كالضرب والذبح: (عنيت أن أباشر ذلك بنفسي) يصدق ديانة وقضاء؛ لأنه نوى حقيقة كلامه؛ لأن الضرب والذبح من الأفعال الحقيقية لا الحكمية أو الاعتبارية، فكانت العبرة فيه لمباشرة الفعل (1) .\rالمطلب الحادي عشر ـ الحلف على تصرفات شرعية :\rالكلام في المطالب السابقة كان محصوراً في الحلف على الأمور العادية التي يمارسها الإنسان عادة بحكم تقلب شؤونه في هذه الحياة. وهذا المطلب مخصص للبحث عن أحوال اليمين التي يحلفها الحالف على الأمور الشرعية، باعتبار أن الشارع له حكم فيها من ناحية الصحة والفساد، مثل البيع والشراء والهبة والعارية والصدقة والقرض والتزويج والصلاة والصوم ونحوها.\rالحلف على عدم شراء الذهب والفضة: إذا حلف شخص (لايشتري ذهباً ولا فضة) فاشترى عملة نقدية فضية كالدراهم في الماضي، أو ذهبية كالدنانير، أو آنية أو سبيكة أو حلياً مصوغاً أو غيرها مما هو ذهب أو فضة: فإنه يحنث عند أبي يوسف. وقال محمد: لا يحنث في الدراهم والدنانير.\rوسبب الخلاف هو أن أبا يوسف يعتبر الحقيقة اللغوية في هذه الأمور. ومحمد: يعتبر العرف السائد عند الناس.\r-------------------------------\r(1) البدائع: 82/3 ومابعدها، الفتاوى الهندية: 104/2 .","part":4,"page":105},{"id":2201,"text":"عدم شراء الصوف: لو حلف لا يشتري صوفاً، فاشترى شاة على ظهرها صوف: لم يحنث. والقاعدة في مثل هذا: أن من حلف لا يشتري شيئاً، فاشترى غيره، ودخل المحلوف عليه في البيع تبعاً: لم يحنث، وإن دخل مقصوداً يحنث. والصوف ههنا لم يدخل في العقد مقصوداً؛ لأن التسمية لم تتناول الصوف، وإنما دخل في العقد تبعاً للشاة (1) .\rعدم الهبة والصدقة ونحوهما لو حلف لا يهب لفلان شيئاً، أو لا يتصدق عليه، أو لا يعيره، أو لا ينحل له أو لا يعطيه، ثم وهب له أو تصدق عليه، أو أعاره أو نحله أو أعطاه فلم يقبل المحلوف عليه: يحنث عند جمهور الحنفية. وعند زفر: لا يحنث.\rوأما القرض: فقد روي عن محمد أنه لا يحنث ما لم يقبل، وعن أبي يوسف روايتان: في رواية مثل قول محمد، وفي رواية: يحنث من غير قبول، وهو الأرجح؛ لأن القرض لا تتوقف صحته على تسمية عوض، فهو كالهبة. ووجه قول محمد: أن القرض يشبه البيع، لأنه تمليك بعوض.\rعدم البيع والإجارة ونحوهما: إن حلف الشخص على عقد فيه عوض كالبيع والإجارة والصرف والسلم ونحوها، ففعل الحالف، ولم يقبل الآخر: لا يحنث.\rوالفرق بين عقود التبرعات كالهبة ونحوها، وعقود المعاوضات كالبيع ونحوه: هو أن التبرعات تفيد التمليك من جانب واحد وهو المتبرع، وأما القبول فهو شرط لثبوت الحكم في حق الجانب الآخر، أ ي أنه شرط فقط لترتب الأثر الشرعي على العقد: وهو انتقال الملكية بالنسبة إليه، فإذا وجد مايطلق عليه اسم العقد لغة واصطلاحاً عند الفقهاء، يحنث.\rوأما المعاوضات: فلا تفيد التمليك إلا بإرادة المتعاقدين لغة وشرعاً فلا يتحقق وجود اسم العقد إلا بوجود الإيجاب من أحد المتعاقدين، والقبول من المتعاقد الآخر، وحينئذ يحنث.\r-------------------------------\r(1) البدائع : 81/3 .","part":4,"page":106},{"id":2202,"text":"فإذا كان البيع صحيحاً وتم قبول المشتري: يحنث الحالف، وكذلك يحنث إن كان البيع فاسداً إن تحقق قبول المشتري وقبض المبيع فعلاً؛ لأن اسم البيع يتناول الصحيح والفاسد: وهو مبادلة شيء مرغوب فيه بشيء مرغوب فيه.\rولو باع بيعاً فيه خيار للبائع أو للمشتري: حنث عند محمد، ولم يحنث عند أبي يوسف. وجه قول محمد : أن البيع كما يطلق على البيع البات، أي الذي لاخيار فيه، يطلق أيضاً على البيع الذي فيه خيار، فإن كل واحد منهما يسمى بيعاً في عرف الناس، إلا أن انتقال الملكية في بيع الخيار يتوقف على أمر آخر هو إجازة البيع أو سقوط الخيار فأشبه البيع الفاسد.\rووجه قول أبي يوسف: أن وجود شرط الخيار يمنع نقل الملكية، فأشبه حالة وجود الإيجاب فقط من أحد المتعاقدين دون القبول (1) .\rالحلف على عدم الزواج: لو حلف ( لا يتزوج هذه المرأة ) فيقع على الزواج الصحيح دون الفاسد، فلو تزوج المرأة بنكاح فاسد: لا يحنث؛ لأن المقصود من النكاح هو حل المرأة، ولا يثبت الحل بالفاسد، بخلاف البيع، فإن المقصود منه الملك، ويثبت الملك بالفاسد.\r-------------------------------\r(1) البدائع، المرجع السابق: ص 83.","part":4,"page":107},{"id":2203,"text":"وقال الشافعية (1) : حلف لا يبيع أو لا يشتري، فعقد لنفسه أو غيره، حنث، ولا يحنث بعقد وكيله له. ولو حلف لا يُزوج أو لا يطلق أو لايضرب، فوكل من فعله لا يحنث، إلا أن يريد ألا يفعل هو ولا غيره. وإن حلف لا ينكح، حنث بعقد وكيله له، لا بقبوله هو لغيره. ورأى الحنابلة والمالكية (2) أن من حلف لا يفعل شيئاً كالشراء والضرب، فوكل في فعله حنث، إلا أن ينوي مباشرته بنفسه.\rالحلف على عدم الصلاة والصوم: وكذلك لو حلف لا يصلي ولا يصوم، فيقع على الصحيح دون الفاسد، حتى لو صلى بغير طهارة أو صام بغير نية: لا يحنث؛ لأن المقصود منه التقرب إلى الله سبحانه وتعالى، ولا يحصل التقرب بالفاسد من الصلوات أو الصيام.\rأما إذا حلف في الماضي بأن قال: (والله ما تزوجت) أو (ما صليت) أو (ماصمت) فإنه يقع على الصحيح والفاسد؛ لأن القصد من كلامه هو الإخبار عن الصلاة وغيرها، واسم الصلاة أو النكاح أو الصوم يطلق على الصحيح والفاسد، فإن قصد الصحيح صدق قضاء.\rولو حلف (لا يصلي) فكبر، ودخل في الصلاة: لم يحنث حتى يركع ويسجد سجدة استحساناً؛ لأن الصلاة أفعال مختلفة من القيام والقراءة والركوع والسجود، والمتركب من أجزاء مختلفة: لا يوجد ما لم يكتمل كله، فما لم توجد هذه الأفعال كلها لا يوجد فعل الصلاة، وبالتالي لا يسمى مصلياً. وهذا بخلاف الصوم: ففي صوم ساعة يحصل فعل الصوم.\rوبخلاف ما لو حلف (لا يصلي صلاة) لا يحنث، ما لم يصل ركعتين، لأن أدنى الصلاة ركعتان.\rولو حلف (لا يصلي الظهر): لا يحنث ما لم يتشهد التشهد الأخير: لأن صلاة الظهر مقدرة بأربع ركعات، فما لم توجد الأربع، لا توجد الظهر.\rولو حلف (لا يصوم) فأصبح صائماً لمدة ساعة ثم أفطر: يحنث لأنه يسمى صائماً بصوم ساعة واحدة، إذ الصوم هو الإمساك عن المفطرات على قصد التقرب، وبه وجد شرط الحنث.\rولو حلف (لا يصوم يوماً): لا يحنث حتى يصوم يوماً كاملاً، لأنه جعل شرط الحنث صوماً مقدراً باليوم.\rولو حلف (لا يصوم صوماً): لم يحنث مالم يصم اليوم؛ لأن أقل الصوم الشرعي يوم كامل.\rولو حلف (ليفطرن عند فلان) فأفطر بالماء في منزله، ثم تعشى عند فلان: حنث؛ لأن شرط بره هو الإفطار عند فلان، والإفطار اسم لما يضاد الصوم أي نقيض الصوم، وقد حصل المعنى بالإفطار في منزله بالماء. أما إن نوى بالإفطار تناول العشاء عند فلان: لا يحنث لأنه نوى به أمراً متعارفاً، يقال: (فلان يفطر عند فلان) إذا كان يتعشى عنده، حتى ولو كان أصل الإفطار يقع في منزله.\r-------------------------------\r(1) مغني المحتاج: 350/4.\r(2) المغني: 724/8 ومابعدها.","part":4,"page":108},{"id":2204,"text":"الحلف على (عدم الحج): لو حلف (لا يحج) أو (لا يحج حجة): لا يحنث حتى يطوف طواف الزيارة؛ لأن الحج عبادة مركبة من أجناس أفعال من الوقوف بعرفة، والطواف والسعي وغيرها، فيكون اسم الحج واقعاً على كل الأفعال حقيقة، لا على البعض، وللأكثر حكم الكل، فإذا طاف أكثر الطواف: حنث.\rولو حلف (لا يعتمر) فأحرم، وطاف أربعة أشواط: حنث؛ لأنه وجد الأكثر، وللأكثر حكم الكل كما تقدم، فإن جامع الرجل امرأته في الحج: لايحنث؛ لأن الحج قربة إلى الله تعالى، فتنعقد اليمين على الحج الذي هو قربة أي عبادة: وهو الحج الصحيح لا الفاسد؛ لأن الفاسد ليس بقربة (1) .\rالفَصْلُ الثَّاني: النّذور\rخطة الموضوع :\rأذكر في هذا البحث ثلاثة أمور: تعريف النذر وشروط النذر، وحكم النذر.\rتعريف النذر وركنه: النذر لغة: الوعد بخير أو شر، وشرعاً: الوعد بخير خاصة.\rوقال بعضهم: هو التزام قربة لم تتعين (2) . وركنه عند الحنفية: هو الصيغة الدالة عليه مثل قول الشخص: (لله علي كذا) و (علي كذا) أو (علي نذر) أو (هذا هدي) أو (صدقة) أو (مالي صدقة) أو (ما أملك صدقة) ونحوها (3) .\rوللنذر عند الجمهور غير الحنفية أركان ثلاثة: الناذر، والمنذور، وصيغة النذر. فأما الناذر: فهو كل مكلف مسلم، فلا نذر للصبي والمجنون والكافر.\rوأما المنذور فنوعان: مبهم ومعين، فالمبهم: ما لا يبين نوعه كقوله: لله علي نذر، وحكمه أن فيه في رأي المالكية كفارة يمين. والمعين: أربعة أنواع:\rالأول ـ قربة، فيجب الوفاء بها.\rالثاني ـ معصية، فيحرم الوفاء بها.الثالث ـ مكروه، فيكره الوفاء به.\r-------------------------------\r(1) البدائع: 84/3 ومابعدها، تحفة الفقهاء، الطبعة القديمة: 48/2 ومابعدها، فتح القدير: 93/4 ومابعدها، الفتاوى الهندية: 108/2 ومابعدها، المغني: 720/8.\r(2) مغني المحتاج: 354/4 وقال الراغب: النذر أن توجب على نفسك ما ليس بواجب لحدوث أمر.\r(3) البدائع: 81/5.","part":4,"page":109},{"id":2205,"text":"الرابع ـ مباح، فيباح الوفاء به وتركه، وليس على من تركه شيء.\rوأما الصيغة، فنوعان أيضاً: مطلق ومقيد.\rفأما المطلق فما كان شكراً لله على نعمة أو لغير سبب، مثل لله علي أن أصوم كذا أو أصلي كذا، وهو مستحب عند المالكية، ويجب الوفاء به.\rوأما المقيد : فهو المعلق بشرط، كقوله: إن قدم فلان أو شفى الله مريضي فعلي كذا. وحكمه: أنه يلزم الوفاء به بتحقق الشرط.\rوهو مباح عند المالكية وقيل: مكروه.\rشروط النذر: هناك شروط في الناذر وشروط في المنذور به، أما شروط الناذر فهي ما يأتي (1) :\rأولاً ـ الأهلية من العقل والبلوغ: فلا ينعقد نذر المجنون والصبي غير المميز والصبي المميز؛ لأن هؤلاء غير مكلفين بشيء من الأحكام الشرعية، فليسوا أهلاً للالتزام.\rثانياً ـ الإسلام: فلا يصح نذر الكافر، حتى لو نذر، ثم أسلم، لا يلزمه الوفاء بنذره لعدم أهليته للقربة أو التزامها.\r-------------------------------\r(1) انظر البدائع، المرجع السابق: ص 81 ومابعدها، مغني المحتاج، المرجع السابق، الشرح الكبير للدردير: 161/2، القوانين الفقهية: ص 167 ومابعدها.","part":4,"page":110},{"id":2206,"text":"وأما الحرية فليست بشرط لصحة النذر، فيصح نذر المملوك. وكذلك الاختيار أو الطواعية ليس بشرط عند الحنفية، وهو شرط عند الشافعية فلا يصح نذر المكره عندهم لخبر: « رفع عن أمتي الخطأ والنسيان ومااستكرهوا عليه» (1) .\rوأما شروط المنذور به فهي مايلي (2) :\rأولاً ـ أن يكون المنذور به متصور الوجود في نفسه شرعاً: فلا يصح النذر بما لايتصور وجوده شرعاً كمن قال: ( لله علي أن أصوم ليلاً ) أو قالت المرأة: ( لله علي أن أصوم أيام حيضي ) لأن الليل ليس محل الصوم، والحيض مناف له شرعاً؛ إذ الطهارة عن الحيض والنفاس شرط وجود الصوم الشرعي.\rثانياً ـ أن يكون المنذور به قربة: كصلاة وصيام وحج وصدقة، فلا يصح النذر بما ليس بقربة كالنذر بالمعاصي بأن يقول: ( لله علي أن أشرب الخمر ) أو (أقتل فلاناً ) أو ( أضربه ) أو ( أشتمه ) وهذا باتفاق الأئمة الأربعة وغيرهم (3) لقوله صلّى الله عليه وسلم : « لانذر في معصية الله ، ولا فيما لا يملكه ابن آدم » (4) وقوله عليه السلام: «لا نذر إلا مايُبتغى به وجه الله تعالى» (5) وقوله أيضاً:\r-------------------------------\r(1) رواه الطبراني في الكبير عن ثوبان، وهو حديث صحيح، وروي عن غيره، وقد سبق تخريجه، وهو بلفظ: « إن الله تجاوز عن أمتي ثلاثة: الخطأ والنسيان وماأكرهوا عليه» .\r(2) البدائع، المرجع السابق: ص 82 ومابعدها.\r(3) انظر بداية المجتهد: 409/1، المحلى: 3/8، مختصر الطحاوي: ص 316، مغني المحتاج: 354/4، المغني: 3/9، المهذب: 242/1، القوانين الفقهية: ص 168.\r(4) رواه مسلم وأبو داود والنسائي عن عمران بن حصين رضي الله عنه، وروى النسائي وأبو داود عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلّى الله عليه وسلم قال: « لا نذر، ولا يمين فيما لا تملك، ولا في معصية، ولا في قطيعة رحم » ( نصب الراية: 300/3، جامع الأصول: 188/12، نيل الأوطار: 238/8).\r(5) رواه أبو داود عن عبد الله بن عمرو بن العاص ( جامع الأصول، المرجع السابق ) وروى أحمد عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلّى الله عليه وسلم قال: « لا نذر إلا فيما ابتغي به وجه الله تعالى » ( نيل الأوطار: 242/8 ).","part":4,"page":111},{"id":2207,"text":"« من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه » (1) ولأن حكم النذر: وجوب المنذور به، ووجوب فعل المعصية محال، وعليه فإنه يحرم الوفاء بالمعصية، ولايجب عند الجمهور على الناذر شيء. وقال أبو حنيفة: عليه كفارة يمين،كما سيأتي.\rوكذلك لايلزم النذر بالمباحات من الأكل والشرب واللبس والركوب وطلاق المرأة؛ لأن هذه الأمور ليست قربة لله ، فلا تلزم بالنذر.\rثالثاً ـ أن يكون قربة مقصودة: فلا يصح النذر بعيادة المرضى وتشييع الجنائز والوضوء وتكفين الميت والاغتسال ودخول المسجد ومس المصحف والأذان وبناء الرباطات (2) والمساجد ونحوها؛ لأن هذه الأمور، وإن كانت قُرَباً لله إلا أنها ليست قرباً مقصودة لذاتها عادة. ومن المعلوم أن النذر قربة مقصودة لذاتها كاليمين، فلا يصح نذر ماليس عبادة أو طاعة مقصودة لنفسها (3) ، وإنما يصح نذر الصلاة والصوم والحج والعمرة والاعتكاف ونحوها؛لأنها عبادات مقصودة، ومن جنسها واجب شرعاً، وقد قال النبي صلّى الله عليه وسلم : « من نذر أن يطيع الله فليطعه » .\rوقال الشافعية: الصحيح انعقاد النذر بكل قربة لاتجب ابتداء كعيادة مريض وتشييع جنازة والسلام على الغير أو على نفسه إذا دخل بيتاً خالياً، وتشميت العاطس، وزيارة القادم؛ لأن الشارع رغب فيها، والعبد يتقرب بها، فهي كالعبادات. وأما القرب التي يجب جنسها بالشرع كالصلاة والصوم والحج: فإنها تلزم بالنذر قطعاً بدون خلاف، وكون الاعتكاف يلزم بالنذر وهو أنه يوجد من جنسه في الشرع ماهو واجب وهو الوقوف بعرفة والقعدة الأخيرة في الصلاة، فهذان يعتبران مكثاً كالاعتكاف (4) .\rولو قال شخص: ( لله علي أن أصوم يوم النحر، أو أيام التشريق) يصح نذره عند أبي حنيفة وصاحبيه؛ لأنه نذر بقربة مقصودة، فيصح النذر، كما لو نذر الصوم في غير هذه الأيام.\r-------------------------------\r(1) رواه البخاري وأحمد وأصحاب السنن الأربعة عن عائشة رضي الله عنها ( انظر تخريج وتحقيق أحاديث تحفة الفقهاء: 459/2 ومابعدها للمؤلف مع الأستاذ المنتصر الكتاني ).\r(2) الرباطات: المعاهد المبنية والموقوفة للفقراء.\r(3) انظر البدائع: 82/5، فتح القدير والعناية: 27/4، الدر المختار ورد المحتار: 73/3.\r(4) مغني المحتاج: 370/4 .","part":4,"page":112},{"id":2208,"text":"وقال جمهور العلماء وزفر من الحنفية: لايصح نذر يوم العيد أو أيام التشريق؛ لأنه نذر بما هو معصية؛ لأن الرسول عليه الصلاة والسلام نهى عن الصوم في هذه الأيام، فقال: « ألا لاتصوموا، فإنها أيام أكل وشرب » (1) والمنهي عنه يكون معصية، والنذر بالمعاصي لايصح بدليل قوله عليه السلام: «لانذر في معصية الله ، ولا فيما لايملكه ابن آدم » (2) .\rولو قال: ( لله علي أن أحج ماشياً ) يلزمه الحج ماشياً باتفاق الفقهاء، لأنه التزم المشي، وفيه زيادة قربة، قال عليه السلام: « من حج ماشياً فله بكل خطوة حسنة من حسنات الحرم» ، قيل: وما حسنات الحرم؟ قال النبي صلّى الله عليه وسلم : « واحدة بسبع مئة » (3) فإن عجز عن المشي ركب، وعليه دم ، أي شاة عند الحنفية والمالكية\r-------------------------------\r(1) هذا الحديث رواه أصحاب السنن وابن حبان والحاكم والبزار عن عقبة بن عامر بلفظ أن النبي صلّى الله عليه وسلم قال: « أيام التشريق: أيام أكل وشرب وصلاة فلا يصومها أحد » وروى البخاري ومسلم وأحمد عن أبي سعيد الخدري عن رسول الله صلّى الله عليه وسلم : « أنه نهى عن صوم يومين: يوم الفطر ويوم النحر » ( راجع تخريج أحاديث تحفة الفقهاء للمؤلف مع الأستاذ الكتاني: 296/1).\r(2) المراجع السابقة في بحث شروط المنذور به، البدائع: 83/5.\r(3) رواه ابن خزيمة والحاكم وقال: صحيح الإسناد عن زاذان رضي الله عنه، ولفظه مختصراً: «من حج من مكة ماشياً حتى يرجع إلى مكة كتب الله له بكل خطوة سبع مئة حسنة، كل حسنة مثل حسنات الحرم. قيل: وما حسنات الحرم؟ قال: بكل حسنة مئة ألف حسنة » (الترغيب والترهيب: 166/2).","part":4,"page":113},{"id":2209,"text":"والشافعية، وفي رواية عن أحمد. وأضاف مالك رضي الله عنه أن الناذر يرجع عند العجز، ثم يمشي مرة أخرى من حيث عجز، والدم عنده أي الهدي هو بدنة أو بقرة، أو شاة إن لم يجد بقرة أو بدنة (1) . ودليل هذه المسألة ماروي عن ابن عباس رضي الله عنهما عن عقبة بن عامر أن أخته نذرت أن تمشي إلى بيت الله الحرام، فأتى النبي صلّى الله عليه وسلم ، فسأله : فقال: « إن الله لغني عن نذر أختك، لتركب، ، ولتهد ِ بدنة» (2) ولأن المشي صار بالنذر نسكاً واجباً، فوجب بتركه الدم كالإحرام من الميقات.\rوالأرجح عند الحنابلة أنه إذا عجز عن المشي ركب، وعليه كفارة يمين، لأن النبي صلّى الله عليه وسلم قال لأخت عقبة بن عامر لما نذرت المشي إلى بيت الله : « لتمش ولتركب، ولتكفر عن يمينها » أخرجه أبو داود، وفي رواية الجوزجاني والترمذي وبقية أصحاب السنن: « فلتصم ثلاثة أيام » ولقوله عليه السلام: « كفارة النذر كفارة يمين» (3) ولأن المشي مما يوجبه الإحرام فلم يجب الدم بتركه، وحديث الهدي ضعيف كما أشرنا في الحاشية.\r-------------------------------\r(1) انظر البدائع: 84/5، بداية المجتهد: 411/1، مغني المحتاج: 363/4 ومابعدها، المهذب: 245/1 ومابعدها، المغني: 8/9.\r(2) رواه أبو داود عن عبد الله بن عباس بهذا اللفظ، ورواه أحمد وأبو يعلى الموصلي في مسنديهما بلفظ: « إن الله غني عن نذر أختك، ولتركب ولتصم ثلاثة أيام» ورواه أحمد وأصحاب الكتب الستة عن عقبة بن عامر بلفظ: «لتمش ولتركب» وفي رواية: «إن الله تعالى لا يصنع بشقاء أختك شيئاً، مرها فلتختمر، ولتركب، ولتصم ثلاثة أيام» (جامع الأصول: 185/12، مجمع الزوائد: 189/4، نصب الراية: 305/3، نيل الأوطار: 246/8، سبل السلام: 113/4).\r(3) رواه أحمد ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي عن عقبة بن عامر بلفظ: «كفارة النذر كفارة يمين» وهو حديث صحيح، وهناك روايات أخرى استوفيناها في تخريج أحاديث تحفة الفقهاء: 464/2 وما بعدها.","part":4,"page":114},{"id":2210,"text":"رابعاً ـ أن يكون المال المنذور به مملوكاً للناذر وقت النذر، أو يكون النذر مضافاً إلى المِلْك، أو إلى سبب الملك: فلو نذر في الحال صدقة مالا يملكه لايصح بالاتفاق لقوله عليه الصلاة والسلام: « لانذر فيما لايملكه ابن آدم» . ولو أضاف النذر إلى الملك مثل: كل مال أملكه في المستقبل فهو صدقة، أو أضافه إلى سبب الملك مثل: كل ما أشتريه أو أرثه فهو صدقة: يصح النذر عند الحنفيةخلافاً للشافعي رحمه الله لقوله عز وجل: {ومنهم من عاهد الله : لئن آتانا من فضله لنصدقن ولنكونن من الصالحين} [التوبة:75/9] إلى قوله تعالى: {فأعقبهم نفاقاً في قلوبهم إلى يوم يلقونه بما أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون} [التوبة:77/9] فهذه الآية الشريفة تدل على صحة النذر المضاف إلى الملك (1) .\rودليل الشافعي على أنه لا يصح النذر بالتصدق بما لا يملكه الإنسان: هو حديث عمران بن الحصين أن النبي صلّى الله عليه وسلم قال: « لا نذر في معصية الله ، ولا فيما لايملكه ابن آدم » (2) .\rخامساً ـ ألا يكون المنذور فرضاً أو واجباً: فلا يصح النذر بشيء من الفرائض، سواء أكان فرض عين كالصلوات الخمس وصوم رمضان، أم فرض كفاية كالجهاد وصلاة الجنازة، ولا بشيء من الواجبات سواء أكان عيناً كالوتر وصدقة الفطر والأضحية أم كفائياً كتجهيز الموتى وغسلهم ورد السلام، لأن إيجاب الواجب لا يتصور (3) .\r-------------------------------\r(1) البدائع: 90/5.\r(2) المهذب : 242/1.\r(3) البدائع، المرجع السابق.","part":4,"page":115},{"id":2211,"text":"حكم النذر: هذا البحث يتطلب الكلام في أمور ثلاثة هي: أصل الحكم، وفيه تعرف أدلة مشروعية النذر، وقت ثبوت الحكم، وكيفية ثبوت الحكم.\r1 - أصل حكم النذر: اختلف العلماء: هل النذر مكروه أو قربة؟ فقال الحنفية: النذر في الطاعات مباح، سواء أكان مطلقاً أم معلقاً على شرط. وقال جماعة: النذر تقرب. ورأى المالكية أن النذر المطلق مندوب، وهو ماليس بمعلق على شيء ولا مكرر بتكرر الأيام كنذر صوم كل يوم خميس، وهو ما أوجبه على نفسه شكراً لله تعالى على نعمة وقعت، كمن شفى الله مريضه أو رزق ولداً أو زوجة، فنذر. أما المكرر كنذر صوم كل يوم خميس فمكروه، وأما المعلق مثل إن شفى الله مريضي فعلي صدقة، ففي كراهته وإباحته تردد، قال الباجي بالكراهة، وقال ابن رشد بالإباحة، وهذا هو الراجح، لكن النذور المعلقة لاتغير من قضاء الله شيئاً، وإنما هي وسيلة لاستخراج الصدقة من البخيل.\rوقال الشافعية والحنابلة: إنه مكروه كراهة تنزيه لا تحريم، فلا يستحب بدليل ماروى ابن عمر عن النبي صلّى الله عليه وسلم أنه نهى عن النذر، وقال: « إنه لايرد شيئاً، وإنما يستخرج به من البخيل » وفي لفظ: « أنه لايأتي بخير وإنما (1) ...إلخ » ولأن\r-------------------------------\r(1) أخرجه البخاري ومسلم وأحمد وأصحاب السنن إلا الترمذي عن ابن عمر، وصح أيضاً مسنداً فيما يرويه الجماعة إلا أبا داود من طريق أبي هريرة. قال الخطابي: معنى نهيه عليه السلام عن النذر إنما هو تأكيد لأمره وتحذير عن التهاون به بعد إيجابه، ولو كان معناه الزجر عنه حتى لا يفعل لكان في ذلك إبطال حكمه وإسقاط لزوم الوفاء به، إذ كان بالنهي عنه قد صار معصية، فلا يلزم الوفاء به: أي أن الحديث متأول وليس على ظاهره، وبمثله قال ابن الأثير في النهاية، وأضاف قوله: وإنما وجه الحديث أنه قد أعلمهم أن ذلك أمر لا يجر لهم في العاجل نفعاً، ولا يصرف عنهم ضراً، ولا يرد قضاء، فلا تنذروا على أنكم تدركون بالنذر شيئاً لم يقدره الله لكم أو تصرفون به عنكم ما جرى به القضاء عليكم، فإذا فعلتم ذلك فاخرجوا عنه بالوفاء فإن الذي نذرتموه لازم لكم. وقيل: الحديث على ظاهره فإنه صريح بكراهة النذر، لأنه إنما يفعله البخيل يستخرج به من ماله ما لا تسخو به نفسه إلا قهراً إذا تحقق غرضه المنذور عليه. (راجع المحلى: 4/8، جامع الأصول: 181/12، 243، نيل الأوطار: 240/8، سبل السلام: 110/4).","part":4,"page":116},{"id":2212,"text":"النذر لو كان مستحباً لفعله النبي صلّى الله عليه وسلم وأفاضل أصحابه، لكن مع هذا من نذر طاعة لله عز وجل لزمه الوفاء بها بأدلة من القرآن والسنة والمعقول (1) .\rأما القرآن: فقوله تعالى: { وليوفوا نذورهم } [الحج:29/22] { يوفون بالنذر ويخافون يوماً كان شره مستطيرا} [الإنسان:7/76] {يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود} [المائدة:1/5] {وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسئولا} [الإسراء:34/17] {وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم} [النحل:91/16] والنذر نوع من العهد من الناذر مع الله عز وجل، والعقود: العهود.\rوأما السنة: ـ فقوله عليه السلام: « من نذر أن يطيع الله فليطعه » وقوله عليه الصلاة والسلام « من نذر وسمى (2) فعليه الوفاء بما سمى » (3) وكلمة « على » تفيد الإيجاب.\r-------------------------------\r(1) المحلى: 3/8، المغني: 1/9، مغني المحتاج: 354/4، البدائع: 90/5، بداية المجتهد: 409/1، الشرح الكبير لللدردير: 162/2.\r(2) أي سمى شيئاً يفعله كالصلاة والصوم والحج ونحوها من الطاعات.\r(3) قال الزيلعي في نصب الراية: 300/3 عن هذا الحديث: غريب. وفي وجوب الوفاء بالنذر أحاديث ذكر منها أحاديث ابن عباس وعائشة وابن عمر وعمرو بن شعيب عن أبيه عن جده (وراجع أيضاً فتح القدير: 27/4).","part":4,"page":117},{"id":2213,"text":"وأما المعقول: فهو أن المسلم يحتاج إلى أن يتقرب إلى الله سبحانه وتعالى بنوع من القرب المقصودة التي يجوز له تركها، طمعاً في نيل الدرجة العليا عند الله تعالى، وبما أن النذر يوجب فعل المنذور به، فيكون النذر طريقاً لإلزام النفس فعل الشيء ومنعها من الترك، فيتحقق المقصود للناذر.\rوقد فصل الحنفية حكم ما يجب الوفاء به بالنظر لتسمية المنذور به وعدم تسميته فقالوا:\rأولاً ـ إن نذر الناذر وسمى المنذور به: مثل: (لله علي حج أو عمرة) أو قال: (إن شفى الله مريضي فعلي صدقة مئة ليرة) فيجب عليه الوفاء بما سمى، سواء ـ كما لاحظنا ـ أكان النذر مطلقاً أم معلقاً بشرط، ولا تجزئ عنه الكفارة.\rوقال المالكية: النذر نوعان: مطلق ومقيد، فأما المطلق: فهو ما كان شكراً لله على نعمة، أو لغير سبب كقوله: ( لله علي أن أصوم كذا أو أصلي كذا )، وهو مستحب ويجب الوفاء به، سواء ذكر لفظ النذر أو لم يذكره إلا إن قصد الإخبار فلا يجب عليه شيء.\rوأما المقيد فهو المعلق بشرط كقوله: إن قدم فلان، أو شفى الله مريضي، أو إن قضى الله حاجتي فعلي كذا، وهو مباح، وقيل: مكروه ويلزم الوفاء به مطلقاً. ولا اعتبار باختلاف الوجوه التي يقع النذر عليها من لَجاج أو غضب أو غيرهما (1) .\rوقال الشافعية (2) : إذا كان النذر معلقاً بشرط يفرق بين ما يريد الناذر وقوعه، وبين ما لا يريد وقوعه أي يفرق بين نذر التبرر، ونذر اللَّجاج.\r-------------------------------\r(1) القوانين الفقهية: ص 168، الشرح الكبير: 161/2.\r(2) راجع مغني المحتاج: 355/4 ومابعدها، المهذب: 243/1.","part":4,"page":118},{"id":2214,"text":"ونذر التبرر (1) : بأن يلتزم الإنسان قربة إن حدثت نعمة أو ذهبت نقمة، مثل: إن شفى الله مريضي فلله علي صوم أو نحوه، ففي هذا النوع يلزم الناذر بالوفاء بنذره إذا حصل الشرط المعلق عليه.\rونذر اللَّجاج (2) : ويسمى أيضاً يمين اللجاج، والغضب، ويمين الغَلَق: هو الذي خرج مخرج اليمين بأن يقصد الناذر حث نفسه على فعل شيء أو منعها غير قاصد للنذر ولا القربة، مثل: إن كلمت فلاناً فلله علي صوم أو نحوه، فالأظهر في هذا النوع أن الناذر بالخيار: إن شاء وفى بما التزم، وإن شاء كفر كفارة يمين، وهذا هو المقصود بحديث: (كفارة النذر كفارة يمين) (5) فبما أنه لا كفارة في نذر التبرر قطعاً، فتعين أن يكون المراد بالحديث نذر اللجاج.\rوبه يتبين أن نذر اللجاج يكون حال الخصومة بدافع من الغضب، ونذر التبرر لا يكون بدافع الخصومة أو الغضب. والنذر المطلق: هو أن يلتزم الناذر قربة لله تعالى، دون تعليق على تحقق غرض معين أو بدافع من الخصومة أو الغضب، مثل:لله علي صيام يوم الخميس.\rوقال الحنابلة (4) : حكم نذر اللجاج والغضب حكم اليمين ويخير كما قال الشافعية بين فعل المنذور وبين كفارة اليمين، قال عليه السلام: « لا نذر في غضب، وكفارته كفارة يمين » (5) . وقال الإمام مالك: النذر لازم على أية جهة وقع (6) .\rثانياً ـ وإن كان النذر لا تسمية فيه: أي إن المنذور به غير مسمى، فحكمه وجوب مانواه الناذر إن نوى شيئاً، سواء أكان النذر مطلقاً عن الشرط أم مقيداً\r-------------------------------\r(1) هو تفعُّل من البر، سمي بذلك، لأن الناذر طلب به البر والتقرب إلى الله تعالى، وهو يشمل نذر المجازاة أي المكافأة والنذر المطلق.\r(2) اللجاج: هو التماحك والتمادي في الخصومة، سمي بذلك لوقوعه حال الغضب.\r(3) رواه مسلم وأحمد وأبو داود والنسائي والترمذي، وزاد فيه: « إذا لم يسمّه » وصححه عن عقبة بن عامر بهذا اللفظ قال ابن حجر: وهو صحيح، وروي بألفاظ أخرى عن عائشة وابن عباس وعمران بن حصين وأبي هريرة (راجع سبل السلام: 111/4، نيل الأوطار: 243/8 وما بعدها، نصب الراية: 295/3، الإلمام: ص 309، تخريج أحاديث التحفة: 465/2).\r(4) المغني : 696/8، 2/9 .\r(5) رواه النسائي عن عمران بن الحصين رضي الله عنه ( راجع المحلى: 8/8، جامع الأصول: 189/12 ومابعدها ) ورواه الطبراني في الكبير والأوسط عن ابن عباس بلفظ «ولا يمين في غضب » (مجمع الزوائد: 186/4).\r(6) بداية المجتهد: 409/1 ، الشرح الكبير للدردير: 161/2.","part":4,"page":119},{"id":2215,"text":"بشرط، بأن قال: (لله علي نذر) أو قال: (إن فعلت كذا فلله علي نذر) فإن نوى صوماً أو صلاة أو حجاً أو عمرة لزمه الوفاء به للحال حالة كون النذر مطلقاً، وعند وجود الشرط إذا كان النذر معلقاً بشرط، ولا تجزئ كفارة اليمين.\rوإن لم تكن هناك نية عند الناذر وهو النذر المبهم، فعليه كفارة اليمين. وهذه الكفارة تجب حالاً إذا كان النذر مطلقاً عن الشرط، فإن كان معلقاً على شرط فتجب الكفارة عند تحقق الشرط. والدليل قوله عليه الصلاة والسلام: « النذر يمين، وكفارته كفارة يمين» (1) .\rووجوب الكفارة مقرر عند الحنفية سواء أكان الشرط الذي علق به النذر مباحاً أم معصية، ويجب عليه أن يحنث نفسه ويكفر عن يمينه (2) ، لقوله عليه الصلاة والسلام: « من حلف على يمين فرأى غيرها خيراً منها، فليأت الذي هو خير، وليكفر عن يمينه» (3) .\rوإذا كان النذر مبهماً ونوى الناذر فيه صياماً ولم ينو عدداً معيناً: فعليه صيام ثلاثة أيام.\rوإن نوى في قوله (لله علي نذر) طعاماً ولم ينو عدداً: فعليه طعام عشرة مساكين، لكل مسكين نصف صاع من حنطة، أي حوالي نصف رطل شامي.\r-------------------------------\r(1) نص الحديث: هو ما رواه مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه عن ابن عباس مرفوعاً أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم قال: «من نذر نذراً لم يسمّه، فكفارته كفارة يمين، ومن نذر نذراً في معصية الله فكفارته كفارة يمين، ومن نذر نذراً لا يطيقه فكفارته كفارة يمين، ومن نذر نذراً أطاقه فليف به» وهناك روايات أخرى مثل حديث عقبة بن عامر: «كفارة النذر كفارة يمين» ( راجع تخريج أحاديث تحفة الفقهاء: 464/2 ومابعدها) وقد سبقت الإشارة إليه.\r(2) راجع مذهب الحنفية بهذا التفصيل في المبسوط: 136/8، البدائع: 90/5-92، فتح القدير: 27/4، الفتاوى الهندية: 60/2.\r(3) رواه أحمد ومسلم والنسائي وابن ماجه عن عدي بن حاتم. ورواه آخرون عن غيره، وقد سبق تخريجه (انظر نيل الأوطار: 237/8).","part":4,"page":120},{"id":2216,"text":"ولو قال: (لله علي صدقة) فعليه نصف صاع.\rولو قال: (لله علي صوم) فعليه صوم يوم بالاتفاق.\rولو قال: (لله علي صلاة) فعليه ركعتان بالاتفاق.\rوالعلة في حكم هذه الصور: هو أن النذر لم يذكر فيه التقدير، فاعتبر أدنى ما ورد به الأمر في الشرع؛ لأن النذر يعتبر بحسب ما جاء به الأمر.\rوقال المالكية (1) : من نذر صوم أيام لزمه الأيام التي نواها، وإن لم يعين عدداً كفاه يوم واحد. ولو نذر صوم الدهر لزمه، ولا شيء عليه في أيام العيد والحيض ورمضان، وله الفطر في المرض والسفر، ولا قضاء عليه، إذ لا يمكنه.\rوإن نذر صلاةً، لزمه ما نوى، وإلا كفته ركعتان. وإن نذر صدقة جميع ماله أو حلف بذلك، فحنث، كفاه الثلث. وإن عين مقداراً معيناً كالنصف أو الثلثين، لزمه ما نوى. وإن نذر المشي إلى مكة، فإن ذكر الحج أو العمرة، لزمه ذلك، وإن لم يذكر الحج أو العمرة ولا نواهما، وجب عليه الحج أو العمرة، كما بينت. ومن نذر أن يضحي ببدنة، لم تقم مقامها بقرة مع القدرة عليها، أما مع العجز فيجزئه بقرة في رأي مالك.\rوكذلك قال الشافعية (2) : من نذر المشي إلى بيت الله أو إتيانه، فالمذهب وجوب إتيانه بحج أو عمرة. وإن نذر أن يحج أو يعتمر ماشياً، فالأظهر وجوب المشي، فإن قال: أحج ماشياً فمن حيث يحرم، وإن قال: أمشي إلى بيت الله تعالى، فمن دويرة أهله في الأصح. هذا إذا كان قادراً على المشي، لأنه التزم جعل\r-------------------------------\r(1) القوانين الفقهية: ص 168-170، الشرح الكبير: 166/2.\r(2) مغني المحتاج: 362/4 ومابعدها.","part":4,"page":121},{"id":2217,"text":"الشيء وصفاً للعبادة، أما إذا لم يكن قادراً على المشي، فلا يلزمه المشي، ويجوز له الركوب، لعجزه عن المشي.\rنذر المباح ونذر المعصية :\rإذا نذر الإنسان فعل مباح، كما إذا قال: (لله علي أن أمشي إلى بيتي) أو (أركب فرسي) أو (ألبس ثوبي) أو نذر ترك مباح كأن لا يأكل الحلوى: لم يلزمه الفعل ولا الترك لخبر أبي داود: «لا نذر إلا فيما ابتغي به وجه الله تعالى» (1) ولخبر البخاري عن ابن عباس « بينما النبي صلّى الله عليه وسلم يخطب إذا رأى رجلاً قائماً في الشمس، فسأل عنه، فقالوا: هذا أبو إسرائيل، نذر أن يصوم ولا يقعد، ولا يستظل ولا يتكلم، قال: مروه فليتكلم وليستظل، وليقعد، وليتم صومه» (2) وعن أبي هريرة قال: « نذرت امرأة أن تمشي إلى بيت الله الحرام، فسئل نبي الله عن ذلك، فقال: إن الله لغني عن مشيها، مروها فلتركب» (3) وأجاب جمهور الفقهاء عن حديث المرأة التي قالت للنبي صلّى الله عليه وسلم حين قدم المدينة: « إني نذرت أن أضرب على رأسك بالدف، فقال لها: أوفي بنذرك » (4) بأنه صار ذلك من القرب لما حصل السرور للمسلمين بقدومه صلّى الله عليه وسلم وأغاظ الكفار، وأرغم المنافقين.\r-------------------------------\r(1) رواه أبو داود عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده (انظر تخريج أحاديث تحفة الفقهاء: 461/2، نيل الأوطار: 242/8 ومابعدها، مجمع الزوائد: 186/4).\r(2) وأخرجه أيضاً مالك وابن ماجه وأبو داود (انظر تخريج أحاديث التحفة، المرجع السابق، جامع الأصول: 184/12، نيل الأوطار: 242/8، الإلمام ص 113) ورواه الطبراني في الأوسط عن جابر بن عبد الله، وفيه حجاج بن أرطاة وهو مدلس (راجع مجمع الزوائد: 187/4).\r(3) رواه الترمذي عن أبي هريرة، وقال: هذا حديث صحيح. ولم يأمرها بكفارة (جامع الأصول: 186/12).\r(4) أخرجه أبو داود عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده (جامع الأصول، المصدر السابق: ص 188، نصب الراية: 300/3).","part":4,"page":122},{"id":2218,"text":"ولكن ناذر المباح إن خالف مقتضى نذره فهل عليه كفارة؟ قال الحنفية والمالكية والشافعية في الأصح: لا كفارة عليه لعدم انعقاد النذر. وقال الحنابلة: يتخير ناذر المباح بين فعله فيبر، لحديث المرأة التي نذرت أن تضرب بالدف السابق ذكره، وبين تركه وعليه كفارة يمين؛ لأنه ينعقد عندهم نذر المباح بدليل حديث الضرب بالدف (1) .\rوأما إذا نذر الإنسان معصية مثل : (لله علي أن أشرب الخمر) و (أقتل فلاناً) أو (أضربه) أو (أشتمه) ونحوه: فلا يجوز الوفاء به إجماعاً ؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: «لا نذر في معصية الله » (2) . وهل تجب الكفارة به؟\rقال الحنفية والحنابلة: يجب على ناذر المعصية كفارة يمين، لا فعل المعصية، بدليل حديث عمران بن الحصين وحديث أبي هريرة الثابت عن النبي صلّى الله عليه وسلم أنه قال: « لا نذر في معصية الله ، وكفارته كفارة يمين » (3) .\r-------------------------------\r(1) انظر الموضوع في رحمة الأمة في اختلاف الأئمة للدمشقي بهامش الميزان: 149/1 ومابعدها، مغني المحتاج: 357/4، المغني: 5/9، تحفة الفقهاء، الطبعة القديمة: 502/2، بداية المجتهد: 410/1، الشرح الكبير للدردير: 162/2، الفتاوى الهندية: 61/2، القوانين الفقهية: ص168.\r(2) أخرجه مسلم وأبو داود والنسائي والحاكم والبيهقي عن عمران بن حصين بلفظ «لا نذر في معصية، ولا فيما لا يملك ابن آدم» وفي لفظ «لا نذر في معصية الله» عند مسلم (راجع جامع الأصول: 188/12، نصب الراية: 300/3، مجمع الزوائد: 187/4).\r(3) حديث عمران خرّجته في الحديث السابق فقد روي بلفظ: « لا نذر في معصية، وكفارته كفارة يمين» وحديث أبي هريرة رواه أحمد وأصحاب السنن والبيهقي، قال الحافظ ابن حجر: وإسناده صحيح إلا أنه معلول بأنه منقطع. ورواه أحمد وأصحاب السنن عن عائشة بلفظ «لانذر في معصية، وكفارته كفارة يمين » واحتج به أحمد وإسحاق، وصححه الطحاوي وأبو علي بن السَّكَن، وضعفه جمهور المحدثين، ورواه أبو داود عن ابن عباس بلفظ «من نذر نذراً في معصية فكفارته كفارة يمين» وإسناده حسن، إلا أنه في الأصح موقوف على ابن عباس بلفظ «من نذر نذراً في معصية فكفارته كفارة يمين» وإسناده حسن، إلا أنه في الأصح موقوف على ابن عباس( انظر جامع الأصول: 188/12، نيل الأوطار: 243/8 ومابعدها، سبل السلام: 112/4).","part":4,"page":123},{"id":2219,"text":"وقال المالكية والشافعية وجمهور العلماء: لايلزمه في ذلك شيء، فلا كفارة عليه، لحديث عائشة عن النبي صلّى الله عليه وسلم أنه قال: « من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه » وأما حديثُ عمران وأبي هريرة، فقال ابن عبد البر: ضعف أهل الحديث حديث عمران وأبي هريرة، وقالوا: لأن حديث أبي هريرة يدور على سليمان بن أرقم، وهو متروك الحديث، وحديث عمران يدور على زهير بن محمد عن أبيه، وأبوه مجهول، لم يرو عنه غير ابنه، وزهير أيضاً عنده مناكير، وأما حديث عقبة بن عامر: ( كفارة النذر كفارة يمين ) فهو محمول على نذر اللجاج والغضب (1) .\r-------------------------------\r(1) انظر الموضوع في مراجع نذر المباح: رحمة الأمة: ص 147 ومابعدها، مغني المحتاج: ص 356 ومابعدها، المغني: ص 3، التحفة: ص 502، فتح القدير: 22/4، المحلى: ص 8، بداية المجتهد: ص 409 ومابعدها، الدردير: ص 162، القوانين الفقهية: ص 168.","part":4,"page":124},{"id":2220,"text":"2 - وقت ثبوت حكم النذر : أي الوقت الذي يجب فيه المنذور به، ووقت الوجوب يختلف بحسب ما إذا كان النذر مطلقاً عن الشرط، أو معلقا على شرط أو مقيداً بمكان، أو مضافاً إلى وقت في المستقبل. ومن المعلوم أن المنذور به: إما أن يكون قربة بدنية كالصوم والصلاة، أو قربة مالية كالصدقة (1) .\rفإن كان النذرمطلقاً: أي غير معلق بشرط ولا مقيد بمكان أو زمان مثل: لله علي صوم شهر أو حجة أو صدقة أو صلاة ركعتين ونحوه: فيجب عليه في الحال مطلقاً عن الشرط والزمان والمكان؛ لأن سبب الوجوب وجد مطلقاً فيثبت مطلقاً، لكن يندب التعجيل.\rوإن كان النذر معلقاً بشرط: إن شفى الله مريضي أو إن قدم فلان الغائب، فلله علي صوم شهر أو صلاة ركعتين أوالتصدق بليرة ونحوه، فإذا وجد الشرط فعليه الوفاء بالنذر نفسه؛ لأن المعلق بالشرط كالمنجز، فلو فعل المشروط قبل وجود الشرط يكون نفلاً؛ لأن المعلق بالشرط غير موجود قبل وجود الشرط.\rوإن كان مقيداً بمكان بأن قال: (لله علي أن أصلي ركعتين في موضع كذا) أو (أتصدق على فقراء بلد كذا) يجوز أداؤه في غير ذلك المكان عند أبي حنيفة وصاحبيه؛ لأن المقصود من النذر: هو التقرب إلى الله عز وجل، وليس لذات المكان دخل في القربة.\r-------------------------------\r(1) انظر البدائع: 93/5، فتح القدير: 26/4 ومابعدها، الدر المختار: 75/3، 77، القوانين الفقهية: ص 168.","part":4,"page":125},{"id":2221,"text":"وإن نذر صلاة ركعتين في المسجد الحرام، فأداها في أقل شرفاً منه أو فيما لا شرف له أجزأه عند أئمة الحنفية المذكورين، وأفضل الأماكن: المسجد الحرام، ثم مسجد النبي صلّى الله عليه وسلم ، ثم مسجد بيت المقدس، ثم الجامع، ثم مسجد الحي، ثم البيت؛ لأن المقصود هو القربة إلى الله ، وهو يتحقق في أي مكان.\rوخالف زفر في الحالتين: في حالةالتصدق في مكان، وحالة الصلاة في مكان، فإنه يتعين عليه الوفاء بنذره في المكان المشروط؛ لأن الناذر أوجب على نفسه الأداء في مكان مخصوص، فإذا أدى في غيره لم يكن مؤدياً ما عليه، وفي الصلاة في مسجد، التزم الناذر زيادة قربة فيلزمه.\rوقال المالكية (1) : إن نوى الصلاة أو الاعتكاف في مكان أو سمى المسجد كأحد المساجد الثلاثة لزمه الذهاب إليه دون غيرها.\rوقال الشافعية (2) : إذا نذر إنسان التصدق بشيء على أهل بلد معين لزمه فيه الوفاء بالتزامه، ولو نذر صوماً في بلد لزمه الصوم؛ لأنه قربة، ولم يتعين مكان\r-------------------------------\r(1) الشرح الصغير: 255/2، 265، القوانين الفقهية: ص 170.\r(2) مغني المحتاج: 367/4، المهذب: 243/1 ومابعدها.","part":4,"page":126},{"id":2222,"text":"الصوم في تلك البلد، فله الصوم في غيره. ولو نذر صلاة في بلد لم يتعين لها ويصلي في غيرها؛ لأنها لا تختلف باختلاف الأمكنة إلا المسجد الحرام أي الحرم كله، ومسجد المدينة والمسجد الأقصى إذا نذر الصلاة في أحد هذه المساجد فيتعين لعظم فضلها، لقوله صلّى الله عليه وسلم : « لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى » (1) .\rواستدلوا بدليل نقلي على تعيين مكان التصدق بالنذر: وهو ما روى عمرو ابن شعيب عن أبيه عن جده: «أن امرأة أتت النبي صلّى الله عليه وسلم ، فقالت: يا رسول الله إني نذرت أن أذبح بمكان كذا وكذا ـ لمكان كان يذبح فيه أهل الجاهلية ـ قال: لصنم؟ قالت: لا، قال: لوثن؟ قالت: لا، قال: أوفي بنذرك» (2) .\rوكذلك قال الحنابلة (3) : يتعين الاعتكاف في أحد المساجد الثلاثة إن نذر الاعتكاف فيها.\rوإن كان مضافاً إلى وقت في المستقبل: بأن قال: (لله علي أن أصوم رجب) أو: (أصلي ركعتين يوم كذا) أو: (أتصدق بدرهم في يوم كذا)، فوقت الوجوب في الصدقة: هو وقت النذر باتفاق الحنفية، حتى إنه يجوز تقديمها على الوقت المحدد.\rواختلف الحنفية في الصوم والصلاة: فقال أبو حنيفة وأبو يوسف: وقت الوجوب فيهما وقت النذر؛ لأن الوقت للتقدير، لا لتعين الواجب؛ لأن الأوقات في معنى العبادة سواء. وبناء عليه يجوز تقديم المنذور به على الوقت.\r-------------------------------\r(1) رواه أحمد في مسنده والشيخان: البخاري ومسلم، والبيهقي وأبو داود والنسائي وابن ماجه عن أبي هريرة، ورواه أحمد والشيخان والبيهقي والترمذي وابن ماجه عن أبي سعيد الخدري، ورواه ابن ماجه عن عبد الله بن عمرو بن العاص، وهو حديث صحيح (انظر نيل الأوطار: 253/8، سبل السلام: 114/4).\r(2) رواه أبو داود في سننه عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وهو تتمة حديث المرأة التي نذرت أن تضرب بالدف عند الرسول صلّى الله عليه وسلم السابق تخريجه، وفي معناه أحاديث أخرى. قال ابن الأثير في النهاية: الفرق بين الوثن والصنم: أن الوثن كل ما له جثة معمولة من جواهر الأرض أو من الخشب والحجارة كصورة الآدمي تعمل، وتنصب، فتعبد. والصنم: الصورة بلا جثة. ومنهم من لم يفرق بينهما، وأطلقهما على المعنيين. وقد يطلق الوثن على غير الصورة، ومنه حديث عدي بن حاتم: «قدمت على النبي صلّى الله عليه وسلم وفي عنقي صليب من ذهب، فقال: ألق هذا الوثن عنك» (انظر نصب الراية: 300/3، نيل الأوطار: 249/8 ومابعدها، الإلمام: ص 309 ومابعدها، جامع الأصول: 187/12، مجمع الزوائد: 191/4).\r(3) كشاف القناع: 412/2.","part":4,"page":127},{"id":2223,"text":"وقال محمد: وقت الوجوب هو حين مجيء الوقت؛ لأن الناذر أوجب على نفسه الصوم في وقت مخصوص، فلا يجب عليه قبل مجيئه بخلاف الصدقة؛ لأنها عبادة مالية، لا تعلق لها بالوقت بل بالمال، فكان ذكر الوقت فيه لغواً بخلاف العبادة البدنية.\rومن نذر أن يذبح ولده، نحر شاة عند أبي حنيفة، وجزوراً فداء عند مالك، وقال الشافعي: لا شيء عليه؛ لأنها معصية. وقال أحمد في رواية عنه: عليه كفارة يمين، وهذا قياس المذهب؛ لأن هذا نذر معصية أو نذر لجاج. وفي رواية ثانية كما قال أبو حنيفة: كفارته ذبح كبش ويطعمه المساكين، عملاً بفداء ولد إبراهيم حينما أمر بذبحه (1) . ومن نذر ذبح نفسه أو أجنبي، ففيه أيضاً عن أحمد روايتان.\r3 - كيفية ثبوت حكم النذر : النذر إما أن يضاف إلى وقت مبهم أو إلى وقت معين :\rفإن أضيف إلى وقت مبهم بأن قال: (لله علي أن أصوم شهراً) ولا نية له: فحكمه حكم الواجب المطلق عن الوقت (2) . ومن المعروف أن علماء الأصول اختلفوا في وقت وجوب الواجب. فقال بعضهم: على الفور، وقال الأكثرون: على التراخي: ففي أي جزء من العمر يجوز القيام به ويتضيق الوجوب في آخر العمر إذا بقي من العمر في غالب الظن قدر ما يسع الأداء، ويسن تعجيل الوفاء بالنذر، وهذا هو الرأي الصحيح. وهو ينطبق على نذر الاعتكاف المضاف إلى وقت مبهم بأن قال: (لله علي أن أعتكف شهراً) ولا نية له.. ولكن هناك فرقاً بين الصوم والاعتكاف: في الصوم يخير الناذر بين متابعة الصوم وتفرقته، أما في الاعتكاف فيلزم الناذر عند الجمهور غير الشافعية بالتتابع في النهار والليل؛ لأن طبيعة الاعتكاف وهو اللبث على الدوام تتطلب القيام به على الاتصال، فلا بد من التتابع. وأما الصوم فليس مبنياً على التتابع لوجود فاصل الليل بين كل يومين. فإن قيد نذر الصوم بتفريق أو موالاة وجب.\r-------------------------------\r(1) القوانين الفقهية: ص 170، المغني: 708/8 ومابعدها.\r(2) الواجب المطلق: هو ما طلب الشارع فعله حتماً، ولم يعين وقتاً لأدائه، كالكفارة الواجبة على من حلف يميناً وحنث، فليس لفعل هذا الواجب وقت معين، فإذا شاء الحانث كفر بعد الحنث مباشرة، وإن شاء كفر بعد ذلك (انظر أصول الفقه للمؤلف: 49/1).","part":4,"page":128},{"id":2224,"text":"وإن أضيف النذر إلى وقت معين بأن قال: (لله علي صوم غد) فيجب عليه صوم الغد وجوباً مضيقاً ليس له تأخيره من غير عذر، وإذا قال: (لله علي صوم رجب) فيجب عليه صيام شهر، سواء أكان قبل مجيء رجب أم بمجرد مجيئه، ولا يجوز التأخير عن رجب من غير عذر. فإن صام رجب إلا يوماً يقضي ذلك اليوم من شهر آخر، ولو أفطر رجب كله قضى في شهر آخر، لأنه فوت الواجب عن وقته، فصار ديناً عليه (1) ، والدين مقضي على لسان رسول الله صلّى الله عليه وسلم (2) .\rوقال الشافعية: إن نذر صوم سنة معينة، صامها وأفطر العيد والتشريق، وصام رمضان عنه ولا قضاء، ولا تقضي المرأة في الأظهر أيام الحيض والنفاس. وإن أفطر يوماً بلا عذر وجب قضاؤه. فإن شرط التتابع وجب في الأصح. ويقضي رمضان والعيدين والتشريق؛ لأنه التزم صوم سنة ولم يصمها. وكذا تقضي المرأة في الأظهر أيام الحيض والنفاس.\rومن شرع في صوم نفل، فنذر إتمامه، لزمه على الصحيح.\rولو قال: (إن قدم زيد، فلله علي صوم اليوم التالي ليوم قدومه): لزمه صومه فيه.\r-------------------------------\r(1) انظر هذا المطلب في البدائع: 94/5 ومابعدها، مغني المحتاج: 359/4 ومابعدها.\r(2) أخرجه أبو داود والترمذي عن أبي أمامة، قال الترمذي: حديث حسن وصححه ابن حبان. ورواه أيضاً أحمد وأبو داود الطيالسي وأبو يعلى والدارقطني وابن أبي شيبة وعبد الرزاق (نصب الراية: 57/4).","part":4,"page":129},{"id":2225,"text":"الفَصْلُ الثَّالث: الكفَّارات\rأنواع الكفارات: الكفارات أربعة أنواع: كفارة ظهار، وكفارة قتل خطأ (ويقاس عليه القتل العمد عند الشافعية) وكفارة جماع نهار رمضان عمداً (ويقاس عليه الأكل والشرب عمداً عند الحنفية والمالكية) (1) وكفارة يمين. والخصال الواجبة للكفارة في الأنواع الثلاثة الأولى مرتبة: (وهي إعتاق رقبة، فإن عجز عن الرقبة وجب صوم شهرين متتابعين، فإن عجز عن الصوم وجب إطعام ستين مسكيناً إلا القتل فلا إطعام فيه اقتصاراً على الوارد فيه النص). لكن كفارة إفساد الصوم بالجماع في نهار رمضان مخيرة الخصال عند المالكية، والإطعام أفضل الخصال عندهم. وأما خصال كفارة اليمين فهي مرتبة مخيرة: ( وهي كما سنعلم إطعام عشرة مساكين، أو كسوتهم، أو تحرير رقبة مؤمنة، فإن عجز عن ذلك وجب صوم ثلاثة أيام) (2) وسأفصل موضوع الكفارة الأخيرة محل البحث.\rوقد بينت في بحث الصيام أحكام أربع كفارات: كفارة إفساد صوم رمضان، وكفارة المسافر والمريض إذا لم يقضيا الصوم في عامهما، وكفارة الكبير العاجز عن الصوم، وكفارة الحامل والمرضع عند الشافعية إذا أفطرتا خوفاً على طفلهما. وأوضحت أيضاً في بحث الحج كفارات الحج. وذكرت في النذر كفارة نذر اللجاج وهي كفارة اليمين. وسأذكر في بحث الظهار والقتل كفارتيهما. وإقامة الحد عند الجمهور غير الحنفية كفارة للقتل، كما سيتضح في بحث الحدود.\r-------------------------------\r(1) راجع أصول الفقه الإسلامي للمؤلف، طبعة دار الفكر: 692/1-693.\r(2) تحفة الطلاب للشيخ زكريا الأنصاري: ص 103 وما بعدها.","part":4,"page":130},{"id":2226,"text":"كفارة اليمين\rخطة الموضوع :\rالكلام في هذه الكفارة عن الأصل في مشروعيتها، وسبب وجوبها، ونوع الواجب فيها، والخصال الواجبه فيها.\rمشروعية الكفارة: الكفارة مشتقة من الكفر بفتح الكاف أي الستر، فهي ستارة للذنب الحاصل بسبب الحنث في اليمين، فاليمين سبب للكفارة.\rوالأصل في كفارة اليمين: الكتاب والسنة والإجماع:\rأما الكتاب: فقول الله تعالى: {لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم، ولكن يؤاخذكم بما عقَّدتم الأيمان، فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم، أو كسوتهم أو تحرير رقبة، فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام، ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم، واحفظوا أيمانكم، كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تشكرون} [المائدة:89/5].\rوأما السنة: فقول النبي صلّى الله عليه وسلم : « إذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيراً منها، فائت الذي هو خير، وكفر عن يمينك» (1) .\rوأجمع المسلمون على مشروعية الكفارة في اليمين بالله تعالى (2) .\rسبب وجوبها: تجب الكفارة بالحنث في اليمين، سواء أكانت في طاعة أم في معصية أم مباح، ولا يجوز التكفير قبل اليمين باتفاق العلماء؛ لأنه تقديم للحكم قبل سببه، فلم يجز كتقديم الزكاة قبل ملك النصاب.\rتقديم الكفارة على الحنث: وهل الكفارة قبل الحنث أفضل أو بعده؟ قال الحنابلة: الكفارة قبل الحنث وبعده سواء في الفضيلة. وقال مالك والشافعية: الكفارة بعد الحنث أفضل لما فيه من الخروج من الخلاف، وحصول اليقين ببراءة الذمة، فيجوز تقديم الكفارة المالية للصوم.\r-------------------------------\r(1) رواه أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه عن عبد الرحمن بن سمرة، ورواه بعض هؤلاء وآخرون عن غيره، وقد سبق تخريجه (انظر جامع الأصول لابن الأثير الجزري: 300/12).\r(2) المغني: 733/8، فتح القدير: 18/4، المبسوط: 147/8.","part":4,"page":131},{"id":2227,"text":"وقال أبو حنيفة: لا يجوز تقديم الكفارة على الحنث مطلقاً، إنما تجزئ إذا أخرجها بعد الحنث (1) . وهذا أولى الآراء؛ لأن المسبب يكون عادة بعد السبب.\rنوع الواجب في الكفارة: الكفارة واجب مطلق، أي ليس له وقت محدد لأدائه، فيجوز القيام به بعد الحنث مباشرة أو بعده في أثناء العمر.\rثم إن الواجب في الكفارة واجب مخير حالة اليسار: (توفر المقدرة المالية) يعني أن الموسر مخير بين أحد أمور ثلاثة: إطعام عشرة مساكين، أو كسوتهم، أو إعتاق رقبة. وهذا بإجماع العلماء المستند إلى صريح الآية القرآنية السابق ذكرها: {فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة} [المائدة:89/5] لأن الله تعالى عطف بعض هذه الخصال على بعض بحرف (أو) وهو للتخيير (2) .\rفإذا عجز الإنسان عن كل واحد من الخصال الثلاثة المذكورة، لزمه صوم ثلاثة أيام، للآية السابقة: {فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام} [المائدة:89/5] والمراد بالعجز: ألا يقدر على المال الذي يصرفه في الكفارة، كمن يجد كفايته في يومه وليلته وكفاية من تلزمه نفقته فقط ، ولا يجد ما يفضل عنها (3) .\rوينظر إلى العجز وقت الأداء، أي أداء الكفارة عند الحنفية والمالكية والشافعية، فلو حنث الحالف، وكان موسراً وقت الحنث، ثم أعسر، جاز له الصوم عندهم؛ لأن الكفارة عبادة لها بدل، فينظر فيها إلى وقت الأداء، لا وقت الوجوب كالصلاة إذا فاتت في حال الصحة، فقضاها قاعداً أو بالإيماء حال المرض فإنه يجوز.\rويشترط عند الحنفية استمرار العجز إلى الفراغ من الصوم، فلو شرع في الصوم ثم قدر على الإطعام أو الكسوة أو العتق، ولو قبل فراغه من صوم اليوم الثالث بساعة مثلاً: لا يجوز له الصوم، ويرجع إلى التكفير بالمال (4) .\r-------------------------------\r(1) المغني، المرجع السابق: ص 712 -714، بداية المجتهد: 406/1، الميزان للشعراني: 130/2، مغني المحتاج: 326/4، الدر المختار: 67/3، المهذب: 141/2، شرح تحفة الطلاب للشيخ زكريا الأنصاري: 481/2، المبسوط للسرخسي: 147/8، فتح القدير: 20/4، القوانين الفقهية: ص 166.\r(2) المبسوط: 127/8، الفتاوى الهندية: 157/2، المغني: 734/8، بداية المجتهد: 403/1، البدائع: 97/5، مغني المحتاج: 327/4.\r(3) مغني المحتاج: 728/4، المغني: 756/8، الفتاوى الهندية: 57/2، نهاية المحتاج للرملي: 40/8، المهذب: 141/2، الشرح الكبير: 133/2.\r(4) البدائع: 97/3، الدر المختار: 67/3، تبيين الحقائق: 113/3.","part":4,"page":132},{"id":2228,"text":"كذلك ينظر عند المالكية والشافعية إلى العجز وقت إرادة التكفير. أما إذا شرع في الصوم، ثم قدر على المال فلا يلزمه عند هؤلاء الرجوع عن الصوم إلى الكفارة المالية؛ لأن الصوم بدل عن غيره، فلا يبطل بالقدرة على المبدل عنه، ولو وجبت الكفارة على موسر ثم أعسر لم يجزئه الصوم عند هؤلاء (3) ، بعكس الحنفية في المسألتين.\rوالمعتبر عند الحنابلة وقت الوجوب أي حالة الحنث.\rخصال الكفارة: عرفنا أن كفارة اليمين هي إما الإطعام أو الكسوة أو العتق، فإن عجز عن أحد هذه الخصال صام ثلاثة أيام. فما هو الواجب في كل حالة؟\r1 - ما مقدار الإطعام وما المقصود به؟ قال الحنفية: إن المقصود من الإطعام هو مجرد الإباحة لا التمليك؛ لأن النص القرآني ورد بلفظ الإطعام: {فكفارته إطعام عشرة مساكين} [المائدة:89/5] والإطعام في متعارف اللغة: هو التمكين من المطعم أي (الآكل) لا التمليك، وكذا إشارة النص دليل على قولهم، لأن الله تعالى: {إطعام عشرة مساكين} [المائدة:89/5] والمسكنة: هي الحاجة، وهو محتاج إلى أكل الطعام دون تملكه،فكان في إضافة الإطعام إلى المساكين إشارة إلى أن الإطعام هو الفعل الذي يصير المسكين به متمكناً من الطعام لا التمليك، بخلاف الزكاة وصدقة\r-------------------------------\r(1) الشرح الكبير للدردير: 133/2، حاشية قليوبي وعميرة على شرح المنهاج للمحلي: 275/4، المغني: 755/8، 762 وما بعدها.","part":4,"page":133},{"id":2229,"text":"الفطر والعشر الواجب على الزروع البعلية، لا بد فيها من التمليك؛ لأن النص ورد فيها بلفظ الإيتاء لا بلفظ الإطعام (1) .\rوقال الجمهور: لا بد من تمليك الطعام للفقراء ككل الواجبات المالية؛ لأن الواجب المالي لا بد من أن يكون معلوم القدر ليتمكن المكلف من الإتيان به، والطعام المباح للغير ليس له قدر معلوم، لا سيما وأن كل مسكين يختلف عن الآخر صغراً وكبراً، جوعاً وشبعاً (2) .\rوالخلاصة: إن التمليك عند الحنفية ليس بشرط لجواز الإطعام، بل الشرط هو التمكين،فيكفي دعوة المساكين إلى قوت يوم: وهو غداء وعشاء، فإذا حضروا وتغدوا وتعشوا كان ذلك جائزاً. وعند غير الحنفية: لا بد من التمليك بالفعل أخذاً.\rويجب أن يكون المخرج سالماً من العيب، فلا يكون الحب مسوساً، ولا متغيراً طعمه ولا فيه زوان أو تراب يحتاج إلى تنقية، وكذلك دقيقه وخبزه؛ لأنه مخرج في حق الله تعالى عما وجب في الذمة، فلم يجز أن يكون معيباً كالشاة في الزكاة.\rوأما مقدار الإطعام: فاختلف العلماء فيه بسبب اختلافهم في تأويل قوله تعالى: {من أوسط ما تطعمون أهليكم} [المائدة:89/5] فمن قال: المراد أكلة واحدة قال: المد وسط في الشبع، ومن قال: المراد قوت اليوم وهو غداء وعشاء قال: الواجب نصف صاع أي مدان (3) .\rوبناء عليه قال الجمهور من المالكية والشافعية والحنابلة: يعطى لكل مسكين مد من الحنطة كصدقة الفطر إلا أن الإمام مالك قال: المد خاص بأهل المدينة فقط لضيق معايشهم، وأما سائر المدن فيعطون الوسط من نفقتهم. وقال ابن القاسم: يجزئ المد في كل مدينة (4) .\r-------------------------------\r(1) المبسوط: 151/8، البدائع: 100/5، الدر المختار ورد المحتار لابن عابدين: 3/67، الفتاوى الهندية: 58/2.\r(2) الشرح الكبير للدردير: 132/2، حاشية قليوبي وعميرة على شرح المحلي للمنهاج: 274/4، المغني: 734/8، 736، 738، 739، 741.\r(3) الصاع: أربعة أمداد، والمد رطل وثلث بالرطل العراقي، والرطل العراقي (130) درهماً، والدرهم 2,975غم، أي أن المد يساوي 675 غم والصاع يساوي 2751 غم.\r(4) بداية المجتهد: 404/1، مغني المحتاج: 327/4، المغني: 736/8، القوانين الفقهية: ص 165.","part":4,"page":134},{"id":2230,"text":"ويجوز عند الشافعية: مدّ حب من غالب قوت بلد الحانث. والأفضل بالاتفاق إخراج الحب؛ لأن فيه خروجاً من الخلاف. ولا يجوز عند الجمهور إخراج قيمة الطعام والكسوة، عملاً بنص الآية: {فكفارته إطعام عشرة مساكين...} [المائدة:89/5].\rوقال الحنفية: مقدار الإطعام نصف صاع من بر، أو صاع من تمر أو شعير أو من دقيق الحنطة أو الشعير أو قيمة هذه الأشياء من النقود: دراهم أو دنانير أو من عروض التجارة كما هو المقرر في صدقة الفطر. قالوا: وقد ثبت ذلك عن سادتنا عمر وعلي وعائشة، وبه قال جماعة من التابعين: سعيد بن المسيب وسعيد بن جبير وإبراهيم ومجاهد والحسن.\rوأما مقدار طعام الإباحة عند الحنفية: فأكلتان مشبعتان: غداء وعشاء، وكذلك إذا غداهم وسحرهم، أوعشاهم وسحرهم، أو غداهم غداءين ونحوهما؛ لأنهما أكلتان مقصودتان.\rوسواء أكان الطعام خبزاً مع الإدام، أم بغير الإدام: لأن الله تعالى لم يفصل بين الطعام المأدوم وغيره، في قوله سبحانه: {فكفارته إطعام عشرة مساكين} [المائدة:89/5].\rوكذلك لو أطعم خبز الشعير أو تمراً أجزأه؛ لأنه قد يؤكل وحده في طعام الأهل.","part":4,"page":135},{"id":2231,"text":"ولو أطعم مسكيناً واحداً عشرة أيام غداء وعشاء، أو أعطى مسكيناً واحداً عشرة أيام، كل يوم نصف صاع، جاز عند الحنفية؛ لأن المقصود سد حاجة عشرة مساكين، وقد تحقق. ولا يجوز ذلك عند المالكية والشافعية؛ لأنه لا بد من توزيع الطعام على عشرة مساكين فعلاً بالاتفاق. وقال الحنابلة: إذا وجد عشرة فقراء، لم يجزئه الصرف إلى فقير واحد في عشرة أيام، وإذا لم يجد غير فقير واحد أو خمسة مثلاً، أجزأه ذلك للضرورة. والخلاصة: لابد من إطعام عشرة مساكين فعلاً، والخلاف محصور فيما لو أطعم واحداً عشرة أيام، يجوز عند الحنفية ولا يجوز عند غيرهم. ولو أطعم عشرة مساكين في يوم غداء، ثم أعطى كل واحد مداً من الحنطة جاز؛ لأنه جمع بين التمليك، وطعام الإباحة، ولأن كل وجبة طعام مقدرة بمد. وكذلك لو غدى رجلاً واحداً عشرين يوماً، أو عشى رجلاً في شهر رمضان عشرين يوماً جاز؛ لأن المقصود قد حصل.\rأما لو أعطى مسكيناً واحداً طعام عشرة، في يوم واحد، دفعة واحدة: لم يجز؛ لأن الله تعالى أمر بسد جوعة عشرة مساكين إما مرة واحدة أو موزعة على الأيام، وهذا لم يحصل هنا.\rوأجاز أبو حنيفة ومحمد رحمهما الله إعطاء فقراء أهل الذمة من الكفارات والنذور لا الزكاة، لعموم قوله تعالى: {فكفارته إطعام عشرة مساكين} [المائدة:89/5] من غير تفرقة بين المؤمن والكافر. واستثنيت الزكاة بقول النبي صلّى الله عليه وسلم لمعاذ حين بعثه إلى اليمن: « خذها من أغنيائهم وردها في فقرائهم » (1) .\rوقال أبو يوسف: لا يجوز إعطاء الذميين من الأموال الإسلامية إلا النذور والتطوعات ودم التمتع في الحج؛ لأن الكفارة صدقة أوجبها الله ، فلا يجوز صرفها إلى الكافر كالزكاة، بخلاف النذر، لأنه وجب بإيجاب الإنسان، والتطوع ليس بواجب أصلاً، والتصدق بلحم المتعة في الحج غير واجب؛ لأن التقرب إلى الله في إراقة الدم (2) .\r-------------------------------\r(1) رواه الجماعة: أحمد وأصحاب الكتب الستة عن ابن عباس أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم لما بعث معاذاً إلى اليمن، وفيه: « فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم، فترد على فقرائهم » ( انظر نيل الأوطار: 114/4، نصب الراية: 327/2 ).\r(2) انظر المبسوط: 149/8 ومابعدها، البدائع: 101/5-105، فتح القدير: 18/4، الدر المختار: 66/3، الفتاوى الهندية: 58/2.","part":4,"page":136},{"id":2232,"text":"المدفوع إليهم الطعام: الإطعام يكون لمن توافرت فيه أوصاف خمسة هي:\rالأول ـ أن يكونوا مساكين فلا يدفع إلى غيرهم؛ لأن الله تعالى أمر بإطعام المساكين، وخصهم بذلك.\rالثاني ـ أن يكونوا أحراراً، فلا يجزئ دفعه إلى عبد ومكاتب.\rالثالث ـ أن يكونوا مسلمين فلا يجوز عند الجمهور صرفه إلى كافر، ذمياً كان أو حربياً. وأجاز الحنفية دفعه إلى الذمي، لدخوله في اسم المساكين، فيدخل في عموم الآية.\rالرابع ـ أن يكونوا قد أكلوا الطعام في رأي الحنابلة والمالكية، فلا يجوز دفعه لطفل لم يطعم. وأجاز الحنفية والشافعية دفعه إلى الصغير الذي لم يطعم، ويقبضه عنه وليه. ويجوز بالاتفاق للمكفر أن يعطي من أقاربه من يجوز أن يعطيه من زكاة ماله. وكل من يمنع الزكاة من الغني والكافر والرقيق يمنع أخذ الكفارة. إلا أن الحنفية أجازوا دفعها لذمي.\rالخامس ـ أن يوزع الطعام على عشرة مساكين فعلاً، فلو أطعم واحداً طعام عشرة لم يجزئه باتفاق الفقهاء، واختلفوا فيما لو أطعم واحداً عشرة أيام، على النحو السابق بيانه.","part":4,"page":137},{"id":2233,"text":"2 - الكسوة، صفتها وقدرها: صفة الكسوة: هي أنها لا تجوز إلا على سبيل التمليك حتى عند الحنفية؛ لأن الكسوة للوقاية من الحر والبرد، وهذه الحاجة لا تتحقق إلا بالتمليك، بخلاف الإطعام، فإنه لدفع الجوع، وهو يحصل بتناول الطعام. وتكون الكسوة للمساكين كالإطعام. وأما قدر الكسوة: فاختلف فيه (1) ، فقال الحنفية:أدنى الكسوة ما يستر عامة البدن، وقال الحنابلة: تتقدر الكسوة بما تجزئ الصلاة فيه: فإن كان رجلاً كساه ثوباً تجزئ الصلاة فيه، وإن كانت امرأة كساها قميصاً وخماراً؛ لأن الكسوة إحدى خصال الكفارة، فلم يجز فيها أدنى ما يطلق عليه اسم الكسوة، كما هو مقرر في الإطعام والإعتاق، ولأن اللابس حينما لا يستر العورة يسمى عرياناً لا مكتسياً. وقال المالكية: أقل ذلك للرجل ثوب يستر جميع جسده، وللمرأة: ما يجوز لها فيه الصلاة، وذلك ثوب وخمار.\rوقال الشافعية: يجزئ أقل ما يطلق عليه اسم الكسوة من إزار أو رداء أو جبة أو قميص أو ملحفة؛ لأنه يقع عليه اسم الكسوة، ولأن الله تعالى لم يذكر في الكسوة تقديراً، فكل ما يسمى لا بسه مكتسياً يجزئ.\rولا تجزئ بالاتفاق القلنسوة (2) والخفان والنعلان والقفازان والمنطقة (3) ؛ لأن لا بسها لا يسمى مكتسياً إذا لم يكن عليه ثوب، بل ولا تسمى هذه كسوة عرفاً (4) .\rولم يجز الحنفية على الصحيح عندهم الكسوة بالسراويل والعمامة؛ لأن أدنى الكسوة عندهم كما تقدم ما يستر عامة البدن، ولأن لا بسها لا يسمى مكتسياً عرفاً وعادة، بل يسمى عرياناً، فلو أمكن اتخاذ العمامة ثوباً أجزأه، كذا إذا بلغت قيمتها وقيمة السراويل قيمة المقدار الواجب من الطعام، فإنه يجزئ، ويقع ذلك\r-------------------------------\r(1) بداية المجتهد: 405/1، الشرح الكبير:132/2، المغني: 742/8، القوانين الفقهية: ص 165.\r(2) القلنسوة بفتح القاف واللام: وهي ما يغطى به الرأس ونحو ذلك مما لا يسمى كسوة، كدرع من حديد.\r(3) المنطقة: بكسر الميم: هي النطاق الذي يشدّ به وسط الإنسان.\r(4) المبسوط: 153/8، البدائع: 105/5، فتح القدير: 19/4، المهذب: 141/2، مغني المحتاج: 327/4، الفتاوى الهندية: 57/2، القوانين الفقهية: ص 165.","part":4,"page":138},{"id":2234,"text":"عن الطعام بغير نية إذا نوى الكفارة عند محمد. وأما عند أبي يوسف فلا يقع عن الطعام ما لم ينو الكسوة عن الطعام.\rوأجاز الشافعية الكسوة بالسراويل والعمامة؛ لأنها تسمى كسوة.\rويجزئ عند المالكية أقل ما يطلق عليه اسم قميص أو إزار، أو سراويل أو عمامة.\r3 - عتق الرقبة: الكلام في إعتاق الرقبة في كفارة اليمين وغيرها تاريخي فقط بسبب عدم وجود الرقيق في عصرنا، وحينئذ يسقط هذا الواجب ويظل الخيار للحانث محصوراً بين الإطعام والكسوة. وأكتفي هنا بذكر ضابط الرقبة التي يجوز عتقها في الكفارة.\rقال الحنفية: يشترط أن تكون الرقبة مملوكة ملكاً كاملاً للمعتق، وأن تكون كاملة الرق، سليمة من العيوب التي تزيل جنساً من أجناس المنفعة، سواء أكانت الرقبة صغيرة أم كبيرة، ذكراً أم أنثى، مسلمة أم كافرة. فلا يجوز في الكفارة إعتاق عبد غيره، ولا أن يعتق عبداً مشتركاً بينه وبين غيره، ولا مدبَّراً أو أم ولد، إلا أنه يجوز تحرير المكاتب استحساناً، ولا يجوز أن يعتق عبداً مقطوع اليدين أو الرجلين أو مقطوع يد واحدة، أو رجل واحدة من جانب واحد، أو يابس الشق مفلوجاً، أو مقعداً أو زمِناً أو أشل اليدين، أو مقطوع الإبهامين من اليدين أو مقطوع ثلاثة أصابع من كل يد سوى الإبهامين، أو أعمى، أو مفقود العينين، أو معتوهاً يغلب العته عليه، أو أخرس لفوات جنس من أجناس المنفعة كمنفعة البطش باليدين، والمشي بالرجلين، والنظر في العينين، والكلام والعقل (1) .\r-------------------------------\r(1) المبسوط: 144/8، البدائع: 107/5 ومابعدها، فتح القدير: 18/4، الدر المختار: 66/3، القوانين الفقهية: ص166","part":4,"page":139},{"id":2235,"text":"واشترط المالكية والشافعية والحنابلة: أن تكون الرقبة مؤمنة، كما تشترط في كفارة الفطر في رمضان، وفي كفارة الظهار.\rوسبب الاختلاف بين الحنفية والجمهور في اشتراط الإيمان في الرقبة: هو اختلافهم في مسألة أصولية وهي: هل يحمل المطلق على المقيد في الأمور التي تنفق أحكامها وتختلف أسبابها ككفارة اليمين وكفارة القتل الخطأ، فقد ورد النص القرآني في كفارة اليمين مطلقاً بدون تقييد بشرط الإيمان وهو: {أو تحرير رقبة} [المائدة:89/5]، وورد النص مقيداً بشرط الإيمان في كفارة القتل الخطأ وهو: {ومن قتل مؤمناً خطأ فتحريررقبة مؤمنة} [النساء:92/4] فقال الجمهور: يحمل المطلق على المقيد، فيشترط الإيمان في كفارة اليمين حملاً على اشتراطه في كفارة القتل الخطأ؛ لأنهما يشتركان في ستر الذنب، كما حمل قوله تعالى: {واستشهدوا شهيدين من رجالكم} [البقرة:282/2] على المقيد في قوله تعالى: {وأشهدوا ذوي عدل منكم} [الطلاق:2/65].\rوقال الحنفية: لا يحمل المطلق على المقيد، وإنما يجب أن يبقى موجب اللفظ في كفارة اليمين على إطلاقه، ويعمل بكل نص على حدة؛ لأن شرط الإيمان في كفارة القتل غير معقول المعنى، فيقتصر على مورد النص (1) .\r4 - الصوم، مقداره وشرطه: اتفق الفقهاء على أن الحانث إن لم يجد طعاماً ولا كسوة ولا عتقاً يجب عليه أن يصوم ثلاثة أيام، لقوله سبحانه: {فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام} [المائدة:89/5].\rواختلفوا في اشتراط تتابع الأيام الثلاثة في الصيام، فقال المالكية والشافعية\r-------------------------------\r(1) بداية المجتهد: 406/1، البدائع: 110/5، مغني المحتاج: 327/4 ومابعدها، المغني:743/8، القوانين الفقهية: ص 165.","part":4,"page":140},{"id":2236,"text":"في الأظهر عندهم: لا يشترط التتابع، ولكنه مستحب، لإطلاق الآية القرآنية: {فصيام ثلاثة أيام} [المائدة:89/5] فليس فيها اشتراط التتابع، وقد نسخت هذه الآية القراءة الشاذة لابن مسعود تلاوة وحكماً (1) .\rوقال الحنفية والحنابلة: يشترط التتابع (2) بدليل قراءة أبي وعبد الله بن مسعود: (فصيام ثلاثة أيام متتابعات) (3) . وهذا إن كان قرآناً فهو حجة، وإن لم يكن قرآناً فهو رواية عن النبي صلّى الله عليه وسلم فهو إذاً خبر واحد، وخبر الواحد حجة، وتجوز الزيادة في الجملة على الكتاب بخبر واحد (4) .\rوبناء على اشتراط التتابع لو أفطر المكفر لعذر مرض أو سفر أو حيض، أو لغير عذر: فإنه عند الحنفية يستأنف الصوم من جديد مرة أخرى، كذلك يستأنف الصوم إذا أفطر في يوم العيد أو أيام التشريق، ويبطل التتابع؛ لأن الصوم في هذه الأيام لا يصلح لإسقاط ما في الذمة. وهذا بخلاف صوم شهرين متتابعين كفارة عن الجماع في نهار رمضان، فإن الحيض والمرض لا ينقطع التتابع بسببهما؛ لأن الغالب أن الشهرين لا يخلوان عنهما. وأما عند الحنابلة فلا ينقطع التتابع بالحيض والمرض في كفارة اليمين، وكفارة انتهاك حرمة رمضان (5) .\r-------------------------------\r(1) بداية المجتهد، المرجع السابق: 405، مغني المحتاج، المرجع السابق، حاشية قليوبي وعميرة: 275/4، المهذب: 141/2.\r(2) قال الحنفية: أربعة صيامات متتابعة بالنص: أداء رمضان وكفارة الظهار والقتل واليمين. والمخير فيه قضاء رمضان وفدية الحلق لأذى برأس المحرم، والمتعة والقران، وجزاء الصيد، وثلاثة صيامات لم تذكر في القرآن وثبتت بالأخبار: صوم كفارة الإفطار عمداً وهو متتابع، والتطوع متخير فيه، والنذر متتابع إن نذر أياماً متتابعة معينة أو غير معينة بخصوصها، ومنه ما لزم بنذر الاعتكاف، وهو متتابع وإن لم ينص عليه، إلا أن يصرح بعدم التتابع في النذر (نور الإيضاح: ص 116، العناية بهامش فتح القدير: 81/2).\r(3) حكاه أحمد ورواه الأثرم عن أبي بن كعب وابن مسعود أنهما قرأا: {فصيام ثلاثة أيام متتابعات} [المائدة:89/5] وروى ابن أبي شيبة حديث ابن مسعود عن الشعبي قال: «قرأ د الله : فصيام ثلاثة أيام متتابعات» ورواه عبد الرزاق عن عطاء يقول: بلغنا في قراءة ابن مسعود: «فصيام ثلاثة أيام متتابعات، وكذلك نقرؤها» وأخرج الحاكم حديث أبي عن أبي العالية عن أبيّ بن كعب أنه كان يقرأ: {فصيام ثلاثة أيام متتابعات} [المائدة:89/(انظر نيل الأوطار: 8/238 ، نصب الراية : 3/296 .\r(4) المبسوط : 8/144 ، فتح القدير : 4/18 , البدائع : ص 11 ، المغني : 8/752 , تبين الحقائق : 3 /113 , الفتاوى الهندية :2/57 .\r-------------------------------\r(5) البدائع ، المرجع السابق ، المغني ، المرجع السابق .","part":4,"page":141},{"id":2237,"text":"البَابُ السّابع: الحَظر والإباحة\rأو الأطعمة والأشربة واللباس وغيره\rتمهيد :\rهناك أمور تتردد بين الحل والحرمة تمس الإنسان والمجتمع، لتحقيق عافية المرء في صحته ودينه، أو لمنع الضرر المادي أو الأدبي عن المجتمع في المعاملات، يعبر عنها الحنفية إما بالحظر (المنع الشرعي) والإباحة (أي الإطلاق) أو بالكراهية (1) ، أو بالاستحسان (أي ما حسَّنه الشرع وقبَّحه) أو بكتاب الزهد والورع؛ لأن كثيراً من مسائله أطلقه الشرع، والزهد والورع تركه.\rويبحثها غير الحنفية تحت عنوان الأطعمة والأشربة، والآنية، وخصال الفطرة، ومقدمات عقد الزواج، وعبر عنها الشيخ خليل من المالكية بالمباح والمحرم والمكروه.\rوالكلام عنها أو عن المهم منها في مباحث خمسة هي:\rالمبحث الأول ـ الأطعمة.\rالمبحث الثاني ـ الأشربة.\rالمبحث الثالث ـ اللبس والاستعمال والحلي.\rالمبحث الرابع ـ الوطء والنظر واللمس واللهو.\rالمبحث الخامس ـ مسائل في البيع (بيع السماد الطبيعي، الاحتكار، التسعير، بيع العنب للخمار ونحوها).\r-------------------------------\r(1) إذا أطلقت الكراهة عند الحنفية أريد بها الكراهة التحريمية ، وهي إلى الحرام أقرب , لثبوت النهي فيهابدليل فيه شبهة .","part":4,"page":142},{"id":2238,"text":"المبحث الأول ـ الأطعمة\rوفيه مقدمة عن حكم الطعام والشراب، ومطالب أربعة:\rالمطلب الأول ـ أنواع الأطعمة وحكم كل نوع منها (الحلال، والمكروه، والحرام.\rالمطلب الثاني ـ ما لا نص فيه ـ الاحتكام إلى الذوق العربي.\rالمطلب الثالث ـ حالة الضرورة.\rالمطلب الرابع ـ إجابة الولائم، وموائد المنكر، وآدا ب الطعام.\rمقدمة ـ مبدأ تناول الطعام والشراب :\rعني الإسلام بالجسم والنفس، فأوجب تناول الحد الأدنى أو الضروري من الطعام والشراب للحفاظ على الحياة، ودفع الهلاك عن النفس (1) ، وللقيام بالواجبات الدينية من صلاة وصيام ونحوهما، وما عدا قدر الضرورة يباح تناوله ما لم يصل إلى حد الإسراف، فالإسراف في الأكل والشرب فوق الطاقة الجسمية ضرر، وخطر، وحرام. والاعتدال هو المطلوب. واستثنى الحنفية من التحريم إذا لم يخش الضرر حالة قصد التقوي على صوم الغد أو لئلا يستحي ضيفه ونحو ذلك، قال تعالى: {يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد (2) ، وكلوا واشربوا ولا تسرفوا، إنه لا يحب المسرفين} [الأعراف:31/7].\r-------------------------------\r(1) الدر المختار : 5 /238 .\r(2) أي عند الطواف أو الصلاة , فستر العورة فيهما واجب , وما بعد العورة سنة , لا واجب .","part":4,"page":143},{"id":2239,"text":"والملبوس والمأكول: هو الحلال، الطيب، فقد أحل الله للإنسان كل نافع في الأرض: {خلق لكم ما في الأرض جميعاً} [البقرة:29/2] وقد أردف الله تعالى الآية السابقة بقوله: {قل: من حرم زينة الله التي أخرج لعباده، والطيبات من الرزق} [الأعراف:32/7]. وتوالت الآيات القرآنية والأحاديث النبوية في تقرير هذا المباح، فقال تعالى: {ياأيها الناس كلوا مما في الأرض حلالاً طيباً} [البقرة:168/2] وقال أيضاً: {ويحل لهم الطيبات. ويحرم عليهم الخبائث} [الأعراف:157/7].\rوقال النبي صلّى الله عليه وسلم : «كلوا واشربوا، وتصدقوا، والبسوا في غير إسراف ولا مخيلة ـ كبر وإعجاب بالنفس ـ فإن الله يحب أن يرى أثر نعمه على عبده» (1) .\r-------------------------------\r(1) رواه أحمد في مسنده والنسائي وابن ماجه والحاكم عن عبد الله بن عمرو.","part":4,"page":144},{"id":2240,"text":"وقال الحنفية: ولا تجوز الرياضة بتقليل الأكل حتى يضعف عن أداء العبادة (1) .\rالمطلب الأول ـ أنواع الأطعمة وحكم كل نوع منها :\rالغذاء الإنساني الذي يؤكل نوعان: نبات وحيوان.\rأما النبات المأكول: فكله حلال إلا النجس والضار والمسكر (2) . أما النجس أو ما خالطته نجاسة (المتنجس)، فلا يؤكل، لقوله تعالى: {ويحرم عليهم الخبائث} [الأعراف:157/7] والنجس: خبيث. ولو تنجس طاهر كخل، ودبس ودهن ذائب، وزيت، حرم، لقوله صلّى الله عليه وسلم في الفأرة تقع في السمن، وتموت فيه: «إن كان جامداً فألقوها وما حولها، وكلوه، وإن كان مائعاً فأريقوه» (3) فلو حل أكله، لم يأمر بإراقته.\rوأما المسكر: فحرام لقوله تعالى فيه {رجس من عمل الشيطان، فاجتنبوه لعلكم تفلحون} [المائدة:90/5].\rوأما الضار: فلا يحل أكله، كالسُّم والمخاط والمني والتراب والحجر، لقوله تعالى: {ولا تقتلوا أنفسكم} [النساء:29/4] وقوله تعالى: {ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة} [البقرة:195/2] وأكل هذه الأشياء تهلكة، فوجب ألا تحل. لكن قال المالكية: قيل: الطين مكروه. وقيل: حرام، وهو الأرجح.\rويحل أكل ما لا يضر كالفواكه والحبوب، لقوله تعالى: {قل: من حرم زينة الله التي أخرج لعباده، والطيبات من الرزق} [الأعراف:32/7].\rوأما الحيوان فنوعان: مائي، وبري. أذكر هنا الحلال والحرام باختصار، وأحيل التفصيل على بحث الحيوان الذبيح في الذبائح والصيد.\rأما المائي: فيحل منه السمك بالاتفاق، إلا الطافي منه فلا يحل عند الحنفية، ويحل عند غيرهم. وكره مالك خنزير الماء، والمعتمد عند المالكية أن خنزير الماء وكلب الماء مباح.\rولا يحل أكل الضفدع عند الجمهور غير المالكية، لنهي النبي صلّى الله عليه وسلم عن قتل الضفدع. ولو حل أكله لم ينه عن قتله. وأباح المالكية أكل الضفادع، إذ لم يرد نص بتحريمها.\rوأما البري: فيحرم منه أكل الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به (أي ما ذكر عند ذبحه اسم معبود غير الله )، والمنخنقة (التي ماتت خنقاً) والنطيحة (التي نطحها حيوان فماتت)، والموقوذة (التي ضربت فماتت)، والمتردية (التي سقطت من مرتفع فماتت)، وما بقر الحيوان المفترس بطنها، إلا إذا ذبحت، وفيها حياة، فيحل كل ما ذكر.\r-------------------------------\r(1) رد المحتار: 238/5.\r(2) بداية المجتهد: 450/1-452،456، القوانين الفقهية: ص 171، المهذب: 246/1، 250، مغني المحتاج: 305/4.\r(3) رواه البخاري وأحمد والنسائي عن ميمونة زوج النبي صلّى الله عليه وسلم (سبل السلام: 8/3).","part":4,"page":145},{"id":2241,"text":"ويحرم أكل الحيوانات المفترسة كالذئب والأسد والنمر عند الجمهور، وقال المالكية: هي مكروهة. كما يحرم أكل الطيور الجارحة كالصقر والباز والنسر ونحوها. وقال المالكية: هي مباحة، إلا الوطواط، فيكره أكله على الراجح.\rويحرم أكل الكلاب والحمير الأهلية والبغال؛ لأن الكلب من الخبائث، بدليل قوله صلّى الله عليه وسلم : «الكلب خبيث، خبيث ثمنه» (1) ولنهي النبي صلّى الله عليه وسلم يوم خيبر عن الحُمُر والبغال (2) والمعتمد عند المالكية: أن الكلب الإنسي مكروه، وأن كلب الماء مباح.\rويحرم أكل حشرات الأرض (صغار دوابها) كالعقرب والثعبان والفأرة والنمل والنحل لسُّميتها واستخباث الطباع السليمة لها.\rويحرم المتولد من مأكول وغير مأكول كالبغل المتولد من الحمير والخيل، والحمار المتولد من حمار الوحش والحمار الأهلي؛ لأنه مخلوق مما يؤكل ومما لا يؤكل، فيغلب التحريم (3) عملاً بقاعدة تقديم الحاظر على المبيح.\rوقال المالكية: يباح بالذكاة أكل خَشاش الأرض كعقرب وخنفساء وبنات ورَدْان وجندب ونمل ودود وسوس. ويباح أيضاً أكل حية أمن سمها إن ذبحت بحلقها (4) .\rويحل أكل الخيل بأنواعها الأصيلة وغير الأصيلة عند الشافعية والحنابلة وصاحبي أبي حنيفة لإذن النبي صلّى الله عليه وسلم يوم خيبر بها (5) . وقال أبو حنيفة بكراهتها كراهة تنزيهية، لورود حديث ينهى عن لحوم الخيل (6) . والمشهور عند المالكية تحريم الخيل (7) .\r-------------------------------\r(1) روى أحمد ومسلم وأبو داود والترمذي وصححه والنسائي عن رافع بن خديج: «ثمن الكلب خبيث» (نيل الأوطار: 143/5، 284).\r(2) رواه الحاكم في المستدرك عن جابر بن عبد الله، وقال: حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه (نصب الراية: 197/4).\r(3) المهذب: 249/1، مغني المحتاج: 303/4، كشاف القناع: 190/6.\r(4) الشرح الكبير: 115/2،وسمي ذلك خشاشاً لأنه يخش أي يدخل في الأرض ولا يخرج منها إلا بمخرج، ويبادر برجوعه إليها.\r(5) أخرجه البخاري ومسلم (نصب الراية: 198/4).\r(6) أخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجه عن خالد بن الوليد (نصب الراية: 196/4).\r(7) بداية المجتهد: 455/1، الشرح الكبير: 117/2.","part":4,"page":146},{"id":2242,"text":"وأباح الشافعية والحنابلة أكل الضَّب والضَّبُع. وعند الشافعية: والثعلب، وحرمه الحنابلة. وحرم الحنفية أكل ذلك كله. وأما المالكية فقد أباحوا مع الكراهة أكل كل السباع كما تقدم.\rويجوز بالإجماع أكل الأنعام ( الإبل والبقر والغنم ) لإباحتها بنص القرآن الكريم، كما يجوز أكل الطيور غير الجارحة كالحمام والبط والنعامة والأوز، والسمان، والقنبر، والزرزور، والقطا، والكروان، والبلبل وغير ذلك من العصافير.\rويحل أكل الوحوش غير الضارية، كالظباء، وبقر الوحش وحماره لإذن النبي صلّى الله عليه وسلم بأكلها (1) .\rويباح أكل الأرنب والجراد، لثبوت الإباحة في السنة النبوية. الدود وحده يحرم عند غير المالكية، لكن دود الطعام والفاكهة وسوس الحبوب، ودود الخل، إذا أكل معه ميتاً، وطابت به النفس ولم تعافه، يحل أكله لتعسر تمييزه (2) .\rخلاصة مذهب المالكية في المباح والمحرم(3 ) :\rيظهر مما سبق أن مذهب المالكية أوسع المذاهب في إباحة الأطعمة والأشربة، لذا أستحسن إعطاء خلاصة عنه:\rالمباح: يباح حال الاختيار أكلاً أوشرباً كل طعام طاهر، والحيوان البحري، ولو آدميه وخنزيره، وإن كان البحري ميتاً، والطير بجميع أنواعه ولو كان\r-------------------------------\r(1) رواه البخاري ومسلم.\r(2) مغني المحتاج: 268/4، 303، المغني: 605/8.\r(3) راجع متن العلامة خليل والشرح الكبير للدردير مع الدسوقي: 115/2.","part":4,"page":147},{"id":2243,"text":"جلاَّلة (1) ، أو ذا مخلب كالباز والعقاب والرخم، إلا الوطواط، فيكره أكله على الراجح، والنَّعَم (الإبل والبقر والغنم ولو جلالة)، والوحش غير المفترس كغزال وحمر وحش ويربوع، وخُلْد، ووَبْر (2) ، وأرنب، وقُنْفُذ، وضُرْبوب (3) ، وحية أمن سمها (4) إن ذكيت بحلقها.\rويباح أيضاً هوام الأرض كخنفساء وبنات وَرْدان، وجندب (5) ، ونمل ودود وسوس.\rويباح عصير ماء العنب أول عصره، وفُقَّآع، وعقيد وسوبيا (6) أمن سكره.\r-------------------------------\r(1) أي مستعملاً للنجاسة. والجلالة لغة: البقرة التي تستعمل النجاسة. والفقهاء يستعملونها في كل حيوان يستعملها.\r(2) اليربوع: دابة قدر بنت عرس، رجلاها أطول من يديها. والخلد: فأر أعمى لا يصل للنجاسة. والوبر: فوق اليربوع كالأرنب يعتلف النبات والبقول، ودون السنور، طحلاء اللون أي بين البياض والغبرة.\r(3) القنفذ: أكبر من الفأر، كله شوك إلا رأسه وبطنه ويديه ورجليه، والضربوب: كالقنفذ في الشوك، إلا أنه قريب من خلقة الشاة. وأباح الحنابلة أكل اليربوع والوبر والضب والضبع (المغني: 592/8، كشاف القناع: 191/6) والشافعية أيضاً كما أبنت في الذبائح: أباحوا أكل الضبع والضب والثعلب واليربوع والفَنَك (حيوان يؤخذ من جلده الفرو) والسمور (كالسنور)، وهما من ثعالب الترك. وأباحوا أكل ابن عرس (دويبة رقيقة تعادي الفأر تدخل تحت حجره وتخرجه)، والبجع (الحوصل): وهو طائر أبيض من الكركي، ذو حوصلة عظيمة يتخذ منها فرو، ويكثر بمصر، والقاقم (دويبة يتخذ جلدها فرواً ) لأن ما ذكر من الطيبات (مغني المحتاج: 299/4).\r(4) أمن سمها لمستعملها، ويجوز أكلها بسمها لمن ينفعه ذلك لمرض.\r(5) بنت وردان: دويبة كريهة الرائحة، تألف الأماكن القذرة في البيوت، وهي ذات ألوان مختلفة وأرجل جانبية متعددة. والجندب: نوع من الجراد.\r(6) الفقاع: شراب يتخذ من القمح والتمر. والسوبيا: شراب يميل إلى الحموضة بما يضاف إليه من عجوة ونحوها. وعقيد: هو ماء العنب يغلى على النار حتى ينعقد ويذهب إسكاره. ويسمى بالرُّب الصامت.","part":4,"page":148},{"id":2244,"text":"المحرم: ويحرم تناول النجس من جامد أو مائع ، والخنزير البري ، والبغل والفرس والحمار ، ولو كان حمارا وحشياً تأنس . والأرجح تحريم أكل الطين والتراب والعظام والخبز المحروق بالنار ، منعاً لأذى البدن.\rالمكروه: ويكره سبع وضبع وثعلب وذئب، وهر ولو كان وحشياً، وفيل وفهد ودب ونمر ونمس (1) ، وكلب إنسي على المعتمد. والأظهر كراهة أكل القرد والنسناس، والمشهور أن فأر البيوت الذي يصل إلى النجاسة يكره، فإن شك في وصوله لها، لم يكره، وإن لم يصل للنجاسة فهو مباح.\rلحم الجلالة: الجلالة كما عرفها الحنفية: هي التي تعتاد أكل الجيف والنجاسات فقط، ولا تخلط معها طعاماً غيره ويكون لها ريح منتنة. وهي عند غير الحنفية: هي التى أكثر طعامها النجاسة، وقد اختلف الفقهاء في حكم أكل لحمها.\rفأباح المالكية (2) كما تقدم أكل لحم الجلالة. وكرهها مالك، وأحمد في رواية عنه والحنفية والشافعية (3) ، وحرمها الحنابلة (4) .\rوسبب اختلافهم معارضة القياس للأثر. أما الأثر فهو ما روى ابن عمر: «نهى النبي صلّى الله عليه وسلم عن أكل الجلالة وألبانها» (5) وروى الخلال بإسناده عن عبد الله بن\r-------------------------------\r(1) وتسمى كل تلك الحيوانات ما عدا الهر الوحوش المفترسة.\r(2) الشرح الكبير: 115/2، بداية المجتهد: 451/1.\r(3) تبيين الحقائق للزيلعي: 10/1، البدائع: 39/5 ومابعدها، المهذب: 250/1، مغني المحتاج: 304/4، الدر المختار: 239/5 ومابعدها.\r(4) كشاف القناع: 192/6، المغني: 593/8.\r(5) رواه أحمد وأبو داود والترمذي، وقال: حسن غريب. وفي رواية لأبي داود: «نهى عن ركوب الجلالة» وفي أخرى له: «نهى عن ركوب جلالة الإبل» وروى أحمد والنسائي وأبو داود عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: «أن النبي صلّى الله عليه وسلم نهى عن لحوم الحمر الأهلية وعن ركوب الجلالة، وأكل لحمها» .","part":4,"page":149},{"id":2245,"text":"عمرو: «نهى رسول الله صلّى الله عليه وسلم عن الإبل الجلالة أن يؤكل لحمها، ولا يحمل عليها إلا الأدمُ (الجلود المدبوغة)، ولا يركبها الناس حتى تعلف أربعين ليلة» .\rوأما القياس المعارض لهذا: فهو أن ما يرد جوف الحيوان ينقلب إلى لحم، فالمالكية القائلون بالحل نظروا إلى الانقلاب أو التحول إلى لحم، كانقلاب الدم لحماً.\rوالحنابلة أخذوا بظاهر النهي المقتضي للتحريم، ولأن اللحم يتولد من النجاسة، فيكون نجساً، كرماد النجاسة. والحنفية والشافعية حملوا الحديث على الكراهة التنزيهية.\rوعبارة الحنفية: يكره لحم الجلالة ولبنها، كما يكره لحم الأتان ولبنها ولبن الخيل، وبول الإبل، وأجازه (أي بول الإبل ولحم الفرس) أبو يوسف للتداوي به. وتحبس الجلالة حتى يذهب نتن لحمها، وقدر بثلاثة أيام لدجاجة، وأربعة لشاة، وعشرة لإبل وبقر على الأظهر. ولو أكلت الجلالة النجاسة وغيرها بحيث لم ينتن لحمها، حلت، كما حل أكل جدي غذي بلبن خنزير؛ لأن لحمه لا يتغير، وما غذي به يصير مستهلكاً لا يبقى له أثر. وعليه: لا بأس بأكل الدجاج، لأنه يخلط أكل النجس مع غيره، ولا يتغير لحمه (1) .\rوعبارة الشافعية: يكره أكل الجلالة: وهي التي أكثر أكلها العَذِرَة (الغائط) من ناقة أو شاة، و بقرة، أو ديك، أو دجاجة؛ لحديث ابن عمر المتقدم: ولا يحرم أكلها، لأنه ليس فيها أكثر من تغيير لحمها، وهذا لا يوجب التحريم. فإن أطعم الجلالة طعاماً طاهراً لم يكره، لقول ابن عمر: «تعلف الجلالة علفاً طاهراً: إن كانت ناقة أربعين يوماً، وإن كانت شاة سبعة أيام، وإن كانت دجاجة ثلاثة أيام» .\r-------------------------------\r(1) وروي أنه عليه الصلاة والسلام كان يأكل الدجاج. وما روي أن الدجاج يحبس ثلاثة أيام، ثم يذبح، فذاك على سبيل التنزه، لا أنه شرط ( تبيين الحقائق، المكان السابق ).","part":4,"page":150},{"id":2246,"text":"وعبارة الحنابلة: وتحرم الجلالة: وهي التي أكثر طعامها النجاسة، كما تحرم ألبانها وهي رواية عن أحمد، وفي رواية أخرى أنها مكروهة غير محرمة، وتزول الكراهة بحبسها اتفاقاً. واختلف في قدره فروي عن أحمد أنها تحبس ثلاثاً، سواء أكانت طائراً أم بهيمة. وروي عنه أيضاً: تحبس الدجاجة ثلاثاً، والبعير والبقرة ونحوهما يحبس أربعين. ويكره ركوب الجلالة.\rالمطلب الثاني ـ ما لا نص فيه ـ الاحتكام للذوق العربي :\rقال الشافعية والحنابلة (1) : الحيوان الذي لا نص فيه من كتاب أو سنة أو إجماع، لا خاص ولا عام بتحريم ولا تحليل، ولا ورد فيه أمر بقتله ولا بعدم قتله: إن استطابه أهل يسار (أي ثروة وخصب) وأهل طباع سليمة من أكثر العرب ـ سكان بلاد أو قرى، في حال رفاهية عند الشافعية، أو أهل الحجاز أهل الأمصار عند الحنابلة: حل أكله. لقوله تعالى: {ويحل لهم الطيبات، ويحرم عليهم الخبائث} [الأعراف:157/7] ولأن العرب هم الذين نزل عليهم الكتاب، وخوطبوا به، وبالسنة وفيهم بعث النبي صلّى الله عليه وسلم ، فيرجع في مطلق ألفاظهما إلى عرفهم، دون غيرهم.\rوعليه تكون القاعدة: المحرم من الحيوان: ما نص الله تعالى عليه في كتابه. وما كانت العرب تسميه طيباً فهو حلال، وما كانت تسميه خبيثاً فهو محرم.\rولا يعتبر قول الأجلاف من أهل البادية والفقراء وأهل الضرورة؛ لأنهم للضرورة والمجاعة، يأكلون ما وجدوا.\rوما لم يوجد عند أهل الحجاز عند الحنابلة، رد إلى أقرب ما يشبهه في\r-------------------------------\r(1) مغني المحتاج: 303/4 ومابعدها، المهذب: 249/1، المغني: 585/8.","part":4,"page":151},{"id":2247,"text":"الحجاز. فإن لم يشبه شيئاً منها، فهو مباح، لدخوله في عموم قوله تعالى: {قل: لا أجد في ما أوحي إليّ محرماً} .. [الأنعام:145/6] الآية، ولقول النبي صلّى الله عليه وسلم : «وما سكت الله عنه فهو مما عفا عنه» (1) .\rوقال الشافعية: إن جهل اسم حيوان، سئل العرب عنه، وعمل بتسميتهم له مما هو حلال أو حرام؛ لأن المرجع في ذلك إلى الاسم وهم أهل اللسان. وإن لم يكن له اسم عندهم، ألحق بالأشبه به من الحيوان، في الصورة، أو الطبع، أو الطعم في اللحم. فإن تساوى الشبهان، أو فقد ما يشبهه، حل على الأصح، لقوله تعالى: {قل: لا أجد فيما أوحي إليَّ محرماً..} [الأنعام:145/6] الآية.\rوعملاً بهذا المبدأ أذكر بإيجاز ما يحرم وما يحل من الحيوان عند الشافعية: أما ما يحرم: فيشمل الحشرات كلها كالنمل والذباب والخنافس والحيَّات والدود والبق والقمل والصُّرصُر والوزع: وهو سام أبرص. ويَحرم ذوات السم وكل ما يندب قتله كالنحل والزنابير والعقارب والفئران والغربان والأفاعي والحِدأ.\rويحرم من الطيور: الخُفَّاش (الوطواط) والخُطَّاف (طائر أسود الظهر أبيض البطن) والببَّغا )طائر أخضر يحاكي الأصوات) والطاوس، والرَّخمة (طائر يشبه النسر) والبُغَاثة (طائر أبيض بطيء الطيران أصغر من الحدأة) ويحرم كل ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير. ويحرم كل متنجس لا يمكن تطهيره كخل وزيت ودبس، وما يضر البدن كالحجر والتراب والزجاج والسم والأفيون.\rوأما ما يحل: فيشمل طيور النعامة والبط والحجل والإوَز والدجاج والقطا وغراب الزرع والحمام. ويشمل أيضاً كل طاهر لا ضرر فيه ولا تعافه النفس\r-------------------------------\r(1) أخرجه الترمذي وابن ماجه عن سلمان الفارسي (نيل الأوطار: 106/8).","part":4,"page":152},{"id":2248,"text":"كالبيض والجبن، أما ما تعافه النفس وتستقذره كالمخاط والمني ونحوهما فحرام. وتحل ألبان الحيوانات المأكولة اللحم، ولا تحل ألبان الحيوانات غير المأكولة اللحم كلبن إناث الحمير، لكن لبن الإنسان طاهر.\rويحرم كل ما استخبثه العرب في عصر النبي صلّى الله عليه وسلم كالحشرات ونحوها إلا ما أباحه الشرع كاليربوع (دابة كالفأرة لكن ذنبه أطول) والضَّب (دابة كالجرذون) والوَبْر (دابة أصغر من الهر) والسمُّور (دابة كالسنور) وابن عرس (دابة رقيقة تطارد الفئران).\rوتحل حيوانات البحر، لأن العرب استطابتها، وتباح الأنعام (الإبل والبقر والغنم والمعز) وحُمُر الوحش والظباء والأرانب ونحوها مما استطابته العرب، إلا ما حرمه الشرع كالبغال والحمر الأهلية.\rالمطلب الثالث ـ حالة الضرورة :\rالضرورة نظرية متكاملة تشمل جميع أحكام الشرع، يترتب عليها إباحة المحظور، وترك الواجب. والكلام عنها يطول (1) ، أجتزئ ببيان المهم منها وهو تعريفها وحكمها وشروطها، وهل تشمل حالة السفر والحضر جميعاً، وجنس المستباح أو ما يجوز تناوله، وكيفية ترتيب أفضلية الشيء المتناول، ومقدار الجائز تناوله، والتزود من الميتة، وحكم أخذ طعام الغير قهراً للضرورة، وحالات خاصة للحاجة (المار ببستان الفاكهة، والأكل من الزرع، وحلب الماشية لمن مر بهما) (2) .\r-------------------------------\r(1) راجع كتابنا نظرية الضرورة الشرعية.\r(2) انظر المسبوط:48/24، البدائع: 124/5، رد المحتار: 238/5، أحكام القرآن للجصاص: 147/1 ومابعدها، الشرح الكبير للدردير: 115/2 ومابعدها، القوانين الفقهية: ص 173، بداية المجتهد: 461/1 ومابعدها، المهذب: 250/1 ومابعدها، مغني المحتاج: 188/4، 306-310، المغني: 595/8-603، كشاف القناع : 194/6-200.","part":4,"page":153},{"id":2249,"text":"أولاً ـ تعريف الضرورة وحكمها: هي الخوف على النفس من الهلاك علماً (أي قطعاً) أو ظناً. فلا يشترط أن يصبر حتى يشرف على الموت. وحكمها في المذاهب الأربعة (1) :وجوب الأكل من المحرَّم، بمقدار ما يسد رمَقَه (أي بقية حياته)، ويأمن معه الموت، لقوله تعالى: {فمن اضطر غير باغ ولا عاد، فلا إثم عليه} [البقرة:173/2] وقوله: {ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة} [البقرة:195/2] وقوله: {ولا تقتلوا أنفسكم} [النساء:29/4]. فإن ترك الأكل والشرب حتى هلك، فقد عصى، لأن فيه إلقاء إلى التهلكة، وهو منهي عنه في محكم التنزيل، ولأنه قادر على إحياء نفسه بما أحله الله له، فلزمه، كما لو كان معه طعام حلال.\rبخلاف من امتنع عن التداوي حتى مات، لا يجب عليه، ولا يعصي بالترك، إذ لا يتيقن أن الدواء يشفيه. هذا وقد قرر الحنابلة أنه يجب على المضطر تقديم السؤال ، أي الاستجداء على أكل الميتة.\r-------------------------------\r(1) المبسوط،المكان السابق، البدائع: 176/7، تبيين الحقائق: 185/5، الدر المختار ورد المحتار: 92/5، 238، درر الحكام: 310/1، الشرح الكبير: 115/2، مغني المحتاج: 306/4، المغني: 596/8، الفروق: 183/4، الجصاص: 148/1، 150، أحكام القرآن لابن العربي: 56/1.","part":4,"page":154},{"id":2250,"text":"وقيل عند البعض كأبي يوسف وأبي إسحاق صاحب المهذب وفي وجه عند الحنابلة: لا يجب على المضطر الأكل من الميتة أو لحم الخنزير، بل يباح لأنه له غرضاً في تركه، وهو أن يجتنب ما حرم عليه، وربما لم تطب نفسه بتناول الميتة، ولما روي عن عبد الله بن حذافة السَّهْمي صاحب رسول الله صلّى الله عليه وسلم : « أن طاغية الروم حبسه في بيت، وجعل معه خمراً ممزوجاً بماء، ولحم خنزير مشوي ثلاثة أيام، فلم يأكل ، ولم يشرب، حتى مال رأسه من الجوع والعطش، وخشوا موته، فأخرجوه، فقال : قد كان الله أحله لي، لأني مضطر، ولكن لم أكن لأشمتك بدين الإسلام » ولأن إباحة الأكل رخصة، فلا تجب عليه كسائر الرخص (1) ، ولأن قوله تعالى: { وقد فصَّل لكم ماحَرَّم عليكم إلا ما اضطررتم إليه } [الأنعام:119/6] استثناء من التحريم، والاستثناء من التحريم حل أو إباحة كما يقرر الأصوليون.\rوبهذا يظهر أن الإضراب عن الطعام في السجون ونحوها، لا يحل إذا أدى إلى الموت، على كلا الرأيين السابقين.\r-------------------------------\r(1) المغني : 596/8 ، تكملة فتح القدير: 298/7.","part":4,"page":155},{"id":2251,"text":"ثانياً ـ شروط الضرورة أو ضوابطها :\rليس كل من ادعى الضرورة يسلَّم له ادعاؤه، أو يباح له فعل الحرام، وإنما لابد من توافر شروط أو ضوابط للضرورة، وهي ما يأتي (1) :\r1ً - أن تكون الضرورة قائمة لا منتظرة في المستقبل، أي أن يحصل في الواقع خوف الهلاك على النفس أو المال بغلبة الظن بحسب التجارب، أو التحقق من خطر التلف، لو لم يأكل، ويكفي في ذلك الظن، كما في الإكراه على أكل الحرام، فلا يشترط فيه التيقن ولا الإشراف على الموت، بل لو انتهى إلى هذه الحالة لم يفد الأكل ولم يحل الأكل كما صرح الشافعية.\r2ً - أن يتعين على المضطر ارتكاب المحظور الشرعي أي ألا يكون هناك وسيلة أخرى من المباحات لدفع الخطر إلا تناول الحرام؛ لأن سبب استعمال المحرمات في حال الاضطرار هو ضرورة التغذي أعني إذا لم يجد شيئاً حلالاً يتغذى به. وهذا لاخلاف فيه.\r3ً - أن يتوافر عذر يبيح الإقدام على الحرام، كالحفاظ على النفس أو العضو بأن خاف التلف إما من جوع، أو يخاف إن ترك الأكل عجز عن المشي وانقطع عن الرفقة فيهلك، أو يعجز عن الركوب فيهلك، وبه يظهر أن كل ما يبيح التيمم ـ كماصرح الشافعية والحنابلة ـ يبيح تناول الحرام أو ارتكاب المحظور، فيعتبر خوف حصول الشين الفاحش في عضو ظاهر كخوف طول المرض، كل منهما يبيح الأكل من المحرمات.\r4ً - ألا يخالف المضطر مبادئ الإسلام، فلا يحل الزنا والقتل والكفر والغصب بأي حال؛ لأنها مفاسد في ذاتها، وإن كان يرخص حال الإكراه في الكفر باللسان مع اطمئنان القلب بالإسلام، كما يرخص بأخذ طعام الغير ولو قهراً إذا لم يكن هو أيضاً مضطراً إليه. وبه يظهر أن الإباحة تختلف عن الرخصة؛ لأن الإباحة تقلب الحرام حلالاً، وتزيل عنه صفة الحرمة، وأما الرخصة فتمنع الإثم ويظل الفعل حراماً.\r-------------------------------\r(1) نظرية الضرورة الشرعية للمؤلف: ص 66 ومابعدها.","part":4,"page":156},{"id":2252,"text":"ولا يباح أصلاً قتل آدمي وأكله، كما لايباح عند الجمهور غير الشافعية أكل آدمي ميت، كما سأبين، ويحرم على الراجح عند أئمة المذاهب الأربعة تناول الخمر إلا لإزالة غُصة عند عدم مايسيغها به من غيرها، ولايحل عند المالكية تناول شيء من الدم أو العَذِرة، أو ضالة الإبل.\r5ً - أن يقتصر في رأي الجمهور على الحد الأدنى أو القدر اللازم لدفع الضرر، كما سأوضح؛ لأن إباحة الحرام ضرورة، والضرورة تقد ر بقدرها.\r6ً - أن يصف المحرم ـ في حال ضرورة الدواء ـ طبيب عدل ثقة في دينه وعلمه، وألا يوجد من غير المحرَّم علاج آخر، يقوم مقامه.\rولا يتقيد الاضطرار بزمن مخصوص لاختلاف الأشخاص في ذلك (1) .\rثالثاً ـ هل تشمل الضرورة حالة السفر والحضر جميعاً؟\rتباح المحرمات عند الاضطرار إليها في الحضر والسفر جميعاً؛ لأن آية الضرورة { فمن اضطر } [البقرة:173/2] مطلقة غير مقيدة بحالة معينة من هاتين الحالتين، وهو لفظ عام في حق كل مضطر، ولأن الاضطرار يكون في الحضر في سنة المجاعة العامة، وسبب الإباحة: الحاجة إلى حفظ النفس عن الهلاك، وهو عام في الحالين (2) .\rوهذا باتفاق المذاهب الأربعة، ولم يميز الحنفية (3) بين السفر المقصود به أصلاً المعصية، أو طروء المعصية في أثناء سفر مباح. وهو الراجح عند الحنابلة كما في الحاشية . والمشهور من مذهب مالك (4) : أن المضطر يجوز له الأكل من الميتة ونحوها في سفر المعصية ،ولايجوز له القصر والفطر لقوله تعالى: { غير باغ ولا عاد } [البقرة:173/2].\rوفرق المالكية في المشهور والشافعية والحنابلة (5) بين المعصية بالسفر، والمعصية في السفر أي\r-------------------------------\r(1) كشاف القناع: 194/6، المغني: 595/8 .\r(2) هذا ماقرره ابن قدامة في مذهب أحمد ( المغني: 596/8) وهو الموافق لغيره من الكتب (كشاف القناع: 194/6).\r(3) التوضيح: 194/2، مسلم الثبوت: 113/1، أحكام الجصاص: 147/1 ومابعدها.\r(4) الموافقات: 337/1، أحكام القرآن لابن العربي: 58/1، تفسير القرطبي: 233/2، القوانين الفقهية: ص 173، بداية المجتهد: 462/1.\r(5) مخطوط قواعد الزركشي: ق 107، الأشباه والنظائر للسيوطي: ص 124، مغني المحتاج: 64/1، 268، المغني: 297/8، الشرح الصغير: 477/1.","part":4,"page":157},{"id":2253,"text":"أثنائه. فمن أنشأ سفراً يعتبر في ذاته معصية كالمرأة الناشز، وقاطع الطريق، والمسافر لظلم الناس، لايباح له الأكل من الميتة، أو استعمال الرخص الشرعية؛ لأن الرخص لاتناط بالمعاصي، ولقوله تعالى: { فمن اضطر غير باغ ولا عاد، فلا إثم عليه } [البقرة:173/2] قال مجاهد: غير باغ على المسلمين ولا عاد عليهم.\rومن سافر سفراً مباحاً، وعصى أثناء سفره، كأن شرب الخمر، فهو عاص في سفره، تباح له الرخص الشرعية، لأنها منوطة بالسفر، ونفس السفر ليس معصية، ولا إثم به.\rرابعاً ـ جنس الشيء المستباح للضرورة :\rيستباح للضرورة في المذاهب الأربعة كل شيء محرم، يرد جوعاً أو عطشاً، كالميتة من كل حيوان والخنزير وطعام الغيرونحوه (1) .\rواستثنى الحنابلة السم ونحوه مما يضر.\rواستثنى المالكية الآدمي والدم والخنزير والأطعمة النجسة كالعذرة والأشربة النجسة إلا الخمر، لإزالة الغُصة، ولا تباح لجوع ولا لعطش لأنها لا تدفعه، وقيل: تباح، ولا يحل التداوي بها ولو لخوف الموت في المشهور.\rكما استثنوا ضالة الإبل، إلا إن تعينت عند انفرادها، وتقدم عليها الميتة عند وجودهما.\rواتفق أئمة المذاهب على أنه لا يباح قتل إنسان مسلم أو كافر معصوم أو إتلاف عضو منه لضرورة الأكل، لأنه مُثلة، فلا يجوز أن يبقي نفسه بإتلافه. فلا يباح إذن الإنسان الحي. كما لا يباح الأكل من الإنسان الميت عند الجمهور غير الشافعية، لقوله صلّى الله عليه وسلم : «كسر عظم الميت ككسره حياً» (2) . وإن قال شخص لآخر\r-------------------------------\r(1) الشرح الكبير للدردير: 115/2 ومابعدها، بداية المجتهد: 461/1، القوانين الفقهية: ص 173، الدر المختار ورد المحتار: 238/5، مغني المحتاج: 595/8، كشاف القناع: 194/6.\r(2) رواه أحمد في مسنده، وأبو داود ، وابن ماجه عن عائشة رضي الله عنها. وروى مالك وابن ماجه وأبو داود بإسناد صحيح ما عدا رجلاً واحداً هو سعد الأنصاري، ضعفه أحمد، ووثقه الأكثرون: حديثاً في معناه عن جابر رضي الله عنه أن النبي صلّى الله عليه وسلم قال لحفار قبر أخرج عظماً: «لا تكسرها، فإن كسرك إياها ميتاً ككسرك إياه حياً، ولكن دُسَّه في جانب القبر» وأخرج ابن ماجه عن أم سلمة أنه صلّى الله عليه وسلم قال: «كسر عظم الميت ككسره حياً في الإثم» .","part":4,"page":158},{"id":2254,"text":"مثلاً: اقطع يدي وكلها، لا يحل؛ لأن لحم الإنسان لا يباح في الاضطرار لكرامته.\rوأجاز الشافعية (1) للمضطر أكل آدمي ميت إذا لم يجد ميتة غيره؛ لأن حرمة الحي أعظم من حرمة الميت، إلا إذا كان الميت نبياً، فإنه لا يجوز الأكل منه قطعاً، أو كان الميت مسلماً والمضطر كافراً، فإنه لا يجوز له الأكل منه لشرف الإسلام. وقال الخطيب الشربيني شارح المنهاج: بل لنا وجه: أنه لا يجوز أكل الميت المسلم، ولو كان المضطر مسلماً. وبهذه الاستثناءات اقترب الشافعية من غيرهم.\rوأجاز الحنابلة أكل الآدمي غير المعصوم أي مباح الدم كالحربي والمرتد والزاني المحصن والقاتل في المحاربة (2) .\r-------------------------------\r(1) مغني المحتاج: 307/4.\r(2) كشاف القناع: 198/6.","part":4,"page":159},{"id":2255,"text":"كذلك أجاز الشافعية والحنابلة للمضطر قتل حربي ومرتد وأكله، ولا يجوز له قطع بعض أعضائه، لأنهما ـ أي في حالة القتل ـ غير معصومين، فيباح قتلهما، إذ لا حرمة لهما، فكانا بمنزلة السباع، وللمضطر أكله بعد موته، لعدم حرمته.\rوللمضطر أيضاً عندهم (الشافعية والحنابلة) قتل الزاني المحصن، والمحارب (قاطع الطريق) ومن عليه قصاص، وإن لم يأذن الإمام في القتل؛ لأن قتلهم مستحق، وإنما يعتبر إذن الإمام في غير حال الضرورة تأدباً معه، وحال الضرورة ليس فيها رعاية أدب.\rولا يجوز للمضطر قتل ذمي ومستأمن ومعاهد، لحرمة قتلهم. والأصح له حل قتل صبي حربي وامرأة حربية، لأنهما ليسا بمعصومين، ومنع قتلهما في غير الضرورة لا لحرمتهما، بل لحق الغانمين.\rتشريح الجثث ونقل الأعضاء :\rيرى المالكية والحنابلة عملاً بحديث: «كسر عظم الميت ككسره حياً» أنه لا يجوز شق بطن الميتة الحامل لإخراج الجنين منه؛ لأن هذا الولد لا يعيش عادة، ولايتحقق أنه يحيا، فلا يجوز هتك حرمة متيقنة لأمر موهوم.\rوأجاز الشافعية شق بطن الميتة لإخراج ولدها، وشق بطن الميت لإخراج مال منه. كما أجاز الحنفية كالشافعية شق بطن الميت في حال ابتلاعه مال غيره، إذا لم تكن له تركة يدفع منها، ولم يضمن عنه أحد (1) .\rوأجاز المالكية أيضاً شق بطن الميت إذا ابتلع قبل موته مالاً له أو لغيره إذا كان كثيراً: هو قدر نصاب الزكاة، في حال ابتلاعه لخوف عليه أو لعذر. أما إذا ابتلعه بقصد حرمان الوارث مثلاً، فيشق بطنه، ولو قل.\r-------------------------------\r(1) الدر المختار ورد المحتار: 246/3.","part":4,"page":160},{"id":2256,"text":"وبناء على هذه الآراء المبيحة: يجوز التشريح عند الضرورة أو الحاجة بقصد التعليم لأغراض طبية، أو لمعرفة سبب الوفاة وإثبات الجناية على المتهم بالقتل ونحو ذلك لأغراض جنائية إذا توقف عليها الوصول إلى الحق في أمر الجناية، للأدلة الدالة على وجوب العدل في الأحكام، حتى لا يظلم بريء، ولا يفلت من العقاب مجرم أثيم.\rكذلك يجوز تشريح جثث الحيوان للتعليم؛ لأن المصلحة في التعليم تتجاوز إحساسها بالألم.\rوعلى كل حال ينبغي عدم التوسع في التشريح لمعرفة وظائف الأعضاء وتحقيق الجنايات، والاقتصار على قدر الضرورة أو الحاجة، وتوفير حرمة الإنسان\rالميت وتكريمه بمواراته وستره وجمع أجزائه وتكفينه وإعادة الجثمان لحالته بالخياطة ونحوها بمجرد الانتهاء من تحقيق الغاية المقصودة.\rكما يجوز عند الجمهور نقل بعض أعضاء الإنسان لآخر كالقلب والعين والكُلْية إذا تأكد الطبيب المسلم الثقة العدل موت المنقول عنه؛ لأن الحي أفضل من الميت، وتوفير البصر أو الحياة لإنسان نعمة عظمى مطلوبة شرعاً. وإنقاذ الحياة من مرض عضال أو نقص خطير أمر جائز للضرورة، والضرورات تبيح المحظورات، ولكن لا يقبل بيع هذه الأعضاء بحال، كما لا يجوز بيع الدم، وإنما يجوز التبرع بدفع عوض مالي على سبيل الهبة أو المكافأة عند نقل العضو أو التبرع بالدم في حالة التعرض لهلاك أو ضرر بالغ. فإن تحتم دفع العوض ولا يوجد متبرع من الأقارب أو غيرهم، جاز للدافع الدفع للضرورة.\rالتداوي بالخمر :\rقال أئمة المذاهب الأربعة (1) : يحرم على الراجح الانتفاع بالخمر وسائر المسكرات للمداواة وغيرها، كاستخدامها في دُهن أو طعام أو إذابة دواء أو بَلَّ طين، لقوله صلّى الله عليه وسلم : «إن الله لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم» (2) ،وروى طارق\r-------------------------------\r(1) البدائع: 113/5، الدر المختار وحاشية ابن عابدين: 320/5، المنتقى على الموطأ: 154/3، 158، التاج والإكليل: 318/6، الشرح الكبير للدردير: 352/4 ومابعدها، المهذب: 251/1، مغني المحتاج: 187/4، كشاف القناع: 198/6، زاد المعاد: 114/3، المغني: 255/4، 308/8، الفرائد البهية في القواعد الفقهية للشيخ محمود حمزة: ص 286.\r(2) رواه البخاري عن ابن مسعود. وكذا رواه عبد الرزاق والطبري وابن أبي شيبة موقوفاً عليه. وذكره البيهقي وأحمد وأبو يعلى والبزار مرفوعاً، وابن حبان وصححه، من حديث أم سلمة.","part":4,"page":161},{"id":2257,"text":"ابن سويد أنه سأل النبي صلّى الله عليه وسلم عن الخمر، فنهاه، أو كره أن يصنعها، فقال: إنما أصنعها للدواء؟ فقال: «إنه ليس بدواء، ولكنه داء» (1) .\rلكن قال الحنفية (2) : يجوز التداوي بالمحرم إن علم يقيناً أن فيه شفاء، ولا يقوم غيره مقامه، أما بالظن فلا يجوز. وقول الطبيب لا يحصل به اليقين. ولايرخص التداوي بلحم الخنزير، وإن تعين.\rوقيد الشافعية (3) حرمة التداوي بالخمر إذا كانت صرفاً، غير ممزوجة بشيء آخر تستهلك فيه. أما الترياق المعجون بها ونحوه مما تستهلك فيه، فيجوز التداوي به عند فقد ما يقوم به، مما يحصل به التداوي من الطاهرات، كالتداوي بنجس كلحم حية وبول. وكذا يجوز التداوي بما ذكر لتعجيل شفاء بشرط إخبار طبيب مسلم عدل بذلك، أو معرفته للتداوي به. وبشرط أن يكون القدر المستعمل قليلاً لايسكر.\rقال العز بن عبد السلام (4) : جاز التداوي بالنجاسات إذا لم يجد طاهراً يقوم مقامها؛ لأن مصلحة العافية والسلامة أكمل من مصلحة اجتناب النجاسة، ولا يجوز التداوي بالخمر على الأصح إلا إذا علم أن الشفاء يحصل بها، ولم يجد دواء غيرها.\rوأبان ابن العربي والقرطبي المالكيان (5) أنه يجوز الانتفاع بالخمر للضرورة،\r-------------------------------\r(1) رواه مسلم وأحمد وأبو داود وابن ماجه وابن حبان والترمذي وصححه هو وابن عبد البر. وروي أيضاً: «لا تداووا بحرام» من حديث أبو داود والطبراني ورجاله ثقات عن أبي الدرداء بلفظ: «إن الله خلق الداء والدواء فتداووا ولا تتداووا بحرام» (مجمع الزوائد: 86/5).\r(2) الهدية العلائية للعلامة الشيخ علاء الدين عابدين: ص 251.\r(3) مغني المحتاج: 188/4.\r(4) قواعد الأحكام: 81/1.\r(5) أحكام القرآن لابن العربي: 56/1 ومابعدها، تفسير القرطبي: 231/2.","part":4,"page":162},{"id":2258,"text":"لقوله تعالى: {فمن اضطر غير باغ ولا عاد} [البقرة:173/2] فرفعت الضرورة التحريم، وخصصت الضرورة الحرام؛ لأن إهمال تعاطي الدواء قد يسبب الوفاة.\rشرب الخمر حالة العطش :\rأجاز جمهور الفقهاء (1) شرب الخمر عند ضرورة العطش أو الغصص أو الإكراه قدر ما تندفع به الضرورة؛ لأن الحفاظ على الحياة يقتضي إباحة كل ما يطفئ الظمأ.\rوقيد الحنابلة (2) شرب الخمر لضرورة العطش بما إذا كانت ممزوجة بما يروي من العطش، فتباح حينئذ فقط. فإن شربها صرفاً أو ممزوجة بشيء يسير لا يروي من العطش، لم يبح له ذلك، وعليه عقوبة الحد المقررة.\rخامساً ـ كيفية ترتيب الأفضلية بين مطعومات الضرورة :\rإذا وجد المضطر ميتة وطعاماً لغيره وصيداً لمحرم أو مأكولاً غير مذبوح، فهل يقدم الميتة أو غيرها؟ للفقهاء رأيان:\r1 - قال الجمهور (الحنفية، والشافعية في المعتمد عندهم، والحنابلة) (3) : إنه يأكل الميتة؛ لأن أكل الميتة ثبت بالنص، وطعام الغير أو إباحة الصيد ثبت بالاجتهاد، والأخذ بالمنصوص عليه أولى، ولأن الميتة لا تبعة فيها لأحد من الناس\r-------------------------------\r(1) أحكام القرآن لابن العربي: 147/1، بداية المجتهد: 462/1، الإفصاح لابن هبيرة: ص 374، تفسير القرطبي: 228/2.\r(2) المغني: 308/8، 605.\r(3) الأشباه والنظائر لابن نجيم: 124/1، أحكام القرآن للجصاص: 148/1، مغني المحتاج: 309/4، المهذب: 250/1، المغني: 600/8، كشاف القناع: 194/6 ومابعدها.","part":4,"page":163},{"id":2259,"text":"في الدنيا ولا في الآخرة، فكان أكلها أخف من أكل طعام الغير، إذ حقوق الناس مبنية على التشديد، وحق الله تعالى أوسع. ولو حصل ضرر بأكل الميتة يرجى الشفاء منه بالمداواة. ويجب عند الحنابلة تقديم السؤال على آكل الميتة.\rوإن وجد المحرم صيداً حياً وميتة، أكل الميتة؛ لأن ذبح الصيد جناية لا تجوز له حال الإحرام. فإن لم يجد المضطر ميتة، ذبح الصيد وأكله.\rوإن لم يجد المضطر شيئاً يأكله، لم يبح له عند الحنابلة (1) أكل بعض أعضائه؛ لأن أكله من نفسه ربما قتله، فيكون قاتلاً لنفسه، ولا يتيقن حصول البقاء بأكل جزء من جسده.\rوقال النووي في المنهاج (2) : الأصح جواز قطع بعضه، لا كله، لأنه إتلاف بعضه لاستبقاء كله. وشرط الجواز أمران: أحدهما ـ فقد الميتة ونحوها. والثاني ـ أن يكون الخوف في قطعه أقل من الخوف في ترك الأكل. فإن كان مثله أو أكثر، حرم جزماً. كما يحرم جزماً على شخص قطع بعض نفسه لغيره من المضطرين؛ لأن قطعه لغيره ليس فيه قطع البعض لاستبقاء الكل. ويحرم على مضطر أيضاً أن يقطع لنفسه قطعة من حيوان معصوم.\r2- وقال المالكية (3) : تقدم الميتة وجوباً على أكل لحم الخنزير، لأنه حرام لذاته، وحرمة الميتة عارضة، كما تقدم الميتة للمضطر المحرم على الصيد الحي الذي صاده المحرم أو أعان عليه، ما لم تكن الميتة متغيرة يخاف على نفسه من أكلها، وإلا قدم الصيد المذكور. فإن كان المضطر حلالاً قدم صيد المحرم على الميتة.\r-------------------------------\r(1) المغني: 601/8.\r(2) مغني المحتاج: 310/4.\r(3) الشرح الكبير: 116/2، القوانين الفقهية: ص 173، تفسير القرطبي: 229/2.","part":4,"page":164},{"id":2260,"text":"ويقدم طعام الغير ندباً، لا وجوباً على أكل الميتة، إن لم يخف الأذى من قطع عضو، أو ضرب ونحوه؛ لأن الطعام طاهر، ولأن الغالب أن الإنسان يبذل طعامه للمضطر ولا يتلكأ في ذلك. وهذا المذهب هو المعقول، بل إني أرى وجوب تقديم طعام الغير على أكل الميتة، دفعاً للضرر.\rقال ابن كثير (1) : إذا وجد المضطر ميتة وطعام الغير بحيث لا ضرر فيه ولا أذى، فإنه لا يحل له أكل الميتة، بل يأكل طعام الغير بغير خلاف (2) .\rسادساً ـ مقدار الجائز تناوله للضرورة :\rهل يقتصر المضطر من تناول الحرام كالميتة على مقدار دفع الضرر، أو يباح له الشبع؟ رأيان للفقهاء:\r1 - قال الجمهور (الحنفية، والأظهر عند الشافعية، وأصح الروايتين عند الحنابلة، وبعض المالكية كابن الماجشون وابن حبيب) (3) : يأكل المضطر للغذاء، ويشرب للعطش، ولو من حرام أو ميتة و مال غيره، مقدار ما يدفع الهلاك عن نفسه أو يؤمن معه الموت: وهو مقدار ما يتمكن به من الصلاة قائماً، ومن الصوم، وهو لقيمات معدودة، ويمتد ذلك من حالة عدم القوت إلى حالة وجوده. لقوله تعالى: {فمن اضطر غير باغ ولاعاد، فلا إثم عليه} [البقرة:173/2] (4) ولأن (ما جاز للضرورة يتقدر بقدرها) ويكون المضطر بعد سد الرمق غير مضطر، فلم يحل له الأكل، فيصير بعد سد رمقه كما كان قبل أن يضطر، وحينئذ لم يبيح له الأكل، فكذا بعد زوال حالة الضرورة.\r-------------------------------\r(1) تفسير ابن كثير: 205/1.\r(2) كذا قال، وقد عرفنا أن هناك خلافاً في المسألة.\r(3) رد المحتار: 238/5، المهذب: 250/1، كشاف القناع: 194/6، المغني: 595/8، 597، مغني المحتاج: 307/4.\r(4) أي غير متجاوز حد الضرورة، ولا باغ في الأكل بما يزيد عن حاجته.","part":4,"page":165},{"id":2261,"text":"2 - وقال المالكية على المعتمد (1) : يجوز للمضطر التناول من الحرام حتى يشبع، وله التزود (ادخار الزاد) من الميتة ونحوها، إذا خشي الضرورة في سفره، فإذا استغنى عنها طرحها، لأنه لا ضرر في استصحابها، ولا في إعدادها لدفع ضرورته وقضاء حاجته، ولكن لا يأكل منها إلا عند ضرورته.\rودليلهم أن الضرورة ترفع التحريم، فتعود الميتة جميعها ونحوها مباحة لظاهر قوله تعالى: { فمن اضطر غير باغ ولا عاد } [البقرة:173/2]. ومقدار الضرورة إنما هو في حالة عدم القوت إلى حالة وجوده، ولأن كل طعام يباح، جاز أن يأكل منه الإنسان قدر سد الرمق، جاز له أن يشبع منه كالطعام الحلال.\rهذا إذا كانت المخمصة نادرة في وقت ما، فإن كانت المجاعة عامة مستمرة، فلا خلاف بين العلماء في جواز الشبع من الميتة ونحوها من سائر المحظورات.\rويتفق الشافعية، والحنابلة في أصح الروايتين (2) مع المالكية في جواز التزود من المحرَّمات، ولو رجا الوصول إلى الحلال. ويبدأ وجوباً بلقمة حلال ظفر بها، فلا يجوز له أن يأكل من الحرام حتى يأكلها لتتحقق الضرورة.\rوصرح الشافعية: لو عمَّ الحرام الأرض بحيث لا يوجد فيه حلال إلا نادراً، جاز استعمال ما يحتاج إليه، ولا يقتصر على الضرورة، بل على الحاجة. وعلل العز بن عبد السلام (3) جواز تناول الحرام حينئذ، دون أن يقتصر على الضرورات بقوله: لأن المصلحة العامة كالضرورة الخاصة.\r-------------------------------\r(1) بداية المجتهد: 462/1، أحكام القرآن لابن العربي: 55/1، الشرح الكبير: 116/2 ومابعدها، القوانين الفقهية: ص 173، تفسير القرطبي: 226/2 ومابعدها.\r(2) مغني المحتاج: 307/4، المغني: 597/8، كشاف القناع: 194/6.\r(3) قواعد الأحكام: 160/2.","part":4,"page":166},{"id":2262,"text":"سابعاً ـ حكم أخذ طعام قهراً للضرورة :\rلا خلاف بين الفقهاء (1) في أنه يجب على مالك الطعام أو المال، إذا لم يكن مضطراً إليه في الحال، أن يبذله إلى المحتاج إليه بقيمته، ليدفع عنه أذى الجوع أو العطش أو الحر أو البرد أو الضرر الذي قد يلحق به. فإن امتنع أو طلب أكثر من ثمن المثل، فيجوز قتاله ولو كان مسلماً؛ لأخذه جبراً عنه؛ لأن المسلمين متكافلون متعاونون على السراء والضراء، قال تعالى: {وتعاونوا على البر والتقوى، ولا تعاونوا على الإثم والعدوان} [المائدة:2/5]، ولأن امتناع مالك المال أو الطعام من بذله للمضطر إليه إعانة على قتله، وقد ورد: «من أعان على قتل امرئ مسلم، ولو بشطر كلمة، جاء يوم القيامة مكتوباً بين عينيه:آيس من رحمة الله » (2) . وقد ذم الله على منع ذلك مطلقاً بقوله تعالى: {ويمنعون الماعون} [الماعون:7/107].\rولا يجوز للمضطر في هذه الحالة أن يأكل الميتة، لأنه غير مضطر، والتزامه بدفع قيمة الطعام أمر مقرر شرعاً؛ لأن الإباحة للاضطرار لا تنافي الضمان (3) . وتنص القاعدة: ( الاضطرار لا يبطل حق الغير ).\rوأما في حال المجاعة العامة فلا يلزم المرء ببذل الطعام للمضطرين؛ لأن الضرر لا يزال بالضرر (4) .\r-------------------------------\r(1) رد المحتار: 238/5، الموافقات: 352/2، الشرح الكبير: 116/2 ومابعدها، مغني المحتاج: 205/1، المهذب: 250/1، كشاف القناع: 195/6، غاية المنتهى: 316/1، المغني: 602/8، الطرق الحكمية: ص 26، ط السنة المحمدية، الحسبة لابن تيمية: ص40، القواعد لابن رجب: ص227.\r(2) رواه ابن ماجه عن أبي هريرة، وهو حديث ضعيف.\r(3) شرح المجلة للأتاسي: ص 76 ومابعدها، للمحاسني: ص 60 ومابعدها، الفروق: 195/1 ومابعدها، 9/4، حاشية الجمل على المنهج، القواعد لابن رجب: ص 36، 286، القواعد والفوائد لابن اللحام الحنبلي: ص 43.\r(4) كشاف القناع: 198/6.","part":4,"page":167},{"id":2263,"text":"ثامناً ـ حالات خاصة للضرورة أو الحاجة :\rهناك حالات خاصة بالمار ببستان الغير والأكل من الزرع أو الفاكهة، والمار بماشية الغير، هل يجوز التناول منه أو لا؟\r1 ً ـ الأكل من ثمار البساتين :\rمن مر في طريقه ببستان فيه أشجار مثمرة، فله أن يأكل من فاكهته الرطبة ولو كان هناك حائط عند الضرورة بشرط الضمان أي دفع القيمة.\rفإن لم يكن هناك ضرورة للأكل، فلا يجوز للمار عند جمهور الفقهاء (1) أن يأخذ منه شيئاً بغير إذن صاحبه، كما لا يجوز له أن يحمل معه شيئاً؛ لقوله صلّى الله عليه وسلم : «لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفسه» (2) وقوله عليه السلام: «إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا» (3) وهذا الرأي أنزه وأورع وأحوط ديناً.\rوقال الحنابلة (4) : يجوز في حال الجوع والحاجة لمن مر بثمرة أن يأكل منها، ولا يحمل. قال أحمد: إذا لم يكن للبستان حائط، يأكل الإنسان منها إذا كان جائعاً، وإذا لم يكن جائعاً، فلا يأكل. وقد فعله غير واحد من أصحاب النبي صلّى الله عليه وسلم فإذا كان عليه حائط لم يأكل، لأنه قد صار شبه الحريم، ولقول ابن عباس: «إن كان عليها حائط فهو حريم، فلا تأكل، وإن لم يكن عليها حائط، فلا بأس» ، ولأن إحراز الثمار بالحائط يدل على شح صاحبه به، وعدم المسامحة فيه.\r-------------------------------\r(1) رد المحتار: 238/5، المهذب: 251/2، الميزان للشعراني: 59/2.\r(2) رواه الحاكم وابن حبان في صحيحهما عن أبي حميد الساعدي بلفظ: «لا يحل لامرئ أن يأخذ عصا أخيه بغير طيبة نفسه منه» .\r(3) رواه البخاري ومسلم. وروى مسلم عن أبي هريرة: «كل المسلم على المسلم حرام : دمه وماله وعرضه» .\r(4) المغني: 597/8.","part":4,"page":168},{"id":2264,"text":"والدليل على جواز الأكل للحاجة في حال عدم وجود حائط للبستان قوله صلّى الله عليه وسلم : «ما أصاب منه من ذي حاجة غير متخذ خُبْنة (1) ، فلا شيء عليه، ومن أخرج منه شيئاً، فعليه غرامة مثليه، والعقوبة» (2) وقوله أيضاً: «إذا أتيت على حائط ـ أي بستان ـ فناد صاحب البستان ثلاثاً، فإن أجابك ، وإلا فكل، من غير أن تفسد» (3) . وروي عن أبي زينب التميمي، قال: «سافرت مع أنس بن مالك وعبد الرحمن بن سمرة وأبي بردة، فكانوا يمرون بالثمار، فيأكلون في أفواههم» وهو قول عمر وابن عباس وأبي بردة، قال عمر: «يأكل ولا يتخذ خبنة» (4) .\rوهناك رواية أخرى عن الإمام أحمد أنه أجاز الأكل من ثمار البساتين غير المحوطة مطلقاً، سواء أكان المار جائعاً، أم لا. جاء في متن الإقناع وكشاف القناع (5) : من مر بثمر على شجر بستان، أو مر بثمر ساقط تحت الشجر، لا حائط عليه، ولا ناظر(حافظ) ولو كان المار به غير مسافر ولا مضطر، فله أن يأكل منه مجاناً، ولو لغير حاجة إلى أكله، وكذا لو أكله من غصونه من غير رميه بشيء ولا ضربه، ولا صعود شجرة، لحديث الخدري السابق: «إذا أتيت حائط بستان..» . والحقيقة أن هذا كان سائداً بحسب العرف القائم بين الناس، فإنهم كانوا\r-------------------------------\r(1) الخبنة: ما تحمله في حضنك.\r(2) رواه الترمذي وابن ماجه عن ابن عمر، وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب، لا نعرفه إلا من حديث يحيى بن سليم.\r(3) رواه أحمد وابن ماجه عن أبي سعيد الخدري، ورجاله ثقات. وروى سعيد عن الحسن عن سمرة مثله.\r(4) المغني: 598/8.\r(5) كشاف القناع: 198/6 ومابعدها.","part":4,"page":169},{"id":2265,"text":"يتسامحون عادة في الأكل للمار، وفي تناول الثمار الساقطة بلا إذن صاحبها، إلا إذا كان قائماً بالتقاطها، أو نهى الناس عن التناول منها (1) .\r2 ً ـ الأكل من الزرع :\rروي عن أحمد روايتان فيمن مر بزرع الغير، فأراد الأكل منه (2) ، أي للحاجة:\rإحداهما ـ قال: لا يأكل، إنما رخص في الثمار ليس في الزرع، وقال: ما سمعنا في الزرع أن يمس منه. والفرق بين الثمر والزرع: أن الثمار خلقها الله تعالى للأكل رطبة، والنفوس تتوق إليها، أما الزرع فهو بخلاف ذلك.\rوالثانية ـ قال: يأكل من الفريك؛ لأن العادة جارية بأكله رطباً، فأشبه الثمر.\rقال ابن قدامة: والأولى في الثمار وغيرها ألا يأكل منها إلا بإذن صاحبها لما فيه من الخلاف والأخبار الدالة على التحريم.\r3 ً ـ حلب ماشية الغير :\rعن أحمد أيضاً روايتان في حلب لبن الماشية (3) :\rإحداهما ـ يجوز ـ أي للمحتاج ـ أن يحلب ويشرب من ماشية الغير، ولكن لا يحمل معه شيئاً، لحديث سمرة: «إذا أتى أحدكم على ماشية، فإن كان فيها صاحبها، فليستأذنه، فإن أذن، فليحلب وليشرب، وإن لم يكن فيها، فليصوت ثلاثاً، فإن أجابه أحد، فليستأذنه، وإن لم يجبه\r-------------------------------\r(1) الأشباه والنظائر للسيوطي: ص 81.\r(2) المغني: 599/8.\r(3) المغني: 599/8.","part":4,"page":170},{"id":2266,"text":"أحد، فليحلب وليشرب، ولايحمل» (1) .\rوالثانية ـ لا يجوز له أن يحلب ولا يشرب، لقوله صلّى الله عليه وسلم : «لا يحلبن أحد ماشية أحد إلا بإذنه، أيحب أحدكم أن تؤتى مشربته، فتكسر خزانته، فَيُنْتَقَل ُطعامه، فإنما تَخْزُن ُلهم ضروع مواشيهم أطعمتهم، فلا يحلبن أحد ماشية أحد إلا بإذنه» ، وفي لفظ: «فإن ما في ضروع مواشيهم، مثل ما في مشاربهم» (2) .\rالمطلب الرابع ـ إجابة الولائم، وموائد المنكر، وآداب الطعام :\rأولاً ـ إجابة الولائم وموائد المنكر :\rإجابة الوليمة مشروعة، لقوله صلّى الله عليه وسلم : «شر الطعام: طعام الوليمة، يُمنعها من يأتيها، ويدعى إليها من يأباها، ومن لا يجب الدعوة، فقد عصى الله ورسوله» (3) ولا خلاف في أن وليمة العرس سنة مشروعة لقول النبي صلّى الله عليه وسلم لعبد الرحمن بن عوف حين تزوج: «أولم ولو بشاة» (4) . والمنصوص لدى أصحاب الشافعي أنها واجبة، لهذا الحديث. ومنهم من قال: هي مستحبة، لأنه طعام لحادث سرور، فلم تجب كسائر الولائم. وهذا قول أكثر العلماء (5) .\r-------------------------------\r(1) رواه الترمذي، وقال: هذا حديث حسن صحيح.\r(2) متفق عليه بين البخاري ومسلم.\r(3) رواه مسلم عن أبي هريرة، ورواه الباقون إلا الترمذي موقوفاً عن أبي هريرة بلفظ: «شر الطعام طعام الوليمة يدعى إليها الأغنياء ويترك الفقراء، ومن لم يجب الدعوة فقد عصى الله ورسوله» (نصب الراية: 221/4).\r(4) رواه مالك وأحمد وأصحاب الكتب الستة عن أنس بن مالك.\r(5) المغني: 2/7.","part":4,"page":171},{"id":2267,"text":"وإجابة الدعوة سنة عند الحنفية (1) ، وتجب الإجابة إذا لم يكن فيها منكر أو لهو عند الشافعية والحنابلة (2) .\rوتجب الإجابة لوليمة النكاح عند المالكية وفاقاً للشافعية والحنابلة (3) ، وتستحب إجابة ما يفعله الرجل بخواص إخوانه تودداً. وتجوز إجابته كدعوة العقيقة، وتكره إجابته: وهو ما يفعل للفخر والمباهاة. وتحرم إجابته: وهو ما يفعله الرجل لمن تحرم عليه هديته كالغريم (الدائن)، وأحد الخصمين للقاضي. وهذا تفصيل حسن لدى المالكية.\rوالمستحب لمن فرغ من الطعام أن يدعو لصاحب الطعام، لما روى ابن ماجه عن عبد الله بن الزبير رضي الله عنه، قال: «أفطر رسول الله صلّى الله عليه وسلم عند سعد بن معاذ رضي الله عنه ، فقال: أفطر عندكم الصائمون، وصلت عليكم الملائكة، وأكل طعامكم الأبرار» .\rمانع المنكر من إجابة الدعوة :\rإن علم المدعو بوجود منكر كلعب وغناء وملاهٍ ونصب تماثيل وصور مجسمة على الحيطان أو الأستار أو الوسائد، قبل حضوره، فلا يحضر، لقوله صلّى الله عليه وسلم : «ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الخمر والخنزير والخزَّ والمعازف» (4) . وفي لفظ: «ليشربن ناس من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها، يعزف على رؤوسهم بالمعازف والمغنيات (5) ، يخسف الله بهم الأرض، ويجعل منهم القردة والخنازير » (6) .\rوإن حضر المدعو، ففوجئ بالمنكر: فإن كان على المائدة كالخمر، فلا يقعد، لقوله تعالى: {فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين} [الأنعام:68/6].\rوروى أبو داود وابن ماجه والحاكم عن ابن عمر: «نهى رسول الله صلّى الله عليه وسلم عن الجلوس على مائدة يشرب عليها الخمر، وأن يأكل الرجل وهو منبطح على بطنه» .\rوإن كان في المنزل، لا على المائدة الجالس عليها:\rفإن قدر على المنع، منعهم، لقوله صلّى الله عليه وسلم : «من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان» (7) . وإن لم يقدر على المنع: فإن كان قدوة، خرج ولم يقعد؛ لأن في ذلك شين الدين، وفتح باب المعصية على المسلمين.\rوإن لم يكن قدوة، صبر، وقعد، وأكل، ولا يخرج؛ لأن إجابة الدعوة سنة (8) .\r-------------------------------\r(1) تكملة الفتح: 87/8، تبيين الحقائق: 13/6.\r(2) المهذب: 64/2، المغني: 2/7، مغني المحتاج: 245/3.\r(3) القوانين الفقهية: ص 194، المهذب: 64/2-65، غاية المنتهى: 77/3، الشرح الصغير: 500/3 ومابعدها.\r(4) أخرجه البخاري وأبو داود عن عبد الرحمن بن غُنْم (نيل الأوطار: 92/2) والخز: هو المخلوط من صوف وحرير.\r(5) اختلف في الغناء المجرد عن الآلات أو المعازف، فقال بعضهم: إنه حرام مطلقاً، والاستماع إليه معصية، لإطلاق هذين الحديثين، ولو سمع بغتة فلا إثم عليه. ومنهم من قال: لا بأس بالتغني ليستفيد فهم القوافي والفصاحة. ومنهم من قال: يجوز التغني لدفع الوحشة إذا كان وحده، ولا يكون على سبيل اللهو، وهو رأي السرخسي. ولو كان في الشعر حكم أو عبر أو فقه أو ذكر امرأة غير معينة، لا يكره (تبيين الحقائق: 14/6) وقال الشافعية: يكره الغناء من غير آلة مطربة، ويحرم استعمال الالآت المطربة من غير غناء (المهذب: 326/2ومابعدها).\r(6) رواه ابن ماجه والبيهقي عن أبي مالك الأشعري.\r(7) رواه البخاري ومسلم عن أبي سعيد الخدري.\r(8) تكملة الفتح، تبيين الحقائق، المكان السابق، المهذب: 64/2، مغني المحتاج: 3 /247.","part":4,"page":172},{"id":2268,"text":"ثانياً ـ آداب الطعام والشراب :\rورد في السنة آداب كثيرة للطعام والشراب منها ما يأتي (1) :\rيسن للأكل أو الشرب البسملة عند أول الطعام، والحمدلة آخره، وللأكل غسل اليدين قبله وبعده بأن يقول: بسم الله الرحمن الرحيم، فإن نسي البسملة فليقل: بسم الله على أوله، وعلى آخره. ويرفع الصوت بها لتلقين من معه، ولا يرفع بالحمد إلا إذا فرغ الحضور من الأكل، فيقول: «الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه» (2) أو : «الحمد لله الذي أطعمني وسقاني من غير حول مني ولا قوة» .\rويستحب الأكل والشرب باليمين، ودليل ما سبق قول النبي صلّى الله عليه وسلم لعمر بن أبي مسلمة: «بسم الله ، وكل بيمينك، وكل مما يليك» (3) وقوله عليه السلام: «إذا أكل أحدكم، فليأكل بيمينه، وإذا شرب، فليشرب بيمينه، فإن الشيطان يأكل بشماله، ويشرب بشماله» (4) . والأكل مما يليه من موضع واحد، إلا أن يكون طبقاً فيه ألوان الثمار، فيأكل من حيث شاء، لأنه ألوان، كما ورد في الأثر.\rويستحب الأكل بثلاث أصابع لما ثبت عن النبي (5) .والتقليل من الأكل فيجعل ثلثاً للطعام، وثلثاً للشراب، وثلثاً للنَّفَس. وترك التبسط في الطعام، كما هو خلُق السلف. وألا يأكل متكئاً (6) ، وقال الحنفية: لا بأس به. وألا ينفخ في\r-------------------------------\r(1) الدر المختار ورد المحتار: 239/5، القوانين الفقهية: ص 436 ومابعدها، مغني المحتاج: 205/3، 310/4، المغني: 614/8-616.\r(2) رواه البخاري.\r(3) رواه أحمد والشيخان وابن ماجه وأبو داود عن عمر بن أبي سَلَمة (نيل الأوطار: 161/8).\r(4) رواه أحمد ومسلم وأبو داود وابن ماجه والترمذي وصححه عن ابن عمر (نيل الأوطار: 160/8).\r(5) رواه أحمد عن كعب بن مالك.\r(6) روى الجماعة إلا مسلماً والنسائي عن أبي جحيفة قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم : «أما أنا فلا آكل متكئاً» (نيل الأوطار: 161/8).","part":4,"page":173},{"id":2269,"text":"الطعام ولا في الشراب، ولا يتنفس في الإناء. وأن يوافق من يأكل معه في تصغير اللقم، وإطالة المضغ، والتمهل في الأكل، وألا يشرب من فم الإناء. ويجوز الشرب قائماً، والأفضل القعود. وإذا كان جماعة يدار عليهم ماء الشرب، يأخذ بعد الأول: الأيمن فالأيمن.\rويسن تناول الحلو من الأطعمة، وكثرة الأيدي على الطعام، وإكرام الضيف، والحديث الحسن القليل على الأكل، ويكره السكوت، لأنه تشبه بالمجوس.\rويكره ذم الطعام إذا كان الطعام لغيره، لما فيه من الإيذاء، فإن كان له فلا.\rويسن أن يأكل من أسفل الصحفة، ويكره من أعلاها، أو وسطها، فإن البركة تنزل في وسطها (1) .\rومن السنةالبداءة بالملح والختم به؛ لأن فيه شفاء من سبعين داء. ويبسط رجله اليسرى، وينصب اليمنى، ولا يأكل الطعام حاراً، ولا يشمه.\rالمبحث الثاني ـ الأشربة :\rالبحث هنا في الأشربة يتناول حكم الحرام والحلال منها، والانتباذ في الظروف والأواني، وتخليل الخمر.\r-------------------------------\r(1) روى أحمد وابن ماجه والترمذي وصححه عن ابن عباس أن النبي صلّى الله عليه وسلم قال: «البركة تنزل في وسط الطعام، فكلوا من حافتيه، ولا تأكلوا من وسطه» (نيل الأوطار: 160/8).","part":4,"page":174},{"id":2270,"text":"أولاً ـ حكم الأشربة :\rاتفق العلماء على أن الأصل في الأشربة والأطعمة الإباحة، لقوله تعالى: {هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعاً} [البقرة:29/2] فكل ما نزل من السماء أو نبع من الأرض، أو عصر من التمر والزهر فهو حلال. واتفقت المذاهب (المفتى به ـ وهو رأي محمد ـ عند الحنفية، وغير الحنفية) (1) على تحريم جميع الأشربة المسكرة، قليلها وكثيرها، نيئها ومطبوخها، سواء أكانت خمراً (وهي عصير العنب المتخمر) أم غيرها من الأشربة الأخرى المتخذة من الزبيب أو التمر أو العسل والتين، أو الحبوب كالقمح والشعير والذرة، ونحوها، ويحد كما سأوضح في بحث الحدود شارب القليل أو الكثير منها عند غير الحنفية، ولا يحد إلا بالسكر من الأشربة غير الخمر، أو بشرب القليل أو الكثير من الخمر عند الحنفية، لقوله صلّى الله عليه وسلم : «كل مسكر خمر، وكل خمر حرام» (2) ، «أنهاكم عن قليل ما أسكر قليله» «ما أسكر كثيره، فقليله حرام» (3) «إن من العنب خمراً، وإن من العسل خمراً، ومن الزبيب خمراً، ومن الحنطة خمراً، ومن التمر خمراً، وأنا أنهاكم عن كل مسكر» (4) .\rويحرم جميع ما هو ضار من الأشربة كالسم وغيره، وكل ما هو نجس كالدم المسفوح والبول، ولبن الحيوان غير المأكول عدا الإنسان، وكل ما هو متنجس كالمائع الذي وقعت فيه نجاسة لما فيه من الضرر على الإنسان.\r-------------------------------\r(1) البدائع: 117/5، نتائج الأفكار: 160/8 ومابعدها، الدر المختار: 323/5، اللباب: 215/3، بداية المجتهد: 457/1 ومابعدها، الشرح الكبير والدسوقي: 352/4، القوانين الفقهية: ص 174، مغني المحتاج: 187/4، المهذب: 286/2، المغني: 304/8 ومابعدها، كشاف القناع: 116/6 ومابعدها.\r(2) رواه مسلم والدارقطني عن ابن عمر (نصب الراية: 295/4).\r(3) روي عن تسعة من الصحابة (نصب الراية: 301/4 ومابعدها).\r(4) رواه أحمد وأصحاب السنن إلا النسائي عن النعمان بن بشير (التلخيص الحبير: ص 359).","part":4,"page":175},{"id":2271,"text":"خلط الخمر بغيرها: يحرم بالاتفاق شرب الماء الممزوج بالخمر، لما فيه من ذرات الخمر، ويعزَّر الشارب، ويجب الحد إن كانت الخمر أكثر من الماء، لبقاء اسم الخمر ومعناها. كما يحرم شرب الخمر المطبوخة؛ لأن الطبخ لا يحل حراماً، ولو شربها يجب الحد، لبقاء اسم الخمر ومعناها (1) .\rويكره تحريماً عند الحنفية أكل الخبز المعجون بالخمر، لوجود ذرات الخمرفيه، وفيه التعزير. ويحرم ذلك عند غير الحنفية، ولا حد فيه عند الكل، والخلاف في التسمية والاصطلاح فقط. فما ثبت بدليل ظني كالقياس وخبر الآحاد يسميه الحنفية مكروهاً تحريماً يعاقب فاعله، والجمهور يسمونه حراماً.\rويكره تحريماً أيضاً عند الحنفية (2) الاحتقان بالخمر (بأخذها حقنة شرجية) أو جعلها في سَعُوط (ما يصب في الأنف من دواء ونحوه)؛ لأنه انتفاع بالمحرَّم النجس، ولكن لا يجب الحد، لأن الحد مرتبط بالشُّرْب.\rكذلك لا يحد بالاحتقان والسَّعُوط عند الشافعية والمالكية. ولا يحد بالاحتقان بالخمر عند الحنابلة، لكن يحد إن استعط به، لأنه أوصله إلى باطنه من حلقه (3) .\rويكره تحريماً عند الحنفية (4) شرب دُرْدِي الخمر (5) ، والامتشاط به، ليزيد بريقَ الشَّعَر؛ لأن فيه ذرات الخمر المتناثرة فيه، وقليله ككثيره، للأحاديث المتقدمة. ولكن لا يحد شاربه إلا إذا سكر منه، لأنه لا يسمى خمراً.\r-------------------------------\r(1) المراجع السابقة، مغني المحتاج: 188/4، المغني: 306/8.\r(2) تكملة فتح القدير: 167/8.\r(3) الشرح الكبير: 352/4، مغني المحتاج، المغني: المكان السابق، كشاف القناع: 118/6، ويلاحظ أن المرجع الأخير ذكر فيه: أنه يحد من احتقن بالمسكر، أو استعط به.\r(4) تكملة الفتح: 167/8.\r(5) دردي الخمر: أي كدره أو عكره، ودردي الشيء: مايبقى أسفله. فالمراد به: مافي أسفل وعاء الخمر من عكر.","part":4,"page":176},{"id":2272,"text":"وقال غير الحنفية (1) : يحرم شرب دردي الخمر، ويحد به، لأنه خمر بلا شك.\rالأدوية السامة: قال الحنابلة (2) في الأصح: ما فيه السموم من الأدوية: إن كان الغالب من شربه واستعماله الهلاك به أو الجنون، لم يبح شربه. وإن كان الغالب منه السلامة، ويرجى منه المنفعة، فالأولى إباحة شربه، لدفع ما هو أخطر منه كغيره من الأدوية، ولأن كثيراً من الأدوية يخاف منه، وقد أبيح لدفع ما هو أضر منه.\rالمخدرات: تحرم جميع المخدرات وهي كل ما يضر بالجسم والعقل كالبنج والأفيون والحشيشة ونحوها، لحديث أم سلمة رضي الله عنها قالت: «نهى رسول الله صلّى الله عليه وسلم عن كل مسكر ومفتِّر» (3) ولما فيها من الإضرار بالعقل والجسم، ولما تؤدي إليه من تعطيل الأعمال والكسل والاسترخاء والخمول.\rما يستثنى من حكم المسكرات والمخدرات: يباح تناول شيء من المسكر للضرورة كإزالة اللقمة بالغصة إذا لم يوجد شراب آخر غير الخمر، ويباح التداوي بالأدوية الممزوجة بالكحول للضرورة أو الحاجة إذا لم يتوافر دواء آخر سواها. ويحل استعمال المخدر في العمليات الجراحية وتسكين الآلام الشديدة بحقنة أو شرب أو ابتلاع للضرورة.\rغير المسكر: يحل شرب كل الأشربة غير المسكرة؛ لأن الأصل في الأشياء الإباحة.\r-------------------------------\r(1) مغني المحتاج:188/4.\r(2) المغني:401/1 .\r(3) أخرجه أحمد وأبو داود.","part":4,"page":177},{"id":2273,"text":"لكن يكره تحريماً من غيرالمسكر (1) : المنصَّف: وهو ما يعمل من تمر ورطب، والخليطان: وهو ما يعمل من بُسْر ورطب، أو تمر وزبيب، ما لم يغل، أو لم تأتِ عليه ثلاثة أيام، فإن قصرت المدة، فلا كراهة. فيباح الانتباذ (طرح التمر أو الزبيب أو الحبوب في الماء) إذا بقي مدة يسيرة كيوم أو ليلة ونحوها بحيث لا يحتمل توقع الإسكار فيها، بدليل ما روى أحمد ومسلم وأبو داود عن ابن عباس: أنه كان ينقع الزبيب للنبي، فيشربه اليوم والغد وبعد الغد إلى مساء الليلة الثالثة، ثم يأمر به فيهراق.\rودليل الكراهة: أن النبي صلّى الله عليه وسلم نهى عن الخليطين، فقال: «لا تَنْبُذوا الزَّهْو (2) والرطب جميعاً، ولا تنبذوا الزبيب والرطب جميعاً، ولكن انبذوا كل واحد منهما على حدته» (3) . وعن أبي سعيد « أن النبي صلّى الله عليه وسلم نهى عن التمر والزبيب أن يخلط بينهما، وعن التمر والبسر أن يخلط بينهما يعني في الانتباذ (4) » .\rولأن الإسكار يسرع إلى ذلك بسبب الخلط، قبل أن يتغير، فيظن الشارب أنه ليس بمسكر، ويكون مسكراً.\rوصرح المالكية والحنابلة (5) بأنه لابأس بالفُقَّاع ( وهو شراب يتخذ من قمح وتمر، وقيل: ماجعل فيه زبيب ونحوه حتى انحل فيه ) لأنه غير مسكر، وإنما يتخذ\r-------------------------------\r(1) الشرح الكبير للدردير: 117/2، بداية المجتهد: 460/1 ومابعدها، القوانين الفقهية: ص 174، مغني المحتاج: 187/4، كشاف القناع: 120/6، المغني: 318/8.\r(2) الزهو: هو البسر الملون الذي بدأ فيه حمرة أو صفرة وطاب. والبسر: نوع من تمر النخل معروف.\r(3) متفق عليه عن أبي قتادة ( نيل الأوطار: 185/8).\r(4) رواه أحمد ومسلم ( نيل الأوطار:185/8 ).\r(5) كشاف القناع: 120/6، المغني: 318/8، بداية المجتهد: 459/1، المنتقى على الموطأ: 153/3.","part":4,"page":178},{"id":2274,"text":"لهضم الطعام. ويحل عندهم شراب السوبيا: وهو مايتخذ من الأرز بطبخه طبخاً شديداً حتى يذوب في الماء، ويصفى ويوضع فيه السُّكَّر ليحلو به.\rويحل عقيد العنب: وهو ماء العنب المغلي حتى يعقد ويذهب إسكاره الذي حصل في ابتداء غليانه، ويسمى الرُّب الصامت. ولاتحل هذه الأشربة إلا إذا أمن السكر منها. وبه يظهر أن الدبس ونحوه من المربَّيات مباح لعدم الإسكار.\rثانياً ـ الانتباذ في الظروف والأواني :\rاتفق العلماء على أنه يجوز الانتباذ ( اتخاذ النبيذ المباح ) في الأوعية المصنوعة من جلد، وهي الأسقية، واختلفوا فيما عداها:\rفقال الحنفية (1) : لابأس بالانتباذ في جميع الظروف والأواني، سواء الدُّبَّاء والحَنْتم والمُزفَّت والنَّقير (2) ؛ لأن الشراب الحاصل ليست فيه شدة مطربة. والنهي عن الانتباذ في هذه الأوعية منسوخ بقوله صلّى الله عليه وسلم : « كنت نهيتكم عن الأشربة إلا في ظروف الأَدَم ـ الجلود المدبوغة ـ فاشربوا في كل وعاء، غير ألا تشربوا مسكراً » (3) . وفي رواية: « نهيتكم عن الظروف، وإن ظرفاً لايحل شيئاً، ولايُحرِّمه، وكل مسكر حرام » (4) .\r-------------------------------\r(1) تكملة الفتح: 166/8، اللباب شرح الكتاب: 216/3.\r(2) الدباء: القرعة اليابسة المجعولة وعاء. والحنتم: الجرار الخضراء المدهونة. والمزفت: الوعاء المطلي بالزفت وهو القار، وهذا مما يحدث التغير في الشراب سريعاً. والنقير: خشبة تنقر أو تحفر كقصعة وقدح، وينبذ فيها.\r(3) رواه مسلم وأحمد وأبو داود والنسائي عن بريدة ( نصب الراية: 308/4 ومابعدها، نيل الأوطار: 183/8).\r(4) رواه الجماعة إلا البخاري وأبا داود عن بريدة.","part":4,"page":179},{"id":2275,"text":"وقال المالكية (1) : يكره الانتباذ في الدباء والمزفت فقط، ولايكره في غير ذلك من الفخار وغيره من الظروف وإن طالت المدة مالم يظن به الإسكار. وعلة الكراهة خوف تعجيل الإسكار، لما ينبذ فيها، إذ شأنها ذلك بخلاف غيرها.\rوقال الشافعية والحنابلة (2) كالحنفية: يجوز الانتباذ في الأوعية كلها.\rثالثاً ـ تخلل الخمر وتخليلها :\rاتفق الفقهاء على أن الخمر إذا تخللت بنفسها، جاز أكلها، لقوله صلّى الله عليه وسلم : «نعم الأُدْم الخل» (3) .\rوإذا نقلت الخمر من الظل إلى الشمس أو بالعكس، ولو بقصد التخليل، حل الخل عند الحنفية والشافعية والظاهرية، وفي احتمال عند الحنابلة؛ لأن الشدة المطربة ( أي الإسكار) التي هي علة النجاسة والتحريم، قد زالت من غير أن تعقب نجاسة في الوعاء، فتطهر.\rويحتمل في وجه آخر عند الحنابلة ألا تطهر، لأنها خللت بفعل، كما لو ألقي فيها شيء (4) .\rويعرف التخلل عند أبي حنيفة بالتغير من المرارة إلى الحموضة، بحيث لا يبقى فيها مرارة أصلاً، فلو بقي فيها بعض المرارة، لا يحل شربها؛ لأن الخمر عنده لا تصير خلاً إلا بعد تكامل معنى الخلية فيه، كما لا يصير العصير عنده خمراً إلا بعد تكامل معنى الخمرية، كما سأذكر في حد الشرب.\r-------------------------------\r(1) الشرح الكبير: 117/2، بداية المجتهد: 460/1، القوانين الفقهية: ص 174.\r(2) شرح مسلم للنووي: 158/13، كشاف القناع: 120/6، المغني 318/8.\r(3) رواه مسلم وأحمد وأصحاب السنن الأربعة عن جابر بن عبد الله ( نصب الراية: 310/4).\r(4) انظر المبسوط:7/24، البدائع: 113/5 ومابعدها، تكملة الفتح: 166/8، تبيين الحقائق: 48/6، الدر المختار: 320/5، مغني المحتاج: 81/1، شرح المحلي على المنهاج: 72/1، بداية المجتهد: 461/1، القوانين الفقهية: ص 175، منتقى الموطأ: 153/3، المغني: 319/8، المحلى: 117/1.","part":4,"page":180},{"id":2276,"text":"وقال الصاحبان: تصير الخمر خلاً بظهور قليل من الحموضة فيها، اكتفاء بظهور الخَلِّية فيها، كما أن العصير يصير خمراً بظهور دليل الخمرية عندهما. ويظهر أن هذا هو رأي بقية الفقهاء.\rوأما تخليل الخمر بعلاج بإلقاء جسم غريب عنها كالملح أو الخل أو السمك أوالخبز الحار، أو البصل، أو بإيقاد النار قربها، حتى صارت حامضاً، فيجوز، ويحل شربها عند الحنفية، لأنه إصلاح، والإصلاح مباح، قياساً على دبغ الجلد، فإن الدباغ يطهره، كما ثبت في السنة النبوية: «أيما إهاب دبغ، فقد طهر» (1) . وقال صلّى الله عليه وسلم عن جلد الشاة الميتة: «إن دباغها يُحلِّه، كما يُحِلُّ خَلَّ الخمر» (2) فأجاز النبي التخليل، كما ثبت حل الخل شرعاً، بدليل قوله صلّى الله عليه وسلم : «خير خلكم خل خمركم» (3) . والحديث السابق: «نعم الأدمْ الخل» لم يفرق بين التخلل بنفسه، والتخليل، فالنص مطلق .\rولأن التخليل يزيل الوصف المفسد، ويجعل في الخمر صفة الصلاح، والإصلاح مباح، كما تقدم، لأنه يشبه إراقة الخمر.\rوإذا صارت الخمر خلاً، يطهر ما يجاورها من الإناء، كما يطهر أعلى الإناء (وهو الذي نقص منه الخمر) تبعاً.\rوللمالكية في تخليل الخمر بمعالجة أقوال ثلاثة: قول بالمنع أو التحريم؛ لأن النبي صلّى الله عليه\r-------------------------------\r(1) أخرجه النسائي والترمذي وابن ماجه وغيرهم عن ابن عباس. وأخرجه الدارقطني بإسناد حسن عن ابن عمر.\r(2) أخرجه الدارقطني عن أم سلمة، وفي سنده ضعف (نصب الراية: 119/1، 113/4).\r(3) رواه البيهقي في المعرفة عن جابر، وقال: تفرد به المغيرة بن زياد، وليس بالقوي. ويلاحظ أن أهل الحجاز يسمون خل العنب خل الخمر (نصب الراية: 311/4).","part":4,"page":181},{"id":2277,"text":"وسلم أمر بإراقة راوية خمر، أهداها له رجل (1) ، ولو جاز تخليلها، لما أباح له إراقتها، ولنبهه على تخليلها.\rوقول بالجواز مع الكراهة؛ لأن علة تحريم الخمر الشدة المطربة، فإذا زالت زال التحريم، كما لو تخللت بنفسها.\rوقول بالتفصيل: يجوز تخليل الخمر الذي تخمر عند صاحبه، بدون قصد الخمرية، ولا يجوز تخليل الخمر المتخذة خمراً.\rوقال الشافعية والحنابلة: لا يحل تخليل الخمر بالعلاج، ولا تطهر حينئذ؛ لأننا مأمورون باجتنابها، فيكون التخليل اقتراباً من الخمر على وجه التموُّل، وهو مخالف للأمر بالاجتناب، ولأن الشيء المطروح في الخمر يتنجس بملاقاتها، فينجسها بعد انقلابها خلاً، ولأن الرسول صلّى الله عليه وسلم أمر بإهراق الخمر بعد نزول آية المائدة بتحريمها. وعن أبي طلحة: أنه سأل النبي صلّى الله عليه وسلم عن أيتام ورثوا خمراً، فقال: «أهرقها» قال: «أفلا أخللها؟ قال: لا» (2) وهذا نهي يقتضي التحريم. ولو كان إلى استصلاحها سبيل مشروع لم تجز إراقتها، بل أرشدهم إليه، لاسيما وهي لأيتام، يحرم التفريط في أموالهم (3) .\r-------------------------------\r(1) رواه مالك في الموطأ وأحمد ومسلم والنسائي (نيل الأوطار: 169/8) والراوية: المزادة من ثلاثة جلود يوضع فيها الماء.\r(2) أخرجه مسلم وأبو داود (نصب الراية: 311/4).\r(3) راجع بحثي عن (الأشربة) للموسوعة الفقهية بالكويت، أول بحث نشر من بين البحوث.","part":4,"page":182},{"id":2278,"text":"المبحث الثالث ـ اللبس والاستعمال والحلي :\rالأصل في اللباس والزينة الحل والإباحة، سواء في الثوب والبدن والمكان، لقوله تعالى: {هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعاً} [البقرة:29/2] وقوله سبحانه: {قل: من حرم زينة الله التي أخرج لعباده، والطيبات من الرزق..} [الأعراف:32/7] وقوله عز وجل: {يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباساً يواري سوآتكم وريشاً..} [الأعراف:26/7]. والريش كما قال ابن عباس: كل ما ظهر من الثياب والمتاع مما يلبس ويفرش.\rويحرم استعمال الذهب والفضة للرجال والنساء في الآنية ووسائل الكتابة والزينة وغيرها في غير البيع والشراء باتفاق أئمة المذاهب (1) ، فلا يجوز الأكل والشرب والادهان والاكتحال والتطيبُ والتوضؤ في آنية الذهب والفضة، كما لا يجوز استعمال الساعات والأقلام وأدوات المكتب والمرايا وأدوات الزينة الذهبية أو الفضية، ولا يجوز تزيين البيوت والمجالس بالذهب و بالفضة؛ لقوله صلّى الله عليه وسلم : «لا تشربوا في آنية الذهب والفضة، ولا تأكلوا في صحافهما (2) ، فإنها لهم ـ أي للمشركين ـ في الدنيا، ولكم في الآخرة» (3) وقوله: «الذي يشرب في إناء الفضة، إنما يجرجر في بطنه نار جهنم» (4) .\rوالجرجرة: صوت وقوع الماء في الجوف. وحرم الشافعية والحنابلة خلافاً للحنفية اتخاذ آنية الذهب والفضة أي اقتناءها؛ لأن اتخاذها يجر إلى استعمالها، وماحرم استعماله مطلقاً حرم اتخاذه على هيئة الاستعمال. وقال الشافعية: وظاهره حرمة الاتخاذ ولو للتجارة؛ لأن آنية الذهب والفضة ممنوع من استعمالها لكل أحد، بعكس الحرير، يجوز اتخاذه للتجارة فيه، لأنه ليس ممنوعاً من استعماله لكل أحد.\rويستثنى من حرمة استعمال الذهب والفضة أمور للضرورة أو للحاجة:\r-------------------------------\r(1) انظر تكملة الفتح: 81/8-82، اللباب: 159/4 ومابعدها، شرح الرسالة لابن أبي زيد القيرواني: 371/2-373، حاشية الباجوري على ابن قاسم: 42//1، المغني: 75/1-78، المهذب: 11/1 ومابعدها، بجيرمي الخطيب: 294/3 وما بعدها.\r(2) الصحاف جمع صحفة، والصحفة: هي ما تشبع الخمسة.\r(3) متفق عليه بين الشيخين عن حذيفة بن اليمان (سبل السلام: 29/1).\r(4) متفق عليه عن أم سلمة (نصب الراية: 220/4، سبل السلام: 30/1) .","part":4,"page":183},{"id":2279,"text":"1 - صناعة الأنف إذا قطع، والأسنان إذا سقطت، يجوز عملها من الذهب أو الفضة. وهذا رأي الجمهور ومنهم محمد، وفي رواية عن أبي يوسف من الحنفية. وقال أبو حنيفة: لا تشد الأسنان بالذهب، وتشد بالفضة، وأضاف الحنفية: لا بأس بمسمار الذهب لتثبيت حجر فص الخاتم، لأنه تابع له. وقال الشافعية: يحرم سن خاتم الذهب على الرجل وهي الشعبة التي يستمسك بها الفص.\r2 - طلاء الأدوات بالذهب أو الفضة إذا كان قليلاً: بأن لم يحصل منه شيء بالعرض على النار، أو الذي لا يخلص، أي لا يمكن فصل شيء مادي منه.\r3 - أجاز أبو حنيفة الشرب والوضوء في الإناء المفضض (المزين بالفضة)، والركوب على السَرْج المفضض، والجلوس على السرير المفضض.\rوأجاز أيضاً الإناء المضبب (الذي لحم كسره) بالذهب والفضة، والكرسي المضبب بهما، وكذا إذا جعل ذلك في السيف وحلقة المرآة، أو جعل المصحف مذهباً أو مفضضاً، ومثل ذلك اللجام والركاب، والثوب الذي كتب فيه بذهب أو فضة. ولا بأس بتحلية المصحف ونقش المسجد وزخرفته بماء الذهب إذا كان المقصود بذلك تعظيمه، ويكره إذا كان بقصد الرياء. وقال المالكية: لا بأس بالفضة (لا الذهب) في حلية الخاتم أو السيف والمصحف، ولا يجعل ذلك في لجام ولا سرج ولا سكين ولا في غير ذلك. وفي الجملة عندهم قولان بالمنع أو الكراهة في المموه بالذهب والفضة، وفي الإناء المضبب.\rوقال الشافعية: يحرم الإناء المطلي بذهب أو فضة إن حصل من الطلاء شيء بعرضه على النار، ويحل إن لم يحصل منه شيء بالعرض على النار. ويحرم الإناء المضبب (1) بضَبة فضة كبيرة عرفاً لزينة، فإن كانت كبيرة للحاجة، جاز مع الكراهة، وإن كانت صغيرة عرفاً لزينة كرهت، أما لحاجة فلا تكره بدليل ما رواه البخاري عن عاصم الأحول قال: «رأيت قدح النبي عند أنس بن مالك، وكان قد انصدع، فسلسله بفضة..» . أما ضبة الذهب فتحرم مطلقاً، كبيرة أو صغيرة لحاجة أو لزينة، كلها أو بعضها، ولو كمكحلة.","part":4,"page":184},{"id":2280,"text":"ويجوز تحلية المصحف بالفضة للرجل والمرأة، وتحلية آلة الحرب كالسيف والرمح والمنطقة بالفضة للرجل لأنها تغيظ الكفار، ولا يحل ذلك للمرأة ولا يجوز تحلية ما لا يلبسه الرجل من آلات الحرب كالسرج واللجام.\rوللمرأة تحلية المصحف بالذهب أيضاً. والتحلية: وضع قطع رقيقة.\rويحرم تمويه السقوف والجدران بالذهب والفضة، سواء أمكن استخراج شيء منها بالعرض على النار أم لا.\rويحرم تحلية الكعبة وسائر المساجد بالذهب أو بالفضة، كما يحرم كسوتها بالحرير المزركش بالذهب أو بالفضة.\rوقال الحنابلة مثل الشافعية: يحرم المضبب بضبة كثيرة من الذهب أو الفضة، لحاجة أو غيرها. ولا يباح اليسير من الذهب إلا للضرورة كأنف الذهب وما ربط به الأسنان، ويباح اليسير من الفضة؛ لحاجة الناس إليه.\rوعلل الفقهاء حرمة استعمال الذهب والفضة بالسرف والخيلاء، والأصح في التعليل: هو كون الذهب والفضة أثمان الأشياء، والنقد المتداول، فلو أبيح استعمالها لأثَّر ذلك في رواجهما في الأسواق، فيحل الاضطراب والقلق.\rويجوز استعمال غير آنية الذهب والفضة من الأواني النفيسة كإناء ياقوت وزمّرد وزجاج وبلور وعقيق وزبرجد ومرجان ولؤلؤ، ونحاس ورصاص، ونحو ذلك؛ لأنها ليست في معنى الذهب والفضة، والأصل في الأشياء الإباحة، ولأن النبي صلّى الله عليه وسلم توضأ من إناء نحاس (2) .\rلبس الحرير والتختم بالذهب والفضة :\rيحرم على الرجال لبس الحرير والتختم بالذهب، ويحل للنساء اللبس والتختم مطلقاً والتحلي بالحلي من الذهب والفضة (3) ، لقوله صلّى الله عليه وسلم : «الذهب\r-------------------------------\r(1) يقال: ضبب الإناء والباب ونحوهما: عمل له ضبَّة، وأدخل بعضه في بعض، وشَعَبه وأصلحه.\r(2) روى الشيخان عن عبد الله بن زيد قال: «أتانا رسول الله صلّى الله عليه وسلم ، فأخرجنا له ماء في توْر من صُفْر، فتوضأ» وروى أبو داود عن عائشة قالت: «كنت أغتسل أنا ورسول الله صلّى الله عليه وسلم في تَوْر من شَبَه» وتور: إناء يشرب فيه، والصفر: النحاس، والشبه: أرفع النحاس.\r(3) تكملة الفتح: 83/8، -97، اللباب: 157/4-158، تبيين الحقائق: 14/6 ومابعدها، الدر المختار: 255/5، شرح الرسالة: 371/2 ومابعدها، المنتقى على الموطأ: 254/7، المهذب: 11/1، بجيرمي الخطيب: 227/2-230، 295، نيل الأوطار: 81/2-83، الدرر المباحة في الحظر والإباحة للشيباني النحلاوي: ص 24 ومابعدها، كشاف القناع: 275/2-279، المغني: 588/1-591.","part":4,"page":185},{"id":2281,"text":"والحرير حِلٌّ لإناث أمتي، حرام على ذكورها» (1) وعن علي «نهى رسول الله صلّى الله عليه وسلم عن التختم بالذهب» (2) وعن ابن عباس « أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم رأى في يد رجل خاتماً من ذهب، فنزعه فطرحه، وقال: يعمد أحدكم إلى جمرة من نار فيجعلها في يده» (3) ، وقال رسول الله صلّى الله عليه وسلم : «إنما يلبس الحرير في الدنيا من لا خلاق له في الآخرة» (4) .\rواستثنى أئمة المذاهب الخاتم الفضي للرجل، فأباحوا له لبسه والتختم به إذا كان قليلاً، ومقداره عند الحنفية: بقدر مثقال (975،2 غم) فما دونه، وعند المالكية: إذا كان لا يزيد على درهمين بشرط الاقتداء بالنبي صلّى الله عليه وسلم . والصواب عند الشافعية: بما دون المثقال. والمعول في ذلك على العرف والعادة، سواء زاد عن مثقال أو نقص عنه، فمتى زاد على العادة حرم. ويلبس في خنصر اليد اليسرى. ولو لِبسه في غير الخنصر جاز مع الكراهة عند الشافعية. وقال الحنفية: ترك التختم لغير السلطان والقاضي وذي الحاجة إليه أولى، والحاجة مثل الختم به.\rولا يحل للرجال بحال كالخطبة والزواج التختم بخاتم الذهب، لنهي النبي صلّى الله عليه وسلم عنه. ويشتد التحريم بقصد تقليد غير المسلمين.ولا بأس أيضاً عند الحنفية من استخدام المنطقة (ما ينتطق به الرجل ويشد وسطه) وحلية السيف، من الفضة، كالخاتم، بشرط ألا يضع يده على موضع الفضة، لورود الآثار في إباحة ذلك.\r-------------------------------\r(1) رواه ابن أبي شيبة عن زيد بن أرقم، وأخرجه الترمذي بلفظ آخر عن أبي موسى الأشعري، وقال: حديث حسن صحيح، ورويت أحاديث كثيرة في معناه (نصب الراية: 222/4-225).\r(2) رواه الجماعة إلا البخاري. وقال عنه الترمذي: حديث حسن صحيح، ورواه ابن حبان في صحيحه (نصب الراية: 235/4).\r(3) رواه مسلم (نصب الراية: 225/4).\r(4) رواه الشيخان عن ابن عمر (نصب الراية: 222/4).","part":4,"page":186},{"id":2282,"text":"أما الخاتم: فأخرج الأئمة الستة عن أنس بن مالك: «أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم اتخذ خاتماً من فضة، له فص حبشي، ونقش فيه: محمد رسول الله » .\rوفي السيف وردت عدة أحاديث: منها مارواه أبو داود والترمذي عن أنس، قال: « كانت قبيعة ـ مقبض ـ سيف رسول الله صلّى الله عليه وسلم فضة » .\rوأما المنطقة: ففي عيون الأثر لابن سيد الناس اليعمري قال: « وكان للنبي صلّى الله عليه وسلم منطقة من أديم منشور ثلاث، حَلَقها وإبزيمها (1) ، وطرفها فضة » (2) .\rولابأس عند أبي حنيفة بتوسد الحرير ( جعله وسادة أي مخدة )، وافتراشه والنوم عليه؛ لأن ذلك استخفاف به، فصار كالتصاوير على البساط، فإنه يجوز الجلوس عليه. وقال الصاحبان: يكره التوسد والافتراش والجلوس على الحرير، لعموم النهي عنه، ولأنه زي من لا خلاق له من الأعاجم.\r-------------------------------\r(1) الإبزيم: الذي في رأس المنطقة، وما أشبهه، وهو ذو لسان يدخل فيه الطرف الآخر.\r(2) راجع الآثار الثلاثة المذكورة في ( نصب الراية: 232/4 - 234).","part":4,"page":187},{"id":2283,"text":"ولابأس عند الصاحبين للضرورة بلبس الديباج ( وهو ماسداه ولحمته إبْريَسم أي أحسن الحرير ) في الحرب؛ لأن الحاجة ماسة إليه، فإنه يردّ الحديد بقوته، ويكون رعباً في قلوب الأعداء، وهو أهيب في عين العدو لبريقه ولمعانه. وعن الحكم بن عمير، قال: « رخص رسول الله صلّى الله عليه وسلم في لباس الحرير عند القتال » (1) ويكره لبسه عند أبي حنيفة لعموم النهي، والضرورة تندفع بالمخلوط.\rوأباح الحنفية في الحرب وغيرها لبس الثوب المختلط بالحرير ( المُلْحَم ) بأن كان سداه حريراً ولحمته غير حرير كقطن أو كتان أو خز ( صوف مخلوط بحرير: لحمته صوف، وسداه حرير )؛ لأن الصحابة كانوا يلبسون الخز، والخز مسدّى بالحرير، ولأن النسج باللحمة، فهي المعتبرة دون السدى. فإن انعكس الأمر بأن كانت لحمة الثوب حريراً، وسداه غير حرير، لايحل لبسه في غير الحرب، ولابأس به في الحرب باتفاق الحنفية.\rويجوز عند الحنفية قليل الحرير، فالقليل عفو: وهو مقدار ثلاثة أو أربعة أصابع، كالأعلام، والمكفوف بالحرير، لما روى عمر، فقال: « نهى رسول الله صلّى الله عليه وسلم عن لبس الحرير، إلا موضع إصبعين أو ثلاث أو أربع» (2) . وكان النبي صلّى الله عليه وسلم يلبس جبة مكفوفة بالحرير (3) .\rويجوز للضرورة لبس الحرير لستر عورة أو وقاية الجسم من الحر أو البرد حتى يجد غيره من الثياب المباحة، لأن الضرورات تبيح المحظورات، والضرورة تقدر بقدرها.\r-------------------------------\r(1) رواه ابن عدي في الكامل، وفيه ضعيف، وروي عن الشعبي، وهو غريب عنه ( نصب الراية: 237/4 ).\r(2) أخرجه مسلم ( نصب الراية: 225/4 ).\r(3) أخرجه مسلم عن عبد الله أبي عمر، مولى أسماء بنت أبي بكر، ورواه أبو داود، والبخاري أيضاً (نصب الراية: 226/4 ).","part":4,"page":188},{"id":2284,"text":"ويباح للضرورة عند جمهور الفقهاء غير المالكية لبس الحرير لدفع أذى من قَمْل ونحوه، أو لدفع مرض كجرب وغيره، بدليل أن النبي صلّى الله عليه وسلم رخص لعبد الرحمن بن عوف والزبير في لبس الحرير لحكة كانت بهما (1) . وقال المالكية: لا يحل ولو لذاك، ويلاحظ أن الحديث حجة عليهم.\rويكره عند الحنفية للولي أن يلبس الصبيان الذكور الذهب والفضة والحرير؛ لأن التحريم ثبت في حق الذكور، وإذا حرم اللبس، حرم الإلباس، كالخمر لما حرم شربه حرم سقيه.\rوحرم الحنابلة في الأصوب على الولي أن يلبس الصبي الحرير ، لعموم قول النبي صلّى الله عليه وسلم : «حرِّم لباس الحرير على ذكور أمتي وأحل لنسائهم» وروى أبو داود عن جابر قال: «كنا ننزعه عن الغلمان ونتركه على الجواري» .\rوحرم الجمهور غير الحنفية الجلوس على الحرير، أو الاستناد عليه، أو توسده وستر الجدران به، إلا أن المالكية أجازوا ستر النافذة به، وأجاز الحنابلة ستر الكعبة به، وأباح الشافعية الجلوس على الحرير بحائل (غطاء) كملاءة من قطن أو صوف أو كتان أو نحوها.\r-------------------------------\r(1) رواه الجماعة عن أنس إلا لفظ الترمذي: أن عبد الرحمن بن عوف والزبير شكوا إلى النبي صلّى الله عليه وسلم القَمْلَ، فرخص لهما في قُمُص الحرير، في غزاة لهما (نيل الأوطار: 88/2).","part":4,"page":189},{"id":2285,"text":"ودليلهم على تحريم الجلوس على الحرير قول حذيفة: «نهانا النبي صلّى الله عليه وسلم أن نشرب في آنية الذهب والفضة، وأن نأكل فيها، وعن لبس الحرير والديباج، وأن نجلس عليه» (1) .\rوأجاز الجمهور غير الحنفية كالحنفية لبس القليل من الحرير كالعَلَم (2) في الثوب الحريري المقدر بأربع أصابع، ولكن عند المالكية يجوز لباس الخز (غير الخالص) مع الكراهة للباس السلف له. ودليل الجمهور حديث عمر المتقدم، وحديث ابن عباس قال: «إنما نهى رسول الله صلّى الله عليه وسلم عن الثوب المُصْمَت من قَزّ (3) » . قال ابن عباس: «أما السَّدَى والعَلَم، فلا نرى به بأساً» (4) .\rوالمنسوج من الحرير وغيره: الحكم فيه عند الشافعية والحنابلة للأغلب منهما فإن كان القطن ونحوه هو الأكثر، جاز؛ لأن الحرير مستهلك في غيره. وقال المالكية في الأصوب: يكره المختلط بغيره، كالخالص، سواء أكانت المختلط يسيراً أم كثيراً.\rولا يجوز في الأصوب عند الحنابلة كالحنفية لولي الصبي أن يلبسه الحرير. وأجاز الشافعية إلباس الصبي أو المجنون حريراً؛ لأنه غير مكلف، ولأن خنوثة الحرير لا تتنافى مع الأولاد بعكس الرجال.\rوكره تنزيهاً عند الحنفية للرجال لبس المعصفر والمزعفر: الأحمر والأصفر، ولا يكره للنساء، ولا بأس لهن بسائر الألوان.\r-------------------------------\r(1) رواه البخاري (نيل الأوطار: 85/2).\r(2) أعلمت الثوب: جعلت له علماً من طراز وغيره، وهي العلامة.\r(3) المصمت من قز: هو الذي جميعه حرير، لا يخالطه قطن ولا غيره.\r(4) رواه أحمد وأبو داود (نيل الأوطار: 90/2).","part":4,"page":190},{"id":2286,"text":"المبحث الرابع ـ الوطء والنظر واللمس واللهو والتصوير والوسم والوشم وأحكام الشعر والنتف والتفليج والسلام :\rأولاً ـ الوطء :\rالاستمتاع واجب على الرجل للمرأة إذا انتفى العذر، بما يحقق الإعفاف والصون عن الحرام، وتباح كل وجوه الاستمتاع إلا الإتيان في الدبر فهو حرام. ومكان الوطء باتفاق المذاهب: هو القبل، لا الدبر (1) ، لقوله تعالى: {نساؤكم حرث لكم، فأتوا حرثكم أنى شئتم} [البقرة:223/2] (2) أي على أية كيفية:\rقائمة، أو قاعدة، مقبلة، أو مدبرة، في أقبالهن (3) . قال ابن عباس: إنما قوله: {فأتوا حرثكم أنى شئتم} [البقرة:223/2]. قائمة، وقاعدة، ومقبلة، ومدبرة، في أقبالهن، لا تعدو ذلك إلى غيره. وله عبارة أخرى في الآية: إن شئت فمقبلة، وإن شئت فمدبرة، وإن شئت فباركة، وإنما يعني ذلك موضع الولد للحرث، يقول: ائت الحرث حيث شئت.\rوقد ثبت تحريم الوطء في الدبر (4) ، في السنة النبوية، بأحاديث كثيرة منها: «ملعون من أتى امرأة في دبرها» (5) «الذي يأتي المرأة في دبرها هي اللوطية الصغرى» (6) «من أتى حائضاً، أو امرأة في دبرها، أو كاهناً، فصدقه، فقد كفر بما أنزل على محمد» (7) . ويجوز الاستمتاع بها فيما بين الأليتين، لقوله تعالى: {إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين} [المؤمنون:6/23] ويجوز وطؤها في القبل مدبرة لقول جابر: «يأتيها من حيث شاء مقبلة أو مدبرة إذا كان ذلك في الفرج» .\rوربما كان أسوأ من الدبر: وضع الذكر في فم المرأة ونحوه، مما جاءنا من شذوذ الغربيين، فيكون ذلك حراماً لثبوت ضرره وقبحه شرعاً وذوقاً.\r-------------------------------\r(1) القوانين الفقهية: ص 211، فتح المعين شرح قرة العين: ص 107).\r(2) الآية 223 من سورة البقرة.\r(3) قال الشافعي: لا يجب قضاء الجماع للمرأة إلا مرة بعد الزفاف، وهذا هو مذهب الحنفية في الرواية الظاهرة والمعروف عند الشافعية أنه لا حق للمرأة في الجماع. وقال الطحاوي : يلزم في كل أربع ليال مرة. وقال بعضهم: يلزم كل أربعة أشهر مرة وهي مدة الإيلاء. هذا في أحكام القضاء. أما ديانة فيلزم الزوج شرعاً إعفاف زوجته وإبعادها عن الوقوع في الحرام، متى كان قادراً على ذلك. وقال بعضهم: إن الإعفاف بحسب تقدير حال الزوجين واجب قضائي أيضاً، وهو الرأي المعقول.\r(4) المهذب: 66/2.\r(5) رواه أحمد وأبو داود والنسائي عن أبي هريرة، وهو حديث صحيح.\r(6) رواه أحمد عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده.\r(7) رواه أحمد وأصحاب السنن عن أبي هريرة (راجع الأحاديث الثلاثة في تفسير ابن كثير: 263/1).","part":4,"page":191},{"id":2287,"text":"وطء الحائض ونحوها :\rويحرم بالاتفاق إتيان الحائض، ومستحله كافر، لقوله تعالى: {ويسألونك عن المحيض، قل: هو أذى، فاعتزلوا النساء في المحيض، ولا تقربوهن حتى يطهرن، فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله ، إن الله يحب التوابين، ويحب المتطهرين} [البقرة:222/2] والنفساء كالحائض.\rويسن لمن وطئ الحائض أن يتصدق بدينار إن وطئها في إقبال الدم، وبنصفه في إدباره؛ لخبر أبي داود والحاكم وصححه: «إذا واقع الرجل أهله وهي حائض، إن كان دماً أحمر فليتصدق بدينار، وإن كان أصفر، فليتصدق بنصف دينار» (1) .\rوأجاز أبو حنيفة إتيان المرأة إذا انقطع دم الحيض، ولو لم تغتسل بالماء إلا أنه إذا انقطع دمها بعد أكثر الحيض (عشرة أيام) حلت حينئذ، وإن انقطع دمها لأقل من عشرة أيام، لم تحل حتى يمضي وقت صلاة كامل أو تغتسل.\rولم يجز الجمهور غير أبي حنيفة إتيانها حتى ينقطع الحيض، وتغتسل بالماء غسل الجنابة.\rوأما ما عدا الوطء في الفرج للحائض من الاستمتاع بالضم أو المس، أو القبلة أو غير ذلك، فتجوز المباشرة فيما فوق السرة وتحت الركبة باتفاق العلماء.\r-------------------------------\r(1) روى أحمد وأصحاب السنن الأربعة عن ابن عباس عن النبي صلّى الله عليه وسلم في الذي يأتي امرأته وهي حائض: يتصدق بدينار، أو بنصف دينار. قال أبو داود: هكذا الرواية الصحيحة، قال: دينار أو نصف دينار . وفي لفظ للترمذي: إ ذا كان دماً أحمر فدينار، وإن كان دماً أصفر فنصف دينار ، وفي رواية لأحمد أن النبي صلّى الله عليه وسلم جعل في الحائض تصاب ديناراً، فإن أصابها وقد أدبر الدم عنها، ولم تغتسل، فنصف دينار » (نيل الأوطار: 278/1).","part":4,"page":192},{"id":2288,"text":"وأما المباشرة فيما بين السرة والركبة ففيه أقوال ثلاثة (1) :\r1 - قول أكثر العلماء، منهم أبو حنيفة وأبو يوسف والمالكية والشافعية: وهو التحريم، سداً للذريعة، ولحديث عائشة: «كانت إحدانا إذا كانت حائضاً، فأراد رسول الله صلّى الله عليه وسلم أن يباشرها، أمرها أن تأتزر بإزار، في فور حيضتها، ثم يباشرها» (2) .\r2 - قول الحنابلة والأوزاعي ومحمد من الحنفية وغيرهم: الجواز، لقول النبي صلّى الله عليه وسلم : «اصنعوا كل شيء إلا النكاح، وفي لفظ:إلا الجماع» (3) وهو صريح بتحليل كل شيء ما عدا النكاح.\r3 - التفصيل: إن كان المباشر يضبط نفسه عن الفرج، إما لشدة ورع، أو لضعف شهوة، جاز، وإلا لم يجز.\rوأرجح العمل بالأحوط في الأحوال العادية، فإن كان المرء مسافراً ثم قدم، أو شديد الشَّبَق (4) ، جاز له العمل بالقولين الآخرين، بشرط أن يضبط نفسه عن الفرج، منعاً من الوقوع في الحرام بالنظر إلى الأجنبيات وغيره، ولأن النبي صلّى الله عليه وسلم كان إذا أراد من الحائض شيئاً، ألقى على فرجها شيئاً (5) .\r-------------------------------\r(1) نيل الأوطار: 276/1، الدرر المباحة في الحظر والإباحة: ص41، اللباب: 48/1 ومابعدها، تبيين الحقائق: 57/1، الشرح الكبير: 173/1، مغني المحتاج: 110/1، المغني: 306/1.\r(2) متفق عليه بين أحمد والشيخين. قال الخطابي: فور الحيض: أوله ومعظمه ( نيل الأوطار: 278/1).\r(3) رواه الجماعة إلا البخاري عن أنس بن مالك ( نيل الأوطار: 276/1 ).\r(4) وأجاز الحنابلة لمن به شبق وطء الحائض بشرط ألا تندفع شهوته بدون الوط ء في الفرج ، ويخاف تشقق أنثييه إن لم يطأ ، ولايجد غير الحائض من زوجة أخرى ( كشاف القناع: 227/1).\r(5) رواه أبو داود عن عكرمة عن بعض أزواج النبي صلّى الله عليه وسلم ( نيل الأوطار: 277/1 ).","part":4,"page":193},{"id":2289,"text":"العزل :\rالإيجاد والخلق في الحقيقة منوط بالإرادة الإلهية، ففي حديث حسن رواه الطبراني: « اعزلوا أو لاتعزلوا، ماكتب الله تعالى من نسمة هي كائنة إلى يوم القيامة إلا وهي كائنة » ولا خلاف بين العلماء ما عدا ابن حزم الظاهري (1) : أنه يجوز العزل (2) عن الزوجة، بشرط إذنها، بدليل قول جابر: « كنا نعزل على عهد رسول الله صلّى الله عليه وسلم ، فبلغه ذلك، فلم ينهنا » (3) ودليل اشتراط الإذن مارواه أحمد وابن ماجه عن عمر: « أن النبي صلّى الله عليه وسلم نهى عن أن يعزل عن الحرة، إلا بإذنها » (4) .\rإلا أن الشافعية والحنابلة وقوماً من الصحابة قالوا بكراهة العزل؛ لأن الرسول صلّى الله عليه وسلم في حديث مسلم عن عائشة سماه الوأد الخفي، فحمل النهي على كراهة التنزيه. وأجاز الغزالي العزل لأسباب منها كثرة الأولاد.\rوبناء عليه يجوز استعمال موانع الحمل الحديثة كالحبوب وغيرها لفترة مؤقتة، دون أن يترتب عليه استئصال إمكان الحمل، وصلاحية الإنجاب، قال الزركشي: يجوز استعمال الدواء لمنع الحبل في وقت دون وقت كالعزل، ولايجوز التداوي لمنع الحبل بالكلية. أو ربط عروق المبايض إذا ترتب عليه امتناع الحمل في\r-------------------------------\r(1) تكملة الفتح: 109/8، إحياء علوم الدين: 47/2 ومابعدها، نيل الأوطار: 197/6، فتح القدير: 494/2، الشرح الكبير: 266/2، المهذب: 66/2، المغني: 223/7، الإحياء: 248/2، شرح مسلم: 6/10 ،17.\r(2) العزل : النزع بعد الإيلاج، لينزل الماء خارج الفرج.\r(3) رويت أحاديث أخرى في معناه ( نيل الأوطار: 195/6 ومابعدها).\r(4) قال المحدثون: وليس إسناده بذلك، لأن في إسناده ابن لهيعة، وفيه مقال معروف. ويشهد له ما أخرجه عبد الرزاق والبيهقي عن ابن عباس قال: « نهى عن عزل الحرة إلا بإذنها » وروى عنه ابن أبي شيبة أنه كان يعزل عن أمته، وروى البيهقي عن ابن عمر مثله (نصب الراية: 251/4، نيل الأوطار: 196/6 ومابعدها ).","part":4,"page":194},{"id":2290,"text":"المستقبل، والعبرة في ذلك لغلبة الظن، أي احتمال مافوق 50%. وكذلك الحكم في تعقيم الرجل.\rآداب الجماع :\rللجماع آداب كثيرة ثابتة في السنة النبوية منها مايأتي (1) : تستحب التسمية قبله، ويقرأ { قل هو الله أحد } [الإخلاص:1/112]، ويكبر ، ويهلل، ويقول ولو مع اليأس عن الولد: « باسم الله العلي العظيم، اللهم اجعلها ذرية طيبة، إن كنت قدرت أن تخرج ذلك من صلبي » « اللهم جنِّبني الشيطان، وجنب الشيطان مارزقتني » رواه أبو داود. وينحرف عن القبلة، ولايستقبل القبلة بالوقاع، إكراماً للقبلة.\rوأن يتغطى نفسه هو وأهله بغطاء، وألا يكونا متجردين (2) فذلك مكروه كما سيأتي.\rوأن يبدأ بالملاعبة والضم والتقبيل. وإذا قضى وطره، فليتمهل لتقضي وطرها ، فإن إنزالها ربما تأخر. ويكره الإكثار من الكلام حال الجماع، ولايخليها عن الجماع كل أربع ليال مرة بلا عذر.\rوتأتزر الحائض بإزار مابين السرة والركبة إذا أراد الاستمتاع بها.\r-------------------------------\r(1) المغني: 25/7، إحياء علوم الدين: 46/2 ومابعدها، كشاف القناع: 216/5 ومابعدها، مختصر منهاج القاصدين: ص73، فتح المعين: ص 107،الأذكار للنووي: ص 159، نيل الأوطار: 194/6.\r(2) روى ابن ماجه حديثاً عن عتبة بن عبد السُّلمي: « إذا أتى أحدكم أهله، فليستتر، ولايتجردا تجرد العَيْرين » أي الحمارين ( نيل الأوطار: 194/6).","part":4,"page":195},{"id":2291,"text":"ومن أراد أن يجامع مرة ثانية، فليغسل فرجه، ويتوضأ؛ لأن الوضوء يزيد نشاطاً ونظافة.\rوليس في السنة استحباب الجماع في ليال معينة كالاثنين أو الجمعة، ومن العلماء من استحب الجماع يوم الجمعة.\rويكره الوط ء وهما متجردان. لما روى ابن ماجه عن عتبة بن عبد الله قال: «قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم : إذا أتى أحدكم أهله فليستتر، ولا يتجردان تجرد العَيْرين » والعَيْر: حمار الوحش، شبههما به تنفيراً عن تلك الحالة. ويكره تحدثهما بما جرى بينهما، وحرمه بعضهم لما فيه من إفشاء السر، وهو حرام.\rومن الآداب ألا يحلق شعره، ولا يقلم أظفاره، ولا يخرج دماً، وهو جنب.\rويستحب في ليلة الزفاف قبل الجماع أن يأخذ الرجل بناصية المرأة ويقول: «اللهم إني أسألك من خيرها وخير ما جبلتها عليه، وأعوذ بك من شرها وشر ما جبلتها عليه» (1) .\rالإجهاض :\rاتفق العلماء على تحريم الإجهاض دون عذر بعد الشهر الرابع أي بعد 120 يوماً من بدء الحمل،ويعد ذلك جريمة موجبة للغُرَّة (2) ، لأنه إزهاق نفس وقتل إنسان.\r-------------------------------\r(1) ثبت ذلك بحديث رواه ابن ماجه وأبو داود عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده (نيل الأوطار: 189/6).\r(2) الغرة: دية الجنين،وتساوي 5% من الدية الكاملة أي50 ديناراً أو 500 درهم.","part":4,"page":196},{"id":2292,"text":"وأرجح عدم جواز الإجهاض بمجرد بدء الحمل، لثبوت الحياة، وبدء تكون الجنين إلا لضرورة كمرض عضال أو سار كالسل أو السرطان، أوعذر، كأن ينقطع لبن المرأة بعد ظهور الحمل. وله ولد، وليس لأبيه ما يستأجر الظئر (المرضع)، ويخاف هلاك الولد. وإني بهذا الترجيح ميَّال مع رأي الغزالي الذي يعتبر الإجهاض ولو من أول يوم كالوأد جناية على موجود حاصل (1) .\rومع هذا أذكر أقوال الفقهاء في الإجهاض:\r1 - مذهب الحنفية (2) : يباح الإسقاط بعد الحمل، ما لم يتخلق منه شيء، ولن يكون ذلك إلا بعد مئة وعشرين يوماً؛ لأنه ليس بآدمي. وهذا يقتضي أنهم أرادوا بالتخليق: نفخ الروح. وقيل عندهم: إن ذلك مكروه بغير عذر، فإذا أسقطت بغير عذر يلحقها إثم.\rومن الأعذار: أن ينقطع لبنها بعد ظهور الحمل، وليس لأبي الصبي ما يستأجر به الظئر، ويخاف هلاكه.\rوحمل بعضهم إباحة الإسقاط المطلقة على حالة العذر؛ لأن الماء بعد ما وقع في الرحم مآله الحياة، فله حكم الحياة. وهذا التأويل معقول وضروري.\r2 - مذهب المالكية (3) : المعتمد أنه يحرم عندهم إخراج المني المتكون في الرحم، ولو قبل الأربعين يوماً. وقيل: يكره إخراجه قبل الأربعين. وإذا نفخت فيه الروح حرم إجماعاً، وهذا رأي الغزالي والظاهرية (4) .\r-------------------------------\r(1) إحياء علوم الدين: 47/2.\r(2) فتح القدير: 495/2، حاشية ابن عابدين: 278/1، 522/2، ط الأميرية، و418/5، الفتاوى الهندية: 365/5-367.\r(3) الشرح الكبير مع الدسوقي: 266/2 ومابعدها، القوانين الفقهية: ص 212.\r(4) المحلى: 38/11، ط الإمام.","part":4,"page":197},{"id":2293,"text":"3 - مذهب الشافعية (1) : يباح الإجهاض مع الكراهة إذا تم في فترة الأربعين يوماً (40 أو 42 أو 45 يوماً) من بدء الحمل، بشرط كونه برضا الزوجين، وألا يترتب على ذلك ضرر بالحامل. وبعد فترة الأربعين يحرم الإسقاط مطلقاً.\rورجح الرملي جواز الإجهاض قبل نفخ الروح والتحريم بعد نفخ الروح مطلقاً، فيكون رأيه كالحنفية.\rوحرم الغزالي (2) ا لإجهاض مطلقاً، لأنه جناية على موجود حاصل.\r4 - مذهب الحنابلة (3) ، هو كالحنفية: المعتمد عندهم أنه يجوز الإسقاط في فترة الأربعة الأشهر الأولى ي في مدة الـ 120 يوماً من بدء الحمل قبل نفخ الروح، ويحرم قطعاً بعدها، أي بعد ظهور الحركة الإرادية.\rالإعقام أو التعقيم :\rجعل المرأة عقيماً، بمعالجة تمنع الإنجاب نهائياً. وقد صرح الفقهاء بأنه يحرم استعمال ما يقطع الحبل من أصله، لأنه كالوأد (4) . وذلك إلا إذا كانت هناك ضرورة ملجئة كانتقال مرض خطير بالوراثة إلى الأولاد والأحفاد، ودرء المفاسد مقدم على جلب المصالح، ويرتكب أخف الضررين، ولا مانع من عقم المصابة\rبمرض خبيث، وتكون من فئة النساء اللاتي تحققت فيهن مشيئة الله بالعقم: {لله ملك السموات والأرض، يخلق ما يشاء، يهب لمن يشاء إناثاً، ويهب لمن يشاء الذكور، أو يزوجهم ذكراناً وإناثاً، ويجعل من يشاء عقيماً} [الشورى:42/49-50].\rأما ما يبطئ الحبل مدة، ولا يقطعه من أصله،وهو المعروف بتنظيم الحمل، فلا يحرم، بل إن كان لعذر كتربية ولد، لم يكره أيضاً، وإلا كره عند الشافعية.\rالتلقيح الصناعي :\rهو استدخال المني لرحم المرأة بدون جماع. فإن كان بماء الرجل لزوجته، جاز شرعاً، إذ لا محذور فيه، بل قد يندب إذا كان هناك ما نع شرعي من الاتصال الجنسي.\rوأما إن كان بماء رجل أجنبي عن المرأة، لا زواج بينهما، فهو حرام؛ لأنه بمعنى الزنا الذي هو إلقاء ماء رجل في رحم امرأة، ليس بينهما زوجية. ويعد هذا العمل أيضا منافياً للمستوى الإنساني، ومضارعاً للتلقيح في دائرة النبات والحيوان.\rخصاء البهائم :\rولا بأس عند الحنفية بخصاء البهائم، وإنزاء الحمير على الخيل، لإنجاب البغال، ولأن الخصاء للنفع، إذ تسمن الدابة ويطيب لحمها. وقال المالكية: يجوز خصاء الغنم وسائر الدواب إلا الخيل؛ لأن خصاء الغنم يزيد في سمنها، وخصاء الخيل ينقص من قوتها ويقطع نسلها، ويكره الوسم في الوجه، ولا بأس به في غير ذلك (5) .\r-------------------------------\r(1) بجيرمي الخطيب: 40/4، حاشية الشبرامسلي على نهاية المحتاج: 205/6، ط البهية المصرية، تحفة المحتاج لابن حجر: 241/8، نهاية المحتاج: 239/8 ومابعدها، شرح مسلم: 190/16.\r(2) إحياء علوم الدين: 47/2.\r(3) الفروع لشمس الدين المقدسي: 281/1، الإنصاف لعلاء الدين المرداوي: 386/1، منتهى الإرادات لابن النجار: 286/1، المغني: 816/7.\r(4) المراجع السابقة.\r(5) اللباب: 161/4، القوانين الفقهية: ص 445، شرح الرسالة: 414/2.","part":4,"page":198},{"id":2294,"text":"ثانياً ـ النظر :\rللنظر أربعة أقسام، لكل قسم حكم، وهي: نظر الرجل للمرأة، ونظر المرأة إلى الرجل، ونظر الرجل إلى الرجل، ونظر المرأة إلى المرأة (1) .\rالأول ـ نظر الرجل للمرأة :\rأ ـ إذا كانت المرأة زوجة: جاز للزوج اللمس والنظر إلى جميع جسدها، حتى فرجها باتفاق المذاهب الأربعة، والفرج محل التمتع. ولكن يكره لكل منهما نظر الفرج من الآخر، ومن نفسه بلا حاجة، وإلى باطنه أشد كراهة، قالت عائشة رضي الله عنها: «ما رأيت منه، ولا رأى مني» أي الفرج (2) .\rب ـ وإذا كانت المرأة ذات مَحْرم كالأخت والخالة (3) ، جاز عند الحنابلة النظر إلى ما يظهر غالباً كالرقبة والرأس والكفين والقدمين، وليس له النظر إلى ما يستتر غالباً كالصدر والظهر ونحوهما.\r-------------------------------\r(1) راجع تكملة الفتح: 97/8-107، البدائع: 119/5-124، اللباب: 162/4-165، تبيين الحقائق: 17/6-21، الدر المختار: 257/5-264، الشرح الكبير: 215/2، القوانين الفقهية: ص 193، 446، تحفة المحتاج بشرح المنهاج لابن حجر: 190/7-205، المهذب: 34/2-35، المغني: 552/6 ومابعدها، 558-563، 580، مغني المحتاج: 128/3-134، فتح المعين: ص 98.\r(2) أما خبر: «النظر إلى الفرج يورث الطمس» أي العمى، فرواه ابن حبان وغيره في الضعفاء، بل ذكره ابن الجوزي في الموضوعات فهو منكر لا أصل له. وخالفه ابن الصلاح وحسن إسناده (نصب الراية: 248/4) وحديث عائشة رواه ابن ماجه.\r(3) ذوات المحارم: كل من حرم عليه نكاحها على التأبيد بنسب أو رضاع أو تحريم المصاهرة بسبب مباح كأم الزوجة عند الشافعية والحنابلة. والأصح عند الحنفية أن المصاهرة سبب للتحريم سواء أكانت بسبب مباح كالنكاح أم بسبب حرام كالسفاح.","part":4,"page":199},{"id":2295,"text":"ومذهب الحنفية قريب من الحنابلة مع تعديل: فعندهم يجوز النظر إلى الوجه والرأس والصدر والساقين (الساق: من الركبة إلى القدم) والعضدين (أي الساعدين، والساعد: من المرفق إلى الكتف)، ولا ينظر إلى ظهرها وبطنها؛ لأن الله تعالى حرم المرأة إذا شبّهها بظهر الأم، فيحرم النظر إليه، والبطن أولى من الظهر، لأنه أدعى للشهوة.\rوتشدد المالكية فقالوا: الأصح جواز رؤية وجهها ويديها، دون سائر جسدها.\rوتوسط الشافعية فحرموا نظر البالغ من محرمه الأنثى ما بين سرة وركبة، وأباحوا بغير شهوة نظر ما عدا ما بين السرة والركبة، فيجوز النظر إلى السرة والركبة، لأنهما ليسا بعورة بالنسبة لنظر المحرَم.\rجـ ـ وإن كانت المرأة أجنبية: حرم النظر إليها عند الحنفية إلا وجهها وكفَّيها، لقوله تعالى: {ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها} [النور:31/24]. قال علي وابن عباس: ما ظهر منها الكحل والخاتم أي موضعهما وهو الوجه والكف، والمراد من الزينة في الآية موضعها، ولأن في إبداء الوجه والكف ضرورة لحاجتها إلى المعاملة مع الرجال أخذاً وعطاء.\rوإن وقع البصر على محرَّم من غير قصد، وجب أن يصرف عنه، وليس على المرء إثم في المرة الأولى غير المقصودة، فقد روى مسلم عن جرير بن عبد الله البجلي قال: «سألت النبي صلّى الله عليه وسلم عن نظر الفجأة، فأمرني أن أصرف بصري» . وروى أبو داود عن بُريدة قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم لعلي: « يا علي لا تتبع النظرة النظرة، فإن لك الأولى وليس لك الآخرة» .","part":4,"page":200},{"id":2296,"text":"وإن كان لا يأمن الشهوة: لا ينظر إلى وجهها إلا لحاجة ضرورية. وبه يظهر أن حل النظر مقيد بعدم الشهوة، وإلا فحرام. والواجب المنع في زماننا من نظر الشابة. ويدل لحرمة النظر: حديث صحيح: «العينان تزنيان، وزناهما النظر، واليدان تزنيان، وزناهما البطش» (1) . وحد الشهوة: تحرك الآلة.\rويتفق المالكية مع الحنفية في ذلك، فإنهم أجازوا رؤية الوجه والكفين من العجوز، وحرموا ذلك من الشابة إلا لعذر من شهادة أو معالجة أو خطبة.\rوالخصي في المذهبين في حرمة النظر إلى الأجنبي كالفحل.\rوكذلك قال الشافعية: يحرم نظر فحل بالغ عاقل مختار، ولو شيخاً كبيراً، وعاجزاً عن الوطء ومخنثاً (وهو المتشبه بالنساء) إلى المرأة الأجنبية، وكذا يحرم نظر وجهها وكفيها سواء عند خوف الفتنة أو عند الأمن من الفتنة فيما يظهر له من نفسه من غير شهوة، على الصحيح؛ لأن النظر مظنة الفتنة، ومحرّك للشهوة، وقد قال تعالى: {قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم} [النور:30/24] وقال النبي صلّى الله عليه وسلم : «المرأة عورة، فإذا خرجت استشرفها الشيطان» (2) .\rوالمنع من النظر، لا لأن الستر واجب عليهن في ذاته، بل لأن فيه مصلحة عامة. فقد حكى القاضي عياض عن العلماء أنه لا يجب على المرأة ستر وجهها في طريقها، وإنما ذلك سنة، وعلى الرجال غض البصر عنهن للآية.\rوحرم الحنابلة أيضاً نظر الرجل إلى الأجنبية من غير سبب، وعلى هذا فإن بدن الحرة كله عورة عند الشافعية والحنابلة. وأما عند الحنفية والمالكية فليس الوجه والكفان بعورة. وروي عن أبي حنيفة أن القدمين ليستا من العورة. وأباح بعض الحنابلة النظر إلى الوجه والكفين مع الكراهة، إذا أمن الفتنة ونظر لغير شهوة.\r-------------------------------\r(1) أخرجه مسلم عن أبي هريرة (نصب الراية: 248/4).\r(2) أخرجه الترمذي عن ابن مسعود، وهو حديث صحيح.","part":4,"page":201},{"id":2297,"text":"وقالوا: لا بأس بالنظر إلى ما يظهر غالباً من العجوز التي لا يشتهى مثلها أو الشوهاء التي لا تشتهى، لقوله تعالى: {والقواعد من النساء اللاتي لا يرجون نكاحاً} [النور:60/24].\rوعندهم أن الخصي والمخنث الذي لا شهوة له والشيخ ومن ذهبت شهوته لكبر أو عُنَّة أو مرض لا يرجى برؤه: حكمه حكم ذوي المحارم في النظر لقوله تعالى: {أو التابعين غير أولي الإربة} [النور:31/24]أي غير ذوي الحاجة إلى النساء.\rوالأحوال التي يجوز النظر فيها للمرأة لحاجة استثنائية هي عند الفقهاء: الخطبة، والمعالجة، والمعاملة كبيع وشراء، والشهادة أو القضاء، والتعليم، ونحو ذلك والنظر بقدر الحاجة، فلا يجوز أن يجاوز ما يحتاج إليه؛ لأن ما حل لضرورة يقدر بقدرها.\rففي أثناء الخطبة يجوز النظر للوجه والكفين فقط دون ما عداهما، وللخاطب تكرير نظره، ولا ينظر غير الوجه والكفين، بلا مس شيء منها، لدلالة الوجه على الجمال، والكفين على خصوبة البدن.\rوفي المعالجة للطبيب: يجب أن يكون النظر إلى موضع المرض من المرأة للضرورة مع وجود مانع الخلوة كمحرم أو زوج، أو امرأة ثقة، وبشرط عدم وجود امرأة تحسن ذلك؛ لأن نظر الجنس إلى جنسه أخف وأسهل عاقبة، وألا يكون الطبيب غير أمين مع وجود أمين، وألا يكون ذمياً مع وجود مسلم، أو ذمية مع وجود مسلمة.\rويعتبر في النظر إلى الوجه والكفين أدنى حاجة، وفيما عداهما: كل ما يبيح التيمم يبيح النظر، إلا الفرج وقريبه، فيزاد على ذلك وهو أن تشتد الضرورة، حتى لا يعد الكشف عليه هتكاً للمروءة.\rوفي المعاملة من بيع وشراء يباح النظر للوجه فقط، للمطالبة بالثمن أو تسليم المبيع مثلاً.","part":4,"page":202},{"id":2298,"text":"وفي الشهادة أداء وتحملاً للمرأة أو عليها، ولو كان النظر للفرج للشهادة بالزنا، أو الولادة، أو العَبَالة (كبر الذكر) أو الالتحام أو الإفضاء بين القبل والدبر، فإن تيسر وجود النساء أو المحارم للشهادة بذلك كان هو المتعين.\rويجوز للقاضي النظر إلى المرأة إذا أراد أن يحكم عليها، فينظر إلى الوجه، وإن خاف أن يشتهى للحاجة إلى إحياء حقوق الناس بالقضاء.\rوفي التعليم لما يجب تعلمه وتعليمه كالفاتحة وما يتعين من الصنائع المحتاج إليها، يجوز النظر بشرط فقد وجود أحد من جنس النساء أو محرم صالح، وتعذره من وراء حجاب، ووجود مانع الخلوة من محرم ونحوه.\rالثاني ـ نظر المرأة للرجل :\rحكم نظر المرأة للرجل كحكم الأحوال الثلاث المتقدمة في نظر الرجل للمرأة، فإن كان زوجها، جاز أن ترى منه ما يرى منها.\rوإن كانت ذا ت محرم، جاز أن ترى منه جسده له إلا عورته.\rوإن كانت أجنبية عنه، جاز لها عند الحنفية إن أمنت الشهوة أن تنظر إلى جميع بدنه إلا ما بين سرته وركبته.\rوعند المالكية والحنابلة قولان: قول بأن لها النظر إلى ما ليس بعورة (ما بين السرة والركبة) أي كما قال الحنفية، كالرجل مع ذوات محارمه، ويظهر أن هذا هو الراجح؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلم في الحديث المتفق عليه قال لفاطمة بنت قيس: «اعتدي في بيت ابن أم مكتوم، فإنه رجل أعمى، تضعين ثيابك، فلا يراك» (1) .\rوقول آخر، وهو الأصح عند الشافعية: يجوز لها النظر من الرجل، مثل ما ينظر إلىها الرجل؛ لأن الله تعالى أمر النساء بغض أبصارهن، كما أمر الرجال به. وروى أبو داود وغيره أن النبي صلّى الله عليه وسلم أمر أم سلمة وحفصة بالاحتجاب من ابن أم مكتوم، قائلاً لهما: «أفعمياوان أنتما لا تبصرانه؟» .\r-------------------------------\r(1) وقالت عائشة: «كان رسول الله صلّى الله عليه وسلم ورائي يسترني بردائه، وأنا أنظرإلى الحبشة يلعبون في المسجد» متفق عليه.","part":4,"page":203},{"id":2299,"text":"الثالث ـ نظر الرجل إلى الرجل :\rيباح باتفاق المذاهب نظر الرجل للرجل ولو أمرد إذا أمن الشهوة إلى جميع بدنه إلا العورة: وهي ما بين السرة والركبة، لقوله صلّى الله عليه وسلم : «عورة المؤمن ما بين سرته وركبته» (1) ، وقوله: «الفخذ عورة» (2) . وستر العورة واجب حتى على الابن، وفي الحمام وغيرها (3) .\rويحرم نظر أمرد (وهو الشاب الذي لم تنبت لحيته) بشهوة، بالإجماع. كذلك يحرم النظر إلى الملتحي، وإلى النساء المحارم بشهوة.\rالرابع ـ نظر المرأة إلى المرأة :\rالمرأة مع المرأة في النظر كالرجل مع الرجل، لوجود المجانسة وانعدام الشهوة غالباً، وقد تحققت الضرورة إلى الانكشاف فيما بين النساء. فيمنع النظر إلى العورة أى ما بين السرة والركبة، ويجوز ما سواها مع أمن الشهوة، ويحرم مع الشهوة وخوف الفتنة.\rوالأصح عند الجمهور غير الحنابلة تحريم نظر كافرة (ذمية أو غيرها) غير مَحْرم إلى مسلمة، فتحتجب المسلمة عنها وترتدي خمارها أمامها، ما عدا الوجه والكفين، أي أنها كالرجل لقوله تعالى: {أو نسائهن} [النور:31/24]، فلو جاز لها النظر لم يبق للتخصيص بالنساء فائدة. وصح عن عمر أنه منع الكتابيات دخول الحمام مع المسلمات، ولأنها ربما تحكي أوصاف المسلمة للكافر. فالمراد بنسائهن: خصوص النساء المسلمات ، أي المتفقات في الدين، وعلى هذا فلا يحل للمسلمة أن تبدي شيئاً من زينتها الباطنة للكافرة.\r-------------------------------\r(1) رواه سَمُّويَه (إسماعيل بن عبد الله -267 هـ) عن أبي سعيد، وهو حديث حسن (الفتح الكبير، والجامع الصغير).\r(2) رواه أبو داود والترمذي وأحمد وابن حبان وغيرهم عن زرعة بن عبد الرحمن بن جرهد عن أبيه (نصب الراية: 4 /243 ومابعدها).\r(3) نقل القاضي حسين من الشافعية عن علي رضي الله تعالى عنه أن الفخذ في الحمام ليس بعورة.","part":4,"page":204},{"id":2300,"text":"والأصح عند الحنابلة: ألا فرق بين المسلمتين، وبين المسلمة والذمية، كما لافرق بين الرجلين المسلمين. وبين المسلم والذمي في النظر؛ لأن النساء الكوافر من اليهوديات وغيرهن، قد كن يدخلن على نساء النبي صلّى الله عليه وسلم ، فلم يكنَّ يحتجبن، ولا أمرن بحجاب، ولأن الحجب بين الرجال والنساء لمعنى لا يوجد بين المسلمة والذمية، فوجب ألا يثبت الحجب بينهما، كالمسلم مع الذمي. فأما قوله: {أو نسائهن} [النور:31/24] فيحتمل أن يكون المراد جملة أو عموم النساء، ويكون المقصود بالآية عموم النساء: المسلمات أوالكافرات . ويترتب عليه، أنه يجوز للمرأة المسلمة أن تبدي من زينتها للمرأة الكافرة ما يحل لها أن تبديه للمسلمة (1) .\rوفي هذا الرأي سعة ويسر، يتناسب مع أوضاع العصر الحاضر.\r-------------------------------\r(1) مذكرة تفسير آيات الأحكام للسايس: 164/3","part":4,"page":205},{"id":2301,"text":"ثالثاً ـ اللمس :\rمتى حرم النظر، حرم المس أي مس الشهوة؛ لأنه أبلغ منه في اللذة، وإثارة الشهوة، بدليل أنه لو مس فأنزل أفطر، ولو نظر فأنزل لم يفطر. ومتى جاز النظر، جاز مس الأعضاء، إذا أمن الشهوة على نفسه وعلى المرأة، لأنه عليه الصلاة والسلام كان يقبِّل رأس فاطمة. وإن لم يأمن اللامس ذلك أو شك، لم يحل له المس ولا النظر (1) .\rوهذا في غير الأجنبية الشابة، أما الشابة فلا يحل مس وجهها وكفيها، وإن أمن الشهوة، لعدم الضرورة، بخلاف النظر.\rوتحرم مصافحة المرأة، لقوله صلّى الله عليه وسلم : «إني لا أصافح النساء» (2) .\rلكن الجمهور غير الشافعية أجازوا مصافحة العجوز التي لا تشتهى، ومس يدها، لانعدام خوف الفتنة، قال الحنابلة: كره أحمد مصافحة النساء، وشدد أيضاً حتى لمحرم، وجوزه لوالد، وأخذ يد عجوز شوهاء.\rوحرم الشافعية المس والنظر للمرأة مطلقاً، ولو كانت المرأة عجوزاً.\rوتجوز المصافحة بحائل يمنع المس المباشر.\r-------------------------------\r(1) راجع تكملة الفتح: 98/8، 102، 106، الدر المختار: 259/5 ومابعدها، 263، 269 ومابعدها، اللباب: 164/4، القوانين الفقهية: ص 446، مغني المحتاج: 132/3، 134، غاية المنتهى: 8/3، كشاف القناع: 179/2،14/5، الأذكار للنووي: ص 148-150، الدرر المباحة في الحظر والإباحة للشيباني: ص 36 ومابعدها.\r(2) رواه الموطأ والترمذي والنسائي عن أميمة بنت رقيقة (جامع الأصول: 168/1).","part":4,"page":206},{"id":2302,"text":"ومتى جاز المس، جاز سفر الرجل مع المرأة، ويخلو بها إذا أمن على نفسه وعليها، فالخلوة بالمحرم مباحة إلا الأخت رضاعاً والصهرة الشابة. ومتى حرم المس حرم السفر والخلوة ، فلا يجوز أن يخلو رجل بامرأة ليست زوجته ولا ذات محرم منه، ولا السفر معها، لقوله صلّى الله عليه وسلم : «لا تسافر المرأة فوق ثلاث، إلا ومعها زوجها، أو ذو رحم محرم منها» (1) وقوله: «ألا لا يخلون رجل بامرأة، إلا كان ثالثهما الشيطان، عليكم بالجماعة، وإياكم والفرقة، فإن الشيطان مع الواحد، وهو من الاثنين أبعد» (2) .\rوكل ما حرم نظره متصلاً، حرم نظره منفصلاً، ولو بعد الموت، كشعر عانة (عورة) ولو من رجل، وشعر رأس امرأة، وعظم ذراع حرة ميتة وساقها، وقلامة ظفر رجلها دون يدها عند الحنفية، ولو من يديها عند الشافعية، فيندب مواراة ذلك لئلا ينظر إليه أحد، ويستثنى ما تناثر في الحمامات من امتشاط شعور النساء، وحلق عانات الرجال.\rووصل الشعر بشعر الآدمي حرام ـ كما سأبين ـ سواء أكان شعر المرأة أم شعر غيرها، لما فيه من التزوير، ولقوله صلّى الله عليه وسلم : «لعن الله الواصلة والمستوصلة، والواشمة والمستوشمة، والنامصة والمتنمصة» (3) .\r-------------------------------\r(1) أخرجه مسلم عن أبي سعيد الخدري. وفي لفظ للبخاري: ثلاثة أيام، وأخرج الشيخان عن أبي هريرة : «لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر،تسافر مسيرة يوم وليلة، إلا مع ذي محرم عليها» (نصب الراية: 249/4).\r(2) روي من حديث عمر، وابن عمر، وجابر بن سمرة، وعامر بن ربيعة. وحديث عمر رواه الترمذي، وقال: حديث حسن صحيح غريب (نصب الراية: 249/4 ومابعدها).\r(3) فيه أحاديث كثيرة منها ما هو متفق عليه بين أحمد والشيخين عن ابن عمر، وأسماء وعائشة (نيل الأوطار: 190/6) والنامصة: التي تنتف الشعر من الوجه، والمتنمصة: التي يفعل بها ذلك. وهو محمول على ما لا ضرورة إليه لما في نتفه بالمنماص (المنقاش) من الإيذاء. جاء في تبيين المحارم: إزالة الشعر من الوجه حرام إلا إذا نبت للمرأة لحية أو شوارب فلا تحرم إزالته، بل تستحب. وفي التتارخانية: لا بأس بأخذ الحاجبين وشعر وجهه ما لم يشبه المخنث (رد المحتار: 264/5).","part":4,"page":207},{"id":2303,"text":"وحيث منع النظر منعت المجالسة والمواكلة إلا لضرورة (1) .\rوأما إعفاء اللحية: فلا شك بأنه سنة مطلوبه لقوله صلّى الله عليه وسلم : «خالفوا المشركين، أحْفُوا الشوارب، وأوفوا اللِّحى» ، «جُزُّوا الشوارب وأرْخُوا اللحى، خالفوا المجوس» وروت عائشة: «عشر من الفطرة: قص الشارب، وإعفاء اللحية، والسواك...» الحديث، وعن ابن عمر عن النبي صلّى الله عليه وسلم : «أنه أمر بإحفاء الشوارب، وإعفاء اللحية» (2) .\rومعنى إحفاء الشوارب: قص ما طال على الشفتين، حتى يبين بياضهما.\rومعنى إعفاء اللحية: توفيرها، خلافاً لما كان من عادة الفرس من قص اللحية، فنهى الشرع عن ذلك.\rوقد حرم المالكية والحنابلة حلقها، واعتبر الحنفية حلقها مكروهاً تحريمياً، والمسنون في اللحية هو القبضة، وأما الأخذ منها دون ذلك أو أخذها كلها فلا يجوز (3) . وقال الشافعية بكراهية حلقها، فقد ذكر النووي أن العلماء ذكروا عشر خصال مكروهة في اللحية، بعضها أشد من بعض، منها حلقها إلا إذا نبت للمرأة لحية، فيستحب لها حلقها (4) .\rوأما خصال الفطرة العشر (5) فهي بمقتضى حديث عائشة السابق: قص\r-------------------------------\r(1) راجع القوانين الفقهية: ص 446 ومابعدها، مغني المحتاج: 135/4.\r(2) روى مسلم في صحيحه هذه الأحاديث، الأول عن ابن عمر، والثاني عن أبي هريرة، والثالث عن عائشة، والرابع عن ابن عمر (شرح مسلم:147/3).\r(3) الدر المختار: 155/2.\r(4) شرح مسلم: 149/3، نيل الأوطار: 116/1.\r(5) وفي حديث أبي هريرة المتفق عليه: «الفطرة خمس: الختان، والاستحداد (حلق العانة)، وقص الشارب، وتقليم الأظفار، ونتف الإبط» .","part":4,"page":208},{"id":2304,"text":"الشارب وإعفاء اللحية، والسواك، واستنشاق الماء، وقص الأظفار، وغسل البَرَاجم (1) ، ونتف الإبط، وحلق العانة، وانتقاص الماء (الاستنجاء)، والمضمضة، والختان وكونه العاشر أولى، كما في رواية أبي هريرة.\rوأما المضاجعة: فلا يجوز أن يجتمع رجل وامرأة غير زوجته في مضجع واحد، لا متجردين، ولا غير متجردين، ولا يجوز أن يجتمع رجلان ولا امرأتان في مضجع واحد، وقد نهي عن المكامعة أو المكاعمة ومعناها المضاجعة التي لا ستر بينهما (2) . وقد حرم الشافعية تلك المضاجعة بين رجلين أو امرأتين عاريين في ثوب واحد.\rويجب التفريق بين الصبيان أو البنات في المضاجع بين ابن عشر سنين وإخوته وأخواته لخبر: «مروا أولادكم بالصلاة، وهم أبناء سبع، واضربوهم عليها وهم أبناء عشر، وفرقوا بينهم بالمضاجع» (3) .\rوتسن مصافحة الرجلين والمرأتين لقوله عليه السلام فيما يرويه الطبراني والبيهقي: «إن المؤمن إذا لقي المؤمن، فسلم عليه وأخذ بيده، فصافحه، تناثرت خطاياهما، كما يتناثر ورق الشجر» . ولخبر: «ما من مسلمين يلتقيان يتصافحان إلا غفر لهما قبل أن يتفرقا» (4) والسنة في المصافحة بكلتا يديه. قال النووي في الأذكار: اعلم أن المصافحة مستحبة عند كل لقاء، وأما ما اعتاده الناس من المصافحة بعد صلاة الصبح والعصر، فلا أصل له في الشرع على هذا الوجه،\r-------------------------------\r(1) البراجم: هي عُقد الأصابع ومفاصلها كلها، ويلحق بها معاطف الأذن وداخل الأنف وأي موضع من البدن عليه وسخ مجتمع.\r(2) روه ابن أبي شيبة عن عامر الحجري (نصب الراية: 257/4).\r(3) رواه أحمد وأبو داود والحاكم عن ابن عمرو، وهو حديث صحيح.\r(4) رواه أبو داود والترمذي عن البراء (نصب الراية: 260/4).","part":4,"page":209},{"id":2305,"text":"ولكن لا بأس به، فإن أصل المصافحة سنة، وتقييدها بما بعد الصبح والعصر عادة كانت في زمانه، وإلا فعقب الصلوات كلها كذلك. والراجح عند الحنفية جواز المصافحة مطلقاً ولو بعد الصلوات. وكره بعض الحنفية المصافحة بعد الصلاة.\rوتكره مصافحة من به عاهة كجذام أو برص (1) .\rويكره تحريماً عند الحنفية تقبيل الرجل فم الرجل، أو يده، أو شيئاً منه. وكذا تقبيل المرأة المرأة عند لقاء أو وداع، إذا كان عن شهوة، أما لو كان على وجه البر، فجائز.\rوتكره عند الشافعية المعانقة والتقبيل في الرأس، ولو كان أحدهما أو كلاهما صالحاً، للنهي عن ذلك في حديث رواه الترمذي، إلا لقادم من سفر، أو تباعُد لقاء عرفاً، فيكون سنة؛ لحديث رواه الترمذي أيضاً.\rويكره حني الظهر مطلقاً لكل أحد من الناس، ويحرم تقبيل الأرض بين يدي العلماء والعظماء. ولا بأس بتقبيل يد العالم والسلطان العادل، وتقبيل رأس العالم أجود.\rويسن القيام لأهل الفضل من علم أو صلاح أو شرف، أو نحو ذلك إكراماً، لا رياء وتفخيماً، قال النووي في الروضة: قد ثبت فيه أحاديث صحيحة.\rرابعاً ـ اللهو :\rاللعب: أ ـ يحرم بالاتفاق كل لعب فيه قمار (2) : وهو أن يغنم أحدهما، ويغرم الآخر، لأنه من الميسر أي القمار الذي أمر الله باجتنابه في قوله تعالى: {إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان، فاجتنبوه } [المائدة:90/5]. ومن تكرر منه ذلك سقطت عدالته، وردت شهادته.\rوإن أخرج أحدهما مالاً على أنه إن غلب، أخذ ماله، وإن غلبه صاحبه، أخذ المال، لم يصح العقد؛ لأنه ليس من آلات الحرب، فلا يصح بذل العوض فيه، ولا ترد به الشهادة، لأنه ليس بقمار، كما أبنت معناه.\rب ـ وما خلا من القمار، وهو اللعب الذي لا عوض فيه من الجانبين ولا من أحدهما، فمنه ما هو محرم، ومنه ما هو مباح، لكن لا يخلو كل لهو غير نافع من الكراهة؛ لما فيه من تضييع الوقت والانشغال عن ذكر الله وعن الصلاة وعن كل نافع مفيد.\rالنرد: يحرم اللعب بالنرد، وترد به الشهادة. وعبر عنه الحنفية: بالمكروه تحريماً بحسب اصطلاحهم في كون دليل الحكم فيه ظنياً، لما روى أبو موسى الأشعري: «من لعب بالنرد فقد عصى الله ورسوله» (3) وروى بريدة أن النبي صلّى الله عليه وسلم قال: «من لعب بالنردشير، فكأنما غمس يده في لحم الخنزير ودمه» (4) .\r-------------------------------\r(1) انظر الدرر المباحة في الحظر والإباحة: ص 42 ومابعدها، مغني المحتاج: 135/3، تكملة الفتح: 120/8، شرح الرسالة: 393/2، الدر المختار: 269/5-271.\r(2) انظر البدائع:127/5، تكملة الفتح: 132/8، القوانين الفقهية: ص 194، شرح الرسالة: 417/2،420، الشرح الكبير مع الدسوقي: 198/1 ومابعدها، المهذب: 325/2-328، المغني: 170/9-176، الدر المختار: 279/5، 337/3، الفتاوى الهندية: 363/5، تبيين الحقائق: 13/6 ومابعدها.\r(3) رواه أحمد وأبو داود ومالك (المنتقى على الموطأ: 278/7، نيل الأوطار:94).\r(4) رواه أبو داود، ولمسلم: «من لعب بالنردشير، فكأنما صبغ يده في لحم خنزير ودمه» (نصب الراية: 274/4).","part":4,"page":210},{"id":2306,"text":"فمن تكرر منه اللعب به، لم تقبل شهادته، سواء لعب به قماراً أو غير قمار. وهذا باتفاق المذاهب الأربعة، لأنه إن لم يقامر، فهو عبث ولهو، وقال عليه السلام: «كل شيء ليس من ذكر الله ، فهو لهو، ولعب، أو: وهو سهو ولغو، إلا أربعة: ملاعبة الرجل امرأته، وتأدي الرجل فرسه، ومشي الرجل بين الغرضين، وتعلم الرجل السباحة» (1) وقال صلّى الله عليه وسلم : «لست من دَد، ولا الدَّد مني» (2) .\rويحرم اللعب بالأربعة عشر؛ لأن المعول فيها على ما يخرجه الكعبان (3) فشابه الأزلام والنرد، لكن الحقيقة أن تحريم النرد (أي الطاولة) هو لأنه اللعب الذي كان يدور عليه قمار أهل فارس.\rالشطرنج: ويحرم عند الجمهور غير الشافعية أيضاً الشطرنج، قال علي رضي الله عنه: الشطرنج من الميسر. ومرّ علي رضي الله عنه بقوم يلعبون الشطرنج، فقال: ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون؟\rوقال الشافعية: يكره اللعب بالشطرنج، لأنه لعب لا ينتفع به في أمر الدين، ولا حاجة تدعو إليه، فكان تركه أولى. ولا يحرم، لأنه روي اللعب به عن ابن عباس وابن الزبير، وأبي هريرة، وسعيد بن المسيب رضي الله عنهم، إذ لم يرد نص بتحريمه، ولا هو في معنى المنصوص عليه، والأصل في الأشياء الإباحة. وقيل: فيه تشحيذ الخواطر، وتذكية الأفهام.\r-------------------------------\r(1) أخرجه النسائي من حديث جابر بن عبد الله ،وفيه أحاديث أخرى عن عقبة بن عامر، وأبي هريرة، وعمر بن الخطاب. والمشي بين الغرضين أو الهدفين أي تعلم الرماية (نصب الراية: 273/4 ومابعدها).\r(2) روي من حديث أنس، ومعاوية بن أبي سفيان، روى الأول البخاري وغيره، وروى الثاني الطبراني (تخريج أحاديث التحفة: 4697/3). والدد: اللعب.\r(3) الكعاب: هي فصوص النرد.","part":4,"page":211},{"id":2307,"text":"وإن كان على عوض من الجانبين أو من جانب واحد يأخذه الغالب من المغلوب، فهو حرام، كما ذكرت في بدء بحث اللهو.\rالغناء وآلاته: قال بعض الحنفية وبعض الحنابلة: يحرم الغناء وسماعه من غير آلة مطربة، لما روى ابن مسعود أن النبي صلّى الله عليه وسلم قال: «الغناء ينبت النفاق في القلب» (1) .\rوقال بعض آخر من الحنفية والحنابلة، والمالكية: يباح الغناء المجرد من غير كراهة. ويظهر أن رأي هذا البعض هو الراجح.\rوقال الشافعية: يكره الغناء وسماعه من غير آلة مطربة، ولا يحرم، لما روي عن عائشة رضي الله عنها، قالت: «كانت عندي جاريتان تغنيان، فدخل أبو بكر، فقال: مزمار الشيطان في بيت رسول الله صلّى الله عليه وسلم ؟ فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلم : دعهما، فإنها أيام عيد» (2) . وقال عمر: الغناء زاد الراكب. والخلاصة: أن الغزالي في بعض تآليفه نقل الاتفاق على حل مجرد الغناء من غير آلة (3) .\rوأما الآلات: فيحرم في المشهور من المذاهب الأربعة (الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة) استعمال الآلات التي تطرب كالعود والطنبور والمعزفة والطبل والمزمار والرباب وغيرها من ضرب الأوتار والنايات والمزامير كلها (4) .\r-------------------------------\r(1) الصحيح أنه من قول ابن مسعود (المغني: 175/9).\r(2) متفق عليه.\r(3) نيل الأوطار:101/8، الإحياء: 238/2 ومابعدها.\r(4) انظر بحث السماع في الإحياء للغزالي: 237/2-268 ويلاحظ أن الغزالي أباح سماع القضيب والطبل والدف وغيره، ولم يستثن إلا المعازف والأوتار والمزامير التي ورد الشرع بالمنع منها، لا للذتها، مثل البَرْبَط والطُنبُور. وانظر أيضاً نيل الأوطار: 100/8-105، الشرح الصغير وحاشية الصاوي: 502/2 ومابعدها.","part":4,"page":212},{"id":2308,"text":"فمن أدام استماعها، ردت شهادته، لقوله صلّى الله عليه وسلم : «ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الخمر والخنازير والخز والمعازف» (1) وفي لفظ : «ليشربن ناس من أمتي الخمر، يسمونها بغير اسمها، يعزف على رؤوسهم بالمعازف والمغنيات، يخسف الله بهم الأرض، ويجعل منهم القردة والخنازير» (2) .\rواستدلوا على تحريم المعازف من القرآن بقوله تعالى: {ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله } [لقمان:6/31] قال ابن عباس: إنها الملاهي.\rوبالمعقول: وهو أن هذه الآلات تطرب، وتدعو إلى الصد عن ذكر الله تعالى وعن الصلاة، وإلى إتلاف المال، فحرمت كالخمر.\rويكره عند الشافعية والحنابلة القضيب الذي يزيد الغناء طرباً، ولا يطرب إذا انفرد، لأنه تابع للغناء، فكان حكمه حكم الغناء، أي أنه مكروه إذا انضم إليه محرم أو مكروه كالتصفيق والغناء والرقص. وإن خلا عن ذلك لم يكره، لأنه ليس بآلة ولا يطرب، ولا يسمع منفرداً بخلاف الملاهي.\rوأباح مالك والظاهرية وجماعة من الصوفية السماع ولو مع العود واليراع. وهو رأي جماعة من الصحابة (ابن عمر، وعبد الله بن جعفر، وعبد الله بن الزبير، ومعاوية، وعمرو بن العاص وغيرهم) وجماعة من التابعين كسعيد بن المسيب.\rوأما الرقص الذي يشتمل على التثني والتكسر والتمايل والخفض والرفع بحركات موزونة فهو حرام ومستحله فاسق.\r-------------------------------\r(1) رواه البخاري.\r(2) رواه ابن ماجه (نيل الأوطار في الحديثين: 96/8) وروى الترمذي حديثاً عن علي: «إذا فعلت أمتي خمس عشرة خصلة حل بها البلاء، وفيه: وشربت الخمور، ولبست الحرير، واتخذت القيان والمعازف» لكنه حديث غريب، (نيل الأوطار: 99/8).","part":4,"page":213},{"id":2309,"text":"وأما اللعب المباح: فهو ـ كما سأبين في بحث السبق ـ المسابقة المشروعة بالخيل وغيرها من الحيوانات، أو التدرب على السلاح. ويجوز ذلك على عوض من غير المتسابقين، أو من واحد منهما يأخذه السابق.\rويجوز الغناء المباح وضرب الدف (1) في العرس والختان، لقوله صلّى الله عليه وسلم: «أعلنوا النكاح، واضربوا عليه بالغربال» . (2)\rوتحرم الأغاني المهيجة للشرور المشتملة على وصف الجمال والفجور ومعاقرة الخمور في الزفاف وغيره، ويحرم كل الملاهي المحرمة (3) .\rوحكى الرُوياني عن القفال أن مذهب مالك بن أنس إباحة الغناء بالمعازف، وهو مذهب الظاهرية. ولا خلاف بين أهل المدينة في إباحة العود (4) ، وبه قال بعض الشافعية. ودليلهم على الإباحة: أنه لم تصح عندهم أحاديث المنع. قال الفاكهاني: لم أعلم في كتاب الله ، ولا في السنة حديثاً صحيحاً في تحريم الملاهي، وإنما هي ظواهر وعمومات يتأنس بها، لا أدلة قطعية (5) .\rوأقول: إن الأغاني الوطنية أو الداعية إلى فضيلة، أو جهاد، لا مانع منها، بشرط عدم الاختلاط، وستر أجزاء المرأة ما عدا الوجه والكفين. وأما الأغاني المحرضة على الرذيلة فلا شك في حرمتها، حتى عند القائلين بإباحة الغناء، وعلى التخصيص منكرات الإذاعة والتلفاز الكثيرة في وقتنا الحاضر.\r-------------------------------\r(1) وهو المدور من وجه واحد كالغربال. وأما المدور من وجهين وهو المزهر ففيه عند المالكية أقوال ثلاثة: الجواز، والمنع، والكراهة.\r(2) رواه ابن ماجه عن عائشة (نيل الأوطار: 187/6).\r(3) نيل الأوطار : 188/6.\r(4) نيل الأوطار: 100/8-150.\r(5) نيل الأوطار: 104/8.","part":4,"page":214},{"id":2310,"text":"ولا شك بأن الامتناع عن السماع في الوقت الحاضر أولى؛ لأن في ذلك شبهة؛ والمؤمنون وقافون عند الشبهات كما صرح به الحديث الصحيح، ومن ترك الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، ومن حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه، ولاسيما إذا كان مشتملاً على ذكر القدود والخدود، والجمال والدلال، والهجر والوصال، ومعاقرة الراح (الخمر)، كما ذكر الشوكاني (1) .\rولا بأس بسماع الموسيقا لعلاج بعض الأمراض النفسانية، أو العصبية.\rضابط ما يجوز وما يحرم من اللهو واللعب عند الشافعية :\rالضابط المميز للهو واللعب عند الشافعية: هو أن كل ما لا يترك أثراً نافعاً فهو مباح، وكل ما يترك أثراً ضاراً فهو حرام.\rوأساس التفرقة في أنواع اللعب: هو أن ما يقوم على تشغيل الذهن وتحريك الفكر كالشطرنج فهو مكروه، وكل ما يقوم على المصادفة وحجب الفكر والعقل كالنرد فهو حرام.\rوعلى هذا يكون الاسترسال في مجالس اللهو والمزاح مكروهاً ، فإن انضم إليه الكذب أو التهاون في الأخلاق فهو حرام.\rوتكون مجالس الغناء المقرونة بالآلات الموسيقية حراماً، والشطرنج مكروه لأنه رياضة للذهن، فإن فوت الواجبات الدينية فهو حرام، ولعب الشدَّة أو الورق مكر وه لأنه يلهي عن ذكرالله ويصبح حراماً إن كان على شرط المال. والنرد حرام ولو بغير قمار أو عوض مالي لاعتماده على المصادفة، وذلك يترك أثراً ضاراً في النفس؛ لأنه يجعل العقل يتخيل كون المصادفة مؤثرة في أعمال الحياة.\r-------------------------------\r(1) نيل الأوطار: 105/8.","part":4,"page":215},{"id":2311,"text":"وتحريش الديكة على بعضها، ودفع المواشي إلى التناطح ومصارعة الثيران والمصارعة الحرة والملاكمة ونحوها حرام، لما تحدثه من أضرار في حياة الإنسان أو الحيوان، فإن لم يكن في الملاكمة أو المصارعة ضرر بأحد الطرفين كانت مباحة، وكذلك تباح إن كان فيها تعويد الإنسان على القوة والقتال والدفاع عن النفس، وقد صارع رسول الله صلّى الله عليه وسلم رُكانة وغلبه (1) .\rفإن كان اللهو على مال مشروط من أحد الطرفين أو من الطرفين أو من أجنبي عنهما فهو حرام؛ لأنه من الميسر الذي يحرم تعاطيه.\rوأما ما رواه أبو داود في مراسيله: «أن النبي صلّى الله عليه وسلم صارع ركانة إذ كان مشركاً، على شياه» فهذا كان في الجاهلية قبل إسلام ركانة، وقد رد النبي صلّى الله عليه وسلم الشياه الثلاث على ركانة قائلاً له: «ما كنا لنجمع عليك أن نصرعك فنغرمك، خذ غنمك» .\rويكره اللعب بالحمام عند جماعة من العلماء لأنه من اللهو الذي لم يؤذن فيه، وربما يكون حراماً؛ لما رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه عن أبي هريرة: أن النبي صلّى الله عليه وسلم رأى رجلاً يتبع حمامة، فقال: «شيطان يتبع شيطانة» .\rالحداء والشعر: وأما الحداء وهو الإنشاد الذي تساق به الإبل، فمباح، لا بأس في فعله واستماعه. وقد أقره النبي صلّى الله عليه وسلم ، كما أقر نشيد الأعراب. فيجوز سائر أنواع الإنشاد ما لم يخرج إلى حد الغناء، وقد كان النبي صلّى الله عليه وسلم يسمع إنشاد الشعر، فلا ينكره (2) .\rويجوز قول الشعر، لأنه كان للنبي صلّى الله عليه وسلم شعراء منهم حسان وكعب بن مالك وعبد الله بن رواحة، وقد مدحوه، وأعطى الرسول بردة كانت عليه كعب بن زهير لما أنشده القصيدة اللامية: بانت سعاد.\r-------------------------------\r(1) رواه أبو داود.\r(2) راجع المهذب: 327/2 ومابعدها، المغني: 176/9، الإحياء: 109/3.","part":4,"page":216},{"id":2312,"text":"وحكم الشعر حكم الكلام في حظره وإباحته، وكراهيته واستحبابه ورد الشهادة به، فحسنه كحسنه، وقبيحه كقبيحه، قال النبي صلّى الله عليه وسلم : «إن من الشعر لحكماً» (1) وقال أيضاً: «الشعر بمنزلة الكلام: حسنه كحسن الكلام، وقبيحه كقبيح الكلام» (2) .\rتلحين القرآن: لا بأس بقراءة القرآن من غير تلحين. والأفضل تحسين الصوت بالقرآن، لقوله صلّى الله عليه وسلم : «زينوا القرآن بأصواتكم» أو «زينوا أصواتكم بالقرآن» (3) .\rأما القراءة بالتلحين: فإن لم يفرط في التمطيط والمد وإشباع الحركات، فلا بأس به لأن النبي صلّى الله عليه وسلم قد قرأ ورجَّع ورفع صوته.فإن جاوز الحد في التطويل وإدغام بعضه في بعض، كان مكروهاً (4) .\rخامساً ـ التصوير :\rالتصوير في أصل اللغة العربية: معناه الإنشاء والترتيب والتمييز، ومنه «المصوِّر» أحد أسماء الله تعالى: وهو الذي صوَّر جميع الموجودات ورتَّبها، فأعطى كلَّ شيء منها صورة خاصة، وهيئة منفردة يتميز بها على اختلافها وكثرتها (5) . ومنه قوله تعالى: {ثم صوَّرناكم} [الأعراف:7/11] {وصوَّركم\r-------------------------------\r(1) رواه أحمد وأبو داود عن ابن عباس بلفظ: «إن من البيان سحراً، وإن من الشعر حكماً.\r(2) رواه البخاري في الأدب والطبراني في الأوسط عن ابن عمرو، ورواه أبو يعلى عن عائشة (الفتح الكبير).\r(3) رواه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه وابن حبان والحاكم عن البراء بن عازب (الجامع الصغير).\r(4) المهذب:328/2، المغني: 179/9 ومابعدها.\r(5) النهاية لابن الأثير 58/3.","part":4,"page":217},{"id":2313,"text":"فأحسن صوركم} [التغابن:3/64] {في أي صورة ما شاء ركَّبك} [الانفطار:8/82] {هو الذي يصوِّركم في الأرحام} [آل عمران:6/3]. ومنه قوله صلّى الله عليه وسلم : «خلق الله آدم على صورته، وطوله ستون ذراعاً» (1) . قال الراغب الأصفهاني في مفردات القرآن: فالصورة: أراد بها ما خُصَّ الإنسان بها من الهيئة المدركة بالبصر والبصيرة، وبها فضَّله على كثير من خلقه (2) .\rوكان التصوير الموجود في عهد النبوة الذي اتجه إليه النهي والتحريم هو الذي توافر فيه صفات ثلاث : صورة ماله روح من الإنسان والحيوان، وقصد التعظيم، ومضاهاة أو محاكاة خلق الله تعالى وفعله. والحكمة من التحريم: منع التشبه بعبادة الأوثان والأصنام، ومحاربة الشرك، وتوفير التعظيم لله وحده.\rوأهم الأحاديث الواردة في التصوير ما يلي:\r1 ً - حديث امتناع الملائكة من دخول البيت الذي فيه كلب أو تصاوير: أخرج مسلم عن ابن عباس يقول: سمعت أبا طلحة يقول: سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلم يقول: «لا تدخل الملائكة بيتاً فيه كلب ولا صورة» أي ملائكة الرحمة والتبريك والاستغفار. أما الحفظة فيدخلون في كل بيت، ولا يفارقون بني آدم في كل حال؛ لأنهم مأمورون بإحصاء أعمالهم وكتابتها. قال العلماء: سبب امتناعهم من بيت فيه صورة كونها معصية فاحشة، وفيها مضاهاة لخلق الله تعالى. وأما الكلب فلكثرة أكله النجاسات (3) . وقال الخطابي : وإنما لا تدخل الملائكة بيتاً فيه كلب أو صورة : مما يحرم اقتناؤه من الكلاب والصور، فأما ما ليس بحرام من كلب الصيد والزرع والماشية والصورة التي تمتهن في البساط والوسادة وغيرهما، فلا يمتنع دخول الملائكة بسببه.\r-------------------------------\r(1) رواه أحمد والبخاري ومسلم عن أبي هريرة، والمعنى: خلق الله آدم على صورة آدم التي كان عليها من مبدأ فطرته إلى موته، لم تتفاوت قامته ولم تتغير هيئته بخلاف بنيه، فإن كلاً منهم يكون نطفة ثم مضغة ثم عظاماً وأعصاباً، ثم يمر بأطوار الطفولة والبلوغ والشباب والشيخوخة.\r(2) معجم مفردات ألفاظ القرآن: ص297.\r(3) شرح مسلم للنووي 14/84.","part":4,"page":218},{"id":2314,"text":"2 ً - حديث القرام: أخرج مسلم أيضاً عن عائشة قالت: دخل علي رسول الله صلّى الله عليه وسلم وأنا متسترة بِقرَام (1) فيه صورة، فتلوَّن وجهه، ثم تناول الستر فهتكه، ثم قال: «إن من أشد الناس عذاباً يوم القيامة الذين يُشَبِّهون بخَلْق الله » (2) وهذا الحكم المتعلق بالقرام كان في أول الأمر، ثم رُخِّص فيه بعدئذ، بدليل رواية أخرى كما ذكرها مسلم لخالد الجهني فيها زيادة: «إلا ما كان رقماً في ثوب» وكذلك رواه الخمسة (أحمد وأصحاب السنن) في حديث أبي طلحة: «إلا رقماً في ثوب» .\rويؤيد الترخيص المتأخرحديث آخر: هو ما أخرجه مسلم عن عائشة قالت: «كان لنا ستْر فيه تمثال طائر، وكان الداخل إذا دخل استقبله، فقال لي رسول الله صلّى الله عليه وسلم :حوِّلي هذا، فإني كلما دخلت فرأيته، ذكرت الدنيا» قالت: وكانت لنا قطيفة كنا نقول: عَلَمُها حرير، فكنا نَلْبَسُها. قال الطحاوي: إنما نهى الشارع أولاً عن الصور كلها، وإن كانت رقماً؛ لأنهم كانوا حديث عهد بعبادة الصور، فنهى عن ذلك جملة، ثم لما تقرر نهيه عن ذلك، أباح ما كان رقماً في ثوب للضرورة إلى اتخاذ الثياب، وأباح ما يمتهن؛ لأنه يأمن على الجاهل تعظيم ما يمتهن، وبقي النهي فيما لا يمتهن.\r3 ً - حديث النُّمرقة (3) : أخرج مسلم عن عائشة: « أنها اشترت نمرقة فيها تصاوير، فلما رآها رسول الله صلّى الله عليه وسلم ، قام على الباب، فلم يدخل، فعَرَفتُ ـ أو\r-------------------------------\r(1) القرام : الستر الرقيق كالشراشف الحالية والبطانيات .\r(2) شرح المسلم 14 /87 وما بعدها .\r(3) النُّمُرقة : الوسادة الصغيرة .","part":4,"page":219},{"id":2315,"text":"فعُرفت ـ في وجهه الكراهية، فقالت: يا رسول الله ، أتوب إلى الله وإلى رسوله فماذا أذنبت؟ فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلم : ما بال هذه النمرقة؟ فقالت: اشتريتُها لك تقعُد عليها وتوَسَّدها، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلم : إن أصحاب هذه الصور يعذَّبون، ويقال لهم: أحيوا ما خلقتم» . ثم قال: « إن البيت الذي فيه الصور لا تدخله الملائكة» (1) . وهذا واضح الدلالة في أن التحريم منصب على المصورين الذين يصورون صور الأجسام ذات الروح إذا كانت بحالة يضاهى بها خلق الله .\r4 ً - تحدي المصورين: أخرج مسلم عن أبي زُرعة قال: دخلت مع أبي هريرة في دار مروان، فرأى فيها تصاوير، فقال: سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلم يقول: قال الله عز وجل: «ومن أظلم ممن ذهب يخلُق خلقاً كخَلْقي، فليخلُقوا ذَرَّة، أو ليخلقوا حبَّة أو ليخلقوا شعيرة» (2) .\r5 ً - أخرج البخاري « أن النبي لمصلّى الله عليه وسلم يكن يترك في بيته شيئاً فيه تصاليب (3) إلا نفضه» .\rآراء العلماء في التصوير :\rقال النووي مبيناً آراء العلماء (4) : تصوير صورة الحيوان حرام شديد التحريم، وهو من الكبائر؛ لأنه متوعد عليه بهذا الوعيد الشديد المذكور في الأحاديث، وسواء صنعه بما يمتهن أو بغيره، فصنعته حرام بكل حال؛ لأن فيه مضاهاة لخلق الله تعالى، وسواء ما كان في ثوب أو بساط أو درهم أو دينار أو فلس أو إناء أو حائط أو غيرها.\rوأما تصوير صورة الشجر ورحال الإبل وغير ذلك مما ليس فيه صورة حيوان، فليس بحرام. هذا حكم التصوير نفسه.\r-------------------------------\r(1) شرح المسلم 14 /89 وما بعدها .\r(2) المرجع السابق : 14 /93 وما بعدها .\r(3) التصاليب : صور الصليب .\r(4) شرح مسلم ، المرجع السابق : 14/81 وما بعدها .","part":4,"page":220},{"id":2316,"text":"وأما اتخاذ المصور فيه صورة حيوان، أي تعليقه ونصبه في المنازل وغيرها، فإن كان معلقاً على حائط أو ثوباً ملبوساً أو عمامة ونحو ذلك مما لا يعد ممتهناً، فهو حرام.\rوإن كان في بساط يداس ومخدة ووسادة ونحوها مما يمتهن، فليس بحرام، ولافرق في هذا كله بين ما له ظل وما لا ظل له. وهذا رأي الشافعية وجماهير العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم، وهو مذهب الثوري ومالك وأبي حنيفة وغيرهم.\rووجود الصور يمنع دخول ملائكة الرحمة ذلك البيت إذا كان فيه كلب أو صورة مما يحرم اقتناؤه من الكلب والصور، دون غيره مما ليس بحرام من كلب الصيد والزرع والماشية والصورة التي تمتهن في البساط والوسادة وغيرهما، فلا يمتنع دخول الملائكة بسببه، كما تقدم بيانه.\rوقال بعض السلف: إنما ينهى عما كان له ظل، ولا بأس بالصورالتي ليس لها ظل، قال النووي: وهذا مذهب باطل، فإن الستر الذي أنكر النبي صلّى الله عليه وسلم الصورة فيه لا يشك أحد أنه مذموم، وليس لصورته ظل، مع باقي الأحاديث المطلقة في كل صورة. وقال الزهري: النهي في الصورة على العموم، وكذلك استعمال ما هي فيه، ودخول البيت الذي هي فيه، سواء كانت رقماً في ثوب أوغير رقم، وسواء كانت في حائط أو ثوب أو بساط ممتهن أو غير ممتهن، عملاً بظاهر الأحاديث، لا سيما حديث النمرقة الذي ذكره مسلم. قال النووي: وهذا مذهب قوي. وقال آخرون: يجوز منها ما كان رقماً في ثوب، سواء امتهن أم لا، وسواء علق في حائط أم لا، وكرهوا ما كان له ظل، أو كان مصوراً في الحيطان وشبهها، سواء كان رقماً أو غيره. واحتجوا بحديث «إلا ما كان رقماً في ثوب» وهذا مذهب القاسم بن محمد.\rوأجمعوا على منع ما كان له ظل ووجوب تغييره. قال القاضي عياض: إلا ما ورد في اللعب بالبنات لصغار البنات، والرخصة في ذلك.","part":4,"page":221},{"id":2317,"text":"ونقل ابن حجر في فتح الباري شرح البخاري عن ابن العربي رأيه في اتخاذ الصور قائلاً: حاصل ما في اتخاذ الصور أنها إن كانت ذات أجسام حرم بالإجماع. وإن كانت رقماً فأربعة أقوال:\rالأول ـ يجوز مطلقاً، عملاً بحديث: «إلا رقماً في ثوب» .\rالثاني ـ المنع مطلقاً.\rالثالث ـ إن كانت الصورة باقية الهيئة، قائمة الشكل حرم، وإن كانت مقطوعة الرأس أو تفرقت الأجزاء، جاز، قال ابن حجر: وهو الأصح.\rالرابع ـ إن كانت مما يمتهن جاز، وإلا لم يجز.\rخلاصة الرأي في التصوير :\rتحرم الصور ذات الظل وكل الصور المجسَّدة والتماثيل لكل ذي روح من إنسان أو حيوان، لإجماع العلماء على ذلك، ويحرم صنع التماثيل ونصبها في أي مكان، لما أخرجه الشيخان أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم قال: «إن الملائكة لا تدخل بيتاً فيه تماثيل» ، وتباح صور النباتات والمناظر الطبيعية الكونية من السماء والأرض والحدائق والجبال والبحار والأنهار، والأشياء الجامدة من طائرات وسيارات وغير ذلك من الكائنات المخلوقة وليست بذات روح؛ لأنها ليست مما تناولها النص النبوي بإشارة « يشبِّهون بخلق الله » وبإشارة «يقال لهم: أحيوا ما خلقتم» .\rأما الصور المجسَّمة على المخاد والوسائد والستائر والبسط والفرش والبطائن فلا مانع منها، لأنها ممتهنة. وتباح عند بعض العلماء اللوحات الزيتية ونقوش الحيطان، والرسوم على الورق، والصور المطبوعة أو المنسوجة في الملابس والستور، والمطرزات والموشّاة والمشغولة بأنواع الخيوط ونحو ذلك مما لا ظل له.","part":4,"page":222},{"id":2318,"text":"وتباح صور لعب الأطفال المختلفة من أنواع الشموع والمعادن كالعرائس ونحوها، ويجوز بيعها، لما أخرجه البخاري وأبو داود عن عائشة قالت: «كنت ألعب بالبنات (1) ، فربما دخل علي رسول الله صلّى الله عليه وسلم وعندي الجواري (2) ، فإذا دخل خرجن، وإذا خرج دخلن» وأخرج أبو داود والنسائي حديثاً آخر مشابهاً لهذا الحديث، أقر فيه الرسول صلّى الله عليه وسلم ما وجده عند عائشة من بنات لُعَب، بعد عودته من غزوة تبوك أو خيبر، قال ابن حزم: وجائز للصبايا خاصة اللعب بالصور ولا يحل لغيرهن، والصور محرمة إلا هذا ، وإلا ما كان رقماً في ثوب.\rوتباح الصور إذا كانت بحالة لا تعيش بها كمقطوعة الرأس أو الصور النصفية، والأولى عدم إقامتها أو نصبها في أي مكان في المنزل وغيره.\rقال الكاساني من الحنفية (3) :وتكره (أي كراهة تحريم) التصاوير في البيوت، لما روي عن رسول الله صلّى الله عليه وسلم عن سيدنا جبريل عليه الصلاة والسلام أنه قال: «لا تدخل الملائكة بيتاً فيه كلب أو صورة» ولأن إمساكها تشبّه بعبدة الأوثان إلا إذا كانت على البسط أو الوسائد الصغار التي تلقى على الأرض ليجلس عليها، فلا تكره؛ لأن دوسها بالأرجل إهانة لها، فإمساكها في موضع الإهانة لا يكون تشبهاً بعبدة الأصنام إلا أن يسجد عليها، فيكره لحصول معنى التشبه.\r-------------------------------\r(1) البنات: صور للبنات تستعمل للعب والتسلية.\r(2) الجواري: جمع جارية وهي الشابة الصغيرة.\r(3) البدائع: 126/5 ومابعدها.","part":4,"page":223},{"id":2319,"text":"ويكره التصوير على الستور وعلى الأزر المضروبة على الحائط وعلى الوسائد الكبار وعلى السقف؛ لما فيه من تعظيمها، فإذا لم يكن لها رأس، فلا بأس؛ لأنها لا تكون صورة، بل نقشاً، فإن قطع الرأس بأن خاط على عنقه خيطاً، فذاك ليس بشيء؛ لأنها لم تخرج عن كونها صورة، بل ازدادت حلية كالطوق لذوات الأطواق من الطيور. ثم المكروه أي تحريماً: صورة ذي الروح، فأما صورة مالا روح له من الأشجار والقناديل ونحوها، فلا بأس به.\rأما التصوير الشمسي أو الخيالي فهذا جائز، ولا مانع من تعليق الصور الخيالية في المنازل وغيرها، إذا لم تكن داعية للفتنة كصور النساء التي يظهر فيها شيء من جسدها غير الوجه والكفين، كالسواعد والسيقان والشعور، وهذا ينطبق أيضاً على صور التلفاز وما يعرض فيه من رقص وتمثيل وغناء مغنيات، كل ذلك حرام في رأيي.\rوأما أعمال النحت والرسم للنساء العاريات التي يقوم بها طلاب كليات الفنون الجميلة فهي من أشد المحرمات والكبائر، ولا يصح قياس الرسم على تشريح الجثث في كليات الطب، لأن التشريح ضرورة علمية تحقق فائدة الحفاظ على حياة الإنسان، بعكس الرسم الذي هو مجرد عمل ترفيهي كمالي، كما أن التشريح يحدث بعد الموت، والرسم يتم في حال الحياة.\rوالسبب في إباحة الصور الخيالية: أن تصويرها لا يسمى تصويراً لغة ولا شرعاً، لما تقدم من بيان معنى التصوير في عهد النبوة، ولأن هذا التصوير يعد حبساً للظل أو الصورة، مثل الصورة في المرآة والصورة في الماء، كل مافي الأمر أن صورة المرآة أو الماء متحركة غير ثابتة، والصور الخيالية تثبَّت بالأحماض الكيمياوية ونحوها، وهذا لا يسمى تصويراً في الحقيقة، فإن الحمض هو المانع من الانتقال والتحرك (1) .\r-------------------------------\r(1) تفسير آيات الأحكام للشيخ الأستاذ محمد علي السايس 61/4.","part":4,"page":224},{"id":2320,"text":"سادساً ـ وسم الحيوان :\rالوسم: وضع علامة على الحيوان بالكي أو شق الأذن أو ثقبها بمثقب. قال أهل اللغة: الوسم: أثر كية، يقال: بعير موسوم، وقد وسمه يسمه وسماً وسمة، والمِيسَم: الشيء الذي يوسم به، وجمعه مياسم ومواسم، وأصله كله من السمة: وهي العلامة، ومنه موسم الحج، أي معلم جمع الناس، وفلان موسوم بالخير وعليه سمة الخير، أي علامته، وتوسمت فيه كذا، أي رأيت فيه علامة.\rوحكم الوسم يتنازعه اتجاهان :\rقال أبو حنيفة: هو مكروه؛ لأنه تعذيب ومثلة، وقد نهي عن المثلة.\rوذهب الجمهور: إلى جواز وسم الحيوان غير الآدمي في غير الوجه، وندبه في نَعَم الزكاة والجزية، لأحاديث صحيحة صريحة ذكرها مسلم، وآثار كثيرة عن عمر وغيره من الصحابة رضي الله عنهم، ولأنها ربما شردت فيعرفها واجدها بعلامتها فيردها، والجواب عن النهي عن المثلة والتعذيب أنه عام، وحديث الوسم خاص، فوجب تقديمه.\rوأما الأحاديث: فمنها ما أخرجه مسلم عن هشام بن زيد قال: «سمعت أنساً يحدِّث أن أمّه حين ولدت انطلقوا بالصبي إلى النبي صلّى الله عليه وسلم يُحنّكه، قال: فإذا النبي صلّى الله عليه وسلم في مِرْبَد (1) يَسِمُ غنماً، قال شعبة: وأكثر علمي أنه قال: في آذانها» .\rوفي رواية أخرى: أن هشام بن زيد قال: سمعت أنساً يقول: « دخلنا على رسول الله صلّى الله عليه وسلم مِرْبَداً، وهو يَسِمُ غنماً، قال: أحسِبُه قال: في آذانها (2) » .\rسابعاً ـ أحكام الشَّعر :\rتجوز إطالة شعر الرأس وحلقه جميعه، لما أخرجه أحمد وأبو داود والنسائي بإسناد صحيح عن ابن عمر: «أن النبي صلّى الله عليه وسلم رأى صبياً قد حلق بعض رأسه، وترك بعضه، فنهاهم عن ذلك، وقال: احلقوا كله، أو ذروا كله» وفيه دليل على جواز حلق الرأس جميعه، قال الغزالي: لا بأس به لمن أراد التنظيف .\r-------------------------------\r(1) المربد: الموضع الذي تحبس فيه الإبل، وهو مثل الحظيرة للغنم.\r(2) شرح مسلم: 98/14.","part":4,"page":225},{"id":2321,"text":"ويكره القَزَع: وهو حلق رأس الصبي وترك مواضع منه متفرقة غير محلوقة تشبيهاً بقزع السحاب، قال النووي: والقزع حلق بعض الرأس مطلقاً، وهو الأصح.\rويجوز اتخاذ الشعر، لما روى الخمسة إلا النسائي عن عائشة رضي الله عنها قالت: «كان شعر رسول الله صلّى الله عليه وسلم فوق الوَفرة ودون الجُمَّة» (1) .\rومن اتخذ شعراً يندب له ترجيله (تمشيطه) وإكرامه، روى أبو داود عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلّى الله عليه وسلم قال: «من كان له شعر فليكرمه» وفيه دلالة على استحباب إكرام الشعر بالدهن والتسريح وإعفائه عن الحلق؛ لأنه يخالف الإكرام إلا أن يطول، أخرج مالك عن عطاء بن يسار قال: «أتى رجل النبي ثائر الرأس واللحية، فأشار إليه رسول الله صلّى الله عليه وسلم كأنه يأمره بإصلاح شعره ولحيته، ففعل، ثم رجع،فقال صلّى الله عليه وسلم :أليس هذا خيراً من أن يأتي أحدكم ثائر\r-------------------------------\r(1) الوفرة: الشعر المجتمع على الرأس أو ما سال على الأذنين منه أو ما جاوز شحمة الأذن. والجمة: دون ذلك، وهي مجتمع شعر الرأس.","part":4,"page":226},{"id":2322,"text":"الرأس (1) كأنه شيطان» .\rويكره نتف الشيب، لما رواه أحمد وأبو داود عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلّى الله عليه وسلم قال: «لا تنتفوا الشيب، فإنه نور المسلم، ما من مسلم يشيب شيبة في الإسلام إلا كتب الله له بها حسنة، ورفعه بها درجة، وحط عنه بها خطيئة» قال النووي: لو قيل: يحرم النتف للنهي الصريح لم يبعد، وقال: ولا فرق بين نتفه من اللحية والرأس والشارب والحاجب والعذار من الرجل والمرأة.\rوأما خضاب الشعر بالأحمر والأصفر والأسود وغير ذلك من الألوان فهو جائز، إلا عند الشافعية، فإنه يحرم الخضاب بالسواد وقال غيرهم بالكراهة فقط، لما رواه الجماعة إلا البخاري والترمذي عن جابر بن عبد الله قال: جيء بأبي قحافة (2) يوم الفتح إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلم ، وكأن رأسه ثُغَامة (3) ، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: «اذهبوا به إلى بعض نسائه، فلتغيره بشيء، وجنِّبوه السواد» .\rوفي الحديث المتفق عليه بين أحمد والشيخين عن محمد بن سيرين قال: سئل أنس بن مالك عن خضاب رسول الله صلّى الله عليه وسلم ، فقال: «إن رسول الله صلّى الله عليه وسلم لم يكن شاب إلا يسيراً، ولكن أبا بكر وعمر بعده خضّبا بالحِنَّاء والكَتَم» (4) .\r-------------------------------\r(1) الثائر: الشعث بعيد العهد بالدهن والترجيل.\r(2) أبو قحافة: هو والد أبي بكر الصديق رضي الله عنه.\r(3) ثغامة: قال أبو عبيد: هو نبت أبيض الزهر والثمر، يشبه بياض المشيب به.\r(4) الحناء: معروف، لون صباغة أحمر فاتح، والكتَم والكُتمان، نبت يخلط بالحناء ويخضب به الشعر، وهو النبت المعروف بالوسمة يعني ورق النيل، ورقه كورق الآس يخضب به مدقوقاً.","part":4,"page":227},{"id":2323,"text":"واختلف السلف من الصحابة والتابعين في الخضاب وجنسه، فقال بعضهم: ترك الخضاب أفضل، لحديث في النهي عن تغيير الشيب، ولأنه صلّى الله عليه وسلم لم يغير شيبه (1) . وقال آخرون: الخضاب أفضل، فقد خضب جماعة من الصحابة والتابعين ومن بعدهم للأحاديث الواردة في ذلك.\rثم اختلف هؤلاء، فكان أكثرهم يخضب بالصفرة، أي الشقرة، منهم ابن عمرو وأبو هريرة وآخرون، وروي ذلك عن علي.\rوخضب جماعة منهم بالحناء والكتم، وبعضهم بالزعفران.\rوخضب جماعة بالسواد، روي ذلك عن عثمان والحسن والحسين ابني علي، وعقبة بن عامر وابن سيرين وأبي بردة وآخرين (2) .\rوالصواب جواز تغيير الشيب وجواز تركه، وجواز الخضاب بأي لون كان، مع كراهة الخضاب بالسواد.\rويحرم كما تقدم وصل الشعر بشعر آدمي آخر على الرجال والنساء الأيامى والمتزوجين، للتجمل وغيره، بلا خلاف، سواء كان شعر رجل أو امرأة، وسواء شعر المَحْرم والزوج وغيرهما بلا خلاف، لعموم الأدلة، ولأنه يحرم الانتفاع بشعر الآدمي وسائر أجزائه لكرامته، بل يدفن شعره وظفره وسائر أجزائه.\rفإن وصلته بشعر غير آدمي: فإن كان شعراً نجساً، وهو شعر الميتة وشعر ما لا يؤكل لحمه إذا انفصل في حياته، فهو حرام أيضاً للحديث الآتي بلعن الواصلة والمستوصلة، ولأنه حمل نجاسة في صلاتها وغيرها عمداً.\rوأما الشعر الطاهر من غير الآدمي، والشعر الصناعي: فإن لم يكن لها زوج ولا سيد، فهو حرام أيضاً، وإن كان لها زوج فإن فعلته بإذنه جاز، وإن فعلته بغير إذنه، لم يجز، وعلى هذا يكون ارتداء «الباروكة» جائزاً للرجل، وللمرأة بإذن زوجها.\rويجوز عند الشافعية والليث والقاضي عياض وصل الشعر بخيوط من الحرير الملونة؛ لأنه لا يأخذ حكم الوصل، إنما هو لمجرد الزينة أو التجمل والتحسين، وقال مالك والطبري وكثيرون: الوصل ممنوع بكل شيء، سواء وصلته بشعر أو صوف أو خرق، لحديث جابرعند مسلم: « أن النبي\r-------------------------------\r(1) روي هذا عن عمر وعلي وأبي بكر وآخرين.\r(2) نيل الأوطار: 118/1.","part":4,"page":228},{"id":2324,"text":"زجر أن تصل المرأة برأسها شيئاً (1) » .\rقال الكاساني من الحنفية: ويكره أي كراهة تحريم للمرأة أن تصل شعر غيرها من بني آدم بشعرها، لقوله عليه الصلاة والسلام: «لعن الله الواصلة والمستوصلة» ولأن الآدمي بجميع أجزائه مكرم، والانتفاع بالجزء المنفصل منه إهانة له، ولهذا كره بيعه. ولا بأس بذلك من شعر البهيمة وصوفها؛ لأنه انتفاع بطريق التزين بما يحتمل ذلك، ولهذا احتمل الاستعمال في سائر وجوه الانتفاع، فكذا في التزين (2) .\rوأما قص المرأة شعرها فيجوز مادون الأذن، كيلا تتشبه بالرجال، كما تقدم. ولها تسريح شعرها بمختلف التسريحات في المنزل، وستره خارج المنزل.\rثامناً ـ الوشم والنمص والتفليج :\rالوشم حرام أيضاً: وهو أن تغرز إبرة أو نحوها في الجلد على ظهر الكف والمعصم أو الوجه أو الشفة وغير ذلك، حتى يسيل الدم، ثم يحشى محل الغرز بكحل ونحوه، فيخضر.\rوالنمص: وهو نتف الشعر من الوجه حرام أيضاً إلا إذا نبت في وجه المرأة شعر كثير كلحية وشارب، فيندب إزالتهما.\rوتفليج الأسنان حرام أيضاً: وهو تفريق ما بين مقدمة الأسنان من الثنايا والرباعيات بالمبرد ونحوه، وتحرم أيضاً عمليات التجميل النسائية التي يراد بها تصغير المرأة الكبيرة (عمليات الشد) روى أحمد عن عائشة قالت: «كان النبي صلّى الله عليه وسلم يلعن القاشرة والمقشورة، والواشمة والموشومة، والواصلة والموصولة» وروى أحمد أيضاً عن ابن مسعود قال: «سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلم ينهى عن النامصة والواشرة والواصلة والواشمة إلا من داء» .\rوالواشرة: التي تَشِر الأسنان حتى تكون لها أشْر، أي تحديد ورقّة، تفعله المرأة الكبير، تتشبه بالحديثة السن.\rوالقاشرة: التي تعالج وجهها أو وجه غيرها بالغُمرة (طلاء يتخذ من الوَرْس) ليصفو لونها، والمقشورة: التي يفعل بها ذلك، كأنها تَقْشِر أعلى الجلد، ويبدو ما تحته من البشرة، وهو شبيه بفعل النامصة.\rوالوشم والنمص والتفليج حرام على الرجال والنساء، الفاعل والمفعول به، لورود اللعن عليه، مما يدل على تحريمه. ويصبح موضع الوشم متنجساً لانحباس الدم فيه، فإن أمكن إزالته بالعلاج وجب، وإن لم يمكن إلا بالجرح، فإن خيف منه الضرر أو العيب الفاحش في عضو ظاهر كالوجه والكفين، لم تجب إزالته، وتجب التوبة منه، وإن لم يكن ضرر، لزم إزالته.\r-------------------------------\r(1) المرجع السابق: 191/6 ومابعدها.\r(2) البدائع: 125/5 ومابعدها.","part":4,"page":229},{"id":2325,"text":"ودليل تحريم هذه الثلاثة (الوشم والنمص والتفليج): الحديث المتفق عليه بين أحمد والشيخين عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: «لعن الله الواشمات والمستوشمات، والمتنمصات، والمتفلجات للحسن، المغيِّرات خلق الله تعالى» وقال: «ما لي لا ألعن من لعن رسول الله صلّى الله عليه وسلم » . وهناك أحاديث أخرى عن ابن عمر وغيره في الموضوع (1) ..\rتاسعاً ـ الترجل والتخنث :\rيحرم أيضاً تشبه الرجال بالنساء في اللباس والزينة، كالأساور والعقود (الأطواق) والأقراط، وتشبه النساء بالرجال في الكلام، والمشي، وحلق الشعر وتكلف الخشونة والرجولة، وهن المترجلات: المتشبهات من النساء بالرجال. ويحرم التخنث أيضاً: وهو تشبه الرجال بالنساء في المشي والتكسر ولين الكلام ورقة الصوت والتزين بالحناء ونحو ذلك من أنواع «المكياج» والتحمير والتبييض وتطريف الأصابع، لكن يستحب الخضاب للنساء بالحناء ونحوه، وأما التحمير ونحوه فيجوز بإذن الزوج وفي داخل البيت، ويحرم بغير إذن الزوج وخارج المنزل. والدليل ما أخرجه أحمد والبخاري عن أنس قال: «لعن رسول الله صلّى الله عليه وسلم المتشبهين من الرجال بالنساء، والمتشبهات من النساء بالرجال» وفي رواية: «لعن رسول الله صلّى الله عليه وسلم المخنثين من الرجال، والمترجِّلات من النساء، وقال: أخرجوهم من بيوتكم، فأخرج النبي صلّى الله عليه وسلم فلانة، وأخرج عمر فلاناً» . وأخرج أبو داود من حديث أبي هريرة قال: «أتي رسول الله صلّى الله عليه وسلم بمخنث قد خضب يديه ورجليه بالحناء، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلم : ما بال هذا؟ قالوا: يتشبه بالنساء، فأمر به فنفي إلى النقيع، فقيل: يا رسول الله ، ألا تقتله؟ فقال:\r-------------------------------\r(1) راجع نيل الأوطار: 190/6.","part":4,"page":230},{"id":2326,"text":"إني نهيت أن أقتل المصلين» (1) .\rعاشراً ـ السلام :\rالسلام: هو اسم من أسماء الله تعالى، ومعناه: اسم الله عليك أنت في حفظه، كما يقال: الله يصحبك، الله معك. وللسلام أحكام هي ما يأتي (2) :\rابتداء السلام سنة، لقوله صلّى الله عليه وسلم : «أفشوا السلام بينكم» (3) ورده من الفرد فرض عين ومن الجماعة فرض كفاية، لقوله تعالى: {وإذا حيِّيتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها} [النساء:86/4] وابتداء السلام من جماعة سنة كفاية، والأفضل السلام من جميعهم، ولو سلم جماعة على شخص، وقصد الرد عليهم جميعاً، جاز ذلك، وسقط الفرض في حق الجميع. ويجزئ «السلام عليكم» وفي الرد «وعليكم السلام» ويجب زيادة الواو في رد السلام. وقال جماعة: لا تجب وإنما تندب، وأكمله «السلام عليكم ورحمة الله وبركاته» وفي الرد: «وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته» ولكل فقرة من هذه التحية عشر حسنات. ويكره تغيير صيغة السلام المشروعة هكذا، بمثل قول بعضهم: « سلام من الله..» إلخ فذلك بدعة منكرة.\rورفع الصوت بابتداء السلام سنة، ليسمعه المسلَّم عليه سماعاً محققاً، للحديث السابق: «أفشوا السلام بينكم» وإن كان هناك أيقاظ ونيام، خفض صوته، بحيث يسمع الأيقاظ، ولا يوقظ النيام، جمعاً بين الفرضين.\rولو سلم على إنسان، ثم لقيه على قرب، سن أن يسلم عليه ثانياً وثالثاً وأكثر من ذلك، لعموم حديث «أفشوا السلام» .\rويسن أن يبدأ بالسلام قبل كل كلام، للخبر السابق.\r-------------------------------\r(1) نيل الأوطار: 193/6-194.\r(2) كشاف القناع: 175/2-179.\r(3) رواه مسلم وأبو داود والترمذي وابن ماجه عن أبي هريرة بلفظ «لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا، ولاتؤمنوا حتى تحابوا، ألا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم» (الترغيب والترهيب: 424/3).","part":4,"page":231},{"id":2327,"text":"ولا يترك السلام إذا كان يغلب على ظنه أن المسلَّم عليه لا يرد السلام، لعموم «أفشوا السلام» ولا بأس بالسلام على الصبيان تأديباً لهم، ولا يجب الرد عليهم، فإن سلم الصبي على البالغ وجب عليه الرد.\rورفع الصوت برد السلام واجب قدر الإبلاغ أو الإسماع أي للمسلِّم.\rويكره الانحناء في السلام، ويكره أن يسلم على امرأة أجنبية (غير زوجة له ولا محرم) إلا أن تكون عجوزاً أي غير حسناء، أو ألا تشتهى لأمن الفتنة.\rويكره السلام في الحمام، وعلى من يأكل أو يقاتل لاشتغاله، وعلى تال للقرآن وعلى ذاكر الله تعالى، وعلى ملبّ ومحدِّث (أي يحدث بحديث النبي صلّى الله عليه وسلم)، وخطيب وواعظ، وعلى من يستمع للمذكورين من التالي ومن بعده، وعلى مكرر فقه ومدرس في أي عمل كان، وعلى من يبحثون في العلم، وعلى من يؤذِّن أو يقيم (1) ، وعلى من هو على حاجته، ويكره أيضاً رده منه، وعلى من يتمتع بأهله، أو مشتغل بالقضاء ونحوهم.\rومن سلم في حالة لا يستحب فيها السلام مما سبق، لم يستحق جواباً لسلامه.\rويكره أن يخص بعض طائفة لقيهم أو دخل عليهم بالسلام، وأن يقول: سلام الله عليكم، لمخالفته الصيغة الواردة، وأن يقول: عليك سلام الله ؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلم كرهه.\rوالهجر المنهي عنه (وهو هجر المسلم أخاه فوق ثلاثة أيام) يزول بالسلام؛ لأنه سبب التحابب، فيقطع الهجر، وروي مرفوعاً: «السلام يقطع الهجران» .\rويسن السلام عند الانصراف عن القوم، وإذا دخل على أهله، فإن دخل بيتاً خالياً، أو مسجداً خالياً، قال: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، للخبر في كل ذلك.\rوإذا دخل بيته، قدم رجله اليمنى، وليقل: «اللهم إني أسألك خير المولج وخير المخرج، باسم الله ولجنا، وباسم الله خرجنا، وعلى الله ربنا توكلنا» ثم يسلّم على أهله، لخبر أبي مالك الأشعري مرفوعاً، رواه أبو داود.\r-------------------------------\r(1) مذهب الحنابلة: لا يكره السلام على المصلي.","part":4,"page":232},{"id":2328,"text":"المبحث الخامس ـ مسائل في البيع والتعامل :\rأورد الحنفية فروعاً فقهية في المعاملات مشتملة على شبهة أو مانع شرعي أو معصية، يحسن ذكرها باختصار:\rأولاً ـ بيع السماد الطبيعي :\rلا بأس ببيع روث البهائم لتسميد الأرض بها، واستكثار الريع بها، فينتفع بها، وإن كان البيع في الأصل مكروهاً؛ لأن الروث نجس، ويكره بيع العَذِرة (رجيع الآدمي) والصحيح عند الحنفية: هو جواز بيع المتنجس كالزيت الذي خالطته النجاسة (1) .\rثانياً ـ استيفاء دين المسلم من ثمن خمر الذمي :\rيجوز أخذ المسلم دينه على كافر، من ثمن خمر، أو خنزير، لصحة بيعهما من الكافر لغيره؛ لأنهما مال متقوم في حقه، بخلاف الدين على مسلم، لا يصح أخذه من ثمن خمر أو خنزير، لعدم صحة البيع، لكن أجاز أبو حنيفة خلافاً لصاحبيه أن يوكل المسلم ذمياً في بيع الخمر.\rوكذلك لا يجوز استيفاء الدين من كسب حرام كالمرابي والمرتشي والغصب والسارق والمغنية. ولا يحل للورثة أيضاً أخذ الميراث من كسب حرام، وعليهم رد ما أخذوه على أربابه إن عرفوهم، وإلا تصدقوا به؛ لأن سبيل الكسب الخبيث التصدق به إذا تعذر الرد على صاحبه (2) .\rثالثاً ـ بيع العنب للخمار :\rيجوز بيع العنب ممن يعلم أنه يتخذه خمراً؛ لأن المعصية لا تقوم بعين الموجود حالة البيع، وإنما تتحقق بعد تغييره.\rكذلك أجازوا بيع السلاح من أهل الفتنة، لأن المعصية تتحقق باستعماله، لا بحالته القائمة (3) ، وهو رأي الشافعي أيضاً. لكن يكره هذا البيع، لأنه تسبب إلى المعصية. بخلاف بيع العصير لمن يتخذه خمراً، لأن المعصية لا تقام بعينه، بل بعد تغييره.\r-------------------------------\r(1) تكملة الفتح: 122/8، الدر المختار: 110/4 و 272/5، الدرر المباحة في الحظر والإباحة: ص53.\r(2) الدر المختار ورد المحتار: 272/5 ومابعدها.\r(3) المرجع السابق: 273/5، تكملة فتح القدير: 127/8.","part":4,"page":233},{"id":2329,"text":"رابعاً ـ الإجارة للكنيسة أو حمل خمر الذمي :\rيجوز للشخص عند أبي حنيفة (1) أن يؤجر نفسه أو سيارته أو دابته بأجر لتعمير كنيسة، أو لحمل خمر ذمي، لا لعصرها؛ لأنه لا معصية في الفعل عينه، لأن عقد الإجارة على الحمل ليس بمعصية ولا سبب لها، وإنما تحصل المعصية باختيار الشارب، وقد يكون حملها للإراقة أو التخليل.\rأما عصرها بقصد الخمرية كمعاصر الخمور في بلادنا أو في أمريكا مثلاً من مسلم فيحرم؛ لأن المعصية في الفعل عينه. وأجاز أبو حنيفة أيضاً إجارة بيت لاتخاذه كنيسة أو لبيع الخمر فيه في بلاد غالب أهلها أهل الذمة؛ لأن الإجارة تقع على منفعة البيت، ولهذا تجب الأجرة بمجرد التسليم، ولا معصية فيه، وإنما المعصية بفعل المستأجر، وهو مختار فيه.\rولا تجوز تلك الإجارة في بلاد غالب أهلها الإسلام؛ لأن أهل الذمة لايمكَّنون من اتخاذ الكنائس وإظهار بيع الخمور ونحو ذلك في الأصح.\rوقال الصاحبان والأئمة الثلاثة: لا ينبغي كل تلك الإجارات، وهي مكروهة؛ لأنها إعانة على المعصية، ولأنه عليه الصلاة والسلام لعن في الخمر عشرة، وعد منها «حاملها» (2) .\rواعتبر أبو حنيفة الحديث محمولاً على الحمل المقرون بقصد المعصية. وعلى كل حال فرأي أبي حنيفة قياس. ورأي الصاحبين استحسان. وهو المعول عليه في كثير من الفتاوى.\rخامساً ـ بيع بناء بيوت مكة وأرضها، وإجارتها :\rيجوز عند الحنفية والشافعية بلا كراهة بيع بناء بيوت مكة وأرضها؛ لأن البناء مملوك لبانيه، والأرض مملوكة لأهلها، لظهور آثار الملك فيها، وهو الاختصاص بها شرعاً.\r-------------------------------\r(1) الدر المختار: 277/5 ومابعدها، تكملة الفتح: 127/8.\r(2) رواه أبو داود عن ابن عمر، وصححه ابن السكن ( التلخيص الحبير:359/1 ).","part":4,"page":234},{"id":2330,"text":"ويكره عند الحنفية إجارة بيوت مكة في أيام الموسم، في الحج، ويرخص لهم الإجارة في غير الموسم، لقوله تعالى: {سواء العاكف فيه والباد} [الحج:25/22] وهكذا كان عمر بن الخطاب ينادي أيام الموسم ويقول: يا أهل مكة، لا تتخذوا لبيوتكم أبواباً، لينزل البادي حيث شاء، ثم يتلو الآية (1) .\rسادساً ـ دخول الكافر المساجد :\rأجاز أبو حنيفة (2) للكافر دخول المساجد كلها، حتى المسجد الحرام من غير إذن، ولو لغير حاجة. ومعنى آية {فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا} [التوبة:28/9] عنده: ألا يحجوا، ولا يعتمروا عراة بعد حج عامهم هذا، عام تسع من الهجرة، حين أمر الصديق، ونادى علي بهذه السورة، وقال: «ألا لا يحج بعد عامنا هذا مشرك، ولا يطوف عريان» (3) . وقد دخل أبو سفيان مسجد المدينة لتجديد عقد صلح الحديبية، بعدما نقضته قريش، وكذلك دخل إليه وفد ثقيف، وربط ثمامة بن اثال في المسجد النبوي حينما أسر.\r-------------------------------\r(1) الدر المختار ورد المحتار: 278/5.\r(2) الدر المختار: 274/5، شرح السير الكبير: 93/1، الأشباه والنظائر لابن نجيم: 176/2، أحكام القرآن للجصاص: 88/3.\r(3) رواه الشيخان.","part":4,"page":235},{"id":2331,"text":"وأجاز المالكية (1) لغير المسلم دخول الحرم المكي، دون البيت الحرام، بإذن أو أمان. ولا يجوز عندهم مطلقاً دخول الكافر مسجداً، ولا يمكَّن من دخوله، إلا لعذر، كالدخول للتقاضي أمام الحاكم المسلم، قياساً على منعه من دخول المسجد الحرام؛ لأن العلة وهي النجاسة موجودة في كل مشرك، والحرمة موجودة في كل مسجد.\rوقال الشافعية والحنابلة (2) : يمنع غير المسلم، ولو لمصلحة من دخول حرم مكة، لقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس، فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا} [التوبة:28/9] وقد ورد في الأثر: « الحرم كله مسجد» (3) . ويجوز عندهم للكافر لحاجة دخول المساجد الأخرى غير المسجد الحرام، بإذن المسلمين؛ لأن نص الآية في المسجد الحرام، والأصل في الأشياء الإباحة، ولم يرد في الشرع ما يخالف هذا الأصل، ولأن النبي صلّى الله عليه وسلم قدم عليه وفد أهل الطائف، فأنزلهم في المسجد قبل إسلامهم. وقال سعيد بن المسيب: قد كان أبو سفيان يدخل مسجد المدينة، وهو على شركه. وقدم عمير بن وهب، فدخل المسجد، والنبي صلّى الله عليه وسلم فيه ليفتك به، فرزقه الله الإسلام.\rسابعاً ـ الاحتكار :\rمعناه: الاحتكار: هو الادخار للبيع، وطلب الربح بتقلّب الأسواق، أما الادخار للقوت فليس من الاحتكار. هذا تعريف المالكية (4) .\r-------------------------------\r(1) مواهب الجليل للحطاب: 381/3، الخرشي: 144/3، ط ثانية، أحكام القرآن لابن العربي: 901/2، مذكرة تفسير آيات الأحكام للسايس: 22/3 ومابعدها.\r(2) مغني المحتاج: 247/4، تفسير ابن كثير: 346/2، الإفصاح لابن هبيرة: ص448، المغني: 531/8-532.\r(3) قال عطاء: الحرم كله مسجد لقوله تعالى: { فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا } .\r(4) المنتقى على الموطأ: 15/5 ومابعدها، القوانين الفقهية: ص 255 ومابعدها.","part":4,"page":236},{"id":2332,"text":"وعرفه الحنفية (1) بقولهم: الاحتكار لغة مصدر حكر أي حبس فهو احتباس الشيء انتظاراً لغلائه، والمراد به شرعاً: حبس الأقوات متربصاً للغلاء. أو هو اشتراء طعام ونحوه، وحبسه إلى الغلاء أربعين يوماً، لقوله عليه الصلاة والسلام: «من احتكر طعاماً أربعين ليلة، فقد برئ من الله ، وبرئ الله منه، وأيُّما أهل عَرْصة ـ بقعة ـ بات فيهم امرؤ جائع، فقد برئت منهم ذمة الله » (2) .\rوعرفه الشافعية (3) بأنه: إمساك ما اشتراه وقت الغلاء ليبيعه بأكثر مما اشتراه عند اشتداد الحاجة. بخلاف إمساك ما اشتراه وقت الرخص، لا يحرم مطلقاً ، ولاإمساك غلة ضيعته، ولا ما اشتراه في وقت الغلاء لنفسه وعياله، أو ليبيعه بمثل ما اشتراه.\rوفي كراهة إمساك ما فضل عن كفايته وكفالة عياله سنة وجهان: أوجههما ـ عدم الكراهة، لكن الأولى بيعه.\rوقال الحنابلة (4) : الاحتكار المحرم ما اجتمع فيه ثلاثة شروط:\r1ً - أن يكون بطريق الشراء، لا الجلب، فلو جلب شيئان، أو أدخل من غلته شيئاً، فادخره ، لم يكن محتكراً، لقوله عليه الصلاة والسلام: «الجالب مرزوق، والمحتكر ملعون» (5) .\r2ً - أن يكون المشترى قوتاً أي من الحبوب المقتاتة ونحوها؛ لأنه مما تعم الحاجة إليه. أما الإدام والحلواء والعسل والزيت وأعلاف البهائم، فليس فيها احتكار محرم.\r3ً - أن يُضيَّق على الناس بشرائه بأمرين: أحدهما ـ بأن يكون في بلد يضيق بأهله الاحتكار، كالحرمين والثغور، أما البلاد الواسعة الكثيرة المرافق والجلب كبغداد ودمشق ومصر، فلا يحرم فيها الاحتكار؛ لأن ذلك لا يؤثر فيها غالباً.\r-------------------------------\r(1) العناية شرح الهداية بهامش تكملة الفتح: 126/8، رد المحتار: 282/5، البدائع: 129/5، تبيين الحقائق: 27/6، اللباب: 166/4.\r(2) رواه أحمد وابن أبي شيبة والبزار وأبو يعلى الموصلي والحاكم والدارقطني والطبراني وأبو نعيم عن ابن عمر (نصب الراية: 262/4، نيل الأوطار: 221/5).\r(3) مغني المحتاج: 38/2، سبل السلام: 25/3.\r(4) المغني: 221/4.\r(5) أخرجه ابن ماجه وابن راهويه والدارمي وعبد بن حميد وأبو يعلى الموصلي والبيهقي عن عمر بن الخطاب (نصب الراية: 261/4).","part":4,"page":237},{"id":2333,"text":"والثاني ـ أن يكون في حال الضيق: بأن يدخل البلد قافلة فيبادر ذوو الأموال لشرائها، ويضيقون على الناس، وفي هذا لا فرق بين البلد الصغير والكبير. أما الشراء في حال الاتساع والرخص على وجه لا يضيق على أحد، فليس بمحرم.\rمتى يتحقق الاحتكار وما نوع المحتكَر؟\rيظهر من تعاريف الفقهاء للاحتكار: أنهم اتفقوا على أن الاحتكار يكون في حال الضيق والضرورة لا في وقت السعة، وفي البلد الصغير عادة، ومن طريق الشراء والامتناع عن البيع مما يضر بالناس؛ لأن في الحبس ضرراً بالمسلمين. ولا يكون محتكراً بحبس غلة أرضه بلا خلاف لأنه خالص حقه، ولا ما جلبه من بلد آخر؛ لأن حق الناس بالموجود في البلد، والمختار عند الحنفية قول محمد وهو إن كان يجلب منه عادة كره تحريماً حبسه؛ لأن حق الناس تعلق به.\rواتفق الفقهاء أيضاً على أن الاحتكار حرام في كل وقت في الأقوات أو طعام الإنسان، مثل الحنطة والشعير والذرة والأرز، والتين والعنب والتمر والزبيب واللوز ونحوها مما يقوم به البدن، لا العسل والسمن، واللحم والفاكهة.\rوكذلك يحرم الاحتكار عند الحنفية والشافعية والحنابلة في طعام البهائم كتبن وفصفصة وهي الرطبة من علف الدواب. ويحرم الاحتكار أيضاً عند المالكية وأبي يوسف في غير الطعام في وقت الضرورة، لا في وقت السعة، فلا يجوز عندهم الاحتكار في الطعام وغيره، من الكتان والقطن وجميع ما يحتاج إليه الإنسان، أو كل ما أضر بالناس حبسه، قوتاً كان أو لا ولو ثياباً أو دراهم. وقال السبكي من الشافعية: إذا كان الاحتكار في وقت قحط، كان في ادخار العسل والسمن والشيرج وأمثالها إضرار، فينبغي أن يقضى بتحريمه، وإذا لم يكن إضرار فلا يخلو احتكار الأقوات من كراهة (1) .\rويخرج الطعام من بلد إلى غيره إذا أضر بأهل البلد.\r-------------------------------\r(1) نيل الأوطار: 222/5.","part":4,"page":238},{"id":2334,"text":"والخلاصة: إن الجمهور خصوا الاحتكار بالقوتين (قوت الناس وقوت البهائم) نظراً للحكمة المناسبة للتحريم وهي دفع الضرر عن الناس، والأغلب في ذلك إنما يكون في القوتين، ومنعه المالكية مطلقاً.\rالمدة: إذا قصرت مدة الاحتباس لا تكون احتكاراً لعدم الضرر، وإذا طالت تكون احتكاراً لتحقق الضرر.\rوقيل: يقدر طول المدة بأربعين ليلة للحديث السابق: «من احتكرطعاماً أربعين ليلة، فقد برئ من الله، وبرئ الله منه» . وقيل: بالشهر؛ لأن ما دونه قليل عاجل، والشهر وما فوقه كثير عاجل. وقيل: المدة للمعاقبة في الدنيا، وأما الإثم فيحل وإن قلت المدة.\rحكم الاحتكار: للاحتكار أحكام أهمها ما يأتي:\r1ً - الاحتكار ممنوع: وعبر أغلب الحنفية عن المنع بكراهته التحريمية، فقالوا: يكره الاحتكار في أقوات الآدميين، والبهائم، إذا كان ذلك في بلد يضر\rالاحتكار بأهله، كما يكره تلقي الركبان، أو الجلب، لنهي النبي صلّى الله عليه وسلم عن تلقي البيوع (1) . فأما إذا كان لا يضر، فلا بأس به (2) .\rوعبر الكاساني في البدائع عن منع الاحتكار بالحرمة (3) ، وهو متفق عليه مع تعبير الأئمة الآخرين: الاحتكار حرام.\rوأدلة التحريم أحاديث كثيرة، منها ما ذكر سابقاً في البحث، ومنها قوله صلّى الله عليه وسلم : «لا يحتكر إلا خاطئ» «من احتكر حُكرة يريد أن يغلي بها على المسلمين فهو خاطئ» «من دخل في شيء من أسعار المسلمين ليغليه عليهم، كان حقاً على الله أن يقعده بُعْظم من النار ـ مكان عظيم من النار ـ يوم القيامة» «من احتكر على المسلمين طعامهم، ضربه الله بالجذام والإفلاس» (4) .\r2ً - بيع المال المحتكر: قال الحنفية (5) : يؤمر المحتكر من القاضي ببيع ما فضل عن قوته وقوت\r-------------------------------\r(1) متفق عليه بين أحمد والشيخين عن ابن مسعود (نيل الأوطار: 166/5) وأخرج مسلم عن أبي هريرة: «نهى رسول الله صلّى الله عليه وسلم عن تلقي الجلب. وفي لفظ: لا تلقوا الجلب، فمن تلقاه فاشتراه، فإذا أتى سيده السوق، فهو بالخيار» وأخرج البخاري ومسلم عن ابن عباس: «لا تتلقوا الركبان، ولا يبيع حاضر لباد» (نصب الراية: 261/4).\r(2) تكملة الفتح، الدر المختار، اللباب، تبيين الحقائق: المكان السابق.\r(3) البدائع، المكان السابق.\r(4) روى الأول أحمد ومسلم وأبو داود عن ابن المسيب، وروى الثاني والثالث أحمد عن معقل بن يسار، وعن أبي هريرة، وروى الرابع ابن ماجه عن عمر (نيل الأوطار: 220/5).\r(5) مراجعهم السابقة.","part":4,"page":239},{"id":2335,"text":"أهله، فإن لم يفعل وأصر على الاحتكار، ورفع أمره إلى الحاكم مرة أخرى، وهو مصر عليه، وعظه الحاكم وهدده. فإن لم يفعل ورفع إليه أمره للمرة الثالثة، حبسه وعزره، زجراً له عن سوء صنعه، ويجبره القاضي على البيع، ويبيعه القاضي عليه جبراً عنه إذا امتنع عن بيع طعامه بالاتفاق بين الحنفية على الصحيح، ويكون البيع بسعر المثل.\rوكذلك قال المالكية (1) : يباع الشيء المحتكر للمحتاج إليه بمثل ما اشتراه به، لا يزاد عنه شيء. وإن لم يعلم ثمنه، فبسعره يوم احتكاره.\rوأضاف الحنفية (2) : لو خاف الحاكم على أهل بلد الهلاك، أخذ الطعام من المحتكرين، ووزعه عليهم، حتى إذا صاروا في سعة، ردوا مثله، وذلك للضرورة، ومن اضطر إلى مال غيره، وخاف الهلاك، تناوله بلا رضاه، ويضمن قيمته؛ لأن الاضطرار لا يبطل حق الغير، كما أبنت.\r-------------------------------\r(1) المنتقى على الموطأ: 17/5.\r(2) الدر المختار: 283/5، البدائع: 129/5.","part":4,"page":240},{"id":2336,"text":"ثامناً ـ التسعير :\rالمبدأ الاقتصادي في الإسلام هو الحرية الاقتصادية التي يراعي فيها المسلم حدود النظام الإسلامي، ومن أهمها العدالة والقناعة والتزام قواعد الربح الطيب الحلال بأن كان في حدود الثلث، لقوله عليه الصلاة والسلام: «دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض» (1) .\rوبناء عليه: الأصل عدم التسعير، ولا يسعر حاكم على الناس، وهذا متفق عليه بين الفقهاء.\rوالتزم الشافعية والحنابلة (2) هذا الأصل، فقال الحنابلة: ليس للإمام أن يسعر على الناس، بل يبيع الناس أموالهم على ما يختارون. وقال الشافعية: يحرم التسعير، ولو في وقت الغلاء، بأن يأمر الوالي السوقة ألا يبيعوا أمتعتهم إلا بكذا، للتضييق على الناس في أموالهم، وذلك لا يختص بالأطعمة. ولو سعَّر الإمام، عُزِّر مخالفه، بأن باع بأزيد مما سعر، لما فيه من مجاهرة الإمام بالمخالفة، وصح البيع، إذ لم يعهد الحجر على الشخص في ملكه أن يبيع بثمن معين.\rوأجاز ابن الرفعة الشافعي وغيره التسعير في وقت الغلاء.\r-------------------------------\r(1) رواه الطبراني عن أبي السائب بلفظ: «دعوا الناس يصيب بعضهم من بعض، فإذا استنصح أحدكم أخاه فلينصحه» وورد في (نيل الأوطار: 164/5): «دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض» .\r(2) مغني المحتاج: 38/2، المغني: 217/4.","part":4,"page":241},{"id":2337,"text":"واستدل ما نعو التسعير بحديث أنس قال: «غلا السعر على عهد رسول الله صلّى الله عليه وسلم ، فقالوا: يا رسول الله ، لو سعرت، فقال: إن الله هو القابض الباسط الرازق المسعر، وإني لأرجو أن ألقى الله عز وجل، ولا يطلبني أحد بمَظْلَمة، ظلمتها إياه في دم، ولا مال» (1) فالنبي لم يسعر، ولو جاز، لأجابهم إليه، وعلل بكونه مظلمة، والظلم حرام، ولأنه ماله، فلم يجز منعه من بيعه بما تراضى عليه المتبايعان، كما اتفق الجماعة عليه، ولأن في التسعير إضراراً بالناس، إذا زاد تبعه أصحاب المتاع، وإذا نقص أضر بأصحاب المتاع.\rوأجاز المالكية والحنفية (2) للإمام تسعير الحاجيات، دفعاً للضرر عن الناس، بأن تعدى أصحاب السلعة عن القيمة المعتادة تعدياً فاحشاً، فلا بأس حينئذ بالتسعير بمشورة أهل الرأي والبصر، رعاية لمصالح الناس والمنع من إغلاء السعر عليهم، والإفساد عليهم. ومستندهم في ذلك القواعد الفقهية: ( لا ضرر ولا ضرار ) و( الضرر يزال ) و ( يتحمل الضرر الخاص لمنع الضرر العام ).\rولا يجبر الناس على البيع، وإنما يمنعون من البيع بغير السعر الذي يحدده الإمام على حسب ما يرى من المصلحة فيه للبائع والمبتاع، ولا يمنع البائع ربحاً، ولا يسوغ له منه ما يضر بالناس.\rويجب أن يختص التسعير في قول ابن حبيب المالكي بالمكيل والموزون مأكولاً كان أو غير مأكول، دون غيره من المبيعات التي لا تكال ولا توزن؛ لأن المكيل والموزون من المثليات يرجع فيه إلى المثل، وغير ذلك من القيميات يرجع فيه إلى القيمة، وتختلف أغراض الناس في الأعيان، فلا يمكن حمل الناس فيه على سعر واحد.\r-------------------------------\r(1) رواه أحمد وأصحاب السنن إلا النسائي، وصححه الترمذي. وعن أبي سعيد مثله (نيل الأوطار: 219/5).\r(2) الدر المختار: 183/5، تبيين الحقائق: 28/6، البدائع: 129/5، تكملة الفتح: 127/8، اللباب: 167/4، المنتقى على الموطأ: 17/5-19، القوانين الفقهية: ص 255.","part":4,"page":242},{"id":2338,"text":"وليس في التسعير مخالفة لنص الحديث السابق، وإنما هو تطبيق للنص نفسه، وفهم اجتهادي لمناطه وحكمته في الواقع، وتفسير له بالمعنى المناسب أو المصلحة المتبادرة إلى الفهم من ذات النص، لا من خارجه (1) . فامتناع الرسول من التسعير لا لكونه تسعيراً، وإنما لكون علة التسعير وهي ظلم التجار أنفسهم غير متوفرة، فهم كانوا يبيعون بسعر المثل، وإنما كان ارتفاع السعر ليس من قبل التجار، وإنما بسبب قانون العرض والطلب، فقد قل عرض البضاعة، فارتفع السعر. ولا تسعير إذا لم تدع الحاجة إليه، بأن كانت السلع متوفرة في الأسواق، وتباع بسعر المثل دون ظلم أو جشع (2) .\r-------------------------------\r(1) وكذلك أجاز المالكية تلقي الركبان إذا كثرت السلع واعتدلت الأسعار، وعلم البائع بسعر السوق، وباع بسعر المثل، أو أزيد منه. ويظل النهي عن تلقي الركبان قائماً معمولاً به إذا تضرر أهل السوق عامة ولم تتوفر السلع لهم، أو إذا جهل البائع نفسه بالأسعار، فتجب حينئذ رعاية المصلحة العامة، وحماية البائع نفسه.\r(2) أصول الفقه للمؤلف: 815/2، ط دار الفكر.","part":4,"page":243},{"id":2339,"text":"البَاب الثَّامن: الأُضحِية والعَقِيقَة\rوفيه فصلان:\rالفصل الأول ـ في الأضحية\rالفصل الثاني ـ في العقيقة وأحكام المولود الفصل الأول\rالأضحية\rالكلام عن الأضحية في المباحث الستة الآتية:\rالمبحث الأول ـ تعريف الأضحية ومشروعيتها وحكمها.\rالمبحث الثاني ـ شروطها (شروط إيجابها أو سنيتها، شروط صحتها، شروط المكلف بها).\rالمبحث الثالث ـ وقت التضحية.\rالمبحث الرابع ـ الحيوان المضحى به (نوعه، سنه، ما يجزئ عنه، صفاته).\rالمبحث الخامس ـ آداب التضحية ـ مندوباتها ومكروهاتها، وما يسن لمريد التضحية.\rالمبحث السادس ـ أحكام لحوم الضحايا ـ الأكل والتوزيع.\rالمبحث الأول ـ تعريف الأضحية ومشروعيتها وحكمها :\rوفيه مطلبان:\rالمطلب الأول ـ تعريف الأضحية ومشروعيتها :\rالأضحية لغة: اسم لما يضحى به، أو لما يذبح أيام عيد الأضحى، فالأضحية ما يذبح في يوم الأضحى. وفقهاً: هي ذبح حيوان مخصوص بنية القربة في وقت مخصوص (1) . أو هي ما يذبح من النَّعَم تقرباً إلى الله تعالى في أيام النحر (2) .\rوقد شرعت في السنة الثانية من الهجرة كالزكاة وصلاة العيدين، وثبتت مشروعيتها بالكتاب والسنة والإجماع (3) .\rأما الكتاب: فقوله تعالى: {فصلّ لربك وانحر} [الكوثر:2/108] (4) {والبدنَ جعلناها لكم من شعائر الله } [الحج:36/22] أي من أعلام دين الله .\rوأما السنة فأحاديث، منها حديث عائشة: «ما عمل ابن آدم يوم النحر عملاً أحب إلى الله تعالى من إراقة الدم، إنها لتأتي يوم القيامة بقرونها وأظلافها وأشعارها، وإن الدم ليقع من الله عز وجل بمكان قبل أن يقع على الأرض، فطيبوا بها نفساً» (5) .\rومنها حديث أنس قال: «ضحى رسول الله صلّى الله عليه وسلم بكبشين أملحين، أقرنين، فرأيته واضعاً قدميه على صِفَاحها، يُسمِّي ويكبِّر، فذبحهما بيده» (6) .\rوأجمع المسلمون على مشروعية الأضحية. ودلت الأحاديث على أنها أحب الأعمال إلى الله يوم النحر، وأنها تأتي يوم القيامة على الصفة التي ذبحت عليها، ويقع دمها بمكان من القبول قبل أن يقع على الأرض، وإنها سنة إبراهيم لقوله تعالى: {وفديناه بذبح عظيم} [الصافات:107/37].\r-------------------------------\r(1) الدر المختار: 219/5، تبيين الحقائق: 2/6، تكملة الفتح: 66/8.\r(2) شرح الرسالة: 366/1، مغني المحتاج: 282/4، حاشية الباجوري على ابن قاسم: 304/2، كشاف القناع: 615/2.\r(3) المغني: 617/8، مغني المحتاج: المكان السابق، المهذب: 237/1، كشاف القناع: 17/3.\r(4) أشهر الأقوال: أن المراد بالصلاة صلاة العيد، وبالنحر: الضحايا.\r(5) رواه الحاكم وابن ماجه والترمذي، وقال: هذا حديث حسن غريب. وجاء في لفظ: « أحب إلى الله من هراقة دم وإنه ليأتي..» (نيل الأوطار: 108/5).\r(6) رواه الجماعة، ورواه أحمد أيضاً عن عائشة (نيل الأوطار: 119/5، 121)، والأملح: الأبيض الخالص، أو بياضه أغلب من سواده، والأقرن: الذي له قرنان معتدلان. والصفحة: جانب العنق. وإنما فعل ذلك ليكون أثبت له وأمكن لئلا تضطرب الذبيحة برأسها، فتمنعه من إكمال الذبح، أو تؤذيه.","part":4,"page":244},{"id":2340,"text":"والحكمة من تشريعها: هو شكر الله على نعمه المتعددة، وعلى بقاء الإنسان من عام لعام، ولتكفير السيئات عنه: إما بارتكاب المخالفة، أو نقص المأمورات، وللتوسعة على أسرة المضحي وغيرهم، فلا يجزئ فيها دفع القيمة، بخلاف صدقة الفطر التي يقصد منها سد حاجة الفقير. ونص الإمام أحمد على أن الأضحية أفضل من الصدقة بقيمتها.\rالمطلب الثاني ـ حكم الأضحية :\rاختلف الفقهاء في حكم الأضحية، هل هي واجبة أو هي سنة؟\rفقال أبو حنيفة وأصحابه: إنها واجبة مرة في كل عام على المقيمين من أهل الأمصار، وذكر الطحاوي وغيره: أن على قول أبي حنيفة: واجبة، وعلى قول الصاحبين (أبي يوسف ومحمد): سنة مؤكدة (1) .\r-------------------------------\r(1) تكملة فتح القدير: 67/8، اللباب شرح الكتاب: 232/3، تبيين الحقائق: 2/6، البدائع: 62/5.","part":4,"page":245},{"id":2341,"text":"وقال غير الحنفية (1) : إنها سنة مؤكدة غير واجبة، ويكره تركها للقادر عليها. وذلك عند المالكية على المشهور لغير الحاج بمنى. والأكمل عندهم للقادر أن يضحي عن كل شخص عنده أضحية، فإن أراد إنسان أن يضحي بنفسه عن كل من عنده ممن تجب عليه نفقته جاز في المذهب. وهي عند الشافعية سنة عين للمنفرد في العمر مرة، وسنة كفاية إن تعدد أهل البيت، فإذا فعلها واحد من أهل البيت، كفى عن الجميع.\rودليل الحنفية على الوجوب: هو قوله عليه السلام: «من وجد سعة، فلم يضح، فلا يقربن مصلانا» (2) قالوا: ومثل هذا الوعيد لا يلحق بترك غير الواجب، ولأن الأضحية قربة يضاف إليها وقتها، يقال: يوم الأضحى وذلك يؤذن بالوجوب؛ لأن الإضافة للاختصاص، والاختصاص بوجود الأضحية فيه، والوجوب هو المفضي إلى الوجود في الظاهر بالنسبة لمجموع الناس.\rواستدل الجمهور على السنية للقادر عليها بأحاديث:\rمنها حديث أم سلمة: «أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم قال: إذا رأيتم هلال ذي الحجة: وأراد أحدكم أن يضحي، فليمسك عن شعره وأظفاره» (3) ففيه تعليق الأضحية بالإرادة، والتعليق بالإرادة ينافي الوجوب.\rومنها حديث ابن عباس قال: سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلم يقول: «ثلاث هن علي\r-------------------------------\r(1) بداية المجتهد: 415/1، القوانين الفقهية: ص 186، الشرح الكبير: 118/2، مغني المحتاج: 282/4 ومابعدها، المهذب: 237/1، المغني: 617/8، شرح الرسالة لابن أبي زيد القيرواني: 366/1.\r(2) رواه أحمد وابن ماجه عن أبي هريرة (نيل الأوطار: 108/5).\r(3) رواه الجماعة إلا البخاري (نيل الأوطار: 112/5).","part":4,"page":246},{"id":2342,"text":"فرائض، وهن لكم تطوع: الوتر، والنحر وصلاة الضحى» (1) وروى الترمذي: «أمرت بالنحر وهو سنة لكم» .\rويؤيد ذلك أن الأضحية ذبيحة لم يجب تفريق لحمها، فلم تكن واجبة كالعقيقة . وضعف أصحاب الحديث حديث الحنفية، أو هو محمول على تأكيد الاستحباب كغسل الجمعة في حديث: «غُسل الجمعة واجب على كل محتلم» (2) .\rويرشد إليه الأثر: «أن أبا بكر وعمر كانا لا يضحيان، مخافة أن ترى الناس ذلك واجباً (3) والأصل عدم الوجوب» .\rودليل الشافعية على أن الأضحية سنة كفاية لكل بيت: حديث مِخْنَف بن سُلَيم قال: «كنا وقوفاً مع النبي صلّى الله عليه وسلم ، فسمعته يقول: يا أيها الناس، على كل أهل بيت في كل عام أضحية..» (4) ، ولأن الصحابة كانوا يضحون في عهده صلّى الله عليه وسلم ، والظاهر اطلاعه، فلا يُنكر عليهم (5) . وقد ضحى النبي صلّى الله عليه وسلم بكبشين سمينين أقرنين أملحين، أحدهما عن أمته، والثاني عن نفسه وآله (6) .\rودليل الشافعية على أن الأضحية سنة عين للمنفرد في العمر مرة هو أن الأمر عندهم لا يقتضي التكرار (7) .\r-------------------------------\r(1) رواه أحمد في مسنده والحاكم في المستدرك، والدارقطني. وسكت عنه الحاكم، وفيه راو ضعيف ضعفه النسائي والدارقطني (نصب الراية: 206/4).\r(2) رواه السبعة: (أحمد وأصحاب الكتب الستة) عن أبي سعيد الخدري (سبل السلام:87/1).\r(3) رواه البيهقي وغيره بإسناد حسن.\r(4) رواه أحمد وابن ماجه والترمذي. وقال: هذا حديث حسن غريب (نيل الأوطار: 138/5).\r(5) ثبت هذا برواية ابن ماجه والترمذي وصححه عن عطاء بن يسار، وبرواية ابن ماجه عن الشعبي (نيل الأوطار: 120/5).\r(6) رواه ابن ماجه عن عائشة وأبي هريرة (نصب الراية: 215/4).\r(7) قرر الشافعية في أصولهم: أن الأمر لا يقتضي التكرار ولا يفيد المرة، وإنما يفيد طلب الماهية من غير إشعار بتكرار أو مرة، إلا أنه لا يمكن إدخال تلك الماهية في الوجود بأقل من المرة الواحدة، فصارت المرة من ضروريات الإتيان بالمأمور به (شرح الإسنوي: 43/2).","part":4,"page":247},{"id":2343,"text":"حالة تغير حكم الأضحية أو نوعا الأضحية :\rالأضحية عند الحنفية نوعان: واجبة وتطوع (1) .\rأما الواجبة: فهي أولاً ـ المنذورة كأن يقول المرء: لله علي أن أضحي شاة، أو بدنة ( ناقة ) أو هذه الشاة، أو هذه البدنة، أو جعلت هذه الشاة ضحية أو أضحية، سواء أكان القائل غنياً أم فقيراً.\rوثانياً ـ المشتراة للأضحية إذا كان المشتري فقيراً. فإن اشترى فقير شاة بنية الأضحية، صارت واجبة؛ لأن الشراء للأضحية ممن لا أضحية عليه، يجري مجرى الإيجاب، وهو النذر بالتضحية عرفاً.\rوثالثاً ـ المطلوبة من الغني دون الفقير في كل عيد، من غير نذر ولا شراء للأضحية، بل شكراً لنعمة الحياة، وإحياء لميراث الخليل عليه السلام حين أمره الله تعالى بذبح الكبش في أيام العيد، فداء عن ولده، ومطية على الصراط (2) ، ومغفرة للذنوب، وتكفيراً للخطايا.\rوإن ولدت الأضحية ولداً يذبح ولدها مع الأم، وإن باعه يتصدق بثمنه، لأن الأم تعينت للأضحية.\rوأما التطوع: فأضحية المسافر، والفقير الذي لم يوجد منه النذر بالتضحية، ولا الشراء للأضحية، لانعدام سبب الوجوب وشرطه.\rوقال ابن جزي المالكي (3) : تتعين الأضحية وتصبح واجبة بالذبح اتفاقاً،\r-------------------------------\r(1) البدائع: 61/5-63، 78، الدر المختار: 227/5.\r(2) ذكر الرافعي وابن الرفعة حديث: « عظموا ضحاياكم، فإنها على الصراط مطاياكم » لكن قال ابن الصلاح: إنه غير ثابت.\r(3) القوانين الفقهية: ص 189.","part":4,"page":248},{"id":2344,"text":"وبالنية قبله على خلاف في المذهب، وبالنذر إن عينها له اتفاقاً، فإذا قال: جعلت هذه أضحية، تعينت على أحد قولين، فإن ماتت فلا شيء عليه على كلا القولين، وإن باعها لزمه أن يشتري بثمنها كله أخرى.\rلكن قال الدردير والدسوقي المالكيان (1) : المعتمد المشهور في المذهب: أن الأضحية لاتجب إلا بالذبح فقط، ولاتجب بالنذر. وقالا أيضاً: يندب ولايجب على المعتمد ذبح ولد الأضحية الذي ولد قبل ذبح أمه؛ لأن الأضحية لاتتعين عندهم إلا بالذبح، ولاتتعين بالنذر.\rوقال الشافعية في الصحيح والحنابلة (2) : إن نوى الشراء للأضحية ولم يتلفظ بذلك لاتصير به أضحية؛ لأن إزالة الملك على سبيل القربة لاتحصل بذلك، وإنما تجب الأضحية إما بالنذر، مثل لله علي، أو علي أن أضحي بهذه الشاة، أو بالتعيين بأن يقول: هذه أضحية أو جعلتها أضحية، لزوال ملكه عنها بذلك. والجعل بمعنى النذر، فتصير واجبة، ويحرم حينئذ الأكل منها، ولايقبل القول بإرادة التطوع بها. فإن قال: أضحية إن شاء الله لم تتعين ولم تجب. وإشارة الأخرس المفهمة كنطق الناطق. ولايجوز تأخيرها للعام القابل، وتعين ذبحها وقت الأضحية.\rوإن ولدت الأضحية المعينة أو المنذورة، فولدها تابع لها، يذبح معها، وحكمه حكمها، سواء أكان حملاً عند التعيين أم حدث بعده. ولايشرب صاحبها من لبنها إلا الفاضل عن ولدها، فإن لم يفضل عنه شيء لم يكن له أخذه.\rالمبحث الثاني ــ شروط الأضحية :\rوفيه مطالب ثلاثة:\rالمطلب الأول ـ شروط إيجاب الأضحية أو سنيتها :\rيشترط لإيجاب الأضحية عند الحنفية، أو سنيتها عند الأئمة الآخرين: القدرة عليها، فلا تطلب من العاجز عنهافي أيام عيد الأضحى.\r-------------------------------\r(1) الشرح الكبير وحاشيته: 122/2، 125 .\r(2) مغني المحتاج: 283/4، 288 ، 291، المهذب: 240/1 ومابعدها، حاشية الباجوري: 305/2، المغني: 627/8 ومابعدها، كشاف القناع: 8/3.","part":4,"page":249},{"id":2345,"text":"والمقصود بالقدرة عند الحنفية، هو اليسار أي يسار الفطرة (1) ، وهو أن يكون مالكاً مئتي درهم الذي هو نصاب الزكاة، أو متاعاً يساوي هذا المقدار زائداً عن مسكنه ولباسه، أو حاجته وكفايته هو ومن تجب عليه نفقتهم.\rوالقادر عليها عند المالكية (2) : هو الذي لا يحتاج إلى ثمنها لأمر ضروري في عامه. ولو استطاع أن يستدين استدان.\rوالمستطيع عليها عند الشافعية (3) : هو من يملك ثمنها زائداً عن حاجته وحاجة من يعوله يوم العيد وأيام التشريق، لأن ذلك وقتها، مثل زكاة الفطر، فإنهم اشترطوا فيها أن تكون فاضلة عن حاجته مَمونة يوم العيد وليلته فقط.\rوالقادر عليها عند الحنابلة (4) : هو الذي يمكنه الحصول على ثمنها ولو بالدين، إذا كان يقدر على وفاء دينه.\r-------------------------------\r(1) الدر المختار: /222، اللباب: 232/3، تبيين الحقائق: 3/6.\r(2) شرح الرسالة لابن أبي زيد القيرواني: 367/1.\r(3) حاشية الباجوري: 304/2.\r(4) كشاف القناع: 18/3.","part":4,"page":250},{"id":2346,"text":"المطلب الثاني ـ شروط صحة الأضحية :\rيشترط لصحة الأضحية ما يأتي (1) :\r1 - سلامة الحيوان المضحى به من العيوب الفاحشة التي تؤدي عادة إلى نقص اللحم أو تضر بالصحة، كالعيوب الأربعة المتفق على كونها مانعة من الضحية، وهي: العور البين، والمرض البين، والعرج، والعَجَف (الهُزال)، فلا تجزئ العوراء البين عورها، والمريضة البين مرضها، والعرجاء البين ضَلَعُها، والعجفاء (أو الكسير) التي لا تُنْقي، بنص الحديث (2) .\rوسيأتي مزيد بيان للعيوب المانعة في المذاهب في مبحث الحيوان المضحى به.\r2 - كون التضحية في وقت مخصوص: وهو عند الحنفية: أيام النحر ولياليها وهما ليلتان: ليلة اليوم الثاني: وهي ليلة الحادي عشر من ذي الحجة، وليلة يوم الثالث: وهي ليلة الثاني عشر، ولا تصح التضحية في ليلة عيد الأضحى: وهي ليلة العاشر من ذي الحجة، ولا في ليلة اليوم الرابع، لقول جماعة من الصحابة رضوان الله عليهم: أيام النحر ثلاثة. وذكر الأيام يشمل ذكر الليالي لغة. ولكن يكره تنزيهاً الذبح ليلاً.\rوسأوضح وقت الذبح في مبحث (وقت التضحية).\rواشترط المالكية أن يكون الذبح نهاراً، فلو ذبح ليلاً لم تصح أضحيته. والنهار بطلوع الفجر في غير اليوم الأول.\rوأضاف المالكية شرطين آخرين هما (2) :\r1 - إسلام الذابح: فلا تصح بذبح كافر، أنابه صاحب الأضحية فيه، ولو كان كتابياً، وإن جاز أكلها. ويستحب عند غير المالكية (3) ألا يذبح الأضحية إلا مسلم، ويكره أن يذبحها الذمي الكتابي، لأنها عمل هو قربة، وهو ليس من أهلها، فلو ذبحها بالنيابة عن المسلم جاز مع الكراهة.\r2 - وعدم الاشتراك في ثمن الأضحية، فإن اشترك جماعة بالثمن أو كانت مملوكة شركة بينهم، فذبحوها ضحية عنهم، لم تجز عن واحد منهم. ويصح التشريك في الثواب قبل الذبح لا بعده، بين سبعة في بدنة أو بقرة لا شاة، بشروط ثلاثة على المشهور عندهم:\rأن يكون قريباً له كابنه وأخيه وابن عمه، ويلحق به الزوجة.\rوأن يكون ممن ينفق عليه، سواء أكانت النفقة واجبة عليه كأب وابن فقيرين، أم غير واجبة كالأخ وابن العم.\rوأن يكون ساكناً معه في دار واحدة.\rويصح عند غير المالكية (4) الاشتراك في الأضحية إذا كانت من الإبل أو البقر، فيصح اشتراك سبعة في بقرة أو ناقة إذا ساهم كل واحد منهم بالسُبع. ولا يصح أكثر من سبعة، ولا المساهمة بأقل من السُبع.\r-------------------------------\r(1) البدائع: 73/5-75، الشرح الصغير للدردير: 141/2-144، القوانين الفقهية: ص186، مغني المحتاج: 286/4 ومابعدها، المغني: 623/8، 636 ومابعدها.\r(2) رواه الخمسة (أحمد وأصحاب السنن) عن البراء بن عازب وصححه الترمذي، ولفظ العجفاء عنده: وهي التي اشتد هزالها بحيث ذهب مخ أي دهن العظم. وعند غيره: الكسير، والضلع: هو العرج، ولا تنقي: أي لا نقْي لها أي لا مخ. قال النووي: وأجمعوا على أن العيوب الأربعة المذكورة في حديث البراء، وهي المرض والعجف والعور والعرج البينات لا تجزئ التضحية بها، وكذا ما كان في معناها، أو أقبح منها كالعمى وقطع الرجل وشبهه (نيل الأوطار: 115/5-117).\r(2) الشرح الصغير: 141/2 ومابعدها.\r(3) الباب شرح الكتاب: 236/3، المهذب: 239/1، المغني: 640/8.\r(4) تبيين الحقائق: 2/6-3، مغني المحتاج: 285/4، كشاف القناع: 618/2، المغني: 619/8.","part":4,"page":251},{"id":2347,"text":"المطلب الثالث ـ شروط المكلف بالأضحية :\rاتفق الفقهاء (1) على أن المطالب بالأضحية هو المسلم الحر البالغ العاقل المقيم المستطيع، واختلفوا في مطالبة المسافر والصغير بها.\rأما المسافر: فقال الحنفية (2) : ليس عليه أضحية؛ لأن أبا بكر وعمر كانا لايضحيان إذا كانا مسافرين. وقال علي: «ليس على المسافر جمعة ولا أضحية» (3) ، ولأن أداءها يختص بأسباب تشق على المسافر، وتفوت بمضي الوقت، فلا تجب عليه لدفع الحرج عنه، كالجمعة.\rوقال المالكية (4) : تسن الأضحية لغيرالحاج، لأن سنته الهدي (5) ، وغير الحاج تسن له الضحية مطلقاً، حاضراً في بلده أو مسافراً.\rوقال الشافعية والحنابلة (6) : تسن الأضحية لكل مسلم، مسافر أو حاج أو غيرهما، «لأنه صلّى الله عليه وسلم ضحى في منى عن نسائه بالبقر» رواه الشيخان. وبه يرد على القائل بأن الأضحية لا تسن للحاج بمنى، وإن الذي ينحره بها هدي، لا أضحية.\rوالخلاصة أن غير الحنفية يقولون: تسن الأضحية للمسافر وغيره، وعند الحنفية: ليس عليه أضحية.\r-------------------------------\r(1) اللباب: 232/3، تكملة الفتح: 67/8، القوانين الفقهية: ص 186، الشرح الكبير: 118/2، مغني المحتاج: 283/4، كشاف القناع: 17/3.\r(2) تكملة الفتح: 71/8، تبيين الحقائق: 3/6، الدر المختار: 222/5.\r(3) قال الزيلعي عن كل من الأثرين: غريب (نصب الراية: 211/4).\r(4) الشرح الكبير: 118/2، القوانين الفقهية: ص 186، بداية المجتهد: 415/1.\r(5) الهدي: ما يهدى إلى الحرام من النعم وغيرها، سمي بذلك لأنه يهدى إلى الله تعالى.\r(6) مغني المحتاج: 283/4، كشاف القناع: 17/3.","part":4,"page":252},{"id":2348,"text":"وأما الصغير: فتجب عليه الأضحية من ماله على الأصح، في رأي الشيخين: أبي حنيفة وأبي يوسف، ويضحي عنه أبوه أو وصيه، ويأكل الصغير من أضحيته ما أمكنه، ويبتاع مما بقي ما ينتفع بعينه كالغربال والمنخل، لا ما يستهلك. ويذبح الولي عن كل واحد من أولاده الصغار شاة، أو يذبح ناقة أو بقرة عن سبعة، كما في صدقة الفطر.\rوقال محمد وزفر: يضحي الولي من مال نفسه، لا من مال الصغير.\rوفي ظاهر الرواية عند الحنفية، وهو الأظهر لدى بعضهم وعليه الفتوى (1) : إن الأضحية تستحب ولا تجب عن الولد الصغير، وليس للأب أن يفعله من مال الصغير؛ لأنها قربة محضة، والأصل في العبادات ألا تجب على أحد بسبب غيره، بخلاف صدقة الفطر؛ لأن فيها معنى المؤونة (2) ، والسبب فيها رأس يمونه (ينفق عليه) ويلي عليه. وهذا أرجح الآراء.\rوكذلك قال المالكية (3) : تسن الأضحية للصغير.\r-------------------------------\r(1) الدر المختار: 222/5، تبيين الحقائق: 2/6-3، تكملة الفتح: 67/8، 70، اللباب:232/3 ومابعدها.\r(2) المؤونة: هي الضريبة التي تؤدي إلى المحافظة على ما تؤدى عنه من نفس أو مال. فصدقة الفطر عبادة فيها معنى المؤونة، أما إنها عبادة فلأنها تقرب إلى الله بالتصدق على المحتاجين، وأما إنها مؤونة فلوجوبها عند الحنفية على المكلف بسبب غيره ممن يعوله، وله ولاية عليه كخادمه وابنه الصغير، كما تجب عليه نفقتها ( أصول الفقه لنا: 153/1، ط دار الفكر).\r(3) الشرح الكبير: 118/2.","part":4,"page":253},{"id":2349,"text":"وقال الشافعية والحنابلة (1) : لا تسن الأضحية للصغير.\rوالخلاصة: إن الأضحية للصغير من مال وليه تستحب عند الحنفية والمالكية، ولا تستحب عند الشافعية والحنابلة.\rويشترط لجواز إقامة التضحية على المكلف بها (2) : نية الأضحية، فلا تجزئ الأضحية بدونها، لأن الذبح قد يكون للحم، وقد يكون للقربة، والفعل لا يقع قربة بدون النية، لقوله عليه الصلاة والسلام: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى» (3) وقوله: «لا عمل لمن لا نية له» .\rقال الكاساني: والمراد منه عمل هو قربة، فلا تتعين الأضحية إلا بالنية. واشترط الشافعية والحنابلة: أن تكون النية عند ذبح الأضحية؛ لأن الذبح قربة في نفسه. ويكفيه أن ينوي بقلبه، ولا يشترط أن يتلفظـ بالنية بلسانه؛ لأن النية عمل القلب، والذكر باللسان دليل عليها.\rواشترط الحنفية أيضاً: ألا يشارك المضحي فيما يصح فيه الشركة من لايريد القربة رأساً، وإنما أراد اللحم، فلو اشترك سبعة في بعير أو بقرة كلهم يريد القربة إلا واحداً منهم يريد اللحم، لا تجزئ الأضحية عن الجميع، لأن القربة في إراقة الدم، وذلك لا يتجزأ، لأنها فعل أو ذبح واحد.\rوأجاز الشافعية (4) هذا الاشتراك، وللشركاء قسمة اللحم، لأنها قسمة إفراز على الأصح.\r-------------------------------\r(1) مغني المحتاج: 283/4، كشاف القناع: 17/3، قليوبي وعميرة على المحلي على المنهاج: 249/4.\r(2) البدائع: 71/5، القوانين الفقهية: ص 187، مغني المحتاج: 289/4، كشاف القناع: 6/3.\r(3) رواه البخاري ومسلم عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، بل رواه الجماعة عنه.\r(4) مغني المحتاج: 285/4.","part":4,"page":254},{"id":2350,"text":"المبحث الثالث ـ وقت التضحية :\rللفقهاء خلافات جزئية في أول وقت التضحية وآخره، وفي كراهية التضحية في ليالي العيد.\rلكنهم اتفقوا على أن أفضل وقت التضحية هو اليوم الأول قبل زوال الشمس؛ لأنه هو السنة، لحديث البراء بن عازب، قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم : «إن أول مانبدأ به يومنا هذا: أن نصلي، ثم نرجع، فننحر، فمن فعل ذلك، فقد أصاب سنتنا، ومن ذبح قبل ذلك، فإنما هو لحم قدمه لأهله، ليس من النُسُك في شيء» (1) . إنهم اتفقوا على أن الذبح قبل الصلاة، أو في ليلة العيد لا يجوز عملاً بالحديث السابق.\rوأذكر آراء الفقهاء فيما اختلفوا فيه:\r1 - قال الحنفية (2) : يدخل وقت التضحية عند طلوع فجر يوم الأضحى، ويستمر إلى قبيل غروب شمس اليوم الثالث، إلا أنه لا يجوز لأهل الأمصار المطالبين بصلاة العيد الذبح في اليوم الأول إلا بعد أداء صلاة العيد، ولو قبل الخطبة، أو بعد مضي مقدار وقت الصلاة في حال تركها لعذر. وأما أهل القرى الذين ليس عليهم صلاة العيد، فيذبحون بعد فجر اليوم الأول.\rوإن ضلت الشاة أو سرقت، فاشترى أخرى ثم وجدها فالأفضل ذبحهما، وإن ذبح الأولى جاز، وكذا الثانية لو قيمتها كالأولى أو أكثر.\rوإذا أخطأ الناس في تعيين يوم العيد، فصلوا وضحوا، ثم بان لهم أنه يوم عرفة (الوقفة)، أجزأتهم الصلاة والتضحية، لأنه لا يمكن التحرز عن مثل هذا الخطأ، فيحكم بالجواز، صيانة لجميع المسلمين.\rوأيام الذبح ثلاثة: يوم العيد (النحر) ويومان بعده.\rويكره تنزيهاً الذبح ليلاً، لاحتمال الغلط في الذبح في ظلمة الليل، وذلك في الليلتين المتوسطتين: الثانية والثالثة، لا الأولى ولا الرابعة؛ لأنه لا تصح فيهما الأضحية أصلاً.\r-------------------------------\r(1) رواه البخاري ومسلم (نصب الراية: 212/4).\r(2) البدائع: 73/5-75، تكملة فتح القدير: 72/8 وما بعدها، تبيين الحقائق: 4/6 ومابعدها، الدر المختار: 222/5-225، اللباب شرح الكتاب: 233/3 ومابعدها.","part":4,"page":255},{"id":2351,"text":"ولو تركت التضحية حتى مضى وقتها، تصدق بها صاحبها حية إن كانت منذورة أوجبها على نفسه، أو مشتراة من فقير أو غني للأضحية؛ لأنها في حكم المنذورة عرفاً. وأما الغني إذا لم يشتر الأضحية، فيتصدق بقيمة شاة على الصحيح، كما في البدائع، وهو قول الإمام وصاحبيه؛ لأن الأضحية واجبة على الغني، وتجب على الفقير بالشراء بنية الأضحية.\rودليل الحنفية على جواز الذبح بعد الصلاة ولو قبل الخطبة: حديث البراء بن عازب المتقدم: «من ضحى قبل الصلاة، فإنما ذبح لنفسه، ومن ذبح بعد الصلاة فقد تم نسكه، وأصاب سنة المسلمين» وحديث أنس عند البخاري: «من ذبح قبل الصلاة، فليُعد، ومن ذبح بعد الصلاة، فقد تم نُسكُه، وأصاب سُنة المسلمين» فقد رتب النبي صلّى الله عليه وسلم الذبح على الصلاة، لا على الخطبة، فدل على أن العبرة للصلاة، لا للخطبة.\rوأما دليلهم على تحديد الوقت بثلاثة أيام، فهو ما روي عن عمر وعلي وابن عباس أنهم قالوا: «أيام النحر ثلاثة، أفضلها أولها» (1) . وكان ابن عمر يقول: «الأضحى يومان بعد يوم الأضحى» (2) .\r2 - وقال المالكية (3) : يبتدئ وقت التضحية لإمام صلاة العيد بعد الصلاة والخطبة، فلو ذبح قبلها لم يجز. وغير الإمام يذبح في اليوم الأول، بعد ذبح الإمام، أو مضي زمن قدر ذبح الإمام أضحيته إن لم يذبح الإمام، فإن ذبح أحد قبل الإمام متعمداً لم يجزئه، ويعيد ذبح أضحية أخرى، وعليه فلا جزئ الذبح قبل الصلاة، ولا قبل ذبح الإمام، إلا من تحرى أقرب إمام ولم يبرز أضحيته وظن أنه ذبح فسبقه، أجزأه ذلك. وإن تأخر الإمام بعذر شرعي انتظره إلى قرب الزوال بحيث يبقى قدر ما يذبح قبله لئلا يفوته الوقت الأفضل.\rودليلهم أن النبي صلّى الله عليه وسلم في حديث جابر (4) أمر من كان نحر قبله أن يعيد بنحر آخر، ولا ينحروا حتى ينحر النبي، مما يدل على أنه لا ذبح قبل ذبح الإمام.\rودل حديث جُنْدَب بن سفيان البَجَلي (5) على أن الذبح يكون بعد الصلاة: «من كان ذبح قبل أن يصلي، فليذبح مكانها أخرى، ومن لم يكن ذبح، حتى صلينا، فليذبح باسم الله » وفي غير اليوم الأول ـ وهو الثاني والثالث يدخل وقت الذبح بطلوع الفجر، لكن يندب التأخير لارتفاع الشمس. وإذا لم يضح المسلم قبل زوال الشمس يوم النحر، الأفضل أن يضحي بقية النهار، وإن فاته ذلك في\r-------------------------------\r(1) قال الزيلعي عنه: غريب جداً (نصب الراية: 213/4).\r(2) رواه مالك في الموطأ. وفيه أيضاً أنه بلغه أن علي بن أبي طالب كان يقول مثل ذلك (المرجع السابق).\r(3) الشرح الكبير: 120/2،122، بداية المجتهد: 421/1 ومابعدها، القوانين الفقهية: ص 186 وما بعدها.\r(4) رواه أحمد ومسلم.\r(5) متفق عليه بين أحمد والشيخين (نيل الأوطار: 123/5).","part":4,"page":256},{"id":2352,"text":"اليوم الثاني فالأفضل أن يؤخر إلى ضحى اليوم الثالث، وإن فاته التضحية في اليوم الثالث، فيضحي بعد الزوال، لأنه ليس له وقت ينتظر.\rويستمر وقت الذبح لآخر (أي مغيب شمس) اليوم الثالث من أيام النحر، أي كما قال الحنفية، وهو رأي الحنابلة أيضاً كما سيأتي؛ لأن المشهور في تفسير (الأيام المعلومات): أنها يوم النحر ويومان بعده، في قوله تعالى: {ليشهدوا منافع لهم، ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام} [الحج:28/22].\r3 - وقال الشافعية (1) : يدخل وقت التضحية بمضي قدر ركعتين وخطبتين خفيفات بعد طلوع شمس يوم النحر، ثم ارتفاعها في الأفق كرمح (2) على الأفضل وهو بدء وقت صلاة الضحى، فإن ذبح قبل ذلك لم تقع أضحية لخبر الصحيحين عن البراء بن عازب المتقدم: «أول ما نبدأ به في يومنا هذا نصلي، ثم نرجع، فننحر..» ويستثنى من ذلك ما لو وقف الحجاج بعرفة في الثامن غلطاً، وذبحوا في التاسع، ثم بان الخطأ، أجزأهم في رأي ضعيف تبعاً للحج (3) .\rويمتد وقت الذبح ليلاً ونهاراً إلى آخر أيام التشريق، وهي ثلاثة عند الشافعي رحمه الله بعد العاشر، لقوله صلّى الله عليه وسلم : «عرفة كلها موقف، وأيام التشريق كلها منحر» (4) وفي رواية لابن حبان: «في كل أيام التشريق ذبح» (5) .\r-------------------------------\r(1) مغني المحتاج: 287/4 وما بعدها، المهذب: 237/1، المحلي على المنهاج: 252/4 ومابعدها، نهاية المحتاج: 6/8.\r(2) الرمح: عود طويل في رأسه حربة.\r(3) هذا إنما يأتي على رأي مرجوح عند الشافعية، وهو أن الحج يجزئ، والأصح أنه لا يجزئ، فكذا الأضحية.\r(4) رواه البيهقي، وصححه ابن حبان.\r(5) ورواه أحمد والدارقطني: «كل أيام التشريق ذبح» وهو دليل على أن أيام التشريق كلها أيام ذبح وهي يوم النحر، وثلاثة أيام بعده (نيل الأوطار: 125/5) وقال الأئمة الثلاثة غير الشافعية: يومان بعده.","part":4,"page":257},{"id":2353,"text":"لكن يكره الذبح والتضحية ليلاً للنهي عنه، إما خوفاً من الخطأ في المذبح، أو لأن الفقراء لا يحضرون للأضحية بالليل، كحضورهم بالنهار.\rومن نذر أضحية معينة، فقال: لله علي أن أضحي بهذه البقرة مثلاً، لزمه ذبحها وقت الأضحية المذكور هنا، ولا يجوز تأخيرها للعام القابل، فإن تلفت قبل وقت الأضحية أو فيه قبل التمكن من ذبحها، فلا شيء عليه لعدم تقصيره وهي في يده أمانة. وإن أتلفها لزمه أن يشتري بقيمتها مثلها ويذبحها فيه، أي وقت التضحية المذكور.\r4 - وقال الحنابلة (1) : يبدأ وقت الذبح من نهار الأضحى بعد مضي قدر صلاة العيد والخطبتين في أخف ما يكون كما قال الشافعية، والأفضل أن يكون الذبح بعد الصلاة وبعد الخطبة وذبح الإمام إن كان، خروجاً من الخلاف، لا فرق في هذا بين أهل المصر وغيرهم، فإن فاتت صلاة العيد بالزوال، لعذر أو غيره، ضحى المضحي عند الزوال، فما بعده، لفوات التبعية بخروج وقت الصلاة.\r-------------------------------\r(1) المغني: 636/8 ومابعدها، كشاف القناع: 6/3.","part":4,"page":258},{"id":2354,"text":"وإن ذبح قبل الصلاة لم يجزئه، ولزمه في الأضحية الواجبة بنذر أو تعيين البدل، لأنها نسيكة واجبة ذبحها قبل وقتها، فلزمه بدلها. والذبح في اليوم الثاني في أول النهار؛ لأن الصلاة فيه غير واجبة.\rويستمر وقت الذبح إلى آخر اليوم الثاني من أيام التشريق، أي أن أيام النحر ثلاثة: يوم العيد، ويومان بعده، كما قال الحنفية والمالكية.\rوالأفضل الذبح في النهار، ويجوز في الليل مع الكراهة، للخروج من الخلاف، روي عن النبي صلّى الله عليه وسلم : «أنه نهى عن الذبح بالليل» (1) ولأن الليل تتعذر فيه تفرقة اللحم في الغالب، فلا يفرق طازجاً طرياً، فيفوت بعض المقصود.\rوإذا فات وقت الذبح، ذبح الواجب قضاء، وصنع به ما يصنع بالمذبوح في وقته. وهو مخير في التطوع، فإن فرق اللحم، كانت القربة بذلك دون الذبح؛ لأنها شاة لحم، وليست أضحية.\rوإذا وجبت الأضحية بإيجاب صاحبها، فضلَّت أو سرقت بغير تفريط منه، فلا ضمان عليه؛ لأنها أمانة في يده، فإن عادت إليه، ذبحها، سواء أكان في زمن الذبح، أم فيما بعده.\rالمبحث الرابع ـ الحيوان المضحى به :\rوفيه مطالب أربعة:\rالمطلب الأول ـ نوع الحيوان المضحى به :\rاتفق العلماء على أن الأضحية لا تصح إلا من نَعم: إبل وبقر (ومنها الجاموس) وغنم (ومنها المعز) بسائر أنواعها، فيشمل الذكروالأنثى، والخصي والفحل، فلا يجزئ غير النعم من بقر الوحش وغيره، والظباء وغيرها، لقوله تعالى: {ولكل أمة جعلنا منسكاً ليذكروا اسم الله على ما رزقهم من بهيمة الأنعام} [الحج:34/22] ولم ينقل عنه صلّى الله عليه وسلم ، ولا عن أصحابه التضحية بغيرها،\r-------------------------------\r(1) أخرجه الطبراني عن ابن عباس، وفي إسناده متروك، ورواه البيهقي مرسلاً عن الحسن (نيل الأوطار:126/5).","part":4,"page":259},{"id":2355,"text":"ولأن التضحية عبادة تتعلق بالحيوان، فتختص بالنَّعَم كالزكاة (1) .\rوالمولود من الأنعام وغيرها، كالمتولد من الأهلي والوحشي يتبع الأم؛ لأنها هي الأصل في التبعية، هذا رأي الحنفية والمالكية.\rوقال الشافعية: المتولد بين جنسين من النعم يجزئ في الأضحية، ويعتبر أعلى الأبوين سناً، فلا بد من بلوغه سنتين إذا كان متولداً بين الضأن والمعز. وقال الحنابلة: لا يجزئ المتولد من أهلي ووحشي.\rواختلف الفقهاء في الأفضل من أنواع الحيوان على رأيين:\rفقال المالكية: الأفضل الضأن، ثم البقر، ثم الإبل، نظراً لطيب اللحم، ولأن النبي صلّى الله عليه وسلم ضحى بكبشين، ولا يفعل إلا الأفضل، ولو علم الله خيراً منه لفدى إسحاق (أو إسماعيل) به.\rوعكس الشافعية والحنابلة فقالوا: أفضل الأضاحي: الإبل، ثم البقر، ثم الضأن، ثم المعز. نظراً لكثرة اللحم، ولقصد التوسعة على الفقراء، ولقول النبي صلّى الله عليه وسلم : «من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة، ثم راح فكأنما قرب بدنة، ومن راح في الساعة الثانية، فكأنما قرب بقرة، ومن راح في الساعة الثالثة، فكأنما قرب كبشاً أقرن..» (2) .\rورأي الحنفية: الأكثر لحماً هو الأفضل.\r-------------------------------\r(1) البدائع: 69/5، اللباب: 235/3، الدر المختار: 226/5، تبيين الحقائق: 7/6، تكملة الفتح: 76/8، الشرح الكبير: 118/2 ومابعدها، بداية المجتهد: 416/1، مغني المحتاج: 284/4، المغني: 619/8 ومابعدها، 623، كشاف القناع: 615/2 ومابعدها، القوانين الفقهية: ص 188، المهذب: 238/1.\r(2) رواه الجماعة إلا ابن ماجه عن أبي هريرة (نيل الأوطار: 237/3).","part":4,"page":260},{"id":2356,"text":"وتفصيل عبارات المذاهب ما يأتي:\rقال الحنفية (1) : «الأصل أنه إذا استويا في اللحم والقيمة، فأطيبهما لحماً أفضل. وإذا اختلفا فيهما فالفاضل أولى» فالشاة أفضل من سبع البقرة إذا استويا في القيمة واللحم، وإن كان سبع البقرة أكثر لحماً فهو أفضل. والكبش أفضل من النعجة إذا استويا فيهما، وإلا فهي أفضل، والأنثى من المعز أفضل من التيس إذا استويا قيمةولم يكن خصياً (2) . والأنثى من الإبل والبقر أفضل إذا استويا؛ لأن لحمها أطيب. وعلى هذا فالذكر الخصي أفضل، وإلا فالأنثى، والأبيض الأقرن أفضل من غيره.\rوقال المالكية (3) : الأفضل الغنم: فحله، فخصيه، فأنثاه، ثم المعز، ثم البقر، ثم الإبل، لطيب اللحم. فالذكور عندهم أفضل من الإناث مطلقاً، والأبيض أفضل من الأسود، ويوافقهم الشافعية والحنابلة في تفضيل الأبيض على الأسود.\rوعبارة الشافعية والحنابلة (4) : أفضل الأضاحي: البعير أو البدنة لأنه أكثر لحماً، ثم بقرة؛ لأن لحم البدنة أكثر من لحم البقرة غالباً، ثم ضأن، ثم معز، لطيب الضأن على المعز، وبعد المعز: المشاركة في بقرة أو بدنة، فسبع شياه أفضل من\r-------------------------------\r(1) الدر المختار وحاشيته: 226/5 ومابعدها، 233، البدائع: 80/5.\r(2) فإن كان خصياً أي موجوءاً ـ مرضوض الأنثيين: مدقوقهما، فالذكر في الضأن والمعز أفضل. وقد ثبت في رواية أحمد عن أبي رافع قال: «ضحى رسول الله صلّى الله عليه وسلم بكبشين أملحين موجوءين خصيين» والموجوء: منزوع الأنثيين (نيل الأوطار: 119/5) وقال الزيلعي في نصب الراية: 215/4: روي أيضاً من حديث جابر وعائشة وأبي هريرة وأبي الدرداء.\r(3) الشرح الكبير: 121/2، القوانين الفقهية: ص 188.\r(4) مغني المحتاج: 285/4 ومابعدها، المهذب: 238/1، المغني: 621/8 ومابعدها، كشاف القناع: 615/2 ومابعدها.","part":4,"page":261},{"id":2357,"text":"بعير أو بقرة؛ لأن لحم الغنم أطيب، وشاة أفضل من مشاركة في بعير إذا تساويا في القدر، للانفراد بإراقة الدم وطيب اللحم. فإن كان سبع البعير أكثر قدراً، كان أفضل.\rوالكبش أفضل الغنم، لأنه أضحية النبي صلّى الله عليه وسلم ، وهو أطيب لحماً (1) ، وجذع الضأن أفضل من ثني المعز، لطيب اللحم، ولأنه يروى عن النبي صلّى الله عليه وسلم أنه قال: «نعم أو نعمت الأضحية: الجَذَع من الضأن» (2) أي قبل الثني.\rوالذكر عند الشافعية أفضل على الأصح من الأنثى؛ لأن لحمه أطيب، والخصي أفضل من النعجة عند الحنابلة؛ لأن لحمه أوفر وأطيب. والفحل في المذهبين أفضل من الخصي.\rوالسمينة أفضل من غير السمينة، لقول الله عز وجل: {ومن يعظم شعائر الله، فإنها من تقوى القلوب} [الحج:32/22] قال ابن عباس: تعظيمها: استسمانها واستحسانها. وهذا متفق عليه بين الفقهاء.\rوالبيضاء أفضل من الغبراء والسوداء؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلم ضحى بكبشين أملحين، والأملح: الأبيض. وبه يكون ترتيب الألوان في مذهبي الشافعية والحنابلة ما يأتي، وهو متفق عليه بين الفقهاء:\rالبيضاء أفضل، ثم الصفراء، ثم العفراء ( وهي التي لايصفو بياضها أوليس بناصع)، ثم الحمراء ثم البلقاء ( مختلط البياض والسواد) ثم السوداء (3) ، روى أحمد والحاكم خبر أبي هريرة: «دم ُعفراءَ أحب إلى الله من دم سوداوين» .\r-------------------------------\r(1) وروى عبادة بن الصامت أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم قال: «خير الأضحية الكبش الأقرن» .\r(2) حديث غريب رواه الترمذي وأحمد عن أبي هريرة (نصب الراية: 216/4) والجذع لولد الشاة في السنة الثانية، ولولد البقرة والحافر في السنة الثالثة، وللإبل في السنة الخامسة.\r(3) والترجيح بين الألوان: قيل: للتعهد، وقيل لحسن المنظر، وقيل: لطيب اللحم.","part":4,"page":262},{"id":2358,"text":"المطلب الثاني - سن الحيوان المضحى به :\rاتفق الفقهاء على جواز التضحية بالثَّنِيّ فما فوقه من الإبل والبقر والغنم. واختلفوا في الجَذَع (1) من الضأن، فقال الحنفية والحنابلة (2) : يجزئ الجذع العظيم أو السمين من الغنم ابن ستة أشهر ودخل في السابع، وهو رأي بعض المالكية (3) ، لقوله صلّى الله عليه وسلم : «يجزئ الجذع من الضأن أضحية» (4) . وبيَّن الحنفية حالة سمنه بما إذا خلط بالثنايا يشتبه على الناظر من بعيد، فلا يمكن تمييزه مما له سنة.\rوالفرق بين جذع الضأن والمعز: أن جذع الضأن ينزو، فيلقح، بخلاف الجذع من المعز. ويعرف كونه قد أجذع بنمو الصوف على ظهره.\rوقال الشافعية والمالكية على الراجح عندهم (5) : يجزئ الجذع من الضأن إذا أتم السنة الأولى، ودخل في الثانية، لخبر أحمد وغيره: «ضحوا بالجذع من الضأن، فإنه جائز» (6) .\rوأما أسنان بقية الأنعام المجزئة في الأضحية عند الفقهاء فهي ما يأتي (7) :\r-------------------------------\r(1) الجذع قبل الثني: وهو الشاب الحدث، يقال لولد الشاة في السنة الثانية، ولولد البقر والحافر في السنة الثالثة، وللإبل في السنة الخامسة. والثني: الذي يلقي ثنيته. ويكون ذلك في البقر والحافر في السنة الثالثة، وفي الإبل في السنة السادسة.\r(2) البدائع:70/5، كشاف القناع: 616/2، المغني: 623/8.\r(3) القوانين الفقهية: ص 188.\r(4) رواه ابن ماجه وأحمد عن أم بلال بنت هلال عن أبيها (نيل الأوطار: 114/5).\r(5) الشرح الكبير: 119/2، بداية المجتهد: 419/1، مغني المحتاج: 284/4، المهذب: 238/1.\r(6) روى النسائي عن عقبة بن عامر أنه ضحى مع الرسول بالجذع من الضأن، وروى أحمد والشيخان أنه أذن لعقبة بن عامر بالأضحية بالجذع (نيل الأوطار: 114/5).\r(7) المراجع السابقة في هذا المطلب لكل مذهب.","part":4,"page":263},{"id":2359,"text":"قال الحنفية: المعز: ما أتم سنة وطعن (دخل في الثانية)، والبقر والجاموس ما أتم سنتين ودخل في الثالثة، والإبل: ما أتم خمس سنوات، ودخل في السادسة.\rوقال المالكية: المعز: ابن سنة عربية ودخل في الثانية دخولاً بيناً كشهر، بخلاف الضأن، فيكفي فيه مجرد الدخول. والبقر والجاموس: ابن ثلاث سنين، ودخل في الرابعة مجرد دخول، والإبل ابن خمس سنوات ودخل في السادسة.\rوقال الشافعية: شرط إبل أن يطعن في السنة السادسة، وبقر ومعز في السنة الثالثة، وضأن في السنة الثانية.\rوقال الحنابلة: المعز ابن سنة كاملة، والبقر ما له سنتان كاملتان، والإبل: ماكمل خمس سنين.\rوبه يظهر لدينا أن فقهاء المذاهب اتفقوا على تحديد سن الإبل بخمس، واختلفوا في البقر على رأيين، فعند الحنفية والحنابلة والشافعية: ما له سنتان. وعند المالكية: ما له ثلاث سنين. كما اختلفوا في المعز: فعند غير الشافعية: ما له سنة كاملة. وعند الشافعية: ما له سنتان كاملتان.\rالمطلب الثالث - قدر الحيوان المضحى أو مايجزئ عنه :\rاتفق الفقهاء (1) على أن الشاة والمعز لا تجوز أضحيتهما إلا عن واحد، وتجزئ البدنة أو البقرة عن سبعة أشخاص، لحديث جابر: «نحرنا مع رسول الله صلّى الله عليه وسلم بالحديبية: البدنة عن سبعة والبقرة عن سبعة» (2) . وفي لفظ مسلم: «خرجنا مع\r-------------------------------\r(1) البدائع:70/5، تبيين الحقائق: 3/6، تكملة الفتح: 76/8، الدر المختار: 222/5، القوانين الفقهية: ص 186، بداية المجتهد: 420/1، الشرح الكبير: 119/2، مغني المحتاج: 285/4، 292، المهذب: 238/1، المغني: 619/8 وما بعدها، كشاف القناع: 617/2.\r(2) أخرجه الجماعة (نصب الراية: 209/4).","part":4,"page":264},{"id":2360,"text":"رسول الله صلّى الله عليه وسلم مهلين بالحج، فأمرنا رسول الله صلّى الله عليه وسلم أن نشترك في الإبل، والبقر، كل سبعة منا في بدنة» (1) .\rوأجاز الحنابلة أن يذبح الرجل عن أهل بيته شاة واحدة، أو بقرة، أو بدنة، عملاً بما رواه مسلم عن عائشة أن النبي صلّى الله عليه وسلم ضحى بكبش عن محمد وآل محمد، وضحى بكبشين أملحين أقرنين، أحدهما عن محمد وأمته (2) ، وروى ابن ماجه والترمذي وصححه عن أبي أيوب: «كان الرجل في عهد النبي صلّى الله عليه وسلم يضحي بالشاة عنه، وعن أهل بيته، فيأكلون، ويطعمون...» .\rوكذلك أجاز المالكية أن يذبح الرجل الكبش أو البقرة أو البدنة مضحياً، عن نفسه وعن أهل بيته، ولو زادوا عن سبعة إذا كان الاشتراك في الثواب قبل الذبح بشروط ثلاثة: أن يكون قريباً له، ينفق عليه، وساكناً معه، وقد بينتها في شروط صحة الأضحية.\rوقال الشافعية أيضاً: تضحية واحد من أهل البيت تحصل به سنة الكفاية، وإن لم يصدر من بقيتهم إذن.\rالمطلب الرابع ـ أوصاف الحيوان المضحى :\rصفات الحيوان المضحى به أو الأضحية ثلاثة أنواع: مستحبة، ومانعة الإجزاء، ومكروهة.\r-------------------------------\r(1) استنبط الشافعية من هذا الحديث خلافاً للحنفية كما بينت جواز الاشتراك بين من يريد القربة ومن لا يريدها، فقالوا: وظاهره أنهم لم يكونوا من أهل بيت واحد، وسواء اتفقوا في نوع القربة أم اختلفوا كما إذا قصد بعضهم التضحية، وبعضهم الهدي، وبعضهم اللحم، ولهم قسمة اللحم، لأن قسمته قسمة إفراز على الأصح.\r(2) رواه أبو داود.","part":4,"page":265},{"id":2361,"text":"فأما الصفات المستحبة في الأضحية باتفاق الفقهاء (1) : فهي أن تكون كبشاً سميناً أقرن أملح (أبيض) فحلاً ـ هو أفضل من الخصي عند الجمهور، أو خصياً (موجوءاً) هو أفضل من الفحل عند الحنفية؛ لأن الكبش كما تقدم هو أفضل أجناس الغنم. وهذا الاستحباب عند الشافعية والحنابلة هو في حالة تفضيل الكبش عن سبع البدنة أو البقرة.\rوالسبب في استحباب هذه الصفات هو أنها صفات أضحية النبي صلّى الله عليه وسلم ، كما ثبت في أحاديث جابر وعائشة وأبي هريرة وأبي رافع، وأبي الدرداء الدالة على جواز التضحية بالخصي، وهي دليل الأفضل عند الحنفية، وحديث أبي سعيد الدال على التضحية بالفحل (2) ، ونصه: «ضحى رسول الله صلّى الله عليه وسلم بكبش أقرن فحيل، يأكل في سواد، ويمشي في سواد، وينظر في سواد» (3) وهو دليل الأفضل عند الجمهور.\rوأما الصفات المانعة الإجزاء: فهي ـ كما تقدم في بحث الشروط ـ أربعة باتفاق الفقهاء: وهي العور البيِّن، والمرض البين، والعرج، والعجف (الهزال). ودليلهم حديث البراء بن عازب قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم : «أربع لا تجوز في الأضاحي: العوراء البيِّن عَوَرُها، والمريضة البيِّن مرضها، والعرجاء البيِّن ضَلَعها، والكسير (أو العجفاء) التي لا تُنْقي» (4) .\rوأضاف الفقهاء عيوباً أخرى بالقياس على هذه الأربعة، هي في معناها، أو أقبح منها، كالعمى وقطع الرجل، لما يترتب على ذلك من نقص اللحم، ويكون الحديث من باب الخاص الذي أريد به العموم.\r-------------------------------\r(1) البدائع: 80/5، القوانين الفقهية: ص 188، مغني المحتاج: 285/4 ومابعدها، المغني: 621/8، كشاف القناع: 617/2.\r(2) راجع نصب الراية: 215/4 وما بعدها، نيل الأوطار: 118/5 وما بعدها.\r(3) رواه أحمد وصححه والترمذي وابن حبان، وهو على شرط مسلم، ومعناه: أن فمه أسود، وقوائمه وحول عينيه سواد (نيل الأوطار، المكان السابق).\r(4) رواه الخمسة (أحمد وأصحاب السنن) وصححه الترمذي، وفيه دليل على أن متبينة العور والعرج (الضلع) والمرض لا يجوز التضحية بها، إلا ما كان من ذلك يسيراً غير بيِّن، وكذلك الكسير التي لا نقي لها (أي لا مخ لها)، وفي رواية الترمذي والنسائي «والعجفاء) بدل «الكسير» (نيل الأوطار:115/5-117) فالعجفاء: هي المهزولة التي لا مخ في عظامها.","part":4,"page":266},{"id":2362,"text":"فصارت العيوب عند الحنفية (1) ما يأتي:\rلا يضحى بالعمياء (الذاهبة العينين)، والعوراء (الذاهبة عيناً)، والعرجاء (العاطلة إحدى القوائم، وهي التي لا تمشي إلى المذبح)، والعجفاء (المهزولة التي لا مخ في عظامها)، والهتماء (التي لا أسنان لها، ويكفي بقاء الأكثر)، والسَّكاء (التي لا أذن لها خلقة، فلو كان لها أذن صغيرة خلقة أجزأت)، والجَذَّاء (مقطوعة رؤوس ضرعها، أو يابستها)، والجَدْعاء (مقطوعة الأنف)، والمصرَّمة حلمات الضرع (التي عولجت حتى انقطع لبنها)، والتي لا ألية لها، والخنثى (لأن لحمها لا ينضج)، والجلاَّلة (التي تأكل العذرة ـ الغائط ـ دون غيرها)، ومقطوعة أكثر من ثلث الأذن أو الذنَب أو الألْية، أو التي ذهب أكثر نور عينها (لأن للأكثر حكم الكل بقاء وذهاباً، فيكفي بقاء الأكثر، ولأن العيب اليسير لا يمكن التحرز عنه، فجعل عفواً). وهذه العيوب تمنع من صحة الأضحية إذا كانت قائمة وقت الشراء. أما لو اشتراها سليمة ثم تعيبت، بعيب مانع: فإن كان غنياً غيّرها، وإن كان فقيراً تجزئه. وكذلك تجزئه لو كانت معيبة وقت الشراء لعدم وجوبها عليه، بخلاف الغني.\rويجوز أن يُضحَّى بالجَمَّاء (وهي التي لا قرن لها، أو مكسورة القرن؛ لأن القرن لا يتعلق به مقصود)، والخَصي (لأن لحمه أطيب)، والجَرْباء السمينة (لأن\r-------------------------------\r(1) البدائع: 75/5، الدر المختار: 227/5، تكملة الفتح: 74/8 وما بعدها، تبيين الحقائق: 5/6، اللباب: 234/3 ومابعدها.","part":4,"page":267},{"id":2363,"text":"الجرب يكون في جلدها، ولا نقصان في لحمها، بخلاف المهزولة، لأن الهزال يكون في لحمها) والثَّوْلاء (1) (المجنونة) إذا كان ترعى، فإن امتنعت من الرعي، لم تجزئ.\rوعند المالكية (2) : لا تجزئ العيوب المذكورة في الحديث وهي العوراء والعرجاء والمريضة والعجفاء، ولا العمياء والمجنونة جنوناً دائماً، ولا مقطوعة جزء من أجزائها الأصلية أو الزائدة كيد أو رجل، غير خُصْية (بيضة) لأنه يجزئ الخصي، ولا الجرباء والهَرِمة والبشْماء إذا كثر الجَرَب والهَرَم والتُّخَمة، ولا البَكْماء (فاقدة الصوت إلا لعارض كالناقة بعد أشهر من الحمل) والصَّماء (التي لا تسمع) والبَخْراء (منتنة رائحة الفم)، والصَمْعاء (صغيرة الأذنين جداً، كأنها خلقت بلا أذن، والبَتْراء (التي لا ذنب لها)، ويابسة الضرع جميعه ومكسورة قرن لم يبرأ، وفاقدة أكثر من سن بسبب ضرب أو مرض، لا بسبب كبر أو إثغار (تبديل أو تغيير في الصغر)، ومقطوعة ثلث ذنب فصاعدا، أو أكثر من ثلث أذن، لقول علي بن أبي طالب رضي الله عنه: «أمرنا رسول الله صلّى الله عليه وسلم أن نستشرف العين والأذن، وألا نضحي بمقابَلة، ولا مدابَرَة، ولا شَرْقاء (3) ولا خَرْقاء» .\rوتصح الأضحية بالجَمَّاء (المخلوقة بدون قرن)، وبالمُقْعدة (العاجزة عن القيام) لشحم كثر عليها، ومكسورة قرن من أصله، أو طرفه إن برئ.\r-------------------------------\r(1) الثَّوَل: استرخاء في أعضاء الشاة خاصة، أو كالجنون يصيبها، فلا تتبع الغنم وتستدبر في مرتعها.\r(2) الشرح الكبير: 119/2 ومابعدها، الشرح الصغير: 143/2 ومابعدها، القوانين الفقهية: ص 188 ومابعدها، بداية المجتهد: 417/1-419.\r(3) رواه الخمسة ( أحمد وأصحاب السنن ) وصححه الترمذي. ومعناه أن نشرف على الأذن والعين ونتأملهما، كيلا يقع فيهما نقص وعيب. والمقابلة: شاة قطعت أذنها من قدام وتركت معلقة، والمدابرة: التي قطعت أذنها من جانب، والشرقاء: مشقوقة الأذن طولا، والخرقاء: التي في أذنها خرق مستدير.","part":4,"page":268},{"id":2364,"text":"وعند الشافعية (1) : لا تجزئ أيضاً العيوب المنصوص عليها في الحديث وهي العجفاء (أي ذاهبة المخ من شدة هزالها، والمخ: دهن العظام)، وذات العرج والعور والمرض البين، ومثلها ذات الجرب ولو كان يسيراً. ولا يضر اليسير في العيوب الأربعة الأولى لعدم تأثيره في اللحم. ولا تجزئ أيضاً العمياء والمجنونة (وهي التولاء التي تدور في المرعى ولا ترعى إلا قليلاً فتهزل)، ولا مقطوعة بعض الأذن أو بعض اللسان، ولو كان يسيراً لذهاب جزء مأكول، وهو نقص في اللحم. وشلل الأذن كفقدها. ولا تجزئ مقطوعة الألية قطعاً غير خلقة.\rويجوز التضحية بالخصي لأنه « صلّى الله عليه وسلم ضحى بكبشين موجوءين لله » (2) أي خصيين، لكن الفحل أفضل منه إن لم يحصل منه ضراب. ولا يضرفقد قرن خلقة، وتسمى الجلحاء، ولا كسره ما لم يعب اللحم، وإن دمى بالكسر، لأن القرن لا يتعلق به كبير غرض، فإن عِيب اللحم ضر كالجرب وغيره. لكن ذات القرن أولى لخبر «خير الأضحية الكبش الأقرن» (3) ، ولأنها أحسن منظراَ، بل يكره غيرها. ولا يضر ذهاب بعض الأسنان أو أكثرها، ويجزئ مكسور سن أو سنين؛ لأنه لا يؤثر في الاعتلاف ونقص اللحم، فلو ذهب الكل، ضر، لأنه يؤثر في ذلك.\rوكذا لا يضر شق أذن ولا خرقها، ولا ثقبها في الأصح بشرط ألا يسقط من الأذن شي بذلك، لأنه لا ينقص به من لحمها شيء.\rوالخلاصة: إن كل ما ينقص اللحم لا يجوز، وما لا ينقص اللحم يجوز.\r-------------------------------\r(1) مغني المحتاج: 286/4 ومابعدها، المهذب: 238/1.\r(2) رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه من حديث أبي رافع وعائشة وأبي هريرة ( نيل الأوطار: 119/5 ).\r(3) رواه الحاكم وصحح إسناده.","part":4,"page":269},{"id":2365,"text":"وعند الحنابلة (1) : لا تصح الأضحية بالعجفاء والعوراء البين عورها، والعمياء، والعرجاء البين عرجها، والمريضة التي لا يرجى برؤها بمرض مفسد للحمها كجرب أو غيره، والعضباء (وهي التي ذهب أكثر من نصف الأذن أو القرن) (2) ، ومثلها التي ذهب أكثر من نصف أليتها. ولا تجزئ الكسيرة كالمريضة، ولا الجداء أو الجدباء (جافة الضرع) ولا الهتماء (التي ذهبت ثناياها من أصلها)، ولا العَصماء (التي انكسر غلاف قرنها).\rويجزئ الخصي ( الذي قطعت خصيتاه أو سلتا، أو رضتا ) لفعل النبي عليه السلام، ولايجزئ مقطوع الذكر مع قطع الخصيتين، وتجزئ الجماء ( وهي التي خلقت بلا قرن )، والصمعاء ( وهي الصغيرة الأذن، أو خلقت بلا أذن )، والبتراء ( التي لا ذنب لها خلقة، أو كان مقطوعاً ) لأن ذلك لايخل بالمقصود، وتجزئ التي بعينها بياض لايمنع النظر، لعدم فوات المقصود من البصر. وتجزئ الحامل من الإبل والبقر والغنم كالحائل.\rوالخلاصة: إن هناك عيوباً متفقاً على كونها مانعة الإجزاء ، وعيوباً خَلْقية غير مانعة، وعيوبا مختلفا فيها كمقطوعة بعض الأذن، فالمالكية والحنفية: لايجيزون مقطوعة الأكثر من الثلث، والحنابلة: الأكثر من النصف، والشافعية: لايجيزون قطع البعض وإن كان يسيرا. ومثل مكسورة القرن: تجزئ عند الحنفية مالم يصل الكسر إلى المخ أي رأس العظم، وعند المالكية: تجزئ إن برئ ولو كسر كله. وعند الشافعية: تجزئ مالم ينقص اللحم، وعند الحنابلة: تجزئ إن ذهب أقل من النصف.\r-------------------------------\r(1) المغني: 623/8 ومابعدها، كشاف القناع: 3/3 .\r(2) لما روى علي رضي الله عنه قال: « نهى رسول الله صلّى الله عليه وسلم أن يضحي بأعضب القرن والأذن » قال قتادة: «فسألت سعيد بن المسيب، فقال نعم، العضب: النصف فأكثر من ذلك » رواه الشافعي وابن ماجه وأحمد وبقية أصحاب السنن ( نيل الأوطار: 115/5).","part":4,"page":270},{"id":2366,"text":"والأفضل: ما كان كامل الخلقة، دون أي نقص فيه.\rوإذا أوجب المرء أضحية صحيحة سليمة من العيوب، ثم حدث بها عيب يمنع الإجزاء، ذبحها، وأجزأته عند غير الحنفية (1) ، لما رواه ابن ماجه عن أبي سعيد قال: « ابتعنا كبشا نضحي به، فأصاب الذئب من أليته، فسألنا النبي صلّى الله عليه وسلم فأمرنا أن نضحي به » فالعيب المانع إذن هو القديم لا الطارئ، وعند الحنفية إن كان المضحي غنياً غيَّرها.\rوأما الصفات المكروهة في الحيوان المضحى به: فهي ما يأتي عند الفقهاء: قال الحنفية (2) : تكره التضحية بالشرقاء ( المشقوقة الأذن )، والخرقاء (التي يخرق أذنها الوسم) والمدابَرة ( التي يقطع شيء من مؤخر أذنها ) والمقابَلة (التي يقطع شيء من مقدم أذنها) ، لحديث علي المتقدم، وفيه: «وألا نضحي بعوراء، ولا مقابلة، ولا مدابرة، ولا خرقاء ولا شَرقاء » والنهي فيها محمول على الندب، وفي الخرقاء على الكثير.\rوتكره المجزوزة ( التي جز صوفها قبل الذبح لينتفع به )، والحَولاء ( التي في عينها حول ).\rوقال المالكية (3) : تكره الشرقاء وما ذكر معها في الحديث السابق، وكل عيوب الأذن الأخرى، وهي السَّكاء ( المخلوقة بغير أذن )، والجَذعاء ( المقطوعة جزءاً يسيراً من أذنها ) كما تكره عيوب القرن كالعضباء ( وهي الناقصة الخلقة في قول، أو المكسورة القرن ). وتكره ساقطة بعض الأسنان لكبر ونحوه.\r-------------------------------\r(1) المغني: 626/8 ومابعدها.\r(2) تبيين الحقائق: 5/6، 9، البدائع: 76/5، 87، الدر المختار: 231/5.\r(3) الشرح الكبير: 121/2، القوانين الفقهية: ص 189.","part":4,"page":271},{"id":2367,"text":"وفي الجملة: يندب الجيد من أعلى النعم، والسالم من العيوب التي تجزئ معها، كخفيف مرض، وكسر قرن بريء.\rوقال الشافعية (1) : يكره تنزيهاً المذكور في الحديث السابق بسبب شق الأذن أو خرقها أو ثقبها في الأصح؛ وتكره التضحية بالجلحاء ( وهي التي لم يخلق لها قرن ) وبالقصماء ( وهي التي انكسر غلاف قرنها )، وبالعضباء ( وهي التي انكسر قرنها )؛ لأن كل ذلك يشينها، وقد قال ابن عباس عن الأضاحي: تعظيمها استحسانها.\rوكذلك قال الحنابلة (2) : تكره المشقوقة الأذن، والمثقوبة، وما قطع شيء منها، لحديث علي المنهي فيه عن تلك العيوب. وهذا نهي تنزيه، ويحصل الإجزاء بها، ولا خلاف في ذلك ما عدا الظاهرية، ولأن اشتراط السلامة من أي عيب يشق، إذ لا يكاد يوجد سالم من هذا كله.\rالمبحث الخامس - مندوبات الأضحية ومكروهاتها وما يسن لمريد التضحية :\rهناك اتفاق بين الفقهاء في أغلب مواضع هذا المبحث.\r1 ـ قال الحنفية (3) يستحب للمضحي قبل التضحية: ربط الأضحية قبل أيام النحر بأيام، لما فيه من الاستعداد للقربة وإظهار الرغبة فيها، فيكون له فيه أجر وثواب،وأن يقلدها (4) ويجللها كالهدي، ليشعر بتعظيمها، لقوله تعالى: { ومن يعظم شعائر الله ، فإنها من تقوى القلوب } [الحج:32/22] وأن يسوقها إلى المذبح سوقاً جميلاً لا عنيفاً، وألا يجرها برجلها.\r-------------------------------\r(1) مغني المحتاج: 287/4، المهذب: 238/1 - 239 .\r(2) المغني : 626/8 .\r(3) البدائع: 78/5 - 80 ، الدر المختار: 231/5 .\r(4) تقليد البدنة مثلاً: أن يعلَّق في عنقها شيء ليعلم أنها هدي.","part":4,"page":272},{"id":2368,"text":"ويكره لمن اشترى أضحية أن يحلبها أو يجز صوفها، أو ينتفع بها، ركوباً أو حملاً، أو ينتفع بلحمها إذا ذبحها قبل وقتها؛ لأنه عينها للقربة، والانتفاع بها يوجب نقصاً فيها. وإن كان في ضرعها لبن، وهو يخاف عليها الهلاك إن لم يحلبها، نضح ضرعها بالماء البارد، حتى يتقلص اللبن. وإن حلبها تصدق باللبن؛ لأنه جزء من شاة متعينة للقربة. وإن ذبحها أو جزها تصدق باللحم أو بقيمته، وبالصوف والشعر والوبر.\rويكره له بيعها لتعينها قربة بالشراء، وإن باعها،جاز عند أبي حنيفة ومحمد، وعليه مثلها أو أرفع منها (1) ؛ لأنه بيع مال مملوك مقدور التسليم. ولم يجز البيع عند أبي يوسف، لأنها بمنزلة الوقف، ولا يجوز بيع الموقوف.\rوإن ولدت الأضحية ولداً ، ذبح ولدها مع الأم. وإن باعه تصدق بثمنه، لأن الأم تعينت للأضحية، فيتبعها الولد.\rوفي حال التضحية: يستحب لمريد التضحية: أن يذبح بنفسه، إن قدر عليه، لأنه قربة، فمباشرتها بنفسه أفضل من توليتها غيره، كسائر القربات. بدليل أن النبي صلّى الله عليه وسلم ساق مئة بدنة هدية للحرم، فنحر منها نيفا وستين بيده الشريفة، ثم أعطى المُدية سيدنا علياً رضي الله عنه ، فنحر الباقي (2) .\rفإن لم يكن المضحي يحسن الذبح أناب عنه غيره مسلماً، لا كتابياً؛ لأن ذبح الكتابي مكروه ولأن الأضحيةقربة، وهو ليس من أهلها، لكن لو ذبح بالنيابة عن المسلم جاز؛ لأنه أهل للذكاة. وأما المجوسي فيحرم ذبحه لأنه ليس من أهله.\rويستحب أن يتوجه الذابح إلى القبلة، كما فعل النبي صلّى الله عليه وسلم في حديث أنس المتقدم الذي رواه الجماعة، وأن يضجع الذبيحة على جنبها الأيسر.\r-------------------------------\r(1) و إن اشترى دونها، فعليه أن يتصدق بفضل مابين القيمتين.\r(2) رواه أحمد ومسلم من حديث جابر في صفة حج النبي صلّى الله عليه وسلم ( نيل الأوطار: 105/5).","part":4,"page":273},{"id":2369,"text":"ويستحب أن يحضر المضحي الذبح، لقول النبي صلّى الله عليه وسلم لفاطمة: « قومي إلى أضحيتك، فاشهديها، فإنه يغفر لك عند أول قطرة من دمها كل ذنب عملتيه...» (1) .\rويدعو المضحي، فيقول: اللهم منك، ولك صلاتي، ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين، لا شريك له، وبذلك أمرت، وأنا من المسلمين، لما ثبت في حديث فاطمة السابق. ثم يقول: بسم الله ، والله أكبر، اللهم تقبل مني، لحديث جابر: قال: « صليت مع رسول الله صلّى الله عليه وسلم عيد الأضحى، فلما انصرف، أتي بكبش، فذبحه، فقال: بسم الله ، والله أكبر، اللهم هذا عني، وعمن لم يضح من أمتي» (2) .\rوالمستحب في الأضحية، كما تقدم أن تكون أسمنها وأحسنها وأعظمها؛ لأنها مطية الآخرة.\rوأفضل الشاء: أن يكون كبشاً أملح أقرن، موجوءاً: خصياً، لحديث جابر السابق.\rويستحب أن تكون آلة الذبح حادة من الحديد.\rوالمستحب بعد الذبح الانتظار قدر مايبرد الذبيح وتسكن جميع أعضائه، فلا يسلخ قبل أن يبرد.\r-------------------------------\r(1) روي من حديث عمران بن حصين عند الحاكم والبيهقي والطبراني، ومن حديث أبي سعيد الخدري عند الحاكم أيضاً، والبزار، ومن حديث علي عند أبي القاسم الأصبهاني، وفي إسناد الأولين مقال (نصب الراية: 219/4 ).\r(2) رواه أحمد وأبو داود والترمذي ( نيل الأوطار: 109/5 ).","part":4,"page":274},{"id":2370,"text":"2 - وقال المالكية والشافعية وجماعة من الحنابلة (1) : المستحب لمريد التضحية إذا دخل عليه عشر ذي الحجة ألا يحلق شعره، ولا يقلم أظفاره، حتى يضحي، بل يكره له ذلك. وقال بعض الحنابلة: يحرم عليه ذلك. بدليل حديث أم سلمة أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم قال: «إذا رأيتم هلال ذي الحجة، وأراد أحدكم أن يضحي، فليمسك عن شعره وأظفاره» (2) . ولا شك بأن هذا الرأي هو الأرجح لصحة الحديث. والدليل على عدم حرمة المذكور قول عائشة: «كنت أفتل قلائد هدي رسول الله صلّى الله عليه وسلم ، ثم يقلدها بيده، ثم يبعث بها، ولا يحرم عليه شيء أحله الله له، حتى ينحر الهدي» (3) .\rولم ير الحنفية كراهة ما ذكر؛ لأن المضحي لا يحرم عليه الوطء واللباس، فلا يكره له حلق الشعر وتقليم الأظفار، كما لو لم يرد أن يضحي (4) .\r-------------------------------\r(1) الشرح الكبير: 12/2، الشرح الصغير: 144/2، القوانين الفقهية: ص 190، بداية المجتهد: 424/1، مغني المحتاج: 283/3 ومابعدها، 290، المهذب: 238/1 ومابعدها، المغني:618//8، 640 ومابعدها، كشاف القناع: 5/3، حاشية الباجوري على ابن قاسم: 309/2.\r(2) رواه الجماعة إلا البخاري، ولفظ أبي داود ، وهو لمسلم والنسائي أيضاً: «من كان له ذِبْح يذبحه، فإذا أهل هلال ذي الحجة، فلا يأخذن من شعره وأظفاره حتى يضحي» (نيل الأوطار: 112/5). والحكمة في النهي: أن يبقى كامل الأجزاء للعتق من النار، وقيل: للتشبه بالمحرم في الحج. والوجه الثاني غلط عند بعض الشافعية، لأن المضحي لا يعتزل النساء، ولا يترك الطيب واللباس وغير ذلك مما يتركه المحرم.\r(3) متفق عليه.\r(4) المغني: 619/8.","part":4,"page":275},{"id":2371,"text":"وأضاف الجمهور كالحنفية: أنه يندب توجيه الذبيحة إلى القبلة على جنبها الأيسر إن كانت من البقر والغنم، ويقول الذابح: «بسم الله والله أكبر، اللهم هذا منك وإليك» لما روى ابن عمر: «أن النبي صلّى الله عليه وسلم ذبح يوم العيد كبشين، ثم قال حين وجهها: وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفاً، وما أنا من المشركين، إن صلاتي ونُسُكي (1) ومحياي ومماتي لله رب العالمين، لا شريك له، وبذلك أمرت، وأنا أول المسلمين، بسم الله ، والله أكبر، اللهم هذا منك ولك» (2) فإن قال بعدئذ: «اللهم تقبل مني كما تقبلت من إبراهيم خليلك» فحسن. وإن اقتصر على التسمية فقد ترك الأفضل.\rوقد عدد الشافعية خمسة أشياء تستحب عند الذبح وهي: التسمية بالبسملة كلها أو بسم الله ، والصلاة على النبي صلّى الله عليه وسلم ، واستقبال القبلة بالذبيحة، والتكبير قبل التسمية أو بعدها، والدعاء بالقبول فيقول الذابح: اللهم هذه منك وإليك، أي نعمة صادرة منك، تقربت بها إليك.\rوالأفضل أن يذبح الرجل بنفسه إن أحسن الذبح، اتباعاً لفعل النبي صلّى الله عليه وسلم (3) . والسنة للمرأة أن توكل عنها. وأن يحضر المضحي أضحيته بنفسه، عملاً بالسنة وطلباً للمغفرة، والمستحب أن يذبحها مسلم، لأنها قربة، فلا يليها غير أهل القربة، قال جابر: «لا يذبح النسك إلا مسلم» . ويجوز توكيل مسلم بالذبح، لأن النبي صلّى الله عليه وسلم وكل علياً رضي الله عنه بذبح ما بقي من المئة بدنة. ويكره استنابة ذمي (كتابي) وصبي وأعمى. وإن وكل ذمياً فذبح، جاز؛ لأنه يجوز للكافر أن يتولى ما كان قربة للمسلم كبناء المساجد والقناطر.\r-------------------------------\r(1) النسك: العبادة.\r(2) رواه أبو داود، ويقول غير النبي: وأنا من المسلمين لمناسبة المعنى.\r(3) رواه الشيخان.","part":4,"page":276},{"id":2372,"text":"وليس على الوكيل أن يقول عند الذبح عمن؛ لأن النية تجزئ، وإن ذكر من يضحي عنه، لأن النبي صلّى الله عليه وسلم حينما ضحى، قال: «اللهم تقبل من محمد وآل محمد، وأمة محمد، ثم ضحى» (1) وقال الحسن: يقول: «بسم الله والله أ كبر، هذا منك ولك، تقبل من فلان» .\rوقال الحنفية: يكره أن يذكر الذابح اسم غير الله ، لقوله تعالى: {وما أهلَّ لغير الله به} [المائدة:3/5].\rوإن عين الشخص أضحية، فذبحها فضولي غيره بغير إذنه، أجزأت عن صاحبها، ولا ضمان عليه عند غير المالكية، لأنه فعل لا يفتقر إلى النية، فإذا فعله غير الصاحب أجزأ عنه، كغسل ثوبه من النجاسة. وقال مالك: هي شاة لحم، لصاحبها أرشها أي قيمتها، وعليه بدلها؛ لأن الذبح عبادة، فإذا فعلها غير صاحبها عنه، بغير إذنه، لم تقع الموقع كالزكاة (2) .\rويكره عند المالكية (3) : جز صوف الأضحية قبل الذبح إلا إذا تضررت ببقاء الصوف لحر ونحوه، وشرب لبنها، لأنه نواها لله ، والإنسان لا يعود في قربته. ويكره للإمام عدم إبراز الأضحية للمصلى، ولغيره يندب؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلم كان يذبح وينحر بالمصلى (4) : وهو مكان صلاة العيد، والحكمة فيه أن يكون بمرأى من الفقراء فيصيبون من لحم الأضحية.\r-------------------------------\r(1) رواه مسلم.\r(2) المغني: 642/8، كشاف القناع: 11/3، الكتاب مع اللباب: 237/3، مغني المحتاج: 290/4، الشرح الكبير: 123/2 ومابعدها.\r(3) الشرح الكبير: 122/2، الشرح الصغير: 146/2.\r(4) رواه البخاري وأصحاب السنن إلا الترمذي عن ابن عمر.","part":4,"page":277},{"id":2373,"text":"وفصل الشافعية والحنابلة (1) في الأمر فقالوا: لا يشرب المضحى من لبن الأضحية المعينة إلا الفاضل عن ولدها، فإن لم يفضل عنه شيء، أو كان الحلب يضرّ بها، أو ينقص لحمها، لم يكن له أخذه. وإن لم يكن كذلك فله حلب اللبن والانتفاع به؛ لأن بقاء اللبن معها يضرها. ولو تصدق به كان أفضل، خروجاً من الخلاف. ودليل جواز الانتفاع، قول علي: «لا يحلبها إلا ما فضل عن تيسير ولدها» ولأنه انتفاع لا يضر بها ولا بولدها.\rويجوز لصاحب الأضحية المعينة الركوب عليها لحاجة فقط، بلا ضرر؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلم قال: «اركبها بالمعروف، إذا ألجئت إليها، حتى تجد ظهراً» (2) ، ولأنه تعلق بها حق المساكين، فلم يجز ركوبها من غير ضرورة أو حاجة كملكهم. فإن تضررت بالركوب لم يجز؛ لأن الضرر لا يزال بالضرر، ويضمن النقص الحاصل بركوبه، لتعلق حق غيره بها.\rوأما صوفها: فإن كان جزه أنفع لها، كأن كان في وقت الصيف أو الربيع، وبقي إلى وقت النحر مدة طويلة، جاز جزه؛ لأنها تخف بجزه وتسمن، ويتصدق به وهو الأفضل، أو ينتفع به كاللبن. وإن كان لا يضر بها الصوف لقرب مدة الذبح، أو كان بقاؤه أنفع لها، كما في وقت الشتاء، لاحتياجها له للدفء، لم يجز جزه ولا أخذه؛ لأن الحيوان ينتفع به، في دفع البرد عنه، وينتفع به المساكين عند الذبح.\r-------------------------------\r(1) مغني المحتاج: 292/4، المهذب: 236/1، 241، المغني: 629/8 ومابعدها، كشاف القناع: 9/3 ومابعدها.\r(2) رواه أبو داود.","part":4,"page":278},{"id":2374,"text":"المبحث السادس ـ أحكام لحوم الضحايا :\rيتحقق المقصود من الأضحية، وهو القربة بإراقة الدم (1) ، وأما الأكل منها وتوزيعها ونحوهما ففيه خلاف يسير بين الفقهاء، الجمهور في جانب، والشافعية في جانب آخر، ورأي الجمهور أولى لاتفاقه مع ظاهر السنة النبوية.\r1 - قال جمهور الفقهاء (الحنفية والمالكية والحنابلة) (2) :\rيجوز الأكل من الأضحية المتطوع بها، أما المنذورة، أو الواجبة بالشراء عند الحنفية فيحرم الأكل منها، كما يحرم الأكل من ولد الأضحية التي تلده قبل الذبح، أو من المشتركة بين سبعة نوى أحدهم بحصته القضاء عن الماضي. أما عند المالكية والحنابلة فيجوز الأكل من المنذورة كالمتطوع بها. والمستحب أن يجمع المضحي في حالة التطوع، أو في حالة النذر عند المالكية والحنابلة بين الأكل منها، والتصدق، والإهداء، ولو أكل الكل بنفسه أو ادخره لنفسه فوق ثلاثة أيام، جاز مع الكراهة عند الحنفية والمالكية. وجاز أكل الأكثر عند الحنابلة، فإن أكل الكل ضمن أقل ما يطلق عليه اسم اللحم كالأوقية. وليس للجمع بين الأمور الثلاثة في المشهور عند المالكية حد مقدر في ذلك بثلث ولاغيره.\rوالمستحب عند الحنفية والحنابلة أن تكون نسبة التوزيع أثلاثاً، فيأكل ثلث أضحيته، ويهدي ثلثها لأقاربه وأصدقائه ولو أغنياء، ويتصد ق بثلثها على المساكين، ودليلهم عليه: قوله تعالى:\r-------------------------------\r(1) مغني المحتتاج: 291/4.\r(2) البدائع:80/5 ومابعدها، الدر المختار: 230/5، تبيين الحقائق: 8/6 ومابعدها، تكملة فتح القدير: 76/8 ومابعدها، اللباب: 236/3، بداية المجتهد: 424/1، الشرح الكبير والدسوقي: 122/2، 126، القوانين الفقهية: ص 190 ومابعدها. المغني: 632/8- 635،كشاف القناع: 10/3، 16، 18 ومابعدها، شرح العلامة زروق على رسالة القيرواني: 377/1.","part":4,"page":279},{"id":2375,"text":"{فكلوا منها، وأطعموا القانع، والمعتر} (1) [الحج:36/22]، {وأطعموا البائس الفقير} [الحج:28/22] وأوجب الحنابلة الإطعام عملاً بالآيتين؛ لأن الأمر يقتضي الوجوب.\rودليل نسبة التوزيع أثلاثاً عند غير المالكية: ما روى ابن عباس في صفة أضحية النبي صلّى الله عليه وسلم : «ويطعم أهل بيته الثلث، ويطعم فقراء جيرانه الثلث، ويتصدق على السُؤَّال بالثلث» (2) . وجهات التوزيع ثلاثة: الأكل، والادخار، لما ثبت في الحديث، والإطعام لما ثبت في الآية، فانقسم عليها ثلاثاً.\rودليل المالكية على عدم وجود نسبة للتوزيع، وأنها مطلقة: أحاديث عائشة وجابر، وسلمة بن الأكوع وأبي سعيد وبريدة وغيرهم، التي ورد فيها: «كلوا، وادخروا ، وتصدقوا» أو: «كلوا وأطعموا، وادخروا» (3) .\rوالدليل على جواز ادخار لحوم الأضاحي عدا المذكور: قوله صلّى الله عليه وسلم : «كنت نهيتكم عن ادخار لحوم الأضاحي فوق ثلاث من أجل الدافَّة (4) ، وقد جاء الله بالسعة، فادخروا ما بدا لكم» (5) .\rويحرم بيع جلد الأضحية وشحمها ولحمها وأطرافها ورأسها وصوفها وشعرها ووبرها ولبنها الذي يحلبه منها بعد ذبحها، واجبة كانت أو تطوعاً؛ لأن\r-------------------------------\r(1) القانع: السائل الفقير، والمعتر الذي يعتريك أو يتعرض لك بالسؤال لتطعمه، ولا يسأل\r. (2) رواه الحافظ أبو موسى الأصفهاني في الوظائف، وقال: حديث حسن. وهو قول ابن مسعود وابن عمر، بدون مخالف من الصحابة.\r(3) انظر نيل الأوطار: 126/5 ومابعدها.\r(4) الدافة: جماعة من الأعراب، كانوا قد دخلوا المدينة طلباً للزاد، لأن السنة أهلكتهم في البادية.\r(5) رواه مسلم، وفي حديث عائشة: «إنما نهيتكم من أجل الدافّة، فكلوا، وادخروا وتصدقوا» متفق عليه.","part":4,"page":280},{"id":2376,"text":"النبي صلّى الله عليه وسلم أمر بقسم جلودها ونهى عن بيعها، فقال: «من باع جلد أضحيته، فلا أضحية له» (1) .\rولا يجوز إعطاء الجزار أو الذابح جلدها أو شيئاً منها كأجرة للذبح، لما روى علي رضي الله عنه قال : « أمرني رسول الله صلّى الله عليه وسلم أن أقوم على بُدْنه (أي عند نحرها)، وأن أقسم جلودها، وجلالها (2) ، وألا أعطي الجازر شيئاً منها» وقال: « نحن نعطيه من عندنا» (3) .\rفإن أعطي الجزار شيئاً من الأضحية لفقره، أو على سبيل الهدية، فلا بأس؛ لأنه مستحق للأخذ فهو كغيره، بل هو أولى، لأنه باشرها، وتاقت نفسه إليها.\rوللمضحي أن ينتفع بجلد الأضحية لاستعماله في البيت كجراب وسقاء وفرو وغربال ونحوها، ولكن له استحساناً عند الحنفية خلافاً لغيرهم: أن يشتري به ما ينتفع بعينه مع بقائه أي مبادلته بعروض (أمتعة) أخرى؛ لأن للبدل حكم المبدل، والمعاوضة بالعروض من باب الانتفاع. ولا يجوز أن يشتري به شيئاً استهلاكياً كالدراهم والدنانير والمأكولات والمشروبات، أي فلا يجوز البيع بالنقود أو السلع الاستهلاكية.\rودليل جواز الانتفاع بالجلد: أن عائشة رضي الله عنها اتخذت من جلد أضحيتها سقاء.\r-------------------------------\r(1) رواه الحاكم، وقال: حديث صحيح الإسناد، ورواه البيهقي أيضاً (نصب الراية: 218/4) وروى أحمد أيضاً حديثاً عن أبي سعيد، وفيه: «ولا تبيعوا لحوم الهدي والأضاحي» (نيل الأوطار: 129/5).\r(2) الجلال: ما يطرح على ظهر البعير من كساء ونحوه، ويجمع أيضاً على: أجلة، ومفرده: جلال بضم الجيم.\r(3) متفق عليه.","part":4,"page":281},{"id":2377,"text":"ويكره عند المالكية أن يطعم منها يهودياً أو نصرانياً.\rوأجاز الحنابلة إهداء الكافر من أضحية التطوع، أما الواجبة فلا يجوز إهداء الكافر منها شيئاً (1) .\rأما نقلها إلى بلد آخر: فقال الحنفية: يكره نقلها كالزكاة من بلد إلى بلد إلا أن ينقلها إلى قرابته أو إلى قوم هم أحوج إليها من أهل بلده، ولو نقل إلى غيرهم أجزأه مع الكراهة. وقال المالكية: ولا يجوز نقلها إلى مسافة قصر فأكثر إلا أن يكون أهل ذلك الموضع أشد حاجة من أهل محل الوجوب، فيجب نقل الأكثر لهم، وتفرقة الأقل على أهله. وقال الحنابلة والشافعية كالمالكية: يجوز نقلها لأقل من مسافة القصر، من البلد الذي فيه المال، ويحرم نقلها كالزكاة إلى مسافة القصر وتجزئه..\r2 - وقال الشافعية (2) : الأضحية الواجبة ـ المنذورة أو المعينة بقوله مثلاً: «هذه أضحية» أو «جعلتها أضحية» : لا يجوز الأكل منها، لا المضحي ولا من تلزمه نفقته. ويتصدق بجميعها وجوباً. ويذبح ولد الأضحية المعينة كأمه، لكن يجوز للمضحي أكله كله قياساً على اللبن، إذ أن له شرب فاضل لبنها عن ولدها مع الكراهة.\rوأما الأضحية التطوع: فالمستحب للمضحي بها عن نفسه الأكل منها، أي أن الأفضل له تناول لقم يتبرك بأكلها، لقوله تعالى: {فكلوا منها، وأطعموا البائس الفقير} [الحج:28/22] وعند البيهقي: «أنه صلّى الله عليه وسلم كان يأكل من كبد أضحيته» . وإنما لا يجب الأكل منها ـ كما قال الظاهرية عملاً بظاهر الآية ـ لقوله تعالى: {والبدن جعلناها لكم من شعائر الله } [الحج:36/22] فجعلها لنا، وما جعل للإنسان فهو مخير بين تركه وأكله.\rوللمضحي أيضاً إطعام الأغنياء، لا تمليكهم منها شيئاً، بل يرسل إليهم على سبيل الهدية، دون أن يتصرفوا فيه بالبيع وغيره.\rوالمضحي يأكل ثلثاً على المذهب الجديد، وفي قول قديم: يأكل نصفاً ويتصدق بالنصف الآخر.\r-------------------------------\r(1) كشاف القناع: 19/3.\r(2) مغني المحتاج: 290/4 ومابعدها، المهذب: 240/1.","part":4,"page":282},{"id":2378,"text":"والأصح وجوباً التصدق ببعض الأضحية، ولو جزءاً يسيراً من لحمها، بحيث ينطلق عليه الاسم، على الفقراء المسلمين ولوواحداً. والأفضل التصدق بالكل إلا لقماً يتبرك بأكلها، كما تقدم.\rويتصدق المضحي في أضحية التطوع بجلدها، أو ينتفع به، كما يجوز له الانتفاع بها، والتصدق به أفضل. أما الواجبة: فيجب التصدق بجلدها.\rولا يجوز نقل الأضحية من بلدها لمسافة القصر فأكثر كما هو المقرر في نقل الزكاة.\rالأضحية عن الغير: قال الشافعية (1) : لا يضحى عن الغير بغير إذنه، ولا عن ميت إن لم يوص بها، لقوله تعالى: {وأن ليس للإنسان إلا ما سعى} [النجم:39/53] فإن أوصى بها جاز، وبإيصائه تقع له. ويجب التصدق بجميعها على الفقراء، وليس لمضحيها ولا لغيره من الأغنياء الأكل منها، لتعذر إذن الميت في الأكل.\rوقال المالكية (2) : وكره فعلها عن ميت إن لم يكن عينها قبل موته، فإن عينها بغير النذر، ندب للوارث إنفاذها. وقال الحنفية والحنابلة (3) : تذبح الأضحية عن ميت، ويفعل بها كعن حي من التصدق والأكل، والأجر للميت، لكن يحرم عند الحنفية الأكل من الأضحية التي ضحى بها عن الميت بأمره.\r-------------------------------\r(1) مغني المحتاج: 292/4، المحلي على المنهاج: 255/4.\r(2) الشرح الكبير: 122/2.\r(3) رد المحتار والدر المختار: 229/5، كشاف القناع: 18/3.","part":4,"page":283},{"id":2379,"text":"الفَصْلُ الثّاني: العَقِيقة وأحكامُ المولود\rوفيه مبحثان:\rالمبحث الأول ـ العقيقة :\rالكلام عن العقيقة فيما يأتي:\r1 - حكم العقيقة ومعناها وحكمتها :\rقال الحنفية (1) : تباح العقيقة ولا تستحب؛ لأن تشريع الأضحية نسخ كل دم كان قبلها من العقيقة، والرجبية، والعتيرة، فمن شاء فعل، ومن شاء لم يفعل. والنسخ ثبت بقول عائشة: «نسخت الأضحية كل ذبح كان قبلها» .\rوالعقيقة: الذبيحة التي تذبح عن المولود، يوم أسبوعه. والأصل في معناها اللغوي: أنها الشعر الذي على المولود، ثم أسمت العرب الذبيحة عند حلق شعر المولود عقيقة، على عادتهم في تسمية الشيء باسم سببه، أو ما يجاوره.\rوالرجبية: شاة كان العرب في الجاهلية يذبحونها في رجب، فيأكل منها أهل البيت، ويطبخون، ويطعمون.\rوالعتيرة: أول ولد للناقة أو الشاة، يذبح، ويأكله صاحبه، ويطعم منه. وقيل: إنها الشاة التي تذبح في رجب، وفاء لنذر، أو إذا أنتجت الشاة عشراً، فتذبح واحدة منها.\r-------------------------------\r(1) البدائع: 69/5.","part":4,"page":284},{"id":2380,"text":"والصحيح أن العتيرة هي الرجبية، سواء بنذر أو بغير نذر، وهي سنة جاهلية (1) .\rوقال جمهور الفقهاء (غير الحنفية) (2) : لا تسن العتيرة، أو الرجبية، وتسن للأب من ماله العقيقة عن المولود، ولا تجب؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلم ، في حديث ابن عباس: «عق عن الحسن والحسين عليهما السلام كبشاً كبشاً» (3) . وقال : «مع الغلام عقيقة، فأهريقوا عنه دماً، وأميطوا عنه الأذى» (4) «كل غلام رهينة بعقيقته، تُذبح عنه يوم سابعه، ويُسمى فيه، ويحلق رأسه» (5) . وقال الشافعية: تسن لمن تلزمه نفقته.\rوحكمتها : شكر نعمة الله تعالى برزق الولد، وتنمية فضيلة الجود والسخاء وتطييب قلوب الأهل والأقارب والأصدقاء بجمعهم على الطعام، فتشيع المحبة والمودة والألفة.\r-------------------------------\r(1) قال ابن سراقة: آكد الدماء المسنونة: الهدايا، ثم الضحايا، ثم العقيقة، ثم العتيرة، ثم الفرع. والعتيرة: ذبيحة كانوا يذبحونها في العشر الأول من رجب، ويسمونها الرجيبة، والفرع: أول نتاج البهيمة، كانوا يذبحونه ولا يملكونه رجاء البركة في الأم، ويكرهان لخبر البخاري: «لا فرع ولا عتيرة» .\r(2) الشرح الكبير للدردير: 126/2، القوانين الفقهية: ص 191، مغني المحتاج: 293/4 ومابعدها، المهذب: 241/1 ومابعدها، المغني: 645/8 ومابعدها،650، كشاف القناع: 20/3 ومابعدها، بداية المجتهد: 448/1 ومابعدها.\r(3) رواه أبو داود، والنسائي، وقال: بكبشين كبشين (نيل الأوطار: 135/5).\r(4) رواه الجماعة إلا مسلماً عن سلمان بن عامر الضَّبي (نيل الأوطار: 131/5).\r(5) رواه الخمسة (أحمد وأصحاب السنن) وصححه الترمذي عن سمرة (نيل الأوطار، المكان السابق).","part":4,"page":285},{"id":2381,"text":"2 - جنسها وسنها وصفتها :\rهي في الجنس والسن والسلامة من العيوب مثل الأضحية،من الأنعام: الإبل، والبقر، والغنم. وقيل: لا يعق (1) بالبقر ولا بالإبل.\r3 - عددها :\rهي عند المالكية: شاة عن الذكر، أو الأنثى، لحديث ابن عباس السابق أنه عليه الصلاة والسلام: «عق عن الحسن شاة، وعن الحسين شاة» وهو المعقول والأيسر.\rوقال الشافعية والحنابلة: عن الغلام شاتان، وعن الأنثى شاة. لخبر عائشة: «عن الغلام شاتان مكافئتان، وعن الجارية شاة» (2) وحديث ابن عباس محمول على الجواز. وكالشاة: سُبْع أو بقرة، فلو ذبح بدنة أو بقرة عن سبعة أولاد، جاز. ولو كان المساهم في العقيقة عند الشافعية يريد اللحم فقط. وتتعدد العقيقة بتعدد الأولاد. وتتحقق السنة بشاة عن الغلام، وشاة عن الأنثى، لفعل النبي صلّى الله عليه وسلم المتقدم عن الحسن والحسين. وتتعدد العقيقة بتعدد الأولاد، فلو ولد له توأمان، كان لهما عقيقتان، ولا تكفي واحدة عنهما.\r4 - وقتها :\rتذبح يوم سابع ولادة المولود، ويحسب يوم الولادة من السبعة. فإن ولدت ليلاً، حسب اليوم الذي يليه. وعند المالكية: يحسب يوم الولادة إن ولد قبل الفجر أو معه، ولا يعد اليوم الذي ولد فيه، إن ولد بعد الفجر. وقيل عندهم: يحسب إن ولد قبل الزوال لا بعده. ويندب الذبح ضحى إلى الزوال لا ليلاً.\rوصرح الشافعية والحنابلة: أنه لو ذبح قبل السابع أو بعده، أجزأه. وأضاف الحنابلة والمالكية: لا يعق غير الأب، ولا يعق المولود عن نفسه إذا كبر، لأنها مشروعة في حق الأب، فلا يفعلها غيره. واختار جماعة من الحنابلة: أن للشخص أن يعق عن نفسه استحباباً. ولا تختص العقيقة بالصغر، فيعق الأب عن المولود، ولو بعد بلوغه؛ لأنه لا آخر لوقتها.\rويقول الذابح بعد التسمية: اللهم منك وإليك عقيقة فلان؛ لخبر ورد فيه رواه البيهقي بإسناد حسن، وروت عائشة أن النبي صلّى الله عليه وسلم عق عن الحسن والحسين، وقال: «قولوا: بسم الله ، اللهم لك وإليك عقيقة فلان» .\rويكره لطخ رأس المولود بدم العقيقة، خلافاً لما كان عليه الجاهلية من تلطيخ رأسه بدمها، قالت عائشة: «كانوا في الجاهلية يجعلون قطنة في دم العقيقة، ويجعلونها على رأس المولود، فأمرهم النبي صلّى الله عليه وسلم أن يجعلوا مكان الدم خَلوقاً» أي زعفراناً.\r-------------------------------\r(1) عق يعق: بكسر العين وضمها.\r(2) رواه أحمد والترمذي وصححه. وفي لفظ: «أمرنا رسول الله صلّى الله عليه وسلم أن نعق عن الجارية شاة، وعن الغلام شاتين» رواه أحمد وابن ماجه. وفي معناه حديث أم كُرز الكعبية الذي رواه أحمد والترمذي وصححه (نيل الأوطار: 132/5).","part":4,"page":286},{"id":2382,"text":"ودليل كراهية التلطيخ أيضاً قوله صلّى الله عليه وسلم : «مع الغلام عقيقة، فأهريقوا عنه دماً، وأميطوا عنه الأذى» (1) .\r5 - حكم لحمها وجلدها :\rحكم اللحم كالضحايا، يؤكل من لحمها، ويتصدق منه، ولا يباع شيء منها. ويسن طبخها، ويأكل منها أهل البيت وغيرهم في بيوتهم، وكره عند المالكية عملها وليمة يدعو الناس إليها. ويجوز عند المالكية: كسر عظامها، ولا يندب. وقال الشافعية والحنابلة:يجوز اتخاذ الوليمة، ولا يكره كسر العظام، إذ لم يثبت فيه نهي مقصود، بل هو خلاف الأولى، ويستحب أن تفصل أعضاؤها، ولا تكسر عظامها، تفاؤلاً بسلامة أعضاء المولود، لما روي عن عائشة، أنها قالت: «السنة شاتان مكافئتان عن الغلام، وعن الجارية شاة تطبخ جُدولاً (2) ، ولا يكسر عظم، ويأكل ويطعم، ويتصدق، وذلك يوم السابع» .\rوأجاز الإمام أحمد في رواية عنه بيع الجلد والرأس والتصدق به. ويستحب إعطاء القابلة من العقيقة؛ لما في مراسيل أبي داود أن النبي قال في العقيقة التي عقتها فاطمة عن الحسن والحسين: «أن يبعثوا إلى القابل برِجْل، وكلوا وأطعموا، ولا تكسروا منها عظماً» .\rفيكون الفرق بين العقيقة والأضحية: أنه يسن طبخ العقيقة، ويستحب ألا تكسر عظامها، وأن تهدى القابلة رجل العقيقة نيئة غير مطبوخة؛ لأن فاطمة رضي الله عنها فعلت ذلك بأمر النبي صلّى الله عليه وسلم ، كما روى الحاكم.\r-------------------------------\r(1) رواه الجماعة إلا مسلماً عن الصبي، وسبق تخريجه، وهذا يقتضي ألا يمس بدم لأنه أذى. ولكن ذكر في رواية: «فأهرقوا عليه دماً» وروى همام عن قتادة عن الحسن عن سمرة: «الغلام مرتهن بعقيقته، تذبح عنه يوم السابع، ويدمى» وهذا دليل قتادة والحسن القائلين باستحباب اللطخ بالدم. قال ابن عبد البر: لا أعلم أحداً قال هذا إلا الحسن وقتادة، وأنكر سائر أهل العلم وكرهوه، للحديث السابق (المغني: 647/8).\r(2) تطبخ جدولاً: أي لا يكسر لها عظم ، وإنما تطبخ عضواً عضواً.","part":4,"page":287},{"id":2383,"text":"المبحث الثاني ـ أحكام المولود :\rوهي كثيرة أهمها ما يأتي:\rيستحب للوالد أن يؤذِّن في أذن المولود اليمنى، وتقام الصلاة في اليسرى حين يولد (1) ، لما روى أبو رافع أن النبي صلّى الله عليه وسلم أذن في أذن الحسن، حين ولدته فاطمة (2) ، ولخبر ابن السني عن الحسن بن علي مرفوعاً: «من ولد له مولود فأذن في أذنه اليمنى، وأقام في اليسرى، لم تضره أم الصبيان» أي التابعة من الجن. وعن ابن عباس: «أن النبي صلّى الله عليه وسلم أذن في أذن الحسن بن علي يوم ولد، وأقام في أذنه اليسرى» (3) .\rوبما أن هذين الحديثين ضعيفان، فيقتصر في تقديري على الأذان الثابت في حديث أبي رافع، ليكون إعلام المولود بالتوحيد أول ما يقرع سمعه عند قدومه إلى الدنيا، كما يلقن عند خروجه منها، ولما فيه من طرد الشيطان عنه، فإنه يدبر عند سماع الأذان، كما ورد في الخبر.\rويسن أن يقول في أذن المولود اليمنى: «إني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم» ويقول ذلك، ولو كان المولود ذكراً على سبيل التلاوة، والتبرك بلفظ الآية، بتأويل إرادة (النسمة) وفي مسند ابن رَزِين أنه قرأ في أذن مولود (أي اليمنى) سورة الإخلاص.\rويسن أن يُحنِّك المولود بتمرة، بأن تمضغ، ويدلك بها داخل فمه، ويفتح فمه، حتى ينزل إلى جوفه منها شيء. فإن لم يكن تمر، فيحنكه بحلو (4) . لما في الصحيحين عن أبي موسى قال: «ولد لي غلام، فأتيت به النبي صلّى الله عليه وسلم ، فسماه:\r-------------------------------\r(1) مغني المحتاج: 296/4، المهذب: 242/1، المغني: 649/8، كشاف القناع: 25/3.\r(2) رواه أبو داود والترمذي وصححاه. وفي رواية أحمد: الحسين.\r(3) رواه البيهقي، كما روى الحديث الذي قبله، لكن قال: في إسنادهما ضعف. لكن حديث الأذان فقط صحيح كما أبنت.\r(4) مغني المحتاج: 296/4، المهذب: 242/1، المغني: 650/8، كشاف القناع: 25/3.","part":4,"page":288},{"id":2384,"text":"إبراهيم، وحنكه بتمرة» زاد البخاري: «ودعا له بالبركة، ودفعه إلي، وكان أكبر ولد أبي موسى» . وروى أنس قال: «ذهبت بعبد الله بن أبي طلحة إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلم ، حين ولد، فقال: هل معك تمر؟ قلت: نعم، فناولته تمرات، فلاكهن، ثم فغر فاه، ثم مجّه فيه، فجعل يتلمظ، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلم : حَب الأنصار: التمر، وسماه: عبد الله » (1) .\rويندب أن يُهنَّأ الوالد، بأن يقال له: «بارك الله لك في الموهوب لك، وشكرت الواهب، وبلغ أشده، ورزقت بره » ويرد هو على المهنئ، فيقول: «بارك الله لك، وبارك عليك» أو: «أجزل الله ثوابك» أو نحو ذلك (2) .\rويستحب حلق رأس المولود في اليوم السابع من ولادته، وأن يُسمى فيه، بعد ذبح العقيقة، ويُتَصدَّق بوزن شعره ذهباً أو فضة (3) ، لأنه صلّى الله عليه وسلم أمر فاطمة، فقال: «زِني شعر الحسين، وتصدقي بوزنه فضة» (4) ، كما قال لها لما ولدت الحسن: «احلقي شعر رأسه، فتصدقي بوزنه من الوَرِق» (5) أي الفضة. وقيس بالفضة: الذهب.\rويكره الختان يوم الولادة ويوم السابع عند الحنفية؛ لأنه من فعل اليهود. ويستحب عند الشافعية أن يكون الختان في اليوم السابع من ولادته، لما أخرجه البيهقي عن عائشة: « أن النبي صلّى الله عليه وسلم ختن الحسن والحسين يوم السابع من ولادتهما» . والختان للذكر بقطع الجلدة التي تغطي الحشفة: سنة مؤكدة عند\r-------------------------------\r(1) متفق عليه بين أحمد والشيخين (نيل الأوطار: 136/5).\r(2) مغني المحتاج، المكان السابق.\r(3) القوانين الفقهية: ص 192، مغني المحتاج: 295/4، المهذب: 241/1، كشاف القناع: 25/3.\r(4) رواه الحاكم وصححه.\r(5) رواه أحمد عن أبي رافع (نيل الأوطار: 136/5).","part":4,"page":289},{"id":2385,"text":"المالكية والحنفية للذكور، والخفاض في النساء مكرمة وهي قطع أدنى جزء من الجلدة التي في أعلى الفرج، ويندب ألا تَنْهَك، أي لا تجور في قطع الجلدة التي في أعلى الفرج لأجل تمام اللذة في الجماع. وقال الشافعية: الختان فرض على الذكور والإناث، وقال أحمد: الختان واجب على الرجال، مكرمة في حق النساء (1) ، ويجري هذا عادة في البلاد الحارة. ويستحب أن يؤخر عند المالكية حتى يؤمر الصبي بالصلاة، وذلك من السبع إلى العشر.\rوحكمة الختان: المبالغة في الطهارة والنظافة، وتمييز المسلم من غيره. ويسن أن يحسن الوالد اسم المولود (2) لخبر: «إنكم تدعون يوم القيامة بأسمائكم، وأسماء آبائكم، فحسِّنوا أسماءكم» (3) . وأفضل الأسماء: عبد الله ، وعبد الرحمن، لخبر مسلم: «أحب الأسماء إلى الله تعالى: عبد الله ، وعبد الرحمن» ، زاد أبو داود: «وأصدقها: حارث وهمام، وأقبحها: حرب ومرة» . ومثل ذلك كل ما أضيف إلى أسماء الله الحسنى. ومثله أسماء الأنبياء أو الملائكة لحديث: «تسموا باسمي، ولا تكنوا بكنيتي» (4) . قال مالك: سمعت أهل المدينة يقولون: «ما من أهل بيت فيهم اسم محمد، إلا رزقوا رزق خير» . فالتكني بأبي القاسم حرام (5) .\rوتكره الأسماء القبيحة، كشيطان وظالم وشهاب وحمار وكليب، وما\r-------------------------------\r(1) الشرح الكبير: 126/2، شرح الرسالة: 393/1 ومابعدها، المغني: 85/1 ومابعدها. القوانين الفقهية: ص 192، الإفصاح لابن هبيرة: 206/1، الدرر المباحة في الحظر والإباحة للشيباني النحلاوي: ص 33، شرح العناية على الهداية في تكملة الفتح: 99/8.\r(2) مغني المحتاج: 294/4 ومابعدها، المهذب: 242/1، كشاف القناع: 22/3 ومابعدها.\r(3) رواه أبو داود.\r(4) رواه أبو نعيم.\r(5) ثبت النهي عن التكني بأبي القاسم، لكن كان ذلك في زمنه عليه السلام، أو في حالة الجمع بينه وبين اسم (محمد) كما قال النووي، وهو الأولى.","part":4,"page":290},{"id":2386,"text":"يتشاءم بنفيه عادة، كنجيح وبركة، لخبر: «لا تسمين غلامك: أفلح ولا نجيحاً، ولا يساراً، ولا رباحاً، فإنك إذا قلت: أثمَّ هو؟ قال: لا» ، ويسن أن تغير الأسماء القبيحة، وما يتطير بنفيه لخبر مسلم: «أنه صلّى الله عليه وسلم غيَّر اسم عاصية، وقال: أنت جميلة» . وفي الصحيحين أنه غير اسم بَرّة إلى زينب، وهي زينب بنت جحش.\rويجوز التسمية بأكثر من اسم واحد، والاقتصار على اسم واحد أولى، لفعله صلّى الله عليه وسلم بأولاده.\rويكره كراهة شديدة التسمية بست الناس أو العلماء، أو القضاة، أو العرب، لأنه كذب.\rولا تجوز التسمية بملك الأملاك وشاهان شاه، ومعناه: ملك الأملاك وليس ذلك إلا الله .\rوالتسمية بعبد النبي قد تجوز إذا قصد به التسمية ، لا النبي صلّى الله عليه وسلم ، ومال الأكثرون إلى المنع منه، خشية التشريك لحقيقة العبودية، واعتقاد حقيقة العبودية.\rولا تجوز التسمية بعبد الكعبة، وعبد العزى.\rويحرم تلقيب الشخص بما يكره، وإن كان فيه، كالأعور والأعمش، ويجوز ذكره بنية التعريف لمن لم يعرفه إلا به.\rوتجوز الألقاب الحسنة، كألقاب الصحابة مثل عمر الفاروق، وحمزة أسد الله، وخالد سيف الله .\rويحرم التسمية بما لا يليق إلا بالله ، كقدوس، والبر، وخالق، والرحمن، لأن معنى ذلك لا يليق بغيره تعالى. وتستحب كما تقدم التهنئة بالمولود بين الرجال وبين النساء، بأن يقال: بارك الله لك في الموهوب لك، وشكرت الواهب، وبلغ أشده، ورُزقت بِرَّه. ويجيب الوالد والوالدة: بارك الله لكم، وبارك عليكم، وأجزل ثوابكم.","part":4,"page":291},{"id":2387,"text":"البَاب التَّاسع: الذّبائح والصّيد\rوفيه فصلان:\rالفصل الأول ـ في الذبائح\rالفصل الثاني ـ في الصيد\rالفَصْلُ الأوَّل: الذّبائح\rوفيه مقدمة في الذبح وحكمه، وأربعة مباحث:\rالمبحث الأول ـ في الذابح أو المذكي.\rالمبحث الثاني ـ في الذبح أو التذكية (صفة التذكية، شروطها، سننها، مكروهاتها، أنواعها، ما يحرم أكله من المذبوح ـ أثر ذكاة الأم في الجنين، أثر الذكاة في المشرف على الموت أو المريض، أثر الذكاة في غير المأكول).\rالمبحث الثالث ـ في آلة الذبح.\rالمبحث الرابع ـ في الذبيحة أو المذكى ـ ما يؤكل من الحيوان وما لا يؤكل.\rالمقدمة ـ تعريف الذبح وحكمه شرعاً :\rالذبح أو الذكاة أو التذكية لغة: القطع أو الشق وإزهاق الحيوان. واصطلاحاً: يختلف بحسب الواجب قطعه في كل مذهب. فعند الحنفية والمالكية (1) : هو فري العروق، والعروق التي تقطع في الذكاة أربعة: الحلقوم، والمريء، والودجان (2) . ومحله ما بين الَّلبة والَّلحيين (عظمي الحنك)، لقول النبي صلّى الله عليه وسلم : «الذكاة: ما بين الَّلبة والِّلحية» (3) أي محل الذكاة: ما بين اللبة واللحيين. واللبة: أسفل العنق. واللحية شعر الذقن. والنحر: فري الأوداج، ومحله: آخر الحلق، والذكاة الاضطرارية: جرح في أي موضع كان من البدن.\rوعند الشافعية والحنابلة (4) : الذكاة: ذبح حيوان مقدور عليه مباح أكله بقطع الحلقوم والمري. ومحله الحلق: أعلى العنق، أو اللبة: أسفل العنق فيسمى نحراً (5) ، أوعقر مزهق للروح عند التعذر في أي موضع كان. والخلاصة باتفاق المذاهب أن الذكاة: هي ذبح أو نحر أوعقر حيوان مباح الأكل.\rوحكمه: أنه شرط حل الأكل في الحيوان البري المأكول، فلا يحل شيء من الحيوان المأكول بغير ذكاة شرعية، لقوله تعالى: {حرمت عليكم الميتة والدم ولحم\r-------------------------------\r(1) البدائع: 41/5، تكملة الفتح: 52/8، اللباب مع الكتاب: 225/3 ومابعدها، الشرح الكبير: 99/2.\r(2) الحلقوم هو الحلق، والمري: مجرى الطعام والشراب، والودجان: عرقان عظيمان في جانبي العنق، بينهما الحلقوم والمريء.\r(3) قال الزيلعي عنه: غريب بهذا اللفظ، وأخرج الدارقطني عن أبي هريرة: «ألا إن الذكاة في الحلق واللبة» وإسناده ضعيف جداً. وأخرجه عبد الرزاق موقوفاً على ابن عباس وعلى عمر: «الذكاة في الحلق واللبة» (نصب الراية: 185/4).\r(4) مغني المحتاج: 265/4،270، كشاف القناع: 201/3.\r(5) يسن نحر الإبل، وذبح البقر والغنم (نيل الأوطار: 122/5).","part":4,"page":292},{"id":2388,"text":"الخنزير، وما أهل لغير الله به، والمنخنقة، والموقوذة، والمتردية، والنطيحة، وما أكل السبع، إلا ما ذكيتم} [المائدة:3/5] فقد علق الحل بالتذكية.\rولقوله صلّى الله عليه وسلم : «ما أنهر الدم، وذكر اسم الله عليه، فكلوا ما لم يكن سناً أو ظفراً، وسأحدثكم عن ذلك: أما السن فعظم، وأما الظُّفر فمدى الحبشة» (1) .\rوالحكمة من الذبح: مراعاة صحة الإنسان العامة، ودفع الضرر عن الجسم، بفصل الدم عن اللحم وتطهيره من الدم؛ لأن تناول الدم المسفوح حرام بسبب إضراره بالإنسان، لأنه مباءة الجراثيم والمكروبات، ولكل دم زمرة أو فصيلة تناسبه، فيمنع الاختلاط بين الدماء، ويعد الدم نجساً تنفيراً منه. قال بعض العلماء: والحكمة في اشتراط الذبح وإنهار الدم تمييز حلال اللحم والشحم من حرامهما، وتنبيه على تحريم الميتة لبقاء دمها.\rالمبحث الأول ـ الذابح\rالذابح أحد أصناف ثلاثة: صنف تحرم ذكاته بالاتفاق، وصنف تجوز تذكيته بالاتفاق، وصنف مختلف فيه (2) .\rفالذابح الذي لا تؤكل ذبيحته وتحرم بالاتفاق: هو الكافر من غير أهل الكتاب، كالمشرك أو الوثني عابد الأصنام، والملحد الذي لا يدين بدين، والمرتد وإن تدين بدين أهل الكتاب، والزنديق، لقوله تعالى: {وما ذُبح على النُّصُب} [المائدة:3/5] وقوله: {وما أهل لغير الله به} [المائدة:3/5] لأنه يحرم الاتجاه\r-------------------------------\r(1) رواه الجماعة عن رافع بن خديج (نيل الأوطار: 141/8).\r(2) بداية المجتهد: 435/1، القوانين الفقهية: ص 180، الميزان: 60/2، رحمة الأمة بهامش الميزان للدمشقي: 154/1، البدائع: 45/5، المهذب: 251/1، المغني: 564/8، كشاف القناع: 203/6.","part":4,"page":293},{"id":2389,"text":"بالذبح إلى غير الله تعالى، والمرتد لا يقر على الدين الذي انتقل إليه، وبناء عليه تحرم اللحوم المستوردة من البلاد الوثنية كاليابان، أو الشيوعية كروسيا والصين، أو التي لا تدين بدين سماوي كالهند. كماتحرم ذبيحة الباطنية إلا من ثبت إيمانه بالإسلام وترك ملته.\rوالذابح المتفق على ذكاته: هو المسلم البالغ العاقل الذكر، الذي لا يضيع الصلاة، لقوله تعالى: {إلا ما ذكيتم} [المائدة:3/5] والخطاب فيه موجه للمسلمين.\rوأشهر المختلف في تذكيته بين الفقهاء: أهل الكتاب والمجوس والصابئون، والمرأة والصبي والمجنون والسكران، والسارق والغاصب.\r1 ً ـ ذبيحة الكتابي: فأما أهل الكتاب: فتجوز من حيث المبدأ ذبائحهم بالإجماع (1) لقوله تعالى: {وطعام الذين أوتوا الكتاب} ـ أي ذبائحهم ـ {حل لكم، وطعامكم حل لهم} [المائدة:5/5]. والجائز: هو ما يعتقدونه في شريعتهم حلالاً لهم، ولم يحرم عليهم، كلحم الخنزير، ولو لم يعلم أنهم سموا الله تعالى، أو كانت الذبيحة لكنائسهم وأعيادهم ولو اعتقدوا تحريمه كالإبل. قال ابن عباس: «وإنما أحلت ذبائح اليهود والنصارى من أجل أنهم آمنوا بالتوراة والإنجيل» (2) .\rإلا أن الإمام مالك قال: ذبائحهم المحرمة عليهم مكروهة لنا، كالإبل والشحوم الخالصة، وهي المذكورة في قوله تعالى: {وعلى الذين هادوا حرمنا كل\r-------------------------------\r(1) البدائع، المكان السابق، تكملة الفتح: 52/8، تبيين الحقائق: 287/5، رد المحتار: 208/5، بداية المجتهد: 436/1، الشرح الكبير: 99/2، المنتقى على الموطأ: 112/2، مغني المحتاج: 266/4 ومابعدها، المغني: 567/8 ومابعدها. تفسير القرطبي: 76/6، أحكام القرآن للجصاص: 146/1.\r(2) رواه الحاكم وصححه.","part":4,"page":294},{"id":2390,"text":"ذي ظفر (1) ، ومن البقر والغنم، حرمنا عليهم شحومهما، إلا ما حملت ظهورهما، أو الحوايا، أو ما اختلط بعظم} [الأنعام:146/6]. وأجازها الجمهور لأنها مسكوت عنها في شرعنا، فتبقى على أصل الإباحة.\rوكذلك تكره عند المالكية والشافعية وفي رواية عن أحمد المذبوحة لكنائسهم وأعيادهم، لما فيها من تعظيم شركهم، ولأن الذابح قصد بقلبه الذبح لغير الله ، ولم يذكر اسم الله عليه. وهذا هو الأصوب.\rوأما إذا علم أن الذابح سمى على الذبيحة غير اسم الله ، بأن ذبح النصراني باسم المسيح، واليهودي باسم العزير، فقال الجمهور بعدم الحل لقوله تعالى: {وما أهل لغير الله به} [المائدة:3/5] {ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه} [الأنعام:121/6] وهذا هو الأولى بالصحة؛ لأن المراد بحل ذبائحهم ما ذبحوه بشرطه كالمسلم.\rوقال المالكية: بكراهة ذلك في غير حرمة، لعموم آية {وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم} [المائدة:5/5] لأنه قد علم الله أنهم سيقولون على ذبائحهم مثل ذلك، ولأن تسميتهم باسم الإله حقيقة ليست على طريق العبادة، فكانت التسمية منهم وعدمها على سواء.\rوقيد الشافعية حل ذبيحة الكتابي وزواج الكتابية بشرط هو ما يأتي (2) :إن لم يكن الكتابي إسرائيلياً: فالأظهر الحل إن علم دخول قومه (أي أول من تدين من آبائه) في ذلك الدين (أي دين موسى وعيسى عليهما السلام) قبل نسخه وتحريفه، لتمسكهم بذلك الدين حين كان حقاً.\r-------------------------------\r(1) قال قتادة: تفسير كل ذي ظفر: هي الإبل والنعام والبط وكل ما ليس بمشقوق الأصابع.\r(2) مغني المحتاج: 187/3 وما بعدها.","part":4,"page":295},{"id":2391,"text":"وإن كان الكتابي إسرائيلياً (1) فالشرط فيه: ألا يعلم دخول أول آبائه في ذلك الدين بعد بعثة تنسخه، بأن علم دخول أول آبائه في ذلك الدين قبل البعثة، أو شك. فإن علم دخوله فيه بعد تحريفه، أو بعد بعثه لا تنسخه، كبعثة بين موسى وعيسى، فإنه يحل ذبحه، وتزوج الأنثى (2) . وفي علمي أنه لا دليل للشافعية على هذا الشرط؛ لأن الصحابة رضي الله تعالى عنهم أكلوا من ذبائح الكتابيين وتزوجوا من نسائهم، ولم يبحثوا عن توافر هذا الشرط.\r2 ً ـ ذبيحة المجوس: لا تؤكل ذبيحة المجوس وصيدهم (3) ؛ لأنهم مشركون ليسوا من أهل الكتاب، إذ يعتقد المجوسي بخالقين اثنين: للخير والشر، ولقوله صلّى الله عليه وسلم : «سنوا بهم سنة أهل الكتاب غير ناكحي نسائهم، ولا آكلي ذبائحهم» (4) وقد روى أحمد بإسناده عن قيس بن سكن الأسدي قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم : «إنكم نزلتم بفارس من النَّبط، فإذا اشتريتم لحماً، فإن كان من يهودي أو نصراني، فكلوا، وإ ن كان ذبيحة مجوسي، فلا تأكلوا» .\r3 ً ـ ذبيحة الصابئة: الصابئون إن وافقوا أهل الكتاب في أصول العقائد تؤكل ذبائحهم، وإن لم يوافقوهم وكان دينهم بين المجوسية والنصرانية، أو يعتقدون بتأثير النجوم، فلا تؤكل ذبائحهم (5) . وهذا التفصيل وهو رأي الشافعية هو الأولى خلافاً لمن قال بالحل كأبي حنيفة، أو بالحرمة مطلقاً وهم المالكية.\r-------------------------------\r(1) وهو المنسوب إلى إسرائيل، وهو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم الصلاة والسلام.\r(2) ولم يجز الشيعة الإمامية أكل ذبيحة الكتابي لقول جعفر الصادق: «لا تأكلوا ذبائحهم» ولأن الإله الذي يذكرون اسمه ـ إن ذكروه ـ هو أبو المسيح أو أبو عزير، فوجود هذا اللفظ كعدمه. (المختصر النافع في فقه الإمامية: ص 251).\r(3) تبيين الحقائق: 287/5، البدائع: 45/5، الدر المختار: /209، بداية المجتهد: 438/1، مغني المحتاج: 266/4، المغني: 570/8.\r(4) غريب بهذا اللفظ، وروي من طريق آخر، مطعون السند (نصب الراية: 181/4). ومن تمسك بحل ذبيحة المجوسي كأبي ثور احتج بالشق الأول منه وهو «سنوا بهم سنة أهل الكتاب» .\r(5) القوانين الفقهية: ص 180، بداية المجتهد: 438/1.","part":4,"page":296},{"id":2392,"text":"4 ً ـ ذبيحة المرأة والصبي: تحل ذبيحة المرأة ولو حائضاً، والصبي المميز (1) ؛ لأن للمرأة أهلية كاملة، لكن يستحب كون الذابح رجلاً؛ لأنه أقوى على الذبح من المرأة، ولأن للصبي قصداً صحيحاً، فأشبه البالغ. وتصح ذبيحة غير المميز مع الكراهة عند الشافعية؛ لأن له قصداً وإرادة في الجملة. ولا تصح ذبيحته عند جمهور الفقهاء لأنه لا قصد له، فلا يعقل التسمية، ولا يضبط الذبيحة، أي فلا يعلم شرائط الذبح من فري الأوداج والتسمية.\r5 ً ـ المجنون والسكران: لا تحل ذبيحتهما عند الجمهور، لأنه لا قصد لهم كالصبي غير المميز، وأجاز الشافعية في الأظهر مع الكراهة ذبيحتهما؛ لأن لهما قصداً وإرادة في الجملة (2) .\r6 ً ـ السارق والغاصب: أجاز جمهور الفقهاء غير الظاهرية ذبيحتهما، وذبيحة المستكره؛ لأن لهما قصداً صحيحاً، ولأنه ليس وجود الملك شرطاً من شروط التذكية (3) ، بدليل ما ثبت في السنة من إباحة ذبحهما مع الكراهية، في حديث الشاة المصلية (المشوية أو المطبوخة) التي ذبحت بغير إذن صاحبها، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلم : «أطعموها الأسارى» (4) .\rشروط الذابح: مما سبق تعرف شروط الذابح: وهي أن يكون مميزاً عاقلاً، مسلماً أو كتابياً: ذمياً أو حربياً أو من نصارى بني تغلب، قاصداً التذكية، ولو كان\r-------------------------------\r(1) تكملة الفتح: 52/8، اللباب: 223/3، الدر المختار وحاشيته: 209/5، تبيين الحقائق: 287/5، بداية المجتهد: 438/1، القوانين الفقهية: ص 181، الشرح الكبير: 99/2، مغني المحتاج: 267/4، المهذب: 251/1، كشاف القناع: 203/6، المغني: 564/8، 567، 573، 583.\r(2) المراجع السابقة.\r(3) بداية المجتهد: 438/1 ومابعدها، القوانين الفقهية: ص 181.\r(4) رواه أحمد وأبو داود والدارقطني عن عاصم بن كليب (نيل الأوطار: 321/5 ومابعدها).","part":4,"page":297},{"id":2393,"text":"مكرهاً على الذبح، ذكراً أو أنثى، طاهراً أو حائضاً أو جنباً، بصيراً أوأعمى، عدلاً أو فاسقاً؛ لعموم الأدلة وعدم المخصص، فلا يصح ذبح غير المميز والمجنون والسكران عند الجمهور خلافاً للشافعي، ولا تؤكل ذبيحة المشرك والمجوسي والوثني والمرتد، وتكره عند الشافعية ذكاة الأعمى وغير المميز والمجنون والسكران. وتكره عند الكل ذبيحة النصراني أو اليهودي والفاسق وتارك الصلاة.\rودليل إباحة ذبيحة المرأة: أن جارية لكعب بن مالك كانت ترعى غنماً بسَلْع، فأصيبت شاة منها، فأدركتها فذبحتها بحجر، فسأل النبي فقال: «كلوها» (1) .\rالمبحث الثاني ـ الذبح أو التذكية :\rوفيه ثلاثة عشر مطلباً:\rالمطلب الأول - عدد المقطوع :\rاتفق العلماء على أن الذبح الذي يقطع فيه الودجان والمري والحلقوم مبيح للأكل. واختلفوا في الحد الأدنى الذي يجب قطعه:\r1 - فقال أبو حنيفة (2) : يجب قطع الأكثر من أربعة أي ثلاثة منها: وهي الحلقوم، والمري والودجان، فلو ترك الذابح واحداً منها يحل. لحديث «أفر الأوداج بما شئت» (3) والأوداج: اسم جمع، أقله ثلاثة.\r-------------------------------\r(1) رواه أحمد والبخاري (نيل الأوطار: 139/8).\r(2) البدائع: 41/5، الدر المختار: 207/5، تبيين الحقائق: 290/5، اللباب: 226/3، تكملة فتح القدير: 57/8.\r(3) قال الزيلعي عنه: غريب. ولفظه المؤيد له: ما رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه عن عدي بن حاتم: «أمرر الدم بما شئت، واذكر اسم الله » وروى ابن أبي شيبة عن رافع بن خديج: «كل ما أفرى الأوداج إلا سناً أو ظفراً» (نصب الراية: 185/4 ومابعدها).","part":4,"page":298},{"id":2394,"text":"وقال أبو يوسف: لا بد من قطع الحلقوم والمري وأحد الودجين؛ لأن كل واحد من العروق يقصد بقطعه غير ما يقصد به الآخر؛ لأن الحلقوم مجرى النفَس، والمري: مجرى الطعام، والودجين مجرى الدم.\rوقال محمد: لا يحل حتى يقطع من كل واحد من الأربعة أكثره، لأنه إذا قطع الأكثر من كل واحد من الأربعة، فقد حصل المقصود بالذبح، وهو خروج الدم.\r2 - وقال المالكية في المشهور عندهم (1) : لا بد من قطع جميع الحلقوم وجميع الودجين. ولا يشترط قطع المري عندهم. فكان مذهبهم قريباً من الحنفية، ودليلهم المفهوم من حديث رافع بن خَديج: «ما أنهر الدم، وذكر اسم الله عليه، فكل» (2) وحديث أبي أمامة: «ما أفرى الأوداج، ما لم يكن قرض سن، أو جزّ ظفر» (3) فالأول: يقتضي قطع بعض الأوداج فقط، وهو معنى إنهار الدم، والثاني: يقتضي قطع جميع الأوداج، ولا يمكن قطع الودجين بدون الحلقوم، لاحاطتهما به. وهذا أدق وأصح الآراء.\r3 - وقال الشافعية والحنابلة (4) : لا بد من قطع كل الحلقوم (مجرى النفَس) والمري (مجرى الطعام)؛ لأن الحياة تفقد بفقدهما. ويستحب قطع الودجين (وهما عرقان في صفحتي العنق)؛ لأنه من الإحسان في الذبح، وخروجاً من الخلاف. وإجزاء قطع الحلقوم والمري مشروط بوجود الحياة المستقرة عند أول قطعهما (بأن\r-------------------------------\r(1) الشرح الكبير: 99/2، بداية المجتهد: 431/1، القوانين الفقهية: ص 184.\r(2) متفق على صحته، رواه الجماعة (نيل الأوطار: 141/8).\r(3) أخرجه الطبراني في معجمه (نصب الراية: 186/4).\r(4) مغني المحتاج: 270/4، المهذب: 252/1، كشاف القناع: 204/6، المغني: 575/8، بجيرمي الخطيب: 248/4.","part":4,"page":299},{"id":2395,"text":"أسرع في الذبح فقطعهما دفعة، وإلا اشترطت عند آخر قطع)، فإن لم يسرع قطعهما (بأن أسرع في الذبح فقطعهما دفعة، وإلا اشترطت عند آخر قطع)، فإن لم يسرع قطعهما ولم تكن فيه حياة مستقرة، بل انتهى لحركة مذبوح، لم يحل؛ لأنه صار ميتة، فلا يفيده الذبح بعدئذ.\rالمطلب الثاني ـ موضع القطع :\rلا خلاف في أنه إذا قطعت جوزة الحلقوم (أي العقدة التي في أعلى الحلق) في نصفها، وخرج بعضها إلى جهة البدن، وبعضها إلى جهة الرأس، حلت الذبيحة.\rفإن لم تقطع الجوزة في نصفها، وخرجت إلى جهة البدن، فقال جمهور الفقهاء غير الحنفية: لا تؤكل؛ لأن قطع الحلقوم شرط في الذكاة، فلا بد أن تقطع الجوزة، لأنه إذا قطع فوق الجوزة فقد خرج الحلقوم سليماً. وعلى هذا فلا بد من أن يبقى من الجوزة تدويرتان كاملتان: إحداهما من أعلى، والثانية من أسفل، وإلا لم يحل المذبوح، لأنه حينئذ يسمى مزعاً لا ذبحاً.\rوقال الحنفية وبعض المالكية: تؤكل، لأنه لا يشترط قطع الحلقوم ذاته، فإن قطع فوق الجوزة، جاز (1) لأنه يشترط فقط قطع أكثر الأوداج، وقد وجد.\rوعبارة الحنفية: المختار أن كل شيء ذبح وهو حي، أكل، وعليه الفتوى، لقوله تعالى: {إلا ما ذكيتم} [المائدة:3/5] من غير تفصيل.\r-------------------------------\r(1) الشرح الكبير: 99/2، بداية المجتهد: 432/1، اللباب شرح الكتاب: 225/3 ومابعدها، القوانين الفقهية: ص 184، رد المحتار: 207/5.","part":4,"page":300},{"id":2396,"text":"المطلب الثالث ـ الذبح من القفا :\rقال المالكية (1) : لا يؤكل ما ذبح من القفا، ولا في صفحة العنق إذا وصل من ذلك إلى قطع ما يجب في الذكاة؛ لأن القاطع للعروق أعضاء الذكاة من القفا، لا يصل إليها بالقطع إلا بعد قطع النخاع الشوكي، وهو مقتل من المقاتل، فيحصل الذبح لحيوان قد أصيب مقتله.\rوقال جمهور الفقهاء (2) : يكره ذبح الحيوان من القفا، أو من صفحة العنق، فلو فعل ذلك عصى لما فيه من التعذيب. لكن إن حدث القطع على وجه السرعة، وأتت السكين على موضع الذبح، وفي الحيوان حينئذ حياة مستقرة حتى تقطع العروق عند الحنفية، والحلقوم والمري عند الشافعية والحنابلة، جاز أكله، وإلا لم يحل لموته بلا ذكاة. ويعلم وجود الحياة المستقرة بوجود الحركة أو انفجار الدم بعد قطع موضع الذبح، فهي دليل بقاء الحياة المستقرة قبله. فإن لم يعلم وشك، هل توجد الحياة المستقرة قبل قطع موضع الذبح نظر: فإن كان الغالب بقاء ذلك لحدة الآلة وسرعة القطع، أبيح أكله، وإن كانت الآلة كالَّة (لا تقطع)، وأبطأ قطعه، وطال تعذيبه للحيوان لم يبح أكله؛ لأنه مشكوك في وجود ما يحله، وصار ميتة، فلا يفيده الذبح بعدئذ.\rالمطلب الرابع ـ قطع النخاع :\rإن تمادى الذابح بالذبح حتى قطع النخاع (3) ، أو قطع كل الرقبة (إبانة\r-------------------------------\r(1) بداية المجتهد، القوانين الفقهية: المكان السابق، الشرح الكبير: 99/2، شرح الرسالة: 379/1.\r(2) الدر المختار: 208/5، اللباب: 227/3، تكملة الفتح: 60/8، الشرح الصغير: 174/2، القوانين الفقهية وبداية المجتهد: المكان السابق، المهذب: 252/1، مغني المحتاج: 271/4، كشاف القناع: 205/6، الميزان: 60/2، المغني: 578/8 ومابعدها.\r(3) النخاع: وهو عرق أبيض يمتد من الدماغ، ويستبطن فقرات الرقبة إلى عَجب الذنب (أي أصل الذنب).","part":4,"page":301},{"id":2397,"text":"الرأس)، كره الذبح عند جمهور الفقهاء غير الحنابلة (1) ، لما روي عن عمر رضي الله عنه أنه نهى عن النَّخْع (بلوغ السكين النخاع) ولأن فيه زيادة تعذيب، فإن فعل ذلك لم يحرم؛ لأن قطع النخاع يوجد بعد حصول الذكاة.\rوقال الحنابلة (2) : لو أبان رأس الحيوان المأكول بالذبح أو بسيف، أبيح مطلقاً، لإفتاء علي وعمران بن حصين بأكله.\rالمطلب الخامس ـ فورية الذبح :\rيشترط الإسراع أو الفورية في إكمال الذبح عند جمهور الفقهاء (3) ، فإن رفع يده قبل تمام الذبح، ثم أعادها فوراً، تؤكل الذبيحة. فإن تباعد ذلك لم تؤكل، لأن الذكاة طرأت على منفوذة المقاتل، أي التي نفذ فيها أثر القتل قبل الذبح فصارت ميئوسة مقطوعاً بموتها. وقال الحنفية (4) : يستحب التذفيف (الإسراع) في قطع الأوداج، ويكره الإبطاء فيه، للحديث: «وليرح ذبيحته» والإسراع نوع راحة له.\rالمطلب السادس ـ شروط الذبح أو التذكية الشرعية :\rيشترط لجواز التذكية أو الذبح شروط أخرى عدا ما ذكر من قطع العروق، والفورية، وكون الذابح مسلماً أو كتابياً، وهي ما يأتي:\r-------------------------------\r(1) الدر المختار، بداية المجتهد، المهذب، المكان السابق، القوانين الفقهية: ص 581، اللباب مع الكتاب: 227/3.\r(2) كشاف القناع: 205/6 ومابعدها.\r(3) رد المحتار: 207/5، بداية المجتهد، القوانين الفقهية: المكان السابق، مغني المحتاج: 271/4، كشاف القناع: 204/6، شرح رسالة القيرواني: 379/1.\r(4) البدائع: 60/5.","part":4,"page":302},{"id":2398,"text":"أولاً ـ النية أو القصد: أي قصد الفعل لتؤكل لا مجرد إزهاق الروح: يشترط في الذبح باتفاق الفقهاء (1) قصد عين المذبوح بالفعل، وإن أخطأ في الظن، أو قصد الجنس، وإن أخطأ في الإصابة. فلو تم قطع العروق بغير نية الذبح، إذ لم يقصد أحد تحقيقه، لم تحل الذبيحة، كما لوضرب حيواناً بآلة، فأصابت منحره، أو أصابت صيداً، أو قصد مجرد إزهاق روحه من غير قصد تذكية، لم يؤكل (2) .\rثانياً ـ التسمية عند التذكية حالة التذكر: بأن يقول: ( بسم الله ) عند حركة يده بالذبح أو النحر أو العقر، ويسن التكبير مع التسمية بأن يقول: ( بسم الله، والله أكبر ). قال جمهور الفقهاء غير الشافعية (3) : تشترط التسمية عند التذكية وعند الإرسال في العقر، فلا تحل الذبيحة، سواء أكانت أضحية أم غيرها، في حال ترك التسمية عمداً، وكانت ميتة. فلو تركها سهواً، أو كان الذابح المسلم أخرس أو مستكرهاً، تؤكل لقوله تعالى: { ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه، وإنه لفسق } [الأنعام:121/6] وأضاف الحنابلة: من ترك التسمية على الصيد عامداً أو ساهياً، لم يؤكل. وعلى هذا فتحقيق المذهب عندهم أن التسمية على الذبيحة تسقط بالسهو، وعلى الصيد لا تسقط. وقال الظاهرية: تشترط التسمية مطلقاً، ولا يؤكل متروك التسمية عمداً أو سهواً.\r-------------------------------\r(1) تكملة الفتح: 53/8، تبيين الحقائق: 287/5، رد المحتار: 209/5، الشرح الكبير: 106/2، بداية المجتهد: 435/1، القوانين الفقهية: ص 184، مغني المحتاج: 276/4 ومابعدها، المغني: 581/8، كشاف القناع: 202/6.\r(2) قال النووي في المنهاج (مغني المحتاج، المكان السابق): «لو كان بيد شخص سكين مثلاً، فسقط من يده، وانجرح به صيد، أو احتكت به شاة، وهو في يده، فانقطع حلقومها ومريئها، أو استرسل كلب، فأغراه صاحبه، فزاد عَدْوه لم يحل الصيد في الأصح، لاجتماع الاسترسال المانع والإغراء المبيح، فغلب جانب المنع» .\r(3) البدائع: 46/5، تكملة الفتح: 54/8، تبيين الحقائق: 288/5، الدر المختار: 210/5، الشرح الكبير: 106/2، بداية المجتهد: 434/1، القوانين الفقهية: ص 185، كشاف القناع: 206/6، المغني: 656/8.","part":4,"page":303},{"id":2399,"text":"وقال الشافعية (1) : تسن التسمية ولا تجب وتركها مكروه، لقوله تعالى: {فكلوا مما ذكراسم الله عليه} [الأنعام:118/6] فلو ترك التسمية عمداً، أو سهواً، حل الأكل، ولأن الله تعالى في قوله: {إلا ما ذكيتم} [المائدة:3/5] أباح المذكى، ولم يذكر التسمية، وأباح الله تعالى ذبائح أهل الكتاب، وهم لا يسمون غالباً، فدل على أنها غير واجبة.\rأما الذبيحة التي يحرم أكلها، فهي التي ذكر اسم غير الله عليها، وهي التي كانت تذبح للأصنام. وهذا هو المقصود بآية {ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه} [الأنعام:121/6].\rويدل لمذهب الشافعية من السنة أحاديث منها:\rحديث عائشة رضي الله عنها: «إن قوماً قالوا: يا رسول الله : إن قومنا يأتوننا باللحم، لا ندري أذكر اسم الله عليه أم لا؟ فقال: سموا الله عليه أنتم، وكلوا» (2) وفي رواية لمالك: «وكانوا حديثي عهد بالكفر» ولو كانت التسمية واجبة، لما أجاز الأكل مع الشك.\rوحديث عدي بن حاتم، قال: «سألت النبي صلّى الله عليه وسلم عن الصيد؟ فقال: إذا رميت بسهمك، فاذكر اسم الله عليه» (3) .\rوحديث الصلت السدوسي: «ذبيحة المسلم حلال، ذكر اسم الله ، أو لم يذكر» (4) ويذكره الفقهاء بلفظ غريب: «المسلم يذبح على اسم الله تعالى، سمى أو\r-------------------------------\r(1) مغني المحتاج: 272/4، المهذب: 252/1.\r(2) رواه البخاري والنسائي وابن ماجه (نيل الأوطار: 139/8، نصب الراية: 183/4 ومابعدها).\r(3) أخرجه الأئمة الستة في كتبهم (نصب الراية: 184/4).","part":4,"page":304},{"id":2400,"text":"(4) مرسل رواه أبو داود في المراسيل (نصب الراية: 183/4). لم يسم» ، وسأل رجل النبي صلّى الله عليه وسلم : الرجل منا يذبح، وينسى أن يسمي الله ، قال: اسم الله على كل مسلم» (1) وفي لفظ: «على فم كل مسلم» أو «اسم الله في قلب كل مسلم» .\rوالأحاديث الأخرى المطالبة بالتسمية مثل خبر أبي ثعلبة: «فما صدت بقوسك فاذكر اسم الله ، ثم كل...» محمولة على الندب. وهذا الرأي أيسر من غيره، لكن أدلة الجمهور وأحاديثهم أصح وأقوى ثبوتاً وأعم مراداً.\rالمطلب السابع ـ سنن التذكية :\rيستحب في التذكية ما يأتي وهي سنن الذبح (2) :\r1 - التسمية عند من لا يوجبها وهم الشافعية، والتكبير، فيقول: بسم الله ، والله أكبر. ولا يقل: باسم الله واسم محمد، وأضاف الشافعية: ويصلي على النبي صلّى الله عليه وسلم عند الذبح؛ لأنه محل طاعة.\r2 - كون الذبح بالنهار، ويكره تنزيهاً عند الحنفية بالليل، قياساً على الأضحية، خشية الخطأ في الذبح، وقد روي عن رسول الله صلّى الله عليه وسلم أنه نهى عن الأضحية ليلاً، وعن الحصاد ليلاً (3) .\r-------------------------------\r(1) أخرجه الدارقطني، وفيه ضعيف (نصب الراية، المكان السابق).\r(2) البدائع: 60/5، الدر المختار: 208/5، تبيين الحقائق: 291/5، تكملة الفتح: 60/8، بداية المجتهد: 435/1، القوانين الفقهية: ص 185، الشرح الكبير: 271/4 ومابعدها، المهذب: 251/1 ومابعدها، كشاف القناع: 208/6 ومابعدها.\r(3) أخرج الطبراني عن ابن عباس أنه صلّى الله عليه وسلم نهى عن الذبح ليلاً، لكن في إسناده متروك. وفي البيهقي عن الحسن: «نهى عن جذاذ الليل وحصاده، والأضحية بالليل» وهو حديث مرسل (نيل الأوطار: 126/5).","part":4,"page":305},{"id":2401,"text":"3 - توجه الذابح والذبيحة نحو القبلة؛ لأن القبلة جهة معظمة وهي أشرف الجهات، والتذكية عبادة، وكان الصحابة إذا ذبحوا استقبلوا القبلة، ولأن النبي صلّى الله عليه وسلم لما ضحى، وجه أضحيته إلى القبلة، وقال: { وجهت وجهي..} [الأنعام:79/6] الآيتين (1) . فإن لم يستقبل ساهياً أو لعذر، أكلت.\r4 - إضجاع الذبيحة على شقها الأيسر برفق، ورأسها مرفوع. ويأخذ الذابح جلد حلقها من اللحي الأسفل، فيمده، حتى تتبين البشرة، ثم يمر السكين على الحلق تحت الجوزة، حتى يقف في عظم الرقبة. فإن كان أعسر، جاز أن يجعلها على شقها الأيمن. ويكره ذبح الأعسر ويستحب أن يستنيب غيره.\rوتترك رجلها اليمنى تتحرك بعد الذبح لتستريح بتحريكها، إلا الإبل، فالأفضل أن تنحر قائمة معقولة ركبتها اليسرى، لقوله تعالى: {فاذكروا اسم الله عليها صوافّ} [الحج:36/22] كما سيأتي.\r5 - نحر الإبل قائمة معقولة الركبة اليسرى، وذبح البقر والغنم مضجعة لجنبها الأيسر وتترك رجلها اليمنى، وتشد باقي القوائم، لقوله تعالى في الإبل: {فاذكروا اسم الله عليها صوافّ} [الحج:36/22] قال ابن عباس: «أي قياماً على ثلاث» (2) أما الشاة ففي الصحيحين: «أنه أضجعها» وقيس عليها البقر وغيره، لأنه أسهل على الذابح في أخذه السكين باليمين، وإمساك الرأس باليسار.\rولا خلاف بين أهل العلم في استحباب نحر الإبل (3) ، وذبح ما سواها، قال الله تعالى: {فصل لربك وانحر} [الكوثر:2/108] وقال تعالى: {إن الله\r-------------------------------\r(1) رواه ابن ماجه عن جابر (نيل الأوطار: 126/5).\r(2) رواه الحاكم وصححه.\r(3) معنى النحر: أن يضربها بحربة أو نحوها، في الوهدة التي بين أصل عنقها وصدرها.","part":4,"page":306},{"id":2402,"text":"يأمركم أن تذبحوا بقرة} [البقرة:67/2] قال مجاهد: أمرنا بالنحر، وأمر بنو إسرائيل بالذبح (1) . وثبت «أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم نحر بدنة، وضحى بكبشين أقرنين ذبحهما بيده» (2) .\r6 - قطع الأوداج كلها والتذفيف أي الإسراع بالذبح، ويكره قطع البعض دون البعض، لما فيه من إبطاء فوات الحياة. ولايبلغ بالذبح النخاع ( وهو العرق الأبيض الذي يكون في عظم الرقبة ) ولا إبانة الرأس، ولو فعل ذلك يكره، لما فيه من زيادة إيلام من غير حاجة إليه، كما بان سابقاً.\r7 - إحداد الشفرة (السكين العظيمة) قبل الإضجاع، لا بمرأى البهيمة؛ لأنها تعرف الآلة الجارحة كما تعرف المهالك، فتتحرز عنها، فإذا أحد الشفرة، وقد أضجعها، يزداد ألمها. قال النبيصلّى الله عليه وسلم : «إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم، فأحسنوا القِتْلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذِّبحة، وليحد أحدكم شفرته وليرح ذبيحته» (3) وفي سنن البيهقي أن عمر رضي الله عنه «رأى رجلاً وقد أضجع شاة، ووضع رجله على صفحةوجهها، وهو يحد الشفرة، فضربه بالدِّرة» وعن ابن عباس قال: «مر رسول الله صلّى الله عليه وسلم على رجل واضع رجله على صفحة شاة، وهو يحد شفرته، وهي تلحظ إليه ببصرها، قال: أفلا قُتِل هذا، أو يريد أن يميتها موتتين» (4) .\rويستحب ألا يذبح شاة، وأخرى تنظر إليه لما روى ابن عمر: «أن رسول الله\r-------------------------------\r(1) المغني: 575/8 ومابعدها.\r(2) متفق عليه.\r(3) رواه أحمد ومسلم والنسائي وابن ماجه عن شدّاد بن أوس (نيل الأوطار: 141/8) والقتلة والذبحة: هي الهيئة والحالة.\r(4) رواه الطبراني في الكبير والأوسط، ورجاله رجال الصحيح (مجمع الزوائد: 33/4).","part":4,"page":307},{"id":2403,"text":"صلّى الله عليه وسلم أمر أن تحد الشفار، وأن توارى عن البهائم» (1) .\r8 - الترفق بالبهيمة، فلا يضرب بها الأرض، ولا تجر برجلها إلى المذبح؛ لأنه إلحاق زيادة ألم بها من غير حاجة إليها في التذكية.\rالمطلب الثامن ـ مكروهات التذكية :\rيكره في الذبح أو التذكية ترك السنن السابقة، فتكون مكروهات التذكية ما يأتي (2) :\r1 - ترك التسمية عند من لا يوجبها أو لا يشترطها، وهم الشافعية وبعض المالكية. أو قرن اسم الله باسم محمد أو غيره. ويكره عند الحنفية أن يقول الذابح عند الذبح: اللهم تقبل من فلان. وإن قال ذلك قبل التسمية والإضجاع أوبعد الذبح جاز.\r2 - التوجه بالذبيحة لغير القبلة، لمخالفة السنة.\r3 - نحر الشياه وذبح الإبل عند الحنفية، لمخالفة ما ثبت بالسنة، ولا يكره ذلك عند الشافعية والحنابلة، لعدم ورود نهي فيه.\r4 - التعذيب أو زيادة الألم بلا فائدة مثل قطع الرأس، وكسر الرقبة، وبلوغ النخاع، والذبح من القفا (3) ، وجر الحيوان برجله إلى المذبح، وحد الشفرة أمامه بعد الإضجاع، والذبح أمام بهيمة أخرى لمخالفة الثابت في السنة، والسلخ أو النخع (قطع النخاع) قبل أن يبرد الحيوان، لما روي\r-------------------------------\r(1) رواه أحمد وابن ماجه.\r(2) البدائع: 60/5، تبيين الحقائق: 292/5، الدر المختار: 208/5، الشرح الصغير: 173/2، القوانين الفقهية: ص 185، مغني المحتاج: 172/4، كشاف القناع: 208/6 ومابعدها، المغني: 580/8.\r(3) إن بقيت حية حتى تقطع العروق، وإلا لم يحل لحدوث الموت بلا ذكاة.","part":4,"page":308},{"id":2404,"text":"«أن الفَرافِصَة قال لعمر رضي الله عنه: إنكم تأكلون طعاماً لا نأكله، قال: وما ذاك يا أبا حسان؟ فقال: تُعجلون الأنفس قبل أن تزهق (1) . فأمر عمر رضي الله عنه منادياً ينادي: الذكاة في الحلق والَّلبة لمن قدر، ولا تعجلوا الأنفس حتى تزهق» (2) .\r5 ـ الذبح بالسن والظفر والعظم المنزوع عند الحنفية الذين يجيزون التذكية بها، مع الكراهة لما فيه من الضرر بالحيوان كذبحه بشفرة كليلة. أما الذبح بالقائم غير المنزوع من الظفر ونحوه فلا يحل.\rالمطلب التاسع ـ أنواع التذكية :\rالتذكية التي تحل الأكل عند المالكية (3) أربعة أنواع:\r1 - إدماء أو صيد أو عقر في غير المقدور عليه، المتوحش، لا الإنسي الذي يكون من الأنعام، أما الحمام ونحوه فكله صيد، فلو توحش أكل بالعقر.\r2 - وذبح في الحلق بقطع جميع الحلقوم وجميع الودجين للطيور ولو نعامة، والغنم.\r3 - ونحر في اللبة: وهي وسط الصدر للإبل والزرافة (4) . وأما البقر فيجوز فيها الذبح والنحر، لكن يندب فيها الذبح، أي أن الأنعام يشترط فيها الذبح أو النحر.\r4 - فعل يزيل الحياة بأي وسيلة وهو تأثير بقطع أو غيره في الجراد؛ لأن المقرر عند المالكية خلافاً لعامة الفقهاء: أن الجراد لا يؤكل من غير ذكاة، وذكاته عندهم أن يقتل إما بقطع رأسه أو بغير ذلك.\rويجب النحر في الإبل والزرافة، والذبح في غيرها. فإن ذبح ماينحر أو نحر ما يذبح ولو سهواً إن قدر، من غير ضرورة، لم تؤكل الذبيحة. ويجوز للضرورة الذبح في الإبل، والنحر في غيرها كوقوع الحيوان في هوة، أو لعدم وجود آلة الذبح أو النحر.\r-------------------------------\r(1) الأنفس ههنا: الأرواح التي تكون حركة الأبدان بها، وزهوقها: خروجها من الأبدان وذهابها.\r(2) المهذب: 253/1.\r(3) الشرح الكبير: 99/2، 103، 107، بداية المجتهد: 429/1 ومابعدها، القوانين الفقهية: ص 183 ومابعدها.\r(4) الذبح عند المالكية: قطع الحلقوم والودجين من المقدّ بنية. وعقر الحيوان: هو أن يرمى بسهم في أي موضع من جسمه، فيجرحه ويميته. والنحر: ذبح من أعلى الصدر، ويكون في اللَّبة: وهي الوهدة التي بين أصل العنق والصدر.","part":4,"page":309},{"id":2405,"text":"والخلاصة: أن الأنعام إذا توحشت لاتؤكل بالصيد عندهم، لكن يؤكل بالصيد إن تأنس متوحش الأصل ثم هرب، أو توحش الحمام ونحوه؛ لأن كله صيد.\rوكذلك تنقسم التذكية عند الشافعية إلى ثلاثة أقسام: ذبح، ونحر، وعقر، أما الذبح: فهو قطع الحلق ( أعلى العنق ) والمري من الحيوان، وتذكى به جميع الحيوانات.\rوأما النحر: فهو قطع لَبّة الحيوان، وهي أسفل العنق، وهو المسنون في الإبل.\rوأما العقر: فهو ذكاة الضرورة، وهو جرح الحيوان، بأي فعل مزهق للروح. في أي مكان في جسمه. ويستعمل في تذكية الحيوان المأكول إذا ندَّ، ولم يتمكن صاحبه من القدرة عليه. وعلى هذا يرى الجمهور غير المالكية (1) أن الذكاة نوعان: اختيارية، واضطرارية في معنى الصيد.\rأما الاختيارية: فهي الجرح في الحلق ( الحلقوم) مابين اللبة واللحيين، عند القدرة على الحيوان. ولابد من ذبح المستأنس؛ لأن ذكاة الاضطرار إنما يصار إليها عند العجز عن ذكاة الاختيار.\rوالاضطرارية: الجرح في أي موضع كان من البدن عند العجز عن الحيوان، أي كأنها صيد، فتستعمل للضرورة في المعجوز عنه من الصيد والأنعام، أي أنها تستعمل عند الجمهور غير المالكية في الحيوان المتوحش، أو الحيوان المستأنس إذا شرد، ولم يمكن الحصول عليه، لأن التكليف بحسب الوسع. وتسمى هذه الحالة: العقر أي إزهاق الروح في أي موضع كان. ويكون العقر أو ذكاة الضرورة بآلة جارحة لا بمثقل أو حجر أي بالجرح أو الطعن، أو إنهار الدم في أي موضع كان من البدن، بحيث يسيل دمه. ويشترط عند الشافعية: أن يكون الجرح مفضياً إلى الزهوق أي يؤدي إلى الموت.\rوأما عند المالكية: فلا يحل الحيوان بذكاة الضرورة إذا كان مستأنساً من الأنعام.\r-------------------------------\r(1) تبيين الحقائق: 286/5، تكملة الفتح:60/8 ومابعدها، الدر المختار وحاشيته: 206/5،213، مغني المحتاج: 265/4، 268 ومابعدها، 271، المهذب: 255/1، المغني: 566/8، 573، 575، 577، كشاف القناع: 205/6، الشرح الكبير للدردير: 103/4، 110.","part":4,"page":310},{"id":2406,"text":"فلو توحش حيوان أهلي بعد أن كان إنسياً أو مستأنساً، أو ندَّ بعير (شرد) أو تردى في بئر ونحوه، ولم تمكن الذكاة الاختيارية أي عجز عنها بذبحه في الحلق، فذكاته عند غير المالكية حيث يصاب بأي جرح من بدنه، ويحل حينئذ أكله، كصيد\rالطائر أو الحيوان المتوحش، لحديث رافع بن خديج، قال: «كنا مع رسول الله صلّى الله عليه وسلم في سفر، فندَّ بعير من إبل القوم، ولم يكن معهم خيل، فرماه رجل بسهم، فحبسه، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلم : إن لهذه البهائم أوابد، كأوابد الوحش، فما فعَل منها هذا، فافعلوا به هكذا (1) » . وهذا هو الرأي الأرجح.\rوإن نحر ما يذبح، أو ذبح ما ينحر أكل مع الكراهة عند الحنفية (2) ، وبلا كراهة عند الشافعية والحنابلة، لعدم ورود نهي فيه.\rالمطلب العاشر ـ ما يحرم أكله من المذبوح :\rقال الحنفية (3) : لا تؤكل سبعة أشياء من أجزاء الحيوان المأكول وهي: الدم المسفوح، والذكر، والأنثيان، والقبُل، والغدة (4) ، والمثانة، والمرارة. لقوله عز شأنه: {ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث} [الأعراف:157/7] وهذه الأشياء السبعة مما تستخبثه الطباع السليمة. وروي عن مجاهد أنه قال: «كره رسول الله صلّى الله عليه وسلم من الشاة: الذكر، والأنثيين، والقبل، والغدة، والمرارة، والمثانة والدم » والمراد منه كراهة التحريم، بدليل أنه جمع بين الأشياء الستة وبين الدم، في الكراهة، والدم المسفوح محرم. والمروي عن أبي حنيفة أنه قال: «الدم حرام، وأكره الستة» أطلق اسم الحرام على الدم المسفوح، لأنه ثبت بدليل مقطوع به،\r-------------------------------\r(1) رواه الجماعة (نيل الأوطار: 143/8) والأوابد جمع آبدة: أي غريبة، وتأبدت: توحشت، والمراد أن لها توحشاً.\r(2) يجوز في قول عند الحنفية استخدام ذكاة الضرورة فيما لو أدرك صيده حياً، أو أشرف ثوره على الهلاك، وضاق الوقت على الذبح، أو لم يجد آلة الذبح، فجرحه في غير محل الذبح، حل. وفي قول آخر: لا يحل أكله إلا إذا قطع العروق.\r(3) البدائع: 61/5، رد المحتار: 219/5.\r(4) الغدة: قطعة لحم صلبة تحدث عن داء بين الجلد واللحم.","part":4,"page":311},{"id":2407,"text":"وهو النص القرآني: {قل : لا أجد في ما أوحي إلي محرماً} ... إلى قوله: {أو دماً مسفوحاً} [الأنعام:6/145] وسمى ما سواه مكروهاً، لثبوته بدليل ظني.\rالمطلب الحادي عشر ـ أثر ذكاة الأم في الجنين :\rلذكاة الجنين أربعة أحوال (1) :\rالأول ـ أن تلقيه الأم ميتاً قبل الذبح، فلا يؤكل إجماعاً.\rالثاني ـ أن تلقيه حياً قبل الذبح، فلا يؤكل إلا أن يذكى (يذبح) وهو مستقر الحياة.\rالثالث ـ أن تلقيه حياً بعد تذكيتها، فإن ذبح وهو حي أكل، وإن لم تدرك ذكاته في حال الحياة، فهو ميتة، وقيل عند المالكية: ذكاته ذكاة أمه.\rالرابع ـ أن تلقيه الأم ميتاً بعد تذكيتها، وهذا موطن الخلاف بين الفقهاء:\rآ ـ فقال أبو حنيفة وزفر والحسن بن زياد: لا يؤكل بتذكية الأم؛ لأن الله تعالى حرم الميتة، وحرم المنخنقة، والجنين ميتة؛ لأنه لا حياة فيه، والميتة: كل حيوان مات من غير ذكاة، أو إن الجنين مات خنقاً، فيحرم بنص القرآن.\rولا يجعل الجنين تبعاً لأمه؛ لأنه يتصور بقاؤه حياً بعد ذبح الأم، فوجب إفراده بالذبح ليخرج الدم عنه، فيحل به، ولا يحل بذكاة أمه، إذ المقصود بالذكاة إخراج دمه ليتميز من اللحم، فيطيب، فلا يكون تبعاً للأم.\r-------------------------------\r(1) البدائع: 42/5، تبيين الحقائق: 293/5، اللباب: 228/3، القوانين الفقهية: ص 183، بداية المجتهد: 428/1 ومابعدها، الشرح الكبير: 114/2، مغني المحتاج: 579/4، 306، المغني:579/8، شرح الرسالة: 381/1.","part":4,"page":312},{"id":2408,"text":"والمراد بحديث «ذكاة الجنين ذكاة أمه» هو التشبيه أي كذكاتها، فلا يدل على أنه يكتفى بذكاة الأم. والخلاصة: أن الجنين الميت لا يؤكل عند الحنفية، أشعر أو لم يشعر، أي تم خلقه، أو لم يتم، لأنه لا يشعر إلا بعد تمام الخلق.\rب ـ وقال جمهور الفقهاء ومنهم صاحبا أبي حنيفة: يحل أكل الجنين إذا خرج ميتاً بذكاة أمه، أو وجد ميتاً في بطنها، أو كانت حركته بعد خروجه كحركة المذبوح.\rويشترط فيه عند المالكية: أن يكون قد كمل خلقه: ونبت شعره، لما روي عن ابن عمر وجماعة من الصحابة، وقال كعب بن مالك: «كان أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلم يقولون: إذا أشعر الجنين، فذكاته ذكاة أمه» .\rوأجاز الشافعية والحنابلة أكل الجنين الميت، أشعر أم لم يشعر، لما روى ابن المبارك عن ابن أبي ليلى، قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم : «ذكاة الجنين ذكاة أمه، أشعر أو لم يشعر» .\rودليل الجمهور على الجواز حديث حسن: «ذكاة الجنين ذكاة أمه» (1) ، ورأيهم بدليل الثابت في السنة هو الأصح عندي، بل القياس يقتضي أن تكون ذكاة الجنين في ذكاة أمه؛ لأنه جزء منها، فلا معنى لاشتراط الحياة فيه. قال ابن رشد المالكي: وعموم الحديث يضعف اشتراط أصحاب مالك نبات شعره، فلا يخصص العموم الوارد في ذلك بالقياس، أي قياسه على الأشياء التي تعمل فيها التذكية.\r-------------------------------\r(1) روي عن أحد عشر صحابياً وهم الخدري، وجابر، وأبو هريرة، وابن عمر، وأبو أيوب، وابن مسعود، وابن عباس، وكعب بن مالك، وأبو الدرداء، وأبو أمامة، وعلي. فحديث أبي سعيد الخدري مثلاً رواه أحمد والترمذي وحسنه، وابن ماجه، والدارقطني وابن حبان وصححه (نصب الراية: 189/4 ومابعدها، نيل الأوطار: 144/8).","part":4,"page":313},{"id":2409,"text":"المطلب الثاني عشر ـ أثر الذكاة في المشرف على الموت أو المريض :\rإذا أشرف حيوان على الموت بسبب اعتداء عليه، أو مرض، ثم ذبح، فهل يحل أكله؟\rأولاً ـ أثر الذكاة في المشرف على الموت بسبب اعتداء :\rإذا اعتدي على الحيوان المأكول بخنق، أو ضرب، أو جرح سبع كذئب، ثم أدركه صاحبه فذبحه، أو لم يدركه، فمات، فله أحوال أربعة (1) :\r1 - إن مات قبل الذكاة، لم يؤكل إجماعاً، لقوله تعالى: {حرمت عليكم الميتة، والدم، ولحم الخنزير، وما أهل لغير الله به، والمنخنقة، والموقوذة، والمتردية، والنطيحة، وما أكل السبع، إلا ما ذكيتم} [المائدة:3/5] (2) فهذه الحيوانات الخمسة المذكورة في الآية (ما بعد المهل به لغير الله ) لم يحل أكلها إذا ماتت قبل إدراكها حية ولم تذبح.\r2 ـ إن أدرك حياً أي غلب على الظن أنها تعيش، بأن يصاب لها مقتل، فذبح، أكل إجماعاً، لقوله تعالى: {إلا ما ذكيتم} [المائدة:3/5].\r-------------------------------\r(1) رد المحتار: 217/5، الشرح الكبير:113/2، البدائع:40/5، القوانين الفقهية: ص 183، بداية المجتهد: 425/1 وما بعدها، كشاف القناع: 206/6، أحكام القرآن للجصاص: 306/2، أحكام القرآن لابن العربي: 539/2.\r(2) أي إلا ما أدركتموه حياً مما سبق، فذكيتموه من المنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع جزءاً منه وما أهل لغير الله به، فإذا كانت فيه حياة ولو بسيطة بأن يطرف عيناً أو يضرب برجل أو يد ثم ذبح، صار حلالاً، والمنخنقة: هي التي ماتت بأي شكل كان. والموقوذة: هي التي ماتت بعصا أو بحجر بلا ذكاة شرعية. والمتردية: هي ما سقطت من مكان عال كجبل أو هوت في بئر. والنطيحة: هي ما نطحتها بهيمة أخرى، فماتت. وما أكل السبع: هي ما قتلت بافتراس حيوان كالذئب والنمر مثلاً، وما أهل لغير الله به: أي ما ذكر عليه اسم غير الله ، لأن أكله مشاركة لأهله في عبادة غير الله.","part":4,"page":314},{"id":2410,"text":"3 - إن نفذت مقاتل البهيمة: وهي المنفوذة المقاتل (1) (أي المقطوع بموتها)، لم تؤكل عند المالكية وأجاز على وابن عباس أكلها. وتعمل فيها الذكاة عند الشافعية والحنابلة متى كان فيها حياة مستقرة. وتؤثر فيها الذكاة عند الحنفية إن علمت حياتها، أو لم تدر حياتها فتحركت أو خرج الدم، وهذا يتأتى فيما اعتدى عليها الذئب فبقر بطنها، وفي المنخنقة والمتردية والنطيحة؛ لعموم قوله تعالى: {إلا ماذكيتم} [المائدة:3/5].\r4- الميئوس من حياته ولم تنفذ مقاتله؛ أو المشكوك في أمره، تؤثر الذكاة في حل أكله عند الحنفية، وهو مشهور قول المالكية ما دامت حياته محققة. وقال بعض المالكية: لا تؤثر الذكاة فيه ولا يؤكل. وأجاز الشافعية والحنابلة ذبح الميئوس الذي تكون فيه حياة مستقرة، ولم يجز المشكوك في أمره.\rوعلى هذا فإذا غلب على الظن أن المعتدى عليها تهلك بإصابة مقتل أو غيره، فقال الحنفية والشافعية: تعمل الذكاة فيها، وقال قوم: لا تعمل الذكاة فيها، وعن مالك: الوجهان، وقال ابن القاسم: تذكى وتؤكل.\r-------------------------------\r(1) هي التي بلغ القتل فيها أحد أمور خمسة متفق عليها: وهي قطع الأوداج، وانتشار الدماغ، وانتشار الأحشاء، وخرق أعلى المصران في مجرى الطعام والشراب، لا أسفله. وقطع النخاع الشوكي (القوانين الفقهية، المكان السابق: الشرح الكبير: 113/2).","part":4,"page":315},{"id":2411,"text":"ومنشأ الخلاف في الميئوس منها وفي منفوذة المقاتل: هو الاستثناء المذكور في الآية السابقة، هل هو استثناء متصل أو منقطع؟ فمن قال: إنه متصل، قال: تعمل الذكاة في هذه الأحوال. ومن قال: إنه منقطع أي ما ذكيتم من غيرها، لم يعمل الذكاة فيها.\rوالمراد بالحياة المطلوب تحققها في هذه الحالة عند الحنفية والمالكية: هو وجود أمارة الحياة من حركة رجل أو طرفة عين أو جريان نفس، سواء عاشت من مثله أو لا تعيش، بقيت لمدة قصيرة أو طويلة، أي أن المطلوب بقدر حياة المذبوح بعد الذبح، وهو الحد الأدنى للحياة.\rوعند الشافعية والحنابلة: أن تبقى فيه حياة مستقرة يمكن زيادتها على حركة المذبوح،سواء انتهت إلى حال يعلم أنها لا تعيش معه أو تعيش.\rثانياً ـ أثر الذكاة في الحيوان المريض :\rاتفق الفقهاء على تأثير الذكاة، وحل الأكل في الحيوان المريض الذي لم يشرف على الموت. واختلفوا في تأثير الذكاة في الحيوان الذي أشرف على الموت من شدة المرض (1) .\rفقال الجمهور: وهو المشهور عن مالك: إن الذكاة تعمل فيه.\rوقال بعضهم: إن الذكاة لا تعمل فيه.\rوسبب الخلاف تعارض القياس مع الأثر. فالجمهور أخذوا بحديث كعب بن مالك المتقدم: أن جارية له كانت ترعى غنماً بسَلْع، فأبصرت شاة مشرفة على الموت، فأدركتها وذبحتها بحجر، فسئل رسول الله صلّى الله عليه وسلم فقال: كلوها (2) .\rوالبعض أخذ بالقياس: وهو أن الذكاة إنما تؤثر في الحي، وهذا في حكم الميت.\r-------------------------------\r(1) بداية المجتهد: 428/1، القوانين الفقهية: ص181 ومابعدها.\r(2) رواه أحمد والبخاري (نيل الأوطار: 139/8).","part":4,"page":316},{"id":2412,"text":"والحنفية من الجمهور على المفتى به فصَّلوا في المريضة، وفي الحالة الأخيرة من أحوال المنخنقة والمتردية والنطيحة، فقالوا (1) :\rآ ـ إن عُلمت حياة الشاة، وإن كانت حياتها خفيفة على المفتى به، وقت الذبح، أكلت مطلقاً، وإن لم تتحرك ولم يخرج الدم. والحياة القليلة أو الخفيفة: هي أن يبقى في الشاة من الحياة بقدر ما يبقى في المذبوح بعد الذبح.\rب ـ وإذا لم تعلم الحياة، فتحركت، أو خرج الدم، حلت، وإن لم تتحرك أو لم يخرج الدم، لم تحل. وعلامات الحياة والموت تعرف بما يأتي: فتح الفم، أو العين، ومد الرجل، ونوم الشعر: علامة الموت، لأنها استرخاء، والحيوان يسترخي بالموت. وعكس ذلك يدل على الحياة، فضم الفم والعين، وقبض الرجل، ووقوف الشعر علامةالحياة.\rوذكر المالكية علامات خمس على الحياة هي (2) :\rسيلان الدم، لا خروج القليل منه، والركض باليد أو الرجل، وطرف العين، وتحريك الذنب، وخروج النفَس، فإن تحركت ولم يسل دمها، أكلت. وإن سال دمها ولم تتحرك، لم تؤكل؛ لأن الحركة أقوى في الدلالة على الحياة من سيلان الدم. وأما الاختلاج الخفيف فليس دليلاً على الحياة؛ لأن اللحم يختلج بعد السلخ.\rوالحياة عند الشافعية والحنابلة ثلاثة أنواع (3) :\r1 - الحياة المستمرة: وهي الطبيعية الباقية إلى خروجها بذبح، أو نحوه. والذكاة تؤثر فيها بالحل:\r-------------------------------\r(1) الدر المختار ورد المحتار: 217/5، 334.\r(2) القوانين الفقهية: ص 182، أحكام القرآن للجصاص: 306/2.\r(3) بجيرمي الخطيب: 248/4، كشاف القناع: 206/6، مغني المحتاج: 271/4، المغني: 583/8-585.","part":4,"page":317},{"id":2413,"text":"2 - الحياة المستقرة: هي ما يوجد معها الحركة الاختيارية بقرائن وأمارات تغلب على الظن بقاء الحياة. ومن أماراتها: انفجار الدم بعد قطع الحلقوم والمريء. والأصح الاكتفاء بالحركة الشديدة. ولايشترط العلم بوجود الحياة المستقرة عند الذبح، بل يكفي الظن بوجودها بقرينة كشدة الحركة أو انفجار الدم. وهذه تحل الذبيحة، فإن شك في وجودها، حرم تغليباً للتحريم.\r3 - حياة المذبوح، أو حركة عيش المذبوح: وهي التي لا يبقى معها سمع لا إبصار، ولا حركة اختيار، وهذا النوع: إن وجد له سبب يحال عليه الهلاك، كما لو مرض الحيوان بأكل نبات مضر، حتى صار في آخر رمق، لم يحل على المعتمد. وإن لم يوجد سبب يحال عليه الهلاك، كأن مرض الحيوان، أو جاع حتى صار في آخر رمق، فذبحه، حل أكله.\rالمطلب الثالث عشر ـ أثر الذكاة في غير المأكول :\rالمقصود بهذا أن الذكاة أو الذبح، هل تؤثر في تحليل الانتفاع بجلود الحيوانات غير مأكولة اللحم، وسلب النجاسة عنها؟\rللفقهاء رأيان في ذلك:\r1 - فقال الحنفية والمالكية في المشهور (1) : إذا ذبح ما لا يؤكل كالسباع وغيرها يطهر لحمه وشحمه وجلده إلا الآدمي والخنزير. أما الآدمي فلحرمته وكرامته، وأما الخنزير فلنجاسة عينه. وقال الدردير والصاوي: مشهور المذهب أن الذكاة لا تطهر محرَّم الأكل كالخيل والبغال والحمير، والكلب والخنزير. أما سباع الوحش وسباع الطير، فتطهر بذبحها على المشهور.\rوأصح ما يفتى به عند الحنفية: أن اللحم والشحم لا يطهر بالذكاة، والجلد يطهر به، وهذا التفصيل عندهم مخالف لما في متن الكنز والدر المختار والهداية من عدم التفصيل.\r-------------------------------\r(1) تبيين الحقائق: 296/5، تكملة الفتح: 64/8، الدر المختار: 290/1، 216/5، البدائع: 86/1، بداية المجتهد: 427/1، اللباب: 230/3، القوانين الفقهية: ص 181، الشرح الصغير: 45/1، شرح الرسالة: 384/1 ، الشرح الكبير: 56/1.","part":4,"page":318},{"id":2414,"text":"ودليلهم: أن الذكاة مؤثرة في إزالة الرطوبات النجسة والدماء السيالة، فإذا زالت طهرت البهيمة كما في الدباغ، وليس الجلد واللحم من الرطوبات أو الدماء. وإذا ثبت تحريم تناول لحم غير المأكول، بقي ما سواه على الأصل: وهو التطهير، فتؤثر الذكاة فيه، كما يؤثر الدباغ في تطهير الجلود. وإذا طهر الجلد بعد الذبح، فلو وقع في الماء القليل لا ينجسه. ويجوز الانتفاع بالجلد في غير ا لأكل. وقيل بقول آخر عند الحنفية: لا يجوز قياساً على الأكل.\r2 - وقال الشافعية والحنابلة (1) : لا تؤثر الذكاة في شيء من الحيوان غير المأكول؛ لأن أثر الذكاة في إباحة اللحم هو الأصل، والجلد تبع للحم، فإن لم تعمل الذكاة في اللحم، لم تعمل فيما سواه، كذبح المجوسي أو الذبح غير المشروع. ولا يقاس الذبح على الدباغ، لكون الدبغ مزيلاً للخبث والرطوبات كلها، مطيباً للجلد على وجه يتهيأ به للبقاء على وجه لا يتغير، والذكاة لا يحصل بها ذلك، فلا يستغنى بها عن الدبغ.\r-------------------------------\r(1) مغني المحتاج: 58/1، المغني: 71/1.","part":4,"page":319},{"id":2415,"text":"هذا... وقد صرح الشافعية بأنه يحرم ذبح الحيوان غير المأكول، ولو لإراحته، كالحمار الزمِن مثلاِ، لأنه تعذيب له (1) ، ونهى النبي صلّى الله عليه وسلم عن قتل الكلاب إلا الأسود البهيم، فإنه أمر بقتله (2) .\rالمبحث الثالث ـ آلة الذبح\rاتفق الفقهاء على أن كل ما أنهر الدم وفرى الأوداج من حديد أو صخر، أو عود، أو قضيب، أو زجاج تحل التذكية به.\rواختلفوا في ثلاثة في السن والظفر والعظم، على رأيين، فأجاز الحنفية، والمالكيةـ في الجملة ـ الذبح بها، ومنع الشافعية والحنابلة إجمالاً التذكية بها، كما سيأتي، والأولى أو الأصح عدم الذبح بها لصحة الحديث الذي استدل به الشافعية وغيرهم.\r1 - قال الحنفية (3) : يجوز الذبح بكل ما أفرى الأوداج، وأنهر الدم (أساله) ولو بنار أسالت الدم، أو بِليطَة (قشر القصب)، أو مَرْوة (حجر أبيض كالسكين يذبح بها)، أو ظفر وعظم وقرن وسن منزوع من مكانه غير قائم في محله، ولكن مع كراهة الذبح بهذه الأربعة الأخيرة لما فيه من الضرر بالحيوان، كذبحه بشفرة كليلة. ودليلهم قوله عليه الصلاة والسلام: «أنهر الدم بما شئت» (4) ويروى «أفر\r-------------------------------\r(1) البجيرمي علي الخطيب: 248/4.\r(2) رواه أحمد وأصحاب السنن (الخمسة) وصححه الترمذي عن عبد الله بن المُغَفَّل (نيل الأوطار: 128/8).\r(3) تكملة فتح القدير: 59/8 وما بعدها، تبيين الحقائق: 290/5 ومابعدها، الدر المختار: 207/5 ومابعدها، اللباب شرح الكتاب: 227/3.\r(4) هذا لفظ النسائي وأحمد في حديث عدي بن حاتم، ونصه «أنهر الدم بما شئت، واذكر اسم الله » (نصب الراية: 187/4).","part":4,"page":320},{"id":2416,"text":"الأوداج بما شئت» (1) ، ولأن هذه آلة جارحة، فيحصل بها ما هو المقصود، وهو إخراج الدم، وصار العظم ونحوه كالحجر والحديد.\rفإن كان الظفر أو العظم قائماً محله، فلا يحل الذبح به، وإن فرى الأوداج، وأنهر الدم بالإجماع للنص عليه في الحديث.\rواستثناء السن والظفر في حديث رافع بن خديج محمول على غير المنزوع، القائم محله؛ لأن الظفر القائم ونحوه يقتل بالثقل؛ لأنه يعتمد عليه.\rوكما كرهوا الذبح بالظفر ونحوه، كرهوه بغير الحديد والسلاح من غير حاجة أو ضرورة، مع وجود الحديد وأسلحته، لما فيه من تعذيب الحيوان بلا فائدة، للأمر بالحديث السابق بالإحسان في القتلة والذبحة.\r2 - وقال المالكية (2) : إن وجد الحديد أي الآلة الجارحة كالسكين ونحوها (3) ، تعين. وإن وجد غير الحديد كالحجر والزجاج مع الظفر والسن، ففي الذبح بهما أربعة أقوال للإمام مالك:\rالأول ـ الجواز مطلقاً متصلاً أو منفصلاً، والثاني ـ المنع مطلقاً فلا يؤكل ما ذبح بهما، والثالث ـ التفصيل بالجواز عند الانفصال، والمنع عند الاتصال. والرابع ـ الكراهية بالسن مطلقاً، والجواز بالظفر مطلقاً.\rوإن لم يوجد غيرهما، أي غير السن والظفر جاز بهما جزماً. ولو تم الذبح بقطعة عظم محددة، فلا خلاف في الجواز.\r3 - وقال الشافعية والحنابلة (4) : يحل الذبح بكل محدَّد (له حد) يجرح (يقطع) أو يخرق بحده لا بثقله، كحديد ونحاس، وذهب، وخشب، وقصب، وحجر، وزجاج، إلا ظفراً وسناً، وعند الشافعية: وسائر العظام، متصلاً كان أو منفصلاً من آدمي أو غيره؛ لأن منع الذبح بالسن علل بكونه عظماً ،فكل عظم وجدت العلة فيه، فيكون ممنوعاً. وأجاز الحنابلة الذبح بالعظم (5) ، واستدلوا على السن والظفر بحديث رافع بن خديج عند الأئمة الستة وأحمد، قال: «قلت: يارسول الله ، إنا نلقى العدو غداً، وليس معنا مُدىً (6) ، فقال النبي صلّى الله عليه وسلم :ما أنهر الدم، وذكر اسم الله عليه، فكلوا، ما لم يكن سناً أو ظُفْراً، وسأحدثكم عن ذلك: أما السن فعظم، وأما الظفر فمدى الحبشة» (7) .\r-------------------------------\r(1) هذا حديث غريب كما قال الزيلعي، وفي معناه روى ابن أبي شيبة في مصنفه عن رافع بن خديج: «كل ما أفرى الأوداج، إلا سناً وظفراً» (نصب الراية: 185/4 ومابعدها).\r(2) الشرح الكبير: 107/2، الشرح الصغير: 178/2، بداية المجتهد: 433/1، القوانين الفقهية: ص 183.\r(3) السكين تذكر وتؤنث.\r(4) مغني المحتاج: 272/4 ومابعدها، المهذب: 252/1، المغني: 573/8 ومابعدها، كشاف القناع: 203/6-205.\r(5) لأن العظم دخل في عموم اللفظ المبيح ثم استثني السن والظفر خاصة، فيبقى سائر العظام داخلاً فيما يباح الذبح به، والمنطوق مقدم على التعليل، ولهذا علل الظفر بكونه من مدى الحبشة؛ ولأن العظام يتناولها سائر الأحاديث العامة، ويحصل بها المقصود، فأشبهت سائر الآلات.\r(6) مدى: جمع مُدْية: هي السكين، سميت بذلك لأنها تقطع مدى الحيوان أي عمره. والمراد بلقاء العدو: أنهم سيغنمون منه ما يذبحونه، أو إنهم يحتاجون إلى ذبح ما يأكلون للتقوي.\r(7) علق ابن رشد عليه فقال (بداية المجتهد: 433/1): من الناس من فهم منه أن ذلك لمكان إن هذه الأشياء ليس في طبعها أن تنهر الدم غالباً. ومنهم من فهم أن ذلك شرع غير معلل. وهؤلاء منهم من اعتقد أن النهي فيه يدل على فساد المنهي عنه، ومنهم من اعتقد أنه لا يدل على فساد المنهي عنه، ومنهم من اعتقد أن النهي للكراهة.","part":4,"page":321},{"id":2417,"text":"السكين الكالَّة: لو ذبح بسكين كالَّة، حل عند الشافعية بشرطين: ألا يحتاج القطع إلى قوة الذابح. وأن يقطع الحلقوم والمريء قبل انتهاء الحيوان إلى حركة مذبوح. ويقرب منه قول الحنابلة: إن كانت الآلة كالة، وأبطأ قطع الحيوان وطال تعذيبه، لم يبح أكله، لأنه مشكوك في وجود ما يحله.\rوالخلاصة: إن الجمهور أجازوا التذكية بالعظم، وحرم الشافعية الذبح به. وأما السن والظفر فأجاز الحنفية الذبح بالمنزوع منهما، وحرم الشافعية والحنابلة الذبح بهما متصلين أو منفصلين. وصحح ابن رشد المالكي الذبح بهما عند الانفصال، ولا يجوز حالة الاتصال، أي كما قال الحنفية.\rالمبحث الرابع ـ الحيوان الذبيح\rالكلام في هذا المبحث مجمل بالقدر المتصل بالذبائح، والتفصيل فيه سبق في مبحث مستقل عن « الأطعمة والأشربة» .\rالتذكية شرط لحل الأكل من الحيوان البري المأكول، فلا يحل أكله ـ كما تقدم ـ بدون الذكاة، لقوله تبارك وتعالى: {حرمت عليكم الميتة والدم} ـ إلى قوله: {إلا ماذكيتم} [المائدة:3/5] استثنى سبحانه المذكى من المحرم، والاستثناء من التحريم إباحة.","part":4,"page":322},{"id":2418,"text":"والحيوان بالنسبة للذبح أو الذكاة الشرعية أنواع ثلاثة: مائي، وبري، وبرمائي (بري ـ مائي)؛ لأن منه مايؤكل بدون ذكاة، ومنه ما يؤكل بالذكاة، ومنه ما لا يؤكل وإن ذكي.\rالنوع الأول ـ الحيوان المائي :\rالحيوان المائي: هو الذي لا يعيش إلا في الماء فقط. وللعلماء في أكله رأيان: 1 - مذهب الحنفية (1) ، جميع مافي الماء من الحيوان محرم الأكل إلا السمك خاصة، فإنه يحل أكله بدون ذكاة إلا الطافي (2) منه، فإن مات وطفا على الماء لم يؤكل. وأدلتهم كثيرة منها قوله تعالى: {حرمت عليكم الميتة} [المائدة:3/5] وقوله {ويحرِّم عليهم الخبائث} [الأعراف:157/7] وما سوى السمك: من الضفادع والسرطان والحية ونحوها: من الخبائث.\rونهى رسول الله صلّى الله عليه وسلم عن دواء يتخذ فيه الضفدع، ونهى عن قتل الضفادع (3) ، وذلك نهي عن أكله؛ لأن النهي عن قتل الحيوان، إما لحرمته كالآدمي، وإما لتحريم أكله، كالصُّرَد (4) ، والهدهد. وبما أن الضفدع ليس بمحترم، فكان النهي منصرفاً إلى الوجه الآخر، وهو تحريم الأكل.\rوأما دليل تحريم أكل السمك الطافي، فهو حديث جابر: «ما ألقاه البحر، أو جزر عنه، فكلوه، وما مات فيه، وطفا، فلا تأكلوه» (5) .\r2 - مذهب الجمهور غير الحنفية (6) ، ورأيهم هو الأصح: حيوان الماء:\r-------------------------------\r(1) البدائع: 35/9-39، تبيين الحقائق: 294/5-297، تكملة الفتح: 61/8-65، الدر المختار: 214/5-217، اللباب: 228/3-231.\r(2) الطافي على وجه الماء: هو الذي مات حتف أنفه، وهو ما بطنه من فوق. أما لو كان ظهره من فوق، فليس بطاف، فيؤكل. كما يؤكل الموجود في بطن الطافي لموته بضيق المكان. قال العلامة عبد البر: الأصل في إباحة السمك أن ما مات بآفة (أي بسبب) يؤكل، وما مات بغير آفة لا يؤكل. فالذي مات بحر الماء وبرده، أو بربطه فيه أو إلقاء شيء فيه، فموته بآفة (رد المحتار: 216/5).\r(3) رواه أبو داود والنسائي والحاكم، وأحمد وإسحاق بن راهويه وأبو داود الطيالسي: «أن طبيباً سأل رسول الله صلّى الله عليه وسلم عن الضفدع يجعلها في دواء، فنهى عن قتلها » نصب الراية: 201/4.\r(4) الصرد: الطائر ضخم الرأس أبيض البطن أخضر الظهر يصطاد صغار الطير.\r(5) رواه أبو داود وابن ماجه. وهو حديث ضعيف (نصب الراية: 202/4، تخريج أحاديث تحفة الفقهاء، 70/3).\r(6) بداية المجتهد: 425/1، 456، القوانين الفقهية: ص 171-181، مغني المحتاج: 267/4، 297، المهذب: 250/1، المغني: 606/8-608، كشاف القناع: 202/6.","part":4,"page":323},{"id":2419,"text":"السمك وشبهه مما لا يعيش إلا في الماء كالسرطان وحية الماء وكلبه وخنزيره ونحو ذلك، حلال يباح بغير ذكاة، كيف مات، حتف أنفه، أو بسبب ظاهر، كصدمة حجر، أو ضربة صياد، أو انحسار ماء، راسياً كان أو طافياً، وأخذه ذكاته، لكن إن انتفخ الطافي بحيث يخشى منه السقم يحرم للضرر.\rإلا أن الإمام مالك كره خنزير الماء، وقال: أنتم تسمونه خنزيراً.\rوقال الليث بن سعد: أما إنسان الماء، وخنزير الماء، فلا يؤكلان على شيء من الحالات.\rواستدل الجمهور بقوله تعالى: {أحل لكم صيد البحر وطعامه، متاعاً لكم وللسيارة} [المائدة:96/5] واسم «الصيد» يقع على ما سوى السمك من حيوان البحر، فيقتضي أن يكون الكل حلالاً. وبقوله صلّى الله عليه وسلم حين سئل عن التوضؤ بماءالبحر، فقال: «هو الطهور ماؤه، الحل ميتته» (1) وبقوله عليه السلام: «أحلت لنا ميتتان ودمان، فأما الميتتان: فالجراد والحوت، وأما الدمان: فالكبد والطحال» (2) وبحديث: «إن الله ذبح ما في البحر لبني آدم» (3) وبحديث صحيح عند الشيخين وأحمد في العنبر (4) : « أن أبا عبيدة وأصحابه وجدوه بشاطئ البحر ميتاً، فأكلوا منه شهراً حتى سمنوا، وادهنوا، وقدموا منه للنبي صلّى الله عليه وسلم ، فأكل منه (5) » ؛ ولأنه لا دم لحيوان الماء.\r-------------------------------\r(1) رواه الخمسة ومالك وابن أبي شيبة وصححه ابن خزيمة وابن حبان والترمذي عن أبي هريرة (سبل السلام: 14/1، نيل الأوطار: 149/8).\r(2) أخرجه أحمد وابن ماجه والدارقطني عن ابن عمر، وفيه ضعف (سبل السلام: 1/52، نيل الأوطار: 147/8).\r(3) رواه الدارقطني، وذكره البخاري موقوفاً على أبي شريح بلفظ «كل شيء في البحر مذبوح» (نيل الأوطار: 150/8).\r(4) حوت قد يبلغ نحو 60 قدماً، ضخم الرأس، وله أسنان.\r(5) رواه أحمد وأصحاب الكتب الستة (جمع الفوائد: 542/1، نصب الراية: 204/4).","part":4,"page":324},{"id":2420,"text":"النوع الثاني ـ الحيوان البري :\rالحيوان البري: هو الذي لا يعيش إلا في البر. وهو أصناف ثلاثة:\rالأول: ما ليس له دم أصلاً، كالجراد والذباب والنمل والنحل والدود والزنبور والعنكبوت والخنفساء والصرصار والعقرب وذوات السموم ونحوها، لايحل أكلها إلا الجراد خاصة؛ لأنها من الخبائث غير المستطابة، لاستبعاد الطباع السليمة إياها، وقد قال الله تعالى: {ويحرم عليهم الخبائث} [الأعراف:157/7].\rلكن الجراد وشبهه الجندُب (نوع من الجراد تسميه العامة القبُّوط) خص من هذه الجملة بالحديث السابق: «أحلت لنا ميتتان» والميتتان: السمك والجراد.\rواشترط المالكية تذكية الجراد أو موته بسبب، بقطع عضو منه أو إحراقه أو جعله في الماء الحار، كما تبين في أنواع التذكية؛ لأن كل حيوان بري ليس له دم سائل يفتقر عندهم إلى الذكاة. ويكره عند الحنابلة بلع الجراد حياً؛ لأن فيه تعذيباً له، كما يحرم عندهم بلع السمك حياً (1) .\rالثاني: ما ليس له دم سائل: كالحية والوَزَغ بأنواعها، وسام أبرص (2) ، وجميع الحشرات، وهوام الأرض من الفأر والقُرَاد (دويبة تتعلق بالبعير ونحوه كالقمل للإنسان) والقنافذ والضب واليربوع وابن عرس والدود ونحوها، يحرم أكلها، لاستخباثها، ولأنها ذات سموم ولأنه صلّى الله عليه وسلم أمر بقتلها (3) ، قال صلّى الله عليه وسلم :\r-------------------------------\r(1) البدائع: 36/5، بداية المجتهد: 425/1، 456، القوانين الفقهية: ص 181، مغني المحتاج: 303/4 ، المغني: 573/8، 585، 590، كشاف القناع: 202/6.\r(2) نوع من الزحافات كجسم الضفدع، لكن له ذيل. وسام أبرص: هو كبار الوزغ.\r(3) البدائع: 36/5، بداية المجتهد: 454/1، مغني المحتاج: 299/4، 303، المغني: 585/8، 603، القوانين الفقهية: ص 172.","part":4,"page":325},{"id":2421,"text":"« خمس فواسق يقتلن في الحل والحرم: الحية (1) والغراب الأبقع والفأرة والكلب العقور، والحدايا» وفي رواية «العقرب» بدل «الغراب» (2) .\rوحرم الحنفية وفي قول عند المالكية الضب، لأنه صلّى الله عليه وسلم نهى عائشة حين سألته عن أكله (3) .\rوأباح الجمهور غير الحنفية أكل الضب، لإقراره عليه الصلاة والسلام أكل الضب بين يديه، لما روى ابن عباس أنه أقر خالد بن الوليد على أكله أمامه وهو ينظر إليه، وقوله عليه الصلاة والسلام: « لا ـ أي ليس حراماً ـ ولكنه لم يكن بأرض قومي، فأجدني أعافه » (4) . وأباح المالكية أكل الحلزون إذا سلق أو شوي، لا ما مات وحده.\rوأجاز الشافعية أكل القُنْفذ وابن عِرْس والثعلب واليَرْبوع والفَنَك والسَّمور (5) ؛ لأن العرب تستطيب ذلك، وما كانت العرب ( أي أهل الحجاز ) تسميه طيباً فهو حلال، وما كانت تسميه خبيثاً ، فهو محرم، لقول الله تعالى: {ويحل لهم الطيبات، ويحرم عليهم الخبائث} [الأعراف:157/7].\r-------------------------------\r(1) قال في كتاب الجواهر عند المالكية: يحكي المخالفون عن المذهب جواز أكل الحيوانات المستقذرة كالحشرات وهوام الأرض، والمذهب بخلاف ذلك. وحرمها الشافعي لأنها خبائث ( القوانين الفقهية: ص 173).\r(2) رواه مسلم والنسائي وابن ماجه عن عائشة. والرواية الأخيرة عند أبي داود.\r(3) قال الزيلعي عنه: غريب. وروى أبو داود أن النبي صلّى الله عليه وسلم نهى عن أكل لحم الضب، لكن في اسناده مقال (نصب الراية: 195/4) والضب: حيوان من الزحافات شبيه بالحردون ذنبه كبير العقد.\r(4) أخرجه أحمد والأئمة الستة إلا الترمذي ( جمع الفوائد لابن سليمان الروداني: 550/1).\r(5) الفنك: حيوان يؤخذ من جلده الفرو للينه وخفته. والسمور: حيوان يشبه السنور ( الهر ) وهما نوعان من ثعالب الترك.","part":4,"page":326},{"id":2422,"text":"الثالث: ماله دم سائل: وهو إما مستأنس، أو متوحش.\rأما المستأنس من البهائم: فيحل منه الأنعام وهي الإبل والبقر والغنم بالإجماع، لقوله تعالى: { والأنعام خلقها لكم فيها دفء، ومنها تأكلون } [النحل:5/16] {أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا مايتلى عليكم} [المائدة:1/5] واسم الأنعام يقع على هذه الحيوانات لغة.\rويحرم أكل البغال والحمير، ويحل لحم الخيل، لكن مع الكراهة تنزيهاً عند أبي حنيفة (1) ، لحديث جابر: « نهى رسول الله صلّى الله عليه وسلم يوم خيبر عن لحوم الحمر الأهلية، وأذن في لحوم الخيل » (2) والبغال متولدة من الحمير، والمتولد من الشيء له حكمه في التحريم. وهكذا يحرم عند الشافعية خلافاً للحنفية والحنابلة كل ماتولد من بين الإنسي والوحشي، تغليباً للتحريم. والآخرون قالوا: تغلب الإباحة لأنها الأصل، وعموم النصوص يقتضيها.\rوالسبب في كراهة لحم الخيل عند أبي حنيفة: هو استخدامها للركوب والجهاد، ولاختلاف الأحاديث المروية في حلها وتحريمها، فتكره احتياطاً للحرمة (3) . والمشهور عند المالكية تحريم الخيل.\r-------------------------------\r(1) البدائع:37/5 ومابعدها، بداية المجتهد: 455/1، الشرح الكبير: 49/1، القوانين الفقهية: ص 172، مغني المحتاج: 298/4 ومابعدها، المغني: 586/8 ومابعدها.\r(2) متفق عليه بين أحمد والشيخين، قال ابن عبد البر: وروى عن النبي صلّى الله عليه وسلم تحريم الحمر الأهلية علي وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عمرو، وجابر، والبراء، وعبد الله بن أبي أوفى، وأنس، وزاهر الأسلمي بأسانيد صحاح حسان، وحديث غالب بن الحر لايعرج على مثله مع ما عارضه ( نصب الراية: 198/4، المغني: 587/8 ).\r(3) ثبت في الصحيحين عن أسماء رضي الله عنها، قالت: «نحرنا فرساً على عهد رسول الله صلّى الله عليه وسلم ، وأكلناه، ونحن بالمدينة» وأما خبر خالد في النهي عن أكل لحوم الخيل، فقال الإمام أحمد وغيره: منكر، وقال أبو داود: منسوخ. والاستدلال على التحريم بآية { لتركبوها وزينة } مردود، كما ذكر البيهقي وغيره، لأن الآية مكية بالاتفاق، ولحوم الحمر إنما حرمت يوم خيبر سنة سبع بالاتفاق.","part":4,"page":327},{"id":2423,"text":"ويحل بالتذكية بالإجماع: المستأنس من الطير الذي لا مخلب له، كالدجاج والحمام والنعامة والبط والإوز.\rويحرم المستأنس من السباع: وهو الكلب والسنور الأهلي (الهر) (1) .\rوأما المتوحش: فيحرم عند الجمهور غير مالك أكل كل ذي ناب منه من السباع، وكل ذي مخلب من الطير لأنها تأكل الجيف أي الميتات. وذو الناب من سباع الوحش: مثل الأسد والذئب والضبع والنمر والفهد، والثعلب، والسنور البري، والسنجاب، والفنك، والسمور، والدب، والقرد والفيل، والدَّلَق (2) وابن آوى (فوق الثعلب ودون الكلب طويل المخلب).\rوذو المخلب من الطير: كالبازي والباشق، والصقر، والشاهين والحدأة والبومة والنعَّاب (فرخ الغراب لكثرة نعبه) وغراب البين (وهو أكبر الغربان والأبقع) والرَّخْم (طير يشبه النسر في الخلقة) والنسر والعقاب، والخُطَّاف (هو عرفاً طائر أسود الظهر أبيض البطن، يأوي إلى البيوت في الربيع، وهو السنونو) والخُفَّاش (أي الوطواط، وهو طائر صغير لا ريش له، يشبه الفأرة، يطير بين المغرب والعشاء) وما أشبه ذلك (3) .\rوحرم الشافعية أكل الببَّغاء والطاووس لخبث لحمهما، كما حرموا أكل الهدهد والصُّرَد (وهو طائر فوق العصفور يصيد العصافير) وعند الحنابلة في\r-------------------------------\r(1) البدائع: 39/5، مغني المحتاج: 300/4، 302، المغني: 592/8، القوانين الفقهية: ص 172، المهذب: 248/1 ومابعدها.\r(2) الدلق: حيوان يقرب من السنور في الحجم، وهو أصفر اللون، بطنه وعنقه مائلان إلى البياض.\r(3) البدائع: 39/5، تكملة الفتح: 61/8 ومابعدها، بداية المجتهد: 453/1 ومابعدها، القوانين الفقهية: ص 172، مغني المحتاج: 300/4، المهذب: 247/1 وما بعدها، المغني: 587/8-593، 603، اللباب: 229/3 ومابعدها.","part":4,"page":328},{"id":2424,"text":"الهدهد والصرد: روايتان عن أحمد، إحداهما: أنهما حلال لأنهما ليسا من ذوات المخلب ولا يستخبثان، والثانية: تحريمهما لنهي النبي صلّى الله عليه وسلم عن قتل الهدهد والصُّرَد، والنملة والنحلة . والدليل على تحريم ذي الناب والمخلب: أنه صلّى الله عليه وسلم يوم خيبر «نهى عن أكل كل ذي ناب من السباع، وكل ذي مخلب من الطير» (1) .\rوروي عن مالك القول بأن السباع ذوات الأربع مكروهة وهو الراجح لديه، وقيل: جميعها محرمة، وذهب أصحابه إلى التحريم. وأما الطير فهو حلال عند المالكية سواء ذو المخلب وغيره، عملاً بظاهر الآية: {قل: لا أجد فيما أوحي إلي محرماً على طاعم يطعمه} [الأنعام:145/6] فما عدا المذكور في هذه الآية حلال. ويحمل النهي المذكور في الحديث على الكراهية.\rوقيد الشافعية تحريم ذي الناب بكونه ضارياً (عادياً) ذا ناب قوي، وذي المخلب بكونه قوياً يجرح به، فأباحوا كل ما نابه ضعيف كالضبع والثعلب والفنك والسمور واليربوع. والأصح عندهم حل غراب زرع (وهو أسود صغير يقال له: الزاغ)؛ لأنه يأكل الزرع.\r-------------------------------\r(1) رواه الجماعة إلا البخاري والترمذي عن ابن عباس، وروي مثله عن علي وخالد بن الوليد (نصب الراية: 192/4 ومابعدها، نيل الأوطار: 116/8).","part":4,"page":329},{"id":2425,"text":"ورخص الحنابلة أيضاً في أكل الضبع، لما روى جابر، قال: «أمرنا رسول الله صلّى الله عليه وسلم بأكل الضبع، قلت: صيد هي؟ قال: نعم» وفي لفظ قال: «سألت رسول الله صلّى الله عليه وسلم عن الضبع، فقال: هو صيد، ويجعل فيه كبش إذا صاده المحرم» (1) ورويت الرخصة فيه عن سعد وابن عمر، وأبي هريرة، وعروة بن الزبير، وعكرمة وإسحاق، وقال عروة: مازالت العرب تأكل الضبع، ولا ترى بأكلها بأساً. ورخص أحمد أيضاً في أكل اليربوع؛ لأن الأصل الإباحة ما لم يرد فيه تحريم.\rوما عدا كل ذي ناب أو مخلب من الوحوش، يحل أكله، كالظباء وبقر الوحش، وحمار الوحش على اختلاف أنواعها كالوعل والمها وغيرها؛ لأنها كالمعز الأهلية، ومن الطيبات، ولما ثبت في الصحيحين أنه صلّى الله عليه وسلم قال في حمار الوحش: «كلوا من لحمه، وأكل منه» .\rويباح أكل الأرنب لأنه حيوان مستطاب، ليس بذي ناب كالظبي، وقد أباح النبي صلّى الله عليه\r-------------------------------\r(1) رواه أبو داود (نيل الأوطار: 121/8).","part":4,"page":330},{"id":2426,"text":"وسلم أكله (1) .\rويباح أيضاً أكل كل ما لا مخلب له من الطير المتوحش كالحمام بأنواعه، والحُبارى (طائر أكبر من الدجاج وأطول عنقاً) والعصافير والكَركي (وهو طائر كبير معروف، كنيته أبو نعيم، يمشي برجل واحدة على الأرض، ويعلق الأخرى) والغراب (2) الذي يأكل الزرع والحب (وهو المعروف بالزاغ)، وكل ما على شكل العصفور، وإن اختلف لونه ونوعه كعندليب (وهو الهُزار) وصَعْوة (صغار العصافير، المحمرة الرأس) وزُرزور (عصفور صغير أحمر الأنف)، وبُلبل، وحُمَّرة.\rوأحل الحنفية في الأصح أكل العَقعق (وقال له القعقع وهو القاق: وهو طائر ذو لونين أبيض وأسود، طويل الذنب، قصير الجناح، عيناه يشبهان الزئبق، صوته العقعقة، كانت العرب تتشاءم بصوته) لأنه يخلط بين أكل الحب والجيف. وحرم الشافعية أكله، وأكل الغدَّاف الكبير (ويسمى الغراب الجبلي، لأنه لا يسكن إلا الجبال) لخبثهما. واختلف الشافعية في الغداف الصغير (وهو أسود رمادي اللون): فقيل: يحرم، وقيل بحله وهو الظاهر، لأنه يأكل الزرع.\rوحرم الحنابلة أيضاً أكل العقعق، لأنه يأكل الجيف. قال أحمد: إن لم يكن يأكل الجيف، فلا بأس به.\r-------------------------------\r(1) عن محمد بن صفوان: «أنه صاد أرنبين، فذبحهما بمروتين، فأتى رسول الله صلّى الله عليه وسلم ، فأمره بأكلهما» رواه أحمد والنسائي وابن ماجه. وروى الجماعة عن أنس أنه أمسك أرنباً بمرّ الظهران، فذبحها أبو طلحة وبعث مع أنس بوَرِكها (أو عجُزها) إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلم، فقبله (نيل الأوطار: 121/8).\r(2) جاء في العناية عند الحنفية: الغراب ثلاثة أنواع: نوع يلتقط الحب ولا يأكل الجيف وهو الزاغ: يباح ولا يكره. ونوع لا يأكل إلا الجيف، وهو الأبقع، وإنه مكروه. ونوع يخلط، يأكل الحب مرة، والجيف أخرى. وهو غير مكروه عند أبي حنيفة، مكروه عند أبي يوسف.","part":4,"page":331},{"id":2427,"text":"النوع الثالث ـ الحيوان البرمائي :\rوهو الذي يعيش في البر والماء معاً، كالضفدع والسلحفاة والسرطان، والحية والتمساح وكلب الماء ونحوها. وفيه آراء ثلاثة:\r1 - قال الحنفية والشافعية (1) : لا يحل أكلها؛ لأنها من الخبائث، وللسمية في الحية، ولأن «النبي صلّى الله عليه وسلم نهى عن قتل الضفدع» (2) ولو حل أكله، لم ينه عن قتله.\r2 - وقال المالكية (3) : يباح أكل الضفادع والحشرات والسرطانات والسلحفاة، إذ لم يرد نص في تحريمها. وتحريم الخبائث: هو ما نص عليه الشرع، فلا يحرم ما تستخبثه النفوس مما لم يرد فيه نص.\r3 - وفصل الحنابلة فقالوا (4) : كل ما يعيش في البر من دواب البحر، لا يحل بغير ذكاة كطير الماء، والسلحفاة، وكلب الماء، إلا مالا دم فيه كالسرطان، فإنه يباح في رأي أحمد بغير ذكاة؛ لأنه حيوان بحري يعيش في البر، وليس له دم سائل، فلاحاجة إلى ذبحه، خلافاً لما له دم، لا يباح بغير ذبح. والأصح كما في شرح المقنع لابن مفلح الحنبلي (214/9): أن السرطان لا يحل إلا بالذكاة.\rولا يباح أكل الضفدع؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلم ـ فيما رواه النسائي ـ نهى عن قتله، فيدل ذلك على تحريمه.\rكما لا يباح أكل التمساح.\r-------------------------------\r(1) اللباب شرح الكتاب: 230/3، تكملة الفتح: 62/8 ومابعدها، مغني المحتاج: 298/4، المهذب: 250/1.\r(2) أخرجه أبو داود وأحمد وإسحاق بن راهويه وأبو داود الطيالسي والحاكم عن عبد الرحمن بن عثمان التميمي (نصب الراية:201/4).\r(3) بداية المجتهد: 656/1، القوانين الفقهية: ص 172.\r(4) المغني: 606/8 ومابعدها، كشاف القناع: 202/6.","part":4,"page":332},{"id":2428,"text":"ملحق ـ حول طرق الذبح الحديثة في المسلخ الحديث :\rلا مانع من استخدام وسائل تضعف من مقاومة الحيوان، دون تعذيب له (1) ، وبناء عليه: يحل في الإسلام استعمال طرق التخدير المستحدثة غير المميتة قبل الذبح، مثل استعمال ثاني أكسيد الفحم، إذا ذبح الحيوان، وكان الغالب على الظن وجود الحياة الطبيعية فيه عند ذبحه، لأنه لا يترتب عليه إيلام الحيوان، ويحرم الصرع بمسدس، أو بمثقل كخشب وقدوم وعصا، أو تيار كهربائي ونحوها من كل مخدر غير ضار، لما فيها من تعذيب الحيوان المنهي عنه شرعاً. ولكن استعمال ما ذكر لا يمنع من أكل الحيوان بعد ذبحه، إذا ظل حياً حياة مستقرة، وإن كان سيموت بعد مدة لو ترك بغير ذبح، ولو بعد استعمال هذه الوسائل التي يراد منها تسهيل عميلة الذبح. وأما إتلاف الجملة العصبية في المخ بالضرب، فيمنع من إباحة الأكل عند المالكية؛ لأن الحيوان يصبح منفوذ المقاتل، ومن المقاتل انتشار أو نثر الدماغ، لكن إذا كانت حياته محققة يؤكل عندهم. ويؤكل المذكور عند الشافعية والحنابلة إذا ذبح الحيوان وكان فيه حياة مستقرة، أي حركة اختيارية يدل عليها انفجار الدم، أو الحركة الشديدة. كذلك يؤكل عند الحنفية إذا أسرع الذابح بقطع العروق. ويتم الذبح الآن في المسالخ عادة بالآلات الحادة السريعة القطع. وقد نقل لنا أن عملية الذبح تعقب عملية التخدير أو الصرع بثوان معدودات.\rولا مانع من الذبح من القفا عند غير المالكية، ولكن مع الكراهة، لما فيه من تعذيب الحيوان.\rولا يجوز أكل الحيوان إذا نزف دمه بآلة، ثم ذبح قبل معرفة الحياة الطبيعية عنده.\rوقد بينت سابقاً أنه لا مانع من أكل الذبائح المستوردة من البلاد النصرانية، حتى وإن لم يسم عليها، بشرط كونها مذبوحة لا مخنوقة، ولا ممزوعة الرقبة. ولا تحل اللحوم المستوردة من البلاد الوثنية أو اللادينية كاليابان والهند والدول الشيوعية. ويكبر على ذبيحة النصراني أخذاً بمذهب المالكية في حل الأكل مع الكراهة من ذبائح أهل الكتاب إن سموا غير اسم الله . لكن الشافعية والشيعة يتشددون في مثل هذه اللحوم، فلا يبيحونها في الواقع العملي.\rوأما الطالب الذي يدرس في البلاد الشيوعية، فيجب عليه الامتناع من تناول الطعام المشتمل على اللحوم، ويكتفي بأكل أغذية النباتات والخضار، أو يستعين بالمعلبات من اللحوم المستوردة من أوربا مثلاً. ولا يحل بحال أكل تلك اللحوم الممنوعة، وبخاصة الخنزير في أي بلد، حتى مع ادعاء وجود الضرورة؛ لأن معنى الضرورة لايتوفر حينئذ، إذ يمكن الحفاظ على النفس من الهلاك، بتناول أطعمة غير ممنوعة شرعاً.\r-------------------------------\r(1) انظر فتواي المنشورة في مجلة حضارة الإسلام بدمشق ـ السنة الثامنة، العدد الخامس: ص62 ومابعدها.","part":4,"page":333},{"id":2429,"text":"الفَصْلُ الثَّاني: الصَّيد\rوفيه مباحث أربعة:\rالمبحث الأول ـ تعريف الصيد وحكمه أو مشروعيته.\rالمبحث الثاني ـ شروط إباحة الصيد.\rالمبحث الثالث ـ ما يباح اصطياده من الحيوان.\rالمبحث الرابع ـ متى يملك الصائد المصيد؟\rالمبحث الأول ـ تعريف الصيد وحكمه أو مشروعيته :\rتعريف الصيد: الصيد أو الاصطياد لغة: مصدر «صاد» أي أخذ، فهو صائد، وذاك مصيد، ويسمى المصيد صيداً، ويجمع على صيود. والمصيد: هو كل حيوان متوحش طبعاً، ممتنع عن الآدمي، مأكولاً كان أو غير مأكول، لا يمكن أخذه إلا بحيلة.","part":4,"page":334},{"id":2430,"text":"والصيد: اقتناص حيوان حلال متوحش، طبعاً غير مملوك، ولا مقدور عليه (1) .\rحكم الصيد: الاصطياد مباح لقاصده إجماعاً في غير حرم مكة وحرم المدينة، لغير المحرم بحج أو عمرة. ويؤكل المصيد إن كان مأكولاً شرعاً (2) لقوله تعالى: {وإذا حللتم فاصطادوا} [المائدة:5/2] أمر بعد حظر، فيفيد الإباحة. ولقوله سبحانه: {وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرماً} [المائدة:5/96] {ياأيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم} [المائدة:5/95] {قل: أحل لكم الطيبات، وما علَّمتم من الجوارح مكلِّبين} [المائدة:4/5].\rوثبت في السنة أن النبي صلّى الله عليه وسلم قال لعدي بن حاتم: «إن أرسلت كلبك، وسميت، فأخذ، فقتل،فكل، وإن أكل منه فلا تأكل، فإنما أمسك على نفسه» (3) .\rوعن أبي قتادة: أنه كان مع رسول الله صلّى الله عليه وسلم ، فرأى حماراً وحشياً، فاستوى على فرسه، وأخذ رمحه، ثم شد على الحمار، فقتله، فلما أدركوا رسول الله صلّى الله عليه وسلم، سألوه عن ذلك، فقال: «هي طُعْمة، أطعمكموها الله » (4) .\r-------------------------------\r(1) تبيين الحقائق: 50/6، اللباب: 217/3، كشاف القناع: 211/6.\r(2) تبيين الحقائق: 50/6، المغني: 539/8،551 ومابعدها، الدر المختار: 328/5.\r(3) متفق عليه بين أحمد والشيخين (نيل الأوطار: 134/8، تلخيص الحبير: 133/4 ومابعدها).\r(4) متفق عليه.","part":4,"page":335},{"id":2431,"text":"وعن أبي ثعلبة الخشني، أن النبي صلّى الله عليه وسلم قال: «ما صدت بقوسك، فذكرت اسم الله عليه، فكل، وما صدت بكلبك المعلم، فذكرت اسم الله عليه، فكل، وما صدت بكلبك غير المعلم، فأدركت ذكاته، فكل» (1) . وأجمع العلماء على إباحة الاصطياد، والأكل من الصيد.\rويكره الصيد لهواً، لأنه عبث لقوله عليه السلام: «لا تتخذوا شيئاً فيه الروح غرضاً» (2) أي هدفاً «من قتل عصفوراً عبثاً، عج إلى الله يوم القيامة يقول: يارب، إن فلاناً قتلني عبثاً، ولم يقتلني منفعة» (3) . وهو حرام إن كان فيه ظلم الناس بالعدوان على زروعهم وأموالهم؛ لأن الوسائل لها أحكام المقاصد (4) .\rوالصيد أفضل مأكول؛ لأنه حلال لا شبهة فيه، كما أن الزراعة أفضل مكتسب؛ لأنها أقرب إلى التوكل من غيرها، وأقرب للحل. وفيها عمل اليد، والنفع العام للإنسان والحيوان (5) .\rومما يؤكد مشروعية الصيد: أنه نوع اكتساب، وانتفاع بما هو مخلوق للإنسان، ليتمكن من البقاء، وتنفيذ التكاليف الشرعية.\rهذا وقد قسم المالكية (6) أحكام الصيد خمسة أقسام:\rمباح للمعاش، ومندوب للتوسعة على العيال، وواجب لإحياء النفس عند الضرورة، ومكروه للهو، وحرام إذا كان عبثاً لغير نية، للنهي عن تعذيب الحيوان لغير فائدة.\r-------------------------------\r(1) متفق عليه (نيل الأوطار: 130/8).\r(2) رواه مسلم والنسائي وابن ماجه عن ابن عباس.\r(3) رواه الشافعي وأحمد والنسائي وابن حبان عن عمرو بن الشريد عن أبيه (نيل الأوطار: 137/8 ومابعدها).\r(4) كشاف القناع: 211/6.\r(5) المرجع السابق.\r(6) القوانين الفقهية: ص 175، الشرح الكبير: 108/2.","part":4,"page":336},{"id":2432,"text":"المبحث الثاني ـ شروط إباحة الصيد :\rيشترط لإباحة الصيد خمسة عشر شرطاً عند الحنفية (1) ، وستة عشر شرطاً عند المالكية (2) ، وأجملها الشافعية والحنابلة (3) في شروط سبعة.\rوهذه الشروط هي في الصائد، وفي آلة الصيد، وفي المصيد.\rويلاحظ أن مجموع هذه الشروط هو لحالة ما يحل أكله ولم يدركه حياً، فإن أدركه حياً وجب ذبحه، وهي شروط في صيد البر، أما صيد البحر فيجوز مطلقاً، سواء صاده مسلم أو كافر على أي وجه كان.\rالمطلب الأول ـ شروط الصائد :\rشروط الصائد خمسة عند الحنفية، ستة أو سبعة عند المالكية وهي:\r1 - أن يكون الصائد من أهل الذكاة أي ممن تقبل تذكيته شرعاً، كما تقدم في الذبائح وهذا شرط متفق عليه. فيجوز صيد المسلم اتفاقاً، ولا يجوز صيد الوثني والمرتد والمجوسي والباطني اتفاقاً؛ لأن الاصطياد أقيم مقام الذكاة، والجارحة آلة كالسكين، وعقر الصائد الحيوان بمنزلة إفراء الأوداج، ولا يجوز صيد المجنون عند الجمهور خلافاً للشافعية؛ لأن الصائد بمنزلة المذكي فتشترط الأهلية فيه. ويجوز صيد الكتابي (اليهودي والنصراني) في المذاهب الأربعة، لكن قيد الشافعية حل اصطياده وذبحه بألا يعلم تهود آباء اليهودي بعد مجيء الإسلام الناسخ لليهودية، وبأن يعلم تنصر آباء النصراني قبل الإسلام. فإن كان أبو الكتابي مجوسياً وأمه كتابية، أو بالعكس، فمالك يعتبر الوالد، والشافعي يعتبر الأم، وأبو حنيفة: يعتبر أيهما كان ممن تجوز تذكيته، فالمتولد بين مشرك وكتابي ككتابي؛ لأنه أخف؛ لأن الولد يتبع أخف الأبوين ضرراً.\r-------------------------------\r(1) رد المحتار على الدر المختار: 328/5، تكملة الفتح: 174/8، 180 ومابعدها.\r(2) القوانين الفقهية: ص 175-178، الشرح الكبير: 103/2-106، بداية المجتهد: 441/1-448.\r(3) مغني المحتاج: 266/4 ومابعدها، المهذب:253/1 ومابعدها، المغني: 539/8-545، كشاف القناع: 214/6-225.","part":4,"page":337},{"id":2433,"text":"وأحمد: يعتبر المتولد من كتابي ومشرك كولد مجوسية من كتابي مثل المشرك لا يؤكل صيده (1) .\r2 - ألا يشاركه في الإرسال من لا يحل صيده: وهذا شرط اتفاق أيضاً. ويمكن جعل الشرط الأول والثاني واحداً. ودليل هذا الشرط حديث عدي بن حاتم الذي فيه: «ما لم يُشركها كلب ليس معها» فهو يدل على أنه لا يحل أكل ما شاركه كلب آخر في اصطياده.\rفلو شارك مجوسي مسلماً في اصطياد أو ذبح، أو اشتركا في إرسال كلبين أو سهمين، ولم يسبق كلب المسلم أو سهمه، فجرحا المصيد،أو جهل الجارح، لم يؤكل المصيد أو المذبوح؛ لأنه اجتمع المبيح والمحرِّم، فتغلب جهة المحرم احتياطاً، مما يدل على أن المبدأ في الأطعمة في المذاهب الأربعة هو تغليب التحريم (2) . ويطبق ذلك أيضاً على حالة الاشتراك بين كلب معلم وغير معلم، أو كلب لم يذكر اسم الله تعالى عليه عمداً مع ما ذكر، عند الجمهور مشترطي التسمية.\r3 - أن ينوي الاصطياد أو يوجد منه الإرسال ـ إرسال الجارحة على الصيد، وهو شرط متفق عليه، فإن استرسلت بنفسها،فقتلت، لم يبح، لقول النبي صلّى الله عليه وسلم في حديث عدي بن حاتم المتقدم: «إذا أرسلت كلبك المعلم، وذكرت اسم الله عليه، فكل ما أمسك عليك» ، ولأن إرسال الجارحة جعل بمنزلة الذبح، ولهذا اعتبرت التسمية معه.\rوإن استرسل الجارح بنفسه، فسمى صاحبه، وزجره، فزاد في عدْوه، أبيح صيده عند الحنابلة والحنفية؛ لأن الزجر مثل الإرسال، ولا يباح عند المالكية، والشافعي في الأصح، لاجتماع\r-------------------------------\r(1) القوانين الفقهية: ص 176، الدر المختار ورد المحتار: 210/5، كشاف القناع: 215/6.\r(2) اللباب: 219/3 ومابعدها، الشرح الكبير: 105/2، مغني المحتاج: 226/4، كشاف القناع: 215/6، المهذب: 253/1.","part":4,"page":338},{"id":2434,"text":"الإرسال بنفسه والإغراء، فغلب جانب المنع (1) ، والأول أرجح في تقديري.\r4 - ألا يترك التسمية عامداً، وهذا شرط عند الجمهور، وعند الشافعية ليس بشرط، والسنة أن يسمي الصائد الله تعالى عند الرمي أو إرسال الجارح، كما يسمي الذابح عند الذبح بأن يقول بسم الله ، أو يضيف إليه: «والله أكبر» ، للحديث السابق المذكور فيه التسمية. فإن ترك القانص التسمية عمداً لم يؤكل المصيد عند الجمهور، لقوله تعالى: {ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه} [الأنعام:121/6] وقوله سبحانه: {فكلوا مما أمسكن عليكم، واذكروا اسم الله عليه} [المائدة:4/5]. وإن ترك التسمية سهواً يؤكل المصيد عند المالكية والحنفية، ولا يؤكل عند الحنابلة (2) بعكس الذبيحة تؤكل عندهم في حال ترك التسمية سهواً، لقول ابن عباس: «من نسي التسمية فلا بأس» . وروى سعيد بن منصور بإسناده عن راشد بن ربيعة قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم : «ذبيحة المسلم حلال، وإن لم يسم ما لم يتعمد» . وقوله تعالى: {ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه} [الأنعام:121/6] محمول على ما تركت تسميته عمداً بدليل قوله: {وإنه لفسق} [الأنعام:121/6] والأكل مما نسيت التسمية عليه، ليس بفسق.\rوتختلف الذبيحة عن الصيد عند الحنابلة؛ لأن ذبح الصيد في غير محل، فاعتبرت التسمية تقوية له، والذبيحة بخلاف ذلك، ويرشد إلى وجوب التسمية مطلقاً حديث عدي بن حاتم قال: «قلت: يا رسول الله ، إنى أرسل كلبي، وأسمِّي، قال: إن أرسلت كلبك، وسميت، فأخذ، فقتل، فكل، وإن أكل منه، فلا تأكل، فإنما أمسك على نفسه. قلت: إني أرسل كلبي، أجد معه كلباً\r-------------------------------\r(1) المغني: 541/8 ومابعدها، الشرح الكبير: 104/2، مغني المحتاج: 276/4، تكملة الفتح: 181/8.\r(2) المغني: 540/8، 565.","part":4,"page":339},{"id":2435,"text":"آخر، لا أدري أيهما أخذه؟ قال: فلا تأكل، فإنما سميت على كلبك، ولم تسم على غيره» (1) .\rوقال الشافعية (2) : يباح أكل متروك التسمية عمداً أو سهواً، في الصيد والذبائح، لقول النبي صلّى الله عليه وسلم : « المسلم يذبح على اسم الله ، سمى أو لم يسم » (3) وعن أبي هريرة رضي الله عنه «أن النبي صلّى الله عليه وسلم سئل، فقيل: أرأيت الرجل منا يذبح، وينسى أن يسمي الله ؟ فقال: اسم الله في قلب كل مسلم» (4) .\rوأما النهي في قوله تعالى: {ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه، وإنه لفسق} [الأنعام:121/6] فمقيد بحال كون الذبح فسقاً، والفسق في الذبيحة مفسر في كتاب الله بما أهل لغير الله به؛ لأن جملة {وإنه لفسق} [الأنعام:121/6] لا تصلح أن تكون معطوفاً، للتباين بين الجملتين، إذ الأولى فعلية إنشائية، والثانية اسمية خبرية، فتعين أن تكون حالية.\rوأما الأحاديث المطالبة بالتسمية في خبر أبي ثعلبة وعدي بن حاتم ونحوهما، فمحمولة على الندب.\r5 - ألا يشتغل الصائد بين الإرسال وأخذ المصيد بعمل آخر. وعبر المالكية عن ذلك بقولهم: أن يتبع الصائد الصيد عند الإرسال أو الرمي.\rوالسبب في اشتراط هذا الشرط: أن الصائد مطالب بملاحقة المصيد، ليذبحه إن أدركه حياً فيه روح، فإن قصر في ذلك، ومات ولم يذكه، لم يؤكل، لأنه قدر على الذكاة الاختيارية، فلا تجزئ الذكاة الاضطرارية لعدم الضرورة.\r-------------------------------\r(1) متفق عليه بين أحمد والشيخين (نيل الأوطار: 134/8).\r(2) مغني المحتاج: 272/4.\r(3) قال عنه الزيلعي: غريب بهذا اللفظ. وفي معناه أحاديث منها حديث ابن عباس عند الدارقطني لكن في إسناده كلام، والصحيح عند ابن حبان أنه موقوف على ابن عباس. وأخرجه عبد الرزاق عن ابن عباس موقوفاً. (نصب الراية: 182/4).\r(4) أخرجه الدارقطني أيضاً، وفيه ضعيف. وعند أبي داود حديث مرسل عن الصلت الدوسي، بلفظ «ذبيحة المسلم حلال، ذكر اسم الله ، أو لم يذكر» . ولأحمد رواية مثل حديث أبي هريرة (نصب الراية: 183/4، المغني: 540/8).","part":4,"page":340},{"id":2436,"text":"وللفقهاء آراء في إدراك المصيد حياً، قال الحنفية (1) : إن أدرك المصيد، وكان فيه فوق حياة المذبوح، بأن يعيش مدة كاليوم أو نصفه، فوق ما يعيش المذبوح، وترك التذكية، حتى مات، لم يؤكل؛ لأنه مقدور على ذبحه، ولم يذبح، فصار كالميتة، والله تعالى يقول: {إلا ما ذكيتم} [المائدة:3/5] ولقوله عليه الصلاة والسلام لعدي: «إذا أرسلت كلبك، فاذكر اسم الله عليه، وإن أمسك عليك، فأدركته حياً، فاذبحه» .\rأما لو أدرك به حياة مثل حياة المذبوح، فلا تلزم تذكيته، لأنه ميت حكماً، ولهذا لو وقع في الماء في هذه الحالة، لا يحرم، كما لو وقع وهو ميت. ولو أدرك الصيد حياً حياة فوق ما يكون في المذبوح، ولم يتمكن من ذبحه لفقد آلة، أو ضيق الوقت، لم يؤكل في ظاهر الرواية، وفي رواية أخرى عن أئمة الحنفية الثلاثة: إنه يؤكل استحساناً، وقيل: هذا أصح.\rأما إن لم يتمكن من ذبحه، لعدم قدرته عليه، أي عدم ثبوت يده عليه، فمات، أكل؛ لأن اليد لم تثبت عليه، ولم يوجد منه التمكن من الذبح.\r-------------------------------\r(1) تكملة الفتح: 178/8 ومابعدها، اللباب: 219/3، تبيين الحقائق: 53/6، الدر المختار: 334/5.","part":4,"page":341},{"id":2437,"text":"وقال المالكية (1) : إن رجع الصائد بعد الإرسال أو الرمي، ثم أدرك المصيد غير منفوذ المقاتل، ذكاه. وإن لم يدركه إلا منفوذ المقاتل، لم يؤكل، إلا أن يتحقق أن مقاتله أنفذت بالمصيد به.\rوقال الشافعية والحنابلة (2) : إن كانت حياة المصيد كحياة المذبوح، ليس فيه حياة مستقرة، بأن شق جوفه وخرجت الحشوة، أو أصاب العقر من الكلب مقتلاً، يباح من غير ذبح، باتفاق المذاهب؛ لأن الذكاة في مثل هذا لا تفيد شيئاً، لكن المستحب عند الشافعية أن يمر السكين على الحلق ليريحه، وإن لم يفعل حتى مات، حل؛ لأن عقر الكلب المرسل عليه، قد ذبحه، وبقيت فيه حركة المذبوح. وإن كانت فيه حياة مستقرة أدركها الصائد فينظر في الأمر:\rأ ـ إن تعذر ذبحه، بلا تقصير من الصائد، حل أكله، كأن سل السكين على الصيد ، أو ضاق الزمان فلم يتسع الوقت لذكاته، حتى مات، أو مشى له على هينته ولم يأته عدواً، أو اشتغل بتوجيهه للقبلة أو بطلب المذبح (مكان الذبح)، أو بتناول السكين، أو منع منه سبع، فمات قبل إمكانه الذبح، أو امتنع منه بقوته، ومات قبل القدرة عليه، فيحل في الجميع كما لو مات، ولم يدرك حياته.\rب ـ وإن مات لتقصيره، بأن لا يكون معه سكين، أو لم تكن محددة، أو ذبح بظهرها خطأ، أو أخذها منه غاصب، أو نشبت في الغمد (أي عسر إخراجها بأن تعلقت في الغلاف)، حرم الصيد، للتقصير، لحديث أبي ثعلبة الخشني المتقدم أن النبي صلّى الله عليه وسلم قال: «ما رد عليك كلبك المكلب، وذكرت اسم الله عليه، وأدركت ذكاته، فذكه، وكل، وإن لم تدرك ذكاته، فلا تأكل..» .\r6 - ألا يكون الصائد في صيد البر محرماً بحج أو عمرة، أما صيد البحر فحلال للمحرم لقوله تعالى: {أحل لكم صيد البحر وطعامه، متاعاً لكم وللسيارة، وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرماً} [المائدة:96/5]. وفي حديث صحيح: «صيد البر لكم حلال ـ وأنتم حرم ـ ما لم\r-------------------------------\r(1) القوانين الفقهية: ص 176.\r(2) مغني المحتاج: 269/4 ومابعدها، المهذب: 254/1، المغني: 547/8 ومابعدها، كشاف القناع: 214/6 ومابعدها.","part":4,"page":342},{"id":2438,"text":"تصيدوه أو يُصَد لكم» (1) وحكمة التفرقة بين نوعي الصيد كما ورد في الآية هو توفير زاد للمسافرين والنائين عن البحر، ولأن صيد البر ترفه يتطلب مشقة ومطاردة تصرف المحرم عما فيه من عبادة.\r7 - أن يرى الصائد الصيد ويعينه أو يحس به، ويرسل كلبه المعلم على صيد، وهذا شرط ذكره المالكية والشافعية والحنابلة (2) ، ويمكن عده مع الشرط الثالث.\rفلو علم الصائد بالصيد، ولو كان أعمى، فأرسل كلبه أو بازه المعلم، فقتل المصيد، فإنه يؤكل، ويصح صيد الأعمى عند المالكية والحنابلة. أما لو أرسله على صيد، وهو لا يرى شيئاً، ولا يحس به، فأصاب صيداً، لم يبح في قول أكثر أهل العلم؛ لأنه لم يرسله على الصيد، وإنما استرسل بنفسه.\rوكذلك إن رمى سهماً لاختبار قوته أو إلى غرض، فأصاب صيداً، أو رمى به إلى أعلى، فوقع على صيد، فقتله، لم يُبح لأنه لم يقصد برميه عيناً، كما لو نصب سكيناً فانذبحت بها شاة. ولو أرسل الصائد الجارح في غار أو غيضة (مجتمع شجر) ، لم يعلم أن فيهما صيداً، ونوى ذكاة ما وجده فيها، أو علم فيهما صيداً، ولم يره ببصره، فوجد صيداً، فقتله، فإنه يؤكل كما صرح المالكية، تنزيلاً للغالب منزلة المعلوم.\rواشترط الشافعية (3) أن يكون الصائد بصيراً، فلا يحل عندهم صيد الأعمى في الأصح لعدم صحة قصده؛ لأنه لا يرى الصيد، فصار كاسترسال الكلب بنفسه، لايحل به الصيد، ولو أرسل كلباً، وهو لا يراه صيداً، فأصاب صيداً لم يحل. وتطبيقاً على هذه الشروط أذكر حالتين: هما حالة غيبة مصرع المصيد، وحالة وقوعه في ماء أو ترديه من سطح بعد الصيد:\rحالة غيبة المصرع: إن رمى الصائد الصيد، فغاب عن عينه، فوجده ميتاً وليس به إلا أثر سهمه (4) ، يباح أكله عند الحنفية، والحنابلة: إن تابع طلبه والبحث عنه، أو لم يتشاغل عنه بشيء آخر. فإن تشاغل عنه، ثم وجده، أو وجد به أثر سهم آخر، أوشك في سهمه لم يبح أكله، لاحتمال موته بسبب آخر.\r-------------------------------\r(1) رواه أبو داود والترمذي والنسائي من حديث جابر.\r(2) الشرح الكبير: 104/2، القوانين الفقهية: ص 176، المغني: 545/8، كشاف القناع: 214/6، المهذب: 255/6، مغني المحتاج: 277/4.\r(3) مغني المحتاج:266/4-267، المهذب: 255/1.\r(4) اللباب: 220/3، تبيين الحقائق: 57/6، تكملة الفتح: 183/8، الشرح الكبير: 104/2، 106، المهذب: 254/1، المغني: 553/8 ومابعدها، كشاف القناع: 218/6، بداية المجتهد: 446/1، مغني المحتاج: 277/4، القوانين الفقهية: ص 178.","part":4,"page":343},{"id":2439,"text":"ولقول ابن عباس: «كل ما أصميت، ودع ما أنميت» (1) والإصماء: ما رأيته، والإنماء: ما توارى عنك، مما يدل على أن الصيد يحرم بالتواري. ولقوله صلّى الله عليه وسلم في حديث عدي ابن حاتم: «إذا رميت فوجدته بعد يوم أو يومين، ليس به إلا أثر سهمك، فكل، وإن وقع في الماء فلا تأكل» .\rوقال الشافعية في الأظهر: إن جرحه جرحاً يمكن إحالة الموت عليه، وغاب، ثم وجده ميتاً، ولم يظن أن سهمه قتله، حرم، لحديث عدي بن حاتم قال: «قلت: يا رسول الله، إنا أهل صيد، وإن أحدنا يرمي الصيد، فيغيب عنه الليلتين والثلاث، فيجده ميتاً، فقال: إذا وجدت فيه أثر سهمك، ولم يكن أثر سبع، وعلمت أن سهمك قتله، فكل» (2) .\rوقال المالكية في المشهور: إن وجده ميتاً بعد يوم أو يومين منفوذ المقاتل لا يؤكل لاحتمال موته بشيء من الهوام مثلاً، ولحديث مسند عن أبي رَزين وعن عائشة، ومرسل عند أبي داود، مفاده «أن النبي صلّى الله عليه وسلم كره أكل الصيد إذا غاب عن الرامي، وقال: لعل هوام الأرض قتلته» .\rوالخلاصة: إن الصيد الذي غاب بعد رميه، ولم يعلم أو يظن أنه مات بضربه، لا يؤكل في المذاهب.\rحالة الوقوع في الماء أو التردي من مكان عال على الأرض: إذا رمى الصائد صيداً، فوقع في ماء أو تردى من مكان عال كجبل أو سطح على الأرض، أو وطئه شيء فمات، لم يؤكل باتفاق المذاهب (3) ، لكن إن وقع على الأرض مباشرة،\r-------------------------------\r(1) رواه البيهقي موقوفاً (تلخيص الحبير: 136/4).\r(2) رواه أحمد والبخاري (نيل الأوطار: 135/8 ومابعدها، جامع الأصول: 444/7).\r(3) اللباب: 220/3 وما بعدها، تكملة الفتح: 184/8، تبيين الحقائق: 58/6، القوانين الفقهية: ص 178، الشرح الكبير: 105/2، بداية المجتهد: 446/1 ومابعدها، مغني المحتاج: 274/4، المهذب: 254/1، المغني:577/8، كشاف القناع: 218/6.","part":4,"page":344},{"id":2440,"text":"أكل؛ لأنه لا يمكن الاحتراز عنه. بخلاف الحالة المتقدمة، فإنه يمكن الاحتراز عنه، وقد اجتمع فيه سبب الحل والحرمة معاً، فترجح جهة الحرمة احتياطاً، ولحديث عدي بن حاتم السابق: «وإن وقع في ماء، فلا تأكل» . هذا مالم يكن سهم قد أنفذ مقاتله قبل الوقوع، فإن حدث ذلك لم يضره الغرق أو التردي.\rالمطلب الثاني ـ شروط آلة الصيد :\rالآلة نوعان: سلاح، وحيوان.\rأ ـ أما السلاح: فيشترط أن يكون محدداً كالرمح والسهم والسيف والبارود ونحو ذلك. وإذا رمى الصيد بسيف أو غيره، فقطعه قطعتين أو قطع رأسه، أكل جميعه وأكل الرأس، عند الجمهور (1) ، ولا يؤكل الجزء المبان منه إذا بقيت فيه حياة مستقرة؛ لأن «الجزء المقطوع من الحي كميتته» . ويؤكل العضو المبان إذا لم تبق فيه حياة مستقرة ومات بالجرح.\rوكذلك قال الحنفية (2) : إذا رمى إلى صيد، فقطع عضواً منه أكل المصيد، كوجود الجرح، ولا يؤكل العضو المقطوع بحال، لقوله صلّى الله عليه وسلم : «ما أبين من الحي فهو ميت» (3) والمبان منه حي حقيقة لوجود الحياة. وإن قطعه الرامي أثلاثاً أو أكثره مع عجزه، أو قطع نصف رأسه أو أكثره، أو قدَّه نصفين، أُكل كله؛ لأن هذه الصور لا يمكن فيها وجود حياة فوق حياة المذبوح، فلم يتناولها الحديث المذكور. أما لو كان الأكثر مع الرأس، أكل الأكثر، ولا يؤكل الأقل، لإمكان الحياة فوق حياة المذبوح، وأما الأقل فهو مبان من الحي.\r-------------------------------\r(1) القوانين الفقهية: ص 176، 178، المغني: 556/8 ومابعدها، بداية المجتهد: 447/1، مغني المحتاج: 270/4.\r(2) اللباب: 222/3، الدر المختار: 336/5، تكملة الفتح: 185/8 ومابعدها.\r(3) رواه الحاكم وصححه على شرط الشيخين وأحمد وأبو داود والترمذي عن ابن عمر بلفظ «ما قطع من حي فهو ميته» أو «ما قطع من البهيمة وهي حية فهو ميتة» (نيل الأوطار: 146/8).","part":4,"page":345},{"id":2441,"text":"ولا يجوز الاصطياد بما لايجوز التذكية به، وهي السن والظفر والعظم على الخلاف السابق في التذكية به.\rولا يجوز الصيد بمثقل (1) كالحجر، والبندقة (طينة مدورة يرمى بها)، والمعراض بعُرضه (سهم لا ريش ولا نصل، أو عصا محددة الرأس) إلا أن يكون له حد، ويوقن أنه أصاب به، لا بالرض؛ لأن ما قتله بحدة بمنزلة ما طعنه برمحه، ورماه بسهم، وما قتل بعُرْضه (جانبه) إنما يقتل بثقله، فهو موقوذ أو وقيذ (ميت بالضرب) ولما روي أن عدي بن حاتم قال للنبي صلّى الله عليه وسلمـ: إني أرمي الصيد بالمعراض (2) ، فأصيب، فقال: «إذا رميت بالمعراض، فخزق (نفذ)، فكله، وإن أصاب بعُرْضه (بغير طرفه المحدد)، فلا تأكله» (3) . وفي حديث عبد الله بن مغَفَّل قال: «نهى رسول الله صلّى الله عليه وسلم عن الخَذْف، وقال: إنه لا يقتل الصيد، ولا ينكأ العدو، وإنه يفقأ العين، ويكسر السن» (4) .\rوعليه: إذا قتل الصائد أو الذابح الحيوان بمُثْقّل (شيء ثقيل)، أو ثقل محدد كبندقة وسوط، وسهم بلا نصل ولا حد، أو سهم وبندقة معاً، أو جرحه نصل وأثر فيه عُرْض السهم (جانبه) في مروره، ومات بهما (أي الجرح والتأثير) أو انخنق بأحبولة أو شبكة، فهو محرم، بلا خلاف، لأنه قتله بما ليس له حد (5) . وهكذا حكم سائر آلات الصيد حكم المعراض في أنها إذا قتلت بعُرْضها ولم تجرح، لم يبح الصيد، كالسهم يصيب الطائر بعُرْضه فيقتله، أو كالسيف بصفحه.\r-------------------------------\r(1) تكملة الفتح: 185/8، اللباب: 221/3، تبيين الحقائق: 58/6، القوانين الفقهية: ص176، بداية المجتهد: 441/1، مغني المحتاج: 274/4، المهذب: 254/1، المغني: 558/8 ومابعدها، كشاف القناع: 217/6 ومابعدها.\r(2) قال القرطبي: المشهور أنه خشبة ثقيلة آخرها عصا محدد رأسها، وقد لا يحدد. وقال ابن التين: المعراض: عصا في طرفها حديدة يرمي بها الصائد.\r(3) رواه البخاري ومسلم وأحمد (نيل الأوطار: 130/8).\r(4) رواه أحمد والبخاري ومسلم وأبو داود والنسائي (جامع الأصول: 452/7).\r(5) مغني المحتاج: 4/472، المهذب: 274/4، بداية المجتهد: 446/1، المغني: 559/8.","part":4,"page":346},{"id":2442,"text":"ولا يؤكل ما يصطاد اليوم بالخردق أو الرصاص غير محدد الرأس إلا إذا أدركه الصائد حياً وذبحه ذبحاً اختيارياً. وأفتى الشيخ المفتي محمود حمزة في دمشق وغيره بجواز أكل ماصيد بالخردق أو الرصاص العادي، لأنه يقتل بسرعة شديدة.\rوالخلاصة: أنه يؤكل المصيد بالرمي بأداة محددة كالرماح والسيوف والسهام ونحوها للنص عليها في القرآن والسنة. كما يؤكل المصيد بالمثقل إذا قتله بحده وخرق جسد الصيد، ولا يؤكل إذا قتله بالمثقل ولم يخرق لقول النبي صلّى الله عليه وسلم: «ما خزق فكل» . وهذا التفصيل بالمثقل هو رأي الجماهير.\rب ـ وأما الحيوان الجارح: فيحل الاصطياد بجوارح السباع والطير إذا كانت معلمة، ولم تأكل من الصيد عند غير المالكية. فالسبع مثل الكلب والفهد والنمر والأسد والهر، والطير مثل الباز أو البازي (نوع من الصقور) والشاهين (من جنس الصقر) والصقر والنسر والعقاب ونحوها من كل ما يقبل التعليم (1) لقوله تعالى: {أحل لكم الطيبات، وما علَّمتم من الجوارح مكلبين} [المائدة:5/4]، قال ابن عباس: هي الكلاب المعلمة، وكل طير تعلَّم الصيد والفهود والصقور وأشباهها، أي يحل لكم صيد ماعلمتم من الجوارح (2) . ولحديث عدي بن حاتم، قال: سألت رسول الله صلّى الله عليه وسلم عن صيد البازي، فقال: «إذا أمسك عليك، فكل» ولأنه جارح يصاد به عادة، ويقبل التعليم، فأشبه الكلب. ومثله كل سبع حتى الأسد.\rواستثنى أبو يوسف (3) من ذلك الأسد والدب، لأنهما لا يعملان لغيرهما:\r-------------------------------\r(1) البدائع: 44/5، الدر المختار: 329/5، تبيين الحقائق: 50/6، تكملة الفتح: 171/8، اللباب: 217/3 ومابعدها، بداية المجتهد: 441/1، القوانين الفقهية: ص176، الشرح الكبير: 104/2، مغني المحتاج: 275/4، المهذب: 253/1 ومابعدها، المغني: 539/8، 545-547، كشاف القناع: 220/6.\r(2) والجوارح: الكواسب. ومكلبين: من التكليب: هو الإغراء.\r(3) الهداية مع تكملة الفتح: 173/8.","part":4,"page":347},{"id":2443,"text":"الأسد لعلو همته، والدب لخساسته، وألحق بعضهم بهما الحدَأة لخساستها، والخنزير مستثنى؛ لأنه نجس العين، فلا يجوز الانتفاع به.\rواستثنى الإمام أحمد من الكلاب: الكلب الأسود البهيم(الذي لا يخالط لونه لون سواه كالبياض ونحوه)، لأنه كلب يحرم اقتناؤه، ويسن قتله بأمر النبي صلّى الله عليه وسلم، فلم يبح صيده، كغير المُعلَّم. ودليله قول النبي صلّى الله عليه وسلم : «عليكم بالأسود البهيم ذي النُكْتتين، فإنه شيطان» (1) فقد سماه النبي شيطاناً، ولا يجوز اقتناء الشيطان. وإباحة الصيد المقتول بالجارح رخصة، فلا تستباح بمحرم كسائر الرخص، ويكون عموم الآية السابقة مخصصاً بهذا الحديث (2) .\rويسن أيضاً عند الحنابلة قتل الخنزير ويحرم الانتفاع به، ويجب قتل الكلب العقور ولو كان معلماً، ويحرم اقتناؤه لأذاه.\rشروط الحيوان الصائد - يشترط في الحيوان المصيد به ستة شروط (3) :\rالأول - أن يكون معلماً: بأن ينتقل عن طبعه الأصلي، حتى يصير تحت تصرف الصائد كالآلة، لا صائداً لنفسه. وشرط التعليم متفق عليه بنص القرآن.\rوتعليم الكلب عند الحنفية: أن يترك الأكل ثلاث مرات. وتعليم البازي ونحوه: أن يرجع ويجيب إذا دعوته، ولا يشترط فيه ترك الأكل من الصيد، وهو مأثور عن ابن عباس، ولأن آية التعليم: ترك ما هو مألوفه عادة، فيترك الكلب ونحوه من السباع الأكل والاستلاب مما يصيده،ويتعود الطائر الإجابة، أو الرجوع\r-------------------------------\r(1) رواه مسلم في صحيحه من حديث جابر مرفوعاً بلفظ « ذي الطفيتين » أي الخطين الأبيضين فوق عينيه، وهما النكتتان، والنكتة، النقطة البيضاء في الأسود، أو السوداء في الأبيض.\r(2) المغني: 547/8، كشاف القناع: 220/6.\r(3) رد المحتار: 328/5، بداية المجتهد: 444/1، القوانين الفقهية: ص 176 ومابعدها.","part":4,"page":348},{"id":2444,"text":"إذا دعوته. وفي رواية أخرى عن أبي حنيفة: لايقدر التعليم بالثلاث بل بحسب رأي المدرب.\rويؤكل مااصطاده في المرة الثالثة عند أبي حنيفة، ولا يؤكل عند الصاحبين؛ لأنه إنما يصير معلماً بعد تمام الثلاث (1) . ولابد من الإرسال، لكن لايشترط الزجر في حل الصيد.\rولابد في التعليم عند الشافعية والحنابلة من أوصاف أو شروط ثلاثة: إذا أرسله صاحبه استرسل، وإذا زجره انزجر، وإذا أمسك الصيد لم يأكل منه. ويكفي عند المالكية توفر الشرطين الأولين (2) . ويشترط تكرار هذه الأمور حتى يصير معلماً في حكم العرف بأن يظن تأدب الجارحة، ولايضبط ذلك بعدد عند المالكية والشافعية، بل يرجع في أمر التكرار إلى أهل الخبرة بالجوارح، وأقل ذلك أن يتكرر مرتين فأكثر، بحيث يغلب على الظن تعوده وتعلمه ذلك. وأقل المطلوب عند الحنابلة ثلاث مرات؛ لأن مااعتبر فيه التكرار اعتبر ثلاثاً، كالمسح في الاستجمار وغسلات الوضوء.\rولايعتبر أيضاً عند بعض المالكية شرط: « إذا زجر انزجر » في الباز، لأنه لاينزجر.\rودليل شرط عدم أكل الجارح من الصيد: هو حديث عدي بن حاتم المتقدم: «إذا أرسلت كلبك المعلم، وسميت، فأمسك وقتل، فكل، وإن أكل فلا تأكل، فإني أخاف أن يكون أمسك على نفسه» .\r-------------------------------\r(1) تكملة الفتح: 173/8 ومابعدها، 175، اللباب: 218/3.\r(2) الشرح الكبير: 103/2 ومابعدها، بداية المجتهد: 443/1، القوانين الفقهية: ص 176، مغني المحتاج: 275/4، المهذب: 253/1، المغني: 542/8 ومابعدها، كشاف القناع: 221/6.","part":4,"page":349},{"id":2445,"text":"فإن ظهر كون الجارح معلماً، ثم أكل مرة من لحم صيد، لم يحل الصيد في الأرجح عند الجمهور غير المالكية، لحديث عدي السابق، ولأن عدم الأكل شرط في التعلم ابتداء ودواماً، فيشترط تعليم جديد. وأجاز الحنفية أكل ما أكل منه البازي؛ لأن ترك الأكل ليس شرطاً عندهم في تعليمه.\rوقال المالكية: يؤكل (1) ، لعموم قوله تعالى: {فكلوا مما أمسكن عليكم} [المائدة:4/5] وحديث أبي ثعلبة: «ما صدت بقوسك، فذكرت اسم الله عليه، فكل، وما صدت بكلبك المُعلَّم، فذكرت اسم الله عليه، فكل، وما صدت بكلبك غير المعلم، فأدركت ذكاته فكل (2) » ولأن الأكل يحتمل أن يكون لفرط جوع، أوغيظ على الصيد.\rويحل الصيد الذي صاده قبل الأكل، كما يحل في الراجح عند الحنابلة ما صاده الكلب بعد الصيد الذي أكل منه (3) .\rوهل يجب غسل معضّ الكلب أي أثر فم الكلب؟ قال الشافعية وفي وجه عند الحنابلة (4) : معض الكلب نجس، ولا يعفى عنه، لأنه ثبتت نجاسته، فيجب غسل ما أصابه كبوله، ويغسل سبعاً إحداهن بالتراب. وقال المالكية وهو الوجه الثاني عند الحنابلة: لا يجب غسله؛ لأن الله تعالى ورسوله أمرا بأكله، ولم يأمرا بغسله، والكلب طاهر في مذهب المالكية، فيؤكل موضع نابه.\r-------------------------------\r(1) المراجع السابقة.\r(2) متفق عليه بين أحمد والشيخين (نيل الأوطار: 130/8).\r(3) المغني: 545/8.\r(4) مغني المحتاج: 276/4، المغني: 546/8، المهذب: 253/1.","part":4,"page":350},{"id":2446,"text":"الثاني ـ أن يذهب على سنن الإرسال ولو من غير تعيين عند الحنفية. أما عند المالكية والشافعية والحنابلة فلا بد من أن يرسله الصائد من يده على الصيد بعد أن يراه ويعينه (1) . فإن انبعث من نفسه لم يؤكل اتفاقاً. ومن سمع حساً ظنه حس صيد، فرماه، أو أرسل كلباً أو بازاً عليه، فأصاب صيداً ثم تبين أنه صيد، حل المصاب عند الحنفية، لأنه قصد الاصطياد.\rوإن زجره بعد انبعاثه من تلقاء نفسه، فرجع إليه، ثم أشلاه (أغراه)، أكل. وإن لم يرجع إليه، بعد أن انزجر، ثم زاد في عدوه، أبيح صيده عند الحنفية والحنابلة، وهو الأولى؛ لأن الزجر مثل الإرسال من حيث كونه فعل الصائد، فالزجر إرسال لأنه دليل الطاعة. ولم يبح عند المالكية والشافعية، كما ذكر سابقاً، تغليباً لجانب المنع؛ لأنه اجتمع إرسال بنفسه وإغراء، فغلب الأول (2) .\rوإن أرسله على صيد بعينه، فصاد غيره، لم يؤكل عند غير الحنفية. فإن أرسل، ولم يقصد شيئاً معيناً، وإنما قصد ما يأخذ الجارح، أو ما تقتل الآلة في جهة محصورة كالغار وشبهه، جاز على المشهور عند المالكية. وإن كانت جهة غير معينة كالمتسع من الأرض والغياض أو كان الإرسال على كل صيد يعثر عليه، لم يجز ولم يبح المصيد عندهم . ولو اضطرب الجارح فأرسله الصائد، ولم ير شيئاً، وليس المكان محصوراً من غار أو غيضة، فصاد شيئاً، لم يؤكل لاحتمال أن يكون غير المضطرب عليه ولم ينوه، فإن نواه وغيره أكل. وقيل: لا يؤكل.\rولا بد عند الشافعية والحنابلة: أن يقصد صيداً معيناً، لا مبهماً، فلو أرسل\r-------------------------------\r(1) رد المحتار: 328/5، تكملة الفتح: 181/8، تبيين الحقائق: 54/6 ومابعدها، الشرح الكبير: 106/2، القوانين الفقهية: ص 177، المغني: 545/8، مغني المحتاج: 277/4، كشاف القناع: 222/6، 225، المهذب: 255/1.\r(2) فيه حديث موقوف على ابن مسعود وهو: «ما اجتمع الحلال والحرام، إلا وغلب الحرام الحلال» وفيه ضعيف وانقطاع (نصب الراية: 314/4).","part":4,"page":351},{"id":2447,"text":"سهماً لاختبار قوته، أو إلى غرض يرمي إليه، فاعترضه صيد، فقتله، حرم، لأنه لم يقصد برميه معيناً.\rالثالث ـ ألا يشاركه في الأخذ ما لا يحل صيده، كالجارح غير المعلم، وهو شرط مجمع عليه. فإن تيقن أن المُعَلَّم هو المنفرد بالأخذ أو الجراح، أكل.وإن تيقن خلافه أوشك لم يؤكل، لأنه اجتمع المبيح والمحرم، فتغلب جهة المحرم احتياطاً. وإن غلب على ظنه أنه القاتل، ففيه خلاف (1) ، فإن أدركه حياً فذكاه، حل اتفاقاً.\rودليل هذا الشرط حديث عدي بن حاتم قال: «سألت رسول الله صلّى الله عليه وسلم ، فقلت: أرسل كلبي، فأجد معه كلباً آخر قال: لا تأكل، فإنك إنما سميت على كلبك، ولم تسم على الآخر» وفي لفظ: «فإن وجدت مع كلبك كلباً آخر، فخشيت أن يكون أخذ منه، وقد قتله، فلا تأكله، فإنك إنما ذكرت اسم الله على كلبك» وفي لفظ «فإنك لا تدري أيهما قتله؟» (2) .\rالرابع ـ أن يقتله جَرْحاً، فإن خنقه أو قتله بصدمته، لم يبح عند الجمهور (3) غير الشافعية؛ لأن قتله بغير جَرْح أشبه بقتله بالحجر والبندق، ولأن الله تعالى حرم الموقوذة، وقول النبي صلّى الله عليه وسلم السابق: «ما أنهر الدم، وذكر اسم الله ، فكل» يدل على أنه لا يباح ما لم ينهر الدم. فعلى هذا يكون الجرح شرطاً. وهذا أولى في نظري؛ لأن الوقيذ محرم بالقرآن والإجماع، والعقر ذكاة الصيد.\r-------------------------------\r(1) رد المحتار: 328/5، نكملة الفتح: 180/8، اللباب: 219/3 ومابعدها، القوانين الفقهية: ص 177، بداية المجتهد: 446/1، المهذب: 253/1، المغني: 549/8، كشاف القناع: 216/6.\r(2) متفق عليه بين أحمد والشيخين (نيل الأوطار: 134/8).\r(3) رد المحتار: 328/5، تكملة الفتح: 180/8، اللباب: 219/3، الشرح الكبير: 102/3-104، بداية المجتهد: 441/1، 444، 447، المغني: 545/8، كشاف القناع: 222/6.","part":4,"page":352},{"id":2448,"text":"وقال الشافعية (1) : لو تحاملت الجارحة على صيد، فقتلته بثقلها، حل في الأظهر، لعموم قوله تعالى: {فكلوا مما أمسكن عليكم} [المائدة:4/5] ولأنه يعسر تعليمه ألا يقتل إلا بجرح، ولعموم حديث عدي: «ما علّمت من كلب أو باز، ثم أرسلته، وذكرت اسم اللهعليه، فكل ما أمسك عليك، قلت: وإن قتل؟ قال: وإن قتل، ولم يأكل منه شيئاً، فإنما أمسكه عليك» (2) .\rالخامس ـ ألا يأكل من الصيد، فإن أكل منه لم يبح. ويمكن دمج هذا الشرط بالشرط الأول.\rوهذا الشرط عند الجمهور غير المالكية، وهو أصح الروايتين عند الحنابلة، وهو مذهب الحنفية في الكلب ونحوه من السباع.\rوقال مالك ومتأخرو المالكية ( وهو مشهور بالذهب )، وفي رواية ثانية عن أحمد: يجوز الأكل مما أكل منه الكلب أو غيره من الطيور.\rوقال الحنفية وبعض المصنفين من الحنابلة كصاحب كشاف القناع (3) : لايباح ما أكل منه الكلب عملاً بالحديث المتفق عليه: « فإن أكل فلا تأكل، فإني أخاف أن يكون إ نما أمسك على نفسه » ، ويباح ما أكل منه الطائر ذو المخلب كالبازي والصقر والعقاب والشاهين ونحوها، لأن تعليمه بأن يسترسل إذا أرسل، ويرجع إذا دعي، ولايعتبر ترك الأكل لقول ابن عباس: « إذا أكل الكلب فلا تأكل، وإن أكل الصقر، فكل » .\r-------------------------------\r(1) مغني المحتاج: 276/4.\r(2) رواه أحمد وأبو داود ( نيل الأوطار: 130/8 ).\r(3) رد المحتار: 328/5، اللباب: 218/3، تبيين الحقائق: 52/6، تكملةالفتح175/8، بداية المجتهد: 443/1 ومابعدها، مغني المحتاج: 275/4، المغني: 543/8، كشاف القناع: 221/6.","part":4,"page":353},{"id":2449,"text":"ودليل الجمهور: حديث عدي بن حاتم: « إذا أرسلت كلبك المعلم، وذكرت اسم الله تعالى، فكل ما أمسك عليك. قلت: وإن قتل؟ قال: وإن قتل، إلا أن يأكل الكلب، فإن أكل، فلا تأكل، فإني أخاف أن يكون إنما أمسك على نفسه » . وظاهر الكتاب يدل عليه وهو قوله تعالى: { فكلوا مما أمسكن عليكم } [المائدة:4/5] والإمساك يكون بعدم الأكل من الصيد، ولأن من أهم خواص التعليم عدم الأكل.\rواستدل المالكية في المشهور عندهم، وأحمد في رواية عنه بعموم قوله تعالى: { فكلوا مما أمسكن عليكم } [المائدة:4/5] وبحديث أبي ثعلبة الخشني: «إذا أرسلت كلبك المعلَّم، وذكرت اسم الله عليه، فكل، قلت: وإن أكل منه يارسول الله ؟ قال: وإن أكل» وحملوا حديث عدي على الندب، وهذا على الجواز. ولأنه صيد جارح معلم، فأبيح، كما لو لم يأكل، فإن الأكل يحتمل أن يكون لفرط جوع أو غيظ على الصيد.\rويلاحظ أن حديث عدي أصح من حديث أبي ثعلبة،لأنه متفق عليه، وعدي بن حاتم أضبط، ولفظه أبين، لأنه ذكر الحكم والعلة. ورد ابن رشد المالكي على متأخري المالكية بقوله (1) : وهذا الذي قالوه خلاف النص في الحديث، وخلاف ظاهر الكتاب، وهو قوله تعالى: { فكلوا مما أمسكن عليكم } [المائدة:4/5] وللإمساك على سيد الكلب طريق تعرف به، وهو العادة. ولذلك قال عليه الصلاة والسلام: « فإن أكل، فلا تأكل، فإني أخاف أن يكون إنما أمسك على نفسه» .\rالسادس ـ عند المالكية (2) : ألا يرجع الجارح عن الصيد، فإن رجع بالكلية، لم يؤكل وكذلك لواشتغل بصيد آخر، أو بما يأكله، لا يؤكل. وهذه الشروط كلها إذا قتله الجارح، فإن لم يقتله، وأدركه القانص، ذكي، وأكل.\r-------------------------------\r(1) بداية المجتهد: 444/1.\r(2) القوانين الفقهية: ص 177.","part":4,"page":354},{"id":2450,"text":"المطلب الثالث ـ شروط المصيد :\rذكر المالكية (1) خمسة شروط لحل المصيد، كما ذكر الحنفية (2) شروطاً خمسة له أيضاً، إلا أن الثلاثة المذكورة عند الحنفية منها يمكن عدها شرطاً واحداً.\rوسأذكر هذه الشروط بحسب منهج المالكية، لأنه أدق وأشمل. ويلاحظ أنه يجوز عند الحنفية (3) اصطياد ما يؤكل لحمه من الحيوان، وكذا ما لا يؤكل لأنه سبب للانتفاع بجلده أو شعره أو قرنه أو لاستدفاع شره.\rالأول ـ أن يكون المصيد مباح الأكل شرعاً؛ لأن الحرام عند غير الحنفية والمالكية لا يؤثر فيه الصيد، ولا الذكاة. وقد عبر الحنفية عن هذا الشرط بألا يكون متقوياً بنابه أو بمخلبه، وألا يكون من الحشرات، وألا يكون من بنات الماء إلا السمك، لأنه لا يحل أكل شيء من حيوان الماء عندهم إلا السمك.\rالثاني ـ أن يكون متوحشاً، بأن يعجز الإنسان عن أخذه في أصل خلقته كالوحوش والطيور، فإن كان مستأنساً كالإبل والبقر والغنم، ثم توحش، لم يؤكل بالصيد عند المالكية. ويؤكل به عند غير المالكية؛ لأن الصيد يعد حينئذ ذكاة اضطرارية، تباح للضرورة، كما تقدم في بحث أنواع التذكية.\rوإن تأنس المتوحش الأصل، ثم ندَّ (هرب) أكل بالاصطياد عند المالكية، كما يؤكل بالعقر عندهم الحمام ونحوه إن توحش؛ لأن كله صيد.\rوقد عبر الحنفية عن هذا الشرط بقولهم: أن يمنع نفسه بجناحيه أو قوائمه.\rالثالث ـ أن يموت من الجَرح، لا من صدم الجارح، ولا من الرعب، أو الخوف من الجارح. وهذا شرط عند الجمهور غير الشافعية. وأجاز الشافعية أكل ما قتله الجارح بثقله، كأن صدمه بصدره أو جبهته، فقتله ، ولم يجرحه، كما ذكر في شروط آلة الصيد.\r-------------------------------\r(1) القوانين الفقهية: ص 177 ومابعدها، بداية المجتهد: 444/1.\r(2) رد المحتار: 32/5.\r(3) الكتاب مع اللباب: 223/3.","part":4,"page":355},{"id":2451,"text":"الرابع ـ ألا يشك في عين الصيد الذي أصابه في حالة غيبته عن عينه، هل هو، أو غيره؟ ولا يشك، هل قتلته الآلة، أولا ؟ فإن شك لم يؤكل. ولو غاب عنه الصيد ليلة، ثم وجده غداً ميتاً لم يؤكل في المشهور عند المالكية. ويباح أكله عند غيرهم إن تابع طلبه.أو لم يتشاغل عنه بشيء آخر، وتأكد أنه صيده.\rالخامس ـ أن يذبحه إن أدركه حياً، وقدر على تذكيته؛ لقوله عليه الصلاة والسلام في حديث عدي: « وإن أدركته حياً فاذبحه » فإن أدركه ميتاً، أو نفذت مقاتله، أو حياته كحياة المذبوح، أو عجز عن تذكيته بسبب مقاومته مثلاً حتى مات، ولم يذكه، أكل من غير ذبح باتفاق الفقهاء (1) .\rوإن قتله الجارح المصيد به قبل أن يقدر عليه أكل أيضاً، بشرط أن يقتله جرحاً كما تقدم في شروط الآلة. وصرح الحنابلة بأن الصائد إن لم يكن معه ما يذكيه،\r-------------------------------\r(1) تكملة الفتح: 178/8 ومابعدها، تبيين الحقائق: 53/6، اللباب مع الكتاب: 219/3 ومابعدها، القوانين الفقهية: ص 178، المهذب: 253/1، المغني: 547/8 ومابعدها، مغني المحتاج: 269/4.","part":4,"page":356},{"id":2452,"text":"أشلى ( أغرى ) الصائد له عليه حتى يقتله، فيؤكل (1) عندهم لأنها حال تتعذر فيها الذكاة في الحلق واللبة غالباً. فجازت ذكاة الضرورة، ولا يؤكل في قول أكثر أهل العلم، لأنه صيد مقدور عليه، فلم يبح بقتل الجارح له كبهيمة الأنعام، وكما لو أخذه سليماً.\rالمبحث الثالث ـ ما يباح اصطياده من الحيوان عند الحنفية :\rيباح عند الحنفية (2) اصطياد ما في البحر والبر، مما يحل أكله، وما لا يحل أكله. غير أن ما يحل أكله يكون اصطياده للانتفاع بلحمه وبقية أجزائه، وما لا يحل أكله، يكون اصطياده للانتفاع بجلده وشعره وعظمه، أو لدفع أذاه وشره، وهذا هو رأي المالكية كما ذُكر سابقاً فيما تعمل به الذكاة، إلا صيد الحرم (في مكة والمدينة) فإنه لا يباح اصطياده، باتفاق الفقهاء إلا المؤذي منه، لقوله عز شأنه: {أولم يروا أنا جعلنا حرماً آمناً} [العنكبوت:67/29] وقول النبي صلّى الله عليه وسلم في صيد حرم مكة: «ولا ينفر صيده» (3) . وكذلك قال في صيد المدينة: «لا ينفر صيدها» (4) وخص منه المؤذيات بقوله عليه الصلاة والسلام: «خمس فواسق يقتلن في الحل والحرم: الغراب، والحدأة، والعقرب، والفأرة،والكلب العقور» (5) .\r-------------------------------\r(1) وهو رأي إبراهيم النخعي الذي كان يقول: « إذا أدركته حياً ولم يكن معك حديدة، فأرسل عليه الكلاب حتى تقتله» وبه قال الحسن البصري لعموم قوله تعالى: { فكلوا مما أمسكن عليكم } [المائدة:4/5] (بداية المجتهد: 445/1).\r(2) البدائع: 61/5، الكتاب مع اللباب: 223/3، تكملة الفتح: 188/8، تبيين الحقائق: 61/6 ومابعدها.\r(3) متفق عليه بين أحمد والشيخين عن ابن عباس (نيل الأوطار: 25/5).\r(4) رواه أصحاب الكتب الستة ما عدا ابن ماجه عن علي (جامع الأصول: 193/10).\r(5) متفق عليه بين أحمد والشيخين عن عائشة، وفيه روايات أخرى عن ابن عمر، وابن مسعود وابن عباس وغيرهم، وفي بعضها ذكر الحية بدل الحدأة، حتى صارت تسعاً (نيل الأوطار: 26/5).","part":4,"page":357},{"id":2453,"text":"ويباح اصطياد ما في البحر للحلال (غير الحاج أو المعتمر) والمحرم (الحاج أو المعتمر)، ولا يباح اصطياد ما في البر للمحرم خاصة، لقوله تعالى: {أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعاً لكم وللسيارة، وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرماً} [المائدة:96/5] ولقوله صلّى الله عليه وسلم : «صيد البر لكم حلال، وأنتم حرم، مالم تصيدوه، أو يُصَد لكم» (1) وعن الصَعب بن جَثَّامة «أنه أهدى إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلم حماراً وحشياً، وهو ( بالأبواء ) أو بوَدَّان (مكان بين مكة والمدينة)، فرده عليه، فلما رأى ما في وجهه، قال: إنا لم نُردُّه عليك إلا أنا حُرُم» (2) .\rالمبحث الرابع ـ متى يملك الصائد المصيد؟\rجاء في الدر المختار ورد المحتار (3) : أن أسباب الملك ثلاثة:\rناقل من مالك إلى مالك كبيع وهبة. وذو خلافة عن المالك كإرث. وذو أصالة: وهو الاستيلاء الحقيقي بوضع اليد ومنه إحياء الموات، والاستيلاء الحكمي بالتهيئة كنصب شبكة صيد على مباح خالٍ عن المالك. فإن كان المصيد أو المباح مملوكاً لم يتملك، فلو استولى رجل في مفازة على حطب غيره، لم يملكه.\rوالاستيلاء الحكمي يتم باستعمال ما هو موضوع للاصطياد، فمن نصب شبكة، فتعلق بها صيد، ملكه، قصد بها الاصطياد، أو لا، فلو نصبها للتجفيف مثلاً، لا يملكه، لأنه قصد مغاير للاصطياد.\rـ وإن نصب فسطاطاً (خيمة): إن قصد الصيد، يملكه، وإلا فلا، لأنه غير موضوع للصيد.\r-------------------------------\r(1) رواه الخمسة (أحمد وأصحاب السنن) إلا ابن ماجه عن جابر (نيل الأوطار: 23/5).\r(2) رواه البخاري ومسلم والموطأ والترمذي والنسائي (جامع الأصول: 419/3).\r(3) انظر 329/5.","part":4,"page":358},{"id":2454,"text":"ـ ولو دخل صيد دار إنسان، فلما رآه أغلق عليه الباب، وصار بحال يقدر على أخذه، بلا اصطياد بشبكة أوسهم، ملكه. وإن أغلق ولم يعلم به، لا يملكه.\rـ ولو نصب حِبالة (مِصْيَدة)، فوقع فيها صيد، فقطعها، وانفلت الصيد، فأخذه آخر، ملكه. ولو جاء صاحب الحبالة ليأخذه، ودنا منه، بحيث يقدر على أخذه، فانفلت، لا يملكه الآخذ. وكذا لا يملكه الآخذ لو انفلت من الشبكة في الماء قبل الإخراج، فأخذه غيره، وإنما يملكه صاحب المصيدة. أما لو رمى به صاحب الشبكة خارج الماء، في موضع يقدر على أخذه، فوقع في الماء، فأخذه غيره، يملكه الآخذ؛ لأن الأمور بمقاصدها.\rومن رمى صيداً، فأصابه، ولم يثخنه (يوهنه بالجراحة)، ولم يخرجه من حيِّز الامتناع عن الأخذ (أي ما يزال قابل الأخذ من الغير)، فرماه آخر، فقتله، أو أثخنه (أضعفه)، وأخرجه عن حيز الامتناع، فهو للرامي الثاني، لأنه الآخذ ، وقد قال عليه الصلاة والسلام: «الصيد لمن أخذه» (1) .\rوإن كان الرامي الأول قد أثخنه بحيث أخرجه عن حيز الامتناع، فرماه الثاني، فقتله، لم يؤكل، لاحتمال الموت بالثاني، ولا يعد فعل الثاني ذكاة شرعية، للقدرة على ذكاة الاختيار. ويضمن الثاني قيمته للأول، لأنه بالرمي أتلف صيداً مملوكاً للغير؛ لأن الأول ملكه بالرمي المثخن، لكن تقدر قيمته وهو جريح؛ لأن المتعدي وهو الرامي الثاني أتلفه، وهو جريح، وقيمة المتلف تعتبر أو تقدر يوم الإتلاف (2) .\r-------------------------------\r(1) قال عنه الزيلعي: غريب. وقال عنه في الدراية: لا أصل له بهذا الإسناد عن أبي هريرة (نصب الراية: 318/4).\r(2) تكملة الفتح: 187/8، تبيين الحقائق: 60/6، اللباب مع الكتاب: 222/3 وما بعدها.","part":4,"page":359},{"id":2455,"text":"والمالكية (1) : قالوا مثل الحنفية: لا يستحق الصيد إلا بالأخذ أي بالصيد وقصد الاصطياد، أو بوضع اليد، فمن رأى صيداً وصاده آخر، كان لمن صاده، فإن صاده واحد، ثم ند (هرب) منه فصاده آخر، فاختلف: هل يكون للأول أو للثاني، إلا إن توحش بعد الأول، فهو للثاني.\rومن طرد صيداً، فدخل دار إنسان، فإن كان اضطره، فهو له، وإن كان لم يضطره، فهولصاحب الدار.\rوقال الشافعية (2) : مثلما قال المالكية والحنفية: يملك الصيد إما بالاستيلاء الفعلي أي بوضع اليد والأخذ، وإن لم يقصد تملكه، كسائر المباحات، وإما بصيده مع قصد الاصطياد. فوضع اليد: مثل ضبطه بيده، إن لم يكن به أثر ملك لغيره كخَضْب وقص جناح وقُرْط، وكان صائده غير محرم وغير مرتد، يكون سبباً للملكية، وإن لم يقصد تملكه. فلو أخذ صيداً لينظر إليه ملكه، لأنه مباح، فيملك بوضع اليد عليه كسائر المباحات.\rويملك الصيد أيضاً باصطياده: بجُرْح مذفِّف (مسرع للهلاك) وبإزمان (إزالة امتناعه) وكسر جناح بحيث يعجز عن الطيران والعَدْو جميعاً، إن كان مما يمتنع بهما، وإلا فبإبطال واحد منهما، وإن لم يضع يده عليه. ويملكه أيضاً بوقوعه في شبكة نصبها للصيد، فيملكه، وإن لم يضع يده عليه، سواء أكان حاضراً أم غائباً، طرده إليها طارد أم لا، وسواء أكانت الشبكة مباحة أم مغصوبة، لأنه يعد بذلك مستولياً عليه.\rويملكه أيضاً بإلجائه إلى مضيق، ولو مغصوباً، لا يفلت منه، أي لا يقدر الصيد على التفلت منه كبيت لأنه صار مقدوراً عليه.\rولا بد من قصد الاصطياد، فمن رأى صيداً، فظنه حجراً، أوحيواناً غير الصيد، فرماه، فقتله، حل أكله، وملكه، لأنه قتله بفعل قصده، وإنما جهل حقيقته، والجهل بها لا يؤثر.\r-------------------------------\r(1) القوانين الفقهية: ص 178 ومابعدها.\r(2) مغني المحتاج: 278/4-282، المهذب: 255/1-257.","part":4,"page":360},{"id":2456,"text":"ولو قصد صيداً في ملكه، وصار مقدوراً عليه بتوحل ( الوقوع في وحل ) وغيره، لم يملكه في الأصح؛ لأن مثل هذا لا يقصد به الاصطياد، والقصد ضروري للتملك، لكن يصير أحق به من غيره.\rومتى ملكه، لم يزل ملكه بانفلاته، فمن أخذه، لزمه رده، ولا يزول ملكه أيضاً بإرسال المالك له في الأصح؛ لأن رفع اليد عنه، لا يقتضي زوال الملك عنه، كما لو سيَّب بهيمته، فليس لغيره أن يصيده إذا عرفه.\rحالة الاشتراك في الصيد: لو جرح الصيد اثنان متعاقبان، فإن ذفف (قتل) الثاني منهما الصيد، أو أزمن (بأن أزال امتناعه)، دون الأول منهما، فهو للثاني؛ لأن جُرْحه هو المؤثر في امتناعه، ولا شيء له على الأول بجرحه، لأنه كان مباحاً حينئذ.\rوإن أزمن الأول، فإن انضم إليه فعل الثاني، بأن ذفف بقطع حُلقوم ومريء، فهو حلال الأكل، لحصول الموت بفعل ذابح، وعليه للأول مقدار ما نقص بالذبح. وإن ذفف الثاني لا بقطع الحلقوم والمريء، أو لم يذفف أصلاً، ومات بالجرحين فحرام، لأنه في حالة عدم القطع كان الصيد مقدوراً عليه، والمقدور عليه لا يحل إلا بذبحه، وفي الحالة الثانية (عدم التذفيف) فلاجتماع المبيح والمحرم، فيغلب المحرم. ويضمنه الثاني للأول لأنه أفسد ملكه. وهذا كما قال الحنفية سابقاً، وهو مذهب الحنابلة أيضاً فيه وفيما يأتي من مسائل. وإن جرحا معاً، وذففا بجرحهما، أو أزمنا به، فلهما الصيد، لاشتراكهما في سبب الملك بجرحهما.\rوإن ذفف أحدهما، أو أزمن من دون الآخر، فله، لانفراده بسبب الملك.\rولو جهل كون التذفيف منهما أو من أحدهما، كان لهما، لعدم الترجيح.\rوإن ذفف واحد في غير مذبح، وأزمن الآخر على الترتيب بالإصابة لا بالرمي، وجهل السابق منها، حرم الصيد على المذهب، لاجتماع الحظر والإباحة، فيقدم الحظر.","part":4,"page":361},{"id":2457,"text":"وقال الحنابلة (1) : كالشافعية: يتملك الصيد إما بالاصطياد مع قصده، أو بوضع اليد (الأخذ) ، فمن رمى طيراً على شجرة في دار قوم، فطرحه في دارهم، فهو للرامي؛ لأنه ملكه بإزالة امتناعه.\rومن نصب خيمة أو شبكة أو فخاً للاصطياد، فوقع فيه صيد، ملكه للحيازة. وكذا لو ألجأ صيداً لمضيق لا يفلت منه أو أغلق باب داره عليه، ملكه بذلك، ولو لم يقصد تملكه للحيازة أو لأنه بمنزلة إثباته بوضع اليد.\rومن صنع بِرْكة يصيد بها سمكاً، فما وقع فيها ملكه، كالصيد بالشبكة. وإن لم يقصد بالبركة صيد السمك، لم يملكه بحصوله فيها.\rومن كان في سفينة، فوثبت سمكة، فوقعت في حِجْره، فهي له، دون صاحب السفينة؛ لأن السمكة من الصيد المباح، يملك بالسبق إليه.\rوالصياد الذي يتعاطى سبباً للصيد في قوارب الصيد كضوء أوجرس يملكه بذلك. فإن لم يقصد الصيد بفعل منه، ووقعت سمكة في حجر راكب معه، فهي له، لاستيلائه على مباح، وإن وقعت في السفينة فلصاحب السفينة.\rولو وقع صيد في شبكة إنسان، وأثبته (ثبتت يده عليه) ثم أخذه إنسان آخر، لزمه رده إلى رب الشبكة، لأنه أثبته بآلته. وإن لم تمسكه الشبكة وانفلت منها في الحال، أو خرقها وذهب منها، ولو بعد زمن، لم يملكه رب الشبكة، لأنه لم يثبته، فإذا صاده غيره ملكه. ولو ذهب الصيد بالشبكة، فصاده إنسان مع بقاء امتناعه، ملكه الصائد الثاني، ورد الشبكة لصاحبها؛ لأن الأول لم يملكه. فإن مشى الصيد بالشبكة على وجه لا يقدر على الامتناع فهو لصاحبها، لأنه أزال امتناعه، كما في حالة انفلاته منه.\r-------------------------------\r(1) كشاف القناع: 223/6 ومابعدها، المغني: 559/8- 564.","part":4,"page":362},{"id":2458,"text":"القسْمُ الثَّاني : النّظَريّات الفقهيّة\r..........................................تقديم.........................................\rتقتضي طبيعة التدرج المنطقي الانتقال من الجزئيات إلى الكليات، ومن الإفراد إلى التركيب، ومن الأحكام الجزئية إلى النظريات العامة، كما هو منهج الدراسة القانونية الحديثة. لذا كان لزاماً علينا البحث عن نظريات الفقه الإسلامي، وما أكثرها، بالرغم مما يكتنف ذلك من صعوبات استقرائية في تتبع أحكام المسائل الفقهية في بحار الكتب القديمة المترعة بالثروة الفقهية الضخمة، التي تمتاز بخصوبتها ومرونتها وتغطيتها لاحتمالات متعددة، لا تقل عن أروع ما ابتكره الفكر القانوني الحديث، بل تفوقه أحياناً بالحرص على القيم الخلقية العالية والمصالح العامة.\rوحينما ندرس بدقة وإمعان طائفة من النظريات الفقهية، يتجلى لنا إحكام الربط بين الحكم الشرعي وبين مصدره وأصوله وقواعده والنظريات الفقهية التي أدركها المجتهدون من مصادر الشريعة واتخذوها نبراساً لهم في الاجتهاد.\rوقد أشرت لما يتفق مع القانون ويختلف فقهاً وقانوناً، ودعمت الحكم الشرعي بدليله النقلي المعتمد على القرآن الكريم أو السنة النبوية الشريفة، أو بالدليل العقلي المتجه نحو رعاية المصلحة ودرء المفسدة.\rهذا.. وقد بحثت في الأجزاء الأربعة الأولى القسم الأول من هذا الكتاب، وهو ( العبادات ). وأتابع في هذا الجزء بحث القسم الثاني من الكتاب وهو أهم النظريات الفقهية ومدى الاستفادة منها في القوانين الوضعية، وذلك في فصول ستة وملحق، كما سأبحث في هذا الجزء أيضاً عقد البيع والخيارات من القسم الثالث وهو ( العقود ).\rأما موضوعات القسم الثاني أو فصوله فهي نظريات الحق، الأموال، نظرية الملكية، نظرية العقد، المؤيدات الشرعية، نظرية الفسخ، أهم ما اقتبسه القانون المدني من الفقه الإسلامي.\rوالله أسأل أن يوفقنا جميعاً لإدراك عظمة الفقه الإسلامي وغناه وواقعيته وسداده، لنعود إليه عند وضع القوانين عن جدارة وتقدير، تاركين الاعتماد على الفقه الغربي ونظرياته وحلوله الغريبة عنا.\r..............................................................................المؤلف","part":4,"page":363},{"id":2459,"text":"الفَصْلُ الأوَّل: نظريَّة الحقِّ\rالنظرية: معناها المفهوم العام ا لذي يؤلف نظاماً حقوقياً موضوعياً تنطوي تحته جزئيات موزعة في أبواب الفقه المختلفة، كنظرية الحق، ونظرية الملكية، ونظرية العقد، ونظرية الأهلية، ونظرية الضمان، ونظرية الضرورة الشرعية، ونظرية المؤيدات الشرعية من بطلان وفساد وتوقف وتخيير ونحو ذلك مما أذكره هنا.\rومن المعروف أن فقهاءنا لم يقرروا أحكام المسائل الفقهية على أساس النظريات العامة وبيان المسائل المتفرعة عنها، على وفق المنهاج القانوني الحديث، وإنما كانوا يتتبعون أحكام المسائل والجزئيات والفروع، مع ملاحظة ماتقتضيه النظرية أو المبدأ العام الذي يهيمن على تلك الفروع. ولكن بملاحظة أحكام الفروع يمكن إدراك النظرية وأصولها.\rوبذلك تختلف النظرية عن القاعدة الكلية مثل (المشقة تجلب التيسير) (والأمور بمقاصدها) في أن النظرية بناء عام لقضايا ذات مفهوم واسع مشترك. أما القاعدة فهي ضابط أومعيار كلي في ناحية مخصوصة من نواحي النظرية العامة.\rوأوضح نظرية الحق في أربعة مباحث :\rالأول ـ تعريف الحق وأركانه\rالثاني ـ أنواع الحق الثالث ـ مصادر الحق وأسبابه\rالرابع ـ أحكام الحق\rالمبحث الأول ـ تعريف الحق وأركانه\rوفيه مطلبان:\rالمطلب الأول ـ تعريف الحق :\rالحق في اللغة العربية له معان مختلفة تدور حول معنى الثبوت والوجوب مثل قوله تعالى: {لقد حقَّ القولُ على أكثرهم، فهم لا يؤمنون} [يس:7/36] أي ثبت ووجب. وقوله سبحانه: { ليُحِقَّ الحقَّ ويُبْطِلَ الباطِل َ} [الأنفال:8/8] أي يثبت ويظهر. وقوله عز وجل: {جاءَ الحقُّ وزَهَقَ الباطِل} [الإسراء:81/17] أي الأمر الموجود الثابت. وقوله تعالى: {وللمطلقاتِ متاعٌ بالمعروف حقاً على المتقين} [البقرة:241/2] أ ي واجباً عليهم.","part":4,"page":364},{"id":2460,"text":"وتطلق كلمة الحق على النصيب المحدد لمثل قوله تعالى: {والذين في أموالهم حقٌّ معلومٌ، للسائل والمحروم} [المعارج:24/70-25]،كما تطلق على العدل في مقابلة الظلم مثل قوله تعالى: {والله يقضي بالحقِّ} [غافر:20/40].\rوأما عند الفقهاء فقد ورد تعريف للحق عند بعض المتأخرين فقال: الحق: هو الحكم الثابت شرعاً (1) . ولكنه تعريف غير جامع ولا شامل لكل ما يطلق عليه لفظ الحق عند الفقهاء. فقد يطلق الحق على المال المملوك وهو ليس حكماً، ويطلق على الملك نفسه، وعلى الوصف الشرعي كحق الولاية والحضانة والخيار، ويطلق على مرافق العقار كحق الطريق والمسيل والمجرى. ويطلق على الآثار المترتبة على العقود كالالتزام بتسليم المبيع أو الثمن.\r-------------------------------\r(1) حاشية قمر الأقمار على شرح المنار للشيخ عبد الحليم اللكنوي، أول مبحث الحقوق.","part":4,"page":365},{"id":2461,"text":"وعرفه بعض الأساتذة المعاصرين، فقال أستاذنا الشيخ علي الخفيف: الحق: هو مصلحة مستحقة شرعاً (1) . لكنه تعريف بالغاية المقصودة من الحق،لا بذاتيته وحقيقته، فإن الحق: هو علاقة اختصاصية بين صاحب الحق والمصلحة التي يستفيدها منه.\rوقال الأستاذ مصطفى الزرقاء: الحق: هو اختصاص يقرر به الشرع سلطةً أو تكليفاً (2) . وهو تعريف جيد؛ لأنه يشمل أنواع الحقوق الدينية كحق الله على عباده من صلاة وصيام ونحوهما، والحقوق المدنية كحق التملك، والحقوق الأدبية كحق الطاعة للوالد على ولده، وللزوج على زوجته، والحقوق العامة كحق الدولة في ولاء الرعية لها، والحقوق المالية كحق النفقة، وغير المالية كحق الولاية على النفس.\rويتميز هذا التعريف بأنه أبان ذاتية الحق بأنه علاقة اختصاصية بشخص معين، كحق البائع في الثمن يختص به، فإن لم يكن هناك اختصاص بأحد، وإنما كان هناك إباحة عامة كالاصطياد والاحتطاب والتمتع بالمرافق العامة، فلا يسمى ذلك حقاً، وإنما هو رخصة عامة للناس.\rوالسلطة: إما أن تكون على شخص كحق الحضانة والولاية على النفس، أو على شيء معين كحق الملكية.\rوالتكليف: التزام على إنسان إما مالي كوفاء الدين، وإما لتحقيق غاية معينة كقيام الأجير بعمله.\rوأشار التعريف لمنشأ الحق في نظر الشريعة: وهو إرادة الشرع، فالحقوق في الإسلام منح إلهية تستند إلى المصادر التي تستنبط منها الأحكام الشرعية، فلا يوجد حق شرعي من غير دليل يدل عليه، فمنشأ الحق هو الله تعالى؛ إذ لا حاكم غيره، ولا تشريع سوى ما شرعه. وليس الحق في الإسلام طبيعياً مصدره الطبيعة أو العقل البشري، إلا أنه منعاً مما قد يتخوف منه القانونيون من جعل مصدر الحقوق إلهياً وبالتالي إطلاق الحرية في ممارسة الحق، منعاً من هذا الخطر، قرر الإسلام سلفاً تقييد الأفراد في استعمال حقوقهم بمراعاة مصلحة الغير وعدم الإضرار بمصلحة الجماعة، فليس الحق مطلقاً وإنما هو مقيد بما يفيد المجتمع ويمنع الضرر عن الآخرين، والحق في الشريعة يستلزم واجبين:\rواجب عام على الناس باحترام حق الشخص وعدم التعرض له.\rوواجب خاص على صاحب الحق بأن يستعمل حقه بحيث لا يضر بالآخرين.\r-------------------------------\r(1) مذكرات الحق والذمة: ص 36.\r(2) المدخل إلى نظرية الالتزام في الفقه: ف 3 ص 10 ومابعدها.","part":4,"page":366},{"id":2462,"text":"المطلب الثاني ـ أركان الحق :\rللحق ركنان: صاحب الحق وهو المستحق، ومحل الحق: وهو ما يتعلق به الحق ويرد عليه. وهو إما الشيء المعين الذي يتعلق به الحق كما في الحق العيني، أو الدين. ويضاف للحق الشخصي كالعلاقة بين الدائن والمدين ركن ثالث: وهو المدين المكلف بالحق. ونوع التكليف إما أن يكون قياماً بعمل كأداء الدين أو الثمن، أو امتناعاً عن عمل، كالامتناع عن إضرار الجار أو غيره، والامتناع عن استعمال الوديعة أو الأمانة. والمكلف قد يكون معيناً فرداً أو جماعةً كالمدين بالنسبة للدين، أو غير معين كالواجبات العامة المكلف بها جميع الناس باحترام حقوق الآخرين وعدم الاعتداء عليها.\rصاحب الحق: هو الله تعالى في الحقوق الدينية، والشخص الطبيعي (الإنسان) أو الاعتباري (كالشركات والمؤسسات) في الحقوق الأخرى، الذي يتمتع بالسلطات التي يمارسها على محل الحق.\rوتبدأ الشخصية الطبيعية لكل إنسان ببدء تكون الجنين، بشرط ولادته حياً ولو حياة تقديرية. ويعتبر حياً عند الحنفية بظهور أكثر المولود حياً، وتعتبر الحياة تقديرية عندهم في حالة إسقاط الجنين بجناية، كما لو ضرب شخص امرأة حبلى فأسقط جنيناً ميتاً، فإنه يرث ويورث.\rوقال غير الحنفية: يشترط تمام الولادة لاعتبار الشخص حياً، وانفصاله عن أمه انفصالاً تاما. وبهذا الرأي أخذ قانون الأحوال الشخصية السوري. واكتفى غير الحنفية في حال إسقاط الجنين ميتاً بأن الجنين تورث عنه الغرة فقط (وهي دية الجنين أو التعويض المالي الواجب دفعه بسبب الاعتداء على الجنين وقدرت شرعاً بـ 05 ديناراً أو بـ 500 درهم).","part":4,"page":367},{"id":2463,"text":"وتنتهي الشخصية الطبيعية بالوفاة الحقيقية (الموت) أو التقديرية كالحكم بوفاة المفقود أو الغائب الذي لا يعلم مكانه، ولا يدرى أهو حي أو ميت، وذلك بوفاة أقرانه في غالب الظن، أو ببلوغه تسعين سنة. ولكن مع زوال الشخصية بالموت تظل ذمة الإنسان وأهلية وجوبه باقية افتراضاً بقدر ما تقتضيه تصفية الحقوق المتعلقة بتركته، وذلك للضرورة وبقدر الضرورة، كما سيتضح في بحث الأموال والذمة المالية، فيتملك الميت ما باشر سبب ملكيته في حياته كنصب شبكة للصيد وقع فيها المصيد، ويضمن ما باشر سبب ضمانه، كالالتزام بدفع قيمة ما يقع من حيوان في حفرة حفرها في الطريق العام.\rويقر الفقه الإسلامي ما يسمى قانوناً: الشخصية الاعتبارية، أو المعنوية أو الشخصية المجردة عن طريق الاعتراف لبعض الجهات العامة كالمؤسسات والجمعيات والشركات والمساجد بوجود شخصية تشبه شخصية الأفراد الطبيعيين في أهلية التملك وثبوت الحقوق، والالتزام بالواجبات، وافتراض وجود ذمة مستقلة للجهة العامة بقطع النظر عن ذمم الأفراد التابعين لها، أو المكونين لها.\rوالأدلة كثيرة على هذا الإقرار، سواء من النصوص أو من الاجتهادات الفقهية. فمن النصوص: الحديث النبوي: «ذمة المسلمين واحدة يسعى بها أدناهم» (1) أي أن الأمان الصادر للعدو من أحدهم يسري على جماعة المسلمين. ومنها نصوص الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والتي تقضي بجواز رفع ما يسمى بدعوى الحسبة من أي فرد لقمع غش وإزالة منكر أو أذى عن الطريق، وتفريق بين زوجين بينهما علاقة محرمة، وإن لم يكن للمدعي مصلحة شخصية.\rومن الاجتهادات: فصل بيت المال عن مال الحاكم الخاص، وقولهم: بيت المال وارث من لا وارث له، واعتبار الحاكم نائباً عن الأمة في التصرف بالأموال العامة على وفق المصلحة، كما يتصرف الوصي بمال اليتيم. وهو نائب عن الأمة\r-------------------------------\r(1) رواه أحمد عن علي رضي الله عنه ( نيل الأوطار: 27/7 ).","part":4,"page":368},{"id":2464,"text":"أيضاً في إبرام المعاهدات التي تظل نافذة على الرغم من موته أو خلعه، وفي تعيين الموظفين أو العمال الذين لا ينعزلون بموت الحاكم، وفي إصدار الأحكام القضائية، فلا يضمن القاضي الدية إذا أخطأ في قضائه في حقوق الله كقطع يد السارق بشهود زور، وإنماضمانها في بيت المال.\rومن اجتهاداتهم: جواز تمليك الوقف والتزامه بما يجب عليه من حقوق للآخرين، وجواز الوصية والوقف للمسجد، واعتبار ناظر الوقف مجرد نائب عنه لايتحمل شيئاً من ديون الوقف، ويشتري للوقف مايحتاجه، ويدفع ثمنه من غلات الوقف. فالوقف هو المالك والدائن والمدين، لا المتولي عليه. والناظر أمين على الوقف، فلو خان مصلحة الوقف أو أساء التصرف إليه أو خالف شروط الواقف، ضمن موجب فعله.\rالمبحث الثاني ـ أنواع الحق\rينقسم الحق عدة تقسيمات باعتبارات مختلفة بحسب المعنى الذي يدور عليه الحق، أذكر أهم هذه التقسيمات وأحكامها وما يترتب عليها من نتائج.\rالتقسيم الأول ـ باعتبار صاحب الحق\rينقسم الحق بهذا الاعتبار إلى ثلاثة أنواع: حق الله ، وحق الإنسان، وحق مشترك: وهو ما اجتمع فيه الحقان ولكن قد يغلب حق الله أو حق الإنسان الشخصي (1) .\r1 - حق الله تعالى (أو الحق العام ) :\rوهو ما قصد به التقرب إلى الله تعالى وتعظيمه وإقامة شعائر دينه، أو تحقيق النفع العام للعالم من غير اختصاص بأحد من الناس. وينسب إلى الله تعالى لعظم خطره وشمول نفعه، أي أنه هو حق للمجتمع.\rمثال الأول: العبادات المختلفة من الصلاة والصيام والحج والزكاة والجهاد، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والنذر واليمين وتسمية الله عند الذبح وكل أمر ذي بال.\r-------------------------------\r(1) راجع كتب أصول فقه الحنفية: التقرير والتحبير: 104/2-111، كشف الأسرار: 136/2، التلويح على التوضيح: 151/2 ومابعدها، حاشية نسمات الأسحار: ص 259.","part":4,"page":369},{"id":2465,"text":"ومثال الثاني: الكف عن الجرائم وتطبيق العقوبات من حدود (حد الزنا والقذف والسرقة والحرابة وشرب المسكرات) وتعزيرات على الجرائم المختلفة، وصيانة المرافق العامة من أنهار وطرقات ومساجد وغيرها مما لا بد منها للمجتمع.\rوتقسم حقوق الله تعالى عند الحنفية إلى ثمانية أقسام تعرف في أصول الفقه. وأحكام حق الله تعالى كثيرة: وهي لا يجوز إسقاطه بعفو أو صلح أو تنازل، ولا يجوز تغييره، فلا يسقط حد السرقة بعفو المسروق منه أو صلحه مع السارق بعد بلوغ الأمر إلى الحاكم. ولا يسقط حد الزنا بعفو الزوج أو غيره أو إباحة المرأة نفسها.\rولا يورث هذا الحق، فلا يجب على الورثة ما فات مورثهم من عبادات، إلا إذا أوصى بإخراجها، ولا يسأل الوارث عن جريمة المورث.\rويجري التداخل في عقوبة حقوق الله ، فمن زنى مراراً، أو سرق مراراً ولم يعاقب في كل مرة، فيكتفى بعقوبة واحدة؛ لأن المقصود من العقوبة هو الزجر والردع ويتحقق بذلك (1) . واستيفاء عقوبة هذه الجرائم للحاكم، فهو الذي يؤدب على ترك العبادات أو التهاون بشأنها، وهو الذي يقيم الحدود والتعزيرات على العصاة منعاً من الفوضى وتثبيتاً من وقوع الجريمة.\r2 - حق الإنسان (أو العبد ) :\rوهو ما يقصد منه حماية مصلحة الشخص، سواء أكان الحق عاماً كالحفاظ على الصحة والأولاد والأموال، وتحقيق الأمن، وقمع الجريمة، ورد العدوان، والتمتع بالمرافق العامة للدولة؛ أم كان الحق خاصاً، كرعاية حق المالك في ملكه، وحق البائع في الثمن والمشتري في المبيع، وحق الشخص في بدل ماله المتلف، ورد المال المغصوب، وحق الزوجة في النفقة على زوجها، وحق الأم في حضانة طفلها، والأب في الولاية على أولاده، وحق الإنسان في مزاولة العمل ونحو ذلك.\r-------------------------------\r(1) البدائع: 55/7 ومابعدها، 86 ، المبسوط: 185/9.","part":4,"page":370},{"id":2466,"text":"وحكم هذا الحق أنه يجوز لصاحبه التنازل عنه، وإسقاطه بالعفو أو الصلح أو الإبراء أو الإباحة، ويجرى فيه التوارث، ولا يقبل التداخل، فتتكرر فيه العقوبة على كل جريمة على حدة، واستيفاؤه منوط بصاحب الحق أو وليه.\r3 - الحق المشترك: وهو الحق الذي يجتمع فيه الحقان: حق الله وحق الشخص، لكن إما أن يغلب فيه حق الله تعالى أو حق الشخص.\rمثال الأول: عدة المطلقة، فيها حق الله : وهو صيانة الأنساب عن الاختلاط، وفيها حق الشخص، وهو المحافظة على نسب أولاده، لكن حق الله غالب؛ لأن في صيانة الأنساب نفعاً عاماً للمجتمع، وهو حمايته من الفوضى\rوالانهيار. ومثاله أيضاً: صيانة الإنسان حياته وعقله وصحته وماله، فيها حقان، لكن حق الله غالب لعموم النفع العائد للمجتمع. ومثاله عند الحنفية (1) حد القذف ( وهو ثمانون جلدة لمن يتهم غيره بالزنا ) فيه حقان: حق للمقذوف بدفع العار عنه وإثبات شرفه وحصانته، وحق الله : وهو صيانة أعراض الناس وإخلاء العالم من الفساد، والحق الثاني أغلب (2) .\rوحكمه: أنه يلحق بالقسم الأول، وهو حق الله تعالى باعتبار أنه هو الغالب.\rومثال الثاني: حق القصاص الثابت لولي المقتول، فيه حقان: حق لله وهو تطهير المجتمع عن جريمة القتل النكراء، وحق للشخص: وهو شفاء غيظه وتطييب نفسه بقتل القاتل، وهذا الحق هو الغالب؛ لأن مبنى القصاص على المماثلة، بقوله تعالى: {وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس} [المائدة:45/5] والمماثلة ترجح حق الشخص.\r-------------------------------\r(1) فتح القدير: 194/4، البدائع: 56/7، المبسوط: 113/9، رد المحتار والدر المختار: 189/4.\r(2) وقال الشافعية والحنابلة وفي قول لمالك هو الأظهر عند ابن رشد: حد القذف حق خالص للمقذوف، لأن القذف جناية على عرضه، وعرضه حقه فالعقاب حقه.","part":4,"page":371},{"id":2467,"text":"وحكمه أنه يلحق بالقسم الثاني: وهو حق الشخص في جميع أحكامه، فيجوز لولي المقتول العفو عن القاتل، والصلح معه على مال، بل ندب الله تعالى إلى العفو والصلح، فقال: {فمن عفي له من أخيه شيء، فاتباع بالمعروف، وأداء إليه بإحسان، ذلك تخفيف من ربكم ورحمة} [البقرة:178/2]. وقال عز وجل: {ومن قُتل مظلوماً فقد جعلنا لوليه سلطاناً فلا يسرف في القتل، إنه كان منصوراً} [الإسراء:33/17].\rتقسيم حق الشخص (أو العبد ) :\rينقسم حق الشخص الخاص باعتبار أنه صاحب الحق تقسيمين آتيين:\rالأول ـ حقوق تقبل الإسقاط وحقوق لاتقبل الإسقاط :\r1 - الحق القابل للإسقاط: الأصل أن جميع الحقوق الشخصية تقبل الإسقاط بخلاف الأعيان، كحق القصاص وحق الشفعة وحق الخيار. وإسقاط الحق إما أن يكون بعوض أو بغير عوض.\r2 - الحق الذي لا يقبل الإسقاط: هناك حقوق لا تقبل الإسقاط على سبيل الاستثناء من الأصل العام المتقدم وهي ما يأتي:\rأ ـ الحقوق التي لم تثبت بعد: كإسقاط الزوجة حقها في المبيت والنفقة المستقبلة، وإسقاط المشتري حقه في خيار الرؤية قبل الرؤية، وإسقاط الوارث حقه في الاعتراض على الوصية حال حياة الموصي، وإسقاط الشفيع (الشريك أو الجار) حقه في الشفعة قبل البيع. كل هذا لا يسقط؛ لأن الحق نفسه لم يوجد بعد.\rب ـ الحقوق المعتبرة شرعاً من الأوصاف الذاتية الملازمة للشخص: كإسقاط الأب أو الجد حقهما في الولاية على الصغير، فإن الولاية وصف ذاتي لهما لا تسقط بإسقاطهما. ومثلها عند أبي يوسف: ولاية الواقف على وقفه، تثبت له سواء شرطها أو نفاها؛ لأنها أثر ملكه.","part":4,"page":372},{"id":2468,"text":"ج ـ الحقوق التي يترتب على إسقاطها تغيير للأحكام الشرعية كإسقاط المطلق حقه في إرجاع زوجته،وإسقاط الواهب حقه في الرجوع عن الهبة،وإسقاط الموصي حقه في الرجوع عن الوصية.\rومنها إسقاط مالك العين حقه في ملكها، لا يقبل الإسقاط؛ لأن معنى إسقاط حقه في ملكها إخراجها عن ملكه إلى غير مالك، فتكون سائبة لا مالك لها، وقد نهى الشرع عن السائبة التي كانت في الجاهلية بقوله تعالى: { ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام...} (:1) [المائدة:5/103]، فأصبح المبدأ المقرر: ( لا سائبة في الإسلام ). وعليه فإن العين في حكم الشرع لا بد أن يثبت فيها وصف الملك لأحد من الناس، فإسقاط المالك حقه في ملكها يترتب عليه تغيير حكم الشرع الثابت، وهذا باطل إذ ليس لأحد من الناس ولاية تغيير حكم الشرع المقرر.\rد ـ الحقوق التي يتعلق بها حق الغير: كإسقاط الأم حقها في الحضانة، والمطلق حقه في عدة مطلقته، والمسروق منه حقه في حد السارق؛ لأن هذه الحقوق مشتركة، وإذا كان للإنسان ولاية على إسقاط حقه، فليس له ولاية على إسقاط حق غيره.\rالثاني ـ حقوق تورث وحقوق لا تورث :\rاتفق الفقهاء على وراثة الحقوق المقصود بها التوثق كحبس المرهون لوفاء الدين، وحبس المبيع لاستيفاء الثمن، وحق الكفالة بالدين لأنها من الحقوق اللازمة المؤكدة.\rواتفقوا أيضاً على وراثة حقوق الارتفاق كحق الشِّرب والمرور؛ لأنها حقوق تابعة للعقار ولازمة له.\r-------------------------------\r(1) البحيرة: هي الشاة التي تلد خمسة أبطن خامسها أنثى. والسائبة: الناقة التي تسيب لآلهتهم فترعى حيث شاءت، ولا يأخذ لبنها إلا ضيف ولايحمل عليها. والوصيلة: الناقة التي تلد ذكراً ثم أنثى، فيقولون: وصلت أخاها، فلم يذبحوا الذكر لآلهتهم كما كان مقرراً عندهم من ذبح الذكر وإبقاء الأنثى لهم. والحام أو الحامي: الفحل الذي يولد من ظهره عشرة أبطن ( تفسير ابن كثير: 107/2 ومابعدها).","part":4,"page":373},{"id":2469,"text":"وكذلك اتفقوا على إرث خيار التعيين والعيب؛ لأن البيع في خيار التعيين لازم، والحق محصور في اختيار أحد الأشياء. والبيع تم في خيار العيب على أساس سلامة المبيع من العيب، فيثبت ذلك الحق للورثة دفعاً للضرر والغبن.\rواختلف الفقهاء في إرث خيار الشرط وخيار الرؤية وأجل الدين وحق الغانم في الغنيمة بعد الإحراز، وقبل القسمة:\rفقال الحنفية: لا تورث الحقوق والمنافع؛ لأن الإرث يجري في المال الموجود وهو الأعيان، وهذه ليست أموالاً عندهم. أما الديون فما دامت في الذمة فليست مالاً لأنها أوصاف شاغلة لها، ولا يتصور قبضها حقيقة، وإنما يقبض ما يعادلها، لكنها تورث لأنها مال حكمي؛ أي شيء اعتباري يملكه الدائن، وهو موجود في ثروة المدين، فالدين مال من حيث المآل.\rوقال غير الحنفية: تورث الحقوق والمنافع والديون؛ لأنها أموال، ولقوله عليه السلام: «من ترك مالاً أو حقاً فلورثته، ومن ترك كَلاً أو عيالاً فإلي» (1) .\rالتقسيم الثاني ـ باعتبار محل الحق\rينقسم الحق باعتبار محله المتعلق به إلى حق مالي وغير مالي، وإلى حق شخصي وحق عيني، وإلى حق مجرد وحق غير مجرد.\r-------------------------------\r(1) متفق عليه بين البخاري ومسلم وأحمد عن أبي هريرة بلفظ: «ما من مؤمن إلا أنا أولى به في الدنيا والآخرة، واقرؤوا إن شئتم: {النَّبيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أْنْفُسِهِمْ} [الأحزاب:6/33] فأيما مؤمن مات وترك مالاً فليرثه عصبته من كانوا، ومن ترك دَيْناً أو ضياعاً، فليأتني فأنا مولاه » والضياع أي ذوي ضياع أي لا شيء لهم (نيل الأوطار: 57/6).","part":4,"page":374},{"id":2470,"text":"1 - الحقوق المالية وغير المالية :\rالحقوق المالية: هي التي تتعلق بالأموال ومنافعها أي التي يكون محلها المال أو المنفعة، كحق البائع في الثمن، والمشتري في المبيع، وحق الشفعة، وحقوق الارتفاق، وحق الخيار، وحق المستأجر في السكنى، ونحوها.\rوالحقوق غير المالية: هي التي تتعلق بغير المال مثل حق القصاص، وحق الحرية بجميع أنواعها، وحق المرأة في الطلاق أو التفريق لعدم الإنفاق، أو بسبب العيوب التناسلية أو للضرر وسوء العشرة أو للغيبة أو الحبس، وحق الحضانة، وحق الولاية على النفس، ونحو ذلك من الحقوق السياسية والطبيعية.\r2 - الحق الشخصي والحق العيني :\rالحق الشخصي: هو ما يقره الشرع لشخص على آخر. ومحله إما أن يكون قياماً بعمل كحق البائع في تسلم الثمن وحق المشتري في تسلم المبيع، وحق الإنسان في الدين وبدل المتلفات والمغصوبات، وحق الزوجة أو القريب في النفقة. وإما أن يكون امتناعاً عن عمل كحق المودع على الوديع في عدم استعمال الوديعة.\rوللحق الشخصي عناصر ثلاثة: هي صاحب الحق، ومحل الحق، والمكلف أو المدين، إلا أن العلاقة بين طرفي هذا الحق هي المتميزة أو البارزة، دون المحل وهو المال.","part":4,"page":375},{"id":2471,"text":"والحق العيني: هو ما يقره الشرع لشخص على شيء معين بالذات. فالعلاقة القائمة بين صاحب الحق وشيء مادي معين بذاته، والتي بموجبها يمارس المستحق سلطة مباشرة على الشيء هي الحق العيني. مثل حق الملكية الذي به يستطيع المالك ممارسة أكمل السلطات على ما يملكه: وهي التصرف بالشيء واستثماره واستعماله. وحق الارتفاق المقرر لعقار على عقار معين كحق المرور أو المسيل أو تحميل الجذوع على الجدار المجاور. وحق احتباس العين المرهونة لاستيفاء الدين. وللحق العيني عنصران فقط هما: صاحب الحق، ومحل الحق.\rخصائص الحق العيني والحق الشخصي :\rيتميز كل من هذين الحقين بمميزات وخصائص أهمها ما يأتي:\r1 - حق التتبع لصاحب الحق العيني دون الشخصي: لصاحب الحق العيني تتبع الشيء الذي تعلق به حقه في أي يد وجدت فيها العين مهما تغير واضع اليد عليها. فلو غصب شخص شيئاً ثم باعه أو غصب منه وتداولته الأيدي، جاز لمالكه رفع الدعوى على الحائز الأخير صاحب اليد.\rأما الحق الشخصي: فلا يطالب به إلا المكلف به أصالة وهو المدين أو نيابة وهو الكفيل أو المحال عليه.\rوسبب التفرقة: أن الحق العيني متعلق بعين معينة لا بذمة شخصية، والعين يمكن انتقالها من يد إلى أخرى. أما الحق الشخصي فمتعلق بذمة المكلف أو المدين، فلا يسأل عنه غيره إلا بإرادته كما في الكفالة والحوالة.\r2 - حق الامتياز أو الأفضلية لصاحب الحق العيني: يكون لصاحب الحق العيني حق الأولوية أو الامتياز على سائر الدائنين العاديين إذا كان دينه موثقاً برهن.","part":4,"page":376},{"id":2472,"text":"أما صاحب الحق الشخصي فليس له حق الامتياز إلا استثناء في أحوال معينة كحالة التهمة أو الشك، فتقدم ديون الصحة على ديون المرض، وحالة الضرورة، فتقدم نفقات التكفين والتجهيز على بقية الحقوق المتعلقة بالتركة ويقدم دين النفقة للزوجة والأولاد الصغار على الديون العادية. وحالة رعاية المصلحة العامة، فتقدم ديون الحكومة على ديون الناس العادية. 3 - سقوط الحق العيني بهلاك محله: إذا هلك محل الحق العيني سقط الحق وبطل العقد. فإذا هلك المبيع في يد البائع قبل قبض المشتري له بطل العقد، وسقط حق المشتري في تسلم المبيع. وإذا احترقت الدار المؤجرة بطل عقد الإجارة، وسقط حق المستأجر في الانتفاع بها.\rأما إذا هلك محل الحق الشخصي فلا يسقط الحق ولا يبطل العقد، فإذا هلكت أموال المدين، فلا يسقط حق الدائن بالدين؛ لأن الدين متعلق بالذمة لا بمال معين. وإذا هلك الشيء المسلَم فيه في عقد السلم وجب على البائع (المسلَم إليه) تسليم غيره.\r3 - الحقوق المجردة وغير المجردة :\rالحق المجرد أو المحض: هو الذي لا يترك أثراً بالتنازل عنه صلحاً أو إبراء، بل يبقى محل الحق عند المكلف (أو المدين) بعد التنازل كما كان قبل التنازل. مثل حق الدين، فإن الدائن إذا تنازل عن دينه، كانت ذمة المدين بعد التنازل هي بعينها قبل التنازل، ولا يترتب على التنازل عن الحق أثر من الآثار. وكذلك حق الشفعة إذا أسقط الشفيع حقه في الشفعة، كانت ملكية المشتري للعقار بعد التنازل عن الشفعة هي بعينها قبل التنازل. ومثله حق المدعي في تحليف خصمه اليمين، وحق الخيار، والحق في وظائف الأوقاف.","part":4,"page":377},{"id":2473,"text":"والحق غير المجرد: هو الذي يترك أثراً بالتنازل عنه، كحق القصاص فإنه يتعلق برقبة القاتل ودمه، ويترك فيه أثراً بالتنازل عنه، فيتغير فيه الحكم، فيصير معصوم الدم بالعفو بعد أن كان غير معصوم الدم، أي مباح القتل بالنسبة إلى ولي المقتول المستحق للقصاص، ولكن برأي الحاكم. ومثل حق استمتاع الزوج بزوجته، يتعلق بالزوجة، ويمنعها من إباحة نفسها لغير زوجها بالعقد عليها، فإذا تنازل الزوج عن هذا الحق بالطلاق، استردت المرأة حريتها، فتتزوج بمن تشاء (1) .\rوتظهر فائدة هذا التقسيم فيما يأتي:\rالحق غير المجرد تجوز المعاوضة عنه بالمال، كحق القصاص وحق الزوجة يجوز لكل من ولي المقتول والزوج أخذ العوض المالي في مقابل التنازل عن حقه بالصلح.\rأما الحق المجرد: فلا يجوز الاعتياض عنه كحق الولاية على النفس والمال وحق الشفعة، وهذا رأي الحنفية، ويجوز عند غير الحنفية أخذ العوض عنه.\rالتقسيم الثالث ـ باعتبار المؤيد القضائي وعدمه\rينقسم الحق باعتبار وجود المؤيد القضائي وعدمه إلى نوعين: حق دياني، وحق قضائي. فالحق الدياني: هو الذي لا يدخل تحت ولاية القضاء. فلا يتمكن القاضي من الإلزام به لسبب من الأسباب كالعجز عن إثباته أمام القضاء. وإنما يكون الإنسان مسؤولاً عنه أمام ربه وضميره. فالدين الذي عجز صاحبه عن إثباته أمام القضاء لا يعني أنه صار غير مستحق، بل يجب على المدين ديانة المبادرة إلى وفائه. والزواج العرفي غير المسجل في المحاكم الشرعية تكون فيه الزوجية ثابتة ديانة. وتترتب عليها الأحكام الشرعية من نفقة وثبوت نسب الأولاد وغير ذلك.\rوالحق القضائي: هو ما يدخل تحت ولاية القاضي، ويمكن لصاحبه إثباته أمام القضاء.\rوتظهر ثمرة التقسيم في أن الأحكام الديانية تبنى على النوايا والواقع\r-------------------------------\r(1) أحكام المعاملات الشرعية لأستاذنا الشيخ علي الخفيف: ص 38.","part":4,"page":378},{"id":2474,"text":"والحقيقة. وأما الأحكام القضائية فتبنى على ظاهر الأمر ولا ينظر فيها إلى النوايا وواقع الأمر وحقيقته. فمن طلق امرأته خطأ، ولم يقصد إيقاع الطلاق، يحكم القاضي بوقوع طلاقه عملاً بالظاهر واستحالة معرفة الحقيقة، ويكون الحكم بوقوع الطلاق حكماً قضائياً. وأما ديانة فالحكم عدم وقوع الطلاق، وللإنسان أن يعمل بذلك فيما بينه وبين الله تعالى، وللمفتي إفتاؤه بذلك؛ لأن الزوج لم يقصد الطلاق في الواقع.\rالمبحث الثالث ـ مصادر الحق أو أسبابه\rعرفنا سابقاً أن منشأ الحق أو سببه الأساسي أو غير المباشر: هو الشرع. فالشرع هو المصدر الأساسي للحقوق، والسبب الوحيد لها، غير أن الشرع قد ينشئ الحقوق مباشرة من غير توقف على أسباب أخرى، كالأمر بالعبادات المختلفة، والأمر بالإنفاق على القريب، والنهي عن الجرائم والمحرمات، وإباحةالطيبات من الرزق، فإن أدلة الشرع هنا تعتبر أسباباً مباشرة للحقوق.\rوقد ينشئ الشارع الحقوق أو الأحكام مرتبة على أسباب أخرى يمارسها الناس، كعقد الزواج، فإنه ينشئ حق النفقة للزوجة والتوارث بين الزوجين وغير ذلك. وعقد البيع ينشئ ملك البائع للثمن والمشتري للمبيع. والغصب سبب للضمان عند هلاك المغصوب. وتعتبر العقود والغصب أسباباً مباشرة، وأدلة الشرع أسباباً غير مباشرة.\rوالمقصود من الأسباب أو المصادر في هذا المبحث: الأسباب المباشرة، سواء أكانت أدلة الشرع أم الأسباب التي أقرتها وعينتها هذه الأدلة. فليس المراد من المصدر هنا:","part":4,"page":379},{"id":2475,"text":"المصدر الآمر في إيجاب الالتزام، إذ تكون عندئذٍ جميع المصادر مردها إلى الشرع أو القانون. ومصادر الحق بالنسبة للالتزامات (1) خمسة: هي الشرع، والعقد، والإرادة المنفردة، والفعل النافع، والفعل الضار.\rفالعقد كالبيع والهبة والإجارة. والإرادة المنفردة كالوعد بشيء والنذر. والشرع كالالتزام بالنفقة على الأقارب والزوجة، والتزام الولي والوصي، وإيجاب الضرائب. والفعل الضار بالغير كالتزام المتعدي بضمان الشيء الذي أتلفه أو غصبه. والفعل النافع أو الإثراء بلا سبب كأداء دين يظنه الشخص على نفسه، ثم يتبين أنه كان بريئاً منه، أو أداء دين الغير بأمره، أو شراء شيء ثم يتبين أنه ملك الغير، فيجوز لصاحب الحق الرجوع على الآخر بالدين، لعدم استحقاق الآخر له.\rويمكن إدخال جميع هذه المصادر في الواقعة الشرعية. والواقعة الشرعية إما أن تكون طبيعية كالجوار والقرابة والمرض ونحوها، أو اختيارية. والواقعة الاختيارية إما أن تكون أعمالاً مادية ممنوعة وهي الفعل الضار، أو أعمالاً مشروعة من جانب واحد وهي الفعل النافع، وإما أن تكون تصرفات شرعية.\rوالتصرفات الشرعية: إما وحيدة الطرف وهي الإرادة المنفردة، أو متعددة وهي العقد (2) .\rويلاحظ أن هذه المصادر هي الأسباب المباشرة للالتزم، وأما المصدر غير المباشر لكل التصرفات الشرعية والأفعال المادية فهو الشرع.\rوأما مصادر الحق العيني فهي أسباب الملك التام أو الناقص الآتي بيانها في بحث نظرية الملكية.\rقال الدكتور السنهوري: إنه يمكن رد مصادر الحقوق في الفقه الإسلامي (سواء بالنسبة للالتزامات أم بالنسبة للحقوق العينية) إلى مصدرين اثنين، كما في الفقه الغربي أو القوانين الوضعية وهما:\r-------------------------------\r(1) الالتزام هو الحادث الذي نشأ عنه الالتزام.\r(2) المدخل إلى نظرية الالتزام في الفقه للأستاذ الزرقاء: ف 49-52.","part":4,"page":380},{"id":2476,"text":"التصرف القانوني، والواقعة القانونية (1) .\rوالتصرف الشرعي أو القانوني يشمل العقد والإرادة المنفردة. والواقعة الشرعية أو القانونية تشمل الفعل الضار والفعل النافع.\rويلاحظ أخيراً أن الإقرار لا يعد منشئاً للحق، وإنما هو إخبار بالحق على الرأي الراجح عند الفقهاء. كما أن قضاء القاضي لا يعد منشئاً للحق، وإنما هو مظهر للحق وكاشف له، إلا إذا قضى القاضي بشهادة زور، ولم يكتشف الزور فيها، فإن قضاءه يعد منشئاً للحق ظاهراً أي قضاء لا ديانة.\rوهذه هي المسألة المعروفة في الفقه الإسلامي بأن قضاء القاضي ينفذ ظاهراً وباطناً، أو ظاهراً فقط، وهي محل خلاف بين الفقهاء.\rالمبحث الرابع ـ أحكام الحق\rأحكام الحق: هي آثاره المترتبة عليه بعد ثبوته لصاحبه، وأحكامه ما يأتي:\r1 - استيفاء الحق: لصاحب الحق أن يستوفي حقه بكل الوسائل المشروعة.\rأ ــ واستيفاء حق الله تعالى في العبادة يكون بأدائها على الوجه الذي رسمه الله تعالى للعبادة إما في الأحوال العادية (العزيمة)، أو في الأحوال الاستثنائية (الرخصة ) مثل قصر الصلاة، وإباحة الفطر في رمضان للمريض والمسافر، والتيمم بالتراب بدل الماء أثناء المرض أو فقد الماء، والنيابة في الحج للعاجز عنه، وإباحة النطق بالكفر مع اطمئنان القلب بالإيمان حال الإكراه عليه.\rفإن امتنع الشخص عن أداء العبادة: فإن كان الحق مالياً كالزكاة أخذه الحاكم جبراً عنه ووزعه في مصارفه الشرعية. وإن كان غير مال حمله الحاكم على فعله بما يملك من وسائل إن ترك الحق ظاهراً، وإلا عاقبه الله في الدنيا بالمحن والآلام، وفي الآخرة بالعذاب الأليم.\rواستيفاء حق الله تعالى في منع الجرائم والمنكرات يكون بامتناع الناس عنها، فإن لم يكفّ الناس عنها، كان حق الله إقامة العقوبة، ويستوفيها ولي الأمر أو نائبه بعد إصدار الحكم القضائي بها منعاً من التظالم وإثارة الفتن والعداوات، وشيوع الفوضى وانهيار المجتمع.\r-------------------------------\r(1) مصادر الحق في الفقه الإسلامي للسنهوري: 69/1.","part":4,"page":381},{"id":2477,"text":"ب ـ واستيفاء حق الإنسان (العبد): يكون بأخذه من المكلف به باختياره ورضاه، فإن امتنع من تسليمه: فإن كان الموجود تحت يده عين الحق كالمغصوب والمسروق والوديعة، أو جنس الحق كأمثال العين المغصوبة عند هلاكها، ولكن ترتب على أخذه من قبل صاحب الحق نفسه فتنة أو ضرر في الحالتين أو كان الموجود تحت يده من خلاف جنس الحق مطلقاً، فليس لصاحب الحق باتفاق الفقهاء استيفاؤه بنفسه، وإنما بواسطة القضاء.\rأما إذا كان الموجود تحت يد الآخذ مالاً من جنس الحق، ولم يترتب على الأخذ بطريق خاص فتنة أو ضرر، فالمشهور عند المالكية والحنابلة أن صاحب الحق يستوفيه بواسطة القضاء (1) ، لقوله صلّى الله عليه وسلم : «أد الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك» (2) ، ولأن النبي صلّى الله عليه وسلم قضى لهند زوجة أبي سفيان بأخذ حقها ولو لم يعلم زوجها بقوله: «خذي مايكفيك وولد ك بالمعروف» (3) فدل على أنه لا بد من القضاء لأخذ عين الحق أو جنسه.\r-------------------------------\r(1) الشرح الكبير للدردير: 335/4، القوانين الفقهية: ص359، المغني: 254/8 ومابعدها.\r(2) رواه الترمذي وأبو داود وحسنه وصححه الحاكم من حديث أبي هريرة.\r(3) رواه أحمد وأصحاب الكتب الستة إلا الترمذي (نيل الأوطار، 323/6، سبل السلام: 219/3).","part":4,"page":382},{"id":2478,"text":"وقال الشافعية (1) : لصاحب الحق استيفاء حقه بنفسه بأي طريق، سواء أكان من جنس حقه، أم من غير جنسه، لقوله تعالى: {وجزاء سيئة سيئة مثلها} [الشورى:40/42]، {وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به} [النحل:126/16] والمثلية ليست من كل وجه، وإنما في المال. ولقوله عليه السلام: «من وجد عين ماله عند رجل فهو أحق به» (2) .\rووافق الحنفية (3) على رأي الشافعية فيما إذا كان المأخوذ من جنس حقه لا من غيره، والمفتى به اليوم كما قال ابن عابدين جواز الأخذ من جنس الحق أو من غيره، لفساد الذمم والمماطلة في وفاء الديون.\rويلاحظ أن هذا البحث المسمى فقهاً «الظفر بالحق» من أهم أحكام المعاملات التي يفرق فيها بين الأحكام القضائية والأحكام الديانية.\rوالخلاصة: أن من وجد عين حقه عند آخر مالاً أو عروضاً (سلعاً) وكان مماطلاً في رده أو جاحداً الدين، فيباح له باتفاق الفقهاء أخذه ديانة لا قضاء للضرورة، عملاً بالحديث السابق: (من وجد عين ماله فهو أحق به) (4) .\rنوع المأخوذ: الأصل في استيفاء الحق أن يكون بالعدل ، فلا يزاد عليه فإن كان الحق معلوم النوع محدد المقدار كثمن دار وأجرتها وبدل قرض فلا تجوز الزيادة عليه في الاستيفاء وفي حكم القاضي.\rوإن كان الحق مطلقاً غير محدد النوع أو المقدار، فيحمل على الوسط المتعارف عليه بين الناس، فيؤخذ المتوسط من أموال الزكاة. ولا تؤخذ كرائم الأموال أو خسيسها.\rوالدليل على استيفاء الوسط نصوص كثيرة قرنت بالمعروف أو العرف، مثل قوله تعالى: {وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف} [البقرة:233/2] {وإن أردتم أن تسترضعوا أولادكم فلا جناح عليكم إذا سلّمتم ما آتيتم بالمعروف} [البقرة:233/2] وفي كفارة اليمين صرح باعتبار الوسط في قوله تعالى: {فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم..} [المائدة:89/5] والمراد بالأوسط: الوسط في نوع الطعام وعدد الوجبات. وعلى هذا فنفقة الزوجة والأقارب مقدرة بالوسط المتعارف عليه بالنص، وتجب زكاة الفطر من غالب قوت البلد: وهو الذي تعارف أهل البلد على تناوله.\r-------------------------------\r(1) مغني المحتاج: 162/4، المهذب: 282/2.\r(2) رواه أحمد وأبو داود والنسائي عن سمرة بن جندب.\r(3) فتح القدير: 236/4، رد المحتار والدر المختار: 219/3 ومابعدها، 265.\r(4) نظرية الضرورة الشرعية للمؤلف: ص 188 ومابعدها، ط أولى أو مابعدها.","part":4,"page":383},{"id":2479,"text":"ويجوز التعزير للممتنع عن دفع الزكاة بأخذ أعلى الحق الواجب، أو تغريمه الضعف، لقوله عليه السلام: «من دفعها مؤتجراً بها فله أجرها، ومن منعها فإنّا آخذوها وشطر ماله، عَزْمة من عزمات ربنا تبارك وتعالى» (1) .\rالتسامح في الاستيفاء والأداء: الأصل أن يكون استيفاء الحق كاملاً، لكن الشارع ندب صاحب الحق إلى عدم استيفاء حقه كله أو بعضه تسامحاً وإحساناً وإيثاراً، وبخاصة إذا كان المكلف أو المدين في ضائقة، وذلك خير يثاب عليه فاعله، قال تعالى: {وإن كان ذو عسرة فنظِرة إلى ميسرة، وأن تصدقوا خيرٌ لكم إن كنتم تعلمون} [البقرة:280/2] والمراد بالتصدق في الآية: إبراء المدين من دينه.\rوفي تنازل المرأة عن شيء من حقوقها أو كل مهرها، قال تعالى: {وآتوا النساء صدُقاتهن نِحْلة، فإن طبن لكم عن شيء منه نفساً فكلوه هنيئاً مريئاً } [النساء:4/4]. {وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن، وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم، إلا أن يعفون أو يعفو الذي بيده عُقْدة النكاح} [البقرة:237/2] وفي التنازل عن حق القصاص قال تعالى: {ومن قُتِل مظلوماً فقد جعلنا لوليه سلطاناً فلا يسرف في القتل، إنه كان منصوراً} [الإسراء:33/17].\rوهناك آية تقرر مبدءاً عاماً في التنازل عن الحقوق وهي قوله تعالى: {وجزاء سيئةٍ سيئةٌ مثلها، فمن عفا وأصلح فأجره على الله } [الشورى:40/42].\r2 - حماية الحق: قررت الشريعة حماية الحق لصاحبه من أي اعتداء بأنواع مختلفة من المؤيدات منها المسؤولية أمام الله ، والمسؤولية المدنية، وتقرير حق التقاضي.\r-------------------------------\r(1) رواه أحمد والنسائي وأبو داود عن بَهْز بن حكيم عن أبيه عن جده، بلفظ: «من أعطاها مؤتجراً فله أجرها، ومن منعها فإنا آخذوها، وشطر إبله، عَزْمة من عزمات ربنا تبارك وتعالى..» (نيل الأوطار: 121/4 ومابعدها).","part":4,"page":384},{"id":2480,"text":"فالعبادات التي هي نوع من حقوق الله تعالى حماها الشرع بوازع الدين ودافع الإيمان القائمين على الرهبة من عذاب الله ، والرغبة في ثوابه ونعيم الدنيا. ولذا كثيراً ما بدئت آيات القرآن في التكاليف الشرعية بوصف الإيمان: {يا أيها الذين آمنوا} [البقرة:282/2].\rوهناك نوع آخر من الحماية للعبادة وهو الحسبة (1) : وهي الأمر بالمعروف إذا ظهر تركه، والنهي عن المنكر إذا ظهر فعله، وهو حق ثابت لكل فرد من أفراد الأمة، وللمحتسب وهو والي الحسبة، فله مطالبة تارك الصلاة والزكاة، أو المفطر في رمضان بأداء ما تركه. ولكل مسلم رفع دعوى الحسبة على المعاصي إلى المحتسب أو القاضي ليؤدب العاصي بما يردعه ويزجره عن ترك العبادات وغيرها.\rوهكذا بقية حقوق الله تعالى كالكف عن الجرائم تكون حمايتها أيضاً بوازع الدين وبالحسبة.\rوأما حقوق الناس الخاصة (العباد) فحمايتها بوازع الدين الذي يوجب على كل فرد احترام حق غيره في ماله أو عرضه أو دمه، وبالمرافعة إلى القضاء لمطالبة من وجبت عليه.\rوهكذا حمت الشريعة كل أنواع الحقوق الدينية والمدنية، الخاصة والعامة باحترام الحق لصاحبه، وعدم الاعتداء عليه، وبمعاقبة المعتدي.\r-------------------------------\r(1) الحسبة: وظيفة إدارية للدولة مهمتها مراقبة الناس والأسواق وحماية الناس من الانحراف عن آداب الدين، ومن جشع التجار والصناع والغش والبيع بأكثر من ثمن المثل وعدم إجادة الصناعة، وخلاصة مهمتها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وتشبه ما تقوم به البلديات الآن من مراقبة الأسواق وما تقوم به إدارة الأمن العام من مراقبة الآداب. وما تقوم به النيابة العامة من تقديم الجاني إلى القضاء.","part":4,"page":385},{"id":2481,"text":"حق التأليف والنشر والتوزيع :\rأ - أما حق المؤلف الذي يدخل تحت عنوان قانوني جديد وهو الحق الأدبي فهو حق مصون في تقديري شرعاً على أساس قاعدة الاستصلاح أو المصلحة المرسلة ( وهي الأوصاف التي تلائم تصرفات الشرع ومقاصده، ولكن لم يشهد لها دليل معين من الشرع بالاعتبار أو الإلغاء، ويحصل من ربط الحكم بها جلب مصلحة أو دفع مفسدة عن الناس ) فكل عمل فيه مصلحة غالبة أو دفع ضرر أو مفسدة يكون مطلوباً شرعاً.\rوالمؤلف قد بذل جهداً كبيراً في إعداد مؤلْفه، فيكون أحق الناس به، سواء فيما يمثل الجانب المادي: وهوالفائدة المادية التي يستفيدها من عمله، أو الجانب المعنوي: وهو نسبة العمل إليه. ويظل هذا الحق خالصاً دائماً له، ثم لورثته لقول النبي صلّى الله عليه وسلم فيما رواه البخاري وغيره: « من ترك مالاً أو حقاً فلورثته » . وبناء عليه يعتبر إعادة طبع الكتاب أو تصويره اعتداء على حق المؤلف، أي أنه معصية موجبة للإثم شرعاً، وسرقة موجبة لضمان حق المؤلف في مصادرة النسخ المطبوعة عدواناً وظلماً، وتعويضه عن الضرر الأدبي الذي أصابه. وذلك سواء كتب على النسخ المطبوعة عبارة: ( حق التأليف محفوظ للمؤلف ) أم لا، لأن العرف والقانون السائد اعتبر هذا الحق من جملة الحقوق الشخصية، والمنافع تعد من الأموال المتقوّمة في رأي جمهور الفقهاء غير الحنفية، لأن الأشياء أو الأعيان تقصد لمنافعها لا لذواتها، والغرض الأظهر من جميع الأموال هو منفعتها كما قال شيخ الإسلام عز الدين بن عبد السلام.\rبل إن متأخري الحنفية أفتوا بضمان منافع المغصوب في ثلاثة أشياء: المال الموقوف، ومال اليتيم، والمال المُعَدّ للاستغلال.\rوالمؤلف حينما يطبع كتابه يقصد به أمرين: نشر العلم، واستثمار مؤلفه. ويكون لكل طبعة من طبعات الكتاب حق خاص للمؤلف.","part":4,"page":386},{"id":2482,"text":"وتذرع بعض الناشرين بأنهم في إعادة الطبع أو التصوير إنما ينشرون العلم ويخدمون المؤلّف هو تحايل شيطاني وذريعة فاسدة، لأن الحرام لايكون ولايصح بحال طريقاً للحلال. ويُبطل زعمَهم، أنهم لولا قصد الربح المادي المنتظر من وراء شهرة كتاب انتشر تداوله لما أقدموا على الطبع أو التصوير.\rأما الكتب القديمة التي لم يَعُد يُعرَف ورثة مؤلّفها فلا مانع من طبعها بشرط عدم الاعتداء على جهد دار النشر الخاص الذي بذلته في إخراج الكتاب من تعليق وعلامات ترقيم وتصحيح ونحو ذلك.\rب - وأما حق النشر أو التوزيع فيحكمه العقد أو الاتفاق الحاصل بين المؤلف والناشر أو الموزع، فيجب على طرفي الاتفاق الالتزام بمضمونه من حيث عدد النسخ المطبوعة والمدة التي يسري فيها الاتفاق. والله تعالى أمر بالوفاء بالعقود { يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود } [المائدة:1/5] ، { وأوفوا بالعهد } [الإسراء:34/17].\rوبناء عليه يحرم شرعاً نقض بنود الاتفاق، ولايجوز للمؤلف أن يقوم بإعطاء حق النشر أو التوزيع لغير الدار التي التزم معها في مدة معينة. وأما مايقال من جهد دار التوزيع أو النشر، فهذا قد استوفت الدار عوضه بما تأخذه من ربح، والشهرة كانت بالرواج النابع من موضوع الكتاب لا من شكله وإخراجه، فهذا له دور ثانوي، بدليل أن كثيراً من الكتب ذات إخراج بديع، ولكنها تافهة لم يكتب لها الرواج. كذلك لايصح القول: إن دار النشر أو التوزيع هي التي أضفت على المؤلف وكتابه شهرة، فذلك قد استوفت الدار عوضه مما أخذته من نسبة مئوية عالية تفوق فعلاً مايستفيده صاحب التأليف ذاته.\rجـ - كذلك الترجمة ينبغي أن يكون نشرها بإذن المؤلف وباتفاق معه، وحق المؤلف أو الناشر حينئذٍ يتجلى في المطالبة بما يحقق الكتاب من أرباح بنسبة مئوية بحسب الاتفاقات أو الأعراف الشائعة التي تُعرَفُ من مجموع اتفاقات المؤلفين والناشرين.","part":4,"page":387},{"id":2483,"text":"والخلاصة: إن البرَّ : ما اطمأنت إليه النفس واطمأن إليه القلب، والإثم: ما حاك في الصدر وكرهت أن يطلع عليه الناس. ولاشك أن حق المؤلف أصبح معترفاً به في القوانين والأعراف، وأن الطبع أو التصوير بغير حق عدوان وظلم على حق المؤلف، وأن فاعل ذلك يتهرب عادة من المسؤولية، ولايجرؤ على الاعتراف بفعله الآثم، مما يدل على أن عمله ظلم موجب لتعويض صاحب الحق، والمسلم أولى الناس برعاية الحقوق والوفاء بالذمم والعهود، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.\r3 - استعمال الحق بوجه مشروع: على الإنسان أن يستعمل حقه وفقاً لما أمر به الشرع وأذن به. فليس له ممارسة حقه على نحو يترتب علىه الإضرار بالغير، فرداً أو جماعةً، سواء أقصد الإضرار أم لا. وليس له إتلاف شيء من أمواله أو تبذيره لأن ذلك غير مشروع.\rفحق الملكية يبيح للإنسان أن يبني في ملكه ما يشاء وكيف يشاء، لكن ليس له أن يبني بناء يمنع عن جاره الضوء والهواء، ولا أن يفتح في بنائه نافذة تطل على نساء جاره، لإضراره بالجار.\rواستعمال الإنسان حقه على وجه يضر به أو بغيره هو ما يعرف بالتعسف في استعمال الحق عند فقهاء القانون الوضعي.\rفإن مارس الإنسان ما ليس حقاً له فلا يسمى تعسفاً وإنما هو اعتداء على حق الغير، فالمستأجر الذي ينتفع بالدار على وجه يضر بها يعد متعسفاً، أما الغاصب فإنه يعد متعدياً.\rوتجاوز الحكام والموظفين حدود الشريعة وحدود صلاحياتهم كاغتصاب بعض الأموال، وجباية ضرائب ظالمة لا يعد تعسفاً في استعمال الحق، وإنما هو استعمال لغير الحق أو تجاوز عن الحق، المستوجب التأديب أو التعزير، فقد عزل عمر عمار بن ياسر عن ولاية الكوفة والمغيرة بن شعبة عن ولاية البصرة لما شكا إليه أهل الولايتين. وأنشأ عبد الملك بن مروان ولاية المظالم (كمجلس الدولة الآن) لمحاسبة الولاة والجباة وموظفي الدولة إذا ظلموا أحداً من الناس، أوتجاوزوا حدود سلطتهم أو صلاحيتهم.","part":4,"page":388},{"id":2484,"text":"أدلة حرمة التعسف: هناك أدلة كثيرة على تحريم التعسف منها ما يأتي: 1 - قال تعالى: {وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن، فأمسكوهن بمعروف، أو سرحوهن بمعروف، ولا تمسكوهن ضِراراً لتعتدوا} [البقرة:231/2] نهى الشرع عن استعمال حق المراجعة بقصد الإضرار، كما كان يفعل في الجاهلية حيث يطلق الرجل زوجته، ثم إذا قاربت عدتها على الانتهاء راجعها، ثم طلقها، فنهى الشرع عنه، والنهي يفيد التحريم، فيكون التعسف حراماً.\r2 - قال تعالى بعد بيان أنصباء الورثة: {من بعد وصية يُوصى بها أو دين، غير مضار، وصيةً من الله } [النساء:12/4] نهى الله تعالى عن الوصية الضارة بالورثة كالوصية لوارث أو بأكثر من الثلث، والنهي للتحريم، فيكون التعسف حراماً.\r3 - قال عز وجل: {ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياماً وارزقوهم فيها واكسوهم} [النساء:5/4] فقد أمر الله بالحجر على السفيه الذي يبذر ماله، إذ إنه تعسف في استعمال حق الإنفاق، فيكون التعسف ممنوعاً مستحقاً التأديب والحجر.\r4 - حديث السفينة في التضامن بإزالة المنكر (1) : أمر الرسول صلّى الله عليه وسلم بمنع من في أسفل السفينة من خرقها، لما فيه من الضرر، وهو هلاك الجميع، ففعلهم يكون تعسفاً حراماً.\r-------------------------------\r(1) أخرج البخاري عن النعمان بن بشير أنه صلّى الله عليه وسلم قال: «مثَل القائم في حدود الله والواقع فيها، كمثل قوم استهموا على سفينة، فأصاب بعضهم أعلاها، وبعضهم أسفلها، وكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم، فقالوا: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقاً ولم نؤذ من فوقنا؟ فإن تركوهم وما أرادوا. هلكوا جميعاً، وإن أخذوا على أيديهم نجوا، ونجوا جميعاً» .","part":4,"page":389},{"id":2485,"text":"السبب في تحريم التعسف: هناك سببان في تحريم التعسف وهما:\rأولاً ـ ليس لصاحب الحق حرية مطلقة في ممارسته، وإما هو مقيد بعدم الإضرار بالغير، للنصوص الشرعية التي تمنع الإضرار بالغير وتحريم الاحتكار وبيع مال المحتكر جبراً عنه عند الحاجة، وتحريم العدوان على الدماء والأموال والأعراض، سواء أكان الضرر ناشئاً عن استعمال حق مشروع أم عند اعتداء محض.\rثانياً ـ نزعة الحقوق الجماعية: فلا تقتصر المصلحة المستفادة من الحق الخاص المالي على صاحبه فقط، وإنما تعود على المجتمع أيضاً؛ لأن ثروته جزء من ثروة الأمة التي يجب أن تبقى قوية استعداداً للطوارئ. بل إن للمجتمع في الظروف العادية نصيباً مفروضاً في المال الخاص عن طريق الزكاة والخراج والكفارات وصدقة الفطر وغيرها، ونصيباً مندوباً إليه عن طريق الصدقات والوصايا والأوقاف وسائر وجوه الخير والبر. وهذا ما يعبر عنه اليوم باشتراكية الحقوق.\rوإذا كان للمجتمع حق في مال الأفراد، فيجب ألا يتصرف الفرد في ماله تصرفاً ضاراً؛ لأن ذلك يعد اعتداءً على حق المجتمع، واعتداءً على نفسه.","part":4,"page":390},{"id":2486,"text":"قواعد منع التعسف في استعمال الحق :\rالقاعدة الأولى ـ قصد الإضرار: إذا قصد الإنسان من استعمال حقه الإضرار لا المصلحة المنشودة من الحق، كان استعماله تعسفاً محرماً، ووجب منعه. والدليل على ذلك تحريم الرجعة إضراراً بالزوجة، والوصية إضراراً بالورثة والدائنين، وسفر الزوج بزوجته بعيداً عن بلدها وأهلها إضراراً بها. ورفع الدعوى على الفضلاء بالتهم الباطلة للتشهير بهم. وإقرار مريض الموت بالدين لحرمان الورثة أو الدائنين. وطلاق مريض الموت زوجته فراراً من ميراثها. فكل ذلك تعسف حرام، وأساس هذه القاعدة هو قصد الضرر. ويترتب على التعسف في هذه الحالة ثلاثة أمور: تأديب صاحب الحق المتعسف وتعزيره بما يراه القاضي رادعاً لأمثاله، وبطلان التصرف إذا كان قابلاً للإبطال، وتعويض الضرر من هذا التعسف. ويعرف قصد الضرر بالأدلة والقرائن.\rالقاعدة الثانية ـ قصد غرض غير مشروع: إذا قصد الشخص من استعمال حقه تحقيق غرض غير مشروع لا يتفق مع المصلحة المقصودة من الحق، وإنما يستتر وراء استعمال الحق المشروع، كاتخاذ عقد الزواج وسيلة لتحليل المطلقة ثلاثاً لزوجها الأول، ولا يقصد به الزواج الدائم، واتخاذ عقد البيع وسيلة للربا أو الفائدة، ومنه بيع العينة: وهو شراء شيء بثمن مؤجل ثم بيعه لنفس البائع الأول بثمن فوري أقل من الثمن الأول، قاصداً به الربا، فذلك كله تعسف حرام، لقوله عليه السلام: «لعن الله المحلل والمحلل له» (1) وقوله: «يأتي على الناس زمان يستحلون الربا بالبيع» (2) ولنهيه عليه السلام عن بيع العِينة صراحة (3) .\rومنه إسلام الزوجة غير المسلمة بقصد الإرث من زوجها، وهبة المال قبيل الحول بقصد إسقاط الزكاة الواجبة.\rوقد أخذت هذه القاعدة من مبدأ (سد الذرائع) وما يتفرغ عنه من بطلان الحيل المحرمة التي يقصد بها إباحة الحرام أو تحريم الحلال أو إسقاط الواجب.\r-------------------------------\r(1) رواه أحمد والنسائي والترمذي وصححه وأبو داود وابن ماجه عن ابن مسعود قال: « لعن رسول الله صلّى الله عليه وسلم المحلّل والمحلَّل له » ( نيل الأوطار: 138/6 ).\r(2) حديث مرسل، صالح للاعتضاد به بالاتفاق، وله من المسندات مايشهد له، وهي الأحاديث الدالة على تحريم العينة، استدل به الأوزاعي ورواه ( نيل الأوطار: 207/5).\r(3) رواه أحمد وأبو داود عن ابن عمر بلفظ « إذا ضن الناس بالدينار والدرهم، وتبايعوا بالعينة واتبعوا أذناب البقر، وتركوا الجهاد في سبيل الله، أنزل الله بهم بلاء، فلا يرفعه حتى يراجعوا دينهم» (نيل الأوطار: 206/5).","part":4,"page":391},{"id":2487,"text":"وأساس هذه القاعدة هو قصد الضرر أيضاً كالقاعدة الأولى، ويعرف ذلك بالأدلة والقرائن التي تعين القصد.\rالقاعدة الثالثة ـ ترتب ضرر أعظم من المصلحة: إذا استعمل الإنسان حقه بقصد تحقيق المصلحة المشروعة منه، ولكن ترتب على فعله ضرر يصيب غيره أعظم من المصلحة المقصودة منه، أو يساويها، منع من ذلك سداً للذرائع، سواء أكان الضرر الواقع عاماً يصيب الجماعة، أو خاصاً بشخص أو أشخاص. والدليل على المنع قول الرسول صلّى الله عليه وسلم : «لا ضرر ولا ضرار» (1) وعلى هذا فإن استعمال الحق يكون تعسفاً إذا ترتب عليه ضرر عام، وهو دائماً أشد من الضرر الخاص، أو ترتب عليه ضرر خاص أكثر من مصلحة صاحب الحق أو أشد من ضرر صاحب الحق أو مساو لضرر المستحق. أما إذا كان الضرر أقل أو متوهماً فلا يكون استعمال الحق تعسفاً.\rمن أمثلة الضرر العام بالأمة أو بالجماعة: الاحتكار: وهو شراء ما يحتاجه الناس وادخاره لبيعه وقت غلاء الأسعار وحاجة الناس إليه. وهو ممنوع للحديث النبوي: «الجالب مرزوق والمحتكر ملعون» «لا يحتكر إلا خاطئ » (2) .\rومنه تلقي الركبان: وهو تلقي التاجر للوافدين من الريف إلى المدينة لبيع محاصيلهم، وشراؤها بثمن أقل من السعر القائم، وبيعها لأهل المدينة بثمن مرتفع. وهذا حرام لأن النبي صلّى الله عليه وسلم نهى عن تلقي الركبان (3) .\r-------------------------------\r(1) حديث حسن رواه ابن ماجه والدارقطني وغيرهما مسنداً عن أبي سعيد الخدري، ورواه مالك مرسلاً عن عمرو بن يحيى عن أبيه.\r(2) الحديث الأول ضعيف رواه ابن ماجه عن عمر، والحديث الثاني صحيح رواه أحمد ومسلم وأبو داود عن معمر بن عبد الله العدوي (نيل الأوطار: 220/5).\r(3) متفق عليه بين أحمد والشيخين عن ابن مسعود بلفظ « نهى النبي عن تلقي البيوع» ولفظ البخاري عن ابن عباس «لا تلقوا الركبان» (نيل الأوطار: 166/5، سبل السلام: 20/3-21).","part":4,"page":392},{"id":2488,"text":"ومنه بيع السلاح أثناء الفتنة، وبيعه لقطاع الطرق، وبيع العنب للخمار، وبيع السلع بأكثر من ضعف القيمة، فذلك يضر الجماعة، فيمنع التاجر منه، ولولي الأمر عند الحنفية والمالكية تسعير السلع بالربح المعقول. فإن أبوا من ذلك بيعت السلع جبراً عنهم.\rكذلك لولي الأمر منع الناس من زراعة المخدرات، وزراعة أشياء لا تحتاج إليها الأمة أو تحتاج إلى غيرها.\rومثال الضرر الخاص الأشد: فتح نافذة في بناء تطل على مقر نساء الجار إلا إذا كانت أعلى من مستوى النظر. وقد منع الرسول عليه السلام سمرة بن جندب من دخول بستان لأحد الأنصار لتفقد نخله بسبب تأذي الأنصاري من دخوله (1) ؛ لأن الضرر في الدخول كان أشد من عدم تفقد صاحب النخل نخله.\rومثال الضرر الخاص المساوي للمصلحة: أن يفعل مالك الدار فيها شيئاً يتضرر به جيرانه. رأى أبو حنيفة منعه من ذلك دفعاً للضرر الذي يصيب غيره، والضرر يجب رفعه لقوله عليه السلام: «لا ضرر ولا ضرار» .\r-------------------------------\r(1) رواه مسلم ومالك وأحمد وابن ماجه (شرح مسلم: 47/11).","part":4,"page":393},{"id":2489,"text":"وقال أبو يوسف ومحمد: لا يمنع صاحب الحق حينئذ من استعمال حقه مراعاة لحق المالك، لتساويهما في الضرر، فيرجح حق المالك عملاً بما يبيحه له ملكه من استعمال وانتفاع.\rومثال الضرر القليل: بناء جدار أو غرس شجر في أرضه، مما يترتب عليه حجب الهواء عن جاره، لا يمنع منه المالك ولا يكون تعسفاً؛ إذ لا بد من مثل هذا الضرر القليل عادة أثناء الانتفاع بالحق.\rومثال الضرر الموهوم: كثرة إنجاب النسل الذي قد يترتب عليه ضائقة اقتصادية، لا يمنع منه الإنسان؛ لأن الضرر هنا متوهم؛ فالله تعالى أودع في الأرض من الكنوز والموارد ما يكفي حاجة الإنسان إذا استخدمت الأيدي العاملة والعقول المفكرة، وتمت مراقبة الله وتقواه في هذه الموارد، كما قال تعالى: {ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض، ولكن كذبوا، فأخذناهم بما كانوا يكسبون} [الأعراف:96/7]. وقال سبحانه في شأن أهل الكتاب: {ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليهم من ربهم، لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم، منهم أمة مقتصدة، وكثير منهم ساء ما يعملون} [المائدة:66/5].\rوأساس هذه القاعدة: هو مقدار الضرر الناشئ عن استعمال الحق.\rالقاعدة الرابعة ـ الاستعمال غير المعتاد وترتب ضرر للغير: إذا استعمل الإنسان حقه على نحو غير معتاد في عرف الناس، ثم ترتب عليه ضرر للغير، كان متعسفاً، كرفع صوت المذياع المزعج للجيران والتأذي به، واستئجار دار، ثم ترك الماء في جدرانها وقتاً طويلاً، أو استئجار سيارة ثم يحملها أكثر من حمولتها، أودابة ثم يضربها ضرباً قاسياً أو يحملها ما لا تطيق.\rففي كل ذلك يعتبر متعسفاً، فيمنع من تعسفه، ويعوض المتضرر عما أصابه من ضرر.","part":4,"page":394},{"id":2490,"text":"كذلك يمنع من استعمال حقه، إذا استعمل حقه استعمالاً غير معتاد، ولم يترتب عليه ضرر ظاهر؛ لأن الاستعمال على هذا النحو لا يخلو من ضرر، وعدم ظهور الضرر لا يمنع من وجوده في الواقع، وإن كان يمنع من الحكم عليه بالتعويض لعدم وضوح الضرر، فإن كان الاستعمال معتاداً مألوفاً، ووقع الضرر فلا يعد تعسفاً، ولا يترتب على ذلك ضمان، كالطبيب الجراح الذي يجري عملية جراحية معتادة، ويموت المريض، فلا يضمن. ومثله من يوقد فرناً يتأذى الجيران بدخانه، أو يدير آلة يتضرر الجيران بصوتها المعتاد، فلا ضمان؛ لأن كل ذلك معتاد مألوف.\rوبناء عليه: من يشعل ناراً في أرضه، فطار منها شرر أحرق شيئاً لجاره، إن كان ذلك في أحوال عادية فلا ضمان عليه. وإن كان ذلك في وقت هبوب الرياح واشتدادها، فعليه الضمان.\rوكذلك سقاية الأرض، إن كان سقياً عادياً، فتسرب الماء إلى أرض الجار، فلا ضمان ، وإن كان سقياً غير عادي بماء لا تحتمله الأرض عادة، فعليه ضمان الضرر اللاحق بالغير (1) .\rوالمقياس في ذلك هو العرف الذي يحدد كون التصرف معتاداً أو غير معتاد. وعليه تطبق أحكام التعامل مع الخباز والكواء إذا أحرق ما سلِّم له، يضمن إذا تصرف تصرفاً غير معتاد بزيادة وقود النار، وحرارة الكهرباء.\rالقاعدة الخامسة ـ استعمال الحق مع الإهمال أو الخطأ: إذا استعمل الإنسان حقه على وجه ليس فيه احتياط واحتراس وتثبت، فأضر بالغير، وهذا ما يعرف بالخطأ، كان متعسفاً أو مسؤولاً مسؤولية تقصيرية.\rسواء أكان خطأ في القصد، كما إذا رأى الصياد شبحاً من بعيد، فظنه صيداً، فأطلق عليه النار، فإذا هو إنسان.\rأو كان خطأ في الفعل، كما إذا سدد الصائد الرمية على صيد، فانحرفت وأصابت إنساناً، أو تجاوزت الصيد إلى إنسان فقتلته.\r-------------------------------\r(1) الهداية: 197/3، المهذب: 401/1.","part":4,"page":395},{"id":2491,"text":"فذلك كله إساءة في استعمال الحق يترتب عليه تعويض الضرر الذي أصاب الغير؛ لأنه كان يجب عليه التثبت والانتباه أو الاحتراس في كل من القصد والفعل، فإذا قصد في ذلك تحمل نتيجة فعله صوناً لدماء الناس وأموالهم.\rوالدليل أن الله تعالى أوجب تعويض الضرر في القتل الخطأ بالدية، ومنع النبي من الضرر في الحديث المتقدم: «لا ضرر ولا ضرار» ولا سبيل إلى رفع الضرر بعد وقوعه إلا بإيجاب الضمان أو التعويض.\rومجال هذه القاعدة هو الضرر الناشئ عن الخطأ في استعمال الحق، سواء أكان هذا الحق ثابتاً بإذن الشارع، أم بالعقد أم بغيرهما من مصادر الحق؛ لأن استعمال الحقوق مقيد بشرط السلامة كما يقرر الفقهاء (1) ، ولأن أموال الناس ودماءهم معصومة لا تهدر بحال، فيجب ضمانها وتعويض الضرر الواقع عليها.\rوأساس هذه القاعدة حصول الضرر، سواء أكان قليلاً أم كثيراً.\rولا تطبق هذه القاعدة في حالتين:\rالأولى ـ إذا كان استعمال الحق لايمكن فيه الاحتراز أو التثبت عادة، كالطبيب الذي يجري عملية جراحية على النحو المعتاد، فأفضى ذلك إلى تلف عضو أو نفس، لا يكون ضامناً.\rالثانية ـ إذا اتخذ الشخص الاحتياطات، ومع ذلك وقع الضرر، فلا يضمنه كما إذا قام إنسان بالتدرب على إطلاق النار في ملكه، ووضع لافتات على أرضه بعدم الدخول، فلا ضمان عليه إذا أصاب أحداً دخل أرضه. كما لاضمان على من سلك طريقاً مخوفاً أو فيه سباع فوجد مقتولاً، لا تجب ديته (2) .\rومن تطبيقات هذه القاعدة:\rحوادث السير بدون قصد من قتل وإتلاف مال، وما يترتب على ممارسة حق التأديب للزوج والمعلم والأب والحاكم من إتلافات غير مقصودة. وحالات تجاوز حدود الدفاع الشرعي من الأخف إلى الأثقل، واستهلاك الأموال على الظن أنها مال الشخص، فكل ذلك يوجب تعويض الضرر.\r-------------------------------\r(1) الهداية: 154/4 ومابعدها.\r(2) الهداية: 181/4.","part":4,"page":396},{"id":2492,"text":"آثار أو أحكام التعسف :\rالتعسف في استعمال الحق يندرج تحت ( الفعل الضار ) أحد مصادر الحق. أما ما ينشأ عن التعسف من حقوق أو آثار وأحكام فهي ما يأتي:\r1 - إزالة الضرر عيناً كهدم البناء الذي بناه المالك ملاصقاً لجاره، فسد عليه النور والهواء، وسد النافذة التي فتحها المالك، وكانت تطل على نساء جاره.\r2 - التعويض عن الضرر إذا كان تلف نفس أو عضو أو مال.\r3 - إبطال التصرف كإبطال زواج التحليل وبيع العينة والوصية الضارة بالورثة.\r4 - المنع من ممارسة الحق كمنع الزوج من السفر بزوجته إذا قصد بالسفر إيذاءها.\r5 - التعزير كالدعاوى المرفوعة على الشرفاء للتشهير بهم.\r6 - الإجبار على الفعل كإجبار التجار على البيع بسعر معين، وإجبار العمال على العمل بأجر المثل.\r4 - نقل الحق :\rيجوز انتقال الحق بسبب ناقل له، سواء أكان الحق مالياً كحق الملكية في المبيع، فإنه ينتقل من البائع للمشتري بسبب عقد البيع، وحق الدين، فإنه ينتقل من ذمة الدائن إلى تركته بسبب الوفاة، أم كان الحق غير مالي كحق الولاية على الصغير، فإنه ينتقل من الأب إلى الجد بسبب وفاة الأب، وحق الحضانة، فإنه ينتقل من الأم إلى الجدة لأم إذا تزوجت الأم بغير محرم من الصغير.\rوأسباب انتقال الحق كثيرة منها: العقد، ومنها الالتزام الذي يتم من جانب واحد، ومنها الوفاة، ومنها حوالة الدين من مدين إلى مدين آخر. وهي نوع من العقد لا خلاف في مشروعيته بين الفقهاء. ومنها حوالة الحق من دائن إلى دائن كأن يحيل البائع دائنه على المشتري بالثمن، ويحيل المرتهن على الراهن بالدين، وتحيل الزوجة على زوجها بالمهر، وهي جائزة على التحقيق عند فقهاء المذاهب، حتى عند الحنفية في نطاق ما يسمى عندهم بالحوالة المقيدة: وهي أن يحيل شخص غيره بالدين الذي له على المحال عليه.\r5 - انقضاء الحق :\rينتهي الحق بسبب من الأسباب المقررة شرعاً لانتهائه، وهو يختلف بحسب نوع الحق، فحق الزواج ينتهى بالطلاق، وحق الابن في النفقة على أبيه ينتهي بقدرته على الكسب، وحق الملكية ينتهي بالبيع، وحق الانتفاع ينتهي بفسخ عقد الإجارة أو انتهاء المدة، أو بانفساخ العقد بالأعذار أو الظروف الطارئة كانهدام المنزل، وحق الدين ينتهي بالأداء أو بالمقاصة أو بالإبراء: وهو إسقاط صاحب الحق حقه ممن هو عليه. وتفاصيل ذلك تعرف في بحث نظرية العقد.","part":4,"page":397},{"id":2493,"text":"الفَصْلُ الثَّاني: الأموَال\rالمال بطبيعته محل الملكية إلا إذا وجد مانع من الموانع، وهو في الغالب محل المعاملات المدنية كالبيع والإيجار والشركة والوصية ونحوها. وهو أيضاً عنصر ضروري من ضرورات الحياة أو المعيشة التي لا غنى عنها للإنسان.\rلذا سأذكر تعريف المال وأقسامه ومايقبل التملك منه ومالا يقبل، ثم أبين تعريف الملك وأقسامه وخصائص كل قسم.\rالمبحث الأول ــ تعريف المال وإرثه :\rتعريف المال ــ المال في اللغة: كل مايقتنى ويحوزه الإنسان بالفعل سواء أكان عيناً أم منفعة، كذهب أو فضة أو حيوان أو نبات أو منافع الشيء كالركوب واللبس والسكنى. أما مالا يحوزه الإنسان فلا يسمى مالاً في اللغة كالطير في الهواء والسمك في الماء والأشجار في الغابات والمعادن في باطن الأرض.\rوأما في اصطلاح الفقهاء ففي تحديد معناه رأيان:\rأولاً ـ عند الحنفية: المال: هو كل ما يمكن حيازته وإحرازه وينتفع به عادة، أي أن المالية تتطلب توفر عنصرين:\r1 - إمكان الحيازة والإحراز: فلا يعد مالاً: ما لايمكن حيازته كالأمور المعنوية مثل العلم","part":4,"page":398},{"id":2494,"text":"والصحة والشرف والذكاء، وما لا يمكن السيطرة عليه كالهواء الطلق (1) وحرارة الشمس وضوء القمر.\r2 - إمكان الانتفاع به عادة: فكل ما لا يمكن الانتفاع به أصلاً كلحم الميتة والطعام المسموم أو الفاسد، أو ينتفع به انتفاعاً لا يعتد به عادة عند الناس كحبة قمح أو قطرة ماء أو حفنة تراب، لا يعد مالاً، لأنه لا ينتفع به وحده. والعادة تتطلب معنى الاستمرار بالانتفاع بالشيء في الأحوال العادية، أما الانتفاع بالشيء حال الضرورة كأكل لحم الميتة عند الجوع الشديد (المخمصة) فلا يجعل الشيء مالاً، لأن ذلك ظرف استثنائي.\rوتثبت المالية بتمول الناس كلهم أو بعضهم (2) ، فالخمر أو الخنزير مال لانتفاع غير المسلمين بهما. وإذا ترك بعض الناس تمول مال كالثياب القديمة فلا تزول عنه صفة المالية إلا إذا ترك كل الناس تموله.\rوقد ورد تعريف المال في المادة (621) من المجلة نقلاً عن ابن عابدين الحنفي (3) وهو: «المال: هو ما يميل إليه طبع الإنسان، ويمكن ادخاره إلى وقت الحاجة، منقولاً كان أو غير منقول» .\rولكنه تعريف منتقد؛ لأنه ناقص غير شامل، فالخضروات والفواكه تعتبر مالاً، وإن لم تدخر لتسرع الفساد إليها. وهو أيضاً بتحكيم الطبع فيه قلق غير مستقر؛ لأن بعض الأموال كالأدوية المرة والسموم تنفر منها الطباع على الرغم من أنها مال. وكذلك المباحات الطبيعية قبل إحرازها من صيود ووحوش وأشجار في الغابات تعد أموالاً ولو قبل إحرازها أو تملكها.\rثانياً ـ وأما المال عند جمهور الفقهاء غير الحنفية: فهو كل ما له قيمة يلزم متلفه بضمانه (1) . وهذا المعنى هو المأخوذ به قانوناً، فالمال في القانون وهو كل ذي قيمة مالية.\rالأشياء غير المادية ـ الحقوق والمنافع :\r-------------------------------\r(1) أما الهواء المضغوط المعبأ في زجاجات فهو مال محرز.\r(2) البحر الرائق: 227/2، رد المحتارلابن عابدين: 3/4.\r(3) رد المحتار: 3/4.","part":4,"page":399},{"id":2495,"text":"حصر الحنفية معنى المال في الأشياء أو الأعيان المادية أي التي لها مادة وجِرم محسوس. وأما المنافع والحقوق فليست أموالاً عندهم وإنما هي ملك لا مال. وغير الحنفية اعتبروها أموالاً؛ لأن المقصود من الأشياء منافعها لا ذواتها، وهذا هو الرأي الصحيح المعمول به في القانون وفي عرف الناس ومعاملاتهم، ويجري عليها الإحراز والحيازة.\rوالمقصود بالمنفعة: هو الفائدة الناتجة من الأعيان، كسكنى الدار، وركوب السيارة، ولبس الثوب ونحو ذلك.\rوأما الحق: فهو ما يقرره الشرع لشخص من اختصاص يؤهله لممارسة سلطة معينة أو تكليف بشيء. فهو قد يتعلق بالمال كحق الملكية وحق الارتفاق بالعقار المجاور من مرور أو شرب أو تعلي، وقد لا يتعلق بالمال كحق الحضانة، والولاية على نفس القاصر.\rوالمنافع، والحقوق المتعلقة بالمال، والحقوق المحضة كحق المدعي في تحليف خصمه اليمين ليست أموالاً عند الحنفية، لعدم إمكان حيازتها بذاتها، وإذا وجدت فلا بقاء ولا استمرار لها، لأنها معنوية، وتنتهي شيئاً فشيئاً تدريجياً.\rوقال جمهور الفقهاء غير الحنفية: إنها تعتبر مالاً، لإمكان حيازتها بحيازة أصلها ومصدرها، ولأنها هي المقصودة من الأعيان، ولولاها ما طلبت، ولا رغب الناس بها.\r-------------------------------\r(1) قال الإمام الشافعي رضي الله عنه: لايقع اسم مال إلا على ماله قيمة يباع بها ويلزم متلفه، وإن قلت، ومالا يطرحه الناس مثل الفلس وما أشبه ذلك ( راجع الأشباه والنظائر للسيوطي، ص258، ط مصطفى محمد ).","part":4,"page":400},{"id":2496,"text":"ويترتب على هذا الخلاف بعض النتائج أو الثمرات في الغصب والميراث والإجارة. فمن غصب شيئاً وانتفع به مدة، ثم رده إلى صاحبه، فإنه يضمن قيمة المنفعة عند غير الحنفية، وعند الحنفية: لا ضمان عليه إلا إذا كان المغصوب شيئاً موقوفاً، أو مملوكاً ليتيم، أو معداً للاستغلال كعقار معد للإيجار كفندق أو مطعم؛ لأن هذه الأملاك بحاجة شديدة للحفظ ومنع العدوان عليها. وهذا المعنى في الواقع موجود في كل المنافع، فينبغي الإفتاء بالضمان في كل المغصوبات.\rوالإجارة تنتهي بموت المستأجر عند الحنفية؛ لأن المنفعة ليست مالاً حتى تورث، وغير الحنفية يقولون: لا تنتهي الإجارة بموت المستأجر وتظل باقية حتى تنتهي مدتها.\rوالحقوق لا تورث عند الحنفية كالحق في خيار الشرط أو خيار الرؤية. وتورث عند غير الحنفية.\rالمبحث الثاني ـ أقسام المال :\rقسم الفقهاء المال عدة تقسيمات يترتب عليها أحكام مختلفة بحسب كل قسم، وأكتفي ببيان أربعة تقسيمات، أوضحها القانون المدني:\r1 - باعتبار إباحة الانتفاع وحرمته إلى: متقوم وغير متقوم.\r2 - باعتبار استقراره في محله وعدم استقراره إلى: عقارٍ ومنقول.\r3 - باعتبار تماثل أحاده أو أجزائه وعدم تماثلها إلى: مثلي وقيمي.\r4 - باعتبار بقاء عينه بالاستعمال وعدم بقائه إلى: استهلاكي واستعمالي.","part":4,"page":401},{"id":2497,"text":"المطلب الأول ـ المال المتقوم وغير المتقوم :\rالمال المتقوم: كل ما كان محرزاً بالفعل، وأباح الشرع الانتفاع به كأنواع العقارات والمنقولات والمطعومات ونحوها.\rوغير المتقوم: ما لم يحرز بالفعل، أو ما لا يباح الانتفاع به شرعاً إلا في حالة الاضطرار (1) ، مثال الأول: السمك في الماء والطير في الهواء والمعادن في باطن الأرض ونحوها من المباحات كالصيد والحشيش فهي غير متقومة عرفاً. ومثال الثاني: الخمر والخنزير بالنسبة للمسلم غير متقومين شرعاً، فلا يباح للمسلم الانتفاع بهما إلا عند الضرورة وبقدر الضرورة كدفع خطر جوع شديد أو عطش شديد يخشى معه الهلاك، ولا يجد الإنسان شيئاً آخر سواهما، فيباح له الانتفاع بأحدهما بقدر ما يدفع الهلاك عن نفسه.\rأما بالنسبة لغير المسلم فهما من الأموال المتقومة عند فقهاء الحنفية؛ لأننا أمرنا بتركهم وما يدينون. فلو أتلفهما مسلم أو غير مسلم وجب عليه ضمانهما. وقال غير الحنفية: لا يعتبران مالاً متقوماً؛ لأن غير المسلمين المقيمين في بلادنا ملزمون بأحكام المعاملات الإسلامية، فلهم ما للمسلمين، وعليهم ما عليهم.\rوتظهر فائدة هذا التقسيم في موضعين :\rالأول ـ صحة التعاقد عليه وعدمها: فالمتقوم يصح أن يكون محلاً لجميع العقود التي ترد على المال كالبيع والإيجار والهبة والإعارة والرهن والوصية والشركة ونحوها. وغير المتقوم: لا يصح التعاقد عليه بشيء من تلك العقود، فيعد بيع المسلم خمراً أو خنزيراً بيعاً باطلاً، ولو اشترى المسلم بخمر أو خنزير كان الشراء فاسداً، وسبب التفرقة بين الحالتين أن المبيع هو المقصود الأصلي من البيع، فتقومه شرط انعقاد. وأما الثمن فهو وسيلة لا يقصد لذاته، فتقومه شرط صحة.\r-------------------------------\r(1) راجع المادة (127) من المجلة، الدر المختار: 111/4 ومابعدها.","part":4,"page":402},{"id":2498,"text":"الثاني ـ الضمان عند الإتلاف: إذا أتلف إنسان مالاً متقوماً لغيره وجب عليه ضمان مثله إن كان مثلياً، أو قيمته إن كان قيمياً. أما غير المتقو م فلا يضمن بالإتلاف إذا كان لمسلم. فلو أراق أحد خمراً لمسلم أو قتل خنزيراً له، لا يضمنه. أما لو أتلفه أحد لذمي (أي غير مسلم مقيم في دار الإسلام) ضمن له قيمته عند الحنفية، لأنه مال متقوم عندهم، كما تقدم.\rالتقوم وعدمه عند القانونيين :\rيختلف معنى التقوم وعدمه بين الشرعيين والقانونيين، فهو عند الشرعيين كما عرفنا: ما يباح الانتفاع بها، شرعاً، أو ما لا يباح ذلك.\rوأما عند القانونيين: فالتقوم: ما كان ذا قيمة بين الناس. وعدم التقوم: هو خروج الأشياء عن التعامل بطبيعتها أو بحكم القانون. فالأولى هي التي يشترك كل الناس في الانتفاع بها، ولا يستطيع أحد أن يستأثر بحيازتها، كالهواء والبحار وأشعة الشمس. والثانية: هي الأشياء الخارجة عن التعامل بحكم القانون كالمخدرات الممنوعة والمواد الحربية المتفجرة، وكل الأشياء المملوكة للدولة أو للأشخاص الاعتبارية العامة أو المخصصة للنفع العام بالفعل. وقد أخذت فكرة التقوم وعدمه من مفهوم المادة (38) من القانون المدني التي تنص على ما يأتي:\r1 - كل شيء غير خارج عن التعامل بطبيعته أو بحكم القانون يصح أن يكون محلاً للحقوق المالية.\r2 - والأشياء التي تخرج عن التعامل بطبيعتها هي التي لا يستطيع أحد أن يستأثر بحيازتها، وأما الخارجة بحكم القانون فهي التي لا يجيز القانون أن تكون محلاً للحقوق المالية.\rيتبين من ذلك أن فكرة التقوم وعدمه تنبني في القانون على جواز التعامل في الشيء وعدم جوازه قانوناً. فالخمر مثلاً يجوز التعامل بها في القانون ولا يجوز التعامل بها في الشرع.","part":4,"page":403},{"id":2499,"text":"المطلب الثاني ـ العقار والمنقول :\rللفقهاء اصطلاحان في بيان المقصود من العقار والمنقول، أحدهما للحنفية، والآخر للمالكية.\rرأي الحنفية ـ المنقول: هو ما يمكن نقله وتحويله من مكان إلى آخر، سواء أبقي على صورته وهيئته الأولى، أم تغيرت صورته وهيئته بالنقل والتحويل ويشمل النقود والعروض التجارية وأنواع الحيوان والمكيلات والموزونات (1) .\rوالعقار: هو الثابت الذي لا يمكن نقله وتحويله أصلاً من مكان إلى آخر كالدور والأراضي (2) .\rويلاحظ أن البناء والشجر والزرع في الأرض لا تعد عقاراً عند الحنفية إلا تبعاً للأرض، فلو بيعت الأرض المبنية أو المشجرة أو المزروعة طبقت أحكام العقار على ما يتبع الأرض من البناء ونحوه. أما لو بيع البناء وحده أو الشجر وحده من غير الأرض فلا يطبق عليهما حكم العقار. فالعقار عند الحنفية لا يشمل إلا الأرض خاصة. والمنقول يشمل ما عداها (3) .\rرأي المالكية ـ ضيق المالكية من دائرة المنقول ووسعوا في معنى العقار فقالوا: المنقول: هو ما أمكن نقله وتحويله من مكان إلى آخر مع بقائه على هيئته وصورته الأولى كالملابس والكتب والسيارات ونحوها. والعقار عندهم: هو ما لا يمكن نقله وتحويله أصلاً كالأرض، أو أمكن تحويله ونقله مع تغيير صورته وهيئته عند النقل والتحويل كالبناء والشجر. فالبناء بعد هدمه يصير أنقاضاً ، والشجر يصبح أخشاباً (4) .\rوهذا الرأي هو المتفق مع القانون المدني السوري، كما نصت المادة 48/1: «كل شيء مستقر بحيزه ثابت فيه، لا يمكن نقله منه، دون تلف، فهو عقار، وكل ماعدا ذلك من شيء فهو منقول» .\r-------------------------------\r(1) م128 من مجلة الأحكام العدلية.\r(2) م129 من المجلة.\r(3) رد المحتار: 408/3.\r(4) بداية المجتهد: 254/2.","part":4,"page":404},{"id":2500,"text":"لكن توسع القانون في معنى العقار في الفقرة الثانية من هذه المادة، فأدخل فيه المنقولات التي يضعها صاحبها في عقار يملكه لخدمة هذا العقار أو استثماره، حتى السماد والسمك، وسماها (عقاراً بالتخصيص ) وهذا سائغ في مذهب المالكية. وأدخل فيه أيضاً في المادة (85) الحقوق العينية المترتبة على العقار كحقوق الارتفاق والتأمينات، حتى الدعوى المتعلقة بحق عيني على عقار. واعتبار هذه الدعوى عقاراً فيه إغراق في تصور معنى العقار.\rهذا وقد يتحول المنقول إلى عقار وبالعكس، مثال الأول: الأبواب والأقفال وتمديدات الماء والكهرباء تصبح عقاراً باتصالها بالعقار على نحو ثابت. ومثال الثاني: أنقاض البناء وكل ما يستخرج من الأرض من معادن وأحجار وتراب، تصبح منقولاً بمجرد فصلها عن الأرض.\rوتظهر فائدة تقسيم المال إلى عقار ومنقول في طائفة من الأحكام الفقهية التالية:\r1 - الشفعة (1) : تثبت في المبيع العقار (2) ، ولا تثبت في المنقول، إذا بيع مستقلاً عن العقار، فإن بيع المنقول تبعاً للعقار ثبت فيهما الشفعة.\rوكذلك بيع الوفاء (3) : يختص بالعقار دون المنقول.\r2 - الوقف: لا يصح عند الحنفية خلافاً لجمهور الفقهاء إلا في العقار. أما المنقول فلا يصح وقفه إلا تبعاً للعقار كوقف أرض وما عليها من آلات وحيوان، أو ورد بصحة وقفه أثر عن السلف كوقف الخيل والسلاح، أو جرى العرف بوقفه كوقف المصاحف والكتب وأدوات الجنازة. ويصح عند غير الحنفية وقف العقار والمنقول على السواء (4) .\r-------------------------------\r(1) الشفعة: حق تملك العقار المبيع جبراً عن المشتري، بما قام عليه من ثمن وتكاليف مثل رسم التسجيل وأجرة السمسار ونحوهما. وتثبت عند الحنفية للشريك والجار، وعند غير الحنفية: تثبت للشريك فقط.\r(2) مختصر الطحاوي: ص120.\r(3) بيع الوفاء: هو أن يبيع المحتاج إلى النقود عقاراً بشرط أنه متى وفى الثمن استرد العقار (م 118 مجله).\r(4) الدر المختار ورد المحتار: 408/3-411، فتح القدير: 48/5 ومابعدها.","part":4,"page":405},{"id":2501,"text":"3 - بيع الوصي مال القاصر: ليس للوصي بيع عقار القاصر إلا بمسوغ شرعي كإيفاء دين أو دفع حاجة ضرورية أو تحقيق مصلحة راجحة. وقد أنيط ذلك بإذن القاضي في قانون الأحوال الشخصية؛ لأن بقاء عين العقار فيه حفاظ على مصلحة القاصر أكثر من حفظ ثمنه.\rأما المنقول: فله أن يبيعه متى رأى مصلحة في ذلك.\rوفي بيع مال المدين المحجوز عليه لوفاء دينه يبدأ أولاً ببيع المنقول، فإن لم يف ثمنه انتقل إلى العقار تحقيقاً لمصلحة المدين.\r4 - يجوز عند أبي حنيفة وأبي يوسف خلافاً لبقية الفقهاء بيع العقار قبل قبضه من المشتري، أما المنقول فلا يجوز بيعه قبل القبض أو التسليم؛ لأن المنقول عرضة للهلاك كثيراً بعكس العقار.\r5 - حقوق الجوار والارتفاق تتعلق بالعقار، دون المنقول.\r6 - لا يتصور غصب العقار عند أبي حنيفة وأبي يوسف، إذ لا يمكن نقله وتحويله، ويرى محمد وسائر الفقهاء إمكان غصب العقار، والرأي الأول أخذت به المجلة (م 509 وما بعدها).\rأما المنقول فيتصور غصبه باتفاق الفقهاء (1) .\r-------------------------------\r(1) وهناك أحكام قانونية تختلف بين العقار والمنقول: منها أن انتقال ملكية العقار لايتم إلا بالتسجيل، أما المنقول فلا حاجة في نقل ملكيته إلى التسجيل. ومنها أن الحيازة بسبب صحيح وبحسن نية في المنقول سند الملكية. أما العقار فإن حيازته ولو بسبب صحيح لاتثبت بها الملكية إلا بمضي خمس سنين (م927، 918).","part":4,"page":406},{"id":2502,"text":"المطلب الثالث ـ المال المثلي والقيمي :\rالمال المثلي : ما له مثل أو نظير في الأسواق من غير تفاوت في أجزائه أو وحداته تفاوتاً يعتد به في التعامل (1) . والأموال المثلية أربعة أنواع هي: المكيلات (كالقمح والشعير) والموزونات (كالقطن والحديد) والعدديات المتقاربة في الحجم كالجوز والبيض، وبعض أنواع الذرعيات (التي تباع بالذراع أو المتر ونحوهما): وهي التي تتساوى أجزاؤها دون فرق يعتد به كأثواب الجوخ والقطن والحرير، وألواح البلور، والأخشاب الجديدة. أما إن تفاوتت أجزاء المذروع كالنسيج غير المتماثل الأجزاء وكالأراضي، فيصبح مالاً قيمياً لا مثلياً. وكما يعد المعدود المتقارب من المحصولات الطبيعية من المال المثلي، كذلك يعد المعدود المتماثل من المصنوعات من مادة واحدة وشكل واحد مالاً مثلياً كأواني الأكل والشرب، والسيارات المتحدة النوع، وأدوات غيارها، والكتب الجديدة المطبوعة.\rوالمال القيمي : هو ما ليس له نظير أو مثل في السوق، أو له مثل ولكن مع التفاوت المعتد به بين وحداته في القيمة (2) ، مثل أفراد الحيوان والأراضي والأشجار والدور وأنواع السجاد والبسط والأحجار الكريمة كالماس والياقوت والكتب المخطوطة أو المستعملة.\rويدخل في المال القيمي: العدديات المتفاوتة القيمة في آحادها كالبطيخ والرمان عند اختلاف أحجامها وأنواعها.\rوقد ينقلب المال المثلي قيمياً وبالعكس ، وحالات انقلاب المثلي قيمياً أربعة هي:\r1 - الانقطاع من السوق: إذا انقطع وجود المال المثلي من الأسواق انقلب قيمياً.\r2 - الاختلاط: إذا اختلط مالان مثليان من جنسين مختلفين كحنطة وشعير، صار الخليط قيمياً.\r3 - التعرض للخطر: إذا تعرض المال المثلي للخطر كالحريق أو الغرق، صار له قيمة خاصة.\r4 - التعيب أو الاستعمال: إذا تعيب المال المثلي أو استعمل، صار له قيمة خاصة.\r-------------------------------\r(1) م145 من المجلة.\r(2) م146 من المجلة.","part":4,"page":407},{"id":2503,"text":"وانقلاب المال القيمي إلى مثلي يكون في حال الكثرة بعد الندرة، فإذا كان المال نادر الوجود في السوق، ثم أصبح كثير الوجود، صار مثلياً بعد أن كان له قيمة خاصة.\rويلاحظ أن المال المتقوم أعم من القيمي، فالمتقوم يشمل القيمي والمثلي.\rوتظهر فائدة التقسيم إلى مثلي وقيمي فيما يأتي :\r1 - الثبوت في الذمة (1) : يثبت المال المثلي ديناً في الذمة أي بأن يكون ثمناً في البيع، عن طريق تعيين جنسه وصفته. ويصح بالتالي وقوع المقاصة بين الأموال المثلية.\rأما القيمي: فلا يقبل الثبوت ديناً في الذمة، فلا يصح أن يكون ثمناً، ولا تجري المقاصة بين الأموال القيمية. وإذا تعلق الحق بمال قيمي كرأس غنم أو بقر، يجب أن يكون معيناً بذاته، متميزاً عن سواه، بالإشارة إليه منفرداً، لا مشاراً إليه بالوصف؛ لأن أفراد المال القيمي ولو من نوع واحد غير متماثلة، ولكل واحد منها صفة وقيمة معينة .\r2 - كيفية الضمان عند التعدي أو الإتلاف: إذا أتلف شخص مالاً مثلياً، مثل كمية من القمح أو السكر، وجب عليه ضمان مثله، حتى يكون التعويض على أكمل وجه، والمثل أقرب إلى الشيء المتلف صورة ومعنى، أي مالية. أما القيمي فيضمن المتعدي قيمته؛ لأنه يتعذر إيجاب مثله صورة، فيكتفى بإيجاب مثله معنى، أي من ناحية المالية، وهي القيمة.\r3 - القسمة الجبرية وأخذ النصيب: تدخل القسمة جبراً في المال المثلي المشترك، ولكل شريك أخذ نصيبه في غيبة الآخر دون إذنه. أما القيمي: فلا تدخل فيه القسمة الجبرية، ولا يجوز للشريك أخذ نصيبه في غيبة الآخر بدون إذنه؛ لأن القسمة فيها معنى الإفراز والمبادلة، فإذا كان المال مثلياً كانت جهة الإفراز هي الراجحة لتماثل أجزائه. وإذا كان قيمياً كانت جهة المبادلة هي الراجحة لعدم تماثل أجزائه، فكأنه أخذ بدل حقه لا عينه.\r-------------------------------\r(1) سأوضح قريباً معنى الذمة وخصائصها وبدئها وانتهائها بمشيئة الله تعالى.","part":4,"page":408},{"id":2504,"text":"4 - الربا: الأموال القيمية لا يجري فيها الربا المحرم، فيجوز بيع غنمة بغنمتين، أي يجوز بيع القليل بالكثير من جنسه. أما الأموال المثلية فيجري فيها الربا الحرام الذي يوجب تساوي العوضين المتجانسين في الكمية والمقدار، وتكون الزيادة حراماً. فلا يجوز بيع قنطار من القمح بقنطار وربع مثلاً، لاشتمال البيع على ما يسمى بربا الفضل، وهذا الربا يختص شرعاً بالمقدرات المثلية من مكيل أو موزون فقط.\rالذمة المالية وخصائصها :\rلا يتصور ثبوت دين على إنسان إلا بتصور محل اعتباري مفترض مقدر وجوده في كل إنسان. وهذا المحل المقدر المفترض هو الذمة، فالذمة تختلف عن الأهلية، إذ أن الأهلية: هي صلاحية الشخص لثبوت الحقوق له وتحمل الواجبات. وتحمل الواجبات أو الالتزامات يستلزم وجود محل في الشخص تستقر فيه تلك الواجبات أو الديون. وتبدأ الأهلية ناقصة منذ بدء تكون الجنين، وتكمل أهلية الوجوب بالولادة.\rوبالولادة تبدأ الذمة مع بدء تصور وجود العنصر الثاني من تلك الأهلية: وهو عنصر المديونية أو الالتزام، فالأهلية هي الصلاحية، والذمة محل الصلاحية.\rفالذمة: هي محل اعتباري في الشخص تقع فيه الديون أوالالتزامات (1) .\rأولاً ـ خصائص الذمة :\rللذمة الخصائص التالية:\r1 - الذمة من صفات الشخصية الطبيعية وهو الإنسان أو الاعتبارية كالشركات والمؤسسات والأوقاف والمساجد. فلا ذمة للجنين قبل ولادته، فلا تصح الهبة له، لكن تصح الوصية له بشرط ولادته حياً، ولا ذمة للحيوان، فلو أوصى شخص لدابة وقصد تمليكها فالوصية باطلة، لكن لو كان بقصد الإنفاق عليها صحت الوصية، ويكون المقصود بها مالكها. ولا يتعين صرف الموصى به للنفقة على الدابة عند الحنفية (2) ، ويتعين ذلك لعلف الدابة عند الشافعية (3) .\r-------------------------------\r(1) المدخل إلى الالتزام في الفقه للأستاذ مصطفى الزرقاء: ف123.\r(2) الدر المختار: 459/5،462.\r(3) مغني المحتاج: 42/3.","part":4,"page":409},{"id":2505,"text":"2 - لا بد لكل شخص بعد ولادته من ذمة، حتى ولو كانت فارغة بريئة؛ لأن الذمة من توابع الشخصية، وتلازم العنصر الثاني من أهلية الوجوب، وهذه الأهلية مناطها الصفة الإنسانية، فتلازم الإنسان منذ وجوده.\r3 - لا تتعدد الذمة، فلكل شخص ذمة واحدة، ولا اشتراك بين أشخاص في الذمة.\r4 - الذمة لا حدّ لسعتها، فهي تتسع لكل الديون مهما عظمت؛ لأن الذمة ظرف اعتباري، يتسع لكل الالتزامات.\r5 - الذمة متعلقة بالشخص، لا بأمواله وثروته، ليتمكن من ممارسة نشاطه الاقتصادي بحرية مطلقة تمكنه من تسديد ديونه، فله التجارة والبيع ولو كان مديناً بأكثر مما يملك. وله وفاء أي دين متقدم أو متأخر في الثبوت. ولا يحق للدائنين الاعتراض عليه.\r6 - الذمة ضمان عام لكل الديون بلا تمييز لدين على آخر إلا إذا وجد لصاحب دين حق عيني كالرهن، أو كانت بعض الحقوق الشخصية ذات امتياز كنفقات التجهيز والتكفين، ودين النفقة للزوجة والأولاد الصغار، وديون الضرائب الحكومية\rثانياً - انتهاء الذمة :\rتبدأ الذمة بالولادة وتنتهي بالوفاة، وللفقهاء آراء ثلاثة في انتهاء الذمة.\rالرأي الأول للحنابلة في رواية عندهم (1) ـ انهدام الذمة بمجرد الموت: لأن الذمة من خصائص الشخصية، والموت يعصف بالشخص وبذمته. وأما الديون فتتعلق عند أكثر الحنابلة بالتركة، فمن مات ولا تركة له سقطت ديونه.\r-------------------------------\r(1) القواعد لابن رجب: ص193 ومابعدها.","part":4,"page":410},{"id":2506,"text":"الرأي الثاني للمالكية والشافعية وبعض الحنابلة (1) ـ بقاء الذمة بعد الموت حتى إيفاء الديون وتصفية التركة: تبقى الذمة بعد الموت حتى تصفى الحقوق المتعلقة بالتركة. فيصح للميت اكتساب حقوق جديدة بعد موته كان سبباً لها، كمن نصب شبكة للاصطياد، فوقع فيها حيوان، فإنه يملكه، وتظل ذمة الميت باقية بعد موته حتى تسدد ديونه، لقوله عليه السلام: «نفس المؤمن معلقة بدينه حتى يقضى عنه» (2) . ويمكن أن تشغل ذمة الميت بعد موته بديون جديدة، كشغلها بثمن المبيع الذي رده المشتري على البائع بعد موته بسبب عيب ظهر فيه. وكالتزامه بضمان قيمة ما وقع في حفرة حفرها الشخص قبل موته، في الطريق العام. وتصح الكفالة بعد الموت بما على الميت المفلس من ديون؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلم صحح هذه الكفالة. وتصح عند المالكية لا الشافعية والحنابلة الوصية لميت. ويقتصر أثر الموت في هذا الرأي على عدم مطالبة الميت بالحقوق وإنما يطالب ورثته بأداء الحقوق لأصحابها.\rالرأي الثالث للحنفية ـ ضعف الذمة:\rإن الموت لا يهدم الذمة، لكن يضعفها، فتبقى بقدر الضرورة لتصفية الحقوق المتعلقة بالتركة التي لها سبب في حال الحياة. فيكتسب الميت بعد موته ملكية جديدة كما في صورة نصب الشبكة للصيد، ويلتزم بالديون التي تسبب بها الشخص قبل موته، كرد المبيع المعيب عليه والتزامه بالثمن، وضمان ما وقع في حفرة حفرها في الطريق العام. لكن لا تصح كفالة دين على ميت مفلس عند أبي حنيفة خلافاً للصاحبين (3) . ولا تصح الوصية للميت أو الهبة له. وبهذين الحكمين الأخيرين يفترق الرأي الثالث عن الرأي الثاني.\r-------------------------------\r(1) مغني المحتاج: 40/3، المغني: 21/6.\r(2) رواه أحمد والترمذي وابن ماجه والحاكم عن أبي هريرة، وهو صحيح.\r(3) البدائع: 6/6، فتح القدير: 419/5.","part":4,"page":411},{"id":2507,"text":"المطلب الرابع ـ المال الاستهلاكي والاستعمالي :\rالمال الاستهلاكي: هو الذي لا يمكن الانتفاع به إلا باستهلاك عينه، كأنواع الطعام والشراب والحطب والنفط والورق والنقود. فلا يمكن الانتفاع بهذه الأموال ما عدا النقود إلا باستئصال عينها. وأما النقود فاستهلاكها يكون بخروجها من يد مالكها، وإن كانت أعيانها باقية بالفعل.\rوالمال الاستعمالي: هو ما يمكن الانتفاع به مع بقاء عينه، كالعقارات والمفروشات والثياب والكتب ونحوها.\rوينظر إلى الانتفاع المميز بين النوعين لأول مرة، لا إلى حالات الاستعمال المتكررة. فإن زالت عين الشيء من أول انتفاع كان مالاً استهلاكياً، وإن بقيت عينه حينئذ كان مالاً استعمالياً.\rوتظهر فائدة التقسيم فيما يأتي :\rيقبل كل نوع من هذين المالين نوعاً معيناً من العقود. فالمال الاستهلاكي يقبل العقود التي غرضها الاستهلاك لا الاستعمال كالقرض وإعارة الطعام.\rوالمال الاستعمالي يقبل العقود التي هدفها الاستعمال دون الاستهلاك كالإجارة والإعارة.\rفإن لم يكن الغرض من العقد هو الاستعمال وحده أو الاستهلاك وحده، صح أن يرد على كلا النوعين: الاستعمالي والاستهلاكي كالبيع والإيداع،يصح ورودهما على كل من النوعين على السواء.","part":4,"page":412},{"id":2508,"text":"الفَصْلُ الثَّالث: الملكيَّة وخصائِصُها\rويشتمل على مطالب خمسة:\rالمطلب الأول ـ تعريف الملكية والملك :\rالملكية أو الملك: علاقة بين الإنسان والمال أقرها الشرع (1) تجعله مختصاً به، ويتصرف فيه بكل التصرفات ما لم يوجد مانع من التصرف.\rوالملك كما يطلق على هذه العلاقة، يطلق أيضاً على الشيء المملوك، تقول: هذا الشيء ملكي أي مملوك لي.وهذا المعنى هو المقصود في تعريف المجلة (م 521) للملك: بأنه ما ملكه الإنسان، سواء أكان أعياناً أو منافع. وعلى هذا المعنى يفهم قول الحنفية: إن المنافع والحقوق ملك وليست بمال.\rوعلى هذا، فالملك أعم من المال عندهم.\rوالملك في اللغة: هو حيازة الإنسان للمال والاستبداد به أي الانفراد بالتصرف فيه.\rوقد عرف الفقهاء الملك بتعاريف متقاربة مضمونها واحد (2) ، ولعل أفضلها هو ما يأتي:\rالملك: اختصاص بالشيء يمنع الغير منه، ويمكن صاحبه من التصرف فيه ابتداء إلا لمانع شرعي.\rفإذا حاز الشخص مالاً بطريق مشروع أصبح مختصاً به، واختصاصه به يمكنه من الانتفاع به والتصرف فيه إلا إذا وجد مانع شرعي يمنع من ذلك كالجنون أو العته أو السفه أو الصغر ونحوها. كما أن اختصاصه به يمنع الغير من الانتفاع به أو التصرف فيه إلا إذا وجد مسوغ شرعي يبيح له ذلك كولاية أو وصاية أو وكالة.\rوتصرف الولي أو الوصي أو الوكيل لم يثبت له ابتداء، وإنما بطريق النيابة الشرعية عن غيره، فيكون القاصر أو المجنون ونحوهما هو المالك، إلا أنه ممنوع من التصرف بسبب نقص أهليته أو فقدانها، ويعود له الحق بالتصرف عند زوال المانع أو العارض.\rالمطلب الثاني ـ قابلية المال للتملك وعدمها :\rالمال في الأصل قابل بطبيعته للتملك، لكن قد يعرض له عارض يجعله غير قابل في كل الأحوال أو في بعضها للتملك، فيتنوع المال بالنسبة لقابليته للتملك إلى ثلاثة أنواع:\r1 ً - ما لا يقبل التمليك ولا التملك بحال: وهو ما خصص للنفع العام كالطرق العامة والجسور والحصون والسكك الحديدية والأنهار والمتاحف والمكتبات العامة والحدائق العامة ونحوها. فهذه الأشياء غير قابلة للتملك لتخصيصها للمنافع العامة. فإذا زالت عنها تلك الصفة عادت لحالتها الأصلية، وهي قابلية التملك، فالطريق إذا استغني عنه أو ألغي جاز تملكه.\r-------------------------------\r(1) حق الملكية وغيره لا يثبت إلا بإقرار الشرع واعترافه به، لأن الشرع هو مصدر الحقوق، وليس الحق في الشريعة حقاً طبيعياً، وإنما هو منحة إلهية منحها الخالق للأفراد وفقاً لمصلحة الجماعة.\r(2) راجع فتح القدير: 74/5، الفروق للقرافي: 208/3 ومابعدها.","part":4,"page":413},{"id":2509,"text":"2 ً - ما لا يقبل التملك إلا بمسوغ شرعي: كالأموال الموقوفة وأملاك بيت المال أي الأموال الحرة في عرف القانونيين. فالمال الموقوف لا يباع ولا يوهب إلا إذا تهدم أو أصبحت نفقاته أكثر من إيراده، فيجوز للمحكمة الإذن باستبداله (1) .\rوأملاك بيت المال (أو وزارة المالية، أو الحكومة) لا يصح بيعها إلا برأي الحكومة لضرورة أو مصلحة راجحة، كالحاجة إلى ثمنها، أو الرغبة فيها بضعف الثمن ونحو ذلك؛ لأن أموال الدولة كأموال اليتيم عند الوصي لا يتصرف فيها إلا للحاجة أو المصلحة.\r3 ً - ما يجوز تملكه وتمليكه مطلقاً بدون قيد: وهو ما عدا النوعين السابقين.\rالمطلب الثالث ـ أنواع الملك :\rالملك إما تام أو ناقص.\rفالملك التام: هو ملك ذات الشيء (رقبته) ومنفعته معاً، بحيث يثبت للمالك جميع الحقوق المشروعة.\rومن أهم خصائصه: أنه ملك مطلق دائم لا يتقيد بزمان محدود ما دام الشيء محل الملك قائماً. ولا يقبل الإسقاط، فلو غصب شخص عيناً مملوكة لآخر، فقال المالك المغصوب منه: أسقطت ملكي، فلا تسقط ملكيته ويبقى الشيء ملكاً له، وإنما يقبل النقل، إذ لا يجوز أن يكون الشيء بلا مالك. وطريق النقل إما العقد الناقل للملكية كالبيع، أو الميراث أو الوصية.\rويمنح صاحبه الصلاحيات التامة وحرية الاستعمال والاستثمار والتصرف فيما يملك كما يشاء، فله البيع أو الهبة أو الوقف أو الوصية، كما له الإعارة والإجارة، لأنه يملك ذات العين والمنفعة معاً، فله التصرف بهما معاً، أو بالمنفعة فقط.\r-------------------------------\r(1) أجاز الحنفية الاستبدال بالموقوف أرضاً أخرى للحاجة والمصلحة، فقالوا: يجوز للقاضي النزيه العدل الإذن باستبدال الوقف، بشرط أن يخرج عن الانتفاع بالكلية، وأن لا يكون هناك ريع للوقف يعمر به، وأن لا يكون البيع بغبن فاحش، وأن يستبدل بعقار لا بدراهم ودنانير (الدر المختار ورد المحتار: 425/3).","part":4,"page":414},{"id":2510,"text":"وإذا أتلف المالك ما يملكه لا ضمان عليه؛ إذ لا يتصور مالك وضامن في شخص واحد، لكن يؤاخذ ديانة؛ لأن إتلاف المال حرام، وقد يؤاخذ قضاء فيحجر عليه إذا ثبت سفهه.\rوالملك الناقص: هو ملك العين وحدها، أو المنفعة وحدها. ويسمى ملك المنفعة حق الانتفاع. وملك المنفعة قد يكون حقاً شخصياً للمنتفع أي يتبع شخصه لا العين المملوكة، وقد يكون حقاً عينياً أي تابعاً للعين دائماً، بقطع النظر عن الشخص المنتفع، وهذا يسمى حق الارتفاق، ولا يكون إلا في العقار.\rالمطلب الرابع ـ أنواع الملك الناقص :\rوعلى هذا يكون الملك الناقص ثلاثة أنواع:\r1 ً - ملك العين فقط :\rوهو أن تكون العين (الرقبة) مملوكة لشخص، ومنافعها مملوكة لشخص آخر، كأن يوصي شخص لآخر بسكنى داره أو بزراعة أرضه مدة حياته، أو مدة ثلاث سنوات مثلاً، فإذا مات الموصي وقبل الموصى له، كانت عين الدار ملكاً لورثة الموصي بالإرث، وللموصى له ملك المنفعة مدة حياته أو المدة المحددة. فإذا انتهت المدة صارت المنفعة ملكاً لورثة الموصي، فتعود ملكيتهم تامة. وفي هذه الحالة: ليس لمالك العين الانتفاع بها، ولا التصرف بمنفعتها أو بالعين، ويجب عليه تسليم العين للمنتفع ليستوفي حقه من منافعها، فإذا امتنع أجبر على ذلك.\rوبه يظهر أن ملكية العين فقط تكون دائمة، وتنتهي دائماً إلى ملكية تامة، وملكية المنافع قد تكون مؤقتة؛ لأن المنافع لا تورث عند الحنفية أو دائمة كالوقف.\r2 ً - ملك المنفعة الشخصي أو حق الانتفاع (1) :\rهناك أسباب خمسة لملك المنفعة: وهي الإعارة والإجارة، والوقف والوصية، والإباحة.\rأما الإعارة: فهي عند جمهور الحنفية والمالكية: تمليك المنفعة بغير عوض. فللمستعير أن ينتفع بنفسه، وله إعارة الشيء لغيره، لكن ليس له إجارته؛ لأن الإعارة عقد غير لازم (يجوز الرجوع عنه في أي وقت) ، والإجارة عقد لازم، والضعيف لا يتحمل الأقوى منه، وفي إجارة المستعار إضرار بالمالك الأصلي.\r-------------------------------\r(1) يرى الحنفية: أنه لا فرق بين ملك المنفعة وحق الانتفاع، وهما شيء واحد. فللمنتفع أن ينتفع بنفسه، أو أن يملك غيره المنفعة، إلا إذا وجد مانع صريح من قبل مالك العين، أو وجد مانع يقتضيه العرف والعادة، فمن وقف داره لسكنى الطلاب الغرباء كان للطالب حق السكنى فقط، وحق الانتفاع بالمرافق العامة كالمدارس والجامعات والمشافي مقيد بالمنتفع فقط، وليس له تمليك غيره. وهذا الرأي هو المعمول به قانوناً. وقال المالكية: هناك فرق بين ملك المنفعة وحق الانتفاع. فملك المنفعة اختصاص يكسب صاحبه أن ينتفع بنفسه،وأن يملكها لغيره بعوض أو بغير عوض. وأما حق الانتفاع: فهو مجرد رخصة بالانتفاع الشخصي بناء على إذن عام كحق الانتفاع بالمنافع العامة كالطرق والأنهار والمدارس والمصحات وغيرها،أو إذن خاص كحق الانتفاع بملك شخص أذن له به، كركوب سيارته، والمبيت في منزله، وقراءة كتبه ونحو ذلك. فليس للمنتفع أن يملك المنفعة لغيره، فتمليك الانتفاع:هو أن يباشر المنتفع بنفسه،وتمليك المنفعة أعم وأشمل، فيباشر بنفسه ويمكن غيره من الانتفاع بعوض كالإجارة،وبغير عوض كالإعارة (راجع الفروق للقرافي:187/1،الفرق 30).","part":4,"page":415},{"id":2511,"text":"وعند الشافعية والحنابلة: هي إباحة المنفعة بلا عوض، فليس للمستعير إعارة المستعار إلى غيره.\rوأما الإجارة: فهي تمليك المنفعة بعوض. وللمستأجر استيفاء المنفعة بنفسه، أو بغيره مجاناً أو بعوض إذا لم تختلف المنفعة باختلاف المنتفعين، حتى لو شرط المؤجر على المستأجر الانتفاع بنفسه. فإن اختلف نوع المنفعة كان لا بد من إذن المالك المؤجر.\rوأما الوقف: فهو حبس العين عن تمليكها لأحد من الناس وصرف منفعتها إلى الموقوف عليه. فالوقف يفيد تمليك المنفعة للموقوف عليه، وله استيفاء المنفعة بنفسه، أو بغيره إن أجاز له الواقف الاستثمار، فإن نص على عدم الاستغلال أو منعه العرف من ذلك، فليس له الاستغلال.","part":4,"page":416},{"id":2512,"text":"وأما الوصية بالمنفعة: فهي تفيد ملك المنفعة فقط في الموصى به، وله استيفاء المنفعة بنفسه، أو بغيره بعوض أو بغير عوض إن أجاز له الموصي الاستغلال.\rوأما الإباحة: فهي الإذن باستهلاك الشيء أو باستعماله، كالإذن بتناول الطعام أو الثمار، والإذن العام بالانتفاع بالمنافع العامة كالمرور في الطرقات والجلوس في الحدائق ودخول المدارس والمشافي. والإذن الخاص باستعمال ملك شخص معين كركوب سيارته، أو السكن في داره.\rوسواء أكانت الإباحة مفيدة ملك الانتفاع بالشيء بالفعل أو بإحرازه كما يرى الحنفية، أو مجرد الانتفاع الشخصي كما يرى المالكية، فإن الفقهاء متفقون على أنه ليس للمنتفع إنابة غيره في الانتفاع بالمباح له، لا بالإعارة ولا بالإباحة لغيره.\rوالفرق بين الإباحة والملك :\rهو أن الملك يكسب صاحبه حق التصرف في الشيء المملوك ما لم يوجد مانع. أما الإباحة: فهي حق الإنسان بأن ينتفع بنفسه بشيء بموجب إذن. والإذن قد يكون من المالك كركوب سيارته، أو من الشرع كالانتفاع بالمرافق العامة، من طرقات وأنهار ومراعي ونحو ذلك.\rفالمباح له الشيء لا يملكه ولا يملك منفعته، بعكس المملوك.\rخصائص حق المنفعة أو الانتفاع الشخصي :\rيتميز الملك الناقص أو حق المنفعة الشخصي بخصائص أهمها ما يأتي:\r1 - يقبل الملك الناقص التقييد بالزمان والمكان والصفة عند إنشائه، بعكس الملك التام، فيجوز لمن يعير سيارته لغيره أو يوصي بمنفعة داره أن يقيد المنتفع بمدة معينة كشهر مثلاً، وبمكان معين كالركوب في المدينة لا في الصحراء، وأن يركبها بنفسه لا بغيره.\r2 - عدم قبول التوارث عند الحنفية خلافاً لجمهور الفقهاء : فلا تورث المنفعة عند الحنفية؛ لأن الإرث يكون للمال الموجود عند الموت، والمنافع لا تعد مالاً عندهم كما تبين.","part":4,"page":417},{"id":2513,"text":"أما عند غير الحنفية فتورث المنافع في المدة الباقية؛ لأن المنافع عندهم أموال كما ذكرت، فتورث كغيرها من الأموال، فمن أوصى لغيره بسكنى داره مدة معلومة، ثم مات قبل انتهاء هذه المدة، فلورثته الحق بسكنى الدار إلى نهاية المدة.\r3 - لصاحب حق المنفعة تسلم العين المنتفع بها ولو جبراً عن مالكها. ومتى تسلمها تكون أمانة في يده، فيحافظ عليها كما يحافظ على ملكه الخاص، وإذا هلكت أو تعيبت لا يضمنها إلا بالتعدي أو بالتقصير في حفظها. وما عدا ذلك لا ضمان عليه. 4 - على المنتفع ما تحتاجه العين من نفقات إذا كان انتفاعه بها مجاناً، كما في الإعارة، فإن كان الانتفاع بعوض كما في الإجارة فعلى مالك العين نفقاتها.\r5 - على المنتفع بعد استيفاء منفعته تسليم العين إلى مالكها متى طلبها إلا إذا تضرر المنتفع. كما إذا لم يحن وقت حصاد الزرع في أرض مستأجرة أو مستعارة، فله إبقاء الأرض بيده حتى موسم الحصاد، ولكن بشرط دفع أجر المثل.\rانتهاء حق المنفعة :\rحق المنفعة حق مؤقت كما عرفنا، فينتهي بأحد الأمور التالية:\r1 - انتهاء مدة الانتفاع المحددة.\r2 - هلاك العين المنتفع بها أو تعيبها بعيب لا يمكن معه استيفاء المنفعة، كانهدام دار السكنى أو صيرورة أرض الزراعة سبخة أو ملحة. فإن حصل ذلك بتعدي مالك العين ضمن عيناً أخرى، كالموصي بركوب سيارة ثم عطلها، فعليه تقديم سيارة أخرى.\r3 - وفاة المنتفع عند الحنفية؛ لأن المنافع لا تورث عندهم.\r4 - وفاة مالك العين إذا كانت المنفعة من طريق الإعارة أو الإجارة؛ لأن الإعارة عقد تبرع، وهو ينتهي بموت المتبرع، ولأن ملكية المأجور تنتقل إلى ورثة المؤجر.","part":4,"page":418},{"id":2514,"text":"وهذا عند الحنفية، وقال الشافعية والحنابلة: الإعارة عقد غير لازم، فيجوز للمعير أو لورثته الرجوع عنها، سواء أكانت مطلقة أم مؤقتة. وقال المالكية: الإعارة المؤقتة عقد لازم، فمن أعار دابة إلى موضع كذا، لم يجز له أخذها قبل ذلك، وإلا لزمه إبقاؤها قدر ما ينتفع بالمستعار الانتفاع المعتاد. وبذلك يتبين أن الجمهور يقولون: إن الإعارة لا تنتهي بموت المعير أو المستعير، وكذلك الإجارة لا تنتهي بموت أحد العاقدين؛ لأنها عقد لازم كالبيع.\rأما إذا كانت المنفعة من طريق الوصية أو الوقف، فلا ينتهي حق المنفعة بموت الموصي؛ لأن الوصية تبدأ بعد موته، ولا بموت الواقف؛ لأن الوقف إما مؤبد، أو مؤقت فيتقيد بانتهاء مدته.\r3 ً - ملك المنفعة العيني أو حق الارتفاق :\rحق الارتفاق: هو حق مقرر على عقار لمنفعة عقار آخر، مملوك لغير مالك العقار الأول. وهو حق دائم يبقى ما بقي العقاران دون نظر إلى المالك. مثل حق الشِّرب، وحق المجرى، وحق المسيل، وحق المرور، وحق الجوار، وحق العلو.\rأما حق الشِّرب: فهو النصيب المستحق من الماء لسقي الزرع والشجر، أو نوبة الانتفاع بالماء لمدة معينة لسقي الأرض.\rويلحق به حق الشفة: وهو حق شرب الإنسان والدواب والاستعمال المنزلي. وسمي بذلك لأن الشُّرب يكون عادة بالشفة.\rوالماء بالنسبة لهذا الحق أربعة أنواع (1) :\rأ ـ ماء الأنهار العامة كالنيل ودجلة والفرات ونحوها من الأنهار العظيمة: لكل واحد الانتفاع به، لنفسه ودوابه وأراضيه، بشرط عدم الإضرار بالغير، لحديث: «الناس شركاء في ثلاث: الماء والكلأ والنار» وحديث «لا ضرر ولا ضرار» .\r-------------------------------\r(1) البدائع: 188/6 ومابعدها، تكملة فتح القدير: 144/8، القوانين الفقهية: ص 339، نهاية المحتاج: 255/4، المغني: 531/5.","part":4,"page":419},{"id":2515,"text":"ب ـ ماء الجداول والأنهار الخاصة، المملوكة لشخص: لكل إنسان حق الشفة منه، لنفسه ودوابه، وليس لغير مالكه سقي أراضيه إلا بإذن مالك المجرى.\rج ـ ماء العيون والآبار والحياض ونحوها المملوكة لشخص: يثبت فيها كالنوع الثاني حق الشفة دون حق الشرب. فإن أبى صاحب الماء، ومنع الناس من الاستقاء لأنفسهم ودوابهم، كان لهم قتاله حتى ينالوا حاجتهم، إذا لم يجدوا ماءً قريباً آخر.\rد ـ الماء المحرز في أوان خاصة: كالجرار والصهاريج، لا يثبت لأحد حق الانتفاع به بأي وجه إلا برضا صاحب الماء؛ لأن الرسول عليه السلام نهى عن بيع الماء إلا ما حمل منه. لكن المضطر إلى هذا الماء الذي يخاف على نفسه الهلاك من العطش، له أخذ ما يحتاجه منه، ولو بالقوة ليدفع عن نفسه الهلاك، ولكن مع دفع قيمته، لأن ( الاضطرار لا يبطل حق الغير).\rوحق المجرى: هو حق صاحب الأرض البعيدة عن مجرى الماء في إجرائه من ملك جاره إلى أرضه لسقيها. وليس للجار أن يمنع مرور الماء لأرض جاره، وإلا كان له إجراؤه جبراً عنه، دفعاً للضرر عنه.","part":4,"page":420},{"id":2516,"text":"وحق المسيل: هو مجرى على سطح الأرض، أو أنابيب تنشأ لتصريف المياه الزائدة عن الحاجة، أو غير الصالحة حتى تصل إلى مصرف عام أو مستودع، كمصارف الأراضي الزراعية أو مياه الأمطار أو الماء المستعمل في المنازل. والفرق بين المسيل والمجرى: أن المجرى لجلب المياه الصالحة للأرض، والمسيل لصرف الماء غير الصالح عن الأرض أو عن الدار. وحكمه مثل حق المجرى، ليس لأحد منعه إلا إذا حدث ضرر بين.\rوحق المرور: هو حق صاحب عقار داخلي بالوصول إلى عقاره من طريق يمر فيه سواء أكان الطريق عاماً غير مملوك لأحد، أم خاصاً مملوكاً للغير. فالطريق العام يحق لكل إنسان المرور فيه. والطريق الخاص: يحق لأصحابه المرور فيه وفتح الأبواب والنوافذ عليه، وليس لهم سده أمام العامة للالتجاء إليه.\rوحق الجوار: الجوار نوعان: علوي وجانبي، وفيه حقان:\rأ ـ حق التعلي: وهو الثابت لصاحب العلو على صاحب السفل، أي الحق الطابقي أو حق العلو.\rب ـ حق الجوار الجانبي: وهو الثابت لكل من الجارين على الآخر.\rولصاحب حق التعلي حق القرار على الطبقة السفلى، وهو حق ثابت دائماً لصاحب العلو، لا يزول بهدم العقار كله أو انهدام السفل، وله ولورثته إعادة بنائه حين يريد، وليس لصاحب العلو أو السفل أن يتصرف في بنائه تصرفاً يضر بالآخر، وإذا انهدم السفل وجب على صاحبه إعادة بنائه، فإن امتنع أجبر على ذلك قضاء، فإن رفض كان لصاحب العلو البناء ويرجع على الآخر بالنفقات، إذا بني بإذن القاضي أو إذن صاحب السفل، فإن بني من غير إذن رجع بقيمة البناء وقت تمامه، لا بما أنفق؛ لأنه لم يكن وكيلاً بالإنفاق.\rوليس لصاحب الجوار الجانبي إلا حق واحد وهو ألا يضر أحدهما بصاحبه ضرراً فاحشاً بيِّناً: وهو كل ما يمنع المنفعة الأصلية المقصودة من البناء كالسكنى، أو يكون سبباً لهدم البناء أو وهن فيه.","part":4,"page":421},{"id":2517,"text":"فالضرر في كل أنواع الجوار ممنوع، أما التصرفات التي يُشكل أمرها في الجوار العلوي فلا يعلم أيحصل منها ضرر أم لا، كفتح باب أو نافذة في الطابق الأسفل، أو وضع متاع ثقيل في الطابق الأعلى قد يؤثر في السقف، فهذه مختلف في منعها (1) . فقال أبو حنيفة: يمنع هذا التصرف إلا بإذن الجار؛ لأن الأصل في تصرفات المالك في ملكه، التي يتعلق بها حق الغير هو المنع والحظر، لأن ملكه ليس خالصاً، فلا يباح له إلا ما يتيقن فيه عدم الضرر، ويتوقف ما عداه على إذن صاحب الحق ورضاه. وهذا الرأي هو المفتى به عند الحنفية.\rوقال الصاحبان: الأصل في ذلك الإباحة؛ لأن صاحب العلو تصرف في ملكه، والمالك حر التصرف في ملكه مالم يكن فيه ضرر لغيره بيقين، فيمنع منه حينئذ، ويبقى ما عداه على الإباحة، وهذا الرأي في تقديري هو المعقول الواجب الاتباع. فيصبح حكم الجوار الجانبي والعلوي واحداً، وهو إباحة التصرف في الملك ما لم يترتب على ذلك ضرر فاحش بالجار، فإن وقع الضرر، وجب على المتعدي ضمانه، سواء أكان الضرر مباشراً أم بالتسبب. وهو رأي المالكية وباقي المذاهب أيضاً (2) .\rأمور ثلاثة متعلقة بحقوق الارتفاق :\rالأول ـ الفرق بين حق الارتفاق وحق الانتفاع الشخصي :\rيفترق حق الارتفاق عن حق الانتفاع من نواحٍ أربع تالية:\r1 - حق الارتفاق يكون دائماً مقرراً على عقار، فتنقص به قيمة العقار المقرر عليه، أما حق الانتفاع الشخصي فقد يتعلق بعقار كوقف العقار أو الوصية به أو إجارته أو إعارته. وقد يتعلق بمنقول كإعارة الكتاب وإجارة السيارة.\r-------------------------------\r(1) فتح القدير: 503/5، رد المحتار على الدر المختار لابن عابدين: 373/4، ط البابي الحلبي، البدائع: 264/6، البحر الرائق: 32/7، تبيين الحقائق للزيلعي: 196/4.\r(2) المنتقى على الموطأ:40/6 ومابعدها، القوانين الفقهية: ص 341، نيل الأوطار: 261/5، ط العثمانية.","part":4,"page":422},{"id":2518,"text":"2 - حق الارتفاق مقرر لعقار إلا حق الجوار فقد يكون لشخص أو لعقار. أما حق الانتفاع فإنه دائماً مقرر لشخص معين باسمه أو بوصفه.\r3 - حق الارتفاق حق دائم يتبع العقار وإن تعدد الملاك. وحق الانتفاع الشخصي مؤقت ينتهي بأحوال معينة كما تقدم.\r4 - حق الارتفاق يورث حتى عند الحنفية الذين لا يعدونه مالاً؛ لأنه تابع للعقار. وأما حق الانتفاع فمختلف في إرثه بين الفقهاء كما سبق بيانه.\rالثاني ـ خصائص حقوق الارتفاق :\rلحقوق الارتفاق أحكام عامة وخاصة.\rفأحكامها العامة أنها إذا ثبتت تبقى ما لم يترتب على بقائها ضرر بالغير، فإن ترتب عليها ضرر أو أذى وجب إزالتها، فيزال المسيل القذر في الطريق العام، ويمنع حق الشرب إذا أضر بالمنتفعين، ويمنع سير السيارة في الشارع العام إذا ترتب عليها ضرر كالسير بالسرعة الفائقة، أو في الاتجاه المعاكس، عملاً بالحديث النبوي المتقدم «لا ضرر ولا ضرار» ولأن المرورفي الطريق العام مقيد بشرط السلامة فيما يمكن الاحتراز عنه (1) .\rوأما الأحكام الخاصة فسأذكرها في بحث حقوق الارتفاق المخصص لكل نوع منها.\rالثالث ـ أسباب حقوق الارتفاق :\rتنشأ حقوق الارتفاق بأسباب متعددة منها:\r1 - الاشتراك العام: كالمرافق العامة من طرقات وأنهار ومصارف عامة، يثبت الحق فيها لكل عقار قريب منها، بالمرور والسقي وصرف المياه الزائدة عن الحاجة، لأن هذه المنافع شركة بين الناس يباح لهم الانتفاع بها، بشرط عدم الإضرار بالآخرين.\r2 - الاشتراط في العقود: كاشتراط البائع على المشتري أن يكون له حق مرور بها، أو حق شرب لأرض أخرى مملوكة له، فيثبت هذان الحقان بهذا الشرط.\r-------------------------------\r(1) الدر المختار ورد المحتار: 427/5.","part":4,"page":423},{"id":2519,"text":"3 - التقادم: أن يثبت حق ارتفاق لعقار من زمن قديم لا يعلم الناس وقت ثبوته، كإرث أرض زراعية لها حق المجرى أو المسيل على أرض أخرى؛ لأن الظاهر أنه ثبت بسبب مشروع حملاً لأحوال الناس على الصلاح، حتى يثبت العكس.\rالمطلب الخامس ـ أسباب الملك التام :\rإن أسباب أو مصادر الملكية التامة في الشريعة أربعة هي:\rالاستيلاء على المباح، والعقود، والخلفية، والتولد من الشيء المملوك. وفي القانون المدني هي ستة: الاستيلاء على ما ليس له مالك من منقول أو عقار، والميراث وتصفية التركة، والوصية، والالتصاق بالعقار أو بالمنقول، والعقد، والحيازة والتقادم (1) .\r-------------------------------\r(1) راجع الفصل الثاني من حق الملكية ـ أسباب كسب الملكية: م 828، 836، 876، 879، 894، 907 ومابعدها من القانون المدني السوري.","part":4,"page":424},{"id":2520,"text":"وهذه الأسباب تتفق مع الأسباب الشرعية (1) ما عدا الحيازة والتقادم (وضع اليد على مال مملوك للغير مدة طويلة) ، فإن الإسلام لا يقر التقادم المُكسِب على أنه سبب للملكية، وإنما هو مجرد مانع من سماع الدعوى بالحق الذي مضى عليه زمن معين (2) ، توفيراً لوقت القضاة، وتجنباً لما يثار من مشكلات الإثبات، وللشك في أصل الحق. أما أصل الحق فيجب الاعتراف به لصاحبه وإيفاؤه له ديانة. فمن وضع يده على مال مملوك لغيره لا يملكه شرعاً بحال.\rكذلك لا يقر الإسلام مبدأ التقادم المُسقِط على أنه مسقط للحق بترك المطالبة به مدة طويلة، فاكتساب الحقوق وسقوطها بالتقادم حكم ينافي العدالة والخلق، ويكفي في ذلك أن يصير الغاصب أو السارق مالكاً، إلا أن الإمام مالك في المدونة خلافاً لمعظم أصحابه يرى إسقاط الملكية بالحيازة، كما يرى تملك الشيء بالحيازة، ولكنه لم يحدد مدة للحيازة، وترك تحديدها للحاكم، ويمكن تحديدها عملاً بحديث مرسل رواه سعيد بن المسيب مرفوعاً إلى النبي صلّى الله عليه وسلم عن زيد بن أسلم: «من حاز شيئاً على خصمه عشر سنين، فهو أحق به منه» (3) .\r1 - الاستيلاء على المباح :\rالمباح: هو المال الذي لم يدخل في ملك شخص معين، ولم يوجد مانع شرعي من تملكه كالماء في منبعه، والكلأ والحطب والشجر في البراري، وصيد البر والبحر. ويتميز هذا النوع بما يأتي:\rأ ـ أنه سبب منشئ للملكية على شيء لم يكن مملوكاً لأحد. أما بقية أسباب الملكية الأخرى (العقد، الميراث ونحوهما) فإن الملكية الحادثة مسبوقة بملكية أخرى.\rب ـ أنه سبب فعلي لا قولي: يتحقق بالفعل أو وضع اليد، فيصح من كل شخص ولو كان ناقص الأهلية كالصبي والمجنون والمحجور عليه. أما العقد فقد لا يصح من هؤلاء أو يكون موقوفاً على إرادة أخرى، وهو سبب قولي.\r-------------------------------\r(1) يلاحظ أن المادة (1248) من المجلة اقتصرت على الأسباب الأولى للتملك. ولكن من الضروري إضافة سبب رابع وهو التولد من المملوك إذ هو سبب مستقل عن تلك الأسباب.\r(2) حدده الفقهاء بـ 33 سنة، وحددته المجلة ( م 1661، 1662 ) في الحقوق الخاصة بـ 15 سنة وفي الأراضي الأميرية بـ 10 سنوات، وفي الأوقاف وأموال بيت المال بـ 36 سنة.\r(3) انظر بحث الحيازة والتقادم في الفقه الإسلامي للدكتور محمد عبد الجواد: ص 18-50 ومابعدها، 60، 108، 150 ومابعدها، ومراجعه مثل المدونة: 23/13، وتبصرة الحكام على هامش فتح العلي المالك: 362/2 ومابعدها.","part":4,"page":425},{"id":2521,"text":"ويشترط للتملك بهذا الطريق أي إحراز المباح شرطان:\rأولهما ـ ألا يسبق إلى إحرازه شخص آخر، لأن «من سبق إلى ما لم يسبقه إليه مسلم فهو له» كما قال النبي عليه السلام.\rثانيهما ـ قصد التملك: فلو دخل الشيء في ملك إنسان دون قصد منه لا يتملكه، كما إذا وقع في حِجْر إنسان، لا يتملكه. ومن نشر شبكته، فإن كان للاصطياد تملك ما يقع فيها، وإن كان للتجفيف لم يتملك ما يقع فيها؛ لأن «الأمور بمقاصدها» .\rوالاستيلاء على المباح له أنواع أربعة:\rأولاً ـ إحياء الموات: أي استصلاح الأراضي البور. والموات: ما ليس مملوكاً من الأرضين: ولا ينتفع بها بأي وجه انتفاع، وتكون خارجة عن البلد. فلا يكون مواتاً: ما كان ملكاً لأحد الناس، أو ما كان داخل البلد، أو خارجاً عنها، ولكنه مرفق لها كمحتطب لأهلها أو مرعى لأنعامهم.\rوالإحياء يفيد الملك لقول النبي صلّى الله عليه وسلم : «من أحيا أرضاً ميتة فهي له» سواء أكان الإحياء بإذن الحاكم أم لا عند جمهور الفقهاء. وقال أبو حنيفة ومالك: لا بد من إذن الحاكم. وإحياء الأرض الموات يكون بجعلها صالحة للانتفاع بها كالبناء والغرس والزراعة والحرث وحفر البئر. وعمل مستصلح الأرض لإحيائها يسمى فقهاً «التحجير» وقد حدد بثلاث سنين، قال عمر «ليس لمحتجر بعد ثلاث سنين حق» .\rثانياً ـ الاصطياد: الصيد: هو وضع اليد على شيء مباح غير مملوك لأحد. ويتم إما بالاستيلاء الفعلي على المصيد، أو بالاستيلاء الحكمي: وهو اتخاذ فعل يعجز الطير أو الحيوان أو السمك عن الفرار، كاتخاذ الحياض لصيد الأسماك، أو الشباك، أو الحيوانات المدربة على الصيد كالكلاب والفهود والجوارح المعلمة (1) .\rوالصيد حلال للإنسان إلا إذا كان محرماً بالحج أو العمرة، أو كان المصيد في حرم مكة المكرمة أو المدينة المنورة، قال تعالى: {أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعاً لكم وللسيارة، وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرماً} [المائدة:96/5].\r-------------------------------\r(1) قال تعالى: { يسألونك ماذا أحل لهم، قل: أحل لكم الطيبات، وماعلمتم من الجوارح مكلبين، تعلمونهن مما علمكم الله، فكلوا مما أمسكن عليكم، واذكروا اسم الله، واتقوا الله، إن الله سريع الحساب } [المائدة:4/5].","part":4,"page":426},{"id":2522,"text":"والصيد من أسباب الملكية، لكن يشترط في الاستيلاء الحكمي لا الاستيلاء الحقيقي قصد التملك عملاً بقاعدة ( الأمور بمقاصدها ). فمن نصب شبكة فتعلق بهاصيد، فإن كان قد نصبها للجفاف، فالصيد لمن سبقت يده إليه، لأن نيته لم تتجه إليه. وإن كان قد نصبها للصيد، ملكه صاحبها، وإن أخذه غيره كان متعدياً غاصباً. ولو أفرخ طائر في أرض إنسان كان لمن سبقت إليه يده إلا إذا كان صاحب الأرض هيأها لذلك.\rوإذا دخل طائر في دار إنسان، فأغلق صاحبها الباب لأخذه، ملكه. وإن أغلقه صدفة، لم يملكه. وهكذا لو وقع الصيد في حفرة أو ساقية، المعوَّل في تملكه على نية صيده، وإلا فلمن سبقت إليه يده.\rثالثاً ـ الاستيلاء على الكلأ والآجام :\rالكلأ: هو الحشيش الذي ينبت في الأرض بغير زرع، لرعي البهائم.\rوالآجام: الأشجار الكثيفة في الغابات أو الأرض غير المملوكة.\rوحكم الكلأ: ألا يملك، وإن نبت في أرض مملوكة، بل هو مباح للناس جميعاً، لهم أخذه ورعيه، وليس لصاحب الأرض منعهم من ذلك؛ لأنه باق على الإباحة الأصلية، وهو الراجح في المذاهب الأربعة، لعموم حديث: «الناس شركاء في ثلاثة: الماء والكلأ والنار» (1) .\rوأما الآجام فهي من الأموال المباحة إن كانت في أرض غير مملوكة. فلكل واحد حق الاستيلاء عليها، وأخذ ما يحتاجه منها، وليس لأحد منع الناس منها، وإذا استولى شخص على شيء منها وأحرزه صار ملكاً له. لكن للدولة تقييد المباح بمنع قطع الأشجار، رعاية للمصلحة العامة، وإبقاء على الثروة الشجرية المفيدة.","part":4,"page":427},{"id":2523,"text":"أما إن كانت في أرض مملوكة فلا تكون مالاً مباحاً، بل هي ملك لصاحب الأرض، فليس لأحد أن يأخذ منها شيئاً إلا بإذنه؛ لأن الأرض تقصد لآجامها، بخلاف الكلأ، لا تقصد الأرض لما فيها من الكلأ.\rرابعاً ـ الاستيلاء على المعادن والكنوز :\rالمعادن: ما يوجد في باطن الأرض من أصل الخِلقة والطبيعة، كالذهب والفضة والنحاس والحديد والرصاص ونحوها.\rوالكنز: ما دفنه الناس وأودعوه في باطن الأرض من الأموال، سواء في الجاهلية أو في الإسلام.\rوالمعدن والكنز يشملها عند الحنفية كلمة ( الركاز ): وهو ما ركز في باطن الأرض، سواء أكان خلق الله كفلزات الحديد والنحاس وغيرها، أم كان بصنع الناس كالأموال التي يدفنها الناس فيها. وحكمها واحد في الحديث النبوي: «وفي الركاز الخمس» (2) .\rوقال المالكية والشافعية: الركاز: دفين الجاهلية. والمعدن: دفين أهل الإسلام.\rحكم المعادن :\rاختلف الفقهاء في تملك المعادن بالاستيلاء عليها، وفي إيجاب حق فيها للدولة إذا وجدت في أرض ليست مملوكة.\rأما تملك المعادن فللفقهاء فيه رأيان:\rقال المالكية في أشهر أقوالهم (3) : جميع أنواع المعادن لا تملك بالاستيلاء عليها، كما لا تملك تبعاً لملكية الأرض، بل هي للدولة يتصرف فيها الحاكم حسبما تقضي المصلحة؛ لأن الأرض مملوكة بالفتح الإسلامي للدولة، ولأن هذا الحكم مما تدعو إليه المصلحة.\rوقال الحنفية والشافعية والحنابلة في أرجح الروايتين عندهم (4) : المعادن تملك\r-------------------------------\r(1) البدائع: 193/6 ومابعدها، م 1257 من المجلة.\r(2) رواه الجماعة عن أبي هريرة ( نيل الأوطار: 147/4).\r(3) القوانين الفقهية: ص 102، الشرح الكبير مع الدسوقي: 486/1 ومابعدها.\r(4) الدر المختار ورد المحتار: 61/1 ومابعدها، المهذب: 162/1، المغني: 28/3.","part":4,"page":428},{"id":2524,"text":"بملك الأرض؛ لأن الأرض إذا ملكت بجميع أجزائها، فإن كانت مملوكة لشخص كانت ملكاً له، وإن كانت في أرض للدولة فهي للدولة، وإن كانت في أرض غير مملوكة فهي للواجد؛ لأنها مباحة تبعاً للأرض.\rوأما حق الدولة في المعادن فيه رأيان أيضاً:\rقال الحنفية: في المعادن الخمس؛ لأن الركاز عندهم يشمل المعادن والكنوز بمقتضى اللغة، والباقي للواجد نفسه. وذلك في المعادن الصلبة القابلة للطرق والسحب كالذهب والفضة والحديد والنحاس والرصاص. أما المعادن الصلبة التي لا تقبل الطرق والسحب كالماس والياقوت والفحم الحجري، والمعادن السائلة كالزئبق والنفط، فلا يجب فيها شيء للدولة؛ لأن الأولى تشبه الحجر والتراب، والثانية تشبه الماء، ولا يجب في ذلك شيء للدولة.\rوقال غير الحنفية: لا يجب في المعادن شيء للدولة، لا الخمس وغيره، وإنما يجب فيها الزكاة، لقول النبي : «العجماء جبار، والبئر جبار، والمعدن جبار، وفي الركاز الخمس» فأوجب الخمس في الركاز: وهو دفين أهل الجاهلية، ولم يوجب في المعدن شيئاً؛ لأن ( الجبار ) معناه: لا شيء فيه. وإيجاب الزكاة عندهم هو بعموم أدلة الزكاة.\rحكم الكنز :\rوأما الكنز فهو ما دفنه الناس، سواء في الجاهلية أم في الإسلام. فهو نوعان: إسلامي وجاهلي:\rفالإسلامي: ما وجد به علامة أو كتابة تدل على أنه دفن بعد ظهور الإسلام مثل كلمة الشهادة أو المصحف، أو آية قرآنية أو اسم خليفة مسلم.\rوالجاهلي: ما وجد عليه كتابة أو علامة تدل على أنه دفن قبل الإسلام كنقش صورة صنم أو وثن، أو اسم ملك جاهلي ونحو ذلك.\rوالمشتبه فيه: وهو مالم يتبين بالدليل أنه إسلامي أو جاهلي، قال فيه متقدمو الحنفية: إنه جاهلي. وقال متأخروهم: إنه إسلامي لتقادم العهد. وإن وجد كنز مختلط فيه علامات الإسلام والجاهلية فهو إسلامي ؛ لأن الظاهر أنه ملك مسلم، ولم يعلم زوال ملكه.","part":4,"page":429},{"id":2525,"text":"والكنز الإسلامي: يبقى على ملك صاحبه، فلا يملكه واجده، بل يعد كاللقطة، فيجب تعريفه والإعلان عنه. فإن وجد صاحبه سلم إليه وإلا تصدق به على الفقراء، ويحل للفقير الانتفاع به. هذا رأي الحنفية (1) .\rوأجاز المالكية والشافعية والحنابلة (2) تملكه والانتفاع به، ولكن إن ظهر صاحبه بعدئذ وجب ضمانه.\rوأما الكنز الجاهلي: فاتفق أئمة المذاهب على أن خمسه لبيت المال (خزانة الدولة) وأما باقيه وهو الأربعة الأخماس ففيها اختلاف: فقيل: إنها للواجد مطلقاً سواء وجدها في أرض مملوكة أم لا. وقيل: إنها للواجد في أرض غير مملوكة أوفي أرض ملكها بالإحياء. فإن كان في أرض مملوكة فهي لأول مالك لها أو لورثته إن عرفوا، وإلا فهي لبيت المال.\rهذا وقد خصص القانون المدني السوري (م830 ) ثلاثة أخماس الكنز لمالك العقار الذي وجد فيه الكنز، وخمسه لمكتشفه، والخمس الأخير لخزينة الدولة.\r-------------------------------\r(1) فتح القدير: 307/3، البدائع: 202/6، المبسوط: 4/11 ومابعدها، الدر المختار: 351/3.\r(2) بداية المجتهد: 301/2، الشرح الكبير مع الدسوقي: 121/4، المهذب: 430/1، مغني المحتاج: 415/2، المغني: 636/5","part":4,"page":430},{"id":2526,"text":"2 - العقود الناقلة للملكية :\rالعقود كالبيع والهبة والوصية ونحوها من أهم مصادر الملكية وأعمها وأكثرها وقوعاً في الحياة المدنية؛ لأنها تمثل النشاط الاقتصادي الذي يحقق حاجات الناس من طريق التعامل. أما الأسباب الأخرى للملكية فهي قليلة الوقوع في الحياة.\rويدخل في العقود التي هي سبب مباشر للملكية حالتان (1) :\rالأولى: العقود الجبرية التي تجريها السلطة القضائية مباشرة، بالنيابة عن المالك الحقيقي، كبيع مال المدين جبراً عنه لوفاء ديونه، وبيع الأموال المحتكرة. فالمتملك يتملك عن طريق عقد بيع صريح بإرادة القضاء.\rالثانية: نزع الملكية الجبري: وله صورتان:\rأ ـ الشفعة: وهي عند الحنفية حق الشريك أو الجار الملاصق بتملك العقار المبيع جبراً على مشتريه بما بذل من ثمن ونفقات.وقصرها الجمهور على الشريك.\rب ـ الاستملاك للصالح العام: وهو استملاك الأرض بسعرها العادل جبراً عن صاحبها للضرورة أو المصلحة العامة، كتوسيع مسجد، أو طريق ونحو ذلك.\rوالمتملك من هذا الطريق يتملك بناء على عقد شراء جبري مقدر بإرادة السلطة. وعلى هذا فالعقد المسبب للملكية إما أن يكون رضائياً أو جبرياً، والجبري: إما صريح كما في بيع مال المدين، أو مفترض كما في الشفعة ونزع الملكية.\r3 - الخَلَفية :\rوهي أن يخلف شخص غيره فيما كان يملكه، أو يحل شيء محل شيء آخر، فهي نوعان: خَلَفية شخص عن شخص وهي الإرث. وخلفية شيء عن شيء وهي التضمين.\rوالإرث سبب جبري للتملك يتلقى به الوارث بحكم الشرع مايتركه المورث من أموال التركة.\rوالتضمين: هو إيجاب الضمان أوالتعويض على من أتلف شيئاً لغيره، أو غصب منه شيئاً فهلك أو فقد، أو ألحق ضرراً بغيره بجناية أو تسبب. ويدخل فيه الديات وأروش الجنايات أي الأعواض المالية المقدرة شرعاً الواجبة على الجاني في الجراحات.\r4 - التولد من المملوك :\rمعناه أن ما يتولد من شيء مملوك يكون مملوكاً لصاحب الأصل؛ لأن مالك الأصل هو مالك الفرع، سواء أكان ذلك بفعل مالك الأصل، أم بالطبيعة والخلقة. فغاصب الأرض الذي زرعها يملك الزرع عند الجمهور غيرالحنابلة؛ لأنه نماء البذر وهو ملكه، وعليه كراء الأرض، ويضمن لصاحب الأرض نقصانها بسبب الزرع. وثمرة الشجر وولد الحيوان وصوف الغنم ولبنها لمالك الأصل.\rوقال الحنابلة: الزرع لمالك الأرض، لقوله صلّى الله عليه وسلم : «من زرع في أرض قوم بغير إذنهم، فليس له من الزرع شيء، وله نفقته» (2) .\r-------------------------------\r(1) المدخل الفقهي العام للأستاذ الزرقاء: ف 105.\r(2) رواه الخمسة إلا النسائي عن رافع بن خديج، قال البخاري: هو حديث حسن (نيل الأوطار: 318/5 ومابعدها).","part":4,"page":431},{"id":2527,"text":"الفَصْلُ الرّابع: نظريَّةُ العقدِ\rتمهيد وتخطيط للبحث :\rالتعاقد مع الآخرين وليد الحاجة إلى التعامل، والتعامل ضرورة اجتماعية قديمة ملازمة لنشوء المجتمعات، وتخطي مرحلة الانغلاق والانعزال التي كان يعيشها الإنسان البدائي، فأصبح لا غنى لكل إنسان لكونه مدنياً بالطبع من العيش المشترك مع الجماعة، لتأمين حاجياته، ولا يتم ذلك بدون التبادل والتعاون مع الآخرين. وللمبادلات صور متعددة، تخضع لما يعرف بنظرية العقد، التي تنظم حركة النشاط الاقتصادي، وتضبط أصول التعامل، وحرية التجارة، وتبادل الأعيان والمنافع، ولا تخلو الحياة اليومية لكل فرد من إبرام عقد من العقود، مما يجعل مسيرة الحياة مترعة بالعقود.\rفتكون نظرية العقد: هي البناء الشرعي الذي يقوم عليه نظام التعاقد.\rوقد وضع فقهاء الإسلام نظاماً على حدة لكل عقد معروف في عصرهم، ويمكن للباحث أن يستخلص نظرية عامة للعقد من جملة هذه الأنظمة، وبحوث الفقهاء حول تعريفات العقد، وأركانه وشروطه، وأحكامه التي قرروها لكل عقد. وبه يمكن الانتقال من الطابع الاستقرائي والتحليلي للقضايا الفردية الذي سار عليه فقهاؤنا إلى المنهج التركيبي أو النظريات العامة التي يسير عليها الآن فقهاء العصر الحديث في القانون وغيره. والأصول العامة لنظرية العقد في الفقه الإسلامي تتضح في البحوث السبعة التالية:\rالمبحث الأول: تعريف العقد، والفرق بينه وبين التصرف والالتزام، والإرادة المنفردة والوعد بالعقد.\rالمبحث الثاني: تكوين العقد، وفيه مطالب ثلاثة:\rالمطلب الأول ـ ركن العقد.\rالمطلب الثاني ـ عناصر العقد.\r1 - صيغة التعاقد (الألفاظ والإشارات والأفعال والكتابة).\r2 - العاقدان\r3 - المحل المعقود عليه (شروطه وآثارها في العقد).","part":4,"page":432},{"id":2528,"text":"4 - موضوع العقد (أو المقصد الأصلي للعقد) نظرية السبب أو (الباعث على العقد) ـ الإرادة الظاهرة والإرادة الباطنة في العقود.\rالمطلب الثالث ـ الإرادة العقدية، ويشتمل على الفروع التالية:\r1 - صورية العقد (السكر وما في معناه، الهزل،الخطأ، التلجئة، الإكراه، القصد غير المشروع).\r2 - سلطان الإرادة العقدية (مدى الحرية في العقود والشروط).\r3 - عيوب الإرادة أو الرضا.\rالمبحث الثالث: شروط العقد المبحث الرابع: آثار العقد (حكم العقد، النفاذ، الإلزام واللزوم)\rالمبحث الخامس: تصنيف العقود (التقسيمات الخمسة)\rالمبحث السادس: الخيارات (خيار المجلس، الشرط، العيب، الرؤية، التعيين، النقد).\rالمبحث السابع: انتهاء العقد\rوأوضح هذه المباحث على وفق الترتيب المذكور:\rالمبحث الأول ـ تعريف العقد، والفرق بينه وبين التصرف والالتزام والإرادة المنفردة :\rتعريف العقد :\rالعقد في لغة العرب: معناه الربط (أو الإحكام والإبرام) بين أطراف الشيء، سواء أكان ربطاً حسياً أم معنوياً، من جانب واحد، أم من جانبين. جاء في المصباح المنير وغيره: عقد الحبل، أو البيع، أو العهد فانعقد. ويقال: عقد النية والعزم على شيء، وعقد اليمين، أي ربط بين الإرادة وتنفيذ ما التزم به. وعقد البيع والزواج والإجارة، أي ارتبط مع شخص آخر.\rوهذا المعنى اللغوي داخل في المعنى الاصطلاحي الفقهي لكلمة العقد. وللعقد عند الفقهاء معنيان: عام وخاص.\rأما المعنى العام: الأقرب إلى المعنى اللغوي والشائع عند فقهاء المالكية والشافعية والحنابلة (1) فهو: كل ما عزم المرء على فعله، سواء صدر بإرادة منفردة\r-------------------------------\r(1) انظر نظرية العقد لابن تيمية: ص 18-21، 78. ومن هذا الرأي أبو بكر الرازي الجصاص في كتابه أحكام القرآن: 294/2 ومابعدها.","part":4,"page":433},{"id":2529,"text":"كالوقف والإبراء والطلاق واليمين، أم احتاج إلى إرادتين في إنشائه كالبيع والإيجار والتوكيل والرهن، أي أن هذا المعنى يتناول الالتزام مطلقاً، سواء من شخص واحد أو من شخصين، ويشمل حينئذ ما يسمى في المعنى الضيق أو الخاص عقداً، كما يشمل ما يسمى تصرفاً أو التزاماً. فالعقد بالمعنى العام ينتظم جميع الالتزامات الشرعية، وهو بهذا المعنى يرادف كلمة الالتزام.\rوأما المعنى الخاص الذي يراد هنا حين الكلام عن نظرية العقد فهو: ارتباط إيجاب بقبول على وجه مشروع يثبت أثره في محله (1) . أو بعبارة أخرى: تعلق كلام أحد العاقدين بالآخر شرعاً على وجه يظهر أثره في المحل (2) . وهذا التعريف هو الغالب الشائع في عبارات الفقهاء.\rفإذا قال شخص لآخر: بعتك الكتاب، فهو الإيجاب، وقال الآخر: اشتريت، فهو القبول، ومتى ارتبط القبول بالإيجاب، وكانا صادرين من ذوي أهلية معتبرة شرعاً، ثبت أثر البيع في محله (وهو الكتاب هنا): وهو انتقال ملكية المبيع للمشتري، واستحقاق البائع الثمن في ذمة المشتري.\rوالإيجاب أو القبول: هو الفعل الدال على الرضا بالتعاقد. والتقييد بكونه (على وجه مشروع ) لإخراج الارتباط على وجه غير مشروع، كالاتفاق على قتل فلان، أو إتلاف محصوله الزراعي، أو سرقة ماله، أو الزواج بالأقارب المحارم، فكل ذلك غير مشروع لا أثر له في محل العقد. والتقييد بكونه ( يثبت أثره في محله ) لإخراج الارتباط بين كلامين لا أثر له، كالاتفاق على بيع كل شريك حصته من دار أو أرض لصاحبه بالحصة الأخرى المساوية لها، فهذا لا فائدة منه ولا أثر له.\r-------------------------------\r(1) المادة 103، 104 من مجلة الأحكام العدلية، رد المحتار لابن عابدين: 355/2، ط الأميرية.\r(2) العناية بهامش فتح القدير: 74/5.","part":4,"page":434},{"id":2530,"text":"والعقد قانوناً يلتقي مع هذا التعريف الثاني عند الفقهاء: وهو «توافق إرادتين على إحداث أثر قانوني من إنشاء التزام أو نقله، أو تعديله أو إنهائه» (1) فإنشاء الالتزام كالبيع والإجارة، ونقله كالحوالة، وتعديله كتأجيل الدين، وإنهاؤه كالإبراء من الدين، وفسخ الإجارة قبل أوانها، فالتعريفان متقاربان.\rوهذا التعريف وإن كان واضحاً سهلاً، إلا أن تعريف الفقهاء في نظر الشرعيين أدق؛ لأن العقد ليس هو اتفاق الإرادتين ذاته، وإنما هو الارتباط الذي يقره الشرع، فقد يحدث الاتفاق بين الإرادتين، ويكون العقد باطلاً لعدم توافر الشروط المطلوبة شرعاً، فالتعريف القانوني يشمل العقد الباطل.\rثم إن مجرد توافق الإرادتين بدون واسطة للتعبير عنهما من كلام أو إشارة أو فعل لا يدل على وجود العقد، وتظل الإرادة حينئذ أمراً خفياً غير معروف. وبذلك يشمل التعريف القانوني الوعد بالعقد مع أنه ليس بعقد (2) .\rوالعقد في القانون المدني أحد أنواع الاتفاق، فليس كل اتفاق عقداً، وإنما يتخصص العقد بما يمثل التعارض بين مصلحتين، وبما ينصب على محل وقتي يستنفد وينتهي بالتنفيذ مرة واحدة، فالاتفاق على إنشاء منظمة لا يعتبر عقداً، لأنه لا يمثل تعارضاً في المصالح، ولأن محل العقد هو وضع دائم مستمر، وليس وضعاً وقتياً يستنفد مرة واحدة.\rأما العقد في الفقه الإسلامي فلا يعرف هذا التخصيص، فالزواج عقد، والإسلام عقد، والذمة عقد،مع أنها نظم دائمة، وقد لا تقوم على تحكيم المصلحة\r-------------------------------\r(1) الوسيط للدكتور السنهوري: ص 138، النظرية العامة للالتزام للدكتور عبد الحي حجازي: ص 35 ومابعدها.\r(2) المدخل الفقهي للأستاذ الزرقاء: ف 134، المدخل للأستاذ مصطفى شلبي: ص 315. الشخصية.","part":4,"page":435},{"id":2531,"text":"والعقد في الإسلام: هو دائماً انضمام لنظام موجود من قبل، هو النظام النوعي للعقد المبرم الذي وضعه الشرع ليسير عليه الناس. وما على الأفراد إلا التقيد التام بأحكام الشرع التي نظم العقود عليها. والخلاصة: أن العقد في القانون أداة لإدراك مصلحة ذاتية شخصية لكل من المتعاقدين، وأما في الإسلام فهومعد لإدراك مقاصد شرعية عامة.\rالعقد والالتزام :\rالالتزام: هو كل تصرف يتضمن إنشاء حق أو نقله أو تعديله أو إنهاءه سواء أكان صادراً من شخص واحد كالوقف والإبراء والطلاق على غير مال، أم من شخصين كالبيع والإجارة والطلاق على مال.\rفالالتزام يرادف كلمة العقد بالمعنى العام الذي ذكر، ويختلف عن كلمة العقد بالمعنى الخاص، فالعقد مقصور على نوع خاص من الالتزام وهو ماكان صادراً من شخصين كالبيع والإيجار والرهن ونحوه، والالتزام من ذلك فيشمل ما صدر من شخص واحد كالوقف والنذر واليمين ونحوه، كما يشمل ما صدر من شخصين أو وجد بإرادتين مزدوجتين كالبيع والإجارة.\rالعقد والتصرف :\rالتصرف: هو كل ماصدر عن الشخص بإرادته من قول أو فعل، يرتب عليه الشرع أثراً من الآثار، سواء أكان في صالح ذلك الشخص أم لا. فيشمل الأقوال الصادرة عن الشخص كالبيع والهبة والوقف والإقرار بحق، والأفعال كإحراز المباحات والاستهلاك والانتفاع، سواء أكان القول أو الفعل لصالح الشخص كالبيع والاصطياد، أم لغير صالحه كالوقف والوصية، والسرقة والقتل. وبه يتبين أن التصرف نوعان: فعلي وقولي.\rأما التصرف الفعلي: فهو الواقعة المادية الصادرة عن الشخص كالغصب والإتلاف وقبض الدين وتسلم المبيع.\rأما التصرف القولي فهو نوعان: عقدي وغير عقدي. أما العقدي فهو اتفاق إرادتين كالشركة والبيع، وغير العقدي قد يكون مجرد إخبار بحق كالدعوى والإقرار، وقد يقصد به إنشاء حق أو إنهاءه كالوقف والطلاق والإبراء.","part":4,"page":436},{"id":2532,"text":"وعلى هذا فإن التصرف أعم من العقد والالتزام إذ أنه يشمل الأقوال والأفعال، وينتظم الالتزام وغير الالتزام، وقد يكون التصرف القولي غير داخل في معنى العقد ولو بمعناه الواسع أو العام كالدعوى والإقرار.\rوالخلاصة: أن التصرف أعم من العقد والالتزام. والعقد بالمعنى العام والالتزام مترادفان متساويان، والالتزام أعم من العقد بالمعنى الخاص، والعقد بمعناه الخاص نوع من الالتزام، وأخص من كلمة تصرف. فكل عقد هو تصرف، وليس كل تصرف عقداً.\rالعقد والإرادة المنفردة :\rقد تستقل الإرادة الواحدة بإنشاء التزام، كما قد تنشئ أحياناً عقداً من العقود في أحوال استثنائية، عملاً بالنزعة الموضوعية للالتزام أو بالمذهب المادي الذي نلاحظه في الفقه الإسلامي، والذي يعد الالتزام فيه علاقة مالية أكثر منه علاقة شخصية بين طرفين: دائن ومدين.\rوالالتزام بإرادة واحدة: معناه التعهد بشيء يصبح به المتعهد مديناً لآخر غير موجود حين إنشاء الالتزام كالوعد بالمكافأة أو بالجائزة للمتفوقين من الناجحين، أو لمن يصنع دواء لعلاج مرض معين مثلاً.\rوأمثلة الالتزام بإرادة واحدة في الفقه الإسلامي كثيرة منها:\r1 - الجعالة: هي التزام جعل (1) أو أجر معين لمن يقوم بعمل معين، بدون تحديد أمد معين، وهي عقد جائز غير لازم كتقديم مكافأة لمن يرد متاعاً ضائعاً، أو يبني حائطاً أو يحفر بئراً يصل إلى الماء، أو ينجح نجاحاً متفوقاً في امتحان، أو يحقق نصراً حربياً على العدو، أو يشفي مرضاً معيناً، أو يبتكر علاجاً ناجعاً، أو يخترع اختراعاً صناعياً، أو يحفظ القرآن الكريم.\rوقد أجازها جمهور الفقهاء من المالكية والشافعية والحنابلة (2) عملاً بقصة يوسف عليه ا لسلام مع إخوته: {قالوا: نفقد صُواع (3) الملك، ولمن جاء به حمل بعير، وأنا به زعيم} [يوسف:12/72]، ويؤيده قوله عليه الصلاة والسلام يوم حُنين: «من قتل قتيلاً فله سلبه» (4) .\rولم يجزها الحنفية (5) ، لما فيها من الغرر والخطر أي الجهالة والاحتمال بالنسبة للملتزم وبالنسبة للقائم بالعمل الذي لا يدري ما يحتاجه من مجهود لإنجاز العمل.\r-------------------------------\r(1) الجُعْل: ما يجعل للإنسان من شيء على فعل كأجر العامل ومكافأة المحارب على عمل حربي رائع.\r(2) بداية المجتهد: 232/2 ومابعدها، الشرح الصغير للدردير: 79/4 ومابعدها، القوانين الفقهية: ص275 ومابعدها، مغني المحتاج: 429/2 ومابعدها، المغني: 507/5 ومابعدها، غاية المنتهى: 284/2.\r(3) الصواع: المكيال الذي يكال به.\r(4) السلب: ما يكون مع القتيل من متاع أو مال أو سلاح أو خيل. والحديث رواه أحمد وأبو داود عن أنس بلفظ: «من قتل رجلاً فله سلبه» (نيل الأوطار: 262/7).\r(5) البدائع: 206/6.","part":4,"page":437},{"id":2533,"text":"والقانون المدني السوري في المادة (163) نظم الوعد بجائزة: وهو تخصيص أجر لشخص لن يتعين إلا بتنفيذ الأداء الذي حدده الواعد. وأجاز الرجوع عنه إذا لم يعين الواعد أجلاً للقيام بالعمل.\r2 - الوقف: هو حبس المال عن التصرف، وتخصيص ريعه لجهة بر، تقرباً إلى الله تعالى، كالوقف على دور العلم وجهات الخير كالمشافي والمدارس والمصانع الحربية، والوقف لفلان، ثم على جهة خير معينة. وينعقد الوقف بإرادة الواقف وحده، فإن كان على شخص فله حق الرد، فيصرف إلى جهة الخير أو البر التي عينها الواقف.\r3 - الإبراء: إسقاط شخص ماله من حق لدى شخص آخر، كإسقاط الدائن دينه المستقر في ذمة مدينه. يتم بدون حاجة لقبول المدين، إلا أنه يرتد برده في مجلس الإبراء، لما فيه من معنى التمليك (أي تمليك الدين للمدين)، دفعاً للمِنَّة والجميل الذي يصنعه الدائن له، والإنسان لا يملّك شيئاً جبراً عنه. فهو من قبيل الإسقاطات عند جمهور الفقهاء غير المالكية.\rقال المالكية على ما هو راجح عندهم: يحتاج الإبراء إلى قبول المبرأ؛ لأنه من قبيل التمليكات التي يشترط فيها القبول كالهبة والصدقة.","part":4,"page":438},{"id":2534,"text":"4 - الوصية: تمليك مضاف إلى ما بعد الموت بطريق التبرع، سواء أكان المملك عيناً أم منفعة، كالوصية بمبلغ من المال أو بمنفعة دار لفلان أو لجهة خير بعد وفاة الموصي، فهي عقد يتم بإرادة واحدة هي إرادة الموصي، وتتحقق بإيجابه (أو عبارته أو كتابته أو إشارته المفهمة) فيكون ركن الوصية هو الإيجاب من الموصي فقط، إلا أنها ترتد بالرد عند الحنفية (1) ؛ لأنه ليس له إلزامه على قبولها.\rواتفق الفقهاء على أن الوصية من العقود الجائزة غير اللازمة أي أن للموصي أن يرجع فيما أوصى به.\rفالإيجاب بالوصية هو ركن الوصية. وأما القبول من الموصى له بعد وفاة الموصي فليس بركن للوصية، ولكنه على الراجح عند فقهاء المالكية والحنفية والشافعية والحنابلة (2) شرط للزوم الوصية ودخول الموصى به في ملك الموصى له من بعد الموت. فالحقيقة الشرعية للوصية عندهم تكون بالإيجاب من الموصي فقط، ولا تتوقف على قبول الموصى له. وتنفذ الوصية من ثلث التركة، ولا وصية جائزة للوارث إلا بإجازة الورثة، كما لا تجوز الوصية لغير الوارث بما زاد عن ثلث التركة إلا بموافقة الورثة.\r5 - اليمين: عقد قوي به عزم الحالف على الفعل أو الترك (3) ، مثل والله لأكرمنَّ جاري، أو لأعلمنَّ هذا اليتيم على نفقتي، فيجب عليه ديانةً الوفاء بيمينه، فإن لم يوفّ به، حنث في يمينه ولزمته كفارة اليمين.\r-------------------------------\r(1) اللباب شرح الكتاب: 170/4، تبيين الحقائق للزيلعي: 182/6، 184، رد المحتار على الدر المختار: 460/5.\r(2) بداية المجتهد: 330/2، الشرح الكبير للدردير: 424/4، مغني المحتاج: 53/3، غاية المنتهى: 351/2، المغني: 25/6.\r(3) فتح القدير: 2/4، تبيين الحقائق: 106/3.","part":4,"page":439},{"id":2535,"text":"6 - الكفالة: عند غير الحنفية: ضم ذمة الضامن إلى ذمة المضمون عنه في التزام الحق أي في الدين، فيثبت الدين في ذمتهما معاً. واقتصر الحنفية على أن الضم محصور في المطالبة بالدين. فالكفالة: التزام الكفيل بالدين بأدائه إلى الدائن بدلاً من من المدين عند مطالبته. وهي توجد بمجرد التزام الكفيل بالدين ورضاه به عند المالكية والشافعية والحنابلة وأبي يوسف من الحنفية (1) ، أي أن ركن الكفالة هو الإيجاب وحده، وأما القبول من الدائن أو المدين فليس ركناً عند هؤلاء. فتكون التزاماً جانب واحد. وقال أبو حنيفة ومحمد بن الحسن (2) : ركن الكفالة: الإيجاب من الكفيل، والقبول من الدائن.\rالعقد بإرادة منفردة :\rالأصل العام في العقود أن يكون العاقد متعدداً ، أي أن العقد ينشأ بإيجاب وقبول يعبر كل واحد منهما عن إرادة صاحبه؛ لأن العقد ينشئ آثاراً متعارضة وحقوقاً أو التزاماتٍ متضادة، مثل تسليم المبيع وتسلمه، والمطالبة بتسليم المبيع وقبض الثمن ، ورد المبيع بالعيب، وفسخ العقد بالخيارات، ويستحيل أن يكون الشخص الواحد في زمان واحد مسلِّماً ومتسلماً، طالباً ومطالباً، مملكاً ومتملكاً، مما يوجب أن يكون العقد من طرفين، لكل منهما إرادته وعبارته والتزامه، لا من شخص واحد ليس له إلا إرادة واحدة.\rلكن استثناء من هذا الأصل يجوز عند بعض الفقهاء إبرام العقد بعاقد واحد في بعض حالات البيع والزواج.\r-------------------------------\r(1) الشرح الصغير: للدردير: 429/3 ومابعدها، مغني المحتاج: 200/2، المهذب: 340/1، المغني: 535/5.\r(2) فتح القدير: 390/5، البدائع: 2/6، الدر المختار: 261/4، مجمع الضمانات: ص 275.","part":4,"page":440},{"id":2536,"text":"البيع بعاقد واحد :\rأجاز الحنفية ما عدا زفر (1) انعقاد البيع بإرادة شخص واحد متخذاً صفتين بالنيابة عن البائع وعن المشتري، في حالات نادرة هي شراء الأب، أو وصيه، أو الجد، مال الصغير لنفسه، أو بيع مال نفسه من الصغير، وبيع القاضي والرسول عن طرفي العقد؛ لأن القاضي لا ترجع إليه حقوق العقد أي (لا يلتزم بشيء من التزامات العقد كالتسليم ودفع الثمن)، فكان بمنزلة الرسول، والرسول بعكس الوكيل عن الجانبين لا تلزمه حقوق العقد؛ لأنه سفير ومعبر عن كلام الأصيل، فجاز لكل من القاضي والرسول تولي العقد عن الجانبين. ولا يجوز ذلك للوكيل من الجانبين.\rلكن تعامل الأب مع الصغير لنفسه مقيد بأن يكون السعر بمثل قيمة الشيء، أو بشيء يسير من الغبن المعتاد حدوثه بين الناس عادة؛ لأن الأب مفترض فيه كمال الشفقة والرحمة ووفرة الرعاية لمصلحة الصغير.\rوأما وصي الأب فمقيد تعامله مع الصغير عند أبي حنيفة وأبي يوسف بأن يكون تصرفه بمال الصغير لنفسه بمثل القيمة، أو بما فيه نفع ظاهر (أو خير بيّن) لليتيم (2) ، لأنه مرضي الأب، والظاهر ما رضي به إلا لوفور شفقته على الصغير. ولم يجز محمد بن الحسن تصرف الوصي بمال الصغير لنفسه بمثل القيمة؛ لأن التساهل في الأب لكمال شفقته بخلاف الوصي.\rوأجاز الحنابلة أن يتولى عاقد واحد عن الجانبين كالوكيل عن الطرفين عقد البيع ونحوه من عقود المعاوضات الأخرى كالإجارة مثلاً؛ لأن حقوق العقد وآثاره أو التزاماته ترجع عندهم للموكل نفسه صاحب الشأن. كما أجازوا ذلك أيضاً في عقد الزواج، وفي الدعوى، فيصح أن يكون الشخص الواحد وكيلاً في الدعوى عن المدعي والمدعى عليه، ممثلاً مصلحة الطرفين ومقيماً الحجة أو الدفوع لكل منهما (3) .\r-------------------------------\r(1) البدائع: 232/2، 136/5، رد المحتار لابن عابدين: 5/4، فتح القدير: 428/2، تبيين الحقائق: 211/6.\r(2) النفع الظاهر في العقار يكون بشراء الوصي لنفسه من الصغير بضعف القيمة، ويبيع بنصفها. وفي المنقول ببيع ما يساوي 15 بعشرة، وشراء ما يساوي عشرة بخمسة عشر.\r(3) كشاف القناع: 238/2، المغني: 109/5، مطالب أولي النهي في شرح غاية المنتهى للسيوطي الرحيباني: 464/3، ط المكتب الإسلامي بدمشق.","part":4,"page":441},{"id":2537,"text":"وروي عن الإمام مالك أن للوكيل والوصي أن يشتريا لأنفسهما من مال الموكل واليتيم، إذا لم يحابيا أنفسهما (1) .\rالزواج بعاقد واحد :\rأجاز جمهور الحنفية ما عدا زفر للشخص الواحد أن يتولى طرفي عقد الزواج بإيجاب يقوم مقام القبول في خمس صور (2) .\r1 - إذا كان الشخص ولياً من الجانبين: كأن يزوج الجد بنت ابنه الصغيرة لابن ابنه الصغير.\r2 - إذا كان وكيلاً من الجانبين: كأن يقول: زوجت موكلي فلاناً موكلتي فلانة.\r3 - إذا كان أصيلاً من جانب وولياً من جانب آخر، كأن يتزوج ابن عم بنت عمه الصغيرة التي تحت ولايته، فيقول أمام الشهود: تزوجت بنت عمي فلانة.\r4 - إذا كان أصيلاً من جانب ووكيلاً من جانب آخر، كما لو وكلت امرأة رجلاً ليزوجها من نفسه.\r5 - إذا كان ولياً من جانب ووكيلاً من جانب، مثل زوجت بنتي من موكلي. والسبب في مشروعية انعقاد الزواج في هذه الأحوال أن العاقد ليس إلا سفيراً عن الأصيل ومعبراً عنه، فلا يتحمل شيئاً من التزامات العقد، والواحد يصلح أن يكون معبراً عن اثنين بصفتين مختلفتين.\r-------------------------------\r(1) القوانين الفقهية: ص 328.\r(2) البدائع: 231/2، 137/5.","part":4,"page":442},{"id":2538,"text":"وقال الشافعي (1) : « يجوز الزواج بعاقد واحد إذا كان ولياً من الجانبين وذلك في حالة الجد فقط، له أن يزوج حفيديه ببعضهما، ويتولى وحده العقد عن الطرفين، وذلك للضرورة لعدم وجود ولي آخر من درجته، ولقوة ولايته وشفقته دون سائر الأولياء» .\rوالخلاصة: إن العقد بالمعنى الخاص لا يتحقق بإرادة منفردة، بل لا بد لتحققه من توافق أواجتماع إرادتين. وأما انعقاد البيع أو الزواج في الحالات السابقة، وإن اقتصر فيه على شخص واحد، إلا أنه في الحقيقة يمثل صفتين، فقامت عبارة الشخص الواحد التي تدل على إرادتين متوافقتين مقام العبارتين من عاقدين مختلفتين (2) .\rوهناك فرق ثان بينهما من ناحية الحكم (أي الأثر المترتب على العقد)، وهو أن العقد يلزم الوفاء به من العاقد ديانة وقضاء باتفاق الفقهاء، لقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود} [المائدة:1/5] وقوله سبحانه: {وأوفوا بالعهد} [الإسراء:34/17]. أما الوعد فلا يلزم الوفاء به قضاء، بل الوفاء به مندوب مطلوب ديانة ومن مكارم الأخلاق. فلو وعد شخص غيره ببيع أو قرض أو هبة مثلاً لا يجبر على الوفاء بوعده بقوة القضاء، بل يندب له تنفيذه ديانة؛ لقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لمَ تقولون ما لا تفعلون، كبُر مقتاً عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون} [الصف:2/61-3] وقال النبي صلّى الله عليه وسلم : «آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان» (3) .\rهذا هو السائد عند الفقهاء، لكن توجد آراء قد تكون مخالفة للرأي السائد، وقد تكون ملطفة أحياناً بجعل الوعد ملزماً قضاء في بعض الحالات.\r-------------------------------\r(1) نهاية المحتاج: 192/5 ومابعدها.\r(2) منع القانون المدني المصري والسوري في المادة 109 من تعاقد الشخص مع نفسه، سواء أكان التعاقد لحساب نفسه أم لحساب غيره إلا إذا رخص الأصيل مقدماً لنائب في التعاقد مع نفسه، أو وجد نص في القانون، أو قضت قواعد التجارة بجواز ذلك (الوسيط للسنهوري: ص 202).\r(3) رواه الشيخان (البخاري ومسلم) والترمذي والنسائي عن أبي هريرة.","part":4,"page":443},{"id":2539,"text":"قال ابن شبرمة (1) : يلزم الواعد ويجبر على الوفاء بوعده قضاء. وقال الحنفية: يلزم الوعد إذا صدر معلقاً على شرط منعاً لتغرير الموعود. وعبروا عن ذلك بقاعدة فقهية: (المواعيد بصورة التعاليق تكون لازمة) (م 38 مجلة) وقال ابن نجيم: «لا يلزم الوعد إلا إذا كان معلقاً» مثل أن يقول شخص لآخر: إذا لم يعطك فلان ثمن المبيع، فأنا أعطيه لك. فيلزمه إعطاؤه حينئذ؛ لأن الوعد اكتسى صفة الالتزام والتعهد.\rوقال المالكية (2) : يلزم الواعد بوعده قضاء إن أدخل الموعود في سبب أو وعده مقروناً بذكر السبب، كما قال أصبغ من فقهائهم لتأكد العزم على الدفع حينئذ. مثال الحالة الأولى أن يقول لآخر: اهدم دارك وأنا أقرضك ما تبني به الدار، أو اخرج إلى الحج وأنا أقرضك، أو اشتر سلعة، أو تزوج امرأة وأنا أسلفك، ففعل الموعود ذلك، فيجب عليه الإقراض لأنه أدخل الموعود في الالتزام. ومثال الحالة الثانية عند أصبغ: أن يقول شخص لآخر: تزوج أو اشتر، وأنا أقرضك، فيلزمه الوفاء بوعده ولو لم يباشر الموعود فعل الزواج أو الشراء أي سواء تزوج الموعود أو اشترى أم لا، يلزم الواعد بما وعد، دفعاً للضرر الحاصل للموعود من تغرير الواعد.\rفإن وعده بدون ذكر السبب، كأن يقول شخص لآخر: أسلفني كذا، فيقول\rالمخاطب: نعم، لا يلزمه الوعد. والقوانين الوضعية المدنية تتفق مع رأي ابن شبرمة وبعض المالكية على أن الوعد بعقد أو بعمل ملزم قانوناً.\r-------------------------------\r(2) هو عبد الله بن شبرمة، قاضي فقيه من التابعين ولد سنة 72 هـ وتوفي سنة 144 هـ (تهذيب التهذيب: 250/5).\r(2) الفروق للقرافي:24/5-25، المحلى لابن حزم: 33/8، م/1125.","part":4,"page":444},{"id":2540,"text":"المبحث الثاني ـ تكوين العقد\rيشتمل هذا المبحث على مطالب ثلاثة:\rالمطلب الأول ـ ركن العقد :\rالركن في اصطلاح علماء الأصول من الحنفية: هو ما يتوقف عليه وجود الشيء وكان جزءاً داخلاً في حقيقته. ففي العبادات يعد الركوع والسجود وقراءة القرآن أركاناً للصلاة. وفي المعاملات: الإيجاب والقبول أو ما يقوم مقامهما هو ركن العقد. فركن العقد: هو كل ما يعبر به عن اتفاق الإرادتين أو ما يقوم مقامهما من فعل أو إشارة أو كتابة (1) .\rهذا هو مذهب الحنفية، وأما بقية العناصر أو المقومات التي يقوم عليها العقد من محل معقود عليه، وعاقدين، فهي لوازم لا بد منها لتكوين العقد، لأنه يلزم من وجود الإيجاب والقبول وجود عاقدين، ولا يتحقق ارتباط العاقدين إلا بوجود محل يظهر فيه أثر الارتباط.\rوغير الحنفية (2) يقولون: إن للعقد أركاناً ثلاثة هي عاقد ومعقود عليه وصيغة. فالعاقد في البيع هو البائع والمشتري، والمعقود عليه هو الثمن والمثمن، والصيغة هي الإيجاب والقبول، باعتبار أن الركن عند الجمهور: هو ما يتوقف عليه وجود الشيء وإن لم يكن جزءاً داخلاً في حقيقته.\rوأياً كان هذا الاختلاف فهو اصطلاح لا تأثير له من حيث النتيجة.\r-------------------------------\r(1) فتح القدير: 74/5، البدائع: 133/5، رد المحتار لابن عابدين: 5/4.\r(2) الشرح الكبير للدردير وحاشية الدسوقي: 2/3، مغني المحتاج: 3/2، غاية المنتهى: 3/2، القوانين الفقهية: ص 245.","part":4,"page":445},{"id":2541,"text":"تعريف الإيجاب والقبول :\rالإيجاب والقبول يكوِّنان صيغة العقد، أي العبارات الدالة على اتفاق الطرفين المتعاقدين.\rوتعريفهما عند الحنفية (1) ما يأتي:\rالإيجاب: إثبات الفعل الخاص الدال على الرضا الواقع أولاً من كلام أحد المتعاقدين، أو ما يقوم مقامه، سواء وقع من المملك أو المتملك (2) . فقول العاقد الأول في البيع هو الإيجاب، سواء صدر من البائع أو من المشتري. فإذا قال البائع أولاً (بعت) فهو الإيجاب. وإذا ابتدأ المشتري الكلام فقال: (اشتريت بكذا) فهو الإيجاب.\rوالقبول: ما ذكر ثانياً من كلام أحد المتعاقدين، دالاً على موافقته ورضاه بما أوجبه الأول (3) .\rفالمعتبر إذن: أولية الصدور وثانويته فقط، سواء أكان من جهة البائع أم من جهة المشتري في عقد البيع.\rوعند غير الحنفية (4) : الإيجاب: هو ما صدر ممن يكون منه التمليك وإن جاء متأخراً، والقبول: هو ما صدر ممن يصير له الملك، وإن صدر أولاً. ففي عقد البيع: إذا قال المشتري: اشتريت منك هذه البضاعة بكذا، وقال البائع: بعته لك بهذا الثمن، انعقد البيع، وكان الإيجاب ما صدر عن البائع، لأنه المملك، والقبول: ما صدر من المشتري، وإن صدر أولاً.\rوالواقع أن تسمية إحدى عبارتي العاقدين إيجاباً، والأخرى قبولاً هي تسمية اصطلاحية، ليس لها أثر يذكر، والأصل العام في الإيجاب أن يقع من البائع أولاً، ويقع القبول من المشتري ثانياً.\r-------------------------------\r(1) رد المحتار لابن عابدين والدر المختار: 6/4، والمراجع السابقة.\r(2) ورد تعريف الإيجاب في المجلة (م 101): «الإيجاب: أول كلام يصدر من أحد العاقدين لأجل إنشاء التصرف، وبه يوجب ويثبت التصرف» .\r(3) عرفت المجلة في المادة (102) القبول بما يأتي: «القبول: ثاني كلام يصدر من أحد العاقدين لأجل إنشاء التصرف، وبه يتم العقد» .\r(4) شرح المنهج للأنصاري: 180/2 وما بعدها، كشاف القناع: 3/2، غاية المنتهى: 3/2 ومابعدها، الشرح الكبير للدردير وحاشية الدسوقي عليه: 3/3.","part":4,"page":446},{"id":2542,"text":"المطلب الثاني ـ عناصر العقد :\rعناصر العقد: هي مقوماته الذاتية التي ينشأ بها العقد، ولا يتحقق إلا بوجودها، وهي أربعة: صيغة التعاقد، والعاقدان، ومحل العقد، وموضوع العقد.\rالعنصر الأول ـ صيغة العقد :\rصيغة العقد: هي ما صدر من المتعاقدين دالاً على توجه إرادتهما الباطنة لإنشاء العقد وإبرامه. وتعرف تلك الإرادة الباطنة بواسطة اللفظ أو القول أو ما يقوم مقامه من الفعل أو الإشارة أو الكتابة. وهذه الصيغة هي الإيجاب والقبول. وقد اتفقت الشرائع على أن مدار وجود العقد وتحققه هو صدور ما يدل على التراضي من كلا الجانبين بإنشاء التزام بينهما. وهذا هو ما يعرف بصيغة العقد عند فقهائنا. ويسمى عند القانونيين (التعبير عن الإرادة). والبحث فيها يكون ببيان أساليب الصيغة، وشروطها.\rالفرع الأول ـ أساليب صيغة الإيجاب والقبول :\rالتعبير عن الإرادة العقدية الجازمة يكون بأي صيغة تدل عرفاً أو لغة على إنشاء العقد، سواء بالقول أو بالفعل أو بالإشارة أو بالكتابة، وقد نصت على هذه الأساليب المادة (173) و (174) من المجلة، كما نصت عليها المادة (1/93) من القانون المدني السوري.\rأولاً ـ اللفظ (أو القول ) :\rاللفظ: هو الأداة الطبيعية الأصلية في التعبير عن الإرادة الخفية وهو الأكثر استعمالاً في العقود بين الناس لسهولته وقوة دلالته ووضوحه، فيلجأ إليه متى كان العاقد قادراً عليه، وبأي لغة يفهمها المتعاقدان. ولا يشترط فيه عبارة خاصة، وإنما يصح بكل ما يدل على الرضا المتبادل بحسب أعراف الناس وعاداتهم؛ لأن الأصل في العقود هو الرضا، لقوله تعال: {إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم} [النساء:29/4] وقوله عليه الصلاة والسلام: «إنما البيع عن تراض» .\rمادة اللفظ: وعليه فلا يشترط في العقود كالبيع والإيجار والرهن والهبة ونحوها لفظ معين أو عبارة مخصوصة، كأن يقول البائع: بعت بكذا، أو ملكته لك بكذا، أو أعطيته لك بكذا، أو وهبته بثمن كذا. ويقول المشتري: اشتريت، أو قبلت، أو رضيت، أو خذ الثمن وهات المبيع.\rأما عقد الزواج فاختلف الفقهاء في شأن الألفاظ المستعملة فيه، نظراً لخطورته وقداسته.","part":4,"page":447},{"id":2543,"text":"فقال الحنفية والمالكية (1) : يصح انعقاد الزواج بكل لفظ يدل على تمليك العين في الحال، كالتزويج والنكاح والتمليك، والجعل، والهبة والعطية والصدقة، بشرط توافر النية أو القرينة الدالة على أن المراد باللفظ هو الزواج، وبشرط فهم الشهود للمقصود؛ لأن عقد الزواج كغيره من العقود التي تنشأ بتراضي العاقدين، فيصح بكل لفظ يدل على تراضيهما وإرادتهما. وقد ورد لفظ ( الهبة ) في القرآن الكريم دالاً على صحة استعماله لإبرام الزواج، كما ورد في السنة النبوية استعمال عبارة ( التمليك ).\rأما الوارد في القرآن فقوله تعالى: {وامرأةً مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي إن أراد أن يستنكحها خالصة لك من دون المؤمنين} (2) الخصوصية للنبي صلّى الله عليه وسلمفيقولهتعالى { خالصة لك} [الأحزاب:50/33] ليست في انعقاد زواجه بلفظ «الهبة» وإنما في صحة زواجه بغير مهر.\rوأما الوارد في السنة فقوله عليه السلام لخاطب من الصحابة يحفظ سوراً من القرآن: «ملّكتكها بما معك من القرآن» (3) .\rولا يصح الزواج بلفظ لا يفيد الملك كإجارة وإعارة ووصية ورهن ووديعة ونحوها، ولا بالألفاظ المصحفة مثل تجوزت.\rوقال فقهاء الشافعية والحنابلة (4) : يشترط لصحة عقد الزواج استعمال لفظي «زوج أو نكح» وما يشتق منهما لمن يفهم اللغة العربية. أما من لا يعرف اللغة العربية فيصح الزواج منه بالعبارة التي تؤدي الغرض المقصود، وتفهم هذا المعنى؛ لأن عقد الزواج له خطورة لوروده على المرأة وهي حرة، وشرع لأغراض سامية\r-------------------------------\r(1) فتح القدير: 346/2، الدر المختار ورد المحتار لابن عابدين: 368/2 ومابعدها، القوانين الفقهية: ص 195، الشرح الكبير للدردير: 220/2 ومابعدها، بداية المجتهد: 168/2.\r(2) الأحزاب: 50 .\r(3) متفق عليه بين البخاري ومسلم وأحمد (نيل الأوطار: 170/6).\r(4) مغني المحتاج: 139/3، المغني: 532/6 ومابعدها.","part":4,"page":448},{"id":2544,"text":"منها تكثير النسل وبقاء النوع الإنساني، وتكوين الأسر، ففيه معنى التعبد لله ، بتكثير عباد الله الذين يعبدونه، مما يوجب علينا التزام ما ورد به الشرع، ولم يرد في القرآن الكريم إلا هذان اللفظان فقط وهما (النكاح والتزويج) وذلك في أكثر من عشرين آية: منها: {فانكحوا ما طاب لكم من النساء} (1) [النساء4/3]ومنها {فلما قضى زيد منها وطراً زوجناكها} (2) .\rويمكن أن يكون رأي الحنفية والمالكية أرجح، لأن الزواج كغيره من العقود، فيصح بكل لفظ ينبئ عن الرضا والإرادة.\rصيغة اللفظ أو نوع الفعل :\rاتفق الفقهاء على صحة انعقاد العقد بالفعل الماضي، لأن صيغته أدل على المراد وأقرب إلى تحقيق مقصود وهو إنشاؤها في الحال، فينعقد بها العقد من غير توقف على شيء آخر كالنية أو القرينة، وقد تعارف الناس استعمال هذه الصيغة (3) ، وأقرهم الإسلام عليها واستعملها الرسول صلّى الله عليه وسلم في جميع العقود، لإفادتها تنجيز العقد حالاً ودلالتها على الإرادة الجازمة وحدوث الشيء قطعاً من غيراحتمال معنى آخر، مثل بعت، واشتريت، ورهنت، ووهبت، وزوجت، وأعرت، وقبلت، ونحو ذلك.\rواتفق الفقهاء أيضاً على الانعقاد بصيغة المضارع إذا توافرت نية الحال أو دلت القرينة على إرادة إنشاء العقد حالاً؛ لأن المضارع يدل على الحال والاستقبال، ففيه احتمال الوعد والمساومة، فكان لا بد من النية لتعيين المراد في الحال، وإنشاء العقد حالاً، مثل أبيع وأشتري وأزوجك وأقبل وأرضى.\rوينعقد العقد بالجملة الاسمية على الأصح، مثل أنا بائع لك كذا، أو واهب لك كذا، فقال آخر: أنا قابل: أو قال: نعم.\r-------------------------------\r(1) النساء: 3.\r(2) الأحزاب: 37.\r(3) نصت المادة 168 من المجلة على ما يأتي: الإيجاب والقبول في البيع عبارة عن كل لفظين مستعملين لإنشاء البيع في عرف البلدة.","part":4,"page":449},{"id":2545,"text":"واختلف الفقهاء في انعقاد العقد بلفظ الأمر الذي يعبر به عن المستقبل، مثل: بعني أو اشتر مني، أو آجرني، أو خذه بكذا.\rفقال الحنفية (1) : إن ماعدا عقد الزواج لا ينعقد عقده بلفظ الأمر، ولو نوى ذلك، ما لم يقل القائل الآمر مرة أخرى في المثال السابق: اشتريت، أو بعت، أو استأجرت؛ لأن لفظ الأمر مجرد طلب وتكليف، فلا يكون قبولاً ولا إيجاباً. أو كانت العبارة تنبئ عن إيجاب أو قبول مقدر (مفهوم ضمناً) يقتضيه المعنى ويستلزمه كأن يقول المشتري: اشتريت منك هذا بكذا، فقال البائع: خذه، و الله يبارك لك، فكأنه قال: بعتك فخذه (المجلة: م 172).\rوأما عقد الزواج فيصح بصيغة الأمر مثل: زوجيني نفسك، فقالت: زوجتك، أو قال الرجل لولي المرأة أو وكيلها: زوجني فلانة، فأجاب: زوجتك، لأن لفظ الأمر للمساومة، وعقد الزواج يسبق عادة بالخطبة، فلا يقصد بهذا الأمر الوعد والمساومة، وإنما المقصود به إنشاء العقد، لا مقدمات العقد وهي الخطبة، فيحمل على الإيجاب والقبول. أما غير الزواج كالبيع مثلاً، فإنه يحصل فجأة بدون مقدمات غالباً، فيكون الأمر فيه مساومة، عملاً بحقيقة لفظ الأمر، ويكون المراد به العدة أو المساومة، ولا يعدل عن المعنى الحقيقي للفظ إلى شيء آخر إلا بدليل، ولم يوجد الدليل في البيع، بخلاف الزواج، كما تقدم.\r-------------------------------\r(1) البدائع: 133/5 ومابعدها، فتح القدير مع العناية: 75/5 وما بعدها، حاشية ابن عابدين: 9/4 وما بعدها، المجلة: م169-172.","part":4,"page":450},{"id":2546,"text":"وقال جمهور الفقهاء غير الحنفية (1) : ينعقد العقد بلفظ الأمر بدون حاجة للفظ ثالث من الآمر، سواء أكان بيعاً أم زواجاً؛ لأن أساس العقد هو التراضي، وقد جرى العرف على استعمال صيغة الأمر في إنشاء العقود كالماضي والمضارع، فينعقد بها العقد، ويكون الآمر أو المستدعي عاقداً فعلاً: بائعاً أو مشترياً مثلاً، وهذا الرأي هو الأرجح لما فيه من تحقيق مصالح الناس ومراعاة أعرافهم وعاداتهم دون مصادمة النصوص الشرعية.\rواتفق الفقهاء على عدم انعقاد العقد بصيغة الاستقبال: وهي صيغة المضارع المقرون بالسين أو سوف مثل: سأبيعك؛ لأن ذكر السين يدل على إرادة العقد في المستقبل، فهو وعد بالعقد وليس عقداً، أي أنه يدل على عدم إرادة الحال، فلا ينعقد بها العقد، حتى ولو نوى بها العاقد الإيجاب والقبول.\rكذلك لا ينعقد العقد بصيغة الاستفهام، لدلالتها على المستقبل، لأنها سؤال الإىجاب والقبول، وليست إيجاباً ولا قبولاً، كأن يقول المشتري: أتبيع مني هذا الشيء؟ فقال البائع: بعت، لا ينعقد العقد إلا إذا انضم لذلك لفظ ثالث يقوله المشتري مرة أخرى: اشتريت؛ لأن لفظ الاستفهام لا يستعمل للحال حقيقة.\rثانياً ـ التعاقد بالأفعال (العقد بالمعاطاة ) :\rقد ينعقد العقد بدون قول أو لفظ، وإنما بفعل يصدر من المتعاقدين ويسمى في الفقه بالمعاطاة أو التعاطي أو المراوضة: وهو التعاقد بالمبادلة الفعلية الدالة على التراضي دون تلفظ بإيجاب أو قبول (2) .\r-------------------------------\r(1) مواهب الجليل للحطاب: 228/4-240، حاشية الدسوقي: 3/3 ومابعدها، بداية المجتهد: 168/2، مغني المحتاج: 4/2-5، المغني: 560/3.\r(2) نصت المادة 175 من المجلة على ما يأتي: «حيث إن المقصد الأصلي من الإيجاب والقبول هو تراضي الطرفين، فينعقد البيع بالمبادلة الفعلية الدالة على التراضي، ويسمى هذا بيع التعاطي» وذكرت المادة أمثلة لذلك.","part":4,"page":451},{"id":2547,"text":"مثل أن يأخذ المشتري المبيع، ويدفع للبائع الثمن، أو يدفع البائع المبيع، فيدفع له الآخر ثمنه من غير تكلم ولا إشارة، سواء أكان المبيع حقيراً أم نفيساً.\rففي البيع لو وجد الرجل سلعة مسعرة كتب عليها الثمن كساعة أو حلي، فناول الثمن للبائع وأخد السلعة دون إيجاب وقبول لفظيين، انعقد البيع لدلالته على التراضي في عرف الناس. كذلك ينعقد لو اقتصر المشتري على دفع عربون؛ لأنه جزء من الثمن.\rوفي الإجارة: لو ركب الإنسان سيارة من وسائل النقل، ثم دفع ثمن التذكرة إلى الجابي دون كلام متبادل صح الإيجار عرفاً.\rلكن الفقهاء اختلفوا في التعاقد بالتعاطي في العقود المالية على أقوال ثلاثة:\rالأول ـ مذهب الحنفية (1) والحنابلة (2) : ينعقد العقد بالتعاطي فيما تعارفه الناس، سواء أكان الشيء يسيراً كالبيضة والرغيف والجريدة أم نفيساً (كثير الثمن) كالدار والأرض والسيارة؛ لأن تعارف الناس دليل ظاهر على التراضي، سواء تمت المبادلة الفعلية من الجانبين، أو من جانب واحد ومن الآخر اللفظ على الأصح المفتى به، وسواء في ذلك البيع والإجارة والإعارة والهبة والرجعة.\rوذلك بشرط أن يكون ثمن المعقود عليه معلوماً تماماً، وإلا فسد العقد، وألا يصرح العاقد مع التعاطي بعدم الرضا بالعقد.\rوالقانون المدني السوري يتفق مع هذا الرأي، كما جاء في المادة (1/93) .\r-------------------------------\r(1) البدائع: 134/5، فتح القدير: 77/5، الدر المختار ورد المحتار: 11/4 ومابعدها.\r(2) غاية المنتهى: 5/2.","part":4,"page":452},{"id":2548,"text":"الثاني ـ مذهب مالك وأصل مذهب أحمد (1) : ينعقد العقد بالفعل أو بالتعاطي متى كان واضح الدلالة على الرضا، سواء تعارفه الناس أم لا، وهذا الرأي أوسع من سابقه وأيسر على الناس، فكل ما يدل على البيع أو الإجارة، أو الشركة أو الوكالة وسائر العقود الأخرى ما عدا الزواج ينعقد العقد به؛ لأن المعول عليه وجود ما يدل على إرادة المتعاقدين من إنشاء العقد وإبرامه والرضا به، وقد تعامل الناس به من عصر النبوة فما بعده. ولم ينقل عن النبي صلّى الله عليه وسلم وأصحابه الاقتصار على الإيجاب والقبول، ولا إنكار التعاطي، فكانت القرينة كافية على الدلالة على الرضا.\rالثالث ـ مذهب الشافعية والشيعة والظاهرية (2) : لا تنعقد العقود بالأفعال أو بالمعاطاة لعدم قوة دلالتها على التعاقد؛ لأن الرضا أمر خفي، لا دليل عليه إلا باللفظ، وأما الفعل فقد يحتمل غير المراد من العقد، فلا يعقد به العقد، وإنما يشترط أن يقع العقد بالألفاظ الصريحة أو الكنائية، أو ما يقوم مقامها عند الحاجة كالإشارة المفهمة أو الكتابة.\rونظراً لما يشتمل عليه هذا المذهب من تشدد وشكلية محدودة ومجافاة لمبدأ المرونة والسماحة واليسر، فقد اختار جماعة من الشافعية منهم النووي والبغوي والمتولي، صحة انعقاد بيع المعاطاة في كل ما يعده الناس بيعاً، لأنه لم يثبت اشتراط لفظ، فيرجع للعرف كسائر الألفاظ المطلقة،\r-------------------------------\r(1) مواهب الجليل: 228/4 ومابعدها، الشرح الكبير: 3/3، بداية المجتهد: 161/2، المغني: 561/3، فتاوى ابن تيمية: 267/3 ومابعدها.\r(2) مغني المحتاج: 3/2 ومابعدها، المهذب: 257/1، المختصر النافع في فقه الإمامية: ص142، المحلى لابن حزم: 404/8، المهذب: 257/1.","part":4,"page":453},{"id":2549,"text":"وبعض الشافعية كابن سريج والرُّوياني خصص جواز بيع المعاطاة بالمحقَّرات أي غير النفيسة: هي ما جرت العادة فيها بالمعاطاة كرطل خبز، أو رغيف، وحزمة بقل ونحوها (1) .\rعقد الزواج: وبغض النظر عن الاختلاف السابق في التعاقد بالمعاطاة، أجمع الفقهاء على أن الزواج لا ينعقد بالفعل، كإعطاء المهر مثلاً، بل لا بد من القول للقادر عليه؛ لأن عقد الزواج خطير مقدس له آثار دائمة على المرأة، فكان لا بد من الاحتياط له، وإتمامه بأقوى الدلالات على الإرادة: وهو القول، حفاظاَ على كرامة المرأة ومستقبلها، وصوناً لها عن الابتذال، ولأن عقد الزواج يتطلب الإشهاد عليه، تمييزاً له عن السفاح أو الزنا، ولا يتمكن الشهود من معرفة عقد الزواج إلا بسماع لفظ الإيجاب والقبول (2) .\rوكالزواج عند الإمام الشافعي: الطلاق والخلع والرجعة، لا تجوز إلا بالقول.\rثالثاً ـ التعاقد بالإشارة :\rالإشارة إما من الناطق أو من الأخرس.\rأ ـ إذا كان العاقد قادراً على النطق فلا ينعقد بإشارته، بل عليه أن يعبر عن إرادته بلسانه لفظاً أو كتابة؛ لأن الإشارة وإن دلت على الإرادة لا تفيد اليقين المستفاد من اللفظ أو الكتابة، فلا بد من العبارة، وإلا لم ينشأ العقد عند الحنفية والشافعية (3) .\r-------------------------------\r(1) سيأتي بحثه في عقد البيع.\r(2) الدر المختار: 364/2 وتنص المادة 5 من قانون الأحوال الشخصية السوري على ما يأتي: «ينعقد الزواج بإيجاب من أحد العاقدين، وقبول من الآخر» والمادة 6 تنص: «يكون الإيجاب والقبول في الزواج بالألفاظ التي تفيد معناه لغة أو عرفاً» .\r(3) البدائع : 135/5، حاشية ابن عابدين: 9/4 ، نهاية المحتاج: 11/3.","part":4,"page":454},{"id":2550,"text":"لكن القانون المدني السوري وغيره في المادة 1/93) أجاز انعقاد العقد بالإشارة المتداولة عرفاً، ولو كانت من الناطق، إذ لم يقيدها بالخرس. وهذا يتفق مع مذهب المالكية والحنابلة (1) الذين يجيزون التعبير عن الإرادة من الناطق بالإشارة المفهمة، لأنها أولى في الدلالة من الفعل الذي ينعقد به العقد، كما تقدم في المعاطاة.\rب ـ وأما العاقد العاجز عن النطق كالأخرس ومعتقل اللسان، فإن كان يحسن الكتابة فلا بد منها على الرواية الراجحة عند الحنفية؛ لأن الكتابة أبلغ في الدلالة وأبعد عن الاحتمال من الإشارة، فيلجأ إليها.\rوإن كان لا يحسن الكتابة، وله إشارة مفهمة، فتقوم مقام النطق باللسان باتفاق الفقهاء للضرورة، حتى لايحرم من حق التعاقد، وعليه نصت القاعدة الفقهية: ( الإشارات المعهودة للأخرس كالبيان باللسان ) (م.70 من المجلة). هذا إذا كان الخرس أصلياً ، بأن ولد أخرس، فأما إذا كان عارضاً بأن طرأ عليه الخرس، فلا تعتبر إشارته إلا إذا دام به الخرس حتى وقع اليأس من كلامه، وصارت الإشارة مفهومة، فيلحق بالأخرس الأصلي.\rرابعاً ـ التعاقد بالكتابة :\rيصح التعاقد بالكتابة بين طرفين، ناطقين أو عاجزين عن النطق، حاضرين في مجلس واحد، أو غائبين، وبأي لغة يفهمها المتعاقدان، بشرط أن تكون الكتابة مستبينة (بأن تبقى صورتها بعد الانتهاء منها) ومرسومة (مسطرة بالطريقة المعتادة بين الناس بذكر المرسل إليه وتوقيع المرسل)، فإذا كانت غير مستبينة كالرقم أو الكتابة على الماء أو في الهواء، أو غير مرسومة كالرسالة الخالية من التوقيع مثلاً، لم ينعقد بها العقد، وعليه نصت القاعدة الفقهية:\r-------------------------------\r(1) الشرح الكبير: 3/3، المغني: 562/5.","part":4,"page":455},{"id":2551,"text":"(الكتاب كالخطاب) (م 96 مجلة) وهذا رأي الحنفية والمالكية (1) .\rوذلك كأن يرسل شخص خطاباً لآخر يقول فيه: ( بعتك سيارتي بكذا )، فإذا وصله الكتاب، فقال في مجلس قراءة الكتاب: قبلت، انعقد البيع. فإن ترك المجلس، أو صدر منه ما يدل على الإعراض عن الإيجاب، كان قبوله غير معتبر.\rوفي حال إرسال رسول إلى آخر مثل إرسال الكتاب، يعتبر مجلس وصول الرسول هو مجلس العقد، فيلزم أن يقبل فيه، فإن قام من المجلس قبل أن يقبل انتهى مفعول الإيجاب. فالمعتبر هو مجلس بلوغ الرسالة أو الكتابة. وصورة الإرسال: أن يقول شخص: بعت لفلان كذا، فاذهب يا فلان وقل له، فذهب الرسول، فأخبره، فقبل المشتري في مجلسه ذلك صح العقد (2) .\rلكن عقد الزواج لا يصح انعقاده بالكتابة إذا كان العاقدان حاضرين في مجلس واحد، إلا حال العجز عن النطق كالخرس؛ لأن الزواج يشترط لصحته حضور الشهود وسماعهم كلام العاقدين، وهذا لا يتيسر في حال الكتابة.\rوقيد الشافعية والحنابلة (3) صحة التعاقد بالكتابة أو الرسالة فيما إذا كان العاقدان غائبين، أما في حال الحضور فلا حاجة إلى الكتابة؛ لأن العاقد قادر على النطق، فلا ينعقد العقد بغيره.\rالفرع الثاني ـ شروط الإيجاب والقبول :\rالشرط: ما يتوقف عليه وجود الشيء، ويكون جزءاً خارجاً عن حقيقته. كالوضوء أو الطهارة للعبادات، لا تصح الصلاة بدون الطهارة، لكنها غير داخلة في تكوين الصلاة. وكالقدرة على التسليم في المعاملات لابد منها لانعقاد العقد، لكنها ليست جزءاً داخلاً في تكوين العقد. وبذلك يظهر أن الركن والشرط يتوقف عليهما وجود الشيء. إلا أن الركن داخل في حقيقة الشيء وجزء منه، أما الشرط فخارج عن الحقيقة ولا يعد جزءاً منها.\r------------------------------\r(1) الدر المختار وحاشية ابن عابدين: 10/4 ومابعدها، الشرح الكبير: 3/3، فتح القدير: 79/5، البدائع: 137/5.\r(2) نص القانون المدني السوري على ذلك في المادة 98: «يعتبر التعاقد ما بين الغائبين قد تم في المكان وفي الزمان اللذين صدر فيهما القبول...» .\r(3) المهذب: 257/1، غاية المنتهى: 4/2....","part":4,"page":456},{"id":2552,"text":"و اشترط الفقهاء لانعقاد العقد شروطاً ثلاثة في الإيجاب والقبول هي (1) :\r1 - وضوح دلالة الإيجاب والقبول، أي أن يكون كل من الإيجاب والقبول واضح الدلالة على مراد العاقدين، بأن تكون مادة اللفظ المستعمل لهما في كل عقد تدل لغة أو عرفاً على نوع العقد المقصود للعاقدين؛ لأن الإرادة الباطنة خفية، ولأن العقود يختلف بعضها عن بعض في موضوعها وأحكامها، فإذا لم يعرف بيقين أن العاقدين قصدا عقداً بعينه لا يمكن إلزامهما بأحكامه الخاصة به.\rولا يشترط لهذه الدلالة لفظ أو شكل معين، فإن الشكلية في غير عقد الزواج والعقود العينية كالهبة والرهن غير مطلوبة فقهاً؛ لأن العبرة في العقود للمعاني، لا للألفاظـ والمباني، فيصح البيع بلفظ الهبة بعوض، وينعقد الزواج بلفظـ الهبة إذا اقترن بالمهر.\r2 - تطابق القبول والإيجاب: بأن يكون القبول موافقاً للإيجاب، بأن يرد على كل ما أوجبه الموجب وبما أوجبه، أي على كل محل العقد، ومقدار العوض في عقود المعاوضات، سواء أكانت الموافقة حقيقية، كما لو قال البائع: بعتك الشيء بعشرة، فيقول المشتري: اشتريته بعشرة، أو ضمنية، كما لو قال المشتري في المثال السابق: اشتريته بخمس عشرة. أو أن تقول المرأة: زوجتك نفسي بمئة، فيقول الزوج: قبلت الزواج بمئة وخمسين، فالتوافق متحقق ضمناً، وهذه المخالفة خير للموجب. لكن العقد لا يلزم إلا بالمقدار الذي وجهه الموجب أي مئة في المثال الأخير، وأما الزيادة فموقوفة على قبول الموجب في مجلس العقد، فإن قبل به الموجب لزم القابل؛لأن المال لا يدخل في ملك إنسان بغير اختياره إلا في الميراث.\r-------------------------------\r(1) البدائع: 136/5 ومابعدها، حاشية ابن عابدين: 5/4، فتح القدير: 80/5، أحكام المعاملات الشرعية للشيخ علي الخفيف: ص69 ومابعدها، مغني المحتاج: 5/2 ومابعدها، حاشية الدسوقي: 5/3، غاية المنتهى: 4/2، نهاية المحتاج: 8/3-10.","part":4,"page":457},{"id":2553,"text":"فإن لم يتطابق القبول مع الإيجاب، وحدثت مخالفة بينهما، لا ينعقد العقد، كأن خالف القابل في محل العقد، فقبل غيره، أو بعضه، مثل قول البائع: بعتك الأرض الفلانية، فيقول المشتري: قبلت شراء الأرض المجاورة لها، أو قبلت شراء نصفها بنصف الثمن المتفق عليه، فلا ينعقد العقد لمخالفته محل العقد، أو لتفرق الصفقة على البائع، والمشتري لا يملك تفريقها أي تجزئتها.\rوإذا خالف في مقدار الثمن، فقبل بأقل مما ذكر البائع، لا ينعقد العقد أيضاً، وكذا لو خالف في وصف الثمن لا في قدره، كأن أوجب البائع بثمن حال نقدي، فقبل المشتري بثمن مؤجل، أو أوجب بأجل إلى شهر معين، فقبل المشتري بأجل أبعد منه، لم ينعقد البيع في الحالتين، لعدم تطابق القبول مع الإيجاب، وحينئذ لابد من إيجاب جديد.\rويختلف القانون المدني مع الفقه الحنفي في حالة المخالفة إلى خيرللموجب، إذ يقرر القانونيون (1) أن العقد لا يتم، كما يفهم من صريح المادة (97) مدني سوري «إذا اقترن القبول بما يزيد في الإيجاب أو يقيد منه أو يعدل فيه، اعتبر رفضاً يتضمن إيجاباً جديداً» لكن يتفق ذلك مع ظاهر مذهب الشافعي (2) .\r3 - اتصال القبول بالإيجاب: بأن يكون الإيجاب والقبول في مجلس واحد إن كان الطرفان حاضرين معاً، أو في مجلس علم الطرف الغائب بالإيجاب.\rويتحقق الاتصال بأن يعلم كل من الطرفين بما صدر عن الآخر بأن يسمع الإيجاب ويفهمه، وبألا يصدر منه ما يدل على إعراضه عن العقد، سواء من الموجب أو من القابل.\rومجلس العقد: هو الحال التي يكون فيها المتعاقدان مشتغلين فيه بالتعاقد. وبعبارة أخرى: اتحاد الكلام في موضوع التعاقد.\rويشترط لتحقيق معنى اتصال القبول بالإيجاب شروط ثلاثة هي (3) :\r-------------------------------\r(1) الوسيط للسنهوري: ص 219 ومابعدها.\r(2) مغني المحتاج: 6/2.\r(3) الملكية ونظرية العقد للأستاذ الشيخ محمد أبو زهرة: ص 175، ط 1939 .","part":4,"page":458},{"id":2554,"text":"أولها ـ أن يكونا في مجلس واحد، وثانيها ـ ألا يصدر من أحد العاقدين ما يدل على إعراضه، ثالثها ـ ألا يرجع الموجب في إيجابه قبل قبول القابل الآخر.\rالشرط الأول ـ أن يتحد مجلس الإيجاب والقبول: فلا يجوز أن يكون الإيجاب في مجلس، والقبول في مجلس آخر؛ لأن الإيجاب لا يعد جزءاً من العقد إلا إذا التحق به القبول. فلو قال البائع: بعتك الدار بثمن كذا، أو آجرتك المنزل بأجرة كذا، ثم انتقل الموجب إلى مكان آخر بعيد عن مجلسه الأول بحوالي مترين أو ثلاثة، أو إلى غرفة أخرى، انتهى المجلس الأول، فإذا قبل القابل بعد هذا الانتقال لم ينعقد العقد، ويحتاج إلى إيجاب جديد؛ لأن الإىجاب كلام اعتباري لا بقاء له إذا لم ينضم إليه القبول في حال واحدة من المجلس.","part":4,"page":459},{"id":2555,"text":"وهل تشترط الفورية في القبول؟\rقرر جمهور الفقهاء( الحنفية والمالكية والحنابلة (1) ) أنه لا يشترط الفور في القبول، لأن القابل يحتاج إلى فترة للتأمل، فلو اشترطت الفورية لا يمكنه التأمل، وإنما يكفي صدور القبول في مجلس واحد، ولو طال الوقت إلى آخر المجلس؛ لأن المجلس الواحد يجمع المتفرقات للضرورة، وفي اشتراط الفورية تضييق على القابل، أو تفويت للصفقة من غير مصلحة راجحة، فإن رفض فوراً، فتضيع عليه الصفقة، وإن قبل فوراً، فربما كان في العقد ضرر له، فيحتاج لفترة تأمل؛ للموازنة بين ما يأخذ أو يغنم وبين ما يعطي أو يغرم في سبيل العقد، وقدرت فترة التأمل بمدة مجلس العقد؛ لأن المجلس جامع للمتفرقات، فتعتبر ساعة واحدة زمنية تيسيراً على الناس، ومنعاً للمضايقة والحرج، ودفعاً للضرر عن العاقد قدر الإمكان.\rوقد أخذ القانون المدني في المادة 95/2 بهذا الرأي، فلم يشترط الفورية فيالقبول، وصرح الأستاذ السنهوري بأن القانون أخذ هذا من الفقه الحنفي (2) .\rوقال الرملي من الشافعية (3) : يشترط أن يكون القبول فور الإيجاب، فلو تخلل لفظ أجنبي لا تعلق له بالعقد ولو يسيراً بأن لم يكن من مقتضاه ولا من مصالحه ولا من مستحباته، لا يتحقق الاتصال بين القبول والإيجاب، فلا ينعقد العقد. لكن لو قال المشتري بعد توجيه الإيجاب له: بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، قبلت، أي (الشراء) صح العقد.\rواتجاه الشافعية هذا متفق مع الأصل في القبول: وهو أن يتصل بالإيجاب مباشرة وفوراً لينعقد العقد، ويخفف تشدد هذا الرأي أخذ الشافعية بمبدأ خيار المجلس لكل من العاقدين بعد انعقاد العقد، والذي بمقتضاه يثبت لكل من العاقدين حق فسخ العقد ما داما في المجلس لم يفترقا عنه بأبدانهما.\rهذا وقد فسر غير الرملي من الشافعية اتصال القبول بالإيجاب بأنه السائد عرفاً بين الناس، فلا يضر الفصل اليسير ويضر الطويل وهو ما أشعر بإعراضه عن القبول. فيكون رأي الشافعية كغيرهم (4) .\rحكم إجراء العقود بآلات الاتصال الحديثة\rتمهيد :\rتمكن أبناء العالم المعاصر من إنجاز كثير من معاملاتهم وعقودهم المالية بواسطة آلات الاتصال الحديثة، كالهاتف والبرقية واللاسلكي والتلكس والفاكس ونحوها، وأصبح ضرورياً معرفة كيفية إبرام تلك العقود من الناحية الشرعية، وهذا ما أبينه هنا بالاعتماد على ما كتبه فقهاؤنا وقرروه عند الكلام على صيغة العقد، وشروط الإيجاب والقبول، وشروط تحقيق معنى اتصال القبول بالإيجاب ليكون شطرا العقد في مجلس واحد.\rوبما أن هذه المعلومات معروفة في الجامعات، فأكتفي بإيجازها هنا، لتكون مدخلاً للحكم على موضوع البحث.\r-------------------------------\r(1) البدائع : 5/137، فتح القدير: 5/78، الشرح الكبير للدردير: 3/5، الشرح الصغير: 3حاشية ص17، غاية المنتهى: 2/4، مواهب الجليل للحطاب: 4/240، الشرح الكبير مع المغني: 4/4.\r(2) الوسيط للسنهوري: ص215.\r(3) نهاية المحتاج: 3/8، مغني المحتاج: 2/6.\r(4) حاشية الباجوري على ابن قاسم الغزي: 354/1، المجموع للنووي: 179/9.","part":4,"page":460},{"id":2556,"text":"صيغة العقد: هي ماصدر من المتعاقدين دالاً على توجه إرادتهما الباطنة لإنشاء العقد وإبرامه. وتعرف تلك الإرادة الباطنة بواسطة اللفظ أو القول أو ما يقوم مقامه من الفعل (المعاطاة) أو الإشارة أو الكتابة. وهذه الصيغة هي الإيجاب والقبول الدالان على تراضي الجانبين بإنشاء التزام بينهما، وتسمى الصيغة عند القانونيين التعبير عن الإرادة.\rوالتعبير عن الإرادة العقدية الجازمة يكون بأي صيغة تدل عرفاً أو لغة على إنشاء العقد،سواء بالقول أو بالفعل أو بالإشارة أو بالكتابة (1) .\rوالقول أو اللفظ مثل بعت واشتريت، ورهنت وارتهنت، ووهبت وقبلت، وزوجت وتزوجت.\rوالفعل أو المعاطاة أو المراوضة: هو التعاقد بالمبادلة الفعلية الدالة على التراضي دون تلفظ بإيجاب أو قبول (2) ، كأن يأخذ المشتري المبيع ويدفع الثمن للبائع دون كلام من كلا الطرفين أو من أحدهما، سواء أكان المبيع حقيراً بسيطاً أم نفيساً. وهذا جائز عند جمهور العلماء غير الشافعية، لتعارفه بين الناس، لكن عقد الزواج بالإجماع لا ينعقد ولا يصح بالفعل أو بالمعاطاة كإعطاء المهر مثلاً، بل لا بدّ فيه من النطق بالإيجاب والقبول، لخطورته وأهميته، وتأثيره الدائم على المرأة، وحفاظاً على حرمات الأعراض المصونة شرعاً.\rويجوز انعقاد العقد بإشارة الأخرس أو معتقل اللسان المفهومة باتفاق الفقهاء للضرورة، حتى لا يحرم من حق التعاقد، لذا نصت القاعدة الفقهية: «الإشارات المعهودة للأخرس كالبيان باللسان» (المجلة: م 70).\r-------------------------------\r(1) مجلة الأحكام العدلية (م 173، 174).\r(2) المجلة (م 175).","part":4,"page":461},{"id":2557,"text":"وأجاز فقهاء المالكية والحنابلة التعبير عن الإرادة من الناطق بالإشارة المفهمة المتداولة عرفاً، لأنها أولى في الدلالة من الفعل الذي ينعقد به العقد، كما في المعاطاة (1) .\rويصح التعاقد بالكتابة بين طرفين في رأي الحنفية والمالكية سواء أكانا ناطقين أم عاجزين عن النطق، حاضرين في مجلس واحد أم غائبين، وبأي لغة يفهمها المتعاقدان، بشرط أن تكون الكتابة مستبينة (بأن تبقى صورتها بعد الانتهاء منها) ومرسومة (مسطرة بالطريقة المعتادة بين الناس بذكر المرسل إليه وتوقيع المرسل) فإذا كانت غير مستبينة كالكتابة على الماء أو في الهواء، أو غير مرسومة كالرسالة الخالية من التوقيع مثلاً، لم ينعقد بها العقد (2) ، وعليه نصت القاعدة الفقهية: ( الكتاب كالخطاب ) (المجلة: م 96). مثل أن يرسل شخص خطاباً لآخر يقول فيه: ( بعتك سيارتي بكذا ) فإذا وصله الكتاب، وقال في مجلس قراءة الكتاب: قبلت، انعقد البيع. أما إن ترك المجلس أو صدر منه ما يدل على الإعراض عن الإيجاب، كان قبوله غير معتبر.\rوإرسال رسول إلى آخر حامل مضمون الإيجاب مثل إرسال الكتاب، ويعتبر مجلس وصول الرسول هو مجلس العقد، فيلتزم أن يقبل فيه، فإن قام من المجلس قبل أن يقبل، انتهى مفعول الإيجاب، ويكون المعول عليه هو مجلس بلوغ الرسالة أو الكتابة، كأن يقول شخص: بعت لفلان كذا، فاذهب يا فلان وقل له هذا، فذهب فأخبره، فقبل المشتري في مجلسه ذلك، صح العقد.\rومهمة الرسول أضعف من مهمة الوكيل، لأن الرسول مجرد مفوض بنقل تعبير المرسل دون زيادة أو نقصان، أما الوكيل فإنه يتولى إبرام العقد بعبارته، ولا\r-------------------------------\r(1) الشرح الكبير للدردير: 3/3، المغني: 562/5.\r(2) الدر المختار ورد المحتار لابن عابدين: 10/4 وما بعدها، فتح القدير: 79/5، البدائع: 137/5، الشرح الكبير للدردير مع الدسوقي: 3/3.","part":4,"page":462},{"id":2558,"text":"يتقيد في الوكالة المطلقة إلا بالمعتاد المتعارف عليه، أما في الوكالة المقيدة بمكان أو زمان أو شخص أو محل معقود عليه أو بدل عقدي فيتم التعاقد بين الوكيل والقابل بعبارة الوكيل المقيدة بقيود الوكالة، وتعود حقوق العقد أي الالتزامات إلى الوكيل بعكس الرسول لا يتحمل شيئاً منها، أما حكم العقد الأصلي أي نقل الملكية فيعود إلى الموكل والمرسل على السواء.\rولا ينعقد عقد الزواج بالكتابة إذا كان العاقدان حاضرين في مجلس واحد، إلا في حال العجز عن النطق كالخرس، لأن الزواج يشترط لصحته حضور الشهود العدول وسماعهم كلام العاقدين، وهذا لا يتيسر في حال الكتابة.\rوقيد الشافعية والحنابلة صحة التعاقد مطلقاً بالكتابة أو الرسالة فيما إذا كان العاقدان غائبين، أما في حال الحضور فلا حاجة إلى الكتابة، لأن العاقد قادر على النطق، فلا ينعقد العقد بغيره (1) .\rكيفية إبرام التعاقد بالهاتف واللاسلكي ونحوهما من وسائل الاتصال الحديثة :\rليس المراد من اتحاد المجلس المطلوب في كل عقد كما بينا كون المتعاقدين في مكان واحد، لأنه قد يكون مكان أحدهما غير مكان الآخر، إذا وجد بينهما واسطة اتصال، كالتعاقد بالهاتف أو اللاسلكي أو بالمراسلة (الكتابة) وإنما المراد باتحاد المجلس: اتحاد الزمن أو الوقت الذي يكون المتعاقدان مشتغلين فيه بالتعاقد ، فمجلس العقد: هو الحال التي يكون فيها المتعاقدان مقبلين على التفاوض في العقد (2) ، وعن هذا قال الفقهاء «إن المجلس يجمع المتفرقات» (3) .\r-------------------------------\r(1) المهذب: 257/1، غاية المنتهى: 4/2.\r(2) المدخل الفقهي العام للأستاذ مصطفى الزرقاء: ف 171.\r(3) البدائع: 137/5.","part":4,"page":463},{"id":2559,"text":"وعلى هذا يكون مجلس العقد في المكالمة الهاتفية أو اللاسلكية: هو زمن الاتصال ما دام الكلام في شأن العقد، فإن انتقل المتحدثان إلى حديث آخر انتهى المجلس.\rومجلس التعاقد بإرسال رسول أو بتوجيه خطاب أو بالبرقية أو التلكس أو الفاكس ونحوها: هو مجلس تبليغ الرسالة، أو وصول الخطاب أو البرقية أو إشعار التلكس والفاكس، لأن الرسول سفير ومعبر عن كلام المرسل، فكأنه حضر بنفسه وخوطب بالإيجاب فقبل، في المجلس. فإن تأخر القبول إلى مجلس ثان، لم ينعقد العقد. وبه تبين أن مجلس التعاقد بين حاضرين: هو محل صدور الإيجاب، ومجلس التعاقد بين غائبين: هو محل وصول الكتاب أو تبليغ الرسالة، أو المحادثة الهاتفية.\rلكن للمرسل أو للكاتب أن يرجع عن إيجابه أمام شهود، بشرط أن يكون قبل قبول الآخر ووصول الرسالة أو الخطاب ونحوه من الإبراق والتلكس والفاكس. ويرى جمهور المالكية أنه ليس للموجب الرجوع قبل أن يترك فرصة للقابل يقرر العرف مداها، كما تقدم.\rهذا وإن بقية شروط الإيجاب والقبول عدا اتحاد المجلس لا بد من توافرها في وسائط الاتصال الحديثة.\rزمن إتمام العقد في التعاقد بين غائبين :\rأجمع الفقهاء على أن العقد ينعقد بين الغائبين كما في آلات الاتصال الحديثة بمجرد إعلان القبول، ولا يشترط العلم بالقبول بالنسبة للطرف الموجب الذي وجه الإيجاب (1) .\rفلو كان المتعاقدان يتحدثان بالهاتف أو بالاسلكي، وقال أحدهما للآخر: بعتك الدار أو السيارة الفلانية، وقال الآخر: قبلت، انعقد العقد، بمجرد إعلان القبول، ولو لم يعلم الموجب بالقبول، بأن انقطع الاتصال بينهما.\r-------------------------------\r(1) التعبير عن الإرادة في الفقه الإسلامي للدكتور وحيد سوار: ص 118، طبع الجزائر.","part":4,"page":464},{"id":2560,"text":"ولو وجهّ أحد العاقدين خطاباً أو برقية إلى آخر أو تلكساً أو فاكساً، وفيها إيجاب ببيع شيء، أو بإبرام عقد زواج، انعقد العقد بعد وصول البرقية أو الخطاب ونحوهما، وإعلان الآخر قبوله، دون حاجة إلى علم الموجب أو سماعه بالقبول.\rلكن إبعاداً لكل لبس أو غموض، وتمكيناً من إثبات العقد، وتأكيداً لإبرامه، جرى العرف الحاضر في التلكس مثلاً ونحوه على إرسال تلكس العرض، ثم تلكس القبول، ثم تلكس البيع، وساعد على ترسيخ هذا العرف ما تنص عليه بعض القوانين الوضعية كالقانون المدني المصري، فإنه نص على ما يلي:\rفي التعاقد بين حاضرين: تنص المادة (91) على أن «التعبير عن الإرادة ينتج أثره في الوقت الذي يتصل فيه بعلم من وجه إليه، ويعتبر وصول التعبير قرينة على العلم به، ما لم يقم الدليل على عكس ذلك» واشتراط السماع أو العلم بالقبول حتى بين الحاضرين أخذ به بعض فقهاء الحنفية مثل النسفي وابن كمال باشا.\rوفي التعاقد بين غائبين: تنص المادة (97) على ما يلي: «يعتبر التعاقد ما بين الغائبين قد تم في المكان وفي الزمان اللذين يعلم فيهما الموجب بالقبول، مالم يوجد اتفاق أو نص قانوني بغير ذلك، ويفترض أن الموجب قد علم بالقبول في المكان والزمان اللذين وصل إليه فيهما هذا القبول» .\rوأرى الأخذ بضرورة العلم بالقبول بالنسبة للموجب في التعاقد بين غائبين بسبب تقدم وسائل الاتصال الحديثة وتعقد المعاملات، وتحقيقاً لاستقرار التعامل ومنعاً لإيقاع الموجب في القلق، وتمكيناً من إثبات العقد وإلزام القابل، فإن جهل الموجب بالقبول يوقعه في حرج شديد، وهذا","part":4,"page":465},{"id":2561,"text":"رأي الأستاذ الدكتور عبد الرزاق السنهوري (1) .\rالتعاقد حالة المشي أو الركوب :\rإذا تعاقد شخصان على ظهر سفينة أو متن طائرة، أو في قطار أو سيارة، انعقد العقد، سواء أكانت هذه الوسائل واقفة أم ماشية؛ لأن الشخص لا يستطيع إيقاف تلك الوسائل، فاعتبر مجلس العقد فيها مجلساً واحداً، مما يؤكد أن المقصود من اتحاد المجلس اتحاد الزمان وليس الاتحاد المكاني المادي.\rلكن إذا كان العاقدان ماشيين على الأقدام، أو راكبين دابة واحدة أو دابتين، فقد تشدد الحنفية في تصور المجلس، فقالا: إذا تم القبول متصلاً بالإيجاب، انعقد العقد، حتى ولو مشيا خطوة واحدة، أو خطوتين. فإن مشيا خطوات ثلاثاً فأكثر، ثم حدث القبول، لم ينعقد العقد؛ لأن العاقدين يستطيعان الوقوف، أو إيقاف الدابة لمداولة العقد، فإن سارا فقد تبدل المجلس قبل القبول. ويجعل السير دليلاً على الإعراض عن العقد (2) .\rوهذا ما حدا بالدكتور السنهوري إلى القول بأن نصوص المذهب الحنفي أغرقت في تصوير مجلس العقد تصويراً مادياً لا سبيل إلى مجاراتها فيه (3) .\rالشرط الثاني ـ ألا يصدر من أحد العاقدين ما يدل على إعراضه عن العقد:\rبأن يكون الكلام في موضوع العقد، وألا يتخلله فصل بكلام أجنبي يعد قرينة على الإعراض عن العقد.\rفإن ترك الموجب مجلس العقد قبل قبول الآخر، أو ترك الطرف الآخر المجلس بعد صدور الإيجاب، أو انشغل الطرفان في موضوع آخر لا صلة له بالعقد، بطل الإيجاب. ولو قبل الآخر حينئذ لا يعتبر قبوله متمماً للعقد؛ لأن الإيجاب ذهب ولم يبق له وجود، إذا لم يتعانق مع القبول، وسبب ذهابه أنه كلام اعتباري لا بقاء له إذا لم يتصل بالقبول، ويجعل باقياً مدة المجلس من باب التيسير على الطرفين ودفع العسر عنهما ليمكن تلاقي القبول به، وانعقاد العقد.\rمتى يصير المجلس قد تغير؟\r-------------------------------\r(1) مصادر الحق: 57/2.\r(2) البدائع: 232/2، و 137/5، فتح القدير: 78/5-80.\r(3) مصادر الحق للسنهوري: 7/2.","part":4,"page":466},{"id":2562,"text":"العرف الشائع بين الناس هو المحكم في بيان اتحاد المجلس أو تغيره، فإذا صدر القبول في حال اتحاد المجلس، نشأ العقد، وإذا صدر القبول بعد تغير المجلس لم يعتبر ولم ينشأ به العقد. وضابط ذلك أن القبول يكون معتبراً ما دام لم يتخلل بينه وبين الإيجاب ما يعد إعراضاً عن العقد من أحد الطرفين، وما دام المجلس قائماً (1) .\rوتحقيق هذا المبدأ عند الحنفية (2) : أنه لو أوجب أحد الطرفين البيع، فقام الآخر عن المجلس قبل القبول، أو اشتغل بعمل آخر يوجب اختلاف المجلس، ثم قبل، لا ينعقد العقد؛ لأن القيام دليل الإعراض والرجوع عن العقد.\rوالاحتكام إلى العرف في بيان ما يغير المجلس متفق عليه بين المذاهب (3) حتى\r-------------------------------\r(1) الأموال ونظرية العقد للدكتور محمد يوسف موسى: ص 259.\r(2) البدائع: 137/5، فتح القدير والهداية: 78/5 و 80.\r(3) مواهب الجليل للحطاب: 240/4 ومابعدها، المجموع للنووي: 201/9، مغني المحتاج: 45/2، المحلي على المنهاج: 191/2، الباجوري على ابن قاسم:360/1، غاية المنتهى: 4/2.","part":4,"page":467},{"id":2563,"text":"عند بعض الشافعية القائلين بفورية القبول؛ لأن الفورية شيء، والحكم بتغير المجلس شيء آخر، فإنهم قالوا: يعتبر العرف في تفرق العاقدين عن المجلس، فما يعده الناس تفرقاً يلزم به العقد، وما لا فلا؛ لأن ما ليس له حد في اللغة ولا في الشرع، يرجع فيه إلى العرف، فلو كان العاقدان في دار كبيرة يتغير المجلس بالخروج من البيت إلى صحن الدار، أو بالعكس، وإن كانا في دار صغيرة أو في سفينة أو مسجد صغير يتغير المجلس بخروج أحدهما منه، أوبصعود السطح، وإن كانا في سوق أوصحراء يتغير المجلس بأن يولي أحدهما ظهره ويمشي قليلاً كثلاث خطوات. ولو تناديا بالعقد من مكان بعيد، بقي المجلس ما لم يفارق أحدهما مكانه، فإن مشى كل منهما ولو إلى صاحبه، تغير المجلس. ولو تماشى الطرفان مسافة دام المجلس، وإن زادت المدة على ثلاثة أيام ما لم يعرضا عما يتعلق بالعقد.\rالشرط الثالث ـ ألا يرجع الموجب في إيجابه قبل قبول القابل:\rلا بد لانعقاد العقد من استمرار الموجب على إيجابه الذي وجهه للقابل، فإن عدل عن إيجابه، لم يصح القبول.\rوهل يصح العدول عن الإيجاب في مجلس العقد؟\rأجاب جمهور الفقهاء (الحنفية والشافعية والحنابلة) (1) بأنه للموجب أن يرجع عن إيجابه قبل صدور القبول من الطرف الآخر، ويبطل الإيجاب حينئذ؛ لأن الالتزام بالعقد لم ينشأ بعد، ولا ينشأ إلا بارتباط القبول بالإيجاب، ولأن الموجب حر التصرف بملكه وحقوقه، وبإيجابه أثبت للطرف الآخر حق التملك، وحق الملك أقوى من حق التملك، فيقدم عليه عند التعارض؛ لأن الأول ثابت\r-------------------------------\r(1) البدائع: 134/5، مغني المحتاج: 43/2، غاية المنتهى: 29/2.","part":4,"page":468},{"id":2564,"text":"لصاحبه أصالة والثاني لا يثبت إلا برضا الطرف الأول، والتراضي بين الجانبين أساسي لصحة العقود.\rوالقانون المدني في المادة (95) يتفق مع هذا الرأي، فإنه إذا لم يتعين ميعاد للقبول يجوز للموجب التحلل من إيجابه إذا لم يصدر القبول فوراً.\rوقال أكثرية المالكية (1) : ليس للموجب الرجوع عن إيجابه، وإنما يلتزم بالبقاء على إيجابه حتى يعرض الطرف الآخر عنه، أو ينتهي المجلس؛ لأن الموجب قد أثبت للطرف الآخر حق القبول والتملك، فله استعماله وله رفضه، فإذا قبل ثبت العقد، وإذا أعرض عن الإيجاب لم ينشأ العقد. وعليه لا يكون الرجوع مبطلاً للإيجاب.\rتعيين مدة للقبول: إذا حدد الموجب للطرف الآخر مدة للقبول، فيلتزم بها عند فقهاء المالكية؛ لأنهم قالوا كما تقدم: ليس للموجب الرجوع عن إيجابه قبل قبول الآخر، فيكون من باب أولى ملتزماً بالبقاء على إيجابه إذا عين ميعاداً للقبول كأن يقول: أنا على إيجابي مدة يومين مثلاً، فيلزمه هذا التقييد ولو انتهى المجلس. وهذا يتفق مع المبدأ العام في الشريعة وهو «المسلمون على شروطهم» (2) ، ومثل هذا الشرط لا ينافي مقتضى العقد.\rوالقانون المدني في المادة (94) يقرر ذلك: «إذا عين ميعاد للقبول التزم الموجب بالبقاء على إيجابه إلى أن ينقضي هذا الميعاد. وقد يستخلص الميعاد من ظروف الحال، أو من طبيعة التعامل» .\r-------------------------------\r(1) مواهب الجليل للحطاب: 241/4.\r(2) هو حديث نبوي رواه الترمذي عن عمرو بن عوف، وقال: هذا حديث حسن صحيح (نيل الأوطار: 254/5).","part":4,"page":469},{"id":2565,"text":"العقود التي لا يشترط فيها اتحاد المجلس :\rاتحاد المجلس شرط في جميع العقود ما عدا ثلاثة: الوصية، والإيصاء، والوكالة.\rأما الوصية (وهي تصرف مضاف إلى مابعد الموت): فيستحيل فيها تحقق اتحاد المجلس؛ لأن القبول لا يصح من الموصى له في حال حياة الموصي، وإنما يكون بعد وفاته مصراً على الوصية.\rوأما الإيصاء (وهو جعل الغير وصياً على أولاده ليرعى شؤونهم بعد وفاته): فلا يلزم صدور القبول في حياة الموصي، وإنما يصح بعد وفاته، وعلى كل حال لا يصبح وصياً إلا بعد وفاة الموصي، وإن قبل في حياته.\rوأما الوكالة (وهي تفويض التصرف والحفظ إلى الوكيل في أثناء الحياة) فمبنية على التوسعة واليسر والسماحة، فلا يشترط فيها اتحاد المجلس؛ لأن قبولها قد يكون باللفظ (القول)، أو بالفعل بأن يشرع الوكيل في فعل ما وكل فيه، ويصح فيها توكيل الغائب (أي غير الموجود في مجلس العقد)، فبمجرد علمه بالتوكيل له القيام بالعمل الموكل فيه (1) .\rوكالوكالة عند الحنابلة: كل عقد جائز غير لازم يصح القبول فيه على التراخي، مثل الشركة والمضاربة والمزارعة والمساقاة، والوديعة والجعالة.\rمبطلات الإيجاب: يبطل الإيجاب بالأمور التالية (2) :\r1 - رجوع الموجب عنه قبل القبول في المجلس، على رأي الجمهور.\r2 - رفض الإيجاب من الطرف الآخر، إما صراحة كأن يقول: لا أقبل، أو ضمناً كأن يعرض عنه إما بالقيام عن المجلس بعد القعود، أو بالاشتغال بعمل آخر كأكل، أو سماع حديث آخر، أو قراءة خبر صحفي ونحوه.\r3 - انتهاء مجلس العقد، بتفرق العاقدين عرفاً؛ لأن الإيجاب يظل قائماً في المجلس، فلما انتهى بطل مفعوله، لأن المجلس يجمع المتفرقات.\r-------------------------------\r(1) البدائع: 20/6 ومابعدها، القوانين الفقهية: ص 328، نهاية المحتاج: 21/4، مغني المحتاج: 222/2، غاية المنتهى: 147/2.\r(2) الدر المختار وحاشية ابن عابدين: 21/4، فتح القدير: 80/5 ومابعدها، الشرح الكبير: 5/3، مغني المحتاج: 6/2، غاية المنتهى: 5/2.","part":4,"page":470},{"id":2566,"text":"4 - خروج الموجب عن أهليته قبل القبول بالموت أو بالجنون أو بالإغماء ونحوه وكذا فقد القابل أهليته بهذه الأسباب؛ لأن انعقاد العقد يتوقف على توافر الأهلية، فإذا فقدت لم ينعقد العقد، لاحتمال وجود الرجوع عن الإيجاب، أو لعدم فهم القبول، أو لعدم صدور قبول معتبر شرعاً.\r5 - هلاك محل العقد قبل القبول، أو تغيره بما يصيره شيئاً آخر، مثل قلع عين حيوان، أو انقلاب عصير العنب خمراً، ونحو ذلك.\rالعنصر الثاني ـ العاقد :\rالإيجاب والقبول اللذان يكونان ركن العقد كما تقدم، لا يتصور وجودهما من غير عاقد، فالعاقد ركيزة التعاقد الأصلية. لكن ليس كل واحد صالحاً لإبرام العقود، فبعض الناس لا يصلح لأي عقد، وبعضهم يصلح لإنشاء بعض العقود، وآخرون صالحون لكل عقد.\rوهذا يعني أن العاقد لا بد له من أهلية للتعاقد بالأصالة عن نفسه، أو ولاية شرعية للتعاقد بالنيابة عن غيره. ويستلزم ذلك بحث الأهلية والولاية، لكن بقدر إجمالي، وأما تفصيل أحكام الأهلية والولاية فمتروك لكتب الفقه والأصول (1) المطولة، ولمادة الأحوال الشخصية ومدخل القانون، إذ إن نصوص الأهلية والولاية موزعة بين قانون الأحوال الشخصية والقانون المدني السوريين.\rوالذي يهمنا من بحث الأهلية أن العاقد يشترط فيه عند الحنفية والمالكية (2) : أن يكون عاقلاً أي مميزاً أتم سن السابعة (3) ، فلا ينعقد تصرف غير المميز لصغر أو إغماء أو جنون، وتصح تصرفات الصبي المميز (4) المالية على التفصيل الآتي (راجع المادة (967 من المجلة):\rأ ـ التصرفات النافعة نفعاً محضاً: وهي التي يترتب عليها دخول شيء في ملكه من غير مقابل، كالاحتطاب، والإحتشاش والاصطياد، وقبول الهبة والصدقة والوصية والكفالة بالدين، تصح من الصبي المميز دون إذن ولا إجازة من الولي، لأنها لنفعه التام.\r-------------------------------\r(1) راجع كتب الأصول وكتابي أصول الفقه الإسلامي: 163/1 ومابعدها، ط دار الفكر.\r(2) حاشية ابن عابدين: 5/4، الشرح الكبير: 5/3.\r(3) المميز: هو الذي إذا كلم بشيء من مقاصد العقلاء فهمه وأحسن الجواب عنه.\r(4) اشترط الشافعية والحنابلة لانعقاد العقود: الرشد وهو البلوغ مع العقل، وصلاح الدين والمال، فلا يصح التصرف من صبي ولا مجنون ولا من محجور عليه بسفه أي تبذير المال. واستثنى الحنابلة شراء الشيء اليسير وتصرف الصبي بإذن وليه (مغني المحتاج: 7/2، غاية المنتهى: 5/2).","part":4,"page":471},{"id":2567,"text":"ب ـ التصرفات الضارة ضرراً محضاً: وهي التي يترتب عليها خروج شيء من ملكه دون مقابل، كالطلاق والهبة والصدقة والإقراض وكفالته لغيره بالدين أو بالنفس لا تصح من الصبي العاقل ولا تنفذ، ولو أجازها وليه؛ لأن الولي لا يملك إجازة هذه التصرفات لما فيها من الضرر.\rج ـ التصرفات المترددة بين الضرر والنفع: وهي التي تحتمل الربح والخسارة كالبيع والشراء والإيجار والاستئجار والزواج والمزارعة والمساقاة والشركات ونحوها، تصح من الصبي المميز، ولكنها تكون موقوفة على إذن الولي أو إجازته مادام صغيراً أو على إجازته لنفسه بعد البلوغ؛ لأن للمميز جانباً من الإدراك غير قليل (1) . فإن أجيزت نفذت، وإلا بطلت، والإجازة تجبر نقص الأهلية.\rوالأشخاص بالنسبة للأهلية: إما عديم الأهلية وغير المميز فتعد تصرفاتهما باطلة، أو ناقص الأهلية كالصبي المميز فيصح بعض تصرفاته، ويبطل بعضها الآخر، ويتوقف بعضها على الإجازة على التفصيل السابق، أو كامل الأهلية وهو الراشد الذي تصح منه كل التصرفات وتنفذ ما لم يكن محجوراً عليه بسبب السفه أو الدين، أو كان ممنوعاً من التصرف بسبب مرض الموت أو الفقد أو الغياب. وكل ذلك يضطرنا إلى بحث الأهلية والولاية.\r-------------------------------\r(1) التلويح على التوضيح: 165/2 ومابعدها.","part":4,"page":472},{"id":2568,"text":"وبه تعرف أحكام الأهلية إجمالاً علماً بأن القانون المدني استمد أحكامها من الفقه الإسلامي وذلك في المواد (46-50) وقد اعتبر القانون أحكام الأهلية من قواعد النظام العام التي لا يجوز للأفراد الاتفاق على خلافها، فكل اتفاق مخالف لأحكامها باطل، ولا يجوز للشخص التنازل عن أهليته ولا التعديل في أحكامها (المادة 50).\rأولاً ـ الأهلية :\rالأهلية في اللغة: الصلاحية، وفي اصطلاح الفقهاء: هي صلاحية الشخص لثبوت الحقوق المشروعة له ووجوبها عليه، وصحة التصرفات منه. وهي نوعان: أهلية وجوب، وأهلية أداء (1) .\rأ ـ أهلية الوجوب: هي صلاحية الشخص للإلزام والالتزام، أو هي صلاحية الشخص لثبوت الحقوق له كاستحقاق قيمة المتلف من ماله، أو وجوبها عليه كالتزامه بثمن المبيع وعوض القرض، أي أن لهذه الأهلية عنصرين:\rعنصر إيجابي: وهو صلاحية كسب الحقوق بأن يكون دائناً، وهو عنصر الإلزام أو الدائنية.\rوعنصر سلبي: وهو صلاحية تحمل الواجبات أو الالتزامات بأن يكون مديناً، وهو عنصر الالتزام أو المديونية.\r-------------------------------\r(1) مرآة الأصول: 435/2، التقرير والتحبير: 164/2، كشف الأسرار على أصول البزدوي ص 1357، حاشية نسمات الأسحار: ص 272.","part":4,"page":473},{"id":2569,"text":"ومناط هذه الأهلية: هو الحياة أو الصفة الإنسانية (1) ، فكل إنسان حتى الجنين في بطن أمه له أهلية وجوب، والأهلية تبدأ في الفقه مع بدء الشخصية، فهي ملازمة للشخصية، وصفة من صفات الشخصية. والشخصية تبدأ في فقهنا منذ بدء تكون الجنين في الرحم وتنتهي بالموت.\rوفي القانون المدني تبدأ بتمام ولادة الإنسان حياً، وتنتهي بموته (م 31).\rوالعنصر السلبي للأهلية (أي المديونية) يتطلب وجود شيء آخر في الشخصية وهو الذمة: وهي وصف شرعي مقدر كوعاء اعتباري في الشخص تثبت فيه الديون والالتزامات المترتبة عليه.\rوبناء عليه: يتوقف ثبوت الحق للشخص على وجود أهلية فيه. وأما ثبوت الديون عليه فيتوقف على وجود ظرف اعتباري مفترض في كل شخص هو الذمة.\rفيقال: لفلان في ذمة فلان مبلغ مالي كذا (2) .\rوأهلية الوجوب نوعان: ناقصة وكاملة.\rأهلية الوجوب الناقصة: هي صلاحية الشخص لثبوت الحقوق له فقط أي تؤهله للإلزام ليكون دائناً لا مديناً. وتثبت للجنين في بطن أمه قبل الولادة. وسبب نقص أهليته أمران: فهو من جهة يعد جزءاً من أمه، ومن جهة أخرى يعد إنساناً مستقلاً عن أمه، متهيئاً للانفصال عنها بعد تمام تكوينه. لذا فإنه تثبت له بعض الحقوق الضرورية النافعة له: وهي التي لا تحتاج إلى قبول، وهي أربعة أنواع (3) :\r1 - النسب من أبويه.\r2 - الميراث من قريبه المورث، فيوقف له أكبر النصيبين على تقدير كونه ذكراً أو أنثى.\r3 - استحقاق الوصية الموصى له بها.\r4 - استحقاقه حصته من غلات الوقف الموقوفة عليه.\rلكن الحقوق المالية الثلاثة الأخيرة ليست للجنين فيهاملكية نافذة في الحال بل تتوقف على ولادته حياً. فإن ولد حياً ثبتت له ملكية مستندة إلى وقت وجود سببها أي بأثر رجعي. وإن ولد ميتاً رد نصيبه إلى أصحابه المستحقين له. فغلة الوقف تعطى لبقية المستحقين، والموصى به يرد إلى ورثة الموصي، وحصة الميراث المجمدة له توزع لبقية الورثة. وثبوت الحق للجنين في الوقف هو رأي الحنفية والمالكية، أما رأي الشافعية والحنابلة فلا يثبت له حق التملك إلا بالإرث والوصية، فلا يصح عندهم الوقف على الجنين، لأنه يشترط إمكان التملك في الحال وهو لا يتملك.\r-------------------------------\r(1) المدخل الفقهي العام للأستاذ الزرقاء: ف 408.\r(2) المرجع السابق: ف 410،مدخل نظرية الالتزام في الفقه للأستاذ الزرقاء أيضاً: ف 118 ومابعدها.\r(3) كشف الأسرار على أصول البزدوي: ص 1359 ومابعدها، القواعد لابن رجب الحنبلي: ص 178 ومابعدها.","part":4,"page":474},{"id":2570,"text":"أما الحقوق التي تحتاج إلى قبول كالشراء والهبة فلا تثبت له، ولو مارسها عنه وليه (الأب أو الجد) إذ ليس له ضرورة بها، ولأن الشراء له يلزمه بالثمن وهو ليس أهلاً للالتزام.\rوأما الواجبات أو الالتزامات لغيره فلا تلزمه، كنفقة أقاربه المحتاجين (1) .\rوالخلاصة: إن الجنين له ذمة ناقصة تؤهله لاكتساب بعض الحقوق فقط، وليست له ذمة كاملة صالحة لاكتساب الحقوق والالتزام بالواجبات.\rأهلية الوجوب الكاملة: هي صلاحية الشخص لثبوت الحقوق له، وتحمل الواجبات (أو الالتزامات). وتثبت للشخص منذ ولادته حياً، دون أن تفارقه في جميع أدوار حياته، فيصلح لاكتساب الحقوق والالتزام بالواجبات. ولا يوجد إنسان فاقد لهذه الأهلية.\rوتحديد وجود الولادة: فيه رأيان للفقهاء، قال الحنفية (2) : تثبت أهلية الوجوب بمجرد ظهور أكثر الجنين حياً. وقال غير الحنفية (3) : لا تثبت هذه الأهلية إلا بتمام ولادة الجنين حياً. وبهذا الرأي أخذ القانون المدني السوري (م 13) وقانون الأحوال الشخصية السوري (م 1/236،2/260).\rوأما الحقوق الثابتة للطفل بعد الولادة: فهي التي تحصل له نتيجة التصرف الذي يمكن للولي أو الوصي أن يمارسه بالنيابة عنه، كتملك ما يشترى له أو يوهب له.\rوأما الالتزامات الواجبة على الطفل فهي كل ما يستطاع أداؤه عنه من ماله، سواء من حقوق العباد أو من حقوق الله ، وهي:\r(1) الأعواض المالية في الأفعال المدنية كثمن المشتريات وأجرة الدار، أو في الأفعال الجنائية كتعويض المتلفات التي يتلفها من أموال الآخرين.\r-------------------------------\r(1) قرر فقهاء الحنابلة إيجاب نفقة الأقارب على الحمل من ماله (القواعد لابن رجب: ص181).\r(2) شرح السراجية: ص 216 وما بعدها.\r(3) المغني: 316/6 ومابعدها.","part":4,"page":475},{"id":2571,"text":"(2) والضرائب المالية للدولة كعشر الزرع وخراج الأرض (ضريبة الأراضي الزراعية) وضريبة ورسوم الجمارك والمباني وضريبة الدخل ونحوها.\r(3) والصلات الاجتماعية المنوطة بالغنى كنفقة الأقارب والمعسرين وزكاة الفطر في رأي أبي حنيفة وأبي يوسف (1) . وزكاة المال في رأي جمهور الفقهاء غير الحنفية (2) ، رعاية لمصلحة الفقراء والمحتاجين والمجتمع بصفة عامة، وهو رأي أقوم وأفضل وأحق بالعمل، لاسيما في ظروفنا الحاضرة.\rوأما الحنفية فلم يوجبوا الزكاة في مال الصبي لأنهم اعتبروها عبادة مالية، والطفل لا يكلف بالتكاليف الدينية إلا بعد البلوغ.\rويلاحظ أن أهلية الوجوب، ولو كانت كاملة ليس لها أثر في إنشاء العقود، فكل تصرف من الطفل غير المميز، حتى ولو كان نافعاً نفعاً محضاً له كقبول الهبة أو الوصية، يعد باطلاً، لأن عبارته ملغاة.\rكذلك لا يجب على الطفل غير المميز شيء من العبادات الدينية كالصلاة والصوم والحج.\rوأما الذمة المالية فتثبت للطفل كاملة بمجرد الولادة وتلازمه طوال الحياة.\r2 - أهلية الأداء: هي صلاحية الشخص لصدور التصرفات منه (أو لممارستها ومباشرتها) على وجه يعتد به شرعاً، وهي ترادف المسؤولية، وتشمل حقوق الله من صلاة وصوم وحج وسواها، والتصرفات القولية أو الفعلية الصادرة عن الشخص. فالصلاة ونحوها التي يؤديها الإنسان تسقط عنه الواجب، والجناية على مال الغير توجب المسؤولية.\r-------------------------------\r(1) التلويح على التوضيح: 163/2 ومابعدها، ط صبيح، كشف الأسرار: ص 136ومابعدها.\r(2) بداية المجتهد: 236/1 ومابعدها، ط الاستقامة.","part":4,"page":476},{"id":2572,"text":"وأساس ثبوتها أو مناط هذه الأهلية هو التمييز أو العقل والإدراك، فمن ثبتت له أهلية الأداء صحت عباداته الدينية كالصلاة والصوم، وتصرفاته المدنية كالعقود (1) .\rولا وجود لهذه الأهلية للجنين أصلاً، ولا للطفل قبل بلوغ سن التمييز وهو تمام سن السابعة. فقبل التمييز تكون هذه الأهلية منعدمة، والمجنون مثل غير المميز لا تترتب على تصرفاتهما آثار شرعية، وتكون عقودهما باطلة، إلا أنهما يؤاخذان مالياً بالجناية أو الاعتداء على نفس الغير أو على ماله. ويقوم الولي (الأب أو الجد) أو الوصي بمباشرة العقود والتصرفات التي يحتاجها الطفل غير المميز أو المجنون.\rوأهلية الأداء نوعان: ناقصة وكاملة.\rأهلية الأداء الناقصة: هي صلاحية الشخص لصدور بعض التصرفات منه دون البعض الآخر، وهي التي يتوقف نفاذها على رأي غيره، وهذه الأهلية تثبت للشخص في دور التمييز بعد تمام سن السابعة إلى البلوغ. ويعد في حكم المميز: الشخص المعتوه الذي لم يصل به العته إلى درجة اختلال العقل وفقده، وإنما يكون ضعيف الإدراك والتمييز.\rويفرق بالنسبة للمميز والمعتوه بين حقوق الله وحقوق العباد:\rأما حقوق الله تعالى: فتصح من الصبي المميز كالإيمان والكفر (2) والصلاة والصيام والحج، ولكن لا يكون ملزماً بأداء العبادات إلا على جهة التأديب والتهذيب، ولا يستتبع فعله عهدة في ذمته، فلو شرع في صلاة لا يلزمه المضي فيها، ولو أفسدها لا يجب عليه قضاؤها.\rوأما حقوق العباد فعند الشافعي وأحمد: تعد عقود الصبي وتصرفاته باطلة.\rوأما عند الحنفية: فإن تصرفاته المالية أقسام ثلاثة: نافعة نفعاً محضاً وضارة ضرراً محضاً، ودائرة بين النفع والضرر، على النحو السابق الذي تقدم.\rوأهلية الأداء الكاملة: هي صلاحية الشخص لمباشرة التصرفات على وجه يعتد به شرعاً دون توقف على رأي غيره. وتثبت لمن بلغ الحلم عاقلاً أي للبالغ الرشيد، فله بموجبها ممارسة كل العقود، من غير توقف على إجازة أحد.\r-------------------------------\r(1) التلويح على التوضيح: 164/2 ومابعدها، كشف الأسرار: ص1368 ومابعدها.\r(2) اختلف الفقهاء في صحة الكفر من الصبي بالنسبة لأحكام الدنيا مع اتفاقهم على اعتبار الكفر منه في أحكام الآخرة. فعند أبي حنيفة ومحمد: تعتبر منه ردته، فيحرم من الميراث وتبين امرأته. وعند أبي يوسف والشافعي: لا يحكم بصحة ردته في أحكام الدنيا، لأن الارتداد ضرر محض لا يشوبه منفعة، فلا يصح من الصبي ولا يحرم من الإرث ولا تبين منه امرأته بالردة.","part":4,"page":477},{"id":2573,"text":"والبلوغ يحصل إما بظهور علامة من علاماته الطبيعية كاحتلام الولد (أي الإنزال) ومجيء العادة الشهرية (الحيض) عند الأنثى، أو بتمام الخامسة عشرة عند جمهور الفقهاء غير أبي حنيفة لكل من الفتى والفتاة، وعليه الفتوى والعمل، جاء في المادة (985 مجلة): «يثبت حد البلوغ بالاحتلام والإحبال والحيض والحبل» ونصت المادة (986 مجلة): «على أن منتهى البلوغ خمس عشرة سنة» .\rوقدر أبو حنيفة سن البلوغ بثماني عشرة سنة للفتى وسبع عشرة سنة للفتاة.\rوقدره الإمام مالك لهما بتمام ثماني عشرة سنة، وقيل بتمام السابعة عشرة سنة والدخول في الثامنة عشرة (1) .\rوالسبب في ارتباط هذه الأهلية بالبلوغ: هو أن الأصل فيها أن تتحقق بتوافر العقل، ولما كان العقل من الأمور الخفية ارتبط بالبلوغ، لأنه مظنة العقل، والأحكام ترتبط بعلل ظاهرة منضبطة، فيصبح الشخص عاقلاً بمجرد البلوغ، وتثبت له حينئذ أهلية أداءٍ كاملة ما لم يعترضه عارض من عوارض الأهلية. وعندها يصبح الإنسان أهلاً للتكاليف الشرعية، ويجب عليه أداؤها، ويأثم بتركها، وتصح منه جميع العقود والتصرفات، وتترتب عليه مختلف آثارها ويؤاخذ شرعاً على جميع الأعمال أو الأفعال الجنائية الصادرة عنه.\rأدوار الأهلية :\rيفهم مما سبق أن أهلية الإنسان من مبدأ حياته في بطن أمه إلى اكتمال رجولته تمر في مراحل خمس أو أدوار خمسة هي:\rدور الجنين، ودور الطفولة (عدم التمييز)، ودور التمييز، ودور البلوغ، ودور الرشد (2) .\r-------------------------------\r(1) تفسير القرطبي: 37/5، الشرح الكبير: 393/3.\r(2) راجع التقرير والتحبير: 166/2 ومابعدها، مرآة الأصول: 452/2 ومابعدها، فواتح الرحموت: 156/1 وما بعدها، حاشية نسمات الأسحار: ص 273، التلويح على التوضيح، كشف الأسرار، المرجعان السابقان.","part":4,"page":478},{"id":2574,"text":"الدور الأول ـ دور الجنين: يبدأ من بدء الحمل وينتهى بالولادة، وفيه تثبت للجنين أهلية وجوب ناقصة تمكنه من ثبوت أربعة حقوق ضرورية له ذكرت سابقاً، وليست له أهلية أداء ولا ذمة مالية.\rالدور الثاني ـ دور الطفولة: ويبدأ من وقت الولادة ويستمر إلى وقت التمييز وهو بلوغ السابعة من العمر. وفيه تثبت للطفل غير المميز أهلية وجوب كاملة، فيستحق الحقوق ويلتزم بالواجبات التي تكون نتيجة ممارسة وليه بعض التصرفات نيابة عنه، فإذا اشتري له أو وهب له ملك، وجب عليه العوض في المعاوضات المالية، وتكون له ذمة كاملة.\rوليست له أهلية أداء، فتكون أقواله كلها هدراً، وعقوده باطلة، حتى ولو كانت نافعة نفعاً محضاً له كقبول الهبة أو الوصية، وينوب عنه فيها وليه الشرعي أو وصيه. جاء في المادة (966 مجلة): «لا يصح تصرفات الصغير غير المميز وإن أذن له وليه» .\rكذلك تكون أفعاله هدراً سواء أكانت دينية كالصلاة والصيام فلا تصح منه، أو مدنية كقبض المبيع أو الوديعة أو القرض، فلا تصح.\rوأما جناياته كالقتل والضرب والقطع فلا تستوجب العقوبة البدنية، كالقصاص والحبس، ولا يحرم من الميراث بقتل مورثه لسقوط المؤاخذة عنه، وإنما يلزم في ماله بدفع التعويض أو ضمان ما أتلفه من الأنفس والأموال حفاظاً عليها.\rالدور الثالث ـ دور التمييز: يبدأ بعد سن السابعة ويستمر إلى البلوغ عاقلاً.\rومعنى التمييز: أن يصبح الولد بحالة يميز فيها بين الخير والشر، والنفع والضرر، ويعرف معاني الألفاظ إجمالاً، فيدرك أن البيع مثلاً سالب للمال وأن الشراء جالب للملك.","part":4,"page":479},{"id":2575,"text":"وفيه تثبت للمميز أهلية أداء ناقصة: دينية، ومدنية، فتصح منه العبادات البدنية كالصلاة والصيام، ويثاب عليها، وإن لم تكن مفروضة عليه. كما تصح منه مباشرة التصرفات المالية، مثل قبول الهبة أو الصدقة مطلقاً، والبيع والشراء موقوفاً على إجازة وليه. ولا يصح منه التصرف الضار بمصلحته كالتبرع بشيء من أمواله، على ما سبق بيانه.\rالدور الرابع ـ دور البلوغ: يبدأ من البلوغ إلى وقت الرشد. وقد اتفق الفقهاء عملاً بالآيات القرآنية (1) والأحاديث النبوية (2) على أن البالغ يصبح مكلفاً بجميع التكاليف الشرعية. وتكتمل لديه أهلية الأداء الدينية، فيطالب بالإيمان بعناصره الستة (بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وبالقدر خيره وشره) وبالإسلام بأركانه الخمسة (شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمد اً رسول الله ، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت من استطاع إليه سبيلاً). وبتطبيق أحكام الشريعة من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والجهاد في سبيل الله، واحترام الأموال والأنفس والأعراض، واجتناب المحظورات الشرعية والمعاصي والمنكرات التي تضر بمصلحة الفرد والجماعة.\rوأما أهلية الأداء المدنية:فتكتمل عند الفقهاء، خلافاً للقانون، بسن البلوغ إذا بلغ الولد راشداً، فتنفذ تصرفاته المالية وتسلم إليه أمواله. فإن لم يؤنس منه الرشد، فلا تنفذ تصرفاته، ولا تسلم إليه أمواله؛ لأن الشرع جعل البلوغ أمارة على كمال العقل، فإن ثبت العكس عمل به. وسن الرشد في القانون السوري 81 سنة، و12 سنة في القانون المصري.\rالدور الخامس ـ دور الرشد: الرشد أكمل مراحل الأهلية، ومعناه عند\r-------------------------------\r(1) مثل قوله تعالى: { وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح...} [النساء:6/4].\r(2) مثل قول النبي صلّى الله عليه وسلم : « رفع القلم عن ثلاثة: عن المجنون المغلوب على عقله حتى يبرأ، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يحتلم» رواه أحمد في مسنده وأبو داود والحاكم عن علي وعمر.","part":4,"page":480},{"id":2576,"text":"الفقهاء (1) : حسن التصرف في المال من الوجهة الدنيوية، ولو كان فاسقاً من الوجهة الدينية (م 947 مجلة) ويتوافر بتحقق الخبرة المالية بتدبير الأموال وحسن استثمارها. وهو أمر يختلف باختلاف الأشخاص والبيئة والثقافة.\rفقد يرافق البلوغ، وقد يتأخر عنه قليلاً أو كثيراً، وقد يتقدمه، لكن لا اعتبار له قبل البلوغ، ومرجعه إلى الاختبار والتجربة عملاً بالآية القرآنية: {وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح، فإن آنستم منهم رشداً، فادفعوا إليهم أموالهم} [النساء:6/4].\rوبناء عليه: إذا بلغ الشخص رشيداً كملت أهليته، وارتفعت الولاية عنه، وسلمت إليه أمواله، ونفذت تصرفاته وإقراراته.\rوإن بلغ غير رشيد بقي ناقص أهلية الأداء، واستمرت الولاية المالية عليه عند جمهور الفقهاء، فلا تنفذ تصرفاته، ولا تسلم إليه أمواله. أما الولاية على النفس كالتأديب والتطبيب والتعليم والتزويج فترتفع عنه بمجرد بلوغه عاقلاً، أي أن اشتراط الرشد محصور في التصرفات المالية، وأما غير ذلك كالزواج والطلاق فإنها نافذة منه بمجرد البلوغ عاقلاً.\rوخالف أبو حنيفة في هذا فقال: إذا بلغ الشخص عاقلاً غير رشيد كملت أهليته، وارتفعت الولايةعنه، احتراماً لآدميته وحفاظاً على كرامته، ولكن لا تسلم إليه أمواله على سبيل الاحتياط والتأديب. لا على سبيل الحجر عليه، لأنه لا\r-------------------------------\r(1) هذا ما فسره ابن عباس، وهو مذهب الحنفية والمالكية. ويرى الشافعية أن الرشد: هو أن يتصف بالبلوغ والصلاح لدينه وماله (الدر المختار: 105/5، بداية المجتهد: 278/2، الشرح الصغير: 393/3، المغني: 467/4، مغني المحتاج: 7/2، 168).","part":4,"page":481},{"id":2577,"text":"يرى الحجر على السفيه (أي المبذر)، وأما منع أمواله عنه فينتهي: إما بالرشد فعلاً، أو ببلوغه خمساً وعشرين سنة (1) .\rوليس للرشد سن معينة عند جمهور الفقهاء، وإنما متروك لاستعداد الشخص وتربيته وبيئته، وليس في النصوص الشرعية تحديد له.\rأما قانون الأحوال الشخصية السوري ( م 16 ) والقانون المدني السوري (م46) فقد حدد سن الرشد فيها بـ (18) سنة ميلادية كاملة، وفي القانون المصري (21) سنة. فما قبل هذه السن لا تسلم للشخص أمواله، ولا تنفذ تصرفاته، فإذا بلغ الإنسان هذه السن سلمت إليه أمواله إذا لم يكن محجوراً عليه.\rورفع سن الرشد إلى هذا الحد يتفق مع ظروف الحياة الحديثة، التي تعقَّدت فيها المعاملات، وتدهورت فيها الأخلاق، وشاع الخداع والاحتيال، ولا مانع في الشريعة من ذلك عملاً بما تقتضيه المصلحة في حماية الناشئة وصيانة أموالهم.\rعوارض الأهلية\rأهلية الأداء: هي أساس التعامل والتعاقد كما عرفنا، إلا أن هذه الأهلية قد يعترضها بعض العوارض فتؤثر فيها، والعوارض: هي ما يطرأ على الإنسان فيزيل أهليته أو ينقصها أو يغير بعض أحكامها. وهي نوعان عند علماء أصول الفقه:\r1 - عوارض سماوية: وهي التي لم يكن للشخص في إيجادها اختيار واكتساب.\r2 - وعوارض مكتسبة: وهي التي يكون للشخص دخل واختبار في تحصيلها.\r-------------------------------\r(1) الدر المختار ورد المحتار: 104/5، بداية المجتهد: 276/2 ومابعدها. والعوارض السماوية أكثر تغييراً وأشد تأثيراً، مثل الجنون والعته والإغماء والنوم، ومرض الموت.\rوالعوارض المكتسبة: مثل السكر والسفه والدين.","part":4,"page":482},{"id":2578,"text":"وسأقتصر هنا على إعطاء فكرة موجزة عن هذه العوارض، ما عدا مرض الموت والدين فإنهما يتطلبان مزيداً من البحث والإيضاح.\r1 - الجنون: اختلال في العقل ينشأ عنه اضطراب أو هيجان (1) . وحكمه أنه سواء أكان مُطْبقاً (مستمراً) أم غير مطبق (متقطع) معدم للأهلية حال وجوده، فتكون تصرفات المجنون القولية والفعلية كغير المميز لاغية باطلة لا أثر لها.\rولكنه يطالب بضمان أفعاله الجنائية على النفس أو المال (2) . جاء في المادة (979 مجلة): ( المجنون المطبق هو في حكم الصغير غير المميز ).\r2 - العته: ضعف في العقل ينشأ عنه ضعف في الوعي والإدراك، يصير به المعتوه مختلط الكلام، فيشبه مرة كلام العقلاء، ومرة كلام المجانين. ويتميز المعتوه عن المجنون بالهدوء في أوضاعه فلا يضرب ولا يشتم كالمجنون. فالمعتوه إذن: هو من كان عليل الفهم مختلط الكلام فاسد التدبير. وحكمه حكم الصبي المميز كما سبق، أي أن لصاحبه أهلية أداء ناقصة (3) .\r3 - الإغماء: تعطل القوى المدركة المحركة حركة إرادية بسبب مرض يعرض للدماغ أو القلب. وهو يشبه النوم في تعطيل العقل، إلا أن النوم عارض طبيعي، والإغماء غير طبيعي،\r-------------------------------\r(1) المدخل الفقهي للأستاذ الزرقاء: ف 460.\r(2) مرآة الأصول: 439/2، التقرير والتحبير: 173/2، كشف الأسرار: ص 1083، التلويح على التوضيح: 167/2.\r(3) المراجع السابقة: المرآة 441/2، التقرير والتحبير: 176/2، كشف الأسرار: 1394/2 الدر المختار ورد المحتار: 100/5، التلويح: 168/2.","part":4,"page":483},{"id":2579,"text":"فيكون حكمهما واحداً في التصرفات، وهو إلغاؤها وبطلانها لانعدام القصد عند المغمى عليه (1) .\r4 - النوم: فتور طبيعي يعتري الإنسان في فترات منتظمة أو غير منتظمة لا يزيل العقل، بل يمنعه عن العمل، ولا يزيل الحواس الظاهرة، بل يمنعها أيضاً عن العمل. وعبارات النائم كالمغمى عليه لا اعتبار لها إطلاقاً (2) .\r5 - السُّكْر: حالة تعرض للإنسان بامتلاء دماغه من الأبخرة المتصاعدة إليه، فيتعطل معه عقله المميز بين الأمور الحسنة والقبيحة. وهو نوعان: سكر بطريق مباح كالحاصل من الدواء أو البنج، أو حالة الاضطرار أو الإكراه. وسكر بطريق حرام كالحاصل من الخمر أو أي مسكر آخر حتى البيرة. والسكر بنوعيه لا يذهب العقل، بل يعطله فترة من الزمن، ويزيل الإرادة والقصد.\rوحكمه على المشهور عند المالكية وابن تيمية وابن القيم من الحنابلة (3) : أنه يبطل العبارة ولا يترتب عليها التزام، فتبطل عقوده وتصرفاته لعدم سلامة القصد أو الإرادة، سواء أكان بطريق مباح أو محظور، فلا يصح يمينه وطلاقه وإقراره ولا بيعه وهبته ولا سائر أقواله (4) . إلا أن المالكية قالوا في الطلاق: لو سكر سكراً حراماً صح طلاقه، إلا أن لا يميز فلا طلاق عليه لأنه صار كالمجنون.\r-------------------------------\r(1) المراجع السابقة.\r(2) المراجع السابقة.\r(3) الشرح الكبير: 5/3، 265/2، أعلام الموقعين: 48/4، ط السعادة، زاد المعاد: 40/4 ومابعدها، غاية المنتهى: 113/3.\r(4) وهذا رأي الإمام أحمد في رواية عنه اختارها جماعة من الحنابلة، والطحاوي والكرخي وأبو يوسف وزفر من الحنفية، والمزني وابن سريج و غيرهما من الشافعية. وبه أخذ قانون الأحوال الشخصية في سورية ومصر.","part":4,"page":484},{"id":2580,"text":"وقال جمهور الفقهاء (غير المذكورين) (1) : يفرق بين السكر بمباح فليس لعبارته أي اعتبار، وبين السكر بمحرم، فتقبل عبارته زجراً له وعقاباً على تسببه في تعطيل عقله، فتعد تصرفاته من قول أو فعل صحيحة نافذة، عقاباً وزجراً له ولأمثاله، سواء في ذلك الزواج والطلاق والبيع والشراء والإجارة، والرهن والكفالة ونحوها.\r6 - السفه: خفة تعتري الإنسان، فتحمله على العمل بخلاف موجب العقل والشرع مع قيام العقل حقيقة، والمراد به هنا ما يقابل الرشد: وهو تبذير المال وإنفاقه في غير حكمة، ولو في أمور الخير عند الحنفية (2) (م 946 مجلة) كبناء المساجد والمدارس والملاجئ.\rوالسفه لا يؤثر في الأهلية، فيظل السفيه كامل الأهلية، لكنه يمنع من بعض التصرفات.\rالحجر على السفيه (3) : قد يبلغ الشخص سفيهاً، وقد يطرأ عليه السفه بعد بلوغه راشداً.\rأ ـ من بلغ سفيهاً: اتفق الفقهاء على أنّ الصبي إذا بلغ سفيهاً يمنع عنه ماله، ويظل تحت ولاية وليه، لقوله تعالى: {ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياماً وارزقوهم فيها} [النساء:5/4]. ويستمر هذا المنع أبداً عند جمهور الفقهاء والصاحبين، حتى يتحقق رشده لقوله تعالى : {فإن آنستم منهم رشداً فادفعوا إليهم أموالهم} [النساء:6/4].\rجاء في المادة (982 مجلة): «إذا بلغ الصبي غير الرشيد لم تدفع إلىه أمواله، ما لم يتحقق رشده، ويمنع من التصرف كما في السابق» .\rوقال أبو حنيفة: تنتهي فترة منع ماله عنه ببلوغه خمساً وعشرين سنة؛ لأن هذه السن غالباً يتحقق فيها الرشد، فإن لم يرشد لا ينتظر منه رشد بعدئذ. وأما تصرفاته في فترة منع ماله عنه فلا ينفذ منها إلا ما كان نافعاً نفعاً محضاً له أو الوصية في حدود الثلث، أو كانت لا تقبل الفسخ: وهي الزواج والطلاق والرجعة واليمين. ويمنع من باقي التصرفات.\rب ـ من بلغ رشيداً ثم صار سفيهاً: لا يجيز أبو حنيفة الحجر عليه، لأنه حر في تصرفاته، والحجر ينافي الحرية، وفيه إهدار لإنسانيته وكرامته.\r-------------------------------\r(1) كشف الأسرار: ص 1471، التلويح: 175/2، التقرير والتحبير: 193/2، مرآة الأصول: 454/2.\r(2) الدر المختار: 102/5، تبيين الحقائق: 192/5. إلا أن الشافعي لم يجعل الإسراف في وجوه البر سفهاً (مغني المحتاج: 168/2).\r(3) الحجر: هو منع نفاذ التصرفات القولية.","part":4,"page":485},{"id":2581,"text":"وقال جمهور الفقهاء، والصاحبان (أبو يوسف ومحمد) وبرأيهما يفتى في المذهب الحنفي: يجوز الحجر على السفيه، رعاية لمصلحته، ومحافظة على ماله، حتى لا يكون عالة على غيره. ويكون حكمه حينئذ حكم الصبي المميز في التصرفات (1) ؛ لقوله تعالى: {ولا تؤتوا السفهاء أموالكم} [النساء:5/4] وقوله سبحانه: {فإن كان الذي عليه الحق سفيهاً أو ضعيفاً، أو لا يستطيع أن يمل هو، فليملل وليه بالعدل} [البقرة:282/2] مما يدل على ثبوت الولاية على السفيه (2) . إلا أن الحجر على السفيه في هذه الحالة يكون بحكم قضائي، بالتثبت من السفه أو التبذير، ومنعاً من إلحاق الضرر بمن يتعامل مع السفيه من غير بينة وتحقق من حاله. وهذا رأي أبي يوسف والشافعي وأحمد ومالك رحمهم الله تعالى.\rوالحجر في هذه الحالة محصور في التصرفات التي تحتمل الفسخ، ويبطلها الهزل كالبيع والإجارة والرهن. أما التصرفات التي لا تحتمل الفسخ ولا يبطلها الهزل كالزواج والطلاق والرجعة والخلع، فلا يحجر عليه بالإجماع.\r-------------------------------\r(1) وعليه نصت المادة (990 مجلة): السفيه المحجور عليه هو في المعاملات كالصغير المميز...» .\r(2) كشف الأسرار: ص 1489، التلويح على التوضيح: 191/2، التقرير والتحبير: 201/2، مرآة الأصول: 459/2، الدر المختار: 102/5 ومابعدها، بداية المجتهد: 276/2، 279، مغني المحتاج: 170/2، المغني: 469/4، الشرح الصغير: 382/3 ومابعدها.","part":4,"page":486},{"id":2582,"text":"الغفلة والسفه :\rالغفلة ملحقة بالسفه من ناحيةجواز الحجر عند جمهور الفقهاء وعدمه عند أبي حنيفة (1) . وذو الغفلة: هو من لا يهتدي إلى أسباب الربح والخسارة، كما يهتدي غيره، وإنما يخدع بسهولة بسبب البساطة وسلامة القلب، مما يؤدي إلى غبنه في المعاملات. وحكم المغفل والسفيه سواء. أما الفرق بينهما فهو أن السفيه كامل الإدراك، ويرجع سوء تصرفه إلى سوء اختياره. وأما ذو الغفلة: فهو ضعيف الإدراك، ويرجع سوء تصرفه إلى ضعف عقله وإدراكه للخير والشر.\r7 - الدين أو المديونية :\rالخلاف الذي ذكرفي السفه والغفلة من ناحية الحجر وعدمه يجري في الدين. فأبو حنيفة لا يجيز الحجر على المدين، وإن استغرق دينه ماله، لأنه كامل الأهلية بالعقل، فلا حجر عليه، حفاظاً على حريته في التصرف وإنسانيته. وإنما يؤمر بسداد ديونه، فإن أبى يحبس ليبيع ماله بنفسه ويؤدي ما عليه من الديون.\rوقال الصاحبان (أبو يوسف ومحمد) والأئمة الثلاثة: (مالك والشافعي وأحمد) (2) : يحجر القاضي على المدين الذي ترتبت عليه ديون حالّة الأجل،\r-------------------------------\r(1) تبيين الحقائق: 198/5.\r(2) تبيين الحقائق: 199/5، رد المحتار على الدر المختار: 102/5، 105 ومابعدها، الشرح الصغير: 346/2، مغني المحتاج: 146/2، غاية المنتهى: 129/2، القواعد لابن رجب: ص 14، بداية المجتهد: 280/2.","part":4,"page":487},{"id":2583,"text":"هذا مع العلم بأن أصل المذهب الحنفي عدم جواز الحجر بسبب الدين. لكن المفتى به عند الحنفية هو قول الصاحبين وهو جواز الحجر. وكانت ديونه مستغرقة لماله (أي محيطة بها) وطلب الدائنون الغرماء الحجر عليه (1) وهذا هو المفلس، والمفلس لغة: من لا مال له، وشرعاً، من دينه أكثر من ماله. وأجاز المالكية الحجر على المدين المفلس دون حاجة لحكم قضائي، أي على الغريم نفسه، ولو كان الدين المحيط بالمال مؤجلاً.\rوبالحجر على المدين تنتقص أهليته، ويصبح كالصغير المميز، ومتى وقع الحجر عليه صارت تصرفاته المالية التي تضر بدائنيه موقوفة على إجازتهم، سواء أكانت تلك التصرفات تبرعات محضة كالهبة أو الوقف، أم معاوضات مشتملة على المحاباة في الثمن، كالبيع بأقل من القيمة، أو الشراء بأكثر من القيمة، فإن أجازوا التصرف نفذ، وإن رفضوه بطل.\rوهذا يعني عند الحنفية: أنه إذا صح الحجر على المدين، صار المحجور كمريض عليه ديون الصحة، فكل تصرف أدى إلى إبطال حق الدائنين الغرماء، فالحجر (أي المنع من التصرف) يؤثر فيه كالهبة والصدقة.\rوأما البيع: فإن كان بمثل القيمة جاز، وإن كان بغبن فلا يجوز، ويتخير المشتري بين إزالة الغبن، وبين الفسخ، كبيع المريض.\rويجوز له الزواج بمهر المثل والطلاق والخلع ونحو ذلك، كما يجوز له قبول الهبات والتبرعات.\r8 - مرض الموت :\rالبحث فيه يتناول تعريفه وما يلحق به، والحقوق المتعلقة به، وحقوق المريض\r-------------------------------\r(1) نصت المادة (998 مجلة) على ما يأتي «لو ظهر عند الحاكم مماطلة المديون في أداء دينه حال كونه مقتدراً، وطلب الغرماء بيع ماله وتأدية دينه حجر الحاكم ماله. وإذا امتنع عن بيعه وتأدية الدين باعه الحاكم وأدى دينه..» ونصت المادة (999) على جواز حجر الحاكم المدين المفلس الذي دينه مساوٍ لماله أو أزيد...","part":4,"page":488},{"id":2584,"text":"نفسه، وحقوق الدائنين والموصى لهم والورثة، وتصرفات المريض نفسه، وإقراره (1) .\rأ ـ تعريفه: هو المرض الذي يعجز الرجل أو المرأة عن ممارسة أعمالها المعتادة ويتصل به الموت قبل مضي سنة من بدئه، إذا لم يكن في حالة تزايد أو تغير، فإن كان يتزايد اعتبر مرض موت من تاريخ اشتداده أو تغيره، ولو دام أكثر من سنة (م1595 مجلة).\rويقال لصاحبه: المريض؛ ويقابله: الصحيح. وهذا هو مراد فقهاء الحنفية عند إطلاق كلمة ( المريض ) أي من هو في مرض الموت. أو كلمة ( الصحيح ) أي من ليس في حال مرض الموت، ولو كان مريضاً بمرض آخر.\rولا بد لتوافر معنى مرض الموت من أمرين: أن يكون مما يغلب فيه الهلاك عادة وأن يتصل به الموت فعلاً، ولو من حادث آخر كالقتل والحرق والغرق وغيرها.\rوبناء عليه ألحق الفقهاء به حالات مثل (2) :\rركاب سفينة جاءتها ريح عاصف، وظنوا أن الموت نازل بهم.\rالأسرى لدى دولة اعتادت قتلهم.\rالمجاهد الذي خرج للقاء العدو بائعاً نفسه في سبيل الله والوطن.\rب ـ حكمه والحقوق المتعلقة به: مرض الموت لا ينافي أهلية وجوب الأحكام الشرعية في حقه، سواء حقوق الله وحقوق العباد وأهلية العبادة، لأنه لاتأثير له على الذمة والعقل والنطق.\rولا ينافي أيضاً أهلية الأداء؛ لأنه لا يخل بالعقل، فتجب للمصاب به حقوق غيره، كما تجب على الصحيح. وتظل عباراته وأقواله معتبرة كالبيع والهبة والإجارة والزواج والطلاق وسائر التصرفات.\rإلا أنه يحجر عليه ويمنع من بعض التصرفات كالمديون حماية لحقوق الدائنين التي تصبح متعلقة بماله بعد أن كانت متعلقة بذمته فقط، وحماية لحقوق الورثة أيضاً التي تصبح متعلقة بأعيان وموجودات التركة نفسها في رأي أبي حنيفة خلافاً لصاحبيه.\rج ـ حقوق المريض الخاصة: تصرفات المريض الضرورية الخاصة بشخصه وأسرته نافذة، لا تتوقف على إجازة أحد، وهي ما يلي:\rأولاً ـ النفقات الضرورية اللازمة للطعام والكسوة والسكنى له ولمن تلزمه نفقته، أو اللازمة للعلاج كأجر الطبيب وثمن الدواء وأجور عملية جراحية ونحوها.\r-------------------------------\r(1) راجع التلويح على التوضيح: 177/2، كشف الأسرار: ص 1427، التقرير والتحبير: 186/2، مرآة الأصول: 447/2، البدائع: 224/7 ومابعدها، الدر المختار: 481/4 ومابعدها.\r(2) الأموال ونظرية العقد للدكتور محمد يوسف موسى: ص 340.","part":4,"page":489},{"id":2585,"text":"ثانياً ـ الزواج: للمريض إبرام عقد زواج، لأنه قد يحتاج إلى من يخدمه أو يؤنسه، بشرط ألا يزيد المهر الذي يحدده على مهر المثل، فإن زاد عليه كانت الزيادة تبرعاً وصية موقوفة على إجازة الورثة إن زادت على ثلث التركة، فإن كانت في حدود هذا الثلث نفذت بدون إجازتهم.\rثالثاً: الطلاق: الطلاق نافذ أثناء مرض الموت باتفاق الفقهاء، لكنه إذا كان بائناً بغير رضا المرأة ومات الرجل في أثناء العدة، استحقت الميراث منه، لأنه بطلاقها يعتبر فارّ اً (هارباً) من ميراثها، فيعامل بنقيض مقصوده. وهذا رأي الحنفية، وعليه العمل في المحاكم الحالية (1) . والخلع جائز أيضاً كالطلاق لكن الرجل لا يستحق من بدل الخلع الذي تدفعه المرأة له إذا ماتت في العدة إلا الأقل من ثلاثة (بدل الخلع، وثلث تركة الزوجة، ونصيب الزوج من ميراثه منها). وإن ماتت بعد العدة استحق الأقل من اثنين (بدل الخلع، وثلث التركة).\rرابعاً ـ العقود الواردة على المنافع، سواء أكانت بعوض أم بغير عوض كالإجارة والإعارة والمزارعة والمساقاة ونحوها. للمريض مباشرة هذه العقود ولو كان العقد بأقل من عوض المثل، دون أن يحق لأحد من الورثة أو الدائنين الاعتراض عليه؛ لأن المنافع ليست أموالاً في مذهب الحنفية، فلا يتعلق بها حق لأحد الورثة أو الدائنين، ولأن التصرف في المنافع ينتهي بمجرد موت أحد العاقدين، فلا يكون هناك حاجة لاعتراض الدائنين أو الورثة. وأما غير الحنفية الذين يعدون المنافع أموالاً، فإن التصرف فيها خاضع لإجازة أصحاب الحق.\rخامساً ـ العقود المتعقلة بالربح ولا تمس رأس المال كالشركة والمضاربة تصحان من المريض، ولو بغبن؛ لأن الربح كالمنافع لا حق لأحد فيه، ولأن الشركة تبطل بموت المريض، فلا ضرر فيها على أحد؛ لأن حقوق الورثة أو الدائنين تتعلق بأعيان التركة أو بماليتها.\r-------------------------------\r(1) هناك آراء أخرى: يرى الحنابلة أنها تستحق الميراث ولو انقضت عدتها مالم تتزوج قبل موته. ويرى المالكية: أنها تستحق الميراث ولو تزوجت غيره قبل الموت. وقال الشافعية: لاتستحق الميراث أصلاً، ولو مات زوجها وهي في العدة.","part":4,"page":490},{"id":2586,"text":"والخلاصة: إن كل تصرف يضطر إليه المريض، أو لا يمس حقوق الدائنين أو الورثة هو نافذ لا يتوقف على إجازة أحد.\rد ـ حقوق الدائنين: تأتي بعد حقوق المريض الخاصة. فإذا كان المريض مديناً منع من التصرف الضار بمصلحة الدائنين. وعليه إذا كان المريض مديناً بدين مستغرق (محيط بكل ماله) منع من التبرعات أو ما في حكمها، كالهبة والوقف والوصية بشيء من أمواله، والبيع أو الشراء بالمحاباة. ويكون تصرفه موقوفاً على إجازة الدائنين بعد وفاة المريض.\rوإن كان المريض مديناً بدين غير مستغرق، اعتبر تصرفه مع غير الوارث نافذاً إذا لم يشتمل على غبن فاحش. أما إذا حدث التصرف مع وارث، فله حكم الوصية: ينفذ من الثلث بعد وفاء الديون. ويتوقف على إجازة الورثة فيما يزيد عن الثلث.\rهـ ـ حقوق الموصى له: للمريض أن يوصي بقدر ثلث التركة، فإذا مات مديناً بدين مستغرق للتركة بطلت الوصية، إلا إذا أجازها الدائنون. وإذا لم يكن مديناً أو مديناً بدين غير مستغرق نفذت الوصية لأجنبي في حدود ثلث التركة. وإن كانت الوصية لوارث صارت موقوفة على إجازة الورثة، مهما كان الموصى به، لقوله عليه الصلاة والسلام: «لا وصية لوارث» .","part":4,"page":491},{"id":2587,"text":"و ـ حقوق الورثة: تتعلق حقوق الورثة بثلث تركة المريض بعد وفاء الديون وتنفيذ الوصايا. فإن لم يكن هناك ديون ولا وصايا استحقوا التركة كلها. و تأتي حقوقهم بعد حقوق الدائنين والموصى لهم. وبناء عليه: كل تصرف من المريض لايضر بحقوق الورثة يكون صحيحاً نافذاً لا اعتراض لأحد عليه. وإن كان التصرف ضاراً بحقوقهم، كان لهم مع نفاذه حال الحياة حق إبطاله بعد الموت إن كان مما يقبل الفسخ كالتبرعات. لكن ما نوع حق الورثة بالتركة: هل هو حق شخصي أو حق عيني (1) ؟\rقال أبو حنيفة: يتعلق حق الورثة بمالية التركة إن تصرف المريض لأجنبي غير وارث، ويتعلق حقهم بأعيان التركة وذاتها نفسها إن تصرف المريض لوارث، أي أن حقهم في الحالة الثانية حق عيني، وفي الأولى حق شخصي. ويترتب عليه: يصح تصرف المريض لغير الوارث ببعض أموال التركة بمثل القيمة، دون اعتراض من أحد الورثة. ولا يصح تصرف المريض لوارث ببعض أموال التركة ولو بقيمته بلا أي غبن. ويحق لباقي الورثة نقض هذا التصرف لما فيه من ضرر بمصلحتهم؛ لأن حقهم تعلق بأعيان التركة، وإيثار بعض الورثة على بعض لا يجوز. أما في حال تصرف المريض مع غير الورثة فإن حقهم تعلق بقيمة التركة أو ماليتها.\rوقال الصاحبان (أبو يوسف ومحمد): يتعلق حق الورثة كحق الدائنين العاديين بمالية التركة، أي بقيمتها، لا بأعيانها، سواء أكان تصرف المريض مع وارث أم غير وارث. فيصح تصرف المريض بمال مطلقاً (لوارث أو لغير وارث) إذا كان بثمن المثل أي بدون غبن، إذ ليس فيه ضرر بباقي الورثة؛ لأن حقوقهم في التركة متعلقة بناحية أنها مال فقط.\r-------------------------------\r(1) الحق الشخصي: هو علاقة بين شخصين يكون أحدهما مكلفاً تجاه الآخر بعمل أو بالامتناع عن عمل كحق الدائن في ذمة المدين، أو حق المودع على الوديع في ألا يستعمل الوديعة. والحق العيني: علاقة مباشرة بين شخص وشيء معين بذاته مثل حق الملكية على الأموال وحق الارتفاق المقرر على عقار معين مثل حق المرور أو المسيل.","part":4,"page":492},{"id":2588,"text":"والخلاصة: أن هناك ـ على الرأي الراجح وهو رأي أبي حنيفة ـ فرقاً بين حق الدائنين وحق الورثة: وهو أن حق الدائنين يتعلق بمال المدين فقط، لا بأعيان التركة نفسها. حتى جاز للمريض مبادلة مال بيعاً أو شراءً دون حاجة لإذن الدائن، ويجوز للورثة إعطاء الدائن دينه نقداً، ثم يتصرفون بأعيان التركة كما يشاؤون.\rز ـ تصرفات المريض: إذا كان التصرف الصادر من المريض لا يقبل الفسخ أو الإبطال كالزواج والطلاق والرجعة والعفو عن القصاص، نفذ بعد الموت في حدود ثلث التركة. وإن كان التصرف قابلاً للفسخ، كان موقوفاً على إجازة أصحاب الحق بعد الوفاة إذا كان ضاراً بمصلحتهم كالتبرع والهبة والوقف وبيع المحاباة، وكالبيع المشتمل على غبن. فإن كان التصرف لا غبن فيه، ومع أجنبي غير وارث، نفذ ولم يتوقف على إجازة أحد.\rح ـ إقرار المريض: للمريض أن يقر بدين عليه لأجنبي أو لوارث. فإن كان لأجنبي غير وارث فهو صحيح نافذ دون حاجة لإجازة الورثة، ولو أحاط الإقرار بجميع ماله (م 1601 مجلة)، لكن تقدم عليه عند الحنفية ديون الصحة (1) .\rوإن كان الإقرار لوارث فلا ينفذ إلا بإجازة باقي الورثة، فإن أجازوه نفذ، وإلا بطل. لكن يصح الإقرار لوارث استثناء كما في حال الإقرار بقبض أمانته الموجودة عند وارث، أو باستهلاك الأمانة أو الوديعة الموجودة عنده لوارث (م1598 مجلة).\r-------------------------------\r(1) ديون الصحة: هي الديون التي تثبت قبل مرض الموت، ولو بالإقرار وحده حينئذ. وقال غير الحنفية: دين الصحة ودين المرض يتساويان، فلا يقدم دين الصحة على دين المرض، لأنهما حقان ثابتان.","part":4,"page":493},{"id":2589,"text":"ثانياً ـ الولاية :\rمعناها والفرق بينها وبين الأهلية، صلتها بالعقد، أنواعها، الأولياء ودرجاتهم، محتاجو الولاية، مبدأ الولاية، شروط الولاية، تصرفات الولي (مدى صلاحياته).\rتعريف الولاية: الولاية في اللغة: هي تولي الأمر والقيام به أو عليه. وفي اصطلاح الشرع: هي سلطة شرعية يتمكن بها صاحبها من إنشاء العقود\rوالتصرفات وتنفيذها، أي ترتيب الآثار الشرعية عليها. والولاية على القاصر: هي إشراف الراشد على شؤون القاصر الشخصية والمالية.\rصلتها بالعقد والفرق بينها وبين الأهلية: يتطلب العقد لوجوده ونفاذه وترتيب آثاره الشرعية أن يكون العاقد ذا أهلية أداء، وذا ولاية على العقد بأن يكون أصيلاً عن نفسه أو ولياً أو وصياً على غيره. فإن لم يكن أصيلاً أو ولياً أو وصياً كان فضولياً.\rوأهلية الأداء شرط انعقاد العقد ووجوده، فإن لم تتوافر كان العقد باطلاً. أما الولاية فهي شرط لنفاذ العقد (1) وترتب الآثار الشرعية عليه. وهي لا تثبت إلا لكامل أهلية الأداء. أما ناقص أهلية الأداء فلا ولاية له على نفسه ولا على غيره.\rوأهلية الأداء: صلاحية الشخص لمباشرة العقود. والولاية: صلاحية الشخص لإنفاذ العقود.\rوبناء عليه يكون للعقد بالنظر للأهلية والولاية أحوال ثلاث (2) :\r1 - إذا كان العاقد كامل الأهلية وصاحب ولاية: اعتبر العقد صحيحاً نافذاً إلا إذا كان فيه ضرر بآخر فيصبح موقوفاً على الإجازة، كالتصرف بالمأجور أو المرهون قبل انتهاء مدة الإجازة أو قبل أداء الدين، وتصرف المدين الذي يضر الدائنين، وتصرف المريض مرض الموت، على ما سبق بيانه.\r2 - إذا صدر العقد من عديم الأهلية وفاقد الولاية، كالمجنون والصبي غير\r-------------------------------\r(1) النفاذ في الأصل: المضي والجواز، ثم أطلق عند الفقهاء على مضي العقد دون توقف على الإجازة أو الإذن.\r(2) الأموال ونظرية العقد للدكتور محمد يوسف موسى: ص 351.","part":4,"page":494},{"id":2590,"text":"المميز، كان باطلاً. فإن كان العاقد ناقص الأهلية كالصبي المميز، توقف عقده المتردد بين الضرر والنفع كالبيع على إجازة وليه أو وصيه، على ما سبق بيانه.\r3 - إذا صدر العقد من صاحب أهلية أداء كاملة، ولكنه فاقد الولاية، وهو الفضولي، كان موقوفاً على إجازة المعقود له، على ما سيتضح في بحث لاحق، أي أنني سأخصص مبحثاً مستقلاً لكل من الوكالةوالفضالة باعتبارهما من أنواع النيابة عن الغير حال الحياة.\rأنواع الولاية: الولاية إما أن تكون أصلية: بأن يتولى الشخص عقداً أوتصرفاً لنفسه، بأن يكون كامل أهلية الأداء (بالغاً عاقلاً راشداً)، أو نيابية: بأن يتولى الشخص أمور غيره.\rوالولاية النيابية أو النيابة الشرعية عن الغير: إما أن تكون اختيارية أو إجبارية (1) :\rالاختيارية: هي الوكالة أي تفويض التصرف والحفظ إلى الغيرعلى ماسيأتي.\rوالإجبارية: هي تفويض الشرع أو القضاء التصرف لمصلحة القاصر، كولاية الأب أو الجد أو الوصي على الصغير، وولاية القاضي على القاصر. فمصدر ولاية الأب أو الجد أو القاضي هو الشرع. ومصدر ولاية الوصي إما اختيار الأب أو الجد، أو تعيين القاضي.\rوالولاية النيابية الإجبارية: إما أن يكون ولاية على النفس أو ولاية على المال.\rالولاية على النفس: هي الإشراف على شؤون القاصر الشخصية كالتزويج والتعليم والتأديب والتطبيب والتشغيل في حرفة ونحو ذلك. وليس هنا محل بحثها.\rوالولاية على المال: هي الإشراف على شؤون القاصر المالية من حفظ المال واستثماره وإبرام العقود والتصرفات المتعلقة بالمال. وهي محل البحث هنا.\r-------------------------------\r(1) البدائع: 152/5.","part":4,"page":495},{"id":2591,"text":"الأولياء ودرجاتهم:\rالولاية على النفس: تثبت للأقرب فالأقرب من العصبات (1) على الترتيب التالي:\r1 - البنوة (الأبناء ثم أبناء الأبناء) فابن المجنون والمجنونة مثلاً يتولى شؤونهما الشخصية.\r2 - الأبوة (الآباء ثم الأجداد).\r3 ـ الأخوة (الإخوة ثم أبناء الإخوة).\r4 - العمومة (الأعمام ثم أبناء الأعمام).\rوهذا هو ترتيب الإرث والولاية في الزواج، وقد نصت على ذلك المادة (21) من قانون الأحوال الشخصية السوري.\rوالولاية على المال: بالنسبة للصغير القاصر: تثبت عند الحنفية على الترتيب التالي: الأب، ثم وصي الأب، ثم الجد، ثم القاضي، ثم وصي القاضي: وهو من يعينه القاضي.\r-------------------------------\r(1) العصبات: قرابة الشخص الذكور من جهة الأب، كالأخ والعم وابن العم.","part":4,"page":496},{"id":2592,"text":"والسبب في هذا الترتيب (1) : أن الأب أوفر الناس شفقة على ولده. ويعقبه وصيه الذي اختاره ليقوم مقامه، والظاهر أنه ما اختاره من بين سائر الناس إلا لعلمه بأن شفقته على الصغير مثل شفقته عليه. والجد يأتي بعدئذ لأن شفقته دون شفقة الأب. ووصيه يليه ويقوم مقامه، لأنه وثقه وارتضاه. والقاضي أمين على مصالح الأمة وبخاصة اليتامى فصلح أن يكون ولياً، لقوله صلّى الله عليه وسلم : «السلطان ولي من لا ولي له» .\rيتبين من ذلك أن الأب، والجد أب الأب لهما ولاية تامة على النفس وعلى المال معاً. وقد نصت على ذلك المادة (170) من قانون الأحوال الشخصية السوري: «للأب ثم للجد العصبي ولاية على نفس القاصر وماله، وهما ملتزمان بالقيام بها» .\rكما نصت المادة 1/172) على من تثبت له الولاية على المال: «للأب وللجد العصبي عند عدمه دون غيرهما ولاية على مال القاصر حفظاً وتصرفاً واستثماراً» . ونصت المادة (177) على الوصي المختار: وهو من يختاره الأب أو الجد قبل موته: «يجوز للأب وللجد عند فقدان الأب أن يقيم وصياً مختاراً لولده القاصر، أو الحمل، وله أن يرجع عن إيصائه» . ونصت المادة (771) على وصي القاضي: وهو من يعينه القاضي: «إذا لم يكن للقاصر أو الحمل وصي مختار تعين المحكمة وصياً» .\rمن يحتاج إلى الولاية :\rتثبت الولاية على الصغير القاصر والمجنون والمعتوه، والمغفل، والسفيه، وقد اصطلح قانون الأحوال الشخصية السوري في المادة (163) على تسميات لأنواع الولاية على هؤلاء كما يبدو من النص التالي:\r« 1 - النيابة الشرعية عن الغير تكون إما ولاية، أو وصاية أو قوامة، أو وكالة قضائية.\r2 - الولاية للأقارب للأب أو غيره، والوصاية على الأيتام، والقوامة على المجانين والمعتوهين، والمغفلين والسفهاء. والوكالة القضائية عن المفقودين » .\rوالحقيقة أن حالات النيابة الشرعية الأربع هذه كلها داخلة تحت كلمة (الولاية) عند فقهائنا كما تبين لدينا.\r-------------------------------\r(1) البدائع: 152/5، 155.","part":4,"page":497},{"id":2593,"text":"أما الولاية على مال الصغير القاصر: فتكون لأحد الأولياء الستة الذين ذكروا سابقاً وهم (الأب ووصيه، والجد ووصيه، والقاضي ووصيه) (1) .\rوأما الولاية على المجنون أو المعتوه: إذا بلغ على هذه الحالة، فإنها تكون لمن كان وليه قبل البلوغ من أب أو جد أو وصي، باتفاق المذاهب الأربعة، كما تقدم.\rفإن بلغ الشخص رشيداً ثم طرأ عليه الجنون أو العته، عادت إلىه ولاية من كان وليه قبل البلوغ، على الرأي الراجح عند الحنفية، والشافعية (2) .\rوقال المالكية والحنابلة: تكون الولاية عليه حينئذ للقاضي، ولا تعود لمن كانت له من أب أو جد؛ لأن الولاية سقطت ببلوغ الصغير رشيداً، والساقط لايعود (3) .\rوقانون الأحوال الشخصية السوري أخذ بالرأي الثاني في المادة (002) وهي: «1ً - المجنون والمعتوه محجوران لذاتهما، ويقام على كل منهما قيم بوثيقة» ومعنى المادة أن تصرفات المجنون والمعتوه تعد باطلة، ولو قبل شهر قرار الحجر عليهما، حماية لمصالحهما.\rوأما القانون المدني السوري في المادة (115) فلم يعتبر تصرفات المجنون والمعتوه باطلة إلا بعد شهر قرار الحجر عليهما حماية لاستقرار المعاملات إلا في حالتين استثناهما نص المادة وهي:\r1 - يقع باطلاً تصرف المجنون والمعتوه، إذا صدر التصرف بعد شهر قرار الحجر.\r2 - أما إذا صدر التصرف قبل شهر قرار الحجر، فلا يكون باطلاً إلا إذا كانت حالة الجنون أو العته شائعة وقت التعاقد، أو كان الطرف الآخر على بينة منها.\rوأما الولاية على السفيه وذي الغفلة: فإنها تكون للقاضي باتفاق المذاهب الأربعة (4) ؛ لأن الحجر عليهما متوقف على قضاء القاضي، حفاظاً على مالهما ومراعاة لمصلحتهما.\rوعلى هذا تكون تصرفاتهما صحيحة نافذة قبل إيقاع الحجر عليهما. نصت المادة (2/200) من قانون الأحوال الشخصية السوري على ذلك فيما يأتي: «السفيه والمغفل يحجران قضاء، وتصرفاتهما قبل القضاء نافذة، ويقام على كل منهما قيم بقرار الحجر نفسه، أو بوثيقة على حدة» .\r-------------------------------\r(1) الولاية في مذهبي المالكية والحنابلة تكون أولاً للأب ثم لوصيه، ثم للحاكم، ثم لمن يقيمه أميناً عنه ولا ولاية للجد وغيره من القرابة (الشرح الكبير للدردير: 292/3، غاية المنتهى: 140/2) وعند الشافعية: الولاية للأب أولاً ثم للجد أبي الأب، ثم لوصيهما ثم القاضي أي العدل الأمين (نهاية المحتاج: 355/3).\r(2) تبيين الحقائق: 195/5 وما بعدها، مغني المحتاج: 171/2، نهاية المحتاج: 356/3.\r(3) غاية المنتهى: 142/2، الشرح الكبير للدردير: 292/3.\r(4) المراجع السابقة: مغني المحتاج: 170/2.","part":4,"page":498},{"id":2594,"text":"واشترط القانون المدني السوري لإبطال تصرف المغفل والسفيه شهر قرار الحجر إلا في حالتين نصت المادة (116) منه على ما يأتي:\r« 1- إذا صدر تصرف من ذي الغفلة أو من السفيه بعد شهر قرار الحجر، سرى على هذا التصرف ما يسري على تصرفات الصبي المميز من أحكام.\r2 - أما التصرف الصادر قبل شهر قرار الحجر، فلا يكون باطلاً أو قابلاً للإبطال، إلا إذا كان نتيجة استغلال أو تواطؤ» .\rوأما الوكالة القضائية: فهي نوع من الولاية قررتها القوانين النافذة في أحوال ثلاث:\r1 - المفقود والغائب: نص قانون الأحوال الشخصية السوري في المواد (202 - 206) على أصولهما والأحكام المتعلقة بهما، ومنها أن المفقود: هو كل شخص لا تعرف حياته أو مماته، أو تكون حياته محققة، ولكن لا يعرف له مكان (م 202) ومنها أنه يعتبر كالمفقود: الغائب الذي منعته ظروف قاهرة من الرجوع إلى مقامه أو إدارة شؤونه بنفسه، أو بوكيل عنه، مدة أكثر من سنة، وتعطلت بذلك مصالحه أو مصالح غيره.\rأما حكم زوجة المفقود فقد نصت المادة (109) من هذا القانون على أنه: «إذا غاب الزوج بلا عذر مقبول، أو حكم بعقوبة السجن أكثر من ثلاث سنوات، جاز لزوجته بعد سنة من الغياب أو السجن أن تطلب إلى القاضي التفريق، ولو كان له مال تستطيع الإنفاق منه» .\rوالتفريق للغيبة بعد سنة في هذه المادة مأخوذ من القول المعتمد في مذهب المالكية. وأما أموال المفقود: فقد نصت المادة (302) من هذا القانون على حكمها فيما يأتي:\r1 - يوقف للمفقود من تركة مورثه نصيبه فيها، فإن ظهر حياً أخذه، وإن حكم بموته رد نصيبه إلى من يستحقه من الورثة وقت موت مورثه.\r2 - إن ظهر حياً بعد الحكم بموته، أخذ ما بقي من نصيبه في أيدي الورثة ولا توزع تركة المفقود قبل موته أو الحكم باعتباره ميتاً عند بلوغه الثمانين من العمر (م205).\r2 -المصاب بعاهتين من ثلاث عاهات هي الصمم والبكم والعمى.","part":4,"page":499},{"id":2595,"text":"نص القانون المدني السوري على ذلك في المادة (118): «1 - إذا كان الشخص أصم أبكم، أو أعمى أصم، أو أعمى أبكم، وتعذر عليه بسبب ذلك التعبير عن إرادته، جاز للمحكمة أن تعين له مساعداً قضائياً يعاونه في التصرفات التي تقتضي مصلحته فيها ذلك» .\r3 - المحكوم عليه بالأشغال الشاقة أو بالاعتقال:\rنص قانون العقوبات السوري في المادة 50 على عقوبة تبعية لهذا الشخص بالإضافة إلى السجن، وهي الحجر عليه، أو منعه من التصرف بماله، وتعيين وصي يشرف على أمواله، ونص هذه المادة ما يأتي:\r« 1 - كل محكوم عليه بالأشغال الشاقة أو بالاعتقال يكون في خلال تنفيذ عقوبته في حالة الحجر، وتنقل ممارسة حقوقه على أملاكه، ما خلا الحقوق الملازمة للشخص (أي كالطلاق) إلى وصي وفقاً لأحكام قانون الأحوال الشخصية المتعلقة بتعيين الأوصياء على المحجور عليهم، وكل عمل وإدارة أو تصرف يقوم به المحكوم عليه يعتبر باطلاً بطلاناً مطلقاً مع الاحتفاظ بحقوق الغير من ذوي النية الحسنة، ولا يمكن أن يسلم إلى المحكوم عليه أي مبلغ من دخله ما خلا المبالغ التي يجيزها القانون وأنظمة السجون» .\rمبدأ الولاية :\rتبدأ الولاية على الأشخاص منذ ولادتهم، وتستمر حتى سن الرشد، أما الجنين فلا ولاية لأحد عليه قبل الولادة عند غالبية الفقهاء، فلو اشترى له شخص شيئاً أو وهب له شيء، فلا يتملكه، حتى ولو ولد حياً، وإنما تثبت له الحقوق الضرورية الأربعة التي ذكرت سابقاً.","part":4,"page":500},{"id":2596,"text":"لكن قانون الأحوال الشخصية السوري في المادة (176) الذي أخذ بالمقرر في فقه الشريعة الزيدية، وقانون الولاية على المال الصادر بمصر سنة 1952م أجازا للأب أو للجد تعيين وصي للحمل المستكن. والوصي المقصود هنا في تقديري ليس مجرد أمين لحفظ المال حتى الولادة كما فهم كثير من الشراح، وإنما الذي له صلاحيات الأوصياء عادة، عملاً بإطلاق النص، وبالمفهوم من التسوية في الحكم بين وصي الحمل، ووصي القاصر في مادة واحدة، وتحقيقاً للهدف المنشود من تعيين الوصي وهو رعاية مصلحة الجنين وتثمير ماله وتنميته فضلاً عن حفظه.\rشروط الولي :\rالولاية مسؤولية كبرى في إدارة أموال وأعمال الغير، ويترتب عليها نفاذ التصرفات غالباً، لذا يشترط في الولي الخاص كالأب أو ا لجد أو الولي العام كالقاضي وناظر الوقف ومدير المؤسسة الخيرية شروط إما في شخصه أو في تصرفاته (1) .\r1 - كمال أهلية الأداء بالبلوغ والعقل، فلا ولاية للمجنون ولا للصغير، لأنه لا ولاية لهما على أنفسهما، فلا تكون لهما ولاية على غيرهما، إذ فاقد الشيء لايعطيه.\r2 - اتحاد الدين بين الولي والمولى عليه، فلا تثبت ولاية لغير المسلم على المسلم، كما لا ولاية للمسلم على غير المسلم؛ لأن اتحاد الدين باعث غالباً على الشفقة ورعاية المصلحة.\r-------------------------------\r(1) مختصر الطحاوي: ص 160 ومابعدها، البدائع: 153/5، الدر المختار ورد المحتار: 495/5.","part":4,"page":501},{"id":2597,"text":"3 - العدالة: أي الاستقامة على أمور الدين والأخلاق والمروءات (1) ، فلا ولاية للفاسق؛ لأن فسقه يجعله متهماً في رعاية مصالح غيره.\r4 - القدرة على التصرف مع الأمانة: لأن المقصود من الولاية تحقيق مصلحة المولى عليه، وهي لا تتحقق مع العجز وعدم الأمانة (2) .\r5 - رعاية مصلحة المولى عليه في التصرفات، لقوله تعالى: {ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن} [الإسراء:34/17] فليس للولي سلطة في مباشرة التصرفات الضارة بالمولى عليه ضرراً محضاً، كالتبرع من مال القاصر بالهبة أو الصدقة، أو البيع أو الشراء بغبن فاحش، أو الطلاق. فإن أمكن تنفيذها على الولي نفسه نفذت وإلا كانت باطلة.\rأما التصرفات النافعة نفعاً محضاً كقبول الهبة والوصية والكفالة بالمال، والتصرفات المترددة بين الضرر والنفع كالبيع والشراء بغبن يسير أو بمثل القيمة، فتكون صحيحة نافذة.\rإذا أخل الولي بأحد هذه الشروط، جاز للقاضي تبديله بسبب نقص الأهلية أو الكفر أو الفسق. فإن صار الولي غير أمين ضم القاضي إليه مساعداً آخر يعينه.\r-------------------------------\r(1) نصت المادة 1/178على ما يلي: : «يجب أن يكون الوصي عدلاً قادراً على القيام بالوصاية ذا أهلية كاملة، وأن يكون من ملة القاصر» .\r(2) منع قانون الأحوال الشخصية السوري في المادة 2/178الوصي من الولاية في حالات،ونصها هو:\rلا يجوز أن يكون وصياً:\rأ ـ المحكوم عليه في جريمة سرقة أو إساءة الائتمان، أو تزوير أو في جريمة من الجرائم المخلة بالأخلاق والآداب العامة.\rب ـ المحكوم بإفلاسه إلى أن يعاد إليه اعتباره.\rج ـ من قرر الأب أو الجد عند عدمه حرمانه من التعيين قبل وفاته إذا ثبت ذلك ببينة خطية.\rد ـ من كان بينه هو أو أحد أصوله أو فروعه أو زوجه وبين القاصر نزاع قضائي، أو خلاف عائلي يخشى منه على مصلحة القاصر.","part":4,"page":502},{"id":2598,"text":"تصرفات الولي ومدى صلاحياته :\rيتبين من شروط الولي أنه ليس له مباشرة أي تصرف يلحق ضرراً محضاً بالمولى عليه كالتبرع من ماله، وله أن يتصرف فيما يحقق مصلحة القاصر، كحفظ أمواله وإدارتها واستثمارها، والإنفاق الضروري عليه، وشراء ما لا بد له منه، وبيع المنقولات، وعلى الأب الإنفاق على الصغير إن لم يكن له مال، لقوله تعالى: {وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف} [البقرة:233/2].\rفإن كان للصغير مال أنفق عليه من ماله. وجاز للأب المحتاج أن يأخذ نفقته الضرورية من مال الصغير، لقوله تعالى: {ومن كان غنياً فليستعفف ومن كان فقيراً فليأكل بالمعروف} [النساء:6/4].\rوأما بيع عقار القاصر: فالمفتى به في مذهب الحنفية: أنه يجوز للأب بيع عقار القاصر مثل القيمة فأكثر، ولا يجوز ذلك للوصي عند متأخري الحنفية إلا للضرورة كبيعه لتسديد دين لا وفاء له إلا بهذا المبيع (1) .\rثم قرر قانون الأحوال الشخصية السوري في المادة (2/172) أنه لا يجوز للأب (أي ولا للوصي) (2) بيع عقار القاصر أو رهنه إلا بإذن القاضي بعد تحقق المسوغ، كبيعه للنفقة أو لوفاء الدين.\rهذا مجمل صلاحيات أو سلطات الولي في التصرفات، وتفصيل أحكام تصرفات كل ولي على حدة محله كتب الفقه (3) .\r-------------------------------\r(1) تكملة فتح القدير مع العناية: 499/8 وما بعدها، مجمع الضمانات للبغدادي: ص 408.\r(2) وقد نصت المادة (182) من قانوننا السوري على ذلك، فلم تجز للوصي التصرفات الناقلة للملكية في مال القاصر إلا بإذن المحكمة مباشرة.\r(3) انظر الدر المختار ورد المحتار: 494/5 ومابعدها، تكملة الفتح: 498/8 ومابعدها، مجمع الضمانات: ص 407 ومابعدها.","part":4,"page":503},{"id":2599,"text":"الوكالة\rالوكالة: نيابة شرعية عن الغير حال الحياة، وهي نوع من الولاية كما تقدم، وأبحث فيها ما يأتي: تعريفها، ركنها ، شروطها، أنواعها وتصرفات الوكيل، هل للوكيل توكيل غيره؟ تعدد الوكلاء، الفرق بين الرسول والوكيل، حكم العقد وحقوقه في حال التوكيل، انتهاء الوكالة.\rتعريف الوكالة ومشروعيتها :\rالوكالة في اللغة تطلق ويراد بها إما ا لحفظ، كما في قوله تعالى: {وقالوا: حسبنا الله ونعم الوكيل} [آل عمران:173/3] أي الحافظ. وإما التفويض، كما في قوله سبحانه: {وعلى الله فليتوكل المتوكلون} [إبراهيم:12/14] {إني توكلت على الله ربي وربكم} [هود:56/11] ويقال: وكل أمره إلى فلان: أي فوضه إليه واكتفى به.\rوعند الفقهاء يراد بها المعنيان، وإن كان المعنى الأول تبعياً والثاني هو\rالأصل. وعبارة الحنفية (1) في تعريفها: هي إقامة الشخص غيره مقام نفسه في تصرف جائز معلوم. أو هي: تفويض التصرف والحفظ إلى الوكيل.\rوعبارة المالكية والشافعية والحنابلة (2) في تعريفها: هي تفويض شخص ماله فعله مما يقبل النيابة إلى غيره ليفعله في حياته. وضابط ما يقبل النيابة هو ما يأتي:\rهو كل تصرف جاز للشخص مباشرته بنفسه ولو من حيث المبدأ جاز له التوكيل فيه.\rوالناس قديماً وحديثاً بحاجة يومية إلى الوكالة في كثير من أحوالهم وأمورهم، إما أنفة أو عدم لياقة بمباشرة الشيء بالذات كتوكيل الأمير أو الوزير، وإما عجزاً عن الأمر كتوكيل المحامين في الخصومات، والخبراء بالبيع والشراء في التجارات.\r-------------------------------\r(1) تبيين الحقائق: 254/4، البدائع: 19/6، رد المحتار: 417/4.\r(2) مغني المحتاج: 217/2، الشرح الكبير للدردير، 377/3، غاية المنتهى: 147/2.","part":4,"page":504},{"id":2600,"text":"لذا أقرتها الشرائع السماوية، قال تعالى في القرآن الكريم حكاية عن أصحاب الكهف: {فابعثوا أحدكم بورقكم هذه إلى المدينة، فلينظر أيها أزكى طعاماً فليأتكم برزق منه..} [الكهف:19/18] الآية. وفي السنة النبوية: وكل النبي صلّى الله عليه وسلم حكيم بن حزام (أو عروة البارقي) بشراء شاة أضحية (1) . ووكل عمرو ابن أمية الضمري في زواج أم حبيبة بنت أبي سفيان وهي بالحبشة (2) . ووكل في القيام بأعمال الدولة كجباية الزكاة وإدارة الجيش وولاية الأقاليم.\rالوكالة بأجر: تصح الوكالة بأجر، وبغير أجر، لأن النبي صلّى الله عليه وسلم كان يبعث عماله لقبض الصدقات، ويجعل لهم عمولة (3) . فإذا تمت الوكالة بأجر، لزم العقد، ويكون للوكيل حكم الأجير، أي أنه يلزم الوكيل بتنفيذ العمل، وليس له التخلي عنه بدون عذر يبيح له ذلك، وإذا لم يذكر الأجر صراحة حكم العرف: فإن كانت مأجورة عادة كتوكيل المحامين وسماسرة البيع والشراء، لزم أجر المثل، ويدفعه أحد العاقدين بحسب العرف. وإن كانت غير مأجورة عرفاً، كانت مجاناً، أو تبرعاً، عملاً بالأصل في الوكالات: وهو أن تكون بغير أجر على سبيل التعاون في الخير. وهذا النوع لا يلزم فيه المضي في العمل، بل للوكيل التخلي عنه في أي وقت. وهذا مذهب الحنفية والمالكية والحنابلة (4) . وقال الشافعية: الوكالة ولو بجُعل جائزة أي غير لازمة من الجانبين (5) .\r-------------------------------\r(1) توكيل حكيم رواه أبو داود والترمذي عن حكيم بن حزام نفسه، وتوكيل البارقي رواه أحمد والبخاري وأبو داود والترمذي وابن ماجه والدارقطني عن عروة نفسه (نيل الأوطار: 270/5).\r(2) رواه أبو داود في سننه ( 468/1).\r(3) التلخيص الحبير: 176/1، 251، 275.\r(2) تكملة فتح القدير: 123/6، المغني: 85/5، القوانين الفقهية: ص 329، الشرح الكبير: 396/3 ومابعدها.\r(5) نهاية المحتاج: 38/4 ومابعدها.","part":4,"page":505},{"id":2601,"text":"ركن الوكالة: ركن الوكالة: الإيجاب والقبول، الإيجاب من الموكل كأن يقول: وكلتك بكذا، أو افعل كذا، أو أذنت لك أن تفعل كذا ونحوه. والقبول من الوكيل كأن يقول: قبلت ونحوه. ولا يشترط في القبول كونه لفظاً أو قولاً، وإنما يصح أن يكون بالفعل. فإذا علم الوكيل بالتوكيل، فباشر التصرف الموكل فيه، اعتبر ذلك قبولاً، ولا يشترط في الوكالة (كما عرفنا في بحث مجلس العقد) اتحاد مجلس الإيجاب والقبول، وإنما يكفي العلم بالوكالة ومباشرة التصرف.\rوالوكالة بغير أجر عقد جائز غير لازم (1) أي يجوز لأحد العاقدين فسخه متى شاء.\rوالوكالة باعتبارها إطلاقاً في التصرف يصح أن تكون منجزة في الحال، كأنت وكيلي من الآن في كذا، كما يصح عند الحنفية والحنابلة (2) : أن تكون مضافة إلى وقت في المستقبل، كأنت وكيلي في الدعوى الفلانية في الشهر القادم، أو معلقة على شرط، مثل: إن قدم فأنت وكيلي في بيع هذا الكتاب، لحاجة الناس إلى ذلك.\rوقال الشافعية في الأصح: لا يصح تعليق الوكالة بشرط من صفة أو وقت، مثل: إن قدم زيد أو رأس الشهر فقد وكلتك بكذا، لما في التعليق من غرر (أي احتمال)، لكن يصح عندهم جعل الوكالة منجزة في الحال، واشتراط بدء التصرف معلقاً على شرط، مثل أنت وكيلي الآن في بيع هذه الأرض، ولكن لا تبعها إلا بعد شهر، أو إلا إذا تركت وظيفتي.\r-------------------------------\r(1) بداية المجتهد: 297/2، المغني: 113/5، غاية المنتهى: 154/2، مغني المحتاج: 231/2 ومابعدها، الدر المختار: 433/4.\r(2) البدائع: 20/6، غاية المنتهى: 147/2، المغني: 85/5.","part":4,"page":506},{"id":2602,"text":"شروط الوكالة :\rيشترط لصحة الوكالة شروط في الموكل وفي الوكيل وفي المحل الموكل فيه.\rأما الموكل: فيشترط فيه أن يكون مالكاً للتصرف الذي يوكل فيه أي أهلاً لممارسته؛ لأن من لم يملك التصرف لا يملك تمليكه لغيره. فلا يصح التوكيل أصلاً من فاقد الأهلية كالمجنون أو الصبي غير المميز، ولا من ناقص الأهلية أي المميز في التصرفات الضارة به كالطلاق والهبة. ويصح التوكيل من المميز في التصرف النافع له كقبول الهبة، كما يصح منه التوكيل بإجازة وليه في التصرفات المترددة بين الضرر والنفع كالبيع والشراء والإيجار. ويصح التوكيل من المحجور عليه للسفه أو الغفلة فيما يباح له من التصرفات. ويصح للمرأة التوكيل في مباشرة عقد زواجها. وهذا عند الحنفية (1) .\rوقال غير الحنفية (المالكية والشافعية والحنابلة) (2) : لا يصح التوكيل من الصبي مطلقاً؛ إذ لا يصح عندهم مباشرته لأي تصرف. كما لا يصح للمرأة توكيل امرأة أخرى في إبرام عقد زواجها. ويصح لها عند المالكية توكيل الرجل في ذلك.\rوأما الوكيل: فيشترط فيه أن يكون عاقلاً، فيصح أن يكون المميز وكيلاً، سواء أكان مأذوناً في التجارة أم محجوراً. ولا يصح جعل المجنون والمعتوه وغير المميز وكيلاً في التصرفات لعدم اعتبار عبارتهم. هذا عند الحنفية (3) .\rوقال غير الحنفية (4) : وكالة الصبي غير صحيحة، لأنه غير مكلف بالأحكام الشرعية، فلا تصح مباشرة التصرف لنفسه، فلا يصح توكيله عن غيره. ولا يصح أن تكون المرأة وكيلة عن غيرها في مباشرة عقد الزواج؛ لأنها لا تملك مباشرة عقدها بنفسها فلا تملك مباشرة عقد غيرها.\rوأما الموكل فيه (محل الوكالة ) : فيشترط فيه ما يأتي (5) :\r1 - أن يكون معلوماً للوكيل: فلا يصح التوكيل بالمجهول جهالة فاحشة، مثل: اشتر لي أرضاً أو جوهراً أو داراً، ويصح مع الجهالة اليسيرة مثل: اشتر لي صوفاً انكليزياً، أو اشتر لي صوفاً بسعر كذا.\r-------------------------------\r(1) البدائع: 20/6، تكملة فتح القدير: 12/6.\r(2) الفقه على المذاهب الأربعة: 236/3 وما بعدها، مغني المحتاج: 217/2، المهذب: 349/1.\r(3) المبسوط: 158/19، البدائع: 20/6، رد المحتار: 417/4.\r(4) بداية المجتهد: 297/2.\r(5) البدائع: 12/6 ومابعدها، بداية المجتهد: 297/2، الشرح الكبير: 377/3 ومابعدها، مغني المحتاج: 219/2 ومابعدها، المغني: 83/5.","part":4,"page":507},{"id":2603,"text":"2 - أن يكون التصرف مباحاً شرعاً: فلا يجوز التوكيل في فعل محرم شرعاً، كالغصب أو الاعتداء على الغير.\r3 - أن يكون مما يقبل النيابة، كالبيع والشراء والإجارة والتبرع، ورد الودائع وقضاء الديون ونحوها.\rوذلك لأن التصرفات بالنظر لقبولها النيابة وعدم قبولها أنواع ثلاثة:\rنوع يقبل النيابة اتفاقاً، كما تقدم.\rونوع لا يقبل النيابة اتفاقاً، كاليمين، والعبادات الشخصية المحضة كالصلاة والصيام والطهارة من الحدث.\rونوع مختلف فيه كاستيفاء القصاص والحدود الشرعية. فقال الحنفية (1) : لايجوز التوكيل فيها، بل لا بد من حضور الموكل وقت الاستيفاء (أي التنفيذ)، ولأن غيبته شبهة، والحدود تدرأ بالشبهات.\rوقال غير الحنفية (2) : يجوز التوكيل باستيفاء الحدود والقصاص، سواء أحضر الموكل أم غاب؛ لأن الحاجة قد تدعو لذلك، ولأن الوكيل كالأصيل.\rأنواع الوكالة: للوكالة أنواع منها ما يأتي:\rأولاً ـ الوكالة الخاصة والعامة: قد تكون الوكالة خاصة وقد تكون عامة (3) .\rالوكالة الخاصة: هي الإنابة في تصرف معين، كبيع أرض أو سيارة معينة، وإجارة عقار محدد، وتوكيل في دعوى معينة. وحكمها: أن الوكيل مقيد بما وكل فيه، وإلا كان فضولياً.\r-------------------------------\r(1) المبسوط: 9/19، 106، فتح القدير: 104/6، البدائع: 21/6، رد المحتار والدر المختار: 418/4.\r(2) بداية المجتهد: 297/2، الشرح الكبير: 378/3، المغني: 84/5، مغني المحتاج: 221/2، المهذب: 349/1.\r(3) الدر المختار وحاشية ابن عابدين: 416/4، بداية المجتهد: 297/2.","part":4,"page":508},{"id":2604,"text":"والوكالة العامة: هي الإنابة العامة في كل تصرف أو شيء ، مثل أنت وكيلي في كل التصرفات، أو في كل شيء، أو اشتر لي ما شئت أو ما رأيت، وحكمها أن الوكيل يملك كل تصرف يملكه الموكل وتجوز النيابة فيه، ما عدا التصرفات الضارة بالموكل كالتبرعات من هبة ووقف ونحوهما، والإسقاطات من طلاق وإبراء ونحوهما. فلا يملك الوكيل هبة شيء من أموال الموكل، ولا طلاق زوجة الموكل، إلا بالنص على ذلك صراحة.\rثانياً ـ الوكالة المقيدة والمطلقة: قد تكون الوكالة أيضاً مقيدة أو مطلقة (1) .\rالوكالة المقيدة: هي التي يقيد فيها تصرف الوكيل بشروط معينة، مثل وكلتك في بيع أرضي بثمن حال قدره كذا، أو مؤجل إلى مدة كذا، أو مقسّط على أقساط معينة. وحكمها: أن الوكيل يتقيد بما قيده به الموكل، أي أنه يراعي القيد ما أمكن، سواء بالنسبة للشخص المتعاقد معه أو لمحل العقد، أو بدل المعقود عليه. فإذا خالف الوكيل لا يلزم الموكل بالتصرف إلا إذا كان خلافاً إلى خير، فيلزمه، كأن يبيع الشيء الموكل ببيعه بأكثر من الثمن المحدد له، أو بثمن حال بدلاً من الثمن المؤجل أو المقسط. وإذا لم يلزم الموكل بالتصرف بسبب المخالفة، كان الوكيل فضولياً، ولزمه التصرف إن كان وكيلاً بالشراء لأنه متهم بالشراء لنفسه. أما الوكيل بالبيع إذا خالف أمر الموكل فيتوقف على إجازة الموكل، ولا يلزم الوكيل بالعقد، لتعذر تنفيذه عليه.\r-------------------------------\r(1) البدائع: 27/6 ومابعدها، مختصر الطحاوي: ص 110 ومابعدها، المبسوط: 39/19، الدر المختار: 421/4 ومابعدها، مجمع الضمانات: ص 249، تكملة فتح القدير: 70/6 وما بعدها.","part":4,"page":509},{"id":2605,"text":"والوكالة المطلقة: هي التي لا يقيد فيها الوكيل بشيء مثل: وكلتك في بيع هذه الأرض، من غير تحديد ثمن معين، أو كيفية معينة لوفاء الثمن. وحكمها عند أبي حنفية: أن المطلق يجري على إطلاقه، فللوكيل التصرف بأي ثمن قليلاً أو كثيراً، ولو بغبن فاحش، معجلاً أو مؤجلاً، صحيحاً أو مريضاً؛ لأن الأصل في اللفظ المطلق أن يجري على إطلاقه، ولا يجوز تقييده إلا بدليل، كوجود تهمة، ولا يعتمد على العرف، لأن العرف في البلاد متعارض.\rوقال الصاحبان، وعلى رأيهما الفتوى، ورأيهما هو الراجح وبه قال الشافعية والحنابلة والمالكية (1) : يتقيد الوكيل بما تعارفه الناس، فإذا خالف المتعارف كان فضولياً في تصرفه، وتوقف نفاذه على رضا الموكل. فليس للوكيل بالبيع مثلاً أن يبيع بغبن فاحش: وهو ما لا يتساهل فيه الناس عادة، ولا أن يبيع بغير النقد الغالب في البلد، ولا أن يبيع بثمن مؤجل أو مقسط إلا إذا جرى العرف في مثله؛ لأن الوكيل منهي عن الإ ضرار بالموكل، مأمور بالنصح له.\rوفي الزواج: ليس للوكيل أن يزوج الموكل بامرأة لا تكافئه، أو بمهر فيه غبن فاحش، فإن فعل ذلك كان تصرفاً موقوفاً على إجازة الموكل، فإن أجازه نفذ، وإلا بطل.\rحكم تصرفات الوكيل :\rيترتب على الوكالة ثبوت ولاية التصرف الذي تناوله التوكيل، وسأذكر أهم التصرفات في أهم أنواع الوكالات.\r-------------------------------\r(1) الشرح الكبير: 382/3، المهذب: 353/1 ومابعدها، مغني المحتاج: 223/2- 229، بداية المجتهد: 298/2، المغني: 124/5، قواعد الأحكام لابن عبد السلام: 107/2، ط الاستقامة.","part":4,"page":510},{"id":2606,"text":"1 - الوكيل بالخصومة: أي بالمرافعة أمام القضاء كالمحامي اليوم، يملك كل ما يتعلق بالدعوى وما لا بد منه فيها، ومن ذلك الإقرار على موكله عند الحنفية ما عدا زفر (1) ؛ لأن مهمة الوكيل بيان الحق وإثباته، لا المنازعة فيه فقط، وبيان الحق قد يكون إنكاراً لدعوى الخصم، وقد يكون إقراراً.\rوقال زفر وأئمة المذاهب الثلاثة الأخرى (2) : لا يقبل إقرار الوكيل بالخصومة على موكله بقبض الحق وغيره، لأن التوكيل بالخصومة معناه التوكيل بالمنازعة، والإقرار مسالمة، لأنه يترتب عليه إنهاء الخصومة، فلا يملكه الوكيل كالإبراء. كذلك يملك الوكيل بالخصومة قبض المال المحكوم به لموكله عند الحنفية ما عدا زفر (3) ؛ لأن هذا من تمام الخصومة، والخصومة لا تنتهي إلا بالقبض، والوكيل أمين على مصالح موكله (4) .\rوقال زفر والشافعية والحنابلة (5) : لايملك القبض، لأن الرجل الثقة بالتقاضي والمخاصمة قد لايكون أميناً في قبض الحقوق.\r2 - الوكيل بالبيع: إذا كان مقيد التصرف يتقيد بالقيد الذي حدده له الموكل بالاتفاق بين الفقهاء، فإذا خالف القيد، لاينفذ تصرفه على الموكل، ولكن يتوقف على إجازته، إلا إذا كانت مخالفته إلى خير؛ لأنه محقق لمقصود الموكل ضمناً.\r-------------------------------\r(1) البدائع: 24/6، تكملة الفتح: 10/6، المبسوط: 4/19، الدر المختار: 430/4، الكتاب مع شرحه اللباب: 151/2.\r(2) بداية المجتهد: 297/2، الشرح الكبير: 379/3، المهذب: 351/1، المغني: 91/5.\r(3) البدائع: 24/6 ومابعدها، تكملة فتح القدير: 96/6، المبسوط: 19/19، مجمع الضمانات: ص 261.\r(4) قال المرغيناني صاحب الهداية: والفتوى اليوم على قول زفر رحمه الله ، لظهور الخيانة في الوكلاء، وقد يؤتمن على الخصومة من لا يؤتمن على المال.\r(5) المهذب: 351/1، المغني: 91/5.","part":4,"page":511},{"id":2607,"text":"فإذا كان وكيلاً بالبيع بثمن ما، فباع بأقل، لا ينفذ، لأنه خلاف إلى شر، وإن باع بأكثر، نفذ، لأنه خلاف إلى خير، وإذا وكل بالبيع نقداً فباع مؤجلاً لم ينفذ إلا بإجازة الموكل، وإذا وكل بالبيع مؤجلاً فباع نقداً، نفذ.\rوإن كان الوكيل مطلق التصرف: فيعمل عند أبي حنيفة بمقتضى الإطلاق، فله أن يبيع بأي ثمن كان، قليلاً أو كثيراً، حتى بالغبن الفاحش، عاجلاً أو آجلاً، كما أوضحت سابقاً، عملاً بإطلاق الحرية للوكيل بالتصرف.\rوقال الصاحبان وبرأيهما يفتى، وبقية الأئمة الثلاث: يتقيد الوكيل المطلق بالمتعارف، فلا يبيع إلا بالنقود المتداولة، وبمثل القيمة، وبالمعجل، فلا يبيع بالأعيان، ولا بما لا يتغابن الناس فيه عادة، أي بالغبن اليسير، ولا بالنسيئة المؤجلة (1) .\rوفي حال المخالفة يكون العقد موقوفاً على إجازة الموكل عند الحنفية، باطلاً عند الشافعية.\rوليس للوكيل بالبيع عند أبي حنيفة أن يبيع لنفسه ولا لزوجته وأبيه وجده وولده وسائر من لا تقبل شهادته له؛ لأنه متهم في ذلك بمراعاة مصلحته أو إيثار العين المبيعة لأقاربه.\rوقال الصاحبان: يجوز له أن يبيع لهؤلاء لا لنفسه بمثل القيمة أو أكثر؛ لأن التوكيل مطلق، والبيع لأحد من هؤلاء أو غيرهم سواء، ولا تهمة هنا؛ لأن ملكه وأملاكهم متباينة، فالمنافع منقطعة فيما بينهم (2) .\r-------------------------------\r(1) المراجع السابقة في بحث الوكالة المقيدة والمطلقة.\r(2) البدائع: 28/6، تكملة فتح القدير: 67/6 ومابعدها، رد المحتار: 424/4، مجمع الضمانات: ص 261.","part":4,"page":512},{"id":2608,"text":"وتوسط غير الحنفية بين الرأيين، فأجاز المالكية للوكيل بالبيع أن يبيع لزوجته ووالده الرشيد إذا لم يحابهما، ولم يجيزوا له البيع لنفسه أو من في رعايته من صغير أو سفيه أو مجنون (1) .\rوأجاز الشافعية في الأصح وفي رواية عن أحمد له البيع بمثل القيمة لأبيه وجده وابنه البالغ وسائر فروعه المستقلين عنه لعدم التهمة، ولم يجيزوا له أن يبيع لنفسه وولده الصغير أو المجنون أو السفيه (2) .\r3 - الوكيل بالشراء: مثل الوكيل بالبيع من التقيد بما قيده به الموكل، في الثمن وفي جنس المشترى ونوعه وصفته، أو إطلاق الحرية في التصرف إذا كانت الوكالة مطلقة. فإذا خالف الوكيل أحد القيود لا يلزم الموكل بالشراء، إلا إذا كان خلافاً إلى خير، فيلزمه. ووقع الشراء للوكيل نفسه باتفاق الفقهاء (3) ، بعكس الوكيل بالبيع؛ لأن المشتري قد يتهم بأنه كان يريد الشراء لنفسه، فلما تبين أنه غبن غبناً فاحشاً أظهر أنه يشتري باسم موكله.\rكذلك لا يملك الوكيل بالشراء عند أبي حنيفة كالوكيل بالبيع أن يشتري من نفسه، أو زوجته أو أبيه أو جده، أو ولده وولد ولده، وكل من لا تقبل شهادته له للتهمة في ذلك.\rوقال الصاحبان: يجوز إذا اشترى بمثل القيمة أو بأقل أو بزيادة يتغابن الناس في مثلها عادة (4) .\r-------------------------------\r(1) الشرح الكبير: 387/3 وما بعدها.\r(2) مغني المحتاج: 224/2 ومابعدها، نهاية المحتاج: 26/4 ومابعدها، المغني: 107/5 ومابعدها.\r(3) البدائع: 29/6 ومابعدها، مختصر الطحاوي: ص 110 ومابعدها، المبسوط: 39/19، تكملة فتح القدير: 75/6. الدر المختار: 421/4، مغني المحتاج: 229/2، المهذب: 354/1، بداية المجتهد: 298/2، الشرح الكبير: 382/3، المغني: 124/5، 107.\r(4) المراجع السابقة.","part":4,"page":513},{"id":2609,"text":"4 - الوكالة في الزواج والطلاق، والإجارة والرهن ونحوها من إدارة الأموال: يتقيد الوكيل في ذلك بما يقيده به الموكل، وليس له أن يتصرف بما فيه ضرر.\r5 - هل للوكيل توكيل غيره؟\rإذا كانت الوكالة خاصة أو مقيدة بأن يعمل الوكيل بنفسه، لم يجز له توكيل غيره فيما وكل فيه.\rوإن كانت الوكالة مطلقة أو عامة بأن قال له: اصنع ما شئت، جاز له توكيل الغير، ويكون هذا الغير وكيلاً مع الأول عن الموكل. هذا عند الحنفية (1) .\rوقال المالكية (2) : ليس للوكيل أن يوكل غيره إلا أن يكون الوكيل لا يليق به تولي ما وكل فيه بنفسه، كأن يكون وجيهاً، والموكل به حقير فله التوكيل حينئذ.\rوقال الشافعية والحنابلة (3) : ليس للوكيل أن يوكل غيره بلا إذن الموكل متى كان قادراً على ما وكل فيه. أما إذا لم يكن قادراً على القيام بكل ما وكل فيه، فله أن يوكل غيره ويكون الوكيل الثاني وكيلاً مع الأول عن الموكل.\r6 - تعدد الوكلاء :\rقد يتعدد الوكلاء عن الشخص الواحد في التصرفات والخصومات، أو المرافعة أمام القضاء، كما يحدث عادة في كثير من ا لأحيان، فيكون هناك وكيلان أو أكثر في القضايا الخطيرة. ويعرف تفصيل حكم تصرفات الوكلاء مما يأتي (4) .\rفإن تعدد الوكلاء كلاً في عقد خاص وأعمال خاصة، كان لكل منهم أن ينفرد في مباشرة ما وكل فيه دون استشارة غيره. وإن كان العمل واحداً، فلكل واحد القيام به وحده أيضاً، فتنتهي حينئذ وكالة الآخرين.\r-------------------------------\r(1) البدائع: 25/6، تكملة فتح القدير: 89/6 ومابعدها.\r(2) الشرح الكبير للدردير: 388/3.\r(3) مغني المحتاج: 226/2، المغني: 88/5.\r(4) البدائع: 32/6، تكملة فتح القدير: 86/6-88.","part":4,"page":514},{"id":2610,"text":"وإن كان التوكيل للجميع في عقد واحد، فليس لأحدهم ـ دون إذن الموكل ـ الانفراد بالتصرف بما وكلوا فيه؛ لأن تعددهم كان بقصد تحقيق التعاون والتشاور فيما بينهم ضماناً لصالح الموكل، ويستثنى من ذلك ما لا يحتاج من التصرفات لتبادل الرأي كرد الودائع ووفاء الديون، أو ما لا يمكن فيه الاجتماع كالمرافعة أمام القضاء، بشرط إعداد مذكرات الدفاع بالاشتراك بين جميع الوكلاء.\rالفرق بين الوكالة والرسالة :\rيحسن بيان الفرق بين الوكيل والرسول تمهيداً لمعرفة من يلتزم بحقوق العقد، إذ يختلف الوكيل عن الرسول (1) .\rفالوكيل: هو الذي يتصرف برأيه وعبارته وتقديره، فيساوم ويعقد العقود حسبما يرى من المصلحة، ويتحمل تبعات تصرفاته، ويستغني غالباً عن إضافة العقد إلى موكله، فيقول: بعت أو اشتريت كذا، لا: باع أو اشترى فلان، فإذا أسند العقد لموكله، صار مجرد سفير ومعبر عن كلام الأصيل، فيصبح عندئذ كالرسول.\rوالرسول: هو الذي يقتصر على نقل عبارة مرسله، دون أن يتصرف برأيه وإرادته، وإنما يبلِّغ عبارة المرسل، وينقل رغبته وإرادته في التصرف، فيقول للمرسل إليه: أرسلني فلان لأبلغك كذا، فيضيف عبارته دائماً للمرسل، ولا يتحمل شيئاً من التزامات التعاقد.\rحكم العقد وحقوقه في الوكالة :\rحكم العقد: هو الغرض والغاية منه. ويراد به هنا الأثر الذي يترتب على العقد شرعاً. ففي عقد البيع: يكون الحكم: هو ثبوت ملكية المبيع للمشتري واستحقاق الثمن للبائع، وفي عقد الإجارة: الحكم هو تملك المستأجر المنفعة، واستحقاق الأجرة للمؤجر.\r-------------------------------\r(1) راجع مختصر أحكام المعاملات الشرعية لأستاذنا علي الخفيف: ص 117 ومابعدها.","part":4,"page":515},{"id":2611,"text":"واتفق الفقهاء على أن حكم العقد الذي يتم بواسطة وكيل: يقع مباشرة للموكل نفسه، لا للوكيل؛ لأن الوكيل يعمل في الحقيقة لموكله وبأمره، فهو قد استمد ولايته منه (1) . ويترتب عليه أن المسلم لو وكل غير مسلم في شراء خمر أو خنزير، لم يصح الشراء؛ لأن المسلم ليس له أن يتملك شيئاً من هذين.\rحقوق العقد: هي الأعمال والالتزامات التي لا بد منها للحصول على حكمه أو على الغاية والغرض منه، مثل تسليم المبيع، وقبض الثمن، والرد بالعيب أو بسبب خيار الشرط أو الرؤية، وضمان رد الثمن، إذ استحق (2) المبيع مثلاً.\rفإذا باشر المرء العقد بنفسه ولمصلحته عاد إليه حكم العقد وحقوقه. وأما إن توسط وكيل في إجراء العقد وإبرامه، عاد حكم العقد إلى الموكل كما عرفنا، وأما حقوق العقد فتارة ترجع إلى الموكل، وتارة ترجع إلى الوكيل بحسب نوع التصرف الذي يتولاه الوكيل.\rوالتصرفات التي يمارسها الوكيل نوعان :\rالنوع الأول ـ ما يلزم أن يضيفه الوكيل إلى الموكل، ولا يجوز له إضافته إلى نفسه، فإن أضافه إلى نفسه وقع العقد له لا للموكل، مثل الزواج والطلاق والخلع، والعقود العينية أي التي لا تتم إلا بالقبض وهي خمسة (الهبة والإعارة والإيداع والقرض والرهن). يلزم الوكيل أن يقول حين إبرام العقد: قبلت زواج فلانة لفلان، وطلقت امرأة فلان، ووهبتك من مال فلان، ولا يصح أن يقول: تزوجت أو طلقت على كذا و وهبت؛ فينصرف أثر التصرف إليه، أي أن الزواج يكون للوكيل حينئذ لا للموكل، ويقع الطلاق عنه، لا عن الموكل، ويلزم الهبة من ماله لا من مال الموكل.\r-------------------------------\r(1) تبيين الحقائق 256/4، الفرائد البهية في القواعد الفقهية للشيخ محمود حمزة: ص137، المغني لابن قدامة: 130/5، مغني المحتاج: 229/2 ومابعدها، بداية المجتهد: 298/2.\r(2) الاستحقاق: هو أن يدعي أحد ملكية شيء موجود في يد غيره ويثبتها بالبينة، ويقضى له بها.","part":4,"page":516},{"id":2612,"text":"وحكم هذا النوع أن حقوق التصرف ترجع إلى الموكل، ولا يطالب الوكيل منها بشيء أصلاً؛ لأن الوكيل في هذه التصرفات يكون سفيراً ومعبراً محضاً عن الموكل. فإذا كان الشخص وكيلاً عن الزوج لا يطالب بالمهر، وإنما يطالب الزوج، وإذا كان وكيلاً عن المرأة لا يطالب بإزفافها إلى بيت زوجها، وإنما تطالب المرأة أو وليها. ولو كان وكيلاً عن الواهب لايلزم الوكيل بتسليم العين الموهوبة، وإنما يطالب الموكل نفسه، ولا يلزم الوكيل بتسليم الموهوب إذا كان وكيلاً عن الموهوب له.\rالنوع الثاني: ما لا يلزم أن يضيفه الوكيل إلى الموكل، وإنما يصح إضافته له أو لنفسه كالمعاوضات المالية، مثل البيع والشراء والإجارة والصلح الذي هو في معنى البيع (أي الصلح بعوض عن إقرار) فيصح أن يقول الوكيل: بعت أو اشتريت، كما يصح أن يقول: بعت مال فلان، واشتريت لفلان.\rوحكم هذا النوع: أن الوكيل إذا أضاف التصرف للموكل، مثل: اشتريت لفلان، رجعت الحقوق للموكل، ولزمته هو، ولا يطالب الوكيل بشيء، لأنه في هذه الحالة مجرد سفير ومعبر عن الأصيل. وإن أضاف الوكيل التصرف لنفسه رجعت إليه الحقوق دون الموكل؛ لأنه هو الذي باشر العقد ولا يعرف الطرف الآخر سواه. فإذا كان وكيلاً عن البائع لزمه تسليم المبيع للمشتري، وقبض الثمن. وإذا كان وكيلاً عن المشتري واطلع على عيب المبيع، أو أظهر أن المبيع مستحق لغير البائع، كان هو المكلف بمقاضاة البائع وخصومته، ويلزمه ضمان الثمن للمشتري حال استحقاق المبيع، كما يلزمه دفع الثمن للبائع إذا كان المبيع سليماً من العيوب.\rويستثنى من ذلك ما إذا كان العاقد ليس من أهل لزوم العهدة (أي ليس أهلاً للمسؤولية والتزام الحقوق) إما لنقص أهليته كالصبي المحجور عن التصرف، أو لانشغاله كالقاضي وأمين القاضي، فترجع الحقوق حينئذ للموكل نفسه، لا إلى الوكيل.","part":4,"page":517},{"id":2613,"text":"هذا هو مذهب الحنفية (1) . ويوافقهم المالكية والشافعية (2) في ذلك أي في أن حقوق العقد تتعلق بالوكيل دون الموكل.\rوقال الحنابلة (3) : إن حقوق العقد ترجع للموكل دون الوكيل؛ لأن الوكيل عندهم مجرد سفير ومعبر عن العاقد الأصيل. لكن في هذا الرأي إضاعة للغرض من الوكالة؛ لأن الموكل يوكل غيره في أموره ليخفف عن نفسه عناء مباشرته لها، أو لأنه لا يليق به أن يباشرها، أو لعدم قدرته على القيام بها، فإذا عادت الحقوق للموكل نفسه لم يتحقق له الغرض من الوكالة (4) .\r-------------------------------\r(1) البدائع: 33/6 ومابعدها، تكملة فتح القدير: 16/6 ومابعدها، تبيين الحقائق: 256/4، رد المحتار: 419/4، الكتاب مع اللباب: 141/2 .\r(2) المدونة الكبرى: 83/10، 186، الشرح الصغير: 506/3 ومابعدها، نهاية المحتاج: 47/4، مغني المحتاج: 230/2.\r(3) كشاف القناع: 238/2، المغني: 97/5، مطالب أولي النهي شرح غاية المنتهى: 462/3 .\r(4) الأموال ونظرية العقد للمرحوم محمد يوسف موسى: ص376.","part":4,"page":518},{"id":2614,"text":"انتهاء الوكالة :\rتنتهي الوكالة بأحد الأمور التالية (1) :\r1 - انتهاء الغرض من الوكالة: بأن يتم تنفيذ التصرف الذي وكل فيه الوكيل، إذ يصبح العقد غير ذي موضوع.\r2 - قيام الموكل بالعمل الذي وكل فيه غيره: كأن يبرم البيع الذي وكل فيه غيره.\r3 - خروج الموكل أو الوكيل عن الأهلية: بموت، أو جنون استمر شهراً، أوحجر لسفه؛ لأن الوكالة تتطلب استمرار الأهلية للتصرفات، فإذا زالت الأهلية بطلت الوكالة. والوكيل يستمد ولايته من الموكل.\rولا يشترط عند الحنفية والشافعية والحنابلة أن يعلم العاقد بخروج الطرف الآخرعن الأهلية بهذه العوارض. وقال المالكية: الأرجح أن الوكيل لا ينعزل بموت الموكل حتى يعلم به.\r4 - استقالة الوكيل: إذا تنازل الوكيل عن الوكالة أو استقال، أو رفض الاستمرار في العمل، انتهت الوكالة؛ لأن الوكالة بغير أجر كما تقدم عقد غير لازم، يجوز للوكيل أن يتنازل عنها في أي وقت. لكن يشترط عند الحنفية في هذه الحالة أن يعلم الموكل بهذا التنازل، حتى لا يتضرر بما فعل الوكيل، ولم يشترط الشافعي علم الموكل بعزل الوكيل نفسه.\r5 - هلاك العين الموكل بالتصرف فيها، بيعاً أو شراءً أو إيجاراً؛ لأن العقد يصبح غير ذي موضوع. فإذا انهدمت الدار الموكل في شرائها، أو ماتت المرأة الموكل في تزوجها، بطلت الوكالة، لعدم تصور التصرف في المحل المعقود عليه بعد هلاكه.\r6 - عزل الموكل وكيله: لأن الوكالة كما عرفنا عقد غير لازم، فللموكل إنهاء الوكالة في أي وقت شاء. لكن يشترط لصحة العزل عند الحنفية شرطان:\rأحدهما: علم الوكيل بالعزل، حتى لا يلحقه ضرر بإبطال ولايته فيما إذا تصرف تصرفاً يوجب عليه الضمان، بدفع الثمن مثلاً، وتملك المبيع.\rوهذا شرط أيضاً في الأرجح عند المالكية.\rوقال الشافعية في الأصح عندهم، والحنابلة في الأرجح لديهم: لا يشترط علم الوكيل بالعزل؛ لأنه رفع عقد لا يفتقر إلى رضا صاحبه، فلا يحتاج إلى علمه كالطلاق.\rثانيهما: ألا يتعلق بالوكالة حق لغير الموكل: فإن تعلق بها حق لغيره لم يصح العزل إلا برضا صاحب الحق، كأن يوكل المدين الراهن شخصاً (هو الدائن أو غيره) ببيع الرهن وسداد الدين منه إذا حل الأجل، فلا يصح عزل الوكيل حينئذ بغير رضا الدائن صاحب الحق، لتعلق حقه بالموضوع.\r-------------------------------\r(1) انظر عند الحنفية: البدائع: 37/6 ومابعدها، تكملة فتح القدير: 123/6 ومابعدها، الدر المختار: 434/4، تبيين الحقائق: 286/4 ومابعدها، وعند المالكية: بداية المجتهد: 298/2، الشرح الكبير: 396/3، وعند الشافعية: مغني المحتاج: 232/2، المهذب: 1/357، وعند الحنابلة: المغني: 113/5، غاية المنتهى: 154/2 ومابعدها.","part":4,"page":519},{"id":2615,"text":"وإذا وكل الزوج شخصاً بطلاق زوجته متى شاء، فلا يملك الزوج الموكل الرجوع عن الوكالة إلا برضا المرأة.\rولو أراد المدين السفر إلى بلد، فطلب منه دائنه أن يوكل عنه شخصاً ليخاصمه في طلب الدين وقت الحاجة، فوكل وكيلاً إجابة لطلبه وسافر، فليس له أن يعزل الوكيل إلا برضا الدائن. الفضالة\rقد ينعقد العقد بالفضالة التي تتخذ بالإجازة حكم الوكالة. فمن الفضولي، وما حكم تصرفاته عند الفقهاء، وما أثر إجازة تصرفاته، وما شروط صحة الإجازة، وهل يملك فسخ العقد الصادر منه قبل الإجازة؟\rتعريف الفضولي: الفضولي في اللغة: هو من يشتغل بما لا يعنيه أو بما ليس له. وعمله هذا يسمى فضالة. وعند الفقهاء له معنى قريب من هذا. وهو من يتصرف في شؤون غيره، دون أن يكون له ولاية على التصرف. أو من يتصرف في حق غيره بغير إذن شرعي كأن يزوج من لم يأذن له في الزواج، أو يبيع أو يشتري ملك الغير بدون تفويض، أو يؤجر أو يستأجر لغيره دون ولاية أو توكيل. فهذا التصرف يسمى فضالة.\rحكم تصرفاته عند الفقهاء : للفقهاء رأيان في تصرف الفضولي:\rأولهما ـ للحنفية والمالكية (1) : تصرفات الفضولي تقع منعقدة صحيحة، لكنها موقوفة على إجازة صاحب الشأن: وهو من صدر التصرف لأجله، إن أجازه نفذ، وإن رده بطل (2) . واستدلوا على رأيهم بما يأتي:\r-------------------------------\r(1) البدائع: 148/5 ومابعدها، فتح القدير مع العناية: 309/5 ومابعدها، رد المحتار: 6/4، 142، بداية المجتهد: 171/2، الشرح الكبير مع الدسوقي: 12/3، القوانين الفقهية: ص 245.\r(2) فرق الحنفية بين بيع الفضولي وشراء الفضولي. أما بيع الفضولي فينعقد صحيحاً موقوفاً على الإجازة، سواء أضاف الفضولي العقد لنفسه أم إلى المالك، وأما شراء الفضولي ففيه تفصيل:\rإن أضاف الفضولي الشراء لنفسه نفذ العقد عليه، لأن الأصل أن يكون تصرف الإنسان لنفسه لا لغيره، وإذا وجد العقد نفاذاً على العاقد نفذ عليه ولا يتوقف. وإن أضاف الفضولي الشراء لغيره، أو لم يجد نفاذاً عليه لعدم الأهلية، كأن يكون العاقد صبياً أو محجوراً، انعقد الشراء صحيحاً موقوفاً على إجازة هذا الغير الذي تم الشراء له، فإن أجازه نفذ عليه، واعتبر الفضولي وكيلاً ترجع إلىه حقوق العقد من حين نشوء العقد (البدائع: 148/5- 150، مختصر الطحاوي: ص 83، الدر المختار ورد المحتار: 143/4).","part":4,"page":520},{"id":2616,"text":"أولاً ـ بعموم الآيات القرآنية الدال على مشروعية البيع، مثل قوله تعالى: {وأحل الله البيع} [البقرة:275/2] والفضولي كامل الأهلية، فإعمال عقده أولى من إهماله، وربما كان في العقد مصلحة للمالك، وليس فيه أي ضرر بأحد؛ لأن المالك له ألا يجيز العقد، إن لم يجد فيه فائدة.\rثانياً ـ بما ثبت ـ في الحديث المتقدم في الوكالة ـ أن النبي صلّى الله عليه وسلم أعطى عروة البارقي ـ أحد أصحابه ـ ديناراً ليشتري له به شاة، فاشترى شاتين بالدينار، وباع إحداهما بدينار، وجاء للنبي صلّى الله عليه وسلم بدينار وشاة، فقال له «بارك الله لك في صفقة يمينك» فشراء الشاة الثانية وبيعها لم يكن بإذن النبي عليه السلام، وهو عمل فضولي جائز بدليل إقرار الرسول له.\rوخلاصة هذا الرأي: أن الملكية أو الولاية هي من شروط نفاذ التصرف، فإذا لم يكن العاقد مالكاً ولا ولاية له، كان العقد موقوفاً.\rالرأي الثاني ـ للشافعية والحنابلة والظاهرية (1) : تصرف الفضولي باطل، لا يصح ولو أجازه صاحب الشأن؛ لأن الإجازة تؤثر في عقد موجود، وهذا العقد لا وجود له منذ نشأته، فلا تصيره الإجازة موجوداً. واستدلوا بما يأتي:\rأولاً ـ بأن تصرف الفضولي تصرف فيما لا يملك، وتصرف الإنسان فيما لا يملكه منهي عنه شرعاً، والنهي يقتضي عدم مشروعية المنهي عنه عندهم، وذلك في قوله صلّى الله عليه وسلم لحكيم بن حزام: «لا تبع ما ليس عندك» (2) أي ما ليس مملوكاً لك،\r-------------------------------\r(1) المجموع للنووي: 281/9، 284 ومابعدها، مغني المحتاج: 15/2، كشاف القناع: 11/2 ومابعدها، القواعد لابن رجب: ص 417، غاية المنتهى: 8/2، المحلى: 503/8، م 1460.\r(2) نص الحديث كما رواه أحمد: «إذا اشتريت شيئاً فلا تبعه حتى تقبضه» . وجاء في حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده فيما رواه الخمسة: «لا يحل سلف ولا بيع، ولا شرطان في بيع، ولا ربح ما لم يَضْمن، ولا بيع ما ليس عندك» (نيل الأوطار: 157/5، سبل السلام: 16/3).","part":4,"page":521},{"id":2617,"text":"وسبب النهي اشتمال العقد على الغرر الناشئ عن عدم القدرة على التسليم وقت العقد، وما يترتب عليه من النزاع.\rوقالوا عن حديث عروة البارقي: إنه كان وكيلاً مطلقاً عن النبي صلّى الله عليه وسلم ، وتصرفاته التي قام بها تنفذ، لأنها تمت بمقتضى وكالة خالف فيها الوكيل إلى خير، فينفذ تصرفه.\rثانياً ـ إن أي تصرف لا يوجد شرعاً إلا بتوافر الولاية والأهلية عند العاقد، وهذه الولاية لا تكون إلا بالملك أو بالإذن من المالك، والفضولي ليس مالكاً لما يتصرف فيه ولا مأذوناً له من المالك بالتصرف، فلا يكون لتصرفه وجود شرعاً، ولا يترتب عليه أي أثر.\rوخلاصة هذا الرأي: أن الملكية أو الولاية من شروط انعقاد التصرف، فإذا لم يتوفر شرط الانعقاد كان التصرف باطلاً.","part":4,"page":522},{"id":2618,"text":"وقد أخذ القانون المدني السوري في مواد عشر (189-198) برأي الحنفية والمالكية، وطبق عليها قواعد الوكالة إذا أقر رب العمل ما قام به الفضولي (م191)، لكنه حصر الفضالة بقيام الفضولي بشأن عاجل لشخص آخر، كما يفهم من تعريفها (م 189): «الفضالة: هي أن يتولى شخص عن قصد القيام بشأن عاجل لحساب شخص آخر، دون أن يكون ملزماً بذلك» .\rشروط إجازة تصرف الفضولي :\rاشترط الحنفية القائلون بصحة تصرف الفضولي شروطاً ثلاثة: أحدها في المجيز، وثانيها في الإجازة، وثالثها في نفس التصرف (1) :\r1 - أن يكون للعقد مجيز (2) حالة إنشاء العقد: أي أن يكون صاحب الشأن مستطيعاً إصدار العقد بنفسه، فإن لم يكن كذلك وقع العقد باطلاً من مبدأ الأمر، وعلى هذا إذا طلق فضولي امرأة زوج بالغ عاقل، أو وهب ماله، أو باعه بغبن فاحش، انعقد التصرف موقوفاً على الإجازة؛ لأن صاحب الشأن كان يستطيع أن يصدر هذه التصرفات بنفسه، فيستطيع إجازتها بعد وقوعها، فكان للتصرف مجيز حالة إنشائه.\rأما لو فعل فضولي شيئاً من هذه التصرفات بالنسبة لصغير، فلا ينعقد التصرف أصلاً؛ لأن الصغير ليس أهلاً لهذه التصرفات الضارة، فلا يكون أهلاً لإجازتها، فلم يكن لها مجيز حين نشوء التصرف.\rفإن كان التصرف قابلاً لإجازة ولي الصغير كالبيع بمثل القيمة أو أكثر، وكان للصغير ولي، انعقد موقوفاً على إجازته، أو على إجازة الصغير بعد البلوغ.\r2 - أن تكون الإجازة حين وجود العاقدين (الفضولي والطرف الآخر) والمعقود عليه وصاحب الشأن: فلو حصلت الإجازة بعد هلاك واحد من هؤلاء الأربعة، بطل التصرف، ولم تفد الإجازة شيئاً؛ لأن الإجازة تؤثر في التصرف، فلابد من قيام التصرف، وقيامه بقيام العاقدين والمعقود عليه.\r-------------------------------\r(1) البدائع: 149/5-151، فتح القدير: 311/5، الدر المختار ورد المحتار: 141/4 ومابعدها، 146.\r(2) المجيز: هو صاحب المصلحة والشأن في التصرف، والذي له حق تقرير وإمضاء التصرف أو رفضه.","part":4,"page":523},{"id":2619,"text":"3 - ألا يمكن تنفيذ العقد على الفضولي عند رفض صاحب الشأن: مثل بيع ملك الغير أو إجارته، سواء أضاف العقد لنفسه أم لصاحب المال، ومثل شراء شيء لغيره أو استئجار شيء لغيره وأضاف العقد لذلك الغير. ففي كل هذه الحالات يكون العقد موقوفاً.\rأما إذا أمكن تنفيذ العقد على الفضولي عند عدم إجازته، فينفذ على الفضولي كشراء شيء أو استئجاره مضيفاً العقد لنفسه، فيلزمه هو.\rأثر إجازة تصرف الفضولي :\rيترتب على الإجازة من صاحب الشأن أثران: أحدهما ـ جعل التصرف نافذاً. ثانيهما ـ جعل الفضولي وكيلاً يلتزم بحقوق التصرف؛ لأن «الإجازة اللاحقة كالوكالة السابقة» (1) .\rأما تاريخ نفاذ التصرف بالإجازة فيختلف بحسب نوع التصرف:\rإن كان من التصرفات التي لا تقبل التعليق بالشرط كعقود المعاوضات المالية (البيع والإيجار ونحوهما) فإنها تنفذ من وقت إنشائها أي أن للإجازة أثراً رجعياً؛ لأن آثارها لا تتراخى عنها، وتكون زوائد الشيء وغلاته كالأجرة مملوكة لمن وقع العقد له، أي للمشتري في عقد البيع؛ لأن الإجازة اللاحقة كالوكالة السابقة.\rوإن كان التصرف مما يصح تعليقه بالشرط كالكفالة والحوالة والوكالة والطلاق، فإنه ينفذ من وقت الإجازة؛ لأن هذه التصرفات معلقة في المعنى على الإجازة.\rوإن كان التصرف يتطلب التسليم الفعلي كالهبة، فينفذ من وقت تسليم الموهوب له.\rفسخ تصرف الفضولي :\rتصرف الفضولي غير ملزم لصاحب الشأن، فيجوز حينئذ فسخه. والفسخ قد يكون من صاحب الشأن (البائع أو المشتري مثلاً)؛ لأن التصرف موقوف على رضاه وإجازته، فما لم يجزه لم يتم التصرف.\rوقد يكون الفسخ من الفضولي نفسه في عقد البيع قبل إجازة المالك صاحب الشأن حتى يدفع عن نفسه الحقوق التي تلزمه لو أجاز المالك.\r-------------------------------\r(1) البدائع: 151/5.","part":4,"page":524},{"id":2620,"text":"أما عقد الزواج فليس للفضولي فسخه؛ لأنه عقد ترجع فيه الحقوق إلى الأصيل صاحب الشأن (1) .\rهل لفضولي واحد أن يعقد العقد عن الطرفين؟\rعرفنا سابقاً أن تعدد العاقد شرط في انعقاد العقد، فليس للفضولي الواحد إبرام العقد سواء في البيع أو الزواج وغيرهما، بل يبطل الإيجاب ولا تلحقه الإجازة (2) ، سواء أكان فضولياً من الجانبين، أم من جانب واحد ومن الجانب الآخر أصيلاً عن نفسه، أو وكيلاً، أو ولياً عن القاصر. فلو قال: بعت دار فلان، وقبلت الشراء عن فلان، أو زوجت فلاناً فتاة اسمها كذا، وقبلت هذه الفتاة لفلان، لم ينعقد العقد.\rالعنصر الثالث ـ محل العقد :\rمحل العقد أو المعقود عليه: هو ما وقع عليه التعاقد، وظهرت فيه أحكامه وآثاره. وهو قد يكون عيناً مالية كالمبيع والمرهون والموهوب، وقد يكون عيناً غير مالية كالمرأة في عقد الزواج، وقد يكون منفعة كمنفعة الشيء المأجور في إجارة\r-------------------------------\r(1) البدائع: 151/5، فتح القدير: 309/5- 312.\r(2) حاشية ابن عابدين: 448/2.","part":4,"page":525},{"id":2621,"text":"الأشياء من الدور والعقارات ومنفعة الشخص في إجارة الأعمال (1) .\rوليس كل شيء صالحاً ليكون معقوداً عليه، فقد يمتنع إبرام العقد على شيء شرعاً أو عرفاً، كالخمر لا تصلح أن تكون معقوداً عليها بين المسلمين، والمرأة المحرم بسب رابطة النسب أو الرضاع، لا تصلح أن تكون زوجة لقريبها.\rلذا اشترط الفقهاء أربعة شروط في محل العقد، وهي ما يأتي:\r1 - أن يكون موجوداً وقت التعاقد :\rفلا يصح التعاقد على معدوم كبيع الزرع قبل ظهوره لاحتمال عدم نباته، ولا على ماله خطر العدم، أي احتمال عدم الوجود كبيع الحمل في بطن أمه، لاحتمال ولادته ميتاً،وكبيع اللبن في الضرع، لاحتمال عدمه بكونه انتفاخاً، وكبيع اللؤلؤ في الصدف، ولا يصح التعاقد على مستحيل الوجود في المستقبل، كالتعاقد مع طبيب على علاج مريض توفي، فإن الميت لا يصلح محلاً للعلاج، وكالتعاقد مع عامل على حصاد زرع احترق، فكل هذه العقود باطلة.\rوهذا الشرط مطلوب عند الحنفية والشافعية (2) ، سواء أكان التصرف من عقود المعاوضات أم عقود التبرعات، فالتصرف بالمعدوم فيها باطل، سواء بالبيع أو الهبة أو الرهن، بدليل نهي النبي صلّى الله عليه وسلم عن بيع حبَل الحبلة (3) ونهيه عن بيع\r-------------------------------\r(1) الإجارة نوعان: إجارة المنافع: وهي أن يكون المعقود عليه منفعة كإجارة الدور والمنازل والحوانيت والأراضي، وإجارة الأعمال: وهي التي تعقد على عمل معلوم كبناء وخياطة وحمل إلى موضع معين، وصباغة وإصلاح شيء، وتقديم خبرة كخبرة الأطباء والمهندسين.\r(2) البدائع: 138/5 ومابعدها، المبسوط: 194/12 ومابعدها، فتح القدير: 192/5، مغني المحتاج: 30/2، المهذب: 262/1 .\r(3) أي بيع ولد ولد الناقة، أو بيع ولد الناقة. والحديث رواه أحمد ومسلم والترمذي عن ابن عمر (نيل الأوطار: 147/5).","part":4,"page":526},{"id":2622,"text":"المضامين والملاقيح (1) ، وعن بيع ما ليس عند الإنسان (2) ؛ لأن المبيع فيها وقت التعاقد معدوم.\rواستثنى هؤلاء الفقهاء من هذه القاعدة العامة في منع التصرف بالمعدوم عقود السلَم والإجارة والمساقاة والاستصناع (3) مع عدم وجود المحل المعقود عليه حين إنشاء العقد ، استحساناً مراعاة لحاجة الناس إليها، وتعارفهم عليها، وإقرار الشرع صحة السلم والإجارة، والمساقاة (4) ونحوها.\rواكتفى المالكية (5) باشتراط هذا الشرط في المعاوضات المالية، أما في عقود التبرعات كالهبة والوقف والرهن فأجازوا ألا يكون محل العقد موجوداً حين التعاقد، وإنما يكفي أن يكون محتمل الوجود في المستقبل.\r-------------------------------\r(1) المضامين: ما في أصلاب الإبل، والملاقيح: ما في بطون النوق. وهذه البيوع كانت متعارفة في الجاهلية. والحديث رواه عبد الرزاق في مصنفه عن ابن عمر (نصب الراية: 10/4).\r(2) رواه أحمد وأصحاب السنن الأربعة، وصححه الترمذي وابن خزيمة والحاكم عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده بلفظ: « لا يحل سلف وبيع، ولا شرطان في بيع، ولا ربح ما لم يضمن، ولا بيع ما ليس عندك » . (سبل السلام: 16/3).\r(3) السلم: هو بيع آجل بعاجل أي بيع شيء غير موجود بثمن حال، كما يفعل الزراع مع التجار في بيعهم المحصولات الزراعية قبل الحصاد. وقد أجازه الشرع في السنة: « من أسلف فليسلف في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم » والإجارة هي عقد على المنافع بعوض. وقد ثبتت مشروعيتها بالقرآن والسنة وإجماع العلماء، والاستصناع: هو الاتفاق على عمل الصانع بأن يصنع شيئاً نظير عوض معين، بخامات من عنده، كما نفعل مع الخياطين والنجارين والحدادين مثلاً. وقد أجيز بالإجماع لحاجة الناس إلى التعامل به في كل زمان ومكان.\r(4) المساقاة: هي تعهد العمل على سقاية وتربية الأشجار بنسبة من الناتج. وقد ثبت تشريعها في السنة. ومثلها المزارعة: هي العمل على استثمار الأراضي الزراعية بنسبة من المحصول.\r(5) القوانين الفقهية: ص 367، الشرح الصغير: 305/3، ط دار المعارف بمصر. قال ابن رشد في بداية المجتهد: 324/2: «ولا خلاف في جواز هبة المجهول والمعدوم المتوقع الوجود، وبالجملة: كل ما لا يصح بيعه في الشرع من جهة الغرر » .","part":4,"page":527},{"id":2623,"text":"وأما الحنابلة (1) : فلم يشترطوا هذا الشرط، واكتفوا بمنع البيع المشتمل على الغرر (2) الذي نهى عنه الشرع، مثل بيع الحَمْل في البطن دون الأم، وبيع اللبن في الضرع، والصوف على ظهر الغنم. وأجازوا فيما عدا ذلك ـ كما قرر ابن تيمية وابن القيم ـ بيع المعدوم عند العقد إذا كان محقق الوجود في المستقبل بحسب العادة، كبيع الدار على الهيكل أو الخريطة؛ لأنه لم يثبت النهي عن بيع المعدوم لا في الكتاب ولا في السنة ولا في كلام الصحابة، وإنما ورد في السنة النهي عن بيع الغرر: وهو ما لا يقدر على تسليمه، سواء أكان موجوداً أم معدوماً كبيع الفرس والجمل الشارد، فليست العلة في المنع لا العدم ولا الوجود، فبيع المعدوم إذا كان مجهول الوجود في المستقبل باطل للغرر، لا للعدم.\rبل إن الشرع صحح بيع المعدوم في بعض المواضع، فإنه أجاز بيع الثمر بعد بدء صلاحه، والحب بعد اشتداده، والعقد في هذه الحالة ورد على الموجود والمعدوم الذي لم يخلق بعد.\rوأما حديث النهي عن بيع ما ليس عند الإنسان فالسبب فيه: هو الغرر لعدم القدرة على التسليم، لا أنه معدوم.\r-------------------------------\r(1) أعلام الموقعين: 8/2 ومابعدها، نظرية العقد لابن تيمية: ص 224، المغني: 200/4، 208.\r(2) روى الجماعة إلا البخاري عن أبي هريرة «نهى النبي صلّى الله عليه وسلم عن بيع الحصاة وعن بيع الغرر» أي نهى عن بيع المبيع المشتمل على غرر، فالمبيع نفسه لا البيع هو الغرر، كالثمرة قبل بدو صلاحها. والغرر: ماتردد بين السلامة والعطب. أو ما لا يقدر المتعاقد على تسليمه موجوداً كان أو معدوماً. وبيع الحصاة: أي ماوقعت عليه الحصاة من عدة أشياء (نيل الأوطار: 147/5).","part":4,"page":528},{"id":2624,"text":"بيع الثمار أو الخضار أو الزروع :\rيترتب على اشتراط وجود المعقود عليه أو قابليته للوجود في المستقبل حكم بيع الثمر أو الخضر أو الزرع في الأرض قبل ظهوره أو بعد ظهوره وقبل نضجه (1) .\rأ ـ اتفق الفقهاء على بطلان بيع الثمار والزروع قبل أن تخلق، لنهي النبي صلّى الله عليه وسلم عن بيع ما لم يخلق، ونهيه عليه السلام عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها. وعلل النهي عن البيع بقوله صلّى الله عليه وسلم : «أرأيت إذا منع الله الثمرة، بم يأخذ أحدكم مال أخيه» (2) .\rب ـ إذا أصبح الزرع والثمر بحالة ينتفع بهما انتفاعاً كاملاً، صح التعاقد عليه؛ لأن محل العقد موجود. ويجوز إبقاؤه في الأرض أو على الشجر إلى وقت الحصاد أو القطاف عند غير أبي حنيفة وأبي يوسف؛ لأن العرف يقتضيه ويتعامل به الناس عادة.\rج ـ إذا أصبح الزرع والثمر بحالة لا ينتفع بهما انتفاعاً كاملاً، كأن صار العنب حصرماً، والبلح بسراً، والزرع سنبلاً أخضر لم ييبس، جاز بيعه عند الإمامين مالك ومحمد بن الحسن استحساناً لتعارف الناس وتعاملهم به. ولم يجز بيعه عند أبي حنيفة وأبي يوسف والشافعي، لأن إبقاءه أمر مطلوب، وفي إبقائه منفعة للمشتري لا يقتضيها العقد ولا يلائمه.\r-------------------------------\r(1) انظر عند الحنفية: البدائع: 173/5، المبسوط: 195/12 ومابعدها، فتح القدير: 102/5 ومابعدها، تبيين الحقائق: 12/4، الدر المختار: 40/4، وعند المالكية: المنتقى على الموطأ: 217/4 ومابعدها، بداية المجتهد: 148/2 ومابعدها، القوانين الفقهية: ص261. وعند الشافعية: تكملة المجموع: 351/11، 360، مغني المحتاج: 86/2، 89، 91 ومابعدها، وعند الحنابلة: المغني: 80/4، 87، 89 ومابعدها، غاية المنتهى: 68/2 ومابعدها، وعند الظاهرية: المحلى: 471/8 وعند الزيدية: البحر الزخار: 317/3، وعند الإمامية: المختصر النافع: ص 154، وعند الإباضية: شرح النيل: 72/4 ومابعدها.\r(2) أخرجه البخاري ومسلم عن أنس «أن النبي صلّى الله عليه وسلم نهى عن بيع الثمرة حتى تَزْهى، قالوا: وما تزهى؟ قال: تحمرّ، وقال: إذا منع الله الثمرة فبم تستحل مال أخيك» (نيل الأوطار: 173/5).","part":4,"page":529},{"id":2625,"text":"د ـ إذا بدا صلاح بعض الأشجار المثمرة في بستان أو في بساتين متجاورة يجوز بيع ما ظهر صلاحه وما لم يظهر عند المالكية والشيعة الإمامية وابن تيمية وابن القيم من الحنابلة، عملاً بحسن الظن بالله تعالى وبمسامحة الإنسان لأخيه، وتعارف الناس عليه، إلحاقاً لما لم يظهر صلاحه بما ظهر، ودفعاً للمشقة على الناس في تعاملهم.\rولم يجز ذلك الحنفية والشافعية والحنابلة والزيدية والظاهرية والإباضية؛ لأن العقد اشتمل على معلوم ومجهول قد لا يخرجه الله تعالى من الشجرة ، ولعدم القدرة على تسليم المبيع كله.\rوالخلاصة: إن من منع البيع في هذه الصور أراد الاحتياط في أخذ مال الغير، ومن أجاز البيع أراد التيسير على الناس ومراعاة الأعراف.","part":4,"page":530},{"id":2626,"text":"هذا ويتفق القانون المدني السوري (م 132،133) مع الفقه الإسلامي في هذا الشرط، فقد شرط فقهاء القانون في محل الالتزام أن يكون شيئاً موجوداً وقت نشوء الالتزام، أو قابلاً للوجود في المستقبل (1) ، لكن لا يجوز قانوناً ولا شرعاً بيع التركة المستقبلة، فلا يجوز للوارث بيع حصته من تركة مورثه وهو على قيد الحياة. ويجوز قانوناً لا شرعاً بيع المؤلف مؤلفه قبل إتمامه، وبيع المحصولات المستقبلة قبل أن تنبت بثمن مقدر، وبيع النتاج الذي لم يولد، ويمكن تصحيح هذه العقود على رأي ابن تيمية الذي يجيز العقد على ا لشيء الذي يمكن وجوده في المستقبل إذا امتنع الغرر.\r2 - أن يكون المعقود عليه مشروعاً:\rيشترط أن يكون محل العقد قابلاً لحكمه شرعاً، باتفاق الفقهاء (2) ، بأن يكون مالاً مملوكاً متقوماً، فإن لم يكن كذلك، كان العقد عليه باطلاً، فبيع غير المال كالميتة والدم (3) ، أو هبتها أو رهنها أو وقفها أو الوصية بها باطل؛ لأن غير المال لا يقبل التمليك أصلاً، وذبيحة الوثني والملحد والمجوسي والمرتد كالميتة.\rويبطل بيع غير المملوك أو هبته: وهو المباح للناس غير المحرز كالسمك في الماء والطير في الهواء والكلأ والحطب والتراب والحيوانات البرية أو الشيء المخصص للنفع العام كالطرقات والأنهار والجسور والقناطر العامة؛ لأنها غير مملوكة لشخص أو لا تقبل التملك الشخصي.\rوالتصرف بغير المتقوم باطل أيضاً: وهو ما لا يمكن ادخاره ولا الانتفاع به شرعاً، كالخمر والخنزير بين المسلمين.\r-------------------------------\r(1) النظرية العامة للالتزام للدكتور عبد الحي حجازي: ص 65.\r(2) البدائع: 140/5، حاشية ابن عابدين: 3/4، مغني المحتاج: 11/2 ومابعدها، الشرح الصغير: 22/3 ومابعدها، غاية المنتهى: 6/2 وما بعدها.\r(3) أجاز الشافعية والحنابلة خلافاً لأبي حنيفة ومالك بيع حليب المرأة المرضع للحاجة إليه وتحقيق النفع به، وأجاز الحنابلة بيع أعضاء الإنسان كالعين وقطعة الجلد إذا كان ينتفع بها ليرقع بها جسم الآخر لضرورة الإحياء، وبناء عليه يجوز بيع الدم الآن للعمليات الجراحية للضرورة (راجع المغني: 260/4).","part":4,"page":531},{"id":2627,"text":"وأما آلات الملاهي كأدوات الموسيقا المختلفة فيجوز بيعها عند أبي حنيفة لإمكان الانتفاع بالأدوات المركبة منها، ولأنها مال في ذاتها، ولا ينعقد بيعها عند الصاحبين وبقية الأئمة؛ لأنها معدة للفساد واللهو. وبناء عليه يضمن قيمتها من يتلف شيئاً منها عند أبي حنيفة، ولا يضمن عند غيره من الفقهاء.\rويبطل التصرف بكل شيء، لا يقبل بطبيعته حكم العقد الوارد عليه، فالأموال التي يتسارع إلىها الفساد كالخضروات والفواكه لا تصلح محلاً للرهن؛ لأن حكمه: وهو حبس المرهون لإمكان استيفاء الدين منه عند عدم الأداء في وقته، لا تقبله هذه الأموال. والمرأة من المحارم كالأخت والعمة بالنسبة لقريبها المحرم لا تصلح محلاً لعقد الزواج. والعمل الممنوع شرعاً كالقتل والغصب والسرقة والإتلاف لا يصح الإجارة عليه.\rويتفق القانون مع الفقه الإسلامي في اشتراط هذا الشرط، فقد شرط القانونيون أن يكون الشيء داخلاً في دائرة التعامل. وأن يكون في بعض الأحوال مملوكاً للملتزم بنقل ملكيته، وذلك في الحقوق العينية المنصبة على شيء معين بالذات (1) ، إلا أن فقهاء الشرع يجعلون تحريم الشرع وعدمه هو المحكم في جعل محل الالتزام مشروعاً أم غير مشروع، والقانون يحكّم في ذلك قواعد النظام العام والآداب.\r-------------------------------\r(1) نظرية الالتزام للدكتور حجازي: ص 65، 71.","part":4,"page":532},{"id":2628,"text":"3 - أن يكون مقدور التسليم وقت التعاقد :\rيشترط باتفاق الفقهاء توافر القدرة على التسليم وقت التعاقد، فلا ينعقد العقد إذا لم يكن العاقد قادراً على تسليم المعقود عليه، وإن كان موجوداً ومملوكاً للعاقد.ويكون العقد باطلاً.\rوهذا الشرط مطلوب في المعاوضات المالية باتفاق العلماء وفي التبرعات (1) عند غير الإمام مالك، فلا يصح بيع الحيوان الشارد ولا إجارته ورهنه وهبته ووقفه ونحوها، ولا يصح التعاقد بيعاً أو إجارة أو هبة على الطير في الهواء والسمك في البحر والصيد بعد فراره والمغصوب في يد الغاصب والدار في الأرض المحتلة من العدو، لعدم القدرة على التسليم.\rوأجاز الإمام مالك أن يكون معجوز التسليم حال التعاقد محلاً لعقد الهبة وغيره من التبرعات (2) . فيصح عنده هبة الحيوان الفارّ وإعارته والوصية به، لأنه في التبرع لا يثور شيء من النزاع حول تسليم المعقود عليه؛ لأن المتبرع فاعل خير ومحسن، والمتبرع له لا يلحقه ضرر من عدم التنفيذ،لأنه لم يبذل قليلاً ولا كثيراً، فلا يكون هناك ما يؤدي إلى النزاع والخصام الذي يوجد في المعاوضات المالية.\rوهذا الشرط لم يذكر عند القانونيين، ويظهر أنهم لا يشترطونه.\r4 - أن يكون معيناً معروفاً للعاقدين :\rلابد عند الفقهاء أن يكون محل العقد معلوماً علماً يمنع من النزاع؛ للنهي الوارد في السنة عن بيع الغرر وعن بيع المجهول (3) .\r-------------------------------\r(1) البدائع: 187/4، 147/5، 119/6، بداية المجتهد: 156/2، الشرح الكبير: 11/3، الشرح الصغير: 22/3، المهذب: 262/1، مغني المحتاج: 12/2، المغني: 200/4 ومابعدها، غاية المنتهى: 10/2.\r(2) الشرح الصغير: 142/4.\r(3) سبق تخريج الحديث، رواه الجماعة إلا البخاري عن أبي هريرة «أن النبي صلّى الله عليه وسلم نهى عن بيع الحصاة وعن بيع الغرر» وبيع الحصاة: أن يقول: بعتك من هذه الأثواب ما وقعت عليه هذه الحصاة، ويرمي الحصاة. أو يقول: من هذه الأرض ما انتهت إليه في الرمي (نيل الأوطار: 147/5).","part":4,"page":533},{"id":2629,"text":"والعلم يتحقق إما بالإشارة إليه إذا كان موجوداً، أو بالرؤية عند العقد أو قبله بوقت لا يحتمل تغيره فيه، ورؤية بعضه كافية إذا كانت أجزاؤه متماثلة، أو بالوصف المانع للجهالة الفاحشة، وذلك ببيان الجنس والنوع والمقدار، كأن يكون المبيع حديداً من الصلب أو الفولاذ من حجم معين.\rفلا يصح التصرف بالمجهول جهالة فاحشة: وهي التي تفضي إلى المنازعة.\rويكون العقد فاسداً عند الحنفية، باطلاً عند غير الحنفية، وتغتفر الجهالة اليسيرة، وهي التي لا تؤدي إلى المنازعة ويتسامح الناس فيها عادة.\rكما لا يصح التصرف بما يشتمل على الغرر. ويلاحظ أن الغرر أعم من الجهالة فكل مجهول غرر، وليس كل غرر مجهولاً، فقد يوجد الغرر بدون الجهالة كما في شراء الشيء الهارب المعلوم الصفة، ولكن لا توجد الجهالة بدون الغرر (1) .\rوهذا الشرط مطلوب في المعاوضات المالية كالبيع والإيجار باتفاق الفقهاء، أما اشتراطه في غيرها فمحل اختلاف:\rفالشافعية والحنابلة (2) يشترطونه في عقود المعاوضات المالية وفي غير المالية كعقد الزواج، وفي عقود التبرعات كالهبة والوصية والوقف.\r-------------------------------\r(1) الفروق للقرافي المالكي: 265/3، تهذيب الفروق بهامشه: 170/3 ومابعدها.\r(2) مغني المحتاج:16/2، المهذب: 263/1،266، المغني: 209/4، 234، غاية المنتهى: 11/2، 332 وما بعدها، 18/3، 60.","part":4,"page":534},{"id":2630,"text":"وقصره الحنفية (3) على المعاوضات المالية وغير المالية، ولا يشترطونه في عقود التبرعات كالوصية والكفالة، فيصح التبرع مع جهالة المحل؛ لأن الجهالة فيه لا تؤدي إلى النزاع، كأن يوصي شخص بجزء من ماله، ويكون البيان متروكاً للورثة. وكأن يقول الكفيل: أنا ضامن ما على فلان من مال.\rواكتفى المالكية (4) باشتراطه في عقود المعاوضات المالية فقط، فأبطلوا كل عقد بيع مثلاً إذا كان مشتملاً على جهالة المبيع أو الثمن. ولم يشترطوا هذا الشرط في عقود المعاوضات غير المالية، وفي عقود التبرعات، فأجازوا الزواج المشتمل على غرر قليل لا كثير كأثاث بيت، لا على شيء شارد أو ضائع؛ لأن القصد من المهر هو المودة والألفة فأشبه التبرع فاغتفرت فيه الجهالة اليسيرة، لا الفاحشة؛ لأن في الزواج شبهاً بالمعاوضات، وصححوا التبرع بالمجهول جهالة فاحشة؛ لأن القصد منه الإحسان بالصرف والتوسعة على الناس، ولا يترتب على ذلك نزاع.\r-------------------------------\r(1) المبسوط: 26/13، 49، البدائع: 158/5، فتح القدير: 113/5، 222، الدر المختار: 30/4، 125.\r(2) الشرح الكبير: 106/3، القوانين الفقهية: ص 269، المنتقى على الموطأ: 298/4، الفروق: 150/1 ومابعدها.","part":4,"page":535},{"id":2631,"text":"والقانون المدني في المادة (134) اشترط هذا الشرط أيضاً، متجاوزاً عن الجهالة اليسيرة إذا كان المحل غير معين بالذات، أي معيناً بنوعه فقط. فقال فقهاء القانون: يشترط أن يكون الشيء معيناً أو قابلاً للتعيين بشرط بيان طرق التعيين اللاحق. فإذا كان الشيء محل الالتزام مما يعين بذاته وجب أن تكون ذاتيته معروفة. وإذا كان الشيء مما يعيّن بنوعه لزم أن يذكر جنسه ونوعه ومقداره (1) . والشرع والقانون وإن اتفقا على هذا الشرط من حيث المبدأ، لكنهما يختلفان في التطبيق، فالشرعيون يوجبون تعيين محل العقد تعييناً تاماً لا يتطرق إليه أي احتمال، وإلا كان العقد فاسداً عند الحنفية باطلاً عند غيرهم، ولا يجيزون كون المحل قابلاً للتعيين، والقانون يكتفي بكون المحل قابلاً للتعيين، وإن لم يكن معيناً وقت التعاقد، كالتعهد بتوريد أغذية معينة النوع لمدرسة أو مشفى.\rوأخيراً اشترط غير الحنفية (2) شرطاً خامساً: وهو أن يكون المبيع طاهراً لانجساً ولا متنجساً؛ لأن جواز البيع يتبع الطهارة، فكل ما كان طاهراً أي ما يباح\r-------------------------------\r(1) موجز النظرية العامة للالتزام لأستاذنا الدكتور عبد الحي حجازي: ص 66 ومابعدها.\r(2) مواهب الجليل:258/4 ومابعدها، الشرح الكبير: 10/3، بداية المجتهد: 125/2 ومابعدها، القوانين الفقهية: ص 246، المهذب: 261/1 ومابعدها، مغني المحتاج: 11/2، المغني: 251/4،255 وما بعدها، غاية المنتهى: 6/2 ومابعدها.","part":4,"page":536},{"id":2632,"text":"الانتفاع به شرعاً يجوز بيعه عندهم. وأما النجس والمتنجس فيبطل بيعه، والنجس: مثل الكلب ولو كان معلماً للنهي عن بيعه، والخنزير والميتة والدم والزبل والحشرات والبهائم الكاسرة التي لا يؤكل لحمها كالأسد والذئب، والطيور الجارحة كالنسر والغراب والحدأة، والمتنجس الذي لا يمكن تطهيره كالخل والدبس واللبن. لكن أجاز هؤلاء الفقهاء بيع المختلف في نجاسته كالبغل والحمار، وبيع الهر وطيور الصيد كالصقر والعقاب المعلم، والطير المقصود صوته كالهزار والبلبل والببغاء.\rولم يشترط الحنفية (1) هذا الشرط، فأجازوا بيع النجاسات كشعر الخنزير وجلد الميتة للانتفاع بها إلا ما ورد النهي عن بيعه منها كالخمر والخنزير والميتة والدم (2) ، كما أجازوا بيع الحيوانات المتوحشة، والمتنجس الذي يمكن الانتفاع به في غير الأكل. والضابط عندهم: أن كل ما فيه منفعة تحل شرعاً، فإن بيعه يجوز، لأن الأعيان خلقت لمنفعة الإنسان بدليل قوله تعالى: {خلق لكم ما في الأرض جميعاً} [البقرة:29/2]\r-------------------------------\r(1) البدائع: 142/5 ومابعدها، فتح القدير: 188/5، 122/8.\r(2) روى أحمد والشيخان عن جابر بن عبد الله أنه سمع رسول الله صلّى الله عليه وسلم يقول عام الفتح ـ فتح مكة في رمضان سنة ثمان من الهجرة ـ وهو بمكة: «إن الله ورسوله حرَّم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام..» (سبل السلام: 5/3) وروى أحمد وأبو داود عن ابن عباس: «… وإن الله إذا حرم على قوم أكل شيء حرم عليهم ثمنه» (نيل الأوطار: 141/5-142).","part":4,"page":537},{"id":2633,"text":"العنصر الرابع ـ موضوع العقد :\rإن موضوع العقد: هو أحد مقوماته الأربعة التي لا بد من وجودها في كل عقد.\rوموضوع العقد: هو المقصد الأصلي الذي شرع العقد من أجله. وإذا كان القانون عند القانونيين هو الذي يحدد مقصد العقد أو آثاره، لا إرادة العاقد، فإن المشرع في الشريعة الإسلامية هو الذي يحدد الآثار الخاصة لكل عقد، وبهذا التحديد وفي نطاقه المقرر تتحقق الأغراض الصحيحة التي يقصدها العاقدان من إنشاء العقد.\rوموضوع العقد واحد ثابت في كل فئة أو نوع من أنواع العقود، ويختلف باختلاف فئات العقود أو أنواعها، فهو في عقود البيع واحد: وهو نقل ملكية المبيع للمشتري بعوض. وفي الإجارات: هو تمليك المنفعة بعوض، وفي الهبات: هو تمليك العين الموهوبة، بلا عوض، وفي الإعارات: هو تمليك المنفعة بلا عوض، وفي الزواج: هو حل الاستمتاع المشترك بين الزوجين.\rوموضوع العقد يتحد في الحقيقة مع عبارتي: المقصد الأصلي للعقد (أو الغاية النوعية من العقد)، وحكم العقد، فهذه المصطلحات الثلاثة مترادفة يمثل كل واحد منها وجهاً لحقيقة واحدة. فإذا نظر إلى هذه الحقيقة من وجهة نظر الشارع قبل إيجاد العقد سميت مقصداً أصلياً للعقد أي مآل العقد. وإذا نظر إلى هذه الحقيقة من وجهة نظر الشارع بعد وجود العقد سميت حكم العقد أي الأثر المترتب عليه. وإذا لاحظنا المرحلة المتوسطة التي تقع إبان التعاقد أي بين مرحلة إيجاده وتمامه فتسمى هذه الحقيقة موضوع العقد (1) . فهذه العبارات الثلاث تطلق على حقيقة واحدة مثلثة الوجوه (2) .\r-------------------------------\r(1) المدخل الفقهي للأستاذ الزرقاء: ف 149، التعبير عن الإرادة في الفقه الإسلامي للدكتور وحيد سوار: ف 531، ص 501 ومابعدها.\r(2) يلاحظ أن هناك فرقاً بين موضوع العقد ومحل العقد، أما موضوع العقد فهو المقصد الأصلي للعقد منظوراً إليه إبان تكوين العقد، وأما محل العقد فهو المعقود عليه الذي يثبت فيه حكم العقد كالمبيع والثمن.","part":4,"page":538},{"id":2634,"text":"والمقصد الأصلي للعقد في الشريعة ربما يلتقي في بعض الخصائص مع المفهوم التقليدي للسبب عند القانونيين، وهو الذي لم تأخذ به قوانيننا العربية في سورية ومصر وليبيا وغيرها. وهو المسمى: السبب الفني للالتزام: وهو السبب القريب المجرد الذي يكون واحداً في كل الالتزامات التي من نوع واحد، وهو لازم لنشوء الالتزام ولاستمراره.\rفكل من المقصد الأصلي والسبب الفني موضوعي وواحد في العقد. ففي عقد البيع مثلاً السبب الفني لالتزام البائع بنقل ملكية المبيع: هو التزام المشتري بدفع الثمن. والمقصد الأصلي لعقد البيع: هو نقل الملكية بعوض، أي أن السبب الفني هو واحد في كل التزام بنقل الملكية، لا يختلف من التزام إلى آخر بحسب اختلاف الأشخاص. فسبب التزام البائع بنقل الملكية هو رغبته في الحصول على ثمن ما باع. وكذلك المقصد الأصلي هو واحد كما عرفنا في النوع الواحد من العقود، لا يختلف إلا باختلاف نوع العقد.\rلكن الفرق بين السبب الفني والمقصد الأصلي: هو أن السبب الفني ملازم لإرادة العاقد الخاصة، وإن كان متميزاً عنها. أما المقصد الأصلي فهو في الأصل منفك عن الإرادة الخاصة للعاقد، غير متلازم معها، وإنما هو متلازم مع إرادة الشارع (1) .\rفالسبب في الفقه الإسلامي هو المقصد الأصلي للعقد (2) ، أي أن السبب هو مجموع الآثار المتولدة، فإن كانت هذه الآثار سليمة، ذات محل مشروع، كان العقد صحيحاً، وإلا كان العقد باطلاً. وهذه الآثار: هي التي دفعت العاقد إلى التعاقد.\r-------------------------------\r(1) التعبير عن الإرادة، للدكتور سوار: ف 534.\r(2) المرجع السابق: ف 517.","part":4,"page":539},{"id":2635,"text":"والحقيقة: أن التقاء المقصد الأصلي في الشريعة مع السبب الفني في بعض الخصائص لا يعني أن أحدهما هو بمعنى الآخر؛ لأن السبب الفني هو سبب الالتزام وسبب الالتزام يختلف عن سبب العقد. ففي العقود التبادلية: سبب التزام أحد المتعاقدين هو التزام المتعاقد الآخر، فسبب التزام البائع بنقل الملكية هو التزام المشتري بدفع الثمن. وسبب التزام المشتري بدفع الثمن هو التزام البائع بنقل الملكية.\rوهذا المعنى للسبب المدني يختلف عن المقصد العام للعقد في الشريعة، المعتبر في جميع العقود التي تبرم من نوع واحد، فالبيوع كلها مقصدها واحد هو المقصد العام لهذا النوع من العقد. وهو يختلف عن السبب الفني؛ لأن الثاني خاضع لإرادة العاقد، والمقصد النوعي خاضع لإرادة الشرع.\rوالسبب الفني يختلف عن الباعث؛ لأن الأول: هو الغرض الدافع والمباشر الذي التزم المدين من أجله. والباعث: هو ما قبل ذلك من الدوافع (1) . وإذا كان الفقه الإسلامي لا يعتد بالسبب الفني في المفهوم التقليدي للسبب عند القانونيين فإنه يتوصل إلى الدور نفسه الذي يقوم به السبب الفني من ناحيتين: أولاهما ـ من طريق تحديد شرائط العقد والمحل، كعنصر نشوء أو تكوين، وثانيهما ـ من طريق فكرة «التعادل» في التبادل كعنصر تنفيذ (2) .\rالسبب في النظرية الحديثة عند القانونيين :\rالسبب في القضاء اليوم والذي أخذت به القوانين المدنية العربية في سوريا (م137، 138) وفي مصر (م 136،137):هو المسمى: سبب العقد، أو السبب\r-------------------------------\r(1) موجز نظرية الالتزام، للدكتور حجازي: ص 104.\r(2) التعبير عن الإرادة: المرجع السابق: ف 526، النظرية العامة للالتزام، سوار: ص 154.","part":4,"page":540},{"id":2636,"text":"المصلحي أو سبب السبب وهو الباعث الذاتي أو الدافع البعيد الذي دفع العاقد إلى العقد. والسبب بهذا المعنى ليس عنصراً موضوعياً، وإنما يختلف في النوع الواحد من الالتزامات باختلاف الأشخاص، فهو إذن عنصر شخصي، غير ثابت، بعكس السبب الفني الذي يعد عنصراً موضوعياً ثابتاً في النوع الواحد من الالتزام.\rوإذا كانت وظيفة السبب الفني أو التقليدي: هي سلامة الالتزام من الناحية الفنية، فوظيفة سبب العقد أو السبب في النظرية الحديثة: هي منع صحة عقد يبتغى بوسائل مشروعة للوصول إلى نتائج غير مشروعة، فبه تتحقق مصلحة المجتمع، وهي حماية الأخلاق أو النظام العام، أي أن السبب المصلحي يتضمن فكرة الجزاء على خطأ: وهو إرادة المتعاقدين تحقيق غاية غير مشروعة.\rموقف الفقهاء من نظرية السبب بالمعنى الحديث (الإرادة الظاهرة والإرادة الباطنة ) : في الفقه الإسلامي حول نظرية السبب هذه اتجاهان (1) :\rاتجاه تغلب فيه النظرة الموضوعية،واتجاه يلاحظ فيه النوايا والبواعث الذاتية.\rأما الاتجاه الأول: فهو مذهب الحنفية والشافعية (2) الذين يأخذون بالإرادة الظاهرة في العقود، لا بالإرادة الباطنة، أي أنهم حفاظاً على مبدأ استقرار المعاملات لا يأخذون بنظرية السبب أو الباعث، لأن فقههم ذو نزعة موضوعية بارزة كالفقه الجرماني، والسبب أو الباعث الذي يختلف باختلاف الأشخاص عنصر ذاتي داخلي قلق يهدد المعاملات.\r-------------------------------\r(1) مصادر الحق للسنهوري: 51/4 ومابعدها.\r(2) راجع عند الحنفية مختصر الطحاوي : ص 280، تكملة فتح القدير: 127/8، البدائع: 189/4، تبيين الحقائق: 125/5، وعند الشافعية: الأم: 85/3، المهذب: 267/1، مغني المحتاج: 37/2 وما بعدها، الباجوري على ابن القاسم: 353/1، تحفة الطلاب: ص 143، 211.","part":4,"page":541},{"id":2637,"text":"ولا تأثير للسبب أو الباعث على العقد إلا إذا كان مصرحاً به في صيغة التعاقد، أي تضمنته الإرادة الظاهرة كالاستئجار على الغناء والنوح والملاهي وغيرها من المعاصي. فإذا لم يصرح به في صيغة العقد بأن كانت الإرادة الظاهرة لا تتضمن باعثاً غير مشروع، فالعقد صحيح لاشتماله على أركانه الأساسية من إيجاب وقبول وأهلية المحل لحكم العقد، ولأنه قد لا تحصل المعصية بعد العقد ، ولا عبرة للسبب أو الباعث في إبطال العقد، أي أن العقد صحيح في الظاهر، دون بحث في النية أو القصد غير المشروع، لكنه مكروه حرام، بسبب النية غير المشروعة.\rوبناء عليه قال الحنفية والشافعية بصحة العقود التالية مع الكراهة التحريمية عند الحنفية والحرمة أو الكراهة عند الشافعية:\r1 - بيع العينة: (أي البيع الصوري المتخذ وسيلة للربا) كبيع سلعة بثمن مؤجل إلى مدة بمئة ليرة، ثم شراؤها في الحال بمئة وعشر، فيكون الفرق ربا (1) . لكن أبا حنيفة استثناه من مبدئه في عدم النظر إلى النية غير المشروعة، اعتبر هذا العقد فاسداً إن خلا من توسط شخص ثالث بين المالك المقرض والمشتري المقترض. فيكون بيع العينة ممنوعاً غير جائز عند مالك وأبي حنيفة وأحمد والهادوية من الزيدية. وجوز ذلك الشافعي وأصحابه مستدلين على الجواز في الظاهر بما وقع من ألفاظ البيع التي لايراد بها حصول مضمونه.\r2 - بيع العنب لعاصر الخمر، أي لمن يعلم البائع أنه سيتخذه خمراً، أو يظنه ظناً غالباً، وهو حرام عند الشافعية، فإن شك في اتخاذه خمراً أوتوهمه فالبيع مكروه في رأيهم.\r-------------------------------\r(1) وسميت هذه المبايعة عينة لحصول النقد لصاحب العينة؛ لأن العين: هو المال الحاضر، والمشتري إنما يشتريها ليبيعها بعين حاضرة تصل إليه من فوره، ليصل به إلى مقصوده.","part":4,"page":542},{"id":2638,"text":"3 - بيع السلاح في الفتنة الداخلية أو لمن يقاتل به المسلمين أو لقطاع الطرق المحاربين ومثله بيع أدوات القمار، وإيجار دار للدعارة أو للقمار، وبيع الخشب لمن يتخذ منه آلات الملاهي والإجارة على حمل الخمر لمن يشربها ونحو ذلك، وهو بيع حرام عند الشافعية.\r4 - زواج المحلِّل: وهو الذي يعقد زواجه على امرأة مطلقة طلاقاً ثلاثاً (أي البائن بينونة كبرى) بقصد تحليلها لزوجها الأول بالدخول بها في ليلة واحدة مثلاً ثم يطلقها ليصح لزوجها الأول العقد عليها من جديد، عملاً بظاهر الآية القرآنية: {فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجاً غيره} [البقرة:230/2]. وهو مكروه عند الشافعية إذا لم يشرط في صلب العقد ما يخل بمقصوده الأصلي، فإن شرط ذلك كأن شرط أن يطلق بعد الوطء حرم وبطل.\rوالخلاصة: أن هذا الاتجاه لا يأخذ بالسبب أو الباعث إلا إذا كان داخلاً في صيغة العقد وتضمنه التعبير عن الإرادة ولو ضمناً، ولا يعتد به إذا لم تتضمنه صيغة العقد.\rوأما الاتجاه الثاني: فهو مذهب المالكية والحنابلة والشيعة (1) الذين ينظرون إلى القصد والنية أو الباعث، فيبطلون التصرف المشتمل على باعث غير مشروع بشرط أن يعلم الطرف الآخر بالسبب غير المشروع، أو كان بإمكانه أن يعلم بذلك\r-------------------------------\r(1) راجع عند المالكية: بداية المجتهد: 140/2، الشرح الكبير للدردير مع الدسوقي: 91/3، مواهب الجليل للحطاب: 404/4، 263، القوانين الفقهية: ص 258، 271 ومابعدها، الموافقات: 261/2، الفروق: 266/3 ومابعدها. وعند الحنابلة: المغني: 174/4 ومابعدها و 222/4، أعلام الموقعين: 106/3، 108، 121 ومابعدها، 131، 148، غاية المنتهى: 18/2، وعند الشيعة الجعفرية: المختصر النافع في فقه الإمامية: ص 140، وعند الزيدية: المنتزع المختار: 19/3 ومابعدها.","part":4,"page":543},{"id":2639,"text":"بالظروف والقرائن التي تدل على القصد الخبيث كإهداء العدو هدية لقائد الجيش، والإهداء للحكام والموظفين، فذلك مقصود به الرشوة، فتكون للدولة. وهبة المرأة مهرها لزوجها، يقصد به استدامة الزواج، فإن طلقها بعدئذ، كان لها الرجوع فيما وهبت (1) .\rهذا الاتجاه يأخذ تقريباً بنظرية السبب أو بمذهب الإرادة الباطنة في الفقه اللاتيني، مراعاة للعوامل الأدبية والخلقية والدينية، فإن كان الباعث مشروعاً، فالعقد صحيح، وإن كان غير مشروع فالعقد باطل حرام، لما فيه من الإعانة على الإثم والعدوان، قال الشوكاني (2) : لا خلاف في تحريم بيع العنب لمن يعصره خمراً في حال القصد وتعمد البيع إلى من يتخذه خمراً. وأما مع عدم القصد والتعمد للبيع فذهب جماعة من أهل العلم إلى جوازه مع الكراهة ما لم يعلم أنه يتخذه لذلك.\rوبناء عليه قال المالكية والحنابلة ومن وافقهم ببطلان العقود السابقة، وأضاف لها المالكية أنهم لا يجيزون بيع أرض بقصد بناء كنيسة، أو بيع خشب بقصد صنع صليب، أو شراء عبد بقصد أن يكون مغنياً، أو استئجار كراريس فيها عبارات النوح، وبيع ثياب حرير ممن يلبسها (3) .\rأما عدم صحة بيع العنب للخمار وبيع السلاح للأعداء ونحوهما فلأنه إعانة على الحرام، أو عقد على شيء لمعصية الله به فلا يصح. وأما فساد زواج المحلل فلأنه يتنافى مع أغراض الزواج السامية: وهو أنه عقد مؤبد قصد به تكوين أسرة دائمة، وهذا الزواج اتخذ لتحليل المطلقة ثلاثاً لزوجها الأول في وضع مؤقت، فهو حيلة لرفع تحريم مؤبد، وهو قصد غير مشروع. وأما فساد بيع العينة (أو بيوع الآجال) فلأنه اتخذ البيع حيلة لتحليل التعامل بالربا، ولم يكن الغرض الحق هو البيع والشراء. فهو وسيلة لعقد محرم غير مشروع، فيمنع سداً للذرائع المؤدية إلى الحرام.\rوالخلاصة: أن هذا الاتجاه يعتد بالمقاصد والنيات ولو لم تذكر في العقود بشرط أن يكون ذلك معلوماً للطرف الآخر، أو كانت الظروف تحتم علمه؛ لأن النية روح العمل ولبه. ويكون هذا الاتجاه آخذاً بنظرية السبب، التي تتطلب أن يكون السبب مشروعاً، فإن لم يكن سبب العقد مشروعاً فلا يصح العقد.\r-------------------------------\r(1) القواعد لابن رجب: ص 322.\r(2) تيل الأوطار: 154/5 .\r(3) مواهب الجليل للحطاب: 254/4، ط دار الفكر.","part":4,"page":544},{"id":2640,"text":"المطلب الثالث ـ الإرادة العقدية :\rالإرادة هي القوة المولدة للعقد، والعقد كما تقدم: هو توافق إرادتين على وجه ينتج أثره الشرعي، وهو الالتزام المطلوب للمتعاقدين. والكلام أو التعبير هو ترجمان الإرادة، فينبغي أن يكون معبراً تماماً عن الإرادة. والإرادة نوعان: باطنة حقيقية، وظاهرة.\rوالإرادة الباطنة: هي النية أو القصد:\rوالإرادة الظاهرة: هي الصيغة التي تعبر عن الإرادة الباطنة، أو ما يقوم مقامها كالتعاطي، فإذا تطابقت الإرادتان وجد العقد. وإذا وجدت الإرادة الظاهرة وحدها كالتعبير الصادر من الطفل غير المميز أو النائم أو المجنون، لم تفد شيئاً، كما أن التصرف لا يوجد بمجرد النية أو الإرادة الباطنة، فمن نوى الطلاق أو الوقف لا يصبح بمجرد نيته مطلِّقاً أو واقفاً. وقد عرفنا في بحث صيغة التعاقد ما تتحقق به الإرادة الظاهرة.\rوأما الإرادة الباطنة فتتحقق بالرضا والاختيار.","part":4,"page":545},{"id":2641,"text":"والحنفية يقررون أن الرضا والاختيار شيئان متغايران. فالاختيار: هو القصد إلى النطق بالعبارة المنشئة للعقد، سواء أكان ذلك عن رضا أم لا. والرضا: هو الرغبة في أثر العقد عند التلفظ بما يدل على إنشائه. فإذا وجد الرضا وجد الاختيار، وإذا وجد الاختيار لا يلزم وجود الرضا.\rوغير الحنفية: الرضا والاختيار بمعنى واحد.\rلكن في الحياة العملية: قد توجد الإرادة الظاهرة وحدها، ولا توجد معها إرادة باطنة، فماحكم العقد؟\rهذا ما يبحث في الفرع الأول من هذا المطلب وهو صورية العقد، ويأتي بعده بحث الفرعين الآخرين. فإذا لم توجد الإرادة الباطنة الحقيقية كان العقد صورياً. وإذا وقع الشك في وجود الإرادة الحقيقية، كان العقد معيباً بعيب من عيوب الرضا أو الإرادة.\rالفرع الأول ـ صورية العقود :\rقد توجد الإرادة الظاهرة وحدها، وتنعدم الإرادة الباطنة، فيكون العقد صورياً، ويظهر ذلك في الأحوال التالية:\r1- حالة السكر والنوم والجنون وعدم التمييز والإغماء :\rإن العقود التي تصدر من النائم والمجنون وغير المميز ونحوهم لا أثر لها، لانعدام الإرادة الحقيقية في إنشاء العقد. والسكران أيضاً ليست له إرادة حقيقية في التصرف، لكن مع ذلك اختلف الفقهاء في تصرفاته، كما تقدم سابقاً.\rفقال الإمام أحمد وبعض المالكية (1) : لا تعتبر تصرفات السكران، لعدم توفر القصد الصحيح عنده، فلا يصح بيعه وشراؤه وعقوده وطلاقه وسائر أقواله. وبه أخذ قانون الأحوال الشخصية في سوريا ومصر، وهو الرأي الراجح والمعقول لدينا. لكن المشهور في مذهب المالكية: نفوذ طلاق السكران.\rوقال الحنفية والشافعية (2) : إذا كان السكر بمباح كحالة البنج والاضطرار والإكراه ونحوها، فلا تعتبر أقواله وأفعاله، ولا أثر لعبارته، لعدم تحقق القصد منه. وإذا كان السكر بمحرم فيؤاخذ بأقواله عقاباً وزجراً له، فتصح عقوده كالبيع والزواج، وتصح تصرفاته كالطلاق، وتترتب عليها آثارها.\r2 - عدم فهم العبارة :\rإذا لم يفهم الشخص عبارة غيره الذي نطق بعبارة تدل على الرضا بالتصرف لم ينعقد العقد، سواء في الإيجاب أو القبول؛ لأن العبارة الصادرة منه لا تدل على قصد صحيح، ولا تعبر عن إرادته، والإرادة أو القصد أساس الرضا.\rلكن قال الحنفية (3) : إذا كان التصرف مما يستوي فيه الجدل والهزل كالزواج والطلاق\r-------------------------------\r(1) المغني: 113/7، الشرح الكبير: 5/3، القوانين الفقهية: ص 227، وهذا رأي الكرخي والطحاوي من الحنفية.\r(2) فتح القدير: 40/3، نهاية المحتاج: 12/3.\r(3) فتح القدير: 249/2، الدر المختار ورد المحتار: 367/2، ط الأميرية.","part":4,"page":546},{"id":2642,"text":"والرجعة واليمين، وعلم العاقدان أن اللفظ المستخدم ينعقد به التصرف، وإن لم يعلما حقيقة معناه، فينعقد به التصرف؛ لأن فهم اللفظ أمر مطلوب لأجل\rالقصد، وهذه التصرفات لا يشترط فيها القصد، فلا يشترط في الناطق بما يدل عليها أن يكون فاهماً لمعناها. لكن في هذا مغالاة؛ لأن عدم اشتراط القصد في هذه التصرفات يكون بعد فهم المعنى. ولا يعقل ترتيب الآثار على تصرف غير مفهوم المعنى.\r3 - حالة التعلم والتعليم والتمثيل :\rإذا ردد المتكلم عبارات التصرفات، ولكنه لا يريد إنشاء التزام أو عقد، بل يريد غرضاً آخر كالتعلم والتعليم والتمثيل، فلا يترتب على عبارته أي أثر. كما إذا ردد القارئ عبارة البيع أو الشراء أو الطلاق المسطرة في كتب الفقهاء بقصد تعلمها أو حفظها، أو بقصد تعليمها لغيره، فلا يترتب على كلامه أي أثر. وكذلك ترديد الممثلين عبارات التمثيل وحكاية أقوال الآخرين، مثل زوجيني نفسك، فقالت: زوجتك نفسي، لا يترتب عليه أي أثر؛ لأن المتكلم في هذه الأمثلة لا يقصد إنشاء العقد، بل قصد غرضاً آخر، وهو التمثيل أو الحفظ أو توضيح الحكم للتلاميذ.","part":4,"page":547},{"id":2643,"text":"4 - الهزل أو الاستهزاء: الهزل ضد الجد: وهو أن يراد بالشيء ما لم يوضع له ولا ما يصلح اللفظ له استعارة. فإذا نطق الشخص بعبارة لا يريد بها إنشاء التصرف، وإنما قصد بها الهزل أو الاستهزاء والعبث، مستخدماً صورية التصرف القولي أو العقد، كانت العبارة الصادرة من الهازل عند الشافعية على الراجح (1) صالحة لإنشاء العقود وترتيب الآثار عليها، سواء في المعاوضات المالية كالبيع والإيجار أم في الأحوال الشخصية كالزواج والطلاق، وذلك عملاً بالإرادة الظاهرة، لا بالقصد الداخلي، وحفاظاً على مبدأ استقرار العقود والمعاملات، ولا يلتفت إلى دعوى الهزل.\rوفصل الحنفية والحنابلة وأكثر المالكية (2) بين عقود المبادلات المالية وغيرها. فعقود المبادلات المالية كالبيع أو التي محلها المال كالهبة والوديعة والعارية لا يترتب على عبارة الهازل بها أي أثر لعدم تحقق الرضا أو القصد الذي تقوم عليه الإرادة.\rوأما التصرفات الخمسة التي سوى الشارع فيها بين الجد والهزل (وهي الزواج والطلاق والرجعة والإعتاق واليمين) فصححوا عبارة الهازل فيها، ورتبوا عليها آثارها، أخذاً بحديث نبوي سابق هو: «ثلاث جدهن جد، وهزلهن جد: النكاح والطلاق والعتاق» (3) وفي رواية «الرجعة» وفي رواية أخرى «اليمين» ، ولأن هذه التصرفات خطيرة مشتملة على حق لله ، وهو ليس موضعاً للهزل والاستهزاء.\r5 - الخطأ :\rالخطأ: هو وقوع الفعل بدون قصد، كأن يقصد المتكلم النطق بكلمة فيسبق لسانه إلى كلمة أخرى فيتلفظ بها، كأن يقول: طلّقت، وهو يريد أن يقول: بعت.\rوالمخطئ كالناسي أو المجنون عند الشافعية والمالكية والحنابلة (4) لايترتب على عبارته أي عقد أو التزام، عملاً بقول النبي صلّى الله عليه وسلم : «إن الله تجاوز لي عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه» (5) .\r-------------------------------\r(1) راجع المجموع شرح المهذب للنووي: 184/9، نهاية المحتاج: 82/6.\r(2) رد المحتار: 363/2، 367، ط الأميرية: 7/4،255، الشرح الكبير للدسوقي: 4/3، المغني: 535/6، كشاف القناع: 5/2 ومابعدها، غاية المنتهى: 17/3.\r(3) رواه الخمسة (أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه) إلا النسائي عن أبي هريرة (نيل الأوطار: 234/6) وقال الترمذي: حديث حسن غريب.\r(4) الفروق للقرافي: 149/2، القواعد والفوائد الأصولية لابن اللحام الحنبلي: ص 30 ومابعدها، الأشباه والنظائر للسيوطي: 69.\r(5) حديث حسن رواه ابن ماجه والبيهقي وغيرهما عن ابن عباس.","part":4,"page":548},{"id":2644,"text":"وقال الحنفية (1) : المخطئ والناسي يترتب على عبارتهما أثرها في التصرفات والعقود؛ لأن الإرادة أمر باطني خفي لا اطلاع لنا عليه، فلو قبلنا دعوى الخطأ والنسيان في التصرفات لتزلزلت المعاملات، وضاعت الحقوق.\rوالخلاصة: أن رأي الحنفية في الخطأ على عكس رأيهم في الهزل.\r6 - التلجئة أو المواضعة (2) :\rهي أن يتظاهر أو يتواطأ شخصان على إبرام عقد صوري بينهما إما بقصد التخلص من اعتداء ظالم على بعض الملكية، أو بإظهار مقدار بدل أكثر من البدل الحقيقي ابتغاء الشهرة والسمعة، أو لتغطية اسم الشخص الذي يعمل لمصلحته باطناً (قضية الاسم المستعار) .\rأي أن المواضعة إما أن تكون في أصل العقد، أو في مقدار البدل، أو في الشخص.\rمثال الحالة الأولى: أن يخاف إنسان اعتداء إنسان اعتداء ظالم على بعض ما يملك، فيتظاهر هو ببيعه لثالث فراراً منه، ويتم العقد مستوفياً أرفانه وشرائطه. ومثله بيع المدين أمواله لتهريبها من وجه الدائنين، أوعقد قروض صورية لبعض الناس لمزاحمة الدائنين الحقيقيين، أو إقرار المورث لبعض ورثته بدين لتفضيله في نصيب الإرث.\rومثال الحالة الثانية: إعلان زيادة في المهر في عقد الزواج بعد الاتفاق سراً على مقدار المهر الحقيقي بقصد الرياء والسمعة والشهرة. أو زيادة الثمن في عقد\r-------------------------------\r(1) البحر الرائق: 363/3، التلويح على التوضيح: 169/2، الأشباه والنظائر لابن نجيم: 106/1، 135/2، كشف الأسرار: ص1396، مرآة الأصول: 441/2.\r(2) وتسمى عقد الأمانة أو التواطؤ.","part":4,"page":549},{"id":2645,"text":"بيع العقار لمنع الشفيع من الأخذ بالشفعة. فلا يجب في هذه الحالة إلا المهر المتفق عليه سراً في عقد الزواج، أو الثمن الحقيقي الذي تم به البيع، وكل من الزواج والبيع صحيح.\rومثال الحالة الثالثة: تواطؤ اثنين على إخفاء وكالة سرية في عمل معين، والتظاهر بأن الوكيل يعمل باسمه لمصلحته الشخصية أو أنه هو الأصيل في العمل، ثم يعلن أن اسمه مستعار، كأن يقرر شخص بأن الدكان أو السند أو الأموال التي في يده هي لشخص آخر، فيعد قوله إقراراً بالحق لذلك الشخص (راجع المجلة: م 1591 - 1593).\rوقد اختلف الفقهاء في حكم عقد التلجئة أي بالنسبة للحالة الأولى:\rفقال الحنفية والحنابلة (1) : إنه عقد فاسد غير صحيح كحالة الهزل تماماً؛ لأن العاقدين ما قصدا البيع، فلم يصح منها كالهازلين. كما لايصح عقد القرض الصوري أو الإقرار كما في حالة الهزل (2) .\rوقال الشافعية (3) : هو بيع صحيح؛ لأن البيع تم بأركانه وشروطه، وأتي باللفظ مع قصد واختيار خالياً عن مقارنة مفسد، أي أن رأيهم في هذه العقود كرأيهم في عقود الهازل.\r7 - الإكراه :\rيقصد الشخص في حالة الإكراه التلفظ بالعبارة مع فهمه لمعناها، ولكنه لم يرض بترتب الآثار عليها. فالإكراه بنوعيه الملجىء وغير الملجئ يعدم الرضا، أي الإرادة الحقيقية.\r-------------------------------\r(1) رد المحتار والدر المختار: 255/4، المغني: 214/4، 189.\r(2) الهزل أعم من التلجئة لأنه يجوز ألا يكون العاقد فيه مضطراً إليه وأن يكون الهزل سابقاً للعقد أو مقارناً له، والتلجئة إنما تكون عن اضطرار، ولا تكون مقارنة. هذا في قول، والأظهر كما حقق ابن عابدين أنهما سواء في الاصطلاح.\r(3) مغني المحتاج: 16/3، المجموع للنووي: 168/8.","part":4,"page":550},{"id":2646,"text":"وبما أن الإكراه يعدم الرضا لم يترتب عند غير الحنفية (الجمهور) على عبارة المستكره أي أثر في جميع العقود والتصرفات، للحديث السابق: «إن الله تجاوز لي عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه» فلا يصح طلاقه وزواجه وغيرهما، كالسكران. وبهذا أخذ قانون الأحوال الشخصية السوري في المادة (89) (1) والقانون المصري.\rإلا أن الشافعية والحنابلة قالوا: بيع المكره باطل (2) .\rوقال المالكية: بيع المكره غير لازم، فيكون للعاقد المستكره الخيار بين فسخ العقد أو إمضائه. وقال ابن جزي المالكي: بيع المكره وشراؤه باطلان (3) .\rوأما الحنفية (4) فاعتبروا الإكراه كالهزل تماماً. فالعقود المالية كالبيع والإجارة والرهن ونحوها، أو التي محلها المال كالهبة والوديعة والإعارة تكون موقوفة على إجازة المستكره بعد زوال ظرف الإكراه، فإن رضي بها وأجازها في مدة ثلاثة أيام وبقي العاقد الآخر راضياً نفذت، وإن لم يجزها بطلت. وهذا رأي زفر وهو الأصح.\rوالتصرفات الخمسة التي لله فيهاحق (وهو الزواج والطلاق والرجعة واليمين والعتاق) تكون صحيحة كالهزل تماماً؛ لأن الشارع جعل العبارة فيها عند القصد إليها قائمة مقام الإرادة، فيترتب عليها أثرها.\r-------------------------------\r(1) نص المادة: «1 - لا يقع طلاق السكران ولا المدهوش ولا المكره.\r2 - المدهوش: هو الذي فقد تمييزه من غضب أو غيره، فلا يدري ما يقول» .\r(2) مغني المحتاج: 7/2 ومابعدها، غاية المنتهى: 5/2.\r(3) الشرح الكبير وحاشية الدسوقي: 6/3، القوانين الفقهية: ص 246.\r(4) مختصر الطحاوي: ص 191، 408، رد المحتار لابن عابدين: 4/4، 255 ، 89/5-91، الفرائد البهية في القواعد للشيخ محمود حمزة: ص 324.","part":4,"page":551},{"id":2647,"text":"8 - القصد غير المشروع :\rإذا اتخذ العاقد عقداً مباحاً وسيلة لتحقيق غرض غير مباح شرعاً، أي كان الدافع له سبباً غير مشروع، فللفقهاء بالنسبة للعقد في حد ذاته رأيان، وذلك مثل بيع السلاح لأهل الفتنة، وبيع العصير لمن يتخذه خمراً، وبيع العينة وزواج المحلل ونحوها.\rقال الإمام الشافعي: العقد صحيح، لتوافر ركنه وهو الإيجاب والقبول والنية غير المشروعة متروك أمرها لله عز وجل يعاقب صاحبها.\rوقال الصاحبان وسائر الأئمة الآخرين: العقد غير صحيح، وليس للإيجاب والقبول أثر متى قام الدليل على هذا القصد الآثم.\rوقد سبق بحث الرأيين في نظرية السبب عند الفقهاء.\rالفرع الثاني ـ سلطان الإرادة العقدية (أو مدى الحرية في العقود والشروط ) :\rيأخذ فقهاء القانون الحديث بمبدأ سلطان الإرادة العقدية أي أن الإرادة حرة في إنشاء العقود واشتراط الشروط لتحديد التزامات التعاقد وآثاره المترتبة عليها، ولكن في حدود النظام العام (1) : وهي الحدود التي يضعها التشريع وفقاً لمصالح الفرد والمجتمع ومقتضيات السياسة والاقتصاد، فلا يصح مثلاً الاستئجار على ارتكاب جريمة أو على فعل ما ينافي الآداب الاجتماعية، أو النظام الاقتصادي والسياسي.\rويعبر القانونيون عن حرية الاشتراط وتحديد التزامات التعاقد بقاعدة مشهورة هي ( العقد شريعة المتعاقدين ) أي أنه قانون ملزم لكل من الطرفين المتعاقدين فيما تقضي به بنوده وشروطه. وقد نص القانون المدني السوري على ذلك في المادة (1/148).\rوهذا يعني أن السلطان المطلق في إنشاء العقد وآثاره المترتبة عليه هو لإرادة المتعاقدين، دون نظر إلى فكرة التعادل في الغنم والغرم أي ما قد يكون من غبن فاحش على أحد المتعاقدين.\r-------------------------------\r(1) لا تعترف الشريعة بما يسمى بالنظام العام، وإنما بما حدّه الله ورسوله.","part":4,"page":552},{"id":2648,"text":"كما أنه يمكن الاتفاق على أنواع جديدة من العقود بحسب ما تقتضيه المصالح الاقتصادية والتطورات الزمنية، دون اقتصار على ما يعرف بالعقود المسماة وهي التي نظمها التشريع وحدد لها التزامات معينة.\rوسنعرف أن الفقه الحنبلي يلتقي مع مبدأ سلطان الإرادة المعمول به في نطاق القوانين المدنية المعاصرة.\rوسأبحث هذا المبدأ في الفقه الإسلامي من ناحيتين:\rالأولى ـ حرية التعاقد ورضائيته.\rوالثانية ـ حرية الاشتراط وترتيب آثار العقد.\rالأولى ـ حرية التعاقد ورضائيته :\rاتفقت الاجتهادات الإسلامية على أن الرضا أساس العقود (1) لقوله تعالى في المعاملات المالية: {يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن\r-------------------------------\r(1) راحع نظرية العقد لابن تيمية: ص 152 ومابعدها.","part":4,"page":553},{"id":2649,"text":"تكون تجارة عن تراض منكم} [النساء:29/4] وقوله سبحانه في استحقاق أخذ شيء من حقوق الزوجات: {فإن طبن لكم عن شيء منه نفساً فكلوه هنيئاً مريئاً} [النساء:4/4] وقال النبي صلّى الله عليه وسلم «إنما البيع عن تراض» (1) «لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس منه» (2) . وبناء عليه فإن مجرد التراضي هو الذي يولد العقد والتزاماته، دون حاجة لممارسة شكلية معينة، إلا عقد الزواج الذي يخضع لخطورته لشكلية الإعلان بالإشهاد عليه. والإرادة حرة في إبرام العقد دون خضوع لأي نوع من أنواع الإكراه العقدي، سواء في المعاملات المالية، أم في عقود الزواج، إلا ما توجبه قواعد العدالة ومصلحة الجماعة، كبيع القاضي أموال المدين المماطل جبراً عنه لإيفاء ديونه، وبيع الأموال المحتكرة لصالح الجماعة، واستملاك الأراضي للمصالح العامة.\rواختلفت الاجتهادات الإسلامية على رأيين في مبدأ حرية إنشاء العقود (حرية التعاقد) أي اختيار نظام معين ليكون عقداً بين طرفين، أو اختيار نوع معين من أنواع العقود الجديدة بالإضافة إلى العقود المتعارف عليها في الماضي. وهذان الرأيان هما ما يأتي:\rالرأي الأول ـ للظاهرية : (أتباع داود بن علي وابن حزم الأندلسي) (3) وهم المضيقون الذين يقولون: الأصل في العقود المنع حتى يقوم دليل على الإباحة، أي أن كل عقد أو شرط لم يثبت جوازه بنص شرعي أو إجماع فهو باطل ممنوع (4) . واستدلوا على رأيهم بأدلة ثلاثة:\r1 - إن الشريعة شاملة لكل شيء، وقد تكفلت ببيان ما يحقق مصالح الأمة، ومنها العقود، على أساس من العدل، وليس من العدل ترك الحرية للناس في عقد مايريدون من العقود، وإلا أدى ذلك إلى هدم نظام الشريعة.\r-------------------------------\r(1) حديث حسن رواه ابن ماجه عن أبي سعيد الخدري.\r(2) رواه الدارقطني عن أنس، وفيه مجهول (نيل الأوطار: 316/5).\r(3) وليس لهم أتباع في العصر الحاضر.\r(4) فتاوى ابن تيمية: 323/3، الإحكام في أصول الأحكام لابن حزم: 593/5 ومابعدها ط الإمام.","part":4,"page":554},{"id":2650,"text":"2 - يقول النبي صلّى الله عليه وسلم : «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد» (1) فكل عقد أو شرط لم يشرعه الشرع بنص أو إجماع يكون باطلاً؛ لأنه إذا تعاقد الناس بعقد لم يرد في الشريعة وأصولها يكونون قد أحلوا أو حرموا غير ماشرع الله ، وليس لأحد من المؤمنين سلطة التشريع. قال ابن حزم معلقاً على هذا الحديث: «فصح بهذا النص بطلان كل عقد عقده الإنسان والتزمه، إلا ما صح أن يكون عقداً جاء النص أو الإجماع بإلزامه باسمه أو بإباحة التزامه\rبعينه» (2) .\r3 - يؤيده الحديث النبوي: «ما كان من شرط ليس في كتاب الله فهو باطل، وإن كان مئة شرط» (3) أي أن الشرط غير المنصوص عليه باطل، فيقاس عليه العقد، غير المنصوص عليه.\rالرأي الثاني ـ للحنابلة وبقية الفقهاء: وهم الموسعون الذين يقولون: الأصل في العقود وما يتصل بها من شروط الإباحة ما لم يمنعها الشرع أو تخالف نصوص الشرع. واستدلوا على رأيهم بما يأتي:\r1 - إن الآيات القرآنية والأحاديث النبوية السابق ذكرها لم تشترط لصحة العقد إلا الرضا والاختيار، وكذلك آية {يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود} [المائدة: 1/5] أوجبت الوفاء بكل عقد دون استثناء، أي أنها نصت على مبدأ القوة الإلزامية للعقد، وأوجبت على الإنسان الوفاء بعقده الذي باشره بإرادته الحرة، فيصبح العقد ملزماً له بنتائجه، ومقيداً لإرادته حفظاً على مبدأ استقرار التعامل. وهذا يدل على أن تحريم شيء من العقود أو الشروط التي يتعامل بها الناس تحقيقاً لمصالحهم، بغير دليل شرعي، تحريم لما لم يحرمه الله ،فيكون الأصل في العقود والشروط هو الإباحة.\r2 - هناك فرق بين العبادات والمعاملات. أما العبادات فيجب ورود الشرع بها، وأما المعاملات ومنها العقود فلا تتطلب ورود الشرع بها. فيكفي في صحتها ألا تحرمها الشريعة استصحاباً للمبدأ الأصولي وهو أن الأصل في الأفعال والأقوال والأشياء هو الإباحة؛ لأن القصد من المعاملات رعاية مصالح الناس، فكل ما يحقق مصالحهم يكون مباحاً. ويصح التعامل بعقود جديدة لم تعرف سابقاً من طريق القياس أو الاستحسان أو الإجماع أو العرف الذي لا يصادم أصول الشريعة ومبادئها. وهذه المصادر لا بد لها من سند في الكتاب أو السنة.\r-------------------------------\r(1) رواه مسلم عن عائشة، وفي لفظ البخاري: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» .\r(2) الإحكام في أصول الأحكام: 615/5.\r(3) رواه مسلم عن عائشة بلفظ «ما بال أقوام يشترطون شروطاً ليست في كتاب الله ، ما كان من شرط ليس في كتاب الله فهو باطل، ولو كان مئة شرط، كتاب الله أوثق» .","part":4,"page":555},{"id":2651,"text":"3 - يؤيد ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: «الصلح جائز بين المسلمين إلا صلحاً حرم حلالاً أو أحل حراماً، والمسلمون على شروطهم إلا شرطاً حرم حلالاً أو أحل حراماً» (1) «الناس على شروطهم ما وافقت الحق» ويقاس على الشروط الصحيحة كل عقد لا يصادم أصول الشريعة، ويحقق مصالح الناس.\rوهذا الرأي هو الأصح، إذ لم نجد في الشرع ما يدل على أي حصر لأنواع العقود وتقييد الناس بها، فكل موضوع لم يمنعه الشرع ولا تقتضي قواعد الشريعة وأصولها منعه جاز التعاقد عليه، على أن تراعى شرائط انعقاد العقود كالأهلية والصيغة وقابلية المحل لحكم العقد.\rالثانية ـ حرية الاشتراط وترتيب آثار العقود والقوة الملزمة للعقد :\rاتفق الفقهاء على أن العقد المستكمل لأركانه وشرائطه يتمتع بالقوة الإلزامية أي أن كل عقد باشره الإنسان بإرادته الحرة ملزم له بنتائجه، ومقيد لإرادته؛ لقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود} [المائدة:1/5] وقوله: {وأوفوا بالعهد، إن العهد كان مسؤولاً} [الإسراء:34/17].\rواتفق الفقهاء أيضاً على أن ترتيب آثار العقود هي في الأصل من عمل الشارع، لا من عمل المتعاقدين. فإرادة المتعاقدين هي التي تنشئ العقد، ولكن الشريعة هي التي ترتب ما لكل عقد من حكم وآثار، و يقول الفقهاء: إن العقود أسباب «جعلية شرعية» لآثارها، أي أن الرابطة بين العقد وآثاره باعتبار أن أحدهما مسبب والآخر سبب ليست رابطة آلية طبيعية عقلية، وإنما هي رابطة جعلها الشارع بينهما، حتى لا يبغي بعض الناس على بعض بما يشترطون من شروط، وحتى يكون لكل تصرف حكمه من المشرع الحكيم.\r-------------------------------\r(1) رواه أبو داود وابن ماجه والترمذي عن عمرو بن عوف، وقوله: «والمسلمون..» من زيادة رواية الترمذي، وقال عنه: هذا حديث حسن صحيح. وقولهم «الناس على شروطهم» في معنى «المسلمون على شروطهم...الحديث» .","part":4,"page":556},{"id":2652,"text":"فإرادة الإنسان مقصورة على إنشاء العقد فقط كعقد البيع، وأما ما يترتب على العقد من آثار كنقل ملكية المبيع إلى المشتري واستحقاق الثمن في ذمة المشتري للبائع، فمتروك لتقدير الشرع.\rوتستمد إرادة العاقدين سلطانها من الشرع بالحدود التي حددها لكل عقد، فقد تكون حدود الشرع محققة لحاجةالعاقدين، فلا يحتاجان إلى اشتراط شروط تنقص أو تزيد من آثار العقد المشروعة، فإن لم تحقق حاجة العاقدين وغرضهما احتاجا إلى اشتراط شروط تحقق الغرض المطلوب.\rفما مدى سلطة العاقدين على تعديل آثار العقود، أو ما صلاحية الفقهاء في استنباط الحدود المقررة في الشرع أو تعديل الآثار الأصلية للعقد عن طريق اشتراط العاقدين الشروط العقدية إما بالنقص من تلك الآثار، أو بإضافة التزامات على أحد العاقدين لا يستلزمها أصل العقد؟.\rوحرية الاشتراط: هو مبدأ سلطان الإرادة في تعديل آثار العقد المقرر في القوانين، علماً بأن الشريعة والقانون متفقان على أن تقرير آثار العقود وأحكامها هو من إرادة الشارع لا من عمل العاقد، والفارق بينهما في مدى تفويض الشارع إلى العاقدين من السلطان على تعديل الأحكام التي قررها التشريع مبدئياً في كل عقد (1) .\rللفقهاء الشرعيين رأيان في حرية الاشتراط في العقود:\rالرأي الأول ـ للظاهرية، وهم القائلون بأن الأصل في العقود المنع، قالوا: إن الأصل في الشروط المنع، فكل شرط لم يقره الشرع في القرآن أو السنة فهو باطل.\rالرأي الثاني ـ لسائر الفقهاء الآخرين: وهو أن الأصل في العقود والشروط الإباحة، لكن هؤلاء فريقان:\r1 - الحنابلة يقولون: الأصل في الشروط العقدية هو الإطلاق، فكل شرط لم يرد الشرع بتحريمه فهو جائز.\r2 - غير الحنابلة يقولون: الأصل في الشروط العقدية هو التقييد، فكل شرط خالف الشرع أو مقتضى العقد فهو باطل، وما عداه فهو صحيح.\r-------------------------------\r(1) المدخل الفقهي للزرقاء: ف 215، وحاشية ف 217: ص 475.","part":4,"page":557},{"id":2653,"text":"وقد سبق ذكر أدلة المذهبين في بحث حرية التعاقد. وفي رأيي أنه يؤخذ برأي الحنابلة في إطلاق حرية الاشتراط للعاقدين في العقود المالية، تحقيقاً لحاجات الناس ومصالحهم ومراعاة لما يطرأ من تطورات وأعراف في إبرام عقود لأغراض مشروعة، وإلا لشلت حركة التجارة والنشاط الاقتصادي الذي اتسع ميدانه في العقود والشروط على نحو لم يكن معروفاً لدى الفقهاء.\rويؤخذ برأي غير ا لحنابلة في عقود الزواج حرصاً على ما له من حرمة وقداسة ولما فيه من جانب العبادة ولما تتطلبه الأسرة من استقرار ودوام، ينبغي من أجله عدم إفساح المجال لحرية الاشتراط التي تتأثر بالأهواء، وتعصف بأغراض الزواج السامية. وقد قال الفقهاء: «الأصل في الأبضاع ـ أي المتعة الجنسية ـ التحريم» .\rوأكتفي هنا ببيان مذهبي الحنفية والحنابلة في الشروط المقترنة بالعقد. أما مذهب الشافعية فقريب من مذهب الحنفية، ومذهب المالكية قريب من مذهب الحنابلة.\rأولاً ـ مذهب الحنفية في الشروط :\rقسم الحنفية الشروط إلى ثلاثة أنواع: الشرط الصحيح، والشرط الفاسد، والشرط الباطل (1) .\r-------------------------------\r(1) راجع البدائع: 168/5-172، المبسوط: 13/13-18، فتح القدير: 214/5 ومابعدها، رد المحتار لابن عابدين: 126/4 ومابعدها.","part":4,"page":558},{"id":2654,"text":"الأول ـ الشرط الصحيح: هو ماكان موافقاً لمقتضى العقد (1) ، أو مؤكداً لمقتضاه، أو جاء به الشرع، أو جرى به العرف.\rمثال الشرط الذي يقتضيه العقد: اشتراط البائع تسليم الثمن أو حبس المبيع حتى أداء جميع الثمن، واشتراط المشتري تسليم المبيع، أو تملكه. واشتراط الزوجة على زوجها أن ينفق عليها، واشتراطه عليها تسليم نفسها إذا قبضت مهرها. فهذه شروط تبين مقتضى العقد أوتوافق مقتضاه؛ لأن مضمونها واجب التحقق شرعاً، حتى ولو لم يشترطها أحد العاقدين؛ لأن ثبوت الملك والتسليم والتسلم وحبس المبيع من مقتضى المعاوضات، والإنفاق على الزوجة وزفافها من مقتضى الزواج.\rومثال الشرط المؤكد لمقتضى العقد: اشتراط البائع تقديم كفيل أو رهن معينين بالثمن عن تأجيله للمستقبل، فإن الكفالة والرهن استيثاق بالثمن، فيلائم البيع ويؤيد التسليم. ومثله اشتراط كون والد الزوج كفيلاً بالمهر والنفقة.\rوالشرط الذي ورد به الشرع: مثل اشتراط الخيار أو الأجل لأحد المتعاقدين، أو اشتراط الطلاق إذا طرأ سبب داع له، فذلك كله مشروع في الشرع.\rوالشرط الذي جرى به العرف: مثل اشتراط المشتري على البائع التعهد بإصلاح الشيء المشترى مدة معينة من الزمان، كالساعة، والمذياع، والسيارة، والغسالة، والثلاجة، واشتراط حمل البضاعة إلى مكان المشتري، فهذا مما تعارفه الناس وإن كان فيه زيادة منفعة لأحد العاقدين، فجاز استحساناً خلافاً لزفر من الحنفية، بدليل أن النبي اشترى في السفر من جابر بن عبد الله بعيراً، وشرط لجابر ركوبه وحملانه عليه إلى المدينة.\rوإقرار هذا الشرط عند الحنفية أدى إلى توسيع حرية الناس في الاشتراط، بما يحقق لأحد العاقدين منفعة زائدة عن مقتضى العقد. كما أدى إلى زوال الشرط الفاسد من معاملات الناس. وأصبحت الشروط كلها صحيحة بالعرف إلا إذا كانت مصادمة لنص تشريعي، أو منافية لمبادئ الشريعة ومقاصدها العامة.\r-------------------------------\r(1) مقتضى العقد: هو الأحكام الأساسية التي قررها الشرع لكل عقد، سواء بالنص عليها مباشرة أو باستنباط المجتهدين، بقصد تحقيق التوازن في الحقوق بين العاقدين.","part":4,"page":559},{"id":2655,"text":"الثاني ـ الشرط الفاسد: هو مالم يكن أحد الأنواع الأربعة السابقة في الشرط الصحيح، أي أنه الذي لا يقتضيه العقد، ولا يلائم المقتضى، ولا ورد به الشرع، ولم يتعارفه الناس، وإنما فيه منفعة زائدة لأحد المتعاقدين، كشراء حنطة على أن يطحنها البائع، أو قماش على أن يخيطه البائع قميصاً مثلاً، أو شراء بضاعة على أن يتركها في ملك البائع شهراً، أو بيع دار على أن يسكنها البائع شهراً أو أكثر، أو شراء أرض على أن يزرعها البائع سنة، أو شراء سيارة على أن يركبها البائع مدة من الزمن، أو على أن يقرضه قرضاً أو يهب له هبة ونحو ذلك.\rوفي الزواج: اشتراط الزوجة ألا تنتقل من بلدها التي تزوجت فيها، أو ألا يتزوج عليها، أو أن يطلق امرأته الأولى، أو ألا يطلقها أبداً.\rويختلف أثر الشرط الفاسد على العقود بحسب نوع العقد. والقاعدة المقررة في ذلك هي: أن الشرط الفاسد في عقود المعاوضات المالية يفسدها، وفي غيرها لا يؤثر عليها (1) .\rإن الشرط الفاسد في المعاوضات المالية كالبيع والإجارة والقسمة والمزارعة والمساقاة والصلح عن المال يفسدها (2) ؛ لما روي عن النبي صلّى الله عليه وسلم أنه\r-------------------------------\r(1) تبيين الحقائق: 131/4.\r(2) انفرد الإمام مالك من بين الفقهاء بأن الشرط الذي يفسد العقد إن لم يتمسك به مشترطه، ينقلب العقد صحيحاً لزوال سبب الفساد، لأن العلة التي أوجدت الفساد زالت بزوال المانع من صحة العقد وهو عدم تمسك صاحب الشرط به (نظرية العقد لأبي زهرة: ص 244).","part":4,"page":560},{"id":2656,"text":"«نهى عن بيع وشرط» (1) ولأن الشرط الفاسد يتنافى مع مبدأ التعادل الذي تقوم عليه المبادلات المالية.\rوأما العقود الأخرى غير المبادلات المالية كالتبرعات (هبة أو إعارة) والتوثيقات (كفالة أو حوالة أو رهن)، والزواج والطلاق، والإطلاقات كالوكالة، فلا يؤثر عليها الشرط الفاسد، ويبقى العقد صحيحاً، ويصير الشرط لاغياً لا أثر له، لما ثبت في السنة النبوية من تصحيح هذه العقود وإلغاء الشروط الفاسدة، كالحكم بصحة الهبة وبطلان شرط التأقيت مثلاً.\rالثالث ـ الشرط الباطل: هو ما لم يكن أحد أنواع الصحيح، وليس فيه منفعة لأحد المتعاقدين ولا لغيرهما، وإنما هو ما كان فيه ضرر لأحد العاقدين، كاشتراط بائع البضاعة على المشتري ألا يبيعها أو لا يهبها لأحد، واشتراط بائع الدار على المشتري أن يتركها من غير سكن مدة شهر في كل سنة مثلاً، واشتراط بائع سيارة ألا يُركب المشتري فلاناً فيها أو يضعها في مكان خاص.\rالعقد صحيح حينئذ، والشرط لغو باطل لا قيمة له، سواء في عقود المعاوضات، أم في العقود الأخرى كالزواج والكفالة والهبة.\rثانياً ـ مذهب الحنابلة في الشروط :\rمذهب الحنابلة وعلى التخصيص ابن تيمية وابن القيم أوسع المذاهب في الأخذ بحرية الاشتراط (2) ، فهم أقرب إلى الفقه القانوني الآخذ بمبدأ سلطان الإرادة، فهم يرون أن الأصل في الشروط الإباحة أو الإطلاق، فيصح كل شرط فيه منفعة أو مصلحة لأحد العاقدين، كاشتراط صفة معينة في المبيع أو في أحد الزوجين، واشتراط منفعة في عقد البيع كسكنى الدار المبيعة بعد بيعها مدة معينة، وتوصيل المبيع لدار المشتري، وخياطة الثوب للمشتري، واشتراط الزوجة على الزوج ألا يتزوج عليها، أو ألا يسافر بها، أو ألا ينقلها من منزلها.\r-------------------------------\r(1) رواه أبو حنيفة، وعبد الحق في أحكامه عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده.\r(2) كشاف القناع: 40/2، غاية المنتهى: 23/2-26، أعلام الموقعين: 401/3-402، ط السعادة، فتاوى ابن تيمية: 326/3 ومابعدها، زاد المعاد: 4/4، نظرية العقد لابن تيمية: ص 214 ومابعدها.","part":4,"page":561},{"id":2657,"text":"هذه شروط صحيحة يجب الوفاء بها، سواء في عقود المعاوضات المالية، أم في عقود التبرعات، أو في التوثيقات (أو التأمينات بلغة العصر)، أو الزواج ونحوه، فإن لم يوف بها جاز للعاقد الآخر فسخ العقد.\rوهذا رأي القاضي شريح (1) ، وابن شُبرمة (2) الكوفي، وابن أبي ليلى (3) وجماعة من فقهاء المالكية، بدليل أن جابراً باع النبي صلّى الله عليه وسلم بعيراً واشترط حملانه عليه إلى أهله وأقره النبي على ذلك ودفع له الثمن (4) . إن اشتراط الركوب على الجمل فيه منفعة للبائع، فهو شرط فاسد، والفاسد لا يؤثر في العقد مطلقاً.\rولم يستثن الحنابلة ومن وافقهم من الشروط الجائزة إلا الشرط المنافي لمقتضى العقد، أو الذي ورد النهي عنه.\r1) الشرط المنافي لمقتضى العقد: كاشتراط البائع على المشتري ألا يبيع الشيء المشترى مطلقاً، أو ألا يقفه على جهة خير مثلاً، أو ألا يسكن فيه أحداً بالإيجار وغيره، العقد حينئذ صحيح والشرط لاغ؛ لأن في هذا الشرط حرمان العاقد من الاستفادة مما يثبته العقد له من حقوق.\r-------------------------------\r(1) شريح القاضي ابن الحارث بن قيس، قاضي الكوفة والبصرة، استمر على القضاء في زمن عمر وعثمان وعلي ومعاوية، واستعفى في أيام الحجاج، مات بالكوفة سنة 79 هـ.\r(2) عبد الله بن شبرمة، قاضي فقيه تابعي، عاصر أبا حنيفة، له مذهب فقهي اندثر، ولد سنة 72 هـ ومات سنة144 هـ.\r(3) هو محمد بن عبد الرحمن قاضي الكوفة، فقيه عالم، مات سنة 148 هـ.\r(4) أخرج لفظه أحمد والشيخان عن جابر (نيل الأوطار: 178/5).","part":4,"page":562},{"id":2658,"text":"2 ) الشرط المنهي عنه أو المخالف لحكم الله ورسوله، كاجتماع صفقتين في عقد واحد، مثل اشتراط البائع على المشتري إيجار الدار لفلان، أو أن يهبه شيئاً، أو يبيع له شيئاً أو يقرضه مبلغاً من المال، أو ألا يبيع الناتج الزراعي كالقطن وغيره إلا له واشتراط الزوجة أن يطلق امرأته الأولى. هذه شروط فاسدة تفسد العقد؛ لأن رسول الله صلّى الله عليه وسلم «نهى عن بيعتين في بيعة» أو «عن صفقتين في صفقة» (1) ولأن ذلك يؤدي غالباً إلى النزاع بين المتعاقدين في العقد الآخر المشروط، فيسري النزاع إلى العقد الأصلي.\rرأي المتأخرين من الحنابلة: أفاض ابن تيمية وابن القيم في بيان نظريتهما في أن الأصل في العقود والشروط الإباحة أو الجواز والصحة حتى يقوم الدليل على المنع؛ لأنها من العادات التي تراعى فيها مصالح الناس. فإن حرمنا ما يجري بين الناس من عقود وشروط، بغير دليل من الشارع،نكون قد حرمنا ما لم يحرمه الله.\rوالله تعالى أمرنا بالوفاء بالعقود في قوله: {يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود} [المائدة:1/5]، وطالبنا النبي عليه السلام بتنفيذ الشروط في قوله المتقدم: «والمسلمون على شروطهم، إلا شرطاً أحل حراماً، أو حرم حلالاً» . وقررت الشريعة أن الأصل في العقود رضا المتعاقدين، وأثرها: هو ما أوجباه على نفسيهما بالتعاقد، وذلك في قوله تعالى: { إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم } [النساء:29/4] فالتراضي هو المبيح للتجارة ،وقوله تعالى: {فإن طبن لكم عن شيء منه نفساً فكلوه هنيئاً مريئاً} [النساء:4/4] فإذا كان طيب النفس هو المبيح للصداق، فكذلك سائر التبرعات.\r-------------------------------\r(1) اللفظ الأول رواه أحمد والنسائي والترمذي وصححه عن أبي هريرة. واللفظ الثاني رواه أحمد عن ابن مسعود (نيل الأوطار: 152/5).","part":4,"page":563},{"id":2659,"text":"أما استثناء الشرط أو العقد المناقض حكم الله ورسوله، فلقوله صلّى الله عليه وسلم في الحديث المتقدم: «من أحدث في أمرنا ـ أو ديننا ـ هذا ما ليس منه فهو رد» وفي لفظ «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد» فكل شرط يناقض حكم الله ورسوله يكون باطلاً باتفاق المسلمين، كاشتراط التعامل بالربا أو الاتجار في الخمر ونحو ذلك، لقوله صلّى الله عليه وسلم : «كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل» والمقصود بالشرط الذي ليس في كتاب الله : هو ما فسره عمر بن الخطاب في رسالته لأبي موسى الأشعري في القضاء: «والصلح جائز بين المسلمين إلا صلحاً أحل حراماً، أو حرم حلالاً» .\rوأما استثناء الشرط المنافي لمقصود العقد، كاشتراط عدم الانتفاع بالمشترى ببيع أو إيجار، فلأنه جمع بين المتناقضين، أي بين إثبات المقصود ونفيه، فلا يحصل شيء.\rويلاحظ أن الحنابلة حصروا الشرط المنافي في المناقضة لمقصود العقد الأصلي. فلو شرط البائع على المشتري ألا يبيع ما اشتراه، فإنه يكون منافياً أو مبطلاً للمقصود الأصلي من العقد، وهو الملك المبيح للتصرف. أما إذا شرط البائع منفعة أخرى كسكنى الدار أو زراعة الأرض، فإنه لا يكون منافياً لمقتضى العقد، ويكون الشرط صحيحاً. وكذلك في الزواج لو شرط فيه ألا تحل به المتعة الزوجية يبطل العقد، لكن لو شرط فيه عدم ممارسة الاستمتاع الزوجي يصح العقد ويلغو الشرط.\rأما الحنفية فقد توسعوا في تفسير المنافاة، وقالوا: كل ما يكون من الشروط فيه منفعة لأحد المتعاقدين، يكون منافياً لمقتضى العقد.\rوالخلاصة: إن الحنابلة وموافقيهم يرون أن الشريعة فوضت لإرادة العاقدين تحديد مقتضيات العقود، أو آثارها ضمن نطاق حقوقهما ومصالحهما في كل ما لا يصادم نصوص الشريعة أو أصولها الثابتة.","part":4,"page":564},{"id":2660,"text":"وهذا الاتجاه لعمر وشريح وابن شبرمة والحنابلة يتفق تماماً مع ما تقرره القوانين الحديثة من مبدأ سلطان الإرادة، وإعطاء الحرية للعاقدين في اشتراط أي شرط لا يخالف قواعد النظام العام أو الآداب أو النصوص القانونية الخاصة.\rمزايا الفقه الحنبلي في الشروط :\rكان للاجتهاد الحنبلي في حرية الاشتراط العقدي مزايا مهمة فيما يأتي:\r1 ً ـ الزواج :\rأجاز الحنبلية الأخذ بمبدأ حرية الاشتراط في الزواج، لما ثبت في الصحيحين عن النبي صلّى الله عليه وسلم أنه قال: «إن أحق الشروط أن توفوا به ما استحللتم به الفروج» ولما للزواج من جانب كبير من الخطورة والقدسية، إذ تقوم عليه أسرة تتطلب الحفاظ عليها، فتكون رعاية الشروط التي فيها منفعة أوجب وألزم من العقود الأخرى.\rإنهم أجازوا خلافاً للحنفية والشافعية والمالكية للزوجين اشتراط ما شاءا من الشروط التي فيها منفعة مقصودة لا تتعارض مع موضوع الزواج ونصوص الشريعة.\rوذلك كاشتراط المرأة ألا يسافر بها زوجها، أو ألا ينتقل بها من دارها ويسكن معها، أو ألا يتزوج عليها، أو أن يطلق امرأته الأولى (1) ، أو اشتراط أحد الزوجين كون الآخر موسراً ونحو ذلك.\r-------------------------------\r(1) اختلف الحنابلة في صحة هذا الشرط، فنص ابن قدامة صاحب المغني على عدم صحة هذا الشرط، ولكن أكثر الحنابلة على القول بالصحة(المغني: 560/6، تصحيح الفروع: 56/3).","part":4,"page":565},{"id":2661,"text":"أما اشتراط توقيت الزواج، أو عدم المهر، أو عدم النفقة الزوجية أو عدم الاستمتاع الزوجي ونحوه، فلا يصح لمصادمته أصول الزواج (1) .\rوإذا لم يوف الزوج بالشرط كان الطرف الآخر المشروط له مخيراً بين الاستمرار وفسخ العقد بسبب عدم الوفاء بالشرط.\r2 ً ـ التبرعات :\rأجاز الحنابلة للمتبرع استثناء بعض منافع الشيء المتبرع به، ولو لم تكن المنفعة معلومة، لقوله تعالى: {ما على المحسنين من سبيل} [التوبة:91/9] فللواهب أو الواقف أو المتصدق أن يشترط لنفسه منفعة من منافع الشيء مدة حياته، كأن يستثني غلة الوقف ما عاش الواقف، أو منفعة الدار الموهوبة مدة الحياة.\r3 ً ـ المعاوضات :\rأجاز الحنابلة أيضاً استثناء بعض منفعة الشيء المبيع بشرط أن تكون المنفعة معلومة، كأن يبيع الدار على أن يظل ساكناً فيها مدة معينة، أو السيارة على أن يركبها مدة معينة، والسبب في اشتراط كون المنفعة المستثناة معلومة في المعاوضات بعكس التبرعات: هو بناء المعاوضات على التعادل بين الطرفين، بحث لا يغبن أحدهما الآخر غبناً فاحشاً، فلا بد من كون المنفعة معلومة حتى لا يقع نزاع بين العاقدين، أما التبرع فلا تعادل فيه، ولا يتأتى النزاع فيه بين الطرفين.\rوجوزوا استثناء بعض الحقوق كأن يكون البائع أحق بشراء المبيع إذا أراد المشتري بيعه لآخر.\r-------------------------------\r(1) نظرية العقد لابن تيمية: ص 208 ومابعدها، المغني: 548/6 وما بعدها.","part":4,"page":566},{"id":2662,"text":"ولم يمنعوا إيجاب بعض الواجبات على المالك كبيع العقار على أن يقفه المشتري، أو يتصدق به، أو يقضي دين فلان أو يصل به رحمه (1) . وهذا دليل على جواز الاشتراط لمصلحة الغير.\rوصحح جماعة من الحنابلة خلافاً لبقية الفقهاء البيع بما ينقطع عليه السعر في المستقبل بتاريخ معين من غير تقدير ثمن أو تحديده وقت العقد، لتعارف الناس وتعاملهم به في كل زمان ومكان (2) ، كبيع القطن بما يستقر عليه سعر السوق في بورصة الأقطان في الساعة السادسة من يوم كذا. وهذا ما أخذ به القانون المدني السوري في المادة (392) وكذا أصله المصري.\rوجعل الحنابلة خلافاً لجمهور الفقهاء بيع العربون صحيحاً مشروعاً: وهو أن يبيع الشخص شيئاً، ويأخذ من المشتري مبلغاً من المال يسمى عربوناً لتوثيق الارتباط بينهما، فإن تم البيع بينهما احتسب العربون المدفوع من الثمن، وإن نكل المشتري كان العربون للبائع، هبة من المشتري له (3) . أخذ القانون المدني السوري في المادة (104) بطريقة بيع العربون هذه. وأصبحت طريقة البيع بالعربون في عصرنا الحاضر أساساً للارتباط في التعامل التجاري الذي يتضمن التعهد بتعويض ضرر الغير عن التعطل والانتظار. ويسمى ضمان التعويض عن التعطل والانتظار في الفقه القانوني: الشرط الجزائي (4) . وقد أقره القاضي شريح بقوله «من شرط على نفسه طائعاً غير مكره عليه» (5) .\r-------------------------------\r(1) فتاوى ابن تيمية: 347/3.\r(2) أعلام الموقعين: 5/4 ومابعدها، غاية المنتهى: 14/2، نظرية العقد لابن تيمية ص220.\r(3) غاية المنتهى: 26/2، المغني: 232/4، وكذلك صحح الحنابلة الإجارة بالعربون.\r(4) مصادر الحق للسنهوري: 96/3 ومابعدها، المدخل الفقهي للأستاذ الزرقاء: ف 234.\r(5) أعلام الموقعين: 400/3، ط السعادة.","part":4,"page":567},{"id":2663,"text":"وأجازه الحنابلة لتعارف الناس له، ولما ثبت في السنة: «أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم سئل عن العربان في البيع فأحله» (1) ويؤيده أثر عن عمر وهو: «أن نافع بن عبد الحارث العامل لعمر على مكة، اشترى لعمر دار السجن من صفوان بن أمية بأربعة آلاف درهم، فإن رضي عمر كان البيع نافذاً، وإن لم يرض فلصفوان أربع مئة درهم» وأقر عمر شرطه هذا (2) .\r4 ً ـ تعليق التصرفات مطلقاً بشرط :\rأجاز الحنابلة تعليق التصرف بشرط معلق في جميع أنواع العقود والفسوخ والتبرعات والالتزامات من بيع وإجارة وكفالة وإقالة وإبراء وزواج وغيرها، كأن يقول شخص: إن وصلت بضاعتي المستوردة اليوم فقد بعتكها بكذا. أو تقول امرأة: زوجتك نفسي على مهر كذا إن رضي أخي أوعمي مثلاً.\rودليلهم على الجواز إطلاق الحديث النبوي المتقدم: «المسلمون عند شروطهم، إلا شرطاً أحل حراماً أو حرم حلالاً» ولأن تعليق العقود وغيرها على شرط قد تدعو إليه الضرورة أو الحاجة أو المصلحة (3) .\rومنع جمهور الفقهاء التعليق في جميع العقود ولا سيما التمليكات والزواج، واعتبروها باطلة. وسوغوا فقط تعليق الإسقاطات كالطلاق. كما سوغ الحنفية تعليق عقود الالتزامات والإطلاقات كالكفالة والوكالة بالشرط الملائم فقط، مثل إذا سافر مدينك فأنا كفيله، إذا وصلت بضاعتي من الحديد مثلاً فقد وكلتك ببيعها.\rالفرع الثالث ـ عيوب الإرادة أو عيوب الرضا :\rعيوب الإرادة: هي الأمور التي تحدث خللاً في الإرادة أو تزيل الرضا الكامل في إجراء العقد. وتسمى قانوناً عيوب الرضا. وهي أربعة أنواع: الإكراه، الغلط، التدليس (أو التغرير)، الغبن مع التغرير. ويختلف تأثيرها على العقد، فقد تجعل العقد باطلاً، كالغلط في محل العقد، وقد تجعله فاسداً أو موقوفاً كالإكراه، وقد تجعله غير لازم كالغلط في الوصف، والتدليس، والغبن مع التغرير.\r1 - الإكراه :\rالإكراه في اللغة: هو حمل الغير على أمر لا يرضاه، قهراً. وفي اصطلاح الفقهاء: حمل الغير على أن يفعل ما لا يرضاه، ولا يختار مباشرته، لو ترك ونفسه.\rوالمقصود بالإرادة: مجرد اعتزام الفعل والاتجاه إليه، فهي أعم الأحوال.\r-------------------------------\r(1) حديث مرسل أخرجه عبد الرزاق في مصنفه عن زيد بن أسلم، وفي إسناده إبراهيم بن يحيى، وهو ضعيف (نيل الأوطار: 153/5) وأبطله الجمهور بما رواه أحمد والنسائي وأبو داود ومالك في الموطأ عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: «نهى النبي صلّى الله عليه وسلم عن بيع العُرْبان» وهو حديث منقطع، وفيه راو ضعيف لا يحتج به وهو حبيب كاتب الإمام مالك (المرجع السابق).\r(2) أعلام الموقعين: 401/3.\r(3) أعلام الموقعين: 399/3.","part":4,"page":568},{"id":2664,"text":"والمقصود بالاختيار: ترجيح فعل الشيء على تركه أو العكس وهو أخص من الإرادة.\rوالرضا: هو الارتياح إلى فعل الشيء والرغبة به، وهو أخص من الاختيار.\rوالإكراه نوعان: ملجئ أو كامل، وغير ملجئ أو ناقص (1) .\rوالإكراه الملجئ أو التام: هو الذي لا يبقى للشخص معه قدرة ولا اختيار، بأن يهدده بالقتل، أو بإتلاف بعض الأعضاء، أو بالضرب الشديد الذي يخشى منه القتل أو تلف العضو، أو تلف جميع المال.\rوحكمه: أنه يعدم الرضا ويفسد الاختيار.\rوالإكراه الناقص أو غير الملجئ: هو التهديد بما لا يضر النفس أو العضو، كالتهديد بالضرب اليسير أو بالحبس، أو بإتلاف بعض المال، أو بإلحاق الظلم كمنع الترقية أو إنزال درجة الوظيفة.\rوحكمه: أنه يعدم الرضا، ولا يفسد الاختيار.\rوهناك نوع ثالث : وهو الإكراه الأدبي: وهو الذي يعدم تمام الرضا، ولا يعدم الاختيار، كالتهديد بحبس أحد الأصول أو الفروع، أو الأخ أو الأخت ونحوهم، وحكمه: أنه إكراه شرعي استحساناً لا قياساً، كما قرر الكمال بن الهمام من الحنفية، وهو رأي المالكية، ويترتب عليه عدم نفاذ التصرفات المكره عليها.\rويرى الشافعي أن الإكراه نوع واحد، وهو الإكراه الملجىء، وأما غير الملجئ فلا يسمى إكراهاً (2) .\rوالإكراه بأنواعه لا يزيل الأهلية، وإنما يزيل الرضا، وقد يزيل الاختيار وهو الملجئ عند الحنفية، ويزيل الرضا والاختيار معاً عند غير الحنفية.\r-------------------------------\r(1) البدائع: 175/7، تكملة فتح القدير: 292/7 ومابعدها، تبيين الحقائق: 181/5، درر الحكام: 269/2 ومابعدها، الدر المختار: 88/5 ومابعدها.\r(2) تحفة الطلاب للأنصاري: ص 272. 1","part":4,"page":569},{"id":2665,"text":"شروط الإكراه :\rيشترط لتحقق الإكراه شروط وهي مايأتي:\r1 - أن يكون المكره قادراً على تنفيذ ما هدد به، سواء أكان من الحكام أم من غيرهم، فإن لم يكن قادراً على تنفيذ ما هدد به لعجزه أو لتمكن المستكره من الهرب، فلا يتحقق الإكراه.\r2 - أن يغلب على ظن المستكره إيقاع المكره ما هدد به في الحال إذا لم يمتثل، فإن لم يغلب على ظنه وقوع ما هدد به لا يتحقق الإكراه.\r3 - أن يكون الشيء المهدد به مما يشق على النفس تحمله. وهذا يختلف باختلاف الأشخاص، فيجب أن يبحث تأثيره في كل شخص على حدة.\r4 - أن يكون المهدد به عاجلاً: فلو كان آجلاً في المستقبل لم يتحقق الإكراه؛ لأن بالتأجيل يتمكن المستكره من الاحتماء بالسلطات العامة.\rوهذا شرط عند الحنفية والشافعية وبعض الحنابلة. وقال المالكية: لا يشترط أن يكون المهدد عاجلاً، وإنما الشرط أن يكون الخوف حالاً.\r5 - أن يكون الإكراه بغير حق، أي لا يكون مشروعاً: وهو ما يقصد منه الوصول إلى غرض غير مشروع. فإن كان الإكراه بحق: وهو الذي يقصد منه تحقيق غرض مشروع، فلا تأثير له على التصرفات أصلاً، كبيع مال المدين جبراً عنه لوفاء ديونه، واستملاك الأراضي جبراً عن أصحابها للصالح العام كتوسيع مسجد أو طريق ونحوه.\rأثر الإكراه على التصرفات :\rإذا وقع الإكراه على القيام بتصرف من التصرفات كالبيع والإيجار والزواج فما أثر الإكراه عليه؟ للفقهاء رأيان: قال جمهور الفقهاء غير الحنفية (1) : إن الإكراه يؤثر في التصرفات فيجعلها باطلة، سواء أكانت قابلة للفسخ كالبيع والإجارة والهبة ونحوها، أم غير قابلة للفسخ كالزواج والطلاق واليمين والرجعة، فلا يصح البيع أو الإيجار الصادر من المستكره، ولا يقع طلاق المكره، ولا يثبت عقد الزواج بالإكراه؛ لأن الإكراه يزيل الرضا، والرضا أساس التصرفات.\r-------------------------------\r(1) الشرح الكبير للدردير: 367/2، مغني المحتاج: 289/3، المغني: 118/7، غاية المنتهى: 5/2، القوانين الفقهية: ص 246، المحلى: 380/8، 383 ومابعدها.","part":4,"page":570},{"id":2666,"text":"وقال الحنفية (1) : يميز بين التصرفات المحتملة للفسخ، والتصرفات غير المحتملة للفسخ. فإن كان التصرف لا يقبل الفسخ كالزواج والطلاق، فيصح مع الإكراه ويلزم، لأنه تصرف يستوي فيه الجد والهزل، والإكراه في معنى الهزل لعدم القصد الصحيح للتصرف فيهما. بدليل الحديث النبوي: «كل طلاق جائز إلا طلاق الصبي والمجنون» (2) وروي عن ابن عمر أنه أجاز طلاق المكره.\rوإن كان التصرف قابلاً للفسخ كالبيع والإجارة والهبة فلا يصح مع الإكراه. ويكون العقد فاسداً عند جمهور الحنفية (أبي حنيفة وصاحبيه) أي أنه إذا زال الإكراه وأصر المستكره على العقد مع الطرف الآخر ورضي به صار صحيحاً، فيكون للمستكره بعد زوال الإكراه الخيار بين إمضاء التصرف وفسخه.\rوقال زفر من الحنفية والمالكية: يعتبر تصرف المستكره موقوفاً على إجازته عند زوال الإكراه عنه، كتصرف الفضولي. وبما أن هذا التصرف ينفذ ويلزم بالإجازة، فهذا دليل على كون التصرف موقوفاً لا فاسداً، لأن التصرف الفاسد يفسخ فسخاً ولا يجاز إجازة.\r-------------------------------\r(1) البدائع: 182/7 ومابعدها، 186، تكملة فتح القدير: 293/7، 303، تبيين الحقائق: 182/5، 188، الدر المختار: 89/5 ومابعدها، 96، الكتاب مع اللباب: 108/4، مجمع الضمانات: ص 206.\r(2) ذكر البخاري من قول علي: «كل الطلاق جائز إلا طلاق المعتوه» وأما الحديث المذكور فهو غريب كما قال الزيلعي (نيل الأوطار: 235/6، نصب الراية: 221/3).","part":4,"page":571},{"id":2667,"text":"وهذا ينبئ أن رأي زفر أوجه وأقوى وأصح؛ لأن جمهور الحنفية: قالوا: إن تصرف المستكره يقبل الإجازة بعد زوال الإكراه، فلو كان فاسداً لماصحت إجازته، لأن الفاسد لا يجوز بالإجازة بل يجب فسخه شرعاً، ويملك الشيء المعقود عليه بالقبض، وهذا لاينطبق على عقد المستكره. هذا.. وقد نص القانون المدني السوري في المادتين (128، 129) على أن الإكراه يجعل العقد قابلاً للإبطال أي كما قال زفر من الحنفية.\r2 - الغلط :\rالمراد به هنا هو الغلط الواقع في المعقود عليه، في جنسه أو في وصفه. والغلط في ذات أو جنس المعقود عليه: هو أن يظن العاقد أن المعقود عليه من جنس معين، فإذا به من جنس آخر، كأن يشتري شخص حلياً على أنها ذهب أو ماس، ثم يتبين أنها من النحاس، أو الزجاج. أو يشتري حنطة فإذا هو شعير، أو صوفاً فإذا هو قطن، أو يشتري داراً على أنها مبنية بالإسمنت المسلح، فإذا هي مبنية باللبن.\rوحكم هذا العقد المشتمل على غلط في جنس المعقود عليه: أنه باطل من أساسه، لفوات محل العقد الذي يريده المشتري، فيكون عقداً على معدوم، والعقد على المعدوم باطل (1) .\rويلحق به حالة اتحاد الجنس مع الاختلاف الكبير أو الفاحش في القيمة كشراء سيارة من جنس معين ومصنوع في عام معين، فإذا هي صنع أعوام غابرة.\rوأما الغلط في وصف مرغوب فيه: فهو أن يظهر المعقود عليه كالوصف الذي أراده العاقد، ثم يتبين أنه مخالف للوصف المشروط صراحة أو دلالة. كأن يشتري شيئاً بلون أسود، فإذا هو كحلي أو رمادي، أو شاة على أنها حلوب، فإذا هي غير حلوب، أو كتاباً لمؤلف معين فإذا هو لمؤلف آخر، أو حقيبة على أنها من جلد فإذا هي من الكرتون المضغوط أو غيره.\r-------------------------------\r(1) تبيين الحقائق: 52/4 ومابعدها.","part":4,"page":572},{"id":2668,"text":"وحكم العقد المشتمل على غلط في الوصف: هو أنه غير لازم بالنسبة لمن وقع الغلط في جانبه، أي أن له الخيار بين إمضاء العقد وبين فسخه، لفوات الوصف المرغوب فيه المؤدي إلى اختلال الرضا. وهذا إذا كان العقد قابلاً للفسخ كعقود المعاوضات المالية ونحوها.\rويلحق به الغلط في شخص العاقد، كالتعاقد مع طبيب مشهور فإذا هو غيره، يجعل العقد غير لازم.\rأما العقود التي لا تقبل الفسخ كالزواج، فإنه يقع العقد منها عند الحنفية لازماً، أي لا يجوز نقضه بسبب فوات الوصف المرغوب.\rوقال الإمام أحمد (1) : يثبت خيار الفسخ بفوات الوصف المرغوب في عقد الزواج أيضاً، كمن يتزوج امرأة جميلة فيظهر أنها دميمة، أو على أنها متعلمة فإذا هي جاهلة، أو على أنها بكر فإذا هي ثيب فيثبت للزوج حق الفسخ، ولا مهر للمرأة إن حدث الفسخ قبل الدخول، أو بعد الدخول وكان التغرير من المرأة نفسها. فإن كان التغرير من غيرها رجع الزوج على ذلك الغير بما دفعه للمرأة.\rأما القانون المدني السوري: فقد نص على حالة الغلط في المواد (121-125) وجعل العقد قابلاً للإبطال،سواء أكان الغلط في جنس المعقود عليه أم في الوصف المرغوب فيه، فالجزاء واحد في الحالتين، خلافاً لما قرره الفقهاء.\rهذا... ولا عبرة في الفقه للغلط الباطني، كأن يشتري سواراً على ظن أنه ذهب، فإن هو نحاس؛ لأن العبرة في العقود للإرادة الظاهرة، كما لا عبرة للغلط في الحكم الشرعي كأن يبيع حصته من الميراث على أنها الربع فإذا هي النصف، إذ لاعذر بالجهل بأحكام الشريعة.\r3 - التدليس أو التغرير :\rالتدليس أو التغرير: هو إغراء العاقد وخديعته ليقدم على العقد ظاناً أنه في مصلحته، والواقع خلاف ذلك. وهو أنواع كثيرة منها: التدليس الفعلي، والتدليس القولي، والتدليس بكتمان الحقيقة.\r-------------------------------\r(1) المغني: 526/6 ومابعدها.","part":4,"page":573},{"id":2669,"text":"أما التدليس الفعلي: فهو إحداث فعل في المعقود عليه ليظهر بصورة، غير ما هو عليه في الواقع، أي أنه تزوير الوصف في المعقود عليه أو تغييره بقصد الإيهام، كتوجيه البضاعة المعروضة للبيع، بوضع الجيد في الأعلى، وطلاء الأثاث والمفروشات القديمة، والسيارات، لتظهر أنها حديثة، والتلاعب بعداد السيارة، لتظهر بأنها قليلة الاستعمال.\rومن أشهر أمثلته الشاة المصراة: وهي التي يحبس اللبن في ضرعها بربط الثدي، مدة يومين أو ثلاثة ليجتمع لبنها ويمتلئ، إيهاماً للمشتري بكبر ضرعها وغزارة لبنها. وحكم التصرية عند جمهور غير الحنفية (1) : ثبوت الخيار للمدلس عليه بين أمرين: إمساك المبيع دون طلب تعويض عن النقص أو الغبن، أو رده لصاحبه، لقوله صلّى الله عليه وسلم : «لا تصروا (2) الإبل والغنم، فمن ابتاعها فهو بخير النظرين بعد أن يحلبها، إن شاء أمسكها، وإن شاء ردها، ورد معها صاعاً من تمر» (3) . وهذا هو الرأي الراجح.\rوقال الحنفية (4) : ليس للمشتري الحق في فسخ عقد البيع، بل له فقط أن يرجع بالنقصان الذي أصاب ما اشترى. ولم يأخذوا بالحديث السابق لمخالفته القياس: وهو أن ضمان العدوان يكون إما بالمثل أو القيمة، والتمر ليس منهما.\rوأما التدليس القولي: فهو الكذب الصادر من أحد العاقدين أو ممن يعمل لحسابه حتى يحمل العاقد الآخر على التعاقد ولو بغبن، كأن يقول البائع أو المؤجر للمشتري أو للمستأجر: هذا الشيء يساوي أكثر، ولا مثيل له في السوق، أو دفع لي فيه سعر كذا فلم أقبل. ونحو ذلك من المغريات الكاذبة.\rوحكم هذا النوع: أنه منهي عنه شرعاً؛ لأنه غش وخداع، ولكن لا يؤثر في العقد إلا إذا صحبه غبن فاحش لأحد المتعاقدين، فيجوز حينئذ للمغبون إبطال\r-------------------------------\r(1) القوانين الفقهية: ص 264، بداية المجتهد: 174/2، نهاية المحتاج: 136/3 وما بعدها، مغني المحتاج: 63/2 ومابعدها، غاية المنتهى: 34/2.\r(2) التصرية: حبس اللبن في الثدي مدة معينة لإيهام المشتري بأن الشاة ونحوها غزيرة اللبن.\r(3) نيل الأوطار: 214/5، ط العثمانية. والصاع: 2751غم. والحكمة من رد الصاع من التمر: هو التعويض عن اللبن الذي أخذه المشتري لإنهاء النزاع بين العاقدين، وقدر بالصاع لعدم معرفة مقدار اللبن الذي يجب ضمانه للبائع بسبب اختلاط الموجود قبل القبض بالطارئ بعد القبض، وقدر بالتمر لأنه غالب قوت البلد في الماضي، فإن لم يكن هو الغالب كان الواجب صاعاً من غالب قوت البلد. والحديث متفق عليه عن أبي هريرة.\r(4) الدر المختار ورد المحتار: 101/4، ط البابي الحلبي.","part":4,"page":574},{"id":2670,"text":"العقد، دفعاً للضرر عنه، أي أنه يثبت له خيار الفسخ بسبب الغبن مع التغرير، كما سأبين في عيب الغبن.\rوأما التدليس بكتمان الحقيقة، وهو الصورة المشهورة في الفقه باسم (التدليس): فهو إخفاء عيب في أحد العوضين، كأن يكتم البائع عيباً في المبيع، كتصدع في جدران الدار وطلائها بالدهان أو الجص، وكسر في محرك السيارة، ومرض في الدابة المبيعة، أو يكتم المشتري عيباً في النقود ككون الورقة النقدية باطلة التعامل، أو زائلة الرقم النقدي المسجل عليها، أو ذهب أكثر من خمسها.\rوحكم هذا النوع: أنه حرام شرعاً باتفاق الفقهاء (1) ، لقول النبي : «المسلم أخو المسلم، لا يحل لمسلم باع من أخيه بيعاً، وفيه عيب، إلا بينه له» وقوله عليه السلام: «من غشنا فليس منا» (2) . ويثبت فيه للمدلس عليه ما يعرف بخيار العيب: وهو إعطاؤه حق الخيار: إن شاء فسخ العقد، وإن شاء أمضاه. كما سيتضح في بحث الخيارات.\rولا فرق في التدليس الموجب للخيار بين أن يصدر من أحد العاقدين، أو من شخص آخر أجنبي عنهما كالدلال ونحوه إذا كان بتواطؤ مع أحد العاقدين (3) .\rونص القانون المدني السوري في المادتين (126 ، 127) على التدليس من أحد المتعاقدين أو من غير المتعاقدين، وجعل التدليس موجباً لخيار المدلس عليه وإعطائه الحق في إبطال العقد إذا كانت الحيل المستخدمة من الجسامة بحيث لولاها\r-------------------------------\r(1) قال في الدر المختار: 103/4: «لا يحل كتمان العيب في مبيع أو ثمن لأن الغش حرام» .\r(2) الحديث الأول رواه ابن ماجه عن عتبة بن عامر، والحديث الثاني رواه الجماعة إلا البخاري والنسائي عن أبي هريرة (نيل الأوطار: 212/5).\r(3) الدر المختار ورد المحتار: 167/4، ط البابي الحلبي.","part":4,"page":575},{"id":2671,"text":"لما أبرم الطرف الثاني العقد. وكان العاقد صاحب المصلحة في حالة التدليس من غير العاقدين يعلم بالتدليس أو من المفروض أن يعلم. وهذا إجمالاً يتفق مع الفقه الإسلامي كما تقدم.\r4 - الغبن مع التغرير :\rالغبن لغة: النقص. والتغرير: الخداع. وعند الفقهاء: الغبن: أن يكون أحد العوضين غير متعادل مع الآخر، بأن يكون أقل من قيمته أو أكثر منها. والتغرير: إيهام خلاف الواقع بوسائل مغرية، وعرفته المجلة (م 164) بأنه وصف المبيع للمشتري بغير صفته الحقيقية.\rوالغبن نوعان: يسير وفاحش (1) .\rأما الغبن اليسير: فهو ما يدخل تحت تقويم المقومين أي ما يتناوله تقدير الخبراء كشراء شيء بعشرة،ثم يقدره خبير بثمانية أو تسعة أو عشرة مثلاً، فهذا غبن يسير.\rوأما الغبن الفاحش: فهو مالا يدخل تحت تقويم المقومين أو تقدير الخبراء العارفين بأسعار الأشياء، كما لو وقع البيع بعشرة مثلاً، ثم إن بعض المقومين يقول: إنه يساوي خمسة، وبعضهم ستة وبعضهم سبعة، فهذا غبن فاحش، لأنه لم يدخل تحت تقويم أحد. وقدرته المجلة ( م 165 ) عملاً برأي نصر بن يحيى بأنه نصف العشر أي ( 5% ) في العروض التجارية، والعشر أي (10%) في الحيوانات، والخمس أي (20% ) في العقار، أو زيادة.\r-------------------------------\r(1) البدائع: 30/6، الدر المختار ورد المحتار: 166/4.","part":4,"page":576},{"id":2672,"text":"أثر الغبن في العقد :\rالغبن اليسير: لا أثر له على العقد فلا يجيز الفسخ؛ لأنه يصعب الاحتراز عنه، ويكثر وقوعه في الحياة العملية، ويتسامح الناس فيه عادة. واستثنى الحنفية حالات ثلاثاً يجوز فيها فسخ العقد بسبب الغبن اليسير للتهمة وهي:\r1 - تصرف المدين المحجور عليه بسبب دين مستغرق: فإذا باع شيئاً من ماله، أو اشترى ولو بغبن يسير، كان للدائنين حق فسخ العقد إلا إذا رضي العاقد الآخر برفع الغبن؛ لأن تصرف المدين موقوف على إجازة الدائنين، فإن أجازوه نفذ، وإن لم يجيزوه بطل.\r2 - تصرف المريض مرض الموت: إذا باع أو اشترى بغبن يسير جاز للدائنين أو للورثة بعد الموت طلب فسخ التصرف، إلا إذا رضي المتعاقد الآخر برفع الغبن.\r3 - بيع الوصي شيئاً من أموال اليتيم بغبن يسير لمن لا تجوز شهادته له كابنه وزوجته، فينقض العقد.\rوأما الغبن الفاحش: فيؤثر في رضا العاقد فيزيله، ولكن هل له الحق في فسخ العقد؟ للفقهاء في ذلك آراء ثلاثة:\rالرأي الأول للحنفية (1) : ليس للغبن الفاحش وحده في ظاهر الرواية أثر على العقد، فلا يجيز رد المعقود عليه أو فسخ العقد إلا إذا انضم إليه تغرير (أي وصف المبيع بغير حقيقته) من أحد العاقدين أو من شخص آخر كالدلال ونحوه وهذا ما أخذت به المجلة (م 357) ؛ لأن الغبن المجرد عن كل خديعة يدل على تقصير المغبون وعدم ترويه وسؤاله أهل الخبرة ولا يدل على مكر العاقد الآخر، ولكل إنسان طلب المنفعة ما لم يضر الجماعة، كما في حالة الاحتكار. فإذا انضم إليه تغرير كان المغبون معذوراً؛ لأن الرضا بالعقد كان على أساس عدم الغبن، فإذا ظهر الغبن لم يتوافر الرضا.\r-------------------------------\r(1) الدر المختار ورد المحتار: 166/4 ومابعدها.","part":4,"page":577},{"id":2673,"text":"واستثنى الحنفية ثلاث حالات يجوز فيها الفسخ بالغبن الفاحش المجرد عن التغرير، وهي:\rأموال بيت المال، وأموال الوقف، وأموال المحجور عليهم بسبب الصغر أو الجنون أو السفه، فإذا بيع شيء من ذلك بغبن فاحش ولو من غير تغرير، نقض البيع (م/356 مجلة).\rالرأي الثاني ـ للحنابلة (1) : يؤثر الغبن الفاحش في العقد فيجعله غير لازم، سواء أكان بتغرير أم بغير تغرير، ويعطى للمغبون حق فسخ العقد في حالات ثلاث هي:\rأ ـ تلقي الركبان: وهو أن يتلقى شخص طائفة من الناس يحملون متاعاً إلى بلد، فيشتريه منهم، قبل قدومهم البلد ومعرفتهم بالسعر. وهو حرام ومعصية، ويثبت لهم حق الفسخ إذا غبنوا غبناً فاحشاً، لقوله صلّى الله عليه وسلم : «لا تلقوا الركبان» (2) . وهذا رأي الشافعية أيضاً (3) ، لثبوت الخيار فيه بنص الحديث.\rب ـ النَّجْش: وهو زيادة ثمن السلعة المعروضة للبيع، لا لرغبة في شرائها، بل ليخدع غيره. فيثبت الخيار للمشتري إذا لم يعلم بأن الذي يزيد لا يريد الشراء. وليس له الخيار في الأصح عند الشافعية (4) .\rج ـ المسترسل: وهو الشخص الجاهل بقيمة الأشياء، ولا يحسن المساومة والفصال ويشتري مطمئناً إلى أمانة البائع، ثم يتبين أنه غبن غبناً فاحشاً، فيثبت له الخيار بفسخ البيع.\r-------------------------------\r(1) غاية المنتهى: 33/2، المغني: 212/4، 218 ومابعدها.\r(2) عن طاوس عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال، قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم : «لا تلَقوا الركبان، ولا يبع حاضر لِباد» ، قلت لابن عباس: ما قوله، ولا يبع حاضر لباد؟ قال: «لا يكون له سمساراً» . متفق عليه واللفظ للبخاري (سبل السلام: 20/3 ومابعدها).\r(3) مغني المحتاج: 36/2، المهذب: 292/1.\r(4) مغني المحتاج: 37/2، المهذب: 291/1.","part":4,"page":578},{"id":2674,"text":"وقال المالكية: هذه البيوع الثلاثة صحيحة ولكنها حرام للنهي الثابت في السنة عنها شرعاً، ويعطى الخيار بالفسخ للمشتري في حالة بيع النجش دون غيره (1) .\rالرأي الثالث ـ للشافعية (2) : لا أثر للغبن الفاحش في التصرفات سواء رافقه تغرير أم لا؛ لأن الغبن لا يقع إلا بتقصير من المغبون غالباً، فلو سأل أهل الخبرة، لما وقع في الغبن.\rوالقانون المدني السوري نص في المادة (130) على حالة خاصة من حالات الغبن وهي الغبن الاستغلالي: وهي حالة انعدام تعادل الأداءات المتقابلة الذي دفع إلى وجوده وجود طيش بيِّن (خفة ظاهرة) أو هوى جامح (الولع الشديد بشيء لا قبل له بدفعه) عند أحد المتعاقدين واستغلال المتعاقد لتلك الحالة النفسية. وقدر الغبن في بيع العقار في المادة (1/393) بما زاد على الخمس. وجعل جزاءه قابلية العقد للإبطال لطلب المغبون برفع الدعوى خلال سنة من تاريخ العقد. وكل قابل للإبطال (البطلان النسبي) يقبل الإجازة ممن تقرر الإبطال لمصلحته.\r-------------------------------\r(1) القوانين الفقهية: ص 264، الشرح الكبير للدردير: 67/3-70، الشرح الصغير:87/3. أما النهي عن تلقي الركبان فهو عند البخاري ومسلم كما تقدم، وأما النهي عن النجش فهو عند أحمد والشيخين عن ابن عمر: «نهى النبي صلّى الله عليه وسلم عن النَّجْش» .\r(2) مغني المحتاج: 36/2.","part":4,"page":579},{"id":2675,"text":"المبحث الثالث ـ شروط العقد :\rعرفنا فيما مضى عناصر العقد الأساسية الأربعة: وهي صيغة التعاقد، والعاقدان، والمحل المعقود عليه، وموضوع العقد أو المقصد الأصلي للعقد.\rويتطلب العقد بالإضافة لعناصره توافر أربعة أنواع من الشروط:وهي شروط الانعقاد، وشروط الصحة، وشروط النفاذ، وشروط اللزوم.\rوالقصد من هذه الشروط في الجملةمنع وقوع المنازعات بين الناس، وحماية مصالح العاقدين، ونفي الغرر (أي الاحتمال) والبعد عن المخاطر بسبب الجهالة.\rوالمراد بالشرط: هو ما يتوقف عليه وجود الشيء وكان خارجاً عن حقيقته (1) ، كالطهارة للصلاة شرط فيها وهي أمر خارج عن الحقيقة، وحضور الشاهدين في الزواج شرط فيه، وتعيين العوضين في البيع أو قابلية المبيع للتمليك شرط فيه، والقدرة على تسليم المبيع أو أهلية العاقد شرط في البيع؛ لأن كلاً منها ليس من أجزاء العقد (2) .\rويقسم الفقهاء الشروط بحسب مصدرها إلى شرط شرعي وشرط جعلي.\rالشرط الشرعي: هو الذي يفرضه الشرع، فيصبح لا بد منه لتحقق العقد، ولا يوجد إلا به. وهذا محل البحث هنا، كاشتراط أهلية العاقد لانعقاد العقد.\rوالشرط الجعلي (3) : هو الذي يشترطه العاقد بإرادته ليحقق له مقصداً خاصاً في العقد، فيجعل مقترناً بالعقد، أو معلقاً عليه كتعليق الكفالة والطلاق، مثل إن سافر مدينك اليوم فأنا كفيل بدينك، وإن فعلتِ (مخاطباً زوجته) كذا فأنت طالق، وكسائر القيود والالتزامات التي يشترطها المتعاقدان على أنفسهما.\rوقد بحثت ذلك في بحث حرية العاقد في الشروط.\rأولاً ـ شرائط الانعقاد: هي ما يشترط تحققه لجعل العقد في ذاته منعقداً شرعاً وإلا كان باطلاً. وهي نوعان: عامة وخاصة.\rفالشرائط العامة: هي التي يجب توافرها في كل عقد.\rوالشرائط الخاصة: هي التي يطلب وجودها في بعض العقود دون سواها. كاشتراط الشهود في عقد الزواج، فلا ينعقد الزواج إلا بحضور الشاهدين، وإلا كان باطلاً.\r-------------------------------\r(1) أما الركن كما عرفنا: فهو عند الحنفية ما يتوقف عليه وجود الشيء وكان جزءاً من حقيقته أو ماهيته. كالركوع ركن في الصلاة لأنه جزء منها، والقراءة في الصلاة ركن؛ لأنه جزء من حقيقة الصلاة. والإيجاب والقبول في العقد ركنان لأنهما جزآن من حقيقة العقد.\r(2) مرآة الأصول لمنلا خسرو: 339/2.\r(3) سمي جعلياً: لأن الشخص العاقد لا الشرع هو الذي جعله شرطاً قيد به العقد أو علقت عليه في أمر كان له الخيار في تنجيزه وتعليقه.","part":4,"page":580},{"id":2676,"text":"وكاشتراط التسليم في العقود العينية (وهي الهبة والإعارة والإيداع والقرض والرهن) فلا يتم انعقاده إلا بتسليم محل العقد وإلا كان باطلاً.\rوكعدم تعليق العقد على شرط في المعاوضات والتمليكات كالبيع والهبة والإبراء، فإن التعليق يبطلها. والشرائط العامة للانعقاد: هي الشروط المطلوبة في صيغة التعاقد وفي العاقد، وفي المحل المعقود عليه، وألا يكون العقد ممنوعاً شرعاً، وأن يكون العقد مفيداً.\rأما شروط الصيغة والعاقد ومحل العقد فقد ذكرت سابقاً فلا داعي لتكرارها هنا.\rوأما كون العقد غير ممنوع شرعاً: فهو ألا يوجد نص شرعي يقتضي بطلانه، مثل التبرع من مال الصغير القاصر أو بيع شيء من ماله بغبن فاحش، فلا تنعقد الهبة من مال القاصر من أي واحد، سواء الولي أومن نفس الصغير، ويكون العقد باطلاً، حتى ولو أجازه الصغير بعد بلوغه؛ لأن الباطل لا يقبل الإجازة. ومثل الاستئجار على فعل المعاصي أو ارتكاب الجرائم أو بيع المخدرات والمسكرات. ومثل بيع الغرر (أي غرر الوجود) وهو بيع الشيء المحتمل للوجود والعدم، أي أن المعقود عليه هو المحتمل للوجود والعدم كبيع اللبن في الضرع والصوف على الظهر، واللؤلؤ في الصدف، والحمل في البطن، والسمك في الماء، والطير في الهواء قبل صيدهما. ومنه بيع ضربة القانص (وهو أن يقول البائع: بعتك ما يخرج من إلقاء هذه الشبكة مرة بكذا)، وضربة الغائص (وهو أن يقول البائع: أغوص غوصة، فما أخرجته من اللآلئ فهو لك بكذا).\rومنه بيع المضامين (ما في أصلاب الذكور) والملاقيح (ما في بطون الإناث) وبيع الملامسة والمنابذة وإلقاء الحصاة أو الحجر: وهي أن المشتري أو البائع إذا لمس المبيع أو نبذه البائع للمشتري، أو ألقى المشتري عليه حصاة أو حجراً، فقد لزم العقد، فالمبيع في هذه الأحوال مجهول الذات أو المقدار، وقد ثبت النهي عنها كما تقدم، وكانت بيوعاً متعارفة في الجاهلية، فهي باطلة أي أن غرر الوجود مبطل للبيع.","part":4,"page":581},{"id":2677,"text":"والخلاصة: أن المنع الشرعي (1) قد يكون بسبب طريقة العقد كبيع الغرر، أو بسبب محل العقد كبيع المخدرات والاستئجار على فعل المعاصي، أو بسبب موضوع العقد كهبة مال القاصر، والتعامل بالذهب في سوريا ومصر (2) .\rوأما كون العقد مفيداً (3) : فهو أن يحقق مصلحة معقولة. فلا ينعقد الرهن مثلاً في مقابل الأمانة كالوديعة؛ لأن المرهون به يجب أن يكون مضموناً (4) ؛ لأن قبض الرهن مضمون، فلا بد أن يقابله مضمون، والوديعة ونحوها أمانة غير مضمونة. ولا يصح التعاقد بين اثنين على عدم الاشتغال في التجارة مثلاً؛ لأن ذلك مصادم لمبدأ حرية الإنسان الاقتصادية، وحماية هذه الحرية من النظام العام في الإسلام.\rكما لا يصح التعاقد أيضاً على أمر واجب على الإنسان شرعاً، كالاتفاق على الامتناع من فعل جريمة، والاستئجار على فعل الواجبات الدينية كالصلاة ومجرد قراءة القرآن (5) ، واستئجار الزوجة على القيام بأعمال المنزل أو على إرضاع طفلها؛ لأن ذلك واجب عليها ديانة.\rثانياً ـ شرائط الصحة :\rوهي ما يشترط شرعاً لترتيب آثار العقد، فإن فقدت كان العقد فاسداً، أي مختلاً اختلالاً في ناحية فرعية متممة غير أساسية، مع كونه منعقداً موجوداً في حد ذاته.\rوأغلب شرائط الصحة خاص بكل عقد على حدة. ففي البيع مثلاً يشترط\r-------------------------------\r(1) يلاحظ أن النهي أو المنع الشرعي عند الحنفية قد يكون أثره البطلان أو عدم الانعقاد وقد يكون أثره الفساد أي الانعقاد مع الخلل الفرعي.\r(2) المدخل الفقهي للأستاذ الزرقاء: ف 167.\r(3) المرجع السابق: ف 169.\r(4) الأمانة: هي التي لا تضمن إذا تلفت (أي لا يدفع بدلها) إلا بالتعدي أو التقصير في الحفظ. والمضمون: هو الذي يضمن إذا تلف لأي سبب كان التلف.\r(5) لكن أفتى متأخرو الفقهاء من الحنفية، والمالكية والشافعية بجواز أخذ الأجرة على ممارسة الشعائر الدينية مثل الأذان والإقامة والإمامة في صلاة الجمعة والجماعة، وعلى تعليم القرآن للضرورة خشية ألا يقوم بها أحد فتتعطل (تبيين الحقائق: 124/5، البدائع: 191/4 ومابعدها، بداية المجتهد: 221/1، مغني المحتاج: 344/2، المهذب: 398/1).","part":4,"page":582},{"id":2678,"text":"عند الحنفية خلوه من أحد العيوب الستة الآتية: وهي الجهالة، والإكراه، والتوقيت، والغرر (غرر الوصف)، والضرر، والشرط الفاسد (1) .\rأما الجهالة: فهي الجهالة الفاحشة التي تفضي إلى نزاع يتعذر حله، وهو النزاع الذي تتساوى فيه حجة الطرفين بالاستناد إلى الجهالة. وهي أربعة أنواع: جهالة المبيع أو الثمن جنساً أو نوعاً أو قدراً، وجهالة أجل وفاء الثمن، أو مدة خيار الشرط، وجهالة وسائل التوثيق كتقديم كفيل أو رهن مجهولين.\rوأما الإكراه بنوعيه الملجئ والناقص فيفسد العقد عند جمهور الحنفية، ويجعل العقد موقوفاً عند زفر، على التفصيل الذي ذكرسابقاً.\rوأما التوقيت: فهو تأقيت البيع بمدة شهر أوسنة، فيفسد؛ لأن ملكية العين لا تقبل التأقيت . كذلك يفسد الزواج في حال تأقيته بمدة معينة؛ لأنه مشروع بصفة التأبيد.\rوأما غرر الوصف: فهو كبيع بقرة على أنها تحلب كذا رطلاً، فهو بيع فاسد؛ لأن المقدار المذكور من الحليب موهوم التحقق، فقد ينقص. وأما غرر الوجود: وهو ماكان المبيع فيه محتملاً للوجود والعدم، فيجعل البيع باطلاً كما تقدم.\rوأما الضرر: فهو كبيع جذع معين من سقف مبني لا يمكن تسليمه إلا بهدم ما حول الجذع، وكبيع ذراع من ثوب يضره التبعيض.\rوأما الشرط الفاسد عند الحنفية (2) فهو كل شرط فيه نفع لأحد المتبايعين، ولم يتعارفه الناس كبيع سيارة على أن يستخدمها شهراً بعد البيع، أو دار على أن\r-------------------------------\r(1) رد المحتار: 6/4، فتح القدير: 219/5، البدائع: 188/7.\r(2) الدر المختار: 127/4.","part":4,"page":583},{"id":2679,"text":"يسكنها مدة معينة، أو كبيع بشرط إقراض مبلغ من المال. وحكمه: أنه يفسد البيع ونحوه من المعاوضات المالية، ولا يؤثر في غيرها كما بان سابقاً في بحث حرية الاشتراط.\rكذلك يشترط في البيع المماثلة في الكمية بين البدلين والتقابض في العوضين في مبادلة الأموال الربوية كالنقدين (الذهب والفضة) والحبوب من حنطة وشعير ونحوهما.\rويشترط أيضاً قبض المبيع المنقول قبل التصرف به من المشتري لشخص آخر.\rثالثاً ـ شرائط النفاذ :\rيشترط لنفاذ العقد شرطان (1) :\rأولاً ـ الملك أو الولاية . أما الملك: فهو حيازة الشيء متى كان الحائز له قادراً وحده على التصرف فيه عند عدم المانع الشرعي، أي أن المالك له حرية التصرف والاستقلال بمنافع الشيء إلا إذا وجد مانع كالجنون أو السفه أو الطفولة أو عدم التمييز.\rوأما الولاية: فهي سلطة شرعية بها ينعقد العقد وينفذ، وهي إما أصلية: وهي أن يتولى الإنسان أمور نفسه بنفسه. أو نيابية: وهي أن يتولى الشخص أمور غيره من ناقصي الأهلية، إما بإنابة المالك كالوكيل، أو بإنابة الشارع كالأولياء (الأب أو الجد) والأوصياء (وصي الأب أو الجد أو وصي القاضي).\rويترتب على هذا الشرط أن محل العقد ينبغي أن يكون مملوكاً للعاقد، فإن لم يكن مملوكاً له بأن كان فضولياً، كان العقد غير نافذ أو موقوفاً على إجازة المالك إذا باعه عن مالكه نفسه، أما إن باعه عن نفسه هو، لا عن مالكه نفسه، كان البيع باطلاً.\rوقد جعل الشافعي وأحمد الملك أو الولاية من شرائط الانعقاد، فتعتبر تصرفات الفضولي باطلة. كما ذكر سابقاً.\r-------------------------------\r(1) الدر المختار ورد المحتار: 6/4،104، البدائع: 155/5.","part":4,"page":584},{"id":2680,"text":"ثانياً ـ ألا يكون في محل العقد حق لغير العاقد: فإن تعلق به حق الغير كان العقد موقوفاً غير نافذ، وتعلق حق الغير له ثلاثة أوجه (1) .\r1 - أن يكون حق الغير متعلقاً بعين المحل المعقود عليه، كبيع ملك الغير وتبرع المريض مرض الموت بما يزيد عن ثلث أمواله، يكون موقوفاً على إجازة الورثة.\r2 - أن يكون متعلقاً بمالية المحل المعقود عليه دون عينه، كتصرف المدين غير المحجور عليه بما يضر حقوق الدائنين، تتعلق حقوقهم بمالية أموال المدين لاستيفاء ديونهم، وليست حقوقهم متعلقة بأعيان أمواله، فلو أتى المدين بمال آخر يفيهم به حقوقهم نفذت تصرفاته الموقوفة على إجازتهم.\r3 - أن يكون متعلقاً بصلاحية التصرف نفسه، لا بمحله المعقود عليه، كتصرف ناقص الأهلية المحجور عليه إما حجراً شرعياً بسبب الصغر كالمميز، أو حجراً قضائياً بسبب السفه أو الدين المستغرق (المحيط بكل ماله).\rإن ناقص الأهلية لا يملك التصرف في أمواله، ويكون تصرفه موقوفاً على إجازة وليه الشرعي من أب أو جد أو وصي. فإن أجازه نفذ، وإن رده بطل.\rوكما أن حق الغير (أي غير العاقدين) ما نع من نفاذ التصرف، هناك مانع آخر من النفاذ وهو الإكراه.\r-------------------------------\r(1) الدر المختار: 146/4، المدخل الفقهي للأستاذ الزرقاء: ف 4/194.","part":4,"page":585},{"id":2681,"text":"رابعاً ـ شرائط اللزوم: الأصل في العقود اللزوم، ويشترط للزوم العقد كالبيع والإيجار خلوه من أحد الخيارات التي تسوغ لأحد المعاقدين فسخ العقد، والتي تثبت إما باشتراط العاقد أو بإيجاب الشرع (1) . فإن وجد في العقد خيار كخيار الشرط أو خيار العيب أو الرؤية منع لزوم العقد في حق من له الخيار، فكان له أن يفسخ العقد أو أن يقبله، إلا إذا حدث مانع من ذلك، كما سيتبين في بحث الخيارات. ويسمى العقد المشتمل على الخيار غير لازم.\rالمبحث الرابع ـ آثار العقد :\rلكل عقد أثر خاص وأثر عام (2) :\rفالأثر الخاص: هو حكم العقد، وحكم العقد: هو الأثر الأصلي (أو النوعي) للعقد أو الغاية الجوهرية الأساسية المقصودة من العقد كانتقال الملكية في عقد البيع والهبة، وتملك المنفعة في عقد الإيجار والإعارة، وحل المتعة الزوجية في عقد الزواج، وحق احتباس المرهون في عقد الرهن، وتفويض التصرف في عقد الوكالة، ونحو ذلك.\rويقال للحكم الأصلي للعقد موضوع العقد كما بان سابقاً في بحث السبب.\rو يفترق الحكم الأصلي للعقد عن الالتزام. فالالتزام هو كون الشخص مكلفاً بفعل، أو بامتناع عن فعل. مثال الأول: تسليم المبيع وأداء الثمن. ومثال الثاني: عدم التعدي على نفس أو مال الغير، وعدم استعمال الوديعة.\rومصدر الالتزام قد يكون هو الشرع كالإنفاق على الأقارب، وقد يكون مصدره العقد، كالالتزامات بدفع الأجرة أو الثمن، وقد يكون مصدره غير العقد وهو الفعل الضار كضمان المتلفات.\rوحكم العقد الأصلي يتحقق آلياً بتقدير الشرع بمجرد انعقاد العقد صحيحاً، فلا يحتاج إلى تنفيذ، فبمجرد انعقاد البيع صحيحاً تنتقل الملكية للمشتري، وهكذا سائر أحكام العقود.\rأما الالتزام: فيحتاج إلى تنفيذ؛ لأنه تكليف على شخص لمصلحة آخر، فملكية المبيع وإن انتقلت إلى المشتري بمجرد البيع، لكن ذلك الأثر يحتاج إلى تنفيذ التزام البائع: وهو القيام بتسليم المبيع إلى المشتري.\rوالالتزامات قد يستلزمها العقد ذاته: وهي التي نظمها الشرع آثاراً للعقد المنشئ لها كالالتزام بتسليم المبيع وضمان العيب، والالتزام بدفع الثمن أو الأجرة.\rوقد يشترطها العاقد كاستعمال المبيع مدة بعد البيع، وإيصال المبيع لبيت المشتري، ودفع الأجرة سلفاً، ونحو ذلك.\rوأما الأثر العام: فهو ما تشترك فيه كل العقود أو معظمها من أحكام ونتائج. وللعقود أثران عامان هما: النفاذ، والإلزام واللزوم.\r-------------------------------\r(1) حاشية ابن عابدين: 6/4.\r(2) راجع المدخل الفقهي للأستاذ الزرقاء: ف 193 ومابعدها.","part":4,"page":586},{"id":2682,"text":"والنفاذ: معناه ثبوت حكم العقد الأصلي منذ انعقاده، أي أن آثار العقد الخاصة ونتائجه المترتبة عليه تحدث فور انعقاد العقد، فنفاذ عقد البيع مثلاً معناه انتقال ملكية المبيع والثمن بمجرد انعقاده، وإيجاب تنفيذ الالتزامات على الطرفين، كتسليم المبيع وتسلم الثمن، وضمان العيب إن ظهر فيه عيب.\rونفاذ عقد الزواج معناه: إحلال المتعة الزوجية بمجرد انعقاده، وإيجاب الحقوق والالتزامات التي ينشئها العقد بينهما، كالتزام الرجل بالنفقة، ومسؤولية المرأة عن الطاعة المشروعة.\rوالنفاذ يقابله التوقف، فيقال: عقد نافذ وعكسه موقوف.\rوأهم أنواع العقد الموقوف سبعة هي:\rعقد المكره، وعقد المميز، وعقد السفيه المحجور عليه، وعقد المدين بدين مستغرق، وتبرع المريض مرض الموت، وعقد الفضولي، وتصرف المرتد عن الإسلام، فإن عقوده في حال ردته موقوفة عند أبي حنيفة، فإذا عاد إلى الإسلام نفذت، وإن مات أو قتل أو لحق بدار الحرب وقضى القاضي بالتحاقه بطلت.\rوالإلزام: معناه العام لغة هو إيجاب تنفيذ التزامات التعاقد، عملاً بقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود} [المائدة:1/5] ومعناه الخاص فقهاً: هو إنشاء التزامات متقابلة معينة على العاقدين، كما في البيع، أو إنشاء التزام معين على أحد العاقدين، كما في الوعد بجائزة، وهذا من آثار العقد.\rو يختلف الإلزام عن اللزوم. فاللزوم : هو عدم استطاعة فسخ العقد إلا بالتراضي، والتراضي على فسخ العقد يسمى إقالة.\rويكتسب العقد صفة اللزوم عند الحنفية والمالكية بمجرد تمام العقد. وهذا ما أخذ به القانون وجرى عليه القضاء.\rوعند الشافعية والحنابلة: لا يكتسب العقد صفة اللزوم إلا بعد انقضاء مجلس العقد، بتفرق العاقدين بأبدانهما، عملاً بخيار المجلس الثابت في السنة النبوية، على ما سيذكر في بحث الخيارات.","part":4,"page":587},{"id":2683,"text":"المبحث الخامس ـ تصنيف العقود :\rللعقود أقسام متعددة باعتبارات مختلفة، أهمها النظر إلى العقد بحسب إقرار الشرع له وعدم إقراره، أو بالنظر إلى كون العقود مسماة أو غير مسماة، أو بالنظر إلى غاية العقد وأغراضه، أو لكون العقد عينياً أوغير عيني ، أو باعتبار اتصال الأثر به وعدم اتصاله.\rالتقسيم الأول ـ بحسب وصف العقد شرعاً :\rينقسم العقد بحسب الوصف الذي يعطيه الشرع له بناء على مقدار استيفائه لأركانه وشروطه إلى صحيح تترتب عليه آثاره، وغير صحيح لا تترتب عليه آثاره.\rالعقد الصحيح :\rهو الذي استكمل عناصره الأساسية من (صيغة وعاقدين ومحل عقد وموضوع عقد)، وشرائطه الشرعية. فيصبح صالحاً لترتب حكمه وآثاره عليه. ويعرفه الحنفية بقولهم: هو ما كان مشروعاً بأصله ووصفه (1) .\rوحكم العقد الصحيح: ثبوت أثره في الحال، فالبيع الصادر من كامل الأهلية على مال متقوم شرعاً، ولغاية مشروعة، يترتب عليه ثبوت ملك المبيع والثمن للمشتري والبائع فور انتهاء الإيجاب والقبول إذا لم يكن في البيع خيار.\rالعقد غير الصحيح :\rهو ما اختل فيه أحد عناصره الأساسية أو شرط من شروطه . وحكمه أنه لا يترتب عليه أثر كبيع الميتة والدم والخمر والخنزير، وكبيع فاقد الأهلية. ويشمل غير الصحيح عند جمهور الفقهاء غير الحنفية: الباطل والفاسد، وهما بمعنى واحد.\rوأما الحنفية: فيقسمون غير الصحيح إلى باطل وفاسد. فلكل واحد معنى مختلف عن الآخر، وتلك القسمة محصورة في العقود الناقلة للملكية أو العقود التي توجب التزامات متقابلة من العاقدين، كالبيع والإجارة والهبة والقرض والحوالة والشركة والمزارعة والمساقاة والقسمة.\r-------------------------------\r(1) أصل العقد أي ركنه ( الإيجاب والقبول ) وعاقداه ومحله. ووصف العقد: هو ما كان خارجاً عن الركن والمحل كالشرط المخالف لمقتضى العقد، أو كون المبيع غير مقدور التسليم، وكالثمنية فإنها صفة تابعة للعقد.","part":4,"page":588},{"id":2684,"text":"أما العقود غير المالية كالوكالة والوصاية والزواج على الأصح والعقود المالية التي ليس فيها التزامات متقابلة كالإعارة والإيداع، والعبادات، والتصرفات المنفردة كالطلاق والوقف والكفالة والإقرار ونحوها، فهذه لا فرق فيها بين الفاسد والباطل.\rمنشأ الخلاف بين الحنفيةوالجمهور :\rأساس الخلاف بين الحنفية وغيرهم راجع لقضية أصولية: وهي فهم أثر النهي الصادر عن الشرع، كالنهي عن شراء السمك في الماء، فإنه غرر، وعن بيعتين في بيعة، وكتحريم بيع الخمر والميتة والخنزير ونحو ذلك. فهل النهي يقتضي فساد المنهي عنه، أي عدم الاعتبار والوقوع في الإثم معاً أو أنه يقتصر على إيجاب الإثم وحده مع اعتباره أحياناً؟\rثم هل يستوي النهي عن ركن من أركان العقد مع النهي عن وصف عارض للعقد لازم له أو غير لازم؟\rقال جمهور الفقهاء (1) : إن نهي الشارع عن عقد ما: يعني عدم اعتباره أصلاً، وإثم من يقدم عليه. ولا فرق بين النهي عن ركن من أركان العقد (الصيغة وأهلية العاقدين ومحل العقد) أو النهي عن وصف عارض للعقد ملازم له أو مجاور، لقوله عليه الصلاة والسلام في الحديث المتقدم: «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد، ومن أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» .\rوعليه إذا حدث عقد منهي عنه فهو باطل أو فاسد لا يترتب عليه أي أثر؛ لأن نهي الشرع عنه يجعله غير مشروع أو غير موجود، وإذا كان النهي لوصف فيسري إلى الموصوف.\rوقال الحنفية (2) : قد يكون نهي الشارع عن عقد: معناه إثم من يرتكبه فقط، لا إبطاله، ويفرق بين النهي الراجع لأصل العقد (أي لخلل في الصيغة أو في العاقد أو في المحل) فيقتضي بطلان العقد وعدم وجوده شرعاً وعدم ترتب أي أثر عليه، وبين النهي العائد لأمر آخر كوصف من أوصاف العقد ملازم له، فيقتضي بطلان هذا الوصف فقط، ولا يتعدى البطلان إلى أصل العقد، لأنه استكمل عناصره الأساسية، فيكون العقد فاسداً فقط.\r-------------------------------\r(1) بداية المجتهد: 166/2، المستصفى: 61/1، الإحكام للآمدي: 68/1، شرح جمع الجوامع للمحلي: 80/1، المدخل إلى مذهب أحمد: ص 69، الإبهاج: 44/1.\r(2) مرآة ا لأصول: 289/2، كشف الأسرار:ص 258، رد المحتار لابن عابدين: 104/4.","part":4,"page":589},{"id":2685,"text":"فالبيع الصادر عن عديم الأهلية، وبيع غير المال كالميتة، وبيع مال غير متقوم كالخمر والخنزير والسمك في الماء باطل؛ لأن الخلل فيه راجع لأصل العقد. والبيع المؤقت أو المشتمل على جهالة في الثمن أو المؤدي إلى النزاع في العقد كبيعتين في بيعة فاسد؛ لأن الخلل راجع لوصف في العقد خارج عن حقيقته وذاته وأركانه.\rوإذا كان النهي بسبب أمر مجاور للعقد غير ملازم له وليس شرطاً فيه، كان مقتضاه الكراهة للإقدام عليه في هذه الحال كالبيع وقت النداء لصلاة الجمعة.\rوعلى هذا فإن غير الصحيح عند الحنفية نوعان: باطل وفاسد.\rأما العقد الباطل: فهو ما اختل ركنه أو محله، أو ما لم يشرع بأصله ولا بوصفه، كأن يكون أحد العاقدين فاقد الأهلية، كالمجنون وغير المميز، والمميز فيما يضره ضرراً محضاً، أو أن تكون الصيغة غير سليمة، أو يكون محل العقد غير قابل لحكم العقد شرعاً، كبيع ما ليس بمال، أو ما ليس مالاً متقوماً كالخمر والخنزير والسمك في الماء، وكبيع شيء من الأموال العامة كجزء من الطريق أو من مشفى أو مسجد، وكالبيع الذي جعل الثمن فيه غير مال أصلاً كالميتة (1) ، أو الشيء المباح. وفي الزواج كالعقد على إحدى المحارم أو التي لم تنته عدتها من مطلقها، أو المتزوجة بزوج آخر، فكل هذه العقود باطلة.\rوحكم الباطل: أنه لا يعد منعقداً أصلاً، وإن وجدت صورته في الظاهر، فلا يترتب عليه أي أثر شرعي، فلا يفيد نقل الملكية أصلاً، إذ لا يعد موجوداً بحال.\rوأما العقد الفاسد (2) : فهو ما كان مشروعاً بأصله دون وصفه، أي كان\r-------------------------------\r(1) إذا كان الفساد يرجع للمبيع فالبيع باطل كبيع الخمر والخنزير والميتة والدم، وإن كان الفساد يرجع للثمن: فإن كان الثمن مالاً عند بعض الناس كالخمر والخنزير فالبيع فاسد، وإن كان الثمن ليس مالاً أصلاً كالميتة والدم فالبيع باطل.\r(2) الفساد مرتبة متوسطة بين البطلان والصحة، وليس له نظير في القوانين. أما البطلان المطلق فيقابل البطلان عند الشرعيين، وأما البطلان النسبي فيقابل العقد الموقوف أحياناً وذلك في حال نقص الأهلية أو العقد غير اللازم أحياناً وذلك في حالات عيوب الرضا؛ لأن الباطل بطلاناً نسبياً صحيح إلى أن يقضي القاضي بإبطاله بناء على طلب صاحب المصلحة بإبطاله كالمدلس عليه. ويمكن لصاحب المصلحة إجازة الباطل نسبياً.\rأما الفاسد في الفقه الحنفي فهو غير صحيح ولا يترتب عليه أثر، ويجب فسخه إما بطلب أحد العاقدين أو بواسطة القاضي بمجرد علمه، لأنه يحمي أحكام الشريعة. ولا يملك أحد إجازة الفاسد.","part":4,"page":590},{"id":2686,"text":"صادراً ممن هو أهل له، والمحل قابل لحكم العقد شرعاً، والصيغة سليمة، ولكن صاحب ذلك وصف منهي عنه شرعاً، كبيع المجهول جهالة فاحشة تؤدي للنزاع، مثل بيع دار من دور أو سيارة من سيارات دون تعيين، وكإبرام صفقتين في صفقة، كبيع دار على أن يبيعه سيارته، وكبيع مال متقوم جعل ثمنه مالاً غير متقوم كخمر مثلاً، وكبيع بقرة على أنها حامل.\rوحكم الفاسد: ثبوت الملك فيه بالقبض بإذن المالك صراحة، أو دلالة كأن يقبضه في مجلس العقد أمام البائع، دون أن يعترض عليه.\rوالعقد الفاسد واجب الفسخ شرعاً، إما من أحد العاقدين أو من القاضي إذا علم بذلك، لأنه منهي عنه شرعاً. وإمكان الفسخ مشروط بشرطين:\rالأول ـ بقاء المعقود عليه على ما كان قبل القبض، فلو تغير شكله بأن هلك أو استهلك، أو كان غزلاً فنسجه ،أو قمحاً فطحنه، أو دقيقاً فخبزه، امتنع الفسخ.\rوالثاني ـ عدم تعلق حق الغير به، فلو تصرف به المشتري لآخر بالبيع أو بالهبة وتم قبضه من الموهوب له، امتنع الفسخ.","part":4,"page":591},{"id":2687,"text":"العقد المكروه تحريماً :\rالعقد الباطل منهي عنه لأمر أساسي فيه، والفاسد منهي عنه لوصف ملازم له، فإن كان النهي لوصف غير لازم، أي مجاور للمنهي عنه، فهو مكروه كراهة تحريمية عند الحنفية، وحرام موجب للإثم والمعصية عند جمهور الفقهاء.\rومن أهم هذه العقود المكروهة (1) أو المحرمة لما فيها من الضررأو الغرر مع أنها صحيحة ما يأتي (2) :\r1 - بيع النَّجْش: وهو أن يزيد الرجل في السلعة، وليس له حاجة بها، إلا ليغلي ثمنها وينفع صاحبها. وهو عند الحنفية مكروه تحريماً، لنهي النبي صلّى الله عليه وسلم عن النجْش وقال: لا تناجشوا (3) . لكنهم قالوا، أي الحنفية: لا يكره النجش إلا إذا زاد المبيع عن قيمته الحقيقية، فإن لم يكن بلغ القيمة فزاد لا يريد الشراء فجائز، ولا بأس به لأنه عون على العدالة. ويقع البيع صحيحاً عند الجمهور مع الحرمة من غير خيار في رأي الشافعية، وللمشتري عند غيرهم رده إذا لم يوجد مانع، كتغير المبيع وتعيبه، وقال الحنابلة بفساده.\rوأما المزايدة أو البيع بالمزاد العلني: وهو أن ينادي على السلعة، ويزيد الناس فيها بعضهم على بعض حتى تقف على آخر زائد فيها فيأخذها، فهو بيع صحيح جائز لا ضرر فيه.\r2 - تلقي الركبان أو الجلب: وهو مبادرة بعض أهل المدينة أو البلد لتلقي الآتين إليها، فيشتري منهم ما معهم، ثم يبيع كما يرى لأهل البلد. وهذا حرام عند الشافعية، ومكروه تحريماً عند الحنفية إن أضر بالأهالي، وإلا فلا يكره إذا لم يلبّس السعر على الواردين لأنه إن فعل هذا كان فيه تغرير بهم. وقد نهى النبي صلّى الله عليه وسلم عن\r-------------------------------\r(1) المكروه تحريماً عند الحنفية: ما ثبت بدليل ظني فيه شبهة. وهو إلى الحرام أقرب.\r(2) انظر أحكام هذه البيوع في المذاهب: عند الحنفية: فتح القدير: 239/5 ومابعدها، تبيين الحقائق: 67/4 ومابعدها، الدر المختار: 139/4، وعند المالكية: بداية المجتهد: 164/2-166، 168، القوانين الفقهية: ص 259، 264، الشرح الكبير للدردير: 67/3-70، وعند الشافعية: نهاية المحتاج: 74/2، مغني المحتاج: 36/2 ومابعدها، تحفة الطلاب للأنصاري: ص 142، الباجوري على ابن قاسم: 353/1، وعند الحنابلة: غاية المنتهى: 17/2، 33، المغني: 212/4- 218.\r(3) أخرج البخاري ومسلم عن ابن عمر قال: «نهى رسول الله صلّى الله عليه وسلم عن النَّجْش» وأخرجا أيضاً عن أبي هريرة قال: «نهى رسول الله صلّى الله عليه وسلم أن يبيع حاضر لباد، ولا تناجشوا» (سبل السلام: 18/3، 22).","part":4,"page":592},{"id":2688,"text":"تلقي البيوع أو أن يتلقى الجلب (1) . وسبب النهي الإضرار بصاحب السلعة (البادي) لشراء الشيء بأقل من سعره الغالب، والإضرار بأهل البلد أيضاً. والبيع صحيح عند الأئمة، لأن النهي لأمر خارج عن البيع، لكن يثبت فيه عند الحنابلة والشافعية خيار الغبن، عملاً بحديث البخاري.\r3 - بيع الحاضر للبادي: وهو ألا يبيع الواحد من أهل البلد (الحاضر) ما عنده من طعام ونحوه إلا لأهل البادية، طمعاً في زيادة الثمن، أو أن يتخصص شخص ببيع بضاعة الغريب على التدريج مع حاجة أهل البلد، بسعر أغلى، مع أن الغريب كان يريد البيع بسعر اليوم. وكراهة هذه البيوع إذا كانت تضر بأهل البلد، وإلا فلا ضرر، وقد نهى النبي صلّى الله عليه وسلم أن يبيع حاضر لباد (2) . وقد أجاز المالكية فسخ هذا البيع، كالنجش. وهو حرام عند الشافعية. وسبب النهي عنه: الإضرار بأهل السوق لبيع السلعة بأكثر من ثمن المثل، أو من طريق السمسرة، ويفسخ عند المالكية إن لم يفت بتغير أو تعيب أو تصرف، وهو صحيح عند الأئمة الثلاثة؛ لأن النهي لأمر خارج عن البيع، وهو الرفق بأهل الحضر.\r-------------------------------\r(1) أخرج البخاري ومسلم عن ابن عباس حديث «لا تلقوا الركبان، ولا يبع حاضر لباد» (سبل السلام: 20/3). وحديث البخاري: «لا تلقوا السلع حتى يهبط بها إلى السوق، فمن تلقاها فصاحب السلعة بالخيار» .\r(2) رواه البخاري ومسلم عن ابن عمر، وروى الجماعة إلا البخاري عن جابر أن النبي صلّى الله عليه وسلم قال: «لا يبيع حاضر لباد، دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض» (نيل الأوطار:164/5).","part":4,"page":593},{"id":2689,"text":"4 - البيع وقت النداء لصلاة الجمعة: عند الجمهور من حين صعود الإمام على المنبر إلى أن تنقضي الصلاة، وعند الحنفية: من الأذان الأول. وهذا البيع صحيح مكروه تحريماً عند الحنفية، وصحيح حرام عند الشافعية؛ لقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله ، وذروا البيع} [الجمعة:9/36] ويلحق بالبيع سائر العقود والصناعات كلها لما فيها من شغل عن السعي إلى الجمعة. والنهي عنها لأمر خارج عن حقيقة العقد.\rوعد المالكية (1) هذا البيع من البيوع الفاسدة، وقالوا: إنه يفسخ على المشهور وقال عنه الحنابلة: لا يصح هذا البيع (2) .\rأنواع العقد الصحيح :\rينقسم العقد الصحيح عند الحنفية والمالكية إلى نافذ وموقوف:\rالنافذ: هو ما صدر ممن له أهلية وولاية على إصداره، كأغلب عقود الناس مثل العقد الصادر من الرشيد في ماله، أو الولي أو الوصي للقاصر، أو الوكيل لموكله. وحكمه: أنه تترتب عليه آثاره فور صدوره، من غير توقف على إجازة أحد.\rوالموقوف: هو ما صدر من شخص له أهلية التعاقد، من غير أن يكون له ولاية إصداره. كعقد الفضولي، وعقد الصغير المميز فيما يتردد بين الضرر والنفع، وحكمه : أنه لا تترتب عليه آثاره إلا إذا أجازه صاحب الشأن الذي يملك إصداره، فإن لم يجزه بطل العقد.\rوهذا العقد عند الشافعية والحنابلة باطل.\r-------------------------------\r(1) تبصرة الحكام لابن فرحون بهامش فتح العلي: 378/2.\r(2) كشاف القناع: 169/3 ومابعدها.","part":4,"page":594},{"id":2690,"text":"أنواع العقد النافذ :\rينقسم العقد النافذ إلى لازم وغير لازم:\rاللازم: هو ما ليس لأحد عاقديه فسخه دون رضا الآخر، كالبيع والإجارة.\rوالأصل في العقود اللزوم؛ لأن الوفاء بالعقود واجب شرعاً لقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود} [المائدة:1/5].\rوتثبت صفة اللزوم عند الحنفية والمالكية بمجرد صدور العقد من العاقدين. وعند الشافعية والحنابلة: لا يلزم العقد إلا بتفرق العاقدين بأبدانهما، أو إذا تخايرا، فاختارا لزومه، عملاً بحديث خيار المجلس: «البيعان بالخيار ما لم يتفرقا، أو يقول أحدهما للآخر: اختر» .\rوغير اللازم أو الجائز كما يسميه بعض الفقهاء: هو ما يملك كل من طرفيه أو أحدهما فقط فسخه دون رضا الآخر، إما عملاً بطبيعة العقد نفسه كالوكالة والإعارة والإيداع، أو لمصلحة العاقد كالعقد المشتمل على الخيار.\rوالعقود بالنسبة إلى اللزوم وقابلية الفسخ وعدمه أربعة أنواع.\r1 ً ـ عقود لازمة لا تقبل الفسخ: كالزواج لايقبل الفسخ ولو باتفاق العاقدين بطريق الإقالة أي لا يقبل الإلغاء الاتفاقي. وإنما يقبل الإنهاء بطرق شرعية كالطلاق والخلع (1) والتفريق القضائي لعدم الإنفاق أو للعيب أو للضرر وسوء العشرة أو للغيبة أو للحبس والاعتقال ونحو ذلك.\rوكل ما لا يقبل الفسخ لا يثبت فيه خيار؛ لأن الخيار يعطي حق الفسخ لصاحبه.\r-------------------------------\r(1) الطلاق ليس فسخاً للزواج، بل إنهاء له بوضع حد لحكمه وآثاره. والخلع: هو إنهاء الزواج لقاء مال تدفعه الزوجة لزوجها. والطلاق أو الخلع أو التفريق ليست إلغاء للعقد، وإنما هي إنهاء بدليل بقاء حرمة المصاهرة وثبوت النسب بعد الإنهاء، فأم الزوجة مثلاً تبقى محرَّمة على زوج ابنتها أبداً ولو طلق البنت.","part":4,"page":595},{"id":2691,"text":"2 ً ـ عقود لازمة تقبل الفسخ: أي تقبل الإلغاء بطريق الإقالة أي باتفاق العاقدين. وهي عقود المعاوضات المالية كالبيع والإيجار والصلح والمزارعة والمساقاة ونحوها. وهذه العقود تقبل الفسخ بالخيار أيضاً.\r3 ً ـ عقود لازمة لأحد الطرفين: كالرهن والكفالة: فإنهما لازمان بالنسبة إلى الراهن والكفيل، وغير لازمين بالنسبة للدائن المرتهن، والمكفول له؛ لأن العقد لمصلحتهما الشخصية توثيقاً للحق، فلهما التنازل عنه.\r4 ً ـ عقود غير لازمة للطرفين: وهي التي يملك كل من العاقدين فيها حق الفسخ والرجوع، كالإيداع والإعارة والوكالة والشركة والمضاربة والوصية والهبة، فالعقود الخمسة الأولى يجوز لكل من العاقدين فسخ العقد متى شاء. والوصية والهبة يصح للموصي والواهب الرجوع عنها، كما يصح للموصى له والموهوب له ردها وإبطالها بعد وفاة الموصي، وفي حال حياة الواهب.\rالتقسيم الثاني ـ بالنظر إلى التسمية وعدمها :\rتقسم العقود إلى مسماة وغير مسماة:\rأما العقود المسماة: فهي ما وضع الشرع لها اسماً خاصاً بها، وبيَّن أحكامها المترتبه عليها، كالبيع والإجارة والشركة والهبة، والكفالة والحوالة والوكالة والرهن، والقرض والصلح، والزواج والوصية ونحوها.","part":4,"page":596},{"id":2692,"text":"وأما العقود غير المسماة: فهي التي لم يوضع لها اسم خاص في الشرع، ولم يرتب التشريع أحكاماً خاصة بها، وإنما استحدثها الناس تبعاً لحاجة. وهي كثيرة لا تنحصر، لأنها تنشأ بحسب تجدد حاجات الناس وتطور المجتمعات وتشابك المصالح، مثل عقد الاستصناع، وبيع الوفاء، وبيع الاستجرار، والتحكير، وأنواع المقاولات، أي التعهدات والالتزامات الحديثة، وأنواع الشركات التي تمنح امتيازات للتنقيب عن النفط والمعادن، وعقود النشر والإعلان في الصحف والمجلات ونحوها.\rأما الاستصناع: فهو التعاقد على صنع شيء معين (1) كالأحذية والآنية والسيارات والبواخر، والمفروشات ونحوها. وقد تردد بين اعتبار كونه بيعاً أو إجارة أو وعداً، ثم استقر على تسمية خاصة به.\rوأما بيع الوفاء: فهو أن يبيع المحتاج إلى النقود عقاراً على أنه متى وفى الثمن استرد العقار (2) . تردد بين كونه بيعاً أو رهناً،ثم استقر على هذا الاسم الخاص به.\rوبيع الاستجرار: هو ما يستجره الإنسان من البياع، ثم يحاسبه على أثمانها بعد استهلاكها (3) . تردد بين كونه بيعاً أو ضمان متلفات بإذن مالكها عرفاً، واستقر على هذا الاسم تسهيلاً لأمر الناس ودفعاً للحرج.\rوالتحكير: هو الاتفاق على الانتفاع بأرض الوقف بالبناء والغرس لقاء أجرة معجلة تقارب قيمة الأرض، وأجرة سنوية ضئيلة، حددت في قانون الملكية العقاري السوري (باثنين ونصف في الألف) من قيمة الأرض المقدرة رسمياً لجباية الضرائب العقارية (4) .\rوقد عرفنا في بحث حرية التعاقد: أن الرأي الغالب أو الراجح فقهاً هو جواز\r-------------------------------\r(1) البدائع: 2/5، فتح القدير: 354/5، الفتاوى الهندية: 504/4 .\r(2) الدر المختار ورد المحتار: 257/4، وانظر المجلة في المواد (396-403).\r(3) الدر المختار: 13/4 .\r(4) رد المحتار: 428/3، المدخل إلى نظرية الالتزام في الفقه للأستاذ الزرقاء: ص40، المدخل الفقهي للزرقاء. حاشية ف 295.","part":4,"page":597},{"id":2693,"text":"إحداث عقود جديدة لا تخالف نصوص الشريعة ومبادئها وقواعدها العامة، كما يقول الحنابلة وبخاصة ابن تيمية وابن القيم. أو من طريق القياس والاستحسان والعرف والمصالح المرسلة وغيرها من أدلة التشريع كما يقول الحنفية والمالكية والشافعية.\rالتقسيم الثالث ـ بالنظر إلى غاية العقد وأغراضه :\rتنقسم العقود بحسب أغراضها وغاياتها إلى مجموعات سبع، فقد تكون غاية العقد هي تمليك شيء، أو الاستيثاق، أو الحفظ، أو التفويض ونحو ذلك.\r1 - التمليكات: وهي ما يقصد بها تمليك شيء، عين أو منفعة، فإن كان التمليك بعوض فهي عقود المعاوضات كالبيع والإجارة، والصرف والصلح، والقسمة، والاستصناع، والمزارعة والمساقاة، والزواج، ونحوها مما فيه معاوضة ومبادلة بين طرفين.\rوإن كان التمليك مجاناً بغير عوض فهي عقود التبرعات، كالهبة والصدقة والوقف والإعارة وحوالة الدين.\rوقد يكون التبرع في ابتداء العقد كالقرض والكفالة بأمر المدين، والهبة بشرط العوض، ثم يلزم الطرف الآخر بدفع البدل، فهي تبرع ابتداءً، معاوضةٌ انتهاءً.\r2 - الإسقاطات: وهي ما يقصد بها إسقاط حق من الحقوق، سواء ببدل، أم بدون بدل.\rفإن كان الإسقاط بدون بدل من الطرف الآخر فهو الإسقاط المحض، كالطلاق المجرد عن المال، والعفو عن القصاص، والإبراء عن الدين، والتنازل عن حق الشفعة. وإن كان الإسقاط ببدل أو عوض من الطرف الآخر، فهو إسقاط المعاوضة، كالطلاق على مال، والعفو عن القصاص بالدية.\r3 - الإطلاقات: وهي إطلاق الشخص يد غيره في العمل، كالوكالة وتولية الولاة والقضاء، والإذن للمحجور عليه بالتصرف أو للصغير المميز بالتجارة، والإيصاء: وهو أن يعهد شخص لآخر في أن يتولى شؤون أولاده القصر بعد وفاته.","part":4,"page":598},{"id":2694,"text":"4 - التقييدات: وهي منع الشخص من التصرف، كعزل الولاة والقضاة، ونظار الوقف، والأوصياء، والقوام على المحجور عليهم، والوكلاء، وحجر الشخص عن التصرف بسبب الجنون أو العته أو السفه أو الصغر.\r5 - التوثيقات: (أو التأمينات أوعقود الضمان): وهي التي يقصد بها ضمان الديون لأصحابها وتأمين الدائن على دينه، وهي الكفالة والحوالة والرهن.\r6 - الاشتراك: وهي التي يقصد بها المشاركة في العمل والربح، كعقود الشركات بأنواعها، ومنها المضاربة: وهي أن يدفع شخص لآخر مبلغاً من المال ليتجر فيه على أن يشتركا في الربح، والخسارة على رب العمل. ومنها المزارعة (تعهد الأرض بالعناية) والمساقاة (تعهد الأشجار بالسقي ونحوه).\r7 - الحفظ: وهي التي يراد منها حفظ المال لصاحبه، كعقد الإيداع، وبعض خصائص الوكالة.\rالتقسيم الرابع ـ بالنظر إلى العينية وعدمها :\rتنقسم العقود إلى عينية وغير عينية.\rفالعقد العيني: هو الذي لا بد فيه لتمام انعقاده وترتيب أثره من تسليم الشيء المعقود عليه عيناً. وهو يشمل عقوداً خمسة: هي الهبة والإعارة والإيداع والرهن والقرض (1) . فهذه العقود لا بد لتمامها وترتب أثرها عليها من قبض المعقود عليه؛ لأن هذه العقود ما عدا الرهن من التبرعات، والتبرع إحسان، فلا بد له من شيء يؤكده، وهو القبض. وأما الرهن أي الرهن الحيازي فإنه شرع موصوفاً بالقبض في قوله تعالى: {فرهان مقبوضة} [البقرة:283/2] والقبض عند الحنفية: يتم بالتخلية أي بأن يخلي المالك بين المعقود عليه والطرف الآخر، برفع الحائل بينهما، على وجه يتمكن الآخر من الحيازة والتصرف في الشيء (2) .\rوالعقد غير العيني: هو الذي يتم بمجرد الصيغة السليمة من العيوب ويترتب عليه أثره بدون حاجة إلى القبض. وهذا يشمل جميع العقود ماعدا العقود الخمسة السابقة.\r-------------------------------\r(1) يشترط منعاً من الوقوع في الربا والاستغلال قبض كل من العوضين في مجلس العقد في مبادلة الأموال الربوية ببعضها ( وهي عند الحنفية كل ما يباع كيلاً أو وزناً ) كبيع النقود ببعضها وهو عقد الصرف، وكبيع الحنطة بالحنطة أو الحنطة بالشعير. ويشترط أيضاً قبض الثمن ( رأس مال السلم ) في عقد السلم: وهو بيع آجل بعاجل كبيع المنتجات الزراعية قبل حصادها في الموسم، وذلك في مجلس العقد ذاته.\r(2) البدائع: 244/5. وقال المالكية والشافعية: قبض العقار كالأرض والدور يتم بالتخلية، وقبض المنقول كالأمتعة والدواب يتم بحسب العرف الجاري بين الناس ( الشرح الكبير للدردير: 145/3، المجموع:301/9-309، المهذب: 263/1 ) وقال الحنابلة: قبض كل شيء بحسبه، ويرجع فيه إلى العرف ( المغني: 111/4 ومابعدها ).","part":4,"page":599},{"id":2695,"text":"التقسيم الخامس ـ باعتبار اتصال الأثر بالعقد وعدم اتصاله :\rينقسم العقد بحسب ترتب أثره عليه بمجرد انعقاده وعدم ترتب أثره في الحال إلى أنواع ثلاثة: هي منجز، ومضاف، ومعلق.\r1 - العقد المنجز: وهو ما صدر بصيغة غير معلقة على شرط ولا مضافة إلى المستقبل. وحكمه: ترتب الآثار عليه في الحال ما دام مستوفياً لأركانه وشروطه المطلوبة فيه. مثل: بعتك هذه الأرض بكذا، وقبل الآخر. يترتب على هذا البيع تحقق أثره عليه في الحال: وهو انتقال الملكية في العوضين.\rوالأصل في العقود التنجيز في الحال أي أن آثارها تترتب عليها فور إنشائها ما عدا الوصية والإيصاء، فلا يمكن بطبيعتهما أن يكون ناجزين، لإضافتهما حتماً لما بعد وفاة الموصي. أما الوصية: فهي تمليك مضاف لما بعد الموت بالتبرع بشيء لجهة أو شخص ما. وأما الإيصاء: فهو إقامة وصي على أبنائه القاصرين بعد وفاة الولي.\r2 - العقد المضاف للمستقبل: ما صدر بصيغة أضيف فيها الإيجاب إلى زمن مستقبل. مثل: آجرتك داري لسنة من مطلع الشهر القادم. أنتِ طالق غداً أو بعد أسبوع.","part":4,"page":600},{"id":2696,"text":"وحكمه: أنه ينعقد في الحال، ولكن أثره لا يوجد إلا في الوقت المحدد الذي أضيف إليه.\rالعقود بالنسبة للإضافة :\rالعقود عند الحنفية بالنسبة لقبولها الإضافة أو عدم قبولها ثلاثة أنواع:\rالأول ـ عقود لا تكون إلا مضافة بطبيعتها: وهي الوصية والإيصاء كما تقدم، سواء أكانت منجزة مثل: أوصيت بكذا للفقراء أو لمسجد البلدة، أم معلقة مثل: إن نجحت في المشروع الفلاني فقد أوصيت بمبلغ كذا للمشفى الفلاني. فإذا تحقق النجاح، لم يثبت حكم الوصية إلا بعد الوفاة.\rالثاني ـ عقود لا تقبل الإضافة، وإنما تكون دائماً ناجزة: وهي عقود تمليكات الأعيان، كالبيع والهبة والصلح على مال والإبراء عن الدين. ويلحق بها الزواج والشركة والقسمة والرجعة؛ لأنها تتطلب شرعاً ثبوت آثارها في الحال، فإذا أضيفت للمستقبل تأخرت آثارها عنها، وذلك ينافي أصل وضعها الشرعي. فالبيع يوجب نقل الملكية في الحال، والزواج يفيد حل الاستمتاع حالاً، فلا يصح تأخير الأثر عنهما.\rالثالث ـ عقود تصح منجزة ومضافة للمستقبل: فإذا كانت منجزة ترتب عليها أثرها في الحال، ، وإن كانت مضافة تأخر أثرها إلى زمن الإضافة، وهي (1) :\rأولاً ـ العقود الواردة على المنافع: كالإجارة والإعارة والمزارعة والمساقاة.\rثانياً ـ الالتزامات أو التوثيقات: كالكفالة والحوالة.\rثالثاً ـ الإطلاقات: كالوكالة والقضاء والوظائف والإدارات والإذن بالتجارة.\rرابعاً ـ الإسقاطات: كالطلاق والخلع من جانب الزوج، والوقف.\r3 - العقد المعلق على شرط: هو ما صدر معلقاً وجوده على أمر آخر بأحد أدوات الشرط. مثل: إن سافرت فأنت وكيلي. إذا قدم فلان من الحجاز فقد بعتك الشيء الفلاني.\rويختلف المعلق على شرط عن المضاف للمستقبل في أن العقد المعلق لا ينعقد إلا حين وجود الشرط المعلق عليه. أما المضاف للمستقبل فهو منعقد في الحال، ولكن آثاره لا يسري مفعولها إلا في المستقبل المضاف إليه.\r-------------------------------\r(1) تبيين الحقائق: 134/4.","part":4,"page":601},{"id":2697,"text":"العقود بالنسبة للتعليق عند الحنفية :\rتنقسم العقود من هذه الناحية إلى ثلاثة أنواع هي (1) :\rالنوع الأول ـ عقود لا تقبل التعليق وهي :\rأولاً ـ التمليكات المالية ما عدا الوصية، سواء أكانت واردة على الأعيان كالبيع والإبراء، أم على المنافع كالإجارة والإعارة، بطريق المعاوضة أم بطريق التبرع كالهبة؛ لا يصح تعليقها على شرط متردد بين الوجود والعدم؛ لأن الملكية لا بد أن تكون مستقرة جازمة لا تردد فيها، وإلا شابهت القمار.\rثانياً ـ المبادلات غير المالية: كالزواج والخلع لا يصح تعليقهما على شرط، مثل: تزوجتك إن نجحت في شهادة كذا، وخالعتك إن رضي أخي؛ لأنه لا بد من تحقق أثرها في الحال.\rثالثاً ـ التقييدات كالرجعة وعزل الوكيل والحجر على الصبي المأذون له في التجارة.\rرابعاً ـ الرهن والإقالة (فسخ العقد بالتراضي): لا يصح تعليقهما، مثل: رهنتك هذه الدار إن رضي والدي. أقلتك من البيع إن وجدت مشترياً بثمن أعلى.\rوقد عرفنا سابقاً في بحث حرية الاشتراط أن ابن تيمية وابن القيم من الحنابلة قالا: يصح تعليق العقود والفسوخ والتبرعات والالتزامات بالشروط ولا يمنع منها إلا ما ورد بالنهي عنه نص من الشارع.\rالنوع الثاني ـ عقود يصح فيها التعليق بأي شرط ملائم أم غير ملائم وهي:\rأولاً ـ الإسقاطات المحضة: كالطلاق والتنازل عن حق الشفعة.\rثانياً ـ الوكالة والوصية والإيصاء.\rثالثاً ـ الالتزامات التي يراد منها تقوية إرادة الملتزم، كالنذر واليمين، مثل: إن نجحت في الامتحان فلله علي صوم أسبوع ولأتصدقن بمبلغ كذا. ووالله لأفعلن كذا إن انتصرنا على العدو.\rالنوع الثالث ـ عقود يصح تعليقها بالشرط الملائم دون سواه. وهي الكفالة والحوالة والإذن للصبي بالتجارة.\r-------------------------------\r(1) المرجع السابق، الدر المختار: 277/4، فتح القدير: 404/5.","part":4,"page":602},{"id":2698,"text":"والشرط الملائم: هو ماكان مناسباً لمقتضى العقد، عرفاً أو شرعاً، بأن يكون أساساً لوجوده، أو سبباً لثبوت الحق، مثل: إن أقرضت فلاناً فأنا كفيله، إن لم أدفع دينك بعد شهر فقد أحلتك به على فلان، إن أحسنت التجارة فقد أذنت لك بها.\rأما غير الملائم فمثل: إن نزل المطر فقد كفلت فلاناً، أو أحلتك بدينك على فلان، أو أذنت لك بالتجارة، وإن نجح ابني في شهادة كذا فقد كفلتك. فمثل هذه الشروط غير المفيدة أو التي لا يظهر فيها غرض صحيح تعد نوعاً من العبث أو الهزل واللهو، ولا تصح العقود مع الهزل.\rالمبحث السادس ـ الخيارات\rعرفنا في المبحث السابق أن العقد اللازم: هو الخالي من أحد الخيارات التي تسوغ لأحد العاقدين فسخه وإبطاله.\rومعنى الخيار: أن يكون للمتعاقد الحق في إمضاء العقد أو فسخه، إن كان الخيار خيار شرط أو رؤية أو عيب. أو أن يختار أحد المبيعين إن كان الخيار خيار تعيين.\rوالخيارات سبعة عشر، سأجمل هنا الكلام عن ستة منها فقط، هي خيار المجلس، وخيار التعيين، وخيار الشرط، وخيار العيب، وخيار الرؤية. وقد شرعت الخيارات إما ضماناً لرضا العاقدين أو حفظاً لمصلحتهما، أو دفعاً للضرر الذي قد يلحق أحد العاقدين، فهي مشروعة للضرورة أو للحاجة إليها.\rومصدر الخيارات: إما اتفاق العاقدين كخيار الشرط وخيار التعيين. وإما حكم الشرع، كخيار العيب وخيار الرؤثة. وقد يعتبر خيار العيب ثابتاً باشتراط المتعاقد ضمناً لا صراحة.\rخيار المجلس عند الشافعية والحنابلة :\rخيار المجلس: هو أن يكون لكل من العاقدين حق فسخ العقد ما داما في مجلس العقد، لم يتفرقا بأبدانهما، أو يخير أحدهما الآخر فيختار لزوم العقد.","part":4,"page":603},{"id":2699,"text":"ومعنى هذا أن العقد لا يلزم إلا بإنهاء مجلس العقد بالتفرق أو بالتخيير. وليس ذلك في كل العقود وإنما في العقود اللازمة من الجانبين فقط القابلة للفسخ وهي عقود المعاوضات المالية كالبيع بأنواعه وصلح المعاوضة والإجارة؛ لأن الدليل المثبت له وهو الحديث ورد في البيع، فيقاس عليه ما في معناه من عقود المعاوضات (1) .\rوقد انقسم الفقهاء في شأنه فريقين:\r1 - فقال الحنفية والمالكية (2) : يلزم العقد بالإيجاب والقبول، ولا يثبت فيه خيار المجلس؛ لأن الله أمر بالوفاء بالعقود في قوله تعالى: {أوفوا بالعقود} [المائدة:1/5] والخيار مناف لذلك، فإن الراجع عن العقد لم يف به، ولأن العقد يتم بمجرد التراضي، بدليل قوله تعالى: {إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم} [النساء:29/4] والتراضي يحصل بمجرد صدور الإيجاب والقبول، فيتحقق الالتزام من غير انتظار لآخر المجلس.\rولم يأخذوا بالأحاديث الواردة في إثبات خيار المجلس لمنافاتها لعموم الآيات القرآنية المذكورة. وتأول الحنفية حديث خيار المجلس «البيعان بالخيار ما لم يتفرقا» بأنه وارد في مرحلة ما قبل تمام العقد. فالبيعان: معناه المتساومان قبل العقد، إن شاءا عقدا البيع، وإن شاءا لم يعقداه، والمراد بالتفرق: هو التفرق بالأقوال لا بالأبدان، أي أن للموجب أن يرجع عن إيجابه قبل قبول الآخر، وللآخر الخيار، إن شاء قبل في المجلس، وإن شاء رد، وهذا هو خيار القبول أو الرجوع.\rولكن يلاحظ أن هذا التأويل لا معنى له؛ لأن كل عاقد قبل إبرام العقد حر في القبول وعدمه، ويجعل (أي هذا التأويل) الحديث عديم الفائدة، فلا حاجة للمشرع لإثبات مبدأ حرية الإنسان فيما يلتزم، فهو أصل عام، والأصل في كل إنسان عدم الالتزام. فإذا لم يقبل الذي وجه له الإيجاب لا يسمى ذلك تفرقاً وإنما اختلافاً.\r-------------------------------\r(1) المجموع للنووي: 186/9 ومابعدها، ط العاصمة.\r(2) البدائع: 134/5، فتح القدير: 78/5، بداية المجتهد: 169/2 ومابعدها، الشرح الكبير مع الدسوقي: 81/3، القوانين الفقهية: ص274، المنتقى على الموطأ: 55/5 .","part":4,"page":604},{"id":2700,"text":"وحديث خيار المجلس لا يعارض آية الأمر بالوفاء بالعقود؛ لأن المراد\rبالعقود هي الكاملة اللازمة التي لا خيار فيها، ولا يعارض أيضاً آية {تجارة عن تراض} [النساء:29/4]؛ لأن هذا الخيار مشروع للتأكد من تمام التراضي.\r2 - وقال الشافعية والحنابلة المثبتون لخيار المجلس (1) : إذا انعقد العقد بتلاقي الإيجاب والقبول يقع العقد جائزاً أي غير لازم، ما دام المتعاقدان في مجلس العقد. ويكون لكل من العاقدين الخيار في فسخ العقد أو إمضائه، ما داما مجتمعين في المجلس لم يتفرقا بأبدانهما، أو يتخايرا. ويحد طبيعة التفرق: العرف الشائع بين الناس في التعامل (2) ، وهذا هو خيار المجلس.\rواستدلوا على مشروعيته بالحديث الصحيح الثابت برواية البخاري ومسلم وهو أنه صلّى الله عليه وسلم قال: «البيِّعان بالخيار ما لم يتفرقا، أو يقول أحدهما للآخر: اختر» (3) أي اختر اللزوم. وأما التفرق فهو أن يتفرقا بأبدانهما، فلو أقاما في ذلك المجلس مدة متطاولة كسنة أو أكثر، أو قاما وتماشيا مسافة، فهما على خيارهما، كما قال النووي. والرجوع في التفرق إلى العادة، فما عده الناس تفرقا فهو تفرق ملزم للعقد، وما لا فلا (4) .\r-------------------------------\r(1) مغني المحتاج: 43/2، 45، المهذب: 257/1، المغني: 563/3، المجموع: 196/9، ط العاصمة.\r(2) قال الحنابلة والشافعية: يكون التفرق إما بالمشي أو بالصعود أو بالنزول، أو بالخروج من المكان ( غاية المنتهى: 30/2، المجموع للنووي: 192/9 ).\r(3) سبل السلام: 3/33 ومابعدها. قال ابن رشد المالكي: وهذا حديث إسناده عند الجميع من أوثق الأسانيد وأصحها. وأثبت ابن حزم في المحلى تواتره أي رواية جمع غفير له.\r(4) أخذ على هذا الرأي كونه يزعزع من قوة العقد الملزمة، وهو مبدأ خطير من أهم المبادئ القانونية (مصادر الحق للسنهوري: 37/2).","part":4,"page":605},{"id":2701,"text":"خيار التعيين:\rخيار التعيين (1) : هو أن يكون للعاقد حق تعيين أحد الأشياء الثلاثة المختلفة في الثمن والصفة التي ذكرت في العقد. فإذا عين الواحد صار محل العقد معلوماً بعد أن كان مجهولاً بعض الجهالة.\rوهو لا يثبت إلا في عقود المعاوضات المالية التي تفيد نقل ملكية الأعيان كالبيع، والهبة بعوض، والقسمة ونحوها.\rولا يثبت هذا الخيار إلا للمشتري فقط، على الرأي الراجح عند الحنفية.\rوقد اختلف الفقهاء في مشروعيته، فمنعه الشافعي وأحمد وزفر من الحنفية لجهالة المبيع، والمبيع يشترط أن يكون معلوماً.\rوأجازه أبو حنيفة وصاحباه استحساناً لحاجة الناس إليه، إذ قد يكون الشخص غير خبير بأحوال المشتريات، فيحتاج إلى استشارة غيره ليأخذ الأرفق والأوفق له. وقد يحتاج الشخص إلى توكيل غيره بالشراء ويرغب في رؤية الشيء المشترى، ولا يوافق التاجر على إخراج البضاعة من محله إلا بشراء واحد من اثنين أو ثلاثة (2) . وهذا معنى معقول وواقعي، محقق لمصلحة التاجر لكي تصبح البضاعة المقبوضة مضمونة لا مجرد أمانة، ونافع للمشتري لتحقيق رغبته وميوله، وليس في جهالة المبيع خطورة، لأنها لا تفضي إلى النزاع، لتعيين ثمن كل صنف على حدة.\r-------------------------------\r(1) راجع أحكام خيار التعيين في المواد ( 316 - 329 ) من المجلة.\r(2) تبيين الحقائق للزيلعي: 21/4، البدائع: 261/5.","part":4,"page":606},{"id":2702,"text":"شروطه :\rاشترط الحنفية القائلون بخيار التعيين شروطاً ثلاثة لصحته وهي (1) :\r1 - أن يكون الخيار بين ثلاثة أشياء على الأكثر؛ لأن أصناف الأشياء تتراوح عادة بين الجيد والوسط والرديء، فما زاد عن الثلاثة لا يصح فيه الخيار، لعدم الحاجة إليه.\r2 - أن تكون الأشياء متفاوتة القيمة أو الوصف، وثمن كل منها محدد معين، فإن كانت الأشياء متحدة القيمة أو الوصف فلا معنى للخيار بينها. وإذا كان الثمن غير محدد لكل منها، كان مجهولاً، وجهالة الثمن تفسد البيع.\r3 - أن تكون مدة الخيار معلومة، لا تزيد عن ثلاثة أيام عند أبي حنيفة كخيار الشرط، فإن زادت على ذلك فسد العقد.\rوقال الصاحبان: يكفي أن تكون المدة معلومة، وإن زادت عن ثلاثة أيام.\rأثر خيار التعيين :\rإذا اقتصر المشتري على ذكر خيار التعيين بدون خيار الشرط، كان العقد لازماً تثبت به ملكية أحد الأشياء، وينحصر دور المشتري في اختيار أحد الأشياء التي اشتراها. وإن مات المشتري ورثه ورثته في ممارسة حق الاختيار.\rفإن انضم إلى خيار التعيين خيار الشرط كان العقد غير لازم، ولا يورث حق الخيار حينئذ، ويحق للمشتري رد العقد بكامله (2) .\r-------------------------------\r(1) الزيلعي: 21/4، البدائع: 261/5، فتح القدير: 130/5 ومابعدها.\r(2) البدائع: 261/5، 268، فتح القدير: المكان السابق، و133.","part":4,"page":607},{"id":2703,"text":"انتهاء خيار التعيين :\rينتهي خيار التعيين إما صراحة أو دلالة أو حكماً، كأن يقول: قبلت هذا الشيء دون غيره، أو تصرف في أحد الأشياء تصرفاً يدل على أنه اختاره. أو هلك أحد الأشياء في يد المشتري بعد القبض، فيتعين الهالك مبيعاً، وعليه ثمنه، والآخر يكون أمانة في يده يجب رده إلى صاحبه (1) .\rخيار الشرط\rخيار الشرط (2) : هو أن يكون لأحد العاقدين أو لكليها أو لغيرهما الحق في فسخ العقد أو إمضائه خلال مدة معلومة، كأن يقول المشتري للبائع: اشتريت منك هذا الشيء على أني بالخيار مدة يوم أو ثلاثة أيام.\rوشرع للحاجة إليه لدفع الغبن عن العاقد في العقود.\rويثبت فقط في العقود اللازمة القابلة للفسخ بتراضي الطرفين، ولو كان لزومها من جانب واحد، وذلك كالبيع والإجارة، والمزارعة والمساقاة، والشركة ومنها المضاربة، والقسمة، والكفالة والحوالة، والرهن إذا اشترطه الراهن للزوم العقد من جانبه، ولا حاجة للمرتهن لاشتراطه؛ لأن العقد بالنسبة إليه غير لازم.\rأما العقود غير اللازمة كالوكالة والإعارة والإيداع والهبة والوصية فلا حاجة فيها لاشتراط الخيار، لأنها بطبيعتها غير لازمة.\rوأما العقود اللازمة التي لا تقبل الفسخ كالزواج والخلع والطلاق فلا يصح اشتراط الخيار فيها، لأنه يتعذر فسخها.\rكذلك لا يصح اشتراط الخيار في عقد ي السلم والصرف؛ لأن السلم يشترط لصحته قبض رأس مال السلم في مجلس العقد، والصرف يشترط فيه قبض البدلين في المجلس. وخيار الشرط يقتضي تأخير القبض عن المجلس وإذا تأخر القبض عن المجلس فسد العقد، فلا يصح اشتراط\r-------------------------------\r(1) البدائع: 261/5 ومابعدها، فتح القدير: 132/5.\r(2) راجع أحكام خيار الشرط في المواد ( 300-309) من مجلة الأحكام العدلية.","part":4,"page":608},{"id":2704,"text":"خيار فيهما (1) .\rمدة الخيار: اتفق جمهور الفقهاء غير المالكية على أن مدة الخيار المشروط ينبغي أن تكون معلومة، فإن لم تكن له مدة، أو كانت المدة مجهولة، أو كان الخيار مؤبداً لم يصح العقد، وكان فاسداً عند الحنفية (2) ، وباطلاً عند الشافعية والحنابلة (3) .\rوقال الإمام مالك: يجوز الخيار المطلق بدون تحديد مدة، ويحدد الحاكم له مدة كمدة خيار مثله في العادة؛ لأن اختيار المبيع في مثله مقدر في العادة، فإذا أطلق الخيار حمل على المعتاد. ويفسد العقد باشتراط مدة زائدة على المعتاد بكثير أي بعد يوم، أو بشرط مدة مجهولة كإلى أن تمطر السماء (4) .\rثم اختلف الفقهاء في مقدار مدة الخيار على ثلاثة أقوال:\r1 - فقال أبو حنيفة وزفر والشافعي (5) : إنها لا تزيد على ثلاثة أيام، عملاً بمقتضى الحديث الذي ثبتت به مشروعية هذا الخيار، وهو حديث حَبَّان بن مُنْقِذ الذي كان يغبن في البيع والشراء، فشكا أهله إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلم ، فقال: «إذا\r-------------------------------\r(1) الدر المختار ورد المحتار لابن عابدين: 50/4 ومابعدها.\r(2) البدائع: 174/5، رد المحتار: 49/4.\r(3) المهذب: 259/1، المغني: 589/3 .\r(4) بداية المجتهد: 108/2، الشرح الكبير: 95/3.\r(5) المبسوط: 40/13 ومابعدها، البدائع: 174/5، فتح القدير: 110/5 ومابعدها، مغني المحتاج: 47/2، المجموع:201/9.","part":4,"page":609},{"id":2705,"text":"بايعت فقل: لا خلابة (1) ، ولي الخيار ثلاثة أيام» فهذا الخيار شرع استثناء لدفع الغبن عن الناس، فيقتصر فيه على مورد النص، والنص جعل المدة ثلاثة أيام، فلا يزاد عليها، ولأن الحاجة تتحقق بالثلاث غالباً.\rفلو زاد عليها فسد العقد عند أبي حنيفة وزفر، ويعود صحيحاً عند أبي حنيفة إذا ارتفع سبب الفساد بإجازة العقد في مدة الأيام الثلاثة، وعند زفر: الفاسد من العقود لا يعود صحيحاً بحال. ويبطل العقد عند الشافعي.\r2 - وقال الصاحبان والحنابلة (2) : تكون مدة الخيار بحسب اتفاق العاقدين، ولو كانت أكثر من ثلاثة أيام؛ لأن الخيار شرع للتروي والمشورة، وقد لا تكفي الأيام الثلاثة. والتحديد المذكور في حديث حبان كان كافياً بالنسبة له بتقدير الرسول صلّى الله عليه وسلم . وما يكون كافياً لشخص قد لا يكفي لغيره، فلا يكون هذا التحديد ما نعاً من الزيادة على المدة المذكورة.\r3 - وقال المالكية (3) : يجوز الخيار بقدر ما تدعو إليه الحاجة، ويختلف ذلك باختلاف الأحوال، فالفاكهة لا يجوز الخيار فيها أكثر من يوم، والثياب والدواب: ثلاثة أيام، والأرض البعيدة: أكثر من ثلاثة أيام، والدار ونحوها: شهر؛ لأن المفهوم من الخيار هواختبار المبيع، وإمكان الاختبار يختلف بحسب المبيعات، تحقيقاً لحاجة العقد.\rوتبدأ مدة الخيار بعد العقد مباشرة.\rأثر خيار الشرط :\rلخيار الشرط أثران: أحدهما متفق عليه، والآخر مختلف فيه.\rأما الأثر المتفق عليه: فهوجعل العقد غير لازم بالنسبة لمن له الخيار. فيجوز له الفسخ في مدة الخيار، وإمضاء العقد، وإذا مضت المدة بدون فسخ أو إمضاء سقط خياره ولزمه العقد.\rويصح الفسخ والإمضاء بالقول الدال عليه مثل: أجزت العقد أو أمضيته، أو رضيت به، أو فسخته، كما يصح بالفعل الدال علىه أو المتضمن له، كالتصرف في المبيع بالبيع أو الإجارة أو الرهن أو الإعارة، سواء من البائع إذا كان له الخيار، أو من المشتري صاحب الخيار.\r-------------------------------\r(1) أي لا خديعة ولا غبن أي لا يحل لك خديعتي ولا تلزمني خديعتك، والحديث رواه الحاكم والبيهقي والبخاري ومسلم وأبو داود والنسائي ومالك في الموطأ عن ابن عمر (سبل السلام: 35/3، نيل الأوطار: 182/5).\r(2) المبسوط: 41/13، فتح القدير: 111/5، البدائع: 174/5، المغني:585/3، غاية المنتهى: 30/2.\r(3) بداية المجتهد: 207/2، الشرح الكبير مع الدسوقي: 91/3، 95، القوانين الفقهية: ص273.","part":4,"page":610},{"id":2706,"text":"ويشترط لصحة الفسخ شرطان (1) :\r1 - أن يكون في مدة الخيار، لأن العقد يلزم بمضي مدة الخيار بلا فسخ من صاحب الخيار.\r2 - علم الطرف الآخر بالفسخ إذا كان الفسخ قولياً عند أبي حنيفة ومحمد منعاً من إلحاق الضرر به، فإنه إذا كان بائعاً قد يسكت عن البحث عن مشتر آخر، اعتماداً على أن المشتري لم يفسخ العقد، وفي هذا ضرر به، وإذا كان مشترياً فقد يتصرف في المبيع ظناً منه أن البائع لم يفسخ العقد، فيلحقه الضمان، وفي هذا ضرر به، وبالعلم بالفسخ يمتنع لحوق هذا الضرر.\rأما الفسخ الفعلي فلا يشترط فيه علم الطرف الآخر به لأنه أمر حكمي، ولا يشترط العلم في الفسخ الحكمي كعزل الوكيل والشريك والمضارب بارتداده ولحاقه بدار الحرب، أو جنونه جنوناً مطبقاً.\rولايشترط علم الطرف الآخر بإجازة العقد.\rوقال أبو يوسف والحنابلة (2) : لا يشترط علم الطرف الآخر بالفسخ أيضاً؛ لأن القبول بالخيار يدل على تسليط صاحب الخيار على الفسخ، سواء علم الآخر أم لم يعلم.\rوأما الأثر المختلف فيه: فهو عدم ترتب أثر العقد عليه.\rوهذا عند الحنفية (3) والمالكية (4) فالخيار عند هؤلاء مانع من ترتب آثار العقد، فلا تنتقل الملكية عند أبي حنيفة في كلا البدلين إذا كان الخيار للعاقدين أثناء مدة الخيار، أي أنه لا يزول المبيع عن ملك البائع ولا يدخل في ملك المشتري، كما لا يزول الثمن عن ملك المشتري ولا يدخل في ملك البائع؛ لأن الخيار موجود في جانبي البائع والمشتري.\rوإذا كان الخيار للبائع وحده لا تنتقل ملكية المبيع عنه، ويخرج الثمن عن ملك المشتري؛ لأن العقد لازم في حقه، ولكن لا يدخل في ملك البائع، حتى لا يجتمع البدلان (المبيع والثمن) في يد واحدة، لمنافاته لمبدأ التعادل بين العاقدين.\rوقال الصاحبان: يدخل الثمن في ملك البائع؛ لأن الشيء لا يصح أن يكون بلا مالك.\r-------------------------------\r(1) البدائع: 273/5، تبيين الحقائق: 18/4.\r(2) المرجعان السابقان، غاية المنتهى: 31/2.\r(3) البدائع: 264/5 ومابعدها، فتح القدير: 115/5 ومابعدها، الدر المختار وحاشية ابن عابدين: 51/4.\r(4) الشرح الكبير مع الدسوقي: 103/3، القوانين الفقهية: ص 273.","part":4,"page":611},{"id":2707,"text":"وإذا كان الخيار للمشتري وحده فلا يخرج الثمن عن ملكه، وأما المبيع فيخرج عن ملك البائع ولا يدخل في ملك المشتري عند أبي حنيفة، ويدخل في ملكه عند الصاحبين.\rوقرر المالكية: أن ملك المبيع للبائع زمن الخيار، حتى ينقضي الخيار.\rووجهة هذا الفريق: أن من شرط الخيار لنفسه لم يتم رضاه بالعقد، والآثار لا توجد إلا مع الرضا التام.\rوقال الشافعية والحنابلة في أظهر الرأيين عندهم (1) : تترتب آثار العقد عليه في فترة الخيار، وتنتقل ملكية البدلين للطرفين المتعاقدين، سواء أكان الخيار للعاقدين أم لأحدهما؛ لأن العقد نافذ، فتترتب أحكامه (آثاره) عليه. وأثر الخيار محصور في منع اللزوم فقط.\rوتظهر ثمرة الخلاف بين الفريقين في مؤونة (نفقة) المعقود عليه والزيادة فيه، فعلى رأي الحنفية والمالكية: تكون المؤونة في مدة الخيار على البائع والزيادة له. وعلى رأي الآخرين: تكون المؤونة على المشتري والزيادة له.\rانتهاء خيار الشرط :\rالعقد المشتمل على الخيار غير لازم، وبانتهاء الخيار إما أن يزول العقد، أو يصبح لازماً. وينتهي الخيار بأحد الأمور التالية (2) :\r1 - إمضاء العقد أو فسخه في مدة الخيار، سواء أكان ذلك بالقول أم بالفعل كما تقدم.\r2 - مضي مدة الخيار دون إجازة (إمضاء) أو فسخ.\r-------------------------------\r(1) مغني المحتاج: 48/2، المهذب: 259/1، المغني: 571/3، غاية المنتهى: 32/2، القواعد لابن رجب: ص 377.\r(2) البدائع: 267/5-272، المبسوط: 42/13-44، فتح القدير: 117- 125، الدر المختار: 52/4، 57.","part":4,"page":612},{"id":2708,"text":"3 - هلاك المعقود عليه أو تعيبه في يد صاحب الخيار، فإن كان الخيار للبائع مثلاً بطل البيع وسقط الخيار، وإن كان الخيار للمشتري لا يبطل البيع، ولكن يسقط الخيار، ويلزم البيع، ويجب على المشتري دفع الثمن، سواء أكان الهلاك أو التعيب بفعل المشتري أو بفعل البائع، أو بآفة سماوية.\r4 - زيادة المعقود عليه في يد المشتري إذا كان الخيار له: زيادة متصلة متولدة منه كسمن الحيوان، أم غير متولدة منه كالبناء على الأرض وصباغة الثوب. أو زيادة منفصلة متولدة منه كولد الحيوان وثمرة البستان. أما الزيادة المنفصلة غير المتولدة منه كالأجرة فلا تبطل الخيار ولا تمنع الرد.\r5 - موت المشروط له الخيار عند الحنفية والحنابلة (1) : لأن خيار الشرط كخيار الرؤية لا يورث عندهم لأنه حق شخصي خاص بصاحبه، ولا يتصور انتقال ذلك من شخص إلى آخر.\rوقال المالكية والشافعية (2) : لا يسقط الخيار بالموت، بل ينتقل إلى الورثة؛ لأنه حق متعلق بالمال وهو المعقود عليه، وليس من الحقوق الشخصية، والحقوق المالية يجري فيها الإرث، لقوله صلّى الله عليه وسلم : «من ترك مالاً أو حقاً فلورثته» (3) .\r-------------------------------\r(1) المغني: 579/3، غاية المنتهى: 33/2.\r(2) بداية المجتهد: 209/2، القوانين الفقهية: ص 273، المهذب: 259/1، مغني المحتاج: 45/2.\r(3) رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه عن المقدام بن معد يكرب بلفظ: «من ترك مالاً فلورثته..» (نيل الأوطار: 62/6).","part":4,"page":613},{"id":2709,"text":"خيار العيب\rخيار العيب (1) : هو أن يكون لأحد العاقدين الحق في فسخ العقد أو إمضائه إذا وجد عيب في أحد البدلين، ولم يكن صاحبه عالماً به وقت العقد.\rفسبب هذا الخيار: هو ظهور عيب في المعقود عليه أو في بدله ينقص قيمته أو يخل بالغرض المقصود منه، ولم يكن صاحبه مطلعاً على العيب عند التعاقد، فسمي خيار العيب.\rوثبوت هذا الخيار مشروط دلالة أو ضمناً؛ لأن سلامة المعقود عليه أو بدله مطلوبة للعاقد، وإن لم يشترطها صراحة. فإذا لم تتوافر السلامة اختل رضا العاقد بالعقد، والرضا أساس العقود، فشرع له الخيار لتدارك الخلل الحادث.\rوإذا لم تتوافر السلامة لم يتحقق أيضاً مبدأ التعادل في التبادل الذي تقوم عليه عقود المعاوضات، فشرع هذا الخيار حفاظاً على مبدأ المساواة هذا.\rوقد أثبت الشرع هذا الخيار لمن فوجئ بالعيب بأحاديث نبوية متعددة منها: «المسلم أخو المسلم، لا يحل لمسلم باع من أخيه بيعاً، وفيه عيب، إلا بيَّنه له» (2) ، ومر النبي صلّى الله عليه وسلم برجل يبيع طعاماً، فأدخل يده فيه فإذا هو مبلول، فقال: «من غشنا فليس منا» .\rويثبت خيار العيب وخيار الرؤية في العقود اللازمة التي تحتمل الفسخ، كعقد البيع، والإيجار، وقسمة الأعيان والصلح على عوض عيني.\rالعيب الموجب للخيار: هو عند الحنفية والحنابلة (3) : كل ما يخلو عنه أصل\r-------------------------------\r(1) راجع أحكام العيب في المواد (336- 355) من المجلة.\r(2) رواه ابن ماجه عن عقبة بن عامر (نيل الأوطار: 211/5).\r(3) فتح القدير مع العناية: 151/5، 153، البدائع: 274/5، الدر المختار وحاشيته: 74/4، المغني: 152/4، غاية المنتهى: 35/2.","part":4,"page":614},{"id":2710,"text":"الفطرة السليمة ويوجب نقصان القيمة في عرف التجار نقصاناً فاحشاً أو يسيراً كالعمى والعور، وهذا التعريف ذو معيار مادي. وعند الشافعية (1) ذو معيار شخصي، وهو: كل ما ينقص القيمة أو يفوت به غرض صحيح، كجماح الدابة، أو قطع شيء من أذن الشاة المشتراة للأضحية، أو ضيق الحذاء المشترى.\rشروط ثبوت خيار العيب: يشترط لثبوت خيار العيب بعد الاطلاع على العيب شروط وهي (2) :\r1 - وجود العيب قبل العقد، أو بعده قبل التسليم أي أن يكون قديماً. فلو حدث العيب بعد التسليم،أو عند المشتري لا يثبت الخيار.\r2 - جهل المشتري بوجود العيب عند العقد والقبض. فإن كان عالماً به عند أحدهما فلا خيار له، لأنه يكون راضياً به دلالة.\r3 - عدم اشتراط المالك البراءة عن العيوب في محل العقد، فلو شرط ذلك فلا خيار للمشتري، لأنه إذا أبرأه فقد أسقط حق نفسه.\r4 - ألا يزول العيب قبل الفسخ.\rهذا ويلاحظ أن الحنفية صححوا البيع بشرط البراءة من كل عيب، وإن لم تعين العيوب بتعداد أسمائها، سواء أكان المشترط جاهلاً وجود العيب في المبيع أم عالماً بعيب المبيع. وسواء أكان العيب موجوداً قبل البيع أم حادثاً بعده قبل القبض. وهذا في ظاهر الرواية عن أبي حنيفة وأبي يوسف.\rوقال محمد ومالك والشافعي وهو المعمول به في قانوننا المدني: يشمل شرط\r-------------------------------\r(1) مغني المحتاج: 51/2.\r(2) البدائع: 275/5 ومابعدها، فتح القدير: 153/5.","part":4,"page":615},{"id":2711,"text":"البراءة: العيب الموجود عند العقد فقط، لا الحادث بعد العقد وقبل القبض؛ لأن البراءة تتناول الشيء الثابت الموجود.\rكذلك لا تصح البراءة عند المالكية والشافعية وفي رواية عند الحنابلة (1) إلا عن عيب لا يعلم به البائع، أما ما يعلم به فلا تصح البراءة عنه.\rوقت خيار العيب: يثبت خيار العيب متى ظهر العيب ولو بعد العقد بزمن طويل. أما فسخ العقد بعد العلم بالعيب فوراً أو على التراخي ففيه رأيان للفقهاء:\rقال الحنفية والحنابلة (2) : خيار الرد بالعيب على التراخي، ولا يشترط أن يكون رد المبيع بعد العلم بالعيب على الفور. فمتى علم العيب فأخر الرد، لم يبطل خياره حتى يوجد منه ما يدل على الرضا؛ لأن هذا الخيار شرع لدفع الضرر، فلا يبطل بالتأخير؛ ولأن الحقوق إذا ثبتت لا تسقط إلا بإسقاطها أوبانتهاء الوقت المحدد لها، وليس لهذا الحق وقت محدد.\rوقال المالكية والشافعية (3) : يجب الفسخ على الفور بعد العلم بالعيب. والمراد بالفور: ما لا يعد تراخياً في العادة، فلو اشتغل بصلاة أو أكل ونحوه لا يعد متراخياً. والسبب في اشتراط الفور: هو ألا يلحق العاقد الآخر ضررمن التأخير، فإذا تأخر في رد المعقود عليه بدون عذر سقط حقه ولزم العقد.\rحكم العقد المشتمل على خيار عيب :\rحكم العقد أو أثره حال وجود شيء معيب: هو ثبوت الملك للمتملك في\r-------------------------------\r(1) الشرح الكبير مع الدسوقي: 123/3، القوانين الفقهية: ص 265، مغني المحتاج: 53/2، المغني:178/4، غاية المنتهى: 27/2.\r(2) الدر المختار: 93/4، المغني: 144/4، غاية المنتهى: 41/2.\r(3) مغني المحتاج: 56/2، المهذب: 274/1، الشرح الكبير مع الدسوقي: 120/3.","part":4,"page":616},{"id":2712,"text":"محل العقد للحال؛ لأنه إذا لم تتوافر سلامة المعقود عليه تأثر العقد في لزومه، لا في أصل حكمه، بخلاف خيار الشرط؛ لأن الشرط المنصوص عليه ورد على أصل الحكم، فمنع انعقاده بالنسبة للحكم أو الأثر في مدةالخيار (1) .\rوأثر خيار العيب هو جعل العقد غير لازم بالنسبة لمن ثبت له الخيار (2) ، فله إما الرضا بالمعقود عليه كما هو، وحينئذ يسقط الخيار ويلزم العقد، وإما رده إلى مالكه الأول، وحينئذ يبطل العقد.\rوهل له الاحتفاظ بالمعقود عليه والمطالبة بفرق النقصان بسبب العيب؟\rقرر الحنفية (3) : أنه ليس للمتملك الرجوع بنقصان العيب أو الحط من ثمن المبيع ما دام الرد ممكناً؛ لأن المالك لا يلزم بدفع قيمة النقصان إلا برضاه دفعاً للضرر عنه.\rفإن تعذر الرد كان لصاحب الخيار الرجوع بالنقصان بشرط أن يكون امتناع الرد بسبب ليس لصاحب الخيار دخل فيه، كهلاك محل العقد، أو تعيبه بعيب جديد، أو تغير صورته بحيث أصبح له اسم جديد، أو زيادته زيادة منفصلة متولدة منه، كالولد والثمرة، وذلك دفعاً للضرر بقدر الإمكان.\rويجوز الحط من قيمة المبيع لقاء العيب بتراضي الطرفين.\rوطريقة معرفة النقصان: أن يقوَّم المعقود عليه سليماً من العيب، ثم يقوَّم على أنه معيب، ويكون الفرق بين القيمتين هو النقصان، فيرجع به. فإذا كانت قيمته سليماً ألفين، وقيمته معيباً ألفاً، رجع بنصف الثمن الذي تم به الشراء.\rأما إذا كان امتناع الرد بسبب من جهة المشتري كأن باع الشيء أو وهبه أو وقفه لم يكن له الرجوع بالنقصان.\rوكذلك إن رضي بالعيب صراحة أو دلالة ليس له الرجوع بالنقصان؛ لأن الرضا بالعيب كما يمنع الفسخ يمنع الرجوع بنقصان العيب، إذ به يتبين أن السلامة من العيب لم تكن مطلوبة.\rكيفية فسخ العقد ورد المعقود عليه :\rإذا كان المعقود عليه ما يزال في يد صاحبه أي قبل قبضه من الآخر، فينفسخ العقد بقول العاقد الآخر: (رددت)، ولا يحتاج إلى قضاء القاضي، ولا إلى التراضي، باتفاق الحنفية والشافعية.\rوأما إن قبضه المتملك فلا ينفسخ إلا بالتراضي أو بقضاء القاضي عند الحنفية (4) لرفع النزاع الذي قد يقع بين العاقدين بسبب احتمال كون العيب جديداً عند القابض، فلا يوجب الرد، أو كونه قديماً عند المالك الأصلي، فيوجب الرد.\rوقال الشافعية والحنابلة (5) : ينفسخ العقد بقول المتملك: (رددت) بغير حاجة إلى التراضي أو قضاء القاضي، كالفسخ بخيار الشرط أو خيار الرؤية؛ لأن خيار العيب يجعل العقد غير لازم بالنسبة لصاحب الخيار، وغير اللازم يجوز فسخه بغير حاجة إلى رضا العاقد الآخر، ولا إلى قضاء القاضي.\r-------------------------------\r(1) البدائع: 273/5.\r(2) البدائع: 274/5.\r(3) فتح القدير: 159/5، 164 ومابعدها، الدر المختار: 94/4، اللباب شرح الكتاب: 21/2، تبيين الحقائق: 34/4 ومابعدها، البدائع: 289/3.\r(4) البدائع: 281/5.\r(5) مغني المحتاج: 57/2، المهذب: 284/1، غاية المنتهى: 41/2.","part":4,"page":617},{"id":2713,"text":"موانع الرد بالعيب وسقوط الخيار :\rيمتنع الرد بالعيب ويسقط الخيار بعد ثبوته ويلزم العقد بأسباب وهي ما يأتي (1) :\r1 - الرضا بالعيب بعد العلم به: إما صراحة كقوله: رضيت بالعيب، أو أجزت العقد، أو دلالة كالتصرف في المعقود عليه تصرفاً يدل على الرضا بالعيب، كبيعه أو هبته أو رهنه أو إيجاره، أو استعماله بأي وجه كلبس وركوب، أو مداواته، أو صباغته وتفصيله شيئاً آخر، أو البناء على الأرض، أو طحن الحنطة أو شيّ اللحم، أو وصول عوض العيب إليه، ونحو ذلك؛ لأن الرضا بالعيب بعد العلم به دليل على أن سلامة المعقود عليه ليست مقصودة له، فلا يكون هناك معنى لإثبات الخيار له.\r2 - إسقاط الخيار: صراحة كقوله: أسقطت خياري، أو دلالة كأن أبرأه من العيب الذي ظهر في المعقود عليه؛ لأن خيار العيب حقه فله أن يتنازل عنه.\r3 - هلاك المعقود عليه، أو تعيبه بعيب جديد في يد صاحب الخيار، أو تغيره تغيراً تاماً، كطحن الحنطة، وخبز الدقيق، ونحوه.\r4 - زيادة المعقود عليه في يد صاحب الخيار زيادة متصلة غير متولدة من الأصل كالبناء أو الغرس على الأرض، وصبغ الثوب، أو زيادة منفصلة متولدة من الأصل كالولد والثمرة.\rأما الزيادة المتصلة المتولدة من الأصل كالسمن والكبر، والزيادة المنفصلة غير المتولدة كالغلة والكسب، فلا تمنع الرد بالعيب.\rوامتناع الرد في الصورة الأولى سببه تعذر فصل الزيادة، ولا يرد معها لأنها حق صانعها.\rوامتناع الرد في الصورة الثانية، سببه أن المتملك لو ردَّ الأصل دونها، تبقى له دون مقابل، وهو ممنوع شرعاً، لأنه ربا.\r-------------------------------\r(1) البدائع: 282/5-284، 291، الدر المختار وحاشيته: 82/4، 85-89، 94، 99، 101، 103، مجمع الضمانات: ص 219 ومابعدها، فتح القدير: 164/5.","part":4,"page":618},{"id":2714,"text":"إرث خيار العيب :\rاتفق الفقهاء على أنه يورث خيار العيب وخيار التعيين، لتعلق الحق بذات المعقود عليه، فلو مات صاحب الخيار لم يسقط الخيار، وينتقل الحق لورثته؛ لأن المورث استحق المعقود عليه سليماً من العيب، ولزمه أحد الأشياء في خيار التعيين، فلا يجبر الوارث على أخذه معيباً، وإنما يثبت له ما ثبت لمورثه. وفي خيار التعيين يلزم الوارث بما لزم المورث.\rوأما خيار الشرط وخيار الرؤية فلا يورثان عند الحنفية (1) خلافاً للمالكية والشافعية؛ لأن الخيار متعلق بإرادة العاقد ومشيئته، فهو من الحقوق الشخصية التي لاتقبل الانتقال من شخص لآخر بالوراثة (2) .\rومنشأ الخلاف بين الحنفية والجمهور في إرث الخيار راجع إلى اختلافهم في إرث الحقوق.\rقال الحنفية: الأصل أن يورث المال دون الحقوق، إلا ما قام دليله من إلحاق الحقوق بالأموال.\rوقال الجمهور: الأصل أن تورث الحقوق والأموال، إلا إذا قام دليل على وجود اختلاف بين الحق والمال بالنسبة للإرث، لقوله صلّى الله عليه وسلم : «من ترك حقاً أو مالاً فلورثته» .\r-------------------------------\r(1) ويوافقهم الحنابلة في عدم إرث خيار الشرط كما تقدم.\r(2) البدائع: 268/5، بداية المجتهد: 209/2، المجموع للنووي: 196/9، حاشية الباجوري: 160/1، غاية المنتهى: 30/2، 33، المغني: 579/3.","part":4,"page":619},{"id":2715,"text":"خيار الرؤية\rخيار الرؤية(1) : هو أن يكون للمشتري الحق في إمضاء العقد أوفسخه عند رؤية المعقود عليه، إذا لم يكن رآه عند إنشاء العقد أو قبله بوقت لا يتغير فيه عادة.\rفسبب هذا الخيار: عدم رؤية محل العقد حين التعاقد أو قبله، فإذا كان قد رآه سقط خياره.\rوثبت هذا الخيار عند القائلين به بحكم الشرع من غير حاجة لاشتراطه في العقد، بخلاف خيار الشرط والتعيين، فإنهما مشروطان في العقد.\rويثبت كخيار العيب في العقود اللازمة التي تحتمل الفسخ كبيع الشيء المعين بالذات، والإجارة، وقسمة الأموال القيمية كالأراضي والدواب، والصلح على عين بعوض معين. أما بيع الشيء المعين بالوصف كما في عقد السلم (بيع آجل بعاجل) فلا يثبت فيه خيار الرؤية.\rمشروعيته :\rأجاز جمهور الفقهاء (الحنفية والمالكية والحنابلة والظاهرية) (2) خيار الرؤية في بيع العين الغائبة أو غير المرئية، بدليل ما يروى حديثاً: «من اشترى شيئاً لم\r-------------------------------\r(1) راجع أحكام خيار الرؤية في المجلة في المواد (320-334).\r(2) المبسوط: 69/13 ومابعدها، فتح القدير مع العناية: 137/5-140، البدائع: 292/5، رد المحتار: 68/4، بداية المجتهد: 154/2، الشرح الكبير مع الدسوقي: 25/3 ومابعدها. المغني: 580/3 ومابعدها. المحلى: 394/8.","part":4,"page":620},{"id":2716,"text":"يره، فهو بالخيار إذا رآه» (1) ويؤيده أن عثمان بن عفان باع أرضاً له بالبصرة لطلحة ابن عبد الله رضي الله عنهما، ولم يكونا رأياها، فقيل لعثمان: غبنت، فقال: «لي الخيار؛ لأني بعت ما لم أره» . وقيل لطلحة إنك قد غبنت، فقال: «لي الخيار، لأني اشتريت ما لم أره» (2) فحكما في ذلك جبير بن مطعم،فقضى بالخيار لطلحة.\rوكان ذلك بمحضر من الصحابة رضي الله عنهم، ولم ينكر عليه أحد، فكان إقراراً منهم على شرعية هذا الخيار.\rواحتجوا أيضاً بأن الشخص قد يحتاج إلى شراء شيء غائب عنه، يجعل له الخيار عند رؤيته دفعاً للضرر عنه حينما يجد المعقود عليه غير موافق لغرضه أو لمقصوده، وتحقيقاً لرضاه المطلوب في العقود.\rوأما ما قد يكون من جهالة في المعقود عليه فلا تؤثر في صحة العقد، لأنها لا تفضي إلى النزاع بسبب إعطاء الخيار لمن لم ير محل العقد.\rوقال الشافعي في المذهب الجديد (3) : لا ينعقد بيع الغائب أصلاً، سواء أكان بالصفة، أم بغير الصفة، ولا يثبت خيار الرؤية؛ لأن في العقد غرراً وجهالة قد تفضي إلى النزاع بين العاقدين، وقد نهى رسول الله صلّى الله عليه وسلم عن بيع الغرر (4) . وأما حديث «من اشترى ما لم يره» فهو حديث ضعيف كما قال البيهقي أو باطل كما قال الدارقطني.\rمن يثبت له خيار الرؤية :\rيثبت خيار الرؤية عند الحنفية والمالكية للمتملك، كالمشتري في البيع، والمستأجر في الإيجار، أما المملك فلا يثبت له هذا الخيار، وهو البائع والمؤجر، عملاً بما قضى به جبير بن مطعم بين عثمان وطلحة، ولأن المملك يعرف ما يملكه عادة، فلا ضرورة لثبوت الخيار له. فإذا باع ما لم يره، وهو أمر نادر، كان مقصراً في حق نفسه، فلا يستحق المطالبة بفسخ العقد. أما المتملك فلم يتمكن من رؤية محل العقد، ولا سبيل إليه، فكان من المصلحة منحه الخيار.\rوأثبت الحنابلة والظاهرية خيار الرؤية للمملك كالبائع إذا باع ما لم ير.\rوقت ثبوت الخيار :\rيثبت الخيار للمشتري عند رؤية المعقود عليه، لا قبلها، فلو أجاز العقد قبل الرؤية، لا يلزم العقد، ولا يسقط الخيار، وله أن يرد المعقود عليه؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلم أثبت الخيار للمشتري بعد الرؤية.\r-------------------------------\r(1) روي مسنداً ومرسلاً، فالمسند رواه الدارقطني عن أبي هريرة، والمرسل رواه ابن أبي شيبة والدارقطني والبيهقي عن مكحول، وهو ضعيف (نصب الراية: 9/4).\r(2) أخرجه الطحاوي والبيهقي عن علقمة بن أبي وقاص (نصب الراية: 9/4).\r(3) مغني المحتاج: 18/2 ومابعدها، المهذب: 263/1.\r(4) روى الجماعة إلا البخاري عن أبي هريرة «أن النبي صلّى الله عليه وسلم نهى عن بيع الحصاة وعن بيع الغرر» (نيل الأوطار: 147/5).","part":4,"page":621},{"id":2717,"text":"أما لو فسخ العقد قبل الرؤية صح الفسخ، لا من أجل الخيار، وإنما لأن العقد غير لازم، وغير اللازم يجوز فسخه كالعقد الذي فيه خيار العيب، وعقد الإعارة والإيداع (1) .\rشروط ثبوت الخيار: يشترط لثبوت الخيار شروط، وإلا كان العقد لازماً وهي (2) :\r1 - عدم رؤية محل العقد عند إنشاء العقد أو قبله بزمن لا يتغير فيه، فإن كان قد رآه قبل العقد لا يثبت له الخيار.\r2 - أن يكون محل العقد عيناً معينة أو مشخصة من الأعيان كالأرض والدار والدابة والسيارة، إذا وصفت بما ينفي عنها الجهالة المفضية إلى النزاع؛ لأن للناس أغراضاً خاصة في الأعيان، فيثبت الخيار لينظر المتملك هل يصلح له أو لا؟ ويظل له الخيار ولو وافق الوصف عند الحنفية.\rأما المعين بالوصف لا بالذات بأن كان ديناً موصوفاً في الذمة كالمسلم فيه (المبيع المؤجل لموسم الحصاد) فلا يثبت فيه خيار الرؤية؛ لأن المعقود عليه الموصوف إن وجد بأوصافه المتفق عليها لزم العقد، وإن تخلف وصف منها لم يتحقق لعدم وجود محله.\r3 - أن يكون العقد مما يقبل الفسخ كما تقدم، كالبيع والإجارة والقسمة والصلح عن دعوى المال ونحوها؛ لأن هذه العقود تنفسخ برد هذه الأشياء، فيثبت فيهاخيار الرؤية.\rأما ما لا يقبل الفسخ كالزواج والخلع والصلح عن دم العمد ونحوها، فلا يثبت فيها خيار الرؤية بسبب عدم رؤية المهر أو بدل الخلع أو عوض الصلح إذا كان شيئاً معيناً كدار وأرض معينة.\rكيفية الرؤية :\rالرؤية قد تكون لجميع المعقود عليه، أو لبعضه (رؤية الأنموذج)، والضابط فيه: أنه يكفي رؤية ما يدل على المقصود، ويفيد المعرفة به (3) . وذلك بأي حاسة\r-------------------------------\r(1) البدائع: 295/5.\r(2) البدائع: 292/5 ومابعدها، 298، المبسوط: 72/13،77، فتح القدير: 298/5، الدر المختار: 70/4.\r(3) البدائع: 293/5، الدر المختار وحاشيته: 68/4.","part":4,"page":622},{"id":2718,"text":"من الحواس بحسب طبيعة محل العقد، فإن كان من المطعومات يكون العلم به بالذوق، وإن كان من المشمومات كالروائح كانت معرفته بالشم، وإن كان من الملموسات كالأقمشة كان العلم به باللمس. وإن كان من المرئيات كالدور والأراضي والحبوب كان العلم به بواسطة النظر بالنسبة للبصير.\rأما الأعمى فهو كالبصير في غير المرئيات، وأما في المرئيات فيكتفى منه بوصف الشيء وصفاً كافياً. ويجوز عند الحنفية للبصير والأعمى التوكيل بالنظر والرؤية (1) .\rوبناء عليه لا يكفي رؤية بعض حجُرات الدار، بل لا بد من رؤية بيوتها كلها، ورؤية كل الأرض والبستان ونحوهما. ولا يكفي رؤية شاة من قطيع، بل لا بد من رؤية القطيع كله.\rوإذا كان الشيء يباع عددياً كالجوز والفجل والثياب فلا تكفي رؤية البعض، بل لابد من رؤية الكل.\rوإذا كان الشيء من المثليات التي تباع كيلاً أو وزناً كالحبوب والأقطان أو كان مغيباً في الأرض كالثوم والبصل، فيكتفى برؤية بعض الأجزاء أو الوحدات، وهو المسمى بالبيع بالنموذج.\rأثر خيار الرؤية :\rيكون العقد الوارد على العين الغائبة أو غير المرئية غير لازم لمن ثبت له الخيار، فيخير بين الفسخ والإجازة عند رؤية المعقود عليه؛ لأن عدم الرؤية يمنع تمام الصفقة، ولأن جهالة وصف المعقود عليه تؤثر في رضا المتملك فيثبت له الخيار، سواء أكان المعقود عليه موافقاً للوصف المتفق عليه\r-------------------------------\r(1) البدائع: 295/5، فتح القدير: 145/5.","part":4,"page":623},{"id":2719,"text":"أم مخالفاً له، وهذا مذهب الحنفية (1) .\rوقال الحنابلة والمالكية والشيعة الإمامية (2) : العقد لازم للمتملك إذا وجد المعقود عليه مطابقاً للوصف المتفق عليه، فإن كان مخالفاً لما وصف، ثبت له الخيار.\rوأما حكم العقد أو أثر الخيار: فلا يمنع نقل الملكية في البدلين، أي لا أثر لخيار الرؤية على العقد، فتنتقل ملكية المعقود عليه للمتملك، وملكية العوض للمالك فور تمام العقد بالإيجاب والقبول. وبهذا يختلف خيار الرؤية عن خيار الشرط عند الحنفية والمالكية، كما تقدم. وسبب التفرقة بينهما أن العقد في خيار الرؤية صدر مطلقاً غير مقيد بشرط، وكان المفهوم أن يكون لازماً، لكنه ثبت من جهة الشرع. أما خيار الشرط فقد ثبت باشتراط العاقدين، فكان له أثره في العقد يمنع استقرار حكمه في الحال.\rكيفية فسخ العقد :\rلا يتوقف الفسخ بخيار الرؤية على التراضي أو قضاء القاضي، ويكون بالقول وبالفعل صراحة أو دلالة، مثل فسخت العقد أو رددته، أو أن يتصرف بالمعقود عليه بالبيع أو الهبة ونحوهما، أو أن يهلك المعقود عليه قبل القبض (3) .\rويشترط للفسخ شروط هي (4) :\r1 - أن يكون الخيار موجوداً، فإن سقط لزم العقد.\r2 - ألا يترتب على الفسخ تفريق الصفقة على المالك، برد بعض المعقود عليه وإجازة العقد في البعض الآخر؛ لأن في التفريق ضرراً به.\r3 - أن يعلم المالك بالفسخ ليكون على بينة من أمره وأمر سلعته ليتصرف فيها كما يريد. وهذا عند أبي حنيفة ومحمد، وأما أبو يوسف فلا يشترط ذلك، كما تقدم في خيار الشرط.\r-------------------------------\r(1) البدائع: 292/5، فتح القدير: 137/5.\r(2) المغني: 582/3، القوانين الفقهية: ص 256، المختصر النافع: ص 146.\r(3) البدائع: 298/5.\r(4) البدائع: 298/5.","part":4,"page":624},{"id":2720,"text":"مدة خيار الرؤية :\rالأصح عند الحنفية (1) : أن خيار الرؤية يثبت مطلقاً في جميع العمر إلى أن يوجد ما يسقطه، أي أنه لا يتوقت بوقت، بل متى ثبت فإنه يستمر إلى أن يحدث ما يسقطه؛ لأنه حق من الحقوق، والحقوق لا تسقط إلا بإسقاطها، أو بانتهاء الأمد المحدد لها، ولأن سببه اختلال الرضا، والحكم يبقى ما بقي سببه.\rوقال الحنابلة (2) : يكون خيار الرؤية على الفور.\rمايسقط به خيار الرؤية :\rيسقط خيار الرؤية في الأصل بما يسقط به خيار الشرط وخيار العيب وهو ما يأتي (3) :\r1 - ما يدل على الرضا بالعقد صراحة أو دلالة: فالصريح أن يقول: أجزت العقد أو أمضيته أو رضيت به ونحو ذلك. والدلالة على الرضا: أن يتصرف في المعقود عليه بعد الرؤية لا قبلها تصرفاً يدل على الإجازة والرضا بالعقد كقبض الشيء، والانتفاع به، وبيعه أو إجارته، أو رهنه أوهبته.\rوالسبب في اشتراط كون التصرف بعد الرؤية: هو أن الخيار حق أثبته الشارع بعد الرؤية، والحقوق لا تسقط قبل ثبوتها.\rواستثناء من هذا المبدأ قالوا بسقوط الخيار ولو قبل الرؤية في البيع والإجارة والوقف، والرهن والهبة مع التسليم، ونحوها من التصرفات الباتة التي يترتب عليها حق للغير.\r2 - هلاك محل العقد، أو تعيبه بعيب يمنع الرد، سواء أكان بفعل العاقد أم بفعل شخصي أجنبي عن العقد، أم بآفة سماوية.\r3 - زيادة المعقود عليه بعد القبض زيادة تمنع الرد، وهي الزيادة المتصلة غير المتولدة من الأصل كالبناء وصبغ الشيء، والزيادة المنفصلة المتولدة منه كالولد واللبن والصوف.\rأما الزيادة المتصلة المتولدة منه كالسمن والكبر، والزيادة المنفصلة غير المتولدة منه كالغلة، فإنها لا تمنع الرد.\r4 - موت صاحب الخيار، سواء قبل الرؤية أم بعدها. فلا يورث خيار الرؤية عند الحنفية والحنابلة (4) كخيار الشرط؛ لأن الخيار مجرد رغبة ومشيئة أو حق شخصي.\r-------------------------------\r(1) فتح القدير: 141/5، البدائع: 295/5، الدر المختار ورد المحتار: 67/4.\r(2) المغني: 581/3.\r(3) البدائع: 295/5- 297، فتح القدير: 141/5، 149.\r\r(4) تبيين الحقائق: 30/4، غاية المنتهى: 33/2.","part":4,"page":625},{"id":2721,"text":"وقال مالك (1) : يورث خيار الرؤية كما يورث خيار التعيين والعيب؛ لأن الإرث يثبت في الحقوق والأموال المملوكة على السواء.\rوهذا أقرب إلى المنطق؛ لأن الوارث يخلف المورث في كل ما ترك من مال وحقوق ومنها حق الخيار (2) .\rخيار النقد\rخيار النقد (3) : هو أن يتبايع اثنان على أنه إذا لم ينقد المشتري الثمن في مدة معينة، فلا بيع بينهما، فإذا نقد المشتري الثمن في المدة المحددة تم البيع، وإذا لم ينقده فيها كان البيع فاسداً.\rويصح أن يكون خيار النقد للبائع أيضاً، كما لو تبايع اثنان وقبض البائع الثمن، وقال: إذا رددت الثمن في مدة ثلاثة أيام، فلا بيع بيننا، فإن رده فسد البيع، وإن لم يرده تم العقد.\rوقد أجاز أبو حنيفة وصاحباه خلافاً لزفر هذا الخيار استحساناً لحاجة الناس إليه، ولأنه في الحقيقة نوع من خيار الشرط. ويؤيده أن ابن عمر أجازه (4) .\rمدته: قال أبو حنيفة: أقصى مدة هذا الخيار ثلاثة أيام. وقال الصاحبان: يجوز إلى أربعة أيام فأكثر.\rولا يورث هذا الخيار عند الحنفية؛ لأنه حق شخصي. لكن إذا كان الاختيار للبائع في رد الثمن، فمات في أثناء المدة يلزم البيع بموته، لأنه تحقق عدم الرد بموته.\rوإن كان الخيار للمشتري في نقد الثمن فمات في مدة الخيار، بطل البيع بموته، لأنه تحقق عدم نقد الثمن بموته، فيبطل العقد.\r-------------------------------\r(1) الشرح الصغير: 145/3.\r(2) الأموال ونظرية العقد لأستاذنا المرحوم محمد يوسف موسى: ص 477، 487.\r(3) راجع أحكامه في المواد (313-315) من مجلة الأحكام العدلية.\r(4) فتح القدير: 132/5، الدر المختار ورد المحتار: 51/4.","part":4,"page":626},{"id":2722,"text":"المبحث السابع ـ انتهاء العقد :\rينتهي العقد إما بالفسخ، أو بالموت، أو بعدم الإجازة في العقد الموقوف، وانتهاء العقد بالفسخ له حالات. وأما الموت فقد تنتهي به بعض العقود.\rانتهاء العقد بالفسخ :\rفسخ العقد: قد يكون برفعه من أصله كما في حالة الخيارات وهو الإلغاء، وقد يكون بوضع نهاية له بالنسبة للمستقبل كما في الإعارة والإجارة، وهو الفسخ بالمعنى الشائع.\rوالفسخ في العقود غير اللازمة واضح، تقرره طبيعة العقد ذاته، سواء في العقود غير اللازمة من الجانبين كالإيداع والإعارة والشركة والوكالة، فلكل من الطرفين الفسخ متى أراد، ما لم يتعلق بالوكالة حق الغير، كما بان في بحث الوكالة، أم في العقود اللازمة من جانب، وغير اللازمة من الجانب الآخر، كالرهن والكفالة، فللمرتهن فسخ الرهن دون رضا الراهن. وللمكفول له وهو الدائن فسخ الكفالة دون رضا المدين.\rوأما الفسخ في العقود اللازمة فله حالات وهي:\r1 ً ـ الفسخ بسبب فساد العقد: إذا وقع العقد فاسداً كبيع المجهول أو البيع المؤقت بمدة، وجب فسخه إما من طريق العاقدين، أو من طريق القاضي، إلا إذا وجد مانع من الفسخ كأن يبيع المشتري ما اشتراه أو يهبه. وحينئذ يجب على المشتري دفع قيمة المبيع يوم قبضه، لا الثمن المتفق عليه.\rً2 ً ـ بسبب الخيار: يجوز لصاحب الخيار في خيار الشرط أو العيب أو الرؤية ونحوها فسخ العقد بمحض إرادته، إلا في خيار العيب بعد القبض عند الحنفية لا يجوز الفسخ فيه إلا بالتراضي أو بقضاء القاضي.\r3 ً ـ بالإقالة: الإقالة هي فسخ العقد بتراضي الطرفين، إذا ندم أحدهما وأراد الرجوع عن العقد. وهي مندوبة لقوله صلّى الله عليه وسلم : «من أقال نادماً بيعته أقال الله عثرته يوم القيامة» (1) .\r-------------------------------\r(1) رواه البيهقي عن أبي هريرة، ورواه أيضاً ابن ماجه وابن حبان في صحيحه والحاكم وقال: صحيح على شرط الشيخين (نصب الراية: 30/4).","part":4,"page":627},{"id":2723,"text":"4 ً ـ لعدم التنفيذ: يجوز الفسخ لعدم تنفيذ الطرف الآخر التزامه في حالة خيار النقد، كما تقدم. ويجوز الفسخ بسبب استحالة التنفيذ لآفة سماوية (قوة قاهرة أو ظروف طارئة بتعبير القانونيين) وذلك في عقد البيع في حالة هلاك المبيع قبل التسليم. أي في يد البائع قبل أن يتسلمه المشتري، وفي عقد الإجارة في حالة طروء أعذار من جانب المؤجر أو المستأجر أو العين المؤجرة عند الحنفية، كلحوق دين فادح بالمؤجر لا سبيل لوفائه إلا ببيع المأجور وأداء الدين من ثمنه، وإفلاس المستأجر، أو انتقاله من حرفة إلى حرفة، وهجرة أهل القرية بعد استئجار حمام في قرية ليستغله المنتفع المستأجر.\r5 ً ـ لانتهاء مدة العقد أو تحقيق غرضه: ينفسخ العقد من نفسه وينتهي بانتهاء مدته أو بتحقيق الغرض المقصود من العقد، وذلك كانتهاء مدة عقد الإيجار المعينة، وسداد الدين في عقدي الرهن والكفالة، وتنفيذ الوكيل المهمة الموكل بها.\rانتهاء العقد بالموت :\rتنتهي طائفة من العقود بموت أحد العاقدين، منها نماذج مما يأتي:\r1 - الإجارة: تنتهي الإجارة عند الحنفية (1) بموت أحد العاقدين، بالرغم من أنها عقد لازم من الطرفين، أي أن العقد ينفسخ من نفسه بالموت.\r-------------------------------\r(1) البدائع: 201/4، 222، تبيين الحقائق: 144/5، تكملة فتح القدير: 220/7.","part":4,"page":628},{"id":2724,"text":"وقال غير الحنفية (2) : لا تنتهي الإجارة أو لا تنفسخ بموت أحد العاقدين. وسبب الخلاف راجع لتصور كيفية انعقاد الإجارة، فعند الحنفية: تنعقد الإجارة في المنافع بحسب حدوثها شيئاً فشيئاً، أي أن المستأجر يتملك المنفعة تدريجياً مع مضي المدة، فما يحدث من منفعة بعد موت المالك لا يكون مملوكاً له، فلا يصح بقاء العقد عليه. وعند غير الحنفية: تعتبر المنفعة كأنها موجودة حال العقد، ويتملك المستأجر المنافع بالعقد دفعة واحدة ملكاً لازماً، فيورث عنه، كما يورث الشيء المبيع، فتكون الإجارة كالبيع لا يبطل بموت أحد العاقدين. وهذا ما أخذ به القانون المدني السوري في المادة (568).\r2 - الرهن والكفالة: هما من العقود اللازمة من جانب واحد هو الدائن المرتهن أو المكفول له. فإذا مات الراهن بيع الرهن بواسطة وصيه وقضي منه دينه إن كان ورثته صغاراً. فإن كانوا كباراً خلفوا الميت في المال، وكان عليهم تخليص الرهن بقضاء الدين (3) . وأما الكفالة: فإذا كانت كفالة بالدين فلا تنتهي بموت المدين الأصيل، وإنما تنتهي بأحد أمرين: أداء الدين إلى الدائن، أو الإبراء من\r-------------------------------\r(1) بداية المجتهد: 227/2، الشرح الكبير للدردير: 30/4، المهدب: 406/1، المغني: 456/5.\r(2) الدر المختار: 369/5، ط الحلبي.","part":4,"page":629},{"id":2725,"text":"الدين. وإذا مات الكفيل يؤخذ الدين من تركته. وإن كانت كفالة بالنفس فتنتهي بموت الأصيل المكفول بنفسه، وبموت الكفيل، للعجز عن إحضار المكفول عنه (1) .\r3 - الشركة والوكالة: هما من العقود غير اللازمة من الجانبين. وينتهيان بالموت، فالشركة تنفسخ بموت أحد الشريكين، سواء علم الآخر بالموت أم لم يعلم (2) . وكذلك الوكالة تنفسخ بموت الوكيل أو الموكل، سواء علم الطرف الآخر بموت صاحبه أم لم يعلم (3) .\r4 - المزارعة والمساقاة (4) : عقدان غير لازمين من الجانبين، لم يجزهما أبو حنيفة، وأجاز الشافعية المساقاة، والمزارعة تبعاً للمساقاة، وأجازهما المالكية بشروط منها المساواة بين المالك والعامل في الربح.\rوأجازهما الحنابلة والصاحبان مطلقاً. وعلى هذا الرأي ينفسخ العقد بموت صاحب الأرض أو العامل (المزارع أوالمساقي) ، سواء قبل العمل والزراعة أم بعدهما، وسواء أكان الزرع أو الثمر قد آن حصاده وجنيه أم لا (5) . لكن إذا مات صاحب الأرض قبل نضج الزرع تترك الأرض بيد المزارع إلى الحصاد مراعاة لمصلحة الطرفين. وإذا مات العامل فلورثته المضي في العمل إلى الحصاد.\rانتهاء العقد بعدم إجازة الموقوف :\rينتهي العقد الموقوف إذا لم يجزه صاحب الشأن، كما بان في بحث عقد الفضولي ولا تصح الإجازة كما عرفنا إذا مات الفضولي أو من تعاقد معه، فينتهي العقد حينئذ قبل الإجازة. وللفضولي نفسه فسخ العقد قبل الإجازة دفعاً للعهدة عن نفسه (6) .\r-------------------------------\r(1) البدائع: 11/6 ومابعدها، 13، الدر المختار: 261/4، 285.\r(2) البدائع: 78/6، المبسوط: 212/11، فتح القدير: 34/5.\r(3) البدائع: 38/6، تكملة فتح القدير والعناية: 126/6 ومابعدها، المبسوط: 13/19.\r(4) المزارعة: عقد على زرع الأرض بنسبة معين شائعة من المحصول. والمساقاة: عقد على العناية بأشجار الفاكهة بنسبة معلومة شائعة من الناتج.\r(5) البدائع: 185/6، الهداية: 45/4، 48، ط الخيرية، غاية المنتهى: 184/2.\r(6) البدائع: 148/5، 151 .","part":4,"page":630},{"id":2726,"text":"الفَصْلُ الخامس: المؤيّدَات الشَّرعية\rالمؤيدات الشرعية: هي الأحكام أو التدابير التي شرعت لا لتنظيم علاقات الناس، وإنما لحمل الناس على طاعة أحكام الشريعةالأصلية (1) .\rفالأحكام الأصلية: هي التي تنظم علاقات الناس بوضع الواجبات وبيان المحظورات. فهي غاية التشريع لإقامة مجتمع أخلاقي متضامن قوي سعيد. وضماناً لاحترام تلك الأحكام الأصلية شرعت المؤيدات: وهي الأحكام الموضوعة لحماية الأحكام الأصلية.\rوهذه المؤيدات إما ترغيبية أو ترهيبية.\rفالترغيبية: هي التي وضعت لترغيب الناس بتطبيق أحكام الشريعة كالمكافآت التشجيعية لمن يقدم للجماعة عوناً في أمر حربي يحقق النصر.\rوالترهيبية: هي التي وضعت لمنع الناس من مخالفة أوامر ونواهي الشريعة. وهذه نوعان: إما مؤيدات مدنية أو مؤيدات تأديبية. والمؤيد المدني أقوى تأثيراً من المؤيد التأديبي، وأشد منعاً للمخالفة بسلب التصرف نتائجه، واعتباره ملغى. أما المؤيد التأديبي فبالرغم من تأثيره الزاجر القامع للجريمة قد يتجرأ الناس على نظامه، فيقترفون الجريمة ويرضون بالعقوبة.\rأولاً ـ المؤيدات المدنية :\rيتمثل دور المؤيدات المدنية في إلغاء التصرف المخالف لنظام الشريعة، إما إلغاءً كلياً وهو البطلان، وإما إلغاءً فرعياً وهو الفساد، وإما وضعه في طريق الإلغاء: وهو التوقف حماية لمصلحة الغير، أو التخيير لسلب اللزوم عن العقد حماية لمبدأ التعادل أو التوازن، أو لتوفير الرضا السليم.\rوقد سبق بحث هذه المؤيدات الأربعة (البطلان، الفساد، التوقف، التخيير).\rوأكتفي هنا ببيان أهم الفروق وأوجه التشابه بين البطلان والفساد:\r-------------------------------\r(1) المدخل الفقهي للأستاذ الزرقاء: ف 309 ، 310 .","part":4,"page":631},{"id":2727,"text":"أهم الفروق بين البطلان والفساد :\rتظهر الفوارق بين الباطل والفاسد فيما يأتي (1) :\r1 - السبب: إن سبب البطلان هو وجود مخالفة لنظام الشريعة في ناحية جوهرية كالخلل الذي يصيب أحد مقومات العقد الأساسية (العاقد، والمعقود عليه، والصيغة) أو أحد شرائط الانعقاد، كصدور العقد من عديم الأهلية بسبب الصغر أو الجنون وعدم قابلية المحل المعقود عليه للتصرف كبيع الأموال العامة والأوقاف، والزواج بالمحارم، وعدم الإشهاد في عقد الزواج، وعدم تسليم المعقود عليه في العقود العينية كالهبة ونحوها.\rأما سبب الفساد، فهو مخالفة العقد لنظامه الشرعي في ناحية فرعية متممة.\rوقد تبين أن أسباب الفساد ستة يمكن إيجازها في أربعة: وهي الجهالة الفاحشة، كبيع شاة من قطيع، وغرر الوصف كبيع بقرة على أنها حامل أو تحلب كذا رطلاً، والإكراه على رأي جمهور الحنفية (عدا زفر) الذين يعتبرونه مفسداً للعقد.وأما زفر فيعتبره موقفاً للعقد، ورأيه أوجه وأصح. والشرط المفسد في المعاوضات المالية كالبيع والإيجار والشركة: وهو الشرط التقييدي الممنوع شرعاً كالتوقيت في البيع، وعدم التقابض في عقد الصرف، والضرر الذي يلحق البائع بتسليم محل العقد كبيع جذع من سقف وذراع من ثوب يضره التبعيض.\r2 - الحكم أو الأثر: لا يترتب على الباطل أي أثر أصلاً، فهوكالمعدوم سواء، فلا تنتقل الملكية في العوضين في عقد البيع مثلاً، ولا يترتب على الزواج الباطل حل الاستمتاع والنفقة والتوارث.\rلكن استثناء من ذلك: يعتبر المبيع المقبوض في البيع الباطل مضموناً بالمثل أو بالقيمة إذا تلف أياً كان سبب التلف، وليس مجرد أمانة لا تضمن حال التلف إلا بالتعدي أو بالتقصير في الحفظ.\r-------------------------------\r(1) راجع المبسوط: 23/13، البدائع: 299/5، 304، فتح القدير مع العناية: 185/5 ومابعدها، 277 وما بعدها، رد المحتار لابن عابدين: 104/4، 136، مجمع الضمانات:ص 215 ومابعدها.","part":4,"page":632},{"id":2728,"text":"وكذلك يترتب على الزواج الباطل بعض الآثار الضرورية إذا أعقبه دخول: وهي ثبوت نسب الولد، وإيجاب العدة على المرأة، واستحقاق المرأة المهر. فيختلف بذلك عن الزنى.\rأما الفاسد: فيترتب عليه بعض آثار العقد الصحيح إذا تم التنفيد أي القبض أو التسليم، فتنتقل الملكية في العوضين في البيع الفاسد بالقبض. ويتملك المستأجر المنفعة في الإجارة الفاسدة وتلزمه الأجرة باستيفاء المنفعة فعلاً. لكن البيع الفاسد لا يلزم المشتري بدفع الثمن المسمى المتفق عليه، وإنما ثمن المثل أي قيمة المبيع في السوق يوم القبض. وفي الإجارة الفاسدة يلزم المستأجر بدفع أجر المثل، لا الأجر المسمى في العقد (1) .\rويلاحظ أن هذا الأثر يرتبه الفقه على تنفيذ العقد، لا على العقد نفسه.\r3 - استحقاق الفسخ: الباطل لا يحتاج إلى فسخ؛ لأنه معدوم لم يوجد، والفسخ يرد على عقد قائم كالعقد المشتمل على أحد الخيارات.\rوأما الفاسد: فيستحق الفسخ رعاية لأحكام الشرع إما بإرادة أحد العاقدين، أو بإرادة القاضي؛ لأن إزالة الفساد واجب شرعاً، وبالفسخ يرتفع الفساد (2) .\rويبقى حق الفسخ قائماً ولو بعد التنفيذ حتى يزول سببه إلا إذا وجد أحد موانع الفسخ وهي (3) :\rأ ـ هلاك المعقود عليه أو استهلاكه أو تغيير شكله واسمه كطحن القمح وخبز الدقيق.\rب ـ الزيادة المتصلة غير المتولدة من الأصل كخلط الدقيق بالسمن أو العسل والبناء على الأرض وصبغ الثوب. أما أنواع الزيادات الأخرى وهي الزيادة المتصلة المتولدة كالسمن والجمل، والزيادة المنفصلة المتولدة كالولد والثمرة أو غير المتولدة كالكسب والغلة فلا تمنع الفسخ والرد.\rج ـ التصرف بالشيء المقبوض بعقد فاسد من قبل القابض كالبيع والهبة والرهن والوقف.\r-------------------------------\r(1) يلزم دفع أجر المثل على ألا يتجاوز الأجر المسمى، إلا إذا كان فساد الإجارة ناشئاً عن جهالة الأجرة فيجب عندئذ أجر المثل بالغاً ما بلغ.\r(2) البدائع: 200/5.\r(3) البدائع: 300/5-302، فتح القدير: 231/5، 302، رد المحتار: 137/4، مجمع الضمانات: ص 216.","part":4,"page":633},{"id":2729,"text":"ويلاحظ أن حق الفسخ بسبب الفساد يورث، فلو مات أحد العاقدين جاز لورثته أو للعاقد الآخر فسخ العقد بعد الموت.\r4 - عموم الأثر وخصوصه: البطلان يمكن أن يصيب كل أنواع التصرفات القولية والفعلية، العقدية وغير العقدية، كالبيع والإيجار والهبة، والإقرار والدعوى، وإحراز المباح وقبض الثمن والموهوب.\rوأما الفساد فلا يجري إلا في العقود المالية المنشئة التزامات متقابلة أو ناقلة للملكية (1) ، فلا يجري الفساد في العبادات والتصرفات الفعلية،والعقود غير المالية كالزواج والوصاية والتحكيم، والعقود المالية التي لا تنشئ التزامات متقابلة ولا تنقل الملكية كالإيداع والإعارة، وتصرفات الإرادة المنفردة كالطلاق والوقف والإبراء. فهذه التصرفات لا تكون إلا صحيحة أو باطلة.\rوأما أوجه الشبه بين الباطل والفاسد فأهمها ما يأتي:\rأ ـ الباطل لا يقبل الإجازة لأنه معدوم. وكذلك الفاسد لا يرتفع فساده بالإجازة؛ لأن العاقد لا يملك مخالفة نظام الشريعة، وليس له إقرار المخالفة، وإنما ينبغي إزالة الفساد احتراماً لحكم الشرع، إلا إذا زال سبب فساده كتعيين المجهول.\rب ـ الباطل لا يسري عليه التقادم (مرور الزمان) ويمكن التمسك ببطلان العقد مهما طالت المدة؛ لأن الباطل معدوم. وكذلك الفاسد لا يسري عليه التقادم، وإنما يظل مستحق الفسخ شرعاً مهما طال الأمد، إلا إذا وجد مانع من موانع الفسخ التي سبق بيانها.\r-------------------------------\r(1) المدخل الفقهي للأستاذ الزرقاء: ف 268.","part":4,"page":634},{"id":2730,"text":"ثانياً ـ المؤيدات التأديبية (أو العقوبات )\rإن مخالفة أحكام الشريعة وارتكاب المعاصي والمنكرات التي حرمتها الشريعة تستوجب عقاباً أخروياً ودنيوياً. والعقوبات الدنيوية نوعان:\r1 - عقوبات مقدرة: وهي التي قدر لها الشرع نوعاً ومقداراً معيناً وهي القصاص، والحدود الخمسة (وهي حد الزنا، وحد القذف، وحد السرقة، وحد الحرابة، وحد شرب الخمر والمسكرات) (1) .\r2 - عقوبات غير مقدرة وهي التعزيرات: وهي التي لم يحدد لها الشرع نوعاً ولا مقداراً معيناً، وإنما فوضها إلى تقدير الحكام لتطبيق ما يرونه محققاً للمصلحة بحسب ظروف الجاني والجناية.\rوالحكمة من تشريع الحدود أو العقوبات عامة: هو زجر الناس وردعهم عن اقتراف الجرائم الموجبة لها، وصيانة المجتمع عن الفساد، وتخليص الإنسان من آثار الخطيئة، وإصلاح الجاني.\rقال ابن تيمية (2) وابن القيم (3) : كان من حكمة اِلله سبحانه وتعالى ورحمته أن شرع العقوبات في الجنايات الواقعة بين الناس بعضهم على بعض في النفوس والأبدان والأعراض والأموال كالقتل والجرح والقذف والسرقة، فأحكم سبحانه وتعالى وجوه الزجر الرادعة عن الجنايات غاية الإحكام، وشرعها على أكمل\r-------------------------------\r(1) القصاص: هو عقوبة الإعدام بتعبير العصر، وحد القذف وشرب الخمر: ثمانون جلدة بسوط لا عقدة له مفرقة على أجزاء الجسد ما عدا المقاتل، وحد الزنا: مئة جلدة لغير المتزوج، والرجم بالنسبة للمحصن المتزوج، وحد السرقة: قطع اليد من الرسغ، وحد الحرابة: هو القتل أو الصلب أو قطع اليد والرجل من خلاف، أو النفي، وتطبق العقوبة بحسب ما يناسب جريمة المحارب.\r(2) رسالته في القياس: ص 85، السياسة الشرعية له: ص 98.\r(3) أعلام الموقعين: 95/2، 107 ومابعدها.","part":4,"page":635},{"id":2731,"text":"الوجوه المتضمنة لمصلحة الردع والزجر، ورتب على كل جناية ما يناسبها من العقوبة. وجعل هذه العقوبات دائرة على ستة أصول: قتل، وقطع، وجلد، ونفي، وتغريم مال، وتعزير.\rوالجرائم الموجبة للعقوبة البدنية هي ثلاث عشرة جريمة وهي:\rالقتل، والجرح، والزنا، والقذف، وشرب الخمر، والسرقة، والبغي (1) ، والحرابة، والردة، والزندقة، وسب الله وسب الأنبياء والملائكة، وعمل السحر، وترك الصلاة والصيام.\rوليس في هذه العقوبات قسوة أو تنكيل وتعذيب للمجرم كما يزعم بعض الناس؛ لأن هذه الجرائم الموجبة لها خطيرة تهز كيان المجتمع، ولأنها أنسب عقوبة لزجر المجرم وأمثاله، وأقمع للجريمة ومطاردة المجرمين، وأدعى لتحقيق أمن المجتمع واستقراره.\rوحققت العقوبات الشرعية أمناً في السعودية لا يماثله أمن بلد في العالم تطبق فيه العقوبات الوضعية من حبس أو سجن ونحوهما.\rوالتخلص من ضرر مجرم يتباكى عليه الزاعمون حب الإنسانية والإنسان أوجب من تهديد أمن المجتمع بكامله، عن طريق ترويع المجرمين أمن البيوت والنساء والأطفال، وما يعقبه من العديد من الجرائم والمنكرات.\rولقد أثبت التاريخ أن المجتمع الإسلامي عندما طبق الحدود الشرعية، عاش آمناً مطمئناً على أمواله وأعراضه ونظامه، حتى إن المجرم نفسه كان يسعى لإقامة الحد عليه، رغبة في تطهير نفسه، والتكفير عن ذنبه.\r-------------------------------\r(1) البغي: الخروج في حال الشوكة والمنعة على جماعة المسلمين بتأويل نص في حكم شرعي للتوصل إلى حق أو ولاية، والتحصن في بلد ما، وتنظيم ثورة مسلحة على غيرهم، وتطبيق أحكامهم فيما بينهم كالخوارج. وأما الحرابة: فهي قطع الطريق على المارة، بقصد أخذ أموالهم قهراً عنهم أو قتلهم علانية دون اعتماد على تأويل سائغ.","part":4,"page":636},{"id":2732,"text":"هذا مع العلم بأن تطبيق القصاص والحدود يتطلب تشدداً كبيراً في شروط إثبات الجريمة (1) ، مما لا نكاد نجد له مثيلاً عند القانونيين، بل إن الحدود ومنها القصاص تسقط بالشبهات عملاً بالحديث النبوي: «ادرؤوا الحدود بالشبهات» وقد توسع الفقهاء في بيان ما هو شبهة مسقطة للحد توسعاً كبيراً، حتى إن مجرد ادعاء الشبهة كادعاء الزوجية في حال الوطء من المتهم يسقط الحد، وكذا هرب المحدود أثناء إقامة الحد يسقط الحد (2) .\rإن القسوة على المجرم رحمة عامة للمجتمع في مجموعه، حتى يتخلص من الجريمة وخطرها الوبيل، والتضحية بعدد محدود من المجرمين أهون كثيراً من ترك الجريمة تفتك بآلاف الأبرياء. والشريعة الإسلامية هي شريعة الرحمة الحقة بالناس، والله سبحانه أدرى بما يعالج به خطر بعض المجرمين وهو أرحم بهم.\rوقد أدى كل هذا إلى أن يكون تطبيق الحد نادراً جداً في المجتمع الإسلامي، فقطع اليد مثلاً في السعودية لا يزيد عن حالة واحدة أو حالتين طوال العام.\rوأما العقوبات غير المقدرة أو التعزيرات: فهي العقوبات المشروعة على كل معصية أو منكر أو إيذاء لا حد فيه، سواء بالقول أو بالفعل أو بالإشارة، وسواء أكانت الجريمة انتهاكاً للحرمات الدينية والاجتماعية كالأكل في نهار رمضان بغير عذر، وترك الصلاة، وطرح النجاسة في طريق الناس، والاستهزاء بالدين، والإخلال بالآداب العامة، أو كانت اعتداء على حق شخصي كأنواع السب والشتم والضرب والإيذاء بأي وجه، والغش والتزوير والاحتيال ونحوها.\r-------------------------------\r(1) ففي السرقة مثلاً يشترط ما يزيد على 12شرطاً. وفي الزنا: يشترط لإثباته بالشهادة شهادة أربعة رجال أحرار عدول يرون الجريمة رؤية بصرية كاملة لا شبهة فيها. وفي القتل يشترط عدة شرائط لتطبيق القصاص منها أن يكون القتل بسلاح ونحوه.\r(2) الدر المختار: 158/3 ومابعدها.","part":4,"page":637},{"id":2733,"text":"والتعزير يكون إما بالضرب أو بالحبس أو الجلد أو النفي أو التوبيخ أو التغريم المالي، ونحو ذلك مما يراه الحاكم رادعاً للشخص بحسب اختلاف حالات الناس، حتى القتل سياسة كما قرر فقهاء الحنفية والمالكية.\rوالتعزير مفوض للدولة في كل زمان ومكان،فإنها تضع للقضاة أنظمة يطبقونها بحسب المصلحة. وأغلب العقوبات الوضعية الحديثة تدخل في نطاق التعزير. ولا مانع شرعاً من تقنين العقوبات التعزيرية بجانب الحدود والقصاص على النحو المعروف الآن. ويعد التعزير قاعدة مرنة صالحة للتطبيق في كل عصر بما يحقق المصلحة أوالمقصود من العقوبة. وما وضْع حدين للعقوبة قانوناً أدنى وأقصى، أو الحكم مع وقف التنفيذ إلا لون من ألوان المرونة أو العفو عن العقوبة المقررين في التعزيرات.\rوالشريعة أساس الحكم على الجريمة والعقاب، وقد سبق الفقهاء المسلمون إلى معرفة قاعدة: ( لا جريمة ولاعقوبة إلا بنص ) لتقريرهم القاعدتين التاليتين:\r1 - (لا حكم لأفعال العقلاء قبل ورود النص ).\r2 - (الأصل في الأفعال والأقوال والأشياء الإباحة ).\rومصدر هاتين القاعدتين قول اِلله تعالى: {وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا} [الإسراء:15/17] وقوله سبحانه: {وما كان ربك مهلك القرى حتى يبعث في أمها رسولاً يتلو عليهم آياتنا} [القصص:59/28] وقوله جل شأنه: {رسلاً مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل} [النساء:165/4].\rفهذه النصوص قاطعة بأن لا جريمة إلا بعد بيان، ولا عقوبة إلا بعد إنذار. ومن هنا كانت فترة الجاهلية لا عقاب فيها على الجرائم التي حدثت أثناءها، سواء أكانت الجريمة إراقة دم حرام أم غيرها.\rوقد تضافر القرآن الكريم والسنة النبوية وكتب الفقهاء على بيان المعاصي والمنكرات وتفصيل العقوبات المقررة في الدنيا على الأشخاص. ولا يقبل شرعاً من أي مسلم أومسلمة الاعتذار بالجهل بأحكام الشريعة، وعليه أن يتعلم القدر الضروري منها لقوله عليه السلام: «طلب العلم فريضة على كل مسلم» ويعد التقصير في التعليم والتعلم جريمة مستوجبة التعزير.\rوالعمل بأحكام الشريعة في النطاقين الجزائي والمدني وغيرهما واجب على الدولة والأفراد، ويعد التخلي عن الشريعة إثماً كبيراً وجرماً عظيماً. وليس تطبيق أحكام الشريعة أمراً صعباً أو غير متفق مع ظروف العصر الحديث، وإنما الإعراض عن ذلك نوع من الوهم وفقدان الثقة بالذات وافتتان بأنظمة العصر ويعد جائراً عن الشرع.\rولا شك بأن أحكام الشريعة تتطلب إقامة مجتمع إسلامي متكامل في العقيدة والعبادة والسلوك الأخلاقي، وينبغي أن تتجه أنظمة الدولة الدستورية والإدارية والتعليمية والإعلامية إلى العمل بروح الإسلام وأنظمته وآدابه، حتى يسهل تقبل الحكم الشرعي الإلهي عن عقيدة واقتناع وحب واحترام.","part":4,"page":638},{"id":2734,"text":"الفَصْلُ السَّادس: نظريَّة الفَسخ\rـ تعريف الفسخ لغة واصطلاحاً.\rـ ألفاظ ذات صلة: انفساخ، خلع، طلاق، إبطال، فساد.\rـ حكمه الإجمالي ودليله.\rـ شروط فسخ العقد.\rـ أسباب الفسخ.\rـ أنواع الفسخ.\r1 - الفسخ الاتفاقي (الإقالة) والفسخ بحكم القضاء، والفسخ بحكم الشرع.\r2 - الفسخ باعتباره جزاء لعدم تنفيذ العاقد الآخر التزامه.\r3 - الفسخ بسبب الخيار (الفسخ والقوة الملزمة للعقد).\r4 - الفسخ للأعذار الطارئة.\r5 - الفسخ لاستحالة التنفيذ (الفسخ وتحمل تبعة الهلاك).\r6 - الفسخ للإفلاس والإعسار والمماطلة.\r7 - الفسخ بسبب البطلان أو الفساد أو الردة في الزواج.\r8 - الفسخ الرضائي والفسخ الجبري بطريق القضاء.\r9 - الفسخ لعدم إجازة العقد الموقوف.\r10 - الفسخ بسبب الاستحقاق.\rـ ما يقبل الفسخ وما لا يقبل.\r1 - العقود اللازمة للطرفين، كالبيع والإيجار والرهن والصلح والزواج.\r2 - العقود الجائزة غير اللازمة للطرفين، كالإعارة والقرض والإيداع، والوكالة، والشركة، والمقاولة، والهبة عند الحنفية.\r3 - العقد اللازم لطرف دون آخر، كالكفالة والحوالة.\r4 - تصرفات الإرادة المنفردة، كالوصية والجعالة.\rـ حالات فسخ العقود وحالات عدم الفسخ.\rـ فروق بين الفسخ وغيره.\r1 - الفرق بين الفسخ والانفساخ.\r2 - الفرق بين الفسخ (انحلال العقد) وانقضاء الالتزام.\r3 - الفرق بين الفسخ والإبطال والبطلان والفساد.\r4 - الفسخ وشرط الإلغاء الصريح أو الضمني.\r5 - الفرق بين الشرط الموقف (الواقف) والشرط الفاسخ.\r6 - الفرق بين الفسخ والطلاق، وهل يتوقف فسخ الزواج على القضاء؟\rـ بعض أسباب الفسخ:\r1 - الإخلال بالالتزام.\r2 - عدم تنفيذ العقد، ومتى يجوز؟\rـ آثار الفسخ (أحكامه):\r1 - انتهاء العقد بالفسخ.\r2 - أثر الفسخ في الماضي (الأثر المستند والمقتصر) والمستقبل.","part":4,"page":639},{"id":2735,"text":"تعريف الفسخ لغة واصطلاحاً :\rفقرة (1) ـ المراد بالفسخ هنا لغة: هو النقص أو التفريق ، وجاء في تاج العروس شرح القاموس للزبيدي (1) : الفسخ: الضعف في العقل والبدن، والجهل، والطرح، وإفساد الرأي، والفسخ: النقض، فسخ الشيء يفسخه فسخاً فانفسخ: نقضه فانتقض، والفسخ: التفريق، وقد فسخ الشيء: إذا فرقه. ومن المجاز: انفسخ العزم والبيع والنكاح: انتقض، وقد فسخه: إذا نقضه، وفي الحديث: كان فسخ الحج رخصة لأصحاب النبي صلّى الله عليه وسلم : وهو أن يكون نوى الحج أولاً، ثم يبطله وينقضه، ويجعله عمرة، ويحل، ثم يعود يحرم بحجة، وهو التمتع أو قريب منه.\rفقرة (2) ـ والفسخ اصطلاحاً: حل ارتباط العقد (2) ، أو هو ارتفاع حكم العقد من الأصل كأن لم يكن (3) ، فتستعمل كلمة الفسخ أحياناً بمعنى رفع العقد\r-------------------------------\r(1) تاج العروس: 273/2.\r(2) الأشباه والنظائر لابن نجيم: ص 833، الأشباه والنظائر للسيوطي: ص 313.\r(3) البدائع: 182/5.","part":4,"page":640},{"id":2736,"text":"من أصله (1) ، كما في الفسخ بسبب أحد الخيارات، وتستعمل أيضاً بمعنى رفع العقد بالنسبة للمستقبل، كما في أحوال فسخ العقود الجائزة أو غير اللازمة. فإذا انعقد العقد لم يتطرق إليه الفسخ إلا في أحوال سأذكرها، مثل الخيارات ، والإقالة، وهلاك المبيع قبل القبض، وكون العقد غير لازم، ويتم ذلك بإرادة العاقد أو غيره، ويعود العاقدان إلى الحالة الأصلية التي كانا عليها قبل التعاقد، ففي البيع مثلاً يعود المبيع إلى ملك البائع، والثمن إلى ملك المشتري، وإذا فسخ الزواج بحكم القاضي زالت رابطة العقد بين الزوجين وصار كل منهما أجنبياً بالنسبة للآخر.\rقال السيوطي: يغتفر في الفسوخ ما لا يغتفر في العقود، ومن ثم لم يحتج إلى قبول، وقبلت الفسوخ التعليقات دون العقود (2) .\rألفاظ ذات صلة: انفساخ، خلع، طلاق، إبطال، فساد :\r(3) ـ الانفساخ: إن انحلال العقد (وهو زوال الرابطة التي تربط المتعاقدين) يشمل كلاً من الفسخ والانفساخ، إلا أن الفسخ ينشأ تارة عن الإرادة، أو الرضا، وقد يحدث جبراً عن أحدهما بحكم القاضي، فهو يحدث بالتراضي أو بالتقاضي. أما الانفساخ: فيحدث بسبب حادث طبيعي وهو استحالة التنفيذ، كهلاك أحد العوضيين.\rفينفسخ كل عقد من تلقاء نفسه إذا استحال تنفيذه،وينفسخ العقد المستمر أو عقد المدة (3) كعقد الإجارة إذا فقد ما يعتمد عليه بقاؤه، فعقد البيع ينفسخ بهلاك\r-------------------------------\r(1) تبيين الحقائق للزيلعي: 197/4.\r(2) الأشباه والنظائر للسيوطي: ص 318.\r(3) العقود المستمرة: هي التي يستغرق تنفيذها مدة من الزمن، بحيث يكون الزمن عنصراً أساسياً في تنفيذها كالإجارة والإعارة وشركة العقد والوكالة (المدخل الفقهي للأستاذ الزرقاء: ف 247) أو هي العقود التي يكون الزمن عنصراً جوهرياً فيها بحيث يكون المقياس الذي يقدر به محل العقد (الوسيط للسنهوري: 1/ف 65 ص 166).","part":4,"page":641},{"id":2737,"text":"المبيع هلاكاً كلياً قبل استلامه، لاستحالة تنفيذ العقد بالتسليم بعد هلاك محله. وفي الهلاك الجزئي يصبح العقد قابلاً للفسخ، وعقود الشركة والمضاربة والمزارعة والمساقاة تنفسخ بموت أحد العاقدين، لأن هذه العقود تنشئ التزامات عملية ذات آثار متجددة، فيها استمرار يعتمد بقاؤه بقاء العقد؛ لأن للاعتبار الشخصي فيها أثراً ملحوظاً، كما يعتمد بقاء المحل (1) . والإجارة تنفسخ بموت أحد العاقدين في مذهب الحنفية، ولا تنفسخ بموت أحدهما في مذهب الجمهور الأئمة الآخرين، لأنها عقد لازم كالبيع.\r(4) ـ وقد عبّر القرافي عن هذا الفرق المذكور من الفسخ والانفساخ بقوله: الفسخ: قلب كل واحد من العوضين لصاحبه، والانفساخ: انقلاب كل واحد من العوضين لصاحبه، فالأول: فعل المتعاقدين أو الحاكم إذا ظفروا بالعقود المحرّمة، والثاني: صفة العوضين، فالأول: سبب شرعي، والثاني حكم شرعي (2) . وبه يتضح أن الفسخ يشمل الفسخ الاتفاقي والقضائي، والانفساخ هو تحمل التبعة عن الهلاك، أي ضمان التلف.\r(5) ـ الخلع: الخلع لغة: النزع والإزالة، وعرفا بضم الخاء: إزالة الزوجية، واصطلاحاً أو فقهاً: هو إزالة ملك النكاح المتوقفة على قبول المرأة، بلفظ الخلع أو ما في معناه (3) . ولا يحتاج الخلع إلى حاكم، ويكفي تلفظ الزوج به، كأن يقول للمرأة: خالعتك على كذا، فتقبل. والخلع طلاق بائن عند الجمهور، وله تفصيل في المعتمد عند الحنابلة: إن وقع بلفظ الخلع والمفاداة ونحوهما، أو بكنايات\r-------------------------------\r(1) المدخل الفقهي العام للأستاذ مصطفى الزرقاء: ف 303.\r(2) الفروق - في الفرق الخامس والتسعين والمئة بين قاعدة الفسخ وقاعدة الانفساخ: 269/3 .\r(3) هذا تعريف الحنفية ( الدر المختار: 766/2، فتح القدير: 199/3 ) وهناك تعاريف أخرى للمذاهب: ر: خلع.","part":4,"page":642},{"id":2738,"text":"الطلاق، ونوى به الطلاق، كان طلاقاً، فإن وقع بصيغته الصريحة وهي لفظ خلعت وفسخت وفاديت، أو الكناية: وهي لفظ بارأتك وأبرأتك وأبنتك، ولم ينو طلاقاً، فهو فسخ، لا ينقص به عدد الطلاق.\rالخلع خاص بحل الرابطة الزوجية، وهو طلاق أو فسخ على التفصيل والخلاف السابق، أما الفسخ: فهو أعم، وهو حل ارتباط العقد، كما تقدم، أياً كان العقد بيعاً أو زواجاً أوغيرهما. والخلع يحدث بالتراضي، أما الفسخ فيمكن أن يتم بالتراضي أو بقضاء القاضي.\r(6) الطلاق: الطلاق لغة: رفع القيد مطلقاً، يقال: أطلق الفرس: إذا خلاه، وفي الشريعة: رفع القيد الثابت بالنكاح (1) . وفرقة الزواج نوعان: فرقة فسخ وفرقة طلاق. والفسخ: إما أن يكون بتراضي الزوجين وهو المخالعة أو الخلع، أو بواسطة القاضي.\rوالتفريق القضائي قد يكون طلاقاً: وهو التفريق بسبب عدم الإنفاق أو الإيلاء أو للعدل أو للشقاق بين الزوجين أو للغيبة أو للحبس أو للتعسف، وقد يكون فسخاً للعقد من أصله، كما هو حال التفريق في العقد الفاسد، كالتفريق بسبب الردة وإسلام أحد الزوجين، والتفريق بسبب الإعسار عند الشافعية والحنابلة.\r(7) - والفرق بين الطلاق والفسخ في رأي الحنفية: أن الطلاق: هو إنهاء الزواج وتقرير الحقوق السابقة من المهر ونحوه، ويحتسب من الطلقات الثلاث التي يملكها الرجل على امرأته، وهو لا يكون إلا في العقد الصحيح.\r-------------------------------\r(1) أنيس الفقهاء في تعريفات الألفاظ المتداولة بين الفقهاء للشيخ قاسم القونوي: ص155.","part":4,"page":643},{"id":2739,"text":"وأما الفسخ: فهو نقض العقد من أصله، أو منع استمراره، ولا يحتسب من عدد الطلاق، ويكون غالباً في العقد الفاسد أو غير اللازم.\rوبه يتبين أن الفسخ يفترق عن الطلاق من ثلاثة أوجه:\rالأول: ـ حقيقة كل منهما: فالفسخ: نقض للعقد من أساسه، وإزالة للحل الذي يترتب عليه، أما الطلاق: فهو إنهاء للعقد، ولا يزول الحل إلا بعد البينونة الكبرى (الطلاق الثلاث).\rالثاني : ـ أسباب كل منهما: الفسخ يكون إما بسبب حالات طارئة على العقد تنافي الزواج، أو حالات مقارنة للعقد تقتضي عدم لزومه من الأصل. فمن أمثلة الحالات الطارئة: ردة الزوجة أو إباؤها الإسلام أو الاتصال الجنسي بين الزوج وأم زوجته أو بنتها. ومن أمثلة الحالات المقارنة: أحوال خيار البلوغ لأحد الزوجين، وخيار أولياء المرأة التي تزوجت من غير كفء أو بأقل من مهر المثل، ففيها كان العقد غير لازم.\rأما الطلاق فلا يكون إلا بناء على عقد صحيح لازم، وهو من حقوق الزوج، فليس فيه مايتنافى مع عقد الزواج أو يكون بسبب عدم لزومه.\rالثالث : ـ أثر كل منهما: الفسخ: لا ينقص عدد الطلقات التي يملكها الرجل، أما الطلاق فينقص به عدد الطلقات.","part":4,"page":644},{"id":2740,"text":"وكذلك فرقة الفسخ لا يقع في عدتها طلاق، إلا إذا كانت بسبب الردة أو الإباء عن الإسلام، فيقع فيهما عند الحنفية طلاق زجراً وعقوبة. أما عدة الطلاق فيقع فيها طلاق آخر، ويستمر فيها كثير من أحكام الزواج. ثم إن الفسخ قبل الدخول لا يوجب للمرأة شيئاً من المهر، أما الطلاق قبل الدخول فيوجب نصف المهر المسمى، فإن لم يكن المهر مسمى استحقت المتعة (تعويض بمثابة هدية).\r(8) ـ إبطال: الباطل لغة ضد الحق، والإبطال اصطلاحاً: هو الحكم بكون العقد باطلاً، لاختلال ركنه أو محله، والعقد الباطل: هو ما اختل ركنه أو محله، أو ما لايكون مشروعاً بأصله ولا بوصفه (1) . ولا يفيد الملك، كأن يكون أحد العاقدين فاقد الأهلية، كالمجنون وغير المميز، والمميز فيما يضره ضرراً محضاً، أو أن تكون الصيغة غير سليمة، أو يكون محل العقد غير قابل لحكم العقد شرعاً، كبيع ما ليس بمال، أو ما ليس مالاً متقوماً، كالخمر والخنزير والسمك في الماء، وكبيع شيء من الأموال العامة، كجزء من الطريق العام، أو من مشفى أو من مسجد، وكالبيع الذي جعل الثمن فيه غير مال أصلاً كالميتة ، أو الشيء المباح للناس جميعاً، وفي الزواج كالعقد على إحدى المحارم أو لم تكتمل عدتها من مطلقها، أو المتزوجة بزوج آخر، فكل هذه العقود باطلة، لأن النهي في الشرع عنها عائد لأصل العقد أي لخلل في الصيغة أو في العاقد أو في المحل.\r(9) ـ وحكم الباطل: أنه لا يعد منعقداً أصلاً، وإن وجدت صورته في الظاهر، فلا يترتب عليه أي أثر شرعي، فلا يفيد نقل الملكية أصلاً، إذ لا يعد موجوداً بحال ، ولا ينقلب صحيحاً أبداً، لأن البطلان المطلق ينجم عن فقدان أحد أركان تكوين العقد.\rأما الفسخ: فيرد على عقد صحيح منعقد حقيقة، وقد انتقلت فيه الملكية بين الطرفين المتعاقدين.\rويشترك الإبطال والفسخ في إعادة العاقدين إلى الحالة الأصلية التي كانا عليها قبل التعاقد، ويميز بين فسخ العقد وإبطاله من ناحيتين:\r-------------------------------\r(1) المراد بأصل العقد: ما يتعلق بالركن (وهو الصيغة) والأهلية أو المحل المعقود عليه، والمراد بالوصف: ما يتصل بالعقد اتصالاً غير جوهري كالعلم بالمعقود عليه أو بالثمن، أو هو الوصف العارض الطارئ للعقد الملازم له أو المجاور، ولكنه منهي عنه شرعاً، كجهالة المبيع أو الثمن، وعدم تقوم الثمن.","part":4,"page":645},{"id":2741,"text":"1 - إن سبب الفسخ هو عدم قيام أحد العاقدين بتنفيذ التزامه، بينما سبب الإبطال بوجه عام: هو نقص الأهلية أو عيب الإرادة، لذا ينشأ العقد القابل للفسخ صحيحاً، أما العقد القابل للإبطال فلا ينشأ صحيحاً، فتقوم قابلية الإبطال عند تكوين العقد، بينما قابلية الفسخ تكون عند تنفيذه.\r2 - فسخ العقد خاضع لتقدير القاضي، أما إذا توافر سبب الإبطال فليس للقاضي سلطة تقديرية، ولا يملك إلا الإبطال.\r(10) ـ إفساد: لغة: ضد إصلاح، واصطلاحاً: هو الحكم بكون العقد فاسداً.\rوالفساد والبطلان عند الجمهور مترادفان بمعنى واحد (1) ، وعند الحنفية: الفساد: اختلال في العقد في صفة عارضة طارئة غير جوهرية فيه، لذا كان مرتبة متوسطة بين البطلان والصحة، والعقد الفاسد: هو ماكان مشروعاً بأصله (ركنه ومحله وأهلية عاقديه) دون صفته، أي كان صادراً ممن هو أهل له، والمحل قابل لحكم العقد شرعاً، والصيغة سليمة، ولكن صاحب ذلك وصف منهي عنه شرعاً، كبيع المجهول جهالة فاحشة تؤدي للنزاع، مثل بيع دار من دور، أو سيارة من سيارات دون تعيين ذات المبيع، وكإبرام صفقتين في صفقة، كبيع دار على أن يبيعه سيارته، وكبيع مال متقوم (يباح الانتفاع به شرعاً) جعل ثمنه مالاً غير متقوم (لا يباح الانتفاع به شرعاً ) كخمر وخنزير وكلب، وكبيع بقرة على أنها حامل.\rوأسباب الفساد عند الحنفية ستة: الجهالة، والإكراه، والتوقيت، وغرر الوصف، والضرر، والشرط الفاسد.\r-------------------------------\r(1) الباطل والفاسد عند الشافعية مترادفان إلا في الكتابة والخلع والعارية والوكالة والشركة والقرض، وفي العبادات في الحج (الأشباه والنظائر للسيوطي: ص 312).","part":4,"page":646},{"id":2742,"text":"والباطل والفاسد عند الحنفيةفي العبادات وفي الزواج مترادفان، وفي المعاملات كالبيع والشركة والإيجار متباينان (1) .\r(11) ـ وحكم الفاسد: ثبوت الملك فيه بالقبض بإذن المالك صراحة،أو دلالة كأن يقبضه في مجلس العقد أمام البائع، دون أن يعترض عليه، لأن النهي الشرعي عنه بسبب أمر ملازم للعقد يقتضي بطلان الوصف دون أصل العقد، لأنه استكمل عناصره الأساسية، فيكون العقد فاسداً فقط. ويصبح الفاسد صحيحاً بزوال صفة الفساد.\rوالعقد الفاسد واجب الفسخ شرعاً، إما من أحد العاقدين أو من القاضي إذا علم بذلك، لأنه منهي عنه شرعاً. قال السيوطي: تعاطي العقود الفاسدة حرام إلا المضطر إذا لم يجد الطعام إلا بزيادة على ثمن المثل (2) . ويزال الفساد بطلب العاقدين معاً أو بطلب أحدهما.\rوإمكان فسخ العقد الفاسد عند الحنفية مشروط بشرطين.\rأحدهما ـ بقاء المعقود عليه على ما كان قبل القبض: فلو تغير شكله، بأن هلك أواستهلك، أو كان غزلاً فنسجه، أو قمحاً فطحنه، أو دقيقاً فخبزه، امتنع الفسخ.\rالثاني ـ عدم تعلق حق الغير به: فلو تصرف به المشتري لآخر بالبيع أو بالهبة مثلاً، وتم قبضه من الموهوب له، امتنع الفسخ.\r(12) ـ والفرق بين الفسخ والإفساد: أن الفسخ يرد على عقد صحيح منعقد مكتمل الأركان والشروط، أما الإفساد فيقع على عقد غير صحيح بسبب الخلل الذي صحبه أو قارنه في صفة طارئة غير جوهرية فيه.\r-------------------------------\r(1) الأشباه والنظائر لابن نجيم: ص 337، أنيس الفقهاء: ص 209.\r(2) الأشباه والنظائر: ص 312.","part":4,"page":647},{"id":2743,"text":"والعقد الصحيح قبل الفسخ يثبت به الملك الطيب الحلال، وأما الفاسد فيفيد الملك الخبيث شرعاً بالقبض، فإذا فسخ العقد الفاسد تساوى الفساد والفسخ في الأثر وهو زوال الرابطة العقدية التي كانت بين العاقدين.\r(13) - ولا يشترط القضاء في فسخ العقد الفاسد أو العقد الباطل: لأن «الواجب شرعاً لا يحتاج إلى القضاء» (1) ، ولكن ذلك عند عدم النزاع بين المتعاقدين، فإذا حصل النزاع وجب اللجوء إلى القضاء. أما الفسخ فيتم إما بالتراضي أو بقضاء القاضي.\rوالخلاصة: أن البطلان أو الفساد يعاصر العقد، ولا يتراخى إلى ما بعد انعقاده صحيحاً، أما الفسخ فيكون بعد وجود العقد لا محالة (2) . هذه هي التفرقة الدقيقة بين المصطلحات الثلاثة، وإن كان الفقهاء في الغالب لا يلتزمون هذه التفرقة، فيعبرون عن الفسخ بالبطلان أو الفساد، فمثلاً حالة فساد العقد بفوات القبض المستحق بالعقد (3) ، المقصود: هو الفسخ وليس الفساد (4) .\rالحكم الإجمالي للفسخ ودليله :\r(14) ـ الفسخ: إما واجب أو جائز، فيجب رعاية لحق الشرع، كفسخ العقد الفاسد لإزالة سبب الفساد واحترام ضوابط الشرع أو شرائطه التي قررها في العقود، حماية للمصلحة العامة أو الخاصة، ودفعاً للضرر، ومنعاً للمنازعات التي تحدث بسب مخالفة الشروط الشرعية.\r-------------------------------\r(1) درر الحكام: 175/2.\r(2) حاشية الشلبي على الزيلعي: 143/5.\r(3) المبسوط: 26/13.\r(4) سبب الالتزام وشرعيته في الفقه الإسلامي للدكتور جمال الدين محمود: ص 441 ومابعدها.","part":4,"page":648},{"id":2744,"text":"ويجوز الفسخ إعمالاً لإرادة العاقد، كالفسخ بسبب الخيار في العقود غير اللازمة، والفسخ بالتراضي والاتفاق كالإقالة. وقد جاء الشرع بأدلة كثيرة في مشروعية الخيارات والإقالة (1) ، وقال عليه الصلاة والسلام: «المسلمون عند شروطهم ما وافق الحق من ذلك» (2) وهذا دليل على أن حق الفسخ في الشريعة مستمد من فكرة اللزوم الذي يقوم عليه العقد. قال الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود} [المائدة:1/5] وقال النبي صلّى الله عليه وسلم فيما يرويه ابن ماجه عن أبي سعيد: «إنما البيع عن تراض» .\rوالفسخ القضائي جائز إما رعاية لحق الشرع، وإما إحقاقاً للحق ورفع الظلم الذي يقع على أحد المتعاقدين بسبب إضرار العاقد الآخر، وإصراره على منع غيره من ممارسة حقه في الفسخ، لوجود عيب في المبيع أو استحقاق المبيع أو الثمن مثلاً. وحق القاضي في الفسخ ناشئ من ولايته العامة على الناس، أو لأنه يجب عليه رقابة تنفيذ أحكام الشرع.\rوحينئذ يكون الفسخ إما شرعاً أو قضاء أو بالرضا.\rملاحظات ثلاث:\r(15) ـ الأولى ـ الأصل في العقود اللزوم: يصون الفقه الإسلامي العقود عن الفسخ قدر الإمكان؛ لأن الأصل توافر القوة الملزمة للعقد لقوله تعالى: {ياأيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود} [المائدة:1/5] {وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسئولا} [الإسراء:34/17]\r-------------------------------\r(1) ر: خيار، وإقالة، وسيأتي قريباً دليل الإقالة.\r(2) أخرجه الحاكم عن أنس وعائشة، وهو صحيح.","part":4,"page":649},{"id":2745,"text":"قال القرافي: واعلم أن الأصل في العقود اللزوم؛ لأن العقود أسباب لتحصيل المقاصد من الأعيان، والأصل ترتب المسببات على أسبابها (1) .\rفإذا استأجر شخص عاملاً، فهرب العامل قبل تمام العمل، استأجر صاحب العمل من يعمل عليه، وله أن يفسخ العقد إذا عجز، ويسلم إلى العامل أجره قبل هربه (2) . وفوات المنفعة بالكلية موجب للفسخ، أما فوات المنفعة الجزئية فلايوجب الفسخ (3) .\r(16) ـ ليست الخيارات موهنة للقوة الملزمة للتعاقد، سواء كانت تعاقدية، كخيار الشرط، والتعيين، والنقد، أو شرعية، كخيار العيب والتدليس، والتغرير، وفوات الوصف، وتفرّق الصفقة، لأن الأولى نشأت بإرادة المتعاقدين، ولأن الثانية تخل بإرادة العاقد ورضاه، كإعطاء حق الإبطال وحق الإجازة في القوانين الحديثة لمن كانت إرادته معيبة بعيب من عيوب الرضا من إكراه أوغلط، أو تدليس أو استغلال.\r(17) ـ الثانية ـ ليس في الفقه الإسلامي نظرية عامة للفسخ تطبق على جميع العقود في أحوال معينة تقتضي الفسخ، ولا يعرف الفقه أيضاً نظام الفسخ القانوني أي باعتباره جزاء يترتب لمصلحة الدائن على إخلال المدين بالتزامه، ويقوم على فكرة الارتباط بين الالتزامات المتقابلة. ولكن يعرف الفسخ باعتباره نتيجة لإعمال شرط يتضمنه العقد عند الإخلال بالالتزام.\r-------------------------------\r(1) الفروق: 269/3.\r(2) الوجيز للغزالي: 229/1.\r(3) المرجع السابق: ص 238.","part":4,"page":650},{"id":2746,"text":"(18) ـ الثالثة ـ يرى بعض الكاتبين الجدد أن أساس حق الفسخ في الشريعة هو ركن الرضا، والرضا مرتبط بالمحل المعقود عليه طوال حياة الالتزام، فإذا انعدمت الصلة بينهما حتى بعد نشوء العقد كان العقد قابلاً للفسخ (1) . والأدق أن يقال: إن أساس حق الفسخ في الفقه الإسلامي هو فكرة المعاوضة المعتبرة شرعاً التي يشترط فيها أن تؤدي إلى التوازن في مضمون العقد، ليس فقط عند لحظة انعقاد العقد، بل حتى عند تنفيذ العقد، فإذا اختلت المعاوضة أو التوازن العقدي، كان لمن اختلت المعاوضة في جانبه حق طلب الفسخ (2) .\rشروط فسخ العقد :\rيشترط لجواز فسخ العقد شروط ثلاثة:\r(19) ـ الأول: أن يكون العقد ملزماً للجانبين أي عقد معاوضة: فلا يرد الفسخ إلا على العقود الملزمة للجانبين كالبيع والإيجار، لأن الفسخ يقوم شرعاً كما بينت على فكرة المعاوضة المعتبرة شرعاً. أما العقد الملزم لجانب واحد كالوديعة والكفالة وهبة ا لتبرع، فلا يتصور الفسخ فيه، لأن الملتزم طرف واحد، وليس هناك معاوضة أو مبادلة، حتى يلجأ الطرف الآخر إلى الفسخ لحماية مصلحته، وتسويغ امتناعه من تنفيذ التزامه.\r(20) ـ الثاني: أن يخالف العاقد شرطاً صريحاً أو ضمنياً أو حكماً في العقد: فإذا خالف أحد العاقدين ما اشترطه عليه العاقد الآخر صراحة، أو كان الشرط مفهوماً ضمناً، أو كان الالتزام مقرراً بمقتضى العقد، جاز للطرف الآخر طلب فسخ العقد، لاستحالة تنفيذ الالتزام المطلوب، كما في حالة هلاك العين المؤجرة، وإعسار المشتري بالثمن في البيع.\r(21) ـ الثالث ـ انعدام الرضا الصحيح: فإذا لم يرض العاقد بالخلل الحاصل أو كان رضاه مشوباً بعيب من عيوب الإرادة أو الرضا وهي الغلط والإكراه والتدليس، كان له حق المطالبة بفسخ العقد بالتراضي أو بالتقاضي. أما إن رضي بما آل إليه أمر المعقود عليه من هلاك كلي أو جزئي، فيسقط حقه في الفسخ.\r-------------------------------\r(1) النظرية العامة للفسخ للدكتور علي حسن دنون: ص73.\r(2) سبب الالتزام وشرعيته في الفقه الإسلامي للدكتو جمال الدين محمود: ص 452.","part":4,"page":651},{"id":2747,"text":"وقد ذكرت سابقاً (1) شروط فسخ العقد الفاسد، أما فسخ العقد بسبب الخيار أو بسبب كون العقد غير لازم، أو حال الإقالة (الفسخ الاتفاقي) فمحله موضع بحث هذه الأمور.\rأسباب الفسخ :\r(22) ـ أسباب الفسخ خمسة: إما الاتفاق أو التراضي ومنه الإقالة، وإما الخيار، وإما عدم اللزوم، وإما استحالة تنفيذ أحد التزامات العقد المتقابلة، وإما الفساد.\r(23) ـ 1 ـ الاتفاق: يفسخ العقد بالتراضي بين العاقدين بشرط صريح في العقد، والإقالة: نوع من الفسخ الاتفاقي، وهي الرفع والإزالة، أو هي «رجوع كل من العوضين لصاحبه، فيرجع الثمن للمشتري والمثمون للبائع، وأكثر استعمالها قبل قبض المبيع» (2) وقال ابن عرفة: الإقالة: ترك المبيع لبائعه بثمنه. وهي عند الحنفية بالاتفاق بيع جديد في حق غير العاقدين، سواء قبل القبض أو بعده، وفسخ في حق العاقدين بعد القبض في رأي أبي حنيفة، لأنها رفع لغة وشرعاً، ورفع الشيء: فسخه، ويرى أبو يوسف: أن الإقالة بيع جديد في حق العاقدين وغيرهما، إلا أن يتعذر جعلها بيعاً ، فتجعل فسخاً، كأن تقع الإقالة قبل القبض في مبيع منقول، لأن بيع المنقول قبل القبض لا يجوز، لأن معنى البيع هو مبادلة المال بالمال، وهو أخذ بدل وإعطاء بدل، وقد وجد، فكانت الإقالة بيعاً لوجود معنى البيع فيها، والعبرة للمعنى لا للصورة.\rويرى محمد: أن الإقالة فسخ إلا إذا تعذر جعلها فسخاً، فتجعل بيعاً للضرورة، لأن الأصل في الإقالة الفسخ، لأنها عبارة عن رفع الشيء لغة وشرعاً (3) .\r(24) ـ وذهب زفر والشافعية والحنابلة إلى أن الإقالة فسخ في حق الناس كافة، لأن الإقالة هي الرفع والإزالة، ولأن المبيع عاد إلى البائع بلفظ لا ينعقد به البيع، فكان فسخاً (4) .\r(25) . وذهب المالكية إلى أن الإقالة بيع ثان يشترط فيها ما يشترط فيه، ويمنعها ما يمنعه؛ لأن المبيع عاد إلى البائع على الجهة التي خرج عليه منه، فهي تتم بتراضي الطرفين، يجوز فيها ما يجوز في البيوع، ويحرم فيها ما يحرم في البيوع، ولكنهم استثنوا ثلاثة أشياء:\r-------------------------------\r(1) راجع ف /11 وانظر ف/51 الآتية.\r(2) زاد المعاد لابن القيم: 76/1.\r(3) البدائع: 306/5، فتح القدير: 247/5، الدر المختار ورد المحتار: 154/4.\r(4) الأشباه والنظائر للسيوطي:ص 152، القواعد لابن رجب:ص 379، المغني: 121/4 ومابعدها.","part":4,"page":652},{"id":2748,"text":"أولاً ـ طعام المعاوضة قبل قبضه، أي الإقالة من بيع الطعام قبل قبضه، فالإقالة فيه حل أو فسخ للبيع، فلذلك جازت قبل قبض المشتري لها من البائع إن وقعت الإقالة بالثمن عينه، لا بأقل منه ولا بأكثر ولا بغيره، وإلا لزم بيع طعام المعاوضة قبل قبضه.\rثانياً ـ الشفعة: ليست الشفعة بيعاً، ولا حلّ بيع أي فسخه، بل هي لاغية للبيع، فمن باع نصيبه من عقار، ثم أقال المشتري منه، فالشفعة ثابتة للشريك بما وقعت به الإقالة، وعهدة الشفيع على المشتري.\rثالثاً: المرابحة: هي حل البيع، فمن باع بمرابحة، ثم تقايل مع المشتري، فلا يجوز له أن يبيعها مرابحة على الثمن الذي وقعت الإقالة به إذا وقعت بزيادة.\r(26) ـ ودليل جواز الإقالة (1) : قوله صلّى الله عليه وسلم : «من أقال نادماً أقاله الله يوم القيامة» (2) وفي رواية : «من أقال مسلماً، أقال الله عثرته» (3) .\rولا يجوز فسخ العقود اللازمة بحق الطرفين إلا بإرادتهما وذلك عن طريق الإقالة، ولا تجوز الإقالة في الزواج، بل يجوز الطلاق.\rويلاحظ أن الإقالة تحدث غالباً مع أنه لا خلل في المعاوضة بالنسبة للمتقايلين، وقد تحدث؛ لأن العاقد اكتشف في نفسه شيئاً من عدم الرضا بعد انعقاد العقد صحيحاً.\rوالخلاصة: أن الفسخ في الإقالة يختلف عن الفسوخ الأخرى، حيث لا يشترط في سائر الفسوخ رضا المتعاقدين، بل تصح من طرف واحد، أما الإقالة فلا تصح إلا برضا المتعاقدين، كما أن الإقالة لا تتأثر بالشروط الفاسدة عند الحنفية (4) .\r-------------------------------\r(1) الشرح الصغير: 209/2 ومابعدها، القوانين الفقهية: ص 272.\r(2) أخرجه البيهقي عن أبي هريرة.\r(3) أخرجه أبو داود، وكذا ابن ماجه وزاد ( يوم القيامة ) وأخرجه أيضاً ابن حبان في صحيحه والحاكم في المستدرك، وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه.\r(4) البدائع: 3397/7، مطبعة الإمام بالقاهرة، مغني المحتاج: 65/2، المغني: 93/4.","part":4,"page":653},{"id":2749,"text":"(27) ـ 2 ـ الخيار: هو الذي يتمثل فيه الفسخ بسبب شرط صريح أو ضمني، وهو أن يكون للمتعاقد الحق في الاختيار بين الإمضاء وعدم إمضائه بفسخه إن كان الأمر أمر خيار شرط أو رؤية أو عيب، أو أن يختار أحد المبيعين إن كان الأمر أمر خيار التعيين (1) .\rيفسخ العقد بسبب وجود خلل في تكوين العقد، وبخاصة فيما يتعلق بالمعقود عليه، كما في خيار الوصف أوخيار الرؤية، وخيار العيب، وخيار الغبن والتغرير، وحينئذ يختلط الفسخ بالإبطال، ويفسخ بسبب تضمن العقد شرطاً يمنح أحد العاقدين أو كليهما رخصة فسخ العقد، كما في خيار الشرط وخيار النقد. وقد اعتبر الفقهاء استحقاق المبيع عيباً في العقد. والعيب يشمل كل ما من شأنه الحط من قيمة الشيء أو تفويت غرض من أغراضه.\rكما يفسخ بسب تجزؤ الشيء في خيار تفرق الصفقة، أو تغير شكله قبل التسليم، أو وجد المشتري نقصاً في المقادير والكميات. وقد يفسخ العقد أيضاً بسبب الخلل في الرضا، فإذا شاب الرضا بعض العيوب كالغبن التدليسي والغلط، والإكراه، جاز الفسخ.\r(28) - 3 - عدم لزوم العقد بطبيعته: إنه يجعل للعاقد الحق في الفسخ من الأصل، فيجوز لأحد العاقدين أو لكليهما بحسب العقد المسمى أن يستقل بالفسخ، مثل العارية والقرض والوديعة والشركة والوكالة، كلها عقود غير لازمة يجوز فسخها متى شاء أحد الطرفين المتعاقدين، بشرط إعلام الطرف الآخر بالفسخ في رأي الحنفية، ليكون على بيّنة من أمره، فعلم الطرف الآخر بالفسخ مشروط دائماً. وقال ابن رجب: عقود المشاركات كالشركة والمضاربة،المشهور\r-------------------------------\r(1) الدر المختار: 47/4.","part":4,"page":654},{"id":2750,"text":"أنها تنفسخ قبل العلم كالوكالة، وكذا الوديعة للوديع فسخها قبل علم المودع بالفسخ، وتبقى في يده أمانة، وكذا الطلاق والخلع يصح دون علم الآخر (1) .\r(29) - 4 - استحالة تنفيذ أحد الالتزامين المتقابلين: سواء أكانت هذه الاستحالة ناشئة عن فعل الملتزم أم لا؛ إن هذه الاستحالة تجيز فسخ العقد أحياناً؛ لأن الالتزام المقابل يصبح بلا سبب. وعلى هذا إذا هلك الشيء المؤجر بعينه أو لم يستطع المستأجر الانتفاع بالعين المؤجرة، سقط التزامه بدفع الأجرة، وفسخت الإجارة، لاستحالة استيفاء المنفعة المتعاقد عليها. أما إذا كانت الإجارة في الذمة كتعهد نقل الحمل إلى مكان معين على أية دابة أو سيارة ثم تعبت الدابة أو تعطلت السيارة، فلا يفسخ العقد، بل يطلب التنفيذ العيني، أي الاستبدال بها غيرها. والقاعدة في البيع: أنه إذا كان الثمن ديناً، أجبر البائع على تسليم المبيع، ثم يجبر المشتري على تسليم الثمن إن كان حاضراً، فإن كان الثمن غائباً أو بعيداً أو كان المشتري معسراً، فللبائع الفسخ (2) .\r(30) - 5 - الفسخ للفساد عند الحنفية القائلين به في المعاملات: يفسخ العقد للفساد بحكم الشرع لإزالة سبب فساد العقد كما تقدم، كجهالة المبيع أو الثمن أو الأجل أو وسائل التوثيق من كفالة أو رهن جهالة فاحشة وهي التي تفضي إلى المنازعة، وتعليق المبيع على شرط، وإضافته للمستقبل، واشتمال البيع على الثمن المحرّم شرعاً كالخمر والخنزير، ووجود بيعتين في بيعة أو شرطين في بيع واحد، والإضرار بالمبيع كبيع جذع من سقف، وكون البيع فيه غرر الانفساخ بهلاك المعقود عليه، أي احتمال الهلاك، كبيع الشيء المنقول المملوك قبل قبضه،\r-------------------------------\r(1) القواعد: ص 115.\r(2) المدخل الفقهي العام للأستاذ مصطفى الزرقاء: ص 239-240.","part":4,"page":655},{"id":2751,"text":"ووجود شرط فاسد أو مفسد في العقد وهو ما لا يقتضيه العقد ولا يلائمه ولا ورد به الشرع ولا يتعارفه الناس، وإنما فيه منفعة لأحد المتعاقدين. ويمكن حصر أسباب الفساد كما تقدم في ستة: الإكراه، والغرر (غرر الوصف)، والجهالة، والتوقيت، والضرر الذي يصحب التسليم، والشرط الفاسد، ومنه الربا، أما فساد بيع المنقول قبل قبضه فيرجع للضرر (1) .\rوبه يتضح أن أسباب انحلال العقد في الفقه الإسلامي ثلاثة:\r1 - كون العقد غير لازم.\r2 - الفسخ.\r3 - الإقالة (2) .\rأنواع الفسخ :\r1 - الفسخ الاتفاقي (أوالإقالة) والفسخ بحكم القضاء، والفسخ بحكم الشرع :\r(31) - الفسخ الاتفاقي كما تقدم: هو إنهاء العقد باتفاق العاقدين، إذ إن فسخ العقد يكون بالوسيلة نفسها التي عقد بها العقد، فكما نشأ العقد بإيجاب وقبول متطابقين على إنشائه، كذلك يزول بإيجاب وقبول متوافقين على إلغائه، فالعقد: اتفاق ينشئ الالتزام، أما الإقالة فهي اتفاق يقضيه. ومحل الإقالة: إلغاء الالتزامات التي نشأت من العقد الذي أقيل، وسببها: هو الباعث الذي دفع المتقايلين إلى هذا الإلغاء.\rوقد تتم الإقالة بإرادة منفردة إذا اتفق عليها بإرادتين سابقتين، وعلى أي حال فإن الإقالة التي هي فسخ اتفاقي لا تخل بالمعاوضة لأي من العاقدين، وإنما تدل على أن الرضا الكامل بالعقد غير متوافر.\r-------------------------------\r(1) راجع المبسوط: 9/13-10.\r(2) مصادر الحق للسنهوري: 190/6.","part":4,"page":656},{"id":2752,"text":"(32) ـ ويقرب من الإقالة: الرجوع في الهبة إذا تم بالتراضي، فهذه إقالة من الهبة، وقد يتم الرجوع في الهبة بغير الإقالة، وذلك بطريق القضاء إذا لم يقبل الموهوب له الإقالة، واستند الطلب إلى عذر مقبول، ولم يوجد مانع من الرجوع (1) . والعذ ر المقبول مثل إخلال الموهوب له بما يجب نحو الواهب، أو عجز الواهب عن توفير أسباب المعيشة لنفسه أو أن يرزق ولداً بعد الهبة، وموانع الرجوع في الهبة هي الزوجية والقرابة والتصرف في الموهوب، والزيادة المتصلة في الموهوب أو تغييره على وجه تبدل فيه اسمه، كخياطة القماش ثوباً، وموت أحد العاقدين، وهلاك الموهوب أو استهلاكه، والعوض في الهبة، وحال كون الهبة صدقة لفقير أو جهة بر، وهبة الدين للمدين. ويلاحظ أن الزواج يقبل الفسخ قبل التمام لا بعده، فلا تصح إقالته (2) .\r(33) - وأما الفسخ بحكم القضاء أو الفسخ الجبري: فيكون إذا لم يحدث الفسخ بالتراضي، أو لرفع فساد العقد. ففي البيع المشتمل على خيار العيب، وفي حالة الهلاك غير الكلي حيث يكون العقد في حاجة إلى فسخ، يرى الحنفية أن المبيع إذا كان في يد البائع، فينفسخ البيع بقول المشتري: رددت، ولا يحتاج إلى قضاء القاضي، ولا إلى التراضي باتفاق الحنفية والشافعية.\rوأما إن كان المبيع في يد المشتري، فلا ينفسخ إلا بقضاء القاضي أو بالتراضي\r-------------------------------\r(1) مصادر الحق للسنهوري: 244/6-246.\r(2) الأشباه والنظائر لابن نجيم: ص 177.","part":4,"page":657},{"id":2753,"text":"عند الحنفية؛ لأن الفسخ بعد القبض يكون على حسب العقد؛ لأنه يرفع العقد، وبما أن العقد لا ينعقد بأحد العاقدين، فلا ينفسخ بأحدهما من غير رضا الآخر،ومن غير قضاء القاضي، بخلاف الفسخ قبل القبض؛ لأن الصفقة ليست تامة حينئذ، بل تمامها بالقبض، فكان بمنزلة القبض (1) . أما في خيار الرؤية فيرد المشتري المبيع بمحض إرادته دون حاجة إلى التراضي أو التقاضي، سواء كان ذلك قبل قبض المبيع أو كان بعد القبض. فإذا رد من له الخيار، ولو بعد قبض المبيع، رد بمحض إرادته دون حاجة إلى التراضي أو التقاضي.\rويرى الجمهور أن العقد ينفسخ بقول المشتري: رددت، بغير حاجة إلى قضاء، ولا إلى رضا البائع؛ لأن الفسخ لا تفتقر صحته إلى القضاء، ولا إلى الرضا كالفسخ بخيار الشرط بالاتفاق، وبخيار الرؤية على أصل الحنفية (2) .\r(34) - ويفسخ القاضي العقد عند الاطلاع على فساده ورفع الأمر إليه، كفسخ البيع الفاسد عند الحنفية إذا وجد فيه أحد أسباب الفساد الستة المتقدمة وهي الإكراه، والغرر، والجهالة،والتوقيت، والضرر الذي يصحب التسليم، والشرط الفاسد، والربا.\rولا يشترط أن يحكم القاضي بالفسخ، ما لم يكن الفسخ بسبب عيب في المبيع، وكان المشتري قد قبض المبيع.\rوأسباب الفسخ القضائي أو حالاته: هي استحالة التنفيذ، وعدم التنفيذ، والإعذار في العقود المستمرة، والشرط الفاسخ الصريح أو الخيارات الاتفاقية.\r(35) - وأما الفسخ بحكم الشرع: فيكون بسبب الخلل الحاصل في العقد في شرط من شروط الشرع، كفسخ الزواج عند تبين الرضاع بين الزوجين، وفسخ البيع حالة فساده كما تقدم.\r-------------------------------\r(1) البدائع: 281/5، 298.\r(2) مغني المحتاج: 57/2، المهذب: 284/1، حاشية الدسوقي على الشرح الكبير: 121/3، 138، المغني: 109/4.","part":4,"page":658},{"id":2754,"text":"والفرق بين الفسخ الاتفاقي والفسخ أو الانفساخ بحكم الشرع والفسخ القضائي: أن الحكم في النوعين الأولين يكون كاشفاً عن الفسخ وليس منشئاً له، أما الفسخ بحكم القضاء فالحكم فيه منشئ للفسخ.\r2 - الفسخ باعتباره جزاء لعدم تنفيذ العاقد الآخر التزامه :\r(36)- . لا يجيز الفقه الإسلامي للعاقد أن يطلب الفسخ إذا لم ينفذ العاقد الآخر التزامه، فإذا لم يسلم البائع المبيع أو لم يدفع المشتري الثمن عند حلول الأجل، أجبر العاقد على تنفيذ الالتزام ما دام تنفيذ ه عيناً ممكناً؛ لأن مهمة القاضي هي إيصال ذوي الحقوق إلى حقوقهم، فلا موجب للفسخ.\r(37) - . وتكون القاعدة أن العقد لا يفسخ إذا أخل المدين بالتزامه، بل يبقى العقد قائماً في هذه الحالة، فإذا كان الثمن ديناً أجبر البائع في رأى الحنفية وغيرهم على تسليم المبيع، ثم يجبر المشتري على تسليم الثمن إن كان حاضراً، وإن كان الثمن غائباً أو بعيداً أو كان المشتري معسراً، فللبائع الفسخ.\rوإذا أخل المرتهن بالتزامه، لم يملك الراهن فسخ الرهن، بل يقتصر على مطالبة المرتهن بتنفيذ التزامه، أو مطالبته بالضمان إذا هلك المرهون.\rوإذا لم يقم أحد العاقدين في الصلح بتنفيذ ما التزم به بموجب العقد، فليس للمتعاقد الآخرأن يفسخ الصلح، بل يطالب المدين بأن يقوم بتنفيذ التزامه (1) .\r-------------------------------\r(1) المدخل الفقهي العام للأستاذ مصطفى الزرقاء: ص 239 -240، مصادر الحق للسنهوري: 230/6.","part":4,"page":659},{"id":2755,"text":"3 - الفسخ بسبب الخيار (الفسخ والقوة الملزمة للعقد):\r(38) - . عرفنا سابقاً أن الأصل في العقود اللزوم، فيلزم العقد بالإيجاب والقبول، إلا إذا كان فيه خيار أو كان العقد بطبيعته غير لازم، وحينئذ يجوز فسخ العقد إما لكلا العاقدين برضاهما أو لأحدهما بدون تراض، ففي العقد غير اللازم يثبت خيار الفسخ للعاقدين، وفي العقد المشتمل على الخيار يثبت حق الفسخ لكلا العاقدين في خيار المجلس (1) عند القائلين به وهم الشافعية والحنابلة والإمامية، وكذا في خيار الشرط إن كان مشروطاً للعاقدين، فإن كان مشروطاً لأحدهما انحصر فيه حق الفسخ. ويكون حق الفسخ لأحد العاقدين أيضاً في الخيارات الناجمة عن وجود شائبة أو عيب في رضا أحد المتعاقدين كالغلط والغبن والتغرير والإكراه، وهذا يشمل خيار العيب، وخيار الغبن والتغرير، وخيار تلقي الركبان، وخيار تفرق الصفقة، وخيار الرؤية، وخيار فقد الوصف المشروط في العقد، وفي حال استحقاق (2) أحد العوضين. وهذا يعني أن صاحب الخيار يقدر على إمضاء العقد أو على حله كيفما شاء دون رضا الآخر، وإن خياره هذا يسقط بالإجازة الصريحة أو الضمنية، أي بكل مايدل على رضاه بإمضاء العقد بعد علمه بزوال سبب الخيار، وإذا أمضاه يصبح بعدئذ لازماً (3) .\r(39) - . ووجود هذه الخيارات لا يضعف القوة الملزمة للتعاقد؛ لأن العقد نشأ غير لازم باتفاق إرادتي العاقدين، كما في خيار الشرط ونحوه، أو بحكم الشرع، كما في خيار المجلس، لقوله صلّى الله عليه وسلم : «البيِّعان بالخيار ما لم يتفرقا، أو يقول\r-------------------------------\r(1) خيار المجلس: هو أن يكون لكل من العاقدين حق فسخ العقد، ما داما في مجلس العقد، لم يتفرقا بأبدانهما، أو يخير أحدهما الآخر، فيختار لزوم العقد.\r(2) الاستحقاق: أن يدعي شخص ملكية شيء، ويثبت ذلك بالبينة، ويقضي القاضي له بملكيته.\r(3) النظرية العامة للموجبات والعقود للدكتور صبحي محمصاني: 289/1.","part":4,"page":660},{"id":2756,"text":"أحدهما للآخر: اختر» (1) أي اختر اللزوم، فهذا الحديث لا يعارض آية الأمر بالوفاء بالعقود؛ لأن المراد بالعقود هي الكاملة اللازمة التي لا خيار فيها، ولا يعارض أيضاً آية {تجارة عن تراض منكم} [النساء:29/4] لأن هذا الخيار مشروع للتأكد من تمام الرضا.\rوللعقود غير اللازمة في الفقه الإسلامي نظائر في القوانين الوضعية الحديثة، مثل العقود الزمنية غير المعينة المدة التي يجوز لأحد العاقدين فيها أن يستقل بنقضها بإرادته المنفردة (2) .\rوالخلاصة : أن الفسخ حق ضعيف، وهو خروج على القاعدة العامة التي تقضي بلزوم العقد، ووجوب الوفاء به.\r4 - الفسخ للأعذار الطارئة :\rيفسخ العقد للعذر أو لحوادث طارئة إذا كان عقد إيجار ونحوه، أو عقد بيع للثمار بسبب الجوائح.\r(40) - أجاز فقهاء الحنفية (3) دون غيرهم فسخ عقد الإجارة وعقد المزارعة بالأعذار الطارئة؛ لأن الحاجة تدعو إلى الفسخ عند العذر؛ لأنه لو لزم\r-------------------------------\r(1) أخرجه أحمد في مسنده ومالك والشيخان وأصحاب السنن إلا ابن ماجه عن حكيم بن حزام، وأثبت ابن حزم تواتره، وقال ابن رشد عنه: وهذا حديث إسناده عند الجميع من أوثق الأسانيد وأصحها. لكن أجاب القرافي في الفروق: (270/3-273) عن هذا الحديث بعشرة أجوبة، منها مخالفته عمل أهل المدينة، وهو مقدم على خبر الواحد - في رأيه ومنها حديث أبي داود والدارقطني: «المتبايعان كل واحد منهما بالخيار، ما لم يفترقا إلا أن يكون صفقة خيار، ولا يحل له أن يفارق صاحبه خشية أن يستقيله» .\r(2) التعبير عن الإرادة في الفقه الإسلامي للدكتور وحيد سوار: ف 615، 618.\r(3) المبسوط: 2/16 ومابعدها ، البدائع: 197/4 ومابعدها، تبيين الحقائق: 145/5 وما بعدها، مختصر الطحاوي: ص 130، الدر المختار ورد المحتار: 54/5 ومابعدها.","part":4,"page":661},{"id":2757,"text":"العقد عند تحقق العذر، للزم صاحب العذر ضرر لم يلتزمه بالعقد. والعذر: هو ما يكون عارضاً يتضرر به العاقد مع بقاء العقد، ولا يندفع بدون الفسخ. قال ابن عابدين: كل عذر لا يمكن معه استيفاء المعقود عليه إلا بضرر يلحقه في نفسه أو ماله، يثبت له حق الفسخ (1) .\r(41) ـ والأعذار ثلاثة أنواع :\r1 - عذر من جانب المستأجر: كإفلاسه أو انتقاله من حرفة إلى أخرى؛ لأن المفلس أو الذي بدل الحرفة لا ينتفع بالعقد إلا بضرر، وكذا سفره عن البلد؛ لأن في إبقاء العقد مع السفر ضرراً به.\r2 - عذر من جانب المؤجر: كلحوق دين فادح به لا يجد طريقاً لقضائه إلا ببيع الشيء المأجور وأدائه من ثمنه، هذا إذا ثبت الدين قبل الإجارة بالبينة أو بالإقرار. ومثل إطلاع المؤجر على عيب في المأجور.\r3 - عذر راجع للعين المؤجرة: كأن يستأجر شخص حماماً في قرية ليستغله مدة معلومة، ثم يهاجر أهل القرية، فلا يجب عليه الأجر للمؤجر.\rوقد نص قانون المعاملات المدنية في دولة الإمارات (م 892) المستمد من الفقه الإسلامي على أنه إذا حدث عذر يحول دون تنفيذ عقد المقاولة (2) أو إتمام تنفيذه، جاز لأحد عاقديه أن يطلب فسخه أو إنهاءه حسب الأحوال، كما تفسخ الإجارة في مذهب الحنفية بالأعذار الطارئة. ونصت المادة (م 895) على أنه إذا\r-------------------------------\r(1) رد المحتار: 55/5.\r(2) المقاولة: عقد يتعهد أحد طرفيه بمقتضاه بأن يصنع شيئاً أو يؤدي عملاً لقاء بدل يتعهد به الطرف الآخر وهو عقد عرف حديثاً في القوانين الوضعية، وقد استقيت أحكامه في القانون المدني الأردني وفي قانون الإمارات من أحكام عقد الاستصناع وعقد الأجير المشترك العام.","part":4,"page":662},{"id":2758,"text":"تضرر أحد العاقدين من الفسخ، فللمتضرر أن يطالب الطرف الآخر بتعويضه في الحدود التي يقرها العرف.\r(42) - . وقال جمهور العلماء (غير الحنفية) (1) : الإجارة عقد لازم، فلا تفسخ كسائر العقود اللازمة من أي عاقد بلا موجب، كوجود عيب أو ذهاب محل استيفاء المنفعة، فإذا فات المعقود عليه وهو المنفعة، كانهدام الدار، وموت الدابة والأجير المعينين، جاز الفسخ، ويكون بالنسبة للمستقبل لا في الماضي، وإذا وجد عيب في الشيء المؤجر، مثل جموح الدابة أو نفورها، أو كونها عضوضاً، أو تعثر الظهر في الشيء، أو طرأ عرج أو ضعف بصر أو جذام أو برص، جاز الفسخ أيضاً.\rوتفصيل الحكم في هذه المذاهب: أن المالكية يجيزون فسخ الإيجار للعذر الذي يمنع استيفاء المنفعة شرعاً، كسكون ألم السن المستأجر على قلعها، أو العفو عن القصاص المستأجر على استيفائه، وتنفسخ الإجارة بحمل الظئر؛ لأنه يخاف على الولد من لبنها، وتنفسخ الإجارة أيضاً إن انقطع الماء عن الرحى المستأجرة.\rويجيز الشافعية فسخ الإجارة لعذر إذا أوجب خللاً في المعقود عليه أو كان عيباً فيه تنقص به المنفعة، أو تعذر استيفاء المنفعة تعذراً شرعياً، كتعثر ظهر الدابة في المشي، والعرج الذي تتأخر به عن القافلة، وضعف البصر في المستأجر للخدمة، وانهدام الحائط في الدار، وانقطاع الماء في البئر والعين والرحى وغير ذلك مما يوجب خللاً في المعقود عليه ترد به العين للعيب. وتنفسخ الإجارة لقلع السن إن زال الألم للتعذر الشرعي.\r-------------------------------\r(1) بداية المجتهد: 227/2، مواهب الجليل للحطاب: 432/5 ومابعدها، مغني المحتاج: 355/2 ومابعدها، المهذب: 405/1 ومابعدها، المغني: 418/5، غاية ا لمنتهى: 209/2.","part":4,"page":663},{"id":2759,"text":"وكذلك قال الحنابلة: لا تنفسخ الإجارة بالعذر إلا إذا أوجب خللاً أو عيباً في المعقود عليه تنقص به المنفعة أو تعذر استيفاء المنفعة تعذراً شرعياً، فإن تعذر الزرع بسبب غرق الأرض أو انقطاع مائها فللمستأجر الفسخ.\rوأجاز المالكية والحنابلة فسخ البيع في بيع الثمار بسبب الجوائح إذا تلفت الثمرة كلها، وإنقاص الثمن في تلف بعض الثمار، كما سيأتي في حالات فسخ العقود (عقد البيع) ف/75.\r5 - الفسخ لاستحالة التنفيذ (الفسخ وتحمل تبعة الهلاك ) :\r(43) - . عرفنا سابقاً أنه ليس في الفقه الإسلامي نظرية عامة للفسخ، وهذا حسن؛ لأنه يضيق من نطاق الفسخ في العقود على غرار القانون الروماني، ويوفر لها القوة الملزمة في التعاقد؛ أي أن حله بعد عقده أمر خطير، فوجب الاحتراز منه، والتضييق فيه ما أمكن.\rولذا يجيز الفقه الإسلامي الفسخ في حالة استحالة التنفيذ لأحد التزامات العقد، سواء أكان ذلك بفعل الملتزم أم لا؛ لأن الالتزام المقابل يصبح بلا سبب، وبناء عليه ، يمكن القول بأن هلاك الشيء في جميع الأحوال قبل القبض يؤدي إلى فسخ العقد باتفاق المذاهب. وتقع تبعة الهلاك على عاتق الملتزم، كهلاك المبيع قبل القبض، وكما إذا لم يستطع المستأجر الانتفاع بالعين المؤجرة، فإن التزامه بدفع الأجرة يسقط (1) . ويسقط حق الفسخ إذا هلك الشيء أو تغير شكله بعد قبض المشتري له.\r-------------------------------\r(1) النظرية العامة للالتزامات في الشريعة الإسلامية للدكتور شفيق شحاته: ص 167.","part":4,"page":664},{"id":2760,"text":"هذا .. وقد نص فقهاء الحنابلة على أنه إذا تعذر على البائع تسليم المبيع، فللمشتري الفسخ (1) .\r(44) - وإذا نص على التزام ما صراحة أو ضمناً في العقد، فإن عدم الوفاء به، يؤدي كذلك إلى الفسخ، مثال الصريح: ما لو تعهد المشتري بتقديم رهن أو كفيل بالثمن، ولم يفعل، فإن عقد البيع يفسخ. ومثال الشرط الضمني: ما إذا وجد المشتري في العين المبيعة عيباً، فله الفسخ، لأن سلامة المبيع من العيوب شرط ضمني في عقد البيع، وكذلك في عقد الإجارة. وقد اعتبروا استحقاق المبيع عيباً.\r(45) - ويفسخ العقد أيضاً إذا تجزأ الشيء أو تغير شكله قبل التسليم، وكذلك إذا وجد المشتري نقصاً في المقادير؛ لتعيب رضا المشتري الذي لم يتوصل إلى وزن متفق عليه.\rوقد يفسخ العقد أيضاً كما تقدم إذا شاب الرضا بعض العيوب، كالغبن التدليسي والخطأ (الغلط) والإكراه، ويفسخ أيضاً في حال بيع العين الغائبة، أو غير المرئية، فللمشتري الذي لم ير المبيع حق الفسخ أيضاً؛ لأن الغلط حينئذ كثير الاحتمال (2) ، وبه يتبين أن الفسخ بالمعنى الصحيح لا يكون إلا في الأحوال التي يصيب فيها رضا العاقد عيب، أو يختل هذا الرضا، لعد تحقق الشرط الذي توقعه العاقد عند التعاقد.\r(46) - وأساس الفسخ في جميع الأحوال مخالفة شرط صريح أو ضمني في العقد، ويكون الفسخ نتيجة لإعمال شرط يتضمنه العقد عند الإخلال بالالتزام.\r-------------------------------\r(1) شرح منتهى الإرادات: 187/2، الطبعة الجديدة، مجلة الأحكام الشرعية على مذهب الإمام أحمد للقاضي أحمد القاري ( م 472).\r(2) شفيق شحاته، المرجع السابق: ص168 ومابعدها.","part":4,"page":665},{"id":2761,"text":"وأساس المسؤولية المدنية في الشريعة الإسلامية عن الهلاك الكلي أو الجزئي هو نظرية تحمل التبعة، أي أن كل شخص يتحمل مسؤولية الضرر الذي يحدثه بفعله مباشرة أو تسبباً، فأساس المسؤولية هو الضرر، وليس عنصر الخطأ (1) .\r(47) - وأساس تحمل تبعة الهلاك في الفقه الإسلامي ليس كما يرى بعضهم هو طبيعة العقد الملزم للجانبين (2) ، وإنما هو المعاوضة أو المبادلة التي تقتضي إنشاء التزامات متقابلة، وتحقق فكر المساواة التي تقوم عليها العقود ، وتحقيق المساواة بين المتعاقدين يقتضي ألا يجبر أحدهما على تنفيذ التزامه، بينما الآخر لم يقم بتنفيذ الالتزام المقابل، وإلا كان في ذلك إخلال بالمساواة المقصودة (3) . قال الكاساني: «ولأن المعاوضات مبناها على المساواة عادة وحقيقة» (4) وقال أيضاً: «ولأن المساواة في العقود المطلقة مطلوب العاقدين (5) » .\rوتظهر سلامة هذا التأصيل في حالة الهلاك الجزئي بنحو أوضح، فالالتزام الذي انقضى جانب من محله بالهلاك، لم ينقض بسببه الالتزام تماماً، ومع ذلك فإنه يسقط من الالتزام المقابل ما يساوي قيمة الجزء الهالك من التزام العاقد الآخر، أي الجزء الذي أصبح فيه الالتزام مستحيلاً.\r6 - الفسخ للإفلاس والإعسار والمماطلة :\r(48) - إذا كان المدين معسراً أمهل إلى وقت اليسار، عملاً بنظرة الميسرة { وإن كان ذو عسرة، فنظِرة إلى ميسرة } [البقرة:280/2] وإذا كان موسراً مماطلاً في الوفاء، وله مال يفي\r-------------------------------\r(1) مسؤولية الإنسان عن حوادث الحيوان والجماد للدكتور فاضل يوسف دبو: ص 156.\r(2) نظرية تحمل التبعة في الفقه الإسلامي للدكتور محمد زكي عبد البر: 141/1.\r(3) مصادر الحق للسنهوري: 243/6، سبب الالتزام وشرعيته في الفقه الإسلامي للدكتور جمال الدين محمود: ص 449 ومابعدها.\r(4) البدائع: 249/5.\r(5) المرجع السابق: 201/4. القرآنية:","part":4,"page":666},{"id":2762,"text":"بدينه للحال، جاز للقاضي حبسه باتفاق المذاهب (1) .\rوأضاف الحنابلة أنه إذا ظهر المشتري مفلساً أو معسراً، ولو ببعض الثمن، فللبائع خيار ا لفسخ، والرجوع بعين ماله، ولا يلزمه أن ينظره.\rوإذا كان المشتري موسراً مماطلاً، فللبائع الفسخ.\rوإذا هرب المشتري قبل نقد الثمن، وهو معسر، فللبائع الفسخ، وإذا كان موسراً، قضاه الحاكم من ماله، وإلا باع ا لمبيع، وقضى ثمنه منه.\rوأما إذا كان الثمن حالاً غائباً عن المجلس دون مسافة القصر، فلا فسخ، ويحجر الحاكم المبيع وبقية ماله حتى يحضر الثمن (2) .\rوالفسخ في هذه الأحوال يدخل تحت ما يسمى بخيار تعذر تحصيل الثمن أو المبيع، ذلك الخيار الذي يثبت على التراضي.\r(49) - ووافق المالكية والشافعية مذهب الحنابلة في جواز الفسخ حال الإفلاس، فيكون رأي جمهور الفقهاء إعطاء خيار الفسخ في عقود المعاوضة للعاقد الذي سلّم شيئاً معيناً إلى آخر، بأن يسترده منه بحالة إفلاسه، إذا كان هذا الشيء لا يزال موجوداً عنده بعينه، عملاً بقوله صلّى الله عليه وسلم : «من أدرك ماله بعينه عند رجل أو إنسان قد أفلس، فهو أحق به من غيره» (3) وقوله عليه السلام أيضاً:\r-------------------------------\r(1) سيأتي بحث ذلك في باب الإفلاس.\r(2) كشاف القناع: 240/3، طبع مكة، شرح منتهى الإرادات: 178/2، الطبعة الجديدة، مجلة الأحكام الشرعية على مذهب الإمام أحد للقاضي أحمد القاري (م467-471).\r(3) روي في الصحيحين وغيرهما عن أبي هريرة.","part":4,"page":667},{"id":2763,"text":"«من وجد عين ماله عند رجل فهو أحق به، ويتبع البيِّع - أي البائع - من باعه» (1) .\rفلو أفلس المشتري بعد تسليم المبيع وقبل دفع الثمن، فللبائع خيار الفسخ واسترداد المبيع إذا كان هذا المبيع لا يزال بعينه في يد المشتري، عملاً بالحديث المتقدم، ولأن العجز عن إيفاء الثمن يوجب حق الفسخ قياساً على العجز عن إيفاء المبيع؛ لأن المبيع عقد معاوضة يتطلب المساواة.\rوليس خيار الفسخ مختصاً بعقد البيع عند الجمهور، بل هو ثابت أيضاً في كل عقود المعاوضات كالإجارة والقرض، فللمؤجر فسخ الإجارة إذا أفلس المستأجر قبل دفع الأجرة، وللمقرض الرجوع على المقترض إذا أفلس وكان عين ماله قائماً.\rوأضاف الإمام الشافعي لجواز الرجوع والاسترداد في حال إفلاس المدين الحي حال وفاة المدين إذا تبين أنه مفلس (2) .\r(50) - أما الحنفية فلم يجيزوا الفسخ حال الإفلاس وغيره، جاء في المجلة (م 592): « إذا قبض المشتري المبيع، ثم مات مفلساً قبل أداء الثمن، ليس للبائع استرداد المبيع، بل يكون مثل الغرماء » (وذلك لأن الثمن دين في الذمة )، وهذا مانع من الفسخ، ولقوله صلّى الله عليه وسلم فيما رواه الخصاف: «أيما رجل أفلس فوجد رجل عنده متاعه، فهو أسوة غرمائه فيه» وأوّلوا حديث أبي هريرة الذي استند إليه الجمهور بأنه خاص بحالة شرط خيار الفسخ للبائع، وقبضه المشتري بشرط الخيار\r-------------------------------\r(1) رواه أحمد وأبو داود والنسائي عن سمرة بن جندب.\r(2) شرح الخرشي: 191/4-193، بداية المجتهد: 237/2-240، المهذب: 323/1-327، فتح العزيز133/10-243، المغني: 456/4-460، 505، النظرية العامة للموجبات والعقود، محمصاني: 494/1-496.","part":4,"page":668},{"id":2764,"text":"للبائع (1) ، ولكن هذا التأويل ضعيف واهن؛ لأن الحديث صحيح وعبارته عامة مطلقة، فلا ينقض بحديث ضعيف.\rوأجاز الجمهورفسخ الزواج للإعسار أو العجز عن النفقة، والفرقة طلاق عند المالكية، فسخ عند الشافعية والحنابلة لا تجوز إلا بحكم القاضي، وجوازها لدفع الضرر عن الزوجة. ولم يجز الحنفية التفريق بسبب الإعسار؛ لأن الله تعالى أوجب أنظار المعسر بالدين في قوله تعالى: {وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة} [البقرة:280/2] (2) .\r7 - الفسخ بسبب البطلان أو الفساد أو الردة في الزواج :\r(51) - هناك فوارق بين البطلان والفساد منها: استحقاق الفسخ (3) :\rفالباطل لا يحتاج إلى فسخ؛ لأنه معدوم لم يوجد، والفسخ يرد على عقد قائم كالعقد المشتمل على أحد الخيارات، وغير ذلك مما ذكر في أسباب الفسخ.\rوأما الفاسد: فيستحق الفسخ رعاية لأحكام الشرع، إما بإرادة أحد العاقدين، أو بإرادة القاضي لأن إزالة الفساد واجب شرعاً، وبالفسخ يرتفع الفساد (4) .\rويبقى حق الفسخ قائماً، ولو بعد التنفيذ حتى يزول سببه إلا إذا وجد أحد موانع الفسخ وهي (5) :\r1 - هلاك المعقود عليه أو استهلاكه أو تغيير شكله واسمه كطحن القمح، وخبز الدقيق.\r2 - الزيادة المتصلة غير المتولدة من الأصل، كخلط الدقيق بالسمن أو العسل، والبناء على الأرض، وصبغ الثوب. أما أنواع الزيادات الأخرى وهي الزيادة المتصلة المتولدة كالسمن والجمال، والزيادة المنفصلة المتولدة كالولد والثمرة، أو غير المتولدة كالكسب والغلة، فلا تمنع الفسخ والرد.\r3 - التصرف بالشيء المقبوض بعقد فاسد من قبل القابض، كالبيع والهبة والرهن والوقف.\rويلاحظ أن حق الفسخ بسبب الفساد يورث، فلو مات أحد العاقدين، جاز لورثته أو للعاقد الآخر فسخ العقد بعد الموت.\r(52) - ويفسخ الزواج باتفاق المذاهب بسبب ردة أحد الزوجين (6) ، لأن الردة تتضمن تبييت الغدر والحقد والعداوة للمسلمين، فلا يناسبها بقاء الحياة الزوجية التي ينبغي أن تقوم على الوفاء والصفاء والحبّ والوئام والسلام، وقد قال الله تعالى في كتابه العزيز: {ولا تَنكحوا المشركات حتى يؤمن، ولأمة مؤمنة خير من مشركة، ولو أعجبتكم، ولا تُنكحوا المشركين حتى يؤمنوا، ولعبد مؤمن خير\r-------------------------------\r(1) تكملة فتح القدير مع العناية: 330/7-331، طبع التجارية، تكملة فتح القدير: 279/9، طبع دار الفكر- بيروت.\r(2) الدر المختار: 903/2، الفروق: 145/3، الشرح الصغير: 745/2، مغني المحتاج: 442/3، المغني: 573/7.\r(3) سيأتي بحث الموضوع في عقد البيع.\r(4) البدائع: 300/5.\r(5) البدائع: 300/5-302، فتح القدير: 231/5، 302، رد المحتار: 137/4، مجمع الضمانات: ص 216.\r(6) فتح القدير: 21/3، بداية المجتهد: 70/2، تحفة الطلاب للأنصاري: ص 326، المغني: 56/7 ومابعدها.","part":4,"page":669},{"id":2765,"text":"من مشرك، ولو أعجبكم..} [البقرة:221/2] وقال سبحانه: {ولا تمسكوا بعصم الكوافر..} [الممتحنة:10/60] وتكون الفرقة بالردة فسخاً عند الجمهور، وطلاقاً في مشهور المذهب عند المالكية.\r8 - الفسخ الرضائي والفسخ الجبري بطريق القضاء :\r(53) - الفسخ الرضائي: هو الذي يتم بتراضي الطرفين المتعاقدين، أو بإرادة أحدهما وهو الأصل في الفسخ، فالإجارة مثلاً لا بد لصحة فسخها من الرضا أو القضاء، أما المزارعة فيجوز على الرواية الراجحة فسخها، ولو بلا قضاء وتراض.\rوالفسخ الجبري بطريق القضاء: هو الذي يكون بحكم القاضي، ويلجأ إليه استثناء من الأصل إذا تعذر التراضي، أو إذا لم يراع العاقدان أحكام الشرع في تجنب أسباب الفساد، أو مصادمة نصوص الشريعة.\rوقد أشرت لهذا سابقاً في النوع الأول من أنواع الفسخ. وأخصص البحث هنا لبيان آراء المذاهب بإيجاز في أحوال كون الفرقة الزوجيةفسخاً، وما يتوقف من الفرق على القضاء وما لا يتوقف على القضاء.\r(54) - يرى الحنفية (1) : أن الفرقة تكون فسخاً فيما يأتي:\r1 - تفريق القاضي بين الزوجين بسبب إباء الزوجة الإسلام، بعدما أسلم زوجها المشرك أو المجوسي فإن كان الإباء من الزوج، فتكون الفرقة طلاقاً عند أبي حنيفة ومحمد، وفسخاً عند أبي يوسف.\r2 - ردة أحد الزوجين.\r3 - تباين الدارين حقيقة وحكماً: بأن خرج أحد الزوجين إلى دار الإسلام مسلماً أو ذمياً، وترك الآخر كافراً في دار الحرب، قياساً على الردة، لعدم التمكين من الانتفاع عادة. وقال الجمهور: لا تقع الفرقة باختلاف الدارين.\r4 - خيار بلوغ الصغير أو الصغيرة، ولا تقع الفرقة حينئذ إلا بتفريق القاضي.\r-------------------------------\r(1) فتح القدير: 21/3، البدائع: 336/2 ومابعدها، الدر المختار ورد المحتار: 571/2.","part":4,"page":670},{"id":2766,"text":"5 - خيار العتق: بأن تعتق الأمة ويبقى زوجها عبداً، فلها الخيار بالبقاء أو إنهاء الزواج، وتثبت الفرقة بنفس الاختيار.\r6 - التفريق لعدم الكفاءة أو لنقصان المهر، ولا تكون إلا عند القاضي. وما عدا ذلك من أنواع الفُرَق يكون طلاقاً، ومنها الخلع. وضابط ما يتميز به الفسخ عن الطلاق في رأي أبي حنيفة ومحمد: هو أن كل فرقة بسبب من جانب المرأة تكون فسخاً، وكل فرقة من جانب الرجل أو بسبب منه مختص بالزوج فهي طلاق، إلا الردة فهي فسخ، وكذا الفرقة بالموت تكون فسخاً.\r(55) - ويرى المالكية (1) : أن الفرقة تكون فسخاً فيما يأتي:\r1 - إذا وقع العقد غير صحيح، كالزواج بإحدى المحارم، والزواج بزوجة الغير أو معتدته.\r2 - إذا طرأ على الزواج مايوجب الحرمة المؤبدة، كالاتصال الجنسي بشبهة من أحد الزوجين بأصول الآخر أو فروعه، مما يوجب المصاهرة (2)\r3 - الفرقة بسبب اللعان: لترتب الحرمة المؤبدة عليه، لحديث: «المتلاعنان لايجتمعان أبداً». 4 - الفرقة بسبب إباء الزوج الإسلام بعد أن أسلمت زوجته، أو إباء الزوجة غير الكتابية الإسلام بعد إسلام زوجها؛ لأن ذلك في معنى طروء مفسد على الزواج.\r-------------------------------\r(1) بداية المجتهد: 70/2، الشرح الكبير وحاشية الدسوقي عليه: 364/2.\r(2) رواه الدارقطني عن ابن عباس.","part":4,"page":671},{"id":2767,"text":"(56) - ومذهب الشافعية (1) : أن الفسخ أنواع سبعة عشر: فرقة إعسار مهر، وإعسار نفقة أو كسوة أو مسكن بعد إمهال الزوج ثلاثة أيام، وفرقة لعان، وفرقة خيار عتيقة، وفرقة عيوب بعد رفع الأمر إلى الحاكم وثبوت العيب. ووطء شبهة كوطء أم زوجته أو ابنتها، وسبي الزوجين أو أحدهما قبل الدخول أو بعده؛ لأن الرق أزال الملك عن النفس، فعن العصمة أولى، وفرقة إسلام أحد الزوجين، أو ردته، وإسلام الزوج على أختين أو أكثر من أربع، أو أمتين، وملك أحد الزوجين الآخر، وعدم الكفاءة، وانتقال من دين إلى آخر كالانتقال من اليهودية إلى النصرانية، وفرقة رضاع بشرط كونه خمس رضعات متفرقات قبل مضي حولين.\r(57) - وقال الحنابلة(2 ) : يكون الفسخ في حالات، منها ما يأتي:\r1 - الخلع إذا كان بغير لفظ الطلاق، أو بغير نية الطلاق.\r2 - ردة أحد الزوجين.\r3 - الفرقة لعيب مشترك، وهو الجنون والصرع، أو مختص بالمرأة كالرتق والقرن والبخر والقروح السيالة وانخراق ما بين السبيلين، أو مختص بالرجل كالجب والعُنَّة، ولا يفسخ الزواج إلا حاكم.\r4 - إسلام أحد الزوجين.\r5 - الفرقة بسبب الإيلاء بواسطة القاضي، إن انقضت المدة وهي أربعة أشهر، ولم يطأ الزوج زوجته، ولم يطلق بعد أن يأمره الحاكم بالطلاق.\r6 - الفرقة بسبب اللعان؛ لأن اللعان يوجب التحريم المؤبد بين الزوجين، كما تقدم، ولو لم يحكم به القاضي.\rويلاحظ أن هذه الفرقة توجب حرمة مؤبدة عند الجمهور وأبي يوسف، وتوجب حرمة مؤقتة عند أبي حنيفة ومحمد إذا خرج أحد الزوجين عن أهلية اللعان، أو كذب الرجل نفسه فيما قذف به المرأة.\r-------------------------------\r(1) حاشية الشرقاوي: 294/2-296، تحفة الطلاب: ص 236.\r(2) المغني: 56/7 ومابعدها، غاية المنتهى: 46/3، 56-57، 103.","part":4,"page":672},{"id":2768,"text":"وفرقة الفسخ: منها ما يتوقف على القضاء، ومنها ما لا يتوقف عليه (1) :\r(58) - أما فرق الفسخ المتوقفة على القضاء فهي :\r1 - الفرقة بسبب عدم الكفاءة.\r2 - الفرقة بسبب نقصان المهر عن مهر المثل.\r3 - الفرقة بسبب إباء أحد الزوجين الإسلام إذا أسلم الآخر، لكن الفرقة بسبب إباء الزوجة متفق عليه، أما بسبب إباء الزوج فهو متفق عليه في رأي الجمهور، وأبي يوسف الذي يرى أن الفرقة فسخ. وخالف في ذلك أبو حنيفة ومحمد، فلم يريا توقفها على القضاء؛ لأن الفرقة حينئذ طلاق في رأيهما.\r4 - الفرقة بسبب خيار البلوغ لأحد الزوجين عند الحنفية إذا زوجهمافي الصغر غير الأب والجد.\r5 - الفرقة بسبب خيار الإفاقة من الجنون عند الحنفية إذا زوج أحد الزوجين في الصغر غير الأب والجد والابن.\r(59) - وأما فرق الفسخ غير المتوقفة على القضاء فهي :\r1 - الفسخ بسبب فساد العقد في أصله، كالزواج بغير شهود، والزواج بالأخت.\r2 - الفسخ بسبب اتصال أحد الزوجين بأصول الآخر أو فروعه اتصالاً يوجب حرمة المصاهرة.\r3 - الفسخ بسبب ردة الزوج في رأي أبي حنيفة وأبي يوسف، فإن ارتد الزوجان فلا يفرق بينهما بمجرد الردة في الراجح عند الحنفية.\r4 - الفسخ بسبب خيار العتق للزوجة.\r5 - الفسخ بسبب ملك أحد الزوجين للآخر.\r9 - الفسخ لعدم إجازة العقد الموقوف :\r(60) - العقد عند الحنفية والمالكية إما نافذ أو موقوف ، والنافذ: هو ما صدر ممن له أهلية وولاية على إصداره، كالعقد الصادر من الرشيد في ماله، أو الولي أو الوصي عن القاصر، أو الوكيل عن موكله، وحكمه: أنه تترتب عليه آثاره فور صدوره من غير توقف على إجازة أحد.\r-------------------------------\r(1) المراجع السابقة.","part":4,"page":673},{"id":2769,"text":"والموقوف: هو ما صدر من شخص له أهلية التعاقد، من غير أن يكون له ولاية إصداره، كعقد الفضولي، وعقد الصغير المميز في التصرفات المترددة بين الضرر والنفع كالبيع ونحوه، والتصرف من الراهن أو المرتهن في الشيء المرهون، والوصية وتبرعات المريض مرض الموت فيما يزيد عن ثلث المال. وحكمه: أنه لا تترتب عليه آثاره إلا إذا أجازه صاحب الشأن أو الحق الذي يملك إصداره، فإن لم يجزه، بطل العقد. أما الشافعية والحنابلة فقالوا: إنه باطل من الأصل.\r(61) - وعدم إجازة العقد الموقوف ممن له ولاية أو ملك والذي يتوقف نفاذ العقد على رضاه يعد من أسباب انحلال العقد أو فسخه عند القائلين بانعقاده (1) .\rإن عقود الفضولي (2) تكون موقوفة على إجازة صاحب الحق، فإن أجازه نفذ، وإلا فسخ واعتبر كأن لم يكن، وعقد الصغير المميز غير المأذون له في التجارة، فيما يتردد بين الضرر والنفع موقوف على إجازة وليه، فإن أجازه نفذ وإلا بطل، وتصرف المدين المحجور عليه أو المدين المفلس موقوف على إجازة الدائنين، وتبرع المريض مرض الموت من هبة أو صدقة فيما زاد عن ثلث تركته موقوف على إجازة الورثة، والوصية من الصحيح فيما يزيد عن ثلث التركة\rموقوفة على إجازة الورثة، وتصرفات السفيه والمغفل المترددة بين الضرر والنفع، كالبيع والشراء والقرض موقوفة على إجازة الولي.\rفإن لم يجز هؤلاء أصحاب الحق التصرف انحل وعدَّ كأن لم يكن.\r-------------------------------\r(1) الدر المختار رد المحتار: 5/4-6، 104، البدائع: 148/5-150، 155، بداية المجتهد: 171/2، فتح القدير مع العناية بهامشه: 309/5 ومابعدها، وسيأتي في عقد البيع بحث الموضوع.\r(2) الفضولي في الأصل: من يشتغل بما لا يعنيه أو يعمل عملاً ليس من شأنه، واصطلاحاً: من يتصرف في شيء أو يعقد عقداً من العقود، دون أن يكون له ولاية ما على القيام به، كبيع ملك الغير أو إجارته.","part":4,"page":674},{"id":2770,"text":"10 - الفسخ بسبب الاستحقاق :\r(62) - الاستحقاق لغة: طلب الحق، وفقها: ظهور كون الشيء حقاً واجباً للغير، أوهو أن يدعي شخص ملكية شيء، ويثبت دعواه ويقضي له القاضي بملكيته، وانتزاعه من يد حائزه. وعرفه المالكية بقولهم: هو رفع ملك شيء بثبوت ملك قبله. فهو يجيز للمستحق طلب فسخ التصرف أو إمضاءه كالخيار، وتصرف الفضولي.\r(63) - والاستحقاق بالنسبة لفسخ العقد نوعان (1) :\r1 - مبطل للملك بالكلية: بحيث لا يبقى لأحد عليه غير المدعي حق التملك، كالعتق والحرية الأصلية، وحكمه: أنه يوجب فسخ العقد بلا حاجة لحكم القاضي، ولكل واحد من الباعة الرجوع على بائعه بالثمن، فلو أقام العبد بينة أنه حر الأصل، أو أنه كان عبداً لفلان، فأعتقه، فكل واحد، وإن لم يرجع عليه، أن يرجع على بائعه قبل القضاء عليه، ويرجع هو أيضاً على بائعه الأول.\r2 - وناقل للملك من شخص إلى آخر: وهذا هو الغالب، كأن ادعى زيد على خالد أن مافي يده من المتاع ملك له، وبرهن على ادعائه. وحكمه: أنه لا يوجب فسخ العقد؛ لأنه لا يوجب بطلان ملك المشتري، وإنما يتوقف على إجازة المستحق أو فسخه. والصحيح عند الحنفية أن العقد لا ينفسخ ما لم يرجع المشتري على بائعه بالثمن، ويفسخ العقد - في الأصح من ظاهر الرواية - بالفسخ، أي بالتراضي، لا بمجرد القضاء بالاستحقاق.\rوليس لأحد من المشترين أن يرجع على بائعه بالثمن، ما لم يرجع عليه، لئلا يجتمع الثمنان في ملك واحد، أي فليس للمشتري الأوسط أن يرجع على بائعه قبل أن يرجع عليه المشتري الأخير.\rوالحكم بالاستحقاق يشمل الحائز ذا اليد، فيؤخذ المدعى به من يده، ويشمل أيضاً كل من تلقى ذو اليد الملك عنه.\r-------------------------------\r(1) الدر المختار ورد المحتار: 199/4.","part":4,"page":675},{"id":2771,"text":"(64) - . وتطبيقاً لذلك، إذا استحق بعض المبيع المعقود عليه قبل القبض، ولم يجز المستحق، بطل العقد في القدر المستحق؛ لأنه تبين أن ذلك القدر لم يكن ملك البائع، ولم توجد الإجازة من المالك، وللمشتري الخيار في الباقي، إن شاء رضي به بحصته من الثمن، وإن شاء رده، سواء أحدث عيباً في الباقي أم لا.\rوإن أثبت المستحق ملكيته المبيع كله بالبينة، فقضي له به، لا ينفسخ البيع، بل يصبح متوقفاً على إجازة المستحق، فإن أجاز البيع بقي المبيع للمشتري، ويأخذ المستحق الثمن من البائع، ويصبح البائع كوكيل عنه بالبيع؛ لأن الإجازة اللاحقة كالوكالة السابقة. وإن لم يجز المستحق البيع، بل اختار أخذ المبيع، ينفسخ البيع السابق بالفسخ، أ ي بالتراضي عليه - في ظاهر الرواية- ويكون البائع ملتزماً للمشتري برد الثمن.\rما يقبل الفسخ وما لا يقبل :\r(65) - تنقسم العقود من حيث قابليتها للفسخ من كلا الطرفين المتعاقدين أو من طرف واحد إلى أربع فئات: عقود لازمة للطرفين، وغير لازمة لهما، ولازمة لطرف دون آخر، والتصرف بالإرادة المنفردة.\r1 - العقود اللازمة للطرفين :\r(66) - العقد النافذ إما لازم أو غير لازم، واللازم: هو ما ليس لأحد عاقديه فسخه دون رضا الآخر، كالبيع والإجارة. والأصل في العقود اللزوم كما تقدم؛ لأن الوفاء بالعقود واجب شرعاً، لقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود} [المائدة:1/5] وغير اللازم أو الجائز: هو ما يملك كل من طرفيه أو أحدهما فقط فسخه دون رضا الآخر، إما عملاً بطبيعة العقد نفسه كالوكالة والإعارة والإيداع، أو لمصلحة العاقد كالعقد المشتمل على الخيار.\rوالعقد اللازم للطرفين: هو ما لا يمكن فسخه كعقده إلا باتفاق الطرفين، كالبيع، والإجارة، والصلح، والرهن والزواج، وهو نوعان:","part":4,"page":676},{"id":2772,"text":"أ - عقد لازم لا يقبل الفسخ: كالزواج، ولو باتفاق الطرفين بطريق الإقالة، أي لا يقبل الإلغاء الاتفاقي، وإنما يقبل الإنهاء بطرق شرعية كالطلاق والخلع (1) والتفريق القضائي لعدم الإنفاق، أو للعيب، أو للضرر وسوء العشرة، أو للغيبة، أو للحبس والاعتقال ونحو ذلك. وكل ما لا يقبل الفسخ لا يثبت فيه خيار؛ لأن الخيار يعطي حق الفسخ لصاحبه.\rب - عقد لازم يقبل الفسخ: أي يقبل الإلغاء بطريق الإقالة، التي هي اتفاق العاقدين على إنهاء العقد، وهي عقود المعاوضات المالية، كالبيع والإيجار والصلح والمزارعة والمساقاة والمغارسة ونحوها،ويسمى الفسخ عندئذ إقالة. وهذه العقود تقبل الفسخ بالخيار أيضاً، إذا طرأ عليها عيب من عيوب الرضا الذي يسلخ عنها صفة اللزوم في حق أحد الطرفين، كخيار العيب وغيره.\r2 - العقود الجائزة غير اللازمة للطرفين :\r(67) - وهي التي يملك كل من العاقدين فيها حق الفسخ والرجوع، فتفسخ بإرادة كل منهما، ما لم يتعلق ببقائها حق للغير، كالإيداع والإعارة والوكالة والشركة والمضاربة والهبة عند الحنفية، والوصية، والمقاولة، فالعقود الخمسة الأولى يجوز لكل من العاقدين فيها فسخ العقد متى شاء. والوصية والهبة يصح للموصى والواهب الرجوع عنها، كما يصح للموصى له والموهوب له ردها وإبطالها بعد وفاة الموصي، وفي حال حياة الواهب. والمقاولة يجوز لكل من صاحب العمل والمقاول الاتفاق على فسخها أو إنهائها بالتراضي، فإن لم يتفقا على ذلك جاز الفسخ قضاء بطلب أحد الطرفين.\rفإن تعلق ببقاء العقد حق للغير، كالوكالة ببيع الرهن، لايجوز للراهن المدين عزل الدائن المرتهن الموكل بالبيع عن الوكالة، أي فسخ وكالته إلا بموافقة المرتهن منعاً من إلحاق الضرر به.\r-------------------------------\r(1) الطلاق ليس فسخاً، بل انهاء له بوضع حد لحكمه وآثاره. والخلع: هو إنهاء الزواج لقاء مال تدفعه الزوجة لزوجها.","part":4,"page":677},{"id":2773,"text":"(68) - ويلاحظ أن الهبة عند الحنفية عقد غير لازم، فيصح الرجوع عنه والفسخ؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: «الواهب أحق بهبته ما لم يُثَب منها» (1) أي يعوض، فإنه عليه السلام جعل الواهب أحق بهبته ما لم يصل إليه العوض، فيصح الرجوع ما لم يحصل تعويض، وإن تم القبض، فالعوض مانع من الرجوع، وموانع الرجوع سبعة: هي العوض المالي، والعوض المعنوي وهو ثلاثة أنواع:\r(الثواب من الله تعالى، وصلة الرحم، وصلة الزوجية) والزيادة المتصلة في نفس الموهوب، وخروج الموهوب عن ملك الموهوب له بالبيع أو الهبة ونحوهما، وموت أحد العاقدين، وهلاك الموهوب أو استهلاكه) (2) .\rوقال الجمهور: الهبة عقد لازم بالقبض، لا يجوز الرجوع فيه إلا الوالد فيما أعطى ولده؛ لقوله صلّى الله عليه وسلم : «ليس لنا مثل السوء، العائد في هبته، كالكلب يعود في قيئه » (3) وقوله عليه السلام: «ليس لأحد أن يعطي عطية، فيرجع فيها إلا الوالد فيما يعطي ولده» (4) وسائر الأصول كالوالد عند الشافعية (5) .\r3 - العقد اللازم لطرف دون آخر :\r(69) - . وهو اللازم لأحد الطرفين، كالرهن والكفالة، فإنهما لازمان بالنسبة إلى الراهن والكفيل، غير لازمين بالنسبة للدائن المرتهن والمكفول؛ لأن العقد لمصلحتهما الشخصية توثيقاً للحق، فلهما التنازل عنه، أي أن العقد يفسخ بإرادة من ليس لازماً بحقه، وهو المرتهن والمكفول له.\r4 - تصرفات الإرادة المنفردة :\r(70) - . وهي التي تنعقد بإرادة واحدة، وتفسخ بإرادة منشئها، كالوصية\r-------------------------------\r(1) أخرجه ابن ماجه والدارقطني عن أبي هريرة، وفيه ضعيف، وأخرجه الطبراني والدارقطني عن ابن عباس وأخرجه الحاكم وصححه عن ابن عمر.\r(2) البدائع: 127/6، تكملة فتح القدير: 129/7، مجمع الضمانات: ص338.\r(3) أخرجه أبو داود عن عبد الله بن عمرو بن العاص.\r(4) أخرجه أصحاب السنن الأربعة عن ابن عمر وابن عباس بلفظ: «لا يحل لرجل أن يعطي عطية، أو يهب هبة ثم يرجع فيها إلا الوالد فيما يعطي ولده، ومثل الذي يرجع في عطيته أو هبته كالكلب يأكل، فإذا شبع قاء، ثم عاد في قيئه» .\r(5) الشرح الكبير مع الدسوقي: 110/4، المنتقى على الموطأ: 133/6، مغني المحتاج: 401/2، المهذب: 447/1، المغني: 621/5.","part":4,"page":678},{"id":2774,"text":"لجهة خيرية، فإنها تفسخ بإرادة الموصي نفسه، وكالجعالة (1) التي هي التزام بإرادة واحدة، وهي عقد جائز غير لازم، يجوز فسخه بإرادة الجاعل، فمن أعلن عن مكافأة لمن يعثر على شيء ضائع،، أو لمن يكتشف علاجاً لمرض معين، أو لمن يتفوق في مسابقة معينة أو امتحان ما، له أن يعدل عن إعلانه أو وعده قبل تحقق الشيء المعلن، فهنا انعقد العقد لمجرد الإيجاب، وقبل قبول الملتزم له، فيجوز نقض الإىجاب؛ لأن للموجب أن يرجع عن إيجابه دائماً قبل القبول. وإذا ما أبدى الملتزم له صراحة رفضه للعقد، سقط العقد في جميع الأحوال.\rحالات فسخ العقود وحالات عدم الفسخ :\r(71) - . القاعدة المقررة في الفقه الإسلامي كما تقدم أنه لا يجوز في العقود الملزمة للجانبين أو عقود المعاوضة فسخ العقد إذا لم يقم المدين بتنفيذ التزامه، وإنما يحق له مطالبة المدين بتنفيذ التزامه على أن ينفذ هو ما في ذمته من التزام. لكن يجوز فسخ العقد استثناء إذا تعذر على أحد المتعاقدين القيام بالتزامه، كأن هلك المعقود عليه، أو صار في حكم الهالك، أو فاتت منفعته المقصودة (2) .\rوبناء عليه، أذكر هنا حالات فسخ العقود وحالات عدم الفسخ.\r-------------------------------\r(1) الجعالة: التزام عوض معلوم على عمل معين أو مجهول عسر علمه (الشرح الصغير: 79/4، مغني المحتاج: 429/2، كشاف القناع: 225/4).\r(2) مصادر الحق للسنهوري:217/6،225، المحمصاني، المرجع السابق: 498/1، شفيق شحاته، المرجع السابق: ص 167.","part":4,"page":679},{"id":2775,"text":"حالات فسخ العقود: يفسخ العقد استثناء في أحوال خاصة في عقد البيع والإيجار.\rفسخ عقد البيع: يفسخ عقد البيع، ويكون الضمان على البائع في أحوال خمسة هي:\r(72) - 1- ضمان هلاك المبيع: يضمن البائع المبيع وينفسخ عقد البيع إذا هلك المبيع كله قبل القبض بآفة سماوية، أو بفعل المبيع نفسه، أو بفعل البائع ويرجع المشتري على البائع بالثمن إذا كان البائع قد قبضه.\rأما إذا هلك المبيع بفعل المشتري فلا ينفسخ البيع، وعليه الثمن. وإذا هلك المبيع بفعل أجنبي لا ينفسخ البيع أيضاً، ويكون المشتري بالخيار: إن شاء فسخ البيع، وإن شاء أمضاه ودفع الثمن، وطالب الأجنبي بالضمان (1) .\rوكذلك يضمن البائع للمشتري مقدار المبيع إذا ظهر أنه ناقص في الكيل أو الوزن، أو الذرع فيما ليس في تبعيضه ضرر، أو كان من العدديات المتقاربة مع شرائها بجملة ثمنها أو قدر الثمن على أساس ثمن الوحدة. ويكون المشتري بالخيار بين فسخ البيع أو أخذ المقدار الموجود بحصته من الثمن، كما يكون له الخيار في بيع الموزونات أو المذروعات التي في تبعيضها ضرر بين فسخ البيع أو أخذ المقدار الموجود بجميع الثمن المسمى.\rأما إذا بيعت مجموعة من العدديات المتفاوتة بجملة من الثمن، وظهر المبيع ناقصاً أو زائداً، كان البيع فاسداً (2) .\rهذا تفصيل الحنفية، ويوافقهم الشافعية في الجملة في فسخ البيع بهلاك المبيع بآفة سماوية، أما المالكية والحنابلة فقالوا: لا ينفسخ البيع، بل للمشتري أن يجبر\r-------------------------------\r(1) المبسوط: 9/13، البدائع: 238/5 ومابعدها، رد المحتار: 4/44، المجلة (م 293، 294) مرشد الحيران (م 460، 462، 465).\r(2) مرشد الحيران: (م 448-452).","part":4,"page":680},{"id":2776,"text":"البائع على تسليم ما يماثل المبيع إن كان من المثليات، وعلى دفع قيمته إن كان من القيميات، وله عند الحنابلة أن يفسخ البيع إذا شاء،وأن يسترد الثمن من البائع (1) .\r(73) - 2 - ضمان استحقاق المبيع: يضمن البائع للمشتري أيضاً استحقاق المبيع، ويكون المشتري مخيراً بين أخذ المبيع وفسخ البيع السابق بالتراضي عليه في ظاهر الرواية، ويلزم البائع برد الثمن للمشتري، وبين إجازة البيع، وبقاء المبيع للمشتري، وأخذ المستحق الثمن من البائع، ويصبح البائع كوكيل عنه بالبيع؛ لأن الإجازة اللاحقة كالوكالة السابقة (2) .\r(74) - 3 - ضمان العيب في المبيع: يضمن البائع عيب المبيع، ويكون المشتري بالخيار (خيار العيب) بين فسخ البيع ورد المبيع واسترداد الثمن، وبين إمساك المبيع إن رضيه، إذا ثبت كون العيب موجوداً عند البيع أو بعده قبل التسليم، وعند المشتري، وجهل المشتري بوجود العيب عند العقد والقبض، ولم يشترط البائع السلامة عن العيب في المبيع، وأن تكون السلامة من العيب غالبة في مثل المبيع المعيب، وألا يزول العيب قبل الفسخ.\rوهذا رأي جمهور الفقهاء ومنهم أبو يوسف، وقال أبو حنيفة ومحمد: يرجع المشتري بنقصان العيب فقط إن شاء (3) .\r(75) - 4 - ضمان جوائح الثمار المبيعة: يرى المالكية والحنابلة أن الجوائح (4) التي تصيب الثمار من ضمان البائع، وأن للمشتري أن يرجع بما أحدثته من التلف. ويرى الحنفية والشافعية أن هلاك الثمار من ضمان المشتري، ولا رجوع له بشيء على البائع.\r-------------------------------\r(1) مواهب الجليل للحطاب: 482/4، شرح الخرشي: 72/4-73، المغني: 218/4.\r(2) البدائع: 288/5 ومابعدها، فتح القدير: 175/5 ومابعدها.\r(3) البدائع: 273/5-276، فتح القدير: 153/5، رد المحتار: 74/4.\r(4) الجوائح: جمع جائحة: وهي الآفة التي تصيب الثمار، فتهلكها، كالبرد والقحط والعطش والعفن وأمراض النباتات والزروع ونحوها من الآفات السماوية. أو هي كل آفة لا صنع للآدمي فهيا كالريح والبرد والجراد والعطش.","part":4,"page":681},{"id":2777,"text":"أما المالكية فقالوا في الأرجح عندهم: يضمن البائع ما تتلفه الجائحة في الثمار والبقول، سواء القليل والكثير، وفي رأي مالك: يكون مقدار نقص الثمن إذا أصابت الجائحة الثلث فأكثر في الثمار والبقول. ويحسب الثلث بالكيل عند ابن القاسم، وبالقيمة عند أشهب. وكذلك قال الحنابلة في ظاهر المذهب: لا فرق بين قليل الجائحة وكثيرها، إلا أن ما جرت العادة بتلف مثله، كالشيء اليسير الذي لا ينضبط، فلا يلتفت إليه (1) .\rودليلهم: «أن النبي صلّى الله عليه وسلم وضع الجوائح» (2) وفي لفظ لمسلم: «أمر بوضع الجوائح» وفي لفظ: «إن بعت من أخيك ثمراً، فأصابته جائحة، فلا يحل لك أن تأخذمنه شيئاً، بم تأخذ مال أخيك بغير حق» (3) .\r5 - ضمان الخيانة أو فسخ عقود المرابحة بسبب الخيانة: يرى الحنفية أنه إذا ظهرت الخيانة في المرابحة بإقرار البائع، أوببرهان عليها أو بنكوله عن اليمين، كان للمشتري الخيار: إن شاء أخذ المبيع، وإن شاء رده؛ لأن المرابحة عقد مبني على الأمانة؛ لأن المشتري اعتمد على أمانة البائع في الإخبار عن الثمن الأول، فكانت صيانة البيع الثاني عن الخيانة مشروطة دلالة أو ضمناً، فإذا لم يتحقق الشرط ثبت الخيار، كما في حالة عدم تحقق سلامة المبيع عن العيب (4) .\r-------------------------------\r(1) بداية المجتهد: 184/2، القوانين الفقهية لابن جزي: ص262، المنتقى على الموطأ: 231/4، الشرح الكبير للدردير: 182/3، المغني: 104/4، أعلام الموقعين: 337/2، مختصر الطحاوي: ص 78، نيل الأوطار: 178/5.\r(2) رواه أحمد وأبو داود والنسائي عن جابر.\r(3) رواه مسلم والنسائي وأبو داود وابن ماجه.\r(4) المبسوط: 86/3،البدائع: 225/5، فتح القدير: 256/5.","part":4,"page":682},{"id":2778,"text":"فسخ عقد الإيجار :\r(76) - . عرفنا سابقاً في بحث الفسخ للأعذار الطارئة أن الحنفية (1) خلافاً لجمهور العلماء أجازوا فسخ الإجارة بالأعذار الطارئة، كمرض المستأجر أو سفره أو إفلاسه أو سرقة ماله، أو احتراق بضاعته، أو لحوق دين فادح بالمؤجر لا يجد طريقاً لقضائه إلا ببيع المأجور وأدائه من ثمنه، كما أجازوا فسخ الإجارة لموت أحد العاقدين، وذلك ليس تطبيقاً لقاعدة فسخ العقد لعدم تنفيذه.\rكذلك قرروا فسخ الإجارة لسبب يرجع إلى العين المؤجرة أو إلى الأجرة. أما فسخها لسبب يرجع إلى العين المؤجرة: فيكون إذا هلكت العين أو استحقت أو حدث بها عيب أو طرأ عليها ما يمنع استيفاء المنفعة المقصودة منها.\r(77) - . فللمستأجر فسخ العقد إذا حدث بالدابة المؤجرة مرض أو عرج. وللمستأجر فسخ الإجارة إذا تغيرت الدار المؤجرة بفعل المؤجر أو بفعل غيره تغيراً يخل بالسكنى، أو إذا لم يقم المؤجر بترميم ما اختل من بنائها، أو خربت الدار أو انهدم جزء منها، أو ترتب على العمارة الضرورية للدار ما يضر بالسكنى أو يخل بالمنفعة المقصودة. كما أن لمستأجر الأرض فسخ الإجارة إذا صارت سبخة أو غمرت بالماء ولم يمكن زراعتها أو انقطع الماء عنها، فلم يمكن ريها.\rوللمستأجر الفسخ بحدوث تفرق الصفقة في المنافع، كأن يستأجر دارين، فتسقط إحداهما، أو يستأجر داراً فيمتنع المؤجر عن تسليم بيت منها.\rوأما فسخ الإجارة بسبب الأجرة: فيكون إذا لم يستوف المؤجر الأجرة، وهذا بخلاف البيع، فلا يفسخ لعدم دفع الثمن إلا إذا اشترط البائع خيار النقد (1) كما سيأتي. وكذلك تفسخ الإجارة إذا استأجر رجل حماماً في قرية، ليستغله مدة معلومة، ثم يهاجر أهل القرية، ولا يجب على المستأجر الأجرة للمؤجر.\r-------------------------------\r(1) المبسوط: 2/16 ومابعدها، البدائع: 194/4-198، تكملة فتح القدير: 220/7-223، تبيين الحقائق: 143/5-146، رد المحتار: 54/5-56، المجلة (م 514) مرشد الحيران (م 583-584).","part":4,"page":683},{"id":2779,"text":"وفي الإجارة على الأعمال قال الحنفية: إن كان لعمل الأجير المشترك كالخياط والصباغ والحداد أثر ظاهر في العين المؤجرة، ثم هلكت سقط الأجر، وأما إن لم يكن لعمل الأجير أثر ظاهر في العين المؤجرة كالحمال والملاح، فيجب الأجر بمجرد انتهاء العمل، ولا يسقط الأجر بهلاك العين بعدئذ (2) .\rحالات عدم الفسخ :\r(78) - لا يفسخ العقد في غير الأحوال المتقدمة، كما يبين من الأمثلة التالية في عقود البيع والإيجار ونحوه، والرهن والصلح.\rعقد البيع: لا يفسخ إذا لم يقم المشتري بدفع الثمن عند استحقاقه، فإن كان الثمن حال الأداء أي معجلاً، وجب أداؤه فوراً، وإن كان الثمن مؤجلاً إلى أجل معلوم، لزم أداؤه عند حلول أجله، وإن كان مقسطاً أدى كل قسط في ميعاده.\rولا يفسخ البيع عند عدم استيفاء الثمن إلا إذا اشترط البائع لنفسه صراحة في العقد ما يعرف بخيار النقد، فيفسخ العقد حينئذ بسبب الخيار الذي يجعل البيع غير لازم (3) .\r-------------------------------\r(1) خيار النقد: هو فرع عن خيار الشرط، وهو أن يشترط المتبايعان في عقد البيع لأجل أن المشتري إذا لم يدفع الثمن في الأجل المعين كثلاثة أيام، فلا بيع بينهما.\r(2) البدائع: 204/4، تبيين الحقائق: 109/5، الدر المختار ورد المحتار: 12/5.\r(3) المبسوط: 50/13، فتح القدير: مع العناية: 114/5، الدر المختار ورد المحتار : 51/4، المجلة (م313) مرشد الحيران (م 418-484).","part":4,"page":684},{"id":2780,"text":"وإذا مات المشتري مفلساً بعد قبض المبيع وقبل نقد الثمن، فالبائع ـ عند الحنفية خلافاً للشافعية كما تقدم في الفسخ للإفلاس - أسوة الغرماء، ولو وجد متاعه باقياً بعينه فلا يكون أحق به من غيره من أرباب الحقوق الذين لهم حق على المشتري (1) .\r(79) - وعقد الإيجار: لا يفسخ إن استأجر شخص دابة بغير عينها أي إجارة ذمة، ويكون له الحق في أن يطالب بدابة أخرى؛ لأنه تعاقد على نقل الحمل إلى مكان معين على أية دابة، فإذا تلفت الدابة أو تعبت، يستبدل بها غيرها، أي يطلب التنفيذ العيني، وليس له فسخ العقد.\rلكن إن كانت الدابة مستأجرة بعينها، فتلفت، فسخت الإجارة، وإن تعبت كان المستأجر بالخيار بين نقض الإجارة أو الانتظار حتى تقوى الدابة، وليس له أن يطالب بدابة أخرى (2) .\rوقال في لسان الحكام: لو أظهر المستأجر في الدار شرا، كشرب الخمر وأكل الربا والزنا واللواطة يؤمر بالمعروف، وليس للمؤجر وجيرانه أن يخرجوه، فذلك لا يصير عذراً في الفسخ، ولا خلاف فيه للأئمة الأربعة .\r(80) - وعقد المزارعة الذي هو نوع من الإيجار: ليس لصاحب الأرض فسخه إن قصر المزارع في سقي الأرض حتى هلك الزرع أو يبس، أو أخر السقي تأخيراً غير معتاد، أو ترك حفظ الزرع حتى أكلته الدواب، أو لم يمنع الجراد حتى أكل الزرع كله. ولكن يجوز فسخها بالإقالة، ويكون المحصول لصاحب البذر، فإن كان صاحب البذر هو صاحب الأرض، استحق المزارع أجر مثل عمله، وإن كان صاحب البذر هو المزارع، استحق صاحب الأرض أجر مثل الأرض. كذلك يجوز للمستحق فسخ المزارعة إذا استحقت الأرض، وله قلع الزرع إن كان العاقدان سيّيّء النية، وله على من قدم الأرض أجر المثل إن كان العاقدان حسني النية، وعليه أجر المثل للمزارع\r-------------------------------\r(1) مرشد الحيران (م 463).\r(2) مرشد الحيران (م 598) المجلة (م538).","part":4,"page":685},{"id":2781,"text":"إن كان حسن النية، وكان من قدم الأرض سيّيّء النية (1) .\r(81) - وعقد المساقاة: الذي هو أيضاً نوع من الإيجار: لا يجوز فسخه إلا بالتراضي (أي بالإقالة) وليس لأحد العاقدين طلب الفسخ، حتى ولو أخل المتعاقد الآخر بالتزاماته، وإنما له مطالبته بتنفيذ التزامه.\rوهو يفسخ كالإيجار كما تقدم بالعذر، كما إذا عجز العامل عن العمل أو كان غير مأمون على الثمر، على صاحب الشجر أجر مثل عمل المساقي قبل الفسخ. ويفسخ أيضاً باتفاق المذاهب باستحقاق الشجر أو الثمر، أو الزرع في رأي المالكية الذين يجيزونه على زروع ذات أصول غير ثابتة، كالمقاثي، وبعض الزروع، كالقصب الحلو والبصل والباذنجان والحمص والفاصوليا.\rوليس للمساقي عند الحنفية خلافاً للمالكية أن يساقي غيره دون إذن صاحب الشجر، فإن فعل، كان صاحب الشجر بالخيار بين أن يأخذ الغلة كلها، ويعطي من قام بالعمل أجر مثله، وبين أن يترك الغلة لهما، ويرجع على المساقي الأول بأجر مثل محل المساقاة، وضمنه ما لحق به من ضرر بسبب فعله (2) .\r(82) - وعقد الرهن أي الرهن الحيازي وكذا الرسمي والتأميني :\rلا ينفسخ لعدم تنفيذ أحد المتعاقدين التزاماته؛ لأنه عقد ملزم للجانبين، وإنما للعاقد الآخر المطالبة بالتنفيذ، فإذا أخل الراهن بالتزامه وباع المرهون بلا إذن المرتهن، لم يفسخ العقد، ولم ينفذ البيع إلا بإجازة المرتهن، لكن إن هلك المرهون في يد المشتري، كان للمرتهن الخيار: إن شاء ضمن المشتري قيمته يوم هلاكه، وإن شاء ضمنها الراهن.\r-------------------------------\r(1) المجلة (م 13، 19، 96، 1438) مرشد الحيران (721 - 724، 729-730).\r(2) مرشد الحيران (م 734، 736، 738).","part":4,"page":686},{"id":2782,"text":"وإذا أخل المرتهن بالتزاماته، بقي الرهن قائماً ولم يفسخ، فإن تعدى المرتهن وباع المرهون بلا إذن الراهن، لم ينفذ البيع، ويبقى الرهن قائماً لا يفسخ، فإن هلك المرهون في يد المشتري، كان للراهن الخيار في تضمين المشتري أو المرتهن. وإن رهن المرتهن المرهون بلا إذن الراهن، لم ينفذ الرهن الثاني، ويبقى الرهن الأول قائماً لا يفسخ. وإن باع المرتهن ثمار العين المرهونة بلا إذن الراهن أو القاضي، فلا يفسخ الرهن، بل يبقى قائماً، ويضمن المرتهن قيمة الثمار (1) . وإن هلك المرهون في يد الدائن المرتهن، ضمن الأقل من قيمته ومن الدين عند الحنفية، ولا يضمنه في مذهب الجمهور إلا بالتعدي أو التقصير (2) . وإذا شرط المرتهن تملك المرهون في مقابل دينه إن لم يؤده الراهن في الأجل، كان الشرط باطلاً لمنافاته الحديث: «لا يَغلَق الرهن من صاحبه الذي رهنه، له غنمه وعليه غرمه» (3) .\rوالخلاصة: أن الرهن لا يفسخ لإخلال الراهن أو المرتهن بالتزامه، والعلاج إما عدم نفاذ التصرف، أو الإجبار على التنفيذ، أو الضمان عند الهلاك (4) . وعدم نفاذ التصرف كتصرف الفضولي هو رأي الحنفية والمالكية، وأما الشافعية والحنابلة فيرون أن التصرف باطل\r-------------------------------\r(1) تبيين الحقائق: 81/6 ومابعدها.\r(2) البدائع: 160/6، الشرح الكبير للدردير: 344/3، مغني المحتاج: 137/2، المغني: 396/4.\r(3) رواه الشافعي والدارقطني وقال: هذا إسناد حسن متصل. وغلق الرهن: استحقاق المرتهن إياه لعجز الراهن عن فكاكه، فمعنى ( لا يغلق ) لا ينفك ملك الرهن عن صاحبه ولا يستحقه المرتهن، إذا لم يفتكه الراهن في الوقت المشروط.\r(4) مصادر الحق للسنهوري: 222/6 ومابعدها.","part":4,"page":687},{"id":2783,"text":".(83) - وعقد الصلح أيضاً ملزم للطرفين بعد وقوعه، ولا يسوغ لأيهما أو لورثته من بعده الرجوع فيه، ويلتزم كل واحد من المتصالحين بما التزم به نحو الآخر، ولا يفسخ إذا كان في حكم المعاوضة، بأخذ شيء عن آخر إلا بالإقالة أي بتراضي الطرفين، ولاتجوز إقالة الصلح إذا تضمن إسقاطاً لبعض الحقوق. ولا يفسخ الصلح بمعنى المعاوضة (وهو الصلح عن إقرار على بدل معين يدفعه المقر) لعدم تنفيذ أحد المتعاقدين التزامه، حتى ولو ضاع بدل الصلح أو استحق، وكان مما لا يتعين بالتعيين كالنقود، ويلزم من التزم به بمثل ما ضاع أواستحق. أما إذا كان البدل مما يتعين بالتعيين، فلا بد من فسخ الصلح؛ لهلاك المحل. ويرجع المدعي في الصلح عن إقرار على المدعى عليه بالمدعى به كله أو بعضه، فإن كان الصلح عن إنكار يرجع المدعي إلى المخاصمة (1) .\rوذهب المالكية إلى أنه إذاكان الصلح عن إنكار (وهو الصلح الواقع مع إنكار المدعى عليه)، فللمظلوم من المتصالحين نقض الصلح في الأحوال الآتية؛ لأنه كالمغلوب على أمره في قبول الصلح:\r1 - إذا أقر الظالم بعد الصلح بظلمه للآخر: بأن يقر المدعى عليه بأن دعوى المدعي حق، أو بأن يقر المدعي ببطلان دعواه.\r2 - إذا شهدت للمظلوم بعد الصلح بينة لم يكن يعلمها وقت الصلح، وحلف على عدم علمه بها.\r-------------------------------\r(1) مرشد الحيران (م 1048، 1049).","part":4,"page":688},{"id":2784,"text":"3 - إذا كانت له بينة غائبة بعيدة يتعذر إحضارها وقت الخصومة، وأشهد عند الصلح أنه يقوم بها إذا حضرت.\r4 - إذا وجدت وثيقة الحق عند المدعي بعد الصلح (1) .\r(84) - وكذلك عقد الشركة: لا يفسخ لإخلال أحد الشركاء بالتزامه،\rبل يجب على المخل بالتزامه الضمان (2) أي حتى ولو كانت الشركة عقداً غير لازم يجوز فسخه في رأي جمهور العلماء إذا أريد بقاء الشركة، وقرر المالكية أن الشركة عقد لازم، فتكون كالبيع والإيجار والرهن؛ لأن العقد شريعة المتعاقدين.\rفروق بين الفسخ وغيره :\rلقد سبق بيان الفروق بين الفسخ وغيره، وأوجزها هنا مقتصراً على بيان الفروق فقط فيما سبق ذكره، وأوضح ما لم يذكر سابقاً.\r1 - الفرق بين الفسخ والانفساخ :\r(85) - ينحصر الفرق بين الفسخ والانفساخ في طريق نشوئه، فالفسخ: إما أن ينشأ عن الرضا أو الإرادة، أو جبراً عن المتعاقدين أو عن أحدهما بحكم القاضي. أما الانفساخ فينشأ عن حادث طبيعي وهو استحالة تنفيذ مقتضى العقد، كهلاك أحد البدلين، وينفسخ العقد المستمر كعقد الإيجار إذا فقد ما يعتمد عليه بقاؤه.\rفينفسخ البيع بهلاك المبيع قبل قبضه، لاستحالة تنفيذ العقد بالتسليم بعد هلاك محله ولا ينفسخ بموت البائع، بل يطالب الوارث بالتسليم، لثبوت آثار العقد الفوري عقب حدوثه دون توقف على بقاء العاقد. وتنفسخ الشركة والمضاربة والمزارعة والمساقاة بموت أحد العاقدين في مذهب الحنفية خلافاً للجمهور؛ لأن هذه العقود تنشئ التزامات عملية ذات آثار متجددة، فيها انسحاب واستمرار يعتمد بقاؤه بقاء العاقد، علاوة على بقاء المحل (3) .\r2 - الفرق بين الفسخ (انحلال العقد) وانقضاء الالتزام :\r(86) - . هناك فرق واضح بين الفسخ أو انحلال العقد، وبين انقضاء الالتزام، فالفسخ: يؤدي إلى حل الرابطة التي كانت بين المتعاقدين، ويلغي الالتزامات القائمة بينهما. فهذا الفسخ يستلزم انقضاء الالتزامات التي كانت ناشئة بذلك العقد المنحل، ففسخ البيع مثلاً ينهي التزام المشتري بدفع الثمن، والتزام البائع بتسليم المبيع.\rأما انقضاء الالتزام: فيحصل إما بتنفيذ الالتزام ووصول كل ذي حق إلى حقه، وإما بسقوط عهدة التنفيذ؛ لزوال ما أوجبها.\r-------------------------------\r(1) التقنين المالكي (م255) الذي صدر عن مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر، الشرح الصغير: 414/3.\r(2) المجلة (م 1387).\r(3) المدخل الفقهي، للأستاذ الزرقاء: ف /302، 303.","part":4,"page":689},{"id":2785,"text":"فكل انحلال للعقد تنقضي به التزاماته السابقة، ولا عكس، أي لا يلزم من انقضاء الالتزام انحلال العقد الذي أنشأه؛ إذ قد يكون الانقضاء بتنفيذ الالتزام الذي أوجبه، لا بسقوط العقد الموجب. وعلى هذا فتقابض العاقدين في المبيع والثمن هو انقضاء للالتزام بتنفيذ العقد، وليس هو فسخاً أو انحلالاً للعقد (1) .\rوإنجاز المقاول العمل المتفق عليه هو انقضاء للالتزام أو انقضاء للمقاولة، أما فسخ المقاولة بالتراضي أو بالقضاء لسبب ما، أو لعذر طارئ يحول دون تنفيذ العقد أو إتمام تنفيذه، فهو انحلال للعقد وانقضاء للالتزام معاً تبعاً للانحلال.\r3 - الفرق بين الفسخ والإبطال والبطلان والفساد :\r(87) - الفسخ: حل ارتباط العقد المنعقد لعدم التنفيذ، أو للإخلال بالالتزام، أولعدم توافر الرضا التام ويحدث بالتراضي أو بالقضاء (2) . أما الإبطال: فهو الحكم بكون الشيء باطلاً من أساسه لفقد ركنه أو محله أو لنقص في أهلية العاقد، ولا حاجة فيه لقضاء الحاكم، والبطلان أثر ذلك الحكم اللازم للشيء بعد نقضه بسبب الخلل الجوهري الذي صاحب العقد منذ نشوئه. وأما الفساد: فهو عند القائلين به في المعاملات وهم الحنفية اختلال في صفة عارضة طارئة على العقد، غير جوهرية فيه.\rفإذا هلك المبيع قبل القبض تعذر تسليمه وفسخ البيع، وإذا صدر العقد من عديم الأهلية، كالمجنون والمعتوه، كان باطلاً، وإذا كان المبيع أو الثمن مجهولاً، فسد العقد، ووجب إزالة الفساد شرعاً، فإن لم يزل الفساد، انتقل الملك بالقبض خبيثاً غير طيب في تقدير الشرع، ويأثم العاقد.\r4 - الفسخ وشرط الإلغاء الصريح أو الضمني :\r-------------------------------\r(1) المرجع السابق: ف/305، 306.\r(2) المحمصاني، المرجع السابق: ص 492-496.","part":4,"page":690},{"id":2786,"text":"(88) - أثبت جمهور الحنفية وجمهور العلماء استحساناً حق الفسخ حال الشرط الصريح بإلغاء العقد، وهو ما يسمى بخيار النقد: وهو كما تقدم أن يشترط البائع على المشتري أداء الثمن في مدة معينة، وإلا لغا البيع بينهما، أو يشترط البائع\rأنه إذا رد الثمن للمشتري في المدة المعينة، يفسخ البيع، وذلك منعاً لمماطلة المشتري بدفع الثمن.\rلكن اختلف المجيزون له في المدة، فحددها أبو حنيفة بثلاثة أيام كخيار الشرط، وحددها غيره بحسب الحاجة، وتركها محمد بن الحسن بدون تحديد، وبرأيه أخذت المجلة، لكن الأصل في خيار الشرط اللزوم، فإذا انتهت المدة المشروطة دون فسخ لزم العقد، والأصل في خيار النقد عدم اللزوم، فإذا لم ينقد الثمن في المدة فسد البيع ولا ينفسخ.\rولم يجز الشافعي وزفر خيار النقد وقالوا بعدم صحته مطلقاً (1) .\r(89) - وأما عند عدم الشرط الصريح فلم يقرّ الفقه الإسلامي كمبدأ عام حق إلغاء العقد بسبب عدم التنفيذ، بل إنما أقر الفسخ في بعض الحالات المذكورة سابقاً في بحث أسباب الفسخ لوجود شرط ضمني بجواز الفسخ أو الإلغاء، ومن تلك الحالات:\rأولاً - أن حق الفسخ مقرر في بعض أحوال استحالة التنفيذ، كعجز البائع عن تسليم المبيع بسبب هلاكه، يكون للمشتري خيار الفسخ، وكبيع السّلم (بيع آجل بعاجل) إذا تعذر تسليم المبيع عند حلول الأجل، لعدم وجوده، يكون المشتري بالخيار بين فسخ السّلم واسترداد الثمن، أو انتظار وجوده إلى العام المقبل (2) . وكعقد الإجارة إذا لم يستطع المستأجر الانتفاع بالعين المؤجرة، فإن التزامه بدفع الأجرة يسقط.\r-------------------------------\r(1) البحر الرائق: 6/6-7، المجلة (م 313-315) الشرح الكبير للدردير: 59/4، الميزان الكبرى للشعراني: 92/2، كشاف القناع: 184/3.\r(2) الدر المختار: 269/4، القوانين الفقهية: ص 270.","part":4,"page":691},{"id":2787,"text":"ثانياً - أجاز الحنفية باستحسان المصلحة ما يسمى بخيار الوصف أو خيار فوات الوصف المرغوب فيه (وهو أن يكون المشتري مخيراً بين أن يقبل بكل الثمن المسمى أو أن يفسخ البيع حيث فات وصف مرغوب فيه، في بيع شيء غائب عن مجلس العقد) أي أنه يثبت حق الفسخ للعاقد الذي اشترطه إذا لم يوجد الوصف المطلوب، كأن يشتري جوهرة على أنها أصلية أو بقرة على أنها حلوب أوشيئاً يحتاج لتجربة، ثم يظهر العكس، فيكون المشتري مخيراً إن شاء فسخ البيع، وإن شاء أخذ المبيع بجميع الثمن المسمى؛ لأن هذا وصف مرغوب فيه، يستحق في العقد بالشرط، فإذا فات، وجب التخيير، لعدم توافر الرضا بدونه (1) .\rومثل ذلك في عقد الاستصناع: إذا لم يكن المصنوع على الوصف المطلوب؛ كان المستصنع مخيراً (2) .\rثالثاً: يجوز عند جمهور الفقهاء غير الحنفية الفسخ في عقود المعاوضة بسبب الإفلاس حال وفاة المدين واسترداد المبيع الموجود، كما تقدم. كذلك أجاز الإمام الشافعي أيضاً خلافاً للجمهور حق الرجوع والاسترداد في حال وفاة المدين إذا تبين أنه مفلس.\rرابعاً: أثبت الفقهاء بالاتفاق خيار العيب، فيجوز الفسخ بسببه، والشرط ليس صريحاً بل هو ضمني، كما إذا وجد المشتري بالمبيع عيباً، فإنهم قالوا: إن سلامة المبيع من العيوب شرط ضمني في عقد البيع، وكذلك في الإجارة، فإنها تنفسخ بخيار عيب حاصل قبل العقد أو بعده بعد القبض يفوت به النفع، كخراب الدار، وانقطاع ماء الرحى وانقطاع ماء الأرض (3) .\r-------------------------------\r(1) رد المحتار: 49/4، فتح القدير: 135/5، المجلة (م 310-312).\r(2) المجلة (م 392).\r(3) الدر المختار ورد المحتار: 77/6.","part":4,"page":692},{"id":2788,"text":"5 - الفرق بين الشرط الموقف (الواقف) والشرط الفاسخ :\r(90) - تبين لدينا أن الفسخ في الفقه الإسلامي منوط بشرط الإلغاء الصريح أو الضمني، وكلا الشرطين من قبيل تعليق الفسخ بشرط فهو شرط تعليقي في اصطلاح الفقه. وهناك في الفقه الغربي القانوني تقسيم لهذا الشرط إلى نوعين: شرط موقف (أو واقف) وشرط فاسخ.\rأما الشرط الموقف : فهو الذي يعلق نشوء الالتزام، ويجعله متوقفاً على أمر مستقبل محتمل، مثل آجرتك داري هذه سنة بكذا إن نقلت وظيفتي إلى بلد آخر.ويلاحظ أن تعليق الإجارة على هذا الشرط يفسد العقد عند فقهاء الحنفية وغيرهم؛ لأن عقود المعاوضات لا تقبل التعليق على شرط متردد بين الوجود والعدم؛ لأن ملكية العين أو المنفعة لا بد أن تكون مستقرة جازمة لا تردد فيها، وإلا شابهت القمار (1) .\rوأما الشرط الفاسخ: فهو الذي يرتب على وقوعه الالتزام القائم، مثل: استأجرت دارك على شرط أنني إذا نقلت وظيفتي إلى بلد آخر، انفسخت الإجارة. وهذا لا مانع منه في فقهنا، وهو الذي يشمل شرط الإلغاء الصريح والضمني المتقدم.\rوالفارق الأساسي عند القانونيين. بين النوعين في الحكم: هو أن الالتزام في الشرط الموقف معدوم، محتمل الوجود، وفي الفاسخ موجود محتمل الزوال (2) .\r6 - الفرق بين الفسخ والطلاق، وهل يتوقف فسخ الزواج على القضاء؟\r(91) - . سبق بيان الفَرْق بين الفسخ والطلاق في ف/7، كما سبق بيان الفَُرَق التي تكون فسخاً للزواج في ف/54-57، وما يتوقف منها على القضاء في ف/58.\rبعض أسباب الفسخ :\r(92) - سبق الكلام عن أسباب الفسخ الجائزة في فقهنا، ويجدر بنا بيان بعض أسباب الفسخ الجائزة وغير الجائزة، وهي الإخلال بالالتزام، واستحالة التنفيذ، وعدم تنفيذ العقد:\r1 - الإخلال بالالتزام:\r-------------------------------\r(1) سيأتي التفصيل في بحث عقد البيع.\r(2) الأستاذ الزرقاء، المرجع السابق: ف /298.","part":4,"page":693},{"id":2789,"text":"القاعدة المقررة في الفقه الإسلامي أنه لا ارتباط بين الالتزامات المتقابلة في العقد الملزم للجانبين، وإنما كل التزام مستقل عن الالتزام المقابل له، فالتزام المشتري بدفع الثمن في مقابل التزام البائع بتسليم المبيع وضمانه، لا يرتبط أحدهما بالآخر. وكذا التزام المستأجر بدفع الأجرة لا يتعلق بتسليم المؤجر العين المؤجرة.\r(93) - وبناء عليه، ضاقت نظرية الفسخ في الفقه، إسهاماً في دعم القوة الملزمة للعقد، وأضحى الأصل أن العقد الملزم للجانبين أو عقد المعاوضة لا يفسخ لإخلال أحد العاقدين بتنفيذ التزامه، وليس للدائن إلا أن يطالب المدين بالتنفيذ أو بالضمان على حسب الأحوال. فإذا لم يدفع المشتري الثمن، لم يفسخ البائع البيع، بل له مطالبة المشتري بالثمن، وإذا لم يدفع المتصالح في الصلح بدل الصلح، فليس للآخر فسخ العقد، وإذا أساء الدائن المرتهن استعمال الشيء المرهون فأخل بالتزامه بالحفاظ عليه، فليس للراهن فسخ الرهن، وإنما له الحق في طلب وضع المرهون تحت يد عدل (1) ، دفعاً للضرر عن نفسه، وإذا هلك المرهون، ضمن المرتهن في مذهب الحنفية الأقل من قيمته ومن الدين.\r(94) - . ولكن يجوز استثناء فسخ العقد للإخلال بالالتزام في أمرين (2) :\rالأول - انعدام محل العقد أو فوات منفعته المقصودة، فإذا هلك المبيع أو المأجور أو تعيب أو نقص مقداره أو تعذر استيفاء المنفعة المقصودة منه، أصبح العقد قابلاً للفسخ.\rالثاني - الإخلال بالالتزام في العقود المستمرة أو عقود المدة: كالإيجار وعقد التوريد، فإذا أخل العاقد بالمنفعة، أو بالعمل في عقد الإجارة، أو أخل المورِّد بالتزامه، فلم ينفذ المطلوب، توقف العاقد الآخر من تقديم المنفعة، وأمسك العامل عن العمل حتى يستوفي الأجر، وامتنع المورَّد له من دفع الثمن، وهذا كفسخ للعقد.\r-------------------------------\r(1) العدل: شخص آخر غير العاقدين يؤتمن على حيازة المرهون. وأجاز الحنابلة (القواعد لابن رجب: ص 65) للراهن فسخ عقد الرهن إذا لم يقم الدائن المرتهن بتنفيذالتزامه.\r(2) مصادر الحق للسنهوري: 230/6 ومابعدها.","part":4,"page":694},{"id":2790,"text":"2 - استحالة تنفيذ العقد :\r(95) - . تبين مما تقدم أنه يفسخ العقد أحياناً لاستحالة تنفيذه، وهو ما يسمى في فقهنا بالآفة السماوية، ويسمى عند الإنكليز بالحادث الإلهي، وعند الفرنسيين بالقوة القاهرة أو الظروف أو الأحوال الطارئة، فيفسخ البيع كما تبين بهلاك المبيع قبل تسليمه، لاستحالة تنفيذ العقد بعد هلاك محله، كما ينفسخ عقد الإيجار بخراب الدار المؤجرة أو بالإخلال بالمنفعة كانهدام جزء منها يؤثر هدمه\rعلى المنفعة المقصودة منها (1) ، كما ينفسخ بيع الثمار بهلاكها كلها بجائحة، وينقص من الثمن بمقدار ما تصيبه الجائحة إن بلغ المجاح الثلث فأكثر في رأي الإمام مالك، وسواء أكان قليلاً أم كثيراً في مذهب الحنابلة والراجح عند المالكية، كما تقدم.\r3 - عدم تنفيذ العقد ومتى يجوز؟\r(96) - . إذا كان الفقه الإسلامي قد ضيق من نطاق الفسخ؛ لأن فسخ العقد أمر خطير، فوجب الاحتراز عنه، فإنه وسع فيما يسمى بالدفع بعدم تنفيذ العقد، على أنه ليس فسخاً، وإنما هو وقف لتنفيذ العقد، ويظهر ذلك في أمثلة كثيرة، منها العقود التالية: عقد البيع والإيجار والوكالة والزواج (2) .\r(97) - . أما في عقد البيع (بيع سلعة بنقد أو عين بدين) فإنه يجب في مذهبي الحنفية والمالكية (3) على المشتري أن يدفع الثمن أولاً ما لم يكن مؤجلاً أو مقسطاً عدا القسط الأول للحديث النبوي: «الدين مقضي» (4) فإن كان العقد مقايضة أو صرفاً وجب تسليم المبيع والثمن معاً في وقت واحد.\r-------------------------------\r(1) مرشد الحيران (م 646).\r(2) مصادر الحق للسنهوري: 215/6، 234-241.\r(3) المبسوط: 192/12، 195، البدائع: 244/5، 250، فتح القدير: 109/5، رد المحتار: 43/4-44، القوانين الفقهية: ص 247.\r(4) أخرجه ابن عدي وأصحاب السنن إلا النسائي عن ابن عباس، وفيه ضعيف.","part":4,"page":695},{"id":2791,"text":"وعليه، فإن للبائع حق حبس المبيع لاستيفاء جميع الثمن الحالّ، فإن كان الثمن مؤجلاً أو مقسطاً، لزمه تسليم المبيع في الحال. ويسقط حق الحبس بالحوالة بالثمن في رأي أبي يوسف، ولا يسقط حق الحبس إذا قدم المشتري رهناً أو كفيلاً بالثمن؛ لأن الرهن والكفالة لا يسقطان الثمن عن ذمة المشتري.\rوحق البائع في المبيع حق عيني يمنحه حق امتياز عليه، فإذا مات المشتري مفلساً قبل قبض المبيع ودفع الثمن، فالبائع أحق بحبسه إلى أن يستوفي الثمن من تركة المشتري أو يبيعه القاضي.\rوليس للمشتري حق حبس الثمن إلا إذا استحق المبيع في يده بالبينة، وفسخ البيع قبل أداء الثمن. وله أيضاً أن يحبس الثمن إذا استحق المبيع قبل قبضه من المشتري، وله حق الفسخ واسترداد الثمن إذا كان قد دفعه للبائع.\r(98) - وقال الشافعية والحنابلة (1) : يجبر البائع على تسليم المبيع أولاً، ثم يجبر المشتري على تسليم الثمن؛ لأن حق المشتري في عين المبيع، وحق البائع في الذمة، فيقدم ما يتعلق بالعين. وعليه، ليس للبائع حبس المبيع على قبض الثمن؛ لأن التسليم من مقتضيات العقد.\rلكن قال الشافعية: للبائع حبس المبيع حتى يقبض الثمن إن خاف فوته، وكذا للمشتري حبس الثمن إن خاف فوت المبيع.\r(99) - وأما في عقد الإيجار: فيرى الحنفية والمالكية (2) أن المستأجر يدفع الأجرة أولاً إذا\r-------------------------------\r(1) مغني المحتاج:75/2، المغني: 198/4.\r(2) البدائع: 201/4، 204، 211، تبيين الحقائق: 110/5 ومابعدها، تكملة فتح القدير: 207/7، المجلة (م 482-483) بداية المجتهد: /226، 230، الشرح الكبير مع الدسوقي: 4/4، 28، القوانين الفقهية: ص 275 وما بعدها، المدونة الكبرى: 414/3.","part":4,"page":696},{"id":2792,"text":"كانت معجلة، ثم يسلم المؤجر العين المؤجرة. وتجب الأجرة وتملك بأحد أمور ثلاثة: اشتراط تعجيلها في العقد، وتعجيلها من غير شرط استيفاء المعقود عليه وهو المنافع شيئاً فشيئاً، ولا تجب الأجرة ولا تملك بنفس العقد، وإنما تلزم جزءاً فجزءاً بحسب ما يقبض من المنافع، فلا يستحق المؤجر المطالبة بالأجرة\rإلا تدريجياً يوماً فيوماً؛ لأنه إذا لم يثبت الملك في أحد العوضين لا يثبت في العوض الآخر، عملاً بالمساواة التي تقوم عليها العقود.\rوللمؤجر الحق في حبس العين المؤجرة في يده أو الامتناع عن تسليم الشيء المؤجر، حتى يستوفي الأجر المعجل، كما أن له الحق في فسخ الإجارة.\rوأما في الإجارة على الأعمال: فيستحق الأجير الخاص أجره كما ذكر الحنفية بمجرد تسليم نفسه للخدمة، سواء خدم أو لم يخدم، ويجوز له اشتراط تعجيل الأجر قبل أن يسلم الأجير نفسه للعمل. وأما الأجير المشترك أو العام كالخياط والحمال، فله أن يحبس المستأجر فيه حتى يستوفي أجرته إن كان لعمله أثر ظاهر (أي مجرد ما يعاين ويرى) في العين المؤجرة كالخياط والصباغ، إن لم يشترط تأجيلها. وليس له أن يحبس المستأجر فيه، إن لم يكن لعمله أثر ظاهر فيه كالحمال والملاح. أما المالكية فقالوا: للأجير إذا عمل للناس، سواء أكان عاماً أم خاصاً حبس المستأجر فيه حتى يقبض حقه.","part":4,"page":697},{"id":2793,"text":"(100) - وذهب الشافعية والحنابلة(1 ) إلى أن على المؤجر تسليم العين المؤجرة، ثم يسلم المستأجر الأجرة، وتجب الأجرة وتملك بمجرد العقد؛ لأن الإجارة عقد معاوضة، والمعاوضة إذا كانت مطلقة عن الشرط تقتضي الملك في العوضين عقد العقد، كما يملك البائع الثمن بالبيع. وليس للمؤجر حبس العين المؤجرة حتى يستوفي الأجرة.\r(101) - وأما في عقد الوكالة: فإن الحنفية ذكروا أن للوكيل بالشراء حق حبس المال المشترى في يده إلى أن يقبض الثمن من الموكل، وإن لم يكن قد أعطاه إلى البائع (2) .\r(102) - . وأما في عقد الزواج: فاتفقت المذاهب (3) على أن للمرأة قبل دخول زوجها بها أن تمنع الزوج عن الدخول بها أو عن الانتقال إلى بيت الزوجية، حتى يعطيها جميع المهر المعجل. ويثبت لها أيضاً هذا الحق في حبس نفسها عن زوجها ومنع نفسها من الاستمتاع بها حتى بعد الدخول بها أو الخلوة بها أو الانتقال إلى بيت زوجها. وهذا رأي أبي حنيفة.\rأما الصاحبان وبقية الفقهاء فقرروا أنه ليس لها أن تمنع نفسها بعد الدخول بها، حتى تقبض معجل مهرها؛ لأن رضاها بالدخول إسقاط لحقها في طلب المهر، فإذا امتنعت كانت ناشزة، فيسقط حقها في النفقة.\rمتى يجوز عدم تنفيذ العقد أو ما هي شروط الدفع بعدم التنفيذ؟\r(103) - يشترط للدفع بعدم تنفيذ العقد شرطان (4) :\r1 - أن يكون العقد ملزماً للجانبين، أي عقد معاوضة: ففي هذا النوع من العقود يمكن التمسك بعدم تنفيذ العقد، أو بالحق في الحبس الذي هو أوسع بكثير من نطاق الدفع بعدم التنفيذ، وأمثلة ذلك: أن للملتقط حق حبس اللقطة عنده بما أنفق عليها، وللغاصب حبس المغصوب حتى يستوفي ما زاده فيه من بناء أو\r-------------------------------\r(1) مغني المحتاج: 234/2، المهذب: 399/1، المغني: 406/5، غاية المنتهى: 116/2.\r(2) المجلة (م 1491) مرشد الحيران ( م 937).\r(3) البدائع: 288/2-289، الشرح الكبير للدردير: 297/2 ومابعدها، الشرح الصغير: 434/2، القوانين الفقهية: ص 434، مغني المحتاج: 222/3 ومابعدها، كشاف القناع: 181/5-183.\r(4) مصادر الحق للسنهوري: 241/6.","part":4,"page":698},{"id":2794,"text":"غراس، ولصاحب الملك المشترك أو لصاحب حق العلو إذا انهدم البناء أن يمنع شريكه أو صاحب السفل الذي امتنع من إعادة البناء من الانتفاع ببنائه حتى يؤدي ما يخص حصته من المصروفات (1) .\r2 - أن يكون الالتزام المحبوس أو الممنوع عن الآخر التزاماً يتأخر تنفيذه عن تنفيذ الالتزام المقابل: فللبائع حبس المبيع لديه حتى يستوفي الثمن، وليس العكس، كما تقدم، وللمؤجر حبس المأجور إلى استيفاء الأجرة إذا كانت الأجرة معجلة.\rآثار الفسخ (أحكامه ) :\r(104) - . تظهر آثار الفسخ في شيئين: انتهاء العقد، وسريانه على الماضي والمستقبل.\r1 - انتهاء العقد بالفسخ: ينتهي العقد بالفسخ، ويكون له آثار فيما بين الطرفين المتعاقدين وبالنسبة لغيرهما.\rأولاً- أثر الفسخ فيما بين الطرفين المتعاقدين: يظل العقد قائماً إلى حين الفسخ، وينتج جميع آثاره، فتنتقل مثلاً ملكية المبيع إلى المشتري، وللطرفين إجازة العقد صراحة قبل الفسخ، أو ضمنياً، وحق الفسخ محصور فقط في المتضرر من المتعاقدين دون المتعاقد الآخر.\rفإذا فسخ العقد انحل واعتبر كأن لم يكن بالنسبة للطرفين، وتجب إعادة كل شيء إلى ما كان عليه قبل العقد، ويعاد المتعاقدان إلى الحالة التي كانا عليها قبل التعاقد، فإذا استحال ذلك جاز الحكم بالتعويض، سواء كان الفسخ بحكم القاضي أو بحكم الاتفاق أو بحكم الشرع.\r-------------------------------\r(1) تبيين الحقائق: 306/3،308 وما بعدها، 231/5، المجلة ( م 1216).","part":4,"page":699},{"id":2795,"text":"(105) - ثانياً - أثر الفسخ بالنسبة للغير: يصبح العقد بالفسخ بالنسبة لغير المتعاقدين أيضاً كأن لم يكن، إلا أن التصرف في العين للغير من قبل المشتري كالبيع أو الهبة أو الصلح ما نع من حق الفسخ، أي يطهر العين المبيعة من حق الفسخ، فلا يتمكن المشتري الأول أن يفسخ البيع بينه وبين بائعه؛ لأنه قد تعلق بالمبيع حق مالك جديد، أنشأه المشتري نفسه (1) .\r(106) - . وكذلك للإقالة التي هي عبارة عن فسخ العقد الذي يربط المتعاقدين آثار بالنسبة للعاقدين وبالنسبة إلى الغير، فهي كما تقدم في رأي أبي حنيفة وزفر تعد فسخاً في حق العاقدين، وليست اتفاقاً جديداً، فملكية المبيع لا تنتقل من جديد إلى البائع، بل يعتبر المبيع كأنه لم يخرج أبداً من ملك البائع (2) .\rوكذلك قال الشافعية والحنابلة: الإقالة فسخ، كالرد بالعيب (3) . أما المالكية والظاهرية فذهبوا إلى أن الإقالة اتفاق أو بيع جديد؛ لإتمامها بتراض جديد بين العاقدين، فيجوز فيها ما يجوز في البيوع، ويحرم منها ما يحرم في البيوع (4) .\rوأما أثر الإقالة بالنسبة للغير وهو الشخص الثالث غير العاقدين: فهو أنها ليست فسخاً، بل هي بيع جديد في رأي أبي حنيفة وأبي يوسف والمالكية\r-------------------------------\r(1) عقد البيع للأستاذ مصطفى الزرقاء: ص 111.\r(2) البدائع: 306/5، فتح القدير: 247/5، الدر المختار ورد المحتار: 154/4.\r(3) مغني المحتاج: 96/2، المغني: 121/4، غاية المنتهى: 52/2، القواعد لابن رجب: ص379-381.\r(4) القوانين الفقهية: ص 272، المحلى: 7/9، الشرح الصغير: 210/2.","part":4,"page":700},{"id":2796,"text":"والظاهرية؛ لأنها في الواقع مبادلة جديدة، فيأخذ كل واحد من المتعاقدين رأس ماله ببدل، وعلى ذلك تعتبر الملكية بالنسبة للغير أنها انتقلت من جديد إلى البائع بالإقالة، فمن اشترى داراً ولها شفيع، فلم يطلب الشفعة بعد علمه بالبيع، ثم أقال العاقدان البيع، فيثبت للشفيع حق طلب الشفعة ثانياً؛ لأن الإقالة عقد جديد في حقه.\rوذهب زفر ومحمد والشافعية وأكثر الحنابلة إلى أن الإقالة بالنسبة للغير فسخ كما هو الشأن بالنسبة للعاقدين؛ لأن الإقالة هي الرفع والإزالة، ولأن المبيع عاد إلى البائع بلفظ لا ينعقد به البيع، فكان الاتفاق فسخاً كالرد بالعيب.\r2 - أثر الفسخ في الماضي (الأثر المستند والمقتصر) والمستقبل :\r(107) - . للفسخ أثر مستند، أي أثر رجعي منسحب على الماضي، في العقود الفورية كالبيع والمقايضة، فيوجب التراجع فيما نفذ من التزامات، ففسخ البيع يوجب التراد في المبيع والثمن، وكذا انفساخه بهلاك المبيع قبل التسليم يوجب رد الثمن المقبوض؛ لأن الالتزام فيه يصبح بلا سبب. وعلى ذلك لا يمكن طلب الشفعة عند الفسخ.\rوينحصر الأثر الرجعي بالعاقدين وورثتهما عند الجمهور غير الحنفية القائلين بانتقال الخيار بالوراثة. أما غير المتعاقدين إذا اكتسب حقاً على العين المبيعة فلا يتأثر برجعية الفسخ، بل يمتنع الفسخ، وتلزم المتعاقدين الصفقة دفعاً للضرر عن الغير (1) .\rوأما العقود المستمرة أو عقود المدة التي يستمر تنفيذها مع توالي الزمن كعقد\r-------------------------------\r(1) النظرية العامة للفسخ د: الذنون: ص 363.","part":4,"page":701},{"id":2797,"text":"الإيجار أو الشركة، فإن الفسخ يكون مقتصراً، أي ليس له أثر رجعي، وإنما يسري على المستقبل فقط، وما مضى يكون على حكم العقد، فالفسخ أو الانفساخ يقطعان تأثير هذه العقود بالنسبة إلى المستقبل، ويظل ما مضى على حكم العقد. وكذلك انحلال الوكالة بالعزل لا ينقض تصرفات الوكيل السابقة (1) .\r(108) - . وكذلك للإقالة أثر رجعي كالفسخ، بشرط وجود محل العقد عند الإقالة، ووحدة الزمان، وتطابق الإيجاب والقبول، أي رضا المتقايلين وتوافق الإرادتين؛ لأن الإقالة رفع العقد، والمبيع محله، فإن كان هالكاً كله وقت الإقالة، لم تصح، وإن هلك بعضه، لم تصح الإقالة بقدره، ولأن الإقالة عند الجمهور فسخ العقد، والعقد وقع بتراضي العاقدين، فكذا فسخه، أما قيام الثمن وقت الإقالة فليس بشرط (2) .\r(109) - . هذا وقد بحث السيوطي أثر الفسخ بالنسبة للماضي بعنوان: هل يرفع الفسخ العقد من أصله أو من حينه؟ فقال:\r1 - فسخ البيع بخيار المجلس أو الشرط: الأصح أنه من حينه.\r2 - الفسخ بخيار العيب والتصرية ( ربط ثدي الشاة لتجمع اللبن ): الأصح من حينه.\r3 - تلف المبيع قبل القبض: الأصح الانفساخ من حين التلف.\r4 - الفسخ بالتخالف بين البائع والمشتري: الأصح من حينه.\r5 - السلم: يرجع الفسخ إلى عين رأس المال.\r6 - الفسخ بالفلس: من حينه.\r7 - الرجوع في الهبة: من حينه قطعا.\r8 - فسخ النكاح بأحد العيوب: الأصح من حينه.\r9 - الإقالة على القول بأنها فسخ: الأصح من حينه (3) .\rويلاحظ أن أغلب حالات الفسخ في رأي الشافعية ليس لها أثر رجعي.\rوذكر ابن رجب الحنبلي خلافاً في الفسخ بالعيب المستند إلى مقارن للعقد، هل هو رفع للعقد من أصله أو من حينه (4) .\rوذهب المالكية إلى أن فسخ البيع بسبب العيب إما بحكم الحاكم أو بتراضي المتبايعين رفع للعقد من حينه. وليس له أثر على الماضي، فتكون غلة المردود بعيب للمشتري من وقت عقد البيع وقبض المشتري له، وتثبت الشفعة للشريك بما وقعت به الإقالة (5) .\r-------------------------------\r(1) المدخل الفقهي العام للأستاذ الزرقاء: ف 304.\r(2) البدائع: 308/5 ومابعدها، فتح القدير: 250/5 ومابعدها، الدر المختار: 157/4.\r(3) الأشباه والنظائر: ص 317.\r(4) القواعد: ص 116.\r(5) الشرح الصغير: 186/2، 210.","part":4,"page":702},{"id":2798,"text":"مُلحَق: ما اقتبسه القانون المدنيّ المعاصِر من الفِقه الإسلاميّ\rلا تتبوأ الأمة مكانتها وتنعم بعزتها بغير الاستقلال الكامل المادي والمعنوي الذي لا أثر فيه للتبعية الفكرية والثقافية والقانونية لأية دولة أخرى.\rولا يكمل الاستقلال الوطني ولا تتحقق أو تنمو ذاتية البلد المطلقة ولا تخطو خطوات بنائه نحو التقدم والمستقبل المشرق، محطمة قيود التخلف إلا بالتخلص من كل آثار الاستعمار ورواسبه البعيدة المدى. ومن أولى مهام الحكم المستقل الوطني في سبيل تحقيق تلك الغاية الاعتماد في التقنين في مختلف أنواعه على التراث القومي النابع من البيئة، والمتجاوب مع تطلعات أبناء البلاد وأهدافهم وعقيدتهم.","part":4,"page":703},{"id":2799,"text":"لقد اعترف الفقيه الكبير الدكتور عبد الرزاق السنهوري واضع القانون المدني المصري وغيره في البلاد العربية بأن الفقه والقضاء المصري ضيفان على القضاء الفرنسي، ولكن آن للضيف أن يعود إلى بيته، وطالب بتمصير الفقه، وجعله فقهاً مصرياً خالصاً نرى فيه طابع قوميتنا ونحس أثر عقليتنا، ففقهنا حتى اليوم لا يزال يحتله الأجنبي، الاحتلال هنا فرنسي، وهو احتلال ليس بأخف وطأة ولا أقل عنتاً من أي احتلال آخر. لذلك كانت أمنية من أغلى الأماني العراض وأعزها لدينا أن يصدر قانون مدني وغير مدني مستمد كله من أحكام الشريعة الإسلامية. قال الدكتور السنهوري (1) : أما جعل الشريعة الإسلامية هي الأساس الأول الذي يبنى عليه تشريعنا المدني، فلا يزال أمنية من أعز الأماني التي تختلج بها الصدور، وتنطوي عليها الجوانح. ولكن قبل أن تصبح هذه الأمنية حقيقة واقعة، ينبغي أن تقوم نهضة علمية قوية لدراسة الشريعة الإسلامية في ضوء القانون المقارن.\rومن بدهي القول إعلان أن الشريعة الإسلامية ذات المصدر السماوي الإلهي المستقل لا تزال شريعة حية صالحة للتطبيق في كل زمان ومكان، أكد ذلك فقهاء القانون في الغرب والشرق، وعمداء الحقوق في البلاد العربية والأجنبية، ومؤتمرات القانون المقارن والمحامين الدولية في العصر الحديث (2) .\rقال الدكتور السنهوري (3) : «ولا أريد الاقتصار على شهادة الفقهاء المنصفين من علماء الغرب، كالفقيه الألماني كوهلر والأستاذ الإيطالي دلفيشيو والعميد الأمريكي ويجمور وكثيرين غيرهم، يشهدون بما انطوت عليه الشريعة الإسلامية من مرونة وقابلية للتطور، ويضعونها إلى جانب القانون الروماني والقانون الإنكليزي إحدى الشرائع الأساسية الثلاث التي سادت ولا تزال تسود العالم. وقد أشار الأستاذ لا مبير الفقيه الفرنسي المعروف في المؤتمر الدولي للقانون\r-------------------------------\r(1) راجع كتابه الوسيط في شرح القانون المدني الجديد: حاشية ص48.\r(2) انظر قرار مؤتمر القانون المقارن في لاهاي سنة 1938م، ومؤتمر المحامين الدولي في لاهاي سنة 1948، وتوصيات ندوة عمداء كليات الحقوق والقانون والشريعة بالجامعات العربية بجامعة بيروت العربية، عام 1973م، وبجامعة بغداد عام 1974م، وتوصيات ندوة التشريع الإسلامي في مدينة البيضاء، ليبيا عام 1972م، وتوصيات مؤتمر الفقه الإسلامي بالرياض عام 1976م.\r(3) بحث الدكتور السنهوري في مجلة نقابة المحامين بدمشق - السنة الأولى - العدد السابع: ص 506 .","part":4,"page":704},{"id":2800,"text":"المقارن، الذي انعقد في مدينة لا هاي في سنة (1932م) إلى هذا التقدير الكبير للشريعة الإسلامية، الذي بدأ يسود بين فقهاء أوروبا وأمريكا في العصر الحاضر.\rولكني أرجع للشريعة نفسها لأثبت صحة ما قررته. ففي هذه الشريعة عناصر لو تولتها يد الصياغة، فأحسنت صياغتها، لصنعت منها نظريات ومبادئ لا تقل في الرقي وفي الشمول وفي مسايرة التطور عن أخطر النظريات الفقهية التي نتلقاها اليوم عن الفقه الغربي الحديث.\rوآتي بأمثلة أربعة اضطررت إلى الاقتصار عليها لضيق المقام: يدرك كل مطلع على فقه الغرب أن من أحدث نظرياته في القرن العشرين: نظرية التعسف في استعمال الحق، ونظرية الظروف الطارئة، ونظرية تحمل التبعة، ومسؤولية عديم التمييز. ولكل نظرية من هذه النظريات الأربع أساس في الشريعة الإسلامية لا يحتاج إلا للصياغة والبناء ليقوم على أركان قوية، ويسامت نظريات الفقه الحديث» .\rوقد أحدثت هذه الصيحة بالاعتراف بالحق دوياً في نفوس واضعي القوانين العربية، ولم يعد مقبولاً بحال ترك مصادرنا الفقهية الإسلامية، وأخذ قانون مترجم ترجمة حرفية عن القانون المدني الفرنسي.","part":4,"page":705},{"id":2801,"text":"وأثمر هذا الدوي القوي في أفكار القانونيين، فصدر في دنيا العرب قانونان مدنيان مستمدان من الفقه الإسلامي، وهما القانون المدني العراقي عام (1951م)، والقانون المدني الأردني عام (1976م)، وصدر في ليبيا ـ الثورة إلغاء صريح فوري لكل مواد القانون المدني المعارضة للشريعة، وبدئ بوضع قانون جديد مستمد من الفقه الإسلامي، كما بدئ في مصر بوضع مشاريع قوانين مدنية وجزائية مستمدة من أحكام الشريعة الإسلامية، غير الملتزمة مذهباً فقهياً معيناً، وإنما تأخذ من مجموع أحكام المذاهب الإسلامية ـ السنية والشيعية ما يناسب ظروف العصر، وبدأت لجان منبثقة من قرارات وزراء العدل العرب بوضع قانون مدني وآخر جزائي مستمد من الشريعة الإسلامية منذ عام (1980م) وكذا قانون موحد للأحوال الشخصية، وتم إنجاز مشروعات هذه القوانين الثلاثة.\rوقد جاء في الأسباب الموجبة للائحة القانون المدني العراقي المكون من 1383 مادة ما يلي: إن قواعد القانون المدني العراقي استمدت من مصادر متباينة، فبعضها أخذ من الفقه الإسلامي مباشرة، وبعضها نقل عن الفقه الإسلامي مقنناً في المجلة، والبعض الآخر هو بقية من القوانين العثمانية العتيقة، وهذه القوانين بدورها قد اشتقت أحكامها بوجه خاص من القانون الفرنسي والعرف المحلي.\rوالكثرة الغالبة من أحكام القانون العراقي قد خرِّجت على الفقه الإسلامي في مذاهبه المختلفة دون تقيد بمذهب معين، واستطاع مشروع هذا القانون أن يجد في غير عناء مادة خصبة في الفقه الإسلامي يصوغ منها طائفة العقود المسماة، سواء وقع العقد على الملكية كالبيع والهبة والشركة والقرض، أم وقع على المنفعة كالإيجار والإعارة، أو وقع على العمل كالمقاولة وعقد العمل والوكالة والوديعة.\rوجاء في نص البيان الصحفي الذي أعلن به مشروع القانون المدني الأردني سنة 1976م المكون من ( 1449 ) مادة ما يلي:\rاعتمدت لجنة واضعيه على المراجع والمصادر التالية:","part":4,"page":706},{"id":2802,"text":"1 - مجلة الأحكام العدلية والفقه الإسلامي بجميع مذاهبه.\r2- التشريعات والقوانين الأردنية المعمول بها.\r3 - مشروع القانون المدني الموجود حالياً في مجلس الأعيان.\r4 - كافة التشريعات والقوانين المعاصرة والمستمدة من الفقه الإسلامي.\rوتناول المشروع أحكام المعاملات مستمدة من الفقه الإسلامي بأحكامه الواسعة المتفتحة على الحياة وقواعده المتطورة دائماً مع متطلبات العصر والصالحة للغد ولتبدل الأزمان. وهو مشروع رائد ينتظره العرب والمسلمون بفارغ الصبر، وهو يحقق رغبة طالما تمناها كثير من رجال القضاء والقانون وعلى رأسهم المرحوم الدكتور عبد الرزاق السنهوري.\rويقع المشروع في نحو (140) مادة، وتستند كل مادة من مواده إلى مآخذها ونظائرها في القوانين المعاصرة ومرجعها الفقهي في مذكرات إيضاحية تقع في نحو (1500) صفحة، وهي شروح وافية لكل مادة وثروة قانونية لقضائنا ورجال القانون.\rفمن المقطوع به أن كل نص تشريعي أو مادة قانونية ينبغي أن تعيش في البيئة التي تطبق فيها والبلد الذي تنفذ فيه، مهما كان مصدرها، لكن يلاحظ أن القانون الأردني وكذا الكويتي لم يجز الفوائد الربوية، على عكس القانون العراقي الذي أباح الاتفاق على الفائدة بنسبة 7%.","part":4,"page":707},{"id":2803,"text":"مدى الاعتماد على الشريعة في القانونين المصري والسوري :\rالقانون المدني السوري الصادر عام (1949م)وأصله القانون المصري الصادر عام (1948م) ما يزالان قائمين على أساس من القانون المدني الفرنسي، إلا أنهما جعلا الفقه الإسلامي (م 2/1) مصدراً رسمياً للقانون يأتي في المرتبة الثانية بعد نصوص القانون في قانوننا السوري (ومثله القانون الجزائري الصادر عام 1975) وفي المرتبة الثالثة بعد نصوص القانون والعرف والعادة في القانون المصري. وفي تقديري أن اعتبار الفقه الإسلامي مصدراً رسمياً احتياطياً في كلا القانونين ليس له فائدة عملية كبيرة؛ لأن القاضي لا يلجأ إليه إلا إذا استحال عليه الوصول إلى الحكم القانوني من نصوص التشريع، وهذا احتمال نادر، لكنه لا شك يزيد كثيراً في أهمية الشريعة الإسلامية، ويجعل دراستها دراسة عملية في ضوء القانون المقارن أمراً ضرورياً لا من الناحية النظرية الفقهية فحسب، بل كذلك من الناحية العملية التطبيقية.\rفكل من الفقيه والقاضي أصبح الآن مطالباً أن يستكمل أحكام القانون المدني، فيما لم يرد فيه نص بالرجوع إلى أحكام الفقه الإسلامي (1) .\rولكن المفيد التعرف على الأحكام التي استمدها القانون المدني السوري (وأصله المصري) من الفقه الإسلامي. وبعض هذه الأحكام هي مبادئ عامة، وبعضها مسائل تفصيلية (2) :\rبعض المبادئ والنظريات العامة المقتبسة من الفقه الإسلامي :\r1 - النزعة الموضوعية\r2 - الأهلية، ومسؤولية عديم التمييز\r3 - نظرية التعسف في استعمال الحق\r4 - نظرية الظروف الطارئة\r5 - حوالة الدين\r6 - لا تركة إلا بعد سداد الدين\rبعض الأحكام التفصيلية المستقاة من الفقه الإسلامي :\r1 - في عقد البيع (أحكام مجلس العقد، البيع بالصفة، تبعة الهلاك في البيع ـ نظرية تحمل التبعة، حق الحبس، الغبن في بيع القاصر، ضمان العيوب الخفية وضمان التعرض والاستحقاق).\r-------------------------------\r(1) الوسيط للسنهوري: ص 48.\r(2) الوسيط للسنهوري: ص 46، 47.","part":4,"page":708},{"id":2804,"text":"2 - في عقد الإيجار (إيجار الأراضي الزراعية، غرس الأشجار في العين المؤجرة، هلاك الزرع في العين المؤجرة، المزارعة، انقضاء الإيجار بموت المستأجر وفسخه للعذر، إيجار الوقف).\r3 - حقوق الارتفاق: (حق العلو والسفل، الحائط المشترك).\r4 - أحكام عقد الهبة ـ شكلاً وموضوعاً (تكوين العقد، محل العقد، الرجوع في الهبة).\r5 - تصرف المريض مرض الموت.\r6 - أحكام متفرقة (مدة التقادم، الإبراء من الدين بإرادة الدائن وحده).\rبيان أهم المبادئ والنظريات المقتبسة من الفقه الإسلامي :\r1 - النزعة الموضوعية :\rأخذ القانونان المصري والسوري بالنزعة الموضوعية التي تخللت كثيراً من النصوص (1) . وهذه هي نزعة الفقه الإسلامي والقوانين الجرمانية، آثرها التقنين على النزعة الذاتية التي هي طابع القوانين اللاتينية، وجعل الفقه الإسلامي عمدته في الترجيح. فأخذ بالإرادة الظاهرة وبالموضوعية معاً، ولكن بقدر متفاوت، إذ أقلَّ من الأخذ بالإرادة الظاهرة، وأكثر من الأخذ بالموضوعية، إلى حد أنه حينما كان في بعض المسائل يتخذ معايير ذاتية لم يتخذها ذاتية محضة، بل رسم لها ضوابط موضوعية ليضفي عليها شيئاً من الثبات والاستقرار.\rومن أمثلة المعايير الموضوعية ( عناية الشخص المعتاد ) أي أن الشخص مطالب بأن يبذل من العناية في حفظ مال الغير كالوديعة مثلاً ما يبذله عادة في حفظ ماله الخاص.\r-------------------------------\r(1) الوسيط للسنهوري: ص 47، 93، 96.","part":4,"page":709},{"id":2805,"text":"انظر القانون المدني السوري (المواد 1/212 في الالتزام بعمل، 2/489 في آثار الشركة، 1/551 في استعمال العين المؤجرة، 1/607 التزام المستعير، 1/651 التزام العامل، 2/670 التزام الوكيل، 686 التزام الوديع، 1/700 التزام الحارس، 1/193 التزام الفضولي، 1/130 إبطال العقد بسبب الغبن، 147 انتقال الالتزام إلى الخلف الخاص، 179 مسؤولية حارس الأشياء، 222 تعويض الضرر، 1/415 التزام البائع بضمان العيوب الخفية، 1/580 استغلال المستأجر الأراضي الزراعية).\rوهذا المعيار الموضوعي مقرر في الفقه الإسلامي في الأحوال السابقة، فقد قرر فقهاؤنا أنه يجب على الأمين أن يحفظ الأمانة، كما يحفظ ماله على النحو الذي جرت به عادة الناس في كيفية حفظ أموالهم (1) .\rأما الفقه الإسلامي فيقرر مسؤولية الصبي غير المميز والمجنون مطلقاً عن الإتلافات، قال الحنفية: «الصبي المحجور عليه مؤاخذ بأفعاله، فيضمن ما أتلفه من المال» (2) «لو أن طفلاً ابن يوم انقلب على قارورة فكسرها، لزمه الضمان» (3) وقال المالكية: «إن تقويم المتلفات لا يختلف باختلاف الناس، إنما باختلاف البلاد والأزمان» (4) .\rونصت المجلة على ذلك فيما يأتي: «....يلزم الضمان على الصبي إذا أتلف مال الغير، وإن كان غير مميز» (م 960): «إذا أتلف صبي مال غيره يلزم الضمان من ماله، وإن لم يكن له مال ينتظر إلى حال يساره، ولا يضمن وليه» (م916) (م 912).\rولكن لا يكون غير المميز مسؤولاً مسؤولية جنائية عن حوادث القتل، فلا ينفَّذ في حقه القصاص، وإنما يقتصر على تعزيره بالحبس أو بالتوبيخ ونحوهما.\r2 - أحكام الأهلية ومسؤولية عديم التمييز :\rإن أحكام الأهلية (المواد 46-50، 109-129) مستمدة من الفقه الإسلامي (5) ، سواء فيما\r-------------------------------\r(1) بداية المجتهد: 307/2، وانظر كتابنا نظرية الضمان: ص 177-183.\r(2) الأشباه والنظائر لابن نجيم: 78/2، درر الحكام: 273/2.\r(3) مجمع الضمانات: ص 146-154، 161، 165، جامع الفصولين: 113/2، 124، الأشباه والنظائر لابن نجيم: 99/2.\r(4) الفروق للقرافي: 31/4.\r(5) نظرية العقد للسنهوري: 322/1 ومابعدها.","part":4,"page":710},{"id":2806,"text":"يتعلق بأهلية التملك أو بمباشرة التصرفات والعقود، ووجود الحاجة أحياناً إلى النائب الشرعي عن الغير، والحكم ببطلان التصرف بسبب انعدام الأهلية، إلا أن القانون في حالة وجود عيب من عيوب الرضا كالإكراه والتدليس والغلط يجعل العقد قابلاً للإبطال، أي أن العقد قائم وموجود، لكنه عرضة للإبطال من طريق القاضي بناء على طلب صاحب المصلحة\rفي حماية حقه الخاص. وأما في الفقه فيسمى العقد حينئذ غير لازم أي يجوز فسخه من صاحب الحق بمحض إرادته من غير قضاء إلا في حالة وجود التدليس المتضمن إخفاء عيب (خيار العيب) فيحتاج إلى القضاء لتقدير وجود العيب. وقد يسمى العقد المعيب بعيب (كما في حالة الإكراه) غير نافذ أو موقوفاً على الإجازة كما في حالة تجاوز العاقد حدود النيابة المتعارف عليها، إلا أن العقد الموقوف لا ينتج أي أثر، أما العقد القابل للإبطال فهوعقد صحيح منتج لآثاره.","part":4,"page":711},{"id":2807,"text":"وكذلك أخذ القانون المدني بمبدأ مسؤولية عديم التمييز عن أعماله غير المشروعة التي تسبب ضرراً للغير، مسايرة لمبادئ الشريعة الإسلامية التي توجب تعويض الضرر الواقع باعتباره واقعة مادية، ولو لم يتوفر عنصر الخطأ أحد أركان المسؤولية المدنية التقصيرية، وهو ما تقرره نظرية تحمل التبعة التي لا تقيم المسؤولية على أساس فكرة الخطأ، وإنما تكتفي بمراعاة مبدأ «الغرم بالغنم» . وقد نص القانون المدني السوري على ذلك في المادة (2/165): «ومع ذلك إذا وقع الضرر من شخص غير مميز، ولم يكن هناك من هو مسؤول عنه، أو تعذر الحصول على تعويض من المسؤول، جاز للقاضي أن يلزم من وقع منه الضرر بتعويض عادل، مراعياً في ذلك مركز الخصوم» أي أن هذه المسؤولية لغير المميز تتميز بأنها مشروطة، ومسؤولية مخففة أي في حدود التعويض العادل (1) .\rوبهذا يكون ولي القاصر بصفة عامة هو المسؤول عن عمل القاصر أو المجنون على أساس الخطأ المفترض أو التقصير في الرقابة (راجع المادة 174).\rوسألقي الضوء إجمالاً على هذه المبادئ والنظريات والأحكام التفصيلية المستمدة من الفقه الإسلامي، تاركاً الشرح لفقهاء القانون المدني الذين يبينون عادة منشأ هذه الأحكام، وموطن استمداد المشرع لها.\r3 - نظرية التعسف في استعمال الحق :\rليس حق الملكية حقاً مطلقاً، وإنما هو مقيد بعدم إلحاق الضرر بالغير، فإذا ترتب على استعمال الحق إحداث ضرر بالغير نتيجة إساءة استعمال هذا الحق، كان محدث الضرر مسؤولاً.\rونص القانون المدني السوري على هذا المبدأ في المادتين (5، 6) «من استعمل حقه استعمالاً مشروعاً لا يكون مسؤولاً عما ينشأ عن ذلك من ضرر» (م5).\rيكون استعمال الحق غير مشروع في الأحوال الآتية:\r« أ ـ إذا لم يقصد به سوى الإضرار بالغير.\r-------------------------------\r(1) الوسيط للسنهوري: ص 63، النظرية العامة للالتزام للدكتور وحيد سوار: 70/2.","part":4,"page":712},{"id":2808,"text":"ب ـ إذا كانت المصالح التي يرمي إلى تحقيقها قليلة الأهمية، بحيث لا تتناسب البتة مع ما يصيب الغير من ضرر» .\rج ـ إذا كانت المصالح التي يرمي إلى تحقيقها غير مشروعة (م6) وقد حرص واضعو القانون ـ لدى صياغة النص الذي أورد في هذه النظرية ـ على الاستفادة من القواعد التي استقرت في الفقه الإسلامي (1) ومن أهمها: «تصرف الإنسان في خالص حقه إنما يصح إذا لم يتضرر به غيره» فهذه القاعدة أساس واضح لنظرية منع التعسف في استعمال الحق، وهي القاعدة المنظمة لحقوق الجوار (2) .\rأما نص المادة (5) فمأخوذ من المبدأ المقرر في الشريعة المعبر عنه في القاعدة الفقهية الكلية القائلة: ( الجواز الشرعي ينافي الضمان ) أي أن الفعل المباح شرعاً لا يستوجب الضمان أو تعويض الضرر الذي قد يحدث.\rوأما نص المادة (6) فمستمد من حيث المبدأ من الحديث النبوي المتقدم: «لا ضرر ولا ضرار في الإسلام» الذي يقضي بمنع الضرر في حالتين:\rالأولى ـ استعمال الحق بقصد الإضرار.\rالثانية ـ أن يترتب على استعمال الحق المشروع إضرار الآخرين، سواء أكان الاستعمال على وجه معتاد، أم على غير الوجه المعتاد.\rوفي كلتا الحالتين توجب قواعد الإسلام إزالة الضرر عيناً، سواء أكان مادياً أم معنوياً؛ لأن الراجح أن المنافع أموال متقومة، فإن تعذر ذلك يجب الحكم بتعويض مالي عادل لرفع آثار الضرر ومنع بقائه أو تجدده في المستقبل.\r-------------------------------\r(1) الوسيط للسنهوري: 836/1، النظرية العامة للالتزام للدكتور سوار: ص 96، الحقوق العينية الأصلية للدكتور سوار: ص 311.\r(2) راجع تطبيقات القاعدة في نظرية الضمان للمؤلف: ص 207.","part":4,"page":713},{"id":2809,"text":"ويلاحظ أن القانون قصر التعسف على حالات الاستعمال غيرالمشروع (1) .\rأما الحالة الأولى قانوناً فتقابل الحالة الأولى المفهومة من الحديث، والحالة الثانية تقابل الحالة الثانية المأخوذة من الحديث، وتتفق مع ما أخذت به المجلة (المادة 19، 20) ويقتضيه الاستحسان الفقهي. وأما الحالة الثالثة في القانون فهي مستقاة من مجموع ما تقرره المذاهب الإسلامية وتقتضيه روح التشريع الإسلامي في محاربة الأعمال غير المشروعة، أو المعاصي والمنكرات الضارة بمصلحة المجتمع، وأنه يتحمل الضرر الخاص لمنع الضرر العام ونحو ذلك من كل ما يجعل للحق صلة اجتماعية في الإسلام.\rوقد ذكرت المادة (1199) من المجلة مبدأ نظرية التعسف: لا يمنع أحد من التصرف في ملكه أبداً إلا إذا كان ضرره لغيره فاحشاً، كما يأتي تفصيله في الفصل الثان وفي هذا الفصل وضع معيار الضرر الفاحش (في المادة 1199) وفي المادة (1200) ذكرت أمثلة عديدة عن الأضرار.\r-------------------------------\r(1) راجع كتابنا نظرية الضمان : ص 53 ومابعدها.","part":4,"page":714},{"id":2810,"text":"4 - نظرية الظروف الطارئة :\rلقد نشأت هذه النظرية في نطاق القضاء الإداري، ثم تسللت إلى ميدان الحقوق الخاصة. وهي في أصلها تقوم على فكرة إسعاف المتعاقد المنكوب الذي اختل توازن عقده اقتصادياً مما قد يجره إلى الهلاك، فهي تهدف إلى تحقيق العدالة في العقود ورفع الغبن منها (1) . والمصدر الأساسي لهذه النظرية هو مبدأ العدالة الذي يقضي بإزالة الإرهاق عن المدين، بسبب ظرف طارئ، لم يكن يتوقعه عند إبرام العقد (2) .\rوأخذ بهذه النظرية القانون المدني السوري، فنص في المادة (1/148) على ما يلي: «العقد شريعة المتعاقدين، فلا يجوز نقضه ولا تعديله إلا باتفاق الطرفين، أو للأسباب التي يقررها القانون» .\rوأردفتها الفقرة الثانية من هذه المادة ، فقررت «ومع ذلك إذا طرأت حوادث استثنائية عامة لم يكن في الوسع توقعها، وترتب على حدوثها أن تنفيذ الالتزام التعاقدي، وإن لم يصبح مستحيلاً، صار مرهقاً للمدين بحيث يهدده بخسارة فادحة، جاز للقاضي تبعاً للظروف وبعد الموازنة بين مصلحة الطرفين، أن يرد الالتزام المرهق إلى الحد المعقول، ويقع باطلاً كل اتفاق على خلاف ذلك» .\rالنص الثاني يدل على أنه، وإن كان الأصل العام في القواعد المدنية التقليدية شريعةالمتعاقدين (أو أن المتعاقد عبد عقده) ، وأنه ليس للقاضي أن يعدل في العقد، فإن وجود الظرف الطارئ يجيز للقاضي إجراء هذا التعديل.\rوبهذا النص قيد القانون من سلطان الإرادة عند تنفيذ العقد، فجعل نظرية\r-------------------------------\r(1) راجع كتابنا نظرية الضرورة الشرعية: ص 310 ومابعدها.\r(2) نظرية الظروف الطارئة للدكتور الترمانيني: ص 106.","part":4,"page":715},{"id":2811,"text":"الحوادث الطارئة وقت هذا التنفيذ تقابل نظريتي الاستغلال والإذعان وقت تكوين العقد.\rأخذ القانون المدني بهذه النظرية استناداً إلى نظرية الضرورة في الشريعة الإسلامية، وهي ـ كما قال الدكتور السنهوري (1) ـ نظرية فسيحة المدى، خصبة النتائج، تتسع لنظرية الظروف الطارئة؛ لأن الضرورة توجب إزالة الضرر، ولها تطبيقات كثيرة منها نظرية العذر في فسخ الإيجار، وإنقاص الثمن بسبب الجوائح في بيع الثمار.\rأما فسخ الإجارة بالأعذار، فقد أجازه فقهاء الحنفية كما تقدم، فقالوا: تفسخ الإجارة بالأعذار؛ لأن الحاجة تدعو إلى الفسخ عند العذر؛ لأنه لو لزم العقد عند تحقق العذر للزم صاحب العذر ضرر لم يلتزمه بالعقد. والعذر: هو كل ما يكون أمراً عارضاً، يتضرر به العاقد في نفسه أو ماله مع بقاء العقد، ولا يندفع بدون الفسخ. والأعذار ثلاثة أنواع (2) :\rأ ـ عذر من جانب المستأجر: كإفلاسه أو انتقاله من حرفة إلى أخرى؛ لأن المفلس أو المنتقل من عمل لا ينتفع به إلا بضرر، فلا يجبر على البقاء في الحرفة الأولى مثلاً.\rب ـ عذر من جانب المؤجر: كأن يلحقه دين فادح لا يجد طريقاً لوفائه إلا ببيع الشيء المأجور وأدائه من ثمنه، بشرط أن يثبت الدين بالبينة أو الإقرار.\rج ـ عذر راجع للعين المؤجرة أو الشيء المأجور: كأن يستأجر شخص حماماً في قرية ليستغله مدة معلومة، ثم يهاجر أهل القرية، فلا يجب عليه الأجر للمؤجر. ومثل استئجار مرضع لإرضاع طفل، ثم يأبى الصبي لبنها، أو إمساك الثدي، أو تمرض هي، أو يريد أهل الصبي السفر، فامتنعت، كان هذا عذراً في فسخ الإجارة.\rوأما إنقاص الثمن بسبب الجوائح (3) في بيع الثمار: فقد قرره فقهاء المالكية والحنابلة (4) ؛ لأن «النبي صلّى الله عليه وسلم وضع الجوائح» أو «أمر بوضع الجوائح» وفي رواية: «إن بعت من أخيك تمراً فأصابتها جائحة، فلا يحل لك أن تأخذ منه شيئاً، بم تأخذ مال أخيك بغير حق» (5) .\rومجمل القول: إن فسخ الإجارة بالأعذار، وإنقاص الثمن بالجوائح في بيع الثمار ونحوهما من الحوادث الطارئة عند فقهاء الإسلام مثل كساد الأوراق النقدية، أو انقطاعها المستوجب لبطلان البيع، تعتبر أمثلة حية لنظرية الظروف الطارئة في الفقه الإسلامي، تطبيقاً لمبدأ العدالة، ومراعاة لما يجب من توفر التعادل والتوازن في الالتزامات وتنفيذها (6) .\r-------------------------------\r(1) الوسيط: ص 47، 81، نظرية العقد: 969/1، مصادر الحق: 96/6، مجلة القانون والاقتصاد عام 1936، السنة السادسة، للسنهوري.\r(2) المبسوط للسرخسي:16/2، مختصر الطحاوي: ص 130، البدائع: 197/4، الفتاوى الهندية: 198/4، 458، 463، تبيين الحقائق: 145/5، رد المحتار: 55/5.\r(3) الجوائح: ي الآفات التي تصيب الثمار، فتهلكها، مثل البرد والقحط والعطش والعفن وأمراض النباتات والزرع ونحوها من الآفات السماوية.\r(4) بداية المجتهد: 184/2، القوانين الفقهية: ص 262، المنتقى على الموطأ: 231/4، الشرح الكبير للدردير: ، المغني: 104/4، أعلام الموقعين: 337/2 ومابعدها.\r(5) الحديث الأول رواه أحمد والنسائي وأبو داود عن جابر، والأمر بوضع الجوائح رواية مسلم، والرواية الثالثة عند مسلم وأبي داود والنسائي وابن ماجه (نيل الأوطار: 178/5، موطأ مالك: 126/3، سنن أبي داود : 248/2).\r(6) كتابنا نظرية الضرورة الشرعية: ص 324.","part":4,"page":716},{"id":2812,"text":"5 - حوالة الدين :\rأخذ القانون المدني (في المواد 315-321) بمبدأ حوالة الدين جرياً على سنن التقنينات الحديثةوالفقه الإسلامي الذي نظم حوالة الدين تنظيماً محكماً دقيقاً (1) .\rوتتم حوالة الدين قانوناًإما باتفاق بين المدين وشخص آخر يتحمل عنه الدين، دون حاجة إلى قبول الدائن، وإما باتفاق بين الدائن وشخص آخر يتحمل قبله الدين من دون حاجة إلى قبول المدين. فإذا تمت الحوالة، جاز للمدين الجديد أن يتمسك قِبَل الدائن بالدفوع التي كان للمدين الأصلي أن يتمسك بها، ويضمن المدين الأصلي للدائن أن يكون المدين الجديد موسراً وقت إقرار الدائن للحوالة.\rولم يجز التشريع الروماني حوالة الدين وحوالة الحق، لتأثره بالنظرية الشخصية في طبيعة الالتزام، ومقتضاها أن لأحد الطرفين سلطة شخصية على الآخر، يحق للدائن بموجبها إجبار المدين على إيفاء دينه بالإكراه البدني كالحبس والمضايقة.\rثم اتجه التشريع الألماني إلى الأخذ بالنظرية المادية التي تعتبر الالتزام علاقة مادية بحتة، فلا تجيز الإجبار، وإنما يبحث الدائن عن مال المدين، فإن عثر عليه، أمكن استيفاء الحق منه بواسطة القضاء.\rأما التشريع الإسلامي، فإنه جعل الالتزام في ذاته علاقة مادية إما بمال المكلف كما في المدين، وإما بعمله كما في الأجير، ولكن يرافق هذا الالتزام سلطة شخصية تأييداً لتنفيذه، منعاً من قيام المكلف بإخفاء ماله، أو امتناعه عن عمله. ويجوز للقاضي الحكم بحبس المدين أو الأجير تعزيراً بناءً على طلب الدائن،\r-------------------------------\r(1) الوسيط للسنهوري: ص 61.","part":4,"page":717},{"id":2813,"text":"ليحمله على الوفاء بالتزامه. ولا يجوز للدائن أن يمارس شيئاً من هذه الضغوط على المدين بسلطته الشخصية وإنما من طريق القضاء (1) .\rوالتقنين المدني المصري والسوري وقف موقف الاعتدال في النظرية الشخصية والنظرية المادية للالتزام، فلم يغرق في الأخذ بالمذهب المادي، ولكنه من جهة أخرى سجل ما تم فعلاً من تطور نحو هذا المذهب بحكم تأثر النظريات اللاتينية بالنظريات الجرمانية (2) . وهذا هو اتجاه الفقه الإسلامي.\rوحوالة الدين عند فقهاء الحنفية: هي نقل المطالبة من ذمة المدين إلى ذمةالملتزم (3) . وعرفها غير فقهاء الحنفية بأنها عقد يقتضي نقل دين من ذمة إلى ذمة (4) . فالحوالة عند الحنفية يترتب عليها براءة مؤقتة من الدين، ويجوز للمحال العودة إلى مطالبة المحيل بالدين في حال إفلاس المحال عليه في رأي صاحبي أبي حنيفة، أوفي حال موت المحال عليه مفلساً، أوعند جحوده أو إنكاره الحوالة. وعند غير الحنفية يبرأ المحيل براءة نهائية بالحوالة، إلا إذا وجد تغرير كالإحالة على مفلس، فيجوز عند المالكية الرجوع على المحيل. كما يجوز الرجوع عندهم حال اشتراط يسار المحال عليه.\rوتنعقد الحوالة عند الحنفية: بإيجاب وقبول، إيجاب من المحيل، وقبول من المحال والمحال عليه، أي أنه لا بد من رضا المحيل والمحال عليه. أما رضا المحيل فمطلوب؛ لأن ذوي المروءات قد يأنفون بتحمل غيرهم ما عليهم من الدين. وأما رضا المحال فلا بد منه، لأن الدين حقه، وهو في ذمة\r-------------------------------\r(1) المدخل إلى نظرية الالتزام في الفقه الإسلامي للأستاذ الزرقاء: ص 55/ف28.\r(2) الوسيط للسنهوري: ص 28.\r(3) فتح القدير مع العناية: 443/5، الدر المختار: 300/4، مجمع الضمانات: ص 282.\r(4) الشرح الكبير للدردير: 325/3، مغني المحتاج: 193/2، المغني: 528/4.","part":4,"page":718},{"id":2814,"text":"المحيل، والدين هو الذي ينتقل بالحوالة، والذمم متفاوتة في حسن القضاء والمطل، فلا بد من رضاه، وإلا لزم الضرر بإلزامه اتباع من لا يوفيه.\rوأما رضا المحال عليه فضروري لأنه الذي يلزمه الدين، ولا لزوم إلا بالتزامه، وكونه مديناً لا يمنع من تغير صفة الالتزام؛ لأن الناس يتفاوتون في اقتضاء الدين سهولة ويسراً، أو صعوبة وعسراً.\rوقال الحنابلة والظاهرية: يشترط رضا المحيل فقط، وأما المحال والمحال عليه فيلزمهما قبول الحوالة، عملاً بالأمر الوارد في الحديث النبوي المفيد للوجوب، وهو قوله عليه الصلاة والسلام: «مطل الغني ظلم، وإذا اتبع أحدكم على مليء فليتْبَع» (1) وفي رواية: «ومن أحيل على مليء فليحتل» .\rوقال المالكية في المشهور عندهم، والشافعية في الأصح عندهم: يشترط لصحة الحوالة رضا المحيل والمحال فقط؛ لأن للمحيل إيفاء الحق من حيث شاء، فلا يلزم بجهة معينة. وحق المحال في ذمة المحيل، فلا ينتقل إلا برضاه؛ لأن الذمم تتفاوت في الأداء والقضاء.\rولايشترط عند هؤلاء رضا المحال عليه، لأنه محل الحق والتصرف، ولأن الحق للمحيل فله أن يستوفيه بغيره، والأمر هو مجرد تفويض بالقبض فلا يعتبر رضا من عليه، كما لو وكل إنسان غيره بقبض دينه (2) .\rوالخلاصة: أن رضا المحيل مشروط في كل المذاهب، وأما رضا المحال والمحال عليه، ففيه اختلاف اجتهادي بين المذاهب.\r-------------------------------\r(1) المطل بالدين: المماطلة به، والمليء: الغني، وأصله الواسع الطويل، والحديث رواه الجماعة عن أبي هريرة. والرواية الثانية «فليحتل» عند أحمد (نيل الأوطار:236/5).\r(2) سيأتي تفصيل القول في بحث الحوالة.","part":4,"page":719},{"id":2815,"text":"نوعا الحوالة : الحوالة نوعان متميزان بحسب صفة المحيل، فإن كان المحيل هو الدائن فهي حوالة حق، وإن كان المحيل هو المدين فهي حوالة دين.\rحوالة الحق: هي نقل الحق من دائن إلى دائن، أو حلول دائن محل دائن بالنسبة للمدين. فإذا تبدل دائن بدائن في حق مالي متعلق بالذمة، لا بعين، كانت الحوالة حوالة حق. والدائن فيها هو المحيل، إذ هو يحيل غيره ليستوفي حقه.\rوحوالة الدين: هي تبدل المدين بالنسبة للدائن أي تبدل مدين بمدين، والمحيل فيها هو المدين، إذ هو إنما يحيل على غيره لوفاء دينه، وهي مشروعة باتفاق العلماء، عملاً بالحديث النبوي المار ذكره.\rوحوالة الحق جائزة أيضاً باتفاق المذاهب الأربعة، وليس فقط عند غير الحنفية، كما فهم بعض أساتذة القانون والشريعة (1) ؛ لأن حوالة الدين عند الحنفية والشيعة نوعان: مطلقة ومقيدة. وأما غير الحنفية فلم يتصوروا غير الحوالة المقيدة.\rأما الحوالة المطلقة: فهي أن يحيل شخص غيره بالدين على فلان، ولا يقيده بالدين الذي عليه، ويقبل المحال عليه. نصت المادة (679) من المجلة على ذلك بقولها: «الحوالة المطلقة: هي التي لم تقيد بأن تعطى من مال المحيل الذي هو عند المحال عليه» .\rوأما الحوالة المقيدة: فهي أن يحيل شخص غيره على آخر، ليستوفي منه دينه، ويقيده بالدين الذي له عليه. جاء في المادة (678) من المجلة: «الحوالة المقيدة: هي الحوالة التي قيدت بأن تعطى من مال المحيل الذي هو في ذمة المحال عليه، و في يده» .\rوالحوالة المقيدة المشروعة باتفاق الفقهاء تتضمن حوالة حق، إذ يكون الإنسان فيها مديناً لشخص، ودائناً لآخر، فيحيل دائنه على مدينه ليقبض ذلك الدائن المحال دين المحيل من مدينه المحال عليه، فهي حوالة حق ودين في وقت واحد.\r-------------------------------\r(1) انظر الوسيط للسنهوري: ص 61، 64.","part":4,"page":720},{"id":2816,"text":"أما الحوالة المطلقة فهي حوالة دين فقط، إذ يحيل بها المدين دائنه على آخر، فيتبدل فيها المدين، ويبقى الدائن هو نفسه.\rومن صور حوالة الحق ضمن الحوالة المقيدة: أن يحيل البائع دائنه على المشتري بالثمن، ويحيل المرتهن على الراهن بالدين، وتحيل الزوجة على زوجها بالمهر. ويحيل صاحب الحق في ريع الوقف دائنه على ناظر الوقف في حقه من الغلة بعد حصولها في يد الناظر. ويحيل الغانم حقه من الغنيمة المحرزة على الإمام. ففي كل هذه الأمثلة حل دائن جديد ـ وهو المحال ـ محل الدائن الأصلي، وهو البائع، أو المرتهن، أو الزوجة، أو مستحق غلة الوقف، أو الغانم.\rهذا ويرجع في أحكام الحوالة الأخرى من أهلية وتنظيم علاقات أطراف الحوالة إلى كتب الفقه الإسلامي، فهي غنية بالمراد.\r6 - لا تركة إلا بعد سداد الدين :\rوضع التقنين المدني السوري وأصله المصري نظاماً لتصفية التركة مؤلفاً من (39) مادة (المواد 836-875) مستمداً من أحكام الفقه الإسلامي (1) ، حتى يتسلم الورثة تركة المتوفى خالية من الديون، ما دامت التركة لاتنتقل إليهم إلا بعد سدادها (2) .\rوأصل هذه القاعدة الأول ما تضمنته آيات المواريث في أربعة مواطن في الآيتين (11-12) من سورة النساء: {مِنْ بَعْد وَصِيَةٍ يُوصِي بِها أوْ دَيْن} أي أن توزيع الإرث بين المستحقين على النحو الذي وضعه القرآن الكريم يكون عقب إيفاء الديون المتعلقة بالتركة، وتنفيذ الوصايا المشروعة.\r-------------------------------\r(1) الوسيط للسنهوري: ص62، مصادر الحق للسنهوري: 87/5.\r(2) ونص قانون الأحوال الشخصية السوري الجديد على نظام المواريث في المواد 260-308.","part":4,"page":721},{"id":2817,"text":"وقد رتب الفقهاء الحقوق المتعلقة بالتركة على النحو التالي (1) :\r1 - نفقات التكفين والتجهيز للدفن بلا تبذير ولا تقتير.\r2 - قضاء ديون المدين من جميع مال التركة.\r3 - تنفيذ الوصايا الموصى بها قبل الموت من ثلث التركة.\r4 - توزيع الباقي من المال بين الورثة الذين ثبت إرثهم بالقرآن والسنة وإجماع الأمة.\rأما قانون الأحوال الشخصية السوري، فإنه عدل عن هذا الترتيب إلى ما ذهب إليه الإمام أحمد بن حنبل والظاهرية وجماعة كما نصت المادة (262):\r1 - يؤدى من التركة بحسب الترتيب الآتي:\rأ ـ ما يكفي لتجهيز الميت ومن تلزمه نفقته من الموت إلى الدفن بالقدر المشروع.\rب ـ ديون الميت.\rجـ ـ الوصية الواجبة.\rد ـ الوصية الاختيارية.\rهـ ـ المواريث بحسب ترتيبها في هذا القانون.\r2 - إذا لم توجد ورثة قضي من التركة بالترتيب الآتي:\rأ ـ استحقاق من أقر له الميت بنسب على غيره.\rب ـ ما أوصي به فيما زاد على الحد الذي تنفذ فيه الوصية.\r3 - إذا لم يوجد أحد من هؤلاء آلت التركة، أو ما بقي منها إلى الخزانة العامة، وبما أن قانون الأحوال الشخصية هو المعمول به في سورية ، فتطبق على التركة أحكام الشريعة الإسلامية فيما يتعلق بتعيين الورثة، وتقدير أنصبتهم، وبيان وقت انتقال التركة إلى الورثة. وقد أخذ التقنين المدني فيما نص عليه بالمبادئ الأساسية المعمول بها في الفقه الإسلامي في مذاهبه المختلفة وذلك في انتقال أموال التركة إلى الورثة، وفي حق الورثة في التصرف في هذه الأموال، وفي حقوق الدائنين المتعلقة بالتركة وكيفية سداد الديون، فنصت المادة (836) من القانون المدني على ذلك: «أ ـ تعيين الورثة وتحديد أنصبائهم في الإرث وانتقال أموال التركة إليهم تسري في شأنها أحكام الشريعة الإسلامية والقوانين الصادرة في شأن الإرث والانتقال» .\rلكن متى يتم انتقال التركة إلى الورثة؟ هل يكون وقت موت المورث، أو تبقى التركة على ملك الميت حتى تسدد الديون؟\r-------------------------------\r(1) شرح السراجية: ص 3-7، نظام المواريث للشيخ عبد العظيم فياض: ص 38 ومابعدها، أحكام المواريث للشيخ عيسوي: ص 11 ومابعدها.","part":4,"page":722},{"id":2818,"text":"أخذ التقنين المدني بالمبدأ الفقهي الإسلامي الذي يقرر أن أموال التركة تنتقل إلى الورثة بمجرد موت المورث، مع تعلق حقوق الدائنين بها، فتنتقل هذه الأموال مثقلة بحق عيني هو أقرب إلى أن يكون حق رهن، ولكنه رهن مصدره القانون (1) . وهذا هو مذهب الشافعية.\rوللفقهاء آراء ثلاثة في هذا الموضوع أي تحديد وقت انتقال التركة إلى الورثة أو بيان المراد من ( لا تركة إلا بعد سداد الدين ).\rالرأي الأول للمالكية: تبقى أموال التركة على ملك الميت بعد موته إلى أن يسدد الدين، سواء أكان الدين مستغرقاً للتركة، أم لم يكن مستغرقاً لها، عملاً بقوله تعالى: {من بعد وصية يوصي بها أو دين} [النساء:11/4]. وعليه يكون نماء أعيان التركة بزيادتها المتولدة منها ملكاً للميت، كما أن نفقات أعيان التركة من حفظ وصيانة ومصروفات حمل ونقل وطعام حيوان تكون على التركة.\rالرأي الثاني للشافعية، والحنابلة ( في أشهر الروايتين): تنتقل أموال التركة إلى ملك الورثة فوراً بموت المورث، مع تعلق الدين بها، كما يتعلق الرهن، سواء أكان الدين مستغرقاً للتركة أم غير مستغرق لها. وعليه يكون نماء أعيان التركة للورثة، وعليهم ما تحتاجه من نفقات، عملاً بالحديث النبوي: «من ترك مالاً أو حقاً فلورثته» .\rالرأي الثالث للحنفية: يميز بين ما إذا كانت مستغرقة بالدين، أو كانت غير مستغرقة (أي محاطة) بالدين. فإذا استغرق الدين أموال التركة، تبقى أموال التركة على ملك الميت، ولا تنتقل إلى ملك الورثة. وأما إن كان الدين غير مستغرق، فالرأي الراجح أن أموال التركة تنتقل إلى الورثة بمجرد موت المورث مع تعلق الدين بهذه الأموال.\rفالاحتمال الأول من مذهب الحنفية يوافق مذهب المالكية، والاحتمال الثاني يوافق مذهبي الشافعية والحنابلة.\r-------------------------------\r(1) مصادر الحق للسنهوري: 88/5، ط ثالثة.","part":4,"page":723},{"id":2819,"text":"وأما تصرف الورثة في أعيان التركة قبل سداد الدين: فإنه يجوز في القانون المدني، ولكن التصرف خاضع لحقوق الدائنين، فلهم تتبع العين المتصرف فيها في يد الغير، بعد تأشيرهم بالدين أمام اسم المورث في سجل عام تدون فيه أسماء المورثين، وإخضاع التركة لنظام التصفية المنصوص عليه في القانون، يقوم مقام التأشير بالدين.\rوللفقهاء آراء في تصرف الورثة:\rقال الحنفية والشافعية، والمالكية (في رأي عندهم): يكون تصرف الوارث في أموال التركة المدينة باطلاً. والرأي الثاني عند المالكية يجيز تصرف الوارث في التركة المدينة قبل أداء الدين إذا لم يتضرر الدائن به.\rوقال الحنابلة (في أشهر الروايتين): يصح تصرف الورثة في التركة قبل سداد الدين، ولزمهم أداء الدين، فإن أدوه نفذ، وإن لم يؤدوه فسخ.\rبيان بعض الأحكام المأخوذة من الفقه الإسلامي :\rأخذ التقنين المدني السوري والمصري طائفة من الأحكام من الفقه الإسلامي، دون تقيد بمذهب معين، وهذا صنيع حسن، إذ الأخذ بأي مذهب إسلامي أفضل بكثير من أخذه من أي مصدر أجنبي. وسأذكر بعض هذه الأحكام:\rأولاً ـ في عقد البيع :\rوردت أحكام كثيرة في تنظيم عقد البيع في التقنين المدني مستمدة من الفقه الإسلامي، منها: 1 - أحكام مجلس العقد :\rنصت المادة (95) على ما يلي: «1 - إذا صدر الإيجاب في مجلس العقد، دون أن يعين ميعاد للقبول، فإن الموجب يتحلل من إيجابه إذا لم يصدر القبول فوراً، وكذلك الحال إذا صدر الإيجاب من شخص إلى آخر بطريق التلفون أو بأي طريق مماثل.\r2 - ومع ذلك يتم العقد، ولو لم يصدر القبول فوراً، إذا لم يوجد ما يدل على أن الموجب قد عدل عن إيجابه في الفترة ما بين الإيجاب والقبول، وكان القبول قد صدرقبل أن ينفض مجلس العقد» .","part":4,"page":724},{"id":2820,"text":"دلت هذه المادة على أحكام تتعلق بمجلس العقد: وهي جواز الرجوع عن الإيجاب الموجه قبل صدور القبول الفوري من القابل. ولا يشترط القبول الفوري، وإنما يكفي حدوثه ما دام مجلس العقد قائماً بأن لم يحدث إعراض عنه أو انشغال بغيره. وهذه الأحكام تتفق مع ما عرفناه من مذهب الحنفية في تكوين العقد.\rقال الدكتور السنهوري: ولا شك في أن الوضع على هذا الأساس المستمد من الشريعة الإسلامية قد أصبح وضعاً عملياً معقولاً، ولم تعد الفورية في القبول لازمة، بل يجوز فيه التراخي مدة معقولة لا ينشغل فيها المتعاقدان بغير العقد، ويبقى فيها الموجب على إيجابه. وهذا هو في نظرنا خير تفسير لقواعد الفقه الإسلامي في مجلس العقد (1) .\r2 - البيع بالصفة أو بالعينة (النموذج ) :\rأجاز القانون المدني البيع بالصفة، إذا ذكرت أوصاف المبيع الأساسية، فنصت المادة (387) على ما يلي: «1 - يجب أن يكون المشتري عالماً بالمبيع علماَ كافياً. ويعتبر العلم كافياً إذا اشتمل العقد على بيان المبيع وأوصافه الأساسية بياناً يمكن من تعرفه» . ونصت المادة (388) على جواز البيع بالنموذج: «إذا كان البيع (بالعينة) وجب أن يكون المبيع مطابقاً لها» .\rوهذا مأخوذ من الفقه الإسلامي الذي يشترط أن يكون محل العقد معروفاً لطرفيه ومعيناً، بحيث لا يكون فيه جهالة تؤدي إلى الغرر والنزاع بين المتعاقدين. وهذا شرط متفق عليه بين الفقهاء (2) .\rوتحصل المعرفة برؤية المبيع حال العقد، أو رؤية بعضه (رؤية النموذج) أو بيان أوصافه الأساسية. وقد أجاز البيع بالصفة فقهاء الحنفية والمالكية، والشافعية (في الأظهر) والظاهرية، والزيدية والإمامية وفي قول عند الإباضية (3) .\rجاء في المادة (320) من المجلة: «من اشترى شيئاً ولم يره، كان له الخيار إلى أن يراه، فإذا رآه: إن شاء قبله، وإن شاء فسخ البيع، ويقال لهذا الخيار: خيار الرؤية» .\r-------------------------------\r(1) الوسيط للسنهوري: ص 215.\r(2) الأموال ونظرية العقد في الفقه لأستاذنا الدكتور محمد يوسف موسى: ص311 ومابعدها.\r(3) سيأتي مزيد بحث لذاك في عقد البيع.","part":4,"page":725},{"id":2821,"text":"وفي المادة (324) : «الأشياء التي تباع على مقتضى أنموذجها تكفي رؤية الأنموذج منها فقط» .\rويثبت للمشتري عند فقهائنا حق خيار الوصف بعد رؤية المبيع، فإن شاء أنفذ\rالبيع، وإن شاء رده، سواء أكان موافقاً للصفة أم لا، وهذا لا يتفق مع القانون. وقال المالكية ورأيهم هو المتفق مع القانون (1) : إذا جاء المبيع على الصفة صار العقد لازماً. لكن القانون على الرغم من محاولته التوفيق بين خيار الرؤية المقرر في الشريعة وبين مبادئ القانون العامة، فقد خالف الفقه الحنفي في الاكتفاء بوصف المبيع وصفاً كافياً، وفي إسقاط حق المشتري إذا ذكر أنه عالم بالمبيع، وفي حصر حق المشتري بإبطال البيع عن طريق القاضي، لا فسخه بدون تقاض أو تراض.\r3 - تبعة هلاك المبيع :\rيتحمل البائع تبعة هلاك المبيع إذا كان الهلاك بسبب أجنبي لا يد للبائع فيه. وينفسخ البيع حالة الهلاك الكلي. ويجوز للمشتري طلب فسخ البيع حالة الهلاك الجزئي. وهذا هو المنصوص عليه في المادتين (405، 406) من القانون المدني.\rنصت المادة (405) على ما يلي: «إذا هلك المبيع قبل التسليم لسبب لا يد للبائع فيه، انفسخ البيع، واسترد المشتري الثمن إلا إذا كان الهلاك بعد إعذار المشتري لتسلم المبيع» .\rونص المادة (406) هو: «إذا نقصت قيمة المبيع قبل التسلم لتلف أصابه، جاز للمشتري إما أن يطلب فسخ البيع إذا كان النقص جسيماً بحيث لو طرأ قبل العقد لما تم البيع، وإما أن يبقى البيع مع إنقاص الثمن» .\rوهذه الأحكام في جملتها مستقاة من الفقه الإسلامي، فقد قرر فقهاء الحنفية أن المبيع إذا هلك كله أو بعضه قبل التسليم، فإن البائع (أي المدين) الذي استحال\r-------------------------------\r(1) قال فقهاء القانون: البيع بالعينة: هو بيع بات من الوقت الذي اتفق فيه المتعاقدان على النموذج الذي تم البيع على أساسه، راجع العقود المسماة للدكتور عبد المنعم البدراوي: ص 161، ط أولى.","part":4,"page":726},{"id":2822,"text":"عليه الوفاء بالتزامه بالتسليم هو الذي يتحمل تبعة الهلاك، وينفسخ البيع في حالة الهلاك الكلي أو فيما يقابل الجزء التالف في حالة الهلاك الجزئي. وقد نصت على ذلك المادة (392) من مجلة الأحكام العدلية ونصها: «المبيع إذا هلك في يد البائع قبل أن يقبضه المشتري يكون من مال البائع ولا شيء على المشتري» .\rوإذا كان ذلك هو المقرر في عقد البيع، وهو أيضاً المقرر في عقد الإيجار بأن الهلاك على المدين (المؤجر في إجارة المنافع، والأجير في إجارة الأعمال)، فإن الفقه الإسلامي يكون قد أخذ بنظرية تحمل التبعة المعروفة لدى القانونيين (1) .\r4 - حق البائع في حبس المبيع :\rأجاز القانون المدني للبائع أن يمتنع عن تسليم المبيع إلى المشتري، على الرغم من حلول أجله، إذا لم يقم المشتري بدفع الثمن كله أو بعضه، وذلك هو الحق في حبس المبيع، نصت المادة (427) على ذلك فيما يأتي: «إذا كان الثمن كله أو بعضه مستحق الدفع في الحال، فللبائع أن يحبس المبيع حتى يستوفي ما هو مستحق له، ولو قدم المشتري رهناً أو كفالة، هذا ما لم يمنح البائع المشتري أجلاً بعد البيع» .\rوإعطاء البائع حق الحبس مبدأ مقرر في الفقه الإسلامي، قال الحنفية: يثبت للبائع حق حبس المبيع عن المشتري إلى أن يستوفي ما وجب تعجيله، سواء أكان كل الثمن أم بعضه. ولا يسقط حق الحبس حتى ولو قدم المشتري رهناً أو كفيلاً بالثمن (2) .\r-------------------------------\r(1) راجع رسالة (نظرية تحمل التبعة في الفقه الإسلامي) للدكتور زكي عبد البر: ص 144 ومابعدها، وكتابنا نظرية الضمان: ص 148، 165، 169، العقود المسماة للدكتور422/1 البدراوي: ومابعدها.\r(2) المبسوط:192/13، البدائع: 249/5، رد المحتار: 44/4، عقد البيع للأستاذ الزرقاء: ص 77، العقود المسماة للبدراوي: 420/1.","part":4,"page":727},{"id":2823,"text":"وذكرت المجلة المواد المتعلقة بحبس المبيع (من 278-284)، نصت المادة (278) على ما يلي: «في البيع بالثمن الحال أعني غير المؤجل، للبائع أن يحبس المبيع إلى أن يؤدي المشتري جميع الثمن» .\r5 - الغبن في بيع عقار القاصر :\rإذا اشتمل بيع عقار لغير كامل الأهلية بسبب الصغر أو الجنون مثلاً على غبن فاحش يزيد على الخمس، جاز للبائع طلب تكملة الثمن إلى أربعة أخماس ثمن المثل، بأن صدر البيع من ناقص الأهلية نفسه (1) ، وهذا نص المادة (393 مدني):\r« 1- إذا بيع عقار مملوك لشخص لا تتوافر فيه الأهلية وكان في البيع غبن يزيد على الخمس، فللبائع أن يطلب تكملة الثمن إلى أربعة أخماس ثمن المثل.\r2 - ويجب لتقدير ما إذا كان الغبن يزيد على الخمس أن يقوَّم العقار بحسب قيمته وقت البيع» .\rأخذ هذا الحكم من الفقه الإسلامي (2) ، فقد أجاز فقهاء الحنفية فسخ البيع بسبب الغبن الفاحش وحده بدون أن ينضم إليه تغرير، وذلك في أحوال هي: «حقوق اليتيم والوقف، وبيت المال» .\rوضابط التمييز بين الغبن اليسير أو القليل وبين الغبن الفاحش أو الكثير هو أن الغبن اليسير: ما يدخل تحت تقويم المقومين. والغبن الفاحش: هو ما لا يدخل تحت تقويم المقومين (3) .\rلكن المادة (165) من المجلة قدرت الغبن بما يأتي، وهو رأي متأخري فقهاء الحنفية: «الغبن الفاحش غبن على قدر نصف العشر في العروض، والعشر في الحيوانات، والخمس في العقار أو زيادة» . ولا مانع فقهاً من تقدير الغبن الفاحش بما أخذ به القانون أي بما يزيد عن الخمس وهو\r-------------------------------\r(1) راجع العقود المسماة للدكتور البدراوي: 218/1 ومابعدها.\r(2) الوسيط للسنهوري: ص 46.\r(3) البدائع: 30/6.","part":4,"page":728},{"id":2824,"text":"رأي نصر بن يحيى من الحنفية (1) .\r6 - ضمان العيوب الخفية، وضمان التعرض والاستحقاق :\rيلتزم البائع بضمان العيب القديم الذي قد يوجد في المبيع، لأن عقد البيع يقتضي بذاته سلامة المبيع من العيوب، وسلامته من حقوق الغير (ضمان الدَّرَك (2) أو ضمان التعرض والاستحقاق)، دون حاجة إلى شرط؛ لأن العيب ضرر لايقتضيه العقد، والضرر مرفوع، عملاً بالحديث النبوي: «لا ضرر ولا ضرار» ولأن المفروض في البيع سلامة المبيع من كل علاقة للغير به.\rفإذا وجد عيب في المبيع جاز فسخ العقد، فيتخير المشتري بين أمرين: إن شاء فسخ البيع ورد المبيع، وإن شاء أمسكه بكل الثمن، وليس له إسقاط شيء من الثمن دون رضا البائع.\rوإذا ظهر كون المبيع مستحقاً لغير البائع أصبح البيع متوقفاً على إجازة المستحق، فإن أجاز البيع بقي المبيع للمشتري، ويأخذ المستحق الثمن من البائع. وإن لم يجز المستحق البيع انفسخ البيع السابق، ويلتزم البائع للمشتري رد الثمن (3) .\rأخذ القانون المدني أحكام ضمان العيوب الخفية، من الفقه الإسلامي، كما أنه من حيث المبدأ أخذ أحكام ضمان التعرض والاستحقاق من هذا الفقه أيضاً (1) مع مراعاة المبادئ القانونية التي تجيز الفوائد عن قيمة المبيع وقت الاستحقاق، وتوجب تعويض المشتري عما لحقه من خسارة أو فاته من كسب بسبب استحقاق المبيع.\rونصت المواد (415-419) مدني على ضمان العيوب الخفية، كما نصت المواد (407-414) على ضمان التعرض والاستحقاق.\r-------------------------------\r(1) البدائع: المرجع السابق.\r(2) ضمان الدَّر َك: هو التزام سلامة المبيع مما يمكن أن يلحقه ويدركه من حقوق لغير البائع في عينه، وتحمل تبعة الاستحقاق عند ظهور حق فيه لأحد.\r(3) عقد البيع للأستاذ الزرقاء: ص97-116.","part":4,"page":729},{"id":2825,"text":"أما المادة (415) فهي: « 1- يكون البائع ملزماً بالضمان إذا لم يتوافر في المبيع وقت التسليم الصفات التي كفل المشتري وجودها فيه، أو إذا كان بالمبيع عيب ينقص من قيمته أو من نفعه بحسب الغاية المقصودة مستفادة مما هو مبين في العقد، أو مما هو ظاهر من طبيعة الشيء أو الغرض الذي أعد له، ويضمن البائع هذا العيب، ولو لم يكن عالماً بوجوده.\r2 - ومع ذلك لا يضمن البائع العيوب التي كان المشتري يعرفها وقت البيع، أو كان يستطيع أن يتبينها بنفسه لو أنه فحص المبيع بعناية الرجل العادي، إلا إذا أثبت المشتري أن البائع قد أكد له خلو المبيع من هذا العيب، أو أثبت أن البائع قد تعمد إخفاء العيب غشاً منه» .\rوقد نصت المواد (336-355) من مجلة الأحكام العدلية على أحكام ضمان العيوب الخفية تحت عنوان (خيار العيب). أما المادة (336) فهي: « البيع المطلق يقتضي سلامة المبيع من العيوب يعني أن بيع المال بدون البراءة من العيوب وبلا ذكر أنه معيب أو سالم، يقتضي أن يكون المبيع سالماً خالياً من العيب» .\rونص المادة (337) هو: «ما بيع بيعاً مطلقاً إذا ظهر به عيب قديم، يكون المشتري مخيراً: إن شاء رده، وإن شاء قبله بثمنه المسمى، وليس له أن يمسك المبيع، ويأخذ ما نقصه العيب، وهذا يقال له خيار العيب» .\rوأما المادة (407) مدني التي تنص على مبدأ ضمان تعرض الغير في الانتفاع فهي: «يضمن البائع عدم التعرض للمشتري في الانتفاع بالمبيع كله أو بعضه، سواء كان التعرض من فعله هو، أو من فعل أجنبي يكون له وقت البيع حق على المبيع يحتج به على المشتري ويكون البائع ملزماً بالضمان ولو كان الأجنبي قد ثبت حقه بعد البيع، إذا كان هذا الحق قد آل إليه من البائع نفسه» .\rونصت المادة (408) على التزام البائع المزدوج أي المكون من التزامين في حال استحقاق المبيع:\r-------------------------------\r(1) راجع العقود المسماة للدكتور البدراوي: 433/1 ومابعدها","part":4,"page":730},{"id":2826,"text":"الأول: التزام الدفاع عن المشتري في الدعوى القائمة بينه وبين الغير. والثاني: التزامه بتعويض المشتري إذا لم يمكن توقي الاستحقاق. والالتزام بالضمان: التزام بعمل، والأصل أنه يجب تنفيذه عيناً ما دام التنفيذ العيني ممكناً. فإذا لم يمكن التنفيذ العيني لم يكن أمام البائع سوى التنفيذ بطريق التعويض.\rثانياً ـ في عقد الإيجار :\rاقتبس التقنين المدني من الفقه الإسلامي أحكام بعض أنواع الإيجار، وبعض أحكام إجارة المنافع، منها مايأتي:\r1 - إيجار الأراضي الزراعية :\rورد النص على إيجار الأراضي الزراعية في المواد التالية (577-585) حدد فيها التزامات المؤجر بتسليم أدوات الزراعة لإقامة المباني والتزام المستأجر لاستغلال الأرض طبقاً لمقتضيات الاستغلال المألوف، وبالقيام بإجراءات الإصلاح التي يقتضيها الانتفاع المألوف بالأرض المؤجرة وتحديد مدة الإيجار بالدورة الزراعية السنوية وبقاء المستأجر في العين المؤجرة عند انتهاء الإيجار بسبب قاهر حتى تنضج الغلة بالأجر المناسب. وهذا النوع من العقود إجارة بالنقود في الذمة أو معينة.\rوهي أحكام مقررة في الفقه الإسلامي ، وجاء النص على بعضها في المجلة، نصت المادة (524) مجلة على ضرورة تعيين نوع الزرع: «من استأجر أرضاً ولم يعين ما يزرعه فيها ولم يعمم على أن يزرع ما شاء، فإجارته فاسدة، ولكن لو عين قبل الفسخ، ورضي الآخر تنقلب إلى الصحة» .\rونصت المادة (525) على الدورة الزراعية: «من استأجر أرضاً على أن يزرعها ما شاء فله أن يزرعها مكرراً في ظرف السنة صيفياً وشتائياً» .\rونصت المادة (526) على بقاء المستأجر في الأرض بعد انتهاء العقد: «لو انقضت مدة الإيجار قبل إدراك الزرع فللمستأجر أن يبقى الزرع في الأرض إلى إدراكه، ويعطي أجرة المثل» .\r2 - هلاك الزرع في العين المؤجرة :\rنصت المادة (583) مدني على أن هلاك الزرع يسوغ طلب إسقاط الأجرة:","part":4,"page":731},{"id":2827,"text":"« 1- إذا بذر المستأجر الأرض، ثم هلك الزرع كله قبل حصاده بسبب قوة قاهرة جاز للمستأجر أن يطلب إسقاط الأجرة.\r2 - أما إذا لم يهلك إلا بعض الزرع، ولكن ترتب على الهلاك نقص كبير في ريع الأرض كان للمستأجر أن يطلب إنقاص الأجرة.\r3 - وليس للمستأجر أن يطلب إسقاط الأجرة أو إنقاصها إذا كان قد عوض عما أصابه من ضرر بما عاد عليه من أرباح في مدة الإجارة كلها أو بما حصل عليه من طريق التأمين أو من طريق آخر» .\rوهذا النص تطبيق لأثر القوة القاهرة (الآفة السماوية) المبني على نظرية الضرورة الشرعية والذي يترتب عليه سقوط الالتزام بدفع المقابل (الأجرة أو الثمن) إذا تلف الشيء المعقود عليه. قال الحنفية: إذا انقطع الماء عن الطاحون مدة شهر مثلاً، يسقط عن المستأجر أجر المدة (1) ، وجاء في الحديث النبوي: «أرأيت إن منع الله الثمرة فبم يأخذ أحدكم مال أخيه» (2) .\r3 - غرس الأشجار في العين المؤجرة :\rورد النص على هذه القضية في المادة (559) مستمداً من الفقه الإسلامي، حيث تضمنت الفقرة الأولى إلزام المؤجر نفقة ما ترتب على البناء أو الغرس من تحسينات إذأ0حدآ شلك بموافقته أي المؤجر، وتضمنت الفقرة الثانية ما يلي:\r«2 - فإذا كانت تلك التحسينات قد استحدثت دون موافقة المؤجر، كان له أيضاً أن يطلب من المستأجر إزالتها، وله أن يطلب فوق ذلك تعويضاً عن الضرر الذي يصيب العقار من هذه الإزالة، إن كان للتعويض مقتض» .\rوهذا الحكم مقتبس من الفقه الإسلامي، فقد ألزم فقهاء الحنفية المستأجر بعد انقضاء مدة الإيجار بقلع الغراس وتسليم الأرض فارغة (3) . وجاء في المادة\r-------------------------------\r(1) راجع كتابنا نظرية الظمان: ص 164، وكتابنا نظرية الضرورة الشرعية: ص 328 ومابعدها.\r(2) أخرجه البخاري ومسلم عن أنس بلفظ: «إذا منع الله الثمرة، فبِمَ تستحل مال أخيك» (نيل الأوطار: 173/5).","part":4,"page":732},{"id":2828,"text":"(3) اللباب في شرح الكتاب للميداني: 90/2. (531) من المجلة ما يؤيده: «لو أحدث المستأجر بناء في العقار المأجور أو غرس شجرة، فالآجر مخير عند انقضاء مدة الإجارة إن شاء قلع البناء والشجرة، وإن شاء أبقاهما، وأعطى قيمتها كثيرة كانت أو قليلة» . ونصت المادة (532) بعدها على ضمان الضرر: «إزالة التراب والزبل الذي يتراكم في مدة الإجارة والتطهير عنهما على المستأجر» .\r4 - المزارعة :\rالمزارعة عبارة عن عقد الزراعة، ببعض الناتج، وهو إجارة الأرض ببعض ماخرج منها. وهو عقد مقرر في الفقه الإسلامي، أخذت منه أحكامه المعمول بها في القانون المدني (في المواد 586-594).\rونص المادة (586) هو ما يلي: «يجوز أن تعطى الأرض الزراعية والأرض المغروسة بالأشجار مزارعة للمستأجر في مقابل أخذ المؤجر جزءاً معيناً من المحصول» .\rقال الحنفية (1) : يصح استئجار الأرضين للزراعة على أي مدة كانت طالت أو قصرت، لأن المدة إذا كانت معلومة كان قدر المنفعة فيها معلوماً.\r5 - انقضاء الإيجار بموت المستأجر :\rورد النص على انتهاء عقد الإيجار بالموت في المادة (568) مدني ومابعدها:\r«1 - لا ينتهي الإيجار بموت المؤجر ولا بموت المستأجر.\r2 - ومع ذلك إذا مات المستأجرجاز لورثته أن يطلبوا إنهاء العقد إذا أثبتوا أنه بسبب موت مورثهم أصبحت أعباء العقد أثقل من أن تتحملها مواردهم، أو أصبح الإيجار مجاوزاً حدود حاجتهم. وفي هذه الحالة يجب أن تراعى مواعيد التنبيه بالإخلاء المبينة في المادة (531)، وأن يكون طلب إنهاء العقد في مدة ستة أشهر على الأكثر من وقت موت المستأجر» .\rونص المادة (569) هو: «إذا لم يعقد الإيجار إلا بسبب حرفة المستأجر أو لاعتبارات أخرى تتعلق بشخصه ثم مات، جاز لورثته أو للمؤجر أن يطلبوا إنهاء العقد» .\r-------------------------------\r(1) اللباب في شرح الكتاب: 88/2.","part":4,"page":733},{"id":2829,"text":"دل النص على أنه لا ينتهي عقد الإيجار بموت المؤجر أو المستأجر عملاً بما قرره جمهور فقهاء الإسلام غير الحنفية، واستثنى النص حالتين ينقضي بهما الإيجار بموت المستأجر وهما:\r1 - حالة صيرورة أعباء العقد أثقل من أن تتحملها موارد ورثة المستأجر، أو أن الإيجار أصبح يجاوز حدود حاجتهم.\r2 - إذا كان الإيجار قد عقد بسبب حرفة المستأجر كعيادة طبيب أو صيدلية.\rويمكن تسويغهما بما قرره الحنفية من انتهاء الإجارة بموت أحد العاقدين.\r6 - انتهاء الإيجار للعذر :\rأخذ المشرع المدني عن الفقه الإسلامي فكرة فسخ الإيجار للعذر، فنص في المادة (575) على أنه:\r« 1- إذا كان الإيجار معين المدة، جاز لكل من المتعاقدين أن يطلب إنهاء العقد قبل انقضاء مدته إذا جدَّت ظروف خطيرة غير متوقعة من شأنها أن تجعل تنفيذ الإيجار من مبدأ الأمر، أو في أثناء سريانه مرهقاً، على أن يراعي من يطلب إنهاء العقد مواعيد التنبيه بالإخلاء المبينة بالمادة (531)، وعلى أن يعوض الطرف الآخر تعويضاً عادلاً.\rوهذا النص يشير إلى عذر خاص بالمستأجر، أو المؤجر، يجيز طلب فسخ الإيجار بسبب العذر بشرطين:\r1 - أن تكون الإجارة معينة المدة، فإن لم تكن معينة جاز لأي طرف إنهاؤها قبل نهاية أي فترة دفعت أجرتها.\r2 - أن يطرأ ظرف خطير من شأنه أن يجعل التنفيذ مرهقاً لأحد الطرفين، كأن يترك المحامي الذي استأجر مكتباً مهنته لمرض أو منع قانوني من ممارسة المهنة. أو تطرأ ظروف غير متوقعة تجعل القيام ببناء التزم المؤجر بإقامته مرهقاً له.\rوقد عرفنا سابقاً أن الحنفية أجازوا فسخ الإجارة بالأعذار، وإن وقعت الإجارة صحيحة لازمة (1) .\r-------------------------------\r(1) تحفة الفقهاء: 533/2.","part":4,"page":734},{"id":2830,"text":"7 - إيجار الوقف :\rنص القانون المدني في المواد (595-601) على أحكام إيجار الوقف مستمدة من الفقه الإسلامي، ومن أخصها ما نصت عليه المادة (598): «لا تصح إجارة الوقف بالغبن الفاحش إلا إذا كان المؤجر هو المستحق الوحيد الذي له ولاية التصرف في الوقف، فتجوز إجارته بالغبن الفاحش في حق نفسه، لا في حق من يليه من المستحقين» .\rوقد نصت المادة (256) من المجلة على مبدأ الفسخ بسبب الغبن: «إذا وجد غبن فاحش في البيع، ولم يوجد تغرير، فليس للمغبون أن يفسخ البيع، إلا أنه إذا وجد الغبن وحده في مال اليتيم لا يصح البيع، ومال الوقف وبيت المال حكمه حكم مال اليتيم» .\rثالثاً - حقوق الارتفاق :\rحق الارتفاق: هو تكليف مفروض على عقار معين لمنفعة عقار معين جارٍ في ملكية شخص غير مالك العقار الأول (م 960) مدني. وهو أحد الحقوق العينية المتفرعة عن حق الملكية. والارتفاقات تختلف فيما بينها من حيث موضوعها. فهناك ارتفاق بالمجرى،وارتفاق بالمرور، وارتفاق بالصرف، وارتفاق بالمطل، ونحو ذلك. والارتفاق إما أن يكون طبيعياً، أو قانونياً أي يقرره القانون، كحق الشِّرب وحق المجرى وحق المسيل وحق المرور.\rأخذ القانون المدني طائفة من أحكام الارتفاق من الفقه الإسلامي من أهمها حق العلو والسفل، وأحكام الحائط المشترك.\rففي حق العلو والسفل نصت المادة (963) مدني على حق إسالة الماء سيلاً طبيعياً من الأراضي العالية. وأوجب القانون بعض التزامات على صاحب السفل وصاحب العلو في ضمن القيود الواردة على حق الملكية - ملكية الطبقات، نصت على ذلك المادة (814):\r« 1- على صاحب السفل أن يقوم بالأعمال والترميمات اللازمة لمنع سقوط العلو.","part":4,"page":735},{"id":2831,"text":"2 - فإذا امتنع عن القيام بهذه الترميمات جاز للقاضي أن يأمر ببيع السفل. ويجوز في كل حال لقاضي الأمور المستعجلة أن يأمر بإجراء الترميمات العاجلة» . ونصت المادة (415) على التزام صاحب السفل بإعادة بناء سفله إذا انهدم فإن امتنع جاز لصاحب العلو إعادة البناء على نفقة صاحبه، ولصاحب العلو منع صاحب السفل من السكنى والانتفاع حتى يؤدي ما في ذمته. ومضمون هاتين المادتين مستمد من الفقه الإسلامي (1) .\rوالقانون المدني بالإضافة إلى المعايير الثلاثة السابقة لبيان حد المشروعية في استعمال الحقوق (التعسف في استعمال الحق م 5و6) أقر معياراً آخر لمضار الجوار غير المألوفة لبيان حد المشروعية في استعمال حق الملكية (2) ومنه حق العلو والسفل، في المادة (776) ونصها ما يأتي:\r« 1- على المالك ألا يغلو في استعمال حقه إلى حد يضر بملك الجار.\r2 - وليس للجار أن يرجع على جاره في مضار الجوار المألوفة التي لا يمكن تجنبها، وإنما له أن يطلب إزالة هذه المضار إذا تجاوزت الحد المألوف، على أن يراعى في ذلك العرف، وطبيعة العقارات وموقع كل منها بالنسبة إلى الآخر، والغرض الذي خصصت له، ولا يحول الترخيص الصادر من الجهات المختصة دون استعمال هذا الحق» . وهذا النص تطبيق لنظرية التعسف، وأقرب إلى تكييف الفقه الإسلامي الذي اعتمد عليه القانون المدني في صياغة نظرية عامة للتعسف.\rونصت المجلة على مضار الجوار غير المألوفة في المواد (1198-1212) ونص المادة (1198) هو ما يلي: «كل أحد له التعلي على حائط الملك وبناء ما يريد، وليس لجاره منعه ما لم يكن ضرره فاحشاً» . وحددت المادة (1199) الضرر الفاحش بقولها: «والضرر الفاحش: كل ما يمنع الحوائج الأصلية، يعني المنفعة الأصلية المقصودة من البناء كالسكنى، أو يضر البناء أي يجلب عليه وهناً ويكون سبب انهدامه» .\r-------------------------------\r(1) تحفة الفقهاء: 314/2 ومابعدها، الأموال ونظرية العقد، يوسف موسى: ص 182.\r(2) الحقوق العينية الأصلية للأستاذ الدكتور وحيد سوار: ص 314 ومابعدها.","part":4,"page":736},{"id":2832,"text":"وأما الحائط المشترك: فإن القانون المدني نص على أحكامه أثناء بيان أحوال الارتفاق القانوني، فوضع قيوداً على المالك في استعمال أجزاء أرضه، ففي الحائط المشترك ليس لأحد الجارين أن يفتح فيه مطلات أو مناور؛ لأن هذا يتعارض مع الغرض الذي أعد له الحائط، وهو ستر كل من العقارين اللذين يفصل بينهما. ويستعمل الحائط المشترك بحسب الغرض الذي أعد له، وبالقدر الذي يحتمله كالاستناد المألوف عليه (انظر المادة 974، و 970 وما بعدها).\rوهذا كله من الفقه الإسلامي عملاً بقاعدة: «الضرر يزال» (1) نصت المادة (1202) من المجلة على ذلك فيما يأتي: «رؤية المحل الذي هو مقر النساء كصحن الدار أو المطبخ والبئر يعد ضرراً فاحشاً، فإذا أحدث رجل في داره شباكاً أو بناءً مجدداً وجعل له شباكاً مطلاً على المحل الذي هو مقر نساء جاره الملاصق أو الفاصل بينهما طريق، فإنه يؤمر برفع الضرر، ويصير ذلك الرجل مجبوراً لدفع هذا الضرر بصورة تمنع وقوع النظر إما ببناء حائط أو وضع طبلة (حاجز خشبي)، لكن لايجبر على سد الشباك بالكلية، كما إذا عمل ساتراً من الأغصان التي يرى من بينها مقر نساء جاره، فإنه يؤمر بسد محلات النظر، ولا يجبر على هدمه، وبناء حائط محله، انظر المادة (22) وهي «الضرورات تقدر بقدرها» .\r-------------------------------\r(1) كتابنا نظرية الضمان: ص 205.","part":4,"page":737},{"id":2833,"text":"رابعاً ـ عقد الهبة :\rاستمد التقنين المدني في المواد (454-472) الأحكام الموضوعية لعقد الهبة من الفقه الإسلامي، وعلى التخصيص من كتاب الأحوال الشخصية لقدري باشا حيث قننت هذه الأحكام. ولكن التقنين أدخل تعديلاً جوهرياً على أحكام الفقه الإسلامي فيما يتعلق بالرجوع في الهبة إذ قيد هذا الحق بقيام عذر مقبول( المادة 468)، وضرب أمثلة على العذر المقبول من التقنينات الأجنبية ( المادة 469). وذلك مع نقل أحكام موانع الرجوع في الهبة عن الفقه الحنفي (1) (المادة 470) وبذلك أكسب عقد الهبة صلابة وقوة في الإلزام، على النحو الذي يقرره جمهور الفقهاء (المالكية والشافعية والحنابلة) الذين يعدون عقد الهبة لازماً لا يجوز الرجوع فيه إلا في هبة الوالد لولده، بعكس الحنفية الذين يعتبرون الهبة عقداً غير لازم، يجوز فسخه والرجوع عنه (2) .\rشكلية الهبة: في الناحية الشكلية اشترط القانون لصحة الهبة كونها بسند رسمي، نصت المادة (456) على ما يأتي:\r«1ً - تكون الهبة بسند رسمي، وإلا وقعت باطلة ما لم تتم تحت ستار عقد آخر.\r2 - ومع ذلك يجوز في المنقول أن تتم الهبة بالقبض، دون حاجة إلى سند رسمي» . والسبب في اشتراط الرسمية هو تنبيه الواهب إلى خطورة تصرفه، وتوفير أسباب الحرية له في عقد ينزل به عن ماله دون مقابل.\rكذلك اشترطت المادة (458) الرسمية في الوعد بالهبة فقررت: «الوعد بالهبة لا ينعقد إلا إذا كان بسند رسمي» .\r-------------------------------\r(1) دروس في العقود المدنية لأستاذنا الدكتور أكثم الخولي: ص 9.\r(2) سيأتي تفصيل القول في حكم الهبة.","part":4,"page":738},{"id":2834,"text":"لكن على الرغم من أن رسمية الهبة تتعلق بالنظام العام، ويكون جزاؤها البطلان، فقد اعتبر القانون التنفيذ الاختياري بديلاً عاماً عن الرسمية. نصت المادة (457) على أنه: «إذا قام الواهب أو ورثته مختارين بتنفيذ هبة باطلة لعيب في الشكل، فلا يجوز لهم أن يستردوه ما سلموه» ويتضح من هذا النص أن التنفيذ الاختياري للهبة من جانب الواهب أو ورثته يحقق النتيجة نفسها التي تحققها الرسمية. وهذا يدل على أن القانون أوجد نوعاً جديداً ذا صبغة عامة من الشكلية هو التنفيذ الاختياري، وهو أكثر حماية للواهب من الرسمية. والتنفيذ الاختياري يشمل هبة العقار وهبة المنقول، غير أن المشرع القانوني قد نص على أهم تطبيقاته وأكثرها شيوعاً في الحياة العملية، وهو هبة المنقول المادي التي تتم بالقبض أو الهبة اليدوية.\rكذلك أجاز القانون (في المادة 456) استثناء من اشتراط الرسمية أن تتم الهبة تحت ستار عقد من عقود المعاوضة على سبيل الصورية، فتصح الهبة المستترة دون حاجة لسند رسمي.\rوأما موقف الفقهاء المسلمين من الجانب الشكلي للهبة ففيه اتجاهان:\rالاتجاه الأول (1) ـ هو مذهب المالكية، والحنابلة في غير المكيل والموزون: وهو يرى الاكتفاء بمبدأ الرضائية في الهبات، فتصبح صحيحة ناقلة للملكية بمجرد قبول الموهوب له. أما القبض (أو الحيازة) فهو شرط عند المالكية لتمام ولزوم الهبة، فإن لم يحصل القبض لم تلزم الهبة، وإن كانت صحيحة.\r-------------------------------\r(1) سيأتي بحث الموضوع في عقد الهبة.","part":4,"page":739},{"id":2835,"text":"والاتجاه الثاني - هو مذهب الحنفية والشافعية، والإمام أحمد في هبة المكيل والموزون: وهو يعنى بشكل الهبة، ولا يرتّب على مجرد التراضي أثراً شرعياً، والهبة وإن كانت تنعقد بالإيجاب والقبول، فإنها لا تلزم الواهب ولا تنقل الملكية إلا بالقبض. أي أنه يعتبر التنفيذ الاختياري من جانب الواهب هو روح الهبة في هذا الاتجاه، أما مجرد تلاقي إرادة الطرفين فلا ينشئ الهبة بمعناها الصحيح، بل مجرد وعد بالهبة، لا يلزم الواهب. وإذا تم تنفيذ هذا الوعد اختياراً من جانب الواهب تقوم الهبة وتنتج آثارها وأهمها انتقال الملكية إلى الموهوب له.\rوالدافع إلى هذا الاتجاه هو الحرص على احترام الطابع التبرعي للهبة الذي يجب أن يميزها عن سائر التمليكات.\rوأما الأحكام الموضوعية للهبة التي تضمنها القانون المدني والتي استمدها من الفقه الإسلامي فهي مايأتي:\r1 - تعريف الهبة: الهبة عقد تصرَّف بمقتضاه الواهب في مال له دون عوض (م 454) وعرف الفقهاء الهبة بقولهم: عقد يفيد التمليك بلا عوض حال الحياة تطوعاً.\rلكن نصت الفقرة ( 2 ) من هذه المادة على أنه يجوز للواهب دون أن يتجرد عن نيةالتبرع أن يفرض على الموهوب له القيام بالتزام معين، كإلزام الموهوب له أن يعوله حتى موته، أو بأن يدفع له إيراداً مرتباً مدى الحياة.\rو نصت المادة (855) من المجلة على أنه «تصح الهبة بشرط عوض...» لكن الإمام الشافعي يرى أن اشتراط العوض صراحة يبطل العقد، لأنه شرط مخالف لمقتضاه.\r2 - ركن الهبة: نصت المادة (455) على أن الهبة تتم بالإيجاب والقبول. وعلى أنه ينوب ولي القاصر عنه بقبول الهبة وبقبض الشيء الموهوب إذا كان الواهب هو ولي الموهوب أو وصيه.","part":4,"page":740},{"id":2836,"text":"وهذا هو المقرر ذاته في الفقه، نصت المادة (837) من المجلة على أنه «تنعقد الهبة بالإيجاب والقبول وتتم بالقبض» . وذكر الفقهاء أن الولي ينوب مناب القاصر في القبض، فلو وهب أحد الأولياء للصغير شيئاً، والمال في أيديهم صحت الهبة، ويصيرون قابضين للصغير (1) .\r3 - الشروط الموضوعية للهبة :\rلم يورد القانون المدني شروطاً خاصة بالهبة من حيث تلاقي الإيجاب والقبول، فيجب تطبيق القواعد العامة، فيشترط الرضا لصحة العقد وتطبق القواعد العامة في أحكام عيوب الرضا، وتتميز الهبة بأن الغلط في الشخص يجعل الهبة قابلة للإبطال.\rكذلك يشترط في الواهب أن يكون كامل الأهلية؛ لأن الهبة من التصرفات الضارة بالواهب ضرراً محضاً. أما الموهوب له فيكفي فيه أن يكون مميزاً، لأن الهبة من التصرفات النافعة للموهوب له نفعاً محضاً.\rويستطيع الولي أو الوصي أن يهبا للصغير وينوبا عنه في قبول الهبة وقبض الشيء الموهوب كما تقدم (المادة 2/455). ولا يستطيع الولي أن يتبرع بمال القاصر إلا بإذن القاضي بعد تحقق المسوغ، كما نصت المادة (2/172) من قانون الأحوال الشخصية السوري. وكذلك يعدّ تبرع الوصي في مال القاصر باطلاً (المادة 180 من قانون الأحوال الشخصية السوري). ويجوز للمتبرع استبعاد الولاية على مال التبرع، بدليل النص في القانون السوري (في المادة 171) على أنه «إذا اشترط بدليل وجود النص في هذا المتبرع بمال للقاصر عدم تصرف وليه به تعين المحكمة وصياً خاصاً على هذا المال» .\rويشترط في الموهوب أن يكون مملوكاً للواهب وموجوداً ومعيناً ومشروعاً، وعلى ذلك يكون حكم هبة ملك الغير كحكم بيع ملك الغير: وهو البطلان النسبي (القابلية للإبطال) لمصلحة الموهوب له، وعدم النفاذ في حق المالك الحقيقي (المواد 459، 434، 435).\r-------------------------------\r(1) سيأتي تفصيل الكلام في ذلك في بحث عقد الهبة.","part":4,"page":741},{"id":2837,"text":"و نصت المادة (460) على أنه «تقع هبة الأموال المستقبلة باطلة» وذلك استثناء من القواعد العامة في القانون التي تجيز أن يكون محل الالتزام شيئاً مستقبلاً، وهذا الحكم المستثنى مأخوذ من الشريعة الإسلامية التي تشترط وجود محل العقد وقت انعقاده في كل العقود.\rويلاحظ أن هذه الشروط المطلوبة لانعقاد الهبة قانوناً مستقاة من أحكام الفقه الإسلامي. ففي هذا الفقه يشترط اتحاد مجلس الإيجاب والقبول في كل عقود التمليكات، وتوفر الرضا والاختيار، وهذا ما نصت عليه المادة (860) من المجلة، وأن يكون للواهب أهلية التبرع أو كمال الأهلية؛ لأن الهبة تبرع، وهو ما نصت عليه المادة » (859) من المجلة، وألا تصدر الهبة منه في مرض موته، وإلا أخذت حكم الوصية فلا تنفذ إلا في حدود ثلث التركة، وألا يكون مديناً بديون مستغرقة، ولو لم يحجر عليه، وإلا توقفت على إجازة الدائنين. جاء النص على هذه الأحكام في المواد (879-880) من المجلة.\rويشترط في الموهوب له أن يكون حياً، فلا تجوز الهبة للجنين ولا للمعدوم، وأجازها المالكية،ويحسن الأخذ قانوناً بمبدأ إجازة الهبة للجنين.\rكما يشترط أن يكون محل الهبة موجوداً وقت العقد، وهو شرط عام في كل عقود التمليكات في الحال، صوناً للعقد عن الإلغاء عند فوات المحل.\rو نصت المادة (856) من المجلة على ذلك.\rويجب أن يكون الشيء مملوكاً للواهب، فإن كان الموهوب ليس مالاً للواهب، كانت هبة الفضولي، وهي موقوفة على إجازة المالك.\rو نصت المادة (857) من المجلة على ذلك.\rويلزم أن يكون الموهوب معلوماً ومعيناً، وهو ما نصت عليه المادة (858) من المجلة.\rأما هبة الحصة الشائعة فيما يقبل القسمة كالدار والبيت الكبير، فأجازها جمهور الفقهاء، كبيع المشاع. ولم يجزها الحنفية إلا بقسمتها وقبضها مفرزة عن غيرها (1) .\r-------------------------------\r(1) المراجع تأتي في بحث الهبة .","part":4,"page":742},{"id":2838,"text":"4 - الرجوع في الهبة :\rنصت المادة (468-472) على مبدأ جواز الرجوع في الهبة، وعلى الحالات التي يجوز فيها الرجوع، بشرط وجود عذر مقبول للرجوع. وهذه الأحكام ما عدا اشتراط وجود العذر مستمدة من الفقه الحنفي الذي يعتبر الرجوع مكروهاً لأنه من باب الدناءة، وللموهوب له أن يمتنع عن الرد، ولا يصح الرجوع إلا بالتراضي أو\rبقضاء القاضي؛ لأن الرجوع فسخ للعقد. ولا يجوز الرجوع عند وجود أحد موانع الرجوع السبعة وهي (العوض، أو تقديم بدل عن الهبة، والزيادة المتصلة كالبناء والغرس، وتصرف الموهوب له في الموهوب، وموت أحد العاقدين، وهلاك الموهوب في يد الموهوب له أو استهلاكه، وكون الهبة من أجل الثواب من الله تعالى كالصدقة، أو من أجل صلة الرحم، أو صلة الزوجية) وهذه الحالات نص عليها القانون في المادة (470)، ونصت عليها المجلة في المواد (866-874).\rخامساً ـ تصرف المريض مرض الموت :\rاستقى التقنين المدني من الفقه الإسلامي أحكام بيع المريض مرض الموت (1) ، فاعتبر بيعه في حكم الوصية، كما اعتبر البيع لأحد الورثة بالمحاباة خاضعاً لأحكام الوصية. فلا يجوز بيع المريض مرض الموت محاباة إلا إذا أجازه الورثة إذا كان مقدار المحاباة يجاوز ثلث التركة، وإذا كان مديناً بدين مستغرق كان بيعه المشتمل على الغبن الفاحش موقوفاً على إجازة الدائنين. فإن لم يكن مديناً، وكان البيع بالمحاباة لغير الوارث أي بأقل من ثمن المثل نفذ بيعه من ثلث التركة. وإن لم يشتمل البيع على المحاباة بأن كان بثمن المثل صح البيع ونفذ.\rأما البيع لوارث ولو بثمن المثل أي بدون غبن فهو موقوف عند أبي حنيفة وفي المجلة على إجازة الورثة لتعلق حقهم بعين التركة.\rلكن هل للمريض مرض الموت التصرف لوارث في حدود ثلث التركة؟\r-------------------------------\r(1) الوسيط للسنهوري: ص46.","part":4,"page":743},{"id":2839,"text":"يلاحظ أن المادة (445) من القانون المدني السوري المتعلقة ببيع المريض مرض الموت منقولة عن القانون المدني المصري الذي يجيز بدوره الوصية للوارث ولغيره في حدود الثلث (في المادة 73 من قانون الوصية المصري) وتنفذ من غير إجازة الورثة خلافاً لما يقرره فقهاء المذاهب الأربعة وجمهور فقهاء المسلمين،\rولكن عملاً برأي بعض أئمة الشيعة الزيدية، وبعض أئمة الشيعة الإمامية (الجعفرية)، والإسماعيلية.\rوتنص هذه المادة (445) التي تعتبر المحاباة بحكم الوصية على ما يلي:\r« 1 - إذا باع المريض مرض الموت لوارث أو لغير وارث بثمن يقل عن قيمة المبيع وقت الموت فإن البيع يسري في حق الورثة، إذا كانت زيادة قيمةالمبيع على الثمن لا تتجاوز ثلث التركة داخلاً فيها المبيع ذاته.\r2 - إذا كانت هذه الزيادة تجاوز ثلث التركة، فإن البيع فيما يجاوز الثلث لا يسري في حق الورثة إلاإذا أقروه، أو رد المشتري للتركة ما بقي بتكملة الثلثين.\r3 - ويسري على بيع المريض مرض الموت أحكام المادة (877). وبناء على هذه المادة إذا كان البيع بالمحاباة خاضعاً لأحكام الوصية فإنه ينفذ من المريض مرض الموت إذا كانت زيادة قيمة المبيع على الثمن في حدود ثلث التركة» .\rوالدليل على أن تصرف المريض مرض الموت تطبق عليه أحكام الوصية هو ما نصت عليه المادة (877) التالي نصها:\r1 - كل عمل قانوني يصدر من شخص في مرض الموت، ويكون مقصوداً به التبرع، يعتبر تصرفاً مضافاً إلى ما بعد الموت، وتسري عليه أحكام الوصية أياً كانت التسمية التي تعطى لهذا التصرف.\r2 - وعلى ورثة من تصرف أن يثبتوا أن العمل القانوني قد صدر من مورثهم وهو في مرض الموت، ولهم إثبات ذلك بجميع الطرق، ولا يحتج على الورثة بتاريخ السند إذا لم يكن هذا التاريخ ثابتاً.","part":4,"page":744},{"id":2840,"text":"3 - وإذا أثبت الورثة أن التصرف صدر من مورثهم في مرض الموت، اعتبر التصرف صادراً على سبيل التبرع، ما لم يثبت من صدر له التصرف عكس ذلك. كل هذا ما لم توجد أحكام خاصة تخالفه. وبما أن الوصية خاضعة لأحكام الشريعة الإسلامي بنص المادة (876) من القانون السوري،فإن أحكام الشريعة المعمول بها في سورية خلافاً لمصر هي المقررة في قانون الأحوال الشخصية السوري الصادر عام ( 1953) والتي بموجبها لا تجوز الوصية لوارث. نصت المادة (238) من هذا القانون على ما يلي:\r« 1 - تنفذ الوصية لغير وارث بثلث ما يبقى من التركة بعد وفاء الدين من غير إجازة الورثة.\r2 - لا تنفذ للوارث ولا بما زاد على الثلث إلا إذا أجازها الورثة بعد وفاة الموصي، وكان المجيز كامل الأهلية.\r3 - لا تنفذ فيما يستغرقه دين إلا بإجازة الدائن الكامل الأهلية أو بسقوط الدين.\r4 - تنفذ وصية من لا دين عليه ولا وارث له بكل ما له من غير توقف على إجازة أحد» .\rيتبين مما ذكر أن النص الوارد في المادة (445) مدني سوري الذي يجيز للمريض البيع بالمحاباة للوارث في حدود ثلث التركة معطل المفعول، ويكون البيع موقوفاً على إجازة الورثة عملاً بمقتضى الأحوال الشخصية السوري الذي لا يجيز الوصية للوارث إلا بإجازة الورثة.\rهذا وقد نصت المجلة على أحكام بيع المريض في المواد (393-395) كما نصت المادة (1595) على تعريف مرض الموت بقولها:\r«مرض الموت: هو الذي يخاف فيه الموت في الأكثر، الذي يعجز المريض عن رؤية مصالحه الخارجة عن داره إن كان من الذكور، ويعجزه عن رؤية المصالح الداخلة في داره إن كان من الإناث، ويموت على ذلك الحال قبل مرور سنة، صاحب فراش كان أو لم يكن. وإن امتد مرضه دائماً على حال، ومضى عليه سنة يكون في حكم الصحيح، وتكون تصرفاته كتصرفات الصحيح، ما لم يشتد مرضه ويتغير حاله، ولكن لو اشتد مرضه وتغير حاله ومات يعد حاله من وقت التغير إلى الوفاة مرض موت» .","part":4,"page":745},{"id":2841,"text":"سادساً - أحكام متفرقة (الإبراء، مدة التقادم ) :\rاستمد القانون المدني طائفة من الأحكام في مناسبات مختلفة من الفقه الإسلامي، كانقضاء الالتزام دون الوفاء به، إما بالإبراء من الدين بإرادة الدائن وحده، وإما بالتقادم المسقط لمضي مدة خمس عشرة سنة في الحقوق الخاصة.\rهذا فضلاً عن أن كثيراً من الأحكام المقررة في القانون المدني يمكن تخريجها أو تسويغها بمبدأ من مبادئ الشريعة كالاستصلاح والاستحسان والعرف، أو حملها على مجموعة آراء فقهية من مذاهب مختلفة، كما أنه قد يكون لها شبه أو تطابق تام بينها وبين رأي فقهي معين. لكن مع كل ماسبق يظل القانون المدني السوري وأصله المصري غربي الطراز والتصور والأحكام، فلا يعفى المشرع من عودة حميدة لرياض الفقه الإسلامي الصالح لكل زمان ومكان.\rالإبراء: إسقاط الدائن ماله في ذمة المدين من دين كثمن مبيع أو دين قرض، ويترتب عليه انتهاء التزام الدين كله أوبعضه بحسب الإبراء، وتفرغ منه ذمته. وهو عند الحنفية لا يحتاج إلى قبول وإنما يصح بإرادة الدائن وحده، وإنما يرتد بالرد؛ لأنه من قبيل الإسقاط كالطلاق، والإسقاط لا يتوقف على القبول. نصت المادة (8651) من المجلة على أنه: «لايتوقف الإبراء على القبول. ولكن يكون بالرد مردوداً، لأنه إذا أبرأ أحد آخر فلا يشترط قبوله، ولكن إذا رد الإبراء في ذلك المجلس بقوله: لا أقبل، يكون ذلك الإبراء مردوداً يعني لا يبقى له حكم، لكن لورده بعد قبول الإبراء لا يكون الإبراء مردوداً. وأيضاً إذا أبرأ المحال له المحال عليه أو صاحب الطلب الكفيل، ورد ذلك المحال عليه أو الكفيل لا يكون الإبراء مردوداً» . و أخذ القانون المدني بمبدأ صحة الإبراء بإرادة الدائن وحده وهو المقرر في الفقه الحنفي. نصت المادة (369) منه على ما يأتي: «ينقضي الالتزام إذا أبرأ الدائن مدنيه مختاراً، ويتم الإبراء متى وصل إلى علم المدين، ويرتد برده» .","part":4,"page":746},{"id":2842,"text":"التقادم: لا يعتبر التقادم (أو مضي المدة ومرور الزمن أو وضع اليد) في الشريعة الإسلامية سبباً صحيحاً من أسباب كسب الحقوق أو إسقاطها ديانة إذ «لا يجوز لأحد أن يأخذ مال أحد بلا سبب شرعي» ولأن الحق أبدي لا يزول إلا بمسوغ شرعي مقبول. وإنما التقادم ما نع فقط للقاضي من سماع الدعوى بالحق القديم الذي أهمل صاحبه الادعاء به زمناً طويلاً معيناً بلا عذر. وذلك للشك في أصل الحق وفي إثباته بعد هذه المدة الطويلة، وحماية لمبدأ الاستقرار في الأوضاع الحقوقية، وتجنباً لإثارة المشكلات في الإثبات ونحوه؛ لأن القضاء في الإسلام مظهر للحق لا مثبت له، والحقوق الثابتة لا يؤثر فيها ديانة مرور الزمان وتقادم العهد. إلا أن القضاء مع هذا يقبل التخصيص بالزمان والمكان والخصومة، ويقبل التعليق بالشرط. وبناء عليه يصح للدولة منع القاضي من سماع دعوى على شخص مضى على وضع يده خمس عشر سنة مثلاً، فيعتبر قضاؤه بعدئذ غير نافذ (1) .\rويمكن تسويغ ذلك بنظرية المصالح المرسلة التي تجيز للحاكم اتخاذ التدابير القضائية المناسبة لإقرار الحقوق والاهتمام بها، وإبعاد القضاء عن المشكلات المعقدة في إثبات حقوق قديمة. وهذا المعنى هو أساس الأخذ بفكرة التقادم قانوناً، فإن القانونيين قالوا: إن التقادم يقوم على أساس اعتبارات ذات طابع عام أي متصلة بالصالح العام للمجتمع كله، لا على أساس اعتبارات فردية، فالضرورات الاجتماعية هي التي أدت إلى إقرار هذا النظام.\rأخذ القانون من الفقه الإسلامي تقدير مدة التقادم المسقط،حيث نصت المادة (372) مدني سوري على أنه «يتقادم الالتزام بانقضاء خمس عشرة سنة فيما عدا الحالات التي ورد عنها نص خاص في القانون، وفيما عدا الاستثناءات التالية» .\rوكذلك في التقادم المكسب نصت المادة (919) على ما يلي:\r-------------------------------\r(1) راجع كتابنا نظرية الضمان :ص 101.","part":4,"page":747},{"id":2843,"text":"« يُكتسب حق تسجيل التصرف في الأراضي الأميرية غير الخاضعة لإدارة أملاك الدولة، بمرور عشر سنوات من تاريخ الحيازة بسند أو بغير سند، بشرط أن يكون الحائز قائماً بزراعة الأرض» .\rوتقدير المدة في الحالتين مأخوذ من الفقه الإسلامي، حيث ذكر الفقهاء أن التقادم يسري على الحقوق الخاصة، ومدته العادية خمس عشرة سنة، فإذا مرت مروراً معتبراً دون ادعاء بالمال من قبل صاحبه لا تسمع دعواه بعدها (1) .\rوأما الأموال العامة فلا تسمع الدعوى فيها بعد مضي ( 33 ) سنة في الوقف والإرث، وبعد ( 36 ) سنة في أموال بيت المال، وبعد عشر سنوات في الأراضي الأميرية.\rوأما المجلة فأخذت في المادة (1662) بمدة (15) سنة في جميع الحقوق غير الوقف فهي (36) سنة، والأراضي الأميرية فهي عشر سنين.\rوتبتدئ المدة من وقت ظهور واضع اليد على الشيء بمظهر المالك لها، وعدم المانع الشرعي من إقامة دعواه كالصغر والجنون والعته. وهذا ما نصت عليه المادة (1663) من المجلة.\rكما نصت المادة (379) على حالات وقف التقادم بقولها: «1 - لا يسري التقادم كلما وجد مانع يتعذر معه على الدائن أن يطالب بحقه، ولو كان المانع أدبياً، وكذلك لايسري التقادم فيما بين الأصيل والنائب.\r2 - ولا يسري التقادم الذي تزيد مدته على خمس سنوات في حق من لا تتوافر فيه الأهلية أو في حق الغائب، أو في حق المحكوم عليه بعقوبة جنائية إذا لم يكن له نائب يمثله قانوناً» .\r-------------------------------\r(1) المدخل إلى نظرية الالتزام في الفقه للأستاذ مصطفى الزرقاء: ف 156 ص 230.","part":4,"page":748},{"id":2844,"text":"خاتمة\rفي آخر هذا البحث أؤكد ضرورة العودة إلى تطبيق الشريعة الإسلامية واستمداد القوانين منها، ما دمنا نعمنا ولله الحمد بالاستقلال، وقد أوضحت هذا القسم من الأحكام الذي استمده القانون المدني من الفقه ليكون عنواناً مشرقاً وبرهاناً ساطعاً على أن في شريعتنا الغراء كنوزاً خالدة لا تحتاج إلا إلى صياغة جديدة بروح العصر ومفاهيمه على منوال التقنينات الجديدة.\rقال الدكتور السنهوري: على أننا لا نريد بتقليد التقنينات الحديثة أن نذهب في ذلك إلى مدى أبعد مما ينبغي. وإذا كنا نقول بالاستفادة دون تحفظ من التقنينات الغربية من ناحية الشكل والصياغة، ففي المادة والموضوع نتحفظ كثيراً في هذا القول.\rثم علق على قرار وزارة العدل العراقية باتخاذ الشريعة الإسلامية أساساً للتقنين قبل صدوره، فقال: ولما كان القرار خطيراً، وهو يؤذن بعهد جديد للفقه الإسلامي، يجاري فيه الزمن، ويساير التطور، كان من الواجب أن نقف عنده حتى نمعن في مراميه.\rفأول أثر لهذا القرار أن يرد لهذه الشريعة السمحاء مكانتها بعد أن كادت تضيع، فقد رأينا أن البلاد الشرقية ( أي العربية شرق المتوسط ) التي راجعت تقنيناتها المدنية عدلت عن الشريعة الإسلامية إلى القوانين الغربية، وبقيت القاعدة مطردة من النصف الثاني للقرن التاسع عشر إلى الوقت الحاضر، فمصر تلتها تونس ومراكش وتركيا ولبنان، وكل هذه بلاد كانت تطبق الشريعة الإسلامية. ثم أعادت النظر في تقنيناتها، فقلبتها رأساً على عقب، إما باختيارها أو تحت تأثير نفوذ سياسي،وهجرت الشريعة الإسلامية إلى القوانين الغربية. أما العراق فهو أول بلد عربي اعتز بتراث أجداده، وحرص عليه من الضياع. فالعراق يرفع صوته عالياً بأن الشريعة الإسلامية لا تزال نظاماً قانونياً حياً صالحاً للتطبيق، وليس لسائر الأقطار العربية إلا أن تقتفي أثر العراق.","part":4,"page":749},{"id":2845,"text":"وهناك فرق جوهري بين أن نجعل مصدر الأحكام الصالحة التقنينات الغربية، وبين أن نجعل مصدرها الشريعة الإسلامية، ففي الحالة الأولى نكون قد قطعنا كل صلة بالقديم، وبدأنا حياة قانونية جديدة، نكون فيها عالة على فقه الغرب وجهوده، نأخذ منه ولا نعطيه. أما في الحالة الثانية فنكون قد احتفظنا بصلة الماضي، وجعلنا من هذه الصلة أساساً يقوم عليه المستقبل، واحتفظنا باستقلالنا القانوني، فلا نكون عالة على فقه الغرب، وفي الوقت ذاته نكون قد استفدنا من هذا الفقه إلى أبعد مدى، إذ تصبح الأحكام التي اخترناها وخرَّجناها على أحكام الشريعة الإسلامية متفقة مع أحدث الأحكام القانونية الغربية وأرقاها (1) .\rانتهى الجزء الرابع\rويليه الجزء الخامس ـ العقود (التصرفات المدنية المالية )\r-------------------------------\r(1) راجع مقال الدكتور السنهوري في مجلة المحامين بدمشق، العددان السادس والسابع، من السنة الأولى: ص 505-508.","part":4,"page":750},{"id":2846,"text":".......................................الفِقْهُ الإسلاميُّ وأدلَّتُهُ...............................\r..........................................الجزء الخامس....................................\rالقسْمُ الثَّالثُ: العقودُ أو التَّصرّفات المدنيَّة الماليَّة\rوبحثها في ثمانية عشر فصلاً:\r1 -البيع وأنواعه (السلم، والاستصناع، الصرف، الجزاف، الربا، بيوع الأمانة: المرابحة، والتولية والوضيعة، الإقالة).\r2 - القرض\r3 - الإيجار\r4 - الجعالة\r5 - الشركة\r6 - الهبة\r7 - الإيداع\r8 - الإعارة\r9 - الوكالة\r10 - الكفالة\r11 - الحوالة\r12 - الرهن\r13 - الصلح\rويلحق بها فصول خمسة في الإبراء والاستحقاق والمقاصة والإكراه والحجر، وأما باقي العقود فالكلام عنها في بحث الملكية والأحوال الشخصية، فتكون العقود المشروعة في الشريعة الإسلامية واحداً وعشرين عقداً.\rالفَصْلُ الأوَّل: عَقْدُ البَيعِ\rخطة الموضوع :\rنظراً لتعدد أنواع البيع وأهميتها بحيث يكون كل منها وضعاً قائماً بذاته نرى الفقهاء يترجمون لعقد البيع بعنوان ( كتاب البيوع ) بصيغة الجمع (1) . وقد آثرت العنوان بعقد البيع تمشياً مع صنيع شراح القانون المدني؛ لأن إضافة كلمة (عقد) إلى ( البيع ) تفيد العموم، لقول النحويين: إنه مفرد مضاف فيعم. والكلام عن عقد البيع يتناول المباحث الستة الآتية:\rالمبحث الأول - في تكوين عقد البيع.\rالمبحث الثاني - شروط البيع.\rالمبحث الثالث - حكم البيع والكلام في المبيع والثمن.\rالمبحث الرابع - البيع الباطل والبيع الفاسد.\rالمبحث الخامس - الخيارات.\rالمبحث السادس- أنواع البيع:\r1 - السلم أو السلف\r2 - الاستصناع\r3 - الصرف\r4 - بيع الجزاف\r5 -الربا\r6 -بيوع الأمانة (المرابحة والتولية والوضيعة)\r7 - الإقالة\r-------------------------------\r(1) عقد البيع للأستاذ مصطفى أحمد الزرقاء: ص 5،21.","part":5,"page":1},{"id":2847,"text":"المبحث الأول - تكوين عقد البيع\rوفيه مطلبان:\rالمطلب الأول - تعريف البيع ومشروعيته وآدابه\rالمطلب الثاني - ركن البيع أو كيفية انعقاده\rالمطلب الأول - تعريف البيع ومشروعيته وآدابه :\rتعريف البيع :\rالبيع لغة: مقابلة شيء بشيء، وهو من أسماء الأ ضداد أي التي تطلق على الشيء وعلى ضده، مثل الشراء (1) كما في قوله تعالى: {وشروه بثمن بخس} [يوسف:20/12] أي باعوه، وقوله سبحانه: {ولبئس ما شروا به أنفسهم} [البقرة:102/2] ويقال لكل من المتعاقدين: بائع وبيّع، ومشتر وشار.\r-------------------------------\r(1) ومثل القرء والجون: يطلق على الشيء وضده. قال المعلِّق على نيل الأوطار: 5 ص142: للبيع تفسير لغة وشرعاً وركن وشرط ومحل وحكم وحكمة. أما معناه لغة: فمطلق المبادلة، وهو والشراء ضدان، ويطلق البيع على الشراء أيضاً، فلفظ البيع والشراء يطلق كل منهما على مايطلق عليه الآخر، فهما من الألفاظ المشتركة بين المعاني المتضادة. وشرعاً هو مبادلة مال بمال على سبيل التراضي. ثم قال: وأما ركنه فإيجاب وقبول. وأما شرطه: فأهلية العاقدين. وأما محله فهو المال. وأما حكمه: فهو ثبوت الملك للمشتري في المبيع، وللبائع في الثمن إذا كان تاماً، وعند الإجازة إذا كان موقوفاً، وأما حكمته على ماذكر الحافظ ابن حجر في فتح الباري: أن حاجة الإنسان تتعلق بما في يد صاحبه غالباً، وصاحبه قد لايبذله، ففي شرعيةالبيع وسيلة إلى بلوغ الغرض من غير حرج. ثم ذكر صاحب التعليق حكماً أخرى.","part":5,"page":2},{"id":2848,"text":"واصطلاحاً عند الحنفية: مبادلة مال بمال على وجه مخصوص أو هو مبادلة شيء مرغوب فيه بمثله على وجه مفيد مخصوص أي بإيجاب أو تعاطٍ. وخرج بقيد: (مفيد) ما لا يفيد كبيع درهم بدرهم. وغير المرغوب: مثل الميتة والدم والتراب (1) .\rوقال النووي في المجموع: البيع: مقابلة مال بمال تمليكاً (2) .\rوعرفه ابن قدامة في المغني (3) : مبادلة المال بالمال تمليكاً وتملكاً.\rوهو مشتق من الباع؛ لأن كل واحد من المتعاقدين يمد باعه للأخذ والإعطاء، ويحتمل أن كل واحد منهما كان يبايع صاحبه، أي يصافحه عند البيع، فسمي البيع صفقة (4) .\rوالمراد بالمال عند الحنفية: ما يميل إليه الطبع ويمكن ادخاره لوقت الحاجة، والمالية تثبت بتمول الناس كافة أو بعضهم. وقد انتقد الأستاذ الزرقاء هذا التعريف، واستبدل به تعريفاً آخر، فقال: المال هو كل عين ذات قيمة مادية بين الناس (5) . وعليه لا تعتبر المنافع والحقوق المحضة ما لاً عند الحنفية. أما جمهور الفقهاء فقد اعتبروها مالاً متقوماً؛ لأن المقصود من الأعيان منافعها.\rوالمقصود من البيع هنا: هو العقد المركب من الإيجاب والقبول.\rمشروعية البيع :\rالبيع جائز بأدلة من القرآن والسنة والإجماع (6) .\rأما القرآن: فقوله تعالى: {وأحل الله البيع} [البقرة:2/275] وقوله سبحانه: {وأشهدوا إذا تبايعتم} [البقرة:282/2] وقوله عز وجل: {إلا أن تكون تجارة عن تراضٍ منكم} [النساء:29/4] وقوله جل جلاله: {ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلاً من ربكم} [البقرة:198/2].\rوأما السنة فأحاديث، منها: سئل النبي صلّى الله عليه وسلم : أي الكسب أطيب؟ فقال: «عمل الرجل بيده، وكل بيع مبرور» (7) أي لا غش فيه ولا خيانة، ومنها حديث: «إنما البيع عن تراض» (8) وقد بعث الرسول صلّى الله عليه وسلم والناس يتبايعون فأقرهم عليه،\r-------------------------------\r(1) البدائع: 5 ص133، فتح القدير: 5 ص73، حاشية ابن عابدين: 4 ص3 ومابعدها.\r(2) مغني المحتاج: 2 ص2.\r(3) انظر ج3 ص 559.\r(4) المرجع السابق.\r(5) راجع المدخل إلى نظرية الالتزام العامة في الفقه الإسلامي له: ص 114-118.\r(6) المراجع السابقة، المبسوط: 2 ص 108، المهذب: 1 ص257.\r(7) رواه البزار وصححه الحاكم عن رفاعة بن رافع، وذكره ابن حجر في التلخيص الحبير عن رافع بن خديج وعزاه لأحمد، وذكره السيوطي في الجامع الصغير عن رافع ( سبل السلام: 3 ص4 ).\r(8) هذا حديث طويل رواه البيهقي وابن ماجه وصححه ابن حبان عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم قال: « لألقين الله من قبل أن أعطي أحداً من مال أحد شيئاً بغير طيب نفسه، إنما البيع عن تراض» ورواه عبد الرزاق في الجامع عن عبد الله بن أبي أوفى بلفظ: « البيع عن تراض والتخيير بعد صفقة» الجامع عن عبد الله بن أبي أوفى بلفظ: « البيع عن تراض والتخيير بعد صفقة» ( الجامع الصغير: 1ص102، كنز الدقائق: 2ص212، شرح المجموع للنووي: 9 ص158) وروى الترمذي وأبو داود عن أبي هريرة حديثاً بمعناه بلفظ «لايفترق اثنان إلا عن تراض» ( جامع الأصول: 2ص9، مجموع الزوائد: 4 ص100).","part":5,"page":3},{"id":2849,"text":"وقال: « التاجر الصدوق الأمين مع النبيين، والصديقين، والشهداء» قال الترمذي: «هذا حديث حسن» .\rوأجمع المسلمون على جواز البيع، والحكمة تقتضيه؛ لأن حاجة الإنسان تتعلق بما في يد صاحبه، وصاحبه لا يبذله بغير عوض، ففي تشريع البيع طريق إلى تحقيق كل واحد غرضه ودفع حاجته، والإنسان مدني بالطبع، لايستطيع العيش بدون التعاون مع الآخرين.\rوالأصل في البيوع الإباحة، قال الإمام الشافعي: «فأصل البيوع كلها مباح إذا كانت برضا المتبايعين الجائزي الأمر فيما تبايعا، إلا ما نهى عنه رسول الله صلّى الله عليه وسلم منها، وما كان في معنى ما نهى عنه رسول الله صلّى الله عليه وسلم محرم بإذنه داخل في المعنى المنهي عنه، وما فارق ذلك أبحناه بماوصفنا من إباحة البيع في كتاب الله تعالى» أي في قوله سبحانه: {وأحل الله البيع} [البقرة:275/2] وقوله: {إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم} [النساء:29/4].","part":5,"page":4},{"id":2850,"text":"آداب البيع: للبيع آداب كثيرة منها:\r1 - عدم المغالاة في الربح: إن الغبن الفاحش في الدنيا ممنوع بإجماع الشرائع، إذ هو من باب الخداع المحرَّم شرعاً في كل ملة، لكن اليسير منه الذي لا يمكن الاحتراز عنه لأحد أمر جائز، إذ لو حكمنا برده ما نفذ بيع أبداً، لأنه لا يخلو منه بيع عادة. فإن كان الغبن كثيراً أمكن الاحتراز منه، فوجب رد البيع به. وقدر علماء المالكية الغبن الكثير بالثلث فأكثر؛ لأنه المشروع في الوصية وغيرها (1) ، فيكون الربح الطيب المبارك فيه ما كان بقدر الثلث فأكثر.\r2 - صدق المعاملة: بأن يصف البضاعة بوصفها الحقيقي، دون كذب في الإخبار عن نوعها وجنسها ومصدرها وتكاليفها، أخرج الترمذي عن رفاعة حديثاً: «إن التجار يبعثون يوم القيامة فجّاراً إلا من اتقى الله وبرَّ وصَدَق» والبر: الإحسان في المعاملة. وأخرج الترمذي الحديث السابق عن الخدري: «التاجر الصدوق..» .\r3 - السماحة في المعاملة: بأن يتساهل البائع في الثمن فينقص منه، والمشتري في المبيع فلا يتشدد في شروط البيع ويزيد في الثمن، أخرج البخاري عن جابر حديثاً: «رحم الله رجلاً سمحاً إذا باع، وإذا اشترى، وإذا اقتضى بدينه» أي طالب به.\r4 - اجتناب الحلف ولو كان التاجرصادقاً: يندب الامتناع عن الحلف بالله مطلقاً في البيع، لأنه امتحان لا سم الله تعالى، قال سبحانه: «ولا تجعلوا عرضة لأيمانكم أن تبروا وتتقوا وتصلحوا بين الناس» وأخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة حديثاً: «الحلف مَنْفَقة للسلعة، مَمْحَقة للبركة» .\r5 - كثرة الصدقات: يندب للتاجر كثرة التصدق تكفيراً لما يقع فيه من حلف أوغش أو كتمان عيب أو غبن في السعر أو سوء خلق ونحو ذلك، أخرج الترمذي وأبو داود وابن ماجه عن قيس بن أبي غرزة حديثاً: «يا معشر التجار، إن الشيطان والإثم يحضران البيع، فشوبوا بيعكم بالصدقة» .\r-------------------------------\r(1) أحكام القرآن لابن العربي 1804/4.","part":5,"page":5},{"id":2851,"text":"6 - كتابة الدين والإشهاد عليه: تستحب كتابة العقد ومقدار الدين المؤجل، ويندب الإشهاد على البيع نسيئةً (لأجل) وعلى كتابة الدين، لقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه} .. {واستشهدوا شهيدين من رجالكم} [البقرة:2/282].\rالمطلب الثاني - ركن البيع أو كيفية انعقاده\rركن (1) البيع عند الحنفية: هو الإيجاب والقبول الدالان على التبادل أو ما يقوم مقامهما من التعاطي. فركنه بعبارة أخرى: الفعل الدال على الرضا بتبادل الملكين من قول أو فعل (2) ، وهذا قولهم في العقود.\rوللبيع عند الجمهور أركان أربعة: وهي البائع والمشتري والصيغة والمعقود عليه وهذا رأيهم في كل العقود.\rوالإيجاب عند الحنفية: إثبات الفعل الخاص الدال على الرضا الواقع أولاً من كلام أحد المتعاقدين، سواء وقع من البائع كبعت، أو من المشتري كأن يبتدئ المشتري فيقول: اشتريت بكذا.\rوالقبول: ما ذكر ثانياً من كلام أحد المتعاقدين (3) . فالمعتبر إذن أولية الصدور وثانويته فقط سواء أكان من جهة البائع أم من جهة المشتري.\rوعند الجمهور: الإيجاب: هو ما صدر ممن يكون منه التمليك وإن جاء متأخراً. والقبول: هو ما صدر ممن يصير له الملك وإن صدر أولاً (4) .\rوأركان البيع عند الجمهور غير الحنفية ثلاثة أو أربعة (5) : عاقد (بائع ومشتر) ومعقود عليه (ثمن ومثمن) وصيغة (إيجاب وقبول).\r-------------------------------\r(1) الركن عند الحنفية: هو مايتوقف عليه وجود الشيء وكان جزءاً منه، وعند الجمهور: هو مايتوقف عليه وجود الشيء وتصوره في العقل سواء أكان جزءاً منه، أم كان مختصاً به وليس جزءاً منه. وأما الشرط فهو مايتوقف عليه وجود الشيء وليس جزءاً منه.\r(2) فتح القدير: 5 ص 74، البدائع: 5 ص 133، حاشية ابن عابدين: 4ص 5 ومابعدها.\r(3) المراجع السابقة.\r(4) شرح المنهج للشيخ زكريا الأنصاري: 2 ص 180 ومابعدها، كشاف القناع: 2 ص 3.\r(5) الشرح الكبير: 2/3، مغني المحتاج: 3/2، كشاف القناع: 135/3.","part":5,"page":6},{"id":2852,"text":"والكلام في الإيجاب والقبول في موضعين:\rأحدهما ـ في صيغة الإيجاب والقبول.\rوالثاني ـ في صفة الإيجاب والقبول.\r1 - صيغة الإيجاب والقبول\rصيغة العقد: هي صورته التي يقوم بها من إيجاب وقبول إن كان العقد التزاماً بين طرفين، أو إيجاب فقط إن كان التزاماً من جانب واحد.\rاتفقت الشرائع على أن مدار وجود العقد وتحققه هو صدور ما يدل على التراضي من كلا الجانبين بإنشاء التزام بينهما. وهذا هو ما يعرف عند العلماء (بصيغة العقد) وهو ما يسمى عند القانونيين ( التعبير عن الإرادة ) ويشترط في صيغة العقد أن يكون صدورها من المتعاقدين بطريق يعتبره الشارع، وطريق اعتبار الشارع عند الحنفية: هو أن البيع ينعقد بكل لفظ يدل على التراضي بتبادل الملك في الأموال بحسب عرف الناس وعاداتهم (1) .\rفقالوا (2) : ينعقد البيع بصيغة الماضي مثل: بعت، واشتريت. وبصيغة الحال مع النية مثل: أبيع وأشتري.\rأما البيع بلفظ الاستدعاء الذي يعبر به عن المستقبل، فلا ينعقد به البيع عند الحنفية كأن يقول: ( بعني أو اشتر مني ) ما لم يقل المشتري مرة ثانية في المثال الأول: اشتريت، وفي المثال الثاني: يقول البائع ثانية: ( بعت ) لأن طالب البيع أو الشراء وهو المستدعي، ينسب إلى الغش والتدليس في العادة، فربما فهم الناس منه أنه لو لم يكن في البيع عيب، لما كان يسأل غيره في أخذه، وإنما غيره هو الذي يطلبه، كما هو المعروف في الأسواق، ثم إنه لو تأخر القبول عن الإيجاب لم يصح به البيع، فلم يصح إذا تقدم، ولأنه عقد خلا عن القبول، فلم ينعقد كما لو لم يطلب البيع أو الشراء.\r-------------------------------\r(1) أصول البيوع الممنوعة في الشريعة والقانون للأستاذ الشيخ عبد السميع إمام: ص (16، 18).\r(2) البدائع: 133/5 .","part":5,"page":7},{"id":2853,"text":"الفرق بين البيع والزواج: البيع بخلاف عقد النكاح، فإنه يصح بلفظ الاستدعاء، مثل أن يقول: ( زوجني ) لأنه في هذه الحالة يكون قوله: ( زوجني ) توكيلاً بالزواج، فإن زوجه امتثل أمره، ولبى طلبه فيكون المزّوج ولياً من طرف ووكيلاً من طرف، والشخص الواحد: يتولى طرفي عقد النكاح، بخلاف البيع، فإنه لا يجوز أن يتولى الواحد طرفي العقد في البيع إلا الأب يشتري مال ابنه لنفسه أو يبيع ماله منه، وكذلك الوصي عند أبي حنيفة إذا اشترى لليتيم من نفسه أو لنفسه منه.\rوهناك فرق آخر بين البيع والنكاح: وهو أن لفظ الأمر للمساومة حقيقة، فلا تكون صيغته إيجاباً وقبولاً حقيقة، بل هي طلب الإيجاب والقبول، فلا بد للإيجاب والقبول من لفظ آخر يدل عليهما، ولا يمكن حمل هذه الصيغة على المساومة في النكاح؛ لأن المساومة لا توجد فيه عادة؛ لأنه مبني على مقدمة الخطبة، فتحمل هذه الصيغة على الإيجاب والقبول. أما البيع فلا يكون مسبوقاً بمثل ذلك، فكان الأمر فيه مساومة، عملاً بحقيقة لفظ الأمر، ولا يعدل عن الحقيقة إلى شيء آخر إلا بدليل، ولم يوجد في البيع، بخلاف النكاح كما تقدم.\rوالخلاصة: أن صيغة البيع عند الحنفية إما أن تكون بلفظين من غير نية، وذلك بصيغة الماضي، مثل بعت واشتريت، وهذه الصيغة وإن كانت للماضي وضعاً، لكنها جعلت إيجاباً للحال في عرف أهل اللغة والشرع، والعرف قاض على اللغة. أو بلفظين مع النية للحال، وذلك بصيغة المضارع؛ لأن المضارع يحتمل الحال أو الاستقبال، فتكون النية لدفع المحتمل: وهو أن يراد الوعد بالبيع في المستقبل، فتكون نية الإيجاب للحال مانعة من إرادة المستقبل.","part":5,"page":8},{"id":2854,"text":"أو بثلاثة ألفاظ، وذلك بلفظ الاستفهام: بأن قال المشتري:( أتبيع مني هذا الشيء؟ ) أو بلفظ الأمر بأن قال البائع: ( اشتر مني هذا الثوب ) أو قال المشتري: ( بع مني هذا الثوب ) لا ينعقد في هذه الأمثلة ما لم ينضم إليها لفظ ثالث، فيقول المشتري في المثال الأول: ( اشتريت ) لأن لفظ الاستفهام لا يستعمل للحال حقيقة، ويقول البائع في المثال الثاني: ( بعت ) ويقول المشتري في المثال الثالث: (اشتريت).\rوعلى هذا، لا يصح أصلاً البيع بلفظ الأمر مجرداً سواء نوى، أو لم ينو إلا إذا دل على الحال مثل: (خذه بكذا) كما لا يصح أصلاً بالمضارع المقترن بالسين أو سوف، مثل: (سأبيعك) لأن ذكر السين يناقض إرادة الحال (1) .\rوقال المالكية، والشافعية في الأظهر، والحنابلة: ينعقد العقد سواء أكان بيعاً أم نكاحاً بلفظ الاستدعاء مثل: «بعني» أو «اشتر مني» فيقول الآخر: «بعت» أو «اشتريت» لأن أساس العقد هو التراضي، ولفظ الإيجاب والقبول وجد منهما على وجه تحصل منه الدلالة على تراضيهما به عرفاً، فصح كما لو تقدم الإيجاب، وبه يحصل الغرض بكون المستدعي بائعاً أو مشترياً (2) .\rبيع المعاطاة :\rبيع المعاطاة أو بيع المراوضة: هو أن يتفق المتعاقدان على ثمن ومثمن، ويعطيا من غير إيجاب ولا قبول، وقد يوجد لفظ من أحدهما.\rمثل: أن يأخذ المشتري المبيع، ويدفع للبائع الثمن، أو يدفع البائع المبيع، فيدفع له الآخر ثمنه من غير تكلم ولا إشارة، سواء أكان المبيع حقيراً أم نفيساً. وقد اختلف الفقهاء في حكمه.\r-------------------------------\r(1) البدائع: 5 ص 133 ومابعدها، فتح القدير مع العناية: 5 ص 75 ومابعدها، حاشية ابن عابدين: 4ص9 ومابعدها.\r(2) بداية المجتهد: 2 ص 168، حاشية الدسوقي: 3 ص 3، الميزان: 2 ص 63، مغني المحتاج: 2ص4، المغني: 3 ص 560، كشاف القناع: 136/3.","part":5,"page":9},{"id":2855,"text":"فقال الحنفية والمالكية والحنابلة في الأرجح عندهم: يصح بيع المعاطاة متى كان هذا معتاداً دالاً على الرضا ومعبراً تماماً عن إرادة كل من المتعاقدين، والبيع يصح بكل ما يدل على الرضا، ولأن الناس يتبايعون في أسواقهم بالمعاطاة في كل عصر، ولم ينقل إنكاره عن أحد، فكان ذلك إجماعاً، فالقرينة كافية هنا في الدلالة على الرضا (1) .\rوقال الشافعية: يشترط أن يقع العقد بالألفاظ الصريحة أو الكنائية، بالإيجاب والقبول، فلا يصح بيع المعاطاة، سواء أكان المبيع نفيساً أم حقيراً؛ لأن الرسول عليه الصلاة والسلام قال: «إنما البيع عن تراض» (2) والرضا أمر خفي، فاعتبر ما يدل عليه من اللفظ، لا سيما عند إثبات العقد حالة التنازع، فلا تقبل شهادة الشهود لدى الحاكم إلا بما سمعوه من اللفظ.\rوقد اختار جماعة من الشافعية منهم النووي والبغوي والمتولي صحة انعقاد بيع المعاطاة في كل ما يعده الناس بها بيعاً، لأنه لم يثبت اشتراط لفظ، فيرجع للعرف كسائر الألفاظ المطلقة، قال النووي: وهذا هو المختار للفتوى. وبعض الشافعية كابن سريج والروياني خصص جواز بيع المعاطاة بالمحقرات أي غير النفيسة: وهي ما جرت العادة فيها بالمعاطاة كرطل خبز وحزمة بقل\r-------------------------------\r(1) البدائع: 5 ص 134، فتح القدير: 5 ص 77، بداية المجتهد: 2 ص 161، المغني: 3 ص 561.\r(2) صححه ابن حبان.","part":5,"page":10},{"id":2856,"text":"ونحوها (1) .\rويلاحظ أن الفقهاء أجمعوا على أن الزواج لا ينعقد بالفعل، بل لا بد من القول للقادر عليه لخطره، فكان لا بد من الاحتياط له، وإتمامه بأقوى الدلالات على الإرادة: وهو القول.\r2 - صفة الإيجاب والقبول ـ الكلام في خيار المجلس :\rلا يكون كل من الإيجاب والقبول لازماً قبل وجود الآخر، فإذا وجد أحدهما لا يلزم قبل وجود الشطر الآخر، ويكون لكل من المتعاقدين حينئذ خيار القبول والرجوع، فإذا تم الإيجاب والقبول، فهل يكون لأحد العاقدين في مجلس العقد خيار الرجوع؟\rاختلف العلماء فيه.\rفقال الحنفية والمالكية والفقهاء السبعة بالمدينة (2) : يلزم العقد بالإيجاب والقبول؛ لأن البيع عقد معاوضة، يلزم بمجرد تمام لفظ البيع والشراء، ولا يحتاج إلى خيار مجلس، ولقول عمر رضي الله عنه: «البيع صفقة أو خيار» .\rوقالوا عن حديث «البيِّعان بالخيار ما لم يتفرقا» : المراد بالمتبايعين: هما المتساومان والمتشاغلان بأمر البيع، والمراد بالتفرق التفرق بالأقوال: وهو أن يقول الآخر بعد الإيجاب: لا أشتري، أو يرجع الموجب قبل القبول، فالخيار قبل القبول ثابت. ورد بعضهم هذا الحديث لمعارضته لآية {إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم} [النساء:29/4] وآية {أوفوا بالعقود} [المائدة:1/5] وقال بعضهم: إنه منسوخ.\rيظهر من هذا أن خيار المجلس مقصور عند هؤلاء على ما قبل تمام العقد، فإذا أوجب أحد المتعاقدين، فالآخر بالخيار: إن شاء قبل في المجلس، وإن شاء رد، وهذا هو خيار القبول (3) وخيار الرجوع.\rوقال الشافعية والحنابلة وسفيان الثوري وإسحاق: إذا انعقد البيع بتلاقي الإيجاب والقبول، يقع العقد جائزاً أي غير لازم، ما دام المتعاقدان في المجلس، ويكون لكل من المتبايعين الخيار في فسخ البيع أو إمضائه ما دام مجتمعين لم يتفرقا أو يتخايرا، والمحكَّم في التفرق: العرف (4) : وهو أن يتفرقا عن مقامهما الذي تبايعا فيه.\r-------------------------------\r(1) مغني المحتاج: 2 ص 3 ومابعدها، المهذب: 1 ص 257، الأشباه والنظائر للسيوطي: ص 89، ط التجارية.\r(2) فقهاء المدينة السبعة هم: سعيد بن المسيب ( توفي 94 هـ )، عروة بن الزبير ( 94 هـ )، القاسم بن محمد ( 106هـ )، أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام (94هـ )، عبيد الله بن عتبة بن مسعود (98هـ )، سليمان بن يسار (107هـ )، خارجة بن زيد بن ثابت (99هـ).\r(3) البدائع: 5 ص 134، فتح القدير: 5 ص 78، بداية المجتهد: 2 ص 169 ومابعدها، حاشية الدسوقي: 3 ص 81،المنتقى على الموطأ: 5 ص 55، القوانين الفقهية: ص 274، كشاف القناع: 187/3، ط مكة.\r(4) مغني المحتاج: 2 ص 43، 45، المغني: 3 ص 563، المهذب: 1 ص 257. قال بعض الحنابلة: يختلف العرف في التفرق باختلاف مواضع البيع: : ففي فضاء واسع أو سوق : يكون التفرق بمشي أحد العاقدين مستدبراً لصاحبه خطوات بحيث لا يسمع كلامه المعتاد ، وفي السفينة بصعود أحدهما لأعلاها ، أونزوله لأسفلها ، وفي قارب صغير بخروج أحدهما منه ويمشي ، وفي دار كبيرة بخروجه من بيت أو مجلس لآخر ، وفي دار صغيرة بصعود أحدهما السطح أو خروجه منها . ولا يحصل التفرق ببناء حائط بين العاقدين ، ولا إن ناما أو مشيا جميعاً ( راجع غاية المنتهى : 2 ص 30 ) .","part":5,"page":11},{"id":2857,"text":"والمراد به التفرق بالأبدان، وهو التفرق حقيقة. وهو الذي يكون لذكره في الحديث فائدة، لأنه معلوم لكل واحد أن المتعاقدين بالخيار إذا لم يقع بينهما عقد بالقول.\rوهذا هو خيار المجلس الثابت في أنواع البيع، لما روى الشيخان أنه صلّى الله عليه وسلم قال: «البيِّعان بالخيار، ما لم يتفرقا، أو يقول أحدهما للآخر: اختر» (1) أي اختر اللزوم. قال ابن رشد: وهذا حديث إسناده عند الجميع من أوثق الأسانيد، وأصحها. وقد أثبت ابن حزم في المحلى تواتره.\rو ردوا على المالكية والحنفية بأن اللفظ الوارد في هذا الحديث لا يحتمل ما قالوه (أي التفرق بالأقوال) إذ ليس بين المتبايعين تفرق بلفظ ولا اعتقاد، إنما بينهما اتفاق على الثمن والمبيع، بعد الاختلاف فيهما. وتأويلهم يبطل فائدة الحديث، لأنه من المعلوم أنهما بالخيار قبل العقد في إنشائه، وإتمامه، أو تركه، ومعنى قول عمر السابق: «البيع صفقة أو خيار» هو أن البيع ينقسم إلى بيع شرط فيه الخيار، وبيع لم يشترط فيه الخيار، وقد سماه صفقة لقصر مدة الخيار فيه.\rإلا أنه أخذ على هذا الرأي كونه يهدر أو يزعزع القوة الملزمة للعقد، وهو مبدأ خطير من أهم المبادئ القانونية (2) . لكنني رددت على هذا الاتهام في بحث نظرية الفسخ السابقة.\r-------------------------------\r(1) سبل السلام : 3 ص 33 وما بعدها . وهذا هو بيع الخيار عند الشافعي : وهو أن يقول أحد المتعاقدين للآخر بعدما تم الإيجاب والقبول وقبل التفرق : اختر : إن شئت فدع ، وإن شئت فخذ . فإذا أخذ لزم البيع وقام الخيار مقام التفرق بالأبدان .\r(2) راجع مصادر الحق للسنهوري : 2 ص 37 وما بعدها .","part":5,"page":12},{"id":2858,"text":"المبحث الثاني ـ شروط البيع\rيجب أن يتوافر في عقد البيع أربعة أنواع من الشروط وهي: شروط انعقاد، وشروط صحة، وشروط نفاذ، وشروط لزوم (1) ، والقصد من هذه الشروط في الجملة منع وقوع المنازعات بين الناس، وحماية مصالح العاقدين، ونفي الغرر (أي الاحتمال) والبعد عن المخاطر بسبب الجهالة، فإذا اختل شرط الانعقاد كان العقد باطلاً، وإذا اختل شرط الصحة كان العقد عند الحنفية فاسداً، وإذا لم يتوافر شرط النفاذ كان العقد موقوفاً على الإجازة ولا تنتقل به الملكية إلا بالإجازة، وإذا انعدم شرط اللزوم كان العقد مخيراً فيه أي مشتملاً على خيار الإمضاء أو الإبطال.\rأولاً - شرائط الانعقاد: وهي ما يشترط تحققه لاعتبار العقد منعقداً شرعاً، وإلا كان باطلاً. وقد اشترط الحنفية لانعقاد البيع أربعة أنواع من الشروط: في العاقد، وفي نفس العقد، وفي مكانه، وفي المعقود عليه (2) .\rأما ما يشترط في العاقد فهو شرطان:\r1 - أن يكون العاقد عاقلاً أي مميزاً، فلا ينعقد بيع المجنون والصبي غير العاقل.\rولا يشترط البلوغ عند الحنفية، فيصح تصرف الصبي المميز البالغ من العمر سبع سنوات كما سيأتي تفصيله، وفي الجملة: إن تصرفات الصبي المميز العاقل تنقسم عند الحنفية إلى ثلاثة أقسام:\rآ ـ التصرفات النافعة نفعاً محضاً: كالاحتطاب والاحتشاش والاصطياد\r-------------------------------\r(1) راجع التفصيل في حاشية ابن عابدين: 4 ص 5 ومابعدها.\r(2) انظر أيضاً البدائع: 5 ص135 ومابعدها، 2 ص 332، حاشية ابن عابدين: 2 ص 448.","part":5,"page":13},{"id":2859,"text":"وقبول الهبة والصدقة والوصية والكفالة بالدين، فهذه التصرفات تصح من الصبي العاقل دون إذن ولا إجازة من الولي، لأنها لنفعة التام.\rب ـ التصرفات الضارة ضرراً محضاً: كالطلاق والهبة والصدقة والإقراض وكفالته لغيره بالدين أو بالنفس، فهذه لا تصح من الصبي العاقل، ولا تنفذ، ولو أجازها وليه؛ لأن الولي لا يملك إجازة هذه التصرفات لما فيها من الضرر.\rج ـ التصرفات الدائرة بين الضرر والنفع: كالبيع والشراء والإيجار والاستئجار والزواج والمزارعة والمساقاة والشركات ونحوها. فهذه التصرفات تصح من الصبي المميز، ولكنها تكون موقوفة على إذن الولي أو إجازته ما دام صغيراً، أو على إجازته بنفسه بعد البلوغ؛ لأن للمميز جانباً من الإدراك غير قليل (1) .\r2 - أن يكون العاقد متعدداً: فلا ينعقد البيع بواسطة وكيل من الجانبين إلا في الأب ووصيه والقاضي والرسول من الجانبين، بخلاف الوكيل في عقد النكاح، فإنه يصح أن يعقد النكاحَ وكيل من الجانبين.\rوالفرق بين البيع والنكاح: هو أن للبيع حقوقاً متضادة مثل التسليم والتسلم والمطالبة بتسليم المبيع وقبض ا لثمن والرد بالعيب والخيارات. ويستحيل أن يكون الشخص الواحد في زمان واحد مسلِّماً ومتسلماً، طالباً ومطالباً، وهذا محال. وبما أن حقوق العقد مقتصرة على العاقد فلا يصير كلام العاقد كلام الشخصين. وأما الوكيل في النكاح فإن حقوق العقد لا ترجع إليه، وإنما ترجع إلى الموكل فكان سفيراً محضاً بمنزلة الرسول.\r-------------------------------\r(1) انظر كتب الأصول عند الحنفية مثل التلويح على التوضيح: 2 ص 165 ومابعدها.","part":5,"page":14},{"id":2860,"text":"وقد استثني الأب فيما يبيع مال نفسه من ابنه الصغير، بمثل قيمته أو بما يتغابن الناس فيه عادة، أو يشتري مال الصغير لنفسه، لأنه حينئذ اقترب من مال اليتيم بالتي هي أحسن، لكمال شفقته ووفرة رعايته بحكم طبيعة الحال.\rوالوصي مثل الأب عند أبي حنيفة وأبي يوسف إذا تصرف بما فيه نفع ظاهر لليتيم أو بمثل القيمة، لأنه مرضي الأب، والظاهر ما رضي به إلا لوفور شفقته على الصغير.وقال محمد: لا يجوز تصرف الوصي بمال الصبي لنفسه بمثل القيمة؛ لأن القياس يأبى جوازه أصلاً من الأب والوصي جميعاً. والتساهل في الأب لكمال شفقته بخلاف الوصي.\rوالقاضي لا ترجع إليه حقوق العقد، فكان بمنزلة الرسول، والرسول لا تلزمه حقوق العقد، لأنه معبر وسفير، فجاز لكل من القاضي والرسول تولي العقد عن الجانبين.\rوأجاز جمهور الحنفية بخلاف الشافعي وزفر للشخص الواحد أن يتولى طرفي عقد النكاح بإيجاب يقوم مقام القبول في خمس صور:\rإذا كان ولياً أو وكيلاً من الجانبين كأن يقول شخص: زوجت ابني ببنت أخي، أو زوجت موكلي فلاناً موكلتي فلانة، أو أصيلاً من جانب ووكيلاً من جانب آخر كما لو وكلت امرأة شخصاً في أن يزوجها من نفسه، أو أصيلاً من جانب وولياً من جانب كأن يتزوج بنت عمه الصغيرة، أو ولياً من جانب ووكيلاً من جانب: مثل زوجت بنتي من موكلي. أما صورة الأصيل من الجانبين فهي مستحيلة عقلاً (1) .\r-------------------------------\r(1) البدائع: 5 ص 136، مجمع الضمانات: ص 410، الفرائد البهية في القواعد الفقهية للشيخ محمود حمزة: ص 139.","part":5,"page":15},{"id":2861,"text":"وأما ما يشترط في نفس العقد فهو شرط واحد: وهو أن يكون القبول موافقاً للإيجاب (1) كما سيأتي تفصيله.\rوأما ما يشترط في مكان العقد: فهو شرط واحد أيضاً وهو اتحاد مجلس الإيجاب والقبول كما سيذكر تفصيله. ومجلس البيع: هو الاجتماع الواقع لعقد البيع (م 181 مجلة).\rوأما ما يشترط في المعقود عليه أي المبيع فهو أربعة شروط (2) :\r1 - أن يكون المبيع موجوداً: فلا ينعقد بيع المعدوم قبل وجوده وماله خطر العدم. من أمثلة الأول: بيع نتاج النتاج أي ولد ولد هذه الناقة مثلاً، وبيع الثمر قبل انعقاد شيء منه على الشجرة. ومن أمثلة الثاني: بيع الحمل، وبيع اللبن في الضرع، فكل من الحمل واللبن متردد بين الوجود وعدم الوجود فهما على خطر العدم.\rودليله في الجملة: أنه صلّى الله عليه وسلم نهى عن بيع الثمار قبل بدو صلاحها (3) . ويلحق به بيع ياقوتة فإذا هي زجاج، ففي هذا غلط في الجنس فلا ينعقد البيع، لأن المبيع معدوم.\rويستثنى بيع السلم والاستصناع وبيع الثمر على الشجر بعد ظهور بعضه في رأي بعض الحنفية.\r2 - أن يكون المبيع مالاً متقوماً :\rوالمال عند الحنفية كما عرفنا سابقاً: ما يميل إليه الطبع ويمكن ادخاره لوقت الحاجة. وبعبارة أخرى: هو كل ما يمكن أن يملكه الإنسان وينتفع به على وجه معتاد. والأصح أنه هو كل عين ذات قيمة مادية بين الناس. والمتقوم: ما يمكن ادخاره مع إباحته شرعاً. وبعبارة أخرى: هو ما\r-------------------------------\r(1) البدائع، المرجع السابق: ص 137.\r(2) المرجع السابق: ص 138-148.\r(3) نص الحديث رواه الشيخان عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: «نهى رسول الله صلّى الله عليه وسلم عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها، نهى البائع والمبتاع» (انظر جامع الأصول: 1 / 389).","part":5,"page":16},{"id":2862,"text":"كان محرزاً فعلاً ويجوز الانتفاع به في حالة الاختيار (1) ، فلا ينعقد بيع ما ليس بمال كالإنسان الحر والميتة والدم، ولا بيع مال غير متقوم كالخمر والخنزير في حق مسلم، ويجوز بيع آلات الملاهي عند أبي حنيفة لإمكان الانتفاع بالأدوات المركبة منها، وعند الصاحبين وبقية الأئمة: لا ينعقد بيع هذه الأشياء، لأنها معدة للفساد.\r3 - أن يكون مملوكاً في نفسه: أي محرزاً وهو ما دخل تحت حيازة مالك خاص. فلا ينعقد بيع ما ليس بمملوك لأحد من الناس مثل بيع الكلأ ولو في أرض مملوكة، والماء (2) غير المحرز، والحطب، والحشيش، والصيود التي في البراري، وتراب الصحراء ومعادنها، وأشعة الشمس والهواء، ولقطات البحر وحيوانات البر في البراري.\rأما كون المبيع مملوكاً للبائع، فليس شرط انعقاد، وإنما هو شرط نفاذ كما سيأتي.\r4 - أن يكون مقدور التسليم عند العقد :\rفلا ينعقد بيع معجوز التسليم، وإن كان مملوكاً للبائع، مثل الحيوان الشارد والطير في الهواء، والسمك في البحر بعد أن كان في يده.\rشروط الإيجاب والقبول :\rيفهم مما ذكر من شرائط الانعقاد أنه يشترط في الإيجاب والقبول ثلاثة شروط:\r1 - الأهلية: هي عند الحنفية أن يكون كل من الموجب والقابل عاقلاً مميزاً يدرك ما يقول ويعينه حقاً (3) ، فهو في الحقيقة شرط في العاقد لا في الصيغة، إلا بالنظر لصدورها من العاقدين. والتمييز مقدر عند الحنفية بتمام السنوات السبع وعند غيرهم ببلوغ السبع سنوات، فلا ينعقد بيع المجنون والصبي غير المميز؛ لأن العقد ارتباط بين إرادتي طرفيه.\rوالكلام ونحوه كالكتابة والإشارة دليل على هاتين الإرادتين، فكان لا بد من أن يكون هذا الدليل صادراً من مميز عاقل.\r-------------------------------\r(1) حاشية ابن عابدين: 4 ص 3، 150، الأموال ونظرية العقد للدكتور محمد يوسف موسى: ص162، 164.\r(2) لا يجوز عند جمهور الفقهاء بيع الماء غير المحرز كمياه البحار والأنهار ونحوها، لأنها مباحة لجميع الناس، لا يختص بها أحد دون غيره، فلا يجوز بيعها ما دامت في مقرها، ويجوز بيع الماء المحرز كماء البئر أو العين ونحوهما المملوك لشخص ما. وقال فقهاء الظاهرية: لا يجوز بيع الماء ما لم يكن تابعاً للبئر أو العين المملوكة.\r(3) البدائع: 5 ص 135، الأموال ونظرية العقد للدكتور محمد يوسف موسى: ص 255.","part":5,"page":17},{"id":2863,"text":"والبلوغ والاختيار ليسا من شروط الانعقاد عند الحنفية، لذا كان من الضروري الكلام في بيع الصبي والمكره عند فقهاء المذاهب.\rبيع الصبي المميز :\rقال الحنفية والمالكية والحنابلة: ينعقد تصرف الصبي المميز بالبيع والشراء فيما أذن له الولي، وإلا كان موقوفاً على إجازة وليه. ودليلهم أن المدار في التصرف\rعلى إذن الولي، لا على الصبي، فصح البيع؛ لأن الصبي حينئذ كالدلال، والعاقد غيره، ولأن دفع المال إلى الصبي بعد رشده متوقف على اختباره بالبيع والشراء، وأنه يغبن أم لا، فكان لا بد من القول بصحة تصرفاته وعقوده، ولكن بإذن الولي لتحصيل المصلحة وحفظ أمواله (1) .\rوقال الشافعية (2) : لا ينعقد بيع الصبي لعدم أهليته، وشرط العاقد بائعاً أو مشترياً: أن يكون راشداً: وهو أن يتصف بالبلوغ وصلاح الدين والمال، ودليلهم قوله تعالى: {ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياماً} [النساء:5/4] والتصرف بالبيع والشراء في معنى إعطاء السفهاء المال لاستلزام البيع والشراء لبذل المال، والجامع بينهما نقص العقل المؤدي بكل منهما لإضاعة المال في غير طريقه الشرعي (3) .\rبيع المكره وبيع التلجئة:\rبيع المكره :\rقال جمهور الحنفية: إن عقود البيع والشراء والإيجار ونحوها من المكره إكراهاً ملجئاً أو غير ملجئ تكون فاسدة؛ لأن الإكراه يزيل الرضا الذي هو شرط في صحة هذه العقود، لقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم} [النساء:92/4] وحينئذ يحق\r-------------------------------\r(1) البدائع: 5 ص 135، بداية المجتهد: 2 ص 278، حاشية الدسوقي: 3 ص 5، المغني: 4 ص 246.\r(2) مغني المحتاج: 2 ص 7.\r(3) قال الشافعية (تحفة المحتاج وغيرها من شروح المنهاج): لا ينعقد بيع أربعة وهم: الصبي مميزاً أو غير مميز، والمجنون، والعبد ولو كان مكلفاً، والأعمى، ويقع بيعهم باطلاً.","part":5,"page":18},{"id":2864,"text":"للمستكره فسخ ما عقد أو إمضاؤه. ويثبت الملك للمشتري عند القبض كبقية العقود الفاسدة، ويلزم العقد بقبض المستكره الثمن، أو تسليم المبيع طوعاً، إلا أنه يخالف البيع الفاسد في صور منها: أنه يجوز بالإجازة القولية والفعلية، ويزول الفساد بخلاف غيره من البيوع الفاسدة لا تجوز، وإن أجيزت؛ لأن الفساد فيها لحق الشرع، والفساد هنا إنما كان صيانة لمصلحة خاصة لا لمصلحة شرعية عامة، وبه يشبه المكره البيع الموقوف، ومن هنا قالوا: إنه بيع فاسد موقوف.\rلذا قال زفر: إن الإكراه يجعل العقد غير نافذ، فهو كعقد الفضولي صحيح موقوف بالنسبة إلى المستكره، فيتوقف على إجازته بعد زوال الإكراه؛ لأن الإكراه إنمايخل بحق المستكره ومصلحته، فيكفي لحمايته جعل العقد موقوف النفاذ على رضاه بعد زوال الإكراه، ورأي زفر أقوى دليلاً (1) .\rوقال الشافعية والحنابلة: يشترط أن يكون العاقد مختاراً طائعاً في بيع متاع نفسه، فلا ينعقد بيع المكره في ماله بغير حق، لقوله تعالى: {إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم} [النساء:92/4] ولقوله عليه الصلاة والسلام: «رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه» (2) .\rوأما الإكراه بحق فلا يمنع من انعقاد العقد، إقامة لرضا الشرع مقام رضاه،\r-------------------------------\r(1) حاشية ابن عابدين: 4 ص 4، 5 ص 89-91، الأموال ونظرية العقد للدكتور يوسف موسى: ص398، مختصر الطحاوي: ص 408، المدخل الفقهي للأستاذ الزرقاء: ف 185 في الحاشية، الفرائد البهية في القواعد الفقهية للشيخ محمود حمزة: ص 324.\r(2) أخرجه الطبراني عن ثوبان بلفظ «إن الله تجاوز» قال النووي: حديث حسن، وتعقبه الهيثمي بأن فيه يزيد بن ربيعة الرحبي، وهو ضعيف، ورواه ابن ماجه وابن حبان، والدارقطني والطبراني والبيهقي والحاكم في المستدرك من حديث الأوزاعي، واختلف عليه: فقيل: عن ابن عساكر بلفظ «إن الله وضع» وللحاكم والدارقطني والطبراني: «تجاوز» (انظر التلخيص الحبير: 109/1، مجمع الزوائد: 250/6).","part":5,"page":19},{"id":2865,"text":"مثل الإجبار على بيع الدار لتوسعة المسجد أو الطريق أو المقبرة، أو على بيع سلعة لوفاء دين أو لنفقة زوجة أو ولد أو الأبوين، أو لأجل وفاء ما عليه من الخراج الحق.\rوقال المالكية: بيع المكره غير لازم، فيكون للعاقد المستكره الخيار بين فسخ العقد أو إمضائه. هذا ما وجدته في مختصر خليل وشراحه، لكن قال ابن جزي: يشترط في البائع والمشتري أن يكونا طائعين، فإن بيع المكره وشراءه باطلان (1) .\rبيع المضطر: أن يضطر شخص إلى بيع شيء من ماله، ولم يرض المشتري إلا بشرائه بدون ثمن المثل بغبن فاحش. مثاله: أن يلزم القاضي شخصاً ببيع ماله لإيفاء دينه، أو ألزم الذمي بائعاً ببيع مصحف أو عبد مسلم ونحو ذلك. وحكمه عند الحنفية كما قالوا: بيع المضطر وشراؤه فاسد (2) . وأجازه فقهاء آخرون للضرورة.\rبيع التلجئة: صورة بيع التلجئة أو بيع الأمانة: أن يخاف إنسان اعتداء ظالم على بعض ما يملك، فيتظاهر هو ببيعه لثالث فراراً منه، ويتم العقد مستوفياً أركانه وشرائطه. واختلف العلماء في شأنه.\rفقال الحنابلة: إنه عقد باطل غير صحيح، لأن العاقدين ماقصدا البيع، فلم يصح منهما كالهازلين (3) .\rوقال الحنفية والشافعي: هو بيع صحيح، لأن البيع تم بأركانه وشروطه،\r-------------------------------\r(1) الميزان 62/2، حاشية الدسوقي: 6/3، مغني المحتاج: 7/2 ومابعدها، القوانين الفقهية: ص246، غاية المنتهى: 5/2.\r(2) حاشية ابن عابدين: 111/4، 255، المغني: 214/4.\r(3) المغني: 214/4.","part":5,"page":20},{"id":2866,"text":"وأتي باللفظ مع قصد واختيار خالياً عن مقارنة مفسد، فصح كما لو اتفقا على شرط فاسد، ثم عقد البيع بغير شرط. وأما عدم رضاه بوقوعه فهو كظنه أنه لا يقع، لا أثر له لخطأ ظنه (1) .\rبيع السمسرة: السمسرة: هي الوساطة بين البائع والمشتري لإجراء البيع. والسمسرة جائزة، والأجر الذي يأخذه السمسار حلال؛ لأنه أجر على عمل وجهد معقول، لكن قال الشافعية: لا يصح استئجار بيّاع على كلمة لا تتعب، وإن روّجت السلعة؛ إذ لا قيمة لها (2) . ولا بأس أن يقول شخص لآخر: بع هذا الشيء بكذا، وما زاد فهو لك، أو بيني وبينك، لما رواه أحمد وأبو داود والحاكم عن أبي هريرة: «المسلمون على شروطهم» .\r2 - الشرط الثاني ـ من شروط صيغة البيع: أن يكون القبول موافقاً للإيجاب: بأن يرد على كل ما أوجبه البائع وبما أوجبه (3) فإذا قال إنسان لآخر: بعتك هذين الثوبين بألف ليرة، فقال المشتري: قبلت في هذا الثوب، وأشار إلى واحد منهما، لا ينعقد البيع. وإذا قال لآخر: بعتك هذه الدار بما فيها من مفروشات بألفي ليرة، فقال المشتري: قبلت شراءها دون ما فيها بألف ليرة مثلاً، لم ينعقد العقد أيضاً، لتفريق الصفقة على البائع، والمشتري لا يملك تفريقها؛ لأن من عادة التجار ضم الرديء إلى الجيد، ترويجاً للرديء بواسطة الجيد.\r-------------------------------\r(1) مغني المحتاج: 16/2.\r(2) مغني المحتاج: 335/2 وفي الإحياء للغزالي: لا يجوز أخذ عوض على كلمة يقولها طبيب بدواء ينفرد به بمعرفته، إذ لا مشقة عليه في التلفظ به، بخلاف ما لو عرف الصيقل الماهر إزالة اعوجاج السيف والمرآة بضربة واحدة، فإن له أخذ العوض وإن كثر؛ لأن هذه صناعات يتعب في تعليمها ليكتسب بها، ويخفف عن نفسه التعب. وأفتى القفال بأنه لا يصح استئجار له، وهذا هو الظاهر، وإن قال الأذرعي: المختار ما قاله الغزالي.\r(3) البدائع: 136/5-137، مغني المحتاج: 5/2 ومابعدها، كشاف القناع: 136/3، الأموال ونظرية العقد ، يوسف موسى: 256.","part":5,"page":21},{"id":2867,"text":"فلو قبل المشتري بأكثر مما طلب، انعقد البيع؛ لأن القابل بالأكثر قابل بالأقل طبعاً، غير أنه لا يكون ملزماً إلا بالثمن الذي طلبه البائع.\rولو قبل بأقل مما ذكر البائع، لا ينعقد العقد.\rوكذا لو خالف في وصف الثمن لا في قدره، كأن أوجب البائع البيع بثمن حالّ، فقبل المشتري بثمن مؤجل، أو أوجب بأجل إلى شهر معين فقبل المشتري بأجل أبعد منه، فلا ينعقد البيع في الحالتين، لعدم تطابق القبول مع الإيجاب.\r3 - أن يتحد مجلس العقد: بأن يكون الإيجاب والقبول في مجلس واحد، بأن كان الطرفان حاضرين معاً، أو في مجلس علم الطرف الغائب بالإيجاب (1) . ونتائج هذا الشرط ما يلي:\rلو أوجب أحد الطرفين البيع فقام الآخر عن المجلس قبل القبول، أو اشتغل بعمل آخر يوجب اختلاف المجلس، ثم قبل، لا ينعقد البيع. ولكن لا يشترط الفور في القبول؛ لأن القابل يحتاج إلى التأمل، ولو اقتصر على الفور لا يمكنه التأمل، واعتبر المجلس الواحد جمعاً للمتفرقات للضرورة.\rوكذلك قال المالكية (2) : لا يضر في البيع الفصل بين الإيجاب والقبول إلا أن يخرج عن البيع لغيره عرفاً.\rوقال الشافعية والحنابلة (3) : يشترط أن يكون القبول بعد الإيجاب بألا يفصل بينهما فاصل كثير: وهو ما أشعر بالإعراض عن القبول. ولا يضر الفصل اليسير لعدم إشعاره بالإعراض عن القبول. ويضر تخلل كلام أجنبي عن العقد ولو يسيراً بين الإيجاب والقبول.\r-------------------------------\r(1) البدائع: 137/5 ومابعدها، فتح القدير: 80/5، الأموال للدكتور يوسف موسى: 257.\r(2) حاشية الصاوي على الشرح الصغير: 17/3.\r(3) مغني المحتاج: 5/2 - 6، كشاف القناع: 163/3.","part":5,"page":22},{"id":2868,"text":"التعاقد حالة المشي أو الركوب: إذا تبايعا وهما يمشيان أو يسيران على دابة واحدة أو دابتين: فإن اتصل الإيجاب والقبول من غير فصل بينهما، انعقد العقد، حتى ولو مشيا خطوة أو خطوتين جاز، فإن كان بين القبول والإيجاب فصل وسكوت، وإن قل، لا ينعقد العقد؛ لأن المجلس تبدل بالمشي والسير، وقاسوا ذلك على قراءة آية السجدة وخيار المخيرة (1) . فلو قرأ آية سجدة وهو يمشي على الأرض، أو يسير على دابة لا يصلى عليها، يلزمه لكل قراءة سجدة، وكذا لو خير امرأته في المجلس بأن تطلق نفسها منه وهي تمشي على الأرض أو تسير على دابة لا يصلى عليها، فمشت أو سارت: يبطل خيارها لتبدل المجلس، لأن «التفويض يقتصر على المجلس بخلاف الوكالة فإنها لا تقتصر عليها» وتوكيل الرجل زوجته بتطليق نفسها يقتصر على المجلس (2) .\rولو تبايعا وهما واقفان، انعقد البيع، لاتحاد المجلس.\rولو أوجب أحدهما البيع وهما واقفان، فسار الآخر قبل القبول أو سارا جميعاً أو سار البائع قبل القبول، ثم قبل المشتري بعدئذ لا ينعقد، لأنه لما سار أحدهما أو سارا، فقد تبدل المجلس قبل القبول، ويجعل السير دليلاً على الإعراض.\rأما لو وقف الزوج، فخير امرأته، ثم سار وهي واقفة، فلها الخيار. ولو سارت هي والزوج واقف بطل خيارها، فالعبرة إذن لمجلسها لا لمجلس الزوج، فما دامت في مجلسها، لم يوجد منها دليل الإعراض، فيظل لها الخيار. وأما الزوج فلا يبطل كلامه بالإعراض؛ لأن التخيير من قبله لازم، أما في البيع فيعتبر مجلسهما جميعاً.\r-------------------------------\r(1) خيار المخيرة: هو أن يخير الرجل امرأته في المجلس بأن تطلق نفسها منه بأن يقول لها: طلقي نفسك إن شئت.\r(2) القواعد الفقهية للشيخ محمود حمزة: 24.","part":5,"page":23},{"id":2869,"text":"التعاقد على ظهر سفينة أو طائرة: لو تبايع الطرفان على سفينة أو طائرة أوقطار، انعقد العقد، سواء كانت هذه الوسائل واقفة أم جارية، بخلاف المشي على الأرض والسير على الدابة؛ لأن الشخص لا يستطع إيقاف تلك الوسائل، فاعتبر المجلس فيها مجلساً واحداً، وإن طال، أما الدابة، فإنه يستطيع إيقافها.\rالتعاقد مع غائب: إذا أوجب أحد المتعاقدين البيع أو الشراء والآخر غائب، فبلغه الإيجاب، فقبل، لا ينعقد البيع، كأن يقول: «بعت هذه البضاعة من فلان الغائب» فبلغه الخبر، فقبل: لا يصح، لأن القاعدة الأصلية في هذا: أن أحد شطري العقد الصادر من أحد العاقدين في البيع يتوقف على الآخر في مجلس العقد ( أي يظل قائماً ساري المفعول ضمن المجلس لا بعده ) ولا يتوقف على الشطر الآخر من العاقد الآخر فيما وراء المجلس بالاتفاق، إلا إذا كان عنه قابل (أي وكيل) أو كان بالرسالة أو الكتابة (1) .\rالتعاقد بواسطة رسول: أما الرسالة: فهي أن يرسل أحد المتعاقدين رسولاً إلى رجل فيقول المتعاقد الآخر: ( إني بعت هذا الثوب من فلان الغائب بكذا) فاذهب إلىه، وقل له: ( إن فلاناً باع ثوبه منك بكذا ) فجاء الرسول، وأخبره بما قال، فقال المشتري في مجلس أداء الرسالة: ( اشتريت ) أو ( قبلت ): تم البيع بينهما؛ لأن الرسول سفير ومعبر عن كلام المرسل، فكأنه حضر بنفسه وخوطب بالإىجاب فقبل، فينعقد العقد.\rالتعاقد بالمراسلة: أما الكتابة: فهي أن يكتب رجل إلى آخر: ( أما بعد، فقد بعت فرسي منك بكذا ) فبلغه الكتاب، فقال في مجلسه ( أي مجلس بلوغ الكتاب): ( اشتريت أو قبلت ). ينعقد البيع لأن خطاب الغائب كتابة يجعله كأنه حضر بنفسه، وخوطب بالإيجاب فقبل في المجلس، فإن تأخر القبول إلى مجلس ثان لم ينعقد البيع.\r-------------------------------\r(1) البدائع: 137/5 ومابعدها، فتح القدير: 79/5.","part":5,"page":24},{"id":2870,"text":"وللكاتب أن يرجع عن إيجابه أمام شهود بشرط أن يكون قبل قبول الآخر ووصول الرسالة. ويرى جمهور المالكية أنه ليس للموجب الرجوع قبل أن يترك فرصة للقابل يقرر العرف مداها.\rواتحاد المجلس شرط للانعقاد أيضاً في الإجارة والهبة، على التفصيل السابق في البيع.\rوأما الخلع فإن شطر العقد الصادر من الزوج يتوقف (أي يظل ساري المفعول) على قبول الآخر وراء المجلس بالاتفاق، كأن يقول: خالعت امرأتي الغائبة على كذا ، فبلغها الخبر، فقبلت، جاز.\rوأما النكاح فهو كالبيع عند أبي حنيفة ومحمد، لا يتوقف شطر العقد فيه (أي لا يسري مفعوله) إلا إذا كان عن الغائب قابل، فإذا قال رجل للشهود: (اشهدوا أني قد تزوجت فلانة بكذا) وبلغها الخبر فأجازت أو قالت امرأة: (اشهدوا أني زوجت نفسي من فلان بكذا) فبلغه، فأجازها، لا ينعقد العقد في الحالتين عند أبي حنيفة ومحمد إلا إذا كان عن الغائب قابل.\rوعند أبي يوسف: يتوقف شطر العقد في النكاح على قبول الآخر فيما وراء المجلس، فينعقد العقد في هذين المثالين بقبول الغائب، وإن لم يقبل عنه أحد في مجلس العقد.\rمبدأ وحدة الصفقة وتفرقها :\rالصفقة: ضرب اليد على اليد في البيع، والبيعة للإمام، ثم جعلت عبارة عن العقد نفسه (1) . قال النووي: الصفقة: هي عقد البيع، لأنه كان من عادتهم أن يضرب كل واحد من المتعاقدين يده على يد صاحبه عند تمام العقد (2) .\rوالعقد يحتاج في تكوينه كما هو معلوم إلى مبيع، وثمن، وبائع، ومشتر، وبيع وشراء. وباتحاد بعض هذه الأشياء مع بعض وتفرقها، يحصل اتحاد الصفقة، وتفريقها (3) .\rوقد اتفق العلماء على ضرورة اتحاد الصفقة من حيث المبدأ، لأن من شرائط انعقاد البيع الشرط المذكور قريباً: وهو أن يكون القبول موافقاً للإيجاب، إلا أن هناك اختلافات جزئية في تحقيق هذا المبدأ أو عدم تحقيقه أي تفريق الصفقة.\rفقال الحنفية (4) : لا بد من معرفة ما يوجب اتحاد الصفقة وتفريقها، وذلك إما بسبب العاقدين أو بسبب المبيع.\r-------------------------------\r(1) العناية بهامش فتح القدير: 5 ص 80.\r(2) المجموع للنووي: 9 ص 425.\r(3) العناية، المكان السابق، المجموع: 9 ص 432 ومابعدها.\r(4) فتح القدير: 80/5، البدائع: 136/5 ومابعدها، رد المحتار لابن عابدين: 20/4.","part":5,"page":25},{"id":2871,"text":"أ ـ أما بالنسبة للعاقدين: فإن اتحد شخص الموجب سواء أكان بائعاً، أم مشترياً، وتعدد القابل المخاطب، لم يجز للقابلين تفريق الصفقة بأن يقبل أحدهما البيع دون الآخر. وإن انعكس الأمر فتعدد الموجب واتحد القابل، لم يجز للقابل القبول في حصة أحد الموجبين دون الآخر. مثل الحالة الأولى: أن يقول البائع لمشتريين: بعتكما هذه السلعة بألف ليرة، فقال أحدهما: اشتريت، ولم يقبل\rالآخر، كانت الصفقة متعددة، فلم ينعقد العقد إلا باتفاق جديد. ومثل الحالة الثانية: أن يقول شخص لمالكي سلعة: اشتريت منكما هذه السلعة بألف ليرة مثلاً، فباعه أحدهما دون الآخر، فإن الصفقة تتعدد في هذه الحالة، فلا ينعقد العقد.\rب ـ وأما بالنسبة للمبيع: فإن اتحد العاقدان، وقبل أحدهما في بعض المبيع دون بعض، لم يصح العقد، لتفرق الصفقة.\rوإن اتحد العاقدان، وتعدد المبيع، فإما أن يكون المبيع مثليين أو مثليا وقيمياً وفي كلتا الحالتين لايجوز للمشتري أن يقبل في أحد المبيعين، ويرفض الآخر، فإن فعل، تعددت الصفقة، وحينئذ لا يتم البيع إلا برضا جديد من البائع بما قبل به المشتري، فيصبح القبول إيجاباً، والرضا قبولاً، ويبطل الإيجاب الأول.","part":5,"page":26},{"id":2872,"text":"غير أن هناك فرقاً بين الحالتين: وذلك في قسمة الثمن على أجزاء المبيع وفي وحدة الصفقة وتعددها. فإذا كان المبيع مثليين كقفيزين من أرز أو كمدين من حنطة أو رطلين من حديد، وقبل المشتري في أحدهما، انقسم الثمن بنسبة أجزاء المبيع، فيكون ثمن الجزء الذي تم فيه المبيع في هذا المثال نصف الثمن الأصلي المذكور لجزئي المبيع؛ لأن الثمن في المثليات ينقسم على المبيع باعتبار الأجزاء، فكانت حصة كل جزء من الثمن معلوماً. وتكون الصفقة عندئذ واحدة. ويشبه المثليات (المكيل والموزون) في قسمة الثمن عليه بالأجزاء ما إذا كان المبيع شيئاً واحداً كحيوان واحد.\rوإذا كان المبيع من غير المثليات أي القيميات كثوبين ودابتين، لا ينقسم الثمن على المبيع باعتبار الأجزاء، لعدم تماثل الأجزاء، وإذا لم ينقسم الثمن في هذه الحالة، بقيت حصة كل واحد من جزئي المبيع من الثمن مجهولة، وجهالة الثمن تمنع صحة البيع. فإن أريد تصحيح الصفقة فلا بد من أحد أمرين:\rإما أن يكرر البائع لفظ البيع بأن يقول: بعتك هذين الثوبين، بعتك هذا بألف، وبعتك هذا بألف، أو اشتريت منك هذين المتاعين، اشتريت هذا بمئة، واشتريت هذا بمئة، فيصح العقد، ويصبح هنا صفقتان.\rوإما أن يفرق الثمن على أجزاء المبيع، بأن يقول البائع: بعتك هذين الكتابين، هذا بمئة، وهذا بخمسين،فقبل المشتري في أحدهما، جاز البيع لانعدام تفريق الصفقة الواحدة من المشتري، بل البائع هو الذي فرق الصفقة، حيث سمى لكل واحد من المبيعين ثمناً على حدة، فكانت هذه الحالة صفقات معنى، وإلا لو كان غرض البائع ألا يبيع المبيعين للمشتري إلا جملة واحدة، لم تكن هناك فائدة لتعيين ثمن كل منهما على انفراد.","part":5,"page":27},{"id":2873,"text":"وإذا تطابق الإيجاب والقبول، لزم البيع، ولا خيار لواحد من العاقدين إلا بسبب وجود عيب أو عدم رؤية للمبيع. نصت المادة (351) من المجلة على ما يأتي: «ما بيع صفقة واحدة إذا ظهر بعضه معيباً: فإن كان قبل القبض، كان المشتري مخيراً: إن شاء رد مجموعه، وإن شاء قبله بجميع الثمن، وليس له أن يرد المعيب وحده، ويمسك الباقي. وإ ن كان بعد القبض: فإذا لم يكن في التفريق ضرر، كان له أن يرد المعيب بحصته من الثمن سالماً، وليس له أن يرد الجميع حينئذ مالم يرضَ البائع. وأما إذا كان في تفريقه ضرر، رد الجميع، أو قبل الجميع بكل الثمن، مثلاً: لو اشترى قلنسوتين بأربعين قرشاً، فظهرت إحداهما معيبة قبل القبض، يردهما معاً، وإن كان بعد القبض يرد المعيبة وحدها بحصتها من الثمن سالمة، ويمسك الثانية بما بقي من الثمن. أما لو اشترى زوجي خف، فظهر أحدهما معيباً بعد القبض، كان له ردهما معاً للبائع، وأخذ ثمنهما منه» .\rوقال أبو حنيفة والمالكية (1) : إذا اشتملت الصفقة على حلال وحرام، كالعقد على سلعة متقومة وخمر، أو خنزير، أو غيرهما، فالصفقة كلها باطلة. وقال الصاحبان: يصح العقد في الصحيح، ويفسد في الفاسد. ومنشأ الخلاف بين أبي حنيفة وصاحبيه هو: أن الصفقة إذا اشتملت على الصحيح والفاسد يتعدى الفساد إلى الكل عند أبي حنيفة. وأما عند الصاحبين فلا يتعدى الى الصحيح، وإنما يقتصر أثر الفساد على الفاسد.\rولو باع الرجل ملكه وملك غيره في صفقة واحدة، صح البيع فيهما، ويلزم البيع فيما يملكه المالك، ويتوقف اللزوم في ملك الغير على إجازته، وهذا باتفاق الحنفية والمالكية، لأنهم يصححون العقد الموقوف أو عقد الفضولي، كما سنعلم.\rوقال الشافعية والحنابلة في الأرجح عندهم (2) : تفريق الصفقة معناه: أن يبيع ما يجوز بيعه، وما لا يجوز بيعه صفقة واحدة بثمن واحد، وهو ثلاثة أقسام:\r-------------------------------\r(1) القوانين الفقهية: ص 260، البدائع: 217/5.\r(2) المجموع: 425/9-437، المهذب: 269/1، المغني: 236/4 وما بعدها، القواعد لابن رجب: ص 421، الأشباه والنظائر للسيوطي: ص 98، غاية المنتهى: 16/2.","part":5,"page":28},{"id":2874,"text":"أحدها ـ أن يبيع معلوماً ومجهولاً بثمن واحد، لقوله: بعتك هذا الكتاب وكتاباً آخر، وهما ملك له بمئة ليرة مثلاً، لم يصح البيع فيهما؛ لأن المجهول لا يصح بيعه لجهالته، والمعلوم مجهول الثمن، ولا سبيل إلى معرفته، لأن معرفته إنما تكون بتقسيط الثمن عليهما، والمجهول لا يمكن تقويمه، فيتعذر التقسيط.\rالثاني ـ أن يكون المبيعان مما ينقسم عليهما بالأجزاء، كشيء مشترك بين اثنين، فباعه كله أحدهما بغير إذن شريكه، وكشيئين من المثليات مثل قفيزين من صبرة واحدة باعهما من لا يملك إلا بعضهما، فالأصح أن يصح البيع فيما يملكه\rبقسطه من الثمن، ويفسد فيما لا يملكه؛ لأن لكل واحد منهما حكماً مستقلاً حالة إفراده بالبيع، فإذا جمع مع غيره ثبت لكل واحد منهما حكمه الخاص به، كما لو باع رجل شقصاً (1) وسيفاً فإنه تثبت الشفعة في الشقص بلا خلاف، كما لو أفرده.\rالثالث ـ أن يكون المبيعان معلومين مما لا ينقسم الثمن عليهما بالأجزاء، أي أن تشتمل الصفقة على حلال وحرام كخل وخمر وشاة وخنزير، وميتة وشاة مذكاة، ونحوهما من القيميات، فأصح القولين عند الشافعي وفي رواية عند الحنابلة عن أحمد أن البيع يصح في الحلال ويبطل في الحرام (2) . وفي كيفية توزيع الثمن على المبيعين باعتبار الأجزاء، فيقدر الخمر خلاً، والخنزير شاة، والميتة مذكاة. وهذا ما قاله أنصار هذه الرواية الأولى عن أحمد.\rورجح ابن قدامة الحنبلي الرواية الثانية عن أحمد: وهو أنه يفسد البيع في المبيعين جميعاً.\r-------------------------------\r(1) الشقص: الطائفة من الشيء، والمراد به هنا قطعة من أرض أو دار.\r(2) وهكذا يعرف المقصود من عبارة يتردد ذكرها عند الشافعية وهي «قولا تفريق الصفقة» الأشهر عند الشافعية: أنها تفرق الصفقة، فيبطل البيع فيما لا يجوز، ويصح فيما يجوز، لأنه ليس إبطاله فيهما بأولى من تصحيحه فيهما. والقول الثاني: أن الصفقة لا تفرق فيبطل العقد فيهما.","part":5,"page":29},{"id":2875,"text":"فإن كانت الصفقة مشتملة على مال للبائع ومال لغيره لا ينقسم الثمن عليهما بالأجزاء، فالأصح عند الشافعية أيضاً أن البيع يصح فيما يملكه، ويبطل فيما لا يملكه، ويوزع الثمن بحسب القيمة لكل منهما، وعند الحنابلة: الأصح أنه يبطل البيع في المبيعين جميعاً.\rوقال الحنابلة والشافعية فيما يتعلق بخيار تفرق الصفقة: متى صح البيع في بعض الصفقة: فإن كان المشتري عالماً بالحال كأن يعلم أن المبيع مما ينقسم الثمن عليه بالأجزاء كما ذكر، فلا خيار له، لأنه اشترى على بصيرة. وإن لم يعلم بالحال، مثل أن يشتري رجل متاعاً يظنه كله للبائع، فبان أنه لا يملك إلا نصفه، أو متاعين فتبين أنه لا يملك البائع إلا أحدهما، فله الخيار بين الفسخ والإمساك، لأن الصفقة تبعضت عليه. وأما البائع عند إمساك المشتري جزء المبيع، فلا خيار له في الأصح؛ لأنه رضي بزوال ملكه عما يجوز بيعه بقسطه من الثمن.\rفإن تلف أحد المبيعين صفقة واحدة قبل القبض، فينفسخ العقد في التالف بلا خلاف. وأما الباقي فللمشتري الخيار فيه بين إمساكه بحصته من الثمن، وبين الفسخ، لتبعض الصفقة عليه.\rوقال الظاهرية (1) : كل صفقة جمعت حراماً وحلالاً، فهي باطل كلها، لا يصح منها شيء، مثل أن يكون بعض المبيع مغصوباً، أو غير مملوك للبائع، أو آل إليه بعقد فاسد.\rوالخلاصة: أن جمهور العلماء يبطلون الصفقة المشتملة على حلال وحرام أو مملوك وغير مملوك. وقال الشافعية كما رجح النووي: يصح العقد فيما يجوز، ويبطل فيما لا يجوز.\r-------------------------------\r(1) المحلى: 20/9.","part":5,"page":30},{"id":2876,"text":"ثانياً - شروط النفاذ :\rلنفاذ (1) العقد شرطان:\r1 ً - الملك أو الولاية: الملك هو حيازة الشيء متى كان الحائز له قادراً وحده على التصرف فيه عند عدم المانع الشرعي، فالقيم على المجنون أو السفيه، والوصي على القاصر، لا يعتبر أحدهما مالكاً يتصرف في الشيء، على حين أن المجنون والسفيه والقاصر يعتبر كل منهم مالكاً؛ لأن له حق الاستقلال في التصرف والانتفاع لولا المانع الشرعي من ذلك وهو أنه تحت ولاية غيره (2) .\rوالولاية: سلطة شرعية بها ينعقد العقد وينفذ، هي إما أصلية: وهي أن يتولى الإنسان أمور نفسه بنفسه، أو نيابية: وهي أن يتولى الشخص أمور غيره من ناقصي الأهلية، إما بإنابة المالك كالوكيل أو بإنابة الشارع كالأولياء وهم: الأب والجد والقاضي ووصي الأب أو الجد أو القاضي وترتيبهم كالآتي: الأب ثم وصيه ثم الجد ثم وصيه ثم القاضي ثم وصيه (3) .\rومدلول هذا الشرط أن يكون المبيع مملوكاً للبائع ، فلا ينفذ بيع الفضولي، لانعدام الملك والولاية، لكنه ينعقد عند الحنفية موقوفاً على إجازة المالك.\rواعتبر الشافعي الملك أو الولاية من شرائط الانعقاد، فتعتبر تصرفات الفضولي عنده باطلة. وسأبحث ذلك بالتفصيل قريباً (4) .\r2 - ألا يكون في المبيع حق لغير البائع :\rإن كان في المبيع حق لغير البائع كان العقد موقوفاً غير نافذ، وعلى هذا فلا ينفذ بيع الراهن المرهون، ولا بيع المؤجر المأجور ولا بيع المالك الأرض التي عليها عقد مزارعة، وإنما يكون البيع موقوفاً على إجازة المرتهن، أو المستأجر،أو المزارع،\r-------------------------------\r(1) النفاذ في الأصل المضي والجواز، ثم أطلق عند الفقهاء على مضي العقد دون توقف على الإجازة أو الإذن.\r(2) الأموال ونظرية العقد: ص 165.\r(3) المرجع السابق: ص 348، حاشية ابن عابدين: 6/4، البدائع: 146/5، 155.\r(4) البدائع: 148/5.","part":5,"page":31},{"id":2877,"text":"وليس فاسداً، وهذا هو الصحيح عند الحنفية؛ لأن ركن البيع صدر من أهله مضافاً إلى مال متقوم مملوك له مقدرو على التسليم، من غير ضرر يلزمه (1) . ويثبت حينئذ للمشتري الخيار بين إمضاء البيع أو فسخه. أما المستأجر أو المرتهن أو المزارع، فإن أجاز العقد نفذ، فلو لم يجز المستأجر حتى انفسخت الإجارة، نفذ البيع السابق، وكذا المرتهن إذا قضى دينه، ولا حاجة لتجديد العقد، وهو الصحيح كما قال ابن عابدين. وعليه يكون حكم بيع الفضولي أحد البيوع الجائزة هو قبول الإجازة من المالك. والفسخ من المشتري لا الإجازة. كما أن للفضولي فسخ البيع دون النكاح.\rوذكر الأستاذ مصطفى الزرقاء: أن الرأي الراجح فقهاً: أنه لا يكون البيع موقوفاً على إجازة المرتهن أو المستأجر وإن كانا أصحاب حق في المبيع، إذ الإجازة لاتكون شرعاً إلا لمالك أو ذي ولاية، بل البيع نافذ، ولكن لا يسلم المبيع إلى المشتري دون رضا المرتهن أو المستأجر صيانة لحقهما، بل يمنح المشتري الخيار في أن يفسخ البيع أو ينتظر إلى فكاك الرهن أو إلى انقضاء مدة الإجارة ليتسلم المبيع (2) .\rتقسيم البيع من حيث النفاذ والوقف :\rيترتب على ما ذكر من شروط النفاذ عند الحنفية أن البيع قسمان: نافذ وموقوف.\rأما البيع النافذ: فهو أن يتوافر فيه ركن العقد مع وجود شرائط الانعقاد والنفاذ.\rوأما البيع الموقوف: فهو أن يوجد فيه ركن العقد مع وجود شرائط الانعقاد، ولكن لم يوجد فيه شرط النفاذ: وهو الملك أو الولاية.\rواختلال شرط النفاذ: يكون إما في المبيع كما في بيع الفضولي شيئاً لغيره، وإما في التصرف كما في بيع الصغير المميز أو المعتوه أو شرائهما.\r-------------------------------\r(1) البدائع: 155/5، حاشية ابن عابدين: 6/4، 145-148.\r(2) عقد البيع: ص 31، رد المحتار لابن عابدين: 361/5.","part":5,"page":32},{"id":2878,"text":"آراء العلماء في تصرف الفضولي :\rالفضولي في الأصل: من يشتغل بما لا يعنيه أو يعمل عملاً ليس من شأنه، ومنه سمي فضولياً: من يتصرف في شيء أو يعقد عقداً من العقود، دون أن يكون له ولاية ما على القيام به، كمن يبيع أو يشتري للغير، أو يؤجر أو يستأجر لغيره، دون وكالة أو وصاية أو ولاية على العقد، وبدون إذن من الغير (1) . وبيع الإنسان ملك غيره دون إذن منه شائع في الحياة العملية كما في بيع الأزواج ملك زوجاتهم أو بيع الأفراد ملك الحكومة أو ملك من تغيب حتى طالت غيبته.\rويلاحظ أن الفضولي: هو من يتصرف فيما تظهر ملكية غيره له، وإلا كان تصرفه من بيع ما لا يملك، وهو منهي عنه.\rومحل البحث: أن يبيع الرجل مال غيره بشرط: إن رضي به صاحب المال أمضي البيع، وإن لم يرض فسخ، أو يشتري الرجل للرجل بغير إذنه على أنه إن رضي المشتري، صح الشراء وإلا لم يصح (2) ، فالفضولي: هو المتصرف للغير بغير إذنه.\rوقد اختلف الفقهاء في حكم تصرف الفضولي.\rفأما الحنفية: فقد فرقوا بين البيع والشراء، ففي حالة البيع ينعقد تصرف الفضولي صحيحاً موقوفاً، سواء أضاف الفضولي العقد إلى نفسه أم إلى المالك، لأنه لا يمكن نفاذ العقد على العاقد.\rوفي حالة الشراء: إن أضاف الفضولي الشراء لنفسه، مع أنه يريد في نيته الشراء لغيره، كان الشراء له هو نفسه إن صح أن ينفذ عليه؛ لأن الأصل أن يكون تصرف الإنسان لنفسه لا لغيره.\rوأما إن أضاف الشراء لغيره أو لم يجد عقد الشراء نفاذاً على الفضولي بأن كان صبياً أو محجوراً عن التصرف، انعقد الشراء صحيحاً موقوفاً على إجازة الغير، أو من اشتري له، فإن أجازه نفذ عليه، واعتبر الفضولي وكيلاً ترجع إلىه حقوق العقد.\r-------------------------------\r(1) بداية المجتهد: 171/2، الأموال ونظرية العقد: ص 380، أصول البيع الممنوعة للأستاذ عبد السميع: ص 134.\r(2) بداية المجتهد: 171/2.","part":5,"page":33},{"id":2879,"text":"وفي الجملة: إن تصرفات الفضولي جائزة موقوفة على إجازة صاحب الشأن عند الحنفية (1) ، وتصرفات الفضولي مثل بيع المسلم فيه والمغصوب وبيع الوكيل (2) هي من الحالات المستثناة من بيع ما ليس مملوكاً للإنسان.\rوقال المالكية: تعتبر تصرفات الفضولي وعقوده بصفة عامة في حالة البيع وحالة الشراء منعقدة موقوفة على إجازة صاحب الشأن. فإن أجازها جازت ونفذت وإلا بطلت؛ لأن الإجازة اللاحقة كالإذن أو الوكالة السابقة (3) .\rاستدل الحنفية والمالكية بآيات البيع التي وردت عامة لم يستثن منها كون العاقد فضولياً، مثل قوله تعالى: {وأحلَّ الله ُ البَيْعَ} [البقرة:275/2] وقوله سبحانه: {يا أيُّها الَّذينَ آمَنُوا لا تَأْكُلوا أمْوالكُمْ بَينَكُمْ بِالباطِلِ، إلا أنْ تكونَ تِجارَة عَن تَراضٍ مَنكُم} [النساء:29/4] وقوله: { فَإذا قُضيت الصلاة فانتَشِروا في الأرْضِ وابْتَغوا منْ فَضْلِ الله} [الجمعة:10/62].\r-------------------------------\r(1) البدائع: 148/5-150، فتح القدير مع العناية بهامشه: 309/5 ومابعدها، رد المحتار لابن عابدين: 5/4-6.\r(2) يصح بيع المسلم فيه وإن لم يكن مملوكاً للبائع وقت العقد، وأما المغصوب فيصح بيعه من الغاصب ويضمن قيمته، وبيع الوكيل نافذ.\r(3) بداية المجتهد، المرجع السابق، حاشية الدسوقي: 12/3، القوانين الفقهية: س 245.","part":5,"page":34},{"id":2880,"text":"والفضولي كامل الأهلية، فإعمال عقده أولى من إهماله، وربما كان في العقد مصلحة للمالك، وليس فيه أي ضرر بأحد؛ لأن المالك له ألا يجيز العقد، إن لم يجد فيه فائدته. وقد ثبت أن الرسول صلّى الله عليه وسلم فيما يرويه البخاري وغيره: أعطى عروة البارقي ديناراً ليشتري له به شاة فاشترى له به شاتين، فباع إحداهما بدينار، وجاءه بدينار وشاة، فقال: «بارك الله لك في صفقة يمينك» . وروى الترمذي وأبو داود عن حكيم بن حزام: أن النبي صلّى الله عليه وسلم أعطاه ديناراً ليشتري به شاة يضحيها، فاشترى شاتين بالدينار، وباع إحداهما بدينار جاء به هو الشاة للرسول صلّى الله عليه وسلم ، فأثنى عليه، ودعا له بالبركة قائلاً: «بارك الله لك في صفقتك» (1) فالنبي عليه السلام لم يأمر في الحالتين في الشاة الثانية لا بالشراء ولا بالبيع.\rوقال الحنابلة (2) : لا يصح تصرف فضولي مطلقاً أي ببيع أو شراء أو غيرهما، ولو أجيز تصرفه بعد وقوعه إلا إن اشترى الفضولي في ذمته، ونوى الشراء لشخص لم يسمه، فيصح، أو اشترى بنقد حاضر ونوى لشخص لم يسمه، فيصح، ثم إن أجاز الشراء من اشتري له، ملكه من حين الشراء، وإن لم يجزه وقع الشراء للمشتري ولزمه حكمه. وقال ابن رجب: تصرف الفضولي جائز موقوف على الإجازة إذا دعت الحاجة إلى التصرف في مال الغير أو حقه، وتعذر استئذانه إما للجهل بعينه أو لغيبته ومشقة انتظاره.\rونصت المادة (13) من مشروع تقنين الشريعة على مذهب أحمد: «تصرف الفضولي باطل، ولو أجيز بعد، إلا إذا اشترى في ذمته ونوى الشراء لشخص لم يسمه، فيصح البيع» .\r-------------------------------\r(1) انظر سبل السلام: 31/3.\r(2) كشاف القناع: 11/2 ومابعدها، القواعد لابن رجب: ص 417، غاية المنتهى: 8/2، مطالب أولي النهى في شرح غاية المنتهى: 18/3.","part":5,"page":35},{"id":2881,"text":"وقال الشافعية والظاهرية: يشترط في المبيع أن يكون مملوكاً لمن له العقد، فبيع الفضولي باطل من أساسه لاينعقد أصلاً فلا تلحقه إجازة صاحب الشأن، ودليلهم مارواه أبو داود والترمذي ـ وقال: إنه حسن ـ عن النبي صلّى الله عليه وسلم قال: « لابيع إلا فيما تملك » . وصح أيضاً النهي عن بيع ماليس عند الإنسان (1) أي ماليس مملوكاً للبائع، وذلك للغرر الناشئ عن عدم القدرة على التسليم وقت العقد، ومايترتب عليه من النزاع. وقالوا عن حديث عروة البارقي أو حكيم بن حزام: إنه محمول على أنه كان وكيلاً مطلقاً عن النبي صلّى الله عليه وسلم ، ويدل عليه أنه باع الشاة وسلمها (2) ، فهي وكالة خالف فيها الوكيل إلى خير فينفذ تصرفه. وأما شراء الفضولي في رأي هؤلاء فيعتبر شراء لنفسه، ويلزمه هو وحده ولاينتقل الملك عنه إلى غيره إلا بعقد جديد كما هو رأي الحنفية.\rشروط إجازة تصرف الفضولي :\rاشترط الحنفية لإجازة عقد الفضولي شروطاً (3) :\r1 - أن يكون للعقد مجيز حالة العقد: أي من كان يستطيع إصدار العقد بنفسه، لأن ما له مجيز متصور منه الإذن بإتمام العقد للحال، وبعد صدور التصرف.\r-------------------------------\r(1) نص الحديث رواه أحمد وأصحاب السنن الأربعة عن حكيم بن حزام، وهو أن النبي صلّى الله عليه وسلم قال له : «لاتبع ماليس عندك » حسنه الترمذي ( انظر نصب الراية: 45/4، نيل الأوطار: 155/5) .\r(2) مغني المحتاج: 15/2، المجموع للنووي: 281/9، 284 ومابعدها.\r(3) البدائع: 149/5-151، فتح القدير: 311/5، الدر المختار ورد المحتار: 142/4.","part":5,"page":36},{"id":2882,"text":"وأما ما لا مجيز له فلا يتصور منه الإذن للحال، والإذن في المستقبل قد يحدث وقد لا يحدث. وعلى هذا: إذا طلق فضولي امرأة زوج بالغ، أو وهب ماله، أو تصدق به، انعقد التصرف موقوفاً على الإجازة؛ لأن صاحب الشأن كان يستطيع أن يصدر هذه العقود بنفسه، فيستطيع لهذا أن يجيزها بعد وقوعها، فكان للتصرف مجيز حال العقد. أما لو فعل فضولي شيئاً مما ذكر بالنسبة لصغير، فلا ينعقد العقد؛ لأن الصبي ليس من أهل هذه التصرفات بنفسه، فلم يكن لها مجيز حين العقد، وكذلك ولي الصبي لا قيمة لإجازته؛ لأنه لا يملك هذه التصرفات بنفسه.\r2 - أن تكون الإجازة حين وجود البائع، والمشتري، والمالك، والمبيع، فلو حصلت الإجازة بعد هلاك أحد هؤلاء، بطل العقد ولم تفد الإجازة شيئاً؛ لأن الإجازة تصرف في العقد، فلا بد من قيام العقد، وقيامه بقيام العاقدين والمعقود عليه.\r3 - ألا يمكن تنفيذ العقد على الفضولي عند رفض صاحب الشأن، على ما تبين سابقاً.\rفسخ عقد الفضولي وإجازته :\rفسخ العقد الصادر من الفضولي كبيع مثلاً: قد يكون من صاحب الشأن المالك للمبيع كما هو واضح، وقد يكون من الفضولي البائع قبل إجازة المالك، حتى يدفع عن نفسه الحقوق التي تلزمه لو أجاز المالك، وقد يكون من المشتري ليدفع عن نفسه ما قد يلحقه من ضرر بشرائه من غير صاحب الشأن. أما في عقد الزواج: فليس للفضولي فسخه، لأنه عقد ترجع فيه الحقوق إلى الأصيل صاحب الشأن (1) .\rأما إجازة عقد الفضولي فمقصورة على المالك (مالك المال) أو الغير الذي تعلق له حق بالمبيع، وذلك إذا كان البائع والمشتري والمبيع قائماً، بأن لايتغير المبيع بحيث يعد شيئاً آخر؛ لأن إجازته كالبيع حكماً، وكذا يشترط قيام الثمن إذا كان عرضاً معيناً؛ لأنه مبيع من وجه، فيكون ملكاً للفضولي، فإذا هلك هلك عليه (2) .\r-------------------------------\r(1) البدائع: 151/5، فتح القدير: /309-312.\r(2) الدر المختار ورد المحتار: 146/4 وما بعدها.","part":5,"page":37},{"id":2883,"text":"هل للفضولي الواحد أن يعقد العقد عن الطرفين :\rإذا باع ا لفضولي دار إنسان مثلاً وهما غائبان، وقبل عن المشتري، أو زوج إنساناً من امرأة وقبل عنهما، فلا ينعقد العقد؛ لأن تعدد العاقد شرط في انعقاد العقد، كما سبق بيانه، فلا يتوقف الإيجاب على قبول غائب عن المجلس في سائر العقود من نكاح وبيع وغيرهما، بل يبطل الإيجاب ولا تلحقه الإجازة اتفاقاً.\rوعلى هذا: إذا كان الشخص في عقد النكاح فضولياً من الجانبين أو من جانب واحد وكان من الجانب الآخر أصيلاً أو وكيلاً أو ولياً، فلا يتوقف إيجابه، بل يبطل عند أبي حنيفة ومحمد، سواء تكلم بكلام واحد أو بكلامين: أي إيجاب وقبول، كزوجت فلاناً وقبلت عنه. وقال أبو يوسف: يتوقف إيجاب الفضولي على قبول الغائب، كما يتوقف اتفاقاً لو قبل عنه فضولي آخر، فلو زوج فضوليان رجلاً من امرأة بغير علمهما جاز، وتوقف على قبولهما، فإن قبلا نفذ العقد، وإن رفضا لم ينفذ.\rدليل الطرفين: أن قبول الفضولي غير معتبر شرعاً؛ لأن الإيجاب لما صدر من الفضولي، وليس له قابل في المجلس، ولو فضولياً آخر، صدر باطلاً، غير متوقف على قبول الغائب، فلا يفيد قبول العاقد بعده.\rوبعبارة أخرى: إن الموجود حينئذ هو شطر العقد، ولا يمكن أن يعتبر الشطر الآخر متحققاً إلا بوكالة أو ولاية.\rودليل أبي يوسف: أن عبارة الفضولي تتضمن شطري العقد، فيجوز كما في الولي والوكيل (1) .\rتوقف تصرف الصبي المميز :\rإذا كان الصبي عاقلاً مميزاً: تصح تصرفاته في رأي الحنفية والحنابلة موقوفة على إجازة وليه، ما دام صغيراً أو على إجازته بنفسه بعد البلوغ إن لم توجد الإجازة من وليه حال صغره. فلو بلغ الصبي قبل إجازة الولي، فأجاز بنفسه جاز (2) ، وقد سبق ذكره، وتعرضت له هنا لصلته بالبيع الموقوف.\rثالثاً ـ شروط صحة البيع :\rشروط الصحة قسمان: عامة وخاصة (3) .\rفالشروط العامة: هي التي يجب أن تتحقق في كل أنواع البيع لتعتبر\r-------------------------------\r(1) انظر حاشية ابن عابدين: 448/2، الأحوال الشخصية للأستاذ المرحوم الدكتور مصطفى السباعي: 95/1.\r(2) البدائع: 149/5، المغني: /246.\r(3) انظر التفصيل في حاشية ابن عابدين: 6/4، عقد البيع للأستاذ الزرقاء ص 25 ومابعدها، الأموال ونظرية العقد للدكتور محمد يوسف موسى: ص 394 ومابعدها.","part":5,"page":38},{"id":2884,"text":"صحيحة شرعاً. وهي إجمالاً أن يخلو عقد البيع من العيوب الستة، وهي: الجهالة، والإكراه، والتوقيت، والغرر، والضرر، والشروط المفسدة.\rالأول ـ الجهالة: يراد بها الجهالة الفاحشة أو التي تفضي إلى نزاع يتعذر حله وهو النزاع الذي تتساوى فيه حجة الطرفين بالاستناد إلى الجهالة، كما لو باع إنسان شاة من قطيع. وهذه الجهالة أربعة أنواع:\r1 - جهالة المبيع جنساً أو نوعاً أو قدراً بالنسبة إلى المشتري.\r2 - جهالة الثمن كذلك: فلا يصح بيع الشيء بثمن مثله، أو بما سيستقر عليه السعر.\r3 - جهالة الآجال، كما في الثمن المؤجل، أو في خيار الشرط، فيجب أن تكون المدة معلومة وإلا فسد العقد. ويلاحظ أن الذي يجوز تأجيله لأجل معلوم في عقد البيع هو الثمن أو المبيع إذا كان كل منها ديناً ثابتاً في الذمة، فإن كان الثمن أو المبيع عيناً، فلا يجوز تأجيله باتفاق العلماء، فلو باع شخص سلعة معينة على أن يسلمها بعد شهر، أو اشترى شخص بثمن عين ( أي ذات معينة غير دين ) على أن يدفع الثمن بعد شهر، فالبيع فاسد، ولو كان الأجل معلوماً؛ لأن الأجل شرع ترفيها ليتمكن العاقد من الحصول على العوض أثناءه، وهذا أمر يليق بالديون لأنها ليست معينة في البيع، ولا يليق بالأعيان المعينة لأن العين معين حاضر، فيكون تأخير تسليمه ملحقاً ضرراً من غير فائدة أو تحصيلاً لحاصل (1) .\r-------------------------------\r(1) راجع فتح القدير: 219/5، المجموع: 373/9، بداية المجتهد: 155/2.","part":5,"page":39},{"id":2885,"text":"4 - الجهالة في وسائل التوثيق، كما لو اشترط البائع تقديم كفيل أو رهن بالثمن المؤجل، فيجب أن يكونا معينين وإلا فسد العقد.\rالثاني ـ الإكراه: هو حمل المستكره على أمر يفعله وهو نوعان:\r1 - إكراه ملجئ أو تام: وهو الذي يجد المستكره نفسه مضطراً به لفعل الأمر المكره عليه، وذلك كالتهديد بالقتل أو الضرب الذي يخشى منه ضياع عضو.\r2 - إكراه غير ملجئ أو ناقص: كالتهديد بالحبس أو الضرب أو إيقاع الظلم به كمنع ترقيته في وظيفته أو إنزاله درجة.\rوالإكراه بنوعيه يؤثر في البيع، فيجعله فاسداً عند جمهور الحنفية وموقوفاً عند زفر. فيملك المشتري المبيع بالقبض إذا اعتبر فاسداً، ولا يملكه مطلقاً بالقبض إذا اعتبر موقوفاً، والأرجح اعتبار عقد المكره موقوفاً، لأنه باتفاق الحنفية إذا أجازه المستكره بعد زوال الإكراه يجوز ويلزم في حقه، وهذا هو حكم العقد الموقوف لا الفاسد (1) .\rالثالث ـ التوقيت: هو أن يوقت البيع بمدة كما لو قال: بعتك هذا الثوب شهراً أو سنة، فيكون البيع فاسداً، لأن ملكية العين لاتقبل التأقيت.\rالرابع ـ الغرر: المراد به غرر الوصف، كما لو باع بقرة على أنها تحلب كذا رطلاً، لأنه موهوم التحقق فقد ينقص.\rأما لو باعها على أنها حلوب دون تحديد مقدار، فإنه شرط صحيح. وأما غرر الوجود فهو مبطل للبيع لنهي النبي صلّى الله عليه وسلم عن بيع الغرر (2) : وهو ماكان المبيع فيه محتملا ً للوجود والعدم، كبيع نتاج النتاج، وبيع الحمل الموجود.\r-------------------------------\r(1) انظر البدائع: 188/7، المدخل الفقهي للأستاذ الزرقاء: 364/1 في الحاشية ف 185.\r(2) رواه مسلم وأحمد وأصحاب السنن الأربعة عن أبي هريرة رضي الله عنه (انظر جامع الأصول: 441/1، مجمع الزوائد : 80/4).","part":5,"page":40},{"id":2886,"text":"الخامس ـ الضرر: يراد به ما إذا كان تسليم المبيع لا يمكن إلا بإدخال ضرر على البائع، فيما سوى المبيع من ماله، كما لو باع جذعاً معيناً في سقف مبني، أو ذراعاً من ثوب يضره التبعيض، فإن التنفيذ يقضي بهدم ما حول الجذع وتعطيل الثوب.\rوبما أن الفساد هنا لصيانة حق شخصي، لا لحق الشرع، قرر الفقهاء أن البائع لو نفذ الضرر على نفسه، بأن قلع الجذع أو قطع الثوب وسلمه إلى المشتري، انقلب البيع صحيحاً.\rالسادس ـ الشرط المفسد: هو كل شرط فيه نفع لأحد المتبايعين، إذا لم يكن قد ورد به الشرع، أو جرى به العرف، أو يقتضيه العقد، أو يلائم مقتضاه، مثل أن يبيع سيارة على أن يستخدمها شهراً بعد البيع، أو داراً على أن يظل مقيماً بها مدة معينة، أو أن يشترط المشتري على البائع في صلب العقد أن يقرضه مبلغاً من المال.\rوالشرط الفاسد إذا وجد في عقد من عقود المعاوضات المالية كالبيع والإجارة والقسمة مثلاً أفسده، ولكنه يكون لغواً في العقود الأخرى، مثل التبرعات والتوثيقات والزواج، وتكون هذه العقود حينئذ صحيحة (1) .\rوقد علق الأستاذ مصطفى الزرقاء على ذلك، فقال: وبما أن عرف الناس مصحح للشروط في نظر الفقهاء، فكل شرط فاسد في الأصل ينقلب صحيحاً ملزماً إذا تعارفه الناس، وشاع بينهم اشتراطه. وعندئذ يمكن القول: بأن الشرط الفاسد قد زال فقهياً من معاملات الناس بمفعول الزمن، وأصبحت الشروط في هذا العصر كلها صحيحة بمقتضى قواعد الاجتهاد الحنفي نفسه (2) .\r-------------------------------\r(1) الأموال ونظرية العقد لأستاذنا المرحوم محمد يوسف موسى: ص 423.\r(2) عقد البيع: ص 28.","part":5,"page":41},{"id":2887,"text":"وأما الشروط الخاصة: فهي التي تخص بعض أنواع البيع دون بعض وهي كما يأتي:\r1 - القبض في بيع المنقولات: أي أنه إذا باع شخص شيئاً من المنقولات التي كان قد اشتراها، فيشترط لصحة بيعه: أن يكون قد قبضها من بائعها الأول، لأن المنقول يكثر هلاكه، فيكون في بيعه ثانية قبل قبضه غرر، أما إذا كان عقاراً فيجوز بيعه قبل القبض عند أبي حنيفة وأبي يوسف كما سيأتي.\r2 - معرفة الثمن الأول في بيوع الأمانة، أي إذا كان البيع مرابحة أو تولية أو وضيعة أو إشراكاً. وسيأتي تفسيرها.\r3 - التقابض في البدلين قبل الافتراق إذا كان البيع صرفاً.\r4 - توافر شروط السلم التي سيأتي ذكرها إذا كان البيع سلماً.\r5 - المماثلة في البدلين إذا كان المال ربوياً والخلو عن شبهة الربا.\r6 - القبض في الديون الثابتة في الذمة، كالمسلم فيه، ورأس مال السلم، وبيع شيء بدين على غير البائع، فلا يصح بيعها من غير من عليه الدين إلا بعد قبضها. مثاله: لا يصح لرب السلَم أي (المشتري) أن يبيع المال المسلم فيه قبل قبضه من المسلم إلىه (البائع)، ولا يصح للدائن أن يشتري بدينه شيئاً من غير المدين قبل قبضه.\rرابعاً ـ شروط لزوم البيع :\rشرائط اللزوم تأتي بعد شرائط الانعقاد والنفاذ، فيشترط للزوم البيع: خلوه من أحد الخيارات التي تسوغ لأحد العاقدين فسخ العقد: مثل خيار الشرط والوصف والنقد والتعيين، والرؤية، والعيب، والغبن مع التغرير. فإذا وجد في البيع شيء من هذه الخيارات منع لزومه في حق من له الخيار، فكان له أن يفسخ البيع أو أن يقبله، إلا إذا حدث ما نع من ذلك، كما سيأتي في مباحث الخيارات (1) .\rويلاحظ أن الانعقاد يقابله البطلان، والصحة يقابلها الفساد، والنفاذ يقابله التوقف، واللزوم يقابله عدم اللزوم أي التخيير.\r-------------------------------\r(1) حاشية ابن عابدين: 6/4، عقد البيع للأستاذ الزرقاء: ص 32.","part":5,"page":42},{"id":2888,"text":"خلاصة أنواع شروط البيع في المذاهب وبيان الاتفاق والاختلاف فيها :\rاختلف الفقهاء في أنواع شروط البيع، فهي عند الحنفية ثلاثة وعشرون شرطاً، وفي مذهب المالكية أحد عشر شرطاً، ولدى الشافعية اثنان وعشرون شرطاً، وفي رأي الحنابلة أحد عشر شرطاً.\rالشروط في مذهب الحنفية :\rشروط البيع عند الحنفية أربعة أقسام: شروط الانعقاد، وشروط الصحة، وشروط النفاذ، وشروط اللزوم، وجملتها ثلاثة وعشرون شرطاً (1) .\rأما شروط الانعقاد، فهي أربعة أنواع:\rالنوع الأول ـ شروط العاقد: يشترط في العاقد، سواء أكان بائعاً أم مشترياً شرطان هما:\r1ً - أن يكون عاقلاً أو مميزاً: فلا ينعقد بيع المجنون ولا شراؤه، ومثله الصغير غير المميز.\r2ً - أن يكون متعدداً: فلا ينعقد البيع بشخص واحد، بل يلزم أن يكون الإيجاب من شخص، والقبول من شخص آخر، إلا الأب ووصيه والقاضي والرسول من الجانبين، يكون كل منهم بائعاً ومشترياً بنفسه.\rالنوع الثاني ـ شروط الصيغة: يشترط في صيغة العقد من الإيجاب والقبول ثلاثة شروط هي:\r1ً - سماع الصيغة: فلا ينعقد البيع إلا إذا سمع كل واحد من العاقدين كلام صاحبه.\r2ً - توافق الإيجاب والقبول: بأن يقبل المشتري كل ما أوجبه البائع وبما أوجبه من الثمن، فإذا اختلف القبول مع الإيجاب، لا ينعقد البيع، إلا إذا كانت المخالفة إلى خير، بأن يقبل المشتري زيادة عن الثمن الموجب به.\r3ً - اتحاد مجلس العقد: بأن يكون الإيجاب والقبول في مجلس واحد، دون فاصل، فإن اختلف المجلس لا ينعقد البيع، وإن تخلل انقطاع أجنبي عن العقد بأن يقوم أحدهما عن المجلس قبل القبول، أو يشتغل بعمل آخر، لم ينعقد البيع. واعتبر المجلس الواحد جمعاً للمتفرقات بحسب التعاقد وعادة الناس. ولا يشترط الفور في القبول؛ لأن القابل يحتاج إلى التأمل.\r-------------------------------\r(1) البدائع: 135/5-148، 155.","part":5,"page":43},{"id":2889,"text":"وفي التعاقد بين غائبين بطريق المراسلة يعتبر مجلس بلوغ الرسالة من العاقد الأول إلى الثاني هو مجلس التعاقد.\rالنوع الثالث ـ شروط المعقود عليه: يشترط في المعقود عليه خمسة شروط هي:\r1ً - أن يكون المبيع مالاً: وهو ما يمكن الانتفاع به في العادة، فلا ينعقد بيع الميتة وبيع اليسير من المال كحبة حنطة؛ لأنه ليس بمال.\r2ً - أن يكون متقوماً: وهو ما يباح الانتفاع به شرعاً، فلا ينعقد بيع الخمر والخنزير؛ إذ لا يباح الانتفاع بهما شرعاً. وقد جمعت هذين الشرطين سابقاً في شرط واحد.\r3ً - أن يكون محرزاً، أي مملوكاً في نفسه: وهو ما دخل تحت حيازة ملك خاص، فلا ينعقد بيع ما ليس بمملوك لأحد من الناس، كالعشب المباح ولو في أرض مملوكة.\r4ً - أن يكون المعقود عليه موجوداً حين التعاقد: فلا ينعقد بيع المعدوم كنتاج النتاج(ولد الولد)، ولا ماله خطر العدم واحتمال الوجود كالحمل في البطن، واللبن في الضرع.\r5ً - أن يكون مقدور التسليم حين العقد: فلا ينعقد بيع السمك في الماء والطير في الهواء.\rالنوع الرابع ـ شرط البدل :\rوهو شرط واحد وهو أن يكون مالاً متقوماً قائماً، فلا ينعقد البيع بثمن لا يعد مالاً متقوماً كالخمر والخنزير.\rوأما شروط الصحة: فهي قسمان: عامة وخاصة.\rأما العامة: فهي المتعلقة بكل أنواع البيع، وهي جميع شروط الانعقاد المذكورة آنفاً؛ لأن كل عقد لا ينعقد، فلا يصح أيضاً، ويزاد عليها شروط أربعة هي:\r1ً - أن يكون المبيع معلوماً والثمن معلوماً علماً يمنع من المنازعة: فلا يصح بيع المجهول كشاة من قطيع غنم، ولا أن يبيع شيئاً بثمن مجهول غير معين، كأن يبيع شيئاً بقيمته، أو بما في يده أو جيبه.\r2ً - ألا يكون البيع مؤقتاً: فإن أقته بوقت لا يصح؛ لأن مقتضى البيع هو إفادة نقل الملكية في البدلين (المبيع والثمن) أبدياً على الدوام.\r3ً - أن يكون للبيع فائدة: فلا يصح بيع درهم بدرهم مساوٍ له.","part":5,"page":44},{"id":2890,"text":"4ً - أن يخلو عن الشرط المفسد: وهو كل شرط فيه منفعة زائدة لأحد المتعاقدين، إذ لم يرد به الشرع، ولم يجز به العرف، ولا يلائم مقتضى العقد، كاشتراط أن تكون الدابة حاملاً، أو أن ينتفع بالمبيع مدة بعد البيع، أو أن يقرض المشتري البائع مبلغاً من المال.\rوأما الشروط الخاصة ببعض أنواع البيوع فهي خمسة:\r1ً - القبض في بيع المنقول والعقار الذي يخشى هلاكه: فإن اشترى شخص شيئاً، لم يصح بيعه لآخر قبل قبضه للنهي عن بيع مالم يقبض.أما العقار الذي لا يخشى هلاكه، فيجوز بيعه قبل القبض في رأي الشيخين أبي حنيفة وأبي يوسف.\r2ً - أن يكون الثمن الأول معلوماً في بيوع الأمانة: وهي بيع المرابحة والتولية والوضيعة.\r3ً - التقابض والتساوي في البدلين المتحدي الجنس وكانا مما يكال أو يوزن، وهذا شرط في بيع الأموال الربوية.\r4ً - توافر شروط السلم الخاصة به مثل قبض رأس مال السلم كله في مجلس العقد.\r5ً - ألا يكون أحد البدلين دَيْناً في بيع الدين إلى غير المدين.\rوأما شروط النفاذ: فهي اثنان:\r1ً - أن يكون المبيع مملوكاً للبائع، أو له عليه ولاية: فلا ينفذ بيع غير المملوك للبائع وهو بيع ملك الغير أو بيع الفضولي، إلا في عقد السلم، فإنه يصح بيع ما سيملكه بعد العقد.\r2ً - ألا يكون في المبيع حق لغير البائع: فلا ينفذ بيع المرهون والمأجور؛ لأنه وإن كان مملوكاً له، ولكن للغير حق فيه.\rوأما ما يشترط في لزوم العقد؛ فهو شرط واحد:\rوهو خلو البيع من الخيار، فلا يلزم البيع المشتمل على الخيار، ويجوز فسخه.\rشروط البيع في مذهب المالكية :\rاشترط المالكية شروطاً في العاقد وفي الصيغة وفي المعقود عليه، وجملتها أحد عشر شرطاً (1) .\rأما شروط العاقد بائعاً أو مشترياً فهي ثلاثة، يزاد عليها رابع في البائع:\r1ً - أن يكون كل من البائع والمشتري مميزاً: فلا ينعقد بيع الصبي غير\r-------------------------------\r(1) القوانين الفقهية: ص 245 وما بعدها، بداية المجتهد: 125/2-127، 168-171.","part":5,"page":45},{"id":2891,"text":"المميز، والمجنون والمغمى عليه والسكران. أما بيع المميز فلا يلزم وإن كان صحيحاً إلا إذا كان وكيلاً عن مكلف، فإن بيعه يلزم.\r2ً - أن يكون كلاهما مالكين، أو وكيلين لمالكين، أو ناظرين عليهما: فينعقد بيع الفضولي: وهوالشراء لأحد بغير إذنه أو البيع عليه بغير إذنه، ويتوقف على إذن المالك.\r3ً - أن يكونا طائعين: فبيع المكره وشراؤه باطلان. والمعتمد لدى المالكية أن بيع المكره غير لازم.\r4ً - أن يكون البائع رشيداً: فلا ينفذ بيع السفيه والمحجور، وشراؤه موقوف على إجازة وليه.\rولا يشترط الإسلام في العاقد إلا في شراء العبد المسلم، وفي شراء المصحف، لكن يكون البيع صحيحاً نافذاً، ويجبر المشتري الكافر على إخراج المبيع من ملكه؛ لأن في تملكه العبد المسلم أو المصحف إهانة، ويصح بيع الأعمى وشراؤه.\rوأما شروط الصيغة فهي اثنان :\r1ً - أن يتحد المجلس: بأن يكون القبول مع الإيجاب في مجلس واحد: فلو قال البائع للمشتري: بعتك الكتاب بكذا، فلم يجبه، ثم تفرقا عن المجلس، لم ينعقد البيع.\r2ً - ألا يفصل بين الإيجاب والقبول فاصل يدل على الإعراض عن البيع عرفاً: فإن وجد فاصل يدل على الإعراض عرفاً، لم ينعقد البيع.\rوأما شروط الثمن والمثمن فهي خمسة:\r1ً - أن يكون غير منهي عنه شرعاً: فلا ينعقد بيع الميتة والدم وما لم يقبض.\r2ً - أن يكون طاهراً: فلا يجوز بيع النجس كالخمر والخنزير، والمشهور منع بيع العاج والزبل والزيت النجس مطلقاً. وأجاز ابن وهب ذلك البيع، فمن رأى أن عاج الفيل ناب جعله كالميتة، ومن رأى أنه قرن معكوس جعل حكمه حكم القرن.\r3ً - أن يكون منتفعاً به شرعاً: فلا يجوز بيع ما لا منفعة فيه كالكلاب والخشاش (الحشرات) وآلات اللهو، واختلف المالكية في بيع الكلاب للصيد وحراسة الغنم على رأيين.\r4ً - أن يكون معلوماً للعاقدين: فلا يجوز بيع المجهول.","part":5,"page":46},{"id":2892,"text":"5ً - أن يكون مقدوراً على تسليمه: فلا ينعقد بيع معجوز التسليم كالسمك في الماء.\rشروط البيع في مذهب الشافعية :\rاشترط الشافعية اثنين وعشرين شرطاً وهي إما في العاقد، وإما في الصيغة، وإما في المعقود عليه (1) .\rأما شروط العاقد فهي أربعة:\r1ً - الرشد: وهو أن يكون بالغاً عاقلاً، مصلحاً لدينه وماله: فلا ينعقد بيع صبي وإن قصد اختباره، ولا من مجنون، ولا من محجور عليه بسفه. لكن لو تعاقد الصبي و أتلف عنده ما ابتاع أو ما اقترض من رشيد، وأقبضه له، لم يضمن؛ لأن المُقبض أو المُسلِّم هو المضيع لماله، هذا في الظاهر، أما في الباطن، فيغرم بعد البلوغ، كما نص عليه الشافعي في الأم في باب الإقرار. أما إن تسلم المبيع من صبي مثله، ولم يأذن الوليان لهما، ضمن كل منهما ما قبض من الآخر. فإن كان التسليم بإذن الوليين، فالضمان عليهما فقط، لوجود التسليط منهما.\rوعلى البائع للصبي رد الثمن إلى وليه، فلو رده إلى الصبي، ولو بإذن الولي، وهو ملك الصبي، لم يبرأ منه. وإن رده للولي برئ منه. هذا أي عدم البراءة ما إذا لم يكن المبيع في مصلحة تتعلق ببدن الصبي من مأكل أو مشرب ونحوهما، وإلا برئ.\r2ً - عدم الإكراه بغير حق: فلا يصح عقد مكره في ماله بغير حق، لقوله تعالى: {إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم} [النساء:29/4].\rولا أثر لقول المكره بغير حق إلا في الصلاة، فتبطل به في الأصح، ولا لفعله إلا في الرضاع والحدث والتحول عن القبلة وترك القيام في الفريضة مع القدرة، وكذا القتل ونحوه في الأصح.\rأما الإكراه بحق: فيصح، إقامة لرضا الشرع مقام رضاه، كمن توجه عليه دين، وامتنع من الوفاء والبيع، فإن شاء القاضي، باع ماله بغير إذنه، لوفاء دينه، وإن شاء عزره وحبسه إلى أن يبيعه.\r-------------------------------\r(1) مغني المحتاج: 5/2-16، تحفة الطلاب: ص 141-145.","part":5,"page":47},{"id":2893,"text":"3ً - إسلام من يشترى له مصحف ونحوه من كتب حديث وآثار سلف وكتب فقه فيها شيء من القرآن والحديث وآثار السلف، لما في ذلك من الإهانة لها: فلايصح شراء الكافر المصحف ونحوه مما ذكر، ولا شراء الكافر العبد المسلم في الأظهر، لما فيه من إذلال المسلم، ولقوله تعالى: {ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلاً} [النساء:141/4].\r4ً - ألا يكون المشتري حربياً محارباً في بيع آلات الحرب كسيف ورمح ونحوهما، لتقوي الحربيين بهما على المسلمين، واستعانتهم بذلك على قتالنا. أما غير عُدَّة الحرب، ولو مما يصنع منه كالحديد، فيجوز بيعه للحربي؛ إذ لا يتعين جعله عدة حرب. والذمي في دار الحرب كالحربي.\rوأما شروط الصيغة فهي ثلاثة عشر:\r1ً - الخطاب: بأن يخاطب كل من العاقدين صاحبه، كأن يقول له: بعتك كذا، فلو قال: بعت لزيد، فلا يصح.\r2ً - أن يقع الخطاب على جملة المخاطب: كأن يقول له: بعتك، أما لو قال له: بعت يدك أو رأسك مثلاً، فلا يصح.\r3ً - أن يكون القبول ممن صدر معه الخطاب: فلو وجه الإيجاب، فقبل عنه آخر ليس وكيلاً عنه، فلا يصح البيع. ولو مات المخاطب به قبل قبوله، فقبل وارثه، لم ينعقد البيع، وكذا لو قبل وكيله أو موكله.\r4ً - أن يذكر البادئ بالكلام الثمن والمثمن: كأن يقول: بعتك هذا الشيء بكذا، أو اشتريت منك هذا الشيء بكذا.\r5ً - أن يقصد كلا العاقدين معنى اللفظ الذي ينطق به: فإذا جرى على لسانه لفظ الإيجاب أو القبول، أو كان هازلاً، دون أن يقصد التمليك والتملك، لا يصح البيع.\r6ً - أن يصر البادئ على ما أتى به من الإيجاب إلى القبول، وأن تستمر أهلية العاقدين إلى تمام القبول: فلو قال: بعتك، ثم جن أو أغمي عليه قبل قبول الآخر، بطل العقد. ولو أوجب بمؤجل أو شرط الخيار، ثم أسقط الأجل أو الخيار، لم يصح العقد، لضعف الإيجاب وحده، في الحالتين.","part":5,"page":48},{"id":2894,"text":"7ً - ألا يطول الفصل بين لفظي الإيجاب والقبول، ولو بكتابة أو إشارة أخرس بسكوت طويل. والفاصل الطويل: هو ما أشعر بإعراضه عن القبول. أما الفصل اليسير بالسكوت فلا يضر، لعدم إشعاره بالإعراض عن القبول.\r8ً - ألا يتخلل بين الإيجاب والقبول كلام أجنبي عن العقد، ولو يسيراً، فيضر الفصل اليسير بالكلام الأجنبي؛ وإن لم يتفرقا عن المجلس؛ لأن فيه إعراضاً عن القبول، بخلاف السكوت اليسير، وبخلاف يسير الكلام الأجنبي في الخلع؛ لأن فيه من جانب الزوج شائبة التعليق، ومن جانب الزوجة شائبة جعالة، وكل منهما موسع فيه محتمل للجهالة، بخلاف البيع.\r9ً - ألا يغير الموجب كلامه قبل قبول الآخر: فإذا قال: بعتك بخمسة، ثم قال: بعشرة، قبل أن يقبل الآخر، لم يصح العقد.\r10ً - سماع الصيغة: بأن يسمع كل عاقد ومن بقربه من الحاضرين كلام الآخر، فإن لم يسمعه من كان قريباً لم ينعقد العقد.\r11ً - أن يتوافق الإيجاب والقبول تماماً: فلو اختلفا، لم يصح العقد.\r12ً - ألا يعلق الصيغة بشيء لا يقتضيه العقد: مثل إن جاء فلان فقد بعتك كذا، أو بعتك هذه الدار إن شاء فلان أو إن شاء الله ؛ لأن البيع يقتضي التنجيز. أما إن علق بما يقتضيه العقد، كقوله: بعتك هذا بكذا إن شئت، فقال: اشتريت، صح العقد؛ لأن هذا التعليق لا ينافي العقد، وهو تصريح بمقتضى العقد.\r13ً - ألا يكون العقد مؤقتاً: فلو قال: بعتك الدار بألف شهراً مثلاً، لم يصح؛ لأن البيع يقتضي التأبيد.\rوأما شروط المعقود عليه فهي خمسة:\r1ً - أن يكون المعقود عليه طاهراً: فلا يصح بيع الكلب والخمر، والمتنجس الذي لا يمكن تطهيره كالخل واللبن والدبس وكذا الدهن في الأصح.","part":5,"page":49},{"id":2895,"text":"2ً - أن يكون منتفعاً به شرعاً: فلا يصح بيع الحشرات التي لا نفع فيها، ولا يصح بيع كل سبع أو طير لا ينفع كالأسد والذئب والحدأة والغراب غير المأكول. ولا يصح بيع آلة اللهو كالطنبور والصنج والمزمار والعود والأصنام والصور وإن اتخذت من نقد، للحرمة، ولأنه لا نفع بها شرعاً. ولا يصح بيع حبتي حنطة ونحوها، لعدم المالية. ويمكن أن يشمل هذين الشرطين كون المعقود عليه غير منهي عنه شرعاً. ويصح بيع الماء المحرز على الشط، والحجر عند الجبل والتراب بالصحراء ممن حازها، في الأصح، لظهور المنفعة فيها.\r3ً - أن يكون مقدور التسليم: فلا يصح بيع الطير في الهواء ولا السمك في الماء، ولا بيع الضالّ والآبق والمغصوب، لكن إن باعه لقادر على انتزاعه من الغاصب، أو باع الآبق لقادر على رده، صح على الصحيح، نظراً إلى وصوله إليهما، إلا إن احتاج إلى مؤنة، فالظاهر البطلان.\r4ً - أن يكون مملوكاً للعاقد أو له عليه ولاية: فبيع الفضولي (وهو البائع مال غيره بغير إذنه ولا ولاية له) باطل، لقوله صلّى الله عليه وسلم : «لا بيع إلا فيما تملك» (1) .\r5ً - أن يكون معلوماً للعاقدين عيناً وقدراً وصفة: فبيع أحد الثوبين ونحوهما باطل للغرر أو الجهالة. ويصح بيع صاع من صُبرة ( وهي الكومة من الطعام ) لتساوي أجزائهما، وتغتفر جهالة المبيع هنا، فإنه ينزل على صاع مبهم، لتعذر الإشاعة. أما بيع شيء من أشياء متفاوتة الأجزاء كبيع شاة من هذه الشياه، فلا يصح، لتفاوت الأجزاء.\r-------------------------------\r(1) رواه أبو داود والترمذي، وقال: إنه حسن.","part":5,"page":50},{"id":2896,"text":"شروط البيع في مذهب الحنابلة :\rاشترط الحنابلة أحد عشر شرطاً في البيع: إما في العاقد، وإما في الصيغة، وإما في المعقود عليه (1) .\rأما شروط العاقد؛ فهي اثنان:\r1ً - الرشد إلا في يسير: فلا يصح بيع الصبي والمجنون والسكران والسفيه، لكن إذا أذن الولي لمميز وسفيه لمصلحة، صح العقد، ويحرم الإذن لهما بلا مصلحة، لما فيه من الإضاعة.\rولا يصح من المميز والسفيه قبول هبة ووصية وبيع ونحوها بلا إذن ولي لهما.\rويصح تصرف صغير ولو دون سن التمييز في الأمر اليسير، لما روي «أن أبا الدرداء اشترى من صبي عصفوراً فأرسله» (2) . ويصح تصرف سفيه في شيء يسير كباقة بقل وكبريت ونحوها؛ لأن الحكمة في الحجر خوف ضياع المال، وهو مفقود في اليسير.\rويصح توكيل مميز في إرسال هدية ودخول دار، عملاً بالعرف.\r2ً - التراضي من المتبايعين والاختيار أو عدم الإكراه إلا بحق: وهو أن يأتي العاقد بالبيع اختياراً، لقوله تعالى: {إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم} [النساء:29/4] ولحديث «إنما البيع عن تراض» (3) . فبيع التلجئة أو الأمانة: بأن يظهر العاقدان بيعاً لم يريداه باطناً، بل أظهراه خوفاً من ظالم ونحوه: باطل. وكذا بيع الهازل باطل؛ لأنه لم ترد حقيقته.\rويصح البيع في حالة الإكراه بحق كالذي يكره الحاكم على بيع ماله لوفاء دينه، أو على شراء ما يوفي ما عليه من دين؛ لأنه قول حمل عليه بحق، فصح. فأمثلة المكره بحق: راهن ومحتكر ومدين وممتنع.\rويكره الشراء من المضطر: وهو الذي يبيع ماله بأقل من ثمن مثله.\rوأما شروط الصيغة فهي ثلاثة:\r1ً - اتحاد المجلس: بأن يكون القبول في مجلس الإيجاب، فإذا قال البائع: بعتك، ثم تفرقا قبل القبول من المجلس، لم ينعقد البيع.\r2ً - ألا يكون بين القبول والإيجاب فاصل يدل على الإعراض عن البيع عرفاً.\r3ً - ألا يكون العقد مؤقتاً ولا معلقاً بغير مشيئة الله : مثل بعتك سنة أو بعت أو اشتريت إن رضي فلان.\rوأما شروط المعقود عليه مبيعاً أو ثمناً فهي ستة شروط وهي:\r-------------------------------\r(1) غاية المنتهى: 5/2-14، كشاف القناع: 139/3-166.\r(2) ذكره ابن أبي موسى.\r(3) رواه ابن حبان، وقد سبق تخريجه مفصلاً.","part":5,"page":51},{"id":2897,"text":"1ً - أن يكون مالاً: وهو ما يباح الانتفاع به شرعاً مطلقاً في غير حاجة ولا ضرورة؛ لأن البيع مبادلة مال بمال، فلا يصح بيع ما لا نفع فيه أصلاً\rكالحشرات، وما فيه منفعة محرَّمة كالخمر، وما فيه منفعة مباحة للحاجة كالكلب، وما فيه منفعة تباح للضرورة كالميتة حال الاضطرار أو المخمصة، والخمر لدفع لقمة غص بها.\rويصح بيع جلد ميتة دبغ وكان اقتناؤه بلا حاجة، ويجوز بيع بغل وحمار ودود قز ونحل منفرداً بشرط كونه مقدوراً عليه، أو مع كوَّارته إذا شوهد داخلاً فيها؛ لأن فيه منافع للناس، ويصح بيع ما يصاد عليه من الطيور، وديدان لصيد سمك، وسباع بهائم وجوارح طير للاصطياد، لا لغيره، ويصح بيع علق لمص دم.\rويصح بيع طير لقصد صوته كبلبل وهزار؛ لأن فيه نفعاً مباحاً، وكذا يصح بيع ببغاء وهي الدُّرة ونحوها كقُمري.\rويجوز إهداء الكلب المباح والإثابة عليه، لا على وجه البيع.\rولا يجوز بيع سموم قاتلة كسم الأفاعي، لخلوها من نفع مباح، وكذا لايجوز بيع سم الحشائش والنبات، إلا ما ينتفع به وأمكن التداوي بيسيره كالسقمونيا ونحوها.\rويحرم بيع المصحف لمسلم أو لكافر، لأن تعظيمه واجب، وفي بيعه ابتذال له وترك لتعظيمه، ولأن الكافر يمنع من استدامة ملك المصحف، فيمنع من ابتدائه.","part":5,"page":52},{"id":2898,"text":"ولا يصح بيع آلة لهو كمزمار وطنبور ونرد وشطرنج، ولا بيع حشرات كخنافس وفأر وحيات وعقارب وصراصر ونحوها، ولا بيع ميتة ولو لمضطر ولا بيع دم وخنزير وصنم. ولا يصح بيع سرجين نجس (زبل)، ولا بيع أدهان نجسة العين من شحوم الميتة وغيرها، لحديث البخاري ومسلم: «إن الله إذا حرم شيئاً حرم ثمنه» ولا يحل الانتفاع بالأدهان النجسة باستصباح ولا غيره، فقد حرمه النبي صلّى الله عليه وسلم في حديث جابر المتفق عليه. ولا يصح بيع أدهان متنجسة كزيت لاقى نجاسة، ولو لكافر للحديث السابق: «إن الله تعالى إذا حرم شيئاً حرم ثمنه» ويجوز الاستصباح في الأدهان المتنجسة في غير مسجد؛ لأنه أمكن الانتفاع بها من غير ضرر.\rولا يصح بيع الحر، لحديث البخاري ومسلم: «ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة، ومنهم: ورجل باع حراً وأكل ثمنه» . ولا يصح بيع ما ليس بمملوك من المباحات من نحو كلأ وماء ومعدن قبل حيازتها وتملكها، لفقد الشرط الآتي:\r2ً - أن يكون المبيع مملوكاً لبائعه ملكاً تاماً، لقوله صلّى الله عليه وسلم لحكيم بن حزام: «لا تبع ما ليس عندك» (1) ، فلا يصح تصرف فضولي مطلقاً ولو أجيز بعد.\rولا يصح بيع ما لا يملكه الإنسان كحر ومباح قبل حيازته، ولا بيع أرض موقوفة مما فتح عنوة ولم تقسم كمصر والشام، ويصح بيع إمام لها لمصلحة كوقفه وإقطاعه تمليكاً، أو غير إمام وحكم به من يرى صحته. ولا يصح بيع ولا إجارة رباع مكة والحرم: وهي المنازل، وكذا بقاع المناسك كالمسعى والمرمى والموقف ونحوها، لأنها كالمساجد لعموم نفعها، ولأن مكة فتحت عنوة. ولا يصح بيع ما ليس مملوكاً ملكاً تاماً كالمبيع وقت الخيار.\r3ً - أن يكون المبيع مقدوراً على تسليمه حال العقد: لأن ما لا يقدر على تسليمه شبيه بالمعدوم، والمعدوم لا يصح بيعه، فكذا ما أشبهه.\r-------------------------------\r(1) رواه ابن ماجه والترمذي وصححه","part":5,"page":53},{"id":2899,"text":". فلا يصح بيع نصف معين من نحو إناء وسيف وحيوان، ودين لغير مدين، ولا آبق وشارد ولو لقادر على تحصيلهما. لحديث «نهى رسول الله صلّى الله عليه وسلم عن شراء العبد وهو آبق» (1) ولا يصح بيع سمك بماء إلا مرئياً بمحجوز يسهل أخذه منه، ولا يصح بيع طائر يصعب أخذه، أو في الهواء وألف الرجوع إلا في مكان مغلق؛ لأنه غير مقدور على تسليمه.\rولا يصح بيع مغصوب إلا لغاصبه أو قادر على أخذه، وله الفسخ إن عجز.\r4ً - أن يكون المبيع معلوماً للبائع والمشتري برؤية تحصل بها معرفته، عند العقد أو قبله بزمن لا يتغير فيه المبيع يقيناً أو ظاهراً.\rويصح بيع الأعمى وشراؤه بما يمكنه معرفة ما يبيعه أو يشتريه بغير حاسة البصر كشم ولمس وذوق، لحصول العلم بحقيقة المبيع. ويصح بيع قفيز من صُبرة ( كومة طعام وغيره ).\rولا يصح بيع الأُنموذج: وهو ما يدل على صفة الشيء، كأن يريه صاعاً مثلاً من صبرة، ويبيعه الصبرة على أنها من جنسه، لعدم رؤية المبيع وقت العقد.\rولا يصح بيع حَمْل ببطن وهو بيع المضامين، ولا بيع لبن بضرع، ونوى بتمر، وصوف على ظهر إلا تبعاً، كبعتك هذه البهيمة وحملها، أو بعتك الأرض وما فيها من بذر.\rولا يصح بيع عَسْب فحل، أو نتاج نتاج، أو ما تحمل هذه الشجرة أو الدابة، ولا مسك في فأرته (صوانه)، ولفت وبصل ونحوه قبل قلعه، ولا ثوب مطوي، أو نسج بعضه على أن ينسج بقيته.\rولا يصح بيع الملامسة، مثل بعتك ثوبي هذا على أنك متى لمسته أو إن لمسته أو أي ثوب لمسته، فعليك بكذا.\rولا يصح بيع المنابذة، مثل متى أو إن نبذت هذا أو أي ثوب نبذته فلك بكذا.\rولا يصح بيع الحصاة مثل: ارمها فعلى أي ثوب تقع، فلك بكذا.\rولا يصح بيع ما لم يعين أي بيع المجهول، كشاة من قطيع، وشجرة من بستان، ولو تساوت قيمتها.\r-------------------------------\r(1) رواه أحمد عن أبي سعيد.","part":5,"page":54},{"id":2900,"text":"5ً - أن يكون الثمن معروفاً للعاقدين حال العقد أو قبله: فلا يصح بيع برقم مجهول، ولا بما باع زيد إلا إن علم به العاقدان، ولا بما ينقطع به السعر، خلافاً للمتأخرين من الحنابلة، ولا كما يبيع الناس.\r6ً - خلو الثمن والمثمن والمتعاقدين عن موانع الصحة كالربا، أو الاشتراط أو غيرهما: فلا يصح بيع أضحية وهدي واجبين إلا بخير منهما، ولا يصح بيع موقوف بلا مسوغ، ولا بيع مرهون بلا إذن مرتهن، ولا يصح بيع ماء وسترة لمصل عادم غيرهما، ولا بيع مصحف، ولا بعد نداء جمعة.\rأوجه الاتفاق والاختلاف في شروط البيع :\rيظهر مما تقدم بيانه ما يلي:\r1ً - في العاقد: التمييز شرط متفق عليه، وأما البلوغ فهو شرط مختلف فيه، فهو شرط نفاذ عند المالكية والحنفية، وشرط انعقاد عند الشافعية والحنابلة.\rوأما الاختيار أو الطواعية فهو شرط انعقاد عند الجمهور، وشرط نفاذ عند الحنفية، فبيع المكره باطل عند الجمهور، فاسد أو موقوف غير نافذ عند الحنفية، غير لازم في المعتمد عند المالكية. 2ً - في الصيغة: اتحاد المجلس دون فاصل بين القبول والإيجاب، وتطابق الإيجاب والقبول، وسماع الصيغة والتنجير أو عدم التعليق، وعدم التأقيت، كلها شروط متفق عليها، وإن ذكر بعضها بعض الفقهاء دون غيرهم.\r3ً - في المعقود عليه: كون المعقود عليه مالاً متقوماً يباح الانتفاع به شرعاً أو طاهراً غير نجس، موجوداً، مقدور التسليم، معلوماً غير مجهول، كلها شروط متفق عليها؛ إلاأن الجهالة تفسد البيع عند الحنفية، وتبطله عند الجمهور. أما كون المبيع مملوكاً للبائع فهو شرط نفاذ عند الحنفية والمالكية، وشرط انعقاد عند الشافعية والحنابلة، فبيع الفضولي وشراؤه موقوف عند الأولين، باطل عند الآخرين.\rوأما شرط ألا يتعلق بالمبيع حق لغير البائع كبيع المرهون والمأجور، فهو شرط نفاذ عند الحنفية والمالكية. وشرط انعقاد عند الحنابلة والشافعية ، فبيع المرهون والمأجور موقوف على الرأي الأول، باطل على الرأي الثاني.","part":5,"page":55},{"id":2901,"text":"المبحث الثالث - حكم البيع والكلام عن المبيع والثمن :\rوفيه مطلبان:\rالمطلب الأول - حكم العقد :\rحكم العقد: هو الغرض والغاية منه، ففي عقد البيع: يكون الحكم هو ملكية المبيع للمشتري وملكية الثمن للبائع، وفي عقد الإجارة: الحكم هو ملك منفعة العين المستأجرة للمستأجر، وملك المؤجر للأجرة (1) .\rوللحكم إطلاقات ثلاثة:\r1 - إما أن يراد به الحكم التكليفي: وهو إما الوجوب أو الندب أو الإباحة أو التحريم أو الكراهية، فيقال: حكم الصوم الوجوب، وحكم السرقة التحريم وهكذا.\r2 - أو يراد به الوصف الشرعي للفعل من حيث الصحة واللزوم وعدم اللزوم مثلاً، فيقال: حكم العقد المستوفي لأركانه وشرائطه أنه صحيح لازم.\r3 - أو يراد به الأثر المترتب على التصرف الشرعي، وذلك كالوصية إذا استوفت شرائطها وأركانها، ترتبت عليها آثار تتعلق بالموصى له، وآثار تتعلق بالموصى به (2) .\rوالمقصود هنا المعنى الثالث، أي الحكم الشرعي الثابت للبيع، وأثره المترتب عليه. فأثر البيع: هو ثبوت الملك في المبيع للمشتري، وثبوت الملك في الثمن للبائع، إذ ا كان البيع لازماً لا خيار فيه (3) .\rوالمقصود بحقوق العقد: هي الأعمال التي لا بد منها للحصول على حكمه: مثل تسليم المبيع وقبض الثمن والرد بالعيب، أو خيار الرؤية أو الشرط، وضمان رد الثمن إذا استحق المبيع مثلاً (4) .\r-------------------------------\r(1) الأموال ونظرية العقد لأستاذنا محمد يوسف موسى: ص 372.\r(2) التلويح شرح التوضيح للتفتازاني: 2 ص 122، الأحوال الشخصية للأستاذ مصطفى السباعي: 2 ص 114.\r(3) البدائع: 5 ص 233.\r(4) الأموال ونظرية العقد، المرجع السابق.","part":5,"page":56},{"id":2902,"text":"حقوق البيع التابعة للحكم: هي كل تابع للمبيع من الحقوق التي لا بد له منه ولا يقصد إلا لأجله كالطريق والشرب للأرض، وهي التي تسمى بالمرافق، والقاعدة فيها أو الأصل: أن كل ما كان من الدار متصلاً بها يدخل في بيعها تبعاً بلا\rذكر، وما لا فلا يدخل بلا ذكر إلا ما جرى العرف أن البائع لا يمنعه عن المشتري، فيدخل المفتاح استحساناً للعرف بعدم منعه بخلاف القفل ومفتاحه والسُّلَّم غير المتصل بالبناء، وأما الدرج (السلم) في بنايات الطبقات فتدخل عرفاً، وتفصيل ذلك ما يأتي (1) :\rأ ـ من اشترى بيتاً فوقه آخر لا يدخل فيه العلو؛ لأن الشيء لا يستتبع مثله.\rب ـ يدخل في المبيع ما هو من حقوقه أو مرافقه الخاصة التابعة له كطريق ومطبخ ومتوضأ ونحوها، لأنها توابع له. فيدخل في بيع الدار الطريق الداخلي فيها أو النافذ إلى سكة أو طريق عام، والكنيف (وهو المستراح أو بيت الماء) وبئر الماء، والأشجار التي في صحنها، والحديقة التابعة لها والبستان الذي هو أصغر منها، وإن لم يصرح بذلك. أما الحديقة أو البستان الخارج عن الدار وكان مثل الدار أو أكبر، فلا يدخل في البيع. ويدخل الباب الأصلي للدار، والباب الخارجي المجاور للشارع وهو المسمى بالباب الأعظم؛ لأنه من مرافقها.\r-------------------------------\r(1) الدر المختار ورد المحتار: 197/4-199.","part":5,"page":57},{"id":2903,"text":"ولا تدخل الظلة في بيع الدار لبنائها على الطريق، فتأخذ حكمه ولا يدخل الطريق والمسيل والشِّرب غير الخاص بالدار إلا بالتصريح بها؛ لأنها خارج الحدود، كأن يشتريها بكل حق هو لها أو بمرافقها أو بكل قليل وكثير. وذلك بخلاف الإجارة والرهن والوقف، تدخل فيها كل هذه المرافق بلا حاجة لذكرها لأنها تعقد للانتفاع بها لا غير. هذا رأي الحنفية القديم، والمعول عليه في ذلك هو العرف السائد في كل إقليم وعصر.\rوالإقرار بالدار والصلح عليها والوصية بها والهبة والنكاح والخلع على مال كالبيع في دخول الطريق ونحوه.\rالمطلب الثاني ـ الثمن والمبيع :\rالكلام عن الثمن والمبيع في موضعين:\rأولاً ـ في تعريف المبيع والثمن.\rثانياً ـ في الأحكام المتعلقة بهما.\rتعريف المبيع والثمن :\rالمبيع والثمن عند جمهور الحنفية من الأسماء المتباينة الواقعة على معانٍ مختلفة. فالمبيع في الغالب: ما يتعين بالتعيين (1) ، والثمن في الغالب: ما لا يتعين بالتعيين.\rوهذا الأصل العام الغالب يحتمل تغيره في الحالتين بعارض من العوارض، فيصير ما لا يحتمل التعيين مبيعاً كالمسلم فيه، وما يحتمل التعيين ثمناً كرأس مال السلم، إذا كان عيناً من الأعيان. وعلى هذا فاعتبار الثمن ديناً في الذمة هو الأغلب، وذلك عندما يكون الثمن نقوداً أو أموالاً أخرى مثلية ملتزمة بلا تعيين بالذات كالقمح والزيت ونحوهما من كل مكيل أو موزون أو ذَرْعي أو عددي متقارب.\rويمكن أيضاً أن يكون الثمن أعياناً قيمية كالحيوان والثياب ونحوهما، كما لو بيعت كمية من السكر إلى أجل بشيء من القيميات، فالسكر مبيع والعين القيمية ثمن، ويكون البيع سلماً، لأنه بيع مؤجل بمعجل.\r-------------------------------\r(1) قال القرافي: أجمع الناس على أن العروض (أي السلع التجارية) تتعين بالتعيين، وكذلك الحيوان والطعام لأن لهذه الأشياء من الخصوصيات والأوصاف ما تتعلق به الأغراض الصحيحة، وتميل إليه العقول السليمة والنفوس الخاصة، لما في تلك المعينات من الأهداف الخاصة بكل إنسان (الفروق: 4 ص 7).","part":5,"page":58},{"id":2904,"text":"قال ابن الهمام وغيره: إن الثياب كما تثبت مبيعاً في الذمة بطريق السلم تثبت ديناً مؤجلاً في الذمة، على أنها ثمن، وحينئذ يشترط الأجل لا لأنها ثمن، بل لتصير ملحقة بالسلم في كونها ديناً في الذمة، فإذا قلنا: إذا باع كتاباً بثوب موصوف في الذمة إلى أجل جاز، ويكون بيعاً بالنسبة للكتاب، حتى لا يشترط قبضه في المجلس، بخلاف ما لو أسلم الدراهم في الثوب، وإنما ظهرت أحكام المسلم فيه في الثوب، حتى شرط فيه الأجل، وامتنع بيعه قبل قبضه لإلحاقه بالمسلم فيه (1) .\rوقال الشافعي وزفر: المبيع والثمن من الأسماء المترادفة الواقعة على مسمى واحد، وإنما يتميز أحدهما عن الآخر في الأحكام بحرف الباء.\rولكل من الفريقين دليله (2) والقضية اصطلاحية.\rتعيين المبيع :\rالتعيين: هو التمييز عما سوى الشيء في الوجود الخارجي، ويتعين المبيع إذا كان معيناً في العقد، سواء أكان حاضراً في مجلس البيع، أم غائباً عنه. فإذا كان المبيع غير معين في العقد، فإنه لا يتعين إلا بالتسليم (3) .\rالفرق بين الثمن والقيمة والدين :\rالثمن: لا يتحقق إلا في عقد، فهو ما يتراضى عليه المتبايعان، سواء أكان أكثر من القيمة أم أقل أم مساوياً.\rوقيمة الشيء: هي ما يساويه بين الناس.\rوالثمن: هو ما تراضى عليه المتبايعان مقابلاً للمبيع.\r-------------------------------\r(1) رد المحتار لابن عابدين: 4 ص 26.\r(2) انظر البدائع: 5 ص 233.\r(3) انظر عقد البيع للأستاذ الزرقاء: ص 34.","part":5,"page":59},{"id":2905,"text":"أما الدين: فهو كل ما ثبت في الذمة من الأموال القابلة للثبوت فيها بأي سبب من أسباب الالتزام، كالإتلاف والغصب والكفالة والقرض والبيع، ونحوها (1) .\rالتمييز بين الثمن والمبيع :\rالقاعدة المقررة في الأصل: أن كل ما أمكن أن يكون مبيعاً أمكن أن يكون ثمناً ولا عكس، وأن الثمن كما تقدم في تعريفه ربما لا يكون متعلقاً بالذمة، بل قد يتعين أحياناً، فيكون من الأعيان القيمية كالحيوان والثياب ونحوها، كما يتعين المبيع.\rلهذا كان واجباً أن نميز بين الثمن والمبيع لما يترتب على التفرقة من أحكام، والتمييز يكون في أموال المعاوضات: وهي النقود والأعيان القيمية والمثليات (2) .\r1 - فالنقود عامة من ذهب أو فضة أو فلوس رائجة (3) إذا كانت عوضاً في المبيع، تعتبر هي الثمن. ومقابلها أي السلعة هو المبيع مطلقاً سواء دخل عليها حرف الباء. أو دخل على مقابلها، مثل: بعتك هذا بدينار، أو بعتك ديناراً بهذا.\r-------------------------------\r(1) عقد البيع، المرجع السابق: ص 56 ومابعدها، رد المحتار: 4 ص 53، 173.\r(2) انظر البدائع: 5 ص 233 ومابعدها، حاشية ابن عابدين: 4 ص 23، عقد البيع للأستاذ الزرقاء: ص 59 ومابعدها.\r(3) وهي القطع المعدنية المسكوكة المصطلح على ثمنيتها، ويلحق بها الأوراق النقدية المتعامل بها في العصر الحاضر.","part":5,"page":60},{"id":2906,"text":"قرر جمهور الحنفية أن النقود المسكوكة من ذهب أو فضة أو فلوس معدنية لا تتعين في عقود المعاوضات بالتعيين في حق الاستحقاق لذات العملة النقدية، فلو قال: بعتك هذا الثوب بهذه الدراهم أو بهذه الدنانير، فللمشتري أن يمسك المشار إليه ويبدله بمثله، ولا يحق للبائع أن يطلب ذات المشار إليه؛ لأن الثمن النقدي محله في الذمة، وما يثبت في الذمة لا ينحصر ببعض أفراده الخارجية، فلا فائدة في استحقاق عينها في المعاوضات؛ لأن المثل يقوم مقامها في كل عوض، وإنما يتعين فقط بالنسبة لضمان الجنس والنوع والصفة والقدر، حتى إنه يجب على المشتري رد مثل المشار إليه في الأوصاف المذكورة، فلو كان الواجب عليه ألف درهم جيدة، فيجب عليه رد ألف درهم بتلك الصفة؛ لأن في تعيين الجنس والقدر والصفة فائدة ، وعلى هذا فلو هلك المشار إليه لا يبطل العقد.\rوقال الشافعية وزفر: تتعين النقود بالتعيين، ويستحق البائع على المشتري ذات الدراهم المشار إليها، كما في سائر الأعيان، لأنه قد يكون للشخص غرض فيها، والثمن المعين كالمبيع في تعلق الحق بالعين.\rفلو هلك المشار إليه قبل القبض يبطل العقد، كما لو هلك سائر الأعيان.\rفإن لم يكن الثمن من المسكوكات، فإنه بالاتفاق كسائر السلع يقبل التعيين.\r2 - إن الأعيان القيمية أي ( التي ليست من ذوات الأمثال ) إذا قوبلت بالمثليات المعينة تعتبر هي المبيع، والمثلي هو الثمن مطلقاً، دون نظر إلى اقتران حرف الباء، لأن المثلي أليق بالثمنية من حيث قابليته للثبوت في الذمم كالنقود.","part":5,"page":61},{"id":2907,"text":"من أمثلة القيميات: الثياب والدور والعقارات والعدديات المتفاوتة ( أي التي تفاوتت آحادها ) كالغنم وسائر الدواب والبطيخ إذا بيع بالعدد لا بالوزن. وأما إذا قوبلت الأعيان القيمية بالأموال غير المعينة أي ( الملتزمة في الذمم ) فالعبرة في الثمنية لمقارنة حرف الباء، فما دخل عليه حرف الباء كان ثمناً، والآخر مبيعاً. فلو قال: بعتك هذا المتاع بقنطار من السكر، فالسكر: هو الثمن. ولو قال بعتك قنطاراً من السكر بهذا المتاع. كان السكر مبيعاً، والمتاع ثمناً، ويكون العقد بيع سلم.\r3 - المثليات إذا كان في مقابلتها النقود فهي مبيعة، كما ذكرت أولاً، وإن كان في مقابلتها أمثالها مثل بيع قمح بزيت، فما كان منها معيناً يكون مبيعاً، وكل ما كان موصوفاً في الذمة يكون ثمناً.\rوإن كان كل واحد منهما موصوفاً في الذمة فما صحبه حرف الباء يكون ثمناً، والآخر يكون مبيعاً.\rـ والمثليات: إما مكيلات وهي التي تباع بالكيل كالقمح والشعير، وكبعض السوائل التي تباع اليوم باللتر كالبترول والبنزين.\rـ أو موزونات: وهي التي تباع بالوزن كالسمن والزيت والسكر.\rـ أو ذَرْعيات: وهي التي تباع بالذراع كالقطع الكبرى من المنسوجات الصوفية أو القطنية أو الحريرية، وكالأراضي.\rـ أو عدديات متقاربة: وهي التي لا تتفاوت آحادها إلا تفاوتاً بسيطاً كالبيض والجوز، وكالمصنوعات المتماثلة من صنع المعامل كالكؤوس وصحون الخزف والبلّور ونحوها (1) .\r4 - إذا بيعت القيميات ببعضها يعتبر كل من العوضين مبيعاً من وجه، وثمناً من وجه آخر.\rأحكام المبيع والثمن أو نتائج التمييز بينهما\rيترتب على التمييز بين المبيع والثمن أحكام أذكر ستة منها بإيجاز، وأفصل الكلام في ثلاثة أخرى.\r1 - يشترط لانعقاد البيع أن يكون المبيع مالاً متقوماً ولا يشترط ذلك في الثمن.\r-------------------------------\r(1) انظر عقد البيع للأستاذ الزرقاء: ص 50، رد المحتار: 173/4، مغني المحتاج: 281/2.","part":5,"page":62},{"id":2908,"text":"2 - يشترط لنفاذ البيع أن يكون المبيع موجوداً في ملك البائع ولايشترط ذلك في الثمن.\r3 - لا يجوز تأجيل الثمن في بيع السلم، ويجب تأجيل المبيع.\r4 - مؤونة تسليم الثمن أي ( كلفته ) على المشتري، ومؤونة تسليم المبيع على البائع.\r5 - البيع مع عدم تسمية الثمن فاسد، أما مع عدم تسمية المبيع نحو: بعتك بعشرة دنانير، فباطل غير منعقد.\r6 - هلاك المبيع بعد التقابض يمنع إقالة البيع، ولا يمنع ذلك هلاك الثمن.\r7 - هلاك المبيع قبل التسليم مبطل للبيع، ولا يبطله هلاك الثمن.\r8 - لا يجوز تصرف المشتري في المبيع المنقول قبل قبضه، ويصح تصرف البائع في الثمن قبل قبضه. 9 - على المشتري تسليم الثمن أولاً ليحق له استلام المبيع، ما لم يرض البائع (1) وأفصل الكلام في الثلاثة الأخيرة.\rحكم هلاك المبيع، وهلاك الثمن وكساده\rهلاك المبيع :\rالمبيع إما أن يهلك كله أو بعضه قبل القبض أو بعده (2) .\rآ - إذا هلك المبيع كله قبل القبض :\r1 - فإذا هلك بآفة سماوية أو بفعل المبيع نفسه، أو بفعل البائع، ينفسخ عقد البيع.\r2 - إذا هلك بفعل المشتري، فلا ينفسخ البيع وعليه الثمن.\r3 - إذا هلك بفعل أجنبي، لا ينفسخ البيع، ويكون المشتري بالخيار: إن شاء فسخ البيع، وإن شاء أمضاه ودفع الثمن، وطالب الأجنبي بالضمان.\rب ـ إذا هلك المبيع كله بعد القبض :\r1 - إن كان بآفة سماوية أو بفعل المشتري أو بفعل المبيع أو بفعل أجنبي فلا ينفسخ البيع، ويكون هلاكه على ضمان المشتري؛ لأن المبيع خرج عن ضمان البائع بقبض المشتري، فتقرر الثمن عليه، ويرجع بالضمان على الأجنبي حال كون الاعتداء منه.\r2 - إذا هلك بفعل البائع فينظر في حالتين:\r-------------------------------\r(1) انظرعقد البيع للأستاذ الزرقاء: ص 61.\r(2) انظر التفصيل في البدائع: 238/5 ومابعدها، المبسوط: 9/13، حاشية ابن عابدين: 44/4، عقد البيع، المرجع السابق: ص 92.","part":5,"page":63},{"id":2909,"text":"أولاً ـ إذا كان المشتري قد قبضه بإذن البائع أو بدون إذنه، لكنه قد نقد الثمن، أو كان الثمن مؤجلاً، فيكون هلاكه من قبل البائع، كهلاكه من قبل الأجنبي، فعليه ضمانه.\rثانياً ـ أما إذا كان المشتري قد قبض المبيع بدون إذن البائع، والثمن حالّ غير منقود ( أي غير معطى إلى البائع ) فيتوجب فسخ البيع، ويكون البائع باعتدائه مسترداً للمبيع، وعليه ضمانه.\rوقال المالكية (1) : الضمان ينتقل إلى المشتري بنفس العقد في كل بيع إلا في خمسة مواضع:\rالأول ـ بيع الغائب على الصفة، وكان المبيع غير عقار، فإن كان المبيع عقاراً، فضمانه على المشتري.\rالثاني ـ ما بيع على الخيار.\rالثالث ـ ما بيع من الثمار قبل كمال طيبها.\rالرابع ـ ما فيه حق توفية من كيل أو وزن أو عدّ.\rالخامس ـ البيع الفاسد، فالضمان في هذه الخمسة من البائع حتى يقبضه المشتري.\rوقال الشافعية (2) : كل مبيع من ضمان البائع حتى يقبضه المشتري.\r-------------------------------\r(1) القوانين الفقهية: ص 247، الشرح الصغير: 45/3.\r(2) مغني المحتاج: 65/2.","part":5,"page":64},{"id":2910,"text":"وقال الحنابلة (1) : إذا كان المبيع مكيلاً أو موزوناً أو معدوداً فتلف قبل قبضه، فهو من مال البائع، وما عداه فلا يحتاج فيه إلى قبض، وإن تلف فهو من مال المشتري.\rج ـ إذا هلك بعض المبيع قبل القبض ينظر عند الحنفية :\r1 - فإن كان بآفة سماوية ففيه تفصيل: إن كان النقصان نقصان قدر بأن كان مكيلاً أو موزوناً أو معدوداً، فهلك بعضه: ينفسخ العقد بقدر الهالك، وتسقط حصته من الثمن، ثم يكون المشتري بالخيار في الباقي لتفرق الصفقة عليه: إن شاء أخذه بحصته، وإن شاء فسخ البيع.\rوإن كان النقصان نقصان وصف ( وهو كل ما يدخل في البيع من غير تسمية كالشجر والبناء في الأرض والجودة في المكيل والموزون ) فلا ينفسخ البيع أصلاً، ولا يسقط عن المشتري شيء من الثمن؛ لأن الأوصاف لا حصة لها من الثمن؛ ويكون المشتري بالخيار: إن شاء أخذه بجميع الثمن، وإن شاء تركه لتعيب المبيع.\r2 - وإن كان الهلاك بفعل المبيع نفسه كحيوان جرح نفسه، فلا ينفسخ البيع، ولا يسقط شيء من الثمن، والمشتري بالخيار: إن شاء أخذ الباقي بجميع الثمن، وإن شاء فسخ العقد.\r3 - وإن كان الهلاك بفعل البائع فيبطل البيع بقدره، ويسقط عن المشتري حصة الهالك من الثمن، سواء أكان النقصان نقصان قدر، أم نقصان وصف؛ لأن الأوصاف لها حصة من الثمن عند ورود الجناية عليها، والمشتري بالخيار في الباقي بحصته من الثمن.\r4 - وإن كان الهلاك بفعل المشتري فلا يبطل البيع، ولا يسقط عنه شيء من الثمن، لأنه صار قابضاً لكل المبيع بإتلاف بعضه.\rد ـ إذا هلك بعض المبيع بعد القبض :\r1 - فإن كان الهلاك بآفة سماوية أو بفعل المشتري أو المبيع نفسه أو بفعل أجنبي، فالهلاك على المشتري.\r2 - وإن كان بفعل البائع ينظر:\rإذا كان القبض بإذنه، أو كان الثمن منقوداً أو مؤجلاً، فحكمه كالأجنبي. وإن كان القبض بغير إذنه، والثمن حالّ غير منقود، ينفسخ البيع في قدر الشيء التالف، ويسقط عن المشتري حصته.\rهلاك الثمن عند الحنفية :\rإذا هلك الثمن في مجلس العقد قبل القبض:\r1 - فإن كان عيناً مثلياً: لا ينفسخ العقد، لأنه يمكن تسليم مثله بخلاف المبيع لأنه عين، وللناس أغراض في الأعيان.\r2 - وأما إذا هلك وليس له مثل في الحال: بأن كان شيئاً مما ينقطع عن أيدي الناس، وقد كان موجوداً وقت العقد، ثم انقطع قبل القبض، فقال أبو حنيفة: ينفسخ العقد.\r-------------------------------\r(1) المغني: 110/4.","part":5,"page":65},{"id":2911,"text":"وقال الصاحبان: لا ينفسخ (1) . وسيأتي في بحث كساد الثمن الآتي بيان الأدلة.\rكساد الثمن عند الحنفية: إذا اشترى شخص بفلوس رائجة، ثم كسدت قبل القبض بضرب فلوس جديدة، انفسخ العقد عند أبي حنيفة، وعلى المشتري رد المبيع إن كان قائماً، وقيمته أو مثله إن كان هالكاً؛ لأن الفلوس بالكساد خرجت عن كونها ثمناً، ولا بيع بلا ثمن، فينفسخ البيع ضرورة، فهو قد اعتبر الكساد كالهلاك.\rوقال الصاحبان: لا ينفسخ البيع، ولكن يخير البائع: إن شاء فسخ البيع، وإن شاء أخذ قيمة الفلوس؛ لأن الفلوس ثابتة في الذمة، وما يثبت في الذمة لايحتمل الهلاك، فلا يكون الكساد هلاكاً، بل يكون عيباً فيها، فيوجب الخيار للبائع، كما إذا كان الثمن رطباً، فانقطع قبل القبض، فهما اعتبرا الكساد كالعيب.\rواتفقوا على أنه لو لم تكسد الفلوس، ولكنها رخصت قيمتها، أو غلت، لاينفسخ البيع؛ لأن الرخص أو الغلاء لا يوجب بطلان الثمنية.\rثم اختلف أبو يوسف ومحمد فيما بينهما في وقت اعتبار قيمة الفلوس: فقال أبو يوسف: تعتبر قيمتها وقت العقد؛ لأن الثمن يجب عند العقد، فيضمن قيمته حينئذ.\rوقال محمد: تعتبر قيمتها وقت الكساد، وهو آخر يوم ترك الناس التعامل بها؛ لأنه وقت العجز عن التسليم (2) .\r-------------------------------\r(1) تحفة الفقهاء، الطبعة القديمة: 54/2.\r(2) انظر البدائع: 242/5، حاشية ابن عابدين: 25/4.","part":5,"page":66},{"id":2912,"text":"التصرف في المبيع وفي الثمن قبل القبض\rالتصرف في المبيع قبل القبض :\rقال الحنفية: لا يجوز التصرف في المبيع المنقول قبل القبض بلا خلاف، لأن النبي صلّى الله عليه وسلم نهى عن بيع ما لم يقبض (1) والنهي يوجب فساد المنهي عنه، ولأنه بيع فيه غرر لتعرضه إلى الانفساخ بهلاك المعقود عليه، فيبطل البيع الأول، وينفسخ الثاني، وقد نهى الرسول صلّى الله عليه وسلم عن بيع فيه غرر.\rوأما العقار: فيجوز التصرف فيه قبل القبض عند أبي حنيفة وأبي يوسف استحساناً استدلالاً بعمومات آيات البيع من غير تخصيص، ولا يجوز تخصيص عموم الكتاب بخبر الواحد. ولا غرر في العقار، إذ لا يتوهم هلاك العقار، ويندر هلاكه في الغالب، فلا يكون في بيعه غرر.\rوقال محمد وزفر والشافعي: لا يجوز بيع العقار قبل القبض لعموم النهي عن البيع قبل القبض، ولعدم وجود القدرة على التسليم، ولتحقق الغرر (2) . وسيأتي تفصيل آراء الفقهاء في هذا الموضوع في البيع الفاسد.\rالتصرف في الثمن قبل القبض :\rيجوز التصرف في الأثمان (3) قبل القبض، لأنها ديون، وكذلك يجوز التصرف في سائر الديون كالمهر والأجرة وضمان المتلفات وغيرها قبل القبض،\r-------------------------------\r(1) فيه أحاديث منها ما هو متفق عليه عند الشيخين والترمذي من حديث ابن عباس من النهي عن بيع ما لم يقبض، ومنها ما أخرجه النسائي عن حكيم بن حزام، قال: «قلت يا رسول الله ، إني رجل أبتاع هذه البيوع، وأبيعها، فما يحل لي منها وما يحرم؟ قال: لا تبيعن شيئاً حتى تقبضه» رواه أحمد في مسنده وابن حبان في صحيحه، ولفظه: «إذا ابتعت بيعاً، فلا تبعه حتى تقبضه» (انظر نصب الراية: 32/4، جامع الأصول: 380/1، تخريج أحاديث الإحياء: 61/2).\r(2) فتح القدير: 5 ص 264، البدائع: 5 ص 180 ومابعدها، ص 234، رد المحتار لابن عابدين: 4 ص 169 ومابعدها.\r(3) الثمن: ما يثبت في الذمة ديناً عند المقابلة وهو النقدان، والمثليات، كالمكيل والموزون إذا كانت معينة وقوبلت بالأعيان، أو غير معينة وصحبها حرف الباء ( رد المحتار: 4 ص 173 ).","part":5,"page":67},{"id":2913,"text":"بدليل ما روي عن سيدنا عمر أنه قال: «يا رسول الله : إنا نبيع الإبل بالبقيع، ونأخذ مكان الدراهم الدنانير، ومكان الدنانير الدراهم، فقال عليه السلام: لابأس إذا كان بسعر يومهما، وافترقتما وليس بينكما شيء» (1) فهذا يدل على جواز استبدال ثمن المبيع. وأما المراد من حديث ( النهي عما لا يقبض ) فهو بالنسبة للعين، لا بالنسبة للدين؛ لأن المبيع شيء يحتمل القبض، والدين لا يحتمل القبض حقيقة، لأنه مال حكمي في الذمة، فيكون قبضه بقبض بدله.\rوقد استثنوا من جواز التصرف في الثمن قبل القبض عقدي الصرف والسلم. أما الصرف: فلأن كلاً من بدلي الصرف مبيع من وجه وثمن من وجه، فباعتبار كونه مبيعاً لا يجوز التصرف فيه، وقد رجحت جانب الحرمة احتياطاً.\rوأما السلم: فالمسلم فيه لا يجوز التصرف فيه لأنه مبيع، ورأس المال ( أي الثمن ) ألحق بالمبيع العين في حرمة الاستبدال شرعاً (2) .\rهذا.. ويلاحظ أن التصرف في الأثمان والديون جائز بالبيع والهبة والإجارة والوصية أي بعوض أو بغير عوض، سواء مما لا يتعين كالنقود، أو مما يتعين كالمكيل والموزون، وذلك ممن عليه الدين كأن يشتري البائع من المشتري شيئاً بالثمن الذي له عليه، أو يستأجر بالثمن داراً للمشتري، أو أن يهبه الثمن.\rولا يجوز تمليك الدين من غير من عليه الدين كأن يشتري إنسان فرس زيد مثلاً بمئة ليرة على عمرو، لأنه لا يقدر على تسليمه إلا في ثلاث صور (3) .\r-------------------------------\r(1) أخرجه أحمد وأصحاب السنن الأربعة عن ابن عمر (انظر جامع الأصول: 1 ص 469، نصب الراية: 4 ص 33).\r(2) البدائع: 5 ص 234، فتح القدير: 5 ص 269 ومابعدها، رد المحتار: 4 ص 173 ومابعدها.\r(3) رد المحتار: 4 ص 173، مغني المحتاج: 2 ص 71.","part":5,"page":68},{"id":2914,"text":"الأولى ـ إذا سلطه على قبضه، فيكون وكيلاً قابضاً للموكل ثم لنفسه.\rالثانية ـ الحوالة.\rالثالثة ـ الوصية.\rتسليم (1) المبيع والثمن :\rإن تسليم المبيع إلى المشتري هو من التزامات البائع الناشئة من عقد البيع، كما أن تسليم الثمن إلى البائع هو من التزامات المشتري الناشئة من البيع أيضاً؛ لأن تسليم البدلين واجب على العاقدين، لتحقق الملك لكل منهما في البدلين.\rفمن الذي يجب عليه التسليم أولاً، وهل للبائع حق حبس المبيع حتى يستوفي جميع الثمن، وكيف يتم التسليم أو القبض؟\rأما من يجب عليه التسليم أولاً: فيختلف بحسب نوع البدلين:\rفإذا كان بيع عين بعين، فإنه يجب على العاقدين التسليم معاً، تحقيقاً للمساواة في المعاوضة المقتضية للمساواة عادة المطلوبة بين العاقدين، إذ ليس أحدهما بالتقديم أولى من الآخر.\rوكذلك إن تبايعا ديناً بدين، كما في عقد الصرف، لما ذكرت.\rوأما إن كان بيع عين بدين (2) فيراعى فيه الترتيب عند الحنفية: فيجب على\r-------------------------------\r(1) التسليم: هو التخلية أي أن يخلي البائع بين المشتري والمبيع بحيث يستطيع المشتري أخذه والتصرف فيه.\r(2) الدين: ما يصح أن ثبت في الذمة، سواء أكان نقداً أو غيره. والعين: ما لا يصح أن يثبت ديناً في الذمة (رد المحتار لابن عابدين: 4 ص 26).","part":5,"page":69},{"id":2915,"text":"المشتري تسليم الثمن( أي الدين ) أولاً إذا طالبه البائع حتى يتعين، ولقوله عليه السلام: «الدين مقضي» (1) فلو تأخر تسليم الثمن عن تسليم المبيع لم يكن هذا الدين مقضياً. ثم يجب على البائع تسليم المبيع، إذا طالبه المشتري، حتى يتحقق التساوي بينهما. واستثنوا من ذلك أمرين أولهما ـ المسلم فيه، لأنه دين مؤجل، والثاني ـ الثمن المؤجل فلو كان الثمن مؤجلاً، يجب تسليم المبيع للحال، لأن البائع أسقط حق نفسه في التأجيل (2) .\rوقال المالكية (3) كالحنفية: يجب على المشتري تسليم الثمن، وعلى البائع تسليم المبيع (المثمون)، فإن قال أحدهما: لا أسلم ما بيدي حتى أقبض ما عاوضت عليه، أجبر المشتري على تسليم الثمن، ثم أخذ المبيع من البائع. وقال مالك: للبائع أن يتمسك بالمبيع حتى يقبض الثمن. ودليل المالكية والحنفية: أن للبائع حبس المبيع على تسليم الثمن، ومن استحق ذلك لم يكن عليه التسليم قبل الاستيفاء كالمرتهن.\rوقال الشافعية والحنابلة (4) : إن اختلف في التسليم، وكان الثمن في الذمة، فقال البائع: لا أسلم المبيع حتى أقبض ثمنه، وقال المشتري في الثمن مثله، أجبر البائع على تسليم المبيع، ثم أجبر المشتري على تسليم الثمن؛ لأن حق المشتري في عين المبيع، وحق البائع في الذمة، فيقدم ما يتعلق بالعين، فمن سلم أجبر صاحبه على التسليم؛ لأن كلاً منهما ثبت له إيفاء واستيفاء، ولا سبيل إلى تكليف الإيفاء. لكن قيد الشافعية هذا الحكم بما إذا لم يخف البائع فوت الثمن، وتنازع البائع والمشتري في مجرد الابتداء، فإن خاف البائع فوت الثمن فله حق حبس المبيع حتى يقبض الثمن. وكذا للمشتري حق حبس الثمن إن خاف فوت المبيع.\r-------------------------------\r(1) أخرجه ابن عدي في الكامل عن ابن عباس ونصه: أن النبي صلّى الله عليه وسلم قال: «الزعيم غارم والدين مقضي، والعارية مؤادة، والمنحة مردودة» وأعله بإسماعيل بن زياد السكوني، وقال: إنه منكر الحديث، لا يتابع على عامة ما يرويه (انظر نصب الراية: 4 ص 58) وأخرجه أحمد وأصحاب السنن إلا النسائي وفيه إسماعيل بن عياش (انظر التلخيص الحبير: ص 250).\r(2) المبسوط للسرخسي: 13 ص 192، البدائع: 5 ص 244، فتح القدير: 5 ص 109، رد المحتار: 4 ص 43 ومابعدها.\r(3) القوانين الفقهية: ص 247.\r(4) مغني المحتاج: 74/2، المغني: 198/4.","part":5,"page":70},{"id":2916,"text":"حق حبس المبيع أو احتباسه :\rيترتب على ما سبق من التزام المشتري بدفع الثمن أولاً: أنه يثبت للبائع حق حبس المبيع عن المشتري إلى أن يستوفي ما وجب تعجيله، سواء أكان كل الثمن أم بعضه (1) .\rوشرط ثبوت حق الحبس شيئان:\r1 - أن يكون أحد البدلين عيناً والآخر ديناً، مثل بيع سلعة بدراهم، أو دنانير، فإن كانا عينين أو دينين فلا يثبت حق الحبس، بل يسلمان معاً.\r2 - أن يكون الثمن حالاًّ، فإن كان مؤجلاً، فلا يثبت حق الحبس، لأنه سقط بالتأجيل.\rوعلى هذا، فلو أجل الثمن إلا درهماً، كان للبائع حبس كل المبيع، لأن حق الحبس مما لا يتجزأ، وكذا لو استوفى جميع الثمن إلا درهماً، أو أبرأ المشتري عن جميع الثمن إلا درهماً.\rوقال الإمام مالك (2) : للبائع أن يتمسك بالمبيع حتى يقبض الثمن.\r-------------------------------\r(1) انظر المبسوط، المرجع السابق، البدائع: 5 ص 249، رد المحتار: 4 ص44، عقد البيع للأستاذ الزرقاء: ص 77.\r(2) القوانين الفقهية: ص 247.","part":5,"page":71},{"id":2917,"text":"وقال الحنابلة (1) : ليس للبائع حبس المبيع على قبض الثمن؛ لأن التسليم من مقتضيات العقد، فإن اختلف العاقدان في التسليم، فقال البائع: لا أسلم المبيع حتى أقبض الثمن، وقال المشتري: لا أسلم الثمن حتى أقبض المبيع، والثمن في الذمة، أجبر البائع على تسليم المبيع، ثم أجبر المشتري على تسليم الثمن.\rوقال الشافعية (2) : للبائع حبس المبيع حتى يقبض الثمن إن خاف فوته، وكذا للمشتري حبس الثمن إن خاف فوت المبيع.\rما يسقط حق الحبس وما لا يسقطه :\rلو قدم المشتري رهناً أو كفيلاً بالثمن لا يسقط حق الحبس، لأن الرهن والكفالة لا يسقطان الثمن عن ذمة المشتري، ولا حق المطالبة به، فيبقى حق الحبس لاستيفاء الثمن، وكل ما في الأمر أن الرهن والكفالة وثيقة بالثمن.\rوأما الحوالة بالثمن فتسقط حق الحبس عند أبي يوسف سواء أحال البائع رجلاً على المشتري بالثمن وقبل، أم أحال المشتري البائع على رجل؛ لأن البائع حينئذ في حكم المستوفي، لأن حق الحبس مرتبط ببقاء الدين في ذمة المشتري، وذمته برئت من دين المحيل بالحوالة فيبطل حق الحبس، ولذا ينقطع حقه في مطالبة المشتري بالثمن، وينحصر حق المطالبة بالشخص المحال عليه.\rوقال محمد: إن كانت الحوالة من المشتري لا تبطل حق الحبس، وللبائع أن يحبس المبيع حتى يستوفي من المحال عليه.وإن كانت من البائع: فإن كانت الحوالة مطلقة لا تبطل حق الحبس أيضاً، وإن كانت مقيدة بأن أحال غريماً له على المشتري\r-------------------------------\r(1) المغني: 198/4.\r(2) مغني المحتاج: 75/2.","part":5,"page":72},{"id":2918,"text":"ليقبض الدين الذي له عليه، تبطل الحوالة حق الحبس، دليله: أن حق البائع بمطالبة المشتري بأداء الثمن لم يبطل بحوالة المشتري، أو بحوالته المطلقة، فلم يبطل حق الحبس، وأما في الحوالة المقيدة فيبطل حق المطالبة من البائع للمشتري بهذه الحوالة، فيسقط حق الحبس (1) .\rقال الكاساني: «والصحيح اعتبار قول محمد، لأن حق الحبس في الشرع يدور مع حق المطالبة بالثمن، لا مع قيام الثمن في ذاته» (2) .\rوالخلاصة: إن حق الحبس يسقط بحوالة البائع على المشتري بالثمن اتفاقاً، وكذا بحوالة المشتري البائع به على رجل عند أبي يوسف. وعند محمد: فيه روايتان، أرجحهما ما ذكر.\rولو أعار البائع المبيع للمشتري أو أودعه عنده، سقط حق الحبس، حتى لا يملك استرداده في ظاهر الرواية؛ لأن الإعارة والإيداع أمانة في يد المشتري، وهو لا يصلح نائباً عن البائع في وضع يده لأنه أصل في ملك الشيء، فكان أصلاً في وضع اليد، فإذا ثبتت يد المشتري على المبيع، كانت يده يد ملك، ويد الملك لازمة، فلا يملك أحد إبطالها بالاسترداد (3) .\rولو أودع المشتري المبيع عند البائع أو أعاره منه أو آجره، لم يسقط حق الحبس؛ لأن هذه التصرفات لم تصح من المشتري؛ لأن يد الحبس بطريق الأصالة ثابتة للبائع، فلا يصح أن يصير نائباً عن غيره (4) .\rولو جنى رجل أجنبي على المبيع، فاختار المشتري اتباع الجاني بالضمان سقط حق الحبس عند أبي يوسف (5) . وسيأتي التفصيل في بحث القبض الآتي مباشرة.\rولو قبض المشتري المبيع بإذن البائع، سقط حق الحبس، حتى لا يملك البائع الاسترداد، لأنه أبطل حقه بالإذن بالقبض.\rولو قبض المشتري المبيع بغير إذن البائع بعد وفاء الثمن، سقط حق الحبس، فليس له استرداده، لأنه استوفى حقه بإيفاء الثمن، فيكون قبضاً بحق.\rأما لو قبض المشتري المبيع بغير إذن البائع قبل وفاء الثمن، فلا يسقط حق الحبس، وللبائع استرداده؛ لأن له حق الحبس، حتى يستوفي الثمن، وحق الإنسان لا يجوز إبطاله عليه من غير رضاه.\rفإن كان المشتري تصرف في المبيع في الحالة الأخيرة نظر في ذلك (6) :\rإن كان تصرفاً يحتمل الفسخ كالبيع والهبة والإجارة والرهن ونحوها، فسخه البائع، واسترده، لأنه تعلق به حقه.\rوإن كان تصرفاً لا يحتمل الفسخ كالإعتاق والتدبير ( أي التحرر بعد موت السيد ) والاستيلاد ( أي جعل الأمَةَ مستولدة أي حاملاً، فتصبح حرة بعد موت سيدها ) فإنه لا يسترده، لأنه لا فائدة في بقاء حق الحبس، لأن حبس الحر، أو الذي سيؤول إلى الحرية لا يجوز.\rمعنى التسليم أو القبض وكيفية تحققه :\rالتسليم أو القبض معناه عند الحنفية: هو التخلية أو التخلي، وهو أن يخلي\r-------------------------------\r(1) المبسوط: 13 ص 195، البدائع: 5 ص 250 ومابعدها، رد المحتار: 4 ص 44.\r(2) البدائع، المرجع السابق: ص 251.\r(3) البدائع: 5 ص 250، حاشية ابن عابدين: 4 ص 44.\r(4) البدائع، المرجع السابق نفسه: 5 ص 246.\r(5) البدائع: 5 ص 246.\r(6) البدائع: 251/5.","part":5,"page":73},{"id":2919,"text":"البائع بين المبيع وبين المشتري، برفع الحائل بينهما، على وجه يتمكن المشتري من التصرف فيه، فيجعل البائع مسلِّماً للمبيع، والمشتري قابضاً له (1) .\rوكذلك تسليم الثمن من المشتري إلى البائع:\rوالقبض يتم بطرق:\r1 - التخلية: وهي أن يتمكن المشتري من المبيع بلا مانع (أي أن يكون مفرزا) ولا حائل (أي في حضرة البائع) مع الإذن له بالقبض، فلو اشترى إنسان حنطة في بيت، ودفع البائع المفتاح إليه، وقال: خليت بينك وبينها (أي أذنت) فهو قبض (2) . وإن دفع المفتاح إلىه، ولم يقل شيئاً لا يكون قبضاً، وتسليم الدار أو الأرض يتم بأن يقف المشتري في داخلها أو قريباً منها بحيث يرى جانب الأرض أو يقدر على إغلاق باب الدار فوراً، فإن كان بعيداً عنها بغير هذه الحالة، لم يكن قبضاً (3) . وعلى هذا فإن القبض عند الحنفية يكون بالتخلية، سواء أكان المبيع عقاراً أم منقولاً إلا المكيل والموزون فإن قبضه يكون باستيفاء قدره أي بكيله أو وزنه.\rوقال المالكية والشافعية: قبض العقار كالأرض والبناء ونحوهما يكون بالتخلية بين المبيع وبين المشتري وتمكينه من التصرف فيه بتسليم المفاتيح إن وجدت. وقبض المنقول كالأمتعة والأنعام والدواب بحسب العرف الجاري بين الناس (4) . والعرف يقضي إما بتناول الشيء باليد كالثوب والكتاب، وإما بالنقل من مكان لآخر كالسيارة والدابة.\r-------------------------------\r(1) البدائع: 5 ص 244.\r(2) من قواعد الحنفية: «التخلية بين المشتري وبين المبيع قبض» فيعد ذلك قبضاً، وإن لم يتم القبض حقيقة، فإذا هلك المبيع يهلك على المشتري (راجع الفرائد البهية في القواعد الفقهية للشيخ محمود حمزة: ص 63).\r(3) البدائع، المرجع السابق، رد المحتار: 4 ص 44، عقد البيع للأستاذ الزرقاء: ص 86.\r(4) الشرح الكبير للدردير: 3 ص 145، المجموع: 9 ص 301-309، المهذب: 1ص263.","part":5,"page":74},{"id":2920,"text":"وقال الحنابلة: قبض كل شيء بحسبه، فإن كان مكيلاً أو موزوناً فقبضه بكيله ووزنه، أي أنه يجب الرجوع في القبض إلى العرف (1) .\r2 - الإتلاف: لو أتلف المشتري المبيع في يد البائع صار قابضاً للمبيع، وتقرر عليه الثمن؛ لأن التخلية تمكين من التصرف في المبيع والإتلاف تصرف فيه حقيقة.\rوالتعييب مثل الإتلاف: وهو أن يحدث المشتري في المبيع عيباً، كأن يقطع يده أو يشج رأسه، أو أن ينقص منه شيئاً.\rوكذا لو أمر المشتري البائع بالإتلاف ففعل، أو أمره بطحن الحنطة فطحن (2) ، لأن فعل البائع بأمر المشتري بمنزلة فعل المشتري بنفسه.\r3 - إيداع المبيع عند المشتري أو إعارته منه: لو أودع البائع المبيع عند المشتري أو أعاره منه، يصير المشتري بذلك قابضاً؛ لأن الإيداع والإعارة للمالك لايصح، كما ذكر قريباً.\rوكذا لو أودع المشتري المبيع عند أجنبي أو أعاره، وطلب من البائع تسليمه إليه، يصير قابضاً؛ لأن الإعارة والإيداع عند آخر عمل صحيح، فقد أثبت يد النيابة لغيره، ويد أمينه كيده، فصار قابضاً.\rأما لو أودع المشتري من البائع أو أعاره له أو آجره، لم يكن ذلك قبضاً؛ لأن هذه التصرفات لم تصح من المشتري؛ لأن يد الحبس بطريق الأصالة ثابتة للبائع، فلا يتصور إثبات يد النيابة له (3) .\r4 - اتباع المشتري الجانيَ بالجناية على المبيع:\rلو جنى أجنبي على المبيع فاختار المشتري اتباع الجاني بالضمان، كان اختياره بمنزلة القبض عند أبي يوسف، حتى لو هلك المبيع يكون الهلاك على المشتري، ويتقرر عليه الثمن، ولا يبطل البيع.\r-------------------------------\r(1) المغني: 4 ص 111 ومابعدها.\r(2) البدائع، المرجع السابق، رد المحتار، المرجع السابق.\r(3) البدائع: 5 ص 246.","part":5,"page":75},{"id":2921,"text":"وقال محمد: لا يصير قابضاً ويبقى البيع في ضمان البائع، ويؤمر بالتسليم إليه، ويكون الهلاك على البائع، ويبطل البيع ويسقط الثمن عن المشتري.\rدليل أبي يوسف: أن جناية الأجنبي حصلت بإذن المشتري وأمره ضمناً، فيصير قابضاً، كما لو ارتكب الجناية بنفسه. وبيانه: أن اختيار المشتري اتباع الجاني بالضمان تمليك من الشيء المضمون المجني عليه؛ لأن المضمونات تملك باختيار الضمان بأثر رجعي يستند إلى وقت حدوث سبب الضمان، فيصير كأن الجناية حصلت بأمر المشتري.\rودليل محمد: أن الضمان متعلق بالعين لأن قيمة العين قائمة مقامها، والعين لو كانت قائمة فهلكت قبل القبض، كان الهلاك على البائع، فكذا القيمة (1) .\r5 - القبض السابق: كل ماسبق فيما إذا كان المبيع في يد البائع، فإن كان في يد المشتري بقبض سابق، ثم باعه المالك له، فهل يعتبر قابضاً بمجرد الشراء أو لا بد من تجديد القبض ليتم التسليم؟ فيه تفصيل:\rقسم الفقهاء القبض من حيث قوة أثره وضعفه إلى قسمين: قبض الضمان وقبض الأمانة.\rقبض الضمان: هو ما كان فيه القابض مسؤولاً عن المقبوض تجاه الغير، فيضمنه، إذا هلك عنده، ولو بآفة سماوية، كالمغصوب في يد الغاصب، والمبيع في يد المشتري.\rوقبض الأمانة: هو ماكان فيه القابض غير مسؤول عن المقبوض إلا بالتعدي، أو التقصير في الحفظ كالوديعة أو العارية أو المأجور أو مال الشركة في يد الوديع، أو المستعير، أو المستأجر، أو الشريك.\rوجعلوا قبض الضمان أقوى من قبض الأمانة بسبب الضمان المترتب.\rوالمبدأ العام:أن القبض السابق ينوب عن القبض اللازم في البيع إذا كانا متجانسين في الضمان وعدمه، أو كان السابق أقوى بخلاف ما إذا كان أضعف. فقبض الضمان ينوب عن قبض الأمانة وعن قبض الضمان، وأما قبض الأمانة فلا ينوب إلا عن قبض الأمانة فقط، ولا ينوب عن قبض\r-------------------------------\r(1) البدائع، المرجع السابق.","part":5,"page":76},{"id":2922,"text":"الضمان؛ لأن الأدنى لا يغني عن الأعلى (1) .\rوعلى هذا الأساس إذا كان الشيء المبيع موجوداً في يد المشتري قبل البيع: إما أن تكون يده يد ضمان أو يد أمانة.\rأ ـ فإن كانت يد المشتري يد ضمان :\r1 - فإما أن تكون يد ضمان بنفسه: كيد الغاصب ويد القابض على سوم الشراء، فيصير المشتري قابضاً للمبيع بالعقد نفسه، ولا يحتاج إلى تجديد القبض، ويبرأ البائع من التزام التسليم، سواء أكان المبيع حاضراً في مجلس العقد، أم غائباً؛ لأن المغصوب مضمون بنفسه، والمبيع بعد القبض مضمون بنفسه، فتجانس القبضان، فناب أحدهما عن الآخر.\rأو تكون يد ضمان لغيره، كيد الرهن، بأن باع الراهن المرهون من المرتهن، فإنه لا يصير قابضاً، إلا أن يكون الرهن حاضراً في مجلس العقد، أو يذهب إلى حيث يوجد الرهن، ويتمكن من قبضه؛ لأن المرهون ليس بمضمون بنفسه، بل بغيره، وهو الدين، والمبيع مضمون بنفسه، فلم يتجانس القبضان ولم يتشابها، ولأن الرهن أمانة في الحقيقة، فكان قبضه قبض أمانة في عينه، وليس مضموناً بنفسه، وإنما يسقط الدين بهلاكه، لا لكونه مضموناً، وإنما لمعنى آخر، وهو الاستيثاق بالدين، فيهلك الرهن من مال المرتهن ويسقط الدين بقدر الرهن؛ لأن الرهن وثيقة بالدين.\rوإذا كان قبض الرهن قبض أمانة، فقبض الأمانة لا ينوب عن قبض الضمان، كقبض العارية والوديعة.\rب ـ وإن كانت يد المشتري يد أمانة، كيد المستعير أو الوديع، فلا يصير قابضاً، إلا أن يكون المبيع بحضرته، أو يذهب إليه، فيتمكن من قبضه بالتخلي؛ لأن يد الأمانة ليست من جنس يد الضمان، فلا يتناوبان؛ لأن قبض الأمانة أضعف من قبض الضمان (2) .\r-------------------------------\r(1) البدائع: 248/5، فتح القدير: 5 ص 200، حاشية ابن عابدين: 4 ص 535، مجمع الضمانات للبغدادي: ص 217، عقد البيع للأستاذ الزرقاء: ص 87 ومابعدها.\r(2) البدائع: 5 ص 248، فتح القدير: 5 ص 200.","part":5,"page":77},{"id":2923,"text":"المبحث الرابع ـ البيع الباطل والبيع الفاسد\rتمهيد :\rالعقد من حيث حكمه أو وصفه الذي يعطيه الشارع له، بناء على مقدار استيفائه لأركانه وشروطه، ينقسم عند جمهور الفقهاء إلى صحيح وغير صحيح.\rالصحيح: هو ما استوفى شروطه وأركانه. وغير الصحيح: هو ما اختل فيه ركن من أركانه أوشرط من شروطه، ولا يترتب عليه أي أثر، ويشمل الباطل والفاسد، وهما بمعنى واحد.\rوأما الحنفية: فيقسمون العقد إلى صحيح وفاسد وباطل، فغير الصحيح عندهم، إما فاسد أو باطل.\rومنشأ الخلاف: هو في مفهوم نهي الشرع عن عقد ما.. هل النهي يقتضي الفساد أي عدم الاعتبار والوقوع في الإثم معاً، أو يقتصر على إيجاب الإثم وحده مع اعتباره أحياناً، ثم هل يستوي النهي عن ركن من أركان العقد مع النهي عن وصف عارض للعقد؟\rقال جمهور الفقهاء: إن نهي الشارع عن عقد ما: يعني عدم اعتباره أصلاً، وإثم من يقدم عليه، ولا فرق بين النهي عن أركان العقد أو النهي لوصف عارض للعقد، لقوله عليه الصلاة والسلام: «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد، ومن أدخل في ديننا ما ليس فيه فهو رد» (1) .\rومتى خالف العمل أمر الشارع وطلبه، وصف بالفساد أو البطلان، سواء أكانت المخالفة راجعة إلى حقيقة العمل أم وصفه، وسواء في ذلك العبادة والمعاملة.\rوقال الحنفية: قد يكون نهي الشارع عن عقد: معناه إثم من يرتكبه فقط، لا إبطاله. ويفرق بين النهي عن أصل العقد أو أركانه، فيوجب بطلان العقد، وبين\r-------------------------------\r(1) رواه مسلم عن عائشة، وفي رواية للبخاري ومسلم وأبي داود «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» (راجع جامع الأصول: 1 ص 197).","part":5,"page":78},{"id":2924,"text":"النهي عن أمر آخر كوصف من أوصاف العقد، فيوجب فساد العقد فقط (1) ، لأن المعاملات ينظر فيها إلى جانب مصالح العباد، فإذا كانت مخالفة العمل راجعة إلى حقيقته كبيع المعدوم، لم تتحقق به مصلحة أصلاً، فكان باطلاً.\rوأما إذا تحققت بالعمل مصلحة على وجه ما، ترتب أثر العمل عليه، ويتدارك النقص بإزالة سببه، وهذا يتحقق فيما لو كانت مخالفة العمل راجعة إلى وصفه مع سلامة حقيقته، بوجود ركنه وطرفيه ومحله، فيسمى فاسداً.\rأما العبادات فإن البطلان والفساد فيها مترادفان، فمخالفة أمر الشارع فيها يجعلها موصوفة بالفساد والبطلان، سواء أكان الخلل في ناحية جوهرية أم في ناحية فرعية متممة؛ لأن العبادة ينظر فيها إلى تحقيق الامتثال والطاعة التامة، ولا يحصل ذلك إلا بزوال كل مخالفة فيها.\rوعلى هذا الأساس نعرف أن أنواع البيوع عند الحنفية بحسب وصف الشارع لها ثلاثة: صحيح، وباطل، وفاسد.\rالبيع الصحيح: هو ما كان مشروعاً بأصله ووصفه (2) ولم يتعلق به حق الغير، ولا خيار فيه، وحكمه: أنه يثبت أثره في الحال. وأثر البيع الصحيح هو تبادل الملكية في العوضين، فيثبت ملك المبيع للمشتري، وملك الثمن للبائع فور انتهاء الإيجاب والقبول إذا لم يكن في البيع خيار.\r-------------------------------\r(1) انظر الأموال ونظرية العقد للدكتور محمد يوسف موسى: ص 436 ومابعدها. والذي يترجح أن أثر النهي المتوجه إلى الوصف كأثر النهي المتوجه إلى ما تتوقف عليه حقيقة الشيء، سواء في اعتبار الشرع، وأن البيع الفاسد والباطل سيان لا يترتب عليه حكم من الأحكام (راجع أصول البيوع الممنوعة للأستاذ عبد السميع إمام، وهي رسالة دكتوراه من الأزهر: ص 147).\r(2) أصل العقد أي ركنه ومحله، والركن: الإيجاب والقبول، والمحل: محل العقد: ومعنى كون الركن مشروعاً: ألا يعرض له خلل كأن يصدر الإيجاب والقبول من مجنون أو صبي لا يعقل. ومعنى كون المحل مشروعاً: أن يكون مالاً متقوماً. وأما وصف العقد: فهو ما كان خارجاً عن الركن والمحل كالشرط المخالف لمقتضى العقد، أو كون المبيع غير مقدور التسليم، وكالثمنية فإنها صفة تابعة للعقد.","part":5,"page":79},{"id":2925,"text":"والبيع الباطل: هو ما اختل ركنه أو محله، أو هو ما لا يكون مشروعاً بأصله ولا بوصفه، أي أن يكون العاقد ليس أهلاً للعقد، أو أن يكون محل العقد ليس قابلاً له. وحكمه: أنه لا يعتبر منعقداً فعلاً، وإن وجدت صورته في الخارج فلا يفيد الملك أصلاً. مثل عقد الطفل أو المجنون أو بيع ما ليس بمال كالميتة، أو ما ليس بمتقوم كالخمر والخنزير.\rوإذا كان البيع الباطل لا يفيد الملك بالقبض، فلو هلك المبيع في يد المشتري فيطبق عليه حكم هلاك الأمانات؛ لأن العقد غير معتبر فبقي القبض بإذن المالك. قيل: وهو قول أبي حنيفة. وعند البعض: يكون مضموناً لأنه لا يكون أدنى حالاً من المقبوض على سوم الشراء. قيل: وهو قول الصاحبين. وأما الثمن المقبوض ببيع باطل فالصحيح أنه مضمون كالمقبوض ببيع فاسد.\rوالبيع الفاسد: هو ما كان مشروعاً بأصله دون وصفه، أي أن يصدر من أهل له في محل قابل للبيع، ولكن عرض له أمر أو وصف غير مشروع. مثل بيع المجهول جهالة تؤدي للنزاع كبيع دار من الدور أو سيارة من السيارات المملوكة لشخص، دون تعيين، وكإبرام صفقتين في صفقة كبيع دار على أن يبيعه سيارته مثلاً: وسأذكر أمثلة أخرى بالتفصيل. وحكمه: أنه يثبت فيه الملك بالقبض بإذن المالك صراحة أو دلالة، كأن يقبضه في مجلس العقد أمام البائع دون أن يعترض عليه، خلافاً لجمهور الفقهاء الذين يقررون أنه لا يفيد الملك أصلاً كالبيع الباطل (1) .\r-------------------------------\r(1) انظر فتح القدير مع العناية: 5 ص 185 وما بعدها، البدائع: 5 ص 299، رد المحتار لابن عابدين: 4 ص 104، مجمع الضمانات: ص 215 وما بعدها، الأموال ونظرية العقد للدكتور يوسف موسى: ص 440 وما بعدها.","part":5,"page":80},{"id":2926,"text":"الضابط الذي يميز الفاسد عن الباطل\rإذا كان الفساد يرجع للمبيع فالبيع باطل، كما إذا باع خمراً أو خنزيراً أو ميتة أو دماً أو صيد الحرم أو الإحرام، فلا يفيد الملك أصلاً وإن قبض؛ لأن الخلل واقع على المبيع ذاته، وهو أن الخمر والخنزير لا يثبت الملك فيهما للمسلم بالبيع، والبيع لا ينعقد بلا مبيع، والميتة والدم ليسا بمال متقوم، وقد أبطل الشارع تملك صيد الحرم والإحرام.\rوإن كان الفساد يرجع للثمن: فإن كان الثمن مالاً في الجملة أي في بعض الأديان أو مرغوباً عند بعض الناس، كالخمر والخنزير وصيد الحرم والإحرام فإن البيع يكون فاسداً أي أنه ينعقد بقيمة المبيع، ويفيد الملك في المبيع بالقبض؛ لأن ذكر الثمن المرغوب دليل على أن غرضهما البيع فينعقد بيعاً بقيمة المبيع (1) .\rوأما إن كان الثمن ميتة أو دماً، فاختلف الحنفية: فقال عامتهم: يبطل، وقال بعضهم: يفسد، والصحيح أنه يبطل؛ لأن المسمى ثمناً ليس بمال أصلاً (2) .\rوبعد هذا التمهيد :\rأذكر أمثلة من أنواع البيع الباطل ولو في رأي بعض الفقهاء، ثم أردفها بأمثلة أخرى من أنواع البيع الفاسد، ثم أعقبها بتفصيل حكم البيع الفاسد وما يترتب عليه.\r-------------------------------\r(1) الفرق بين الثمن والقيمة: أن الثمن ما تراضى عليه المتعاقدان، سواء زاد على القيمة أو نقص عنها. والقيمة: ما قوم به الشيء بمنزلة المعيار من غير زيادة ولا نقص (انظر رد المحتار: 4 ص 53).\r(2) المبسوط: 13 ص 22 ومابعدها، فتح القدير والعناية: 5 ص 186، 227، البدائع: 5 ص 299، 305.","part":5,"page":81},{"id":2927,"text":"وقد ميزت بين أمثلة نوعي البيع المذكورين منعاً للإبهام أو الإشكال، على عكس ما يوجد في أغلب كتب الحنفية التي تذكر باب البيع الفاسد. وتريد به الأعم من كونه فاسداً أو باطلاً وهو المنهي عنه الممنوع شرعاً (1) بل إنهم قد يطلقون لفظ الفاسد ويريدون به الباطل، ويفهم المقصود إما بالقرائن أحياناً أو بما يشعر بأن البيع باطل كقولهم: لا ينقلب العقد صحيحاً، وفي البيع الفاسد بالعكس: يعود العقد صحيحاً.\rالمطلب الأول ـ أنواع البيع الباطل\rأهم أنواع البيع الباطل ما يأتي:\r1 - بيع المعدوم :\rاتفق أئمة المذاهب على أنه لا ينعقد بيع المعدوم وما له خطر العدم، كبيع نتاج النتاج بأن قال: بعت ولد ولد هذه الناقة، وبيع الحمل الموجود لأنه على خطر الوجود، وبيع الثمر والزرع قبل ظهوره ؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلم «نهى عن بيع حبل الحبلة» (2) أي نتاج النتاج. ونهى أيضاً عن بيع المضامين والملاقيح (3) (والمضامين: ما\r-------------------------------\r(1) انظر فتح القدير: 5 ص 185، رد المحتار: 4 ص 104.\r(2) رواه البخاري ومسلم وأحمد والموطأ وأبو داود والنسائي والترمذي عن ابن عمر أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم «نهى عن بيع حبل الحبلة» (انظر جامع الأصول: 1 ص 441، نيل الأوطار: 5 ص 147).\r(3) فيه عدة روايات:منها ما رواه عبد الرزاق في مصنفه عن ابن عمر عن النبي صلّى الله عليه وسلم أنه نهى عن المضامين، والملاقيح، وحبل الحبلة: قال: والمضامين: ما في أصلا ب الإبل، والملاقيح، ما في بطونها، وحبل الحبلة: ولد ولد هذه الناقة، وقيل: إن المبيع هو ولد الناقة (انظر نصب الراية: 4 ص 10) والخلاصة أن المضامين: ما في ظهر الفحل بمعنى أن يحمل البائع الفحل على ناقته، فما أنتجته كان للمشتري، أو بيع ما يضربه الفحل مدة عام أو عامين. والملاقيح: بيع الجنين في بطن أمه، أو ما في البطن من المني قبل أن يطلق عليه اسم الحمل، وهذه البيوع كانت متعارفة في الجاهلية.","part":5,"page":82},{"id":2928,"text":"في أصلاب الذكور، والملاقيح: ما في بطون الإناث) ونهى كذلك عن بيع الثمر قبل بدو صلاحه، كما سيأتي.\rومن الملحق بالمعدوم: بيع لؤلؤ في صدف، وبيع اللبن في الضرع وبيع الصوف على ظهر الغنم، ومثله بيع الكتاب قبل طبعه، فإن بيع ذلك باطل عند الشافعية والحنابلة؛ لأن محل العقد غير موجود بالتأكيد، ولما روي عن ابن عباس رضي الله صلّى الله عليه وسلم عنهما أنه قال: «نهى رسول الله صلّى الله عليه وسلم أن تباع ثمرة حتى تطعم (1) ، ولا يباع صوف على ظهر ولا لبن في ضرع» (2) ولأن بيع اللبن في الضرع مجهول الصفة والمقدار. وجهالة مقداره، لأنه قد يرى امتلاء الضرع من السمن، فيظن أنه من اللبن. وجهالة الصفة: لأنه قد يكون اللبن صافياً، وقد يكون كدراً فأشبه الحمل، لأنه بيع عين لم تخلق، فلم يجز كبيع ما تحمل الناقة، والعادة في ذلك تختلف. وفيه علة أخرى وهي: أنه معجوز التسليم، لأن اللبن لا يجتمع في الضرع دفعة واحدة، بل شيئاً فشيئاً، فيختلط المبيع بغيره على وجه يتعذر التمييزبينهما.\rوأما لبن الظئر (أي المرضع) فيجوز بيعه للحضانة، للحاجة.","part":5,"page":83},{"id":2929,"text":"وقال الحنفية ما عدا أبا يوسف: بيع اللبن في الضرع واللؤلؤ في الصدف والصوف على ظهر الغنم فاسد؛ للجهالة وللنهي عنه، ولأن الصوف ينمو من أسفل، فيختلط المبيع بغيره، ويصعب التمييز بينهما، فيفسد لذلك (3) .\rوقال أبو يوسف: يجوز بيع الصوف على ظهر الغنم والصلح عليه؛ لأنه يجوز جزه قبل الذبح، فيجوز بيعه كبيع القصيل في الأرض.\rوأما سبب بطلان بيع الصوف على ظهر الغنم عند القائلين بالبطلان، فلأنه يقع الاختلاف في موضع القطع من الحيوان، فيقع الإضرار به فكان مشتملاً على الغرر، وفيه علة أخرى: وهي أنه معجوز التسليم، لأن الصوف ينمو ساعة فساعة، فيختلط الموجود عند العقد بالحادث بعده على وجه لا يمكن التمييز بينهما.\rوخالف الإمام مالك في الحالتين، فقال: يجوز بيع اللبن في الضرع في الغنم السائمة التي لا يختلف لبنها، لا في الشاة الواحدة، أياماً معلومة، إذا عرف قدر حلابها، لسقي الصبي، كلبن الظئر، لتسامح غالب الناس به أياماً معلومة غالباً، بل رأينا من يسامح بلبن بقرته الشهر وأكثر بطريق الإباحة أو الهبة. وقال أيضاً: يصح بيع الصوف على ظهر الغنم، لأنه مشاهد يمكن تسليمه.\rوهناك رواية عند الحنابلة تقرر مثل هذا الحكم وهو أنه يجوز بيع الصوف على ظهر الغنم، بشرط جزّه في الحال، لأنه معلوم يمكن تسليمه. وكذلك الظاهرية أجازوا بيع الصوف على\r-------------------------------\r(1) تطعم ـ بكسر العين أي يبدو صلاحها.\r(2) حديث مرفوع مسند رواه الطبراني في معجمه عن ابن عباس، وأخرجه الدارقطني والبيهقي في سننيهما (انظر نصب الراية: 4 ص 11، نيل الأوطار: 5 ص 149).\r(3) الدر المختار ورد المحتار: 113/4، البدائع: 148/5، وعبر الكاساني بأن البيع لا ينعقد في ظاهر الرواية، ومراده أنه فاسد.","part":5,"page":84},{"id":2930,"text":"ظهور الغنم (1) .\rرأي بعض الحنابلة في بيع المعدوم: أجاز ابن القيم وأستاذه ابن تيمية بيع المعدوم عند العقد إذا كان محقق الوجود في المستقبل بحسب العادة، لأنه لم يثبت النهي عن بيع المعدوم لا في الكتاب ولا في السنة ولا في كلام الصحابة، وإنما ورد في السنة النهي عن بيع الغرر، وهو ما لا يقدر على تسليمه، سواء أكان موجوداً أم معدوماً كبيع الفرس النافر والجمل الشارد، فليست العلة في المنع لاالعدم ولا الوجود.\rبل إن الشرع صحح بيع المعدوم في بعض المواضع، فنره أجاز بيع الثمر بعد بدء صلاحه، والحب بعد اشتداده، ومعلوم أن العقد إنما ورد على الموجود والمعدوم الذي لم يخلق بعد. وعلى هذا فبيع المعدوم إذا كان مجهول الوجود في المستقبل باطل للغرر لا للعدم، فالأصل إذن هو الغرر (2) .\r2 - بيع معجوز التسليم\rيرى جمهور الحنفية كما في ظاهر الرواية: أنه لا ينعقد بيع معجوز التسليم عند العقد، ولو كان مملوكاً، كالطير الذي طار من يد صاحبه، أو العبد الآبق (الفارّ) واللقطة، ويكون البيع باطلاً، حتى لو ظهر الآبق ونحوه يحتاج إلى تجديد الإيجاب والقبول، إلا إذا تراضيا حينئذ، فيكون بيعاً مبتدءاً بالتعاطي.\rولو قدر على التسليم في المجلس لا يعود جائزاً، لأنه وقع باطلاً، وعن الكرخي والطحاوي: أنه يعود جائزاً.\r-------------------------------\r(1) انظر المبسوط: 12 ص 194 وما بعدها، 13 ص 23، البدائع: 5 ص 139، 148، فتح القدير: 5 ص 192، رد المحتار: 4 ص 106، 112، 113، بداية المجتهد: 2 ص 147، 157، الميزان: 2 ص 67، مغني المحتاج: 2 ص 30، المهذب: 1 ص 262، المغني: 4 ص 208 ومابعدها، سبل السلام: 3 ص 32 ومابعدها، القوانين الفقهية: ص 256، المحلى: 8 ص 458.\r(2) راجع أعلام الموقعين: 2 ص 8 وما بعدها، مصادر الحق: 3 ص 40 ومابعدها، الغرر وأثره في العقود: ص 356 ومابعدها، الأموال ونظرية العقد: ص 308.","part":5,"page":85},{"id":2931,"text":"فإن كان الطائريذهب ويعود كالحمام الأهلي، ففي ظاهر الرواية: لا يجوز أيضاً بيعه لعدم القدرة على التسليم في الحال، وقال بعض الحنفية: إن كان الطائر داجناً يعود إلى بيته ويقدر على أخذه بلا تكلف جاز بيعه، وإلا فلا.\rوكذا يبطل العقد إذا جعل معجوز التسليم ثمناً؛ لأن الثمن إذا كان عيناً، فهو مبيع في حق صاحبه (1) .\r-------------------------------\r(1) وذكر الكرخي رحمه الله أنه ينعقد بيع الآبق، حتى لو ظهر وسلم يجوز ولايحتاج إلى تجديد البيع، ودليله: أن الإباق لايوجب زوال الملك، ألا ترى أنه لم ينفذ للحال للعجز عن التسليم، فإن سلم زال المانع، فينفذ، كبيع المغصوب الذي في يد الغاصب إذا باعه المالك لغيره، فإنه ينعقد موقوفاً على التسليم.\rووجه ظاهر الرواية: هو أن القدرة على التسليم شرط انعقاد العقد، لأنه لاينعقد إلا لفائدة، ولايفيد إذا لم يكن قادراً على التسليم، والعجز عن التسليم ثابت حالة العقد، وفي حصول القدرة بعد ذلك شك، واحتمال قد يحصل وقد لايحصل. ومالم يكن منعقداً بيقين لاينعقد لفائدة محتملة، بخلاف بيع المغصوب من غير الغاصب، فإنه ينعقد موقوفاً على التسليم، حتى لو سلم ينفذ ، لأن المالك هنا قادر على التسليم بقدرة السلطان والقاضي وجماعة المسلمين إلا أنه لم ينفذ للحال، لوجود يد الغاصب صورة، فإذا سلم زال المانع، فينفذ، بخلاف الآبق، لأنه معجوز التسليم على الإطلاق، فأشبه بيع الآبق بيع الطير في الهواء، والسمك في الماء ( البدائع: 5 ص 147 ومابعدها، فتح القدير: 5 ص 199، رد المحتار: 4ص112، مختصر الطحاوي: ص82، الأموال ونظرية العقد لأستاذنا محمد يوسف موسى: ص 314 ).\rوقال المالكية: لايجوز ( أي لاينعقد ) بيع الآبق حال إباقه، إذا لم يعلم موضعه أو علم أنه عند من لايسهل خلاصه منه أو عند من يسهل خلاصه منه، ولم تعلم صفته فإذا كان معلوم الصفة، معلوم الموضع عند البائع والمشتري جاز، قال ابن رشد: وأظنه ( أي الإمام مالك ) اشترط أن يكون معلوم الإباق، ويتواضعان الثمن أي لايقبضه البائع حتى يقبض المشتري المبيع ( بداية المجتهد: 2 ص 156، الشرح الكبير للدردير: 3 ص 11 ) وقد ذكرت حكم العبد الآبق لمجرد الاطلاع من الناحية التاريخية.","part":5,"page":86},{"id":2932,"text":"وقال المالكية: لا ينعقد بيع البعير الشارد والبقرة المتوحشة والمغصوب إلا أن يبيعه من غاصبه.\rوقال الشافعية والحنابلة: لا يجوز (أي لا ينعقد) بيع ما لا يقدر على تسليمه كالطير في الهواء أو السمك في الماء والجمل الشارد، والفرس العائر (أي الهائم على وجهه) والمال المغصوب في يد الغاصب والعبد الآبق، سواء علم مكانه أو جهل، ومثله بيع الدار أو الأرض تحت يد العدو (1) ؛لأن النبي صلّى الله عليه وسلم نهى عن بيع\r-------------------------------\r(2) المهذب: 1 ص 263، المغني: 4 ص 200 ومابعدها، غاية المنتهى: 2 ص 10.","part":5,"page":87},{"id":2933,"text":"الحصاة، وعن بيع الغرر (1) ، وهذا غرر، وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم نهى عن شراء العبد الآبق، وعن شراء ما في بطون الأنعام حتى تضع وعن شراء ما في ضروعها، وعن شراء الغنائم حتى تقسم (2) . وعن ابن مسعود أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم قال: «لا تشتروا السمك في الماء فإنه غرر» (3) علل النهي عن بيع السمك بأنه غرر، فدل على أن الغرر: ما لا يقدر على تسليمه. والمراد بالماء الذي لايجوز بيع السمك فيه هو الماء غير المحصور كماء البحر والنهر، فإن كان الماء محصوراً كماء البركة، فقال الحنفية والشافعية والحنابلة في الجملة: يجوز بيع السمك فيه إذا كان يمكن أخذه بدون اصطياد وحيلة. ولكن للمشتري خيار الرؤية عند الحنفية. ومنع المالكية بيع السمك في الغدير أو البركة (4) .\rوالخلاصة: أن المذاهب الأربعة متفقة على بطلان بيع ما لا يقدر على تسليمه، مع الخلاف في بعض القيود أحياناً أو مع أقوال ضعيفة في المذهب.\rوذهب الظاهرية إلى أنه لا يشترط في صحة البيع أن يكون المعقود عليه مقدور التسليم، وإنما الواجب ألا يحول البائع بين المشتري وبين ما اشتراه (5) .\r-------------------------------\r(1) رواه مسلم وأحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه عن أبي هريرة « أن النبي صلّى الله عليه وسلم نهى عن بيع الحصاة وعن بيع الغرر » وقد سبق تخريجه. وبيع الحصاة مثل أن يقول: بعتك من هذه الأثواب ماوقعت عليه هذه الحصاة ثم يرمي الحصاة (انظر جامع الأصول: 1ص441، نيل الأوطار: 5 ص 147 ).\r(2) رواه أحمد وابن ماجه عن شهر بن حوشب عن أبي سعيد الخدري ونصه: « نهى النبي صلّى الله عليه وسلم عن شراء مافي بطون الأنعام حتى تضع، وعن بيع مافي ضروعها إلا بكيل، وعن شراء المغانم حتى تقسم، وعن شراء الصدقات حتى تقبض، وعن ضربة الغائص » ( انظر نيل الأوطار: 5 ص 149 ).\r(3) رواه أحمد موقوفاً ومرفوعاً والطبراني في الكبير كذلك، ورجال الموقوف رجال الصحيح (انظر مجمع الزوائد: 4 ص 80 ).\r(4) البدائع: 5 ص 295، بداية المجتهد: 2 ص 156، المهذب: 1 ص 263، المغني: 4 ص 202.\r(5) المحلى: 8 ص 449 وما بعدها، أصول البيوع الممنوعة: ص 130.","part":5,"page":88},{"id":2934,"text":"بيع الدين :\rالدين (1) : كثمن مبيع، وبدل قرض، ومهر بعد دخول بالمرأة أو قبل الدخول بها، وأجرة مقابل منفعة، وأرش (2) جناية، وغرامة متلف، وعوض خلع، ومسلم فيه. وبيع الدين: إما أن يكون لمن في ذمته الدين، أو لغير من عليه الدين. وفي كل من الحالتين إما أن يباع الدين نقداً في الحال، أو نسيئة مؤجلاً.\rوبيع الدين نسيئة: هو ما يعرف ببيع الكالئ بالكالئ أي الدين بالدين وهو بيع ممنوع شرعاً ؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلم نهى عن بيع الكالئ بالكالئ (3) ، وقد قيل: أجمع الناس على أنه لا يجوز بيع دين بدين، سواء أكان البيع للمدين، أم لغير المدين.\rمثال الأول وهو بيع الدين للمدين: أن يقول شخص لآخر اشتريت منك مداً من الحنطة بدينار على أن يتم تسليم العوضين بعد شهر مثلاً. أو أن يشتري شخص شيئاً إلى أجل، فإذا حل الأجل، لم يجد البائع ما يقضي به دينه، فيقول للمشتري: بعني هذا الشيء إلى أجل آخر بزيادة شيء، فيبيعه ولا يجري بينهما تقابض. فيكون هذا رباً حراماً تطبيقاً لقاعدة: ( زدني في الأجل، وأزيدك في القدر) . أما لو باع الدين بنحو آخر كأن يبيعه الألف الذي له في ذمته بمتاع كسجادة مثلاً، أو بقدر من المال يدفعه من عليه الدين، فيصح البيع؛ لأنه في معنى الصلح.\r-------------------------------\r(1) يلاحظ أن ( الدين ) في القوانين الوضعية المعاصرة: هو العمل الذي يجب على الشخص أن يقوم به. فيشمل ما إذا كان محل هذا العمل ديناً موصوفاً في الذمة الذي يقول به فقهاؤنا، أو عيناً: وهي الشيء المعين المشخص بذاته.\r(2) الأرش: هو العوض المالي المقدر شرعاً بدلاً عن الجناية التي ألحقت بعضو من الأعضاء.\r(3) رواه الدارقطني عن ابن عمر وصححه الحاكم على شرط مسلم، ورواه الطبراني عن رافع بن خديج، ولكن تفرد به موسى بن عبيدة الربذي، وفيه كلام (نيل الأوطار: 156/5).","part":5,"page":89},{"id":2935,"text":"ومثال بيع الدين لغير المدين: أن يقول رجل لغيره: بعتك العشرين مداً من القمح التي لي عند فلان بكذا تدفعها لي بعد شهر (1) ، أو بسلعة حاضرة (عين) لم يصح البيع، لعدم القدرة على تسليم المبيع.\rوبيع الدين نقداً في الحال: اختلف الفقهاء في شأنه على التفصيل الآتي:\rأولاً ـ بيع الدين للمدين: أجاز جمهور الفقهاء أئمة المذاهب الأربعة بيع الدين لمن عليه الدين أو هبته له؛ لأن المانع من صحة بيع الدين بالدين هو العجز عن التسليم، ولا حاجة إلى التسليم ههنا، فما في ذمة المدين مسلم له (2) . ومثاله: أن يبيع الدائن للمدين ديناً له في ذمته بدين آخر من غير جنسه، فيسقط الدين المبيع، ويجب عوضه،لأنه في معنى الصلح، وهو جائز،، ويدل ما أخرجه الخمسة (أحمد وأصحاب السنن) عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: «أتيت النبي صلّى الله عليه وسلم فقلت: إني أبيع الإبل بالبقيع، فأبيع الدنانير وآخذ الدراهم، وأبيع بالدراهم وأخذ الدنانير؟ فقال: لا بأس أن تأخذ بسعر يومها، ما لم تفترقا وبينكما شيء» فهذا البيع بين الدنانير والدراهم بيع للدين بعين ممن عليه الدين، لأنه قوله: «أبيع بالدنانير» أي ديناً؛ لأنه لم يقبضهما، ثم يستبدل بها دراهم يقبضها.\rوقال الظاهرية: لا يجوز بيع الدين إلى المدين لوجود الغرر فيه، قال ابن حزم: لأنه بيع مجهول، وما لا يدرى عينه، وهذا هو أكل مال بالباطل (3) .\r-------------------------------\r(1) راجع سبل السلام: 3 ص 45، نيل الأوطار : 5 ص 156، الشرح الكبير والدسوقي: 3 ص 61 ومابعدها، الغرر وأثره في العقود للدكتور الصدّيق: ص 311 ومابعدها، غاية المنتهى: 2 ص 58، المهذب: 1 ص 262.\r(2) البدائع: 5 ص 148، تكملة ابن عابدين: 326/2، الفتاوى الهندية: 365/4، أصول البيوع الممنوعة: ص 111، المغني: 4 ص 120.\r(3) المحلى: 9 ص 7 ومابعدها، أصول البيوع، المكان السابق.","part":5,"page":90},{"id":2936,"text":"ثانياً ـ بيع الدين لغير المدين: قال الحنفية والظاهرية: بما أنه لا يجوز بيع معجوز التسليم، فلا ينعقد بيع الدين من غير من عليه الدين، لأن الدين غير مقدور التسليم إلا للمدين نفسه في حق البائع؛ لأن الدين عبارة عن مال حكمي في الذمة، أو عبارة عن فعل تمليك المال وتسليمه، وكل ذلك غير مقدور التسليم من البائع. ولو شرط التسليم على المدين لا يصح البيع أيضاً؛ لأن البائع شرط التسليم على غيره، فيكون شرطاً فاسداً، فيفسد البيع (1) ، لعدم القدرة على تسليم المبيع.\rوقال بعض الشافعية (2) : يجوز بيع الدين المستقر (3) للمدين ولغير المدين قبل القبض، لأن الظاهر القدرة على التسليم من غير منع ولا جحود، ومثال الدين المستقر: قيمة المتلفات، والمال الموجود عند المقترض.\rوأما إن كان الدين غير مستقر: فإن كان مسلَماً فيه في عقد السلم، فلا يجوز التصرف فيه قبل قبضه، لعموم النهي عن بيع مالم يقبض، ولأن الملك في المسلم فيه غير مستقر، لأنه ربما تعذر تسليمه لفقدانه، فانفسخ البيع فيه.\r-------------------------------\r(1) البدائع، في المكانين السابقين.\r(2) المهذب: 1 ص 262 وما بعدها.\r(3) الدين المستقر: هو الثابت استيفاؤه والذي يكون الملك عليه لازماً مستحقاً لصاحبه دون أن يكون هناك أي احتمال آخر لسقوطه.","part":5,"page":91},{"id":2937,"text":"وإن كان الدين ثمناً في بيع، ففي قول للشافعي: يجوز التصرف فيه قبل قبضه لخبر ابن عمر في هذا الشأن عن الرسول صلّى الله عليه وسلم : « لابأس مالم تتفرقا، وبينكما شيء » (1) ولأنه لايخشى انفساخ العقد فيه بالهلاك، فصار ذلك مثل المبيع بعد القبض.هذا ولايصح اتفاقاً بيع الدين بالدين إلى أجل كما تقدم في النقود والمطعومات وغيرها من أموال الربا، ولايصح لأحد أن يعتمد على هذا القول وغيره فيما يخالف الأحكام المقررة قطعاً. قال النووي في المنهاج: وبيع الدين لغير من هو عليه الدين باطل في الأظهر.\rوقال الحنابلة: يصح في الصحيح من المذهب بيع الدين المستقر للمدين كبدل قرض ومهر بعد الدخول. ولايصح بيع الدين لغير المدين، كما لاتصح هبة الدين لغير من هو في ذمته؛ لأن الهبة تقتضي وجود معين، وهو منتفٍ هنا. كما لايصح بيع الدين غير المستقر كأجرة عقار قبل مضي مدة الإيجار، ومهر قبل دخول بالمرأة، ومسلم فيه قبل القبض، إلا أن ابن القيم أجاز بيع الدين\r-------------------------------\r(1) رواه الترمذي وغيره، وصححه الحاكم على شرط مسلم، والقصة معروفة وهي أن ابن عمر قال: «كنت أبيع الإبل بالبقيع بالدنانير، فآخذ الدراهم، وأبيع بالدراهم، فآخذ الدنانير، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلم : « لابأس مالم تتفرقا وبينكما شيء » .","part":5,"page":92},{"id":2938,"text":"للمدين ولغير المدين (1) .\rوقال المالكية: يجوز بيع الدين لغير المدين بشروط ثمانية تبعده عن الغرر والربا وأي محظور آخر كبيع الطعام قبل قبضه، وتتلخص هذه الشروط هنا في شرطين هما:\r1ً - ألا يؤدي البيع إلى محظور شرعي كالربا والغرر ونحوهما: فلابد من أن يكون الدين ممايجوز بيعه قبل قبضه، كأن يكون من قرض ونحوه، ويكون الدين المبيع غير طعام، وأن يباع بثمن مقبوض أي معجل لئلا يكون ديناً بدين، وأن يكون الثمن من غير جنس الدين المبيع أو من جنسه مع التساوي بينهما حذراً من الوقوع في الربا، وألا يكون الثمن ذهباً إذا كان الدين فضة، حتى لايؤدي ذلك إلى بيع النقد بالنقد نسيئة من غير مناجزة، فهذه أربعة شروط في شرط.\r2 - أن يغلب على الظن الحصول على الدين بأن يكون المدين حاضراً في بلد العقد، ليعلم حاله من عسر أو يسر، وأن يكون المدين مقراً بالدين، حتى لاينكره بعدئذ ، فلا يجوز بيع حق متنازع فيه، وأن يكون أهلاً للالتزام بالدين بألا يكون قاصراً ولا محجوراً عليه مثلاً ليكون الدين مقدور التسليم، وألا يكون بين المشتري وبين المدين عداوة حتى لايتضرر المشتري أو حتى لا يكون في البيع إعنات للمدين بتمكين خصمه منه (2) .\rفهذه أربعة شروط أخرى في شرط. ويظهر لنا أن مذهب المالكية هو الراجح بين المذاهب. وفي الواقع لايجوز بيع الدين بالدين، مثل أن يبيع ديناً له على رجل من آخر بالتأخير، ولايجوز أيضاً فسخ الدين في الدين، مثل أن يدفع الغريم لصاحب الدين ثمرة يجنيها، أو داراً يسكنها، لتأخر القبض في ذلك (3) .\rخصم (حسم) الكمبيالة: ذكر الحنفية (4) أن بيع أوراق الكمبيالة المتعارف في زماننا إلى غير الغريم ( المدين ) أو لمن عليه أموال أميرية بأنقص من الحق غير صحيح.\r3 - بيع الغرر :\rالغرر في اللغة: الخطر، والتغرير: التعريض للهلاك، وأصل الغرر لغة: هو ماله ظاهر محبوب، وباطن مكروه. ولذلك سميت الدنيا متاع الغرور. فالغرر:\r-------------------------------\r(1) المغني: 4 ص 120، 301، غاية المنتهى: 2 ص 80 ومابعدها، أعلام الموقعين: 1ص388 ومابعدها. كشاف القناع: 337/4.\r(2) الشرح الكبير للدردير وحاشية الدسوقي عليه: 3ص63، بداية المجتهد: 2 ص 146، القوانين الفقهية: ص210، 289، أصول البيوع الممنوعة: 109، الغرر وأثره في العقود: ص 315.\r(3) القوانين الفقهية: ص 289 .\r(4) أصول البيوع الممنوعة في الشريعة الإسلامية وموقف القوانين منها للأستاذ عبد السميع إمام: ص 120 .","part":5,"page":93},{"id":2939,"text":"تعريض المرء نفسه أو ماله للهلاك من غير أن يعرف.\rوبيع الغرر: هو بمعنى مغرور اسم مفعول، فهو من إضافة المصدر إلى اسم المفعول. ورجح بعضهم (1) أن الإضافة هنا من إضافة الموصوف إلى صفته، أو من إضافة المصدر إلى نوعه، ولايصح جعل الإضافة من إضافة المصدر إلى مفعوله، كما يقول ابن تيمية، لأنه يترتب على هذا كون الغرر خاصاً بمحل العقد، وليس كذلك، فإن من الغرر المنهي عنه باتفاق الفقهاء مايرجع إلى الصفة التي وقع عليها العقد، كبيع الحصاة. أما إذا جعلنا الإضافة إلى الصفة أو نوع المصدر، فإن النهي يعم كل بيوع الغرر، سواء أكان الغرر في محل العقد كبيع الطير في الهواء، وشاة من قطيع، أم في صيغته كالبيعتين في بيعة، والشرطين في بيع وبيع العربان، وبيع الحصاة ونحوها.والغرر لغة: معناه الخداع الذي هو مظنة ألا رضا به عند تحققه، فيكون من أكل المال بالباطل (2) . والغرر فقهاً يتناول الغش والخداع والجهالة بالمعقود عليه، وعدم القدرة على التسليم. قال الصنعاني: يتحقق بيع الغرر في صور: إما بعدم القدر ة على التسليم كبيع الفرس النافر والجمل الشارد، أو بكونه معدوماً أو مجهولاً، أو لا يتم ملك البائع له، كالسمك في الماء الكثير، وغيرها من الصور (3) .\rالغرر في اصطلاح الفقهاء: ذكر فقهاء المذاهب تعريفات للغرر متقاربة نسبياً، منها:\rقال السرخسي الحنفية: الغرر: ما يكون مستور العاقبة (4) .\r-------------------------------\r(1) انظر رسالة الزميل الدكتور الصدّيق الأمين « الغرر وأثره في العقود » ص 62.\r(2) سبل السلام: 3 ص 15.\r(3) المرجع السابق، القوانين الفقهية: ص 256.\r(4) المبسوط: 12 ص 194.","part":5,"page":94},{"id":2940,"text":"وقال القرافي من المالكية: أصل الغرر: هو الذي لا يدرى هل يحصل أم لا كالطير في الهواء والسمك في الماء (1) .\rوقال الشيرازي الشافعي: الغرر: ما انطوى عنه أمره وخفي عليه عاقبته (2) .\rوقال الإسنوي الشافعي: الغرر: هو ما تردد بين شيئين أغلبهما أخوفهما (3) .\rوقال ابن تيمية: الغرر هو المجهول العاقبة. وقال ابن القيم: هو ما لا يقدر على تسليمه، سواء أكان موجوداً أو معدوماً كبيع العبد الآبق، والبعير الشارد، وإن كان موجوداً (4) .\rوقال ابن حزم:ما لا يدري المشتري ما اشترى، أو البائع ما باع (5) .\rوالخلاصة: أن بيع الغرر: هو البيع الذي يتضمن خطراً يلحق أحد المتعاقدين، فيؤدي إلى ضياع ماله (6) . وعرفه الأستاذ الزرقاء فقال: هو بيع الأشياء الاحتمالية غير المحققة الوجود أو الحدود، لما فيه من مغامرة وتغريريجعله أشبه بالقمار. والغرر الذي يبطل البيع: هو غرر الوجود: وهوكل ما كان المبيع فيه محتملاً للوجود والعدم. أما غرر الوصف فمفسد للبيع (7) ، كما عرفنا في شرائط الصحة.\rالغرر إذن: هو الخطر بمعنى أن وجوده غير متحقق، فقد يوجد وقد لا يوجد. وبيع الغرر: بيع ما لا يعلم وجوده وعدمه، أو لا تعلم قلته وكثرته، أو لا يقدر على تسليمه.\r-------------------------------\r(1) الفروق: 3 ص 265.\r(2) المهذب: 1 ص 262.\r(3) نهاية السول شرح منهاج الأصول: 2 ص 89.\r(4) أعلام الموقعين: 2 ص 9، الفتاوى لابن تيمية: 3 ص 275.\r(5) المحلى: 396/8.\r(6) أصول البيوع الممنوعة: ص 130.\r(7) المدخل الفقهي العام له: 1 ص 97، عقد البيع له أيضاً، حاشية ص 20.","part":5,"page":95},{"id":2941,"text":"ملاحظات على التعاريف: قصر الظاهرية الغرر على المجهول، وقصره بعض الحنفية على ما لا يدرى حصوله، وأخرجوا عنه المجهول، والراجح عند أكثر الفقهاء أن الغرر يشمل ما لا يدرى حصوله، والمجهول (1) ، فيكون تعريف السرخسي للغرر هو أرجح التعاريف: وهو ماكان مستور العاقبة.\rحكم بيع الغرر: قال الإمام النووي: النهي عن بيع الغرر أصل من أصول الشرع يدخل تحته مسائل كثيرة جداً. ويستثنى من بيع الغرر أمران:\rأحدهما ـ ما يدخل في المبيع تبعاً، بحيث لو أفرد، لم يصح بيعه كبيع أساس البناء تبعاً للبناء، واللبن في الضرع تبعاً للدابة.\rوالثاني ـ ما يتسامح بمثله عادة، إما لحقارته، أو للمشقة في تمييزه أو تعيينه، كدخول الحمام بالأجر، مع اختلاف الناس في الزمان، ومقدار الماء المستعمل، وكالشرب من الماء المحرز، وكالجبة المحشوة قطناً (2) .\rاتفق الفقهاء على عدم صحة بيع الغرر، مثل بيع اللبن في الضرع، والصوف على الظهر، واللؤلؤ في الصدف، والحمل في البطن، والسمك في الماء، والطير في الهواء قبل صيدهما، وبيع مال الغير على أن يشتريه فيسلمه، أي بيع ما سيملكه قبل ملكه له، لأن البائع باع ما ليس بمملوك له في الحال، سواء أكان السمك في البحر، أم في النهر، أم في حظيرة لا يؤخذ منها إلا باصطياد، وسواء أكان الغرر في المبيع أم في الثمن.\r-------------------------------\r(1) راجع رسالة الغرر وأثره في العقود: ص 33 ومابعدها.\r(2) المجموع: 9 ص 280 ومابعدها، نيل الأوطار: 5 ص 148، قواعد الأحكام للعز بن عبد السلام: 76/2.","part":5,"page":96},{"id":2942,"text":"ومن البيوع غير الصحيحة بسبب الغرر: بيع المضامين والملاقيح، وبيع الملامسة والمنابذة والحصاة (1) ، وبيع ضربة القانص (بأن يقول البائع: بعتك ما يخرج من إلقاء هذه الشبكة مرة\r-------------------------------\r(1) سبق شرح المضامين والملاقيح، وأما بيع الملامسة: فهو مثل بعتك ثوبي هذا على أنك متى لمسته، أو إن لمسته، أو أي ثوب من هذه الأثواب لمسته، فهو لك. وبيع المنابذة مثل: إن أو متى نبذت هذا، أو أي ثوب نبذته لك (أي طرحته) فهو لك بكذا. وبيع الحصاة الذي يشبه بيع اليانصيب اليوم، كأن يقول: ارم بهذه الحصاة، فعلى أي ثوب وقعت فهو لك، أو بعتك من هذه الأرض ما انتهت إليه الحصاة في الرمي. ولفظ الغرر يشملها، إلا أنها أفردت في الحديث بالنهي كما سنلاحظ، لكونها كانت مما يبتاعها أهل الجاهلية. (سبل السلام: 3 ص 15، غاية المنتهى: 2 ص 11) وفسر الحنفية هذه البيوع الثلاثة تفسيراً يشعر بأن اللمس أمارة على لزوم البيع، سواء أكان المشتري عالماً بالمبيع أم جاهلاً به، في حين أن مفهوم بيع الملامسة عند المحدثين هو أن اللمس يقوم مقام نظر السلعة إذا احتاج الأمر إلى ذلك كالثوب، قال المرغيناني: هي أن يتراوض الرجلان على سلعة (أي يتساومان) فإذا لمسها المشتري، أو نبذها إليه البائع، أو وضع المشتري عليها حصاة، لزم المبيع، فالأول بيع الملامسة، والثاني: المنابذة، والثالث: إلقاء الحجر أي بيع الحصاة (راجع فتح القدير: 5 ص 196).","part":5,"page":97},{"id":2943,"text":"بكذا) وضربة الغائص (بأن يقول: أغوص غوصة، فما أخرجته من اللآلئ، فهو لك بكذا) (2) فالمبيع في الأنواع الخمسة الأخيرة مجهول الذات أو المقدار، وقد ثبت النهي عنها، وهي من بيوع الجاهلية.\rومنها بيع المزابنة: وهو بيع الرطب أو العنب على النخل أو الكرمة بتمر مقطوع، أوزبيب مثل كيله خرصاً أي بتقديره حَزْراً أو تخميناً. وبيع المحاقلة: أي بيع الحنطة في سنبلها بحنطة مثل كيلها خرصاً، لأن النبي صلّى الله عليه وسلم «نهى عن المزابنة والمحاقلة» (3) لما في ذلك من الربا لجهالة مقدار المبيع، إذ أنه كما هو معلوم يشترط\r-------------------------------\r(2) الصائد بالآلة هو القانص سواء في البر أو البحر. وأما من يغوص في البحر لاستخراج اللآلئ مثلاً فهو الغائص، وقد ورد النهي عن ضربة الغائص في حديث أبي سعيد الخدري (نيل الأوطار: 148/5).\r(3) أخرجه البخاري ومسلم من حديث جابر بن عبد الله وأبي سعيد الخدري، وأخرجه البخاري أيضاً من حديث ابن عباس، وأنس. وأخرجه مسلم أيضاً من حديث أنس (راجع نصب الراية: 4 ص 12 ومابعدها، نيل الأوطار: 5 ص 198 ومابعدها).","part":5,"page":98},{"id":2944,"text":"التماثل حقيقة في بيع الأموال الربوية. لكن للحاجة رخص الشافعية والحنابلة والظاهرية، وفي الراجح عند المالكية بيع العرايا (1) : وهو عند الشافعية بيع الرطب على النخل خرصاً بتمر في الأرض كيلاً، أو بيع العنب على الشجر خرصاً بزبيب في الأرض كيلاً، فيما دون خمس أوسق (2) بشرط التقابض في المجلس عند الفقهاء ما عدا المالكية، لأن النبي صلّى الله عليه وسلم نهى عن بيع الثمر بالتمر، ورخص في العرايا (3) . وأما الحنفية فقد أجازوا بيع العرايا للضرورة فقط، وذكر الشوكاني أن أبا حنيفة منع صور بيع العرايا كلها، وقصر العرية على الهبة: وهي أن يهب صاحب البستان لرجل ثمر نخلات معلومة من بستانه، ثم يتضرر بدخوله عليه، فيخرصها، ويشتري رطبها منه بقدر خرصه بتمر معجل أي بقدر ما وهبه له من الرطب بما يساويه تخميناً من التمر (4) .\rويلاحظ أن هذه البيوع غير الصحيحة بسبب الغرر، منها الباطل، ومنها الفاسد في اصطلاح الحنفية، والفاسد منها فقط: هو بيع ضربة القانص والغائص والمزابنة والمحاقلة والملامسة والمنابذة وبيع الحصاة، وبيع ثوب من أثواب ونحوها\r-------------------------------\r(1) العرايا: جمع عَرِيّة، والعرية: النخلة المعراة والتي أكل ما عليها، وهي في الأصل: عطية ثمر النخل دون الرقبة، وقال الجوهري: هي النخلة التي يعريها (أي يعطيها) صاحبها رجلاً محتاجاً بأن يجعل له ثمرها عاماً، من عراه: إذا قصده. وتكون العرية في اللغة: هي الشجرة التي يفردها مالكها للأكل ، سميت بذلك لأنها عريت عن حكم جميع أشجار البستان.\r(2) الوسق: ستون صاعاً بصاع النبي صلّى الله عليه وسلم والخمسة أوسق تساوي 257 رطلاً شامياً أي قنطارين ونصف تقريباً أو 653 كغ. وقد قصر الحنابلة والظاهرية بيع العرايا على ثمر النخل دون العنب، وأجازه مالك في كل ماييبس ويدخر كالجوز واللوز والتين.\r(3) أخرجه البخاري ومسلم من حديث سهل بن أبي حثمة، وأخرجه الشيخان من حديث أبي هريرة أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم رخص في بيع العرايا فيما دون خمسة أوسق (شك من الراوي) والمقصود من بيع الثمر بالتمر أي بيع ثمر النخلة الجديد بالتمر القديم (راجع نصب الراية: 4 ص 13، نيل الأوطار: 5 ص 200).\r(4) نيل الأوطار: 5ص201، مختصر الطحاوي: ص78.","part":5,"page":99},{"id":2945,"text":"مما فيه جهالة. وأما ما عداها فهو باطل (1) . فبيع الملاقيح والمضامين وحبل الحبلة باطل، لنهيه صلّى الله عليه وسلم عنه، ولما فيه من الغرر، كما تقدم في بحث بيع المعدوم.\rوالدليل على عدم صحة بيع الغرر في الجملة: هو أن النبي صلّى الله عليه وسلم نهى عن بيع الحصاة، وعن بيع الغرر. وعن ابن مسعود أن النبي صلّى الله عليه وسلم قال: « لاتشتروا السمك في الماء، فإنه غرر » (2) ، ولأنه غير مقدور على تسليمه، وفيه جهالة فاحشة بمحل العقد أو بمقدار المبيع، ولأنه غير مملوك للبائع محل العقد.\rالغرر اليسير: الغرر والجهالة ثلاثة أقسام (3) : كثير ممتنع إجماعاً كالطير في الهواء. وقليل جائز إجماعاً كأساس الدار وقطن الجبة. ومتوسط اختلف فيه: هل يلحق بالأول أو بالثاني، فلارتفاعه عن القليل ألحق بالكثير، ولانحطاطه عن الكثير، ألحق بالقليل. أجاز الحنفية بيع مايشتمل على غرر يسير، كالأشياء التي تختفي في قشرها كالجوز واللوز والفستق والباقلاء (4) الأخضر، والأرز والسمسم في قشرها الأعلى، والحنطة في سنبلها، والبطيخ والرمان على أن يكون للمشتري خيار الرؤية كما سيأتي بيانه في بحث هذا الخيار.\r-------------------------------\r(1) التبس على بعض المؤلفين أن بيع الطير في الهواء والسمك في الماء قبل الاصطياد بيع فاسد عند الحنفية، والتحقيق أنه باطل، لأنه بيع شيء غير مملوك في الحال ( راجع رد المحتار: 4ص111 ومابعدها، وقارن اللباب شرح الكتاب: 2ص25، الغرر وأثره في العقود: ص 347 ).\r(2) سبق قريباً تخريج هذين الحديثين.\r(3) الفروق: 265/3.\r(4) هو الفول الأخضر أي ونحوه.","part":5,"page":100},{"id":2946,"text":"أما المالكية والحنابلة: فأجازوا مطلقاً كل مافيه غرر يسير، أو التي تدعو إليه الضرورة، كهذه الأشياء التي ذكرت.\rوأما الشافعية: فإنهم أجازوا بيع هذه الأشياء في قشرها الأسفل. أما بيعها بقشرها الأعلى فاختلفوا فيه على رأيين مشهورين في المذهب، رجح النووي والبغوي والشيرازي عدم الصحة. وقال إمام الحرمين والغزالي: الأصح صحته؛ لأن الشافعي رضي الله عنه أمر أن يشترى له الباقلاء الرطب، ولتعارف ذلك في جميع البلدان من غير إنكار (1) .\rوإني أرجح جواز بيع هذه الأشياء مطلقاً كما رأى المالكية والحنابلة لتعارف الناس هذه البيوع، فإذا وجد فيها عيب أمكن فسخ العقد بمقتضى خيار العيب.\rحكم التأمين مع شركات التأمين في الإسلام\rالتأمين حديث النشأة ، فقد ظهر بمعناه الحقيقي في القرن الرابع عشر الميلادي في إيطاليا في صورة التأمين البحري. والتأمين ( أو السوكرة ) نوعان: تأمين تعاوني وتأمين بقسط ثابت (2) .\rأما التأمين التعاوني: فهو أن يتفق عدة أشخاص على أن يدفع كل منهم اشتراكاً معيناً، لتعويض الأضرار التي قد تصيب أحدهم إذا تحقق خطر معين. وهو قليل التطبيق في الحياة العملية.\r-------------------------------\r(1) راجع مذاهب الفقهاء في الغرر: المبسوط: 12 ص 194 ومابعدها، تبيين الحقائق: 4ص45 ومابعدها، فتح القدير: 5 ص 106، 191 ومابعدها، البدائع: 5 ص 147 ومابعدها، 294، رد المحتار والدر المختار: 4 ص 111-114، المنتقى على الموطأ: 5ص41، بداية المجتهد: 2 ص 151، 156، 158، الشرح الكبير للدردير: 3ص55-60، القوانين الفقهية: ص256 ومابعدها، الفروق للقرافي: 1ص150 ومابعدها، مغني المحتاج: 2ص31، 90، 93، المهذب : 1 ص 263 ومابعدها، المجموع: 9ص281، 374، 335، المغني: 4ص56، 92، 201، تنوير الحوالك شرح الموطأ: 2ص125 ومابعدها، نيل الأوطار: 5ص147، 200 ومابعدها، سبل السلام: 3ص15.\r(2) التأمين في القانون المصري والمقارن للدكتور عبد المنعم البدراوي: ص 36 ومابعدها.","part":5,"page":101},{"id":2947,"text":"وأما التأمين بقسط ثابت: فهو أن يلتزم المؤمَّن له بدفع قسط محدد إلى المؤمِّن: وهو شركة التأمين المكونة من أفراد المساهمين، يتعهد ( أي المؤمن ) بمقتضاه دفع أداء معين عند تحقق خطر معين. وهو النوع السائد الآن. ويدفع العوض إما إلى مستفيد معين أو إلى شخص المؤمن أو إلى ورثته، فهو عقد معاوضة ملزم للطرفين.\rوالفرق بين النوعين: أن الذي يتولى التأمين التعاوني ليس هيئة مستقلة عن المؤمن لهم، ولايسعى أعضاؤه إلى تحقيق ربح، وإنما يسعون إلى تخفيف الخسائر التي تلحق بعض الأعضاء. أما التأمين بقسط ثابت فيتولاه المؤمن ( أي الشركة المساهمة ) الذي يهدف إلى تحقيق ربح، على حساب المشتركين المؤمن لهم. وكون المؤمن له قد لايأخذ شيئاً في بعض الأحيان لايخرج التأمين من عقود المعاوضات، لأن من طبيعة العقد الاحتمالي ألا يحصل فيه أحد العاقدين على العوض أحياناً.","part":5,"page":102},{"id":2948,"text":"حكم التأمين التعاوني: لاشك في جواز التأمين التعاوني في الإسلام، لأنه يدخل في عقود التبرعات، ومن قبيل التعاون على البر؛ لأن كل مشترك يدفع اشتراكه بطيب نفس لتخفيف آثار المخاطر وترميم الأضرار التي تصيب أحد المشتركين، أيا كان نوع الضرر، سواء في التأمين على الحياة، أو الحوادث الجسمانية، أو على الأشياء (بسبب الحريق أو السرقة أو موت الحيوان) أو ضد المسؤولية من حوادث السير، أو حوادث العمل (1) ، ويجوز أيضاً للمؤمن له التأمين الإلزامي كالتأمين المفروض على السيارات ضد الغير، وتجوز التأمينات الاجتماعية ضد العجز والشيخوخة والمرض والتقاعد .\rالتأمين بقسط ثابت ـ فتوى ابن عابدين: أفتى ابن عابدين بحرمة التأمين البحري (2) ، لضمان ما قد يهلك من البضائع المستوردة بطريق النقل البحري، بالمراكب، فلا يحل للتاجر أخذ بدل الهالك من مال المؤمِّن لأسباب ثلاثة:\r1 - إن هذا العقد التزام ما لا يلزم، لعدم وجود سبب شرعي من أسباب الضمان الأربعة وهي العدوان من قتل وهدم وإحراق ونحوها، وتسبب الإتلاف كحفر بئر بدون ترخيص في الطريق العام، ووضع اليد غير المؤتمنة كالغصب والسرقة وبقاء المبيع في يد البائع، والكفالة. وليس المؤمِّن متعدياً، ولا متسبباً في الإتلاف، ولا واضع يد على المؤمن عليه، وليس في التأمين مكفول معين.\r2 - ليس التأمين من قبيل تضمين الوديع إذا أخذ أجراً على الوديعة إذا هلكت: لأن المال ليس في يد المؤمن، بل في يد صاحب المركب، ولو كان صاحب المركب هو المؤمن، فإنه يكون أجيراً مشتركاً، لا وديعاً، وكل من الوديع والأجير المشترك لا يضمن ما لا يمكن الاحتراز عنه، كالموت والغرق والحرق الغالب.\r-------------------------------\r(1) انظر الغرر وأثره في العقود للدكتور الصدّيق محمد الأمين الضرير: ص 521 وما بعدها.\r(2) رد المحتار: 273/3 ومابعدها ـ فصل في استئمان الكافر الحربي.","part":5,"page":103},{"id":2949,"text":"3 - ليس التأمين من قبيل تضمين التغرير: لأن الغارّ لا بد من أن يكون عالماً بالخطر، وأن يكون المغرور جاهلاً به غير عالم. والمؤمن (شركة التأمين أو الضمان) لا يقصد تغرير التجار (المؤمن لهم)، ولا يعلم بحصول الخطر ـ الغرق مثلاً ـ هل يكون أو لا، أي لا يعلم: هل تغرق المركب أو لا؟\rأما في حال العلم بالخطر من المؤمن والتاجر كالخطر من اللصوص قطاع الطرق، فيجوز الضمان، ولكن ليس التأمين منطبقاً عليها. فلو قال شخص لآخر: اسلك هذا الطريق، فإن كان مخوفاً وأخذ مالك، فأنا ضامن : ضمن.\rوأضاف ابن عابدين: أنه إن جرى عقد التأمين الفاسد في بلاد الحرب بين المؤمَّن وشريك حربي غير مسلم للمؤمن له، أو بين التاجر المؤمن له الموجود في دار الحرب وبين المؤمِّن، وأخذ بدل الهالك، وأرسله في الحالة الأولى إلى التاجر المسلم، أو قبض التاجر البدل في بلادنا في الحالة الثانية، فالظاهر أنه يحل للتاجر أخذه؛ لأن العقد الفاسد جرى بين حربيين في بلاد الحرب، وقد وصل إلى التاجر مالهم برضاهم، فلا مانع من أخذه. أما إن كان العقد في بلادنا، والقبض في بلاد الحرب، فلا يحل أخذ البدل، ولو برضا الحربي، لانبنائه على العقد الفاسد الصادر في بلاد الإسلام.\rولا يصح اعتبار التأمين من قبيل شركة المضاربة التي هي مال من طرف وعمل من طرف آخر، لسببين: أولهما ـ أن الأقساط التي يدفعها المؤمَّن له تدخل في ملك شركة التأمين (المؤمِّن)، وهي مطلقة اليد في أن تتصرف بها كيفما تشاء. ويخسرها المؤمن له إن لم يقع الحادث.","part":5,"page":104},{"id":2950,"text":"ثانيهما ـ أن شرط صحة المضاربة أن يكون الربح بين صاحب المال والقائم بالعمل شائعاً بالنسبة كالربع أو الثلث، وفي التأمين يشترط للمشترك المؤمن له قدر معين في الربح 3% أو 4% فتكون هذه المضاربة غير صحيحة. ولو تجاوز العاقد هذا السبب، يظل السبب الأول، كما أنه في حال موت المؤمن له قد لا يذهب المبلغ المؤمن عليه للورثة مطلقاً وإنما للمستفيد، بخلاف حال موت رب المال في المضاربة.\rولا يصح اعتبار التأمين من قبيل الضمان أو الكفالة، لأنه ليس واحداً من أسباب الضمان الأربعة المشروعة المتقدمة، كما أنه في كثير من صور عقد التأمين لا يوجد فيه ما يمكن أن يعتبر مكفولاً، وإن وجد المكفول كما في التأمين من حوادث السيارات، فهو مجهول.\rوالحقيقة أن عقد التأمين من عقود الغرر ـ العقود الاحتمالية المترددة بين وجود المعقود عليه وعدمه، وقد نهى الرسول صلّى الله عليه وسلم عن بيع الغرر. ويقاس عليه عقود المعاوضات المالية، فيؤثر الغرر فيها كما يؤثر في عقد البيع. وعقد التأمين مع الشركات من عقود المعاوضات المالية، فيؤثر فيه الغرر، كما يؤثر في سائر عقود المعاوضات المالية. وقد وضعه رجال القانون تحت عنوان «عقود الغرر» ؛ لأن التأمين لا يكون إلا من حادث مستقبل غير محقق الوقوع، أو غير معروف وقوعه، فالغرر عنصر لازم لعقد التأمين.\rوالغرر في التأمين كثير، لا يسير، ولا متوسط، لأن من أركان التأمين: «الخطر» والخطر هو حادث محتمل لا يتوقف على إرادة العاقدين (1) .\rوالحاجة التي من أجلها يجوز العقد المشتمل على الغرر ولو كان كثيراً: (وهي أن يصل المرء إلى حالة بحيث لو لم يتناول الممنوع يكون في جهد ومشقة، ولكنه لا يهلك) (2) يشترط فيها أن تكون عامة، أو خاصة بفئة، وأن تكون متعينة.\rوالحاجة العامة: هي ما يكون الاحتياج فيها شاملاً لجميع الناس. والحاجة الخاصة: هي ما يكون الاحتياج فيها خاصاً بطائفة من الناس كأهل بلد، أو حرفة.\r-------------------------------\r(1) انظر الغرر وأثره في العقود للدكتور الصدّيق محمد الأمين الضرير: ص 656، 661.\r(2) الأشباه والنظائر للسيوطي: ص 77، القاعدة الرابعة.","part":5,"page":105},{"id":2951,"text":"ومعنى كون الحاجة متعينة: أن تسد جميع الطرق المشروعة للوصول للغرض، سوى ذلك العقد الذي فيه الغرر.\rولو سلمنا بوجود حاجة عامة للتأمين في الوقت الحاضر، فإن الحاجة إليه غير متعينة، إذ يمكن تحقيق الهدف منه بطريق التأمين التعاوني القائم على التبرع، وإلغاء الوسيط المستغل لحاجة الناس الذي يسعى إلى الربح، وهو شركة الضمان. فيكون التأمين عقد معاوضة مشتملاً على غرر كثير من غير حاجة، فيمنع في الإسلام.\rوبناء عليه لا يحل للتاجر وغيره من المستأمنين أخذ بدل الهالك من مال السوكرة؛ لأنه مال لا يلزم من التزم به، ولأن اشتراط الضمان على الأمين باطل.\rالتأمين وإعادة التأمين\rتعريف عقد التأمين: عرَّف القانون المصري (م 747) والقانون السوري (م 713) وغيرهما التأمين بأنه «عقد يلتزم المؤمِّن بمقتضاه أن يؤدي إلى المؤمَّن له ـ المستأمن ـ أو إلى المستفيد الذي اشترط التأمين لصالحه مبلغاً من المال، أو إيراداً مرتباً، أو أي عوض مالي آخر، في حالة وقوع الحادث، أو تحقق خطر مبين في العقد، وذلك في مقابل قسط، أو أية دفعة أخرى يؤديها المؤمَّن له إلى المؤمِّن» .\rيظهر من هذا التعريف اتجاهه إلى بيان عقد التأمين التجاري التبادلي الذي يقوم بين عاقدين: المؤمِّن وهو شركة التأمين، والمستأمن وهو المتعامل مع الشركة، مقابل قسط ثابت هو قسط التأمين وأخذ عوض هو عوض التأمين عند حصول الخطر أو الحادث المؤمن عليه، وهو من العقود الاحتمالية وعقود المعاوضات المالية. لكن لايلزم في العقد الاحتمالي الحصول على العوض أحياناً، وليس العوض تبرعاً من المؤمن.","part":5,"page":106},{"id":2952,"text":"ويتبين من التعريف أيضاً أن التأمين من عقود الغرر، إذ لا يعرف وقت العقد مقدار ما يعطي كل من العاقدين أو يأخذ، فقد يدفع المستأمن قسطاً واحداً من الأقساط، ثم يقع الحادث، وقد يدفع جميع الأقساط، ولا يقع الحادث.\rوهو كذلك عقد من عقود التراضي، وملزم للطرفين، ومن عقود المدة، فلا بد من زمن لتنفيذ التزامات الطرفين، وعقد من عقود الإذعان؛ لأن المستأمن يخضع لشروط وقيود محددة سلفاً من قبل شركات التأمين.\rأنواع التأمين :\rالتأمين من حيث الشكل نوعان:\r1ً - تأمين تعاوني: وهوأن يشترك مجموعة من الأشخاص بدفع مبلغ معين، ثم يؤدى من الاشتراكات تعويض لمن يصيبه ضرر.\r2ً - تأمين تجاري أو التأمين ذو القسط الثابت، وهو المراد عادة عند إطلاق كلمة التأمين، وفيه يلتزم المستأمن بدفع قسط معين إلى شركة التأمين القائمة على المساهمة، على أن يتحمل المؤمِّن (الشركة) تعويض الضرر الذي يصيب المؤمَّن له أو المستأمن. فإن لم يقع الحادث فَقَد المستأمن حقه في الأقساط، وصارت حقاً للمؤمِّن.\rوهذا النوع ينقسم من حيث موضوعه إلى:\r1ً - تأمين الأضرار: وهو يتناول المخاطر التي تؤثر في ذمة المؤمَّن له، لتعويضه عن الخسارة التي تلحقه. وهذا يشمل:\rالتأمين من المسؤولية: وهو ضمان المؤمَّن له ضد مسؤوليته عن الغير الذي أصيب بضرر، مثل حوادث السير، والعمل.\rوالتأمين على الأشياء: وهو تعويض المؤمَّن له عن الخسارة التي تلحقه في ماله، بسبب السرقة أو الحريق أو الفيضان، أو الآفات الزراعية ونحو ذلك.\r2ً - وتأمين الأشخاص: وهو يشمل:\rالتأمين على الحياة: وهو أن يلتزم المؤمّن بدفع مبلغ لشخص المستأمن أو للورثة عند الوفاة، أو الشيخوخة، أو المرض أو العاهة، بحسب مقدار الإصابة. والتأمين من الحوادث الجسمانية: وهو أن يلتزم المؤمّن بدفع مبلغ معين إلى المؤمن له في حالة إصابته أثناء المدة المؤمن فيها بحادث جسماني، أو إلى مستفيد آخر إذا مات المستأمن.","part":5,"page":107},{"id":2953,"text":"والتأمين من حيث العموم والخصوص ينقسم إلى قسمين:\r1ً - تأمين خاص أو فردي: خاص بشخص المستأمن من خطر معين.\r2ً - تأمين اجتماعي أو عام: يشمل مجموعة من الأفراد يعتمدون على كسب عملهم، من أخطار معينة، كالمرض والشيخوخة والبطالة والعجز، وهذا في الغالب يكون إجبارياً، ومنه التأمينات الاجتماعية، والصحية والتقاعدية.\rموقف الفقه الإسلامي من التأمين :\rلا شك كما تبين سابقاً في جواز التأمين التعاوني في منظار الفقهاء المسلمين المعاصرين؛ لأنه يدخل في عقود التبرعات، ومن قبيل التعاون المطلوب شرعاً على البر والخير؛ لأن كل مشترك يدفع اشتراكه بطيب نفس، لتخفيف آثار المخاطر وترميم الأضرار التي تصيب أحد المشتركين، أياً كان نوع الضرر، سواء في التأمين على الحياة، أو الحوادث الجسدية، أو على الأشياء بسبب الحريق أو السرقة أو موت الحيوان، أو ضد المسؤولية من حوادث السير، أو حوادث العمل، ولأنه لا يستهدف تحقيق الأرباح.\rوعلى هذا الأساس نشأت شركات التأمين التعاوني في السودان وغيره، ونجحت في مهامها وأعمالها، بالرغم من وصف القانونيين لها بأنها بدائية.\rكذلك يجوز التأمين الإجباري أو الإلزامي الذي تفرضه الدولة؛ لأنه بمثابة دفع ضريبة للدولة، كالتأمين المفروض على السيارات ضد الغير. ولا مانع من جواز التأمين الاجتماعي ضد طوارئ العجز والشيخوخة والمرض والبطالة والتقاعد عن العمل الوظيفي، لأن الدولة مطالبة برعاية رعاياها في مثل هذه الأحوال، ولخلوه من الربا، والغرر، والمقامرة.\rوقد أجاز مؤتمر علماء المسلمين الثاني في القاهرة عام (1385هـ/1965م)، ومؤتمر علماء المسلمين السابع عام (1392هـ/1972م) كلاً من التأمين الاجتماعي والتأمين التعاوني، وهو ما قرره مجمع الفقه الإسلامي في مكة المكرمة عام (1398هـ/1978م).","part":5,"page":108},{"id":2954,"text":"أما التأمين التجاري أو التأمين ذو القسط الثابت: فهو غير جائز شرعاً، وهو رأي أكثر فقهاء العصر، وهو ما قرره المؤتمر العالمي الأولي للاقتصاد الإسلامي في مكة المكرمة عام ( 1396هـ/1976م )، وسبب عدم الجواز يكاد ينحصر في أمرين: هما الغرر والربا.\rأما الربا: فلا يستطيع أحد إنكاره ؛ لأن عوض التأمين ناشئ من مصدر مشبوه قطعاً؛لأن كل شركات التأمين تستثمر أموالها في الربا، وقد تعطي المستأمن (المؤمَّن له) في التأمين على الحياة جزءاً من الفائدة، والربا حرام قطعاً في الإسلام.\rوالقائلون بجواز عقد التأمين يرفضون صراحة استثمار شركات التأمين في معاملات ربوية، ولا يقرون للمستأمن أن يقبض شيئاً من الفوائد التي تدفعها شركة التأمين.\rوالربا واضح بين العاقدين: المؤمِّن والمستأمن، لأنه لا تعادل ولا مساواة بين أقساط التأمين وعوض التأمين، فما تدفعه الشركة قد يكون أقل أو أكثر، أو مساوياً للأقساط، وهذا نادر. والدفع متأخر في المستقبل. فإن كان التعويض أكثر من الأقساط، كان فيه ربا فضل وربا نسيئة، وإن كان مساوياً ففيه ربا نسيئة، وكلاهما حرام.\rفإن قيل: إن التأمين التعاقدي قائم على أساس التعاون لجبر الضرر وترميم الأضرار والمصائب، فلا يكون فيه ربا أو شبهة ربا، أجيب بأن المستأمن يقصد أحياناً المراباة، ويبقى الربا قائماً في عوض التأمين؛ لأنه حصيلة الفوائد والمعاملات الربوية.\rأما الغرر: فواضح في التأمين؛ لأنه من عقود الغرر: وهي العقود الاحتمالية المترددة بين وجود المعقود عليه وعدمه، وقد ثبت في السنة حديث صحيح، رواه الثقات عن جمع من الصحابة: «أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم نهى عن بيع الغرر» (1) . ويقاس على البيع عقود المعاوضات المالية، فيؤثر الغرر فيها، كما يؤثر في عقد البيع.\r-------------------------------\r(1) رواه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه عن أبي هريرة رضي الله عنه.","part":5,"page":109},{"id":2955,"text":"وعقد التأمين مع الشركات من عقود المعاوضات المالية، لا التبرعات، فيؤثر فيه الغرر، كما يؤثر في سائر عقود المعاوضات المالية، وقد وضعه رجال القانون تحت عنوان (عقود الغرر) لأن التأمين لا يكون إلا من حادث مستقبل غير محقق الوقوع، أو غير معروف وقوعه، فالغرر عنصر لازم لعقد التأمين.\rوالغرر في التأمين في الواقع كثير، لا يسير، ولا متوسط؛ لأن من أركان التأمين: الخطر، والخطر حادث محتمل لا يتوقف على إرادة العاقدين. والمؤمَّن له لا يستطيع أن يعرف وقت العقد مقدار ما يعطي، أو يأخذ، فقد يدفع قسطاً واحداً، ويقع الخطر، فيستحق جميع ما التزم به المؤمِّن، وقد يدفع جميع الأقساط، ولا يقع الخطر، فلا يأخذ شيئاً.\rوكذلك حال المؤمِّن، لا يعرف عند العقد مقدار ما يأخذ، أو ما يعطي، وإن كان يستطيع إلى حد كبير معرفة كل ذلك بالنسبة لجميع المؤمن لهم، بالاستعانة بقواعد الإحصاء الدقيق وبحث الأحوال الاجتماعية لشخص المستأمن وظروفه وأوضاعه.\rوما قد يقال من اعتماد شركة التأمين على حسابات دقيقة تنتفي معها صفة الاحتمال والغرر والغبن في الظروف العادية، لا يبيح التأمين؛ لأن انتفاء الغرر بالنسبة للمؤمِّن وحده لا يكفي لانتفاء الغرر عن عقد التأمين، فلا بد من انتفائه بالنسبة للمستأمن أيضاً. والفقه الإسلامي لا ينظر إلى مجموع العقود التي تبرمها شركات التأمين، وإنما ينظر في الحكم على العقد صحة وفساداً إلى كل عقد على حدة.","part":5,"page":110},{"id":2956,"text":"والقول بأنه لا غرر ولا احتمال بالنسبة للمستأمن؛ لأن محل العقد في التأمين هو الأمان دون توقف على الخطر، وقد حصل عليه عند دفع القسط الأول، هو قول باطل؛ لأن الأمان هو الباعث على عقد التأمين. وليس هو محل العقد، ومحل العقد: هو ما يدفعه كل من العاقدين: المؤمن والمستأمن، أو ما يدفعه أحدهما. ولو قلنا: إن الأمان هو المحل، لكان عقد التأمين باطلاً؛ لأن المحل يلزم أن يكون ممكناً غير مستحيل، والأمان يستحيل الالتزام به.\rومحل عقد المعاوضة، كما تدل الأحاديث الناهية عن بيع الثمرة حتى يبدو صلاحها، وتأمن العاهة، يجب أن يكون موجوداً وقت التعاقد، وأن يكون في حال يمكن معها الانتفاع منه على الوجه المقصود في العقد أو المعتاد، فإن لم يكن كذلك أو كان معدوماً،ولو محتمل الوجود في المستقبل، فلا يجوز شرعاً، ومحل التأمين احتمالي الوجود؛ إذ هو ما يدفعه كلا العاقدين، أو ما يدفعه أحدهما كالتعويض الذي يدفعه المؤمن (شركات التأمين) حين وقوع الضرر أو الموت بحسب شروط العقد.\rوالحاجة التي من أجلها يجوز العقد المشتمل على الغرر، ولو كان كثيراً:(وهي أن يصل المرء إلى حالة بحيث لولم يتناول الممنوع يكون في جهد ومشقة، ولكنه لايهلك ) يشترط فيها أن تكون عامة أو خاصةبفئة معينة، وأن تكون متعينة.\rأما الحاجة العامة: فهي ما يكون الاحتياج فيها شاملاً لجميع الناس. وأما الحاجة الخاصة: فهي ما يكون الاحتياج فيها خاصاً بطائفة من الناس كأهل بلد أو حرفة كما تقدم.\rومعنى كون الحاجة متعينة: أن تنسد جميع الطرق المشروعة للوصول إلى الغرض، سوى ذلك العقد الذي فيه الغرر.","part":5,"page":111},{"id":2957,"text":"ولو سلمنا بوجود الحاجة للتأمين في الوقت الحاضر، فإن الحاجة إلىه غير متعينة؛ إذ يمكن تحقيق الهدف منه بطريق التأمين التعاوني القائم على التبرع، وإلغاء الوسيط المستغل لحاجة الناس، والذي يسعى إلى الربح، وهو شركة الضمان، فيكون التأمين عقد معاوضة مشتملاً على غرر كثير من غير حاجة متعينة في الإسلام، فيمنع.\rوإذا سلَّمنا بكون الحاجة متعينة، جاز التأمين بالقدر الذي يزيل الحاجة فقط، عملاً بالقاعدة الشرعية: ( الحاجة تقدر بقدرها ).\rومما يدل على فساد التأمين: أن الغرر المفسد للعقد يشترط فيه أن يكون المعقود عليه أصالة، وهذا متحقق في عقد التأمين التجاري. ويفهم من اشتمال التأمين على الغرر اشتماله أيضاً على الجهالة، والجهالة في البدلين بارزة في التأمين، وهي جهالة مقدار ما يدفعه كل من طرفي العقد (المؤمِّن والمستأمن) للآخر، وهو قابل للكثرة والقلة، بل إن ما يدفعه المؤمن بدلاً أو عوضاً عن الضرر أو الهلاك على خطر الوجود، والخطر الذي هو مسوغ العقد قد يقع وقد لا يقع، وكل هذا يجعل الجهالة فاحشة كثيرة تؤدي إلى إبطال العقد.\rويكون عقد التأمين ممنوعاً شرعاً لاشتماله على فاحش الغرر والجهالة. ولايؤبه بالعلم بمبلغ كل قسط عند حلول ميعاده، فهو صحيح أنه مبلغ معلوم، لكن كمية الأقساط هي التي فيها الجهالة، ورضا المؤمن بدفع التعويض عند وفاة المستأمن أو حدوث حادث له، ضمن مدة محددة بالعقد، مهما بلغ عدد الأقساط قلة وكثرة، لا قيمة له؛ لأنه رضا مخالف لقواعد الشرع ونصوصه المانعة من الغرر، كالرضا في القمار أو الزنى لا يحل واحداً منهما.","part":5,"page":112},{"id":2958,"text":"وكون الجهالة فاحشة فإنها توثر في العقد وتبطله، ولو لم تفض إلى المنازعة، أما الجهالة اليسيرة غير المفضية إلى النزاع فهي المغتفرة. والجهالة في التأمين أفحش مما صوره الفقهاء للجهالة الفاحشة المفضية إلى النزاع وإفساد عقد البيع مثلاً، كبيع الفجل والجزر في الأرض، فهذان موجودان في الأرض، ولكنهما مجهولان على طريق الظهور والعلم، أما في التأمين فبدل الهلاك أو عوض التأمين مرجوح الوجود، قد يحدث وقد لا يحدث، وهذا احتمال يضعف مشروعية العقد.\rلكل ما سبق وغيره من الموانع لا يحل للتاجر وغيره من المستأمنين أخذ بدل الهالك من مال (السوكرة) أو التأمين؛ لأنه مال لا يلزم من التزم به، كما قال ابن عابدين: ولأن اشتراط الضمان على الأمين باطل كما قرر فقهاء الحنفية.\rوالخلاصة: يشتمل التأمين ذي القسط الثابت على خمسة أسباب تجعله حراماً (1) :\r1 ً - الربا: ففي عوض التأمين زيادة على الأقساط المدفوعة بلا عوض، وهو ربا، وتستثمر شركات التأمين أموالها في أنشطة ربوية، وتحتسب فائدة على المستأمن إذا تأخر في سداد الأقساط المستحقة.\r2 ً - الغرر: إن مقابل التأمين يكون على أمر احتمالي غير ثابت ولا محقق الوجود وهذا غرر. وقد تغرم شركات التأمين مبلغاً كبيراً دون مقابل، بناء على الغرر.\r3 ً - الغبن: يشتمل التأمين على غبن لعدم وضوح محل العقد، والعلم بالمحل شرط لصحة العقد.\r4 ً - القمار: في التأمين مخاطرة لتعريض النفس والمال لفرصة مجهولة، وهذا هو القمار بعينه، والمستأمن يبذل اليسير من المال في انتظار أخذ مبلغ كبير، وهذا قمار.\r5 ً - الجهالة: ما يدفعه المستأمن مجهول القدر لكل من العاقدين كما هو واضح في التأمين على الحياة، ويتعامل العاقدان بموجب عقد لا يعرف ما يحققه من الربح أو الخسارة.","part":5,"page":113},{"id":2959,"text":"إعادة التأمين أو التأمين المركَّب :\rإن مبدأ التعاون في التأمين يتحقق بتجزئة المصائب وتوزيع نتائجها على أكبر عدد ممكن، فبقدر ما يزداد عدد المستأمنين تزداد تجزئة الأضرار وتوزيعها، فهي عملية تفتيت وتشتيت للأضرار المؤمن منها، ولهذا التشتيت وسائل كثيرة، منها ما يسمى بإعادة التأمين أو التأمين المركب، حيث تلجأ شركة التأمين نفسها إلى التأمين مما يلحقها من تعويضات لدى شركات عالمية كبرى.\rوإعادة التأمين له حكم أصل التأمين، فيجوز لشركات التأمين التعاوني التأمين لدى شركات تعاونية أخرى. أما إعادة التأمين التجاري فتطبق عليه أحكام التأمين التجاري ذاته، فهو عقد تأمين تجاري يكون المستأمن فيه شركات التأمين بدلاً من الأفراد.\rوضوابط الغرر المؤثر والمفسد للعقد (وهي كون الغرر في عقد معاوضة، وكونه كثيراً، وكونه المعقود عليه أصالة، وألا تدعو إلى العقد حاجة) تقضي بمنع إعادة التأمين، إلا إذا دعت إليه الحاجة المتعينة، كما ذكرت هيئة الرقابة الشرعية لبنك فيصل الإسلامي في السودان في الفتوى رقم (16 و 17)، أي هل تكون شركات التأمين في مشقة وحرج إذا لم تتعامل مع شركات إعادة التأمين؟.\rترى هذه الهيئة وأؤيدها في فتواها جواز إعادة التأمين، لوجود الحاجة المتعينة كما قدر خبراء البنك بالشروط التالية التي سموها بالملحوظات والتحفظات:\r1 - أن يقلل ما يدفع لشركة إعادة التأمين إلى أدنى حد ممكن (وهو القدر الذي يزيل الحاجة) عملاً بقاعدة ( الحاجة تقدر بقدرها ). وتقدير ما يزيل الحاجة متروك لخبراء البنك.\r2 - ألا تتقاضى شركة التأمين التعاوني عمولة أرباح، ولا أية عمولة أخرى من شركة إعادة التأمين.\r3 - ألا تحتفظ شركة التأمين التعاوني بأي احتياطات عن الأخطار السماوية؛ لأن حفظها يترتب عليه دفع فائدة ربوية لشركة إعادة التأمين.\r-------------------------------\r(1) المعاملات المالية المعاصرة للدكتور علي السالوس: ص 380 وما بعدها.","part":5,"page":114},{"id":2960,"text":"4 - ألا تدخل شركة التأمين التعاوني في طريقة استثمار شركة إعادة التأمين لأقساط إعادة التأمين المدفوعة لها، وألا تطالب بنصيب في عائد استثماراتها، وألا تسأل عن الخسارة التي تتعرض لها.\r5 - أن يكون الاتفاق مع شركة إعادة التأمين لأقصر مدة ممكنة.\r6 - أن تعمل شركة التأمين التعاوني على إنشاء شركة إعادة تأمين تعاوني، تغنيه عن التعامل مع شركات إعادة التأمين التجاري.\rهذا ما أدين الله عليه، وما أزال أستغرب وأستهجن كلام القائلين بمشروعية التأمين التجاري، ولم أجد حاجة لتفنيد أدلتهم، فقد كثر الرد عليها في المجلات والمؤلفات والبحوث والمؤتمرات، بدءاً من أسبوع الفقه الإسلامي بدمشق من 1-6 نيسان (1961م)، وانتهاء بقرار مجمع الفقه الإسلامي في دورته الأولى المنعقدة في شعبان (1398هـ) بمكة المكرمة، بمقر رابطة العالم الإسلامي. ومن أراد الطمأنينة القلبية لحرمة التأمين وإبطال حجج القائلين بالجواز، فليرجع إلى بحوث الأسبوع المذكور في دمشق وإلى قرار هذا المجمع، والله يهدينا إلى سواء السبيل.","part":5,"page":115},{"id":2961,"text":"التأمينات الاجتماعية: إن التأمينات الاجتماعية التي تدفعها الدولة أو صندوق المعاشات والتأمين أو مصلحة التأمينات للعمال والعاملين والموظفين في الدولة كلها في تقديري جائزة؛ لأن الدولة ملزمة برعاية مواطنيها في حال العجز والشيخوخة والمرض ونحو ذلك من إعاقة العمل أو الكسب، ولا ينظر إلى الضريبة التي تقتطعها الدولة من الراتب الشهري، أو التي يدفعها شهرياً أرباب العمل لمصلحة التأمينات الاجتماعية، أو المبلغ الذي يدفعه العامل أو الموظف باختياره في حدود نسبة مئوية كل سنة، ليحصل على تعويض إجمالي عند الإحالة على التقاعد أو المعاش، فكل هذه المدفوعات لا ينظر إليها نظرة ربوية، وإن أخذ الموظف أو العامل أكثر مما دفع؛ لأن المدفوع في الحقيقة يعد تبرعاً أو هبة مبتدأة وتعاوناً من قبل المشتركين في الصندوق التقاعدي أو التأمينات الاجتماعية، والتي هي إحدى مؤسسات الدولة.\r4 - بيع النجس والمتنجس :\rقال الحنفية: لا ينعقد بيع الخمر والخنزير والميتة والدم؛ لأنها ليست بمال أصلاً. ويكره بيع العَذِرة، ولا بأس ببيع السرقين أو السرجين: وهو (الزبل) وبيع البعر، لأنه منتفع به، لأنه يلقى في الأرض لاستكثار الريع، فكان مالاً، والمال محل للبيع بخلاف العذرة، لأنه لا ينتفع بها إلا مخلوطة، ويجوز بيع المخلوط كالزيت الذي خالطته النجاسة.\rويصح عندهم بيع كل ذي ناب من السباع، كالكلب والفهد والأسد والنمر والذئب والهر ونحوهما؛ لأن الكلب ونحوه مال، بدليل أنه منتفع به حقيقة، مباح الانتفاع به شرعاً على الإطلاق كالحراسة والاصطياد، فكان مالاً. ويصح بيع الحشرات والهوام كالحيات والعقارب إذا كان ينتفع به.\rويصح بيع المتنجس والانتفاع به في غير الأكل كالدبغ والدهان والاستضاءة به في غير المسجد، ما عدا دهن الميتة، فإنه لا يحل الانتفاع به.","part":5,"page":116},{"id":2962,"text":"والضابط عندهم: أن كل ما فيه منفعة تحل شرعاً، فإن بيعه يجوز (1) ، لأن الأعيان خلقت لمنفعة الإنسان، بدليل قوله تعالى: {خلق لكم ما في الأرض جميعاً} [البقرة:29/2].\rوقال المالكية: لا ينعقد بيع الخمر والخنزير والميتة لحديث جابر، قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم : «إن الله ورسوله حرما بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام، فقيل: يا رسول الله ، أرأيت شحوم الميتة، فإنه يطلى بها السفن، وتدهن بها الجلود، ويستصبح بها الناس؟ فقال: لا، هو حرام، ثم قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم : قاتل الله اليهود إن الله تعالى لما حرم عليهم شحومها جملوه ـ أذابوه ـ ثم باعوه فأكلوا ثمنه» (2) وقال في الخمر: «إن الذي حرم شربها حرم بيعها» (3) .\rولا ينعقد بيع الكلب مع كونه طاهراً، سواء أكان كلب صيد أم حراسة، لأنه نهي عن بيعه، ففي الحديث: «نهى النبي صلّى الله عليه وسلم عن ثمن الكلب، ومهر البغي، وحلوان الكاهن» (4) . وقال سحنون: أبيعه وأحج بثمنه.\rولا ينعقد بيع المتنجس الذي لا يمكن تطهيره، كزيت وعسل وسمن وقعت فيه نجاسة. أما المتنجس الذي يمكن تطهيره، كثوب، فإنه يجوز بيعه.\rولا ينعقد أيضاً بيع ما نجاسته أصلية كزبل ما لا يؤكل لحمه، وكعذرة وعظم ميتة، وجلدها، ويصح بيع روث البقر وبعر الغنم والإبل ونحوها للحاجة إليها لتسميد الأرض وغيره من ضروب الانتفاع (5) .\r-------------------------------\r(1) البدائع: 5 ص 142 ومابعدها، فتح القدير: 5 ص 188، 8 ص 122، الفقه على المذاهب الأربعة: 2 ص 231 ومابعدها.\r(2) رواه أصحاب الكتب الستة وأحمد والموطأ عن جابر بن عبد الله (انظر جامع الأصول: 1 ص 375، سبل السلام: 3 ص 5).\r(3) رواه مسلم والموطأ النسائي عن عبد الرحمن بن وعلة رحمه الله أن ابن عباس روى له هذا الحديث (انظر جامع الأصول: 1 ص 377).\r(4) رواه أصحاب الكتب الستة وأحمد عن أبي مسعود الأنصاري ـ عقبة بن عمرو (انظر نيل الأوطار: 5 ص 143، نصب الراية: 4 ص 52).\r(5) حاشية الدسوقي: 3 ص 10 ومابعدها، الحطاب على متن خليل: 4 ص 258 ومابعدها، بداية المجتهد: 2 ص 125 ومابعدها، القوانين الفقهية: ص 246.","part":5,"page":117},{"id":2963,"text":"وقال الشافعية والحنابلة: لا يجوز بيع الخنزير والميتة والدم والخمر، وما أشبه ذلك من النجاسات، لقول الرسول صلّى الله عليه وسلم : «إن الله ورسوله حرم (1) بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام» ولأنه يجب اجتناب النجس وعدم الاقتراب، والبيع وسيلة إلى الاقتراب (2) .\rولا يجوز بيع الكلب ولو كان معلَّماً للنهي الوارد فيه في الحديث السابق: «نهى النبي صلّى الله عليه وسلم عن ثمن الكلب..» .\rولا يصح بيع ما لا منفعة فيه كالحشرات وسباع البهائم التي لا تصلح للاصطياد، كالأسد والذئب، والطيور التي لا تؤكل، ولا تصطاد، كالرخمة والحدأة والغراب؛ لأن ما لا منفعة فيه لا قيمة له، فأخذ العوض عنه من أكل المال بالباطل، وبذل العوض فيه من السفه.\rولا يجوز بيع المتنجس الذي لا يمكن تطهيره من النجاسة كالخل والدبس، ولكن يصح بيع المتنجس الذي يمكن تطهيره كالثوب ونحوه.\rولا يجوز بيع السرجين ونحوه من النجاسات (3) ، إلا أن الحنابلة أجازوا بيع السرجين الطاهر كروث الحمام وكل ما يؤكل لحمه.\rوالخلاصة: أن فقهاء الحنفية والظاهرية يجيزون بيع النجاسات للانتفاع بها إلا ما ورد النهي عن بيعه منها؛لأن جواز البيع يتبع الانتفاع، فكل ما كان منتفعاً به\r-------------------------------\r(1) رواية الصحيحين هكذا بإفراد الضمير، وفي بعض الطرق «إن الله حرم» وفي رواية سبق ذكرها «إن الله ورسوله حرما» .\r(2) وهناك طريقة عند الشافعية لمبادلة النجاسات المنتفع بها وهي طريقة ( رفع اليد ) بأن يقول البائع: رفعت يدي عن هذا الشيء بكذا.\r(3) المهذب: 1 ص 261، مغني المحتاج: 2 ص 11، المغني: 4 ص 251، 255 ومابعدها، غاية المنتهى: 2 ص 6 ومابعدها، أصول البيوع الممنوعة: ص 41 .","part":5,"page":118},{"id":2964,"text":"جاز بيعه عندهم. وأما فقهاء المالكية والشافعية والمشهور عند الحنابلة: فلا يجيزون بيع النجاسات؛ لأن جواز البيع يتبع الطهارة، فكل ما كان طاهراً، أي مالاً يباح الانتفاع به شرعاً يجوز بيعه عندهم.\r5 - بيع العربون :\rفي العربون ست لغات أفصحها فتح العين والراء، وضم العين وإسكان الراء. وعربان بالضم والإسكان، وهو أعجمي معرب، وأصله في اللغة: التسليف والتقديم.\rوبيع العربون: هو أن يشتري الرجل شيئاً، فيدفع إلى البائع من ثمن المبيع درهماً، أو غيره مثلاً، على أنه إن نفذ البيع بينهما احتسب المدفوع من الثمن، وإن لم ينفذ، يجعل هبة من المشتري للبائع (1) . فهو بيع يثبت فيه الخيار للمشتري: إن أمضى البيع كان العربون جزءاً من الثمن، وإن رد البيع فقد العربون، ومدة الخيار غير محددة بزمن، وأما البائع فإن البيع لازم له.\rقال بعض الحنابلة (2) : لابد أن تقيَّد فترة الانتظار بزمن محدد وإلا فإلى متى ينتظر البائع؟\rواختلف فيه العلماء، فقال الجمهور: إنه بيع ممنوع غير صحيح، فاسد عند الحنفية، باطل عند غيرهم؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلم نهى عن بيع العربان (3) ولأنه من باب\r-------------------------------\r(1) يلاحظ أن هذا البيع وإن كان فاسداً بحسب قواعد الحنفية، لأن الفساد يرجع للثمن، إلا أني ذكرته في أنواع البيع الباطل، لأن الغالب بقاؤه على الفساد فيصبح باطلاً، ولأن فيه غرراً.\r(2) غاية المنتهى: 2 ص 26 .\r(3) هذا حديث منقطع رواه أحمد والنسائي وأبو داود وهو لمالك في الموطأ، وفيه راو لم يسم، وسمي في رواية، فإذا هو ضعيف، وفيه طرق لاتخلو عن مقال، وهو مروي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وفسر الإمام مالك بيع العربان، فقال: « هو أن يشتري الرجل العبد أو الأمة أو يكتري، ثم يقول للذي اشترى منه أو اكترى منه: أعطيتك ديناراً أو درهماً على أني إن أخذت السلعة فهو من ثمنها وإلا فهو لك» ( انظر سبل السلام: 3 ص 17، نيل الأوطار: 5 ص 153، الموطأ: 2 ص 151 ).","part":5,"page":119},{"id":2965,"text":"الغرر والمخاطرة وأكل المال بغير عوض، ولأن فيه شرطين فاسدين:\rأحدهما ـ شرط الهبة، والثاني ـ شرط الرد على تقدير ألا يرضى، ولأنه شرط للبائع شيئاً بغير عوض، فلم يصح، كما لو شرطه لأجنبي، ولأنه بمنزلة الخيار المجهول، فإنه اشترط أن يكون له رد المبيع من غير ذكر مدة، فلم يصح، كما لو قال: ولي الخيار متى شئت رددت السلعة ومعها درهماً. وهذا هو مقتضى القياس (1) .\rوقال أحمد بن حنبل: لا بأس به ودليله ما أخرجه عبد الرزاق في مصنفه من حديث زيد بن أسلم أنه «سئل رسول الله صلّى الله عليه وسلم عن العربان في البيع فأحله» (2) وما روي فيه عن نافع بن عبد الحارث: «أنه اشترى لعمر دار السجن من صفوان بن أمية بأربعة آلاف درهم، فإن رضي عمر، كان البيع نافذاً، وإن لم يرض فلصفوان أربع مئة درهم» . وضعف أحمد الحديث المروي في بيع العربان، وقد أصبحت طريقة البيع بالعربون في عصرنا الحاضر أساساً للارتباط في التعامل التجاري الذي يتضمن التعهد بتعويض ضرر الغير عن التعطل والانتظار (3) .\rوفي تقديري أنه يصح ويحل بيع العربون وأخذه عملاً بالعرف؛ لأن الأحاديث الواردة في شأنه عند ا لفريقين لم تصح. وهذا هو قرار مجمع الفقه الإسلامي في دورته الثامنة في بروني في غرة المحرم 1414هـ .\r-------------------------------\r(1) بداية المجتهد: 2ص161، الشرح الكبير للدردير: 3ص63، القوانين الفقهية: ص258، مغني المحتاج: 2ص39، نيل الأوطار: 5ص153، المنتقى على الموطأ: 4ص157، شرح المجموع للإمام النووي: 9ص368.\r(2) حديث مرسل وفي إسناده إبراهيم بن أبي يحيى وهو ضعيف ( نيل الأوطار: 153/5 ).\r(3) المغني: 4 ص 232، انظر مصادر الحق للسنهوري: 2ص96 ومابعدها، المدخل الفقهي للأستاذ مصطفى الزرقاء: ف 234. وكذلك صحح الحنابلة الإجارة بالعربون ( راجع غاية المنتهى : 2ص26).","part":5,"page":120},{"id":2966,"text":"6 - بيع الماء :\rعرفنا سابقاً أنه يشترط في المعقود عليه كونه مالاً محرزاً، أي مملوكاً لواحد من الناس، فلا ينعقد بيع شيء غير محرز كالماء والهواء والتراب، فما المقصود بالماء، وما مذاهب العلماء في تملكه وبيعه؟\rقال الحنفية: المياه أربعة أنواع (1) :\rالأول - ماء البحار: وهو مشاع لجميع الناس، ولكل إنسان حق الانتفاع به على أي وجه شاء كالانتفاع بالشمس والقمر والهواء، فله أن ينتفع به لحوائجه الخاصة ولسقاية أراضيه، أي أن له ما يسمى بحق الشَفة وحق الشِّرب (2) أو سقي الأراضي الزراعية والأشجار.\rالثاني ـ ماء الأودية العظام، مثل أنهار دجلة والفرات والنيل وبردى والعاصي وسيحون وجيحون ونحوها من الأنهار العامة. وللناس فيها حق الشفة مطلقاً، وحق سقي الأراضي إن لم يضر السقي بمصلحة الجماعة، فإن أضر بهم فلا يجوز السقي؛ لأن دفع الضرر العام واجب، ويجوز أيضاً تركيب المطاحن المائية على هذه الأنهار إن لم يكن هناك ضرر عام.\rالثالث ـ الماء المملوك لجماعة مخصوصة كأهل قرية تختص بنهر صغير أو عين ماء أو بئر. ومنه الماء المأخوذ من الأنهار العامة الذي يجري في المقاسم، أي المجاري المملوكة بشق الجداول ونحوها. ويثبت فيه لكل إنسان حق الشفة فقط\r-------------------------------\r(1) راجع تكملة فتح القدير والهداية: 8 ص 144، رد المحتار على الدر المختار: 5ص311.\r(2) الشفة - بفتحتين: وحق الشفة: هو الشرب بالشفاه بأن يتناول الإنسان بفمه ماشاء منه، ويسقي بهائمه لدفع العطش، ويغسل به حوائجه ونحو ذلك. والشرب بكسر الشين: هو لغة النصيب من الماء، وشرعاً: نوبة الانتفاع بالماء ( أي وقته وزمنه ) لسقي الزراعة والدواب.","part":5,"page":121},{"id":2967,"text":"للضرورة المقتضية إباحته لاحتياج الناس إلىه، ولعدم إمكان استصحاب الماء إلى كل مكان.\rالرابع ـ الماء المحرز في الأواني، وهو مملوك لمن أحرزه، ولا حق فيه لأحد غير صاحبه، ولا يجوز الانتفاع به إلا بإذن مالكه.\rيظهر من هذا أن الماء بالنسبة للتملك والبيع إما مباح، أو غير مباح، والمباح حق للجميع لقوله صلّى الله عليه وسلم : «المسلمون شركاء في ثلاث: الماء، والكلأ، والنار» (1) والمقصود بالمباح: ما يشمل النوعين الأولين، وهو ما لا يختص به أحد من الناس. وغير المباح أو المملوك: هو ما يدخل تحت الملكية سواء أكانت لفرد أم لجماعة، ويشمل النوعين الآخرين.\rوهذا هو المعنى المقصود أيضاً عند المالكية والشافعية والحنابلة (2) وقد يسمى هذان النوعان: الماء الخاص والماء العام. فالأول: هو الماء المتملك في الأرض المملوكة كالبئر والعين. والثاني: هو غير المتملك في أرض غير مملوكة كالأنهار والعيون.\rحكم بيع الماء: اتفق العلماء على أنه يستحب بذل الماء بغير ثمن حتى ولو كان مملوكاً ولا يجبر المالك على بذل الماء، إلا في حال الضرورة بأن يكون قوم اشتد بهم العطش، فخافوا الموت، فيجب عليه سقيهم، فإن منعهم، فلهم أن يقاتلوه عليه.\r-------------------------------\r(1) أخرجه أبو داود في سننه، وأحمد في مسنده، وابن أبي شيبة في مصنفه من حديث رجل من الصحابة. وأخرجه ابن ماجه عن ابن عباس، ورواه الطبراني عن ابن عمر ( نصب الراية: 4 ص 294).\r(2) راجع القوانين الفقهية: ص 339، المهذب: 1ص427 ومابعدها، المغني: 4ص78 ومابعدها.","part":5,"page":122},{"id":2968,"text":"ولكن الحنفية فصلوا فيما يباح به القتال فقالوا: يجوز للمضطر أن يقاتل بالسلاح مالك الماء في الحوض أو البئر أو النهر الذي في ملكه لأنه قصد إتلافه بمنع حقه وهو الشفة، والماء في البئر مباح غير مملوك. أما إن كان الماء محرزاً في الأواني، فيقاتل المضطر بغير السلاح، ويضمن له ما أخذ كما في حال أخذ الطعام عند المخمصة، لأن حل الأخذ للاضطرار لا ينافي الضمان. هذا إذا كان الماء فاضلاً عن حاجة مالكه بأن كان يكفي لدفع الرمق لكل منهما، وإلا وجب تركه لمالكه (1) .\rأما بيع الماء فللعلماء فيه رأيان مشهوران: رأي الجمهور، ورأي الظاهرية.\rأولاً ـ قال جمهور العلماء (2) : يجوز بيع غير المباح للناس جميعاً كماء البئر والعين والمحرز في الأواني ونحوها، ولصاحبه أن ينتفع به لنفسه، ويمنع غيره من الانتفاع. فله أن يمنع صاحب الحق في الشفة من الدخول في ملكه إذا كان يجد ماء بقربه، فإن لم يجد، يقال لصاحب البئر ونحوه: إما أن تخرج الماء إليه، أو تتركه ليأخذ الماء.\rواستدلوا على الجواز بدليلين:\r1 - ثبت في الحديث الصحيح أن عثمان بن عفان رضي الله عنه اشترى بئر رُومة من اليهودي في المدينة، وسبّلها أو حبسها على المسلمين، وذلك بعد أن سمع النبي صلّى الله عليه وسلم يقول: «من يشتري بئر رومة، فيوسع بها على المسلمين وله الجنة» وكان اليهودي يبيع ماءها للناس. فهذا الحديث كما يدل على جواز بيع البئر\r-------------------------------\r(1) رد المحتار والدر المختار: 5 ص 313، تكملة فتح القدير: 8 ص 145 .\r(2) البدائع: 5 ص 146، رد المحتار: 5ص311-312، 4ص6، القوانين الفقهية: ص339، المهذب، المكان السابق، المجموع: 9ص278، المغني: 4ص79، غاية المنتهى: 2ص9، 277.","part":5,"page":123},{"id":2969,"text":"نفسها، وكذلك العين بالقياس عليها، يدل على جواز بيع الماء، لتقريره صلّى الله عليه وسلم اليهودي على البيع. ونوقش هذا بأنه كان في صدر الإسلام وكانت شوكة اليهود في ذلك الوقت قوية، والنبي صلّى الله عليه وسلم صالحهم في مبدأ الأمر على ما كانوا عليه، ثم استقرت أحكام الشريعة، التي شرع فيها للأمة تحريم بيع الماء. ثم إن الماء هنا داخل في البيع تبعاً لبيع البئر، وهذا لا خلاف فيه (1) .\r2 - يقاس بيع الماء المباح على بيع الحطب بعد إحرازه، فإن النبي صلّى الله عليه وسلم أقر بيعه بقوله: «لأن يأخذ أحدكم حبله، ثم يغدو إلى الجبل، فيحتطب، فيبيع، فيأكل، ويتصدق، خير له من أن يسأل الناس» (2) ونوقش ذلك بأن تخصيص النص بالقياس مختلف فيه بين علماء الأصول، وبأن هذا القياس يقتضي جواز بيع الماء المحرز فقط، دون ماء البئر ونحوه.\rثانياً ـ قال الظاهرية (3) : لا يحل بيع الماء مطلقاً، لا في ساقية ولا في نهر، ولا في عين، ولا في بئر، ولا في صهريج، ولا مجموعاً في قربة ولا في إناء، إلا أن تباع البئر كلها أو جزء مسمى منها، فيجوز البيع حينئذ، ويدخل الماء تبعاً للمبيع الأصلي.\rوقال أحمد في رواية عنه: لا يعجبني بيع الماء البتة.\rواحتج هؤلاء على المنع بما يأتي:\r-------------------------------\r(1) نيل الأوطار: 5 ص 146.\r(2) رواه البخاري ومسلم وأحمد وابن ماجه والنسائي عن أبي هريرة ( نيل الأوطار: 4 ص 162، الجامع الصغير: 2 ص 122 ).\r(3) المحلى: 9 ص 8 .","part":5,"page":124},{"id":2970,"text":"1 - ثبت أن النبي صلّى الله عليه وسلم قال: «لا يباع فضل الماء ليباع به الكلأ» (1) فهذا النفي يدل على النهي عن بيع الماء الزائد عن الحاجة. ونوقش ذلك بأن النهي قد ورد على حالة خاصة: وهي أن يقصد ببيع الماء حماية الكلأ الذي حوله ويحتاج إلىه الرعاء لرعي مواشيهم له.\r2 - صح أن النبي صلّى الله عليه وسلم «نهى عن بيع فضل الماء» (2) هذا الحديث صريح بتحريم بيع فضل الماء وهو الفاضل عن كفاية صاحبه، سواء أكان في أرض مباحة، أم في أرض مملوكة، وسواء أكان للشرب أم لغيره. ونوقش ذلك بأنه معارض بحديث بئر رومة السابق ذكره، أو بأنه محمول على حالة خاصة كما ذكر.\rوإني أرى أن النهي عن بيع فضل الماء يقصد به الماء الكثير كماء الآبار والعيون والأمطار التي تجتمع في أرض مملوكة، ويكون منعها عبثاً لا معنى له (3) .\rالمطلب الثاني ـ أنواع البيع الفاسد\rالبيع الفاسد في اصطلاح الحنفية كما تقدم: ما كان مشروعاً بأصله لا بوصفه ويفيد الملك بالقبض. وعند غير الحنفية: البيع إما صحيح أو باطل، وغير الصحيح لا يفيد الملك أصلاً.\rوسأذكر هنا أمثلة من أنواع البيوع الفاسدة عند الحنفية، مع الإشارة إلى حكمها عند غيرهم.\r1 - بيع المجهول :\rقال الحنفية: إذا كان المبيع أو الثمن مجهولاً جهالة فاحشة وهي التي تفضي إلى المنازعة، فسد البيع؛ لأن هذه الجهالة مانعة من التسليم والتسلم، فلا يحصل مقصود البيع.\rفإن كان مجهولاً جهالة يسيرة وهي التي لا تؤدي إلى المنازعة، لا يفسد البيع؛ لأن هذه الجهالة لا تمنع من التسليم والتسلم، فيحصل مقصود البيع.\r-------------------------------\r(1) أخرجه مسلم عن أبي هريرة، وأخرجه البخاري وأحمد وأحمد أيضاً بلفظ آخر ( نيل الأوطار: 5 ص 303 ).\r(2) رواه أحمد وأصحاب السنن إلا ابن ماجه عن اياس بن عبد ( نيل الأوطار: 5 ص 145 ).\r(3) راجع أصول البيوع الممنوعة: ص 46 ومابعدها.","part":5,"page":125},{"id":2971,"text":"والعرف هو المحكم في بيان نوع الجهالة: يسيرة أو فاحشة. فإذا لم يبين مثلا ً جنس الحيوان أو لم يبين «ماركة» المذياع أو آلة التصوير، يعد المبيع مجهولاً جهالة فاحشة تمنع من صحة العقد على بيعه، إذ تؤدي حتماً إلى نزاع شديد بين المتعاقدين (1) .\rومن الجهالة اليسيرة :\rأن يبيع شخص قفيزاً (2) من صُبرة معينة بدراهم، أو عِدلاً من الثياب بكذا، ولا يعرف عددها، أو هذه الصبرة بكذا، ولا يعلم عدد القفزان: جاز البيع (3) لزوال الغرر، ولأن الجهالة مغتفرة لا تفضي إلى المنازعة عادة. ومثله أن يبيع أحد الشيئين أو الثلاثة دون ما زاد عليها، مع اشتراط المشتري الخيار لنفسه بين أن يأخذ واحداً ويرد الباقي، وهو المعروف بخيار التعيين، يصح البيع استحساناً، والقياس أن يفسد البيع وهو قول زفر.\rوجه القياس: هو أن المبيع مجهول، لأنه باع أحد الشيئين، وهو غير معلوم، فكان المبيع مجهولاً، فيمنع صحة المبيع، كما لو باع أحد الأثواب الأربعة، وذكر الخيار، وعليه فلا يجيز زفر خيار التعيين.\rوأما وجه الاستحسان فهو :\r-------------------------------\r(1) الأموال ونظرية العقد: ص 312.\r(2) القفيز ثمانية مكاكيك، والمكوك: صاع ونصف، والصاع أربعة أمداد، والمد رطل وثلث بالبغدادي تقريباً، والرطل مئة وثلاثون درهماً، والدرهم (975،2 غم).\r(3) البدائع: 5 ص 157 ومابعدها، المهذب: 1 ص 263.","part":5,"page":126},{"id":2972,"text":"أولاً ـ القياس على مشروعية خيار الشرط، والجامع بينهما مساس الحاجة إلى دفع الغبن، وكل واحد من الخيارين طريق إلى دفع الغبن، فورود الشرع في خيار الشرط يكون وروداً ههنا، والحاجة تتحقق بالتحري في ثلاثة أشياء، لاقتصار الأشياء في العادة على الجيد والوسط والرديء، فيبقى الحكم في الزيادة مردوداً إلى أصل القياس وهو أن يكون المبيع معلوماً، وعليه يكون بيع واحد من أربعة مثلاً مع الخيار فاسداً ، لعدم حاجة الناس إلى تشريعه باعتبار أن أصناف الأشياء إجمالاً تتراوح بين جيد ووسط ورديء.\rوثانياً ـ لأن الناس تعاملوا هذا البيع لحاجتهم إليه، فإن كل أحد لا يمكن أن يدخل السوق، فيشتري ما يحتاج إليه، وعلى التخصيص الأكابر (أي كبار السن) والنساء، فيحتاج الواحد من هؤلاء إلى أن يكلف غيره بشراء شيء، ولا تتحقق حاجته بشراء شيء واحد من جنس ما؛ لأنه قد لا يوافق حاجته أو رغبته، فيحتاج إلى أن يشتري أحد اثنين من الجنس، فيحملهما الشخص إلى من كلفه بالشراء، فيختار أيهما شاء، بالثمن المذكور، ويرد الباقي، فجاز الشراء لتعامل الناس، ولاتعامل فيما زاد على الأشياء الثلاثة، فيبقى الحكم فيه على أصل القياس (1) .\rويلاحظ أن الأصح عند الحنفية في هذه الحالة عدم اشتراط تعيين مدة للخيار، كما في المدة المشترطة في خيار الشرط وهي: (ثلاثة أيام فما دونها عند أبي حنيفة. وعند الصاحبين: ثلاثة أيام وما زاد عليها بعد أن يكون الوقت معلوماً) فيصح البيع من غير ذكر المدة.\rوقال بعض الحنفية: لا يجوز هذا البيع إلا بذكر مدة خيار الشرط؛ لأن المبيع لو كان شيئاً واحداً معيناً، وفيه خيار شرط، فإن بيان المدة شرط لصحة البيع، فكذا إذا كان واحداً غير معين. والجامع بينهما: أن ترك التوقيت تجهيل لمدة الخيار، وأنه مفسد للبيع.\r-------------------------------\r(1) البدائع: 157/5، فتح القدير: 130/5، 197.","part":5,"page":127},{"id":2973,"text":"واستدل الأولون : بأن هناك فرقاً بين خيار الشرط وخيار التعيين: وهو أن خيار الشرط يمنع ثبوت حكم البيع، وهو نقل الملكية في مدة الخيار، فكان توقيت المدة أمراً ضرورياً في حدود الحاجة إلى دفع الغبن بالتأمل في صلاحية المبيع. أما خيار التعيين فلا يمنع ثبوت حكم البيع بل يثبت الحكم في أحد الشيئين غير معين، وإنما يمنع تعين المبيع فقط، فلا يشترط له بيان المدة.\rومن الجهالة الفاحشة\rأن يبيع إنسان أحد الأشياء الأربعة، أو شاة من قطيع على أنه بالخيار بين أن يأخذ واحداً منها ويرد الباقي، وكذا إذا اشترى أحد الأشياء الثلاثة أو أحد الشيئين، ولم يذكر فيه الخيار، فلا يجوز بيع ثوب من ثوبين، أو من أثواب ثلاثة مثلاً، ويكون البيع فاسداً لجهالة المبيع، وهي جهالة تفضي إلى المنازعة؛ لأن البائع يريد إعطاء الرديء، والمشتري يريد أخذ الجيد بحجة عدم التعيين (1) .\rوفي الجملة: إن الجهالة الفاحشة ترجع غالباً إلى أربع جهات (2) ذكرتها سابقاً:\rالأولى ـ جهالة المبيع: جنساً أو نوعاً أو قدراً بالنسبة إلى المشتري، وقد أوردت بعض الأمثلة عليها.\rالثانية ـ جهالة الثمن: كما إذا باع الفرس بمئة شاة من هذا القطيع ونحوه فيكون العقد فاسداً لجهالة الثمن.\rوكذا إذا باع هذا الثوب بقيمته، يكون البيع فاسداً، لأنه جعل ثمنه قيمته، والقيمة تختلف باختلاف تقويم المقومين، فكان الثمن مجهولاً.\rوكذا لو اشترى شخص بحكم البائع أو المشتري أو بحكم فلان، يكون البيع فاسداً،لأنه لا يدري بماذا يحكم فلان، فكان الثمن مجهولاً.\r-------------------------------\r(1) المرجعان السابقان، الدر المختار بهامش رد المحتار لابن عابدين: 115/4.\r(2) عقد البيع للأستاذ الزرقاء: ص 26.","part":5,"page":128},{"id":2974,"text":"وإذا قال: ( بعتك هذا بقفيز حنطة أو بقفيزي شعير ) يكون البيع فاسداً؛ لأن الثمن مجهول. وقيل: إنه البيعان في بيع، وقد نهى الرسول صلّى الله عليه وسلم عن البيعتين في بيعة (1) . وإذا قال: ( إن أخذته حالاً بخمسة وإن أخذته مؤجلاً بسبعة ) فالبيع فاسد، لأنه لم يستقر الثمن على شيء، هل حالاً أو مؤجلاً؟ فلو رفع الإبهام وقبل على إحدى الصورتين، صح.\rوكذا البيع برأس المال المجهول أو بالرقم (2) ( بسكون القاف ) دون أن يعلم\r-------------------------------\r(1) رواه الموطأ والترمذي والنسائي وأبو داود عن أبي هريرة أن النبي صلّى الله عليه وسلم نهى عن بيعتين في بيعة ( انظر جامع الأصول: 446/1 ).\r(2) وهو أن يعلم البائع على الثوب بعلامة كالكتابة يعلم بها الدلال أو غيره ثمن الثوب ولايعلم المشتري ذلك المقدار ( العناية: 113/5 ) ففي هذا البيع جهالة بذات المبيع ووصفه. وصورته: أن يكون هناك سلع متعددة تتفاوت أجناسها وقيمها، وكل سلعة منها ذات رقم خاص يختلف عن أرقام سواها، فيدفع المشتري قدراً من المال، ويأخذ ورقة تحمل رقماً خاصاً، فما وافق رقمه من السلع كان هو المبيع الذي يستحقه في نظير مبلغه،قل أو كثر،فيؤدي ذلك إلى فقد عنصر الاختيار والإرادة، وهذا يشبه بيع الحصاة الذي كان سائداً في الجاهلية( انظر أصول البيوع الممنوعة للأستاذ عبد السميع: ص72، 75) والخلاصة: أن الرقم: هو الكتاب، ورقم الثوب كتابه، ومعنى بيع السلعة برقمها: هو أن يبيعها بما هو مكتوب فيها من الثمن، ولا يعلم به المشتري حتى ينظره بعد العقد، ومنه قوله تعالى: {كتاب مرقوم} [المطففين:9/83] ( هامش المهذب: 266/1 )، و اتفقت المذاهب الأربعة والظاهرية على عدم جواز بيع شيء بما رقم أي كتب عليه من الثمن المجهول القدر.","part":5,"page":129},{"id":2975,"text":"المشتري رقمه ولا رأس ماله فالبيع فاسد، فإن علم المشتري رأس ماله أو رقمه في مجلس البيع، فإنه يعود جائزاً استحساناً؛ لأن المانع من الجواز هو الجهالة عند العقد وقد زالت في المجلس، ولما كان للمجلس حكم حالة العقد، فقد صار كأنه كان معلوماً عند العقد، فإذا لم يعلم حتى تفرقا تقرر الفساد (1) .\rوقال زفر: إذا وقع العقد فاسداً من حين وجوده لايحتمل الجواز بحال، لاستحالة انقلاب الفاسد جائزاً عنده (2) .\rوهذا متفق عليه بين المذاهب لجهالة الثمن، فإن علم الثمن فلابأس اتفاقاً أن يبيع بالرقم، بمعنى أن يقول: بعتك هذا الثوب برقمه، وهو الثمن المكتوب عليه، إذا كان معلوماً لهما حال العقد؛ لأنه بيع بثمن معلوم (3) .\rولايجوز البيع عند الفقهاء بما ينقطع عليه السعر في السوق، أو بما يبيع الناس أو بما يقول فلان لجهالة الثمن، وقد نقل عن الإمام أحمد جواز البيع بما ينقطع عليه السعر في المستقبل بتاريخ معين من غير تقدير الثمن أو تحديده وقت العقد، لتعارف الناس وتعاملهم به في كل زمان ومكان، وقد رجح جوازه ابن تيمية وابن القيم. والمراد به سعر السوق وقت البيع لا أي سعر في المستقبل (4) .\r-------------------------------\r(1) البدائع: 158/5، رد المحتار: 30/4، فتح القدير مع العناية: 113/5، المبسوط: 49/13.\r(2) البدائع: 124/6.\r(3) مغني المحتاج: 17/2، المغني: 187/4.\r(4) راجع مغني المحتاج: 17/2، المهذب: 266/1، القوانين الفقهية: ص 257، الشرح الكبير للدردير: 15/3، غاية المنتهى: 14/2، أعلام الموقعين: 5/4 ومابعدها، المحلى: 19/9، نظرية الضروة الشرعية للمؤلف: ص 178 ومابعدها.","part":5,"page":130},{"id":2976,"text":"الثالثة ـ جهالة الأجل: كما إذا باع إلى أجل كذا أو كذا، فيفسد البيع لأن الأجهل مجهول. وكذا الجهالة في مدة خيار الشرط تفسد البيع، ودليل الفساد: هو أن النبي صلّى الله عليه وسلم « نهى عن بيع حبل الحبلة » بحسب المعنى الذي فسره به ابن عمر راوي الحديث: وهوالبيع بثمن مؤجل إلى أن تلد الناقة مافي بطنها، ثم تلد التي ولدتها. فالنهي ورد على التأجيل إلى أجل مجهول.\rولو باع إلى قدوم الحاج والحصاد والدياس أو الدراس (دوس الحب بالقدم ونحوها) والقطاف (قطاف العنب) والجزاز (جز صوف الغنم) فالبيع فاسد؛ لأن هذه الجهالة مفضية إلى النزاع بسبب تقدم هذه الأوقات وتأخرها.\rولو باع شخص إلى هذه الآجال، ثم تراضى الطرفان على إسقاط الأجل قبل أن يأخذ الناس في الحصاد والدياس وقبل قدوم الحاج، جاز البيع؛ لأن الفساد للمنازعة، وقد ارتفع قبل تقرره، وهذه الجهالة ليست في صلب العقد، وإنما هي في أمر خارج: وهو الأجل (1) .\rالرابعة ـ الجهالة في وسائل التوثيق: كما لو اشترط البائع تقديم كفيل أو رهن بالثمن المؤجل فيجب أن يكونا معينين، وإلا فسد البيع.\rهذا هو تفصيل مذهب الحنفية في بيع المجهول.\rوقال المالكية والشافعية والحنابلة والظاهرية: لا يجوز بيع عين مجهولة كسيارة من سيارات أو ثوب من ثوبين أو أثواب، ولا بيع بثمن مجهول ولا بثمن مؤجل إلى أجل مجهول ونحو ذلك، ويكون البيع حينئذ باطلاً، لوجود الغرر بسبب جهالة المبيع، وقد نهى الرسول صلّى الله عليه وسلم عن بيع الغرر. ومن هنا قرروا في\r-------------------------------\r(1) فتح القدير: 322/5 ومابعدها، المبسوط: 26/13، رد المحتار: 125/4.","part":5,"page":131},{"id":2977,"text":"ويلاحظ أن البيع إلى هذه الآجال فاسد، وأما تأجيل ثمن البيع إلى هذه الآجال فهو صحيح. شروط صحة البيع أن يكون المبيع معلوماً للمتعاقدين، لا من كل وجه، بل عيناً في المعين وقدراً وصفة فيما في الذمة، وأن يكون الثمن معلوم الصفة والقدر والأجل، فلا يجوز تعليق البيع على شرط مستقبل كمجيء الشهر وقدوم الحاج، لأنه بيع غرر (1) . إلا أن المالكية أجازوا البيع إلى الحصاد أو الجداد أو العصير أو خروج الحاج أوالنيروز والمهرجان والميلاد لأنها آجال معروفة، وأجازوا أيضاً البيع مع خيار التعيين، وسموه بيع الاختيار، لكنهم اشترطوا اتحاد جنس المبيعين وصنفهما واتحاد الثمن، فلو وجد اختلاف لم يصح البيع (2) .\rالفرق بين الغرر والجهالة: الغرر أعم من الجهالة، فكل مجهول غرر، وليس كل غرر مجهولاً، فقد يوجد الغرر بدون الجهالة كما في شراء الآبق المعلوم الصفة، ولكن لا توجد الجهالة بدون الغرر (3) .\r2 - البيع المعلق على شرط والبيع المضاف :\rالبيع المعلق على شرط أو العقد المعلق عموماً: هو ما علق وجوده على وجود أمر آخر ممكن الحصول بإحدى أدوات التعليق نحو إن وإذا ومتى ونحوها. مثاله: أن يقول شخص لآخر: بعتك داري هذه بكذا إن باع لي فلان داره، أو إن جاء والدي من السفر مثلاً.\rوالبيع المضاف أو العقد المضاف عموماً: هو ما أضيف فيه الإيجاب إلى زمن مستقبل، كأن يقول شخص لغيره: بعتك هذه السيارة بكذا من أول الشهر القادم.\r-------------------------------\r(1) حاشية الدسوقي: 15/3، المهذب: 263/1، 266، مغني المحتاج: 16/2، المغني: 209/4، 234، غاية المنتهى: 11/2، المحلى: 497/8 ومابعدها.\r(2) الدسوقي على الشرح الكبير: 106/3، القوانين الفقهية: ص 269، المنتقى على الموطأ: 298/4، وأجاز الظاهرية تأجيل الثمن إلى الميسرة (المحلى: 477/8 وما بعدها).\r(3) الغرر وأثره في العقود: ص 39 ، الفروق للقرافي المالكي: 265/3، تهذيب الفروق بهامشه: 270/3 ومابعدها.","part":5,"page":132},{"id":2978,"text":"والفرق بين هذين النوعين عند الحنفية: أن العقد المعلق لا يعد موجوداً ولاينعقد سبباً في الحال، وإنما هو معلق على وجود الشرط، والشرط قد يوجد وقد لايوجد.\rوأما العقد المضاف فهو عقد تام يترتب عليه حكمه وآثاره إلا أن هذه الآثار يتأخر سريانها إلى الوقت الذي عينه العاقدان لها.\rحكمهما: اتفق الفقهاء على عدم صحة البيع المعلق أو المضاف، لكن يسمى ذلك فاسداً في اصطلاح الحنفية، وعند غيرهم هو باطل.\rوعلى هذا، فلا يصح تعليق البيع ولا إضافته إلى زمن في المستقبل؛ لأنه من عقود التمليكات للحال، وهي لا تقبل الإضافة للمستقبل، كما لا تعلق بالشرط لما فيه من المقامرة، أي التعليق بالخطر.\rيظهر مما ذكر أن علة فساد هذين النوعين من البيوع: هو ما تشتمل عليه من الغرر، إذ لا يدري العاقدان في البيع المعلق هل يحصل الأمر المعلق عليه، أو لا يحصل، كما لا يدريان متى يحصل. وفي البيع المضاف لا يدري العاقدان كيف يكون المبيع في المستقبل، وكيف يكون رضاهما بالعقد ومصلحتهما فيه عند ترتب أثر البيع عليه (1) .\r-------------------------------\r(1) انظر رد المحتار والدر المختار: 244/4، الفروق للقرافي: 229/1، المجموع للنووي: 374/9، المهذب: 266/1، المغني: 599/5، الأموال ونظرية العقد للمرحوم محمد يوسف موسى: ص451 وما بعدها، الغرر وأثره في العقود للزميل صديق الأمين: ص 137-149.","part":5,"page":133},{"id":2979,"text":"3 - بيع العين الغائبة أو غير المرئية :\rالعين الغائبة: هي العين المملوكة للبائع الموجودة في الواقع، ولكنها غير مرئية.\rقال الحنفية: يجوز بيع العين الغائبة من غير رؤية ولا وصف، فإذا رآها المشتري كان له الخيار: فإن شاء أنفذ البيع، وإن شاء رده. وكذلك المبيع على الصفة يثبت فيه خيار الرؤية، وإن جاء على الصفة التي عينها البائع كأن يشتري فرساً مجللاً «مغطى» أو متاعاً في صندوق أو مقداراً من الحنطة في هذا البيت.\rودليلهم على صحة البيع في الحالتين: أنه إذا كان للمشتري خيار الرؤية، فلا غرر عليه، فلا تؤدي الجهالة إلى النزاع مطلقاً، ما دام للمشتري الخيار (1) .\rواستدلوا أيضاً بحديث «من اشترى شيئاً لم يره، فهو بالخيار إذا رآه» (2) .\rوقال المالكية: يجوز بيع الغائب على الصفة إذا كانت غيبته مما يؤمن أن تتغير فيه صفته قبل القبض. فإذا جاء على الصفة المذكورة كان البيع لازماً، إذ أن هذا من الغرر اليسير، والصفة تنوب عن المعاينة بسبب غيبة المبيع، أو المشقة التي تحصل في إظهاره، وما قد يلحقه من الفساد بتكرار الظهور والنشر مثلاً، بل وإن لم يكن في فتحه فساد. فإن خالف الصفة المتفق عليها فللمشتري الخيار. وكذلك أجاز المالكية في المشهور عندهم بيع الغائب بلا وصف لنوعه وجنسه في حالة معينة (3) ،\r-------------------------------\r(1) البدائع: 163/5، فتح القدير: 137/5.\r(2) روي مسنداً ومرسلاً، فالمسند أخرجه الدارقطني في سننه عن أبي هريرة. والمرسل رواه ابن أبي شيبة والدارقطني في سننيهما عن مكحول، نقل النووي اتفاق الحفاظ على تضعيفه (انظر نصب الراية: 9/4، المقاصد الحسنة: ص 403).\r(3) مواهب الجليل 294/4 ومابعدها، الشرح الكبير: 25/3 ومابعدها، الشرح الصغير: 41/3-44، القوانين الفقهية: ص 257. هذا وقد ذكر المالكية خمسة شروط للزوم البيع على الصفة: وهي ألا يكون المبيع بعيداً جداً كالأندلس وإفريقية أي بحيث يظن تغيره قبل قبضه،وألا يكون قريباً جداً كالحاضرفي البلد،(والراجح أن الحاضر في مجلس العقد يجوز بيعه على الصفة) وأن يصفه غير البائع عند بعضهم (والأصح أنه يصح بوصف البائع)، وأن يحصر بالأوصاف المقصودة كلها، وألا ينقد ثمنه بشرط إلا فيما يؤمن تغيره كالعقار، ويجوز النقد من غير شرط أي ألا يشترط البائع على المشتري\rدفع الثمن عند العقد، ويدفعه المشتري له بناء على ذلك الشرط، أما إذا دفع له الثمن تطوعاً من غير شرط فيجوز. وهذا الشرط الأخير خاص بالعين غير المأمونة التغير، أما المأمونة التي لا يسرع إليها التغير كالعقار فيجوز اشتراط النقد فيها. والسبب في هذا الشرط هو ألا يكون العقد مشتملاً على الغرر بأن يتردد بين اعتباره سلماً أو بيعاً.","part":5,"page":134},{"id":2980,"text":"ويسمى هذا البيع عند المالكية: البيع على البَرْنامِج أو البرامج (1) : وهو الدفتر المكتوب فيه صفة ما في الوعاء من الثياب المبيعة، دون اطلاع البائع على الجنس والنوع. والجواز للضرورة، أي لما في حَلّ العِدْل من الحرج والمشقة على البائع، فأقيمت الصفة مقام الرؤية.\rوقال الشافعية في الأظهر عندهم وفي قول عند الإباضية: لا يصح مطلقاً بيع الغائب وهو ما لم يره المتعاقدان، أو أحدهما، وإن كان المبيع حاضراً، لما فيه من الغرر، وقد نهى الرسول صلّى الله عليه وسلم عن بيع الغرر، وفي بيع ما لا يعرف جنسه أو نوعه غرر كبير، وكذا ما عرف جنسه أو نوعه، مثل بعتك فرسي العربي، لا يصح بيعه في المذهب الجديد لوجود الغرر فيه بسبب الجهل بصفة المبيع، كما لا يصح السلم مع جهالة صفة المسلم فيه، وقد نهى الرسول صلّى الله عليه وسلم عن بيع الغرر.\rوأما حديث خيار الرؤية: «من اشترى ما لم يره فهو بالخيار إذ رآه» فهو حديث ضعيف كما قال البيهقي. وقال الدارقطني عنه: إنه باطل لا يصح، لم يروه غيره (2) .\r-------------------------------\r(1) البرنامج: الورقة المكتوبة فيها ما في الوعاء: العدل أو الظرف (راجع الموطأ: 160/2).\r(2) المهذب: 263/1، المجموع: 315/9، مغني المحتاج: 18/2، شرح النيل: 143/4.","part":5,"page":135},{"id":2981,"text":"وقال الحنابلة في أظهر الروايتين عندهم: إن الغائب الذي لم يوصف ولم تتقدم رؤيته لا يصح بيعه، فإن صححناه بحسب الرواية الأخرى، فيثبت الخيار للبائع والمشتري عند الرؤية. ودليل الرواية الأولى أنه صلّى الله عليه وسلم نهى عن بيع الغرر.\rأما إذا وصف المبيع للمشتري فذكر له من صفاته ما يكفي في صحة السلم، فيصح بيعه في ظاهر المذهب، وعن أحمد: لا يصح حتى يراه؛ لأن الصفة لا تحصل بها معرفة المبيع، فلم يصح البيع بها كالذي لا يصح السلم فيه.\rاستدلوا على ظاهر المذهب: بأنه بيع بالصفة فصح كالسلم، ولا يقال بأنه لا تحصل به معرفة المبيع، فإن تلك المعرفة تحصل بالصفات الظاهرة التي يختلف بها الثمن ظاهراً، وهذا يكفي بدليل أنه يكفي في السلم (1) .\rوالخلاصة: أن الحنفية والمالكية، والحنابلة في الأظهر، والظاهرية، والزيدية والإمامية، وفي قول عند الإباضية : يجيزون بيع العين الغائبة على الصفة (2) . أما بيعها بغير رؤية ولا وصف فقد أجازه الحنفية.\r-------------------------------\r(1) المغني: 580/3-582، غاية المنتهى: 10/2.\r(2) المحلى: 389/8، الروض النضير: 259/3، المختصر النافع: ص 145، شرح النيل: 137/4.","part":5,"page":136},{"id":2982,"text":"بيع ما يكمن في الأرض أو بيع ما في رؤيته مشقة أوضرر: قد تكون مع رؤية المبيع مشقة أو ضرر مثل بيع الأطعمة المحفوظة ونحوها من الأدوية والسوائل والغازات التي لا تفتح إلا عند الاستعمال، ومثل بيع المغيب في الأرض كالجزر واللفت والبطاطا، فإن الحنفية أجازوه كإجازة بيع العين الغائبة، كما أجازه المالكية؛ لأن المبيع معلوم بالعادة، والغرر فيه يسير، وأبطله الشافعية والحنابلة والظاهرية (1) إذ لا يمكن وصفه، فيتحقق فيه الغرر والجهالة المنهي عنهما.\r4 - بيع الأعمى وشراؤه :\rهذا النوع مفرع على شرط رؤية المبيع على الخلاف السابق في بيع الغائب.\rقال الحنفية والمالكية والحنابلة: يصح بيع الأعمى وشراؤه وإجارته ورهنه وهبته، ويثبت له الخيار بما يفيد معرفته بالمبيع كالجس والشم والذوق فيما يعرف بذلك، أو بالاعتماد على أوصاف المبيع، كالوصف في الثمار على رؤوس الأشجار والدور والعقارات. ودليلهم حديث: «إنما البيع عن تراض» (2) وقد رضي الأعمى بالبيع، ويمكنه التعرف على المبيع بوسائل مختلفة، فأشبه بيع البصير، ولأن إشارة الأخرس تقوم مقام نطقه، فكذلك شم الأعمى وذوقه (3) .\rإلا أن الحنفية والمالكية كما هو معلوم لا يثبتون خيار الرؤية للبائع سواء أكان بصيراً أم أعمى.\rوقال الشافعية: لا يصح بيع الأعمى وشراؤه إلا إذا كان قد رأى شيئاً قبل العمى مما لا يتغير كالحديد ونحوه، ودليلهم قصور الأعمى عن إدراك الجيد والرديء، فيكون محل العقد بالنسبة له مجهولاً (4) .\r-------------------------------\r(1) الدر المختار: 106/4، بداية المجتهد: 156/2، المجموع: 338/9، المغني: 91/4، المحلى: 456/8، البيوع الممنوعة للأستاذ عبد السميع: ص 67.\r(2) رواه ابن ماجه والبيهقي وصححه ابن حبان عن أبي سعيد الخدري، وقد سبق تخريجه.\r(3) مختصر الطحاوي: ص 83، البدائع: 164/5، 298، حاشية الدسوقي: 24/3، المغني: 4 ص 210، غاية المنتهى: 10/2.\r(4) المهذب: 264/1.","part":5,"page":137},{"id":2983,"text":"5 - البيع بالثمن المحرّم :\rإذا كان البيع بثمن محرم كالخمر والخنزير: يكون فاسداً عند الحنفية لوجود حقيقة البيع: وهي مبادلة المال بالمال، فإن الخمر والخنزير مال متقوم عند بعض الكفار، وهما وإن كانا مالين عند الحنفية، إلا أنهما ليسا بمتقومين شرعاً، والقاعدة المقررة في هذا الشأن: أن أحد العوضين إذا لم يكن مالاً في دين سماوي، فالبيع باطل سواء أكان مبيعاً أم ثمناً، فبيع الميتة والدم والإنسان الحر باطل، وكذا البيع به وهو الصحيح عند الحنفية؛ لأن المسمى ثمناً ليس بمال أصلاً، وكون الثمن مالاً في الجملة شرط من شروط الانعقاد.\rوإن كان العوض في بعض الأديان مالاً دون بعض: فإن أمكن اعتباره ثمناً، فالمبيع فاسد، فبيع الثوب بالخمر أو الخمر بالثوب فاسد، وإن تعين كونه مبيعاً، فالبيع باطل، فبيع الخمر بالدراهم أو الدراهم بالخمر باطل.\rوعلى هذا: إذا كان الثمن محرَّماً: ينعقد البيع بالقيمة (1) ومن الواضح أن هذا البيع عند غير الحنفية يقع باطلاً.\r6 - البيع نسيئة ثم الشراء نقداً ـ بيوع الآجال :\rالنسيئة: تأخير الثمن إلى أجل معين، والنقد: دفع الثمن في الحال.\rإذا اتخذ العقد وسيلة لتحقيق غرض غير مباح شرعاً، فهل ينعقد العقد لوجود أركانه من الإيجاب والقبول أو يعتبر غير صحيح لسببه غير المشروع؟ ، مثل (2) أن يبيع الشخص مالاً إلى\r-------------------------------\r(1) فتح القدير مع العناية: 186/5، البدائع: /141، 305، رد المحتار: 105/4، 108.\r(2) انظر مواهب الجليل للحطاب: 390/4 ومابعدها، 404 ومابعدها، الشرح الكبير للدردير: 76/3، 88، الشرح الصغير: /116، 132.","part":5,"page":138},{"id":2984,"text":"آخر بثمن مؤجل، ثم يشتريه منه بثمن عاجل،كأن يبيع قنطاراً من القطن بخمسة آلاف ليرة لا تقبض إلا بعد سنة، ثم يشتريه البائع من المشتري بأربعة آلاف يدفعها إليه فوراً، فقد حصل ههنا عقدا بيع: كلاهما ظاهره الصحة لاشتماله على أركان العقد وشروطه. هذه البيوع تسمى عند المالكية ( بيوع العينة ) وهي في الحقيقة نوع من بيوع الأجل التي يقصد منها التحيل على الربا، والوصول إلى ما هو ممنوع شرعاً، ومع ذلك اختلف العلماء في حكم بيع الأجل، علماً بأن المالكية فرقوا بين النوعين، فقالوا: بيوع الآجال: هي بيع المشتري ما اشتراه لبائعه أو لوكيله، لأجل. وبيع العينة: أن يقول شخص لآخر: اشتر سلعة بعشرة نقداً، وأنا آخذها منك باثني عشر لأجل.\rفقال الشافعية والظاهرية: يصح هذا العقد لتوافر ركنه وهو الإيجاب والقبول، ويترك أمر النية لله وحده يعاقب صاحبها عليها.\rوقال المالكية والحنابلة: العقد باطل متى قام الدليل على وجود قصد آثم سداً للذريعة. وتطبيقات هذا الخلاف تظهر في زواج المحلل وبيع العينة وبيع العنب لعاصر الخمر (1) .\rوأما أبو حنيفة فيحكم في الظاهر بصحة زواج المحلّل، وبيع العنب لعاصره خمراً، ما لم يصرح في العقد بشرط يخل به، ويجعل بيع العينة فاسداً إن خلا من توسط شخص ثالث.\r-------------------------------\r(1) الأموال ونظرية العقد: ص297 ومابعدها، أصول البيوع الممنوعة للشيخ عبد السميع: ص102.","part":5,"page":139},{"id":2985,"text":"بيع العينة :\rهو بيع يراد منه أن يكون حيلة للقرض بالربا، بأن يبيع رجل شيئاً بثمن نسيئة أو لم يقبض، ثم يشتريه في الحال، وسمي بالعينة لأن مشتري السلعة إلى أجل يأخذ بدلها عيناً أي نقداً حاضراً، وعكسها مثلها. مثاله: أن يبيعه الرجل سلعة بثمن إلى أجل معلوم، ثم يشتريها بثمن آخر إلى أجل آخر، أو نقداً بثمن أقل، وفي نهاية الأجل الذي حدد في العقد الأول يدفع الثمن الأول كله، فيكون الفرق بين الثمنين فائدة أو ربا لصاحب المتاع الذي يبيع بيعاً صورياً، مثل أن يبيع شخص لآخر ثوباً باثنتي عشرة ليرة مؤجلاً دفعها إلى شهر مثلاً، ثم يبيع المشتري هذا الثوب نفسه ـ قبل أو بعد تسلمه ـ إلى بائعه الأول بعشر ليرات تدفع حالاً إلى المشتري، وفي نهاية الأجل المحدد لدفع الثمن في العقد الأول يدفع المشتري كامل الثمن وهو ( 12) ل.س، فيكون الفرق بين الثمنين فائدة أو ربا لصاحب الثوب الذي بيع بيعاً صورياً، والعملية كلها للتحايل على الإقراض بالربا عن طريق البيع والشراء.\rوقد يوسط المتعاقدان بينهما شخصاً ثالثاً يشتري العين بثمن حال من مريد الاقتراض، بعد أن اشتراها هذا من مالكها المقرض، ثم يبيعها للمالك الأول بالثمن الذي اشترى به، فيكون الفرق رباً له.\rاختلف العلماء في الحكم على العقد الثاني، مع أن قصد التعامل بالربا واضح من البائع والمشتري.","part":5,"page":140},{"id":2986,"text":"قال أبو حنيفة: هو عقد فاسد إن خلا من توسط شخص ثالث بين المالك المقرض والمشتري المقترض، كما في المثال، إلا أنه يلاحظ أن أبا حنيفة خالف أصله السابق الذكر الذي يقتضي القول بصحة هذا العقد (1) وذلك استحساناً بنص الحديث الذي سيأتي في قصة زيد بن أرقم، ولأن الثمن إذا لم يستوف لم يتم البيع الأول، فيصير البيع الثاني مبنياً عليه، فليس للبائع الأول أن يشتري شيئاً ممن لم يتملكه بعد، فيكون البيع الثاني فاسداً.\rوقال أبو يوسف: هذا البيع صحيح بلا كراهة. وقال محمد: إنه صحيح مع الكراهة، حتى إنه قال: «هذا البيع في قلبي كأمثال الجبال ذميم، اخترعه أكلة الربا» (2) .\r-------------------------------\r(1) وهو أن المعتبر في العقود: هو الألفاظ دون النيات، لأن نية الغرض غير المباح شرعاً مستترة، فيترك أمرها إلى الله وحده يعاقب عليها صاحبها، مادام أثم بنيته، وهذا بخلاف مذهب الإمام أحمد الذي يتشدد بحق في رعاية النية والقصد دون اللفظ ( انظر أعلام الموقعين 106/1 ومابعدها، ونظرية العقد لأستاذنا الجليل الشيخ محمد أبو زهرة: ص215 ).\r(2) فتح القدير: 207/5 ومابعدها، رد المحتار لابن عابدين: 255/4، 291، الأموال ونظرية العقد: ص 301.","part":5,"page":141},{"id":2987,"text":"وقال الشافعية وداود الظاهري: هذا العقد صحيح مع الكراهة لتوافر ركنه وهو الإيجاب والقبول الصحيحان، ولا عبرة في إبطال العقد بالنية التي لا نعرفها لعدم وجود ما يدل عليها (1) ، أي أن القصد الآثم مرجعه إلى الله ، والحكم على ظاهر العقد شيء آخر، لذا فإنه يحمل العقد على عدم التهمة.\rوقال المالكية والحنابلة: إن هذا العقد يقع باطلاً (2) سداً للذرائع كما سأبين، ولما روي من قصة زيد بن أرقم مع السيدة عائشة رضي الله عنها: وهي أن العالية بنت أيفع قالت: دخلت وأنا وأم ولد زيد بن أرقم وامرأته على عائشة رضي الله عنها،فقالت أم ولد زيد بن أرقم: «إني بعت غلاماً من زيد بن أرقم بثمان مئة درهم إلى العطاء،ثم اشتريته منه بست مئة درهم (أي حالّة) فقالت عائشة:بئسما شريت وبئسما اشتريت، أبلغي زيداً أنه قد أبطل جهاده مع رسول الله صلّى الله عليه وسلم إن لم يتب» (3) وقال صلّى الله عليه وسلم : «إذا ضن الناس بالدينار والدرهم، وتبايعوا بالعينة، واتبعوا أذناب\r-------------------------------\r(1) الميزان: 70/2، إرشاد الفحول للشوكاني: ص 217، القوانين الفقهية: ص 271.\r(2) بداية المجتهد: 140/2 وما بعدها، حاشية الدسوقي: 91/3، الحطاب: 404/4، القوانين الفقهية: ص 258، 271 وما بعدها، الشرح الصغير: 130/3. المغني: 175/4 ومابعدها، نيل الأوطار: 206/5، الموافقات للشاطبي: 361/2، الفروق للقرافي: 266/3 وما بعدها، أصول الفقه لنا: 895/2 ومابعدها. هذا وقد أبطل الحنابلة العقد الأول حيث كان وسيلة للثاني. وقالوا: إن تغيرت صفة الشيء المشترى بما ينقصها أو يزيدها، و اشتراها من غير مشتريها أو بمثل الثمن أو بنقد آخر، صح البيع، وكذا لو اشتراها أبوه أوابنه أو غلامه ونحوها ما لم يكن حيلة، فلا يصح ( غاية المنتهى: 20/2).\r(3) هذا الحديث رواه الدارقطني عن يونس بن إسحاق عن أمه العالية عن أم مُحبة عن عائشة. روي عن الشافعي أنه لا يصح، وأخرجه الإمام أحمد في مسنده، قال في التنقيح: إسناده جيد، وإن كان الشافعي لا يثبت مثله عن عائشة، وكذلك الدارقطني قال في العالية: هي مجهولة لا يحتج بها (انظر جامع الأصول: 478/1).","part":5,"page":142},{"id":2988,"text":"البقر، وتركوا الجهاد في سبيل الله ، أنزل الله بهم بلاء، فلا يرفعه حتى يراجعوا دينهم» (1) .\rواستدلوا من جهة المعقول بالقياس على الذرائع المجمع على منعها بجامع أن الأغراض الفاسدة في كل منها هي الباعثة على عقدها، لأنه المحصل لها.\rوالخلاصة: إن جمهور الفقهاء غير الشافعية: قالوا بفساد هذا البيع وعدم صحته؛ لأنه ذريعة إلى الربا، وبه يتوصل إلى إباحة ما نهى الله عنه، فلا يصح.\rغير أن الشافعي قال عن الحديث الأول: «لا يثبت، وأيضاً فإن زيداً قد خالفها، وإذا اختلف الصحابة فمذهبنا القياس» .\rويلاحظ أن الشافعية والظاهرية اعتمدوا على ظاهر عقد المتبايعين، فحكموا بصحته عملاً بمقتضى آية: {وأحل الله البيع} [البقرة:275/2] وهذا مردود، لأن الظاهر إنما يعمل به إذا لم تقم قرينة تفيد غيره، وههنا قرينة العرف المعهود، وغلبة قصد الناس إلى المحرم، والشيء المتعارف ينزل منزلة الشرط المنصوص، فكان ذلك من أقوى القرائن التي يجب العمل بها؛ لأنها تجعل الظاهر من أمر البائعين هو التذرع إلى المحرم، فإبطال بيعهما هو مقتضى الظاهر (2) .\rبيع التورّق: هو أن يشتري الشخص السلعة إلى أجل، ثم يبيعها لغير بائعها الأول نقداً في الحال، ويأخذ ثمنها، بقصد الحصول على الدراهم، وهو بيع مكروه عند مالك وعند أحمد في إحدى الروايتين عنه، ولا يكره في رواية أخرى.\r-------------------------------\r(1) رواه أحمد وأبو داود عن ابن عمر وأخرجه أيضاً الطبراني وابن القطان وصححه، قال الذهبي: إن هذا الحديث من مناكير عطاء الخراساني (نيل الأوطار: 206/5).\r(2) أصول البيوع الممنوعة: ص 105 .","part":5,"page":143},{"id":2989,"text":"7 - بيع العنب لعاصر الخمر :\rيتفرع أيضاً على القاعدة السابقة في أوائل بحث البيع السابق: الخلاف في بيع العنب لمن يعرف أنه يعصره خمراً. وأذكر هنا خلاف العلماء فيه.\rقال أبو حنيفة والشافعي: يصح في الظاهر مع الكراهة بيع العنب لعاصر الخمر، وبيع السلاح لمن يقاتل به المسلمين، لعدم تحققنا أنه يتمكن من اتخاذه خمراً أو يقاتل بالسلاح المسلمين، ويؤاخذ الإنسان على مقاصده. أما الوسائل فقد يحال بين الإنسان وبينها، والمحرم في البيع هو الاعتقاد الفاسد، دون العقد نفسه، فلم يمنع صحة العقد، كما لو دلس العيب (1) أي أن الحكم على العقد بظاهره شيء، والدافع إليه شيء آخر.\rوقال المالكية والحنابلة: بيع العصير ممن يتخذه خمراً باطل، وكذا بيع السلاح لأهل الحرب أو لأهل الفتنة، أو لقطاع الطرق، سداً للذرائع؛ لأن ما يتوصل به إلى الحرام فهو حرام، ولو بالقصد، ولقوله تعالى: {ولا تعاونوا على الإثم والعدوان} [المائدة:2/5] وهذا نهي يقتضي التحريم، وإذا ثبت التحريم فالبيع باطل (2) .\r8 - البيعتان في بيعة أو الشرطان في بيع واحد :\rلقد ثبت عن النبي صلّى الله عليه وسلم النهي عن بيعتين وعن شرطين في بيع، روي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: «نهى النبي صلّى الله عليه وسلم عن بيعتين في بيعة» وعن عمرو بن\r-------------------------------\r(1) المهذب: 267/1، تكملة فتح القدير: 127/8، مختصر الطحاوي: ص 280.\r(2) المغني: 222/4 ومابعدها، الموافقات للشاطبي: 361/2.","part":5,"page":144},{"id":2990,"text":"شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم : «لا يحل سلف وبيع، ولا شرطان في بيع، ولا ربح ما لم يَضْمن، ولا بيع ما ليس عندك» (1) .\rواختلف في تفسير البيعتين في بيعة: فقال الشافعي: «له تأويلان: أحدهما ـ أن يقول: بعتك بألفين نسيئة، وبألف نقداً، فأيهما شئت أخذت به، على أن البيع قد لزم في أحدهما وهذا بيع فاسد ( أي باطل ) لأنه إبهام وتعليق. والثاني ـ أن يقول: ( بعتك منزلي على أن تبيعني فرسك ).\rوحكمة منع صورة الصفقة الأولى هو اشتمالها على غرر بسبب الجهل بمقدار الثمن،فإن المشتري لا يدري وقت تمام العقد هل الثمن عشرة مثلاً أو خمسة عشر.\rومن الحكمة في تحريم العقد الثاني منع استغلال حاجات الآخرين، وذلك في حالة كون المشتري مضطراً إلى شراء شيء، فيكون اشتراط البائع عليه في شراء شيء منه من قبيل الاستغلال مما يؤدي إلى فوات حقيقة الرضا في هذا العقد، ثم إن فيه غرراً أيضاً لا يدري البائع هل يتم البيع الثاني أو لا.\rواختلف في تفسير الشرطين في بيع: فقيل: هو أن يقول: بعت هذا نقداً بكذا، وبكذا نسيئة. وقيل:هو أن يشترط البائع على المشتري ألا يبيع السلعة ولايهبها. وقيل: هو أن يقول: بعتك هذه السلعة بكذا على أن تبيعني السلعة الفلانية بكذا » (2) وقيل في تفسير ذلك: هو أن يسلفه ديناراً في قفيز حنطة إلى شهر، فلما حل الأجل وطالبه بالحنطة قال: بعني القفيز الذي لك علي إلى شهرين بقفيزين، فصار ذلك بيعتين في بيعة؛ لأن البيع الثاني قد دخل على الأول، فيرد إليه أو كسهما ( أنقصهما ) وهو الأول.\rوبهذا يظهر أن البيعتين في بيعة والشرطين في بيع واحد بمعنى واحد. وقد اختلف العلماء في حكمه.\r-------------------------------\r(1) أخرجه أصحاب السنن، ورواه أحمد أيضاً عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ( عبد الله بن عمرو ابن العاص ) قال الترمذي: « حديث حسن صحيح » واختصره ابن ماجه، فذكر منه: « ربح مالم يضمن، وبيع ماليس عندك » فقط. والمراد بربح مالم يضمن: أنه لايجوز أن يأخذ ربح سلعة لم يضمنها، مثل: أن يشتري سلعة ويبيعها إلى آخر قبل قبضها من البائع الأول، فهذا البيع باطل، وربحه لايجوز، لأن المبيع في ضمان البائع الأول، وليس في ضمان المشتري ( انظر نصب الراية: 18/4، نيل الأوطار: 179/5 ).\r(2) المنتقى على الموطأ: 36/5، نيل الأوطار: 151/5 - 153، سبل السلام: 16/3 ومابعدها.","part":5,"page":145},{"id":2991,"text":"قال الحنفية: البيع فاسد؛ لأن الثمن مجهول، لما فيه من تعليق وإبهام دون أن يستقر الثمن على شيء: هل حالاً أو مؤجلاً. فلو رفع الإبهام وقبل على إحدى الصورتين، صح العقد (1) . والعلة في تحريم بيعتين في بيعة: عدم استقرار الثمن في صورة بيع الشيء الواحد بثمنين، والتعليق بالشرط المستقبل في صورة بيع هذا على أن يبيع منه ذاك، ولزوم الربا في صورة بيع قفيز الحنطة.\rوقال الشافعية والحنابلة: إن هذا العقد باطل؛ لأنه من بيوع الغرر بسبب الجهالة،لأنه لم يجزم البائع ببيع واحد، فأشبه مالو قال: بعتك هذا أو هذا، ولأن الثمن مجهول، فلم يصح كالبيع بالرقم المجهول، ولأن أحد العوضين غير معين ولامعلوم، فلم يصح كما لو قال: بعتك أحد منازلي (2) .\rوقال مالك: يصح هذا البيع، ويكون من باب الخيار، فيذهب العقد على إحدى الحالتين، وهومحمول على أنه جرى بينهما بعدئذ مايجري في العقد، فكأن المشتري قال: أنا آخذه بالنسيئة بكذا، فقال: خذه، أو قد رضيت، ونحو ذلك\r-------------------------------\r(1) البدائع: 158/5، رد المحتار: 30/4 .\r(2) المهذب: 267/1، مغني المحتاج: 31/2، المغني: 234/4 .","part":5,"page":146},{"id":2992,"text":"فيكون عقداً كافياً (1) . هذا مع العلم بأن حديث النهي عن بيعتين في بيعة أو عن صفقتين ضعيف بسبب اشتمال إسناده على راو فيه مقال، وهو محمد بن عمرو بن علقمة، الذي تكلم فيه غير واحد، وهو إن صح محمول على المنع من صورة البيع التالية: وهي أن يقول: نقداً بكذا ونسيئة بكذا، فإن قال من أول الأمر: نسيئة بكذا فقط، وكان أكثر من سعر يوم صح البيع (2) .\r9 - البيع لأجل أو بالتقسيط :\rأجاز الشافعية والحنفية والمالكية والحنابلة وزيد بن علي والمؤيد بالله والجمهور (3) : بيع الشيء في الحال لأجل أو بالتقسيط بأكثر من ثمنه النقدي إذا كان العقد مستقلاً بهذا النحو، ولم يكن فيه جهالة بصفقة أو بيعة من صفقتين أو بيعتين، حتى لايكون بيعتان في بيعة. قال ابن قدامة في المغني: البيع بنسيئة ليس بمحرم اتفاقاً ولايكره. فإذا تم الاتفاق في الحال على شراء هذه الآلة أو السلعة بألف ومئة لأجل أو بالتقسيط، مع أن سعرها النقدي ألف، جاز البيع وإن ذكر في المساومة سعران: سعر للنقد وسعر للتقسيط، ثم تم البيع في نهاية المساومة تقسيطاً. أما لو قال في عقد واحد: بعتك السلعة بألف نقداً، وبألف ومئة تقسيطاً، فقال المشتري: قبلت، ولم يحدد نوع القبول الصادر مبهماً دون تحديد مراده أو عدم تعيين أي صفقة يريد، كان العقد باطلاً عند الجمهور، فاسداً عند الحنفية بسبب الجهالة.وقال بعض الزيدية: يحرم بيع الشيء بأكثر من سعر يومه،لأجل النَّساء.\r-------------------------------\r(1) بداية المجتهد: 153/2، المنتقى على الموطأ: 37/5. قال ابن جزي في القوانين: ص257: « البيعتان في بيعة: هو أن يبيع مثموناً واحداً بأحد ثمنين مختلفين، أو يبيع أحد مثمونين بثمن واحد، فالأول أن يقول: بعتك هذا الثوب بعشرة نقداً أو بعشرين إلى أجل على أن البيع قد لزم في أحدهما. والثاني: أن يقول: بعتك أحد هذين الثوبين بكذا على أن البيع قد لزم في أحدهما » وقد عدَّ ابن جزي هذا النوع من أنواع بيوع الغرر العشرة الممنوعة.\r(2) نيل الأوطار: 152/5 ومابعدها.\r(3) نيل الأوطار: 152/5 ومابعدها، المغني: 176/4.","part":5,"page":147},{"id":2993,"text":"والواقع يختلف البيع لأجل أو بالتقسيط عن الربا، وإن وجد تشابه بينهما في كون سعر الأجل أو التقسيط في مقابل الأجل، ووجه الفرق أن الله أحل البيع لحاجة، وحرَّم الربا بسبب كون الزيادة متمحضة للأجل. ولأن الربا أي الزيادة من جنس ماأعطاه أحد المتعاملين مقابل الأجل، كبيع صاع حنطة مثلاً في الحال بصاع ونصف يدفعان بعد أجل، أو إقراض ألف درهم مثلاً على أن يسدد القرض ألفاً ومئة درهم. أما في البيع لأجل أو بالتقسيط فالمبيع سلعة قيمتها الآن ألف، وألف ومئة بعد أشهر مثلاً، وهذا ليس من الربا، بل هو نوع من التسامح في البيع؛ لأن المشتري أخذ سلعة لا دراهم، ولم يعط زيادة من جنس ماأعطى، ومن المعلوم أن الشيء الحالّ أفضل وأكثر قيمة من المؤجل الذي يدفع في المستقبل، والشرع لايصادم طبائع الأشياء إذا لم يتحد المبيع والثمن في الجنس. كما أن بائع التقسيط يضحي في سبيل توفير السلعة لمن يشتريها بأجل، لتعطيل السعر أو الثمن، وعدم استعماله في أثمان مشتريات أخرى.\r10 - بيع الأتباع والأوصاف مقصوداً :\rإذا كان الشيء تبعاً لغيره، فبيع مستقلاً عنه كبيع الألية من الشاة الحية والذراع والرأس ونحوهما، وكبيع ذراع من ثوب، فقال الحنفية: إن بيع اللحم في الشاة الحية، أو الشحم الذي فيها، أو أليتها، أو أكارعها، أو رأسها: كل هذا باطل لا ينعقد؛ لأنه بيع لمعدوم؛ لأن اللحم لا يصير لحماً إلا بالذبح والسلخ.\rومثله بيع ياقوتة فإذا هي زجاج، أو بيع قطعة جوخ، فإذا هي قطن، لا ينعقد البيع لأن المبيع معدوم.\rوأما بيع ذراع من ثوب: فإن كان يضره التبعيض، كالثوب المهيأ للبس، نحو القميص: كان العقد فاسداً، لأن المبيع تبع لغيره، ولا يمكن تسليمه إلا بضرر لم يوجبه العقد يلحق بالبائع، وهو قطع الثوب.","part":5,"page":148},{"id":2994,"text":"وكذا بيع جذع من سقف أو آجر من حائط يكون العقد فاسداً. فإن قطع البائع الذراع من الثوب أو قلع الجذع قبل أن يفسخ المشتري العقد، وسلمه إلى المشتري: يعود العقد صحيحاً، لزوال المفسد قبل نقض البيع، فلو فعل ذلك بعد الفسخ: لايجوز.\rوإن كان المبيع لا يضره التبعيض مثل بيع قفيز من صبرة أو بيع عشرة دراهم من نُقرة (1) ونحوها، جاز البيع، لأنه ليس في التبعيض ضرر، وليس المبيع تبعاً لغيره أيضاً (2) .\r11 - بيع الشيء المملوك قبل قبضه من مالك آخر :\rقال الحنفية: لا يجوز التصرف في المبيع المنقول قبل القبض؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلم نهى عن بيع ما لم يقبض (3) والنهي يوجب فساد المنهي عنه، ولأنه بيع فيه غرر الانفساخ بهلاك المعقود عليه، أي أنه يحتمل الهلاك فلا يدري المشتري هل يبقى المبيع أو يهلك قبل القبض، فيبطل البيع الأول وينفسخ الثاني، وقد نهى رسول الله صلّى الله عليه وسلم عن بيع فيه غرر (4) .\rوأما العقار، كالأراضي والدور، فيجوز بيعه قبل القبض عند أبي حنيفة وأبي يوسف استحساناً، استدلالاً بعمومات البيع من غير تخصيص ولا يجوز تخصيص عموم الكتاب بخبر واحد، ولا غرر في العقار إذ يتوهم هلاك العقار، ولا يخاف تغيره غالباً بعد وقوع البيع، وقبل القبض،أي أن\r-------------------------------\r(1) النقرة: هي القطعة المذابة من الذهب أو الفضة.\r(2) فتح القدير: 193/4، البدائع: 139/5 وما بعدها، رد المحتار: 114/4.\r(3) فيه أحاديث منها ما أخرجه أبو داود عن ابن عمر أن زيد بن ثابت قال له: إن رسول الله صلّى الله عليه وسلم نهى أن تباع السلع حيث تبتاع، حتى يحوزها التجار إلى رحالهم( وقد سبق ذكر بعض رواياته).\r(4) رواه مسلم وأحمد وأصحاب السنن الأربعة، وقد سبق تخريجه.","part":5,"page":149},{"id":2995,"text":"تلف العقار غير محتمل فلا يتقرر الغرر (1) . والخلاصة: أن العلة عند الحنفية في عدم جواز بيع الشيء قل قبضه هي الغرر.\rوقال المالكية: لا يجوز بيع الطعام (2) قبل القبض ربوياً كان أو غير ربوي، لحديث ابن عباس وابن عمر أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم قال: «من ابتاع طعاماً فلا يبعه حتى يقبضه» (3) وأما ما سوى ذلك أو بيع الطعام جزافاً فيجوز بيعه قبل قبضه لغلبة تغير الطعام، بخلاف ما سواه، وأخذاً بمفهوم الحديث السابق (4) .\rوالعلة في منع بيع الطعام قبل قبضه عند المالكية: هي أنه قد يتخذ البيع ذريعة للتوصل إلى ربا النسيئة، فهو شبيه ببيع الطعام بالطعام نساء، فيحرم سداً للذرائع.\rوقال الحنابلة: لا يجوز بيع الطعام قبل قبضه إذا كان مكيلاً أو موزوناً أومعدوداً (أي المقدرات)، لسهولة قبض المكيل والموزون والمعدود عادة، فلا يتعذر عليه القبض، واستدلالاً بمفهوم حديث الطعام السابق، فإن تخصيصه الطعام بالنهي عن بيعه قبل قبضه يدل على إباحة البيع فيما سواه، ولم يصح غيره من الأحاديث. واشتراط الكيل أو الوزن أو العدد، لأن المكيل والموزون والمعدود لا يخرج من ضمان البائع إلى ضمان المشتري إلا بالكيل أو الوزن أوالعدد، وقد نهى الرسول عليه السلام عن بيع ما لم يضمن، فالعلة في منع هذا البيع عند الحنابلة هي الغرر كالحنفية.\r-------------------------------\r(1) المبسوط: 8/13 وما بعدها، البدائع: 234/5، فتح القدير: 264/5، مختصر الطحاوي: ص 84.\r(2) الطعام عندهم يشمل كل ما تجب فيه الزكاة من الحبوب والأدم بجميع أنواعها كالزيت والعسل ونحوها.\r(3) حديث ابن عباس رواه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي، وحديث ابن عمر رواه أحمد وأصحاب الكتب الستة إلا الترمذي (انظر جامع الأصول: 383/1، مجمع الزوائد: 98/4، نيل الأوطار: 158/5).\r(4) بداية المجتهد: 142/2 ومابعدها، المنتقى على الموطأ: 279/4، القوانين الفقهية: ص 258، ط فاس.","part":5,"page":150},{"id":2996,"text":"وأما ما عدا المكيل والموزون والمعدود أي غير المقدرات، فيصح بيعه قبل قبضه (1) .\rوقال الشافعي ومحمد بن الحسن وزفر: لا يجوز بيع ما لم يستقر ملكه عليه مطلقاً قبل قبضه، عقاراً كان أو منقولاً، لعموم النهي عن بيع ما لم يقبض، روى أحمد عن حكيم بن حزام رضي الله عنه، قال: قلت: «يا رسول الله ، إني أشتري بيوعاً، فما يحل لي منها وما يحرم علي؟ قال: إذا اشتريت شيئاً فلا تبعه حتى تقبضه» وقال صلّى الله عليه وسلم : «لا يحل سلف وبيع، ولا ربح ما لم يضمن (2) ولا بيع ما ليس عندك» وهذا من باب بيع ما لم يضمن.\rواستدلوا من طريق المعقول: وهو أنه بيع باطل لعدم القدرة على تسليم المبيع، ولأن ملكه عليه غير مستقر، لأنه ربما هلك، فانفسخ العقد، وفيه غرر من غير حاجة، فلم يجز (3) . فالعلة في منع البيع عند الشافعية هي الغرر كالحنفية.\rوأرجح أن الحكمة في النهي أصلاً عن بيع ما لم يقبض: هي أن هذا البيع يشبه الربا إذ أن المشتري إذا دفع دراهمه إلى البائع في سلعة، ثم عمد إليها، فباعها قبل أن يقبضها، فكأنما دفع دراهمه واستفاد بها ربحاً بمجرد دفعها إلى البائع دون القيام بعمل ما، وهذا شبيه بالربا (4) ، ثم إن في هذا البيع غرراً ناشئاً عن عدم القدرة على التسليم. وبه تكون علة النهي عن بيع الشيء قبل قبضه هو مجموع ما ذكره فقهاء المذاهب.\r12 - اشتراط الأجل في المبيع المعين والثمن المعين: إذا اشترط الأجل لتسليم المبيع المعين أو الثمن المعين، كان البيع فاسداً عند الحنفية؛ لأن الأصل وجوب التسليم حال العقد، بسبب أن البيع عقد معاوضة: تمليك بتمليك وتسليم بتسليم، والتأجيل ينفي وجوب التسليم للحال، فكان مغيراً مقتضى العقد، فيوجب فساد العقد.\r-------------------------------\r(1) المغني: 110/4، 113 ومابعدها.\r(2) قيل: معناه ما لم يقبض، لأن السلعة قبل تلفها ليست في ضمان المشتري، وإنما إذا تلفت، فتلفها من مال البائع، وقد سبق تخريج هذا الحديث وشرح «ما لم يضمن» .\r(3) المهذب: 264/1، الميزان: 66/2، مغني المحتاج: 68/2.\r(4) أصول البيوع الممنوعة: ص 64.","part":5,"page":151},{"id":2997,"text":"ولكن يجوز التأجيل في المبيع المؤجل وهو السلم، بل لا يجوز بدون الأجل عند الحنفية، وكذا يجوز التأجيل في الثمن الثابت ديناً في الذمة إن كان الأجل معلوماً، لأن التأجيل يلائم الديون، ولا يلائم الأعيان لمساس حاجة الناس إليه في الديون، لا في الأعيان، وذلك لتمكين صاحب الأجل من اكتساب الثمن في المدة المعينة، ولا حاجة لهذا في الأعيان (1) .\r13 - البيع بشرط فاسد :\rلإيضاحه أبيّن أنواع الشروط في البيوع:\rالشروط في البيوع عند الحنفية ثلاثة أقسام:\rشرط صحيح، وشرط فاسد، وشرط لغو باطل (2) .\rأولاً - الشرط الصحيح: أي المقبول شرعاً، الملزم للمتعاقدين، وهو أربعة أنواع:\r1 - ما يقتضيه العقد: كأن يشتري شخص شيئاً بشرط أن يسلم البائع المبيع، أو يسلم المشتري الثمن، أو بشرط أن يملك المبيع أو الثمن، أو بشرط أن يحبس البائع المبيع حتى أداء جميع الثمن، فهذه شروط تبين مقتضى العقد، لأن ثبوت الملك، والتسليم والتسلم، وحبس المبيع من مقتضى المعاوضات (3) .\r2 - ما ورد الشرع بجوازه: كشرط الأجل والخيار لأحد المتعاقدين، فقد أثبت الشرع في وقائع عن النبي عليه الصلاة والسلام جواز التأجيل لمدة معلومة لحاجة الناس إلىه، لما فيه من المصلحة، كما ثبت في الشرع جواز خيار الشرط في إمضاء البيع أو رده خلال مدة معلومة، وهو قوله عليه السلام لحبَّان بن مُنْقِذ : «إذا بايعت فقل: لا خلابة، وليَ الخيار ثلاثة أيام» (4) على ما سيأتي في الخيارات، وهذا مقتضى الاستحسان. وأما مقتضى القياس فالشرط فاسد، لكونه مخالفاً لمقتضى العقد: وهو ثبوت الملك في العوضين معاً في الحال.\r3 - ما يلائم مقتضى العقد، كالبيع بثمن مؤجل على شرط أن يقدم المشتري\r-------------------------------\r(1) البدائع: 174/5، رد المحتار: 23/5.\r(2) انظر البدائع: 168/5-172، المبسوط: 13/13-18، فتح القدير: 214/5 ومابعدها، رد المحتار: 126/4 وما بعدها، عقد البيع للأستاذ مصطفى الزرقاء: ص 27.\r(3) البدائع، المرجع السابق: ص 171.\r(4) هذا الحديث رواه الحاكم في المستدرك عن ابن عمر بلفظ «بع، وقل: لا خلابة» وفي لفظ عند البيهقي «إذا بايعت فقل: لا خلابة، ثم أنت بالخيار في كل سلعة ابتعتها ثلاث ليال، فإن رضيت فأمسك، وإن سخطت فاردد» ورواه أيضاً البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي والموطأ بلفظ «من بايعت فقل: لا خلابة» أي لا خديعة أي لا يحل لك خديعتي أو لا تلزمني خديعتك (انظر نصب الراية: 6/4، جامع الأصول: 414/1، تخريج أحاديث تحفة الفقهاء: 82/2).","part":5,"page":152},{"id":2998,"text":"كفيلاً أو رهناً معينين بالثمن، فإن الكفالة والرهن: استيثاق بالثمن، فيلائم البيع ويؤيد التسليم.\rوهذا الشرط يحتاج إلى تفصيل (1) لأن الكفيل أو الرهن إما أن يكون معلوماً أو مجهولاً، ثم هل الحوالة مثل الكفالة والرهن؟\rإذا كان الرهن والكفيل مجهولين فسد البيع، كأن يقول البائع: ( أبيعك بشرط أن تعطيني رهناً بالثمن ) ولم يسم شيئاً ولا أشار إليه أو يقول: ( بشرط أن تعطيني كفيلاً بالثمن ) ولم يسم إنساناً ولا أشار إلى إنسان؛ لأن هذه جهالة تفضي إلى منازعة مانعة من التسليم والتسلم؛ إذ أن معنى التوثق والتأكد بالحصول على الثمن بالرهن أو الكفالة لا يحصل إلا بالتسليم، وذلك لا يتحقق في المجهول.\rفإن اتفق المتعاقدان على تعيين رهن في مجلس البيع، جاز البيع، لأن المانع هو جهالة الرهن، وقد زال، فكأنه كان معلوماً معيناً من ابتداء الأمر؛ لأن المجلس له حكم حالة واحدة.\rوكذا إذا لم يتفقا على تعيين الرهن، ولكن المشتري نقد الثمن، جاز البيع أيضاً، لأن المقصود من الرهن، هو الوصول إلى الثمن، وقد حصل، فسقط اعتبار الوثيقة.\r-------------------------------\r(1) البدائع، المرجع السابق: ص 171 ومابعدها، المبسوط: 18/13.","part":5,"page":153},{"id":2999,"text":"وإن افترق المتعاقدان عن المجلس تقرر الفساد؛ لأن تمام القبول توقف على الرهن المشروط في العقد، فإذا لم يوجد الرهن لم يوجد القبول معنى.\rوأما إذا كان الرهن والكفالة معلومين بالإشارة أو بالتسمية، فالقياس: ألا يجوز البيع، وبه أخذ زفر؛ لأن الشرط الذي يخالف مقتضى العقد مفسد في الأصل، وشرط الرهن والكفالة مما يخالف مقتضى العقد فكان مفسداً.\rوفي الاستحسان: يجوز وهو الصحيح عند جمهور الحنفية؛ لأن هذا الشرط لو كان مخالفاً مقتضى العقد صورة، فهو موافق له معنى، لأن الرهن والكفالة شرعاً توثيق للثمن، فإن حق البائع يتأكد بالرهن والكفالة، فكان كل واحد منهما مقرراً لمقتضى العقد معنى، فأشبه اشتراط صفة الجودة للثمن.\rويلاحظ أن جواز البيع استحساناً حالة اشتراط الكفالة مقيد بما إذا كان الكفيل حاضراً في المجلس وقبل، أو كان غائباً ثم حضر في المجلس وقبل، فكان كما لو قبل عند العقد، لأن لمجلس العقد حكم العقد.\rفأما إذا كان الكفيل غائباً، أو حاضراً ولم يقبل، أو قبل وهو غائب، لم تصح الكفالة؛ لأنه لم يحصل معنى التوثيق، فبقي الحكم على أصل القياس؛ لأن وجوب الثمن في ذمة الكفيل كان بسبب البيع، فيصير الكفيل بمنزلة المشتري إذا اشترطت الكفالة في البيع، ووجود المشتري في مجلس البيع شرط لصحة الإيجاب من البائع، فكذلك وجود الكفيل.\rهذا بخلاف الرهن، فلا يشترط وجود المرهون في مجلس البيع؛ لأن تقديم الرهن يكون من المشتري، والمشتري حاضر وقد التزم الرهن، فالرهن صحيح.\rوحينئذ إذا لم يسلِّم المشتري الرهن إلى البائع لا يثبت حكم الرهن؛ لأن ثبوت حكم الرهن متوقف على القبض؛ كما هو معروف في باب الرهن، فإن سلّم الرهن تم العقد.","part":5,"page":154},{"id":3000,"text":"وإن امتنع المشتري عن تسليم الرهن يجبر عند زفر؛ لأن الرهن إذا شرط في البيع ، صار حقاً من حقوقه، والجبر على التسليم من حقوق عقد البيع، فيجبر عليه. ولا يجبر عند جمهور الحنفية على التسليم؛ لأن الرهن عقد تبرع في الأصل، واشتراطه في البيع لا يخرجه عن أن يكون تبرعاً، والجبر على التبرع ليس بمشروع، فلا يجبر عليه، وحينئذ يقال للمشتري: ( إما أن تدفع الرهن أو قيمته، أو تدفع الثمن أو تفسخ البيع ) لأن البائع ما رضي بوجوب الثمن في ذمة المشتري، إلا بوثيقة الرهن، فإن لم يفعل المشتري شيئاًَ من المذكور، فللبائع أن يفسخ البيع، لأنه فات غرضه.\rالحوالة: شرط الحوالة إما من البائع أو من المشتري:\rفإن شرط البائع في البيع أن يحيله المشتري بالثمن على غريم من غرمائه «أي مدين له» فهذا على حالتين:\rأ ـ إن أحال بجميع الثمن: فالبيع فاسد، لأنه يصير بائعاً بشرط أن يكون الثمن على غير المشتري، وهو باطل، لمخالفته لمقتضى العقد.\rب ـ وإن شرط عليه أن يحيل نصف الثمن على فلان، فالبيع جائز إذا كان المحال عليه حاضراً وقبل الحوالة، كما إذا باع شيئاً بألف ليرة على أن يكون نصفه على فلان وهو حاضر فقبل، جاز، أو كان المحال عليه غائباً، ثم حضر في المجلس وقبل، لأن لمجلس العقد حكم العقد.\rوإن شرط المشتري في البيع شرطاً وهو « أن يحيل البائع على غريم من غرمائه بالثمن ليدفع له» أو باع البائع شيئاً بشرط «أن يضمن المشتري لغريم ـ دائن ـ من غرماء البائع الثمن» فالبيع فاسد (1) لأن شرط الحوالة والضمان شرط لا يقتضيه العقد، بل هو شرط فيه منفعة العاقد، والشرط الذي لا يقتضيه العقد مفسد في الأصل، إلا إذا كان فيه تقرير موجَب العقد وتأكيده، والحوالة إبراء عن الثمن، وإسقاط له، فلم يكن ملائماً للعقد، بخلاف الكفالة والرهن، والضمان ليس بصفة للثمن، بل هو شرط فيه منفعة العاقد.\r-------------------------------\r(1) البدائع: 172/5.","part":5,"page":155},{"id":3001,"text":"4 - من الشروط الصحيحة: ما جرى به العرف: كشراء القفل على أن يسمّره البائع في الباب أو الحذاء على أن يخرزه البائع أو يضع له نعلاً، وكشراء الساعة أو الغسالة أو الثلاجة أو المذياع بشرط أن يصلحها البائع لمدة سنة مثلاً إذا أصابها خلل، فيجوز البيع استحساناً، والقياس ألا يجوز وهو قول زفر.\rوجه القياس: أن هذا شرط لا يقتضيه العقد، وفيه منفعة لأحد العاقدين، وأنه مفسد، كما إذا اشترى قماشاً بشرط أن يخيطه البائع له قميصاً، ونحوه.\rووجه الاستحسان: أن الناس تعاملوا هذا الشرط في البيع، كما تعاملوا الاستصناع، فسقط القياس بتعامل الناس كما سقط في الاستصناع.\rثانياً ـ الشرط الفاسد: أو بتعبير أوضح: المفسد: وهو ما خرج عن الأقسام الأربعة السابقة أي لا يقتضيه العقد ولا يلائمه ولا ورد به الشرع ولا يتعارفه الناس، وإنما فيه منفعة لأحد المتعاقدين، كأن اشترى حنطة على أن يطحنها البائع، أو قماشاً على أن يخيطه البائع قميصاً، أو اشترى حنطة على أن يتركها في دار البائع شهراً، أو يبيع شخص داراً على أن يسكنها البائع شهراً، ثم يسلمها إليه، أوأرضاً على أن يزرعها سنة أو دابة على أن يركبها شهراً، أو على أن يقرضه المشتري قرضاً، أو على أن يهب له هبة ونحوها.\rالبيع في هذا كله فاسد؛ لأن كل زيادة منفعة مشروطة في العقد تكون ربا؛ لأنها زيادة لا يقابلها عوض في عقد البيع، وهو تفسير الربا. والبيع الذي فيه الربا فاسد، أو فيه شبهة الربا، وأنها","part":5,"page":156},{"id":3002,"text":"مفسدة للبيع كحقيقة الربا (1) .\rثالثاً ـ الشرط اللغو أو الباطل :\rوهو ما كان فيه ضرر لأحد العاقدين، كأن يبيع بشرط ألا يبيعه المشتري أو لايهبه، البيع جائز والشرط باطل على الصحيح عند الحنفية؛ لأن هذا شرط لامنفعة فيه لأحد، فلا يوجب الفساد؛ لأن فساد البيع في مثل هذه الشروط لتضمنها الربا، بزيادة منفعة مشروطة في العقد لا يقابلها عوض، ولم توجد المنفعة في هذا الشرط، لأنه لا منفعة فيه لأحد إلا أنه شرط فاسد في نفسه، لكنه لا يؤثر في العقد، فيكون العقد جائزاً، والشرط باطلاً (2) . ويلاحظ أن الحنفية اتفقوا على أنه لو ألحق المتعاقدان بالعقد الصحيح شرطاً صحيحاً كالخيار الصحيح في البيع البات ونحوه يلتحق به.\rأما الشرط الفاسد: فقرانه بالعقد وإلحاقه به سواء عند أبي حنيفة، حتى لو باع شخص بيعاً صحيحاً، ثم ألحق به شيئاً من الشروط الفاسدة التي ذكرت يلتحق به، ويفسد العقد؛ لأن اعتبار التصرف على الوجه الذي أوقعه المتصرف واجب إذا كان هو أهلاً، والمحل قابلاً للعقد.\rوقال الصاحبان: لايلتحق به ولا يفسد العقد ويلغو الشرط؛ لأن إلحاق الشرط الفاسد بالعقد يغير العقد من الصحة إلى الفساد، فلا يصح فبقي العقد صحيحاً، كما كان؛ لأن العقد كلام لا بقاء له، والالتحاق بالمعدوم لا يجوز، فكان ينبغي ألا يصح الإلحاق أصلاً، إلا أن إلحاق الشرط\r-------------------------------\r(1) البدائع: 169/5، المبسوط: 15/13، 18، رد المحتار: 126/4، فتح القدير: 214/5.\r(2) المبسوط، 15/13، البدائع: 170/5، فتح القدير:111/5.","part":5,"page":157},{"id":3003,"text":"الصحيح بأصل العقد ثبت شرعاً للحاجة إليه، حتى صح قرانه بالعقد، فيصح إلحاقه به (1) .\rوالأصح هو قول الصاحبين، كما ذكر ابن عابدين نقلاً عن جامع الفصولين (2) .\rحكم البيع وشرط عند غير الحنفية :\rمن المعلوم أن البيع غير الصحيح عند غير الحنفية لا فرق فيه بأن يسمى فاسداً أم باطلاً، فإذا لم يصح اقتران الشرط بالبيع أبطله أو أفسده، والنتيجة فيهما سواء. والبيع بشرط هو الذي يسميه الفقهاء بيع الثُّنيا، وقد اختلفوا في حكمه، فقال الحنفية على التفصيل المذكور والشافعية عملاً بالحديث: البيع فاسد، وقال الحنابلة: البيع صحيح والشرط صحيح، ولم يأخذوا بالحديث، وفي مذهب المالكية تفصيل.\rأما تفصيل مذهب الشافعية فهو ما يأتي (3) : إذا شرط في البيع شرط فإن كان شرطاً يقتضيه العقد كتسليم المبيع والرد بالعيب ونحوهما، صح العقد، لأن الشرط المذكور مبين لما يقتضيه العقد. وكذلك يكون العقد صحيحاً إن شرط شرطاً لا يقتضيه العقد، ولكن فيه مصلحة لأحد العاقدين كالخيار والأجل والرهن والضمان أو الكفالة؛ لأن الشرع ورد بجوازه؛ ولأن الحاجة تدعو إليه.\rفإن شرط ما سواه من الشروط التي تنافي مقتضى البيع كأن اشترط البائع على المشتري ألا يبيع المبيع، أو لا يهبه، أو أن يبيعه شيئاً أو يقرضه مبلغاً من المال أو اشترط أن يسكن الدار مدة، أو اشترط المشتري على البائع أن يخيط له الثوب الذي اشتراه منه، أو يحصد له الزرع الذي اشتراه منه، أو يحذو له قطعة الجلد التي اشتراها، ففي كل هذه الحالات يكون البيع باطلاً، لما روي عن\r-------------------------------\r(1) البدائع: 176/5، فتح القدير: 227/5.\r(2) رد المحتار على الدر المختار: 127/4.\r(3) مغني المحتاج: 31/2، المهذب: 265/1، 268.","part":5,"page":158},{"id":3004,"text":"النبي صلّى الله عليه وسلم أنه نهى عن بيع وشرط (1) .\rوقال الحنابلة (2) : يبطل البيع إذا كان فيه شرطان، ولا يبطله شرط واحد لأن النبي صلّى الله عليه وسلم قال: «لا يحل سلف وبيع، ولا شرطان في بيع، ولا بيع ما ليس عندك» (3) والمراد بالشرطين: ما ليسا من مصلحة العقد، كأن اشترى ثوباً واشترط على البائع خياطته وقصارته، أو طعاماً واشترط طحنه وحمله، فإن اشترط أحد هذه الأشياء، فالبيع جائز.\rوالشروط عندهم أربعة أقسام :\rأحدها ـ ما هو من مقتضى العقد كاشتراط التسليم، وخيار المجلس، والتقابض في الحال فهذا وجوده كعدمه، لا يفيد حكماً معيناً، ولا يؤثر في العقد.\rالثاني ـ ما تتعلق به مصلحة لأحد العاقدين أو لكليهما، كالأجل والخيار والرهن والضمين أي الكفيل، والشهادة على البيع، أو اشتراط صفة مقصودة في المبيع، فهذا شرط جائز يلزم الوفاء به. قال ابن قدامة: ولا نعلم في صحة هذين القسمين خلافاً.\rالثالث ـ ما ليس من مقتضى العقد، ولا من مصلحته، ولا ينافي مقتضاه، وهو نوعان:\r1ً - اشتراط منفعة للبائع في المبيع، فإن كان شرطاً واحداً فلا بأس به كاشتراط المشتري على ا لبائع أن يخيط له الثوب المشترى، أو اشتراط حمل حزمة الحطب إلى موضع معلوم، أو سكنى الدار مدة شهر مثلاً، أو حملانه على الدابة إلى محل معين. والدليل على الجواز حديث جابر، وهو\r-------------------------------\r(1) رواه عبد الحق في أحكامه عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، ورواه أبو حنيفة أيضاً.\r(2) المغني: 224/4-226، 235، غاية المنتهى: 23/2 وما بعدها.\r(3) رواه أبو داود والترمذي من حديث عبد الله بن عمرو، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح.","part":5,"page":159},{"id":3005,"text":"أن النبي صلّى الله عليه وسلم اشترى من جابر بعيراً، واشترط حُملانه عليه إلى أهله في المدينة (1) .\r2ً - أن يشترط عقد في عقد، نحو أن يبيعه شيئاً بشرط أن يبيعه شيئاً آخر، أو يشتري منه، أو يؤجره، أو يزوجه، أو يسلفه، و يصرف له الثمن أوغيره، فهذا شرط فاسد يفسد به البيع، للنهي عن بيعتين في بيعة.\rالرابع ـ اشتراط ما ينافي مقتضى البيع، مثل أن يشترط ألا يبيع المبيع أو ألا يهبه، أو يشترط عليه أن يبيعه أو يقفه، ففي هذا روايتان عن أحمد، أصحهما أن البيع صحيح، والشرط باطل.\rوقال المالكية: في المذهب تفصيل (2) :\rفإن كان الشرط يقتضي منع المشتري من تصرف خاص أو عام، فيبطل الشرط والبيع، مثل أن يشترط عليه ألا يبيع المبيع أو لا يهبه، فلا يجوز لأنه من الثنيا (3) وقد نهى النبي صلّى الله عليه وسلم عن الثنيا إلا أن تعلم (4) ، فإن أسقط هذا الشرط عن المشتري، جاز البيع .\rوإن اشترط البائع منفعة لنفسه كركوب الدابة، أو سكنى الدار مدة معلومة يسيرة كشهر وقيل: سنة، جاز البيع والشرط، عملاً بحديث جابر الآنف الذكر.\rوإن اشترط البائع شرطاً يعود بخلل في الثمن، فيجوز البيع ويبطل الشرط مثل أن يشترط «إن لم يأته بالثمن إلى ثلاثة أيام، فلا بيع بينهما» . فإن قال البائع للمشتري: «متى جئتك بالثمن رددت إلي المبيع، وهو المعروف ببيع الوفاء عند الحنفية، لم يجز البيع.\r-------------------------------\r(1) هذا معنى الحديث، وقد أخرج لفظه أحمد والشيخان عن جابر (راجع نيل الأوطار: 178/5).\r(2) راجع بداية المجتهد: 159/2 ومابعدها، القوانين الفقهية: ص 259، الشرح الكبير للدردير: 65/3.\r(3) الثنيا ـ بضم الثاء وسكون النون: الاستثناء في البيع نحو أن يبيع الرجل شيئاً ويستثني بعضه، فإن كان الذي استثناه معلوماً نحو أن يستثني واحدة من الأشجار، أو منزلاً من المنازل أوموضعاً معلوماً من الأرض، صح الاتفاق على البيع، وإن كان مجهولاً نحو أن يستثني شيئاً غير معلوم لم يصح البيع.\r(4) رواه النسائي والترمذي وصححه عن جابر (نيل الأوطار: 151/5).","part":5,"page":160},{"id":3006,"text":"14 - بيع الثمار أو الزروع :\rهذه الحالة تعرض كثيراً في الحياة العملية التجارية، لهذا تحتاج لتفصيل الكلام فيها:\rأجمع العلماء على أن بيع الثمار قبل أن تخلق لا ينعقد؛ لأنه من باب النهي عن بيع ما لم يخلق ومن باب بيع السنين والمعاومة (3) .\rوقد روي عنه عليه الصلاة والسلام أنه «نهى عن بيع السنين وعن بيع المعاومة» وهو بيع الشجر أعواماً، لأنه بيع المعدوم، وقد نهى الرسول صلّى الله عليه وسلم عن بيع الغرر، والغرر كما عرفنا: هو ما انطوى عنه أمره، وخفي عليه عاقبته، ونوع الغرر: هو أن المبيع مجهول الوجود قد يظهر وقد لايظهر، ومجهول المقدار إن وجد.\rوأما بيع الثمار بعد القطع أو الصرام، فلا خلاف في جوازه.\rوأما بيع الثمار على الشجر أو بيع الزرع في الأرض بعد أن يخلق ، فاختلف فيه العلماء: فقال الحنفية: إما أن يكون البيع قبل بدو الصلاح أو بعد بدو الصلاح بشرط القطع، أو مطلقاً أو بشرط الترك.\rأولاً ـ فإن كان البيع قبل بدو صلاح الزرع أو الثمر، فهناك حالات :\r1ً - إن كان بشرط القطع جاز، ويجب القطع للحال، إلا بإذن البائع.\r-------------------------------\r(3) النهي عن بيع مالم يخلق داخل تحت النهي عن بيع ما ليس عند الإنسان، وعن بيع حبل الحبلة، وبيع الغرر ونحوها، وقد سبق تخريج أحاديثها. وأما النهي عن بيع السنين والمعاومة فهو مروي بعدة ألفاظ عن جابر بن عبد الله عند البخاري ومسلم وأحمد وأبي داود والترمذي والنسائي، ففي رواية للبخاري «نهى عن المحاقلة والمزابنة والمعاومة والمخابرة » وفي رواية أخرى: « أن ا لنبي صلّى الله عليه وسلم نهى عن بيع السنين» . معنى المحاقلة كما قال صاحب القاموس: هو بيع الزرع قبل بدو صلاحه، أو بيعه في سنبله، أو المزارعة بالثلث أو الربع أو أقل أو أكثر، أو اكتراء الأرض بالحنطة. والمزابنة كما في الصحيحين: بيع رطب النخل بكيل من التمر،أو بيع العنب بالزبيب،والمعاومة:هي بيع الشجر أعواماً كثيرة، وقيل: هي اكتراء الأرض سنين، وكذلك بيع السنين: هو أن يبيع ثمر النخلة لأكثر من سنة في عقد واحد؛ لأنه بيع غرر، لكونه بيع ما لم يوجد، والمخابرة: كراء الأرض أي إجارتها بالثلث والربع (انظر جامع الأصول: 403/1 ومابعدها، نيل الأوطار: 175/5، مجمع الزوائد: 104/4).","part":5,"page":161},{"id":3007,"text":"2ً - وإن كان البيع مطلقاً عن الشرط: جاز أيضاً عند الحنفية خلافاً للشافعية ومالك وأحمد؛ لأن الترك ليس بمشروط نصاً؛ إذ العقد مطلق عن الشرط أصلاً، فلا يجوز تقييده بشرط الترك من غير دليل، خصوصاً إذا كان في التقييدفساد العقد. وجواز بيعه على الصحيح عند الحنفية لأنه مال منتفع به ولو علفاً للدواب، وإن لم يكن منتفعاً به في الحال عند الإنسان.\r3ً - وإن كان بشرط الترك فالعقد فاسد باتفاق علماء الحنفية؛ لأنه شرط لا يقتضيه العقد، وفيه منفعة لأحد العاقدين: وهو المشتري ولا يلائم العقد، ولا جرى به التعامل بين الناس، ومثل هذا الشرط مفسد للبيع كما لو اشترى حنطة بشرط أن يتركها في دار البائع شهراً، ولأنه لا يتمكن من الترك إلا بإعارة الشجر والأرض، وهما ملك البائع، فصار بشرط الترك شارطاً الإعارة، فكان شرطه صفقة في صفقة، وهذا منهي عنه كما عرفنا. ثم إنه مشتمل على الغرر إذ لا يدري المشتري هل يبقى الثمر أم تصيبه آفة فيهلك، فتكون علة فساد البيع إذن ثلاثة أمور: فيه غرر، وشرط فاسد، وصفقة في صفقة.\rثانياً ـ وأما إن كان البيع بعد بدو الصلاح :\r1 - فإن باع بشرط القطع جاز.\r2 - وكذا إن باع مطلقاً عن الشرط يجوز أيضاً كما قدمنا.\r3 - وإن باع بشرط الترك، فإن لم يتناه عِظمه، فالبيع فاسد بلا خلاف، كما تقدم في الحالة الثالثة السابقة.","part":5,"page":162},{"id":3008,"text":"وإن تناهى عظمه فالبيع فاسد عند أبي حنيفة وأبي يوسف؛ لأن شرط الترك فيه منفعة للمشتري، والعقد لا يقتضيه، ولا يلائمه، كما إذا اشترى حنطة على أن يتركها في دار البائع شهراً. وقال محمد: يجوز استحساناً لتعارف الناس وتعاطيهم بذلك (1) . والجواز عنده ليس لتعامل الناس شرط الترك في المبيع، وإنما التعامل بالمسامحة بالترك من غير شرط في عقد البيع. قال في الدر المختار: وبه يفتى أي بقول محمد.\rحكم ترك الثمار بعد بدو الصلاح حالة الشراء مطلقاً :\rلو اشترى الشخص مطلقاً عن شرط، فترك الثمار حتى نضجت، ففيه تفصيل:\rآ ـ إن كان قد تناهى عظمه، ولم يبق إلا النضج: لم يتصدق المشتري بشيء سواء ترك بإذن البائع أو بغير إذنه، لأنه لا يزداد بعد التناهي، وإنما يتغير إلى حال النضج.وأما الزرع فالنماء فيه يكون للمشتري طيباً، حتى وإن تركه بغير إذن البائع لأنه نماء ملك المشتري؛ لأن الساق ملكه، حتى يكون التبن له بخلاف الشجرة.\rب ـ وإن لم يتناه عظمه ينظر: إن كان الترك بإذن البائع، جاز وطاب له الفضل. وإن كان بغير إذنه تصدق بما زاد على ما كان عند العقد؛ لأن الزيادة حصلت بسبب محظور، فأوجب خبثاً فيها، فكان سبيلها التصدُّق (2) .\rحكم الثمرة المتجددة في مدة الترك غير المشروطة: إذا أخرجت الشجرة في مدة الترك ثمرة أخرى، فهي للبائع سواء أكان الترك بإذنه أم بغير إذنه، لأنه نماء ملك البائع، فيكون له، ولو حللها له البائع جاز.\rوإن اختلط الحادث بعد العقد بالموجود عنده، بحيث لا يمكن التمييز بينهما ينظر:\rإن كان ذلك قبل أن يخلي البائع بين المشتري والثمار، بطل البيع، كما قرر الكاساني في البدائع؛ لأن المبيع صار معجوز التسليم بالاختلاط، للجهالة وتعذر التمييز.\r-------------------------------\r(1) المبسوط: 195/12، البدائع: 173/5، فتح القدير: 102/5 وما بعدها، رد المحتار: 40/4، الأموال ونظرية العقد: ص 307 ومابعدها.\r\r(2) البدائع، المرجع السابق.","part":5,"page":163},{"id":3009,"text":"وإن كان بعد التخلية لم يبطل ا لبيع؛ لأن التخلية قبض، ويتم البيع، والثمرة\rتكون بينهما، لاختلاط ملك أحدهما بالآخر اختلاطاً لا يمكن التمييز بينهما، فكان الكل مشتركاً بينهما، والقول في مقدار الزيادة قول المشتري، لأنه صاحب يد لوجود التخلية (1) . هذا هو مذهب الحنفية في بيع الثمار أو الزروع.\rوقال المالكية والشافعية والحنابلة: إن بدا صلاح الثمر جاز بيعه مطلقاً أو بشرط القطع أو بشرط الترك على الشجر.\rأما قبل بدو الصلاح فإن كان البيع بشرط الترك أو البقاء فلا يصح إجماعاً؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلم «نهى عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها، نهى البائع والمبتاع» (2) والنهي يقتضي فساد المنهي عنه، قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على القول بجملة هذا الحديث، وذلك لأن له خطر المعدوم (3) .\rوإن كان البيع بشرط القطع في الحال فيصح بالإجماع؛ لأن المنع إنما كان خوفاً من تلف الثمرة وحدوث العاهة فيها، قبل أخذها، بدليل ما روى أنس: «أن النبي صلّى الله عليه وسلم نهى عن بيع الثمار حتى تزهو، فقلنا لأنس ما زهوها؟ قال: تحمر وتصفر، قال: أرأيت إذا منع الله الثمرة، بم يأخذ أحدكم مال أخيه؟» (4) وهذا مأمون فيما يقطع في الحال، فصح بيعه، كما لو بدا صلاحه. قال ابن رشد: بما أن العلة في النهي هو خوف ما يصيب الثمار من الجائحة غالباً قبل أن تزهى، لم يحمل العلماء النهي في هذا على الإطلاق: أعني النهي عن البيع قبل الإزهاء، بل\r-------------------------------\r(1) البدائع، المرجع السابق.\r(2) رواه الشيخان وأبو داود والنسائي والترمذي والموطأ عن ابن عمر ( انظر جامع الأصول: 389/1 ).\r(3) يلاحظ أن هذا الإجماع المدعى محل نظر، فقد أجاز البيع بشرط الترك يزيد بن أبي حبيب واللخمي من المالكية ( بداية المجتهد: 148/2، المنتقى على الموطأ: 218/4 ).\r(4) أخرجه البخاري ومسلم والموطأ والنسائي ( انظر جامع الأصول: 390/1 ).","part":5,"page":164},{"id":3010,"text":"رأوا أن معنى النهي هو بيعه بشرط التبقية إلى الإزهاء، فأجازوا بيعها قبل الإزهاء بشرط القطع.\rواستدلوا على عدم جواز بيع الزرع الأخضر في الأرض إلا بشرط القطع في الحال بحديث ابن عمر وهو: «أن النبي صلّى الله عليه وسلم نهى عن بيع النخل حتى يزهو (1) ، وعن بيع السنبل حتى يبيض، ويأمن العاهة، نهى البائع والمشتري» (2) قال ابن المنذر: لا أعلم أحداً يعدل عن القول به.\rوأما إذا كان البيع قبل بدو الصلاح مطلقاً دون اشتراط تبقية ولا قطع، فالبيع باطل، لأن النبي صلّى الله عليه وسلم أطلق النهي عن بيع الثمرة قبل بدو الصلاح ( الزهو)، فيدخل فيه محل النزاع. وإطلاق العقد يقتضي التبقية، لأن المطلق ينصرف إلى المتعارف، والمتعارف هو الترك، بدليل سياق الحديث، فيصير العقد المطلق كالذي شرطت فيه التبقية، يتناولهما النهي جميعاً، ويصح التعليل بالعلة التي علل بها النبي صلّى الله عليه وسلم من منع الثمرة وهلاكها. ويدل الحديث أيضاً على أن مابعد الغاية: ( حتى يبدو صلاحها ) بخلاف ماقبل الغاية، وأن هذا النهي يتناول البيع المطلق عن شرط التبقية (3) .\rوالخلاصة كما قال صاحب فتح القدير (4) : لا خلاف في عدم جواز بيع الثمار قبل أن تظهر، ولا في عدم جوازه بعد الظهور قبل بدو الصلاح بشرط الترك، ولا في جوازه قبل بدو الصلاح بشرط القطع فيما ينتفع به، ولا في الجواز بعد بدو الصلاح، والخلاف إنما هو في بيعها قبل بدو الصلاح.\r-------------------------------\r(1) زها النخل يزهو: إذا ظهرت ثمرته، وروي « حتى يزهى » يقال: أزهى البسر: إذا احمر أو اصفر.\r(2) أخرجه الجماعة إلا البخاري وابن ماجه عن ابن عمر ( نصب الراية: 5/4 ).\r(3) المنتقى على الموطأ: 218/4، بداية المجتهد: 148/2، القوانين الفقهية: ص 261، مغني المحتاج: 86/3، 89، المغني: 80/4 ومابعدها، غاية المنتهى: 69/2 .\r(4) فتح القدير: 102/5 .","part":5,"page":165},{"id":3011,"text":"ورجح ابن عابدين في رسالته نشر العرف جوازه بيع الثمار مطلقاً قبل بدو الصلاح أو بعده إذا جرى العرف بترك ذلك؛ لأن الشرط الفاسد إذا جرى به العرف صار صحيحاً ويصح العقد معه استحساناً (1) .\rوبدو الصلاح أو الإزهاء في المشهور عند الجمهور: هو ظهور الحمرة أو الصفرة في ثمر النخل، وظهور الماء الحلو، واللين، والاصفرار في ثمرة الكرم. وفيما عدا ذلك أن يبدو النضج، أي أن العبرة فيما يتلون: هو أن يأخذ في الحمرة أو السواد أو الصفرة، كالبلح والعناب والمشمش والإجاص. وفيما لايتلون: العبرة بظهور مبادئ النضج والحلاوة بأن يتموه « أي يبدو فيه الماء الحلو » ويلين ويصفر لونه، وفي الحبوب والزروع يعتبر اشتدادها (2) . والدليل على هذا: أن النبي صلّى الله عليه وسلم « نهى عن بيع الثمر، حتى يطيب » (3) ونهى أيضاً عن بيع الثمار حتى تزهو، قيل: ومازهوها؟ قال: تحمروتصفر (4) ، ونهى عن بيع العنب حتى يسود (5) ، وقال الحنفية: بدو الصلاح: أن تؤمن العاهة والفساد (6) أي أن الحنفية اعتبروا مجرد ظهور الثمرة، والجمهور اعتبروا ظهور النضج وبدو الحلاوة في الثمار، وفي الحب والزرع اشتدادهما.\rوينظر في بدو الصلاح إلى كل نوع أو صنف على حدة من أنواع الثمار عند\r-------------------------------\r(1) نشر العرف: ص 38، رسالة العرف والعادة للأستاذ الشيخ فهمي أبي سنة: ص 140 .\r(2) المنتقى على الموطأ: 217/4، بداية المجتهد: 150/2، القوانين الفقهية: ص 261، تكملة المجموع: 351/11، 360، مغني المحتاج: 91/2، المغني: 87/4، 89، غاية المنتهى: 70/2.\r(3) رواه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي عن جابر بن عبد الله.\r(4) رواه البخاري ومسلم والموطأ والنسائي عن أنس.\r(5) رواه أصحاب السنن ماعدا النسائي عن أنس ( انظر تخريج هذه الأحاديث في جامع الأصول: 390/1 ومابعدها، نيل الأوطار: 173/5 ).\r(6) رد المحتار: 40/4 .","part":5,"page":166},{"id":3012,"text":"الحنفية. وقال الشافعية والحنابلة في أظهر الروايتين عندهم: ينظر إلى كل صنف على حدة وفي بستان واحد، فلا يصح بيع الرمان مثلاً إن بدا صلاح العنب، ولابيع عنب في بستان إن بدا الصلاح في بستان آخر، إذ أن الجنس الواحد لايتبع جنساً آخر، والبساتين تختلف في إبان نضوجها بحسب موقعها الجغرافي.\rوقال المالكية: إن بدا الصلاح في صنف من أصناف الثمار، جا ز بيع جميع مافي البساتين المجاورة. ولايجوز بيع صنف لم يبد صلاحه ببدو صلاح صنف آخر.\rوقال الظاهرية: إذا بدا الصلاح في صنف من أصناف الثمار في بستان واحد جاز بيع جميع أصناف الثمار الأخرى بشرط كون البيع صفقة واحدة ماعدا النخل والعنب، فلا يجوز بيع شيء من ثمارهما إلا بعد الإزهاء أو ظهور الطيب بالسواد أو بغيره، لورود نص خاص بهما (1) .\rبيع الثمار المتلاحقة الظهور أو المقاثي والمباطخ (2) :\rإذا بيع ثمر أو زرع بعد بدو الصلاح ولو بعضه، وكان يغلب تلاحقه واختلاط حادثه بالموجود كتين، وقثاء، وموز، وورد، وبطيخ، ،وباذنجان، وخيار، وقرع، فقال الحنفية في ظاهر الرواية والشافعية والحنابلة والظاهرية والزيدية والإباضية: يجوز بيع ماظهر منها من الخارج الأول. وأما بيع ماظهر وما لم يظهر، فلايجوز، لأن العقد اشتمل على معلوم ومجهول، قد لايخرجه الله تعالى من الشجرة. ولايصح أيضاً البيع، لعدم القدرة على تسليم المبيع، والحاجة تندفع ببيع أصوله ، ولأن مالم يبد صلاحه يجوز إفراده بالبيع بخلاف مالم يخلق.\r-------------------------------\r(1) المراجع السابقة، المحلى : 530/8 ومابعدها.\r(2) المقاثي جمع مقثاة: وهو موضع زراعة القثاء. والمطابخ ـ جمع مبطخة: وهو موضع زراعة البطيخ.","part":5,"page":167},{"id":3013,"text":"إلا أن الحنفية يقولون فيما لايجوز: إن البيع فاسد (1) . وغيرهم يقولون: إنه باطل. وهناك قول ثان عند الحنفية بجواز هذا البيع؛ لأن الناس اعتادوا بيع الثمار على هذه الصفة، وفي نزع الناس عن عادتهم حرج وضيق. وقد رجح ابن عابدين هذ القول وأخذت به مجلة الأحكام الشرعية.\rوقال المالكية وابن تيمية وابن القيم والشيعة الامامية وهو الراجح عند متأخري الحنفية: يصح البيع عملاً بحسن الظن بالله تعالى وبمسامحة الإنسان لأخيه بجزء من الثمن المقابل للذي يخرجه الله تعالى من الثمرة، ولجريان العرف وعادة الناس به، ولأن ذلك يشق تمييزه، فجعل مالم يظهر تبعاً لما ظهر، كما أن مالم يبد صلاحه تبع لما بدا (2) . وإني أرجح هذا الرأي لمسايرته متطلبات الحياة الواقعية، واعتياد الناس لهذا البيع وحاجتهم إليه، وإلا أدى منعه إلى منازعات لاتنتهي.\r-------------------------------\r(1) البدائع: 173/5 ومابعدها، تكملة المجموع: 359/11، مغني المحتاج: 92/2، المغني: 90/4، غاية المنتهى: 68/2، البحر الزخار: 317/3، شرح النيل: 72/4 ومابعدها، حاشية الشلبي على الزيلعي: 12/4، المحلى: 471/8، رد المحتار: 40/4، رسائل ابن عابدين: 139/2، قال ابن عابدين في حاشية رد المحتار ( المكان المذكور ): لايخفى تحقق الضرورة لهذا البيع في زماننا، ولاسيما في مثل دمشق الشام كثيرة الأشجار والثمار، وفي نزع الناس عن عادتهم حرج، ويلزم تحريم أكل الثمار في هذه البلدان، إذ لاتباع إلا كذلك، والنبي صلّى الله عليه وسلم إنما رخص في السلم للضرورة مع أنه بيع المعدوم، فحيث تحققت الضرورة هنا أيضاً أمكن الحاقه بالسلم بطريق الدلالة، فلم يكن مصادماً للنص، فلذا جعلوه من الاستحسان، لأن القياس عدم الجواز، وظاهر كلام الفتح الميل إلى الجواز، ولذا أورد له الرواية عن محمد، بل تقدم أن الحلواني رواه عن أصحابنا، وماضاق الأمر إلا اتسع، ولايخفى أن هذا مسوغ للعدول عن ظاهر الرواية.\r(2) بداية المجتهد: 2ص156، بلغة السالك: 2ص79، المنتقى على الموطأ: 4ص219، القوانين الفقهية: ص 261، المختصر النافع: ص 154، أعلام الموقعين: 2ص12.","part":5,"page":168},{"id":3014,"text":"بيع الحنطة في سنبلها :\rقال الحنفية: يجوز بيع الحنطة في سنبلها والباقلاّ في قشره، وكذا الأرز والسمسم، لأن النبي صلّى الله عليه وسلم « نهى عن بيع النخل حتى يزهو، وعن بيع السنبل حتى يبيض، ويأمن العاهة، نهى البائع والمشتري » ولأنه حب منتفع به فيجوز بيعه في سنبله كالشعير (1) .\r-------------------------------\r(1) فتح القدير : 5ص106 .","part":5,"page":169},{"id":3015,"text":"وكذلك قال المالكية والحنابلة والظاهرية: يجوز بيع الحب في سنبله، ولكن لايجوز بالاتفاق بيع الحب من دون السنبل، لأنه بيع مالم تعلم صفته ولاكثرته. ودليلهم الحديث السابق، والمعقول: وهوأنه إذا اشتد الحب بدا صلاحه، فصار كالثمرة إذا بدا صلاحها، وإذا اشتد شيء من الحب جاز بيع جميع مافي البستان من نوعه، كالشجرة إذا بدا الصلاح في شيء منها (1) .\rوقال الشافعية في الأصح عندهم: مالايرى حبه كالحنطة والعدس والسمسم في السنبل لايصح بيعه وإن اشتد دون سنبله لاستتاره، ولابيعه مع السنبل؛ لأن المقصود منه مستتر بما ليس من صلاحه، فلا يصح قياساً على بيع الحنطة في تبنها بعد الدياس، فإنه لايصح قطعاً، ولأنه من باب الغرر، وأما حديث: « نهى الرسول صلّى الله عليه وسلم عن بيع السنبل حتى يبيض » أي يشتد ، فهو محمول على الشعير ونحوه جمعاً بين الدليلين. والأرز كالشعير، والذرة بارزة الحبات كالشعير، وأما المستورة بكمام فكالحنطة (2) .\r-------------------------------\r(1) المنتقى على الموطأ: 4ص220، بداية المجتهد: 2ص151، حاشية الدسوقي: 3ص16، المغني: 4ص83، المحلى: 8ص395.\r(2) مغني المحتاج: 2ص90، المجموع للنووي: 9ص338 ومابعدها.","part":5,"page":170},{"id":3016,"text":"حكم البيع الفاسد :\rسأذكر حكم البيع الفاسد ومايلحق به من الكلام في التصرف بالمبيع، وفسخ المشترى شراء فاسداً، والزيادة في المبيع بيعاً فاسداً.\rللبيع الفاسد عند الحنفية أحكام (1) ، منها: أن البيع ينعقد بقيمة المبيع أو بالمثل، لا بالثمن المسمى، ويفيد الملك في المبيع بالقبض؛ لأن ذكر الثمن المرغوب كالخمر مثلاً، أو إدخال شرط فاسد، أو وجود الجهالة في الثمن ونحوها، دليل على أن غرض المتعاقدين البيع، فينعقد بيعاً بقيمة المبيع باعتبار أن القيمة هي الواجب الأصلي في المبايعات؛ لأنها مثل المبيع في المالية. ويكون المبيع ببيع فاسد مضموناً في يد المشتري يلزمه مثله إن كان مثلياً، والقيمة إن كان قيمياً.\rوالدليل على أن البيع الفاسد منعقد يفيد الملك: هو أن ركن البيع « وهو مبادلة مال بمال » صدر من أهله مضافاً إلى محله، فوجب القول بانعقاده، وإنما المحظور ليس لمعنى في ذات المنهي عنه، وإنما لما يجاور البيع، كما في البيع وقت النداء إلى صلاة الجمعة، فكان ذكر هذه الشروط لايصح، فالتحق ذكرها بالعدم أي فكأنها لم تذكر.\rوإنما لايثبت الملك قبل القبض كيلا يتقرر الفساد ، لأنه إذا ثبت المالك قبل القبض وجب تسليم الثمن، وتسليم المبيع، فيتقرر الفساد، وهو لايجوز؛ لأن الفساد واجب الإزالة والرفع شرعاً.\rوعند جمهور الفقهاء: لاينعقد البيع الفاسد، ولايفيد الملك أصلاً، وإن قبض المشتري المبيع؛ لأن المحظور لايكون طريقاً إلى الملك، ،ولأن النهي عن المبيع الفاسد يقتضي عدم المشروعية، وغير المشروع لايفيد حكماً شرعياً.\rويشترط في البيع الفاسد لإفادة الملك عند الحنفية شرطان:\r1ً - القبض: فلا يثبت الملك قبل القبض، لأنه واجب الفسخ رفعاً للفساد، وفي التسليم تقرير الفساد، كما تقدم.\r2ً - أن يكون القبض بإذن البائع: فإن قبض بغير إذنه أصلاً لايثبت الملك، وذلك بأن نهاه عن القبض أو قبض بغير محضر منه من غير إذنه.\r-------------------------------\r(1) المبسوط للسرخسي: 13ص23، البدائع: 5ص304، فتح القدير والعناية: 5ص227 ومابعدها، رد المحتار: 4ص136، مجمع الضمانات: ص216.","part":5,"page":171},{"id":3017,"text":"فإن لم ينهه عن القبض ولا أذن له في القبض صريحاً، فقبضه في مجلس العقد بحضرة البائع: ففي المشهور من الروايات عن الحنفية أن الملك لايثبت. وذكر محمد في الزيادات أنه يثبت الملك، وهو الصحيح كما قال المرغيناني، لأن ذلك إذن منه بالقبض دلالة، كما في باب الهبة إذا قبض الموهوب له بحضرة الواهب، فلم ينهه، صح قبضه، ولأن البيع تسليط من البائع على القبض، فإذا قبضه المشتري بحضرة البائع، كان بحكم التسليط السابق.\rووجه الرواية التي سماها صاحب الإيضاح مشهورة: هو أن العقد الفاسد ليس فيه تسليط على القبض، لوجود المانع من القبض، لأن في قبض المبيع تقرير الفساد، فكان الإذن بالقبض إذناً بما فيه تقرير الفساد، بخلاف الهبة لامانع فيها من القبض، وحينئذ فلا سبيل إلى إثبات الإذن بطريق الدلالة (1) .\rالتصرف في المشترى شراء فاسداً :\rمن أحكام البيع الفاسد: أن المشتري بعد قبض المبيع يملك التصرفات الناقلة للملكية التي تتعلق بعين الشيء، وتكون نافذة مثل البيع والهبة والصدقة والرهن والإجارة؛ لأن هذه التصرفات تزيل حق الانتفاع بالحرام، ولكن الصحيح عند الحنفية أن هذه التصرفات تكون مكروهة لأنه يجب فسخ العقد الفاسد لحق الشرع، وفي هذه التصرفات إبطال أو تأخير لحق الفسخ، فتكره.\rوأما التصرفات التي تتعلق بعين الشيء، أي في الانتفاع بالعين كأكل الطعام ولبس الثوب وركوب الدابة وسكنى الدار، فلا تباح للمشتري شراء فاسداً؛ لأن الثابت بالبيع الفاسد ملك خبيث، والملك الخبيث لايفيد إطلاق الانتفاع، لأنه واجب الرفع والبطلان، وهذا هو الصحيح\r-------------------------------\r(1) البدائع: 5ص304، فتح القدير: 5ص230.","part":5,"page":172},{"id":3018,"text":"عن الحنفية (1) .\rمايبطل حق الفسخ :\r1 - التصرف الواقع على المشترى شراءً فاسداً :\rمن المعروف أن الملك الثابت في البيع الفاسد ملك غير لازم، بل هو مستحق الفسخ، ويحق لكل من العاقدين قبل القبض فسخ العقد من غير رضا الآخر، كيفما كان الفساد، كما يحق لهما الفسخ بعد القبض إذا كان الفساد راجعاً إلى العوض ، كأن يكون الثمن خمراً أو خنزيراً.\rوإن لم يكن الفساد راجعاً إلى العوض بعد القبض كالبيع بشرط منفعة زائدة لأحد العاقدين أو إلى أجل مجهول،فلكل واحد من العاقدين الفسخ في قول أبي حنيفة وأبي يوسف؛ لأن العقد في نفسه غير لازم. وفي قول محمد: حق الفسخ لمن شرط له المنفعة لا غير؛ لأن من له شرط المنفعة قادر على تصحيح العقد بإزالة المفسد وإسقاطه (2) .\rهذا بالنسبة لأصل التصرف الفاسد، فهل يبطل حق الفسخ بسبب التصرف الواقع بعد القبض على المشترى شراء فاسداً؟ فيه تفصيل (3) .\r1 - إن كان التصرف مزيلاً للملك من كل وجه كالبيع والهبة والإعتاق، فلا يفسخ ( أي أن حق الفسخ في البيع الفاسد يبطل ) وعلى المشتري القيمة أو المثل، لأنه تصرف في محل مملوك له، فنفذ تصرفه.\r2 - وإن كان تصرفاً مزيلاً للملك من وجه، أو ليس مزيلاً للملك:\rآ ـ فإن كان تصرفاً لا يحتمل الفسخ ومثلوا له بالتدبير والاستيلاد والكتابة (4) فإنه يبطل الفسخ.\rب ـ وإن كان التصرف يحتمل الفسخ، كالإجارة فإنه يفسخ، فلو آجر رجل الشيء، حقَّ للمالك الأول فسخ الإجارة، ثم يفسخ البيع بسب الفساد؛ لأن الإجارة وإن كانت عقداً لازماً، إلا أنها تفسخ بالعذر، ولا عذر أقوى من رفع الفساد.\rولو أوصى شخص بالمبيع بيعاً فاسداً، صحت الوصية، ويجوز فسخها ما دام الموصي حياً؛ لأن الوصية تصرف غير لازم حال حياة الموصي.\rفلو مات الموصي قبل الفسخ، سقط حق الفسخ؛ لأن الملك انتقل إلى الموصى له، كما ينتقل بالبيع.\r-------------------------------\r(1) فتح القدير: 5ص232، البدائع: 5ص304.\r(2) البدائع: 5 ص 300، فتح القدير: ص 231.\r(3) البدائع: 5 ص 301 ومابعدها.\r(4) هذه التصرفات تزيل الملك من وجه إذ أنها تؤول بالعبد إلى الحرية بعد الموت في التدبير والاستيلاد، أو بعد تنفيذ مقتضى الكتابة بوفاء الالتزام المالي.","part":5,"page":173},{"id":3019,"text":"ويلاحظ أن حق الفسخ يورث، فلو مات المشتري شراء فاسداً فورثه الورثة،\rفيحق للبائع الفسخ، وكذا الورثة؛ لأن الوارث يقوم مقام الميت في حق الفسخ، وكذا يحق لورثة البائع إن مات أن يطالب ورثته باسترداد المبيع.\r2 - الزيادة في المبيع بيعاً فاسداً :\rإذا حدثت زيادة في المبيع بيعاً فاسداً، فإما أن تكون زيادة منفصلة أو متصلة:\r1 - الزيادة المتصلة: الزيادة المتصلة إما أن تكون متولدة من الأصل أو غير متولدة.\rآ ـ فإن كانت متولدة من الأصل كالسمن والجمال، فلا تمنع الفسخ؛ لأن هذه الزيادة تابعة للأصل حقيقة، والأصل مضمون الرد، فكذلك التبع، كما في الغصب.\rب ـ وإن كانت غير متولدة من الأصل كخلط الدقيق بالسمن أو العسل،فإنها تمنع الفسخ؛ لأنه لو فسخ إما أن يفسخ على الأصل وحده أو على الأصل والزيادة معاً، ولا سبيل إلى الأول لتعذر الفصل، ولا سبيل إلى الثاني؛ لأن الزيادة لم تدخل تحت البيع، لا أصلاً ولا تبعاً، فلا تدخل تحت الفسخ.\r2 - الزيادة المنفصلة: هذه الزيادة أيضاً إما متولدة من الأصل أوغير متولدة منه.\rآ ـ فإن كانت متولدة من الأصل كالولد واللبن والثمرة، فلا تمنع حق الفسخ، وللبائع أن يسترد الأصل مع الزيادة تابعة للأصل، لكونها متولدة منه، والأصل مضمون الرد، فكذلك الزيادة، كما هو المقرر في حالة الغصب. ويلاحظ أن الأرش (1) يعد من هذا القسم؛ لأنه بدل جزء فائت من الأصل حقيقة كالمتولد من الأصل.\rب ـ وإن كانت غير متولدة، كالهبة والصدقة والكسب، فإنها لا تمنع الرد، وللبائع أن يسترد الأصل مع الزيادة، لأنها حصلت على ملكه، إلا أنها لا تطيب له، لأنها لم تحدث في ضمانه، بل في ضمان المشتري.\r-------------------------------\r(1) الأرش: هو العوض المالي الذي يقدَّر شرعاً، ويجب على الجاني في غير النفس والأعضاء، فإذا كان العوض عن النفس أو العضو فيسمى دية.","part":5,"page":174},{"id":3020,"text":"والخلاصة: أن الزيادة المتصلة غير المتولدة: هي التي تبطل حق الفسخ فقط دون غيرها من أنواع الزيادة. ولا تضمن الزيادة بالهلاك، وتضمن بالاستهلاك.\rوكذلك الزيادة بالصنع تبطل حق الفسخ: وهي أن يحدث المشتري في المبيع بيعاً فاسداً صنعاً، لو فعله الغاصب في المغصوب يصير ملكاً له، كما إذا كان المبيع قطناً، فغزله، أو غزلاً فنسجه، أو حنطة فطحنها، أو سمسماً أوعنباً فعصره، أو ساحة فبنى عليها، أو شاة فذبحها وشواها أو طبخها ونحوها؛ إذ القبض في البيع الفاسد كقبض الغصب؛ لأن كل واحد منهما مضمون الرد حال قيامه، ومضمون القيمة أو المثل حال هلاكه، فكل ما يبطل حق المالك في الغصب يبطله في البيع. وحينئذ يلزم المشتري بدفع قيمة الشيء المبيع يوم القبض، كما في الغصب (2) .\rوعلى هذا فليس للبائع المطالبة بنقض البناء الذي بناه المشتري في الأرض المبيعة بيعاً فاسداً، وإنما على المشتري قيمتها، وهذا قول أبي حنيفة رضي الله عنه.\rوقال الصاحبان: لا يبطل حق الفسخ حينئذ، وللبائع أن ينقض البناء ويقلع الغرس كما في الغصب، إذا بنى على الأرض المغصوبة لا يبطل حق المالك في الأرض.\rودليل أبي حنيفة: أن البناء والغرس مما يقصد به الدوام، وقد حصل البناء أو الغرس بتسليط من البائع؛ لأن المبيع صار ملكاً للمشتري وفي النقض ضرر كبير، فلا ينقض البناء، ولا يقلع\r-------------------------------\r(1) البدائع: 5 ص 302 ومابعدها، رد المحتار: 4 ص 137، مجمع الضمانات: ص216.","part":5,"page":175},{"id":3021,"text":"الغرس، كما في تصرف البيع والهبة، بخلاف الغاصب، لأنه لم يوجد التسليط على البناء (1) .\rوأما نقصان المبيع بيعاً فاسداً فلا يمنع البائع من الاسترداد، سواء حصل النقص بآفة سماوية أو بفعل المبيع أو بفعل المشتري، فإن حصل بفعل أجنبي، فالبائع بالخيار: إن شاء أخذ قيمة النقص من المشتري، والمشتري يرجع به على الجاني، وإن شاء طالب الجاني وهو لا يرجع على المشتري (2) .\rخلاصة البيوع الممنوعة في الإسلام\rالبيوع الممنوعة أو المنهي عنها في الإسلام كثيرة، لا فرق فيها عند الجمهور بين باطل وفاسد، وفرق الحنفية بينهما، كما تقدم، وقد عرفنا طائفة من هذه البيوع،أذكر هنا أهمها بالنظر إلى سبب الخلل الذي صاحبها، وهو أنواع أربعة:\rبسبب أهلية العاقد: وبسبب الصيغة، وبسبب المعقود عليه أو محل التعاقد، وبسبب اقتران العقد بوصف أو شرط أو نهي شرعي.\rأولاً ـ البيوع الممنوعة بسبب أهلية العاقد :\rاتفق الفقهاء على أنه يصح البيع من كل بالغ عاقل مختار مطلق التصرف غير محجور عليه لحق نفسه كالسفيه أو لحق غيره كالمدين. وأما من لا يصح بيعه فهو ما يأتي:\r1 - بيع المجنون: لا يصح بالاتفاق، لانعدام الأهلية، ومثله المغمى عليه والسكران والمخدَّر.\r2 - بيع الصبي: لا يصح بيع غير المميز اتفاقاً إلا في الشيء اليسير، وأما المميز فلا يصح بيعه عند الشافعية والحنابلة؛ لعدم الأهلية، ويصح بيعه موقوفاً على إذن وليه أو إجازته عند الحنفية والمالكية، فإذا أجيز صار نافذاً، إذ لا يمكن اختباره إلا بتفويض التصرف إليه بالبيع والشراء، عملاً بالآية: {وابتلوا اليتامى...} [النساء:6/4] ويصح تصرف المميز والسفيه بإذن وليهما عند الحنابلة.\r3 - بيع الأعمى إذا وصف له المبيع صحيح عند الجمهور، لوجود الرضا، باطل غير صحيح عند الشافعية لقصوره في إدراك الجيد والرديء، فيكون المعقود عليه في حقه مجهولاً.\r-------------------------------\r(1) فتح القدير: 5 ص 302 ومابعدها، رد المحتار: 4 ص 137، البدائع: 5 ص 304.\r(2) البدائع: 5 ص 303.","part":5,"page":176},{"id":3022,"text":"4 - بيع المكره: موقوف غير نافذ كالفضولي على التحقيق عند الحنفية، فإذا أجازه المكره بعد زوال الإكراه نفذ. وغير لازم في رأي المالكية، فيكون له الخيار بين فسخ العقد وإمضائه، وغير صحيح في مذهبي الشافعية والحنابلة لعدم توافر الرضا عند إبرام العقد.\r5 - بيع الفضولي: صحيح موقوف على إجازة المالك الحقيقي في رأي الحنفية والمالكية؛ لأن الإجازة اللاحقة كالإذن السابق. ولا يصح أصلاً عند الشافعية والحنابلة، للنهي عن بيع ما لم يملكه الإنسان، والنهي يقتضي فساد المنهي عنه.\r6 - بيع المحجور عليه بسبب السفه أو الإفلاس أو المرض: أما السفيه المبذر فبيعه موقوف عند الحنفية والمالكية وفي الراجح لدى الحنابلة، ولا يصح في رأي الشافعية لعدم أهليته، وعدم اعتبار كلامه. وأما المفلس بسبب الحكم عليه بالإفلاس لحق الدائنين الغرماء فتصرفه بالبيع موقوف عند الحنفية والمالكية، غير صحيح لدى الشافعية والحنابلة.\rوأما المريض مرض الموت فتبرعاته عند الجمهور غير المالكية نافذة في حدود ثلث التركة، موقوفة في الزائد عن الثلث على إجازة الورثة. ولا ينفذ تبرعه من الثلث في مذهب المالكية في المنقول، وينفذ من العقار كدار وأرض وشجر ونحوها مما لا يخشى تغييره.\r7 - بيع المُلْجَأ: وهو المضطر إلى البيع لتهريب أمواله من وجه ظالم. وبيعه فاسد عند الحنفية، باطل عند الحنابلة.\rثانياً ـ البيوع الممنوعة بسبب الصيغة :\rيصح البيع بالاتفاق بتراضي العاقدين، وتوافق الإيجاب والقبول فيما يجب التراضي عليه من مبيع وثمن وغيرهما، وكون الإيجاب والقبول في مجلس واحد دون أن يحدث بينهما فاصل. ولا يصح البيع في حالات، منها ما يأتي:","part":5,"page":177},{"id":3023,"text":"1 - بيع المعاطاة: المعاطاة: أن يتفق العاقدان على ثمن ومثمن، ويعطيا من غير إيجاب ولا قبول، وقد يوجد لفظ من أحدهما. وهو بيع صحيح عند الجمهور؛ لأن البيع ينعقد بكل ما يدل على الرضا بتبادل الملك في الأموال، سواء بالصيغة المعبرة عن الإرادة صراحة من إيجاب وقبول، أم بما يدل على الرضا عرفاً، اعتباراً بعرف الناس واحتراماً لعاداتهم السائدة فيما بينهم، ما لم تصادم نصاً من نصوص الشرع. فيصح البيع باللفظ أو الإشارة أو بغيرهما، ما دام يدل على المقصود من العلم بتراضي العاقدين، ولم يثبت اشتراط لفظ، فيرجع للعرف كسائر الألفاظ المطلقة. ولا ينعقد البيع بالمعاطاة عند الشافعية (1) ، بل لا بد من الإيجاب والقبول في كل عقد بيعاً وإجارة ورهناً وهبة ونحوها؛ لأن اسم البيع لا يقع عليه، ولعدم توافر الدليل الظاهر المطلوب شرعاً الدال على الرضا؛ لأن البيع منوط بالرضا، لقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل، إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم} [النساء:29/4] ولقوله صلّى الله عليه وسلم : «إنما البيع عن تراض» (1) والرضا أمر خفي لا يطلع عليه، فأنيط الحكم بسبب ظاهر، وهو الصيغة، فلا ينعقد بالمعاطاة، إذ الفعل لا يدل بوضعه، فيكون المقبوض بالمعاطاة كالمقبوض ببيع فاسد، فيطالب كل عاقد صاحبه بما دفع إليه إن بقي، وببدله إن تلف.\r-------------------------------\r(1) فتح القدير : 5 ص 302 وما بعدها ، رد المحتار : 4 ص 137 ، البدائع : 5 ص 304.","part":5,"page":178},{"id":3024,"text":"وأجاز بعض الشافعية كابن سريج والرُوياني المعاطاة في المحقَّرات: وهي ماجرت العادة فيها بالمعاطاة، كرطل خبز، وحزمة بقل. وقال بعضهم: كل من وسم بالبيع، اكتفي منه بالمعاطاة، كالعامي والتاجر، وكل من لم يعرف بذلك لا يصح منه إلا باللفظ. وقال النووي في المجموع: وأما إذا كان يأخذ من البياع ويحاسبه بعد مدة ويعطيه، كما يفعل كثير من الناس، فإنه باطل بلا خلاف؛ لأنه ليس ببيع لفظي ولا معاطاة. وصحح النووي المعاطاة، فقال: المختار والراجح دليلاً الصحة؛ لأنه لم يصح في الشرع اعتبار لفظ، فوجب الرجوع إلى العرف، كغيره من الألفاظ (2) .\r2 - البيع بالمراسلة أو بواسطة رسول: يصح اتفاقاً، ويكون مجلس التعاقد هومجلس بلوغ الرسالة من العاقد الأول إلى العاقد الثاني، فإن تم القبول بعد هذا المجلس لم ينعقد العقد.\r3 - بيع الأخرس بالإشارة المفهومة أو الكتابة: صحيح اتفاقاً، كالنطق من الناطق، للضرورة؛ لأن ذلك يدل على ما في فؤاده، كما يدل عليه النطق من الناطق، فإن لم تكن له إشارة مفهومة ولا يحسن الكتابة لم يصح عقده.\r4 - البيع مع غائب عن مجلس العقد: لا يصح اتفاقاً؛ لأن اتحاد المجلس شرط لانعقاد البيع.\r5 - البيع مع عدم تطابق القبول والإيجاب: لا يصح اتفاقاً، إلا إذا كانت المخالفة إلى خير، كزيادة المشتري على الثمن المتفق عليه، يصح بها العقد عند الحنفية، ولا يصح عند الشافعية.\r6 - البيع غير المنجز: وهو المعلق على شرط أو المضاف لوقت في المستقبل: فاسد عند الحنفية، باطل عند الجمهور.\rثالثاً ـ البيوع الممنوعة بسبب المعقود عليه (محل التعاقد ) :\rالمعقود عليه بالمعنى الأعم: هو المال المبذول من كلا المتعاقدين، ويسمى أحد البدلين مبيعاً، ويسمى الآخر ثمناً.\r-------------------------------\r(1) صححه ابن حبان.\r(2) الأشباه للسيوطي: ص 89.","part":5,"page":179},{"id":3025,"text":"وقد اتفق الفقهاء على صحة البيع إذا كان المعقود عليه مالاً متقوماً محرزاً موجوداً، مقدوراً على تسليمه، معلوماً للعاقدين، لم يتعلق به حق الغير، ولم ينه عنه الشرع. واختلفوا في صفة بعض البيوع المنهي عنها على النحو التالي:\r1 - بيع المعدوم أو ماله خطر العدم، كبيع المضامين (ما في أصلاب الذكور) والملاقيح (ما في أصلاب الإناث) وحبل الحبلة (نتاج النتاج) : باطل لا ينعقد باتفاق أئمة المذاهب الأربعة، للنهي عنه في الأحاديث الصحيحة.\r2 - بيع معجوز التسليم، كالطير في الهواء والسمك في الماء، باطل لا ينعقد باتفاق المذاهب، للنهي الثابت عنه في السنة.\r3 - بيع الدين نسيئة وهو بيع الكالئ بالكالئ: باطل اتفاقاً، للنهي عنه شرعاً. وبيع الدين للمدين في الحال جائز اتفاقاً، وبيع الدين لغير المدين في الحال باطل عند الحنفية والحنابلة والظاهرية، جائز في المذاهب الأخرى.\r4 - بيع الغرر الفاحش أو غير اليسير: وهو غير المتحقق الموجود، لا يصح اتفاقاً للنهي عنه، لكن منه ما هو باطل اتفاقاً كبيع الملاقيح والمضامين وحبل الحبلة، ومنه ما هو فاسد في اصطلاح الحنفية باطل عند غيرهم: وهو بيع ضربة القانص والغائص والمزابنة (بيع الرطب على النخل، والعنب على الكرمة بثمر مقطوع، بالحزر والتخمين) والمحاقلة (بيع الحنطة في سنبلها بمثلها بالحرز والتخمين) والملامسة (تنجيز البيع بمجرد اللمس) والمنابذة (إبرام البيع بمجرد نبذ المبيع إلى المشتري أو بنبذ أحد المبيعات) وبيع الحصاة (ما تقع عليه الحصاة)، وبيع المجهول من أصناف متعددة أكثر من ثلاثة. قال ابن جزي المالكي (1) : الغرر الممنوع عشرة أنواع:\rالنوع الأول ـ تعذر التسليم كالبعير الشارد، ومنه بيع الجنين في البطن دون بيع أمه، وكذلك استثناؤه في بطن أمه، وكذلك بيع ما لم يخلق كبيع حبل الحبلة: وهو نتاج ما تنتج الناقة، وبيع المضامين: وهي ما في ظهور الفحول.\r-------------------------------\r(1) القوانين الفقهية: ص 256 وما بعدها.","part":5,"page":180},{"id":3026,"text":"النوع الثاني ـ الجهل بجنس الثمن أو المثمون: كقوله: بعتك ما في كمي.\rالنوع الثالث ـ الجهل بصفة أحدهما، كقوله: بعتك ثوباً من منزلي، أو بيع الشيء من غير تقليب ولا وصف.\rالنوع الرابع ـ الجهل بمقدار المبيع أو الثمن، مثل الثاني: بعت منك بسعر اليوم، أو بما يبيع الناس، أو بما يقول فلان إلا بيع الجزاف يجوز.\rومثال الأول: لايجوز بيع القمح في سنبله للجهل به، ويجوز بيعه مع سنبله، خلافاً للشافعي، وكذلك لايجوز بيعه في تبنه، ويجوز بيعه مع تبنه، ولا يجوز بيع تراب الصاغة، ويجوز بيع الفول الأخضر والجوز واللوز في القشر الأعلى، خلافاً للشافعي.\rالنوع الخامس ـ الجهل بالأجل: مثل بعتك إلى قدوم زيد أو إلى موت عمرو، ويجوز أن يقول: إلى الحصاد، أو إلى معظم الدراس أو إلى شهر كذا، ويحمل على وسطه.\rالنوع السادس ـ بيعتان في بيعة: وهو أن يبيع مبيعاً واحداً بأحد ثمنين مختلفين، أو يبيع أحد مبيعين بثمن واحد، فالأول: أن يقول: بعتك هذا الثوب بعشرة نقداً، أو بعشرين، إلى أجل، على أن البيع قد لزم في أحدهما. والثاني ـ أن يقول: بعتك أحد هذين الثوبين بكذا، على أن البيع قد لزم في أحدهما.\rالنوع السابع ـ بيع ما لا ترجى سلامته، كالمريض في السباق.\rالنوع الثامن ـ بيع الحصى: هو أن يكون بيده حصى، فإذا سقطت وجب البيع.\rالنوع التاسع ـ بيع المنابذة: وهو أن ينبذ أحدهما ثوبه إلى الآخر، وينبذ الآخر ثوبه إليه، فيجب البيع بذلك.","part":5,"page":181},{"id":3027,"text":"النوع العاشر ـ بيع الملامسة: وهو أن يلمس الثوب، فيلزمه البيع بلمسه، وإن لم يتبينه. وحاصل هذه الأنواع يرجع إلى بيع معجوز التسليم، وبيع المجهول، وبيع الأشياء المحتملة، وبيع الحصى وبيع المنابذة وبيع الملامسة.\r5 - بيع النجس والمتنجس: لا يصح اتفاقاً بيع النجس كالخمر والخنزير والميتة والدم، ولا يصح عند الجمهور أيضاً بيع المتنجس الذي لا يمكن تطهيره كالسمن والزيت والعسل الذي وقعت فيه نجاسة كفأرة مثلاً. وأجاز المالكية الاستصباح وعمل الصابون بالزيت النجس، وأباح الحنفية بيع المتنجس لغير الأكل كالدبغ والدهان والاستضاءة في غير المسجد، ما عدا دهن الميتة، فإنه لا يحل الانتفاع به، تنزهاً عن فعل اليهود، حينما حرمت عليهم الميتة أذابوها وباعوها وأكلوا ثمنها. وكذلك بيع المعازف (آلات الطرب) لا يصح في رأي الجمهور للنهي عن الانتفاع بها، وأجاز الظاهرية وبعض المالكية بيعها، للأحاديث الثابتة الدالة على جواز ضرب الدف ونحوه.\r6 - بيع الماء: يجوز عند الجمهور من أئمة المذاهب الأربعة بيع الماء المملوك، أو المحرز في الأواني، أو ماء العين أو البئر. وقال الظاهرية: لا يحل بيع الماء مطلقاً. واتفق العلماء على أنه لا يصح بيع الماء المباح أي الماء العام المشترك بين الناس؛ لأن الناس شركاء فيه وفي النار والكلأ والملح.\r7 - بيع المجهول: البيع المشتمل على جهالة فاحشة في المبيع أو الثمن أو الأجل أو نوع المرهون أو الكفيل فاسد عند الحنفية، باطل في رأي الجمهور؛ لأنه يفضي إلى النزاع والخلاف.\r8 - بيع الشيء الغائب عن المجلس أو غير المرئي: يصح في رأي الحنفية من غير رؤية ولا وصف، وللمشتري الخيار عند الرؤية، ويصح في رأي المالكية على الصفة، ويثبت فيه خيار الرؤية. ولا يصح مطلقاً عند الشافعية، والحنابلة في الأظهر.\rلكن اشترط المالكية (1) في البيع على الصفة خمسة شروط:\r-------------------------------\r(1) القوانين الفقهية: ص 256.","part":5,"page":182},{"id":3028,"text":"الأول ـ ألا يكون بعيداً جداً كالأندلس وإفريقية.\rالثاني ـ ألا يكون قريباً جداً كالحاضر في البلد.\rالثالث ـ أن يصفه غير البائع.\rالرابع ـ أن يحصر الأوصاف المقصودة كلها.\rالخامس ـ ألا ينقد ثمنه بشرط من البائع إلا في المأمون التغير كالعقار. ويجوز النقد من غير شرط.\rثم إن خرج المبيع على حسب الصفة والرؤية لزم البيع، وإن خرج على خلاف ذلك، فللمشتري الخيار.\rويجوز بيع ما في الأعدال من الثياب على وصف البرنامج (1) ، بخلاف الثوب المطوي دون تقليب ونشر.\r9 - بيع الشيء قبل القبض: لا يجوز في رأي الحنفية بيع المنقول قبل القبض، للنهي عنه، ويجوز بيع العقار قبل القبض؛ لأنه مأمون التغير غالباً. ولا يجوز إطلاقاً في رأي الشافعية، لعموم النهي: «نهى النبي صلّى الله عليه وسلم أن تباع السلع حيث تبتاع حتى يحوزها التجار إلى رحالهم» (2) . وخصص المالكية المنع في الطعام، سواء أكان ربوياً أم غير ربوي. وقصر الحنابلة المنع على الطعام المكيل أو الموزون أو المعدود، لحديث: «إذا ابتعت طعاماً فلا تبعه حتى تستوفيه» (3) .\r10 - بيع الثمار أو الزروع: باطل لا ينعقد اتفاقاً إذا كان قبل أن تخلق؛ لأنه معدوم. أما بعد أن تخلق: فإن كان قبل بدو الصلاح بشرط الترك أو الإبقاء، فلا يصح إجماعاً، والبيع فاسد عند الحنفية، باطل عند الجمهور. وإن كان بشرط القطع في الحال فيصح بالإجماع، وهو صحيح عند الحنفية إذا كان البيع مطلقاً عن الشرط، غير صحيح عند الجمهور.\r-------------------------------\r(1) وهو بيع الغائب بلا وصف لنوعه وجنسه، ويجوز بشرطين: إثبات خيار الرؤية للمشتري، وعدم دفع الثمن للبائع. والبرنامج: الورقة المكتوب فيها ما في الوعاء.\r(2) رواه أبو داود والدارقطني عن زيد بن ثابت (نيل الأوطار: 157/5).\r(3) رواه أحمد ومسلم عن جابر (المرجع السابق).","part":5,"page":183},{"id":3029,"text":"وإن كان بعد بدو الصلاح، جاز بيعه على المفتى به عند الحنفية من رأي محمد بن الحسن ولو بشرط الترك إن تناهى عظمه، ويفسد إن لم يتناه عظمه. ويجوز بيعه مطلقاً ولو بشرط الترك في رأي الجمهور.\rرابعاً ـ البيوع الممنوعة بسبب وصف أو شرط أو نهي شرعي :\rيصح البيع اتفاقاً إذا اكتملت أركانه وشروطه، ولم يكن مشتملاً على صفة ضارة بالمجتمع، أو شرط مخالف لمقتضى العقد، أو لاعتبارات أخرى خارجة عن العقد، كما في الحالات التالية:\r1 - بيع العَرَبون: لا يجوز عند الجمهور للنهي عنه في السنة، ويعد فاسداً عند الحنفية، باطلاً عند المالكية والشافعية إن كان على ألا يرد البائع العربون إلى المشتري، إذا لم يتم البيع بينهما. فإن كان على أن يرده إليه إذا لم يتم البيع، فهو جائز.\rوهو جائز لا بأس به عند الحنابلة؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلم أحله، لكن لم يثبت حديث كل من الفريقين.\r2 - بيع العينة: وهو أن يظهر العاقدان فعل ما يجوز ليتوصلا به إلى ما لا يجوز، فيمنع ويقع باطلاً في رأي المالكية والحنابلة، للتهمة سداً للذرائع. وهو فاسد في رأي أبي حنيفة إن خلا من توسط شخص ثالث، وصحيح مع الكراهة في رأي الشافعية والظاهرية.\rوبيع العينة ثلاثة أنواع (1) :\rالأول ـ أن يقول رجل لآخر: اشتر لي سلعة بكذا، وأربحك فيها كذا، مثل أن يقول: اشترها بعشرة، وأعطيك فيها خمسة عشر، إلى أجل، فإن هذا يؤول في رأي الإمام مالك إلى الربا؛ لأن مذهب مالك النظر إلى ما خرج عن اليد، ودخل فيه، ويلغي الوسائط، فكأن هذا الرجل أعطى لأحد عشرة دنانير، وأخذ منه خمسة عشر ديناراً إلى أجل، والسلعة واسطة ملغاة.\rالثاني ـ لو قال: اشتر لي سلعة، وأنا أربحك فيها، ولم يسمّ الثمن، فهذا مكروه، وليس بحرام في مذهب مالك.\r-------------------------------\r(1) القوانين الفقهية: ص 258.","part":5,"page":184},{"id":3030,"text":"الثالث ـ أن يطلب السلعة عنده فلا يجدها، ثم يشتريها الآخر من غير أمره، ويقول: قد اشتريت السلعة التي طلبت مني، فاشترها مني إن شئت، فيجوز أن يبيعها نقداً أو نسيئة بمثل ما اشتراها به أو أقل أو أكثر.\r3 - بيع الربا: ربا النسيئة وربا الفضل فاسد عند الحنفية، باطل عند الجمهور للنهي الثابت عنه في القرآن والسنة النبوية معاً.\r4 - البيع بثمن محرَّم كالخمر والخنزير: فاسد عند الحنفية فينعقد بالقيمة، باطل عند الجمهور؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلم ـ في حديث البخاري ومسلم ـ حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام.\r5 - بيع حاضر لباد (1) من الذين لا يعرفون الأسعار، وقيل: لكل وارد على مكان وإن كان من مدينة، وهذا هو المقصود الحقيقي من نهي الشرع. وهو بيع حرام لا يجوز للنهي عنه، وعلة النهي نبه عليها صلّى الله عليه وسلم بقوله: «دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض» (2) وذلك رفقاً بأهل البلد، فالشارع لاحظ مصلحة الجماعة وقدمها على مصلحة الواحد، ومنع أيضاً الضرر بأهل السوق في انفراد المتلقي عنهم في الرخص وقطع الموارد عنهم، وصورته: أن يجيء البلد غريب بسلعة يريد بيعها بسعر الوقت في الحال، فيأتيه الحاضر، فيقول: ضعه عندي لأبيعه لك على التدريج بأغلى من هذا السعر. وللفقهاء تخصيصات لعموم هذا النهي (3) ، فقالت الحنفية: إنه يختص المنع (أي كراهة التحريم) من ذلك بزمن الغلاء وبما يحتاج إليه أهل المصر.\rوقال الشافعية والحنابلة: إن الممنوع إنما هو أن يجيء البلد بسلعة من يريد بيعها بسعر الوقت في الحال، فيأتيه الحاضر، فيقول: ضعه عندي لأبيعه لك على التدريج بأغلى من هذا السعر. قال ابن حجر في الفتح: فجعلوا الحكم منوطاً بالبادي ومن شاركه في معناه، وإنما ذكر البادي في الحديث لكونه الغالب، فألحق به من شاركه في عدم معرفة السعر من الحاضرين.\r-------------------------------\r(1) الحاضر: ساكن الحضر أو المدن، والبادي: ساكن البادية. والحاضر: خلاف البادي.\r(2) روى الجماعة إلا البخاري عن جابر أن النبي صلّى الله عليه وسلم قال: «لا يبيع حاضر لباد، دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض» (نيل الأوطار: 164/5).\r(3) نيل الأوطار: 164/5.","part":5,"page":185},{"id":3031,"text":"وجعلت المالكية البداوة قيداً. وعن مالك: لا يلتحق بالبدوي في ذلك إلا من كان يشبهه، فأما أهل القرى الذين يعرفون أثمان السلع والأسواق، فليسوا داخلين في ذلك. وحكم هذا البيع فاسد ويجوز فسخه عند المالكية كالنجش، وصحيح عند الحنفية، وفيه الخيار عند الشافعية والحنابلة.\r6 - تلقي الركبان: أي الذين يجلبون إلى البلد أرزاق العباد للبيع، سواء أكانوا ركباناً أم مشاة، جماعة أم واحداً. والتلقي محرم، وقال الحنفية: مكروه تحريماً، للنهي الوارد فيه: «لا تلقوا الركبان، ولا يبع حاضر لباد» (1) وقد خرج الحديث مخرج الغالب في أن الجالب يكون عدداً، ويكون الجالب في الغالب راكباً.\rاختلف العلماء في هذا النهي: هل يقتضي الفساد أو لا، فقيل: يقتضي الفساد، وقيل: لا يقتضي ذلك، وهو الظاهر؛ لأن النهي ههنا لأمر خارج وهو لايقتضيه، كما تقرر في الأصول، ولقوله صلّى الله عليه وسلم : «فصاحب السلعة فيها بالخيار إذا ورد السوق» (2) قال ابن تيمية في منتقى الأخبار: وفيه دليل على صحة البيع. فالراجح أن هذا البيع وبيع الحاضر للبادي صحيح غير فاسد، وهو رأي الحنفية، ويثبت فيه خيار الغبن عند الحنابلة والشافعية، ولا يجوز لحق أهل الأسواق ويكون فاسداً عند المالكية.\r7 - بيع النجش: قال الشافعي: النجش: أن تحضر السلعة تباع، فيعطي بها الشيء، وهو لا يريد شراءها ليقتدي به السوّام، فيعطون بها أكثر مما كانوا يعطون، لو لم يسمعوا سومه.\r-------------------------------\r(1) رواه البخاري ومسلم عن ابن عباس.\r(2) رواه الجماعة إلا البخاري عن أبي هريرة.","part":5,"page":186},{"id":3032,"text":"فالنجش في الشرع: الزيادة في السلعة، ويقع ذلك بمواطأة البائع، فيشتركان في الإثم. وبعبارة أخرى: الزيادة في ثمن السلعة المعروضة للبيع لا ليشتريها، بل ليغر بذلك غيره. وسمي الناجش في السلعة ناجشاً؛ لأنه يثير الرغبة فيها ويرفع ثمنها. وقد أجمع العلماء على أن الناجش عاص بذلك.\rوأما حكم البيع فمختلف فيه: فقال الظاهرية: إنه فاسد. وقال المالكية والحنابلة في المشهور عندهم: البيع صحيح ويثبت فيه الخيار للمشتري، إذا غبن فيه غبناً غير معتاد.\rوقال الحنفية، والشافعية في الأصح: البيع صحيح مع الإثم، فهو مكروه تحريماً عند الحنفية، حرام عند الشافعية، لكن لا يكره النجش عند الحنفية إلا إذا زاد المبيع عن قيمته الحقة، فإن لم يكن بلغ القيمة فزاد لا يريد الشراء فجائز، ولا بأس؛ لأنه عون على العدالة.\rوأما بيع المزايدة أو المزاد العلني وهو البيع ممن يزيد فجائز ليس من المنهي عنه، كما سأبين هنا وكما تقدمت الإشارة إليه.\rبيع المزايدة: هو البيع على الصفة التي فعلها النبي صلّى الله عليه وسلم فيما يرويه أحمد والترمذي عن أنس: «أن النبي صلّى الله عليه وسلم باع قَدَحاً وحِلْساً (1) فيمن يزيد» وحكى البخاري عن عطاء: أنه قال: أدركت الناس لا يرون بأساً في بيع المغانم فيمن يزيد (2) . وروى ابن أبي شيبة وسعيد بن منصور عن مجاهد قال: لا بأس ببيع من يزيد، وكذلك كانت تباع الأخماس، أي أخماس الغنائم. وقال الترمذي عقب حديث أنس المذكور: والعمل على هذا عند بعض أهل العلم، لم يروا بأساً ببيع من يزيد في الغنائم والمواريث. قال ابن العربي: لا معنى لاختصاص الجواز بالغنيمة والميراث، فإن الباب واحد والمعنى مشترك.\rوالظاهر الجواز مطلقاً؛ لأن القدح والحلس في حديث أنس المذكور لم يكونا من ميراث أو غنيمة، ويكون ذكرهما خارجاً مخرج الغالب؛ لأنهما الغالب على ماكانوا يعتادون البيع فيه مزايدة (3) .\r-------------------------------\r(1) القدح الوعاء الذي يشرب فبه، والحِلْس: البساط أو الكساء الرقيق الذي يكون تحت برذعة البعير.\r(2) ووصله ابن أبي شيبة عن عطاء ومجاهد.\r(3) نيل الأوطار: 169/5.","part":5,"page":187},{"id":3033,"text":"وبيع المزاد: أن يعرض البائع السلعة على جمهور الناس، فيزيد في السعر من يشاء، ثم يستقر البيع على الشخص الذي يعرض آخر سعر.\rوروي عن إبراهيم النخعي أنه كره بيع المزايدة، واحتج بحديث جابر الثابت في الصحيح أنه صلّى الله عليه وسلم قال في مدبّر: من يشتريه مني؟ فاشتراه نعيم بن عبد الله بثمان مئة درهم. قال الإسماعيلي: ليس في قصة المدبر بيع المزايدة، فإن بيع المزايدة: أن يعطي به واحد ثمناً ، ثم يعطي به غيره زيادة عليه.\rولفظ حديث أنس عند أبي داود وأحمد: «أن النبي صلّى الله عليه وسلم نادى على قدح وحلس لبعض أصحابه، فقال رجل: هما علي بدرهم، ثم قال آخر: هما علي بدرهمين» .\r8 - البيع وقت النداء لصلاة الجمعة من حين يصعد الإمام على المنبر إلى أن تنقضي الصلاة، وعند الحنفية: من الأذان الأول.\rوهو مكروه تحريماً عند الحنفية، صحيح حرام عند الشافعية، ويفسخ في المشهور عند المالكية، ولا يصح أصلاً عند الحنابلة.\r9 - بيع العنب لعاصر الخمر: صحيح في الظاهر مكروه تحريماً عند الحنفية وحرام عند الشافعية، لاستيفاء العقد شروطه وأركانه الشرعية، والإثم بسبب النية الفاسدة أو الباعث غير المشروع. ومثله بيع السيف لمن يقتل به غيره ظلماً، وبيع الشبكة لمن يصطاد في الحرم، وبيع الخشب لمن يتخذ منه الملاهي.","part":5,"page":188},{"id":3034,"text":"وهو باطل في رأي المالكية والحنابلة سداً للذرائع، مثل بيع السلاح في الفتنة أو لقطاع الطريق، وبيع العينة المتخذ وسيلة للربا؛ لأن مايتوصل به إلى الحرام حرام، ولو بالقصد أو النية.\r10 - بيع الأم دون ولدها الصغير أو بيعه دونها: لايجوز حتى يستغني الولد، بسبب التفريق بينهما، وقد نهى النبي صلّى الله عليه وسلم عن التفريق بين المحارم، فقال: «من فرّق بين والدة وولدها، فرق الله بينه وبين أحبته يوم القيامة » (1) وأجاز المالكية التفريق بين الولد وبين والده، لكن ورد النهي عن ذلك أيضاً: « لعن رسول الله صلّى الله عليه وسلم من فرق بين الوالد وولده، وبين الأخ وأخيه » (2) فهذا إن صح أولى بالعمل.\rوحكم البيع الأول أنه فاسد لاينعقد في رأي الجمهور. وقال أبو حنيفة: إنه ينعقد البيع.\r11 - بيع الإنسان على بيع أخيه: وصورته: أن يكون قد وقع البيع بالخيار، فيأتي في مدة الخيار رجل، فيقول للمشتري: افسخ هذا البيع، وأنا أبيعك مثله بأرخص من ثمنه، أو أحسن منه. والشراء على الشراء: هو أن يقول للبائع في مدة الخيار: افسخ البيع، وأنا أشتريه منك بأكثر من هذا الثمن. والسوم على السوم: أن يكون قد اتفق مالك السلعة والراغب فيها على البيع، ولم يعقداه، فيقول آخر للبائع: أنا أشتريه منك بأكثر، بعد أن كانا قد اتفقا على الثمن.\rوقد أجمع العلماء على تحريم هذه الصور كلها، وأن فاعلها عاص (3) ؛ للحديث: « لايبع أحدكم على بيع أخيه » (4) أي في الدين، وهذا في رأي أكثر العلماء خرج مخرج الغالب،فلا اعتبار لمفهومه، وأنه يحرم أيضاً على بيع الكافر. وأما حكم البيع المذكور فمختلف فيه: فذهب الحنفية والشافعية إلى صحته مع الإثم. وذهبت الحنابلة وابن حزم الظاهري والمالكية في إحدى الروايتين عنهم إلى\r-------------------------------\r(1) رواه أحمد والترمذي عن أبي أيوب لكن في إسناده مختلف فيه ( نيل الأوطار: 161/5).\r(2) رواه ابن ماجه والدارقطني عن أبي موسى ( المرجع السابق ) وإسناده لابأس به.\r(3) سبل السلام: 23/3 .\r(4) رواه أحمد عن ابن عمر ( نيل الأوطار: 167/5 ) ومابعدها.","part":5,"page":189},{"id":3035,"text":"فساده، ولكن المعتمد في رأي المالكية وغيرهم ماعدا ابن حزم: بعد الركون والتقارب (1) ؛ لأن السوم في السلعة التي تباع فيمن يزيد لايحرم اتفاقاً، كما حكى ابن حجر عن ابن عبد البر، فتعين أن السوم المحرَّم: ماوقع فيه قدر زائد على ذلك.\r12 - بيع وشرط: وهو الذي يسميه الفقهاء بيع الثنيا، وللفقهاء تفصيل في حكمه.\rفقال الحنفية، يفسد البيع بالشرط الفاسد: وهو الذي لايقتضيه العقد ولايلائمه ولا ورد به الشرع، ولايتعارفه الناس، وإنما فيه منفعة لأحد المتعاقدين كأن يشتري شخص قماشاً على أن يخيطه البائع قميصاً. ويصح العقد ويلغو الشرط الباطل: وهو ماكان فيه ضرر لأحد العاقدين، كأن يبيع إنسان شيئاً بشرط ألا يبيعه المشتري أو لا يهبه.\rوقال المالكية: يبطل البيع والشرط، إن اقتضى الشرط منع المشتري من تصرف عام أو خاص، خلافاً للحنفية في الشرط الباطل. ويجوز البيع والشرط إن اشترط البائع منفعةنفسه، خلافاً للحنفية أيضاً في الشرط الفاسد. ويجوز البيع ويبطل الشرط إن عاد الشرط بخلل في الثمن، مثل: «إن لم تأت بالثمن إلى ثلاثة أيام، فلا بيع بيننا» فإن قال البائع: ( متى جئتك بالثمن، رددت إلي المبيع ) لم يجز، وهو المعروف عند الحنفية ببيع الوفاء.\rورأى الشافعية: أنه يصح العقد والشرط إن كان فيه مصلحة لأحد العاقدين كالخيار والأجل والرهن والكفالة. ويبطل البيع إن كان الشرط منافياً مقتضى العقد، مثل ألا يبيع المبيع أو لا يهبه، وهذا موافق للمالكية.\r-------------------------------\r(1) القوانين الفقهية: ص259، نيل الأوطار 169/5 .","part":5,"page":190},{"id":3036,"text":"وذهب الحنابلة إلى أنه لا يبطل البيع بشرط واحد فيه منفعة لأحد العاقدين، ويبطل بالشرطين، لقول النبي صلّى الله عليه وسلم : «لا يحل سلف وبيع، ولا شرطان في بيع، ولا بيع ما ليس عندك» (1) .\rوبناء عليه، أجمع العلماء إلى أنه لا يجوز اشتراط السلف من أحد المتبايعين، إذا عزم مشترطه عليه، فإن أسقطه جاز البيع عند المالكية، ولم يجز عند الجمهور.\r13 - الجمع في صفقة واحدة بين البيع وبين أحد ستة عقود: وهي الجعالة، والصرف، والمساقاة، والشركة، والنكاح، والقراض (المضاربة): هو فاسد ممنوع في المشهور عند المالكية.\rوأجازه أشهب، ونقل ابن جزي (2) أن ذلك وفاق للشافعي وأبي حنيفة.\rوأجاز المالكية الجمع بين البيع والإجارة، وبين البيعتين في البيعة ويكون هذا من باب الخيار. ومنع الجمهور ذلك، واعتبر الحنفية البيع فاسداً، والشافعية والحنابلة اعتبروه باطلاً.\rالبيوع الفاسدة أو الباطلة عند المالكية (3) :\rالباطل أو الفاسد في البيع يكون من خمسة أوجه وهي: ما يرجع إلى المتعاقدين، وما يرجع إلى الثمن وإلى المثمون، ويعرف ذلك في بيان الأركان، وما يرجع إلى الغرر، وما يرجع إلى الربا، والخامس ـ سائر البيوع المنهي عنها وهي عشرة:\r1 - بيع الطعام قبل قبضه.\r2 - بيع العينة.\r3 - بيع العربون.\r4 - بيع حاضر لباد.\r5 - تلقي السلعة على بعد ميل وهو ( 1848 م ).\r6 - بيع الإنسان على بيع أخيه بعد اطمئنان البائع لمن يسومه، وهو صحيح مع الإثم عند الجمهور، فاسد عند الحنابلة، والنهي عنه للتحريم، لما فيه من الإيذاء وإيقاع العداوة والشحناء بين المشترين.\r7 - البيع يوم الجمعة.\r8 - بيع الأم ولدها الصغير أو بيعه دونها.\r-------------------------------\r(1) رواه أبو داود والترمذي عن عبد الله بن عمرو.\r(2) القوانين الفقهية: ص 360.\r(3) القوانين الفقهية: ص 257-260، بداية المجتهد: 125/2، 146 ومابعدها، 158-168.","part":5,"page":191},{"id":3037,"text":"9 - بيع وشرط (بيع الثنيا).\r10 - الجمع في صفقة واحدة بين البيع وبين أحد ستة عقود وهي (الجعالة، والصرف، والمساقاة، والشركة، والنكاح، والقراض).\rالبيوع الباطلة لدى الشافعية (1) :\rهي كثيرة، أهمها واحد وثلاثون وهي:\r1 - بيع ما لم يقبض إلا في ميراث وموصى به ورزق سلطان عيِّن لمستحق في بيت المال قدر حصته أو أقل، وغنيمة، ووقف، وموهوب استرجع، وصيد في شبكة ونحوها، ومُسْلَم فيه،ومكترى ومشترك ومال قراض، ومرهون بعد انفكاكه.\r2 - بيع ما عَجَز عن تسليمه حالاً، كالطير في الهواء، إلا في ستة أشياء وهي: إجارة، وسَلَم، وغلة كثيرة لا يمكن كيلها إلا في زمن طويل، ومغصوب أو آبق لقادر عليه، وعَيْن من منقول أو عقار ببلد آخر و نحوه، فيصح البيع في كل منها وإن عجز عن تسليمه في الحال؛ لأن المشتري يصل إلى غرضه فيها.\r3 - بيع حَبَل الحَبَلة: كأن يقول: إذا نُتجت هذه الناقة، ثم نتجت التي في بطنها فقد بعتك ولدها، أو بأن يشتري شيئاً بثمن مؤجل بنتاج ناقة معيَّنة، ثم نتاج ما في بطنها.\r4 - بيع المضامين: وهي ما في أصلاب الفحول.\r5 - وبيع الملاقيح: وهي ما في بطون الإناث.\r6 - بيع بشرط إلا بشرط رَهْن أو كفيل أو إشهاد أو خيار، أو أجل، أو إعتاق، أو براءة من العيوب، فيبرأ عن عيب باطن بالحيوان لم يعلمه، أو نقل المبيع من مكان البائع أو قطع الثمار، أو تبقيتها بعد الصلاح، أو بشرط وصف يُقصد ككون الآلة الكاتبة تكتب بلغات معينة، أو بشرط ألا يُسَلِّم البائع المبيع حتى يستوفي ثمنه في الحال، أو بشرط الرد بعيب.\r7 - بيع الملامسة: كأن يلمس ثوباً مطوياً أو في ظلمة، ثم يشتريه على ألا خيار له إذا رآه، اكتفاءً بلمسه عن رؤيته.\r-------------------------------\r(1) تحفة الطلاب للشيخ زكريا الأنصاري: ص 152-158، حاشية الشرقاوي: 50/2-64.","part":5,"page":192},{"id":3038,"text":"8 - بيع المنابذة: بإن ينبُذ كل منهما ثوبه على أن أحدهما بالآخر، ولا خيار إذا عَرَفا الطول والعرض، أو بأن ينبذه إليه بثمن معلوم.\r9 - بيع المحاقلة: وهو بيع البر في سنبله.\r10 - بيع ما لم يُمْلَك إلا في سَلَم، وإجارة وربا واقعين على ما في الذمة، فيصح كل منهما، وإن كانت المنفعة والمسلم فيه والمبيع غير مملوكة حالة العقد، فيصح بيع المسلم فيه، كقدر من البر صفته كذا، وثوب صفته كذا، وإن لم يكن عند المسلم إلىه شيء من البر أو الثياب حال العقد. ويصح إجارة شيء في ا لذمة، كأن أجره دابة في ذمته ليركب عليها إلى مكة مثلاً أول شهر كذا، ولم يكن في ملكه وقت العقد شيء من نوع الدابة ولاجنسها، وبحصلها بعد ذلك. ويصح مبايعة مال ربوي في الذمة بمال آخر في الذمة، كأن يبيع شخص لآخر صاع بُرّ مثلاً بصاع آخر في ذمته، ولم يكن واحد منهما مالكاً له حال العقد، ثم قبل تفرقهما من المجلس يحصلان ذلك بقرض أو اتهاب أو نحوهما، ويتقابضان قبل التفرق.\rوالدليل على بطلان بيع غير المملوك خبر: «لا طلاق إلا فيما تملك، ولا عتق إلا فيما تملك، ولا بيع إلا فيما تملك» (1) وبناء عليه قالوا: بيع الفضولي باطل.\r11 - بيع لحم بحيوان ولو غير مأكول، كبيع لحم بقر ببقر أو بشاة، أو بحمار للنهي في خبر الترمذي.\r12 - بيع شاة لبون (2) بمثلها. وكذا بيع كل حيوان مأكول أو فيه بيض بمثله، لجهالة ما يقابل اللبن ونحوه من الثمن، فهو كبيع درهم وثوب بدرهم وثوب.\r13 - بيع الحصاة: كأن يبيعه من هذه الأثواب ما تقع عليه الحصاة.\r14 - بيع الماء الجاري أو النابع وحده ولو مدة معلومة؛ لأنه غير مملوك وللجهل بقدره؛ لأنه يزيد شيئاً فشيئاً ويختلط المبيع بغيره، فيتعذر التسليم. فإن باعه بشرط أخذه الآن صح. فإن كان راكداً، جاز بيعه، بشرط تقديره بكيل أو وزن أو مسح بالأذرع.\r-------------------------------\r(1) رواه الترمذي وحسنه.\r(2) أي ذات لبن يقصد حلب مثله.","part":5,"page":193},{"id":3039,"text":"15 - بيع الثمرة قبل بدو الصلاح بغير شرط القطع، أي بشرط الإبقاء أو مطلقاً للنهي عن بيعها قبل الصلاح، أما بيعها بشرط القطع قبل الصلاح أو بغيره بعده فجائز. فإن باع نخلاً وعليه ثمرة مؤبرة، فهي للبائع، أو غير مؤبرة فللمشتري.\r16، 17 - بيع رُطب بمثله أو بتمر، أو بيع عنب بمثله أو بزبيب، للجهل الآن بالمماثلة وقت الجفاف، لأنه «صلّى الله عليه وسلم سئل عن بيع الرطب بالتمر، فقال: أينقص الرطب إذا جف؟ فقالوا: نعم، فقال: فلا إذن» (1) . لكن يجوز البيع للحاجة فيما دون خمسة أوسق (2) .\r18، 19 - بيع بُرّ بمثله أو بجاف، متفاضلين إن اتحد الجنس، للجهل بالمماثلة ولتحقق الربا.\r20، 21، 22 - بيع لحم طري بمثله، أو بقديد، وبيع يابس بمثله متفاضلين إن اتحد الجنس، لتحقق الربا، مثل بيع لحم بقر بمثله متفاضلين.\rويلاحظ أن أنواع اللحوم والألبان والأدهان والسمك والخلول وأنواع الخبز أجناس مختلفة كأصولها، فيجوز بيع جنس منها بآخر متفاضلين، فيجوز بيع لحم بقر بلحم ضأن متفاضلين.\r23 - بيع نجس ككلب للنهي عن ثمنه، وكخنزير.\r24، 25 ، 26 - بيع حر وأم ولد ومكاتب.\r27 - بيع حشرات كعقارب وفئران،إذ لا نفع فيها يقابل بالمال.\r28 - بيع عَسْب الفحل: وهو أجر ضرابه، للنهي عنه في خبر البخاري.\r29 - بيع عبد مسلم من كافر، لما في ملكه له من الإهانة.\r30 - بيع الغرر كمسك في صوانه، وصوف على ضهر غنم، للجهل بقدر المبيع.\r31 - بيع العرايا: وهو بيع الرطب على الشجر بتمر، أو العنب على الشجر بزبيب على الأرض في خمسة أوسق فأكثر، ويجوز فيما دونها بعد بدو الصلاح؛ لأنه صلّى الله عليه وسلم رخص في ذلك في الرطب، وقيس به العنب؛ لأن كلاً منهما ربوي، وذلك إن خرص ماعلى الشجر وكيل الآخر، لا إن وزن أحدهما وخرص الآخر.\r-------------------------------\r(1) رواه الترمذي وصححه.\r(2) تساوي 653 كغ أي قنطارين ونصف.","part":5,"page":194},{"id":3040,"text":"هذا .. وتعرف أنواع البيوع الباطلة عند الحنابلة مما ذكرته في شروط البيع.\rوالبيوع المحرمة غير الباطلة عند الشافعية ثمانية (1) وهي:\r1 - بيع المصرَّاة: وهي الدابة التي يترك حلبها عمداً أياماً ليجتمع اللبن في ضرعها، فيتوهم المشتري كثرة اللبن فيها، فيقبل على شرائها. وهو بيع حرام صحيح، للنهي عنه في حديث أبي هريرة عند البخاري ومسلم: «لاتصروا الإبل والغنم..» .\r2 - بيع الحاضر للبادي: وهو أن يتصدى شخص من أهل البلد لمن يريد بيع متاعه من أهل البادية أو غيرها، قائلاً له: لا تبع هذه البضاعة وانتظر حتى أبيعها لك تدريجياً، علماً بأن أهل البلد بحاجة إليها. وهو حرام لحديث ابن عباس عند البخاري ومسلم: «لا يبع حاضر لباد» .\r3 - تلقي الركبان: وهو استقبال القادمين بالبضائع خارج البلد لشرائها منهم بسعر أقل من ثمن السوق العام. وهو حرام لحديث أبي هريرة عند مسلم: «لاتلقوا الركبان للبيع» .\r4 - الاحتكار: وهو تخزين البضائع التي هي أقوات الناس وانتظار غلاء أسعارها مع حاجة الناس إلىها. وهو حرام لحديث معمر بن عبد الله العدوي عن مسلم: «لايحتكر إلا خاطئ» أي آثم عاصٍ، للتضييق على الناس.\r5 - بيع النّجْش: وهو أن يزيد شخص في ثمن السلعة دون قصد شرائها، لإيهام غيره بزيادة الثمن، وهو حرام لحديث عبد الله بن عمر عند البخاري ومسلم: «نهى النبي صلّى الله عليه وسلم عن النجْش» .\r6 - السوم على السوم والبيع على بيع غيره والشراء على الشراء:\r-------------------------------\r(1) مغني المحتاج: 35/2-38.","part":5,"page":195},{"id":3041,"text":"يحرم السوم على سوم غيره بعد استقرار الثمن، ويحرم البيع على بيع غيره قبل لزوم البيع في زمن خيار المجلس أو الشرط لتمكنه من الفسخ، بأن يأمر المشتري بالفسخ ليبيعه مثل المبيع بأقل من هذا الثمن أو خيراً منه بمثل ثمنه أو أقل. ويحرم الشراء على الشراء في زمن الخيار بأن يأمر المشتري البائع بفسخ البيع ليشتريه بأكثر من ثمنه الذي اشتراه به غيره. والأدلة أحاديث وهي حديث البخاري ومسلم: «لا يسُم المسلم على سوم أخيه» وحديث الصحيحين: «لا يبع بعضكم على بيع بعض» أو «لا يبع الرجل على بيع أخيه» زاد النسائي: «حتى يبتاع أو يذر» وفي معناه الشراء على الشراء. وحكمة التحريم الإيذاء وإثارة العداوة والبغضاء. 7 - البيع لمن يعلم أن جميع ماله حرام: كأن يعلم أن مال المشتري ثمن خمر أو خنزير أو ميتة أو كلب، و أن كسبه غير مشروع كالرشوة أو اليانصيب أو القمار أو أجرة عمل حرام كالنواح والرقص ومهر البغي.\rفإن لم يكن جميع ماله حراماً، بل كان خليطاً من حرام وحلال، كان التعامل معه مكروهاً، لحديث النعمان بن بشير: «الحلال بيِّن، والحرام بيّن، وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام» .\r8 - بيع الرُّطب والعنب لعاصر الخمر: يحرم بيع الرطب والعنب ونحوها كتمر وزبيب لعاصر الخمر والنبيذ، أي لمتخذها لذلك بأن يعلم منه ذلك أو يظنه ظناً غالباً.\rومثل ذلك بيع الغلمان المرد ممن عرف بالفجور بالغلمان، وبيع السلاح من باغ وقاطع طريق ونحوهما، وكذا كل تصرف يفضي إلى معصية. أما إذا شك فيما ذكر أو توهمه فالبيع مكروه.","part":5,"page":196},{"id":3042,"text":"المبحث الخامس ـ الخيارات\rعرفنا سابقاً أن العقد اللازم هو الخالي من أحد الخيارات التي تسوغ لأحد العاقدين فسخه وإبطاله.\rومعنى الخيار: أن يكون للمتعاقد الخيار بين إمضاء العقد وعدم إمضائه بفسخه إن كان الأمر أمر خيار شرط أو رؤية أو عيب، أو أن يختار أحد المبيعين إن كان الأمر أمر خيار التعيين (1) ، علماً بأن الأصل في البيع اللزوم؛ لأن القصد منه نقل الملك، إلا أن الشارع أثبت فيه الخيار رفقاً بالمتعاقدين.\rعدد الخيارات :\rذكر الحنفية (2) سبعة عشر خياراً وهي خيار الشرط، والرؤية، والعيب، والوصف، والنقد، والتعيين، والغبن مع التغرير، وهذه السبعة هي التي ذكرتها المجلة (م 300-360)، وخيار الكمية، والاستحقاق، والتغرير الفعلي، وكشف الحال، وخيانة المرابحة والتولية، وتفريق الصفقة بهلاك بعض المبيع، وإجازة عقد الفضولي، وتعلق حق الغير بالمبيع بسبب كونه مستأجراً أو مرهوناً.\rوقال المالكية (3) : الخيار نوعان: خيار التروي أي التأمل والنظر للبائعين أو لغيرهما، وهو خيار الشرط الذي ينصرف إليه لفظ الخيار عند الإطلاق. وخيار نقيصة: وهو ماكان موجبه نقصاً في المبيع من عيب أو استحقاق، ويسمى الحكمي؛ لأنه جرَّ إليه الحكم.\rوأما خيار المجلس: فهو باطل عندهم، وهو رأي الفقهاء السبعة بالمدينة وأبي حنيفة، ويتم البيع بالقول ( الإيجاب والقبول ) وإن لم يفترقا من المجلس. وأجازه الشافعي وابن حنبل وسفيان الثوري وإسحاق، فإذا تم العقد، فالعاقدان بالخيار مالم يفترقا من المجلس ، للحديث الصحيح المتقدم في بحث هذا الخيار في ركن البيع.\rوقال الشافعية (4) : الخيار نوعان: خيار التشهي، وخيار النقيصة. وخيار التشهي: مايتعاطاه المتعاقدان باختيارهما وشهوتهما من غير توقف على فوات أمر في المبيع، وسببه المجلس أو الشرط. وخيار النقيصة: سببه خُلْف لفظي أو تغرير\r-------------------------------\r(1) الأموال ونظرية العقد للدكتور محمد يوسف موسى: ص 466.\r(2) الدر المختار: 47/4.\r(3) الشرح الكبير: 91/3، القوانين الفقهية: ص 272-274، بداية المجتهد: 169/2.\r(4) مغني المحتاج: 43/2، تحفة الطلاب: ص150-152، حاشية الشرقاوي: 40/2-50.","part":5,"page":197},{"id":3043,"text":"فعلي أو قضاء عرفي، ومنه خيار العيب، والتصرية (1) ، والخلف، وتلقي الركبان، ونحو ذلك.\rوبناء عليه، الخيار المشروع عند الشافعية ستة عشر، وهي مايأتي:\r1 - خيار المجلس، لثبوت مشروعيته في الصحيحين.\r2 - خيار الشرط: وأكثر مدته ثلاثة أيام، لثبوت ذلك في خبر البيهقي وغيره، فإن زاد عليها، لم يصح العقد؛ لأنه صار شرطاً فاسداً.\r3 - خيار العيب عند الاطلاع عليه، سواء أكان موجوداً قبل البيع، أم بعده وقبل القبض، لثبوت ذلك في خبر الترمذي وغيره.\r4 - خيار تلقي الركبان إذا وجدوا السعر أغلى مما ذكره المتلقي، لثبوته في خبر الصحيحين.\r5 - خيار تفرق الصفقة بعد العقد كتلف أحد المبيعين قبل القبض، أو قبل العقد كبيع حلال وحرام إن جهل المشتري الحال.\r6 - خيار فقد الوصف المشروط في العقد: أي وصف يقصد، ليخرج غيره كالزنا والسرقة، فإنه لا خيار بفقده.\r7، 8 - الخيار لجهل الغصب مع القدرة على انتزاع المعقود عليه من الغاصب، دفعاً للضرر، ولطريان العجز عن انتزاعه من الغاصب، مع العلم بالغصب.\r9 - الخيار لجهل كون المبيع مكترى أو مزروعاً.\r10 - الخيار للامتناع من الوفاء بالشرط الصحيح، كشرط رهن أو كفيل في البيع.\r11 - الخيار للتحالف فيما إذا اتفقا على صحة العقد، واختلفا في كيفيته، فيفسخانه أو أحدهما أو الحاكم إن لم يتراضيا. ويكون الفسخ بعد حلف كل منهما يميناً على دعوى الآخر.\r-------------------------------\r(1) التصرية: ربط أخلاف (حلمات ثدي) الناقة أو ضرع الشاة ونحوها لتجميع أو حبس اللبن في الضرع، فيظن المشتري أنها غزيرة اللبن، وهو أحد أمثلة التغرير الفعلي أو التغرير في الوصف.","part":5,"page":198},{"id":3044,"text":"12 - الخيار للبائع لظهور زيادة الثمن في المرابحة: فلو قال البائع: اشتريت هذا بمئة، وباعه بمئة، وربح درهم لكل عشرة، ثم زعم أنه كان اشتراه بمئة وعشرة، وصدقه المشتري، ثبت للبائع الخيار؛ لأنه لاتثبت له العشرة المذكورة.\r13 - الخيار للمشتري لاختلاط الثمرة المبيعة بالمتجددة قبل التخلية، إن لم يهبه البائع ماتجدد.\r14 - الخيار للعجز عن الثمن: بأن عجز عنه المشتري، والمبيع باق عنده، لثبوت ذلك في الصحيحين.\r15 - الخيار لتغير صفة مارآه قبل العقد، وإن لم يكن عيباً.\r16 - الخيار لتعيب الثمرة بترك البائع السقي بعد التخلية.\rوقال الحنابلة (1) : الخيار ثمانية أنواع:\rخيار المجلس، والشرط، والغبن، والتدليس، والعيب، والخيانة، وخيار اختلاف المتبايعين في الثمن ، والمؤجر والمستأجر في الأجرة، وخيار تفرق الصفقة.\rوأبحث بعون الله تعالى بالتفصيل الخيارات الثلاثة المشهورة: وهي خيار الشرط، وخيار العيب، وخيار الرؤية. أما بقية الخيارات فأكتفي ببيانها الإجمالي، علماً بأن خيار المجلس سبق الكلام عليه تفصيلاً.\r-------------------------------\r(1) كشاف القناع: 166/3، 186-187، 190، 199، 201، 203، 217، 224، ط مكة.","part":5,"page":199},{"id":3045,"text":"1 - خيار الوصف (1) ، أو خيار فوات الوصف المرغوب فيه :\rهو في مذهب الحنفية : أن يكون المشتري مخيراً بين أن يقبل بكل الثمن المسمى أو أن يفسخ البيع حيث فات وصف مرغوب فيه، في بيع شيء غائب عن مجلس العقد. مثاله أن يشتري شيئاً يشترط فيه صفة معينة غير ظاهرة، وإنما تعرف بالتجربة، ثم يتبين عدم وجودها، أو يشتري بقرة على أنها حلوب، فظهرت غير حلوب، أو يشتري جوهرة على أنها أصلية، فظهرت أنها تقليد صناعي للأصلية، فيكون المشتري مخيراً إن شاء فسخ البيع، وإن شاء أخذ المبيع بجميع الثمن المسمى؛ لأن هذا وصف مرغوب فيه، يستحق في العقد بالشرط، فإذا فات أوجب التخيير؛ لأن المشتري مارضي به دونه، فصار كفوات وصف السلامة.\rوأما سبب أخذه بجميع الثمن في رأي الحنفية: فهو لأن الأوصاف لايقابلها شيء من الثمن، لكونها تابعة في العقد.\rودليل مشروعيته: الأخذ باستحسان المصلحة على خلاف القياس. ويعده الشافعية والحنابلة داخلاً في خيار العيب.\rوشروطه ثلاثة :\r1ً - أن يكون الوصف المشروط مباحاً شرعاً: فإذا كان حراماً لم يصح.\r2ً - أن يكون الوصف مرغوباً فيه عادة: فإذا لم يكن مرغوباً فيه في العرف، لغا الشرط، وصح البيع، ولا خيار، مثل وصف الذكورة والأنوثة في الحيوانات، فمن اشترى شيئاً على أنه ذكر فإذا هو أنثى، صح البيع ولم يثبت الخيار.\r3ً - ألا يكون تحديد الوصف المرغوب فيه مؤدياً إلى جهالة مفضية للمنازعة؛ فإن فعل فسد البيع والشرط، كأن يشترط في البقرة الحلوب أن تحلب كذا رطلاً يومياً، فهذا شرط فاسد؛ لأنه لايمكن ضبطه.\rأحكام هذا الخيار :\rأ - يورث خيار الوصف، فلو مات المشتري الذي له خيار الوصف، فظهر المبيع خالياً من ذلك الوصف، كان للوارث حق الفسخ.\rب - إذا تصرف المشتري الذي له خيار الوصف بالمبيع تصرف الملاك، بطل خياره.\rجـ - يثبت للمشتري الحق في فسخ البيع أو استبقاء المبيع بجميع الثمن، فإن هلك المبيع أو تعيب في يده، فله الرجوع على البائع بمقدار نقص المبيع بسبب فوات الوصف المرغوب فيه، ويعرف ذلك بتقويم المبيع مع الوصف، وبدون الوصف، ويضمن المشتري الفرق بينهما.\r-------------------------------\r(1) رد المحتار: 49/4، المجلة: م/310-312، فتح القدير: 135/5 ومابعدها.","part":5,"page":200},{"id":3046,"text":"2 - خيار النقد (1) :\rهو فرع عن خيار الشرط، وهو أن يشترط المتبايعان في عقد البيع بالنسيئة أن المشتري إذا لم يدفع الثمن في الأجل المعين، وهو ثلاثة أيام، فلا بيع بينهما. فإن اشترى على هذا النحو على أنه إن لم ينقد ( يدفع ) الثمن إلى أربعة أيام، لم يصح خلافاً لمحمد؛ لأن هذه هي المدة المشروعة في خيار الشرط. وراعى محمد مصلحة العاقدين في اشتراطه إلى أي مدة كانت.\rفإن نقد في مدة الثلاثة أيام، جاز باتفاق الحنفية؛ لأن خيار النقد ملحق بخيار الشرط. وهو جائز أيضاً عند الحنابلة كشرط الخيار، لكن ينفسخ البيع عندهم إن لم ينقد المشتري الثمن في المدة. أو هو أن يشترط البائع على المشتري أنه إذا رد الثمن إلى المشتري في مدة ثلاثة أيام، فلا بيع بينهما، فله وجهان إذن.\rوالفرق بينه وبين خيار الشرط: أن الأصل في خيار الشرط اللزوم، فإذا انتهت المدة المشروطة دون فسخ، لزم. أما خيار النقد فالأصل فيه عدم اللزوم، فإذا لم ينقد الثمن في الثلاث فسد البيع إذا بقي المبيع على حاله، ولاينفسخ، بدليل أن المشتري يتملك المبيع بالقبض. وعند الحنابلة: ينفسخ البيع، وقد أجازه الحنفية عدا زفر؛ لأنه داخل في خيار الشرط، ولم يجزه زفر؛ لأنه شرط ليس من مقتضى العقد، وفيه مصلحة لمن شرط له.\rحكم سقوطه :\r1 - إذا مات المشتري المخير بخيار النقد في أثناء مدة الخيار، بطل البيع.\r2 - إذا تصرف المشتري بالمبيع بالبيع ونحوه في مدة الخيار، قبل أن ينقد الثمن، سقط خياره، وصح بيعه ولزم، ولزم المشتري نقد الثمن.\r3 - إذا أتلف المشتري أو الأجنبي المبيع في مدة الخيار بعد القبض، سقط به الخيار، للعجز عن الرد.\r4 - إذا أحدث المشتري في المبيع عيباً يمنع رده للبائع، ولم ينقد الثمن، سقط الخيار، ويخير البائع حينئذ بين أخذ المبيع ناقصاً، ولا شيء له من الثمن، وبين تركه وأخذ الثمن.\r-------------------------------\r(1) المبسوط: 50/13، فتح القدير مع العناية: 114/5 ومابعدها، رد المحتار والدر المختار: 51/4، المجلة: م/313-315، كشاف القناع: 184/3.","part":5,"page":201},{"id":3047,"text":"3 - خيار التعيين (1) :\rهو أن يتفق العاقدان على تأخير تعيين المبيع الواجب التعيين إلى أجل، على أن يكون حق تعيينه لأحدهما، مثل أن يشتري أحد ثوبين أو ثلاثة غير معين على أن يأخذ أيهما شاء، على أنه بالخيار ثلاثة أيام.\rوله وجهان كخيار النقد: إما أن يأخذ المشتري أحد الأشياء المبيعة بالثمن الذي بينه له البائع لكل واحد، أو يعطي البائع أي واحد أراد من الأشياء المعينة، وله أن يلزم المشتري به إلا إذا تغيب فلا يلزمه إلا بالرضا. ولو هلك أحدهما كان له أن يلزمه بالباقي.\rأجازه الحنفية استحساناً لحاجة الناس إليه، بالرغم من الجهالة، عملاً بالمصلحة والعرف للحاجة إلى اختيار ما هو الأوفق والأرفق، وأبطله الشافعية والحنابلة للجهالة.\rوالأصح عند الحنفية أنه لا يشترط اقترانه بخيار الشرط، وإنما يجوز للعاقدين ذلك.\rشروطه: اشترط الحنفية لهذا الخيار شروطاً هي ما يأتي:\r1 - أن يكون التخيير على شيء من اثنين أو ثلاثة فقط: فإذا كان على شيء من أربعة لم يجز؛ لأن الحاجة في الثلاثة، لانقسام الأشياء إلى جيد ووسط ورديء.\r2 - أن يوافق البائع صراحة على خيار التعيين: بأن يقول للمشتري: بعتك أحد الشيئين أو الثلاثة على أنك بالخيار في واحد منها، فإن لم يوافق على ذلك، فسد البيع للجهالة.\r3 - أن يكون البيع في القيميات كأنواع الألبسة والمفروشات، لا في المثليات كالكتب المطبوعة الجديدة، لعدم الفائدة في التخيير بينها لعدم تفاوتها.\r4 - أن تكون مدته كمدة خيار الشرط: وهي ثلاثة أيام عند أبي حنيفة، وأي مدة معلومة كانت عند الصاحبين.\rأحكامه :\rأ ـ يلزم البيع في واحد غير معين من أفراد المبيع المتفق عليها، ويلزم صاحب الحق في الخيار أن يعين الشيء الذي يأخذه في انقضاء المدة التي عينت ودفع ثمنه.\r-------------------------------\r(1) فتح القدير مع العناية: 125/5، 130، رد المحتار: 60/4 وما بعدها، المجلة: م 316-319.","part":5,"page":202},{"id":3048,"text":"ب ـ يورث هذا الخيار عند الحنفية، بخلاف خيار الشرط، فلو مات من له الخيار قبل التعيين، يكون الوارث مجبراً أيضاً على تعيين أحد المبيعات ودفع ثمنه.\rجـ ـ هلاك أو تعيب أحد الأشياء أو كلها:\rإذا هلك أحد المبيعين تعين الآخر مبيعاً، وكان الباقي أمانة في يد المشتري. وإذا هلك المبيعان معاً، ضمن المشتري نصف ثمن كل منهما لعدم التعيين، وإن هلك المبيعان على التعاقب، تعين الأول مبيعاً. فلو اختلف العاقدان في الهالك أولاً، فالقول للمشتري بيمينه، وبينة البائع أولى. والتعيب كالهلاك في الأحوال المذكورة. ولو باع المشتري المبيعين ثم اختار أحدهما، صح بيعه فيه. والمبيع مضمون بالثمن، وغيره أمانة.\r4 - خيار الغبن (1) :\rهذا الخيار مشروع عند الحنفية إذا اشتمل الغبن على تغرير، فيسمى خيار الغبن مع التغرير: وهو أن يغرر البائع المشتري أو بالعكس تغريراً قولياً وهو التغرير في السعر، أو تغريراً فعلياً وهو التغرير في الوصف، ويكون الغبن فاحشاً: وهو مالا يدخل تحت تقويم المقومين. أما الغبن اليسير: وهو ما يدخل تحت تقويم المقومين، فلا يؤثر، إذ لا يتحقق كونه زيادة، أما الفاحش فزيادته متحققة (2) . فيثبت حينئذ حق إبطال العقد دفعاً للضرر عنه.\rوالتغرير القولي في السعر: كأن يقول البائع أو المؤجر للمشتري أو للمستأجر: يساوي هذا الشيء أكثر ولا تجد مثله، أو دفع لي فلان فيه كذا، وكل ذلك كذب.\rوالتغرير الفعلي في الوصف: يكون بتزوير وصف في محل العقد يوهم المتعاقد في المعقود عليه مزية ما غير حقيقية، كتوجيه البضاعة المعروضة للبيع، بجعل الجيد منها في الأعلى، وجعل الرديء منها في الأسفل. ومنه التصرية: جمع اللبن في الضرع، وهي حرام، توجب الخيار للعاقد المغرور كفوات الصفة المشروطة. أما تدليس العيب: وهو كتمان أحد المتعاقدين عيباً خفياً يعلمه في محل العقد عن المتعاقد الآخر في عقود المعاوضة، فهو المسمى عندهم خيار العيب.\r-------------------------------\r(1) رد المحتار: 47/4، المجلة: م/256-360.\r(2) البدائع: 30/6.","part":5,"page":203},{"id":3049,"text":"وحكمه: إعطاء المغبون المغرور حق خيار فسخ العقد دفعاً للضرر عنه، نظراً لعدم تحقق رضاه، بسبب التغرير والغبن الفاحش. وإذا مات المغرور بغبن فاحش لاتنتقل دعوى التغرير لوارثه.\rويسقط حق المغرور في الفسخ للمشتري إذا تصرف في المبيع بعد أن اطلع على الغبن الفاحش، أو بنى بناء في الأرض المشتراة، أو إذا هلك المبيع أو استهلك أو حدث فيه عيب.\rوقال الحنابلة (1) : هناك خيار غبن، وخيار تدليس، وخيار عيب.\rأما خيار الغبن عند الحنابلة فيثبت في ثلاث صور:\rإحداها ـ تلقي الركبان: وهم القادمون من السفر بجلوبة: (وهي ما يجلب للبيع) وإن كانوا مشاة، وهو عند الجمهور: يحرم، وقال الحنيفة: يكره، ولو كان تلقيهم بغير قصد التلقي لهم. فإذا اشترى المتلقي منهم أو باعهم شيئاً، ثبت لهم الخيار إذا هبطوا السوق، وعلموا أنهم قد غبنوا غبناً يخرج عن العادة، لقوله عليه السلام: «لا تلقوا الجَلَب فمن تلقاه فاشترى منه، فإذا أتى السوق، فهو بالخيار» (2) .\rوالثانية ـ النجش: وهو أن يزيد في السلعة من لا يريد شراءها. وهو حرام، لما فيه من تغرير المشتري وخديعته، فهو في معنى الغش، ويثبت للمشتري بالنجش الخيار إذا غبن غبناً غير معتاد.\rولا يتم النجش إلا بحذق من زاد في السلعة، وأن يكون المشترى جاهلاً، فلو كان عارفاً واغتر بذلك، فلا خيار له لعجلته وعدم تأمله.\rفإن زاد من لا يريد الشراء بغير مواطأة مع البائع، أو زاد البائع في الثمن بنفسه، والمشتري لا يعلم ذلك، فيخير المشتري لوجود التغرير بين رد المبيع وإمساكه.\r-------------------------------\r(1) المغني: 134/4-142، كشاف القناع: 199/3، 201، 203، ط مكة.\r(2) رواه مسلم من حديث أبي هريرة.","part":5,"page":204},{"id":3050,"text":"الثالثة ـ بيع المسترسل أو إجارته: وهو الجاهل بالقيمة، من بائع ومشتر، ولا يحسن المماكسة. فله الخيار إذا غبن غبناً غير معتاد. ويقبل قوله بيمينه أنه جاهل بالقيمة، ما لم تكن قرينة تكذبه في دعوى الجهل، فلا تقبل منه.\rوخيار الغبن كخيار العيب على التراخي عندهم.\rوأما خيار التدليس: فهو بسبب التغرير، والعقد معه صحيح، والتدليس حرام وهو نوعان:\rأحدهما ـ كتمان العيب، ويسمى هذا عند الحنفية خيار العيب.\rوالثاني ـ فعل يزيد به الثمن، وإن لم يكن عيباً، كجمع ماء الرحى وإرساله عند عرضها للبيع، ليزيد دورانها بإرسال الماء بعد حبسه، فيظن المشتري أ ن ذلك عادتها، فيزيد في الثمن. ومنه تحسين وجه الصبرة (الكومة)، وصقل السكاف وجه الحذاء، وتصنع النساج وجه الثوب، والتصرية أي جمع اللبن في ضرع بهيمة الأنعام، ونحو ذلك. وهذا النوع هو المسمى عند الحنفية بالتغرير الفعلي في الوصف.\rوالتدليس بنوعيه يثبت للمشتري خيار الرد إن لم يعلم به، أو الإمساك، لقوله عليه السلام: «لا تصروا الإبل والغنم، فمن ابتاعها فهو بخير النظرين بعد أن يحلبها، إن شاء أمسك، وإن شاء ردها، وصاعاً من تمر» (1) . وغير التصرية من التدليس ملحق بها.\rوقد أخذ الجمهور وأبو يوسف بمضمون هذا الحديث: وهو التخيير بعد الحلب بين إمساك المبيع إن رضيه، وبين رده مع صاع من تمر إن سخطه.\rوقال أبو حنيفة ومحمد: يرجع المشتري بالنقصان فقط إن شاء.\rوأما خيار العيب عند الحنابلة: فهو بسبب نقص عين المبيع، كخصاء، ولو لم تنقص به القيمة، بل زادت، أو نقص قيمته عادة في عرف التجار، وإن لم تنقص عينه.\r-------------------------------\r(1) متفق عليه من حديث أبي هريرة مرفوعاً.","part":5,"page":205},{"id":3051,"text":"5 - خيار كشف الحال (1) :\rوهو أن يشتري شيئاً بوزن غير معلوم القدر، أو بكيل غير معلوم المقدار، كأن يشتري بوزن هذا الحجر ذهباً، أو هذه الصبرة (الكومة) كل صاع بكذا، يصح البيع في الحالتين، ويكون للمشتري الخيار: إن شاء أمضى البيع وإن شاء فسخه.\r6 - خيار الخيانة (2) :\rهو الذي يثبت في بيوع الأمانة من تولية أو شركة أو مرابحة أو وضيعة إذا أخبر البائع المشتري بزيادة في الثمن أو نحو ذلك، كإخفاء تأجيله، ثم يظهر كذبه أو خيانته بإقرار أو برهان على ذلك، أو بما عند الحنفية أيضاً بنكول عن اليمين. ويخير المشتري بسبب ذلك عند الحنفية والمالكية بين أخذ المبيع بكل ثمنه، أو رده لفوات الرضا، وله الحط من الثمن قدر الخيانة في التولية.\rوقال الشافعية في الأظهر والحنابلة: لا خيار للمشتري بسبب الخيانة، وإنما له الحط من الثمن مقدار الخيانة.\r-------------------------------\r(1) حاشية ابن عابدين: 47/4.\r(2) ابن عابدين: 47/4، الشرح الكبير مع الدسوقي: 168/3 وما بعدها، مغني المحتاج: 79/2، كشاف القناع: 217/3 ومابعدها.","part":5,"page":206},{"id":3052,"text":"7 - خيار تفرق الصفقة (1) :\rهو الذي يثبت للمشتري بسبب تجزئة المبيع، فيكون له الخيار بين فسخ البيع واسترداد الثمن كله إن دفعه، أو أخذ باقي المبيع مع حسم ما يقابل العيب أو الهلاك من ا لثمن. وله صور متعددة.\rفيثبت عند الحنفية بهلاك أو تعيب بعض المبيع بيد البائع قبل قبض المشتري، ومجمل حكم الهلاك: أنه إن كان بآفة سماوية أو بفعل البائع يبطل البيع، وإن كان بفعل أجنبي يتخير المشتري إن شاء فسخ البيع، وإن شاء أجاز، وضمَّن المستهلك.\rوقال المالكية: يثبت هذا الخيار في حالة كون المبيع معيباً، أو استحقاق بعض مبيع متعدد اشتري صفقة واحدة، فإن كان وجه الصفقة نقضت، ولا يجوز له التمسك بالباقي، وإن كان غير وجهها، جاز التمسك به، وأخذ الباقي بالتقويم، لابنسبته من الثمن المسمى، فيقال: ما قيمة هذا الباقي؟ فإذا قيل: ثمانية، قيل: وماقيمة المستحق أو المتعيب؟ فإذا قيل: اثنان، رجع المشتري على بائعه بخمس الثمن الذي دفعه له.\rوقال المالكية أيضاً: إذا اشتملت الصفقة على حلال وحرام كالعقد على سلعة، وخمر أو خنزير أو غير ذلك، فالصفقة كلها باطلة، ولو باع الرجل ملكه وملك غيره في صفقة واحدة، صح البيع فيهما، ولزمه في ملكه، وتوقف اللزوم في ملك غيره على إجازته.\rوذكر الشافعية لتفريق الصفقة وتعددها ثلاثة أقسام:\rالأول ـ إذا باع شخص في صفقة واحدة حلالاً وحراماً كشاة مذكاة وميتة، أو خل وخمر، أو شاة وخنزير، أو شيئاً له وشيئاً لغيره، أو شيئاً مشتركاً بغير إذن الشريك الآخر، صح البيع في الحلال المملوك له، وبطل في غيره في الأظهر، إعطاءً لكل منهما حكمه. ويكون الخيار للمشتري إن جهل الحال لضرر التبعيض بين أخذ حصة الحلال من الثمن المسمى باعتبار قيمة كل منهما أي من الحلال والحرام، أو أن يفسخ البيع. ولا خيار للبائع؛ لأنه المفرط في البيع ببيع ما لا يملكه، وبالطبع في ثمن ما لا يستحقه.\rالثاني ـ إذا باع شخص متاعين مثلاً، فتلف أحدهما قبل قبضه، انفسخ البيع في التالف، ولم ينفسخ في الآخر على المذهب، بل يتخير المشتري بين الفسخ والإجازة، فإن أجاز أخذ الباقي بالحصة من المسمى باعتبار قيمته وقيمة التالف؛ لأن الثمن قد توزع عليهما في مبدأ البيع، فلا يتغير بهلاك أحدهما.\r-------------------------------\r(1) ابن عابدين: 47/4، الشرح الكبير مع الدسوقي: 469/3، القوانين الفقهية: ص 260، مغني المحتاج: 40/2، المهذب: 269/1، المغني: 238/4، كشاف القناع: 166/3 ومابعدها، 291.","part":5,"page":207},{"id":3053,"text":"الثالث ـ لو جمع في صفقة عقدين مختلفي الحكم كإجارة وبيع، مثل: آجرتك داري شهراً، وبعتك ثوبي هذا بدينار، وكإجارة وسلم مثل: آجرتك داري شهراً وبعتك صاع قمح في ذمتي سلماً بكذا، صح العقدان في الأظهر، ويوزع المسمى على قيمة المعقود عليهما، أي قيمة المؤجر من حيث الأجرة، وقيمة المبيع أو المسلم فيه.\rوتتعدد الصفقة بتفصيل الثمن من البائع: كبعتك ذا بكذا، وذا بكذا. وبتعدد البائع: كبعناك هذا بكذا، والمبيع مشترك بينهما.\rوكذا بتعدد المشتري: كبعتكما هذا بكذا، في الأظهر.\rوالخلاصة: إن في تفريق الصفقة قولين عند الشافعية، أظهرهما ـ أن البيع يبطل فيما لا يجوز، ويصح فيما يجوز؛ لأنه ليس بطلانه فيهما لبطلانه في أحدهما بأولى من تصحيحه فيهما، لصحته في أحدهما؛ فبطل حمل أحدهما على الآخر، وبقيا على حكمهما، فصح فيما يجوز، وبطل فيما لا يجوز. والقول الثاني أن الصفقة لا تفرق، فيبطل العقد فيهما.\rوقال الحنابلة: معنى تفريق الصفقة: أي تفريق ما اشتراه في عقد واحد: وهو أن يجمع بين ما يصح بيعه وما لا يصح بيعه، صفقة واحدة بثمن واحد. ولهذا الجمع ثلاث صور:\rإحداها ـ أن يبيع شخص معلوماً ومجهولاً تجهل قيمته أي يتعذر علمه، فلا مطمع في معرفته، مثل: بعتك هذه الفرس، وما في بطن هذه الفرس الأخرى بكذا، فلا يصح البيع فيهما؛ لأن المجهول لا يصح بيعه لجهالته، والمعلوم مجهول الثمن، ولا سبيل إلى معرفته؛ لأن معرفته إنما تكون بتقسيط الثمن عليهما، وحمل الفرس لا يمكن تقويمه، فيتعذر التقسيط.\rالثانية ـ أن يبيع شخص مشاعاً بينه وبين غيره بغير إذن شريكه، فيصح البيع في نصيبه بقسطه، كما قال الشافعية في القسم الأول، وللمشتري الخيار بين الرد والإمساك إذا لم يكن عالماً بأن المبيع مشترك بينه وبين غيره؛ لأن الشركة عيب. فإن كان عالماً فلا خيار له ولا للبائع أيضاً. وللمشتري الأرش إن أمسك فيما ينقصه التفريق، كزوج خف.","part":5,"page":208},{"id":3054,"text":"الثالثة ـ أن يبيع رجل متاعه ومتاع غيره بغير إذنه صفقة واحدة، أو يبيع خلاً وخمراً صفقة واحدة، فيصح البيع في متاعه بقسطه دون متاع غيره، ويصح في الخل بقسطه من الثمن، فيوزع على قدر قيمة المبيعين ليعلم ما يخص كلاً منهما. ويقدر الخمر إذا بيع مع الخلّ خلاً، ليقسط الثمن عليهما، ولا خيار للبائع. وهذه الصور وما قبلها هي النوع الأول عند الشافعية. وقال الحنابلة أيضاً: إذا وقع العقد على مكيل أو موزون، فتلف بعضه قبل قبضه، لم ينفسخ العقد في الباقي، رواية أخرى، أي هي رواية واحدة، ويأخذ المشتري الباقي بحصته من الثمن؛ لأن العقد وقع صحيحاً. فذهاب بعضه لايفسخه كما بعد القبض، وكما لو وجد أحد المبيعين معيباً فردّه، أو أقال أحد المتبايعين الآخر في بعض المبيع.\r8 - خيار إجازة عقد الفضول (1) :\rهو الخيار الثابت للمالك إذا باع غيره له سلعة بغير أمره، ويعد البيع موقوفاً عند الحنفية والمالكية، ويخير المالك بين إجازة العقد فيصبح نافذاً، وبين رده فيبطل.\r9 - خيار تعلق حق الغير بالمبيع (2) :\rهو الخيار الثابت لمن له حق في المبيع من دائن مرتهن أو مستأجر، فإذا اشترى رجل داراً ثم ظهر أنها مرهونة أو مؤجرة، خير بين الفسخ وعدمه، دفعاً للضرر عن نفسه، حتى ولو كان عالماً بذلك في ظاهر الرواية، وهو الصحيح وعليه الفتوى.\rفإن أجاز المستأجر أو المرتهن فلا خيار للمشتري، وإن لم يجز ثبت الخيار له بين الانتظار حتى نهاية مدة الإجارة وفكاك الرهن، أو الفسخ.\r10 - خيار الكمية للبائع (3) :\rهو أن يشتري إنسان بما في هذه الخابية أو الوعاء أو اليد ونحوها، ولا يعرف البائع شيئاً عن الموجود كمية ونوعاً، فيكون البائع بعد فتح الخابية أو الوعاء أو اليد\r-------------------------------\r(1) ابن عابدين: 47/4 ومابعدها، القوانين الفقهية: ص 260.\r(2) ابن عابدين: 48/4.\r(3) ابن عابدين: 47/4.","part":5,"page":209},{"id":3055,"text":"مخيراً بين إمضاء البيع وفسخه بعد رؤية الثمن. وهذا يسمى عند الحنفية خيار كمية، لا خيار رؤية؛ لأن خيار الرؤية لا يثبت في النقود.\r11 - خيار الاستحقاق (1) :\rهو الخيار الثابت للمشتري بسبب استحقاق المبيع كله أو بعضه، وتفصيله عند الحنفية: إن كان استحقاق المبيع قبل قبض الكل خير في الكل، وإن كان استحقاقه بعد القبض خيِّر في الشيء القيمي، لا في المثلي كالمكيل والموزون. وإن كان الاستحقاق لبعض المبيع قبل القبض، يبطل العقد في الجزء المستحق، ويخير المشتري في أخذ الجزء الباقي بحصته من الثمن أو رده.\rوإن كان الاستحقاق لبعض المبيع بعد القبض، يبطل البيع في الجزء المستحق أيضاً، وأما الجزء الباقي فيخير المشتري في قبول الباقي بحصته من الثمن إن أضره التبعيض كالثوب والدار، ويلتزم بالباقي إن لم يضره التبعيض كالمكيل والموزون.\rوذلك كله إن لم يجز المستحق البيع، فإن أجازه، لزم البيع، إذ لا ضرر بالتبعيض.\r12 ـ خيار الشرط :\rخطة الموضوع :\rالكلام في خيار الشرط في المواضع الآتية:\rالمطلب الأول - الخيار المفسد والخيار المشروع.\rالمطلب الثاني ـ مدة الخيار المشروع.\rالمطلب الثالث ـ طرق إسقاط الخيار.\rالمطلب الرابع ـ حكم العقد في مدة الخيار.\rالمطلب الخامس ـ كيفية الفسخ والإجازة.\rالمطلب الأول ـ الخيار المفسد والخيار المشروع :\rالخيار المفسد: اتفق الحنفية والشافعية والحنابلة في الصحيح من مذهبهم على أن العاقدين إذا ذكرا الخيار مؤبداً، كأن يقول أحدهما: ( بعت، أو اشتريت على أني بالخيار أبدًا ) أو ذكرا الخيار مطلقاً، كأن يقول أحدهما: ( على أني بالخيار أو متى شئت ) أو ذكرا وقتاً مجهولاً كقدوم زيد، أوهبوب ريح، أونزول مطر، أو أياماً، فإن العقد غير صحيح لوجود الجهالة الفاحشة.\r-------------------------------\r(1) المرجع والمكان السابق.","part":5,"page":210},{"id":3056,"text":"إلا أن الشافعية والحنابلة قالوا: العقد باطل (1) . وقال الحنفية: العقد فاسد فقط، فإذا أسقط الشرط قبل مضي مدة ثلاثة أيام، أو حذف الزائد، أو بينت مدة الخيار، صح البيع، لزوال المفسد (2) .\rاستدل الشافعية والحنابلة: بأن مدة الخيار حينئذ ملحقة بالعقد، فلا تجوز مع الجهالة، كما لا تجوز جهالة الأجل، ولأن اشتراط الخيار أبداً ونحوه يقتضي المنع من التصرف على الأبد، وهو ينافي مقتضى العقد، فلم يصح، كما لو قال: بعتك بشرط ألا تتصرف.\rواستدل الحنفية بنحوه فقالوا: إن شرط الخيار مغير لمقتضى العقد بحسب الأصل، إلا أنا أجزناه بنص حديث حبان بن منقذ الذي حدد فيه الخيار بثلاثة أيام، فبقي ما عدا المنصوص عليه موافقاً لمقتضى الأصل.\rوقال مالك وأحمد في رواية عنه: يجوز الخيار المطلق، إلا أن الإمام أحمد قال فيه: «وهما على خيارهما أبداً، أو يقطعاه، أو تنتهي مدته» . وقال الإمام مالك: السلطان يحدد له مدة كمدة خيار مثله في العادة؛ لأن اختيار المبيع في مثله مقدَّر في العادة، فإذا أطلق الخيار حمل على المعتاد، ويفسد البيع عند المالكية إذا وقع بشرط مدة زائدة على مدته بكثير (أي بعد يوم) أو بشرط\r-------------------------------\r(1) المهذب: 1 ص 259، المغني: 3 ص 589.\r(2) البدائع: 5 ص 174، رد المحتار: 4 ص 49.","part":5,"page":211},{"id":3057,"text":"مدة مجهولة كإلى أن تمطر السماء أو يقدم زيد (1) .\rالخيار المشروع: وهو أن يذكر وقت معلوم، وسيأتي الخلاف فيه بين الفقهاء، وقد ثبتت مشروعية خيار الشرط بحديث حبان بن منقذ الذي كان يغبن في البيع والشراء، فشكا أهله إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلم ، فقال: «إذا بايعت فقل: لا خلابة (2) وليَ الخيار ثلاثة أيام» ولمساس الحاجة إليه لدفع الغبن (3) . وخيار الشرط مشروع عند جمهور الحنفية والشافعية وغيرهم، سواء أكان الشرط للعاقد أم لغيره لتحقيق حاجة الناس. وقال زفر: لا يجوز لغير العاقد. ولا يجوز الخيار والأجل في البيوع التي فيها الربا: وهي عقد الصرف، وبيع المكيل والموزون عند الحنفية، والطعام بالطعام عند الشافعية، لأنه يشترط فيها القبض قبل التفرق بالأبدان، وذكر الخيار أو الأجل ينافي القبض (4) .\r-------------------------------\r(1) حاشية الدسوقي: 3 ص 95، بداية المجتهد: 2 ص 208.\r(2) أي لا خديعة ولا غبن، أي لا يحل لك خديعتي، أو لا تلزمني خديعتك، وقد سبق تخريجه وروايته عند الحاكم والبيهقي والبخاري ومسلم وأبي داود والنسائي والموطأ عن ابن عمر (انظر تحفة الفقهاء بتخريج وتحقيق أحاديثها للمؤلف مع الأستاذ الكتاني: 2 ص 82).\r(3) سبل السلام: 3 ص 35، البدائع: 5 ص 174، المنتقى على الموطأ: 5 ص 108.\r(4) فتح القدير: 5 ص 372، المهذب: 1 ص 258.","part":5,"page":212},{"id":3058,"text":"المطلب الثاني ـ آراء الفقهاء في مدة الخيار المشروع\rللفقهاء اتجاهات ثلاثة في مدة الخيار: قال أبو حنيفة وزفر والشافعي: يجوز شرط الخيار في مدة معلومة لا تزيد على ثلاثة أيام؛ لأن الأصل امتناع الخيار، لكونه مخالفاً لوضع البيع، فإنه يمنع نقل الملك أو لزومه، إلا أنه ثبت على خلاف هذا الأصل بحديث حبان بن منقذ السابق ذكره، والذي رواه ابن عمر، وبحديث أنس: «أن رجلاً اشترى من رجل بعيراً، واشترط عليه الخيار أربعة أيام، فأبطل رسول الله صلّى الله عليه وسلم البيع، وقال: الخيار ثلاثة أيام» (1) ولأن الحاجة تندفع بالثلاث غالباً، فلو زاد عليها فسد البيع عند أبي حنيفة وزفر، ولكنه يعود صحيحاً عند أبي حنيفة إذا أجاز له الخيار في الثلاثة، لزوال المفسد قبل أن يتقرر الفساد، وعند زفر: الفاسد من العقود لا يعود صحيحاً بحال.\rويبطل العقد عند الشافعي ( بخلاف ما ذكر في تحفة الفقهاء ). وكونه لا يجوز أكثر من ثلاثة، لأنه غرر، وفيما دون الثلاث رخصة، فلا يجوز الزيادة عليها، وفي الجملة: إن الخيار ينافي مقتضى البيع لولا ثبوته بالشرع (2) .\rوقال الصاحبان والحنابلة: يجوز اشتراط مدة الخيار بحسب ما يتفق عليه البائع والمشتري من المدة المعلومة، قلَّت مدته أو كثرت. ودليلهم ما روي أن ابن عمر «أجاز الخيار إلى شهرىن» (3) ولأن الخيار حق يعتمد الشرط، فرجع في تقديره\r-------------------------------\r(1) رواه عبد الرزاق في مصنفه وذكره عبد الحق في «أحكامه» من جهة عبد الرزاق، وأعله بأبان ابن أبي عياش، وقال: إنه لا يحتج بحديثه مع أنه كان رجلاً صالحاً (انظر نصب الراية: 4ص 8).\r(2) المبسوط للسرخسي: 13 ص 40 ومابعدها، البدائع: 5 ص 174، فتح القدير: 5 ص 110 ومابعدها، مغني المحتاج: 2 ص 47.\r(3) قال الزيلعي عن هذا الحديث: غريب جداً (انظر نصب الراية: 4 ص 8).","part":5,"page":213},{"id":3059,"text":"إلى مشترطه، كالأجل. وبعبارة أخرى: إن مدة الخيار ملحقة بالعقد، فكانت إلى تقدير المتعاقدين كالأجل (1) .\rوقال المالكية: يجوز الخيار بقدر ما تدعو إليه الحاجة، ويختلف ذلك باختلاف المبيعات، فالفاكهة التي لا تبقى أكثر من يوم لا يجوز شرط الخيار فيها أكثر من يوم، والثياب أو الدابة: ثلاثة أيام، والأرض التي لا يمكن الوصول إليها في ثلاثة أيام يجوز شرط الخيار فيها أكثر من ثلاثة أيام، والدار ونحوها تحتاج مدة شهر.\rودليلهم أن المفهوم من الخيار هو اختبار المبيع، وإذا كان الأمر كذلك، وجب أن يكون الخيار محدوداً بزمان إمكان اختبار المبيع، وهو يختلف بحسب المبيعات، فكأن النص إنما ورد عندهم تنبيهاً على هذا المعنى، وهو أن الخيار لحاجة العاقد، فيقدر بها، فيكون النص عندهم من باب الخاص أريد به العام (2) .\rوعند الشافعية وأبي حنيفة وزفر من باب الخاص أريد به الخاص. وتبدأ مدة الخيار من تاريخ العقد.\rحكم الغاية في مدة الخيار :\rقال أبو حنيفة: إذا شرط الخيار إلى الليل أو إلى الغد، فيدخل الليل والغد في مدة الخيار؛ لأن المقصود من الغاية هنا هو إخراج ما بعدها من حكم ما قبلها، كما في قوله تعالى: {فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق} [المائدة:6/5] بدليل أنه لو لم يذكر الوقت أصلاً لاقتضى ثبوت الخيار في الأوقات كلها (3) .\rوقال الصاحبان والمالكية والشافعية والحنابلة: لا يدخل الليل أو الغد في مدة الخيار لأن لفظ ( إلى ) موضوع لانتهاء الغاية، فلا يدخل ما بعدها فيما قبلها، كما في قوله تعالى: {ثم أتموا الصيام إلى الليل} [البقرة:187/2] والأصل هو حمل اللفظ على موضوعه، فكأن واضع اللغة قال:\r-------------------------------\r(1) المغني: 3 ص 585، غاية المنتهى: 2 ص 30، المبسوط: 13 ص 41، فتح القدير: 5ص111، البدائع: 5 ص 174.\r(2) بداية المجتهد: 2 ص 207، حاشية الدسوقي: 3 ص 91، 95، القوانين الفقهية: ص273.\r(3) البدائع: 5 ص 267.","part":5,"page":214},{"id":3060,"text":"متى سمعتم هذه اللفظة، فافهموا منها انتهاء الغاية (1) .\rالمطلب الثالث ـ طرق إسقاط الخيار :\rالعقد الذي فيه الخيار عقد غير لازم، ويصبح لازماً إذا سقط الخيار بعد ثبوته، وطرق الإسقاط ثلاثة:\r1 - الإسقاط الصريح: هو أن يقول صاحب الخيار: أسقطت الخيار أو أبطلته أو أجزأت البيع أو رضيت به، ونحوها، فيبطل الخيار، سواء علم المشتري بالإجازة أو لم يعلم؛ لأن الخيار شرع للفسخ، فإذا سقط يبطل الخياررجوعاً إلى الأصل في العقد: وهو لزومه ونفاذه.\rوكذلك يسقط الخيار إذا قال من له الحق فيه:( فسخت العقد، أو نقضته، أو أبطلته ) لأن الخيار هو التخيير بين الفسخ والإجازة، فأيهما وجد سقط الخيار (2) .\r2 - الإسقاط دلالة: وهو أن يوجد ممن له الخيار تصرف يدل على إجازة البيع وإثبات الملك، فالإقدام عليه يكون إجازة للبيع دلالة (3) .\rوبناء على هذا:\rإذا كان الخيار للمشتري، والمبيع في يده، فعَرَضه على البيع، يبطل خياره، لأن عرض المشتري المبيع على البيع معناه اختيار التملك وهو يكون بإبطال الخيار.\rوإذا كان الخيار للبائع فعَرَضه على البيع، فالأصح من الروايتين عن أبي حنيفة: أن يكون إسقاطاً للخيار، لأنه دليل على اختيار إبقاء الملك في المبيع.\rوكذلك يسقط خيار المشتري إذا باع الشيء الذي اشتراه أو رهنه أو وهبه ـ سلم أو لم يسلم ـ أو آجره؛ لأن نفاذ هذه التصرفات مختص بقيام الملك، فيكون الإقدام عليها دليلاً على قصد إبقاء الملك، وهو يتم بإجازة البيع.\rويسقط الخيار أيضاً بهذه التصرفات في الثمن إذا صدرت من البائع الذي له الخيار؛ إذ أنه لا تصح هذه التصرفات إلا بعد نقض التصرف الأول.\rإلا أن هناك فرقاً بين البائع والمشتري بالنسبة لتسليم الهبة والرهن، فإنه إذا كان الخيار للبائع لا\r-------------------------------\r(1) المغني لابن قدامة: 3 ص 588، غاية المنتهى: 2 ص 31، الميزان للشعراني: 2 ص 64، البدائع، المرجع السابق.\r(2) البدائع: 267/5، 271.\r(3) البدائع: 272/5.","part":5,"page":215},{"id":3061,"text":"يسقط في الهبة والرهن إلا بعد التسليم بخلاف المشتري كما عرفنا (1) .\rوأما الإجازة فلا فرق فيها بين البائع والمشتري، فإنها تسقط الخيار من غير شرط القبض، لأنها عقد لازم، بخلاف الرهن والهبة قبل القبض، فإنهما عقدان غير لازمين.\rومن مسقطات الخيار دلالة: أن يُسكن المشتري الدار المبيعة رجلاً بأجر أو بغير أجر، أو يرمم شيئاً منها بالتطيين أو التجصيص، أو يحدث فيها بناء أو يهدم شيئاً منها؛ لأن هذه التصرفات دليل اختيار الملك.\rومن مسقطات الخيار دلالة أيضاً: أن يسقي المشتري الزروع والثمار أو يحصدها أو يقطع منها شيئاً لدوابه، لأنه يعد إجازة للبيع واختياراً للتملك كما ذكر (2) .\rأما ركوب الدابة لسقيها أو لردها على البائع، فلا يسقط الخيار استحساناً؛ لأن الدابة قد لا يمكن تسييرها إلا بالركوب، ويسقط قياساً، لأن الركوب دليل اختيار الملك.\rوكذا ركوب الدابة لينظر إلى سيرها وقوتها، لا يسقط الخيار.\rوكذا أيضاً لبس الثوب لينظر إلى طوله وعرضه لا يسقط الخيار، لاحتياجه إلى التجربة والاختبار، أما لبسه ثانية للغرض الأول نفسه، فيسقط الخيار.\rوركوب الدابة مرة ثانية لمعرفة العَدْو أو لمعرفة سير آخر كمشي الهملاج (أي السير السهل) لا يسقط الخيار أيضاً، أما ركوبها لمعرفة الغرض الأول، فيسقط الخيار.\rويرى بعض مشايخ الحنفية أن ركوب الدابة للمرة الثانية للغرض الأول نفسه: لا يسقط الخيار؛ لأن الاختبار لا يحصل بالفعل مرة، لاحتمال وقوع ذلك صدفة، فيحتاج إلى معرفة العادة الثابتة، بخلاف الثوب، فإن الغرض يحصل بالمرة الواحدة (3) .\r-------------------------------\r(1) البدائع: 267/5، تحفة الفقهاء: ج 95/2.\r(2) تحفة: الفقهاء: 100/2 ومابعدها، البدائع: 270/5 .\r(3) تحفة الفقهاء: 101/2 ومابعدها، البدائع: 270/5 .","part":5,"page":216},{"id":3062,"text":"3 - إسقاط الخيار بطريق الضرورة:\rيسقط الخيار ضرورة بأمور :\rأولاً - مضي مدة الخيار: يسقط الخيار بمضي مدته دون اختيار فسخ العقد، لأن الخيار مؤقت بها، فيبقى العقد بلا خيار، فيصبح لازماً (1) .\rوكذلك قال الشافعية والحنابلة: يسقط الخيار إذا انقضت مدته، ولم يفسخ أحدهما العقد ويصبح لازماً؛ لأن مدة الخيار ملحقة بالعقد فبطلت بانقضائها كالأجل، ولأن الحكم ببقائها يفضي إلى بقاء الخيار في غير المدة المشروطة، والشرط سبب الخيار، فلا يجوز أن يثبت به ما لم يتناوله، ولأنه حكم مؤقت، فصار بفوات وقته كسائر المؤقتات، ولأن البيع يقتضي اللزوم، وإنما تخلَّف موجبه بالشرط، ففيما لم يتناوله الشرط يجب أن يثبت موجبه لعدم وجود ما ينافي مقتضى العقد كما لو أمضوا العقد (2) .\rوقال الإمام مالك: لا يلزم البيع بمضي المدة بل لا بد من اختيار أو إجازة، لأن مدة الخيار جعلت حقاً لصاحب الخيار لا واجباً عليه، فلم يلزم الحكم بمرور الزمان نفسه، كمضي الأجل في حق المولى بالنسبة للمكاتب، لايلزم المولى بالعتق بمجرد مضي المدة (3) .\rثانياً - موت المشروط له الخيار :\rإذا مات المشروط له الخيار، يسقط الخيار، سواء أكان الخيار للبائع أم للمشتري، أو لهما، ويصير العقد لازماً، لأنه وقع العجز عن الفسخ، فيلزم ضرورة، واتفق الفقهاء على أنه يورث خيار العيب وخيار التعيين، ولا يورث خيار الإجازة في بيع الفضولي، ولا خيار الرؤية على الصحيح، كما لا يورث\r-------------------------------\r(1) البدائع: 267/5 .\r(2) الميزان: 64/2، المغني: 591/3.\r(3) حاشية الدسوقي: 95/3، 98.","part":5,"page":217},{"id":3063,"text":"الأجل (1) ،وكذلك لا يورث خيار القبول عند الحنفية والمالكية، ويورث خيار المجلس عند الشافعية (2) ، فلو مات من له الخيار أو أغمي عليه في المجلس لم يبطل خياره، بل ينتقل إلى وارثه والناظر في أمره. وقال الحنابلة: ينقطع هذا الخيار بالموت لا بالجنون والإغماء (3) .\rأما خيار الشرط فاختلفوا في إرثه:\rفقال الحنفية: لا يورث خيار الشرط، وإنما يسقط بموت المشروط له، كما تقدم؛ لأن الوارث يستحق الباقي بعد موت المورِّث، وخيار المورِّث لا يبقى بعد موته؛ لأن خياره يخيره بين الفسخ والإجازة، ولا يتصور ذلك منه بعد موته، فلا يورث، بخلاف خيار العيب والتعيين؛ لأن الموروث هناك محتمل للإرث وهو العين المملوكة، أما الخيار فهو عرض لا يبقى (4) .\rوالخلاصة: أن خيار القبول والإجازة في بيع الفضولي والأجل وخيار الشرط لا يورث. أما خيار العيب والتعيين والقصاص وخيار الرؤية وخيار الوصف وخيار التغرير، فإنه يورث (5) .\rوقال الحنابلة: المذهب أن خيار الشرط يبطل بموت صاحبه، ويبقى خيار الآخر بحاله، إلا أن يكون الميت قد طالب بالفسخ قبل موته في مدة الخيار، فيكون حينئذ لورثته (6) .\r-------------------------------\r(1) البدائع: 268/5، بداية المجتهد: 209/2.\r(2) المجموع للنووي: 196/9، حاشية الباجوري: 160/1.\r(3) غاية المنتهى: 30/2.\r(4) المبسوط: 42/13، فتح القدير: 125/5، البدائع: 268/5، رد المحتار: 57/4.\r(5) رد المحتار: 538/5.\r(6) المغني: 579/3، غاية المنتهى: 33/2.","part":5,"page":218},{"id":3064,"text":"وقال المالكية والشافعية: إذا مات صاحب الخيار: فلورثته من الخيار مثل ما كان له؛ لأن الخيار حق ثابت لضمان صلاحية المال المشترى، فلم يسقط بالموت كالرهن وحبس المبيع على الثمن ونحوها من الحقوق المالية، فينتقل إلى الوارث كالأجل وخيار الرد بالعيب، ولأنه حق فسخٍ للبيع، فينتقل إلى الوارث كالرد بالعيب، والفسخ بالتحالف (1) .\rويلاحظ أن مرجع الخلاف في إرث الخيار هو: هل الأصل أن تورث الحقوق كالأموال أو لا؟\rفقال الجمهور: الأصل أن تورث الحقوق والأموال إلا إذا قام دليل على وجود اختلاف بين الحق والمال بالنسبة للإرث.\rوقال الحنفية: الأصل هو أن يورث المال دون الحقوق إلا ما قام دليله من إلحاق الحقوق بالأموال.\rثالثاً - ما هو في معنى الموت: كالجنون والإغماء والنوم والسُكْر والردة واللحاق بدار الحرب (2) . فإذا ذهب عقل صاحب الخيار بالجنون أو الإغماء، في مدة الخيار، ومضت المدة على تلك الحال صار العقد لازماً لأنه عجز عن الفسخ فتزول فائدة الخيار، فإن أفاق في مدة الخيار، بقي الخيار، لإمكان ممارسة حق الفسخ والإجازة.\rوكذا يسقط الخيار لو بقي صاحبه نائماً لآخر مدة الخيار، كما يسقط على الصحيح لو سكر وظل سكراناً حتى مضت مدة الخيار.\rولو ارتد من له الخيار في مدة الخيار، فقتل على الردة أو مات: لزم البيع. وكذا لو لحق بدار الحرب، وقضى القاضي بلحاقه؛ لأن الردة بمنزلة الموت بعد الالتحاق بدار الحرب.\rفإن عاد المرتد إلى الإسلام في مدة الخيار، فهو على خياره.\rكل ذلك إذا لم يتصرف المرتد بالخيار فسخاً أو إجازة، فإذا تصرف في مدة الخيار ينظر:\rإن أجاز البيع جاز بالاتفاق، ولو فسخ يصبح حكم العقد موقوفاً عند أبي حنيفة: فإن عاد مسلماً نفذ، وإن مات أو قتل على الردة، بطل الفسخ.\rوقال الصاحبان: تنفذ تصرفات المرتد حال ردته. ومنشأ الخلاف: هل تصرفات المرتد موقوفة أو نافذة؟\r-------------------------------\r(1) بداية المجتهد: 209/2، القوانين الفقهية: ص 273، المهذب: 259/1، مغني المحتاج: 45/2، والفسخ بالتحالف: يحصل عند اختلاف البائع والمشتري في قدر الثمن أو قدر المبيع، ولم يكن لكل واحد منهما بينة، ولم يتراضيا، فيحلف الحاكم كل واحد منهما على دعوى الآخر، فإن حلفا فسخ القاضي البيع بينهما (انظر نتائج الأفكار: 183/6 ومابعدها).\r(2) المبسوط: 44/13، فتح القدير: 121/5.","part":5,"page":219},{"id":3065,"text":"قال أبو حنيفة: هي موقوفة. وقال الصاحبان: هي نافذة، سواء أسلم أو مات أو قتل (1) .\rوقال الشافعية والحنابلة: لو جن صاحب الخيار أو أغمي عليه أو أصابه خرس فلم تفهم إشارته، ينتقل الخيار إلى وليه من حاكم أو غيره (2) .\rرابعاً - هلاك المبيع في مدة الخيار: فيه تفصيل؛ لأن الهلاك إما أن يكون قبل القبض أو بعد القبض، والخيار إما للبائع، أو للمشتري (3) .\rآ - فإن هلك المبيع قبل القبض أي (في يد البائع) بطل البيع وسقط الخيار، سواء أكان الخيار للبائع أم للمشتري، أم لهما معاً، لأنه لو كان العقد باتاً لبطل البيع بسبب العجز عن التسليم، فيبطل إذا كان فيه خيار شرط من باب أولى.\rب ـ وإن هلك المبيع بعد القبض أي (في يد المشتري): فإن كان الخيار للبائع، فيبطل البيع أيضاً، ويسقط الخيار، ولكن يلزم المشتري القيمة إن لم يكن له مثل، والمثل إن كان له مثل.\rوقال ابن أبي ليلى: إنه يهلك هلاك الأمانات؛ لأن الخيار منع انعقاد العقد بالنسبة لحكم العقد، فكان المبيع على حكم ملك البائع أمانة في يد المشتري، فيهلك هلاك الأمانات.\rوالصحيح قول عامة العلماء، لأن البيع وإن لم ينعقد بالنسبة لحكم العقد، لكن المبيع في قبض المشتري على حكم البيع، فلا يكون دون المقبوض على سوم الشراء (4) وهو مضمون بالقيمة أو بالمثل، سواء تعدى في القبض أو قصر في الحفظ، أو لم يحصل منه شيء من ذلك، فهذا أولى، لأن العقد موجود هنا، بخلاف المقبوض على سوم الشراء لم يوجد العقد بالنسبة إليه أصلاً.\rوإن كان الخيار للمشتري فهلك المبيع بفعل المشتري أو البائع أو بآفة سماوية: لا يبطل البيع، ولكن يسقط الخيار، ويلزم البيع، ويهلك على المشتري بالثمن، لأن المشتري وإن لم يملك المبيع عند أبي حنيفة إلا أنه اعترض عليه في يده ما يمنع الرد وهو التعيب بعيب لم يكن عند البائع؛ لأن الهلاك في يده لا يخلو عادة عن\r-------------------------------\r(1) انظر التفصيل في فتح القدير: 395/4 ومابعدها.\r(2) مغني المحتاج: 45/2، غاية المنتهى: 33/2.\r(3) انظر المبسوط: 44/13، البدائع: 272/5، فتح القدير: 117/5.\r\r(4) وهو أن يسمي البائع أو المشتري ثمن شيء، ثم يقبضه المساوم على وجه الشراء، لينظر فيه أو ليريه غيره ويقول: إن رضيته أخذته بالثمن الذي اتفق عليه. فإذا ضاع أو هلك يضمن قيمته (رد المحتار: 52/4).","part":5,"page":220},{"id":3066,"text":"سبب له، وهذا السبب يكون عيباً، وتعيب المبيع في يد المشتري يمنع الرد، ويلزم البيع إذ لافائدة من بقاء الخيار، فيهلك بالثمن؛ لأن العقد قد انبرم.\rوقال الشافعية كالحنفية فيما إذا حدث الهلاك بآفة سماوية قبل القبض: ينفسخ البيع ويسقط الخيار، كما ينفسخ العقد ويسقط الخيار إذا كان الهلاك بعد القبض ويضمن المشتري القيمة إذا كان الخيار للبائع.\rفإن كان الخيار للمشتري فيقرر الشافعية أنه يضمن المبيع في هذه الحالة بقيمته،لأنه إن فسخ البيع تعذر رد العين، فوجب رد القيمة، وإن أمضى العقد فقد هلك من ملكه فيجب عليه قيمته (1) .\rوقال المالكية: إن هلك المبيع بيد البائع، فلا خلاف في ضمانه إياه وينفسخ البيع. وإن كان هلك بيد المشتري فالحكم كالحكم في الرهن والعارية:\rإن كان المبيع مما يغاب عليه ( أي يمكن إخفاؤه ) كالحلي والثياب، فيضمن المشتري للبائع الأكثر من ثمنه الذي بيع به، أو القيمة؛ لأن من حق البائع إمضاء البيع إن كان الثمن أكثر، ورد البيع إن كانت القيمة أكثر، إلا إذا ثبت الهلاك ببينة فلا يضمن المشتري.\rوإن كان المبيع مما لا يغاب عليه ( أي لا يمكن إخفاؤه ) كالدور والعقارات فالبائع يضمنه، بعد أن يحلف المشتري حيث اتهمه البائع: لقد ضاع وما فرَّط، إذا لم يظهر كذب المشتري (2) .\r-------------------------------\r(1) المهذب: 260/1.\r(2) بداية المجتهد: 208/2، حاشية الدسوقي: 104/3 ومابعدها.","part":5,"page":221},{"id":3067,"text":"ويلاحظ أن ابن رشد في بداية المجتهد جعل الضمان مطلقاً على البائع من غير تفصيل، والمشتري أمين، سواء كان الخيار لهما أو لأحدهما. وقال الحنابلة: إن تلفت السلعة في مدة الخيار قبل القبض، وكان المبيع مكيلاً أو موزوناً انفسخ البيع، وضمنه البائع، ويبطل خيار المشتري.\rوإن كان المبيع غير مكيل ولا موزون ولم يمنع البائع المشتري من قبضه، فظاهر المذهب أنه من ضمان المشتري، ويكون كتلفه بعد القبض.\rوأما إن تلف المبيع بعد القبض في مدة الخيار، فهو من ضمان المشتري، ويبطل خياره. وأما خيار البائع ففيه روايتان:\rإحداهما: يبطل كخيار الرد بالعيب إذا تلف المبيع، وهو اختيار الخرقي وأبي بكر.\rوالثانية: لا يبطل، وللبائع فسخ البيع، ومطالبة المشتري بالقيمة (1) .\rخامساً - تعيب المبيع: فيه تفصيل أيضاً؛ لأن الخيار إما أن يكون للبائع أو للمشتري.\rآ ـ فإن كان الخيار للبائع: فيسقط خياره إذا تعيب المبيع بآفة سماوية أو بفعل البائع، سواء أكان المبيع في يد البائع أم في يد المشتري، لأنه هلك بعض المبيع بلا بدل عنه، إذ لا يجب الضمان على البائع، لأن المبيع ملكه، فينفسخ البيع في هذا البعض، ،ولا يمكن بقاء العقد في الجزء الباقي، لما يترتب عليه من تفريق الصفقة على المشتري قبل تمام العقد، وهو لا يجوز.\rفإذا تعيب المبيع بفعل المشتري، أو بفعل أجنبي لم يبطل البيع، ويبقى البائع على خياره لأنه يمكنه إجازة البيع فيما بقي وفيما نقص؛ لأن قدر النقصان انتقل إلى بدل عنه: وهو الضمان بالقيمة على المشتري أو الأجنبي لإتلافهما ملك الغير بغير إذن، فكان قدر النقصان قائماً معنى.\r-------------------------------\r(1) المغني: 569/3.","part":5,"page":222},{"id":3068,"text":"وإذا بقي البائع على خياره والمبيع في يد المشتري: فإما أن يجيز العقد أو يفسخ: فإن أجاز البيع، وجب على المشتري جميع الثمن؛ لأن البيع جاز في الكل، ولا يكون للمشتري خيار الرد بحدوث التغير في المبيع، لأنه حدث في يده وفي ضمانه.\rغير أنه إذا كان التعييب بفعل المشتري، فلا سبيل له على أحد، لأنه ضمن القيمة بفعل نفسه، وإن كان بفعل الأجنبي فللمشتري خيارأن يتبع الجاني بالأرش (أي الغرامة) لأنه بإجازة البيع ملك المبيع، من وقت البيع فحصلت الجناية على ملكه.\rوإن فسخ البائع العقد ينظر:\rإن كان التعييب بفعل المشتري: فإن البائع يأخذ الباقي، ويأخذ أرش الجناية من المشتري؛ لأن المبيع كان مضموناً على المشتري بالقيمة، وقد عجز عن رد ما أتلفه بالجناية، فعليه رد قيمته.\rوإن كان التعييب بفعل أجنبي: فالبائع بالخيار إن شاء اتبع الجاني بالأرش، لأن الجناية حصلت على ملكه، وإن شاء اتبع المشتري؛ لأن الجناية حدثت في ضمان المشتري.\rفإن اختار اتباع الأجنبي: فالأجنبي لا يرجع على أحد، لأنه ضمن القيمة بفعل نفسه، وإن اختار اتباع المشتري، فالمشتري يرجع بما ضمن من الأرش على الجاني؛ لأن المشتري بأداء الضمان قام مقام البائع في حق تملك بدل الشيء المجني عليه، وإن لم يقم مقامه في حق ملك نفس الشيء المجني عليه.\rب ـ وإن كان الخيار للمشتري: فيسقط خياره بالتعييب ولا ينفسخ البيع سواء حصل بآفة سماوية أو بفعل البائع، أو بفعل المشتري أو بفعل الأجنبي؛ لأن في حالة الآفة السماوية واعتداء البائع حدث التعيب في المبيع في يد المشتري وفي ضمانه، فيلزمه رد قيمته. وأما في حالة اعتداء المشتري أو الأجنبي فلأنه تعذر رد المبيع؛ لأنه لا يمكن المشتري أن يرد جميع ما قبض كما قبض","part":5,"page":223},{"id":3069,"text":"سليماً، وفي رد البعض تفريق للصفقة على البائع قبل تمام العقد (1) .\rوعلى هذا، إذا حدث نقص في المبيع في يد المشتري، كأن سقط حائط من دار بغير صنع أحد، يسقط الخيار بهذا النقصان لتعذر رد الشيء على صاحبه كما قبضه سليماً من أي نقص، ويتقرر على المشتري جميع الثمن؛ لأن النقصان حصل في ضمانه.\rالمطلب الرابع ـ حكم العقد في مدة الخيار :\rيقول الحنفية: لا ينعقد البيع بشرط الخيار في الحال في حق الحكم (أي نقل الملكية) بالنسبة لمن له الخيار من المتعاقدين، بل يكون موقوفاً إلى وقت سقوط الخيار: إما بإجازة البيع أو فسخه، فإن أجازه ظهر أن العقد كان قد انعقد حال وجوده ، أي قبل الإجازة متى كان موضوع العقد قابلاً له، وإن فسخه استمر على عدم انعقاده استصحاباً للحالة الأولى.\rوتفصيله يظهر فيما يأتي (2) :\rإن كان الخيار للعاقدين: كان العقد غير منعقد من ناحية حكمه في حقهما معاً أي أنه لا يزول المبيع عن ملك البائع ولا يدخل في ملك المشتري، كما لا يزول الثمن عن ملك المشتري ولا يدخل في ملك البائع؛ لأن الخيار المانع من الانعقاد من ناحية الحكم موجود في جانبي البائع والمشتري.\rوإن كان الخيار للبائع وحده: كان العقد غير منعقد في حقه من ناحية ثبوت الحكم، فلا يزول المبيع عن ملكه ويخرج الثمن عن ملك المشتري؛ لأن العقد لازم في حقه، ولكنه لا يدخل في ملك البائع عند أبي حنيفة حتى لا يجتمع البدلان (المبيع والثمن) في يد واحدة، وهذا لا يجوز في عقود المبادلة التي تتطلب المساواة بين البائع والمشتري.\r-------------------------------\r(1) انظر تحفة الفقهاء: 106/2-109، فتح القدير: 117/5 ومابعدها، وانظر البدائع: 269/5، 272، مع ملاحظة الفارق بين ما هنا وبين ما اختاره الكاساني من اعتبار التعيب بالآفة السماوية في يد البائع غير مسقط للخيار.\r(2) البدائع: 264/5 ومابعدها، فتح القدير: 115/5 ومابعدها، رد المحتار: 51/4 ومابعدها.","part":5,"page":224},{"id":3070,"text":"وقال الصاحبان: إن الثمن يدخل في ملك البائع ويجب له ما دام البيع وقع باتاً، أي لازماً بالنسبة للمشتري، لأنه لم يشترط الخيار لنفسه، ودليلهما: أن الشيء لايصح أن يكون بلا مالك.\rيظهر مما تقدم أن العقد من ناحية حكمه: لا ينعقد عند أبي حنيفة في كلا البدلين (المبيع والثمن). وعند الصاحبين: لا ينعقد في بدل من له الخيار فقط.\rوإن كان الخيار للمشتري وحده: كان البيع غير منعقد بالنسبة له من ناحية حكمه، فلا يخرج الثمن عن ملكه، أما المبيع فيخرج عن ملك البائع فليس له التصرف فيه، ولكنه لا يدخل في ملك المشتري عند أبي حنيفة، ويدخل في ملكه عند الصاحبين على النحو السابق.\rويترتب على هذا الخلاف بين أبي حنيفة وصاحبيه نتائج، منها ما يأتي:\r1 - إذا اشترى ذمي من ذمي خمراً أو خنزيراً على أنه بالخيار وقبض المشتري المبيع، ثم أسلم بطل البيع عند أبي حنيفة؛ لأن المبيع لم يدخل في مدة الخيار في ملك المشتري، والمسلم ممنوع من تملك الخمر أو الخنزير. وعند الصاحبين: لا يبطل البيع، بل يسقط الخيار ويلزم العقد؛ لأن المشتري ملك المبيع في مدة الخيار وهو ذمي، له أن يتملك الخمروالخنزير، وبعد الإسلام: ليس له أن يرد البيع، لأنه ممنوع من تمليك شيء مما ذكر.\rأما إذا أسلم البائع وكان الخيار للمشتري: فلا يبطل البيع ويبقى المشتري على خياره بالاتفاق بين الإمام وصاحبيه، وكونه لا يبطل لأن البيع باتٌّ في جانب البائع. وأما المشتري فيبقى خياره: فإن أجاز البيع صار لازماً، وعليه الثمن ويملك المبيع، لأنه ذمي له أن يملك الخمر والخنزير. وإن رد البيع انفسخ العقد وصار المبيع على ملك البائع، والمسلم قد يملك الخمر أو الخنزير حكماً، كما إذا أسلم الذمي وعنده خمر أو خنزير.","part":5,"page":225},{"id":3071,"text":"فإن كان الخيار للبائع وأسلم في مدة الخيار بطل الخيار والعقد؛ لأن خيار البائع يمنع إجماعاً خروج المبيع عن ملكه، وإسلامه يمنع إخراج الخمر ونحوها عن ملكه. ولو كان الذي أسلم هو المشتري، لم يبطل العقد، وبقي البائع على خياره، لأن العقد لازم من جهة المشتري إذ لا خيار له، وحينئذ له إجازة البيع، فيتملك المشتري المبيع وهو أهل له أي لتملك الخمر ونحوها حكماً، كما عرفنا، وإن رد البيع انفسخ العقد واستمر المبيع ملكاً للبائع .\r2 - إذا كان المبيع داراً: فإن كان للبائع خيار، لم يكن للشفيع الشفعة بالاتفاق بين الإمام وصاحبيه؛ لأن خيار البائع يمنع زوال المبيع عن ملكه.\rوإن كان الخيار للمشتري، تثبت الشفعة بالاتفاق أيضاً؛ لأن خيار المشتري على قول أبي حنيفة، وإن منع دخول السلعة في ملك المشتري، لم يمنع زوال ملكيتها عن ملك البائع، وحق الشفيع يثبت بزوال ملك البائع لا ملك المشتري.\rوأما على قول الصاحبين: فإن خيار المشتري لا يمنعه تملك السلعة، فتثبت الشفعة للشفيع (1) .\rهذا هو تفصيل مذهب الحنفية في حكم عقد البيع خلال مدة الخيار.\rوأما غير الحنفية فمذاهبهم ما يأتي: قال ا لمالكية وفي رواية عن أحمد: للبائع ملك المبيع زمن الخيار، حتى ينقضي الخيار.\rوإمضاء البيع: معناه نقل المبيع من ملك البائع لملك المشتري، وليس تقريراً للملك. ودليلهم أن المبيع على ملك البائع، وأما المشتري فملكه غير تام لاحتمال رده. وعلى هذا: تكون غلة المبيع الحاصلة في زمن الخيار للبائع (2) .\rوقال الشافعية في الأظهر عندهم: إن كان الخيار المشروط للبائع فملك المبيع وتوابعه كلبن ومهر وثمر وكسب له. وإن كان الخيار للمشتري فيكون الملك له، لأنه إذا كان الخيار لأحدهما كان هو وحده متصرفاً في المبيع، ونفوذ التصرف دليل على الملك.\rوإن كان الخيار للبائع والمشتري معاً، فالملك موقوف لأنه ليس أحد الجانبين أولى من الآخر، فيحصل التوقف، فإن تم البيع تبين أن الملك للمشتري من حين العقد، وإلا فللبائع، وكأنه لم يخرج عن ملكه (3) .\rوقال الحنابلة في ظاهر المذهب: ينتقل الملك إلى المشتري في بيع الخيار بنفس العقد، ولا فرق بين كون الخيار لهما، أو لأحدهما أيهما كان. ودليلهم قول النبي صلّى الله عليه وسلم : «من باع عبداً وله مال، فماله للبائع، إلا أن يشترط المبتاع» وقوله صلّى الله عليه وسلم : «من باع نخلاً بعد أن تؤبر، فثمرته للبائع إلا أن يشترطه المبتاع» (4) جعل\r-------------------------------\r(1) فتح القدير: 133/5، تحفة الفقهاء: 113/2.\r(2) حاشية الدسوقي: 103/3، القوانين الفقهية: ص 273.\r(3) مغني المحتاج: 48/2، المهذب: 259/1.\r(4) هذا الحديث رواه الموطأ وأصحاب الكتب عن ابن عمر أن النبي صلّى الله عليه وسلم قال: «من باع عبداً وله مال فماله للبائع إلا أن يشترط المبتاع، ومن باع نخلاً مؤبراً فالثمرة للبائع إلا أن يشترط المبتاع» ، وهناك ألفاظ أخرى للحديث (انظر نصب الراية: 5/4، جامع الأصول: 34/2 ومابعدها).","part":5,"page":226},{"id":3072,"text":"الرسول عليه الصلاة والسلام المبيع للمبتاع (أي المشتري) بمجرد اشتراطه، وهو عام في كل بيع، ولأنه بيع صحيح، فنقل الملكية عقبه كالذي لا خيار له، ولأن البيع تمليك بدليل قوله: ( ملكتك ) فثبت به الملك كسائر البيوع (1) .\rويترتب على هذا الخلاف بين الفقهاء: الخلاف في حكم تسليم الثمن أو استحقاقه للبائع، كما ذكر عند الحنفية، فعند الحنابلة: يلزم تسليم الثمن إذا كان الخيار للمشتري ولا يلزم إذا كان الخيار للبائع أو لهما.\rالمطلب الخامس ـ كيفية الفسخ والإجازة :\rالفسخ والإجازة إما بطريق الضرورة أو بطريق القصد والاختيار (2) :\r-------------------------------\r(1) المغني: 571/3، غاية المنتهى: 32/2، القواعد لابن رجب: ص 377.\r(2) فتح القدير: 120/5.","part":5,"page":227},{"id":3073,"text":"أما الفسخ والإجازة بطريق الضرورة: فيصح من غير وجود الخصم وعلمه، كمضي مدة الخيار وهلاك المبيع ونقصانه، كما ذكر في طرق إسقاط الخيار.\rوأما الفسخ والإجازة بطريق القصد: فاتفق الحنفية على أن صاحب الخيار يملك إجازة العقد بغير علم صاحبه، لأنه كان قد رضي بالبيع، وتوقف نفاذ البيع على رضا صاحب الخيار، فإذا رضي نفذ البيع، علم الآخر أو لم يعلم.\rولكن يشترط الرضا باللسان بأن يقول: أجزت هذا العقد أو رضيت به، فإذا رضي بقلبه فقط، فإنه لا يسقط خياره؛ لأن الأحكام الشرعية تتعلق بالأقوال والأفعال الظاهرة الدالة على القلوب.\rوأما الفسخ: فإنه ينبغي أن يكون باللسان (1) دون القلب، فإن فسخ بلسانه بعلم صاحبه، فيصح بالاتفاق بين علماء الحنفية، سواء رضي به الطرف الآخر أو أبى. وإن فسخ بغيرعلم صاحبه فلا يصح عند أبي حنيفة ومحمد، سواء أكان الخيار للمشتري أم للبائع، ويكون الفسخ حينئذ موقوفاً: إن علم به صاحبه في مدة الخيار نفذ، وإن لم يعلم حتى مضت المدة لزم العقد؛ لأن الفسخ تصرف في حق الغير؛ لأن العقد تعلق به حق كل واحد من المتعاقدين، فلم يملك أحدهما فسخه بغير علم صاحبه، لما في ذلك من المضرة. فإن كان الخيار للبائع: فربما يتصرف المشتري بالمشترى اعتماداً منه على نفاذ البيع بسبب مضي المدة دون فسخ، فتلزمه غرامة القيمة بهلاك المبيع، وقد تكون القيمة أكثر من الثمن، وفي هذا ضرر.\rوإذا كان الخيار للمشتري: فربما لا يطلب البائع لسلعته مشترياً آخر اعتماداً على تمام البيع، وهذا ضرر أيضاً.\rوقال أبو يوسف: إن كان الخيار للبائع فلا يشترط علم المشتري بالفسخ، وإن كان الخيار للمشتري اشترط علم البائع بالفسخ. وفي رواية عنه: إنه لا يشترط علم الطرف الآخر بالفسخ مطلقاً؛ لأن الفاسخ منهما مسلط على الفسخ من صاحبه الذي لا خيار له، فلا يتوقف الفسخ على علمه، كبيع الوكيل يجوز مع عدم علم الموكل (2) .\rويجري هذا الخلاف في خيار الرؤية، أما خيار العيب فاتفق الحنفية على أن الفسخ فيه يشترط أن يكون بعلم البائع (3) .\r-------------------------------\r(1) يلاحظ أن الإجازة والفسخ كما يكونان قوليين بكل لفظ يفيد ذلك كأجزت البيع ونحوه، يكونان فعليين أيضاً كما لو تصرف المشتري المخير في المبيع تصرفاً يعتمد الملكية كرهن المبيع أو إجارته أو عرضه للبيع فيكون إجازة. ولو فعل البائع ذلك كان فسخاً.\r(2) البدائع: 273/5، فتح القدير والعناية: 122/5، رد المحتار: 57/4.\r(3) البدائع، المرجع السابق.","part":5,"page":228},{"id":3074,"text":"وإذا كان الخيار لرجلين ـ خيار شرط أو رؤية أو عيب ـ فلا يملك أحدهما دون الآخر أن ينفرد بالفسخ عند أبي حنيفة؛ لأن المبيع خرج عن ملك البائع غير معيب بعيب الشركة، فلو رده أحدهما رده معيباً به، وفي رده ضرر.\rوقال الصاحبان: يصح لأحد الرجلين اللذين ثبت الخيار لهما أن ينفرد بالفسخ؛ لأن إثبات الخيار لهما إثباته لكل واحد منهما، فلا يسقط بإسقاط صاحبه، لما فيه من إبطال حقه (1) .\rوعلى هذا، يصح عند أبي حنيفة أن يتفق الرجلان على الإجازة أو الفسخ، فإذا رد أحدهما، وأجاز الآخر، فهو على الخلاف المذكور.\rوكذا يجري الخلاف إذا اختارا رد البيع في النصف، وإجازة البيع في النصف الآخر. هذا هو تفصيل كيفية الفسخ والإجازة عند الحنفية، وخالفهم جمهور العلماء في كيفية الفسخ:\rفقال المالكية والشافعية والحنابلة: يصح لصاحب الخيار فسخ البيع في حضور صاحبه وفي غيبته، إذ أن صاحبه لما رضي لأخيه بالخيار، فكأنه أذن له في الفسخ متى شاء، فلا يحتاج إلى حضوره (أي علمه) عند الفسخ، ولأن الفسخ رفع للعقد، فلا يفتقر إلى رضا صاحبه، فلم يفتقر إلى حضوره كالطلاق (2) .\r-------------------------------\r(1) المبسوط: 50/13، البدائع: 268/5.\r(2) المغني: 591/3، مغني المحتاج: 49/2، الميزان: 64/2.","part":5,"page":229},{"id":3075,"text":"13 - خيار العيب\rهو خيار ثابت بالشرط دلالة، لذا ذكرته عقب خيار الشرط. والكلام عن خيار العيب في المطالب الآتية:\rالمطلب الأول ـ في مشروعية خيار العيب وحكمه.\rالمطلب الثاني ـ في العيوب الموجبة للخيار.\rالمطلب الثالث ـ في طرق إثبات العيب وشروط ثبوت الخيار.\rالمطلب الرابع ـ مقتضى الخيار وكيفية الرد بالعيب.\rالمطلب الخامس ـ موانع الرد بالعيب وسقوط الخيار.\rالمطلب السادس ـ اختلاف الفقهاء في شرط البراءة عن العيب.\rالمطلب الأول ـ في مشروعية خيار العيب وحكم العقد\rمشروعية خيار العيب: الأصل في مشروعية هذا الخيار أحاديث منها ـ أن النبي صلّى الله عليه وسلم قال: «المسلم أخو المسلم، لا يحل لمسلم باع من أخيه بيعاً، وفيه عيب إلا بينه له» (1) .\rومنها ـ قوله عليه الصلاة والسلام: «لا يحل لأحد أن يبيع شيئاً إلا بيَّن ما فيه، ولا يحل لأحد يعلم ذلك إلا بينه» (2) .\rومنها ـ أن النبي صلّى الله عليه وسلم مر برجل يبيع طعاماً، فأدخل يده فيه، فإذا هو مبلول،\r-------------------------------\r(1) رواه أحمد وابن ماجه والدارقطني والحاكم والطبراني عن عقبة بن عامر، قال في الفتح: وإسناده جيد (انظر مجمع الزوائد: 80/4، نيل الأوطار: 211/5) ورواه البخاري بلفظ آخر (انظر جامع الأصول: 420/1).\r(2) أخرجه أحمد وابن ماجه والحاكم في المستدرك، قال في ( نيل الأوطار: 212/5) «وفي إسناده أحمد أبو جعفر الرازي وأبو سباع، والأول مختلف فيه، والثاني قيل: إنه مجهول» .","part":5,"page":230},{"id":3076,"text":"فقال: «من غشنا فليس منا» (1) .\rوقال الكاساني: الأصل في مشروعية هذا الخيار ما روي عن رسول الله صلّى الله عليه وسلم أنه قال: «من اشترى شاة محفَّلة (2) ، فوجدها مصراة (3) ، فهو بخير النظرين ثلاثة أيام» وفي رواية «فهو بأحد النظرين إلى ثلاثة: إن شاء أمسك، وإن شاء رد، ورد معها صاعاً من تمر» (4) ، والنظران المذكوران: هما نظر الإمساك والرد، وذكر الثلاث في الحديث ليس للتوقيت، بل هو بناء الأمر على الغالب المعتاد، والصاع من التمر كأنه قيمة اللبن الذي حلبه المشتري.\rويلاحظ أن جمهور الفقهاء يعتبرون تصرية الإبل والغنم تغريراً فعلياً في الوصف، يوجب للمغرور خياراً في إبطال العقد، ولو لم يصحبه غبن فهو من خيار الوصف (5) .\rويثبتون للمشتري الخيار بين إمساك المبيع إن رضيه، أو رد المبيع مع صاع من\r-------------------------------\r(1) نيل الأوطار: 211/5 وما بعدها، وقد روى الحديث مسلم وأبو داود والترمذي وابن ماجه وأحمد عن أبي هريرة، وفي رواية أبي داود «ليس منا من غش» (انظر جامع الأصول: 419/1 وما بعدها، مجمع الزوائد: 78/4، نيل الأوطار: 212/5).\r(2) أي مجمع اللبن في ضرعها.\r(3) قال الشافعي: التصرية: هي ربط أخلاف (حلمات) الشاة أو الناقة، وترك حلبها حتى يجمع لبنها، فيكثر، فيظن المشتري أن ذلك عادتها، فيزيد في ثمنها لما يرى من كثرة لبنها.\r(4) انظر للمقارنة نيل الأوطار: 214/5، جامع الأصول: 420/1 وما بعدها، مجمع الزوائد: 108/4، الموطأ: 170/2 ففي هذا الحديث عدة روايات رواها البخاري ومسلم وأحمد والموطأ وأصحاب السنن الأربعة عن أبي هريرة، وهذه الرواية المذكورة كما يظهر لي هي ملفقة من أكثر من رواية.\r(5) انظر ابن عابدين: /4 47، والمدخل الفقهي العام للأستاذ مصطفى الزرقاء: جـ1 ص 374، الطبعة السابعة.","part":5,"page":231},{"id":3077,"text":"تمر إن سخطه، ويوافق أبو يوسف الجمهور على هذا الرأي أخذاً بالحديث السابق.وقال أبو حنيفة ومحمد: يرجع المشتري بالنقصان فقط إن شاء.\rحكم البيع :\rحكم البيع لشيء معيب: هو ثبوت الملك للمشتري في المبيع للحال لأن ركن البيع مطلق عن الشرط، وإنما يثبت فيه دلالة شرط سلامة المبيع عن العيوب، فإذا لم تتوافر السلامة تأثر العقد في لزومه، لا في أصل حكمه، بخلاف خيار الشرط؛ لأن الشرط المنصوص عليه ورد على أصل الحكم، فمنع انعقاده بالنسبة للحكم في مدة الخيار (1) .\rوصفة حكم البيع لشيء معيب: هو أنه يفيد الملك غير لازم؛ لأن سلامة البدلين في عقد المعاوضة مطلوبة عادة، فكانت السلامة مشروطة في العقد دلالة أي ضمناً، فكانت كالمشروطة نصاً، فإذا لم تتحقق صفة السلامة في البدلين، كان للعاقد الخيار، فيكون العقد غير لازم (2) .\rالمطلب الثاني ـ العيوب الموجبة للخيار\rالعيب: هو كل ما يخلو عنه أصل الفطرة السليمة ويوجب نقصان الثمن في عرف التجار نقصاناً فاحشاً أو يسيراً كالعمى والعور والحول (3) .\r-------------------------------\r(1) البدائع: 273/5.\r(2) البدائع، المرجع نفسه: ص 274.\r(3) فتح القدير والعناية: 151/5، 153، البدائع: 274/5، رد المحتار: 74/4، الشرح الصغير: 152/3 وما بعدها، والحَوَل: أن تميل إحدى الحدقتين إلى الأنف، والأخرى إلى الصدغ.","part":5,"page":232},{"id":3078,"text":"وتعريف العيب عند الشافعية: هو كل ما ينقص العين أو القيمة أو ما يفوت به غرض صحيح إذا غلب في جنس المبيع عدمه. واحترزوا بالقيد الأخير عن قطع أصبع زائدة أو جزء يسير من الفخذ أو الساق لا يورث شيناً، ولا يفوت غرضاً، فلا يرد المبيع به (1) . مثال إنقاص القيمة: جماح الدابة عند ركوبها، ومثال ما يفوت به غرض صحيح: قطع بعض أذن الشاة المشتراة للأضحية، فللمشتري ردها.\rوالفرق بين التعريفين: أن تعريف الحنفية ذو معيار مادي، وتعريف الشافعية ذو معيار شخصي.\rوالعيوب نوعان :\rأحدها ـ ما يوجب نقصان جزء من المبيع أو تغيره من حيث الظاهر دون الباطن. ثانيهما ـ ما يوجب النقصان من حيث المعنى، دون الصورة.\rأما الأول ـ فكثير نحو العمى، والعور، والحَوَل، والشلل، والقرع، والزمانة (أي الأمراض المزمنة) والأصبع الناقصة والسن السوداء والسن الساقطة والسن الشاغية (الزائدة) والظفر الأسود، والصمم والخرس، والبكم، والقروح، والشجاج، وأثر الجراح، والحميات وسائر الأمراض التي تعم البدن (2) .\rوأما الثاني ـ فنحو جماح الدابة، وبطء غير معتاد في سيارة ونحوها (3) .\rالمطلب الثالث ـ طرق إثبات العيب وشروط ثبوت الخيار\rشرائط ثبوت الخيار: يشترط لثبوت الخيار شرائط هي (4) :\r1 - ثبوت العيب عند البيع أو بعده قبل التسليم، فلو حدث بعدئذ لا يثبت الخيار.\r2 - ثبوت العيب عند المشتري بعد قبضه المبيع، ولا يكتفى بالثبوت عند البائع لثبوت حق الرد في جميع العيوب عند عامة المشايخ.\r3 - جهل المشتري بوجود العيب عند العقد والقبض، فإن كان عالماً به عند أحدهما فلا خيار له، لأنه يكون راضياً به دلالة.\r4 - عدم اشتراط البراءة عن العيب في البيع، فلو شرط فلا خيار للمشتري، لأنه إذا أبرأه فقد أسقط حق نفسه.\r5 - أن تكون السلامة من العيب غالبة في مثل المبيع المعيب.\r6 - ألا يزول العيب قبل الفسخ.\r7 - ألا يكون العيب طفيفاً مما يمكن إزالته دون مشقة، كالنجاسة في الثوب الذي لا يضره الغسل.\r-------------------------------\r(1) مغني المحتاج: 51/2، وقال الحنابلة: العيب: هو نقص عين مبيع كقطع أصبع ولو زادت قيمته، أو نقص قيمته عرفاً كمرض ونحوه (غاية المنتهى: 35/2).\r(2) البدائع: 274/5.\r(3) انظر البدائع: 274/5-276، فتح القدير: 154/5-155 ومابعدها، رد المحتار: 78/4.\r(4) البدائع: 275/5 وما بعدها، فتح القدير: 153/5.","part":5,"page":233},{"id":3079,"text":"8 - عدم اشتراط البراءة من العيب في البيع، على التفصيل الآتي في آخر البحث.\rطرق إثبات العيب :\rيختلف طريق إثبات العيب باختلاف العيب، والعيب أربعة أنواع:\rإما عيب ظاهر مشاهد، كالأصبع الزائدة والناقصة والسن الساقطة والعمى والعور ونحوها.\rأو عيب باطن خفي لا يعرفه إلا الأطباء.\rأو عيب لا يطلع عليه إلا النساء.\rأو عيب لا يعرف بالمشاهدة، وإنما يحتاج إلى التجربة والامتحان عند الخصومة.\r1 - فإن كان عيباً مشاهداً: فلا حاجة لتكليف القاضي للمشتري بإقامة البينة على وجود العيب عنده، لكونه ثابتاً بالعيان والمشاهدة، وللمشتري حق خصومة البائع، بسبب هذا التعريف، وللقاضي حينئذ النظر في الأمر.\rفإن كان العيب لا يحدث مثله عادة في يد المشتري كالأصبع الزائدة ونحوها، فإنه يرد على البائع، ولا يكلف المشتري بإقامة البينة على ثبوت العيب عند البائع لتيقن ثبوته عنده إلا أن يدعي البائع الرضا به، والإبراء عنه، فتطلب البينة منه.\rفإن أقام البينة عليه قضي بموجبها، وإلا فيستحلف المشتري على دعواه، فإن نكل لم يرد المبيع المعيب على البائع وإن حلف رد على البائع.","part":5,"page":234},{"id":3080,"text":"وأما إن كان العيب ممايجوز أن يحدث مثله في يد المشتري: فيقول القاضي للبائع: ( هل حدث هذا عندك؟ ) فإن قال: ( نعم ) قضى عليه بالرد، إلا أن يدعي الرضا والإبراء. وإن أنكر فقال? لا ) كان القول قوله إلا أن يقيم المشتري البينة، فإن أقامها، قضى عليه بالرد، إلا أن يدعي البائع الرضا والإبراء، وإن لم يكن له بينة على إثبات العيب عند البائع، وطلب المشتري يمينه، فإنه يستحلف بالله بنحوٍ باتٍّ قاطع جازم لا على مجرد نفي العلم: ( لقد بعته وسلمته، وما به هذا العيب) لأن هذا أمر لو أقر به لزمه، فإذا أنكر يحلف، وإنما يحلف على هذا الوجه بالجمع بين البيع والتسليم؛ لأنه قد يحدث العيب بعد البيع قبل التسليم فيثبت للمشتري حق الرد، فكان الاحتياط هو الجمع بينهما. وهذا ما ذكره محمد في الأصل.\rوقال بعض المشايخ: لا احتياط في هذا، لأنه لو استحلف على هذا الوجه، فمن الجائز حدوث العيب بعد البيع قبل التسليم، فيكون البائع صادقاً في يمينه؛ لأن شرط حنثه: وجود العيب عند البيع والتسليم معاً فلا يحنث بوجوده في أحدهما، فيبطل حق المشتري. والاحتياط للمشتري يتحقق فيما إذا حلف البائع بالله : (ما للمشتري رد السلعة بهذا العيب الذي يدعي) وقال بعضهم: يحلف بالله ( لقد سلمته وما به هذا العيب الذي يدعي ) قال الكاساني: «وهو صحيح، لأنه يدخل فيه الموجود عند البيع، والحادث قبل التسليم» .\rفإذا حلف برئ، ولا يرد عليه المبيع، وإن نكل يرد عليه ويفسخ العقد، إلا إذا ادعى البائع على المشتري الرضا بالعيب أو الإبراء عنه.\rوقد صحح بعضهم صيغة اليمين الأولى التي ذكرها محمد بإضمار زيادة في الكلام، فتصير الصيغة: «لقد بعته وسلمته وما به هذا العيب، لا عند البيع ولا عند التسليم» (1) .\r2 ًـ وأما إذا كان العيب باطناً خفياً لا يعرفه إلا المختصون :\rكالأطباء والبياطرة مثل وجع الكبد والطحال ونحوه، فإنه يثبت لممارسة حق\r-------------------------------\r(1) البدائع: 279/5 ومابعدها، تحفة الفقهاء: 139/2 ومابعدها، رد المحتار: 92/4، مختصر الطحاوي: ص 80 ومابعدها.","part":5,"page":235},{"id":3081,"text":"الخصومة بشهادة رجلين مسلمين أو رجل مسلم عدل، وبعده يقول القاضي للبائع: «هل حدث عندك العيب المدعى به» فإن قال: «نعم» قضى عليه بالرد، وإن أنكر أقام المشتري البينة، فإن لم يكن له بينة استحلف البائع على الوجه السابق ذكره في العيب المشاهد. فإن حلف، لم يرد عليه، وإن نكل قضى عليه بالرد، إلا أن يدعي الرضا أو الإبراء (1) .\r3 - وإن كان العيب مما لا يطلع عليه إلا النساء: فيرجع القاضي إلى قول النساء، فيريهن العيب لقوله تعالى: {فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون} [الأنبياء:7/21] ولا يشترط العدد منهن، بل يكتفى بقول امرأة واحدة عدل، والثنتان أحوط؛ لأن قول المرأة فيما لا يطلع عليه الرجال حجة في الشرع، كشهادة القابلة في النسب.\rفإذا شهدت المرأة على العيب، فهناك روايتان عن كل واحد من الصاحبين:\rفي رواية عن أبي يوسف أنه يفرق بين ما إذا كان المبيع في يد البائع أو في يد المشتري.\rفإن كان في يد البائع فيثبت العيب بشهادتها، ويرد المبيع، ويفسخ البيع، لأن ما لا يطلع عليه الرجال، فقول المرأة الواحدة بمنزلة البينة.\rوإن كان في يد المشتري فيثبت حق الخصومة أي ( حق الادعاء ) بقولها، ولايثبت بالنسبة لحق الرد على البائع؛ لأن المبيع وجد معيباً في ضمان المشتري، فلا ينقل الضمان إلى البائع بقول النساء، ثم يسأل القاضي البائع: ( هل كان هذا العيب عندك ) كما تبين في صورة العيب الباطن.\rوفي رواية أخرى عن أبي يوسف قال: إن كان العيب مما لا يحدث مثله: يفسخ البيع بقول النساء؛ لأن العيب قد ثبت بشهادتهن، وقد علمنا كون العيب عند البائع بيقين.\rوإن كان عيباً يحدث مثله، لم يثبت حق الفسخ بقولهن؛ لأن هذا مما يعلم من جهة غيرهن.\rوالروايتان عن محمد ما يأتي:\r-------------------------------\r(1) البدائع: 278/5، رد المحتار: 92/4.","part":5,"page":236},{"id":3082,"text":"قال في رواية: لا يُفسخ البيع بقولهن بحال. وفي رواية: يفسخ قبل القبض وبعده بقولهن؛ لأن قولهن فيما لا يطلع عليه الرجال كالبينة كما في النسب.\rوالحاصل أن شهادة المرأة الواحدة أو الثنتين يثبت بها العيب الذي لا يطلع عليه الرجال بالنسبة لحق إقامة الخصومة لا بالنسبة لحق الرد، سواء أكان العيب قبل القبض أم بعده في ظاهر الرواية عن علماء الحنفية الثلاث، فكان هو المذهب المعتمد (1) .\r4 - وأما العيب الذي ليس بمشاهد عند الخصومة ولايعرف إلا بالتجربة :\rكالإباق والجنون والسرقة والبول على الفراش، فلا يثبت إلا بشهادة رجلين أو رجل وامرأتين.\rإذا أثبت المشتري حدوث العيب عنده، يقول القاضي للبائع: ( هل أبق عندك ) فإن قال: ( نعم ) قضى عليه بالرد، إلا أن يدعي الرضا أو الإبراء، وإن أنكر الإباق أصلاً، وادعى اختلاف الحالة في هذا العيب بين الصغر والكبر، كما سلف بيانه، يقول القاضي للمشتري: ( ألك بينة؟ ) فإن قال: ( نعم ) وأقام البينة على مايدعي، قضى عليه بالرد، وإن قال: ( لا ) يستحلف البائع بالله : ( ماأبق عندك قط ) فإن حلف انقطعت الخصومة بينهما، وإن نكل عن اليمين قضى عليه بالرد.\rوإذا لم يستطع المشتري إثبات العيب عنده، هل يستحلف القاضي البائع على ذلك أو لا؟.\rقال الصاحبان: يستحلف، وقال أبو حنيفة: لايستحلف.\r-------------------------------\r(1) البدائع: 279/5 ومابعدها، رد المحتار: 92/4 ومابعدها.","part":5,"page":237},{"id":3083,"text":"دليلهما: أن المشتري يدعي حق الرد ولايمكنه الرد إلا بإثبات العيب عند نفسه، وطريق الإثبات: إما البينة أو نكول البائع، فإذا لم تقم له بينة يستحلف لينكل أي (البائع) فيثبت العيب عند نفسه، ولهذا يستحلف أي المشتري عند عدم البينة على إثبات العيب عند البائع فكذا هذا. ودليل أبي حنيفة: أن الاستحلاف يكون عقب الدعوى على البائع، ولا دعوى له على البائع إلا بعد ثبوت العيب عند نفسه، ولم يثبت، فلم تثبت دعواه على البائع، فلا يستحلف، والنكول لايكون إلا بعد الاستحلاف (1) .\rوكيفية استحلاف البائع :\rهي أن يحلف على العلم: لا على سبيل البت والقطع، فيقول: ( بالله مايعلم أن هذا العيب موجود في هذا الشيء الآن ) والسبب فيه : هو أنه يحلف على غير فعله، ومن حلف على غير فعله، يحلف على العلم لأنه لا علم له بما ليس بفعله، أما من حلف على فعل نفسه، فيحلف على البتات (أي بصيغة البت والجزم) فإن نكل أي البائع عن اليمين، ثبت العيب عند المشتري، فيثبت له حق الخصومة، وإن حلف برئ (2) .\rالمطلب الرابع ـ مقتضى الخيار وكيفية الفسخ والرد بالعيب\rمقتضى الخيار: يترتب على ظهور العيب في المبيع أن يكون المشتري مخيراً بين أمرين:\rإما أن يمضي العقد، وفي هذه الحالة يلتزم بأداء الثمن كاملاً؛ أو يفسخ العقد، فيسترد الثمن إن كان قد دفعه، ويعفى من أدائه إن لم يكن قد أداه، وعليه أن يرد العين المعيبة إذا كان قد تسلّمها (3) .\rوقال الشافعية والحنابلة: إذا تعيب المبيع في يد البائع أو تلف بعضه بأمر سماوي، فيكون المشتري مخيراً بين قبوله ناقصاً بجميع الثمن، ولا شيء له، وبين فسخ العقد والرجوع بالثمن (4) .\rكيفية الفسخ والرد: المبيع لا يخلو من أحد حالين:\r-------------------------------\r(1) البدائع: 279/5، رد المحتار: 92/4.\r(2) البدائع، المرجع السابق.\r(3) فتح القدير: 151/5.\r(4) الروضة للنووي: 504/3، المغني: 109/4 ومابعدها.","part":5,"page":238},{"id":3084,"text":"1 - إما أن يكون في يد البائع، فينفسخ البيع بقول المشتري: «رددت» ولا يحتاج إلى قضاء القاضي، ولا إلى التراضي بالاتفاق بين الحنفية والشافعية.\r2 - وإما أن يكون في يد المشتري، فلا ينفسخ إلا بقضاء القاضي أو بالتراضي عند الحنفية؛ لأن الفسخ بعد القبض يكون على حسب العقد؛لأنه يرفع العقد، وبما أن العقد لا ينعقد بأحد العاقدين فلا ينفسخ بأحدهما من غير رضا\rالآخر، ومن غير قضاء القاضي، بخلاف الفسخ قبل القبض؛ لأن الصفقة ليست تامة حينئذ، بل تمامها بالقبض، فكان بمنزلة القبض.\rوعند الشافعي: ينفسخ العقد بقوله: «رددت» بغير حاجة إلى قضاء، ولا إلى رضا البائع؛ لأن الفسخ لا تفتقر صحته إلى القضاء، ولا إلى الرضا كالفسخ بخيار الشرط بالاتفاق، وبخيار الرؤية على أصل الحنفية (1) .\rهل الفسخ بعد العلم بالعيب على الفور أو على التراخي؟\rقال الحنفية والحنابلة: خيار الرد بالعيب على التراخي، ولا يشترط أن يكون رد المبيع بعد العلم بالعيب على الفور، فمتى علم العيب فأخر الرد، لم يبطل خياره حتى يوجد منه ما يدل على الرضا، وإذا أعلن المشتري البائع بالعيب وخاصمه في رد المبيع، ثم ترك مخاصمته بعدئذ، ورجع إليها وطلب الرد، فإن له أن يرد ما لم يمتنع الرد لمانع، لأنه خيار لدفع ضرر متحقق، فكان على التراخي كالقصاص، ولا نسلم دلالة الإمساك على الرضا به (2) .\r-------------------------------\r(1) البدائع: 281/5، مغني المحتاج: 57/2، المهذب: 284/1.\r(2) رد المحتار: 93/4، المغني: 144/4، غاية المنتهى: 41/2.","part":5,"page":239},{"id":3085,"text":"وقال الشافعية: يشترط أن يكون رد المبيع بعد العلم بالعيب على الفور، فلو علم ثم أخر رده بلا عذر؛ سقط حقه في الرد، والمراد بالفور: ما لا يعد تراخياً في العادة، فلو اشتغل بصلاة دخل وقتها، أو بأكل أو نحوه، فلا يكون تراخياً في العادة، فلا يمنع الرد، وكذا لو علم بالعيب، ثم تراخى لعذر كمرض أو خوف لص أو حيوان مفترس أو نحوه، فإن حقه لا يسقط، وإنما يكون له حق الرد بعد العلم بالعيب إذا لم يفعل ما يدل على الرضا، كاستعمال الحيوان ولبس الثوب أو نحوه.\rودليلهم: أن الأصل في البيع اللزوم، وعدم اللزوم عارض، ولأنه خيار ثبت بالشرع لدفع الضرر عن المال، فكان فورياً كالشفعة، فيبطل بالتأخير بغير عذر (1) .\rالمطلب الخامس ـ موانع الرد بالعيب وسقوط الخيار\rيمتنع الرد بالعيب ويسقط الخيار بعد ثبوته ويلزم البيع بأسباب، منها: ما يكون بعد ثبوت التزام البائع بضمان العيب. ومنها: ما لا يكون البائع ملتزماً فيها بضمان العيوب من أول الأمر.\rأما ما يكون بعد ثبوت التزام البائع بضمان العيب فهي (2) :\r1 - الرضا بالعيب بعد العلم به، إما صراحة كأن يقول: رضيت بالعيب أو أجزت البيع، أو دلالة كالتصرف في المبيع تصرفاً يدل على الرضا بالعيب كصبغ الثوب أو قطعه، أو البناء على الأرض أو طحن الحنطة أو شيّ اللحم، أو بيع الشيء أو هبته أو رهنه ولو بلا تسليم أو استعماله بأي وجه كلبس الثوب وركوب الدابة أو مداواة المبيع ونحوها كما ذكر في مبحث خيار الشرط، أو وصول عوض العيب إلىه حقيقة، أو اعتباراً كأن يقتله أجنبي وهو في يده خطأ، فيأخذ قيمته منه.\r-------------------------------\r(1) مغني المحتاج: 56/2، المهذب: 274/1.\r(2) البدائع: 282/5، 291، رد المحتار: 94/4، 103.","part":5,"page":240},{"id":3086,"text":"وذلك لأن حق الرد لفوات السلامة المشروطة في العقد ضمناً، ولَّما رضي المشتري بالعيب بعد العلم به، دل على أنه ما شرط السلامة، ولأنه إذا رضي بالعيب فقد رضي بالضرر: وهو إسقاط ضمان العيب الذي يعوض به عن الجزء المعيب، وفي حالة العوض: إذا حصل التعويض، فكأن الجزء المعيب عاد سليماً\rمعنىً، بقيام بدله، وهذا في ظاهر الرواية، لأنه لما وصلت إليه قيمته، قامت القيمة مقام العين، فصار كأنه باعه.\r2 - إسقاط الخيار صراحة أو في معنى الصريح: مثل أن يقول المشتري: أسقطت الخيار أو أبطلته، أو ألزمت البيع أو أوجبته، وما يجري مجراه.\rوأما ما يمنع الرد دون أن يكون البائع ملتزماً بالضمان من أول الأمر فهو مايأتي:\r1 - المانع الطبيعي: وهو هلاك المبيع بآفة سماوية، أو بفعل المبيع، أو باستعمال المشتري كأكل الطعام، فيمتنع الرد في هذه الحالات لهلاك المبيع، ويثبت للمشتري حق الرجوع على البائع بنقصان العيب (1) .\r2 - المانع الشرعي: وهو أن يحدث في المبيع قبل القبض زيادة متصلة غير متولدة من الأصل كصبغ الثوب والبناء على الأرض، أو يحدث بعد القبض زيادة متصلة غير متولدة أو زيادة منفصلة متولدة كالولد والثمرة. وأما بقية أنواع الزيادات فلا تمنع الرد.\rوتفصيله ما يأتي (2) :\rالزيادة في المبيع: إما أن تحدث قبل القبض أو بعده، وكل منها إما متصلة أو منفصلة.\rفالزيادة الحادثة قبل القبض :\r-------------------------------\r(1) البدائع: 282/5، رد المحتار: 86/4، 99، مجمع الضمانات: ص 219، عقد البيع للأستاذ الزرقاء: ص 110، مغني المحتاج: 54/2.\r(2) البدائع: 284/5 ومابعدها، التقريرات على رد المحتار: 85/4، 98، عقد البيع، المرجع المذكور: ص 111.","part":5,"page":241},{"id":3087,"text":"1 - إذا كانت متصلة:فإما أن تكون متولدة من الأصل كالحسن والجمال والكبر والسمن ونحوها، فلا تمنع الرد، لأنها تابعة للأصل حقيقة.\rأو تكون غير متولدة كصبغ الثوب أو خياطته، وكالبناء أو الغرس على الأرض، فتمنع الرد؛ لأنها أصل قام بذاته، وليست تابعة، فلا يرد المبيع بدونها، لتعذر الرد، ولا يرد معها، لأنها ليست تابعة في البيع فلا تتبع في الفسخ.\r2 - وإن كانت منفصلة:\rفإما أن تكون أيضاً متولدة من الأصل كالولد والثمرة واللبن، فلا تمنع الرد، فإن شاء المشتري ردهما جميعاً، وإن شاء رضي بهما بجميع الثمن.\rأو أن تكون غير متولدة، كالكسب والصدقة والغلة، فلا تمنع الرد؛ لأنها ليست بمبيعة، وإنما هي مملوكة بملك الأصل.\rوأما الزيادة الحادثة في المبيع بعد القبض ( أي عند المشتري) :\r1 - إن كانت زيادة متصلة.\rفإن كانت متولدة من الأصل كسمن الدابة، فلا تمنع الرد عند الحنفية والشافعية والحنابلة والمالكية (1) ، ويبقى حكم العيب معها على موجبه الأصلي: فإن رضي المشتري أن يردها مع الأصل ردها، وإن أبى وأراد أن يأخذ نقصان العيب، وأبى البائع إلا الرد ودفع جميع الثمن، فقال أبو حنيفة وأبو يوسف: ليس للبائع أن يأبى وللمشتري أخذ نقصان العيب منه؛ لأن الزيادة المتصلة بعد القبض تمنع الفسخ عندهما إذا لم يوجد الرضا من صاحب الزيادة.\rوقال محمد: له أن يأبى الرد، وليس للمشتري أن يرجع بالنقصان عليه (أي على البائع) لأن الزيادة المتصلة عنده لا تمنع الفسخ، وأصل الخلاف راجع إلى حكم الزيادة المتصلة بالمهر بعد القبض إذا طلق الزوج امرأته قبل الدخول.\r-------------------------------\r(1) مغني المحتاج: 61/2، المغني: 144/4، حاشية الدسوقي: 121/3.","part":5,"page":242},{"id":3088,"text":"وإن كانت غير متولدة: فإنها تمنع الرد بالاتفاق؛ لأن هذه الزيادة ملك للمشتري، فلا يحق للبائع عندئذ أخذها بلا مقابل، ويتعين الرجوع بنقصان العيب.\r2 - وإن كانت زيادة منفصلة: فإن كانت متولدة من الأصل كالولد والثمرة واللبن، فإنها تمنع الرد عند الحنفية؛ لأنها لو رد الأصل دونها تبقى للمشتري بلا مقابل، وهو ممنوع شرعاً، لأنه ربا.\rوقال الشافعية والحنابلة: لا تمنع هذه الزيادة الرد، وهي للمشتري بعد القبض، لأنها حدثت في ملك المشتري، فلا تمنع الرد، كالزيادة غير المتولدة، ولما روي «أن رجلاً ابتاع من آخر غلاماً، فأقام عنده ما شاء الله ، ثم وجد به عيباً، فخاصمه إلى النبي صلّى الله عليه وسلم ، فرده عليه، فقال: يا رسول الله ، قد استغل غلامي، فقال: الخراج بالضمان» (1) ومعناه أن فوائد المبيع للمشتري في مقابلة أنه لو تلف كان من ضمانه، وقيس الثمن على المبيع.\rوإن كانت الزيادة غير متولدة كالكسب والصدقة، لم يمتنع الرد، ويرد الأصل على البائع، والزيادة للمشتري طيبة له؛ لأن هذه الزيادة ليست بمبيعة أصلاً، فأمكن فسخ العقد بدون الزيادة.\r-------------------------------\r(1) رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه عن عائشة رضي الله عنها، وهذه رواية أبي داود. ومعنى الخراج بالضمان أي الغنم بالغرم إذ أن الخراج هو الدخل والمنفعة، أي يملك المشتري الخراج الحاصل من المبيع بضمان الأصل الذي عليه أي بسببه، فالباء للسببية (انظر جامع الأصول: 28/2، نيل الأوطار: 213/5).","part":5,"page":243},{"id":3089,"text":"3 - المانع بسبب حق البائع: وهو حدوث عيب جديد عند المشتري بعد قبضه، إذا كان المبيع معيباً بعيب قديم عند البائع، كأن انكسرت يد الدابة المبيعة عند المشتري، وظهر فيها مرض قديم كان عند البائع؛ لأن المبيع خرج عن ملك البائع معيباً بعيب واحد، فلو رد يرد بعيبين، فيتضرر البائع. وشرط الرد أن يرد على الوجه الذي أخذ، وإنما يكون للمشتري أن يرجع على بائعه بالنقصان. ولو زال العيب الحادث، كما لو شفيت الدابة المريضة، عاد الموجب الأصلي: وهو حق الرد (1) .\r4 - المانع بسبب حق الغير: كما لو أخرج المشتري المبيع عن ملكه بعقد من عقود التمليك كبيع أو هبة أوصلح، ثم اطلع على أنه كان معيباً بعيب قديم، فلا يمكن المشتري الأول أن يفسخ البيع بينه وبين بائعه، لأنه قد تعلق بالمبيع حق مالك جديد، أنشأه المشتري نفسه (2) .\r5 - إتلاف المشتري المبيع :\rكما لو كان المبيع دابة فقتلها، أو ثوباً فمزقه ونحوه، ثم علم بوجود العيب القديم فيه، فيستقر عليه الثمن المسمى نهائياً دون رجوع بنقصان. والفرق بين هذا العيب وبين المانع بسبب حق الغير: أنه في الحالة الثانية يحتمل زوال المانع، فيعود حق الرد، وفي الحالة الأولى لا يحتمل زواله (3) .\r-------------------------------\r(1) البدائع: 283/5، رد المحتار: 82/4، 101، عقد البيع للأستاذ الزرقاء: ص 111.\r(2) عقد البيع، المرجع السابق.\r(3) عقد البيع: ص 112 ومابعدها.","part":5,"page":244},{"id":3090,"text":"وإذا حصل في المبيع عيب عند المشتري، ثم اطلع على عيب كان عند البائع فله أن يرجع بالنقصان على البائع ولا يرد المبيع إلا أن يرى البائع أخذ المبيع بعينه فله أخذه. وتعتبر قيمة النقصان يوم البيع (1) .\rوالخلاصة: أنه يجوز الرجوع على البائع للمطالبة بفرق نقصان العيب في حالات ثلاث: هي هلاك المبيع، وتعيبه بعيب جديد، وتغيير صورته بحيث أصبح له اسم جديد.\rويلاحظ أن الكلام في هذه الموانع المذكورة فيما إذا كان المشتري عاقداً لنفسه، فإن كان عاقداً لغيره ففيه تفصيل:\rإذا كان العاقد لغيره ممن يجوز أن تلزمه الخصومة (أي الادعاء) في الرجوع بنقصان العيب كالوكيل، والشريك، والمضارب، فتلزمه الخصومة، ويقوم برد المبيع المعيب على البائع؛ لأن الرد بالعيب من حقوق العقد، وحقوق العقد ترجع إلى العاقد إذا كان ممن تلزمه الخصومة كالعاقد لنفسه، فما قضي به على العاقد ـ إن كان وكيلاً بالبيع ـ رجع به على من وقع له العقد، لكونه قائماً مقامه (2) .\rوإذا كان العاقد ممن لا تلزمه الخصومة كالقاضي والإمام إذا عقدا عقداً بحكم الولاية، فإنه ينصب خصماً يخاصم في العيب، فما قضي به عليه، رجع في مال من وقع التصرف له، وإن كان التصرف للمسلمين رجع في بيت مالهم.\rوأما العاقد: إذا كان صبياً محجوراً، فباع أو اشترى بإذن إنسان، فلا تلزمه الخصومة، ولا ضمان عليه، وإنما الخصومة على من وكله في التصرف؛ لأن حكم العقد وقع للموكل، والعاقد ليس من أهل لزوم العهدة (أي حقوق العقد) فيقتصر دوره على مباشرة التصرف لا غير، كالرسول والوكيل في عقد النكاح.\r-------------------------------\r(1) مجمع الضمانات: ص 220، فتح القدير: 164/5.\r(2) رد المحتار: 89/4.","part":5,"page":245},{"id":3091,"text":"المطلب السادس ـ آراء الفقهاء في شرط البراءة عن العيوب\rاختلف الفقهاء فيما إذا شرط البائع براءته من ضمان العيب (أي عدم مسؤوليته عما يمكن أن يظهر من عيوب في المبيع) فرضي المشتري بهذا الشرط، اعتماداً على السلامة الظاهرة ثم ظهر في المبيع عيب قديم (1) .\rقال الحنفية: يصح البيع بشرط البراءة من كل عيب (2) وإن لم تعين العيوب بتعداد أسمائها، سواء أكان جاهلاً وجود العيب في مبيعه فاشترط هذا الشرط احتياطاً، أم كان عالماً بعيب المبيع، فكتمه عن المشتري، واشترط البراءة من ضمان العيب ليحمي بهذا الشرط سوء نيته، فيصح البيع، لأن الإبراء إسقاط،لا تمليك، والإسقاط لا تفضي الجهالة فيه إلى المنازعة، لعدم الحاجة إلى التسليم. ويشمل هذا الشرط كل عيب موجود قبل البيع أو حادث بعده قبل القبض، فلا يرد المبيع بالعيب حينئذ. وهذا في ظاهر الرواية عن أبي حنيفة وأبي يوسف؛ لأن غرض البائع إلزام العقد بإسقاط المشتري حقه في وصف سلامة المبيع، ليلزم البيع على كل حال ،ولا يتحقق هذا الغرض إلا بشمول العيب الحادث قبل التسليم، فكان داخلاً ضمناً.\rوقال محمد وزفر والحسن بن زياد ومالك والشافعي، وهو المعمول به في قانوننا المدني: يشمل البراءة العيب الموجود عند العقد فقط، لا الحادث بعد العقد وقبل القبض؛ لأن البراءة تتناول الشيء الثابت الموجود، بسبب أن الإبراء عن المعدوم لا يتصور، والحادث لم يكن موجوداً عند\r-------------------------------\r(1) المدخل الفقهي العام: ص 377، عقد البيع للأستاذ الزرقاء: ص 107.\r(2) للناس عبارات مختلفة في شرط البراءة عن العيوب مثل بيع الشيء على أنه حاضر حلال، أو على أنه مكسر محطم، أو كوم تراب أو عظام، أو حراق على الزناد، أو لا يصلح لشيء أو لأجل الطرح. وفي بيع الدابة يقولون: على أنها لحم: أي لا ينتفع من حياتها بعمل (رد المحتار: 100/4، عقد البيع: ص 117).","part":5,"page":246},{"id":3092,"text":"البيع، فلا يدخل تحت الإبراء (1) .\rوهذا الخلاف فيما إذا قال: ( أبرأتك عن كل عيب مطلقاً ) فأما إذا قال: (أبيعك على أني بريء من كل عيب به) لم يدخل فيه العيب الحادث بالاتفاق، لأنه لم يعمم البراءة، وإنما خصها بالموجود عند العقد.\rوبناء على قول محمد وزفر والحسن: إذا كانت البراءة من العيوب عامة فاختلف البائع والمشتري في وجود عيب، فقال البائع: كان موجوداً عند العقد، فدخل تحت البراءة، وقال المشتري: بل هو حادث لم يدخل تحت البراءة، وبناء عليه، قال محمد: القول قول البائع، مع يمينه؛ لأن البراءة عامة والمشتري يدعي حق الرد بعد عموم البراءة عن حق الرد بالعيب، والبائع ينكر ذلك، فكان القول قوله.\rوقال زفر والحسن: القول قول المشتري لأن الأصل هو ثبوت الحق، والمشتري هو المبرئ، فيكون القول قوله في مقدار البراءة (2) .\rويشمل هذا الشرط أيضاً كل عيب من العيوب الظاهرة والباطنة؛ لأن اسم العيب يقع على الكل.\r-------------------------------\r(1) البدائع: 227/5، فتح القدير: 182/5، رد المحتار: 100/4.\r(2) البدائع: 277/5.","part":5,"page":247},{"id":3093,"text":"فإذا قال: ( أبرأتك عن كل داء ) فيقع على كل عيب ظاهر، دون الباطن من طحال ونحوه عند أبي يوسف. وروي عن أبي حنيفة أنه يقع على كل عيب باطن، من طحال أو فساد حيض وأما العيب الظاهر فيسمى مرضاً.\rوقد رجح بعضهم وهو صاحب الدر المختار الرأي الثاني اعتماداً على ما هو المعروف في العادة، إلا أن المشهور في المذهب هو الأول أي يقع على كل مرض؛ لأن الداء في اللغة هو المرض، سواء أكان بالجوف أم بغيره، والعرف الآن موافق للغة (1) أي أن الداء هو المرض.\rولو أبرأ البائع عن كل غائلة (2) فيقع على السرقة والإباق والفجور، وكل ما يعد عيباً عند التجار (3) .\rوإذا خصص الإبراء عن بعض العيوب لم يشمل غيرها، كأن يبرئ من القروح أو الكي أو نحوها، لأنه أسقط حقه من نوع خاص (4) .\rفإذا كانت البراءة خاصة بعيب موجود عند العقد سماه المشتري، ثم اختلف المتعاقدان، فقال البائع: ( كان بها ) وقال المشتري: ( حدث قبل القبض ) فقال محمد: القول قول المشتري لأن هذه البراءة خاصة بحال العقد، لا تتناول إلا الموجود حالة العقد، والمشتري يدعي العيب لأقرب الوقتين، والبائع يدعيه لأبعدهما، فكان الظاهر شاهداً للمشتري (5) .\r-------------------------------\r(1) رد المحتار: 100/4، البدائع: 278/5.\r(2) الغائلة: الفجور أي (الزنا)، والإباق، والسرقة، ونحو ذلك.\r(3) البدائع: 278/5، رد المحتار، المرجع السابق.\r(4) البدائع: 277/5.\r(5) البدائع: 278/5.","part":5,"page":248},{"id":3094,"text":"هذا هو مذهب الحنفية في شرط البراءة عن العيوب عموماً.\rوأما مذاهب غيرهم من حيث العلم بالعيب والجهل به فهي ما يلي:\rقال المالكية: إن شرط البراءة عن العيوب لا يصح إلا في عيب في الرقيق لايعلم به البائع، وطالت إقامة الرقيق عند بائعه. أما ما يعلم به، أو كان في غير الرقيق، أو في رقيق لم تطل إقامته عند بائعه (مالكه) فلا تصح البراءة عنه (1) .\rوقال الشافعية: لو باع بشرط براءته من العيوب، فالأظهر أنه يبرأ عن كل عيب باطن بالحيوان خاصة، إذا لم يعلمه البائع، ولا يبرأ عن عيب بغير الحيوان، كالثياب والعقار مطلقاً، ولا عن عيب ظاهر بالحيوان، علمه، أم لا، ولا عن عيب باطن بالحيوان كان قد علمه. والمراد بالباطن: ما لا يطلع عليه غالباً.\rوينصرف الإبراء إلى العيب الموجود عند العقد، لا الذي حدث قبل القبض. ولو اختلف المتعاقدان في قدم العيب فيصدق البائع.\rولو شرط البائع البراءة عما يحدث من العيوب قبل القبض ولو مع الموجود منها، لم يصح الشرط في الأصح؛ لأنه إسقاط للشيء قبل ثبوته، كما لو أبرأ عن ثمن ما يبيعه له (2) .\rوأما الحنابلة فعندهم روايتان عن أحمد: رواية تقرر أنه لا يبرأ إلا أن يعلم المشتري بالعيب،وهو قول الشافعي، ورواية: تقرر أنه يبرأ من كل عيب لم يعلمه، ولا يبرأ من عيب علمه.\rواختار ابن قدامة وغيره أن من باع حيواناً أو غيره بالبراءة من كل عيب أو من عيب معين موجود: لم يبرأ، سواء علم به البائع أو لم يعلم (3) .\r-------------------------------\r(1) حاشية الدسوقي: 119/3، القوانين الفقهية: ص 265، الشرح الصغير: 164/3.\r(2) مغني المحتاج: 53/2.\r\r(3) المغني: 178/4، غاية المنتهى: 27/2.","part":5,"page":249},{"id":3095,"text":"14 - خيار الرؤية\rيذكر بعض المؤلفين هذا الخيار قبل خيار العيب، لكونه أقوى منه، لأنه يمنع تمام البيع، أما خيار العيب فيمنع لزوم الحكم، واللزوم بعد التمام. وإني خالفت ذلك لتشابه خيار الشرط وخيار العيب، كما أشرت سابقاً، ثم إن خيار الشرط، وخيار العيب، وخيار التعيين ثبتت باشتراط المتعاقدين، أما خيار الرؤية فقد ثبت من ناحية الشرع.\rخطة الموضوع :\rالكلام في هذا الخيار على وفق المطالب الآتية:\rالمطلب الأول: مشروعية خيار الرؤية.\rالمطلب الثاني: وقت ثبوت الخيار.\rالمطلب الثالث: كيفية ثبوت الخيار.\rالمطلب الرابع: صفة البيع الذي فيه خيار رؤية وحكمه.\rالمطلب الخامس: شرائط ثبوت الخيار، وتوابعها.\rالمطلب السادس: مسقطات الخيار.\rالمطلب السابع: ما ينفسخ به العقد وشروط الفسخ.\rالمطلب الأول ـ مشروعية خيار الرؤية\rأجاز الحنفية خيار الرؤية في شراء ما لم يره المشتري وله الخيار إذا رآه: إن شاء أخذ المبيع بجميع الثمن، وإن شاء رده، وكذا إذا قال: رضيت، ثم رآه: له أن يرده، لأن الخيار معلق بالرؤية، كما في الحديث الآتي، ولأن الرضا بالشيء قبل العلم بأوصافه لا يتحقق فلا يعتبر قوله: ( رضيت ) قبل الرؤية بخلاف قوله: (رددت).\rاستدلوا على خيار الرؤية بقوله عليه السلام فيما يرويه أبو هريرة وابن عباس رضي الله عنهما: «من اشترى شيئاً لم يره فهو بالخيار إذا رآه» (1) .\rواستدلوا أيضاً بما روي أن سيدنا عثمان بن عفان رضي الله عنه باع أرضاً له من طلحة بن عبد الله رضي الله عنهما، ولم يكونا رأياها، فقيل لطلحة: (غبنت)، فقال: «لي الخيار، لأني اشتريت ما لم أره» فحكّما في ذلك جبير بن مطعم، فقضى بالخيار لطلحة رضي الله عنه (2) ، أي للمشتري دون البائع وإن باع مالم يره.\rوكان ذلك بمحضر من الصحابة رضي الله عنهم، ولم ينكر عليه أحد منهم، فكان إجماعاً منهم على شرعية هذا الخيار.\rواستدلوا أيضاً بالمعقول: وهو أن جهالة الوصف تؤثر في الرضا، فتوجب خللاً فيه، واختلال الرضا في البيع يوجب الخيار.\rوبناء على هذا، أجازوا بيع العين الغائبة من غير صفة، ويثبت للمشتري حينئذ خيار الرؤية، أو بصفة مرغوبة، ويثبت له خيار الوصف، كما سبقت الإشارة إليه، فإذا رأى المشتري المبيع، كان له الخيار فإن شاء أنفذ البيع، وإن شاء رده، سواء أكان موافقاً للصفة أم لا، فيثبت الخيار بكل حال.\rولم يجز الحنفية خيار الرؤية للبائع إذا باع ما لم يره كما إذا ورث عيناً من الأعيان في بلد غير الذي هو فيه، فباعها قبل الرؤية، صح البيع، ولاخيار له عندهم. وقد رجع أبو حنيفة عما كان\r-------------------------------\r(1) روي مسنداً ومرسلاً، فالمسند عن أبي هريرة، والمرسل عن مكحول رفعه إلى النبي صلّى الله عليه وسلم ، نقل النووي اتفاق الحفاظ على تضعيفه. وقد سبق تخريجه في بيع العين الغائبة.\r(2) أخرجه الطحاوي والبيهقي عن علقمة بن أبي وقاص أن طلحة اشترى من عثمان مالاً.. الحديث (انظر نصب الراية: 9/4).","part":5,"page":250},{"id":3096,"text":"يقول أولاً بأن له الخيار، كما للمشتري، وكما هو الأمر في خيار الشرط وخيار العيب (1) .\rوالتفرقة بين البائع والمشتري في هذا أمر معقول؛ لأن البائع يعرف ما يبيعه أكثر من المشتري، فلا ضرورة لثبوت الخيار له، وعليه أن يتثبت قبل البيع، حتى لا يقع عليه غبن يطلب من أجله فسخ العقد (2) .\rوأجاز المالكية خيار الوصف للمشتري فقط، فقالوا: يجوز بيع الغائب على الصفة إذا كانت غيبته مما يؤمن أن تتغير فيه صفته قبل القبض، فإذا جاء على الصفة، صار العقد لازماً (3) .\rوالحنابلة أجازوا أيضاً كالمالكية خيار الوصف فقط فقالوا: يجوز بيع الغائب إذا وصف للمشتري، فذكر له من صفاته ما يكفي في صحة السلم، لأنه بيع بالصفة، فصح كالسلم. وتحصل بالصفة معرفة المبيع؛ لأن معرفته تحصل بالصفات الظاهرة التي يختلف بها الثمن ظاهراً، وهذا يكفي كما يكفي في السلم، ولا يعتبر في الرؤية الاطلاع على الصفات الخفية، ومتى وجده المشتري على الصفة المذكورة صار العقد لازماً، ولم يكن له الفسخ.\rولم يجيزوا في أظهر الروايتين بيع الغائب الذي لم يوصف ولم تتقدم رؤيته في غير حالة بيع البرنامج المذكورة سابقاً عند المالكية في بيع العين الغائبة من البيوع الفاسدة؛ لأن النبي صلّى الله عليه\r-------------------------------\r(1) المبسوط: 69/13 ومابعدها، فتح القدير مع العناية: 137/5-140، البدائع: 292/5، رد المحتار: 68/4.\r(2) الأموال ونظرية العقد للدكتور محمد يوسف موسى: ص 481.\r(3) بداية المجتهد: 154/2، حاشية الدسوقي: 25/3 ومابعدها.","part":5,"page":251},{"id":3097,"text":"وسلم «نهى عن بيع الغرر» (1) ولأنه باع ما لم يره ولم يوصف له، فلم يصح، كبيع النوى في التمر.\rوأثبت الحنابلة والظاهرية خيار الرؤية للبائع إذا باع ما لم ير، ووصفه للمشتري.\rوأما حديث خيار الرؤية فهو مروي عن عمر بن إبراهيم الكردي، وهو متروك الحديث، ويحتمل أن يراد بالحديث: أنه بالخيار بين العقد عليه وتركه (2) .\rوقال الشافعي في المذهب الجديد: لا ينعقد بيع الغائب أصلاً، سواء أكان بالصفة، أم بغير الصفة، لحديث أبي هريرة أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم «نهى عن بيع الغرر» وفي هذا البيع غرر، وبما أنه من أنواع البيوع، فلم يصح مع الجهل بصفة المبيع كالسلم، ثم إنه داخل تحت النهي عن بيع ما ليس عند الإنسان أي ما ليس بحاضر أو مرئي للمشتري. وأما حديث «من اشترى ما لم يره فهو بالخيار إذا رآه» فهو حديث ضعيف كما قال البيهقي، وقال الدارقطني عنه: «إنه باطل» .\rوبناء على الأظهر من اشتراط رؤية المبيع قالوا: تكفي رؤية المبيع قبل العقد\r-------------------------------\r(1) رواه أحمد وأصحاب السنن الأربعة عن أبي هريرة ورواه أيضاً الطبراني في الكبير عن ابن عباس، وفي الأوسط عن ابن عمر وسهل بن سعد (وقد سبق تخريجه).\r(2) المغني: 580/3 ومابعدها، المحلى: 394/8 وما بعدها.","part":5,"page":252},{"id":3098,"text":"فيما لا يتغير غالباً إلى وقت العقد كالأرض والحديد، دون ما يتغير غالباً كالأطعمة، وتكفي رؤية بعض المبيع إن دل على باقيه، كظاهر الصبرة من حنطة ونحوها، وجوز ونحوه، وأدقة (جمع دقيق) وكأعالي المائعات في أوعيتها كالدهن، وأعلى التمر في قوصرته (وعاء من قصب يجعل فيه التمر ونحوه) والطعام في آنيته، وكأنموذج المتماثل أي (المتساوي الأجزاء) كالحبوب، فإن رؤيته تكفي عن رؤية باقي المبيع (1) .\rورد الحنفية على حجج غيرهم بأن جهالة المبيع غير المرئي لا تؤدي للنزاع مطلقاً ما دام للمشتري أن يرد المبيع إذا لم يره محققاً لرغبته ويفسخ العقد.\rوحديث النهي عن بيع ما ليس عند الإنسان (2) : معناه النهي عن بيع ما لا يملك. والنهي عن بيع الغرر ينصرف إلى ما لا يكون معلوم العين (3) .\rالمطلب الثاني ـ وقت ثبوت الخيار\rيثبت الخيار للمشتري عند رؤية المبيع، لا قبلها فلو أجاز البيع قبل الرؤية: لايلزم البيع، ولايسقط الخيار، وله أن يرد المبيع؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلم أثبت الخيار للمشتري بعد الرؤية، فلو ثبت له خيار الإجازة قبل الرؤية، وأجاز، لم يثبت له الخيار بعد الرؤية، وهذا خلاف نص الحديث.\rوأما الفسخ قبل الرؤية فقد اختلف المشايخ فيه:\rقال بعضهم: لا يملك المشتري الفسخ، لأنه خيار قبل الرؤية، ولهذا لم يملك الإجازة قبل الرؤية، فلا يملك الفسخ.\rوقال بعضهم: يملك الفسخ وهو الصحيح، لا لسبب الخيار، لأنه غير ثابت، ولكن لأن شراء ما لم يره المشتري عقد غير لازم، فكان محل الفسخ، كالعقد الذي فيه خيار العيب، وعقد الإعارة والإيداع (4) .\rالمطلب الثالث ـ كيفية ثبوت الخيار\rاختلف مشايخ الحنفية فيها:\rفقال بعضهم: إن خيار الرؤية يثبت مطلقاً في جميع العمر، إلا إذا وجد ما يسقطه، كما سيأتي في بيان المسقطات، وهو اختيار الكرخي، والأصح عند الحنفية، لأنه خيار تعلق بالاطلاع على حال المبيع، فأشبه الرد بالعيب، ولأن سبب ثبوت هذا الخيار هو اختلال الرضا، والحكم يبقى ما بقي سببه.\rوقال بعضهم: إنه يثبت مؤقتاً إلى غاية إمكان الفسخ بعد الرؤية، حتى لو رآه وتمكن من الفسخ بعد الرؤية، ولم يفسخ، يسقط خيار الرؤية، وإن لم توجد الأسباب المسقطة للخيار (5) الآتي ذكرها إن شاء الله تعالى.\rوقال الحنابلة: يكون خيار الرؤية على الفور (6) .\r-------------------------------\r(1) مغني المحتاج: 18/2 ومابعدها، المهذب: 263/1.\r(2) رواه أحمد وأصحاب السنن وحسنه الترمذي، وقد سبق تخريجه مختصراً.\r(3) المبسوط: 69/13 ومابعدها.\r(4) البدائع: 295/5.\r(5) فتح القدير:141/5، البدائع: 295/5، رد المحتار: /67.\r(6) المغني: 581/3.","part":5,"page":253},{"id":3099,"text":"المطلب الرابع ـ صفة البيع الذي فيه خيار رؤية وحكمه\rصفة البيع: إن شراء ما لم يره المشتري غير لازم، فيخير المشتري بين الفسخ والإجازة إذا رأى المبيع؛ لأن عدم الرؤية يمنع تمام الصفقة، ولأن جهالة وصف البيع تؤثر في رضا المشتري، فتوجب الخيار له، تداركاً لما عساه يندم من أجله، وذلك سواء أكان المبيع موافقاً للوصف المذكور أم مخالفاً له، هذا مذهب الحنفية (1) . وقال المالكية والحنابلة والشيعة الإمامية: البيع لازم للمشتري إذا وجد المبيع مطابقاً للصفة المذكورة، فإن كان مخالفاً لما وصف، فللمشتري الخيار (2) .\rوقال الظاهرية: البيع لازم إن طابق الصفة، أما إن خالفها فالبيع باطل (3) .\rحكم البيع: وأما حكم البيع فهو حكم العقد الذي لا خيار فيه، فلا يمنع ثبوت الملك في البدلين، أي أنه في البيع تنتقل ملكية المبيع إلى المشتري، وملكية الثمن للبائع فور تمام العقد بالإيجاب والقبول، ولكن يمنع لزوم العقد، بخلاف خيار الشرط.\rوسبب التفرقة بين الخيارين: هو أن البيع في خيار الرؤية صدر مطلقاً غير مقيد بأي شرط، وكان المفهوم أن يكون لازماً، إلا أن الرد بخيار الرؤية ثبت من جهة الشرع، أما خيار الشرط فقط ثبت باشتراط المتعاقدين، فكان له أثره في العقد يمنع استقرار حكمه في الحال، كما سبق بيانه (4) .\r-------------------------------\r(1) البدائع: 292/5، فتح القدير: 137/5.\r(2) القوانين الفقهية: ص 256، المغني: 582/3، المختصر النافع: ص 146.\r(3) المحلى: 8 ص 389، 394.\r(4) البدائع، المكان السابق.","part":5,"page":254},{"id":3100,"text":"المطلب الخامس ـ شرائط ثبوت الخيار\rيشترط لثبوت الخيار شروط، وإلا كان العقد لازماً، منها:\r1 - أن يكون محل العقد مما يتعين بالتعيين، أي أن يكون عيناً من الأعيان، فإذا لم يكن عيناً لا يثبت فيه الخيار، حتى لو كان البيع مقايضة عيناً بعين يثبت الخيار لكل من البائع والمشتري إذا لم ير كل منهما المبيع قبل العقد (1) .\rوفي بيع الدين بالدين وهو عقد الصرف: لا يثبت الخيار لكل من البائع والمشتري، لأنه لا فائدة فيه، كما سيأتي بيانه.\rوفي بيع العين بالدين: يثبت الخيار للمشتري ولا خيار للبائع.\rوالسبب فيه أن محل العقد إذا لم يكن معيناً لا يصير معيناً للفسخ بموجب الخيار، فلم يكن الرد مفيداً، ولأن مالا يتعين بالتعيين لا يملك بالعقد، بل بالقبض، والفسخ إنما يكون فيما يملك بالعقد، ولأن الحق إذا كان عيناً فللناس أغراض في الأعيان، فكان ثبوت الخيار فيه لينظر المشتري في المبيع: هل يصلح له أو لا؟\rوبناء عليه، يكون خيار الرؤية في العقود التي تحتمل الفسخ، كالبيع والإجارة والصلح عن دعوى المال،والقسمة، ونحوها؛ لأن هذه العقود تنفسخ برد هذه الأشياء، فيثبت فيها خيار الرؤية، ولا يثبت فيما لا يحتمل الفسخ، كالمهر وبدل الخلع والصلح عن دم العمد، ونحوها؛ لأن هذه العقود لا تحتمل الانفساخ برد هذه الأموال، فصار الأصل أن: « كل ما ينفسخ العقد فيه برده، يثبت خيار الرؤية فيه، وما لا فلا» كما يقول الكاساني (2) .\r-------------------------------\r(1) البدائع، المرجع السابق.\r(2) البدائع، المرجع السابق.","part":5,"page":255},{"id":3101,"text":"2 - عدم رؤية محل العقد: إن كان رآه قبل الشراء لا يثبت له الخيار، إذا كان لا يزال على حالته التي رآه فيها، وإلا كان له الخيار لتغيره، فكان مشترياً شيئاً لم يره (1) .\rكيفية تحقيق الرؤية :\rالرؤية قد تكون لجميع المبيع، وقد تكون لبعضه، والضابط فيه: أنه يكفي رؤية ما يدل على المقصود، ويفيد المعرفة به (2) .\rوتفصيله: أنه إذا كان غير المرئي تبعاً للمرئي، فلا خيار له سواء أكان رؤية ما رآه تفيد له العلم بحال ما لم يره، أو لا تفيد، لأن حكم التبع حكم الأصل.\rوإن لم يكن غير المرئي تبعاً للمرئي، فإن كان مقصوداً بنفسه كالمرئي، ينظر في ذلك:\rإن كان رؤية مارأى تعرف حال غير المرئي، فإنه لا خيار له أصلاً في غير المرئي إذا كان غير المرئي مثل المرئي، أو فوقه؛ لأن المقصود العلم بحال الباقي، فكأنه رأى الكل.\rوإن كان رؤية ما رأى لم تعرف حال غير المرئي، فله الخيار فيما لم يره؛ لأن المقصود لم يحصل برؤية ما رأى، فكأنه لم ير شيئاً أصلاً.\rوبناء عليه: تكفي رؤية ظاهر الكومة من الحبوب، ووجه الدابة وكَفَلها (أي عجزها) في الأصح، وهو قول أبي يوسف. واكتفى محمد برؤية الوجه وظاهر الثوب وهو مطوي• وقال زفر: لابد من نشره كله، وهو المختار• كما في أكثر معتبرات كتب الحنفية• وعقب عليه ابن عابدين بقوله: لو لم يختلف باطن الثوب عن ظاهره سقط الخيار إلا إذا ظهر باطنه أردأ من ظاهره، فله الخيار (3) •\rوفي شراء الشاة للحم لا بد من الجس حتى يعرف سمنها، حتى لو رآها من بعيد، فهو على خياره؛ لأن اللحم مقصود من شاة اللحم، والرؤية من بعيد لا تفيد العلم بهذا المقصود، وإن اشتراها للدر والنسل فلا بد من رؤية سائر جسدها، ومن النظر إلى ضرعها أيضاً؛ لأن الضرع مقصود من الشاة الحلوب، والشياه تختلف باختلاف الضرع، والرؤية من بعيد لا تفيد العلم بالمقصود، كما ذكر (4) •\rوأما البسط والطنافس: فإن كان مما يختلف وجهه وظهره، فرأى وجهه دون ظهره لا خيار له، وإن رأى ظهره دون الوجه فله الخيار•\rوأما الدور والعقارات والبساتين، فإن رأى ظاهر الدار وداخلها ورأى خارج البستان ورؤوس الأشجار فلا خيار له، ولا يكتفي برؤية صحن الدار، دون الدخول إلى بيوتها في الأصح، لتفاوت الدور•\rوكان أئمة الحنفية ما عدا زفر يرون الاكتفاء برؤية ظاهر الدار وبرؤية صحنها، إلا أن ذلك لا يكفي الآن، فيكون الحكم متغيراً من باب اختلاف العصر والزمان، لا اختلاف الحجة والبرهان (5) •\r-------------------------------\r(1) المبسوط: 72/13، البدائع، المرجع السابق: ص 292-293.\r(2) البدائع: 293/5، رد المحتار: 68/4.\r(3) المبسوط: 72/13، البدائع: 293/5 ومابعدها، فتح القدير: 142/5 ومابعدها، رد المحتار: 69/4.\r(4) البدائع، المرجع السابق، رد المحتار: 70/4، فتح القدير: 143/5.\r(5) البدائع: 294/5، رد المحتار: 70/4، فتح القدير: 144/5.","part":5,"page":256},{"id":3102,"text":"هذا إذا كان المعقود عليه شيئاً واحداً، فإذا كان أشياء: فإن كان من العدديات المتفاوتة كالدواب والثياب، كأن اشترى ثياباً في جراب أو قطيع غنم أو إبلاً أو بقراً، وكالبطيخ في الشريجة (1) والرمان والسفرجل في القفة، ونحوها، فرأى بعضها، فله الخيار في الباقي؛ لأن الكل مقصود، ورؤية ما رأى لا تعرّف حال الباقي، لأنها متفاوتة.\rوإن كان من المكيلات أو الموزونات أو العدديات المتقاربة كالجوز والبيض، فإن رؤية البعض تسقط الخيار في الباقي إذا كان ما لم ير مثل الذي رأى، لأن رؤية البعض من هذه الأشياء تعرف حال الباقي.\rهذا إذا كان المبيع كله في وعاء واحد، فإن كان في وعاءين: فإن كان من جنسين أو من جنس واحد على صفتين فله الخيار بلا خلاف؛ لأن رؤية البعض من جنس أوعلى وصف لا تفيد العلم بغيره.\rوإن كان الكل من جنس واحد أو على صفة واحدة، اختلف المشايخ فيه:\rقال مشايخ بلخ: له الخيار لأن اختلاف الوعاءين جعلهما كجنسين. وقال مشايخ العراق: لا خيار له، وهو الصحيح؛ لأن رؤية البعض من هذا الجنس تفيد العلم بالباقي، سواء أكان المبيع في وعاء واحد أم في وعاءين (2) .\rوإن كان المبيع مغيباً في الأرض: لا في الوعاء، كالجزر والبصل والثوم، والفجل، والبطاطا، ففيه تفصيل مروي عن أبي يوسف رحمه الله :\rآ ـ إذا كان الشيء مما يكال أو يوزن بعد القلع، كالثوم والبصل والجزر: فإن قلع المشتري شيئاً بإذن البائع، أو قلع البائع برضا المشتري، سقط خياره في الباقي؛ لأن رؤية بعض المكيل كرؤية الكل.\r-------------------------------\r(1) الشريجة: جوالق كالخرج، ينسج من سعف النخل ونحوه.\r(2) البدائع: 294/5، حاشية الشلبي على الزيلعي: 26/4.","part":5,"page":257},{"id":3103,"text":"وإن حصل القلع من المشتري بغير إذن البائع، لم يكن له الخيارسواء رضي بالمقلوع، أو لم يرض إذا كان المقلوع شيئاً له قيمة عند الناس لأنه بالقلع صار معيباً، وإلا لاستمر في نموه وازدياده، وبعد القلع لا ينمو ولا يزيد، ويتسارع إليه الفساد. وحدوث العيب في المبيع في يد المشتري بغير صنعه، يمنع الرد، فمع صنعه أولى.\rب ـ وإن كان المغيب في الأرض مما يباع عدداً، كالفجل والجزر ونحوهما فرؤية البعض لا تكون كرؤية الكل؛ لأن هذا كالعدديات المتفاوتة، فلا تكفي رؤية البعض، كما في الثياب.\rوإن قلع المشتري شيئاً بغير إذن البائع، سقط خياره لأجل العيب إذا كان المقلوع شيئاً له قيمة، فإن لم يكن له قيمة، فلا يسقط خياره لأنه لا يتحقق به العيب.\rوقد ذكر الكرخي حكم المغيب في الأرض بغير هذا التفصيل، وأثبت الخيار للمشتري برؤية البعض بعد رؤية الكل.\rوروي عن محمد أنه قال: قال أبو حنيفة: المشتري بالخيار إذا قلع الكل أو البعض.\rوأما محمد: فهو مثل أبي يوسف، إذا قلع المشتري شيئاً يستدل به على الباقي، فرضي به، فهو لازم له (1) .\rوإذا كان المبيع دهناً في قارورة، فرأى خارج القارورة، فعن محمد روايتان:\rالرواية الأولى: أنه تكفي الرؤية، ويسقط الخيار؛ لأن الرؤية من الخارج تفيد العلم بالداخل، فكأنه رأى الدهن خارج القارورة.\rوالرواية الثانية: أن له الخيار لأن العلم بما في داخل القارورة لا يحصل بالرؤية من خارج\r-------------------------------\r(1) تحفة الفقهاء: 124/2 ومابعدها.","part":5,"page":258},{"id":3104,"text":"القارورة؛ لأن ما في الداخل يتلون بلون القارورة، فلا يحصل المقصود من هذه الرؤية (1) .\rوالرؤية عند بعضهم لا تحصل بالمرآة أو بالماء، فإذا رأى المشتري المبيع بالمرآة، فلا يسقط خياره، لأنه لم ير عين المبيع، وإنما رأى مثاله. والأصح أنه رأى عين المبيع لا غير المبيع؛ لأن المقابلة ليست من شرط الرؤية، فإنا نرى الله عز وجل بلا مقابلة.ولكن بما أنه قد لا يحصل للمشتري العلم بهيئة المبيع لتفاوت المرآة في التكبيروالتصغير فيعلم بأصله، لا بهيئته، فيثبت له الخيار، لا لما قالوا (2) .\rوبناء عليه لو اشترى سمكاً في بحرة صغيرة يمكن أخذه منها من غير اصطياد وحيلة، حتى جاز البيع، فرآه في الماء، ثم أخذه: قال بعضهم: يسقط خياره لأنه رأى عين المبيع.\rوقال بعضهم: لا يسقط خياره، وهو الصحيح، لأن الشيء لا يرى في الماء كما هو، بل يرى أكثر مما هو، فلم يحصل المقصود بهذه الرؤية، وهو معرفته على حقيقته، فله الخيار (3) .\rمذاهب غير الحنفية :\rقال المالكية: يجوز بيع مغيب الأصل كالجزر والبصل واللفت والكرنب والقلقاس بشرط رؤية ظاهره، وقلع شيء منه ويرى، وأن يحزر إجمالاً، ولا يجوز بيع شيء منه من غير حزر بالقيراط أو الفدان أو القصبة ( 24م ). ويجوز البيع على رؤية بعض المثلي من مكيل وموزون كقطن\r-------------------------------\r(1) البدائع: 294/5 ومابعدها، الدر المختار: 70/4-106.\r(2) البدائع: 295/5.\r(3) البدائع، المرجع السابق.","part":5,"page":259},{"id":3105,"text":"وكتان، بخلاف القيمي، فلا يكفي رؤية بعضه، كثوب من أثواب (1) .\rوقال الشافعية والحنابلة: لا يجوز بيع شيء مغيب في الأرض كالفجل والجزر والبصل والثوم؛ لأنه بيع مجهول مشتمل على الغرر (2) .\rالبيع بالنموذج (3) : قد يرى المشتري بعض المبيع دون سائره، فيصح البيع ويلزم عند جمهور الفقهاء إن كان المرئي يدل على غير المرئي دلالة كاملة، وأذكر هنا حكم البيع بالنموذج عند الفقهاء باعتباره صورة متعارفة من صور البيع برؤية بعض المبيع.\rمثاله: أن يشتري شخص كمية كبيرة من القمح بعد أن يرى نموذجاً منه. وهذا لا يكون إلا في المثليات كالحبوب والأقطان والكتان ونحوها.\rوحكمه: أنه يجوز عند الحنفية والمالكية والشافعية، ولا يجوز عند الحنابلة والظاهرية على التفصيل الآتي:\rقال الحنفية (4) : يجوز بيع المكيل والموزون برؤية بعضه، لجريان العادة بالاكتفاء بالبعض في الجنس الواحد، ولوقوع العلم به بالباقي، إلا إذا كان الباقي أردأ، فيكون للمشتري الخيارفيه، وفيما رأى، لئلا يلزم تفريق الصفقة قبل تمام البيع. والأصح أن هذه الرؤية للبعض تكفي سواء أكان المبيع في وعاء واحد أم في وعاءين كما تقدم.\rويلاحظ أن الثياب أصبحت في وقتنا الحاضر من المثليات.\r-------------------------------\r(1) الشرح الكبير والدسوقي: 186/3، بداية المجتهد: 156/2، الشرح الصغير: 40/3.\r(2) المجموع: 338/9، المغني: 91/4.\r(3) يعبر أكثر الفقهاء عن هذا البيع ببيع الأنموذج، والأصح النموذج، وهو لفظ معرب، أما التعبير الأول فهو لحن شائع.\r(4) تبيين الحقائق للزيلعي وحاشية الشلبي عليه: 26/4.","part":5,"page":260},{"id":3106,"text":"وقال المالكية (1) : يجوز البيع برؤية بعض المثلي من مكيل وموزون كقطن وكتان، بخلاف القيمي كعدل مملوء من القماش فلا يكفي رؤية بعضه على ظاهر المذهب.\rوقال الشافعية (2) : في بيع النموذج ثلاثة أوجه: أحدها الصحة، والثاني البطلان، وأصحها: إن دخل النموذج في البيع، صح، وإلا فلا.\rوقال الحنابلة (3) : لا يصح بيع النموذج، فلو أرى البائع المشتري صاعاً من صبرة قمح مثلاً، ثم باعه الصبرة على أنها من جنسه، فلا يصح البيع، لأنه يشترط عندهم رؤية المتعاقدين المبيع رؤية مقارنة للبيع، وذلك برؤية جميع المبيع أو بعض منه يدل على بقيته، كأحد وجهي ثوب غير منقوش، وظاهر صبرة متساوية الأجزاء من حب وتمر، وما في ظروف من جنس متساوٍ.\rوقال الظاهرية (4) : لا يجوز بيع النموذج.\rالتوكيل بالنظر والرؤية أو بالقبض: لو وكل المشتري رجلاً بالنظر إلى ما اشتراه، ولم يره فيلزم العقد إن رضي، ويفسخ العقد إن شاء؛ لأن الوكيل يقوم مقام الموكل في النظر؛ لأنه جعل الرأي إليه.\rوأما إذا وكله بقبض ما اشتراه قبل رؤيته، فتقوم رؤية الوكيل مقام رؤية الموكل، فيسقط خياره عند أبي حنيفة. وعند الصاحبين: لا يسقط خياره بقبض الوكيل مع رؤيته، لأنه وكله بالقبض لا بإسقاط الخيار، فلا يملك إسقاطه، كما لا يملك إسقاط خيار الشرط، ولا خيار العيب.\rويرى أبو حنيفة أنه لا فرق بين الوكيل بقبض الشيء المشترى وبين الوكيل بالشراء، ورؤية هذا كافية عن رؤية الموكل، وبها يسقط الخيار إجماعاً؛ لأن الوكيل بالشيء وكيل بإتمام الشيء، ومن تمام القبض إسقاط الخيار (5) .\rواتفقوا على أنه إذا أرسل المشتري رسولاً بقبض المبيع، فرآه الرسول ورضي به، كان المرسل على خياره. والفرق بين الوكيل والرسول: هو أن الوكيل أصل في نفس القبض، وإنما الواقع للموكل حكم فعله، فكان إتمام القبض إلى الوكيل. أما الرسول فهو نائب في القبض عن المرسل، فكان قبضه قبض المرسل، فإتمام القبض إلى المرسل (6) .\rواتفقوا في خيار العيب على أنه إذا وكل رجلاً بقبض المبيع، فقبض الوكيل وعلم بالعيب ورضي به: لا يسقط خيار الموكل.\rواختلف مشايخ الحنفية في خيار الشرط، فقال بعضهم: إن الاختلاف السابق بين أبي حنيفة وصاحبيه يجري هنا. وقال بعضهم: لا يسقط بالاتفاق.\rوقال الشافعية: الاعتبار في رؤية المبيع وعدمها بالعاقد (7) .\r-------------------------------\r(1) الشرح الكبير للدردير: 24/3.\r(2) المجموع للنووي: 327/9، 333 وما بعدها.\r(3) غاية المنتهى: 10/2، كشاف القناع: 152/3، ط مكة.\r(4) المحلى: 457/8.\r(5) البدائع: 295/5 ومابعدها، فتح القدير: 145/5.\r(6) البدائع، المرجع السابق.\r(7) المجموع: 329/9.","part":5,"page":261},{"id":3107,"text":"والذي نخلص منه في تحقق رؤية المبيع: أن الرؤية المقصودة ليست هي النظر بالعين خاصة، وإنما تكون في كل شيء بحسبه، وبالحاسة التي يطلع بها على الناحية المقصودة منه، فشم المشمومات، وذوق المطعومات ولمس ما يعرف باللمس، وجس مواطن السمن في شاة الذبح وإن لم ينظر لونها، وجس الضرع في شاة اللبن: يعد رؤية كافية في هذه الأشياء، وإن لم تشترك العين فيها، ولا يكفي النظر بالعين فقط (1) كما أبنت تفصيله.\rوهذا بالنسبة للبصير. وكذا الأعمى يعد اطلاعه على هذه الأشياء التي تعرف بغير حاسة النظر رؤية كافية كاطلاع البصير، فيكتفي بالجس فيما يجس، والذوق فيما يذاق، والشم فيما يشم، وأما ما يعرف بالنظر فوصفه للأعمى يقوم مقام نظره.\rفإن اشترى الأعمى ثماراً على رؤوس الشجر، فيعتبر الوصف لا غير، في أشهر الروايات.\rوإذا اشترى الأعمى داراً أو عقاراً، فالأصح من الروايات أنه يكتفى بالوصف.\rوعند زوال العمى: لا يعود له الحق في الخيار؛ لأن الوصف في حقه كالبديل أو ( الخلف ) عن الرؤية، لعجزه عن الأصل، والقدرة على الأصل بعد حصول المقصود بالبديل، لا يبطل حكم البديل، كمن صلى بطهارة التيمم، ثم قدر على الماء ونحوه (2) .\rأما البصير لو ا شترى شيئاً لم يره فوصف له، فرضي به فلا يسقط خياره، لأنه لا عبرة للبديل مع القدرة على الأصل.\rالاختلاف في الرؤية :\rلو اختلف البائع والمشتري، فقال البائع: (بعتك هذا الشيء، وقد رأيته) وقال المشتري: (لم أره) فالقول قول المشتري بيمينه؛ لأن البائع يدعي إلزام العقد، والمشتري منكر، فيكون القول قوله، ولكن بيمينه؛ لأن البائع يدعي عليه سقوط حق الفسخ ولزوم العقد، وهذا مما يصح الإقرار به،\r-------------------------------\r(1) عقد البيع للأستاذ مصطفى الزرقاء: ص 46.\r(2) المبسوط: 77/13، فتح القدير: 146/5 وما بعدها، البدائع: 298/5، رد المحتار: 70/4 وما بعدها.","part":5,"page":262},{"id":3108,"text":"فيجري فيه الاستحلاف (1) .\rالرؤية منذ زمن :\rمن رأى شيئاً ثم اشتراه بعد مدة كشهر، ونحوه: فإن كان على الصفة التي رآه عليها، فلا خيار له، لأن العلم بأوصافه حاصل له بالرؤية السابقة. وإن وجده متغيراً فله الخيار، لأن تلك الرؤية لم تقع مُعْلِمة بأوصافه، فكانت رؤيته وعدمها سواء.\rفإن اختلف البائع والمشتري في التغير، فقال البائع: «لم يتغير» وقال المشتري: «تغير» فالقول قول البائع مع يمينه؛ لأن دعوى التغير دعوى أمر حادث، والأصل عدمه، فلا تقبل إلا ببينة، بخلاف ما إذا اختلف في الرؤية يكون القول للمشتري مع يمينه كما تقدم؛ لأن البائع يدعي أمراً عارضاً: هو العلم بصفة المبيع (2) .\rالمطلب السادس ـ مسقطات الخيار\rلا يسقط خيار الرؤية بالإسقاط الصريح، كأن يقول المشتري: «أسقطت خياري» لا قبل الرؤية ولا بعدها، بخلاف خيار الشرط، وخيار العيب.\rوالفرق هو أن خيار الرؤية ثبت شرعاً، لحكمة فيه، فلا يملك الإنسان إسقاطه، كما في خيار الرجعة بالنسبة للمرأة المطلقة، فإن الإنسان لا يملك إسقاطه لثبوته شرعاً، ما دامت المرأة في العدة، بخلاف خيار الشرط، فإنه يثبت بشرط المتعاقدين، فجاز أن يسقط بإسقاطهما. وكذلك خيار العيب: فإن سلامة المبيع مشروطة عادة من المشتري، فكان ذلك كالمشروط صراحة (3) .\rوإنما يسقط خيار الرؤية ويلزم البيع بأحد نوعين: فعل اختياري أوضروري، والاختياري نوعان: صريح الرضا ونحوه، ودلالة الرضا.\rالصريح: كأن يقول: ( أجزت البيع، أو رضيت أو اخترت ) أو ما يجري مجرى الصريح، سواء علم البائع بالإجازة أم لم يعلم.\rودلالة الرضا: هو أن يوجد تصرف في المبيع بعد الرؤية لا قبلها يدل على الإجازة والرضا، كما إذا قبض المبيع بعد الرؤية، لأن القبض بعد الرؤية دليل الرضا بلزوم البيع؛ لأن للقبض شبهاً بالعقد (4) .\r-------------------------------\r(1) فتح القدير: 150/5، رد المحتار: 72/4.\r(2) فتح القدير: 149/5، رد المحتار، المرجع السابق.\r(3) البدائع: 297/5.\r(4) البدائع: 295/5، فتح القدير: 141/5.","part":5,"page":263},{"id":3109,"text":"وبناء عليه: إذا وهب المشتري المبيع من غيره ولم يسلمه أو عرضه على البيع ونحوهما قبل الرؤية: لا يسقط الخيار؛ لأنه لا يسقط بصريح الرضا في هذه الحالة، فكذا لا يسقط بدلالة الرضا.\rولو رهن المشتري المبيع وسلمه أو آجره من رجل، أو باعه، على أن المشتري بالخيار: سقط خياره، قبل الرؤية وبعدها، حتى إن المشتري لو أفتك الرهن بدفع الدين، أو مضت مدة الإجارة، أو رده على المشتري بخيار الشرط، ثم رآه لا يكون له الرد بخيار الرؤية، لأنه أثبت حقاً لازماً لغيره بهذه التصرفات، فيكون من ضرورته لزوم الملك له، وذلك بامتناع ثبوت الخيار، فيبطل ضرورة لأنه لا فائدة فيه (1) .\rوأما الفعل الضروري المسقط لخيار الرؤية: فهو كل ما يسقط به الخيار، ويلزم البيع ضرورة من غير صنع المشتري، مثل موت المشتري عند الحنفية، خلافاً للشافعي كما تقدم في خيار الشرط.\rومثل: إجازة أحد الشريكين دون الآخر ما اشترياه ولم يرياه عند أبي حنيفة.\rوكذا هلاك المبيع كله، أو بعضه، وزيادته زيادة منفصلة أو متصلة متولدة، أو غير متولدة على التفصيل السابق ذكره في خيار الشرط (2) .\rقال الكاساني: «والأصل أن كل ما يبطل خيار الشرط والعيب، يبطل خيار الرؤية إلا أن خيار الشرط والعيب يسقط بصريح الإسقاط، وخيار الرؤية لا يسقط بصريح الإسقاط، لا قبل الرؤية ولا بعدها» (3) ؛ لأن خيار الرؤية ثبت شرعاً حقاً لله تعالى (4) ، فلا يسقط بإسقاط المتعاقد قصداً، وخيار الشرط والعيب ثابتان\r-------------------------------\r(1) البدائع: 296/5، تحفة الفقهاء: 130/2 ومابعدها، فتح القدير: 141/5.\r(2) البدائع: 296/5 ومابعدها، فتح القدير: 141/5، 149.\r(3) البدائع: 297/5.\r(4) أي لرعاية مصالح الأفراد العامة أو إن هذا من قبيل النظام العام الذي لا يجوز للأفراد الاتفاق على خلافه.","part":5,"page":264},{"id":3110,"text":"باشتراط المتعاقدين، فكان لمن ثبت له خيار منهما إسقاطه قصداً متى أراد، لأنه حقه، كما تقدم تفصيله.\rوقال المرغيناني: ما يبطل خيار الشرط من تعيب أو تصرف يبطل خيار الرؤية، ثم إن كان تصرفاً لا يمكن رفعه كالإعتاق والتدبير، أو تصرفاً يوجب حقاً للغير كالبيع المطلق والرهن والإجارة يبطله قبل الرؤية وبعدها؛ لأنه لما لزم، تعذر الفسخ، فبطل الخيار. وإن كان تصرفاً لا يوجب حقاً للغير كالبيع بشرط الخيار والمساومة والهبة من غير تسليم، لا يبطله قبل الرؤية لأنه لا يربو على صريح الرضا (أي وصريح الرضا لا يبطل خيار الرؤية قبل الرؤية) ويبطله بعد الرؤية لوجود دلالة الرضا (1) .\rالمطلب السابع ـ ما ينفسخ به العقد وشروط الفسخ\rما ينفسخ به العقد: ينفسخ العقد بسبب خيار الرؤية بالتصريح بالفسخ ونحوه، كأن يقول، فسخت العقد، أو نقضته، أو رددته، ونحوه مما يجري هذا المجرى، أو بهلاك المبيع قبل القبض، لذهاب ركن البيع (2) .\rشروط الفسخ: يشترط لصحة الفسخ شروط:\r1 - أن يكون الخيار موجوداً؛ لأن الخيار إذا سقط بشيء مما تقدم، لزم العقد، فلا يحتمل النقض بالفسخ.\r2 - ألا يترتب على الفسخ تفريق الصفقة على البائع، برد بعض المبيع وإجازة العقد في البعض الآخر؛ لأن في التفريق ضرراً عليه، ولأن خيار الرؤية ـ قبل القبض وبعده ـ يمنع تمام الصفقة، وتجزئتها قبل تمامها باطل بلا ريب.\r3 - أن يعلم البائع بالفسخ، ليكون على بينة من أمره، وأمر سلعته ليتصرف فيها كما يريد، وهذا عند أبي حنيفة ومحمد. أما أبو يوسف: فلا يشترط علم البائع، على ما تقدم في خيار\r-------------------------------\r(1) الهداية مع فتح القدير: 141/5 وما بعدها.\r(2) البدائع: 298/5.","part":5,"page":265},{"id":3111,"text":"الشرط (1) .\rويلاحظ أخيراً أن خيار الرؤية لا يورث كما لا يورث خيار الشرط إذا مات المشتري مثلاً بعد ثبوت الخيار له، لأن الخيار ثبت بالنص للعاقد، والوارث ليس بعاقد، فلا يثبت له، كما قال الزيلعي والحنابلة (2) .\rوقال مالك: يورث خيار الرؤية، كما يورث خيار التعيين والعيب؛ لأن الإرث كما يثبت في الأملاك، يثبت في الحقوق الثابتة بالبيع (3) .\rوهذا أقرب إلى المنطق؛ لأن الوارث يخلف المورث في كل ماترك من مال وحقوق ومنها حق الخيار (4) .\r-------------------------------\r(1) البدائع، المرجع السابق.\r(2) تبيين الحقائق: 30/4، غاية المنتهى: 33/2.\r(3) البدائع: 268/5، الإفصاح عن معاني الصحاح لابن هبيرة: 211/1، الشرح الصغير: 145/3.\r(4) الأموال ونظرية العقد للدكتور محمد يوسف موسى: ص 477، 487.","part":5,"page":266},{"id":3112,"text":"المبحث السادس - أنواع البيوع\rتمهيد: ينقسم البيع بالنسبة للبدلين إلى أنواع أربعة (1) :\rالأول ـ بيع المقايضة: وهو بيع العين بالعين، كبيع السلع بأمثالها، نحو بيع الثوب بالحنطة، وغيره.\rالثاني ـ البيع المطلق: وهو بيع العين بالدين، نحو بيع السلع بالأثمان المطلقة: وهي الدراهم والدنانير، وبيعها بالفلوس الرائجة (وهي قطع معدنية اصطلح الناس على أنها نقود صالحة للتعامل) وبالمكيل والموزون الموصوفين في الذمة، والعددي المتقارب الموصوف في الذمة.\rالثالث ـ الصرف: وهو بيع الدين بالدين، وهو بيع الثمن المطلق بالثمن المطلق: وهو الدراهم والدنانير، أو كل عملة نقدية رائجة في الأسواق.\rالرابع ـ السلم: وهو بيع الدين بالعين، فإن المسلم فيه بمثابة المبيع وهو دين، ورأس المال بمثابة الثمن، وقد يكون عيناً، وقد يكون ديناً، ولكن يشترط قبضه قبل افتراق العاقدين عن المجلس، فيصير عيناً.\rولايشترط القبض في النوعين الأولين: وهما بيع المقايضة، والبيع المطلق أي العادي الغالب. ويشترط القبض في النوعين الأخيرين، ففي الصرف يشترط قبض البدلين، وفي السلم يشترط قبض أحد البدلين: وهو رأس المال، كما ذكر.\rوينقسم البيع أيضاً بالنظر إلى الثمن إلى أربعة أنواع:\r1 - بيع المرابحة: وهو مبادلة المبيع بمثل الثمن الأول وزيادة ربح معين.\r2 - بيع التولية: وهو المبادلة بمثل الثمن الأول ( أي برأس المال ) من غير زيادة ولانقصان.\r3 - بيع الوضيعة: وهو المبادلة بمثل الثمن الأول مع نقصان شيء منه أي البيع بخسارة معينة.\r4 - بيع المساومة: وهو مبادلة المبيع بما يتراضى عليه العاقدان؛ لأن البائع يرغب عادة بكتمان رأس المال، وهذا هو البيع الشائع الآن.\rوهناك أنواع أخرى من البيوع مثل ( الاستصناع ) المعروف من قديم، وهو بيع ماسيصنع قبل صنعه، ومثل ( الضمان ) وهو بيع الثمار على أشجارها (2) .\rوالكلام فيما يلي عن السلم والصرف، والمرابحة والتولية والاستصناع، وقد سبق الكلام عن البيع المطلق، ولكن بقي شيئان يتعلقان به وهما الربا وإقالة البيع أذكرهما هنا أيضاً.\r-------------------------------\r(1) راجع المبسوط: 84/5 ومابعدها.\r(2) البدائع: 134/5، فتح القدير: 323/5، عقد البيع للأستاذ الزرقاء: ص11 ومابعدها.","part":5,"page":267},{"id":3113,"text":"............................................1............................................\r......................................عقد السلم.........................................\rخطة الموضوع :\rالكلام عن هذا العقد في المطالب الآتية:\rالمطلب الأول ـ مشروعية السلم.\rالمطلب الثاني ـ تعريف السلم وركنه.\rالمطلب الثالث ـ شروط السلم.\rالمطلب الرابع ـ حكم السلم.\rالمطلب الخامس ـ أوجه الاختلاف بين البيع والسلم.\rالمطلب الأول ـ مشروعية السلم\rالسلم مشروع في الكتاب والسنة وإجماع الأمة:\rأما الكتاب: فقد فسرت به آية الدين: وهي قوله تعالى: { يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمىً فاكتبوه } [البقرة:282/2] ، قال ابن عباس: أشهد أن السلف المضمون إلى أجل مسمى قد أحله الله في كتابه وأذن فيه، ثم قرأ هذه الآية (1) .\rوأما السنة: فما روى ابن عباس أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم قدم المدينة، وهم يسلفون في الثمار السنة والسنتين والثلاث، فقال: «من أسلف في شيء فليسلف في كيل معلوم، ووزن معلوم إلى أجل معلوم» (2) .\rوأما الإجماع: فقال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن السلم جائز، ولأن بالناس حاجة إليه؛ لأن أرباب الزروع والثمار والتجارات يحتاجون إلى النفقة على أنفسهم أو على الزروع ونحوها حتى تنضج، فجوز لهم السلم دفعاً للحاجة.\rوقد استثني عقد السلم من قاعدة عدم جواز بيع المعدوم، لما فيه من تحقيق مصلحة اقتصادية، ترخيصاً للناس، وتيسيراً عليهم (3) .\rالمطلب الثاني ـ تعريف السلم وركنه\rتعريف السلم: السلم أو السلف: بيع آجل بعاجل، أو بيع شيء موصوف في الذمة أي أنه يتقدم فيه رأس المال، ويتأخر المثمن لأجل، وبعبارة أخرى: هو أن يسلم عوضاً حاضراً في عوض موصوف في الذمة إلى أجل (4) .\rوعرفه الشافعية والحنابلة بقولهم: هو عقد على موصوف بذمة مؤجل بثمن مقبوض بمجلس عقد (5) .\r-------------------------------\r(1) نصب الراية: 44/4، التلخيص الحبير: ص242، والحديث رواه الشافعي والطبراني والحاكم والبيهقي.\r(2) أخرجه الأئمة الستة في كتبهم عن ابن عباس (انظر جامع الأصول: 17/2، نصب الراية: 46/4، تخريج أحاديث تحفة الفقهاء: 4/2).\r(3) المبسوط: 124/12، فتح القدير: 323/5، البدائع: 201/5، رد المحتار: 212/4، بداية المجتهد: 199/2، مغني المحتاج: 102/2، المغني: 275/4.\r(4) المراجع السابقة، ويلاحظ أن السلم والسلف بمعنى واحد في لغة العرب، والسلم لغة أهل الحجاز ، والسلف لغة أهل العراق.\r(5) غاية المنتهى: 71/2، مغني المحتاج: 102/2، كشاف القناع: 276/3.","part":5,"page":268},{"id":3114,"text":"وعرفه المالكية بأنه بيع يتقدم فيه رأس المال ويتأخر المثمن لأجل (1) .\rويشترط فيه ما يشترط في البيع، ويزاد فيه شرائط خاصة سنعرفها.\rركنه: ركن السلم هو الإيجاب والقبول. والإيجاب عند الحنفية والمالكية والحنابلة: هو لفظ السلم والسلف والبيع، بأن يقول رب السلم: ( أسلمت إليك في كذا ) أو أسلفت، وقال الآخر: (قبلت) أو يقول المسلم إليه: (بعت منك كذا) وذكر شرائط السلم، فقال رب السلم: (قبلت) (2) .\rوقال زفر والشافعية: لا ينعقد السلم إلا بلفظ السلم أو السلف؛ لأن القياس ألا ينعقد أصلاً، لأنه بيع المعدوم، إلا أن الشرع ورد بجوازه بهذين اللفظين. وفي لفظ البيع وجهان عند الشافعية: بعضهم قال: لا ينعقد السلم بلفظ البيع، وإلا كان بيعاً؛ لأن السلم غير البيع فلا ينعقد بلفظه، وبعضهم الآخر قال: ينعقد، لأنه نوع بيع، يقتضي القبض في المجلس، فانعقد بلفظ البيع كالصرف (3) .\rويسمى المشتري: (رب السلم) أو (المسلم)، والبائع: يسمى (المسلم إلىه)، والمبيع: ( المسلَم فيه )، والثمن: ( رأس مال السلَم ).\rوأركان السلم عند غير الحنفية ثلاثة كالبيع: عاقد (مسلم ومسلم إليه) ومعقود عليه (رأس مال السلم والمسلم فيه) وصيغة ( إيجاب وقبول).\rالمطلب الثالث ـ شروط السلم\rيشترط في السلم شروط، منها في رأس المال، ومنها في المسلم فيه، واتفق أئمة المذاهب على أن السلم يصح بستة شروط: وهي أن يكون في جنس معلوم، بصفة معلومة، ومقدار معلوم، وأجل معلوم، ومعرفة مقدار رأس المال، وتسمية مكان التسليم إذا كان لحمله مؤنة ونفقة.\r-------------------------------\r(1) الشرح الكبير: 195/3.\r(2) البدائع: 201/5، غاية المنتهى، المكان السابق.\r(3) مغني المحتاج: 102/2، المهذب: 297/1.","part":5,"page":269},{"id":3115,"text":"واتفقوا أيضاً على جواز السلم في المكيلات والموزونات والمذرعات والمعدودات المتقاربة كالجوز واللوز والبيض، ونحوها، كما سيأتي بيانه.\rواختلفوا في شروط تتعلق برأس المال وبالمسلم فيه، وفي إقالة بعض السلم، وسأذكر هذه الشروط والخلاف في أهمها.\rشروط رأس مال السلم، أي (الثمن )\rاشترط الحنفية في رأس المال ستة شروط:\r1 - بيان الجنس: أي أنه دراهم أو دنانير، أو من المكيل: حنطة أو شعير، أو من الموزون: قطن أو حديد، ونحوها.\r2 - بيان النوع: إذا كان في البلد نقود، مثل دنانير نيسابورية أو دراهم غطرفية (1) أو حنطة سقية أو بعلية. فإذا كان في البلد نقد واحد، فيكتفى بذكر الجنس، وينصرف إليه لتعينه عرفاً.\r3 - بيان الصفة: أي أنه جيد أو وسط أو رديء.\rواشتراط هذه الشروط الثلاثة لإزالة الجهالة في العقد؛ لأن جهالة الجنس والنوع والصفة مفضية إلى المنازعة، ومثل هذه الجهالة تفسد البيع (2) .\r4 - إعلام قدر رأس المال فيما يتعلق العقد فيه بالقدر من المكيلات والموزونات والمعدودات المتقاربة، ولا يكتفى بالإشارة إليه. وهذا الشرط عند أبي حنيفة وسفيان الثوري، فإذا قال رب السلم: ( أسلمت إليك هذه الدراهم أو الدنانير ) وأشار إليها ولم يعرف وزنها، أو قال: ( هذه الحنطة ) ولم يعرف مقدار كيلها، فلا يصح السلم؛ لأن جهالة رأس المال تؤدي إلى جهالة قدر المسلم فيه، وجهالة قدر المسلم فيه تفسد العقد (3) .\rفإن أسلم فيما لا يتعلق العقد فيه بالقدر كالذرعيات أي (المقيسة بالذراع كالثياب والبسط والحصر) والعدديات المتفاوتة (كالبطيخ والرمان) فإنه لا يشترط بيان الذرع في الذرعيات ولا بيان القيمة فيها، ويكتفى بالإشارة والتعيين باتفاق علماء الحنفية (4) .\r-------------------------------\r(1) نسبة إلى غطريف بن عطاء الكندي، أمير خراسان في عهد الرشيد.\r(2) البدائع: 201/5، فتح القدير: 337/5، رد المحتار: 215/4 .\r(3) المراجع السابقة.\r(4) فتح القدير: 338/5، البدائع: 202/5.","part":5,"page":270},{"id":3116,"text":"واتفقوا أيضاً على أن إعلام قدر الثمن في بيع العين المعتاد ليس بشرط إذا كان مشاراً إليه.\rوقال الصاحبان والشافعية والحنابلة في الأصح عندهم: لا يشترط معرفة قدر رأس المال، فإن رؤية رأس المال تكفي عن معرفة قدره؛ لأنه عوض مشاهد، كالثمن والمبيع المعين (1) .\rوأما الإمام مالك: فلم يحفظ عنه في ذلك نص إلا أنه يجوز عنده بيع الجزاف إلا فيما يعظم الغرر فيه، بأن كان كثيراً مثلاً (2) .\r5 - أن تكون الدراهم والدنانير منتقدة (3) عند أبي حنيفة؛ لأن كل جهالة تفضي إلى المنازعة، فهي مفسدة للعقد.\rوقال الصاحبان: ليس هذا بشرط.\r6 - تعجيل رأس المال وقبضه فعلاً في مجلس العقد قبل افتراق العاقدين بنفسيهما، سواء أكان رأس المال عيناً أم ديناً، فإن تفرق المتعاقدان قبل القبض بطل العقد وانفسخ، لأنه يختل عندئذ الغرض المقصود من السلم، وهو الاستعانة على الإنتاج والتحصيل. فلو كان الثمن عيناً وافترق العاقدان دون قبض، اختل معنى السلم؛ لأن الرسول صلّى الله عليه وسلم يقول: « أسلفوا في كيل معلوم » (4) والإسلاف: هو التقديم، ولأنه إنما سمي سلماً لتسليم رأس المال، فإذا تأخر لم يكن سلماً، فلم يصح، فلابد من قبض أحد العوضين ليتحقق معنى اسم السلم.\rوإن كان الثمن ديناً في الذمة أي ( من النقود مثلاً ) فلابد من تسليمه أيضاً، حتى لايكون السلم بيعاً للدين بالدين؛ لأن المسلم فيه دين في الذمة، فلو أخر تسليم رأس مال السلم عن مجلس العقد، لكان التأخير في معنى مبادلة الدين بالدين. وقد « نهى الرسول صلّى الله عليه وسلم عن بيع الكالئ بالكالئ» (5) أي الدين بالدين،\r-------------------------------\r(1) مغني المحتاج: 104/2، المهذب: 300/1، المغني: 298/4.\r(2) بداية المجتهد: 203/2، حاشية الدسوقي: 197/3، 218.\r(3) انتقد الدراهم: نظرها ليعرف جيدها وزيفها.\r(4) هذا مأخوذ من الحديث السابق تخريجه وهو « من أسلف في ثمر فليسلف في كيل معلوم.. الحديث» قال الشافعي: « معناه إذا أسلف أحدكم في كيل فليسلف في كيل معلوم..» (نصب الراية: 46/4).\r(5) رواه الدارقطني في سننه وابن أبي شيبة وإسحاق بن راهويه والبزار في مسانيدهم عن ابن عمر، ولفظ البزار « نهى رسول الله صلّى الله عليه وسلم عن بيع الغرر، وعن بيع كالئ بكالئ، وعن بيع عاجل بآجل. فالغرر: أن تبيع ماليس عندك، والكالئ: دين بدين، والعاجل بالآجل: أن يكون له عليك ألف درهم مؤجل فتعجل عنها بخمس مئة» رواه ابن عدي في الكامل، وأعله بموسى بن عبيدة، وقد صحح الحاكم رواية الدارقطني المذكورة في صلب الكلام عندنا، وتعقب بأنه تفرد به موسى بن عبيدة، وقد ضعفه أحمد إلا أنه قال: ولكن إجماع الناس على أنه لايجوز بيع دين بدين.وقال الشافعي: أهل الحديث يوهنون هذا الحديث ( انظر نصب الراية: 39/4، مجمع الزوائد: 80/4، الموطأ: 153/2، نيل الأوطار: 156/5).","part":5,"page":271},{"id":3117,"text":"ولأن في السلم غرراً « أي تعريضاً للهلاك أو على خطر الوجود » ، فلا يضم إليه غرر تأخير تسليم رأس المال.\rوهذا الشرط متفق عليه بين الحنفية والشافعية والحنابلة (1) .\rوقال الإمام مالك: يجوز تأخير قبض رأس المال إلى ثلاثة أيام فأقل، ولو بشرط في العقد، سواء أكان رأس المال عيناً أم ديناً؛ لأن السلم معاوضة لايخرج بتأخير قبض رأس المال عن أن يكون سلماً، فأشبه مالو تأخر إلى آخر المجلس، وكل ماقارب الشيء يعطى حكمه، ولايكون له بذلك حكم الكالئ.\rفإن أخر رأس المال عن ثلاثة أيام، فإن كان التأخير بشرط، فسد السلم اتفاقاً، سواء أكان التأخير كثيراً جداً بأن حل أجل المسلم فيه، أم لم يكثر جداً بأن لم يحل أجله.\rوإن كان التأخير بلا شرط: فقولان في المدونة الكبرى لمالك بفساد السلم وعدم فساده، سواء كثر التأخير جداً، أم لا، والمعتمد الفساد بالزيادة عن الثلاثة الأيام، ولو قلت مدة الزيادة بغير شرط (2) .\r-------------------------------\r(1) فتح القدير مع العناية: 342/5، البدائع: 202/5، رد المحتار: 218/4، مغني المحتاج: 102/2، المهذب: 300/1، المغني: 295/4، غاية المنتهى: 79/2.\r(2) حاشية الدسوقي: 195/3، المنتقى على الموطأ: 300/4، القوانين الفقهية: ص 269.","part":5,"page":272},{"id":3118,"text":"شروط المسلم فيه :\rاشترط الحنفية في المسلم فيه أحد عشر شرطاً:\rأحدها: أن يكون معلوم الجنس: كأن يبين أنه حنطة أو شعير أو نحوهما.\rالثاني: أن يكون معلوم النوع: كأن يقال حنطة سقية أو سهلية أو جبلية.\rالثالث: أن يكون معلوم الصفة: كأن يقال: حنطة جيدة أو رديئة أو وسط. ويلاحظ أنه يكتفى ببيان الجنس والنوع والصفة، فلا يصح أن يذكر في العقد أنه من الناتج الذي سيظهر جديداً، وهو لم يتكون بعد، لأنه يكون بيع المعدوم صراحة، وهو لايجوز.\rالرابع: أن يكون معلوم القدر بالكيل أو الوزن أو العد أو الذرع، والسبب في اشتراط هذه الشروط الأربعة: هو ماذكر في شرط رأس المال: وهو إزالة الجهالة؛ لأن جهالة النوع والجنس والصفة والقدر جهالة مفضية إلى المنازعة، وأنها مفسدة للعقد، وقال عليه السلام: « من أسلف منكم فليسلف في كيل معلوم، ووزن معلوم إلى أجل معلوم » (1) .\rالخامس: ألا يكون في البدلين إحدى علتي ربا الفضل: وهي إما القدر المتفق أو الجنس المتحد؛ لأن العقد حينئذ يتضمن الربا؛ لأن حرمة ربا النسيئة تتحقق بأحد هذين الوصفين.\rوبعبارة أخرى: إنه يشترط ألا يكون في السلم أحد وصفي علة ربا الفضل: وهو إما الكيل أو الوزن وإما الجنس؛ لأن أحد وصفي علة ربا الفضل هو علة ربا النسيئة، فإذا اجتمع أحد هذين الوصفين في بدلي السلم يتحقق ربا النسيئة، والعقد الذي فيه ربا فاسد.\r-------------------------------\r(1) المبسوط: 124/12، فتح القدير: 337/5 ومابعدها، البدائع: 207/5، رد المحتار: 215/4.","part":5,"page":273},{"id":3119,"text":"فإن لم يتحقق القدر المتفق، بأن اختلف المسلم فيه ورأس مال السلم كبيع حنطة بنقود، أو زعفران بدراهم أو دنانير، فيصح السلم، لانعدام علة ربا النسيئة: وهي القد ر المتفق أو الجنس. أما المجانسة فظاهرة الانتفاء، وأما القدر المتفق فلأن وزن الثمن يخالف وزن المثمن، فالنقود توزن بالمثاقيل، والزعفران ونحوه يوزن بالرطل أو القبان، وأما الحنطة فهي مكيلة، والنقود موزونة (1) .\rوعبر المالكية عن هذا الشرط بقولهم: أن يكون رأس مال السلم والمسلم فيه مختلفين جنساً تجوز النسيئة فيه بينهما، فلايجوز إسلاف الذهب والفضة أحدهما في الآخر؛ لأن ذلك ربا، وكذلك لايجوز تسليم الطعام بعضه في بعض على الإطلاق لأنه ربا، ويجوز إسلاف الذهب والفضة في الحيوان والعروض والطعام، ويجوز إسلاف العروض بعضها في بعض (2) .\rالسادس: أن يكون المسلم فيه مما يتعين بالتعيين: فإن كان ممالا يتعين بالتعيين كالدراهم والدنانير لايجوز السلم فيه؛ لأن المسلم فيه مبيع، والمبيع مما يتعين بالتعيين، والدراهم والدنانير لاتتعين في عقود المعاوضات، فلم تكن مبيعة، فلا يجوز السلم فيها.\rوهل يجوز السلم في التبر والسبائك؟ فيه روايتان: رواية: لايجوز؛ لأن التبر والسبيكة بمنزلة الدراهم المضروبة. ورواية أخرى: يجوز لأنها بمنزلة العروض.\rويخرَّج على هذا: السلم في الفلوس (3) عدداً: يجوز عند أبي حنيفة وأبي يوسف، لأن الفلوس عندهما ليست بثمن مطلق (4) بل مما تتعين بالتعيين في الجملة كالسلع العددية.\r-------------------------------\r(1) البدائع: 186/5، 214، رد المحتار: 217/4.\r(2) القوانين الفقهية: ص 269.\r(3) الفلس: قطعة مضروبة من النحاس كان يتعامل بها.\r(4) أي أن ثمنيتها ليست بلازمة بل تحتمل الزوال، لأنها ثبتت بالاصطلاح، فتزول بالاصطلاح، والعقد عليها: معناه الاتفاق على إبطال ثمنيتها في حق العاقدين.","part":5,"page":274},{"id":3120,"text":"ولايجوز السلم فيها عند محمد؛ لأنها أثمان عنده (1) .\rالسابع: أن يكون المسلم فيه مؤجلا، واختلف العلماء في هذا الشرط. وفيه يعرف حكم السلم الحال.\rفقال الحنفية والمالكية والحنابلة: يشترط لصحة السلم أن يكون مؤجلاً، ولايصح السلم الحال، لقول النبي صلّى الله عليه وسلم : « من أسلف في شيء فليسلف في كيل معلوم، ووزن معلوم، إلى أجل معلوم » فهذا الحديث أمر بالأجل، والأمر يقتضي الوجوب، كما أوجب كون المسلم فيه مقدراً بالكيل أو الوزن، ولأن السلم أجيز رخصة للرفق بالناس، ولايحصل الرفق إلا بالأجل، فإذا انتفى الأجل انتفى الرفق، فلا يصح، وباعتباره رخصة فيقتصر على حال ورودها (2) .\rوقال الشافعي: يصح السلم حالاً ومؤجلاً، فإن أطلق عن الحلول والتأجيل وكان المسلم فيه موجوداً انعقد حالاً، لأنه إذا جاز السلم مؤجلاً، فلأن يجوز حالاً بالأولى ، لبعده عن الغرر. والمراد من الحديث « إلى أجل معلوم » هو العلم بالأجل، لا الأجل نفسه. وفائدة العدول من البيع إلى السلم الحال حينئذ: هو جواز العقد مع غيبة المبيع، فإن المبيع إذا لم يكن حاضراً مرئياً لايصح بيعه عند الشافعية. وإن أخر العقد لإحضاره، فربما تلف، أو لايتمكن المشتري من الحصول عليه، كما لايتمكن حينئذ من فسخ العقد؛ لأن العقد متعلق بالذمة، وماثبت بالذمة يلزم العاقد به (3) .\r-------------------------------\r(1) المبسوط: 136/12، البدائع: 208/5، 212.\r(2) المبسوط: 125/12، البدائع: 212/5، فتح القدير: 335/5، المنتقى على الموطأ: 297/4، بداية المجتهد: 201/2، حاشية الدسوقي: 205/3 ومابعدها، المغني: 289/4، القوانين الفقهية: ص269، غاية المنتهى: 78/2.\r(3) المهذب: 1ص297، مغني المحتاج: 2ص105.","part":5,"page":275},{"id":3121,"text":"واختلف العلماء أيضاً في مدة أجل السلم:\rفقال الحنفية والحنابلة: إن أجل السلم مقدر بشهر أو ماقاربه؛ لأنه أدنى الآجل وأقصى العاجل.\rوقال المالكية: أقل الأجل نصف شهر؛ لأن هذه المدة مظنة اختلاف الأسواق غالباً، واختلافها مظنّة لحصول المسلم فيه. وذلك. إلا إذا اشترط قبض المسلم فيه بمجرد الوصول لبلد غير بلد العقد، وكانت المسافة يومين من بلد العقد، لأنها مظنة اختلاف الأسواق في البلدين، وإن لم تختلف بالفعل، واشترط في العقد أيضاً الخروج فوراً إلى البلد، كما اشترط أن يخرج رب السلم والمسلم إليه أو وكيلهما بالفعل، وأن يعجل قبض رأس المال في المجلس أو قربه، وأن يكون السفر في يومين ببر أو بغير ريح؛ لأنه ربما أدى إلى قطع مسافة اليومين في نصف يوم، فيؤدي إلى السلم الحالّ، فمتى اختل شرط من هذه الشروط الخمسة، فلابد من تعيين الأجل.\rوإذا وجدت هذه الشروط الخمسة، لايشترط التأجيل بنصف شهر عندهم.\rواتفق العلماء على أن الأجل لابد من أن يكون معلوماً، لقوله تعالى: { إذا تداينتم بدين إلى أجلٍ مسمى } [البقرة:282/2] وقول النبي صلّى الله عليه وسلم : « إلى أجل معلوم » ولأنه بمعرفة الأجل يتحدد الوقت الذي يقع فيه قضاء المسلم فيه، فإذا جهل الأجل لم يفد معرفة ذلك، ووقع رب السلم في الغرر. ولكنهم اختلفوا في كيفية العلم بالأجل.\rفقال الحنفية والحنابلة والشافعية: لابد من تحديد زمان بعينه، لايختلف، فلا يصح التأجيل للحصاد والدراس والنيروز ( اليوم الأول من السنة القبطية، وهوأول الربيع) والمهرجان ( أول الخريف ) وعيد النصارى وقدوم الحاج، والصيف والشتاء، ونحوها (1) ، ودليلهم: أن الرسول صلّى الله عليه وسلم قال: « إلى أجل معلوم» والتحديد بهذه الأوقات مثار النزاع، لأنه غير معلوم إذ أنه يتقدم ويتأخر، ويقرب ويبعد، ويؤيده ماروي عن ابن عباس أنه قال: « لاتتبايعوا إلى الحصاد والدياس (2) ولاتتبايعوا إلا إلى شهر معلوم » (3) .\r-------------------------------\r(1) فتح القدير: 5 ص 222، 336.\r(2) هو دوس الحب بالقدم ونحوها لينقشر.\r(3) قال الحافظ الزيلعي: روى البيهقي في كتاب المعرفة من طريق الشافعي عن ابن عباس أنه قال: «لاتبيعوا إلى العطاء، ولا إلى الأندر ( أي البيدر أو المكدس من القمح خاصة ) ولا إلى الدياس» (راجع نصب الراية: 4 ص 21 ).","part":5,"page":276},{"id":3122,"text":"وقال المالكية: يجوز السلم إلى هذه الأوقات، ويعتبر ميقاتها: هو الوقت الذي يحصل فيه غالب ماذكر: وهو وسط الوقت المعد لها الذي يغلب فيه الوقوع. ودليلهم: أن هذا أجل يتعلق بوقت من الزمن يعرف في العادة، لايتفاوت فيه تفاوتاً كثيراً، فأشبه ما إذا قال إلى رأس السنة (1) .\rالثامن: أن يكون جنس المسلم فيه أي ( المبيع ) موجوداً في الأسواق بنوعه وصفته من وقت العقد إلى وقت حلول أجل التسليم، ولايتوهم انقطاعه عن أيدي الناس، كالحبوب. فإن لم يكن موجوداً عند العقد أو وقت حلول الأجل، أو انقطع من أيدي الناس فيما بين ذلك كالثمار والفواكه واللبن ونحوها، لايجوز السلم؛ لأن القدرة على التسليم ثابتة للحال، وفي وجودها عند حلول الأجل شك، لاحتمال الهلاك، فإن بقي الشيء المسلم فيه في الأسواق إلى الوقت المؤجل، ثبتت القدرة على التسليم، وإن هلك قبله لاتثبت. وبعبارة أخرى: إن اشتراط هذا الشرط لضمان تنفيذ تسليم المسلم فيه.\rوعلى هذا: إذا كان المسلم فيه منسوباً إلى موضع معلوم: فإن كان ممايحتمل انقطاعه بالآفة كحنطة قرية كذا بعينها أو أرض كذا بعينها: لايجوز السلم، لعدم تحقق القدرة على التسليم، وهو غرر من غير حاجة، فمنع صحة العقد.\rوإن كان مما لايحتمل الانقطاع، كأن يسلم في حنطة إقليم كالعراق أو خراسان، أو في حنطة بلدة كبيرة كسمرقند وبخارى ومحافظة حوران، فيجوز السلم، إذ لايتوهم الانقطاع ؛ لأن الغالب في أحكام الشرع ملحق بالمتيقن.\r-------------------------------\r(1) المنتقى على الموطأ: 4 ص 298، القوانين الفقهية: ص 269.","part":5,"page":277},{"id":3123,"text":"وقال بعض مشايخ الحنفية: لايجوز السلم إذا كان المسلم فيه منسوباً إلى بلدة كبيرة. وعبارتهم: لايجوز إلا في طعام ولاية؛ لأن وهم الانقطاع فيما وراء ذلك ثابت.والصحيح هو ماذكر أولاً (1) . هذا هو مذهب الحنفية.\rوقال المالكية والشافعية والحنابلة: يشترط أن يكون المسلم فيه عام الوجود مأمون الانقطاع ، وقت حلول الأجل فقط، سواء وجد عند العقد أم لم يوجد؛ لأن المهم هو القدرة على التسليم، فيعتبر وقت وجوب التسليم، ولأن النبي صلّى الله عليه وسلم قدم المدينة وهم يسلفون في الثمار السنة والسنين، فقال: « من أسلف فليسلف في كيل معلوم، أو وزن معلوم، إلى أجل معلوم » ولم يشترط وجود المسلم فيه حال عقد السلم، ولو كان شرطاً لذكره، ولنهاهم عن السلم سنتين، لأنه يلزم منه انقطاع المسلم فيه أوسط السنة (2) .\rإلا أن المالكية شرطوا أن يكون التزام المسلم فيه مطلقاً في الذمة، فلا يجوز\r-------------------------------\r(1) المبسوط: 12 ص 134، فتح القدير: 5 ص 331، البدائع: 5 ص 211.\r(2) المنتقى على الموطأ: 4 ص 300، حاشية الدسوقي: 3 ص 211، مغني المحتاج: 2ص106، المهذب 1 ص 298، المغني: 4ص293ومابعدها، غاية المنتهى: 2ص79.","part":5,"page":278},{"id":3124,"text":"السلم في شيء معين كزرع قرية بعينها، وعليه لم يجز السلم في العقار اتفاقاً لتعينه (1) .\rواجتهاد غير الحنفية أوجه وأوسع (2) .\rوفي اجتهاد الحنفية: إذا حل أجل تسليم المسلم فيه، وانقطع وجود المبيع بحيث يتعذر تسليمه، كان المشتري بالخيار بين أن ينتظر وجوده، أو يفسخ البيع، ويسترد الثمن (3) .\rالتاسع: أن يكون العقد باتاً: ليس فيه خيار الشرط للعاقدين أو لأحدهما. فلو أسلم شخص ديناراً في مد حنطة، على أنه بالخيار ثلاثة أيام، وقبض المسلم إليه الثمن ( رأس المال )، وتفرقا ببدنيهما، يفسد عقد السلم؛ لأن جواز البيع بشرط الخيار ثبت على خلاف القياس لحاجة الناس إليه، فلا يقاس عليه غيره، إذ لاحاجة في السلم إلى الخيار؛ ولأن شرعية الخيار لدفع الغبن، والسلم مبني على الغبن ونقص الثمن، لأنه بيع المفاليس كما يسمى، فلم يكن داخلاً تحت مورد النص الذي يجيز الخيار.\rفلو اتفق المسلم إليه ورب السلم على إبطال الخيار قبل التفرق من المجلس، وكان رأس المال ( الثمن ) قائماً في يد المسلم إليه، انقلب العقد جائزاً عند جمهور الحنفية، خلافاً لزفر. أما لو كان رأس المال هالكاً فلا ينقلب العقد جائزاً؛ لأن رأس المال يصير حينئذ ديناً على المسلم إليه، والسلم لاينعقد برأس مال دين.\rويمكن تفريع هذا الشرط على اشتراط قبض رأس المال في مجلس عقد السلم؛ لأن اشتراط الخيار يؤدي إلى عدم دفع الثمن في مجلس العقد.\rويلاحظ أن خيار الرؤية وخيار العيب في رأس المال ( الثمن ) إذا كان عيناً قيمية أو مثلية، لايفسد عقد السلم؛ لأن الخيارين المذكورين لايمنعان ثبوت الملك في البدل.\r-------------------------------\r(1) القوانين الفقهية: ص269.\r(2) عقد البيع للأستاذ الزرقاء: حاشية ص 120.\r(3) رد المحتار والدر المختار: 4 ص 214، عقد البيع، المرجع السابق.","part":5,"page":279},{"id":3125,"text":"وأما بالنسبة للمسلم فيه ( المبيع ) فلا يثبت خيار الرؤية فيه بالاتفاق؛ لأن هذا الخيار لايجري فيما يملكه الإنسان ديناً في الذمة، إذ لافائدة في الخيار حينئذ؛ لأن ثمرته في الأصل رد المبيع الغائب عند رؤيته إذا لم يعجب المشتري، والمبيع المسلم فيه ليس عيناً معينة، بل دين في الذمة يقضى بأمثاله، فعند رؤيته إذا ساغ رده بخيار الرؤية يعود ديناً كما كان، ويجب أداء مثل آخر، فيمكن رده أيضاً بالخيار، وهكذا فيتسلسل، فلذا يكتفى بوصف المبيع لصحة السلم، فيقوم بيان الوصف مقام المعاينة.\rوأما خيار العيب في المسلم فيه: فإنه يصح ثبوته؛ لأنه لايمنع تمام القبض الذي تتم به الصفقة (1) .\rالعاشر: بيان مكان الإيفاء إذا كان للمبيع كلفة ومؤونة، كالحنطة والشعير، وهذا الشرط في جواز السلم عند أبي حنيفة، وأما عند الصاحبين، فلا يشترط ذلك.\rومنشأ الخلاف هو: هل يتعين مكان العقد مكاناً للإيفاء فيما يحتاج لحمل ومؤونة؟ مع اتفاقهم على أن مكان الإيفاء إذا كان مجهولاً لايجوز السلم؛ لأنها جهالة مفضية إلى المنازعة (2) .\rقال أبو حنيفة: لايتعين مكان العقد مكاناً للإيفاء؛ لأن العقد إذا وجد مطلقاً عن تعيين مكان، فلايتعين مكان العقد للإيفاء ،وإذا لم يتعين مكان العقد للإيفاء، بقي مكان الإيفاء مجهولاً جهالة مفضية إلى المنازعة بسبب الخلاف على نفقات النقل.\rوقال الصاحبان: يتعين مكان العقد مكاناً للإيفاء، فلا يكون هناك جهالة فيصح السلم؛ لأن سبب وجوب الإيفاء هو العقد، والعقد وجد في هذا المكان، فيتعين مكان العقد لوجوب الإيفاء فيه كما في بيع العين.\r-------------------------------\r(1) فتح القدير: 5 ص 343، عقد البيع للأستاذ الزرقاء: ص 119.\r(2) البدائع: 5 ص 213، المبسوط: 12 ص 128، فتح القدير: 5 ص 341، رد المحتار: 4ص 216.","part":5,"page":280},{"id":3126,"text":"ويرد عليهما: بأن العقد قائم بالعاقدين، لا بالمكان، وهذا مكان المتعاقدين وليس مكاناً للعقد، فلم يوجد العقد في هذا المكان.\rويجري هذا الخلاف في بيان مكان أداء الأجرة في عقد الإجارة إذا احتاج الأمر إلى نفقة نقل، فعند أبي حنيفة: لايصح العقد إذا لم يعين مكان أداء الأجرة. وعند الصاحبين: تصح الإجارة، ويتعين مكان إيفاء الأجرة بتعيين مكان إيفاء المعقود عليه. فإن كان المأجور داراً أو أرضاً، فتسلم الأجرة عند الدار والأرض، وإن كان المأجور دابة فعند بدء انطلاق السير. وإن كان ثوباً دفع إلى مصبغة مثلاً، ففي الموضع الذي يسلم فيه الثوب. ويلاحظ أن مكان العقد يتعين مكاناً للتسليم عند الصاحبين إذا أمكن التسليم في مكان العقد. فإذا لم يمكن: بأن كان في البحر أو على رأس الجبل، فإنه لايتعين مكان العقد للتسليم، ولكن يسلم في أقرب الأماكن الذي يمكن التسليم فيه من مكان العقد.\rوأما إذا لم يكن لتسليم المسلم فيه كلفة ومؤونة كالجواهر واللآلئ ونحوها من المنقولات الخفيفة الحمل، فهناك روايتان عن الحنفية:\rفي رواية: يتعين مكان العقد، وهذا قول الصاحبين. وفي رواية، وهي الأصح عندهم: يسلم الشيء حيثما لقي أحد العاقدين صاحبه، ولايتعين مكان العقد؛ لأن الأماكن كلها سواء، إذ المالية لاتختلف باختلاف الأماكن فيما لاحمل له ولا مؤونة (1) . ولو عينا مكاناً آخر للإيفاء سوى مكان العقد: فإن كان فيما له حمل ومؤونة يتعين، وإن كان فيما ليس له حمل ومؤونة ففيه روايتان:\rفي رواية: لايتعين، وله أن يوفيه في أي مكان شاء.\rوفي رواية: يتعين وهو الأصح، لأنه يفيد رب السلم بعدم تحمل خطر الطريق (2) .\rوقال المالكية: الأحسن اشتراط مكان الدفع (3) .\rوقال الشافعية: المذهب أن المسلم فيه إذا سلم بموضع لايصلح للتسليم، أو يصلح ولحمله مؤونة، اشترط بيان محل تسليم المسلم فيه، لتفاوتت الأغراض فيما يراد من الأمكنة في ذلك. فإن صلح المكان للتسليم ولم يكن لحمله مؤنة، فلا يشترط ذكر مكان التسليم، ويتعين مكان العقد للتسليم للعرف (4) .\rوقال الحنابلة: لايشترط ذكر مكان الوفاء إن لم يعقد بنحو برية وسفينة. ويتعين مكان العقد للتسليم عند الاختلاف (5) .\r-------------------------------\r(1) فتح القدير: 5 ص 342، البدائع: 5 ص 213.\r(2) فتح القدير مع العناية: 5 ص 342، رد المحتار: 4 ص 216 ومابعدها.\r(3) القوانين الفقهية: ص 270.\r(4) مغني المحتاج: 2 ص 104.\r(5) غاية المنتهى: 2 ص 80 .","part":5,"page":281},{"id":3127,"text":"الحادي عشر: أن يكون المسلم فيه مما ينضبط بالصفات التي يختلف الثمن باختلافها ظاهراً، أي أن يكون المبيع من الأموال التي تقبل الثبوت في الذمة: وهي المثليات، بأن يكون من المكيلات أو الموزونات أو الذرعيات أو الأعداد المتقاربة، مثل الحبوب والثمار والدقيق والثياب، والقطن والكتان والحديد والرصاص والأدوية، والجوز والبيض؛ لأن المكيلات والموزونات ممكنة الضبط قدراً وصفة على وجه لايبقى فيها إلا تفاوت يسير، لأنها من ذوات الأمثال. وأما المتقارب من الذرعيات والعدديات، فلأن الجهالة فيها يسيرة لاتفضي إلى المنازعة.","part":5,"page":282},{"id":3128,"text":"فإن كان مما لايضبط بالوصف، كالعدديات المتفاوتة، والذرعيات المتفاوتة، مثل الدور والعقارات والجواهر واللآلئ والجلود والخشب والرؤوس والأكارع والرمان والسفرجل والبطاطيخ ونحوها: لايجوز السلم فيها، لأنه لايمكن ضبطها بالوصف، إذ يبقى بعد بيان جنسها ونوعها وصفتها وقدرها جهالة فاحشة مفضية إلى المنازعة بسبب التفاوت في المالية بين آحاد هذه الأشياء، فهناك تفاوت فاحش بين جوهر وجوهر، ولؤلؤ ولؤلؤ، وحيوان وحيوان، وجلد وجلد، وهكذا لأن أثمانها تختلف اختلافاً متبايناً بالصغر والكبر وحسن التدوير وزيادة الضوء والصفاء، فيقع البيع فيها على مجهول، وبيع المجهول لايجوز.\rهذا هو مذهب الحنفية. ويلاحظ أنهم أجازوا السلم في العدديات المتقاربة مطلقاً كيلاً،ووزناً وعددا ً. أما العدديات المتفاوتة: فلم يجيزوا السلم فيها لا وزناً ولا عدداً (1) .\rوقال المالكية: يصح السلم فيما ينضبط، وفيما لاينضبط بالوصف، إذا اشترط رب السلم منها شيئاً معلوماً جنسه وصفته ومقداره إما بالوزن فيما يوزن وإما بالكيل فيما يكال أو بالذرع فيما يذرع، أو بالعدد فيما يعد أو بالوصف فيما لايوزن ولايكال ولايعد؛ لأن شرط صحة السلم: أن يضبط المسلم فيه، وأن يكون ضبطه بما جرت العادة بضبطه به بالوزن أو الكيل أو العدد أو الذرع.\r-------------------------------\r(1) المبسوط: 12 ص131، 136، البدائع: 5ص208 ومابعدها، فتح القدير: 5ص324 ومابعدها، 354، رد المحتار: 4ص213، الفرائد البهية في القواعد الفقهية للشيخ محمود حمزة: ص39.","part":5,"page":283},{"id":3129,"text":"أما بالنسبة للعدديات المتقاربة، فيجوز السلم فيها عدداً، لأنها لاتتباين كثيراً (1) .\rوقال الشافعية: يصح السلم فيما ينضبط بالوصف دون مالا ينضبط، أما بالنسبة للعدديات المتقاربة كالجوز واللوز فيصح السلم كيلاً أو وزناً، أو ذرعاً ولايجوز عدداً؛ لأن ذلك يتباين ويختلف، فلم يجز عدداً كالبطيخ. وأما العدديات المتفاوتة، فيصح السلم فيها وزناً في البطيخ والباذنجان والقثاء والسفرجل والرمان، وما أشبه ذلك مما لايضبطه الكيل لتفاوت وحداته وتنافرها في المكيال، ولايكفي فيها العدّ لكثرة التفاوت فيها، فلم يمكن تقديرها بغير الوزن (2) .\rوقال الحنابلة: يصح السلم فيما ينضبط بالوصف كمكيل وموزون دون مالا ينضبط. أما العدديات المتفاوتة ففيها وجهان: وجه يصح السلم فيها عدداً وتضبط وحداتها بالصغر والكبر. ووجه: لايصح السلم فيها إلا وزناً، كما قال الشافعية (3) .\rوهكذا يكون مذهب الشافعية والحنابلة قريباً من مذهب الحنفية، والخلاف بينهم محصور في السلم في العدديات المتقاربة عدداً، وفي العدديات المتفاوتة. وأجاز المالكية السلم فيما لاينضبط بالوصف.\r-------------------------------\r(1) بداية المجتهد: 2ص200، حاشية الدسوقي: 3ص207، 215، المنتقى على الموطأ: 4ص292، 294، 296.\r(2) المهذب: 1ص297، 299، مغني المحتاج: 2ص107.\r(3) المغني: 4ص276، 288 ومابعدها.","part":5,"page":284},{"id":3130,"text":"وسأذكر حكم بعض المبيعات التي لها صلة بشرط انضباط الوصف.. ومنها:\rالسلم في الحيوان :\rيجوز السلم في الأليات والشحوم وزناً بلا خلاف، وأما السلم في الحيوان ذاته، فقد اختلف فيه الفقهاء:\rفقال الحنفية: لايجوز السلم في الحيوان كيفما كان،لما روي عن ابن عباس «أن النبي صلّى الله عليه وسلم نهى عن السلف في الحيوان» (1) ولأن الحيوان يختلف اختلافاً متبايناً في تقدير ماليته، فلا يمكن ضبطه، وإن استقصى الواصف صفاته التي يختلف بها الثمن، والاختلاف فيه يفضي إلى المنازعة مثل سائر العدديات المتفاوتة (2) . وعليه فلا يصح السلم في الخرفان كما يفعل بعض الناس، لأنها لاتنضبط.\rوقال المالكية والشافعية والحنابلة: يجوز السلم في الحيوان قياساً على جواز القرض فيه، روى مسلم « أنه صلّى الله عليه وسلم اقترض بَكْراً ـ وهو الفتيّ من الإبل » (3) وروى أبو داود «أنه صلّى الله عليه وسلم أمر عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنه أن يشتري بعيراً ببعيرين إلى أجل» (4) وهذا سلم لا قرض لما فيه من الفضل والأجل. وأما\r-------------------------------\r(1) أخرجه الحاكم والدارقطني عن ابن عباس، قال الحاكم: حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. والصحيح أن في إسناده إسحاق بن إبراهيم بن جوتى، وهو واهي الحديث. وقال عنه ابن حبان: «منكر الحديث جداً، يأتي عن الثقات بالموضوعات، لايحل كتب حديثه إلا على جهة التعجب» (انظر نصب الراية: 4ص46، التلخيص الحبير: ص245).\r(2) المبسوط: 12ص131، فتح القدير: 5ص327 ومابعدها، البدائع: 5ص209.\r(3) سيأتي تخريجه في باب القرض.\r(4) رواه أبو داود والدارقطني والبيهقي من طريقه، وفي إسناده ابن إسحاق، وقد اختلف عليه فيه، ولكن أورده البيهقي في الخلافيات من طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده وصححه (انظر التلخيص الحبير لابن حجر: ص235).","part":5,"page":285},{"id":3131,"text":"حديث النهي عن السلف في الحيوان فقال ابن السمعاني عنه في الاصطلام: «غير ثابت وإن أخرجه الحاكم» ولكن صحة السلم في الحيوان عند هؤلاء مشروطة بذكر نوعه وسنه وذكورته وأنوثته ولونه وقدِّه طولاً وقصراً على التقريب (1) .\rالسلم في اللحم مع العظم :\rقال أبو حنيفة: لايجوز السلم في اللحم مع العظم، لوجود الجهالة المفضية إلى المنازعة من جهتين: جهة السمن والهزال، وجهة قلة العظم وكثرته. وكذلك لايجوز في الأصح عنده السلم في اللحم المنزوع العظم، لوجود الجهالة فيه أيضاً من جهة السمن والهزال، وهذا كاف لأن الحكم المعلل بعلتين مستقلتين يثبت مع إحداهما، كما يثبت معهما (2) .\rوقال الصاحبان والمالكية والشافعية والحنابلة: يصح السلم في اللحم بشرط ضبط صفاته بذكر جنس اللحم: لحم شاة أو بقر، ونوعه: لحم شاة ذكر أو أنثى، خصي أو فحل، معلوفة أو سائمة، وسنه: لحم شاة ثني أو جذعة، وصفته: سمين أو مهزول أو وسط، وموضعه: من الفخذ أو الكتف أو الجنب، ومقداره: عشرة أرطال مثلاً. ودليلهم قول النبي صلّى الله عليه وسلم : « من أسلف فليسلف في كيل معلوم أو وزن معلوم » وظاهره: إباحة السلم في كل موزون، ولأنه إذا جاز السلم في الحيوان، فاللحم أولى (3) .\rالسلم في السمك :\rالسلم في السمك عند الجمهور كالسلم في اللحم. وأما عند أبي حنيفة فاختلفت عبارات الروايات، والصحيح من المذهب: أن السلم يجوز في السمك الصغار، كيلاً أو وزناً، ويستوي فيه المملح والطري؛ لأن الصغار منه لايتحقق فيه اختلاف السمن والهزال، ولا اختلاف العظم، بخلاف اللحم.\r-------------------------------\r(1) المنتقى على الموطأ: 4ص293، بداية المجتهد: 2ص200، حاشية الدسوقي: 3ص207، 209، مغني المحتاج: 2ص110، المغني: 4ص278، 282، غاية المنتهى: 2ص72.\r(2) المبسوط: 12ص133، البدائع: 5ص210، فتح القدير: 5ص333، رد المحتار: 4ص214.\r(3) بداية المجتهد: 2ص200، حاشية الدسوقي: 3ص270، 209، مغني المحتاج: 2ص111 ومابعدها، المهذب: 1ص298، المغني: 3ص280، غاية المنتهى: 2ص71.","part":5,"page":286},{"id":3132,"text":"وأما الكبار ففي ظاهر الرواية: يجوز كيفما كان وزناً (1) .\rالسلم في الثياب :\rالثياب من العدديات المتفاوتة، فلا يجوز فيها السلم قياساً عند الحنفية، لأنها ليست من ذوات الأمثال لتفاوت فاحش بين ثوب وثوب، ويجوز السلم فيها استحساناً إذا بين الجنس والنوع، والصفة والرقعة ( أي القدر من الثخانة والغلط ) والذرع طولاً وعرضاً، فيلحق بالمثليات لحاجة الناس إليه وتعاملهم به.\rوإن كان ثوب حرير فاختلف المشايخ في بيان وزنه، والأصح قول بعضهم: لابد من بيان وزنه أيضاً؛ لأنه مقصود فيه، وقيمة الحرير تختلف باختلاف الوزن (2) .\rوأجاز المالكية والشافعية والحنابلة أيضاً السلم في الثياب كما لاحظنا (3) ، قال ابن المنذر: وأجمعوا على جواز السلم في الثياب (4) .\rالسلم في التبن :\rلايجوز عند الحنفية السلم في التبن أوقاراً ( أي أحمالاً ) لتفاوت فاحش بين الوقرين. ولكن يجوز فيه بقبان معلوم من قبابين التجار، فلا يكون هناك اختلاف. والحكم يجري في الحطب: لايجوز حِزَماً، ويجوز وزناً (5) .\rالسلم في الخبز :\rلايجوز السلم في الخبز عدداً بالاتفاق لتفاوت فاحش بين خبز وخبز في الصغر والكبر. وأما وزناً فقد ذكر الكرخي أن السلم في الخبز لايجوز، للتفاوت الفاحش بين الخبز في النضوج، فتبقى جهالة مفضية إلى المنازعة.\rوفي نوادر ابن رستم: لايجوز عند أبي حنيفة ومحمد، وهذا قول الشافعية لأن عمل النار فيه يختلف فلا يضبط. ويجوز عند أبي يوسف: إذا شرط نوعاً معلوماً ووزناً معلوماً وأجلاً معلوماً (6) .\rوقال المالكية والحنابلة: يصح السلم في الخبز ونحوه مما أمكن ضبطه ومسته النار؛ لأن ظاهر الحديث: « من أسلم فليسلم في كيل معلوم أو وزن معلوم» إباحة السلم في كل مكيل وموزون ومعدود، ولأن عمل النار فيه معلوم بالعادة ممكن ضبطه بالنشافة والرطوبة، فصح السلم فيه (7) .\r-------------------------------\r(1) المبسوط: 12ص138، البدائع: 5ص211، فتح القدير: 5 ص333، رد المحتار: 4ص213.\r(2) المبسوط: 12 ص 133، فتح القدير: 5 ص 353، البدائع: 5 ص 209.\r(3) القوانين الفقهية: ص 269، مغني المحتاج: 2 ص 107، غاية المنتهى: 2 ص 72.\r(4) المغني: 4 ص 276.\r(5) المبسوط: 12 ص 141، البدائع: 5 ص 209.\r(6) البدائع: 5 ص 211، المهذب: 1 ص 297.\r(7) المغني: 4 ص 277، الميزان للشعراني: 2 ص 74.","part":5,"page":287},{"id":3133,"text":"قرض الخبز :\rقال أبو حنيفة: لايجوز استقراض الخبز، كالسلم لاوزناً ولاعدداً. وجوز\r\rأبو يوسف القرض فيه وزناً لاعدداً كالسلم. وجوز محمد استقراض الخبز عدداً ووزناً لحاجة الناس وتعارفهم إياه، وإن لم يكن من ذوات الأمثال، وهذا هو المفتى به عند الحنفية لتعامل الناس وحاجاتهم إليه (1) .\rوقال المالكية: يجوز قرض الخبز وزناً وعدداً لحاجة الناس إليه، والمماثلة في العدد مما يتسامح فيه (2) .\rوقال الشافعية والحنابلة في أصح الوجهين: يجوز قرض الخبز عدداً ويجوز وزناً لإجماع أهل الأمصار على فعله في الأعصار بلا إنكار (3) . وقد روت عائشة رضي الله عنها قالت: « قلت: يارسول الله، إن الجيران يستقرضون الخبز، والخمير، ويردون زيادة ونقصاناً؟ فقال: لابأس إن ذلك من مرافق الناس، ولايراد به الفضل » (4) .\rخلاصة شروط السلم عند الشافعية :\rأذكر شروط السلم بإيجاز عند الشافعية في مقابل مذهب الحنفية ، وهي مايأتي:\r1 - يشترط في العاقدين مايشترط في البائع والمشتري في عقد البيع من البلوغ والعقل والاختيار، لكن يصح السلم من الأعمى، لأن المسلم فيه ( المبيع ) موصوف في الذمة، بينما لايصح عندهم البيع من الأعمى لاشتراط رؤية المبيع.\r-------------------------------\r(1) تحفة الفقهاء: 2ص19، الدر المختار ورد المحتار: 4ص195، فتح القدير: 5ص299.\r(2) حاشية الدسوقي: 3ص222.\r(3) المهذب: 1 ص 304، مغني المحتاج: 2 ص 119، المغني: 4 ص 319.\r(4) ذكره أبو بكر الشافي بإسناده عن عائشة رضي الله عنها، وفيه أيضاً بإسناده عن معاذ بن جبل «أنه سئل عن استقراض الخبز والخمير؟ فقال: سبحان الله، إنما هذا من مكارم الأخلاق، فخذ الكبير، وأعط الصغير، وخذ الصغير وأعط الكبير، خيركم أحسنكم قضاء، سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلم يقول ذلك» (انظر المغني: 4 ص319).","part":5,"page":288},{"id":3134,"text":"2 - ويشترط في الصيغة مايشترط في صيغة البيع من اتحاد المجلس وتوافق القبول مع الإيجاب، ولكن يضاف في السلم أن تكون الصيغة بلفظ السلم أو السلف، ولايصح بغيرهما. وأن يخلو العقد من خيار الشرط بأن يكون العقد باتاً؛ لأن اشتراط الخيار يؤدي إلى تأجيل تسليم رأس المال في مجلس العقد، وهو ممنوع في السلم.\r3 - ويشترط في رأس المال ( الثمن ) أن يكون معلوماً للعاقدين قدراً وصفة، وأن يتم تسليمه في مجلس العقد قبل تفرق العاقدين بأبدانهما، حتى لايصير في معنى بيع الدَّيْن بالدَّيْن.\r4 - ويشترط في المسلم فيه ( المبيع ):\rأولاً - أن يمكن ضبطه بالوصف بحيث تنتقى الجهالة عنه، ولايتفاوت بين أفراد جنسه إلا تفاوتاً يسيراً.\rثانياً - وأن يكون معلوم الجنس والنوع والقد ر والصفة للعاقدين.\rثالثاً - وألا يكون مختلطاً من أجناس مختلفة كحنطة بشعير، ومسك وعنبر بغيرهما.\rرابعاً - وأن يكون المسلم فيه دَيْناً، أي شيئاً موصوفاً في الذمة غير معين، فإن عين المسلم فيه، لم يصح السلم.\rخامساً - وأن يكون مقدوراً على تسليمه في النوع والأجل، فلا يجوز أن يستبدل المسلم فيه بغيره، كبر بدلاً من سمن، وثياب بحديد، ونحو ذلك، ولايصح السلم فيما ينقطع وجوده غالباً وقت حلول الأجل كعنب في الشتاء. سادساً - وأن يعين الأجل الذي يجب التسليم عنده، وأن يكون الأجل معلوماً محدداً، فلا يصح السلم مع جهالة الأجل أو من غير ذكر الأجل، مثل إلى قدوم فلان من سفره أو إلى الحصاد مثلاً.\rسابعاً - وأن يعين موضع تسليم المسلم فيه إذا لم يصلح محل العقد للتسليم، أو كان يصلح ولكن يحتاج نقله إلى كلفة ونفقة.\rالمطلب الرابع ـ حكم السلم\rمقتضى السلم: أنه يثبت الملك فيه لرب السلم، مؤجلاً، بمقابلة ثبوت الملك في رأس المال المعين أو الموصوف في الذمة للمسلم إليه.\rوقد أجيز حكمه بطريق الرخصة دفعاً لحاجة الناس، ولكن بالشرائط المخصوصة التي ذكرت والتي هي غير مشروطة في عقد البيع.","part":5,"page":289},{"id":3135,"text":"المطلب الخامس ـ أوجه الاختلاف بين البيع والسلم\rيترتب على الشروط الخاصة بعقد السلم أن يختلف السلم عن البيع من وجوه:\r1 - استبدال رأس مال السلم والمسلم فيه في مجلس العقد :\rوهو أن يأخذ برأس مال السلم شيئاً من غير جنسه. وفيه قال الحنفية: لايجوز الاستبدال برأس مال السلم قبل القبض . أما الثمن فيجوز استبداله إذا كان ديناً؛ لأن قبض رأس المال شرط في السلم، وبالاستبدال لايحصل القبض حقيقة؛ لأن المسلم إليه يقبض بدل رأس المال حينئذ، وبدل الشيء غيره. أما الثمن في البيع فلا يشترط قبضه، والبدل يقوم مقامه معنى.و كذلك لايجوز الاستبدال ببدلي الصرف؛ لأن قبضهما شرط حقيقة.\rوأما استبدال المسلم فيه: فلايجوز أيضاً قبل القبض كاستبدال المبيع المعين، لأن المسلم فيه مبيع منقول، وإن كان ديناً، وبيع المبيع المنقول قبل القبض لايجوز (1) .\rوإذا انفسخ عقد السلم أو تقايل العاقدان السلم: فلايجوز الاستبدال برأس مال السلم الموجود مع المسلم إليه، أي أنه لايجوز لرب السلم أن يشتري من المسلم إليه شيئاً برأس المال حتى يقبضه كله، وهذا قول علماء الحنفيةالثلاثة أخذاً بالاستحسان (2) ، لقوله عليه الصلاة و السلام: « لاتأخذ إلا سلمك، أو رأس مالك » (3) أي عند الفسخ، ولأن الإقالة بيع جديد في حق شخص ثالث غير العاقدين، والثالث هنا هو الشرع. ويعتبر رأس المال: هو المبيع، وإذا ثبت تشابه رأس المال والمبيع، فالمبيع لايجوز التصرف فيه قبل القبض، فكذا ماأشبهه.\rوالقياس أن يجوز الاستبدال برأس المال بعد الإقالة أو بعد انفساخ السلم، سواء أكان رأس المال عيناً أم ديناً أي من النقود، وهو قول زفر لأن رأس المال بعد\r-------------------------------\r(1) البدائع: 5 ص 203.\r(2) وذهب مالك إلى أنه لايجوز ذلك إذا كان المسلم فيه طعاماً، لنهي الرسول صلّى الله عليه وسلم عن بيع الطعام قبل أن يستوفى (بداية المجتهد: 205/2) وأجاز الشافعي وفي قول عن أحمد هذا البيع، لأن صاحب المال قد ملك رأس ماله بالإقالة، وصار ديناً في ذمة المسلم إليه الذي برئ من تسليم المسلم فيه، فيجوز له أن يشتري به ماأحب ممن أحب ( الأم: 117/3، المغني: 304/4).\r(3) نص الحديث كما رواه الدارقطني عن ابن عمر هو « من أسلف في شيء فلا يأخذ إلا ماأسلف أو رأس ماله» قال إبراهيم بن سعيد الجوهري: «فلا يأخذ إلا ماأسلم فيه أو رأس ماله» (انظر نيل الأوطار: 5ص227 ومابعدها، نصب الراية: 4ص51). وروى أبو داود في سننه « من أسلم في شيء فلا يصرفه إلى غيره» .","part":5,"page":290},{"id":3136,"text":"الإقالة صار ديناً في ذمة المسلم إليه، فكما جاز الاستبدال بسائر الديون جاز بهذا الدين، ويرد عليه بالحديث والمعقول السابقين (1) .\rواتفقوا على أن الاستبدال ببدلي الصرف بعد الإقالة قبل القبض جائز؛ لأن بدل الصرف لا يتعين بالتعيين، فلو تبايعا دراهم بدنانير، جاز استبدالها قبل القبض بأن يمسكا ما أشارا إليه في العقد، ويؤديا بدله قبيل الافتراق من مجلس الإقالة.\rواتفقوا على أن قبض رأس المال بعد الإقالة في السلم في مجلس الإقالة: ليس بشرط لصحة الإقالة؛ لأن عقد الإقالة ليس في حكم إنشاء عقد السلم من كل وجه؛ لأن اشتراط القبض في عقد السلم في مجلس العقد كان للاحتراز عن بيع الكالئ بالكالئ (أي الدين بالدين) والمسلم فيه سقط بالإقالة، فلم يصبح لازماً على المسلم إليه، فلا يتحقق فيه بيع الدين بالدين، فلا يشترط القبض (2) .\r-------------------------------\r(1) فتح القدير مع العناية: 5 ص 346، رد المحتار: 4 ص 218 ومابعدها.\r(2) فتح القدير، المرجع السابق، رد المحتار: 4 ص 219.","part":5,"page":291},{"id":3137,"text":"أما في الصرف فيشترط القبض لصحة الإقالة، لأنه إذا اعتبرنا الإقالة بيعاً جديداً، كما يقول أبو يوسف، فالتعليل ظاهر، وإذا اعتبرنا الإقالة فسخاً في حق العاقدين، كما يقول أبو حنيفة فهي في تقدير الشرع بيع، لأن أبا حنيفة يقول: هي بيع جديد في حق غير العاقدين، وإذا كانت الإقالة بيعاً فيجب قبض البدلين منعاً من الوقوع في محظور بيع الدين بالدين (1) .\rواتفقوا على أن السلم إذا كان فاسداً منذ نشأته، فلا بأس بالاستبدال فيه قبل القبض، إذ ليس له حكم السلم، فيجوز الاستبدال، كما في سائر الديون.\rوعدم جواز استبدال المسلم فيه ورأس مال السلم متفق عليه أيضاً لدى المذاهب الأخرى (2) .\r2 - إقالة بعض السلم :\rإذا أخذ رب السلم بعض رأس ماله وبعض المسلم فيه بعد حلول الأجل أو قبله برضا صاحبه، فإنه يجوز، ويكون إقالة للسلم فيما أخذ من رأس المال ويبقى السلم في الباقي، وهذا قول جمهور العلماء؛ لأن أخذ رأس المال إقالة، ولو أقاله في الكل جاز اتفاقاً، فكذلك إذا أقال في البعض يجوز أيضاً، كما في بيع العين. والإقالة كما هو معروف: فسخ للعقد ورفع له من أصله، وليست بيعاً على الراجح.\rوقال الإمام مالك والقاضي ابن أبي ليلى: لا يجوز ذلك ويفسد العقد (3) ويسترد رب السلم ما بقي من رأس المال لقوله صلّى الله عليه وسلم : «لا تأخذ إلا سلمك أو رأس مالك » فإذا أخذ بعض كل واحد منهما فلم يأخذ لا هذا ولا ذاك، ولأنه حين أخذ بعض رأس المال، فقد اختار فسخ العقد، فينفسخ في الكل (4) . فإما أن يقيله من الكل ، أو يأخذ الكل.\rورد الجمهور على الحديث بأن المراد به النهي عن أخذ شيء آخر سوى رأس المال والمسلم فيه.\r-------------------------------\r(1) البدائع: 5 ص 308، رد المحتار: 4 ص 219، 245.\r(2) القوانين الفقهية: ص 269، مغني المحتاج: 2 ص 115، غاية المنتهى: 2 ص 80.\r(3) سداً للذريعة، لأنه يدخله التذرع إلى بيع وسلف.\r(4) المبسوط: 12 ص 130، المنتقى على الموطأ: 4 ص 302، حاشية الدسوقي: 3 ص 215، المهذب: 1 ص 302، المغني: 4 ص 303، غاية المنتهى: 2 ص 81، مغني المحتاج: 2 ص 103.","part":5,"page":292},{"id":3138,"text":"وأما البيع فإنه إذا أقاله العاقدان في البعض دون البعض فيجوز بالاتفاق.\rواتفقوا على أنه لو أخذ رب السلم جميع رأس المال، برضا صاحبه أو أقاله جميع السلم أو تصالحا على رأس المال، فإنه يكون إقالة صحيحة، وينفسخ السلم.\rولو أخذ رب السلم بعض رأس المال قبل حلول الأجل ليعجل باقي السلم، فإنه لا يجوز هذا الشرط، وتصح الإقالة عند أبي حنيفة ومحمد؛ لأن هذا الشرط يصبح في معنى المعاوضة عن الأجل فهو شرط فاسد، والإقالة لا تبطل بالشروط الفاسدة، لأنه فسخ عندهما، فتصح ويبطل الشرط، بخلاف البيع، فإنه يتأثر بالشروط الفاسدة؛ لأن الشرط الفاسد فيه يؤدي إلى الربا، أما الإقالة فلأنها رفع البيع فلا يتصور فيها ربا.\rوعند أبي يوسف: تبطل الإقالة بهذا الشرط الفاسد، ويظل السلم كله باقياً إلى أجله؛ لأن الإقالة عنده بيع جديد، والبيع يبطل بالشرط الفاسد لتمكن الربا فيه (1) . وسيأتي في بحث الإقالة أدلة كل منهم على تكييف الإقالة: هل هي فسخ أو بيع؟\r3 - الإبراء عن رأس المال :\rلا يجوز للمسلم إليه إبراء رب السلم عن رأس المال بدون قبوله ورضاه، فإذا قبل صح الإبراء، ولكن يبطل السلم، لأنه يترتب عليه عدم قبض رأس المال، بسب الإبراء. وإذا رفض رب السلم الإبراء بقي عقد السلم صحيحاً.\rأما البيع: فلو أبرأ البائع المشتري عن ثمن المبيع فيصح من غير قبول إلا أنه يرتد بالرد؛ لأن في الإبراء معنى التمليك على سبيل التبرع، وهو لا يلزم دفعاً لضرر المنة.\r-------------------------------\r(1) البدائع: 5 ص 307، تحفة الفقهاء: 2 ص 21، الطبعة القديمة، القوانين الفقهية: ص270.","part":5,"page":293},{"id":3139,"text":"والفرق بين السلم والبيع: أن قبض الثمن ليس بشرط لصحة البيع. وقبض رأس المال في المجلس شرط لصحة عقد السلم، فلو صح الإبراء من غير قبول الطرف الآخر، لانفسخ عقد السلم من غير رضا صاحبه، وهذا لا يجوز؛ لأن أحد العاقدين لاينفرد بفسخ العقد، فلا يصح الإبراء، بخلاف الثمن: لا يترتب على الإبراء منه فسخ البيع لأن قبضه ليس بشرط.\rأما لو أبرأ رب السلم عن المسلم فيه، فيجوز من غير قبول المسلم إليه، لأن قبض المسلم فيه ليس بشرط، فيصح من غير قبول؛ لأن الإبراء عن دين لا يجب قبضه شرعاً إسقاط لحق المبرئ لا غير، فيملك الإبراء.\rوأما الإبراء عن المبيع فلا يصح، لأنه عين، والإبراء إسقاط، وإسقاط الأعيان لا يعقل (1) .\r4 - الحوالة والكفالة والرهن برأس المال وبالمسلم فيه :\rتجوز الحوالة برأس مال السلم على رجل حاضر، والكفالة به، والرهن به، وكذا بالمسلم فيه أيضاً عند جمهور الحنفية لوجود ركن هذه العقود مع شرائطه.\rوعند زفر: يجوز بالمسلم فيه ولا يجوز برأس المال؛ لأن عقود الكفالة والحوالة والرهن شرعت لتوثيق حق يحتمل التأخر عن المجلس، ورأس المال لا يتأخر، فلا يتحقق ما شرع له العقد، فلا يصح. ورد عليه بأن معنى التوثيق يحصل في الحقين جميعاً، فجاز العقد فيهما.\r-------------------------------\r(1) البدائع: 5 ص 203.","part":5,"page":294},{"id":3140,"text":"توضيح ذلك أن الفقهاء وضعوا قاعدة وهي: «أن ملكية الأعيان لا تقبل الإسقاط، وإنما تقبل النقل» فلو أسقط أحد ملكيته عن شيء مملوك له لا تسقط وتبقى ملكاً له. وقد بنوا عليه عدم صحة الإبراء عن الأعيان لما في الإبراء من معنى الإسقاط مشوباً بمعنى التمليك، فلو كان لأحد عند آخر شيء مغصوب أو مودع فأبرأه عنه لا يصح الإبراء ويبقى الشيء لصاحبه (المدخل الفقهي للأستاذ الزرقاء: ف 123). وكذلك في البيع: تجوز الحوالة والكفالة والرهن بالثمن والمبيع إلا أن الفرق بين السلم والبيع هو في حالة افتراق العاقدين في السلم بدون قبض كما سأبيِّن.\rففي عقد السلم: يجب أن يقبض المسلم إليه رأس المال من المحال عليه، أو من الكفيل أو من رب السلم أو يهلك الرهن قبل أن يتفرق العاقدان عن المجلس، بشرط أن تكون قيمة الرهن مثل رأس المال أو أكثر؛ لأن حق المسلم إليه ينتقل حينئذ إلى قيمة الرهن، فإذا كانت هذه القيمة تساوي رأس المال أو تزيد عنه، فيحصل افتراق العاقدين بعد أن يتم قبض رأس المال؛ لأن قبض الرهن قبض استيفاء؛ لأنه قبض مضمون على المرتهن سواء تعدى أو قصر أو لم يتعد ولم يقصر، وبالهلاك تقرر الضمان عليه، فتحدث مقاصة بين المرتهن والراهن، أي بين المسلم إليه ورب السلم هنا. ويترتب عليه أنه يحدث الافتراق بينهما بعد قبض رأس المال.\rفإن كانت قيمة الرهن أقل من رأس المال، تم العقد بقدر الرهن ويبطل في الباقي.\rوإذا افترق رب السلم والمسلم إليه قبل القبض بطل السلم حتى ولو بقي المحال عليه والكفيل مع المسلم إليه، أما لو بقي المسلم إليه مع رب السلم، وذهب المحال عليه والكفيل فلا يبطل السلم؛ لأن العبرة لبقاء العاقدين وافتراقهما؛ لأن القبض من حقوق العقد، والعقد أساسه العاقدان.\rوالحكم كذلك في الرهن: إذا لم يهلك حتى تفرق المتعاقدان، يبطل السلم لعدم قبض رأس المال، وعلى المسلم إليه رد الرهن على صاحبه.","part":5,"page":295},{"id":3141,"text":"وكل ما ذكر في السلم هنا يجري في عقد الصرف.\rهذا بالنسبة لرأس المال. أما بالنسبة للمسلم فيه فإن المحيل يبرأ بنفس عقد الحوالة ويكون التسليم فيه واجباً على المحال عليه إذا حل الأجل، وحينئذ يطالب رب السلم المحال عليه بالتسليم دون المحيل.\rوفي الكفالة يكون رب السلم بالخيار: إن شاء طالب الأصيل، وإن شاء طالب الكفيل.وفي الرهن: لرب السلم أن يحبس المرهون حتى يأخذ المسلم فيه (1) .\rوكذلك لا تجوز الحوالة والكفالة والإبراء والرهن برأس المال على غير حاضر في المجلس عند غير الحنفية (2) ؛ لأن قبضه حقيقة شرط أساسي لصحة السلم، إلا أن المالكية كما عرفنا أجازوا تأخير القبض مدة ثلاثة أيام. وقد غالى الشافعية فلم يجيزوا قبض رأس المال في المجلس من المحال عليه إلا أن يقبضه رب السلم نفسه، ثم يسلمه للمسلم إليه، لأن الحق بالحوالة يتحول إلى ذمة المحال عليه فهو يؤديه عن نفسه لا عن المسلم.\rالخلاصة: تجوز الحوالة عند الحنفية على المسلم فيه، ولاتجوز عند الجمهور، وقصر المالكية المنع على ما إذا كان المسلم فيه طعاماً. ويجوز أخذ الرهن والكفيل بالمسلم فيه عند الجمهور لما لهما من الفائدة، ولايجوز ذلك في المعتمد عند الحنابلة لحديث أبي داود وابن ماجه عن أبي سعيد الخدري: «من أسلف في شيء فلا يصرفه إلى غيره» .\r-------------------------------\r(1) المبسوط: 151/12 ومابعدها، البدائع: 203/5 ومابعدها.\r(2) الشرح الكبير للدردير: 195/3، مغني المحتاج: 103/2، غاية المنتهى: 80/2، المغني: 302/4.","part":5,"page":296},{"id":3142,"text":"5 - قبض رأس المال مشوباً :\rإذا قبض المسلم إليه رأس المال، فوجده مشوباً، كأن يجده زيوفاً أو نبهرجة، أو مستحقاً أو ستوقة (1) أو معيباً: فإما أن يصدقه رب السلم أو يكذبه:\rالافتراض الأول ـ إن صدقه رب السلم: فله حق الرد، ثم لا يخلو إما أن يكون رأس المال عيناً وهو ما يتعين بالتعيين، أو ديناً: وهو ما لا يتعين بالتعيين.\r1 - فإن كان عيناً: فوجده المسلم إليه مستحقاً (2) أو معيباً: فإن أجاز المستحق جاز العقد، وإلا بطل، وإن رضي المسلم إليه بالعيب جاز العقد، وإلا بطل أي (السلم)، سواء أكان اكتشاف العيب قبل افتراق العاقدين أم بعده. وسبب بطلانه: أنه انتقض (3) القبض فيه بالاستحقاق أو الرد بالعيب، ولا يمكن إقامة شيء عن غير رأس المال مقامه، لأنه معين فيحصل الافتراق لا عن قبض رأس المال في المجلس، فيبطل السلم.\rوأما في حال إجازة العقد فلأنه تبين أن قبضه وقع صحيحاً، فحصل الافتراق عن قبض رأس المال (4) .\r2 - وأما إذا كان رأس المال ديناً: فقبضه المسلم إليه فوجده مشوباً، فإما أن يجده مشوباً في مجلس السلم أو بعد الافتراق:\rأولاً : إن وجده مشوباً في مجلس السلم:\r1 - إن وجد ذلك مستحقاً: فإن صحة القبض موقوفة على إجازة المستحق: إن أجاز جاز، وإن لم يجز بطل.\r-------------------------------\r(1) الدراهم أربعة أنواع: جياد، ونبهرجة، وزيوف، وستوقة. واختلفوا في تفسير النبهرجة فقيل: هي التي تضرب في غير دار السلطان. والزيوف: هي المغشوشة. والستوقة: نحاسمموه بالفضة. وقال عامة المشايخ: الجياد فضة خالصة تروج في التجارات، وتوضع في بيت المال. والزيوف: ما زيفه بيت المال أي رده، ولكن تأخذه التجار في التجارات، ولا بأس بالشراء بها، ولكن يبين للبائع أنها زيوف، والنبهرجة: ما يرده التجار، والستوقة: أن يكون الطاق الأعلى فضة والأسفل كذلك وبينهما نحاس، وليس لها حكم الدراهم. وهكذا: فالزيوف أجود، ثم النبهرجة، ثم الستوقة (رد المحتار: 228/4).\r(2) استحقاق المبيع: هو أن يظهر أن المبيع مملوك كله أو بعضه لغير البائع، كما لو ظهر أن المبيع وقف ومثل ذلك استحقاق رأس المال(عقد البيع للأستاذ الزرقاء: ص 97).\r(3) أي لم يتحقق القبض المشروط في عقد السلم بسبب ظهور استحقاق رأس المال لغير رب المال.\r(4) البدائع: 204/5.","part":5,"page":297},{"id":3143,"text":"2 - وإن وجده ستوقة أو رصاصاً: فلا يجوز العقد وإن قبل به، لأنه ليس من جنس حقه، إذ هو ليس من جنس الدراهم، فيكون استبدالاً برأس المال قبل القبض كما لو استبدل ثوباً من رب السلم مكان الدراهم، وهو لا يجوز كما عرفنا. وإن لم يقبل به، ورده وقبض شيئاً آخر مكانه جاز العقد لأنه لما رده، وانتقض قبضه، جعل كأن لم يكن، وكأنه أخر القبض إلى آخر المجلس.\r3 - وإذا وجده زيوفاً أو نبهرجة: فإن قبل به جاز العقد؛ لأن الزيوف من جنس حقه؛ لأنها دراهم، لكنها معيبة بالزيافة، وفوات صفة الجودة، فإن رضي بها فقد أبرأ رب السلم عن العيب ورضي بقبض حقه مع النقصان.\rوإن ردها واستبدل شيئاً مكانها في مجلس العقد جاز، لأنه وجد مثل حقه في المجلس، فكان القبض متأخراً (1) .\rثانياً : إن وجده مشوباً بعد الافتراق عن المجلس:\r1 - إن وجده مستحقاً: فالقبض موقوف على إجازة المستحق إن أجاز جاز، وإن رد بطل السلم.\r2 - وإن وجد رأس المال ستوقة أو رصاصاً: بطل السلم؛ لأن الستوقة ليست من جنس الدراهم، لأنها لا تروج في معاملات الناس، فلم تكن من جنس حقه أصلا ووصفاً، ويحصل الافتراق عن المجلس بدون قبض رأس المال، فيبطل السلم، ولا يعود جائزاً بالقبض بعد المجلس.\r3 - وإذا وجده زيوفاً أو نبهرجة: فإنها تجوز أي قبل المسلم إليه، فالسلم ماض على الصحة؛ لأن الزيوف من جنس حقه؛ لأنها دراهم، لكنها معيبة بالزيافة وفوات صفة الجودة، فإذا رضي بها، فقد رضي بقبض حقه مع النقصان.\rوإن لم يتجوز به أي لم يقبلها وردها، فاتفق علماء الحنفية على أنه إن لم يستبدلها في مجلس الرد، بطل السلم بقدر ما رد.\r-------------------------------\r(1) البدائع: 204/5 ومابعدها.","part":5,"page":298},{"id":3144,"text":"وأما إذا استبدل مكانها جياداً في مجلس الرد: فالقياس أن يبطل السلم بقدره قل المردود أو كثر، وبه أخذ أبو حنيفة وزفر؛ لأن الزيوف من جنس حق المسلم إليه أصلاً لا وصفاً، ولهذا ثبت له حق الرد بفوات حقه في الوصف، فكان حقه في الأصل والوصف جميعاً، فإذا لم يتوافرا ولم يرض بما قبض، تبين أنه لم يقبض حقه، فيبطل السلم.\rوالاستحسان: ألا يبطل السلم وهو قول الصاحبين، لأن قبض الزيوف وقع صحيحاً، لأنه قبض جنس الحق، بدليل أنه لو تجوز بها جاز إلا أنه فاتته صفة الجودة بالزيافة، والمعيب لا يمنع صحة القبض، وقد أجيز استبداله في مجلس الرد، لأن للرد شبهاً بالعقد، فألحق مجلس الرد بمجلس العقد (1) .\rهذا إذا وجد المسلم إليه كل رأس المال زيوفاً أو نبهرجة: فإن وجد بعضه دون بعض، استحسن أبو حنيفة في حالة استبدال جياد مكانه في مجلس الرد: أنه إذا كان قليلاً فرده واستبدل في المجلس، فالعقد ماض في الكل، وإن كان كثيراً بطل العقد بقدر المردود؛ لأن الزيافة في القليل مما لا يمكن التحرز عنه (2) .\rواختلفت الرواية عن أبي حنيفة في الحد الفاصل بين القليل والكثير والأصح منها: أن الثلث فصاعداً في حكم الكثير، وما دونه في حكم القليل (3) .\rهذا ما يتعلق بحكم رأس المال.\rوأما حكم المسلم فيه فهو: إذا وجد رب السلم بالمسلم فيه عيباً، بعدما قبضه، فإن له خيار العيب إن شاء تجوز به، وإن شاء رده وأخذ المسلم فيه غير معيب؛ لأن حقه في السليم دون المعيب (4) ولكن خيار الرؤية وخيار الشرط لا يثبتان في السلم، كما سبق بيانه.\rالافتراض الثاني ـ إذا كذب رب السلم المسلم إليه، وأنكر أن تكون الدراهم التي جاء بها من دراهمه التي أعطاها، وادعى المسلم إليه أنها من دراهمه، فهذا لا يخلو من ستة أوجه:\r-------------------------------\r(1) البدائع: 205/5.\r(2) البدائع: 206/5.\r(3) تحفة الفقهاء: 27/2.\r(4) المرجع السابق.","part":5,"page":299},{"id":3145,"text":"إن كان المسلم إليه أقر بالقبض قبل النزاع، فقال: قبضت الجياد أو قبضت حقي أو قبضت رأس المال أو استوفيت الدراهم، أو قبضت الدراهم، أو قال: «قبضت» ولم يقل شيئاً آخر.\r1 - ففي الحالات الأربع الأولى: لا تسمع دعواه بعدئذ أنه وجده زيوفاً، ولم يكن له حق استحلاف رب السلم بالله ( أنها ليست من الدراهم التي قبضها منه ) لأنه بإقراره بقبض الجياد يصير متناقضاً في دعواه، والمناقضة تمنع صحة الدعوى، والحلف يكون في الدعوى الصحيحة.\r2 - وأما إذا قال المسلم إليه: ( قبضت الدراهم ) ثم قال: ( هي زيوف ) فالقياس أن يكون القول قول رب السلم: ( أنها ليست من دراهمه ) مع يمينه على قوله، وعلى المسلم إليه البينة أنها من الدراهم التي قبضها منه؛ لأن المسلم إليه يدعي أنها مقبوضة مع ا لعيب، ورب السلم ينكر أنها مقبوضة، أو أنها التي قبضها منه، فيعتبر قول المنكر بيمينه.\rوفي الاستحسان: القول قول المسلم إليه مع يمينه، وعلى رب السلم البينة أنه أعطاه الجياد؛ لأن رب السلم بإنكاره أنها ليست من دراهمه يدعي إيفاء حقه، وهو الجياد، والمسلم إليه بدعواه أن هذه الدراهم زيوف ينكر قبض حقه، فيكون القول قوله مع يمينه أنه لم يقبض حقه وعلى المدعي البينة أنه أوفاه حقه.\rوهذا هو مقتضى القياس في الحالات الأربع الأولى، إلا أنه هناك سبق منه ما يناقض دعواه: وهو الإقرار بالجياد، وههنا لم يسبق منه شيء مناقض؛ لأن ذكر قبض الدراهم يقع على الزيوف، والجياد بخلاف الحالات الأولى.\r3 - وإذا قال المسلم إليه: (قبضت) لا غير، ثم قال: (وجدته زيافاً) يكون القول قوله، كما تقرر في الحالة السابقة.\rإلا أن ههنا إذا قال: ( وجده ستوقة أو رصاصا ً) فإنه يصدق، بخلاف ما إذا قال: ( قبضت الدراهم ) ثم قال: ( وجدتها ستوقة أو رصاصاً ) فإنه لا يقبل قوله، لأن في قوله: ( قبضت ) إقراراً بمطلق القبض والستوقة تقبض، فإذا قال: ( ما قبضته ستوقة ) لا يكون مناقضاً دعواه، وفي قوله: ( قبضت الدراهم ) يصير مناقضاً لقوله: ( قبضت الستوقة والرصاص ) لأنه خلاف جنس الدراهم (1) .\r-------------------------------\r(1) تحفة الفقهاء: 28/2 وما بعدها، وقد نقلنا ذلك منها دون تعديل لإيفائه بالغرض مع بساطة العبارة.","part":5,"page":300},{"id":3146,"text":"............................................2.............................................\r.....................................عقد الاستصناع.......................................\rتمهيد :\rلم يكن الإسلام في ماضيه وحاضره ومستقبله قيداً ثقيلاً على الناس في ممارسة حرياتهم الاقتصادية ومعاملاتهم وعقودهم، وإنما كان دائماً متجاوباً مع مصالح الناس في تشريعه وتجويزه كل ماكان محققاً لحاجاتهم، ومصالحهم المشروعة القائمة على الحق والعدل والتعادل في الأداءات المتقابلة في المبادلات أو المعاوضات، ومظهر هذا التجاوب واضح في أصول الاستنباط ومصادر الاجتهاد، وفي التطبيق الفعلي وواقع الاجتهاد الذي يمارسه المجتهدون في نطاق مايسمى بالفقه: وهو استنباط أحكام الحوادث والقضايا العملية من الأدلة التفصيلية، كلاً على حدة.\rومن أبرز الأمثلة على هذا الاتجاه الواقعي: مشروعية بعض العقود المتكررة في الحياة العملية على سبيل الاستثناء من النصوص أو القواعد العامة، كعقد السلم أو السلف، وعقد الاستصناع، تيسيراً على الناس في تحقيق حوائجهم، وتلبية لمطالبهم المشروعة دون حرج ولا إعنات ولا إرهاق، لأن ( الحاجة تنزل منزلة الضرورة ) و ( المشقة تجلب التيسير ) والإسلام دين اليسر لا العسر.","part":5,"page":301},{"id":3147,"text":"وإذا كان الاستصناع في الماضي وليد الحاجة الخاصة والصناعة اليدوية في مجال الجلود والأحذية والنجارة والأثاث المنزلي، فإنه في عصرنا الحاضر أصبح من العقود المحققة للحاجات العامة والمصالح الكبرى، كبناء السفن في أحواض واسعة، والطائرات والآلات المختلفة في مصانع ضخمة ومعقدة ودقيقة دقة تامة بالغة الأهمية، مما أدى إلى وجود قفزة رائعة لهذا العقد بين العقود التجارية.\rخطة البحث\rيتناول البحث محاور ثلاثة وهي ما يأتي:\rـ المحور الأول :\r1 - تعريف الاستصناع\r2 - معناه، هل هو مواعدة أو بيع؟\r3 - دليل مشروعيته\r4- الشروط التي تلحقه أو تفارقه ومدى تأثيرها في حكمه\r5 - حكمه وصفته\rـ المحور الثاني :\r1 - الاستصناع والسلم\r2 - العلاقة بين العقدين ـ وجه التطابق فيما بين العقدين\r3 - شروط كل من الاستصناع والسلم\rـ المحور الثالث :\r1 - أثر الاستصناع في تنشيط الحركة الصناعية\rالمحور الأوّل\rتعريف الاستصناع :\rالاستصناع في اللغة: طلب الصنعة، والصنعة: عمل الصانع في صنعته أي حرفته، كما جاء في المصباح المنير ومختار الصحاح والقاموس المحيط.\rوهو في اصطلاح الفقهاء: طلب العمل من الصانع في شيء مخصوص على وجه مخصوص (1) . أو هو عقد مع صانع على عمل شيء معين في الذمة (2) ، أي العقد على شراء ما سيصنعه الصانع، وتكون العين أو مادة الصنعة والعمل من الصانع، فإذا كانت العين من المستصنع لا من الصانع، فإن العقد يكون إجارة لا استصناعاً. وبعض الفقهاء يقول: إن المعقود عليه هو العمل فقط، لأن الاستصناع طلب الصنع وهو العمل.\rمثاله: أن يطلب المستصنع (وهو المشتري أو المستأجر) أحد أفراد الناس من الصانع (وهو البائع أو العامل) كنجار وحداد وحذّاء ونحوهم من أصحاب الحرف أو المهن أن يصنع له شيئاً معيناً بأوصاف محددة، كأثاث منزل أو مكتبة أو كراسي أو حلي وغيرها، على ثمن معلوم، إذا جرى فيه التعامل كالقلنسوة والخف والآنية ونحوها عملاً بالعرف (3) .\r-------------------------------\r(1) رد المحتار لابن عابدين: 221/4.\r(2) المجلة: م 124.\r(3) البدائع: 209/5 ومابعدها.","part":5,"page":302},{"id":3148,"text":"وينعقد الاستصناع بالإيجاب والقبول من المستصنع والصانع. ويقال للمشتري: مستصنع، وللبائع: صانع، وللشيء: مصنوع، كاتفاق شخصين على صنع أحذية أو آنية أو ثياب أو أثاث منزلي ونحو ذلك (1) .\rوهو عقد يشبه السلم (بيع آجل بعاجل) لأنه بيع لمعدوم، وأن الشيء المصنوع ملتزم عند العقد في ذمة الصانع البائع، ولكنه يفترق عنه من حيث إنه لا يجب فيه تعجيل الثمن (رأس المال) ولا بيان مدة الصنع والتسليم، ولا كون المصنوع مما يوجد في الأسواق.\rويشبه الإجارة أيضاً، لكنه يفترق عنها من حيث إن الصانع يضع مادة الشيء المصنوع من ماله.\rمعنى الاستصناع: هل هو مواعدة أو بيع؟\rاختلف مشايخ أو فقهاء الحنفية في تخريج الاستصناع، أهو بيع أم وعد بالبيع، أم إجارة، وإذا كان بيعاً، هل المبيع هو العين المصنوعة أو العمل الذي قام به الصانع؟.\rفقال الحاكم الشهيد المروزي والصفَّار ومحمد بن سَلَمة وصاحب المنثور: الاستصناع مواعدة، وإنما ينعقد بيعاً بالتعاطي عند الفراغ من العمل، ولهذا كان للصانع ألا يعمل ولايجبر عليه، بخلاف السلم، وللمستصنع ألا يقبل مايؤتى به، ويرجع عنه، ولاتلزم المعاملة.\rوالصحيح الراجح في المذهب الحنفي: أن الاستصناع بيع للعين المصنوعة لا\r-------------------------------\r(1) البدائع: 2/5، فتح القدير: 355/5، الفتاوى الهندية: 504/4، الدر المختار ورد المحتار: 222/4. عقد البيع للأستاذ مصطفى الزرقاء: ص 122.","part":5,"page":303},{"id":3149,"text":"لعمل الصانع، فهو ليس وعداً ببيع ولا إجارة على العمل، فلو أتى الصانع بمالم يصنعه هو، أو صنعه قبل العقد بحسب الأوصاف المشروطة، جاز ذلك. والدليل أن محمد بن الحسن رحمه الله ذكر في الاستصناع القياس والاستحسان، وهما لا يجريان في المواعدة، ولأنه جوزه فيما فيه تعامل دون ما ليس فيه تعامل، ولوكان مواعدة جاز في الكل، وسماه شراء فقال: إذا رآه المستصنع فهو بالخيار، لأنه اشترى ما لم يره، ولأن الصانع يملك الدراهم بقبضها، ولو كان العقد مواعدة لم يملكها. وإثبات الخيار لكل من العاقدين لا يدل على أنه غير بيع، بدليل أنه في بيع المقايضة لو لم ير كل من العاقدين عين الآخر أي مبيعه، كان لكل منهما الخيار. وثبوت خيار الرؤية للمستصنع من خصائص البيوع، فدل على أن جوازه جواز البياعات، لاجواز العدات. ويترتب على كونه بيعاً أنه يجبر الصانع على عمله، ولا يرجع الآمر المستصنع عنه، ولو كان عدة لما لزم.","part":5,"page":304},{"id":3150,"text":"وقال أبو سعيد البرادعي: المعقود عليه هو العمل أو الصنع، لأن الاستصناع: طلب الصنع، وهو العمل. والراجح في الاجتهاد الحنفي أن المعقود عليه هو العين المستصنعة دون العمل، فلو جاء الصانع بالمطلوب بما يوافق الأوصاف المشروطة ورضي به المستصنع، جاز العقد، سواء أكان من صنعة غيره أم من صنعته قبل العقد، ولو كان المبيع العمل نفسه لما صح ذلك. قال الكاساني: ولو كان شرط العمل من العقد نفسه، لما جاز؛ لأن الشرط يقع على عمل في المستقبل لا في الماضي، والصحيح القول بأن المعقود عليه هو المبيع الذي شرط فيه العمل؛ لأن الاستصناع طلب الصنع، فما لم يشترط فيه العمل، لا يكون استصناعاً، فكان مأخذ الاسم دليلاً عليه، ولأن العقد على مبيع في الذمة يسمى سَلَماً، وهذا العقد يسمى استصناعاً، واختلاف الأسامي دليل اختلاف المعاني في الأصل. وأما إذا أتى الصانع بعين صنعها قبل العقد، ورضي به المستصنع، فإنما جاز لا بالعقد الأول، بل بعقد آخر وهو التعاطي بتراضيهما (1) .\rـ دليل مشروعية الاستصناع :\rيرى فقهاء الحنفية (2) أن مقتضى القياس أو القواعد العامة ألا يجوز الاستصناع، لأنه بيع\r-------------------------------\r(1) فتح القدير مع العناية: 355/5، البدائع: 2/5، 209، الدر المختار ورد المحتار، 222/4 ومابعدها.\r(2) المبسوط 138/12 ومابعدها، البدائع2/5، 209، فتح القدير: 255/5.","part":5,"page":305},{"id":3151,"text":"المعدوم كالسَّلَم، وبيع المعدوم لا يجوز، لنهي النبي صلّى الله عليه وسلم عن بيع ماليس عند الإنسان، فلا يصح بيعاً؛ لأنه بيع معدوم، ولا يمكن جعله إجارة، لأنه استئجار على العمل في ملك الأجير، وذلك لايجوز، كما لو قال رجل لآخر: احمل طعامك من هذا المكان إلى مكان كذا، بكذا، أو اصبغ ثوبك أحمر بكذا، لا يصح. وهذا قول زفر ومالك والشافعي وأحمد، لكن يصح الاستصناع عندهم على أساس عقد السلم، ويشترط فيه ما يشترط في السلم، ومن أهم شروطه: تسليم جميع الثمن في مجلس العقد، ولا مانع عند المالكية من تأجيله إلى يوم أو يومين، وذكروا أيضاً أنه يجب تحديد أجل لتسليم الشيء المصنوع كالسلم، وإلا فسد العقد، ويشترط أيضاً عندهم ألا يعين العامل الصانع، ولا الشيء المعمول المصنوع، كما تشترط بقية شروط السلم، وبناء عليه يفسد عقد الاستصناع ويفسخ في صور ثلاث: هي ألا يحدد وقت لتسليم الشيء المصنوع، وأن يعين العامل، أو يعين المعمول؛ لأنه يصبح حينئذ معيناً، لا في الذمة، وشرط صحة السلم ومثله الاستصناع: كون المسلم فيه ديناً في الذمة (1) .\r-------------------------------\r(1) مواهب الجليل للحطاب 539/4 ومابعدها، الشرح الكبير: 217/3، الشرح الصغير: 287/3 ومابعدها.","part":5,"page":306},{"id":3152,"text":"ويصح عند الشافعية حينئذ، سواء حدد فيه الأجل لتسليم الشيء المصنوع أم لا، بأن كان سلماً حالاًّ، والسلم الحالّ جائز عندهم (1) .\rوذهب الحنفية إلى أنه يجوز الاستصناع استحساناً، لتعامل الناس وتعارفهم عليه في سائر الأعصار من غير نكير، فكان إجماعاً من غير إنكار من أحد، والتعامل بهذه الصفة أصل مندرج في قوله صلّى الله عليه وسلم ، «لا تجتمع أمتي على ضلالة» (2) . وقال ابن مسعود: «ما رآه المسلمون حسناً، فهو عند الله حسن» (3) .\rوقد استصنع رسول الله صلّى الله عليه وسلم خاتماً، واحتجم صلّى الله عليه وسلم وأعطى الحجام أجره، مع أن مقدار عمل الحجامة وعدد مرات وضع المحاجم ومصها غير لازم عند أحد، ومثله شرب الماء من السقاء، وسمع صلّى الله عليه وسلم بوجود الحمام فأباحه بمئزر، ولم يبين له شرطاً، وتعامل الناس بدخوله من لدن الصحابة والتابعين على هذا الوجه المعمول به الآن، وهو ألا يذكر مقدار الماء المستهلك ولا مدة المكث في الحمام، والمعدوم قد يعتبر موجوداً حكماً (4) .\rالشروط التي تلحقه أو تفارقه ومدى تأثيرها في حكمه :\rاشترط الحنفية لجواز الاستصناع شروطاً ثلاثة إذا فاتت أو فات واحد منها\r-------------------------------\r(1) الأشباه والنظائر للسيوطي: ص 89، العرف والعادة للأستاذ الشيخ أحمد فهمي أبي سنة: ص 131 ومابعدها.\r(2) رواه أحمد في مسنده والطبراني في الكبير وابن أبي خيثمة عن أبي بصرة الغفاري مرفوعاً بلفظ «سألت ربي ألا تجتمع أمتي على ضلالة فأعطانيها» ورواه ابن ماجه عن أنس مرفوعاً بلفظ «إن أمتي لاتجتمع على ضلالة » وله روايات كثيرة ( مجمع الزوائد: 177/1، 218/5، المقاصد الحسنة للسخاوي: ص460 ).\r(3) حديث موقوف على ابن مسعود، وله طرق، رواه أحمد والبزار والطبراني في الكبير ورجاله ثقات، ورواه أيضاً أبو داود والبيهقي، ورواه كذلك ابن عباس (نصب الراية: 133/4، مجمع الزوائد 177/4، المقاصد الحسنة: ص 367).\r(4) المبسوط للسرخسي: 138/12 ومابعدها، البدائع: 2/5، 209، فتح القدير: 355/5.","part":5,"page":307},{"id":3153,"text":"فسد العقد، وكان له حكم البيع الفاسد الذي ينقل الملكية بالقبض ملكاً خبيثاً لايجيز الانتفاع به ولا الاستعمال، ويجب إزالة سبب الفساد احتراماً لنظام الشرع، وهذه الشروط هي مايلي (1) :\r1 - بيان جنس المصنوع ونوعه وقدره وصفته: لأنه مبيع، فلابد من أن يكون معلوماً، والعلم يحصل بذلك، فإذا كان أحد هذه العناصر مجهولاً، فسد العقد؛ لأن الجهالة المفضية للمنازعة تفسد العقد، وبناء عليه، إذا استصنع شخص إناء أو سيارة ، بيّن في الإناء نوع المعدن وجنسه ومقاسه وحجمه وأوصافه وعدد الآنية المطلوبةإذا كانت متعددة، فإذا أخفى ذلك كله أو شيئاً منه، فسد العقد للجهالة. وكذلك في صنع السيارة تبين جميع المواصفات المطلوبة، منعاً من الجهالة والنزاع المنتظر عند تعارض المصنوع مع ما قد يترقبه المستصنع.\r2 - أن يكون المصنوع مما يجري فيه تعامل الناس كالمصوغات والأحذية والأواني وأمتعة الدواب ووسائل النقل الأخرى، فلا يجوز الاستصناع في الثياب أو في سلعة لم يجر العرف باستصناعها كالدبس (مايخرج من العنب) لعدم تعامل الناس به، ويجوز ذلك على أساس عقد السَّلَم إذا استوفى شروط السَّلَم، فإذا توافرت فيه فسد استصناعاً وصح سلماً؛ لأن العبرة في العقود للمقاصد والمعاني، لا للألفاظ والمباني. ويصح السلم في غير المثلي كالثياب والبسط والحصر ونحوها، ويصح في عصرنا الحاضر الاستصناع في الثياب لجريان التعامل فيه، والتعامل يختلف بحسب الأزمنة والأمكنة.\r3 - ألا يذكر فيه أجل محدد: فإذا ذكر المتعاقدان أجلاً معيناً لتسليم\r-------------------------------\r(1) المبسوط: 139/12، البدائع: 3/5، 209ومابعدها، فتح القدير: 355/5، الدر المختار ورد المحتار 222/4 ومابعدها.","part":5,"page":308},{"id":3154,"text":"المصنوع، فسد العقد وانقلب سَلَماً عند أبي حنيفة، فتشترط فيه حينئذ شروط السلم، مثل قبض جميع الثمن في مجلس العقد، وأنه لا خيار لأحد العاقدين إذا سلم الصانع المصنوع على الوجه الذي شرط عليه في العقد. ودليله أن العاقد إذا حدد أجلاً فقد أتى بمعنى السلم، والعبرة في العقود لمعانيها، لا لصور الألفاظ. ولهذا إذا حدد أجل فيما لا يجوز الاستصناع فيه، كأن يستصنع حائكاً للنسج بغزل نفسه أو خيَّاطاً للخياطة بقماش من عنده، انقلب العقد سلماً.\rوالمراد بالأجل: شهر فما فوقه، فإن كان أقل من شهر، كان استصناعاً إن جرى فيه تعامل، أو كان القصد من الأجل الاستعجال بلا إمهال، كأن قال: على أن تفرغ منه غداً أو بعد غد، فإن قصد من الأجل الاستمهال والتأجيل، لم يصح استصناعاً، ولا يصح سلماً إذا كان الأجل دون شهر.\rوالخلاصة: أن المؤجل بشهر فأكثر سلم، والمؤجل بدونه إن لم يجر فيه تعامل فهو استصناع إلا إذا ذكر الأجل للاستعجال فصحيح.\rوقال الصاحبان: ليس هذا بشرط، والعقد استصناع على كل حال، حدد فيه أجل أو لم يحدد؛ لأن العادة جارية بتحديد الأجل في الاستصناع، فيكون شرطاً صحيحاً لذلك. وهذا القول هو المتفق مع ظروف الحياة العملية، وحاجات الناس، فيكون هو الأولى بالأخذ به.\rنصت المادة (389) من المجلة على ما يلي: «كل شيء تعومل استصناعه، يصح فيه الاستصناع على الإطلاق، وأما ما لم يتعامل باستصناعه إذا بين فيه المدة، صار سَلَماً، وتعتبر فيه حينئذ شروط السَّلَم، وإذا لم يبين فيه المدة، كان من قبيل الاستصناع أيضاً» . وإذا حدد ت مدة لتقديم المصنوع، فانقضت دون أن يفرغ الصانع منه ويسلّمه، فالظاهر أن يتخير المستصنع بين الانتظار والفسخ، كما هو المقرر في عقد السلم (1) .\r-------------------------------\r(1) عقد البيع للأستاذ مصطفى الزرقاء: ص 123 ف 145.","part":5,"page":309},{"id":3155,"text":"الشروط اللاحقة :\rاتفق الحنفية على أن الشرط اللاحق للعقد مثل الشرط الداخل في العقد عند تكوينه في الحكم، إن كان شرطاً صحيحاً، فإن كان شرطاً فاسداً التحق بالعقد وأفسده كالشرط الداخل في العقد تماماً في رأي أبي حنيفة. وقال الصاحبان: لايلتحق الشرط الفاسد بالعقد، بل يبقى العقد صحيحاً، ويلغو الشرط، حرصاً على سلامة العقد الذي وجد.\rحكم الاستصناع وصفته :\rحكم الاستصناع هنا: هو الأثر المترتب عليه، وللاستصناع الأحكام التالية (1) :\r1 - حكم الاستصناع بمعنى الأثر النوعي أو الجوهري المترتب عليه: هو ثبوت الملك للمستصنع في العين المصنوعة في الذمة، وثبوت الملك للصانع في البدل المتفق عليه.\r2 - صفة هذا الحكم أو صفة عقد الاستصناع:أنه عقد غير لازم قبل الصنع، وبعد الفراغ من الصنع، في حق الصانع والمستصنع معاً، فيكون لكل من العاقدين الخيار في إمضاء العقد أو فسخه والعدول عنه قبل رؤية المستصنع الشيء المصنوع، فلو باع الصانع الشيء المصنوع قبل أن يراه المستصنع، جاز؛ لأن العقد غير لازم، والمعقود عليه ليس هو عين المصنوع وإنما مثله في الذمة.\r3 - إذا جاء الصانع بالشيء المصنوع إلى المستصنع سقط خياره؛ لأنه رضي بكونه للمستصنع، حيث جاء به إليه، فيكون حكم الاستصناع في حق الصانع ثبوت الملك اللازم إذا رآه المستصنع، ورضي به، ولا خيار له، وهذا في ظاهر الرواية.\rوأما المستصنع فحكم العقد بالنسبة إليه إذا أتى الصانع بالمصنوع على الصفة المشروطة: هو ثبوت الملك غير لازم في حقه، فإذا رآه فله الخيار: إن شاء أخذه، وإن شاء تركه، وفسخ العقد عند أبي حنيفة ومحمد، لأنه اشترى شيئاً لم يره، فكان له خيار الرؤية، بخلاف الصانع فهو بائع ما لم يره، فلا خيار له.\r-------------------------------\r(1) المبسوط: 139/12، فتح القدير: 356/5، البدائع: 3/5، 210، رد المحتار على الدر المختار لابن عابدين: 223/4.","part":5,"page":310},{"id":3156,"text":"وقال أبو يوسف: العقد لازم إذا رأى المستصنع الشيء المصنوع ولا خيار له، إذا جاء موافقاً للصفة أو الطلب والشروط، لأنه مبيع بمنزلة المسلم فيه، فليس له خيار الرؤية، لدفع الضرر عن الصانع في إفساد المواد المصنوعة التي صنعها وفقاً لطلب المستصنع، وربما لا يرغب غيره في شرائه على تلك الصفة. ونوقش هذا الرأي بأن ضرر المستصنع بإبطال الخيار له أكثر من ضرر الصانع، إذ لا يتعذر على الصانع بيع المصنوع على أية حال، لأنه إذا لم يرض به المستصنع، يبيعه من غيره بمثل قيمته، وذلك ميسر عليه لكثرة ممارسته. ويجاب عنه بأن احتمال البيع الجديد مجرد أمل، ويغلب الضرر بالصانع، فيجب القول بلزوم البيع دفعاً للضرر عنه.\rلذا أخذت المجلة برأي أبي يوسف، فقررت في المادة (392): أن عقد الاستصناع ينعقد لازماً، فليس لأحد الطرفين الرجوع، ولو قبل الصنع، إلا أنه إذا جاء المصنوع مغايراً للأوصاف المشروطة، يتخير المستصنع بفوات الوصف (1) .\rوفي تقديري أن هذا الرأي الذي أخذت به المجلة سديد جداً، منعاً من وقوع المنازعات بين المتعاقدين، ودفعاً للضرر عن الصانع، إذ إن أغراض الناس تختلف باختلاف الشيء المصنوع حجماً ونوعاً وكيفية، ولأن هذا الرأي يتفق مع مبدأ القوة الملزمة للعقود بصفة عامة في الشريعة، ويتناسب مع الظروف الحديثة التي يتفق فيها على صناعة أشياء خطيرة وغالية الثمن كالسفن والطائرات، فلا يعقل والحالة هذه أن يكون عقد الاستصناع فيها غير لازم.\r4 - لا يتعلق حق المستصنع في الشيء المصنوع إلا بعرضه عليه من قِبَل الصانع، وعلى هذا فإن للصانع أن يبيع المصنوع من غير المستصنع قبل عرضه عليه، كما تقدم بيانه.\r-------------------------------\r(1) نص المادة المذكورة هو: «إذا انعقد الاستصناع فليس لأحد العاقدين الرجوع، وإذا لم يكن المصنوع على الأوصاف المطلوبة المبينة، كان المستصنع مخيّراً.","part":5,"page":311},{"id":3157,"text":"المحور الثّاني\rالاستصناع والسّلم :\rالاستصناع كما عرفناه: عقد مع ذي صنعة على عمل شيء معين وتكون مادة الصنع من الصانع، كاستصناع أحذية أو آنية بشرط وصف المصنوع في العقد بما يزيل الجهالة.\rوالسلم أو السلف: بيع آجل بعاجل، أو بيع شيء موصوف في الذمة، أي إنه يتقدم فيه رأس المال، ويتأخر المبيع (المثمن) لأجل، أوهو أن يسلم عوضاً حاضراً في عوض موصوف في الذمة إلى أجل، كأن يشتري تاجر من فلاح أو مزارع عشرة أطنان حنطة من ولاية كذا أو محافظة كذا تسلّم عند الحصاد بمبلغ معين من المال يدفع كله نقداً في مجلس العقد، ويتأجل تسليم المبيع غير الموجود عند العقد إلى وقت معين في المستقبل.\rالعلاقة بين العقدين ـ وجه التطابق فيما بين العقدين :\rيشترك الاستصناع والسلم في أن كلاً منهما بيع لشيء معدوم، أجيز للحاجة إليه، وتعامل الناس به، إلا أن الباعث على عقد السَّلَم شدة حاجة البائع إلى نقود ينفقها على نفسه وأهله أوعلى إنتاجه الزراعي، وهو لا يملك ذلك آنياً، لذا سمي (بيع المفاليس) وأما الاستصناع فهو عقد تجاري يحقق الربح للبائع الصانع، ويلبي حاجة المستصنع، فيكون الباعث الدافع عليه حاجة المستصنع. وهناك فروق بين العقدين أوجزها فيما يلي:\rأولاً ـ أن المبيع في السلم دين (هو ما يثبت في الذمة) تحتمله الذمة، فهو إما مكيل أو موزون أو مذروع أو عددي متقارب كالجوز والبيض، أما المبيع في الاستصناع فهو عين (أي ما يتعين بالتعيين أو الشيء المعين المشخّص بذاته أو هي المال الحاضر) لا دين، كاستصناع أثاث (مفروشات منزلية) أو حذاء، أو إناء.\rثانياً ـ يشترط في السلم وجود أجل، فهو لا يصح عند الجمهور (غير الشافعية) إلا لأجل كشهر فما فوقه، على عكس الاستصناع في اجتهاد أبي حنيفة رحمه الله ، فإن حدد فيه أجل انقلب سلماً، ولا خيار شرط في السلم، وقال الصاحبان: يصح الاستصناع لأجل أو لغير أجل، لأن عرف الناس تحديد الأجل فيه، كما تقدم. وأجاز الشافعية السلم الحال، خلافاً لغيرهم.","part":5,"page":312},{"id":3158,"text":"ثالثاً ـ عقد السلم لازم لا يجوز فسخه بإرادة أحد العاقدين، وإنما بتراضيهما واتفاقهما معاً على الفسخ، وأما الاستصناع فقد عرفنا أنه عقد غير لازم يجوز لأي طرف من العاقدين فسخه في ظاهر الرواية، ويسقط خيار الصانع إذا أحضره على الصفة المشروطة، وللمستصنع الخيار.\rرابعاً ـ يشترط في عقد السلم قبض رأس مال السلم كله في مجلس العقد، ولا يشترط قبضه في الاستصناع، ويكتفي الناس عادة بدفع عربون أو جزء من الثمن كالنصف أو الثلث مثلاً، عملاً بمذهب الحنابلة، ويعد هذا الفرق من الناحية العملية أهم الفروق.\rشروط كل من الاستصناع والسلم :\rلابد في كل من العقدين من العلم بالثمن جنساً ونوعاً وقدراً وصفة، وإلا كان العقد فاسداً بسبب الجهالة، وينفرد السلم عند الجمهور باشتراط تعجيل رأس المال (الثمن) وقبضه فعلاً في مجلس العقد قبل افتراق العاقدين أنفسهما، وأجاز الإمام مالك تأخير قبض رأس المال إلى ثلاثة أيام فأقل؛ لأن ذلك التأخير لهذه المدة القريبة في حكم المعجل، لأن ما قارب الشيء يعطى حكمه. ولا يشترط في عقد الاستصناع تعجيل رأس المال أو الثمن، وإنما يدفع عادة عند التعاقد ولو في غير مجلس العقد جزء من الثمن، ويؤخر الباقي لحين تسليم الشيء المصنوع.\rأما المعقود عليه (المبيع المسلم فيه في عقد السلم، والمصنوع في عقد الاستصناع) فلا بد في كلا العقدين من العلم بجنسه ونوعه وقدره وصفته؛ لأن كلاً منهما مبيع، والمبيع يشترط كونه معلوماً غير مجهول.\rولا يجوز اشتمال كلا العقدين على الربا، كأن اتحد الثمن والمبيع في الجنس كبُر ببر، أو شعير بشعير طبيعي أو مصنَّع ( مجروش مثلاً ) مع التفاضل في ربا الفضل، أو نسيئة مؤجلاً من غير تفاضل مع تأخير التقابض في الأموال الربوية (الأصناف الستة المعروفة في الحديث النبوي وما في معناها) (1) .\r-------------------------------\r(1) وهي الذهب والفضة والبر والشعير والتمر والملح.","part":5,"page":313},{"id":3159,"text":"ولا يثبت خيار الشرط في السلم، وإنما لا بد من أن يكون العقد باتاً لا خيار فيه، أما الاستصناع فهو عقد غير لازم يثبت الخيار فيه قبل العمل أو الصنع، وكذا عند أبي حنيفة ومحمد بعد الفراغ من الصنع، وذهب أبو يوسف إلى لزوم العقد بعد الصنع والرضا به كما تقدم.\rأما خيار الرؤية وخيار العيب فيثبت كل منهما في رأس مال السلم إذا كان عيناً قيمية أو مثلية، وأما في المسلم فيه فلا يثبت خيار الرؤية فيه باتفاق الحنفية حتى لا يعود ديناً كما كان، ويصح ثبوت خيار العيب في المسلم فيه؛ لأنه لا يمنع تمام القبض الذي تتم به الصفقة.\rولا بد في كلا العقدين من بيان مكان الإيفاء إذا كان للمبيع كلفة ومؤونة في رأي أبي حنيفة، ويتعين مكان العقد مكاناً للإيفاء في رأي الصاحبين.\rويشترط في عقد السلم عند الحنفية كون جنس المسلم فيه (المبيع) موجوداً في الأسواق بنوعه وصفته من وقت العقد إلى وقت حلول أجل التسليم ولايتوهم انقطاعه عن أيدي الناس، كالحبوب، ولا يشترط ذلك في عقد الاستصناع. ولم يشترط باقي المذاهب أو الجمهور هذا الشرط في السلم، ويكفي وجود جنس المسلم فيه عند حلول أجل التسليم.\rويشترط الحنفية والشافعية والحنابلة إمكان ضبط المسلم فيه بالصفات بأن يكون من المثليات (المكيلات أو الموزونات أو الذرعيات أو العدديات المتقاربة) كالأقمشة والمعادن والرياحين اليابسة والجذوع إذا بيَّن طولاً وعرضاً وغلظاً، ولا يصح السلم فيما لا يمكن ضبطه بالوصف كالدور والعقارات والجواهر واللآلئ والجلود والخشب، لتفاوت آحادها تفاوتاً فاحشاً في المالية، أما الاستصناع فيصح في الأمرين إذا تعامل الناس به. وصحح المالكية السلم فيما ينضبط ومالا ينضبط بالوصف. وأجاز الحنفية استحساناً السلم في بعض الأشياء غير المثلية أيضاً كالثياب والبسط والحصر ونحوهما كما تقدم.","part":5,"page":314},{"id":3160,"text":"ولا بأس بالسلم في اللبن والآجر إذا اشترط فيه المشتري (رب السلم) مَلْبناً معلوماً، لأنه إذا سمي المَلْبن، صار التفاوت بين لبن ولبن يسيراً، فيكون ساقط الاعتبار، فيلحق بالعددي المتقارب. ويصح السلم فيما جرى به التعامل أو لم يجر فيه التعامل، أما الاستصناع فضابطه أنه يصح في كل ما يجري فيه التعامل فقط، ولا يجوز فيما لا تعامل لهم فيه، كما إذا أمر حائكاً أن يحوك له ثوباً بغزل نفسه، ونحو ذلك مما لم تجر عادات الناس بالتعامل فيه؛ لأن جوازه، مع أن القياس يأباه ثبت بتعامل الناس، فيختص بما لهم فيه تعامل، ويبقى الأمر فيما وراء ذلك متروكاً إلى القياس، لكن جرى التعامل في عصرنا باستصناع الثياب، فيكون جائزاً؛ لأن جريان التعامل يختلف باختلاف البلدان والأزمنة.\rالمحور الثّالث\rأثر الاستصناع في تنشيط الحركة الصّناعية :\rلقد أدى الاستصناع في الماضي دوراً مهماً في الحياة العملية، فأفاد الصانع الذي قدَّم في صنعته خبرة معينة ومهارة فائقة، وأضفى على مادة الصنعة التي يقدمها من نفسه فنا خاصاً وإبداعاً جديداً، واستطاع بذلك إدخال تطوير وتعديل على صنعته، وأفاد المستصنع الذي استطاع من خلال الاستصناع الحصول على ما يرغب فيه وإرضاء ذوقه وتحقيق مصلحته على وفق المقاييس المناسبة له والفنون التي يتصورها ويتأمل توافرها لديه.\rثم انتشر الاستصناع انتشاراً واسعاً في العصر الحديث، فلم يعد مقصوراً على صناعة الأحذية والجلود والنجارة والمعادن والأثاث المنزلي من مفروشات وغيرها من الخزائن والمقاعد والمساند والصناديق، وإنما شمل صناعات متطورة ومهمة جداً في الحياة المعاصرة كالطائرات والسفن والسيارات والقطارات وغيرها، مما أدى إلى تنشيط الحركة الصناعية ونمو حركة المصانع والمعامل اليدوية والآلية، وقد أسهم كل ذلك بنحو واضح في رفاه الأفراد والمجتمعات وتوفير حاجات الدول ومصالحها.","part":5,"page":315},{"id":3161,"text":"ولم يقتصر الأمر على الصناعات المختلفة ما دام يمكن ضبطها بالمقاييس والمواصفات المتنوعة، وإنما يشمل أيضاً إقامة المباني وتوفير المساكن المرغوبة، وقد ساعد كل ذلك في التغلب على أزمة المساكن. ومن أبرز الأمثلة والتطبيقات لعقد الاستصناع بيع الدور والمنازل والبيوت السكنية على الخريطة ضمن أوصاف محددة، فإن بيع هذه الأشياء في الواقع القائم لا يمكن تسويغه إلا على أساس الوعد الملزم بالبيع أو على عقد الاستصناع، ويعد العقد صحيحاً إذا صدرت رخصة البناء، ووضعت الخريطة، وذكرت في شروط العقد مواصفات البناء، بحيث لا تبقى جهالة مفضية إلى النزاع والخلاف، وقد أصبح من السهل ضبط الأوصاف، ومعرفة المقادير، وبيان نوع البناء، سواء بيع البناء على الهيكل، أم مكسياً كامل الكسوة، مع الاتفاق على شروط الكسوة، وأوصافها، من النوع الجيد أو الوسط أو العادي. ويتم تسديد الثمن عادة على أقساط ذات مواعيد محددة، وتحتسب الأقساط جزءاً من الثمن، فلا زكاة فيها إلا إذا فسخ العقد. أما مدة التسليم فيكون ذكرها عادة على سبيل الاستعجال والتقريب الزمني والحث على الإنجاز في وقت معقول، لأن المتعاقدين يقدران تماماً مدى المشكلات والعوائق التي تعترض التنفيذ في وقت محدد. ويصعب تصحيح هذا العقد على أساس عقد السلم؛ لأن الثمن يشترط دفعه كله عند العقد. ثم إن الدولة تعترف عادة بأن البيع على الخريطة بيع صحيح لازم.\rوأما في مجال المقاولات التي يتم فيها عادة الاتفاق على مدة التسليم والإلزام بغرامات معينة عند التأخير، فهوأي التغريم جائز أيضاً وداخل تحت مفهوم ما يسمى قانوناً بالشرط الجزائي، وقد أقره القاضي شريح، وأيده قرار هيئة كبار العلماء في السعودية سنة 1394 هـ، قال شريح: «من شرط على نفسه طائعاً غير مكره، فهو عليه» (1) .\r-------------------------------\r(1) أعلام الموقعين 400/3، ط محي الدين عبد الحميد.","part":5,"page":316},{"id":3162,"text":".............................................3........................................\r.......................................عقد الصرف....................................\rتعريف الصرف :\rالصرف لغة: الزيادة، ومنه سميت العبادة النافلة صرفاً، قال صلّى الله عليه وسلم : «من انتمى إلى غير أبيه لا يقبل الله منه صرفاً ولا عدلاً» (1) أي لا نفلاً ولا فرضاً.\rوشرعاً: هو بيع النقد بالنقد جنساً بجنس أو بغير جنس: أي بيع الذهب بالذهب، أو الفضة\rبالفضة أو الذهب بالفضة، مصوغاً أو نقداً (2) .\r-------------------------------\r(1) وقال صاحب القاموس: الصرف في الحديث: التوبة، والعدل: الفدية. وهذا الحديث رواه الطبراني عن عمرو بن عوف، قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: « من تولى غير مواليه فعليه لعنة الله وغضبه يوم القيامة، لايقبل الله منه صرفاً ولا عدلاً ومن أحدث حدثاً أو آوى محدثاً فعليه لعنة الله وغضبه يوم القيامة، لاقبل الله منه صرفاً ولا عدلاً» قال الهيثمي: وفيه كثير بن عبد الله، والجمهور على تضعيفه، وقد حسن له الترمذي حديثاً ( انظر مجمع الزوائد: 285/6 ) ورواه الطبراني أيضاً عن خارجة بن عمرو الجمحي بلفظ « من ادعى إلى غير أبيه أو تولى غير مواليه فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لايقبل الله منه صرفاً ولا عدلاً يوم القيامة » وفيه عبد الملك بن قدامة الجمحي وثقة ابن معين، وضعفه الناس ( مجمع الزوائد: 214/4 ) وراجع خطبة حجة الوداع. وقد ورد في معناه أحاديث كثيرة منها: مارواه أبو داود عن أنس أن النبي صلّى الله عليه وسلم قال: « من ادعى إلى غير أبيه أو انتمى إلى غير مواليه فعليه لعنة الله المتتابعة إلى يوم القيامة » ( راجع فيض القدير شرح الجامع الصغير: 46/6، مجمع الزوائد: 97/1 ) وروى البخاري في صحيحه (50/3) عن علي أن النبي صلّى الله عليه وسلم: قال: « من تولى قوماً بغير إذن مواليه فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لايقبل منه صرف ولا عدل » والعدل: الفداء.\r(2) فتح القدير مع العناية: 284/5، 368، البدائع: 215/5، رد المحتار: 244/4. وعرفه الحنابلة والشافعية بقولهم: هو بيع النقد بالنقد من جنسه وغيره ( مغني المحتاج: 25/3، غاية المنتهى: 59/2) وفرق المالكية بين الصرف والمراطلة، فقالوا: الصرف: هو بيع النقد بنقد مغاير لنوعه، وأما المراطلة: فهي بيع النقد بنقد من نوعه ( حاشية الدسوقي: 2/3 ). وهو جائز؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلم أجاز بيع الأموال الربوية ببعضها عند اتحاد الجنس مع المماثلة ، أو عند اختلاف الجنس، ولو مع التفاضل، بأن كان يداً بيد.","part":5,"page":317},{"id":3163,"text":"وشرائطه إجمالاً أربعة: التقابض قبل افتراق المتعاقدين، والتماثل، وألا يكون فيه خيار ولا تأجيل.\r1 - التقابض قبل الافتراق بالأبدان بين المتعاقدين: يشترط في عقد الصرف قبض البدلين جميعاً قبل مفارقة أحد المتصارفين للآخر افتراقاً بالأبدان، منعاً من الوقوع في ربا النسيئة، ولقوله صلّى الله عليه وسلم : «الذهب بالذهب مثلاً بمثل، يداً بيد، والفضة بالفضة مثلاً بمثل، يداً بيد» (1) وقوله صلّى الله عليه وسلم : «لا تبيعوا منهما غائباً بناجز» (2) فإن افترق المتعاقدان قبل قبض العوضين أو أحدهما، فسد العقد عند الحنفية وبطل عند غيرهم لفوات شرط القبض، ولئلا يصير العقد بيعاً للكالئ بالكالئ أي الدين بالدين فيحصل الربا: وهو الفضل في أحد العوضين (3) ، والتقابض شرط سواء اتحد الجنس أو اختلف.\r-------------------------------\r(1) رواه الجماعة إلا البخاري من حديث عبادة بن الصامت أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم قال: « الذهب بالذهب والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح مثلاً بمثل، سواءً بسواء، يداً بيد، وإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يداً بيد » ( راجع نصب الراية: 4/4) .\r(2) لهذا اللفظ رواية عند مالك في الموطأ عن عمر رضي الله قال: « لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلاً بمثل، ولا تبيعوا الورِق بالذهب أحدهما غائب والآخر ناجز » وورد نص الحديث عند أحمد والشيخين عن أبي سعيد الخدري بلفظ « لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلاً بمثل ولا تُشفّوا ( أي لاتفضلوا ) بعضها على بعض، ولاتبيعوا الوَرِق بالورِق إلا مثلاً بمثل، ولا تُشِفُّوا بعضها على بعض، ولا تبيعوا منهما غائباً بناجز » ( راجع نصب الراية: 56/4، نيل الأوطار: 190/5 ).\r(3) المراجع السابقة، فتح القدير: 5 ص 369 -371 .","part":5,"page":318},{"id":3164,"text":"تفسير الافتراق بالأبدان: هو أن يفترق العاقدان بأبدانهما عن مجلس العقد، فيتجه هذا في جهة، وهذا في جهة، أو يذهب أحدهما ويبقى الآخر. فإن بقيا في مجلسهما لم يبرحا عنه، لم يحصل الافتراق وإن طال مجلسهما لانعدام التفرق بالأبدان، كذلك لا يحصل التفرق إن ناما في المجلس أو أغمي عليهما أو قاما عن المجلس فذهبا معاً في جهة واحدة وطريق واحدة ومشيا ميلاً أو أكثر ولم يفارق أحدهما صاحبه، فلا يعتبران مفترقين؛ لأن العبرة لتفرق الأبدان ولم يوجد ذلك (1) .\r2 - التماثل عند اتحاد الجنس: إذا بيع الجنس بالجنس كفضة بفضة، أو ذهب بذهب، فلا يجوز إلا مثلاً بمثل وزناً، وإن اختلفا في الجودة والصياغة بأن يكون أحدهما أجود من الآخر أو أحسن صياغة (2) لقوله صلّى الله عليه وسلم في الحديث السابق: «الذهب بالذهب مثلاً بمثل» أي يباع الذهب بالذهب مثلاً بمثل في القدر، لا في الصفة، للقاعدة الشرعية: «جيدها ورديئها سواء» (3) .\r-------------------------------\r(1) البدائع: 215/5.\r(2) المراجع السابقة، فتح القدير: ص 369، البدائع: ص 216، رد المحتار: ص 245.\r(3) قال الزيلعي عن هذا الحديث: غريب ومعناه يؤخذ من إطلاق حديث أبي سعيد الخدري الذي أخرجه مسلم قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم : «الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، مثلاً بمثل، يداً بيد فمن زاد أو استزاد فقد أربى، الآخذ والمعطي فيه سواء» (راجع نصب الراية: 36/4).","part":5,"page":319},{"id":3165,"text":"3 - أن يكون العقد باتاً أو ألا يكون فيه خيار شرط: لا يجوز في عقد الصرف اشتراط الخيار لكل من المتعاقدين أو لأحدهما؛ لأن القبض في هذا العقد شرط. وخيار الشرط يمنع ثبوت الملك أو تمامه على الخلاف الذي ذكر في مبحثه، والخيار يخل بالقبض المشروط: وهو القبض الذي يحصل به التعيين، فلو شرط هذا الخيار فسد العقد. ولو أسقط صاحب الخيار خياره في المجلس، ثم افترق المتعاقدان عن تقابض، ينقلب العقد إلى الجواز، خلافاً لزفر، فإذا بقي حتى افترقا تقرر الفساد.\rهذا بخلاف خيار الرؤية والعيب، فإن كلاً منهما لا يمنع ثبوت الملك في المبيع، فلا يمنع تمام القبض، فلو افترق العاقدان، وفي الصرف خيار عيب أو رؤية جاز، إلا أنه لا يتصور في بيع النقد وسائر الديون خيار رؤية؛ لأن العقد ينعقد على مثلها، لاعينها (1) .\r4 - التنجيز في العقد أو ألا يكون فيه أجل: يشترط أن يكون عقد الصرف خالياً عن الأجل لكل من المتعاقدين أو لأحدهما، وإلا فسد الصرف؛ لأن قبض البدلين مستحق قبل الافتراق، كما عرفنا، والأجل يؤخر القبض، فيفسد العقد، فإن أبطل صاحب الأجل أجله قبل الافتراق، ونفذ ما عليه، ثم افترقا عن تقابض، ينقلب العقد جائزاً خلافاً لزفر (2) .\r-------------------------------\r(1) مختصر الطحاوي: ص 75، فتح القدير: 367/5، البدائع: 219/5، الدر المختار: 246/4.\r(2) المراجع السابقة.","part":5,"page":320},{"id":3166,"text":"ويلاحظ أن الشرطين الأخيرين متفرعان عن شرط القبض الواجب في بدلي الصرف بناء على ما يشترط في مبادلة الأموال الربوية. ولم يجز المالكية وغيرهم الوكالة في قبض بدل الصرف ولا الإحالة على المشهور لأجل التأخير، إذا كان قبض الوكيل أو المحال في غيبة الموكل والمحيل على الراجح (1) . والدليل على اشتراط عدم التأجيل: أحاديث الربا المتقدمة التي توجب التقابض يداً بيد في بدلي الأموال الربوية. وحديث أبي المنهال عند الشيخين: « ما كان يداً بيد فلابأس به، وما كان نسيئه فهو ربا » .\rما يترتب على اشتراط قبض البدلين في مجلس عقد الصرف قبل الافتراق :\rإذا كان لا بد من قبض عوضي الصرف قبل افتراق العاقدين عن المجلس، فإنه يترتب عليه عدم جواز الإبراء أو الهبة أو الاستبدال أو المقاصة بثمن الصرف على التفصيل الآتي (2) :\r1 - الإبراء أو الهبة: إذا تصارف اثنان ديناراً بدينار، وسلم أحدهما الدينار لمستحقه، ثم أبرأ صاحبه عن ديناره أو وهبه له أو تصدق عليه به:\rفإن قبل المبرأ أو الموهوب له ما أبرئ منه أو وهب له، سقط التزامه بالدين، وبطل الصرف؛ لأن الإبراء عن الدين يترتب عليه عدم تحقق القبض، وبما أن القبض في عقد الصرف لازم شرعاً، ولم يحصل هنا بسبب الإبراء، فإنه يؤدي إلى بطلان العقد لعدم حصوله.\r-------------------------------\r(1) الشرح الصغير وحاشية الصاوي عليه 49/3 ومابعدها، القوانين الفقهية: ص 250.\r(2) راجع البدائع: 218/5.","part":5,"page":321},{"id":3167,"text":"وإن لم يقبل المبرأ البراءة، لم يصح الإبراء ويبقى عقد الصرف على حاله؛ لأن قبض البدل مستحق، والإبراء عن الدين إسقاطه، وإذا سقط الدين لا يتصور قبضه، وبما أن الإبراء يؤدي إلى هذه النتيجة، فهو في معنى فسخ العقد، والفسخ لا يصح إلا بتراضي العاقدين، فلا يثبت بإرادة منفردة من أحد العاقدين بعد انعقاد العقد صحيحاً، وإذا لم يصح الإبراء بقي عقد الصرف على حاله، فيتم بتقابض البدلين في المجلس قبل الافتراق.\rولو امتنع المبرئ أو الواهب أو المتصدق أن يأخذ ما أبرأ أو وهب أو تصدق به، فإنه يجبر على القبض، لأنه بامتناعه عن القبض يفسد العقد أو يفسخ، وأحد المتعاقدين لا ينفرد بالفسخ أو إفساد عقد الغير.\r2 - الاستبدال ببدل الصرف: لو استبدل أحد المتصارفين شيئاً ببدل الصرف، كأن أعطى عن الدينار شيئاً بخلاف جنسه، أو باع أو وهب ما استحقه من بدل الصرف قبل قبضه، فلا يجوز، ويبقى الصرف على حاله؛ لأن قبض بدل الصرف شرط شرعي لبقاء العقد صحيحاً، وبما أن بدل الشيء غير الشيء، فإنه يترتب على الاستبدال تفويت القبض حقيقة أي عدم تحقق القبض المطلوب شرعاً.\rوإذا لم يصح الاستبدال بقي عقد الصرف على حاله، فإن كان قد تم قبض أحد البدلين فيجب قبض البدل الآخر بعينه.وإن أدى أحد العاقدين الآخر أجود من حقه، أو أردأ منه لكن من جنس حقه ورضي به المدفوع له، فإنه يجوز، ولا يعتبر الأداء استبدالاً؛ لأن المقبوض من جنس حقه أصلاً، إلا أنه أنقص منه في الوصف، والجيد والرديء في الأموال الربوية سواء، وبما أن المدفوع له رضي به أسقط حقه في الجيد، فكان ذلك استيفاء لا استبدالاً.","part":5,"page":322},{"id":3168,"text":"وعلى هذا إن أخذ صاحب الحق عن الدينار الذي يحق له ديناراً أردأ منه، أو زائفاً، ونحوها من كل مقبوض يتفق في الأصل مع الشيء الواجب في المعاوضات بين الناس، فإنه يصح. ويبطل تبايع النقد من مشتر إلى آخر أو بالهاتف قبل القبض.\r3 - الحوالة ببدل الصرف والكفالة والرهن به: يجوز لأحد المتصارفين أن يحيل صاحبه على رجل آخر لقبض حقه بشرط أن يكون المحال عليه حاضراً في مجلس العقد، وكذلك يجوز له أن يقدم رهناً لصاحبه ببدل الصرف، ويصح له أيضاً تقديم كفيل عنه يكفله بوفاء الحق. ولكن يشترط في هذه الحالات أن يتم فعلاً استيفاء الحق في مجلس عقد الصرف إما بالتسليم الفعلي في الحوالة والكفالة، أو من طريق تحمل تبعة هلاك المرهون إذا هلك في يد المرتهن. وهذا متفق عليه فقهاً (1) .\rوهذا المعنى هو ما قرره فقهاء الحنفية فإنهم قالوا: إن قبض صاحب الحق حقه من المحال عليه، أو من الكفيل، أو هلك الرهن في يد المرتهن في مجلس عقد الصرف، يكن الصرف صحيحاً على حاله. وإن افترق المتصارفان قبل تمام القبض أو لم يهلك الرهن بطل الصرف. والعبرة في بقاء مجلس العقد لبقاء نفس العاقدين فيه وافتراقهما عنه، ولا عبرة ببقاء المحال عليه أو الكفيل مع صاحب الحق ما لم يقبض حقه قبل مفارقة صاحبه المجلس؛ لأن قبض الحق من حقوق العقد، فيتعلق بنفس العاقدين، فيعتبر مجلسهما إذن.\rولو وكل كل واحد من العاقدين رجلاً أن ينقد عنه، يعتبر مجلس الموكلين بقاءً وافتراقاً لا مجلس الوكيل؛ لأن القبض من حقوق العقد فيتعلق بالعاقدين كما تبين.\rوهذه الأحكام المقررة هنا هي نفسها التي ذكرت في الحوالة برأس مال السلم على رجل حاضر في المجلس، والكفالة به، والرهن به، وبالمسلم فيه أيضاً، وذلك أثناء بيان الفروق بين عقدي السلم والبيع.\r-------------------------------\r(1) القوانين الفقهية: ص 250 .","part":5,"page":323},{"id":3169,"text":"4 - المقاصة في ثمن الصرف ورأس مال السلم :\rالمقاصة لغة: هي المساواة والمماثلة، ومنه القصاص وهو معاقبة الجاني بمثل جنايته. وعند الفقهاء هي بمعناها اللغوي مع قيود معينة، وقد عرفها بعض المالكية بقوله: هي إسقاط مالك من دين على غريمك في نظير ماله عليك. وعرفها ابن\rجزي بقوله: هي اقتطاع دين من دين (1) ، وهي نوعان: مقاصة جبرية، ومقاصة اختيارية أو اتفاقية.\rمثال المقاصة الجبرية التي تقع بنفسها: أن يكون لمدين عند دائنه مثل ما له عليه من الدين جنساً وصفة وحلولاً، فتقع المقاصة بينهما ويتساقط الدينان إن كانا متساويين في المقدار، أو يسقط من الدينين مقدار متماثل إن تفاوتا في القدر، فيسقط من الأكثر بقدر الأقل وبقيت الزيادة.\rوللمقاصة الجبرية شروط أربعة هي:\r1 - تلاقي الحقين، أي أن يكون الشخص دائناً بالنسبة لآخر ومديناً له.\r2 - تماثل الدينين ،أي اتحادهما جنساً ونوعاً وصفة في الحلول والتأجيل والجودة والرداءة ونحوها.\r3 - انتفاء الضرر، أي ألا يترتب على وقوعها ضرر لأحد كالمدين أو المرتهن الذي تعلق حقه بالعين، أو باقي الغرماء.\r4 - ألا يترتب عليها محظور شرعي كالافتراق قبل قبض رأس مال السلم، والتصرف في المسلم فيه قبل قبضه، وعدم التقابض في الصرف وفي الربويات التي يجب أن تكون يداً بيد..\rوقد قال جمهور الفقهاء بوقوع المقاصة الجبرية بنفسها إذا توافرت شروطها، ولم يقرها فقهاء المالكية.\r-------------------------------\r(1) القوانين الفقهية: ص 292.","part":5,"page":324},{"id":3170,"text":"ومثال المقاصة الاتفاقية وهي التي تتم بتراضي صاحبي الحق: أن يكون لواحد دين وللآخر عين، فيتفق الطرفان على عدم مطالبة أحدهما غيره بحقه. والمالكية يقولون بالمقاصة الاتفاقية إذا اختلف الجنس أو اختلفت الأوصاف ما لم يترتب على ذلك محظور ديني. ومن المعلوم أن أئمة المذاهب الأربعة يعتبرون النقدين (الذهب والفضة وما يماثلهما من الدنانير والدراهم) جنسين مختلفين، فتجوز المقاصة الاتفاقية بينهما عند المالكية لأنهم يقولون بالمقاصة عند اختلاف الجنس (1) . وأما وحدات النقد المتعامل بها في عصرنا الحاضر سواء أكانت أوراقاً أم مسكوكة من الذهب أم الفضة الخالصين أم المخلوطين أم المسكوكة من غيرهما كالنحاس وهي المسماة فلوساً، فإنها تعد جنساً واحداً في باب المقاصة، عملاً بالعرف وبرأي ابن أبي ليلى وهو اختيار بعض مشايخ الحنفية (2) .\rوبعد هذه المقدمة نبحث حكم المقاصة في عقدي الصرف والسلم.\rأما في عقد الصرف: فلو تصارف اثنان بأن باع أحدهما للآخر ديناراً بعشرة دراهم، وسلمه الدينار، ولم يقبض العشرة الدراهم، وكان لمشتري الدينار على\r-------------------------------\r(1) انظر بحث المقاصة في الفقه الإسلامي للأستاذ محمد سلام مدكور: ص 4، 13، 23، 51، 55، 77، 85، 97 وما بعدها، القوانين الفقهية، المكان السابق، غاية المنتهى للشيخ مرعي الحنبلي: 82/2.\r(2) ذكر ابن عابدين طائفة من مسائل المقاصة الاتفاقية فقال: لو كان للوديع على صاحب الوديعة دين من جنسها لم تصر قصاصاً به إلا إذا اتفقا عليه، وكانت الوديعة في يده، والمغصوب كالوديعة. وكذلك لا تقع المقاصة ما لم يتقاصا لو كان الدينان من جنسين مختلفين أو متفاوتين في الوصف أو مؤجلين أو أحدهما حالاً والآخر مؤجلاً.. وإذا اختلف الجنس وتقاصا كما لو كان له عليه مئة درهم وللمديون مئة دينارعليه، فإذا تقاصا تصير الدراهم قصاصاً بمئة من قيمة الدنانير، ويبقى لصاحب الدنانير على صاحب الدراهم ما بقي منها. ودين النفقة للزوجة لا يقع قصاصاً بدين للزوج عليها إلا بالتراضي بخلاف سائر الديون، لأن دين النفقة أدنى (رد المحتار: 250/4).","part":5,"page":325},{"id":3171,"text":"بائعه عشرة دراهم، فأراد المقاصة، فهل تقع؟ هنا ثلاث حالات (1) :\rإحداها: أن يثبت الدين بسبب قبل حدوث عقد الصرف: كأن كانت هذه الدراهم العشرة واجبة ديناً على البائع قبل إجراء عقد الصرف بسبب من الأسباب التي تعتبر مصادر للالتزام كالقرض أو الغصب، أو الشراء، أي ثمناً لمبيع. فإذا أراد المتصارفان إجراء المقاصة بأن يجعل مقابل الدينار وهو العشرة الدراهم قصاصاً بالدين الثابت في ذمة البائع المتصارف، جاز الفعل استحساناً إن تراضيا على المقاصة أي لا بد من المقاصة الاتفاقية. وأما قياساً فلا يجوز وهو قول زفر. فإن لم يتفقا على إجراء المقاصة بأن أباها أحدهما ، لم تقع المقاصة باتفاق الحنفية.\rأما وجه القياس: فهو أن المطلوب في عقد الصرف قبض بدل الصرف بعينه، وبالمقاصة يحصل استبدال ببدل الصرف؛ لأن الذي وجب على المتصارف بالصرف غير الذي كان عليه، وبالتقاص يأخذ المتصارف ما في ذمته بدل ما وجب عليه من ثمن الدينار، وهو لا يجوز، كما لا يجوز أن يأخذ ببدل الصرف عوضاً آخر كما عرفنا سابقاً، وكما لا يجوز الإبراء عن بدل الصرف.\r-------------------------------\r(1) راجع تبيين الحقائق للزيلعي وحاشية الشلبي عليه: 140/4، البدائع: 206/5، 218، الدر المختار ورد المحتار: 250/4، تحفة الفقهاء: 37/3، فتح القدير والعناية بهامشه: 379/5 ومابعدها، المبسوط: 19/14.","part":5,"page":326},{"id":3172,"text":"وأما وجه الاستحسان: فهو أن المتصارفين لما تقاصا فقد تضمنت المقاصة انفساخ عقد الصرف الأول، وانعقاد صرف آخر غير الأول، وثمنه هو العشرة الدراهم التي هي دين سابق، إذ لولا ذلك التقدير لكانت المقاصة استبدالاً ببدل الصرف، فصار هذا كما لو تبايع اثنان بألف، ثم جددا العقد بألف وخمس مئة، فإن البيع الأول ينفسخ ضرورة ثبوت العقد الثاني اقتضاء أو ضمناً.\rالحالة الثانية: أن يثبت الدين بقبض مضمون بعد وجود عقد الصرف: كأن يستقرض بائع الدينار عشرة دراهم من المشتري ويتسلمها بالفعل، أو يغصب منه عشرة دراهم، ففي هذه الحالة تقع المقاصة بثمن الصرف جبراً على المتصارفين، وإن لم يتقاصا، أي لا يحتاجان إلى التراضي؛ لأنه وجد القبض من المتصارف فعلاً.\rالحالة الثالثة: أن يثبت الدين بعقد متأخر عن عقد الصرف: كأن يشتري مشتري الدينار من بائع الدينار ثوباً بعشرة دراهم مثلاً، ففي هذه الحالة إن لم يتقاصا لا تقع المقاصة باتفاق الروايات. وإن اتفقا على مقاصة العشرة بالعشرة في مجلس العقد فهناك روايتان: في رواية اختارها السرخسي: لا يجوز لأن النبي صلّى الله عليه وسلم جوز المقاصة في حديث ابن عمر (1) في دين سابق لا لاحق.\rوفي رواية أخرى وهي الصحيحة (2) : تقع المقاصة لما ذكر في وجه الاستحسان: وهو أن العاقدين لما قصدا إيقاع المقاصة، تضمن ذلك انفساخ العقد الأول، أي إقالته، وإنشاء عقد جديد مضاف إلى دين قائم وقت تحويل العقد، فلما أبطلا عقد الصرف، صار كأنهما عقدا عقداً جديداً، فتصح المقاصة به؛ لأن النقود لا تتعين بالتعيين في العقود والفسوخ ديناً كانت أو عيناً.\r-------------------------------\r(1) نص الحديث رواه أحمد وأصحاب السنن عن ابن عمر قال: «أتيت النبي صلّى الله عليه وسلم فقلت: إني أبيع الإبل بالبقيع، فأبيع بالدنانير وآخذ الدراهم، وأبيع الدراهم وآخذ الدنانير، فقال: لابأس أن تأخذ بسعر يومها ما لم تفترقا وبينكما شيء» وفي لفظ «أبيع بالدنانير وآخذ مكانها الورق، وأبيع الورق وآخذ مكانها الدنانير» (نيل الأوطار: 156/5).\r(2) انظر الهداية والعناية بهامش فتح القدير: 381/5.","part":5,"page":327},{"id":3173,"text":"والخلاصة: إن الحالتين الأولى والثالثة تقع المقاصة فيهما اختيارية، وأما الحالة الثانية فتقع المقاصة فيها جبرية.\rوأما المقاصة برأس مال السلم بدين آخر على المسلم إليه: كأن وجب على المسلم إليه لرب السلم دين مثل رأس مال السلم، فهل تقع المقاصة بين رأس المال هذا وبين ذلك الدين؟ هنا ثلاث حالات أيضاً:\r1ً - أن يجب الدين بعقد متقدم على السلم: بأن كان رب السلم قد باع إلى المسلم إليه (1) ثوباً بعشرة دراهم مثلاً، ولم يقبضها، ثم عقدا عقد سلم بينهما، كأن أسلم رب السلم إلى المسلم إليه عشرة دراهم في مد حنطة، فإن تراضيا على المقاصة بالدينين (الدين السابق وهو ثمن المبيع، والدين اللاحق وهو رأس مال السلم) صحت المقاصة استحساناً، وإن أبى أحدهما لم تقع المقاصة. والقياس يقضي بعدم وقوع المقاصة وهو قول زفر.\rوجه القياس: أن قبض رأس مال السلم شرط شرعي لصحة السلم كما هو معروف، ولكن بالمقاصة لم يحصل القبض فعلاً، فيبطل السلم إذا افترق العاقدان بدون تحقيق شرط القبض.\rووجه الاستحسان: أن القبض وإن كان مطلوباً في عقد السلم، إلا أنه إذا تمت المقاصة تبين أن عقد السلم لا يتطلب تحقيق قبض رأس المال فعلاً، وإنما يكفي أن يتم القبض بطريق المقاصة، كما لو اتفق البائع والمشتري على الزيادة في الثمن والمثمن، فإن ذلك يلتحق بأصل العقد، ويقع البيع فعلاً على الزيادة.\r-------------------------------\r(1) أطلق على العاقدين وصف ( رب السلم والمسلم إليه ) باعتبار ماسيكون.","part":5,"page":328},{"id":3174,"text":"2ً - أن يجب الدين بقبض مضمون متأخر عن عقد السلم كالغصب والقرض، فإنه تقع المقاصة جبراً عن رب السلم والمسلم إليه، كما في الصرف؛ لأن قبض الغصب والقرض قبض حقيقة، فيجعل نائباً عن قبض رأس مال السلم إذا تساوى الدينان.\r3ً - أن يجب الدين بعقد متأخر عن السلم، كأن يحدث شراء شيء من المسلم إليه لرب السلم، فلا تصح المقاصة وإن اتفقا عليها إلا في رواية شاذة عن أبي يوسف؛ لأن المقاصة تتطلب وجود دينين، ولم يكن عند انعقاد السلم إلا دين واحد، فتبين أن عقد السلم يتطلب قبضاً في الحقيقة، وما يتم بالمقاصة ليس كذلك.\rهذا هو المذكور في البدائع (1) ، فإن صاحبها الكاساني سوى بين رأس مال السلم وبدل الصرف في المقاصة.\rلكن المعول عليه ما في كتاب الجامع الصغير للإمام محمد وغيره من كتب الحنفية (2) ، فإنهم فرقوا بين بدل الصرف ورأس مال السلم، فلم يجيزوا المقاصة برأس مال السلم مع دين آخر مطلقاً، سواء وجب الدين بعقد متقدم أو متأخر عن عقد السلم؛ لأن المسلم فيه دين في ذمة المسلم إليه، فلو صحت المقاصة بين رأس مال السلم، ودين على المسلم إليه بحيث يصبح هذا الدين ر أس مال السلم، وقع العاقدان في محظور شرعي وهو مبادلة الدين بالدين، أو الافتراق عن دين بدين لأن رأس المال لا يتعين بالمقاصة.\rوهذا بخلاف المقاصة ببدل الصرف مع دين متقدم أو متأخر عنه ثابت بعقد بيع مثلاً؛ لأن المبيع الذي يقابل الدين (أي الثمن) مثلاً هو عين لا دين أي غير مشترط قبضه في مجلس العقد، فتؤدي المقاصة ببدل الصرف مع مقابل هذا المبيع إلى مبادلة عين بدين أو الافتراق عن عين بدين، وهو جائز كما هو معلوم شرعاً،\r-------------------------------\r(1) البدائع: 206/5 وما بعدها.\r(2) الجامع الصغير: ص 92، تبيين الحقائق: 140/4، المبسوط: 20/14، بحث المقاصة للأستاذ محمد سلام مدكور: ص 107 وما بعدها.","part":5,"page":329},{"id":3175,"text":"بخلاف ما تؤدي إليه المقاصة برأس مال السلم من مبادلة دين بدين وهو ممنوع شرعاً.\rالصرف والتحويل القائم على القرض :\rهناك حاجة ملحة لتحويل النقود من بلد إلى آخر بعد إجراء عقد صرف بين شخص وصرَّاف، كالحوالات التي يجريها العاملون في الخليج إلى حساباتهم الجارية في مصرف (بنك) في بلدانهم، أو إلى ذويهم أو أقاربهم. وكالحوالات التي يقوم بها أولياء الطلاب إلى أولادهم في البلدان الأجنبية، ونحو ذلك مما تجريه البنوك أو الصيارفة من الحوالات الداخلية والخارجية. والحوالات الخارجية يتم فيها عادة مبادلة نقد بنقد آخر يتم قبضه في البلد التي يحول إلىها المبلغ.\rفهل هذا عمل مشروع أو لا؟\rيلاحظ أن بيع النقود الورقية يأخذ حكم النقدين ـ الذهب والفضة، كما قررت المجامع الفقهية المعاصرة وهيئات كبار العلماء، طبقاً لأحكام الشريعة. ويحرم تحويل عملة إلى عملة أخرى بالمؤجل دون تقابض في مجلس العقد، سواء أكانت هناك زيادة أم لا، لأن ذلك ربا نسيئة، فلا يحل بيع النقود مع التأجيل، بسعر مماثل أو بسعر أكثر.\rوبناء على هذا يجب أن يتم عقد الصرف منجزاً مع البنك أو الصراف دون تأجيل الدفع، وهذا يحدث فعلاً؛ لأن الصراف مستعد لتسليم العوض في مجلس العقد، ولكن لا يتم القبض الفعلي لعوض أو بدل الصرف، ويقوم مقامه قبض حكمي، لا ينقصه سوى القبض الصوري والإعادة فوراً، ثم يعقبه إبرام عقد آخر منفصل وهو تحويل المبلغ إلى بلد آخر، ويكون ذلك على أساس عقد القرض، ويجوز عند الإمام مالك خلافاً لجمهور الفقهاء ـ كما سيأتي في بحث القرض ــ اشتراط الأجل في القرض، أي تعيين مدة سداد بدل القرض.","part":5,"page":330},{"id":3176,"text":"وقد بينت في الحالة الثانية من حالات المقاصة في عقد الصرف: أنه يجوز أن يستقرض بائع الدينار عشرة دراهم من المشتري ويتسلمها بالفعل، فتقع المقاصة بثمن الصرف جبراً على المتصارفين، وإن لم يتراضيا على المقاصة؛ لأنه وجد القبض من المتصارف فعلاً.\rويتم التعبير عن هذا القرض بتسليم المقرض وَصْلاً (وثيقة) يثبت حقه في بدل القرض، ويكون المقترض وهو الصراف أو البنك ضامناً لبدل القرض، ولكنه يأخذ أجراً أو عمولة على تسليم المبلغ في بلد آخر مقابل مصاريف الشيك أوأجرة البريد أو البرقية أو التلكس فقط، لتكليف وكيل الصراف بالوفاء أو السداد.\rوهذان العقدان: الصرف والتحويل القائم على القرض هما الطريقان لتصحيح هذا التعامل، فيما يبدو لي، والله أعلم.\rوأما الحوالة البريدية في داخل الدولة بدون صرافة فجائزة بلا خلاف:\rأ ـ فإن سُلّم المبلغ للموظف أمانة جاز بلا كراهة، ولا يضمنه إلا بالتعدي أو التقصير في الحفظ، لكن إذا خلطت المبالغ والحوالات ببعضها وهو مايتم بالفعل كانت مضمونة على المؤسسة.\rب ـ وإن أعطي المبلغ قرضاً دون شرط دفعه إلى فلان، ثم طلب من الموظف ذلك بعد القرض؛ جاز.\rجـ ـ وإن أعطي المبلغ قرضاَ بشرط دفعه إلى فلان في بلد كذا، فإن لم يقصد المقرض ضمان المقترض خطر الطريق، جازت الحوالة بالاتفاق، وإن قصد بذلك ضمان خطر الطريق لم يصح العقد عند الجمهور كالسفتجة كما بينت في بحث القرض، وجازت المعاملة عند الحنابلة.","part":5,"page":331},{"id":3177,"text":"وفاء القرض بنقد آخر: صرح الحنابلة (1) بأنه يصح تعويض أحد النقدين عن الآخر بسعر يومه، قال في المنتهى: ويصح اقتضاء نقد من آخر، إن أحضر أحدُهما، أو كان أمانة والآخر مستقراً في الذمة، بسعر يومه، ومنع منه ابن عباس وغيره. قال في شرح المنتهى: ولنا حديث ابن عمر قال: «أتيت النبي صلّى الله عليه وسلم فقلت: إني أبيع الإبل بالبقيع، فأبيع بالدنانير وآخذ الدراهم، وأبيع بالدراهم فآخذ الدنانير، فقال: لابأس أن تأخذ بسعر يومها مالم تفرّقا، وبينكما شيء » وفي لفظ: «أبيع بالدنانير، وآخذ مكانها الورِق ـ أي الفضة ـ وأبيع بالورِق، وآخذ مكانها الدنانير» (2) .\rوقال أيضاً: ومن عليه دينار، فقضاه دراهم متفرقة، كلَّ نَقْدةٍ بحسابها منه، صح وإلا فلا.\r-------------------------------\r(1) المعتمد في فقه الإمام أحمد، ط دار الخير بدمشق 431/1.\r(2) حديث ضعيف أخرجه أبو داود والترمذي وأحمد وغيرهم.","part":5,"page":332},{"id":3178,"text":"..........................................4..........................................\r.....................................بيع الجِزاف......................................\rيحدث التعامل بهذا النوع من البيوع كثيراً في الحياة العملية اليومية، لذا فإني سأذكر معناه ودليل مشروعيته، وحكم أهم حالاته كبيع صبرة الطعام ونحوه، وبيع النقود والحلي والمحلى جزافاً، وشروطه.\rمعنى الجزاف: الجزاف ـ مثلث الجيم والكسر أفصح وأشهر من غيره، فارسي معرب، وهو بيع الشيء بلا كيل ولا وزن ولا عدد، وإنما بالحزر والتخمين بعد المشاهدة أو الرؤية له. والجزف في الأصل: الأخذ بكثرة، مأخوذ من قولهم: جزف له في الكيل: إذا أكثر، ومرجعه إلى المساهلة. وعرف الشوكاني هذا البيع بقوله: هو ما لم يعلم قدره على التفصيل (1) .\rدليل مشروعيته: ورد في السنة النبوية ما يدل على مشروعية بيع المجازفة، منها حديثان:\r1ً - عن جابر قال: «نهى رسول الله صلّى الله عليه وسلم عن بيع الصبرة (2) من التمر لا يعلم كيلها بالكيل المسمى من التمر» رواه مسلم والنسائي (3) . في هذا الحديث دلالة\rعلى أنه يجوز بيع التمر مجازفة إذا كان الثمن جنساً آخر غير التمر، فإن كان الثمن تمراً حرم البيع؛ لاشتماله على ربا الفضل؛ لأن بيع الشيء بجنسه وأحدهما مجهول المقدار حرام، ولا شك أن الجهل بأحد العوضين أو بكليهما مظنة للزيادة والنقصان، وما كان مظنة للحرام وجب تجنبه، ومن المعلوم أن التمر من الأصناف الربوية.\r2ً - عن ابن عمر قال: «كانوا يتبايعون الطعام جزافاً بأعلى السوق، فنهاهم رسول الله صلّى الله عليه وسلم أن يبيعوه حتى ينقلوه» رواه الجماعة إلا الترمذي وابن ماجه (4) . هذا الحديث يدل على إقرار النبي صلّى الله عليه وسلم فعل الصحابة بالبيع جزافاً، إلا أنه نهاهم عن بيع اشتروه قبل قبضه واستيفائه.\rحكم بيع الجزاف عند الفقهاء :\rيتبين حكم الجزاف من الحالتين الآتيتين: بيع الصبرة، وبيع النقود والحلي والمحلى.\rبيع الصبرة من الطعام ونحوه: اتفق أئمة المذاهب الأربعة على جواز بيع الصبرة جزافاً، مع اختلافهم في تفصيلات سأذكرها، والصبرة: هي الطعام المجموع. سميت بذلك لإفراغ بعضها على بعض. قال ابن قدامة الحنبلي: يجوز بيع الصبرة جزافاً لا نعلم فيه خلافاً إذا جهل البائع والمشتري قدرها (5) . ومستنده واضح وهو ما ثبت في السنة النبوية مما أشرت إليه في مشروعية هذا البيع.\rأما تفصيلات المذاهب فهي ما يأتي:\r-------------------------------\r(1) نيل الأوطار: 160/5.\r(2) الصبرة ـ بضم الصاد: ما جمع من الطعام بلا كيل ووزن. وقوله «لا يعلم كيلها» صفة كاشفة للصبرة لأنه لا يقال لها صبرة إلا إذا كانت مجهولة الكيل.\r(3) نيل الأوطار: 196/5.\r(4) المرجع السابق: 158/5.\r(5) المغني: 123/4.","part":5,"page":333},{"id":3179,"text":"أولاً ـ مذهب الحنفية: قال فقهاء الحنفية (1) : إذا باع رجل غيره قفيزاً (2) من صبرة طعام معينة بدراهم، أو باع هذا العدل من الثياب بكذا ولا يعرف عددها، أو باع هذه الصبرة بكذا ولا يعلم عدد القفزان، جاز البيع؛ لأن الجهالة فيه يسيرة لا تفضي إلى المنازعة، إلا أن أبا حنيفة قال: من باع صبرة طعام (وهي الحنطة ودقيقها خالصة في العرف الماضي) (3) كل قفيز بدرهم مثلاً، وهو البيع بسعر الوحدة جاز البيع في قفيز واحد فقط، وتوقف البيع في الباقي إلى أن تزول الجهالة في مجلس العقد بأحد أمرين: إما بتسمية جملة القفزان، أو بكيلها في المجلس، إذ أن ساعات المجلس بمنزلة ساعة واحدة. فإن علم مقدار الصبرة بعد انتهاء المجلس، تقرر فساد البيع، فلا ينقلب صحيحاً بعدئذ.\rومثل الطعام جميع الحبوب كالشعير والذرة ونحوهما.\rودليله: أن الثمن والمبيع في هذه الحالة مجهولان، والجهالة تفسد العقد، وبما أنه لا جهالة في القفيز الواحد، فيلزم العقد فيه للتيقن به، وإذا زالت الجهالة في كل المبيع بتعيين عدد القفزان أو بالكيل في مجلس العقد، ثبت الخيار للمشتري، لتفرق الصفقة عليه دون البائع؛ لأن تجزئة المعقود عليه كان بسبب منه، لعدم تحديده سابقاً مقدار الأقفزة، فكان راضياً بالبيع على النحو الذي تم.\r-------------------------------\r(1) راجع البدائع 158/5، فتح القدير: 88/5 وما بعدها، الدر المختار: 29/4، تبيين الحقائق للزيلعي: 5/4، اللباب شرح الكتاب للميداني: 7/2، تحفة الفقهاء: 63/2 الطبعة الأولى، مختصر الطحاوي: ص 79.\r(2) القفيز: مكيال وهو ثمانية مكاكيك، والجمع أقفزة وقفزان، والمكوك: مكيال هو صاع ونصف أو هو ثلاث كيلجات، والكيلجة: منا وسبعة أثمان منا، والمنا: الذي يكال به السمن وغيره، وقيل: الذي يوزن به: رطلان، والتثنية منوان. والجمع أمناء، مثل سبب وأسباب (راجع المصباح المنير) وقال النووي في المجموع (313/9): القفيز مكيال معروف يسع اثني عشر صاعا. وأما الكرّ فهو ستون قفيزاً.\r(3) راجع فتح القدير: 85/5.","part":5,"page":334},{"id":3180,"text":"وثبوت الخيار للمشتري في هذه الحالة يشبه حالة ما لو اشترى رجل شيئاً لم يره ثم رآه، فتزول الجهالة بالرؤية.\rوقال الصاحبان: يصح البيع في كل الصبرة؛ لأن المبيع معلوم بالإشارة إليه في الجملة، ومن المقرر أنه لا يشترط لصحة البيع معرفة مقدار المشار إليه. وأما جهالة الثمن فإنها لا تضر إذ أن العلم به ممكن بالعدّ، بأن تكال الصبرة في مجلس العقد.\rوقول الصاحبين هو المفتى به تيسيراً على الناس، وهو الذي رجحه صاحب الهداية لتأخيره دليلهما عن دليل أبي حنيفة كما هي عادته، وبه قال أئمة المذاهب الآخرين، ولكن صاحب فتح القدير رجح قول الإمام ودليله.\rهذا حكم بيع صبرة الطعام أي وما يشبه ذلك من المثليات، أما القيميات (1) كالحيوان والثوب فحكمها ما يأتي:\rمن باع قطيع عنم كل شاة بدرهم مثلاً، فالبيع فاسد في الجميع عند أبي حنيفة، حتى وإن علم عددها في مجلس العقد على الأصح، للجهالة وقت العقد. ولا يصح حينئذ بيع الشاة الواحدة بما سمي من ثمن لكل واحدة من القطيع؛ لأن بيع شاة من قطيع لا يصح للتفاوت بين أفراد الشياه، بخلاف بيع قفيز من صبرة، فإنه يصح بيع قفيز واحد عنده، كما تقدم،، لعدم التفاوت بين أجزاء الطعام، ومثله كل مكيل من الحبوب، فلا تفضي الجهالة في المثليات إلى المنازعة، ولكنها تؤدي إليها في القيميات التي لا تتماثل آحادها.\r-------------------------------\r(1) المثليات: هي المكيلات والموزونات والعدديات المتقاربة وبعض أنواع الذرعيات، والقيميات: هي التي تتفاوت أفرادها بحيث يكون لكل فرد منها اعتبار خاص وقيمة معينة كالحيوانات والأراضي والدور والأشجار والطنافس والثياب ونحوها من العدديات المتفاوتة كالبطيخ وأنواع الفاكهة.","part":5,"page":335},{"id":3181,"text":"وكذلك من باع ثوباً يضره التبعيض مذارعة، كل ذراع بدرهم، ولم يسم جملة الذرعان، وكذلك كل معدود متفاوت كإبل وعبيد ونحوهما: لا يصح البيع في الجميع عند أبي حنيفة، لوجود الجهالة.\rوقال الصاحبان: يجوز البيع في كل ما ذكر؛ لأن الجهالة يمكن إزالتها ورفعها في النهاية بعد تعداد المبيع (1) .\rوالخلاصة: أن أبا حنيفة أجاز بيع الصبرة المجهولة في كيل واحد في المثليات، ولم يجزه في القيميات. وخالفه الصاحبان في كل ما ذكر، فأجازا البيع في الكل مثلياً كان المبيع أو قيمياً؛ لأن الجهالة المانعة من صحة العقد عند انعقاده تزول في النهاية.\rالبيع بإناء أو بوزن مجهول القدر: أجاز الحنفية حالة من المجازفة لها صورة الكيل والوزن دون حقيقته على أن يكون البيع غير لازم للمشتري وله خيار كشف الحال: وهي بيع شيء بإناء بعينه لا يعرف مقداره بشرط أن يكون مما لا يحتمل الزيادة والنقصان كأن يكون من خشب أو حديد، أما إذا كان يحتمل وينكبس بالكبس كالزنبيل والقفة فلا يجوز إلا في قِرب الماء استحساناً للتعامل فيه، فيصح عند أبي يوسف بيع ملء قربة بعينها بحسب عرف البلدان. كما أنهم أجازوا بيع شيء بوزن حجر بعينه لا يعرف مقداره بشرط ألا يتفتت الحجر، وأما إذا باعه بوزن شيء يخف إذا جف كالخيار والبطيخ، فلا يجوز البيع حينئذ (2) .\r-------------------------------\r(1) المراجع السابقة: فتح القدير: ص 90، الزيلعي: ص 6، اللباب: ص 7 وما بعدها.\r(2) المراجع السابقة: فتح القدير: ص 86، الزيلعي: ص 5، اللباب: ص 7، رد المحتار والدر المختار: 29/4.","part":5,"page":336},{"id":3182,"text":"حالة النقص والزيادة في الصبرة التي حدد مقدارها :\rمن اشترى صبرة طعام على أنها مئة قفيز بمئة درهم مثلاً، فوجدها المشتري أقل مما حدد له، كان المشتري بالخيار: إن شاء أخذ الموجود بحصته من الثمن لأنه يمكن قسمة الثمن على أجزاء المبيع المثلي. وإن شاء فسخ البيع لتفرق الصفقة الواحدة عليه قبل تمام العقد فلم يتم رضاه بالموجود. وسبب تفرق الصفقة عليه: هو أن العقد ورد على جملة معلومة، فإذا نقصت يلزم تفرق الصفقة لا محالة.\rومثله في الحكم: كل مكيل أو موزون ليس في تبعيضه ضرر.\rوإن وجد المشتري أن الصبرة أكثر من القدر المتفق عليه، فالزيادة للبائع؛ لأن البيع وقع على مقدار معين، فما زاد عليه، لم يدخل في العقد، فيكون للبائع.\rومن اشترى ثوباً على أنه عشرة أذرع بعشرة دراهم مثلاً، أو أرضاً على أنها مئة ذراع بمئة درهم مثلاً ولم يسم لكل ذراع ثمناً (1) ثم وجده أقل مما حدد له: فللمشتري الخيار: إن شاء أخذ المبيع بكل الثمن المحدد، وإن شاء ترك البيع، لتفرق الصفقة عليه. والفرق بين صورة الطعام، وصورة الثوب والأرض: هو أن القدر في الطعام جزء أساسي من المبيع وليس بوصف، فإن كل جزء من مقدار الطعام يقابله جزء من الثمن. أما الذرع في الثوب والأرض فإنه وصف لأنه عبارة عن الطول، والوصف غير المقصود بالتناول لا يقابله شيء من الثمن، إلا أن المشتري يخير لفوات وصف مرغوب فيه مشروط في العقد.\rفإن وجد المشتري زيادة في أذرع الثوب أو الأرض، فالزائد له، ولا خيار للبائع؛ لأن الذرع وصف غير مقصود في هذه الحالة في الثوب أو الأرض كما أبنت، لأنه تابع محض، والتوابع لا يقابلها شيء من الثمن، فكان ذلك بمنزلة ما إذا باع رجل غيره شيئاً معيباً فإذا هو سليم.\r-------------------------------\r(1) أي أن غرض المشتري موجه أصالة إلى الشيء المبيع جملة دون أن يكون له هدف أصلي في الطول أو في العرض مثلاً، فيكون كل الثمن مقابلاً بالعين كلها.","part":5,"page":337},{"id":3183,"text":"هذا .. حيث لم يكن الذرع مقصوداً، فإن كان مقصوداً بأن قال: ( بعتك الأرض [المذكورة] على أنها مئة ذراع بمئة درهم مثلاً، كل ذراع بدرهم ) فوجدها ناقصة، فالمشتري بالخيار: إن شاء أخذها بحصتها من الثمن، لأن الوصف وإن كان تابعاً ، لكنه صار أصلاً بانفراده بذكر الثمن، وإن شاء تركها لتفرق الصفقة.\rفإن وجدها زائدة، فالمشتري بالخيار: إن شاء أخذ الجميع كل ذراع بدرهم، وإن شاء فسخ البيع لدفع ضرر التزام أخذ الزائد (1) .\rثانياً ـ مذهب المالكية: يجوز عند الإمام مالك أن تباع الصبرة المجهولة على الكيل أي كل كيل منها بكذا، فما بلغته الصبرة من الأكيال بعد الكيل تحسب قيمته الإجمالية بحسب قيمة كل كيلة منها. ولا مانع في هذا البيع عند المالكية من أن يكون المبيع مثلياً أو قيمياً أو عددياً، فهو يجوز في الطعام والثياب والعبيد والحيوان (2) بخلاف ما سبق ذكره عن أبي حنيفة، فإنه لا يجيزه في القيميات.\rوسيأتي مزيد بيان لذاك عند المالكية في شروط بيع الجزاف.\rثالثاً ـ مذهب الشافعية: قال الشافعية: يصح بيع صاع من صبرة (3) تعلم صيعانها للمتعاقدين كعشرة مثلاً لعدم الغرر، كما أنه يصح البيع في الأصح إن جهلت صيعانها للمتعاقدين أو لأحدهما، لتساوي أجزائها، وتغتفر جهالة المبيع هنا، فإنه ينزل على صاع مبهم. ولا يصح بيع ذراع من مجهول الذرعان من أرض أو ثوب لتفاوت الأجزاء كبيع شاة من هذه الشياه.\r-------------------------------\r(1) المراجع السابقة: الفتح: ص 92، الزيلعي: ص 6، اللباب: ص 8.\r(2) بداية المجتهد: 158/2، الشرح الكبير وحاشية الدسوقي: 18/3-20.\r(3) وفسروا الصبرة بالكومة من الطعام وهو تفسير واضح.","part":5,"page":338},{"id":3184,"text":"ويصح أيضاً بيع الصبرة المجهولة الصيعان بأن يقول: كل صاع بدرهم أو أن يقول: بعتك هذه الصبرة، وإن لم يعرف قفزانها، أو يقول: بعتك هذه الدار أو هذا الثوب وإن لم يعرف ذرعانها؛ لأن المبيع مشاهد، فيزول غرر الجهالة بالمشاهدة ولايضر الجهل بجملة الثمن، لأنه معلوم بالتفصيل، والغرر مرتفع به، كما إذا باع بثمن معين جزافاً. ومثل الصبرة ما لو قال: بعتك هذه الأرض أو هذا الثوب كل ذراع بدرهم، أو هذه الأغنام أو العبيد كل واحد بدرهم. ومن قال لغيره: ( بعتك هذه الصبرة ) جاز البيع، وإن لم يعرف قفزانها. وإن قال : ( بعتك هذه الدار أو هذه الأرض أو هذا الثوب ) جاز البيع، وإن لم يعرف ذرعانها؛ لأن غرر الجهالة ينتفي عنها بالمشاهدة. قال الشافعي: وأكره بيع الصبرة جزافاً لأنه يجهل قدرها على الحقية.\rولو باع الصبرة أو الأرض أو الثوب بمئة درهم كل صاع أو ذراع بدرهم، صح البيع إن خرجت مئة لتوافق الجملة والتفصيل، وإن لم تخرج مئة بأن خرجت أقل أو أكثر، فلا يصح البيع على الصحيح لتعذر الجمع بين جملة الثمن وتفصيله.\rويصح كون الصبرة ثمناً، فلو قال: بعتك بهذه الصبرة وهي مجهولة القدر، صح البيع اعتماداً على المشاهدة مع الكراهة، لأنه قد يوقع في الندم (1) .\rوالخلاصة: إن الشافعية كالمالكية يجيزون بيع الصبرة في المثليات والقيميات، ويخالفون الحنفية في حالة تحديد قدر الصبرة إجمالاً، فيبطلون البيع إن لم يتطابق جملة المبيع مع تفصيله بأن نقص أو زاد، أما الحنفية فإنهم يرون البيع صحيحاً ولكن يعطى المشتري الخيار كما أوضحت.\r-------------------------------\r(1) راجع مغني المحتاج: 16/2 ومابعدها، المهذب: 264/1 ومابعدها، المجموع: 340/9 ومابعدها.","part":5,"page":339},{"id":3185,"text":"وفي الجملة: يكره بيع الصبرة جزافاً في أصح القولين عند الشافعي، وبه قطع النووي وآخرون لما فيه من الغرر (1) .\rرابعاً ـ مذهب الحنابلة: أجاز الحنابلة بيع الصبرة جزافاً مع جهل البائع والمشتري بقدرها، سواء أكان المبيع طعاماً أم ثياباً أم حيواناً. ويصح عندهم بيع الصبرة أو الثوب أو القطيع كل قفيز أو ذراع أو شاة بدرهم؛ لأن المبيع معلوم بالمشاهدة، والثمن معلوم لإشارته إلى ما يعرف مبلغه بجهة لا تتعلق بالمتعاقدين: وهو أن تكال الصبرة ويقسط الثمن على قدر القفزان ونحوها، فيعلم مبلغه.\rويصح بيع ما بوعاء مع وعائه أو دونه، أو كل رطل بكذا على أن يسقط منه وزن الوعاء (2) .\rنخلص مما ذكرفي بيع الصبرة جزافاً أن الفقهاء صححوا العقد فيما إذا قال البائع: ( بعتك هذه الصبرة كل قفيز منها بدرهم ) وإن لم يعلما مقدارها حال العقد. ومثل الصبرة كل مكيل أو موزون أو معدود مثلياً أو قيمياً. وبهذا قال مالك والشافعي وأحمد وأبو يوسف ومحمد. وقال أبو حنيفة: يصح البيع في قفيز واحد فقط، ويبطل فيما سواه؛ لأن جملة الثمن مجهولة، فلم يصح كبيع الشيء برقمه. ولا يصح عنده بيع الجزاف في القيميات.\rبيع النقود والحلي والمحلى جزافاً :\rيصح بيع الجزاف إذا كان البدلان من جنسين مختلفين، فإن اتحد جنس البدلين لم يجز البيع جزافاً لاشتمال العقد على الربا؛ لأن عدم التقدير بالكيل أو بالوزن مظنة للزيادة والنقصان، وما كان مظنة للحرام وجب تجنبه، وذلك بكيل المكيل ووزن الموزون في كلا البدلين.\rوهذا يعني أن البيع مجازفة مقيد بغير الأموال الربوية إذا بيعت بجنسها، فأما الأموال الربوية إذا\r-------------------------------\r(1) المجموع: 343/9.\r(2) انظر المغني: 123/4 ومابعدها، غاية المنتهى: 12/2، 15.","part":5,"page":340},{"id":3186,"text":"بيعت بجنسها فلا يجوز مجازفة لاحتمال الربا وهو مانع من صحة العقد كحقيقة الربا (1) .ومن هنا قال الحنفية: الأصل العام في بيع النقود ونحوها جزافاً:\rأن ما يجوز البيع فيه متفاضلاً، يجوز فيه البيع مجازفة، وما لا يجوز فيه البيع متفاضلاً، لا يجوز فيه البيع مجازفة (2) . ويظهر أن هذا الأصل متفق عليه بين المذاهب الأربعة بحسب ما يجوز فيه التفاضل وما لايجوز ، على وفق ما هو مقرر من علة معينة للربا في كل مذهب، فلا يجوز مثلاً عند الشافعية بيع الطعام بجنسه أو النقد بجنسه جزافاً تخميناً وإن خرجا سواء؛ للنهي عن بيع الصبرة من التمر لا يعلم مكيلها بالكيل المسمى من التمر (3) .\rوعلى هذا:\r1ً - إذا بيع الذهب بالذهب، والفضة بالفضة مجازفة: لا يجوز البيع، لعدم جواز التفاضل بين هذين المعدنين باعتبارهما من الأموال الربوية،فلا تجوز المجازفة، لاحتمال وجود زيادة في أحد العوضين لا يقابلها مثلها في العوض الآخر، وذلك سواء جهل المتعاقدان أو أحدهما وزن كل عوض منهما، أو عرفا وزن أحدهما دون الآخر.\rفإن وزن العوضان في مجلس العقد، فكانا متساويين في الوزن، جاز البيع استحساناً؛ لأن لمجلس العقد حكم حالة انعقاد العقد، فكان العلم بالتساوي بين البدلين حينئذ كالعلم به عند العقد. أما إذا تفرق العاقدان عن المجلس قبل الوزن، ثم حصل الوزن، فكان العوضان متساويين وزناً، فالبيع فاسد. وقال زفر: البيع صحيح في الحالين إذا كانت هناك مساواة في الوزن؛ لأن المانع من صحة العقد هو احتمال وجود الزيادة، وقد تبين أنه لا زيادة.\r2ً - إذا بيع الشيء بغير جنسه كبيع ذهب بفضة مجازفة: صح البيع؛ لأنه جاز التفاضل فيهما، ولكن يجب التقابض في العوضين في مجلس العقد كما يجب حالة اتحاد الجنس.\rويتفرع عن هذه القاعدة في حالتي بيع الشيء بجنسه أو بغير جنسه ما يأتي:\r-------------------------------\r(1) فتح القدير: 86/5.\r(2) تحفة الفقهاء: 39/3.\r(3) راجع مغني المحتاج: 25/2، المغني: 15/4، القوانين الفقهية: ص 246، 257.","part":5,"page":341},{"id":3187,"text":"ـ إذا تمت القسمة بين الشريكين فيما يجري فيه الربا: لا تجوز مجازفة في الجنس الواحد، وتجوز في مختلفي الجنس؛ لأن القسمة في معنى البيع أو المبادلة؛ لأن ما يأخذه كل شريك يأخذه عوضاً عما يبقى من حقه في نصيب صاحبه، فكان ذلك مبادلة من وجه، وإفرازاً من وجه.\rـ لو بيع سيف بسيف، أو إناء نحاس بإناء آخر من جنسه مجازفة؛ صح البيع إذا كان ذلك مما يباع عدداً؛ لأن العدّ في العدديات ليس من أوصاف علة الربا (التي هي الكيل أو الوزن) فجاز فيهما التفاضل ولا يتحقق الربا عندئذ.\rوإن كان ذلك مما يباع وزناً: فلا يجوز، لأنه بيع مال ربوي بجنسه مجازفة (1) .\rـ إذا بيعت الفضة مغشوشة بمعدن آخر، أو بيع الذهب مغشوشاً، فالعبرة للغالب في الشرع، فغالب الفضة فضة، وغالب الذهب ذهب. فإن بيعت فضة مغشوشة يغلب فيها الفضة،فحكمها حكم الفضة الخالصة: لا يجوز بيعها بالفضة الخالصة إلا سواء بسواء، يداً بيد، أي يصح بيع المغشوشة بما يساويها وزناً من الفضة الخالصة؛ لأن كلاً منهما لا يخلوان عن قليل غش، إذ هما لا يطبعان عادة بدونه، وقد يكون الغش فيهما طبيعياً فيعسر التمييز بين المخلوط والطبيعي، فيلحق القليل من الغش بالرداءة، والجيد والرديء سواء في مبادلة الأموال الربوية، فيعتبر الغش فيهما كأن لم يكن.\rفإن كان الغش هو الغالب: فحكمها حكم النحاس الخالص، فلا يباع المغشوش بالنحاس إلا مثلاً بمثل، يداً بيد.\rوإن استوت الفضة والغش، أو الذهب والغش: فحكمه حكم ما غلب فيه الفضة أوالذهب في التبايع والاستقراض، فلا يجوز البيع بها ولا إقراضها إلا بالوزن، ولا يجوز بيعها مجازفة وعدداً.\r-------------------------------\r(1) البدائع: 185/5.","part":5,"page":342},{"id":3188,"text":"وأما في الصرف فالحكم فيه كغالب الغش أي كحكم فضة غلب عليها الغش، فإن بيعت بفضة خالصة يجزأ المبيع في اعتبارنا وتقديرنا: إن كانت الفضة الخالصة أكثر وزناً من الفضة المغشوشة، جاز البيع، حتى يكون قدر الفضة في كلا العوضين مقابلاً بمثله، وأما الزائد عن ذلك القدر في الفضة الخالصة فهي مقابل الغش كما لو كانت الفضة الخالصة ثمناً لمبيع مشتمل على فضة وقطعة نحاس مثلاً. وإن كانت الفضة الخالصة أقل من الفضة الموجودة في المغشوش أو مثلها، أو جهل الأمر: فلا يجوز البيع لما فيه من الربا في أحد العوضين (1) .\rـ إذا بيع سيف محلىً أي مفضض أو مذهب، والثمن ذهب أو فضة (1) : فإن تماثل جنس الحلية والثمن، وكان مقدار الثمن أكثر من الحلية، جاز البيع، وتكون الحلية مبيعة بمثل وزنها، والزائد من الثمن في مقابل الجفن والحمائل (2) التي تتبع السيف عادة في البيع؛ لأن الأصل المقرر عند الحنفية في تقسيم الثمن على المبيع: أنه إذا كان المبيع أشياء بعضها من جنس الثمن، وبعضها ليس من جنسه، صرف الثمن إلى جنسه بمثل وزنه على وجه يصحح فيه العقد ما أمكن؛ لأن أمور المسلمين محمولة على الصحة والسداد ما أمكن. وتصحيح العقد هنا يتم بصرف بعض الثمن إلى جنسه بمثل وزنه، والبعض الآخر يصرف إلى الجنس الآخر في اعتبارنا وتقديرنا.\rفإن كان الثمن مثل الحلية أو أقل، فلا يجوز البيع، لاشتماله على ربا الفضل، إذ أن الجفن والحمائل تصبح مبيعة بدون عوض عنها وهذا هو معنى الربا.\rوإن جهل مقدار الثمن أو اختلف التجار في تقديره: فإن تبين أن الثمن أكثر من الحلية، والحلية أقل وزناً من الثمن في مجلس العقد، يكون البيع جائزاً عند الحنفية. وإن علم ذلك بعد الافتراق عن المجلس: لا يجوز البيع عند جمهور الحنفية. وقال زفر: ينقلب العقد صحيحاً كما في بيع الجزاف، كما مر سابقاً.\r-------------------------------\r(1) تبيين الحقائق للزيلعي: 140/4 ومابعدها.","part":5,"page":343},{"id":3189,"text":"وعلى هذا فإن القاعدة: «متى بيع نقد مع غيره كمفضض ومزركش (3) بنقد من جنسه، شرط زيادة الثمن ليكون قدر الحلية من الثمن ثمناً لها والزائد ثمناً للسيف، إذ لو لم تتحقق الزيادة بطل البيع، فلو كان الثمن مثل الحلية أو أقل أو جهل بطل البيع، ولو كان الثمن بغير جنس الحلية، شرط التقابض فقط وجاز التفاضل» كما سيأتي (4) .\rومن المعلوم أن صحة البيع فيما إذا كان الثمن أكثر من الحلية تتطلب قبض مايقابل الحلية من الثمن في مجلس العقد، فإن تفرق العاقدان قبل أن يتقابضا، أو يقبض أحدهما حقه دون الآخر، فإنه ينظر:\rأ ـ إن كانت الحلية مما لا يمكن تخليصها عن السيف إلا بإلحاق ضرر به: فسد البيع كله.\rب ـ وإن كانت تتخلص بغير ضرر: جاز البيع في السيف، وفسد في الحلية؛ لأن العقد بقدر الحلية يكون صرفاً، وبالنسبة للسيف يكون بيعاً مطلقاً، والتقابض شرط لصحة الصرف فقط.\rفإذا كانت الحلية تتخلص من غير ضرر، فكأنها والسيف شيئان منفصلان، فيجوز العقد في أحدهما دون الآخر.\rوإن كانت الحلية لا تتخلص إلا بضرر: فسد العقد كله، أما بالنسبة للحلية فلعدم التقابض، وأما بالنسبة للسيف، فلأنه بيع شيء لا يمكن تسليمه إلا بضرر يلحق البائع، ومثل هذا البيع فاسد كبيع جذع في سقف، فلو فصلت الحلية عن السيف، وسلم إلى المشتري انقلب العقد صحيحاً.\rـ يترتب على الشرطين السابق ذكرهما في عقد الصرف (وهما خلو العقد عن\r-------------------------------\r(1) انظر البدائع: 217/5 ومابعدها، تحفة الفقهاء: 41/3 ومابعدها، الدر المختار: 247/4 ومابعدها.\r(2) الجفن ـ بفتح الجيم: غمد السيف. والحمائل بفتح الحاء جمع حمالة بكسر الحاء أو محمل بوزن مرجل: وهي علاقة السيف.\r(3) المفضض: ما رصع بفضة أو ألبس فضة، والمزركش هو المطرز بخيوط فضية أو ذهبية.\r(4) الدر المختار ورد المحتار: 48/4.","part":5,"page":344},{"id":3190,"text":"خيار الشرط، وعن تأجيل قبض أحد العوضين) أنه لو بيع السيف المحلى بجنس الحلية، أو بخلاف جنسها من الذهب أو الفضة، وكان الثمن أكثر وزناً من الحلية، واشترط أحد العاقدين خيار شرط، أو شرط المشتري تأجيل الثمن في صلب العقد، ثم تفرق المتعاقدان دون أن يتم قبض أحد العوضين: كان العقد فاسداً على التفصيل الآتي (1) :\rأ ـ إن كانت الحلية مما لا تتميز عن السيف إلا بضرر: فسد البيع في الحلية بسبب الخيار أو الأجل، وفسد في السيف، لأنه لا يجوز إفراده بالعقد، لما فيه من إلحاق الضرر بالبائع، بتسليمه منفصلاً عن الحلية.\rفإن افترق المتعاقدان بعد التقابض، بأن أبطلا الخيار أو أسقطا الأجل، انقلب العقد جائزاً خلافاً لزفر.\rب ـ وإن كانت الحلية تتميز عن السيف من غير ضرر: فسد العقد عند أبي حنيفة وأبي يوسف؛ لأن الصفقة اشتملت على الصحيح والفاسد، والفساد في نفس المعقود عليه، وفي مثل هذا يشيع الفساد في كل المبيع.\rوقال محمد: يجوز البيع في السيف، ويبطل في الحلية؛ لأن الصفقة اشتملت على الصحيح والفاسد، وللفاسد تأثيره، فيصح العقد في الجزء الصحيح، ويفسد في الفاسد.\rجـ ـ إذا اشترى رجل من صائغ سواراً من فضة بدراهم فضية، وتماثلا في الوزن، وتقابضا وافترقا، أو تصارف رجلان ذهباً بذهب،أو فضة بفضة مثلاً بمثل، وتم التقابض بينهما، وافترقا، ثم زاد أحدهما صاحبه شيئاً وقبل الآخر: فسد البيع عند أبي حنيفة.\rوقال أبو يوسف: الحط والزيادة باطلان لاغيان، والعقد الأول صحيح.\rوقال محمد: الحط جائز بمنزلة الهبة المستقبلة،والزيادة باطلة.\r-------------------------------\r(1) راجع البدائع: 217/5 وما بعدها.","part":5,"page":345},{"id":3191,"text":"ومنشأ هذا الخلاف هو اختلافهم في تأثير الشرط الفاسد على العقد إذا تأخر ذكره عن العقد (1) :\rفعند أبي حنيفة: يلتحق هذا الشرط بالعقد ويفسد العقد، فإذا وجدت الزيادة أو الحط بعد انعقاد العقد، التحقا بأصل العقد، فكأن العقد وجد منذ إنشائه على هذا النحو مشتملاً على الزيادة في أحد العوضين، فيفسد العقد بسبب التفاضل في مال ربوي؛ لأن العوضين من جنس واحد، فيتحقق الربا.\rوإنما شرط القبول في الحط عند أبي حنيفة، لأنه يترتب عليه فسخ العقد، ولا يحق لأحد المتعاقدين إجراء الفسخ إلا برضا الآخر.\rوعند أبي يوسف ومحمد: إن الشرط الفاسد لا يلتحق بالعقد إلا أن أبا يوسف التزم هذا الأصل، فأسقط اعتبار الزيادة والحط جميعاً فبقي البيع الأول صحيحاً.\rوأما محمد فإنه فرق بين الزيادة والحط، فقال: الزيادة باطلة والحط جائز؛ لأن الزيادة لو صحت لالتحقت بأصل العقد، فأفسدته، فبطلت الزيادة.\rوأما الحط: فلا يشترط لصحته أن يلتحق بالعقد بدليل أن البائع لو حط جميع الثمن صح، ولا يلتحق بأصل العقد، إذ لو التحق لكان البيع واقعاً بلا ثمن، فيجعل حطاً للحال بمنزلة هبة مستأنفة أو مبتدأة بقطع النظر عن البيع الأول.\rهذا إذا اتحد جنس البدلين.\rفإن اختلف جنسهما بأن بيع سوار فضة وزنه مقدار وزن عشرة دراهم بدينار ذهبي، أو تصارف اثنان ديناراً بعشرة دراهم فضية، ثم زاد أحدهما صاحبه درهماً وقبل الآخر، أو حط عنه درهماً من الدينار، صح الحط والزيادة باتفاق الحنفية، ويلتحقان بأصل العقد؛ لأن المانع من تصحيح العقد هو وجود الربا، واختلاف الجنس في العوضين يمنع تحقق الربا، إذ أن مبادلة الأموال الربوية يجوز فيها التفاضل حال اختلاف الجنس، ويمتنع حال اتحاد الجنس.\rإلا أنه يشترط في الزيادة قبضها في مجلس الزيادة، فلو افترق العاقدان قبل القبض، بطل البيع بقدر الزيادة، لأنها لما التحقت بأصل العقد، صار كأن العقد ورد على الزيادة والأصل جميعاًً، فصارت جزءاً من ثمن الصرف.\r-------------------------------\r(1) راجع البدائع: 216/5، الدر المختار: 246/4.","part":5,"page":346},{"id":3192,"text":"وأما الحط فلا يشترط قبضه في المجلس، لأنه وإن التحق بأصل العقد فأدى إلى حدوث التفاضل في العوضين، فلا يؤثر على العقد؛ لأن التفاضل في الأموال الربوية جائز عند اختلاف الجنس كما بينت.\rلكن يجب على العاقد رد ما حط لغيره؛ لأن الحط لما التحق بأصل العقد تبين أن العقد لم يقع على قدر المحطوط من ابتداء العقد، فيجب رده.\rشروط بيع الجزاف :\rاشترط فقهاء المالكية لصحة بيع الجزاف شروطاً سبعة (1) ، سأذكرها بإيجاز مع الإشارة إلى ما قد يوجد من شروط في كتب فقهاء المذاهب الأخرى وهي:\r1 - أن يكون المبيع مرئياً بالبصر حال العقد أو قبله، واستمر العاقدان على معرفة المبيع حين التعاقد، فلا يصح بيع غير المرئي جزافاً ولا البيع من الأعمى جزافاً. وتكفي رؤية بعض المبيع المتصل به كمغيب الأصل، وتكفي في الصبرة رؤية ما ظهر منها. ولا تشترط الرؤية إذا ترتب عليها فساد البيع كأواني الخل المختومة التي يفسدها الفتح، ولكن لا بد من بيان صفة ما فيها من الخل.\r-------------------------------\r(1) راجع الشرح الكبير للدردير: 3 ص 20 وما بعدها، بداية المجتهد: 2 ص 157، مواهب الجليل 285/4، الشرح الصغير: 35/3-40، الغرر وأثره في العقود للزميل الدكتور الصدِّيق محمد الضرير: ص 234 وما بعدها.","part":5,"page":347},{"id":3193,"text":"وهذا الشرط متفق عليه أيضاً بين الحنفية والشافعية والحنابلة (1) ، قال الزيلعي: شرط جواز الجزاف: أن يكون مميزاً مشاراً إليه. وعبارة الشافعية والحنابلة: تكفي المشاهدة في الصبرة ونحوها؛ لأن غرر الجهالة ينتفي عنها بها.\r2 - أن يجهل كل من البائع والمشتري قدر المبيع كيلاً أو وزناً أو عدداً، فإن علم قدره أحد العاقدين بإعلام صاحبه بعد انعقاد العقد، كان الآخر بالخيار، وإن استوى الاثنان في العلم بمقداره حين التعاقد فسد العقد، لتعاقدهما على الغرر، وتركهما الكيل أو الوزن، فيرد المبيع إن كان قائماً، وإلا لزم المشتري دفع القيمة (2) . ووجود هذا الخيار دليل على أن هذا الشرط شرط لزوم وليس شرط صحة.\rوقد أشار ابن جزي إلى مخالفة الحنفية والشافعية في هذا الشرط، لكن صرح الشافعية بالموافقة عليه (3) ، ونص الإمام أحمد على أن البائع إذا عرف مقدار شيء لم يبعه صبرة، فإن خالف ذلك وباع مع علمه بمقدار المبيع، فالبيع صحيح لازم لكنه مكروه كراهة تنزيه (4) .\r3 - أن يكون البيع في كل ما كان المقصود منه الكثرة لا الآحاد: فيصح الجزاف في المكيلات والموزونات كالحبوب والحديد، والممسوحات أو المذروعات كالأرضين والثياب، ولا يجوز الجزاف في المعدودات إلا إذا كان في عدّه مشقة؛ لأن العد متيسر لغالب الناس، وهذا هو المراد بالمذكور في الشرط: وهو ألا يكون القصد منه آحاد أو أفراد أعيانه. فإن كان في عده مشقة جاز بيعه جزافاً، وإن كان القصد موجهاً إلى كل فرد من أفراده على حدة لم يجز بيعه جزافاً.\rوعلى هذا يجوز بيع المعدود جزافاً إذا قل ثمن أفراده كالبيض والتفاح والرمان والبطيخ المتماثل في الحجم نسبياً بأن كان كله كبيراً أو كله صغيراً، لا ماكان بعضه صغيراً وبعضه كبيراً. ولا يجوز بيع المعدود جزافاً إن قصد كل فرد من أفراده بثمن معين كالعبيد والثياب والدواب، وحينئذ لا بد من عده، فإن لم تقصد أفراد هذه الأشياء جاز بيعها جزافاً.\r-------------------------------\r(1) تبيين الحقائق للزيلعي: 4 ص 5، المهذب: 1 ص 265، المغني: 4 ص 123.\r(2) انظر القوانين الفقهية لابن جزي: ص 246.\r(3) المجموع للنووي: 9 ص 343.\r(4) المغني: 4 ص 125 وما بعدها.","part":5,"page":348},{"id":3194,"text":"ولا يجوز فيما له خطر وهو بيع الدراهم والدنانير والجواهر جزافاً، ويجوز بيع التبر والفضة غير المسكوكين جزافاً.\rوالخلاصة: متى عدَّ المعدود بلا مشقة لم يجز جزافاً سواء قصدت أفراده أم لا، قل ثمنها أم لا، ومتى عدَّ بمشقة فإن لم تقصد أفراده جاز بيعه جزافاً قل ثمنها أم لا، وإذا قصدت جاز جزافاً إن قل ثمنها ومنع إن لم يقل (1) .\rوأما الحنفية فقد عرفنا الخلاف المذهبي عندهم، فالإمام أبو حنيفة يحصر جواز بيع الجزاف في المكيل والموزون (أي المثليات) في الكيل الواحد منها، والصاحبان يجيزان بيع المجازفة في المكيلات والموزونات والذرعيات كالثياب والأراضي والمعدودات المتقاربة كالجوز والبيض، والعدديات المتفاوتة كالحيوانات، والفتوى على رأيهما للتيسير على الناس كما أوضحت (2) .\rوفي الجملة: يجيز الشافعية والحنابلة أيضاً بيع المكيلات والموزونات والمذروعات والمعدودات جزافاً (3) .\r4 - أن يحزر المبيع بالفعل من أهل الحزر: فلا يصح بيع الجزاف فيما يعسر حزره كعصافير حية ونحوها مما يتداخل مع بعضه كحمام في برج وصغار دجاج في مدجنة كبرى، إلا إذا أمكن معرفتها بالحزر قبل الشراء في وقت هدوها أو نومها، فيجوز عندئذ شراؤها جزافاً.\rوكون العاقدين من أهل الحزر بأنفسهما أو بوكيلهما يتحقق بالممارسة والخبرة والاعتياد.\rووافق الشافعية على هذا الشرط، فقرروا أنه لا بد من معرفة مقدار الصبرة أو التمكن من تخمينه، فأجازوا في الأصح بيع النحل في الكندوج (4) إذا رئي في دخوله وخروجه، ولم يعرف أنه خرج جميعه (5) .\r-------------------------------\r(1) انظر حاشية الدسوقي على الشرح الكبير للدردير: 3 ص 21.\r(2) راجع فتح القدير: 5 ص 88-90، اللباب شرح الكتاب: 2 ص 7 ومابعدها.\r(3) انظر مغني المحتاج: 2 ص 16-17، المغني: 4 ص 124.\r(4) الكندوج ـ بضم الكاف وسكون النون: وهو الخلية، عجمي معرب، ويقال لها الكوارة أيضاً.\r(5) المجموع: 9 ص 345، 353، المهذب: 1 ص 265.","part":5,"page":349},{"id":3195,"text":"5 - أن يكون المبيع كثيراً كثرة غير هائلة: فإن كان كثيراً جداً يمنع بيعه جزافاً، سواء أكان مكيلاً أم موزوناً أم معدوداً لتعذر حزره وتخمينه. وإن لم يكثر جداً يجوز بيعه جزافاً مكيلاً كان أو موزوناً أو معدوداً لإمكان حزره. وأما ما قل جداً فيمنع بيعه جزافاً إن كان معدوداً لأنه لا مشقة في علمه بالعدد، ويجوز إن كان\rمكيلاً أو موزوناً وجهل العاقدان قدر كيله أو وزنه، ولو كان لا مشقة في كيله أو وزنه.\r6 - أن تكون الأرض التي عليها المبيع مستوية علماً أو ظناً: فإن لم تكن مستوية فسد العقد بسبب الغرر الكثير أو الجهالة، أما إن ظن المتعاقدن أنها مستوية ثم تبين في الواقع أن فيها علواً فيمنح المشتري الخيار، وإن كان فيها انخفاض فالخيار للبائع.\rواتفق الشافعية مع المالكية على هذا الشرط، فقرروا في الأصح عندهم أن البيع فاسد إذا كانت الصبرة على موضع من الأرض فيه ارتفاع وانخفاض، أو كان المبيع سمناً ونحوه في ظرف مختلف الأجزاء رقة وغلظاً (1) .\rواشترط الحنابلة أيضاً هذا الشرط، فقرروا كالمالكية أن المشتري بالخيار إذا بان أن الصبرة على ربوة مثلاً، وكذلك البائع بالخيار إذا بان أن تحت الصبرة حفرة لم يكن يعلم بها (2) .\rويظهر لنا أن الحنفية يطالبون أيضاً بتحقق هذا الشرط بدليل أنهم شرطوا في بيع شيء بإناء بعينه لا يعرف مقداره ألا يكون الإناء محتملاً للزيادة والنقصان كأن يكون من خشب أو حديد، أما إذا كان يحتمل أو ينكبس بالكبس كالزنبيل والجوالق والقفة فلا يجوز كما ذكر (3) .\r-------------------------------\r(1) المجموع: 9 ص 315، 345، 350، المهذب: المكان السابق.\r(2) المغني: 4 ص 124 ومابعدها.\r(3) تبيين الحقائق: 4 ص 5، فتح القدير: 5 ص 86.","part":5,"page":350},{"id":3196,"text":"7 - ألا يشتمل العقد الواحد على جزاف من الحب ومكيل منه، من غير جنسه أو من جنسه، ولا على جزاف من الحب مع مكيل من الأرض، ولا على جزاف من الأرض مع الأرض المكيلة؛ فلا يصح بيع هذه الصبرة من القمح مع عشرة أمداد من قمح آخر أو شعير، ولا يجوز بيع هذه الصبرة مع عشرة أذرع من الأرض، ولا يجوز بيع هذه الأرض جزافاً مع مئة متر من أرض أخرى، وسبب منع هذه الصور الثلاث: هو تأثر الشيء المعلوم بجهالة المجهول.\rأما إذا اجتمع في صفقة واحدة شيئان، كل منهما يباع بحسب الأصل الذ ي يباع به، فيجوز، كشراء صبرة حب معلومة القدر، مع أرض مجهولة القدر؛ بألف دينار، لموافقة كل منهما للأصل الذي يباع به، أي لا يمنع اجتماع جزاف أصله أن يباع جزافاً كالأرض ، مع ما أصله أن يباع كيلاً، كالحب المكيل، لمجيء كل منهما على أصله (1) .\r-------------------------------\r(1) راجع الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي: 3 ص 23.","part":5,"page":351},{"id":3197,"text":".............................................5.........................................\r...........................................الربا.........................................\rخطة الموضوع :\rالكلام مقصور على الربا الذي هو أحد أنواع البيوع المنهي عنها قطعاً على ما يأتي:\rالمطلب الأول ـ تعريف الربا وأدلة تحريمه.\rالمطلب الثاني ـ أنواع الربا.\rالمطلب الثالث ـ مذاهب الفقهاء في علة الربا.\rالمطلب الرابع ـ أثر الاختلاف في علة الربا.\rالمطلب الأول ـ تعريف الربا وأدلة تحريمه :\rالربا في اللغة: الزيادة، قال الله تعالى: {فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت} [الحج:5/22] أي زادت ونمت، وقال سبحانه: {أن تكون أمة هي أربى من أمة} [النحل:16/92] أي أكثر عدداً، يقال: ( أربى فلان على فلان ) أي زاد عليه (1) .\rوهو في الشرع: الزيادة في أشياء مخصوصة، وهذا تعريف الحنابلة. وعرفه في الكنز عند الحنفية بأنه: فضل مال بلا عوض في معاوضة مال بمال. ويقصد به فضل مال ولو حكماً، فيشمل التعريف حينئذ ربا النسيئة والبيوع الفاسدة، باعتبار أن الأجل في أحد العوضين فضل حكمي بلا عوض مادي محسوس، والأجل يبذل بسببه عادة عوض زائد (2) .\rوالربا محرم بالقرآن والسنة والإجماع.\rأما القرآن: فقوله تعالى: {وأحلّ الله البيع وحرم الربا} (3) [البقرة:275/2]، {الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس} [البقرة:275/2]. {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين. فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله، وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم لا تَظلمون ولا تُظلمون} [البقرة:278/2-279].\rوكان تحريم الربا سنة ثمان أوتسع من الهجرة.\rوأما السنة: فقوله صلّى الله عليه وسلم : «اجتنبوا السبع الموبقات ـ وذكر منها أكل الربا» (4)\r-------------------------------\r(1) مغني المحتاج: 2 ص 21، نهاية المحتاج: 3 ص 39.\r(2) رد المحتار: 4 ص 184.\r(3) رد الله تعالى بهذا على العرب في الجاهلية الذين كانوا يقولون: إنما البيع الذي لا ربا فيه مثل البيع الذي فيه ربا أي أن الزيادة عند حلول أجل الدين آخراً كمثل أصل الثمن في أول العقد، فبين الله الفرق بين النوعين بأن الزيادة في أحدهما لتأخير الدين وفي الآخر لأجل البيع، وأيضاً فإن البيع بدل البدل لأن الثمن فيه بدل المثمن، والربا زيادة من غير بدل للتأخير في الأجل، أو زيادة في الجنس، (راجع تفسير القرطبي ومجمع البيان للطبرسي).\r(4) أخرجه مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم قال: «اجتنبوا السبع الموبقات، قلنا، وما هنّ يا رسول الله ؟ قال: «الشرك بالله والسحر وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات» (راجع الإلمام بأحاديث الأحكام لابن دقيق العيد: ص 518).","part":5,"page":352},{"id":3198,"text":"وروى ابن مسعود رضي الله عنه قال: « لعن رسول الله صلّى الله عليه وسلم آكل الربا وموكله وشاهده وكاتبه» (1) وروى الحاكم عن ابن مسعود أن النبي صلّى الله عليه وسلم قال: «الربا ثلاثة وسبعون باباً أيسرها مثل أن ينكح الرجل أمه، وإن أربى الربا عرض الرجل المسلم» (2) وستأتي أحاديث أخرى في بحث علة الربا.\rوأجمعت الأمة على أن الربا محرّم، قال الماوردي: «حتى قيل: إنه لم يحلَّ في شريعة قط» ، لقوله تعالى: {وأخذهم الربا وقد نهوا عنه} [النساء:161/4] يعني في الكتب السابقة (3) .\rوالربا المحرم في الإسلام نوعان: أولهما: ربا النسيئة الذي لم تكن العرب في الجاهلية تعرف سواه، وهو المأخوذ لأجل تأخير قضاء دين مستحق إلى أجل جديد، سواء أكان الدين ثمن مبيع أم قرضاً.\rوثانيهما: ربا البيوع في أصناف ستة هي الذهب والفضة والحنطة والشعير والملح والتمر وهو المعروف بربا الفضل. وقد حرم سداً للذرائع، أي منعاً من التوصل به إلى ربا النسيئة، بأن يبيع شخص ذهباً مثلاً إلى أجل ثم يؤدي فضة بقدر زائد مشتمل على الربا.\r-------------------------------\r(1) رواه أبو داود وغيره أن النبي صلّى الله عليه وسلم «لعن آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهده» ورواه مسلم عن جابر قال: «لعن رسول الله صلّى الله عليه وسلم آكل الربا وكاتبه وشاهده، وقال: هم سواء» وللبخاري نحوه من حديث أبي جحيفة، وروى الترمذي وابن ماجه عن أنس قال: «لعن رسول الله صلّى الله عليه وسلم في الخمر عشرة..الحديث» (راجع مجمع الزوائد: 4 ص 118، سبل السلام: 3 ص 36، نيل الأوطار: 5 ص 154).\r(2) رواه ابن ماجه مختصراً والحاكم بتمامه وصححه. وفي معناه أحاديث كثيرة في بعضها: «الربا سبعون باباً» وفي بعضها: «الربا اثنان وسبعون باباً» (راجع مجمع الزوائد: 4 ص 117، سبل السلام: 3 ص 37).\r(3) مغني المحتاج: 2 ص 21، المهذب: 1 ص 270، المغني: 4 ص 1، المبسوط: 12 ص 109، فتح القدير: 5 ص 274، حاشية قليوبي وعميرة: 2 ص 166.","part":5,"page":353},{"id":3199,"text":"والنوع الأول هو المحرم بنص القرآن وهو ربا الجاهلية، وأما الثاني فقد ثبت تحريمه في السنة بالقياس عليه لاشتماله على زيادة بغير عوض، وأضافت السنة تحريم نوع ثالث وهو بيع النَّساء إذا اختلفت الأصناف، فاعتبرته ربا؛ لأن النَّساء في أحد العوضين يقتضي الزيادة. ويساويه في المعنى القرض الذي يجر نفعاً؛ لأنه مبادلة الشيء نفسه (1) .\rوحكم عقد الربا سواء ربا الفضل وربا النسيئة : حرام باطل عند الجمهور، فلا يترتب عليه أي أثر، فاسد عند الحنفية.\rالمطلب الثاني ـ أنواع الربا :\rربا البيع عند جمهور الفقهاء نوعان: ربا الفضل وربا النسيئة (2) . وقد عرف فقهاء الحنفية ربا الفضل (3) الذي هو بيع: بأنه زيادة عين مال في عقد بيع على المعيار الشرعي (وهو الكيل أو الوزن) (4) عند اتحاد الجنس. ولم نقل: (شرطت في عقد بيع ) كما ذكر الكاساني؛ لأن ترك ذلك أولى فإن الربا يتحقق بالزيادة المشروطة وغير المشروطة في البيع أو في القرض، والقصد من قوله (عين مال) هو\r-------------------------------\r(1) راجع الموافقات للشاطبي: 4 ص 40 ط مصطفى محمد.\r(2) البدائع: 5 ص 183، بداية المجتهد: 2 ص 129، حاشية الدسوقي: 3 ص 47، المغني:4 ص 1، أعلام الموقعين: 2 ص 135.\r(3) سماه ابن القيم الربا الخفي الذي كان تحريمه من باب سد الذرائع كما صرح به في حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلّى الله عليه وسلم : «لا تبيعوا الدرهم بالدرهمين فإني أخاف عليكم الرِّماء» أي الربا.\r(4) المعيار الشرعي أي بحسب العادة في بيع الأشياء عند أبي يوسف: وهو الكيل فيما يكال، والوزن فيما يوزن أي أن الربا محصور في دائرة المكيلات والموزونات، والمقصود بقوله «زيادة عين مال» الزيادة المادية الملموسة في أحد العوضين عن الآخر بغض النظر عن الزيادة في القيمة، فإذا حصلت زيادة عينية في مال وجد الربا، وإن كان المالان مختلفين أو متساويين في القيمة الشرائية.","part":5,"page":354},{"id":3200,"text":"أنه ينظر في تحقيق الفضل أو الزيادة إلى المقدار والكمية لا إلى القيمة، واحترز بقيد ( المعيار الشرعي ) عن المذروع والمعدود، فإنه لا يتحقق فيهما ربا. كما لا ربا في الأموال القيمية مثل أنواع الحيوان والبسط والطنافس والأثاث والأراضي والشجر والدور، فلا تحرم فيها الزيادة، فيجوز فيها أخذ كثير مقابل قليل من جنسه؛ لأن القيميات ليست من المقدرات أي مما لا تخضع في مبادلتها لمقدار كيلي أو وزني موحد. وإنما يختص الربا في كل مكيل أو موزون، فلو باع خمسة أذرع من قماش معين بستة أذرع منه، أو بيضة ببيضتين أو شاة بشاتين، جاز بشرط التقابض في المجلس، فإذا كان أحدهما نسيئة لم يجز البيع؛ لأن وجود الجنس فقط كاف لتحريم ربا النَّساء، أي تأجيل أحد البدلين.\rويمكن تعريف ربا الفضل بعبارة أخرى: هو بيع ربوي بمثله مع زيادة في أحد المثلين.","part":5,"page":355},{"id":3201,"text":"والخلاصة: أن تبادل الأموال الربوية يجب فيه التساوي في الكميات المبادلة في الجنس الواحد. والتساوي عند أبي يوسف يعتبر شرعاً بالمقياس العرفي في كل صنف على حدة، فما كان وزنياً عرفاً كالزيت والسمن يجب تساوي الكميتين فيه بالوزن، وما كان كيلياً عرفاً يجب التساوي فيه بالكيل.\rوتحريم الربا في النقدين (الذهب والفضة أو ما يحلّ محلهما من النقود الورقية الرائجة) لا فرق فيه بين المسكوك المصنوع أو التبر غير المصنوع. لذا قال الفقهاء عن الدراهم: تبرها وعينها سواء. إلا أن ابن القيم أجاز بيع المصوغات الذهبية والفضية المباحة الاستعمال كالخاتم والحلية للنِّساء بأكثر من وزنها ذهباً أو فضة، رعاية للصنعة ولحاجة الناس إلى ذلك (1) .\rوأما ربا النسيئة (2) الذي هو بيع، فقد عرفه الحنفية بأنه: فضل الحلول على الأجل، وفضل العين على الدين في المكيلين أو الموزونين عند اختلاف الجنس (3) ، أو في غير المكيلين أو الموزونين عند اتحاد الجنس (4) ، أي أن يباع الجنس الواحد ببعضه، أو بجنس آخر مع زيادة في الكيل أو الوزن في نظير تأخير القبض، كبيع صاع من الحنطة بصاع ونصف يدفع له بعد شهرين،وكبيع صاع من القمح بصاعين من الشعير يدفعان له بعد ثلاثة أشهر، أو بدون زيادة كبيع رطل من التمر ناجز تسليمه برطل آخر من التمر مؤجل التسليم، وهذه أمثلة المكيل أو الموزون عند اختلاف الجنس أو اتحاده. وأما مثال غير المكيل أو الموزون عند اتحاد الجنس فهو بيع تفاحة بتفاحتين أو سفرجلة بسفرجلتين لشهر مثلاً (5) . ففي كل هذه الأمثلة يوجد ربا النسيئة لاشتماله على زيادة في أحد العوضين بدون مقابل، وأما سبب التحريم عند التساوي قدراً فهو بسبب الزيادة في القيمة، إذ لا يقبل أحد العاقدين عادة\r-------------------------------\r(1) أعلام الموقعين: 2 ص 140.\r(2) سماه ابن القيم الربا الجلي: وهو الذي كانوا يفعلونه في الجاهلية، فيقول الدائن للمدين عند حلول الأجل: أتقضي أم تربي؟ وهذا هو الربح المركب.\r(3) أي وكذا عند اتحاد الجنس من باب أولى.\r(4) البدائع: 5 ص 183، رد المحتار: 4 ص 184 ومابعدها.\r(5) إن الزيادة المادية التي سيحصل عليها البائع بعد مدة كانت في مقابل تسليم المشتري في الحال مداً من الحنطة. وهذا هو المقصود بفضل الحلول على الأجل أي أن المال المدفوع في الوقت الحاضر أكثر أهمية من المدفوع في المستقبل، وأما المقصود بفضل العين على الدين فهو أن الشيء المعين بذاته يكون أكثر أهمية من الشيء المعين بنوعه إذ قد يختلف هذا عن الوصف، وقد لا يقوم البائع بتسليم ما يجب عليه، كما في شراء كمية محددة المقدار غير معينة الذات من القمح أو السكر أو نحوهما في مقابل مقدار معين من الشعير مثلاً، فالمبيع في هذه الحالة يكون من قبيل الدين لا العين، والثمن هوالعين. وبه يتبين أن المساواة بين البدلين في العينية مطلوبة احترازاً عن شبهة الفضل الذي هو ربا، لأن العين خير من الدين، وإن كان حالاً، ولهذا لم يجز أداء زكاة العين من الدين، واشتراط التعيين مأخوذ من نص الحديث «يداً بيد» لأن اليد آلة التعيين، كالإحضار والإشارة، كما أن شرط المماثلة مأخوذ من قوله «مثلاً بمثل» فأصبح التعيين في البدلين الربويين أمراً مطلوباً، لتحقيق المساواة بينهما، كما أن تعيين أحد البدلين شرط لجواز كل بيع، احترازاً عن الدين بالدين الذي هو نسيئة بنسيئة، وهو ربا.","part":5,"page":356},{"id":3202,"text":"تأجيل تسليم أحد العوضين إلا عند وجود الزيادة به في القيمة (1) . والمعجل عادة أكثر من المؤجل، كما أن العين أفضل من الدين، إذ قد لا يقوم المدين بالتسليم، وقد يكون مخالفاً للمتفق عليه.\rوذهب ابن عباس وأسامة بن زيد بن أرقم والزبير وابن جبير وغيرهم إلى أن الربا المحرم فقط: هو ربا النسيئة لقوله عليه الصلاة و السلام فيما يرويه الشيخان من حديث أسامة: «لا ربا إلا في النسيئة» وهؤلاء يرد عليهم بالأحاديث التي ثبت بها تحريم ربا الفضل، لذا نقل جابر بن زيد أن ابن عباس رجع عن قوله، ثم جاء إجماع التابعين على تحريم الربا بنوعيه، فرفع الخلاف. وأما تأويل الحديث السابق فهو أن النبي صلّى الله عليه وسلم سئل عن مبادلة الحنطة بالشعير والذهب بالفضة إلى أجل، فقال النبي صلّى الله عليه وسلم «لا ربا إلا في النسيئة» فهذا بناء على ما تقدم من السؤال، فكأن الراوي سمع قول رسول الله صلّى الله عليه وسلم ، ولم يسمع ما تقدم من السؤال أو لم يشتغل بنقله (2) أو أن القصد من قوله «لا ربا» الربا الأكمل الأعظم\r-------------------------------\r(1) الموافقات للشاطبي: 4 ص 42.\r(2) راجع المبسوط للسرخسي: 12 ص 112، تكملة المجموع للسبكي: 10 ص 48.","part":5,"page":357},{"id":3203,"text":"خطورة، الأكثر وقوعاً، الأشد عقوبة، كما تقول العرب: «لا عالم في البلد إلا فلان» مع أن فيها علماء غيره، وإنما القصد نفي الأكمل علماً، لا نفي أصل العلم.\rوربا البيع عند الشافعية ثلاثة أنواع :\r1 - ربا الفضل: وهو البيع مع زيادة أحد العوضين عن الآخر أي أن الزيادة مجردة عن التأخير.وهو لا يكون إلا في بدلين متحدي الجنس مثل كيلة قمح بكيلة ونصف مثلاً من القمح، وغرام ذهب بغرام ونصف ، وهذا باتفاق العلماء، بدليل\rحديث أبي سعيد الخدري عند الشيخين: «لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلاً بمثل، ولاتُشِفّوا بعضها على بعض، ولا تبيعوا الوَرِق بالوَرِق إلا مثلاً بمثل، ولا تشفُّوا بعضها على بعض» . والورق: الفضة، ولا تشفوا: لا تفضلوا.","part":5,"page":358},{"id":3204,"text":"2 - وربا اليد: وهو البيع مع تأخير قبض العوضين أو قبض أحدهما من غير ذكر أجل، أي أن يتم بيع مختلفي الجنس كالقمح بالشعير من غير تقابض في مجلس العقد. وهذا النوع داخل في تعريف ربا النسيئة عند الحنفية في قولهم: «فضل العين على الدين» وهو مفرع على شرط التقابض في المالين الربويين، ففيه يحدث التأخير في قبض البدلين أو أحدهما عن مجلس العقد بالفعل لا بالشرط. ودليله حديث عمر عند البخاري ومسلم: «الذهب بالذهب ربا إلا هاء وهاء» أي خذ وأعط.\r3 - وربا النسيئة: وهو البيع لأجل أي البيع نسيئة إلى أجل ثم الزيادة عند حلول الأجل، وعدم قضاء الثمن في مقابلة الأجل، أي أن الزيادة في أحد البدلين من غير عوض في مقابلة تأخير الدفع، سواء من جنس واحد أم جنسين مختلفين، وسواء أكانا متساويين أم متفاضلين، ودليل تحريمه حديث عبادة عند مسلم: «فإذا اختلفت هذه الأجناس فبيعوا كيف شئتم إذا كان يداً بيد» أي مقابضة، وحديث أبي سعيد الخدري عند الشيخين: «ولا تبيعوا منها غائباً بناجز» أي مؤجلاً بحاضر، ورواية مسلم: «مثلاً بمثل يداً بيد» .\rوكل من ربا اليد وربا النسيئة لا يكون عند الشافعية إلا في بدلين مختلفي الجنس. والفرق بينهما أن ربا اليد في حالة تأخير القبض. وربا النسيئة في حالة تأخير الاستحقاق بذكر الأجل في العقد ولو قصيراً، يعني أن الشافعية قصروا ربا النسيئة على حالة البيع الذي يصاحبه أجل. وأما ربا اليد فهو في حالة البيع الحال المنجز مع تأخير القبض. وزاد المتولي من الشافعية: ربا القرض","part":5,"page":359},{"id":3205,"text":"المشروط فيه جر نفع، قال الزركشي: ويمكن رده لربا الفضل (1) .\rوالخلاصة: أن ربا النسيئة هو تأخير الدين في مقابل الزيادة على مقداره الأصلي (وهذا هو ربا الجاهلية)، أو تأخير قبض أحد البدلين في بيع المال الربوي بجنسه. وأما ربا الفضل: فهو زيادة أحد البدلين على الآخر في مبادلة المال الربوي بجنسه مناجزة (2) . فإن قال تاجر عن سلعة: ثمنها حالاً خمس ليرات مثلاً، ومؤجلاً إلى شهر (كذا) بستة، فهذا البيع المؤجل جائز، إذ ليس فيه شيء من الربا، لاختلاف الجنس في البدلين، وبعض العلماء من الزيدية يحرمه لوجود الربا فيه.\rذرائع الربا وشبهاته: قال ابن كثير: وإنما حرمت المخابرة: وهي المزارعة ببعض ما يخرج من الأرض، والمزابنة: وهي اشتراء الرطب في رؤوس النخل بالتمر على وجه الأرض، والمحاقلة: وهي اشتراء الحب في سنبله في الحقل بالحب على وجه الأرض، إنما حرمت هذه الأشياء وما شاكلها حسماً لمادة الربا، لأنه لا يعلم التساوي بين الشيئين قبل الجفاف، ولهذا قال الفقهاء: الجهل بالمماثلة كحقيقة المفاضلة. ومن هذا حرموا أشياء بما فهموا من تضييق المسالك المفضية إلى الربا، والوسائل الموصلة إليه.. إلخ (3) .\rالمطلب الثالث ـ مذاهب الفقهاء في علة الربا :\rاتفق الفقهاء على تحريم ربا الفضل في سبعة أصناف منصوص عليها:\rالذهب، والفضة، والبر، والشعير، والتمر، والزبيب، والملح. فيحرم التفاضل فيها مع اتحاد الجنس، واختلفوا فيما عداها:\rطائفة: قصرت التحريم عليها، وهم الظاهرية.\rوطائفة: حرمته في كل مكيل أو موزون بجنسه، وهذا مذهب أحمد في ظاهر مذهبه، وأبي حنيفة.\r-------------------------------\r(1) نهاية المحتاج:39/3، مغني المحتاج: 21/2، حاشية قليوبي وعميرة: 167/2، حاشية الشرقاوي: 30/2 وما بعدها.\r(2) أصول البيوع الممنوعة: ص 95.\r(3) راجع تفسير ابن كثير: 327/1.","part":5,"page":360},{"id":3206,"text":"وطائفة: خصته بالنقدين أو بالطعام وإن لم يكن مكيلاً ولا موزوناً، وهو قول الشافعي، ورواية عن الإمام أحمد. والطعام عندهم: كل ما يؤخذ اقتياتاً أو تفكهاً أو تداوياً.\rوطائفة: خصته بالطعام إذا كان مكيلاً أو موزوناً، وهو قول سعيد بن المسيب، ورواية عن أحمد وقول للشافعي.\rوطائفة: خصته بالقوت، وما يصلحه: وهو قول مالك، واعتبره ابن القيم أرجح الأقوال (1) .\rوأبين أهم هذه الآراء:\r1 - مذهب الحنفية: قال ا لحنفية : علة ربا الفضل أو الضابط الذي تعرف به الأموال الربوية: هي الكيل أو الوزن مع اتحاد الجنس، فعند اجتماعهما: يحرم الفضل والنَّساء (2) أي أن العلة في الأشياء الأربعة المنصوص عليها (البر والشعير والتمر والملح): هي الكيل مع الجنس. وفي الذهب والفضة: العلة هي الوزن مع\r-------------------------------\r(1) أعلام الموقعين: 136/2.\r(2) البدائع: 183/5، فتح القدير: 274/5، مختصر الطحاوي: ص 75، المبسوط: 110/12،الدر المختار: 186/4.","part":5,"page":361},{"id":3207,"text":"الجنس، فلا تتحقق علة ربا الفضل إلا باجتماع الوصفين معاً: وهما القدر والجنس أي القدر المعهود في الشرع بكيل أو وزن (1) مع الجنس، أي أن الربا يكون في الأموال التي يجمعها جنس وقدر واحد، كبيع الذهب بالذهب إذا زاد أحد البدلين على الآخر، فإن الزيادة تكون حينئذ ربا؛ لأن كلاً من البدلين موزون، وهو المراد بالقدر. وعلى هذا فإن الأموال المثلية (المكيلات والموزونات) هي التي يجري فيها الربا. وأما الأموال القيمية كالحيوان والدور وأنواع الطنافس والجواهر والآلئ، فلا يجري فيها الربا، فيجوز مبادلة الكثير بالقليل كغنمة بغنمتين؛ لأن القيميات ليست من المقدرات، أي التي تجمع بين أفرادها وحدة مقياس ومقدار.\rوالأصل في هذا حديث صحيح رواه أبو سعيد الخدري وعبادة بن الصامت رضي الله عنهما عن النبي صلّى الله عليه وسلم أنه قال: «الذهب بالذهب (2) مثلاً بمثل، يداً بيد، والفضل ربا، والفضة بالفضة مثلاً بمثل، يداً بيد، والفضل ربا، والحنطة بالحنطة مثلاً بمثل، يداً بيد، والفضل ربا، والشعير بالشعير مثلاً بمثل، يداً بيد، والفضل ربا، والتمر بالتمر مثلاً بمثل، يداً بيد، والفضل ربا، والملح بالملح مثلاً بمثل، يداً بيد، والفضل ربا» .\rوعلى هذا فإن ربا الفضل يختص بالمقدرات المثلية من مكيل أو موزون فقط، لا مذروع أو معدود، فليس فيه ربا. وأما الأموال القيمية كأفراد الحيوان والطنافس والأراضي والدور والأشجار، فلا يجري فيها ربا الفضل، لأنها ليست من المقدَّرات (أي التي تجمع بين أفرادها وحدة مقياس ومقدار معين)، فيجوز إعطاء الكثير منها في مقابل القليل من جنسه كبيع غنمة\r-------------------------------\r(1) والمعتبر في الموزون والمكيل: ما كان عليه عرف المسلمين في صدر الإسلام لما روى أبو داود والنسائي عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم قال: «الوزن وزن أهل مكة، والمكيال مكيال أهل المدينة» (راجع جامع الأصول: 371/1، التلخيص الحبير: ص 183)، ويرى أبو يوسف أن المقياس المعتبر في الأصناف الربوية هو المقياس العرفي الحاضر وأنه يتبدل بتبدل العرف في كل زمان ومكان (المدخل الفقهي للأستاذ الزرقاء: ف 514).\r(2) أي بيع الذهب بالذهب.","part":5,"page":362},{"id":3208,"text":"بغنمتين؛ لأن ربا الفضل زيادة أحد المتجانسين على الآخر في المقدار والكمية، والقيميات ليست من المقدرات (1) .\rوحكمة التحريم: هي دفع الغبن عن الناس، وعدم الإضرار بهم، مما قد يظن بأن في أحد الجنسين معنى زائداً عن الآخر. والأصل في تحريمه هو من باب سد الذر ائع، لأنهم إذا باعوا درهماً بدرهمين، ولا يفعل هذا عند اتحاد الجنس إلا للتفاوت الذي بين النوعين: إما في الجودة، وإما في نوع السكة، وإما في الثقل والخفة وغيرها، تدرجوا بالربح المعجل فيها إلى الربح المؤخر: وهو عين ربا النسيئة، أما تحريم ربا الفضل عند اختلاف الجنسين كبيع القمح بالشعير أحدهما معجل والآخر مؤجل، فهو أيضاً من قبيل سد الذرائع، كيلا يتخذ جواز التفاضل عند اختلاف الجنسين ذريعة ووسيلة إلى ربا النسيئة، فيستقرض الشخص ذهباً مثلاً إلى أجل، ثم يوفي فضة أكثر منه بقدر الربا المراد. وبذلك وضع الشرع الحكيم مقياساً مبسطاً في يد أكثر الناس لتقويم الأصناف المختلفة، دون حاجة إلى البحث عن الفروق النوعية في الصنف الواحد.\rوقد لا يكون سبب التحريم هو سد الذرائع، كما في أخذ كثير رديء في قليل جيد، فزيادة الرديء تقابل بجودة الجيد، لكنه مع ذلك حرام؛ لأن هناك غرراً كبيراً لا يعلم معه أيهما غبن (2) .\r-------------------------------\r(1) المدخل إلى نظرية الالتزام للأستاذ الزرقاء: ص 139، الدر المختار: 185/4.\r(2) الموافقات للشاطبي وتعليقاته: 42/4، القياس لابن القيم: ص 114، أعلام الموقعين، المرجع السابق، الفقه على المذاهب الأربعة: 247/2 وما بعدها، المدخل الفقهي، المرجع السابق. وربا الفضل قليل الوقوع في المعاملة، مثاله: أن يشتري رجل مداً من القمح بمدين من القمح مقايضة: بأن تسلّم كل من البائع والمشتري ماله.","part":5,"page":363},{"id":3209,"text":"ولا يقتصر الربا على ما فيه استغلال، فقد يكون ربا الجاهلية من أجل الاستثمار، ويرد المقترض للمقرض رأس المال والفوائد الربوية المتفق عليها، وقد سوى الرسول صلّى الله عليه وسلم في تحريم الربا بين المحتاج والمستغل حيث قال: «فمن زاد أو استزاد فقد أربى، الآخذ والمعطي فيه سواء» ولعن الرسول صلّى الله عليه وسلم آكل الربا وموكله على السواء (1) .\rقدر ربا الفضل: القدر الذي يتحقق فيه الربا من الطعام: هو ما كان نصف صاع (2) فأكثر، لأنه لا تقدير في الشرع بما دون ذلك (3) . فإذا كان أقل من نصف صاع، فإنه يصح فيه الزيادة، فيجوز أن يشتري حفنة من القمح بحفنتين (4) يداً بيد، أو تفاحة بتفاحتين مع التقابض، وهكذا إلى أن يبلغ نصف صاع، لعدم وجود المعيار المبيِّن للمساواة، فلم يتحقق الفضل أي الزيادة.\rوأما القدر الذي يتحقق فيه الربا من الموزون: فهو ما دون الحبة (5) من الذهب والفضة.\rولكن يشترط في صحة البيع في مثل ذلك تعيين البدلين، فلو كان غير معينين أو أحدهما لم يجز اتفاقاً (6) .\rنوع العلة: وهكذا كل ما تحققت فيه هذه العلة (القدر المتفق مع الجنس المتحد) فإنه يشتمل على الربا، سواء أكان مطعوماً أم غير مطعوم، فيقاس على القمح والشعير المذكورين في حديث ربا الفضل: كل ما يباع بالكيل كالذرة والأرز والسِّمسِم والحِلْبة والجص، إذا كان يباع بالكيل. ويقاس على الذهب والفضة: كل ما يباع بالوزن كالرصاص والنحاس والحديد.\r-------------------------------\r(1) حكم ودائع البنوك للدكتور علي السالوس: ص 64.\r(2) نصف الصاع حوالي 1350 غم أي كيلو وأوقيتان إلا ربعا، أو سبع أواق إلا ربعاً، أو 540 درهماً.\r(3) فتح القدير: 278/5، الدر المختار: 188/4.\r(4) الحفنة: ملء الكفين.\r(5) المراد منها حبة شعير معتدل قطع من طرفيها ما دق وطال، مع العلم بأن الدرهم يساوي خمسين حبة وخمسي حبة ( 50 و 2/5 ) أي (975،2 غم).\r(6) الدر المختار: 189/4، 191.","part":5,"page":364},{"id":3210,"text":"وأما الذي لا يباع بالكيل ولا بالوزن كالمعدود والمذروع: فإنه لا يشتمل على ربا الفضل،فيصح بيع البيضة بالبيضتين، والذراع من قماش بذراعين من قماش من جنسه، بشرط القبض.\rمقياس الأموال الربوية: يلاحظ أن ما نص الشارع على كونه كيلياً كبُر وشعير وتمر وملح، أو وزنياً كذهب وفضة، فإنه يظل كذلك لا يتغير أبداً، وإن ترك الناس التعامل فيه كما كان في الماضي. وهذا رأي جمهور الحنفية، والشافعية والحنابلة، لقول النبي صلّى الله عليه وسلم : «المكيال مكيال أهل المدينة، والوزن وزن أهل مكة» (1) ، فلا يصح بيع الحنطة بالحنطة بوزن متساو، ولا بيع الذهب بالذهب أو الفضة بالفضة بكيل متساو؛ لأن النص أقوى من العرف، والأقوى لا يترك بالأدنى. وقد أشرت إلى أن أبا يوسف ذهب إلى أن المقياس المعتبر في الأموال الربوية في المنصوص عليه وغيره هو المقياس العرفي وأنه يتبدل بتبدل العرف، ورأيه أقوى حجة؛ لأن النص الذي ورد بلزوم التساوي في الربويات كيلاً أو وزناً، مراعى فيه المقياس المتعارف في عهد النبي عليه الصلاة والسلام، وإثبات العلة في المقيس على النص مما يدرك هنا بالعرف، ويؤيده أن المالكية قالوا: إذا اختلفت عوائد الناس في الكيل أو الوزن اعتبرت عادة البلد الذي تم فيه التعاقد.\r-------------------------------\r(1) رواه أبو داود والنسائي عن عبد الله بن عمر، وأخرجه أيضاً البزار، وصححه ابن حبان والدارقطني (نيل الأوطار: 198/5).","part":5,"page":365},{"id":3211,"text":"وأما ما لم ينص عليه الشارع فهو محمول على عادات الناس وأعرافهم في التعامل في الأسواق (1) .\rجيد المال ورديئه :\rيلاحظ أيضاً أن جيد مال الربا ورديئه سواء، فلا يجوز بيع الجيد بالرديء مما فيه الربا إلا مثلاً بمثل؛ لأن الجودة ساقطة في الأموال الربوية، للقاعدة الشرعية: «جيدها ورديئها سواء» (2) . ولحديث أبي سعيد الخدري عند الشيخين المتقدم: «ولاتُشفّوا بعضها على بعض» أي لاتزيدوا. والحكمة من ذلك هي ألا يؤدي مبادلة الجيد بالرديء إلى نقض ما شرعه الشارع من منع التفاضل؛ لأن الناس عادة لا يبادلون شيئاً آخر، إذا كانا متساويين من كل الوجوه، وإنما يبادلون الجنس بجنسه لما بينهما من التفاوت، فلو أجيز لهم مبادلة شيء بآخر من جنسه لما فيه من صفة هي أجود، لم يحرم عليهم ربا الفضل، وكان تحريم مبادلة الجيد بالرديء دفعاً لشبهة الربا، وسداً للذرائع (3) . وبناء عليه حرم المالكية بيع المراطلة: وهي بيع النقد بصنفه وزناً، وكان هناك اختلاف بين الذهبين في الجودة والرداءة.\rولا عبرة بالصنعة في النقدين: الذهب والفضة، فيجب التماثل في الوزن في التبادل بين البدلين، دون زيادة، فلو باع شخص غيره ذهباً مصوغاً حلياً بسبيكة، وجب التماثل في الوزن، ويحرم وجود الزيادة في أحد العوضين، لحديث الخدري عند الشيخين: «لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلاً بمثل.. ولا تبيعوا الورِق بالورِق إلا مثلاً بمثل» والذهب والفضة يشمل المسكوك وغير المسكوك.\rعلة ربا النسيئة :\r-------------------------------\r(1) فتح القدير: 282/5، الدر المختار: 189/4، الفروق للقرافي: 264/3 وما بعدها، القوانين الفقهية: ص 254، مغني المحتاج: 24/2، المغني: 17/4، الأم: 70/3.\r(2) ذكرها الحنفية حديثاً، وهو غريب كما قال الزيلعي، ومعناه يؤخذ من إطلاق حديث ابن المسيب عن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة في مبادلة التمر الجنيب (الطيب) بتمر رديء من خيبر، وقوله عليه السلام: «لا تفعل ولكن بع هذا، واشتر بثمنه من هذا» (نصب الراية: 36/4-37).\r(3) أعلام الموقعين: 143/2، مصادر الحق للسنهوري: 206/3.","part":5,"page":366},{"id":3212,"text":"إن علة ربا النسيئة وهو ربا الجاهلية: هي أحد وصفي علة ربا الفضل: إما الكيل أو الوزن المتفق، أو الجنس المتحد (1) ، ومثاله: أن يشتري إنسان صاعاً من القمح في زمن الشتاء بصاع ونصف يدفعهما في زمن الصيف، فإن (نصف الصاع) الذي زاد في الثمن، لم يقابله شيء من المبيع، وإنما هو في مقابل الأجل فقط، ولذا سمي ربا النسيئة أي التأخير في أحد البدلين، فالزيادة في أحد العوضين في مقابلة (تأخير الدفع) سواء اتحد المقدار أو اختلف. وقد كان أهل الجاهلية إذا داين الرجل منهم أخاه، ثم حل أجل الدين، قال له: (إما أن تقضي أو تُربي)، فإما قضاه، وإما أجله وزاده شيئاً على رأس ماله، وفي هذا إرهاق للمدين، وإضرار به؛ لأن الدين قد يستغرق ماله.\rوعلى هذا: إذا وجد القدر المتفق وحده كالحنطة بالشعير، أو الجنس المتحد وحده كتفاحة بتفاحتين، أو شعير بشعير، حرم النَّساء (2) ، ولو كان البدلان متساويين، حتى لو باع ملحاً بملح مثله إلى أجل، لم يجز، لوجود اتحاد الجنس. وهكذا فإن حرمة ربا الفضل تتحقق بوصفين، وحرمة النَّساء بأحد الوصفين.\r-------------------------------\r(1) البدائع: 183/5، فتح القدير: 279/5، مختصر الطحاوي: ص 75. والمقصود بالقدر المتفق: أن يكون البدلان من فئة واحدة: إما فئة المكيلات أو فئة الموزونات. وأما الجنس المتحد فمعناه أن يكون جنس البدلين من جنس الآخر كحنطة مقابل حنطة أو ذهب مقابل ذهب مثلاً.\r(2) الحكمة في أنه يجوز بيع مد حنطة بمدي شعير حالاً ولا يجوز نسيئه: هو أن البيع في الحالة الأولى لم يكن القصد منه: هو الاستغلال، وإنما تأمين الحاجة، وفي إلزامهم المساواة بالبيع إضرار بالناس، وأما في الحالة الثانية فالبيع أقرب إلى القرض، فهو مظنة لاستغلال الحاجة عند المحتاج، وتكون الزيادة مقابل الأجل، فيحرم النساء سداً لذريعة « إما أن تقضي وإما أن تربي » . أما إذا بيعت الحنطة مثلاً بالدراهم نَساء فذلك جائز لحاجة الناس إليه.","part":5,"page":367},{"id":3213,"text":"وبما أن اتحاد الجنس كاف وحده لتحريم النسيئة، فلا يعتبر القدر هنا (وهو نصف صاع فأكثر) فلا يجوز بيع حفنة قمح بحفنتين إلى أجل، ولا تفاحة بتفاحتين، ولا بِطِّيخة ببطيختين إلى أجل ونحوها، لاتحاد الجنس، بخلاف ربا الفضل كما تقدم.\rفإذا انتفى الجنس كحفنة بر بحفنتي شعير، يحل في الأرجح البيع مطلقاً: حالاً ونسيئة، لعدم وجود علة كل منهما. وذكر عن الإمام محمد أنه حرم ذلك كله، وقال: كل شيء حرم في الكثير فالقليل منه حرام.\rحكمة التحريم :\rإن حكمة تحريم ربا النسيئة إجمالاً: هي ما فيه من إرهاق المضطرين، والقضاء على عوامل الرفق والرحمة بالإنسان، ونزع فضيلة التعاون والتناصر في هذه الحياة، واستغلال القوي لحاجة الضعيف، وإلحاق الضرر العظيم بالناس، فإذا صارت النقود محلاً للتعامل بزيادة ربوية، كالسلع العادية حالاً أو نسيئة، اختل معيار تقويم الأموال الذي ينبغي أن يكون محدوداً مضبوطاً لا يرتفع ولاينخفض. وإذا جاز ربا النسيئة في المطعومات ببيع بعضها ببعض لأجل، اندفع الناس إلى هذا البيع، طمعاً في الربح، فيصبح وجود الطعام حالاً عزيز المنال، فيقع الضرر في أقوات العالم (1) :\r-------------------------------\r(1) القياس لابن القيم: ص 114، الفقه على المذاهب الأربعة: 246/2، أعلام الموقعين: 137/2 وما بعدها، الدر المختار: 189/4، فتح القدير: 278/5، 286.","part":5,"page":368},{"id":3214,"text":"ربا المصارف: إن من ربا النسيئة كما سأوضح في آخر الموضوع: ما هو معروف اليوم في المصارف أو البنوك من إعطاء مال أو قرض مال لأجل بفائدة سنوية أو شهرية كسبعة في المئة أو خمسة أو اثنين ونصف، فهو أكل لأموال الناس بالباطل. وإن مضار الربا متحققة فيه، فحرمته كحرمة الربا، وإثمه كإثمه (1) ، أي إنه ربا نسيئة، بدليل قوله تعالى: {وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم} [البقرة:279/2]. وقد أصبح الربا في عرف الناس اليوم، لا يطلق إلا على ربح المال عند تأخيره، وهو ربا النسيئة الذي كان أهل الجاهلية يفعلونه. وأما ربا الفضل فهو نادر الحصول، وبه يظهر المقصود من الحديث السابق: «إنما الربا في النسيئة» وهو التنبيه على خطره وكثرة وقوعه، كما تقدم سابقاً.\rومن المعلوم أنه يمنع البنك من التجارة والاستثمار، ومهمته الأساسية الاقتراض من المودعين والإقراض لآخرين مقترضين، ويدفع للمودعين فائدة الودائع، ويأخذ من ا لمقترضين فائدة الإقراض، والفرق بين الفائدتين هو المصدر الأساسي لإيرادات البنك. فتكون مهمة البنوك هي الاتجار في الديون. والوظيفة الثانية للبنوك هي ( خلق الديون أو الائتمان ) أي إقراض ما لم تقترضه فعلاً من أحد أو تحوزه، أو إقراض مالا تملكه (2) .\rالجنس المتحد والمختلف: يحرم كما أبنت بيع الجنس بجنسه متفاضلين، ويجوز التفاضل بين مختلفي الجنس عند الحنفية، إلا في لحم الطير، فيجوز بيع لحم الجنس الواحد منه، كالسُّماني والعصافير متفاضلاً، لأنه ليس مالاً ربوياً، إذ لا يباع وزناً ولا كيلاً، لكن يستثنى لحم الدجاج والإوز، لأنه يوزن عادة، فيحرم بيعه متفاضلاً.\r-------------------------------\r(1) الفقه على المذاهب الأربعة: 247/2، أصول البيوع الممنوعة للأستاذ عبد السميع: 118.\r(2) حكم ودائع البنوك وشهادات الاستثمار في الفقه الإسلامي للدكتور علي السالوس: ص40.","part":5,"page":369},{"id":3215,"text":"والضابط لاختلاف الجنس عند الحنفية: هو بحسب اختلاف الأصل كخل التمر مع خل العنب، ولحم البقر مع لحم الضأن، أو باختلاف المقصود كشعر المعز وصوف الغنم، فإنه يختلف القصد من استعمال كل منهما في الصناعات، أو بتبدل الصفة كالخبز مع الحنطة، فإن الخبز صار عددياً أو موزوناً، والحنطة مكيلة. وعلى هذا فتعتبر لحوم الإبل والبقر والغنم وألبانها أجناساً مختلفة، فيجوز التفاضل فيما بينها، والحنطة والشعير والذرة ونحوها أجناس مختلفة، والخبز مع الدقيق أو الحنطة جنسان، والشحم مع اللحم جنسان، والزيت مع الزيتون، والزيت المطبوخ بغير المطبوخ، جنسان لاختلاف المقصود والغرض منهما، وهكذا بحسب الضابط المذكور (1) .\rأدلة الحنفية: استدل الحنفية على أن علة الربا هي الكيل أو الوزن: بأن التساوي أو المماثلة في العوضين شرط في صحة البيع، وحرمة الربا لوجود فضل مال خال عن العوض، وهذا يوجد في غير المنصوص عليه في الحديث السابق، مثل الجص والحديد ونحوهما. والتساوي أو المماثلة بين الشيئين يكون باعتبار الصورة والمعنى. والقدر المتفق (وهو الكيل أو الوزن) يحقق المماثلة صورة، والجنس يحقق المماثلة معنى؛ لأن المجانسة في الأموال عبارة عن تقارب المالية، فالقفيز يماثل القفيز (2) ، والدينار يماثل الدينار، فيكون القفيز الزائد فضل مال خال عن العوض يمكن التحرز عنه في عقد المعاوضة، فكان ربا، وهذا المعنى لا يخص المطعومات والأثمان،بل يوجد في كل مكيل يباع بجنسه، وموزون يبادل بمثله (3) .\rوبعبارة أخرى: إن المراد من الحنطة مثلاً في الحديث السابق هو أنها مال\r-------------------------------\r(1) فتح القدير: 297/5 ومابعدها، الدر المختار ورد المحتار: 193/4 وما بعدها.\r(2) القفيز: مكيال، وهو ثمانية مكاكيك والمكوك: صاع ونصف.\r(3) المبسوط: 116/12، البدائع: 184/5، فتح القدير: 277/5.","part":5,"page":370},{"id":3216,"text":"متقوم، لأن البيع لا يصح إلا على مال متقوم؛ ولا يعلم ماليتها، إلا بالكيل، فصارت صفة الكيل ثابتة بمقتضى النص، فكأنه عليه السلام قال: الذهب الموزون بالذهب، والحنطة المكيلة بالحنطة. وإذا كان المطلوب للتخلص من الربا هو المماثلة بين العوضين، فإن المماثلة في الكيل أو الوزن هي طريق الخلاص من الحرام، والحفنة والتفاحة لاتقبل المماثلة، فلم تكن من أموال الربا (1) أي ربا الفضل، لا ربا النسيئة فإنها من أموال الربا فيها.\rويلاحظ أن الحنطة كلها على اختلاف أنواعها وأوصافها وبلدانها جنس واحد، ومثلها الشعير، ودقيقهما، وكذلك التمر، والملح، والعنب، والزبيب، والذهب، والفضة، فلا يجوز بيع كل مكيل أو موزون من ذلك بجنسه متفاضلاً في الكيل أو الوزن، وإن تساويا في النوع والصفة (2) .\r2 - مذهب المالكية :\rقال المالكية في ظاهر المذهب: علة تحريم الزيادة في الذهب والفضة هي النقدية (أي الثمنية)، أما في الطعام: فإن العلة عندهم تختلف بين ربا النسيئة وربا الفضل.\rالعلة في تحريم ربا النسيئة: هي مجرد المطعومية على غير وجه التداوي، سواء وجد الاقتيات والادخار، أو وجد الاقتيات فقط، أو لم يوجد واحد منهما، مثل أنواع الخضر من قثاء وبطيخ وليمون وخس وجزر، وقلقاس، وأنواع الفاكهة الرطبة كالتفاح والموز.\rوأما العلة في تحريم ربا الفضل فهي أمران: الاقتيات والادخار، أي أن يكون الطعام مقتاتاً ، والمعنى أن الإنسان يقتات به غالباً بحيث تقوم عليه بنيته، بمعنى أنه لو اقتصر عليه يعيش بدون شيء آخر، دون أن تفسد البنية كالحبوب كلها والتمر والزبيب واللحوم والألبان وما يصنع منها. وفي معنى الاقتيات: إصلاح القوت كملح ونحوه من التوابل والخل والبصل والثوم والزيت.\r-------------------------------\r(1) مصادر الحق للسنهوري: 180/3.\r(2) البدائع: 187/5، المبسوط: 122/12.","part":5,"page":371},{"id":3217,"text":"ومعنى كونه صالحاً للادخار: أنه لا يفسد بتأخيره مدة من الزمن، لا حد لها في ظاهر المذهب، وإنما بحسب الأمد المبتغى منه عادة في كل شيء بحسبه، فالمرجع فيه إلى العرف دون تحديد بمدة ستة أشهر أو سنة، كما رأى بعضهم.\rودليلهم على أن هذه هي علة تحريم الربا: هو أنه لما كان حكم التحريم معقول المعنى في الربا وهو ألا يغبن بعض الناس بعضاً، وأن تحفظ أموالهم، فواجب أن يكون ذلك في أصول المعايش: وهي الأقوات: كالحنطة والشعير والأرز والذرة والكِرسَنَّة والتمر والزبيب، والبيض، والزيت، والبقول السبعة: وهي (العدس، واللوبيا، والحِمّص، والتُرْمس، والفول، والجُلْبان، والبسلة) (1) .\rوأما اتفاق الجنس واختلافه فيلاحظ أن الإمام مالك يعتبر القمح والشعير والسُلْت (وهو نوع من الشعير ليس له قشر) صنفاً واحداً، وأن الذرة والدُّخن والأرز صنف واحد، وأن القَطَاني أو البقول كالفول والعدس والحمص وشبه ذلك كلها صنف واحد، وعلى هذا لا يجوز التفاضل بين القمح والشعير، ويجوز بين القمح والذرة. وأما اللحوم عند مالك فهي ثلاثة أصناف: فلحم ذوات الأربع صنف، ولحم الطيور صنف، ولحم الحيتان صنف (2) .\r-------------------------------\r(1) المنتقى على الموطأ: 158/4، بداية المجتهد: 131/2، حاشية الدسوقي: 47/3، الحطاب: 346/4، الفقه على المذاهب الأربعة: 251/2.\r(2) القوانين الفقهية: ص 253.","part":5,"page":372},{"id":3218,"text":"3 - مذهب الشافعية :\rقال الشافعية: العلة في الذهب والفضة: هي النقدية أو الثمنية، أي كونهما أثماناً للأشياء، سواء أكانا مضروبين، أم غير مضروبين (مسكوكين)، ولا أثر لقيمة الصنعة في الذهب والفضة، فلو اشترى رجل بدنانير ذهباً مصوغاً قيمته أضعاف الدنانير، اعتبرت المماثلة في الكمية، ولا نظر إلى القيمة. والمقصود بعلة الربا في الذهب والفضة على المعتمد هو جنسية الأثمان غالباً، وهي منتفية عن الفلوس (وهي القروش وغيرها المصنوعة من معادن غير الذهب والفضة كالنيكل والبرونز والنحاس) وغيرها من سائر عروض التجارة، لا أنها قيم الأشياء؛ لأن الأواني والتبر والحلي يجري فيها الربا وليس مما يقوم بها، واحترز بغالباً: عن الفلوس إذا راجت فإنه لا ربا فيها. ولا أثر لقيمة الصنعة في ذلك. حتى لو اشترى بدنانير ذهباً مصوغاً، قيمته أضعاف الدنانير، اعتبرت المماثلة، ولا نظر إلى القيمة.\rوبما أن الفلوس ومنها النقود الورقية الحالية أصبحت هي أثمان الأشياء غالباً، فإني أرى جريان الربا فيها، وهو الموافق لمذهب الحنفية.\rوأما العلة في الأصناف الأربعة الباقية، فهي الطعمية ـ بضم الطاء، أي كونها مطعومة. والمطعوم يشمل أموراً ثلاثة:\rأحدها: ما قصد للطعم والقوت كالبُّر والشعير، فإن المقصود منهما التقوت أي الأكل غالباً، ويلحق بهما ما في معناهما كالفول والأَرُزّ والذرة والحمص والترمس ونحوها من الحبوب التي تجب فيها الزكاة.\rثانيها: أن يقصد به التفكه، وقد نص الحديث على التمر، فيلحق به ما في معناه، كالزبيب والتين. ثالثها: أن يقصد به إصلاح الطعام والبدن: أي للتداوي. وقد نص الحديث على الملح، فيلحق به ما في معناه من الأدوية القديمة كالسنامكي والسقمونيا والزنجبيل، ونحوها من العقاقير المتجانسة كالحبة اليابسة.","part":5,"page":373},{"id":3219,"text":"وعلى هذا فلا فرق بين ما يصلح الغذاء أو يصلح البدن، فإن الأغذية لحفظ الصحة، والأدوية لرد الصحة. وبه يكون المطعوم: كل ما قصد للطُعم (أي الأكل غالباً) اقتياتاً أو تفكهاً أو تداوياً. وتكون علة الربا عند الشافعية هي: الطعم أو النقدية؛ أما ما ليس بطعم كالجبس أو الحديد والأقمشة وغيرها من كل ما يباع كيلاً أو وزناً، فإنه يصح بيعه بجنسه متفاضلاً، كعروض التجارة، لأنها أي المذكورة كلها ليست أثماناً. وما كان في الغالب قوتاً لغير الآدميين، لا يحرم الربا فيه.\rودليلهم: أن الحكم إذا علق باسم مشتق دلّ على أن المعنى الذي اشتق منه الاسم هو علة الحكم، مثل قوله سبحانه: {والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما} [المائدة:38/5] ففهم أن السرقة هي علة قطع اليد، وإذا كان هذا هو المقرر، فقد جاء من حديث معمر بن عبد الله أنه قال: كنت أسمع رسول الله صلّى الله عليه وسلم يقول: «الطعام بالطعام مثلاً بمثل» (1) فتبين أن الطُّعم هو علة الحكم، لأن الطعام مشتق من الطعم، فهو يعم المطعومات،وهذا وصف مناسب، لأنه ينبئ عن زيادة الخطر (أي الأهمية) في الأشياء الأربعة التي نص عليها الحديث؛ لأن حياة النفوس بالطعام. وكذلك الثمنية معنى مناسب، لأنه ينبئ عن زيادة خطر، وهو شدة الحاجة إلى النقدين (الذهب والفضة) أو ما يقوم مقامهما من النقود الورقية، بحسب التخريج والتصحيح الذي رأيته، خلافاً للمعتمد في المذهب الشافعي في العرف الماضي.\rأما القدر الذي قال به الحنفية، فلا ينبئ عن زيادة خطر في الأشياء.\r-------------------------------\r(1) رواه مسلم وأحمد عن معمر بن عبد ا لله (راجع نصب الراية: 37/4، التلخيص الحبير: ص 235، نيل الأوطار: 193/5).","part":5,"page":374},{"id":3220,"text":"وعلى هذا: إذا بيع الطعام بالطعام أو النقد بالنقد، حالة اتحاد الجنس كحنطة بحنطة، وفضة بفضة، مضروبين كانا أو غير مضروبين كالحلي والتبر، اشترط في صحة البيع ثلاثة أمور: الحلول ( بأن لا يذكر في العقد أجل مطلقاً ) والمماثلة يقيناً بحسب المعيار الشرعي ( وهو الكيل فيما يكال، والوزن فيما يوزن، بحسب عادة أهل الحجاز في عهد الرسول عليه السلام، وفي غير ذلك تعتبر عادة بلد البيع حالة البيع ) والتقابض ( أي القبض الحقيقي للعوضين مطلقا ً) قبل التفرق من المجلس. واشتراط التقابض زيادة عما اشترطه الحنفية من المساواة في العينية أي تعيين كل من البدلين، سواء في حالة اتفاق الجنس أو اختلاف الجنس، لقوله عليه الصلاة والسلام: «يداً بيد» في كل من الحالتين.\rفإذا اختلف الجنس كحنطة وشعير جاز التفاضل، ويشترط الحلول والتقابض قبل التفرق. قال صلّى الله عليه وسلم فيما رواه مسلم: «الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبُرّ بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، مثلاً بمثل، سواءً بسواء، يداً بيد؛ فإذا اختلفت هذه الأصناف، فبيعوا كيف شئتم إذا كان يداً بيد» أي مقابضة، ويؤخذ من ذلك اشتراط الحلول. فإذا بيع الطعام بغيره كنقد أو ثوب، أو غير الطعام بغير الطعام وليسا نقدين، كحيوان بحيوان، لم يشترط شيء من الشروط الثلاثة السابقة، أي فلا ربا فيه. والسبب في أنه لا ربا في الحيوان مطلقاً: هو أنه لا يعد للأكل على هيئته، وقد اشترى ابن عمر رضي الله عنهما بعيراً ببعيرين بأمره صلّى الله عليه وسلم (1) .\r-------------------------------\r(1) مغني المحتاج: 22/2-25، حاشية قليوبي وعميرة: 167/2 ومابعدها، حاشية الشرقاوي: 23/2 ومابعدها. المهذب: 272/1.","part":5,"page":375},{"id":3221,"text":"اتحاد الجنس واختلافه: كل شيئين متفقين في الاسم الخاص من أصل الخلقة كتمر وتين من نوعين (أي كل أنواع التمور جنس واحد، وكل أنواع التين جنس واحد، وكل أنواع الزبيب جنس واحد)، أو متحدين في أصلهما كدقيق من حنطتين: هما جنس واحد عند الشافعية، وكل شيئين مختلفين في الاسم من أصل الخلقة كالحنطة والشعير والتمر والزبيب، أو متخذين من أصلين كأدقة الأصول المختلفة الجنس وخلولها وأدهانها واللحوم والألبان، هما جنسان مختلفان.\rوعلى هذا فدقيق ا لبر ودقيق الشعير والذهب والفضة بأنواع كل منها، والتمر والزبيب بأنواع كل منهما، وخل التمر وخل العنب، ولحم البقر ولحم الضأن، ودهن ا لجوز ودهن اللوز، ولبن البقر ولبن الضأن، والإنسي من البقر والوحشي، هما جنسان مختلفان يجوز بيعهما مع التفاضل، وبيوض الطيور أجناس، والكبد والطحال والقلب والكرش والرئة والمخ: أجناس، وإن كانت من حيوان واحد لاختلاف أسمائها وصفاتها، وشحم الظهر والبطن واللسان والرأس والأكارع: أجناس، والبطيخ الأصفر والأخضر والخيار والقثاء: أجناس، وأما الطيور: فالعصافير على اختلاف أنواعها جنس، والبطوط جنس، وأنواع الحمام جنس واحد على الأصح (1) . والرطب واليابس من أصل واحد كالعنب والزبيب، والرطب والتمر جنس واحد، وما تفرع عن أصل مع أصله كالحنطة ودقيقها والمجروش منها كالبرغل جنس واحد. ولحوم الحيوانات أجناس مختلفة، فالضأن والمعز جنس واحد، والبقر والجاموس جنس واحد، والألبان أجناس مختلفة، كاللحوم.\r-------------------------------\r(1) مغني المحتاج: 23/2 ومابعدها، المهذب: 272/1.","part":5,"page":376},{"id":3222,"text":"4 - مذهب الحنابلة :\rفي هذا المذهب ثلاث روايات بالنسبة لعلة الربا: أشهرها مثل مذهب الحنفية: وهي أن الكيل أو الوزن مع اتحاد الجنس هو علة الربا، فيجري الربا في كل مكيل أو موزون بجنسه، مطعوماً كان أو غير مطعوم، كالحبوب والأشنان والنُّورة والقطن والكتان والصوف والحناء والعصفر والحديد والنحاس ونحوها، ولا يجري في مطعوم لا يكال ولا يوزن، لما روى ابن عمرقال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم : «لا تبيعوا الدينار، بالدينارين، ولا الدرهم بالدرهمين، ولا الصاع بالصاعين، فإني أخاف عليكم الرِّماء» (والرماء: هو الربا) فقام إليه رجل فقال: «يا رسول الله، أرأيت الرجل يبيع الفرس بالأفراس، والنجيبة بالإبل؟ فقال: لا بأس إذا كان يداً بيد» (1) وروى أنس أن النبي صلّى الله عليه وسلم قال: «ما وزن مثلاً بمثل، إذا كان نوعاً واحداً، وما كيل فمثل ذلك، فإذا اختلف النوعان، فلا بأس به» (2) .\rإلا أن الحنابلة خلافاً للحنفية قالوا: يحرم ربا الفضل في كل مكيل أو موزون بجنسه، ولو كان قليلاً كتمرة بتمرة، وما دون الأرزة من نقد ( ذهب أو فضة )، لا في ماء، ولا فيما لا يوزن عرفاً: لصناعته من غير ذهب أو فضة، كمعمول من نحاس أو حديد أو قطن ونحوه.\rوالرواية الثانية: كمذهب الشافعية.\rوالرواية الثالثة: العلة فيما عدا الذهب والفضة: كونه مطعوماً إذا كان مكيلاً أو موزوناً، فلا يجري الربا في مطعوم لا يكال ولا يوزن،كالتفاح والرمان والخوخ\r-------------------------------\r(1) رواه أحمد والطبراني في الكبير بنحوه، قال الهيثمي: وفيه أبو جناب وهو ثقة ولكنه مدلس (راجع جامع الأصول: 469/1، مجمع الزوائد: 113/4، نصب الراية: 56/4).\r(2) رواه الدارقطني عن الحسن عن عبادة وأنس بن مالك (راجع نيل الأوطار: 193/5).","part":5,"page":377},{"id":3223,"text":"والبطيخ والكمثرى والسفرجل والإجاص والخيار والجوز والبيض، ولا فيما ليس بمطعوم كالزعفران والأُشنان والحديد والرصاص ونحوه. وهذا قول سعيد بن المسيب كما تقدم (1) . ودليله قوله عليه الصلاة والسلام: «لا ربا إلا فيما كيل أو وزن مما يؤكل أو يشرب» (2) .\rاتحاد الجنس واختلافه: مذهب الحنابلة في هذا الموضوع مثل مذهب الشافعية فإنهم قالوا (3) : كل نوعين اجتمعا في اسم خاص، فهما جنس واحد كأنواع التمر، وكل شيئين اتفقا بالجنس ثبت فيهما حكم الشرع بتحريم التفاضل، وإن اختلفت الأنواع، لقوله صلّى الله عليه وسلم : «التمر بالتمر مثلاً بمثل» فاعتبر المساواة في جنس التمر، ثم قال: «فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم» وفي لفظ «فإذا اختلف الجنسان..» وفي لفظ «إلا ما اختلفت ألوانه» .\rفإذا كان المشتركان في الاسم الخاص من أصلين مختلفين، فهما جنسان، أي أن كل شيئين أصلهما واحد، فهما جنس واحد، وإن اختلفت مقاصدهما خلافاً للحنفية. وعلى هذا فالتمور كلها جنس واحد؛ لأن الاسم الخاص يجمعها، ودهن الورد والبنفسج والزنبق ودهن الياسمين المأخوذ من أصل واحد وهو الزيت أو الشيرج: جنس واحد (4) ، والأدقة والأخباز والخلول والأدهان واللحم واللبن\r-------------------------------\r(1) المغني: 3/4-5، أعلام الموقعين: 136/2 ومابعدها، غاية المنتهى: 54/2.\r(2) رواه الدارقطني في سننه عن سعيد بن المسيب أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم قال: «لا ربا إلا في ذهب أو فضة، أو ما يكال، أو يوزن، أو يؤكل، أو يشرب» وهو حديث مرسل. ورواه البيهقي موقوفاً على ابن المسيب (انظر نصب الراية: 36/4).\r(3) راجع المغني: 20/4، غاية المنتهى: 55/2.\r(4) و عند الحنفية: دهن البنفسج ودهن الورد، وإن كان أصلهما واحداً لكن المقصود منهما مختلف، فهما جنسان، فيجوز بيع أحدهما بالآخر مع التفاضل بينهما، كالزيت مع الزيتون، والشيرج مع السمسم، والزيت المطبوخ بغير المطبوخ، يجوز التفاضل بينهما وزناً لاختلاف أجناسها، فلو اتحد الجنس لم يجز متفاضلاً (الدر المختار: 194/4).","part":5,"page":378},{"id":3224,"text":"والجبن والسَمْن وعصير الأشياء المختلفة، كلها أجناس مختلفة باختلاف أصولها.ودقيق الحنطة ودقيق الشعير جنسان، وكذا أنواع الزيوت من الزيتون والقطن، والأدهان من السمك والشَّيْرج والبزر ونحوها: أجناس مختلفة.\r5 - مذهب الظاهرية :\rقال الظاهرية وأبو بكر بن الطيب: الربا غير معلل، وهو مخصص بالمنصوص عليه فقط (1) ، وذلك لأنهم ينكرون القياس، وقد بين الشارع أن الربا يجري في الأصناف الستة، فيبقى ما عداها على الأصل وهو الإباحة.\rوالخلاصة: أن العلة في تحريم التفاضل في الطعام عند الحنفية والحنبلية الكيل والوزن، وعند مالك الاقتيات والادخار، وعند الشافعي: الطعمية.\rوأما جواز الزيادة في غير النقدين والمطعومات عند المالكية والشافعية أو غير المكيل والموزون عند الحنفية والحنابلة فلأَنها لا تمس حياة الناس الضرورية، سواء في أقواتهم أم في نشاطهم الاقتصادي، إذ أن الطمع في الربح لا يؤدي إلى إلحاق الضرر الكبير بهم.\rترجيح :\rقال ابن رشد المالكي: ولكن إذا تؤمل من طريق المعنى ظهر ـ والله أعلم ـ أن علة الحنفية أولى العلل وذلك أنه يظهر من الشرع أن المقصود بتحريم الربا: إنما هو لمكان الغبن الكثير الذي فيه، وأن العدل في المعاملات إنما هو مقاربة التساوي، ولذلك لما عسر إدراك التساوي في الأشياء المختلفة الذوات، جعل الدينار\r-------------------------------\r(1) راجع المحلى لابن حزم: 468/8.","part":5,"page":379},{"id":3225,"text":"والدرهم لتقويمها ( أعني تقديرها ) ولما كانت الأشياء المختلفة الذوات ( أعني غير الموزونة والمكيلة كالثياب ): العدل فيها إنما هو في وجود النسبة أعني أن تكون نسبة قيمة أحد الشيئين إلى جنسه كنسبة قيمة الشيء الآخر إلى جنسه، فإذن اختلاف هذه المبيعات بعضها ببعض في العدد واجب في المعاملة العدلة، والعدل في المكيلات والموزونات إنما هو بوجود التساوي في الكيل أو الوزن (1) . إلا أن هذا الرأي وسع كثيراً من نطاق دائرة الربا باجتهاد لا يؤيده العقل والنقل.\rو رجح ابن القيم مذهب الإمام مالك في أن علة الربا هي القوت والادخار فيما يتعلق بغير النقدين. وأما النقدان فالعلة فيهما الثمنية كما قال الشافعية، إذ لو كان النحاس والحديد رِبَويين لم يجز بيعهما إلى أجل بدراهم نقداً، فإن ما يجري فيه الربا إذا اختلف جنسه جاز التفاضل فيه دون النَّساء أي التأخير.\rوأيضاً فالتعليل بالوزن ليس فيه مناسبة، بخلاف التعليل بالثمنية، فإن الدراهم والدنانير أثمان المبيعات، والثمن هو المعيار الذي به يعرف تقويم الأموال، فيجب أن يكون محدوداً مضبوطاً لا يرتفع ولا ينخفض، حتى لا تفسد معاملات الناس، ويقع الاختلاف، ويشتد الضرر، فلا تكون الدراهم والدنانير مجالاً صالحاً للتجارة (2) .\rورجح الأستاذ الدكتور عبد الرزاق السنهوري مذهب الشافعي في علة الربا، لأنه نظر إلى اعتبار اجتماعي اقتصادي، فنفذ بذلك إلى لب الموضوع ووقف عند المعنى البارز الذي ينبغي الوقوف عنده. أما اعتبار الحنفية فهو اعتبار منطقي أقرب إلى الشكل منه إلى الجوهر (3) .\r-------------------------------\r(1) بداية المجتهد: 131/2.\r(2) أعلام الموقعين: 137/2.\r(3) مصادر الحق: 184/3.","part":5,"page":380},{"id":3226,"text":"أصول الربا: قال ابن رشد: أصول الربا خمسة: أنظرني أزدك، والتفاضل، والنَّسَاء، وضع وتعجل، وبيع الطعام قبل قبضه، وبما أنه عرفنا هذه الأصول ما عدا قاعدتين فقد وجدت ضرورة لشرحهما.\rقاعدة (أنظرني أزدك ) : حرام باتفاق العلماء: وهي: أن يكون للرجل دين عند آخر، فيؤخره به على أن يزيده في قدر الدين، وذلك كان ربا الجاهلية، سواء أكان الدين طعاماً أم نقداً، وسواء أكان من سلف أم بيع أم غيرهما. ووسيلة ذلك أن يبيع الدائن للمدين سلعة بثمن مؤجل إلى وقت معين يشتمل الثمن على زيادة عن الثمن النقدي.\rقاعدة (ضع وتعجل ) : إن أخذ مال من المقترض مقابل تعجيل بقية القرض بالنص على ذلك في عقد القرض حرام أيضاً عند أئمة المذاهب الأربعة؛ لأن نقص ما في الذمة لتعجيل الدفع شبيه بالزيادة؛ لأن المعطي جعل للزمان مقداراً من الثمن بدلاً منه.\rومعنى القاعدة: أن يكون لشخص على آخر دين لم يحل، فيعجله قبل حلوله على أن ينقص منه. ومثل ذلك أن يعجل بعضه ويؤخر بعضه إلى أجل آخر، وأن يأخذ قبل الأجل بعضه نقداً وبعضه عرضاً (1) . ويجوز ذلك كله بعد الأجل باتفاق، ويجوز أن يعطيه في دينه المؤجل عرضاً قبل الأجل وإن كانت قيمته أقل من دينه (2) .\r-------------------------------\r(1) النقد: الذهب والفضةأو ما يحل محلهما من الأوراق النقدية، والعرض ما سوى ذلك من السلع والأمتعة.\r(2) القوانين الفقهية: ص 252، 289، بداية المجتهد: 127/2، 142، أعلام الموقعين: 135/2، الربا والمعاملات في الإسلام للشيخ رشيد رضا: ص 70.","part":5,"page":381},{"id":3227,"text":"شروط مبادلة الأموال الربوية مع بعضها أو مع غيرها :\rإذا حدث تبادل الأموال الربوية ببعضها، فقد يحرم التبادل وقد يحل. فيحل التبادل عند اتحاد الجنس كذهب بذهب وفضة بفضة وحنطة بحنطة وذرة بذرة إذا توافرت شروط ثلاثة:\r1 - التماثل في البدلين كيلاً في المكيلات، ووزناً في الموزونات، وعدداً في المعددوات،فمن باع مد حنطة بمد حنطة، ورطل تفاح برطل تفاح، وخمس جوزات بخمس، جاز البيع. والمعتبر في التماثل: التساوي بأداة البيع: الكيل في المكيلات، والوزن في الموزونات. ووقت التماثل فيما يمر بدور الرطوبة والجفاف: هو وقت الجفاف، فلا يباع الرطب بالرطب ولا الرطب بالتمر، ويراعى زمن الجفاف.\r2 - الحلول: بألا يؤجل تسليم أحد البدلين عن مجلس العقد، أي لا يذكر الأجل في العقد.\r3 - التقابض: بأن يتم قبض كلا البدلين في مجلس العقد قبل تفرق العاقدين بأبدانهما.\rواشتراط هذه الشروط من الأحاديث السابقة: «مثلاً بمثل» فيه شرط التماثل، و «يداً بيد» «هاء بهاء» يدلان على اشتراط الحلول والتقابض.\rويحرم التبادل إذا لم يتوافر أحد هذه الشروط.\rويحل التبادل عند اختلاف الجنس واتحاد العلة كذهب بفضة وحنطة بشعير بشرطين:\r1 - الحلول: بأن يكون العقد حالاً لا تأجيل فيه.\r2 - التقابض: بأن يتم ذلك في مجلس العقد.\rولا يشترط التماثل، للحديث المتقدم: «فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم، إذا كان يداً بيد» . ويحرم التبادل إذا اختل أحد الشرطين السابقين.","part":5,"page":382},{"id":3228,"text":"وإذا اختلفت العلة بأن كان أحد البدلين من الأثمان أو النقود: الذهب والفضة أو النقود الورقية، والآخر من المطعومات كالتمر والزبيب، جاز التبادل وحل التعاقد، كبيع مد حنطة بعشر غرامات من الذهب،أو بدينار سواء حصل التقابض أو لم يحصل، اشترط الأجل أو لم يشترط، لما رواه الشيخان عن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة رضي الله عنهما: « أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم استعمل رجلاً على خيبر، فجاء بتمر جنيب (1) ، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلم : أكل تمر خيبر هكذا؟ فقال: لا والله يا رسول الله ، إنا لنأخذ الصاع من هذا بالصاعين، والصاعين بالثلاثة، فقال النبي صلّى الله عليه وسلم : لا تفعل، بع الجَمْع (2) بالدراهم، ثم ابتع بالدراهم جنيباً» .\rوأما إذا بودلت الأموال الربوية بغيرها، كبيع معادن بذهب، وطعام بثياب، ومواد الاستهلاكية من سكّر وزيت وسمن وأرز بنقود ورقية، كالشراء من البقاليات لأجل، فيجوز البيع مطلقاً، ولا يشترط التماثل ولا التقابض ولا الحلول؛ لأن العقد غير ربوي؛ لأن أحد العوضين مال غير ربوي، أو لأن نوع العلة مختلف، فالمواد الاستهلاكية من فئة المطعومات، والنقود الورقية من فئة الأثمان.\rأما بيوع الرطب بالتمر والحب الجديد بالقديم، فهو ممنوع شرعاً، لعدم تحقق المماثلة بين البدلين، وهما من الأموال الربوية. وبيع الرطب على رؤوس الشجر بما يساويه خرصاً من التمر المقطوف، أو بيع العنب بالزبيب، يسمى بيع المزابنة.\rوبيع الحب في سنبله بما يساويه خرصاً (أي تقديراً وتخميناً لكيله أو وزنه) يسمى بيع المحاقلة.\rوقد رخص الشرع ببيع العرايا كما تقدم: وهو أن يبيع الرطب على النخل بخرصه تمراً، أو العنب بخرصه زبيباً فيما دون خمسة أوسق (653 كغ). أخرج البخاري ومسلم عن سهل بن أبي حَثْمة رضي الله عنه: «أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم نهى عن بيع الثمر بالتمر، ورخّص في العَرِيّة أن تباع بخرصها، يأكلها أهلها رُطَباً» أي يأكلها الذين اشتروها، وهو رأي جمهور الفقهاء غير الحنفية، كما تقدم.\r-------------------------------\r(1) الجنيب: التمر الجيد.\r(2) الجمع: التمر الرديء.","part":5,"page":383},{"id":3229,"text":"المطلب الرابع ـ ما يترتب على الاختلاف في علة الربا\rيترتب على الاختلاف في علة الربا بين الحنفية والشافعية أمور كثيرة، منها مايتعلق بربا الفضل، ومنها ما يتعلق بربا النسيئة.\rأما ما يتعلق بربا الفضل، فيظهر أثر الخلاف فيما يأتي:\r1 - في بيع مطعوم بجنسه غير مقدر: أي ( غيرمكيل ولا موزون ) كبيع حفنة حنطة بحفنتين منها، أو بطيخة ببطيختين، أو تفاحة بتفاحتين، أو بيضة ببيضتين، وجوزة بجوزتين أو أكثر ونحو ذلك، يجوز هذا عند الحنفية لعدم العلة: وهي القَدْر، إذ لا تقدير في الشرع بأقل من نصف صاع بالنسبة للمكيلات، وأما في الموزون: وهو الذهب والفضة، فلا تقدير بما دون الحبة، إذ لا قيمة له (1) .\rولا يجوز ذلك عند الشافعية لوجود علة الربا عندهم وهي الطُّعم؛ لأن الأصل عندهم هو تحريم بيع المطعومين ببعضهما، أخذاً من حديث: «الطعام بالطعام مثلاً بمثل» والمساواة بين المطعومين في البيع مُخَلِّص من الحرمة، فما لم تثبت المساواة كانت الحرمة ثابتة، لأنها هي الأصل، فلا يجوز بيع الحفنة بالحفنتين ونحوهما.\r-------------------------------\r(1) المبسوط: 114/12، فتح القدير: 278/5 ومابعدها، البدائع: 185/5، رد المحتار: 188/4.","part":5,"page":384},{"id":3230,"text":"والتعليل بالقدر عند الحنفية يقتضي تخصيص نص الحديث السابق: «البر بالبر مثلاً بمثل..» (1) فيجوز عندهم بيع الحفنة بالحفنتين ونحوهما.\r2 - في بيع مقدَّر بمقدَّر غير مطعوم: أي بيع مكيل بجنسه غير مطعوم، أو موزون بجنسه غير مطعوم ولانقد، كبيع قفيز جص بقفيزي جص، أو رطل حديد برطلين منه ونحوهما.\rفلا يجوز ذلك عند الحنفية لوجود علة الربا، وهي الكيل مع الجنس في بيع الجص، أو الوزن مع الجنس في بيع الحديد (2) .\rويجوز ذلك عند الشافعية لعدم وجود علة الربا، وهي الطُّعم أو الثمنية. واتفق الحنفية مع الشافعية على أنه لو باع قفيز (3) أرز بقفيزي أرز لا يجوز، لوجود الكيل مع الجنس عند الحنفية، ولوجود الطعم مع الجنس عند الشافعية.\rواتفقوا أيضاً على أنه إذا باع رطل زعفران (4) برطلين منه، أو رطل سكر برطلين من السكر: لا يجوز لوجود الوزن والجنس عند الحنفية، ولوجود الطعم والجنس عند الشافعية.\rواختلف الفقهاء فيما يتعلق بشرط الجنس في بعض النواحي المتعلقة بتحققه، منها ما يأتي:\r1 - بيع الدقيق بمثله أو بالحب :\rقال الحنفية: لا يصح بيع الدقيق المأخوذ من جنس بجنسه، فلا يصح بيع الدقيق المأخوذ من القمح بالقمح، وكذا المأخوذ من الذرة بالذرة وهكذا، سواء أكانا متساويين أم لا؛ لأن التساوي في مثل ذلك غير محقق.\rأما بيع الدقيق المأخوذ من جنس بغير جنسه، فإنه يصح كالدقيق المأخوذ من القمح إذا بيع بالشعير، فإنه يصح، لاختلاف الجنس متى كان يداً بيد.\rوأما بيع الدقيق بالدقيق المتحد الجنس، فإنه يجوز بشرط التساوي في الكيل والنعومة والخشونة.\r-------------------------------\r(1) فتح القدير: 276/5.\r(2) المبسوط: 114/12، البدائع: 185/5، فتح القدير: 279/5، الدر المختار: 188/4.\r(3) القفيز مكيال يبلغ حوالي 817،27 كغ، والجريب: مكيال قدره أربعة أقفزة. والقفيز في المساحة من الأرض عشر الجريب، والجريب عشرة آلاف ذراع.\r(4) الزعفران غير العصفر. فالأول من نبات أصفر الزهر له أصل كالبصل. والثاني من نبات معروف له زهر برتقالي في وعاء له شوك ناعم.","part":5,"page":385},{"id":3231,"text":"ويجوز بيع الخبز بالحنطة أو بالدقيق وبالعكس متساوياً ومتفاضلاً؛ لأن الخبز صار بالصنعة جنساً مختلفاً مع الحنطة، حتى خرج من أن يكون مكيلاً، والحنطة والدقيق مكيلان، فلم يجمع بين الخبز والحنطة أو الدقيق القدر ولا الجنس، فجاز بيع أحدهما بالآخر نسيئة، ولا يشترط فيه التقابض، وإنما يشترط التعيين (1) .\rوقال المالكية: لا يصح بيع الحب والدقيق، أحدهما بالآخر، إلا مثلاً بمثل بدون زيادة، فلو باع قمحاً بدقيق مأخوذ منه، فإنه يصح إذا كانا متساويين بالوزن.\rفإذا اختلف الجنس، كأن باع دقيقاً من الذرة بحب من القمح، فإنه يصح بيعه متفاضلاً بشرط التقابض في المجلس.\rوكذلك يصح بيع الخبز بالحنطة؛ لأن صنعة الخبز جعلته جنساً منفرداً.\rوأما بيع الدقيق بمثله فلا يصح مطلقاً (2) .\rوقال الشافعية: لا يصح بيع دقيق بجنسه، فلا يصح بيع دقيق الحنطة بدقيق الحنطة مثلاً، لانتفاء المماثلة اليقينية بينهما، بسبب النعومة الطارئة عليه، إذ قد يكون أحد البدلين أنعم من الآخر، فلا ينكبس في الكيل.\rوكذلك لا يصح بيع دقيق الحنطة بحب الحنطة، كما لا يصح بيع الخبز بهما، ويصح بيع الخبز ببعضه، والدقيق ببعضه، إذا اختلف الجنسان، كأن يكون خبز قمح بخبز شعير أو دقيق قمح بدقيق ذرة، لاختلاف الجنس (3) .\rوقال الحنابلة: لا يصح بيع الدقيق بالحب المأخوذ منه مطلقاً، لأنه يشترط التساوي في بيع الجنس الواحد ببعضه، ولا يصح بيع الخبز بالحب المأخوذ منه، كما لا يصح بيعه بدقيقه.\rوأما بيع الدقيق بمثله من نفس الجنس، فإنه يجوز كيلاً كما يقول الحنفية، بشرط التساوي في النعومة (4) .\rوالخلاصة: أن في بيع الدقيق بمثله رأيين:\rرأي يجيز ذلك: وهم الحنفية والحنابلة.\rورأي لا يجيز ذلك: وهم المالكيةوالشافعية.\r-------------------------------\r(1) البدائع: 189/5، فتح القدير: 288/5 ومابعدها، الدر المختار ورد المحتار: 194/4 ومابعدها، الفقه على المذاهب: 254/2.\r(2) بداية المجتهد: 136/2، حاشية الدسوقي: 53/3، الفقه على المذاهب: 253/2.\r(3) المهذب: 271/1، مغني المحتاج: 23/2، الفقه على المذاهب: 255/2.\r(4) المغني: 24/4، الفقه على المذاهب: 255/2.","part":5,"page":386},{"id":3232,"text":"2 - بيع الحيوان بلحم :\rقال أبو حنيفة وأبو يوسف: يجوز بيع حيوان يؤكل بلحم من جنسه، لأنه بيع ما هو موزون بما ليس بموزون، وهو جائز كيفما كان بشرط التعيين (1) ، لأن الحيوان ليس بمال ربوي.\rوقال الأئمة الثلاثة غير الحنفية: لايجوز بيع حيوان يؤكل بلحم من جنسه، فلا يجوز بيع شاة مذبوحة بشاة حية يقصد منها الأكل (2) لما روى سعيد بن المسيب أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم نهى عن بيع الحيوان باللحم (3) وروي عن النبي صلّى الله عليه وسلم أنه نهى أن يباع حي بميت (4) ؛ ولأن اللحم نوع فيه الربا، بيع بأصله الذي فيه منه، فلم يجز كبيع السِّمسِم بالشَّيْرَج، للجهل بالمماثلة فيما تطلب فيه المماثلة، والجهل بالمماثلة كحقيقة المفاضلة (5) .\rأما بيع الحيوان بالحيوان فيجوز،متفاضلاً ومن جنس واحد أو من جنسين، كبيع شاة بشاتين، وبيع شاة ببعير؛ لأن الحيوان ليس بمال ربوي، لأنه غير مطعوم\r-------------------------------\r(1) فتح القدير: 290/5، الدر المختار: 192/4، البدائع: 189/5.\r(2) بداية المجتهد: 136/2، حاشية الدسوقي: 54/3، 272/1، مغني المحتاج: 29/2، المغني: 32/4، أعلام الموقعين: 145/2.\r(3) رواه مالك في الموطأ عن سعيد بن المسيب مرسلاً، وله شواهد عن ابن عمر عند البزار، وعن الحسن عن سمرة عند الحاكم والبيهقي وابن خزيمة وله لفظ آخر: «نهى عن بيع الحي بالميت» قال في نيل الأوطار: 203/5: «ولا يخفى أن الحديث ينتهض للاحتجاج بمجموع طرقه» (راجع جامع الأصول: 413/1، نصب الراية: 39/4).\r(4) رواه البيهقي عن رجل من أهل المدينة، قال البيهقي: وهذا مرسل يؤكد مرسل ابن المسيب أي الحديث السابق (راجع نصب الراية: 39/4).\r(5) تخريج الفروع على الأصول: ص 71.","part":5,"page":387},{"id":3233,"text":"على حاله وهيئته، وليس من جنس الأثمان. وأما بيع اللحوم ببعضها فيجوز إن كانت من جنس واحد، بشرط التماثل والحلول والتقابض؛ لأنها من الأموال الربوية فإن اختلف الجنس كلحم ضأن بلحم بقر، فيجوز التفاضل، بشرط الحلول والتقابض.\rوأما مايترتب على الاختلاف في ربا النسيئة بين الشافعية والحنفية، فيظهر فيما يأتي:\rأولاً ـ بعض الخلافات التي ترجع إلى أصل الخلاف في علة الربا التي هي عند الحنفية: الكيل أو الوزن، وعند الشافعية: الطعم.\rإذا باع شخص قفيز حنطة بقفيز شعير نسيئة مؤجلة، أو ديناً موصوفاً في الذمة غير مؤجل (1) : لا يجوز بالاتفاق، لوجود علة ربا النسيئة: وهي أحد وصفي علة ربا الفضل وهو هنا الكيل عند الحنفية، والطعم عند الشافعية.\rوتظهر ثمرة الخلاف في حالتين:\r1 - في بيع غير المطعوم: إذا بيع قفيز جص بقفيز نورة (2) مؤجلاً عن طريق السَّلَم، أوغير مؤجل عن طريق البيع ديناً في الذمة: لا يجوز عند الحنفية لوجود الكيل، وعند الشافعية: يجوز لعدم الطعم.\rولو أسلم رطل حديد برطلي حديد: لا يجوز عند الحنفية لوجود الوزن المتفق لكونهما موزونين، وعند الشافعية يجوز لعدم الطعم أو الثمنية.\rولو باع رطل سكر برطل زعفران ديناً في الذمة: لا يجوز بالاتفاق لوجود أحد وصفي علة ربا الفضل، وهو هنا الوزن المتفق عند الحنفية، ولوجود الطعم عند الشافعية.\r-------------------------------\r(1) أي أن الثمن شيء غير معين، فيحصل الربا، لأن العين خير من الدين، لأن الدين قد يختلف عن الوصف وقد لا يقوم الملتزم بشيء بتسليم ما يجب عليه.\r(2) النورة: حجر الكلس، ثم غلب على أخلاط تضاف إلى الكلس من زرنيخ وغيره، ويستعمل لإزالة الشعر.","part":5,"page":388},{"id":3234,"text":"أما لو أسلم الدراهم أو الدنانير في زعفران، أو في قطن أو حديد: فإنه يجوز بالاتفاق لانعدام علة الربا: وهي القدر المتفق أو الجنس المتحد. أما المجانسة فغير متحققة كما هو واضح، وأما القدر المتفق فغير متحقق أيضاً؛ لأن وزن الثمن يخالف وزن المثمن، فإن الدراهم توزن بالمثقال، والقطن والحديد والزعفران يوزن بالقبان، فلم يتحقق القدر، فلم توجد العلة، فلا يتحقق الربا.\rولو أسلم نُقرة (1) فضة في نقرة ذهب، أو تبر ذهب في نقرة فضة، أو المصوغ من أحدهما في ذهب أو فضة: لا يجوز بالاتفاق لوجود الوزن المتفق عند الحنفية، فإنهما يوزنان بالمثاقيل (2) ، ولوجود الثمنية عند الشافعية، لأنها أصل الأثمان.\r2 - في بيع المطعوم بالمطعوم من قدر مختلف:\rلو أسلم الحنطة في الزيت: جاز عند الحنفية؛ لأن أحدهما مكيل والآخر موزون، فكانا مختلفين قدراً. وعند الشافعية: لا يجوز لوجود الطعم (3) .\rثانياً ـ بعض الخلافات ترجع إلى الخلاف في الجنس وحده: هل هو علة أو لا؟ :\rسبقت الإشارة إلى أن الجنس وحده يصلح علة لربا النسيئة عند الحنفية؛ لأن علة الربا هي الكيل أو الوزن مع اتحاد الجنس، وكل علة ذات وصفين مؤثرين لا تتم العلة إلا بهما، فيكون لكل منهما شبهة العلية، وشبهة العلية تثبت بها شبهة الحكم، أي أن الجنس ركن في العلة، لا مجرد شرط.\r-------------------------------\r(1) النقرة: هي القطعة المذابة من الفضة أو الذهب.\r(2) المثقال: درهم وثلاثة أسباع الدرهم وهو (24) قيراطاً، ويساوي (80،4 غم).\r(3) انظر البدائع: 186/5 وما بعدها.","part":5,"page":389},{"id":3235,"text":"وعند الإمام الشافعي: الجنس بانفراده لا يصلح علة لتحريم ربا النسيئة؛ لأن الجنس محل التحريم أو هو شرط فقط في علة الربا، والحكم قد يدور مع الشرط كالرجم مع الإحصان، والسبب فيه: أن العلة هي اسم لوصف مناسب للحكم، فيعلل الحكم بعلة تناسب المقصود منه، وهي الطعم لبقاء الإنسان به، والثمنية لبقاء الأموال التي هي مناط مصالح الناس بها، ولا أثر للجنسية، فجعل شرطاً (1) .\rويترتب على ذلك ما يأتي:\rلا يجوز إسلاف الجوز في الجوز، والبيض في البيض، والتفاح في التفاح، والحفنة في الحفنة بالاتفاق لوجود الجنس عند الحنفية، ولوجود الطُّعم عند الشافعي.\rولا يجوز إسلاف الثوب الهَرَوي مثلاً في الثوب الهروي عند الحنفية لوجود الجنس. وعند الشافعي: يجوز؛ لأن الجنس عنده لا يكفي وحده لتحريم الربا.\rويجوز أن يسلم ثوباً هروياً في ثوب مَرْوي بالاتفاق، لعدم وجود الجنس عند الحنفية، ولعدم وجود الطعم أو الثمنية عند الشافعية.\rولو أسلم الفلوس في الفلوس لا يجوز عند الحنفية لوجود الجنس. وعند الشافعية: لا يجوز أيضاً لوجود الثمنية.\rوالسبب في أن الجنس وحده يحرم الربا عند الحنفية، كما في بيع الحيوان بالحيوان نسيئة أي إلى أجل: هو أن عقد البيع يقتضي المساواة في البدلين، ولا مساواة بين المدفوع حالاً، والمدفوع نسيئة؛ لأن العين خير من الدين، والمعجل أكثر قيمة من المؤجل، وهذا المعنى كما هو موجود في المطعومات والأثمان أي (النقود) موجود في غيرهما. يؤكده قوله عليه الصلاة والسلام: «لا ربا\r-------------------------------\r(1) فتح القدير: 276/5، 280، المبسوط: 122/12 ومابعدها، مختصر الطحاوي: ص75، المهذب: 271/1 ومابعدها.","part":5,"page":390},{"id":3236,"text":"إلا في النسيئة» وقوله صلّى الله عليه وسلم : «إنما الربا في النسيئة» (1) والنص مطلق لم يفرق بين المطعوم والأثمان وغيرهما، فيجب القول بتحقيق الربا فيها على الإطلاق (2) لتحقق علة الربا عندهم: وهي اتفاق الجنس.\rوقال مالك: لا يجوز بيع الحيوان بالحيوان نسيئة أي إلى أجل فيما تشابهت منافعه كشاة حلوبة بشاة حلوبة إلى أجل. ويجوز فيما اختلفت منافعه، كبيع البعير النجيب ببعيرين للحمولة (3) ، وعمدته في حالة المنع سد الذريعة إلى الربا.\rأما الشافعية فقالوا: كل ما سوى الذهب والفضة والمأكول والمشروب لا يحرم فيه التفرق قبل التقابض، لما روى عبد الله بن عمرو بن العاص قال: «أمرني رسول الله صلّى الله عليه وسلم أن أجهز جيشاً فنفدت الإبل، فأمرني أن آخذ على قلاص (4)\r-------------------------------\r(1) رواه البخاري ومسلم والنسائي، فهو حديث صحيح، وله ألفاظ منها «الربا في النسيئة» وفي رواية «إنما الربا في النسيئة» وفي رواية «لا ربا فيما كان يداً بيد» قال البيهقي: يحتمل أن الراوي اختصره، فيكون النبي صلّى الله عليه وسلم سئل عن الربا في صنفين مختلفين: ذهب بفضة، أو تمر بحنطة، فقال «إنما الربا في النسيئة» فأداه الراوي دون ذكر سؤال السائل (راجع جامع الأصول:469/1،نصب الراية: 37/4).\r(2) البدائع: 187/5.\r(3) راجع كتاب «الربا والمعاملات في الإسلام» للسيد رشيد رضا: ص 97، 99، ومقدمته: ص 5 للأستاذ بهجت البيطار، وراجع نظرية الضرورة الشرعية للمؤلف لمعرفة الفرق بين الضرورة والحاجة.\r(4) شرح السير الكبير: 223/3، 188/4، المبسوط: 95/10.","part":5,"page":391},{"id":3237,"text":"الصدقة، فكنت آخذ البعير بالبعيرين إلى إبل الصدقة» (1) .وعن علي كرم الله وجهه أنه باع جملاً إلى أجل بعشرين بعيراً (2) . وباع ابن عمر رضي الله عنهما بعيراً بأربعة أبعرة (3) ونحو ذلك كثير (4) .\rوأصح الروايات الأربع عن الإمام أحمد (5) مثل الشافعية أي جواز بيع الحيوان بجنسه أو بغيره متساوياً ومتفاضلاً، واتفق الأئمة على بيع الحيوان بالحيوان متفاضلاً إذا كان يداً بيد، أي كان البيع حالاً، غير مؤجل.\rوبعد: فإن ربا النسيئة الجاهلي محرم لذاته منعاً من إلحاق غبن كبير بأحد الطرفين، نتيجة للتقلبات المفاجئة في أسعار السلع بسبب أو آخر، وللقضاء على استغلال عجز المدين عن وفاء الدين. وربا الفضل محرم سداً للذريعة أي منعاً من التوصل به إلى ربا النسيئة، وما حرم لذاته لا يباح إلا للضرورة كالميتة والدم ولحم الخنزير، وما حرم سداً للذريعة أبيح للحاجة إليه وللمصلحة الراجحة على المفسدة (6) ، والمسلم وحده يمكن أن يقدر الضرورة أو الحاجة المحدقة به.\r\rويمكن القول بأن تحريم ربا الفضل ليس لكونه مجرد وسيلة إلى ربا النسيئة، وإنما هو ربا حقيقي، لقول النبي صلّى الله عليه وسلم لبلال: «عين الربا» حينما باع صاعين من تمر رديء بصاع من تمر جيد هو التمر البرني؛ ولأنه يعتمد تارة على استغلال جهل الناس بأصناف الأنواع، وتارة يعتمد على استغلال حاجتهم إلى نوع معين.\r-------------------------------\r(1) أخرجه أحمد وأبو داود والدارقطني بمعناه والحاكم في المستدرك، وقال: صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه، وضعفه بعضهم بمحمد بن إسحاق إلا أن الحافظ ابن حجر قوّى إسناده، ورواه البيهقي في سننه من طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ( راجع نصب الراية: 47/4، نيل الأوطار: 304/5، جامع الأصول: 473/1 ). (2) رواه الإمام مالك في الموطأ ( راجع تنوير الحوالك شرح موطأ مالك: 148/2، جامع الأصول: 474/1 ).\r(3) أخرجه الموطأ والبخاري عن عبد الله بن عمر ( المرجعان السابقان ).\r(4) المهذب: 271/1 .\r(5) المغني: 11/4 ومابعدها.\r(6) راجع كتاب « الربا والمعاملات في الإسلام » للسيد رشيد رضا: ص97، 99، ومقدمته: ص5 للأستاذ بهجت البيطار، وراجع نظرية الضرورة الشرعية للمؤلف لمعرفة الفرق بين الضرورة والحاجة.","part":5,"page":392},{"id":3238,"text":"ربا القرض: الربا يجري في البيع كما تقدم في بحث الربا ـ ربا الفضل وربا النسيئة. ويجري أيضاً في القرض: بأن يقرض شخص آخر مبلغاً من المال على أن يرد له زيادة معينة أو يجري التعارف بالزيادة، أو يشترط عليه دفع فائدة شهرية أو سنوية على مبلغ القرض، كما يحدث الآن في التعامل مع البنوك الربوية ومع بعض التجار الذين يقومون بتشغيل بعض أموال الناس. وهذا كله حرام لقوله تعالى: {وأحل الله البيع، وحرم الربا} [البقرة:2/275] وقوله سبحانه: {وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم لا تَظْلِمون ولا تُظْلَمون} [البقرة:2/279] أي لا تَظْلمون بأخذ زيادة على رأس المال، ولا تُظْلَمون بنقص شيء من رأس المال، بل لكم ما دفعتم من غير زيادة ولا نقصان. وقد جعل الله «أكل الربا» من السبع الموبقات (المهلكات) في حديث أبي هريرة عند البخاري ومسلم.\rويحرم الربا في أي مكان من العالم، في دار الإسلام ودار الحرب على السواء؛ لأن حرمة الربا عامة مطلقة، لا تخصيص فيها ولا تقييد.\rولكن نقل عن أبي حنيفة ومحمد: أنه يجوز أخذ مال الحربي بأي طريق لا خيانة فيه ولا غدر، ولو بالعقود الفاسدة كالربا؛ لأن ماله مباح مهدر كنفسه، أي غير معصوم، بل هو مباح في نفسه، وقد بذله الحربي في عقود الربا باختياره ورضاه، فزال المنع لزوال موجبه (1) .\r-------------------------------\r(1) شرح السير الكبير 223/3، 188/4، المبسوط: 95/10.","part":5,"page":393},{"id":3239,"text":"وقد انزلق بعض المسلمين فأودعوا أموالهم في ديار غير المسلمين واستباحوا أخذ الفوائد عنها، عملاً بهذا الرأي فيما زعموا، وهو فهم خطأ، وعمل باطل غير مشروع، وحرام؛ لأن الربا الذي قصد في هذا الرأي هو ربا العقود لا ربا البنوك والفوائد، ولأن المال في أصله مال الحربي، أما الأموال المودعة فهي أموال المسلمين، يتقوى بها غير المسلمين في تشغيل المصانع والمعامل، ولأن القول مخصوص بمال الحربي، والحربي: هو الذي بيننا وبين بلاده عداوة وحرب فعلية أو حكمية، ولا ينطبق هذا على غير اليهود وأمثالهم من غاصبي الأراضي الإسلامية، لوجود معاهدات سلمية بيننا وبين مختلف الدول المنضمة لميثاق الأمم المتحدة.\rوإيداع المسلمين أموالهم في بلاد غير المسلمين غير جائز شرعاً؛ لأنهم يتقوون بتلك الأموال علينا، ويعطوننا جزءاً من الفوائد، بل إن أكثر تلك الأموال أصبحت مجمدة لا يفرج عنها ولا ترد لأصحابها الأصليين، مما يؤكد تحريم التعامل مع المصارف الأجنبية إلا لضرورة قصوى أو لأجل الاستيراد والتصدير.\rوعلى هذا تكون فوائد هذه الأموال حراماً لا يجوز لأصحابها تملكها وضمها لأموالهم، لكن لا يصح إبقاؤها لهم حتى لا يتقووا بها علينا، ونعين الظالم على ظلمه، وإنما يجب أخذها وصرفها في المصالح العامة في البلاد الإسلامية كتعبيد الطرق وبناء المشافي والمدارس وغير ذلك من المرافق العامة، كما أفتى بذلك لجنة الفتوى بالأزهر في أواخر الستينات.","part":5,"page":394},{"id":3240,"text":"..................................فوائد المصارف (البنوك)..............................\r....................................حرام حرام حرام...................................\rتشهد الساحة الإعلامية المعاصرة هجمة جريئة في الصحف والمجلات وفتاوى شاذة مستعجلة بأقلام كتاب ينتمون للعمل الإسلامي، ويحاولون التجديد والاجتهاد في مجال الربا (أو الفائدة) ويقولون بإباحة فوائد المصارف؛ لأن المصارف (أو البنوك) أصبحت في وقتنا الحاضر ضرورة اقتصادية، وتقوم بتشغيل أموال المودعين في مشاريع متنوعة صناعية وزراعية وتجارية وغيرها بطريق غير مباشر عن طريق إقراضها لأصحاب هذه المشاريع، وأخذ فوائد منهم، وإعطاء بعضها للمودعين، فالبنوك بمثابة وسيط بين الطرفين.\rومن هذه الهجمة: ما كتبه السيد فهمي هويدي في مجلة العربي العدد 341 أبريل نيسان 1987 م شعبان 1407 هـ ناقلاً عن عالم محاولة بالقول في إباحة فوائد الإيداع في البنوك، وعدم الاعتماد على مبدأ «كل قرض جر نفعاً فهو ربا» لعدم ثبوت كونه حديثاً، وبالتالي عدم جواز الاستدلال به. ومنها فتوى هذا العالم وهو الدكتور عبد المنعم النمر بإباحة فوائد المصارف في جريدة الأهرام يوم الخميس 27 من شوال 1409 هـ الموافق 1989/6/1م، ومنها فتوى مفتي مصر الدكتور محمد سيد طنطاوي بإباحة شهادات الاستثمار بتاريخ 1410/5/7هـ = 1989/12/7م، والطامة الكبرى بيان مفتي مصر المذكور قبل ربيع سنة 1410هـ وقبل نوفمبر (تشرين الثاني) 1989 الذي أحل فيه الفوائد الربوية لشهادات الاستثمار والبنوك المتخصصة، وأعقبه عام 1991 بأن فوائد المصارف حلال في جميع أنحاء الأرض. وأبين هنا مراحل التدرج التشريعي في تحريم الربا في القرآن الكريم، وأذكر الأحاديث النبوية الثابتة ثبوتاً لا شك فيه والمبينة لمدلول الربا، كما أذكر ما عليه قوانين الدول العربية في قضية الربا، ثم أناقش الشبهات التي يثيرها القائلون بإباحة فوائد المصارف الحديثة (1) .\r-------------------------------\r(1) علماً بأن مجمع الفقه الإسلامي لرابطة العالم الإسلامي ومجمع الفقه الإسلامي المنبثق عن منظمة المؤتمر الإسلامي سنة 1406 هـ ومجمع البحوث الإسلامية بالقاهرة سنة 1385 هـ الموافق 1965 م انتهت إلى أن فوائد المصارف من الربا الحرام (انظر كتابي الدكتور محمد علي السالوس في الرد على إباحة فتاوى المبيحين).","part":5,"page":395},{"id":3241,"text":"التدرج في التشريع: هذا من خصائص وأسس بيان الأحكام الشرعية، فلم تحرم الخمر مثلاً دفعة واحدة كما هو معروف، وإنما مر التحريم بمراحل أربع آخرها آيتا المائدة (90-91): {إنما الخمر والميسر...} [المائدة:90/5] وعقوبة الزنا مرت بمرحلتين: الأولى ـ الحبس للنساء والإيذاء للرجال في آيتي النساء (15، 16) والثانية ـ حد الجلد في سورة النور (2) {الزانية والزاني...} [النور:2/24] وكذلك تحريم الربا مر بمراحل أربع:\rأولها ـ تقبيح فعل اليهود الذين يأكلون الربا والتشنيع عليهم في قوله تعالى: {سَّماعون للكذب، أكَّالون للسُّحت...} [المائدة:42/5] وقوله سبحانه: {فبظلمٍ من الذين هادُوا حرمنا عليهم طيبات أحلَّت لهم، وبصدِّهم عن سبيل الله كثيراً. وأخذهم الربا وقد نهوا عنه، وأكلهم أموال الناس بالباطل، وأعتدنا للكافرين منهم عذاباً أليماً} [النساء:159/4-160].\rثانيها ـ التفرقة بين الربا والزكاة في قوله تعالى: {وما آتيتم من رباً ليربو في أموال الناس، فلا يربو عند الله، وما آتيتم من زكاة تريدون وجه الله، فأولئك هم المضعفون } [الروم:39/30].","part":5,"page":396},{"id":3242,"text":"ثالثهما - التنديد بفعل العرب المشركين في الجاهلية ونهي المؤمنين عن محاكاة فعلهم بقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربا أضعافاً مضاعفة} [آل عمران:130/3] والنهي ليس مقصوراً على حالة المضاعفة، وإنما هذا قيد لبيان الواقع، وتقبيح الوضع القائم الشائع بين العرب حينما يقرض أحدهم لآخر قرضاً لمدة، ثم يحل أجل القرض ويعجز المدين المقترض عن وفاء دينه، فيقول له المقرض الدائن: ( إما أن تقضي أو تربي ) فيزيد له في الأجل مقابل الزيادة في الربا، وهذا عين عمل المصارف الحالية تكون الفائدة 7% أو 9% مثلاً، فيعجز المدين عن سداد الدين، فتضاعف عليه الفائدة في العام الثاني والثالث وهكذا حتى تكاد الفائدة في النهاية تعادل أصل رأس المال وهذه هي الفائدة المركبة،والتي لا يتنبه لها القائلون بفوائد البنوك المقللون لمقدارها والمبيحون لها، بل إن هذه الفوائد أسوأ من ربا الجاهلية.","part":5,"page":397},{"id":3243,"text":"رابعها ـ تحريم الربا تحريماً قطعياً ووصف المرابين بالتعرض لحرب الله ورسوله، في قوله تعالى: {الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبّطه الشيطانُ من المسّ، ذلك بأنهم قالوا: إنما البيع مثل الربا، وأحلَّ الله ُ البيعَ، وحرَّم الرِّبا، فمن جاءه موعظة من ربه، فانتهى فله ما سلف، وأمرُه إلى الله ، ومن عاد فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون. يمحق الله ُ الربا ويُرْبي الصدقات، والله ُ لا يحبُّ كلَّ كفَّارٍ أثيم} [البقرة:275/2-276] ثم قال الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ، وذرُوا ما بقي من الربا، إن كنتم مؤمنين، فإن لم تفعلوا فأذنوا بحربٍ من الله ورسوله، وإن تبتم، فلكم رؤوس أموالكم، لا تَظْلِمون ولا تُظْلَمُون} [البقرة:278/2-279].\rثم جاءت الأحاديث الكثيرة، كالحديث المتفق عليه عن أبي هريرة الذي جاء فيه أن أكل الربا من السبع الموبقات الكبائر، وحديث أسامة بن زيد عند مسلم وغيره «إنما الربا في النسيئة» أو «لا ربا إلا في النسيئة» وحديث ابن مسعود وجابر عند أبي داود وغيره: «لعن رسول الله صلّى الله عليه وسلم آكل الربا وموكله وشاهده وكاتبه» وحديث ربا البيوع بتحريم الربا في الأصناف الستة ـ أي وأمثالها ـ عند مسلم وغيره عن عبادة بن الصامت: «الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، مثْلاً بمِثْل، سواء بسواء، يداً بيد، فإذا اختلفت هذه الأصناف، فبيعوا كيف شئتم إذا كان يداً بيد» قال الجصاص في كتابه (أحكام القرآن: 467/1): «هو عندنا في حيز التواتر، لكثرة رواته، واتفاق الفقهاء على استعماله» وحديث ابن مسعود عند الحاكم أن النبي صلّى الله عليه وسلم قال: «الربا ثلاثة وسبعون باباً أيسرها مثل أن ينكح الرجل أمه...» .","part":5,"page":398},{"id":3244,"text":"وأجمعت الأمة على أن الربا محرم، قال الماوردي: «حتى قيل: إنه لم يحل في شريعة قط» لقوله تعالى: { وأخذهم الربا وقد نهوا عنه } [النساء:161/4] يعني في الكتب السابقة.\rالربا الحرام: والربا المحرم في الإسلام نوعان:\rأولهما ـ ربا النسيئة الذي لم تكن العرب في الجاهلية تعرف سواه، وهو المأخوذ لأجل تأخير قضاء دين مستحق إلى أجل جديد، سواء أكان الدين ثمن مبيع أم قرضاً.\rوثانيهما ـ ربا البيوع في أصناف ستة، ذكرها حديث عبادة المتقدم، وهو المعروف بربا الفضل، وقد حرم سداً للذرائع، أي منعاً من التوصل به إلى ربا النسيئة أو ربا القرض، بأن يبيع شخص ذهباً مثلاً إلى أجل، ثم يؤدي فضة بقدر زائد، مشتمل على الربا. وهذا هو ربا النَّساء في البيوع، فهو كل تأخير أو تأجيل في أحد البدلين في أصناف معينة يحصرها الطُّعم لدى الشافعية أو القوت والادخار في المطعومات لدى المالكية، أو الثمنية في النقدين في مذهبي المالكية والشافعية، أو الكيل والوزن في مذهبي الحنفية والحنابلة. فربا النسيئة زيادة مع زمن، وربا النَّساء زمن بلا زيادة ، وربا الفضل زيادة بلا زمن. ولا ربا ببيع كمية حنطة بكمية شعير مثلاً مع التفاوت في المقدار كيلاً أو وزناً، بشرط التقابض في مجلس العقد، كما لا ربا ببيع مطعومات أو مواد استهلاكية يتأجل دفع ثمنها إلى شهر مثلاً بالنقود الورقية الحالية لاختلاف الفئة بين مطعوم ونقد. ولكن يوجد الربا بتبادل كيلو حنطة يدفع الآن بكيلو حنطة يدفع بعد شهر مثلاً، لاتحاد الجنس، وكذلك يوجد الربا عند شراء الحلي من الصواغ بنقود ورقية إذا تأجل دفع الثمن كله أو بعضه لأجل في المستقبل.","part":5,"page":399},{"id":3245,"text":"ليست كل زيادة من الربا،وإنما الزيادة في أموال مخصوصة، والزيادة المشروطة في القرض أو جرى عليها العرف حرام، أما التبرع برد الزيادة عند وفاء القرض دون شرط ولا عرف متعارف عليه، فليس حراماً، فلا يصح القول بأن الرسول صلّى الله عليه وسلم كان يربي حينما قال: «خيركم أحسنكم قضاء» .\rربا المصارف :\rوربا المصارف أو فوائد البنوك: من ربا النسيئة، سواء أكانت الفائدة بسيطة أم مركبة، لأن عمل البنوك الأصلي الإقراض والاقتراض، فتدفع للمقرض فائدة 4% أو 5% وتأخذ فائدة من المقترض 9% أو 12%، ولا يصح القول بأن البنك مجرد وسيط بين المودع والمقترض، يأخذ عمولة مقابل وساطته، لأن البنك ممنوع من القيام بنشاط استثماري، ولا يتقاسم المودع مع البنك الربح والخسارة، ولا يتقاسم البنك مع المقترض في مشروعه الأرباح والخسائر، والنسبة مع ا لطرفين محددة مشروطة سلفاً سواء بالنسبة للمودع أو المقترض، وإن مضار الربا في فوائد البنوك متحققة تماماً، وهي حرام حرام حرام كالربا وإثمها كإثمه، لقوله تعالى: {وإن تُبْتُم فلكم رؤوسُ أموالِكم} [البقرة:279/2] وقد أصبح الربا في عرف الناس اليوم لا يطلق إلا على ربح المال عند تأخيره، وهو مشابه لربا الجاهلية المضاعف مع مرور الزمن. فربا النسيئة الواقع في عقدي الصرف والقرض هو الواقع الآن، كشراء نقد، (دولارات) بنقد (دراهم) دون تقابض، واقتراض أو استلاف دنانير على أن يرد زيادة عليها بنسبة معينة 5% مثلاً، أو مبلغاً مقطوعاً كمئة دينار أو ألف. وأما ربا الفضل فهو نادر الحصول، لكنه حرام سداً للذرائع إلى ربا النسيئة.","part":5,"page":400},{"id":3246,"text":"ويكون تحريم ربا المصارف بنص القرآن والسنة وإجماع الصحابة، أما القول بأن «كل قرض جر نفعاً» ليس حديثاً فهو صحيح، ولكن ذلك ثبت عن جماعة من الصحابة أنهم نهوا عن قرض جر نفعاً، ونهيهم مستمد من السنة النبوية وهو أن النبي صلّى الله عليه وسلم «نهى عن سلف وبيع» والسلف هو القرض في لغة الحجاز، مثل أن يقرض شخص غيره ألف درهم على أن يبيعه داره أو على أن يرد عليه أجود منه أو أكثر، والزيادة حرام كما تقدم إذا كانت مشروطة أو متعارفاً عليها في القرض، فإن لم تكن مشروطة ولا متعارفاً عليها فلا بأس بها، ويمكن فهم قاعدة «كل قرض جر نفعاً فهو ربا » على أنه في القرض الذي شرط فيه النفع أو جرى عليه العرف، كما قرر الكرخي وغيره.\rوكذلك إيداع المال في المصارف والتعاقد على أن تدفع منها ضرائب الدولة أو تؤخذ الفوائد وتدفع للفقراء حرام أيضاً، لأن الله طيِّب لا يقبل إلا طيباً، جاء في مسند الإمام أحمد رحمه الله عن ابن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلّى الله عليه وسلم قال: «لا يكتسب عبد مالاً من حرام، فينفق منه، فيبارك فيه، ولا يتصدق به، فيتقبل منه ولا يتركه خلف ظهره إلا كان زاده إلى النار، إن الله لا يمحو السيء بالسيء، ولكن يمحو السيء بالحسن، إن الخبيث لا يمحو الخبيث» ولكن لو كان المال مودعاً في بنوك دولة أجنبية، وسجلت له نظامياً فوائد، فلا مانع كما جاء في فتوى لجنة الإفتاء بالأزهر في الستينات ونشرتها مجلة الوعي الإسلامي من أخذ هذا المال وصرفه في مصالح عامة في ديار المسلمين كتعبيد الطرق وبناء المدارس والمشافي ولا تترك للأجانب يتقوون بها علينا، أوتبنى بها الكنائس، وهذا من قبيل ( اختيار أهون الشرين) و ( الأخذ بأخف الضررين).","part":5,"page":401},{"id":3247,"text":"الفوائد في قوانين الدول العربية :\rتتفاوت عبارات القوانين في البلاد العربية بالنص على تحريم الفوائد أو إباحتها من الناحية النظرية الظاهرية فقط، ولكن لا تخلو دولة عربية مع الأسف الشديد من إقرار النظام المصرفي والتعامل بالفائدة. فهناك اتجاه يجيز الفائدة مطلقاً كمجلة الالتزامات والعقود التونسية وقانون الموجبات والعقود اللبناني، ففيهما النص على سريان الفائدة من تاريخ الإعذار، وليس للفائدة حد أقصى، وهكذا فعلت تركيا حيث أطلقت حديثاً على لسان رئيس الوزراء الحالي حرية أسعار الفائدة، واتجاه ثان يجيزها بقيود كالقانونين المدني المصري والسوري حيث جاء فيهما: لا يجوز أن تتجاوز الفائدة رأس المال ولا أن تتجاوز الحد الأقصى ولا تسري إلا اعتباراً من المطالبة القضائية، وقد نص القانون المصري (م 226) ومثله العراقي (م 171) على الفائدة 4% في المسائل المدنية و 5% في المسائل التجارية كالقانون المغربي (م 870) الذي نص على أن اشتراط الفائدة بين المسلمين باطل ومبطل للعقد الذي يتضمنه، والقانون المدني الجزائري لعام 1975 (م 455، 456) الذي نص على أن القرض بين الأفراد يكون دائماً بدون أجر، ويقع باطلاً كل نص يخالف ذلك، ولكنه أجاز التعامل بالفائدة للمؤسسات المالية (البنوك) في حال إيداع أموال لديها، وكذلك القانون الليبي رقم 74 لعام 1972 (م 1 الذي أباح الفائدة بين الأشخاص الاعتباريين (كالدولة) ومصارفها، وحرمها على الأشخاص الطبيعيين الأفراد العاديين. وهذه تفرقة ليست في شرع الله ولا دينه، فلا فرق في التحريم بين الفرد المسلم والدولة، والخطاب الشرعي للجميع، وإلا جاز للدولة باعتبارها شخصاً معنوياً كل ما حرمه الإسلام من الظلم والغبن والقتل بغير حق وأكل الأموال بالباطل، وقد قال أبو يوسف رحمه الله للخليفة هارون الرشيد في كتاب الخراج «لايجوز لولي الأمر أن يأخذ شيئاً من يد أحد إلا بحق ثابت معروف» .","part":5,"page":402},{"id":3248,"text":"ومن هذا الاتجاه القانون الأردني (بموجب نظام المرابحة العثماني 1304 هـ مارس 1903م) حيث نص على حد أقصى للفائدة 9% ونص القانون المدني الأردني (م 640) على بطلان شرط المنفعة في القرض وصحة العقد. وكذلك المعمول به في دولة الإمارات، الذي سوِّى فيه بين المعاملات المدنية والتجارية في قانون الاجراءات المدنية لإمارة أبو ظبي، وقضت المحكمة الاتحادية العليا في تفسيرها رقم 14 لسنة 1979 بدستورية نص المادتين 61، 62 من هذا القانون، إلا أنه لا يجوز أن يزيد سعر الفائدة التي تحددها المحكمة عن السعر الذي اتفق عليه الأطراف أو تعاملوا به في أي مرحلة قبل رفع الدعوى، ونص القانون الإماراتي (م714) على بطلان شرط المنفعة الزائدة في القرض وصحةالتعاقد. لكن نص قانون العقوبات لدولة الإمارات في المادة (409) على أنه «يعاقب بالحبس مدة لا تقل عن ثلاثة أشهر وبالغرامة التي لا تقل عن ألفي درهم كل شخص طبيعي تعامل مع شخص طبيعي آخر بربا النسيئة في أي نوع من أنواع المعاملات المدنية والتجارية، ويدخل في ذلك كل شرط ينطوي على فائدة ربوية صريحة أو مستترة» وهذا يعني بالمفهوم المخالف إعفاء الأشخاص الاعتبارية (البنوك) من العقوبة.\rأما القانونان المدنيان في كل من السودان (م1/279، 281) والكويت (م1/547) فقد نص كلاهما على منع الربا أو الفائدة ظاهراً. «يكون الإقراض بغير فائدة، ويقع باطلاً كل شرط يقضي بغير ذلك » لكن نص القانون التجاري في الكويت ( م 102) على أن «للدائن الحق في اقتضاء فائدة في القرض التجاري» وكان العمل على هذا أيضاً في السودان، والسعودية وغيرهما.","part":5,"page":403},{"id":3249,"text":"شبهات القائلين بإباحة فوائد البنوك :\r1 - يزعم المبيحون للفوائد المصرفية (البنكية) أنها ليست أضعافاً مضاعفة، وإنما هي نسبة قليلة 4% أو 7% أو 9%، فلم يشملها النص المحرم للربا: «وحرَّم الربا» وليست مما عهدته العرب. والرد على ذلك أن الربا في الآية ليس هو ربا العهد المذكور في سورة آل عمران فحسب، وهو ربا الجاهلية المضاعف، بل كل ما ذكر في القرآن والسنة الثابتة المفصلة لأنواع الربا وهي ربا الفضل وربا النسيئة الشامل لربا البيوع وربا القروض، وليس مجرد الربا المضاعف، وإنما كل زيادة قليلة أو كثيرة، لقوله تعالى: {وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم} [البقرة:279/2] وأكد الله تعالى هذا مباشرة بقوله: {لا تَظْلِمون ولا تُظْلَمُون} [البقرة:279/2] كما أن اللام في قوله تعالى: {وحرم الربا} [البقرة:275/2] للجنس، أي حرم جنس الربا، ثم أبانت السنة النبوية في الأحاديث الصحيحة المراد من هذا الجنس، أي الزيادة في أموال مخصوصة، وعقود معينة هي البيع والقرض والصرف، لكن الفقهاء اختلفوا في علة الربا بين موسع ومضيق ومتوسط، والفريق الأول هم الحنفية والحنابلة الذين جعلوا العلة هي الكيل والوزن، فشمل الربا كل ما يباع كيلاً كالقمح والشعير، وكل ما يباع وزناً كالقطن والحديد، والذهب والفضة.","part":5,"page":404},{"id":3250,"text":"والفريق الثاني هم المالكية الذين حصروا علة ربا المطعومات في القوت والادخار أي كل مقتات غالباً قابل للادخار مدة سنة مثلاً، أي لا يفسد بتأخيره مدة من الزمن لا حد لها في ظاهر المذهب، وإنما بحسب الأمد المبتغى منه عادة في كل شيء بحسبه، فالمرجع فيه إلى العرف، والفريق الثالث وهم الشافعية الذين جعلوا العلة هي الطُّعْم وهو يشمل كل مايتناول الإنسان اقتياتاً أوتفكهاً أو تداوياً، واتفق الفريقان الثاني والثالث على أن العلة في النقدين وما يحل محلهما من النقود الورقية هي النقدية أو الثمنية، أي كونهما ثمناً للأشياء. ليست العلة في الربا هي الاستغلال والظلم وإنما هذه حكمة لا يربط الحكم الشرعي بها،ولا يصح القياس عليها لعدم انضباطها واختلافها من شخص لآخر، حتى يقال بأنه إذا لم يتوافر الاستغلال والظلم، كالقروض الإنتاجية لإصلاح أرض أو إقامة مصنع أو تشييد بناء أو غير ذلك من مختلف مجالات الإنماء، كانت الفائدة أي الربا جائزة. ثم إن ربا المصارف كما تقدم يصبح بنظام الفائدة المركبة من ربا الأضعاف المضاعفة، وليس صحيحاً ما ينقل عن ابن عباس أنه كان يحرم فقط ربا الجاهلية، ولا يحرم ربا الفضل وربا النسيئة حسبما زعم السنهوري.","part":5,"page":405},{"id":3251,"text":"2 - يزعم المبيحون أيضاً بأن لفظ «الربا» في الشريعة مجمل، عرف العرب بعضه ولم يعرفوا البعض الآخر، ويؤيدون رأيهم بقول عمر رضي الله عنه: «أن آية الربا من آخر ما نزل من القرآن، وأن النبي صلّى الله عليه وسلم قبض قبل أن يبينه لنا، فدعوا الربا الريبة» . وهذا خطأ لأن الشريعة تتمثل بالقرآن والسنة الصحيحة، والقرآن حرم جنس الربا، بدليل آخر قول عمر: «فدعوا الربا والريبة» وجاءت السنة الثابتة بمجموع الأحاديث الصحيحة مبينة المراد من قوله تعالى: {وحرَّم الربا} [البقرة:275/2] واعتبر النبي صلّى الله عليه وسلم بعد فتح خيبر المتأخر حدوثه (وهو سنة سبع بعد الحديبية) مبادلة الصاع الجيد من التمر بالصاعين من الرديء «عين الربا» مما يدل على وجود هذه المعاملة بين العرب، وأنها بيع في ظنهم، فكان إرشاد النبي صلّى الله عليه وسلم دالاً على أن ذلك العقد ربا حرام وليس بيعاً حلالاً، كما أن لفظ الربا الوارد في القرآن شامل لهذا النوع من المعاملة. وعلى هذا فلا يصح القول بحصر الربا بربا الجاهلية (الأضعاف المضاعفة)، وبأن غيره من أنواع الربا مشكوك في حرمته، وإن اعتبرناه حراماً فهو أقل حرمة من ربا الجاهلية، كما يقول السيد رشيد رضا.","part":5,"page":406},{"id":3252,"text":"3 - يزعم بعض المعاصرين كالدكتور معروف الدواليبي أن الربا المحرم هو ربا القروض الاستهلاكية أي التي يقترضها ذوو الحاجة الملحة ويؤدونها أضعافاً مضاعفة، أما القروض الإنتاجية التي يقترضها الموسرون للتشغيل في مشروعات إنتاجية صناعية أو تجارية أو زراعية تدر عليهم ربحاً وفيراً، فليست الفائدة المؤداة ربا محرماً لعدم توافر معنى استغلال حاجة المحتاج. ويلاحظ أن أول من أعلن هذا في أسبوع الفقه الإسلامي عن الربا سنة 1951 م في باريس قد تأثر بالنظريات الرأسمالية وبالفكر اليهودي.وقد رددت على هذا بأن الحكم الشرعي يرتبط بالعلة المنضبطة لا بالحكمة المضطربة المختلفة من شخص لآخر، وربط الربا بالاستغلال والظلم بيان للحكمة التشريعية لا لعلة الحكم. ثم إن الشريعة بنصوصها القاطعة حرمت كما تقدم جنس الربا، ولم تفرق بين قرض استهلاكي وقرض إنتاجي، كما أن الإسلام حرم كل أنواع الربا مبتدئاً بالموسرين كالعباس.","part":5,"page":407},{"id":3253,"text":"4 - يزعم هؤلاء المبيحون بأن الفائدة في القروض الإنتاجية تقتضيها مصلحة متحققة فتجوز ولو عارضتها مفسدة، والقاعدة المنقولة في مقال العربي السابق عن عالم أن المفسدة إذا عارضتها مصلحة راجحة قدمت المصلحة،وتتمثل المصلحة هنا في توظيف الأموال لمضاعفة الدخل القومي، وفتح مجالات العمل أمام العمال، وإفادة كل من المقرض والمقترض. أما المفسدة فهي الربا فقط. وهذا خطأ بيِّن لأن القاعدة الشرعية الصحيحة أن «درء المفاسد مقدم على جلب المصالح» وأن المصلحة يعمل بها إذا لم تعارض النص الشرعي، ومجال العمل بالمصلحة عند فقدان الدليل من نص أو إجماع أو قياس، وأن مفاسد القروض الإنتاجية أكثر وأخطر من المصالح الوهمية المشار إليها، لأن المنتج يضيف مقدار الفائدة على تكاليف الإنتاج التي يتحملها المستهلك في نهاية الأمر، ولأن ارتفاع سعر السلع فيه مضرة بمجموع الناس، ولأن الفائدة الربوية تسخر العمل لخدمة رأس المال دائماً، ولأن إقراض الموسرين يحصر الثروة في أيديهم، ويؤدي إلى التضخم النقدي والتفاوت الصارخ بين الأغنياء والفقراء.\r5 - يزعم المبيحون بأن المصارف (البنوك) في العصر الحديث ضرورة اقتصادية لا يستغنى عنها، وهذا أيضاً تمويه وخداع، فإن النظام الاشتراكي لا يقر نظام الفوائد المصرفية، كما أن نجاح المصارف الإسلامية التي زادت عن خمسين مؤسسة في عصرنا، في غضون ثلاث عشرة سنة فقط برهان واضح على إمكان قيام نظام اقتصادي خال من الفوائد البنكية أو المصارف الربوية. ولايصح القول أيضاً بأن فوائد المصارف مما تعارف عليها الناس، والعرف مصدر تشريعي؛ لأن هذا عرف فاسد مصادم للنصوص الشرعية.","part":5,"page":408},{"id":3254,"text":"6 - إن تسويغ (تبرير) الربا بالتضخم النقدي أي بجعل الفائدة تعويضاً عن القيمة المفقودة من النقد غير صحيح، لأن الفائدة في الحقيقة هي سعر استعمال النقدية مع مرور الزمن، وليست تعويضاً عن فقد قيمة النقد، كما أن الربا من مسببات التضخم فعلاً، وليس نتيجة له، كما يقرر الاقتصاديون.\r7 - إن من مظاهر انحطاط الفكر ودواهي العلم أن يقال: ( إن الأوراق النقدية لا توزن، فلا تعتبر من الربويات، بل تأخذ حكم العروض التجارية )، أو يقال: إن الأوراق النقدية كالفلوس لايجري فيها الربا. وهذا جهل واضح بحقيقة النقود، فإنها ثمن اصطلاحي للأشياء، سواء أكانت معادن أم أي شيء آخر، وقال النبي صلّى الله عليه وسلم : «لا تبيعوا الدينار بالدينارين» (نيل الأوطار: 303/5) والفلوس ليست لها قوة النقود ولا بديلاً عن النقود، وإنما هي كالسلع التجارية، فلا تقوَّم بها السلع والأعيان وإنما تقوَّم بالذهب والفضة، وكان سلخ وجود صفة الربا فيها لتفاهتها، كتفاهة بيع الحفنة بالحفنتين، والتفاحة بالتفاحتين، وإنما سمح بتداولها في الماضي لتسهيل شراء ما رخص ثمنه من الحاجيات.\r8 - أن الفائدة البنكية المعطاة لصاحب المال، المحددة بمقدار معين حرام، لأنها قدر مقطوع لا زيادة فيها ولا نقص ولا تتأثر بحقيقة الأرباح، ولا تساهم في تحمل شيء من الخسارة إذا قيل: إنها عائد استثمار رأس المال المودع في المشروعات الاستثمارية من صناعة وتجارة وزراعة وغيرها.","part":5,"page":409},{"id":3255,"text":"وعلى هذا فلا يصح القول خلافاً لما جاء في مقال مجلة «العربي» السابق وغيره من الفتاوى الضالة بإباحة أرباح صناديق التوفير التي تعتمدها بعض الحكومات لتشجيع الناس على الادخار، ولا القول بإباحة أرباح شهادات الاستثمار المصرفية حيث يودع بعض الناس أموالهم، ويحصلون على شهادات أو صكوك بقيمتها، تحقق أرباحاً أو جوائز بعد فترة زمنية معينة؛ لأن هذه الصناديق والشهادات ما هي إلا قرض جر نفعاً، وليست عارية؛ لأنه يجب رد العين المعارة بذاتها، ولأن عارية النقود قرض، ولا وديعة، لأن الودائع لا يجوز للوديع تشغيلها، فإن استعملها ضمنها، وليست هي أيضاً من قبيل شركات المضاربة بتقديم رأس المال من جانب والعمل من جانب آخر؛ لأن المصارف تحدد نسبة معينة من الربح بمقدار نسبة رأس المال، لا بحسب نسبة الربح الفعلي، مما يجعل المعاملة ربا نسيئة، والمضارب في شركة المضاربة شريك لرب المال، والشريك لا يضمن إلا بالتعدي أو بالتقصير في العمل، مع أن رأس المال مضمون من قبل المصرف كالمقترض تماماً، فإنه ضامن بالشرط والتعهد والاتفاق لا تبرعاً لما يقترضه من مال. ثم إنه لا بد من الاشتراك في الربح دون تحديد نسبة مقطوعة، وتكون الخسارة على رب المال في المضاربة، ولا خسارة على أصحاب هذه الأموال، وقد يقرض المصرف بعض الأموال المودعة لديه، وليس هذا جائزاً في المضاربة. ولا يجوز تخصيص حظ معين، لأنه قد أجمع الفقهاء في الشركات وعقود استثمار الأراضي (المساقاة، والمزارعة، والمغارسة)على عدم جواز تخصيص مقدار مقطوع من الربح أو الغلة والناتج لوجود الغرر، أي احتمال وجود ربح أو عدم وجوده، واحتمال تفاوت نسبة الربح، لأن النبي صلّى الله عليه وسلم في حديث رافع بن خديج نهى عن كراء الأرض بما على السواقي وأمر بكرائها بذهب أو ورق (فضة) معين. ولا عبرة لما يقال بأن المشروع رابح دائماً، وأن الخسارة نادرة فتكون غرراً يسيراً لا يبطل العقد فإن الكلام في مقدار","part":5,"page":410},{"id":3256,"text":"الغرر، ومقدار الغرر فاحش، وليس الكلام في ندرة وقوعه أو عدم وقوعه، لأن الخسارة للمصرف إذا حدثت تكون فاحشة وليست يسيرة.\rوالكلام عن الغرر يقتضينا الإشارة إلى أن مقال العربي السابق الذي ينقل عن عالم جواز التأمين على الحياة خطأ أيضاً، لأنه بالرغم مما يقال عن أن نسبة الاحتمال أو الغرر في شركات التأمين تخضع لحسابات دقيقة، وهي يسيرة مسموح بها، فهو كلام مناقض للواقع، لأن مقدار الغرر فاحش، واحتمال حدوث الحادث أو عدم حدوثه بيد الله تعالى: {وما تدري نفس ماذا تَكْسِبُ غداً، وما تدري نفس، بأي أرض تموت، إن الله َ عليمٌ خبيرٌ} [لقمان:34/31].\rوالخلاصة:\rإن فوائد المصارف حرام شرعاً بنص القرآن والسنة وإجماع الصحابة والأمة، والقول بإباحتها مصادم بداهة للأدلة الشرعية كلها النصية (القرآن والسنة) والاجتهادية (كالإجماع والقياس) ولا عبرة بقول من غير فقه وورع، أو جهل بحقيقة أعمال المصارف.\rهذا مع العلم بتناقض فتاوى مفتي مصرالدكتور سيد طنطاوي حيث صدرت له فتاوى سابقة تصرح بتحريم فوائد البنوك وشهادات الاستثمار (1) .\r-------------------------------\r(1) انظر كتاب الدكتور محمد علي السالوسي «أجرؤكم على الفتيا أجرؤكم على النار» وكتابه أيضاً «حكم ودائع البنوك وشهادات الاستثمار في الفقه الإسلامي» جزاه الله خيراً حيث دافع بورع وحق عن حياض شرع الله القائم على تحريم الفوائد وكل ربح ثابت.","part":5,"page":411},{"id":3257,"text":"أحكام التعامل مع المصارف الإسلامية\rالمصرف الإسلامي: هو مؤسسة مالية تقوم بتجميع الأموال واستثمارها وتنميتها لصالح المشتركين، وإعادة بناء المجتمع المسلم، وتحقيق التعاون الإسلامي، على وفق الأصول الشرعية.\rوأهم تلك الأصول: اجتناب المعاملات الربوية والعقود المحظورة شرعاً، وتوزيع جميع الأرباح بحسب الاتفاق دون استغلال حاجة المضطر أو المحتاج، ومساعدة أهل الحاجة عن طريق القرض الحسن، والدعوة إلى الإسلام اقتصادياً واجتماعياً.\rمميزات المصارف الإسلامية :\rتمتاز المصارف الإسلامية عن المصارف التجارية الربوية القائمة على أساس الفائدة المصرفية إيداعاً وإقراضاً، بميزات واضحة، مستمدة من الشريعة الإسلامية وفقهها الخصب غير الملتزم بمذهب معين، بحيث يمكن أن تحقق هذه التجربة نجاحاً ملحوظاً بارزاً، تستطيع به الصمود أمام المصارف الأخرى، ومنافستها، وإقناع المسلم بأنها قادرة على تلبية حاجاته، وتحقيق مطالبه في ظل أحكام القرآن، والحد من غطرسة النظام الرأسمالي القائم أساساً على الاستغلال والطبقية والفائدة الربوية.\rوأهم هذه الميزات التي يبين منها أوجه الفرق بين المصارف الإسلامية والمصارف التجارية هي ما يأتي:\r1 - ارتباطه بالعقيدة الإسلامية: المسلم في كل تصرفاته ملتزم بأصول الحلال والحرام في شريعته، فهو يقْدم على الحلال الواضح المعالم الذي يطمئن إليه قلبه، ويجتنب الحرام الذي يمنعه دينه ويحظره عليه شرعه، فلا يجرؤ على مخالفة حكم من أحكام قرآنه وسنة نبيه، وقد نص القرآن الكريم على تحريم الربا تحريماً قطعياً أبدياً، سواء أكان ربا نسيئة ومنها ربا المصارف، أم ربا فضل، وسواء أكان الربا في البيع أم في القرض، وسواء أكان القرض استهلاكياً أم إنتاجياً.","part":5,"page":412},{"id":3258,"text":"وذلك في قوله تعالى: {وأحل الله البيع وحرم الربا} [البقرة:275/2] أي حرم جنس الربا بمختلف أنواعه، وأنذر تعالى بمحق فوائد الربا فقال: {يمحق الله الربا ويربي الصدقات} [البقرة:276/2] وأوجب تعالى ترك كل آثار الربا وتصفيته ولو كانت الفائدة قليلة مثل 1% بقوله: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ، وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين} [البقرة:278/2] وأعلن الحق تبارك وتعالى الحرب والعداوة على أكلة الربا، فقال: {فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله، وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم، لا تَظْلمون ولا تُظلمون} [البقرة:279/2] وهذا أشد عقاب في الإسلام، وأدل على أن الربا أشد الأحكام حرمة وأفظعها وأشنعها جرماً عند الله تعالى، لاستحقاقه عداوة الله والرسول.\rوينبني على قاعدة الحلال والحرام هذه أنه لا يجوز للمصرف الإسلامي إنتاج أوتمويل أو استيراد أو تصنيع السلع المحرمة شرعاً كالخمر، أو التعامل بالربا، أو الاحتكار، أو التغرير أو الغش في التعامل. أما المصارف الربوية فتعتمد على الفائدة أخذاً وعطاء، وعلى دعم الاحتكارات.\rويتعين على المصرف الإسلامي توجيه الموارد واستثمارها في مجال السلع والخدمات المشروعة دون إسراف.\rويراعي المصرف في مشروعاته حاجات المسلمين ومصلحة الأمة.\r2 - الأخذ بمبدأ الرحمة والتسامح واليسر: إن مبدأ الإخاء الإسلامي يوجب على عاملي المصرف الإسلامي الأخذ بيد المسلم لإنقاذه من عسر أوضيق طارئ أو أزمة ألمت به، فلا إرهاق ولا إعنات في المطالبة، ويعتمد في معاملته النصح والإرشاد، والأمانة والصدق، والإخلاص والتسامح، ويتعامل بالقرض الحسن، ويمهل المدين الغريم عند العسر، أخذاً بنظرية الميسرة المقررة في القرآن الكريم في قوله تعالى: {وإن كان ذو عسرة فنَظِرة إلى مَيْسَرة، وأن تصدَّقوا خير لكم إن كنتم تعلمون} [البقرة:280/2].","part":5,"page":413},{"id":3259,"text":"أما المصارف التجارية غير الإسلامية فنظرتها مادية محضة، لا تعنى بالأخلاق، ولا ترعى ظروف المقترض، وإنما يهمها مصلحتها وتحقيق أرباحها، بغض النظر عن أوضاع العميل مع المصرف، فإذا لم يقم بتسديد ما عليه من فوائد متراكمة تبادر إلى الحجز على ممتلكاته التي قدمها رهناً بالقرض.\r3 - النزعة الاجتماعية الإنسانية: إن هدف المصارف الربوية هو الربح، وتحقيق أكبر ربح ممكن، بينما هدف المصارف الإسلامية هو التعاون، ودرء الضرر، ودفع الحاجة، من طريق القروض الحسنة التي لا تأخذ فائدة عليها، وصرف الزكاة إلى الأسر الفقيرة، وطلبة العلم، وبناء المساجد، ودعم الجمعيات الخيرية التي تعنى برعاية الفقراء طعاماً وغذاء وكساء ومأوىً وعلاجاً، وبتحفيظ القرآن، وإعداد الجيل على منهج التربية الإسلامية في سيرتها السلفية الأولى، مع الأخذ بما تقتضيه المعاصرة والحداثة والتطور النافع المفيد.\rوتعنى المصارف الإسلامية بربط التنمية الاقتصادية بالتنمية الاجتماعية في أُطر متوازنة وتنسيق متكامل صحيح، فيسير العمل من أجل توفير الرخاء الاقتصادي، مع التهذيب الاجتماعي القائم على الالتزام بآداب الإسلام وقِيَمه وأخلاقه الاجتماعية في كل مناحي الحياة ومسيرة المعاملات، فلا غش ولا خداع، ولا تغرير ولا تدليس، ولا مقامرة ولا غبن في المعاملات، منعاً لأكل أموال الناس بالباطل، وحفاظاً على شيوع روح الود والحب والطمأنينة، ومنع المنازعات بين الناس، وتحقيق أكبر قدر ممكن من الاستقرار في الحياة والأوطان الإسلامية، وتقوية وازع الدين، وخشية الله تعالى ورقابته في السر والعلن، حتى يكون المواطن عضواً أميناً صالحاً منتجاً، يعمل بوحي من دينه وضميره الذي لا رقيب عليه إلا الله تعالى، ويتقن أعماله ويضاعف جهوده في الإنتاج، والتصنيع، وتحسين الثمار والزروع وغير ذلك من الأنظمة الاقتصادية وتقوية التجارة القائمة على الثقة، وإفادة الأمة الإسلامية.","part":5,"page":414},{"id":3260,"text":"4 - المساواة بين طرفي التعامل، والوضوح في العمل، والثقة في الاستثمار: لا تعرف المصارف الربوية هذه المبادئ، وإنما المهم تشغيل الأموال بمعرفة إدارة المصرف، وإعادة الإقراض إلى غير المودعين بسعر فائدة أعلى من سعر فائدة الودائع. بينما المصارف الإسلامية لا غموض فيها، وكل أعمالها واضحة، ويهمها توفير ثقة المتعاملين مع إدارة المصرف، ولا تعتمد على الإقراض بالفائدة، وتلتزم بعقد المشاركة (شركة العنان في الفقه الإسلامي) مع العميل أو صاحب رأس المال، فيساهم الشريك والمصرف في رأس المال والإدارة، ويقسم الربح بنسبة يتفقان عليها بالتراضي مقدماً. أما الخسارة فتكون بنسبة رأس المال، إلا إذا كانت الخسارة بسبب التعدي أو التقصير.\rوفي مجال تشغيل الأموال أو استثمارها يعتمد المصرف على نوع آخر من الشركات هو شركات القراض أو المضاربة التي يقدِّم فيها المصرف كل التمويل، بينما يقوم الشريك المضارب بالإدارة والعمل، وفقاً لشروط محددة يعينها المصرف حسبما يعرف في الفقه الإسلامي بالمضاربة المقيدة. ويحدد نصيب المضارب في الربح بالتراضي بين الجانبين مقدماً، أما الخسارة فيتحملها المصرف وحده، ويفقد الشريك المضارب مجهوده الذي بذله في إدارة المشروع، ما لم تكن الخسائر بسبب التعدي أو التقصير.\rأما في نطاق الاستيراد كشراء السيارات والسلع التجارية سواء من داخل البلاد أو خارجها، فيلجأ المصرف الإسلامي إلى نوع من البيوع يسمى بيع المرابحة: وهو البيع بمثل الثمن الأول مع زيادة ربح، وهو من بيوع الأمانة، فإن ظهرت خيانة كان للمشتري الخيار بنقض الصفقة. ويستطيع المصرف أن يأخذ ربحاً معقولاً على شراء السلعة، سواء أكان البيع حالا (نقدياً) أم مقسطاً أم مؤجلاً لأجل معين، ويجوز في رأي جمهور الفقهاء أن يكون سعر التقسيط أو المؤجل أعلى من السعر الحالّ أو النقدي، بشرط تحديد السعر تحديداً نهائياً عند الاتفاق على البيع.","part":5,"page":415},{"id":3261,"text":"ويمكن للمصرف بناء بيت أو منزل في أرض بمبلغ معين يراعى فيه التكاليف زائداً الربح، يدفع عند التسليم، أو على أقساط يتفق عليها، ولا مانع من اختلاف الثمن باختلاف الأجل.\rأما التحاويل والحوالات التي هي وسائل تؤدي إلى سداد مبالغ نقدية في داخل البلد أو خارجه، فيجوز شرعاً وكما هو معمول به في المصارف التجارية أن تكون بأجر أو بغير أجر.\rوأما خطابات الضمان (وهي التعهدات الكتابية التي يتعهد بمقتضاها المصرف بكفالة أحد عملائه في حدود مبلغ معين تجاه طرف ثالث، بمناسبة التزام ملقى على عاتق العميل المكفول) فهي كفالة جائزة شرعاً. أما أخذ المصرف الأجرة على هذه الكفالة فيجوز إذا كان خطاب الضمان بغطاء كامل أو جزئي (أي بتعهد بالدفع الكلي أو الجزئي ويرصد مقابلها ما يوازيها)؛ لأن العقد هنا عقد كفالة ووكالة معاً: كفالة بالنسبة لعلاقة المصرف مع الطرف الثالث ووكالة بالنسبة لعلاقة المصرف مع العميل.\rولا يجوز للمصرف أخذ الأجرة إذا كان خطاب الضمان بغير غطاء (أي لا يرصد مقابله شيء) لأن العقد هنا عقد كفالة، ولايجوز أخذ الأجر على الكفالة؛ لأنها من عقود التبرعات، وأخذ الأجر على ذات الضمان غير جائز عند جمهور الفقهاء، خلافاً لما عليه المصارف التجارية من أخذ عوائد على خطابات الضمان التي تصدرها. وهذا الحكم الشرعي هو ما أخذ به المؤتمر الأول للمصارف الإسلامية، وهيئة الرقابة الشرعية لبنك فيصل الإسلامي السوداني. وأجازت هذه الهيئة أخذ أجر حالة الكفالة المجردة شريطة أن يكون محسوباً نظير ما يقوم به البنك من خدمة فعلية يتكبدها في سبيل إصدار خطاب الضمان، من غير أن يمتد ذلك إلى الضمان نفسه.","part":5,"page":416},{"id":3262,"text":"5 - مناط الربح تشغيل رأس المال والعمل :\rالاسترباح في المصارف الإسلامية يعتمد على تشغيل رأس المال والعمل من جانب المصرف أو وكلائه، فلا يحقق إيداع المال نظير فائدة ثابتة، وإنما صاحب رأس المال شريك بناء على شركة العنان أو شركة المضاربة، ويجوز اجتماع شركة المضاربة مع شركة أخرى كشركة العنان، كما يجوز تعدد أرباب المال وتعدد المضارب، فللمضارب الواحد أو جماعة المضاربين الاشتراك مع آخرين في شركة عنان. والمضاربة مبنية على الأمانة، فلا يجوز أن يضمن المضارب المال، وإلا فسخ العقد.\rويطبق المصرف مبدأ المضاربة المطلقة فيما يتعلق بالودائع الاستثمارية، والمضاربة المقيدة فيما يتعلق بعمليات الاستثمار. أما المستفيد من المصارف فيقترض منها بالقرض الحسن الذي لا فائدة فيه، ومصدر أموال القروض من بعض مؤسسي المصرف؛ لأن الفقهاء اتفقوا على أن كل قرض جر نفعاً فهو ربا، أي اشترط فيه النفع وهو الربا أو الفائدة أو المنفعة كالسكنى في بيت الغريم المدين. ولا يجوزفي أي تعامل للمصرف أن ينص على دفع فائدة منه أو إليه، وليس له أخذ فائدة مقابل دفع مبلغ مؤجل حالاً؛ لأن ذلك ربا حرام داخل في قاعدة «ضع وتعجل» .\rوبناء عليه لا يصح للمصرف في تعامله مع المصارف الأجنبية أن ينص على أخذ فائدة أو دفع فائدة، كأن يشترط المصرف الإسلامي على المصرف الأجنبي أن يقرضه عندما ينكشف حسابه نظير فائدة، والحل هو الاتفاق على إيداع المصرف الإسلامي مبالغ في المصرف الأجنبي لحسابه من غير فائدة، وإذا احتاج المصرف الإسلامي تغطية عجزه، لا يدفع فائدة للمصرف الأجنبي إذا صار دائناً له، وقد قبلت المصارف الربوية هذا التعامل.\rويلاحظ أن المصارف التجارية لا تتعامل مع عملائها أو مع المصارف الأخرى إلا بفائدة ربوية في حالتي الأخذ والعطاء. ونظام الفوائد سلباً وإيجاباً يؤدي إلى تضخم التكاليف: وارتفاع الأسعار؛ لأن كل فائدة تضم في النهاية على سعر السلعة، ويدفعها المستهلك مع ثمن البضاعة.","part":5,"page":417},{"id":3263,"text":"وهناك عبء إضافي ثقيل على المقترض من المصارف الربوية وهو مضاعفة الفائدة أو ما يسمى بالفائدة المركبة مع مرور الزمن ومضي السنوات،وإذا عجز عن تسديد هذه الفوائد وهو الغالب، فإن أرضه أو بستانه أو منزله الذي قدمه رهناً سيباع بالمزاد العلني، ويأخذ المصرف من الثمن كامل حقه غير منقوص.\rًً6 - سعة رقعة التعامل مع العملاء :\rليس كل أحد يستطيع التعامل مع المصارف التجارية الربوية، وإنما الأمر مقصور غالباً على الأغنياء، فتعطى القروض لكبار العملاء والذين يستطيعون تقديم ضمانات عقارية أو عينية كالبضائع والمعدات والآلات.\rأما المصارف الإسلامية فتتعامل مع جميع الناس، حتى أبسط الحرفيين وصغار الكسبة وصغار التجار، وحديثي التخرج من الجامعات، فتمول المشروعات الصغيرة، وتساعد في توفير المسكن والمأوى للشاب الذي يريد الزواج والاستقرار في حياته العائلية.\r7 - العدالة في تقدير العمولة :\rتتقاضى المصارف التجارية عمولة على جميع أوجه نشاط التعامل معها، أما المصارف الإسلامية فتتقاضى عمولة مطابقة تماماً للجهد المبذول أو السعي في تحقيق مصلحة العميل، فيأخذ المصرف النفقات الفعلية التي أنفقها على قرض معين بذاته، كما يأخذ مصاريف القرض الحسن مرة واحدة في بداية القرض، ومبلغاً موحداً على القرض غير مرتبط بقيمته. وبعض هذه المصارف مثل «بنك دبي الإسلامي» لا يأخذ أية مصاريف على القرض الحسن وإنما يأخذ فقط مبلغ القرض دون أي مصاريف أو زيادة.","part":5,"page":418},{"id":3264,"text":"هل التعامل مع المصارف الإسلامية حلال أو حرام؟\rيتبين مما تقدم أن المصرف الإسلامي يلتزم جانب الحلال في أعماله ومعاملاته كلها ، و يجتنب الحرام فيما يقوم به من مشاركة واستثمار وتنمية الأموال المدفوعة إليه، ويساهم في سد حاجة المحتاج عن طريق القروض الحسنة غير المقترنة بشرط دفع فائدة ربوية أو تحقيق منفعة على حساب المقترض، فليطمئن المسلم على سلامة تعامله مع المصارف الإسلامية شرعاً أخذاً وعطاء، إنتاجاً واستثماراً، على أساس المشاركة المنتهية بالتمليك أو المساهمة.\rإذ من المعلوم شرعاً أن العقد الجائز يصح للإنسان المسلم إبرامه، والأصل في المعاملات والعقود: الإباحة، وأما التعامل أو العقد المحظور شرعاً كالعقد الفاسد أو الباطل، مثل البيع المشتمل على الربا فيحرم الاقتراب منه، ويلزم اجتنابه، حتى ولو كان عقداً صحيحاً في الظاهر لكنه يستهدف غاية محظورة أو ممنوعة شرعاً؛ إذ من المبادئ الشرعية أو الأصولية: مبدأ سد الذرائع إلى الحرام، فكل ما أدى إلى الحرام أو كان وسيلة إليه، فهو حرام محظور شرعاً.\rوالإسلام يجيز كل ما يحقق حاجات الناس، ولا يحجر على أحد الربح المعقول شرعاً وهو ما كان دون الخمس أوالثلث، وربما اشتبه على بعض الناس الوقوع في معنى الحرام أو الربا في بعض المعاملات، وهذا صحيح، ولكن الإسلام يمنع التصريح بالربا أو اشتراط الفائدة، ولكنه لا يمنع التوصل إلى المقصود بأسلوب شرعي، فمثلاً البيع بالتقسيط أو بثمن مؤجل أكثر من السعر الحال أو النقدي، قد يقال: إنه حرام لما فيه من زيادة في السعر على الثمن الحالّ، ولكن فقهاء الإسلام أجازوه رعاية للحاجة، ولأنه لا يقصد به الاستغلال والتضييق على المضطر أو المحتاج، وإنما على العكس فيه رعاية لحاجة المشتري الذي لا يملك الثمن الكلي للسلعة، وهو بحاجة إليها.\rوالعمولة على الخدمات المصرفية قد يتوهم أنها فائدة أو ربا حرام، مع أنها أجر على عمل ما لم ينص صراحة على الفائدة، ومعظم الخدمات المصرفية التي يقوم بها المصرف للعملاء جائزة على أساس الإجارة والوكالة بأجر، والإجارة نوعان: إجارة منافع الأعيان، وإجارة الأشخاص، فإيجار الخزائن الحديدية أو المخازن تتضمن منافع الأعيان، وقيام موظفي المصرف بالعناية بهذه الأماكن يتضمن إجارة الأشخاص. وما عدا إيجار الخزائن الحديدية والاعتمادات المستندية من الخدمات المصرفية مثل كتابة الوثائق وتدوين الحسابات وفتحها وتشغيل الأموال ورصد الأرباح جائز أيضاً لا شبهة فيه.","part":5,"page":419},{"id":3265,"text":"............................................6..........................................\r......................................بيوع الأمانة......................................\rالمرابحة والتولية والوضيعة\rذكرت سابقاً أن البيع ينقسم من ناحية البدل إلى خمسة أقسام:\r1 - بيع المساومة: هو البيع بأي ثمن كان من غير نظر إلى الثمن الأول الذي اشتري به الشيء، وهو البيع المعتاد.\r2 - بيع المرابحة: هو البيع بمثل الثمن الأول مع زيادة ربح. وصورة المرابحة كما ذكر المالكية: هي أن يعرِّف صاحب السلعة المشتري بكم اشتراها، ويأخذ منه ربحاً إما على الجملة مثل أن يقول: اشتريتها بعشرة وتربحني ديناراً أو دينارين، وإما على التفصيل وهو أن يقول: تربحني درهماً لكل دينار، أو نحوه (1) ، أي إما بمقدار مقطوع محدد، وإما بنسبة عشرية. وتعريفها عند الحنفية: نقل ما ملكه بالعقد الأول وبالثمن الأول مع زيادة ربح. وعند الشافعية والحنابلة: هي البيع بمثل رأس المال أو بما قام على البائع وربح درهم لكل عشرة ونحو ذلك، بشرط علم العاقدين برأس المال (2) .\r3 - بيع التولية: هو البيع بمثل الثمن الأول أي برأس المال من غير زيادة ربح، فكأن البائع جعل المشتري يتولى مكانه على المبيع.\r-------------------------------\r(1) راجع القوانين الفقهية لابن جزي: ص 263 .\r(2) مغني المحتاج: 77/2، المهذب: 382/1، ط ثالثة، المغني: 199/4، ط الرياض.","part":5,"page":420},{"id":3266,"text":"4 - بيع الإشراك: هو كبيع التولية، إلا أنه بيع بعض المبيع ببعض الثمن.\r5 - بيع الوضيعة: هو بيع بمثل الثمن الأول، مع نقصان شيء معلوم منه (1) .\rبيع المرابحة :\rبيع المرابحة عقد جائز شرعاً رخص في جوازه جماهير العلماء من الصحابة والتابعين وأئمة المذاهب، إلا أنه في رأي المالكية خلاف الأولى أو الأحب. وأدلة الجواز ما يلي:\r1ً - الآيات القرآنية الدالة بعمومها على مشروعية البيع، مثل قوله تعالى: {وأحل الله البيع} [البقرة:275/2] وقوله سبحانه: {إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم} [النساء:29/4] والمرابحة بيع بالتراضي بين العاقدين.\r2ً - صح أن النبي صلّى الله عليه وسلم لما أراد الهجرة، ابتاع أبو بكر رضي الله عنه بعيرين، فقال له النبي صلّى الله عليه وسلم : « ولّني أحدهما، فقال: هو لك بغير شيء، فقال عليه الصلاة والسلام: أما بغير ثمن فلا » (2) .\r3ً - روي عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه كان لا يرى بأساً بده يازده، وده دوا زده، أي كل عشرة ربحها درهم، وكل عشرة ربحها درهمان.\r4ً - توافرت في هذا العقد شرائط الجواز الشرعية، والحاجة ماسّة إلى هذا النوع من التصرف، يستفيد منه الخبير بالحوائج والأشياء، بالبيع مع الربح، وغير الخبير الذي لا يحسن التجارة.\rوالمرابحة: بيع بثمن معلوم، فجاز البيع به، كما لو قال: بعتك بمئة وعشرة، وكذا الربح معلوم، فأشبه ما لو قال: وربح عشرة دراهم.\rوتفصيل الكلام عن المرابحة في المطالب الآتية:\rالمطلب الأول ـ شرائط المرابحة.\rالمطلب الثاني ـ رأس المال وما يلحق به وما لا يلحق.\rالمطلب الثالث ـ ما يجب بيانه في المرابحة.\rالمطلب الرابع ـ حكم الخيانة إذا ظهرت.\r-------------------------------\r(1) انظر درر الحكام: 180/2 .\r(2) ذكره البخاري عن عائشة، وكذا الإمام أحمد في مسنده وابن سعد في الطبقات، وابن إسحاق في السيرة. وقوله: « ولني أحدهما » معناه الأخذ على سبيل التولية بمثل الثمن.","part":5,"page":421},{"id":3267,"text":"ويلاحظ أن الكلام في هذه المطالب يتناول حكم غير المرابحة: وهي التولية، والإشراك، والوضيعة.\rالمطلب الأول ـ شرائط المرابحة\rيشترط في المرابحة شروط هي ما يأتي (1) :\r1 - العلم بالثمن الأول: يشترط أن يكون الثمن الأول معلوماً للمشتري الثاني، لأن العلم بالثمن شرط في صحة البيوع. وهذا الشرط يشمل جميع أخوات المرابحة من التولية والإشراك والوضيعة؛ لأنها تعتمد كلها على أساس الثمن الأول أي رأس المال، فإذا لم يعلم الثمن الأول فالبيع فاسد إلى أن يعلم في المجلس، فلو لم يعلم حتى افترق العاقدان عن المجلس، بطل العقد لتقرر الفساد.\r2 - العلم بالربح: ينبغي أن يكون الربح معلوماً، لأنه بعض الثمن، والعلم بالثمن شرط في صحة البيوع.\r3 - أن يكون رأس المال من المثليات: كالمكيلات، والموزونات والعدديات المتقاربة، وهذا شرط في المرابحة والتولية، سواء تم البيع مع البائع الأول، أو مع غيره، وسواء أكان الربح من جنس الثمن الأول، أم لم يكن بعد أن يكون شيئاً مقدراً معلوماً، كدرهم ونحوه. فإن كان مما لا مثل له كالعروض (2) لا يجوز بيعه مرابحة ولا تولية ممن ليس العرض في ملكه؛ لأن المرابحة والتولية بيع بمثل الثمن الأول، مع زيادة ربح عليه في المرابحة.\rوعلى هذا إذا كان الثمن الأول غير مثلي كأن يكون من الأعداد المتفاوتة كالدور والثياب والرمان، والبطيخ، ونحوها، فإما أن يبيعه ممن في يده وملكه أو من غيره:\rفإن باعه ممن ليس في ملكه ويده، لم يجز، لأنه لا يمكن بيعه مرابحة بالعرض عينه؛ إذ أنه ليس في يده ولا ملكه، ولا بيعه منه بقيمته؛ لأن قيمته مجهولة تعرف بالحزر والظن، وفيه يختلف أهل التقويم.\rوإن باعه مرابحة ممن كان العرض في يده وملكه فينظر:\rآ ـ إن جعل الربح شيئاً متميزاً عن رأس المال، معلوماً، كالدراهم، وثوب\r-------------------------------\r(1) البدائع: 5 ص 220 - 222.\r(2) العروض جمع عرض والعرض: بسكون الراء، المتاع، وكل شيء سوى الدراهم والدنانير. وعرض الدنيا بفتحتين: ماكان من مال قلَّ أو كثر.","part":5,"page":422},{"id":3268,"text":"معين مثلاً، جاز؛ لأن الثمن الأول معلوم، والربح معلوم، مثل أن يقول: (أبيعك مرابحة بالثوب الذي في يدك وبربح عشرة دراهم ).\rب ـ وإن جعل الربح جزءاً من رأس المال، كأن يقول: كل عشرة ربحها واحد أي أن الربح بالعُشْر وهو المعروف قديماً بربح ( ده يازده ) لم يجز، لأنه جعل الربح جزءاً من العَرض، والعَرض ليس متماثل الأجزاء، وإنما يعرف بالتقويم، والقيمة مجهولة، لأن معرفتها بالحزر والظن (1) .\rوأما بيعه وضيعة ممن العرض في يده وملكه، فالحكم فيه على عكس المرابحة: وهو أنه إن جعل الوضيعة شيئاً متميزاً عن رأس المال معلوماً كالدراهم ونحوه: لا يجوز، لأنه يحتاج إلى حط ذلك القدر عن رأس المال، وهو مجهول.\rوإن جعل الوضيعة من جنس رأس المال، بأن باعه بوضع العُشْر، أي أن كل عشرة ينقص منها واحد، جاز البيع بعشرة أجزاء من أحد عشر جزءاً من رأس المال، لأن الجزء الموضوع جزء شائع من رأس مال معلوم (2) .\r4 - ألا يترتب على المرابحة في أموال الربا وجود الربا بالنسبة للثمن الأول، كأن يشتري المكيل أو الموزون بجنسه مثلاً بمثل، فلا يجوز له أن يبيعه مرابحة؛ لأن المرابحة بيع بالثمن الأول وزيادة، والزيادة في أموال الربا تكون رباً، لا ربحاً. وكذلك لا يجوز بيعه مواضعة، ولكن يجوز بيعه تولية أو إشراكاً، إذ أنهما بمثل الثمن في كل المبيع أو بعضه، فلا يتحقق الربا.\r-------------------------------\r(1) فتح القدير: 5 ص 254، المبسوط: 13 ص 91.\r(2) البدائع: 5 ص 221","part":5,"page":423},{"id":3269,"text":"فإن اختلف الجنس فلا بأس بالمرابحة، كأن يشتري ديناراً بعشرة دراهم، فباعه بربح درهم أو ثوب بعينه، جاز (1) .\r\r5 ً - أن يكون العقد الأول صحيحاً: فإن كان فاسداً لم يجز بيع المرابحة؛ لأن المرابحة بيع بالثمن الأول مع زيادة ربح، والبيع الفاسد يثبت الملك فيه بقيمة المبيع أو بمثله، لا بالثمن، لفساد التسمية.\rالمطلب الثاني ـ رأس المال وما يلحق به وما لا يلحق\rرأس المال: هو ما لزم المشتري الأول بالعقد، أي ما ملك المبيع به ووجب بالعقد، لا ما نقده بعد العقد بدلاً عن المسمى في العقد؛ لأن المرابحة بيع بالثمن الأول. والثمن الأول: هو ما وجب بالبيع، فأما ما نقده بعد البيع، فذلك وجب بعقد آخر: وهو الاستبدال، فيكون الواجب على المشتري الثاني هو المتفق عليه بالعقد، لا المدفوع بعدئذ بموجب اتفاق آخر.\rومثل ذلك ـ التولية:\rوبيان هذا: إذا اشترى إنسان ثوباً بعشرة دراهم ونقد مكانها ديناراً أو ثوباً، فيكون رأس المال: هو العشرة لا الدينار أو الثوب؛ لأن العشرة هي التي وجبت بالعقد، وإنما الدينار أو الثوب بدل الثمن الواجب.\rوكذلك من اشترى ثوباً بعشرة دراهم جياد، ثم إنه دفع إلى البائع عشرة دراهم زيوف أو بعضها جياد وبعضها زيوف، فقبلها البائع، ثم أراد أن يبيعه مرابحة، فيجب على المشتري الثاني أن يدفع الثمن من الجياد؛ لأن المضمون بالعقد الأول هو الجياد، لكن جعل الزيوف بدلاً عن الثمن الأول بعقد آخر.\rولو اشترى ثوباً بعشرة هي خلاف نقد البلد، ثم باعه مرابحة، فإن ذكر الربح مطلقاً (أي بدون تحديد صفة معينة) بأن قال: (أبيعك بالثمن الأول، وربح درهم) كان على المشتري الثاني عشرة مثل التي وجبت بالعقد الأول وهي عشرة ليست من نقد البلد، وأما الربح فيكون من نقد البلد؛ لأنه أطلق الربح، فينصرف المطلق إلى المتعارف، وهو نقد البلد .\r-------------------------------\r(1) المبسوط: 13 ص 82، 89.","part":5,"page":424},{"id":3270,"text":"وإن نسب الربح إلى رأس المال، فقال: ( أبيعك بربح العشرة أو بربح العُشْر ـ ده يازده ) فالربح والعشرة من جنس الثمن الأول لأنه جعل الربح جزءاً من العشرة، فكان من جنسها ضرورة (1) .\rوأما ما يلحق برأس المال: فهو كل نفقة أنفقت على السلعة وأوجبت زيادة في المعقود عليه سواء في العين أو في القيمة، وكان ذلك معتاداً إلحاقه برأس المال عند التجار، مثل أجرة القصار (2) والصباغ، والغسال، والخياط، والسمسار، وسائق الغنم، وعلف الدواب اعتباراً للعرف، والعرف حجة لما ورد من الأثر: «ما رآه المسلمون حسناً فهو عند الله حسن» .\rويباع ذلك مرابحة وتولية، إلا أن البائع لا يقول عند البيع: اشتريته بكذا، ولكن يقول: ( قام علي بكذا، فأبيعك مع ربح كذا ) حتى لا يكون كاذباً في كلامه.\rوأما ما لا يلحق برأس المال: فهو أجرة الراعي والطبيب والحجام، والختان، والبيطار وأجرة تعليم القرآن،والأدب والشعر والحرف بالنسبة للرقيق في الماضي. ويباع مرابحة وتولية بالثمن الأول الواجب بالعقد الأول لا غير؛ لأن التجار لم\r-------------------------------\r(1) البدائع: 5 ص 222 .\r(2) هو محور الثياب ومبيضها بواسطة آلة، فإن لم يستعمل آلة فهو الصباغ.","part":5,"page":425},{"id":3271,"text":"يتعارفوا إلحاق هذه المؤن برأس المال، وقد ورد: «ما رآه المسلمون قبيحاً فهو عند الله قبيح» (1) .\rالمطلب الثالث ـ ما يجب بيانه في المرابحة وما لا يجب\rإن بيع المرابحة والتولية بيع أمانة؛ لأن المشتري ائتمن البائع في إخباره عن الثمن الأول من غير بينة، ولا استحلاف، فيجب صيانتهما عن الخيانة، وعن سبب الخيانة والتهمة، قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم وأنتم تعلمون} [الأنفال:27/8].\rوقال صلّى الله عليه وسلم : «ليس منا من غشنا» (2) .\rوبناء على هذا: إذا حدث بالسلعة عيب في يد البائع أوفي يد المشتري فأراد أن يبيعها للمشتري مرابحة ينظر:\rإن حدث العيب بآفة سماوية: له أن يبيعها مرابحة بجميع الثمن من غير بيان العيب عند جمهور الحنفية؛ لأن الجزء المتعيب لا يقابله شيء من الثمن، فكأنه دفع الثمن مقابل المبيع على حالته التي آل إليها، فكان بيان العيب والسكوت عنه على حد سواء (3) .\rوقال زفر وجمهور العلماء: لا يبيع الشيء المعيب مرابحة حتى يبين العيب الحادث منعاً من شبهة الخيانة؛ لأن غرض الناس يختلف بذلك العيب، ولأن العيب الحادث ينقص به المبيع (4) .\r\rوإن حدث العيب بفعل المشتري الأول أوبفعل أجنبي، لم يجز بيعه مرابحة حتى يبين العيب بالاتفاق.\rولو حدث في المبيع زيادة كالولد، والثمرة، والصوف، واللبن: لم يبعه مرابحة حتى يبين؛ لأن\r-------------------------------\r(1) فتح القدير: 5 ص 255، البدائع: 5 ص 223، الدر المختار: 4 ص 161.\r(2) سبق تخريج هذا الحديث وله ألفاظ منها هذا: ومنها: «من غشنا فليس منا» ومنها: «ليس منا من غش» (راجع مجمع الزوائد: 4 ص 78).\r(3) البدائع: 5 ص 223.\r(4) الشرح الكبير للدردير: 3 ص 164، المهذب: 1 ص 289، مغني المحتاج: 2 ص 79، المغني: 4 ص 182.","part":5,"page":426},{"id":3272,"text":"الزيادة المتولدة مبيعة عند الحنفية، ولا يحط ذلك من الثمن، وإنما يخبر عادة بالثمن من غير زيادة (1) .\rولو استغل الأرض جاز أن يبيعها من غير بيان؛ لأن الزيادة التي ليست بمتولدة من المبيع لا تكون مبيعة بالاتفاق.\rولو اشترى شيئاً نسيئة كثوب بعشرة دراهم: لم يبعه مرابحة حتى يبين ذلك، لأن الأجل سبب في زيادة الثمن عادة، فإن ثمن المبيع يختلف بين النسيئة والنقد.\rولو اشترى من إنسان شيئاً بدين له عليه: فله أن يبيعه مرابحة من غير بيان، لأنه اشترى بمثمن في ذمته، لأن الدين لا يتعين ثمناً.\rوإن أخذ شيئاً صلحاً من دين له على إنسان: فليس له أن يبيعه مرابحة على ذلك الدين؛ لأن مبنى الصلح على الحط والتساهل، فلا بد من البيان ليعلم المشتري أنه سامح أم لا، فيحترز عن التهمة... بخلاف الشراء في الحالة الأولى؛ لأن مبنى الشراء على المماكسة (2) ، فلا حاجة إلى البيان.\rولو اشترى ثوباً بعشرة دراهم ثم رقمه (3) بأكثر من الثمن إذا كانت قيمته أكثر من عشرة، ثم باعه مرابحة على الرقم من غير بيان جاز، ولا يكون خيانة، لأنه صادق حيث ذكر الرقم، ولكن لا يقول: اشتريته بكذا، لأنه يكون كاذباً فيه. هذا إذا علم المشتري بأن الثمن والرقم متغايران، فإن علم أنهما سواء، فيكون خيانة يوجب له الخيار.\rوكذلك لو ملك مالاً بالميراث أو الهبة، فقومه رجل عدل، ثم باعه مرابحة على قيمته: فيجوز، لأنه صادق في مقالته (4) .\rالمطلب الرابع ـ حكم الخيانة إذا ظهرت\rإذا ظهرت الخيانة في المرابحة بإقرار البائع في عقد المرابحة أو ببرهان عليها أو بنكوله عن اليمين: فإما أن تظهر في صفة الثمن أو في قدره.\rفإن ظهرت في صفة الثمن: بأن اشترى شيئاً نسيئة، ثم باعه مرابحة على الثمن الأول، ولم يبين أنه اشتراه نسيئة، أو أنه باعه تولية، ولم يبين أنه اشتراه نسيئة، ثم علم المشتري: فله الخيار باتفاق علماء الحنفية إن شاء أخذ المبيع، وإن شاء رده؛ لأن المرابحة عقد مبني على الأمانة، إذ أن المشتري اعتمد على أمانة البائع في الإخبار عن الثمن الأول، فكانت صيانة البيع الثاني عن الخيانة مشروطة دلالة، فإذا لم يتحقق الشرط ثبت الخيار، كما في حاله عدم تحقق سلامة المبيع عن العيب.\rوكذا إذا لم يخبر أن الشيء المبيع كان بدل صلح، فللمشتري الثاني الخيار.\rوإن ظهرت الخيانة في قدر الثمن في المرابحة والتولية بأن قال:\r-------------------------------\r(1) المراجع السابقة.\r(2) ماكسه مماكسة: استحطه الثمن واستنقصه إياه.\r(3) سبق تفسير الرقم في البيوع الفاسدة.\r(4) البدائع: 224/5 .","part":5,"page":427},{"id":3273,"text":"اشتريت بعشرة، وبعتك بربح كذا، أو اشتريت بعشرة ووليتك بما توليتُ، ثم تبين أنه كان اشتراه بتسعة، فاختلف فقهاء الحنفية:\rفقال أبو حنيفة رضي الله عنه، وقوله هو الأرجح عند الحنفية: المشتري بالخيار في المرابحة: إن شاء أخذه بجميع الثمن، وإن شاء ترك. وأما في التولية: فلا خيار له لكن يحط قدر الخيانة، ويلزم العقد بالثمن الباقي. ووجه الفرق بين المرابحة والتولية: هو أن الخيانة في المرابحة لا تخرج العقد عن طبيعته: وهو كونه مرابحة؛ لأن المرابحة بيع بالثمن الأول، وزيادة ربح. وهذا المعنى متوفر بعد ظهور الخيانة، فيصبح بعض الثمن رأس مال، وبعضه ربحاً مما يوجب خللاً في الرضا، فيثبت الخيار، كما في الخيانة في صفة الثمن.\rوأما التولية فالخيانة فيها تخرج عن كونه تولية؛ لأن التولية بيع بالثمن الأول من غير زيادة ولا نقصان. فإذا ظهر النقصان في الثمن الأول، وأثبتنا الخيار للمشتري، فإنا نخرج العقد عن كونه تولية ونجعله مرابحة، وهذا إنشاء عقد جديد لم يتراضيا عليه وهو لا يجوز فحططنا قدر الخيانة، وألزمنا العقد بالثمن الباقي.\rوعليه: لو هلك المبيع في يد المشتري الثاني، أو استهلكه قبل رده، أو حدث به ما يمنع من الرد كعيب مثلاً، لزمه بجميع الثمن المسمى وسقط خياره.\rوقال أبو يوسف: لا خيار للمشتري، ولكن يحط قدر الخيانة في المرابحة والتولية. وقدر الخيانة في المثال المذكور: هو درهم في التولية ودرهم في المرابحة وحصة من الربح: وهو جزء من عشرة أجزاء من درهم؛ لأن الثمن الأول أصل في بيع المرابحة والتولية؛ فإذا ظهرت الخيانة تبين أن تسمية قدر الخيانة لم تصح، فتلغو التسمية في قدر الخيانة، ويبقى العقد لازماً بالثمن الباقي.","part":5,"page":428},{"id":3274,"text":"وقال محمد: للمشتري الخيار في المرابحة والتولية: إن شاء أخذ المبيع بجميع الثمن، وإن شاء رده على البائع، ودليله: أن المشتري لم يرض بلزوم العقد إلا بالقدر المسمى من الثمن، فلا يلزم بدونه، ويثبت له الخيار، لوجود الخيانة، كما يثبت الخيار بعد تحقق سلامة المبيع عن العيب (1) .\rويلاحظ أن المفتى به عند الحنفية رفقاً بالناس: هوأنه يجوز رد المبيع أو الثمن على صاحبه بالغبن الفاحش إذا كان هناك تغرير من أحد العاقدين للآخر أو من شخص آخر أجنبي عنهما كالدلال ونحوه.\rوالمراد بالغبن الفاحش: هومالا يدخل تحت تقويم المقومين كزيادة ثلاثة بالعشرة مثلاً، وأما ما دونها فهو غبن يسير لا رد فيه، كما أنه لا رد إذا لم يوجد التغرير (2) .\rالإشراك: والإشراك حكمه حكم التولية فيما ذكر، ولكنه تولية بعض المبيع ببعض الثمن. وتفصيل الكلام في القدر الذي تثبت فيه الشركة يعرف في المطولات (3) .\rالمواضعة: والمواضعة كما عرفنا: هي بيع بمثل الثمن الأول مع نقصان معلوم منه، وتطبق عليها شروط المرابحة وأحكامها (4) .\rبيع المرابحة للآمر بالشراء: تسير المصارف الإسلامية المعاصرة على معاملة معينة أطلق عليها ( بيع المرابحة للآمر بالشراء ) باعتبارها بديلاً شرعياً عما تقوم به البنوك الربوية. وصورتها أن يتقدم شخص إلى المصرف راغباً مثلاً بشراء سيارة ذات مواصفات معينة أو شراء أجهزة مخبر أو أجهزة طبية أو آلات معمل معين، فيشتري المصرف تلك الأشياء، ثم يبيعها لراغبها بثمن معين مؤجل لأجل محدد، يكون أكثر من الثمن النقدي.\r-------------------------------\r(1) المبسوط: 86/13، البدائع: 225/5 ومابعدها، فتح القدير: 256/5، الدر المختار: 163/4 .\r(2) الدر المختار ورد المحتار: 166/4 ومابعدها.\r(3) البدائع: 226/5 .\r(4) المصدر السابق: ص 228 .","part":5,"page":429},{"id":3275,"text":"وتكون العملية مركبة من وعدين: وعد بالشراء من العميل الذي يطلق عليه: الآمر بالشراء، ووعد من المصرف بالبيع بطريق المرابحة، أي بزيادة ربح معين المقدار أو النسبة على الثمن الأول (1) .\rوهذه العملية جائزة بدليل ما قال الإمام الشافعي رحمه الله في كتابه الأم: «وإذا أرى الرجل الرجل السلعة، فقال: اشتر هذه وأربحك فيها كذا، فاشتراها الرجل، فالشراء جائز، والذي قال: أربحك فيها بالخيار، إن شاء أحدث فيها بيعاً، وإن شاء تركه» (2) . فأصل العملية جائز كما صرح الشافعي بشرط تسلم المصرف الشيء المشترى، أما الإلزام بالوعد فيمكن تقليد مذهب آخر فيه وهو المذهب المالكي إن ترتب على الوعد الدخول في التزام مالي معين، وهو رأي ابن شبرمة الذي يقول: إن كل وعد بالتزام لا يحل حراماً ولا يحرم حلالاً، يكون وعداً ملزماً قضاء وديانة. ولا يعد هذا ممنوعاً، وليس من التلفيق المحظور؛ لأن المسألتين قضيتان منفصلتان، ولا مانع من تقليد كل إمام في مسألة تختلف عن مسألة أخرى يؤخذ فيها بقول إمام آخر.\rوأجاز المالكية أيضاً هذا النوع من التعامل، جاء في كتبهم: «من البيع المكروه: أن يقول:أعندك كذا وكذا تبيعه مني بدين؟ فيقول: لا، فيقول: ابتع ذلك، وأنا أبتاعه منك بدين، وأربحك فيه، فيشتري ذلك، ثم يبيعه منه على ما تواعدا عليه» (3) .\r-------------------------------\r(1) بيع المرابحة للآمر بالشراء للدكتور يوسف القرضاوي: ص 36 .\r(2) الأم: 33/3، ط بولاق سنة 1321هـ، مصورة في الدار المصرية للتأليف والترجمة.\r(3) مواهب الجليل للحطاب: 404/4، ط دار الفكر في بيروت، البيان والتحصيل لابن رشد: 86/7-89.","part":5,"page":430},{"id":3276,"text":"وأقر العملية مؤتمران للمصارف الإسلامية، جاء في مؤتمر المصرف الإسلامي الأول في دبي سنة 1399هـ ـ 1979م: إن مثل هذا الوعد ملزم للطرفين قضاء طبقاً لأحكام المذهب المالكي. وهو ملزم للطرفين ديانة طبقاً لأحكام المذاهب الأخرى. وما يلزم ديانة يمكن الإلزام به قضاء، إذا اقتضت المصلحة ذلك، وأمكن للقضاء التدخل فيه.\rوجاء في مؤتمر المصرف ا لإسلامي الثاني في الكويت سنة 1403هـ ـ 1983: يقرر المؤتمر أن المواعدة على بيع المرابحة للآمر بالشراء، بعد تملك السلعة المشتراة، وحيازتها، ثم بيعها لمن أمر بشرائها بالربح المذكور في الموعد السابق، هو أمر جائز شرعاً، مادامت تقع على المصرف الإسلامي مسؤولية الهلاك قبل التسليم، وتبعة الرد فيما يستوجب الرد بعيب خفي، وجميع الضمانات كالتأمين. ومنع البيع قبل القبض هو رأي الجمهور، وأجاز المالكية بيع غير الطعام قبل قبضه.\rوأما بالنسبة للوعد وكونه ملزماً للآمر أو المصرف أو كليهما، فإن الأخذ بالإلزام هو الأحفظ لمصلحة التعامل واستقرار المعاملات، وفيه مراعاة لمصلحة المصرف والعميل، وأن الأخذ بالإلزام أمر مقبول شرعاً.\rوليس هذا التعامل من البيعتين في بيعة المنهي عنه؛ لأن النهي كما ذكر الشافعي وارد على حالة كون القبول لإحدى البيعتين مبهماً أو معلقاً أو مجهولاً، فإن عيّن المشتري إحدى البيعتين جاز، أو أن النهي وارد على حالة اشتراط بيعة أخرى، كأن يقول: بعتك منزلي على أن تبيعني فرسك.","part":5,"page":431},{"id":3277,"text":"...........................................7...........................................\r........................................الإقالة..........................................\rإذا كان البيع صحيحاً، لازماً: خالياً من الخيار، واتفق المتعاقدان على رفعه وإنهائه، فيتم فسخه عن طريق الإقالة. والإقالة وإن كانت متفرعة عن البيع لأنها أكثر ما تقع فيه، إلا أنها تجري في جميع العقود اللازمة ما عدا الزواج فهي بتعبير أعم: عقد يرفع به عقد سابق (1) .\rوالكلام هنا عن مشروعية الإقالة وتعريفها وركنها ثم عن ماهيتها وحكمها، ثم عن شروط صحتها.\rمشروعية الإقالة وتعريفها وركنها: الإقالة مندوبة لقوله عليه الصلاة والسلام عن أبي هريرة: «من أقال نادماً بيعته، أقال الله عثرته يوم القيامة» رواه البيهقي. وفي رواية أبي داود : «من أقال مسلماً، أقال الله عثرته» (2) .\rوالإقالة لغة: الرفع. وشرعاً: رفع العقد ولو في بعض المبيع. مثل أن يبيع إنسان مئة رطل من الحنطة بخمسين ليرة سورية، ويسلمها إلى المشتري، ثم يفترق المتعاقدان، ثم يقول البائع للمشتري: ادفع إلي الثمن أوالحنطة التي دفعتها إليك، فدفعها أو بعضها، فيكون ذلك فسخاً في المردود إلى البائع.\rوركنها: الإيجاب من أحد العاقدين والقبول من الآخر.\rوأما صيغة العقد فلا خلاف في أنه ينعقد بلفظ يعبر بهما عن الماضي بأن يقول أحد العاقدين: أقلت، ويقول الآخر: قبلت أو رضيت ونحوهما.\rفإن كان أحد اللفظين يعبر به عن الماضي، والآخر عن المستقبل، كأن يقول أحد العاقدين: أقلني، فيقول الآخر: أقلتك، فقال أبو حنيفة وأبو يوسف: ينعقد كما هو المقرر في عقد النكاح إذ أنه في العادة ليس في الإقالة مساومة بخلاف البيع، فيحمل اللفظ على الإيجاب.\rوقال محمد: لا تنعقد الإقالة إلا بلفظين يعبر بهما عن الماضي، كما في البيع؛ لأن ركن الإقالة وهو الإيجاب والقبول، كركن البيع، والبيع لا ينعقد إلا بلفظين يعبر بهما عن الماضي.\r-------------------------------\r(1) راجع المدخل الفقهي للأستاذ الزرقاء: ف 290 .\r(2) ورواه هكذا ابن ماجه وزاد ( يوم القيامة ) ورواه أيضاً ابن حبان في صحيحه والحاكم في المستدرك وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. ( انظر نصب الراية: 30/4، جامع الأصول: 371/1، سبل السلام: 33/3 ).","part":5,"page":432},{"id":3278,"text":"ولا يتعين لفظ الإقالة وإنما تصح أيضاً بألفاظ أخرى مثل: فاسختك، وتركت البيع، وتاركتك، ورفعت. وكذا تصح بالتعاطي، ولو من أحد الجانبين، كما في المبيع، كأن يقطع البائع القماش قميصاً بمجرد قول المشتري: (أقلتك) (1) .\rماهية الإقالة وحكمها: اختلف الفقهاء في ماهية الإقالة، فقال المالكية والظاهرية: إنها بيع ثان؛ لأن المبيع عاد إلى البائع على الجهة التي خرج عليه منه، فهي تتم إذن بتراضي العاقدين، يجوز فيها ما يجوز في البيوع ويحرم فيها مايحرم في البيوع (2) .\rوقال الشافعية والحنابلة: إنها فسخ؛ لأن الإقالة هي الرفع والإزالة ولأن المبيع عاد إلى البائع بلفظ لا ينعقد به البيع، فكان فسخاً، كالرد بالعيب (3) .\rوأما الحنفية فاختلفوا فيما بينهم، فقال أبو حنيفة رحمه الله ، وقوله هو الصحيح عند الحنفية:\rالإقالة فسخ في حق العاقدين بيع جديد في حق ثالث غيرهما، سواء قبل القبض أو بعده، إلا إذا لم يمكن جعلها فسخاً فتبطل، كأن تلد البهيمة المبيعة بعد القبض لتعذر الفسخ بالزيادة المنفصلة. ودليله على أن الإقالة فسخ: هو أنها رفع لغة وشرعاً، ورفع الشي فسخه، وأما إنها بيع فلأن كل واحد من المتعاقدين يأخذ رأس ماله ببدل، وهذا معنى البيع. إلا أنه لا يمكن إظهار معنى البيع في حق العاقدين للتنافي (4) ، فأظهرناه في حق ثالث غيرهما. وعلى هذا، فمن اشترى داراً، ولها شفيع فلم يطلب الشفعة بعد علمه بالبيع، ثم أقال العاقدان البيع، فيثبت للشفيع حق طلب الشفعة ثانياً؛ لأن الإقالة عقد جديد في حقه وهو المراد بالشخص الثالث هنا.\r-------------------------------\r(1) البدائع: 5 ص 306، فتح القدير: 5 ص 246 ومابعدها، الدر المختار: 4 ص 151، درر الحكام لمنلا خسرو: 2 ص 178.\r(2) الشرح الكبير: 155/3، القوانين الفقهية: ص 272، المحلى: 9 ص 7.\r(3) المغني: 4 ص 121 ومابعدها، غاية المنتهى: 2 ص 52، مغني المحتاج: 2 ص 96، قال النووي في المجموع ( 9 ص 156 ): إذا انعقد البيع لم يتطرق إليه الفسخ إلا بأحد سبعة أسباب: وهي خيار المجلس، وخيار الشرط، وخيار العيب، وخيار الخلف بأن كان شرطه كاتباً فخرج غير كاتب، والإقالة والتحالف، وتلف المبيع.\r(4) أي لاختلاف البيع والإقالة في الاسم، لأن البيع إثبات، والرفع نفي، وبينهما تناف.","part":5,"page":433},{"id":3279,"text":"وقال أبو يوسف: الإقالة بيع جديد في حق العاقدين وغيرهما، إلا أن يتعذر جعلها بيعاً، فتجعل فسخاً، كأن تقع الإقالة قبل القبض في مبيع منقول؛ لأن بيع المنقول قبل القبض لا يجوز، بخلاف العقار فإنه يجوز بيعه قبل القبض عنده وعند أبي حنيفة، فإقالته بيع. ودليله أن معنى البيع هو مبادلة المال بالمال، وهو أخذ بدل وإعطاء بدل، وقد وجد، فكانت الإقالة بيعاً لوجود معنى البيع فيها، والعبرة للمعنى لا للصورة.\rوقال محمد: الإقالة فسخ إلا إذا تعذر جعلها فسخاً، فتجعل بيعاً للضرورة، كما ذكر أثناء بيان قول أبي حنيفة. ودليله أن الأصل في الإقالة الفسخ، لأنها عبارة عن رفع الشيء لغة وشرعاً.\rوقال زفر والشافعية والأكثرون من الحنابلة: إنها فسخ في حق الناس كافة (1) .\rوتظهر ثمرة الاختلاف بين الحنفية فيما إذا تقايل العاقدان البيع بأكثر من الثمن الأول أو بأقل أو بجنس آخر، أو أجّلا الثمن في الإقالة:\rفعلى قول أبي حنيفة: تصح الإقالة بالثمن الأول ويبطل ما شرطه المتعاقدان من الزيادة أو النقص أو الأجل، أو الجنس الآخر، سواء أكانت الإقالة قبل القبض أم بعده؛ لأنها فسخ في حق العاقدين، والفسخ رفع العقد، والعقد وقع بالثمن الأول، فيكون فسخه بالثمن الأول، ويبطل الشرط الفاسد، فإذا تقايل العاقدان على أكثر من الثمن الأول أو أقل على جنس آخر، يلزم الثمن الأول لا غير.","part":5,"page":434},{"id":3280,"text":"والحكم هكذا على قول زفر؛ لأن الإقالة عنده فسخ محض في حق الناس كافة. وعلى قول الشافعية والحنابلة: تبطل الإقالة في هذه الحالات بسبب الشرط الفاسد كما في البيع. وعلى هذا فلا يجوز في الإقالة الزيادة ولا النقصان عند الحنفية والشافعية والحنابلة؛ لأن الإقالة فسخ على أي حال، وعلى هذا إذا تمت الإقالة، وزاد المبيع زيادة منفصلة متولدة من الأصل، كولادة شاة، امتنعت الإقالة. وقال مالك: الإقالة بيع جديد، فيجوز فيها الزيادة أو النقصان. كما إذا باع شيئاً بمئة دينار، ثم ندم البائع، فطلب من المشتري رد المبيع على أن يدفع إليه عشرة دنانير مثلاً؛ لأن الإقالة حينئذ بيع مستأنف، وعمل الناس في أيامنا على هذا الرأي، فلايرضى البائع بنقض البيع إلا إذا تنازل المشتري عن شيء من حقه. ولا يجوز عند مالك أن يشتري شيئاً بمئة دينار مثلاً إلى أجل، ثم ندم المشتري، فسأل البائع الإقالة على أن يعطيه عشرة دنانير نقداً أو إلى أجل؛ لأن ذلك ذريعة إلى بيع وسلف، كأن المشتري باع الشيء بتسعين، وأسلف البائع عشرة (2) . وأما إن كان البيع الأول نقداً فلا خلاف في جواز ذلك.\rوعلى قول أبي يوسف: تصح الإقالة بما ذكرا من الثمن، وشرطا من الزيادة والنقصان والأجل، لأنها بيع جديد.\rوعلى قول محمد: إذا كانت الإقالة بغير الثمن الأول، أو بأكثر منه فهي بيع إذ لا يمكن جعلها فسخاً؛ لأن شأن الفسخ أن يكون بالثمن الأول، وإن كانت بمثل الثمن الأول أو أقل فهي فسخ بالثمن، ويبطل شرط النقصان، وكذلك إن أجل يبطل الأجل (3) .\r-------------------------------\r(1) البدائع: 5 ص 306، فتح القدير: 5 ص 247، الدر المختار ورد المحتار: 4 ص 154، القواعد لابن رجب: ص379، المراجع السابقة، الفرائد البهية في القواعد الفقهية للشيخ محمود حمزة: ص 68، الأشباه والنظائر للسيوطي: ص 152، المغني: 121/4 ومابعدها.\r(2) بداية المجتهد: 140/2.\r(3) البدائع: 5 ص 307، فتح القدير: 5 ص 249، الدر المختار: 4 ص 155.","part":5,"page":435},{"id":3281,"text":"شروط الإقالة: يشترط لصحة الإقالة شروط:\rأولاً ـ رضا المتقايلين: سبب هذا الشرط على رأي أبي يوسف ظاهر؛ لأن الإقالة بيع عنده، والرضا شرط من شروط صحة البيوع. وأما على رأي جمهور الحنفية، فلأن الإقالة فسخ العقد، والعقد وقع بتراضي العاقدين، فكذا فسخه. وهذا شرط متفق عليه.\rثانياً ـ تقابض بدلي الصرف في مجلس إقالة عقد الصرف: وهذا واضح على أصل أبي يوسف. وأما على أصل أبي حنيفة فلأن قبض البدلين إنما وجب حقاً لله تعالى، والإقالة وإن كانت فسخاً في حق العاقدين فهي بيع جديد في حق ثالث، وحق الشرع هنا بمثابة ثالث، فتكون الإقالة بيعاً في حقه. وهذا شرط متفق عليه.\rثالثاً ـ أن يكون محل العقد محتملاً للفسخ عند أبي حنيفة وزفر؛ لأن الإقالة فسخ للعقد عندهما، فإن لم يكن محتملاً للفسخ بأن ازداد زيادة تمنع الفسخ لاتصح الإقالة.\rوعند الصاحبين: لا يشترط هذا الشرط؛ لأن الإقالة على أصل أبي يوسف بيع، والزيادة تحتمل البيع، فيظل محل العقد محتملاً للإقالة.\rوأما على أصل محمد: فإن الإقالة وإن كانت فسخاً، لكن عند الإمكان ولا إمكان هنا لأنه إذا حصلت زيادة في المبيع يتعذر الفسخ.\rرابعاً ـ قيام المبيع وقت الإقالة؛ لأن الإقالة رفع العقد، والمبيع محله، فإن كان هالكاً كله وقت الإقالة لم تصح، وإن هلك بعضه لم تصح الإقالة بقدره.\rوأما قيام الثمن وقت الإقالة فليس بشرط.\rوجه الفرق أن رفع البيع يستدعي قيام البيع، فإن رفع المعدوم محال وقيام البيع بالمبيع لا بالثمن؛ لأن الأصل هو المبيع، ولهذا شرط وجوده عند البيع، بخلاف الثمن. فإذا هلك المبيع لم يبق محل حكم المبيع، فلا تتصور الإقالة التي هي رفع حكم البيع في الحقيقة، وإذا هلك الثمن فمحل حكم البيع قائم، فتصح الإقالة (1) .\rويترتب على الإقالة انحلال العقد وزوال آثاره أو ارتفاع حكمه.\r-------------------------------\r(1) البدائع: 5 ص 308 ومابعدها، فتح القدير: 5 ص 250 ومابعدها، الدر المختار: 4 ص 157.","part":5,"page":436},{"id":3282,"text":"الفَصْلُ الثَّاني: القَرْض\rإن القرض في معناه العام يشبه البيع؛ لأنه تمليك مال بمال (1) وهو أيضاً نوع من السلف (2) . قال جماعة من العلماء: القرض نفس البيع، لكن ذكر القرافي ثلاثة فروق بين القرض والبيع، فالقرض خولفت فيه ثلاث قواعد شرعية:\r1 - قاعدة الربا: إن كان القرض في الأموال الربوية وهي المكيلات والموزونات عند الحنفية والحنابلة في الأصح، والنقدان أو الاقتيات عند المالكية والنقدية أو الطعم عند الشافعية.\r2 - وقاعدة المزابنة: وهي بيع المعلوم بالمجهول من جنسه، إن كان القرض في غير المثليات كالحيوان ونحوه.\r3 - وقاعدة بيع ما ليس عند الإنسان، إن كان القرض في المثليات.\rوالسبب في هذه المخالفات: هو مراعاة مصالح الناس والتيسير عليهم في القيام بصنائع المعروف، ولذا يحرم القرض إن لم يكن القصد منه عمل المعروف كتحقيق منفعة للمقرض مثلاً (3) .\rوالكلام عن القرض يظهر في بيان تعريفه ومشروعيته وعاقده وصيغته، وحكم الخيار فيه وما يصح فيه وحكمه وحكم القرض الذي يجر منفعة.\rتعريف القرض: القرض لغة: القطع، وسمي المال المدفوع للمقترض قرضاً، لأنه قطعة من مال المقرض، تسمية للمفعول باسم المصدر. ويسمى أيضاً السلف.\rواصطلاحاً عند الحنفية: هو ما تعطيه من مال مثلي لتتقاضاه. أو بعبارة أخرى: هو عقد مخصوص يرد على دفع مال مثلي لآخر ليرد مثله. وعرفه بقية المذاهب بأنه: إعطاء شخص مالاً لآخر في نظير عوض يثبت له في ذمته، مماثل للمال المأخوذ، بقصد نفع المعطى له فقط.\r-------------------------------\r(1) البدائع: 7 ص 215 .\r(2) المغني: 4 ص 313، الموافقات للشاطبي: 4 ص 42 .\r(3) الفروق وتهذيبه: 4 ص 2 ومابعدها.","part":5,"page":437},{"id":3283,"text":"والمال يشمل المثلي والحيوان والعرض التجاري (1) .\rمشروعيته: القرض جائز بالسنة والإجماع:\rأما السنة ـ فما روى ابن مسعود أن النبي صلّى الله عليه وسلم قال: «ما من مسلم يقرض مسلماً قرضاً مرتين، إلا كان كصدقة مرة» (2) وعن أنس قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم : «رأيت ليلة أسري بي على باب الجنة مكتوباً: الصدقة بعشر أمثالها، والقرض بثمانية عشر، فقلت: يا جبريل، ما بال ا لقرض أفضل من الصدقة؟ قال: لأن السائل يسأل وعنده، والمستقرض لا يستقرض إلا من حاجة» (3) وعن أبي رافع حديث سيأتي في القرض الذي يجر منفعة.\r-------------------------------\r(1) الدر المختار: 4 ص 179، حاشية الدسوقي: 3 ص 222، الشرح الصغير: 291/3.\r(2) رواه ابن ماجه وابن حبان في صحيحه والبيهقي مرفوعاً وموقوفاً عن عبد الله بن مسعود. وفي رواية ابن ماجه في إسناده سليمان بن بشير وهو متروك، وعلى كل فله مؤيدات وشواهد كثيرة من القرآن والحديث ( راجع الترغيب والترهيب: 2 ص 41، نيل الأوطار: 5 ص 229 ).\r(3) رواه ابن ماجه والبيهقي عن أنس بن مالك وقد روى الطبراني والبيهقي قريباً من هذا اللفظ عن أبي أمامة رضي الله عنه ( انظر مجمع الزوائد: 4 ص 126، الترغيب والترهيب، المرجع السابق ).","part":5,"page":438},{"id":3284,"text":"وأجمع المسلمون على جواز القرض (1) .\rوهو مندوب إليه في حق المقرض، مباح للمقترض، للأحاديث السابقة، ولما روى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلّى الله عليه وسلم قال: «من نفَّس عن مسلم كربة من كرب الدنيا، نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه» (2) ، وعن أبي الدرداء رضي الله عنه أنه قال: «لأن أقرض دينارين ثم يردا، ثم أقرضهما أحب إلي من أن أتصدق بهما» وعن ابن مسعود وابن عباس رضي الله عنهما قالا: «قرض مرتين خير من صدقة مرة» (3) . وقال الحنابلة: الصدقة أفضل من القرض ولا إثم على من سئل فلم يقرض (4) .\rعاقده وصيغته: ولا يصح القرض إلا من جائز التصرف، لأنه عقد على المال، فلم يصح إلا من جائز التصرف كالبيع.\rولا ينعقد إلا بالإيجاب والقبول، لأنه تمليك آدمي، فلم يصح من غير إيجاب وقبول كالبيع والهبة.\rويصح بلفظ القرض والسلف؛ لأن الشرع ورد بهما، ويصح بما يؤدي معناه: وهو أن يقول: «ملكتك هذا على أن ترد علي بدله» (5) .\rهل يثبت فيه خيار أو أجل؟ لا يثبت فيه خيار المجلس عند القائلين به وهم الشافعية والحنابلة، ولا خيار الشرط؛ لأن المقصود من الخيار هو الفسخ، وفي القرض يجوز لكل واحد من العاقدين أن يفسخ إذا شاء، فلا معنى للخيار (6) .\rولا يجوز عند جمهور الفقهاء اشتراط الأجل في القرض، فإن أجل القرض إلى أجل مسمى معلوم، لم يتأجل وكان حالا، لأنه في معنى بيع الدرهم بالدرهم، فلا يجوز التأجيل منعاً من الوقوع في ربا النسيئة، وباعتبار أن القرض محض تبرع، فيحق للمقرض المطالبة ببدله في الحال، لأنه عقد يوجب رد المثل في المثليات، فأوجب رد بدله حالاً كالإتلاف. وهكذا كل دين حل أجله لم يصر مؤجلاً بتأجيله. هذا بخلاف البدل في البيع وفي الإجارة، إذا أجل إلى أجل مسمى معلوم، فإنه لا يحق له المطالبة به، قبل حلول الأجل. لكن قال الحنفية: يلزم أجل القرض في أربع حالات:\rالأولى ـ الوصية: وهي أن يوصي شخص بإقراض آخر مبلغاً من المال إلى سنة مثلاً، فليس للورثة مطالبة المقترض قبل حلول الأجل.\r-------------------------------\r(1) المغني: 4 ص 313، مغني المحتاج: 2 ص 117 .\r(2) رواه مسلم وأبو داود والترمذي وحسنه والنسائي وابن ماجه مختصراً والحاكم وقال: صحيح على شرطهما وفي لفظ « من كشف عن مسلم... » ( انظر الترغيب والترهيب: 2 ص 44، مجمع الزوائد، 4 ص 33 ).\r(3) المهذب: 1 ص 302، المغني: 4 ص 313 .\r(4) غاية المنتهى: 2 ص 83 .\r(5) المهذب: 1 ص 302، المغني: 4 ص 314، الدر المختار: 4 ص 179، غاية المنتهى: 2 ص 84.\r(6) المهذب: 1 ص 303، المغني: 4 ص 315، تكملة المجموع: 165/13، الدر المختار ورد المحتار: 177/4-178.","part":5,"page":439},{"id":3285,"text":"الثانية ـ الجحود: وهو أن يكون القرض مجحوداً، فأجله صاحبه، فإن الأجل يكون لازماً.\rالثالثة ـ الحكم القضائي: وهو أن يحكم القاضي بلزوم القرض، عملاً بمذهب مالك وابن أبي ليلى، فإنه يلزم أيضاً.\rالرابعة ـ الحوالة: بأن أحال المدين الدائن على آخر، فأجله المقرض، أو أحاله على مديون مؤجل دينه؛ لأن الحوالة مبرئة، أي يبرأ بها ذمة المحيل، ويثبت بها للمحال أي المقرض دين على المحال عليه بحكم الحوالة، فهو في الحقيقة تأجيل دين لا قرض.\rوالخلاصة: يصح تأجيل القرض عند الحنفية مع كونه غير لازم، ويلزم الأجل في هذه الحالات.\rوقال الإمام مالك: يتأجل القرض بالتأجيل، لقول النبي صلّى الله عليه وسلم : «المسلمون عند شروطهم» (1) ، ولأن المتعاقدين يملكان التصرف في هذا العقد بالإقالة والإمضاء، فملكا الزيادة فيه (2) . وهذا الرأي هو المعقول الموافق لمقتضى الواقع.\rما يصح فيه القرض: اختلف العلماء فيما يصح فيه القرض:\rفقال الحنفية: يصح القرض في المثلي: ( وهو ما لا تتفاوت آحاده تفاوتاً تختلف به القيمة ) كالمكيل والموزون، والمعدود المتقارب كالجوز والبيض، والورق من مقياس واحد، والذرعي كالقماش، وجاز قرض الخبز وزناً وعدداً، على ما هو المفتى به من رأي الإمام محمد لحاجة الناس المتعينة إليه، وهو رأي بقية المذاهب الأخرى، ولا يجوز القرض في غير المثلي من القيميات كالحيوان والحطب والعقار، والعددي المتفاوت، لتعذر رد المثل (3) .\rوقال المالكية والشافعية والحنابلة: يجوز قرض كل مال يصح فيه السلم، أي في كل مال قابل للثبوت في الذمة، سواء أكان مكيلاً أم موزوناً، كالذهب والفضة\r-------------------------------\r(1) رواه أبو داود وأحمد والترمذي والدارقطني عن عمرو بن عوف المزني عن أبيه عن جده مرفوعاً وصححه ابن حبان من حديث أبي هريرة، وروي عن أنس عند الحاكم، وعن رافع بن خديج عند الطبراني، وعن ابن عمر عند البزار، وعن عطاء بلاغاً عند ابن أبي شيبة، وجزم به البخاري (راجع سبل السلام: 3 ص 59، المقاصد الحسنة: ص 385).\r(2) اعتمدت في هذا على المغني لابن قدامة: 4 ص 315، المهذب: 1 ص 303.\r(3) الدر المختار: 4 ص 179، 195، مغني المحتاج: 119/2، المغني: 318/4 وما بعدها.","part":5,"page":440},{"id":3286,"text":"والأطعمة، أم من القيميات، كعروض التجارة والحيوان ونحوها، كالمعدود ؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلم فيما يرويه أبو رافع: «استسلف بَكراً» (1) (البَكْر: الثني من الإبل) وذلك ليس بمكيل ولا موزون، ولأن ما يثبت سَلَماً يملك بالبيع ويضبط بالوصف، فجاز قرضه كالمكيل والموزون. وأما ما لا يجوز فيه السَّلم كالجواهر ونحوها، فلا يصح قرضه في الأصح؛ لأن القرض يقتضي رد المثل، وما لا ينضبط، أو يندر وجوده، يتعذر أو يتعسر رد مثله (2) . وعلى هذا يصح القرض عند جمهور الفقهاء في كل عين يصح بيعها إلا الجواري؛ لأنه يؤدي إلى إعارة الفروج، ولا يصح قرض المنافع، خلافاً لابن تيمية، كأن يحصد معه يوماً ليحصد الآخر معه مثله، أو يسكنه داره ليسكنه الآخر داره بدلها. ولايصح القرض فيما لا يثبت في الذمة كالشيء من أرض ودار وحانوت وبستان؛ لأن القرض يقتضي رد المثل، وهذه لا مثل لها. والمماثلة المعتبرة في العوض عند المالكية هي المماثلة في الصفة والقدر. وعند الشافعية والحنابلة: في الصورة. ولا يصح القرض في نادر الوجود كالجواهر النفيسة، لعدم وجودها غالباً عند الرد.\rحكم القرض: يثبت الملك في القرض عند أبي حنيفة ومحمد بالقبض، فلو اقترض إنسان مدّ حنطة وقبضه، فله الاحتفاظ به، ورد مثله وإن طلب المقرض رد العين، لأنه خرج عن ملك المقرض، وثبت له في ذمة المقترض مثله لا عينه، ولو كان قائماً.\rوقال أبو يوسف: لا يملك المقترض القرض ما دام قائماً (3) .\r-------------------------------\r(1) سيأتي تخريجه في حديث أبي رافع في بحث (القرض بمنفعة).\r(2) الشرح الكبير: 3 ص 222، القوانين الفقهية: ص 288، مغني المحتاج: 2 ص 118 ومابعدها، المهذب: 1 ص 303، المغني: 4 ص 314، غاية المنتهى: 2 ص 84 وما بعدها.\r(3) الدر المختار ورد المحتار: 4 ص 181.","part":5,"page":441},{"id":3287,"text":"وقال المالكية: إن القرض وغيره من المعروف كالهبة والصدقة والعارية، يثبت الملك فيه بالعقد، وإن لم يقبض المال. ويجوز للمقترض أن يرد مثل الذي اقترضه، وأن يرد عينه، سواء أكان مثلياً أم غير مثلي، وهذا ما لم يتغير بزيادة أو نقص، فإن تغير وجب رد المثل (1) .\rوقال الشافعية في الأصح والحنابلة: يثبت الملك في القرض بالقبض، ويرد المقترض عند الشافعية المثل في المثلي، لأنه أقرب إلى حقه، ويرد في القيمي المثل صورة، لأنه صلّى الله عليه وسلم اقترض بَكراً ورد رَباعياً،وقال: «إن خياركم أحسنكم قضاء» (2) .\rويجب عند الحنابلة رد المثل في المكيل والموزون، كما هو اتفاق الفقهاء. وفي غير المكيل والموزون وجهان: أحدهما ـ يجب رد قيمته يوم القرض. والثاني ـ يجب رد مثله بصفاته تقريباً (3) .\rمكان الوفاء: اتفق علماء المذاهب الأربعة على أن وفاء القرض يكون في البلد الذي تم فيه الإقراض، ويصح إيفاؤه في أي مكان آخر إذا لم يحتج نقله إلى حمل ومؤنة أو وجد خوف طريق، فإن احتاج إلى ذلك لم يلزم المقرض بتسلمه (4) .\rخلاصة شروط القرض :\rيشترط لصحة القرض أربعة شروط:\r-------------------------------\r(1) الدردير وحاشية الدسوقي عليه: 3 ص 226، الشرح الصغير: 295/3، ط دار المعارف.\r(2) سيأتي تخريجه في بحث القرض الذي جر منفعة في حديث أبي رافع.\r(3) مغني المحتاج: 2 ص 119 ومابعدها، المهذب: 1 ص 303، المغني: 4 ص 314 .\r(4) الدر المختار: 180/4، الشرح الصغير: 296/3، مغني المحتاج: 119/2، المغني: 325/4.","part":5,"page":442},{"id":3288,"text":"1ً - أن يتم القرض بالصيغة وهي الإيجاب والقبول أو ما يحل محلهما عند الجمهور من المعاطاة، ولا تكفي المعاطاة عند الشافعية كغيره من العقود.\r2ً - أهلية التعاقد: بأن يكون العاقد مقرضاً أو مقترضاً بالغاً عاقلاً راشداً مختاراً أهلاً للتبرع؛ لأن القرض عقد تبرع، فلا يصح من الصبي والمجنون والسفيه المحجور عليه، والمكره، ولا من الولي لغير ضرورة أو حاجة، لأن هؤلاء ليسوا من أهل التبرع.\r3ً - أن يكون مال القرض مثلياً عند الحنفية، ويصح عند الجمهور أي مال قابل للثبوت في الذمة من النقود والحبوب والقيميات من حيوانات وعقارات وغيرها.\r4ً - أن يكون مال القرض معلوم القدر كيلاً أو وزناً أو عدداً أو ذرعاً ليتمكن من رده، وأن يكون جنساً لم يختلط بغيره كقمح مخلوط بشعير، لأنه يتعذر رد بدله.\rالشروط الصحيحة والشروط المفسدة :\rيصح اشتراط أي شرط يؤدي لتوثيق الحق أو تأكيده، كاشتراط الرهن بمال القرض أو الكفيل أو الإشهاد على العقد أو كتابة الدين أو الإقرار به عند القاضي.\rولا يصح عند الجمهور اشتراط الأجل في القرض ويصح عند المالكية كما تقدم.\rولا يصح الشرط الذي لا يلائم العقد كاشتراط رد زيادة في البدل أو رد صحيح بدل معيب أو شرط بيع داره مثلاً.\rوالشرط المفسد: اشتراط زيادة في بدل القرض أو تقديم هدية للمقرض. ويكون الشرط لا غياً غير مفسد إذا لم يكن فيه مصلحة لأحد كرد معيب بدل صحيح ورديء بدل جيد أو اشتراط أن يقرضه غيره.\rما يجب رده على المقترض :\rيجب على المقترض أن يرد مثل المال الذي اقترضه إن كان المال مثلياً بالاتفاق، ويرد مثله صورة عند غير الحنفية إذا كان محل القرض مالاً قيمياً، كرد شاة تشبه الشاة التي اقترضها في أوصافها.","part":5,"page":443},{"id":3289,"text":"ووقت رد بدل القرض عند غير المالكية في أي وقت شاء المقرض بعد قبض المستقرض مال القرض؛ لأنه عقد لا يثبت فيه الأجل. وذهب المالكية إلى أن وقت رد بدل القرض عند حلول أجل وفاء القرض؛ لأن القرض يتأجل عندهم بالتأجيل، كما تقدم بيانه.\rالقرض الذي جرّ منفعة: قال الحنفية في الراجح عندهم: كل قرض جر نفعاً حرام إذا كان مشروطاً، فإن لم يكن النفع مشروطاً أو متعارفاً عليه في القرض، فلا بأس به، وعلى هذا ، لايجوز للمرتهن الدائن الانتفاع بالرهن إذا كان مشروطاً أو متعارفاً، وإن لم يكن كذلك فيجوز مع الكراهة التحريمية إلا أن يأذن الراهن فيحل، كما جاء في معتبرات كتب الحنفية، وقال بعضهم: لا يحل وإن أذن الراهن بالانتفاع. وهذا هو المتفق مع الروح العامة في الشريعة في تحريم الربا.\rوكذلك حكم الهدية للمقرض: إن كانت بشرط كره أي تحريماً، وإلا فلا (1) .\rوقال المالكية: يفسد القرض الذي جر نفعاً؛ لأنه ربا، ويحرم الانتفاع بشيء\r-------------------------------\r(1) رد المحتار: 4 ص 182، مجمع الضمانات: ص 109، مذكرات في الرهن للدراسات العليا لأستاذنا الشيخ علي الخفيف: ص 96.","part":5,"page":444},{"id":3290,"text":"من أموال المقترض كركوب دابته، والأكل في بيته لأجل الدين، لا للإكرام ونحوه، كما تحرم هدية المقترض لرب المال، إن قصد المهدي بهديته تأخير الدين ونحوه. ولم تكن هناك عادة سابقة قبل القرض بإهداء الدائن بالمثل صفة وقدراً، أو حدث موجب جديد كصهارة، أو جوار، وكان الإهداء لذلك لا للدين. والحرمة تتعلق بكل من الأخذ والدفع، وعندئذ يجب عليه ردها إن كانت باقية، فإن تلفت وجب عليه رد المثل في المثلي، والقيمة في القيمي، هذا في حال بقاء علاقة الدين، أما عند وفاء الدين: فإن قضى المدين أكثر من الدين، فإن كان الدين بسبب بيع، جاز مطلقاً، سواء أكان المؤدى أفضل صفة أم مقداراً، في الأجل أم قبله أم بعده. وإن كان وفاء الدين بسبب سلف (أي قرض): فإن كانت الزيادة بشرط أو وعد أو عادة منعت مطلقاً، وإن كانت بغير شرط ولا وعد ولا عادة، جازت اتفاقاً عند المالكية في الأفضل صفة؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلم استسلف بَكْراً، وقضى جملاً بَكْراً خِياراً، كما سيأتي، واختلف في الأفضل مقداراً، ففي المدونة لمالك لا يجوز إلا في اليسير جداً، وأجازه ابن حبيب مطلقاً (1) .\rوقال الشافعية والحنابلة: لا يجوز قرض جرّ منفعة، مثل أن يقرضه ألفاً على أن يبيعه داره، أو على أن يرد عليه أجود منه أو أكثر منه؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلم « نهى عن سلف وبيع » (2) . والسلف: هو القرض في لغة الحجاز. وروي عن أبي بن كعب\r-------------------------------\r(1) الشرح الكبير وحاشية الدسوقي: 3 ص 224 وما بعدها، القوانين الفقهية: ص 288 ومابعدها.\r(2) سبق تخريج هذا الحديث، وقد رواه أبو داود والترمذي والنسائي عن عبد الله بن عمرو بن العاص بلفظ «لا يحل سلف ولا بيع» وله رواية أخرى عند الطبراني في معجمه عن حكيم بن حزام قال: «نهاني رسول الله صلّى الله عليه وسلم عن أربع خصال في البيع: عن سلف وبيع، وشرطين في بيع، وبيع ما ليس عندك، وربح ما لم يضمن» (راجع نصب الراية: 4 ص 19، مجمع الزوائد: 4 ص 85).","part":5,"page":445},{"id":3291,"text":"وابن مسعود وابن عباس رضي الله عنهم أنهم «نهوا عن قرض جرّ منفعة» (1) ولأن القرض عقد إرفاق (أي منفعة) وقربة، فإذا شرط فيه منفعة خرج عن موضوعه، فيكون القرض صحيحاً والشرط باطلاً، سواء أكانت المنفعة نقداً أم عيناً كثيرة أم قليلة.\rفإن أقرض شخص غيره مطلقاً من غير شرط، فقضاه خيراً منه في الصفة، أو زاده في القدر، أو باع منه داره، جاز. ولا يكره للمقرض أخذه، لما روى أبو رافع رضي الله عنه قال: «استسلف رسول الله صلّى الله عليه وسلم من رجل بَكْراً (2) ، فجاءته إبل الصدقة، فأمرني أن أقضي الرجل بكراً، فقلت: لم أجد في الإبل إلا جملاً خِياراً رَباعياً (3) ، فقال النبي صلّى الله عليه وسلم : أعطه إياه، فإن خيركم أحسنكم قضاء» (4) . وروى جابر بن عبد الله رضي الله عنه، قال: «كان لي على رسول الله صلّى الله عليه وسلم حق، فقضاني وزادني» (5) وأما النهي عن قرض جر نفعاً، فهو ليس بحديث، كما أثبت الحافظ\r-------------------------------\r(1) هكذا ذكر ابن قدامة في المغني: 4 ص 319. ورواه البيهقي في السنن الكبرى كذلك عن ابن مسعود وأبي بن كعب وعبد الله بن سلام وابن عباس موقوفاً عليهم. وقد رواه الحارث بن أبي أسامة في مسنده من حديث علي بن أبي طالب بلفظ: «أن النبي صلّى الله عليه وسلم نهى عن قرض جر منفعة» وفي رواية «كل قرض جر منفعة فهو ربا» وإسناده ساقط، لأن في إسناده سوار بن مصعب الهمذاني المؤذن الأعمى وهو متروك. ورواه البيهقي في المعرفةبلفظ : «كل قرض جر نفعاً فهو وجه من وجوه الربا» قال عمرو بن بدر في المغني: لم يصح فيه شيء (راجع التلخيص الحبير: ص 245، نيل الأوطار: 5 ص 232، سبل السلام: 3 ص 53) وعلى كل فمعناه صحيح تؤيده قواعد الشريعة.\r(2) البكر: هو الثني من الإبل، والأنثى بكرة، وقال أبو عبيد: البكر من الإبل بمنزلة الفتى من الناس.\r(3) الخيار: أي المختار، والرباعي: هو الذي ألقى رباعيته: وهي السن التي بين الثنية والناب: وهو الذي استكمل ست سنين ودخل في السابعة.\r(4) رواه أحمد ومسلم وأصحاب السنن الأربعة (راجع التلخيص الحبير: ص 245، الموطأ: 2 ص 168، نيل الأوطار: 5 ص 230).\r(5) رواه البخاري ومسلم وأحمد (راجع نيل الأوطار: 5 ص 231).","part":5,"page":446},{"id":3292,"text":"الزيلعي في نصب الراية، وكما ذكر في الحاشية السابقة، ويمكن فهمه على أنه في القرض الذي شرط فيه النفع أو جرى عليه العرف، كما قرر الكرخي وغيره.\rوالإقراض ممن تعود رد الزيادة، فيه وجهان: أوجههما عند الشافعية الكراهية. وعند الحنابلة: روايتان أصحهما الجواز بدون كراهة (1) .\rوالخلاصة أن القرض جائز بشرطين (2) :\r-------------------------------\r(1) مغني المحتاج: 2 ص 119 ومابعدها، المهذب: 1 ص 304، المغني: 4 ص 321 وما بعدها، غاية المنتهى: 2 ص 85 ومابعدها.\r(2) القوانين الفقهية: ص 288، الشرح الصغير: 295/3.","part":5,"page":447},{"id":3293,"text":"1 - ألا يجر نفعاً، فإن كانت المنفعة للدافع، منع اتفاقاً للنهي عنه، وخروجه عن باب المعروف، وإن كانت للقابض جاز، وإن كانت بينهما لم يجز لغير ضرورة. واختلف في الضرورة وهي حالة السفاتج الآتية، فيجوز السلف في حال عموم الخوف على المال في الطرق، كأن يسلفه لشخص يعلم أنه يَسْلم معه، كما يجوز إن قام دليل على نفع المقترض فقط كمجاعة، أو كان بيع الحب المسوس الآن أحظ للمقترض لغلائه ورخص الجديد في إبّانه.\r2 - ألا ينضم إلى السلف عقد آخر كالبيع وغيره، لما أخرجه الخمسة عن عبد الله بن عمرو: «لا يحل سلف وبيع» .\rوأما هدية المديان: فلا يجوز للدائن عند المالكية قبولها؛ لأنه يؤول إلى زيادة على التأخير، وأجازها الجمهور، إن لم تكن مشروطة، كما تجوز إن كان بين المقرض والمقترض من الصلات ما يعلم أن الهدية له لا للدين.","part":5,"page":448},{"id":3294,"text":"ويلاحظ أن إيداع المال في صندوق التوفير، وشهادات الاستثمار يطبق عليه حكم القرض أو السندات الحكومية أو ما يسمى بسندات الخزينة، وتدفع الدولة فوائد ربوية على أرصدة صندوق التوفير، وتتملك الأرصدة، وتتصرف فيها، وتستفيد منها في عمليات الإقراض الربوي. فلا تحل الفائدة التي يدفعها الصندوق لواضعي أموالهم فيها، إذ ليست العلاقة مجرد وديعة كما زعم بعض المفتين، إذ لو كان هذا المال وديعة محضة، لما جاز شرعاً للقائمين على هذا الصندوق أن يستغلوه ويستثمروه في الأعمال، إذ الذي يملكه الوديع من الوديعة حفظها فقط، لا التصرف فيها، لكن المودع إذا أذن بالتصرف في الوديعة كانت قرضاً، لأن العبرة للمعاني والبنك يملك المال المودع لديه، ويتعهد برد المثل، وكذلك الربح المقطوع المحدد بفائدة سنوية معينة في شهادات الاستثمار ليس مشروعاً؛ إذ لا يجوز ذلك في الشركات وبخاصة شركة المضاربة، وطريق الجواز: أن يكون الربح غير محدد المقدار وأن يتفق على المساهمة في الخسارة الحادثة لو وقعت الخسارة أثناء الاستثمار في مشروع معين.\rوكذلك الحساب الجاري يعتبر عقد قرض بين المودع والبنك، وبالرغم من أن البنك لا يدفع فائدة على هذا القرض، فهو يستخدم أرصدة الحسابات الجارية في الإقراض بالربا وغير ذلك من الأعمال المحرمة. وإذا اضطر المسلم لفتح الحساب الجاري لتغطية استيراد بضاعة من دولة أجنبية مثلاً، جاز له ذلك؛ لأن الضرورات تبيح المحظورات، والضرورة تقدر بقدرها.\rالسُفْتَجة (1) : هي معاملة مالية يقرض فيها إنسان قرضاً لآخر في بلد ليوفيه المقترض أو نائبه أو مدينه إلى المقرض نفسه أو نائبه أو دائنه في بلد آخر معين.\r-------------------------------\r(1) بفتح السين والتاء أو بضمها، أو ضم السين وفتح التاء، وهذا الأخير هو الأشهر وهي كلمة فارسية معربة وهي رقعة يكتبها المقرض إلى من يقبض عنه عوض القرض في المكان الذي اشترطه. وهذه الرقعة كورقة (الشيك) الآن، وتعتبر نوعاً من (الكمبيالة) المعروفة في الوقت الحاضر.","part":5,"page":449},{"id":3295,"text":"وحكمها عند الحنفية: الكراهة التحريمية إذا كانت المنفعة المقصودة منها (أي الوفاء في بلد آخر لتفادي خطر الطريق) مشروطة في صلب العقد، أو بمقتضى العرف. قال المرغيناني: ويكره السفاتج وهي قرض استفاد به المقرض سقوط خطر الطريق، وهذا نوع نفع استفيد به، وقد نهى رسول الله صلّى الله عليه وسلم عن قرض جر نفعاً (1) .\rوقال الشافعية بمنع السفتجة؛ لأنها من قبيل القرض الذي يجر منفعة للمقرض بربحه فيها خطر الطريق (2) .\rوكذلك قال المالكية، فهي عندهم ممنوعة لأنها قرض جر نفعاً إلا في حالة الضرورة حفظاً لماله (3) .\rوالراجح عند الحنابلة هو جواز تلك المعاملة إن كانت بلا مقابل، واختار ابن تيمية وابن القيم وابن قدامة القول بالجواز مطلقاً؛ لأن المنفعة لا تخص المقرض بل ينتفعان بها جميعاً (4) .\rأنواع شهادات الاستثمار :\rصدرت أنواع ثلاثة من شهادات الاستثمار فئة أ، ب، ج:\rأما المجموعة أو الفئة (أ) : فتشمل الشهادات ذات القيمة المتزايدة، حيث يبقى القرض عشر سنوات لدى المؤسسة، ثم يسترد صاحبه القرض مع الزيادة المحددة المعلن عنها، وهي ربا عشر سنوات كاملة.\rوأما المجموعة أو الفئة (ب) : فتشمل الشهادات ذات العائد الجاري، حيث يمكن سحب الأرباح كل فترة زمنية كسنة أو نصف سنة، أي رأس المال، وهو أن القرض يبقى كما هو، وتؤخذ الزيادة المحددة مع مرور الزمن.\r-------------------------------\r(1) الهداية مع فتح القدير: 452/5.\r(2) المهذب: 304/1.\r(3) الخرشي علي خليل: 141/4 ومابعدها، القوانين الفقهية: ص 250، 288، الشرح الكبير للدردير: 225/3.\r(4) مطالب أولي النهى: 246/3، المغني: 321/4، أعلام الموقعين: 391/1، ط التجارية.","part":5,"page":450},{"id":3296,"text":"وكلا هذين النوعين يعد قرضاً، وتكون الزيادة المحددة من ربا الديون، وكلاهما من القروض الإنتاجية الربوية، فهما حرام مثل ودائع البنوك التي هي قرض، سواء قصد بها مجرد الإيداع كالحساب الجاري، أم الاستثمار مع الإيداع وهي الودائع ذات الفائدة.\rوأما المجموعة أو الفئة (ج): فلا تعطي ربحاً محدداً كل سنة، ولكنها خصصت مبلغاً من أرباحها تمنحه للمتعاملين معها بالقرعة. وقد انزلق بعض العلماء فأفتى بجوازها بناء على أن المال كله من جانب رب المال،والربح كله للعامل في مقام تبرع صاحب المال له به كله، وهذا جائز على المشهور من مذهب مالك. وجاء في التقنين المالكي ص 300 ما يفيد إباحة فوائد صندوق التوفير اعتماداً على وجهين:\rأحدهما ـ أن هذه معاملة لم تكن موجودة في عصر نزول التشريع الإسلامي، فتكون من قبيل المسكوت عنه، فتكون مباحة شرعاً؛ لأنها معاملة نافعة لكل من العامل ورب المال، ولا ضرر فيها لواحد منهما. ولأن الكثير الغالب هو حصول العامل على نصيب وافر من الربح، والحكم الشرعي يبنى على الكثير الغالب، لا على القليل النادر وهو احتمال الخسارة.\rوالثاني ـ أن هذه المعاملة من قبيل القراض، وهو جائز بالإجماع، لأنها نوع من أنواعه، ويتغاضى عن اشتراط كون الربح جزءاً شائعاً لا قدراً معيناً؛ لأن القراض العادي يقع بين أفراد الناس، وهذه المعاملة مع مؤسسة للدولة!!\rوالحق أن هذه المجموعة الثالثة حرام أيضاً لاعتمادها على الميسر أو القمار، من طريق تقسيم مجموع الربا إلى مبالغ مختلفة، لتشمل عدداً أقل من مجموع عدد المقرضين، موزعة باسم الجوائز عن طريق القرعة، وفي هذا أيضاً غبن واضح؛ لأن صاحب قرض ضئيل قد يأخذ آلاف الدنانير أو الليرات، وصاحب الآلاف قد لايأخذ شيئاً.","part":5,"page":451},{"id":3297,"text":"الفَصْلُ الثَّالث: عَقْدُ الإيجار\rعقد الإجارة كالبيع من العقود المسماة (1) التي عني التشريع الإسلامي ببيان أحكامها الخاصة بها بحسب ما تقتضيه طبيعة عقدها، وهي تختلف عن عقد البيع في أنها مؤقتة المدة، بينما عقد البيع لا يقبل التأقيت، وإنما هو مؤبد، لأنه يترتب عليه انتقال ملكية العين.\rوعقد الإجارة من العقود المهمة في الحياة العملية، لذا فإني سأتكلم عن أهم خصائصها وأحكامها في المباحث الآتية:\rالمبحث الأول ـ مشروعية الإجارة وركنها ومعناها.\rالمبحث الثاني ـ شروط الإجارة.\rالمبحث الثالث ـ صفة عقد الإجارة وحكمه.\rالمبحث الرابع ـ نوعا الإجارة وأحكامها.\rالمبحث الخامس ـ ضمان العين المستأجرة وضمان الأجير وسقوط أجره بهلاك العين.\rالمبحث السادس ـ اختلاف المتعاقدين في الإجارة.\rالمبحث السابع ـ انتهاء عقد الإجارة.\rالمبحث الأول ـ مشروعية الإجارة وركنها ومعناها :\rمشروعية الإجارة: اتفق الفقهاء على مشروعية عقد الإجارة ما عدا أبا بكر الأصم وإسماعيل بن عُلَية والحسن البصري والقاشاني والنهرواني وابن كيسان فإنهم لم يجيزوه؛ لأن الإجارة بيع المنفعة، والمنافع حال انعقاد العقد معدومة القبض، ثم تستوفى شيئاً فشيئاً مع الزمن، والمعدوم لا يحتمل البيع، ولا يجوز إضافة البيع إلى شيء في المستقبل. ورد عليهم ابن رشد بأن المنافع، وإن كانت معدومة في حال العقد، فهي مستوفاة في الغالب. والشرع إنما لحظ من هذه المنافع ما\r-------------------------------\r(1) وهي التي سماها المشرع ونظمها مثل البيع والإجارة والشركة والكفالة والهبة فتطبق عليها القواعد العامة للعقود، والقواعد الخاصة بها، أما العقود غير المسماة وهي التي لم ينظمها المشرع مثل العقود الحديثة الظهور كعقد التوريد وعقد النزول في فندق، فهي تخضع للقواعد العامة.","part":5,"page":452},{"id":3298,"text":"يستوفي في الغالب، أو يكون استيفاؤه وعدم استيفائه على السواء (1) .\rواستدل الجمهور على جواز عقد الإيجار بالقرآن والسنة والإجماع:\rأما القرآن: فقوله تعالى: {فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن} [الطلاق:6/65] وقوله عز وجل حاكياً قول إحدى ابنتي شعيب عليه السلام: {قالت إحداهما: يا أبت استأجره، إن خير من استأجرت القوي الأمين. قال إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين على أن تأجرني ثماني حجج، فإن أتممت عشراً فمن عندك} [القصص:26/28-27] والاستدلال بهذه الآية صحيح عند القائلين: بأن شرع من قبلنا شرع لنا ما لم ينسخ.\rوأما السنة: فقوله عليه الصلاة والسلام: «أعطوا الأجير أجره قبل أن يجف عرقه» (2) .\rفالأمر بإعطاء الأجر دليل على صحة الإيجار، وقوله صلّى الله عليه وسلم : «من استأجر أجيراً فليعلمه أجره» (3) .\rوروى سعيد بن المسيب عن سعد رضي الله عنه قال: «كنا نكري الأرض بما على السواقي من الزرع، فنهى رسول الله صلّى الله عليه وسلم عن ذلك، وأمرنا أن نكريها بذهب أو وَرِق » (4) .\rوروى ابن عباس رضي الله عنه: «أن النبي صلّى الله عليه وسلم احتجم وأعطى الحجام أجره» (5) .\rوأما الإجماع: فقد أجمعت الأمة في زمن الصحابة على جواز الإيجار قبل\r-------------------------------\r(1) بداية المجتهد: 2 ص 218.\r(2) روي من حديث أبي هريرة، ومن حديث ابن عمر ومن حديث جابر ومن حديث أنس، فحديث أبي هريرة رواه أبو يعلى في مسنده، وحديث ابن عمر أخرجه ابن ماجه في سننه، وحديث جابر رواه الطبراني في معجمه الصغير، وحديث أنس رواه أبوعبد الله الترمذي الحكيم في كتاب نوادر الأصول. قال ابن حجر: كلها ضعاف (انظر نصب الراية: 4 ص 129 ومابعدها، مجمع الزوائد: 4 ص 97، سبل السلام: 3 ص 81).\r(3) رواه عبد الرزاق في مصنفه عن أبي هريرة وأبي سعيد الخدري، ورواه محمد بن الحسن في كتاب الآثار، وفيه انقطاع، ووصله البيهقي من طريق أبي حنيفة. قال أبو زرعة: الصحيح موقوف أي على أبي سعيد. (انظر نصب الراية: 4 ص 131، سبل السلام: 3 ص 82، نيل الأوطار: 5 ص 292).\r(4) رواه أحمد وأبو داود والنسائي عن سعد بن أبي وقاص بلفظ: «أن أصحاب المزارع في زمن النبي صلّى الله عليه وسلم يكرون مزارعهم بما يكون على السواقي وما سعد بالماء مما حول النبت، فجاؤوا رسول الله صلّى الله عليه وسلم فاختصموا في بعض ذلك، فنهاهم أن يكروا بذلك، وقال: أكروا بالذهب والفضة» (انظر نيل الأوطار: 5 ص 279).\r(5) رواه أحمد والبخاري ومسلم، زاد البخاري في لفظ: «ولو كان سحتاً لم يعطه» (انظر نصب الراية: 4 ص 134، نيل الأوطار: 5 ص 285، سبل السلام: 3 ص 80).","part":5,"page":453},{"id":3299,"text":"وجود الأصم وابن علية وغيرهما، لحاجة الناس إلى المنافع كالحاجة إلى الأعيان المحسوسة، فلما جاز عقد البيع على الأعيان، وجب أن يجوز عقد الإجارة على المنافع (1) .\rركن الإجارة ومعناها: ركن الإيجار عند الحنفية: الإيجاب والقبول، وذلك بلفظ الإجارة والاستئجار والاكتراء والإكراء.\rوأركانه عند الجمهور (2) أربعة: عاقدان (مؤجر ومستأجر)، وصيغة (إيجاب وقبول)، وأجرة ومنفعة.\rومعنى الإيجار لغة: بيع المنفعة. ومعناه الشرعي هو معناه اللغوي، ولذا قال الحنفية: الإيجار: عقد على المنافع بعوض (3) . وكما لا يصح تعليق البيع، لا يصح تعليق الإجارة، إلا أن الإجارة يصح إضافتها إلى زمن في المستقبل عند جمهور الفقهاء، على عكس البيع كما ذكر سابقاً. ولم يجز الشافعية إضافة إجارة العين للمستقبل كالبيع. وأجازوا إضافة الإجارة في الذمة، مثل: ألزمت ذمتك حمل متاعي هذا إلى بلد كذا أول شهر كذا؛ لأن الدين يقبل التأجيل، كما لو أسلم في شيء إلى أجل معلوم. وكذلك يصح عندهم في الأصح في إجارة العين: أن\r-------------------------------\r(1) انظر المبسوط للسرخسي: 15 ص 74، تكملة فتح القدير: 7 ص 147، البدائع: 4 ص 173، بداية المجتهد: 2 ص 218، المهذب: 1 ص 394، المغني: 5 ص 397، مغني المحتاج: 2 ص332.\r(2) القوانين الفقهية: ص 274، مغني المحتاج: 332/2.\r(3) تكملة فتح القدير: 7 ص 145، البدائع: 4 ص 174، تبيين الحقائق: 5 ص 105، حاشية ابن عابدين: 5 ص 1. وقد آثرت لفظ الإيجار على لفظ الإجارة لأن الإجارة اسم للأجرة: وهي ما أعطيت من كراء الأجير، وهي ليست مصدراً لفعل «أجر» إذ لم تسمع مصدراً قط، ومن المعروف أن مصدر الفعل الثلاثي سماعي لا قياس فيه. وإذا استعملنا لفظ الإجارة أحياناً فهو مجاراة للاصطلاح الشائع.","part":5,"page":454},{"id":3300,"text":"يؤجر المالك مدة جديدة لمستأجر عين مدة سابقة قبل انقضائها، لاتصال المدتين مع اتحاد المأجور (1) . وعرف الشافعية الإيجار فقالوا: هو عقد على منفعة مقصودة معلومة مباحة قابلة للبذل والإباحة بعوض معلوم. ومحترزات قيود التعريف هي أنه خرج بقولهم: «منفعة» : العين، فالعقد عليها بيع أو هبة، وبقولهم: «مقصودة» : المنفعة التافهة كاستئجار بياع على كلمة لا تتعب، وبقولهم: «معلومة» : المضاربة والجعالة على عمل مجهول. وأما قيد «قابلة للبذل والإباحة» فهو لإخراج منفعة البُضع، فإن العقد عليها لا يسمى إجارة، والقيد الأخير (أي بعوض) لإخراج هبة المنافع والوصية بها والشركة والإعارة (2) .\rوقال المالكية: الإيجار: تمليك منافع شيء مباحة مدة معلومة بعوض (3) . وبمثل ذلك قال الحنابلة (4) .\rوإذا كانت الإجارة بيع المنافع فلايجوز عند أكثر الفقهاء إجارة الشجر والكرم للثمر؛ لأن الثمر عين، والإجارة بيع المنفعة لا بيع العين. ولا تجوز إجارة الشاة للبنها أو سمنها أو صوفها أو ولدها؛ لأن هذه أعيان، فلا تستحق بعقد ا لإجارة. ولا تجوز إجارة ماء في نهر أو بئر أو قناة أوعين؛لأن الماء عين، ولا يجوز استئجار\r-------------------------------\r(1) مغني المحتاج: 2 ص 338 الإجارة عند الشافعية نوعان: إجارة واردة على عين أي على منفعة مرتبطة بعين كإجارة العقار، أو إجارة دابة أو شخص معينين، ويلاحظ أن إجارة العقار لا تكون إلا من إجارة العين، لأنه لا يثبت في الذمة. وإجارة واردة على ذمة، كاستئجار دابة موصوفة لحمل مثلاً، أو كأن يلزم ذمة شخص عملاً معيناً كخياطة أو بناء أو غير ذلك (مغني المحتاج: 2 ص 333). (2) مغني المحتاج: 2 ص 332.\r(3) الشرح الكبير للدردير: 4 ص 2، الفروق للقرافي: 4 ص 4.\r(4) انظر المغني لابن قدامة: 5 ص 398، غاية المنتهى: 2 ص 190، كشاف القناع: 3 ص 537.","part":5,"page":455},{"id":3301,"text":"الآجام التي فيها الماء للسمك وغيره من القصب والصيد؛ لأن كل ذلك عين. وعلى هذا فلا تجوز إجارة البِرك أو البحيرات للاصطياد أي ليصاد منها السمك (1) .\rولا تجوز إجارة المراعي؛ لأن الكلأ عين فلا تحتمل الإجارة.\rولا يجوز عند جمهور الفقهاء استئجار الفحل للضراب؛ لأن المقصود منه النسل، بإنزال الماء وهو عين، وقد ثبت أنه صلّى الله عليه وسلم : «نهى عن عَسْب الفحل» (2) أي كرائه. وقد حذفت كلمة «الكراء» من باب المجاز المرسل مثل: {واسأل القرية} [يوسف:82/12]. ولا يجوز استئجار الدراهم والدنانير والمكيلات والموزونات؛ لأنه لا يمكن الانتفاع بها إلا بعد استهلاك أعيانها، والمعقود عليه في الإجارة هو المنفعة لا العين (3) . لهذا كله فإن المقرر أن: «كل ما ينتفع به مع بقاء عينه تجوز إجارته وما لا فلا» .\rواستثنوا استئجار المرضع للضرورة كما يأتي. وأجاز المالكية كراء الفحل للنزو على الإناث، وأجرة الحمام جائزة عند أكثر العلماء (4) .\rرأي ابن القيم في إجارة الأعيان: قال ابن القيم: إن الأصل الذي سار عليه الفقهاء (وهو أن المستحق بعقد الإجارة إنما هو المنافع لا الأعيان)أصل فاسد، فهو لم يدل عليه كتاب ولا سنة ولا إجماع ولا قياس صحيح، بل الذي دلت عليه الأصول أن الأعيان التي تحدث شيئاً فشيئاً مع بقاء أصلها حكمها حكم المنافع\r-------------------------------\r(1) الدر المختار ورد المحتار: 4 ص 110 وما بعدها.\r(2) رواه البخاري وأحمد والنسائي وأبو داود عن ابن عمر، وروي عن آخرين بألفاظ ستأتي الإشارة إليها (نيل الأوطار: 5 ص 146).\r(3) البدائع: 4 ص 175 .\r(4) القوانين الفقهية: ص 273 .","part":5,"page":456},{"id":3302,"text":"كالثمر في الشجر، واللبن في الحيوان، والماء في البئر، ولذلك سوي بين العين والمنفعة في الوقف، فجاز وقف المنفعة كالسكنى، وجاز وقف العين كوقف الماشية للانتفاع بلبنها، وكذلك سوي بينهما في التبرعات كالعارية لمن ينتفع بالمتاع ثم يرده، والمنيحة لمن يشرب الشاة ثم يردها، والقرض لمن ينتفع بالدراهم ثم يرد بدلها، فكذلك في الإجارة تارة تكون على منفعة، وتارة تكون على عين تحدث شيئاً فشيئاً مع بقاء الأصل كلبن الظئر ونفع البئر، فإن هذه الأعيان لما كانت تحدث شيئاً فشيئاً مع بقاء الأصل كانت كالمنفعة، والجامع بينهما هو حدوث المقصود بالعقد شيئاً فشيئاً، سواء أكان الحادث عيناً أم منفعة (1) .\rالمبحث الثاني ـ شروط الإجارة\rيشترط في عقد الإيجار أربعة أنواع من الشروط كما في عقد البيع: وهي شروط الانعقاد، وشروط النفاذ، وشروط الصحة، وشروط اللزوم. وأذكر هنا بعض هذه الشروط، وأحيل ما بقي منها على ما هو مقرر في عقد البيع.\r-------------------------------\r(1) انظر أعلام الموقعين: 2 ص 15 .","part":5,"page":457},{"id":3303,"text":"شروط الانعقاد: وهي ثلاثة أنواع: بعضها يرجع للعاقد، وبعضها يرجع لنفس العقد، وبعضها يرجع لمكان العقد. وأقتصر على ذكر ما يرجع للعاقد: وهو العقل، أي أن يكون العاقد عاقلاً، فلا تنعقد الإجارة من المجنون والصبي غير المميز كما لا ينعقد البيع منهما. ولا يشترط البلوغ للانعقاد ولا للنفاذ عند الحنفية، فلو أجر الصبي المميز ماله أو نفسه: فإن كان مأذوناً في ذلك وغيره ينفذ عقده، وإن كان محجوراً عن التصرفات يقف على إجازة وليه (1) .\rوقال المالكية: إن التمييز شرط في الإيجار والبيع، والبلوغ شرط للنفاذ، فالصبي المميز إذا أجر نفسه أو سلعته صح عقده، وتوقف العقد على رضا وليه (2) .\rوقال الشافعية والحنابلة: يشترط التكليف: وهو البلوغ والعقل لانعقاد الإيجار، لأنه عقد تمليك في الحياة، فأشبه البيع (3) .\rشروط النفاذ: يشترط لنفاذ عقد الإجارة توافر الملك أو الولاية، فلا تنفذ إجارة الفضولي لعدم الملك أوالولاية، وإنما العقد ينعقد موقوفاً على إجازة المالك عند الحنفية والمالكية كما في عقد البيع، خلافاً للشافعية والحنابلة.\rوالإجازة تلحق الإجارة الموقوفة بشروط، منها قيام المعقود عليه. فإذا أجر الفضولي، وأجاز المالك العقد ينظر (4) :\rإن أجاز العقد قبل استيفاء المنفعة، جازت إجارته، وكانت الأجرة للمالك، لأن المعقود عليه قائم.\rوإن أجاز العقد بعد استيفاء المنفعة لم تجز إجارته، وكانت الأجرة للعاقد، لأن المنافع المعقود عليها تلاشت في الماضي، فتكون عند الإجازة معدومة، فلا يبقى العقد بعدئذ، لفوات محله، فلا تصح الإجارة، كما عرفنا في عقد البيع ويصير العاقد الفضولي حينئذ غاصباً بالتسليم.\r-------------------------------\r(1) البدائع: 4 ص 176.\r(2) الشرح الكبير للدردير: 4 ص 3.\r(3) مغني المحتاج: 2 ص 332، المغني: 5 ص 398.\r(4) انظر البدائع: 4 ص 177.","part":5,"page":458},{"id":3304,"text":"وقال الحنفية: إن الغاصب إذا آجر ما غصبه وسلم ذلك، ثم قال المالك: (أجزت ما آجرت): فإن كانت مدة الإجارة قد انقضت فللغاصب الأجر؛ لأن المعقود عليه قد انعدم، والإجازة لا تلحق المعدوم كما بينت. وإن كانت الإجازة بعد مضي بعض المدة فالأجر كله للمالك عند أبي يوسف، لأنه إذا بقي بعض المدة لم يبطل العقد، فكان محلاً للإجازة، فهو قد نظر إلى المدة.\rوقال محمد: أجر ما مضى للغاصب، وأجر ما بقي للمالك؛ لأن كل جزء من أجزاء المنفعة معقود عليه مستقل عن غيره، فإذا مضى بعض مدة الإجارة، كان الماضي منعدماً حين الإجارة، فلا يصح إلحاق الإجازة به لانعدامه، فهو قد نظر إلى المعقود عليه.\rويجري هذا الخلاف بين أبي يوسف ومحمد فيمن غصب أرضاً فأجرها للزراعة، فأجاز صاحب الأرض عقد الإجارة.\rوأضاف محمد: إن أعطاها الغاصب مزارعة فهنا تفصيل: إن كان الزرع قد سنبل، ولم ييبس، فأجاز صاحب الأرض، جازت المزارعة، ولا شيء للغاصب من الزرع، لأن المزارعة بمنزلة شيء واحد، لا ينفصل بعض عملها عن بعض، فكانت إجازة العقد قبل الاستيفاء بمنزلة ابتداء العقد. وأما إذا كان الزرع قد يبس فقد انقضى عمل المزارعة، فلا تلحق الإجازة العقد، ويكون الزرع حينئذ للغاصب.\rشروط صحة الإجارة: يشترط لصحة الإجارة شروط تتعلق بالعاقد والمعقود عليه والمحل المعقود عليه، والأجرة، ونفس العقد وهي:\r1 - رضا المتعاقدين: يشترط توافر رضا المتعاقدين كما في البيع، لقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراضٍ منكم} [النساء:29/4] والإجارة تجارة، لوجود معنى مبادلة المال بالمال فيها (1) . وهذا الشرط يتعلق بالعاقد، وما سيأتي متعلق بالمعقود عليه.\r-------------------------------\r(1) انظر البدائع: 4 ص 179.","part":5,"page":459},{"id":3305,"text":"2 - أن يكون المعقود عليه وهو المنفعة معلوماً علماً يمنع من المنازعة، فإن كان مجهولاً جهالة مفضية إلى المنازعة لا يصح العقد؛ لأن هذه الجهالة تمنع من التسليم والتسلم، فلا يحصل المقصود من العقد.\rوالعلم بالمعقود عليه: يكون ببيان محل المنفعة وبيان المدة وبيان العمل في استئجار الصناع والعمال.\rأما بيان محل المنفعة: فيحصل بمعرفة العين المستأجرة بعينها، فلو قال إنسان لآخر: آجرتك إحدى هاتين الدارين، أو أحد هذين المركبين أو أحد هذين الصانعين، لم يصح العقد لجهالة المعقود عليه جهالة فاحشة. ولو استأجر إنسان من آخر نهراً يابساً أو موضعاً من الأرض معلوماً ليسوق منه الماء إلى أرض له، فيسقيها، لم يجز في المشهور عند الحنفية، وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف؛ لأن مقدار ما يسيل من الماء في النهر مختلف قلة وكثرة، والكثير منه مضر بالنهر، والمضر منه مستثنى ضمناً، وغير المضر غير منضبط، فصار محل المعقود عليه مجهولاً.\rوروي عن محمد أنه يجوز؛ لأن المانع من جواز العقد جهالة البقعة وقد زالت الجهالة بالتعيين (1) .\rوأما بيان المدة: فهو مطلوب في إجارة الدور والمنازل والبيوت والحوانيت وفي استئجار الظئر (المرضع)؛ لأن المعقود عليه لا يصير معلوم القدر بدونه، فترك بيانه يفضي إلى المنازعة.\r-------------------------------\r(1) البدائع، المصدر السابق: 4 ص 180، المبسوط: 16 ص 43، الفروق: 4 ص 4، تكملة فتح القدير: 7 ص 148.","part":5,"page":460},{"id":3306,"text":"وتصح الإجارة على أي مدة طالت أو قصرت وهو قول أكثر العلماء ومنهم الشافعية على الصحيح (1) ، فإنهم قالوا: يصح عقد الإجارة مدة تبقى فيها العين غالباً بحسب رأي أهل الخبرة، ولا يقدر للإجارة أقصى مدة، إذ لا دليل من الشرع على ذلك (2) .\rولا يشترط عند الحنفية تعيين ابتداء مدة الإجارة، فإذا كان العقد مطلقاً عن تعيين ابتداء المدة، تعين الزمن الذي يعقب العقد، وهو الشهر الذي يأتي بعد العقد.\rوقال الشافعية: يشترط تعيين مدة الابتداء التي تلي العقد نصاً؛ لأن عدم التعيين يؤدي إلى جهالة الوقت الموجبة لجهالة المعقود عليه (3) .\rوإن وقعت الإجارة شهراً أو شهوراً أو سنين معلومة في أول الشهر يعتبر الشهر بالأهلة، وإن وقعت في بعض الشهر يعتبر الشهر بالأيام ثلاثين يوماً لتعذر اعتبار الأهلة، فتعتبر الأيام. وكذلك الأمر في الشهور والسنين، فإذا كان العقد في أول الشهر فشهور السنة كلها بالأهلة، لأنها هي الأصل، وإن كان في أثناء الشهر فالكل بالأيام عند أبي حنيفة، وفي رواية عن أبي يوسف.\rوهناك رواية أخرى عن أبي حنيفة وهو رأي محمد ومذهب الشافعية: إذا\r-------------------------------\r(1) يقول الحنفية: تصح الإجارة على أي مدة معلومة سواء أكانت طويلة أم قصيرة، لأن المدة إذا كانت معلومة كان قدر المنفعة فيها معلوماً، إلا في الأوقاف، فلا تجوز الإجارة الطويلة فيها على ما هو مختار، كيلا يدعي المستأجر ملكها: (وهي ما زاد على ثلاث سنين في الضياع أي العقارات، وعلى سنة في غيرها) ومثل ذلك إجارة أرض اليتيم (راجع اللباب شرح الكتاب: 2 ص 88، تكملة فتح القدير: 7 ص 150).\r(2) مغني المحتاج: 2 ص 349، المهذب: 1 ص 396، المغني: 5 ص 401، غاية المنتهى: 2 ص201.\r(3) المهذب، المصدر السابق.","part":5,"page":461},{"id":3307,"text":"استأجر داراً لمدة سنة في بعض الشهر، فإنه يسكن بقية هذا الشهر بالأيام، ويكمل ما بقي من الشهر الأول من الشهر الأخير، والباقي من السنة وهو أحد عشر شهراً بالأهلة؛ لأن الأيام يصار إليها ضرورة، والضرورة قائمة في الشهر الأول فقط من السنة. ووجه الرواية الأولى أنه متى تم الشهر الأول بالأيام ابتدأ الثاني بالأيام ضرورة، وهكذا إلى آخر السنة (1) .\rالإجارة مشاهرة: تشدد الشافعية في شرط معرفة المدة، فقالوا في الصحيح عندهم: إن آجر شخص داره كل شهر بدينار مثلاً، أو كل يوم أو كل جمعة أو كل سنة بكذا، فالإجارة باطلة؛ لأن كل شهر يحتاج إلى عقد جديد لإفراده بأجرة معينة، ولم يوجد عقد، وذلك يقتضي البطلان، هذا بالإضافة إلى جهالة مدة الإجارة، فصار كما لو قال: آجرتك مدة أو شهراً (2) .\rوقال جمهور الفقهاء: تصح الإجارة في الشهر الأول وتلزم، وأما ما عدها من الشهور فلا يلزم إلا بالدخول فيه أو التلبس فيه؛ لأن شروعه مع ما تقدم في العقد من الاتفاق على تقدير أجره والرضا ببذله جرى مجرى ابتداء العقد عليه، وصار كبيع المعاطاة إذا جرى من المساومة ما دل على التراضي بها (3) .\rوأما بيان العمل في استئجار الصناع والعمال فهو أمر مطلوب منعاً من الجهالة؛ لأن جهالة العمل في الاستئجار على الأعمال جهالة مفضية إلى المنازعة، فيفسد العقد، فلو استأجر عاملاً، ولم يسم له العمل من الخياطة والرعي وعزق الأرض ونحوه لم يجز العقد.\r-------------------------------\r(1) تكملة فتح القدير: 7 ص 178، البدائع: 4 ص 181، المبسوط: 15 ص 132، تبيين الحقائق: 5 ص 123: المهذب: 1 ص 396، رد المحتار على الدر المختار: 5 ص 35.\r(2) المهذب: 1 ص 396، مغني المحتاج: 2 ص 340، الميزان للشعراني: 2 ص 95.\r(3) البدائع: 4 ص 182، تبيين الحقائق: 5 ص 122، الشرح الكبير للدردير: 4 ص 44، المغني: 5 ص 409، القوانين الفقهية: ص 275 ومابعدها.","part":5,"page":462},{"id":3308,"text":"وإذا كان الأجير مشتركاً فلابد من بيان المعمول فيه إما بالإشارة والتعيين، أو ببيان الجنس والنوع والقدر والصفة، فلو استأجر شخص حفاراً لحفر بئر فلا بد من بيان مكان الحفر وعمق البئر ونوعها وعرضها؛ لأن عمل الحفر يختلف باختلاف هذه الأوضاع (1) .\rتعيين المدة والعمل: إذا كان لا بد من تعيين المدة في إجارة المنافع كإجارة المنازل ونحوها، وتعيين نوع العمل في الإجارة على الأعمال كالخياطة ونحوها، فهل يجوز الجمع بين اشتراط المدة والعمل معاً؟\rقال الحنفية: لا يشترط في إجارة المنافع تعيين العمل، فلو استأجر رجل داراً أو حانوتاً، ولم يسم ما يعمل فيه، جازت الإجارة، وله أن يسكن فيه بنفسه مع غيره، وله أن يسكن فيه غيره بالإجارة والإعارة، وله أن يضع فيه متاعاً وغيره، غير أنه لا يستعمل البناء بما يضره ويوهنه ولا يجعل فيه حداداً ولا قصاراً ولا طحاناً؛ لأن العقد المطلق عن الشرط مقيد بالعرف المألوف.\rوأما في الإجارة على الأعمال، فيشترط بيان المدة في استئجار الراعي المشترك لأن قدر المعقود عليه لا يصير معلوماً بدونه. وأما في استئجار القصار المشترك والخياط المشترك، فلا يشترط بيان المدة؛ لأن المعقود عليه يصير معلوماً بدونه. وأما الأجير الخاص، فلا يشترط في العقد معه بيان جنس المعمول فيه ونوعه وقدره وصفته، وإنما يشترط بيان المدة فقط. وكذلك يشترط بيان المدة في استئجار الظئر.\rواختلف أبو حنيفة مع صاحبيه في اجتماع المدة مع العمل (2) ، فقال أبو حنيفة: متى تعينت المدة لم يجز تقدير العمل. وقال الصاحبان: يجوز التقدير بهما معاً. وعلى هذا: إذا قال رجل لآخر: استأجرتك لتخيط هذا الثوب اليوم، أو لتقصر هذا الثوب اليوم، أو لتخبز قفيز دقيق اليوم، فالإجارة فاسدة عند أبي حنيفة. وجائزة عند الصاحبين.\rوإذا استأجر شخص دابة إلى بلد أياماً معينة، فالإجارة فاسدة عند الإمام. وعند صاحبيه جائزة.\r-------------------------------\r(1) البدائع: 4 ص 184، المبسوط: 16 ص 47 .\r(2) راجع البدائع: 4 ص 184 ومابعدها.","part":5,"page":463},{"id":3309,"text":"وجه قول الصاحبين: أن المعقود عليه هو العمل لأنه هو المقصود، والعمل معلوم، والقصد من ذكر المدة هو التعجيل، فلم تكن المدة معقوداً عليها، فلا يمنع ذكرها جواز العقد. وإذا وقعت الإجارة على العمل: فإن فرغ الأجير منه قبل تمام المدة فله كمال الأجر، وإن لم يفرغ منه في اليوم، فعليه أن يعمله في الغد.\rووجه قول أبي حنيفة: أن المعقود عليه مجهول، لأن العاقد ذكر أمرين: هما العمل والمدة، وكل واحد منهما يجوز أن يكون معقوداً عليه، وجهالة المعقود عليه توجب فساد العقد. هذا مع العلم بأنه لا يمكن الجمع بين العمل والمدة في كون كل واحد منهما معقوداً عليه؛ لأن حكمهما مختلف؛ إذ أن العقد على المدة يقتضي وجوب الأجر من غير عمل؛ لأن الأجير يصبح أجيراً خاصاً؛ والعقد على العمل يقتضي وجوب الأجر بالعمل؛ لأن الأجير يصبح أجيراً مشتركاً، فكان المعقود عليه أحدهما، وليس أحدهما بأولى من الآخر، فكان المعقود عليه مجهولاً.\rوقال الحنابلة: إذا عقدت الإجارة على عمل كبناء حائط، وخياطة قميص، وحمل إلى موضع معين، فإذا كان المأجور مما له عمل ينضبط كالحيوان، جاز تقدير إجارته بمدة وعمل؛ لأن المأجور له عمل تتقدر منافعه به. وإن لم يكن المأجور له عملاً كالدار والأرض، لم تجز إجارته إلا على مدة، ومتى تقدرت المدة، لم يجز تقدير العمل، لأن الجمع بينهما يزيد الإيجار غرراً، لأنه قد يفرغ من العمل قبل انقضاء المدة، فإن استعمل المأجور في بقية المدة، فقد زاد على ما وقع عليه العقد، وإن لم يعمل كان تاركاً للعمل في بعض المدة. وقد لا يفرغ الأجير من العمل في المدة، فإن أتمه بعدها عمل في غير المدة، وإن لم يعمله، لم يأت بما وقع عليه العقد، وهذا غرر أمكن التحرز عنه (1) .\r-------------------------------\r(1) المغني: 5 ص 402، غاية المنتهى: 2 ص 302.","part":5,"page":464},{"id":3310,"text":"وقال المالكية والشافعية في الأصح: لا يجوز في إجارة الأعمال كخياطة الثوب ونحوها الجمع بين الزمان والعمل، فلا يصح أن يعين زمان الخياطة بأن يقول الشخص للخياط: اليوم أو بعد أسبوع مثلاً، فتفسد الإجارة؛ لأنه يوجب الغرر بتوقع تعذر العمل في ذلك اليوم أو الأسبوع، فقد يتقدم العمل أو يتأخر، كما لو أسلم رجل في قفيز حنطة بشرط كون وزنه كذا، لا يصح العقد لاحتمال أن يزيد الوزن أو ينقص. وعلى هذا فالمصلحة ونفي الغرر عن العقد يوجبان بقاء العقد مطلقاً دون تحديد مدة معينة (1) .\r3 - أن يكون المعقود عليه مقدور الاستيفاء حقيقة وشرعاً: فلا تجوز إجارة متعذر التسليم حقيقة كإجارة البعير الشارد والأخرس للكلام، أو شرعاً كإجارة الحائض لكنس المسجد، والطبيب لقلع سن صحيحة، والساحر على تعليم السحر، وهذا باتفاق الفقهاء. ولا تجوز إجارة المشاع من غير الشريك عند أبي حنيفة وزفر والحنابلة، كأن يؤجر نصيباً من داره، أو نصيبه من دار مشتركة من غير الشريك، سواء أكان النصيب معلوماً كالربع ونحوه، أم مجهولاً؛ لأن منفعة المشاع غير مقدورة الاستيفاء؛ لأن استيفاءها بتسليم المشاع، والمشاع غير مقدور\r-------------------------------\r(1) الفروق للقرافي: 4 ص 12، القوانين الفقهية: ص 275، مغني المحتاج: 3 ص340.","part":5,"page":465},{"id":3311,"text":"التسليم بنفسه؛ لأنه سهم شائع ضمن كل، وإنما يتصور تسليمه مع غيره وهو غير معقود عليه، فلا يتصور تسليمه شرعاً. وأما الإجارة من الشريك فهي جائزة على الرواية المشهورة عن أبي حنيفة؛ لأن المعقود عليه مقدور الاستيفاء بدون المهايأة، إذ منفعة كل الدار تحدث مثلاً على ملك المستأجر لكن بسببين مختلفين: بعضها بسبب الملك، وبعضها بسبب الإجارة. وأما الشيوع الطارئ فلا يؤثر على الإجارة في الروية المشهورة عن أبي حنيفة أيضاً؛ لأن المانع من جواز العقد وهو الشيوع كان بسبب عدم القدرة على التسليم، والقدرة على التسليم ليست بشرط لبقاء العقد ودوامه، إذ ليس كل ما يشترط في إنشاء العقد عند ابتدائه يشترط لبقاء العقد (1) .\rوقال الصاحبان وجمهور الفقهاء: تجوز إجارة المشاع مطلقاً من الشريك وغيره؛ لأن للمشاع منفعة، والتسليم ممكن بالتخلية أو بالتهايؤ، كما يجوز ذلك في البيع، والإجارة أحد نوعي البيع (2) .\rويترتب على اشتراط القدرة على الاستيفاء عند الحنفية مسائل:\rأ ـ لو استأجر إنسان طريقاً في دار غيره ليمر فيها وقتاً معلوماً لم يجز عند أبي حنيفة، ويجوز في قول الصاحبين؛ لأن إجارة المشاع فاسدة عند الإمام، وجائزة عند الصاحبين.\rب ـ لو استأجر شخص أ رضاً فيها رطبة (3) (فصفصة) لمدة سنة مثلاً فلا تجوز الإجارة، وإنما تقع فاسدة، لأنه لا يمكن تسليم الأرض إلا بإحداث ضرر، وهو قلع الرطبة، والإنسان لا يجبر على إلحاق الضرر بنفسه، فلم تكن المنفعة مقدورة\r-------------------------------\r(1) تكملة فتح القدير مع العناية: 7 ص 180، البدائع: 4 ص 187، تبيين الحقائق: 5 ص 125، رد المحتار على الدر المختار: 5 ص 32، غاية المنتهى: 2 ص 197، الشرح الكبير: 4 ص 19.\r(2) بداية المجتهد: 2 ص 225، الميزان: 2 ص 96، المهذب: 1 ص 395.\r(3) الرطبة ـ بفتح الراء: الفصة، فإذا يبست فهي قت (الجت).","part":5,"page":466},{"id":3312,"text":"الاستيفاء شرعاً، فلم تجز. فإن قلع صاحب الأرض الرطبة، وسلم الأرض بيضاء، جاز العقد، لأن المانع قد زال، مثل أن يشتري إنسان جذعاً في سقف إذا نزعه البائع وسلمه إلى المشتري جاز العقد، ويجبر المشتري على القبول في الحالتين.\rجـ ـ لو استأجر شخص رجلاً للقيام بالبيع والشراء، فلا تجوز الإجارة؛ لأن البيع والشراء لا يتم بشخص واحد، بل بعاقدين هما البائع والمشتري، وذلك غير مقدور للشخص، فتفسد الإجارة على هذه المهمة، إذ أن الأجير لا يقدر على إيفاء المنفعة بنفسه، والمستأجر لا يقدر بالتالي على الاستيفاء، فصار العقد، كما لو استأجر رجلاً ليحمل خشبة بنفسه، وهو لا يقدر على حملها بنفسه.\rفإن عين المستأجر للقيام بمهمة البيع والشراء مدة، كأن استأجره شهراً ليبيع له ويشتري، جاز العقد؛ لأن الإجارة وقعت على منفعة المدة، وهي معلومة.\rد ـ لا يصح استئجار الفحل للإنزاء، واستئجار الكلب المعلم، والبازي المعلم للاصطياد؛ لأن المنفعة غير مقدورة الاستيفاء في حق المستأجر إذ لا يمكن إجبار الفحل على الضراب والإنزال، ولا إجبار الكلب والبازي على الصيد.\rهذا رأي جمهور العلماء من الحنفية والشافعية والحنابلة (1) ؛ لأن الرسول صلّى الله عليه وسلم نهى عن عسب الفحل أي أجرة ضرابه (2) . وأجاز الإمام مالك العقد إذا كانت الإجارة على مدة معلومة تشبيهاً للمذكور بسائر المنافع (3) .\r-------------------------------\r(1) تكملة فتح القدير: 7 ص 179، البدائع: 4 ص 189، رد المحتار على الدر المختار: 5 ص 38، المغني: 5 ص 500، المهذب: 1 ص 394، مغني المحتاج: 2 ص 335، غاية المنتهى: 2 ص 197.\r(2) أخرجه البخاري وأبو داود والترمذي والنسائي وأحمد عن ابن عمر، وروي أيضاً عن عدة من الصحابة مثل أنس وابن عباس وعلي وأبي هريرة. وفي بعض ألفاظه: «نهى النبي صلّى الله عليه وسلم عن ثمن عسب الفحل» (انظر نصب الراية: 4 ص 135، نيل الأوطار: 5 ص 146).\r(3) بداية المجتهد: 2 ص 322، القوانين الفقهية: ص 275.","part":5,"page":467},{"id":3313,"text":"4 - أن تكون المنفعة المعقود عليها مباحة شرعاً: كاستئجار كتاب للنظر والقراءة فيه والنقل منه، واستئجار دار للسكنى فيها، وشبكة للصيد ونحوها.\rيتفرع على هذا الشرط أنه باتفاق الفقهاء (1) : لا يجوز الاستئجار على المعاصي كاستئجار الإنسان للعب واللهو المحرم وتعليم السحر والشعر المحرم وانتساخ كتب البدع المحرمة، وكاستئجار المغنية والنائحة للغناء والنوح، لأنه استئجار على معصية، والمعصية لا تستحق بالعقد. أما الاستئجار لكتابة الغناء والنوح فهو جائز عند الحنفية فقط؛ لأن الممنوع عنه نفس الغناء والنوح، لا كتابتهما. فالقاعدة الفقهية إذن: أن «الاستئجار على المعصية لا يجوز» (2) .\rوكذلك لا يجوز استئجار رجل لقتل رجل أو سجنه أوضربه ظلماً أو لأي مظلمة أخرى، لأنه استئجار لفعل معصية، فلا يكون المعقود عليه مقدور الاستيفاء شرعاً. فإن كان الفعل بحق كأن استأجر رجل غيره لقطع عضو فيجوز؛ لأنه مقدور الاستيفاء؛ لأن محله معلوم. أما الاستئجار على القصاص فلا يجوز عند أبي حنيفة وأبي يوسف؛ لأن القتل بضرب العنق قد يصيب العنق فيكون مشروعاً، وقد يصيب غير العنق فيكون محظوراً؛ لأنه مُثْلة بالإنسان. ويجوز العقد عند محمد؛ لأن القصاص هو حز الرقبة، والرقبة معلومة، فكان المعقود عليه مقدور الاستيفاء (3) .\rوكذلك لا يجوز لذمي استئجار دار من مسلم في بلد إسلامية ليتخذها\r-------------------------------\r(1) تكملة فتح القدير: 7 ص 180، البدائع: 4 ص 189، تبيين الحقائق للزيلعي: 5 ص 125، الشرح الكبير: 4 ص 21، بداية المجتهد: 2 ص 218، المهذب: 1 ص 394، المغني: 5 ص 502، القوانين الفقهية: ص 275، غاية المنتهى: 2 ص 196، الفروق للقرافي: 4 ص 4.\r(2) الفرائد البهية في القواعد الفقهية للشيخ محمود حمزة: ص 76.\r(3) البدائع: 4 ص 189.","part":5,"page":468},{"id":3314,"text":"مصلى للناس أو لبيع الخمر أو للقمار؛ لأنه استئجار على المعصية، وهذا رأي جمهور العلماء. وكان أبو حنيفة يجيز الاستئجار للمصلى في سواد العراق؛ لأن أكثر أهل السواد في زمانه كانوا أهل ذمة من المجوس، فكان لا يؤدي ذلك إلى الإهانة والاستخفاف بالمسلمين (1) .\r5 - ألا يكون العمل المستأجر له فرضاً ولا واجباً على الأجير قبل الإجارة:\rويترتب عليه أنه لا تصح الإجارة إذا كانت واردة على القيام بفرض أو واجب على الأجير قبل العقد؛ لأن من أتى بعمل يستحق عليه لا يستحق الأجرة على فعله، كمن قضى ديناً عليه، فلا تصح الإجارة إذن على القرب والطاعات كالصلاة والصوم والحج والإمامة والأذان وتعليم القرآن؛ لأنه في الفرائض استئجار على عمل مفروض، ولأن الاستئجار على الأذان والإقامة والإمامة وتعليم القرآن والعلم سبب لتنفير الناس عن الصلاة بالجماعة، وعن تعليم القرآن والعلم (2) وقد روي أن عثمان بن أبي العاص قال: «إن آخر ما عهد إلى النبي صلّى الله عليه وسلم أن اتخذ مؤذناً لا يأخذ على أذانه أجراً» قال الترمذي: حديث حسن (3) ، وهذا محل اتفاق بين الحنفية والحنابلة. ومن قواعد الحنفية في هذا «لا يستحق الأجر من استؤجر على الطاعة» «الاستئجار لما هو مستحق عليه لا يجوز» فمن استأجر امرأته شهراً لخدمة البيت لا تجوز هذه الإجارة لأنها مستحقة عليها.\r-------------------------------\r(1) البدائع: 4 ص 176، المبسوط: 16 ص 38، المغني: 5 ص 503.\r(2) البدائع: 4 ص 191، المغني: 5 ص 506 ومابعدها، المبسوط: 16 ص 37، تبيين الحقائق: 5 ص 124، رد المحتار على الدر المختار: 5 ص 38، غاية المنتهى: 2 ص 205، 217، الفرائد البهية في القواعد الفقهية للشيخ محمود حمزة: ص 75، 284، الإفصاح لابن هبيرة: ص 226.\r(3) أخرجه أصحاب السنن الأربع بطرق مختلفة، هذا اللفظ للترمذي وابن ماجه (راجع نصب الراية: 4ص 139).","part":5,"page":469},{"id":3315,"text":"ثم أفتى المتأخرون من العلماء بجواز أخد المعلم أجرة المثل في زمانه على تعليم القرآن.\rوقال الإمامان مالك والشافعي (1) : تجوز الإجارة على تعليم القرآن لأنه استئجار لعمل معلوم ببدل معلوم، ولأن رسول الله صلّى الله عليه وسلم «زوج رجلاً بما معه من القرآن» (2) فجاز جعل القرآن عوضاً، وقد قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم : «إن أحق ما أخذتم عليه أجراً كتاب الله » (3) وهو حديث صحيح. وثبت أن أبا سعيد الخدري رقى رجلاً بفاتحة الكتاب على جُعْل، فبرئ، وأخذ أصحابه الجعل، فأتوا به رسول الله صلّى الله عليه وسلم فأخبروه وسألوه فقال: «لعمري من أكْل برقيةِ باطلٍ (أي كلام باطل) فقد أكلتَ برقيةِ حقٍ، كلوا واضربوا لي معكم بسهم» (4) .\rقال صاحب الكنز الحنفي: والفتوى اليوم على جواز الاستئجار لتعليم القرآن، وهو مذهب المتأخرة من مشايخ بلخ (5) .\rوأجاز المالكية أخذ الأجرة على الأذان مع الإمامة والقيام بالمسجد لا على الصلاة بانفرادها قياساً على الأفعال غير الواجبة، كما أجازوا هم والشافعية\r-------------------------------\r(1) الشرح الكبير للدردير: 4 ص 16، بداية المجتهد: 1 ص 221، مغني المحتاج: 2 ص 344، المهذب: 1 ص 398، الميزان: 2 ص 95، القوانين الفقهية: ص 275.\r(2) رواه البخاري ومسلم وأحمد ولفظه «قد زوجتكها بما معك من القرآن» (انظر نيل الأوطار: 6 ص 170).\r(3) أخرجه البخاري في كتاب الطب عن ابن عباس وروي في معناه أحاديث كثيرة (انظر نصب الراية: 4 ص 139، مجمع الزوائد: 4 ص 94، سبل السلام: 3 ص 81).\r(4) رواه أحمد وأصحاب الكتب الستة إلا النسائي عن أبي سعيد الخدري، ورويت واقعة أيضاً عن خارجة بن السلط عن عمه، كما رويت أخرى عن جابر (انظر نصب الراية: 4 ص 138، نيل الأوطار: 5 ص 289، 291، مجمع الزوائد: 4 ص 96).\r(5) تبيين الحقائق: 5 ص 124.","part":5,"page":470},{"id":3316,"text":"الإجارة على الحج لإقرار الرسول عليه السلام حج صحابي عن غيره، أما الإمامة في الفروض فلا يجوز فيها الإجارة عند الشافعية، ولا يجوز ذلك بانفرادها عن الأذان في المشهور عند المالكية (1) .\rويجوز بالاتفاق الاستئجار على تعليم اللغة والأدب والحساب والخط والفقه والحديث ونحوها وبناء المساجد والقناطر والرباطات؛ لأنها ليست بفرض ولابواجب. وقد تقع قربة تارة، وتارة غير قربة.\rولا يجوز عند الحنفية الاستئجار على غسل الميت؛ لأنه واجب، ويجوز على حفر القبور، وعلى حمل الجنائز. وأجاز الشافعية الإجارة لتجهيز ميت ودفنه. والتجهيز يشمل الغسل والتكفين؛ لأن ذلك من فروض الكفايات، ولا يضر طروء تعين الواجب كالمضطر، فإنه يتعين إطعامه مع تغريمه البدل.\rولا يجوز استئجار الرجل الزوجة على رضاع ولده منها؛ لأنه استئجار على خدمة الولد، وإنما اللبن يدخل فيه تبعاً، فكان الاستئجار على أمر واجب عليها فيما بينها وبين الله تعالى (2) .\r6 - ألا ينتفع الأجير بعمله: فإن كان ينتفع به لم يجز (3) ، فلا تصح الإجارة\r-------------------------------\r(1) انظر سبل السلام: 2 ص 181، 184، مغني المحتاج: 2 ص 344، الفروق للقرافي: 3 ص 2، أصول الفقه الإسلامي للمؤلف: 60/1 ومابعدها، 139، ط دار الفكر بدمشق.\r(2) البدائع: 4 ص 192 .\r(3) قال الشافعية: الإجارة لقراءة القرآن على القبر مدة معلومة، أو قدراً معلوماً، جائزة، للانتفاع بنزول الرحمة حيث يقرأ القرآن، ويكون الميت كالحي الحاضر، سواء أعقب القرآن الدعاء، أم جعل أجر قراءته له، أم لا، فتعود منفعة القرآن إلى الميت في ذلك، ولأن الدعاء يلحقه، وهو بعدها أقرب إلى الإجابة وأكثر بركة. فقول الشافعي رضي الله عنه: إن القراءة لا تحصل له محمول على غير ذلك ( مغني المحتاج: 341/2 ).","part":5,"page":471},{"id":3317,"text":"على الطاعات؛ لأن القائم بها عامل لنفسه، كما لا يصح استئجار رجل ليطحن لآخر قفيزاً من حنطة بجزء من دقيقها، أو ليعصر له قفيزاً من سمسم بجزء معلوم من دهنه، لأن الأجير ينتفع بعمله من الطحن والعصر، فيكون عاملاً لنفسه، وقد روي أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم نهى عن قفيز الطحان (1) : وهو أن يعطي الرجل أقفزة معلومة يطحنها بقفيز دقيق منها.\rوهذا هو رأي الشافعية أيضاً (2) عملاً بالنهي في هذا الحديث، ولأن فيه نقضاً لشرط من شرائط الإجارة وهو القدرة على تسليم الأجر وقت التعاقد.والقاعدة المقررة عند الحنفية في هذا الشأن هي: « تعيين الأجر مما يعمل فيه الأجير مفسد للعقد » .\rوقال الحنابلة والمالكية: يجوز ذلك إذا كان الكيل معلوماً، والحديث لم تثبت صحته عندهم (3) .\rومنه: ما يتعامل به الزراع في الريف من إعطاء بعض القمح لدارسه أو حامله فقد أجازه الحنابلة.\r-------------------------------\r(1) رواه الدارقطني عن أبي سعيد الخدري قال: « نهى رسول الله صلّى الله عليه وسلم عن عسب الفحل ( أي كرائه ) وعن قفيز الطحان » وفسر قوم قفيز الطحان بطحن الطعام بجزء منه مطحوناً لما فيه من استحقاق طحن قدر الأجرة، لكل واحد منهما على الآخر، وذلك متناقض ( راجع نيل الأوطار: 5 ص 292، التلخيص الحبير: ص 255 ).\r(2) البدائع، المصدر السابق، مغني المحتاج: 2ص335، الفرائد البهية في القواعد الفقهية للشيخ محمود حمزة: ص 78.\r(3) المغني: 5 ص 449، الشرح الكبير للدردير: 4 ص 6، القوانين الفقهية: ص 274 ومابعدها.","part":5,"page":472},{"id":3318,"text":"7 - أن تكون المنفعة مقصودة يعتاد استيفاؤها بعقد الإجارة، ويجري بها التعامل بين الناس، فلا يجوز استئجار الأشجار لتجفيف الثياب (1) عليها والاستظلال بها؛ لأن هذه منفعة غير مقصودة من الشجر (2) .\rوأما شرط المحل المعقود عليه: فهو أن يكون مقبوضاً إذا كان منقولاً، وإن لم يكن مقبوضاً فلا تصح إجارته لنهي النبي صلّى الله عليه وسلم عن بيع ما لم يقبض (3) ، والإجارة نوع من البيع فيشملها النهي (4) .\rفإن كان الشيء المأجور عقاراً فهو على الاختلاف الذي ذكر في مبحث البيع الفاسد.\rوأما شروط الأجرة فهي اثنان (5) :\rأولاً ـ أن تكون الأجرة مالاً متقوماً معلوماً: وهذا باتفاق العلماء.\r-------------------------------\r(1) ذكر القرافي المالكي في الفروق (3/4-4) ثمانية شروط في المنفعة التي تجوز عليها الإجارة وهي:\rالأول ـ الإباحة: احترازاً من الغناء وآلات الطرب ونحوها.\rالثاني ـ قبول المنفعة للمعاوضة، احترازاً من النكاح.\rالثالث ـ كون المنفعة متقومة، احترازاً من التافه الحقير الذي لا يقابل بعوض. واختلف في استئجار الأشجار لتجفيف الثياب، فمنعه ابن القاسم.\rالرابع ـ تكون مملوكة، احترازاً من الأوقاف الموقوفة للسكنى كبيوت المدارس.\rالخامس ـ ألا يتضمن استيفاء عين، احترازاً من إجارة الأشجار لثمارها أو الغنمة لنتاجها، واستثني من ذلك إجارة المرضع للبنها للضرورة في الحضانة.\rالسادس ـ أن يقدر على تسليمها، احترازاً من استئجار الأخرس.\rالسابع ـ أن تحصل للمستأجر احترازاً من الاستئجار على العبادات كالصوم ونحوه.\rالثامن ـ كونها معلومة احترازاً عن المجهولات من المنافع كمن استأجر آلة لايدري ما يعمل بها.\r(2) البدائع، المصدر السابق.\r(3) في هذا أحاديث، منها ما رواه أحمد ومسلم عن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم : «إذا ابتعت طعاماً فلا تبعه حتى تستوفيه» (انظر نيل الأوطار: 5 ص 157 وقد سبق ذكر بعض رواياته) ومنها ما أخرجه أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه عن ابن عباس بلفظ: «من ابتاع طعاماً فلا يبعه حتى يقبضه» (انظر جامع الأصول: 1 ص 383 وما بعدها).\r(4) البدائع: 4 ص 193.\r(5) البدائع، المصدر السابق: 193-194.","part":5,"page":473},{"id":3319,"text":"ومحترزات هذا الشرط معروفة كما مر في عقد البيع. والأصل في اشتراط العلم بالأجرة قول النبي صلّى الله عليه وسلم : «من استأجر أجيراً فليعلمه أجره» والعلم بالأجرة لا يصح إلا بالإشارة والتعيين، أو بالبيان (1) .\rولا بد من معرفة مكان إيفاء الأجرة فيما يحتاج لحمل ومؤنة عند أبي حنيفة. وأما عند الصاحبين: فلا يشترط ذلك، ويتعين مكان العقد للإيفاء (2) .\rومما يتفرع على شرط العلم بالأجرة : أنه لو استأجر إنسان شخصاً بأجر معلوم وبطعامه، أو استأجر دابة بأجر معلوم وبعلفها، لم تجز الإجارة؛ لأن الطعام أو العلف يصير أجرة، وهو قدر مجهول، فكانت الأجرة مجهولة.\rوأجاز المالكية (3) استئجار الأجير للخدمة، والدابة بالطعام، والخادم بالكسوة ونحوها عملاً بالمتعارف بين الناس، وكذا استئجار الظئر بطعام أو غيره.\rاستئجار الظئر: ولو استأجر شخص ظئراً (مرضعاً) بطعامها وكسوتها لاتجوز الإجارة بمقتضى الأخذ بالقياس: وهو قول الصاحبين والشافعية، لجهالة الأجرة وهي الطعام والكسوة، إلا أن أبا حنيفة استحسن الجواز بالنص:وهو قوله تعالى: {وإن أردتم أن تسترضعوا أولادكم فلا جناح عليكم إذا سلمتم ما آتيتم بالمعروف} [البقرة:233/2] نفى الله سبحانه الجناح في الاسترضاع مطلقاً. وجهالة الأجرة في تلك الحالة لا تفضي إلى المنازعة؛ لأن العادة جرت بالمسامحة مع الأظآر والتوسعة عليهن شفقة على الأولاد، فأشبهت حالة جهالة القفيز من الصبرة (4) .\r-------------------------------\r(1) تكملة فتح القدير: 7 ص 148، 187، البدائع: 4 ص 193، المغني: 5 ص 404.\r(2) المبسوط: 15 ص 113.\r(3) القوانين الفقهية: ص 274، الشرح الصغير: 31/4.\r(4) تكملة فتح القدير: 7 ص 185، البدائع: 4 ص 193 ومابعدها، المبسوط: 15 ص 119، تبيين الحقائق: 5 ص 127.","part":5,"page":474},{"id":3320,"text":"وقال المالكية والحنابلة أيضاً بهذا الرأي (1) .\rكون الأجرة جزءاً من المعقود عليه: قال الجمهور: تفسد الإجارة ولو استأجر السلاّخ بالجلد، والطحان بالنخالة أو بصاع من الدقيق؛ لأنه لا يعلم هل يخرج الجلد سليماً أو لا، وهل هو ثخين أو رقيق، وما مقدار الطحين، فقد تكون الحبوب مسوسة، فلا تصح الإجارة لجهالة العوض (2) ، ولأنه صلّى الله عليه وسلم نهى عن عَسْب الفحل وعن قفيز الطحان (3) ، وأجازه المالكية (4) لأنه استأجره على جزء من الطعام معلوم، وأجرة الطحان ذلك الجزء وهو معلوم أيضاً، وأجابوا عن الحديث بأن مقدار القفيز مجهول. ووافق الهادوية والإمام يحيى من الزيدية والمزني والحنابلة على هذا الرأي إذا كانت الأجرة بقدر من الدقيق معلوم. والمشهور لدى المالكية: أن الإجارة فاسدة في حالة استئجار السلاّخ بالجلد؛ لأنه لا يستحق جلد الشاة إلا بعد السلخ، ولا يدري هل يخرج سليماً أو مقطعاً؟ وهي فاسدة أيضاً باستئجار الطحان بنُخالة، لجهالة قدرها، فلو استأجره بقدر معلوم جاز، كما لو استأجر شخصاً بجلد مسلوخ معلوم على أن يسلخ له شاة.\rمقابل الخلو: إن ما يؤخذ اليوم مما يسمى ( بالفروغ أو خلو الرجل أو اليد ) لا مانع منه شرعاً في تقديري، فللمالك المؤجر أن يأخذ من المستأجر مقداراً مقطوعاً من المال مقابل الخلو أو الفروغ. ويعد المأخوذ جزءاً معجلاً من الأجرة المشروطة في العقد. وأما ما يدفع في المستقبل شهرياً أو سنوياً فهو بالإضافة إلى ما تم تعجيله يعد جزءاً آخر مكملاً من الأجرة مؤجل الوفاء.\r-------------------------------\r(1) الشرح الكبير للدردير وحاشية الدسوقي عليه: 4 ص 13، الفروق للقرافي: 4 ص 4، مغني المحتاج: 2 ص 335، غاية المنتهى: 2 ص 192، المغني لابن قدامة: 5 ص 450، 453.\r(2) المغني: 405/5.\r(3) رواه الدارقطني والبيهقي عن أبي سعيد لكن في إسناده منكر الحديث (نيل الأوطار: 292/5).\r(4) بداية المجتهد: 222/2 ومابعدها، الشرح الصغير: 18/4 ومابعدها.","part":5,"page":475},{"id":3321,"text":"وأما ما يأخذه المستأجر من الفروغ مقابل تنازله عن اختصاصه بمنفعة العقار المأجور لشخص آخر يحل محله فهو جائز أيضاً إذا كانت مدة الإجارة باقية، وإلا كان غصباً حراماً، فقد صرح الشافعية أثناء كلامهم عن صيغة عقد البيع بما يقارب هذا المعنى فقالوا: «لا يبعد اشتراط الصيغة في نقل اليد في الاختصاص ـ أي عند التنازل عن حيازة النجاسات لتسميد الأرض ـ كأن يقول: رفعت يدي عن هذا الاختصاص، ولا يبعد جواز أخذ العوض عن نقل اليد، كما في النزول عن الوظائف» (1) إلا أن ذلك كله مقيد شرعاً ضمن مدة الإيجار المتفق عليها. وتنازل المستأجر لغيره بعوض بعد انتهاء المدة مرهون برضا المالك. وبالرغم من أن أصل المذهب الحنفي لا يجيز الاعتياض عن الحقوق المجردة كحق الشفعة، وكذا لا يجيز بيع الحق، فإن كثيراً من الحنفية أفتى بجواز النزول عن الوظائف بمال كالإمامة والخطابة والأذان ونحوها، وتستند هذه الفتوى إلى الضرورة وتعارف الناس وبالقياس على ترك المرأة قَسْمها لصاحبتها؛ لأن كلاً منهما مجرد إسقاط للحق، وقياساً على أنه يجوز لمتولي النظر على الأوقاف عزل نفسه عند القاضي، ومن العزل: الفراغ لغيره عن وظيفة النظر أو غيره، وقد جرى العرف بالفراغ بعوض (2) .\rهذا وقد وجدت رسالة للمتأخرين من علماء المالكية بعنوان ( جملة تقارير وفتاوى في الخلوات والإنزالات (3) عند التونسيين ) لمفتي المالكية إبراهيم الرياحي\r-------------------------------\r(1) حاشية البجيرمي على شرح الخطيب «الإقناع في حل ألفاظ أبي شجاع» : 3 ص 3، مطبعة البابي الحلبي.\r(2) الدر المختار ورد المحتار: 4 ص 15.\r(3) الخلو والإنزال والجلسة بمعنى واحد: وهو المنفعة التي يملكها دافع الدراهم لمالك الأصل مع بقاء ملكه للرقبة. فإن كانت الرقبة التي هي الأصل أرضاً عبر عن تلك المنفعة بالإنزال في اصطلاح بعض الناس. وإن كانت في حوانيت أو دور عبر عنها بالخلو في غير اصطلاح أهل فاس، وفي اصطلاحهم يعبر عنها في الحوانيت بالجلسة.","part":5,"page":476},{"id":3322,"text":"بتونس (المتوفى سنة 1266 هـ) والشيخ محمد بيرم الرابع التونسي، والشيخ الشاذلي بن صالح باس مفتي المالكية بتونس، والشيخ محمد السنوسي قاضي تونس يقررون فيها جواز المعاوضة عن الخلوات عملاً بالعرف والعادة، ولأن المستأجر يملك المنفعة، فله أن يتنازل عنها بعوض كالإجارة وبغير عوض كالإعارة (1) ، فقد نقل البناني عن البرزلي في النزول عن الوظيفة ما يقتضي جوازه، ونقل فتوى الفاسيين بجواز بيع الخلو. وقال الشيخ محمد بيرم: وماأشبه الخلو بالمغارسة، غير أن الخلو لا تحصل به ملكية الرقبة لتعلقه بالمنفعة.\rقرار مجمع الفقه الإسلامي في جدة رقم (6) لعام 1408 هـ الموافق 1988م: يحسن إيراد ما تضمنه هذا القرار الذي كنت فيه رئيس لجنة صياغته:\rأولاً ـ إذا اتفق المالك والمستأجر على أن يدفع المستأجر للمالك مبلغاً مقطوعاً زائداً عن الأجرة الدورية (وهو ما يسمى في بعض البلاد خلواً) فلا مانع شرعاً من دفع هذا المبلغ المقطوع، على أن يعد جزءاً من أجرة المدة المتفق عليها، وفي حالة الفسخ تطبق على هذا المبلغ أحكام الأجرة.\rثانياً ـ إذا تم الاتفاق بين المالك وبين المستأجر أثناء مدة الإجارة على أن يدفع المالك إلى المستأجر مبلغاً مقابل تخليه عن حقه الثابت بالعقد في ملك منفعة بقية المدة، فإن بدل الخلو هذا جائز شرعاً؛ لأنه تعويض عن تنازل المستأجر برضاه عن حقه في المنفعة التي باعها للمالك.\rأما إذا انقضت مدة الإجارة، ولم يتجدد العقد صراحة أو ضمناً عن طريق التجديد التلقائي حسب الصيغة المفيدة له، فلا يحل بدل الخلو؛ لأن المالك أحق بملكه بعد انقضاء حق المستأجر.\r-------------------------------\r(1) راجع الفروق للقرافي: 187/1.","part":5,"page":477},{"id":3323,"text":"ثالثاً ـ إذا تم الاتفاق بين المستأجر الأول وبين المستأجر الجديد أثناء مدة الإجارة على التنازل عن بقية مدة العقد، لقاء مبلغ زائد عن الأجرة الدورية، فإن بدل الخلو هذا جائز شرعاً، مع مراعاة مقتضى عقد الإجارة المبرم بين المالك والمستأجر الأول، ومراعاة ما تقضي به القوانين النافذة الموافقة للأحكام الشرعية.\rعلى أنه في الإجارات الطويلة المدة خلافاً لنص عقد الإجارة طبقاً لما تسوغه بعض القوانين، لا يجوز للمستأجر إيجار العين لمستأجر آخر، ولا أخذ بدل الخلو فيها إلا بموافقة المالك.\rأما إذا تم الاتفاق بين المستأجر الأول وبين المستأجر الجديد بعد انقضاء المدة، فلا يحل بدل الخلو، لانقضاء حق المستأجر الأول في منفعة العين.\rثانياً ـ ألا تكون الأجرة منفعة هي من جنس المعقود عليه: كإجارة السكنى بالسكنى والخدمة بالخدمة، والركوب بالركوب، والزراعة بالزراعة. وهذا الشرط متفرع عند الحنفية عن الربا، فإنهم يعتبرون اتحاد الجنس وحده صالحاً لتحريم العقد في ربا النسيئة، كما عرفنا في بحث الربا. وتطبيق المبدأ في الإجارة: هو أن انعقاد هذا العقد عندهم ينعقد شيئاً فشيئاً على حسب حدوث المنفعة، فتكون المنفعة وقت العقد معدومة، فيتأخر قبض أحد العاقدين، فيتحقق ربا النَّساء (1) . وقدعرفنا أن الجنس بانفراده لا يحرم العقد بسبب الربا عند الشافعية، فيجوز هذا العقد عندهم، ولايشترط هذا الشرط.\rوأما الشرط العائد لركن العقد :\rفهو أن يخلو العقد من شرط لا يقتضيه العقد ولا يلائمه: فلو أجر المالك\r-------------------------------\r(1) انظر البدائع: 4 ص 194.","part":5,"page":478},{"id":3324,"text":"داره على أن يسكنها هو شهراً، ثم يسلمها إلى المستأجر، أو أجر أرضاً على أن يزرعها، ثم يسلمها إلى المستأجر، أو أجر دابة على أن يركبها شهراً ونحوه، فالإجارة فاسدة؛ لأن هذا الشرط لا يقتضيه العقد ولا يلائمه؛ إذ أن فيه منفعة زائدة لأحد المتعاقدين مشروطة في العقد، لا يقابلها عوض، فتكون ربا، أو فيها شبهة الربا، وهو مفسد للعقد (1) وأجاز الحنابلة والمالكية هذه الإجارة.\rشروط لزوم الإجارة :\rيشترط لبقاء عقد الإجارة لازماً شرطان:\rأولهما ـ سلامة العين المؤجرة من حدوث عيب يخل بالانتفاع بها :\rويترتب عليه أنه لو حدث عيب يخل بالانتفاع (2) ، فيكون المستأجر بالخيار بين الإبقاء على الإجارة ودفع كامل الأجرة وبين فسخها، كما إذا حدث بالدابة المؤجرة مرض أو عرج أو انهدم بعض بناء الدار (3) ؛ لأن المعقود عليه وهو المنافع يحدث شيئاً فشيئاً، فإذا حدث العيب بالشيء المستأجر كان هذا عيباً قبل القبض، فيوجب الخيار كما في عقد البيع (4) .\rفإذا انهدمت الدار كلها أو انقطع الماء عن الرحى (الطاحون) أو انقطع الشِّرْب عن الأرض انفسخت الإجارة؛ لأن المعقود عليه قد هلك، والهلاك موجب لفسخ\r-------------------------------\r(1) البدائع: 4 ص 194 ومابعدها.\r(2) العيب الذي يخل بالانتفاع: هو الذي يفوت كلياً على المستأجر المنفعة المقصودة من المأجور كانهدام الدار، أو يخل بها على وجه صحيح كهبوط سطح الدار (انظر المادة 514 مجلة).\r(3) هذا ما يراه بعض الحنفية ومشى عليه صاحب الدر المختار، لكن قال ابن الشحنة: ظاهر الرواية أنه لا يسقط من الأجر شيء بانهدام بيت أو حائط من دار.\r(4) البدائع،المصدر السابق: ص 195، تكملة فتح القدير: 7 ص 220، تبيين الحقائق: 5 ص 143.","part":5,"page":479},{"id":3325,"text":"العقد؛ إلا أن الأصح عند الحنفية هو أن العقد لا ينفسخ ولكن يثبت حق الفسخ، لأن المعقود عليه قد فات على وجه يتصور عوده، فصار كمن اشترى شيئاً فهرب قبل القبض، ويمكنه الانتفاع في المأجور في الجملة بأن يضرب فيه خيمة.\rوإن زال العيب قبل أن يفسخ المستأجرعقد الإجارة بأن صح المريض، وزال العرج عن الدابة وبنى المؤجر ماسقط من الدار، بطل خيار المستأجر بالفسخ؛ لأن الموجب للخيار قد زال، والعقد قائم، فيزول الخيار.\rوحق الفسخ يثبت للمستأجر إذا كان العيب مما يضر بالانتفاع؛ لأن النقصان حينئذ يرجع للمعقود عليه. فإن كان العيب مما لا يضر بانتفاع المستأجر كسقوط حائط من الدار لا ينتفع فيه في سكناها، فلا يثبت حق الفسخ .\rوالمستأجر يمارس الفسخ إذا كان المؤجر حاضراً أثناء الفسخ، فإن كان غائباً فحدث بالشيء المستأجر ما يوجب الفسخ، فليس للمستأجر الفسخ؛ لأن فسخ العقد لا يجوز إلا بحضور العاقدين أو من يقوم مقامهما.\rأما في حالة سقوط الدار أو انهدامها فللمستأجر أن يخرج منها، سواء أكان المؤجر حاضراً أم غائباً، وهذا دليل الانفساخ.\rويثبت أيضاً للمستأجر حق الفسخ بحدوث تفرق الصفقة في المنافع بعد حصولها مجتمعة؛ لأن الصفقة تفرقت في المعقود عليه وهو المنافع، وتفرق الصفقة يوجب الخيار. مثاله أن يستأجر شخص دارين صفقة واحدة، فتسقط إحداهما، أو يطرأ ما نع يمنع المستأجر من إحداهما، أو أن يستأجر شخص داراً واحدة ثم يمتنع المؤجر عن تسليم بيت منها، فيحق للمستأجرفسخ العقد لتجزئة الصفقة عليه (1) .\rثانيهما ـ عدم حدوث عذر يجيز فسخ الإجارة: كما إذا حدث عذر بأحد العاقدين أو بالشيء المأجور فيحق للمتعاقد فسخ العقد. وسأبين فيما يلي الأعذار التي تفسخ الإجارة بها.\r-------------------------------\r(1) البدائع: 4 ص 196 ومابعدها.","part":5,"page":480},{"id":3326,"text":"أعذار فسخ الإجارة :\rتفسخ الإجارة بالأعذار عند الحنفية؛ لأن الحاجة تدعو إلى الفسخ عند العذر؛ لأنه لو لزم العقد عند تحقق العذر للزم صاحب العذر ضرر لم يلتزمه بالعقد. والعذر: هو ما يكون عارضاً يتضرر به العاقد مع بقاء العقد، ولا يندفع بدون الفسخ. قال ابن عابدين: كل عذر لا يمكن معه استيفاء المعقود عليه إلا بضرر يلحقه في نفسه أو ماله يثبت له حق الفسخ (1) .\rوقال جمهور العلماء: الإجارة عقد لازم كالبيع، فلا تفسخ كسائر العقود اللازمة من أي عاقد بلا موجب كوجود عيب أو ذهاب محل استيفاء المنفعة. وعبارة الشافعية هي: لا تنفسخ الإجارة بعذر كتعذر وقود (بفتح الواو) حمام على مستأجر، وسفر عرض لمستأجر دار مثلاً، ومرض مستأجر دابة لسفر عليها، إذ لا خلل في المعقود عليه، والاستنابة من كل منهما ممكنة، وإنما تنفسخ الإجارة فقط عند فوات المعقود عليه وهو المنفعة كانهدام الدار وموت الدابة والأجير المعينين.\rوالفسخ بالنسبة للمستقبل لا في الزمن الماضي، أو عند وجود عيب في الشيء المؤجر مثل جموح الدابة أو نفورها، أو كونها عضوضاً، أو تعثر الظهر في المشي، أو العرج أو ضعف البصر أو الجذام أو البرص (2) .\rوالخلاصة: تنفسخ الإجارة بالاتفاق باستيفاء المنفعة المعقود عليها، وبالفسخ في حالتين هما: هلاك العين المؤجرة في إجارة العين، وعدم تسليم العين المؤجرة في المدة، واختلفوا في فسخ الإجارة بالأعذار،فتنفسخ عند الحنفية بالعذر ولا تنفسخ به عند الجمهور. واختلفوا في فسخ الإجارة بموت أحد العاقدين، فتفسخ به عند الحنفية خلافاً للجمهور. ولا تنفسخ ا لإجارة بخروج العين المؤجرة من ملك المؤجر بالاتفاق، كإجارة دار ثم هبتها أو بيعها لغيره.\r-------------------------------\r(1) رد المحتار: 5 ص 55.\r(2) مغني المحتاج: 2 ص 355 ومابعدها، المهذب: 1 ص 405، بداية المجتهد: 2 ص 227، المغني: 5 ص 418، غاية المنتهى: 2 ص 209.","part":5,"page":481},{"id":3327,"text":"وقد قسم الحنفية الأعذار الموجبة للفسخ إلى ثلاثة أنواع (1) :\r1 - عذر من جانب المستأجر: مثل إفلاس المستأجر، أوانتقاله من الحرفة إلى الزراعة أو من الزراعة إلى التجارة، أو من حرفة إلى أخرى؛ لأن المفلس أو المنتقل من عمل لا ينتفع به إلا بضرر، لا يجبر على البقاء في الحرفة الأولى مثلاً. ومثله السفر أي انتقال المستأجر عن البلد؛ لأن في إبقاء العقد مع السفر ضرراً به.\rويترتب عليه أنه إذا لم يحصل النفع للمستأجر إلابضرر يلحقه في ملكه أو بدنه فله فسخ الإجارة، كما إذا استأجر شخص رجلاً لتنظيف ثياب وكيها، أو خياطتها، أو داراً له، أو ليقطع شجراً أو ليزرع أرضاً، أو ليحدث في ملكه شيئاً من بناء أو حفر أو ليحتجم أو يفتصد أو يقلع ضرساً له، ونحوه، ثم بدا له ألا يفعل، فله أن يفسخ الإجارة، ولا يجبر على شيء مما ذكر؛ لأنه تبين له ألا مصلحة له في العمل، فبقي الفعل ضرراً في نفسه.\r2 - عذر من جانب المؤجر: مثل لحوق دين فادح به لا يجد طريقاً لقضائه إلا ببيع الشيء المأجور وأدائه من ثمنه، هذا إذا ثبت الدين قبل الإجارة بالبينة أو بالإقرار، أو ثبت عقد الإجارة بالبينة، وكذا بالإقرار عند أبي حنيفة؛ لأن الظاهر أن الإنسان لا يقر بالدين على نفسه كاذباً. وأما عند الصاحبين: فلا يقبل ثبوت الدين بالإقرار بعد الإجارة، لأنه متهم في هذا الإقرار.\rومثل أن يشتري المؤجر شيئاً ثم يؤجره، ثم يطلع على عيب به، فله أن يفسخ الإجارة ويرده بالعيب.\rولا يعد السفر أو النقلة عن البلد عذراً للمؤجر يبيح له فسخ الإجارة على عقار؛ لأن استيفاء منفعة العقار في غيبته لا ضرر عليه فيه.\r-------------------------------\r(1) انظر البدائع: 4 ص 197 ومابعدها، الفتاوى الهندية: 4 ص 198 ومابعدها، 458، 459، 463، تكملة فتح القدير: 7 ص 222 ومابعدها، مختصر الطحاوي: ص 130، المبسوط: 16 ص 2 ومابعدها، تبيين الحقائق: 5 ص 145 ومابعدها، رد المحتار: 5 ص 54 ومابعدها.","part":5,"page":482},{"id":3328,"text":"وأما مرض الحمال والجمال بحيث يضره الحمل فيعد عذراً في رأي أبي يوسف؛ لأن غير الحمال أو الجمال لا يقوم مقامهما على الدابة أو الإبل إلا بضرر، والضرر لا يستحق بالعقد.\rوأما محمد: فقد ذكر في كتاب «الأصل» أن مرض الجمال لا يعتبر عذراً؛ لأن خروج الجمال بنفسه مع الإبل غير مستحق بالعقد، فإن له أن يبعث غيره معها.\r3 - عذر في العين المؤجرة أو الشيء المأجور: مثال الأول: أن يستأجر رجل حماماً في قرية ليستغله مدة معلومة، ثم يهاجر أهل القرية فلا يجب عليه الأجر للمؤجر.\rومثلوا للثاني بعتق العبد المأجور كأن يؤجر رجل عبده سنة، فلما مضت ستة أشهر، أعتقه، فيكون العبد بالخيار بين الإبقاء على الإجارة وبين فسخها.\rوقال الشافعية: الأصح أنه لا تنفسخ الإجارة؛ لأن العتق انصب على الرقبة، وأما المنافع فلم تكن للسيد وقت العتق، فكان العتق واقعاً على الرقبة مسلوبة المنفعة، والأصح أنه لاخيار للعبد في فسخ ا لإجارة بعد العتق؛ لأن سيده تصرف في خالص ملكه، فلا ينقض، والأظهر أنه لا يرجع على سيده بأجرة ما بعد العتق (1) ومثال آخر للثاني: استئجار عامل موظف لعمل، ثم منعه من العمل قانوناً.\rخلاصة شروط الإجارة عند الشافعية: يشترط في أركان الإجارة الأربعة: وهي العاقدان والصيغة والمنفعة والأجرة ما يأتي من الشروط (2) :\r1 ً - أهلية التعاقد في العاقدين: يشترط في العاقدين وهما المؤجر والمستأجر أن يكون كل منهما بالغاً عاقلاً غير محجور عليه، فلا تصح إجارة الصبي والمجنون والمحجور عليه، إذ لا ولاية لكل منهم على نفسه ولا على ماله.\r2 ً - الصيغة: بأن تتم الإجارة بالإيجاب والقبول، أو بما يقوم مقامهما وهو التعاطي إن جرى العرف بذلك. قال في التوشيح: ولا أدري هل يختار النووي صحة المعاطاة فيها، كما اختاره في البيع أو لا، والأظهر: لا، فإنه لا عرف فيها، بخلاف البيع.\r-------------------------------\r(1) مغني المحتاج: 2 ص 359.\r(2) مغني المحتاج: 332/2-344.","part":5,"page":483},{"id":3329,"text":"ويشترط في الصيغة توافق القبول مع الإيجاب، وألا يطول الفصل بينهما بسكوت أو كلام أجنبي عن العقد، وعدم تعليقها بشرط، مثل إن جاء فلان فقد آجرتك الدار بكذا.\r3 ً - المنفعة: يشترط أن تكون متقومة أي ذات قيمة شرعاً أو عرفاً، فلا يصح استئجار آلات الملاهي، ولا استئجار كلب لصيد أو حراسة في الأصح، ولا استئجار رجل ليقول كلمة لا تتعب، وإن روجت السلعة، ولا استئجار دراهم ودنانير للتزيين بها.\rويشترط فيها أن يكون في مقدور المؤجر تسليمها، فلا تصح إجارة المغصوب لغير من في يده، ولا إجارة أرض للزراعة ليس فيها ماء دائم ولا يكفيها المطر المعتاد، ولا استئجار المرأة الحائض أو النفساء لخدمة المسجد.\rوأن تحصل المنفعة للمستأجر لا للمؤجر، فلا تصح الإجارة على القُرَب التي تحتاج إلى نية ولا تدخلها النيابة كالصلاة والصوم؛ لأن منفعتها وهي الثواب تعود على المؤجر لا المستأجر.\rوألا يكون في المنفعة استيفاء عين قصداً، فلا تصح إجارة البستان لأخذ ثمرته، ولا الشاة لأخذ صوفها أو لبنها.\rوأن تكون المنفعة معلومة عيناً وقدراً وصفة ببيان محل المنفعة وعينها وصفتها، وتقديرها بالزمن كإجارة الدور للسكنى مدة سنة، أو بالعمل كالاستئجار لخياطة ثوب، وطلاء جدار وطبخ طعام، أو بأحد الأمرين: الزمن أو العمل كاستئجار رجل لخياطة، واستئجار سيارة للركوب، يصح التقدير بالزمن كيوم أو شهر، وبالعمل كالإيصال إلى مكان معين، كالمزرعة الفلانية أو دمشق أو مكة. ولا يصح تقدير المنفعة بالزمن والعمل معاً كاستئجار شخص لخياطة ثوب في يوم، لأن العمل قد لا يستغرق الوقت المعين، وقد يزيد عنه، فيكون في ذلك غرر، فيمنع صحة العقد، بسبب الغرر لاحتمال تقدم العمل أو تأخره.","part":5,"page":484},{"id":3330,"text":"4 ً - الأجرة: يشترط فيها ما يشترط في الثمن في عقد البيع، بأن تكون طاهرة، فلا تصح الإجارة إذا كانت كلباً أو خنزيراً أو جلد ميتة، أو خمراً؛ لأنها نجسة العين. وأن تكون منتفعاً بها، فلا يصح كون الأجرة لا ينتفع بها، إما لخستها كالحشرات، وإما لإيذائها كالحيوانات المفترسة، وإما لحرمة استعمالها شرعاً كآلات اللهو والأصنام والتماثيل.\rوأن تكون مقدوراً على تسليمها، فلا يصح كون الأجرة طيراً في الهواء، ولا سمكاً في الماء، ولا شيئاً مغصوباً إلا للغاصب أو القادر على انتزاعها منه.\rوأن تكون معلومة للعاقدين: فلاتصح إجارة سيارة بوقودها، ولا دابة بعلفها، لجهالة الأجرة، ولا تصح إجارة العامل على حصاد الزرع بجزء من المحصول، ولا يصح إعطاء جباة الأموال للجمعيات والمساجد ونحوها جزءاً مما يجبونه من الأموال، ولا إعطاء سماسرة الدور جزءاً من قيمة ما يبيعونه كاثنين في المئة، لجهالة الأجرة، كما أن ما يأخذه هؤلاء الجباة بحجة كونهم من العاملين على الصدقات يعد كسباً خبيثاً غير مشروع؛ لأن المتبرع إنما يتصدق للفقراء والمساكين أوللمساجد ونحوها، لا إلى جيوب هؤلاء العاملين، فإذا أخذوا غير تكاليف السفر وحدها عدّ ذلك ظلماً وزوراً.\rالمبحث الثالث ـ صفة الإجارة وحكمها\rصفة الإجارة: الإجارة عند الحنفية عقد لازم، إلا أنه يجوز فسخه بعذر كما عرفنا، لقوله تعالى: {أوفوا بالعقود} [المائدة:1/5] والفسخ بحسب الأصل ليس من الإيفاء بالعقد (1) .\rوقال جمهور العلماء: الإجارة عقد لازم لا ينفسخ إلا بما تنفسخ به العقود اللازمة من وجود العيب بها أو ذهاب محل استيفاء المنفعة، لقوله تعالى: {أوفوا بالعقود} [المائدة:1/5] ولأن\r-------------------------------\r(1) البدائع: 4 ص 201، المبسوط: 16 ص 2.","part":5,"page":485},{"id":3331,"text":"الإجارة عقد على منافع، فأشبه النكاح، ولأنه عقد على معاوضة، فلم ينفسخ كالبيع (1) .\rويترتب على هذا الخلاف أن الحنفية يقولون: تنفسخ الإجارة بموت أحد المتعاقدين: المستأجر أو المؤجر، لأنه لو بقي العقد تصير المنفعة التي ملكها المستأجر بالعقد أو الأجرة التي ملكها المؤجر مستحقة لغير العاقد بالعقد وهو لا يجوز؛ لأن الانتقال من المورث إلى الوارث لا يتصور في المنفعة أو الأجرة المملوكة، إذ عقد الإجارة ينعقد ساعة فساعة على المنافع. فلو قلنا بالانتقال كان قولاً بانتقال ما لم يملك المورث إلى الوارث؛ لأن ملكية العين انتقلت إلى الورثة، والمنافع تحدث على ملك الوارث، فلا يستحقها المستأجر، لأنه لم يعقد العقد مع الوارث (2) . وقال الجمهور من المالكية والشافعية والحنابلة: لا تنفسخ الإجارة بموت أحد المتعاقدين؛ لأن الإيجار عقد لازم، وعقد معاوضة، فلا ينفسخ بموت العاقد كالبيع (3) .\rالخيارات في عقد الإجارة: يثبت خيار العيب في العين المؤجرة في إجارة العين، كانقطاع ماء بئر الأرض الزراعية، وتعطل عجلات السيارة، ولا يثبت خيار العيب في إجارة الذمة، وعلى المؤجر إذا تعيبت العين المؤجرة إحضار بدلها. ولا يثبت خيار المجلس ولا خيار الشرط في عقد الإجارة؛ لأن الإجارة من عقود الغرر، والخيار أيضاً غرر، فلا يضم غرر إلى غرر.\r-------------------------------\r(1) بداية المجتهد: 2 ص 227، مغني المحتاج: 2 ص 355، المغني لابن قدامة: 5 ص 409، 411، غاية المنتهى: 2 ص 209.\r(2) تكملة فتح القدير وشرح العناية وحاشية سعدي جلبي: 7 ص 220، البدائع: 4 ص 222، تبيين الحقائق: 5 ص 144، مختصر الطحاوي: ص 128، رد المحتار: 5 ص 57.\r(3) بداية المجتهد: 2ص 328، مغني المحتاج: 2 ص 356، المغني: 5 ص 428.","part":5,"page":486},{"id":3332,"text":"حكم الإجارة :\rحكم الإجارة الصحيحة: هو ثبوت الملك في المنفعة للمستأجر، وثبوت الملك في الأجرة المسماة للمؤجر، لأنها عقد معاوضة إذ هي بيع المنفعة (1) .\rوحكم الإجارة الفاسدة أنه إذا استوفى المستأجر المنفعة يجب أجر المثل، بحيث لا يجاوز به الأجر المسمى، أي أن الواجب عند الحنفية هو الأقل من أجر المثل ومن المسمى إذا كان فساد الإجارة بسبب شرط فاسد، لا باعتبار جهالة المسمى، ولا باعتبار عدم التسمية، فإنه في هاتين الحالتين يجب الأجر بالغاً ما بلغ (2) .\rوقال زفر ومالك والشافعي: يجب في الإجارة الفاسدة أجر المثل بالغاً ما بلغ، كما في البيع، فإن البيع إذا فسد وجبت القيمة بالغة ما بلغت (3) .\rوسأتكلم عن كيفية ثبوت حكم الإجارة الصحيحة في المطلب التالي عند الكلام على نوعي الإجارة.\rالمبحث الرابع ـ نوعا الإجارة وأحكامها :\rالإجارة نوعان: إجارة على المنافع، أي أن المعقود عليه هو المنفعة، وإجارة على الأعمال، أي أن المعقود عليه هو العمل.\rأحكام إجارة المنافع :\rإجارة المنافع كإجارة الدور والمنازل والحوانيت والضياع، والدواب للركوب والحمل، والثياب والحلي للبس، والأواني والظروف للاستعمال.\rويجوز العقد على المنافع المباحة، أما المنافع المحرمة كما عرفنا فلا تجوز الإجارة عليها، لأنها محرمة، فلا يجوز أخذ العوض عليها كالميتة والدم، وذلك باتفاق العلماء.\r-------------------------------\r(1) البدائع: 4 ص 201.\r(2) البدائع: 4 ص 195، تكملة فتح القدير مع العناية: 7 ص 174 وما بعدها، تبيين الحقائق: 5 ص 121، رد المحتار: 5 ص 31، درر الحكام: 2 ص 231. وسبب التفرقة بين البيع والإجارة في حالة الشرط الفاسد الممنوع: هو أن المبيع ذو قيمة في ذاته، فتجب قيمته حال فساد العقد أما المنافع فهي غير متقومة في ذاتها عند الحنفية، وإنما تصبح متقومة في ذاتها بالعقد فتجب القيمة في الإجارة الفاسدة بشرط عدم مجاوزة المتفق عليه بين العاقدين (البدائع: 4 ص 218).\r(3) تكملة فتح القدير، المصدر السابق، مغني المحتاج: 2 ص 358.","part":5,"page":487},{"id":3333,"text":"وكيفية ثبوت حكم عقد الإجارة على المنافع عند الحنفية والمالكية: هو أنه يثبت شيئاً فشيئاً على حسب حدوث ووجود محل العقد وهو المنفعة؛ لأنها تحدث أو تستوفى شيئاً فشيئاً (1) .\rوقال الشافعية والحنابلة: يثبت حكم الإجارة في الحال، وتجعل مدة الإجارة موجودة تقديراً كأنها أعيان قائمة (2) .\rويترتب على هذا الخلاف:\r1 - أن الأجرة تثبت الملكية فيها بمجرد العقد إذا أطلق عند الشافعية والحنابلة؛ لأن الإجارة عقد معاوضة، والمعاوضة إذا كانت مطلقة عن الشرط تقتضي الملك في العوضين عقب العقد، كما يملك البائع الثمن بالبيع.\rوعند الحنفية والمالكية: لا تملك الأجرة بنفس العقد، وإنما تلزم جزءاً فجزءاً بحسب ما يقبض من المنافع، فلا يستحق المؤجر المطالبة بها إلا تدريجياً يوماً فيوماً؛ لأن المعاوضة المطلقة عن الشرط إذا لم يثبت الملك فيها في أحد العوضين لا يثبت في العوض الآخر؛ لأن المساواة في العقود مطلوبة بين المتعاقدين.\rمتى تجب الأجرة وتملك عند الحنفية والمالكية؟ تجب الأجرة وتملك بأحد أمور ثلاثة:\rأحدها: بأن يشترط تعجيلها في نفس العقد.\rثانيها: بتعجيلها من غير شرط؛ لأن تأخير التزام المستأجر بالأجرة ثبت حقاً له، فيملك إبطاله بالتعجيل، كما لو كان عليه دين مؤجل فعجله.\rثالثها: باستيفاء المعقود عليه وهو المنافع شيئاً فشيئاً، أو بالتمكين من الاستيفاء بتسليم العين المؤجرة إلى المستأجر، وتسليم المفتاح أيضاً؛ لأن المستأجر يملك حينئذ المعوض، فيملك المؤجر العوض في مقابلته تحقيقاً للمعاوضة المطلقة وتسوية بين العاقدين في حكم العقد.\r-------------------------------\r(1) البدائع: 4 ص 201، بداية المجتهد: 2 ص 226، الشرح الكبير وحاشية الدسوقي: 4 ص 4، القوانين الفقهية: ص 275.\r(2) المغني لابن قدامة: 5 ص 406، مغني المحتاج: 2 ص 334، المهذب: 1 ص 399، الميزان للشعراني: 2 ص 94، غاية المنتهى: 2 ص 116.","part":5,"page":488},{"id":3334,"text":"وإذا تم الاتفاق بين العاقدين على أن الأجرة لا تجب إلا بعد انقضاء مدة الإجارة فهو جائز، إذ أنه يكون تأجيلاً للأجرة بمنزلة تأجيل الثمن.\rوأما إذا لم يشترط في العقد شيء فلأبي حنيفة قولان: متقدم ومتأخر، فأما قوله المتقدم أولاً وهو قول زفر: فهو أن الأجرة لا تجب إلا في آخر مدة الإجارة؛ لأن منافع المدة أو المسافة من حيث إنها معقود عليها شيء واحد، فما لو يستوفها كلها لا يجب شيء من بدلها. وأما قول أبي حنيفة المتأخر وهو المشهور الذي استقر عليه، وقول الصاحبين: فهو أن الأجرة تجب حالاً فحالاً، كلما مضى يوم يسلم المستأجر أجرته؛ لأن الأجرة تملك على حسب ملك المنافع، وملك المنافع يحدث شيئاً فشيئاً على ممر الزمان، فتملك الأجرة شيئاً فشيئاً بحسب ما يقابلها (1) .\rوبما أن هذه القاعدة توجب تسليم الأجرة ساعة فساعة، وهو أمر متعذر، فتقدر الأجرة باليوم أو بالمرحلة استحساناً.\rوأما بالنسبة لتأجيل الأجرة وتعجيلها عند الشافعية والحنابلة: فقد قرروا أنه إذا كانت الإجارة إجارة ذمة فيشترط فيها تسليم الأجرة في مجلس العقد؛ لأنها بمثابة رأس المال في عقد السلم كأن يقول المستأجر: أسلمت إليك عشر ليرات في جمل صفته كذا يحمل لي متاعي إلى جهة كذا، أو يقول: استأجرت منك بكذا.. إلخ، لأن تأخير الأجرة حينئذ من باب بيع الدين بالدين.\rوإن كانت الإجارة إجارة عين: فإن كانت الأجرة فيها معينة مثل: استأجرتك لتخدمني سنة بهذا الجمل، فإنه لا يصح تأجيلها، وإن كانت الأجرة في الذمة كأن يقول: بجمل صفته كذا، فيجوز تأجيلها وتعجيلها وفي حالة الإطلاق يجب تعجيلها، كما في عقد البيع يصح بثمن حالّ أو مؤجل (2) .\r-------------------------------\r(1) راجع البدائع: 4 ص 201 وما بعدها، تكملة فتح القدير: 7 ص 152 وما بعدها، المبسوط: 15ص 108، تبيين الحقائق للزيلعي: 5 ص 109، القوانين الفقهية: ص 275، بداية المجتهد: 226/2.\r(2) مغني المحتاج: 2 ص 334، المهذب: 1 ص 399، المغني: 5 ص 408.","part":5,"page":489},{"id":3335,"text":"2 - ويترتب أ يضاً على الخلاف السابق في كيفية وجوب الأجرة أنه يجب على المؤجر عند الحنفية والمالكية تسليم العين المستأجرة عقب العقد لتملك المستأجر منفعة العين المستأجرة، وليس له أن يحبسها عن المستأجر لاستيفاء الأجرة؛ لأن الأجرة لا تجب بمجرد العقد عندهم، فلا يستحق المطالبة بها إلا يوماً فيوماً؛ لأن المعقود عليه وهو المنافع لم يستوفها المستأجر، فكانت معدومة، فلا يجب عليه الأجر، وذلك بعكس البيع، فإن الثمن واجب الدفع عقيب العقد.\r3 - ويترتب على الخلاف أيضاً أن الإجارة المضافة إلى زمن مستقبل تجوز عند الحنفية والمالكية والحنابلة:\rكأن يقول شخص لآخر: أجرتك هذه الدار رأس شهركذا، أو أجرتك هذه الدار سنة أولها غرة شهر رمضان، وكان العقد في رجب مثلاً؛ لأن عقد الإيجار ينعقد شيئاً فشيئاً على حسب حدوث المعقود عليه شيئاً فشيئاً، فكان العقد مضافاً إلى حين وجود المنفعة من طريق الدلالة الضمنية،وقد أجيزت الإضافة في الإجارة دون البيع للضرورة (1) . وترتب على مذهب الحنفية أن المؤجر لو باع الدار المؤجرة لا يصح في حق المستأجر، وإن لم يجئ الوقت الذي أضيف إليه عقد الإجارة.\rواستدل الحنابلة على صحة هذا الحكم عندهم: بأن هذه المدة في المستقبل يجوز العقد عليها مع غيرها، فجاز العقد عليها مفردة، واشتراط القدرة على التسليم إنما يكون عند وجوب التسليم كالمسلم فيه.","part":5,"page":490},{"id":3336,"text":"وقال الشافعية: لا تصح إجارة عين لمنفعة مستقبلة كإجارة الدار السنة المستقبلة أو سنة أولها من الغد، ما لم تكن المدة متصلة بالعقد؛ لأن الإجارة بيع المنفعة، وطريق جوازها عندهم: أن تجعل منافع المدة موجودة تقديراً عقيب العقد، إذ لا بد من أن يكون محل حكم العقد موجوداً فجعلت المنافع كأنها أعيان قائمة بنفسها، وإضافة العقد إلى عين ستوجد لا تصح، كما في بيع الأعيان.\rأما إجارة الذمة: فيصح تأجيل المنفعة فيها إلى أجل معلوم في المستقبل مثل: ألزمت ذمتك الحمل إلى مكة أول شهر كذا (2) .\rوهناك أحكام أخرى لإجارة المنافع أبينها فيما يأتي:\rكيفية الانتفاع بالعين المؤجرة: إذا استأجر شخص داراً أو حانوتاً ونحوهما من المنازل فله الانتفاع بها كيف شاء من السكنى بنفسه أو إسكان غيره بالإجارة أم بالإعارة، وله أن يضع فيه متاعه وغيره، غير أنه لا يسكن فيه حداداً ولا قصاراً ولا طحاناً ولا ما يضر البناء ويوهنه من آلات المعامل الحديثة. والدليل عليه أن الإجارة للانتفاع، والدور ونحوها معدة للانتفاع بها بالسكنى، والناس في العادة لا يتفاوتون في السكنى، فكانت أوجه الانتفاع معلومة من غير تسمية أو تعيين. وإنما لم يصح إسكان الحداد ونحوه؛ لأن مطلق العقد ينصرف إلى المتعارف بين الناس، وذوو الحرف يؤثِّرون على البناء بآلاتهم، مما قد يؤدي إلى إتلاف العين المؤجرة، والإجارة بيع المنفعة لا بيع العين.\rوبما أن المستأجر ملك المنفعة فله أن ينتفع بها بنفسه أو بغيره بواسطة الإجارة أو الإعارة.\r-------------------------------\r(1) البدائع: 4 ص 203، تبيين الحقائق: 5 ص 148، حاشية ابن عابدين: 5 ص 4، بداية المجتهد: 2 ص 224، المغني: 5 ص 400، القوانين الفقهية: ص 276.\r(2) مغني المحتاج: 2 ص 338، المهذب: 1 ص 396.","part":5,"page":491},{"id":3337,"text":"وأما في إجارة الأرض: فلا بد فيها من بيان ما تستأجر له من الزراعة والغرس والبناء وغيرها وإلا كانت الإجارة فاسدة، وكذلك إذا كانت الإجارة للزراعة فلا بد من بيان ما يزرع فيها، أو يجعل له أن يزرع فيها ما شاء، وإلا فسدت الإجارة؛ لأن منافع الأرض تختلف باختلاف البناء والزراعة والمزروعات، والزروع مختلفة التأثير في الأرض.\rوفي إجارة الدواب: لا بد من بيان أحد الشيئين: المدة أو المكان فإن لم يبين أحدهما فسدت الإجارة، وكذلك لا بد من بيان ما تستأجر له الدابة من الحمل أو الركوب، لأنهما منفعتان مختلفتان. ولا بد أيضاً من بيان ما يحمل عليها ومن يركبها؛ لأن الحمل يتفاوت بتفاوت المحمول، والناس يتفاوتون في الركوب، فترك البيان يفضي إلى المنازعة وتكون الإجارة فاسدة، وحينئذ إذا استوفى المستأجر المنفعة بعقد فاسد، فيجب عليه أجر المثل بمقتضى القياس؛ لأنه استوفى المنفعة بحكم عقد فاسد، كما عرفنا في بيان حكم الإجارة، إلا أنه بمقتضى الاستحسان يجب الأجر المسمى؛ لأن المفسد وهو الجهالة التي تفضي إلى المنازعة قد زال، وبانعدام العلة المفسدة ينعدم الفساد (1) .\rإصلاح العين المستأجرة: قد تحتاج الدار المؤجرة مثلاً في مدة الإيجار إلى بعض الإصلاحات كتطيين الجدران، وانسداد مجاري المياه، وتعطل الأدوات الصحية، فمن الملتزم بالإصلاح والترميم؟\rقرر الحنفية أن المؤجر صاحب الدار هو الملزم وحده دون المستأجر بتطيين الجدران وإصلاح ميازيب الدار وما ينهدم ويسقط من بنائها، حتى تكون صالحة للانتفاع؛ لأن الدار ملك للمؤجر، وإصلاح الملك يكون على المالك، لكن لا يجبر على الإصلاح؛ لأن المالك لا يجبر على إصلاح ملكه، وإنما يثبت للمستأجر الخيار في فسخ الإجارة؛ لأن هذا الخلل يعتبر عيباً في المعقود عليه.\rوكذلك على المؤجر إصلاح دلو الماء والبئر والبالوعة والمخرج، وإن امتلأ بفعل المستأجر، لكن لا يجبر عليه لما عرفنا.\r-------------------------------\r(1) راجع لكل ما ذكر تكملة فتح القدير: 7ص166 ومابعدها، البدائع: 4ص183، 207، تبيين الحقائق للزيلعي: 5 ص113 ومابعدها، رد المحتار على الدر المختار: 5 ص19، 55.","part":5,"page":492},{"id":3338,"text":"وأما المستأجر: فيلزم برفع التراب الذي يحدث من كنسه إذا انقضت مدة الإجارة؛ لأن التراب حدث بفعله، فصار كتراب وضعه في الدار.\rوالقياس يقضي بأن المستأجر هو المطالب بنقل ما يمتلئ به المخرج والبالوعة، لأن الملء حدث بفعله، فيلزمه نقله كالكناسة والرماد، إلا أن الحنفية استحسنوا وجعلوا نقله على صاحب الدار أخذاً بمقتضى العرف والعادة، إذ العادة بين الناس أن ما كان مغيباً في الأرض فنقله على صاحب الدار.\rفإن أصلح المستأجر شيئاً مما ذكر متبرعاً به، ولا يحتسب له؛ لأنه أصلح ملك غيره بغير طلب منه ولا ولاية عليه، فإن فعل ذلك بطلب من المؤجر أو نائبه احتسب له (1) .\rالتزامات المستأجر بعد انتهاء الإجارة :\rإذا انتهت مدة الإيجار فعلى المستأجر بعض الالتزامات، وأهمها ما يأتي (2) :\rأولاً - يلتزم المستأجر بتسليم مفتاح الدار والحانوت إلى المؤجر بعد انتهاء المدة.\rثانياً ـ إذا استأجر شخص دابة من موضع معين في البلد ليركبها، أو يحمل عليها شيئاً إلى مكان معلوم غادياً ورائحاً، فإن على المستأجر أن يأتي بها إلى الموضع الذي قبضها منه؛ لا لأن الزاد واجب عليه بل لأجل المسافة التي تناولها العقد؛ لأن عقد الإجارة لا ينتهي إلا برد الدابة إلى موضعها، فإن ذهب بالدابة إلى منزله، فأمسكها حتى عطبت، ضمن قيمتها، لأنه تعدى في أخذها إلى غير موضع العقد.\rفإن قال المستأجر: (أركبها من هذا الموضع إلى موضع كذا وأرجع إلى منزلي) فليس على المستأجر ردها إلى منزل المؤجر؛ لأنه لما عاد إلى منزله، فقد انقضت مدة الإجارة، فبقيت الدابة أمانة في يده، فلا يلزم بردها كالوديعة.\r-------------------------------\r(1) البدائع: 4 ص 208 ومابعدها.\r(2) انظر البدائع: 4 ص 209.","part":5,"page":493},{"id":3339,"text":"أما إذا استأجر الدابة ليركبها في حوائجه في بلد ما وقتاً معلوماً، فمضى الوقت، فليس على المستأجر تسليمها إلى صاحبها: بأن يذهب بها إلى منزله، وإنما على المؤجر أن يتسلمها من منزل المستأجر؛ لأن المنفعة التي حصل عليها المستأجر كانت مقابلة بعوض وهو الأجر المستحق للمؤجر فلم يكن على المستأجر الرد، فبقيت في يده أمانة كالوديعة، حتى إنه لو أمسكها أياماً فهلكت في يده، لم يضمن شيئاً. وهذا بخلاف المستعير والغاصب، فإنهما ملزمان برد الشيء على صاحبه؛ لأن المستعير ينتفع بالعارية بدون مقابل، والغاصب لا حق له في المغصوب.\rأحكام الإجارة على الأعمال :\rالإجارة على الأعمال: هي التي تعقد على عمل معلوم كبناء وخياطة قميص وحمل إلى موضع معين وصباغة ثوب وإصلاح حذاء ونحوه.\rوالأجير نوعان: أجير خاص وأجير مشترك.\rفالأجير الخاص أو أجير الوَحَد: هو الذي يعمل لشخص واحد مدة معلومة. وحكمه: أنه لا يجوز له العمل لغير مستأجره.\rوالأجير المشترك: هو الذي يعمل لعامة الناس كالصباغ والحداد والكواء ونحوهم. وحكمه: أنه يجوز له العمل لكافة الناس، وليس لمن استأجره أن يمنعه عن العمل لغيره (1) .\rويلاحظ أن الظئر التي تستأجر للإرضاع هي بمنزلة الأجير الخاص، لا يجوز لها أن ترضع صبياً آخر، فإن أرضعته مع الصبي الأول فقد أساءت وأثمت إن كانت أضرت بالصبي، ولها أجر على إرضاع الصبيين استحساناً؛ لأن المعقود عليه مطلق الإرضاع، وقد وجد. والقياس ألا يكون لها الأجر؛ لأن العقد وقع على عملها، فلا تستحق الأجر بعمل غيرها.\r-------------------------------\r(1) البدائع: 4 ص 174، تكملة فتح القدير: 7 ص 200، تبيين الحقائق: 5 ص 133 ومابعدها، القوانين الفقهية: ص 336.","part":5,"page":494},{"id":3340,"text":"وعلى الظئر القيام بالرضاع، وبأمر الصبي مما يحتاج إليه من غسله وغسل ثيابه وطبخ طعامه، وعلى الأب نفقات الطعام، وما يحتاج إليه الصبي من الريحان والدهن ونحوهما. وأما ما ذكر في كتاب الأصل من أن على الظئر ما يعالج به الصبي من الريحان والدهن، فهو محمول على عادة أهل تلك البلاد في الماضي (1) .\rنوعا الإجارة عند الشافعية: الإجارة نوعان عند الشافعية: إجارة عين وإجارة ذمة.\rأما إجارة العين: فهي الواردة على منفعة متعلقة بعين معينة، كهذه الدار، وهذه السيارة. ويشترط فيها ثلاثة شروط: أن تكون الأجرة معينة أو معلومة فلا تصح إجارة إحدى هاتين الدارين، وأن تكون العين المؤجرة مشاهدة من العاقدين، فلا تصح إجارة دار أو سيارة لم يرها العاقدان إلا إذا شاهداها قبل العقد بمدة لا تتغير فيها غالباً ، وأن لا تضاف الإجارة للمستقبل، كإجارة داره الشهر المقبل أو العام القادم.\rوأما إجارة الذمة: فهي الواردة على منفعة متعلقة بذمة المؤجر، كاستئجار دابة أو سيارة ذات أوصاف معينة لإيصاله إلى مكان معين، أو مدة معينة، أو القيام بعمل معين كبناء أو خياطة ونحو ذلك. ويشترط فيها شرطان:\rأن تكون الأجرة حالّة أي نقداً في مجلس العقد؛ لأن هذه الإجارة سَلَم في المنافع، فيشترط تسليم رأس مال السلم.\rوأن تعين العين المستأجرة جنساً ونوعاً وصفة، كسيارة أو باخرة كبيرة أو صغيرة، حديثة أو قديمة.\r-------------------------------\r(1) البدائع: 4 ص 209، تبيين الحقائق: 5 ص 129 .","part":5,"page":495},{"id":3341,"text":"المبحث الخامس ـ ضمان العين المستأجرة وضمان الأجير وسقوط أجره بهلاك العين :\rالكلام هنا عن ضمان الأجير العين التي استؤجر عليها، وعن ضمان العين التي يستأجرها أحد الناس للانتفاع بها.\rضمان العين المستأجرة: تعتبر يد المستأجر على العين المستأجرة في إجارة المنافع يد أمانة، فلا يضمن ما يتلف بيده إلا بالتعدي أو التقصير في الحفظ، ويتقيد في الانتفاع بمقتضى العقد وما شُرط فيه وما جرى به العرف.\rضمان الأجير: عرفنا أن الأجير نوعان: خاص وعام، فالأجير الخاص ( وهو الذي يستحق الأجر بتسليم نفسه في المدة، وإن لم يعمل) كالخادم في المنزل والأجير في المحل، اتفق أئمة المذاهب وهم (الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة) على أنه لا يكون ضامناً العين التي تسلم إليه للعمل فيها؛ لأن يده يد أمانة كالوكيل والمضارب، كما إذا استأجر إنسان خياطاً أو حداداً مدة يوم أو شهر ليعمل له وحده، فلا يضمن العين التي تهلك في يده، ما لم يحصل منه تعدٍ أو تقصير في حفظه، سواء تلف الشيء في يده أو أثناء عمله.\rوأما الأجير المشترك وهو الذي يعمل لعامة الناس أو هو الذي يستحق الأجرة بالعمل لا بتسليم النفس كالصانع والصباغ والقصار ونحوهم فقد اختلفوا فيه: فقال أبو حنيفة وزفر والحسن بن زياد والحنابلة في الصحيح من مذهبهم، والشافعي في الصحيح من قوليه إلا أنه لم يكن يفتي به لفساد الناس: إن يده يد أمانة كالأجير الخاص، فلا يضمن ما تلف عنده إلا بالتعدي أو التقصير؛ لأن الأصل ألا يجب الضمان إلا بالاعتداء لقوله تعالى: {فلا عدوان إلا على الظالمين} [البقرة:193/2] ولم يوجد التعدي من هذا الأجير، لأنه مأذون في القبض، والهلاك ليس هو سبباً فيه (1) .\rوقال الصاحبان وأحمد في رواية أخرى: يد الأجير المشترك يد ضمان، فهو ضامن لما يهلك في يده، ولو بغير تعد أو تقصير منه، إلا إذا حصل الهلاك بحريق غالب عام، أو غرق غالب ونحوهما، واستدلوا بفعل عمر وعليّ الآتي بيانه (2) .\rقال البغدادي عن بعض كتب الحنفية: وبقول الصاحبين يفتى اليوم لتغير أحوال الناس، وبه يحصل صيانة أموالهم (3) .\r-------------------------------\r(1) مختصر الطحاوي: ص129، الفتاوى الهندية: 4ص486، تبيين الحقائق: 5 ص 110، 134، البدائع: 4 ص 211، تكملة فتح القير: 7 ص 207، المبسوط للسرخسي: 15ص103، مجمع الضمانات: ص 27، الشرح الكبير: 4ص28، بداية المجتهد: 2ص230، مغني المحتاج: 2ص351، المهذب: 1ص408، المغني: 5ص479 ومابعدها 487، القوانين الفقهية: ص276، 336، رسائل ابن عابدين: 2ص178.\r(2) البدائع: 4 ص 210، تكملة فتح القدير: 7 ص 201، مختصر الطحاوي: والمبسوط: المرجعان السابقان، مغني المحتاج: 2 ص 351، المهذب، المرجع السابق، المغني: 5 ص 487، القوانين الفقهية: المكان السابق، غاية المنتهى: 2 ص 213 وما بعدها.\r(3) مجمع الضمانات: ص 27.","part":5,"page":496},{"id":3342,"text":"وقال المالكية: يضمن الأجير المشترك الذي يؤثره الأعيان بصنع، ما تلف بيده ولو بغير تعد أو تقصير إذا كان الشيء مما يغاب عليه (أي يمكن إخفاؤه) فالقصار ضامن لما يتخرق بيده، والطباخ ضامن لما أفسد من طبيخه، والخباز ضامن لما أفسد من خبزه، والحمال يضمن ما يسقط من حمله عن رأسه، أو تلف أثناء عثرته، والجمال يضمن ما تلف بقيادته وسوقه وانقطاع حبله الذي يشد به بعيره، والملاح يضمن ما تلف من يده أو مما يعالج به السفينة (1) . ودليلهم قول النبي صلّى الله عليه وسلم «على اليد ما أخذت حتى تؤديه» (2) وماروي عن علي رضي الله عنه أنه كان يضمِّن الصباغ والصواغ ويقول: «لا يصلح الناس إلا هذا» وروي عن عمر رضي الله عنه أنه كان يضمِّن الأجير المشترك احتياطاً لأموال الناس (3) ، ولأن الأجير المشترك قبض العين لمنفعته من غير استحقاق، فيضمن كالمستعير (4) .\rوكذلك عند الإمام مالك يضمن الأجير الطعام الذي يحمله إذا كانت تتوق النفس إلى تناوله سداً للذرائع.\r-------------------------------\r(1) وفصل ابن جزي المالكي فقال: يضمن الصناع ما غابوا عليه أي أخفوه، سواء عمل بأجرة أو بغير أجرة، ولا يضمنون ما لم يغيبوا عليه، وهذا هو المعتمد لدى المالكية (الشرح الصغير: 47/4).\r(2) رواه أحمد وأصحاب السنن الأربعة وصححه الحاكم عن سمرة بن جندب، ورواه أيضاً الطبراني والحاكم وابن أبي شيبة (انظر جامع الأصول: 9 ص 110، نصب الراية: 4 ص 167، التلخيص الحبير: ص 253، المقاصد الحسنة: ص 290، نيل الأوطار: 5 ص 298، سبل السلام: 3 ص 67).\r(3) حديث عمر أخرجه عبد الرزاق بسند منقطع عنه أن عمر ضمن الصناع. وأما حديث علي فرواه البيهقي من طريق الشافعي عن علي بسند ضعيف، قال الشافعي: هذا لا يثبت أهل الحديث مثله، ولفظه: أن علياً ضمن الغسال والصباغ، قال الشافعي: «لا يصلح الناس إلا ذلك » وروي عن عثمان من وجه أضعف من هذا، وروى البيهقي من طريق جعفر بن محمد عن أبيه عن علي أنه كان يضمن الصباغ والصائغ، وقال: «لا يصلح الناس إلا ذاك» (انظر التلخيص الحبير: ص 256، سنن البيهقي: 122/6، كنز العمال: 191/2 وما بعدها).\r(4) بداية المجتهد: 2 ص 229، 230، الشرح الكبير للدردير مع حاشية الدسوقي: 4 ص 27 ومابعدها، المغني: 5 ص 479 ومابعدها، القوانين الفقهية: ص 336، الفروق للقرافي: 2 ص 207، 4 ص 11، 27.","part":5,"page":497},{"id":3343,"text":"ما يغيِّر الشيء من صفة الأمانة إلى صفة الضمان: إذا كان الشيء المأجور، كثوب الصباغة والخياطة والمتاع المحمول في السفينة أو على الدابة، يعتبر أمانة في يد الأجير، فذلك بحسب الأصل العام عند أبي حنيفة ومن وافقه، وبناء عليه ، قد تتغير صفة الأمانة إلى الضمان في الأحوال الآتية (1) :\rأولاً ـ ترك الحفظ: أي أن الأجير يهمل في حفظ المتاع، فيلتزم بضمانه؛ لأن الأجير لما قبض المأجور فقد التزم حفظه، وترك الحفظ موجب للضمان، كالوديع إذا ترك حفظ الوديعة حتى ضاعت.\rثانياً ـ الإتلاف والإفساد: إذا تعدى الأجير بأن تعمد الإتلاف أو بالغ في دق الثوب مثلاً، ضمن سواء أكان الأجير مشتركاً أم خاصاً.\r-------------------------------\r(1) راجع البدائع: 4 ص 211، تكملة فتح القدير: 7 ص 201 ومابعدها، مختصر الطحاوي: ص 130، تبيين الحقائق: 5 ص 135، رد المحتار: 5 ص 46، المبسوط: 15 ص 104، 161، ج 16 ص 9 ومابعدها، جامع الفصولين: 2 ص 172 ومابعدها، مجمع الضمانات: ص 28 ومابعدها.","part":5,"page":498},{"id":3344,"text":"وإن لم يكن الأجير متعدياً في الإفساد بأن أفسد الثوب خطأ بعمله من غير قصده: فإن كان الأجير خاصاً لم يضمن اتفاقاً، وإن كان مشتركاً كالقصار إذا دق الثوب فتخرق، أو ألقاه في المواد الكيماوية فاحترق، أو كالملاح إذا غرقت السفينة من عمله، أو الحمال إذا سقط على الأرض وفسد الحمل، أو الراعي المشترك إذا ساق الدواب، فضرب بعضها بعضاً في حال سوقه حتى هلك بعضها، ففي كل هذه الحالات يكون الهالك مضموناً عند أبي حنيفة وصاحبيه؛ لأن العمل المأذون فيه هو العمل المصلح لا المفسد؛ لأن العاقل لا يرضى بإفساد ماله ولا يلتزم الأجرة بمقابلة الفاسد، فيتقيد الأمر بما يصلح دلالة.\rوقال الشافعية وزفر: لا يضمن الأجير في تلك الحالات ما لم يحصل منه تعدٍ أو تقصير في عمله؛ لأن عمله مأذون فيه في الجملة، وإذا لم يكن مأذوناً فيه فلا يمكنه التحرز عن هذا الفساد؛ لأنه ليس في وسعه القيام بأصل مهمته إلا بحرج، والحرج منفي (1) .\rتلميذ الأجير المشترك: إذا تلف الشيء المأجور في الحالات السابقة بيد تلميذ (صانع) الأجير، فلا ضمان عليه، وإنما الضمان على معلمه، لأنه هو المسؤول أصالة، فكأنه فعل بنفسه.\rوإذا وطئ التلميذ ثوباً في مهنة القصارة «أي المصبغة في عرفنا» فخرقه، يضمن لأن وطء الثوب غير مأذون فيه.\r-------------------------------\r(1) مغني المحتاج: 2 ص 351، المبسوط، البدائع، تكملة فتح القدير: المراجع السابقة، مجمع الضمانات: ص 41-49.","part":5,"page":499},{"id":3345,"text":"ولو وقع من يد التلميذ سراج فأحرق ثوباً من القصارة، فالضمان على المعلم، لا على التلميذ؛ لأن الذهاب والمجيء بالسراج عمل مأذون فيه فيكون المعلم هو المسؤول، كأنه فعل الفعل بنفسه.\rوكذلك لو وقعت مدقة القصار من يد التلميذ على ثوب فخرقته، فالضمان على المعلم، لأن هذا من عمل القصار فيضاف الفعل إليه.\rفإن كان الثوب الذي وقعت المدقة عليه وديعة فخرقته، فالضمان على الغلام، لأن المعلم يسأل عن عمل التلميذ فيما يملك تسليطه عليه واستعماله فيه، وهو مايتعلق بشؤون الصنعة فقط (1) .\rالبزاغ والفصاد والختان (2) : يلاحظ أن حكم هؤلاء بخلاف حكم الحالات\r-------------------------------\r(1) مجمع الضمانات للبغدادي: ص 43-45 .\r(2) البزاغ: هو البيطار، يقال: بزغ الحاجم: شق وشرط، وبزغ دمه: أساله. والفصاد: الذي يشق العرق ويسحب الدم، يقال: فصد المريض: شق عرقه، وافتصد العرق: شقه، والختان: هو الذي يختن الأولاد أي ( المطهر).","part":5,"page":500},{"id":3346,"text":"السابقة، فإذا كانوا يقومون بعمله، ثم سرى أثر العمل إلى تلف النفس والموت فلا ضمان عليه، لأنه ليس في وسعهم الاحتراز من ذلك (1) .\rثالثاً ـ مخالفة المستأجر شرط المؤجر نصاً أو دلالة: المخالفة سبب لوجوب الضمان. وللمخالفة صور وهي إما في الجنس أو في القدر أو في الصفة، أو في المكان أو في الزمان، وتحصل المخالفة إما في استئجار الدواب وإما في استئجار الصناع.\rأما استئجار الدواب: فإما أن يكون ضرر الدابة من جهة الخفة والثقل أو بسبب اختلاف الجنس (2) .\rآ ـ فإن كان ضرر الدابة من حيث قدر الخفة والثقل: فإن كان الشيء المحمول مثل المتفق عليه من المؤجر أو أخف فلا شيء على المستأجر بهلاك الدابة، لأن التعيين بشيء محمول لا فائدة فيه، وليس هناك مخالفة في المعنى في تحميل مثل الشيء أو دونه.\rوإن كان الشيء المحمول أثقل من المتفق عليه: فإن كان بخلاف جنسه، بأن حمّل مكان الشعير الحنطة، فعطبت الدابة، فهوضامن قيمتها، ولا أجر عليه، لأنها هلكت بفعل غير مسموح به من المؤجر؛ لأن الأجر مع الضمان لا يجتمعان؛ إذ وجوب الضمان لصيرورته غاصباً، ولا أجرة على الغاصب (3) .\rوإن كان الشيء المحمول الذي هو أثقل: من جنس المتفق عليه بأن حمل أحد عشر رطلاً مثلاً مكان عشرة أرطال، فإذا سلمت الدابة، فعليه ما سمي من الأجرة، ولا ضمان عليه. وإن عطبت ضمن جزءاً من أحد عشر جزءاً من قيمة الدابة وعليه الأجر الذي سمي؛ لأن الدابة ماتت بفعل مأذون فيه وغير مأذون فيه، فيقسم التلف على قدر ذلك أي أحد عشر جزءاً، ويضمن بقدر الزيادة.\rب ـ وإن كان ضرر الدابة لا من حيث الخفة والثقل، وإنما بسبب اختلاف الجنس: كأن يستأجر إنسان دابة ليحمل عليها قنطاراً من قطن فحمل عليها قنطاراً من حديد أو أقل، فتلفت الدابة، فيضمن قيمتها لأن ثقل القطن ينبسط على ظهر الدابة، وأما ثقل الحديد فيجتمع في موضع واحد، فيكون أنكى لظهر الدابة وأعقر لها، فلم يكن مأذوناً فيه فصار غاصباً، فيضمن، ولا أجرة لما عرفنا قريباً.\rويترتب عليه أنه لو استأجر إنسان دابة ليركبها بنفسه، فأركبها غيره ممن هو مثله في الثقل أو أخف منه ضمن قيمتها بالتلف؛ لأن المخالفة ههنا، لا من جهة الخفة والثقل، بل من حيث الحذق والعلم، فالناس يختلفون فيه اختلافاً واضحاً.\r-------------------------------\r(1) تكملة فتح القدير: 7ص206، المبسوط: 15ص104، تبيين الحقائق: 5ص137، رد المحتار: 5ص47، مجمع الضمانات: ص47.\r(2) انظر البدائع: 4ص213 ومابعدها، المبسوط: 15ص170 ومابعدها، تبيين الحقائق: 5ص118 ومابعدها ، تكملة فتح القدير: 7ص170 ومابعدها، ورد المحتار: 5ص25 ومابعدها.\r(3) المبسوط: 15 ص 147.","part":5,"page":501},{"id":3347,"text":"ولو استأجر دابة ليركبها بنفسه فأركب معه غيره فعطبت فهو ضامن لنصف قيمتها إذا كانت الدابة مما يمكن أن يركبها اثنان؛ لأن التلف حصل بركوبهما المشتمل على مأذون فيه وغير مأذون فيه، فإن كانت الدابة لا تطيق أن يركبها اثنان، فيضمن جميع قيمتها، لأنه أتلفها بإركاب غيره.\rوإذا استأجر دابة بإكاف (أي برذعة) فنزعه منها، وأسرجها، فلا ضمان عليه، لأن ضرر السرج أقل من ضرر الإكاف، لأنه يأخذ من ظهر الدابة أقل مما يأخذ الإكاف.\rوإن استأجر حماراً بسرج فأسرجه سرجاً آخر: فإن كان مثل السرج الأصلي الأول لا يضمن، إذ لا تفاوت بين السرجين في الضرر، وإن أسرجه بسرج الفرس يضمن؛ لأن ضرره أكثر بسبب كبره، فكان إتلافاً للدابة. ولو استأجر حماراً بسرج، فنزع منه السرج وأوكفه فعطب، ففي كتاب الأصل لمحمد: يضمن قدر ما زاد الإكاف على السرج. وفي كتاب الجامع الصغير ذكر محمد اختلافاً بين أئمة الحنفية فيه، ففي قول أبي حنيفة: يضمن كل القيمة؛ لأن الإكاف لا يخالف السرج في الثقل، وإنما يخالفه من وجه آخر: وهو أنه يأخذ من ظهر الدابة أكثر مما يأخذ السرج، والمخالفة إذا لم تكن بسبب الثقل توجب الضمان لجميع الشيء التالف.\rوفي قول الصاحبين: يضمن بمقدار الزيادة؛ لأن الإكاف والسرج كل واحد منهما يركب به عادة، وإنما يختلفان بالثقل والخفة؛ لأن الإكاف أثقل، فيضمن بقدر الثقل.\rولو استأجر حماراً عرياناً فأسرجه، ثم ركب فعطب، كان ضامناً؛ لأن السرج أثقل على الدابة، وقيل: هذا إذا استأجره ليركبه في داخل مصر، وهو ممن يركب في المصر عادة بغير سرج، أما إذا استأجره ليركبه خارج المصر، أو هو من ذوي الهيئات لا يضمن؛ لأن الحمار لا يركب من بلد إلى بلد بغير سرج ولا إكاف، وذو الهيئة لا يركب عادة بغير سرج، فكان الإسراج مأذوناً فيه دلالة، فلا يضمن.","part":5,"page":502},{"id":3348,"text":"ج ـ وإن كانت المخالفة في المكان: كأن يستأجر دابة للركوب أو للحمل إلى مكان معلوم، فجاوز المكان، فيضمن كل القيمة (1) .\rد ـ وأما المخالفة في الزمان: كأن يستأجر دابة ليركبها أو يحمل عليها مدة معلومة، فانتفع بها زيادة على المدة، فعطبت في يده، فيضمن القيمة أيضاً، لأنه صار غاصباً بالانتفاع بها فيما وراء المدة المحدودة.\rوأما استئجار الصناع: كالحائك والخائط والصباغ ونحوهم (2) :\rففي حالة المخالفة في الجنس كأن يسلّم إنسان ثوباً إلى صباغ ليصبغه لوناً معيناً فصبغه لوناً آخر: يكون صاحب الثوب بالخيار: إن شاء ضمن الصباغ قيمة الثوب، وإن شاء أخذ الثوب وأعطى الصباغ ما زاد الصبغ فيه. ومثله أن يسلم شخص خياطاً قماشاً ليخيطه قميصاً، فخاطه معطفاً مثلاً، فيكون صاحب القماش بالخيار بين أن يضمن الخياط قيمة القماش، أو أن يأخذ المخيط ويعطي أجر المثل.\rهـ ـ وأما المخالفة في الصفة: كأن يسلم صباغاً ليصبغه بصبغ معين، فصبغه بصبغ آخر من جنس اللون المتفق عليه، فيكون صاحب الثوب أيضاً مخيراً بين تضمين قيمة الثوب أو أخذه وإعطاء أجر المثل.\rوكذلك الخلاف في القدر مثل أن يسلم شخص غزلاً إلى حائك ينسجه بغلظ معين: ثخين أو رفيع، فخالف بالزيادة أو بالنقصان، يكون صاحب الثوب حال الزيادة مخيراً بين تضمين مثل الغزل، أو أن يأخذ الغزل ويعطي الأجر المسمى. وفي حال النقصان يوجد روايتان: رواية في كتاب الأصل: مفادها أن لصاحب الثوب أن يأخذه، ويعطي الحائك من الأجر بحسابه. ورواية أخرى: مفادها أن على صاحب الثوب أجر المثل. وأدلة كل ما سبق ذكره يمكن ملاحظتها، ويرجع إلى «البدائع» وغيرها من الكتب عند العجز عن إدراك المقصود.\rسقوط أجر الأجير بهلاك العين في إجارة الأعمال :\rعرفنا فيما سبق رأي الجمهور في صفة يد الأجير المشترك وهي أنها يد أمانة، فلا يضمن هلاك العين إلا بالتعدي أو بالتقصير.\r-------------------------------\r(1) مختصر الطحاوي: ص 128.\r\r(2) انظر البدائع: 4 ص 216 وما بعدها، المبسوط: 15 ص 106، تكملة فتح القدير: 7 ص 170، مجمع الضمانات: ص 45 ومابعدها.","part":5,"page":503},{"id":3349,"text":"وأما غير الجمهور وهم المالكية والصاحبان من الحنفية، فيرون أن يد الأجير المشترك هي يد ضمان، فيضمن الشيء التالف، ولو بغير تعد أو تقصير (1) .\rأما ضمان العين المستأجرة، فلا خلاف بين العلماء أن العين المستأجرة أمانة في يد المستأجر، فلا يضمنها إن تلفت أو تعيبت بغير تفريط منه لأنه قبض العين لاستيفاء منفعة يستحقها منها، فكانت أمانة (2) .\rوبناء على الخلاف في صفة يد الأجير : هل تسقط الأجرة بهلاك العين في عقد إجارة الأعمال؟\rقال الشافعية: إذا عمل الأجير في ملك المستأجر أو بحضرته وجبت له الأجرة، لأنه تحت يده، فكلما عمل شيئاً صار مسلّماً له. وإن كان العمل في يد الأجير لم يستحق الأجرة بهلاك الشيء في يده، لأنه لم يسلّم العمل (3) .\rوقال الحنابلة بنحو مذهب الشافعية: وهو أن الأجير لا أجر له فيما عمل في يده، لأنه لم يسلم عمله إلى المستأجر، فلم يستحق عوضه (4) .\rوقال الحنفية بنحوه أيضاً، ولكن يحتاج مذهبهم إلى شيء من التفصيل، فقالوا: إن العين التي يعمل فيها الأجير إما أن تكون في يد الأجير أو في المستأجر (5) .\r-------------------------------\r(1) انظر الميزان للشعراني: 2 ص 95، المغني لابن قدامة: 5 ص 487.\r(2) انظر المغني: 5 ص 488، البدائع: 4 ص 210، جامع الفصولين: 2 ص 163، القوانين الفقهية: ص 278، المهذب: 1 ص 408.\r(3) المهذب: 1 ص 409.\r(4) المغني: 5 ص 487 .\r(5) انظر البدائع: 4 ص 204 ومابعدها، تبيين الحقائق: 5 ص 109 ومابعدها، حاشية ابن عابدين والدر المختار: 5 ص 12.","part":5,"page":504},{"id":3350,"text":"فإن كانت العين في يد الأجير ففيه حالتان :\r1 - إن كان لعمل الأجير أثر ظاهر في العين كالخياطة والصباغة والقصارة فيجب الأجر بتسليم الأثر المطلوب، فإن هلك الشيء قبل التسليم في يد الأجير سقط الأجر؛ لأن الأثر المعقود عليه وهو صيرورة القماش مثلاً مخيطاً لم يسلم، والبدل يقابل ذلك الأثر، فكان كالمبيع.\r2 - وإن لم يكن لعمل الأجير أثر ظاهر في العين كالحمال والملاح فيجب الأجر بمجرد انتهاء العمل، وإن لم يسلم العين لصاحبها؛ لأن البدل يقابل نفس العمل، فإذا انتهت مدة الإجارة، فقد فرغ من العمل، وصار مسلِّماً للعين التي هي ملك صاحبها،فلا يسقط الأجر بالهلاك بعدئذ.\rحبس العين لاستيفاء الأجرة: وبناء على اختلاف الحكم في الحالتين السابقتين قال الحنفية: إن كان للعمل أثر في العين المملوكة لصاحبها يجعل للأجير حق حبس العين، حتى يستوفي الأجر؛ لأن البدل مستحق بمقابلة الأثر المطلوب. وما لا أثر له لا يثبت فيه حق الحبس، إذ العمل المقعود عليه ليس في العين.\rولهذا قال الحنفية: إن الحمال إذا حبس المتاع الذي هو في يده ليستوفي الأجر فهلك يضمن؛ لأن العين أمانة في يده، فإذا حبس صار غاصباً، فيضمن.\rوأما إذا كانت العين المعمول فيها في يد المستأجر: بأن يعمل الأجيرفي ملك المستأجر أو فيما في يده من فناء ملكه ونحوه، فيستحق الأجير أجرته بعد الفراغ من العمل إذا أكمله، وإن لم يكمله وعمل بعض العمل، فيستحق من الأجر بقدر ما أنجزه من العمل، ويصير المعمول مسلماً إلى صاحبه، ويملك المطالبة بقدره من المدة. فلو استأجر شخص رجلاً ليبني له بناء في داره أو فيما في يده كأن يستأجره لبناء حجرة في داره أو لبناء سقيفة أو إيوان أو لحفر بئر أو قناة أو نهر في ملكه أو فيما في يده، فعمل بعضه، فله أن يطالب بقدر العمل من الأجرة.","part":5,"page":505},{"id":3351,"text":"ولكن يجبر على إتمام العمل حتى إنه لو انهدم البناء أو انهارت البئر أو سقط الإيوان، فإن كان بعد الفراغ من العمل لم يسقط شيء من الأجرة، وإن كان قبل الفراغ من العمل يجب بقدر حصة العمل.\rهذا بخلاف ما إذا كان العمل في غير ملك المستأجر أو في يده، فإن الأجرة حينئذ يتوقف وجوبها على تمام العمل، فما لم يسلم الأجير العمل لا يصير المستأجر قابضاً للمعقود عليه، ويسقط الأجر إذا فسد المعقود عليه أو هلك قبل التسليم.\rوبناء عليه: إذا استأجر شخص إنساناً ليضرب له لبناً في ملكه أو فيما في يده فلا يستحق اللبّان الأجرة، ولا يصير المستأجر قابضاً حتى يجف اللبن وينصبه في قول أبي حنيفة؛ لأن ذلك من تمام هذا العمل. وفي قول الصاحبين: لا يستحق الأجرة حتى يشرجه (1) ؛ لأن تمام العمل به، ويترتب على هذا الخلاف أنه لو تلف اللبن قبل نصبه في قول أبي حنيفة، وقبل التشريج في قول الصاحبين، فلا أجر له لأنه تلف قبل تمام العمل (2) .\rأما إذا كان ضرب اللبن في غير ملك المستأجر أو في غير يده، فلا يستحق الأجير الأجرة إلا بالتسليم إلى صاحب اللبن، والتسليم: هو أن يخلي الأجير بين اللبن وبين المستأجر، بعد نصبه عند أبي حنيفة، وبعد تشريجه عند الصاحبين؛ لأن اللبن لم يكن في يد المستأجر، حتى يصير العمل مسلماً إليه، فلا بد من التخلية بعد الفراغ من العمل.\rومثله إذا استأجر إنسان خياطاً ليخيط له في منزله قميصاً: فإن خاط بعضه لم يكن له أجر؛ لأن هذا العمل لا ينتفع ببعضه، فإذا فرغ منه، ثم تلف، فله الأجر، ولا ضمان عليه في قول أبي حنيفة؛ لأنه صار مسلماً للعمل لحصوله في ملك صاحبه. وفي قول الصاحبين: تكون العين مضمونة، فلا يبرأ عن ضمانها إلا بتسليمها إلى مالكها، فإن هلك الثوب فإن شاء ضمنه قيمته صحيحاً ولا أجر له، وإن شاء ضمنه قيمته مخيطاً وله الأجر.\r-------------------------------\r(1) شرَّج اللبن: نضد بعضه إلى بعض.\r(2) المبسوط: 16 ص 58، تبيين الحقائق: 5 ص 110 .","part":5,"page":506},{"id":3352,"text":"المبحث السادس ـ اختلاف المتعاقدين في الإجارة\rإذا اختلف المتعاقدان في عقد الإجارة في مقدار البدل أو المبدل، وكانت الإجارة صحيحة فإما أن يحصل الاختلاف قبل استيفاء المنافع أو بعد استيفائها (1) .\rفإن اختلفا قبل استيفاء المنافع تحالفا أي حلَّف كل منهما الآخر، لقول النبي صلّى الله عليه وسلم : «إذا اختلف المتبايعان تحالفا وترادّا» (2) .\rوبما أن الإجارة نوع من البيع فيتناولها الحديث، وإذا تحالفا تفسخ الإجارة، وإذا نكل أحدهما عن اليمين لزمه ما ادعى به صاحبه.\r-------------------------------\r(1) راجع البدائع: 218/4 ومابعدها، تكملة فتح القدير: 218/7، المبسوط: 10/16، رد المحتار على الدر المختار: 51/5 .\r(2) أخرجه أصحاب السنن الأربعة والشافعي من طرق بألفاظ منها « إذا اختلف البيعان وليس بينهما بينة، فالقول مايقول صاحب السلعة أو يترادان » وزاد ابن ماجه: « والمبيع قائم بعينه » وكذلك أحمد في رواية: « والسلعة كما هي » وقد صححه الحاكم وابن السكن ( انظر نصب الراية: 5/4 ومابعدها، نيل الأوطار: 223/5 ) قال الشوكاني: والظاهر عدم الفرق بين بقاء المبيع وتلفه لعدم انتهاض الرواية المصرح فيها باشتراط بقاء المبيع للاحتجاج، والتراد مع التلف ممكن بأن يرجع كل واحد منهما بمثل المثلي وقيمة القيمي.","part":5,"page":507},{"id":3353,"text":"وإن أقام كل منهما بينة على مدعاه: فإن كان الاختلاف في البدل فبينة المؤجر أولى؛ لأنها تثبت زيادة الأجرة، وإن كان الاختلاف في المبدل فبينة المستأجر أولى؛ لأنها تثبت زيادة المنفعة.\rوإن كان اختلاف العاقدين بعد استيفاء المستأجر بعض المنفعة بأن سكن الدار المستأجرة بعض المدة، أو ركب الدابة المستأجرة بعض المسافة فالقول قول المستأجر فيما مضى مع يمينه، ويتحالفان وتفسخ الإجارة فيما بقي؛ لأن العقد على المنافع ساعة فساعة على حسب حدوثها شيئاً فشيئاً، فكان كل جزء من أجزاء المنفعة مقعوداً عليه عقداً مبتدءاً، فيجعل ما بقي من المدة والمسافة منفرداً بالعقد، فيتحالفان فيه.\rوإن كان اختلافهما بعد انتهاء مدة الإجارة أو بعد بلوغ المسافة التي تم العقد عليها لا يتحالفان، والقول قول المستأجر في مقدار البدل مع يمينه، ولا يمين على المؤجر؛ لأن التحالف يؤدي إلى فسخ الإجارة، والمنافع غير الموجودة لا تحتمل فسخ العقد، فلا يثبت التحالف.","part":5,"page":508},{"id":3354,"text":"وإن اختلف الخياط وصاحب الثوب، فقال صاحب الثوب: أمرتك أن تعمله قَبَاء (1) وقال الخياط: أمرتني أن أعمله قميصاً، أو قال صاحب الثوب للصباغ: أمرتك أن تصبغه بلون أحمر، فصبغته بلون أصفر، وقال الصباغ: لا، بل أمرتني بلون أصفر، فالقول قول صاحب الثوب مع يمينه. وهذا هو القول الأظهر في مذهب الشافعية (2) ؛ لأن أصل الإذن صادر من المالك، فلو أنكر الإذن مطلقاً كان القول قوله، فكذا إذا أنكر صفة الإذن.\rوإذا حلف المالك في هذه الحالة يكون الخياط ضامناً، أي أن المالك بالخيار: إن شاء ضمن الخياط، وإن شاء أخذ الثوب وأعطى الخياط أجر المثل، والخيار ثابت أيضاً للصباغ.\rوإذا اختلف مالك الثوب مع الصانع في وجود الأجرة، فقال صاحب الثوب: عملته لي بغير أجر، وقال الصانع: بأجر، فالقول قول صاحب الثوب عند أبي حنيفة؛ لأنه ينكر تقوم عمله؛ لأن تقومه بالعقد، وينكر الضمان، والصانع يدعيه، والقول قول المنكر.\rوقال أبو يوسف: إن تكررت تلك المعاملة بينهما بأجر، فللصانع الأجر وإلا فلا؛ لأن ما سبق بينهما يعين جهة الطلب بأجر، جرياً على المعتاد بينهما.\rوقال محمد: إن كان الصانع معروفاً بهذه الصنعة بالأجر، فالقول قوله؛ لأنه لما فتح الحانوت لأجل أخذ الأجور جرى فعله مجرى التنصيص على الأجر، أخذاً بظاهر الأمور، قال المرغيناني في الهداية ما معناه: والقياس ما قاله أبو حنيفة، لأن المالك منكر.\r-------------------------------\r(1) ثوب يلبس فوق الثياب.\r(2) مغني المحتاج: 354/2.","part":5,"page":509},{"id":3355,"text":"والجواب عن استحسان الصاحبين: أن ظاهر الحال يتمسك به لدفع الحق لا للاستحقاق، والمطلوب هنا إثبات الاستحقاق (1) ، وهو لا يكفي في إثباته مجرد التمسك بظاهر الحال أو القرينة، بل لا بد من حجة أقوى كالبينة والإقرار.\rوقال الشافعية: إذا كان الاختلاف بين المؤجر والمستأجر في دعوى التلف أو التعيب، فالقول قول المستأجر، لأنه أمين، فيصدق بيمينه. وإن كان الاختلاف في دعوى الرد، بأن ادعى المستأجر أنه رد العين المستأجرة إلى المؤجر، وأنكر المؤجر ذلك،فالقول قول المؤجر بيمينه؛لأن الأصل عدم الرد، والقول قول المنكر بيمينه.\rالمبحث السابع ـ انتهاء عقد الإجارة\r1 - تنتهي الإجارة عند الحنفية كما عرفنا في مبحث صفة الإجارة بموت أحد المتعاقدين؛ لأن الإرث يجري في الموجود المملوك، وبما أن المنافع في الإجارة تحدث شيئاً فشيئاً، فتكون عند موت المورث معدومة، فلا تكون مملوكة له، وما لم يملكه يستحيل توريثه فيحتاج عقد الإجارة للتجديد مع الوارث، حتى يكون العقد قائماً مع المالك. ولو مات الوكيل بالعقد لا تبطل الإجارة؛ لأن العقد لم يقع له، وإنما هو عاقد، ولو ماتت الظئر أو الصبي انتقضت الإجارة لأن كل واحد منهما معقود له.\rوقال الجمهور : لا ينفسخ عقد الإيجار بموت أحد المتعاقدين ؛ لأنه عقد لازم كالبيع، أي أن المستأجر ملك المنافع بالعقد دفعة واحدة ملكاً لازماً فيورث عنه، ولكن تنفسخ الإجارة بموت الظئر أو الصبي لفوات المنفعة بهلاك محلها وهو الظئر، ولتعذر استيفاء المعقود عليه؛ لأنه لا يمكن إقامة غير هذا الصبي مقامه (2) .\r2 - تنتهي الإجارة أيضاً بالإقالة؛ لأن الإجارة معاوضة مال بمال، فكانت محتملة للإقالة كالبيع.\r3 - الإجارة تنقضي بهلاك العين المؤجرة المعينة كالدارأو الدابة المعينة وهلاك المؤجر عليه كالثوب المؤجر للخياطة أو للقصارة لوقوع اليأس عن استيفاء المعقود عليه بعد هلاكه، فلم يكن في بقاء العقد فائدة. فإن كانت الإجارة على دواب بغير أعيانها للحمل أو الركوب، فتسلم المستأجر الدواب، فهلكت لاتبطل الإجارة، وعلى المؤجر أن يأتي بغيرها لتحمل المتاع وليس له أن يفسخ العقد؛ لأن الإجارة\r-------------------------------\r(1) الهداية: 201/3.\r\r(2) بداية المجتهد: 227/2، الشرح الكبير للدردير: 30/4، المهذب: 406/1، المغني: 456/5، القوانين الفقهية: ص 278.","part":5,"page":510},{"id":3356,"text":"وقعت على منافع في الذمة، ولم يعجز المؤجر عن وفاء ما التزمه بالعقد، وهو حمل المتاع إلى موضع كذا، وهذا باتفاق المذاهب الأربعة (1) .\rوقال الزيلعي أخذاً برأي الإمام محمد بن الحسن: والأصح أن الإجارة لا تنفسخ في هذ ه الحالة؛ لأن المنافع قد فاتت على وجه يتصور عودها، وساحة الدار بعد انهدام البناء يتأتى فيها السكنى بنصب فسطاط (خيمة) ونحوها. ويظهر أن هذا الرأي عند الحنفية هو الأصح، أي أن الإجارة لا تنفسخ بالقوة القاهرة، كانهدام الدار كلها، بدليل ما قاله صاحب الدر المختار وأيده ابن عابدين: لو خربت الدار، سقط كل الأجر، ولا تنفسخ به ما لم يفسخها المستأجر، هو الأصح. وأضاف ابن عابدين: وبانهدام الدار كلها للمستأجر الفسخ بغيبة المؤجر، ولا تنفسخ ما لم يفسخ هو الصحيح، لصلاحيتها لنصب الفسطاط.\r4 - تنتهي الإجارة بانقضاء المدة إلا لعذر؛ لأن الثابت إلى غاية ينتهي عند وجود الغاية، فتنفسخ الإجارة بانتهاء المدة إلا إذا كان هناك عذر بأن انقضت المدة، وفي الأرض زرع لم يستحصد، فإنه يترك إلى أن يستحصد بأجر المثل (2) . وانتهاء الإيجار بانقضاء المدة في الجملة محل اتفاق بين الفقهاء.\r-------------------------------\r(1) البدائع: 196/4، 223، تبيين الحقائق: 144/5، تكملة فتح القدير: 220/7، الدر المختار ورد المحتار:30/5، 53، الفرائد البهية في القواعد الفقهية للشيخ محمود حمزة: ص 84، بداية المجتهد: 228/2، الشرح الكبير: 29/4، القوانين الفقهية: ص277، مغني المحتاج: 357/2، المهذب: 405/1، المغني: 415/5، 421، 434، غاية المنتهى: 210/2.\r(2) البدائع، المرجع السابق، غاية المنتهى: 218/2.","part":5,"page":511},{"id":3357,"text":"الفَصْلُ الرّابع: الجِعَالَة\rـ أو الوعد بالجائزة ـ\rالكلام فيها يتناول تعريفها، ومشروعيتها، وصيغتها، الفرق بينها وبين الإجارة على الأعمال، شروطها، صفة حكمها، الزيادة والنقص في الجُعل، حكم اختلاف العامل ورب المال.\rتعريف الجعالة: الجعالة أو الجُعْل أو الجعلية لغة: هي ما يجعل للإنسان على فعل شيء أو ما يُعْطاه الإنسان على أمر يفعله. وتسمى عند القانونيين: الوعد بالجائزة (أي المكافأة أو الجُعْل أو الأجر المعين)، فهي عقد أو التزام بإرادة منفردة.\rوشرعاً: التزام عوض معلوم على عمل معين، أو مجهول، عسر علمه (1) .\rوعرفها المالكية (2) : بأنها الإجارة على منفعة مظنون حصولها. مثل قول القائل: من رد علي دابتي الشاردة، أو متاعي الضائع، أو بنى لي هذا الحائط أو حفر لي هذا البئر حتى يصل إلى الماء، أو خاط لي قميصاً أو ثوباً، فله كذا.\rومنها ما يخصص من المكافآت لأوائل الناجحين، أو المتسابقين فيما يحل فيه السباق، أو ما يلتزمه القائد من مبلغ معين أو سهم من الغنيمة لمن يقتحم حصناً للعدو، أو يسقط عدداً من الطائرات.\rومنها الالتزام بمبلغ مالي لطبيب يشفي مريضاً من مرض معين، أو لمعلم يحفِّظ ابنه القرآن.\rويمثل لها الفقهاء عادة بحالة رد الدابة الضالة (الضائعة)، والعبد الآبق (الهارب).\r-------------------------------\r(1) مغني المحتاج: 429/2، كشاف القناع: 225/4، الشرح الصغير: 79/4.\r(2) القوانين الفقهية: ص 275، الشرح الكبير للدردير: 60/4، بداية المجتهد: 232/2.","part":5,"page":512},{"id":3358,"text":"مشروعية الجعالة :\rلا تجوز الجعالة عند الحنفية (1) لما فيها من الغَرَر أي جهالة العمل والمدة قياساً على سائر الإجارات التي يشترط لها معلومية العمل والمأجور والأجرة والمدة. وإنما أجازوا فقط استحساناً دفع الجعل لمن يرد العبد الآبق (2) ، ولو بلا شرط، من مسيرة ثلاثة أيام فصاعداً، ومقدار الجعل أربعون درهماً، تغطية للنفقة في مدة السفر. وإن رده لأقل من ذلك المقدار، فبحسابه، اعتباراً للأقل بالأكثر، فإذا رده مثلاً من مسافة يومين فله ثلثاها، ومن يوم ثلثها، ومن رده من أقل منه، أو وجده في البلد يرضخ له، أي يعطى بنسبة عمله. وسبب استحقاق الجعل: هو أخذ الآبق لصاحبه. فدفع الجعل طريق للمالك لصيانة ماله.\rوتجوز الجعالة شرعاً عند المالكية والشافعية والحنابلة (3) ، بدليل قوله تعالى في قصة يوسف مع إخوته: {قالوا: نفقد صُواع الملك (4) ، ولمن جاء به حمل بعير، وأنا به زعيم} [يوسف:72/12] أي كفيل. وبدليل ما جاء في السنة من أخذ الأجرة على الرقية بالفاتحة (أم القرآن)، وهو ما رواه الجماعة إلا النسائي عن أبي سعيد الخدري: «أن ناساً من أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلم أتوا حياً من أحياء العرب، فلم يُقْروهم (يضيفوهم)، فبينما هم كذلك إذ لدغ سيد أولئك، فقالوا: هل فيكم راقٍ؟ فقالوا: لم تقرونا، فلا نفعل أو تجعلوا لنا جعلاً، فجعلوا لهم قطيع شاء، فجعل رجل يقرأ بأم القرآن، ويجمع بزاقه، ويتفل، فبرأ الرجل، فأتوهم بالشاء، فقالوا: لا نأخذها حتى نسأل رسول الله صلّى الله عليه وسلم ، فسألوا رسول الله صلّى الله عليه وسلم عن ذلك، فضحك،وقال:وما أدراك، إنها رقية؛خذوها واضربوا لي فيها بسهم» (5) .\r-------------------------------\r(1) الدر المختار: 243/3، 355-359، 6/5، 32، البدائع: 203/6-205، اللباب شرح الكتاب: 217/2 ومابعدها.\r(2) الإباق: انطلاق الرقيق تمرداً. سواء هرب من مستأجره أو وديعه المودع لديه، أو مستعيره، أو الوصي عليه.\r(3) بداية المجتهد: 233/2، القوانين الفقهية، الشرح الكبير، المكان السابق، مغني المحتاج: 429/2، المغني: 656/5، كشاف القناع: 225/4، المهذب: 411/1.\r(4) الصواع والصاع: مكيال يكال به، أو هو إناء يشرب فيه، كان سقاية الملك.\r(5) نيل الأوطار: 289/5.","part":5,"page":513},{"id":3359,"text":"والمعقول يؤيد ذلك: وهو أن الحاجة تدعو إلى الجعالة، من رد ضالة، وآبق، وعمل لا يقدر عليه صاحبه، فجاز بذل الجعل، كالإجارة والمضاربة، إلا أن جهالة العمل والمدة لا تضر بخلاف الإجارة؛ لأن الجعالة غير لازمة، والإجارة لازمة، وتفتقر إلى تعيين المدة لمعرفة قدر المنفعة، ولأن الجعالة رخصة اتفاقاً لما فيها من الجهالة، وأجيزت لإذن الشارع بها.\rصيغة الجعالة :\rالجعالة التزام بإرادة واحدة فلا تتحقق إلا بصيغة (1) من الجاعل من الصيغ السابقة في تعريفها ونحوها، تدل على إذن بالعمل بطلب صريح، بعوض معلوم مقصود عادة ملتزم به، فلو عمل العامل بلا إذن، أو أذن الجاعل لشخص، فعمل غيره، فلا شيء له؛ لأن الأول عمل متبرعاً، والشخص المعين في الحالة الثانية لم يعمل ولا يشترط في الجاعل كونه مالكاً، فيصح لغيره أن يلتزم بجعل ويستحقه العامل الذي رد الشيء.\rكما لا يشترط قبول العامل، وإن عينه الجاعل؛ لأن الجعالة التزام من جانب واحد، كما أوضحت. ويصح أن تكون الجعالة لواحد معين، أو لغير معين، كما يصح أن يجعل الجاعل للمعين عوضاً ولسائر الناس عوضاً آخر.\r-------------------------------\r(1) مغني المحتاج: 429/2 ومابعدها، المهذب: 411/1، المغني: 658/5، الشرح الصغير: 81/4، الشرح الكبير: 60/4.","part":5,"page":514},{"id":3360,"text":"الفرق بين الجعالة والإجارة على الأعمال :\rتفترق الجعالة عن الإجارة على عمل معلوم كبناء وخياطة ثوب وحمل شيء إلى موضع معلوم من نواح أربع وهي (1) :\rأولاً ـ لا يتم استيفاء المنفعة للجاعل إلا بتمام العمل كرد الشارد وبرء المريض. أما في الإجارة فيتم استيفاء المنفعة للمستأجر بمقدار ما عمل الأجير. وبعبارة أخرى: لا تتحقق المنفعة في الجعالة إلا بتمام العمل، أما في الإجارة فتتحقق المنفعة للمستأجر بجزء من العمل. وبناء عليه، لا يستحق العامل في الجعالة شيئاً إلا بتمام العمل. وإذا عمل الأجير في الإجارة بعض العمل استحق من الأجر بحساب (أو مقدار) ما عمل.\rثانياً ـ إن الجعالة عقد يحتمل فيها الغرر، وتجوز جهالة العمل والمدة بخلاف الإجارة، فالعمل في الجعالة قد يكون معلوماً، أو مجهولاً غير معلوم، كرد بهيمة ضالة، وحفر بئر حتى يخرج منها الماء، وكما تصح الجعالة على عمل مجهول أو معلوم، تصح جهالة المدة. أما الإجارة فلا بد من أن يكون العمل فيها معلوماً كالخياطة والبناء، والمدة معلومة. وإذا قدرت الإجارة بمدة لزم الأجير العمل في جميع المدة، ولا يلزمه العمل بعدها. أما الجعالة فالمهم فيها إنجاز العمل دون تقيد بالمدة.\rثالثاً ـ لا يجوز اشتراط تقديم الأجرة في الجعالة، بخلاف الإجارة.\rرابعاً ـ الجعالة عقد جائز غير لازم، فيجوز فسخه، بخلاف الإجارة، فإنها عقد لازم لا يفسخ.\r-------------------------------\r(1) القوانين الفقهية: ص 275 ومابعدها، بداية المجتهد: 233/2، مغني المحتاج: 430/2، كشاف القناع: 225/4 ومابعدها، المغني: 657/5 ومابعدها.","part":5,"page":515},{"id":3361,"text":"شروط الجعالة :\rيشترط في الجعالة ما يأتي (1) :\rأولاً ـ أهلية التعاقد: يشترط عند الشافعية والحنابلة في الجاعل ما لكاً كان أو غيره أن يكون مطلق التصرف (بالغاً عاقلاً رشيداً)، فلا يصح من صبي ومجنون ومحجور سفه. وأما العامل: فإن كان معيناً اشترط فيه أهلية العمل، فلا يصح كونه عاجزاً عن العمل كصغير لا يقدر على العمل؛ لأن منفعته معدومة. وإن كان غير معين مبهماً كفى علمه بإعلان النداء على الجعل. وتصح الجعالة عند المالكية والحنفية من المميز، وأما التكليف فهو شرط لزوم.\rثانياً ـ كون الجعل (أو الأجرة) مالاً معلوماً. فإن كان الجعل مجهولاً فسد العقد لجهالة العوض، مثل من وجد سيارتي فله ثوب، أو أرضيه، ونحوه، ويكون للواجد (الرادّ) أجرة مثله، كالإجارة الفاسدة.\rوإن كان الجعل حراماً كخمر أو مغصوب، فسد العقد أيضاً لنجاسة عين الخمر، وعدم القدرة على تسليم المغصوب.\r-------------------------------\r(1) القوانين الفقهية: ص 276، مغني المحتاج: 430/2 ومابعدها، المهذب: 411/1، المغني: 656/5 ومابعدها، 660، كشاف القناع: 225/4-228، الشرح الكبير للدردير: 64/4، الشرح الصغير: 81/4.","part":5,"page":516},{"id":3362,"text":"ثالثاً ـ أن تكون المنفعة معلومة حقيقة، مباحاً الانتفاع بها شرعاً، فلا تجوز الجعالة على إخراج الجن من شخص، ولا على حل سحر مثلاً، لأنه يتعذر معرفة كون الجن خرج أم لا، أو انحل السحر أم لا. كما لا تجوز الجعالة على ما يحرم نفعه كالغناء والزمر والنواح وسائر المحرمات. والقاعدة في ذلك (1) : أن كل ما جاز أخذ العوض عليه في الإجارة،جاز أخذ العوض عليه في الجعالة، ومالا يجوز أخذ العوض عليه في الإجارة، لا يجوز أخذ الجعل عليه، لقوله تعالى: {ولا تعاونوا على الإثم والعدوان} [المائدة:2/5] وأضاف المالكية: «كل ما جاز فيه الجعل كحفر الآبار في فلاة، جازت فيه الإجارة، لا العكس، فليس كل ما جازت فيه الإجارة، جاز فيه الجعل» مثل بيع سلع (2) وخدمة شهر، وحفر بئر بملك، تصح فيه الإجارة دون الجعالة، فالإجارة أعم، من ناحية المحل المعقود عليه. والسبب في عدم صحة الجعالة فيما ذكر: أن الجعالة تكون فيما لا يحصل للجاعل نفع إلا بتمام العمل، وهذه الأمور يبقى فيها للجاعل منفعة إذا لم يتم العامل العمل.\rوأما أعمال العبادة البدنية التي لا يتعدى نفعها غير فاعلها كالصلاة والصيام ونحوهما من القربات الدينية، فلا يجوز أخذ الجعل عليه.\rوما يتعدى نفعه لغير فاعله كالأذان وتعليم الفقه والقرآن والقضاء والإفتاء فيجوز أخذ الجعل عليه، لحديث أبي سعيد السابق في الرقية بالفاتحة.\r-------------------------------\r(1) كشاف القناع: 228/4، الشرح الكبير: 63/4 ومابعدها، الشرح الصغير: 84/4.\r(2) بيع سلع من ثياب أو إبل إذا لم يأخذ العامل الجعل إلا على بيع الجميع، لأن تعدد السلع بمنزلة عقود متعددة يستحق الجعل في كل سلعة بانتهاء عملها.","part":5,"page":517},{"id":3363,"text":"والمشهور عند المالكية أنه لا بد من تحقيق منفعة مقصودة للجاعل، فمن جعل ديناراً لمن يصعد جبلاً مثلاً، لا لشيء يأتي به، لا يصح التزامه ولا جعالته. واشترط الشافعية في العمل: أن يكون فيه كلفة، وإلا فلا يستحق شيئاً؛ لأن ما لا كلفة فيه لا يقابل بعوض.\rرابعاً ـ اشترط المالكية ألا يحدد للجعالة أجل، وقال غيرهم: يصح الجمع بين تقدير المدة والعمل، مثل من خاط لي هذا الثوب في يوم فله كذا، فإن أتى به في المدة استحق الجعل، ولم يلزمه شيء آخر، وإن لم يف به فيها فلا يلزمه شيء له، وذلك بخلاف الإجارة.\rوأضاف بعض المالكية (القاضي عبد الوهاب خلافاً لابن رشد) شرطاً خامساً: وهو أن تكون الجعالة في العمل اليسير، ولو كان متعدداً كإبل كثيرة شردت. واشترط المالكية كما تقدم عدم شرط النقد للجعل، فإن شرط النقد يفسدها؛ لأنه سلف جر نفعاً بطريق الاحتمال، وأما تعجيل الجعل بلا شرط فلا يفسدها.\rصفة حكم الجعالة ووقت استحقاق الجعل :\rاتفق الفقهاء القائلون بجواز الجعالة (1) على أنها بخلاف الإجارة عقد جائز غير لازم، فيجوز لكل من الجاعل والعامل فسخها، لكنهم اختلفوا في وقت جواز الفسخ. فقال المالكية: يجوز الفسخ قبل الشروع في العمل، ويلزم الجاعل دون العامل بالشروع في العمل. أما العامل المجعول له فلا يلزم بشيء قبل العمل أو بعده أو بعد الشروع فيه.\r-------------------------------\r(1) بداية المجتهد: 233/2، الشرح الكبير للدردير: 60/4، 65، مغني المحتاج: 433/2، المهذب: 412/1، كشاف القناع: 228/4، المغني: 657/5.","part":5,"page":518},{"id":3364,"text":"وقال الشافعية والحنابلة: يجوز الفسخ في أي وقت شاء الجاعل والمجعول له المعين، كسائر العقود الجائزة مثل الشركة والوكالة، قبل تمام العمل. فإن فسخ العقد من المالك أو العامل المعين قبل الشروع في العمل، أو فسخ العامل بعد الشروع في العمل، فلا شيء له في الحالتين، لأنه في الأولى لم يعمل شيئاً، وفي الثانية لم يتحقق غرض المالك. أما إن فسخ المالك بعد الشروع في العمل، فعليه للعامل أجرة مثل عمله في الأصح عند الشافعية، لأنه عمل بعوض، ولم يسلم له أجرة عمله، كما لو فسخ رب المال المضاربة بعد الشروع في العمل ويستحق العامل الجعل أو الأجر المعين بإتمام العمل، فإن فسخ العامل قبل الفراغ من العمل، لم يستحق شيئاً (1) .\rوإن حدد المالك مكاناً لرد المتاع المفقود، فرده العامل من مكان أقرب منه، فله قسطه من الجعل، كما يرى الشافعية (2) .\rولو اشترك اثنان في رد المتاع، اشتركا في الجعل، لحصول الرد منهما (3) .\rوإذا رد العامل الشيء المجعول عليه فليس له حبسه لقبض الجعل، كما لا\r-------------------------------\r(1) القوانين الفقهية: ص 275، الشرح الكبير: 61/4، مغني المحتاج: 433/4، المهذب: 412/1، كشاف القناع: 225/2، المغني: 658/5.\r(2) مغني المحتاج: 431/2.\r(3) الشرح الكبير: 61/4، مغني المحتاج: 431/2، المغني: 658/5.","part":5,"page":519},{"id":3365,"text":"يحبسه لاستيفاء ما أنفقه عليه بإذن المالك؛ لأن استحقاق الجعل بتسليم الشيء، ولا حبس قبل الاستحقاق (1) .\rولا يستحق العامل الجُعْل إلا بإذن صاحب العمل، وبالفراغ من العمل، فإذا عمل عامل بدون إذن صاحب العمل لم يستحق شيئاً، وإذا لم يفرغ العامل من العمل كشفاء المريض، وتعلم القراءة والكتابة، لم يستحق الجعل.\rالزيادة والنقص في الجعل :\rيرى الشافعية والحنابلة (2) أنه يجوز للمالك الجاعل أن يزيد أو ينقص من الجعل؛ لأن الجعالة عقد جائز غير لازم، فجاز فيه ذلك كالمضاربة، إلا أن الشافعية أجازوا ذلك قبل الفراغ من العمل، سواء أكان قبل الشروع، أم بعده، كأن يقول: من رد متاعي الفلاني فله عشرة، ثم يقول: فله خمسة، أو بالعكس. وتظهر فائدة ذلك بعد الشروع في العمل، فتجب حينئذ أجرة المثل، لأن هذا التعديل بالزيادة أو النقص فسخ للإعلان السابق، والفسخ من المالك يقتضي الرجوع إلى أجرة المثل؛ وقيد الحنابلة هذا التعديل بما قبل الشروع في العمل، فيجوز ويعمل به.\rحكم اختلاف المالك والعامل :\rإذا حدث اختلاف بين المالك والعامل فأيهما يصدق بيمينه؟ في الأمر تفصيل (3) : إن اختلفا في أصل اشتراط الجعل بأن أنكره أحدهما، فيصدق المنكر بيمينه، كأن يقول العامل: شرطت لي جعلاً، وأنكر المالك، صدق المالك بيمينه؛ لأن الأصل عدم اشتراط الجعل. وإن اختلفا في نوع العمل كرد السيارة الضائعة أو المتاع الضائع، أو اختلفا فيمن قام بالعمل، يصدق صاحب العمل بيمينه، لأن العامل يدعي شيئاً والأصل عدمه، فيصدق المنكر بيمينه.\rوكذلك يصدق المنكر إن اختلفا في سعي العامل، بأن قال المالك: لم ترده، وإنما رجع بنفسه، يصدق المالك؛ لأن الأصل عدم الرد.\r-------------------------------\r(1) مغني المحتاج: 434/2.\r(2) مغني المحتاج: 433/2 ومابعدها، المهذب: 412/1، كشاف القناع: 229/4.\r(3) الشرح الكبير: 64/4، مغني المحتاج: 434/2، المهذب: 412/1، المغني: 660/5 ومابعدها، كشاف القناع: 229/4.","part":5,"page":520},{"id":3366,"text":"وإن اختلفا في قدر الجعل أوفي قدر المسافة أو المكان المحدد لوجود الضائع فقال المالكية والشافعية: تحالف الطرفان (1) ، وفسخ العقد، ووجب أجرة المثل، كما لو اختلفا في عقد الإجارة.\rوقال الحنابلة: القول قول المالك بيمينه؛ لأن الأصل عدم الزائد المختلف فيه، ولأن القول قوله في أصل العوض، فكذلك في قدره، كرب المال في المضاربة، ولأنه منكر لما يدعيه العامل زيادة عما يعترف به، والأصل براءته منه. ويحتمل أن يتحالفا كالمتبايعين إذا اختلفا في قدر الثمن، والأجير والمستأجر إذا اختلفا في قدر الأجر. فإن تحالفا فسخ العقد ووجب أجر المثل.\rأوجه الاختلاف بين الجعالة والإجارة: تختلف الجعالة عن الإجارة من خمسة وجوه هي:\r1 - تصح الجعالة مع عامل غير معين، ولا تصح الإجارة مع مجهول.\r2 - تجوز الجعالة على عمل مجهول، أما الإجارة فلا تصح إلا على عمل معلوم.\r3 - لا يشترط في الجعالة قبول العامل لأنها تصرف بإرادة منفردة، أما الإجارة فلا بد من قبول الأجير القائم بالعمل لأنها عقد بإرادتين.\r4 - الجعالة عقد جائز غير لازم، أما الإجارة فهي عقد لازم، لا يفسخها أحد العاقدين إلا برضا الآخر.\r5 - لا يستحق الجعل في الجعالة إلا بالفراغ من العمل، ولو شرط تعجيله فسدت، وفي الإجارة يجوز اشتراط تعجيل الأجرة.\r-------------------------------\r(1) أي حلف كل منهما على إثبات قوله، ونفي قول الآخر. فإذا حلفا تساقطت أقوالهما واستحق العامل أجرة المثل.","part":5,"page":521},{"id":3367,"text":"الفَصْلُ الخامِسُ: الشَّرِكَات\rويتضمن مبحثين ـ الأول: شركات الأموال، والثاني ـ شركة المضاربة\rالمبحث الأول ـ شركات الأموال :\rتمهيد في تعريف الشركة ومشروعيتها :\rالشركة لغة: هي الاختلاط أي خلط أحد المالين بالآخر بحيث لا يمتازان عن بعضهما. ثم أطلقت عند الجمهور على العقد الخاص بها، وإن لم يوجد اختلاط النصيبين؛ لأن العقد سبب الخلط (1) .\rواختلفت عبارات الفقهاء في تعريف الشركة اصطلاحاً، فقال المالكية: هي إذن في التصرف لهما مع أنفسهما أي أن يأذن كل واحد من الشريكين لصاحبه في أن يتصرف في مال لهما مع إبقاء حق التصرف لكل منهما (2) .\rوقال الحنابلة: الشركة: هي الاجتماع في استحقاق أو تصرف (3) .\rوقال الشافعية: الشركة: ثبوت الحق في شيء لاثنين فأكثر على جهة الشيوع (4) .\rوقال الحنفية: الشركة: عبارة عن عقد بين المتشاركين في رأس المال والربح (5) . وهو أولى التعاريف لأنه يعبر عن حقيقة الشركة في أنها عقد، أما التعاريف الأخرى فهي بالنظر إلى هدف الشركة وأثرها أو النتيجة المترتبة عليها.\rمشروعية الشركة: ثبتت مشروعية الشركة بالكتاب والسنة والإجماع.\rأما الكتاب: فقوله تعالى: {فهم شركاء في الثلث} [النساء:12/4] وقوله سبحانه: {وإنَّ كثيراً من الخُلَطاء ليبغي بعضهم على بعض إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات، وقليل ما هم} [ص:24/38] والخلطاء: هم الشركاء.\rوأما السنة: ففي الحديث القدسي فيما يروى عن أبي هريرة رفعه إلى النبي صلّى الله عليه وسلم قال: إن الله عز وجل يقول: «أنا ثالث الشريكين ما لم يخن أحدهما صاحبه، فإذا خانه خرجت من بينهما» رواه أبو داود والحاكم وصحح إسناده (6) والمعنى: أنا معهما بالحفظ والإعانة، أمدهما بالمعونة في أموالهما وأنزل البركة في تجارتهما، فإذا وقعت بينهما الخيانة رفعت البركة والإعانة عنهما.\r-------------------------------\r(1) فتح القدير مع العناية: 2/5، تبيين الحقائق للزيلعي: 312/3.\r(2) الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي: 348/3.\r(3) المغني: 1/5.\r(4) مغني المحتاج: 211/2، حاشية قليوبي وعميرة: 332/2.\r(5) رد المحتار: 364/3.\r(6) وأعله ابن القطان بالجهل بحال سعيد بن حبان وقد ذكره ابن حبان في الثقات، وسكت أبو داود والمنذري عن هذا الحديث، وأخرج نحوه أبو القاسم الأصبهاني في الترغيب والترهيب عن حكيم بن حزام (انظر جامع الأصول: 108/6، نيل الأوطار: 264/5).","part":5,"page":522},{"id":3368,"text":"وقد بعث رسول الله صلّى الله عليه وسلم ، والناس يتعاملون بالشركة فأقرهم عليها، كما ثبت في أحاديث كثيرة (1) وقال عليه الصلاة والسلام: «يد الله على الشريكين ما لم يتخاونا» (2) .\rوالمسلمون أجمعوا على جواز الشركة في الجملة،وإنما اختلفوا في أنواع منها (3) ، ولذا سيكون الكلام عن الشركة بأنواعها.\rوحكمة مشروعيتها: تمكين الناس من التعاون في استثمار أموالهم وتنميتها وإقامة المشاريع الكبرى الصناعية والتجارية والزراعية التي يتعذر على الواحد الاستقلال بالقيام بها.\rأقسام الشركة: الشركة قسمان: شركة أملاك، وهي الشركات الإجبارية في القوانين الوضعية، وشركة عقود، وهي الشركات الاختيارية في القوانين.\rشركة الأملاك: هي أن يتملك شخصان فأكثر عيناً من غير عقد الشركة، وهي نوعان (4) :\r1 - شركة اختيار: وهي التي تنشأ بفعل الشريكين، مثل أن يشتريا شيئاً أو يوهب لهما شيء أو يوصى لهما بشيء، فيقبلا، فيصير المشترى والموهوب والموصى به مشتركاً بينهما شركة ملك.\r2 - شركة جبر: وهي التي تثبت لشخصين فأكثر بغير فعلهما، كأن يرث اثنان شيئاً، فيكون الموروث مشتركاً بينهما شركة ملك.\r-------------------------------\r(1) انظر نصب الراية للحافظ الزيلعي: 474/3،جامع الأصول، المرجع السابق، التلخيص الحبير: ص251.\r(2) ذكره ابن قدامة في المغني: 1/5.\r(3) المغني، المرجع السابق.\r(4) البدائع: 56/6، فتح القدير: 3/5، رد المحتار: 364/3 ومابعدها، مجمع الضمانات: ص284.","part":5,"page":523},{"id":3369,"text":"وحكم هذه الشركة بنوعيها: هو أن كل واحد من الشريكين كأنه أجنبي في نصيب صاحبه، فلا يجوز له التصرف فيه بغير إذنه، إذ لا ولاية لأحدهما في نصيب الآخر (1) .\rشركة العقود: هي عبارة عن العقد الواقع بين اثنين فأكثر للاشتراك في مال وربحه (2) ، وهو تعريف الحنفية السابق. وهي أنواع خمسة عند الحنابلة: شركة العنان، وشركة المفاوضة، وشركة الأبدان، وشركة الوجوه، والمضاربة. وقسمها الحنفية إلى ستة أنواع: وهي شركة الأموال، وشركة الأعمال، وشركة الوجوه. وكل نوع من هذه الأنواع إما مفاوضة وإما عنان (3) . وفي الجملة فإن الشركة عند فقهاء الأمصار ومنهم المالكية والشافعية أربعة أنواع: شركة العنان، وشركة المفاوضة، وشركة الأبدان، وشركة الوجوه (4) .\rواتفق العلماء على أن شركة العنان جائزة صحيحة. وأما الأنواع الأخرى فقد اختلفوا في مشروعيتها:\rفالشافعية والظاهرية والإمامية يجعلون كل الشركات باطلة ما عدا شركة العنان وشركة المضاربة.\rوالحنابلة أجازوا كل الشركات ما عدا شركة المفاوضة.\rوالمالكية أجازوا كل الشركات ما عدا شركة الوجوه، وماعدا شركة المفاوضة بالمعنى المذكور عند الحنفية.\rوأما الحنفية والزيدية فأجازوا كل هذه الشركات دون استثناء إذا توافرت شروط معينة. وسأبحث شركة العقود وفقاً لمنهج الحنفية في التقسيم، في المطالب الآتية. وأما شركة المضاربة فأخصص مبحثاً مستقلاً لها.\rخطة الموضوع :\rالمطلب الأول ـ كيفية انعقاد شركات العقود.\rالمطلب الثاني ـ شرائط شركة العقود.\rالمطلب الثالث ـ أحكام شركة العقود.\rالمطلب الرابع ـ صفة عقد الشركة ويد الشريك.\rالمطلب الخامس ـ مبطلات عقد الشركة.\rالمطلب السادس ـ الشركة الفاسدة.\r-------------------------------\r(1) البدائع: 65/6، المبسوط: 151/11، تبيين الحقائق: 312/3.\r(2) الفقه على المذاهب الأربعة: 83/3. أما الاشتراك في الربح دون الاشتراك في رأس المال فهو شركة المضاربة التي سيأتي بحثها.\r(3) تبيين الحقائق للزيلعي: 313/3.\r(4) بداية المجتهد: 248/2، مغني المحتاج: 212/2.","part":5,"page":524},{"id":3370,"text":"المطلب الأول ـ كيفية انعقاد شركات العقود\rركن شركة العقود عند الحنفية: الإيجاب والقبول: وهو أن يقول أحد الشريكين للآخر: شاركتك في كذا وكذا، ويقول الآخر: قبلت وهي ثلاثة أنواع: شركة أموال، وشركة وجوه، وشركة أعمال أو صنايع (1) . وسأذكر تعاريف كل نوع منها.\rوأركان الشركة عند الجمهور ثلاثة: عاقدان ومعقود عليه وصيغة.\rأولاً ـ تعريف شركة الأموال :\rوهي أن يشترك اثنان في مال، فيقولا: اشتركنا فيه على أن نبيع ونشتري معاً، أو أطلقا (أي لم يحددا البيع أو الشراء)، على أن ما رزق الله عز وجل من ربح فهو بيننا على شرط كذا، أو يقول أحدهما ذلك، ويقول الآخر: قبلت. وهي إما مفاوضة أو عنان.\r1 - شركة العنان (2) : وهي أن يشترك اثنان في مال لهما على أن يتجرا فيه والربح بينهما (3) ، وهي جائزة بالإجماع كما ذكر ابن المنذر (4) .\rوإنما اختلف في بعض شروطها، كما اختلف في علة تسميتها، فقيل: سميت بالعنان؛ لأن الأصل في الشريكين أن يتساويا في المال والتصرف، كالفارسين إذا سوَّيا بين فرسيهما وتساويا في السير، فإن عناني فرسيهما يكونان سواء. وشركة العنان: اتفاق الرجلين على الاشتراك في شيء معلوم من مالهما، وانفراد كل بباقي ماله، فهما متساويان فيما يشتركان فيه. وقال الفراء: هي مشتقة من عَنَّ الشيء: إذا عرض، يقال: عنَّت لي حاجة: إذا عرضت، فسميت الشركة عناناً؛ لأن كل واحد منهما عنَّ له أن يشارك صاحبه، أو أنها تقع على حسب ما يعن لهما في كل التجارات أو في بعضها.\r-------------------------------\r(1) فتح القدير: 4/5 ومابعدها، البدائع: 56/6، رد المحتار: 368/3، مجمع الضمانات: ص297.\r(2) العنان بكسر العين وتفتح.\r(3) أي والخسارة عليهما أيضاً، فالشركاء يشتركون في الربح والخسارة، ولا يصح إعفاء أحد الشركاء من تحمل الخسارة مع مقاسمته في الربح، وهذا المبدأ مقرر شرعاً وقانوناً.\r(4) معنى شركة العنان هذا متفق عليه بين الحنفية والشافعية والزيدية والجعفرية والظاهرية والحنابلة في أحد قولين عندهم، فلا تنشأ الشركة إلا بالتصرف برأس المال بالشراء. وقال المالكية وفي قول راجح عند الحنابلة: تنعقد شركة المال بمجرد انعقاد العقد بين الشركاء. هذا هو المقرر قانوناً. (الشركات في الفقه الإسلامي للأستاذ علي الخفيف: 23-35، 48).","part":5,"page":525},{"id":3371,"text":"قال السبكي: المشهور أنها مأخوذة من عنان الدابة وهو ما تقاد به، كأن كل واحد من الشريكين أخذ بعنان صاحبه، لا يطلقه يتصرف حيث شاء (1) .\rوهذا النوع من الشركات هو السائد بين الناس (2) ؛ لأن شركة العنان لا يشترط فيها المساواة لا في المال ولافي التصرف، فيجوز أن يكون مال أحد الشريكين أكثر من الآخر، كما يجوز أن يكون أحدهما مسؤولاً عن الشركة والآخر غير مسؤول، وهي من أجله ليس فيها كفالة، فلا يطالب أحدهما إلا بما عقده بنفسه من التصرفات، أما تصرفات شريكه فهوغير مسؤول عنها، ويجوز مع ذلك أن يتساويا في الربح أو يختلفا، فيوزع الربح بينهما حسب الشرط الذي اتفقا عليه، أما الخسارة فتكون بنسبة رأس المال فحسب، عملاً بقاعدة: «الربح على ما شرطا، والوضيعة على قدر المالين» .\r2 - شركة المفاوضة: المفاوضة في اللغة. وسمي هذا النوع من الشركة مفاوضة لا عتبار المساواة في رأس المال والربح وفي القدرة على التصرف وغيرها، قال في الهداية: لأنها شركة عامة في جميع التجارات، يفوض كل واحد من الشريكين أمر الشركة إلى صاحبه على الإطلاق. وقيل: هي من التفويض؛ لأن كل واحد منهما يفوض التصرف إلى صاحبه على كل حال في غيبته وحضوره. وقال المالكية والشافعية: سميت مفاوضة من تفاوض الرجلان في الحديث: شرعا فيه جميعاً.\r-------------------------------\r(1) مختصر الطحاوي: ص 107، المبسوط: 151/11، فتح القدير: 20/5، البدائع: 57/6، رد المحتار: 373/3، الشرح الكبير: 359/3، المغني: 13/5، مغني المحتاج: 212/2.\r(2) يختلف معنى شركة العنان بين الحنفية والمالكية، فعند الحنفية تتضمن هذه الشركة توكيل كل شريك لصاحبه في التصرف، وذلك ما يجعل له حق الاستقلال به إذا أراد. أما عند المالكية فلا تتضمن ذلك، ولا يملك أحد الشركاء أن يتصرف منفرداً إلا بإذن صاحبه، وفي هذه الحالة تكون الشركة شركة أملاك عند الحنفية وإذا كان الشريك مطلق التصرف في رأس المال مستقلاً بدون إذن صاحبه فالشركة مفاوضة عند المالكية (راجع الشركات في الفقه الإسلامي للأستاذ علي الخفيف).","part":5,"page":526},{"id":3372,"text":"وهي في الاصطلاح: أن يتعاقد اثنان فأكثر على أن يشتركا في عمل بشرط أن يكونا متساويين في رأس مالهما وتصرفهما ودينهما أي (ملتهما)، ويكون كل واحد منهما كفيلاً عن الآخر فيما يجب عليه من شراء وبيع، أي أن كل شريك ملزم بما ألزم شريكه الآخر من حقوق ما يتجران فيه، وما يجب لكل واحد منهما يجب للآخر، أي أنهما متضامنان في الحقوق والواجبات المتعلقة بما يتاجران فيه، ويكون كل واحد منهما فيما يجب لصاحبه بمنزلة الوكيل له، وفيما يجب عليه بمنزلة الكفيل عنه.\rفهما يتساويان في رأس المال وفي الربح، فلا يصح أن يكون أحدهما أكثر مالاً من الآخر، كأن يملك أحدهما ألف دينار والآخر خمس مئة، ولو لم يكن المبلغ مستعملاً في التجارة، أي أنه لا يجوز أن يبقيا شيئاً من جنس مال الشركة إلا ويدخلانه في الشركة. ويشترط التساوي في التصرف فلا تصح بين صبي وبالغ، ولا بين مسلم وكافر (1) ، ولا يصح أن يكون تصرف أحدهما أكثر من تصرف الآخر. فإذا تحققت المساواة الكاملة انعقدت الشركة، وكان كل واحد منهما وكيلاً عن صاحبه وكفيلاً عنه يطالب بما يعقده صاحبه، ويسأل عن جميع تصرفاته. فإذا اختل شرط من هذه الشروط، أو تملك أحد الشريكين مالاً يصلح أن يكون رأس مال لشركة العقد، تحولت الشركة إلى شركة عنان، لعدم تحقق المساواة (2) .\r-------------------------------\r(1) أجاز أبو يوسف هذه الشركة مع اختلاف الملة مع الكراهة (الدر المختار: 369/3).\r(2) يلاحظ أنه لا يشارك أحد المتفاوضين صاحبه فيما يرث من ميراث عيني ولا جائزة يمنحها الحاكم له أو هبة أو هدية إلا عند ابن أبي ليلى.","part":5,"page":527},{"id":3373,"text":"وعلى هذا فإن هذه الشركة تتطلب الاشتراك بين الشريكين في كل ما لهما من الحقوق كإرث نقدي وركاز ولقطة، وما عليهما من الواجبات التي يلتزم بها كل واحد من دين بسبب التجارة واستقراض وضمان غصب وقيمة متلف وأرش (1) جناية على الدابة أو الثوب مثلاً ونحوها من مغارم الأموال (2) في قول أبي حنيفة ومحمد (3) .\rوبعبارة أخرى: تنعقد شركة المفاوضة على أساس الاشتراك فيما يملكه كل شريك من مال يصح أن يكون رأس مال للشركة وهو النقود الحاضرة، مع تساوي جميع الشركاء في الربح وفي رأس المال، وعلى أن يعمل كل شريك في مال صاحبه مستبداً برأيه.\rفإذا اختص أحد الشركاء فيها بملك مال يصلح أن يكون رأس مال لشركة العقد كالنقود لا تكون شركة مفاوضة، وإن عقدت بلفظها، لانعدام المساواة في المال، ولكن إذا اختص أحدهم بملك عَرْض أو دين على إنسان، أو بملك عقار لم يؤثر المملوك في صحتها؛ لأن كل ذلك لا يصلح أن تعقد عليه الشركة، فكان كاختصاص الشريك فيها بالزوجة (4) . فإذا استحق الشريك مالاً من إرث ونحوه، تفسد المفاوضة إذا كان المال نقوداً دراهم أو دنانير وتم قبضه فعلاً، أما إذا قبض عروضاً أو عقاراً فلا تفسد المفاوضة.\rوقد أجاز الحنفية والزيدية هذه الشركة لقوله عليه الصلاة والسلام: «إذا\r-------------------------------\r(1) الأرش: هو العوض المحدد شرعاً لما دون النفس بسبب الجناية على عضو مثلاً.\r(2) لأن الجاني يملك المجني عليه بالضمان(رد المحتار: 371/3).\r(3) المبسوط: 153/11، 177، 189، فتح القدير: 5/5 ومابعدها، البدائع: 58/6، تبيين الحقائق: 313/3، مجمع الضمانات: 294، رد المحتار: 369/3، 372، مختصر الطحاوي: ص 106، بداية المجتهد: 251/2، الشرح الكبير: 351/3، مغني المحتاج: 212/2، المهذب: 346/1، المغني: 26/5، الفقه على المذاهب الأربعة: 89/3، الميزان: 82/1، المنتزع المختار: 354/3.\r(4) حاشية الشلبي علي الزيلعي: 314/3، الشركات للأستاذ الخفيف: ص 58 وما بعدها.","part":5,"page":528},{"id":3374,"text":"تفاوضتم فأحسنوا المفاوضة» ، «فاوضوا فإنه أعظم للبركة» (1) ولأن الناس يتعاملون بها في سائر الأعصار من غير نكير من أحد. وأما الجهالة الحاصلة فيها وهي أنها تتضمن الوكالة بشراء مجهول الجنس، والكفالة بمجهول، فإنها متحملة، لأنها تثبت تبعاً، والتصرف قد يصح تبعاً ولا يصح مقصوداً، كما هو الحال في المضاربة، فإنها تتضمن الوكالة بشراء مجهول الجنس.\rوأما المالكية: فأجازوا شركة المفاوضة بغير هذا المعنى الذي ذكره الحنفية: وهو أن تعقد الشركة على أن يكون كل شريك مطلق التصرف في رأس المال استقلالاً، دون حاجة إلى أخذ رأي شركائه، حاضرين أم غائبين، بيعاً وشراء وأخذاً وعطاء وكراء واستكراء، وضماناً وتوكيلاً وكفالة وقراضاً وتبرعاً وغيرها مما تحتاج إليه التجارة من تصرف. ويلزم كل شريك بكل ما يعمله شريكه. ولا تكون إلا فيما تم العقد عليه من أموالهم، دون ما ينفرد به كل منهم من مال لم يدخله في الشركة.\rأما إذا عقدت الشركة على ألا يستبد (ينفرد) أحد الشركاء بالتصرف في رأس المال، وليس له إلا أن يعمل مع شركائه جميعاً، فإنها حينئذ تسمى عندهم شركة عنان (2) .\rوعلى هذا فشركة المفاوضة بمفهومها عند المالكية، لا خلاف فيها عند الفقهاء.\r-------------------------------\r(1) قال الحافظ الزيلعي عن هذا الحديث وما قبله: غريب أي لا أصل له، ثم حاول أن يجد أصلاً للحديث، فقال: أخرج ابن ماجه في سننه عن صهيب قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم : «ثلاث فيهن البركة: البيع إلى أجل، والمقارضة، وإخلاط البر بالشعير للبيت لا للبيع» ثم قال الزيلعي: ويوجد في بعض نسخ ابن ماجه (المفاوضة) بدل (المقارضة) (راجع نصب الراية: 475/3).\r(2) الشركات في الفقه الإسلامي لأستاذنا المرحوم علي الخفيف: 34، الإفصاح: 25، القوانين الفقهية: 283، الشرح الكبير للدردير: 351/3، 359، الخرشي: 43/6.","part":5,"page":529},{"id":3375,"text":"أما شركة المفاوضة بالمعنى الذي ذكره الحنفية والزيدية، فلا يجيزها الشافعية والحنابلة وجمهور الفقهاء، لأنه عقد لم يرد الشرع بمثله، ولأن تحقق المساواة بالمعنى المطلوب في هذه الشركة أمر عسير، ولأن فيها غرراً كثيراً وجهالة لما فيها من الوكالة بالمجهول والكفالة به، فلم تصح كبيع الغرر. وبيان وجه الغرر فيه: هو أنه يلزم كل واحد منهما ما لزم الآخر، وقد يلزمه شيء لا يقدر على القيام به، ولهذا قال الشافعي رضي الله عنه: «إن لم تكن شركة المفاوضة باطلة، فلا باطل أعرفه في الدنيا» وأما الحديث السابق فهو غير معروف، ولا رواه أصحاب السنن؛ بل إنه ليس فيه ما يدل على أنه أراد هذا العقد، فيحتمل أنه أراد المفاوضة في الحديث، ولهذا روي فيه: «ولا تجادلوا فإن المجادلة من الشيطان» (1) .\rوالواقع أن شركة المفاوضة بالمعنى المذكور عند الحنفية غير متيسرة الوجود، إن لم تكن متعذرة التحقيق (2) .\rثانياً ـ تعريف شركة الوجوه أو الشركة على الذمم :\rهي أن يشترك وجيهان عند الناس، من غير أن يكون لهما رأس مال، على أن يشتريا في ذممهما بالنسيئة ( أي بمؤجل )، ويبيعا بالنقد، بما لهما من وجاهة عند\r-------------------------------\r(1) المراجع السابقة. قال الحنابلة: شركة المفاوضة الصحيحة: هي تفويض كل شريك إلى صاحبه شراءً وبيعاً في الذمة، ومضاربة وتوكيلاً، ومسافرةً بالمال، وارتهاناً وضماناً، ما يرى من الأعمال، أويشتركان في كل ما يثبت لهما وعليهما إن لم يدخلا كسباً نادراً أو غرامة كوجدان لقطة أو ركاز وما يحصل من ميراث أو ما يلزم أحدهما من ضمان غصب أو أرش أو جناية وعارية ومهر (غاية المنتهى: 182/2، وانظر المغني: 26/5). وقد تطلق شركة المفاوضة عند الحنابلة على أن يشترك الشريكان في جميع أنواع الشركة، مثل أن يجمعا بين شركة العنان والوجوه والأبدان. فيصح ذلك، لأن كل نوع منها يصح على انفراده، فصح مع غيره . (انظر المغني: 25/5).\r(2) الشركات في الفقه الإسلامي، المرجع السابق: 61.","part":5,"page":530},{"id":3376,"text":"الناس، فيقولا: اشتركنا على أن نشتري بالنسيئة ونبيع بالنقد، على أن ما رزق الله سبحانه من ربح أي (من فرق الأثمان)، فهو بيننا على شرط كذا.\rوسمي هذا النوع شركة الوجوه، لأنه لا يباع بالنسيئة إلا لوجيه من الناس عادة. وهي معروفة بالشركة على الذمم من غير صنعة ولا مال.\rوهي جائزة عند الحنفية والحنابلة والزيدية، لأنها شركة عقد تتضمن توكيل كل شريك صاحبه في البيع والشراء، وتوكيل كل واحد منهما صاحبه بالشراء على أن يكون المشترى بينهما صحيح،فكذلك الشركة التي تتضمن ذلك. هذا بالإضافة إلى أن الناس تعاملوا بها في سائر الأعصار من غير إنكار من أحد. والخلاصة: أن ما اتفقا عليه يعد عملاً من الأعمال، فيجوز أن تنعقد عليه الشركة (1) .\rوقال المالكية والشافعية والظاهرية والإمامية والليث وأبو سليمان وأبو ثور: إن هذه الشركة باطلة؛ لأن الشركة تتعلق بالمال أو بالعمل، وكلاهما معدومان في هذه المسألة (2) ، فلا يوجد مال مشترك بين الشركاء، مع ما فيها من الغرر إذ إن كل شريك يعاوض صاحبه بكسب غير محدد بصناعة، أو بعمل مخصوص، فلم يكن الربح نماء للمال، ولا مقابلاً للعمل، فلايستحق.\r-------------------------------\r(1) غاية المنتهى: 180/2، المغني: 12/5، البدائع: 57/6، فتح القدير: 30/5 ومابعدها، مجمع الضمانات: 303، المبسوط: 154/11. ويمكن اعتبار هذه الشركة صحيحة قانوناً على أساس أن رأس مالها هو مايشترى من السلع نسيئة.\r(2) بداية المجتهد: 252/2، الخرشي: 55/6، ط ثانية، مغني المحتاج: 212/2، المهذب: 346/1، الميزان للشعراني: 83/1، القوانين الفقهية: 284.","part":5,"page":531},{"id":3377,"text":"وبناء على الرأي الأول يصح تباين الشريكين في حصتهما في ملكية الشيء المشترى، فيصح أن يكون لأحدهما النصف أو أكثر من النصف، لحديث الرسول عليه السلام: «المسلمون على شروطهم» . وأما الربح فيكون بينهما على قدر الحصة في الملك، ولا يجوز أن يزيد أحدهما على ربح حصته شيئاً؛ لأن الربح في هذه الشركة يستحق بقدر ضمان ثمن السلع المشتراة (1) بالمال والعمل، والضمان يكون بقدر الحصة في الملك، فيكون الربح بقدر ذلك، فإن زاد الربح على مقدار الضمان، زاد بلا مقابل وهو لا يجوز.\rوأما الخسارة: فهي على قدر ضمان كل من الشركاء اتفاقاً.\rثالثاً ـ تعريف شركة الأعمال أو الأبدان :\rوهي أن يشترك اثنان على أن يتقبلا في ذمتهما عملاً من الأعمال، ويكون الكسب بينهما كالخياطة والحدادة والصباغة ونحوها، فيقولا: اشتركنا على أن نعمل فيه على ما رزق الله عز وجل من أجرة، فهو بيننا على شرط كذا، وهي المعروفة بشركة الحمالين وسائر المحترفة كالخياطين والنجارين والدلاّلين (السماسرة) ليكون بينهما كسبهما متساوياً أو متفاوتاً، سواء اتحدت حرفتهما كنجار ونجار، أو اختلفت كخياط ونجار. وتسمى شركة الصنايع وشركة التقبل وشركة الأبدان وشركة الأعمال. وهي اليوم شائعة في ورشة الحدادة أو النجارة ونحوهما، وتعتبر شركة التنقيب عن النفط وشركة التفريغ والشحن ونحوها من شركات الأعمال.","part":5,"page":532},{"id":3378,"text":"وهي جائزة عند المالكية والحنفية والحنابلة والزيدية؛ لأن المقصود منها تحصيل الربح، وهو ممكن بالتوكيل، وقد تعامل الناس بها ولأن الشركة تكون بالمال، أو بالعمل كما في المضاربة، وهذا هنا عمل من الأعمال (2) . وقال ابن مسعود: «اشتركت أنا وعمار وسعد يوم بدر، فأصاب سعد أسيرين. ولم أصب أنا وعمار شيئاً، فلم ينكر النبي صلّى الله عليه وسلم علينا» (3) . فهذه شركة فيما يصيبون من سلَب في الحرب.\rإلا أن المالكية يشترطون لصحة هذه الشركة اتحاد الصنعة وإن كان العمل بمكانين، فتجوز بين محترفي صنعة واحدة، ولا تجوز بين مختلفي الصنائع إلا إذا كان عَمَلا الشريكين متلازمين، بأن يتوقف وجود عمل أحدهما على وجود عمل الآخر كنساج وغزال. ويشترطون أيضاً لها الاتفاق في العقد على اقتسام الربح بقدر عمل كل من الشريكين، ولا يضر التبرع بعد ذلك، وتفسد الشركة إن شرطا التفاوت في الربح، ويكفي فيه التقارب عرفاً بين الربح والعمل، ولا يضر التفاوت اليسير في العمل مع كون الربح بينهما بالسوية.\rويرى الحنابلة جواز هذه الشركة حتى في المباحات كالحطب والحشيش ونحوهما، فتجوز عندهم فيما يشترك فيه الشريكان بأبدانهما من مباح كالاحتشاش والاصطياد والتلصص على دار الحرب، وأخذ سلَب قتلى الحرب، إلا أنهم قالوا: لا تصح شركة الدلالين.\rوقال الشافعية والإمامية وزفر من الحنفية: هي شركة باطلة؛ لأن الشركة تختص عندهم بالأموال لا بالأعمال (4) ؛ لأن العمل لا ينضبط، فكان فيه غرر\r-------------------------------\r(1) أي أن كل شريك يعد ضامناً لحصة من الثمن بقدر مايخصه من الملك.\r(2) البدائع: 57/6، 76، فتح القدير: 28/5، مختصر الطحاوي: 107، المبسوط: 154/11 ومابعدها، مجمع الضمانات: 303، رد المحتار: 380/3، بداية المجتهد: 252/2، المغني: 3/5، 11، الخرشي: 38/6، 51-53، الشركات للأستاذ الخفيف: 99، القوانين الفقهية: 284، غاية المنتهى: 180/2.\r(3) رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه عن أبي عبيدة عن عبد الله ، قال ابن تيمية في «منتقى الأخبار من أحاديث سيد الأخيار» عن هذا الحديث: «وهو حجة في شركة الأبدان وتملك المباحات» (راجع جامع الأصول: 108/6، نيل الأوطار: 265/5).\r(4) أبطل القانون المدني هذه الشركات لأنها لا تقوم على رأس مال، فلا يجوز أن يكون رأس مال الشركة عبارة عن مجرد أعمال الشركاء، وإنما يجب أن يتضمن جزءاً ما دياً.","part":5,"page":533},{"id":3379,"text":"وعدم انضباط، إذ لا يدري أحدهما أن صاحبه يكسب أم لا، وربما قام أحد الشريكين بالعمل كله دون أن يقوم غيره بشيء، فيكون في ذلك غبن حين يتقاسم الشريكان ثمار العمل، ولأن كل واحد منهما متميز عن الآخر ببدنه ومنافعه، فيختص بفوائده، كما لو اشتركا في الاحتطاب والاصطياد وسائر المباحات، فإن ذلك لا يجوز حتى عند الحنفية؛ لأن الشركة مقتضاها الوكالة، ولا تصح الوكالة في تملك المباح، لأنه يملك بالاستيلاء (1) .\rالمطلب الثاني ـ شرائط شركة العقود\rاشترط علماء الحنفية شروطاً في شركات العقود، منها ما هو عام لكل أنواع شركة العقود، ومنها ما هو خاص.\rأولاً ـ الشروط العامة في شركات العقود :\rيشترط لصحة شركات العقود شرائط هي (2) :\r1 - قابلية الوكالة: وهي أن يكون التصرف المعقود عليه عقد الشركة قابلاً للوكالة (3) ؛ لأن من حكم الشركة: ثبوت الاشتراك في الربح المستفاد بالتجارة، ولا يصير المستفاد بالتجارة مشتركاً بينهما، إلا أن يكون كل واحد منهما وكيلاً عن صاحبه في بعض أموال الشركة، وعاملاً لنفسه في البعض الآخر. وبناء عليه\r-------------------------------\r(1) فتح القدير: 31/5، مغني المحتاج: 212/2.\r(2) راجع فتح القدير مع العناية: 5/5 ومابعدها، البدائع: 58/6 وما بعدها، مغني المحتاج: 213/2، الخرشي: 39/6.\r(3) هذا عند الحنفية احتراز عن الشركة في المباحات كالاحتشاش والاحتطاب والاصطياد، فإن الملك في هذه الحالات يقع لمن باشر سبب الملك بخصوصه. وأجاز الجمهور في الأظهر عند الشافعية التوكيل في تملك المباحات.","part":5,"page":534},{"id":3380,"text":"تتطلب الشركة أن يأذن كل شريك لصاحبه في التصرف بالشراء والبيع وتقبل الأعمال، والوكيل هو المتصرف بإذن غيره. وبما أن الشركة على اختلاف أنواعها تتضمن معنى التوكيل، أي وكالة كل شريك عن صاحبه، فيشترط في الشركة قابلية الوكالة، وأن يكون كل شريك أهلاً للوكالة والتوكيل. ومالا يجوز التوكيل فيه عند الحنفية خلافاً للجمهور: هو الاستيلاء على المباحات.\r2 - أن يكون الربح معلوم القدر بجزء محدد: أي بحيث تكون حصة كل شريك من الربح نسبة معلومة منه، كخمسه أو ثلثه أو عشرة في المئة، فإن كان الربح مجهولاً تفسد الشركة؛ لأن الربح هو المعقود عليه، وجهالة المعقود عليه تستوجب فساد العقد.\r3 - أن يكون الربح جزءاً شائعاً في الجملة لا معيناً: فإن عينا ربحاً معيناً لأحدهما كعشرة أو مئة، كانت الشركة فاسدة؛ لأن العقد يقتضي تحقق الاشتراك في الربح، ومن الجائز ألا يتحقق الربح إلا في القدر المعين لأحد الشريكين، فكان التعيين منافياً لمقتضى عقد الشركة.\rثانياً ـ الشروط الخاصة بعقود شركات الأموال :\rيشترط في شركات الأموال شروط خاصة بها، سواء أكانت الشركة عناناً أم مفاوضة، وهي (1) :\r1 - أن يكون رأس مال الشركة عيناً حاضرة، إما عند العقد أو عند الشراء، وهو رأي جمهور الفقهاء: فلا يجوز أن يكون رأس المال ديناً ولا مالاً غائباً؛ لأن المقصود من الشركة الربح، وهو يتم بواسطة التصرف، والتصرف لا يمكن في\r-------------------------------\r(1) البدائع: 59/6 وما بعدها، غاية المنتهى: 166/2.","part":5,"page":535},{"id":3381,"text":"الدين ولا في المال الغائب، فلا يتحقق المقصود من الشركة، ولأن المدين ربما لا يدفع الدين، وقد لا يحضر الغائب.وعلى هذا: لو دفع إنسان لآخر ألف درهم، وقال له: أخرج مثلها، واشتر بها وبع، فما ربحت يكون بيننا، فأخرج ألفاً واشترى بها، جاز، وإذن فالمهم هو حضور المال عند الشراء، ولا يشترط عند العقد؛ لأن الشركة تتم بالشراء، فيطلب الحضور عندئذ.\rهل يشترط خلط المالين؟\rقال الجمهور (وهم الحنفية والمالكية والحنابلة) (1) : لا يشترط خلط المالين، لأن الشركة يتحقق معناها بالعقد لا بالمال، ومورد العقد هو العمل، والربح نتيجته والمال تبع، فلا يشترط خلط المال كالمضاربة، ولأن الشركة عقد على التصرف، ففيها معنى الوكالة، والوكالة جائزة في المالين قبل خلطهما، فتجوز الشركة كذلك (2) ، فإن الشركاء إذا صرحوا بأن يشتري أحدهم بهذه الدراهم، والآخر بهذه الدنانير على أن المشترى بينهما صح.\rإلا أن المالكية قالوا: إن عدم اشتراط اختلاط المالين لا يعني عزلهما من كل الوجوه، بل لا بد من أن يكون الخلط إما حساً أو حكماً، مثل أن يكون المالان في صندوق واحد، وأيديهما مطلقة عليهما.\r-------------------------------\r(1) مختصر الطحاوي: 107، فتح القدير: /24، البدائع: 60/6، المبسوط: 177/11، بداية المجتهد: 250/2، القوانين الفقهية: 283، المغني: 16/5، الخرشي: 41/6، ط ثانية، غاية المنتهى: 162/2.\r(2) يلاحظ أنه لا محل لاشتراط خلط الأموال في التشريع الوضعي، لأن من آثار نشوء عقد الشركة وجود شخص اعتباري وهو الشركة، تنتقل إليه ملكية رأس المال جميعه (الشركات في الفقه الإسلامي للأستاذ الشيخ علي الخفيف: 46).","part":5,"page":536},{"id":3382,"text":"وقال زفر والشافعية والظاهرية والزيدية والإمامية: يشترط خلط المالين بحيث لا يتميز أحدهما عن الآخر، ولا بد من كون الخلط قبل العقد، فإن وقع بعده لم يكف في الأصح؛ لأن الشركة تعني الاختلاط، والاختلاط لا يتحقق مع تميز المالين، فلا يتحقق معنى الشركة، ولأن من أحكام الشركة أن الهلاك يكون من المالين، وإذا هلك أحد المالين قبل الخلط يهلك على صاحبه وحده، وهذا ليس من مقتضى الشركة (1) .\rويترتب على هذا الخلاف: أن الشركة تصح عند الجمهور إذا كان المالان من جنسين مختلفين كدراهم ودنانير، أو من جنس واحد لكن بصفتين مختلفتين كحنطة جديدة وحنطة عتيقة، أو بيضاء وسوداء، أو بيضاء وحمراء، إذ لا يشترط عندهم خلط المالين.\rولا يصح ذلك عند الشافعية وزفر، لإمكان التمييز وإن كان فيه عسر، لأنه يشترط خلط المالين خلطاً تاماً بحيث يتعذر التمييز بين المالين، وهو لا يتحقق في مختلفي الجنس أو الصفة.\rقال ابن رشد المالكي: «والفقه أن بالاختلاط يكون عمل الشريكين أفضل وأتم؛ لأن النصح يوجد منه لشريكه كما يوجد لنفسه» (2) .\r2 - أن يكون رأس مال الشركة أثماناً مطلقة (3) أي نقوداً وهي الدراهم والدنانير في الماضي، والنقود المتداولة الآن. وهذا الشرط عند جمهور العلماء (4)\r-------------------------------\r(1) مغني المحتاج: 213/2،المهذب: 345/1، المنتزع المختار: 354/3.\r(2) بداية المجتهد: 250/2.\r(3) وهي التي لا تتعين بالتعيين.\r(4) البدائع: 59/6، فتح القدير: 14/5، تبيين الحقائق: 316/3، مختصر الطحاوي: 107، المبسوط: 159/11 ومابعدها، مغني المحتاج: 213/2، المغني: 13/5ومابعدها، المهذب: 345/1، رد المحتار: 372/3، الخرشي: 40/6، ط ثانية.","part":5,"page":537},{"id":3383,"text":"فلا تجوز الشركة في العروض (1) من عقار أو منقول، لأنها ليست من ذوات الأمثال، وإنما هي من ذوات القيمة التي تختلف باختلاف أعيانها، والشركة فيها تؤدي إلى جهالة الربح عند قسمة مال الشركة؛ لأن رأس المال يتكون من قيمة العروض لا عينها، والقيمة مجهولة؛ لأنها تعرف بالحزر والظن، وهو يختلف باختلاف التقويم، فيصير الربح مجهولاً؛ فيؤدي إلى المنازعة عند القسمة. ثم إن الشركة تتضمن الوكالة، والوكالة لا تصح في العروض، فلو قال شخص لغيره: بع عرضك (أي متاعك أو دارك) على أن يكون ثمنه بيننا، لا يجوز إذ الولاية عليه له وحده دون غيره، أما لو قال: اشتر بألف درهم من مالك على أن ما اشتريته يكون بيننا، وأنا أشتري بألف درهم من مالي على أن ما أشتري يكون بيننا، جاز؛ لأن الشركة تكون في النقود.\rوقال الإمام مالك: لا يشترط كون رأس مال الشركة نقداً، وإنما تصح الشركة في الدراهم والدنانير، كما تصح في العروض سواء اتفقا جنساً أو اختلفا، وتكون الشركة في العروض مقدرة بقيمتها، ودليله أن الشركة عقدت رأس مال معلوم، فأشبه النقود (2) .\rويترتب على هذا الشرط عند الحنفية في الرواية الراجحة، وعند الحنابلة: أنه لا تصح الشركة في التبر (أي ما لم يضرب من الذهب والفضة) والنُقرة (أي القطعة المذابة من الذهب أو الفضة) بناء على أنه كالعروض.\rأما في الرواية الأخرى عند الحنفية فتجوز الشركة فيه؛ لأنه كالأثمان المطلقة، والمدار على تعامل الناس به، فإذا تعاملوا به فحكمه حكم النقود، وإن لم يتعاملوا\r-------------------------------\r(1) قال في القاموس: العرض (أي بسكون الراء): المتاع، ويحرك أي يفتح الراء.\r(2) الشرح الكبير: 349/3، بداية المجتهد: 249/2.","part":5,"page":538},{"id":3384,"text":"به فحكمه حكم العروض. وأما الشافعية فقد أجازوا الشركة فيه؛ لأنهم عدوه من المثليات (1) .\rوأما الفلوس (2) : فلا تجوز الشركة فيها في الرواية المشهورة عن أبي حنيفة وأبي يوسف، لأنها إذا كانت كاسدة فهي كالعروض، وإن كانت نافقة (أي رائجة) فهي ليست أثماناً مطلقة عندهما (أي لا تلازمها صفة الثمنية) لأنها تتعين بالتعيين في الجملة، وتصير مبيعاً باصطلاح العاقدين. وإذا لم تكن أثماناً مطلقة لاحتمالها التعيين بالجملة في عقود المعاوضات، لم تصلح رأس مال الشركة كسائر العروض. وهذا هو رأي الشافعية والحنابلة وابن القاسم من المالكية؛ لأنها تنفق مرة وتكسد مرة أخرى فأشبهت العروض.\rوقال محمد: يصح أن تكون الفلوس الرائجة رأس مال الشركة؛ لأنها بحسب الأصل عنده تعتبر من الأثمان المطلقة، لأن الثمنية لازمة لها (3) .\rوأما الشركة في المثليات التي ليست بأثمان مطلقة من المكيل والموزون والعددي المتقارب كالجوز والبيض: فتصح الشركة فيها عند الشافعية والمالكية؛ لأن الشافعية جعلوا العدديات المتقاربة من المثليات فتصح الشركة فيها على الأظهر عندهم؛ ولأن المكيل أو الموزون إذا اختلط بجنسه ارتفع التمييز بينهما، فأشبه النقدين. وأما المالكية فأجازوا الشركة فيها بحسب قيمتها عند الخلط، لا قيمتها عند البيع، كما في العروض؛ لأن خلط الطعامين مثلاً يجعل من المتعذرفصلهما بخلاف العروض، فإنه يمكن تمييز كل عرض عن غيره (4) .\r-------------------------------\r(1) المراجع السابقة عند الحنفية.\r(2) الفلوس جمع فلس وهو قطعة مضروبة من النحاس كان يتعامل بها.\r(3) البدائع: 59/6، المغني: 15/5، المبسوط للسرخسي: 160/11، رد المحتار: 372/3، غاية المنتهى: 166/2.\r(4) مغني المحتاج: 213/2، الشرح الكبير: 349/3.","part":5,"page":539},{"id":3385,"text":"وقال الحنابلة: لا تجوز الشركة في ظاهر المذهب في المكيل والموزون والعدديات المتقاربة، كما لا تجوز في سائر العروض (1) .\rوقال الحنفية والشيعة الإمامية والزيدية: لا تجوز الشركة في المكيلات والموزونات والعدديات المتقاربة قبل الخلط؛ لأنها إنما تتعين بالتعيين إذا كانت عيناً، فكانت كالعروض، فهي ليست أثماناً مطلقة، مع العلم بأن شرط جواز الشركة أن يكون رأس المال مما لا يتعين بالتعيين، فلو قال شخص لغيره: بع حنطتك على أن يكون ثمنها بيننا لم يجز، وأما بعد الخلط: فإن كانت الشركة في جنسين مختلفين كالحنطة والأرز والشعير فلا تجوز، وإن كانت من جنس واحد فلاتصح أيضاً عند أبي يوسف، وإنما تصير شركة أملاك.\rوقال أبو حنيفة ومحمد: تصح الشركة فيها بعد الخلط، فيكون مذهب الحنفية قريباً من مذهب الشافعية.\rوتظهر فائدة الخلاف عند التساوي في المالين واشتراط التفاضل في الربح، بأن كان المكيل نصفين بين شريكين، ولكنهما شرطا أن يكون الربح أثلاثاً، فخلطاه، واشتريا به، فعلى قول أبي يوسف: يكون الربح بينهما على قدر المالين نصفين. وعلى قول محمد: يكون الربح بحسب ما شرطا.\rوجه قول أبي يوسف: هو أنه متمشٍ مع الأصل الذي بنى عليه الحنفية عدم جوازالشركة في المكيلات والموزونات ونحوها قبل الخلط: وهو أنها ليست أثماناً مطلقة على كل حال، بل قد تكون تارة ثمناً، وتارة مبيعاً؛لأنها تتعين بالتعيين في الجملة فكانت كالفلوس، وشرط جواز الشركة ألا يكون رأس المال مما يتعين بالتعيين.\rووجه قول محمد: هو أن معنى الوكالة التي تتضمنها الشركة ثابت في هذه الأشياء بعد الخلط، فأشبهت الدراهم والدنانير، بخلاف ما قبل الخلط؛ لأن الوكالة التي هي من مقتضيات الشركة لا تصح في هذه الأشياء قبل الخلط.\r-------------------------------\r(1) المغني: 13/5 وما بعدها.","part":5,"page":540},{"id":3386,"text":"والحيلة عند أبي يوسف في جواز الشركة بهذه الأشياء: أن يخلط المالان حتى تصير شركة ملك بينهما، ثم يعقدا عليهما عقد الشركة (1) .\rثالثاً ـ الشروط الخاصة بشركة المفاوضة :\rاشترط الحنفية شروطاً خاصة بشركة المفاوضة وهي (2) :\r1 - أن يكون لكل من الشريكين أهلية الوكالة والكفالة: بأن يكونا حرين بالغين عاقلين راشدين؛ لأن من أحكام المفاوضة أن ما يلزم أحدهما من الحقوق والواجبات فيما يتجران فيه يلزم الآخر، ويكون كل واحد منهما فيما وجب على صاحبه بمنزلة الكفيل عنه، كما أنه يكون كل واحد منهما فيما وجب لصاحبه بمنزلة الوكيل.\r2 - المساواة في رأس المال قدراً وقيمة ابتداء وانتهاء، في الرواية المشهورة: فلو كان المالان متفاضلين قدراً لم تكن مفاوضة؛ لأن المفاوضة تنبئ عن المساواة فلابد من اعتبار المساواة فيها ما أمكن. وإذا كان المالان متفاضلين قيمة في الرواية المشهورة، كأن تفاضل النقدان في قيمة الصرف لم تجز المفاوضة؛ لأن زيادة القيمة بمنزلة زيادة في الوزن، فلا تثبت المساواة التي هي من مقتضى العقد.\r-------------------------------\r(1) انظر البدائع: 60/6، فتح القدير: 16/5، المبسوط: 161/11 وما بعدها.\r(2) انظر البدائع: 60/6 وما بعدها، رد المحتار على الدر المختار: 369/3 وما بعدها.","part":5,"page":541},{"id":3387,"text":"3 - أن يكون كل ما يصلح أن يكون رأس مال للشركة لأحد المتفاوضين داخلاً في الشركة (1) : فإن لم يكن داخلاً في الشركة لم تكن مفاوضة؛ لأن ذلك يتنافى مع مبدأ المساواة. أما ما لا تصلح فيه المفاوضة كالعروض والعقارات والديون والأموال الغائبة، فلا تلزم المشاركة فيه كالتفاضل في الزوجات والأولاد.\rولا تشترط المجانسة في المال ما دامت القيمة متحدة خلافاً للزيدية. وعليه إذا كان رأس مال أحدهما ذهباً ورأس مال الآخر فضة، وهما متساويان قيمة، صحت المفاوضة على أشهر الروايتين. كذلك لا يشترط كما ذكر اختلاط المالين خلافاً لزفر.\r4 - المساواة في الربح في المفاوضة: فإن شرطا التفاضل في الربح لم تكن مفاوضة لعدم المساواة.\r5 - أن تكون المفاوضة في جميع التجارات المباحة: فلا يختص أحد الشريكين بتجارة دون شريكه؛ لأن في الاختصاص إبطالاً لمعنى المفاوضة: وهو المساواة. وعلى هذا: يفهم سبب اشتراط أبي حنيفة ومحمد أن تكون المفاوضة بين مسلمين، فلا تصح بين مسلم وكافر؛ لأن الكافر الذمي مثلاً يختص بتجارة لا تجوز للمسلم: وهي تجارة الخمر والخنزير.\rوقال أبو يوسف: تجوز المفاوضة بين مسلم وكافر،لاستوائهما في أهلية الوكالة والكفالة.\r6 - أن تكون الشركة بلفظ المفاوضة: لأن للمفاوضة شرائط لا يجمعها إلا لفظ المفاوضة أو عبارة أخرى تقوم مقامها.\rهذه هي شروط شركة المفاوضة، فإذا فقد شرط منها انقلبت الشركة عناناً؛ لأن شركة العنان\r-------------------------------\r(1) قال في كنز الدقائق والدر المختار: تبطل المفاوضة إن وهب لأحد الشريكين أو ورث ماتصح فيه الشركة، ووصل إلى يده وهو النقدان، لفوات المساواة فيما يصلح رأس مال، إذ المساواة في هذه الشركة شرط عند ابتدائها وفي حال استمرارها (تبيين الحقائق: 316/3، الدر المختار ورد المحتار: 372/3).","part":5,"page":542},{"id":3388,"text":"لا تتطلب هذه الشروط (1) .\rفلا يشترط في شركة العنان أهلية الكفالة، فتصح ممن لا تصح منه الكفالة، كالصبي المأذون بالتجارة، ولا المساواة في رأس المال، فتجوز مع تفاضل الشريكين في رأس المال، وأن يكون لأحدهما مال آخر لم يدخل في عقد الشركة.\rولا يشترط أن تكون في عموم التجارات، فتجوز أن تكون عامة أو خاصة ببعض أنواع التجارة كالحبوب والأقمشة والحديد ونحوها، كما أنها تجوز بين المسلم والذمي؛ لأنه لا تشترط المساواة في شركة العنان.\rكما لا يشترط التساوي في الربح، فيجوز تفاضلهما وتساويهما فيه.\rقال أستاذ نا الشيخ علي الخفيف: والواقع أن شركة المفاوضة على ما ذهب إليه الحنفية والزيدية لا تعد شركة واقعية، وليس لوجودها بقاء إذا ما وجدت، فإن اشتراط تساوي أموال الشركاء في القيمة، وعدم اختصاص كل شريك بمال يصلح أن يكون رأس مال للشركة في جميع مراحل وجودها لا يبقي عليها زمناً طويلاً. فإن استمرار كل شريك على ما كان له من نقود عند تكوينها وعدم زيادتها بعد ذلك، أمر يكاد أن يكون أمراً عسيراً (2) .\rرابعاً ـ شروط شركة الأعمال :\rإذا كانت شركة الأعمال مفاوضة، فيشترط فيها شرائط المفاوضة السابق ذكرها، مثل أهلية الكفالة، والتساوي في الأجر، ومراعاة لفظ المفاوضة.\rأما إذا كانت الشركة عناناً، فلا يشترط لها شيء من شروط المفاوضة وإنما تشترط أهلية الوكالة فقط. قال أبو حنيفة: ما تجوز فيه الوكالة تجوز فيه الشركة، ومالا تجوز فيه الوكالة لا تجوز فيه الشركة.\rوإذا احتاجت الصنعة إلى استعمال آلة، فاستعملها أحد الشريكين فلا يؤثر ذلك في ثبوت الشركة، وهذا بشرط ألا يكون من عمله إجارتها لغيره. أما إذا أجرها فإن أجرتها تكون له خاصة، لا مشتركة، لأنها مقابل استعمال آلة مملوكة له، فكانت مختصة به. وبناء عليه تفسد الشركة بين رجلين لأحدهما بغل وللآخر بعير على أن يؤجرهما، كما سيذكر في بحث الشركة الفاسدة، وهذا ما ذهب إليه الحنفية والحنابلة (3) .\rخامساً ـ شروط شركة الوجوه :\rإذا كانت شركة الوجوه مفاوضة، فيشترط أن يكون الشريكان من أهل الكفالة، وأن يلتزم كل منهما بنصف ثمن الشيء المشترى، وأن يكون المشترى بينهما نصفين، وأن يكون الربح بينهما نصفين، وأن يتلفظا بلفظ المفاوضة؛ لأن هذه الشركة قائمة على المساواة التامة بين الشريكين.\r-------------------------------\r(1) البدائع: 62/6، رد المحتار: 373/3.\r(2) الشركات في الفقه الإسلامي: 63.\r(3) البدائع: 63/6 ومابعدها، المغني: 6/5.","part":5,"page":543},{"id":3389,"text":"وأما إذا كانت الشركة عناناً، فلا تشترط الشروط المذكورة في المفاوضة، فيصح تفاضلهما في الشيء المشترى، ويكون التزامهما بثمن المشترى على قدر ملكيهما، كما يكون الربح بينهما على قدر تحملهما ثمن المشترى، فإذا شرط لأحدهما زيادة ربح على حصته يكون الشرط باطلاً؛ لأن الربح يتقدر بقدر ضمانهما ثمن المشترى (1) .\rالمطلب الثالث ـ أحكام شركة العقود\rشركة العقود إما أن تكون صحيحة أو فاسدة.\rفإن كانت فاسدة: وهي التي اختل فيها شرط من شرائط الصحة السابق ذكرها، فلا تفيد شيئاً مما سيذكر في أحكام الشركة (2) الصحيحة.\rوفي الجملة قال الحنفية والشافعية والحنابلة: إن فسدت الشركة يقتسمان الربح على قدر رأس أموالهما، ويرجع كل شريك على الآخر بأجرة عمله في ماله؛ لأن المسمى يسقط في العقد الفاسد (3) .\rوأما الشركة الصحيحة: وهي التي استوفت شروط صحتها، فيعرف حكمها بحسب كل نوع من أنواع الشركة، كما يتبين مما يأتي.\rأولاً ـ أحكام شركة العنان في الأموال :\r1 - شرط العمل: يجوز في شركة العنان أن يشترط الشريكان العمل عليهما أو على أحدهما دون الآخر،كأن يشترط على أن يبيعا ويشتريا على أن ما رزق الله من التجارة فهو بينهما على شرط كذا، أو أن يبيع ويشتري أحدهما دون الآخر.\r-------------------------------\r(1) البدائع: المرجع السابق: 65.\r(2) البدائع: 77/6.\r(3) مغني المحتاج: 215/2، المغني: 17/5، فتح القدير: 33/5، تبيين الحقائق: 323/3، غاية المنتهى: 169/2 ومابعدها.","part":5,"page":544},{"id":3390,"text":"2 - توزيع الربح: وأما الربح فيكون على قدر رأس المال متساوياً أو متفاضلاً، فإن كان رأس المال متساوياً بينهما (أي مناصفة) يكون الربح بينهما متساوياً، سواء شرط العمل عليهما أو على أحدهما؛ لأن استحقاق الربح عند الحنفية إما بالمال أو بالعمل أو بالتزام الضمان (1) ، وقد وجد التساوي في رأس المال، فينبغي التساوي في الربح.\rويصح أيضاً عند الحنفية ما عدا زفر أن يتفاضل الشريكان في الربح حالة التساوي في رأس المال، بشرط أن يكون العمل عليهما أو على الذي شرط له زيادة الربح؛ لأن الربح كما قالوا يستحق إما بالمال أو بالعمل أو بالضمان، وزيادة الربح في هذه الحالة كانت بسبب زيادة العمل؛ لأنه قد يكون أحد الشريكين أحذق وأهدى وأكثر عملاً وأقوى، فيستحق زيادة ربح على حساب شريكه، لحديث: «الربح على ما شرطا، والوضعية على قدر المالين» (2) .\rوإن شرط العمل على أقلهما ربحاً، فلا تجوز الشركة؛ لأنه شرط لأحد الشريكين زيادة ربح بغير عمل ولا ضمان، والربح لا يستحق إلا بمال أو عمل أو ضمان. وكذلك لا تصح الشركة إذا شرط جميع الربح لأحد الشريكين، ويلاحظ أنه ليس المراد بالعمل وجوده، وإنما يكفي شرط العمل (3) .\r-------------------------------\r(1) أما استحقاقه بالمال فلأنه يعد نماء للمال. وأما استحقاقه بالعمل في المال فلأنه شبيه بالأجرة، لأنه جزاء العمل وناتج عنه. وأما استحقاق الربح بالضمان فلقوله صلّى الله عليه وسلم : «الخراج بالضمان» أي مستحق بسببه، فإذا صار المال مضموناً على الشريك بسبب من الأسباب التي توجب ضمانه، وأصبح غير أمين فيه، فإن جميع الربح يكون له لضمانه إياه، لأنه خراج المال. ويعرف استحقاق الشريك من الربح بهذه الأسباب بالشرط.\r(2) أي الخسارة في الشركة على كل واحد منهما بقدر ماله. قال الحافظ الزيلعي عن هذا الحديث: غريب جداً(أي لا أصل له) ويوجد في بعض كتب الأصحاب من قول علي (راجع نصب الراية: 475/3).\r(3) فتح القدير: 21/5، البدائع: 62/6 ومابعدها، تبيين الحقائق: 318/3.","part":5,"page":545},{"id":3391,"text":"ورأي الحنابلة والزيدية كالحنفية: يجوز أن يتفاضل الشريكان في الربح (1) . وأما الخسارة فهي على قدر رأس المال باتفاق المذاهب.\rوقال المالكية والشافعية والظاهرية والإمامية وزفر من الحنفية: يشترط لصحة شركة العنان أن يكون الربح والخسران على قدر المالين، أي نسبتهما؛ لأن الربح نماء مالهما والخسران نقصان ما لهما، فكانا على قدر المالين، أي أن الربح يشبه الخسران، فكما أنه لو اشترط أحد الشريكين أن يتحمل فقط جزءاً من الخسران لم يجز، كذلك إذا اشترط جزءاً من الربح زائداً عن رأس ماله لا يجوز، فكان الربح والخسران تابعين للمال. ويترتب عليه أنه لو شرط الشريكان التفاضل في الربح والخسران مع تساوي المالين، أو التساوي في الربح أو الخسران مع تفاضل المالين لم يصح العقد؛ لأنه شرط ينافي مقتضى الشركة، فلم يصح، كما لو شرط أن يكون الربح لأحدهما (2) .\r3 - هلاك مال الشركة: قال الحنفية والشافعية: إذا هلك مال الشركة أو أحد المالين قبل الشراء وقبل الخلط، بطلت الشركة؛ لأن المعقود عليه في عقد الشركة هو المال، وقد تعينت الشركة فيه، وإذا هلك المعقود عليه يبطل العقد، كما في البيع. هذا إذا هلك المالان. وأما بطلان العقد حال هلاك أحد المالين، فلأن الشريك الذي لم يهلك ماله، ما رضي بشركة صاحبه في ماله إلا ليشركه في ماله، فإذا فات المقصود لم يكون راضياً بشركته، فيبطل العقد لعدم فائدته، وأي مال هلك يهلك من مال صاحبه. وهذا بخلاف ما بعد الخلط حيث يهلك على الشركة.\r-------------------------------\r(1) المغني: 27/5، المنتزع المختار: 359/3، غاية المنتهى: 165/2.\r(2) القوانين الفقهية: ص 284، بداية المجتهد: 250/2، مغني المحتاج: 216/2. المهذب: 346/1.","part":5,"page":546},{"id":3392,"text":"وإن اشترى أحد الشريكين بماله، وهلك مال الآخر بعد الشراء، فيكون ما اشتراه بينهما؛ لأنه اشتراه حالة قيام الشركة، فيصبح مملوكاً للشريكين، فهلاك المال بعدئذ لا يغير حكم المالك، وإذا وقع المشترى على الشركة يرجع الشريك على شريكه بحصته من الثمن، لأنه اشترى نصفه بوكالته، ونقد الثمن من مال نفسه (1) .\rوقال المالكية والحنابلة: تنشأ الشركة بمجرد العقد ويصير به رأس المال مشتركاً بين الشركاء. فإذا هلك أحد المالين قبل الخلط أو قبل التصرف يهلك على حساب الشركاء (2) .\r4 - التصرف بمال الشركة: لكل واحد من شريكي العنان أن يبيع مال الشركة؛ لأنهما بعقد الشركة أذن كل واحد لصاحبه ببيع مال الشركة، ولأن الشركة تتضمن الوكالة، فيصير كل واحد من الشريكين وكيلاً عن صاحبه بالبيع.\rولكل شريك أن يبيع مال الشركة بالنقد والنسيئة (أي بالدفع حالاً أو مؤجلاً) لأنه وجد الإذن بالبيع مطلقاً بمقتضى الشركة، ولأن الشركة تنعقد على عادة التجار، ومن عادتهم البيع نقداً ونسيئة.\rولا يجوز البيع نسيئة عند الشافعية. وعند الحنابلة فيه روايتان، أرجحهما أنه يجوز البيع نسيئة (3) .\rوللشريك أن يبيع بقليل الثمن وكثيره إلا بما لا يتغابن الناس في مثله؛ لأن المقصود من العقد وهو الاسترباح لا يحصل به، فكان مستثنى من العقد دلالة.\r-------------------------------\r(1) فتح القدير: 23/5، المبسوط: 167/11.\r(2) غاية المنتهى: 166/2.\r(3) غاية المنتهى: 167/2، مغني المحتاج: 214/2.","part":5,"page":547},{"id":3393,"text":"وللشريك أيضاً أن يشتري بالنقد وبالنسيئة إذا كان في يده نقود (دراهم أو دنانير ) أو مكيل أو موزون، فاشترى بالدراهم والدنانير شيئاً نسيئة، أو اشترى بالمكيل أو الموزون شيئاً نسيئة؛ لأن الشريك وكيل بالشراء، والوكيل بالشراء يملك الشراء بالنسىئة، ولأنه يمكنه حينئذ وفاء الثمن مما تحت يده من هذا المال في الحال.\rفإن لم يكن في يده دراهم ولا دنانير، وصار رأس مال الشركة كله أعياناً وأمتعة، فاشترى بدراهم أو بدنانير شيئاً نسيئة، فيكون المشترى له خاصة دون شريكه؛ لأنه لو صح في حق شريكه صار مستديناً على مال الشركة، والشريك لايملك الاستدانة على مال الشركة من غير أن يؤذن له بها، كالشريك المضارب؛ لأنه يصير رأس مال الشركة أكثر مما رضي الشريك بالمشاركة فيه، فلا يجوز من غير رضاه (1) .\rوأذكر هنا أهم أنواع التصرفات:\rآ ـ إبضاع مال الشركة وإيداعه: للشريك أن يبضع (2) مال الشركة؛ لأن الشركة تنعقد على عادة التجار، والإبضاع من عاداتهم، ولأن له أن يستأجر على العمل في البضاعة بأجر، فيكون الإبضاع أولى، إذ أن من يملك الأعلى يملك الأدنى، وللشريك أيضاً أن يودع مال الشركة؛ لأن الإيداع من عادة التجار، ومن ضرورات التجارة أيضاً.\r-------------------------------\r(1) البدائع: 68/6، رد المحتار: 377/3.\r(2) أي أن يدفع مالاً من الشركة لمن يشتري به بضاعة من بلد كذا بدون جُعْل (الشرح الكبير للدردير: 352/2، 521، غاية المنتهى: 166/2) قال ابن عابدين في رد المحتار: 377/3: في القاموس: الباضع: الشريك ا هـ. والمراد هنا دفع المال لآخر ليعمل فيه على أن يكون الربح لرب المال ولا شيء للعامل. وعرف الشافعية الإبضاع بتعريف أوضح مما سبق: وهو بعث المال مع من يتجر فيه متبرعاً. والبضاعة: المال المبعوث (راجع مغني المحتاج: 312/2). انظر أحكام المباضعة في مجمع الضمانات: ص 313.","part":5,"page":548},{"id":3394,"text":"وخالف الشافعية في ذلك، وللحنابلة في جواز الإبضاع روايتان.\rب ـ المضاربة بمال الشركة: وللشريك أن يدفع المال إلى شخص للمضاربة فيه، وهو ظاهر الرواية عند الحنفية والأصح؛ لأن الشريك يملك أن يستأجر أجيراً يعمل في مال الشركة، فلأن يملك الدفع مضاربة أولى؛ لأن الأجير يستحق الأجر، سواء حصل في الشركة ربح أم لم يحصل، والمضارب لا يستحق شيئاً بعمله إلا إذا كان في المضاربة ربح، فلما ملك الاستئجار فلأن يملك الدفع مضاربة أولى.\rجـ ـ التوكيل بالبيع وبالشراء: وللشريك أن يوكل بالبيع؛ لأن التوكيل دون المضاربة، كما له أن يوكل بالشراء؛ لأن التوكيل بالبيع والشراء من أعمال التجارات، إذ التاجر لا يمكنه مباشرة جميع التصرفات بنفسه، فيحتاج إلى التوكيل، فكان التوكيل من ضرورات التجارة.\rد ـ الرهن والارتهان: وله بإذن شريكه أن يرهن متاعاً من الشركة بدين وجب بعقد مارسه وهو الشراء، وأن يرتهن بما باعه؛ لأن الرهن إيفاء الدين، والارتهان استيفاؤه، وأنه يملك الإيفاء والاستيفاء (1) .\rهـ ـ الحوالة بثمن البضاعة: وله أن يقبل الحوالة بالثمن وأن يحيل؛ لأن الحوالة من أعمال التجارة؛ لأن التاجر يحتاج إليها لاختلاف الناس في الغنى والإعسار، فكانت الحوالة وسيلة إلى الاستيفاء، فكانت في معنى الرهن في التوثق للاستيفاء.\rو ـ الالتزام بحقوق العقد: كل ما يتعلق بحقوق العقد من القبض وتسليم\r-------------------------------\r(1) فتح القدير: 26/5، رد المحتار على الدر المختار: 378/3.","part":5,"page":549},{"id":3395,"text":"المبيع والخصومة (1) يلتزم بها الشريك الذي مارس العقد دون شريكه، فلو باع أحدهما شيئاً لم يكن للآخر أن يقبض شيئاً من الثمن، وكذلك كل دين لزم إنساناً بعقد مارسه أحدهما ليس للآخر قبضه، وللمدين أن يمتنع عن دفعه إليه؛ لأن القبض من حقوق العقد، وهي متعلقة بالعاقد، وليس لأحد الشريكين أن يخاصم في أمر صدر من شريكه كبيع أو إدانة؛ لأن الخصومة من حقوق العقد، وحقوق العقد تتعلق بالعاقد. ولو اشترى أحدهما شيئاً لا يطالب الآخر بالثمن، وليس للشريك قبض المبيع لما ذكر.\rز ـ السفر بمال الشركة: أما السفر بمال الشركة فيجوز عند أبي حنيفة ومحمد في أصح الروايات والمالكية والحنابلة؛ لأن الإذن بالتصرف يثبت بمقتضى الشركة، والشركة صدرت مطلقة عن المكان، والمطلق يجري على إطلاقه إلا لدليل. وعند أبي يوسف والشافعي: لا يجوز له السفر إلا بإذن شريكه، لأن السفر له خطر، فلا يجوز في ملك الغير إلا بإذنه.\rح ـ التبرع بمال الشركة أو الإقراض: ليس لأحد الشريكين أن يهب شيئاً من مال الشركة؛ لأن الهبة تبرع، وهو لا يملك التبرع على شريكه، كما ليس له أن يقرض شيئاً من مال الشركة؛ لأن القرض لا عوض له في الحال، فهو بمثابة التبرع، وهو لا يملك التبرع على شريكه (2) .\rوخلاصة كلام الشافعية: أن الشريك يتصرف بلا ضرر كالوكيل، فلا يبيع\r-------------------------------\r(1) أي كل ما يتعلق بالدعوى التي تثار لدى القضاء بسبب منازعة تنشأ من العقد.\r(2) انظر هذه الأحكام التي ذكرت في المبسوط: 174/11 ومابعدها، تبيين الحقائق: 320/3، فتح القدير: 25/5 وما بعدها، البدائع: 68/6-72، مجمع الضمانات: ص298 ومابعدها، رد المحتار: 377/3 ومابعدها، انظر أيضاً الشرح الكبير عند المالكية:352/2، الخرشي: 43/6، بداية المجتهد: 253/2، وعند الحنابلة: غاية المنتهى: 167/2، وعند الشافعية:مغني المحتاج: 214/2.","part":5,"page":550},{"id":3396,"text":"نسيئة بسبب الغرر، ولا بغير نقد البلد، ولا بغبن فاحش ولا يسافر بالمال ولا ببعضه بغير إذن؛ لأن الشركة في الحقيقة توكيل وتوكل.\rثانياً ـ أحكام شركة المفاوضة في الأموال :\rإن كل ما ذكرمن الأحكام مما يجوز لأحد شريكي العنان أن يفعله، يجوز لأحد شريكي المفاوضة أن يفعله، وإذا فعله فهو جائز على شريكه؛ لأن المفاوضة أخص من العنان، وكذلك كل ما كان شرطاً لصحة العنان فهو شرط لصحة المفاوضة، وكل ما فسدت به شركة العنان تفسد به شركة المفاوضة؛ لأن المفاوضة عنان وزيادة.\rأما الأحكام الخاصة بشركةالمفاوضة فهي ما يأتي (1) :\r1 - الإقرار بالدين :\rيختص شريك المفاوضة بأنه يجوز إقراره بالدين على نفسه وعلى شريكه ويطالب المقر له أيهما شاء؛ لأن كل واحد منهما كفيل عن الآخر فيلزم المقر بإقراره ويلزم شريكه بكفالته. وكذلك يختص بجواز الرهن والارتهان على شريكه بدون إذن شريكه، خلافاً لما هو مقرر في شركة العنان.\r2 - الالتزام بديون التجارة وما في معناها :\rويختص أيضاً بأن كل ما وجب على كل واحد منهما من دين التجارة أو ما في معنى التجارة يجب على الآخر تحقيقاً للمساواة بينهما، وذلك كالالتزمات الثابتة بسبب عقود التجارة كثمن المبيع في البيع الصحيح،وقيمته في البيع الفاسد،\r-------------------------------\r(1) المبسوط: 203/11 ومابعدها، مختصر الطحاوي: ص 107، البدائع: 72/6 ومابعدها، فتح القدير: 9/5 ومابعدها، 26، رد المحتار: 369/3، 378، مجمع الضمانات: ص 297.","part":5,"page":551},{"id":3397,"text":"وأجرة الشيء المأجور، أو ما في معنى التجارة كضمان الشيء المغصوب، وضمان الودائع والعواري (1) بسبب مخالفة طلب المودع في كيفية الحفظ، وضمان الاستهلاكات والإجارات والرهن والارتهان.\rوالسبب في التزام كل شريك بدين التجارة: هو أنه دين بسبب الشركة؛ لأن من مقتضيات عقد الشركة وجود البيع أو التجارة، وكل شريك منها كفيل عن صاحبه فيما يلزمه بسبب الشركة. وأما ضمان الغصب فلأنه في معنى ضمان التجارة، لأن تقرر الضمان فيه يفيد تملك الشيء المضمون، فكان في معنى ضمان البيع. وأما المخالفة في الودائع والعواري والإجارات ونحوها فضمانها في معنى ضمان الغصب، لأنه من باب التعدي على مال الغير بغير إذن مالكه.\r3 - الالتزام بالكفالة المالية :\rويلتزم كل شريك بما يقوم به أحدهما من كفالة مالية عن شخص أجنبي عند أبي حنيفة؛ لأن الكفالة وإن كانت تبرعاً في مبدأ الأمر، فهي في النتيجة معاوضة لوجود معنى التمليك والتملك بين الكفيل والمكفول عنه، فيرجع الكفيل عن المكفول عنه بما كفل إذا كانت الكفالة بطلب منه.\rوقال الصاحبان: الكفالة لا تلزم الشريك، لأنه تبرع بدليل أنها لا تصح من الصبي، وتعتبر من ثلث التركة فقط إذا صدرت من الكفيل في حالة مرضه.\r4 - المطالبة بحقوق عقد البيع والشراء :\rويطالب كل شريك بكل ما يتعلق بحقوق عقد البيع والشراء، فلو اشترى أحد الشريكين شيئاً يطالب الآخر بالثمن، كما يطالب المشتري نفسه، وله أن\r-------------------------------\r(1) جمع عارية.","part":5,"page":552},{"id":3398,"text":"يقبض المبيع كما للمشتري نفسه، وله أن يرد المبيع على البائع إذا وجد فيه عيباً، وله حق المطالبة بالثمن عند استحقاق المبيع لغير البائع، وله إقامة البينة عند حصول منازعة على شيء، كما له أن يحلف الطرف المتنازع معه في حالة إنكاره العيب على عدم علمه به.\r5 - ضمان الجناية على الإنسان والمهر ونحوه والنفقة ونفقات المنزل :\rأما أرش (1) الجنايات على الآدمي، والمهر، والنفقة، وبدل الخلع والصلح عن دم العمد، فلا يؤاخذ بها الشريك؛ لأن هذه الديون بدل عما لا يصح الاشتراك فيه، فلا يلزم إلا المباشر لسببها؛ لأن كل واحد لم يلتزم عن صاحبه بالعقد إلا بديون التجارة، وهذه الأشياء ليست متعلقة بالتجارة ولا بما في معنى التجارة، لعدم وجود معنى معاوضة المال بالمال.\rوكذلك كل ما يشتريه أحد الشريكين من طعام لأهله أو كسوة أو ما لا بد منه، ويشمل شراء بيت للسكنى، واستئجار للسكنى أو للركوب لحاجته كالحج وغيره، فهو كله جائز،وهو له خاصة استحساناً للضرورة؛ لأن ذلك مما لا بد منه، فكان مستثنى من المفاوضة، لأن المعلوم بدلالة الحال كالمشروط بالمقال. لكن للبائع أن يطالب بثمن المشتريات أي شريك شاء، وإن وقع المشترى للذي اشتراه خاصة، لأن هذا ما يجوز فيه الاشتراك، وكل واحد من الشريكين كفيل عن الآخر ببدل ما يجوز فيه الاشتراك، إلا أنهم قالوا: إن الشريك يرجع على شريكه بما أدى بقدر حصته؛ لأنه قضى ديناً عليه من مال مشترك بينهما لا على وجه التبرع بإذنه دلالة.\rومقتضى القياس أن يكون ما اشتراه أحد الشريكين من الطعام والكسوة والإدام لأهله مشتركاً بينهما؛ لأن هذه من عقود التجارة، فكانت من جنس ما يتناوله عقد الشركة.\r-------------------------------\r(1) أي دية الجراحات، وقد سبق شرح ذلك.","part":5,"page":553},{"id":3399,"text":"ثالثاً ـ أحكام شركة الوجوه :\rالشريكان في شركة الوجوه مفاوضة أوعناناً فيما يجب لهما وما يجب عليهما وما يجوز فيه فعل أحدهما على شريكه ومالا يجوز: هما بمنزلة شريكي العنان والمفاوضة في الأموال. فإذا أطلقا الشركة بينهما كانت شركة عنان؛ لأن الشركة المطلقة تقتضي العنان.\rوإذا اشتركا بوجوههما شركة مفاوضة فيجوز؛ لأنهما ضما إلى الوكالة المطلقة الكفالة، وهو جائز، إلا أنه لا بد من التساوي فيما يتبايعانه؛ لأن المفاوضة تمنع من التفاضل (1) .\rويلاحظ أن الحنابلة وإن أجازوا شركة الوجوه إلا أنهم قصروها على ما إذا كانت الشركة شركة عنان، أما إذا كانت الشركة شركة مفاوضة فلا تجوز عندهم مطلقاً، لأنها عقد لم يرد الشرع بمثله، لما فيه من الغرر، فلم يصح كبيع الغرر. ووجه الغرر كما تقدم: أنه يلزم كل واحد ما لزم الآخر، وقد يلزمه شيء لا يقدر على القيام به.\rرابعاً ـ أحكام شركة الأعمال :\rأ ـ إذا كانت شركة الأعمال مفاوضة: بأن ذكر لفظ المفاوضة أو ما هو في معنى المفاوضة، فيلزم كل شريك بما لزم صاحبه بسبب هذه الشركة، ويطالب به، ويجوز إقرار أحد الشريكين بالدين كثمن صابون أو أشنان أو أجر أجير أو حانوت على نفسه، وعلى شريكه، وللمقر له أن يطالب بالدين أي شريك شاء؛ لأن كل واحد منهما كفيل عن صاحبه، فيلزم المقر بمقتضى\r-------------------------------\r(1) راجع البدائع: 77/6، رد المحتار: 382/3، مجمع الضمانات: ص 303.","part":5,"page":554},{"id":3400,"text":"إقراره، والشريك بسبب كفالته (1) .\rومثال شركة المفاوضة في الأعمال: أن يشترك صانعان مثلاً في أن يتقبل كل منهما الأعمال، وأن يضمنا جميعاً العمل على التساوي، وأن يتساويا في الربح والخسارة (أي الوضيعة)، وأن يكون كل واحد منهما كفيلاً عن صاحبه فيما لزمه بسبب هذه الشركة.\rب- وإذا كانت شركة الأعمال عناناً : فما يتقبله كل شريك من العمل يلزمه ويلزم شريكه (2) ، وهي تشبه شركة المفاوضة بالنسبة لضمان العمل استحساناً ، فلصاحب العمل أن يطالب بالعمل أيهما شاء لوجوبه على كل واحد منهما، كما أنه لكل شريك أن يطالب صاحب العمل بكل الأجرة لأنه قد لزمه كل العمل، فكان له المطالبة بكل الأجرة، ويبرأ صاحب العمل بالدفع إلى أي شريك شاء.\rوأما القياس: فلا يحق لصاحب العمل أن يطالب بالعمل أي شريك شاء، كما أنه ليس للشريك الذي لم يتقبل العمل أن يطالب صاحب العمل بالأجرة، ووجه القياس ظاهر: وهو أن هذه الشركة هي شركة عنان، لا شركة مفاوضة، وحكم شركة العنان: أن ما يلزم كل شريك بعقده لا يطالب به الآخر.\rووجه الاستحسان: أن هذه الشركة تقتضي وجوب العمل على كل واحد من الشريكين، وإذا كانت كذلك كانت مقتضية وجوب ضمان العمل (3) ، فكانت في معنى المفاوضة بالنسبة لوجوب الضمان عن الشريك الآخر، ولكنها ليست مفاوضة حقيقية، بدليل أن غير هذين الشيئين (وهما مطالبة كل واحد منهما بالعمل واقتضاء البدل) تطبق عليه أحكام شركة العنان. فإذا أقر أحد الشريكين بدين كثمن صابون أو أشنان صار مستهلكاً، و أقر بأجر أجير أو حانوت بعد مضي مدة الإجارة، فلا يصدق إقراره على صاحبه إلا بإقراره بنفسه أو بالبينة؛ لأن نفاذ الإقرار على الآخر من مقتضيات المفاوضة ولم ينصا عليها. أما إذا كان المشتري لم يستهلك أو المدة لم تمض، فإنه يلزمهما الدين بإقرار أحدهما، مما يدل على أنه ليس لهذه الشركة حكم المفاوضة من جميع الأوجه، وإنما من ناحية حق وجوب العمل فقط، فيكون كل شريك كفيلاً عن الآخر فيما تقبله من عمل. وهذا مذهب الحنابلة أيضاً (4) .\r-------------------------------\r(1) البدائع: 77/6، تبيين الحقائق: 321/3، مجمع الضمانات: ص 302 وما بعدها.\r(2) أي أنه يلزمه العمل معه فيه.\r\r(3) أي ضمان ما يقبله صاحبه إن ادعى تلفه أي يشترك معه في ضمانه.\r(4) المغني: 5/5.","part":5,"page":555},{"id":3401,"text":"وأما الزيدية فإن هذه الشركة تتضمن عندهم التوكيل لا الكفالة على أصح القولين عندهم.\rجـ ـ اقتسام الربح في هذه الشركة: أما اقتسام الربح في هذه الشركة فيكون بحسب الضمان لا بالعمل حقيقة، فإذا عمل أحد الشريكين دون الآخر بأن مرض أو سافر فالأجر بينهما بحسب ما شرطا؛ لأن الأجر في هذه الشركة إنما يستحق بضمان العمل لا بالعمل فعلاً؛ لأن العمل قد يكون من نفس الشريك، وقد يكون من غيره كالخياط إذا استعان برجل على الخياطة، فإنه يستحق الأجر، وإن لم يعمل لوجود ضمان العمل منه، ويكفي اشتراط العمل عليهما.\rويجوز في هذه الشركة شرط التفاضل في الكسب إذا شرط التفاضل في ضمان العمل، بأن شرط لأحدهما ثلثي الكسب وهو الأجر، وللآخر الثلث، وشرطا العمل عليهما أيضاً، سواء عمل الذي شرط له الزيادة في الكسب أم لم يعمل؛ لأن استحقاق الأجرة في هذه الشركة بالضمان لا بالعمل.\rوإذا كان استحقاق أصل الأجر بأصل ضمان العمل لا بالعمل في الواقع، كان استحقاق زيادة الأجر بزيادة الضمان لا بزيادة العمل، فلو كان عمل الذي شرط له الأجر القليل أكثر جاز؛ لأن الربح بقدر ضمان العمل لا بحقيقة العمل.\rد ـ اقتسام الخسارة في هذه الشركة: وأما الوضيعة (1) ، فهي أيضاً على قدر الضمان، حتى إنه لو شرط الشريكان أن ما يتقبلانه من أعمال: ثلثاه على أحدهما، وثلثه على الآخر، والخسارة بينهما نصفان، كان هذا الشرط العائد للخسارة باطلاً، والشركة جائزة على ما شرطا على كل واحد منهما من ضمان العمل؛ لأن الربح إذا انقسم على قدر الضمان، كانت الوضيعة على قدر الضمان أيضاً.\rولو جنت يد أحدهما فالضمان عليهما جميعاً؛ لأن ضمان الجناية مبني على ضمان العمل، وهذا قد ضمناه جميعاً (2) .\r-------------------------------\r(1) الوضيعة: أي الخسران، سواء أكانت لتلف أو نقصان ثمن أو غيره.\r(2) راجع البدائع: 76/6 ومابعدها، المبسوط: 107/11 ومابعدها، فتح القدير: 29/5 ومابعدها، رد المحتار: 381/3.","part":5,"page":556},{"id":3402,"text":"المطلب الرابع ـ صفة عقد الشركة ويد الشريك :\rأولاً ـ حكم لزوم الشركة :\rيرى جمهور الفقهاء أن عقد الشركة عقد جائز غير لازم (1) ، فيجوز لكل شريك أن يفسخ العقد، إلا أن من شروط جواز الفسخ: أن يكون بعلم الشريك الآخر؛ لأن الفسخ من غير علم الشريك إضرار به، ولهذا لم يصح عزل الوكيل من غير علمه، وبما أن الشركة تتضمن الوكالة وعلم الوكيل بالعزل شرط جواز العزل، فيشترط العلم في الوكالة التي تضمنتها الشركة.\rوكون الشركة عقداً غير لازم عند المالكية هو كما ذكر ابن رشد في بداية المجتهد وفي المقدمات. لكن جاء في مختصر خليل وشراحه أن المذهب المشهور لزومها بالعقد، حصل خلط بين أموال الشركاء أم لا. وقال ابن عبد السلام: المذهب لزومها بالعقد، ولا يتوقف ذلك على الشروع فيها بالتصرف. وهذا رأي سحنون من فقهاء المالكية، ورجح بعضهم أنها تلزم بالشروع بالتصرف أو العمل، وهو رأي ابن القاسم وابن الحاجب. والخلاصة: إن الشركة في المذهب المعتمد لدى المالكية عقد لازم، وهو الذي استظهره الحطاب إذا كانت شركة أموال. أما شركة الأعمال فلا تلزم بالعقد بل بالعمل.\rثانياً ـ يد الشريك يد أمانة :\rاتفق الفقهاء على أن يد الشريك في المال يد أمانة كالوديعة، لأنه قبض المال\r-------------------------------\r(1) البدائع: 77/6، المهذب: 348/1، مغني المحتاج: 215/2،المغني: 21/5، بداية المجتهد: 253/2، الدردير: 349/3،الحطاب: 122/5، الخرشي: 39/6، الشركات في الفقه للأستاذ الخفيف: ص 49 ومابعدها.","part":5,"page":557},{"id":3403,"text":"بإذن صاحبه، لا لأجل أن يدفع ثمنه كما في المقبوض على سوم الشراء، فإنه مقبوض لأجل أن يدفع الثمن، ولا لأجل التوثق به كما في الرهن، فإنه مقبوض لأجل التوثق بدينه، وبناء عليه فإنه إذا هلك المال في يد الشريك من غير تفريط لم يضمن؛ لأنه نائب عن شريكه في الحفظ والتصرف، فكان الهالك في يده كالهالك في يد شريكه. ويقبل قوله بيمينه في مقدار الربح والخسران وضياع بعض المال أو كله، ولو من غير تجارة. ويضمن بالتعدي أو التقصير،كما في سائر الأمانات (1) .\rالمطلب الخامس ـ مبطلات عقد الشركة :\rهناك مبطلات تعم كل الشركات، ومبطلات تخص بعضها دون بعض.\rفأما المبطلات التي تعم الشركات كلها فهي (2) :\r1 - فسخ الشركة من أحد الشريكين، لأنها عقد جائز غير لازم عند الجمهور، كما عرفنا، فكان محتملاً للفسخ. ولا تنفسخ عند المالكية إلا باتفاق الطرفين على الفسخ؛ لأنها عقد لازم عندهم. قال الحنابلة: من قال من الشركاء: عزلت شريكي، ولو لم ينض (3) المال انعزل، ويتصرف المعزول في قدر نصيبه. ولو قال: فسخت الشركة: انعزلا، فلا يتصرف كل شريك إلا في قدر نصيبه.\r-------------------------------\r(1) المبسوط: 157/11، تبيين الحقائق: 320/3، فتح القدير: 27/5، رد المحتار لابن عابدين: 379/3، المهذب: 347/1، المغني: 18/5، بداية المجتهد: 253/2.\r(2) البدائع: 78/6، تبيين الحقائق: 323/3، فتح القدير: 34/5، مختصر الطحاوي: ص 108، المبسوط: 212/11، رد المحتار: 384/3، المهذب: 348/1، المغني: 21/5، مغني المحتاج: 215/2.\r(3) النض: أن تتحول أموال الشركة نقوداً بعد أن كانت أمتعة. وأهل الحجاز يسمون الدراهم والدنانير: النض والناضََّّ.","part":5,"page":558},{"id":3404,"text":"2 - موت أحد الشريكين: إذا مات أحد الشريكين انفسخت الشركة لبطلان الملك، وزوال أهلية التصرف بالموت، سواء علم الشريك الآخر بالموت أو لم يعلم؛ لأن كل شريك وكيل عن صاحبه، وموت الموكل يكون عزلاً للوكيل علم به أو لم يعلم؛ لأن الموت عزل حكمي.\r3 - ارتداد أحد الشريكين ولحوقه بدار الحرب، لأن ذلك بمنزلة الموت.\r4 - جنون الشريك جنوناً مطبقاً؛ لأن بالجنون يخرج الوكيل عن الوكالة، وقد عرفنا أن الشركة تتضمن الوكالة. والإغماء مثل الجنون، ويقدر إطباق الجنون بشهر أو بنصف حول على الخلاف عند الحنفية.\rوأما المبطلات التي تخص بعض الشركات دون بعض فهي (1) :\r1 - هلاك مال الشركة كله أو مال أحد الشريكين قبل القيام بشراء شيء في شركة الأموال، سواء أكان المالان من جنسين أم من جنس واحد قبل خلط المالين. والسبب فيه هو أن المعقود عليه في عقد الشركة هو المال، والمال في الشركة يتعين بالتعيين (2) ، وبهلاك المعقود عليه يبطل العقد كما في عقد البيع. هذا إذا هلك مال الشركة.\r-------------------------------\r(1) المراجع السابقة، فتح القدير: 22/4، المبسوط: 164/11، 178، مختصر الطحاوي: ص 107، تبيين الحقائق: 319/3، رد المحتار: 375/3.\r(2) نص الحنفية على أن النقود بالقبض تتعين بالتعيين في الشركات والوكالات والأمانات والهبات والوصايا والغصوب، ولا تتعين في المعاوضات ولا في المضاربة. والفرق بين الشركة والمضاربة أن تعيين رأس المال يجب أن يكون لأنه محل العقد، غير أنه في المضاربة أمكن أن يجعل تعيينه بالقبض لاشتراطه لتمام المضاربة إذ لا بد فيها من تسليم رأس المال إلى المضارب، فكان هلاكه قبل القبض لا يعد هلاكاً لمحل العقد لعدم تعينه، فلا تبطل المضاربة بهلاكه في هذه الحال بخلاف هلاكه بعد قبضه، فتبطل حينئذ المضاربة لزوال محل العقد. أما في الشركة فلا يجب فيها قبض، وعليه لا سبيل إلى تعيين محل العقد فيها إلا بالعقد، فكانت النقود بذلك متعينة بناء على العقد عليها، فيعد هلاكها قبل القبض في يد الشريك الآخر وبعده سواء في أنه مبطل للعقد فيها (الشركات في الفقه الإسلامي: ص113).","part":5,"page":559},{"id":3405,"text":"أما إذا هلك أحد مالي الشريكين فتبطل الشركة أيضاً؛ لأن الشريك لم يرض بشركة صاحبه إلا ليشركه في ماله، فإذا هلك ماله لم يكن راضياً بشركته عند عقد الشركة، فيبطل العقد لعدم فائدته. ويهلك المال حينئذ على ذمة صاحبه، لأنه إذا كان المال في يده، فالأمر ظاهر، وإذا كان في يد صاحبه فإنه أمانة في يده كما عرفنا.\rفإن حصل الهلاك لمال شريك بعد خلطه بمال الشريك الآخر، فإنه يهلك على الشركة؛ لأنه لا يتميز عن غيره، فيجعل الهلاك من المالين. وكذلك إن اشترى أحد الشريكين بماله، وهلك مال الآخر بعد الشراء قبل أن يشتري به شيئاً، فإن المشترى يكون بين الشريكين بحسب ما شرطا؛ لأن تملك الشيء المشترى حيث حدث أي (بالشراء) حدث مشتركاً بينهما لقيام الشركة وقت الشراء، فلا يتغير حكم الشركة بهلاك مال الآخر بعدئذ.","part":5,"page":560},{"id":3406,"text":"ثم الشركة الواقعة في هذا الشيء المشترى بعد هلاك مال الآخر شركة عقد عند الإمام محمد خلافاً للحسن بن زياد، فإنها شركة ملك عنده، فلا ينعقد بيع أحدهما إلافي نصيبه؛ لأن شركة العقد بطلت بهلاك المال كما لو هلك قبل الشراء بمال الآخر، ولم يبق إلا حكم الشراء وهو الملك، فكانت شركتهما في المتاع شركة ملك.\rوعلى قول محمد وهو الراجح: يجوز لأي منهما بيع كل المتاع، وينفذ بيعه، لأن الشركة قد تمت في المشترى، فلا تنتقض بهلاك المال بعد تمامها، كما لو كان الهلاك بعد الشراء بالمالين جميعاً.\rوإذا وقع الشيء المشترى على الشركة فيرجع المشتري على صاحبه بحصته من الثمن؛ لأنه اشترى نصفه له بوكالته، ونقد الثمن من ماله نفسه، فيرجع عليه بحسابه. وإن هلك مال أحد الشريكين ثم اشترى الآخر بماله الذي في يده ينظر: إن صرحا بالوكالة في عقد الشركة بأن نصا في العقد على أن ( ما اشتراه كل منهما بماله هذا يكون مشتركاً بيننا ) فالمشترى بينهما على ما شرطا؛ لأن الشركة إن بطلت فالوكالة المصرح بها قائمة، فتكون شركة ملك.\rوإن لم يصرحا بالوكالة في العقد وذكرا مجرد الشركة، كان المشترى للذي اشتراه خاصة؛ لأن الشركة لما بطلت بطل ما في ضمنها من الوكالة (1) .\r2 - عدم تحقق المساواة بين رأسي المال في شركة المفاوضة بعد وجودها في ابتداء العقد؛ لأن وجود المساواة بين المالين في ابتداء العقد شرط في انعقاد هذا العقد على الصحة، فيكون بقاء تلك المساواة شرطاً لبقاء هذه الشركة منعقدة؛ لأنها شركة مفاوضة، سواء في ابتداء العقد أم في أثناء بقائه.\rويترتب على هذا إذا انعقدت شركة المفاوضة، وكان رأس المال متساوياً بين الشريكين، ثم ورث أحدهما مالاً تصح فيه الشركة من الدراهم والدنانير، وصار المبلغ في يده، فتبطل المفاوضة لبطلان المساواة التي هي معنى العقد.\r-------------------------------\r(1) راجع فتح القدير: 23/5 ومابعدها، رد المحتار: 376/3.","part":5,"page":561},{"id":3407,"text":"وكذا لو ازداد أحد المالين على الآخر قبل الشراء، بأن كان أحدهما دراهم، والآخر دنانير، فزادت قيمة أحدهما قبل الشراء، بطلت المفاوضة.\rالمطلب السادس ـ الشركة الفاسدة عند الحنفية :\rعرفنا حكم الشركة الفاسدة، وأذكر هنا أنواع الشركة الفاسدة عند الحنفية وهي:\rأولاً ـ الاشتراك في أعمال جميع المباحات التي تملك بالأخذ، مثل الاصطياد والاحتطاب والاحتشاش، والاستقاء، واجتناء الثمر، وحفر الأرض لاستخراج المعادن.\rفإن اشترك اثنان في تلك الأعمال على أن ما أصابا من المباح فهو بينهما، فالشركة فاسدة عند الحنفية، ولكل واحد منهما ما أخذه؛ لأن الشركة تتضمن معنى الوكالة، والتوكيل في أخذ المال المباح باطل؛ لأن أمر الموكل بأخذه غير صحيح، لعدم ملكه وولايته، والوكيل يملك أخذ المباح بدون توكيل، فلا يصلح الوكيل نائباً عن الموكل في المباح؛ لأن التوكيل إثبات ولاية لم تكن ثابتة للوكيل، وهذا غير متحقق ههنا، فإذا لم تثبت الوكالة لم تثبت الشركة.\rوإذا كانت الشركة في المباحات فاسدة، فيثبت الملك لكل واحد منهما بالأخذ، وإحراز المباح، ثم ينظر:\rآ ـ إن أخذاه جميعاً معاً، فهو بينهما نصفان، لاستوائهما في سبب الاستحقاق، فيستويان في الاستحقاق.\rب ـ وإن أخذ كل واحد منهما شيئاً من المذكور على الانفراد، كان المأخوذ ملكاً له؛ لأن سبب ثبوت الملك في المباحات هو الأخذ والاستيلاء، وكل واحد منهما انفرد بالأخذ والاستيلاء فينفرد بالملك.","part":5,"page":562},{"id":3408,"text":"جـ ـ وإن أخذ كل واحد منهما شيئاً على الانفراد، ثم خلطاه، وباعاه: فإن كان مما يكال أو يوزن يقسم الثمن بينهما على قدر الكيل والوزن الذي لكل واحد منهما. وإن كان مما لا يكال ولا يوزن، قسم الثمن بينهما بالقيمة، فيأخذ كل واحد منهما بقيمة الذي له؛ لأن المكيل والموزون من الأشياء المتماثلة، فتمكن قسمة الثمن بينهما على قدر الكيل والوزن، أما غير المكيل والموزون من الأشياء المتفاوتة، فلا تمكن قسمة الثمن بينهما بحسب العين، فيقسم بحسب القيمة. وإن لم يعلم الكيل والوزن والقيمة، يصدق كل واحد منهما فيما يدعيه إلى النصف من المأخوذ، مع اليمين على دعوى صاحبه. فإن ادعى أكثر من النصف لا يقبل قوله إلا ببينة.\rد ـ وإن عمل أحدهما وأعانه الآخر في عمله، بأن قلعه أحدهما وجمعه الآخر،أو قلعه وجمعه أحدهما وحمله الآخر، فكله للعامل وللمعين أجر المثل بالغاً ما بلغ عند محمد؛ لأن المسمى مجهول، إذ لم يدر أي نوع من الحطب يصيبان، وأي قدر منه يجمعان، ولا يدريان أيضاً هل يصيبان شيئاً أو لا، والرضا بالمجهول لغو، فسقط اعتبار رضاه بالنصف للجهالة، وصار مستوفياً منافعه بعقد فاسد، فله أجر مثله بالغاً ما بلغ.\rوقال أبو يوسف: له أجر مثله على ألا يجاوز به نصف المسمى أو قيمته أي (نصف الشيء الذي أعانه فيه أو قيمته)؛ لأنه رضي بنصف مجموع ما سيأخذانه. وقاس حكمه على سائر الإجارات الفاسدة؛ لأنه لا يزاد على المسمى هناك، كذا الأمر هنا، والجامع بينهما: أنه رضي بأن لا يكون له زيادة على المسمى، فلا يستحق الزيادة، وصار حكمه كمن قال لرجل:( بع هذا الثوب على أن لك نصف ثمنه فباعه ) كان له أجر المثل لا يجاوز به نصف الثمن (1) .\r-------------------------------\r(1) تبيين الحقائق: 323/3، فتح القدير: 31/5 ومابعدها، البدائع: 63/6 ومابعدها، المبسوط: 216/11 ومابعدها، رد المحتار: 382/3.","part":5,"page":563},{"id":3409,"text":"ويرى الجمهور في الأظهر عند الشافعية صحة الشركة في الاحتطاب والاحتشاش والاصطياد والاستقاء وما يؤخذ من الجبال والمعادن وشبهه من المباحات، لجواز التوكيل بها، فيحصل الملك للموكل إذا قصده الوكيل به؛ لأن تملك المباحات أحد أسباب الملك، فأشبه الشراء، كما يقول الشافعية (1) .\rثانياً ـ من أنواع الشركات الفاسدة أن يكون لأحد الشريكين بغل وللآخر حمار مثلاً، فيشترك اثنان على أن يؤجر الدابتين، فما رزق الله من شيء يكون بينهما، فأجراهما جميعاً بأجر معلوم وحمل معلوم، فهذه الشركة فاسدة؛ لأن الشركة متضمنة معنى الوكالة، والوكالة على هذا الوجه لا تصح؛ لأن كل واحد منهما في المعنى موكل لصاحبه بأن يؤجر دابته ليكون نصف الأجر له، وهذا التوكيل باطل، كما إذا قال الرجل: (آجر بعيرك على أن أجره بيننا) فإن التوكيل فاسد، فكذا الشركة؛ لأن الوكالة والشركة يشتركان في معنى واحد: وهو أن التوكيل إنما يكون فيما لا يملك الوكيل مباشرته قبل التوكيل، وللمالك أن يبيع دابته ويؤجرها قبل التوكيل. فإذا لم يؤجرا دابتيهما، ولكنهما تقبلا حمولة معلومة ببدل معلوم، فحملا الحمولة عليهما، فالأجر على حسب الشرط؛ لأن الشركة حينئذ صحيحة، إذ أن الحمل صار مضموناً عليها بالعقد بمنزلة أي عمل يتقبلانه.\rغير أنه إذا فسدت الشركة فالإجارة صحيحة، لوقوعها على منافع معلومة ببدل معلوم، فيقسمان ما أخذا من الأجر على قدر مثل أجر البغل وأجر الحمار (2) .\rوهناك مثال آخر: وهو أن يكون لاثنين سيارتان، فلا يصح لصاحبي هاتين السيارتين الاشتراك من أجل قسمة الربح الناتج من الحمولة من طريق إجارة السيارتين للناس؛ لأن كل واحد يختص بثمرة ما يملكه.\r-------------------------------\r(1) الإفصاح عن معاني الصحاح لابن هبيرة: ص 205، مغني المحتاج: 216/2، 221، روضة الطالبين: 291/4، المغني: 81/5، كشاف القناع: 452/3.\r(2) انظر تحفة الفقهاء، الطبعة الأولى: 19/3 ومابعدها، المبسوط: 170/11، 218 ومابعدها، رد المحتار: 383/3-385.","part":5,"page":564},{"id":3410,"text":"ولم يجز الشافعية (1) أيضاً هذه الشركة؛ لأنها تقوم على منافع أشياء متميزة، وعلى كل شريك لصاحبه أجرة مثل ماله.\rثالثاً ـ من أنواع الشركة الفاسدة أن يدفع شخص إلى رجل دابة ليؤجرها على أن الأجر بينهما، فتكون الشركة فاسدة، والأجر كله أي (الربح) لصاحب الدابة؛ لأن المدفوع إليه هو وكيله في إجارتها، وإجارة الوكيل كإجارة الموكل. ومثله إيجار السفينة أو الدار.\rوسبب الفساد: هو أن العقد ورد على ملك الغير بإذنه، وإذا فسد العقد وجب للذي أجرها أي (العامل)أجر المثل؛ لأنه ابتغى عن منافع الدابة عوضاً، ولم ينل العوض لفساد العقد، فكان له أجر مثله.\rرابعاً ـ من أنواع الشركة الفاسدة أيضاً أن يشتري رجل شيئاً، فيقول له آخر: «أشركني فيه» فهذا بمنزلة البيع والشراء بمثل ما اشترى في النصف، فإن تم ذلك قبل أن يقبض المشتري الأول المبيع لم يجز الإشراك، لأن الإشراك والتولية كما عرفنا في عقود البيع لا يجوزان قبل القبض، ويكون العقد فاسداً؛ لأنه بيع لمبيع منقول قبل القبض، وهو لا يجوز كما عرفنا سابقاً.\rوإن كان ذلك بعد القبض جاز، ويُلْزِم ُالمشتري الشريك نصف الثمن، فإن كان الشريك لا يعلم بمقدار الثمن فهو بالخيار إذا علم: إن شاء أخذ حصته من المبيع وإن شاء ترك.\rولو اشترى رجلان فرساً فأشركا فيها رجلاً بعد القبض فمقتضى القياس: أن يكون للشريك النصف؛ لأن كل واحد منهما لو أشركه في نصيبه على الانفراد استحق نصفه، فكذا إذا أشركاه جميعاً معاً. ومقتضى الاستحسان: أن يكون للشريك الثلث؛ لأن الشركة تقتضي المساواة، فإذا قالا للرجل: ( أشركناك في الفر س ) فكأنهما قالا: ( شاركناك ).\rفإن أشركه أحدهما في نصيبه ونصيب صاحبه، فأجاز شريكه قوله كان للشريك الجديد النصف، وللأولين النصف، لأنه لما أجاز شريكه في نصيبه صار نصف نصيبه له، وقد أشركه في نصيب نفسه هذا، فيكون مجموع ما استحقه الشريك الجديد هو النصف، وبقي لكل واحد منهما الربع.\rوكل شركة فاسدة يقسم الربح فيها على قدر رأس المال، ويبطل شرط التفاضل (2) كما عرفنا في حكم الشركة.\r-------------------------------\r(1) مغني المحتاج: 216/2.\r(2) فتح القدير: 33/5، رد المحتار: 383/3.","part":5,"page":565},{"id":3411,"text":"المبحث الثاني ـ شركة المضاربة :\rالمضاربة أو القراض أو المعاملة من أنواع الشركات. وهي في لغة أهل العراق تسمى مضاربة وفي لغة أهل الحجاز تسمى قراضاً، وهو مشتق من القرض وهو القطع؛ لأن المالك يقطع للعامل قطعة من ماله يتصرف فيها ويعطيه قطعة من الربح، أو مشتق من المقارضة: وهي المساواة لتساويهما في استحقاق الربح، أو لأن المال من المالك والعمل من العامل، وهي لهذا تشبه الإجارة؛ لأن العامل فيها يستحق حصته من الربح جزاء عمله في المال.\rوأهل العراق يسمون القراض مضاربة؛ لأن كلاً من العاقدين يضرب بسهم في الربح، ولأن العامل يحتاج إلى السفر، والسفر يسمى ضرباً في الأرض (1) .\rوالكلام عن هذا العقد في المطالب الخمسة الآتية:\rالمطلب الأول ـ تعريف المضاربة ومشروعيتها وركنها وصفة عقدها.\rالمطلب الثاني ـ شرائط المضاربة.\rالمطلب الثالث ـ أحكام المضاربة.\rالمطلب الرابع ـ حكم اختلاف رب المال والعامل المضارب.\rالمطلب الخامس ـ مبطلات المضاربة.\r-------------------------------\r(1) مغني المحتاج: 309/2، تكملة فتح القدير: 57/7 ومابعدها، المبسوط: 18/22، تبيين الحقائق للزيلعي: 52/5، رد المحتار على الدر المختار: 504/4، مجمع الضمانات: ص303.","part":5,"page":566},{"id":3412,"text":"المطلب الأول ـ تعريف المضاربة ومشروعيتها وركنها ونوعاها وصفة عقدها:\rتعريف المضاربة: المضاربة: هي أن يدفع المالك إلى العامل مالاً ليتجر فيه، ويكون الربح مشتركاً بينهما بحسب ما شرطا (1) . وأما الخسارة فهي على رب المال وحده، ولا يتحمل العامل المضارب من الخسران شيئاً وإنما هو يخسر عمله وجهده.وعرفها صاحب الكنز بقوله: هي شركة بمال من جانب، وعمل من جانب.\rومحترزات التعريف الأول: هي أنه بكلمة ( يدفع ): تبين أن المضاربة لاتصح على منفعة كسكنى الدار، وأنها لا تصح على دين،سواء أكان على العامل أم على غيره. وبكلمة ( الربح مشتركاً ) تبين أن الوكيل ليس مضارباً. والسبب في اشتراك العاقدين في الربح: هو أن رب المال يستحق الربح بسبب ماله؛ لأنه نماء ماله، والمضارب يستحقه باعتبار عمله الذي هو سبب وجود الربح.\rوعليه إذا شرط جميع الربح لرب المال كان العقد مباضعة، ولو شرط جميعه للمضارب كان قرضاً.\rمشروعية المضاربة: اتفق أئمة المذاهب على جواز المضاربة بأدلة من القرآن والسنة والإجماع والقياس، إلا أنها مستثناة من الغرر والإجارة المجهولة.\rأما القرآن: فقوله تعالى: {وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله } [المزمل:20/73] والمضارب: يضرب في الأرض يبتغي من فضل الله عز وجل، وقوله سبحانه: {فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله } [الجمعة:10/62]. فهذه الآيات بعمومها تتناول إطلاق العمل في المال بالمضاربة.\r-------------------------------\r(1) المراجع السابقة.","part":5,"page":567},{"id":3413,"text":"وأما السنة: فما روى ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: «كان سيدنا العباس بن عبد المطلب إذا دفع المال مضاربة اشترط على صاحبه أن لا يسلك به بحراً، ولا ينزل به وادياً، ولايشتري به دابة ذات كبد رطبة، فإن فعل ذلك ضمن، فبلغ شرطه رسول الله صلّى الله عليه وسلم ، فأجازه» (1) ، وروى ابن ماجه عن صهيب رضي الله عنه أن النبي صلّى الله عليه وسلم قال: «ثلاث فيهن البركة: البيع إلى أجل، والمقارضة، وخلط البر بالشعير للبيت لا للبيع» (2) .\rوأما الإجماع: فما روي عن جماعة من الصحابة أنهم دفعوا مال اليتيم مضاربة (3) ولم ينكر عليهم أحد، فكان إجماعاً، وروي أن عبد الله وعبيد الله ابني عمر بن الخطاب رضي الله عنهما خرجا في جيش العراق، فلما قفلا مرا على عامل لعمر: وهو أبو موسى الأشعري، فرحب بهما وسهل، وقال: لو أقدر لكما على أمر أنفعكما به لفعلت، ثم قال: بلى ههنا مال من مال الله ، أريد أن أبعث به إلى أمير المؤمنين، فأسلفكما، فتبتاعان به متاعاً من متاع العراق، ثم تبيعانه في المدينة، وتوفران رأس المال إلى أمير المؤمنين، ويكون لكما ربحه.\r-------------------------------\r(1) رواه الطبراني في الأوسط عن ابن عباس. قال الهيثمي: وفيه أبو الجارود الأعمى وهو متروك كذاب (راجع مجمع الزوائد: 161/4).\r(2) إسناده ضعيف (راجع سبل السلام: 76/3) والحق ما قال ابن حزم في مراتب الإجماع: «كل أبواب الفقه لها أصل من الكتاب أو السنة حاشا القراض، فما وجدنا له أصلاً فيهما البتة، ولكنه إجماع صحيح مجرد، والذي نقطع به أنه كان في عصره صلّى الله عليه وسلم ، فعلم به وأقره، ولولا ذلك لما جاز» (انظر التلخيص الحبير: ص 255).\r(3) انظر نصب الراية: 113/4.","part":5,"page":568},{"id":3414,"text":"فقالا: وددنا، ففعل، فكتب إلى عمر أن يأخذ منهما المال، فلما قدما باعا وربحا، فقال عمر: أكل الجيش قد أسلف كما أسلفكما؟ فقال: لا. فقال عمر: ابنا أمير المؤمنين فأسلفكما!! فأدّيا المال وربحه، فأما عبد الله فسكت، وأما عبيد الله فقال: يا أمير المؤمنين، لو هلك المال ضمناه. فقال: أدياه، فسكت عبد الله ، وراجعه عبيد الله ، فقال رجل من جلساء عمر: يا أمير المؤمنين، لو جعلته قراضاً (أي لو عملت بحكم المضاربة: وهو أن يجعل لهما النصف، ولبيت المال النصف) فرضي عمر، وأخذ رأس المال ونصف ربحه، وأخذ عبد الله وعبيد الله نصف ربح المال (1) .وأثبت ابن تيمية مشروعية المضاربة بالإجماع القائم على النص، فإن المضاربة كانت مشهورة بينهم في الجاهلية لا سيما قريش، فإن الأغلب كان عليهم التجارة، وكان أصحاب الأموال يدفعونها إلى العمال، ورسول الله صلّى الله عليه وسلم قد سافر بمال غيره قبل النبوة، كما سافر بمال خديجة، والعير التي كان فيها أبو سفيان كان أكثرها مضاربة مع أبي سفيان وغيره، فلما جاء الإسلام أقرها رسول الله صلّى الله عليه وسلم ، وكان أصحابه يسافرون بمال غيره مضاربة، ولم ينه عن ذلك، والسنة: قوله وفعله وإقراره، فلما أقرها كانت ثابتة بالسنة (2) .\r-------------------------------\r(1) أخرجه مالك في الموطأ عن زيد بن أسلم عن أبيه، وعن مالك رواه الشافعي في مسنده، ومن طريق الشافعي رواه البيهقي في «المعرفة» وأخرجه الدارقطني في سننه عن عبد الله بن زيد بن أسلم عن أبيه عن جده (راجع تنوير الحوالك شرح موطأ مالك: 173/2، نصب الراية: 113/4، التلخيص الحبير: ص 254).\r(2) فتاوى ابن تيمية: 195/19 ومابعدها.","part":5,"page":569},{"id":3415,"text":"وأما القياس: فالمضاربة قيست على المساقاة لحاجة الناس إليها، لأن الناس بين غني وفقير، والإنسان قد يكون له مال، لكنه لا يهتدي إلى أوجه التصرف والتجارة به، وهناك من لا مال له، لكنه مهتد في التصرفات، فكان في تشريع هذا العقد تحقيق للحاجتين، والله تعالى ما شرع العقود إلا لمصالح العباد ودفع حوائجهم (1) .\rوحكمة مشروعية المضاربة: تمكين الناس من تنمية الأموال وتحقيق التعاون بينهم، وضم الخبرات والمهارات إلى رؤوس الأموال لتحقيق أطيب الثمرات.\rركن المضاربة وألفاظها ونوعاها: ركن عقد المضاربة عند الحنفية: هو الإيجاب والقبول، بألفاظ تدل عليهما.\rفألفاظ الإيجاب: هي لفظ المضاربة والمقارضة والمعاملة، وما يؤدي معاني هذه الألفاظ بأن يقول رب المال: ( خذ هذا المال مضاربة على أن ما رزق الله عز وجل من ربح فهو بيننا على كذا من نصف أو ربع أو ثلث أو غير ذلك من الأجزاء المعلومة ).\rوكذا إذا قال: مقارضة أو معاملة، أو قال ( خذ هذا المال واعمل به على أن مارزق الله من شيء فهو بيننا على كذا ) ولم يزد على هذا فهو جائز، لأنه أتى بلفظ يؤدي معنى هذا العقد، والعبرة في العقود لمعانيها، لا لصور الألفاظ.\rوألفاظ القبول: هي أن يقول العامل المضارب: أخذت، أو رضيت أو قبلت، ونحوها. وإذا توافر الإيجاب والقبول انعقد العقد (2) .\r-------------------------------\r(1) البدائع: 79/6، تكملة فتح القدير: 58/7، المبسوط: 18/22، المهذب: 384/1، مغني المحتاج: 309/2.\r(2) البدائع: 79/6 ومابعدها.","part":5,"page":570},{"id":3416,"text":"وأركان المضاربة عند الجمهور ثلاثة: عاقدان (مالك وعامل) ومعقود عليه (رأس المال، والعمل والربح)، وصيغة (إيجاب وقبول) وعدها الشافعية خمسة: مال وعمل وربح (1) وصيغة وعاقدان.\rنوعاها: المضاربة نوعان: مطلقة ومقيدة (2) :\rفالمطلقة: هي أن يدفع شخص المال إلى آخر بدون قيد، ويقول: «دفعت هذا المال إلىك مضاربة على أن الربح بيننا كذا مناصفة أو أثلاثاً، ونحو ذلك» أو هي أن يدفع المال مضاربة من غير تعيين العمل والمكان والزمان وصفة العمل ومن يعامله.\rوالمقيدة: هي أن يعين شيئاً من ذلك أو أن يدفع إلى آخر ألف دينار مثلاً مضاربة على أن يعمل بها في بلدة معينة، أو في بضاعة معينة، أو في وقت معين، أو لا يبيع ولا يشتري إلا من شخص معين. وهذان النوعان الأخيران (حالة التأقيت وتخصيص شخص) جائزان عند أبي حنيفة وأحمد، وغير جائزين عند مالك والشافعي. وكذلك يجوز إضافتها إلى المستقبل عند الأولين ولا يجوز عند الآخرين كأن يقول رب المال: ضارب بهذا المال ابتداء من الشهر الآتي. وأما تعليق المضاربة على شرط كما إذا قال صاحب المال: إذا جاءك فلان بالدين الذي لي في ذمته (ومقداره ألف دينار) وسلمك إياه فضارب به، فقد أجازه الحنابلة والزيدية ولم يجزه الحنفية والمالكية والشافعية؛ لأن المضاربة تفيد تمليك جزء من الربح، والتمليك لا يقبل التعليق (3) .\rويشترط في المضاربة عند الشافعية والمالكية أن تكون مطلقة، فلا تصح مقيدة بنوع معين من التجارة، ولا بشخص معين، ولا ببلد معين. ولا يشترط تعيين مدة فيها، فإن عينت مدة لا يتمكن فيها العامل من المتاجرة، فسدت الشركة، وإن عينت مدة يتمكن فيها من التجارة، ثم منع العامل من الشراء، ولم يمنع من البيع، صح ذلك لتمكنه من الربح بالبيع.\r-------------------------------\r(1) البدائع: 87/6.\r(2) مغني المحتاج: 310/2، البدائع: 87/6-98.\r(3) الميزان للشعراني: 92/2، المغني: 62/5-63. المنتزع المختار للزيدية: 320/3، المهذب: 386/1، الشرح الكبير للدردير: 521/3، غاية المنتهى: 173/2، كشاف القناع: 497/3.","part":5,"page":571},{"id":3417,"text":"صفة عقد المضاربة :\rاتفق العلماء على أن عقد المضاربة قبل شروع العامل في العمل غير لازم، وأنه لكل من المتعاقدين فسخه. واختلفوا فيما إذا شرع العامل في المضاربة، فقال الإمام مالك: هو عقد لازم بالشروع، وهوعقد يورث، فإن المضارب إذا كان له بنون أمناء كانوا في المضاربة أو القراض مثل أبيهم، وإن لم يكونوا أمناء كان لهم أن يأتوا بأمين. وإن شرع العامل لا يفسخ العقد حتى ينض المال أي يتحول نقوداً لا عروضاً.\rوقال أبو حنيفة والشافعي وأحمد: العقد غير لازم، ولكل من العاقدين الفسخ إذا شاء، وليس هو عقداً يورث.\rومرجع الخلاف بين الفريقين: أن الإمام مالك جعل العقد لازماً بعد الشروع في العمل لما يترتب على الفسخ من ضرر، فكان من العقود الموروثة. وأما الفريق الثاني فقد شبهوا الشروع في العمل بما قبل الشروع في العمل؛ لأن المضاربة تصرف في مال الغير بإذنه، فيملك كل واحد من العاقدين فسخ العقد، كما في الوديعة والوكالة (1) .\r-------------------------------\r(1) انظر بداية المجتهد: 237/2، الخرشي: 223/6، ط ثانية: البدائع: 109/6، المهذب: 388/1، مغني المحتاج: 319/2، المغني: 58/5.","part":5,"page":572},{"id":3418,"text":"ولكن الحنفية ومن وافقهم اشترطوا لصحة الفسخ وانتهاء المضاربة علم المتعاقد الآخر بالفسخ، كما في سائر أنواع الشركات، وأن يكون عند الحنفية رأس المال ناضاً أي نقوداً (1) وقت الفسخ، فإن كان من العروض من عقار أو منقول، لم يصح الفسخ عندهم.\rوقال الشافعية والحنابلة: إذا انفسخت المضاربة ورأس المال عروض، فاتفق المتعاقدان على بيعه أو قسمته جاز؛ لأن الحق لهما لا يعدوهما. وإن طلب العامل البيع، وأبى رب المال، أجبر رب المال على البيع؛ لأن حق العامل في الربح، وهو لا يحصل إلا بالبيع (2) .\rتعدد المضارب: قال المالكية (3) : إذا تعدد عامل القراض، فإن الربح يوزع عليهم على قدر العمل كشركاء الأبدان، أي فيأخذ كل منهما من الربح بقدر عمله، فلا يجوز أن يتساويا في العمل، ويختلفا في الربح، أو بالعكس، بل الربح على قدر العمل على المشهور.\rحكم الشركات القانونية الحديثة: إن شركات الأشخاص التجارية في القانون الوضعي وهي شركة التضامن وشركة التوصية البسيطة وشركة المحاصة تعتبر جميعها في الجملة من قبيل شركة المضاربة في الفقه الإسلامي مع اختلاف بعض الأحكام بين القانون والشريعة حسبما تقتضيه مصلحة الناس وطبيعة التطور. ففي شركة التضامن حيث يكون المال من جميع الشركاء، والعمل من بعضهم، يكون العامل مضارباً في مال غيره. وفي شركة التوصية البسيطة حيث تتكون الشركة من شركاء متضامنين مسؤولين عن التزامات الشركة، وشركاء موصين تنحصر مسؤولية كل واحد فيما يقدمه من حصة في المال، تكون الشركة مضاربة في مال الموصين. وفي شركة المحاصة إذا سلمت الحصص لأحد الشركاء لاستثمارها، يكون هذا الشريك وكيلاً عنهم في استثمار هذا المال، وعمله في مال غيره يكون قراضاً (مضاربة).\r-------------------------------\r(1) نضَّ المال: أي صار مثل حاله وقت العقد عليه دنانير أو دراهم.\r(2) المراجع السابقة.\r(3) الخرشي: 217/6 .","part":5,"page":573},{"id":3419,"text":"وكذلك شركات الأموال أو شركات المساهمة حيث يكون العمل في مالها عادة لغير أرباب الأموال فيها، تعد من قبيل القراض في هذه الحال. وكذلك الشركات ذات المسؤولية المحدودة التي لا يزيد عدد الشركاء فيها على خمسين شريكاً، يكون عمل المدير فيها قراضاً، كما يرى أستاذنا الشيخ علي الخفيف (1) . والأدق أن يعتبر عمله من باب التوظف، فهو يعمل بأجر بحكم التوظف لا بحكم المشاركة. ولا مانع شرعاً في شركة المساهمة وشركة التضامن من اعتبار مدير الشركة أجيراً موظفاً على العمل، ولا مانع من وجود صفتي الشركة والإجارة في شيء واحد؛ لأن المنع من وجود عقدين أو شرطين في عقد يزول إذا زالت علته أو حكمته وهو عدم إثارة النزاع والخلاف، وعدم التنازع جرى عليه العرف والعادة، فلم يعد شرطاً مفسداً. وسأوضح ذلك قريباً.\rالمطلب الثاني ـ شرائط المضاربة :\rيشترط لصحة المضاربة شروط في العاقدين وفي رأس المال وفي الربح:\rأما ما يشترط في العاقدين وهما رب المال والمضارب: فهو أهلية التوكيل والوكالة؛ لأن المضارب يتصرف بأمر رب المال، وهذا معنى التوكيل، ولا يشترط كونهما مسلمين، فتصح المضاربة بين المسلم والذمي والمستأمن في دار الإسلام، والمذهب عند المالكية الكراهة بين مسلم وذمي إذا لم يعمل بمحرم كالربا.\r-------------------------------\r(1) راجع الشركات في الفقه الإسلامي لأستاذنا الشيخ علي الخفيف: ص 92-97.","part":5,"page":574},{"id":3420,"text":"وأما شروط رأس المال فهي :\rأولاً ـ أن يكون رأس المال من النقود الرائجة أي الدراهم والدنانير ونحوها، كما هو الشرط في شركة العنان. فلا تجوز المضاربة بالعروض من عقار أو منقول عند جمهور العلماء، ولو كان المنقول مثلياً عند الحنفية والحنابلة، وأجازها ابن أبي ليلى والأوزاعي، وتنعقد حينئذ على قيمها عند انعقاد المضاربة. وحجة الجمهور أن رأس المال إذا كان عروضاً كان غرراً؛ لأن المضاربة تؤدي حينئذ إلى جهالة الربح وقت القسمة، إذ أن قيمة العروض تعرف بالحزر والظن، وتختلف باختلاف المقومين، والجهالة تفضي إلى المنازعة، والمنازعة تفضي إلى الفساد (1) ، وللعامل حينئذ أجر مثله في ذمة رب المال.\rوكون القراض لا يجوز بالعروض عند المالكية مع جواز ذلك في شركة العنان، فلأن القراض رخصة يقتصر على ما ورد فيها.\rأما إذا كان رأس المال ما به تباع العروض، بأن دفع إنسان لآخر عروضاً، وقال: بعها واعمل بثمنها مضاربة، فباعها بنقود، وتصرف فيها، جاز العقد عند أبي حنيفة ومالك وأحمد، لأنه لم يضف المضاربة إلى العروض، وإنما أضافها إلى الثمن، والثمن تصح به المضاربة.\rولم يجز العقد عند الشافعي، لأنه قارضه على ماتباع به السلعة، وذلك مجهول، فكأنه قارضه على رأس مال مجهول.\rوكما أنه لا تصح المضاربة على العروض لا تصح أيضاً على تبر الذهب والفضة والنقرة (القطعة الخالصة من الذهب والفضة)، ولا على الفلوس عند أبي حنيفة وأبي يوسف ومالك، لأنها لا تعتبر أثماناً مطلقة، وعند محمد: تجوز، لأنها أثمان للأشياء عنده، كما عرفنا في بحث شركات الأموال.\r-------------------------------\r(1) المبسوط: 33/22، تبيين الحقائق: 53/5، البدائع: 82/6، بداية المجتهد: 234/2، المهذب: 385/1، مغني المحتاج: 310/2، تكملة فتح القدير: 58/7، الخرشي: 3/6-2-209، ط ثانية، الدردير: 518/3 ومابعدها، القوانين الفقهية: ص 282.","part":5,"page":575},{"id":3421,"text":"والخلاصة: أن كل ما يصلح رأس مال في الشركة، ويصح به عقد الشركة، تصح به المضاربة، وإلا فلا.\rثانياً ـ أن يكون رأس المال معلوم المقدار: فإن كان مجهولاً لا تصح المضاربة؛ لأن جهالة رأس المال تؤدي إلى جهالة الربح، وكون الربح معلوماً شرط لصحة المضاربة.\rثالثاً ـ أن يكون رأس المال عيناً (1) حاضرة لا ديناً: فلا تصح المضاربة على دين ولا على مال غائب. وعليه لا يجوز أن يقال لمن عليه دين: ضارب بالدين الذي عليك. وهذا الشرط والذي قبله باتفاق العلماء. والمضاربة بالدين فاسدة؛ لأن المال الذي في يد من عليه دين له، وإنما يصير لدائنه ( أوغريمه ) بقبضه، ولم يوجد القبض ههنا (2) .\rوالشرط أن يكون المال حاضراً عند التصرف، فلا يشترط الحضور في مجلس العقد، فلو وفي الدين، وسلم إلى المضارب أو أحضر المال الغائب، فسلم إليه، صحت المضاربة.\rوبناء عليه: إذا كان لرب المال دين على رجل، فقال له: «اعمل بديني الذي في ذمتك مضاربة بالنصف» فقال أبو حنيفة: إذا اشترى المدين بذلك وباع، فجميع ما اشترى وباع يملكه هو، وله ربحه وعليه وضيعته ( خسارته ) والدين يظل قائماً في ذمته بحاله، وهذا مبني على الأصل المقرر عنده فيمن وكل رجلاً ليشتري له بالدين الذي في ذمته: وهو أنه لا يجوز.\rوهذا متفق مع مذهب المالكية والشافعية والحنابلة أيضاً، فلا تصح عندهم المضاربة بما في ذمة المضارب من دين لآخر، وإنما لا بد من تسليمه إلى الدائن، ثم يسلمه الدائن مرة أخرى للمضارب.\r-------------------------------\r(1) أي معيناً.\r(2) راجع البدائع: 83/6، فتح القدير: 59/7، رد المحتار على الدر المختار: 506/4، بداية المجتهد: 335/2، مغني المحتاج: 310/2، المغني: 67/5، كشاف القناع: 263/2، القوانين الفقهية، المكان السابق، الخرشي: 202/6، 204، ط ثانية.","part":5,"page":576},{"id":3422,"text":"وقال الصاحبان: إن جميع ما اشترى وباع لرب المال، له ربحه وعليه خسارته. وهذا مبني على الأصل المقرر عندهما في الوكالة السابقة: وهو أن هذا التوكيل جائز، ويبرأ المدين من الدين، ولكن المضاربة فاسدة؛ لأن الشراء وقع للموكل، فتصير المضاربة بعدئذ مضاربة بالعروض، كأنه وكله بشراء العروض، ثم دفعه إليه مضاربة، والمضاربة بالعروض لا تصح.\rقبض الدين: أما إذا قال إنسان لرجل: ( اقبض ما لي على فلان من الدين واعمل به مضاربة ) جاز باتفاق العلماء؛ لأن المضاربة هنا أضيفت إلى المقبوض الذي هو أمانة في يده، فكان رأس المال عيناً لا ديناً، أي أن المضارب يكون وكيلاً في قبضه مؤتمناً عليه؛ لأنه قبضه بإذن مالكه من غيره، فجاز أن يجعله مضاربة، كما لو قال: اقبض المال من غلامي وضارب به. الوديعة: وكذلك تجوز المضاربة عند الحنفية والشافعية والحنابلة إذا كان في يد شخص وديعة، فقال له المودع: ضارب بها؛ لأن الوديعة ملك رب المال، فجاز أن يضاربه عليها، كما لو كانت حاضرة، فقال: ( قارضتك على هذا الألف ) وأشار إليه في زاوية البيت.\rوالفرق بين هذه الحالة والدين: أن عين المال في حالة الدين لا يصير ملكاً للدائن إلا بقبضه.\rوقال المالكية: المرهون أو الوديعة لا يجوز أن يكون أحدهما رأس مال القراض؛ لأنه شبيه بالدين.\rالمغصوب: والمضاربة تجوز أيضاً فيما إذا كان المال مغصوباً، فضارب به الغاصب؛ لأنه مال لرب المال يباح له بيعه من غاصبه ومن يقدر على أخذه منه، فأشبه الوديعة (1) .\r-------------------------------\r(1) انظر البدائع: 83/6، المغني: 68/5 ومابعدها، المهذب: 385/1، مغني المحتاج: 310/2.","part":5,"page":577},{"id":3423,"text":"رابعاً ـ أن يكون رأس المال مسلَّماً إلى العامل: ليتمكن من العمل فيه، ولأن رأس المال أمانة في يده، فلا يصح إلا بالتسليم وهو التخلية كالوديعة، ولا تصح المضاربة مع بقاء يد رب المال على المال، لعدم تحقق التسليم مع بقاء يده. ويترتب عليه أنه لو شرط بقاء يد المالك على المال فسدت المضاربة، إذ لا بد من استقلال العامل بالتصرف والعمل بمقتضى طبيعة التجارة وظروفها التي يتعذر فيها الاشتراك في العمل الذي يحتاج إنجازه لسرعة واهتبال الفرصة المواتية. فإن استعان العامل بصاحب المال في العمل، دون اشتراط، جاز ذلك، لأن الاستعانة به لا تخرج المال من العامل.\rوهذا الشرط محل اتفاق بين الجمهور (أبي حنيفة وأصحابه ومالك والشافعي والأوزاعي وأبي ثور وابن المنذر). وأما الحنابلة فقد أجازوا اشتراط بقاء يد المالك على المال.\rوأجاز المالكية للعامل أن يشترط عمل رب المال مجاناً أن يعمل معه في مال القراض، أو يشترط تقديم دابة رب المال حيث كان المال كثيراً. كما أجازوا أيضاً لمريد القراض أن يدفع مالين متعاقبين، أي واحداً بعد واحد لعامل واحد، إذا شرطا خلط المالين عند دفع الثاني؛ لأنه يرجع حينئذ إلى أجر واحد معلوم.","part":5,"page":578},{"id":3424,"text":"وفي هذا الشرط تختلف المضاربة عن شركات الأموال، فإنها تصح مع بقاء يد رب المال على ماله. والفرق هو أن المضاربة انعقدت على رأس مال من أحد الجانبين، وعلى العمل من الجانب الآخر، ولا يتحقق العمل إلا بعد خروج المال من يد صاحبه ليتمكن من التصرف فيه. أما الشركة فإنها انعقدت على العمل من الجانبين، فإذا شرط زوال يد رب المال عن العمل، فيكون هذا الشرط مناقضاً لمقتضى العقد، كما لو شرط في المضاربة عمل رب المال، فإن المضاربة تفسد، سواء عمل رب المال مع المضارب، أم لم يعمل؛ لأن شرط عمله معه معناه اشتراط بقاء يده على المال، وهذا شرط فاسد، لأنه يمنع المضارب من التمكن من التصرف، فلا يتحقق المقصود من العقد (1) .\rوهذا الشرط مطلوب، سواء أكان المالك عاقداً أم غير عاقد، فلا بد من زوال يد رب المال عن ماله لتصح المضاربة.\rويترتب عليه أن الأب أوا لوصي إذا ضارب في مال الصغير، وشرط عمل الصغير، لم تصح\r-------------------------------\r(1) يلاحظ أن الخلاف في هذا الشرط إذا كان عمل رب المال مشترطاً في العقد. أما إذا عمل متبرعاً من غير شرط، كأن استعان به المضارب فلا يؤثر ذلك في صحة المضاربة اتفاقاً (الشركات للأستاذ الخفيف: ص 70).","part":5,"page":579},{"id":3425,"text":"المضاربة؛ لأن يد الصغير ثابتة له، وبقاء يده يمنع التسليم إلى المضارب (1) . وكذلك أحد شريكي المفاوضة أو العنان إذا دفع مالاً مضاربة وشرط عمل شريكه مع المضارب، فالمضاربة فاسدة لقيام الملك لشريكه، وإن لم يكن عاقداً، فيمنع تحقق التسليم (2) .\rويترتب على هذا الشرط أن المضارب لو دفع إلى رب المال مضاربة بالثلث فالمضاربة الثانية فاسدة، والمضاربة الأولى على حالها جائزة.\rوأما شروط الربح فهي ما يأتي :\rأولاً ـ أن يكون الربح معلوم القدر: لأن المعقود عليه أو المقصود من العقد هو الربح، وجهالة المعقود عليه توجب فساد العقد (3) . وإذا دفع شخص لآخر ألف درهم على أن يشتركا في الربح، ولم يبين مقدار الربح، جاز العقد، ويكون الربح بينهما نصفين؛ لأن الشركة تقتضي المساواة كما في قوله تعالى: {فَهُمْ شُرَكاء ُفي الثلث} [النساء:12/4].\rحالة فساد المضاربة وحالة فساد الشرط فقط عند الحنفية :\rإن كان هناك شرط يؤدي إلى جهالة الربح فسدت المضاربة، لاختلال المقصود من العقد: وهو الربح. وإن كان الشرط لا يؤدي إلى جهالة الربح يبطل الشرط ويصح القعد. مثل أن يشترط المالك أن تكون الخسارة على المضارب أو عليهما، فالشرط يبطل، ويبقى العقد صحيحاً، والخسارة تكون على المالك في مال المضاربة. والسبب في أن شرط الخسارة عليهما شرط فاسد: هو أن الخسارة تعتبر جزءاً هالكاً من المال، فلا يكون إلا على رب المال، لا أنه يؤدي إلى جهالة الربح، فيؤثر في العقد فيجعله فاسداً.\r-------------------------------\r(1) أما إذا اشترط على المضارب أن يعمل معه نفس الأب أو الوصي فذلك جائز اتفاقاً (المرجع السابق).\r(2) انظر المبسوط: 83/22 ومابعدها، تبيين الحقائق: 56/5، البدائع: 84/6 ومابعدها، تكملة فتح القدير: 63/7، الدر المختار: 506/4، مغني المحتاج: 310/2، كشاف القناع: 262/2، الشرح الكبير للدردير: 520/3 ومابعدها، نهاية المحتاج: 163/4، الخرشي: 210/6، 212 ط ثانية.\r(3) المبسوط: 27/22، البدائع: 85/6، تبيين الحقائق: 55/5 ومابعدها، الدر المختار: 505/4، بداية المجتهد: 234/2، مغني المحتاج: 313/2، المهذب: 385/1، المغني: 30/5، نهاية المحتاج: 162/4،الخرشي: 209/6، ط ثانية.","part":5,"page":580},{"id":3426,"text":"ومثله أيضاً: أن يدفع شخص لآخر ألف دينار مضاربة على أن الربح بينهما نصفان، وعلى أن يدفع إليه رب المال أرضه ليزرعها سنة أو داراً ليسكنها سنة فالشرط باطل، والمضاربة جائزة، لأنه ـ أي رب المال ـ ألحق بها شرطاً فاسداً لا يقتضيه العقد. أما لو كان ا لمضارب هو المشروط عليه بأن شُرط عليه أن يدفع أرضه ليزرعها رب المال سنة أو يدفع داره إلى رب المال ليسكنها سنة، فإن المضاربة تفسد، لأنه جعل نصف الربح عوضاً عن عمله وعن أجرة الدار أو الأرض، فصارت حصة العمل مجهولة بالعقد، فلم يصح العقد (1) .\rوخلاصة ضابط الفساد عند الحنفية باقتران شرط في المضاربة: هو أنه إذا كان الشرط مؤدياً إلى عدم توافر شرط من شروط صحة المضاربة، فإنه يفسدها، كجهالة الربح أو عدم كمال تسليم المال إلى المضارب. أما إذا كان الشرط لا يمس شروط صحة المضاربة، فإن اشتراط شرط فاسد في المضاربة، لا يفسدها، وإنما يفسد الشرط ويلغو، وتصح المضاربة، كاشتراط الوضيعة (الخسارة) على المضارب، يبطل الشرط، وتصح المضاربة.\rولو جعل الربح كله لرب المال وقبل المضارب أن يعمل فيه بالمجان لم يكن العقد مضاربة، ولكن صار إبضاعاً أو مباضعة، والعامل فيه مستبضعاً. ولو شرط في المضاربة كون جميع الربح للمضارب، فالعقد قرض عند الحنفية والحنابلة، وهو مضاربة فاسدة عند الشافعية، وحينئذ يكون للعامل أجرة مثل عمله؛ لأن مقتضى المضاربة الاشتراك في الربح، فإذا شرط استئثار العامل بالربح، كان الشرط فاسداً.\r-------------------------------\r(1) البدائع: 86/6، تكملة فتح القدير: 62/7.","part":5,"page":581},{"id":3427,"text":"ويجوز عند الحنفية أن يشترط لأحد العاقدين دراهم معدودة معلومة إن زاد الربح على مقدار كذا من الدراهم، فذلك شرط صحيح لا يؤثر في صحة المضاربة؛ لأنه لا يؤدي إلى جهالة الربح (1) .\rوقال المالكية: يجوز أن يشترط العامل الربح كله له (2) ، وعبارتهم: يجوز اشتراط الربح كله في القراض لرب المال أو للعامل أو لغيرهما؛ لأنه من باب التبرع، وإطلاق القراض عليه حينئذ مجاز، وليس هو بقراض حقيقة، أي أن العامل يضمن المال إذا أخذه على أن الربح كله له، لأنه حينئذ يشبه السلف.\rووجه قول الحنفية والحنابلة: أنه إذا لم يمكن تصحيح العقد مضاربة يجعل قرضاً؛ لأنه أتى بمعنى القرض، والعبرة في العقود لمعانيها (3) . ويترتب على هذا أنه إذا شرط جميع الربح لرب المال فهو مباضعة عندهم، لوجود معنى الإبضاع (4) كما تقدم.\rثانياً ـ أن يكون الربح جزءاً مشاعاً: أي نسبة عشرية أو سهماً من الربح، كأن يتفقا على ثلث أو ربع أو نصف، وهذا مستثنى من حكم الإجارة المجهولة؛ لأن جواز عقد المضاربة كان للرفق بالناس، فإذا عين المتعاقدان مقداراً مقطوعاً محدداً، بأن شرطا مثلاً أن يكون لأحدهما مئة دينار أو أقل أو أكثر،والباقي للآخر، فلا يصح هذا الشرط، والمضاربة فاسدة؛ لأن المضاربة تقتضي الاشتراك في الربح، وهذا الشرط يمنع الاشتراك في الربح، لاحتمال ألا يربح المضارب إلا هذا القدر المذكور، فيكون الربح لأحدهما دون الآخر، فلا تتحقق الشركة، وبالتالي لا يكون التصرف مضاربة.\rولا تجوز المضاربة إذا جعل للعامل جزء من ربح غير المال المتجر فيه، وصرح المالكية أنه يجوز أن يتراضى العاقدان بعد العمل على جزء قليل أو كثير.\r-------------------------------\r(1) الشركات للأستاذ الخفيف: ص 71.\r(2) بداية المجتهد: 335/2، الخرشي: 203/6، 209، ط ثانية، بولاق.\r(3) البدائع: المصدر السابق، مغني المحتاج: 312/2، المهذب: 385/1، المغني:30/5.\r(4) الإبضاع هنا: أي التوكيل بلا جعل أو أجر. وبعبارة أخرى: هو استعمال شخص في المال بغير عوض (البدائع: 87/6).","part":5,"page":582},{"id":3428,"text":"وكذلك تفسد المضاربة إذا شرط زيادة ربح كعشرة مثلاً لأحد الشريكين، لاحتمال ألا يربح العامل إلا هذا القدر، فلا تتحقق الشركة في الربح. وحينئذ يلزم للعامل أجر المثل كما في سائر أنواع المضاربة الفاسدة (1) .\rقال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على إبطال القراض إذا شرط أحدهما أو كلاهما لنفسه دراهم معلومة.\rوبناء عليه: لا تصح المضاربة بربح محدد كالفائدة التي تقدمها المصارف على الودائع؛ لأن المضاربة تقتضي الاشتراك في الربح بدون تحديد نسبة مقطوعة كسبعة في المئة مثلاً. ولا تصح المضاربة على أن يأخذ العامل راتباً شهرياً معيناً، ونسبة من الأرباح عند تصفية الشركة أو الجرد السنوي وغيره.\r-------------------------------\r(1) انظر المبسوط: 27/22، تبيين الحقائق: 54/5، البدائع: 85/6 ومابعدها، تكملة فتح القدير: 60/7، مجمع الضمانات: ص 303، الشرح الكبير للدردير: 517/3، مغني المحتاج: 313/2، بداية المجتهد: 234/2، المغني: 34/5، نهاية المحتاج: 165/4.","part":5,"page":583},{"id":3429,"text":"المطلب الثالث ـ أحكام المضاربة :\rالمضاربة إما صحيحة أو فاسدة، ولكل واحد منهما أحكام، وسأبدأ في أحكام المضاربة الفاسدة التي اختل فيها شرط من شروط صحتها، لأن الكلام فيها يسير.\rحكم المضاربة الفاسدة: إذا كانت المضاربة فاسدة كأن يقول شخص لآخر: صد بشبكتي والصيد بيننا، فليس للمضارب عند الحنفية والشافعية والحنابلة (1) أن يعمل شيئاً مما تقتضيه المضاربة الصحيحة، ولا يثبت بها شيء من أحكام المضاربة الصحيحة التي سنعرفها، ولا يستحق النفقة ولا الربح المسمى، وإنما له أجر مثل عمله، سواء أكان في المضاربة ربح أم لم يكن؛ لأن المضاربة الفاسدة في معنى الإجارة الفاسدة، والأجير لا يستحق النفقة ولا المسمى في الإجارة الفاسدة، وإنما يستحق أجر المثل. وعلى هذا إذا لم يربح المضارب، فله أجر مثل عمله؛ لأن رب المال استعمله مدة في عمله، فكان عليه أجر العمل، وينفذ تصرف العامل، والربح للمالك.\rوأما الربح الحاصل حينئذ أو الصيد في مثالنا، فيكون كله لرب المال؛ لأن الربح نماء ملكه، ولم يستحق المضارب منه شيئاً نظراً لفساد العقد. وكذلك الخسران يكون على رب المال.\rوالقول قول المضارب مع يمينه إذا فسد العقد، وذلك في دعوى الهلاك والضياع، والمال في يده أمانة، كما في المضاربة الصحيحة.\rومذهب الشافعية والحنابلة في المضاربة الفاسدة كالحنفية إلا أنهم قالوا:\rإذا تصرف المضارب نفذ تصرفه، لأنه أذن له فيه، فإذا بطل العقد بقي الإذن، فملك به التصرف كما في الوكالة الفاسدة، وهذا بخلاف البيع، فإنه لو فسد لاينفذ تصرف المشتري، مع أن البائع قد أذن له في التصرف، والفرق هو أن المشتري إنما يتصرف بالملك لا بالإذن، ولا ملك في البيع الفاسد.\r-------------------------------\r(1) البدائع: 108/6، مغني المحتاج: 315/2، تكملة فتح القدير: 58/7، مختصر الطحاوي: ص124، المبسوط: 22/22، مجمع الضمانات: ص 311، غاية المنتهى: 179/2، الفرائد البهية في القواعد الفقهية للشيخ محمود حمزة: ص 165.","part":5,"page":584},{"id":3430,"text":"والربح جميعه في هذين المذهبين حين الفساد لرب المال؛ لأنه نماء ملكه، وعليه الخسران أيضاً. ويكون للمضارب أجرة مثل عمله، وإن لم يكن ربح، لأنه عمل طامعاً في المسمى، فإذا لم يحصل له المسمى وجب رد عمله إليه، وهو متعذر، فتجب قيمته وهي أجرة مثله، كما لو تبايعا بيعاً فاسداً وتقابضا وتلف أحد العوضين في يد القابض له، وجب رد قيمته (1) .\rوقال المالكية: يرد العامل في جميع أحكام المضاربة الفاسدة إلى قراض مثله في الربح والخسارة وغيرها في أحوال معدودة، وله أجر مثل عمله في غيرها من الحالات. وعليه إذا حدث ربح في الحالات الأولى، فيثبت حق المضارب في الربح نفسه، لا في ذمة رب المال، حتى إذا هلك المال لم يكن للمضارب شيء، وإذا لم يكن ربح فلا شيء له (2) .\rوالفرق بين قراض المثل وأجرة المثل: أن الأجرة في أجرة المثل تتعلق بذمة رب المال، سواء كان في المال ربح أو لم يكن، وقراض المثل: هو على سنة القراض، إن كان فيه ربح كان للعامل منه، وإلا فلا شيء له (3) .\r-------------------------------\r(1) مغني المحتاج: 315/2، المهذب: 388/1، المغني: 65/5 ومابعدها.\r(2) الشرح الكبير للدردير: 519/3 ومابعدها، بداية المجتهد: 240/2، القوانين الفقهية: ص 282، الخرشي: 205/6-208، ط ثانية ببولاق 1317 هـ.\r(3) بداية المجتهد: 241/2، المقدمات الممهدات: 14/3.","part":5,"page":585},{"id":3431,"text":"وأهم حالات رد المضاربة الفاسدة إلى قراض المثل: حالة القراض بالعروض، وحالة جهالة الربح وليس هناك عادة يحتكم إليها، وحالة توقيت القراض كسنة مثل: اعمل به سنة، أو إضافة القراض للمستقبل مثل: إذا جاء الوقت الفلاني فاعمل به، وحالة الاشتراط على العامل ضمان رأس المال إن تلف بلا تفريط،أو قال له: اشتر بدين مؤجل فاشترى نقداً، فالربح له والخسارة عليه؛ لأن الثمن صار قرضاً في ذمته، أو شرط عليه ما يقل وجوده، بأن يوجد تارة ويعدم أخرى، أو اختلف العاقدان بعد العمل في جزء الربح، وادعى كل من رب المال والعامل مالاً يشبه أن يكون له، كأن يقول العامل: الثلثين، ورب المال: الثلث.\rوأهم حالات وجوب أجرة المثل في الذمة (أي ذمة رب المال) سواء حصل ربح أم لا في المضاربة الفاسدة ما يأتي:\rـ وقوع القراض بدين لرب المال على العامل قبل قبضه منه، أو بوديعة له عند العامل قبل قبضها منه.\rـ واشتراط يد رب المال مع العامل في البيع والشراء والأخذ والعطاء. أو اشتراط مشاورته عند البيع والشراء بحيث لا يعمل عملاً فيه إلا بإذنه. أو اشترط المالك أميناً على العامل يراقبه. أو اشترط على العامل أن يخيط ثياب التجارة، أو يخرز الجلود المشتراة لها. أو اشترط عليه أن يشارك غيره في مال القراض، أو يخلط المال بماله أو بمال القراض عنده، أو أن يبضع بمال القراض (أي يرسله أو بعضه مع غيره ليشتري به ما يتجر العامل به مجاناً ) ففي كل هذه الحالات يجب للعامل أجرة مثله.","part":5,"page":586},{"id":3432,"text":"وأما أحكام المضاربة الصحيحة: فكثيرة، منها ما يرجع إلى حال يد المضارب، وبعضها يرجع إلى عمل المضارب، وبعضها يرجع إلى ما يستحقه المضارب بالعمل، ومايستحقه رب المال بالمال.\r1ً - أما حال يد المضارب: فقد اتفق أئمة المذاهب (1) على أن العامل المضارب أمين فيما في يده من رأس المال بمنزلة الوديعة، لأنه قبضه بإذن مالكه، لا على وجه البدل (أي المبادلة) كالمقبوض على سوم الشراء، ولا على وجه الوثيقة كالرهن.\rوإذا اشترى المضارب شيئاً صار بمنزلة الوكيل بالشراء والبيع، لأنه تصرف في مال الغير بإذنه وهو معنى الوكيل، فتطبق عليه أحكام الوكالة المعروفة بالنسبة للشراء: وهو أن يكون الشيء بمثل قيمته أو بما يتغابن الناس في مثله كالوكيل بالشراء. وأما بالنسبة للبيع فيعتبر كالوكيل بالبيع المطلق، كما سنعرف.\rفإذا ربح المضارب صار شريكاً فيه بقدر حصته من الربح؛ لأنه ملك جزءاً من المال بعمله، والباقي لرب المال، لأنه نماء ماله، فهو له.\rوإذا فسدت المضاربة بسبب من الأسباب صارت إجارة، والمضارب بمنزلة الأجير لرب المال، ويستحق حينئذ أجر المثل.\rوإذا خالف المضارب شرط رب المال، كأن فعل ما ليس له فعله أو اشترى شيئاً منع من شرائه، صار بمنزلة الغاصب، ويصير المال مضموناً عليه؛ لأنه تعدى في ملك غيره.\rوإذا تلف المال في يده من غير تفريط لم يضمن؛ لأنه نائب عن رب المال في التصرف، فلم يضمن من غير تفريط، كالوديع.\rوإذا ظهرت خسارة كانت على رب المال وحده، واحتسب أولاً من الربح إن كان في المال ربح.\rوإن شرط على العامل ضمان رأس المال إن تلف، بطل الشرط والعقد صحيح عند الحنفية والحنابلة. وبناء عليه: يكون تشغيل المال على حساب الربح مع ضمان رأس المال صحيحاً والشرط باطل.\r-------------------------------\r(1) مختصر الطحاوي: ص 124، تكملة فتح القدير والعناية: 58/7، البدائع: 87/6، المبسوط: 19/22، مجمع الضمانات: ص 303 ومابعدها، الشرح الكبير: 536/3، بداية المجتهد: 234/2، الخرشي: 213/6، 223، مغني المحتاج: 322/2، المهذب: 388/1، المغني: 69/5، تبيين الحقائق: 53/5، القوانين الفقهية: ص 283، غاية المنتهى: 171/2، 178.","part":5,"page":587},{"id":3433,"text":"وقال المالكية والشافعية: تفسد المضارب حينئذ، لأنه شرط فيه زيادة غرر يتنافى مع طبيعة العقد (1) . لكن قال ابن قدامة في المغني 144/5 في المضاربة: «وإن قال: خذ هذا المال فاتجر به، وربحه كله لك، كان قرضاً لا قراضاً. وقال الدردير: يجوز أن يضمن العامل مال القراض ـ أي المضاربة ـ لربه لو تلف أو ضاع بلا تفريط في اشتراط الربح له، أي للعامل، بأن قال ربه (صاحب المال): اعمل فيه والربح لك؛ لأنه حينئذ صار قرضاً، وانتقل من الأمانة إلى الذمة (2) .\r2ً - وأما تصرفات المضارب: فيختلف حكمها بحسب ما إذا كانت المضاربة مطلقة أو مقيدة.\rوالمطلقة كما عرفنا: أن يدفع المالك المال مضاربة من غير تعيين العمل والمكان والزمان وصفة العمل ومن يعامله. والمقيدة: أن يعين المالك شيئاً من ذلك.\rفإذا كانت المضاربة مطلقة: فللمضارب أن يتصرف في مال المضاربة ما بدا له من أنواع التجارات، في سائر الأمكنة، مع سائر الناس، لإطلاق العقد، فله أن يشتري به ويبيع؛ لأن المقصود من المضاربة: هو تحصيل الربح، والربح لا يحصل إلا بالشراء والبيع، إلا أنه في الشراء مقيد بالمعروف، وهو أن يكون بمثل قيمة المشترى، أو بأقل منه مما يتغابن الناس في مثله؛ لأنه وكيل، وشراء الوكيل يقع على ما هو متعارف.\rوأما بيعه فهو على الاختلاف بين أبي حنيفة وصاحبيه في التوكيل بمطلق البيع.\rفعند أبي حنيفة رضي الله عنه: يملك البيع نقداً ونسيئة وبغبن فاحش.\rوعند الصاحبين: لا يملك البيع بالنسيئة، ولا بما لا يتغابن الناس في مثله، وإنما يتقيد بالمتعارف وهذا هو الرأي الأرجح. وهو ما ذهب إليه الشافعية والمالكية والحنابلة، إلا أن الحنابلة أجازوا للمضارب أن يبيع نقداً ونسيئة كما يقول أبو حنيفة.\r-------------------------------\r(1) تحفة الفقهاء: 25/3، المغني: 25/5، بداية المجتهد: 236/2 .\r(2) أقرب المسالك مع بلغة السالك: 249/2.","part":5,"page":588},{"id":3434,"text":"وللمضارب أن يدفع المال بضاعة (1) ؛ لأن الإبضاع من عادة التجار، ولأن المقصود من هذا العقد هو الربح، والإبضاع طريق إليه، ولأنه يملك الاستئجار فالإبضاع أولى؛ لأن الاستئجار استعمال شخص في المال بعوض، والإبضاع استعماله فيه بغير عوض، فكان أولى.\rولا يجوز عند المالكية الإبضاع إلا بإذن رب المال، وإلا ضمن (2) .\rوللمضارب عند الحنفية أن يودع، لأن الإيداع من عادة التجار ومن ضرورات التجارة. وليس للمضارب عند المالكية أن يأتمن على المال أحداً ولا أن يودعه، فإن خالف فهو ضامن.\rوله أن يستأجر أجيراً ليعمل في المال؛ لأن الاستئجار من عادة التجار وضرورات التجارة. كما له أن يستأجر البيوت ليجعل المال فيها؛ لأنه لا يقدر على حفظ المال إلا به. وله أيضاً أن يستأجر السفن والدواب للعمل؛ لأن الحمل من مكان إلى مكان طريق لتحصيل الربح، ولا يمكنه النقل بنفسه.\rوله أن يوكل بالشراء والبيع؛ لأن التوكيل من عادة التجار، ولأنه طريق الوصول إلى الربح. وله أن يرهن بدين عليه في المضاربة من مال المضاربة، وأن يرتهن بدين له منها على رجل؛ لأن الرهن بالدين والارتهان من باب إيفاء الدين واستيفائه، وهو يملكها. ولكن ليس له أن يرهن بعد نهي رب المال عن العمل ولا بعد موته؛ لأن المضاربة تبطل بالنهي والموت.\r-------------------------------\r(1) الإبضاع من مال الشركة: بأن يعطي إنساناً مالاً منه ليشتري له بضاعة من بلد كذا، من دون عوض.\r(2) الشرح الكبير: 521/3.","part":5,"page":589},{"id":3435,"text":"وللمضارب أن يسافر بالمال في الرواية المشهورة عند الحنفية، وكذلك عند المالكية وفي وجه عند الحنابلة (1) ؛ لأن المقصود من المضاربة استنماء المال، ولأن العقد مطلق، كما أن اسم المضاربة دليل على جواز السفر؛ لأن المضاربة مشتقة من الضرب في الأرض وهو السير (2) . وقال الشافعي وفي وجه آخر عند الحنابلة: لا يسافر به إلا بإذن رب المال.\rما لا يجوز للمضارب فعله: ليس للمضارب في المضاربة المطلقة أن يفعل بعض الأفعال إلا بالنص عليها صراحة (3) ، فليس له أن يستدين على مال المضاربة إلا بإذن صريح، ولو استدان لم يجز على رب المال، ويكون ديناً على المضارب في ماله؛ لأن الاستدانة إثبات زيادة في رأس المال من غير رضا رب المال، بل فيه إثبات زيادة ضمان على رب المال من غير رضاه؛ لأن ثمن المشترى مضمون على رب المال، فلو جوزنا الاستدانة على المضاربة لألزمناه زيادة ضمان لم يرض به، وهذا لا يجوز.\rوإذا كانت الاستدانة لا تجوز، فلا يجوز الإقراض من رأس المال من باب أولى. وعدم جواز الاستدانة إلا بإذن صاحب المال هو مذهب الحنابلة والشافعية أيضاً.\rوقال المالكية: لا يجوز للمضارب أن يشتري سلعاً بالدين وإن أذن له رب المال بالشراء، فإن فعل ضمن ما اشتراه، وكان الربح له وحده، ولا شيء منه لرب المال؛ لأنه عليه الصلاة والسلام نهى عن ربح ما لم يضمن، فكيف يأخذ رب المال ربح ما يضمنه العامل في ذمته؟!\rولا يجوز للمضارب أيضاً أن يشتري سلعاً للقراض بأكثر من مال المضاربة نقداً أو إلى أجل، للنهي عن ربح ما لم يضمن، وذلك لأن العامل يضمن ما زاد في ذمته.\rفإن فعل كان ما يشتريه شركة بينه وبين رب المال بنسبة ما زاد على مال\r-------------------------------\r(1) قال القاضي أبو يعلى: قياس المذهب جوازه (أي سفر المضارب بالمال إذا لم يكن مخوفاً) بناء على السفر في الوديعة).\r(2) راجع هذه الأحكام في البدائع: 87/6 ومابعدها، تكملة فتح القدير: 63/7، 79، مختصر الطحاوي: ص 125، المبسوط: 38/22 ومابعدها، 68، تبيين الحقائق: 57/5، 68، مجمع الضمانات: ص 305 ومابعدها، الدر المختار بهامش رد المحتار: 506/4، الشرح الكبير للدردير: 524/3، 528، مغني المحتاج: 315/2، 317، كشاف القناع: 263/2، المغني: 35/5-38، الخرشي: 211/6، ط ثانية.\r(3) البدائع: 90/6 ومابعدها، تكملة فتح القدير: 80/7، المبسوط: 178/22، تبيين الحقائق: 69/5، الدر المختار: 507/4.","part":5,"page":590},{"id":3436,"text":"القراض. وهذا إذا لم يرض رب المال، فإذا رضي بالتصرف، كان ذلك من جملة القراض. ولا يجوز للمضارب أن يهب شيئاً كثيراً من مال القراض بغير ثواب (1) .\rوليس للمضارب أخذ المال على سبيل القرض ليسلمه إلى مدين في بلد آخر يريده المقرض؛ لأنه يكون محتملاً تبعة مخاطر الطريق، ولأن دافع المال (وهو المقرض) استفاد من هذه العملية، وقد ثبت النهي عن قرض جر نفعاً. وهذه هي المسألة المعروفة في الفقه بمسألة السفاتج (2) .\rوكذلك ليس للمضارب أن يدفع المال إلى غيره مضاربة، أو أن يشارك به، أو أن يخلطه بمال نفسه أو بمال غيره، إلا إذا قال له رب المال: اعمل برأيك، أو أذن له بالتصرف. أما المضاربة فلا تجوز لأنها مثل المضاربة الأولى، والشيء لا يستتبع مثله، فلا يستفاد بمطلق عقد المضاربة مثله، كما لا يملك الوكيل التوكيل بمطلق العقد. وأما الشركة فهي أولى ألا يملكها بمطلق العقد؛ لأنه أعم من المضاربة، والشيء لا يستتبع مثله فما فوقه أولى. وأما الخلط فلأنه يوجب في مال رب المال حقاً لغيره، فلا يجوز إلا بإذنه (3) .\rما يجب على العامل المضارب: يجب على العامل القيام بأعمال المضاربة بحسب المعتاد من أمثاله، وبحسب عادة التجار فيما يتعاملون به، فإذا استأجر على عمل يلزمه القيام به، وجبت الأجرة عليه في ماله خاصة لا في مال القراض. وله أن يستأجر على عمل من مال المضاربة إذا كان من الأعمال التي لا يلزمه القيام بها بحسب العرف التجاري.\r-------------------------------\r(1) كشاف القناع: 256/4، مغني المحتاج: 216/2، الدردير: 528/3، بداية المجتهد: 239/2، القوانين الفقهية: ص 283، الخرشي: 211/6، 216، 226، ط ثانية.\r(2) السفاتج: جمع سفتجة بضم السين وفتح التاء، فارسي معرب: وهي سلف الخائف من غرر الطريق يعطى بموضع ويؤخذ حيث يكون متاع الآخر، فينتفع الدافع والقابض في ذلك (راجع القوانين الفقهية لابن جزي: ص 251، غاية المنتهى: 167/2).\r(3) البدائع: 95/6 ومابعدها، تكملة فتح القدير: 64/7، تبيين الحقائق: 58/5، الدر المختار بهامش رد المحتار: 507/4.","part":5,"page":591},{"id":3437,"text":"المضارب يضارب :\rأولاً ـ مذهب الحنفية: لا يجوز للمضارب أن يضارب بالمال مع شخص آخر، إلا إذا فوضه رب المال، فإذا دفع المضارب المال إلى غيره مضاربة ولم يأذن له رب المال، فإن المال لا يكون عند أبي حنيفة مضموناً على المضارب الأول بمجرد الدفع إلى الثاني، ولا بتصرف المضارب الثاني فيه حتى يربح. فإذا ربح ضمن المضارب الأول لرب المال، أما قبل الربح فلا يضمن. فلو هلك المال في يد الثاني قبل أن يربح، هلك هلاك الأمانات.\rوجه الحالة الأولى (أي قبل العمل): أن مجرد الدفع من المضارب إيداع منه، وهو يملك إيداع مال المضاربة، فلا يضمن بالدفع.\rووجه الحالة الثانية (أي بعد العمل): أن الدفع من المضارب الأول إلى المضارب الثاني يعتبر إبضاعاً، وهو يملك الإبضاع.\rفإذا ربح الثاني فقد أثبت للأول شركة في المال، فيضمن الأول لرب المال كما لو خلط المال بغيره.\rهذا إذا كانت المضاربة صحيحة. فإن كانت فاسدة فلا يضمن المضارب الأول بعد الربح؛ لأن المضارب الثاني أجير في المال حينئذ، وله أجر مثله، فلم تثبت الشركة الموجبة للضمان.\rوقال زفر: يضمن المضارب الأول بمجرد الدفع، عمل الثاني أو لم يعمل؛ لأن المضارب يملك الدفع على وجه الإيداع، وهذا الدفع على وجه المضاربة، فإذا دفع صار بالدفع مخالفاً، فصار ضامناً كالوديع إذا أودع الوديعة عند غيره.","part":5,"page":592},{"id":3438,"text":"وقال الصاحبان وهو ظاهر الرواية: إذا عمل المضارب الثاني ضمن الأول المال، ربح أو لم يربح؛ لأن المضارب الثاني لما عمل فقد تصرف الأول في المال بغير إذن المالك، فيتعين به الضمان سواء ربح أم لم يربح (1) . وحينئذ إذا عمل المضارب الثاني يخير رب المال: إن شاء ضمن المضارب الأول رأس ماله، وإن شاء ضمن الثاني.\rفالراجح عند الحنفية: أن المضارب الأول لا يضمن في المضاربة الصحيحة بمجرد دفع المال إلى المضارب الثاني، وإنما يضمن إذا عمل الثاني، ربح المال أو لم يربح.\rوأما الربح الناتج من المضاربة فيوزع حسب الشرط، فيعطى لرب المال ربحه على حسب شرطه في عقد المضاربة الأولى؛ وما يبقى من الربح بعدئذ يكون بين المضارب الأول والثاني على حسب شرطيهما في عقد المضاربة الثاني.\rهذا ما ذهب إليه الحنفية والقاضي أبو يعلى من الحنابلة (2) .\rوقال ابن قدامة: ليس هذا موافقاً لأصول المذهب، ولا لنص أحمد، فإن أحمد قال: لا يطيب الربح للمضارب (3) .\rثانياً ـ مذاهب غير الحنفية: قال المالكية: يضمن العامل إذا قارض في مال القراض بغير إذن رب المال، أي دفعه لعامل غيره يعمل فيه، لتعديه، والربح حينئذ للعامل الثاني ولرب المال، ولا ربح للعامل الأول؛ لأن ربح القراض جُعْل لايستحق إلا بتمام العمل، والعامل الأول لم يعمل، فلا ربح له، ويغرم العامل الأول للثاني ماشرطه له من زيادة في الربح المستحق له من رب المال.\rوقال الشافعية في الأصح، لا يجوز للعامل أن يقارض آخر ليشاركه في العمل والربح، ولو كان ذلك بإذن رب المال.\r-------------------------------\r(1) البدائع: 96/6، تكملة فتح القدير: 70/7 ومابعدها، المبسوط: 98/22، تبيين الحقائق: 63/5، الدر المختار: 509/4.\r(2) المراجع السابقة، الشركات للأستاذ الخفيف: ص 81، المغني: 44/5.\r(3) المغني، المكان السابق.","part":5,"page":593},{"id":3439,"text":"وحينئذ يظل القراض مع العامل الأول صحيحاً، ويستحق العامل الثاني من الأول أجر المثل إذا عمل (1) ؛ لأن القراض على خلاف القياس، وموضوعه أن يكون أحد العاقدين مالكاً لا عمل له، والآخر عاملاً ولو متعدداً، فلا يعدل عما ذكر إلى أن يعقده عاملان مع نفسيهما، فيصير القراض بين عاملين فلا يصح.\rوالخلاصة: أن المذاهب الأربعة متفقة على أن الضمان بمضاربة العامل غيره يستقر على الأول.\rوأما خلاصة أحكام تصرفات المضارب في المضاربة المطلقة عند الحنفية فهي ثلاثة أنواع:\r1 - نوع يملكه المضارب عرفاً: وهو جميع ما تتناوله أعمال التجارة عادة، كالبيع والشراء، والتوكيل فيهما، وإن لم يؤذن له بذلك صراحة، ويكون شراؤه على المعروف، فلا يتجاوز ما يتغابن فيه الناس عادة، لأنه وكيل، وشراء الوكيل يقع بحسب المعتاد، أما البيع ففيه خلاف بين الحنفية، والراجح أنه يتقيد أيضاً بالمعتاد.\r2 - ونوع لا يملكه إلا إذا فوض إليه العمل في المضاربة برأيه، فقال له: اعمل فيها برأيك، أو كما ترى: وهو ما يحتمل أن يلحق بأعمال التجارة، كإعطاء المال مضاربة لشخص آخر يضارب فيه، أو جعله رأس مال لشركة عنان، فإذا فوض له ذلك صح.\r3 - ونوع لا يملكه المضارب إلا بالنص عليه صراحة، كالتبرعات، من هبة أو محاباة بالبيع والشراء، والإقراض، والشراء لأجل عند الشافعية والمالكية والحنابلة، والشراء بأكثر من رأس المال والربح عند أكثر الفقهاء.\rوأما المضاربة المقيدة: فحكمها حكم المضاربة المطلقة في جميع الأحكام التي ذكرت، وإنما تفارقها في قدر القيد الذي قيدت به، فإن خصص رب المال تصرف المضارب في بلد بعينه، أو في سلعة بعينها لم يجز له أن يتجاوزها، لأنه توكيل، وفي التخصيص بما ذكر فائدة، فيتخصص به.\r-------------------------------\r(1) مغني المحتاج: 314/2، المغني: 43/5، القوانين الفقهية: ص 283، الخرشي: 214/6.","part":5,"page":594},{"id":3440,"text":"أ ـ تعيين المكان: وعلى هذا إذا كان القيد متعلقاً بالمكان، كأن دفع رجل إلى رجل مالاً مضاربة على أن يعمل به في بلدة معينة كدمشق مثلاً، فليس له أن يعمل في غير دمشق؛ لأن قوله «على أن» من ألفاظ الشرط، وهو شرط مفيد؛ لأن الأماكن تختلف بالرخص والغلاء، وفي السفر خطر.\rوكذا لا يعطيها بضاعة (1) لمن يخرج بها من دمشق، لأنه إذا لم يملك الإخراج بنفسه فلأن لا يملك الإذن به أولى.\rفإن أخرجها من دمشق: فإن اشترى بها وباع ضمن؛ لأنه تصرف لا على الوجه المأذون فيه فصار مخالفاً فيضمن، وكان ما اشتراه لنفسه له ربحه وعليه خسارته، لكن لا يطيب له الربح عند أبي حنيفة ومحمد. وعند أبي يوسف: يطيب.\rوإن لم يشتر بمال المضاربة شيئاً حتى رده إلى البلدة المعينة المذكورة برئ من الضمان، ورجع المال مضاربة على حاله، كالوديع إذا خالف أمر المودع ثم عدل عن المخالفة (2) .\rولو دفع المال إلى رجل ليعمل في سوق دمشق العام، فعمل في دمشق نفسها في غير سوقها، فهو جائز على أساس المضاربة استحساناً عند الحنفية. والقياس ألا يجوز. وجه القياس: أنه شرط عليه العمل في مكان معين، فلا يجوز في غيره، كما لو شرط العمل في بلد معين.\rووجه الاستحسان: أن التقييد بسوق دمشق غير مفيد غالباً؛ لأن البلد الواحد بمنزلة بقعة واحدة، فلا فائدة في هذا الشرط، فيلغو، ومن المقرر أن الشرط معتبر إذا كان مفيداً.\rولو قال له: ( لا تعمل به إلا في سوق دمشق ) فعمل في غير السوق، فباع واشترى، فهو ضامن؛ لأن قوله السابق حجر له، فلا يجوز تصرفه بعد الحجر. وفي المثال الأول لم يحجر عليه، وإنما شرط عليه أن يكون عمله في السوق، والشرط غير مفيد، فيلغو.\r-------------------------------\r(1) أي أن يدفعها إلى شخص ليتجر في المال تبرعاً أي (بغير عوض).\r(2) المبسوط: 42/22، 46، تبيين الحقائق: 59/5، البدائع: 98/6، تكملة فتح القدير: 64/7 ومابعدها، مختصر الطحاوي: ص 125.","part":5,"page":595},{"id":3441,"text":"وكذلك إذا قال له: ( خذ هذا المال تعمل به في دمشق أو فاعمل به في دمشق) لم يجز له العمل في غيرها؛ لأن ( في ) كلمة ظرف، فتصبح دمشق ظرفاً للتصرف الذي أذن له فيه، فلو جاز في غير دمشق لم تكن دمشق ظرفاً لتصرفه.\rوأما قوله ( فاعمل به..) فالفاء للوصل والتعقيب، والمتصل المتعقب للمبهم تفسير له.\rوكذا قوله: ( خذه بالنصف بدمشق ) لأن الباء تفيد الإلصاق، فتقتضي التصاق الصفة بالموصوف: يعني أنه يجب عليه العمل بالمال ملصقاً بدمشق، وهو أن يكون العمل فيها.\rأما لو قال: ( خذ هذا المال واعمل به بدمشق ) فله أن يعمل به فيها وفي غيرها، لأن الواو للعطف، وهو مما يجوز الابتداء به، فيجعل مشورة، كأنه قال: (إن فعلت كذا كان أنفع).\rب ـ تعيين الشخص: ولو قال: ( على أن تشتري من فلان وتبيع منه ) صح التقييد عند الحنفية والحنابلة لأنه مفيد لزيادة الثقة به في المعاملة. وخالف في هذا المالكية والشافعية كما عرفنا؛ لأن هذا التقييد يمنع مقصود المضاربة وهو التقلب في الأسواق وطلب الربح.\rجـ ـ توقيت المضاربة: ولو وقَّت المضاربة بوقت معين، على أنه إذا مضى بطل العقد، صح العقد عند الحنفية والحنابلة؛ لأنه توكيل، فيتأقت بما وقته، والتوقيت مفيد، وأنه تقييد بالزمان، فصار كالتقييد بالنوع والمكان (1) .\rولم يصح العقد عند الشافعية والمالكية كما عرفنا لإخلال التأقيت بمقصود القراض، إذ قد لا يربح في المدة، وقد يكون الربح والحظ في إبقاء المتاع وبيعه بعد المدة المعينة (2) .\r-------------------------------\r(1) البدائع: 99/6، تكملة فتح القدير والعناية: 65/7.\r(2) مغني المحتاج: 312/2، المغني: 63/5، الشرح الكبير للدردير: 521/3.","part":5,"page":596},{"id":3442,"text":"والضابط في تقييد المضاربة عند الحنفية: هو أن المضاربة تقبل التقييد المفيد ولو بعد العقد ما لم يصر المال عرضاً؛ لأنه إذا صار المال من العروض التجارية، لا يملك رب المال عزل المضارب، فلا يملك تخصيصه. أما التقييد بغير المفيد فلا يعتبر أصلاً كنهيه عن بيع المال حالاً (1) .\rويرى الشافعية والمالكية: أن وظيفة المضارب هو التجارة في المال للاسترباح والتنمية، وهو بالبيع والشراء مما جرت العادة بأن يتولاه التجار. وعليه فكل شرط يحول دون عمله المعتاد المتعارف مفسد للقراض عندهم (2) .\rالتقيد الطارئ على المضاربة المطلقة: قال الحنفية: إذا كانت المضاربة مطلقة فخصصها رب المال بعد العقد:\rفإن كان رأس المال بحاله نقداً أو اشترى به المضارب متاعاً ثم باعه وقبض ثمنه من النقود: فإن تخصيصه جائز، كما لو خصص المضاربة في الابتداء؛ لأن رب المال يملك التخصيص إذا كان فيه فائدة.\rأما إذا كان مال المضاربة عروضاً فلا يصح تقييد رب المال للمضارب أو نهيه عن أمر حتى يصير رأس المال نقداً، مثل أن يقول له: ( لا تبع بالنسيئة ) لأن المضاربة تمت بالشراء.\r3 ً - وأما حقوق المضارب: التي يستحقها بعمله في مال المضاربة فهي شيئان: النفقة، والربح المسمى في العقد.\rأولاً ـ أما النفقة من مال المضاربة: فاختلف الفقهاء في وجوبها للمضارب\r-------------------------------\r(1) الدر المختار: 508/4.\r(2) المراجع السابقة، الشركات في الفقه الإسلامي للأستاذ علي الخفيف: ص 74.","part":5,"page":597},{"id":3443,"text":"على أقوال ثلاثة، فقال الإمام الشافعي في الأظهر من قوليه: لا نفقة للمضارب على نفسه من مال المضاربة لا حضراً ولا سفراً إلا أن يأذن له رب المال؛ لأن للمضارب نصيباً من الربح، فلا يستحق شيئاً آخر، ويكون المأخوذ زيادة منفعة في المضاربة، ولأن النفقة قد تكون قدر الربح، فيؤدي أخذه إلى انفراده به، وقد تكون أكثر فيؤدي إلى أن يأخذ جزءاً من رأس المال، وهذا ينافي مقتضى العقد، فلو شرطت النفقة للمضارب في العقد فسد (1) .\rوقال قوم منهم إبراهيم النخعي والحسن البصري: له نفقته حضراً وسفراً (2) .\rوقال جمهور الفقهاء منهم أبو حنيفة ومالك والزيدية: للمضارب النفقة في السفر لا في الحضر من مال المضاربة من الربح إن وجد وإلا فمن رأس المال بما يحتاج إليه من طعام وكسوة (3) ، إلا أن الإمام مالك قال: إذا كان المال يحمل ذلك. ولا نفقة له من مال المضاربة في حال الإقامة، وإنما في مال نفسه، إلا إذا كانت المضاربة تشغله عن الوجوه التي يقتات منها، فله حينئذ الإنفاق من مال المضاربة.\rوأما الحنابلة فأجازوا اشتراط المضارب نفقة نفسه في الحضر أو في السفر (4) ، أي أنهم في هذا كالشافعية لا يوجبون النفقة للمضارب في السفر أو الحضر إلا بالشرط.\r-------------------------------\r(1) المهذب: 387/1، مغني المحتاج: 317/2.\r(2) بداية المجتهد: 238/2.\r(3) البداية، المرجع السابق، البدائع: 105/6، تكملة فتح القدير: 81/7، المبسوط: 63/22، مختصر الطحاوي: ص 125، الدردير: 530/3، المنتزع المختار: 333/5، القوانين الفقهية: ص 283، الخرشي: 217/6 ومابعدها، ط ثانية.\r(4) المغني: 64/5، كشاف القناع: 265/2.","part":5,"page":598},{"id":3444,"text":"ودليل هؤلاء المجيزين: هو أنه لو لم تجعل نفقة المضارب من مال المضاربة لامتنع الناس من قبول المضاربات مع مساس الحاجة إليها. والسبب في استحقاق المضارب النفقة في السفردون الحضر: هو أنه حبس نفسه عن الكسب وسافر لأجل المضاربة ، فأشبه حبس الزوجة التي تستحق النفقة بالاحتباس بخلاف الحضر، فلو أنفق المضارب في السفر من ماله الخاص تضرر بذلك.\rوالنفقة الواجبة للمضارب في مال المضاربة، كما ذكر الحنفية: هي ما تصرف إلى الحاجة الراتبة وهي الطعام والكسوة والإدام والشراب، وأجر الأجير وأجرة الحمام، ودهن السراج والحطب، وفراش ينام عليه وعلف دابته التي يركبها في سفره ويتصرف عليها في حوائجه، وغسل ثيابه ونحوه مما لا بد في السفر منه عادة. أما ثمن الدواء ففي مال المضارب خاصة في ظاهر الرواية؛ لأن الحاجة إلى النفقة معلومة الوقوع، وإلى الدواء بعارض المرض، ولهذا كانت نفقة المرأة على الزوج، ودواؤها في مالها كما يذكر متقدمو الحنفية، وهذا محل نظر.\rوعن أبي حنيفة رحمه الله : أن الدواء يدخل في نفقة المضارب؛ لأنه لإصلاح بدنه، ولا يتمكن من التجارة إلا به، فصار كالنفقة (1) .\rوأما قدر النفقة: فهو أن يكون بالمعروف عند التجار من غير إسراف، فإن جاوز المعروف ضمن الفضل؛ لأن الإذن ثابت بالعادة، فيعتبر القدر المعتاد.\rولو سافر فلم يتفق له شراء متاع من حيث قصد، وعاد بالمال، فنفقته ما دام مسافراً في مال المضاربة؛ لأن عمل التجار على هذا، وهو أن الشراء قد يحصل في وقت دون وقت، ومكان دون مكان.\r-------------------------------\r(1) البدائع: 106/6، تكملة فتح القدير: 81/7، تبيين الحقائق: 70/5، الدر المختار: 512/4، مجمع الضمانات: ص 308.","part":5,"page":599},{"id":3445,"text":"ويكون للمضارب النفقة، سواء سافر بمال المضاربة وحده، أو بماله ومال المضاربة، أو بمال المضاربة لواحد أو لاثنين، إلا إذا سافر بماله ومال المضاربة أو بمالين لرجلين، كانت النفقة من المالين بالحصص؛ لأن السفر لأجل المالين، فتكون النفقة فيهما (1) .\rوأما ما تحتسب النفقة منه: فالنفقة تحتسب من الربح إن حدث ربح، فإن لم يحدث فهي من رأس المال؛ لأن النفقة جزء هالك من المال، والأصل أن الهلاك ينصرف إلى الربح.\rولو أقام المضارب في بلد من البلدان للبيع والشراء، ونوى الإقامة خمسة عشر يوماً، فنفقته من مال المضاربة، ما لم يتخذ من البلد داراً للتوطن. وقال المالكية: ما لم يتزوج.\rوإذا رجع المضارب إلى بلده: فما فضل عنده من الكسوة والنفقة رده إلى مال المضاربة؛ لأن الإذن له بالنفقة كان لأجل السفر، فإذا انقطع السفر لم يبق الإذن، فيجب رد ما بقي إلى مال المضاربة.\rوإذا أنفق المضارب من ماله على نفسه فيما يحق له أن ينفقه من مال المضاربة، فما أنفقه فهو دين في مال المضاربة، كالوصي إذا أنفق على الصغير من مال نفسه؛ لأن تدبير أمره مفوض إليه (2) .\rثانياً ـ وأما الحق الثاني للمضارب فهو الربح المسمى: يستحق المضارب بعمله في المضاربة الصحيحة الربح المسمى إن كان في المضاربة ربح، فإن لم يكن ربح فلا شيء للمضارب، لأنه عامل لنفسه فلا يستحق الأجر. وإنما يظهر الربح بالقسمة، وشرط جواز القسمة قبض رأس المال، فلا تصح قسمة الربح قبل أخذ رأس المال من يد المضارب.\r-------------------------------\r(1) البدائع: المصدر السابق.\r(2) البدائع، المصدر السابق: ص 107.","part":5,"page":600},{"id":3446,"text":"فلو دفع رجل إلى آخر ألف دينار مضاربة بالنصف، فربح ألفاً فاقتسما الربح، ورأس المال في يد المضارب لم يقبضه رب المال، فهلك (1) في يد المضارب بعد قسمة الربح، فلا تصح هذه القسمة، ويكون ما قبض رب المال محسوباً عليه من رأس ماله، وما قبضه المضارب دين عليه يرده إلى رب المال حتى يستوفي رأس ماله، فإن فضل ربح فهو بينهما.\rوالدليل على أن رب المال يأخذ رأس ماله قبل قسمة الربح: هو ما روي عن الرسول صلّى الله عليه وسلم أنه قال: «مثل المؤمن مثل التاجر لا يسلم له ربحه حتى يسلم له رأس ماله، كذلك المؤمن لا تسلم له نوافله حتى تسلم له عزائمه» (2) فدل الحديث على أن قسمة الربح قبل قبض رأس المال لا تصح؛ لأن الربح زيادة، والزيادة على الشيء لا تكون إلا بعد سلامة الأصل.\rوإذا اختلف المضارب مع رب المال في رد المال، فقال المضارب: قد كنت دفعت إليك رأس مالك قبل قسمة الربح، وقال رب المال: لم أقبض رأس المال قبل القسمة، فالقول عند الحنفية والحنابلة قول رب المال، ويرد المضارب ما قبضه لنفسه لإتمام رأس المال. فإن بقي شيء بعدئذ مما قبضه المضارب كان بينهما نصفين. وإنما كان الحكم هو قبول قول رب المال؛ لأن المضارب في هذه الحالة مدعٍ، ورب المال منكر، والمضارب وإن كان أميناً لكن القول قول الأمين في إسقاط الضمان عن نفسه، لا في التسليم إلى غيره (3) . ويتفق الحنفية مع المالكية والشافعية في الأظهر عندهم، في أنه لا يملك العامل حصة من الربح الحاصل بعمله إلا بقسمة المال لا بظهور الربح.\r-------------------------------\r(1) أي رأس المال.\r(2) ذكره الكاساني في البدائع: 107/6، ولم أجده في كتب الحديث المشهورة.\r(3) البدائع: 107/6 ومابعدها، المبسوط: 20/22، 105، تبيين الحقائق: 68/5، رد المحتار: 511/4.","part":5,"page":601},{"id":3447,"text":"وقال الحنابلة والزيدية: إن العامل يملك حصته من الربح بظهوره ولو لم يقسم المال. واتفق الفقهاء على أنه يجب على العامل أن يسلم لرب المال أولاً رأس ماله، فلا يستحق شيئاً من الربح حتى يسلم رأس المال إلى ربه. وما زاد عنه فهو ربحه، ويكون بين العامل ورب المال بحسب الشرط (1) .\r4 ً - وأما حق رب المال: فهو أن يأخذ حصته من الربح المسمى إذا كان في المال ربح، وإن لم يكن فلا شيء له على المضارب (2) .\rولا ربح للعامل في المال حتى يَنِضّ إلى رب المال رأس ماله، أي يتحول نقوداً ويسلم إليه نقداً (3) قال ابن رشد: أجمع علماء الأمصار على أنه لا يجوز للعامل أن يأخذ نصيبه من الربح إلا بحضرة رب المال، وأن حضور رب المال شرط في قسمة المال، وأخذ العامل حصته، وأنه ليس يكفي في ذلك أن يقسمه بحضور بيّنة ولا غيرها. ويغرم رب المال جميع ما تتعرض له تجارة القراض من خسارة أو تلف سماوي مما ليس فيه تعدٍ ولا تقصير من المضارب (4) .\rنقص رأس المال: إذا نقص رأس المال بعد التصرف أو العمل بسبب رخص الأسعار أو عيب حدث في الشيء المشترى أو بسبب آفة سماوية كحريق أو غريق أو غصب أو سرقة، يحسب من الربح ويجبر به؛ لأن العامل أمين لا يسأل عن النقص أو التلف إلا بتعد أو تقصير منه.\r-------------------------------\r(1) مغني المحتاج: 318/2، المغني: 51/5، غاية المنتهى: 175/3.\r(2) البدائع، المرجع المذكور: ص 108.\r(3) المقدمات الممهدات: 8/3.\r(4) بداية المجتهد: 238/2.","part":5,"page":602},{"id":3448,"text":"المطلب الرابع ـ حكم اختلاف رب المال والعامل المضارب :\rقد يختلف رب المال والمضارب في أمور تتعلق بتنفيذ مقتضى المضاربة كالاختلاف في عموم التصرفات أو خصوصها، وفي تلف المال، وفي رد المال،وفي قدر الربح المشروط، وفي قدر رأس المال.\rأ - فإن اختلفا في عموم التصرفات أو خصوصها، فيقبل قول من يدعي العموم، كأن ادعى أحدهما المضاربة في عموم التجارات أو في عموم الأمكنة أو مع عموم الأشخاص الذين يضارب معهم، وادعى الآخر نوعاً دون نوع، ومكاناً دون مكان، وشخصاً دون شخص، فيقبل قول مدعي العموم؛ لأنه يتفق مع مقصود عقد المضاربة، إذ المقصود من العقد هو الربح، وهذا المقصود يتحقق بنحو أوفر في التعميم.\rوكذلك يقبل قول من يدعي الإطلاق إذا اختلفا في الإطلاق والتقييد كأن قال رب المال: أذنت لك أن تتجر في الحنطة دون ما سواها، وقال المضارب: ما سميت لي تجارة بعينها، فيقبل قول المضارب مع يمينه؛ لأن الإطلاق أقرب إلى تحقيق المقصود من العقد.\rأما لو اختلف المتعاقدان في النوع المخصص للمضاربة فيه، فقال رب المال: دفعت المال إليك مضاربة في القماش، وقال المضارب: في الحبوب، فالقول قول رب المال؛ لأنه لا يمكن الترجيح هنا بالمقصود من العقد؛ لأن المضاربة تصلح في النوعين فيرجح أحدهما بالإذن الصادر من رب المال (1) .\rب ـ وإن اختلف رب المال والمضارب في تلف المال، فادعاه المضارب وأنكره رب المال، أو اختلفا في الخيانة أو ( التعدي ) فادعاها رب المال وأنكر المضارب، فالقول قول المضارب باتفاق العلماء؛ لأن المضارب ـ كما عرفنا ـ أمين، والأصل عدم الخيانة، فكان القول قوله كالوديع.\rجـ ـ وإن اختلف العاقدان في رد المال، فادعاه العامل وأنكره رب المال، فالقول عند الحنفية والحنابلة قول رب المال، كما تقدم، ولأن المضارب قبض المال لنفع نفسه، فلم يقبل قوله بالنسبة للرد كالمستعير.\r-------------------------------\r(1) البدائع: 109/6، تكملة فتح القدير: 87/7، المبسوط: 42/22، تبيين الحقائق: 75/5.","part":5,"page":603},{"id":3449,"text":"وعند المالكية والشافعية في الأصح: القول هو قول المضارب، لأنه مأمون كالوديع (1) .\rد ـ وإن اختلفا في قدر رأس المال يقبل قول المضارب باتفاق الفقهاء (2) كأن قال رب المال: دفعت إليك ألفين، وقال المضارب: دفعت إلي ألفاً، فيقبل قول المضارب؛ لأن المتعاقدين اختلفا في مقدار المقبوض، فكان القول قول القابض بدليل أنه لو أنكر القبض أصلاً، وقال: لم أقبض منك شيئاً كان القول قوله، فكذا لو أنكر البعض دون البعض.\rولو اختلف المتعاقدان في قدر رأس المال وفي مقدار الربح أيضاً، كأن قال رب المال: رأس المال ألفان، والمشروط ثلث الربح. وقال المضارب: رأس المال ألف، والمشروط نصف الربح، فقال الحنفية والحنابلة: القول قول المضارب أيضاً في قدر رأس المال، وقول رب المال في مقدار الربح. ويرى الشافعية أن المصدق بيمينه في الحالتين هو العامل؛ لأن الأصل عدم دفع زيادة على رأس المال، والأصل عدم الربح.\rهـ ـ وإذا اختلف رب المال مع المضارب في مقدار الربح المشروط في العقد: فقال الحنفية والحنابلة في أرجح الروايتين عن أحمد: القول قول رب المال، مثل أن يقول المضارب: شرطت لي نصف الربح، فيقول رب المال: بل ثلثه، فيقبل قول رب المال؛ لأن صاحب المال ينكر الزيادة على النصف والقول قول المنكر (3) ؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلم قال: «ولكن اليمين على المدعى عليه» (4) .\r-------------------------------\r(1) البدائع: 108/6، المغني: 70/5، مغني المحتاج: 322/2، المهذب: 389/1، الشرح الكبير: 536/3، غاية المنتهى: 178/2.\r(2) تبيين الحقائق: 74/5، البدائع: 109/6، تكملة فتح القدير: 86/7، المبسوط: 27/22، بداية المجتهد: 241/2، مغني المحتاج: 321/2، المهذب: 389/1، المغني: 69/5، غاية المنتهى: 178/2.\r(3) المبسوط: 89/22، البدائع: 109/6، المغني: 70/5، غاية المنتهى: 178/2.\r(4) أخرجه البخاري ومسلم عن ابن عباس، ولفظه عند البيهقي في سننه: «لو يعطى الناس بدعواهم لادعى رجال أموال قوم ودماءهم، لكن البينة على المدعي، واليمين على من أنكر» (انظر نصب الراية: 96/4) وهناك حديث أخرجه الترمذي والدارقطني في سننيهما عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلّى الله عليه وسلم قال في خطبته: «البينة على المدعي، واليمين على المدعى عليه» (راجع نصب الراية: 390/4).","part":5,"page":604},{"id":3450,"text":"وقال المالكية: القول قول المضارب بيمينه في قدر جزء الربح؛ لأنه أمين، وذلك بشرطين: أولهما ـ أن يأتي بما يشبه أحوال الناس في المضاربة. وثانيهما ـ أن يكون المال ما زال موجوداً في يد المضارب حساً أو معنى، ككونه وديعة عند شخص أجنبي (1) .\rوقال الشافعية: إذا اختلفا في القدر المشروط للعامل من الربح، كأن قال: شرطت النصف، فقال المالك: بل الثلث، تحالفا، كاختلاف المتبايعين في قدر الثمن، فلا ينفسخ العقد بالتحالف، بل يفسخانه أو يفسخه أحدهما أو الحاكم. ويكون للعامل حينئذ أجرة المثل لعمله، بالغة ما بلغت، لتعذر رجوع عمله إليه، فوجب له قيمته وهو الأجرة (2) . فإن اختلفا في الربح، فقال العامل: لم أربح شيئاً أو لم أربح إلا كذا، صُدِّق العامل بيمينه؛ لأن الأصل عدم الربح.\rو ـ وإن اختلف المتعاقدان في صفة رأس المال، فقال رب المال: دفعت إليك مضاربة أو وديعة أو بضاعة لتشتري به وتبيع (3) ، وقال العامل: بل أقرضتني المال، والربح لي، فالقول عند الحنفية والحنابلة والشافعية قول رب المال؛ لأن الشيء المدفوع ملكه، فالقول في صفة خروجه عن يده، ولأن المضارب يدعي على رب المال التمليك، وهو منكر، وذلك كالخلاف في نوع رأس المال. وقال المالكية: القول للعامل بيمينه كالاختلاف في جزء الربح، لرجحان جانب العامل بالعمل، ولأنه أمين (4) .\r-------------------------------\r(1) الشرح الكبير: 537/3، بداية المجتهد: 241/2.\r(2) مغني المحتاج: 322/2، المهذب: 389/1.\r(3) أي أن الربح جميعه لرب المال، لأن العامل لم يطلب لعمله بدلاً، وعمله لا يتقوم إلا بالتسمية، فكان وكيلاً متبرعاً، وهذا هو معنى البضاعة.\r(4) تبيين الحقائق: 75/5، تكملة فتح القدير: 86/7، البدائع: 110/6، المبسوط: 91/22، المغني: 71/5، الشرح الصغير: 707/3.","part":5,"page":605},{"id":3451,"text":"ولو قال رب المال: أقرضتك، وقال المضارب: دفعت إلي مضاربة، فالقول قول المضارب عند جمهور العلماء؛ لأنهما اتفقا على أن الأخذ كان بإذن رب المال، ورب المال يدعي على المضارب الضمان، وهو ينكر، فكان القول قوله. وقال المالكية: القول لرب المال بيمين؛ لرجحان جانبه بأن الأصل في وضع اليد على مال الغير هو الضمان، كما هو مقتضى دعوى رب المال (1) .\rالمطلب الخامس ـ مبطلات المضاربة :\rتبطل المضاربة في الحالات التالية (2) :\r1 - الفسخ والنهي عن التصرف أو العزل: تبطل المضاربة بالفسخ، وبالنهي عن التصرف أو العزل إذا وجد شرط الفسخ والنهي: وهو علم صاحبه بالفسخ والنهي، وأن يكون رأس المال ناضاً أي نقداً وقت الفسخ والنهي، حتى يتبين ما إذا كان هناك ربح مشترك بين المضارب ورب المال، فإن كان متاعاً لم يصح العزل. ويترتب عليه أنه إذا لم يعلم المضارب بالفسخ أو بالنهي وتصرف، جاز تصرفه، وإذا علم بالعزل وكان المال أمتعة ( عروضاً ) فله أن يبيعها لينض رأس المال ويظهر الربح، ولا يملك رب المال عندئذ نهيه عن البيع لما فيه من إبطال حقه. وهذا متفق عليه بين فقهاء المذاهب الأربعة. إلا أن المالكية قالوا: يصبح العقد بالشروع في العمل لازماً للطرفين، فلا يفسخ إلا باتفاقهما. وغير المالكية يعتبرون العقد غير لازم قبل الشروع وبعده، كما تقدم.\r2 - موت أحد العاقدين: إذا مات رب المال أو المضارب بطلت المضاربة عند الجمهور؛ لأن المضاربة تشتمل على الوكالة، والوكالة تبطل بموت الموكل\r-------------------------------\r(1) المراجع السابقة، الشرح الكبير: 536/3، مغني المحتاج: 321/2، الشرح الصغير: 708/3.\r(2) البدائع: 6 ص 112 ومابعدها، تكملة فتح القدير: 74/7 ومابعدها، تبيين الحقائق للزيلعي: 5 ص 66 ومابعدها، مجمع الضمانات: ص 308، رد المحتار على الدر المختار: 4 ص 510، وانظر مغني المحتاج: 2 ص 319 ومابعدها، المهذب: 1 ص 388، المغني: 5ص58، كشاف القناع: 2 ص 269، الشرح الكبير للدردير: 3 ص 535.","part":5,"page":606},{"id":3452,"text":"أو الوكيل. ويتم بطلان المضاربة سواء علم المضارب بموت رب المال أو لم يعلم؛ لأن الموت عزل حكمي، فلا يقف على العلم، كما في الوكالة.\rوقال المالكية: لا تنفسخ المضاربة بموت أحد العاقدين، ولورثة العامل القيام بالمضاربة إن كانوا أمناء، أو يأتوا بأمين (1) .\r3 - جنون أحد العاقدين: تبطل المضاربة بجنون أحد المتعاقدين إذا كان عند غير الشافعية مطبقاً؛ لأن الجنون يبطل الأهلية، وكل ما تبطل به الوكالة تبطل به المضاربة، مثل الإغماء والحجر على رب المال نفسه. أما الحجر على المضارب للسفه فإنه لا ينعزل عند الحنفية؛ لأنه يصبح كالصبي المميز، والمميز عندهم أهل لأن يوكل عن غيره، فكذلك السفيه.\r4 - ارتداد رب المال عن الإسلام: إذا ارتد رب المال عن الإسلام، ومات أو قتل على الردة، أو لحق بدار الحرب وقضى القاضي بلحاقه، بطلت المضاربة من يوم الردة عند أبي حنيفة رحمه الله ؛ لأن اللحوق بدار الحرب بمنزلة الموت، وهو يزيل أهلية رب المال بدليل أن المرتد يقسم ماله بين ورثته.\rوإذا ارتد المضارب فالمضاربة على حالها لتوافر أهليته، حتى إنه لو اشترى وباع وربح، ثم قتل على ردته أو مات أو لحق بدار الحرب فإن جميع ما فعل مما ذكر جائز، والربح بينهما على ما شرطا؛ لأن عبار ة المرتد صحيحة لتوافر التمييز والآدمية دون خلل فيهما.\rويلاحظ أنه إذا صار رأس المال متاعاً، فبيع المضارب فيه وشراؤه جائز حتى ينض رأس المال ( أي يتحول إلى النقدية )، وحينئذ لا ينعزل المضارب بالعزل والنهي ولا بموت رب المال ولا بردته أيضاً (2) .\r-------------------------------\r(1) القوانين الفقهية: ص 283.\r(2) المبسوط: 19 ص 104، 22 ص 86، تكملة فتح القدير: 7 ص 76، البدائع، المرجع السابق.","part":5,"page":607},{"id":3453,"text":"5 - هلاك مال المضاربة في يد المضارب: إذا هلك رأس المال في يد المضارب قبل أن يشتري به شيئاً بطلت المضاربة؛ لأن المال تعين لعقد المضاربة بالقبض، فيبطل العقد بهلاكه كالوديعة.\rوكذا تبطل المضاربة باستهلاك المضارب مال المضاربة أو إنفاقه أو دفعه إلى غيره، فاستهلكه، حتى إن المضارب لا يملك أن يشتري به شيئاً للمضاربة. فإن أخذ المضارب مثل المال من الذي استهلكه، كان له أن يشتري به على المضاربة.\rهذه هي الحالات التي تبطل بها المضاربة كما ذكر الحنفية. وإذا انفسخت المضاربة ومال المضاربة ديون على الناس، وامتنع المضارب عن تقاضي الديون وقبضها: فإن كان المضارب قد ربح، أجبره الحاكم على اقتضاء الديون، لأنه بمنزلة الأجير، والربح كالأجر له، والأجير مجبور على العمل فيما التزم. وإن لم يكن هناك ربح لم يلزمه اقتضاء الدين، لأنه يعتبر وكيلاً، والوكيل متبرع، والمتبرع لا يجبر على إيفاء ما تبرع به، غير أنه يؤمر المضارب أو الوكيل أن يحيل رب المال على الذي عليه الدين، حتى يمكنه قبضه؛ لأن حقوق العقد ترجع إلى العاقد، فلا تثبت ولاية القبض لرب المال إلا بالحوالة من العاقد، فيلزمه أن يحيله حتى لا يضيع حقه.\rوما هلك من مال المضاربة فهو من الربح دون رأس المال؛ لأن الربح تابع للمال، ورأس المال أصل له، ولا يعتبر التبع قبل حصول الأصل، فيكون صرف الهلاك إلى التابع أولى. فإذا زاد الهلاك على الربح فلا ضمان على المضارب؛ لأنه أمين.","part":5,"page":608},{"id":3454,"text":".............................الشركات بين القديم والحديث...........................\r...................................في الفقه الإسلامي.................................\rالإسلام دين الحياة كما هو معروف، فما من كسب مشروع حلال إلا أقرته الشريعة، وما من كسب مشبوه يوقع في النزاع والجدال، ويحطم علاقات الود والتعاون بين الناس إلا حظرته الشريعة، وأوصدت الباب أمامه، فالشريعة مع الناس يسراً وسماحة إذا تحققت مصالحهم دون تصادم بينهم، وهي لا تقرهم إذا هم أوقعوا أنفسهم في متاهات الجهالة والمنازعات والظلم والاستغلال ، وعليه نظمت الشركات في الإسلام على أساس التراضي المشترك، والعدل، ومراعاة المصالح، والأعراف الصحيحة المشروعة، وأن الأصل في العقود هو الإباحة والحل، وما أجمل قول الفقهاء في هذا الصدد: «الشركة تنعقد على عادة التجار» .\rومن أهم موارد الكسب المشروع ثلاثة هي: التجارة والصناعة والزراعة، وقد يقوم الفرد عند استطاعته بها، والغالب أنه يحتاج إلى التعاون مع غيره، لعدم توافر القدرات والإمكانات المالية أو البشرية لديه، سواء بالنسبة للخبرة الفنية، أو الجهد، أو من أجل التخفيف من احتمالات المخاطر التي قد تصادف المرء في خضم الحياة الرهيب. ومن هنا شرعت الشركة في الشرائع السماوية؛ لأن التعاون بين الناس أمر ضروري، وقد قص القرآن الكريم علينا على لسان داود عليه السلام نبأ الشركاء، فقال تعالى: {وإن كثيراً من الخلطاء ليبغي بعضهم على بعض، إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات، وقليل ما هم} [ص:24/38] (1) ، وأشرك الله بعض الورثة في بعض الأنصبة فقال عن الإخوة لأم: {فإن كانوا أكثر من ذلك فهم شركاء في الثلث} [النساء:12/4].\r-------------------------------\r(1) الخلطاء هنا أي الشركاء.","part":5,"page":609},{"id":3455,"text":"وأكدت السنة النبوية مبدأ مشروعية الشركة، ففي الحديث القدسي: «إن الله عز وجل يقول: أنا ثالث الشريكين ما لم يخن أحدهما صاحبه، فإذا خانه خرجت من بينهما» والمعنى: أنا معهما بالحفظ والإعانة، أمدهما بالمعونة في أموالهما، وأنزل البركة في تجارتهما، فإذا وقعت بينهما الخيانة رفعت البركة والإعانة عنهما. وقد أقر النبي صلّى الله عليه وسلم تعاون الناس بالشركة، كما في أحاديث كثيرة، وقال: «يد الله على الشريكين ما لم يتخاونا» وصح أن السائب بن أبي السائب قال للنبي صلّى الله عليه وسلم بعد بعثته: «كنت شريكي في الجاهلية، فكنت خير شريك لا تداريني ولا تماريني» [أي لاتمانعني ولاتحاورني] رواه أبو داود. ولفظ ابن ماجه: «كنت شريكي ونعم الشريك، كنت لا تداري ولا تماري» وجاء السائب يوم الفتح، فقال له النبي عليه السلام: «مرحباً بأخي وشريكي، كان لا يداري ولا يماري» .\rوالشركة كما أبان الحنفية هي: عبارة عن عقد بين المتشاركين في رأس المال والربح.\rوتعددت أنواع الشركات قديماً وحديثاً، إما على أساس الاشتراك في الأموال، أو في الأعمال والتصرفات، أو في الضمان (الالتزام).\rفشركة الأموال تعتمد على عنصر الاشتراك في رأس المال. وشركة الأعمال تعتمد على الحرفة والصنعة وضمان العمل، وشركة الوجوه ترتكز على عنصر ثقة الناس بالشريكين، من غير أن يكون لهما رأس مال.","part":5,"page":610},{"id":3456,"text":"وأجاز فقهاء الحنفية والزيدية كل أنواع الشركات: الإجبارية وهي شركات الأملاك، والاختيارية وهي شركات العقود. ومن أهم أنواع الشركات في الماضي والحاضر: شركة المضاربة وهي التي يكون المال فيها من جانب، والعمل من جانب آخر، أجازها الشرع لحاجة الناس إليها، إذ قد يوجد ذو المال الذي لا يتمكن من التصرف فيه، ويوجد من يحسن التصرف ولا مال له، ويوزع الربح بينهما بحسب الاتفاق، ويتحمل صاحب رأس المال الخسارة وحده، ويكفي العامل ضياع جهده وعمله.\rوتعارف الناس في عصرنا أنواعاً جديدة من الشركات، نظم القانون المدني بعضها كشركة التضامن والتوصية البسيطة والمساهمة وغيرها، وأغفل تنظيم بعضها الآخر كشركة المحاصة والشركة على البهائم، وشركات السيارات إما مع إجارة أو بدون إجارة، ولا بد لنا من بيان حكم هذه الشركات في الشريعة، لكثرة سؤال الناس عنها، وتعارفهم ألواناً من الشركات قد تكون معقدة وغير جائزة.\rواكتفى القانون المدني الأردني المستمد من الشريعة ببيان أحكام بعض أنواع الشركات بنحو خاص وهي شركة الأعمال، وشركة الوجوه، وشركة المضاربة في المواد 611-635 بعد بيان الأحكام العامة للشركات بوجه عام في المواد 582-610، وقد استقى هذا القانون شركتي الأعمال والوجوه من المذهبين الحنفي والحنبلي، وأحكام شركة المضاربة من المذهب الحنفي.\rوالقانون المدني الوضعي في سورية ومصر قسم الشركات إلى قسمين: شركات أشخاص وشركات أموال.\rأما شركات الأشخاص: فهي التي يبرز فيهاالعنصر الشخصي، فتقوم على شخصية الشركاء والثقة المتبادلة بينهم، بصرف النظر عن المال الذي يقدمه كل شريك. وهي تشمل شركة التضامن، وشركة التوصية البسيطة، وشركة المحاصة.\rوأما شركات الأموال : فهي التي تعتمد عند تكوينها على عنصر المال، بقطع النظر عن شخصية الشريك، وهي تشمل شركة المساهمة، وشركة التوصية بالأسهم، والشركة ذات المسؤولية المحدودة.","part":5,"page":611},{"id":3457,"text":"فما حكم كل نوع من هذه الأنواع في الشريعة الإسلامية؟\r1 - شركة التضامن: وهي الشركة التي يعقدها اثنان أو أكثر بقصد الاتجار في جميع أنواع التجارات أو في بعضها، ويكون الشركاء فيها مسؤولين بالتضامن عن جميع التزامات الشركة، ليس في حدود رأس المال فقط، بل قد يتعدى ذلك إلى الأموال الخاصة لكل شريك.\rويلاحظ أن لعنصر الضمان (أو الكفالة أو الالتزام) في هذه الشركة شبهاً فيما تتميز به شركة المفاوضة التي لم يجزها غير الحنفية والزيدية، وهي التي تتطلب الاشتراك في عموم التجارات، بشرط التساوي بين الشركاء في رأس المال والتصرف والدين أي الملة، ويكون كل شريك كفيلاً عن الآخر فيما يلتزم به من التزامات تتعلق بالشركة. وبما أن تحقيق المساواة بين الشركاء أمر عسير، لاحتمال حدوث زيادة في أموال كل من الشركاء، فتصبح هذه الشركة نادرة الوجود، أو قصيرة الأجل وعديمة الاستمرار، مما يجعلها سريعة التحول والانقلاب إلى شركة عنان.","part":5,"page":612},{"id":3458,"text":"وشركة العنان لا تتطلب المساواة في المال ولا في التصرف ولا في الملة، وهي أن يشترك اثنان في مال لهما على أن يتجرا فيه، والربح بينهما. فيجوز أن يكون مال أحدهما أكثر من الآخر، كما يجوز أن يكون أحدهما مسؤولاً عن الشركة، والآخر غير مسؤول، فليس فيها كفالة، فلا يطالب أحدهما إلا بما عقده بنفسه من التصرفات، أما تصرفات شريكه فهو غير مسؤول عنها. ويقسم الربح بينها بحسب شرطهما الذي اتفقا عليه عند جمهور الفقهاء (خلافاً للشافعي فإن الربح عنده على قدر المال)، فيجوز أن يزيد ربح أحدهما عن الآخر بسبب خبرته في التجارة، مع التساوي في رؤوس الأموال أو التفاوت فيها، وتكون الوضيعة أو الخسارة على قدر رأس المال باتفاق المذاهب عملاً بالحديث: «الربح على ما شرطا، والوضيعة على قدر المالين» ، ولا مانع في تقديري خلافاً لرأي الكمال بن الهمام الحنفي من اشتراط الكفالة في شركة العنان، فيصبح كل شريك كفيلاً عن صاحبه وضامناً له؛ لأن الكفالة عقد تبرع، وقد شرطها الشريكان، وهي جائزة في غير الشركة، وإذا جازت الكفالة بين شخصين لا علاقة مالية بينهما، فلأن تجوز بين شخصين ارتبطا بعقد الشركة أولى. ويؤكد ذلك أن الأصل في العقود هو التراضي، والشركة عقد يقوم على التراضي، فيلزم الوفاء بكل شرط لا يصادم النصوص الشرعية.\r2 - شركة التوصية البسيطة: هي الشركة التي تعقد بين شركاء بعضهم متضامنون، وبعضهم موصون، فالمتضامنون هم الذين لهم أموال ويقومون بأعمال إدارة الشركة، وهم مسؤولون عن الإدارة، متحملون لالتزاماتها، متضامنون في هذه المسؤولية وفي إيفاء ديون الشركة. والموصون: يقدمون المال، ولا يسألون عن إدارتها، ولا يتحملون التزاماتها.","part":5,"page":613},{"id":3459,"text":"وهذه الشركة جائزة أيضاً، لأن فقهاءنا أجازوا في شركة العنان أن يشترط العمل لأحد الشريكين، ويسأل عنه دون غيره، ويجوز بناء على ذلك أن تشترط زيادة الربح للعامل، أو يقدر له مرتب خاص، ويكون أجيراً. ولا فرق بين أن يكون المسؤول عن إدارة الشركة شريكاً واحداً أو أكثر، وغير المسؤول واحداً أو أكثر، فاشتراط الكفالة والمسؤولية بين الفريق الأول دون الثاني جائز، كما تبين في شركة التضامن.\rكما أنه يمكن جعل هذه الشركة نوعاً من أنواع شركة المضاربة، الشريك المتضامن هو المضارب، المتصرف في الشركة، المسؤول عن الحقوق المتعلقة بها أمام الغير. والشريك الموصي هو رب المال في شركة المضاربة، وهو غير مسؤول عن إدارة الشركة، ولا يضمن لأصحاب الحقوق المتعاملين حقوقهم، ولا يتحمل من الالتزامات إلا خسارة رأس مال في حالة الخسارة، ولا يسأل العامل المضارب عن الخسارة فيما يسمح له من التصرفات، ويكون المضارب حر التصرف بحسب عادة التجار، وتوزع الأرباح على حسب الاتفاق بين المتشاركين في شركة المضاربة.\rوالخلاصة: إن هذه الشركة تعتبر شركة مضاربة مع بعض الفروق الطفيفة بينهما في الأحكام الفقهية. ويلاحظ أن انتشار شركات المساهمة حدَّ كثيراً من انتشار شركات التوصية؛ لأن شركات المساهمة تمارس عادة نشاطاً واسعاً في الاستثمارات، وكثيراً ما يكون التوفيق حليفها لما يتوفر لها من رؤوس أموال كبيرة.ومزية شركة التوصية تتحقق في شركة المساهمة، وهذه المزية هي أن المساهم لا يكتسب صفة التاجر، ولا يسأل إلا في حدود قيمة الأسهم التي اكتتب فيها.","part":5,"page":614},{"id":3460,"text":"3 - شركة المحاصة: هي عقد كباقي العقود، بمقتضاه يلتزم شخصان أو أكثر بأن يساهم كل منهم في مشروع مالي، بتقديم حصة من مال، أو من عمل، لاقتسام ما قد ينشأ عن هذا المشروع من ربح أو من خسارة، إلا أنها تمتاز بخفائها عن الجمهور، فليس لها رأس مال شركة، ولا عنوان شركة، فهي غير معروفة من الناس، وليس لها وجود ظاهر، وليس لها شخصية معنوية مستقلة كباقي الشركات. فهي شركة وقتية كالتي تنشأ في مزاد مثلاً أو في صفقة تنتهي بانتهائها، وتصفى الأرباح عقب الفراغ منها. فالذي يبرز منها شريك واحد يتعامل في الظاهر باسمه، وتبقى الشركة مستترة، ليس لها شخصية اعتبارية.\rوهذه الشركة إجمالاً جائزة شرعاً؛ لأنها نوع من أنواع شركة العنان، ليست فيها مساواة، ولا تضامن، ولا تكافل، وهي معقودة على نوع خاص من أنواع التجارات، والربح يوزع فيها بحسب الاتفاق، والخسارة تكون بحسب رؤوس الأموال التي استعملت فيها.\rوبصفة دقيقة تعد شركة المحاصة شركة عنان إذا كانت حصص الشركاء شائعة الملكية بين الشركاء. وتعد شركة عنان ومضاربة إذا احتفظ كل شريك بملكية حصته، لكنه سلمها لواحد لاستثمارها مع بقية الحصص لمصلحة الكل، على أن يقتسموا الربح أو الخسارة فيما بينهما بحسب الاتفاق أو الحصص. فالمال المقدم من أصحابه إلى أحدهم يعد مضاربة، ويكون الشريك المتصرف مضارباً، لكنه لما كان متقدماً بجزء من رأس المال فهو شريك عنان أيضاً، كما أنه إذا تصرف معه بعض الشركاء في إدارة الشركة، كانت الشركة شركة عنان بينهم. وأما الذين لم يساهموا في الإدارة فهم شركاء مضاربون. ومن المعلوم أن شركة المفاوضة: هي اشتراك أنواع من شركة العنان والوجوه والأبدان؛ لأن ما صح بانفراده؛ صح مع غيره. فيجوز بناء عليه تعدد أنواع الشركات في شركة واحدة.","part":5,"page":615},{"id":3461,"text":"4 - شركة المساهمة: هي أهم أنواع شركات الأموال، وهي التي يقسم فيها رأس المال إلى أجزاء صغيرة متساوية، يطلق على كل منها سهم غير قابل للتجزئة، ويكون قابلاً للتداول. وتتحدد مسؤولية المساهم بقدر القيمة الاسمية لأسهمه. ويعتبر مدير الشركة وعمالها أجراء عند المساهمين، لهم مرتبات خاصة، سواء أكانوا مساهمين أم غير مساهمين. وليس لمدير الشركة أن يستدين عليها بأكثر من رأس مالها، فإن فعل ضمن هو، ولا ضمان على المساهمين إلا في حدود أسهمهم. وتوزع الأرباح بنسبة الأسهم أي بنسبة رؤوس الأموال. وتسمى شركة مغْفَلة لإغفال الاعتبار الشخصي فيها، وإنما الاعتبار الأول في تكوينها هو للمال، وليس لشخصية الشركاء، بل لا يعرف الشركاء بعضهم بعضاً، ولا يعرفون شيئاً عن إدارة الشركة إلا ما يعرضه مجلس إدارتها على الجمعية العمومية عند اجتماعها كل سنة. ورأى المشرع الوضعي قصر نشاطات الشركات المساهمة على المشروعات الكبيرة نسبياً التي تحتاج إلى رؤوس أموال ضخمة لا تتوافر عادة لدى الأشخاص، كصناعة الغزل والنسيج، والمنسوجات القطنية وغيرها، والحديد والصلب، والخزف ونحو ذلك.\rوهذه الشركة جائزة شرعاً؛لأنها شركة عنان، لقيامها على أساس التراضي، وكون مجلس الإدارة متصرفاً في أمور الشركة بالوكالة عن الشركاء المساهمين، ولا مانع من تعدد الشركاء، واقتصار مسؤولية الشريك على أسهمه المالية مشابه لمسؤولية رب المال في شركة المضاربة. ودوام الشركة أو استمرارها سائغ بسبب اتفاق الشركاء عليه، والمسلمون على شروطهم فيما هو حلال. وإصدار الأسهم أمر جائز شرعاً. أما إصدار السندات أي القروض بفائدة فلا يحل شرعاً.","part":5,"page":616},{"id":3462,"text":"5 - شركة التوصية بالأسهم: هي التي تضم نوعين من الشركاء: متضامنين ومساهمين، والمساهمون كالشركاء الموصين في شركة التوصية البسيطة، لا يسأل الواحد منهم إلا في حدود الحصة التي يقدمها، إلا أن المساهمين عددهم أكثر بحيث يسمح بقيام جمعية عمومية منهم، ويختلف المساهم عن الموصي في أن الأول يملك أسهماً قابلة للتداول، على عكس الثاني. ولا اعتبار لأشخاص الشركاء، وإنما الاعتبار لأموالهم في هذه الشركة. وهي شركة جائزة شرعاً؛ لأنها نوع من شركات العنان التي يشترط فيها التضامن بين بعض الشركاء، وتلك كفالة جائزة. وحرية الشريك المتضامن بالتصرف مستمدة من إذن الشركاء الآخرين. وعمل المتضامنين في أموال المساهمين خاضع لأحكام شركة المضاربة، ولا مانع من كون بعض الشركاء مساهمين كما بان في شركة المساهمة؛ لأن تقديم الحصة بالأسهم جائز شرعاً، خصوصاً إذا انحصر عدد المساهمين، وعرف بعضهم بعضاً.\r6 - الشركة ذات المسؤولية المحدودة: هي شركة تجارية كباقي شركات الأموال، لا اعتبار فيها لشخصية الشركاء، واشترط القانون فيها ألا يزيد عدد الشركاء عن خمسين شريكاً، لا يكون كل منهم مسؤولاً إلا بقدر حصته. فهي تجمع بين خصائص شركات الأموال وشركات الأشخاص. ففيها من شركات الأموال أن مسؤولية الشريك محدودة بمقدار حصته، وأن حصته تنتقل إلى ورثته، وإدارتها كما في شركات المساهمة، يجوز أن يعين لها مدير من المساهمين أو من غيرهم بمرتب محدد، ويكون أجيراً، أو يديرها أحد الشركاء نظير جزء من الأرباح. وفيها من شركات الأشخاص أن الشريك يكون صاحب حصة في الشركة وليس مساهماً، ولا تكون حصص الشركاء قابلة للتداول كالأسهم التجارية. وأهم ما يميزها أنها تتم بالاشتراك الشخصي لا بالاكتتاب العام.","part":5,"page":617},{"id":3463,"text":"وكل ذلك جائز شرعاً، وتعتبر هذه الشركة من شركات العنان، وقد يكون فيها بعض خصائص المضاربة كما في تحديد مسؤولية الشريك بمقدارحصته، كما أن رب المال في المضاربة لا يسأل إلا في حدود رأسماله.\rوالخلاصة: إن هذه الشركات التي أقرها القانون المدني ليست غريبة عن قواعد الفقه الإسلامي، وإنما هي منسجمة مع أنظمة الشركات التي عرفها فقهاؤنا، ولكنها متطورة بحسب حاجة العصر وعرفه، فشركات الأشخاص تعتبر جميعها من قبيل شركة المضاربة في الفقه الإسلامي مع اختلاف في بعض الأحكام بين الشريعة والقانون حسبما تقتضيه مصلحة الناس وطبيعة التطور. وشركات الأموال تعتبر في الغالب من قبيل شركات العنان، مع بعض أوصاف شركة المفاوضة في حال التضامن، و أوصاف شركة المضاربة في حال تحديد مسؤولية الشريك بمقدار حصته فقط. والإدارة توكيل في القيام بالأعمال، إذا كان المدير شريكاً مساهماً، والوكالة تصح بأجر أو بغير أجر أو أن المدير أجير بعقد الاستئجار أو التوظف إذا كان غير مساهم، فهو يعمل بأجر بحكم التوظف، لا بحكم المشاركة.","part":5,"page":618},{"id":3464,"text":"شركات السيارات: كثيراً ماتنعقد الشركة في ملكية سيارة شاحنة أو صغيرة سياحية أو لنقل الركاب، ويكون بعض الشركاء ملاَّكاً لحصص معينة، وواحد منهم سائق للسيارة وشريك يملك بعض الأسهم معاً، ويتقاضى السائق عادة أجراً أو راتباً شهرياً معيناً، وقد يوافق مالك السيارة على أن يتنازل عن ربعها مثلاً للسائق على أن تسدد قيمة الربع من الأرباح في المستقبل. وهذا كله جائز لتعارف الناس؛ لأن الشركة تنعقد على حسب العادة، وهي مبنية على التوسع والمسامحة، وتنعقد أيضاً على الضمان أو على ذمم الشركاء أو على عملهم، والشركة تنبني على الوكالة أو على الوكالة والكفالة. ويأخذ السائق حصته من الأرباح، كما يتقاضى الأجر المتفق عليه، ولا مانع من أن يكون الأجر مقطوعاً محدداً أو مسمى، أو جزءاً نسبياً من الربح. وقد بينت في بحث شركة المساهمة وشركة التضامن أنه لا مانع شرعاً من اعتبار مدير الشركة أجيراً موظفاً على العمل. ولا مانع من وجود صفتي الشركة والإجارة، في شيء واحد،في رأي المالكية والشافعية قياساً على المزارعة والمساقاة، ولأن المنع من وجود عقدين في عقد أو شرطين في عقد يزول إذا زالت علته أو حكمته وهو عدم إثارة النزاع والجدال، وعدم المنازعات جرى عليه العرف والعادة، فلم يعد الشرط مفسداً، وللناس فيها حاجة.\rشركة البهائم : تقوم شركات متعددة في وقتنا الحاضر بين الناس لرعي الماشية أو لتربية الأبقار والأغنام ، فيقدم المال من شريك ، والعمل من الشريك الآخر ، وقد يشترك الشريكان في دفع ثمن البهائم، ثم ينفرد أحدهما في العمل إما بالرعي أو بتقديم الطعام والشراب، والحراسة والتنظيف . وذلك كله جائز شرعاً بشرط انتفاء الجهالة الفاحشة المفضية الى النزاع والخصام ، ولا تضر الجهالة اليسيرة التي لا تفضي الى التنازع ، ويتسامح الناس فيها عادة . وبناء على هذا المبدأ يعرف حكم الصور الآتية:","part":5,"page":619},{"id":3465,"text":"1 - إذا اشترى شخص بعض البهائم، ودفع ثمنها كله من ماله، وتعهد شخص آخر بتربيتها وشراء الطعام لها، فهذه الشركة لا تصح؛ لأن ما يشتريه العامل من الطعام مجهول جهالةفاحشة تؤدي إلى المنازعة فيفسد أو يبطل العقد.\r2 - إذا كان ثمن العلف يستوفى مما تنتجه البهائم من ألبان، ويوزع باقي ريع اللبن على الشريكين، فلا تصح الشركة، إذ قد يكفي اللبن للطعام وقد لا يكفي. فإذا تكفل صاحب رأس المال بما قد تحتاجه من طعام، صح العقد.\r3 - إذا اقتصر عمل العامل على التربية والرعاية والإطعام. وتكفل أو تعهد رب المال بأثمان النفقات والطعام، صحت الشركة، وتكون شركة مضاربة. ولايقال: إن تناول الحيوان طعامه باختياره أمر طبيعي، لا أثر له في نمو وزيادة الحيوان، كما تصور الحنفية؛ لأن عمل العامل ضروري من تقديم الطعام بنسب معينة وفي وجبات مخصصة، والقيام بالخدمة والإشراف والتنظيف والرعاية، وفي ذلك أثر ملحوظ في تسمين الحيوانات وزيادة سعرها وتحسين نتاجها.\r4 - إذا اشترك اثنان في دفع ثمن الحيوان ونفقة الطعام والشراب، وتبرع أحدهما بالخدمة، صحت الشركة؛ لأنها اقتصرت على المشاركة في رأس المال، دون العمل.\r5 - الصورة الغالبة الآن: هي الاشتراك في أثمان الماشية، وأخذ الراعي أو العامل ألبان الماشية وأسمانها نظير القيام بما يلزمها من خدمة وعناية ورعاية، وأما النتاج من أولاد وأصواف فيقسم بين الشريكين مناصفة. هذه الشركة جائزة شرعاً كما قررت لجنة الفتوى بالأزهر عام 1948م، لتعامل الناس بها وتعارفهم عليها، وحاجتهم إليها، ولم يوجد نص يحظرها من كتاب أو سنة أو إجماع، ولا يترتب عليها حدوث منازعات وعداوات، فتجوز تيسيراً على الناس، وأما الجهالة فهي يسيرة لا تفضي إلى المنازعة.\rوالخلاصة: إن دين الله يسرلا عسر، والأعراف الصحيحة التي لا تصادم الشريعة معتبرة، والاجتهاد في ذلك متعين، والتجديد والتطور أمران ضروريان.","part":5,"page":620},{"id":3466,"text":"الفَصْلُ السّادس: الهِبَة\rخطة الموضوع :\rبيان الهبة في المباحث الستة الآتية:\rالمبحث الأول ـ تعريف الهبة ومشروعيتها.\rالمبحث الثاني ـ ركن الهبة.\rالمبحث الثالث ـ شروط الهبة.\rالمبحث الرابع ـ حكم الهبة.\rالمبحث الخامس ـ موانع الرجوع في الهبة.\rالمبحث السادس ـ عطية الأبناء.\rالمبحث الأول ـ تعريف الهبة ومشروعيتها :\rالهبة تشمل الهدية والصدقة؛ لأن الهبة والصدقة والهدية والعطية معانيها متقاربة، فإن قصد منها طلب التقرب إلى الله تعالى بإعطاء محتاج، فهي صدقة، وإن حملت إلى مكان المهدى إليه، إعظاماً له وتودداً، فهي هدية، وإلا فهي هبة. والعطية: الهبة في مرض الموت. والهبة في الاصطلاح الشرعي: عقد يفيد التمليك بلا عوض حال الحياة تطوعاً (1) ، وعرفها الحنابلة (2) بأنها: تمليك جائز التصرف مالاً معلوماً أو مجهولاً تعذر علمه (3) ، موجوداً، مقدوراً على تسليمه، غير واجب، في الحياة، بلا عوض، بما يعد هبة عرفاً (4) من لفظ هبة وتمليك ونحوهما. والقيود احتراز عن العارية، ونحو كلب، وحَمْل، ونفقة زوجة، ووصية، ونحو بيع. فكلمة تمليك لإخراج العارية، والمال لإخراج ما ليس بمال كالكلاب، والمقدور على تسليمه لإخراج الحمل، وغيرا لواجب لإخراج الديون والنفقات، وفي الحياة لإخراج الوصية، وبلا عوض لإخراج عقود المعاوضات.\rوالهبة مشروعة مندوب إليها لقوله تعالى: {فإن طبن لكم عن شيء منه نفساً فكلوه هنيئاً مرئياً} [النساء:4/4].\rوقوله سبحانه: {وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل...} [البقرة:177/2] الآية. ولقوله صلّى الله عليه وسلم : «تهادوا تحابوا» (5) ، وقوله عليه الصلاة والسلام: «لاتحقرن جارة أن تهدي لجارتها ولو فرسن شاة» (6) : أي\r-------------------------------\r(1) مغني المحتاج: 396/2، المغني: 591/5، فتح القدير: 113/7، حاشية ابن عابدين: 530/4.\r(2) غاية المنتهى: 328/2، كشاف القناع: 329/4.\r(3) بأن اختلط مال اثنين على وجه لايتميز، فوهب أحدهما الآخر ماله.\r(4) قوله بما يعد هبة: متعلق بتمليك، والباء للسببية.\r(5) أخرجه أصحاب الكتب المشهورة عن أبي هريرة وعبد الله بن عمرو، وعبد الله بن عمر، وعائشة، وروي مرسلاً، فحديث أبي هريرة رواه البخاري في الأدب المفرد وأبو يعلى والنسائي والبيهقي وابن عدي، وقال ابن حجر: « إسناده حسن » وذلك لكثرة شواهده. وإن كان في كل رواته مقال. وحديث ابن عمرو رواه الحاكم. وحديث ابن عمر رواه ابن القاسم الأصبهاني في الترغيب والترهيب، وحديث عائشة رواه الطبراني في الأوسط. وأما الحديث المرسل: فرواه مالك في الموطأ عن عطاء الخرساني (راجع نصب الراية: 120/4، سبل السلام: 92/3، نيل الأوطار: 347/5، التلخيص الحبير: ص259).\r(6) رواه الشيخان والترمذي عن أبي هريرة ( راجع جامع الأصول: 262/12، التلخيص الحبير: ص259، سبل السلام: 93/3).","part":5,"page":621},{"id":3467,"text":"ظلفها، وهو في الأصل خف البعير، فاستعير للشاة، وقوله أيضاً: «العائد في هبته كالكلب يقيء ثم يعود في قيئه» (1) .\rوالسنة: المكافأة على الهبة حينما يتيسر ذلك للموهوب له، لما أخرجه البخاري عن عائشة رضي الله عنها قالت: «كان رسول الله صلّى الله عليه وسلم يقبل الهدية، ويثيب عليها» .\rوانعقد الإجماع على استحباب الهبة بجميع أنواعها، قال الله تعالى: {وتعاونوا على البر والتقوى} [المائدة:2/5]. وهي للأقارب أفضل؛ لأن فيها صلة الرحم (2) ، ولقوله تعالى: {واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام} [النساء:1/4] ولما أخرجه البخاري ومسلم أن النبي صلّى الله عليه وسلم قال: «من أحب أن يُبْسَط له في رزقه، ويُنْسأ له في أثره، فليصل رحمه» وبسط الرزق: التوسعة فيه والمباركة له فيه. وينسأ له في أثره: يطيل الله عمره ويؤخر له فيه.\rواتفق الأئمة على أن الهبة تصح بالإيجاب والقبول والقبض، وأجمعوا على أن الوفاء بالوعد في الخير مطلوب، وعلى أن تخصيص بعض الأولاد بالهبة مكروه، وكذا تفضيل بعضهم على بعض (3) .\r-------------------------------\r(1) أخرجه أصحاب الكتب الستة عن ابن عباس ولفظه: « ليس لنا مثل السوء: الذي يعود في هبته كالكلب يقيء، ثم يعود في قيئه » وفي رواية: « كالكلب يقيء، ثم يعود فيه فيأكله » وفي رواية أبي داود: « العائد في هبته كالعائد في قيئه » قال قتادة: « ولا نعلم القيء إلا حراماً » ( راجع جامع الأصول: 265/12، نصب الراية: 126/4 ).\r(2) المبسوط: 47/12 ومابعدها، والمراجع السابقة قبل تخريج هذه الأحاديث.\r(3) الميزان للشعراني: 99/2، فتح القدير، المرجع السابق.","part":5,"page":622},{"id":3468,"text":"المبحث الثاني ـ ركن الهبة :\rركن الهبة عند الحنفية: هو الإيجاب والقبول قياساً؛ لأنه عقد كالبيع، وكذا\rالقبض ركن كما في المبسوط؛ لأنه لا بد منه لثبوت الملك، بخلاف البيع. واستحساناً عند الكاساني وبعض الحنفية: ليس القبول من الموهوب له ركناً، وإنما الركن فقط هو الإيجاب من الواهب؛ لأن الهبة في اللغة عبارة عن مجرد إيجاب المالك من غير شرط القبول، وإنما القبول لثبوت حكمها أي الأثر المترتب عليها، وهو نقل الملكية. وفائدة الاختلاف تظهر فيمن حلف: لا يهب هذا الشيء لفلان، فوهبه منه، فلم يقبل: يحنث استحساناً، ولا يحنث قياساً، وأكثر شراح الحنفية (1) على أن الهبة تتم بالإيجاب وحده في حق الواهب، وبالإيجاب والقبول في حق الموهوب له؛ لأن الهبة عقد تبرع، فيتم بالمتبرع كالإقرار والوصية، لكن لا يملكه الموهوب له إلا بالقبول والقبض، لكن نصت المادة 837 من المجلة على أنه «تنعقد الهبة بالإيجاب والقبول، وتتم بالقبض» . وأركان الهبة عند الجمهور (2) أربعة: هي الواهب، والموهوب له، والموهوب، والصيغة.\r-------------------------------\r(1) المبسوط: 57/12، البدائع: 115/6، العناية على تكملة فتح القدير معها: 113/7 ومابعدها، حاشية ابن عابدين: 531/4، تكملة ابن عابدين: 329/2.\r(2) القوانين الفقهية: ص 366، الدسوقي: 97/4 ومابعدها.","part":5,"page":623},{"id":3469,"text":"أما الواهب: فهو المالك إذا كان صحيحاً مالكاً أمر نفسه. فإن وهب المريض ثم مات، كانت هبته في ثلث تركته عند الجمهور. وأما الموهوب له: فهو كل إنسان ويجوز أن يهب الإنسان ماله كله لأجنبي اتفاقاً. وأما هبة جميع ماله لبعض ولده دون بعض أو تفضيل بعضهم على بعض في الهبة، فمكروه عند الجمهور، وإن وقع جاز.\rوأما الموهوب: فكل مملوك.\rوأما الصيغة: فكل ما يقتضي الإيجاب والقبول من قول و فعل كلفظ الهدية والهبة والعطية والنحلة، وشبه ذلك.\rوالإيجاب: إما صريح، مثل: أن يقول الواهب: وهبت هذا الشيء لك، أو ما يجري مجرى الصريح كقوله، ملكته منك، أو جعلته لك أو هو لك، أو أعطيته، أو نحلته، أو أهديته إليك، أو أطعمتك هذا الطعام، أو حملتك على هذه الدابة، ونوى به الهبة؛ لأن تمليك العين للحال أو جعلها له من غير عوض هو معنى الهبة، ولأن بقية الألفاظ تفيد التمليك في الحال في عرف الناس أو في استعمالهم.\rهذا في الإيجاب المطلق، أما إذا كان مقروناً بقرينة فهي لا تخلو إما أن تكون القرينة وقتاً، أو شرطاً، أو منفعة (1) .\r-------------------------------\r(1) راجع التفصيل في البدائع: 116/6 ومابعدها.","part":5,"page":624},{"id":3470,"text":"مثال الإيجاب المقترن بقرينة الوقت (العمرى): أن يقول: ( أعمرتك هذه الدار، أو جعلت هذه الدار لك عمري (1) ، أو عمرك، أو حياتك أو حياتي، فإذا مت أنا فهي رد على ورثتي ) فهذا كله هبة، وهي للمعمر له في حياته، ولورثته بعد وفاته، لصحة التمليك، والتوقيت باطل، لقوله عليه الصلاة والسلام: «أمسكوا عليكم أموالكم، لا تعمروها، فإن من أعمر شيئاً، فإنه لمن أعمره» (2) أي المعمر له أوالموهوب له؛ ولأن الهبة لا تبطل بالشرط الفاسد بخلاف عقود المعاوضات المالية، ومنها البيع فإنها أي المعاوضات تفسد بالشرط الفاسد للنهي عن بيع وشرط.\r-------------------------------\r(1) العمرى: مايجعل للإنسان طول عمره، وإذا مات ترد عليه، بأن يقول الرجل: أعمرتك داري هذه أو عمري، أو مدة حياتك أو ماحييت. فالعمرى نوع من الهبة، مأخوذة من العمر، كذا كانوا يفعلونه في الجاهلية، فأبطل الشرع ذلك.\r(2) أخرجه البخاري ومسلم والموطأ وأحمد وأصحاب السنن الأربعة بألفاظ مختلفة عن جابر بن عبد الله، منها: ما اتفق عليه الشيخان بلفظ: « العمرى لمن وهبت له » ومنها: مارواه مسلم وأحمد بلفظ: «أمسكوا عليكم أموالكم ولاتفسدوها، فإنه من أعمر عمرى فهي للذي أعمرها حياً وميتاً، ولعقبه» .\r( راجع جامع الأصول: 112/9، نيل الأوطار: 13/6، سبل السلام: 93/3).","part":5,"page":625},{"id":3471,"text":"ومثال الإيجاب المقترن بشرط (الرقبى): أن يقول: ( هذه الدار لك رقبى (1) أو حبيسة ) فهي عارية في يده، ويأخذها منه متى شاء عند أبي حنيفة ومحمد، واستدلا بما روي عن الرسول صلّى الله عليه وسلم أنه أجاز العمرى وأبطل الرقبى (2) ، ولأن قوله ذلك تعليق للتمليك بأمر على خطر الوجود وخطر العدم، والتمليكات لا تحتمل التعليق بالخطر الاحتمالي المتردد بين الوجود وعدم الوجود فلم تصح هبة، وصحت عارية؛ لأنه دفع الدار إليه، وأطلق له الانتفاع به، وهذا معنى العارية.\rوقال أبو يوسف والشافعية والحنابلة (3) : إذا قبضها فهي هبة، وقوله: (رقبى، وحبيسة) باطل: ودليلهم ما روي عن الرسول صلّى الله عليه وسلم أنه أجاز العمرى والرقبى (4) ،ولأن قوله: ( داري لك ) تمليك العين، لا تمليك المنفعة، وقياساً على قوله: ( هي عمرى ).\rأما المالكية (5) فقد أجازوا العمرى وأبطلوا الرقبى كالحنفية، وعرفوا العمرى بأنها تمليك منفعة عقار أو غيره لشخص بغير عوض مدة حياته. فإذا مات المعمر له رجع الشيء المعمر لمن أعمره له، إن كان حياً، ولورثته إن كان ميتاً.\rوأما الرقبى: فهي اتفاق اثنين على أن من مات منهما قبل الآخر يكون ماله للآخر الحي.\r-------------------------------\r(1) الرقبى: أن يقول: « إن مت أنا قبلك فهو لك، وإن مت أنت قبلي فهو لي » سميت بذلك، لأن كلاً منهما يترقب، وينتظر موت الآخر قبل موته.\r(2) قال الزيلعي عن هذا الحديث: غريب ( راجع نصب الراية: 128/4 ).\r(3) المغني: /5 624، تحفة الطلاب: ص 172.\r(4) هذا الحديث ثابت في رواية عن جابر في الحديث السابق الذي خرجناه بلفظ: « العمرى جائزة لأهلها» . رواه الترمذي وابن ماجه. ويؤيد ذلك أحاديث منها: ماروي عن ابن عمر مرفوعاً عند النسائي وابن ماجه: « لا عمرى ولا رقبى، فمن أعمر شيئاً، أو أرقبه، فهو له حياته ومماته » ومنها: ما أخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجه وأحمد في مسنده وابن حبان في صحيحه عن زيد بن ثابت بلفظ: « من أعمر شيئاً فهو لمعمره حياته ومماته، ولا ترقبوا، فمن أرقب شيئاً فهو سبيله » ومنها: ماروى النسائي عن ابن عباس، وماروى الترمذي عن سمرة بن جندب، وغير ذلك ( راجع جامع الأصول: 111/9-115، نصب الراية: 128/4، نيل الأوطار: 12/6 ومابعدها، سبل السلام: 91/3، التلخيص الحبير: ص 260).\r(5) الشرح الكبير مع الدسوقي: 97/4 ومابعدها.","part":5,"page":626},{"id":3472,"text":"والخلاصة: أجاز أكثر العلماء العمرى والرقبى، على أنهما نوعان من الهبة يفتقران إلى الإيجاب والقبول والقبض ونحوه. ومنع الحنفية والمالكية الرقبى وأجازوا العمرى.\rومثال الإيجاب المقترن بالمنفعة (المنحة): أن يقول: ( هذه الدار لك سكنى)، أو ( هذه الشاة، أو هذه الأرض لك منحة ) فهي عارية باتفاق الحنفية (1) ؛ لأنه لما ذكر ( السكنى ) دل على أنه أراد تمليك المنافع، ولأن المنحة عبارة عن بذل المنافع، فإذا أضاف ذلك إلى عين ينتفع بها مع بقائها، عمل بحقيقته.\rأما إذا أضاف إلى شيء لا ينتفع به إلا باستهلاكه، كما إذا منحه طعاماً، أو لبناً، فإنه يكون هبة؛ لأنه لا منفعة له مع قيام عينه.\rوبناء على هذه التفرقة قالوا: إن عارية الأعيان تمليك المنافع، وعارية المكيل والموزون ومنها الدراهم والدنانير قرض، ويكون تمليك العين (2) ، فالعارية: هي عارية استعمال. والقرض: هو عارية استهلاك.\rوكذا لو قال: ( هذه الدار لك سكنى عمرى، أو عمرى سكنى ) فهي عارية، لأنه لما ذكر السكنى دل على أنه أراد تمليك المنافع، ولأن قوله: (سكنى) موضوع للمنفعة لا تستعمل إلا لها. وكلمة ( عمرى ) صفة أو نعت وهي قيد في الموصوف قبلها، فدل على أنها عارية.\rوكذا إذا قال: ( هبة سكنى، أو سكنى هبة ) فهي عارية، لأنه لما ذكر (سكنى) بعد ذكر ( الهبة ) كان تفسيراً للهبة، لأن الهبة تحتمل هبة العين، وهبة المنافع، فإذا قال: (سكنى) فقد عيَّن هبة\r-------------------------------\r(1) هذا في استعمال الماضين، وفي عصرنا يراد بالمنحة الهبة تماماً.\r(2) البدائع: 215/6.","part":5,"page":627},{"id":3473,"text":"المنافع (1) ؛ لأن هذه الكلمة نعت أو صفة لما تقدمها، والصفة قيد في الموصوف.\rوإن قال: ( هذه الدار لك عمرى تسكنها، أو صدقة تسكنها ) فهي هبة وصدقة، لأن في هذا المثال لم يفسر الهبة عن طريق النعت، وإنما وهب الدار منه، ثم أشار عليه فيما يعمل بملكه، والمشورة في ملك الغير باطلة، فيكون شرطاً فاسداً، والهبة لا تبطل بالشروط الفاسدة (2) ، فتعلقت الهبة بالعين. وأما قوله (تسكنها) فهو بمنزلة قوله ( لتسكنها ) كما إذا قال: (وهبتها لك لتؤجرها).\rولو قال: هي لك هبة تسكنها» كانت هبة أيضاً، كما في المثال السابق (3) .\rالمبحث الثالث ـ شروط الهبة :\rهناك شروط في الواهب، وشروط في الموهوب. وقد ذكر الحنابلة (4) أحد عشر شرطاً في الهبة وهي: كونها من جائز التصرف، مختار جادّ، بمال يصح بيعه، بلا عوض، لمن يصح تملكه، مع قبوله، أو وليه قبل تشاغل بقاطع، مع تنجيز، وعدم توقيت. وجائز التصرف: هو الحر المكلف الرشيد.\rوكون الموهوب مالاً لإخراج الاختصاصات.\rأما شروط الصيغة: فهي عند الشافعية اتصال القبول بالإيجاب من غير فاصل معتبر شرعاً، وعدم تقييدها بشرط؛ لأن الهبة تمليك، والتمليكات لا تحتمل التعليق بماله خطر الوجود والعدم، وعدم تقييدها بوقت كشهر أو سنة لأن الهبة تفيد التمليك المطلق الدائم كالبيع.\r-------------------------------\r(1) المرجع السابق: 118/5، فتح القدير: 120/7 .\r(2) هذا بخلاف البيع فإنه يفسد بالشرط الفاسد، للنهي الوارد فيه، ولا نهي في الهبة، وإنما على العكس ورد فيها مايدل على عدم فسادها بالشرط الفاسد، لأنه عليه السلام أجاز العمرى، وأبطل شرط المعمر (انظر البدائع: 117/6، حاشية ابن عابدين: 532/4).\r(3) البدائع: 118/6 .\r(4) غاية المنتهى: 334/2، كشاف القناع: 329/4، ط مكة.","part":5,"page":628},{"id":3474,"text":"شروط الواهب :\rيشترط أن يكون الواهب له أهلية التبرع بالعقل والبلوغ مع الرشد، وهذا شرط انعقاد؛ لأن الهبة تبرع، فلا تجوز هبة الصبي والمجنون؛ لأنهما لا يملكان التبرع، لكونه ضرراً محضاً، وكذا الأب لا يملك هبة مال الصغير من غير شرط العوض بلا خلاف؛ لأن ولايته قاصرة على وجوه النفع، والهبة تبرع فيه ضرر محض فلا تجوز منه.\rفإن شرط الأب العوض لم يجز أيضاً عند أبي حنيفة، وأبي يوسف؛ لأن الهبة بشرط العوض تبرع ابتداء أي قبل القبض، ثم تصير بيعاً انتهاء، أي بعد القبض، والأب لا يملك التبرع، وقال محمد: تجوز الهبة من الأب بشرط العوض؛ لأن ذلك في معنى البيع، والعبرة باتفاق المعنى (1) .\rشروط الموهوب :\rيشترط في الموهوب شروط:\r1 - أن يكون موجوداً وقت الهبة: فلا تنعقد هبة ما ليس بموجود وقت العقد (2) مثل أن يهب ما يثمر نخله في هذا العام، أو ما تلد أغنامه هذه السنة؛ لأنه تمليك لمعدوم، فيكون العقد باطلاً (3) .\rومثل: أن يهب ما في بطن هذه الشاة، وسلطه على القبض عند الولادة، فلا ينعقد لاحتمال الوجود والعدم؛ لأن انتفاخ البطن قد يكون للحمل أو لداء في البطن.\rوكذلك لو وهب دقيقاً في حنطة أو دهناً في سمسم أو زبداً في لبن، أو زيتاً في زيتون: لا يجوز، وإن سلطه على قبضه عند حدوثه؛ لأنه معدوم للحال، والمعدوم ليس بمحل للملك، فوقع العقد باطلاً، فلا ينعقد إلا بالتجديد.\rأما هبة اللبن في الضرع، والصوف على ظهر الغنم، والزرع والنخيل في الأرض، والتمر في النخيل: فهي كهبة المشاع الآتية تقع فاسدة، فلو فصل ذلك وسلم إلى الموهوب له، جاز؛ لأن الموهوب موجود مملوك للحال، إلا أنه لم ينفذ لمانع، وهو كونه مشغولاً بغيره، فإذا فصل فقد زال المانع، فتجوز الهبة وتصير صحيحة (4) .\rووافق الشافعية والحنابلة مذهب الحنفية في هذا الشرط، فقالوا: كل ما صح\r-------------------------------\r(1) البدائع، المرجع السابق.\r(2) المبسوط: 71/12، تكملة فتح القدير: 124/7، البدائع: 119/6، حاشية ابن عابدين: 534/4، الكتاب مع اللباب: 172/2، تكملة ابن عابدين: 329/2.\r(3) قال المالكية: لا تأثير للغرر على صحة الهبة، فتجوز هبة المجهول والمعدوم المتوقع الوجود، كالعبد الآبق، والبعير الشارد والمجهول، والثمرة قبل بدو الصلاح، وفي الجملة: كل مالا يصح بيعه في الشرع من جهة الغرر ( بداية المجتهد: 324/2، القوانين الفقهية: ص 367 ).\r(4) البدائع: 119/6، والمراجع السابقة في بدء الكلام عن هذا الشرط. ويلاحظ أن هبة اللبن في الضرع، والصوف على ظهر الغنم حكمها باطل في تحفة الفقهاء والبدائع، والأصح أن الهبة فاسدة كما في الدر المختار ورد المحتار.","part":5,"page":629},{"id":3475,"text":"بيعه صحت هبته. وقال المالكية: تجوز هبة ما لا يصح بيعه كالعبد الآبق والبعير الشارد والمجهول والثمرة قبل بدو صلاحها والمغصوب.\r2 - أن يكون مالاً متقوماً: فلا تنعقد هبة ما ليس بمال أصلاً كالحر والميتة والدم وصيد الحرم والإحرام وغير ذلك، ولا تجوز هبة ما ليس بمتقوم كالخمر (1) .\r3 - أن يكون مملوكاً في نفسه: فلا تنعقد هبة المباحات، وهذه الشروط السابقة كلها شروط انعقاد.\r4 - أن يكون مملوكاً للواهب: فلا تنفذ هبة مال الغير بغير إذنه، لاستحالة تمليك ما ليس بمملوك (2) ، وهذا شرط نفاذ عند الحنفية. وبناء على الشرط الأخير يجوز عند الحنفية هبة المملوك، سواء أكان عيناً أم ديناً، فتجوز هبة الدين لمن عليه الدين؛ لأن ما في الذمة مقدور التسليم والقبض؛ لأن قبض العين قائم مقام قبض عين ما في الذمة. كما تجوز هبة الدين لغير من عليه الدين إن أذن له صراحة بالقبض، وقبضه استحساناً، كما سيتضح في شرط الإذن بالقبض.\r5 - أن يكون محرزاً أي مفرزاً: فلا تصح عند الحنفية هبة المشاع إذا كان يحتمل القسمة كالدار والبيت الكبير، وتكون الهبة فاسدة، فإن قسم المشاع وسلم، جازت الهبة، وهذا شرط صحة للهبة.\rوتجوز الهبة إذا كان مشاعاً لا يحتمل القسمة، كالسيارة والحمام، والبيت الصغير والجوهر. وجواز الهبة للضرورة، لأنه قد يحتاج إلى هبة بعض ذلك، ويكتفى بصورة التخلية مقام القبض (3) . ودليلهم على الحالة الأولى: أن القبض\r-------------------------------\r(1) البدائع: المكان السابق.\r(2) البدائع: المرجع والمكان السابق.\r(3) المبسوط: 64/12، 74، البدائع، المرجع السابق. تكملة فتح القدير: 121/7 ومابعدها، 128، حاشية ابن عابدين: 534/4 .","part":5,"page":630},{"id":3476,"text":"في الهبة شرط كالرهن، كما سأبين، والشيوع يمنع من القبض؛ لأن التصرف في النصف الشائع وحده، لا يتصور، فإن سكنى نصف الدار شائعاً محال، ولا يتمكن من التصرف فيه إلا بالتصرف في الكل، والعقد لم يتناول كل الدار، فعدم قسمة الموهوب يمنع صحة القبض وتمامه (1) .\rوقال المالكية والشافعية والحنابلة: إن هبة المشاع جائزة، كالبيع، فإن القبض في هبة المشاع يصح كالقبض في المبيع المشاع. وصفة قبضه: أن يسلم الواهب جميع الشيء إلى الموهوب له، فيستوفي منه حقه، ويكون نصيب شريكه في يده كالوديعة (2) ، والدليل على ذلك من السنة أن وفد هوازن لما جاؤوا يطلبون من رسول الله صلّى الله عليه وسلم أن يرد عليهم ما غنمه منهم، قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم : «ما كان لي ولبني عبد المطلب فهو لكم» (3) وهذا هبة المشاع: وهي هبة الشخص ما له من حصة غير معينة في شيء . أو هبة ما يملكه من شيء لاثنين أو أكثر.\rوهذا الخلاف يجري في التصدق بالمشاع على الغني؛ لأن الصدقة عليه هبة. وأما الصدقة بعشرة على مسكينين مثلاً فتجوز؛ لأن الصدقة تقع من المتصدق لله تعالى، لا للفقير، فلا يتحقق الشيوع. ويترتب على قاعدة الحنفية: وهو أنه لاتجوز الهبة في المشاع الذي يحتمل القسمة ما يلي (4) :\r-------------------------------\r(1) الضابط فيما يقبل القسمة ومالا يقبلها: أن كل شيء يضره التبعيض فيوجب نقصاناً في ماليته: يكون مما لايحتمل القسمة. ومالا يوجب ذلك فهو يحتملها ( انظر العناية مع تكملة فتح القدير: 121/7، حاشية ابن عابدين: 533/4 ).\r(2) القوانين الفقهية: ص 367، ط النهضة بفاس، بداية المجتهد: 323/2، حاشية الدسوقي: 97/4، المهذب: 446/1، المغني: 596/5.\r(3) انظر قصة وفد هوازن في نيل الأوطار: 3/8. ويؤيده حديث أبي قتادة عند الشيخين في قصته المعروفة، وهي اصطياده حماراً وحشياً، ثم هبته أصحابه حصصاً شائعة منه، وأقرهم الرسول صلّى الله عليه وسلم على فعلهم.\r(4) البدائع: 121/7، 122 .","part":5,"page":631},{"id":3477,"text":"الهبة لاثنين :\rلو وهب إنسان داراً من رجلين أو مداً من حنطة أو ألف درهم أو نحو ذلك مما يقسم، فإنه لا يصح عند أبي حنيفة. وعند الصاحبين: يصح، ويجري الخلاف فيما لو وهب رجل داراً لرجلين وقال: ( وهبت لكما هذه الدار: لهذا نصفها، ولهذا نصفها ).\rومنشأ الخلاف في ذلك: أن أبا حنيفة يعتبر الشيوع عند القبض ما نعاً من صحة الهبة. وأما الصاحبان: فيعتبران الشيوع عند العقد والقبض معاً هو المانع من صحة الهبة. وبناء عليه: يجوز هبة الاثنين من الواحد بالاتفاق، لعدم وجود الشيوع عند القبض في رأي أبي حنيفة، ولانعدام الشيوع في الحالتين معاً في رأي الصاحبين؛ لأن الشيوع وجد عند العقد ، ولم يوجد عند القبض.\rولا تجوز هبة الواحد من الاثنين عند أبي حنيفة، لوجود الشيوع عندا لقبض، ويجوز ذلك عند الصاحبين؛ لأنه لم يوجد الشيوع عند العقد والقبض جميعاً.","part":5,"page":632},{"id":3478,"text":"ولا تجوز الهبة بالاتفاق إذا قال في هبة الدار: ( وهبت لك نصفها، ولهذا نصفها ) لأن الشيوع دخل على العقد نفسه، فمنع الجواز، بخلاف المثال السابق: (وهبت لكما هذه الدار: لهذا نصفها ولهذا نصفها) فعند أبي حنيفة: لا يجوز؛ لأن هذا تمليك مضاف إلى الشائع. وعند الصاحبين: يجوز، لأن قوله: ( لهذا نصفها، ولهذا نصفها ) لا يمكن جعله تفسيراً لنفس العقد؛ لأن العقد وقع على تمليك الدار جملة منهما، وإنما هو تفسير للحكم الثابت بالعقد أي أثر العقد، فلا يوجب ذلك إشاعة في العقد نفسه.\rولو قال: ( وهبت لكما هذه الدار: لهذا ثلثها، ولهذا ثلثاها) لم يجز عند أبي يوسف وأبي حنيفة، وجاز عند محمد. أما أبو حنيفة فكما قال في المثال السابق. وأما محمد فقال كما في المثال السابق أيضاً: إن العقد متى جاز لاثنين يستوي فيه حالة التساوي والتفاضل في الأنصباء كما في البيع. وأما أبو يوسف فقد خالف قاعدته حالة التفاضل في الأنصباء؛ لأن مطلق العقد لا يحتمل التفاضل، فكان تفضيل أحد النصيبين في معنى إفراد العقد لكل منهما، فكان ذلك هبة المشاع، فيتعذر جعل قوله: ( لهذا ثلثها ولهذا ثلثاها ) مفسراً للحكم الثابت بالعقد، بخلاف حالة التساوي.\rوالخلاصة: إن الشيوع حالة القبض يمنع صحة الهبة، أما حالة العقد فلا يمنع صحتها، وكذا الشيوع الطارئ لا يفسد الهبة، وهو كأن يرجع الواهب في نصف الموهوب شائعاً.","part":5,"page":633},{"id":3479,"text":"6 - أن يكون الموهوب متميزاً عن غيره، ليس متصلاً به، ولا مشغولاً بغير الموهوب: لأن معنى القبض، وهو التمكن من التصرف في المقبوض لا يتحقق مع شغل الموهوب بغيره (1) وهذا شرط صحة للهبة.\rوبناء عليه لو وهب شخص أرضاً فيها زرع للواهب دون الزرع، أو زرعاً دون الأرض، أو نخلاً فيها ثمرة للواهب معلقة بها دون الثمرة، أو ثمرة النخل دون النخل: لا يجوز، وإن قبض الموهوب، وتكون الهبة فاسدة، فلو جز الثمر، وحصد الزرع، ثم سلمه فارغاً، جاز؛ لأن المانع من نفاذ حكم العقد وهو ثبوت الملك، قد زال.\rوكذا لو وهب داراً فيها متاع للواهب، أو ظرفاً فيه متاع للواهب دون المتاع، أو وهب دابة عليها حمل للواهب دون الحمل، وقبض الموهوب، فإنه لاتجوز الهبة، ولا يزول الملك عن الواهب إلى الموهوب له؛ لأن الموهوب مشغول بغيره، فيكون بمنزلة هبة المشاع، وتكون الهبة حينئذ فاسدة، فلو ميز الموهوب عن غيره، وسلمه وحده، جازت الهبة.والخلاصة: إن هبة المشغول لا تصح بخلاف الشاغل، وهبة المتصل بغير الهبة اتصال خلْقة مع إمكان الفصل لا تجوز (2) .\rمسألة استثناء ما في البطن :\rيتفرع على هذا الشرط السابق، بمقتضى القياس: أنه لو وهب دابة واستثنى ما في بطنها، لا يجوز، لأنه هبة ما هو مشغول بغيره.\rوأما استحساناً فقالوا: تجوز الهبة في الأم والحِمْل جميعاً، ويبطل الاستثناء. والعقود في هذه المسألة في الجملة ثلاثة أنواع (3) .\r1 - قسم يفسد فيه العقد أي لا يجوز فيه أصل التصرف: وهو البيع والإجارة والرهن (4) ، فإذا عقد على الأم، دون الحَمْل، بأحد هذه العقود، فسد العقد، وبطل الاستثناء؛ لأن الحمل تبع للأم، فاستثناؤه إخراج لبعض ما اقتضاه\r-------------------------------\r(1) المبسوط: 73/12، تكملة فتح القدير: 7ص/124، 127، البدائع: 6ص/125، حاشية ابن عابدين: 4 ص/533ومابعدها، مجمع الضمانات: ص 336 .\r\r(2) الفرائد البهية في القواعد الفقهية: ص 204.\r(3) المبسوط: 12 ص/72، جـ 13 ص/19، تكملة فتح القدير: 7 ص/139 ومابعدها، البدائع: 6 ص/125، ورد المحتار: 4 ص/113، مجمع الضمانات: ص 337، الفرائد البهية في القواعد الفقهية: 206.\r(4) اعتبار الرهن كالبيع في أنه يبطل بالشرط الفاسد هو بحسب ما جاء في البدائع، لكن الأصح ما جاء في الزيادات: وهو أن الرهن كالهبة، لا يبطل بالشرط الفاسد، وإنما يصح الرهن، ويبطل الشرط، لأنه عقد تبرع، لاعقد معاوضة.","part":5,"page":634},{"id":3480,"text":"العقد، لأن العقد ثبت في الأم وولدها، ففسد العقد، والقاعدة المقررة: أن الشرط الفاسد في المعاوضات المالية يفسد العقد (1) .\r2 - وقسم يصح فيه العقد ويبطل الشرط أو الاستثناء: وهو النكاح والخلع، والصلح عن دم العمد، والهبة؛ لأن موجب العقد أن يثبت الحكم في الكل، وقد استثني بعض الموجَب؛ فيكون شرطاً فاسداً، والقاعدة المقررة: أن الشرط الفاسد لايبطل عقود التبرعات والتوثيقات والزواج، بل العقد صحيح، والشرط لغو باطل، فالهبة إذن لا تبطل بالشروط الفاسدة.\rوالأصل في ذلك بالنسبة للهبة أنه صلّى الله عليه وسلم أجاز العمرى وأبطل شرط المعمر (2) ، وهي بخلاف البيع، لأنه عليه الصلاة والسلام نهى عن بيع وشرط (3) .\r3 - وقسم يجوز فيه العقد والاستثناء جميعاً: وهو الوصية، كما إذا أوصى بفرس إلا حَملْها، صحت الوصية في الفرس، وبقي الحَمْل لورثة الموصي؛ لأن الحمل أصل على حدة بالنسبة للوصية، حتى إنه يجوز إفراده بالوصية، فيجوز استثناؤه إذن؛ لأن عقد الوصية والإيصاء، كل منهما بطبيعته لا يكون إلا مضافاً لزمن مستقبل، ولا يثبت الملك في الموصى به إلا بعد وفاة الموصي.\r7 - الشرط السابع وهو قبض الموهوب: وهو أهم الشروط، وهو شرط لزوم وتمام الهبة، لا شرط صحة وركن عند بعض الحنفية وابن عقيل من الحنابلة\r-------------------------------\r(1) الأموال ونظرية العقد للدكتور محمد يوسف موسى: ص 423.\r(2) المرجع السابق. وهذا بمقتضى حديث جابر السابق تخريجه، ففي بعض رواياته عند أبي داود والنسائي والترمذي وصححه، قال: «أيما رجل أعمر رجلاً عمرى له ولعقبه، فقال: قد أعطيتكها وعقبك، ما بقي منكم أحد، فإنها لمن أعطيها، وإنها لا ترجع إلى صاحبها من أجل أنه أعطى عطاء وقعت فيه المواريث» وروى النسائي بمعناه عن عبد الله بن الزبير.\r(3) رواه الطبراني في معجمه الوسط عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلّى الله عليه وسلم أنه «نهى عن بيع وشرط، البيع باطل، والشرط باطل» (راجع نصب الراية: 4 ص/17).","part":5,"page":635},{"id":3481,"text":"كما سبق بيانه، وقد أخر إلى هنا، لكثرة ما يتبعه من أمور. فالقبض في الهبة: أن يكون الموهوب مقبوضاً، فلا يثبت الملك للموهوب له قبل القبض بل لا تتحقق الهبة إلا بالقبض، فبالقبض توجد الهبة، والقبض مولد لآثار الهبة عند الحنفية. وأتكلم هنا في بيان أصل القبض أنه شرط أم لا عند الفقهاء.\rما نوع شرط القبض؟\rاختلف الفقهاء، فقال الحنفية والشافعية (1) : القبض شرط للزوم الهبة، حتى إنه لا يثبت الملك للموهوب له قبل القبض، بدليل ما روت عائشة رضي الله عنها أن أباها نحلها جداد عشرين وَسقاً (2) من ماله، فلما حضرته الوفاة، قال: يابنية: إن أحب الناس عندي بعدي لأنت، وإن أعز الناس علي فقراً بعدي لأنت، وإني كنت نحلتك جداد عشرين وسقاً من مالي، ولو كنت جددتيه وأحرزتيه لكان لك، وإنما هو اليوم مال الوارث، وإنما هما أخواك وأختاك فاقتسموه على كتاب الله، قالت: هذان أخواي، فمن أختاي، إنما هي أسماء، فمن الأخرى؟ قال: ذو بطن بنت خارجة، فإني أظنها جارية (3) .\rفهذا نص في اشتراط القبض للزوم الهبة، وإن الهبة تملك بالقبض لقوله: «لو كنت جددتيه وأحرزتيه لكان لك» ، وقال عمر رضي الله عنه: ما بال رجال\r-------------------------------\r(1) الدر المختار ورد المحتار: 533/4، 341/5، مغني المحتاج: 400/2.\r(2) الجد: صرام النخل أي أعطاها ما لا يجد عشرين وسقا، أي يحصل من ثمرته ذلك، والوسق: ستون صاعاً أو حمل بعير، حوالى (130 كغ).\r(3) تتمة الأثر: «فولدت جارية، أخواها عبد الرحمن ومحمد. وبنت خارجة: هي حبيبة بنت خارجة بن زيد، زوجة أبي بكر، كانت ذلك الوقت حاملاً، فولدت أم كلثوم» رواه عن عائشة مالك في الموطأ، ورواه عنه محمد بن الحسن وعبد الرزاق والبيهقي (راجع جامع الأصول: 12 ص/269، تنوير الحوالك شرح الموطأ: 223/2، نصب الراية: 122/4، التلخيص الحبير: ص260، نيل الأوطار: 5 ص/349).","part":5,"page":636},{"id":3482,"text":"يَنْحَلون أبناءهم نُحلاً، ثم يمسكونها فإن مات ابن أحدهم، قال: «مالي بيدي، لم أعطه أحداً، وإن مات هو قال: هو لابني، قد كنت أعطيته إياه، فمن نحل نحلة فلم يَحُزْها الذي نحلها ـ وأبقاها ـ حتى تكون إن مات لورثته، فهي باطلة» (1) .\rوهذا هو قول عثمان وعلي أيضاً (2) ، وفي الجملة فإن الخلفاء الراشدين وغيرهم اتفقوا على أن الهبة لا تجوز إلا مقبوضة محوزة (3) .\rوقال الحنابلة في أرجح الروايتين عن أحمد: القبض شرط لصحة الهبة في المكيل أو الموزون، لإجماع الصحابة على ذلك، ويظهر أن المراد بكون القبض شرط صحة أنه شرط لزوم، بدليل قول ابن قدامة: إن المكيل والموزون لا تلزم فيه الصدقة والهبة إلا بالقبض، وهو قول أكثر الفقهاء.\rأما غير المكيل أو الموزون فتلزم الهبة فيه بمجرد العقد، ويثبت الملك في الموهوب قبل قبضه، لما روي عن علي وابن مسعود رضي الله عنهما قالا: الهبة جائزة إذا كانت معلومة، قبضت أو لم تقبض (4) .\r-------------------------------\r(1) تنوير الحوالك شرح موطأ مالك، الموضع السابق. والنحلة: العطية من غير عوض، أو الهبة.\r(2) والصدقة على الفقير كالهبة، بجامع التبرع، فلا تصح إلا بالقبض لأنها تبرع كالهبة، لاتجوز في مشاع يحتمل القسمة لأنها كالهبة، لكن إذا تصدق على فقيرين بشيء يحتمل القسمة، جاز، لأن المقصود في الصدقة هو الله تعالى، وهو واحد، والفقير نائب عنه في القبض. ولا يصح الرجوع في الصدقة، ولو على غني استحساناً بعد القبض لأن المقصود هو الثواب وقد حصل.\r(3) هذا أثر عن الصحابة، ورد الزيلعي على من قال: إنه حديث بقوله: غريب، ورواه عبد الرزاق من قول النخعي قال: «لا تجوز الهبة حتى تقبض، والصدقة تجوز قبل أن تقبض» (راجع نصب الراية: 4 ص/121، وراجع المبسوط: 12 ص 57، تكملة فتح القدير: 7ص 113 ومابعدها، البدائع: 6 ص 123، المهذب: 1 ص 447، مغني المحتاج: 2 ص/400 ).\r(4) المغني: 5 ص 591 ومابعدها.","part":5,"page":637},{"id":3483,"text":"وقال المالكية: لايشترط القبض لصحة الهبة، ولا للزوم الهبة، وإنما هو شرط لتمامها، أي لكمال فائدتها، بمعنى أن الموهوب يملك بمجرد العقد أي القول، على المشهور عندهم. والقبض أو الحيازة لتتم الهبة، ويجبر الواهب على تمكين الموهوب له من الموهوب. ودليلهم تشبيه الهبة بالبيع وغيره من سائر التمليكات، ولقول الأصحاب: الهبة جائزة إذا كانت معلومة، قبضت أو لم تقبض (1) .\rوالخلاصة: أن غير المالكية يرون أن الموهوب يملك بالقبض لا بالعقد (2) ، وعند المالكية: يملك بالعقد.\r-------------------------------\r(1) بداية المجتهد: 2 ص/324، حاشية الدسوقي: 4 ص/101.\r(2) لما روى الحاكم في صحيحه أنه صلّى الله عليه وسلم «أهدى إلى النجاشي ثلاثين أوقية مسكاً، ثم قال لأم سلمة: إني لأرى النجاشي قد مات، ولا أرى الهدية التي قد أهديت له، إلا تستردّ، فإذا ردت إلي، فهي لك، فكان كذلك» ولأن الهبة عقد إرفاق وتبرع كالقرض، فلا يملك إلا بالقبض.","part":5,"page":638},{"id":3484,"text":"8 - يشترط لصحة القبض عند جمهور العلماء: أن يكون بإذن الواهب: فلو قبض بلا إذن لم يملكه، ودخل في ضمانه؛ لأن التسليم غير مستحق على الواهب، فلا يصح التسليم إلا بإذنه، ولأن الإذن بالقبض شرط لصحة القبض في البيع، ففي الهبة من باب أولى؛ لأن القبض فيها شرط لصحتها، بعكس البيع (1) إلا أن الحنفية قالوا: القياس أن لا يجوز قبض الهبة إلا بإذن الواهب، سواء تم القبض في مجلس العقد أم بعد الافتراق. والاستحسان أن الموهوب له إذا قبض الموهوب في مجلس العقد بغير أمر الواهب، جاز. وإن قبض بعد الافتراق عن المجلس لم يجز إلا أن يأذن له الواهب في القبض.\rوجه القياس: أن القبض تصرف في ملك الواهب لأن ملكه قبل القبض باق، فلا يصح بدون إذنه.\rووجه الاستحسان: أن القبض في الهبة بمنزل القبول؛ لأنه يتوقف عليه ثبوت الملك، والمقصود من الهبة إثبات الملك، فيكون الإيجاب من الواهب تسليطاً للموهوب له على القبض، فكان إذناً دلالة. وإنما قيد ذلك بالمجلس لأنه ثبت التسليط فيه، إلحاقاً له بالقبول، والقبول يتقيد بالمجلس، فكذلك ما يلحق به.\r-------------------------------\r(1) البدائع: 6 ص 123، الهداية وتكملة فتح القدير: 115/7 ومابعدها، مغني المحتاج: 2ص/400، المغني: 5 ص/592.","part":5,"page":639},{"id":3485,"text":"وقال المالكية: يصح القبض ولو بلا إذن من الواهب، ويجبر الواهب على تمكين الموهوب من القبض حيث طلبه؛ لأن الهبة تملك بالقول أي بالإيجاب، على المشهور عندهم (1) .\rويترتب على مذهب الحنفية: أنه لو وهب إنسان ثوباً، أو عيناً من الأعيان، مفرزاً، مقسوماً، ولم يأذن له في قبضه، فقبضه الموهوب له فإن كان بحضرة الواهب: يجوز استحساناً، والقياس أن لا يجوز قبضه بعد الافتراق من المجلس، وهو قول زفر؛ لأن القبض عنده ركن بمنزلة القبول في حق إثبات الحكم، فلا يجوز القبض بعد الافتراق عن المجلس، كما لا يجوز القبول بعد الافتراق.\rووجه الاستحسان: أن الإذن بالقبض وجد من طريق الدلالة؛ لأن الإيجاب فيه دلالة الإذن بالقبض.\rوأما في هبة الدين لغير من عليه الدين، فلا بد من الإذن صراحة بالقبض، ولا يكفي الإذن دلالة. وجه الفرق بين هبة العين وهبة الدين: هو أن الإيجاب في هبة العين يدل على الإذن بالقبض دلالة؛ لأن قصده تمليك ما هو ملكه للموهوب له، أما في هبة الدين: فالإيجاب لايعطي تلك الدلالة؛ لأن الدلالة متوقفة على قصد التملك، وتمليك الدين من غير من عليه الدين لايتحقق إلا بالتصريح بالإذن بالقبض؛ لأنه بالتصريح يقوم قبضه مقام قبض الواهب، فيصير المقبوض ملكاً له أولاً، ثم يصير الموهوب له قابضاً لنفسه من الواهب. وبناء على هذا التقدير: يصير الواهب واهباً ملك نفسه، والموهوب له قابضاً ملك الواهب.\rوتجويز هبة الدين لغير من عليه الدين ثابت استحساناً، وصورتها: أن يهب رجل لرجل ديناراً له على رجل، ويأمر بقبضه ويقبضه فعلاً، فيجوز استحساناً؛ لأنه أنابه في القبض مناب نفسه، فيجعل قبض الموهوب له كقبض الواهب. وأما قياساً فلا يجوز، وهو قول زفر؛ لأن الدين ليس بمال عند الحنفية، حتى إن حلف لا مال له، وله دين على إنسان: لا يحنث في يمينه. والهبة عقد\r-------------------------------\r(1) حاشية الدسوقي: 4 ص 101.","part":5,"page":640},{"id":3486,"text":"مشروع لتمليك المال، فإذا أضيف إلى ما ليس بمال لا يصلح (1) .\rويشترط أيضاً عند الحنفية والشافعية شرطان آخران لصحة القبض وهما أهلية القبض: بالعقل عند الحنفية، وبالعقل والبلوغ عند الشافعية، فلا يصح عندهم قبض الصبي والمجنون؛ لأن القبض من باب الولاية، ولا ولاية لغير البالغ العاقل على نفسه وماله. والشرط الثاني ـ ألا يكون الموهوب مشغولاً بغيره مما ليسبموهوب؛ لأن معنى القبض: التمكن من التصرف في المقبوض، وهو لا يتحقق مع شغل الشيء بغيره. وأضاف الحنفية شرطاً ثالثاً، كماتقدم: وهو أن يكون الموهوب مفرزاً عن غيره حتى يتمكن الموهوب له من قبضه، فلا يصح عندهم هبة المشاع كما تقدم.\rنوعا القبض :\rقبض الهبة عند الحنفية نوعان: قبض بطريق الأصالة، وقبض بطريق النيابة (2) .\rأما القبض بطريق الأصالة:فهو أن يقبض بنفسه لنفسه، وشرط جوازه العقل فقط، فلا يجوز قبض الصبي غير المميز والمجنون. وأما البلوغ: فليس بشرط لصحة القبض استحساناً، فيجوز قبض الصبي العاقل (أي المميز) ما وهب له.\rوالقياس وهو رأي غير الحنفية: أن يكون البلوغ شرطاً؛ لأن القبض من باب الولاية، ولا ولاية للصبي على نفسه، فلا يجوز قبضه في الهبة، كما لا يجوز في البيع.\rووجه الاستحسان: أن قبض الهبة من التصرفات النافعة نفعاً محضاً، فيملكه الصبي العاقل.\rوأما القبض بطريق النيابة، فالنيابة في القبض نوعان:\rنوع يرجع إلى القابض، ونوع يرجع إلى القبض نفسه.\rأما الأول ـ فهو القبض للصبي، وشرط جوازه وجود ولاية أو عيلة أي كون الصبي في حِجْر وعيال شخص أي في رعايته وتربيته عند عدم الولي.\rفلو وهب أجنبي للصغير شيئاً، فيقبض عنه وليه على هذا الترتيب عند الحنفية: الأب، ثم وصيه، ثم الجد، ثم وصيه، ومن غاب من هؤلاء غيبة منقطعة\r-------------------------------\r(1) المبسوط للسرخسي : 70/12، البدائع: 119/5، 124، حاشية ابن عابدين: 544/4.\r(2) انظر التفصيل في البدائع: 126/5 ومابعدها، تكملة فتح القدير: 125/7 ومابعدها، حاشية ابن عابدين: 535/4، الكتاب مع الباب: 173/2.","part":5,"page":641},{"id":3487,"text":"تنتقل الولاية إلى الأبعد، كما في ولاية النكاح؛ لأن التأخير إلى قدوم الغائب يؤدي إلى تفويت المنفعة على الصغير، فتنتقل الولاية إلى ما يتلوه.\rوبناء على ذلك لو وهب أحد هؤلاء الأولياء للصغير شيئاً، والمال في أيديهم صحت الهبة، ويصيرون قابضين للصغير، وكذلك إذا باع الأب ماله من ابنه الصغير، ثم هلك المبيع عقب البيع، كان الهلاك على الصغير؛ لأنه صار قابضاً بقبض الأب.\rولو قبض الصغير العاقل ما وهب له أحد أوليائه المذكورين، جاز قبضه استحساناً، والقياس: أن لا يجوز، كما تبين في القبض بطريق الأصالة.\rولا يجوز قبض غير هؤلاء الأولياء الأربعة المذكورين مع وجود واحد منهم، أجنبياً كان أو ذا رحم محرم منه، كالأخ والعم والأم؛ لأنه ليس لهم ولاية التصرف في مال الصبي.\rفإن لم يكن أحد من هؤلاء الأولياء الأربعة، جاز قبض من كان الصبي في حجره وعياله استحساناً، والقياس: أن لا يجوز لعدم الولاية، وإنما جاز ذلك استحساناً؛ لأن من هو في عياله، له عليه نوع ولاية، إذ أنه يؤدبه، ويعمل له ما فيه المنفعة، وللصبي في قبض الهبة منفعة محضة، فكيون ذلك من باب الحفظ.\rوأما النوع الثاني من النيابة: وهو الذي يرجع إلى القبض نفسه فهو أن القبض الموجود بسبب من الأسباب ينوب عن قبض الهبة، سواء أكان مثل قبض الهبة أم أقوى منه، وبيانه:\rأ ـ إذا كان الموهوب في يد الموهوب له وديعة أو عارية، فوهب منه، جازت الهبة، ولا يحتاج إلى تجديد القبض بعد العقد استحساناً، والقياس: أن لا يصير قابضاً ما لم يجدد القبض، وهو أن يخلي بين الموهوب له وبين الموهوب بعد العقد؛ لأن يد الوديع هي يد صورية، وهي في الحقيقة والمعنى يد المودع، فكان المال في يده فيحتاج إلى تجديد القبض.","part":5,"page":642},{"id":3488,"text":"ووجه الاستحسان: أن قبض الهبة وقبض الوديعة أو العارية متماثلان في القوة؛ لأن كل واحد منهما قبض أمانة غير مضمون، إذ الهبة عقد تبرع، وكذا الوديعة والعارية، فتماثل القبضان، فيقوم أحدهما مقام الآخر.\rب ـ وإذا كان الموهوب في يد الموهوب له مضموناً بنفسه، كالمغصوب والمقبوض على سوم الشراء (1) ، والمقبوض ببيع فاسد، فوهب منه: تصح الهبة، ويبرأ عن الضمان؛ لأن قبض الضمان أقوى من قبض الأمانة، فينوب عنه، لوجود المستحق بالعقد وهو القبض، وزيادة ضمان.\rج ـ وإذا كان الموهوب في يد الموهوب له مضموناً بغيره، كالمرهون المضمون بالدين، والمبيع المضمون بالثمن، فوهبه مالكه لصاحب اليد: فإنه لا يصير قابضاً بذلك عند الكرخي ما لم يجدد القبض؛ لأن قبض الرهن أو البيع، وإن كان قبض ضمان، لكنه ضمان لا تصح البراءة منه، فلا يحتمل الإبراء بالهبة، ليصير قبض أمانة، وبالتالي يتماثل القبضان، وحينئذ على سوم الشراء؛ لأن ذلك الضمان مما تصح البراءة عنه، فيبرأ عنه بالهبة؛ ويبقى قبضاً بغير ضمان، فتماثل القبضان فيتناوبان.\rوفي الجامع الصغير والبدائع، وهو الأرجح: يصير الموهوب له في المضمون بغيره قابضاً؛ لأن قبض الضمان أقوى من قبض الأمانة، والأقوى ينوب عن الأدنى.\r-------------------------------\r(1) وهو أن يقبض الإنسان شيئاً لينظره أو ليشتريه، فإن بين البائع للمقبوض ثمناً، كان المقبوض مضموناً على القابض، بخلاف المقبوض على سوم النظر، فإنه أمانة. وعلى هذا فالمقبوض على سوم الشراء مضمون بالقيمة عند بيان الثمن، لا المقبوض على سوم النظر، فهو ليس بمضمون مطلقاً (راجع مجمع الضمانات للبغدادي: ص 213، 217، الدر المختار ورد المحتار: 52/4 ومابعدها، حاشية الشرقاوي على التحفة: 150/2، عقد البيع للأستاذ الزرقاء: ص 96).","part":5,"page":643},{"id":3489,"text":"المبحث الرابع ـ حكم الهبة :\rأصل حكم الهبة: هو ثبوت الملك للموهوب له في الموهوب من غير عوض.\rصفة حكم الهبة: قال الحنفية: حكم الهبة ثبوت الملك للموهوب له غير لازم، فيصح الرجوع والفسخ، لقوله عليه السلام: «الواهب أحق بهبته ما لم يُثَب منها» (1) أي يعوض، فإنه عليه السلام جعل الواهب أحق بهبته ما لم يصل إليه العوض، وهذا نص في المراد، فيصح الرجوع ما لم يحصل تعويض، وإن تم القبض، وهناك موانع أخرى من الرجوع ستذكر. ولكن يكره الرجوع؛ لأنه من باب الدناءة، وللموهوب له أن يمتنع عن الرد. ولا يصح الرجوع إلا بتراض أو بقضاء القاضي؛ لأن الرجوع فسخ بعد تمام العقد، فصار كالفسخ بسبب العيب بعد القبض (2) ، فالرجوع في الهبة بالتراضي يعد من الإقالة.\rوقال المالكية: يثبت الملك في الهبة بمجرد العقد ويصبح لازماً بالقبض، فلا\r-------------------------------\r(1) روي من حديث أبي هريرة وابن عباس وابن عمر. فحديث أبي هريرة أخرجه ابن ماجه والدارقطني، وفيه ضعيف. وحديث ابن عباس له طريقان: أحدهما عند الطبراني في معجمه، والثاني عند الدارقطني في سننه، وحديث ابن عمر رواه الحاكم وصححه، كما صححه ابن حزم، وعن الحاكم رواه البيهقي وقال: والصحيح من هذه الرواية عن عمر من قوله (راجع نصب الراية: 125/4، التلخيص الحبير: ص 260 ومابعدها، سبل السلام: 93/3).\r(2) البدائع: 127/6، تكملة فتح القدير: 129/7، مجمع الضمانات: ص 338.","part":5,"page":644},{"id":3490,"text":"يحل الرجوع بعدئذ، أما قبل القبض أو بعده فيصح للواهب الأب فقط أن يرجع فيما وهبه لابنه، ما لم يترتب عليه حق الغير كأن يتزوج مثلاً، أو يستحدث ديناً. والرجوع في الهبة يعرف عندهم بالاعتصار في الهبة (1) .\rوالاعتصار أو الرجوع في الهبة جائز عند المالكية فيما يهبه الوالد لولده صغيراً أو كبيراً بشروط خمسة: وهي ألا يتزوج الولد بعد الهبة، ولا يحدث ديناً لأجل، وألا يتغير الموهوب عن حاله، وألا يحدث الموهوب له في الموهوب حدثاً، وألا يمرض الواهب أو الموهوب له. فإن وقع شيء من ذلك يمتنع الرجوع، هذا في هبة التردد والمحبة. أما الهبة لوجه الله تعالى وهي التي تسمى صدقة فلا رجوع فيهاأصلاً ولا اعتصار، ولا ينبغي للواهب أن يرتجعها بشراء ولا غيره، وإن كانت شجراً فلا يأكل من ثمرها، وإن كانت دابة فلا يركبها إلا أن ترجع إليه بالميراث، وأما هبة الثواب على أن يكافئه الموهوب له فهي جائزة عند المالكية، والموهوب له مخير بين قبولها أو ردها، فإن قبلها فيجب أن يكافئه بقيمة الموهوب، ولا يلزمه الزيادة عليها، ولا يلزم الواهب قبول ما دونه.\rوقال الشافعية والحنابلة: لا يحل للواهب أن يرجع في هبته، إلا الوالد فيما أعطى ولده، لقوله عليه الصلاة والسلام: «العائد في هبته كالعائد في قيئه» ، «ليس لنا مثل السوء: العائد في هبته، كالكلب يعود في قيئه» (2) وقال صلّى الله عليه وسلم : «ليس لأحد أن يعطي عطية، فيرجع فيها إلا الوالد، فيما يعطي ولده» (1) ، وكالوالد: سائر الأصول عند الشافعية (2) .\rوالخلاصة: إن حكم الهبة غير لازم عند الحنفية، ولازم عند الجمهور إلا هبة الوالد لولده، فيصح له الرجوع قبل القبض عند المالكية، وبعد القبض أيضاً عند الشافعية والحنابلة. ويثبت ذلك الحق عند الشافعية في هبة الأصل (الوالد والجد) للفرع مطلقاً.\r-------------------------------\r(1) حاشية الدسوقي: 110/4، بداية المجتهد: 324/2، 327، المنتقى على الموطأ: 113/6، 116، القوانين الفقهية: ص 367 ، ط فاس.\r(2) تقديم تخريجه عن عبد الله بن عمرو بن العاص، والرواية الأولى عند النسائي والثانية عند أبي داود (راجع سبل السلام: 90/3).\r(3) أخرجه أصحاب السنن الأربعة عن ابن عمر وابن عباس عن النبي صلّى الله عليه وسلم قال: «لا يحل لرجل أن يعطي عطية، أو يهب هبة ثم يرجع فيها، إلا الوالد فيما يعطي ولده، ومثل الذي يرجع في عطيته أو هبته كالكلب يأكل فإذا شبع قاء، ثم عاد فيه» قال الترمذي: حديث حسن صحيح، ورواه ابن حبان والحاكم عن ابن عباس وصححاه، ورواه أحمد والطبراني والدارقطني وعبد الرزاق عن طاوس عن النبي صلّى الله عليه وسلم مرسلاً، وله طريق آخر عند النسائي وابن ماجه عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده بلفظ: «لا يرجع في هبته إلا الوالد من ولده» (راجع جامع الأصول: 266/12، نصب الراية: 124/4، سبل السلام: 90/3، التلخيص الحبير: ص 260).\r(4) مغني المحتاج: 401/2، المهذب: 1ص 447، المغني: 621/5.","part":5,"page":645},{"id":3491,"text":"المبحث الخامس ـ موانع الرجوع في الهبة عند الحنفية :\rنظم بعضهم هذه الموانع وهي سبعة، فقال:\rومانع من الرجوع في الهبة يا صاحبي حروف( دمع خزقة)\rالدال رمز للزيادة المتصلة في نفس العين، والميم للموت، والعين للعوض، والخاء لخروج الموهوب عن ملك الموهوب له، والزاي للزوجية، والقاف للقرابة، والهاء للهلاك.\rوتفصيل ذلك يعرف مما يأتي:\rأولاً ـ العوض المالي: إذا عوض الموهوب له الواهب من هبته عوضاً، وقبضه الواهب، امتنع على الواهب الرجوع في هبته، لقوله عليه الصلاة والسلام: «الواهب أحق بهبته ما لم يُثَب منها» أي يعوض وذلك هو هبة الثواب أي العوض، ولأن التعويض دليل على أن مقصود الواهب هو الوصول إلى العوض، فإذا عوض امتنع الرجوع، لكن يشترط في المعوض أن يقول شيئاً من الألفاظ يؤذن بالعوض، أما إذا سكت ولم يقل شيئاً، جاز الرجوع فيما أعطى.\rوالعوض نوعان: عوض مشروط في العقد، وعوض متأخر عن العقد (1) .\rأ ـ العوض المشروط في العقد (أو الهبة بشرط العوض أو هبة الثواب ) :\r-------------------------------\r(1) انظر التفصيل في المبسوط: 75/12 ومابعدها، البدائع: 130/6، تكملة فتح القدير: 133/7، حاشية ابن عابدين: 539/4 ومابعدها.","part":5,"page":646},{"id":3492,"text":"إذا قال الواهب: «وهبت لك هذا القلم على أن تعوضني هذا الثوب» فقد اتفق الأئمة الأربعة على صحة هذا الشرط، والعقد الذي اشتمل عليه، واختلفوا في تكييف العقد المذكور.\rفقال الحنفية ما عدا زفر: يعتبر هذا العقد هبة ابتداء، بيعاً انتهاءً، فتطبق عليه أحكام الهبة قبل القبض، فلا تجوز هبة المشاع ويشترط القبض، ويجوز الرجوع في السلعتين، ما لم يتقابضا. وأما بعد التقابض فيعد العقد بمنزلة البيع، بحيث يرد البدلان بالعيب وعدم الرؤية، ويرجع في الاستحقاق، وتجب الشفعة في العقار.\rوقال زفر: هو عقد بيع ابتداءً وانتهاءً، وتثبت فيه أحكام البيع، فلا يفسد بالشيوع، ويفيد الملك بنفسه، بدون اشتراط القبض؛ لأن معنى البيع موجود في هذا العقد، إذ البيع تمليك العين بعوض.\rواعتمد جمهور الحنفية على أنه وجد في هذا العقد لفظ الهبة، ومعنى البيع، فيعطى شبه العقدين (1) .\rوقال المالكية: يعتبر هذا العقد كالبيع في غالب الأحوال، ويخالفه في الأقل منها؛ لأن هبة الثواب تجوز مع جهل عوضها، وجهل أجله، وليس للواهب رد الثواب المعيب، وإنما يلزم بقبوله، ما لم يكن العيب فادحاً كجذام وبرص، وإلا فلا يلزم الواهب قبوله، ولو كمل له القيمة (2) .\rوقال الشافعية والحنابلة: يعتبر العقد بيعاً على الصحيح، فيلتزم الموهوب له بدفع العوض المشروط، وتطبق عليه أحكام البيع من الشفعة والخيار وضمان الدرَك أي ما يدرك المبيع من استحقاق، ونحو ذلك (3) . والسب هو أن اشتراط العوض صراحة يبطل الهبة، لأنه شرط مخالف لمقتضى العقد.\rب ـ العوض المتأخر عن العقد :\rالعوض المتأخر عن العقد إما أن يضاف إلى الهبة الأولى مثل: هذا عوض عن هبتك، أو بدل عنها أو مكانها، وإما ألا يضاف إليها.\r-------------------------------\r(1) البدائع: 132/6.\r(2) بداية المجتهد: 326/2، حاشية الدسوقي: 114/4، القوانين الفقهية: ص 352.\r(3) المهذب: 447/1، مغني المحتاج: 404/2، ضمان الدرك: هو التزام سلامة المبيع مما يمكن أن يلحقه ويدركه من حقوق لغير البائع في عينه، وتحمل التبعة عند ظهور حق فيه لأحد. (عقد البيع للأستاذ الزرقاء: ص 97).","part":5,"page":647},{"id":3493,"text":"فإذا لم يضف العوض إلى الهبة الأولى، تكون الهبة الثانية هبة مبتدأة، ويثبت حق الرجوع في الهبتين.\rوأما إذا أضيف العوض إلى الهبة الأولى، فيكون التعويض المتأخر عن الهبة الأولى هبة مبتدأة بلا خلاف، تصح بما تصح به الهبة، وتبطل بما تبطل به الهبة، ولكن يخالف الهبة المبتدأة في إسقاط الرجوع في الهبة الأولى، فكان فيه معنى العوض (1) .\rولكن هل الهبة المطلقة عن شرط التعويض عنها تقتضي الإثابة والتعويض؟\rاختلف العلماء: فقال الحنفية، والحنابلة، والشافعية في الأرجح عندهم: لاتقتضي ثواباً، سواء أكانت من الإنسان لمثله، أم دونه، أم أعلى منه، فلا يلزم الموهوب له بالإثابة والتعويض للواهب (2) .\rوقال المالكية: الهبة تقتضي الثواب وتحمل على إرادة التعويض إذا اختلف الواهب والموهوب له في ذلك، وخصوصاً: إذا دلت قرينة الحال على قصد الثواب. مثل: أن يهب الفقير الغني، أو لمن يرى أنه إنما قصد بذلك الثواب. ودليلهم قول عمر رضي الله عنه: ومن وهب هبة أراد بها الثواب، فهو على هبته يرجع فيها، إذا لم يرض منها (3) .\rثانياً ـ العوض من حيث المعنى: وهو ليس بعوض مالي، وهو ثلاثة أنواع (4) .\rالأول ـ الثواب من الله تعالى: فلا رجوع في الهبة من الفقير بعد قبضها؛ لأن الهبة إلى الفقير صدقة، ويطلب بها الثواب، ولا رجوع في الصدقة.\r-------------------------------\r(1) البدائع: 131/6، المبسوط: 76/12، 82.\r(2) البدائع: 132/6، المهذب: 447/1، مغني المحتاج: 404/2، المغني: 623/5.\r(3) بداية المجتهد: 326/2، حاشية الدسوقي: 114/4، المنتقى على الموطأ: 111/6.\r(4) البدائع: 132/6، تكملة فتح القدير: 134/7، حاشية ابن عابدين: 541/4.","part":5,"page":648},{"id":3494,"text":"الثاني ـ صلة الرحم: فلا يصح الرجوع في هبة ذوي الأرحام المحارم؛ لأن هذه الصلة عوض معنوي؛ لأن التواصل سبب التناصر والتعاون في الدنيا، فيكون وسيلة إلى استيفاء النصرة، وسبب الثواب في الدار الآخرة، فكان ذلك أقوى من المال.\rالثالث ـ صلة الزوجية: فلا يصح الرجوع في هبة الزوجين؛ لأن هذه الصلة تجري مجرى صلة القرابة الكاملة، بدليل أنه يتعلق بها التوارث في جميع الأحوال.\rثالثاً ـ الزيادة المتصلة في الموهوب بفعل الموهوب له أو بفعل غيره: هذه الزيادة تمنع الرجوع، سواء أكانت متولدة أم غير متولدة، كأن يكون الموهوب داراً، فبنى الموهوب له فيها بناء، أو كان أرضاً فغرس فيها أشجاراً، أو أقام مضخة ماء وثبّتها في الأرض وبنى عليها،أو كان الموهوب ثوباً فصبغه بصباغ زادت به قيمته، أو قطعه قميصاً وخاطه، أو طرأ سمن وجمال، فلا يصح الرجوع؛ لأن الموهوب اختلط بغيره، والرجوع لا يمكن في غير الموهوب، لأنه ليس بموهوب، وبما أنه لا يمكن الرجوع في الأصل بدون الزيادة، فامتنع الرجوع أصلاً.\rوأما الزيادة المنفصلة: فلا تمنع من الرجوع، سواء أكانت متولدة من الأصل كالولد واللبن والثمر، أم غير متولدة كالأرش (1) والكسب والغلة؛ لأن هذه الزوائد لم يرد عليها العقد، فلا يرد عليها الفسخ، وإنما ورد على الأصل، ويمكن فسخ العقد في الأصل دون الزيادة، بخلاف المتصلة، وبخلاف زوائد المبيع، فإنها تمنع الرد بالعيب، حتى لا يحصل هناك ربا؛ لأنه يترتب على فسخ البيع وردِّ\r-------------------------------\r(1) الأرش: هو العوض المالي الذي يقدر ويجب على الجاني في غير النفس أو الأعضاء، وذلك في كل جناية بحسبها كما في الكسر أو الرض.","part":5,"page":649},{"id":3495,"text":"الأصل أن يبقى الولد مثلاً عند المشتري بدون مقابل، وهذا هو معنى الربا، ومعنى الربا لا يتصور في الهبة؛ لأن الربا يختص بالمعاوضات.\rوأما نقصان الموهوب فلا يمنع من الرجوع في الهبة، لأنه ما دام له الحق في الرجوع في كل الموهوب، فيكون له الرجوع في بعض الموهوب مع بقائه، فكذا عند نقصانه. ولا يضمن الموهوب له النقصان؛ لأن قبض الهبة ليس بقبض مضمون (1) .\rرابعاً ـ خروج الموهوب عن ملك الموهوب له: بأي سبب كان، كالبيع أو الهبة ونحوهما؛ لأن الملك يختلف بهذه التصرفات، واختلاف الملكين كاختلاف العينين، فلو وهب عيناً لم يكن له أن يرجع في عين أخرى، فكذا إذا أوجب ملكاً لم يكن له أن يفسخ ملكاً آخر (2) .\rخامساً ـ موت أحد العاقدين: إذا مات الموهوب له امتنع الرجوع؛ لأن الملك انتقل إلى ورثته، فصار كما إذا انتقل في حياته. وكذا إذا مات الواهب؛ لأن الملك ينتقل إلى وارثه، وهو أجنبي، لم تحدث منه الهبة (3) .\rسادساً ـ هلاك الموهوب أو استهلاكه: لأنه لا سبيل إلى الرجوع في الهالك، ولا سبيل إلى الرجوع في قيمته؛ لأنها ليست بموهوبة، لعدم ورود العقد عليها، وقبض الهبة غير مضمون (4) .\r-------------------------------\r(1) راجع المبسوط: 88/12، البدائع: 129/6، تكملة فتح القدير: 132/7 ومابعدها، حاشية ابن عابدين: 538/4 ومابعدها، المبسوط: 83/12.\r(2) البدائع: 128/6، حاشية ابن عابدين: 541/4، تكملة فتح القدير، المرجع السابق، المبسوط: 84/12.\r(3) تكملة فتح القدير، المرجع السابق، حاشية ابن عابدين: 539/4.\r(4) البدائع: 128/6، حاشية ابن عابدين: 542/4.","part":5,"page":650},{"id":3496,"text":"ماهية الرجوع : لا خلاف في أن الرجوع في الهبة بقضاء القاضي فسخ . واختلف العلماء في الرجوع فيها بالتراضي ، فقال جمهور الحنفية : إنه فسخ أيضاً كالرجوع بالقضاء ، فيجوز بالمشاع ، ولا يشترط لصحته القبض .\rوقال زفر: إنه هبة مبتدأة؛ لأن ملك الموهوب عاد إلى الواهب بتراضيهما، فصار يشبه الرد بالعيب، فيعتبر عقداً جديداً بالنسبة لشخص ثالث غير المتعاقدين.\rواستدل جمهور الحنفية بأن الواهب بالفسخ يستوفي حق نفسه، واستيفاء الحق لا يتوقف على قضاء القاضي، بخلاف الرد بالعيب بعد القبض بغير قضاء القاضي: إنه يعتبر بيعاً جديداً في حق شخص ثالث (أي غير المتعاقدين)، لأنه لا حق للمشتري في الفسخ، وإنما حقه في كون المبيع سالماً من العيوب، فإذا لم يسلم اختل رضاه (1) .\rالمبحث السادس ـ عطية الأولاد :\rلا خلاف بين جمهور العلماء في استحباب التسوية في العطاء بين الأولاد، وكراهة التفضيل بينهم في حال الصحة كما تقدم، واختلفوا في بيان المراد من التسوية المستحبة.\rفقال أبو يوسف من الحنفية، والمالكية والشافعية وهو رأي الجمهور: يستحب للأب أن يسوي بين الأولاد ـ الذكور والإناث ـ في العطية، فتعطى الأنثى مثلما يعطى الذكر؛ لقوله صلّى الله عليه وسلم : «سووا بين أولادكم في العطية، ولو كنت مؤثراً\r-------------------------------\r(1) البدائع: 134/6.","part":5,"page":651},{"id":3497,"text":"لآثرت النساء على الرجال» (1) رواه سعيد بن منصور في سننه والبيهقي بإسناد حسن، وفي رواية للبخاري: «اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم» (2) ، ولأن العدل في القسمة والمعاملة مطلوب (3) ، وقدحملوا الأمر في هذه الأحاديث على الندب.\rوقال الحنابلة، ومحمد من الحنفية: للأب أن يقسم بين أولاده على حسب قسمة الله تعالى في الميراث، فيجعل للذكر مثل حظ الأنثيين؛ لأن الله تعالى قسم بينهم كذلك، وأولى ما اقتدى به:هو قسمة الله ، ولأن العطية في الحياة أحد حالي العطية،فيجعل للذكر مثل حظ الأنثيين كحالة الموت، والميراث المترتب عليه. يدل لهذا أن العطية استعجال لما يكون بعد الموت، فينبغي أن تكون على حسبه (4) .\rأما عن حكم التسوية في العطية: فقال جمهور العلماء (5) : لا تجب التسوية بل تندب، فإن فضل بعض الورثة صح وكره، وحملوا الأمر بالتسوية في الأحاديث على الندب؛ لأن الإنسان حر التصرف بماله، لوارث وغيره، وكذلك حملوا النهي الثابت في رواية لمسلم بلفظ «أيسرك أن يكونوا لك في البر سواء؟ قال: بلى، قال: فلا إذن» على التنزيه، فالعدل: هو التسوية بين الأولاد.\r-------------------------------\r(1) ورواه الطبراني في الأوسط عن ابن عباس عن النبي صلّى الله عليه وسلم قال: « سووا بين أولادكم في العطية، فلو كنت مفضلاً أحداً لفضلت النساء » وفي إسناده سعيد بن يوسف، وهو ضعيف، وذكر ابن عدي في الكامل أنه لم يرو له أنكر من هذا ( راجع التلخيص الحبير: ص260، مجمع الزوائد: 153/4 ).\r(2) أخرجه البخاري ومسلم والموطأ وأبو داود والترمذي والنسائي عن النعمان بن بشير قال: «تصدق علي أبي ببعض ماله، فقالت أمي - عمرة بنت رواحة -: لا أرضى حتى تشهد رسول الله صلّى الله عليه وسلم، فانطلق أبي إلى النبي صلّى الله عليه وسلم ليشهده على صدقتي، فقال له رسول الله صلّى الله عليه وسلم: أفعلت هذا بولدك كلهم؟ قال: لا. قال: اتقوا الله واعدلوا في أولادكم؟ فرجع أبي، فرد تلك الصدقة » وله روايات أخرى ( راجع جامع الأصول: 266/12 ومابعدها، التلخيص الحبير: ص260، سبل السلام: 89/3).\r(3) تحفة الفقهاء: 274/3، الطبعة القديمة، الميزان: 100/2، المهذب: 446/1. مغني المحتاج: 401/2.\r(4) المغني: 604/5 ومابعدها، القوانين الفقهية: ص 367، ط فاس، غاية المنتهى: 335/2.\r(5) نيل الأوطار: 7/6، سبل السلام: 89/3، كشاف القناع: 342/4-345.","part":5,"page":652},{"id":3498,"text":"وقال جماعة (وهم أحمد والثوري وطاووس وإسحاق وآخرون): تجب التسوية بين الأولاد في العطية أو الهبة، وتبطل العطية مع عدم المساواة، عملاً بظاهر الأمر في الأحاديث، الذي يقتضي الوجوب مثل قوله عليه السلام: «اتقوا الله » وقوله: «اعدلوا بين أولادكم» (1) وقوله: «فلا إذن» وقوله في حالة إعطاء بعض دون بعض: «لا أشهد على جور» .\rواختلف هؤلاء في كيفية التسوية، فقيل بأن تكون عطية الذكر والأنثى سواء وهو ظاهر رواية عند النسائي: «ألا سويت بينهم» وعند ابن حبان: «سووا بينهم» وحديث ابن عباس: «سووا بين أولادكم في العطية، فلو كنت مفضلاً أحداً لفضلت النساء» .\rوقال الحنابلة: بل التسوية أن يجعل للذكر مثل حظ الأنثيين على حسب التوريث.\rوروي عن أحمد: أنه يجوز التفاضل إن كان له سبب، كأن يحتاج الولد لزمانته المرضية أو لعمى، أو لقضاء دينه، أو كثرة عائلته، أو للاشتغال بالعلم، أو نحو ذلك دون الباقين (2) .\rالعطية للوالدين: تسن التسوية أيضاً في العطية للوالدين، ويجوز تفضيل الأم أحياناً وتخصيصها بمزيد من العطاء والإكرام؛ لما أخرجه البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: «جاء رجل إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلم ، فقال: يا رسول الله، من أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال: أمُّك، قال: ثم من؟ قال: أمُّك، قال: ثم من؟ قال: أمُّك، قال: ثم من؟ قال: أبوك» .\rالعطية للإخوة والأخوات: يستحب كذلك التسوية بين الإخوة والأخوات في العطاء والهبات والهدايا في المناسبات وغيرها، إذا كانوا بدرجة واحدة من الحاجة، ويجوز تخصيص الأكبر بشيء، لقوله صلّى الله عليه وسلم : «حقُّ كبير الإخوة على صغيرهم كحق الوالد على ولده» وفي رواية «الأكبر من الإخوة بمنزلة الأب» (3) .\r-------------------------------\r(1) وهذا الحديث رواه البخاري ومسلم عن النعمان بن بشير (نيل الأوطار: 6/6).\r(2) أصدرت لجنة الفتوى بالأزهر جواباً عن سؤال حول إمكان التمييز بين الورثة، وتضمنت الفتوى ما يلي:\rأولاً ـ يجب على الوالدين التسوية بين الأولاد في العطية والهدايا والإنفاق، ما استطاعا إلى ذلك سبيلاً، ولا يجوز الخروج عن هذا الأصل إلا لمبرر يأتي، عملاً بالأحاديث السابقة الآمرة بالتسوية.\rثانياً ـ إذا أنفق أحد الوالدين على أحد الأولاد نفقة ذات قيمة بأن زوجه ودفع له مهر الزوجة، أو أنفق على تعليمه بما أوصله إلى وظيفة ذات غناء،أو جهز إحدى بناته، كان عليه أن يعوض سائر ولده الآخرين بمقدار ما أنفقه على ولده الأول.\rثالثاً ـ يجوز تفضيل بعض الأولاد على بعض لمبرر شرعي، ومن المبررات الشرعية: العاهات المانعة من التكسب كالزمانة، والعمى المانع، والشلل، وكذلك العجز عن التكسب، والاشتغال بالعلم الديني (مجلة الأزهر ـ العدد الثالث من السنة الرابعة عشرة).\r(3) الحديث الأول رواه البيهقي عن سعيد بن العاص، وهو ضعيف، والحديث الثاني رواه البيهقي والطبراني وابن عدي عن كليب الجهني، وهو ضعيف أيضاً.","part":5,"page":653},{"id":3499,"text":"الفَصْلُ السّابع: الإِيدَاع\rخطة الموضوع :\rالكلام عن عقد الإيداع في المباحث الستة الآتية:\rالمبحث الأول ـ تعريف الإيداع ومشروعيته.\rالمبحث الثاني ـ ركن الإيداع وشرائطه.\rالمبحث الثالث ـ حكم عقد الإيداع، وطريقة حفظ الوديعة.\rالمبحث الرابع ـ حال الوديعة: هل يد الوديع يد أمانة أو يد ضمان؟.\rالمبحث الخامس ـ حالات ضمان الوديعة.\rالمبحث السادس ـ انتهاء الإيداع.","part":5,"page":654},{"id":3500,"text":"المبحث الأول ـ تعريف الإيداع ومشروعيته :\rالودع في اللغة: الترك، والوديعة لغة: الشيءالموضوع عند غير صاحبه للحفظ. وشرعاً: تطلق على الإيداع، وعلى العين المودعة، والراجح أنها عقد إلا أن الأصح أن يقال: الإيداع عقد، لا الوديعةعقد؛ لأن الأرجح أنها عقد. وتعريف الإيداع عند جماعة من شراح الحنفية: هو تسليط الغير على حفظ ماله صريحاً أو دلالة (1) مثل قول المودع لغيره: أودعتك (2) ، فيقبل الآخر ويتم الإيداع صراحة عندئذ، أو دلالة كأن يجيء رجل بثوب إلى رجل ويضعه بين يديه، ويقول: هذا وديعة عندك، ويسكت الآخر، فيصير مودعاً دلالة.\rوعرفه الشافعية والمالكية بقولهم: توكيل في حفظ مملوك، أو محترم مختص، على وجه مخصوص (3) ، فيصح إيداع الخمر المحترمة (4) ، وجلد ميتة يطهر بالدباغ، وزبل وكلب معلم للصيد. أما غير المختص كالكلب الذي لا يقتنى، والثوب الذي طيرته الريح ونحوه، فهذا لا اختصاص فيه؛ لأنه مال ضائع مغاير لحكم الوديعة.\rويقال لدافع الوديعة: مودع ـ بكسر الدال ـ ولآخذها: مودع ـ بفتح الدال ـ ووديع.\rوالإيداع مشروع ومندوب إليه لقوله سبحانه: {إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها} [النساء:58/4] وقوله تعالى: {فليؤد الذي اؤتمن أمانته} [البقرة:283/2] وقال صلّى الله عليه وسلم : «أد الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك» (5) ،\r-------------------------------\r(1) تكملة فتح القدير: 88/7، حاشية ابن عابدين: 515/4، مجمع الضمانات: ص 68.\r(2) أودعتك الشيء من الأضداد، تطلق على: جعلته عندك وديعة، وقبلته منك وديعة.\r(3) مغني المحتاج: 79/3، قليوبي وعميرة: 180/3، شرح التحرير: ص 167، نهاية المحتاج: 5 ص 87، حاشية الشرقاوي: 96/2 ومابعدها، حاشية الدسوقي: 419/3.\r(4) الخمر المحترمة: هي التي يملكها امرؤ أسلم وكانت عنده، أو ورثها منه وارثه.\r(5) رواه أبو داود والترمذي، وقال: حديث حسن، وأخرجه أيضاً الحاكم وصححه، واستنكره أبو حاتم الرازي وأخرجه جماعة من الحفاظ، فرواه البيهقي ومالك والدارقطني، وأحمد وأبو نعيم من طرق مطعون فيها. وفي موضوعه عن أبي بن كعب عند ابن الجوزي والدارقطني،وعن أبي أمامة عند البيهقي والطبراني،وفيهما ضعيف، وعن أنس عند الدارقطني والطبراني والبيهقي،وأبي نعيم، وعن رجل من الصحابة عند أحمد وأبي داود والبيهقي وفي إسناده مجهول آخر غير الصحابي، قال الشافعي: هذا الحديث ليس بثابت. قال في نيل الأوطار: ولا يخفى أن وروده بهذه الطرق المعتبرة مع تصحيح إمامين من الأئمة المعتبرين لبعضهما، وتحسين إمام ثالث منهم مما يصير به الحديث منتهضاً للاحتجاج به. (راجع التلخيص الحبير:ص 270، نيل الأوطار: 297/5، سبل السلام: 68/3).","part":5,"page":655},{"id":3501,"text":"وأجمع العلماء في كل عصر من العصور الإسلامية على جواز الإيداع والاستيداع، لأن بالناس حاجة، بل ضرورة إلى الإيداع (1) .\rالمبحث الثاني ـ ركن الإيداع وشرائطه :\rركن الإيداع عند الحنفية هو الإيجاب والقبول. وهو أن يقول لغيره: أودعتك هذا، أو احفظ هذا الشيء لي، أو خذ هذا الشيء وديعة عندك، ونحو ذلك ويقبله الآخر (2) .\rوأركانه عند الجمهور أربعة (3) : عاقدان (مودع ووديع)، ووديعة (الشيء المودع) وصيغة (إيجاب وقبول) والقبول إما أن يكون لفظاً مثل: قبلت، أو دلالة كمن يضع ماله عند شخص فيسكت، فيكون السكوت قائماً مقام القبول كالمعاطاة في البيع.\rشرائط الركن :\rيشترط عند الحنفية في العاقدين: العقل، فلا يصح الإيداع من الصبي الذي لا يعقل، والمجنون، كما لا يصح قبول الوديعة من المجنون والصبي الذي لا يعقل،ولا يشترط البلوغ، فيصح الإيداع من الصبي المأذون في التجارة؛ لأن ذلك\r-------------------------------\r(1) المراجع السابقة، المغني لابن قدامة: 382/6، المبسوط: 109/11.\r(2) البدائع: 307/6، مجمع الضمانات: ص 68.\r(3) الشرح الكبير: 419/3، مغني المحتاج: 80/3، كشاف القناع: 186/4، غاية المنتهى: 269/2. قال الشافعية: الأصح أنه لا يشترط في الوديع القبول لفظاً، ويكفي القبض للوديعة، كما في الوكالة بل أولى، عقاراً كانت أو منقولاً.","part":5,"page":656},{"id":3502,"text":"مما يحتاج إليه التاجر، كما يصح قبول الوديعة من الصبي المأذون؛ لأنه من أهل الحفظ.وأما الصبي المحجور عليه فلا يصح قبول الوديعة منه؛ لأنه لا يحفظ المال عادة (1) .\rويشترط عند الجمهور في الإيداع ما يشترط في الوكالة من البلوغ والعقل والرشد.\rويشترط في الوديعة: أن يكون المال قابلاً لإثبات اليد عليه، فلو أودع الآبق أو الطير في الهواء أو المال الساقط في البحر: لم يضمن (2) .\rالمبحث الثالث ـ حكم عقد الإيداع وطريق حفظ الوديعة :\rحكم عقد الإيداع: لزوم الحفظ للمالك؛ لأن الإيداع من جانب المالك استحفاظ وائتمان، ومن جانب الوديع التزام بالحفظ، فيلزمه الحفظ، لقوله عليه السلام: «المسلمون على شروطهم» (3) .\rإيداع رجلين من رجل: لو أودع رجلان عند رجل وديعة، وغابا ثم حضر أحدهما وطلب نصيبه، فليس له أن يدفع إليه حصته، حتى يحضر الآخر، وقال\r-------------------------------\r(1) البدائع: المرجع السابق.\r(2) حاشية ابن عابدين: 516/4.\r(3) هذا جانب من حديث: «الصلح جائز بين المسلمين» الذي روي عن أبي هريرة وعمرو بن عوف. فحديث أبي هريرة أخرجه أبو داود قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم : «الصلح جائز» إلخ، ورواه ابن حبان والحاكم. وحديث عمرو بن عوف أخرجه الترمذي وصححه وابن ماجه أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم قال: «الصلح جائز بين المسلمين إلا صلحاً حرم حلالاً أو أحل حراماً» زاد الترمذي « والمسلمون على شروطهم، إلا شرطاً أحل حراماً، أو حرم حلالاً» وقال: حديث صحيح، ورواه بتمامه الحاكم في المستدرك، وسكت عنه (راجع نصب الراية: 112/4، سبل السلام: 59/3).","part":5,"page":657},{"id":3503,"text":"الصاحبان: للوديع أن يقسم الوديعة، ويدفع إلى أحد المودعين نصيبه، ولا يكون ذلك قسمة على الغائب، حتى إنه لو هلك النصف الباقي في يد الوديع، كان للغائب أن يشارك القابض فيما قبض.\rدليلهما: أن أحد المودعين طالب الوديع بدفع نصيبه، فيؤمر بالدفع إليه كما في الدين المشترك.\rواستدل لأبي حنيفة: بأنه لا نسلم أن أحد المودعين طالب بتسليم نصيبه، بل بدفع نصيب الغائب؛ لأنه يطالب بالنصيب المفرز، وحقه ليس فيه، وإنما في المشاع، وهو كل الوديعة، والمفرز المعين منها يشتمل على الحقين، ولا يتميز حقه إلا بالقسمة، وليس للوديع ولاية القسمة؛ لأنه ليس بوكيل في ذلك، بخلاف الدين المشترك؛ لأن الشريك يطالب المديون بتسليم حقه أي بقضاء حقه، وحقه من حيث القضاء ليس بمشترك بين الدائنين؛ لأن الديون تقضى بأمثالها، والمثل مال المديون ليس بمشترك بين الدائنين، فلا يكون هذا تصرفاً في حق الغير، بل يكون المدين متصرفاً في مال نفسه، فيجوز (1) .\rإيداع رجل من رجلين: لو أودع رجل عند رجلين وديعة مما يقسم، فلهما أن يقسماه، ويأخذ كل واحد نصفه للحفظ؛ لأن المالك رضي بحفظهما، ولم يرض بحفظ أحدهما لكل الوديعة.\rولو دفع أحدهما الوديعة كلها إلى صاحبه، ضمن النصف عند أبي حنيفة؛ لأنه رضي بحفظهما، لا بحفظ أحدهما؛ لأن الأصل أن فعل الاثنين إذا أضيف إلى ما يقبل التجزئة، تناول البعض، فإذا سلم أحدهما الكل إلى الآخر، ولم يرض المالك به، ضمن.\r-------------------------------\r(1) تكملة فتح القدير: 94/7 وما بعدها، المبسوط: 123/11، مجمع الضمانات: ص 78.","part":5,"page":658},{"id":3504,"text":"وقال الصاحبان: لايضمن؛ لأنه رضي بأمانتهما، فكان لكل واحد منهما أن يسلم إلى الآخر، ولا يضمنه، كما هو الشأن فيما لا يقسم.\rواتفقوا على أن الوديعة إذا كانت لا تقسم، لا تضمن؛ لأنه لا يمكن حفظها إلا في مكان واحد، فكان المالك راضياً بحفظ أحدهما لعلمه أنهما لا يجتمعان عليه أبداً (1) .\rطريقة حفظ الوديعة: اختلف العلماء في طريقة حفظ الوديعة، فقال الحنفية والحنابلة: على الوديع أن يحفظ الوديعة، كما يحفظ به ماله في حرز مثله، وذلك بيده أو بيد من هو في عياله (2) ممن تلزمه نفقته، كامرأته وولده وغلامه وخادمه؛ لأن حفظها بهؤلاء مثلما يحفظ به ماله، فأشبه ما لو حفظها بنفسه.\rوله عند الحنفية أن يحفظ الوديعة أيضاً بيد من ليس في عياله، ممن يحفظ عنده ماله بنفسه عادة كشريكه المفاوض والعنان، لا المستأجر مياومة (3) . فإن حفظ الوديع الوديعة عند غير هؤلاء فتلفت، ضمنها؛ لأن المالك رضي بيده لا بيد غيره والأيدي تختلف في الأمانة إلا أن يقع في دار الوديع حريق، فيسلمها إلى جاره أو يكون الوديع في سفينة وهاجت الريح وصار بحيث يخاف الغرق، فيلقيها إلى سفينة أخرى، فله ذلك لأنه إجراء تعين طريقاً للحفظ في هذه الحالة، فيرتضيها المالك. ولا يصدق الوديع على ذلك إلا ببينة؛ لأنه يدعي ضرورة مسقطة للضمان بعد تحقق سبب الضمان.\r-------------------------------\r(1) تكملة فتح القدير: 96/7، مجمع الضمانات: ص 78، الكتاب مع اللباب: 199/2.\r(2) وهو الذي يسكن معه ويمونه، فيكفيه طعامه وشرابه وكسوته، كائناً من كان، قريباً أم أجنبياً كولده وامرأته، وخادمه وأجيره.\r(3) المبسوط: 109/11، تكملة فتح القدير: 89/7، مجمع الضمانات: ص 77، البدائع: 207/6، المغني: 385/6، الكتاب مع اللباب: 197/2.","part":5,"page":659},{"id":3505,"text":"وقال المالكية: للوديع حفظها عند عياله الذين يأمنهم كالزوجة والابن والأجير الذين اعتيد حفظ ماله عندهم بأن طالت إقامتهم عنده، ووثق بهم بالتجربة، بخلاف ما لم يعتادوا ذلك كالزوجة إثر تزوجه بها، والأجير إثر استئجاره (1) .\rوقال الشافعية: على الوديع أن يحفظ الوديعة بنفسه، ولا يجوز حفظها عند زوجته أو ولده بلا إذن من المودع، أو إذا لم يكن هناك عذر بذلك؛ لأن المودع لم يرض بأمانة غير هذا الوديع لا بيد غيره. فإن خالف الوديع طريق الحفظ ضمن، إلا إذا كان الإيداع لعذر كمرض أو سفر، فإنه لا يضمن (2) .\rالمبحث الرابع ـ حال الوديعة: هل هي أمانة أو مضمونة؟\rاتفق علماء المذاهب على أن الوديعة قربة مندوب إليها، وأن في حفظها ثواباً، وأنها أمانة محضة، لا مضمونة، وأن الضمان لا يجب على الوديع إلا بالتعدي أو التقصير، لقوله عليه الصلاة والسلام: «ليس على المستودع غير المغل ضمان» (3) وقوله «لا ضمان على مؤتمن» (4) واشتراط الضمان على الأمين باطل، وهو المفتى به عند الحنفية.\r-------------------------------\r(1) حاشية الدسوقي: 423/3، بداية المجتهد: 307/2.\r(2) مغني المحتاج: 81/3، المهذب: 361/2.\r(3) أخرجه الدارقطني والبيهقي في سننيهما عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلّى الله عليه وسلم قال: «ليس على المستودع غير المغل ضمان، ولا على المستعير غير المغل ضمان» المغل: الخائن. قال الحافظ ابن حجر: وفي إسناده ضعيفان. قال الدارقطني: وإنما يروى هذا من قول شريح غير مرفوع. ورواه من طريق أخرى ضعيفة بلفظ «لا ضمان على مؤتمن» (راجع نصب الراية: 115/4، التلخيص الحبير: ص 270، نيل الأوطار: 296/5).\r(4) رواه الدارقطني عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وفي إسناده ضعف(نيل الأوطار: 296/5).","part":5,"page":660},{"id":3506,"text":"ويترتب عليه أنه يجب ردها عند طلب المالك مع الإمكان، لقوله تعالى: {إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها} [النساء:58/4].\rولكل واحد من العاقدين فسخ الإيداع متى شاء دون إذن العاقد الآخر؛ لأن عقد الإيداع جائز غير لازم، فللمودع استرداد الوديعة متى شاء، وللوديع ردها على المودع أيضاً متى شاء.\rفإذا طالب المالك الوديع بها، فقال: ( ما أودعتني شيئاً ) ثم قال بعدئذ: ضاعت، فيضمن، لخروجه عن حد الأمانة، وإذا قال: ما تستحق عندي شيئاً، ثم قال: ضاعت، كان القول قوله بيمينه. ويترتب عليه أنه يجب أداء الوديعة إلى المالك نفسه؛ لأن الله تعالى أمر بأداء الأمانات إلى أهلها، فلو ردها إلى منزل المالك، من غير حضرته، أو دفعها إلى من هو في عيال المالك يضمن؛ لأنه لم يرض بيد عياله حيث أودع عند غيرهم. بخلاف العارية والإجارة: لو رد المستعار أو العين المؤجرة إلى بيت المالك أو إلى من في عياله: لا يضمن، لعادة الناس الجارية في رد المستعار ونحوه، حتى لو كانت العارية شيئاً نفيساً كعقد جوهر ونحوه، يضمن، لعدم جريان العادة به.\rويترتب عليه أيضاً أن القول قول الوديع في التلف والرد على الإطلاق مع يمينه على التفصيل الآتي (1) :\r-------------------------------\r(1) البدائع: 210/6، تكملة فتح القدير: 89/7، الكتاب مع اللباب: 196/2، مجمع الضمانات: ص 68، 87، 89، حاشية ابن عابدين: 516/4، مغني المحتاج: 81/3، قليوبي وعميرة: 182/3، المغني: 382/6.","part":5,"page":661},{"id":3507,"text":"تعارض الادعاءات والبينات :\rإذا اختلف المودع مع الوديع، فقال الوديع: هلكت الوديعة عندي أو (رددتها إليك) وأنكر المودع، وقال:( لا، بل أتلفتها ) فالقول قول الوديع، لأنه أمين في الحفظ، ولكن مع اليمين، كما تقدم.\rفإن أقام المودع البينة على الإتلاف: يضمن الوديع، وكذا إذا استحلف الوديع على الإتلاف، فنكل. فلو أقام المودع البينة على أن الوديع أتلفها، وأقام الوديع البينة على أنها هلكت بنفسها، فبينة المودع أولى؛ لأنها أكثر إثباتاً؛ لأن فيها إثبات الهلاك وزيادة عليه وهو التعدي. فإذا أقام الوديع البينة على إقرار المودع أنها هلكت، تقبل بينته، ويكون هذا الإثبات تكذيباً لبينة المودع.\rالمبحث الخامس ـ حالات ضمان الوديعة :\rيتغير حال الوديعة من الأمانة إلى الضمان بحالات، هي (1) :\r1 - ترك الوديع الحفظ: لأنه بالعقد التزم حفظ الوديعة على وجه لو ترك حفظها حتى هلكت، يضمن بدلها بطريق الكفالة، فلو رأى إنساناً يسرق الوديعة، وهو قادر على منعه ضمن، لترك الحفظ الملتزم بالعقد.\r2 - إيداع الوديع عند من ليس في عياله، ولا هو ممن يحفظ ماله بيده عادة :\rإذا أخرج الوديع الوديعة من يده، وأودعها عند غيره بغير عذر، يصير ضامناً؛ لأن المودع ارتضى بحفظ الوديع الأول، دون حفظ غيره إلا إذا كان هناك عذر فلا يضمن، كأن وقع في داره حريق، أو كان في سفينة فخاف الغرق، فدفعها إلى غيره؛ لأن الدفع إليه في هذه الحالة تعين\r-------------------------------\r(1) البدائع: 211/6 ومابعدها، تكملة فتح القدير: 91/7 ومابعدها، المبسوط: 113/11، مجمع الضمانات: ص 68.","part":5,"page":662},{"id":3508,"text":"طريقاً للحفظ، فكان الدفع بإذن المالك دلالة (1) .\rوإذا أودعها عند شخص آخر بغير عذر، فهلكت أو ضاعت وهي في يد الثاني، فالضمان على الأول، لا على المودع الثاني عند أبي حنيفة والحنابلة (2) ؛ لأن الثاني محسن إلى المالك بصيانة الوديعة عن أسباب الهلاك، والله سبحانه يقول: {ما على المحسنين من سبيل} [التوبة:91/9] وأما المودع الأول فهو مخصوص من النص.\rوقال الصاحبان: المالك بالخيار، إن شاء ضمن الأول، وإن شاء ضمن الثاني، فإن ضمن الأول، لا يرجع بالضمان على الثاني؛ لأنه ملك الوديعة بأداء الضمان، وإن ضمن الثاني يرجع به على الأول؛ لأن الأول غره بالإيداع، فيلزمه ضمان الغرور. وسبب التخيير هو أنه وجد من كل منهما سبب لوجوب الضمان فيخير المالك. أما الأول: فلأنه دفع مال الغير إلى غيره بغير إذنه، وأما الثاني: فلأنه قبض مال الغير بغير إذنه.\rوأما إذا استهلك المودع الثاني الوديعة، فالمالك بالخيار: إن شاء ضمن وإن شاء ضمن الثاني بالاتفاق، غير أنه إن ضمن الأول يرجع بالضمان على الثاني، وإن ضمن الثاني لا يرجع بالضمان على الأول؛ لأن سبب وجوب الضمان وجد من الثاني حقيقة وهو الاستهلاك، ولم يوجد من الأول إلا الدفع إلى الثاني على طريق الاستحفاظ (3) .\r-------------------------------\r(1) البدائع: 208/6، تكملة فتح القدير: 91/7، المبسوط: 125/11، 132، حاشية ابن عابدين: 516/4.\r(2) القواعد لابن رجب: ص 217.\r(3) المراجع السابقة عند الحنفية.","part":5,"page":663},{"id":3509,"text":"والقاعدة عند جمهور الحنفية: أن الوديعة إذا صارت مضمونة، ثم أزيل سبب الضمان، كأن يسترد الوديع الأول من المودع الثاني الوديعة، ويحفظها بنفسه أو نحو ذلك مما سيأتي، فإنه يبرأ عن الضمان؛ لأنه في عودته لحالته الأولى يعتبر وديعاً، والوديع إذا هلكت الوديعة بدون سبب منه لا ضمان عليه (1) . هذا بخلاف المستأجر والمستعير، إذا خالفا، ثم تركا الخلاف بقي الضمان.\rوالقاعدة عند زفر والشافعي وبقية الأئمة: أن الوديعة متى صارت مضمونة بانتفاع وغيره مما سيأتي، ثم ترك الوديع الخيانة، لم يبرأ من الضمان؛ لأن الوديعة لما صارت مضمونة، فقد ارتفع العقد، لتغيرطبيعته، فلا يعود إلا بالتجديد، ولم يوجد، فصار كما لو جحد الوديعة، ثم أقر بها (2) .\r3 - استعمال الوديعة: إذا انتفع الوديع بالوديعة كركوب الدابة ولبس الثوب، فإنه يصير ضامناً، فإن ترك الاستعمال، فقال جمهور الحنفية كما عرفنا من قاعدتهم: لا ضمان عليه؛ لأنه ممسك لها بإذن مالكها، فأشبه ما قبل الاستعمال (3) .\rوقال المالكية والشافعية والحنابلة: إذا تلفت الوديعة بعد استعمالها يضمنها، ولو كان التلف بسبب سماوي؛ لأنه بالتعدي في الاستعمال قد ارتفع حكم الوديعة وبطل الاستئمان، فصار كما لو جحد الوديعة ثم أقر بها، فلا يبرأ من الضمان إلا بالرد على المالك، كما تقرر (4) .\r4 - السفر بالوديعة: قال أبو حنيفة: للوديع أن يسافر بالوديعة إذا كان الطريق آمناً، ولم ينهه صاحب الوديعة، بأن كان العقد مطلقاً؛ لأن الأمر بحفظ الوديعة صدر مطلقاً عن تعيين المكان، فلا يجوز التعيين إلا بدليل، وعلى هذا فلو سافر فتلفت الوديعة لا يضمن.\rوقال الصاحبان: إن كان للوديعة حمل ومؤنة، لا يملك المسافرة بها؛ لأن في المسافرة بما له حمل ومؤنة ضرراً بالمالك، لجواز أن يموت الوديع في السفر، فيحتاج المالك إلى الاسترداد من موضع\r-------------------------------\r(1) البدائع: 212/6، تكملة فتح القدير: 92/7، مجمع الضمانات: ص 73، 76 ومابعدها.\r(2) مغني المحتاج: /90.\r(3) البدائع: 211/6، المبسوط: 123/11.\r(4) مغني المحتاج، المرجع السابق: 88/3، المهذب: 362/1، حاشية الدسوقي: 420/4، 427، القوانين الفقهية: ص 374، المغني: 401/6.","part":5,"page":664},{"id":3510,"text":"يكلفه حِمْلاً ومؤنة عظيمة، فيتضرر به، بخلاف ما إذا لم يكن لها حمل ومؤنة (1) .\rوقال المالكية: ليس للوديع أن يسافر بالوديعة، إلا أن تعطى له في سفر، فإذا أراد السفر، فله إيداعها عند ثقة مؤتمن من أهل البلد، ولا ضمان عليه، سواء قدر على دفعها إلى الحاكم، أو لم يقدر (2) .\rوقال الشافعية والحنابلة: ليس للوديع المسافرة بالوديعة، فإن أراد السفر ردها إلى صاحبها أو وكيله إن قدر على الرد، فإن لم يقدر، كأن لم يجد صاحبها سلمها إلى الحاكم؛ لأنه متبرع بإمساكها، فلا يلزمه استدامته، والحاكم يقوم مقام صاحبها عند غيبته، فإن سافر بها ضمن؛ لأنه عرضها للضياع، والحرز في السفر دون حرز الحضر، سواء أكان الطريق آمناً أم مخوفاً (3) ، وقال عليه الصلاة والسلام «إن المسافر وماله لعلى قَلَت إلا ما وقى الله » أي على خطر الهلاك (4) .\r5- جحود الوديعة: إذا طلب المودع الوديعة فجحدها الوديع، أو حبسها عنه وهو يقدر على تسليمها ضمن؛ لأنه لما طالبه بالرد، فقد عزله عن الحفظ، فيكون بعدئذ بالإمساك غاصباً مانعاً، فيضمنها إذا أقام المودع البينة على الإيداع أو لكل الوديع عن اليمين أو أقر به. فإن جحد ثم عاد إلى الاعتراف لم يبرأ عن الضمان لارتفاع العقد.\rولو جحد الوديعة ثم أقام الوديع البينة على هلاكها فثلاثة أوجه: إن أقام البينة على أنها هلكت بعد الجحود أو مطلقاً لا ينتفع ببينته؛ لأن العقد ارتفع بالجحود، أو عنده، فيضمن. وإن أقام البينة على أنها هلكت قبل الجحود تسمع بينته، ولا ضمان عليه؛ لأن الهلاك قبل الجحود يؤدي إلى انتهاء العقد.\r-------------------------------\r(1) البدائع: 209/6، تكملة فتح القدير: 93/7، حاشية ابن عابدين: 521/4، المبسوط: 122/11، مجمع الضمانات: ص 69.\r(2) بداية المجتهد: 307/2، حاشية الدسوقي: 421/3، 423.\r(3) مغني المحتاج: 82/3 ومابعدها، المهذب: 361/1، القاموس المحيط: 183/1.\r(4) رواه السلفي في أخبار أبي العلاء المعري عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم : «لو علم الناس رحمة الله بالمسافر، لأصبح الناس وهم على سفر، إن المسافر ورحله على قلت إلا ما وقى الله » قال الخليل: والقلت: الهلاك. قال ابن حجر: وكذا أسنده أبو منصور الديلمي في مسند الفردوس من هذا الوجه من غير طريق المعري. وكذا ذكره القاضي النهرواني في كتاب الجليس والأنيس بعد أن ذكره مرفوعاً عن النبي صلّى الله عليه وسلم ، لكنه لم يسق له إسناداً. وقد أنكره النووي في شرح المهذب، فقال: ليس هذا خبراً عن النبي صلّى الله عليه وسلم ، وإنما هو من كلام بعض السلف، قيل: إنه علي بن أبي طالب (راجع التلخيص الحبير: ص 271، كشف الخفا للعجلوني: ص 255).","part":5,"page":665},{"id":3511,"text":"ولو ادعى الهلاك قبل الجحود، ولا بينة له، وطلب اليمين من المودع حلفه القاضي ( بالله تعالى ما يعلم أنها هلكت قبل جحوده ) فإن حلف، يقضى بالضمان، وإن نكل، يقضى بالبراءة (1) .\r6 - خلط الوديعة بغيرها: إذا خلط الوديع الوديعة بمال نفسه فإن كان يمكن التمييز بينهما، لاشيء عليه ويميز. وإن كان لايمكن التمييز، يضمن المثل عند أبي حنيفة؛ لأن الخلط إتلاف للوديعة من حيث المعنى.\rوكذلك إذا كانت وديعتان كدراهم مثلاً، فخلط إحداهما بالأخرى، يضمن مثلها لكل منهما عنده.\rوكذا في سائر المكيلات والموزونات إذا خلط الجنس بالجنس خلطاً لا يتميز، كالحنطة بالحنطة، والشعير بالشعير، أو بغير جنسه كخلط الحنطة بالشعير، يضمن عند أبي حنيفة لكل واحد مثل حقه، دليله: أنه لما خلطهما خلطاً لا يتميز، فقد عجز كل منهما عن الانتفاع بالمخلوط، فكان الخلط منه إتلافاً للوديعة لكل واحد منهما فيضمن.\r-------------------------------\r(1) المبسوط: 116/11 ومابعدها، البدائع: 212/6، تكملة فتح القدير: 93/7، مجمع الضمانات: ص 84 ومابعدها.","part":5,"page":666},{"id":3512,"text":"وقال الصاحبان في كل ما سبق: المالك بالخيار إن شاء ضمن الوديع مثل حقه، وإن شاء أخذ نصف المخلوط أو باعه المالكان وقبضا الثمن، دليلهما: أن الوديعة قائمة بعينها، لكن عجز المالك عن الوصول إليها بعارض الخلط (1) .\rولو مات الوديع ولم يبين الوديعة، فإن كانت معروفة وهي قائمة، ترد إلى صاحبها؛ لأن هذا عين ماله و «من وجد عين ماله، فهو أحق به» على لسان الرسول صلّى الله عليه وسلم (2) ، وإن لم تعرف بعينها، يضمن، وتكون ديناً في تركته لأنه لما مات مجهلاً الوديعة فقد أتلفها معنى. وعلى هذا فالأمانات تصبح مضمونة بالموت عن تجهيل إلا في ثلاثة أحوال:\r1 - إذا مات ناظر الوقف مجهلاً غلات الوقف.\r2 - إذا مات القاضي مجهلاً أموال اليتامى عند من أودعها أو عنده.\r-------------------------------\r(1) المبسوط: 110/11، تكملة فتح القدير: 92/7، البدائع: 213/6، حاشية ابن عابدين: 519/4، مجمع الضمانات: ص 83 وما بعدها، 87.\r(2) رواه أحمد وأبو داود والنسائي عن الحسن عن سمرة قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم : «من وجد عين ماله عند رجل فهو أحق به، ويتبع البيِّع من باعه» وفي لفظ: «إذا سرق من الرجل متاع، أو ضاع منه، فوجده بيد رجل بعينه فهو أحق به، ويرجع المشتري على البائع بالثمن» رواه أحمد وابن ماجه (راجع نيل الأوطار: 240/5).","part":5,"page":667},{"id":3513,"text":"3 - إذا مات الحاكم ولم يبين عند من أودع بعض الغنائم الحربية، ونحو ذلك (1) .\rوالأئمة الآخرون قالوا مثل قول أبي حنيفة: إذا تعذر التمييز بين الوديعة وغيرها أو تعسر كخلط الدراهم بالدراهم، والدهن بالدهن، والزيت بالزيت، والسمن بغيره، سواء خلطها بمثلها، أو دونها أو أجود منها، من جنسها، أو من غير جنسها، فيضمنها الوديع؛ لأن المودع لم يرض بذلك. إلا أن المالكية قالوا: إذا كان الخلط بالمثل كخلط الحنطة بمثلها، والدنانير بمثلها، فلا يضمن الوديع، إذا كان الخلط بقصد الإحراز والحفظ والرفق، وإلا ضمن.\rوأما إذا لم يتعذر التمييز بين الوديعة وغيرها، كخلط الدراهم بالدنانير أو الجيد بالرديء، فإن الوديع لا يضمن شيئاً، إلا إذا حدث بالخلط نقص في القيمة، فيضمن عند الشافعية والحنابلة (2) .\r7 - مخالفة شرط المودع في حفظ الوديعة: إذا شرط المودع على الوديع حفظ الوديعة في مكان معين كدار أو بيت أو صندوق، فنقلها إلى مكان آخر بدون عذر، فقال الحنفية وغيرهم من الأئمة:\rإذا نقلها إلى حرز دون الحرز السابق في الحفظ يضمن، وإن نقلها إلى مكان مماثل للحرز السابق، أو أحرز منه، فلا يضمن.\rأما إذا أمره بحفظ الوديعة في مكان، ونهاه عن حفظها في مكان آخر، كأن قال له: احفظها في هذه الدار، ولا تحفظها في دار أخرى.\rفقال الحنفية والمالكية والشافعية: إذا نقلها إلى الدار الأخرى، وكانت مماثلة للدار الأولى في الحرز، أو أحرز منها، فلا يضمن؛ لأن التقييد غير مفيد (3) ، فإن نقلها من بلد إلى بلد ضمنها عند المالكية.\rوقال الحنابلة في الأرجح عندهم: يضمن سواء نقلها إلى مثل المكان أو دونه أو فوقه، لأنه خالف صاحب الوديعة لغير فائدة ولا مصلحة، ولا يجوز تفويت غرض رب الوديعة من تعيينه المكان من غير ضرورة. ولكن إن خاف عليها في موضعها فعليه نقلها،فإن تركها فتلفت ضمنها؛ لأن نهي صاحبها عن نقلها إنما كان لحفظها، وحفظها ههنا في نقلها، فأشبه ما لو لم ينهه عن نقلها (4) .\rوإذا قال صاحب الوديعة للوديع: ( لا تسلمها إلى زوجتك ) فسلمها إليها وهلكت، لم يضمن عند الحنفية؛ لأنه لا يجد بداً من التسليم، فإنه إذا خرج، كان البيت وما فيه مسلَّماً إليها، فلا يمكنه الحفظ مع مراعاة هذا الشرط وإن كان مفيداً (5) .\rوبه يتبين أن أسباب ضمان الوديعة عند المالكية (6) ستة هي:\r-------------------------------\r(1) الأشباه والنظائر لابن نجيم: 67/2،فتح القدير: 27/5.\r(2) حاشية الدسوقي: 420/3، مغني المحتاج: 89/3، المهذب: 361/1، المغني: 383/6، 387.\r(3) المبسوط: 121/11، نكملة فتح القدير: 97/7، مجمع الضمانات: ص 69 ومابعدها، البدائع: 210/6، حاشية الدسوقي: 423/3، حاشية الشرقاوي: 99/2، المهذب: 359/1 ومابعدها،، مغني المحتاج: 84/3-86.\r(4) المغني: 387/6 ومابعدها.\r(5) الكتاب مع اللباب: 200/2.\r(6) القوانين الفقهية: ص 374.","part":5,"page":668},{"id":3514,"text":"1 - إيداع الوديعة عند غير الوديع لغير عذر، حتى ولو استردها بعدئذ فضاعت.\r2 - نقل الوديعة من بلد إلى بلد، بخلاف نقلها من منزل إلى منزل.\r3 - خلط الوديعة بما لا يتميز عنها مما هو غير مماثل لها كخلط القمح بالشعير، فإن خلطها بما تنفصل عنه، لم يضمن.\r4 - الانتفاع بالوديعة، فلو لبس الثوب أو ركب الدابة فهلكت في حال الانتفاع، ضمن، وكذا إن تسلف الدنانير والدراهم أو ما يكال أو يوزن، فهلك في تصرفه فيه.\r5 - التضييع والإتلاف بأن يلقيه في مضيعة أو يدل عليها سارقاً.\r6 - المخالفة في كيفية الحفظ، مثل أن يأمره ألا يقفل عليها، فقفل، فإنه يضمن.\rوكذلك قال الشافعية (1) قريباً من مذهب المالكية: إن أسباب الضمان ستة:\r1 - إيداع الوديعة عند غيره بلا إذن ولا عذر له.\r2 - وضعها في غير حرز مثلها.\r3 - نقلها إلى دون حرز مثلها.\r4 - إهمال حفظها الواجب عليه بالتزامه، كما لو ترك علف دابة فماتت.\r5 - العدول عن الحفظ المأمور به مع تلفها بذلك.\r6 - الانتفاع بها، كما لو لبس الثوب أو ركب الدابة لغير غرض المالك، فإنه يضمن لتعديه، كما يضمن كل أنواع التعدي عليها. ومتى صارت مضمونة بانتفاع أو غيره، ثم ترك الخيانة، لم يبرأ إلا أن يحدث المالك له استئماناً.\r-------------------------------\r(1) تحفة الطلاب: ص 167.","part":5,"page":669},{"id":3515,"text":"وقال الحنابلة (1) : تضمن الوديعة بما يلي:\r1 - إيداعها عند غيره بلا عذر.\r2 - إهمال حفظها أو دلالة لص عليها.\r3 - المخالفة في كيفية الحفظ المتفق عليه ولو أنه حرز مثلها.\r4 - خلطها بغيرها خلطاً لا يتميز.\r5 - الانتفاع بها. ومتى خان لا تعود وديعة بغير عقد متجدد.\rأحكام فرعية للوديعة: ذكر ابن جزي المالكي طائفة من أحكام الفروع الفقهية في الوديعة، و هي ما يأتي (2) :\rأولاً ـ الاتجار بالوديعة: من اتجر بمال الوديعة، فالربح له حلال. وقال أبو حنيفة: الربح صدقة. وقال قوم: الربح لصاحب المال.\rثانياً ـ سلف الوديعة: من أقرض الوديعة، فإن كانت عيناً كره، وأجازه أشهب إن كان له وفاء بها، وإن كانت عروضاً لم يجز، وإن كانت مما يكال أو يوزن كالطعام، ففيه قولان مفرعان على موضوع: هل يلحق الطعام بالنقد أو بالعروض؟.\rثالثاً ـ الاختلاف في الوديعة: إذا طولب الوديع بالوديعة، فادعى التلف، فالقول قوله مع يمينه، وكذلك إذا ادعى الرد، إلا أن يكون قبضها ببينة، فلا يقبل قوله في الرد إلا ببينة. وقال ابن القاسم وأبو حنيفة والشافعي: إن القول قوله وإن قبضها ببينة.\rرابعاً ـ طلب الأجرة على حفظ الوديعة: إذا طلب الوديع أجرة على حفظ الوديعة، لم يكن له ذلك، إلا أن تكون مما يشغل منزله، فله كراؤه. وإن احتاجت إلى غلق أو قفل فهو على صاحبها.\rخامساً ـ الجحود المماثل لوديعة أخرى: إذا أودع شخص وديعة عند آخر، فخانه وجحده، ثم إن الوديع الأول استودع المودع مثلها، فهل له أن يجحده فيها؟ المشهور عند المالكية المنع، وقيل: بالكراهة، وقيل بالإباحة.\rالمبحث السادس ـ انتهاء الإيداع :\rينتهى عقد الإيداع بما يأتي:\r1ً - استرداد الوديعة أو ردها: إذا استرد المودع الوديعة أو رد الوديع الوديعة، انتهى الإيداع، لأن الإيداع عقد غير لازم ينتهي بالاسترداد أو الرد.\r2ً - موت المودع أو الوديع: ينتهي العقد بالموت، لأنه جرى بين العاقدين.\r3ً - جنون أحد العاقدين أو إغماؤه، لزوال الأهلية.\r4ً - الحجر على المودع للسفه وعلى الوديع للفلس، رعاية للمصلحة.\r5ً - نقل ملكية الوديعة لغير المالك: ينتهي الإيداع بنقل المالك ملكية الوديعة لغيره ببيع أو هبة أو نحوهما.\r-------------------------------\r(1) غاية المنتهى: 269/2-272، الإفصاح: ص 268 ومابعدها.\r(2) القوانين الفقهية: ص 374 ومابعدها.","part":5,"page":670},{"id":3516,"text":"الفَصْلُ الثَّامن: الإِعَارة\rخطة الموضوع :\rالكلام في عقد الإعارة يشتمل على المباحث الستة التالية:\rالمبحث الأول ـ تعريف الإعارة ومشروعيتها.\rالمبحث الثاني ـ ركن الإعارة وشرائطها.\rالمبحث الثالث ـ حكم عقد الإعارة.\rالمبحث الرابع ـ حال العارية، هل هي مضمونة أو أمانة؟.\rالمبحث الخامس ـ الاختلاف بين المعير والمستعير.\rالمبحث السادس ـ انتهاء الإعارة.\rالمبحث الأول ـ تعريف الإعارة ومشروعيتها :\rالعارية: بتشديد الياء، وقد تخفف، والأول أفصح وأشهر. وهي اسم لما يعار، أو لعقد العارية: مأخوذة من عار إذا ذهب وجاء، وقيل: من التعاور أي التداول أو التناوب. وقال الجوهري: كأنها منسوبة إلى العار؛ لأن طلبها عار وعيب، واعترض عليه بأنه صلّى الله عليه وسلم فعلها، ولو كانت عاراً وعيباً ما فعلها (1) .\rوعرف السرخسي والمالكية الإعارة بأنها: تمليك المنفعة بغير عوض. سميت إعارة: لتعريها عن العوض (2) . وعرفها الشافعية والحنابلة (3) بأنها إباحة المنفعة بلا عوض. فهي تختلف عن الهبة بأنها واردة على المنافع، أما الهبة فترد على عين المال، والفرق بين التعريفين أن الأول يفيد التمليك، فللمستعير إعارة الشيء لغيره، والثاني يفيد الإباحة، فليس له إعارة الشيء لغيره، أو إجارته.\r-------------------------------\r(1) مغني المحتاج: 263/2، تكملة فتح القدير: 99/7 ومابعدها، حاشية ابن عابدين: 524/4.\r(2) المبسوط: 133/11، القوانين الفقهية: /373.\r(3) مغني المحتاج: 264/2، كشاف القناع: 67/4.","part":5,"page":671},{"id":3517,"text":"والإعارة قربة مندوبة إليها، لقوله تعالى: {وتعاونوا على البر والتقوى} [المائدة:2/5] وفسر جمهور المفسرين قوله تعالى: {ويمنعون الماعون} [الماعون:7/107] بما يستعيره الجيران بعضهم من بعض، كالدلو والفأس والإبرة، ونحوها (1) . وفي الصحيحين أنه صلّى الله عليه وسلم استعار فرساً من أبي طلحة فركبه (2) . وفي رواية لأبي داود بإسناد جيد أنه صلّى الله عليه وسلم استعار درعاً من صفوان بن أمية يوم حنين، فقال: أغصباً يا محمد؟ فقال: بل عارية مضمونة (3) .\r-------------------------------\r(1) مغني المحتاج، المرجع السابق، المهذب: 392/1 ومابعدها، المغني: 203/5.\r(2) رواه أحمد والشيخان عن أنس بن مالك. قال: «كان فزع بالمدينة، فاستعار النبي صلّى الله عليه وسلم فرساً من أبي طلحة يقال له: المندوب فركبه، فلما رجع قال: ما رأينا من شيء وإن وجدناه لبحراً» أي ما وجدناه إلا بحراً أي واسع الجري (راجع نيل الأوطار: 299/5).\r(3) أخرجه أبو داود والنسائي وأحمد وصححه الحاكم عن صفوان بن أمية أن النبي صلّى الله عليه وسلم استعار منه يوم حنين أدرعاً، فقال أغصباً يا محمد؟ قال: بل عارية مضمونة، قال: فضاع بعضها، فعرض عليه النبي صلّى الله عليه وسلم أن يضمنها له، فقال: أنا اليوم في الإسلام أرغب. وله شاهد صحيح عن ابن عباس ولفظه: «بل عارية مؤداة» وأخرجه الدارقطني ثم البيهقي عن إسحاق بن عبد الواحد وهو متروك الحديث، وأخرجه الحاكم أيضاً من حديث جابر، وذكر أنها مئة درع ومايصلحها. وفي رواية أبي داود أن الأدراع كانت مابين الثلاثين إلى الأربعين. وللحديث طريق أخرى مرسلة في السنن عند أبي داود والنسائي (راجع جامع الأصول: 109/9، نصب الراية: 116/4، التلخيص الحبير: ص 252، نيل الأوطار: 299/5، سبل السلام: 69/3) والفرق بين لفظي «مضمونة» و «مؤداة» هو أن المضمونة: هي التي تضمن إن تلفت بالقيمة، والمؤداة: هي التي تجب تأديتها مع بقاء عينها فإن تلفت لم تضمن بالقيمة.","part":5,"page":672},{"id":3518,"text":"المبحث الثاني ـ ركن الإعارة وشرائطها :\rركن الإعارة عند الحنفية: هو الإيجاب من المعير. وأما القبول من المستعير فليس بركن عند جمهور الحنفية استحساناً. والقياس أن يكون ركناً وهو قول زفر كما في الهبة، حتى إن من حلف: لا يعير فلاناً، فأعاره، ولم يقبل، يحنث عند جمهور الحنفية، ولا يحنث عنده، كما سبق في الهبة.\rوالإيجاب: أن يقول: أعرتك هذا الشيء، أو منحتك هذا الثوب، أو هذه الدار، أو أطعمتك هذه الأرض، فلفظ الإعارة صريح فيها، والمنحة: هي العطية التي ينتفع الإنسان بها زماناً، ثم يردها على صاحبها وهو معنى العارية. والإطعام المضاف إلى الأرض: هو إطعام منافعها التي تحصل منها بالزراعة من غير عوض عرفاً وعادة، وهو معنى العارية (1) .\rواشترط الشافعية في الأصح عندهم وجود لفظ من المعير أو المستعير في صيغة العقد: مثل أعرتك أو أعرني؛ لأن الانتفاع بمال الغير يعتمد إذنه (2) .\rوأركان الإعارة عند الجمهور (3) أربعة: المعير والمستعير والمعار، والصيغة وهي كل ما يدل على هبة المنفعة من قول أو فعل.\r-------------------------------\r(1) البدائع: 214/6.\r(2) مغني المحتاج: 266/2.\r(3) القوانين الفقهية: 373، مغني المحتاج: 264/2، غاية المنتهى: 227/2، كشاف القناع: 67/4.","part":5,"page":673},{"id":3519,"text":"شروط الإعارة :\rيشترط عند الفقهاء ما يأتي:\r1ً - كون المعير عاقلاً، فلا تصح الإعارة من المجنون والصبي غير العاقل. ولا يشترط البلوغ عند الحنفية، ويشترط عند غيرهم كون المعير أهلاً للتبرع مختاراً؛ لأن العارية تبرع بإباحة المنفعة، فلا تصح ممن لا يصح تبرعه كصبي وسفيه ومفلس، ولا من مستكره (1) .\r2ً - القبض من المستعير: لأن الإعارة عقد تبرع، فلا يثبت حكم العارية بدون القبض كالهبة.\r3ً - أن يكون المستعار مما يكن الانتفاع به بدون استهلاكه، وإلا لم تصح إعارته (2) .\rوقد قرر العلماء أنه تصح الإعارة في كل عين ينتفع بها مع بقائها كالدور والأرضين والثياب والدواب وسائر الحيوان، وجميع ما يعرف بعينه، إذا كانت منفعته مباحة الاستعمال. فلا تجوز إباحة الجواري للاستمتاع، ويكره للاستخدام، إلا أن تكون لذي رحم محرم؛ لأنه لا يأمن أن يخلو بها فيواقعها (3) ، ويحرم إعارة السلاح والخيل للحربي، والمصحف وما في معناه للكافر، وإعارة الصيد للمحرم (4) .\r-------------------------------\r(1) المراجع السابقة.\r(2) البدائع: المرجع السابق.\r(3) المهذب: 363/1، القوانين الفقهية: 373.\r(4) مغني المحتاج: 266/2.","part":5,"page":674},{"id":3520,"text":"المبحث الثالث ـ حكم عقد الإعارة :\rالبحث هنا في أصل حكم الإعارة، وفي بيان صفته.\rأصل حكم الإعارة :\rيطلق اسم العارية في العرف بطريقتين: بطريق الحقيقة، وبطريق المجاز، أما الإطلاق بطريق الحقيقة فهو محل البحث هنا ، وهو إعارة الأعيان التي ينتفع بها، مع بقائها. وحكمها عند المالكية وجمهور الحنفية: هو ملك المنفعة للمستعير، بغير عوض، أو ما هو ملحق بالمنفعة عرفاً وعادة (1) .\rوقال الكرخي والشافعية والحنابلة: إن موجب الإعارة هو إباحة الانتفاع بالعين، فهي عقد إباحة (2) . والإعارة عندهم: إباحة الانتفاع بعين من أعيان المال.\rويترتب على الخلاف بين الفريقين: أن المستعير يجوز له عند الفريق الأول إعارة الشيء المستعار لغيره، وإن لم يأذن له المالك، إذا كان لا يختلف باختلاف المستعمل. غير أن المالكية قالوا: إذا منع المستعير من الإعارة، فلا يجوز له أن يعير.\rودليل الحنفية: أن المعير سلط المستعير على تحصيل المنافع، والتسليط على هذا الوجه تمليك، لا إباحة، كما في الأعيان، ومقتضى التمليك أن للمستعير حرية التصرف في الانتفاع بالعارية بنفسه أو بغيره.\rولا يجوز للمستعير عند الفريق الثاني أن يعير العارية لغيره؛ لأن الإعارة إباحة المنفعة، فلا يملك بها الإباحة لغيره، كإباحة الطعام، فالضيف لا يبيح لغيره ما قدم له.\rودليلهم أيضاً اتفاق العلماء على أن عقد الإعارة يجوز من غير أجل، فلو كان مقتضى الإعارة تمليك المنفعة، لما جازت من غير أجل، كالإجارة.\rواتفق الفريقان على أن المستعير لا يملك إجارة العين المعارة. والسبب عند الفريق الثاني هو أن العارية تبيح المنافع فقط، ولكن لا تملكه إياها. وأما السبب عند الفريق الأول فهو أن المستعير لا يملك الإجارة، لأنها عقد لازم، والإعارة عقد تبرع، جائز غير لازم، فلا يملك به ما هو لازم، فيؤدي إلى تغيير طبيعة الإعارة.\r-------------------------------\r(1) المبسوط: 133/11، البدائع: 214/6، تكملة فتح القدير: 98/7، 106، حاشية ابن عابدين: 524/4، حاشية الدسوقي: 433/3.\r(2) مغني المحتاج: 264/2، المهذب: 364/1، المغني: 209/5.","part":5,"page":675},{"id":3521,"text":"كذلك ليس للمستعير أن يرهن ما استعاره؛ لأن الشيء لا يتضمن ما فوقه (1) .\rوأما إطلاق الإعارة بطريق المجاز: فهو إعارة المكيل والموزون والمعدود المتقارب، مثل الجوز والبيض وكل ما لا يمكن الانتفاع به إلا باستهلاكه كإعارة الدراهم والدنانير، فهو قرض حقيقة، فعليه المثل أو القيمة، ولكنه إعارة مجازاً، لأنه لا يمكن الانتفاع به إلا باستهلاكه، ولا سبيل إليه إلا بالتصرف بالعين، بخلاف الإعارة حقيقة، فإن محل العقد فيها هو المنفعة لا العين، سواء قلنا: إنها تفيد تمليك المنفعة أو إباحة المنفعة (2) .\rحقوق الانتفاع بالعارية :\rقال الجمهور غير الحنفية: للمستعير الانتفاع بالعارية بحسب الإذن.\rوقال الحنفية: الحقوق التي يمنحها عقد الإعارة للمستعير تختلف بين ما إذا كانت الإعارة مطلقة أو مقيدة.\rفالإعارة المطلقة: هي أن يستعير إنسان شيئاً، ولم يبين في العقد أنه يستعمله بنفسه أو بغيره، ولم يبين كيفية الاستعمال، مثل: أن يعير شخص دابته لآخر، ولم يسم مكاناً ولا زماناً، ولم يحدد الركوب ولا الحمل. فحكمها: أن المستعير ينزل منزلة المالك، فكل ما ينتفع به المالك ينتفع به المستعير، فله أن يستعمل الدابة في أي مكان وزمان، وله أن يركب أو يحمل، أو يركب غيره؛ لأن الأصل في المطلق أن يجري على إطلاقه، وقد ملَّكه منافع العارية مطلقاً، إلا أنه لا يحمل عليها فوق المعتاد لمثلها ولا يستعملها ليلاً ونهاراً، مالم يستعمل مثلها من الدواب، فلو فعل\r-------------------------------\r(1) أما الوديعة فلا تؤجر ولا ترهن ولا تودع ولا تعار (الدر المختار: 525/4).\r(2) البدائع: 215/6، المبسوط: 145/11، تكملة فتح القدير: 108/7، مجمع الضمانات: /55، الكتاب مع اللباب: 203/2.","part":5,"page":676},{"id":3522,"text":"فعطبت، يضمن؛ لأن العقد المطلق مقيد بالعرف والعادة ضمناً، كما يتقيد نصاً، كما في الإجارة (1) .\rوأما الإعارة المقيدة: فهي أن تكون مقيدة في الزمان والانتفاع معاً أو في أحدهما. وحكمها: أنه يراعى فيها القيد ما أمكن؛ لأن الأصل في المقيد اعتبار القيد فيه، إلا إذا تعذر اعتباره لعدم الفائدة ونحوه، فيلغو القيد؛ لأن التقييد يجري مجرى العبث (2) . وبيانه فيما يأتي:\rإذا قيده في استعمال العارية بنفسه: فإن كان الاستعمال مما يتفاوت الناس فيه كالركوب واللبس، فإنه يختص به، ولا يجوز أن يركب غيره، أو يلبس الثوب غيره.\rوإن كان الاستعمال لا يتفاوت بتفاوت الناس، مثل سكنى الدار فله أن يسكن غيره؛ لأن المملوك بالعقد هو السكنى، والناس لا يتفاوتون فيه عادة، فلم يكن التقييد بسكناه مفيداً، فيلغو القيد، إلا إذا كان الذي يسكنها إياه حداداً، أو قصاراً (3) ، ونحوهما ممن يوهن البناء، فليس له أن يسكنها إياه ولا أن يعمل بنفسه ذلك؛ لأن المعير لا يرضى به عادة.\rوإذا حدد زماناً أو مكاناً، فجاوز ذلك المكان، أو زاد على الوقت: يضمن؛ لأن التخصص مفيد.\rوإذا بين مقدار الحمل والجنس: فإن حمله عليه وزاد، يضمن، بقدر الزيادة، فلو ركب الدابة بنفسه، وأردف غيره، فعطبت فإن كانت الدابة مما تطيق حملها جميعاً، يضمن نصف قيمة الدابة؛ لأنه لم يخالف إلا في قدر النصف، وإن كانت الدابة مما لا تطيق حملهما، ضمن جميع قيمتها، لأنه استهلكها.\rولو حمل على الدابة شيئاً بخلاف الجنس المحدد في العقد: فإن كان مثله في الخفة أو أخف منه، لا يضمن. وإن كان أثقل منه، يضمن.\r-------------------------------\r(1) المبسوط: 144/11، البدائع، المرجع السابق، تكملة فتح القدير: 107/7، حاشية ابن عابدين: 527/4، مجمع الضمانات: /57 ومابعدها.\r(2) البدائع: 215/6-216، تكملة فتح القدير: 107/7 ومابعدها، حاشية ابن عابدين: 527/4، المبسوط: 137/11 ومابعدها، مجمع الضمانات: /60 ومابعدها.\r(3) القصار: محور الثياب ومبيضها.","part":5,"page":677},{"id":3523,"text":"وإن كان الحمل مثل المعين في العقد في الوزن والثقل: بأن استعار دابة ليحمل عليها مئة رطل من القطن، فحمل عليها مئة رطل من الحديد، فإنه يضمن؛ لأن ثقل الحديد يتركز في موضع واحد على ظهر الدابة، وثقل القطن يتوزع على جميع ظهرها وبدنها، فكان ضرره بالدابة أكثر، والرضا بأدنى الضررين لا يكون رضا بأعلاهما.\rوإن كان الحمل أثقل من المبين في العقد: فإن كان من الجنس المذكور في العقد، يضمن بقدر الزيادة، وإن كان من خلاف الجنس، يضمن كل القيمة.\rوإن اختلف المعير والمستعير في مدة العارية أو في مقدار الحمل، أو في المكان، فالقول قول المعير (1) ؛ لأن المعير هو الذي يأذن بالانتفاع بالعارية، فيقبل قوله في تحديد وجه الانتفاع، والمستعير يدعي بأن وجه الانتفاع هو على النحو الذي يريده، والمعير منكر لذلك فيقبل قوله بيمينه.\rصفة حكم الإعارة :\rقال الحنفية والشافعية والحنابلة: إن الملك الثابت للمستعير ملك غير لازم؛ لأنه ملك لا يقابله عوض، فلا يكون لازماً، كالملك الثابت بالهبة، فيجوز للمعير أن يرجع في الإعارة، كما للمستعير أن يردها في أي وقت شاء، سواء أكانت الإعارة مطلقة أم مؤقتة بوقت، ما لم يأذن المعير في شغل المستعار بشيء يتضرر بالرجوع فيه، أو كانت العارية لازمة. كمن أعار أرضاً لدفن ميت محترم، فلا يجوز للمعير الرجوع في الموضع الذي دفن فيه، وامتنع على المستعير رده، فهذه إعارة لازمة من الجانبين، حتى يندرس أثر المدفون بأن يصير تراباً (2) . ومثله: لو استعار مكاناً لسكنى معتدة، فليس للمعير الاسترداد.\rودليلهم على أن العارية عقد جائز ( غير لازم ) قوله صلّى الله عليه وسلم : «المنحة مردودة، والعارية مؤداة» (3) .\r-------------------------------\r(1) المبسوط: 143/11.\r(2) البدائع: 216/6، الكتاب مع اللباب: 202/2، مغني المحتاج: 270/2، المهذب: 363/1، المغني: 211/5، تحفة الطلاب: ص 166.\r(3) روي من حديث ثلاثة وهم أبو أمامة وأنس وابن عباس، فحديث أبي أمامة أخرجه أبو داود والترمذي من حديث ذكر فيه: « العارية مؤداة ، والمنحة مردودة، والدين مقضي، والزعيم غارم » أي الكفيل. قال الترمذي: حديث حسن، وصححه ابن حبان، ورواه أيضاً أحمد وأبو داود الطيالسي وأبو يعلى والدار قطني وابن أبي شيبة وعبد الرزاق. وحديث أنس رواه الطبراني في كتاب مسند الشاميين وحديث ابن عباس أخرجه ابن عدي في الكامل ( راجع نصب الراية: 57/4، التلخيص الحبير: 250، جامع الأصول: 110/9 ).","part":5,"page":678},{"id":3524,"text":"وقال المالكية في المشهور عندهم: ليس للمعير استرجاع العارية، قبل الانتفاع بها، وإذا كانت العارية إلى أجل، فلا يجوز للمعير الرجوع إلا بعد انقضاء الأجل. وإن لم يتحدد أجل، يلزم المعير من المدة ما يرى الناس أنه مدة لمثل تلك العارية، وقال الدردير في الشرح الكبير: الراجح أن للمعير أن يرجع في الإعارة المطلقة متى أحب (1) .\rوبهذا يظهر أن المالكية يسوغون الرجوع في العارية المطلقة ويمنعونه في العارية المقيدة بالشرط أو العمل أو الزمن أو العرف و العادة.\rوسبب الخلاف بين الفريقين: هو ما يوجد في العارية من شبه العقود اللازمة وغير اللازمة.\rالرجوع في الأرض المعارة للبناء أو الغراس أو الزراعة :\rقال الحنفية: إذ ا كانت الإعارة مطلقة، فللمعير صاحب الأرض أن يستردها في أي وقت شاء؛ لأن الإعارة غير لازمة، ويجبر المستعير على قلع الغرس ونقض البناء؛ لأن في الترك ضرراً بالمعير، ولا يضمن المعير شيئاً من قيمة الغرس أو البناء؛ إذ أنه لم يغرر المستعير بشيء حيث أطلق العقد، بل هو الذي غرر بنفسه، حيث حمل المطلق على الأبد فهو مغتر غير مغرور.\r-------------------------------\r(1) بداية المجتهد: 308/2، حاشية الدسوقي: 439/3 .","part":5,"page":679},{"id":3525,"text":"وإن كانت الإعارة مؤقتة بوقت: فللمعير استرداد العارية أيضاً للحديث السابق: «المنحة مردودة، والعارية مؤداة» . ولكن يكره الرجوع قبل انتهاء الوقت، لما فيه من خلف الوعد، وليس له إجبار المستعير على النقض والقلع، والمستعير حينئذ بالخيار: إن شاء ضمن المعير قيمة غرسه وبنائه؛ لأنه غره بتوقيت العارية، ثم بإخراجه قبل الوقت، وإن شاء أخذ غرسه وبناءه إن لم يضر القلع بأرض المعير، فإن أضر القلع بها كان الخيار للمعير: إن شاء أخذ الغرس والبناء بالضمان، وإن شاء رضي بالقطع.\rهذا ما ذكر الحاكم الشهيد في مختصره. وعند القدوري: يضمن المعير ما نقص البناء والغرس بالقلع؛ لأن المستعير مغرور، حيث وقت له المعير، إذ الظاهر الوفاء بالعهد، والمغرور يرجع على الغار، دفعاً للضرر عن نفسه.\rوأما إذا استعار شخص أرضاً للزراعة، فلا تؤخذ منه، حتى يحصد الزرع، وقّت العارية أو لم يوقت؛ لأن للزرع نهاية معلومة، وفي ترك الزرع لوقت الحصاد بطريق الإجارة بأجر المثل مراعاة لحقي المعير والمستعير، بخلاف الغرس، لأنه ليس له نهاية معلومة، فيقلع دفعاً للضرر عن المالك (1) .\rوقال المالكية: الراجح أن للمعير أن يرجع في الإعارة المطلقة متى أحب، أما إذا كانت الإعارة مقيدة بشرط أو بعرف أو عادة، فلا يجوز الرجوع قبل انقضاء الأجل، وبناء عليه: إذا أعار أرضاً لبناء أو غرس، وبنى أوغرس، فإن لم يحصل تقييد بأجل، فللمعير إخراج المستعير، ويملك المعير بناء المستعير وغرسه، إن دفع له ما أنفق.\r-------------------------------\r(1) البدائع: 217/6، تكملة فتح القدير: 109/7 ومابعدها، حاشية ابن عابدين: 527/4، 11، المبسوط: 141/11 ومابعدها، الكتاب مع اللباب: 203/2.","part":5,"page":680},{"id":3526,"text":"ففي الإعارة المقيدة على هذا النحو: ليس للمعير الرجوع في الأرض، إذا حصل البناء أو الغرس، قبل انقضاء أجل الإعارة، مالم يدفع للمستعير ما أنفقه، فإن انقضت مدة البناء أو الغرس المشترطة أو المعتادة، فالمالك بالخيار: إن شاء أمر المستعير بهدم البناء، وقلع الشجر، وتسوية الأرض، كما كانت؛ وإن شاء دفع قيمة ذلك منقوضاً أو مقلوعاً، إذا كان مما له قيمة بعد القلع، بعد إسقاط أجرة من يهدمه ويسوي الأرض، إذا كان المستعير لا يتولى الأمر بنفسه أو خادمه (1) .\rوقال الشافعية والحنابلة: إذا كانت الإعارة للبناء أو الغراس، مطلقة المدة،فللمستعير أن ينتفع بالأرض مالم يرجع المعير، فإن رجع المعير بعد أن بنى المستعير أو غرس، فإن كان المعير قد شرط عليه القلع، لزمه قلعه، عملاً بالشرط، فإن امتنع فللمعير القلع.\rويلزم المستعير تسوية الأرض المحفورة، إن شرطت وإلا فلا يلزمه تسوية الحفر؛ لأنه لما شرط عليه القلع، رضي بما يحصل بالقلع من الحفر، ولأنه مأذون فيه، فلا يلزمه ضمان ما حصل به من النقص.\rوإن لم يشرط عليه القلع: فإن اختار المستعير القلع، قلع، دون أن يلتزم المعير بدفع قيمة النقص. ويلزم المستعير بتسوية الأرض في الأصح عند الشافعية، ويحتمل أن تلزمه التسوية عند الحنابلة؛ لأن القلع حصل باختياره، فإنه لو امتنع منه لم يجبر عليه، فلزمه تسوية الحفر كما لو خرب أرضه التي لم يستعرها، إلا أن القاضي من الحنابلة ذكر أنه لا يلزمه تسوية الحفر؛ لأن المعير رضي بذلك، حيث أعاره مع علمه بأن له قلع غرسه، وهو الأصح عندهم.\rوإن لم يختر المستعير القلع، فللمعير الخيار بين أن يبقيه بأجرة المثل، أو يقلع ويضمن قدرالنقص بين قيمته قائماً ومقلوعاً.\r-------------------------------\r(1) بداية المجتهد: 309/2، حاشية الدسوقي: 439/3، القوانين الفقهية: /373.","part":5,"page":681},{"id":3527,"text":"وإن كانت الإعارة لبناء أو غراس أو غيره مؤقتة، فللمعير الرجوع أيضاً، فإذا رجع أو انتهت المدة، طبقت الأحكام السابقة نفسها في الإعارة المطلقة: من ناحية اشتراط القلع أو عدم اشتراطه، وآثار ذلك.\rوإذا أعار شخص أرضاً للزراعة، فله الرجوع، ما لم يزرع، فإذا زرع لم يملك الرجوع فيها إلى وقت الحصاد، وعليه إبقاء الزرع إلى ذلك الوقت، فإن رجع المعير قبل الحصاد، وجب على المستعير دفع أجرة المثل من وقت الرجوع إلى الحصاد (1) .\rوالخلاصة: إن المعير له الرجوع في الإعارة للبناء أو الغراس عند الشافعية والحنابلة والحنفية، سواء أكانت الإعارة مطلقة أم مؤقتة، وأما في ا لإعارة للزراعة فيقتصر أثر الرجوع على إعطاء المعير حق المطالبة بأجرة المثل، في المدة التي بين الرجوع والحصاد.\rوعند المالكية: للمعير الرجوع في الإعارة المطلقة، وليس له الرجوع في الإعارة المقيدة، قبل انقضاء أجل العقد، فهذه الإعارة لازمة لانتهاء الأجل المعلوم.\rالمبحث الرابع ـ حال العارية: هل هي مضمونة أو أمانة؟\rقال الحنفية: إن الشيء المستعار أمانة في يد المستعير، في حال الاستعمال وفي غير حال الاستعمال، لا يضمن على كل حال إلا بتعدٍ أو تقصير؛ لأنه لم يوجد من المستعير سبب وجوب الضمان، فلا يجب عليه الضمان، كالوديعة والإجارة؛ لأن الضمان لا يجب على المرء بدون فعله، ولم يفعل ما يوجب الضمان؛ لأنه يقوم بحفظ مال الغير، وهذا إحسان في حق المالك، قال تعالى: {هل جزاء الإحسان إلا الإحسان } [الرحمن:60/55] (2) .\r-------------------------------\r(1) المهذب: 364/1، مغني المحتاج: 271/2-273، المغني: 212/5 ومابعدها.\r(2) المبسوط: 135/11، البدائع: 217/6، تكملة فتح القدير: 103/7، مجمع الضمانات للبغدادي: /55، الكتاب مع اللباب: 202/2.","part":5,"page":682},{"id":3528,"text":"وقال المالكية (1) : يضمن المستعير ما يُغاب عليه: وهو ما يمكن إخفاؤه كالثياب والحلي والسفينة السائرة في عرض البحر، وذلك إذا لم يكن على التلف أو الضياع بينة على حصوله بلا سبب منه، ولا يضمن فيما لا يغاب عليه كالحيوان والعقار، ولا فيما قامت البينة على تلفه. ودليلهم الجمع والتوفيق بين حديثين: أولهما ـ أنه عليه الصلاة والسلام قال لصفوان بن أمية: «بل عارية مضمونة مؤداة» وفي رواية «بل عارية مؤداة» وثانيهما ـ حديث: «ليس على المستعير غير المغل ـ أي الخائن ـ ضمان، ولا على المستودع غير المغل ضمان» فحمل الضمان على ما يغاب عليه، والحديث الآخر على ما لا يغاب عليه. وهذا المذهب قريب في شطره من مذهب الحنفية في أن العارية أمانة (2) .\rوالأصح عند الشافعية: أن العارية مضمونة على المستعير بقيمتها يوم التلف إذا تلفت بغير الاستعمال المأذون فيه وإن لم يفرط، لحديث صفوان: «بل عارية مضمونة» ولأنه مال يجب رده لمالكه، فيضمن عند تلفه كالشيء المتسلم، أي المقبوض على سوم الشراء، أما إذا تلفت بالاستعمال المأذون فيه فلا ضمان (3) ، لحدوث التلف عن سبب مأذون فيه، فلو تعسرت الدابة من ثقل حمل مأذون فيه أو ماتت به، أو انمحق أي (تلف بالكلية) ثوب يلبسه المأذون فيه، أو سقط ثور في\r-------------------------------\r(1) بداية المجتهد: 308/2، حاشية الدسوقي: 436/3، القوانين الفقهية: /373، والحديثان تقدم تخريجهما.\r(2) تتلخص أحكام العارية عند المالكية بأربعة وهي: 1 - الضمان، 2 - الانتفاع للمستعير حسبما يؤذن له، 3 - اللزوم إن كانت لأجل معلوم أو قدر معلوم، كعارية الدابة إلى موضع كذا، فلا يجوز لصاحبها أخذها قبل ذلك، 4 - إذا قال المستعير: كانت عارية، وقال صاحبها: كانت كراء، فالقول قوله مع يمينه (القوانين الفقهية: /373).\r(3) قال البغدادي في مجمع الضمانات: ص 55: محل الخلاف (أي بين الحنفية والشافعية) في ضمان المستعير: أن تهلك العارية في غير حالة الانتفاع، أما لو هلكت في حالة الانتفاع لم يضمن بالإجماع.","part":5,"page":683},{"id":3529,"text":"ساقية استعير لاستعماله فيها، فلا ضمان في هذه الحالات كلها (1) . كذلك لايضمن المستعير ما استعاره ليرهنه، فرهنه، فتلف عند المرتهن. لكن يشترط ذكر جنس الدين وقدره وصفته والمرهون عنده.\rويد المستعير على العارية عند الشافعية يد ضمان في أثناء الاستعمال غير المأذون فيه، فيضمنها بالتلف سواء تعدى أم لم يتعد، وسواء قصر في حفظها أم لم يقصر، قال النووي في المنهاج: فإن تلفت (أي العين المستعاره عند المستعير) لا باستعمال لها مأذون فيه، ضمنها، وإن لم يفرط، لقوله صلّى الله عليه وسلم في الحديث المتقدم: «بل عارية مضمونة» ولأنه مال يجب رده لمالكه، فيضمن عند تلفه، كالمستام، أي الذي يسوم السلعة.\rوالأصح أن العارية تضمن بقيمة يوم التلف، لا بأقصى القيم، ولا بيوم القبض.\rوقال الحنابلة في ظاهر المذاهب (2) : إن العارية مضمونة على المستعير مطلقاً، تعدى أو لم يتعد، بقيمتها يوم التلف، بدليل حديث صفوان بن أمية السابق الإشارة إليه، وهو أن النبي صلّى الله عليه وسلم استعار منه درعاً يوم حنين، فقال ـ فيما رواه أحمد وأبو داود ـ أغصباً يا محمد؟ قال: «بل عارية مضمونة» فهذا إخبار بصفة العارية وحكمها، وهو مروي عن ابن عباس وأبي هريرة.\r-------------------------------\r(1) المجموع 204/14 ومابعدها، المهذب: 363/1، مغني المحتاج: 267/2، 274، الأشباه والنظائر للسيوطي: 150، الإقناع وحاشية البجيرمي عليه: 136/3، 139، متن أبي شجاع مع حاشية الباجوري: 10/2، تحفة الطلاب: /166،كناية الأخيار: 555/1.\r(2) كشاف القناع: 76/4 ومابعدها، المغني: 203/5، القواعد لابن رجب: /59.","part":5,"page":684},{"id":3530,"text":"ولقوله عليه الصلاة والسلام: «على اليد ما أخذت حتى تؤديه» (1) ، ولأنه مال لغيره، أخذه لمنفعة نفسه، لا على وجه الوثيقة كالرهن، ومن غير استحقاق، ولا إذن في الإتلاف، فكان مضموناً كالمغصوب.\rوأضاف الحنابلة أن المستعير لو استعاروقفاً ككتب علم وأدرع موقوفة على المجاهدين فتلفت بغير تفريط ولا تعد، فلا ضمان، لكون تعلم العلم وتعليمه والجهاد من المصالح العامة.\rوالخلاصة: إن يد المستعير يد ضمان عند الشافعية والحنابلة، ويد أمانة عند الحنفية والمالكية، على التفصيل السابق عند المالكية والشافعية.\rويبرأ المستعير برد العارية إلى من جرت العادة بتسلم الشيء منه كزوجة وخازن ووكيل عام في قبض الحقوق.\rشرط المعير الضمان: قال الحنفية: إذا شرط المعير على المستعير ضمان العارية يكون الاشتراط باطلاً، وبه يفتى، كما في الوديعة، وكشرط عدم الضمان في الرهن، لأن في ذلك تغييراً لمقتضى العقد (2) .\rوقال المالكية: إذا اشترط المعير الضمان في الموضع الذي لا يجب فيه الضمان، لا يضمنه المستعير بإجارة المثل في استعماله العارية؛ لأن الشرط يخرج\r-------------------------------\r(1) أخرجه أحمد وأصحاب السنن الأربعة. وصححه الحاكم عن الحسن بن سمرة بن جندب، قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم : «على اليد ما أخذت حتى تؤديه » زاد أبو داود والترمذي قال قتادة: «ثم نسي الحسن فقال: هو أمينك لا ضمان عليه، يعني العارية» ورواه الطبراني والحاكم وابن أبي شيبة (راجع جامع الأصول: 110/9، نصب الراية: 167/4، التلخيص الحبير: /253، المقاصد الحسنة: /290، نيل الأوطار: 298/5، سبل السلام: 67/3).\r(2) حاشية ابن عابدين: 516/4، 525، مجمع الضمانات: /55.","part":5,"page":685},{"id":3531,"text":"العارية عن حكمها إلى باب الإجارة الفاسدة، إذا كان صاحبها لم يرض أن يعيرها، بغير ضمان، فهو عوض مجهول، فيجب أن يرد إلى معلوم (1) .\rوقال الشافعية والحنابلة: إذا شرط المستعير أن تكون العارية أمانة أو نفي الضمان لم يسقط الضمان ويلغو الشرط؛ لأن كل عقد اقتضى الضمان لم يغيره الشرط، كالمقبوض ببيع صحيح أو فاسد (2) .\rتغير حال العارية من الأمانة إلى الضمان: يتغير حال العارية عند الحنفية من الأمانة إلى الضمان بالأسباب نفسها التي يتغير بها حال الوديعة، منها (3) :\r1 - التضييع، والإتلاف حقيقة بإلقائها في مضيعة أو كأن يدل عليها سارقاً؛ أو الإتلاف معنى بمنع العارية بعد طلبها أوبعد انقضاء المدة.\r2 - ترك الحفظ في استعمال العارية، أو إيجارها.\r3 - استعمال العين المعارة استعمالاً غير مشروط أو غير مألوف عادة.\r4 - المخالفة في كيفية الحفظ: مثل أن يأمره ألا يغفل عنها، فغفل، فيضمن. فإن عاد إلى موافقة مطلب المعير لا يبرأ عن الضمان، بخلاف ما عرفناه في الوديعة عند الحنفية، فإنه يبرأ عن الضمان؛ لأن المقصود في الوديعة، هو الحفظ للمالك، والحفظ يتحقق بعد المخالفة كما كان قبل المخالفة.\rوهناك فرق آخر: وهو أن المستعير لو رد العارية إلى منزل المالك، كما إذا رد الدابة إلى إصطبل مالكها، يبرأ عن الضمان بخلاف الوديعة، للعادة الجارية في\r-------------------------------\r(1) حاشية الدسوقي: 436/3، بداية المجتهد: 309/2.\r(2) المغني: 204/5.\r(3) البدائع: 218/6 ومابعدها.","part":5,"page":686},{"id":3532,"text":"العارية بردها إلى بيت المالك أو بدفعها إلى عياله، ولم تجر العادة بذلك في الوديعة، فخصصت العارية من عموم آية {إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها} [النساء:58/4]، وبقيت الوديعة على ظاهر النص، كما سبق ذكره. والعين المغصوبة مثل الوديعة ترد إلى المالك نفسه.\rلكن إذا كانت العارية شيئاً نفيساً فرده المستعير إلى دار المالك ولم يسلمه إليه ضمن؛ لأن الأعيان النفيسة لا ترد إلا إلى صاحبها في العادة.\rوكذلك إذا اختلف المعير والمستعير، فالقول قول المالك كما تقدم بخلاف الوديعة: القول قول الوديع (1) .\rمؤنة رد العارية: إن أجرة رد العارية على المستعير؛ لأن الرد واجب عليه؛ لأنه قبضها لمنفعة نفسه، والأجرة مؤنة الرد، فتكون عليه. وكذلك أجرة رد العين المغصوبة على الغاصب؛ لأن الرد واجب عليه دفعاً للضرر عن المالك، فتكون مؤنته عليه.\rأما أجرة رد العين المستأجرة فعلى المؤجر؛ لأن الواجب على المستأجر التمكين من الرد والتخلية بين الشيء وصاحبه، دون الرد (2) . والفرق أن غرض المؤجر والغاصب ومثلهما المرتهن هو حصول المنفعة لهم بخلاف المستعير، قبض الشيء لمنفعته الخاصة.\rوكذلك أجرة رد الوديعة على المالك المودع؛ لأن الوديع يجب علىه فقط رد الوديعة عند طلب المالك لقوله تعالى: { إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها} [النساء:58/4].\r-------------------------------\r(1) انظر البدائع، المرجع نفسه: /211 ومابعدها، مجمع الضمانات: /57.\r(2) الكتاب مع اللباب: 204/2، الدر المختار ورد المحتار: 527/4 ومابعدها.","part":5,"page":687},{"id":3533,"text":"المبحث الخامس ـ الاختلاف بين المعير والمستعير :\rقد يحدث اختلاف في بعض الأمور بين المعير والمستعير، فمن الذي يصدق قوله؟\r1 ً - الاختلاف في أصل العقد أو صفته: إذا ادعى المنتفع الإعارة وادعى المالك الإجارة، و ادعى المنتفع الإعارة وادعى المالك الغصب بأن المنتفع غصب الشيء منه، يصدق المالك بيمينه على المذهب عند الشافعية؛ لأن الأصل عدم الإذن بالانتفاع، فيحلف ويستحق أجرة المثل.\r2 ً - الاختلاف في التلف: إذا تلفت العين المستعارة، وادعى المستعير أنها تلفت بالاستعمال المأذون فيه، وأنكر المعير ذلك، وقال: بل تلفت بغير الاستعمال، أو باستعمال غير مأذون فيه، يصدق المستعير بيمينه بالاتفاق، لأنه يصعب عليه إثبات قوله بالبينة عند القائلين بأن يد المستعير يد ضمان، ولأن الأمين يقبل قوله عند القائلين بأن يد المستعير يد أمانة.\r3 ً - الاختلاف في الرد: إذا ادعى المستعير أنه رد العين المستعارة على المعير، وأنكر المعير ذلك، فيحلف المعير على قوله ويصدق بيمينه، لأن الأصل عدم الرد،والمستعير مدع فعليه البينة، والمعير منكر، واليمين على المنكر (1) .\rالمبحث السادس ـ انتهاء الإعارة: تنتهي الإعارة بما يلي:\r1ً - طلب المعير رد العارية: لأن الإعارة عقد غير لازم، فتنتهي بالفسخ.\r2ً - رد العارية: إذا رد المستعير العين المستعارة على المعير، انتهت الإعارة، سواء قبل انتهاء مدة الإعارة أم قبلها.\r3ً - جنون أحد العاقدين أو إغماؤه: تنتهي الإعارة بالجنون أو الإغماء، لزوال أهلية التبرع المطلوبة لإبرام العقد وأثناء بقائه.\r4ً - موت أحد العاقدين- المعير أو المستعير: لأن الإعارة إباحة الانتفاع بالإذن، وبالموت لم يبق الآذن أو المأذون له.\r5ً - الحجر على أحد العاقدين بالسفه: لأنه بالحجر يفقد المحجور أهلية التبرع، فتفسخ الإعارة.\r6ً - الحجر بالإفلاس على المعير المالك: لأنه يمتنع عليه تفويت منافع أمواله، لمصلحة دائنيه.\r-------------------------------\r(1) مغني المحتاج: 273/2 ومابعدها، المهذب: 366/1 ومابعدها، المغني: 217/5-219، حاشية الصاوي على الشرح الصغير: 579/3.","part":5,"page":688},{"id":3534,"text":"الفَصْلُ التَّاسع: الوَكَالة\rخطة الموضوع :\rالكلام عن عقد الوكالة في المباحث الخمسة الآتية:\rالمبحث الأول ـ تعريف الوكالة وركنها ومشروعيتها.\rالمبحث الثاني ـ شرائط الوكالة.\rالمبحث الثالث ـ أحكام الوكالة.\rالمبحث الرابع ـ تعدد الوكلاء.\rالمبحث الخامس ـ طرق انتهاء الوكالة.\rالمبحث الأول ـ تعريف الوكالة وركنها ومشروعيتها :\rتعريف الوكالة: الوكالة بفتح الواو وكسرها، وهي تطلق لغة ويراد بها الحفظ، كما في قوله عز وجل: {وقالوا: حسبنا الله ونعم الوكيل} [آل عمران:173/3] أي الحافظ، وقوله سبحانه: {لا إله إلا هو فاتخذه وكيلاً} [المزمل:9/73] قال الفراء: أي حفيظاً. وتطلق ويراد بها التفويض، يقال: وكل أمره إلى فلان: فوضه إليه واكتفى به، ومنه? توكلت على الله ) قال تعالى: {وعلى الله فليتوكل المتوكلون} [إبراهيم:12/14]، وقال سبحانه مخبراً عن هود عليه السلام: {إني توكلت على الله ربي وربكم} [هود:56/11] أي اعتمدت على الله ، وفوضت أمري إليه.\rوالوكالة شرعاً عند الحنفية (1) : هي عبارة عن إقامة الإنسان غيره مقام نفسه في تصرف جائز معلوم. أو هي تفويض التصرف والحفظ إلى الوكيل.\rوالتصرف يشمل التصرفات المالية من بيع وشراء وغيرهما من كل ما يقبل النيابة شرعاً كالإذن بالدخول. وقال الشافعية: الوكالة تفويض شخص ماله فعله مما يقبل النيابة إلى غيره ليفعله في حياته (2) . والتقييد بالحياة للتمييز عن الوصية.\rركن الوكالة: ركن الوكالة عند الحنفية: هو الإيجاب والقبول، فالإيجاب من الموكل ويسمى الأصيل: أن يقول: وكلتك بكذا، أو افعل كذا، أو أذنت لك أن تفعل كذا ونحوه. والقبول من الوكيل: أن يقول: قبلت وما يجري مجراه (3) . ويتم القبول بكل فعل دل على القبول، ولا يشترط كونه لفظاً؛ لأن التوكيل إباحة ورفع حجر، فأشبه إباحة الطعام (4) .\r-------------------------------\r(1) تكملة فتح القدير: 3/6، البدائع: 19/6، رد المحتار: 417/4، تبيين الحقائق: 254/4.\r(2) مغني المحتاج: 217/2.\r(3) البدائع، المرجع السابق: /20.\r(4) مغني المحتاج: 222/2، المغني: 84/5.","part":5,"page":689},{"id":3535,"text":"ويجوز بالاتفاق قبول الوكالة على الفور والتراخي؛ لأن قبول وكلائه صلّى الله عليه وسلم كان بفعلهم، وكان متراخياً عن توكيله إياهم.\rفإذا لم يوجد الإيجاب والقبول لا يتم العقد، فلو وكل إنسان غيره بقبض دينه، فأبى أن يقبل، ثم ذهب الوكيل فقبضه، لم يبرأ المدين؛ لأن تمام العقد\rبالإيجاب والقبول، وكل واحد منهما يرتد بالرد قبل وجود الآخر، كما في البيع ونحوه.\rوللوكالة عند الجمهور أركان أربعة: هي الموكل والوكيل والموكل فيه والصيغة.\rوتصح الوكالة الدورية (1) عند الحنابلة (2) : وهي وكلتك، وكلما عزلتك أو انعزلت فقد وكلتك أو فأنت وكيلي، ويصح عزله بقوله: كلما وكلتك أو عدت وكيلي فقد عزلتك.\rتعليق الوكالة على شرط أو زمن: الوكالة عند الحنفية والحنابلة قد تكون مطلقاً وقد تكون معلقة بالشرط، مثل: إن قدم زيد فأنت وكيلي في بيع هذا الكتاب، ولا يصح تصرف الوكيل قبل تحقق الشرط، وقد تكون مضافة إلى وقت في المستقبل بأن يقول: وكلتك في بيع هذا الكتاب غداً، ولا يصير وكيلاً قبل الغد. ودليلهم على جواز ذلك أن التوكيل عقد يبيح التصرف مطلقاً، والإطلاقات مما تحتمل التعليق بالشرط والإضافة إلى الوقت كالطلاق، وبما أن التوكيل إذن في التصرف فهو يشبه الوصية (3) .\rوقال الإمام الشافعي في الأصح من مذهبه: لا يصح تعليق الوكالة بشرط من صفة أو وقت، مثل: إن جاء زيد أو رأس الشهر فقد وكلتك بكذا. ودليله أن التوكيل عقد تؤثر الجهالة في إبطاله، فلم يصح تعليقه على شرط كسائر العقود من\r-------------------------------\r(1) الدور عند المناطقة: هو توقف الشيء على ما يتوقف عليه، وسميت وكالة دورية لدورانها على العزل.\r(2) غاية المنتهى: 156/2.\r(3) البدائع: 20/6، غاية المنتهى: 147/2.","part":5,"page":690},{"id":3536,"text":"بيع وإجارة. ويخالف الوصية لأنها لايؤثر فيها غرر الجهالة، فلا يؤثر فيها غرر الشرط، فتقبل التعليق. أما الوكالة فتؤثر الجهالة في إبطالها فيؤثر غرر الشرط فيها، فلا تقبل التعليق. لكن لو تصرف الوكيل في هذه الحالة صح تصرفه لوجود الإذن، وإن كان العقد فاسداً، وحينئذ إذا كان وكيلاً بأجر سقط المسمى، ووجب له أجر المثل، لأنه عمل في عقد فاسد لم يرض فيه بغير بدل، فوجب أجر المثل كالعمل في الإجارة الفاسدة (1) . وإذا نجَّز الوكالة وشرط للتصرف شرطاً جاز اتفاقاً، مثل: وكلتك بشراء شيء، ولكن لا تشتره إلا بعد شهر.\rتأقيت الوكالة: اتفق الفقهاء على صحة تأقيت الوكالة بزمن معين كشهر أو سنة؛ لأن الوكالة بحسب الحاجة.\rالوكالة بأجر: تصح الوكالة بأجر وبغير أجر؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلم كان يبعث عماله لقبض الصدقات ويجعل لهم عمولة (2) ، ولهذا قال له أبناء عمه: «لو بعثتنا على هذه الصدقات، فنؤدي إليك ما يؤدي الناس، ونصيب ما يصيبه الناس» أي العمولة، ولأن الوكالة عقد جائز لا يجب على الوكيل القيام بها، فيجوز أخذ الأجرة فيها، بخلاف الشهادة فإنها فرض يجب على الشاهد أداؤها.\r-------------------------------\r(1) مغني المحتاج: 223/2، المهذب: 350/1.\r(2) قال ابن حجر: هذا مشهور، ففي الصحيحين عن أبي هريرة: بعث النبي صلّى الله عليه وسلم السعاة على الصدقة، وفيهما عن أبي حميد الساعدي: استعمل النبي صلّى الله عليه وسلم رجلاً من الأزد يقال له: ابن اللتبية، وفيهما عن عمر: أنه استعمل ابن السعدي. وعند أبي داود أن النبي صلّى الله عليه وسلم بعث أبا مسعود ساعياً، وفي مسند أحمد أنه بعث أبا جهم بن حذيفة متصدقاً، وفيه من حديث قرة بن دعموص بعث الضحاك بن قيس ساعياً، وفي المستدرك أنه بعث قيس بن سعد ساعياً، وفيه من حديث عبادة بن الصامت أن النبي صلّى الله عليه وسلم بعثه على أهل الصدقات، وبعث الوليد بن عقبة إلى بني المصطلق ساعياً (راجع التلخيص الحبير: /176، 251، 275).","part":5,"page":691},{"id":3537,"text":"فإن كانت الوكالة بغير أجرة فهي معروف من الوكيل، وإذا كانت الوكالة بأجر أي (بجعل) فحكمها حكم الإجارات، فيستحق الوكيل الجُعْل بتسليم ما وكل فيه إلى الموكل إن كان مما يمكن تسليمه كثوب يخيطه، فمتى سلمه مخيطاً، فله الأجر. وإن وكل في بيع أوشراء أو حج استحق الأجر، إذا عمله، وإن لم يقبض الثمن في البيع (1) .\rوفي الوكالة بأجر يجوز للموكل أن يشترط على الوكيل ألا يخرج نفسه منها إلا بعد أجل محدود، وإلا لما كان عليه التعويض.\rعموم الوكالة وتخصيصها: تصح الوكالة العامة عند الحنفية والمالكية (2) ؛ لأنها تجوز في كل ما يملكه الموكل وفي كل ما تصح فيه النيابة من التصرفات المالية وغيرها. وقال الشافعي والحنابلة (3) : لا تصح الوكالة العامة؛ لما فيها من عظيم الغرر. واتفق الفقهاء على جواز الوكالة الخاصة، وهو الأصل الغالب فيها.\r-------------------------------\r(1) المغني: 85/5 ومابعدها، تكملة فتح القدير: 2/6، القوانين الفقهية: /329.\r(2) تكملة رد المحتار: 357/7، بداية المجتهد: 302/2.\r(3) تحفة المحتاج: 308/5، كشاف القناع: 471/3، مغني المحتاج: 221/2.","part":5,"page":692},{"id":3538,"text":"مشروعية الوكالة: الوكالة جائزة بالكتاب والسنة والإجماع. أما الكتاب: فقوله تعالى حكاية عن أهل الكهف: {فابعثوا أحدكم بوَرِقكم هذه إلى المدينة، فلينظر أيها أزكى طعاماً فليأتكم برزق منه} [الكهف:19/18] وهذه وكالة في الشراء، وقوله عز وجل: {فابعثوا حكماً من أهله وحكماً من أهلها} [النساء:35/4] وقوله سبحانه: {اذهبوا بقميصي هذا} [يوسف:93/12] وقوله تعالى حكاية عن سيدنا يوسف: {اجعلني على خزائن الأرض} [يوسف:55/12]. وقوله تعالى: {إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها} [التوبة:60/9] أي السعاة والجباة الذين يبعثهم الإمام لتحصيل الزكاة، لأن الله سبحانه جوز العمل\rعلى الصدقات، وهو بحكم النيابة عن المستحقين. وقوله سبحانه: {وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكماً من أهله وحكماً من أهلها} [النساء:35/4] والحكمان وكيلان عن الزوجين.\rوأما السنة: فأحاديث كثيرة، منها خبر الصحيحين: «أنه صلّى الله عليه وسلم بعث السعاة لأخذ الزكاة» ، ومنها: «توكيله صلّى الله عليه وسلم عمرو بن أمية الضَّمري في نكاح أم حبيبة بنت أبي سفيان» (1) ومنها «توكيله أبا رافع في قبول نكاح ميمونة بنت الحارث» (2) ومنها «توكيله حكيم بن حزام بشراء الأضحية، وتوكيله عروة البارقي في شراء الشاة» (3) .\r-------------------------------\r(1) رواه أبو داود في سننه: 468/1، وقال البيهقي في المعرفة: روينا عن أبي جعفر محمد بن علي أنه حكى ذلك ولم يسنده البيهقي في المعرفة، وكذا حكاه في الخلافيات بلا إسناد، وأخرجه في السنن من طريق ابن إسحاق، حدثني أبو جعفر،قال: بعث رسول الله صلّى الله عليه وسلم عمرو بن أمية الضمري إلى النجاشي، فزوجه أم حبيبة، ثم ساق عنه أربع مئة دينار.. (راجع التلخيص الحبير: ص 251 ومابعدها).\r(2) رواه مالك في الموطأ والشافعي عنه وأحمد والترمذي والنسائي وابن حبان عن سليمان بن يسار أن النبي صلّى الله عليه وسلم «بعث أبا رافع مولاه ورجلاً من الأنصار، فزوجاه ميمونة بنت الحارث، وهو بالمدينة قبل أن يخرج» أي إلى الحج، قال ابن تيمية في منتقى الأخبار: وهو دليل على أن تزوجه بها قد سبق إحرامه، وأنه خفي على ابن عباس ( راجع التلخيص الحبير: 252، نيل الأوطار: 269/5 ).\r(3) توكيل حكيم بن حزام صحيح: رواه أبو داود والترمذي عن حبيب بن أبي ثابت عن حكيم بن حزام، وفيه أن الرسول صلّى الله عليه وسلم قال له: «ضح بالشاة، وتصدق بالدينار» وقصة توكيل عروة البارقي صحيحة أيضاً رواها أحمد والبخاري وأبو داود والترمذي وابن ماجه والدارقطني عن شبيب بن غرقدة السلمي الكوفي عن عروة بن أبي الجعد البارقي، وفيه أن النبي صلّى الله عليه وسلم «دعا له بالبركة في بيعه، وكان لو اشترى التراب لربح فيه» (راجع جامع الأصول: 289/12، نصب الراية: 90/4، التلخيص الحبير: /251، نيل الأوطار: 270/5).","part":5,"page":693},{"id":3539,"text":"ومنها خبر البخاري في التوكيل بإعطاء بعير سداداً لدين رجل، وقوله عليه السلام: «إن خياركم أحسنكم قضاء» .\rوأما الإجماع، فقد أجمعت الأمة على جواز الوكالة، ولأن الحاجة داعية إليها، فإن الشخص قد يعجز عن قيامه بمصالحه كلها (1) ، فكانت جائزة لأنها نوع من أنواع التعاون على البر والتقوى.\rوحكمة تشريع الوكالة واضحة: وهي رعاية المصلحة وسد الحاجة ودفع الحرج عن الناس، فقد تتوافر القدرة والكفاءة والخبرة عند إنسان دون آخر، وقد يكون الإنسان محقاً، ولكنه عاجز عن تقديم الحجة والبيان، وخصمه أقدر وأعرف بالحجج، فيكون محتاجاً لتوكيل غيره للدفاع عنه، وإظهار حقه.\r-------------------------------\r(1) المغني: 79/5، تكملة فتح القدير: 3/6، مغني المحتاج: 217/2، المهذب: 348/1، المبسوط: 2/19 ومابعدها.","part":5,"page":694},{"id":3540,"text":"الحكم التكليفي للوكالة :\rالأصل في الوكالة الإباحة، وقد تصبح مندوبة إن كانت إعانة على مندوب. وقد تصير مكروهة إن أعانت على مكروه، وقد تكون حراماً إن أعانت على حرام، وقد تكون واجبة إن دفعت ضرراً عن الموكل.\rالمبحث الثاني ـ شرائط الوكالة :\rيشترط لصحة الوكالة شروط في الصيغة وفي العاقدين وفي محل العقد.\rوالعاقدان هما: الموكل والوكيل، والموكل يجوز أن يكون غائباً أو امرأة أو مريضاً بالاتفاق، أو حاضراً صحيحاً خلافاً لأبي حنيفة. والوكيل: كل من جاز له التصرف لنفسه في شيء، جاز له أن ينوب فيه عن غيره، إلا أنه لا يجوز توكيل العدو على عدوه. ولا يجوز عند المالكية توكيل الكافر على بيع أو شراء أو عقد سلَم لئلا يفعل الحرام، ولا توكيله على قبض من المسلمين لئلا يستعلي عليهم.\rأما ما يشترط في الصيغة: فهو شرطان عند الشافعية:\r1ً - أن تتم الوكالة بلفظ يدل على الرضا بالتوكيل إما صراحة أو كناية، مثل وكلتك ببيع داري، أو أقمتك مقامي في بيعه، ولا يشترط اللفظ في القبول، بل يكفي الفعل، كإباحة الطعام للضيف.\r2ً - عدم تعليقها على شرط عند الشافعية، مثل إن جاء فلان من السفر فأنت وكيلي بكذا.\rولكن يصح تعليق التصرف بأمر إذا كانت الوكالة منجزة ، مثل وكلتك في بيع داري على أن يتم البيع عند قدوم فلان. ويصح تقييد الوكالة بوقت، كأن يتم التوكيل لمدة شهر أوسنة.","part":5,"page":695},{"id":3541,"text":"أما شرط الموكل: فهو أن يكون مالكاً للتصرف الذي يوكل فيه، وتلزمه أحكام ذلك التصرف. فلا يصح التوكيل من المجنون والمغمى عليه والصبي غير المميز؛ لعدم وجود العقل الذي هو من شرائط الأهلية، ولأنه لا تلزمهما أحكام التصرفات، كما لا يصح التوكيل من الصبي المميز بما لايملكه بنفسه من التصرفات كالطلاق والهبة والصدقات ونحوها من التصرفات الضارة ضرراً محضاً به. أما التصرفات النافعة نفعاً محضاً كقبول التبرعات، فيجوز للصبي المميز التوكيل بها. وأما التصرفات المترددة بين النفع والضرر كالبيع والإجارة: فإن كان المميز مأذوناً في التجارة يصح منه التوكيل بها، لأنه يملكها بنفسه، وإن كان ممنوعاً من التصرف ينعقد التوكيل منه موقوفاً على إجازة وليه، وعلى إذن وليه بالتجارة أيضاً (1) .\r-------------------------------\r(1) البدائع: 20/6، تكملة فتح القدير: 12/6، 134.","part":5,"page":696},{"id":3542,"text":"وقال الإمام الشافعي: لا يصح توكيل الصبي مطلقاً، إذ لا تصح عنده مباشرته لأي تصرف. وهذا هو رأي المالكية والحنابلة (1) .\rواكتفى أبو حنيفة باشتراط أن يكون التوكيل حاصلاً بما يملكه الوكيل، وبناء عليه يجوز عنده توكيل المسلم ذمياً بشراء الخمر والخنزير.\rولا يصح توكيل المحجور عليه لسفه في تصرف مالي؛ لأنه لا يملك مباشرته. ولا يصح للمرأة والمحرم بحج أو عمرة عند الجمهور غير الحنفية التوكيل بمباشرة عقد الزواج؛ لأنه لا يصح منهما مباشرته. كما لا يصح للأب الفاسق أن يوكل في تزويج ابنته؛ لأنه لا يملك مباشرة ذلك بنفسه. ويستثنى من ذلك الأعمى عند الشافعية فإنه لا يصح له البيع والشراء ونحوهما مما يتوقف على الرواية، ويصح أن يوكل في ذلك للضرورة.\rوأما شروط الوكيل: فهو:\r1 - أن يكون عاقلاً أي يعقل العقد بأن يعرف مثلاً أن البيع سالب والشراء جالب، ويعرف الغبن اليسير من الغبن الفاحش، فلا تصح وكالة المجنون والصبي غير المميز. أما الصبي المميز فتصح وكالته عند الحنفية سواء أكان مأذوناً في التجارة أم محجوراً.\rواشترط هذا الشرط؛ لأن الوكيل يقوم مقام الموكل في العبارة، فلابد من أن يكون من أهل العبارة، وأهلية العبارة لاتكون إلا بالعقل والتمييز، وقد زوج ابن أم سلمة - وكان صبياً - النبي صلّى الله عليه وسلم .\rوقال الشافعي والمالكية والحنابلة: وكالة الصبي والمجنون والمغمى عليه غير صحيحة؛ لأن كل واحد منهم غير مكلف، فلا تصح مباشرته التصرف لنفسه، فلا يصح توكله، وأجاز الشافعية على الصحيح توكيل الصبي المميز في الإذن بدخول دار وإيصال هدية وحج وتطوع وذبح ضحية وتفرقة زكاة.\rولا يصح توكيل السفيه في تصرف مالي، ولا توكيل المحرم بحج أو عمرة، ولا توكيل المرأة في إبرام عقد نكاح عند الجمهور غير الحنفية، لعدم صحة مباشرة المحرم والمرأة عقد الزواج. ولا يصح عند الشافعية توكيل الأعمى في تصرف يتطلب الرؤية.\r2 - ويشترط عند الحنفية أيضاً: أن يكون الوكيل قاصداً العقد، بألا يكون هازلاً، وأن يعلم بالتوكيل في الجملة، فلو وكل رجلاً ببيع كتابه، فباعه الوكيل من رجل قبل أن يعلم بالوكالة، لا يجوز بيعه، حتى يجيزه الموكل أو الوكيل بعد علمه بالوكالة؛ وعلم الوكيل بالوكالة يثبت بالمشافهة أو الكتابة إليه، أو بإرسال\r-------------------------------\r(1) مغني المحتاج: 217/2، المهذب: 349/1، الفقه على المذاهب الأربعة: 236/3 ومابعدها.","part":5,"page":697},{"id":3543,"text":"رسول إليه، أو بإخبار رجلين أورجل واحد عدل أو غير عدل وصدقه الوكيل (1) .\r3 - أن يكون الوكيل معيناً إما بنسبة أو إشارة إليه، فلو وكل أحد رجلين لم تصح الوكالة للجهالة. وأن يكون عالماً بموكله بوصف له أو شهرة (2) .\rواشترط المالكية في الموكل والوكيل ثلاثة شروط: الحرية، والرشد، والبلوغ، فلا يصح التوكيل بين الأرقاء والأحرار، ولا بين السفهاء والمحجورين، ولا بين الصبيان أو بينهم وبين البالغين. واشترط الشافعية في الوكيل أن يكون عدلاً إذا كان وكيلاً عن القاضي أو عن الولي في بيع مال من تحت ولايته.\rوأما شروط الموكل به فهي :\r1 - ألا يكون الموكل فيه من الأمور المباحة: فلا يصح لإنسان أن يوكل غيره بالاحتطاب والاحتشاش واستقاء الماء واستخراج المعادن كالنحاس والرصاص والجواهر، فإذا حصل التوكيل في شيء مما ذكر فهو للوكيل، وليس للموكل فيه شيء. وهذا الشرط عند الحنفية، وأجاز الجمهور في الأظهر عند الشافعية التوكيل في هذه الأمور، ويقسم بينهم على قدر أجر كل منهم بلا ترجيح بينهم لحصوله بمنافع مختلفة (3) ؛ لأن تملك المباحات أحد أسباب الملك، فأشبه الشراء والبيع، فصح التوكيل فيه.\r2 - أن يكون الموكل به مملوكاً للموكل: لأن ما لا يملكه لا يتصور تفويض التصرف به لغيره، وهذا متفق عليه.\r3 - أن يكون معلوماً من بعض الوجوه بحيث لا يعظم الغرر فيه، وهذا شرط للشافعية.\r4 - ألا يكون الموكل فيه طلب قرض من الغير، فإذا وكل إنسان غيره في أن يقترض له من شخص مالاً، فقال الوكيل: أقرضني كذا، فأقرضه، كان القرض للوكيل لا للموكل، لكن يصح ذلك بطريق الرسالة، بأن يقول: أرسلني فلان ليستقرض كذا.\r5 - أن يكون قابلاً للنيابة شرعاً: وهو كل ما تصح النيابة فيه من الأمور المالية وغيرها، فلا تصح الوكالة في العبادات البدنية المحضة كالصلاة والصيام والطهارة من الحدث؛ لأن المقصود منها الابتلاء والاختبار بإتعاب النفس، وهو لا يحصل\r-------------------------------\r(1) البدائع، المرجع السابق: 20 ومابعدها، المبسوط: 158/19 ومابعدها، رد المحتار: 417/4، مغني المحتاج: 218/2.\r(2) البدائع،المرجع السابق، الدسوقي: 378/3، مغني المحتاج: 219/2، كشاف القناع: 450/3.\r(3) الفتاوى الهندية: 440/3، مغني المحتاج: 221/2، روضة الطالبين: 291/4، المغني: 81/5.","part":5,"page":698},{"id":3544,"text":"بالتوكيل، ولا يصح التوكيل باليمين؛ لأن المقصود منها إظهار صدق الحالف وتعتمد على الإجلال والتعظيم والعبودية لله تعالى، وهذا أمر شرعي، ولا يصح التوكيل بالنكاح بمعنى الوطء؛ لأن المقصود به الإعفاف وإنجاب ولد ينسب إليه.\rوتجوز الوكالة عند الجمهور في العبادات التي لها تعلق بالمال قبضاً وإخراجاً ودفعاً إلى المستحق كالزكاة والكفارة والنذر والصدقة والحج والعمرة عند العجز وبعد الموت، وذبح الهدي وجبران النقص في الإحرام بالحج أو العمرة وذبح الأضحية ونحوها (1) ؛ لأن المقصود بها إيصالها لأهلها، ولم يجز المالكية التوكيل بالحج؛ لأن المقصود به تهذيب النفس وتعظيم شعائر الله (2) ، وأما إنفاق المال فهو أمر عارض.\rوقد اختلف الفقهاء في بعض الأمور التي يجوز التوكيل بها، مما يقتضينا قسمة ما يجوز التوكيل به وما لا يجوز إلى قسمين: إما أن يكون التوكيل بحقوق الله عز وجل وهي كل الحدود عند الحنفية، وعند غيرهم ما عدا حد القذف. وإما أن يكون بحقوق العباد.\rأولاً ـ الوكالة في حقوق الله تعالى: التوكيل في حقوق الله تعالى نوعان: أحدهما ـ بالإثبات، والثاني ـ بالاستيفاء.\r1 - التوكيل بإثبات الحدود: قال الحنفية: إن كان الحد لايحتاج في إظهاره\r-------------------------------\r(1) تكملة ابن عابدين: 271/7، بداية المجتهد: 297/2، مغني المحتاج: 219/2، المغني: 83/5، الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي: 377/3 ومابعدها، روضة الطالبين: 294/4.\r(2) وضع الشافعيةضابطاً لما يجوز التوكيل فيه وما لا يجوز، فقالوا: تصح الوكالة إلا في مجهول مطلق، كأن وكله في كل قليل وكثير، وإلا في حد أو قود، أو قبض في مال ربوي أو رأس مال سلم، وإلا في وطء، أو شهادة، أو يمين كإيلاء أو لعان، أو إقرار، أو ظهار، أو عبادة إلا نُسكاً من حج أوعمرة، وتفرقة زكاة وذبح أضحية (تحفة الطلاب: ص 169).","part":5,"page":699},{"id":3545,"text":"لكن استثناء القود محل نظر كما سيأتي. عند القاضي إلى الخصومة (أي للدعوى) كحد الزنا وشرب الخمر فلا يصح فيه التوكيل بإثباته؛ لأنه يثبت عند القاضي بالبينة أو الإقرار من غير حاجة إلى رفع دعوى من صاحب الحق، فتكفي فيه شهادة الحسبة بدون دعوى. فيتلخص من هذا أنه يشترط في الموكل فيه ألا يكون حداً من الحدود التي لا يشترط فيها إقامة الدعوى كحد الزنا وحد شرب الخمر.\rوإن كان مما يحتاج فيه إلى الخصومة (أي إقامة دعوى) كحد السرقة وحد القذف فيجوز التوكيل بإثباته عند أبي حنيفة ومحمد، بإقامة البينة على الجريمة الموجبة للحد. ولا يجوز التوكيل بذلك عند أبي يوسف وإنما لا يثبت إلا بالبينة أو الإقرار من الموكل، وهذا الخلاف يجري أيضاً في إثبات القصاص، استدل أبو يوسف على رأيه؛ وهو أن الوكالة لا تجوز في إثبات الحدود والقصاص بالقياس على عدم جواز الوكالة بالاستيفاء، فكما لا يجوز التوكيل باستيفاء الحدود والقصاص لا يجوز التوكيل بإثباتها؛ لأن الإثبات وسيلة إلى الاستيفاء.\rورد أبو حنيفة ومحمد على دليل أبي يوسف بأن هناك فرقاً بين الإثبات والاستيفاء، فإن امتناع التوكيل بالاستيفاء بسبب وجود شبهة كما سنعرف، وتلك الشبهة غير متوفرة في التوكيل بالإثبات (1) .\rوقال الشافعية: لا يجوز التوكيل في إثبات حدود الله تعالى، لأن الحق فيها لله سبحانه، وهو قد أمرنا بدرء الحدود والتوصل إلى إسقاطها، وبالتوكيل يتوصل إلى إيجاب الحد، فلا يجوز. أما إثبات القصاص وحد القذف فيجوز التوكيل فيهما؛ لأنهما حق آدمي، فجاز التوكيل في إثباته، كالحق في المال (2) . ويجوز التوكيل عندهم في استيفاء الحدود كما سيأتي بيانه.\r-------------------------------\r(1) البدائع: /21، تكملة فتح القدير: 7/6، مختصر الطحاوي: ص 109.\r(2) المهذب: 349/1، مغني المحتاج: 221/2.","part":5,"page":700},{"id":3546,"text":"وقال الحنابلة (1) : يجوز التوكيل في إثبات القصاص وحد القذف في حضرة الموكل وغيبته؛ لأنهما من حقوق الآدميين، وتدعو الحاجة إلى التوكيل فيهما. وكذلك الحدود الخالصة لله تعالى كحد الزنا والسرقة: يجوز التوكيل في إثباتها؛ لأن الرسول صلّى الله عليه وسلم وكل أنيساً في إثبات واستيفاء حد الزنا، فإنه قال: «فإن اعترفت فارجمها» وهذا يدل على أنه لم يكن ثبت، وقد وكله في إثبات الحد واستيفائه جميعاً.\rوالوكيل يقوم مقام الموكل في درء الحدود بالشبهات.\r2 - التوكيل في استيفاء الحدود: اتفق أئمة المذاهب الأربعة في الجملة على أنه يجوز للحاكم التوكيل في استيفاء (2) حدود الله تعالى وفي القصاص، غير أنه قد يوجد خلاف في المذهب في صحة التوكيل بالاستيفاء حال غياب الموكل عن مجلس الاستيفاء أي والموكل غير حاضر. وأذكر هنا تفصيل كل مذهب على حدة:\r-------------------------------\r(1) المغني: 81/5 ومابعدها، غاية المنتهى: 150/2.\r(2) استيفاء: أي توفية الحد وتنفيذه على الجاني. وحقوق الله أي أن الله تعالى قرر لها عقوبة ثابتة ليس للمجني عليه فيها شأن، فلا بد من تنفيذها.","part":5,"page":701},{"id":3547,"text":"قال أبو حنيفة ومحمد: أما التوكيل من صاحب الحق باستيفاء الحدود التي تحتاج إلى إقامة الدعوى كحد القذف وحد السرقة، فإن كان الموكل حاضراً بأن يحضر هو ووكيله حال تنفيذ الحد، فإنه يجوز التوكيل إذ ليس كل أحد يحسن الاستيفاء إما لضعف قلبه أو لنقص خبرته ومعرفته. وأبو يوسف: لا يجيز التوكيل في استيفاء حد القذف وحد السرقة، كما لا يجوز التوكيل في إثباتهما، والظاهر أنه يقول: إن التوكيل في الحدود التي هي من حقوق الله تعالى لا معنى له، سواء احتاجت لدعوى أم لا؛ لأن ولي الأمر مطالب باستيفائها، فلا بد له من تنفيذها، وليس للمجني عليه فيها شأن (1) .\rوأما إن كان المقذوف والمسروق منه غائباً وقت الاستيفاء فاختلفت فيه مشايخ الحنفية.\rفقال بعضهم: يجوز التوكيل؛ لأن عدم الجواز لاحتمال حدوث العفو والصلح، وهنا لا يتأتى ذلك الاحتمال؛ لأن الأمر وصل إلى القاضي، والحق صار لله تعالى وحده، فلو عفا عنه المسروق منه لا يلتفت إليه.\rوقال بعضهم وهو الأرجح عند الحنفية: لا يجوز التوكيل بالاستيفاء؛ لأن الحدود تدرأ بالشبهات، وغيبة الموكل شبهة؛ لأنه لو كان حاضراً وقت الاستيفاء وإن لم يملك العفو والصلح إلا أنه إذا كان مقذوفاً قد يصدق القاذف فيما قذفه به، وإذا كان مسروقاً منه فقد يترك الخصومة (أي يسقط ادعاءه)، فلا يجوز استيفاء الحد مع الشبهة.\rوالنتيجة: أنه لا يصح وقوع الحد بدون حضور الموكل وهو المجني عليه.\rوأما التعازير: فيجوز التوكيل بإثباتها واستيفائها باتفاق الحنفية وباقي المذاهب (2) ، وللوكيل أن يستوفي سواء أكان الموكل غائباً أم حاضراً؛ لأن التعزير حق الشخص، ولا يسقط بالشبهات بخلاف الحدود.\rوأما التوكيل باستيفاء القصاص: فإن كان الموكل وهو ولي الدم حاضراً جاز، لأنه قد لا يقدر على الاستيفاء، فيحتاج إلى التوكيل، وإن كان غائباً لا\r-------------------------------\r(1) راجع الفقه على المذاهب الأربعة: 232/3، الإفصاح لابن هبيرة: ص 208.\r(2) البدائع،المرجع السابق، الشرح الصغير: 503/3، روضة الطالبين: 293/4، الشرح الكبير مع المغني: 207/5.","part":5,"page":702},{"id":3548,"text":"يجوز، لاحتمال صدور العفو منه عن القاتل إذا كان حاضراً، فلا يجوز استيفاء القصاص مع قيام الشبهة.\rهذا هو مذهب الحنفية في الاستيفاء (1) ، وخلاصته: أنه لا يجوز التوكيل باستيفاء الحدود والقصاص بدون حضور الموكل وهو المجني عليه وقت الاستيفاء؛ لأنها تدرأ بالشبهات، وشبهة العفو ثابتة حال غيبة الموكل، بخلاف حال حضرته أو وجوده لانتفاء الشبهة.\rوقال المالكية: تجوز الوكالة باستيفاء العقوبات في حضرة الموكل وغيبته (2) .\rوقال الحنابلة في ظاهر المذهب عندهم: تجوز الوكالة باستيفاء الحدود والقصاص في حضرة الموكل وغيبته؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلم قال: «اغد يا أنيس إلى امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها، فغدا عليها أنيس، فاعترفت، فأمر بها فرجمت» (3) وأمر النبي صلّى الله عليه وسلم برجم ماعز، فرجموه، ووكل عثمان علياً في إقامة حد الشرب على الوليد بن عقبة، ووكل علي الحسن في ذلك، فأبى الحسن، فوكل عبد الله بن جعفر، فأقامه وعلي يعد، ولأن الحاجة قد تدعو إلى التوكيل؛ لأن الإمام لا يمكنه تولي الحد بنفسه.\rوقال بعض الحنابلة كالحنفية: لا يجوز استيفاء القصاص وحد القذف في غيبة الموكل؛ لأنه يحتمل أن يعفو الموكل في حال غيبته فيسقط العقاب، وهذا الاحتمال شبهة تمنع الاستيفاء، ولأن العفو مندوب إليه، فإذا حضر احتمل أن يرحم المقتص منه أو القاذف، فيعفو.\r-------------------------------\r(1) المبسوط: 9/19، 106، فتح القدير: 104/6 ومابعدها، تكملة فتح القدير: 6/6 ومابعدها، البدائع: 21/6 ومابعدها، رد المحتار على الدر المختار: 218/4.\r(2) بداية المجتهد: 297/2، الشرح الكبير: 378/3.\r(3) تقدم تخريجه في الحدود عن أبي هريرة وزيد بن خالد الجهني، رواه الموطأ وأحمد وأصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه.","part":5,"page":703},{"id":3549,"text":"إلا أن الرأي الأول هو ظاهر مذهب الحنابلة كما ذكرت؛ لأن ما جاز استيفاؤه في حضرة الموكل جاز في غيبته كالحدود وسائر الحقوق، واحتمال العفو بعيد، والظاهر أنه لو عفا أعلم وكيله بعفوه، والأصل عدم العفو فلا يؤثر (1) .\rوقال الشافعية: يصح التوكيل في استيفاء عقوبة آدمي كقصاص وحد قذف كسائر الحقوق المالية، بل قد يجب التوكيل في حد القذف، وكذا في حد قطع الطريق، سواء في حضرة الموكل أو في غيبته.\rويصح التوكيل أيضاً للإمام في استيفاء حدود الله تعالى؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلم بعث أنيساً لإقامة الحد، وقال: «واغد ياأنيس إلى امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها» وقال عليه الصلاة والسلام في قصة ماعز: «اذهبوا به فارجموه» ووكل عثمان رضي الله عنه علياً كرم الله وجهه ليقيم حد الشرب على الوليد بن عقبة (2) . جاء في البخاري أنه صلّى الله عليه وسلم وكل في رجم من ثبت زناه. وجلد من ثبت شربه المسكر.\rوالخلاصة: إن المالكية والشافعية والحنابلة يجيزون استيفاء الحدود والقصاص مع غيبة الخصم، أما الحنفية: فلا يجيزون ذلك إلا بحضور الخصم.\rولا يجوز التوكيل في المعصية أو المحرَّم كالظهار، فلا يوكل من يظاهر عنه زوجته؛ لأنه منكر ومعصية (3) . ولا يصح التوكيل في غصب شيء أو سرقته أو ارتكاب جناية؛ لأن حكم المعاصي أو المحرمات مختص بمرتكبها، فيسأل عنها بذاته دون غيره.\r-------------------------------\r(1) المغني: 84/5، الإفصاح لابن هبيرة: /208.\r(2) مغني المحتاج: 221/2، المهذب: 349/1.\r(3) الشرح الصغير: 504/3، نهاية المحتاج: 22/5.","part":5,"page":704},{"id":3550,"text":"ثانياً ـ الوكالة في حقوق العباد: حقوق العباد تنقسم إلى قسمين:\rنوع لا يجوز استيفاؤه مع وجود شبهة كالقصاص في القتل أو الأطراف. ونوع يجوز استيفاؤه مع الشبهة. وحكم النوع الأول كما عرفنا: هو أنه يصح التوكيل في إثباته عند أبي حنيفة ومحمد.\rولا يجوز التوكيل في استيفائه حال غيبة المجني عليه؛ لأنه قد يرتفع بحضور المجني عليه وعفوه عنه، ففيه شبهة العفو، والحدود تدفع بالشبهات كما تقدم.\rوأما النوع الثاني: وهو ما يجوز استيفاؤه مع الشبهة فهو كالديون والأعيان وسائر الحقوق غير القصاص، فإنه يجوز للوكيل أن يتسلمها مع وجود شبهة عفو صاحبها، وتركها لمن هي عليه. حكم هذا النوع: أنه يصح التوكيل باستيفائه وإثباته باتفاق العلماء، والدليل على جواز التوكيل بالخصومة هو حاجة الناس؛ إذ ليس كل أحد يهتدي إلى وجوه الخصومات، وقد صح أن علياً وكل عقيلاً عند أبي بكر رضي الله عنهم، وبعد ما أسن وكل عبد الله بن جعفر عند عثمان رضي الله عنهما، وقال: إن للخصومة قُحَماً، وإن الشيطان ليحضرها، وإنى لأكره أن أحضرها (1) .\rغير أن الحنفية اختلفوا في اشتراط توافر رضا الخصم للزوم التوكيل بإثبات الدين والعين وسائر الحقوق.\rفقال أبو حنيفة: لا يلزم التوكيل بالخصومة إذا لم يكن الموكل حاضراً مجلس القضاء مع الوكيل إلا برضا الخصم إلا أن يكون الموكل مريضاً أو مسافراً مسيرة ثلاثة أيام فصاعداً أو لا يحسن الادعاء والتقاضي؛ أو كانت امرأة مستورة في خدرها، أو كانت المرأة حائضاً أو نفساء والقاضي في المسجد؛ لأنها تستحي من\r-------------------------------\r(1) رواه البيهقي، والقُحَم: جمع قُحْمة: وهي الأمر الشاق الذي لا يكاد يحتمل، وقحم الخصومات: ما يحمل الإنسان على ما يكرهه.","part":5,"page":705},{"id":3551,"text":"الحضور لمحافل الرجال، وعن الجواب بعد الخصومة، فيضيع حقها، وفي غير المذكور للخصم أن يمتنع من محاكمة الوكيل إذا لم يكن حاضراً مجلس القضاء؛ لأن حضوره مجلس الحكم ومخاصمته حق لخصمه عليه، فلم يكن له نقله إلى غيره بغير رضا خصمه كالدين الذي عليه (1) . والخلاصة: أن أبا حنيفة لا يجيز التوكيل بغير رضا الخصم لمن لا عذر له إذا لم يكن الموكل حاضراً مجلس القضاء مع الوكيل. أما إذا كان الموكل حاضراً مجلس الحكم فتجوز الوكالة بلا خلاف بين الإمام وصاحبيه.\rوقال الصاحبان وبقية الأئمة غير الحنفية: يجوز التوكيل في مطالبة الحقوق وإثباتها والمحاكمة فيها، حاضراً كان الموكل أو غائباً، صحيحاً أو مريضاً وإن لم يرض الخصم، بشرط ألا يكون الوكيل عدواً للخصم؛ لأن المذكور حق تجوز النيابة فيه، فكان لصاحبه الاستنابة بغير رضا خصمه كحال غيبته ومرضه، وكدفع المال الذي عليه، ولأنه إجماع الصحابة رضي الله عنهم، فإن علياً رضي الله عنه وكل عقيلاً عند أبي بكر رضي الله عنه، وقال: «إن للخصومة قُحَماً، ـ أي مهالك ـ وإن الشيطان ليحضرها، وإني لأكره أن أحضرها» ولأن الحاجة تدعو إلى التوكيل في الخصومات، فإنه قد يكون له حق أو يدعى عليه ولا يحسن الخصومة (2) ، أو لايريد أن يتولاها بنفسه (3) .\r-------------------------------\r(1) المبسوط: 7/19 ومابعدها، فتح القدير: 104/6-105، تكملة فتح القدير: 8/6 ومابعدها، البدائع: 22/6، مختصر الطحاوي: /108، رد المحتار: 418/4، تكملة ابن عابدين: 280/7، الفرائد البهية في القواعد الفقهية للشيخ محمود حمزة: /134، قال ابن عابدين: لاخلاف في الجواز، إنما الخلاف في اللزوم يعني هل ترتد الوكالة برد الخصم؟ عند أبي حنيفة: ترتد، وعند الصاحبين: لا ترتد ويجبر عليها.\r(2) إن أصل معنى الخصومة في اللغة: هو النزاع والجدال، ولكن هذا المعنى غير مقصود في اصطلاح الفقهاء، فيحمل مجازاً على معنى الإجابة على دعوى المدعي من قبيل ذكر المطلق وإرادة المقيد.\r(3) مختصر خليل: ص 216، الميزان: 83/2، المغني: 81/5، المهذب: 348/1، الشرح الكبير للدردير: 378/3، الإفصاح لابن هبيرة: ص 207، كشاف القناع: 471/3.","part":5,"page":706},{"id":3552,"text":"واستثنى المالكية حالة ما إذا جالس الموكل خصمه ثلاث جلسات فأكثر عند القاضي، فحينئذ لا يجوز له التوكيل إلا لعذر كمرض. واشترط الحنابلة شرطين لجواز الوكالة بالخصومة وهما:\r1 - ألا يكون التوكيل ممن علم ظلم موكله في الخصومة، لقوله تعالى: {ولا تكن للخائنين خصيماً} [النساء:105/4].\r2 - ألا يخاصم الوكيل عن الموكل في إثبات حق أو نفيه وهو غير عالم بحقيقة أمر موكله.\rوالمختار للفتوى عند الحنفية تفويض التوكيل للحكم، فإن علم القاضي التعنت من الخصم يقبل التوكيل من غير رضاه. وإن علم قصد الموكل إضرار خصمه لا يقبل التوكيل (1) .\rوالتوكيل بالشهادة: لا يجوز؛ لأن الشهادة تتعلق بعين الشاهد، لكونها خبراً عما رآه أو سمعه، ولا يتحقق هذا المعنى في وكيله (2) . وكذلك لا تصح الوكالة في النذور والأيمان، لأن فيها تعظيم الله تعالى، فأشبهت العبادة المحضة، وتعلقت بعين الحالف والناذر. ولا تصح الوكالة أيضاً في الإيلاء واللعان والقسامة؛ لأنها أيمان.\rوأما التوكيل بالإقرار في الوكالة بالخصومة: فيجوز عند الحنفية كما ذكر محمد في ( الأصل ) وعند المالكية والحنابلة، كأن يقول ( وكلتك لتقر عني لفلان بكذا ) فيقول الوكيل: ( أقررت عنه بكذا، أو جعلته مقراً بكذا )؛ لأن هذا الإقرار معناه إثبات حق في الذمة بالقول، فجاز التوكيل فيه كالبيع (3) .\r-------------------------------\r(1) الدر المختار: 418/4.\r(2) نهاية المحتاج: 22/5، المغني: 82/5.\r(3) البدائع: 22/6، بداية المجتهد: 297/2، المغني: 82/5.","part":5,"page":707},{"id":3553,"text":"وأما الشافعية: فلا يجوز عندهم في الأصح التوكيل في الإقرار؛ لأنه إخبار عن حق، فلا يقبل التوكيل كالشهادة، فإنه لا يصح التوكيل بها؛ لأنها تتعلق بعين الشاهد؛ لكونها خبراً عما رآه أو سمعه، ولا يتحقق هذا المعنى في نائبه (1) . ورد الجمهور على قياس الإقرار على الشهادة بأن هناك فرقاً بينهما، فإن الشهادة لا تثبت الحق، وإنما هي إخبار بثبوت الحق على غيره.\rويجوز فيما عدا ذلك التوكيل بقبض الدين؛ لأن الموكل قد لا يقدر على الاستيفاء بنفسه، فيحتاج إلى التفويض إلى غيره كالوكيل بالبيع والشراء وسائر التصرفات، إلا أن التوكيل بقبض رأس مال السلم وبدل الصرف: إنما يجوز في مجلس العقد، لا خارج المجلس؛ لأن الموكل نفسه يملك القبض فيه لا في غيره، وبالقبض يبرأ المدين (2) .\rوتجوز الوكالة بقضاء الدين، لأن الموكل يملك القضاء بنفسه، وقد لايتهيأ له القضاء بنفسه، فيحتاج إلى التفويض إلى غيره.\rوتجوز الوكالة بالإبراء من الدين؛ لأنه إذا جاز التوكيل في إثباتها واستيفائها، جاز التوكيل في الإبراء عنها.\rوتجوز الوكالة بطلب الشفعة وبالرد بالعيب وبالقسمة؛ لأن هذه حقوق يتولاها المرء بنفسه، فيملك توليتها غيره.\rويجوز التوكيل بالنكاح والخلع والصلح عن دم العمد والصلح عن إنكار؛ لأنه يملك هذه التصرفات بنفسه، فيملك تفويضها إلى غيره.\rويجوز أيضاً بالهبة والصدقة والإعارة والإيداع والرهن والاستعارة والارتهان والاستيهاب (أي طلب الهبة من الغير) كما ذكر.\rويجوز بالشركة والمضاربة أيضاً، كما يجوز بالإقراض والاستقراض، إلا أن في التوكيل بالاستقراض لا يملك الموكل ما استقرضه الوكيل إلا إذا قال: ( أرسلني فلان إليك ليستقرض كذا ) وحينئذ يكون المرسل رسولاً، لا وكيلاً.\r-------------------------------\r(1) مغني المحتاج: 221/2، المهذب: 349/1.\r(2) البدائع، المرجع السابق.","part":5,"page":708},{"id":3554,"text":"ويجوز التوكيل بالصلح والإبراء، كما يجوز بالطلاق والإجارة والاستئجار لما ذكر.\rويجوز بالسلم والصرف، لأنه يملكها بنفسه، فيملك تفويضهما إلى غيره، ولكن بشرط قبض البدل في مجلس العقد، كما هو معروف (1) .\rإلا أن بعض هذه العقود لا يصح للوكيل فيها أن يسندها إلى نفسه، بل لا بد من إسنادها إلى الموكل، ومنها النكاح، فلا بد من أن يقول الوكيل: ( قبلت الزواج لفلان موكلي ) أو ( زوجت فلانة موكلتي ) فإذا قال: ( قبلت الزواج ) ولم يقيده بأحد غيره، أو قال: ( قبلت الزواج لنفسي ) فإنه ينعقد له، لا لموكله.\rومنها ـ الهبة فإنه لا بد من أن يقول الوكيل فيها: ( وهب موكلي ) فإذا قال: (وهبت) لا تصح الهبة.\rومنها ـ الصلح عن دم العمد، والصلح عن إنكار: فإذا ادعى شخص على آخر مئتي درهم، فأنكر المدعى عليه، ثم وكل من يصالح على مئة، فإنه لا بد في الصلح من أن يقول الوكيل: ( قبلت الصلح لفلان على مئة مثلاً ) وإلا لم يصح الصلح. وهذا بخلاف الصلح عن إقرار فإنه يصح إضافته إلى الوكيل والموكل.\rومنها ـ التصدق: فإذا وكله في أن يتصدق من ماله بكذا، فإنه ينبغي للوكيل أن يضيف الصدقة إلى موكله، وإلا كانت من ماله.\rومنها ـ الإيداع والإعارة والرهن والشركة والمضاربة،\r-------------------------------\r(1) راجع البدائع: 23/6، بداية المجتهد: 297/2، مغني المحتاج: 220/2 ومابعدها، المغني: 81/5، المهذب: 348/1، تكملة فتح القدير: 21/6 ومابعدها.","part":5,"page":709},{"id":3555,"text":"فلا بد من إضافتها إلى الموكل (1) .\rوالخلاصة: إن كل عقد جاز أن يعقده الإنسان بنفسه، جاز أن يوكل به غيره، كما قال الحنفية (2) .\rوتجوز الوكالة بفسخ العقود؛ لأنه إذا جاز التوكيل في عقدها، ففي فسخها أولى.\rوأما التوكيل في تملك المباحات وتحصيلها: كإحياء الموات وسقاية الماء والاصطياد والاحتشاش واستخراج المعادن، فلا يجوز عند الحنفية، فإذا حصل الوكيل على شيء مما ذكر فهو له، وليس للموكل منه شيء. ويجوز عند المالكية وعند الشافعية في الأظهر، وعند الحنابلة، لأنها تملك مال بسبب لا يتعين عليه، فجاز التوكيل فيه كسائر أسباب الملك من بيع أو هبة ونحوهما (3) .\rأما الوكالة بالخصومة كالمحاماة اليوم: فتجوز في حقوق الناس، لما روي أن علياً وكل عقيلاً في الخصومة عند أبي بكر وعمر، ووكل عبد الله بن جعفر عند عثمان (4) ، ولأن الحاجة تدعو إلى التوكيل فيها، إذ قد لا يحسن المرء الدفاع عن حقوقه، أو يكره أن يتولى الخصومة بنفسه (5) .\rوأما التوكيل بالبيع والشراء: فيجوز بلا خلاف بين الفقهاء، لأنهما مما يملك الموكل مباشرتهما بنفسه، فيملك التفويض إلى غيره، إلا أن لجواز التوكيل بالشراء شرطاً: وهو الخلو عن الجهالة الكثيرة إذا كانت الوكالة خاصة.\r-------------------------------\r(1) الفقه على المذاهب الأربعة: 233/3.\r(2) راجع البداية: 109/3.\r(3) المراجع السابقة.\r(4) سنن البيهقي: 81/6.\r(5) الهداية: 136/2، مختصر خليل: ص 216، المهذب: 148/1، المغني: 81/5.","part":5,"page":710},{"id":3556,"text":"وبيان المذكور عند الحنفية أن التوكيل بالشراء نوعان: عام وخاص (1) :\rالوكالة العامة: كأن يقول الموكل: اشتر لي ما شئت أو ما رأيت، أو أي ثوب شئت أو أي دار شئت ونحوها. وهي تصح مع الجهالة الفاحشة من غير بيان النوع والصفة والثمن؛ لأنه فوض الرأي إليه، فتصح مع الجهالة الكثيرة، كما في عقد المضاربة.\rووافق المالكية الحنفية في تجويز الوكالة العامة، ويدخل فيها جميع ما تصح فيه النيابة من الأمور المالية والزواج والطلاق وغيرها، إلا ما يستثنيه الموكل من الأشياء.\rوقال الشافعية والحنابلة: لا يصح التفويض العام، كأن يوكله في كل قليل وكثير، لوجود الغرر الكثير الذي لا ضرورة إلى احتماله.\rوالوكالة الخاصة: كأن يقول الموكل: اشتر لي ثوباً أو بيتاً أو جوهراً أو شاة ونحوها، ويتنازع أمر الجهالة فيها قياس واستحسان. فالقياس: أنها لا تصح مع الجهالة قليلة كانت أم كثيرة، فلا بد من بيان الجنس والنوع والصفة ومقدار الثمن؛ لأن البيع والشراء لا يصحان مع الجهالة اليسيرة، فلا يصح التوكيل بهما أيضاً.\rوالاستحسان: أن الجهالة اليسيرة لا تؤثر، وإنما تؤثر الجهالة الكثيرة في صحة التوكيل. وجه الاستحسان: ما ثبت أن الرسول صلّى الله عليه وسلم «دفع ديناراً إلى حكيم ابن حزام ليشتري له به أضحية» .\rولو كانت الجهالة القليلة ما نعة من صحة التوكيل بالشراء، لما فعله الرسول عليه السلام؛ لأن جهالة الصفة لا ترتفع بذكر الأضحية وقدر الثمن، ولأن الجهالة القليلة في باب الوكالة لا تفضي إلى المنازعة؛ لأن مبنى التوكيل على المسامحة.\rوضابط الجهالة القليلة: هو أنه إذا كان اسم ما وكل بشرائه مما لا يتناول إلا نوعاً واحداً، وذكر فيه أحد أمرين: إما الصفة أو مقدار الثمن، فتكون الجهالة قليلة.\rوأما إذا كان اسم ما وكل بشرائه يتناول أنواعاً مختلفة أو في حكم الأنواع المختلفة، فإن الجهالة تكون كثيرة، فلا تجوز الوكالة إلا إذا بين النوع الموكل بشرائه، ولا يكفي بيان مقدار الثمن أو الصفة.\rوعلى هذا فإن الجهالة اليسيرة: هي جهالة النوع المحض أي الذي لا تتفاوت قيم آحاده تفاوتاً فاحشاً.\rوأما الجهالة الكثيرة: فهي جهالة الجنس.وعلى هذا، يغتفر الحنفية من الغرر في الوكالة ما لا يغتفرونه في البيع، والجهالة التي اعتبروها هنا: هي جهالة فاحشة مانعة من صحة البيع عند\r-------------------------------\r(1) القوانين الفقهية: ص 328، تحفة الطلاب: ص 169، غاية المنتهى: 151/2.","part":5,"page":711},{"id":3557,"text":"أكثرهم ومن لزومه عند بعضهم (1) .\rمن أمثلة الجهالة القليلة ما يلي :\rإذا قال الموكل للوكيل:( اشتر لي صوفاً انكليزياً أو هندياً أو يابانياً ) تصح الوكالة لأنه بين الصفة، أو قال: ( اشتر لي صوفاً بألف ليرة ) تصح الوكالة، لأنه بين مقدار الثمن.\rولو قال: ( اشتر لي حماراً أو بغلاً أو فرساً أو بعيراً ) ولم يبين له صفة ولا ثمناً، قالوا: تصح الوكالة؛ لأن النوع معلوم، وهو لا يختلف باختلاف أفراده، وأما الصفة فهي معلومة هنا أيضاً، وذلك بحسب حال الموكل.\rولو قال ( اشتر لي شاة أو بقرة ) ولم يذكر صفة ولا ثمناً: لا تصح الوكالة؛ لأن الشاة والبقرة لا تصير معلومة الصفة بحال الموكل، ولا بد من أن يكون أحدهما معلوماً كما ذكر.\rومن أمثلة الجهالة الكثيرة ما يأتي :\rإذا قال الموكل للوكيل: اشتر لي حيواناً أو ثوباً أو دابة أو أرضاً أو جوهراً أو حنطة أو داراً ونحوها، لا تصح الوكالة لوجود الجهالة الفاحشة؛ لأن كل واحد من هذه الأشياء اسم يقع على أنواع مختلفة، الثوب مثلاً يطلق على ثوب الحرير والقطن والكتان والصوف ونحوها، فكان لا بد من ذكر نوع معين بأن يقول: اشتر لي ثوباً قطنياً من صنع دمشق مثلاً، أو يقول: ( اشتر لي حنطة بثمن كذا، أو بوزن كذا ) (1) .\r-------------------------------\r(1) رسالة الغرر وأثره في العقود للدكتور الصديق الأمين: ص 559.\r(2) راجع المبسوط 38/19 ومابعدها، البدائع: 23/6، تكملة فتح القدير: 27/6 ومابعدها، رد المحتار على الدر المختار: 420/4، تكملة رد المحتار: 365/7.","part":5,"page":712},{"id":3558,"text":"المبحث الثالث ـ أحكام الوكالة :\rإذا وقعت الوكالة صحيحة كان لها أحكام تتعلق بالتصرفات التي يملكها الوكيل، وبالحقوق التي ترجع له في التوكيل بالبيع والشراء، وبحال المقبوض في يده، هل يعتبر أمانة أو مضموناً؟\rأولاً ـ تصرف الوكيل:\rيترتب على الوكالة ثبوت ولاية التصرف الذي تناوله التوكيل، وسأذكر هنا أنواع الوكالات لمعرفة أوجه التصرف التي يملكها الوكيل والتي لا يملكها.\r1 - الوكيل بالخصومة (المحامي ) :\rأ - صلاحية الإقرار: الوكيل بالخصومة أي بالمرافعة أمام القاضي مثل المحامي اليوم، يملك الإقرار على موكله بغير القصاص والحدود عند جمهور الحنفية؛ لأن الوكيل بالخصومة وكيل بالجواب عن دعوى المدعي لبيان الحق وإثباته، لا المنازعة فيه. والجواب قد يكون إنكاراً، وقد يكون إقراراً (1) . وقيده أبو حنيفة ومحمد أن يكون الإقرار في مجلس القاضي، بينما لم يقيده أبو يوسف، فأجاز إقرار الوكيل في مجلس القاضي وغيره.\rوقال زفر ومالك والشافعي وأحمد: إذا كانت الوكالة مطلقة، فلا تتضمن الإقرار على الموكل، فلو وكل رجلاً في الخصومة لم يقبل إقراره على موكله بقبض الحق وغيره؛ لأن الوكالة بالخصومة معناها التوكيل بالمنازعة، والإقرار مسالمة؛ لأنه معنى يقطع الخصومة، فهو يتنافى مع معنى الوكالة بالخصومة، فلا يملكه الوكيل فيها كالإبراء. وفارق الإقرار الإنكار: بأنه لا يقطع الخصومة، ولأن الوكيل لا يملك الإنكار على وجه يمنع الموكل من الإقرار، فلو ملك الإقرار لامتنع على الموكل الإنكار، وهو لا يجوز بدليل أن الوكيل لا يملك المصالحة عن الحق ولا الإبراء منه بدون خلاف (2) .\rواستثنى المالكية حالة كون الوكيل عاماً وجعل له الموكل الإقرار في عقد الوكالة، وحالة اشتراط خصم الموكل أن يجعل الإقرار لوكيله، بأن يقول له: لاأتعاطى المخاصمة مع وكيلك حتى تجعل له الإقرار.\rومنشأ الخلاف في الحقيقة هو في قاعدة «هل الأمر المطلق الكلي يقتضي الأمر بشيء من جزئياته أو لا يقتضي؟» قال الحنفية: يقتضي ما ذكر، لاشتمال الكلي على الجزئي ضرورة، فيصح إقرار الوكيل بالخصومة.\r-------------------------------\r(1) البدائع: 24/6، تكملة فتح القدير: 10/6، المبسوط: 4/19 ومابعدها، الدر المختار: 430/4، الكتاب مع اللباب: 151/2.\r(2) بداية المجتهد: 297/2، الشرح الكبير: 379/3، المهذب: 351/1، المغني: 91/5.","part":5,"page":713},{"id":3559,"text":"وقال غير الحنفية: لا يقتضي ما ذكر، إذ لا اختصاص للجنس بنوع من أنواعه ولا فرد من أفراده، فلم يصح إقرار الوكيل بالخصومة؛ لأن اللفظ من حيث إطلاقه لا يتناوله، والقرينة العرفية إن لم تنفه فلا تقتضيه.\rوبناء عليه قال الجمهور غير الحنفية:\rليس للوكيل المطلق ببيع شيء كأن يقول الموكل للوكيل: بع هذه العين، أن يبيعه بالغبن الفاحش ولا بثمن المثل ولا بدون ثمن المثل، ولا بالنقد ولا بالنسيئة، إذ لا اختصاص للجنس بنوع من أنواعه ولا فرد من أفراده، وإنما ملك البيع بثمن المثل، لقيام القرينة الدالة على الرضا بسبب العرف (1) .\rثم إن الحنفية القائلين بجواز إقرار الوكيل اختلفوا في مكان صحته:\rفقال أبو حنيفة ومحمد: يصح إقرار الوكيل في مجلس القاضي لا في غيره، فيما عدا الحدود والقصاص؛ لأن الموكل فوض الأمر إليه، لكن في مجلس القضاء؛ لأن التوكيل هو بالخصومة أو بجواب الخصومة، وكل ذلك يختص بمجلس القاضي، بدليل أن الجواب لا يلزم في غير مجلس القاضي.\r-------------------------------\r(1) تخريج الفروع على الأصول: ص 100.","part":5,"page":714},{"id":3560,"text":"وقال أبو يوسف: يصح إقرار الوكيل في مجلس العقد وفي غيره؛ لأن التوكيل تفويض ما يملكه الموكل إلى غيره، وإقرار الموكل لا تقف صحته على مجلس القاضي، فكذا إقرار الوكيل (1) .\rواتفق الحنفية على أنه إذا وكل بالخصومة، واستثنى الإقرار وتزكية الشهود في عقد الوكيل يصح، ويكون وكيلاً بالإنكار. وإذا كان الاستثناء بكلام منفصل عن العقد بعد أن تم التوكيل مطلقاً، فيصح عند أبي يوسف. ولا يصح عند محمد.\rواتفق العلماء على أن إقرار الأب والوصي وأمين القاضي على الصغير لايصح.\rب ـ صلاحية القبض: إن الوكيل بالخصومة في مال إذا قضى القاضي به يملك قبضه عند جمهور الحنفية، وعند زفر: لا يملك، ودليله: أن المطلوب من الوكيل بالخصومة الاهتداء إلى الحق، ومن الوكيل بالقبض الأمانة، وليس كل من يهتدي إلى شىء يؤتمن عليه، فلا يكون التوكيل بالخصومة توكيلاً بالقبض.\rورد جمهور الحنفية على دليل زفر بأن الموكل لما وكل غيره بالخصومة فقد ائتمنه على قبضه؛ لأن الخصومة فيه لا تنتهي إلا بالقبض، فكان التوكيل بها توكيلاً بالقبض (2) .\rقال صاحب الهداية: والفتوى اليوم على قول زفر رحمه الله ، لظهور الخيانة في الوكلاء، وقد يؤتمن على الخصومة من لا يؤتمن على المال (3) .\rوقال الشافعية والحنابلة: إن الوكيل بالخصومة لا يملك القبض؛ لأنه غير مأذون به صراحة ولا عرفاً، إذ ليس كل من يرضاه لتثبيت حقه يرضاه لقبضه (4) .\rجـ ـ صلاحية الصلح والإبراء: لا يملك الوكيل بالخصومة عند الحنفية والشافعية المصالحة عن الحق الموكل به ولا الإبراء عنه (5) .\rد ـ توكيل الوكيل بالخصومة غيره: ليس للوكيل بالخصومة أن يوكل غيره، إلا إن أذن له الموكل؛ لأن الناس متفاوتون في الكفاءة في الخصومة، وقد رضي الموكل برأي الوكيل لا برأي غيره (6) .\r2 - الوكيل بتقاضي الدين (7) : إن أصل المنقولة عن أئمة الحنفية تقضي بأن الوكيل بتقاضي الدين يملك قبض الدين؛ لأن حق التقاضي لا يتم المقصود منه إلا بالقبض، فكان التوكيل به توكيلاً بالقبض، ولأن التقاضي بمعنى القبض في الوضع اللغوي، يقال: تقاضيته ديني وبديني، واقتضيته ديني واقتضيت منه حقي أي أخذته. وقال في القاموس: وتقاضاه الدين: قبضه منه.\r-------------------------------\r(1) البدائع، المرجع السابق، تكملة فتح القدير: 102/6 ومابعدها.\r(2) البدائع: 6 ص 24 ومابعدها، تكملة فتح القدير: 96/6.\r(3) تكملة فتح القدير: 97/6، المبسوط: 19/19، مجمع الضمانات: ص 261.\r(4) المهذب: 351/1، المغني: 91/5.\r(5) تكملة ابن عابدين: 365/7، المهذب: 351/1.\r(6) المبسوط: 12/19.\r(7) تقاضي الدين لغة: هو أخذ الدين، وعرفاً: هو المطالبة بالدين، والعرف قاضٍ على اللغة، كما هو معروف.","part":5,"page":715},{"id":3561,"text":"ولكن المتأخرين من الحنفية قالوا: إن الوكيل بتقاضي الدين لا يملك القبض عرفاً؛ لأن الناس في هذا الزمان فسدت أحوالهم، فلا يرضون بقبض الوكلاء لتهمة الخيانة في أموال بعضهم بعضاً. وهذا هو المفتى به عملاً بتعارف الناس، والعرف قاض على أصل وضع المذهب (1) .\rوالوكيل بتقاضي الدين لا يملك أن يوكل غيره؛ لأن الناس يتفاوتون في التقاضي، فقد يتضايق المدين من تقاضي بعض الناس.\r3 - الوكيل بقبض الدين: اختلف أئمة الحنفية في أن الوكيل بقبض الدين، هل يملك الخصومة في إثبات الدين إذا أنكر المدين أو لا؟\rفقال أبو حنيفة: يملك الخصومة في إثبات الدين، حتى لو أقيمت عليه البينة على استيفاء الموكل الدين من المدين أو إبرائه المدين عن الدين تقبل البينة. ودليله: أن التوكيل بقبض الدين توكيل بالمبادلة (أي أن يتملك المقبوض بمقابلة ما في ذمة المدين قاصاً) والحقوق في مبادلة المال بالمال تتعلق بالعاقد كما في البيع والإجارة، والوكيل هنا هو العاقد.\r-------------------------------\r(1) انظر البدائع: 25/6، تكملة فتح القدير: 97/6، المبسوط: 67/19 ومابعدها، رد المحتار على الدر المختار لابن عابدين: 429/4، الكتاب مع اللباب: 150/2.","part":5,"page":716},{"id":3562,"text":"ولإيضاح كون قبض الدين يعتبر مبادلة قيل: إن الديون تقضى بأمثالها؛ لأن قبض نفس الدين غير متصور استيفاؤه، لأنه وصف ثابت في ذمة من عليه الدين، فكان استيفاء الدين عبارة عن نوع مبادلة، وهو مبادلة ما يأخذه عيناً بما في ذمة المدين، فأشبهت هذه العملية عملية البيع، وحقوق عقد البيع يمارسها العاقد نفسه، فإذا كان البيع قد تم بواسطة وكيل عن البائع، فإن الوكيل هو المسؤول أمام المشتري عن كل ما يتعلق بالتزامات العقد مثل تسليم المبيع وكونه خالياً من العيوب ونحوهما، كما أنه هو الذي يطالب بتسليم الثمن.\rوقال الصاحبان: إن الوكيل بقبض الدين لا يكون وكيلاً بالخصومة؛ لأن القبض هو استيفاء عين الحق، فهو غير الخصومة، وليس كل من يؤتمن على المال يهتدي إلى وجه الخصومة، فلا يكون الرضا بالقبض رضا بالخصومة.\rواتفق الحنفية على أن الوكيل بقبض العين كالكتاب مثلاً لا يملك الخصومة، لأنه أمين محض حيث لا مبادلة هنا، لكونه وكيلاً بقبض عين حق الموكل، والقبض ليس بمبادلة، فأشبه الرسول. وعلى هذا إذا وكل إنسان غيره بقبض كتاب له من شخص آخر، فأقام من بيده الكتاب بينة على أن الموكل باعه إياه، وقف الأمر حتى يحضر الموكل.\rواتفقوا أيضاً على أن الوكيل بملازمة المدين ليحمله على وفاء الدين: لا يملك قبض الدين ولا الخصومة فيه.\rوكذلك اتفق أئمة الحنفية الثلاثة على أن الوكيل بالخصومة وكيل بالقبض؛ لأن من ملك شيئاً ملك تمامه، وتمام الخصومة بالقبض. وقال زفر: ليس وكيلاً بالقبض لأن الموكل رضي بخصومته والقبض غير الخصومة، ولم يرض به. والفتوى على قول زفر، لظهور الخيانة في الوكلاء، وقد يؤتمن على الخصومة من لا يؤتمن على المال.","part":5,"page":717},{"id":3563,"text":"أما الوكيل بطلب الشفعة أو بالرد بالعيب أو بالقسمة فإنه يملك الخصومة بالاتفاق أيضاً؛ لأن الوكيل بأخذ الشفعة وكيل بالمبادلة؛ لأن الأخذ بالشفعة بمنزلة الشراء، وكذا الرد بالعيب والقسمة فيهما معنى المبادلة، فكانت الخصومة فيها من حقوقها (1) .\rوقال الشافعية والحنابلة: إن الوكيل بقبض الدين أو العين يكون وكيلاً بالخصومة في إثباته في أحد الوجهين؛ لأنه لا يتوصل إلى القبض إلا بالإثبات، فكان إذناً فيه عرفاً، ولأن القبض لا يتم إلا به. وفي وجه آخر لا يكون وكيلاً بالخصومة؛ لأن الإذن بالقبض ليس بإذن في الإثبات لا نطقاً ولا عرفاً؛ لأنه ليس في العرف أن من يرضاه للقبض يرضاه للإثبات. وكذلك هناك وجهان عندهم في الوكالة لطلب الشفعة أو قسمة شيء (2) .\rويظهر لنا أن الأصح من الوجهين هو الثاني عند الشافعية، والأول عند الحنابلة.\rوهناك أحكام أخرى عند الحنفية تتعلق بالوكيل بالقبض، منها:\rتوكيل الوكيل بالقبض غيره: القاعدة العامة هي أن الوكيل لا يجوز له أن يوكل غيره فيما وكل به، بدون إذن موكله أو أن يقول له: اعمل برأيك؛ لأن الموكل رضي برأيه وأمانته وحده، والناس متفاوتون في الآراء والأمانة. ولكن مع هذا ينبغي أن نقسم الوكالة عند الحنفية إلى قسمين لمعرفة مدى انطباق هذه القاعدة، وهما: الوكالة العامة والوكالة الخاصة.\rفإذا كانت الوكالة عامة: بأن قال الموكل وقت التوكيل بالقبض: اصنع ما شئت، أو ما صنعت من شيء فهو جائز علي، أو نحوه، فإنه يجوز للوكيل أن يوكل غيره بالقبض، عملاً بمقتضى العموم.\rوإذا كانت الوكالة خاصة: بأن لم يقل الموكل لفظاً يشعر بعموم الإذن بالتصرف، فإنه لا يجوز للوكيل أن يوكل غيره بالقبض؛ لأن الوكيل يتصرف بتفويض الموكل، فيملك قدر ما فوض إليه.\r-------------------------------\r(1) المبسوط: 17/19، البدائع: 25/6، تكملة فتح القدير: 99/6-102، رد المحتار: 429/4، الكتاب مع اللباب: 150/2....\r(2) المهذب: 351/1، المغني: 91/5 ومابعدها.","part":5,"page":718},{"id":3564,"text":"فإن وكل مع ذلك وقبض الوكيل الثاني لم يبرأ المدين من الدين، لأن توكيله بالقبض إذا لم يصح، فقبضه وقبض الأجنبي سواء، إلا إذا وصل ما قبض إلى الوكيل الأول، فيبرأ المدين من الدين، لأنه وصل إلى يد من هو نائب الموكل في القبض.\rفإن هلك المقبوض في يد القابض قبل أن يصل إلى الوكيل الأول، ضمن القابض للمدين، وكان للدائن أن يأخذ الدين من المدين؛ لأن التوكيل بالقبض لم يصح، فإذا أخذه منه، رجع على من دفعه إليه، فيرجع هذا بما ضمن على الوكيل الأول إن هلك ما قبض في يده، لأنه صار مغروراً به من جهته بتوكيله بالقبض، فيرجع عليه، إذ كل غار ضامن للمغرَّر به بما لحقه من المسؤولية من جهة ضمان الكفالة (1) .\rوقال المالكية:ليس للوكيل أن يوكل غيره إلا أن يكون الوكيل لا يليق به تولي ما وكل فيه بنفسه،كأن يكون وجيهاً، والموكل به أمر حقير، فله التوكيل حينئذ (2) .\rوقال الشافعية والحنابلة: ليس للوكيل أن يوكل فيما وكل به بلا إذن الموكل متى كان قادراً على ما وكل فيه، أما إذا لم يكن قادراً على القيام بكل ما وكل فيه فله أن يوكل غيره (3) .\rأخذ العوض عن الدين: ليس للوكيل بقبض الدين أن يأخذ عيناً مكان الدين؛ لأن هذا يعتبر معاوضة، وعقد المعاوضة ليس من صلاحية الوكيل بالقبض، لأنه موكل بقبض الحق لا غير، لا بالاستبدال ولا بالاعتياض (4) .\rتوكيل اثنين بقبض الدين: لو وكل إنسان وكيلين بقبض دينه، فليس لأحدهما أن ينفرد بالقبض دون صاحبه؛ لأن الموكل رضي برأيهما لا برأي أحدهما، فإن قبض أحدهما لم يبرأ الغريم، حتى يصل ما قبض أحدهما إلى\r-------------------------------\r(1) البدائع: 25/6، تكملة فتح القدير: 89/6 ومابعدها.\r(2) الشرح الكبير للدردير: 388/3.\r(3) مغني المحتاج: 226/2، المغني: 88/5.\r(4) البدائع، المرجع السابق: ص 26.","part":5,"page":719},{"id":3565,"text":"صاحبه، فيقع المقبوض في أيديهما جميعاً، أو يصل إلى الموكل؛ لأن المقصود بالقبض قد حصل، فكأنهما قد قبضاه من ابتداء الأمر (1) .\rقبض الشيء معيباً: لو أن الوكيل بقبض الدين قبضه، فوجده معيباً، فما كان للموكل رده فله رده، وأخذ بدله، لأنه قائم مقام الموكل، فهو يملك قبض حقه أصلاً ووصفاً، فكذا الوكيل (2) .\rادعاء الوكالة عن الغائب في قبض الدين: إذا ادعى إنسان أنه وكيل فلان الغائب في قبض دينه، فصدقه المدين، أمر بتسليم الدين إليه (3) ؛ لأن تصديق المدين إياه معناه: أنه أقر بالدين على نفسه، ومن أقر على نفسه بشيء أمر بتسليمه إلى المقر له.\rوحينئذ إذا حضر رب الدين الغائب، فصدق مدعي الوكالة بأنه وكيله، فبها ونعمت، وإن لم يصدقه، فهناك ثلاثة أوجه:\rأحدها: إن صدق المدين مدعي الوكالة، ودفع الدين إليه، فإنه يدفع إلى الدائن دينه مرة أخرى؛ لأنه إذا أنكر الوكالة، لم يثبت للدائن استيفاء حقه، والقول في إنكار الوكالة قول رب الدين مع يمينه؛ لأن الدين كان ثابتاً، والمدين يدعي أمراً عارضاً وهو سقوط الدين بأدائه إلى الوكيل، ورب الدين ينكر الوكالة، ومن المعروف أن القول قول المنكر مع يمينه،وإذا لم يثبت الاستيفاء يفسد الأداء إلى مدعي الوكالة، وحينئذ يجب الدفع ثانية إلى رب الدين؛ لأن أداء الدين واجب على المدين، ثم يرجع المدين بما دفعه ثانياً على مدعي الوكالة إن كان المال باقياً في\r-------------------------------\r(1) تكملة فتح القدير، المرجع السابق: ص 86 ومابعدها.\r(2) البدائع، المرجع السابق.\r(3) أي إلى مدعي الوكالة.....","part":5,"page":720},{"id":3566,"text":"يده؛ لأن غرض المدين من الدفع إلى الوكيل براءة ذمته من الدين، ولم تحصل تلك البراءة، فيحق للمدين أن ينقض قبض الوكيل. وإن كان ما دفعه إليه، ضاع في يده، لم يرجع المدين على الوكيل؛ لأن المدين بتصديق الوكيل اعترف أن الوكيل محقّ في القبض، والمحق في القبض لا رجوع عليه، ولأن المدين بتصديقه اعترف أنه مظلوم في أخذ الدين مرة ثانية، والمظلوم لا يظلم غيره.\rولكن إذا قال مدعي الوكالة: إني وكيل فلان الغائب بقبض الوديعة التي عندك، فصدقه الوديع، لم يؤمر بالتسليم إليه؛ لأنه أقر له بمال الغير، بخلاف الدين، لأن الدين حق شخصي ثابت في الذمة، فيلزم المدين إذا صدق المدعي بتسليمه الدين عملاً بإقراره، أما في حالة الوديعة فلا يلزم بتسليمها إلى مدعي الوكالة؛ لأن حق المودع فيها حق عيني، وهو الملكية المتعلقة بعينها، فلا يعمل بإقراره لمساسه بحق الغير. أما الدين فيقتصر أثر الإقرار فيه على المقر فينفذ.\rوالثاني: إن صدق المدين مدعي الوكالة وضمنه عند الدفع بأن يقول له: اضمن لي ما دفعته عن الدائن، حتى لو أخذ مني الدائن ماله آخذ منك ما دفعته إليك، فإن المدين يرجع على الوكيل حينئذ بما دفعه له أولاً؛ لأن الذي أخذه الدائن منه مرة ثانية ضامن له في زعم الوكيل والمدين؛ لأن الدائن في نظرهما يعتبر غاصباً فيما يقبضه ثانياً. وكأن هذا يعتبر كفالة من مدعي الوكالة كما لو قال: «أنا ضامن لك ما يقبضه منك فلان» ، وهذه الكفالة صحيحة؛ لأنها كالكفالة المضافة إلى وجوب شيء في المستقبل على المكفول عنه، أي بما يجب على إنسان في المستقبل.","part":5,"page":721},{"id":3567,"text":"والثالث : إذا كذب المدعي مدعي الوكالة، أو لم يصدق ولم يكذب ومع ذلك دفع الدين إليه على ادعائه، فإن رجع صاحب المال على المدين، رجع المدين على الوكيل، لأنه إذا كذبه، صار الوكيل في حقه، بمنزلة الغاصب، وللمغصوب منه حق الرجوع على الغاصب قطعاً. وإذا لم يصدقه ولم يكذبه في ادعاء الوكالة، فهو إنما دفع إليه على رجاء أن يجيزه صاحب المال، فإذا انقطع رجاؤه بسبب أخذ الدائن حقه منه، رجع المدين الغريم على الوكيل (1) .\r4 - الوكيل بالبيع: الوكيل بالبيع إما أن يكون مطلق التصرف أو مقيد التصرف. فإن كان مقيد التصرف، فيراعى فيه القيد بالاتفاق، فإذا خالف قيده، لا ينفذ تصرفه على الموكل، ولكن يتوقف على إجازته إلا إذا كانت مخالفته إلى خير؛ لأنه محقق لمقصوده ضمناً. بيانه بالمثال: أن يقول الموكل: بع بستاني هذا بألف ليرة، فباعه بأقل من ألف، لا ينفذ لأنه خلاف إلى شر، وإن باعه بأكثر من ألف ليرة نفذ لأنه خلاف إلى خير. وإذا وكله بالبيع نقداً، فباع مؤجلاً لم ينفذ، بل يتوقف على إجازة الموكل. أما إذا وكله بالبيع مؤجلاً فباع نقداً نفذ.\rوإذا وكله بالبيع في مكان معين لكون الثمن فيه أجود أو أكثر، لا يجوز له البيع في غيره عند الشافعية والحنابلة؛ لأنه قد يفوت غرضه. وكذا عند الحنفية إن أكده بالنفي، فقال له: لا تبعه إلا في سوق كذا.\rوإذا وكله بالبيع في زمان معين، لزمه بيعه فيه؛ لأنه قد يحقق له مصلحة أو حاجة في ذلك الزمان بعينه.\rوإذا وكله بالبيع من رجل بعينه، لا يجوز له أن يبيعه لغيره؛ لأنه قد يؤثر الموكل تمليك هذا الرجل دون غيره.\rوإذا وكله بالبيع بمئة مثلاً، لا يجوز أن يبيع بأقل منها، لفوات المقدار المنصوص عليه، ومخالفته للإذن الصادر.\r-------------------------------\r(1) تكملة فتح القدير مع العناية: 113/6 ومابعدها، البدائع: 26/6 ، مجمع الضمانات: ص 253، الكتاب مع اللباب: 152/2.","part":5,"page":722},{"id":3568,"text":"وإن كان الوكيل مطلق التصرف، فيعمل بمقتضى الإطلاق عند أبي حنيفة، فيجوز له أن يبيع بأي ثمن كان، قليلاً أو كثيراً، وإن كان بغبن فاحش، أو كان الثمن عيناً أو ديناً في الذمة. دليله: أن الأصل في اللفظ المطلق أن يجري على إطلاقه، ولا يجوز تقييده إلا بدليل كوجود تهمة، فيتناول كل ما يطلق عليه البيع، ولا يعتمد على العرف؛ لأن العرف متعارض، فإن البيع بغبن فاحش ليتوصل بثمن المبيع إلى شراء ما هو أربح منه متعارف أيضاً، فلا يجوز تقييد المطلق مع تعارض العرف.\rوقال الصاحبان وبه أخذ الطحاوي وهو الراجح المفتى به عند الحنفية: لا يجوز للوكيل بالبيع مطلقاً أن يبيع إلا بالنقود الرائجة في البلد (أي الأثمان المطلق في اصطلاح الفقهاء) وبمثل القيمة، فلا يجوز البيع إلا بما يتغابن الناس فيه عادة، والمقدار الذي يتغابن الناس فيه عند الطحاوي كما ذكر محمد في الجامع الصغير: هو نصف العشر فأقل منه، ودليلهما: أن الوكالة بالبيع مطلقاً تنصرف إلى البيع المتعارف، والبيع بغير النقود أوبغبن فاحش ليس بمتعارف، وإنما المتعارف هو البيع بالنقود وبثمن المثل، فيتقيد الإطلاق بالعرف، كما في التوكيل بالشراء (1) .\rوالصحيح في تقدير الغبن الذي يفصل بين الغبن اليسير والغبن الفاحش: هو ما روي عن محمد رحمه الله في النوادر: وهو أن كل غبن يدخل تحت تقويم المقومين، فهو يسير، وما لا يدخل تحت تقويم المقومين فهو فاحش (2) .\r-------------------------------\r(1) البدائع: 27/6، مختصر الطحاوي: ص 111، تكملة ابن عابدين: 383/7، تكملة فتح القدير: 70/6 وما بعدها، مجمع الضمانات: ص 249، مختصر خليل: ص 216 ومابعدها، المجموع: 563/13، المهذب: 353/1 وما بعدها، الكافي لابن قدامة: 254/2، طبع المكتب الإسلامي، كشاف القناع: 463/3 ومابعدها.\r(2) تكملة فتح القدير، المرجع السابق: ص 76-77، البدائع: 30/6، الدر المختار: 425/4.","part":5,"page":723},{"id":3569,"text":"وضبطاً للمقاييس القضائية حددت مجلة الأحكام العدلية (م 165) الغبن الفاحش بما يعادل 5% في المنقولات، و 10% في الحيوان، والخمس أو 20% في العقارات، أو أزيد من ذلك، وما دونه غبن يسير.\rوقال جمهور العلماء بما قال به الصاحبان، فلم يجيزوا البيع بأقل من ثمن المثل بما لا يتغابن الناس به من غير إذن الموكل؛ لأن الوكيل منهي عن الإضرار بالموكل، مأمور بالنصح له، كما لم يجيزوا البيع بغير نقد البلد (أي بلد البيع) بدلالة القرينة العرفية عليه (1) . فإن كان في البلد نقدان باع بالغالب منهما، وإن استويا باع بما هو أنفع للموكل.\rويجري هذا الخلاف في صفة البيع نقداً أو نسيئة: فقال أبو حنيفة: يملك الوكيل البيع بالنقد وبالنسيئة، لإطلاق الوكالة.\rوقال الصاحبان وجمهور العلماء: لا يملك الوكيل إلا البيع بالنقد أي حالاً غير مؤجل؛ لأن الأصل في البيع النقد، وإنما يحصل التأجيل لظروف طارئة كما في أحوال الكساد (2) .\rوأما الوكيل بالشراء: فلا يجوز له بالاتفاق أن يشتري إلا بثمن المثل أو بما يتغابن الناس في مثله عادة، ولا يجوز بما لا يتغابن الناس في مثله. ففي الوكالة بالشراء يتفق أبو حنيفة مع بقية العلماء. والسبب في تفرقته بين البيع والشراء: هو أن الشراء يشتمل على التهمة، فإن الوكيل الذي يشتري الشيء الموكل به يستحسن\r-------------------------------\r(1) الشرح الكبير: 382/3، المهذب: 353/1 ومابعدها، مغني المحتاج: 223/2 ومابعدها، المغني: 124/5، بداية المجتهد: 298/2، قواعد الأحكام لابن عبد السلام، ط الاستقامة: 107/2.\r(2) المراجع السابقة.","part":5,"page":724},{"id":3570,"text":"هذا الشيء فيشتريه لنفسه، فإذا لم يوافقه بأن تبين فيه الغبن، ألحق الشراء بغيره وهو الموكل، ومثل هذه التهمة غير متحققة في البيع (1) .\rبيع الوكيل بعض الموكل ببيعه: إذا باع الوكيل بعض الموكل ببيعه فهو على وجهين:\rأ ـ إن كان ذلك مما لا ضرر في تبعيضه، جاز باتفاق الحنفية، وذلك مثل المكيل والموزون، أو بيع شيئين كدارين، فباع إحداهما، جاز اتفاقاً.\rب ـ وإن كان في تبعيضه ضرر بأن وكله ببيع كتاب، فباع نصفه، جاز عند أبي حنيفة رحمه الله . وعند الصاحبين والشافعية والحنابلة: لا يجوز إلا بإجازة الموكل، أو بيع النصف الباقي، دليلهم: أن التوكيل ينصرف إلى المتعارف، وبيع النصف غير متعارف، لما فيه من ضرر الاشتراك بملكية الأعيان، ويجب دفع الضرر.\rودليل أبي حنيفة: هو أنه كما يجوز للوكيل بيع الكل بهذا القدر من الثمن الذي باع به، يجوز بيع البعض به من باب أولى؛ لأنه نفع موكله حيث أمسك البعض على ملكه.\rوأما الوكيل بالشراء: فلا يجوز له باتفاق الحنفية أن يشتري البعض إلا بإجازة الموكل، أو بشراء البعض الآخر. والفرق بين الوكيل بالشراء والوكيل بالبيع عند أبي حنيفة: هو أن الشراء تتحقق فيه التهمة بعكس البيع، كما عرفنا، فلا يجوز للوكيل بالشراء أن يشتري البعض بثمن الكل (2) .\r-------------------------------\r(1) البدائع، المرجع السابق، تكملة الفتح، المرجع السابق: ص 75، رد المحتار: 424/4، تكملة المجموع: 573/13، المغني: 127/5.\r(2) البدائع: 27/6 ومابعدها، تكملة فتح القدير: 78/6 ومابعدها.","part":5,"page":725},{"id":3571,"text":"أخذ الشافعية والحنابلة كما تقدم بمذهب الصاحبين في بيع بعض الموكل ببيعه (1) . وأما المالكية فقالوا: إن لفظ الموكل العام يتخصص بالعرف (2) . والعرف في بيع كتاب مثلاً أن يعقد على جميعه.\rإبراء المشتري من الثمن: الوكيل بالبيع يملك عند أبي حنيفة إبراء المشتري من الثمن، وله أن يؤخره عنه كما له أن يأخذ عوضاً به أو أن يصالحه على شيء، أو يحال به على شخص آخر، ويكون حينئذ ضامناً الثمن للموكل. دليله: أن قبض الثمن من حق الوكيل. فتكون هذه التصرفات حقاً له، ولكن يضمن الثمن للموكل؛ لأنه وإن كان التصرف في حق نفسه، لكنه تعدى إلى ملك غيره بالإتلاف، فيجب عليه الضمان (3) .\rولا يملك الوكيل عند الصاحبين شيئاً مما ذكر؛ لأنه تصرف في حق الموكل بغير إذنه.\rتوكيل الوكيل بالبيع غيره: ليس للوكيل بالبيع بالاتفاق أن يوكل غيره بدون إذن موكله؛ لأن الوكالة ملحوظ فيها خصوص شخص الوكيل لاعتبارات تتعلق بالرأي والخبرة والأمانة ونحوها (4) . واستثنوا مما قالوا ما يأتي:\rأ ـ أن يكون الموكل فيه مما لا يليق بمروءة الوكيل، كبيع دابة في السوق، والحال أن الوكيل شريف النفس لا يناسبه تولي مثل البيع بنفسه.\rب ـ أن يكون الموكل فيه كثيراً مما لايمكنه تولي العمل كله بنفسه إلا بمساعدة غيره.\rجـ ـ أن يكون الموكل فيه مما يحتاج إلى مهارة خاصة كالهندسة ونحوها، والوكيل ليس أهلاً لذاك. وهذا في الوكيل الخاص، أما الوكيل العام عند الحنفية والمالكية فيجوز له توكيل غيره مطلقاً.\rالتصرفات المشبوهة أو المتهم فيها بالمحاباة: ليس للوكيل بالبيع أن يبيع لنفسه؛ لأنه متهم في تصرفه، ولأن حقوق العقد تعود إلى الوكيل، فيؤدي بيعه من نفسه إلى أن يكون الشخص الواحد في زمان واحد مسلِّماً ومتسلماً مطالِباً ومطالَباً، هذا محال. وبناء عليه اشترط الفقهاء لانعقاد البيع تعدد العاقد.\r-------------------------------\r(1) المهذب: 353/1، المغني: 126/5.\r(2) الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي: 381/3.\r(3) البدائع: 28/6، مجمع الضمانات: ص 245.\r(4) البدائع، المرجع السابق، تكملة ابن عابدين: 356/7، الشرح الصغير: 513/3، مغني المحتاج: 226/2، المغني: 88/5 ومابعدها.","part":5,"page":726},{"id":3572,"text":"كما أنه ليس للوكيل عند أبي حنيفة أن يبيع أو يشتري بثمن المثل أو أقل (1) من أبيه وجده وولده وسائر من لا تقبل شهادته له كولد ولده وزوجته؛ لأن البيع من هؤلاء بيع من نفسه من حيث المعنى، لاتصال منافع ملك كل واحد منهم به (2) ، فكان في بيعه لهم تهمة بإيثار العين المبيعة لهم، بدليل أنه لا تقبل شهادة أحدهما لصاحبه بخلاف الأجنبي.\rوقال الصاحبان: يجوز له أن يبيع لهؤلاء أي لا لنفسه بمثل القيمة؛ لأن التوكيل مطلق، والبيع من هؤلاء ومن شخص آخر أجنبي عنهم سواء، ولا تهمة هنا؛ لأن أملاكهم متباينة، فلا يملك أحدهم ما يملكه الآخر، وإذا كانت الأملاك متباينة تكون المنافع منقطعة فيما بينهم (3) .\r-------------------------------\r(1) أما بأكثر من ثمن المثل فيجوز.\r(2) بدليل أن كل واحد منهم ينتفع بمال الآخر عادة، فصار مال كل واحد منهم كمال صاحبه من وجه.\r(3) البدائع، المرجع السابق، تكملة فتح القدير: 67/6 ومابعدها، رد المحتار: 424/4، مجمع الضمانات: ص261.","part":5,"page":727},{"id":3573,"text":"وقال المالكية: لا يجوز للوكيل أن يبيع ما وكل ببيعه لنفسه أو من في حِجْره من صغير أو سفيه أو مجنون، ويجوز أن يبيع لزوجته وولده الرشيد إذا لم يحابهما، وروي عن الإمام مالك أنه يجوز للوكيل أن يشتري الشيء لنفسه (1) .\rوقال الشافعية في الأصح عندهم، والحنابلة في إحدى الروايتين عن أحمد: لا يجوز للوكيل أن يبيع لنفسه وولده الصغير، ويجوز أن يبيع لأبيه وجده وابنه البالغ وسائر فروعه المستقلين؛ لأنه باع بالثمن الذي لو باع به لأجنبي لصح، فلا تهمة حينئذ، فهو كما لو باع من صديقه (2) . وبه يتبين أن الحنفية لا يجيزون مطلقاً بيع الوكيل لنفسه، وأما الجمهور فلا يجيزون هذا البيع إلا إن أذن له الموكل بالبيع. واشترط المالكية أيضاً شرطين آخرين:\r1ً - أن يكون البيع بحضرة الموكل ولم ينكر عليه.\r2ً - أن تتناهى الرغبات فيه ويسمى الثمن.\rومنع أبو حنيفة البيع للأصول والفروع والزوجة، وأجاز الجمهور البيع للأصول والزوجة بثمن المثل دون الفروع. ورأي أبي حنيفة أرجح لدي لا سيما في عصرنا بعداً عن التهمة.\rوالخلاصة: أن على الوكيل أن يلتزم بواجباته، وتنفيذ ما التزم به في حق الموكل. وعلى الموكل واجب تحمل الخسارة العارضة إن لم تكن بتعدٍ أو تقصير، وواجب دفع ما يستحقه الوكيل من أجر إذا كانت الوكالة مأجورة، وأدى الوكيل العمل المأمور به.\r-------------------------------\r(1) الشرح الكبير: 387/3 ومابعدها، المغني: 107/5 ومابعدها، الخرشي: 77/6 ومابعدها.\r(2) مغني المحتاج: 224/2 ومابعدها، المغني: 107/5 ومابعدها.","part":5,"page":728},{"id":3574,"text":"5 - تصرفات الوكيل بالشراء: بينت حكم الجهالة في نوعي الوكالة بالشراء العامة والخاصة، وأبيّن هنا تصرفات الوكيل بالشراء في نوعي الوكالة المطلقة والمقيدة (1) .- إذا كانت الوكالة مقيدة فإنه يراعى فيها القيد ما أمكن، سواء أكان القيد راجعاً إلى الْمُشتَرى، أم إلى الثمن، فإذا خالف الوكيل لا يلزم الموكل بالشراء إلا إذا كان خلافاً إلى خير، فيلزمه.\rمثال القيد العائد للمشتَرى: أن يقول الموكل: اشتر لي ثلاجة من صنع بلدة معينة، فاشترى ثلاجة من صنع بلدة أخرى، فلا يلزم الموكل بالشراء، ويلزم الوكيل؛ لأن الأصل في كل مقيد اعتبار القيد فيه إلا قيداً لا فائدة من اعتباره، وهذا القيد المذكور مفيد.\rومثال القيد العائد للثمن: أن يقول الموكل: اشتر لي ثلاجة بألف ليرة، فاشترى ثلاجة بأكثر من الألف، فيلزم الشراء بالوكيل دون الموكل؛ لأنه خالف أمر الموكل، فيصير مشترياً لنفسه.\rوإن اشترى ثلاجة بثمان مئة ليرة، ومثله يشترى عادة بألف، لزم الشراء الموكل؛ لأن الخلاف إلى خير لا يكون خلافاً معنى.\rوإن وكله بشراء شيء فاشترى بعضه: فإن كان في تبعيضه ضرر كالسيارة لم يلزم الموكل بشراء البعض، وإن لم يكن في تبعيضه ضرر، كالأرض الواسعة، لزم الموكل الشراء عند الحنفية والشافعية والحنابلة.\rولو وكله بالشراء بالتقسيط أو مؤجلاً، فاشترى بثمن حالّ، لزم الشراء الوكيل، لأنه خالف قيد الموكل. فإن كانت الوكالة بالعكس، فاشترى بالتقسيط أو مؤجلاً، لزم الشراء الموكل؛ لأنه وإن خالف الوكيل مخالفة صورية، فقد وافق طلب الموكل في المعنى، والعبرة للمعنى لا للصورة.\rولو وكله أن يشتري ويشترط الخيار للموكل، فاشترى بغير خيار، لزم الشراء الوكيل.\rوإذا وكله بشراء شيء بعينه، فاشترى الوكيل غيره، يكون الموكل عند الحنفية مخيراً بين القبول والرد، وعند الجمهور: إن الشراء لازم للوكيل.\rوفي الجملة: إن القاعدة العامة هي أن الوكيل بالشراء إذا خالف أمر الموكل يكون عند الحنفية مشترياً لنفسه إلا إذا كان خلافاً إلى خير فيلزم به الموكل باتفاق الفقهاء، والوكيل بالبيع إذا خالف أمر الموكل يتوقف بيعه على إجازة الموكل. والفرق بينهما كما عرفنا سابقاً: هو أن الوكيل بالشراء متهم في جعل الشراء لنفسه، فينفذ عليه (2) .\rوبناء عليه: إذا وكله في شراء شاة بدينار فاشترى بالدينار شاتين يلزم الموكل بهما عند الحنفية؛ لأنه خلاف إلى خير. وكذا يلزم الموكل بهما بلا خيار عند المالكية. ويلزم بها عند الشافعية والحنابلةإن ساوت كل واحدة منهما أو إحداهما ديناراً (3) عملاً بقصة عروة البارقي وكيل النبي صلّى الله عليه وسلم .\r-------------------------------\r(1) راجع التفصيل في البدائع: 29/6 ومابعدها، تكملة فتح القدير: 75/6 ومابعدها، مختصر الطحاوي: ص 110 وما بعدها، المبسوط: 39/19، الدر المختار: 421/4 ومابعدها، مجمع الضمانات: ص 249.\r(2) المبسوط: 117/19.\r(3) تكملة ابن عابدين: 311/7، مختصر خليل: ص 217، الخرشي: 75/6، المهذب: 355/1، تكملة المجموع: 584/13، المغني: 128/5.\r\r- وإذا كانت الوكالة مطلقة فيراعى فيها الإطلاق ما أمكن إلا إذا قام دليل\r-------------------------------","part":5,"page":729},{"id":3575,"text":"على التقييد من عرف أو غيره، فيتقيد به. وعليه إذا وكل رجلاً بشراء دابة وسمى نوعها وثمنها، بأن قال: حماراً أو نحوه، فاشترى دابة عوراء، جاز الشراء ولزم الموكل، وكذا إذا اشترى دابة عمياء أو مشلولة اليدين أو الرجلين، ألزم الموكل بالشراء عند أبي حنيفة؛ لأن اسم الدابة بإطلاقها يقع على هذه الدابة، كما يقع على سليمة الأعضاء، فلا يجوز تقييد المطلق إلا بدليل.\rوقال الصاحبان: لا يلزم الموكل بهذا الشراء، ويلزم الوكيل به؛ لأن الدابة تشترى لاستخدامها عرفاً وعادة، وغرض الاستخدام لايحصل عند فوات جنس المنفعة، فيتقيد المشترى بالسلامة عن هذه الصفة بدلالة العرف.\rوإذا وكِّل إنسان بشراء شيء وكالة صحيحة ولم يسمِّ له الموكل ثمناً، فاشترى الوكيل الشيء بمثل القيمة، أو بأقل من القيمة، أو بزيادة يتغابن الناس في مثلها، جاز الشراء على الموكل. وإن اشترى الوكيل بزيادة لا يتغابن الناس في مثلها، يلزم الوكيل بالشراء؛ لأن الزيادة القليلة مما لا يمكن الاحتراز عنها، فجاز الشراء على الموكل، حتى لا يضيق الأمر على الوكلاء، ولتأمين حاجة الناس إلى الوكالات، وهذا هو الراجح لدى الحنفية.\rوأما الزيادة الكثيرة فلا ضرورة فيها، لإمكان الاحتراز عنها (1) .\rوالضابط المميز بين الزيادة القليلة والكثيرة في الراجح عند الحنفية هو كما عرفنا سابقاً: إن كانت الزيادة داخلة تحت تقويم المقومين لثمن الشيء، فهي قليلة، وإن كانت غير داخلة تحت تقويمهم فهي كثيرة؛ لأن الزيادة حينئذ تكون متحققة.\r-------------------------------\r(1) الخلاصة أن الشراء بالغبن الفاحش لاينفذ على المشتري باتفاق أئمة الحنفية، أما البيع بغبن فاحش ففيه اختلاف، قال أبو حنيفة: ينفذ البيع على الموكل عملاً بإطلاق التوكيل، وقال الصاحبان: لا ينفذ البيع؛ لأن المطلق مقيد بالعرف، وهو الراجح.","part":5,"page":730},{"id":3576,"text":"ومنعاً من الاختلاف: لا بد للموكل الذي يوكل غيره بشراء شيء من تسمية جنسه وصفته، أو جنسه ومقدار ثمنه، إلا أن يوكله وكالة عامة، فيقول: اشتر لي ما رأيت؛ لأنه فوض الأمر إلى رأيه، فأي شيء يشتريه يكون ممتثلاً في رأي أبي حنيفة خلافاً للصاحبين إذ يتقيد بالعرف والعادة (1) .\rوقال المالكية والشافعية والحنابلة: إذا كانت الوكالة بالشراء مطلقة، فيلزم المشتري أن يشتري بثمن المثل، ولا يشتري بأكثر من ثمن المثل بما لا يتغابن الناس به من غير إذن الموكل؛ لأن الوكيل منهي عن الإضرار بالموكل، مأمور بالنصح له، وفي الزيادة على ثمن المثل في الشراء إضرار وترك للنصح (2) . ولا يشتري شيئاً معيباً مع العلم بالعيب؛ لأن الموكل لم يأذن له بشراء المعيب، وقد لا يتمكن الموكل من رد المبيع لهرب البائع، فيتضرر بذلك.\rوإذا وُكل رجل بشراء شيء بعينه لا يملك أن يشتريه لنفسه، وإذا اشترى يقع الشراء للموكل؛ لأن شراءه لنفسه عزل لنفسه عن الوكالة، وهو لا يملك العزل إلا بمحضر من الموكل.\rأما إذا وكل بشراء شيء بغير عينه، فيكون الشراء لنفسه، إلا أن ينويه للموكل. والوكيل بالشراء لا يملك الشراء من نفسه، كما لا يملكه الوكيل بالبيع، وهذا باتفاق الحنفية والشافعية والحنابلة وكذا المالكية؛ لأن حقوق العقد كما عرفنا ترجع عند الحنفية والشافعية إلى الوكيل، ولا يمكن أن يكون الشخص الواحد في زمان واحد مسلِّماً ومتسلماً، مطالِباً ومطالباً، ولأنه متهم في الشراء من نفسه. وروي عن الإمام مالك: أنه يجوز للوكيل أن يشتري من نفسه بثمن المثل فأكثر (3) .\r-------------------------------\r(1) الكتاب مع اللباب: 142/3، 147 .\r(2) بداية المجتهد: 298/2، الشرح الكبير: 382/3، المهذب: 354/1، المغني: 124/5.\r(3) بداية المجتهد، المرجع السابق، المغني: 107/5 ومابعدها، الميزان للشعراني: 85/2.","part":5,"page":731},{"id":3577,"text":"ويجوز عند المالكية: أن يبيع الوكيل لزوجته وولده الرشيد إذا لم يحابهما، كما يجوز له الشراء منهما مما وكل فيه إذا لم يكن محاباة لهما وقت الشراء.\rوكذلك لا يملك الشراء من أبيه وجده وولده وولد زوجته، وكل من لا تقبل شهادته له عند أبي حنيفة. وأما عند الصاحبين: فيجوز إذا اشترى بمثل القيمة أو بأقل أو بزيادة يتغابن الناس في مثلها. وقد ذكرت أدلة مختلف الآراء في الوكالة بالبيع، وتعرف آراء المذاهب الأخرى في الشراء لنفسه وأصوله وفروعه من حكم البيع لنفسه.\rوإذا وُكل إنسان بشراء طعام، فيراد به الحنطة والدقيق بقرينة الشراء في العرف.\rوإذا وكل بشراء لحم ينصرف المقصود إلى اللحم الذي يباع في السوق، ويشتري الناس منه في الأغلب من لحم الضأن والمعز والبقر والإبل إن جرت العادة بشرائه، ولا ينصرف المراد إلى المشوي والمطبوخ إلا إذا كان مسافراً، ولا إلى لحم الطير والوحش والسمك ولا إلى شاة حية ولا إلى مذبوحة غير مسلوخة، لعدم جريان العادة بشرائه، ولا إلى البطن والكرش والكبد والرأس والكراع، لأنها ليست بلحم عرفاً.\rولو وكل إنسان بشراء سمك، فيراد به الطري الكبير، لا المملح ولا الصغير، لأن العادة كذلك.\rولو وكل بشراء الرأس، فيقصد منه الرأس النيء لا المطبوخ والمشوي ويحدد المطلوب برأس الغنم دون الإبل والبقر إلا في موضع جرت العادة بما اشتراه.\rولو وكل بشراء فاكهة، فله أن يشتري أي فاكهة تباع في السوق عادة. وإذا وكل بشراء البيض فيراد به بيض الدجاج. وإذا وكل بشراء لبن فيراد به ما يباع عادة في السوق من الغنم والبقر والإبل.\rوبه يلاحظ أن المقصود فيما يوكل الإنسان بشرائه يتحدد بحسب العرف السائد عادة وفعلاً بحسب كل زمان ومكان.","part":5,"page":732},{"id":3578,"text":"علاقة الوكيل بالشراء بموكله :\rإذا دفع الوكيل بالشراء الثمن من ماله من غير صريح إذن الموكل وقبض المبيع، فله أن يرجع به على الموكل لوجود الإذن دلالة؛ لأن حقوق العقد كما سأبين لما كانت عائدة إلى العاقد وقد علم الموكل بالثمن، يكون راضياً بدفعه. فإن هلك المبيع في يد الوكيل قبل حبسه عن الموكل، هلك من مال الموكل، ولم يسقط الثمن؛ لأن يده كيد الموكل. وللوكيل بالشراء أن يحبس المبيع في يده حتى يستوفي الثمن، وإن لم يكن قد دفعه بعد؛ لأنه مع الموكل بمنزلة البائع. فإن حبسه لاستيفاء الثمن، فهلك في يده، كان مضموناً عليه ضمان الرهن عند أبي يوسف، فيضمن الأقل من قيمته ومن الثمن، وضمان الغصب عند زفر فيجب مثله أو قيمته بالغة ما بلغت، وضمان المبيع عند أبي حنيفة ومحمد، فيسقط الثمن قليلاً كان أو كثيراً (1) .\rوأما علاقة الوكيل بمن تعامل معه لحساب الموكل فهي تنفيذ حقوق العقد، كدفع الثمن والرد بالعيب ما دام المبيع في يده.\r-------------------------------\r(1) الكتاب مع اللباب: 143/2، الهداية: 140/3، تكملة ابن عابدين: 304/7، الدسوقي: 381/3، المهذب: 353/1، كشاف القناع: 460/3، 467.","part":5,"page":733},{"id":3579,"text":"ثانياً ـ حقوق العقد وحكمه في الوكالة :\rحقوق العقد: هي الأعمال التي لا بد منها للحصول على الغاية والغرض من العقد، مثل تسليم المبيع، وقبض الثمن، والرد بالعيب أو بخيار الرؤية أو الشرط، وضمان رد الثمن إذا استحق المبيع مثلاً (1) .\rوقد اتفق الفقهاء على أن الوكيل إذا أضاف العقد إلى الموكل في العقود التي تتم بالإيجاب والقبول كالبيع، تنصرف حقوق العقد إلى الموكل. فإن أضاف العقد إلى نفسه، فالقاعدة العامة في التوكيل بالبيع والشراء: أن حقوق العقد ترجع عند الجمهور إلى الوكيل، فهو الذي يلتزم بتسليم المبيع ويقوم بتسليمه فعلاً وبقبضه، وهو الذي يقبض الثمن ويطالب به، ويخاصم في الرد بالعيب، ونحو ذلك.\rوعند الحنابلة ترجع إلى الموكل، على تفصيل سيأتي قريباً.\rقال الحنفية: الوكالة: منها ـ ما لا حقوق له إلا ما أمر به الوكيل، كالوكالة بتقاضي الدين، والوكالة بالملازمة (2) ونحوهما.\rومنها ـ ما تعود حقوقه للوكيل، ومنها ما تعود حقوقه للموكل.\rأ ـ والقاعدة العامة في هذا عند الحنفية أن كل عقد لا يحتاج فيه إلى إضافته إلى الموكل ويكتفي فيه بالإضافة إلى نفسه: فحقوقه راجعة إلى العاقد، كالبياعات والأشرية والإجارات والصلح الذي هو في معنى البيع (أي الصلح عن إقرار) فحقوق هذه العقود ترجع للوكيل وعليه، مثل تسليم المبيع، وقبض الثمن، والمطالبة بالثمن إذا اشترى، وقبض المبيع، والمخاصمة بالعيب.\rفيجب عليه تسليم المبيع إلى المشتري، وقبض الثمن. وإذا وجد المشتري بالمبيع عيباً فله أن يخاصم الوكيل، وإذا ظهر أن المبيع مستحق لغير البائع، فيجب على الوكيل الضمان، إلا إذا كان العاقد ليس من أهل لزوم العهدة (أي ليس أهلاً للمسؤولية والتزام الحقوق) كالصبي المحجور عن التصرف، والقاضي، وأمين القاضي، ونحوهم، فحينئذ ترجع حقوق العقد للموكل نفسه لا إلى الوكيل، وكذلك ترجع حقوق العقد للموكل، إذا أضاف الوكيل العقد إلى الموكل.\rوللوكيل أن يوكل غيره في تحمل حقوق العقد، وليس للموكل أن يباشر شيئاً منها بنفسه ما دام الوكيل قائماً، فإذا طالب الموكل بالبيع المشتري بالثمن، فللمشتري أن يمنعه من قبضه؛ لأنه أجنبي عن العقد وحقوقه؛ لأن الحقوق إلى العاقد. فإن دفع المشتري الثمن إلى الموكل جاز؛ لأن نفس الثمن المقبوض يعتبر حقه، وليس للوكيل أن يطالبه به ثانياً لعدم الفائدة لأنه لو أخذه منه لوجب عليه إعادته له.\r-------------------------------\r(1) الاستحقاق: هو أن يدعي أحد ملكية شيء موجود في يد غيره ويثبتها بالبينة، ويقضى له بها.\r(2) هو أن يقول إنسان لآخر: وكلتك بأن تلازم فلاناً بمال لي عليه حتى يدفعه لي، ويختار للملازمة عادة أسفه الناس ومن يتأذى المدين بملازمته.","part":5,"page":734},{"id":3580,"text":"ب ـ وكل عقد يحتاج فيه إلى إضافته إلى الموكل، أي أن يذكر اسم الموكل في عبارته ليدل على أنه يتصرف له: فحقوقه ترجع إلى الموكل كالنكاح، والطلاق على مال، والخلع، والصلح عن دم العمد، والصلح عن إنكار المدعى عليه، ونحوها، فحقوق هذه العقود تكون للموكل وعليه، والوكيل فيها يكون سفيراً ومعبراً محضاً، حتى إن وكيل الزوج في النكاح لا يطالب بالمهر، وإنما يطالب به الزوج، إلا إذا ضمن المهر، فحينئذ يطالب به بحكم الضمان، ووكيل المرأة في النكاح لا يملك قبض المهر، ولا يلزم وكيل المرأة تسليمها. وكذا الوكيل بالخلع لا يملك قبض بدل الخلع إن كان وكيلاً عن الزوج، وإن كان وكيلاً عن المرأة لا يطالب ببدل الخلع إلا بالضمان، وكذا الوكيل بالصلح عن دم العمد.\rجـ ـ وكذلك العقود التي لا تتم إلا بالقبض، أي العقود العينية كالهبة والقرض والإعارة والرهن ونحوها لا بد من إضافتها إلى الموكل وترجع الحقوق له، وإلا وقع العقد للوكيل. والسبب في أن هاتين الفئتين من العقود لا بد فيها من نسبة العقد للأصيل: هو أنه يكون للاعتبار الشخصي فيها المقام الأول.\rهذا مذهب الحنفية (1) ، ويذكرون في كتبهم كعادتهم في كثير من الأحيان: أن الشافعية يخالفونهم، فيجعلون حقوق العقد راجعة للموكل دون الوكيل (2) ، إلا أن الواقع يوجب الاعتماد في نقل أحكام المذاهب على الكتب المعتمدة عند أصحابها، ففي كتاب المنهاج للنووي نص صريح على أن أحكام العقد أي (حقوقه) تتعلق بالوكيل دون الموكل (3) ، فهم كالحنفية في هذا.\rوكذلك قال المالكية: ترجع حقوق العقد للوكيل من قبض الثمن وغيره لا للموكل (4) .\r-------------------------------\r(1) مختصر الطحاوي: ص 109، البدائع: 33/6 ومابعدها، تكملة فتح القدير: 16/6 ومابعدها، رد المحتار: 419/4، مجمع الضمانات: ص 243، الكتاب مع اللباب: 141/2.\r(2) راجع البدائع مثلاً: 33/6، تبيين الحقائق للزيلعي: 256/4، تكملة فتح القدير: 17/6.\r(3) نهاية المحتاج شرح المنهاج للرملي: 47/4، مغني المحتاج للخطيب الشربيني: 230/2 ومابعدها، المهذب: 353/1.\r(4) الشرح الصغير: 506/3 ومابعدها، المدونة الكبرى: 83/10، 186، ط 1323 هـ. قال العلامة خليل وشارحه الدردير: 382/3: وطولب الوكيل بالعهدة من عيب أو استحقاق ما لم يعلم المشتري أنه وكيل (أي كالسمسار) وإلا فالطلب على الموكل لا الوكيل إلا أن يكون مفوضاً أي فإن كان مفوضاً كان للعاقد الرجوع عليه وعلى الموكل، كالشريك المفوض.","part":5,"page":735},{"id":3581,"text":"أما الحنابلة فيقولون: إن حقوق العقد ترجع للموكل دون الوكيل؛ لأن الوكيل عندهم مجرد سفير ومعبر عن العاقد الأصيل (1) . وفي هذا الرأي إضاعة للغرض من الوكالة؛ لأن الموكل يوكل غيره في أموره ليخفف من عناء مباشرته لها بنفسه أو لأنه لا يليق به أن يباشرها، أو لعدم قدرته على القيام بها، فإذا عادت الحقوق للموكل نفسه لم يتحقق له الغرض من الوكالة (2) .\rهذا الاختلاف بين المذاهب محصور فيما إذا لم يصرح الوكيل بأن التعاقد لحساب الأصيل، فإن صرح بأن التعاقد باسم الأصيل فالمذاهب مجمعة على ثبوت حكم العقد وحقوقه معاً تقع للأصيل دون النائب.\rيستفاد من هذا البحث معرفة حقوق كل من الموكل والوكيل وواجباتهما في البيع، فواجبات الموكل في الوكالة بالبيع: تحمل الخسارة العارضة إذا لم يكن تعد أو تفريط، ودفع الأجر للوكيل إن كانت الوكالة بأجر ونفذ العمل، وحق الموكل: تنفيذ الوكيل ما التزم به في حقه.\r-------------------------------\r(1) كشاف القناع: 467/4، المغني: 97/5، غاية المنتهى: 156/3، مطالب أولي النهى: 462/3.\r(2) الأموال ونظرية العقد للدكتور محمد يوسف موسى: ص 376.","part":5,"page":736},{"id":3582,"text":"وواجبات الوكيل بالبيع: التقيد بالقيود ومراعاة الشروط المبينة في الوكالة المقيدة، ومراعاة العرف والعادة في الوكالة المطلقة.\rوواجبات الموكل في الوكالة بالشراء: دفع ثمن السلعة المشتراة، وتحمل الخسارة العارضة في التصرف الموكل فيه إذا لم تكن بتعدٍ أو تفريط، ودفع أجر الوكيل إن كانت الوكالة بأجر.\rوواجبات الوكيل بالشراء: الشراء بثمن المثل عملاً بالعرف، وشراء السلعة السليمة من العيوب عند الجمهور غير أبي حنيفة، وعليه عند الحنفية شراء الشيء المعين للموكل لا لنفسه وأقاربه، وعليه عند المالكية فعل كل ما فيه مصلحة للموكل، فإن خالف الوكيل شروط الموكل كان عند الحنفية مشترياً لنفسه.\rوحقوق الوكيل بالشراء: الشراء بأقل مما عينه له الموكل؛ لأنه خلاف إلى خير، والرجوع على الموكل بما دفع من ماله ثمناً للسلعة المشتراة للموكل، وحبس ما اشتراه للموكل حتى يستوفي الثمن منه، والرد بالعيب ما دام المعيب في يده.\rحكم العقد: تكلمنا عن حقوق عقد الوكالة التي ترجع إلى الوكيل عند الحنفية والشافعية. وقد رأينا من المناسب أن نذكر حكم العقد هنا استطراداً. المراد بحكم العقد: هو الغرض والغاية منه:\rأ ـ ففي عقد البيع ونحوه مما يتوقف على الإيجاب والقبول يكون الحكم: هو ثبوت الملكية في المبيع للمشتري وفي الثمن للبائع. واتفق الفقهاء على أن حكم العقد الذي يتم بواسطة وكيل يقع للموكل نفسه لا للوكيل؛ لأن الوكيل متكلم باسم الموكل وعاقد له، فهو قد استمد ولايته منه. وينصرف حكم العقد للموكل عند الجمهور مطلقاً، سواء أضاف الوكيل العقد لنفسه أم أسنده إلى الموكل. وعند المالكية: ينصرف الحكم للموكل إذا أعلن الوكيل في العقد أنه يعمل لحساب موكله.","part":5,"page":737},{"id":3583,"text":"وتثبت الملكية للموكل مباشرة بمجرد تمام العقد أي من ابتداء الأمر دون حاجة لثبوتها للوكيل أولاً، ثم انتقالها عنه لموكله، وهذا في المذاهب الأربعة؛ لأن الوكيل يعمل في الحقيقة لموكله وبأمره (1) . ويترتب عليه أن المسلم لو وكل ذمياً بشراء خمر أو خنزير لم يصح الشراء؛ لأن المسلم ليس له أن يتملك شيئاً من هذين. هذا هو مذهب الحنفية لا ما تذكره كتب الحنابلة والمالكية من أن مذهب أبي حنيفة أن الملكية تنتقل إلى الوكيل ثم إلى الموكل.\rب ـ العقود التي لا تتم إلا بالقبض كالهبة والإعارة: يقع حكم العقد للموكل ولو أضاف الوكيل العقد لنفسه بأن قال: وهبت أو أعرت هذا الشيء؛ لأن الوكيل في هذه العقود مجرد سفير ومعبر.\rجـ ـ عقد الزواج: إذا أضاف العقد لموكله بأن قال: تزوجك فلان، انصرف حكمه إلى الموكل.وإذا أضافه إلى نفسه فقال:تزوجتك،كان الزواج له لا لموكله.\rد ـ الطلاق مثل الزواج في التفصيل السابق، إن كان وكيلاً عن الزوج، فإن كان وكيلاً عن الزوجة، فلا بد من إضافة الطلاق إليها،فيقول: طلِّق فلانة على كذا.\rثالثاً ـ حال المقبوض في يد الوكيل :\rاتفق الفقهاء على أن المقبوض في يد الوكيل يعتبر أمانة بمنزلة الوديعة ونحوها؛ لأن يده نيابة عن الموكل بمنزلة يد الوديع، فيضمن بما يضمن في الودائع، ويبرأ بما يبرأ فيها، ويكون القول قوله في\r-------------------------------\r(1) تبيين الحقائق للزيلعي: 256/4، الفرائد البهية في القواعد الفقهية للشيخ محمود حمزة: ص 137، المغني لابن قدامة: 130/5، مغني المحتاج: 229/2 ومابعدها، بداية المجتهد: 298/2، المهذب: 356/1.","part":5,"page":738},{"id":3584,"text":"دفع الضمان عن نفسه (1) . ومجمل القول في سبب الحكم: هو أن الوكيل أمين فلا ضمان عليه لموكله إلا إذا حدث منه تعد أو تفريط، ويتحمل الموكل الخسارة العارضة إذا لم تكن بتعدٍ أو تفريط من الوكيل.\rوبناء على هذه القاعدة ذكر ابن قدامة في المغني حكم ستة أحوال يختلف فيها الوكيل والموكل عادة، أذكرها باختصار:\rأحدها ـ أن يختلفا في تلف أو ضياع المال، فقال الوكيل: تلف مالك في يدي، أو ضاع، فيكذبه الموكل، فالقول بالاتفاق قول الوكيل مع يمينه، لأنه أمين، وهذا مما يتعذر إقامة البينة عليه، فلا يكلف بالبينة كالوديع. واستثنى الحنابلة حالة ادعاء الوكيل التلف بأمر ظاهر كالحريق والنهب ونحوهما، فعليه إقامة البينة على وجود التلف.\rثانيها ـ أن يختلفا في تعدي الوكيل أو تفريطه في الحفظ ومخالفته أمر الموكل، مثل: أن يدعي عليه أنه حمل الدابة فوق طاقتها أو فرط في حفظها، أو أمره برد المال فلم يفعل، ونحوها،فالقول قول الوكيل أيضاً مع يمينه، لأنه أمين كما تقدم. والمشهور عند المالكية أن يحكم بقول الموكل (2) .\rوالوكيل أمين سواء أكانت الوكالة بجعل أم بغير جعل؛ لأن الوكيل نائب عن الموكل في اليد (أي الحيازة) والتصرف، فكان الهلاك في يده كالهلاك في يد المالك، فلا يضمن ما تلف في يده بلا تعد.\rثالثها ـ أن يختلفا في التصرف، فيقول الوكيل: بعت الثوب وقبضت الثمن، فتلف، فيقول الموكل: لم تبع ولم تقبض. أو يقول: بعت ولم تقبض شيئاً، أي أن الخلاف إما في حدوث البيع، أو في قبض الثمن بعد الاتفاق على البيع، فالقول قول الوكيل عند الحنابلة والحنفية؛ لأنه يملك البيع والقبض، فيقبل قوله فيهما (3) .\rوعند الشافعية قولان: أصحهما أنه يصدق قول الموكل بيمينه؛ لأن الأصل عدم التصرف، وبقاء ملك الموكل (4) .\rرابعها ـ أن يختلفا في رد الشيء الموكل فيه إلى الموكل، فيدعيه الوكيل وينكره الموكل، فالقول قول الوكيل عند أئمة المذاهب الأربعة في الراجح منها، سواء أكانت الوكالة بجعل أم بغير جعل؛ لأن الموكل ائتمنه، وإذا كانت الوكالة بجعل، فإن الوكيل ينتفع بالعمل بالعين لا بالعين نفسها، فلم يكن قبضه لنفع نفسه كالمستعير (5) .\r-------------------------------\r(1) راجع البدائع: 34/6، مجمع الضمانات: ص 251، درر الحكام: 287/2، بداية المجتهد: 299/2، الشرح الصغير: 519/3، مغني المحتاج: 230/2، المهذب: 357/1 ومابعدها، المغني: 94/5.\r(2) بداية المجتهد: 299/2 ومابعدها.\r(3) البدائع: 36/6، المغني: 95/5.\r(4) مغني المحتاج: 235/2، المهذب: 357/1 .\r(5) البدائع، المرجع السابق، المبسوط: 10/19، المغني، المرجع السابق، ص96، مغني المحتاج: 235/2، المهذب: 358/1، بداية المجتهد: 299/2.","part":5,"page":739},{"id":3585,"text":"خامسها ـ إذا اختلفا في أصل الوكالة، فقال الوكيل: وكلتني، فأنكر الموكل، فالقول قول الموكل بيمينه في المذاهب الأربعة؛ لأن الأصل عدم الوكالة، فلم يثبت أنه أمينه، ليقبل قوله عليه (1) .\rسادسها ـ أن يختلفا في صفة الوكالة بأن يقول الوكيل: وكلتني في البيع نسيئة، أو الشراء بعشرين ليرة مثلاً، أو ببيع هذا الكتاب، فقال الموكل: بل نقداً، أو بعشرة، أو هذا القلم، فالقول قول الموكل بيمينه في المذاهب الأربعة؛ لأن الأصل عدم الإذن فيما ذكره الوكيل، ولأن الموكل أعرف بحال الإذن الصادر منه (2) .\rوإن تنازعا في الثمن المدفوع للسلعة في الوكالة بالشراء فالقول عند الحنفية قول الوكيل إن كان الشيء يساوي ما ادعاه الوكيل، وإن كان لا يساويه فالقول قول الموكل. وقال الشافعية والحنابلة: القول قول الوكيل مع يمينه؛ لأنه أمين (3) . وإن تنازعا في نوع الشيء المشترى كأن اشترى الوكيل تمراً فزعم الموكل أنه أمره بشراء عنب، فالقول قول الوكيل مع يمينه. وقال المالكية: إن اشترى الوكيل شيئاً بالثمن المدفوع له لشراء سلعة، فزعم الموكل أنه أمره بشراء سلعة غيرها، فالقول قول الوكيل مع يمينه، وكذا إذا وكل شخص غيره ببيع سلعة، فباعها بعشرة، وادعى أن الموكل أمره بذلك، وقال الموكل: بل أمرته بأكثر من ذلك، فالقول قول الوكيل بيمينه (4) .\r-------------------------------\r(1) المغني، المرجع السابق: ص97، مغني المحتاج: 233/2، الشرح الكبير: 393/3.\r(2) المراجع السابقة، الهداية: 147/3.\r(3) الهداية: 144/3، تكملة المجموع: 606/13، المغني: 95/5.\r(4) الشرح الكبير مع الدسوقي: 393/3، الشرح الصغير مع حاشية الصاوي: 521/3 ومابعدها.","part":5,"page":740},{"id":3586,"text":"المبحث الرابع ـ تعدد الوكلاء\rقد يتعدد الوكلاء عن الشخص الواحد في التصرفات والخصومات، أو المرافعة أمام القضاء كما يحدث عادة في كثير من الأحيان، فيكون هناك وكيلان أو أكثر.\rفإن وكل إنسان وكلاء متعددين كلاً في عقد خاص وأعمال خاصة، كان للواحد منهم عند الحنفية أن يقوم بما وكل فيه وحده دون حاجة لاستشارة غيره. وإن كانت الوكالة لعمل واحد كان لأي وكيل القيام به وحده أيضاً.\rوإن كانت الوكالة للجميع في عقد واحد فليس لأحدهم ـ دون إذن الموكل ـ الانفراد بالقيام بما وكلوا فيه، إلا إذا كان التصرف مما لا يحتاج لتبادل الرأي كرد الودائع ووفاء الديون، أو مما لا يمكن الاجتماع فيه كالوكالة بالخصومة، أي المرافعة أمام مجلس القضاء، وكالطلاق.","part":5,"page":741},{"id":3587,"text":"وأجاز المالكية تعدد وكلاء الخصومة بشرط موافقة الخصم على التعدد. ولم يجز الشافعية لأحد وكلاء الخصومة المتعددين الانفراد بالخصومة؛ لأن الموكل لم يرض إلا بتصرفهما معاً، وعند الحنابلة قولان: قول كالشافعية، وقول يجيز الانفراد بالتصرف عرفاً (1) .\rهذه هي القواعد العامة لتعدد الوكلاء، وتطبيقها يظهر في استعراض أنواع الوكالات فيما يأتي:\rإذا كان التصرف مما يحتاج فيه لأخذ الرأي، فليس لأحد الوكلاء أن يتصرف فيما وكلوا به دون الآخرين؛ لأن الموكل رضي برأيهم المشترك، لا برأي أحدهم، فإذا وكل اثنان بالبيع، فلا يملك أحدهما التصرف بدون صاحبه، ولو فعل لم يجز البيع حتى يجيزه صاحبه، أو الموكل؛ لأن البيع يحتاج فيه إلى أخذ الرأي، والموكل رضي برأيهما، لا برأي أحدهما.\rوإذا وكل اثنان بالشراء فلا يملك أحدهما الانفراد بالتصرف إلا أنه في الشراء إذا اشترى أحدهما بدون وجود الآخر ينفذ العقد على المشتري، ولا يقف على الإجازة، بخلاف البيع؛ لأن الوكيل بالشراء متهم بمراعاة مصلحته كما عرفنا.\rوإذا وكل اثنان بعقد الزواج أو الطلاق على مال ونحوهما من كل عقد فيه عوض مالي، فلا يملك أحدهما إجراء العقد بدون الآخر؛ لأن الأمر هنا يحتاج إلى تبادل وجهات النظر وأخذ الآراء.\rوالوكيلان بقبض الدين لا يملك أحدهما أيضاً أن يقبض دون وجود صاحبه؛ لأن قبض الدين مما يحتاج إلى أخذ الرأي والأمانة، وقد فوض الموكل الرأي لهما، لا إلى أحدهما، ورضي بأمانتهما، لا بأمانة أحدهما.\r-------------------------------\r(1) الشرح الصغير: 505/3، تكملة المجموع: 557/13، الفروع لابن مفلح المقدسي: 693/3.","part":5,"page":742},{"id":3588,"text":"وأما إذا كان التصرف مما لا يحتاج فيه لأخذ الرأي، فيملك أحد الوكيلين أن ينفرد بالتصرف دون الآخر، مثل الوكيلين بالطلاق بغير عوض، أو برد الوديعة أو قضاء الدين، فينفرد أحدهما بالتصرف فيما وكلا به؛ لأن هذه التصرفات مما لا يحتاج فيها إلى أخذ الرأي، وإنما هي تعبير محض، وعبارة الواحد أو أكثر سواء.\rوأما الوكيلان بالخصومة أي القيام بالمرافعة فعلاً أمام المحكمة فكل واحد منهما يتصرف بانفراده عند جمهور الحنفية؛ لأن الاجتماع فيها في وقت واحد أمر متعذر؛ لأن الغرض من الخصومة إعلام القاضي بما يملكه الخصم من وسائل الدفاع واستماع القاضي إليها، واجتماع الوكيلين على الدفاع يخل بالإعلام والاستماع، كما هو واضح. أما إعداد المذكرات للدفاع بها فيمكن طبعاً الاجتماع على تحضيرها، كما يمكن تقسيم الدفاع على المحامين الموكلين فيما بينهم، فيقوم كل واحد منهما بقسم منه.\rوقال زفر: لا ينفرد أحد الوكيلين بالخصومة بالقيام بها دون الآخر؛ لأن الخصومة مما تحتاج إلى أخذ الرأي، ولم يرض الموكل برأي أحدهما (1) .\rوقال الجمهور (2) (المالكية والشافعية والحنابلة): إذا تعدد الوكلاء فليس لأحدهم الانفراد بالتصرف بدون مشاورة الآخر؛ لأنه لم يرض بتصرف أحدهما دون الآخر، إلا إذا أذن لهما الموكل بإفراد التصرف، فيجوز لكل واحد منهما أن يستقل بالتصرف.\rالمبحث الخامس ـ طرق انتهاء الوكالة\rصفة عقد الوكالة: اتفق الفقهاء (3) على أن عقد الوكالة بغير أجر جائز غير لازم بالنسبة للعاقدين، أما من جانب الموكل: فلأنه قد يرى المصلحة في ترك ما وكل فيه، أو في توكيل شخص آخر.\rوأما من جانب الوكيل: فلأنه قد لا يتفرغ لأعمال الوكالة، فيكون لزوم العقد مضراً بالطرفين. وبناء عليه، لكل من طرفي عقد الوكالة الرجوع عنه متى شاء، وتنتهي حينئذ الوكالة. وأذكر هنا طرق انتهاء الوكالة.\r-------------------------------\r(1) انظر البدائع: 32/6، تكملة فتح القدير: 86/6-88.\r(2) الخرشي: 82/6 ط ثانية، المهذب: 351/1، المغني: 87/5.\r(3) البدائع: 37/6، تكملة ابن عابدين: 351/7، الحطاب: 215/5، بداية المجتهد: 297/2، مغني المحتاج: 231/2 ومابعدها، المهذب: 356/1، المغني: 113/5، الشرح الكبير مع الدسوقي: 396/3 ومابعدها، الدر المختار: 433/4، وانظرحالات لزوم الوكالة المستثناة في كل مذهب من المذاهب ما عدا الحنابلة في كتاب الفقه على المذاهب الأربعة: 278/3-282.","part":5,"page":743},{"id":3589,"text":"وأما الوكالة بأجر: فإن كانت على سبيل الجعالة بأن لم يعين في العقد الزمن أو العمل فهي غير لازمة أيضاً بالاتفاق، إلا أن المالكية قالوا: تلزم الجاعل فقط بعد الشروع في العمل.\rوإن كانت على سبيل الإجارة بأن عين الزمن والعمل كالبياع والسمسار، فهي لازمة عند الحنفية وفي المشهور لدى المالكية؛ وغير لازمة عند الشافعية والحنابلة.\rوتنتهي الوكالة بأمور كثيرة وهي (1) :\r1 - عزل الموكل وكيله: تنتهي الوكالة بالاتفاق بعزل الموكل وكيله؛ لأن الوكالة كما عرفنا عقد غير لازم، فكان بطبيعته قابلاً للفسخ بالعزل، ولكن يشترط لصحة العزل عند الحنفية والمالكية شرطان:\rأحدهما ـ أن يعلم الوكيل بالعزل؛ لأن العزل فسخ للعقد، فلا يلزم حكمه إلا بعد العلم به كالفسخ. والعلم بالعزل يتم إما بحضور الوكيل، أو بالكتابة له، أو بإرسال رسول إليه، أو بإخبار رجلين أو رجل واحد عدل، أوغير عدل وصدقه بالعزل. وأما قبل العلم بالعزل، فتكون تصرفات الوكيل كتصرفاته قبل العزل في جميع الأحكام.\rوهذا الشرط مشروط أيضاً في الأرجح عند المالكية وفي رواية عن الإمام أحمد:\r-------------------------------\r(1) راجع مذهب الحنفية في البدائع: 37/6 ومابعدها، مختصر الطحاوي: ص109، تكملة فتح القدير: 123/6 ومابعدها، المبسوط: 12/19 ومابعدها، الدر المختار: 434/4، الكتاب مع اللباب: 145/2، تكملة ابن عابدين: 308/7.","part":5,"page":744},{"id":3590,"text":"والسبب في اشتراط هذا الشرط: هو أن العزل يترتب عليه إضرار بالوكيل من ناحيتين: أولهما ـ أنه يترتب عليه إبطال ولايته بالعزل . وثانيهما ـ أنه يكون متحملاً لحقوق العقد، فيدفع الثمن إن كان وكيلاً بالشراء، ويسلم المبيع إن كان وكيلاً بالبيع.\rوقال الشافعي في الأصح عنده، وأحمد في الرواية الثانية عنه وهي الراجحة في مذهبه: لا يشترط هذا الشرط، فلو عزل الموكل وكيله في حضوره أو أثناء غيبته\rانعزل في الحال، لأنه رفع عقد لايفتقر إلى رضا صاحبه، فلا يحتاج إلى علمه كالطلاق، وقياساً على ما لو وكل شخص غيره، وكان الوكيل غائباً (1) .\rواتفقت المذاهب على أنه في حال عزل الوكيل نفسه عن الوكالة يشترط إخبار الموكل بالأمر، صيانة لحق الموكل، ومنعاً من التغرير به.\rثانيهما ـ ألا يتعلق بالوكالة حق للغير، فإذا تعلق حق للغير بها لم يصح العزل بغير رضا صاحب الحق، مثل وكيل المدين ببيع الرهن لسداد الدين عند حلول الأجل، فإنه لا يملك المدين الموكل عزل وكيله هذا إلا برضا الدائن، لتعلق حقه بالوكالة إذ أنه يريد أخذ دينه عن طريق بيع العين. ومثل وكيل الزوج بطلاق زوجته متى شاء، فإنه لا يملك الزوج الموكل الرجوع عن وكالته إلا برضا المرأة. ومثل الوكالة بالخصومة بطلب الدائن عند غيبة المدين، كأن يكون لشخص عند آخر دين، ثم يعزم المدين السفر إلى بلاد بعيدة، فيطلب صاحب الدين من المدين أن يوكل عنه شخصاً ليخاصمه في طلب الدين حال غيابه، فوكل عنه بناء على هذا الطلب، فيصبح هذا لوكيل غير قابل للعزل، لأنه قام مقام المدين الغائب، وليس لصاحب الدين من يطالبه بدينه سواه، فلو عزله ضاع عليه حقه.\r-------------------------------\r(1) بداية المجتهد: 298/2، الشرح الكبير: 396/3، مواهب الجليل 214/5 ومابعدها، مغني المحتاج: 232/2، المهذب: 356/1، المغني: 113/5 ومابعدها، غاية المنتهى: 155/2، القوانين الفقهية: ص 329.","part":5,"page":745},{"id":3591,"text":"2- تصرف الموكل فيما وكل به: أي أن يقوم الموكل صاحب الشأن بالعمل الذي وكل فيه غيره، كأن يوكل إنسان غيره ببيع شيء ثم يبيعه الموكل، فتنتهي الوكالة بالاتفاق (1) ؛ لأن العقد يصبح حينئذ غير ذي موضوع، فينعزل الوكيل وإن لم يعلم بالعزل.\r3 - انتهاء الغرض من الوكالة: وهو أن يتم تنفيذ التصرف الذي وكل فيه الوكيل، لأن العقد يصبح حينئذ غير ذي موضوع.\r4 - خروج الموكل أو الوكيل عن الأهلية: بموت بالاتفاق أو جنون مطبق (2) عند الجمهور خلافاً للشافعية، أو حجر عليه لسفه باتفاق المذاهب الأربعة، وألحق الشافعية الإغماء بالجنون في الأصح عندهم. وقال غيرهم: الإغماء لا يخرج عن أهلية التصرف. ولا يشترط عند الحنفية والشافعية والحنابلة أن يعلم العاقد بخروج الطرف الآخر عن الأهلية بهذه العوارض (3) . وقال المالكية: الأرجح أن الوكيل لا ينعزل بموت الموكل حتى يعلم به (4) .\rواختلف أبو يوسف ومحمد في حد الجنون المطبق، فقال أبو يوسف: هو ما استوعب شهراً؛ لأن الشهر يسقط به صوم شهر رمضان.\rوقال محمد: هو ما استوعب حولاً كاملاً؛ لأن الحول يسقط به جميع العبادات فيقدر به احتياطاً. قال قاضي زاده صاحب تكملة فتح القدير: والمختار ما قاله أبو حنيفة أنه مقدر بالشهر؛ لأن ما دون الشهر في حكم العاجل، فكان قصيراً، والشهر فصاعداً في حكم الآجل، فكان طويلاً، قال صاحب الدر: وبه يفتى.\r-------------------------------\r(1) المبسوط: 50/19، الشرح الصغير: 523/3، كشاف القناع: 457/3.\r(2) المطبق: أي الدائم، ومنه الحمى المطبقة أي الدائمة التي لا تفارق ليلاً ولا نهاراً. وقد اشترط الجمهور كون الجنون مطبقاً، وقال الشافعية: تنتهي الوكالة بالجنون وإن زال عن قرب.\r(3) البدائع: 38/6، تكملة فتح القدير والعناية: 126/6 ومابعدها، مغني المحتاج: 232/2، المغني: 113/5، المهذب: 357/1، المبسوط: 13/19.\r(4) بداية المجتهد: 298/2، الشرح الكبير: 396/3، مغني المحتاج: 232/2، المغني: 113/5، القوانين الفقهية: ص 329.","part":5,"page":746},{"id":3592,"text":"5 - لحاق الموكل مرتداً بدار الحرب: هذه الحالة عند أبي حنيفة؛ لأنه يصير حينئذ من أهل الحرب. وقال الصاحبان: لا تنتهي الوكالة بذلك؛ لأن تصرفات المرتد عندهما نافذة، فلا تبطل الوكالة إلا بموته أو بقتله بسبب ردته، أو بحكم القاضي بلحاقه. وأما مذهب أبي حنيفة في هذا فهو أن تصرفات المرتد موقوفة عنده، ومنها الوكالة، فإن أسلم الموكل نفذت، وإن قتل على الردة أو لحق بدار الحرب بطلت الوكالة.\rوأما الوكيل إذا لحق بدار الحرب مرتداً فإنه لا يخرج عن الوكالة باتفاق الحنفية إلا أن يقضي القاضي بلحاقه، لكن بمجرد لحوقه لا يجوز له التصرف إلا أن يعود مسلماً، فإن عاد مسلماً من دار الحرب إلى دار الإسلام قال محمد: تعود الوكالة إليه لزوال المانع من التصرف. وقال أبو يوسف: لا تعود الوكالة؛ لأنه بلحاقه بدار الحرب يلحق بالأموات، فيبطل ما ملكه من ولاية تنفيذ التصرف على الموكل، وإذا بطلت الولاية بطل التوكيل، وإذا بطلت الولاية لا تعود.\rوقال المالكية: ينعزل الوكيل بردته أيام الاستتابة، وأما بعدها فإن قتل انعزل، وإن أخر قتله لمانع كوجود حمل عند المرأة، فإن العلماء ترددوا في عزله، وكذا ينعزل بردة الموكل بعد مضي أيام","part":5,"page":747},{"id":3593,"text":"الاستتابة، ولم يرجع ولم يقتل لمانع (1) .\rوقال الشافعية والحنابلة: لا تبطل الوكالة بردة الوكيل، سواء لحق بدار الحرب أو أقام بدار الإسلام؛ لأن الردة لا تمنع ابتداء وكالته، فلم تمنع استدامتها كسائر أنواع الكفر. وأما ارتداد الموكل فلا يبطل الوكالة فيما له التصرف فيه عند الحنابلة، وهو الظاهر عند الشافعية لعدم زوال ملكه (2) .\r6 - عزل الوكيل نفسه أو أن يخرج الوكيل نفسه من الوكالة: إذا قال الوكيل: عزلت نفسي أو رددت الوكالة أو خرجت منها ونحوها انعزل (3) ، لدلالة ذلك عليه. وقد اشترط الفقهاء لانتهاء الوكالة مما ذكر أن يعلم الموكل بهذا، حتى لا يتضرر مما فعل الوكيل.\rوذكر المالكية أن للوكيل بغير أجر أن يعزل نفسه متى شاء إلا حيث يمنع موكله من عزل نفسه.\r7 - هلاك العين الموكل بالتصرف فيها: تنتهي الوكالة أيضاً باتفاق\r-------------------------------\r(1) حاشية الدسوقي على الشرح الكبير: 396/3.\r(2) المغني: 116/5، كشاف القناع: 458/3، مغني المحتاج: 219/2، تحفة المحتاج: 341/5، المهذب: 357/1.\r(3) مغني المحتاج: 232/2، القوانين الفقهية: ص 329.","part":5,"page":748},{"id":3594,"text":"الفقهاء (1) بهلاك العين التي وكل فيها إنسان بالتصرف فيها بالبيع أو الشراء، أو الإيجار مثلاً؛ لأن العقد يصبح في هذه الحالة غير ذي موضوع، فيكون التصرف في المحل المعقود عليه غير متصور بعد هلاكه، والوكالة بالتصرف فيما لا يحتمل التصرف محال، فتبطل الوكالة.\r8 - خروج الموكل فيه عن ملك الموكل: كأن وكله ببيع منزل فصادرته الدولة، فتزول الوكالة (2) .\r9 - الإفلاس: تنتهي الوكالة بإفلاس الموكل إذا كانت الوكالة بأعيان ماله؛ لأنه بالإفلاس ينتقل مال الموكل لغرمائه (3) .\r10 - الجحود: تنتهي الوكالة عند الحنفية والشافعية بحجودها من الموكل أو الوكيل؛ لأن الجحود بمثابة رد الوكالة. ولا تبطل الوكالة عند الحنابلة بالجحود (4) .\r11 - التعدي: تنتهي الوكالة في أحد وجهين عند الشافعية بتعدي الوكيل في التصرف الموكل فيه، كأن يوكله ببيع ثوب فيلبسه؛ لأن الوكالة عقد أمانة تبطل بخيانة الوكيل فيها. وفي الوجه الثاني لا تبطل، وإنما تبطل الأمانة ويصير ضامناً، ويبقى التصرف (5) ، ويظهر لي أن الوجه الثاني أصح وهو رأي الحنابلة.\r12 - الفسق: تبطل الوكالة عند الشافعية والحنابلة بفسق الوكيل في عقد ينافيه الفسق كإيجاب في الزواج لخروجه عن أهلية التصرف (6) ، بخلاف قبول الزواج أو الشراء.\r13 - الطلاق: قال المالكية: ينعزل الزوج عن وكالته لزوجته بالطلاق إذا طلقها؛ لأن الطلاق بيده، ولا تنعزل الزوجة عن وكالتها بطلاقه لها، إلا أن يعلم\r-------------------------------\r(1) الفتاوى الهندية: 493/3، المغني: 116/5.\r(2) المبسوط: 50/19، مغني المحتاج: 232/2، المغني: 116/5.\r(3) الدسوقي: 396/3، المغني والشرح الكبير: 213/5.\r(4) تكملة رد المحتار: 387/7، مغني المحتاج: 233/2، كشاف القناع: 458/3.\r(5) المهذب: 357/1، تكملة المجموع: 600/13.\r(6) تكملة المجموع: 566/13، كشاف القناع: 457/3.","part":5,"page":749},{"id":3595,"text":"من الموكل كراهة ذلك منها. وقال الحنابلة: لا تبطل الوكالة بطلاق امرأة وكلها زوجها بشيء (1) .\r14 - مضي الوقت: تنتهي الوكالة بمضي المدة المحددة لها كعشرة أيام مثلاً عند المالكية والشافعية والحنابلة، ولا تنتهي به على الأصح عند الحنفية (2) .\rهذه هي أهم الحالات التي تنتهي بها الوكالة عند الفقهاء، وهي فيما عدا حالة العزل تنتهي بها الوكالة على رأي الحنفية، سواء علم بها الوكيل أم لم يعلم.\rانتهى الجزء الخامس\rويتبعه الجزء السادس\rتتمة العقود وما يتعلق بها\rالملكية وتوابعها\r-------------------------------\r(1) الدسوقي: 396/3، كشاف القناع: 470/3.\r(2) تكملة رد المحتار: 393/7، مغني المحتاج: 233/2، كشاف القناع: 460/3.","part":5,"page":750},{"id":3596,"text":"......................................الفِقْهُ الإسلاميُّ وأدلَّتُهُ...............................\r..........................................الجزء السادس...................................\rالفَصْلُ العاشِر: الكَفَالة\rالكفالة والحوالة والرهن هي عقود الاستيثاق، تبحث تباعاً.\rخطة الموضوع وأسماء الكفالة :\rالكفالة لها أسماء وهي: كفالة وحمالة وضمانة وزعامة. ويقال للملتزم بها: ضمين وكفيل وقبيل وحميل وزعيم وصبير. قال الماوردي من كبار الشافعية: غير أن العرف جار بأن الضمين مستعمل في الأموال، والحميل الديات، والزعيم في الأموال العظام، والكفيل في النفوس، والصبير في الجميع. والشائع الاستعمال أن الكفالة بالدين تسمى الضمان، والكفالة بإحضار الملزم بحق من دين أو قصاص وغيرهما تسمى كفالة بالنفس، أو الكفالة بالوجه.\rوالكلام عن هذا العقد في المباحث الخمسة الآتية:\rالمبحث الأول ـ مشروعية الكفالة وتعريفها وركنها وألفاظها.\rالمبحث الثاني ـ شرائط صحة الكفالة.\rالمبحث الثالث ـ أحكام الكفالة.\rالمبحث الرابع ـ انتهاء الكفالة.\rالمبحث الخامس ـ رجوع الكفيل على الأصيل (المكفول عنه).\rالمبحث الأول: مشروعية الكفالة وتعريفها وركنها وألفاظها :\rمشروعية الكفالة: الكفالة في الجملة مشروعة بالكتاب والسنة والإجماع.\rأما الكتاب فقوله تعالى: {ولمن جاء به حمل بعير وأنا به زعيم} [يوسف:72/12] قال ابن عباس: الزعيم: الكفيل.\rوأما السنة: فقوله عليه الصلاة والسلام: «الزعيم غارم» رواه أبو داود والترمذي وحسنه، وابن حبان وصححه (1) . وجاء في صحيح البخاري أن النبي صلّى الله عليه وسلم أتي بجنازة رجل ليصلي عليه، فقال: «هل ترك شيئاً؟ قالوا: لا، قال: هل عليه دين؟ قالوا: نعم، ديناران (2) .\r-------------------------------\r(1) روي عن ثلاثة من الصحابة وهم : أبو أمامة الباهلي، وأنس بن مالك، وعبد الله بن عباس، وقد تقدم تخريجه (انظر جامع الترمذي: 295/6، ط حمص).\r(2) وفي لفظ: ثلاثة دنانير.","part":6,"page":1},{"id":3597,"text":"فقال: صلوا على صاحبكم. قال أبو قتادة: هما علي يا رسول الله ، فصلى عليه النبي صلّى الله عليه وسلم » (1) .\rوأما الإجماع: فقد أجمع المسلمون على جواز الضمان في الجملة لحاجة الناس إليها ودفع الضرر عن المدين (2) . وإنما اختلفوا في بعض الفروع التي ستذكر إن شاء الله تعالى. ويلاحظ أن الكفالة بالنية الحسنة تكون طاعة يثاب عليها فاعلها. أما في الواقع، فأولها ملامة، وأوسطها ندامة، وآخرها غرامة (1) ، فبعد تمامها في أول الأمر يلوم الكفيل نفسه أو يلومه الناس، وعند المطالبة بالمال يندم على إتلافه لماله، ثم بعدئذ يغرم المال.\rوحكمة تشريعها: توثيق الحقوق وتحقيق التعاون بين الناس وتيسير معاملاتهم في إقراض الديون والأموال وإعارة الأعيان، ليطمئن صاحب الحق في الدين أو العين المعارة للوصول إلى حقه ورعاية مصالحه، ودفع الحرج عن الناس.\r-------------------------------\r(1) أخرجه البخاري وأحمد والنسائي وابن حبان عن سلمة بن الأكوع، وروى أحمد وأصحاب السنن إلا أبا داود هذه القصة من حديث أبي قتادة. وصححه الترمذي، وقال فيه النسائي وابن ماجه: فقال أبو قتادة: «أنا أتكفل به» هذا صريح في الإنشاء لا يحتمل الإخبار بما مضى. وروى القصة أيضاً أحمد وأبو داود والنسائي وابن حبان والدارقطني والحاكم عن جابر بن عبد الله . وفي موضوع القصة روى الدارقطني والبيهقي حديثاً عن أبي سعيد الخدري بأسانيد ضعيفة، وفي موضوعها أيضاً روى البزار ورجاله رجال الصحيح حديثاً عن أبي هريرة. ورواية القصة بأن الدين كان درهمين وأن الكفيل كان علياً بن أبي طالب رواية ضعيفة، كما قال ابن حجر (راجع التلخيص الحبير: ص 250 ومابعدها، مجمع الزوائد: 127/4، سبل السلام: 62/13، نيل الأوطار: 237/5 ومابعدها).\r(2) سبل السلام:62/3، المبسوط: 160/19 ومابعدها، مغني المحتاج: 198/2، المغني: 534/4.","part":6,"page":2},{"id":3598,"text":"تعريفها: الكفالة لغة كما في كتب الحنفية والحنابلة: هي الضم. وفي كتب الشافعية: هي الالتزام. واصطلاحاً في الأصح عند الحنفية: هي ضم ذمة إلى ذمة في المطالبة مطلقاً أي ضم ذمة الكفيل إلى ذمة المدين في المطالبة بنفس أو بدين أو عين كمغصوب ونحوه، فلا يثبت الدين في ذمة الكفيل، ولا يسقط عن الأصيل (2) .\rوقال المالكية والشافعية والحنابلة: الكفالة: هي ضم ذمة الضامن إلى ذمة المضمون عنه في التزام الحق أي في الدين، فيثبت الدين في ذمتهما جميعاً، كما جاء في المغني لابن قدامة الحنبلي (3) .\rويلاحظ أنه ليس من ضرورة ثبوت الدين في ذمة الكفيل مع بقائه في ذمة الأصيل أن يترتب عليه زيادة حق للدائن؛ لأن الدين وإن ثبت في ذمة الكفيل، فلا يحق لرب الدين إلا استيفاء قيمة واحدة: إما من الكفيل أو من الأصيل.\rكما يلاحظ أيضاً أنه لا مانع من ثبوت الدين في أكثر من ذمة؛ لأن الدين أمر اعتباري من الاعتبارات الشرعية، فجاز أن يعتبر الشيء الواحد في ذمتين، وإنما الممتنع هو ثبوت عين في زمن واحد في ظرفين حقيقيين.\rوالدليل على ثبوت الدين في ذمة الكفيل أنه لو وهب الدين للكفيل صحت الهبة، وأن الكفيل يرجع بالدين على الأصيل مع أن هبة الدين لغير من عليه الدين لا تجوز. ويصح أيضاً للدائن أن يشتري شيئاً من الكفيل بالدين الذي له، مع أن الشراء بالدين من غير من عليه الدين لا يصح.\r-------------------------------\r(1) قال بعض أصحاب القفال الشافعي: إن في التوراة مكتوباً: إن الكفالة مذمومة، أولها ندامة، وأوسطها ملامة، وآخرها غرامة.\r(2) راجع فتح القدير: 389/5، البدائع: 2/6، الدر المختار: 260/4.\r(3) راجع الشرح الكبير: 329/3، مغني المحتاج: 198/2، المغني: 534/4.","part":6,"page":3},{"id":3599,"text":"وأما دليل الحنفية على مذهبهم: فهو أن الدين وإن أمكن شرعاً اعتباره في ذمتين لا يجب الحكم بوقوع كل ممكن إلا بموجب، ولا موجب هنا؛ لأن التوثق بالدين يحصل بثبوت حق المطالبة، وأجابوا عن صحة الهبة ونحوها بأنهم جعلوا الدين في حكم الدينين لضرورة تصحيح تصرف صاحب الحق (1) .\rومن أدلة الحنفية أيضاً أن الكفالة كما تصح بالمال تصح بالنفس مع أنه لا دين فيها، والمضمون بالكفالة بالنفس هو إحضار المكفول به، وكما تصح بالدين تصح بالأعيان المضمونة، وتعريف الكفالة بما يفيد ثبوت حق المطالبة فيها هو من أجل شمول جميع هذه الأنواع بخلاف ما لو قصرنا معناها على الضم في الدين، فإنه يراد بها الكفالة بالمال فقط. والخلاصة: إن تعريف الكفالة بالضم في المطالبة أعم لشموله أنواع الكفالة: وهي الكفالة بالمال وبالنفس وبالأعيان، وهو معنى كون هذا التعريف أصح.\rوأما من عرفها بالضم في الدين فإنه أراد تعريف نوع منها وهو الكفالة بالمال. وأما النوعان الآخران فمتفق على كون الكفالة بهما كفالة بالمطالبة. فيكون تصحيح الحنفية للتعريف الذي اختاروه مقبولاً من هذه الزاوية فقط وهي كونه أعم وأشمل لأنواع الكفالة الثلاث.\rأما من ناحية الواقع بالنسبة لأحكام الكفالة فقد استظهر ابن عابدين أن الفقهاء متفقون على ثبوت الدين في ذمة الكفيل مع بقائه في ذمة الأصيل، بدليل الاتفاق على صحة هبة الدين والشراء به كما عرفنا، ولأن اعتبار الدين في ذمتين ممكن كما تقدم، ولو كانت الكفالة ضَمّاً في المطالبة فقط بدون دين لزم ألا يؤخذ المال من تركة الكفيل؛ لأن المطالبة تسقط عنه بموته كالكفيل بالنفس، مع أن المنصوص عليه حتى عند الحنفية هو أن المال يحل بموت الكفيل، ويؤخذ من تركته. وبدليل أنه يجوز أن يكفل الكفيل كفيل آخر بالمال المكفول به.\r-------------------------------\r(1) المراجع السابقة.","part":6,"page":4},{"id":3600,"text":"وتظهر ثمرة الخلاف بين التعريفين فيما إذا حلف الكفيل ألا دين عليه، فإنه يحنث إذا قلنا بأن الكفالة ضم ذمة إلى ذمة في الدين، ولا يحنث إذا قلنا بأنها ضم في المطالبة (1) .\rركن الكفالة: ركن الكفالة عند أبي حنيفة ومحمد: هو الإيجاب والقبول أي الإيجاب من الكفيل، والقبول من الدائن (2) .\rوقال أبو يوسف وجمهور الفقهاء: ركن الكفالة هو الإيجاب وحده. وأما القبول فليس بركن.\rوعلى هذا تتم الكفالة بالكفيل وحده في الكفالة بالمال والنفس، ولا يشترط عند جمهور الفقهاء قبول المكفول له وهو الدائن، ولا رضاه لعدم التعرض للقبول في حديث أبي قتادة السابق ذكره،فإنه صحت الكفالة بمجرد أن قال أبو قتادة: هما علي يا رسول الله ، فصلى عليه، ولم ينقل أنه قبل الدائن. ولأن الكفالة ضم لغة والتزام المطالبة بما على الأصيل شرعاً، ومعنى الضم والالتزام يتم بإيجاب الكفيل، فأشبه النذر (3) .\rوقال أبو حنيفة ومحمد: يشترط رضا المكفول له، كما سيأتي في شروط الكفالة.\rوأما رضا المكفول عنه أي الأصيل فلا يشترط بالاتفاق بين العلماء؛لأن قضاء دين الغير بغير إذنه جائز، فالتزامه أولى، ولأنه يصح الضمان عن الميت اتفاقاً ما عدا أبا حنيفة وإن لم يترك وفاء لدينه أي كان مفلساً. وأركان الكفالة أو الضمان عند الجمهور (4) أربعة: ضامن (وهو كل من يجوز تصرفه في ماله فلا يجوز ضمان الصغير ولا السفيه). ومضمون (وهو كل حق تصح النيابة فيه، وهو الدين أو العين المضمونة، وذلك في الأموال، لا في الحدود ولا في القصاص؛ لأنه لا تصح النيابة فيه) ومضمون عنه (وهو كل مطلوب بمال، حياً كان أو ميتاً) وصيغة (إيجاب) وأضاف الشافعية ركناً خامساً وهو المضمون له (وهو مستحق الدين).\r-------------------------------\r(1) راجع رد المحتار على الدر المختار: 261/4.\r(2) فتح القدير: 390/5،البدائع: 2/6، الدر المختار، المرجع السابق، مجمع الضمانات: ص 275.\r(3) مغني المحتاج: 200/2، المهذب: 340/1، المغني: 535/5.\r(4) القوانين الفقهية: ص 325، مغني المحتاج: 198/2، غاية المنتهى: 104/2.","part":6,"page":5},{"id":3601,"text":"ألفاظ الكفالة: تنعقد الكفالة بصيغة معينة، وألفاظها عند الحنفية والشافعية: إما صريح أو كناية: وهي كل لفظ ينبئ عن العهدة في العرف والعادة (1) .\rالصريح: أن يقول الكفيل: تكفلت أو ضمنت أو أنا ضامن ما عليه، أو أنا زعيم، أو قبيل، أو هو إلي أو علي،أو لك عندي، أو لك قبلي، أو على أن أوافيك به، أو على أن ألقاك به، أو دعه إلي.\rوالكناية: أن يقول: خل عن فلان، والدين الذي عليه عندي، أو دين فلان إلي، أو ضمنت فلاناً، أو ضمان فلان علي، فإن نوى المال، أو البدن لزم وإلا لغا. وإذا قال: لفلان عندي كذا، فهو يحتمل كونه وديعة ويحتمل كونه في الذمة، لأن كلمة ( عند ) تفيد القرب والحضرة، وهو موجود في المعنيين السابقين، فإذا أطلق اللفظ يحمل على كونه وديعة في يده، وعند قرينة الدين يحمل على ما في الذمة أي في ذمتي؛ لأن الدين لا يحتمله إلا الذمة.\rوالكفالة نوعان: كفالة بالنفس وكفالة بالمال. وتنعقد الكفالة بالنفس إذا قال الكفيل: تكفلت بنفس فلان أو برقبته أو بروحه أو بجسده أو برأسه أو ببدنه، وكذا إذا قال: بنصفه أو بثلثه، أو بجزء منه؛ لأن القاعدة الفقهية: «ذكر بعض ما لا يتجزأ كذكر كله» فيكون كفيلاً بكله؛ لأنه مما لا يتجزأ (2) بخلاف ما إذا قال: بيد فلان أو برجله. وكذا تنعقد إذا قال: ضمنته، أو قال: علي، أو قال: أنا زعيم به أو قبيل، بخلاف قوله: أنا ضامن بمعرفته.\rأحوال ركن الكفالة: الاتفاق على الكفالة إما أن يكون مطلقاً أو مقيداً بوصف، أو معلقاً بشرط، أو مضافاً إلى وقت (3) .\r-------------------------------\r(1) فتح القدير: 292/5، البدائع، المرجع السابق، الدر المختار: 264/4، مجمع الضمانات: ص 265، مغني المحتاج، المرجع السابق: ص 206، حاشية قليوبي وعميرة: 330/2.\r(2) ومثل ذلك ما لو طلق رجل زوجته نصف تطليقة أو ربعها مثلاً، تطلق تطليقة كاملة رجعية؛ لأنها مما لا يتجزأ، بخلاف كفالة المال، فلو كفل بجزء من الدين، كنصفه أو ربعه، لم يكن كفيلاً بأكثر؛ لأنه مما يقبل التجزئة.\r(3) راجع التفصيل في البدائع: 3/6، فتح القدير: 404/5، 411.","part":6,"page":6},{"id":3602,"text":"أ ـ إن كانت الكفالة مطلقة: فتجوز بالشروط التي ستذكر، غير أنها تتقيد بوصف الدين: فإن كان حالاً كانت الكفالة حالة، وإن كان مؤجلاً كانت الكفالة مؤجلة.\rب ـ وإن كانت الكفالة مقيدة: فإما أن تقيد بوصف التأجيل أو بوصف الحلول. فإن كانت مؤجلة إلى أجل معلوم كشهر أو سنة، جازت. ويجوز أن يكون أجل الكفالة مماثلاً لأجل الدين أو أزيد منه أو أنقص؛ لأن المطالبة بالدين حق الدائن المكفول له، فله أن يتفق مع الكفيل والمدين على ما يشاء.\rوإن كان الدين حالاً، جاز التأجيل في الكفالة، ويستفيد المدين نفسه من الأجل أيضاً في ظاهر الرواية؛ لأن التأجيل إذا كان في نفس العقد، يجعل الأجل صفة للدين، والدين واحد. أما إذا كان التأجيل بعد تمام العقد، فيختص به الكفيل فقط. وإذا كان التأجيل عن الأصيل، فيستفيد الكفيل من الأجل، أما إذا أجل الكفيل، فلم يستفد الأصيل من الأجل؛ لأن المقصود تأخير المطالبة، لا إسقاط الحق.\rوإذا كانت الكفالة مؤجلة إلى سنة مثلاً، فمات الأصيل قبل تمام السنة، يحل الدين في ماله، ويبقى الأجل للكفيل، وكذا يحل الدين في مال الكفيل إذا مات، ويبقى الأصيل على أجله.\rهذا هو مذهب الحنفية والمالكية والشافعية (1) ؛ لأن الموت عند الحنفية يعصف بذمة الإنسان ويبطل الأهلية إلا بمقدار ما تقتضيه ضرورة تسوية الحقوق وثبوت الأحكام التي لها سبب في حال الحياة.\rوعند الحنابلة روايتان، رجح ابن قدامة أن الدين لا يحل بالموت؛ لأن الدين مؤجل، فلا تجوز المطالبة به قبل الأجل، كما لو لم يمت (2) .\r-------------------------------\r(1) البدائع، المرجع السابق، المبسوط: 28/20، مختصر الطحاوي: ص 105، الشرح الكبير: 337/3، مغني المحتاج: 208/2.\r(2) المغني: 545/5.","part":6,"page":7},{"id":3603,"text":"وإن كان التأجيل إلى وقت مجهول، فتجوز الكفالة عند الحنفية والحنابلة والمالكية إذا كان الأجل متعارفاً بين الناس كالحصاد والدياس والنيروز ونحوه؛ لأن هذه الجهالة ليست فاحشة فتتحملها الكفالة. وقال الشافعي: لا يجوز التأجيل إلى هذه الأوقات، لأنه أجل مجهول (1) .\rوإن لم يكن الأجل متعارفاً بين الناس كالتأجيل إلى مجيء المطر أو هبوب الريح، فالأجل باطل، والكفالة صحيحة؛ لأن هذه جهالة فاحشة، فلا تتحملها الكفالة، فلا يصح التأجيل، فبطل. هذا إذا كانت الكفالة مؤجلة.\rفإن كانت الكفالة حالَّة، فيجوز للدائن أن يشرط الحلول على الكفيل، سواء أكان الدين حالاً أم مؤجلاً. ولو كفل الكفيل حالاً يصح للدائن أن يؤجله بعدئذ، ويكون التأجيل خاصاً به.\rوفي الجملة: يجوز في المذاهب الأربعة ضمان الدين الحال مؤجلاً، وضمان المؤجل حالاًّ؛ لأن الضمان تبرع، والحاجة تدعو إليه، فيصح على حسب ما التزم به الضامن (2) ، وقد روى ابن ماجه في سننه عن ابن عباس أن النبي صلّى الله عليه وسلم ضمن مديناً لوفاء دينه لمدة شهر.\rوفي الكفالة بالنفس: لو تكفل شخص برجل إلى شهر أو ثلاثة أيام ونحوها: جاز، ولكن الكفيل إنما يطالب بتسليم المكفول بنفسه بعد مضي تلك المدة المتفق عليها ولا يطالب به في الحال في ظاهر الرواية.\r-------------------------------\r(1) المغني، المرجع السابق: ص 560، مغني المحتاج: 307/2، المبسوط: 172/19، مجمع الضمانات: ص 273، الفرائد البهية في القواعد الفقهية: ص 142.\r(2) البدائع، المرجع السابق: الشرح الكبير: 331/3، نهاية المحتاج للرملي: 416/3، مغني المحتاج: 207/2، المغني: 544/4.","part":6,"page":8},{"id":3604,"text":"وقال أبو يوسف: إنه يطالب به للحال، إذا مضى الأجل يبرأ الكفيل. وهو قول الحسن بن زياد، وقال القاضي النسفي: وقول أبي يوسف أشبه بعرف الناس. وكان بعضهم يفتي به (1) .\rج ـ إن كانت الكفالة معلقة بشرط: فتجوز عند الحنفية إذا كان الشرط ملائماً لمقتضى العقد، مثل أن يكون الشرط سبباً لوجوب الحق، كأن يقول الكفيل: إذا استحق المبيع فأنا كفيل، أو شرطاً لإمكان الاستيفاء (أي لسهولته) مثل قوله: إذا قدم زيد ـ وكان هو المكفول عنه ـ فأنا كفيل، أو شرطاً لتعذر الاستيفاء وصعوبته مثل: إن غاب زيد عند البلدة فأنا كفيل.\rوفيما عدا مثل هذه الحالات كالتعليق بهبوب الريح أو مجيء المطر، أو دخول زيد الدار بأن يقول: إذا جاء المطر أو نحوه فأنا كفيل، تثبت الكفالة حالة، ويبطل الأجل (2) . والخلاصة: أنه يصح تعليق الكفالة بنوعيها بشرط متعارف، والمتعارف كأن يعلق الكفالة بما هو سبب الحق، أو سبب لإمكان التسليم. وأما التعليق بهبوب الريح ونحوه فهو غير متعارف.\rوقال الشافعية: الأصح أنه لا يجوز تعليق الكفالة بشرط مثل: إذا جاء رأس الشهر، فقد ضمنت ما على فلان، أو تكفلت ببدنه (3) .\rتعليق كفالة المال على عدم الموافاة بالنفس :\rلو كفل إنسان بنفس آخر، فقال: إن لم أحضر غداً فأنا ضامن ما عليه، فلم\r-------------------------------\r(1) مجمع الضمانات: ص 266.\r(2) فتح القدير: 414/5، البدائع: 4/6، الدر المختار: 277/4، مجمع الضمانات: ص 273، الفرائد البهية في القواعد الفقهية للشيخ محمود حمزة: ص 142.\r(3) نهاية المحتاج: 415/3، المهذب: 341/1، مغني المحتاج: 207/2.","part":6,"page":9},{"id":3605,"text":"يحضر به، أو مات المكفول، فالمال لازم للكفيل عند الحنفية، لأن هنا كفالتين: بالنفس والمال، وكل ما في الأمر أنه كفل بالنفس مطلقاً، وعلق الكفالة بالمال بشرط عدم الموافاة بالنفس، وهذا التعليق صحيح إذا أقر المدين بالمدعى به، أو ثبت بالبينة وقضى به القاضي (1) .\rوقال الشافعية: لايضمن المال (2) . وذكر الحنفية تفريعات أخرى قريبة من هذا الموضوع.منها: لو كفل إنسان بنفس رجل، وقال: إن لم أوافك به غداً، فعلي ألف ليرة، ولم يقل الألف التي عليه أو الألف التي ادعيت، وكان المطالب بالمبلغ ينكر المال، فالمال لازم للكفيل عند أبي حنيفة وأبي يوسف. وعند محمد: لا يلزمه. وجه قول محمد: أن هذا إيجاب المال معلقاً بالخطر أي بالاحتمال، لأنه لم توجد الإضافة إلى الواجب، ووجوب المال لا يتعلق بالخطر، أما الكفالة بمال ثابت فتتعلق بالخطر.\rووجه قول الشيخين: أن مطلق الألف ينصرف إلى الألف المعهودة، وهي الألف المضمونة.\rولو كفل رجل بالمال، وقال للمكفول له: «إن وافيتك به غداً، فأنا بريء» فوافاه من الغد يبرأ من المال في رواية؛ لأن هذا ليس بتعليق البراءة بشرط الموافاة، بل هو جعل الموافاة غاية للكفالة بالمال، والشرط قد يذكر بمعنى الغاية لمناسبة بينهما. وفي رواية وهي الراجحة: لا يبرأ من المال لأن قوله: «إن وافيتك به غداً فأنا بريء» تعليق البراءة عن المال بشرط الموافاة بالنفس، والبراءة\r-------------------------------\r(1) البدائع: 4/6 ومابعدها، فتح القدير: 396/5، المبسوط: 176/19، الدر المختار: 269/4، مجمع الضمانات: ص 266 ومابعدها.\r(2) مغني المحتاج: 25/2 ومابعدها.","part":6,"page":10},{"id":3606,"text":"لا تحتمل التعليق بالشرط؛ لأن فيها معنى التمليك، والتمليكات لا يصح تعليقها بالشرط (1) .\rد ـ وإن كانت الكفالة مضافة إلى وقت في المستقبل: جازت عند الحنفية مثل أن يضمن إنسان لآخر ما يقرضه لفلان، أو ما يستهلكه من ماله أو ما يغصبه منه، أو ثمن ما يبايعه به، فهذه الكفالة صحيحة لأنها أضيفت إلى سبب الضمان. وقد أجاز القانون المدني تعليق الكفالة على شرط أو إضافتها إلى زمن مستقبل.\rالخيار في الكفالة: اتفق العلماء على أنه لا يدخل في الضمان والكفالة خيار؛ لأن الخيار جعل ليعرف ما فيه الحظ، والضمين والكفيل على بصيرة أنه لاحظ لهما، ولأن الضمان عقد لا يفتقر إلى القبول، فلم يدخله خيار كالنذر (2) .\rالمبحث الثاني ـ شروط الكفالة :\rتشترط في الكفالة شروط تتعلق إما بالصيغة أو بالكفيل، أو بالأصيل، أو بالمكفول له، أو بالمكفول به، فالذي تلزمه المطالبة بالمال الذي على المدين هو الكفيل، والمدين: هو المكفول عنه، ويسمى الأصيل أيضاً، والمدعي ـ وهو الدائن: مكفول له، ومحل الكفالة ـ وهو المال أو النفس المكفولة: هو المكفول به.\rشروط الصيغة: يشترط في صيغة الكفالة ثلاثة شروط وهي:\r1 ً - أن تكون بلفظ يدل على الالتزام صراحة أو كناية كما تقدم، مثل ضمنت دينك على فلان أو تكفلت به أو تكفلت بنفس فلان ونحو ذلك من الصريح، أو يقول: الدين الذي لك على فلان هو علي ونحو ذلك من الكنايات.\r2 ً - التنجيز في العقد: فلا تصح الكفالة المعلقة على شرط غير متعارف، مثل إن قدم فلان من السفر فأنا كفيل لك بما على فلان، أو إن فعلت كذا تكفلت بإحضار فلان، أو إن نزل المطر فأنا كفيل؛ لأن الكفالة عقد يفيد أثره في الحال، فلا يقبل التعليق.\r-------------------------------\r(1) البدائع، المرجع السابق، المبسوط للسرخسي: 178/19.\r(2) المغني: 555/4.","part":6,"page":11},{"id":3607,"text":"3 ً - عدم التأقيت: سواء في كفالة المال؛ لأن المقصود منها الأداء، أم في كفالة البدن؛ لأن المقصود الإحضار. لكن يصح ضمان النفس في الحال بشرط تأخير إحضار المكفول إلى أجل معلوم. ويصح تنجيز الكفالة بالدين الحال على أن يؤديه في أجل معين؛ لأنه قد لا يتيسر للضامن الأداء حالاً، ويصح ضمان الدَّيْن المؤجل حالاً؛ لأنه تبرع بالتزام التعجيل؛ ولكن لا يلزمه التعجيل، بل له الحق في الأجل تبعاً للأصيل الذي عليه الدَّين، كما تقدم.\rشروط الكفيل: اشترط فقهاء الحنفية وغيرهم في الكفيل شرطين (1) :\rأولهما ـ أهلية العقل والبلوغ أي أهلية التبرع: فلا تنعقد كفالة الصبي والمجنون؛ لأن الكفالة عقد تبرع بالتزام المال، فلا تنعقد ممن ليس من أهل التبرع، وهذا شرط متفق عليه، وهو المعبر عنه بالرشد أي صلاح الدين والمال عند الشافعية خلافاً للجمهور الذين يكتفون بصلاح المال. لأن الكفالة تصرف مالي، فلا تصح من مجنون وصبي ومحجور عليه بسفه، لعدم رشدهم.\rأما ضمان المريض مرض الموت المخوف فحكمه حكم تبرعه، لا يصح فيما يزيد عن ثلث ماله، وإلا توقف على إجازة الوارث. ولم يجز المالكية خلافاً لجمهور الفقهاء كفالة المرأة في الديون إلا في حدود ثلث مالها كالمريض، لأنها محجورة عندهم عن التصرف فيما يزيد عن ثلث مالها، منعاً من الإضرار بالزوج، فإن زاد الدين عن ثلث مالها، لم يلزمها الضمان، بل يتوقف على إجازة الزوج.\rثانيهما ـ الحرية: وهذا شرط نفاذ للتصرف، فلا يجوز كفالة العبد؛ لأنها تبرع، والعبد لا يملك التبرع بدون إذن سيده، ولكن الكفالة تنعقد، حتى إن العبد يطالب بموجبها بعد عتقه.\r-------------------------------\r(1) البدائع: 5/6 ومابعدها، المبسوط: 8/20، الدر المختار: 262/4، الكتاب مع اللباب: 159/2، الشرح الصغير: 433/3، القوانين الفقهية: ص 325، مغني المحتاج: 198/2، غاية المنتهى: 103/2، المغني: 541/4 ومابعدها.","part":6,"page":12},{"id":3608,"text":"شروط الأصيل: يشترط في الأصيل المكفول عنه شرطان أيضاً (1) :\rأولهما ـ أن يكون قادراً على تسليم المكفول به إما بنفسه أو بنائبه. وهذا الشرط خاص عند أبي حنيفة، فلا تصح الكفالة عنده بالدين عن ميت مفلس مات ولم يترك وفاء لدينه؛ لأنه دين ساقط، فلم يصح ضمانه، كما لو سقط بالإبراء، ولأن ذمة الميت قد زالت بالموت، فلم يبق فيها دين، والضمان: ضم ذمة إلى ذمة في المطالبة به.\rوقال الصاحبان وجمهور الفقهاء (2) : يصح ضمان الدين عن الميت المفلس بدليل حديث أبي قتادة السابق ذكره، فإنه ضمن دين ميت لم يترك شيئاً لوفاء دينه. والنبي صلّى الله عليه وسلم حض الصحابة على ضمان دين الميت في حديث أبي قتادة بقوله: «ألا قام أحدكم فضمنه؟» ولأن دين الميت دين ثابت، فصح ضمانه ما لو خلف وفاء لدينه. والدليل على ثبوت هذا الدين: أنه لو تبرع رجل بقضائه، جاز لصاحب الدين اقتضاؤه، وكذا لو ضمنه حياً، ثم مات لم تبرأ ذمة الضامن، مما يدل على أنه لم تبرأ ذمة المضمون عنه.\rثانيهما ـ أن يكون الأصيل معروفاً (أي معلوماً) عند الكفيل: فإذا قال الكفيل: كفلت ما على أحد من الناس، لا تصح الكفالة؛ لأن الناس لم يتعارفوا ذلك، ولأن اشتراط هذا الشرط إنما هو لأجل معرفة المكفول عنه: هل هو موسراً وممن يبادر إلى قضاء دينه أو يستحق اصطناع المعروف أو لا، وأجاز بعض الفقهاء أن يكون المكفول عنه مجهولاً. ولا يشترط حضرة الأصيل، فتجوز\r-------------------------------\r(1) البدائع، المرجع السابق: ص6 ، الدر المختار: 262/4، 278، فتح القدير: 419/5.\r(2) بداية المجتهد: 294/2، الشرح الكبير للدردير: 331/3، المهذب: 339/1، المغني: 537/4.","part":6,"page":13},{"id":3609,"text":"الكفالة عن غائب أو محبوس؛ لأن الحاجة إلى الكفالة في الغالب تظهر في مثل هذه الأحوال (1).\rوقال الشافعية والحنابلة: الأصح أنه لا يشترط معرفة المكفول عنه قياساً على رضاه، فإنه ليس بشرط، وأما اصطناع المعروف فهو معروف، سواء أكان لأهله أم لغير أهله (2) .\rشروط المكفول له: يشترط في المكفول له وهو الدائن شروط (3) وهي:\rأولاً ـ أن يكون معلوماً: فلو كفل إنسان لأحد من الناس، فلا تجوز الكفالة، لأنه إذا كان المكفول له مجهولاً لا يتحقق المقصود من الكفالة وهو التوثق. ويوافق الشافعية على هذا الشرط في الأصح عندهم؛ لأن مستحقي الدين يتفاوتون عادة في استيفاء الدين تشديداً وتسهيلاً (4) .\rوأجاز المالكية والحنابلة الضمان مع جهالة المكفول له، نحو: أنا ضامن زيداً بالدين الذي عليه للناس. ويستدلون بقوله تعالى: {قالوا: نفقد صُواع الملك، ولمن جاء به حمل بعير، وأنا به زعيم} [يوسف:72/12] لأن المنادي لم يكن مالكاً، وإنما كان نائباً عن يوسف عليه السلام، فشرط حمل البعير على يوسف لمن جاء بالصواع، وتحمل هو به عن يوسف (5) .\rثانياً ـ أن يكون المكفول له حاضراً في مجلس العقد: وهذا شرط انعقاد عند أبي حنيفة ومحمد إذا لم يكن هناك نائب عن المكفول له يقبل الكفالة في المجلس. فلو كفل إنسان لغائب عن المجلس، فبلغه الخبر، فأجاز لا تجوز الكفالة عندهما إذا لم يقبل به حاضر في المجلس. دليلهما: أن في الكفالة معنى التمليك، والتمليك لا يحصل إلا بالإيجاب والقبول، فلا بد من توافره لإتمام صيغة العقد.\r-------------------------------\r(1) بداية المجتهد: 294/2، البدائع: 6/6، مغني المحتاج: 204/3.\r(2) مغني المحتاج: 200/2، المغني: 535/4 .\r(3) راجع البدائع: 6/6 ومابعدها، فتح القدير: 417/5، المبسوط: 9/20، الدر المختار: 280/4.\r(4) مغني المحتاج، المرجع السابق.\r(5) أحكام القرآن لابن العربي: 1085/3، المغني: 535/5 ومابعدها.","part":6,"page":14},{"id":3610,"text":"وأما أبو يوسف فعنه روايتان، والقول المتأخر عنه أن الكفالة عن الغائب تجوز؛ لأن معنى الكفالة وهو الضم والالتزام يتم بإيجاب الكفيل، فكان إيجابه صالحاً وحده لإتمام العقد، وهذا رأي جمهور الفقهاء القائلين بأن الكفالة تنعقد بالإيجاب وحده.\rثالثاً ـ أن يكون المكفول له عاقلاً: وهذا متفرع على مذهب أبي حنيفة ومحمد في اشتراط الشرط السابق، فلا يصح قبول المجنون والصبي غير المميز، لأنهما ليسا أهلاً لصدور القبول عنهما باعتباره ركناً في العقد.\rشروط المكفول به: يشترط في المكفول به شروط ثلاثة (1) :\rأولاً ـ أن يكون المكفول به مضموناً على الأصيل، سواء أكان ديناً أم عيناً أم نفساً أم فعلاً عند الحنفية بشرط أن تكون العين مضمونة بنفسها (2) كالمغصوب والمقبوض بالبيع الفاسد، والمقبوض على سوم الشراء.\rأما العين التي هي أمانة سواء أكانت غير واجبة التسليم كالودائع ومال الشركات، أم واجبة التسليم كالعارية والمستأجر في يد الأجير أو المضمونة بغيرها، كالمبيع قبل القبض، والرهن، فلا تصح الكفالة بهما؛ لأن العين التي هي أمانة ليست بمضمونة، ولأن المضمون بغيره ليس بمضمون بنفسه. فإذا هلك المبيع قبل القبض لا يجب على البائع شيء، ولكن يسقط الثمن عن المشتري، وإذا هلك الرهن لا يجب على المرتهن شيء ولكن يسقط الدين عن الراهن بقدره.\rوالمراد بالفعل المكفول به: هو فعل التسليم مثل الكفالة بتسليم المبيع والرهن، وتصح الكفالة بالفعل؛ لأن التسليم مضمون على الملتزم به، فالمبيع مضمون التسليم على البائع، والرهن مضمون التسليم على المرتهن في الجملة بعد قضاء الدين.\r-------------------------------\r(1) البدائع: 7/6 ومابعدها، فتح القدير: 402/5 ومابعدها، رد المحتار: 264/4، 281، مجمع الضمانات: ص 271، روضة الطالبين 255/4، المغني: 538/4 ومابعدها.\r(2) العين نوعان: أمانة ومضمونة. فالأمانة كالودائع ومال الشركات والمضاربات والعارية والمستأجر في يد الأجير، والمضمونة إما بنفسها كالمغصوب ونحوه، أو بغيرها كالمبيع قبل القبض، فإنه مضمون بالثمن، والرهن فإنه مضمون بالدين.","part":6,"page":15},{"id":3611,"text":"ضمان الأعيان: يتبين من هذا أنه يجوز ضمان الأعيان المضمونة، ولا يصح ضمان الأعيان إذا لم تكن مضمونة على من هي في يده، وهذا رأي جمهور الفقهاء، وأحد قولي الشافعي الراجح في المذهب؛ لأن الأعيان المضمونة مضمونة على من هي في يده، فصح ضمانها كالحقوق الثابتة في الذمة. أما القول الآخر للشافعي فلا يصح ضمان الأعيان؛ لأن الأعيان غير ثابتة في الذمة، والجواب:\rالضمان في الحقيقة إنما هو ضمان استنقاذها وردها، والتزام تحصيلها أو قيمتها عند تلفها، وهذا مما يصح ضمانه كعهدة المبيع، فإن ضمانها يصح وهو في الحقيقة التزام رد الثمن أو عوضه إن ظهر بالمبيع عيب أو خرج مستحقاً.\rوظاهر كلام أحمد صحة ضمان الأمانات كالوديعة والعين المؤجرة والشركة والمضاربة والعين التي يدفعها إلى القصار والخياط إن صارت مضمونة على صاحبها إن تعدى فيها.\rالكفالة بالنفس: وعلى هذا تصح الكفالة بنفس من عليه الحق لأن الكفالة بالنفس (1) كفالة بالفعل: وهو تسليم النفس، وفعل التسليم مضمون على الأصيل، فجازت الكفالة به.\r-------------------------------\r(1) الكفالة بالنفس أو بالبدن وتسمى كفالة الوجه: هي التزام إحضار المكفول إلى المكفول له، للحاجة إليها.","part":6,"page":16},{"id":3612,"text":"وقد أجاز الكفالة بالنفس إذا كانت بسبب المال جمهور الفقهاء ومنهم أئمة المذاهب الأربعة، لقوله تعالى: {قال: لن أرسله معكم حتى تؤتون موثقاً من الله لتأتُنني به إلا أن يحاط بكم} [يوسف:66/12] ولقوله عليه الصلاة والسلام «الزعيم غارم» وهذا يشمل الكفالة بنوعيها، ولأن ما وجب تسليمه بعقد، وجب تسليمه بعقد الكفالة كالمال، ولأن الكفيل يقدر على تسليم الأصيل بأن يعلم من يطلبه مكانه، فيخلي بينه وبينه، أو يستعين بأعوان القاضي في التسليم. وأما قول الشافعي: «كفالة البدن ضعيفة» فإنه أراد أنها ضعيفة من جهة القياس؛ لأن الشخص الحر لا يدخل تحت اليد، ولا يقدر على تسليمه (1) . هذا هو تحقيق مذهب الشافعي وهو المشهور بخلاف ما تذكره كتب الحنفية. إلا أن الشافعية قالوا: المذهب صحة الكفالة بالنفس أو البدن لمن عليه مال أو لمن عليه عقوبة لآدمي كقصاص وحد قذف، والمذهب منعها في حدود الله تعالى كحد الخمر والزنا والسرقة؛ لأنه يسعى في دفعها ما أمكن.\rوقال الحنابلة والمالكية: لا تصح الكفالة ببدن من عليه حد، سواء أكان حقاً لله تعالى، كحد الزنا والسرقة، أم لآدمي كحد القذف والقصاص.\r-------------------------------\r(1) راجع الشرح الكبير: 344/3، بداية المجتهد: 291/2، مغني المحتاج: 203/2، المهذب: 342/1، المغني: 556/4، المبسوط: 162/19، البدائع: 8/6، فتح القدير: 391/5. الكتاب مع اللباب: 153/2، كشاف القناع: 362/3.المقدمات الممهدات 399/3.","part":6,"page":17},{"id":3613,"text":"ومن أحكام الكفالة بالنفس: أنه إذا شرط الأصيل في الكفالة تسليم المكفول به في وقت بعينه، لزم الكفيل إحضار المكفول به إذا طالبه به في الوقت، وفاء بما التزمه كالدين المؤجل إذا حل، فإن أحضره، فبها، وإن لم يحضره، حبسه الحاكم لامتناعه عن إيفاء حق مستحق عليه. وإن أحضره وسلمه في مكان يقدر المكفول له على محاكمته كالمصر، برئ من الكفالة، لأنه أتى بما التزمه. وإذا تكفل به على أن يسلمه في مجلس القاضي، فسلمه في السوق برئ أيضاً؛ لأن المقصود هو إمكان الخصومة وإثبات الحق، وهذا حاصل متى سلمه في السوق لتعاون الناس معه على إحضاره إلى القاضي.\rويلاحظ أن المالكية يمنعون الزوجة من كفالة النفس مالم يأذن زوجها؛ لأنها قد تحبس أو تخرج لخصومة أو لطلب المضمون، وفي ذلك معرة، وأجازوا ما سموه بضمان الطلب وهو في الحقيقة نوع من كفالة النفس أو الوجه، ولكن بشرط عدم غرم المال إلا إذا فرط في الطلب، فهو التزام طلب المكفول والبحث عنه إن تغيب، وإرشاد صاحب الحق عليه، كأن يقول: أنا كفيل أو حميل بطلبه أو علي طلبه بشرط عدم غرم المال إن لم أجده (1) .\r-------------------------------\r(1) الشرح الصغير: 430/3، 433، 451.","part":6,"page":18},{"id":3614,"text":"ثانياً ـ أن يكون المكفول به مقدور الاستيفاء من الكفيل ليكون العقد مفيداً، وذلك في الأموال عند جمهور العلماء. وعليه لا تجوز الكفالة بالحدود والقصاص لتعذر الاستيفاء من الكفيل(أي لأن النيابة لا تجري في العقوبات)، فلا تفيد الكفالة فائدتها. هذا مذهب الحنفية والمالكية والحنابلة (1) . ودليلهم ما روي عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: «لا كفالة في حد» (2) ولأن الكفالة استيثاق،والحدود مبناها على الدرء والإسقاط بالشبهات، فلا يلائمها الاستيثاق، ولأن الحق لا يجوز استيفاؤه من الكفيل إذا تعذر عليه إحضار المكفول به.\rويلاحظ أن عدم جواز الكفالة بالحدود والقصاص معناه عند الحنفية: عدم جواز الإجبار على إعطاء الكفالة، فإن سمحت نفس المدعى عليه وتبرع بإعطاء الكفالة في حالة القصاص والحد الذي فيه حق للعبد وهو حد القذف وحد السرقة، جازت الكفالة بالنفس؛ لأنها كفالة بمضمون على الأصل مقدور الاستيفاء من الكفيل، فتصح كالكفالة بتسليم نفس من عليه الدين.\rفإن لم يتبرع المدعى عليه وهو الذي توجه عليه الحد أو القصاص، فلا يجبر عند أبي حنيفة على تقديم كفيل بنفسه بإحضاره في مجلس القضاء لإثبات دعوى المدعى عليه؛ لأن الكفالة لا تتلاءم مع الحدود كما عرفنا، وحينئذ يحبسه القاضي حتى تقام عليه البينة أو يستوفى الحد. وقال الصاحبان: يجبر على تقديم كفيل بنفسه في القصاص وفي حد القذف؛ لأن فيهما حق العبد.\rوالخلاصة: أنه لا تجوز الكفالة بنفس الحد أو القصاص بدون نفس من عليه الحد، إذ الحد عقوبة لا تجري فيها النيابة، أما لو كفل بنفس من عليه الحد فتصح الكفالة.\rوقال الشافعية: المذهب أنه لا تجوز كفالة النفس (أو البدن) في الحدود الخالصة لله تعالى كحد الخمر والزنا والسرقة، لأنه يسعى في دفعها ما أمكن.\rوتجوز كفالة تسليم النفس في الحدود الخالصة للآدمي كقصاص وحد قذف وتعزير؛ لأنها حق\r-------------------------------\r(1) البدائع، المرجع السابق، الشرح الكبير: 346/3، بداية المجتهد: 293/2، المغني: 557/4، فتح القدير: 399/5، مجمع الضمانات: ص 272، الكتاب مع اللباب: 157/2 ومابعدها.\r(2) رواه البيهقي بإسناد ضعيف، وقال: إنه منكر عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده. ورواه ابن عدي في الكامل، وأعله أيضاً برواية أبي عمر الكلاعي بأن أحاديثه منكرة (راجع سبل السلام: 63/3، نصب الراية: 59/4).","part":6,"page":19},{"id":3615,"text":"لآدمي، فصحت الكفالة، كسائر حقوق الآدميين المالية (1) .\rويتفرع على هذا الشرط عند الحنفية: أنه تصح الكفالة بالتزام حمولة شيء في ذمة متعهد النقل بوسيلة نقل غير معينة بذاتها كأي سيارة أو دابة لأن المستحق حينئذ مقدور للكفيل. لكن لا تصح الكفالة بالتزام نقل حمل من مكان إلى آخر على سيارة أو دابة معينة بذاتها دون غيرها؛ لأن الكفيل قد يعجز عن الحمولة بتلف وسيلة النقل المخصصة.\rثالثاً - أن يكون الدين لازماً صحيحاً: وهو ما لا يسقط إلا بالأداء أو بالإبراء. وهذا الشرط خاص بالكفالة بالمال. ويترتب عليه أنه لا تصح الكفالة ببدل الكتابة، لأنه ليس بدين لازم، أو أنه دين ضعيف؛ لأن للمكاتب إسقاط الدين عن نفسه بالتعجيز لا بالكسب، فلا معنى للتوثق به، ولا تصح أيضاً الكفالة بما ليس بدين كنفقة الزوجة قبل القضاء بها أو التراضي عليها؛ لأنها لا تصير ديناً إلا بالقضاء أو الرضا (2) .\r-------------------------------\r(1) مغني المحتاج: 203/2 ومابعدها، المهذب: 343/1.\r(2) الدر المختار مع رد المحتار: 262/4، 274، الشرح الكبير: 333/3، الشرح الصغير: 431/3-434، المهذب: 340/1، مغني المحتاج: 201/2، كشاف القناع: 356/3 .","part":6,"page":20},{"id":3616,"text":"قال البغدادي: لو كفل بالنفقة المقررة الماضية صحت الكفالة مع أنها تسقط بدون الأداء أو الإبراء، بموت الكفيل أو المكفول له. وكذا لو كفل بنفقة شهر مستقبل، وقد قرر لها في كل شهر كذا، أو بيوم يأتي وقد قرر لها في كل يوم، فإنها صحيحة (1) .\rضمان ما لم يجب: لا خلاف في جواز ضمان الدين اللازم في الحال إذا كان معلوماً، أما غير اللازم في الحال فلا خلاف أيضاً في عدم جواز ضمانه إن كان لا يؤول إلى اللزوم، فإن كان يؤول إلى اللزوم في المستقبل كجعل الجعالة، وكقول قائل لآخر: داينْ فلاناً أو بايعه أو عامله، وأنا ضامن، فهو جائز عند الجمهور، بدليل تجويزهم ضمان ما يلقيه في البحر قبل وجوبه بقوله: ألق متاعك في البحر وعلي ضمانه، وهو أحد وجهين عند الشافعية في ضمان الجعل في الجعالة قبل العمل، والراجح عندهم عدم الجواز، فلا يصح عندهم ضمان ما لم يجب، سواء أجرى سبب وجوبه: كنفقة ما بعد اليوم للزوجة وخادمها، أم لا كضمان ما سيقرضه لفلان؛ لأن الضمان وثيقة بالحق، فلا يسبقه كالشهادة، فيصح بنفقة اليوم للزوجة وما قبله لثبوته، لا بنفقة القريب لمستقبل.\rضمان المجهول: لا يشترط في الكفالة بالمال عند جمهور الفقهاء (2) أن يكون الدين معلوم القدر والصفة والعين، فتصح الكفالة بالمعلوم كقوله: تكفلت عنه بألف، أو بالمجهول كقوله: تكفلت عنه بمالك عليه، أو بما يدركك في هذا البيع من الضمان؛لأن الكفالة عقد تبرع مبينة على التوسع، فيحتمل فيها الجهالة بعكس البيع،\r-------------------------------\r(1) مجمع الضمانات: ص 269.\r(2) البدائع: 9/6، فتح القدير: 402/5 ومابعدها، بداية المجتهد: 294/2، مغني المحتاج: 200/2، المغني: 536/4-539، 557، المبسوط: 50/20، الدر المختار: 275/4، مجمع الضمانات، المرجع السابق.","part":6,"page":21},{"id":3617,"text":"وقد أجمع الفقهاء على صحة ضمان الدَّرَك (1) : وهو أن يضمن شخص للمشتري الثمن إن خرج المبيع مستحقاً أو معيباً أو ناقصاً إما لرداءته أو لنقص صنجات الوزن التي وزن بها.\rوصحح الحنفية الكفالة فيما لو قال إنسان لغيره: اسلك هذا الطريق فإن أخذ مالك فأنا ضامن، فأخذ ماله، صح الضمان، والمضمون عنه مجهول، وكذا لو قال: لو غصب مالك فلان أو واحد من هؤلاء القوم فأنا ضامن،صح الضمان (2) .\rومذهب الشافعي الجديد: أنه ينبغي أن يكون المضمون به معلوماً جنساً وقدراً وصفةً وعيناً؛ لأن الضمان إثبات مال في الذمة لآدمي بعقد، فلم يجز مع الجهالة، كالثمن في البيع، فلا يصح المجهول ولا غير المعين كأحد الدينين. وأما ضمان الدَّرَك فهو جائز عندهم لحاجة الناس إليه (3) .\r-------------------------------\r(1) بفتح الراء وسكونها، وهو التبعة أي المطالبة والمؤاخذة، وإن لم يكن له حق ثابت، لأن الحاجة قد تدعو إلى معاملة الغريب، ويخاف أن يخرج ما يبيعه مستحقاً ولا يظفر به، فا حتيج إلى التوثق به. ويسمى أيضاً ضمان العهدة لالتزام الضامن ما في عهدة البائع رده. والعهدة في الحقيقة عبارة عن الصك المكتوب فيه الثمن، ولكن الفقهاء يستعملونه في الثمن مجازاً (انظر مغني المحتاج، المرجع الآتي) فالكفالة بالدرك (بفتحتين): هي الكفالة بما يدرك المال المبيع ويلحق به من خطر بسبب سابق على البيع (المدخل الفقهي للأستاذ الزرقاء: ف271) قال بعض الحنفية: الكفالة بالدرك جائزة وهو التزام تسليم الثمن عند استحقاق المبيع، ولا يلزمه حتى يقضى بالاستحقاق على البائع أو على المشتري (مجمع الضمانات: ص 275).\r(2) مجمع الضمانات: ص 270.\r(3) نهاية المحتاج: 403/3، مغني المحتاج: 201/2، المهذب: 340/1 - 342.","part":6,"page":22},{"id":3618,"text":"المبحث الثالث ـ أحكام الكفالة :\rللكفالة حكمان (1) :\rأحدهما ـ ثبوت ولاية مطالبة الكفيل بما على الأصيل. والمطالب به يختلف بحسب محل الكفالة. فإن كانت الكفالة بالدين، فيطالب الكفيل بما على الأصيل بالدين كله إن كان واحداً. فإن كان هناك كفيلان والدين ألف مثلاً، فيطالب كل واحد منهما بخمس مئة إذا لم يكفل كل واحد منهما عن صاحبه، لأنهما استويا في الكفالة، والمكفول به يحتمل الانقسام، فينقسم عليهما في حق المطالبة. ولو أدى أحدهما لا يرجع على صاحبه؛ لأنه يؤدي عن نفسه، لا عن صاحبه، لكن يرجع على الأصيل بما أدى.\rوإن كانت الكفالة بالنفس: فيطالب الكفيل بإحضار المكفول بنفسه إن لم يكن غائباً. وإن كان غائباً يؤخر الكفيل إلى مدة يمكنه إحضاره فيها، فإن لم يحضر في المدة ولم يظهر عجزه، للقاضي حبسه إلى أن يظهر عجزه له. فإذا ظهر للقاضي أنه لا يقدر على الإحضار بدلالة الحال، أو بشهادة الشهود أو غيرها، أطلقه من الحبس وأنظره إلى حال القدرة على إحضاره، لأنه بمنزلة المفلس بالنسبة للدين. وإذا أخرجه القاضي فإن الدائنين الغرماء يلازمونه، ولا يحول القاضي بينه وبين الغرماء، ولكن ليس للغرماء أن يمنعوه من أشغاله أو من الكسب وغيره. هذا مذهب الحنفية.\rوقال الشافعية: يلزم الكفيل بإحضار المكفول إن علم مكانه، فإن جهل مكانه لم يلزم بإحضاره، وإذا ألزم بالإحضار يمهل مدة الذهاب والإياب، فإن مضت تلك المدة ولم يحضره حبس إلى أن يتعذر إحضار المكفول بموت أو جهل بموضعه أو إقامة عند شخص يمنعه من إمكان الوصول إليه (2) .\rوإن كانت الكفالة بالعين، فيطالب الكفيل بتسليم العين إن كانت قائمة وبمثلها أو قيمتها إن كانت هالكة.\r-------------------------------\r(1) البدائع: 10/6 ومابعدها، فتح القدير: 391/5، 403، المبسوط: 162/19، الدر المختار: 262/4، القوانين الفقهية: ص 325، مغني المحتاج: 208/2، كشاف القناع: 352/3، المغني: 547/5.\r(2) مغني المحتاج: 205/2.","part":6,"page":23},{"id":3619,"text":"هل يبرأ الأصيل من الدين؟\rيلاحظ أنه لا يترتب على الكفالة عند جمهور الفقهاء براءة الأصيل (1) ، فيكون الدائن بالخيار بين أن يطالب الأصيل أو يطالب الكفيل إلا إذا كانت الكفالة بشرط براءة الأصيل؛ لأنها حوالة معنى (2) .\rولم يجز الشافعية في الأصح عندهم الكفالة بشرط براءة الأصيل؛ لأنه شرط ينافي مقتضى الضمان.\rوقال الإمام مالك في أحد قوليه: ليس للدائن أن يطالب الكفيل إلا إذا تعذر مطالبة المكفول عنه؛ لأن الضمان وثيقة، فلا يستوفى الحق منها إلا عند تعذر استيفائه من الأصيل كالرهن.\rوقال ابن أبي ليلى وابن شُبْرمة وأبو ثور وابن سيرين والظاهرية والإمامية: إن الكفالة توجب براءة الأصيل، وينتقل الحق إلى ذمة الكفيل، فلا يملك الدائن مطالبة الأصيل أصلاً كما في الحوالة، واحتجوا بقصة ضمان أبي قتادة رضي الله عنه الدينارين عن ميت، فإن الرسول صلّى الله عليه وسلم قال له: «جزاك الله خيراً وفك رهانك كما فككت رهان أخيك» (3) فدل هذا على أن المضمون عنه برئ من الضمان.\rوالصحيح هو قول الجمهور؛ لأن الكفالة معناها ضم ذمة إلى ذمة في حق المطالبة أو في حق أصل الدين على الخلاف السابق، والبراءة تنافي الضم، ولأنَّ الكفالة لو كانت مبرئة، لكانت حوالة، وهما متغايران؛ لأن تغاير الأسامي دليل\r-------------------------------\r(1) البدائع، المرجع السابق، مغني المحتاج: 208/2، بداية المجتهد: 292/2، المغني: 546/4، 547، فتح القدير: 390/5.\r(2) المبسوط: 46/20.\r(3) ذكر سابقاً أن رواية علي ضعيفة كما قال ابن حجر، والأصح منها رواية القصة عن أبي قتادة. تغاير المعاني في الأصل.","part":6,"page":24},{"id":3620,"text":"واستدلوا من السنة بقوله صلّى الله عليه وسلم : «نفس المؤمن معلَّقة بدينه حتى يقضى عنه» (1) . وقوله في قصة أبي قتادة: «الآن بردت جلدته» (2) حين أخبره أنه قضى دينه. وأما صلاة النبي صلّى الله عليه وسلم على المضمون عنه، فلأنه بالضمان صار له وفاء، وإنما امتنع عن الصلاة على مدين لم يخلف وفاء. وأما قوله: «فك الله رهانك إلخ» فإنه كان بحال لا يصلي عليه النبي صلّى الله عليه وسلم ، فلما ضمن عنه فكه عن ذلك أو عما في معناه (3) .\rوهناك فرق بين وضع الكفالة ووضع الغاصب وغاصب الغاصب، فإن للمالك المغصوب منه أن يضمن أيهما شاء، وإذا اختار تضمين أحدهما لا يملك اختيار تضمن الآخر. ووجه الفرق: أن المالك المغصوب منه إذا اختار تضمين الغاصب أو غاصب الغاصب أي إن قضى القاضي عليه فاختياره يتضمن التمليك منه للمضمون، فيبرأ الآخر بالضرورة، بخلاف المطالبة بمقتضى الكفالة، فإنها لا تقتضي التمليك للمضمون؛ لأن مقتضى الكفالة هو الضم، ولا يحصل التمليك فيها، حتى ولو قضى القاضي ما لم توجد حقيقة الاستيفاء.\rالحكم الثاني للكفالة: هو ثبوت ولاية مطالبة الكفيل الأصيل إذا كانت الكفالة بأمره في جميع أنواع الكفالات، فإذا كانت الكفالة بدين مثلاً يطالب\r-------------------------------\r(1) رواه أحمد في مسنده والترمذي وابن ماجه والحاكم عن أبي هريرة. وفي معناه روى الطبراني في الأوسط عن البراء بن عازب عن رسول الله صلّى الله عليه وسلم قال: « صاحب الدين مأسور بدينه يشكو إلى الله الوحدة» وفيه مبارك بن فضالة وثقه عفان وابن حبان وضعفه جماعة (راجع الجامع الصغير: 188/2، مجمع الزوائد: 129/4 ).\r(2) هذا ثابت في رواية جابر بن عبد الله عند أحمد والدارقطني والحاكم بلفظ « الآن بردت عليه جلده» وفي رواية: « قبره » ( راجع التلخيص الحبير: ص 251، نيل الأوطار: 239/5 ).\r(3) فتح القدير: 390/5 والمراجع السابقة.","part":6,"page":25},{"id":3621,"text":"الكفيل المكفول عنه بالخلاص إذا طولب، وإن حبس فله أن يحبس المكفول عنه؛ لأنه هو الذي أوقعه في هذه التبعة ( المسؤولية )، فكان عليه تخليصه منها.\rأما إذا كانت الكفالة بغير أمر الأصيل فليس للكفيل حق ملازمة الأصيل إذا لوزم، ولا حق الحبس إذا حبس.\rوإذا قضى الكفيل الدين متبرعاً به، لا ينوي الرجوع به على المكفول عنه، برئ المدين، وأصبح غير ملتزم بالدين، سواء تمت الكفالة والأداء بأمر المكفول عنه وبغير أمره.\rوليس للكفيل أن يطالب بالمال قبل أن يؤدي هو، وإن كانت الكفالة بأمر الأصيل؛ لأن ولاية المطالبة إنما تثبت بحكم القرض والتمليك، وكل ذلك يقف على الأداء ولم يوجد فلا يكون الرجوع إلا بعد الأداء، وهذا بخلاف الوكيل بالشراء، فإن له مطالبة الموكل بالثمن بعد الشراء قبل أن يؤدي هو من مال نفسه؛ لأن الثمن هنا يقابل المبيع، وملك المبيع وقع للموكل، فكان الثمن عليه، فيكون للوكيل الحق في أن يطالبه به. وأما في الكفالة فإن حق المطالبة هو بسبب القرض أو التمليك، ولم يوجد بعد.\rفإذا أدى الكفيل كان له أن يرجع على الأصيل إذا كانت الكفالة بأمره؛ لأن العلاقة بينهما تكون حينئذ علاقة قرض واستقراض، فالأصيل مستقرض والكفيل بأداء المال مقرض، والمقرض يرجع على المستقرض بما أقرضه.\rالمبحث الرابع ـ انتهاء الكفالة :\rأذكر هنا طرق انتهاء الكفالة بإيجاز بحسب كل نوع من أنواعها. فإذا كانت الكفالة بالمال فهي تنتهي بأحد أمرين (1) :\rأولهما ـ أداء المال إلى الدائن أو ما هو في معنى الأداء، سواء أكان الأداء من الكفيل أم من الأصيل؛ لأن حق المطالبة بالدين طريق إلى الأداء، فإذا وجد فقد حصل المقصود من الكفالة، فينتهي حكم العقد.\r-------------------------------\r(1) البدائع: 11/6 ومابعدها، مختصر الطحاوي: ص 104، الدر المختار: 285/4، مجمع الضمانات: ص 274، المغني: 546/4 ومابعدها.","part":6,"page":26},{"id":3622,"text":"وتنتهي الكفالة إذا وهب الدائن المال إلى الكفيل أو إلى الأصيل؛ لأن الهبة بمنزلة الأداء. ومثل الهبة التصدق بالدين على الكفيل أو على الأصيل. ومثله أيضاً إذا مات الدائن وورثه الكفيل أو الأصيل؛ لأن بالميراث يملك ما في ذمته، فإن كان الوارث هو الكفيل فقد ملك ما في ذمته، فيرجع على الأصيل، كما لو ملكه بالأداء. وإن كان الوارث هو المكفول عنه برئ الكفيل، كأنه أدى.\rثانيهما ـ الإبراء وهو في معناه: إذا أبرأ الدائن الكفيل أو الأصيل انتهت الكفالة، غير أنه إذا أبرأ الكفيل لا يبرأ الأصيل، وإذا أبرأ الأصيل يبرأ الكفيل؛ لأن الدين على الأصيل لا على الكفيل، فكان إبراء الأصيل إسقاطاً للدين عن ذمته، فيسقط حق المطالبة للكفيل بالضرورة؛ لأنه إذا سقط الأصل سقط الفرع.\rأما إبراء الكفيل فهو إبراء عن المطالبة لا عن الدين، إذ لا دين عليه وليس من ضرورة إسقاط حق المطالبة عن الكفيل سقوط أصل الدين عن الأصيل، لأنه إذا سقط ا لفرع لا يسقط الأصل.\rولو قال الدائن للكفيل أو المدين: (برئت إلي من المال) يبرأ، لأن هذا إقرار بالقبض والاستيفاء؛ لأنه جعل نفسه غاية لبراءته (1) ، وتلك هي براءة القبض والاستيفاء، ويبرأ الكفيل والأصيل جميعاً؛ لأن استيفاء الدين يوجب براءتهما جميعاً، فيرجع الكفيل على الأصيل إذا كانت الكفالة بأمره.\rوإذا قال الدائن للكفيل أو للمدين: (برئت من المال) ولم يقل: ( إلي ) فيبرأ أيضاً عند أبي يوسف مثل الصورة السابقة. فهو إقرار بالقبض؛ لأن البراءة المضافة إلى المال تستعمل في الأداء عرفاً وعادة فتحمل عليه.\r-------------------------------\r(1) أي أن مفاد هذا التركيب براءة من المال مبدؤها من الكفيل، ومنتهاها صاحب الدين، وهذا هو معنى الإقرار بالقبض من الكفيل، فكأنه قال ( دفعت إلي ).","part":6,"page":27},{"id":3623,"text":"وعند محمد: يبرأ الكفيل دون الأصيل، مثل قوله: ( أبرأتك ) لأن البراءة عن المال قد تكون بالأداء ، وقد تكون بالإبراء، فلا تحمل على الأداء إلا بدليل زائد، وقد وجد هذا في الصورة السابقة وهي قوله: ( إلي ) لأن الكلام ينبئ عن معنى الأداء لما ذكر، ولم يوجد هنا.\rوإذا أحال الكفيل أو المدين الدائن بمال الكفالة على رجل، وقبل المحال، فتنتهي الكفالة؛ لأن الحوالة مبرئة عن الدين والمطالبة جميعاً.\rوكذلك تنتهي الكفالة بالصلح: بأن يصالح الكفيل الدائن على بعض المدعى به، ويبرأ حينئذ الكفيل والأصيل في حالتين:\rإحداهما ـ أن يقول: على أني والمكفول عنه بريئان من الباقي.\rوالثانية ـ أن يقول: ( صالحتك على كذا ) مطلقاً عن شرط البراءة.\rويبرأ الكفيل وحده في حال واحدة وهي أن يقول: ( على أني بريء من الباقي ) (1) .\rوتنتهي الكفالة أيضاً بفسخ سبب الكفالة أو إبطاله وهو الدين المكفول: كأن يكفل شخص ما في ذمة المشتري من ثمن الشراء، أو يكفل البائع في تسليم المبيع، ثم فسخ عقد البيع، فتنتهي الكفالة حيث لا يوجد دين مكفول ويسقط حق المكفول له في مطالبة الكفيل.\rوإذا كانت الكفالة بالنفس فإنها تنتهي بثلاثة أمور (2) :\rالأول ـ تسليم النفس (3) إلى المطالب بها في موضع يقدر على إحضاره مجلس القاضي، مثل أن يكون في مصر من الأمصار؛ لأن الكفيل أتى بما التزمه، وحصل المقصود من الكفالة بالنفس: وهو إمكان المحاكمة عند القاضي، وإذا تحقق المقصود تنتهي الكفالة.\rفإن سلمه في صحراء أو برية، لم يبرأ الكفيل؛ لأنه لا يقدر على المحاكمة فيها، فلم يحصل المقصود. وكذا إذا سلمه في بلد ليس فيها قاض أو أعوان القاضي، كالشرطة مثلاً، لعدم إمكان المحاكمة فيها.\r-------------------------------\r(1) المبسوط: 58/20، 91، البدائع، المرجع السابق: ص 12، فتح القدير: 412/5، مختصر الطحاوي: ص 105، مجمع الضمانات: ص 274.\r(2) البدائع: 12/6 ومابعدها، المبسوط: 166/19، 175، فتح القدير: 393/5 ومابعدها، 411، الدر المختار: 267/4 ومابعدها، مجمع الضمانات: ص 266، 274، الكتاب مع اللباب: 153/2 ومابعدها.\r(3) التسليم يتحقق بالتخلية بين المكفول بنفسه والمكفول له.","part":6,"page":28},{"id":3624,"text":"وإن سلمه في السوق أو في المصر، فإنه يبرأ؛ لأن المطلوب هو أن يتحقق التسليم في مكان يقدر فيه على إحضاره إلى مجلس القاضي.\rوإن شرط على الكفيل أن يسلم المكفول بنفسه في مصر معين، فسلمه في مصر آخر، فيبرأ عند أبي حنيفة لوجود القدرة على المحاكمة في المصر المعين. ولا يبرأ عند الصاحبين إلا بتسليمه في المكان المشروط؛ لأن التقييد بالمصر قد يكون لغرض مفيد، كأن يكون له شهود فيما عينه دون غيره.\rولو شرط على الكفيل أن يسلم المكفول بنفسه عند الأمير، فسلمه عند القاضي، فإنه يبرأ.\rالثاني ـ الإبراء: أي أن يبرئ صاحب الحق الكفيل من الكفالة بالنفس فتنتهي الكفالة؛ لأن مقتضى الكفالة ثبوت حق المطالبة بتسليم النفس، فإذا أسقط حق المطالبة بالإبراء فينتهي الحق ضرورة.\rولا يبرأ الأصيل في هذه الحالة؛ لأن الإبراء صدر للكفيل دون الأصيل. فإن صدر الإبراء للأصيل برئا جميعاً.\rالثالث ـ موت المكفول بنفسه: إذا مات الأصيل المكفول به برئ الكفيل بالنفس من الكفالة؛ لأنه عجز عن إحضاره، ولأنه سقط الحضور عن الأصيل، فيسقط الإحضار عن الكفيل.\rوكذلك تنتهي الكفالة إذا مات الكفيل؛ لأنه لم يبق قادراً على تسليم المكفول بنفسه. وأما ماله فلا يصلح لتنفيذ هذا الواجب بخلاف الكفيل بالمال.","part":6,"page":29},{"id":3625,"text":"ولو مات المكفول له فلا تسقط الكفالة بالنفس كما لا تسقط الكفالة بالمال؛ لأن الكفيل ما زال قادراً على تنفيذ واجبه، ويقوم الوصي أو الوارث مقام الميت في المطالبة.\rوأما الكفالة بالأعيان المضمونة بنفسها، فتنتهي بأحد أمرين (1) :\rأحدهما ـ تسليم العين المضمونة بنفسها إن كانت قائمة، وتسليم مثلها أو قيمتها إن كانت هالكة.\rالثاني ـ الإبراء: أي إبراء الكفيل من الكفالة، بأن يقول له: ( أبرأتك من الكفالة ) فيبرأ؛ لأن الكفالة حقه، فيسقط بإسقاطه كالدين، أو إبراء الأصيل.\rالمبحث الخامس ـ رجوع الكفيل على الأصيل :\rالكلام في هذا البحث عن ناحيتين : شرائط الرجوع، وبيان ما يرجع به ومتى يرجع. أما شرائط الرجوع فهي ما يأتي (2) :\r1 - أن تكون الكفالة بأمر المكفول عنه أي بإذنه: فإن لم تكن بأمره لم يرجع بما يؤديه؛ لأن الكفيل حينئذ يكون متبرعاً بما أدى، ولو كان له الرجوع لما صلى النبي صلّى الله عليه وسلم على الميت بضمان أبي قتادة، هذا هو مذهب الحنفية والشافعية (3) .\rوقال الإمام مالك والإمام أحمد في رواية عنه: لا يشترط أن يكون الضمان بإذن المضمون عنه، لأنه قضاء مبرئ من دين واجب، فكان من ضمان من هو عليه، كالحاكم إذا قضاه عنه عند امتناعه، كما قال ابن قدامة. وأما أبو قتادة فإنه تبرع بالقضاء والضمان، إذ أنه قضى دين الميت قصداً لتبرئة ذمته، ليصلي عليه النبي صلّى الله عليه وسلم مع علمه بأنه لم يترك وفاء، والمتبرع لا يرجع بشيء (4) .\r-------------------------------\r(1) البدائع: 13/6.\r(2) البدائع، المرجع السابق: ص 13 ومابعدها، فتح القدير: 408/5 ومابعدها، المبسوط: 178/19.\r(3) المهذب: 341/1، مغني المحتاج: 209/2.\r(4) بداية المجتهد: 294/2، المغني: 449/4 ومابعدها، القوانين الفقهية: ص 325.","part":6,"page":30},{"id":3626,"text":"2 - أن تكون الكفالة بإذن صحيح: أي بإذن شخص أهل لصدور الإقرار على نفسه بالدين، فلا يعتبر إذن الصبي المحجور عن التصرفات، وبالتالي لايحق للكفيل الرجوع عليه بما أداه عنه؛ لأن العلاقة علاقة استقراض، واستقراض الصبي لا يتعلق به الضمان.\r3 - إضافة الضمان إلى الأصيل بأن يقول للكفيل: اضمن عني، لأنه إذا لم يضف إلى نفسه، فلا يتحقق معنى الإقراض الذي تقوم عليه العلاقة بين الكفيل والأصيل؛ لأن الكفالة بالنسبة للمكفول عنه استقراض (أي طلب القرض) وبالنسبة للكفيل بعد الأداء إقراض للمكفول عنه ونائب عنه في الأداء إلى المكفول له. أما بالنسبة للمكفول له: فهو تمليك ما في ذمة المكفول عنه من الكفيل بما أخذه من المال، فيرجع عليه بما أقرضه.\r4 - ألا يكون للأصيل على الكفيل دين مثل الدين الذي أداه الكفيل؛ لأنه إذا أدى الدين، حصلت مقاصة بينهما:\rولو وهب صاحب الدين المال للكفيل يرجع على الأصيل؛ لأن الهبة في معنى أداء المال. وإذا وهب الدين إلى الأصيل برئ الكفيل؛ لأن هذا وأداء المال سواء.\rولو مات الدائن فورثه الكفيل يرجع على الأصيل، ولو ورثه الأصيل يبرأ الكفيل؛ لأن الإرث من أسباب الملكية، ومتى ملك الأصيل المال برئ،فيبرأ الكفيل.\rولو أبرأ الدائن الكفيل لا يرجع على الأصيل؛ لأن الإبراء إسقاط وهو بالنسبة للكفيل إسقاط حق المطالبة لا غير. وإذا أبرأ الكفيل الأصيل مما ضمنه عنه بإذنه أو وهبه منه جاز، فلو أدى الكفيل الدين بعدئذ، لا يرجع على الأصيل.\rولو قال الدائن للكفيل: ( برئت إليَّ من المال ) يرجع الكفيل على الأصيل باتفاق الحنفية؛ لأن هذا إقرار بالقبض والاستيفاء، باعتبار أن اللفظ يستعمل في الأداء، فيرجع: أي أن هذه البراءة لا تكون إلا بالإيفاء فكان ذلك بمنزلة قوله: (دفعت إليَّ المال أو قبضته منك) وهو إقرار بالقبض.","part":6,"page":31},{"id":3627,"text":"أما إذا قال: (برئت من المال) فهو إقرار بالقبض عند أبي يوسف كأنه قال: ( برئت إليَّ من المال ) لأنه أقر ببراءة خاصة بالكفيل وهو يكون بفعل صادر عنه، كما إذا قيل: ( قمت وقعدت مثلاً ) وهذا الفعل هنا هو الإيفاء.\rوعند محمد: لا يرجع الكفيل على المكفول عنه؛ لأن هذا بمنزلة قوله: (أبرأتك من المال) لأنه يحتمل البراءة بالأداء إليه (أي بالقبض والإبراء) فيثبت القدر الأدنى وهو براءة الكفيل، وأما الزائد عليه (وهو الأداء) ففيه شك، فلا يثبت القبض بالشك، وبالتالي لا يحق للكفيل الرجوع حينئذ على المكفول عنه، وهذا هو الرأي الأرجح عند الحنفية.\rوأما سبب عدم رجوع الكفيل على المكفول عنه في قول الدائن له: (أبرأتك) فهو أن هذا اللفظ يفيد تخصيص البراءة بالكفيل، ولا يتعدى أثره إلى غيره بإسقاط الدين عن المدين، فلم يكن هذا اللفظ متضمناً إقرار الدائن بإيفاء الدين. والفرق بين هذه الصورة وصورة: (برئت من المال) عند أبي يوسف: هو أن البراءة بالإبراء لا تتحقق بفعل الكفيل بل بفعل الدائن، فلا يكون الفعل حينئذ منسوباً إلى الكفيل (1) .\rوالخلاصة: أن الراجح عند الحنفية هو أن الكفيل لا يرجع على الأصيل في قول الدائن للكفيل: ( برئت ) بدون إلي أو ( أبرأتك ) لأنه إبراء لا إقرار بالقبض.\rرجوع الكفيل على الأصيل حالة تعدد الكفلاء: إذا كفل رجلان رجلاً بألف ليرة مثلاً، ولم يكفل كل واحد منهما عن صاحبه، فأدى أحدهما ما عليه، فلا يرجع على صاحبه بشيء مما أدى؛ لأنه أدى عن نفسه لا عن صاحبه، ولكنه يرجع على الأصيل؛ لأنه كفيل عنه بأمره.\rفإن كفل واحد منهما عن صاحبه بما عليه، فالقول قول الكفيل فيما أدى أنه من كفالة الكفيل الآخر، أو من كفالة نفسه؛ لأنه لزمه المطالبة بالمال من وجهين:\rأحدهما ـ من جهة كفالة نفسه عن الأصيل.\r-------------------------------\r(1) المبسوط: 93/20، فتح القدير: 413/5، رد المحتار على الدر المختار: 287/4 ومابعدها.","part":6,"page":32},{"id":3628,"text":"والثاني ـ من جهة الكفالة عن صاحبه. وليس أحد الوجهين أولى من الآخر، فكان له ولاية الأداء عن أيهما شاء.\rوإذا كفل كل واحد منهما عن صاحبه بما عليه، فما أدى كل واحد منهما، يكون عن نفسه إلى نصف المكفول به: وهو خمس مئة ليرة في مثالنا. ولا يقبل قوله فيه أنه أدى عن شريكه لا عن نفسه، بل يكون عن نفسه إلى هذا القدر، فلا يرجع على شريكه. كما لا يقبل قوله أيضاً حين الأداء أنه يؤدي عن شريكه لا عن نفسه.\rولا يرجع على شريكه ما لم يزد المؤدى عن نصف المكفول به وهو خمس مئة في مثالنا، فإن زاد على خمس مئة يرجع بالزيادة إن شاء على شريكه، وإن شاء على الأصيل.\rوهذه القاعدة تنطبق أيضاً في فروع أخرى منها: لو اشترى رجلان شيئاً بألف ليرة، وكفل كل واحد منهما عن صاحبه بحصته من الثمن، فما أدى أحدهما يقع عن نفسه، ولا يرجع على شريكه حتى يزيد على النصف.\rومنها: أن الشريكين شركة مفاوضة إذا افترقا وعليهما دين، فلصاحب الدين أن يطالب كل واحد منهما، وأيهما أدى شيئاً لا يرجع على شريكه حتى يزيد المؤدى على النصف (1) .\rوأما ما يرجع به الكفيل على الأصيل: فهو أنه يرجع عند الحنفية بما ضمن، لا بما أداه؛ لأنه ملك ما في ذمة الأصيل، فيرجع بما تمت الكفالة عليه. فلو كانت الكفالة على شيء جيد، فأدى ما هو أدون منه، فإنه يرجع على الأصيل بالجيد.\rوكذلك إذا كفل ديناً نقدياً، فأدى عنه مكيلاً أو موزوناً أو عروض تجارة، فإنه يرجع بما كفل، لا بما أدى.\rوهذا بخلاف الوكيل بقضاء الدين، فإنه يرجع على الموكل بما أدى لا بالدين، لأنه بالأداء ما ملك الدين، بل أقرض ما أداه الموكل، فيرجع عليه بما أقرضه. أما في حالة الصلح على بعض الدين فإنه يرجع بما صالح به، لا بكل الدين، لأنه بأداء البعض لم يملك ما في ذمة الأصيل وهو كل الدين، إذ لا يمكن اعتبار الصلح تمليكاً؛ لأنه يؤدي إلى الربا (2) .\r-------------------------------\r(1) البدائع: 14/6 ومابعدها، فتح القدير: 437/5 وما بعدها، المبسوط: 34/20، الدر المختار: 298/4.\r(2) البدائع، المرجع السابق: ص 15.","part":6,"page":33},{"id":3629,"text":"وقال المالكية والشافعية في الأصح عندهم: يرجع الكفيل بما غرم (أي بما أدى فعلاً) لأنه هو الشيء الذي بذله. وكذلك في حالة الصلح أو الإبراء من بعض الدين يرجع الكفيل بما أدى عند الشافعية، وبالأقل من الدين وقيمة الشيء المصالح به عند المالكية (1) .\rوقال الحنابلة: يرجع الكفيل على الأصيل بأقل الأمرين مما قضى أو قدر الدين؛ لأنه إن كان الأقل هو الدين، فالزائد لم يكن واجباً، فهو متبرع بأدائه.\rوإن كان المقضي أقل فإنما يرجع بما غرم (2) ، فيكون مذهبهم كالمالكية والشافعية.\rمتى يرجع الكفيل على الأصيل؟ ليس للكفيل أن يطالب الأصيل (المكفول عنه) بالمال الذي كفله عنه قبل أن يؤديه عنه؛ لأنه لا يملكه قبل الأداء، بخلاف الوكيل بالشراء، حيث يرجع قبل الأداء كما بان سابقاً؛ لأنه بمنزلة البائع. فإن لوزم الكفيل بالمال المكفول به، كان له أن يلازم الأصيل المكفول عنه. وإن حبس به، كان له أن يحبسه، حتى يخلصه؛ لأنه لم يلحقه من السوء ما لحقه، إلا بسببه، فيجازى بمثله (3) .\rملحق ـ أخذ الأجر على الكفالة في الوقت الحاضر :\rالكفالة عقد تبرع، وطاعة يثاب عليها الكفيل؛ لأنها تعاون على الخير، وللكفيل الرجوع على المكفول عنه بما تحمله من مسؤولية الضمان إذا دفعه لصالح الجهة المكفول لها. والأولى تتم تبرعاً بدون مقابل، فذلك أبعد عن الشبهة. ولو قام المكفول له بتقديم شيء من المال للكفيل هبة أو هدية، جاز، جزاء المعروف\r-------------------------------\r(1) الشرح الكبير للدردير: 346/3، مغني المحتاج: 209/2 ومابعدها.\r(2) المغني: 551/4.\r(3) الكتاب مع اللباب: 157/2.","part":6,"page":34},{"id":3630,"text":"الذي أسداه له الكفيل. لكن إن شرط الكفيل تقديم مقابل أو أجر على كفالته، وتعذر على المكفول عنه تحقيق مصلحته من طريق المحسنين المتبرعين، جاز دفع الأجر للضرورة أو الحاجة العامة، لما يترتب على عدم الدفع من تعطيل المصالح كالسفر للخارج للدراسة أو للارتزاق، أو لتأجيل الجندية ونحوها، وأساس القول بالجواز فيه: أن الفقهاء أجازوا دفع الأجر للحاجة لأداء القربات والطاعة من تعليم قرآن وممارسة الشعائر الدينية، كما أنهم أجازوا دفع شيء من المال على سبيل الرشوة للوصل إلى الحق أو دفع الظلم، أو الدفع لعدو لدرء خطره وضرره عن البلاد. والمكفول عنه يحقق بالكفالة منفعة له تتعين الكفالة المأجورة سبيلاً إليها، لكن يجب عدم الاستغلال أو المغالاة في اشتراط المقابل، مراعاة لأصل مشروعية الكفالة وهو التبرع. كما يمكن اعتبار الأجر لمكاتب الكفالات مقابل الأتعاب في إنجاز معاملة الكفالة.\rالاعتماد المستندي: الاعتماد المستندي يستعمل في تمويل التجارة الخارجية، وهو تعهد كتابي صادر من مصرف بناء على طلب مستورد لصالح مورد، يتعهد فيه المصرف بدفع المبالغ التي يستحقها المورد ثمناً لسلع يصدرها للمستورد طالب فتح الاعتماد، متى قدم المورد المستندات المتعلقة بالسلع، والشحن، على أن تكون هذه المستندات مطابقة لشروط الاعتماد.\rوحكم الاعتماد المستندي المغطى غطاء كلياً يكون المصرف فيه وكيلاً عن فاتح الاعتماد، وإن كان كفيلاً بالنسبة للمصدِّر الذي يعتبر مكفولاً له، وللمصرف أن يأخذ عمولة أو أجراً عن وكالته، لا عن كفالته.\rأما في الاعتماد غير المغطى كلياً أو جزئياً، فالمصرف كفيل، وفاتح الاعتماد غير المغطى مكفول عنه، فإذا أخذ المصرف عمولة مقابل المبلغ المكفول به، لا مقابل العمل الذي يقوم به، فقد أخذ أجراً مقابل الكفالة ذاتها، وهو لا يجوز (1) .\rوينطبق حكم الكفالة على خطابات الضمان(2 ) التي تصدرها البنوك إذا كان الخطاب غير\r-------------------------------\r(1) الكفالة للدكتور علي السالوس: ص 159-160 .\r(2) خطاب الضمان: تعهد كتابي، يتعهد بمقتضاه المصرف بكفالة أحد عملائه ( طالب الإصدار ) في حدود مبلغ معين تجاه طرف ثالث، بمناسبة التزام ملقى على عاتق العميل المكفول، وذلك ضماناً لوفاء هذا العميل بالتزامه تجاه ذلك الطرف خلال مدة معينة، على أن يدفع المصرف المبلغ المضمون عند أول مطالبة في مدة الخطاب.","part":6,"page":35},{"id":3631,"text":"مغطى من العميل، والحكم الشرعي أنه لا يجوز للبنك أخذ الأجر على هذا العمل؛ لأنه أجر على الكفالة. أما إذا كان الخطاب مغطى بالغطاء النقدي من العميل ولو غطاءً جزئياً لا كلياً، فيجوز للبنك أخذ مقابل إصدار الخطاب وما يقترن به من العمل على أساس الوكالة، ومن المعلوم أنه يجوز أخذ الأجر على الوكالة، ولا يجوز أخذ الأجر على الكفالة، ويكون أجر الوكالة ـ كما جاء في المؤتمر الأول للمصارف الإسلامية في دبي ـ مراعى فيه حجم التكاليف التي يتحملها المصرف في سبيل أدائه لما يقترن بإصدار خطاب الضمان من أعمال يقوم بها المصرف بحسب العرف المصرفي.\rوتشمل هذه الأعمال بوجه خاص تجميع المعلومات، ودراسة المشروع الذي سيعطى بخصوصه خطاب الضمان، كما يشمل ما يعهد به العميل إلى المصرف من خدمات مصرفية تتعلق بهذا المشروع، مثل تحصيل المستحقات من أصحاب المشروع. ويجوز للمصرف أخذ مقابل الخدمات والمصاريف في الضمان غير المغطى.\rتطبيقات على الكفالات المعاصرة\rأولاً ـ أهم أنواع الكفالات التجارية :\rعرف الفقهاء أنواعاً مهمة من الكفالات التجارية التي تشبه في جوهرها الكفالات المصرفية أهمها ما يلي:\r1 - ضمان الدرك أو ضمان العهدة: وهو كما تقدم ضمان الثمن للبائع، وضمان المبيع للمشتري.","part":6,"page":36},{"id":3632,"text":"2 - ضمان السوق: وهو أن يضمن الضامن ما يجب على التاجر من الديون، وما يقبضه من الأعيان المضمونة، وهو ضمان ما لم يجب، وضمان المجهول. وقد أجازه الجمهور وأبطله الشافعي (1) . ودليل جوازه قوله تعالى: {ولمن جاء به حمل بعير وأنا به زعيم} [يوسف:72/12]. وصرح صاحب الفتاوى الحامدية بجوازه (2) .\rنصت مجلة الأحكام الشرعية (م 1094) على هذا النوع: «يصح ضمان السوق، مثلاً: لو ضمن ما يلزم التاجر أو مايبقى عليه للتجار أو ما يقبض من الأعيان المضمونة، صح الضمان» .\r3 - ضمان نقص الصنجة أو المكيال أو الذراع: وهو كما تقدم وكما هو واضح: التعهد بضمان نقص أدوات الكيل أو الوزن أو المساحة كالذراع ونحوه.\rجاء في مجلة الأحكام الشرعية (م 1091): «يصح ضمان نقص الصنجة أو المكيال أو الذراع، مثلاً، لو اشترى موزوناً فشك في نقص الصنجة، أو مكيلاً فشك في نقص المكيال أو مذروعاً، فشك في نقص الذراع فضمن شخص النقص صح ضمانه، فيرجع المشتري بما نقص والقول له بيمينه» .\rوهذه الأنواع الثلاثة ضمان مجرد: وهو عقد تبرع خالص لا أجر له، بخلاف أنظمة المصارف الربوية.\rثانياً ـ الاعتمادات المستندية :\rالاعتماد المستندي: تعهد كتابي من المصرف لصالح مورِّد، يتعهد فيه المصرف بدفع ثمن السلع المصدرة لمستورد طالب فتح الاعتماد، متى قدم المورد مستندات السلع والشحن، على أن تكون\r-------------------------------\r(1) فتاوى ابن تيمية 549/29.\r(2) العقود الدرية في تنقيح الفتاوى الحامدية 285/1.","part":6,"page":37},{"id":3633,"text":"هذه المستندات مطابقة لشروط الاعتماد. ويستعمل في تمويل التجارة الخارجية (1) .\rوحكمه حكم خطاب الضمان: إن كان مغطى غطاء كلياً، كان المصرف وكيلاً عن فاتح الاعتماد، وله أن يأخذ عمولة أو أجراً عن وكالته. وإن كان غير مغطى كلياً أو جزئياً، كان المصرف كفيلاً، وفاتح الاعتماد مكفول عنه، فلا يجوز للمصرف أخذ أجر مقابل الكفالة ذاتها، وإنما مقابل الإجراءات والمصاريف الإدارية فقط. وإذا كان الغطاء جزئياً لاستيراد سلعة معينة، فإن البنك يصبح شريكاً لفاتح الاعتماد في الكسب أو الخسارة بنسبة معينة هي 2% مثلاً، وليس كفالة مجردة.\rثالثاً ـ التأمين التجاري ذو القسط الثابت :\rيسمى هذا التأمين أيضاً بالضمان، ومنه شركة الضمان السورية، وذلك حتى يلتبس بالكفالة ويوهم الناس بمشروعيته، وربما أدخل تحت كفالة المجهول وضمان ما لم يجب.\rوتعريفه قانوناً: هو عقد يلتزم المؤمِّن بمقتضاه أن يؤدي إلى المؤمَّن له (المستأمن) أو إلى المستفيد الذي اشترط التأمين لصالحه مبلغاً من المال، أو إيراداً مرتباً، أو أي عوض مالي آخر، في حالة وقوع الحادث، أو تحقق خطر مبين في العقد، وذلك في مقابل قسط ، أو أية دفعة أخرى يؤديها المؤمَّن له إلى المؤمِّن.\rفهو كما يتبين عقد من العقود الاحتمالية ومن عقود المعاوضات المالية، وليس العوض تبرعاً من المؤمِّن. والعقود الاحتمالية داخلة تحت فئة عقود الغرر؛ إذ لايعرف وقت العقد مقدار ما يعطي كل من العاقدين أو يأخذ، فقد يدفع المستأمن قسطاً واحداً من الأقساط، ثم يقع الحادث، وقد\r-------------------------------\r(1) الكفالة في ضوء الشريعة الإسلامية للدكتور علي السالوس: ص 159.","part":6,"page":38},{"id":3634,"text":"يدفع جميع الأقساط، ولا يقع الحادث (1) .\rوهو بهذه الأوصاف غير جائز شرعاً لاشتماله على الغرر والربا.\rأما الغرر: فواضح فيه؛ لأنه من عقود الغرر: وهي العقود الاحتمالية المترددة بين وجود المعقود عليه وعدمه، وقد ثبت «أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم نهى عن بيع الغرر» (2) . ويقاس على البيع عقود المعاوضات المالية، فيؤثر الغرر فيها، كما يؤثر في عقد البيع. وقد وضعه رجال القانون تحت عنوان (عقود الغرر) لأن التأمين لا يكون إلا من حادث مستقبل غير محقق الوقوع أو غير معروف وقوعه، فالغرر عنصر لازم لعقد التأمين. والغرر في التأمين كثير لا يسير ولا متوسط؛ لأن من أركان التأمين: الخطر، والخطر حادث محتمل لا يتوقف على إرادة العاقدين. والمؤمَّن له (المستأمن) لا يعرف وقت العقد مقدار ما يعطي أو يأخذ، فقد يدفع قسطاً واحداً، ويقع الخطر، فيستحق جميع ما التزم به المؤمِّن، وقد يدفع جميع الأقساط، ولا يقع الخطر، فلا يأخذ شيئاً.\rوكذلك حال المؤمِّن، لا يعرف عند العقد مقدار ما يأخذ أو ما يعطي، وإن كان يستطيع إلى حد كبير معرفة كل ذلك بالنسبة لجميع المؤمن لهم، بالاستعانة بقواعد الإحصاء الدقيق. وبالرغم من ذلك لا تنتفي مع هذه القواعد صفة الاحتمال والغرر والغبن في الظروف العادية؛ لأن انتفاء الغرر بالنسبة للمؤمِّن وحده لا يكفي لانتفاء الغرر عن عقد التأمين، فلا بد من انتفائه بالنسبة للمستأمن أيضاً.\rوليس الأمان بالنسبة للمستأمن هو محل العقد، وإنما هو الباعث على عقد التأمين، ولو كان هو محل العقد، لكان عقد التأمين باطلاً؛ لأن المحل يلزم أن يكون ممكناً غير مستحيل، والأمان يستحيل الالتزام به.\r-------------------------------\r(1) الغرر وأثره في العقود: ص 639-663.\r(2) رواه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه عن أبي هريرة رضي الله عنه.","part":6,"page":39},{"id":3635,"text":"وأما الربا: فمن المؤكد أن عوض التأمين ناشئ من مصدر مشبوه، لأن كل شركات التأمين تستثمر أموالها في الربا، وقد تعطي المستأمن (المؤمن له) في التأمين على الحياة جزءاً من الفائدة، والربا حرام قطعاً. ثم إن الربا واضح بين العاقدين: المؤمِّن والمستأمن؛ لأنه لا تعادل ولا مساواة بين أقساط التأمين وعوض التأمين، فما تدفعه الشركة قد يكون أقل أو أكثر، أو مساوياً للأقساط، وهذا نادر، والدفع متأخر في المستقبل، فإن كان التعويض أكثر من الأقساط، كان فيه ربا فضل وربا نسيئة، وإن كان مساوياً ففيه ربا نسيئة، وكلاهما حرام.\rوكان ابن عابدين المتوفى سنة 1252 هـ أول من اعتبر عقد التأمين البحري غير مشروع، قال بعد بيان ما يسمى سوكرة وتضمين الحربي ما هلك في المركب: «والذي يظهر لي: أنه لا يحل للتاجر أخذ بدل الهالك من ماله؛ لأن هذا التزام ما لايلزم» (1) .\r-------------------------------\r(1) رد المحتار على الدر المختار 273/3، ط البابي الحلبي.","part":6,"page":40},{"id":3636,"text":"وتأيد هذا بما قرره المؤتمر العالمي الأول للاقتصاد الإسلامي في مكة المكرمة عام (1396 هـ/1976 م) وكذا مجمع الفقه في جدة عام 1406هـ/1985م من عدم مشروعية التأمين التجاري.\rوقال ابن نجيم المصري (1) : الغرور لا يوجب الرجوع، فلو قال: اسلك هذا الطريق، فإنه آمن، فسلكه فأخذه اللصوص، أو كل هذا الطعام، فإنه ليس بمسموم، فأكله فمات فلا ضمان. ثم استثنى من ذلك ثلاث حالات، منها إذا كان الغرور بالشرط، كما لو زوجه امرأةً على أنها حرة، ثم استحقت، فإنه يرجع على المخبر بما غرمه للمستحق من قيمة الولد.\rأما التأمين التعاوني بين فئة من الناس، فهو جائز شرعاً؛ لأنه عقد من عقود التبرعات، ومن قبيل التعاون المطلوب شرعاً على البر والخير؛ لأن كل مشترك يدفع اشتراكه بطيب نفس، لتخفيف آثار المخاطر وترميم الأضرار التي تصيب أحد المشتركين، أياً كان نوع الضرر من حريق أو غرق أو سرقة أو حادث سيارة أو بسبب حوادث العمل أو موت حيوان ونحو ذلك، ولأنه لا يهدف إلى تحقيق الأرباح، كما تفعل شركات التأمين ذات القسط الثابت.\rوقد أجاز مؤتمر علماء المسلمين الثاني في القاهرة عام (1385 هـ/1965 م) ومؤتمر علماء المسلمين السابع عام (1392هـ/1972 م) كلاً من التأمين الاجتماعي والتأمين التعاوني، وهو ما قرره المجمع الفقهي في مكة المكرمة عام (1398هـ/1978 م) ومجمع الفقه الإسلامي في جدة في قراره رقم 9 عام 1406هـ/ 1985م.\rوالخلاصة: لا يجوز التأمين التجاري لاشتماله على الربا والغرر، وليس هو من باب الكفالة سواء كفالة المجهول وضمان ما لم يجب؛ لأن الكفالة تبرع، والتأمين عقد معاوضة احتمالي.\rويجوز التأمين الاجتماعي والتأمين التعاوني لقيامه على التبرع، والتعاون على البر والخير والإحسان المحض من غير معاوضة.\rرابعاً ـ كفالات الإقامة والسفر :\rعرفنا أن الكفالة عقد تبرع وطاعة يثاب عليها الكفيل؛ لأنها تعاون على الخير، وللكفيل أن يرجع على المكفول عنه بما تحمله من مسؤولية الضمان إذا دفعه لصالح الجهة المكفول لها. والكفالة مشروعة سواء كانت كفالة بالمال (أو الدين) أو كفالة بالنفس.\r-------------------------------\r(1) الأشباه والنظائر ص 252 وما بعدها، ط دار الفكر بدمشق.","part":6,"page":41},{"id":3637,"text":"ومن المعروف أن دول الخليج تشترط تقديم كفيل بالنفس والمال على العمال وأرباب العمل الذين يمارسون أعمالهم فيها، ويلتزم الكفيل من أجل منح هؤلاء الإقامة في هذه البلاد التي يعملون فيها تقديم الأجنبي للسلطات المختصة لترحيله عند انتهاء إقامته أو إلغائها، أو صدور قرار بإبعاده، مع سداده نفقات الترحيل. كما يلتزم بجميع الديون والالتزامات التي تترتب في ذمة مكفوله الأجنبي خلال مدة إقامته في البلاد، إذا لم يف بها، ولم تكن له أموال ظاهرة يمكن التنفيذ عليها.\rكما توجب قوانين بعض الدول تقديم كفيل بالنفس والمال عند السماح لبعض رعاياها بالسفر للخارج من أجل العمل أو الدراسة أو تأجيل خدمة العلم (الجندية) ونحوها، ويلتزم الكفيل بدفع مبلغ من المال إذا لم يقدم المكفول بنفسه للدولة حال مطالبة السلطات الحكومية بإحضاره. وحكم هذين النوعين من الكفالة: كفالة الإقامة والسفر للخارج: أن الكفالة بالرغم من كونها عقد تبرع، يجوز بموجبها للكفيل أخذ مقابل عمله وجهده فقط، وله الرجوع بما يغرم، وما زاد عن هذا فهو سحت حرام (1) ، بل هو ظلم وغبن فاحش إذا تجاوز الكفيل هذه الحدود المشروعة، بأن طالب المكفول بتقديم نسبة من أرباح العمل، أو بأقساط شهرية دورية، دون أن يقدم الكفيل لمكفوله أي عمل، أو يتحمل أي جهد، أو يؤدي عنه أي نفقة.\rوقد نصت المادة (1098) من قانون المعاملات المدنية في دولة الإمارات، المستمد من الفقه الإسلامي على ما يلي:\r«لا يجوز للكفيل أن يأخذ عوضاً عن كفالته، فإن أخذ عوضاً عنها وجب عليه رده لصاحبه، وتسقط عنه الكفالة إن أخذه من الدائن أو من المدين أو من أجنبي بعلم من الدائن، فإن أخذه بدون علم منه لزمته الكفالة مع رد العوض» .\rوجاء في المذكرة الإيضاحية لهذه المادة: وإنما منع أخذ الضامن عوضاً عن ضمانه؛ لأن الدين إن دفعه المدين، كان أخذ الضامن للعوض من أكل أموال الناس بالباطل. وإن دفعه الضامن ثم رجع به على المدين، كان دفعه للدين وأخذه من المدين سلفاً للمدين بزيادة، وهي العوض الذي أخذه، وهذا ممنوع.\rوالخلاصة: يجوز أخذ الأجر على كفالة الإقامة أو السفر إذا كانت مقابل عمل وجهد فقط أو بسبب غرم الكفيل، وما زاد على ذلك فهو مال حرام.\r-------------------------------\r(1) الكفالة للدكتور علي السالوس: ص 172.","part":6,"page":42},{"id":3638,"text":"الفَصْلُ الحادي عَشَر: الحَوالَة\rخطة الموضوع :\rالكلام عن عقد الحوالة في المباحث الآتية:\rالمبحث الأول ـ تعريف الحوالة ومشروعيتها وركنها وصيغتها.\rالمبحث الثاني ـ شروط الحوالة.\rالمبحث الثالث ـ أحكام الحوالة.\rالمبحث الرابع ـ انتهاء الحوالة.\rالمبحث الخامس ـ رجوع المحال عليه على المحيل.\rوأبدأ الكلام عن:\rالمبحث الأول ـ تعريف الحوالة ومشروعيتها وركنها وصيغتها :\rتعريف الحوالة: الحوالة في اللغة: الانتقال، يقال: حال عن العهد: أي انتقل عنه وتغير. وفي الاصطلاح عند الحنفية: نقل المطالبة من ذمة المدين إلى ذمة الملتزم، بخلاف الكفالة، فإنها ضم في المطالبة لا نقل، فلا يطالب المدين بعد الحوالة بالاتفاق. وهل ينتقل الدين أو لا؟ اختلف أئمة الحنفية فيه، والصحيح أنه ينتقل كما سيأتي بيانه. لذا عرف صاحب العناية الحوالة بقوله: الحوالة في اصطلاح الفقهاء: تحويل الدين من ذمة الأصيل إلى ذمة المحال عليه على سبيل التوثق به (1) .\rوعرفها غير الحنفية بأنها عقد يقتضي نقل دين من ذمة إلى ذمة (2) .\rمشروعيتها: الحوالة بالدين جائزة بالسنة والإجماع استثناء من منع التصرف في الدين بالدين.\r-------------------------------\r(1) فتح القدير مع العناية: 443/5، وانظر الدر المختار أيضاً:300/4، مجمع الضمانات: ص 282.\r(2) الشرح الكبير: 325/3، مغني المحتاج: 193/2، المغني: 528/4، غاية المنتهى: 114/2، كشاف القناع: 370/3.","part":6,"page":43},{"id":3639,"text":"أما السنة فقوله صلّى الله عليه وسلم : «مَطل الغني ظلم، وإذا أتبع أحدكم على مليء (1) فليتَّبع» (2) : أي فليحتل، كما رواه البيهقي. وفي رواية الطبراني في معجمه الوسط: «ومن أحيل على مليء فليتبع» وفي رواية أحمد وابن أبي شيبة: «ومن أحيل على مليء فليحتل» وقد يروى: «فإذا أحيل» . وجمهور العلماء على أن الأمر المذكور أمر استحباب فلا يجب قبول الحوالة. وقال داود وأحمد: الأمر للوجوب، فيجب على المحال قبول الحوالة (3) .\r-------------------------------\r(1) المطل بالدين: المماطلة به، من مطلت الحديدة: إذا ضربتها ومددتها لتطول. والمليء: الغني، وأصله الواسع الطويل.\r(2) رواه أحمد وأصحاب الكتب الستة وابن أبي شيبة والطبراني في معجمه الوسط عن أبي هريرة، ورواه أيضاً أحمد وابن ماجه والترمذي عن ابن عمر بلفظ: «مطل الغني ظلم، وإذا أحلت على مليء فاتبعه» ورواه أيضاً البزار عن جابر بلفظ: «مطل الغني ظلم، فإذا أتبع أحدكم على مليء فليتبع» وفيه ضعيف. (راجع نصب الراية: 59/4، التلخيص الحبير: ص 250، مجمع الزوائد: 130/4، سبل السلام: 61/3، نيل الأوطار: 236/5). وكلمة «فليتبع» الأكثر على التخفيف، وقيده بعضهم بالتشديد، والأول أجود، والمعنى: إذا أحيل فليحتل، أي فليقبل الحوالة.\r(3) سبل السلام: 61/3، المغني: 527/4، الميزان للشعراني: 80/2.","part":6,"page":44},{"id":3640,"text":"وأما الإجماع: فقد أجمع أهل العلم على جواز الحوالة في الجملة (1) . فهي عقد جائزفي الديون دون الأعيان؛ لأنها تنبئ عن النقل، والتحويل يكون في الدين لا في العين، أي أن النقل الحكمي لا يكون في العين فلا تصح فيها الحوالة.\rركن الحوالة: ركن الحوالة عند الحنفية: الإيجاب من المحيل، والقبول من المحال والمحال عليه، بألفاظ مخصوصة هي صيغة الحوالة. فالإيجاب: أن يقول المحيل للدائن: أحلتك على فلان. والقبول من المحال والمحال عليه: أن يقول كل واحد منهما: قبلت أو رضيت أو نحوهما. والسبب في أنه لا بد من رضا المحال عليه عند الحنفية: هو أن الحوالة تصرف على المحال عليه بنقل الحق إلى ذمته، فلا يتم إلا بقبوله ورضاه، إذ أنه الذي يلزمه الدين، ولا لزوم إلا بالتزامه، وكونه مديناً للمحيل لا يمنع من تغير صفة الالتزام؛ لأن الناس يتفاوتون في اقتضاء الدين سهولة ويسراً، أو صعوبة وعسراً.\rوأما رضا المحال: فلا بد منه؛ لأن الدين حقه، وهو في ذمة المحيل، والدين هو الذي ينتقل بالحوالة، والذمم متفاوتة في حسن القضاء والمطل، فلا بد من رضاه، وإلا لزم الضرر بإلزامه اتباع من لا يوافيه.\rوأما المحيل فقد شرط القدوري رضاه؛ لأن ذوي المروءات قد يأنفون بتحمل غيرهم ما عليهم من الدين، وذكر في الزيادات وهو الرأي المختار عند بعضهم: أن الحوالة تصح بدون رضاه؛ لأن التزام الدين من المحال عليه تصرف في حق نفسه، والمحيل لا يتضرر به بل فيه نفعه (2) .\r-------------------------------\r(1) انظر المغني: 521/4، المهذب: 337/1، مغني المحتاج: 193/2، بداية المجتهد: 294/2، فتح القدير: 444/5.\r(2) البدائع: 15/6 ومابعدها، فتح القدير: المرجع السابق مع العناية بهامشه، مختصر الطحاوي: ص 102، رد المحتار: 301/4 ومابعدها.","part":6,"page":45},{"id":3641,"text":"وقال الحنابلة والظاهرية: يشترط رضا المحيل فقط، وأما المحال والمحال عليه فيلزمهما قبول الحوالة؛ لأن الأمر في الحديث عندهم للوجوب كما عرفنا، ولايعتبر رضاهما (1) ، بعكس الحنفية تماماً، واكتفى الحنابلة باشتراط علم المحال به والمحال عليه. والسبب في عدم اشتراط رضا المحال عليه هو أن للمحيل أن يستوفي الحق بنفسه وبوكيله، وقد أقام المحال مقام نفسه في القبض، فلزم المحال عليه الدفع إليه كالوكيل.\rوقال المالكية في المشهور عندهم والشافعية في الأصح عندهم: يشترط لصحة الحوالة رضاالمحيل والمحال فقط؛ لأن للمحيل إيفاء الحق من حيث شاء، فلا يلزم بجهة معينة، وحق المحال في ذمة المحيل، فلا ينتقل إلا برضاه؛ لأن الذمم تتفاوت في الأداء والقضاء. وأما المحال فلا يجب عليه الرضا بالحوالة؛ لأن الأمر في الحديث الوارد بمشروعية الحوالة للاستحباب، فلا يلزم المحال قبول الإحالة.\rولايشترط رضا المحال عليه؛ لأنه محل الحق والتصرف، ولأن الحق للمحيل فله أن يستوفيه بغيره، والأمر هو مجرد تفويض بالقبض، فلا يعتبر رضا من عليه، كما لو وكل إنسان غيره بقبض دينه، ويخالف المحال عليه المحال بأن الحق له فلا ينقل بغير رضاه كالبائع، أما المحال عليه فالحق عليه، فلا يعتبر رضاه، كالشيء المبيع (2) .\rيفهم مما سبق أن للحوالة عند الجمهور غير الحنفية أركاناً أو عناصر ستة تقوم عليها وهي: محيل وهو المدين، ومحال ويسمى أيضاً محتالاً وحويلاً وهو رب الدين أو الدائن، ومحال عليه أو محتال عليه وهو الذي التزم الدين للمحال،\r-------------------------------\r(1) المغني: 522/4، 525، 527، غاية المنتهى: 114/2، كشاف القناع: 374/3.\r(2) بداية المجتهد: 294/2، الشرح الكبير: 325/3، المهذب: 338/1، مغني المحتاج: 193/2 ومابعدها.","part":6,"page":46},{"id":3642,"text":"ومحال أو محتال به: وهو نفس الدين الذي للمحال على المحيل، ودين للمحيل على المحال عليه، وصيغة (1) .\rالمبحث الثاني ـ شروط الحوالة :\rيشترط لصحة الحوالة عند الحنفية شروط تتعلق إما بالصيغة أو بالمحيل، أو بالمحال، أو بالمحال عليه، أو بالمحال به.\rشروط الصيغة: تنعقد الحوالة بتوافر الإيجاب والقبول أو ما في معناهما كالتوقيع على سند الحوالة والكتابة والإشارة، والإيجاب: أن يقول المحيل: أحلتك على فلان، والقبول: أن يقول المحال: قبلت أو رضيت. ويشترط في الإيجاب والقبول كونهما في مجلس العقد. وأن يكون العقد باتاً، فلا يثبت فيه خيار المجلس ولا خيار الشرط.\rشروط المحيل: يشترط في المحيل شرطان:\rأولاً ـ أن يكون أهلاً للعقد بأن يكون عاقلاً بالغاً، فلا تصح حوالة المجنون والصبي الذي لا يعقل، لأن العقل شرط لممارسة أي تصرف.\rولا تنفذ حوالة الصبي المميز، وإنما تتوقف على إجازة وليه، فالبلوغ إذن شرط نفاذ لا انعقاد.\rثانياً ـ رضا المحيل: فلو كان مكرهاً على الحوالة لا تصح؛ لأن الحوالة إبراء فيها معنى التمليك، فتفسد بالإكراه كسائر التمليكات (2) . ووافقهم المالكية والشافعية والحنابلة في هذا الشرط.\rوقال ابن كمال في الإيضاح: وأما رضا المحيل فإنما يشترط للرجوع عليه.\rشروط المحال: يشترط في المحال شروط ثلاثة:\rأولاً ـ أن يكون أهلاً للعقد كالشرط في المحيل بأن يكون عاقلاً؛ لأن قبوله ركن في العقد، وغير العاقل ليس من أهل القبول. وبأن يكون بالغاً وهو شرط نفاذ لا شرط انعقاد كما تبين، فإذا كان المحال غير بالغ، فيحتاج في الحوالة لإجازة وليه.\r-------------------------------\r(1) راجع مغني المحتاج، المرجع السابق، فتح القدير: 443/5.\r(2) البدائع: 16/6، مجمع الضمانات: ص 282.","part":6,"page":47},{"id":3643,"text":"ثانياً ـ الرضا: فلا تصح الحوالة إذا كان المحال مكرهاً، لما ذكر، ووافقهم المالكية والشافعية في هذا الشرط.\rثالثاً ـ أن يتم قبوله في مجلس الحوالة: وهذا شرط انعقاد عند أبي حنيفة ومحمد، فلو كان المحال غائباً عن المجلس، فبلغه الخبر، فأجاز، لا ينفذ عندهما. وعند أبي يوسف: هذا شرط نفاذ. قال الكاساني: والصحيح قولهما؛ لأن قبول المحال أحد أركان الحوالة (1) .\rشروط المحال عليه: يشترط في المحال عليه شروط ثلاثة هي شروط المحال نفسها:\rأولاً ـ أن يكون أهلاً للعقد، بأن يكون عاقلاً بالغاً، فلا تصح الحوالة على الصبي والمجنون، إلا أن البلوغ يعتبر هنا شرط انعقاد، فلا يصح من الصبي قبول الحوالة أصلاً.\rثانياً ـ الرضا: فلو أكره على قبول الحوالة، لا يصح العقد، ولم يشترط المالكية رضا المحال عليه.\r-------------------------------\r(1) المرجعان السابقان.","part":6,"page":48},{"id":3644,"text":"ثالثاً ـ أن يتم قبوله في مجلس العقد ، وهو شرط انعقاد عند أبي حنيفة ومحمد (1) .\rشروط المحال به: يشترط شرطان في المحال به وهما (2) :\rأولاً ـ أن يكون دَيْناً: أي أن يكون هناك دين للمحال على المحيل. فإن لم يكن هناك دين، فيكون العقد وكالة تثبت فيها أحكامها، وليس حوالة. ويترتب عليه أنه لا تصح الحوالة بالأعيان القائمة؛ لأنها لا تثبت في الذمة.\rثانياً ـ أن يكون الدين لازماً: مثل دين القرض فلا تصح الحوالة ـ في الماضي ـ على المكاتب ببدل الكتابة؛ لأنه دين غير لازم؛ لأن السيد لا يجب له على عبده دين. وفي الجملة: إن كل دين لا تصح الكفالة به لا تصح الحوالة به، وهو الدين الحقيقي غير الاحتمالي الذي يعبرون عنه بالدين الصحيح. واشترط كون الدين لازماً هو رأي الجمهور غيرالحنابلة، وأجاز الحنابلة الحوالة بدين الكتابة أو بدين الثمن في مدة الخيار. وأجاز الشافعية كون الدين آيلاً إلى اللزوم بنفسه، كدين الثمن المقترن بخيار في العقد، والصداق قبل الدخول، والأجرة قبل استيفاء المنفعة.\rوكذلك لا تصح الحوالة إذا كان دين المحيل في ذمة المحال عليه غير لازم كدين صبي وسفيه بغير إذن ولي، فلا تصح الإحالة عليهما لعدم لزوم هذا الدين؛ لأن لولي الصغير والسفيه طرح الدين عنهما وإسقاطه.\rومثله أيضاً ثمن سلعة مبيعة بالخيار قبل لزومه؛ لأنه يعد ديناً غير لازم.\rوأما وجوب الدين على المحال عليه للمحيل قبل الحوالة، فليس بشرط عند الحنفية لصحة الحوالة، فإن الحوالة تصح سواء أكان للمحيل على المحال عليه دين أم لم يكن، وسواء أكانت الحوالة مطلقة أم مقيدة.\rواشترط المالكية والشافعية (3) في المحال به ثلاثة شروط:\rالأول ـ أن يكون الدين المحال به قد حلّ.\rالثاني ـ أن يكون الدين المحال به مساوياً للمحال عليه في الصفة والمقدار، فلا يجوز أن يكون أحدهما أقل أو أكثر أو أدنى أو أعلى؛ لأنه يخرج عن الإحالة إلى البيع، فيدخله الدين بالدين.\rالثالث ـ ألا يكون الدينان أو أحدهما طعاماً من سلَم؛ لأنه من بيع الطعام قبل قبضه، وهو لا يجوز، فإن كان أحدهما من بيع والآخر من قرض، جاز إذا حل الدين المحال به.\rنوعا الحوالة عند الحنفية: الحوالة نوعان: مطلقة ومقيدة.\rالمطلقة: أن يحيل شخص غيره بالدين على فلان، ولا يقيده بالدين الذي عليه، ويقبل الرجل المحال عليه. ولم يقل بجوازها غير الحنفية، ووافقهم فيها الشيعة الإمامية والزيدية على الراجح عندهم. والحوالة المطلقة في المذاهب الثلاثة غير الحنفية حيث لا يكون للمدين دين في ذمة المحال عليه تعد كفالة محضة، ولا بد فيها من رضاء الأطراف الثلاثة بها (وهم الدائن والمدين والمحال عليه جميعاً).\r-------------------------------\r(1) البدائع، المرجع السابق.\r(2) البدائع: 16/6، بداية المجتهد: 295/3، الشرح الكبير: 325/3 ومابعدها، مغني المحتاج: 194/2، المهذب: 337/1، المغني: 533/4.\r\r(3) الشرح الصغير: 425/3-426، الشرح الكبير: 326/3 ومابعدها، مغني المحتاج: 194/2 ومابعدها.","part":6,"page":49},{"id":3645,"text":"والمقيدة: أن يحيله ويقيده بالدين الذي له عليه. وهذه هي الحوالة الجائزة باتفاق العلماء (1) .\rوكلا النوعين جائز لقوله عليه الصلاة والسلام: «من أحيل على مليء فليتبع» إلا أن الحوالة المطلقة تختلف عن الحوالة المقيدة في بعض الأحكام كما يأتي (2) :\r1 - إذا كانت الحوالة مطلقة ولم يكن للمحيل على المحال عليه دين، فإن المحال يطالب المحال عليه بدين الحوالة فقط.\rوإن كان له عليه دين، ولم يقيد الحوالة به بأن لم يقل: ( أحيله عليك بما لي عليك ) أو ( على أن تعطيه مما عليك ) وقبل المحال عليه، فإن المحال عليه يطالب بدينين: دين الحوالة ودين المحيل، فالمحال يطالب بدين الحوالة، والمحيل يطالب بالدين الذي له عليه، كما إذا كان عند رجل ألف ليرة وديعة، فأحال شخصاً عليه بألف ليرة، ولم يقيده بالألف الوديعة، فقبله، فللمحيل أن يأخذ الوديعة، وعلى المحال عليه أداء الألف بالحوالة.\rفأما إذا قيد الحوالة بالدين الذي له عليه، فليس للمحيل أن يطالبه بالأداء إليه؛ لأنه قيد الحوالة بهذا الدين، فيقيد به، أي يتعلق به حق المحال، ويكون هذا الدين، بمنزلة الرهن عنده، وإن لم يكن رهناً حقيقة، فإذا أدى المال تقع المقاصة بين المحال عليه والمحيل.\r-------------------------------\r(1) وهي في رأي القانوني الدكتور السنهوري أقرب إلى أن تكون طريقاً من طرق الوفاء بالدين، من أن تكون حوالة بالمعنى الدقيق بالفقه القانوني ( الوسيط: ف 240 )، ويرى السنهوري أيضاً أن الفقه الإسلامي لم يقر حوالة الدين بالمعنى المفهوم في الفقه الغربي في أي مذهب من مذاهبه. وقد أقر حوالة الحق بشروط معينة في أحد مذاهبه وهو مذهب مالك، دون المذاهب الأخرى عن طريق هبة الدين أو بيع الدين لغير المدين ( الوسيط: ف 240 )، وهذا محل نظر.\r(2) راجع البدائع: 16/6ومابعدها، الدر المختار ورد المحتار: 306/4، مجمع الضمانات: ص283.","part":6,"page":50},{"id":3646,"text":"2 - إذا كانت الحوالة مقيدة وظهرت براءة المحال عليه من الدين الذي قيدت به الحوالة، بأن كان الدين ثمن مبيع فاستحق المبيع، تبطل الحوالة؛ لأنه لما قيد الحوالة بالدين فقد تعلق الدين بالحوالة، فإذا ظهر أنه لا دين، فقد ظهر أنه لا حوالة.\rأما إذا كانت الحوالة مطلقة وظهرت براءة المحال عليه من الدين، فإنها لا تبطل؛ لأن الدين لم يتعلق بالحوالة، وإنما تعلق بالذمة، فلا يظهر أن الحوالة كانت باطلة.\r3 - إذا كانت الحوالة مقيدة ثم مات المحيل قبل أن يؤدي المحال عليه الدين إلى المحال، وكان على المحيل ديون أخرى غير دين المحال، وليس له مال سوى هذا الدين الذي على المحال عليه، فإنه لا يكون المحال أحق به من بين سائر الغرماء (أي الدائنين) عند أئمة الحنفية الثلاثة. وعند زفر: يكون أحق به من بين سائر الغرماء كالرهن. ورد عليه بأن هناك فرقاً بين الحوالة والرهن وهو أن المرتهن يتحمل وحده غرم الرهن، فيختص بغنمه أخذاً بالحديث: «الخراج بالضمان» (1) أي أن الغنم بالغرم، أما المحال فلم يختص بتحمل غرم المال، فلا يكون له الحق في أن يختص بالغنم، وحينئذ يكون له الحق في مقاسمة الغرماء فقط.\rأما إذا كانت الحوالة مطلقة: فإنه يؤخذ من المحال عليه جميع الدين الذي\r-------------------------------\r(1) أخرجه أحمد والشافعي وأبو داود الطيالسي، وأصحاب السنن الأربعة وصححه الترمذي وابن حبان وابن الجارود والحاكم وابن القطان عن عائشة أن النبي صلّى الله عليه وسلم قضى أن «الخراج بالضمان» الخراج: هو الدخل والمنفعة أي يملك المشتري الخراج الحاصل من المبيع بضمان الأصل الذي عليه أي بسببه، فالباء للسببية. وفي رواية النسائي: أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم قضى أن «الخراج بالضمان، ونهى عن ربح ما لم يضمن» وفي رواية: «أن رجلاً ابتاع غلاماً فاستغله، ثم وجد به عيباً فرده بالعيب، فقال البائع: غلة عبدي، فقال النبي صلّى الله عليه وسلم : الغلة بالضمان» وهناك لفظ آخر لهذه الرواية (انظر جامع الأصول: 28/2-32، نيل الأوطار: 213/5).","part":6,"page":51},{"id":3647,"text":"عليه، ويقسم بين غرماء المحيل، ولا يدخل المحال في تلك المقاسمة؛ لأن الحوالة لم تتعلق بالدين، ولأن حق المحال ثبت عند المحال عليه فقط.\rحوالة الحق: هي نقل الحق من دائن إلى دائن، أو بتعبير آخر: حلول دائن محل دائن بالنسبة إلى المدين. فإذا تبدل دائن بدائن في حق مالي متعلق بالذمة، لا بعين، كانت الحوالة حوالة حق. والدائن فيها هو المحيل، إذ هو يحيل غيره ليستوفي حقه.\rوهي تقابل حوالة الدين: وهي تبدل المدين بالنسبة إلى الدائن أي تبديل مدين بمدين، والمحيل فيها: هو المدين، إذ هو إنما يحيل على غيره لوفاء دينه. وهي مشروعة باتفاق العلماء كما تقدم.\rوحوالة الحق جائزة أيضاً باتفاق المذاهب الأربعة، وليس فقط عند غير الحنفية، كما فهم بعض أساتذة الشريعة، والقانون؛ لأن الحوالة المقيدة المشروعة عند الحنفية تتضمن حوالة حق، إذ يكون الإنسان فيها مديناً لشخص ودائناً لآخر، فيحيل دائنه على مدينه، ليقبض الدائن المحال دين المحيل من مدينه المحال عليه، فهي حوالة حق وحوالة دين في وقت واحد.","part":6,"page":52},{"id":3648,"text":"وقد عرفنا أن غير الحنفية لا يجيزون إلا الحوالة المقيدة، فهي الحوالة إطلاقاً، ويشترط في المقيدة عندهم تساوي الدين المحال به والدين المحال عليه في الصفة والمقدار، فإن تساويا جنساً وقدراً صحت الحوالة، وإن اختلفا في شيء مما ذكر لم تصح الحوالة.\rأما الحوالة المطلقة فهي حوالة دين فقط، إذ يحيل بها المدين دائنه على آخر، فيتبدل فيها المدين، ويبقى الدائن هو نفسه. ومن صور حوالة الحق ضمن الحوالة المقيدة: أن يحيل البائع دائنه على المشتري بالثمن. ويحيل المرتهن على الراهن بالدين، وتحيل الزوجة على زوجها بالمهر. ويحيل صاحب الحق في ريع الوقف دائنه على ناظر الوقف في حقه من الغلة بعد حصولها في يد الناظر. ويحيل الغانم حقه في الغنيمة المحرزة على الإمام. ففي كل هذه الأمثلة حل دائن جديد ـ وهو المحال ـ محل الدائن الأصلي وهو البائع، أو المرتهن أو الزوجة، أو مستحق غلة الوقف، أو الغانم.\rومنشأ اللبس في فهم مذهب الحنفية حول حوالة الحق راجع إلى أن الحنفية لا يرون الحوالة نوعاً من البيع تجري فيها كل أحكامه، بل هي عندهم عقد مستقل شرع لغاية معينة يحتاج إليه التعامل، وليس فرعاً من غيره، ولكن فيه تشابه مع عقود وتصرفات أخرى في بعض النواحي، فالحوالة تشبه البيع (بيع الدين أو الحق) وليست ببيع، وتشبه الكفالة وليست بكفالة، وتشبه قبض الدين وليست قبضاً، وتشبه الوكالة بالقبض أو بالأداء وليست بوكالة، وتشبه ما يسمى بلغة العصر اليوم فتح الاعتماد، وليست به، وفيها بعض سمات التبرع، وبعض سمات المعاوضة إلخ.. وقد أخذت الحوالة أحكاماً متنوعة تتناسب مع تلك المشابهات العديدة فيها.","part":6,"page":53},{"id":3649,"text":"وإذا كان الحنفية لا يجيزون تمليك أو بيع الدين لغير من عليه الدين، فلا يعني أنهم ينكرون حوالة الحق، إذ أن تبدل دائن بدائن، لا يفيد عندهم تمليك الدين لغير من هو عليه؛ لأن مقتضى الحوالة هو نقل الدين أو نقل المطالبة به إلى المحل الجديد، نقلاً مؤقتاً بعدم التوى (أي موت المحال عليه أو إفلاسه أو جحوده الحوالة) لا تمليكه، وإنما يملك المحال ما يقبضه وفاءً به بعد تنفيذ الحوالة بالقبض، وبذلك تكون الحوالة عندهم غير البيع. أما غير الحنفية الذين يجيزون حوالة الحق فمستندهم هو إطلاق الترخيص الشرعي الثابت في شأن الحوالة، سواء بعدئذ أكانت بيع دين بدين أم لم يكن.\rإذ أن هؤلاء مختلفون في مسألة بيع الدين بالدين أو هبته لغير من هو عليه، فالمالكية والشافعية يجيزونه بشروط، مثل شرط قبض العوض أو تعينه في مجلس البيع وأن يكون الدين المبيع غير طعام، وأن يكون الثمن من غير جنس المبيع، وأن يقع البيع لغير خصم المدين، حتى لا يكون في البيع إعنات للمدين بتمكين خصمه منه. فليست حوالة الحق عندهم بيع دين بدين.\rوالحنابلة: لا يجيزونه.\rوالخلاصة: إن الحوالة عند الفقهاء المسلمين ليست بيعاً، وإنما هي عقد خاص، يفترق عن البيع في شرائطه ونتائجه (1) . والمالكية والشافعية الذين يجيزون هبة الدين لغير المدين تظهر عندهم حوالة الحق في هذين العقدين بنحو كامل واضح. لكن بشرط تحقيق شروط الهبة كالإذن بالقبض، وشروط بيع الدين.\rالمبحث الثالث ـ أحكام الحوالة\rيترتب على الحوالة أحكام (2) :\rأولاً ـ براءة المحيل: إذا تمت الحوالة بالقبول برئ المحيل من الدين عند جماهير الفقهاء. ولا تنتقل تأمينات الدين من رهن أو كفالة، بل تنقضي.\r-------------------------------\r(1) راجع الموسوعة الفقهية في الكويت ـ بحث الحوالة: ص 95-100، مدخل نظرية الالتزام في الفقه الإسلامي للأستاذ الزرقاء: ص 64 ومابعدها.\r(2) البدائع: 17/6 ومابعدها، الكتاب مع اللباب: 160/2.","part":6,"page":54},{"id":3650,"text":"وقال الحسن البصري: لا يبرأ المحيل إلا بالإبراء.\rوقال زفر من الحنفية: الحوالة لا توجب براءة المحيل، ويبقى الحق في ذمته بعد الحوالة على ما كان عليه قبلها، وقاس الحكم على الكفالة، إذ كل واحد منهما عقد توثق.\rوهذا ليس بصحيح؛ لأن الحوالة مشتقة من التحويل وهو نقل الحق فكان معنى الانتقال لازماً فيها، والشيء إذا انتقل إلى موضع لا يبقى في المحل الأول، ومعنى التوثق يحصل بسهولة التوصل إلى الحق باختيار الأكثر ملاءة والأحسن قضاء.\rأما الكفالة: فهي مشتقة من الضم أي ضم ذمة إلى ذمة، فعلق على كل من الكفالة والحوالة مقتضاه، وما دل عليه لفظه؛ لأن أحكام العقود الشرعية تتنزل على وفق المعاني اللغوية (1) .\rواختلف أئمة الحنفية في كيفية النقل الذي يتم بالحوالة: فقال أبو حنيفة وأبو يوسف: إنها نقل المطالبة والدين جميعاً من ذمة المدين إلى ذمة المحال عليه، ولكن الدين يعود إلى ذمة المدين إذا توي عند المحال عليه (والتوى: هو الموت مفلساً، وجحود الحوالة ولا بينة، وزاد الصاحبان: الإفلاس وهو حي). فلو أبرأ الدائن المحال عليه من الدين، صح الإبراء، ولو أبرأ المدين لا يصح، وقال محمد: إنها نقل المطالبة وحدها دون الدين، فأصل الدين باق في ذمة المحيل. وقد استدل كل منهم بأدلة يظهر منها أن أدلة الفريق الأول أرجح بدليل أنه لو أبرئ المحيل من الدين أو وهب الدين له لا يصح التصرف؛ لأن الدين انتقل إلى ذمة المحال عليه، وفرغت ذمة المحيل من الدين، وبدليل أن الحوالة يترتب عليها النقل؛ لأنها مشتقة من التحويل وهو النقل، فتقتضي نقل ما أضيفت إليه وهو الدين، لا المطالبة فقط.\r-------------------------------\r(1) راجع البدائع: 17/6، فتح القدير: 445/5 ومابعدها، مختصر الطحاوي: ص 102، الدر المختار: 300/4، الشرح الكبير: 328/3، مغني المحتاج: 195/2، المهذب: 338/1، المغني: 525/4.","part":6,"page":55},{"id":3651,"text":"وعند زفر كما تقدم: لا ينتقل الدين ولا المطالبة إلى ذمة المحال عليه، بل تضم ذمة المحال عليه إلى ذمة المدين في المطالبة فيكون المحال عليه كفيلاً للمدين.\rثانياً ـ ثبوت ولاية المطالبة للمحال على المحال عليه بدين في ذمته؛ لأن الحوالة اقتضت النقل إلى ذمة المحال عليه بدين في ذمته، وهو نقل الدين والمطالبة جميعاً كما رجحت.\rثالثاً ـ ثبوت حق الملازمة للمحال عليه على المحيل إذا لازمه المحال، فكلما لازمه المحال، فله أن يلازم المحيل ليتخلص من ملازمة المحال، وإذا حبسه له أن يحبسه إذا كانت الحوالة بأمر المحيل، ولم يكن على المحال عليه دين يماثله للمحيل، أي أن الحوالة مطلقة. أما إذا كانت الحوالة بغير أمره، أو كانت بأمره ولكن للمحيل على المحال عليه دين مثله، أي أن الحوالة مقيدة، فليس للمحال عليه أن يلازم المحيل إذا لوزم، ولا أن يحبسه إذا حبس.\rالمبحث الرابع ـ انتهاء الحوالة\rتنتهي الحوالة بأمور (1) :\r1 - فسخ الحوالة: إذا فسخت الحوالة يعود الحق للمحال في أن يطالب المحيل. والفسخ في اصطلاح الفقهاء: هو إنهاء العقد قبل أن يبلغ غايته.\r-------------------------------\r(1) البدائع: 18/6 ومابعدها، فتح القدير: 447/5، المبسوط: 52/20، الدر المختار: 304/4، مجمع الضمانات: ص 282.","part":6,"page":56},{"id":3652,"text":"2 - أن يتوى (1) حق المحال بموت أو إفلاس أو غيره: وهو مذهب الحنفية بدليل ما روي عن سيدنا عثمان رضي الله عنه أنه قال في المحال عليه: «إذا مات مفلساً عاد الدين إلى ذمة المحيل» ، ولأن الحوالة مقيدة بسلامة حق المحال له، لأنه هو المقصود، فصار كوصف السلامة في المبيع.\rوالتوى عند أبي حنيفة بأحد أمرين: إما أن يموت المحال عليه مفلساً أو أن يجحد الحوالة ويحلف ولا بينة للمحال؛ لأن العجز عن الوصول إلى الحق يتحقق بكل واحد منهما، وهو التوى في الحقيقة.\rوقال الصاحبان: يتحقق التوى بوجه ثالث: وهو أن يفلس المحال عليه حال حياته، ويقضي القاضي بإفلاسه حال حياته. وهذا مبني على قاعدة أخرى مختلف فيها بين الإمام وصاحبيه: وهي أن القاضي يقضي بالإفلاس حال الحياة عندهما، وعنده: لا يقضي به لأن مال الله غاد ورائح.\rوإذا تحقق التوى يرجع صاحب الدين على المحيل.\rوقال الحنابلة والشافعية والمالكية: إذا تمت الحوالة وانتقل الحق ورضي المحال، لم يعد الحق إلى المحيل أبداً، سواء أمكن استيفاء الحق، أو تعذر لمطل أو فلس أو موت أو غيرها. فلو كان المحال عليه مفلساً عند الحوالة، وجهله المحال، فلا رجوع له على المحيل؛ لأنه مقصر بترك البحث، فأشبه من اشترى شيئاً هو مغبون فيه، فإن شرط المحال يسار المحال عليه، فبان معسراً، رجع على المحيل عند الحنابلة والمالكية، لقول النبي صلّى الله عليه وسلم : «المسلمون عند شروطهم» (2).\rوالمالكية قالوا أيضاً: لكن يرجع المحال على المحيل إذا غرره بأن أحاله على معدم مفلس. ودليل هؤلاء في الجملة أن جد سعيد بن المسيب: «كان له على علي رضي الله عنه دين، فأحاله به، فمات المحال عليه، فأخبره، فقال: اخترت علينا، أبعدك الله » فأبعده بمجرد الحوالة، ولم يخبره أن له الرجوع، ولأن الحوالة تقتضي البراءة من الدين، وقد حصلت مطلقة عن شرط سلامة الحق، فتفيد البراءة مطلقاً.\r-------------------------------\r(1) التوى في اللغة: الهلاك والتلف. يقال توي بوزن علم يتوى توى، وفي الاصطلاح كما سيأتي عن أئمة الحنفية: هو تعذر تحصيل الدين بسبب لا دخل للمحال فيه كإفلاس المحال عليه مثلاً.\r(2) رواه الترمذي والحاكم عن عمرو بن عوف (راجع نصب الراية: 112/4، سبل السلام: 59/3)، وقد سبق تخريجه.","part":6,"page":57},{"id":3653,"text":"وأما حديث عثمان (الذي استدل به الحنفية) فلم يصح، ولو صح كان قول علي مخالفاً له (1) .\r3 - أداء المحال عليه المال إلى المحال: وهذا أمر بدهي، فإذا أدى المحال عليه المال انتهت الحوالة، إذ أن حكمها قد انتهى.\r4 - أن يموت المحال ويرث المحالُ عليه مالَ الحوالة؛ لأن الإرث من أسباب الملك، فيملك المحال عليه الدين في هذه الحال. وتنتهي الحوالة المقيدة عند أبي حنيفة وصاحبيه، خلافاً لبقية الفقهاء، بموت المحيل لدخول المال الذي قيدت به الحوالة في تركة المحيل.\r5 - أن يهب المحال المال للمحال عليه ويقبل الهبة.\r6 - أن يتصدق المحال على المحال عليه، ويقبل الصدقة؛ لأن الهبة والصدقة في معنى الإرث أو الأداء.\r7 - أن يبرئ المحال المحال عليه.\rالمبحث الخامس ـ رجوع المحال عليه على المحيل\rالكلام هنا في موضعين: شرائط الرجوع، وبيان ما يرجع به.\rأما شرائط الرجوع فهي ما يأتي:\r1 - أن تكون الحوالة بأمر المحيل: فإن كانت بغير أمره لا يرجع مثل أن يقول رجل للدائن: إن لك على فلان كذا وكذا من الدين، فاحتل بها علي، فرضي بذلك، جازت الحوالة. ولكنه إذا أدى المحال عليه المال لا يرجع على المحيل؛ لأنه سيكون حينئذ متبرعاً، ولم يحصل معنى التمليك للدين من المحال للمحال عليه، فلا يحق له الرجوع.\r2 - أداء مال الحوالة أو ما هو في معنى الأداء كالهبة والصدقة إذا قبل المحال عليه، وكذا إذا ورث المحال عليه المحال؛ لأن الإرث من أسباب الملك، فإذا ورثه فقد ملك الشيء الموروث، فكان له حق الرجوع.\rولو أبرئ المحال عليه من الدين لا يرجع على المحيل؛ لأن الإبراء إسقاط حقه، فلم يملك المحال عليه شيئاً فلا يرجع.\r3 - ألا يكون للمحيل على المحال عليه دين مماثل للدين الذي أحيل به المحال.\rفإن كان هناك دين وقعت المقاصة بينهما (2) .\r-------------------------------\r(1) المغني: 526/4، بداية المجتهد: 296/2، القوانين الفقهية: ص 327، الشرح الكبير: 326/3، المهذب: 338/1، مغني المحتاج: 195/2 ومابعدها.\r(2) البدائع: 19/6، مجمع الضمانات: ص 283.","part":6,"page":58},{"id":3654,"text":"وأما ما يرجع به المحال عليه على المحيل: فهو أنه يرجع بالمحال به، لا بالمؤدى،كالكفيل، فلو أدى عروضاً مكان النقود، فإنه يرجع على المحيل بالنقود؛\rلأن الرجوع يحق له بحكم ما تم له من الملك، وأنه يملك دين الحوالة، لا المؤدى، وذلك بخلاف الوكيل بقضاء الدين كما ذكر في الكفالة.\rاختلاف المحيل مع المحال :\rلو قبض المحال مال الحوالة ثم اختلف مع المحيل، فقال المحيل: لم يكن لك علي شيء، وإنما أنت وكيلي في القبض، والمقبوض لي، وقال المحال: لا، بل أحلتني بألف مثلاً كانت لي عليك، فحينئذ القول قول المحيل مع يمينه؛ لأن المحال يدعي عليه ديناً، والمحيل ينكر، والقول قول المنكر عند عدم البينة مع يمينه (1) .\rالسفاتج: هي كما بينت في بحث القرض جمع سُفْتَجة: وهي الورقة. وهي أن يدفع امرؤ إلى تاجر مبلغاً قرضاً ليدفعه إلى صديقه في بلد آخر ليستفيد به سقوط خطر الطريق. وهذا مكروه تحريماً عند الحنفية؛ لأنه في الحقيقة قرض استفاد به المقرض أمن خطر الطريق. وهو نوع من النفع المستفاد على حساب القرض، وقد نهى رسول الله صلّى الله عليه وسلم عن قرض جر نفعاً (2) . كراهة هذا التصرف ناشئة عما إذا كان أمن خطر الطريق مشروطاً. فإذا تم القرض دون أن يشترط المقرض في عقد القرض دفع المال في بلد آخر بالحوالة ونحوها، جاز القرض. ويجوز أيضاً إذا دفع المال إليه أمانة لتسليمها في بلد آخر (3) .\r-------------------------------\r(1) البدائع، المرجع السابق، فتح القدير: 449/5، المبسوط: 57/20، الدر المختار ورد المحتار: 305/4.\r(2) رواه الحارث بن أبي أسامة عن علي قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم : «كل قرض جر نفعاً فهو ربا» وأعله المحدثون بأن فيه سوار بن مصعب وهو متروك. ورواه البيهقي في السنن الكبرى عن ابن مسعود وأبي بن كعب وعبد الله بن سلام وابن عباس موقوفاً عليهم.وأخرج ابن عدي في الكامل عن جابر بن سمرة، قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم : «السفتجات حرام» وهو حديث ضعيف معلول براوٍ فيه (راجع نصب الراية: 60/4، التلخيص الحبير: ص 254).\r(3) الكتاب مع اللباب: 162/2.","part":6,"page":59},{"id":3655,"text":"الفَصْلُ الثَّاني عَشَر: الرَّهن\rخطة البحث :\rالكلام عن عقد الرهن في المباحث السبعة التالية:\rالمبحث الأول ـ تعريف الرهن ومشروعيته وركنه وعناصره وأحواله.\rالمبحث الثاني ـ شروط الرهن:\r(شروط العاقدين، والصيغة، والمرهون به،والمرهون، وشروط تمام الرهن، قبض الرهن، ما يجوز ارتهانه، وما لا يجوز، وما يتفرع عن القبض وغيره من الشروط).\rالمبحث الثالث ـ أحكام الرهن أو آثاره\rالرهن الصحيح والرهن الفاسد\rالمبحث الرابع ـ نماء الرهن أو زوائده\rالمبحث الخامس ـ الزيادة في الرهن والدين\rالمبحث السادس ـ انتهاء الرهن وحالاته\rالمبحث السابع ـ اختلاف الراهن والمرتهن\rالمبحث الأول ـ تعريف الرهن ومشروعيته وركنه وعناصره وأحواله :\rتعريف الرهن: الرهن لغة: إما الثبوت والدوام، يقال: ماء راهن أي راكد، وحالة راهنة: أي ثابتة. وإما الحبس واللزوم، قال تعالى: {كل نفس بما كسبت رهينة} [المدثر:38/74] أي محبوسة. والظاهر أن في الحبس معنى الدوام والثبوت، فأحد المعنيين تطور للمعنى الآخر، والظاهر أن المعنى الأول هو الحبس؛ لأنه المعنى المادي. وعلى كل حال، فالمعنى الشرعي ذو صلة بالمعنى اللغوي، وقد يطلق الرهن لغة على الشيء المرهون: وهو ما جعل وثيقة للدين، من باب تسمية المفعول بالمصدر.","part":6,"page":60},{"id":3656,"text":"وعقد الرهن شرعاً (1) : حبس شيء بحق يمكن استيفاؤه منه، أي جعل عين لها قيمة مالية في نظر الشرع وثيقة بدين بحيث يمكن أخذ الدين كله أو بعضه من تلك العين. أو هو عقد وثيقة بمال، أي عقد على أخذ وثيقة بمال، لا بذمة شخص، فامتاز عن الكفالة؛ لأن التوثق بها إنما يكون بذمة الكفيل، لا بمال يقبضه الدائن، ومعنى «وثيقة» أي متوثق بها، فقد توثق الدين وصار مضموناً محكماً بالعين المرهونة، وكون الوثيقة ذات قيمة مالية لإخراج العين النجسة والمتنجسة بنجاسة لا يمكن إزالتها، فإنها لا يجوز أن تكون وثيقة للدين.\rوعرفه الشافعية (2) بقولهم: جعل عين وثيقة بدين يستوفى منها عند تعذر وفائه. وقولهم «جعل عين» يفيد عدم جواز رهن المنافع؛ لأنها تتلف فلا يحصل بها استيثاق.\r-------------------------------\r(1) اللباب: 5/2، الدر المختار: 339/5، المبسوط: 63/21.\r(2) مغني المحتاج: 121/2، حاشية الشرقاوي على تحفة الطلاب للأنصاري: 122/2، 124.","part":6,"page":61},{"id":3657,"text":"وعرفه الحنابلة (1) بأنه: المال الذي يجعل وثيقة بالدين ليستوفى من ثمنه إن تعذر استيفاؤه ممن هو عليه.\rوعرفه المالكية (2) : بأنه شيء متموَّل يؤخذ من مالكه، توثقاً به، في دين لازم، أو صار إلى اللزوم، أي أنه تعاقد على أخذ شيء من الأموال عيناً كالعقار والحيوان والعروض (السلع)، أو منفعة، على أن تكون المنفعة معينة بزمن أو عمل، وعلى أن تحسب من الدَّين. ولا بد من أن يكون الدين لازماً كثمن مبيع، أو بدل قرض، أو قيمة متلف، أو صائراً إلى اللزوم، كأخذ رهن من صانع أو مستعير، خوفاً من ادعاء ضياع، فيكون الرهن في القيمة على ما يلزم.\rوليس المراد من الأخذ عند المالكية: التسليم الفعلي؛ لأن التسليم بالفعل ليس شرطاً عندهم في انعقاد الرهن، ولا في صحته، ولا في لزومه، بل ينعقد ويصح ويلزم بالصيغة أي بمجرد الإيجاب والقبول، ثم يطلب المرتهن أخذه.\rصفة الرهن العامة: والرهن عقد من عقود التبرع؛ لأن ما أعطاه الراهن للمرتهن غير مقابل بشيء (3) ، وهو من العقود العينية: وهي التي لا تعتبر تامة الالتزام إلا إذا حصل تسليم العين المعقود عليها، وهذه العقود خمسة: الهبة، والإعارة، والإيداع، والقرض، والرهن. والسبب في اشتراط القبض لتمامها: هو أنها تبرع، والقاعدة تقول: «لا يتم التبرع إلا بالقبض» فيعتبر العقد فيها عديم الأثر قبل القبض، والتنفيذ هو المولد لآثار العقد.\rمشروعيته وحكمه: الرهن مشروع بالقرآن والسنة والإجماع . أما القرآن : فقوله تعالى: {وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتباً فرهان مقبوضة} [البقرة:283/2].\rوالرهن باتفاق الفقهاء جائز في الحضر والسفر، خلافاً لمجاهد والظاهرية (4) ، لإطلاق مشروعيته في السنة، وذكر السفر في الآية خرج مخرج الغالب، لكون الكاتب في الماضي غير متوافر في السفر غالباً، ولا يشترط أيضاً عدم وجود الكاتب، لثبوت جوازه في السنة مطلقاً. والآية أرادت إرشاد الناس إلى وثيقة ميسَّرة لهم عند فقدان كاتب يكتب لهم الدين.\rوأما السنة: فروى البخاري ومسلم عن عائشة رضي الله عنها «أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم اشترى من يهودي طعاماً، ورهنه درعاً من حديد» (5) وعن أنس قال: «رهن رسول الله صلّى الله عليه وسلم درعاً عند يهودي بالمدينة، وأخذ منه شعيراً لأهله» (6) .\rوعن أبي هريرة عن النبي صلّى الله عليه وسلم أنه كان يقول: «الظهر يركب بنفقته إذا كان مرهوناً، ولبن الدر يشرب بنفقته إذا كان مرهوناً، وعلى الذي يركب ويشرب النفقة» (7) .\r-------------------------------\r(1) المغني: 326/4.\r(2) الشرح الصغير: 303/3 ومابعدها، 325.\r(3) رد المحتار: 340/5.\r(4) المغني: 327/4، المهذب: 305/1، البدائع: 135/6، بداية المجتهد: 271/2، القوانين الفقهية: ص 323، الإفصاح: 238/1، كشاف القناع: 307/3 ومابعدها.\r(5) انظر هذا الحديث ومايليه في نصب الراية: 319/4 وما بعدها، نيل الأوطار: 233/5 ومابعدها.\r(6) رواه أحمد والبخاري والنسائي وابن ماجه.\r(7) رواه الجماعة إلا مسلماً والنسائي (نيل الأوطار: 234/5).","part":6,"page":62},{"id":3658,"text":"وعن أبي هريرة أيضاً أن النبي صلّى الله عليه وسلم قال: «لا يَغْلَق الرهن من صاحبه الذي رهنه، له غنمه، وعليه غُرْمة» (5) وغلق الرهن: استحقاق المرتهن إياه، لعجز الراهن عن فكاكه، أي لا ينفك ملك الرهن عن صاحبه، ولا يستحقه المرتهن، إذا لم يفتكه في الوقت المشروط. وفي هذا رد على ما كان في الجاهلية، من أن المرتهن كان يتملك الرهن إذا لم يؤد الراهن إليه ما يستحقه في الوقت المعيّن، فأبطله الشارع. والحكمة من تشريع الرهن توثيق الديون، فكما أن الكفالة توثق الدين شخصياً، يوثق الرهن الدين مالياً، تسهيلاً للقروض. والرهن يفيد الدائن بإعطائه حق الامتياز أو الأفضيلة على سائر الدائنين الغرماء.\rوأما الإجماع فقد أجمع المسلمون على جواز الرهن.\rأما الكفالة أو الكتابة أو الإشهاد فلا تُحقق بنحو مؤكد مصلحة الدائن؛ لأن الرهن وثيقة بالدين في يد المرتهن مقابل حقه، ويتمكن من استيفاء دينه منه ببيعه بإذن القاضي أو بإذن مالكه الراهن. ويحقق الرهن أيضاً مصلحة الراهن بالحصول على الدين أي النقد، أو بتأجيل الثمن بدفع متاع يكون رهناً، فيكون الرهن محققاً مصلحة الطرفين.\r-------------------------------\r(1) رواه الشافعي والدارقطني، وقال: هذا إسناد حسن متصل.","part":6,"page":63},{"id":3659,"text":"وحكم الرهن التكليفي شرعاً: أنه جائز غير واجب بالاتفاق؛ لأنه وثيقة بالدين، فلم يجب، كما لم تجب الكفالة. وقوله تعالى: {فرهان مقبوضة} [البقرة:283/2] أمر إرشاد للمؤمنين، لا إيجاب عليهم، بدليل قوله تعالى عقبه: {فإن أمن بعضكم بعضاً فليؤد الذي اؤتمن أمانته} [البقرة:283/2]، ولأنه تعالى أمر به عند عدم وجود الكاتب، وبما أن الكتابة غير واجبة، بدليل: {فإن أمن...} [البقرة:283/2] فكذلك بدلها (1) .\rركن الرهن وعناصره :\rللرهن عناصر أربعة: هي الراهن، والمرتهن، والمرهون، والمرهون به. فالراهن: معطي الرهن، والمرتهن: آخذه، والمرهون أو الرهن: ما أعطي من المال وثيقة للدين، والمرهون به هو الدين.\rوركن الرهن عند الحنفية (2) : هو الإيجاب والقبول، من الراهن والمرتهن، كسائر العقود، ولكن لا يتم ولا يلزم إلا بالقبض أي التخلية أو النقل كأن يقول الراهن: رهنتك هذا الشيء بما لك علي من الدين، أو هذا الشيء رهن بدينك، ونحوه. ويقول المرتهن: ارتهنت أو قبلت، أو رضيت ونحوه. ولا يشترط لفظ «الرهن» فلو اشترى شيئاً بدراهم، وسلم إلى البائع شيئاً، وقال له: أمسكه، حتى أعطيك الثمن، انعقد الرهن؛لأن العبرة في العقود للمعاني.\rوقال غير الحنفية (3) : للرهن أركان أربعة: صيغة، وعاقد، ومرهون، ومرهون به.\rوهكذا الخلاف في قضية الركن بين الحنفية وغيرهم في كل العقود، فالركن عند الجمهور أوسع منه عند الحنفية، فإن الركن عند الحنفية: ما كان جزءاً من شيء، وتوقف وجوده عليه؛ لأن من الأجزاء ما يتوقف عليها الوجود، ومنها مالايتوقف عليها الوجود. أما الركن عند الجمهور: فهو ما توقف عليه وجود الشيء، ولا يمكن تصوره إلا به، سواء أكان جزءاً منه، أم لا. فالعاقد ركن، إذ لايتصور عقد بدون عاقد، وإن لم يكن جزءاً من العقد، أما العاقد عند الحنفية، فيعد من شروط العقد.\rأحوال الرهن: للرهن المتفق عليه أحوال ثلاثة (4) :\r-------------------------------\r(1) المغني: 327/4، كشاف القناع: 307/3.\r(2) البدائع: 135/6، الدر المختار: 340/5، تكملة الفتح: 189/8 ومابعدها، تبيين الحقائق: 63/6، اللباب شرح الكتاب: 54/2.\r(3) الشرح الصغير: 304/3 ومابعدها، مغني المحتاج: 121/2، كشاف القناع: 307/3 ومابعدها.\r(4) المغني: 327/4، مغني المحتاج: 127/2، المهذب: 305/1، كشاف القناع: 308/3، حاشية الدسوقي على الدردير: 245/3.","part":6,"page":64},{"id":3660,"text":"الأولى ـ أن يقع مع العقد المنشئ للدين: كأن يشترط البائع على المشتري بثمن مؤجل إلى المستقبل في مدة معينة تسليم رهن بالثمن. وهذا صحيح باتفاق المذاهب، لأن الحاجة داعية إليه.\rالثانية ـ أن يقع بعد الحق أو نشوء الدين: وهو صحيح أيضاً بالاتفاق؛ لأنه دين ثابت تدعو الحاجة إلى أخذ الوثيقة به، فجاز أخذها به كالضمان (الكفالة). وآية {فرهان مقبوضة} [البقرة:283/2] تشير إليه؛ لأن الرهن بدل عن الكتابة، والكتابة بعد وجوب الحق.\rالثالثة ـ أن يقع قبل نشوء الحق: مثل: رهنتك متاعي هذا بمئة تقرضنيها: يصح عند المالكية والحنفية؛ لأنه وثيقة بحق، فجاز عقدها قبل وجوبه، كالكفالة وهذا هو المعقول. ولا يصح عند الشافعية والحنابلة في ظاهر المذهب؛ لأن الوثيقة بالحق لا تلزم قبله، كالشهادة، ولأن الرهن تابع للحق، فلا يسبقه.\rالمبحث الثاني - شروط الرهن :\rللرهن شروط انعقاد، وشروط صحة، وشرط لزوم وهو القبض.\rالمطلب الأول ـ شروط العاقدين :\rيشترط في عاقدي الرهن (الراهن والمرتهن) ما يأتي (1) :\rالأهلية: الأهلية عند الحنفية والمالكية: هي أهلية البيع، فكل من يصح بيعه يصح رهنه؛لأن الرهن تصرف مالي كالبيع، فوجب أن يراعى في عاقديه ما يراعى\r-------------------------------\r(1) البدائع: 135/6، بداية المجتهد: 268/2، حاشية الشرقاوي: 123/2، كشاف القناع: 309/3، الشرح الكبير للدردير:231/3 ومابعدها، 292.","part":6,"page":65},{"id":3661,"text":"في عاقدي البيع. فيشترط في عاقدي الرهن: العقل أو التمييز، فلا يجوز الرهن والارتهان من المجنون والصبي غير المميز أو الذي لا يعقل.\rولا يشترط البلوغ، فيجوز الرهن من الصبي المأذون في التجارة؛ لأن ذلك من توابع التجارة. ويصح رهن الصبي المميز والسفيه، موقوفاً على إجازة وليه.\rوالأهلية عند الشافعية والحنابلة تتمثل في أهلية البيع والتبرع، فيصح الرهن ممن يصح بيعه وتبرعه؛ لأن الرهن تبرع غير واجب، فلا يصح من مستكره، ولا من صبي غير بالغ، ولا مجنون، ولا سفيه، ولا مفلس، ولا يصح من ولي أباً أو جداً أو وصي أو حاكم إلا لضرورة أو مصلحة ظاهرة للقاصر، مثال الضرورة: أن يرهن على ما يقترض لحاجة المؤنة (القوت)، ليوفي مما ينتظر من غلة، أو حلول دين، أو رواج متاع كاسد (بائر)، أو أن يرتهن ما يقرضه أو يبيعه مؤجلاً لضرورة نهب أو نحوه.\rومثال المصلحة (أو الغبطة) الظاهرة للقاصر: أن يرهن ما يساوي مئة على ثمن ما اشتراه بمئة نسيئة مؤجلة، وهو يساوي مئتين حالّتين. وأن يرتهن على ثمن ما يبيعه نسيئة بمصلحة ظاهرة.\rوإذا رهن الولي أو الوصي: فلا يرهن إلا من أمين غير خائن، موسر، وأن يشهد على الرهن، وأن يكون الأجل قصيراً عرفاً. فإن فقد شرط من هذه الشروط، لم يجز الرهن (1) . ولا يصح للولي أو الوصي أن يرهن مال موليه لدين عليهما لأجنبي، إذ ليس فيه مصلحة المولى عليه.\rوعبر الحنابلة عن هذا الحكم بشرطين: أن يكون عند ثقة، وأن يكون للقاصر\r-------------------------------\r(1) حاشية الشرقاوي: 123/2، مغني المحتاج: 122/2.","part":6,"page":66},{"id":3662,"text":"فيه حظ أي حاجة إلى نفقة أو كسوة أو إصلاح عقاره المتهدم أو رعاية بهائمه (1) . وللأب أن يرهن من نفسه لولده، ولنفسه من ولده، والجد كالأب عند الشافعية لوفور شفقتهما.\rرهن الولي والوصي مال الصغير عند الحنفية :\rهنا أمور ثلاثة: رهن مال الصغير بدين للصغير، أو بدين للولي، وموقف الصغير من الرهن بعد البلوغ (2) . وقد عرفنا قبله مباشرة حكم رهن مال القاصر عند غير الحنفية.\r1 ً - رهن مال الصغير أو المجنون بدين لهما :\rللولي أو الوصي أو القيم أن يرهن مال القاصر (صبي أو مجنون ونحوهما) لدين للقاصر استدين من أجل كسوته وطعامه، أو بسبب الاتجار في ماله؛ لأن الاستدانة جائزة للحاجة، والتجارة تثمير لمال القاصر، والرهن إيفاء للحق، فيجوز.\rوإذا كان الأب أو الجد هو الدائن للقاصر أو كان كل من الدائن والمدين تحت ولايته، جاز له أن يتولى طرفي العقد، فيكون راهناً بالنيابة عن موليه، ومرتهناً بالنسبة إلى نفسه، في الحالة الأولى. وراهناً عن أحد مولييه، ومرتهناً بالنسبة إلى الآخر، في الحالة الثانية، لأنه لوفور شفقته، نزل منزلة شخصين، وقامت عبارته مقام عبارتين، كما في بيعه مال القاصر لنفسه.\rولا يجوز ذلك للحاكم، ولا للوصي، لقصور شفقتهما بالنسبة للأب، ولأن كليهما وكيل محض، والأصل أن الشخص الواحد لا يتولى طرفي العقد، سواء في البيع أو الرهن ونحوهما.\r2 ً - رهن مال القاصر بدين للولي :\rالاستحسان عند أبي حنيفة ومحمد: يقتضي أن يجوز للأب أو الجد أو الوصي أن يرهن مال موليه بدين نفسه عند دائنه؛ لأن للولي أو الوصي إيداع مال موليه، والرهن أولى من الإيداع؛ لأن الوديع أمين لا يضمن إلا بالتعدي أو التقصير، والمرتهن يضمن الرهن إن هلك، ولو بلا تعدٍ ولا تقصير.\r-------------------------------\r(1) المغني: 359/4، كشاف القناع: 319/3.\r(2) تبيين الحقائق: 72/6 ومابعدها، تكملة الفتح: 209/8 ومابعدها، الدر المختار: 352/5، 364.","part":6,"page":67},{"id":3663,"text":"والقياس وهو رأي أبي يوسف وزفر: ألا يجوز للولي أو الوصي رهن مال القاصر بدين لهما؛ لأنهما لا يملكان إيفاء دينهما بأموال موليهما، وفي إقدامهما على رهن مال موليهما إيفاء لدينهما حكماً، فيمنع، كالإيفاء حقيقة.\rوإذا جاز الرهن عملاً بمقتضى الاستحسان، ثم هلك عند الدائن، يضمن الولي للمولى عليه الأقل من قيمة الرهن ومن الدين، دون زيادة عليه، أما الوصي فيضمن قيمة الرهن في جميع الأحوال؛ لأن للأب أو الجد أن ينتفع بمال الصغير، وليس للوصي الحق في الانتفاع.\rوللولي أباً أو جداً رهن ماله بدين عليه للصغير عند ولده الصغير، ويحبسه الولي لأجل الصغير، ولا يجوز هذا الرهن للوصي.\rكما يجوز للولي عكس المذكور: وهو أن يرهن عنده مال الصغير بدين عليه؛ لأنه لوفور شفقته جعل كشخصين، وتقوم عبارته مقام عبارتين أي عبارتي الإيجاب والقبول، كشرائه مال طفله. ولا يجوز هذا الرهن للوصي، لأنه وكيل محض، فلا يتولى طرفي العقد في رهن ولا بيع ونحوهما مما يتطلب وجود عاقدين في عقود ذات حقوق متباينة.\r3 ً - موقف الصغير من الرهن بعد البلوغ :\rإذا بلغ الصغير أو زال عارض الحجر، فوجد مالاً له مرهوناً، فليس له إبطال الرهن، أو استرداده حتى يقضى الدين؛ لأن تصرف الولي بالرهن وقع نافذاً لازماً، وصدر ممن له ولاية إصداره، سواء أكان الرهن بدين على الصغير، أم بدين على الولي نفسه، أم بدين عليهما معاً.\rفإن قضي الدين عن الولي نفسه من مال الصغير المرهون أو هلك المرهون قبل أن يفتكه الراهن، كان للصغير بعد بلوغه حق الرجوع طبعاً في مال الولي، والمطالبة بتسديد حقه؛ لأنه مضطر إلى إحياء ملكه، والمحافظة على حقوقه سواء أكان الولي حياً أم ميتاً، ويكون في هذه الحالة مثل من أعار متاعه لآخر، ليرهنه المستعير بدين عليه لشخص ثالث، فللمعير أن يفتك ـ عند الضرورة ـ رهنه، بدفع دين المستعير، ويرجع بما أوفى من الدين على المستعير.","part":6,"page":68},{"id":3664,"text":"تعدد أطراف الرهن :\rقد يتعدد الراهن أو المرتهن،كما لو رهن رجلان بدين عليهما رهناً عند آخر، أو يرهن رجل شيئاً بدين عليه عند رجلين، يصح الرهن في الحالتين لعدم الشيوع المانع من صحة الرهن عند الحنفية (1) ؛ لأنه في حالة تعدد الراهن يحصل قبض المرهون من المرتهن بدون إشاعة، فصار كرهن الواحد من الواحد، وفي حالة تعدد المرتهن أضيف الرهن إلى جميع العين المرهونة بصفقة واحدة، ومقتضى الرهن (أو موجبه) حبس المرهون بالدين، والحبس لا يتجزأ، فصار الرهن محبوساً بكل من المرتهنين.\rوذلك بخلاف هبة الواحد لاثنين لا تجوز عند أبي حنيفة؛ لأن المقصود من الهبة هو التملك، والشيء الواحد الموهوب لا يتصور كونه ملكاً لكل من الموهوب لهما على سبيل الكمال والاستقلال، فلا بد من قسمة الموهوب ليتصور تملك الموهوب له للموهوب.\rوأحكام الحالتين كما يأتي:\rفي حالة تعدد الراهنين: يصح الرهن بكل الدين، وللمرتهن حبس المرهون حتى يستوفي كل الدين من الراهنين. فإذا أدى أحد الراهنين ما عليه من الدين، لم يكن له أن يقبض شيئاً من الرهن؛ لأن فيه تفريق الصفقة على المرتهن في الإمساك. ويرى الشافعية أنه إذا وفى أحد الراهنين ما عليه من الدين، انفك من الرهن بمقدار نصيبه أو قسطه، ولا يبقى الشيء كله رهناً حتى يفك الراهن الآخر حصته.\rفي حالة تعدد المرتهنين: يعتبر المرهون كله أيضاً رهناً محبوساً عند كل واحد منهما بدينه، لحمل الراهن على وفاء الدين، ما دام الرهن قائماً. فإن قضى الراهن أحد المرتهنين دينه، كانت العين المرهونة كلها رهناً في يد الآخر، حتى يستوفي دينه؛ لأن العين كلها رهن في يد كل منهما بلا تفرق أو تجزئة.\r-------------------------------\r(1) تبيين الحقائق: 78/6 ومابعدها، الدر المختار ورد المحتار: 354/5 وما بعدها، تكملة الفتح: 218/8 وما بعدها، اللباب: 63/2 ومابعدها.","part":6,"page":69},{"id":3665,"text":"وكيفية حبس المرهون عند المرتهنين: هو أنه إذا كان المرهون مما يقبل التجزؤ، فعلى كل واحد من المرتهنين حبس النصف، فلو سلم أحدهما كل المرهون للآخر، ضمنه عند أبي حنيفة، خلافاً للصاحبين. وأما إذا كان المرهون مما لا يتجزأ، فيحبسه المرتهنان على طريق المهايأة (1) ، فإن تهايآ، كان كل واحد منهما في نَوْبته كالعَدْل في حق الآخر. ويرى الشافعية أنه إذا وفى الراهن دين أحد المرتهنين، انفك من المرهون قسطه الذي يقابله من الدين. أما إن تعددت العين المرهونة كرهن سيارتين مقابل دين مقداره مئتا ألف، ثم وفى المدين بعض الدين الذي يقابل إحدى السيارتين، فإن كان رهن السيارتين مقابل الدين بلا تفريق، لم يكن له الحق بقبض سيارة حتى يوفّي الدين كله. وإن كان رهن السيارتين مفرقاً بأن قال: كل سيارة بمئة ألف، كان له الحق بقبضها؛ لأن العقد صار في حكم عقدين حين عين حصة كل من المرهونين.\rوإذا هلك المرهون، صار كل واحد من المرتهنين مستوفياً حصة دينه من المرهون؛ لأن الاستيفاء يتجزأ. وفي حالة الهلاك هذه لو قضى الراهن دين أحدهما، استرد ما قضاه من الدين؛ لأن ارتهان كل منهما باق، حتى يعود الرهن إلى الراهن؛ لأن كل مرتهن كالعدل بالنسبة للمرتهن الآخر في حالة عدم قابلية تجزئة المرهون.\rالمطلب الثاني ـ شروط الصيغة :\rاشترط الحنفية (2) في صيغة الرهن ألا يكون معلقاً بشرط، ولا مضافاً إلى زمن مستقبل؛ لأن عقد الرهن يشبه عقد البيع من ناحية كونه سبيلاً إلى إيفاء الدين واستيفائه، فلا يقبل التعليق بشرط، والإضافة للمستقبل، وإذا علق الرهن أو أضيف، كان فاسداً كالبيع (3) .\r-------------------------------\r(1) المهايأة: أن يتفق الاثنان على أن يأخذ كل واحد منهما المرهون عنده مدة معلومة.\r(2) البدائع: 135/6.\r(3) الدر المختار: 374/5، 357، قال في الدر: الأجل في الرهن يفسده.","part":6,"page":70},{"id":3666,"text":"وإذا اقترن الرهن بالشرط الفاسد أو الباطل، صح الرهن، وبطل الشرط؛ لأن الرهن ليس من عقود المعاوضات المالية. جاء في الزيادات والبزازية: والرهن لا يبطل بالشروط الفاسدة؛ لأنه تبرع بمنزلة الهبة، إذ لا يستوجب الراهن على المرتهن شيئاً، بتمليكه حبس الرهن عنده.\rولكن جاء في البدائع (1) : أن الرهن تبطله الشروط الفاسدة كالبيع، بخلاف الهبة.\rوالأصح في تقديري هو رواية البزازية والزيادات؛ لأن الرهن ليس من المعاوضات، فيصح الرهن وإن سقط الدين بهلاكه، جاء في الهداية: الرهن عقد تبرع، لأنه لا يستوجب بمقابلته شيئاً على المرتهن (2) .\rوالشرط المشروط في الرهن عند غير الحنفية إما صحيح أو فاسد، والفاسد إما مفسد للعقد،وإما لاغٍ باطل وحده والعقد صحيح، على تفصيل فيما يأتي.\rقال الشافعية (3) : الشروط المشروطة في الرهن ثلاثة أنواع:\r1 - الشرط الصحيح: وهو أن يشترط في الرهن ما يقتضيه كتقدم وفاء المرتهن عند تزاحم الغرماء، ليستوفي منه دينه، مفضلاً على بقية الدائنين، أو أن يشرط فيه مصلحة للعقد ولا يترتب عليه جهالة، كالإشهاد به، فيصح العقد والشرط، كالبيع.\r2 - الشرط الباطل أو اللغو: وهو أن يشرط فيه مالا مصلحة فيه ولا غرض، كأن لا يأكل الحيوان المرهون كذا، فيبطل الشرط، ويصح العقد.\r-------------------------------\r(1) 140/6.\r(2) تكملة فتح القدير على شرح الهداية: 190/8.\r(3) مغني المحتاج: 121/2 ومابعدها، المهذب: 310/1-312، نهاية المحتاج: 254/3 ومابعدها.","part":6,"page":71},{"id":3667,"text":"3 - الشرط المفسد للعقد: وهو أن يشرط ما يضر المرتهن، كشرط ألا يبيعه بعد حلول أجل وفاء الدين إلا بعد شهر، أو ألا يباع بأكثر من ثمن المثل، أو أن يشرط ما يضر الراهن وينفع المرتهن، كشرط منفعة غير مقدرة بمدة للمرتهن ولا بأجر عليها، أو إعطاء المرتهن زوائد الرهن، فيبطل الشرط للجهل بها ولعدمها حين الاشتراط ولحديث: «كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل» (1) ، ويبطل العقد في الأظهر، لمخالفة الشرط مقتضى العقد، كالشرط الذي يضر المرتهن.\rوكذلك يفسد الشرط والعقد إذا شرط جعل زوائد الرهن كالصوف والثمرة والولد مرهونة؛ لأنها معدومة حين الاشتراط ومجهولة.\rوالظاهر أن الرهن يفسد أيضاً بتعليقه أو إضافته للمستقبل. وبه يتبين أن الشرط الفاسد: هو ما كان ضاراً بأحد العاقدين، أو كان فيه جهالة. والأظهر أنه متى فسد الشرط، فسد العقد.\rوقال المالكية (2) : يصح الشرط الذي لا يتنافى مع مقتضى العقد، ولا يؤول إلى حرام، أما ما يتنافى مع مقتضى العقد، فهو شرط فاسد، مبطل للرهن، كأن يشترط في الرهن أن يكون تحت يد الراهن، لا يقبضه المرتهن، أو ألا يباع المرهون في الدين عند حلول الأجل، أو ألا يباع الرهن إلا بما يرضى به الراهن من الثمن.\rوأما الشرط الحرام الممنوع الفاسخ للعقد: فهو أن يرهن الرجل رهناً، على أنه لو جاء بحقه عند أجله، وإلا فالرهن له، فهذا فاسخ للعقد، لقوله صلّى الله عليه وسلم : «لا يَغْلَقِ الرهن» (3) .\r-------------------------------\r(1) أخرجه الشيخان عن عائشة بلفظ: « ما كان من شرط ليس في كتاب الله ، فهو باطل، وإن كان مئة شرط، قضاء الله أحق، وشرط الله أوثق» (سبل السلام: 10/3).\r(2) الشرح الكبير: 240/3 ومابعدها، بداية المجتهد: 271/2.\r(3) سبق شرحه، والمعنى: أنه لا يستحقه المرتهن، إذ ا لم يستفكه صاحبه. وكان هذا من فعل الجاهلية: أن الراهن إذا لم يؤد ما عليه في الوقت المعين، ملك المرتهن الرهن، فأبطله الإسلام ( النهاية في غريب الحديث لابن الأثير: 379/3).","part":6,"page":72},{"id":3668,"text":"والخلاصة أن الشرط عند المالكية نوعان: صحيح وفاسد.\rومذهب الحنابلة (1) كالمالكية: قالوا: الشرط في الرهن نوعان: شرط صحيح، وشرط فاسد.\rالصحيح: ما كان فيه مصلحة للعقد، ولايتنافى مع مقتضاه، ولا يؤول إلى حرمة يكرهها الشرع، مثل أن يشترط في الرهن أن يكون عند عدل، أو عدلين، أو أكثر، أو أن يبيعه العدل عند حلول أجل الدين أو الحق.\rوالفاسد: هو ما ينافي مقتضى العقد، مثل ألا يباع الرهن عند حلول أجل الحق، أو لا يستوفى الدين من ثمنه، أولا يباع إذا ما خيف تلفه، أو أن يباع بأي ثمن كان، أو ألا يباع إلا بما يرضى به الراهن. فهذه كلها شروط فاسدة، لمنافاتها مقتضى عقد الرهن؛ لأنها شروط تحول دون الوفاء بالدين عادة، وذلك يتنافى مع الغرض المقصود من الرهن.\rومن الشروط الفاسدة: أن يشترط الخيار للراهن نفسه، أو ألا يكون الرهن لازماً في حقه، أو توقيت الرهن، أو أن يكون الرهن يوماً، ويوماً لا يكون، أو كون الرهن في يد الراهن، أوأن ينتفع به، أو أن ينتفع به المرتهن، أو يكون مضموناً عليه، أو أنه متى حل أجل الحق ولم يوفه الراهن، فالرهن للمرتهن بالدين أو فهو مبيع بالدين، ولا يصح الرهن معلقاً بشرط كالبيع، أي أنه فاسد.\rوهل يفسد الرهن بالشرط الفاسد عند الحنابلة؛ فيه آراء عندهم. قال القاضي أبو يعلى: يحتمل أن يفسد الرهن بهذا الاشتراط؛ لأن العاقد إنما بذل ملكه، ورضي بالرهن على هذا الشرط، فإذا لم يسلم له، لم يصح العقد لعدم الرضا به بدونه.\r-------------------------------\r(1) المغني: 381/4-383، كشاف القناع: 309/3.","part":6,"page":73},{"id":3669,"text":"وقيل: إن شرط الرهن مؤقتاً، أو رهنه يوماً، ويوماً لا، فسد الرهن، وإن شرط غيرذلك من الشروط الفاسدة، فعلى وجهين:\rقيل: يفسد الرهن، وقيل: لا يفسد، وأيد أبو الخطاب عدم فساده؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلم قال: «لا يغلق الرهن» وقد قاله في رهن شرط فيه شرط فاسد، ولم يحكم بفساده، ولأن الراهن قد رضي برهنه مع هذا الشرط، فمع بطلانه أولى أن يرضى به.\rوقيل: ما ينقص حق المرتهن يبطله وجهاً واحداً، وما لا، فعلى وجهين، والمعتمد عندهم كما جاء في مجلة الأحكام الشرعية (م962): « لايفسد عقد الرهن بفساد الشرط، وإنما يلغو الشرط فقط » .\rالمطلب الثالث ـ شروط المرهون به :\rالمرهون به: هو الحق الذي أعطي به الرهن.ويشترط فيه عند الحنفية ما يأتي:\rالشرط الأول ـ أن يكون حقاً واجب التسليم إلى صاحبه: لأنه إذا لم يكن واجب التسليم، فلا محل لأن يعطى به رهن لتوثيقه، إذ لا إلزام على المطالب بالحق حتى يستوجب التوثق به (1) .\rوعبر الحنفية عن هذا الشرط بقولهم: أن يكون ديناً مضموناً (2) ، أي أن يكون الدين واجب التسليم على الراهن، وعبارتنا أوضح؛ لأن الحق المرهون به: إما أن يكون ديناً، وإما أن يكون عيناً واجبة التسليم.\r-------------------------------\r(1) مذكرة بحث الرهن لأستاذنا الشيخ علي الخفيف: ص 45.\r(2) البدائع: 142/6 ومابعدها، تكملة فتح القدير: 196/8، 206 ومابعدها، تبيين الحقائق: 66/6، اللباب: 55/2 ومابعدها، الدر المختار: 350/5.\rومعنى كون الدين مضموناً: أن يكون متحققاً من حيث الظاهر، لا متحققاً في الواقع والباطن، فلو ادعى رجل على آخر حقاً من قرض مثلاً، ثم صالحه المدعى عليه على مبلغ معين أعطاه به رهناً، ثم تصادقا على أنه لم يكن حق، ولم يكن للمدعي على المدعى عليه شيء، ثم هلك الرهن في يد المرتهن (المدعي)، فإنه يهلك بالأقل من ثمنه، وما رهن به (البدائع: 144/6).","part":6,"page":74},{"id":3670,"text":"أولاً - إن كان ديناً، جاز الرهن به، أياً كان سبب هذا الدين، قرضاً أو بيعاً، أو إتلافاً أو غصباً؛ لأن الديون واجبة الوفاء، فكان الرهن بها رهناً بحق واجب التسليم إلى صاحبه.\rوسواء في هذا أن يكون الدين مما يجوز استبداله قبل قبضه، أو مما لا يجوز استبداله قبل قبضه، كرأس مال السلم، وبدل الصرف، والمسلم فيه. وهذا عند أئمة الحنفية الثلاثة.\rوقال زفر: لا يجوز الرهن بما لا يصح الاستبدال فيه قبل القبض؛ لأن سقوط الدين بهلاك الرهن إذا هلك، إنما يكون نتيجة لاستبداله بما وجب في ذمة المرتهن بذلك الهلاك، بمعنى أن عين الرهن صارت بدلاً عن الدين الذي رهنت به، واستبدال هذه الديون لا يصح، كما تبين في بحث السلم، فلو جاز الرهن بهذه الديون، لزم منه استبدال هذه الديون قبل قبضها، إذا هلك الرهن، وهو لا يجوز شرعاً.\rولا يقال في هذه الحال: إن سقوط الدين ، كان بطريق الاستيفاء؛ لأن الاستيفاء لايتحقق إلا عند اتحاد الرهن والدين جنساً، والغالب أن يكونا مختلفي الجنس. فيختص جواز الرهن بدين يمكن استبداله.\rودليل جمهور الحنفية: أن سقوط الدين دائماً عند هلاك الرهن، إنما هو بطريق الاستيفاء، لا بطريق الاستبدال. ويكفي في تحقق الاستيفاء وجود المجانسة في المالية، إذ أن الاستيفاء يتم بمالية الرهن، لا بصورته، والأموال كلها من ناحية المالية جنس واحد. وقد يسقط اعتبار المجانسة من حيث الصورة، ويكتفي بالمجانسة المالية للحاجة والضرورة، كما في إتلاف مالا مثل له من جنسه (1) ، وقد تحققت الحاجة والضرورة في الرهن، لحاجة الناس إلى توثيق ديونهم في جميع الأحوال (2) .\r-------------------------------\r(1) إذ لايعد هذا من قبيل المبادلة والمعاوضة، وإلا لتوقف على الرضا، وإنما يعد استيفاء، ولذا لايتوقف على رضا صاحب الحق.\r(2) وإذا هلك الرهن المعطى برأس مال السلم أو بدل الصرف في مجلس العقد، صح العقد، لأنه صار المسلم إليه مستوفياً عين حقه في المجلس. وإن هلك بعد انقضاء المجلس، بطل العقد، لعدم تحقق قبض رأس المال أو بدل الصرف في المجلس. وإذا كان الرهن بالمسلم فيه، فهلك عند رب السلم قبل الوفاء، فإنه يهلك بالأقل من قيمته ومن قيمة المسلم فيه. ولو تفاسخا السلم وهناك رهن بالمسلم فيه، يصير المرهون استحساناً رهناً برأس المال، لأنه بدل عن المسلم فيه. وحينئذ لو هلك الرهن بعد التفاسخ، فلا يهلك برأس المال، وإنما يهلك بالمسلم فيه، لأنه رهن به ابتداء، فيظل على هذا الحكم، وإن كان محبوساً بغيره ( تكملة الفتح: 207/8 ).","part":6,"page":75},{"id":3671,"text":"وأما غير الحنفية (1) : فروي عن الإمام أحمد روايتان في دين المسلم، رواية بالجواز، ورواية بعدم الجواز. وعلى الرواية الأولى: إذا كان الرهن بالمسلم فيه، ثم تقايلا السلم أو فسخ العقد، بطل الرهن، لزوال الدين الذي رهن به. وعلى المسلم إليه رد رأس مال السلم في الحال إلى رب السلم (المسلم).\rوقال مالك والشافعية: لا يجوز الرهن في بدل الصرف ورأس مال السلم المتعلق بالذمة؛ لأنه يشترط التقابض في مجلس العقد. ويجوز أخذ الرهن في المسلم فيه؛ لأنه دين، والآية أجازت الرهن في المداينة.\rثانياً ـ وإن كان المرهون به عيناً، ففيه تفصيل:\rإن كانت العين أمانة كالوديعة والعارية والمأجور ومال الشركة والمضاربة فلايجوز الرهن بها بالاتفاق؛ لأن قبض الرهن مضمون، فلا بد من أن يقابله مضمون، أي لا رهن إلا بمضمون، ليصبح القبض موصلاً إلى الاستيفاء.\r-------------------------------\r(1) بداية المجتهد: 269/1 ومابعدها، القوانين الفقهية: ص 323، مغني المحتاج: 127/2. المهذب: 305/1، المحرر في الفقه الحنبلي: 335/1.","part":6,"page":76},{"id":3672,"text":"وإن كانت العين مضمونة بنفسها: وهي التي يجب ضمان مثلها إن كان لها مثل، أو قيمتها إن لم يكن لها مثل كالمغصوب في يد الغاصب، والمقبوض على سوم الشراء، والمهر في يد الزوج، وبدل الخلع في يد الزوجة، وبدل الصلح عن دم العمد، فيجوز الرهن بها عند الحنفية، وللمرتهن أن يحبس الرهن حتى يسترد العين المرهون بها. وإن هلك الرهن في يد المرتهن قبل استرداد العين، وهي قائمة باقية، يقال للراهن: سلِّم العين إلى المرتهن، وخذ منه الأقل من قيمة الرهن، ومن قيمة العين؛ لأن المرهون مضمون بالأقل المذكور.\rوأجاز المالكية والحنابلة (1) كالحنفية كون المرهون به عيناً مضمونة بنفسها.\rوقال الشافعية (2) لا يصح الرهن بالعين التي هي أمانة أو مضمونة لاشتراطهم كون المرهون به ديناً؛ لأنه تعالى ذكر الرهن في المداينة، فلا يثبت في غيرها؛ ولأن هذه العين لا تستوفى من ثمن المرهون،وذلك مخالف لغرض الرهن عند البيع (3) .\rوأما إن كانت العين مضمونة بغيرها: كالمبيع في يد البائع، فإنه مضمون بغيره، وهو الثمن، فلو هلك المبيع في يد البائع، سقط الثمن عن المشتري، فلا يصح الرهن به، في رواية النوادر عن أبي حنيفة؛ لأن قبض الرهن قبض استيفاء، ولا يتحقق معنى الاستيفاء في المضمون بغيره، إذ لو هلك الرهن في يد المشتري، لا يصير مستوفياً شيئاً بهلاك الرهن.\r-------------------------------\r(1) بداية المجتهد: 270/1، كشاف القناع: 311/3 ، 4248.\r(2) مغني المحتاج: 126/2، نهاية المحتاج: 265/3، المهذب: 305/1.\r(3) وبناء عليه: يعرف بطلان ما جرت به عادة بعض الناس من كونه يقف كتاباً ويشرط ألا يعار، أو لا يخرج من مكان محبوس إلا برهن (البجيرمي على الخطيب: 59/3).","part":6,"page":77},{"id":3673,"text":"وفي ظاهر الرواية: إنه يصح الرهن بالمبيع قبل القبض؛ لأنه مضمون، وللمشتري أن يحبس المرهون حتى يقبض المبيع؛ لأن الاستيفاء المطلوب يتحقق من حيث المعنى؛ لأن المبيع قبل قبضه، إن لم يكن مضموناً بقيمته، مضمون بالثمن، ويعد سقوط الثمن عن المشتري بهلاك المبيع قبل تسليمه إليه، كالعوض عنه، فيصير المشتري مستوفياً مالية المبيع.\rوبناء على اشتراط كون المرهون به حقاً واجب التسليم إلى صاحبه يتفرع ما يأت:\r1 - الرهن على نقود بعينها: لو تزوج شخص امرأة على نقود بعينها، أو اشترى شيئاً بنقود بعينها، فأعطى بها رهناً، لم يجز الرهن عند أبي حنيفة وصاحبيه؛ لأن النقود لا تتعين بالتعيين، وجاز عند زفر؛ لأن النقود تتعين عنده بالتعيين.\r2 - الرهن بالدين الموعود به أو بما سيقرضه المرتهن للراهن: مقتضى هذا الشرط ألا يصح الرهن بالدين الموعود به، أو بما سيقرضه المرتهن للراهن؛ لأن الدين لا وجود له عند عقد الرهن، حتى يكون واجب التسليم.\rولكن الحنفية والمالكية: أجازوا الرهن بالدين الموعود به الذي سيقرض في المستقبل، استحساناً لحاجة الناس إليه (1) ، أما إذا ارتهن المرتهن بما يثبت له على الراهن في المستقبل بدون وعد فلا يجوز، ولا يصح الرهن عند الشافعية، والحنابلة في ظاهر المذهب (2) بما سيقرضه، أي بدين مستقبل؛لأنه ليس بحق ثابت في الذمة عند عقد الرهن، وقد شرع الرهن عند ثبوت الدين، لا عند الوعد به.\r-------------------------------\r(1) البدائع: 143/3، الدر المختار: 351/5، الشرح الكبير للدردير والدسوقي: 245/3.\r(2) مغني المحتاج: 127/2، المهذب: 305/1، المغني: 328/4.","part":6,"page":78},{"id":3674,"text":"3 - الرهن بالدَّرَك (1) : أي بما يدرك المبيع من استحقاق، كأن باع شخص شيئاً وقبض الثمن، وسلم المبيع إلى المشتري، فخاف المشتري الاستحقاق، فأخذ بالثمن من البائع رهناً قبل الدَّرَك: لا يجوز هذا الرهن وإن جاز ضمانه (كفالته) ؛ لأن استحقاق الشيء المبيع قد يتحقق وقد لا يتحقق ، فكان الرهن به رهناً بما لا يجب فيه التسليم حالاً، بل وبما لا وجود له في الحال، وربما في المستقبل.\rوأما الكفالة بالدرك فجائزة؛ لأن الكفالة التزام وضمان المطالبة، ويصح التزام الأفعال وضمانها في المستقبل، كالنذور. قال الحنفية: الرهن بالدرك باطل، والكفالة بالدرك جائزة (2) .\rأما الرهن فهو لاستيفاء الديون، وإذا لم يثبت الدين، فكيف يستوفى؟ فلا استيفاء قبل ثبوت الدين أو وجوبه، والاستيفاء فيه معنى المعاوضة، والمعاوضات والتمليكات لا يصح أن تضاف إلى المستقبل، لما في الإضافة من الخطر والغرر، والرهن بالدرك من هذا القبيل. فكأن الراهن البائع يقول للمرتهن المشتري: إن ظهر مستحق، فهذا الشيء رهن، تستوفي منه عوض الثمن.\rوالفرق بين حالة الدرك والدين الموعود: أن الأول معدوم، والثاني كالموجود أي على وشك الثبوت، وقد صحح الحنفية الثاني للحاجة، كما تقدم.\rالشرط الثاني ـ أن يمكن استيفاء الدين من المرهون به: فإن لم يمكن الاستيفاء منه، لم يصح الرهن؛ لأن الارتهان استيفاء، فإذا انتفى الاستيفاء، انتفى الرهن والغرض منه (3) . وعليه فلا يصح الرهن بما يأتي:\r-------------------------------\r(1) الدرك: هو رجوع المشتري بالثمن على البائع عند استحقاق المبيع (العناية على الهداية بهامش تكملة الفتح: 206/8).\r(2) تكملة الفتح: 206/8، البدائع: 143/6 ومابعدها، الدر المختار: 350/5.\r(3) البدائع: 143/6 ومابعدها، تكملة الفتح: 208/8، الدر المختار ورد المحتار: 351/5.","part":6,"page":79},{"id":3675,"text":"1 - القصاص بالنفس أو ما دونها، لا يجوز الرهن به؛ لأنه لا يمكن أو يتعذر استيفاء القصاص من المرهون. لكن يجوز الرهن بأرش (تعويض) الجناية؛ لأن استيفاء الأرش من الرهن ممكن.\r2 - الكفالة بالنفس أي إحضار شخص إلى مجلس القضاء ونحوه: لا يجوز الرهن بها؛ لأن المكفول به لا يحتمل استيفاؤه من الرهن. مثل أن يكفل زيد نفس خالد، على أنه إن لم يواف به إلى سنة، فعليه الألف الذي عليه. ثم قدم خالد رهناً بالمال إلى سنة، فالرهن باطل، لأنه لم يجب المال بعد على خالد، ولأن استيفاء المكفول به (وهو تسليم نفس من عليه الحق) من الرهن غير ممكن.\r3 - الشفعة: أي لا يجوز أخذ الرهن من المشتري الذي وجب عليه تسليم المبيع من أجل الشفعة، فلا يصح للشفيع أن يقول للمشتري: أعطني رهناً بالدار المشفوعة؛ لأن حق الشفعة لا يمكن استيفاؤه من الرهن، فلم يصح الرهن به. كما أن الشفعة ليست بمضمونة (واجبة التسليم) على المشتري، بدليل أنه لو هلك العقار المشفوع فيه، لا يجب عليه شيء.\r4 - أجرة على فعل محرم: كأجر النائحة أو المغنية، أو الراقصة، كأن استأجرها شخص، وأعطاها بالأجرة رهناً، لا يصح الرهن، لعدم صحة الإجارة، فلا تجب الأجرة، فكان الرهن بشيء غير مضمون لعدم مقابلته بشيء مضمون، فلم يصح الرهن.\rكما لا يصح الرهن بالمنفعة الثابتة في الذمة التي يلتزم بها الأجير المشترك، إذ لا يمكن استيفاء المنفعة من المال.\rالشرط الثالث ـ أن يكون الحق المرهون به معلوماً: فلا يصح الرهن بحق مجهول، فلو أعطاه رهناً بأحد دينين له، دون أن يعينه، لم يصح الرهن.","part":6,"page":80},{"id":3676,"text":"واشترط الشافعية والحنابلة (1) في المرهون به شروطاً ثلاثة :\r1ً - أن يكون ديناً ثابتاً واجباً كقرض وقيمة متلف، أو منفعة كالعمل في إجارة الذمة كالأجير المشترك الذي استؤجر لخياطة ثوب وبناء دار، وحمل معلوم إلى موضع معين، لإمكان استيفاء المنفعة ببيع المرهون وتحصيلها من ثمنه، فإذا لم يقم الأجير بفعل المنفعة المستأجر عليها، بيع الرهن، واستؤجر منه من يعمل العمل المأجور عليه، وذلك خلافاً للحنفية، أما إجارة العين فلا يصح الرهن بها، لتعذر استيفاء المرهون به من غيرالمعين، وإن بيع المرهون.\rويترتب على اشتراط الدين ألا يصح الرهن عند الشافعية بالأعيان المستعارة أو المغصوبة. وأجاز الحنابلة أخذ الرهن على عين مضمونة كالمغصوب والعاريّة، والمقبوض على سوم الشراء، والمقبوض بعقد فاسد، لأنهم قالوا: يصح الرهن بكل دين واجب أو مآله إلى الوجوب، كثمن في مدة الخيار.\rولا يصح عند الشافعية والحنابلة الرهن بدين لم يثبت بعد، وهو الدين الموعود به خلافاً للحنفية.\rولا فرق في الدين بين أن يكون مستقراً، كدين القرض، وثمن المبيع المقبوض، أوغير مستقر، كثمن المبيع قبل قبضه، والأجرة قبل الانتفاع في إجارة العين، والصداق قبل الدخول. أما الأجرة في إجارة الذمة فلا يصح الرهن بها لعدم لزومها في الذمة، إذ يلزم قبضها في مجلس العقد قبل التفرق، فهي كرأس مال السلم.\r2ً - أن يكون الدين لازماً في الحال أو آيلاً إلى اللزوم: فيصح الرهن بالثمن بعد لزوم البيع، كما يصح أثناء مدة الخيار قبل لزوم العقد؛ لأن العقد آيل إلى اللزوم بعد انتهاء مدة الخيار.\rولا يصح الرهن بدين أونجوم الكتابة، ولا بجعل الجعالة قبل الفراغ من العمل، لعدم لزوم الدين؛ لأن للعبد ا لمكاتب، أو المجعول له أن يفسخ العقد متى شاء، فيتنافى ذلك مع معنى الرهن: وهو التوثق.\r-------------------------------\r(1) نهاية المحتاج: 264/3، مغني المحتاج: 126/2 ومابعدها، البجيرمي على الخطيب: 60/3، كشاف القناع: 311/3.","part":6,"page":81},{"id":3677,"text":"3ً - أن يكون الدين معلوماً أو معيناً قدره وصفته للعاقدين: فلو جهلاه أو جهله أحدهما، أو رهن بأحد الدينين، لم يصح الرهن.\rوأما المالكية (1) فقالوا: يصح الرهن في المرهون فيه: وهو جميع الحقوق من بيع أو سلف أوغيرهما، إلا بدل الصرف ورأس مال السلم. واشترطوا في المرهون فيه أن يكون ديناً فلا يصح الرهن بالأمانة من وديعة أو مضاربة، وأن يكون في الذمة فلا يصح الرهن بالمعين ومنفعته (2) ، وأن يكون لازماً أو آيلاً للزوم، فلا يصح الرهن في نجوم الكتابة.\rالمطلب الرابع ـ شروط المال المرهون :\rالمرهون: مال حبس لدى المرتهن لاستيفاء الحق الذي رهن به. فإذا كان المرهون من جنس الحق، أخذ الحق منه، وإن كان من غير جنسه بيع واستوفي الحق من ثمنه، إن أدى البيع إلى الاستيفاء، كأن يكون الدين نقوداً (دنانير أو ليرات مثلاً) والمرهون من الأموال القيمية، وإلا كان الوفاء من طريق المعاوضة، كأن يكون الدين حنطة، والرهن نقوداً أو مالاً مثلياً من غير النقود.\r-------------------------------\r(1) القوانين الفقهية: ص 323، الشرح الكبير والدسوقي: 245/3.\r(2) مثال الرهن في شيء معين: أن يبيع شخص دابة معينة، ويأخذ المشتري من البائع رهناً على أنها إن استحقت أو ظهر بها عيب، أتى له بعينها من ذلك الرهن. ومثال منفعة المعين: أن يؤجر إنسان سيارة بعينها، على أن يدفع المستأجر رهناً فإن تلفت أو استحقت أتى له بعينها، ليستوفي العمل منها، وكل من المثالين مستحيل عقلاً فلا يجوز شرعاً، لكن يصح الرهن بقيمة العين أو قيمة المنفعة.","part":6,"page":82},{"id":3678,"text":"ولذا اتفق الفقهاء على أنه يشترط في المرهون ما يشترط في المبيع حتى يمكن بيعه، لاستيفاء الدين منه (1) .\rوطريقة البيع عند الحنفية تتم بإذن الحاكم إذا كان الراهن غائباً، لا يعرف موته ولا حياته. أما إن كان حاضراً، فيجبر على بيع المرهون، فإذا امتنع، باعه القاضي، أو نائبه، وأوفى المرتهن حقه (2) .\rوشروط المرهون عند الحنفية(3 ) : أن يكون مالاً متقوماً، معلوماً، مقدور التسليم، مقبوضاً، محازاً، فارغاً عما ليس بمرهون، منفصلاً، متميزاً عنه، عقاراً كان أو منقولاً، مثلياً كان أو قيمياً. وأشرح هذه الشروط تباعاً:\r1 ً - أن يكون المرهون قابلاً للبيع: وهو أن يكون موجوداً وقت العقد، مقدور التسليم، فلا يجوز رهن ما ليس بموجود عند العقد، ولا رهن ما يحتمل الوجود والعدم، كما لو رهن ما يثمر شجره هذا العام، أو ما تلد أغنامه هذه السنة، أورهن الطير الطائر، والحيوان الشارد، ونحوه، مما لا يتأتى استيفاء الدين منه ولا يمكن بيعه.\rرهن الثمر أو الزرع الأخضر قبل بدو صلاحه: هذا الشرط متفق عليه بين أغلب الفقهاء، فهو رأي الحنفية، والشافعية في الأظهر، وظاهر الروايات عند\r-------------------------------\r(1) المغني: 337/4.\r(2) رد المحتار: 357/5.\r(3) البدائع: 135/6-140، الدر المختار: 340/5، 348، 351، تكملة الفتح: 193/8، 208، اللباب: 54/2 ومابعدها، 57.","part":6,"page":83},{"id":3679,"text":"المالكية كما حقق الدسوقي، وفي وجه عند الحنابلة. فلا يجوز عندهم رهن الثمر قبل بدو صلاحه، ولا الزرع الأخضر من غير شرط القطع، لأنه لا يجوز بيعه، فلا يصح رهنه، كسائر ما لا يجوز بيعه (1) .\rوقال ابن القاسم وابن الماجشون المالكيان، والحنابلة في الأصح عندهم: يستثنى من قاعدة: «ما لا يصح بيعه لا يصح رهنه» : رهن الثمرة قبل بدو صلاحها من غير شرط القطع، ورهن الزر ع الأخضر بلا شرط القلع، ورهن الشارد والضال من الحيوان؛ لأن النهي عن البيع، إنما كان لعدم الأمن من العاهة أو للغرر والخطر، ولهذا أمر الشرع بوضع الجوائح، وهذا المعنى مفقود في الرهن؛ لأن الدين في ذمة المدين الراهن، والغرر أو الخطر قليل في الرهن، لأنه إذا تلف المرهون لا يضيع حق المرتهن من الدين، وإنما يعود الحق إلى ذمة الراهن. وإذا لم يتلف المرهون بأن أدرك الزرع، وأثمر الثمر، وعاد الضال، تحققت منفعة المرتهن، فيباع متى حل الحق، ويؤخر البيع متى اختار المرتهن. وعليه يجوز عند بعض المالكية، والحنابلة ارتهان ما لا يحل بيعه في وقت الارتهان، ولا يباع إلا إذا بدا صلاحه، وإن حل أجل الدين.\r2 ً - أن يكون مالاً: فلا يصح رهن ما ليس بمال، كالميتة، وصيد الحرم والإحرام، لأن هذا الصيد ميتة لا يحل تناوله.\rرهن المنفعة: ولا يصح أيضاً رهن المنفعة عند جمهور الفقهاء غير المالكية، كأن يرهن سكنى داره مدة شهر أو أكثر (2) لأنها عند الحنفية ليست بمال ، وعند غير\r-------------------------------\r(1) حاشية الدسوقي على الشرح الكبير: 233/3 ومابعدها، بداية المجتهد: 269/2، القوانين الفقهية: ص 323، المغني: 343/4، مغني المحتاج: 124/2، كشاف القناع: 315/3، المهذب: 309/1.\r(2) عبارة الحنابلة: لا يصح ذلك، لأن مقصود المرتهن استيفاء الدين من ثمن المرهون، والمنافع تهلك إلى حلول الحق (المغني: 350/4، كشاف القناع: 307/3).","part":6,"page":84},{"id":3680,"text":"الحنفية: ليست مقدورة التسليم، لأنها وقت العقد غير موجودة، ثم إذا وجدت فنيت (1) ، ووجد غيرها، فلا يكون لها استقرار ولا ثبوت، فلا يمكن تسليمها ولا وضع اليد عليها، ولا بقاؤها إلى حلول أجل الدين أو وقت الاستيفاء. لكن امتناع رهن المنفعة عند الشافعية هو في حالة الابتداء، فيجوز جعل المنفعة مرهوناً بلا إنشاء الرهن، كما لو مات الشخص عن المنفعة وعليه دين.\r3 ً - أن يكون متقوماً: أي يباح الانتفاع به شرعاً بحيث يمكن استيفاء الدين منه.\rرهن الخمر والخنزير: بناء على هذا الشرط: لا يصح للمسلم أن يرهن خمراً أو خنزيراً، ولا أن يرتهنهما من مسلم أو ذمي؛ لأن الرهن إيفاء الدين، والارتهان استيفاء، ولا يجوز للمسلم إيفاء الدين من الخمر ونحوه، ولا استيفاؤه.\rولو رهن المسلم خمراً ونحوه عند ذمي، لم يضمنها هذا للمسلم، كما لا يضمنها بالغصب منه لعدم ماليتها.\rولو كان الراهن للخمر هو الذمي عند مسلم، فعليه عند الحنفية ضمانها للذمي، كما يضمنها بالغصب منه؛ لأنها مال بالنسبة للذمي، والتقى الدينان حينئذ قصاصاً أو مقاصة.\rويصح لأهل الذمة رهن الخمر والخنزير، وارتهانهما بينهم؛ لأن كلاً منهما مال متقوم في حقهم، كالخل والشاة عندنا.\r4 ً - أن يكون معلوماً: كما يشترط في المبيع أن يكون معلوماً.\rرهن المجهول: وعليه فكل ما صح بيعه مع نوع من الجهالة، يصح رهنه، وما لا يصح بيعه للجهالة، لا يصح رهنه. والعلم المشترط في المبيع: هو ما يرتفع به النزاع، أو هو ما لا يقع منه نزاع في العادة.\r-------------------------------\r(1) عبارة الشافعية في ذلك هي: لا يصح رهن منفعة جزماً، لأن المنفعة تتلف فلا يحصل بها استيثاق (مغني المحتاج: 122/2، حاشية الباجوري: 124/2).","part":6,"page":85},{"id":3681,"text":"فلو قال الراهن: رهنتك هذا المنزل بما فيه، وقبل المرتهن، وتسلم المنزل، صح الرهن عند الحنفية، لصحة بيعه، على هذا الوضع. ولم يصح عند الشافعية والحنابلة (1) ، لعدم صحة بيعه على هذا الوضع، لجهالة ما يحويه.\rولو قال: رهنتك أحد هذين البيتين، صح عند الحنفية (2) ، لصحة بيعه على أن يكون للمرتهن خيار التعيين. ولم يصح عند الشافعية والحنابلة، لعدم التعيين (3) .\rولو دفع الراهن للمرتهن ثوبين، وقال له: خذ أيهما شئت رهناً بدينك، فأخذهما، لم يكن واحد منهما رهناً، قبل أن يختار أحدهما، لأنه إنما رهن ما يختاره المرتهن منهما، ففيما قبل الاختيار يكون المرهون غير معلوم، وبعده يكون معلوماً، فيصح الرهن.\rولو هلك الثوبان، ذهب نصف قيمة كل منهما بالدين، إن ساوى الدين قيمة أحدهما.\r5 ً - أن يكون مملوكاً للراهن: وهذا ليس شرطاً لجواز صحة الرهن، وإنما هو عند الحنفية والمالكية شرط لنفاذ الرهن، وبه يعرف حكم رهن مال الغير.\rفيجوز رهن مال الغير بغير إذن وإنما بولاية شرعية كالأب والوصي، يرهن مال الصبي بدينه، وبدين نفسه، ويجوز رهن مال الغير بإذنه، كالمستعار من إنسان ليرهنه بدين على المستعير. فإن لم يكن هناك إذن من المالك بالرهن، كان الرهن كالبيع موقوفاً على الإجازة، فإن أجاز نفذ، وإلا بطل.\r-------------------------------\r(1) المهذب: 309/1، 263، المغني:348/4، الدر المختار: 356/5، الشرح الكبير: 231/3.\r(2) الدر المختار: 356/5، 61/4، البدائع: 157/5.\r(3) المرجعان السابقان عند الشافعية والمغني ( المكان السابق ).","part":6,"page":86},{"id":3682,"text":"وقال الشافعية والحنابلة (1) : لا يصح رهن مال الغير بغير إذنه، لأنه لا يصح بيعه، ولا يقدر على تسليمه، ولا على بيعه في الدين، فلم يجز رهنه، كالطير الطائر، والحيوان الشارد. فإن رهن شيئاً يظنه لغيره، ثم تبين أنه لأبيه، وأنه قد مات، وصار ملكاً له بالميراث، صح الرهن عند الحنابلة وفي وجه عند الشافعية، إذ العبرة في المعاملات بما في نفس الأمر.\rوالمنصوص عند الشافعية: أن العقد باطل، لأنه عُقِد، والعاقد لاعب، فلم يصح.\rفإن استعار الراهن الشيء ليرهنه، جاز عن أئمة المذاهب اتفاقاً (2) ؛ لأنه بالاستعارة يقبض ملك غيره لينتفع به وحده من غير عوض. وهو شأن الإعارة، فهي جائزة لتحصيل منفعة واحدة من منافع العين المستعارة.\r6 ً - أن يكون مفرَّغاً أي غير مشغول بحق الراهن، فلا يصح رهن النخل المشغول بالثمرة بدون الثمر، ولا الأرض المشغولة بالزرع بدون الزرع، ولا الدار المشغول بأمتعة الراهن بدون الأمتعة ونحوها. أما رهن الشاغل كحمل السيارة ومتاع الدار، غيرالمتصل بالمشغول، فجائز رهنه.\r7 ً- أن يكون محوزاً (3) أي مجموعاً منفصلاً، لا متفرقاً متصلاً بغيره، فلا يجوز رهن الثمر على شجر بدون الشجر، والزرع في الأرض بدون الأرض، إذ لا يمكن حيازة الثمر أو الزرع بدون الشجر أو الأرض.\r8 ً - أن يكون متميزاً: أي غير مشاع، فلا يجوز رهن نصف دار أو ربع سيارة، ولو من الشريك.\r-------------------------------\r(1) المهذب: 308/1، كشاف القناع: 315/3.\r(2) بداية المجتهد: 269/2، تبيين الحقائق: 88/6.\r(3) المحوز: من الحوز: وهو الجمع وضم الشيء.","part":6,"page":87},{"id":3683,"text":"والسبب في اشتراط التفرغ، والحيازة، والتميز: هو أن القبض شرط لازم لاشرط صحة في الرهن، والقبض متعذر مع وجود هذه الموانع. فإذا قبض الرهن مفرغاً محوزاً متميزاً، تم العقد فيه ولزم، وما لم يقبضه المرتهن، فالراهن بالخيار: إن شاء سلمه، وإن شاء رجع عن الرهن، كما في الهبة: لأن الرهن كالهبة عقد تبرع غير لازم إلا بالقبض. وبه يظهر أن هذه الشروط الثلاثة هي في الواقع العناصر التي يتحقق بتوافرها قبض المرهون.\rالمطلب الخامس ـ شرط تمام الرهن ـ قبض المرهون :\rاتفق الفقهاء في الجملة على أن القبض شرط في الرهن، لقوله تعالى: {فرهان مقبوضة} [البقرة:283/2]، واختلفوا في تحديد نوع الشرط، هل هو شرط لزوم، أو شرط تمام؟ وفائدة الفرق: أن من قال: شرط لزوم، قال: ما لم يقع القبض، لم يلزم الراهن بالرهن، وله أن يرجع عن العقد. ومن قال: شرط تمام، قال: يلزم الرهن بالعقد، ويجبر الراهن على الإقباض، إلا أن يتراخى المرتهن عن المطالبة حتى يفلس الراهن أو يمرض أو يموت (1) .\r-------------------------------\r(1) بداية المجتهد: 270/1 ومابعدها.","part":6,"page":88},{"id":3684,"text":"1 - قال الجمهور غير المالكية (1) : القبض ليس شرط صحة وإنما هو شرط لزوم الرهن، فلا يلزم الرهن إلا بالقبض، فما لم يتم القبض يجوز للراهن أن يرجع عن العقد، وإذا سلمه الراهن للمرتهن وقبضه، لزم الرهن، ولم يجز للرهن أن يفسخه وحده بعد القبض.\rودليلهم قوله تعالى: {فرهان مقبوضة} [البقرة:283/2] فلو لزم بدون القبض، لم يكن للتقييد به فائدة فقد علقه سبحانه بالقبض فلا يتم إلا به، ولأن الرهن عقد تبرع أو إرفاق (أي نفع) يحتاج إلى القبول، فيحتاج إلى القبض ليكون دليلاً على إمضاء العقد وعدم الرجوع، فلا يلزم إلا بالقبض كالهبة والقرض.\r2 - وقال المالكية (2) : لا يتم الرهن إلا بالقبض أوا لحوز، فهو شرط تمام الرهن أي لكمال فائدته، وليس شرط صحة أو لزوم، فإذا عقد الرهن بالقول (الإيجاب والقبول) لزم العقد، وأجبر الراهن على إقباضه للمرتهن بالمطالبة به. فإن تراخى المرتهن في المطالبة به، أو رضي بتركه في يد الراهن، بطل الرهن.\rودليلهم: قياس الرهن على سائر العقود المالية اللازمة بالقول، لقوله تعالى: {أوفوا بالعقود} [المائدة:1/5] والرهن عقد فيجب الوفاء به. كما أن الرهن عقد توثق كالكفالة، فيلزم بمجرد العقد قبل القبض.\rوبناء على اشتراط القبض: لو تعاقد الراهن والمرتهن على أن يكون الرهن في يد الراهن، لم يصح الرهن. فلو هلك الرهن في يده لا يسقط الدين، ولو أراد\r-------------------------------\r(1) الدر المختار: 340/5 وما بعدها، البدائع: 137/6، اللباب: 54/2 ومابعدها، مغني المحتاج: 128/2، المهذب: 305/1 ومابعدها، كشاف القناع: 317/3، المغني: 328/4.\r(2) بداية المجتهد: 271/2، القوانين الفقهية: ص 323 ومابعدها، الشرح الصغير: 313/3.","part":6,"page":89},{"id":3685,"text":"المرتهن أن يقبضه من يد الراهن ليحبسه رهناً، ليس له قبضه، إذ لا يصير الرهن صحيحاً بعد فساده (1) .\rكيفية القبض أو ما يتحقق به القبض :\rاتفق الفقهاء على أن قبض العقار يكون بالتسليم الفعلي أو بالتخلية أي رفع المانع من القبض أو التمكن من إثبات اليد بارتفاع الموانع، فيُخلّى بين المرتهن والمرهون، ويمكن من إثبات يده عليه.\rأما قبض المنقول: ففي ظاهر الرواية عند الحنفية (2) : أنه يكتفى فيه بالتخلية، فإذا حصلت، صار الراهن مسلِّماً، والمرتهن قابضاً؛ لأن التخلية تعتبر إقباضاً في العرف والشرع، أما في العرف: فلأنه لا يكون في العقار إلا بها، فيقال: هذه الأرض أو الدار في يد فلان، فلا يفهم منه إلا التخلي: وهو التمكن من التصرف.\rوأما في الشرع: فإن التخلية تعتبر إقباضاً في البيع بالإجماع من غير نقل أو تحويل. وهذا الرأي هو المعقول تمشياً مع طبيعة التعامل وسرعته.\rوقال أبو يوسف: لا تكفي التخلية في المنقول، وإنما يشترط فيه النقل والتحويل، فما لم يوجد لا يصير المرتهن قابضاً؛ لأن القبض ورد مطلقاً في الآية: {فرهان مقبوضة} [البقرة:283/2] فينصرف إلى القبض الحقيقي، وهو لا يتحقق إلا بالنقل، أما التخلية فالذي يتحقق بها قبض حكمي، فلا يكتفى فيه. ثم إن قبض الرهـ*ن يترتب عليه إنشاء ضمان على المرتهن لم يكن ثابتاً قبل العقد، فلا\r-------------------------------\r(1) مغني المحتاج: 128/2، المغني: 328/4، كشاف القناع: 318/3.\r(2) البدائع: 138/6، بداية المجتهد: 269/2، مغني المحتاج: 128/2، المغني: 232/4، المهذب: 305/1 ومابعدها.","part":6,"page":90},{"id":3686,"text":"بد فيه من تمام النقل بالقبض ليحدث الضمان، كالشأن في الغصب،بخلاف البيع، فإن الذي يترتب عليه إنما هو نقل الضمان من البائع للمشتري، فيكتفى فيه بالتخلية. لكن يلاحظ أن هذا الفرق بين الرهن والبيع لا تأثير له.\rويتفق الشافعية والحنابلة (1) مع أبي يوسف: فإنهم قالوا: المراد بالقبض هو القبض المعهود في البيع، فقبض الرهن كقبض البيع، فإن كان عقاراً أو مما لا ينقل كالدور والأرضين، يكون قبضه بالتخلية أي التخلية من الراهن بين المرهون والمرتهن من غير حائل. وذلك ينطبق على الثمر على الشجر والزرع في الأرض وإن كان منقولاً، فقبضه يكون بنقله أو تناوله، أي أخذه إياه من راهنه فعلاً.\rفإن كان كالحلي فيتم قبضه بنقله، وإن كان كالدراهم والثوب، فيتم نقله بتناوله، وإن كان مكيلاً أوموزوناً، فقبضه يكون بكيله أو وزنه. وإن كان مذروعاً، فقبضه بذرعه، وإن كان معدوداً فقبضه بعدّه. ويعتبر العرف المتعارف في المذكور كله.\rالرهن الرسمي للعقار أو ما ينوب مناب القبض: الظاهر أن المقصود من قبض الرهن هو تأمين الدائن المرتهن، وإلقاء الثقة والطمأنينة لديه، بتمكينه من حبس المرهون تحت يده، حتى يستوفي منه دينه، وليس المقصود من اشتراط القبض هو التعبد أي تنفيذ المطلوب بدون معنى.\rوقياساً عليه: يصح أن يقوم مقام القبض كل وسيلة تؤدي إلى تأمين الدائن، ومنها ما أحدثه القانون المدني من الرهن الرسمي في العقار بوضع إشارة الرهن في صحيفة العقار في دائرة التسجيل العقاري، فهو محقق لحفظ المرهون وبقائه ضماناً\rللدائن، وتأميناً لمصلحته، فيقوم هذا مقام القبض المطلوب شرعاً. وهذا ما أقره المالكية من جواز الرهن الرسمي، بالإضافة لمشروعية الرهن الحيازي المتفق عليه بين الفقهاء.\rشروط القبض :\rيشترط لصحة القبض ما يأتي:\rأولاً ـ أن يكون بإذن الراهن: اتفق الفقهاء (2) على أنه لا بد لصحة القبض من إذن الراهن بالقبض، إذ به يلزم الرهن، ويسقط حق الراهن في الرجوع عن الرهن. فإن تعدى المرتهن، فقبضه بغير إذن، لم يثبت حكمه وكان بمنزلة من لم يقبض رهناً. وإن أذن الراهن في القبض، ثم رجع عن الإذن قبل القبض، زال حكم الإذن. أما رجوعه بعد القبض فلا يؤثر.\rوإذا قبض المرتهن شيئاً بغصب، ثم أقره المغصوب منه في يده رهناً، فقال مالك: يصح أن ينقل ا لشيء من ضمان الغصب إلى ضمان الرهن، فيجعل المغصوب منه الشيء المغصوب رهناً في يد الغاصب قبل قبضه منه.\rوقال الشافعي: لا يجوز، بل يبقى على ضمان الغصب، حتى يعود إلى الراهن ثم يأذن بقبضه ولايبرأالغاصب على الضمان بارتهان المغصوب منه.\rوالإذن نوعان: صريح، ودلالة.\rالصريح: أن يقول الراهن: أذنت لك في القبض، أو رضيت به، أو يأمر\r-------------------------------\r(1) مغني المحتاج: 128/2، المغني: 328/4، كشاف القناع: 318/3.\r(2) البدائع: 138/6، بداية المجتهد: 269/2، مغني المحتاج: 128/2، المغني: 332/4، المهذب: 305/1 ومابعدها.","part":6,"page":91},{"id":3687,"text":"المرتهن بقبض الرهن بأن يقول له: اقبض، ونحوه، سواء تم القبض في مجلس العقد، أم بعده.\rوالإذن دلالة أو ضمناً: أن يقبض المرتهن المال المرهون في مجلس العقد، والراهن ساكت، لا يعترض، فيصح قبضه؛ لأن الإيجاب بالرهن يدل على إرادة ترتب الأثر على العقد، ولا يترتب إلا بالقبض، فكان الإيجاب إذناً بالقبض ضمناً، في مجلس العقد، لا بعده، إذ قد يتغير رأيه بعد انتهاء المجلس.\rوقياس قول زفر في ا لهبة: أنه لا بد من الإذن بالقبض صراحة، ولا يجوز القبض بعد الافتراق من مجلس عقد الرهن؛ لأن القبض ركن في نظره.\rثانياً ـ أن يكون كل من عاقدي الرهن حين القبض أهلاً للعقد: بأن يكون عاقلاً بالغاً، غير محجور عليه لصغر، أو جنون أو سفه، أو فلس عند مجيزي الحجر على المفلس؛ لأن القبض هو المولد لآثار الرهن، فوجب فيه ما يجب للعقد.وهذا رأي الشافعية والحنابلة، وصرح الحنفية بأن الصبي المأذون يجوز له الرهن والارتهان؛ لأن الرهن من توابع التجارة، فيملكه من يملك التجارة، أي أن البلوغ ليس بشرط في العقد والقبض، والمالكية مثلهم (1) .\rفإن جن أحد العاقدين بعد العقد، وقبل القبض، أو عته، أو مات، بطل العقد عند الحنفية لزوال أهلية العاقد قبل تمام العقد.\rوقال الشافعية في الأصح والحنابلة: لا يبطل الرهن،كالبيع الذي فيه الخيار، ويقوم ولي المجنون أو المعتوه مقامه، كما يقوم الوارث مقام الميت المورث، وكذلك\r-------------------------------\r(1) البدائع: 135/6، 141، بداية المجتهد: 268/2، 271، مغني المحتاج: 122/2، 129، المغني: 328/4 وما بعدها، الشرح الصغير: 316/3، كشاف القناع: 319/3، الشرح الكبير للدردير، 241/3، المهذب: 307/1.","part":6,"page":92},{"id":3688,"text":"يقوم القيم على السفيه مقامه لو حجر عليه لسفه، أما إن حجر عليه لفلس لم يكن له تسليم الرهن. وإن أغمي عليه، لم يكن للمرتهن قبض الرهن.\rوقال المالكية: يبطل الرهن بموت الراهن أو جنونه أو إفلاسه، أو مرضه المتصل بموته قبل القبض. ولا يبطل بموت المرتهن، أو تفليسه، أو الحجر عليه للجنون؛ لأن العقد تم بالقول، وفي إمضائه منفعة ظاهرة للمرتهن، فيقوم وارثه مقامه في القبض.\rوإذا مرض الراهن مرض الموت قبل القبض، لم يجز له عند الحنفية إقباض أو تسليم المرهون، إذا كان ماله مستغرقاً بالدين، وله غرماء آخرون، إذ ليس له أن يوفي بعض الغرماء ديونهم دون بعض، لتعلق حقوقهم جميعاً حينئذ بماله، إلا إذا رضي سائر الغرماء.\rوهذا موافق لرأي المالكية أيضاً كما تقدم.\rوقال الشافعية في الأصح، والحنابلة في قول: للمريض أن يخص بعض غرمائه بالوفاء، ولو أحاط الدين بماله؛ لأنه يؤدي ما وجب عليه، فله إقباض الرهن. وقيل في المذهبين: ليس له تسليم الرهن.\rثالثاً ـ استدامة قبض الرهن: يشترط لصحة القبض عند الحنفية والمالكية والحنابلة (1) دوام القبض، فإن قبض الرهن، ثم رده المرتهن باختياره إلى الراهن أو عاد إليه بإعارة أو إيداع أو إجازة أو استخدام أو ركوب دابة أو سيارة، بطل الرهن عند المالكية ولم يبطل عند الحنفية، وإنما يخرج من ضمان المرتهن، وللمرتهن أن يسترجعه إلى يده، وزال لزوم الرهن وبقي العقد كأن لم يوجد فيه قبض عند\r-------------------------------\r(1) البدائع: 142/6، بداية المجتهد: 271/2 ومابعدها، الشرح الكبير للدردير والدسوقي: 241/3 وما بعدها، 243، القوانين الفقهية: ص 324، المغني: 331/4، تكملة فتح القدير 228/8.","part":6,"page":93},{"id":3689,"text":"الحنابلة، فإن عاد الراهن فرده إلى المرتهن، عاد اللزوم عند الحنابلة بحكم العقد السابق. وعند الحنفية والمالكية: لا يعود الرهن إلا بعقد جديد.\rودليلهم عموم قوله تعالى: {فرهان مقبوضة} [البقرة:283/2] الذي يفهم منه اشتراط وجود القبض واستدامته.\rوقال الشافعية (1) : ليس استدامة القبض فيما يمكن الانتفاع به مع بقائه من شروط صحة القبض، فلا يمنع القبض إعارة المرهون للراهن، أو أخذ الراهن المرهون بإذن المرتهن، واستعماله للركوب والسكنى والاستخدام، ويبقى وثيقة بالدين، لخبر الدارقطني والحاكم: «الرهن مركوب ومحلوب» وخبر البخاري «الظهر يركب بنفقته إذا كان مرهوناً» ، ولأن الرهن عقد يعتبر القبض في ابتدائه، فلم يشترط استدامته كالهبة.\rوأما إذا كان المرهون مما لا يمكن الانتفاع به إلا باستهلاكه، لم يكن للراهن طلب استرداده للانتفاع به بعد قبضه، ووجب استمرار يد المرتهن عليه؛ إذ لا ضمان لحقه إلا بذلك، حتى لا يتعرض حقه للضياع والتلف.\rالقبض السابق للرهن، أو رهن ما في يد المرتهن :\rإذا كان المرهون موجوداً في يد المرتهن بطريق الإعارة أو الإيداع أو الإجارة أو الغصب، فهل يكتفى بالقبض السابق على عقد الرهن عن قبض الرهن بعده، فيصح العقد ويلزم بمجرد الإيجاب والقبول، أو يلزم تجديد القبض المطلوب للرهن بعد العقد مرة أخرى؟\rفيه رأيان: رأي الجمهور ورأي الشافعية:\r-------------------------------\r(1) المهذب: 311/1، مغني المحتاج: 130/2، 131، 132.","part":6,"page":94},{"id":3690,"text":"1 - قول الجمهور: يرى الحنفية والمالكية والحنابلة (1) : أنه يكتفى بالقبض السابق عن قبض الرهن، ولا حاجة لتجديد القبض.\rأما الحنفية فقرروا بالمناسبة مبدءاً ينطبق على الهبة والرهن ونحوهما. فقالوا: إن المرهون إذا كان مقبوضاً عند العقد، فينوب عن قبض الرهن إذا تجانس القبضان، بأن كان كل منهما مماثلاً للآخر في قوته، وإذا اختلفا ناب الأعلى عن الأدنى.\rوتوضيحه أن القبض كما تبين في الهبة نوعان: قبض أمانة، وقبض ضمان. فقبض الأمانة كقبض الوديعة. وقبض الضمان كقبض الغصب، والثاني أقوى من الأول.\rفإذا تجانس القبضان: السابق واللاحق المطلوب، أي أنهما كانا من نوع واحد، بأن كان كلاهما قبض أمانة أو قبض ضمان، قام القبض الأول مقام القبض الثاني المطلوب. وقبض الرهن قبض أمانة (2) ، وليس هناك حالة يكون فيها القبض أدنى من قبض الرهن.\rفلو كان المال موجوداً بيد الدائن سابقاً على سبيل الإيداع أو الإعارة أو الإجارة ثم رهنه الراهن لدى الدائن، لزم الرهن، دون حاجة لتجديد قبض آخر؛ لأن قبض الوديعة ونحوه وقبض الرهن متجانساً، فكل منهما قبض أمانة، فينوب أحدهما مناب الآخر.\rولو كان المال موجوداً بيد الدائن سابقاً بطريق الغصب، فرهنه صاحبه لدى الغاصب بسبب علاقة دين من بيع أو قرض، ناب قبض الغصب؛ لأنه قبض ضمان أقوى، عن قبض الرهن؛ لأنه قبض أمانة أدنى، والأعلى ينوب مناب الأدنى، أو الأقوى ينوب مناب الأضعف.\r-------------------------------\r(1) البدائع: 142/6، 126/5 وما بعدها، الشرح الكبير للدردير: 236/3، المغني: 334/4، الشرح الصغير: 309/3، بداية المجتهد: 269/2.\r(2) أما أن الدين يسقط كله أو بعضه بهلاك المرهون فلمعنى آخر: هو أن مالية المرهون تعتبر محبوسة لدى الدائن ضماناً لحقه ووفاء له من وجه،بوضع يده على قيمة المرهون أو على بعضها، فإذا هلك امتنع رد مالية المرهون إلى مالكه، فيتقرر بذلك استيفاء دينه من المرهون، فيسقط من الدين بقدر مالية المرهون. وعليه فإن ما يزيد من الرهن على الدين يهلك هلاك الأمانات،لأنه ليس محبوساًعلى وجه الاستيفاء.","part":6,"page":95},{"id":3691,"text":"وأما المالكية: فينوب عندهم أيضاً أي قبض سابق عن قبض الرهن؛ لأن غرضهم من القبض هو الحيازة، وهي متحققة. وقد نصوا على أنه يجوز رهن العين المستأجرة عند مستأجرها قبل انتهاء مدة الإجارة، ورهن البستان عند العامل فيه بعقد المساقاة، ويكفي حوزها السابق بالإجارة والمساقاة.\rوأما الحنابلة فقالوا أيضاً: إذا ارتهن المرتهن ما في يده بطريق الإعارة أو الإيداع أو الغصب ونحوه، صح الرهن، ولزم بالإيجاب والقبول، من غير حاجة إلى أمر زائد عليهما، لثبوت يده حينئذ على المال المرهون، ولم يشترط القبض إلا لإثبات اليد.\r2 - وقال الشافعية والقاضي أبو يعلى من الحنابلة (1) : يكفي القبض السابق، لكن لا يصير الشيء رهناً مقبوضاً حتى تمضي مدة يتأتى فيها قبضه . فإن كان منقولاً، فبمضي مدة يمكن نقله فيها، وإن كان مكيلاً فبمضي مدة يمكن اكتياله فيها، وإن كان غير منقول فبمضي مدة التخلية. وإن كان غائباً عن المرتهن، لم يصر مقبوضاً حتى يوافيه هو أو وكيله، ثم تمضي مدة يمكن قبضه فيها؛ لأن العقد يفتقر إلى القبض، والقبض إنما يحصل بفعله أو بإمكانه، وهو لا يكون إلا في زمن.\rوالجمهور يقولون: إذا كانت يد المرتهن على المال المرهون قبل رهنه يد ضمان، فإنها تنقلب يد أمانة بارتهانه؛ لأن السبب المقتضي للضمان قد زال بالارتهان، فيزول أثره وهو الضمان بزوال سببه، بدليل أن الضمان يزول برد المال إلى مالكه لزوال السبب المقتضي للضمان، وسبب الضمان هو الغصب أو الاستعارة عند من يقول بأن يد المستعير يد ضمان، وهم الحنابلة، والشافعية أحياناً.\r-------------------------------\r(1) المهذب: 306/1، المغني: 334/4، مغني المحتاج: 128/2.","part":6,"page":96},{"id":3692,"text":"وبارتهان المال لم يبق المرتهن غاصباً ولا مستعيراً، فلا يبقى الحكم مع زوال سببه.وقال الشافعية: تظل اليد السابقة إذا كانت يد ضمان كما هي. فإذا كان المال المرهون في يد المرتهن بطريق اغتصابه أو إعارته، لا يبرئه ارتهانه عن الغصب (1) ، أو الإعارة، لأنه لا منافاة بين الأمرين، فلا منافاة بين يد الغرض منها التوثق وهي يد المرتهن ـ يد الأمانة، وبين اعتبارها ضامنة، بدليل أن المرتهن لو تعدى على المرهون، ضمنه، مع بقاء الرهن، بدليل اختصاصه بضمانه دون باقي الغرماء. وإذا كان عقد الرهن لا يبطل أو لا يرتفع بالضمان، بل يبقى معه، فلا يرفع الضمان الرهن ابتداء من طريق أولى.\rلكن إيداع الشيء عند الغاصب يبرئه عن الغصب في الأصح؛ لأن الإيداع ائتمان، وهو ينافي الضمان، بدليل أنه لو تعدى في الوديعة لم يبق أميناً، بخلاف الرهن.\r-------------------------------\r(1) وإذا كان الارتهان لا يبرئ الغاصب من الغصب، فلو أبرأ المالك غاصباً من ضمان المغصوب الباقي، لم يبرأ، لأن الأعيان لايبرأ منها، إذ الإبراء إسقاط ما في الذمة أو تمليكه، وكذا لو أبرأه عن ضمان ما يثبت في ذمته بعد تلفه، لأنه إبراء عما لم يجب. وكذلك لو أجره المغصوب، أو ضاربه به، أو وكله في التصرف فيه، لم يبرأ، كالارتهان.","part":6,"page":97},{"id":3693,"text":"من يتولى قبض الرهن :\rيتولى قبض الرهن المرتهن أو وكيله. ولا يصح أن يكون وكيله هو الراهن؛ لأن المقصود من القبض تأمين المرتهن، ولا يتم مع بقاء الرهن في يد الراهن.\rويجوز أن يتفق الراهن والمرتهن على أن يوضع الرهن عند شخص يختارانه، فيقبضه ويحفظه عنده، ويسمى بالعدل، لأن الراهن قد يكره وضعه عند المرتهن، والمرتهن قد يكره وضعه عنده، خوف الضمان إذا تلف، أو لسبب آخر (1) .\rالعدل ـ تعيينه، عزله، ما له وما عليه أو أحكامه.\rتعيين العدل: العدل: هو الذي يثق الراهن والمرتهن بكون الرهن في يده (2) ، لحفظه وحيازته. ويعتبر نائباً عن الراهن والمرتهن جميعاً. أما الراهن فلقيامه على حفظ المرهون باختيار الراهن وثقته به واطمئنانه إلى أمانته. وأما المرتهن فيعد العدل وكيلاً عنه في القبض، برضا المرتهن، بل إنه يعد احتباسه للرهن استيفاء للدين من وجه.\rفللعدل أو الأمين صفتان: صفة الأمانة، باعتباره نائباً عن الراهن المالك، فهو وديعة في عين المرهون. وصفة الضمان، باعتباره نائباً عن المرتهن، فهو وديعة في مالية المرهون.\rوبما أن العدل وكيل عن الراهن والمرتهن، فيشترط فيه ما يشترط في الوكيل (3) ، فلا يكون صغيراً غير مميز، ولا محجوراً عليه لجنون أو عته عند جميع الفقهاء، كما لا يكون صبياً مميزاً ولا محجوراً عليه لسفه عند الجمهور غير الحنفية.\r-------------------------------\r(1) الشرح الصغير: 321/3.\r(2) حاشية الشلبي على تبيين الحقائق: 80/6.\r(3) البدائع: 150/6، المغني: 351/4، مغني المحتاج: 133/2.","part":6,"page":98},{"id":3694,"text":"ولا يصلح المدين المكفول عنه أن يكون عدلاً في رهن يقدمه كفيله؛ لأنه يكون عاملاً لنفسه، والشريك لا يصلح عدلاً في رهن يقدمه شريكه، ورب المال في المضاربة لايصلح أن يكون عدلاً في رهن يقدمه المضارب في دين للمضاربة؛ لأن يده كيد المضارب.\rولو اتفق عاقدا الرهن على أن يكون العدل هو الراهن: فإن كان الاتفاق قبل قبض المرتهن، لم يصح الرهن اتفاقاً لوجود شرط فاسد لحق العقد. وإن كان الاتفاق بعد قبض المرتهن الرهن، فهو جائز عند الشافعية (1) ، إذ لا يشترط عندهم استدامة قبض الرهن لدى المرتهن، ولا يصح الرهن عند غير الشافعية.\rويحصل تعيين العدل باتفاق الراهن والمرتهن، سواء قبل أن يقبضه المرتهن، أو بعد قبض المرتهن، إذ قد تدعو الحاجة إليه، كأن يأبى الراهن أن يكون الرهن في يد الدائن؛ لأنه لا يثق به، أو لا يطمئن إلى حفظه، أو يخشى عليه منه، وهو في حاجة إليه.\rوإذا قبض العدل الرهن، صح قبضه، ولزم الرهن به عند جمهور الفقهاء؛ لأنه قبض في عقد، فجاز فيه التوكيل، كسائر أنواع القبض، وكان العدل وكيلاً عن المرتهن في القبض، بالنسبة لمالية الرهن بصفة الضمان، وإن كان وكيلاً أيضاً عن الراهن بالنسبة لعين الرهن، بصفة الأمانة، ويد الضمان غير يد الأمانة.\rوقال بعضهم كابن أبي ليلى وزفر وقتادة: لا يصح قبض العدل؛ لأن القبض من تمام العقد، فوجب أن يقوم به أحد العاقدين، وهو المرتهن، كالقبول والإيجاب (2) .\r-------------------------------\r(1) مغني المحتاج: 133/2 وما بعدها.\r(2) المغني: 351/4، مغني المحتاج: 133/2، المهذب: 310/1، تكملة الفتح: 220/8، تبيين الحقائق: 80/6، الد المختار: 357/5، الشرح الصغير: 321/3.","part":6,"page":99},{"id":3695,"text":"ويجوز لعاقدي الرهن أن يجعلا المرهون في يد عدلين، فيحفظانه معاً، ولا ينفرد أحدهما بحفظه، وإن سلمه أحدهما إلى الآخر، كان ضامناً لنصفه: وهو القدر الذي تعدى فيه، وهذا عند الحنابلة، والأصح عند الشافعية (1) ؛ لأن المتراهنين لم يرضيا إلا بحفظهما، فلم يجز لأحدهما الانفراد بالحفظ، ويجعلانه في مخزن لكل واحد منهما مفتاح.\rوقال أبو حنيفة: إن كان مما ينقسم اقتسماه، وإلا فلكل واحد منهما إمساك جميعه؛ لأن اجتماعهما على حفظه يشق عليهما.\rوقال الصاحبان: إذا رضي أحدهما بإمساك الآخر، جاز.\rعزل العدل: ينعزل العدل في الأحوال التالية (2) :\r1ً - الاستقالة: إذا استقال العدل، ورد الرهن إلى العاقدين، انتهت وكالته، لأنه أمين متطوع بالحفظ. فلا يلزمه الاستمرار عليه. فإن امتنعا رفع أمره إلى القاضي، فأجبرهما على قبول استقالته، أو دفعه إلى عدل آخر.\r2ً - إنهاء ولايته: إذا اتفق العاقدان على عزل العدل، أو تغييره، أو أن يكون المرهون بيد المرتهن، انعزل العدل؛ لأنه وكيل عنهما جميعاً. فإن لم يتفقا رفع الأمر إلى القاضي ليرى رأيه، فإن شاء غيره، وإن شاء أبقاه.\r3ً - بيع الرهن وتسديد دين المرتهن من ثمنه.\r4ً - موت الراهن،لا موت المرتهن،في ظاهر الرواية عند الحنفية، فإذا توفي الراهن، وكان تعيين العدل متأخراً عن عقد الرهن، انعزل العدل؛ لأنه في هذه الحالة وكيل، وتنتهي الوكالة بموت الموكل.أما إذا مات المرتهن فلورثته عند الحنفية إمساك الرهن؛ لأن الدين قد انتقل إليهم بوثيقته، فينتقل إليهم حق إمساكه.\rأما إذا كان تعيين العدل في عقد الرهن، فلا ينعزل بموت الراهن، ولا بموت المرتهن؛ لأن تعيين العدل تابع للرهن، والرهن لا يبطل بموت أحد العاقدين، فلا ينعزل العدل الذي هو تابع. وقال الحنابلة والشافعية (3) : ينعزل العدل بموت الراهن؛ لأنه وكيله، ولا ينعزل بموت المرتهن؛ لأنه ليس وكيلاً له.\r5ً - موت العدل: إذا توفي العدل لم يكن لورثته حق إمساك الرهن إلا إذا اتفق العاقدان على ذلك.\r6ً - جنون العدل: إذا جن العدل جنوناً لا ينتظر برؤه منه، انعزل به. أما إذا كان يرجى شفاؤه منه فلا ينعزل به.\r7ً - عزل الراهن العدل: ينعزل العدل عند الشافعية والحنابلة (4) بعزل الراهن له، سواء اشترط تعيينه في عقد الرهن، أم بعده لأنه وكيله. ولا ينعزل عندهم بعزل المرتهن؛ لأنه ليس وكيلاً له، كما هو الحكم في موت الراهن.\rوقال الحنفية (5) : إذا كان تعيين العدل عقب الرهن، فللراهن عزله، ولاينعزل فيما إذا كان التعيين في نفس عقد الرهن. وقال مالك: لا ينعزل العدل بعزل الراهن؛ لأن وكالته صارت من حقوق الرهن، فلم يكن للراهن إسقاطه كسائر حقوقه.\r-------------------------------\r(1) المغني: 134/4، المهذب: 310.\r(2) البدائع: 151/6، المغني: 353/4 ومابعدها، مغني المحتاج: 134/2 ومابعدها، المهذب: 307/1.\r\r(3) المغني: 354/4.\r(4) المغني: 353/4.\r(5) البدائع: 151/6.","part":6,"page":100},{"id":3696,"text":"والخلاصة: إن موت الراهن وعزله العدل، ينعزل به العدل عند الشافعية والحنابلة؛ لأن الوكالة عقد جائز غير لازم، فلا يجبر الراهن على إبقائها.\rوقال الحنفية: ينعزل في تعيين متأخر عن الرهن، ولا ينعزل في تعيين مقترن بالرهن.\rوقال المالكية: لا ينعزل. واتفقوا على أن العدل لا ينعزل بعزل المرتهن له ولا بموته؛ لأنه وكيل الراهن، إذ الرهن ملكه، ولو انفرد بتوكيله صح، فلم ينعزل بعزل غيره.\rأحكام العدل أو ما له وما عليه :\rللعدل حقوق وواجبات هي ما يأتي (1) :\r1ً - يجب على العدل أن يحفظ الرهن، كما يحفظ ماله. فيحفظه بنفسه أو بواسطة من يحفظ ماله عنده؛ لأنه في الحفظ بحكم الوديع.\r2ً - وعليه أن يبقيه تحت يده، فليس له أن يدفعه إلى الراهن أو إلى المرتهن إلا بإذن الآخر، لاتفاقهما على وضع الرهن تحت يده، وعدم رضا كل منهما عن حفظ الآخر له. وليس للمرتهن ولا للراهن أخذ الرهن من يد العدل؛ لأن لكل منهما حقاً في الرهن، فحق الراهن في الحفظ، وحق المرتهن في الاستيفاء، ولا يملك أحدهما إبطال حق الآخر.\rولو دفعه العدل إلى أحدهما من غير رضا صاحبه، فلصاحبه أن يسترده ويعيده إلى يد العدل.\rوإذا هلك الرهن في يد أحدهما قبل استرداده، ضمن العدل قيمته، بسبب اعتدائه عليه بدفعه إلى أحدهما، أي ضمن الأقل من قيمته ومن الدين، وهذا باتفاق الحنفية، والمالكية.\r-------------------------------\r(1) البدائع: 148/6 ومابعدها، تبيين الحقائق: 80/6 ومابعدها، تكملة فتح القدير: 221/8 ومابعدها، الدر المختار: 358/5 ومابعدها، اللباب: 57/2، الشرح الصغير: 321/3، مغني المحتاج: 134/2 ومابعدها، المغني: 353/4 ومابعدها.","part":6,"page":101},{"id":3697,"text":"ومثله في الحكم أن يسلمه العدل إلى أجنبي بدون رضاها قبل سقوط الدين. وإذا ضمن العدل قيمته، فدفعها إليهما، فلهما عندئذ أن يجعلاها رهناً في يده، إلى وفاء الدين. وليس للعدل بنفسه أن يجعل القيمة رهناً في يده؛ لأنه هو الذي دفع القيمة، فلو جعلها رهناً يصير قاضياً ومقضياً وبينهما تناف. فإن وفى الراهن الدين وأراد أن يأخذ قيمة الرهن من العدل، نظرنا في الأمر:\rإن كان العدل قد ضمن بسبب دفعه إلى الراهن، لم يكن للراهن أخذ قيمة الرهن منه؛ لأن حقه قد وصل إليه حين دفع إليه الرهن، فتكون القيمة حقاً للعدل.\rوإن كان العدل قد ضمن بسبب دفعه إلى المرتهن، كان للراهن أن يأخذ قيمة الرهن منه؛ لأنها بدل عن عين الرهن. وعندئذ ليس للعدل أن يرجع بما ضمن على المرتهن، إذا كان قد دفعه إليه على وجه العارية أو الوديعة؛ لأن العدل قد دفع إليه ملكه الذي تملكه من وقت الدفع حين ضمن قيمته (1) . وإن كان قد دفعه إليه رهناً فيكون مضموناً على المرتهن كالمقبوض على سوم الرهن أو على سوم البيع؛ لأنه دفعه إليه على وجه الضمان.\r3ً - ليس للعدل أن ينتفع بالرهن، ولا أن يتصرف فيه بالإجارة، أو الإعارة، أو الرهن؛ لأن الواجب عليه الإمساك، وليس له حق الانتفاع والتصرف. وليس له أن يبيعه إلا إذا كان مسلطاً على بيعه في عقد الرهن، أو بعده. وإذا توفي العدل، لم يحل وارثه محله في بيع الرهن؛ لأن الوكالة لا تورث. وكذلك لا يحل وصيه محله في البيع أيضاً، لأن الراهن لم يرض برأي وصيه.\rوعن أبي يوسف: أنه يحل محله؛ لأن الوكالة لازمة، فصار وصيه كوصي العامل المضارب إذا مات.\r-------------------------------\r(1) وبعباره أخرى: إن العدل بأداء الضمان ملك العين المرهونة من وقت الدفع للمرتهن، وتبين أنه أودع أو أعار ملك نفسه، ولا يضمن المستعير ولا الوديع إلا بالتعدي.","part":6,"page":102},{"id":3698,"text":"ورد عليه بأن للمضارب ولاية التوكيل في حياته بدون إذن صاحب المال، بخلاف العدل، فجاز أن يقوم وصيه مقامه، كالأب في مال الصغير.\rوإذا باع العدل الرهن، لم يعد رهناً؛ لأنه صار ملكاً للمشتري، وصار ثمنه هو الرهن، لأنه قام مقامه.\rوللعدل أن يبيع الزيادة المتولدة من الرهن، لكونها مرهونة تبعاً للأصل. وله أن يبيع بمثل قيمة الرهن أو بأقل منه قدر ما يتغابن الناس فيه، وبالنقد والنسيئة عند أبي حنيفة. وله أن يبيع قبل حلول الأجل ويكون الثمن حينئذ رهناً عنده إلى أن يحل الأجل؛ لأن ثمن المرهون مرهون.\rوقال الشافعية والحنابلة: لا يبيع العدل إلا بثمن المثل حالاً، من نقد بلده كالوكيل. وإذا باع العدل وقبض الثمن، كان الثمن عنده من ضمان الراهن لأنه ملكه، والعدل أمينه، حتى يقبضه المرتهن.\r4ً - إذا هلك الرهن في يد العدل من غير تعد، كان كهلاكه في يد المرتهن؛ لأن يد العدل بالنسبة لمالية الرهن، كيد المرتهن، ويكون عند الحنفية مضموناً على المرتهن بالأقل من قيمته (أي قيمة الرهن) ومن الدين.\rوإذا ضمن العدل قيمة الرهن بتعديه، أو ضمنها الأجنبي المتعدي على الرهن بعد أن دفعه العدل إليه بلا حق، لم يستطع العدل أن يجعل القيمة رهناً في يده؛ لأنها واجبة عليه في الحالين، ولا يصلح الشخص الواحد أن يكون في آن واحد قاضياً ومقتضياً، ولكن يأخذها الراهن والمرتهن،فيجعلانها رهناً عند العدل أو عند غيره. وقال الشافعية والحنابلة: تجعل القيمة رهناً في حالة كون الأجنبي هو المتعدي على الرهن.\rوإذا استحق الرهن وهو قائم في يد العدل أخذه المستحق وبطل الرهن. وإذا استحق بعد هلاكه كان المستحق بالخيار بين أن يضمن الراهن قيمته أو يضمن العدل ويرجع العدل على الراهن بما ضمن لأنه غرّه.","part":6,"page":103},{"id":3699,"text":"5ً - ليس للعدل المسلط على البيع عند الحنفية أن يعزل نفسه إلا برضا المرتهن، مراعاة لحقه، إذا كانت الوكالة بالبيع مشروطة في عقد الرهن. فيجبر على البيع إذا حل أجل الدين وأبى البيع. وإجباره بأن يحبسه القاضي أياماً ليبيع، فإن أبى بعد الحبس باعه القاضي؛ لأن بيع الرهن في هذه الحالة صار حقاً للمرتهن.\rأما إذا كانت وكالة العدل بالبيع بعد عقد الرهن، فللعدل أن يعزل نفسه؛ لأنها تعد وكالة مستقلة مبتدأة، فتطبق عليها أحكام الوكالة، وقال أبو يوسف: ليس له أن يعزل نفسه.\rوقال الشافعية والحنابلة: للعدل في جميع الأحوال أن يعزل نفسه؛ لأنه وكيل منفصل، فلا يجبر على المضي في الوكالة.\rالمطلب السادس ـ ما يترتب على شروط الرهن أو ما يجوز ارتهانه وما لا يجوز :\rبالإضافة لما ذكر سابقاً من الأمور المترتبة على شروط الرهن، ولا سيما شرط القبض، هناك حالات تتطلب مزيد بيان وتفصيل، أهمها ما يأتي:\r1 - رهن المشاع :\rاختلف الفقهاء في رهن جزء مشاع كنصف وثلث وربع، فمنعه الحنفية، وأجازه الجمهور. وسبب الخلاف: هل تمكن حيازة المشاع أو لا تمكن (1) ؟\rأما مذهب الحنفية (2) : فهو أنه لا يجوز رهن المشاع، سواء كان يحتمل القسمة أو لا، من شريكه أو غيره. والصحيح أن الرهن حينئذ فاسد، يضمن بالقبض؛ لأن القبض شرط تمام العقد ولزومه، لا شرط جوازه أو انعقاده.\rودليلهم: أن الرهن يستوجب ثبوت يد الاستيفاء، واستحقاق الحبس الدائم للمرهون، والحبس الدائم لا يتصور في المشاع، لما فيه من مهايأة في حيازته، وكأن الراهن قد رهنه يوماً، ويوماً لا، فلم يصح سواء فيما يقبل القسمة أو فيما لايقبلها، ولو من الشريك، لوجود المهايأة في الحيازة.\r-------------------------------\r(1) بداية المجتهد: 269/2.\r(2) البدائع: 138/6، تكملة الفتح: 203/8 ومابعدها، تبيين الحقائق: 68/6 ومابعدها، الدرالمختار: 348/5، اللباب: 56/2.","part":6,"page":104},{"id":3700,"text":"بل إن قبض أو حيازة الجزء الشائع وحده لا يتصور، والجزء الآخر ليس بمرهون، فلا يصح قبضه. والشيوع يمنع تحقق الجزء الشائع، سواء فيما يقبل القسمة، وما لا يقبلها، بخلاف الهبة حيث تصح فيما لا يحتمل القسمة للضرورة؛ لأنها تفيد الملك، والشيوع لا ينافيه، فاكتفي بالقبض الممكن.\rوهذا الحكم سواء أكان الشيوع مقارناً لعقد الرهن أم طارئاً عليه، فإذا طرأ الشيوع على الرهن، أفسده. وروي عن أبي يوسف: أن الشيوع الطارئ على العقد، لا يفسده؛ لأنه يغتفر في البقاء ما لا يغتفر في الابتداء، كالهبة التي يطرأ عليها الشيوع بعد القبض، فلا يفسدها.\rورد عليه: أن العلة في المنع كون الشيوع ما نعاً من تحقق القبض، وهذا يستوي فيه الابتداء والبقاء، بخلاف الهبة؛ لأن الملك لا يتنافى مع الشيوع.\rوأما مذهب الجمهور غير الحنفية (1) : فهو أنه يصح رهن المشاع أو هبته أو التصدق به أو وقفه، كرهن كله، من الشريك وغيره، محتملاً للقسمة أم لا؛ لأن كل ما يصح بيعه يصح رهنه، ولأن الغرض من الرهن استيفاء الدين من ثمن المرهون ببيعه عند تعذر الاستيفاء من غيره، والمشاع قابل للبيع، فأمكن الاستيفاء من ثمنه. والقاعدة عندهم: كل ما جاز بيعه جاز رهنه من مشاع وغيره.\rوأما كيفية الحيازة، فقال المالكية: يجب قبض جميع ما يملكه الراهن، ما رهنه وما لم يرهنه، لئلا تجول يد الراهن فيما رهنه، فيبطل الرهن. فإن كان الجزء غير المرهون غير مملوك للراهن، اكتفي بحيازة الجزء المرهون. ولا يستأذن الراهن شريكه في رهن حصته، إذ لا ضرر على الشريك، وهذا قول ابن القاسم المشهور. نعم يندب الاستئذان لما فيه من جبر الخواطر. وقال أشهب: يجب استئذانه.\rويرى الشافعية والحنابلة: أن قبض المشاع في العقار يكون بالتخلية، وإن لم يأذن الشريك، وفي المنقول يكون بالتناول، ويشترط فيه إذن الشريك، ولا يجوز نقله بغير إذن الشريك. فإن أبى ورضي المرتهن بكونه في يد الشريك، جاز وناب\r-------------------------------\r(1) الشرح الكبير: 235/3، بداية المجتهد: 269/2، القوانين الفقهية: ص 323، المهذب: 308/1، مغني المحتاج: 122/2 ومابعدها، المغني: 337/4 ومابعدها، كشاف القناع: 312/3.","part":6,"page":105},{"id":3701,"text":"عنه في القبض. وإن تنازع الشريك والمرتهن عين الحاكم عدلاً يكون في يده، إما أمانة أو بأجرة. وتجري المهايأة بين المرتهن والشريك كجريانها بين الشريكين.\r2 - رهن المتصل بغيره والمشغول :\rالخلاف في هذا كالخلاف في رهن المشاع، على رأيين:\rقال الحنفية (1) : لا يصح رهن شيء متصل بغير المرهون كالثمر على الشجر بدون الشجر، والزرع في الأرض بدونها، والشجر في الأرض بدونها، والأرض بدون ما عليها من زرع أو شجر؛ لأن المرهون متصل بغيره، فيتعذر الحبس بدونه، فهوكرهن المشاع.\rولا يصح رهن المشغول بغير المرهون، كرهن دار فيها متاع الراهن دونه؛ لأن المرهون مشغول بغيره، ولا يمكن حبسه، فهو في معنى رهن المشاع.\rوأما الجمهور الذين جوزوا رهن المشاع، فجوزوا رهن المتصل والمشغول، لإمكان تسليمه مع ما هو متصل به. وأما المتاع الموضوع في الدار، فلا يدخل في الرهن إلا بالنص عليه؛ لأنه ليس بتابع للدار.\rويدخل في رهن الأرض أو الدار عند الحنابلة ما يدخل في البيع، فإذا رهن أرضاً، كان في دخول الشجر وجهان. وإذا رهن شجراً مثمراً، لم تدخل الثمرة الظاهرة، كما لا تدخل في البيع، وإن لم تكن ظاهرة دخلت.\rوذهب الشافعية إلى عدم دخول الثمرة مطلقاً ـ ظهرت أو لم تظهر، في الرهن بحال.\r-------------------------------\r(1) البدائع: 138/6، 140، تكملة فتح القدير: 205/8، الدر المختار: 350/5، تبيين الحقائق: 69/6.","part":6,"page":106},{"id":3702,"text":"ولو رهن داراً فخلى بينه وبينها، وعاقدا الرهن فيها، ثم خرج الراهن، صح الرهن عند الشافعية والحنابلة. وقال الحنفية: لا يصح حتى يخلي بينه وبينها بعد خروجه منها (1) .\r3 - رهن الدين :\rأجاز المالكية دون غيرهم رهن الدين.\rفقال الحنفية (2) : لا يجوز رهن الدين؛ لأنه ليس مالاً لأن المال عندهم لا يكون إلا عيناً، ولا يتصور فيه القبض، والقبض لا يكون إلا للعين. فلو كان خالد دائناً لعمر بمئة دينار، وعمر دائن لخالد بمئة مد حنطة، لم يجز لعمر أن يجعل دينه من الحنطة رهناً عند خالد بدينه الذي يستحقه قبل عمر، فهذا رهن الدين عند المدين، حيث جعل الدين الذي للدائن رهناً في الدائن الذي عليه.\rوكذلك قال الشافعية والحنابلة في الأصح عندهم (3) : شرط المرهون كونه عيناً يصح بيعها، فلا يصح رهن دين ولو ممن هو عليه، أو من هو عنده؛ لأنه غير مقدور على تسليمه.\rلكن امتناع رهن الدين عند الشافعية هو في حالة جعل الدين رهناً ابتداء، أما في حالة البقاء فلا مانع من الرهن كضمان المرهون عند الجناية عليه، فبدله في ذمة الجاني يكون رهناً بالدين على الأرجح؛ لأن الدين قد يصير رهناً ضرورة في البقاء، حتى امتنع على الراهن أن يبرئه منه بلا رضاء المرتهن.\rلكن أقول: لا حاجة أن يعد ما في الذمة من ضمان رهناً بالدين، وإنما هو في الواقع دين تعلق به حق المرتهن، كتعلق حق الدائن بما يكون للمدين المتوفى من ديون عند الغير.\r-------------------------------\r(1) المغني: 333/4، 340، مغني المحتاج: 123/2.\r(2) البدائع: 135/6، تبيين الحقائق: 69/6.\r(3) مغني المحتاج: 122/2، كشاف القناع: 307/3، المغني: 347/4 ومابعدها، المهذب: 309/1.","part":6,"page":107},{"id":3703,"text":"وأما المالكية (1) : فقالوا: يجوز رهن كل ما يباع، ومنه الدين، لجواز بيعه عندهم، فيجوز رهنه من المدين ومن غيره. وقد ذكرت صورة رهنه من المدين. أما صورة رهنه من غير المدين: أن يكون لخالد دين عند عمر، ولعمر دين على أحمد، فيرهن عمر دينه الثابت له في ذمة أحمد لدى خالد بدينه الثابت له في ذمته (أي ذمة عمر). والطريقة: هي أن يدفع له وثيقة الدين الذي له على أحمد، حتى يوفيه دينه.\rويشترط لصحة هذه الصورة الأخيرة قبض الوثيقة، والإشهاد على حيازتها، أما في الصورة الأولى فيشترط لصحتها، سواء أكان الدينان من قرض أم مبايعة، أن يكون أجل الدين المرهون هو أجل الدين المرهون به، أو أبعد منه، بأن يحل الدينان في وقت واحد، أو يحل دين الرهن بعد حلول الدين المرهون به.\rأما إذا كان أجل حلول الدين المرهون أقرب، أو كان الدين المرهون حالاً، فرهنه لا يصح؛ لأنه يؤدي إلى إقراض نظير إقراض، إن كان الدينان من قرض. وإلى اجتماع بيع وسلف إن كانا من بيع؛ لأن بقاء الدين المرهون بعد أجله عند المدين به يعد سلفاً في نظير سلف الدين المرهون به. وإذا كان الدينان من بيع، فبقاء الدين المرهون يعد سلفاً مصاحباً للبيع، وهو ممنوع عند المالكية.\r-------------------------------\r(1) بداية المجتهد: 269/2، القوانين الفقهية: ص 323، الشرح الكبير مع الدسوقي 231/3، 237، الشرح الصغير: 310/3 ومابعدها.","part":6,"page":108},{"id":3704,"text":"4 - رهن العين المستأجرة أو المعارة :\rيجوز عند أئمة المذاهب رهن المدين مالاً له، ولو كان مأجوراً أو مستعاراً (1) ، على النحو التالي (2) :\rقال الحنفية: يجوز رهن المستعار والمستأجَر عند المستعير أو المستأجر، وينوب قبض العارية وقبض الإجارة مناب قبض الرهن (3) . إلا أنهم قرروا: إذا اتفق المتراهنان على الرهن، تبطل الإجارة والإعارة، فلا يبقى في يد المرتهن مستأجراً ولا مستعاراً، ويصح الرهن، إذ لا يجتمع على عين واحدة، في وقت واحد إجارة ورهن.\rوإذا طرأت الإجارة على الرهن، بطل الرهن وصحت الإجارة؛ لأن الرهن عقد غير لازم، والإجارة عقد لازم.\rوعبارة المالكية تتضمن جواز رهن العين المستأجرة، فإن رهنها مؤجرها عند مستأجرها بدين له عليه، ناب القبض السابق لها بعقد الإجارة عن قبض الرهن. وإن رهنها عند غير مستأجرها بدين له عليه، جاز إذا عين الدائن المرتهن أميناً ليلازم مستأجرها يكون قبضه وحيازته بدلاً عن قبض المرتهن وحيازته؛ لأن قبض المستأجر إنما كان لنفسه، فلا يقوم قبضه مقام قبض المرتهن.\rويلاحظ أن الأرض في يد المزارع، والبستان في يدالمساقي يجوز رهنها كالعين المستأجرة.\rوأجاز الحنابلة أيضاً رهن المأجور أو المعار أو الوديعة أو المغصوب، وينوب القبض السابق مناب قبض الرهن، ولا حاجة لتجديد القبض، كما بينت سابقاً.\rوالشافعية أيضاً أجازوا رهن العين المستأجرة والمستعارة والوديعة، بشرط مضي زمان يتأتى فيه القبض. فإن رهنها لدى المستأجر والمستعير، بقي الرهن لبقاء يد المرتهن، وعدم المنافاة بين كونه مستأجراً، وكونه مرتهناً. وإن رهنها عند غير المستأجر أو المستعير، صح إذا رضي به المرتهن عدلاً، فتبقى في يد المستأجر والمستعير على اعتبار أنه أمين عن كل من عاقدي الرهن، ويظل الرهن أيضاً.\r-------------------------------\r(1) البدائع: 146/6، بداية المجتهد: 269/2، الشرح الكبير: 236/3، المهذب: 306/1، المغني: 334/4، مغني المحتاج: 128/2، حاشية الباجوري: 127/2، تبيين الحقائق وحاشية الشلبي عليه: 88/6.\r(2) يلاحظ أن رهن الدين ورهن العين المستأجرة أو المعارة يمثلان مبدأ رهن الحقوق.\r(3) يلاحظ أن قول الكاساني في البدائع: « إن قبض الرهن دون قبض الإجارة» محل نظر، إذ القبضان قبض أمانة.","part":6,"page":109},{"id":3705,"text":"وإن لم يرض المرتهن بالمستأجر أو بالمستعير عدلاً، ينظر: فإن كان الرهن بإذن المستأجر بطلت الإجارة، وإن كان بغير إذنه بطل الرهن، وأما العارية فهي عقد غير لازم، فإذا رهن المستعار، فسخت الإعارة.\r5 - رهن المستعار :\rيلاحظ أنه في الحالة السابقة: الراهن هو المالك للعارية، فيرهن ملك نفسه، أما في هذه الحالة: فالراهن غير مالك للعارية وإنما يرهن مستعاراً مملوكاً لغيره.\rاتفق الفقهاء كما تقدم سابقاً على أنه يجوز للإنسان أن يستعير مال غيره، ليرهنه بإذن مالكه، في دين عليه (1) ؛ لأن مالكه متبرع حينئذ بإثبات اليد أو الحيازة عليه، والمالك حر التصرف بملكه، فله إثبات ملك العين واليد معاً عن طريق الهبة مثلاً، كما له إثبات اليد فقط بالإعارة للرهن.\rوفي حالة الإذن من المالك بالرهن، قال الحنفية (2) : للمستعير عند إطلاق المعير وعدم تقييده بشيء أن يرهن العارية عند من يشاء، وبأي دين أراد، وفي أي بلد أحب. وهو رأي الشافعية أيضاً.\rأما إذا قيده بقيود فإنه يتقيد بها، فإن قيده بقدر، لم يرهن بأكثر منه، ولا بأقل إذا كان ما رهنه به أقل من قيمة الرهن؛ لأن المتصرف بإذن يتقيد تصرفه بقدر الإذن، ولأن المرهون مضمون، والمالك جعله مضموناً بقدر ما حدد، وقد يكون له غرض بالقيد. أما إذا كان المستعار مساوياً لقيمة الرهن أو كانت هي أكثر، فلا يعد مخالفاً الإذن؛ لأنه خلاف إلى خير؛ لأن المالك حين يريد فكاك الرهن لا يكلف إلا بقدر الدين، ولا يناله ضرر بسبب الرهن عند الهلاك؛ لأن الضائع عليه أقل من قيمة الرهن.\rوإذا قيده بجنس من الدين لم يجز له أن يرهنه بجنس آخر؛ لأن قضاء الدين من بعض الأجناس قد يكون أيسر من بعض.\rوإذا قيده بدائن أو بلد، لم يجز له أن يخالف القيد.\r-------------------------------\r(1) المغني: 344/4، بداية المجتهد: 269/2، كشاف القناع: 309/3.\r(2) البدائع: 136/6، تبيين الحقائق: 88/6، الدر المختار: 365/5.","part":6,"page":110},{"id":3706,"text":"فإن خالف في شيء من هذه القيود، فهو ضامن لقيمته، إذا هلك؛ لأنه بهذه المخالفة يصير غاصباً، وكان الرهن باطلاً؛ لأنه وقع على مال مغصوب.\rوإذا هلك المال المستعار عند المرتهن، كان مالكه بالخيار: إن شاء ضمن المستعير قيمته لاعتباره غاصباً بسبب مخالفته، وبأدائه الضمان يتملكه المستعير من وقت قبضه من المعير، وإن شاء ضمن المرتهن لهلاك المال في يده، فصار كغاصب الغاصب، وإذا ضمن المرتهن رجع على الراهن. والخلاصة: أنه بالمخالفة يبطل الرهن ويضمن المستعير.\rوكذلك قال المالكية (1) : إن خالف المستعير قيود المعير، فهلكت العارية أو سرقت أو نقصت، ضمن المستعير مطلقاً لتعديه. ولو لم تتلف العارية فللمعير ردها وتبطل الإعارة.\rويتقيد المستعير عند الشافعية والحنابلة (2) بقيود المعير، إلا أنهم قالوا: إذا قيده بمقدار من الدين، فرهنه بأقل منه، لم يكن مخالفاً؛ لأن الإذن بما زاد يعتبر إذناً بما نقص عنه، وليس في النقص ضرر؛ لأن الرهن عندهم أمانة في يد المرتهن.\rانتفاع المستعير بالعارية: إن مستعير العارية لرهنها يعتبر عند الحنفية وديعاً قبل الرهن، لا مستعيراً؛ لأنه غير مأذون له إلا بالرهن، فليس له أن ينتفع بالعارية، لا قبل رهنها، ولا بعد فكاكها، فإن فعل ضمن، لأنه لم يؤذن له إلا بانتفاع على وجه خاص وهو رهنها.\rفإذا انتفع بغير الرهن، كان مخالفاً، فيضمن، وإذا انتفع بها قبل رهنها، ثم رهنها، برئ من الضمان، حيث رهن؛ لأنه بالرهن عاد إلى وفاق المعير، فيبرأ بسبب الوفاق من الضمان، وبما أنه كالوديع، فالوديع إذا عاد إلى الوفاق بعد خلاف في الوديعة لا يضمن لأن القصد من الوديعة وهو الحفظ للمالك قد تحقق. وهذا بخلاف المستعير، إذا خالف، ثم عاد إلى الوفاق، فإنه لايبرأ من الضمان لثبوت التعدي، كما بينت وجه الفرق في بحث العارية.\r-------------------------------\r(1) الشرح الكبير: 239/3.\r(2) مغني المحتاج: 129/2، المغني: 344/4 ومابعدها، كشاف القناع: 309/3، نهاية المحتاج: 269/3.","part":6,"page":111},{"id":3707,"text":"نوع ضمان هلاك العارية: إذا قبض المستعير العارية لرهنها، فهلكت في يده قبل رهنها أو هلكت في يده بعد فكاكها، لم يضمنها؛ لأنها هلكت وهي مقبوضة قبض العارية، لا قبض الرهن، وقبض العارية قبض أمانة، لا قبض ضمان عند الحنفية. وذلك بخلاف المالكية والشافعية، والحنابلة في أظهر القولين عندهم، فإن العارية مضمونة مطلقاً عند الحنابلة، وفي بعض الحالات عند المالكية والشافعية، كما تبين في بحث الإعارة.\rوإذا هلكت العارية عند المرتهن، فليس لمالكها عند الحنفية إلا ما كان مضموناً منها، وهو الأقل من قيمتها ومن الدين. وإذا كان الدين هو الأقل، فلا يرجع المالك على المستعير بالزيادة؛ لأن العارية أمانة، وهي لا تضمن إلا بالتعدي.\rوقال المالكية: يرجع المالك على المستعير بقيمة العارية يوم استعارها. وقال الشافعية، والحنابلة في أظهر القولين: إذا تلفت العارية لدى المرتهن من غير تعد، ضمن المستعير (الراهن) قيمتها يوم تلفها، إذ العارية مضمونة مطلقاً عند الحنابلة، ومضمونة أحياناً عند الشافعية والمالكية.\rطلب المعير فكاك العارية من الرهن: إذا رهن المستعير العارية، كان لمالكها أن يطلب من الراهن فكاكها في أي وقت شاء عند الجمهور (الحنفية والشافعية والحنابلة)؛ لأن العارية عندهم عقد غير لازم، وللمستعير أن يستردها متى شاء، ولو كانت مقيدة بوقت. فإن افتكها الراهن ردها إلى مالكها وإن عجز عن فكاكها، كان لمالكها أن يفتكها، تخليصاً لحقه، ويرجع بجميع ما أداه للمرتهن على المستعير.\rوقال المالكية: الراجح أن للمعير الرجوع في الإعارة لمطلقها متى أحب، وليس له الرجوع في العارية المقيدة بالشرط أو العرف، أو العادة، كما ذكر في بحث العارية.\rالاستئجار للرهن: إذا جاز استعارة عين لترهن، جاز كذلك استئجارها لترهن (1) .\r-------------------------------\r(1) الشرح الكبير: 236/3.","part":6,"page":112},{"id":3708,"text":"وإذا هلكت بلا تعد، فلا ضمان؛ لأن المستأجر أمانة غير مضمونة في يد المستأجر اتفاقاً، وليس للمؤجر فكها قبل انتهاء مدة الإجارة.\r6 - رهن ملك الغير :\rيجوز للإنسان كما بان سابقاً أن يرهن ملك الغير بإذنه كالمستعار والمستأجر، وليس لأحد رهن ملك غيره إلا بولاية عليه، فإذا لم يكن له ولاية في الرهن، وسلم المرهون إلى المرتهن، كان بهذا التسليم متعدياً وغاصباً، وكان الرهن عند الحنفية موقوفاً على الإجازة، فإن لم يجزه مالك المرهون بطل الرهن، وكانت العين في ضمان الراهن بسبب غصبه. هذا بالنسبة للراهن.\rأما بالنسبة للمرتهن:\rفقال الحنفية (1) : إذا هلك الرهن عند المرتهن، ثم تبين أنه مستحق لغير الراهن، أي لم يكن المرتهن عالماً بأنه ملك لغير الراهن، فإن المالك المستحق بالخيار بين أن يضمن الراهن قيمته، أو يضمن المرتهن؛ لأن كل واحد متعدٍ في حقه، أما الراهن فباستيلائه عليه بغير حق وتسليمه للمرتهن، وأما المرتهن فبقبضه وتسلمه.\rفإن ضمن المستحق (المالك) الراهنَ، صار المرتهن بسبب الضمان مستوفياً لدينه، بقدر قيمة الرهن، لهلاك الرهن في يده؛ لأن الراهن قد ملكه إذا أدى ضمانه ملكاً مستنداً إلى وقت استيلائه عليه بغير حق، قبل عقد الرهن، فيصبح راهناً ما يملك، ثم يصير المرتهن مستوفياً لدينه بالهلاك عنده إذا كانت قيمته مساوية لدينه، أو أكثر، وإلا فبقدر قيمته.\rوإن ضمن المستحق المرتهنَ ابتداء (مباشرة)، رجع المرتهن على الراهن بما ضمن، كما يرجع بدينه. أما رجوعه بما ضمن من مثل أو قيمة فلأنه تسلم الرهن مغروراً من جهة الراهن، والمغرور يرجع بما ضمن، وأما رجوعه بالدين، فلأن استيفاءه لدينه، قد انتقض بظهور أنه قد تسلم عيناً مملوكة لغير راهنها، فبطل الرهن، وعاد حقه كما كان.\r-------------------------------\r(1) تبيين الحقائق: 83/6 ومابعدها، البدائع: 147/6.","part":6,"page":113},{"id":3709,"text":"وقال الحنابلة (1) : إما أن يكون المرتهن عالماً بالغصب، وإما أن يكون غير عالم به. فإن كان عالماً به، وأمسك الشيء حتى تلف في يده، استقر عليه الضمان.\rوكان المالك حينئذ بالخيار: إن شاء ضمن المرتهن، وغرم القيمة من ماله، وإن شاء ضمن الراهن. وعندئذ يرجع الراهن بما ضمن على المرتهن، لاستقرار الضمان عليه، إذا كان عليه أن يرد الشيء إلى مالكه، ولم يفعل حتى تلف في يده.\rوإن أمسك المرتهن الشيء غير عالم بغصبه حتى تلف في يده بتفريطه، فالحكم كما تقدم. وإن تلف بغير تفريط منه ولا تقصير فثلاثة أقوال:\rأحدها: أنه يضمن، ويستقر عليه الضمان؛ لأنه متعد بإمساك مال غيره، وتلف المال تحت يده، فيضمن كما لو علم بالغصب. ويلاحظ أنه في الحقيقة غير متعد؛ لأنه أمسك المال بإذن الراهن ولا علم له بالغصب.\rثانيها: أنه لا ضمان عليه؛ لأن المرتهن قبضه على أنه أمانة من غير علمه بالغصب، فيكون الضمان على الراهن.\rثالثها: أن للمالك الخيار في تضمين أيهما شاء، ولكن الضمان يستقر على الراهن. وهذا في تقديري أولى الآراء.\rومثل هذا في الحكم ما لو حكم باستحقاق الرهن لغير راهنه، مع ملاحظة أن الرهن لا يهلك بالدين، وإنما هو أمانة عند الحنابلة والشافعية.\r7 - رهن العين المرهونة (تعدد الرهن ) :\rالرهن إما أن يقع على بعض الشيء أو على كله، وفي الحالتين يتعدد الرهن.\rأ ـ فإن وقع الرهن على بعض الشيء، ثم رهن البعض الآخر، طبقت أحكام رهن المشاع.\r-------------------------------\r(1) المغني: 397/4 ومابعدها.","part":6,"page":114},{"id":3710,"text":"فعند الجمهور (مالكية وشافعية وحنابلة) القائلين بجواز رهن المشاع: إذا رهُن جزء من عين على الشيوع بدين، جاز رهن الجزء الباقي منها شائعاً بذلك الدين، أو بدين آخر، لنفس الدائن المرتهن الأول أو لغيره. لكن إذا كان الرهن لشخص آخر غير المرتهن الأول، لزم رضا الثاني بيد المرتهن الأول (1) ، أو أن يحدث اتفاق جديد بين الثلاثة (الراهن والمرتهن الأول والثاني) على وضع الرهن تحت يد عدل.\rوأما عند الحنفية الذين لا يجيزون رهن المشاع أصلاً، فلا يتصور عندهم هذه الحالة، إلا إذا أفرزت العين أو قسمت، وسلمت غير مشغولة بغيرها.\rب ـ وأما إن رهن الشيء كله بدين، وأريد رهنه بدين آخر، فلا يجوز الرهن الثاني عند الحنفية والشافعية والحنابلة (2) ؛ لأن فيه مساساً بحق المرتهن الدائن، إذ مالية المرهون له، فلا يكون لغيره أن يتعلق حقه به.\rلكن إذا أجاز المرتهن الأول الرهن الثاني نفذ، وبطل ارتهانه للشيء، ويبطل ارتهان المرتهن أيضاً، إذا رهن الشيء وهو بدين عليه، بإذن مالكه، ويصير رهناً بدينه، ويكون حكمه حكم رهن الشيء المستعار للرهن.\rأما إن رهنه المرتهن الأول بدون إذن مالكه الراهن، كان رهنه غير صحيح، وكان للمالك إعادة الشيء إلى يد المرتهن الأول كما كان.\rفلو هلك الشيء في يد المرتهن الثاني قبل إعادته للأول، فمالكه بالخيار عند الحنفية: إن شاء ضمن المرتهن الأول، وإن شاء ضمن المرتهن الثاني، كما هو الحكم في رهن ملك الغير. فإن ضمن الأول، جاز رهنه؛ لأن بدل المرهون يصير مرهوناً. وإن ضمن المرتهن الثاني، بطل رهن الأول، وكان الضمان رهناً لدى المرتهن الأول، ويرجع الثاني على الأول بما ضمن، لأنه غرره.\r-------------------------------\r(1) الشرح الصغير: 308/3.\r(2) البدائع: 147/6، نهاية المحتاج: 267/3، 305، مغني المحتاج: 127/2، المغني: 347/4 ومابعدها.","part":6,"page":115},{"id":3711,"text":"وقال المالكية (1) : يجوز رهن العين المرهونة إذا كانت قيمتها تزيد على قيمة الدين، فيكون الرهن الجديد لتلك الزيادة، ويكون الدين الثاني المتعلق بالمرهون في المنزلة الثانية، فإذا بيعت العين في الدين يوفى الدين الأول، والباقي يوفى به الدين الثاني. وبه يظهر أن حق الدائن الأول لم يمس، فلا يتوقف نفاذ الرهن الثاني على إجازته.\rوإذا كانت العين في يد عدل، والرهن الجديد للمرتهن الأول أو لأجنبي غيره، لم يتم الرهن الثاني إلا برضا العدل بحوزه على الوضع الجديد.\rوهذا الرأي بجواز الرهن على الرهن يتفق مع القانون المدني. وإذا كان الرهن الثاني لأجنبي، فهل يشترط رضا المرتهن الأول؟ عند المالكية أقوالاً ثلاثة: قيل: لا يشترط رضاه، وقيل: لا بد من رضاه، وقيل: لا يجوز وإن رضي. وإذا كانت العين بيد عدل، ففيه القولان: الأول والثاني.\rوإذا كان الرهن الثاني لأجنبي، وكان الدينان بأجل واحد فلا إشكال. فإن اختلف الأجلان، وحل أجل الدين الثاني أولاً، قسم الرهن بين الدينين إن أمكنت قسمته بلا ضرر، كنقص قيمته، ويدفع للمرتهن الأول قدر ما يفي بدينه، والباقي للثاني.\rوإن لم تمكن قسمته، بيع المرهون، وقضي الدينان، على أن يكون للدين الأول الأسبقية في الوفاء، والباقي للثاني.\rوهذا كله إن كان في الرهن فضل يفي بالثاني، وإن لم يوجد، لا يباع الرهن إلا بعد أن يحل الدين الأول.\rأما إن حل أجل الدين الأول أولاً، فإن الرهن يباع، ويقضى الدينان من ثمنه على الوضع السابق، إن لم تمكن قسمته بين الدينين من غير ضرر.\rولا يضمن المرتهن الأول الجزء الفاضل للثاني إن هلك الرهن بيده، وكان مما يغاب عليه (يمكن إخفاؤه كالثياب والحلي) إلا بالتعدي؛ لأنه أمين في الجزء الفاضل.\r-------------------------------\r(1) الشرح الكبير: 238/3.","part":6,"page":116},{"id":3712,"text":"8 - رهن الوارث جزءاً من التركة المديونة :\rقد يكون هناك حق لغير الراهن في المرهون يمنع الرهن كرهن المرهون ورهن التركة المدينة، كما أن رهن ملك الغير يكون موقوفاً على إجازة المالك. فإذا رهن الوارث بعض أعيان التركة التي يتعلق بها دين على الميت، فقال الحنفية: يكون الرهن موقوفاً على تخليص أو تطهير التركة من الدين، لكي تخلص العين المرهونة لمرتهنها، ولأن الدين يمنع تملك الورثة للتركة، على خلاف بين الحنفية في الدين الذي لا يحيط بها.\rوكذلك قال المالكية: إن رهن الوارث في هذه الحال صحيح، ولكن نفاذه موقوف على سداد الدين، فإذا لم يسدد، نقض هذا التصرف؛ لأن الدين يمنع من تملك الورثة عندهم.\rوقال الحنابلة (1) في أصح الوجهين عندهم: لو رهن الوارث تركةا لميت، أو باعها، وعلى الميت دين، ولو من زكاة، صح الرهن والبيع، لانتقال التركة إليه بموت مورثه، فتصرفه صادف ملكه، ولم يرتب عليه من قبله أوباختياره حقاً لغيره، فلم يكن مثل رهن المر هون الذي رهنه من قبل والذي تعلق به حق الغير باختياره، وإنما في التركة لم يتعلق دين المتوفى بالمال باختيار الوارث، بل بحكم الشرع. وهكذا الحكم في كل حق ثبت وتعلق بالمال من غير إثباته وفعله كالزكاة والجناية، فلا يمنع ذلك من رهن ما تعلق به الحق.\rفيصح الرهن، وتكون أعيان التركة محملة بالدين. فإن تم الرهن، ثم وفى الوارث الحق الذي تعلق بالتركة: وهو الدين الذي على المتوفى، من مال آخر، فالرهن على حاله، وإن لم يقض الحق، فلغرماء التركة انتزاع ما رهن منها؛ لأن حقهم أسبق.\rوهذا مثل ما لو تصرف الوارث في التركة، ثم رد عليه مبيع باعه المورث بعيب ظهر فيه، أو تعلق بالتركة حق بعد وفاة المورث بسبب سابق، كأن وقعت\r-------------------------------\r(1) المغني: 350/4، كشاف القناع: 316/3 ومابعدها.","part":6,"page":117},{"id":3713,"text":"بهيمة بعد موته في بئر حفره في غير ملكه، فتصرف الوارث في هذه الأحوال صحيح غير لازم، فإن وفى الوارث الحق من ماله مثلاً أجزأه، وإلا فسخ تصرفه.\rويراعى حينئذ أن يكون الوارث مختصاً بالعين التي رهنها، حتى لا يكون رهنه لما يملك غيره من الورثة.\rوقال الشافعية (1) : يبطل رهن الوارث بعض أعيان التركة؛ لأن التصرف عندهم، إما صحيح نافذ وإما باطل، وتصرف الفضولي عندهم كالحنابلة غير صحيح، وقد منع من صحة هذا الرهن ونفاذه تعلق الدين بالتركة، وتعلق الدين وإن كان لا يمنع تملك الورثة، لكن تعتبر التركة مرهونة بالدين رهناً شرعياً، لا نتيجة لعقد رهن.\rوالأظهر عندهم ألا فرق بين أن يكون الدين محيطاً بالتركة (مستغرقاً)، أو غير محيط (غير مستغرق) بها. ولهذا يمنعون الوارث من أن يتصرف في التركة مع تعلق حق الدين بها، كما يمنعون الراهن من أن يتصرف في العين المرهونة مع قيام الدين الذي رهنت العين به.\r9 - رهن ما يتسارع إليه الفساد :\rيصح رهن ما يسرع إليه الفساد بالدين الحال والمؤجل عند الحنابلة وغيرهم (2) ، سواء أكان مما يمكن إصلاحه بالتجفيف كالعنب والرطب، أم لا يمكن كالبطيخ والطبيخ. فإن كان قابلاً للتجفيف، فعلى الراهن تجفيفه؛ لأنه من مؤنة حفظه وتبقيته. وإن كان مما لا يجفف، فإنه يباع ويقضى الدين من ثمنه، إن كان حالاً، أو يحل قبل فساده، وإن كان لا يحل قبل فساده، جعل ثمنه مكانه رهناً، سواء شرط في الرهن بيعه أو أطلق؛ لأن العرف يقتضي ذلك، لحرص المالك على ملكه، فإذا تعين حفظ ملكه ببيعه، حمل عليه مطلق العقد، كتجفيف ما يجف والإنفاق على الحيوان.\r-------------------------------\r(1) مغني المحتاج: 144/3 ومابعدها، نهاية المحتاج: 304/3 ومابعدها.\r(2) المغني: 341/4،المهذب: 308/1، البدائع: 148/6.","part":6,"page":118},{"id":3714,"text":"وقال الشافعية (1) : إن رهنه بدين مؤجل لا يحل قبل فساد المرهون، ينظر فيه: فإن شرط أن يبيعه إذا خاف عليه الفساد، جاز رهنه. وإن أطلق فلم يشترط، ففيه قولان: الصحيح أنه لا يصح رهنه؛ لأنه لا يمكن بيعه بالدين قبل حلول أجل الحق، كما لا يصح إن شرط منع بيعه. وإن لم يعلم، هل يفسد المرهون قبل حلول الأجل، صح الرهن المطلق في الأظهر؛ لأن الأصل عدم فساده قبل الحلول.\r10 - رهن العصير :\rيجوز رهن العصير؛ لأنه يجوز بيعه، وتعرضه للخروج عن المالية بالتخمر لا يمنع صحة رهنه. فإن صار خلاً، فالرهن بحاله. وإن صار خمراً بعد القبض وجبت إراقته، وزال لزوم العقد، فإن أريق بطل العقد فيه، ولا خيار للمرتهن؛ لأن التلف حصل في يده.\rوإن استحال خمراً قبل قبض المرتهن له بطل الرهن عند الحنابلة، وقال الحنفية والمالكية، وفي الأصح عند الشافعية: لم يبطل الرهن، وهو بحاله؛ لأنه يغتفر في الدوام والبقاء مالا يغتفر في الابتداء، ولأنه كانت له قيمة حالة كونه عصيراً، ويجوز أن يصير له قيمة (2) . قال ابن قدامة: وهذا أقرب إلى الصحة؛ لأنه يعود رهناً باستحالته خلاً.\r-------------------------------\r(1) المهذب: 308/1، مغني المحتاج: 123/2 ومابعدها.\r(2) المغني: 342/4، مغني المحتاج: 129/2، كشاف القناع: 316/3.","part":6,"page":119},{"id":3715,"text":"11 - رهن المصحف :\rيصح عند الحنفية والمالكية. وفي الأصح عند الشافعية (1) : رهن المصحف وكتب الحديث والتفسير والآثار، ولا يقرأ فيها المرتهن؛ لأن عقد الرهن يفيد حق الحبس، لاحق الانتفاع، فإن انتفع بالمرهون، فهلك في حال الاستعمال يضمن كل قيمته، لأنه صار غاصباً.\rوالأصح عند الحنابلة (2) : أنه لا يصح رهن المصحف؛ لأنه لا يصح بيعه، والمقصود من الرهن استيفاء الدين من ثمنه، ولا يحصل ذلك إلا ببيعه، وبيعه غير جائز. ولكن يصح رهن كتب الحديث والتفسير، ولو لكافر إذا شرط أن تكون بيد مسلم عدل.\rالمبحث الثالث ـ أحكام الرهن أو آثاره :\rالكلام عن أحكام الرهن يتناول أمرين:\rأولاً ـ أحكام الرهن الصحيح.\rوثانياً ـ أحكام الرهن الفاسد.\rالرهن الصحيح: هو ما توافرت فيه شروط الرهن. وغير الصحيح: هو ما لم تتوافر فيه شروط الرهن. وغير الصحيح عند الحنفية نوعان: باطل وفاسد.\rالباطل: هو ما كان الخلل فيه في أصل العقد، بأن يفقد أهلية التعاقد عند العاقد كالمجنون والمعتوه، أو يزول محل العقد مثل رهن غير مال أصلاً، أو أن يكون المرهون به لا يستوفى بالمال كالقصاص والشفعة، أو يفقد معناه كاشتراط ألا يباع المرهون في الدين، أو ألا يكون للمرتهن فيه امتياز على سائر الغرماء.\rوالفاسد: ما لحق الخلل فيه وصف العقد، كأن يكون المرهون مشغولاً بغيره، أو أن يكون المرهون به مضموناً بغيره كالمبيع في يد البائع، على رواية النوادر. وظاهر الرواية أنه يصح الرهن بالمبيع قبل القبض، كما بينت في بحث الشروط.\rوغير الصحيح عند غير الحنفية نوع واحد: باطل أو فاسد: وهو ما لم تتوافر فيه شروط الرهن الصحيح التي يشترطونها، على خلاف بينهم في بعضها.\rأحكام الرهن الصحيح :\rفيه بيان حكم لزوم الرهن، وعشرة مطالب في آثار الرهن:\rحكم الرهن الصحيح أو حكم لزوم الرهن :\rيلزم الرهن بالنسبة للراهن لا للمرتهن، فلا يملك الراهن فسخه؛ لأنه عقد وثيقة بالدين، ويملك المرتهن فسخه في أي وقت؛ لأن العقد لمصلحته (3) ، ولا تترتب آثاره عند جميع الفقهاء إلا بالقبض، فلا يختص المرتهن بثمن العين المرهونة، ولا يثبت له حق الامتياز على غيره من الدائنين إلا بالقبض.\rولا يتحقق لزوم الرهن عند الجمهور إلا بالقبض، ويلزم عند المالكية بالإيجاب والقبول. وتفصيل المذاهب فيما يأتي:\rقال الجمهور من الحنفية والشافعية، والحنابلة في الأصح (4) : لا يلزم الرهن في جميع أحواله إلا بالقبض، أما قبل القبض، فللراهن إمضاء الرهن أو فسخه.\r-------------------------------\r(1) البدائع: 146/6، بداية المجتهد: 269/1، المهذب: 309/1، حاشية الباجوري: 126/2.\r(2) كشاف القناع: 314/3، المغني: 343/4.\r(3) المهذب: 305/1، 307.\r(4) الدر المختار ورد المحتار: 340/5 ومابعدها، تبيين الحقائق: 63/6، المهذب: 305/1، المغني: 328/4 ومابعدها.","part":6,"page":120},{"id":3716,"text":"ودليلهم ـ كما بان سابقاً ـ قوله تعالى: {فرهان مقبوضة} [البقرة:283/2] إذ المعنى فرهن رهان مقبوضة، لأن المصدر المقترن بالفاء في جواب الشرط هو في معنى الأمر، أي «فارهنوا» ، والأمر بالشيء الموصوف يقتضي أن يكون الوصف شرطاً فيه، فما شرع بصفة لا يوجد شرعاً إلا بها، فلا يلزم الرهن إلا بالقبض، ولأن الرهن عقد تبرع، لا يجبر الراهن على شيء فيه، فوجب لنفاذه وإمضائه القبض، إذ ليس للرهن قبل قبضه مظهر في الخارج إلا القبض، كما هو الشأن في الهبة والصدقة، فلا يوجد عقد الرهن شرعاً، ولا يترتب عليه أثره إلا مع القبض، ولا يلزم إلا بالقبض.\rوقال المالكية (1) : يلزم الرهن بالإيجاب والقبول، ويتم بالقبض. فإذا ما صدر الإيجاب والقبول، لزم العقد، ويجبر الراهن على تسليم الرهن إلى المرتهن ما لم يوجد أحد الموانع الأربعة التالية وهي:\rموت الراهن بعد العقدوقبل التسليم، مطالبة الغرماء بأداء الراهن ديونهم، حالة التفليس العام (أي أن تكون الديون محيطة بمال الراهن). مرض الراهن المخوف، أو جنونه المتصلان بوفاته.\rودليلهم ـ كما سبق بيانه ـ على أن الرهن يلزم بالعقد: أن العقد والالتزام يتحققان بالإيجاب والقبول، وقد قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود} [المائدة:1/5] والرهان عقد، والأمر للوجوب، فكان الوفاء به واجباً، من طريق لزومه بالنسبة للراهن، لأنه هو الملتزم.\r-------------------------------\r(1) بداية المجتهد: 270/2 ومابعدها، الشرح الكبير: 240/3 ومابعدها.","part":6,"page":121},{"id":3717,"text":"آثار عقد الرهن :\rإذا تم عقد الرهن بتسليم العين المرهونة إلى المرتهن، ترتب على تمامه وتسليمه الأحكام الآتية:\r1 - تعلق الدين بالمرهون.\r2 - حق حبس الرهن.\r3 - حفظ الرهن.\r4 - مؤنة الرهن.\r5 - منع الراهن من التصرف بالرهن.\r6 - عدم الانتفاع بالرهن.\r7 - ضمان الر هن (ضمان ما قابل الدين من الرهن عند الحنفية).\r8 - بيع الرهن، أو مطالبة المرتهن ببيع الرهن لسداد الدين.\r9 - امتياز الدائن المرتهن عن سائر الغرماء.\r10 - تسليم الرهن أو رده عند انتهاء الدين.\rالمطلب الأول ـ تعلق الدين بالمرهون :\rالمبدأ العام في هذا هو عدم تجزئة الرهن، فإذا رهنت عين بدين، تعلق هذا الدين بجميع أجزاء العين المرهونة، أو بجميع وحداتها، كما أنها هي رهن بجميع أجزاء الدين. فإذا سقط جزء من الدين بإبراء أو وفاء مثلاً، ظل باقيه متعلقاً بجميع العين المرهونة. وبه أخذ القانون المدني المصري والسوري. والدين الذي تعلق بالرهن: هو الذي جعل المال رهناً به فقط، ولا يتعلق غيره من الديون بالمرهون.\rوعلى أساس هذا التعلق، يثبت حق الحبس للمرتهن، فله حبس جميع المرهون، حتى يوفى كل الدين، سواء أكان المال شيئاً أم عدة أشياء.\rوهذا المبدأ أو الأصل السابق متفق عليه فقهاً، لكن الفقهاء اختلفوا في تطبيقه في حالة تعدد العقد، وعدم تعدده.\rفقال الحنفية (1) : إن اتحاد العقد يقوم على اتحاد الصيغة، فإذا اتحدت الصيغة اتحد العقد، سواء أكان الرهن في دين واحد أم أكثر، فلو وفى المدين الديون لا يسترد ما يقابله من المرهون، سواء اتحد المرهون أم تعدد. فلو وفى الراهن ما يقابل أحد الأعيان المرهونة لا يسترده، حتى ولو سمى في عقد الرهن لكل عين مرهونة حصة من الدين؛ لأن العقد واحد، لا يتعدد بالتسمية.\rوسواء تعدد الراهن (كأن يرهن مدينان شيئاً عند دائن) أو تعدد المرتهن (بأن كانا شريكين أو كان لكل واحد منهما دين مستقل على الراهن).\rفإذا اتحد العقد لا يتحرر شيء من الرهن؛ لأن الرهن محبوس بجميع الديون، أو بجميع الدين. وإذا تعدد العقد بتعدد الصيغة يتحرر من الرهن ما يقابله.\rوقال المالكية (2) : يتعدد العقد بتعدد كل من الراهن والمرتهن، أو بتعدد أحد الطرفين. ويكون عقد ا لرهن واحداً إذا كان كل من الراهن والمرتهن واحداً.\r-------------------------------\r(1) البدائع: 153/6، تبيين الحقائق: 78/6.\r(2) حاشية الدسوقي على الشرح الكبير: 258/3، الدردير: 257/3.","part":6,"page":122},{"id":3718,"text":"فإذا اتحد عقد الرهن، يكون جميع المرهون رهناً بما بقي من الدين بعد وفاء بعضه؛ لأن كل جزء من المرهون رهن بكل جزء من الدين.\rوإذا تعدد الرهن، بأن كان الراهن اثنين، والمرتهن واحداً، فوفى أحد الراهنين ما عليه من الدين، استرد حصته. أو كان الراهن واحداً والمرتهن متعدداً، فوفى الراهن حصة أحد الدائنين، فإنه يسترد من الرهن ماقابلها.\rويلاحظ أن الراهن إذا كان واحداً، والمرتهن متعدداً، وكان المرهون مما لا ينقسم، ووفى أحد الدائنين، يجعل الرهن تحت يد أمين، أو تبقى الحصة في يد المرتهن أمانة.\rوقال الحنابلة (1) بمثل قول المالكية: يتعدد العقد بتعدد الموجب أو القابل، فإذا كان الموجب اثنين والقابل واحداً، نشأ عقدان. وإذا كان الموجب واحداً، والقابل اثنين، نشأ أيضاً عقدان. وإذا كان كل من الموجب والقابل اثنين، نشأ أربعة عقود.\rويكون عقد الرهن واحداً إذا كان كل من الراهن والمرتهن واحداً، سواء أكان الدين واحداً أم متعددا. فإذا وفى ا لمدين بعض الدين، أو ديناً من الديون، لم يكن له أن يسترد ما يقابله من الرهن.\rوإذا تعدد الراهن، فمن وفى دينه، خرجت حصته من الرهن. وإذا تعدد المرتهن، فوفى الراهن أحد الدائنين، خرجت حصته من الرهن، واستردها الراهن.\rوإذا تعدد الراهن والمرتهن معاً، وهذه أربعة عقود، فيصير كل ربع من المرهون رهناً بربع الدين، فإذا وفى ربع الدين أو أكثر، انفك من الرهن ما يقابله قدراً، قال القاضي أبو يعلى: وهذا هو الصحيح.\r-------------------------------\r(1) المغني: 346/4، 402.","part":6,"page":123},{"id":3719,"text":"وقال الشافعية (1) :يتعدد الرهن ويتحد بتعدد الدين ووحدته. والغالب أن يتعدد الدين بتعدد العاقدين، ولو اتحد وكيلهما، بخلاف البيع، العبرة فيه بتعدد العاقد المباشر للعقد، ولو وكيلاً؛ لأن المال المرهون وثيقة بالدين، فإذا تعدد الدين، تعددت الوثيقة، وتعدد الدائن أو المدين يستلزم تعدد الدين غالباً. أما البيع فهو عقد ضمان، فكان النظر فيه لمن باشره.\rفالمناط عندهم هو تعدد الدين وعدم تعدده، ويتعدد الدين بتعدد المدين أو الدائن غالباً، ويتحد بعدم تعددهما، أو بكون الدين مشتركاً ولو كان الدائن اثنين، وبهذه الحالة الأخيرة يفترق مذهب الشافعية عن مذهبي المالكية والحنابلة.\rوبناء عليه: لو رهن شخص داراً عند دائنين، ثم وفى دين أحدهما، انفك من الرهن ما يقابل هذا الدين من المرهون، لتعدد الدين بسبب تعدد الدائن، بشرط أن يختص أحد الدائنين بما يقبضه، فإن شاركه فيه الآخر، لم ينفك شيء من الرهن، لعدم وفاء الدين على التمام.\rولو استعار مالاً من اثنين ليرهنه، ثم أدى نصف الدين، انفك نصف المال المرهون.\rوالخلاصة: أن العبرة باتفاق الفقهاء في فكاك شيء من المرهون أو عدم فكاكه بتعدد عقد الرهن وعدم تعدده، إلا أن مناط تعدده عند الحنفية: هو تعدد الصيغة، دون نظر لتعدد العاقدين أو عدم تعددهما. ومناطه عند المالكية والحنابلة: هو تعدد العاقد. وعند الشافعية: هو تعدد الدين وعدم تعدده، ويتعدد الدين عندهم بتعدد المدين أو الدائن غالباً، فيصبح مذهبهم قريباً من مذهبي المالكية والحنابلة.\r-------------------------------\r(1) مغني المحتاج: 141/2 ومابعدها، المهذب: 307/1.","part":6,"page":124},{"id":3720,"text":"المطلب الثاني ـ حق حبس الرهن :\rحق الحبس: يترتب على تعلق الدين بالمرهون؛ لأن التعلق شرع وسيلة لوفاء الدين من المرهون أو من غيره، ولا يتم التعلق على وضع مأمون إلا بحبس مايتعلق به الدين لدى المرتهن، حتى يكون حبسه حاملاً للمدين على الوفاء، مخافة بيع المال المحبوس جبراً عنه عند إبائه. فكان تعلق الدين بالرهن، وحبس المرهون من عناصر التوثق.\rوبناء عليه قال الحنفية (1) : يترتب على صحة الرهن ثبوت حق المرتهن في حبس العين المرهونة، على وجه الدوام، وعدم تمكين الراهن من استرداد المرهون قبل وفاء الدين؛ لأن الرهن شرع للتوثق، والتوثق لا يكون إلا بحبس ما يكون به الوفاء، وهو المال المرهون.\rوإثبات حق الحبس يكون عند الحنفية بإثبات يد استيفاء الدين للمرتهن على المرهون؛ لأن معنى الاستيفاء: هو ملك عين المستوفى، وملك اليد عليه معاً، وبما أن ملك عين المرهون ممنوع شرعاً بالحديث الصحيح: «لا يغلق الرهن من صاحبه» بقي ملك اليد، ويصير موجب عقد الرهن الذي شرع وثيقة للاستيفاء: وهو ثبوت ملك اليد فقط دون ملك العين؛ لأنه مدلول لفظ الرهن لغة وهو الحبس، والمعاني الشرعية تثبت على وفق المعاني اللغوية.\rوبما أن المرهون عين لها مالية، والوفاء إنما هو بماليتها، كانت يد المرتهن هي بالنظر إلى ماليتها، فتكون يد استيفاء بالنسبة لماليتها، فتقتصر على ما يقابل الدين من ماليتها، والزائد عنه أمانة في يد المرتهن.\r-------------------------------\r(1) المبسوط: 63/21، البدائع: 145/6، تبيين الحقائق: 64/6 ومابعدها، تكملة فتح القدير: 194/8-196، الدر المختار: 345/5.","part":6,"page":125},{"id":3721,"text":"وقال الجمهور (الشافعية والمالكية والحنابلة ) : إن موجب الرهن هو موجب سائر الوثائق، وهو أن تزداد به طرائق المطالبة بالوفاء، فيثبت به للمرتهن حق تعلق الدين بالعين المرهونة عيناً، والمطالبة بإيفائه من ماليتها، عن طريق بيعها واختصاصه بثمنها.\rأما حق الحبس، فليس بحكم لازم لعقد الرهن عند الشافعية، فللراهن أن يسترد الرهن لينتفع به بدون استهلاكه، فإذا انتهى انتفاعه، رده إليه. بدليل الحديث «لا يغلق الرهن من صاحبه الذي رهنه، له غنمه وعليه غرمه» أي لا يحبس، وأضافه النبي صلّى الله عليه وسلم إلى الراهن بلام التمليك، وسماه صاحباً، فاقتضى أن يكون هو المالك للرهن رقبة وانتفاعاً وحبساً.\rوالحبس على الدوام يتنافى مع كون الرهن توثيقاً، فقد يهلك الرهن، فيسقط الدين أي كما قال الحنفية، فيكون توهيناً لا توثيقاً. ثم إن في الحبس تعطيلاً للانتفاع بالرهن، فهو تسييب، والتسييب ممنوع شرعاً.\rوالخلاصة: إن عقد الرهن يثبت حق الحبس الدائم للمرتهن على المرهون عند الجمهور. أما عند الشافعية: فيقتضي الرهن عندهم فقط تعين المرهون للبيع لوفاء الدين.\rوفي تقديري أن رأي الجمهور أسلم لاتفاقه مع واقع الرهن وهو الاحتفاظ به لحمل المدين على الوفاء بالدين. لذا قرر المالكية والحنابلة كما تبين في شروط القبض ضرورة استدامة قبض المرهون في يد الدائن، حتى يؤدي الراهن ماعليه (1) .\rوانبنى على الخلاف بين الحنفية والشافعية في مقتضى عقد الرهن، أهو الحبس، أم تعينه للبيع مسائل هي:\r-------------------------------\r(1) بداية المجتهد: 272/2، المغني: 331 ، مغني المحتاج: 131/2، 133 .","part":6,"page":126},{"id":3722,"text":"1 - استرداد الرهن: لا يجيز الحنفية استرداد الرهن لينتفع به؛ لأنه يتنافى مع مقتضى عقد الرهن وهو حبس المرهون لدى المرتهن. ويجيز الشافعية استرداده للانتفاع به؛ لأن استرداده لا يتنافى مع مقتضى العقد: وهو تعين المرهون للبيع في سبيل وفاء الدين.\r2 - الزوائد المنفصلة المتولدة: يسري الحبس عند الحنفية إلى الزوائد المنفصلة المتولدة، فتحبس مع أصلها، لأنها كالجزء منها. ولا يسري عليها حكم الرهن عند الشافعية، فلا تباع في الدين، لأنها عين أخرى.\r3 - رهن المشاع: لا يصح رهن المشاع عند الحنفية؛ لأن الحبس الدائم لايتصور فيه. وعند الشافعية والمالكية والحنابلة: يجوز لجواز بيعه، وحكم الرهن هو تعينه للبيع واستيفاء الدين من ثمنه.\rمطالبة المرتهن بوفاء دينه مع استمرار حبس الرهن :\rقال الحنفية (1) : للمرتهن أن يطالب الراهن بدينه مع استمرار حبسه للمال المرهون إذا كان الدين حالاً.\rفإذا أراد المدين أداء الدين، كان له أن يطالب المرتهن بإحضار الرهن، وعلى المرتهن إحضاره ليعلم أنه لا يزال موجوداً لم يهلك. وهذا إذا لم يكن للرهن حمل ومؤنة، كأن كان في بلد عقد الرهن. ولا يكلف المرتهن بإحضار الرهن إذا كان للرهن حمل ومؤنة، وكانت المطالبة في بلد غير عقد الرهن؛ لأن الواجب عليه حينئذ التخلية، لا نقله إلى مكان الإيفاء، لئلا يترتب عليه ضرر كبير. فإن كانت المطالبة في البلد الذي تم فيه عقد الرهن، فإنه يحضره، لعدم ترتب ضرر كبير على إحضاره. كذلك لا يكلف المرتهن إحضاره إذا كان في يد عدل (أمين)، لأنه لا قدرة له على إحضاره؛ إذ العدل ممنوع من تسليم الرهن إلى أحد العاقدين، وإلا كان ضامناً وآخذه غاصباً.\r-------------------------------\r(1) البدائع: 148/6، 153 ومابعدها، الدر المختار: 343/5 ومابعدها، اللباب: 58/2.","part":6,"page":127},{"id":3723,"text":"والخلاصة: أن المطالبة إن كانت في بلد الرهن، يؤمر المرتهن بإحضاره مطلقاً. وإلا فإن لم يكن له حمل ومؤنة فيؤمر كذلك، وإن كان له حمل، لا يؤمر. وقال ابن عابدين: فيه نظر، فالمعول عليه على وجود المؤنة، فإن احتاج إلى نفقة حمل بأن كان في موضع آخر، لم يكلف إحضاره، وإن لم يحتج كلف إحضاره. وفي تقديري أن هذا هو الأدق والأولى.\rالمطلب الثالث ـ حفظ المال المرهون :\rبناء على ثبوت حق حبس المال المرهون عند المرتهن في مذهب الحنفية، فإن المرتهن يحفظ المرهون تحت يده بما يحفظ به مال نفسه عادة، فيحفظه بنفسه، وزوجته، وولده وخادمه إذا كانا يسكنان معه، وبأجيره الخاص؛ لأن عين المرهون أمانة في يد المرتهن، فصار من هذه الناحية كالوديعة، يحفظه كما تحفظ.\rولا يجوز له حفظه بغير هؤلاء، فإذا أودعه أو قصر في حفظه، ضمن قيمته بالغة ما بلغت. والضامن عند أبي حنيفة: هو المرتهن لا الوديع، وعند الصاحبين: كلاهما ضامن، المرتهن بالدفع، والوديع بتسلمه ما ليس مملوكاً للدافع، لكن يستقر الضمان في النهاية على المرتهن، كما في وديع الوديع. ويجوز للمرتهن السفر بالمرهون إذا كان الطريق آمناً، كما في الوديعة، وإن كان له حمل ومؤنة (1) .\rالمطلب الرابع ـ الإنفاق على الرهن أو مؤنة الرهن :\rاتفق الفقهاء على أن نفقة أو مؤنة الرهن على المالك الراهن؛ لأن الشارع قد جعل الغنم والغرم للراهن: «لا يغلق ـ لا يُتملك ـ الرهن من صاحبه الذي رهنه، له غنمه، وعليه غرمه» (2) .\rلكنهم اختلفوا على رأيين في نوع النفقة الواجبة على الراهن.\r1 - فقال الحنفية (3) : توزع النفقة على الراهن، باعتباره مالك العين، وعلى المرتهن، باعتباره مكلفاً بحفظها، على النحو التالي:\rكل ما يحتاج إليه من النفقات لمصلحة المرهون وتبقيته، فهو على الراهن؛ لأنه ملكه. وكل ما كان لحفظ المرهون، فهو على المرتهن؛ لأن حبسه له، فلزمه توابعه.\r-------------------------------\r(1) الدر المختار: 345/5، 347 ومابعدها، اللباب: 64/2 ومابعدها، تكملة الفتح: 202/8.\r(2) سبق تخريجه، رواه الشافعي والدارقطني وغيرهما عن أبي هريرة، وقال عنه الدارقطني: هذا إسناد حسن متصل (نيل الأوطار: 235/5) فإن قيل: إن نهاية الحديث من كلام ابن المسيب، أجيب بأن مراسيله يعمل بها، بل إنه تأيد بمرفوع عند غيره.\r(3) البدائع: 151/6، تبيين الحقائق: 68/6، اللباب: 61/2، الدر المختار وحاشيته: 346/5، تكملة الفتح: 202/8.","part":6,"page":128},{"id":3724,"text":"وبناء عليه، على الراهن: طعام الحيوان وشرابه وأجرة الراعي. وعليه سقي الشجر ونفقة تلقيحه وجذاذه (قطفه) والقيام بمصالحه، وسقي الأرض وإصلاحها وكري أنهارها وإنشاء مصارفها، وضريبة خراجها وعشر حاصلاتها؛ لأن كل ما ذكر من مؤونة (ما به بقاؤه) المال المملوك، ومؤُونة المملوك على مالكه.\rولا يجوز للراهن أن يجعل النفقة على الرهن، أو من زوائده، إلا برضا المرتهن، لأن المرهون كله قد تعلق به حق المرتهن، وفي بيعه للإنفاق على الباقي اعتداء على حقه، فلا يجوز بغير إذنه.\rوعلى المرتهن أجرة الحفظ، للحارس أو المحل الذي يحفظ فيه المرهون، مثل أجر حظيرة الحيوان، وأجرة المخزن المحفوظ فيه، لأن الأجرة مؤنة الحفظ، وهي عليه. وبناء عليه لا يجوز أن يشترط في عقد الرهن أجر للمرتهن على قيامه بحفظ الرهن، لأنه واجب عليه، ولا أجر على واجب.\rوروي عن أبي يوسف: أن أجرة المأوى على الراهن، بمنزلة النفقة؛ لأنه سعي في تبقيته.\rوأما نفقات رد المرهون عند ضياعه، ونفقات علاجه من القروح أو الأمراض (1) ، فعلى كل من الراهن والمرتهن، المرتهن بقدر ضمانه: وهو ما يقابل الدين، والباقي: وهو ما زاد على قدر الدين، وهو الأمانة التي لا تدخل في ضمان المرتهن، على الراهن، إذا كانت قيمته أكثر من الدين، وإلا فعلى المرتهن.","part":6,"page":129},{"id":3725,"text":"2 - وقال المالكية والشافعية والحنابلة (الجمهور) (2) : إن جميع نفقات أو مؤونات الرهن على الراهن، سواء منها ما كان لبقاء عينه، أو بقصد حفظه وعلاجه، للحديث السابق: «لا يغلق الرهن من صاحبه الذي رهنه، له غنمه وعليه غرمه» وكل إنفاق من غرمه، ولأن نفقة المملوك على مالكه.\rفإن لم ينفق الراهن، ما الحكم؟\rقال المالكية: إن لم ينفق الراهن، واحتاج الرهن إلى نفقة كعلف حيوان وإصلاح عقار، أنفق المرتهن، ويرجع بجميع ما أنفق على الراهن، وإن زاد على قيمة الرهن. وتكون النفقة ديناً في ذمة الراهن، لا بمالية الرهن أو عينه، سواء أنفق بإذن منه، أم بغير إذن، لأنه قام بواجب على الراهن.\rوقال الشافعية: يجبر القاضي الراهن على النفقة على المرهون إذا كان حاضراً موسراً، فإن تعذر الجبر بسبب إعساره أو غيبته، ففي حال الغيبة يمونه القاضي من مال الراهن إن كان له مال. وفي حال الإعسار: يقترض القاضي، أو يبيع جزءاً من الرهن لإبقائه، أو يأمر المرتهن بالإنفاق عليه، على أن يكون ديناً في ذمة الراهن.\rوإذا أنفق المرتهن، رجع على الراهن إن كان الإنفاق بإذن القاضي، أو أشهد عند الإنفاق. وعند غيبة الراهن: أشهد أنه إنما أنفق ليرجع.\rوقال الحنابلة: إن أنفق المرتهن بدون إذن الراهن، مع قدرته على استئذانه، كان متبرعاً، لا حق له في الرجوع بما أنفق. فإن عجز عن استئذانه لغيبة أو نحوها، وأنفق، يرجع بأقل المبلغين: نفقة المثل، وما أنفقه فعلاً، بشرط أن ينوي الرجوع بالنفقة. ولا يشترط استئذان القاضي، ولا الإشهاد على النفقة.\r-------------------------------\r(1) وجاء في الفتاوى البزازية: أن ثمن الدواء وأجرة الطبيب على المرتهن.\r(2) الشرح الكبير وحاشية الدسوقي: 251/3 ومابعدها، مغني المحتاج: 136/2، المغني: 392/4، كشاف القناع: 326/3 ومابعدها، المهذب: 314/1.","part":6,"page":130},{"id":3726,"text":"المطلب الخامس ـ الانتفاع بالرهن :\rلا يجوز تعطيل منفعة الرهن؛ لأنه تضييعٌ للمال وإهدارٌ له، وإنما يجب الإفادة منه أثناء الرهن، فمن الذي ينتفع به، الراهن أم المرتهن؟\rتبحث كل حالة على حدة، انتفاع الراهن، ثم انتفاع المرتهن.\rأولاً ـ انتفاع الراهن بالرهن :\rهناك في انتفاع الراهن بالرهن رأيان: رأي الجمهور غير الشافعية بعدم جواز الانتفاع. ورأي الشافعية بجوازه ما لم يضر بالمرتهن (1) . وتفصيل الأقوال فيما يأتي:\r1 - قال الحنفية (2) : ليس للراهن أن ينتفع بالمرهون استخداماً أو ركوباً أو لبساً أو سكنى وغيرها، إلا بإذن المرتهن، كما أنه ليس للمرتهن الانتفاع بالرهن إلا بإذن الراهن، ودليلهم على الحالة الأولى: أن حق الحبس ثابت للمرتهن على سبيل الدوام، وهذا يمنع الاسترداد. فإن انتفع الراهن من غير إذن المرتهن، فشرب لبن البقرة المرهونة، أو أكل ثمر الشجر المرهون، ونحوهما، ضمن قيمة ما انتفع به؛ لأنه تعدى بفعله على حق المرتهن، وتدخل القيمة التي هي بدل الاستهلاك في حبس المرتهن للرهن، ويتعلق بها الدين.\rوإذا استعاد الراهن الرهن لاستعماله بدون إذن المرتهن، فركب الدابة المرهونة، أو لبس الثوب المرهون، أو سكن الدار المرهونة أو زرع الأرض، ارتفع ضمان المرتهن للرهن، وكان غاصباً للرهن، فيرد إلى المرتهن جبراً عنه. وإذا هلك في يده هلك عليه. فإن لم يترتب على انتفاع الراهن بالرهن رفع يد المرتهن، فله الانتفاع به، كإيجار آلة يشغلها المرتهن، مثل آلة طحن ونحوه، فأجر ما تطحنه حينئذ للراهن؛ لأن نماء الرهن وزوائده للراهن (3) ، وإذا أخذه المرتهن احتسب من دينه. وهذا المذهب مبني على أن الرهن يلحق الزيادة المتولدة من الرهن متصلة أو منفصلة عنه.\r-------------------------------\r(1) الإفصاح: 238/1 .\r(2) البدائع: 146/6، الدر المختار: 342/5 ومابعدها.\r(3) الدر المختار: 370/5.","part":6,"page":131},{"id":3727,"text":"2 - وقال الحنابلة (1) مثل الحنفية: لا يجوز للراهن الانتفاع بالرهن إلا بإذن أو رضا المرتهن. فليس له استخدامه ولا ركوبه ولا لبسه ولا سكناه. وتعطل منافعه أي على كره من الشرع، إذا لم يتفق الراهن والمرتهن على انتفاع الراهن، فتغلق الدار مثلاً حتى يفك الرهن؛ لأن الرهن عين محبوسة،فلم يجز للمالك أن ينتفع بها، كالمبيع المحبوس لدى البائع حتى يوفى ثمنه.\rوهذا المذهب مبني على مبدأ أن جميع منافع الرهن ونمائه تكون رهناً مع أصلها، كالحنفية تماماً.\rإصلاح الرهن: ولا يمنع الراهن من إصلاح الرهن ودفع الفساد عنه ومداواته إن احتاج إليها، وإنزاء الفحل على الأنثى المرهونة عند الحاجة.\r3 - وتشدد المالكية (2) أكثر من المذهبين السابقين، فقرروا عدم جواز انتفاع الراهن بالرهن، وقرروا أن إذن المرتهن للراهن بالانتفاع مبطل للرهن، ولو لم ينتفع؛ لأن الإذن بالانتفاع يعد تنازلاً عن حقه في الرهن.\rوبما أن منافع الرهن مملوكة للراهن، فله أن ينيب المرتهن في أن ينتفع بالرهن نيابة عنه ولحساب الراهن،حتى لا تتعطل منافع الرهن. فإن عطل المرتهن استغلال المرهون، كإغلاق الدار، ضمن عند بعض المالكية أجرة المثل في مدة التعطيل؛ لأنه ضيعها عليه. وقال بعضهم: لا يضمن، إذ ليس عليه أن يستغل للراهن ماله. وقال بعضهم: يضمن إلا إذا علم الراهن بالاستغلال ولم ينكر عليه التعطيل.\r4 - وأما الشافعية (3) فقالوا خلافاً للجمهور السابق: للراهن كل انتفاع\r-------------------------------\r(1) المغني: 390/4 ومابعدها، كشاف القناع: 323/3.\r(2) الشرح الكبير مع الدسوقي: 241/3 ومابعدها.\r(3) مغني المحتاج: 131/2 ومابعدها.","part":6,"page":132},{"id":3728,"text":"بالرهن لا يترتب عليه نقص المرهون، كالركوب، والاستخدام، والسكنى، واللبس، والحمل على الدابة أو السيارة؛ لأن منافع الرهن ونماءه ملك للراهن، ولا يتعلق بها الدين عندهم، ولخبر الدارقطني والحاكم: « الرهن مركوب ومحلوب» وخبر البخاري: «الظهر يركب بنفقته إذا كان مرهوناً» .\rأما ما يترتب عليه نقص قيمة الرهن كالبناء والغرس في الأرض المرهونة، فلا يجوز للراهن إلا بإذن المرتهن مراعاة لحقه. وللمرتهن أن يرجع عن إذنه قبل تصرف الراهن.\rوإذا أمكن الراهن الانتفاع بالمرهون بغير استرداد كإيجار آلة عند المرتهن، لم يسترد من المرتهن. وإن لم يمكن الانتفاع به بغير استرداد كأن يكون داراً يسكنها، أو دابة أو سيارة يركبها، فيسترد للحاجة إليه، حتى إذا انتهى انتفاعه به، رده على المرتهن.\rثانياً ـ انتفاع المرتهن بالرهن :\rيرى الجمهور غير الحنابلة: أنه ليس للمرتهن أن ينتفع بشيء من الرهن. وحملوا ما ورد من جواز الانتفاع بالمحلوب والمركوب بمقدار العلف على ما إذا امتنع الراهن من الإنفاق على الرهن، فأنفق عليه المرتهن، فله الانتفاع بمقدار علفه. والحنابلة يجيزون الانتفاع للمرتهن بالرهن إذا كان حيواناً، فله أن يحلبه ويركبه بقدر ما يعلفه وينفق عليه (1) . وتفصيل المذاهب كما يأتي:\r1 - قال الحنفية (2) : ليس للمرتهن أن ينتفع بالمرهون استخداماً ولا ركوباً ولا سكنى ولا لبساً ولا قراءة في كتاب، إلا بإذن الراهن؛ لأن له حق الحبس دون الانتفاع. فإن انتفع به، فهلك في حال الاستعمال يضمن كل قيمته، لأنه صار غاصباً.\r-------------------------------\r(1) بداية المجتهد: 273/2.\r(2) الدر المختار ورد المحتار: 342/5، البدائع: 146/6، تبيين الحقائق: 67/6، الهداية مع تكملة الفتح: 201/8.","part":6,"page":133},{"id":3729,"text":"وإذا أذن الراهن للمرتهن في الانتفاع بالمرهون، جاز مطلقاً عند بعض الحنفية. ومنهم من منعه مطلقاً؛ لأنه ربا أو فيه شبهة الربا، والإذن أو الرضا لا يحل الربا ولا يبيح شبهته. ومنهم من فصل فقال: إن شرط الانتفاع على الراهن في العقد، فهو حرام؛ لأنه ربا، وإن لم يشرط في العقد، فجائز؛ لأنه تبرع من الراهن للمرتهن. والاشتراط كما يكون صريحاً، يكون متعارفاً، والمعروف كالمشروط.\rوهذا التفصيل هو المتفق مع روح الشريعة، والغالب من أحوال الناس أنهم عند دفع القرض إنما يريدون الانتفاع، ولولاه لما أعطوا الدراهم، وهذا بمنزلة الشرط؛ لأن المعروف كالمشروط، وهو مما يُعيِّن المنع، كما قال ابن عابدين.\rوأرى أن الاحتياط في الدين أمر واجب، وكل قرض جر نفعاً مشروطاً أو متعارفاً فهوعند الحنفية ربا، وقد صرح ابن نجيم في الأشباه أنه يكره (أي تحريماً) للمرتهن الانتفاع بالرهن (1) . وقال في التتارخانية ما نصه: «ولو استقرض دراهم، وسلم حماره إلى المقرض ليستعمله إلى شهرين، حتى يوفيه دينه، أو داره ليسكنها، فهو بمنزلة الإجارة الفاسدة، إن استعمله، فعليه أجر مثله، ولا يكون رهناًَ» . وعليه نرى أن مااعتاده الناس في زماننا من رهن الدور على أن يسكنها المرتهن، ريثما يرد إليه الراهن دينه، وهو قرض، غير جائز باتفاق المذاهب، وليس العقد من قبيل بيع الوفاء، لعدم انصراف مقاصد الناس إلى البيع.\r-------------------------------\r(1) المقرر في القانون المدني السوري والمصري يتفق مع الشريعة، فقد نص فيهما على أنه ليس للمرتهن أن ينتفع بالرهن دون مقابل.","part":6,"page":134},{"id":3730,"text":"2 - وفصل المالكية (1) فقالوا: إذا أذن الراهن للمرتهن بالانتفاع أو اشترط المرتهن المنفعة، جاز إن كان الدين من بيع أو شبهة (معاوضة)، وعينت المدة بأن كانت معلومة، للخروج من الجهالة المفسدة للإجارة، لأنه بيع وإجارة، وهو جائز. والجواز كما قال الدردير بأن يأخذ المرتهن المنفعة لنفسه مجاناً، أو لتحسب من الدين على أن يعجل دفع باقي الدين. ولايجوز إن كان الدين قرضاً (سلفاً)؛ لأنه قرض جر نفعاً. ولا يجوز الانتفاع في حالة القرض إن تبرع الراهن للمرتهن بالمنفعة أي لم يشترطها المرتهن؛ لأنها هدية مديان، وقد نهى عنها النبي صلّى الله عليه وسلم (2) .\rوالخلاصة: إن هناك ثماني صور لاشتراط المرتهن منفعة الرهن لنفسه، سبعة منها ممنوعة، وواحدة منها فقط جائزة. أما الممنوعة فأربع صور منها في القرض: وهي ما إذا كانت مدة المنفعة معينة، أو مجهولة، مشترطة أو متطوعاً بها، وثلاث صور منها في البيع: وهي ما إذا كانت متطوعاً بها، سواء كانت مدتها معينة أم مجهولة، أو كانت مشترطة ولم تعين مدتها أي المدة مجهولة.\rوأما الصورة الجائزة: فهي ما إذا كانت المنفعة مشترطة في عقد البيع، والمدة معينة. ومحل الجواز فيها إذا اشترطت ليأخذها المرتهن مجاناً، أو لتحسب من الدين على أن يعجل الباقي منه.\r3 - وقال الشافعية (3) كالمالكية إجمالاً: ليس للمرتهن أن ينتفع بالعين المرهونة لقول النبي صلّى الله عليه وسلم : «لا يغلق الرهن من صاحبه، الذي رهنه، له غنمه وعليه\r-------------------------------\r(1) الشرح الكبير للدردير والدسوقي: 246/3، بداية المجتهد: 273/2، القوانين الفقهية: ص 324.\r(2) عن أنس عن النبي صلّى الله عليه وسلم قال: «إذا أقرض فلا يأخذ هدية» أي قبل الوفاء. رواه البخاري في تاريخه (نيل الأوطار: 231/5).\r(3) حاشية البجيرمي على الخطيب: 61/3، الإفصاح لابن هبيرة: 238/1، مغني المحتاج: 121/2.","part":6,"page":135},{"id":3731,"text":"غرمه» قال الشافعي: غنمه: زياداته. وغرمه: هلاكه ونقصه. ولا شك أن من الغُنم سائر وجوه الانتفاع. وهذا رأي ابن مسعود.\rفإن شرط المرتهن في عقد القرض ما يضر الراهن، كأن تكون زوائد المرهون أو منفعته له، أي للمرتهن، بطل الشرط، والرهن في الأظهر، لحديث «كل شرط ليس في كتاب الله تعالى، فهو باطل» . وأما بطلان الرهن فلمخالفة الشرط مقتضى العقد، كالشرط الذي يضر المرتهن نفسه.\rأما إن كانت المنفعة مقدرة أو معلومة، وكان الرهن مشروطاً في بيع، فإنه يصح اشتراط جعل المنفعة للمرتهن؛ لأنه جمع بين بيع وإجارة في صفقة، وهو جائز. مثل أن يقول شخص لغيره: بعتك حصاني بمئة بشرط أن ترهنني بها دارك، وأن تكون منفعتها لي سنة، فبعض الحصان مبيع، وبعضه أجرة في مقابلة منفعة الدار.\rفإن لم يكن الانتفاع مشروطاً في العقد، جاز للمرتهن الانتفاع بالرهن، بإذن صاحبه، لأن الراهن مالك، وله أن يأذن بالتصرف في ملكه لمن يشاء، وليس في الإذن تضييع لحقه في المرهون؛ لأنه لا يخرج عن يده، ويبقى محتبساً عنده لحقه.\r4 - وأما الحنابلة (1) فقالوا في غير الحيوان: ما لا يحتاج إلى مؤنة (قوت) كالدار والمتاع ونحوه، لا يجوز للمرتهن الانتفاع به بغير إذن الراهن بحال؛ لأن الرهن ومنافعه ونماءه ملك الراهن، فليس لغيره أخذها بغير إذنه، فإن أذن الراهن للمرتهن في الانتفاع بغير عوض، وكان دين الرهن من قرض لم يجز؛ لأنه قرض جر منفعة، وذلك حرام، قال أحمد: أكره قرض الدور وهو الربا المحض، يعني إذا كانت الدار رهناً في قرض ينتفع بها المرتهن.\r-------------------------------\r(1) المغني: 385/4 ومابعدها، كشاف القناع: 342/3 ومابعدها.","part":6,"page":136},{"id":3732,"text":"وعبارتهم في الموضوع: «لا ينتفع المرتهن من الرهن بشيء، إلا ما كان مركوباً أو محلوباً، فيركب ويحلب بقدر العلف» . وإن كان الرهن بثمن مبيع، أو أجر دار أو دين غير القرض، فأذن له الراهن في الانتفاع، جاز، أي ولو مع المحاباة في الأجرة.\rوإن كان الانتفاع بعوض هو أجر المثل من غير محاباة، جاز في القرض وغيره، لكونه لم ينتفع بالقرض، بل بالإجارة. وإن حاباه لا يجوز في القرض، ويجوز في غيره.\rوالخلاصة: أن الانتفاع إن كان بعوض جاز في القرض وغيره إن كان بأجر المثل، وإن كان بغير عوض لا يجوز في القرض، وإذا انتفع المرتهن من غير إذن الراهن، حسب من دينه.\rوأما الحيوان: فيجوز للمرتهن أن ينتفع به إن كان مركوباً أو محلوباً، على أن يركب ويحلب، بقدر نفقته، متحرياً العدل في النفقة، وإن لم يأذنه الراهن.\rودليلهم الحديث السابق: «الظهر يركب بنفقته إذا كان مرهوناً، ولبَن الدَّر يُشرب بنفقته إذا كان مرهوناً، وعلى الذي يركب ويشرب النفقة» وجملة «الظهر يركب، والدر يشرب» جملة خبرية في معنى الإنشاء مثل: { والوالدات يرضعن أولادهن } [البقرة:233/2]، ولأن التصرف معاوضة، والمعاوضة تقتضي المساواة بين البدلين.\rلكن قال ابن القيم في أعلام الموقعين: لا ضرورة إلى المساواة بين البدلين؛ لأن الشارع ساوى بينهما،ويعسر علينا أمر الموازنة بين الركوب واللبن وبين النفقة.\rولم يعمل الجمهور بهذا الحديث، وقالوا: إنه حديث ترده أصول وآثار صحيحة. ويدل على نسخه حديث: «لا تحلب ماشية امرئ بغير إذنه» (1) ، وحديث: «لا يغلق الرهن من صاحبه الذي رهنه، له غنمه وعليه غرمه» .\rوأجاب الحنابلة: بأن السنة أصل، فكيف تردها الأصول؟! وأما الحديث الناسخ فهو عام، وحديث الرهن خاص، فيكون الخاص مقيداً له.\r-------------------------------\r(1) أخرجه البخاري في أبواب المظالم عن ابن عمر (سبل السلام: 51/3).","part":6,"page":137},{"id":3733,"text":"وأرى الأخذ بهذا الاستثناء الوارد عند الحنابلة؛ لأن الحديث صحيح. وفيما عداه القول الراجح هو ما عليه اتفاق المذاهب، بدليل أن الحنابلة قالوا:\rإن شرط في الرهن أن ينتفع به المرتهن، فالشرط فاسد؛ لأنه ينافي مقتضى الرهن، وأما الرهن في البيع فجائز لأنه بيع وإجارة كما قال الشافعية.\rالمطلب السادس ـ التصرف في الرهن :\rإما أن يصدر التصرف في الرهن من الراهن أو من المرتهن.\rأولاً ـ تصرف الراهن بالرهن :\rأ ـ قبل التسليم: ينفذ عند الحنفية والشافعية والحنابلة تصرف الراهن بالرهن قبل القبض بدون إذن المرتهن؛ لأنه لم يتعلق به حق المرتهن حينئذ.\rأما المالكية (1) القائلون بأن الرهن يلزم بالإيجاب والقبول، وبأن الراهن يجبر على تسليم الرهن للمرتهن، فيجيزون ـ بالرغم مما ذكر ـ للراهن أن يتصرف في الرهن قبل القبض، فلو باع الراهن الرهن المشترط في عقد البيع أو القرض نفذ بيعه، إن فرط مرتهنه في طلبه حتى باعه، وصار دينه بلا رهن لتفريطه. فإن لم يفرط في الطلب وجدَّ في المطالبة، ففيه ثلاثة آراء:\rالأول لابن القصار: وهو أن للمرتهن رد البيع ولا ينفذ، إن كان المبيع باقياً. وإن فات (ذهب من يد البائع) كان ثمنه رهناً عنده مكانه، وينفذ البيع.\rالثاني لابن أبي زيد: وهو نفاذ البيع، وجعل الثمن بدله رهناً.\rالثالث لابن رشد: وهونفاذ البيع، ويصير الدين بلا رهن، ولا يكون الثمن رهناً بدله.\rوأما إن كان الرهن متطوعاً به بعد العقد، وباعه الراهن قبل أن يقبضه المرتهن، فينفذ بيعه، وهل يكون ثمنه رهناً أو لا يكون؟ فيه خلاف، كالخلاف في بيع الهبة قبل قبضها.\rب ـ بعد التسليم: إذا سلم الراهن المرهون، بقي على ملكه، ولكن تعلق به دين المرتهن، فاستحق حبسه وثيقة بالدين إلى أن يوفى عند الحنفية، ويصبح متعيناً للبيع وثيقة بالدين عند ا لجمهور غير الحنفية.\r-------------------------------\r(1) الشرح الكبير وحاشية الدسوقي: 248/3.","part":6,"page":138},{"id":3734,"text":"وعلى كلا الرأيين: لا يجوز للراهن أن يتصرف بالرهن إلا بإذن المرتهن، لتعلق حقه به، فيتنازل عن حقه في حبس الرهن أو تعينه للبيع. وتفصيل المذاهب فيما يأتي:\r1 - قال الحنفية (1) : إذا باع الراهن الرهن بغير إذن المرتهن، فالبيع موقوف لتعلق حق الغير به، فإن أجازه المرتهن، أو قضاه الراهن دينه، أو أبرأه المرتهن عن الدين، جاز البيع ونفذ، وصار ثمنه في غير حال الوفاء بالدين رهناً مكانه في ظاهر الرواية؛ لأن البدل له حكم المُبْدَل. وإن لم يجزه، لم ينفسخ وبقي موقوفاً في أصح الروايتين، وكان المشتري ـ في حال عدم علمه بأنه مرهون ـ بالخيار: إن شاء صبر إلى فك الرهن، أو رفع الأمر إلى القاضي بفسخ البيع.\rووجه ظاهر الرواية: أن حق المرتهن متعلق بمالية المرهون، فإذا بيع وأصبح الثمن بدلاً عن المال المرهون، لم يتضرر المرتهن؛ لأن حقه لم يزل بالبيع.\rوإذا تكرر بيع الراهن قبل أن يجيز المرتهن، كأن باعه مرة ثانية، كان البيع الثاني موقوفاً أيضاً على إجازة المرتهن، فأي البيعين أجازه لزم، وبطل الآخر.\rوإذا كان التصرف الثاني (الوارد بعد بيع الراهن الرهن) هبة أو إجارة أو رهناً فأجاز المرتهن هذا التصرف، نفذ البيع الأول، دون هذه التصرفات؛ لأن إجازته هذه التصرفات إسقاط لحقه في الحبس، وبها يزول المانع من نفاذ البيع، فينفذ، وتتحقق مصلحة المرتهن بتحول حقه لثمن المبيع، أما تلك التصرفات فليس في نفاذها منفعة للمرتهن، لعدم تحول حقه فيها إلى بدل يقوم مقام المرهون.\rوإذا تصرف الراهن أولاً بالإعارة أو الإجارة أو الهبة أو الرهن، كان تصرفه أيضاً موقوفاً على إجازة المرتهن.\r-------------------------------\r(1) البدائع: 146/6، تكملة الفتح: 224/8، تبيين الحقائق: 84/6 ومابعدها، الدر المختار: 361/5، اللباب: 59/2.","part":6,"page":139},{"id":3735,"text":"أما في حال الإعارة: فإن ردها المرتهن بطلت، وإن أجازها نفذت، ولا يبطل بإجازتها عقد الرهن؛ لأن الإعارة عقد غير لازم، فلكل من الراهن والمرتهن بعد نفاذها استرداد العارية، وإعادتها رهناً كما كانت.\rوأما في حال الإجارة: فإجارتها مبطلة لعقد الرهن؛ لأنها عقد لازم.\rوإذا تصرف الراهن بعقد من هذه العقود مع المرتهن، فحكمها حكم إجازة المرتهن لهذه العقود إذا كانت لغيره. فإذا كان هو المشتري أو الموهوب له أو المتصدق عليه (أي المتملك)، فإن الرهن يبطل بذلك.\rوإذا كان هو المستعير لم يبطل الرهن، ولكن يرتفع ضمانه وقت انتفاعه بالعين المرهونة فقط، فإذا هلك أثناء انتفاعه، هلك هلاك الأمانات، وإذا هلك قبل انتفاعه، أو بعد انتهائه هلك هلاك الرهن. وإذا كان هو المستأجر، فإن جدد القبض للإجارة (وهو أمر شكلي) بطل الرهن، ونفذت الإجارة؛ لأن قبض الرهن دون قبض الإجارة، فلا ينوب منابه؛ لأن قبض الرهن قبض لا يؤدي إلى جواز الانتفاع، وقبض الإجارة يؤدي إليه، فهو أقوى، فلم ينب منابه. وإذا جدد القبض للإجارة، فهلك المقبوض، هلك هلاك الأمانات، لا يضمن إلا بالتعدي أو بالتقصير. ومن التعدي: أن يمنع المرتهن الرهن عن مالكه بعد انتهاء مدة الإجارة.\r2 - وقال المالكية (1) : إذا تصرف الراهن بالرهن من غير إذن المرتهن، ببيع أو إجارة أو هبة، أو صدقة، أو إعارة ونحوها، كان التصرف موقوفاً على إجازة المرتهن، فيخير مثلاً بين أن يرد البيع ويرجع الرهن لما كان عليه من الرهنية، أو يجيزه. وبطل الرهن على المعتمد بمجرد الإذن (أي إذن المرتهن للراهن بالتصرف) وإن لم يتصرف الراهن، لاعتبار الإذن تنازلاً عن الرهن.\r3 - وقال الشافعية (2) : ليس للراهن المُقْبِض تصرف يزيل الملك، كالهبة والبيع والوقف، مع\r-------------------------------\r(1) الشرح الكبير: 241/3 ومابعدها، 248، بداية المجتهد: 274/2، القوانين الفقهية: ص 324.\r(2) مغني المحتاج: 130/2 وما بعدها، المهذب: 309/1، 311.","part":6,"page":140},{"id":3736,"text":"غير المرتهن بغير إذنه؛ لأنه لو صح لفاتت الوثيقة. كما لا يصح له رهن المرهون لغير المرتهن الأول عنده، ولا إجارة المرهون إن كان الدين حالاً، أو يحل أجله قبل انقضاء مدة الإجارة، ويعد التصرف حينئذ باطلاً.\rفإن كان هذا التصرف مع المرتهن أو بإذنه، فيصح ويبطل الرهن، إلا في الإجارة فيستمر الرهن، ويصح للراهن كل تصرف لا يضر المرتهن كالسكنى والركوب كما بان سابقاً، ويصح له أيضاً الإجارة والإعارة إلى مدة لا تمتد إلى ما\rبعد حلول الدين، لأنه تصرف لا يمس حق المرتهن في بيع الرهن عند حلول الدين، وعدم الوفاء.\r4 - والحنابلة (1) كالشافعية قالوا: إذا تصرف الراهن بالرهن تصرفاً بغير إذن المرتهن، بطل التصرف؛ لأنه يؤدي إلى إبطال حق المرتهن بالوثيقة، سواء أكان التصرف بيعاً أم إجارة أم هبة أم وقفاً، أم رهناً وغيره. وإذا أذن المرتهن بهذا التصرف، صح، وبطل الرهن، إلا في الإجارة فيستمر الرهن في الأصح. كما أن الرهن يبقى بحاله مستمراً إذا كان التصرف إعارة أذن بها المرتهن.\rوالخلاصة: إن تصرف الراهن بالرهن بغير إذن المرتهن موقوف عند الحنفية، باطل عند الأئمة الآخرين.\rثانياً ـ تصرف المرتهن بالرهن :\rتبين مما سبق أن حق الراهن قائم في عين الرهن، فهو ملكه، وحق المرتهن ثابت في ماليته، فله حبسه لوفاء الدين.\rوبناء عليه، لا يجوز للمرتهن أن يتصرف في الرهن بغير إذن الراهن، كما في تصرف الراهن، لأنه تصرف فيما لا يملك، ويكون تصرفه موقوفاً عند الحنفية والمالكية كتصرف الفضولي، وباطلاً عند الشافعية والحنابلة، وتفصيل المذاهب فيما يأتي:\r1 - قال الحنفية (2) : ليس للمرتهن أن يتصرف بغير إذن الراهن؛ لأنه تصرف فيما لا يملك، إذ\r-------------------------------\r(1) المغني: 363/4، كشاف القناع: 321/3 ومابعدها.\r(2) البدائع: 146/6، الدر المختار: 342/5 ومابعدها، ورد المحتار: 139/5.","part":6,"page":141},{"id":3737,"text":"لا حق له إلا في حبس المرهون، فإن تصرف بغير إذنه بالبيع أو الهبة، أو الصدقة أو الإعارة ونحوها، كان تصرفه موقوفاً على إجازة الراهن،إن\rأجازه نفذ، وإلا بطل. لكن إن أجره المرتهن بلا إذن، فالأجرة له، وإن كان بإذن فللمالك الراهن، وبطل الرهن (1) .\rوإن هلك المرهون عند المتصرف إليه، ففيه تفصيل:\rأ ـ إن باعه المرتهن أو وهبه أو تصدق به أو أعاره فهلك عند المتصرف إليه، فللراهن الخيار: إما أن يضمن المرتهن لتعديه، ويستقر الضمان عليه، فلا يرجع على أحد، وبأدائه الضمان يتبين أنه تصرف في ملكه. وإما أن يضمن المتصرف إلىه ولا يرجع أحدهم على المرتهن؛ لأن كل واحد عامل لنفسه، فالمشتري أو الموهوب له أو المتصدق له قبض لنفسه، وفي ضمان نفسه، سواء أكان عالماً بأنه معتد، أم غير عالم، لأنه في الحالة الأخيرة أقدم على تصرف يتبعه ضمانه، كما لو كان ملكاً للمرتهن. وأما المستعير فقد قبض لنفسه لينتفع مجاناً.\rب ـ وإن أجره المرتهن أو أودعه،أو رهنه، ثم هلك، فللراهن الخيار: إما أن يضمن المرتهن، فلا يرجع على أحد، ويتبين أنه تصرف في ملك نفسه، أو يضمن المتصرف إليه، ولكن يرجع كل منهم على المرتهن؛ لأنه ليس عاملاً لنفسه، وإنما هو عامل للمؤجر أو المودع أو الراهن في حفظ العين لصالحه أي المؤجر ونحوه، وإذا كان كل منهم عاملاً للمرتهن فيرجعون بالضمان عليه.\rوإذا كان الهلاك بتعدي المتصرف إليه، كان هو الضامن لتعديه، ويستقر الضمان عليه لو ضمن الراهن المرتهن.\rويلاحظ أنه إذا اختار الراهن تضمين المرتهن أو المتصرف إليه، لا يعود إلى\r-------------------------------\r(1) الدر المختار ورد المحتار: 342/5، 372.","part":6,"page":142},{"id":3738,"text":"تضمين الآخر؛ لأن اختياره تضمين أحدهما بمثابة تمليك له، وإذا ملك شخصاً لم يكن له أن يملِّك غيره، ولأن اختياره تضمين أحدهما يعتبر منه إقراراً بأنه هو المعتدي على حقه دون الآخر، فلا يقبل منه بعدئذ تضمينه.\r2 - وقال المالكية (1) كالحنفية: لا يجوز تصرف المرتهن في الرهن بغير إذن الراهن؛ لأنه تصرف فيما لا يملك. فإن تصرف فيه بغير إذنه بيعاً أو هبة أو إجارة أوإعارة، كان موقوفاً على إجازة الراهن، كتصرف الفضولي عندهم.\rوإن تصرف بإذن الراهن نفذ، وبطل رهنه إذا كان التصرف بيعاً أو هبة، أو إجارة لمدة تمتد إلى ما بعد حلول أجل الدين. أما إذا كانت مدتها تنتهي قبل حلول أجل الدين، فلا يبطل الرهن، ويسترده المرتهن بعد انتهاء مدتها. كما يبطل الرهن بإعارته لمدة تمتد إلى ما بعد حلول أجل الدين، ولم يشترط رد المرهون إلى المرتهن عند حلول الدين، أو لم يكن هناك عرف يقضي برده. فإن انتهت مدة الإعارة قبل حلول الأجل، أو اشترط الرد عند الحلول، أو وجد عرف يقضي برده، فلا يبطل الرهن حينئذ.\r3 - وقال الحنابلة والشافعية (2) : ليس للمرتهن أن يتصرف في الرهن بغير إذن الراهن؛ لأنه ليس ملكاً له، فإن أقدم على التصرف كان تصرفه باطلاً، ولا يبطل الرهن. أما إن تصرف بإذن الراهن فتصرفه ينفذ، ويبطل الرهن إن كان تمليكاً. ولا يبطل الرهن إن كان إجارة أو إعارة، سواء أكان التصرف للراهن أم لغيره، وإنما يزول عند الحنابلة لزوم الرهن بالتصرف بالمرهون، وكأنه لم يلحقه قبض. فإذا عاد المرهون للمرتهن عاد رهناً كما كان. وأما عند الشافعية الذين لايشترطون استدامة قبض الرهن، فيظل الرهن ولو كان بيد غير المرتهن.\r-------------------------------\r(1) الشرح الكبير والدسوقي: 242/3.\r(2) المغني: 331/4، مغني المحتاج: 131/2.","part":6,"page":143},{"id":3739,"text":"المطلب السابع ـ ضمان الرهن :\rالبحث هنا في ثلاثة أمور:\rأولها ـ صفة يد المرتهن.\rوثانيها ـ كيفية ضمان المرتهن عند الحنفية وعند الجمهور.\rوثالثها ـ استهلاك الرهن.\rأولاً ـ صفة يد المرتهن: هل هي يد أمانة أو يد ضمان؟ فيه رأيان: الأول للحنفية، والثاني للجمهور.\r1 - قال الحنفية (1) : يد المرتهن يد أمانة بالنظر لعين المال المرهون، ويد استيفاء أو ضمان بالنسبة لمالية المرهون فيما يقابل الدين من مالية الرهن. بمعنى أن ما يساوي الدين من مالية الرهن تعتبر يد المرتهن عليه يد ضمان أو استيفاء، فإذا امتنع رد المرهون لصاحبه بسبب هلاك أو غيره، كان المرتهن مستوفياً من دينه هذا المقدار، واحتسب من ضمانه، وأما ما زاد من قيمة الرهن على الدين فهو أمانة، يهلك هلاك الأمانة، فلا يضمن إلا بالتعدي أو التقصير.\rوأدلتهم: حديث «الرهن بما فيه» (2) أي يهلك بما رهن فيه، وما روي أن رجلاً\r-------------------------------\r(1) الدر المختار: 342/5، اللباب: 55/2، تكملة الفتح: 198/8، تبيين الحقائق: 63/6، البدائع: 154/6.\r(2) رواه الدارقطني مسنداً عن أنس وأبو داود مرسلاً، والأول حديث ضعيف والثاني مرسل صحيح (نصب الراية: 321/4).","part":6,"page":144},{"id":3740,"text":"رُهن فرساً، فنَفَق (مات) في يده، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلم للمرتهن: «ذهب حقك» (1) .\rوقد عمل الحنفية بالحديث الأول: «إذا عُمِّي فهو بما فيه» فقالوا (2) : معناه: إذا اشتبهت قيمته بعد هلاكه، بأن قال كل: لا أدري كم كانت قيمته، ضمن بما فيه من الدين.\rأ ـ وقال الجمهور غير الحنفية (3) : يد المرتهن على الرهن يد أمانة، فلا يضمن إلا بالتعدي أو التقصير، ولا يسقط شيء من الدين بهلاك الرهن. إلا أن المالكية بالرغم من قولهم بأن يد المرتهن يد أمانة استحسنوا تضمين المرتهن عند وجود التهمة: وهي عندما يكون الرهن مما يغاب عليه (أي يمكن إخفاؤه) كالحلي والثياب والكتب والسلاح والسفينة وقت جريها ونحوه مما يمكن إخفاؤه وكتمه، إذا كان المرهون بيد المرتهن، لا بيد أمين (عدل) ولم تقم بينة (شهادة اثنين) أوشاهد مع يمين على احتراقه أو سرقته أو تلفه، بلا تعدٍ ولا إهمال من المرتهن.\rأما إذا كان المرهون مما لا يغاب عليه كالعقار والحيوان، أو كان الرهن بيد أمين، أو قامت بينة على تلفه بلا تعد ولا إهمال من المرتهن، فلا يضمنه المرتهن عند هلاكه.\rودليل الجمهور على كون يد المرتهن يد أمانة: حديث أبي هريرة السابق: «لا يغلق الرهن من صاحبه الذي رهنه، له غنمه وعليه غرمه» فقد جعل النبي غرم الرهن ـ ومنه هلاكه ـ على الراهن، وإنما يكون غرمه عليه إذا هلك أمانة؛ لأن عليه قضاء دين المرتهن. أما إذا هلك مضموناً، فإن غرمه على المرتهن، حيث سقط حقه، لا على الراهن.\rثم إن الرهن وثيقة بالدين، فلا يجوز أن يسقط الدين بهلاكه، إذ يتنافى السقوط مع كونه وثيقة.\rكما أن وجود المرهون في يد المرتهن حدث برضا الراهن، فكان بسبب الرضا أميناً، كالوديع بالنسبة للمودع.\rويلاحظ أن رأي الجمهور أقوى لقوة أدلتهم، وضعف أحاديث الحنفية.\r-------------------------------\r(1) رواه أبو داود في مراسليه، وابن أبي شيبة في مصنفه، وهو مرسل وضعيف (نصب الراية: 321/4).\r(2) الدر المختار: 348/5.\r(3) الشرح الكبير والدسوقي: 253/3-255، بداية المجتهد: 273/2، القوانين الفقهية: ص 324، مغني المحتاج: 136/2، المهذب: 316/1، أعلام الموقعين: 35/4، المغني: 396/4، كشاف القناع: 328/3.","part":6,"page":145},{"id":3741,"text":"ثانياً ـ كيفية ضمان المرتهن :\r1 - مذهب الحنفية: إن المرهون مضمون بالأقل من قيمته ومن الدين (1) ، فإن كانت القيمة أقل من الدين، فهو مضمون بالقيمة وسقط من الدين بقدرها، ورجع المرتهن بالفضل الزائد على الراهن، وإن تساوى الدين وقيمة المرهون، صار المرتهن مستوفياً دينه حكماً، لتعلق قيمة الرهن بذمته، وإن كانت قيمة الرهن أكثر من الدين، فالفضل الزائد أمانة في يد المرتهن لا يضمن مالم يتعد عليه، أو يقصر في حفظه (2) .\rشرائط الضمان: اشترط الحنفية لضمان الرهن على النحو المذكور شروطاً ثلاثة (3) :\rالأول ـ شرط بقاء الدين أي وجود الدين عند هلاك المرهون، أو أن يكون موعوداً به عند قبض الرهن: فإذا سقط الدين قبل هلاك الرهن، بالإبراء أو بالوفاء ونحوهما، ثم هلك الرهن، فإنه يهلك على الراهن بغير شيء، ولا ضمان على المرتهن حينئذ.\rالثاني ـ شرط بقاء القبض أي أن يكون هلاك الرهن في يد المرتهن أو في يد العدل، وفي حال قبضه على حكم الرهن: فإذا هلك المرهون، وهو في يد الراهن، أو في يد غاصبه، لم يهلك هلاك الرهن، وإنما يهلك على ضمان الراهن إذا كان في يده، أو على ضمان الغاصب إذا هلك في يده.\rوإذا أذن الراهن المرتهن في الانتفاع بالرهن، فهلك حال انتفاعه به، بناء على الإذن، فإنه أيضاً يهلك هلاك الأمانة، ولا يسقط بهلاكه شيء من الدين، لأنه لم يهلك في قبض الرهن، وإنما هلك في قبض العارية.\rأما إن هلك قبل أن يبدأ انتفاعه به، أو بعد انتهائه، فإنه يهلك هلاك الرهن، لأنه هلك في قبض الرهن.\r-------------------------------\r(1) أي ما هو أقل. و «مِنْ» لبيان الأقل الذي هو القيمة تارة، والدَّينُ أخرى.\r(2) اللباب: 55/2، البدائع: 160/6، ومراجع الحنفية في صفة يد المرتهن.\r(3) البدائع: 155/6-160، تكملة الفتح: 240/8.","part":6,"page":146},{"id":3742,"text":"وكذلك لو أعاره أحدهما بإذن الآخر لأجنبي، فهلك عنده، هلك هلاك العارية. وإن أودعه المرتهن لدى الراهن، فهلك في يده، لم يسقط شيء من الدين بهلاكه، لانتقاض قبض الرهن برده إلى الراهن.\rالثالث ـ شرط كون المرهون مقصوداً بالرهن أي ألا يكون الهالك من زيادة الرهن ونمائه، مما يدخل في الرهن تبعاً، كالولد واللبن والثمرة والصوف ونحوها، من كل زيادة متولدة منفصلة.\rفإذا هلك النماء أو الزيادة، هلك هلاك الأمانة؛ لأن الزيادة لم تدخل في الرهن إلا تبعاً للأصل، فكانت يد المرتهن عليها يداً تابعة ليده على أصلها.\rنقص سعر المرهون: لا يؤثر نقص سعر المرهون عند جمهور الحنفية خلافاً لزفر في ضمان الرهن؛ لأن ما يسقط من الدين بهلاك الرهن مراعى فيه قيمته وقت قبضه، لا وقت هلاكه؛ لأن قبضه قبض استيفاء، فتراعى قيمته في وقت القبض. فإذا نقصت قيمته بسبب تغير الأسعار، لا يسقط بسبب التغير شيء من الدين (1) .\rنقص قيمة الرهن بسبب هلاك بعضه أو تعيبه: إذا كان الرهن متعدداً، فهلك بعضه، أو كان سليماً فتعيب عند المرتهن، سقط من الدين بمقدار ما نقص من قيمة الرهن بسبب هلاك بعضه أو تعيبه، وكان الباقي من الرهن رهناً بالباقي من الدين.\rإلا أنه إذا كان المرهون من الأموال الربوية بأن كان مكيلاً أو موزوناً ورهن بجنسه كسوار ذهب بليرات ذهبية وكسبيكة فضية بحلي من فضة، ثم هلك، فيهلك عند أبي حنيفة بمثله وزناً من الدين (2) ، وإن اختلف الرهن والدين في الجودة والصناعة؛ لأنه لا عبرة بالجودة، أي لا ينظر إليها عند المقابلة بالجنس في الأموال الربوية (3) . وإن رهنت بخلاف جنسها كقمح بذهب هلكت بقيمتها كسائر الأموال.\r2 - مذهب الجمهور غير الحنفية في كيفية ضمان الرهن :\rلا يضمن الرهن عند جمهور الفقهاء (4) إذا هلك بلا تعد ولا تقصير، وهو في يد المرتهن، وإنما يضمن بالتعدي أو التقصير، ولا يسقط شيء من الدين بتلف\r-------------------------------\r(1) تبيين الحقائق: 91/6.\r(2) تكملة الفتح: 212/8، تبيين الحقائق: 74/6، اللباب: 57/2.\r(3) وقال الصاحبان: يضمن المرتهن قيمة المرهون من مال آخر خلاف جنسه، ويحل الضمان مكان أصله في الرهن عند المرتهن.\r(4) المغني: 396/4، مغني المحتاج: 137/2، القوانين الفقهية: ص 324، الشرح الكبير: 344/3، المقدمات الممهدات: 367/2.","part":6,"page":147},{"id":3743,"text":"المرهون إلا أن المالكية ـ كما تقدم ـ ضمنوا المرتهن إذا كان الرهن في يده وحيازته لا في يد أمين مما يغاب عليه، كالحلي والسلاح والثياب والكتب والسفينة وقت جريها وكان المرهون في يده وحيازته، لا في يد أمين، ولم تقم بينة على هلاكه من غير تعد ولا تقصير، وحينئذ يضمن قيمته بالغة ما بلغت، ويستمر الضمان إلى تسليم الرهن لصاحبه، فلا يرفعه وفاء الدين ولا سقوطه. ويسقط دين المرتهن إن كان مساوياً للرهن. ولديهم قولان في وقت تقدير قيمة المرهون: قول بتقديرها يوم الضياع (أي التغيب) وقول بتقديرها يوم الارتهان (1) ، وكيفية الضمان عندهم: أن العاقدين يترادان الفضل بينهما، فإن كانت قيمة الدين أكثر من قيمة الرهن، رجع المرتهن على الراهن بالفضل، وإن كانت قيمة الرهن أكثر، رجع الراهن على المرتهن بما فضل من قيمة الرهن على الدين.\rثالثاً ـ حكم استهلاك الرهن :\rاتفقت المذاهب على وجوب ضمان الرهن باستهلاكه، وعلى أن قيمة الضمان تحل محل المرهون، واختلفوا في جزئيات مثل تحديد الخصم الذي يطالب بالضمان، وتعيين وقت تقدير القيمة.\rفقال الحنفية (2) : إذا استهلك أو أتلف الراهن الرهن، ضمن قيمته إن كان قيمياً، ومثله إن كان مثلياً، يوم الاستهلاك أو الإتلاف (وقت التعدي) ويكون المرتهن هو الخصم الذي يطالب الراهن بالضمان؛ لأنه صاحب الحق بحبس المرهون، ويأخذ المرتهن المضمون (القيمة أو المثل) رهناً في يده؛ لأنه قائم مقام\r-------------------------------\r(1) حاشية الدسوقي على الشرح الكبير: 253/3. قال الدسوقي: هل تعتبر القيمة يوم الضياع أي وقت تغيبه، أم يوم الارتهان؟ قولان. ووفق بعضهم بين القولين بأن الأول هو ضمان قيمته يوم الضياع إذا كان قد ظهر عنده يوم ادعى التلف، وأن الثاني ـ وهو ضمان قيمته يوم ارتهانه إذا لم يظهر عنده منذ ارتهنه إلى وقت ادعائه تلفه.\r(2) البدائع: 163/6، تبيين الحقائق: 87/6، اللباب: 60/2.","part":6,"page":148},{"id":3744,"text":"أصل المرهون، إلى حلول أجل الدين. فإن كان الدين حالاً، أخذ المرتهن دينه كله من القيمة.\rوإذا استهلك المرتهن الرهن أو أتلفه بتعدٍ أو تقصير من جهته، ضمن قيمته إن كان قيمياً، ومثله إن كان مثلياً، والمعتبر قيمته يوم قبضه؛ لأن المرهون دخل في ضمانه من يوم قبضه.\rفإن أتلفه أجنبي، ضمن قيمته يوم التعدي، كما هو المقرر في اعتداء الراهن؛ لأن نشوء الضمان كان بالتعدي.\rوسواء أتلفه المرتهن أو الأجنبي أو الراهن يكون المضمون (مثلاً أو قيمة) رهناً مكان أصله؛ لأنه بدله، فيتعلق به حق المرتهن، كما كان متعلقاً بأصله. ويكون الخصم في مطالبة الأجنبي أو الراهن بالضمان هو المرتهن، ويعطى لمن كان أصل المرهون في يده، من مرتهن أو عدل.\rوقال الشافعية والحنابلة (1) : يضمن المتعدي على الرهن قيمته أو مثله، وقت التعدي، ويكون بدله رهناً مكانه، ولو لم يقبض هذا الضمان، حتى يظل المرتهن صاحب امتياز أو أفضلية على سائر الغرماء في مقدار بدل الرهن من تركة المتعدي.\rوالخصم في اقتضاء بدل الرهن: هو الراهن؛ لأنه المالك، ولكن يقبضه من كان الأصل في يده من مرتهن أو عدل.\rوقال المالكية (2) : تكون قيمة الرهن عند ضمانه، بسبب التعدي عليه من الراهن أو من أجنبي إن لم يأت الراهن برهن مثل الأول وتقدر القيمة يوم التعدي.\rفإن كان المرتهن هو المتعدي على الرهن، فيضمن قيمته يوم ضياعه (تغيبه)، وقيل: يوم ارتهانه.\r-------------------------------\r(1) مغني المحتاج: 136/2، 138، المغني: 396/4، كشاف القناع: 328/3.\r(2) الشرح الكبير وحاشية الدسوقي: 244/3، 253.","part":6,"page":149},{"id":3745,"text":"المطلب الثامن ـ بيع الرهن :\rالكلام عن بيع المرهون يتطلب أموراً خمسة: ولاية البيع الاختياري والجبري، وبيع مايتسارع إليه الفساد، وحق امتياز المرتهن، واشتراط المرتهن تملك المرهون عند عدم الوفاء، واستحقاق الرهن بعد بيعه.\rأولاً ـ ولاية بيع المرهون :\rأ ـ البيع الاختياري: اتفق الفقهاء على أن المرهون يظل ملكاً للراهن بعد تسليمه للمرتهن، كما دلت السنة: «لا يغلق الرهن من صاحبه» فتكون ولاية بيع المرهون للراهن، لا لغيره، لكن لتعلق حق المرتهن به، وثبوت حق حبسه إياه عند الجمهور غير الشافعية، وكونه أولى بماليته من الراهن، يتوقف عند الحنفية والمالكية نفاذ بيعه على رضا المرتهن وإذنه، ما دام حقه قائماً، فإذا انتهى هذ الحق، نفذ البيع بانتهائه، كما بان في بحث التصرف بالرهن.\rوعليه يكون للراهن باتفاق الفقهاء أن يبيع الرهن بإذن ا لمرتهن. فإذا توفي الراهن، كانت ولاية البيع لوصيه أو لوارثه، كما يكون له في حال حياته، أن يوكل في البيع غيره، فيوكل المرتهن، أو العدل، أو أجنبياً آخر غيرهما.\rوذكر الحنفية (1) فروقاً بين الوكالة المشروطة في عقد الرهن، والوكالة المفردة الحادثة بعد عقد الرهن، من هذه الفروق:\rأن الوكالة المشروطة في عقد الرهن لا ينعزل الوكيل فيها بعزل الموكل ولابموت الراهن أو المرتهن، ولا تقبل التقييد بعد الإطلاق، ويجبر فيها الوكيل ببيع الرهن على بيعه إذا امتنع عنه؛ لأن الوكالة صارت شرطاً أو وصفاً من شروط الرهن، فتلزم بلزومه.\rبخلاف الوكالة المفردة في كل هذه الأحكام، فإنها تنتهي بالعزل أو بموت الراهن والمرتهن، ... إلخ؛ لأنها لم تصر وصفاً من أوصاف الرهن، ولم يتعلق بها حق المرتهن.\r-------------------------------\r(1) تبيين الحقائق للزيلعي: 81/6 ومابعدها.","part":6,"page":150},{"id":3746,"text":"وأوضح المالكية (1) بعض الأمور في حالة إذن الراهن بالبيع، فقالوا: ليس للعدل أو المرتهن بيع الرهن إلا بإذن الراهن؛ لأن ولاية البيع له، فإذا أذن الراهن لأحدهما بالبيع، فإما أن يكون الإذن مطلقاً أو مقيداً.\rفإن قيده بعدم وفاء الدين في وقت معين، لم يجز لأحدهما بيعه قبل الوقت، بل يجب الرجوع إلى القاضي، ليبين أن الدين قد وفي أم لا.\rوإن كان الإذن مطلقاً: فإن كان للعدل، استقل حينئذ ببيعه بدون رجوع إلى القاضي. وإن كان للمرتهن، فله البيع بدون الرجوع للقاضي إذا صدر الإذن بعد العقد، أما إذا صدر حال العقد، فلا يبيع إلا أن يرجع إلى القاضي، حتى ترتفع شبهة إكراه الراهن على إصدار الإذن.\rوينفذ البيع، إذا لم يكن فيه غبن، أما إن بيع بأقل من قيمته، فللراهن أخذه من المشتري، وإن تداولته الأيدي بأي ثمن شاء مما بيع به.\rوقالوا كالحنفية: لايملك الراهن ولا المرتهن عزل الوكيل في بيع الرهن، كما لا يجوز له أن يعزل نفسه، ولا ينعزل إلا باتفاقهما على عزله.\r-------------------------------\r(1) الشرح الكبير والدسوقي: 250/3 وما بعدها.","part":6,"page":151},{"id":3747,"text":"وكذلك قرر الشافعية والحنابلة (1) : أن ولاية البيع للراهن، بإذن المرتهن، فلا يبيعه هو أو وكيله من غير إذنه، إلا إذا تعنت، فرفض أن يأذن بالبيع، فيرفع الراهن الأمر للقاضي، فيأمره بأن يأذن بالبيع أو يبرئ الراهن، دفعاً للضرر عنه، وإلا أذن القاضي للراهن بالبيع لوفاء الدين.\rب ـ البيع الجبري :\rالرهن وثيقة بالدين كما عرفنا، والهدف المقصود من الرهن هو الحصول على الدين من ثمن المرهون، إذا لم يوف الراهن المدين بالدين عند حلول أجل الدين، عن طريق بيع المرهون.\rويتم البيع في الأحوال العادية بواسطة الراهن أو وكيله؛ لأنه هو المالك للمرهون.\rوبناء عليه، إذا حل أجل الدين، طالب المرتهن الراهن بوفاء الدين، فإن استجاب إلى طلبه،فوفى، فبها ونعمت، وإن لم يستجب لمطل أو إعسار، أو لغيبة، أجبره القاضي على البيع باتفاق الفقهاء.\rويجبر القاضي عند الحنفية والمالكية وكيل الراهن على البيع، كما تقدم، ولا يجبر عند الشافعية والحنابلة؛ لأن الوكيل متفضل، له أن يتخلى عن وكالته، فلا يجبر على البيع، وإنما يتم البيع بواسطة القاضي إذا كان الرهن غائباً. أو كان حاضراً وأبى البيع.\rويطلب القاضي أولاً من الراهن الحاضر بيع المرهون، فإن امتثل، تم المقصود، وإن امتنع، باعه القاضي عند المالكية والشافعية والحنابلة وصاحبي أبي حنيفة بدون حاجة إلى إجباره بحبس أو ضرب أو تهديد (2) .\rوقال أبو حنيفة: ليس للقاضي أن يبيع الرهن بدين المرتهن من غير رضا الراهن، لكنه يحبس الراهن حتى يبيعه بنفسه (3) .\rوإذا وجد في مال المدين الراهن مال من جنس الدين، وُفِّيَ الدين منه، ولا حاجة حينئذ إلى البيع جبراً.\rوإذا احتاج بيع المال المرهون إلى نفقات، كانت على الراهن؛ لأنه هوالمالك، وهو ملزم بقضاء الدين، والبيع نتيجة لعدم وفائه.\rثانياً ـ بيع ما يتسارع إليه الفساد :\rعرفنا فيما مضى أنه يصح رهن ما يسرع إليه الفساد من أنواع الفواكه، فإن أمكن تجفيفه تجنباً لفساده، جفف، والمؤنة على الراهن، ولا يطلب رضاه؛ لأن الجفاف من مؤونته وحفظه وتبقيته، وهو على الراهن. وإن كان مما لا يجفف: فللمرتهن أن يبيعه في الحال؛ لأن بيعه ضروري لحفظه، ولكن بإذن القاضي؛ لأن له ولاية في مال غيره في الجملة، فإن باع بغير إذنه، ضمن لأنه لا ولاية له عليه.\rفإن كان الدين حالاً، يقضى من ثمنه، وإن كان مؤجلاً، يكون الثمن رهناً إلى وقت الحلول.\r-------------------------------\r(1) مغني المحتاج: 130/2، المغني: 362/4 ومابعدها.\r(2) الشرح الكبير للدردير: 251/3، القوانين الفقهية: ص 324، مغني المحتاج: 134/2، المهذب: 307/1، كشاف القناع: 330/3.\r(3) البدائع: 148/6، الدر المختار: 359/5، رد المحتار: 357/5، تكملة الفتح: 222/8.","part":6,"page":152},{"id":3748,"text":"وإن كان لا يحل الدين قبل أوان فساده، بل يحل بعد فساده أو معه، فإنه يباع أيضاً، ويجعل الثمن رهناً مكانه، سواء شرط في عقد الرهن بيعه، أو أطلق أي خلا العقد من الشرط (1) .\rوخالف الشافعية في الصورة الأخيرة، وهي ما إذا كان يحل بعد فساده، أو معه، فقالوا: إن شرط في الرهن بيعه، وجعل ثمنه رهناً مكانه، صح الرهن، ونفذ الشرط. وإن أطلق فعلى قولين، وهما وجهان عند الحنابلة: أحدهما: لا يصح الرهن، وهو الصحيح عند الشافعية، وعكسه هو الأصح عند الحنابلة، ودليل الشافعية أن بيع الرهن قبل حلول أجل الدين، لا يقتضيه عقد الرهن، فلا يجوز. وحينئذ إذا بقي الرهن على حاله إلى أن يفسد، ذهبت الوثيقة (2) .\rثالثاً ـ حق امتياز المرتهن :\rحق الامتياز: معناه أن يكون المرتهن أولى أو أحق بثمن المرهون من سائر الغرماء (الدائنين) حتى يستوفي حقه، حياً كان الراهن أو ميتاً. ويثبت هذا الحق للمرتهن باتفاق الفقهاء (3) ما عدا الظاهرية بناء على تعلق حقه أو دينه بالمال المرهون، وكون الرهن وثيقة بالدين، وثبوت حق المرتهن في حبسه عند غير الشافعية (الجمهور)، ومنع الراهن من التصرف بالرهن إلا بإذن المرتهن باتفاق المذاهب.\r-------------------------------\r(1) البدائع: 148/6، الدر المختار: 157/5، المغني: 341/4، المهذب: 308/1، مغني المحتاج: 123/2 ومابعدها .\r(2) والقول الثاني وهو الراجح عند الحنابلة: يصح الرهن، ويباع المرهون عند الإشراف على الفساد؛ لأن الظاهر والذي يقتضيه العرف أن المالك لا يقصد برهنه مع الإطلاق إتلاف ماله، فإذا تعين حفظه في بيعه، حمل عليه مطلق العقد. وعزاه الرافعي في الشرح الصغير إلى تصحيح الأكثرين، وقال الإسنوي: إن الفتوى عليه.\r(3) البدائع: 153/6، القوانين الفقهية: ص 324، مغني المحتاج: 134/2، المغني: 404/4 ومابعدها.","part":6,"page":153},{"id":3749,"text":"وعليه إذا ضاق مال الراهن عن وفاء ديونه، وطالب الغرماء بديونهم، أو حجر على المدين لإفلاسه عند مجيزي الحجر خلافاً لأبي حنيفة، وأريد قسمة ماله بين غرمائه (دائنيه)، فأول من يقدم هو المرتهن لاستيفاء حقه من ثمن المرهون، أو من قيمته عند ضمانه عوضاً عنه من قيمة أو مثل، أياً كان الضامن، بسبب الإتلاف.\rولا يحق الاعتراض لباقي الغرماء، ولهم أخذ ما فضل من الثمن؛ لأن حق المرتهن متعلق بعين الرهن، وذمة الراهن معاً، فهو صاحب حق عيني، وأما سائر الغرماء، فيتعلق حقهم بالذمة، دون العين، فكان حقه أقوى، وحقهم شخصي فقط.\rهذا إن كان ثمن المرهون كافياً لحق المرتهن، ويفضل منه شيء، فيوزع الفاضل أو الباقي على الغرماء بالتساوي، فإن فضل من دين المرتهن شيء، أخذ ثمن المرهون، وساهم مع الغرماء ببقية دينه.\rويسدد دين المرتهن من ثمن المرهون، إذا كان الدين حالاً، فإن كان مؤجلاً، وبيع الرهن لسبب من الأسباب التي تستوجب بيعه قبل حلول أجل الدين كما في بيع ما يسرع إليه الفساد، فإن الثمن يبقى رهناً بدل أصله، إلى أن يحل الدين.\rرابعاً ـ اشتراط المرتهن تملكه للرهن عند عدم الوفاء (غَلَق الرهن ) :\rاتفق جمهور الفقهاء (1) على أنه إذا شرط المرتهن في عقد الرهن أنه متى حل الدين، ولم يوف، فالمرهون له بالدين، أو فهو مبيع له بالدين الذي على الراهن،\r-------------------------------\r(1) المغني: 383/4، القوانين الفقهية: ص 324 ومابعدها، المنتقى على الموطأ: 239/5، نيل الأوطار: 235/5 ومابعدها، مغني المحتاج: 137/2.","part":6,"page":154},{"id":3750,"text":"فهو شرط فاسد، لقوله صلّى الله عليه وسلم : «لا يَغْلَق الرهن من صاحبه» ، أي لا يستحقه ولا يملكه المرتهن إذا لم يُفْتَكَّ في الوقت المشروط. قال مالك: «لا يغلق الرهن» معناه ـ والله أعلم ـ لا يمنع من فكه، والنهي عن الشيء يقتضي فساد المنهي عنه. وقال الأزهري: الغَلَق في الرهن: ضد الفك، فإذا فك الراهن الرهن، فقد أطلقه من وثاقه عند مرتهنه. وروى عبد الرزاق عن معمر: أنه فسر غَلَق الرهن بما إذا قال الرجل: إن لم آتك بمالك، فالرهن لك.\rوالخلاصة: أن المراد بالحديث: لا يستحق المرتهن الرهن، إذا لم يُفْتَكَّ في الوقت المشروط، فلو هلك الرهن، لم يذهب حق المرتهن، وإنما يهلك من رب الرهن، إذ له غنمه وعليه غرمه.\rقال النووي في المنهاج وشراحه: ولو شرط كون المرهون مبيعاً له عند الحلول،فسد، أي الرهن لتأقيته، والبيع لتعليقه. والمرهون قبل المَحِل، أي وقت الحلول أمانة؛ لأنه مقبوض بحكم الرهن الفاسد، وبعده مضمون بحكم الشراء الفاسد.\rوهناك قول لأبي الخطاب من الحنابلة، ولبعض الحنفية: أن الرهن لا يفسد بهذا الشرط؛ لأن الحديث: « لا يغلق الرهن» نفى غَلَقه دون أصله، فيدل على صحته، ولأن الراهن قد رضي برهنه مع هذا الشرط، فمع بطلانه أولى أن يرضى به.\rورد ابن قدامة الحنبلي: أنه رهن بشرط فاسد، فكان فاسداً، كما لو شرط توقيته. وليس في الخبر أنه شرط ذلك في ابتداء العقد، فلا يكون فيه حجة.\rخامساً ـ استحقاق الرهن بعد بيعه :\rقال الحنفية (1) : إذا ظهر كون الرهن بعد بيعه مستحقاً لغير الراهن، فإما أن يكون المرهون المبيع موجوداً حين ادعاء الاستحقاق، أو هالكاً.\r-------------------------------\r(1) تكملة فتح القدير: 223/8، الدر المختار: 359/5 ومابعدها.","part":6,"page":155},{"id":3751,"text":"فإن كان موجوداً، أخذه المستحق إن أراد؛ لأنه وجد عين ماله، فلا يمنع عنه إلا بحق لزمه، ولم يوجد. ويكون مشتريه حينئذ بالخيار: إن شاء رجع على من باعه إياه بما دفع إليه من ثمن؛ لأنه هو العاقد، وإن شاء رجع به على المرتهن إذا كان قد قبض الثمن؛ لأن البيع قد انتقض بالاستحقاق، وبطل أن يكون المدفوع ثمناً، وقد وصل إلى يد المرتهن على هذا الأساس، فيجب عليه رده، ونقض قبضه حكماً.\rوإذا كان البائع هو العدل، رجع العدل بالثمن على الراهن، إن شاء؛ لأنه وكيل عنه في البيع، فتلحقه العهدة بسبب الوكالة، وبه يصح الوفاء بما دفع العدل للمرتهن.\rوإن كان الرهن عند الاستحقاق هالكاً، فإن المستحق بالخيار: إن شاء ضمن الراهن قيمته؛ لأنه غاصب حقه، بأخذه ورهنه. وإن شاء ضمن العدل؛ لأنه متعد في حقه بالبيع والتسليم. وإن شاء على ما يظهر ضمن المشتري لهلاك ملكه في يده.\rفإن ضمن الراهنَ، نفذ البيع، وصح الوفاء؛ لأن الراهن بأدائه الضمان، ملك الشيء المضمون أي العين المرهونة، ملكاً مستنداً إلى وقت الاعتداء، فتبين أنه رهن ملك نفسه، وأمر ببيع ملك نفسه.\rوإن ضمن العدلَ ـ البائعَ، نفذ البيع أيضاً؛ لأن العدل قد ملكه بأداء الضمان، فتبين أنه قد باع ملك نفسه. وبتضمينه يرجع العدل بالخيار: إن شاء على الراهن بما ضمن، لأنه وكيله، وينفذ البيع، ويصح الوفاء. وإن شاء على المرتهن بالثمن، لا بالقيمة؛ لأنه تبين أنه أخذ الثمن بغير حق؛ لأن العين صارت ملكه بالضمان، ونفذ بيعه بسبب تملكه، وصار الثمن له، وقد أداه إليه على حساب أنه للراهن، لا له، يرجع به لهذا السبب، وإذا رجع بطل الوفاء، ويرجع المرتهن على الراهن بدينه.\rوإن ضمن المشتري، رجع بالثمن على العدل؛ لأنه البائع له، ويرجع العدل به على الراهن؛ لأن العهدة عليه، وبه يصح الوفاء، إن وصل إلى المرتهن.","part":6,"page":156},{"id":3752,"text":"المطلب التاسع ـ تسليم المرهون :\rللمرتهن عند الجمهور غير الشافعية كما تبين حق الحبس الدائم للمرهون حتى يستوفي دينه، ليضطر المدين إلى تسديد دينه، لاسترداد المرهون، لحاجته إليه، والانتفاع به. وللمرتهن أيضاً عند حلول أجل الدين المطالبة بدينه، مع بقاء الرهن تحت يده (1) .\rوعلى المرتهن تسليم المرهون لصاحبه إما بانتهاء الدين، أو بانتهاء عقد الرهن. وانتهاء الدين: يكون بأسباب كالإبراء من الدين أو هبته أو وفاء الدين، أو شراء سلعة من الراهن بالدين، أو إحالة الراهن المرتهن على غيره.\rفإذا بقي المرهون في يد المرتهن بعدئذ، كان وديعة عند الشافعية والحنابلة (2) .\rويبقى وديعة عند أبي حنيفة إذا كان انتهاء الدين بالإبراء أو بالهبة؛فإن كان بغيرهما كالوفاء بأدائه،و بشراء سلعة به من الراهن،أو بواسطة الإحالة،فيظل المرهون مضموناً استحساناً،كما كان قبل، فإذا هلك يهلك بالأقل من قيمته ومن الدين.\rوسبب التفرقة بين الحالين أن الدين بالإبراء أو الهبة للمدين، يسقط نهائياً، فيزول ضمان الرهن. أما في الوفاء فلايسقط، وإنما يثبت في ذمة الدائن دين مثله، يمنع الدائن من المطالبة به، وتحدث المقاصة بين الدينين، وإذا ظل الدين قائماً في ذمة المدين، ظل الضمان به قائماً (3) .\rوقال المالكية (4) : إذا كان الرهن مما يغاب عليه (يمكن إخفاؤه) كالحلي والكتب والثياب والسلاح، والسفن وقت جريها، لزم المرتهن أن يقوم برده عند انقضاء الدين، وإلا استمر ضامناً؛ لأن الرهن بعد الوفاء ليس كالوديعة؛ لأن الوديعة عقد يتم لمنفعة المودع، وعقد الرهن يتم لمنفعة العاقدين جميعاً، فإذا طلب الراهن إبقاء المرهون بعد إيفاء الدين عند المرتهن، كان أمانة.\r-------------------------------\r(1) تكملة فتح القدير: 198/8.\r(2) المغني: /397، مغني المحتاج: 136/2.\r(3) تكملة الفتح: 243/8، تبيين الحقائق: 96/6.\r(4) الشرح الكبير: 253/3، القوانين الفقهية: ص 324.","part":6,"page":157},{"id":3753,"text":"وانقضاء عقد الرهن أو انتهاؤه: يكون بأسباب كالإبراء والهبة والوفاء، أو بالفسخ قبل سقوط الدين وزواله. وقد ينتهي إذا تبين أن لا دين عند إنشاء الرهن، وسأبين تلك الأسباب.\rفإذا رد المال المرهون إلى الراهن نتيجة لانتهاء عقد الرهن، فلا خلاف في أنه لا يبقى للرهن أثر في هذه الحال.\rأما إن بقي المرهون عند المرتهن، سواء أكان هناك دين وانتهى، أم تبين أن لا دين، أم تصادق الراهن والمرتهن على أنه لم يكن دين عند الرهن، فهو أمانة عند الشافعية والحنابلة.\rوكذلك هو أمانة عند المالكية إن تصادق الراهن والمرتهن على عدم وجود الدين عند الرهن.\rأما الحنفية (1) فيرون في حالة التصادق هذه أن ضمان المرتهن يستمر إذا كان التصادق بعد هلاك الرهن. فإن كان التصادق والرهن قائم، ثم هلك، فاختلف الحنفية: فذهب بعضهم إلى أن الرهن يرتفع، ويصبح المال المرهون أمانة في يد المرتهن. وذهب آخرون إلى أن الضمان يستمر ما بقي المال المرهون في يد المرتهن، والرأي الأول أرجح.\rوأما حالات غير التصادق، فكما بينت في حالة انتهاء الدين.\rمتى يتم تسليم المرهون؟ يسلم الراهن الدين أولاً، ثم يسلم المرتهن المرهون، كتسليم المبيع والثمن في البيع، يسلم الثمن أولاً، ثم يسلم المبيع؛ لأن حق المرتهن يتعين بتسلم الدين، وحق الراهن متعين في تسلم المرهون، فيتم التسليم على هذا الترتيب تحقيقاً للتسوية بين الراهن والمرتهن (2) .\rوإذا سلم الراهن بعض الدين يظل المرهون كله رهناً بحاله على ما بقي من الدين باتفاق المذاهب الأربعة (3) ؛ لأن الرهن كله وثيقة بالدين كله، وهو محبوس بكل الحق، والحبس بالدين الذي هو موجب الرهن لا يتجزأ، فيكون محبوساً بكل جزء من الدين، لا ينفك منه شيء حتى يقضى جميع الدين، سواء أكان الرهن مما يمكن قسمته أم لا يمكن.\r-------------------------------\r(1) الدر المختار: 373/5 ومابعدها.\r(2) تكملة الفتح: 198/8، 200.\r(3) الدر المختار: 354/5، اللباب: 63/2 ومابعدها، البدائع: 153/6، تكملة الفتح: 200/8، بداية المجتهد: 272/2، القوانين الفقهية: ص 324، مغني المحتاج: 141/2، المغني: 361/4.","part":6,"page":158},{"id":3754,"text":"مكان تسليم المرهون: قال الحنفية (1) : إما أن يكون للرهن حمل ومؤنة أو لا.\rأ ـ فإن كان للرهن حمل ومؤنة، وطالب المرتهن بإيفاء دينه في غير البلد الذي تم فيه العقد، فإنه يؤدى دينه، ولا يكلف إحضار المرهون؛ لأنه يتطلب نفقة، وإنما يجب عليه فقط تسليم المرهون بمعنى التخلية بينه وبين الراهن، لا النقل من مكان إلى آخر؛ لأنه يتضرر به، ولم يلتزمه في العقد.\rب ـ وإن لم يكن للرهن حمل ومؤنة، يؤمر المرتهن بإحضار الرهن؛ لأن الأماكن كلها في حق تسليم ما لا حمل له ولا مؤنة، كمكان واحد، وعليه لا يشترط بيان مكان الإيفاء في الرهن وهذا مثل عقد السلم.\rويلاحظ من هذا التفصيل أن المرتهن يكلف بإحضار الرهن إذا كانت المطالبة بالدين في بلد العقد، سواء أكان الرهن محتاجاً لحمل ومؤنة أم لا.\rلكن عقب ابن عابدين على هذا بأن فيه نظراً؛ لأن الواجب على المرتهن التخلية، لا النقل، وهذا المتبادر من كلام المؤلفين يخالف ما في البزازية حيث قال: إن لم يلحقه مؤنة في الإحضار يؤمر به، وإن كان مما يلحقه مؤنة، بأن كان في موضع آخر، لا يؤمر به.\r-------------------------------\r(1) تكملة الفتح: 198/8، الدر المختار ورد المحتار: 343/5 ومابعدها.","part":6,"page":159},{"id":3755,"text":"أحكام الرهن الفاسد :\rعرفنا مما سبق أن أهم أحكام الرهن الصحيح: هو اختصاص المرتهن بالرهن، دون سائر الغرماء، وحق حبسه وضمانه عند الحنفية.\rواتفق أئمة المذاهب على أن الرهن غير الصحيح باطلاً أو فاسداً لا حكم له حال وجود المرهون، فلا يثبت للمرتهن حق الحبس، وللراهن أن يسترد المرهون منه، فإن منعه حتى هلك صار غاصباً، فيضمن مثله إن كان له مثل، وقيمته إن لم يكن له مثل، كضمان المغصوب.\rوإن هلك المرهون المقبوض بيد المرتهن بناء على عقد غير صحيح، مثل: رهن المشاع عند الحنفية، فإنه يهلك عندهم (1) هلاك الرهن، أي بالأقل من قيمته ومن الدين، وهو الرأي الأصح. وقال الكرخي: إنه يهلك هلاك الأمانة؛ لأن الرهن إذا لم يصح، كان القبض قبض أمانة؛ لأنه قبض بإذن المالك، فأشبه قبض الوديعة.\rومن مات وله غرماء، فالمرتهن في الرهن الفاسد أحق به، كما في الرهن الصحيح.\rوالمالكية في الجملة كالحنفية، قالوا (2) : إذا قبض المرتهن المرهون بناء على عقد فاسد، فالمرتهن أحق بالرهن من سائر الغرماء، حتى يقبض حقه.\rوإذا هلك المرهون في يد المرتهن بعقد فاسد، فحكم هلاكه مثل حكم هلاك المرهون فيما إذا كان العقد صحيحاً.\rأما حق الاحتباس، فيظهر أنه ثابت للمرتهن بناء على ثبوت حق امتيازه، لكن ليس له بناء على عقد فاسد طلب المرهون وتسلمه من الراهن.\rوقال الشافعية والحنابلة (3) : حكم فاسد العقود حكم صحيحها في الضمان وعدمه؛ لأن العقد إن اقتضى صحيحه الضمان بعد التسليم، كالبيع والإعارة، ففاسده أولى، فالمبيع بعقد صحيح مضمون، فكذا المقبوض ببيع فاسد. وإن اقتضى العقد الصحيح عدم الضمان كالرهن،والهبة بلا ثواب، والعين المستأجرة، ففاسده كذلك؛ لأن واضع اليد أثبتها بيد مالكها، ولم يلتزم بالعقد ضماناً.\rوعليه، إذا فسد الرهن كالمرهون المحرم، والمجهول، والمعدوم، وما لا يقدر على تسليمه، أوغير المعين، وقبضه المرتهن، فلا ضمان عليه إن تلف بيده؛ لأن الرهن الصحيح غير مضمون، ففاسده كذلك.\r-------------------------------\r(1) البدائع: 163/6، الدر المختار: 365/5، 374.\r(2) الشرح الكبير والدسوقي: 237/3، 241، 247.\r(3) مغني المحتاج: 137/2، كشاف القناع: 329/3، المغني: 381/4، 385.","part":6,"page":160},{"id":3756,"text":"المبحث الرابع ـ نماء الرهن أو زوائده :\rيشمل الرهن نماء المرهون ويتعلق الدين المرهون به بزوائد المرهون عند الفقهاء على تفصيل بينهم في التضييق والتوسع، ولكنهم متفقون على أن النماء ملك للراهن، لأنه مالك للأصل، وهذا نماء ملكه.\r1 - قال الحنفية (1) : يدخل في الرهن كل زيادة متولدة من الأصل متصلة به كالثمر واللبن والصوف، أو منفصلة عنه كالولد، فيكون رهناً مع الأصل؛ لأنه تبع له، والرهن حق لازم، فيسري إليه.\rولا يدخل في الرهن الزيادة غير المتولدة، كالأجرة، وغلة الأرض، فلا تكون رهناً مع أصلها، وإنما هي للراهن خالصة، فلا يتعلق بها الدين، لأنها نتيجة تعاقد بين مالك الرهن وغيره، لا متولدة من المال، فكانت خالصة لمن استحقها بالعقد، وهو مذهب المالكية والشافعية أيضاً.\r-------------------------------\r(1) تكملة الفتح: 240/8، الدر المختار: 365/5، 370، تبيين الحقائق: 94/6، اللباب: 62/2، البدائع: 152/6.","part":6,"page":161},{"id":3757,"text":"2 - وقال المالكية (1) : يدخل في الرهن كل زيادة متولدة متصلة لا تنفصل، كالسمن والجمال، أو منفصلة متناسلة كالولد والنتاج وفسيل النخيل أو الشجر؛ لأنه كولد الحيوان، ونحوه مما كان من نماء الرهن المنفصل على خلقته وصورته، ويدخل أيضاً صوف الغنم إذا كان وقت الرهن قد تم على ظهرها تبعاً لها، وإلا لم يدخل.\rأما ما لم يكن على خلقه المرهون وصورته، فلا يدخل في الرهن، سواء أكان متولداً عنه كثمر الشجر أو النخل واللبن، أم غير متولد ككراء الدار وسائر الغلات.\r3 - وقال الشافعية (2) : يدخل في الرهن الزيادة المتصلة أي الزيادة الوصفية كالسمن والكبر والجمال ونمو الثمر، لأنها تتبع أصلها، لعدم تميزها عنه. ولا يدخل في الرهن، أي زيادة منفصلة أو نماء متميز، كثمرة وولد وصوف وشعر ولبن وبيض أو أجرة دار، لحديث أبي هريرة المتقدم: «لا يغلق الرهن من صاحبه الذي رهنه، له غنمه وعليه غرمه» والنماء من الغنم، فوجب أن يكون له. ولأن الرهن عقد لا يزيل الملك عن رقبة المرهون، فلا يسري إلى النماء المتميز كالإجارة.\r4 - وقال الحنابلة (3) : إن جميع نماء الرهن وغلاته، متصلاً أو منفصلاً، متولداً أو غير متولد، غلة أو غيرها، يكون رهناً في يد المرتهن، أو نائبه، وتباع مع الأصل، وفاء للدين إن دعت الحاجة إلى بيعه؛ لأن تعلق الدين بالمال المرهون يثبت فيه بعقد، فيدخل فيه النماء والمنافع، كما في البيع، ولأن النماء المنفصل متولد من عين مرهونة، فيكون حكمه حكم المتصل بها، فيسري إليه حكم الرهن.\rوالخلاصة: أن مذهب الحنابلة موسع، يلحق نماء الرهن وزياداته في الرهنية مطلقاً، ثم يليهم الحنفية الذين يلحقون بالرهن النماء المتولد المنفصل أو المتصل، دون غير المتولد، ثم يليهم المالكية الذين يلحقون بالرهن النماء المنفصل الذي ليس في معنى الغلة كالولد والفسيل والصوف التام وقت الرهن، دون المتولد المنفصل الذي فيه معنى الغلة. ثم يليهم الشافعية الذين يلحقون بالرهن الزيادة الوصفية فقط، ولا يدخل في الرهنية أي زيادة منفصلة.\r-------------------------------\r(1) الشرح الكبير: 244/3، القوانين الفقهية: ص 324، بداية المجتهد: 272/2.\r(2) مغني المحتاج: 139/2، المهذب: 310/1 وما بعدها.\r(3) المغني: /388 وما بعدها، كشاف القناع: 326/3.","part":6,"page":162},{"id":3758,"text":"المبحث الخامس ـ الزيادة على الرهن أو على الدين المرهون به :\rالزيادة في الرهن: بأن يضم الراهن إلى المرهون عيناً أخرى تصير معها رهناً بالدين المرهون به، كأن يستدين من شخص مئة، يرهن بها ثوباً، ثم يزيد الراهن عليه ثوباً آخر أو كتاباً، ليكون مع الأول رهناً بالمئة. وهي جائزة عند الجمهور؛ لأنها زيادة في التوثيق، وهو الغرض من الرهن.\rوقال زفر: لا تجوز، لأنها تؤدي إلى الشيوع في الدين؛ لأنه لا بد للرهن الثاني من أن تكون له حصة من الدين، فيخرج من الرهن الأول بقدره من أن يكون رهناً، وهو شائع، والشيوع مفسد للرهن. ورد عليه بأن الشيوع في الدين غير مانع من صحة الرهن. ويقسم الدين على الأصل وعلى الزيادة بحسب قيمتها يوم القبض.\rوأما الزيادة في الدين المرهون به: فهي أن يقترض الراهن من المرتهن قرضاً آخر على رهن واحد، كأن يقترض منه ألفاً ويرهنه سجادة، ثم يقترض منه ألفاً آخر على أن تكون السجادة رهناً بالألفين.\rوللفقهاء رأيان فيها: أ ـ لا تجوز الزيادة في الدين عند أبي حنيفة ومحمد، والحنابلة، وفي قول للشافعي؛ لأنها تقتضي رهناً ثانياً، أو رهن مرهون، ولا يجوز رهن المرهون، لتعلق الدين الأول به كاملاً.\rب ـ وقال مالك وأبو يوسف، وأبو ثور والمزني وابن المنذر: تجوز الزيادة، لأنه لو زاده رهناً جاز، فكذلك إذا زاد في دين الرهن، ولأن الزيادة في الدين فسخ للرهن الأول، وإنشاء رهن جديد بالدينين جميعاً، وهو جائز اتفاقاً (1) .\rالمبحث السادس ـ انتهاء عقد الرهن :\rينتهي عقد الرهن بحالات كالإبراء والهبة ووفاء الدين ونحوها، وهي ما يأتي:\r1ً - تسليم المرهون لصاحبه: ينتهي به الرهن عند الجمهور غير الشافعية؛ لأنه وثيقة بالدين، فإذا سلم المرهون، لم يعد الاستيثاق قائماً، فينتهي الرهن، كما ينتهي عند الجمهور بإعارة المرتهن المرهون بإذن المرتهن للراهن، أو لغيره بإذنه.\r2ً - تسديد الدين كله: إذا وفى الراهن الدين المرهون به، انتهى الرهن.\r-------------------------------\r(1) تكملة الفتح: 241/8، الدر المختار: 372/5، تبيين الحقائق: 95/6، اللباب: 62/2، كشاف القناع: 309/3، المغني: 347/4 ومابعدها.","part":6,"page":163},{"id":3759,"text":"3ً - البيع الجبري: الصادر من الراهن بأمر القاضي، أو من القاضي إذا أبى الراهن البيع، فإذا بيع المرهون وفِّي الدين من ثمنه، وزال الرهن.\rأما البيع الاختياري الحاصل من الراهن بإذن المرتهن، فإن كان بعد حلول أجل الدين، تعلق الحق بثمنه. وإن كان قبل حلوله، تعلق الحق أيضاً عند\rأبي حنيفة ومحمد بالثمن، فيصبح رهناً؛ لأن الراهن باع الرهن بإذن المرتهن، فوجب أن يثبت حقه فيه، كما لو حل الدين.\rوقال المالكية والشافعية والحنابلة: يبطل الرهن ببيع المرهون بإذن المرتهن، ولم يكن على الراهن عوضه، ويبقى الدين بلا رهن (1) .\r4ً - البراءة من الدين بأي وجه، ولو بحوالة المرتهن على مدين للراهن. ولو اعتاض المرتهن عن الدين عيناً أخرى غير الأولى، انفك الرهن (2) .\r5ً - فسخ الرهن من قبل المرتهن، ولو بدون قبول الراهن؛ لأن الحق له، والرهن جائز غير لازم من جهته. ولا ينتهي الرهن بفسخه من الراهن، للزومه من جهته (3) .\rويشترط الحنفية لانفساخ الرهن بقول المرتهن رد المال المرهون إلى الراهن؛ لأن الرهن لا يلزم إلا بالقبض، فكذا فسخه لا يتم إلا بالقبض، عن طريق رد المال المرهون إلى الراهن.\rويبطل الرهن عند المالكية بترك الرهن قبل القبض في يد الراهن حتى باعه؛ لأن تركه على هذا الوضع كتسليم المرتهن بالأمر، فصار في معنى الفسخ (4) . وكذلك ينتهي الرهن عندهم بإذن المرتهن للراهن في بيع الرهن بعد أن سلمه له، وباعه فعلاً، ويبقى الدين بلا رهن.\r6ً - يبطل الرهن عند المالكية (5) قبل قبضه بموت الراهن أو إفلاسه، أو قيام\r-------------------------------\r(1) المغني: 403/4، الشرح الكبير والدسوقي: 242/3.\r(2) مغني المحتاج: 141/2.\r(3) مغني المحتاج: 141/2.\r(4) الشرح الكبير: 242/3 ومابعدها.\r(5) الشرح الكبير: 241/3 ومابعدها.","part":6,"page":164},{"id":3760,"text":"الغرماء بمطالبته بأداء الدين، أو برفع أمره إلى الحاكم يطلبون الحجر عليه، أو بمرضه أو بجنونه المتصلين بوفاته؛ لأن الرهن يلزم عندهم بمجرد الإيجاب والقبول.\rويبطل الرهن عند الحنفية بموت الراهن أو المرتهن قبل التسليم، ولا يبطل بإفلاس الراهن، ولا يبطل الرهن عند الشافعية والحنابلة بوفاة الراهن أو المرتهن، قبل التسليم، ولا بجنون أحدهما، ولا بإفلاس الراهن. أما بعد قبض المرهون فلا يبطل الرهن بالاتفاق بموت الراهن أو المرتهن، أو بإفلاس الراهن.\r7ً - هلاك المرهون: ينتهي عقد الرهن باتفاق الفقهاء بهلاك المال المرهون، سواء عند الجمهور القائلين بأن المرهون أمانة غير مضمونة على المرتهن إلا بالتعدي أو التقصير، أو عند الحنفية القائلين بأن المرهون بالنسبة لماليته مضمون إذا هلك بالأقل من قيمته ومن الدين، لانعدام محل العقد.\r8ً - التصرف بالمرهون بالإجارة أو بالهبة أو الصدقة: ينتهي الرهن إذا أقدم كل من الراهن أو المرتهن على إجارة الرهن أو هبته أو التصدق به أو بيعه لأجنبي بإذن صاحبه. كما ينقضي باستئجار المرتهن العين المرهونة من الراهن إذا جدد القبض بناء على الإجارة.\rأما البيع من المرتهن للراهن فلا ينقضي به الرهن؛ لأن للمال المرهون خلفاً، هو الثمن، فيحل الثمن محل أصله في الرهنية (1) ، كما تبين في بحث التصرف بالرهن.\r-------------------------------\r(1) الدر المختار: 364/5.","part":6,"page":165},{"id":3761,"text":"المبحث السابع ـ اختلاف الراهن والمرتهن :\rهذا المبحث يتعلق بدور القاضي أو غيره في توزيع عبء الإثبات على الطريق المتنازعين في قضايا الرهن أو الدين المرهون به.\rأ ـ إذا اختلف الراهن والمرتهن في قدر الحق أو الدين المرهون به، فقال الراهن: رهنتك متاعي بألف، وقال المرتهن: بل بألفين، فالقول عند الجمهور (الحنفية والشافعية والحنابلة): قول الراهن بيمينه؛ لأنه منكر للزيادة التي يدعيها المرتهن، والقول قول المنكر، لقوله صلّى الله عليه وسلم : «لو يعطى الناس بدعواهم، لادعى قوم دماء رجال وأموالهم، ولكن اليمين على المدعى عليه» (1) . والراهن هنا مدعى عليه، والمرتهن مدع فوجب أن تكون اليمين على الراهن على ظاهر السنة المشهورة.\rوقال المالكية: القول قول المرتهن، إلا فيما زاد على قيمة الرهن، فالقول قول الراهن؛ لأن المرتهن، وإن كان مدعياً، فله ههنا شبهة، بنقل اليمين إلى حيِّزه، وهو كون الرهن شاهداً له لأنه أكثر من قدر المرهون به. ومن أصول مالك: أن يحلف أقوى المتداعيين شبهة.\rوهذا لا يلزم عند الجمهور؛ لأنه قد يرهن الراهن الشيء، وقيمته ليست أكثر من المرهون فيه.\rولا خلاف في أنه إن اختلف المتراهنان في قدر الرهن، فقال الراهن: رهنتك هذا الشيء،فقال المرتهن: بل هو وشيء آخر، فالقول قول الراهن؛ لأنه منكر (2) .\r-------------------------------\r(1) رواه مسلم والبخاري عن ابن عباس. ورواه البيهقي بلفظ: «لو يعطى الناس بدعواهم لادعى رجال أموال قوم ودماءهم، لكن البينة على المدعي، واليمين على من أنكر» (الأربعين النووية).\r(2) البدائع: 174/6، تكملة الفتح: 231/8، بداية المجتهد: 274/2 ومابعدها، القوانين الفقهية: ص 325، مغني المحتاج: 142/2، المهذب: 316/1 ومابعدها، المغني: 398/4 ومابعدها، كشاف القناع: 339/3.","part":6,"page":166},{"id":3762,"text":"ب ـ إذا اختلف المتراهنان في تلف العين المرهونة، فقال المرتهن: هلكت، ولم يذكر سبباً، فالقول باتفاق أئمة المذاهب قول المرتهن بيمينه؛ لأنه أمين (1) .\rوالقول للمرتهن أيضاً إذا اختلفا في مقدار المرهون بعد هلاكه؛ لأنه غارم (2) .\rفإن اختلفا في قدر قيمة المرهون يوم الرهن، أو في أصل الرهن، هل هو موجود أو لا، فالقول قول الراهن بيمينه (3) ، كالاختلاف في قدر الرهن.\rج ـ إن اختلف المتراهنان في قبض المرهون، هل حدث أو لا، فالقول عند الحنفية والشافعية للراهن بيمينه، سواء أكان في يد الراهن أم في يد المرتهن؛ لأن الأصل عدم لزوم الرهن، وعدم إذنه في القبض.\rوقال الحنابلة: القول قول صاحب اليد في حالة الاختلاف في القبض، فإن كان بيد الراهن فالقول له؛ لأن الأصل عدم القبض، وإن كان بيد المرتهن فالقول له؛ لأن الظاهر قبضه بحق. فإن اختلفا في الإذن في القبض، فقال الراهن: أخذت المرهون بغير إذني، فلم يلزم، وقال المرتهن: بل أخذته بإذنك، وهو الآن في يد المرتهن، فالقول للراهن؛ لأنه منكر (4) .\rد ـ إن اختلفا في وقت هلاك الرهن، فقال المرتهن: هلك في وقت العمل، وقال الراهن: هلك في غير وقت العمل، فالقول للمرتهن عند الحنفية؛ لأنه منكر، والبينة للراهن (5) .\rهـ ـ قال الحنفية: إن اختلفا في نوع المرهون، فقال الراهن: الرهن غير هذا، وقال المرتهن: بل هذا هو الذي رهنته عندي، فالقول للمرتهن؛ لأنه القابض (6) . والقول للمرتهن أيضاً إن حدث اختلاف في مقدار ثمن بيع المرهون، أو في بيعه بثمن المثل أم لا؛ لأن المرهون خرج عن كونه رهناً بالمبيع، وتحول الضمان إلى الثمن، والراهن يدعي زيادة الضمان، والمرتهن ينكر، فكان القول قوله (7) .\rو ـ قال المالكية (8) : إذا تنازع الراهن والمرتهن في كيفية وضع الرهن، فقال الراهن مثلاً: يوضع على يد أمين، وقال المرتهن: يوضع عندي، أو بالعكس، فالقول قول من طلب وضعه عند الأمين، وهو الراهن.\r-------------------------------\r(1) البدائع: 154/6، بداية المجتهد: 275/2، الشرح الكبير: 260/3، مغني المحتاج: 138/2، المهذب: 319/1، كشاف القناع: 340/3.\r(2) المراجع السابقة، المغني: 398/4، البدائع: 174/6.\r(3) البدائع: 174/6، مغني المحتاج: 142/2.\r(4) المراجع السابقة. كشاف القناع: 321/3.\r(5) الدر المختار: 364/5.\r(6) الدر المختار: 347/5.\r(7) البدائع: 174/6.\r(8) الشرح الكبير: 244/3.","part":6,"page":167},{"id":3763,"text":"الفَصْلُ الثَّالث عَشَر: الصُّلح\rخطة الموضوع :\rالكلام عن عقد الصلح في المباحث الآتية:\rالمبحث الأول ـ تعريف الصلح ومشروعيته وأنواعه وركنه.\rالمبحث الثاني ـ شروط الصلح.\rالمبحث الثالث ـ حكم الصلح.\rالمبحث الرابع ـ مبطلات عقد الصلح وحكمه بعد البطلان. وأبدأ بأولها:\rالمبحث الأول ـ تعريف الصلح ومشروعيته وأنواعه وركنه :\rتعريف الصلح: الصلح لغة: قطع النزاع. وشرعاً: عقد وضع لرفع المنازعة (1) . وبعبارة أخرى عند الحنابلة: معاقدة يتوصل بها إلى الإصلاح بين المختلفين. ولا يقع غالباً إلا بالأقل من المدعى به على سبيل المداراة لبلوغ الغرض (2) .\rوالمقصود من الكلام هنا هو الصلح في المعاملات بين الناس، لا الصلح بين المسلمين والكفار، ولا الصلح بين الإمام والبغاة، ولا الصلح بين الزوجين عند الشقاق.\rمشروعيته: الصلح بين الناس مندوب، ولا بأس بأن يشير الحاكم بالصلح على الخصوم، ولا يجبرهم عليه، ولا يلح فيه إلحاحاً يشبه الإلزام، وإنما يندبهم إلى الصلح ما لم يتبين له أن الحق\r-------------------------------\r(1) نتائج الأفكار: تكملة فتح القدير: 23/7، تبيين الحقائق للزيلعي: 29/5، الدر المختار: 493/4، مغني المحتاج: 177/2، حاشية البجيرمي على الخطيب: 70/2.\r(2) المغني: 476/4، غاية المنتهى: 118/2.","part":6,"page":168},{"id":3764,"text":"لأحدهما، فإن تبين له أنفذ الحكم لصاحب الحق. والصلح مشروع بالكتاب والسنة والإجماع (1) :\rأما الكتاب: فقوله تعالى: {والصلح خير} [النساء:128/4] الوارد عقب ذكر مشروعية الصلح بين الزوجين. قال تعالى: {وإن امرأة خافت من بعلها نشوزاً أو إعراضاً، فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحاً، والصلح خير} [النساء:128/4].\rوأما السنة: فهو ما روي عن النبي صلّى الله عليه وسلم مرفوعاً، وموقوفاً على عمر، وهو: «الصلح جائز بين المسلمين إلا صلحاً أحل حراماً أو حرم حلالاً» رواه ابن حبان وصححه (2) . مثال ما أحل حراماً: الصلح على حل الخمر ونحوه أو على أكثر من الدراهم المدعاة، ومثال ما حرم حلالاً: الصلح على ألا يطأ الزوج الضَّرة وهي امرأته الأخرى، أو يصالح زوجته على ألا يطلقها ونحو ذلك.\r-------------------------------\r(1) المبسوط: 123/20، مغني المحتاج: 177/2، المغني: 476/4، كشاف القناع: 378/3، القوانين الفقهية: ص 337.\r(2) قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وقد سبق تخريجه في بحث الوديعة عن أبي هريرة عند أبي داود، والحاكم وابن حبان، وعن عمرو بن عوف عند الترمذي وابن ماجه والحاكم (راجع نصب الراية: 112/4. التلخيص الحبير: ص 249، نيل الأوطار: 254/5).","part":6,"page":169},{"id":3765,"text":"وأما الإجماع: فقد أجمع العلماء على مشروعية الصلح، لكونه من أكثر العقود فائدة، لما فيه من قطع النزاع والشقاق (1) . ولا يقع الصلح في الغالب إلا من رتبة لما هو دونها، على سبيل المداراة للوصول إلى بعض الحق.\rوحكمته: الحفاظ على المودة والألفة بين المسلمين، ونبذ التفرقة واستئصال أسبابها المؤدية إليها. ثبت في السنة أن النبي صلّى الله عليه وسلم قال : «لا تباغضوا ولا تحاسدوا ولاتقاطعوا، وكونوا عباد الله إخواناً» وقال أيضاً: «لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض» ويجوز الكذب في الصلح لإزالة النزاع وتحقيق الوفاق، أخرج البخاري ومسلم حديث «ليس الكذاب الذي يصلح بين الناس، فيَنمي (2) خيراً ويقول خيرًا» .\rأنواع الصلح: يكون الصلح بين مسلمين وأهل حرب بعقد الذمة أو الهدنة أو الأمان، وبين أهل بغي وأهل عدل، وبين زوجين إذا خيف الشقاق بينهما أو خافت المرأة إعراض زوجها عنها، وبين متخاصمين في غير مال، وبين متخاصمين في المال، وهذا هو محل البحث هنا، وقسمه المالكية قسمين: صلح إسقاط وإبراء وهو جائز مطلقاً، وصلح على عوض، وهذا يجوز إلا إن أدى إلى حرام، وحكمه حكم البيع. والصلح في الأموال قسمان: أحدهما ـ أن يجري بين المدعي والمدعى عليه. وثانيهما ـ أن يجري بين المدعي والأجنبي أي الشخص الآخر غير المدعى عليه.\rوكل واحد من هذين القسمين أنواع ثلاثة:\r1 - صلح مع إقرار المدعى عليه: وهو أن يدعي شخص على شخص شيئاً، فيقر به المدعى عليه، ثم يصالح المدعى عنه على عين غير المدعاة كدار، أو على منفعة لغير العين المدعاة، كخدمة في مكان مدة معينة أو سكنى دار أو على بعض العين المدعاة كربع الدار، وهو جائز باتفاق المسلمين (3) .\rوهذا الصلح إن وقع عن مال بمال،أي إن وقع على عين غير المدعاة كثوب بدلاً عن بساط، فهو كالبيع لوجود معنى البيع فيه ـ وهو مبادلة المال بالمال ـ في حق المتعاقدين بتراضيهما. فتجري فيه الشفعة إذا كان عقاراً، ويرد بالعيب، ويثبت فيه خيار الشرط، ويفسده جهالة العوض أو البدل، لأنها هي المفضية إلى المنازعة دون جهالة المصالح عنه؛ لأنه يسقط بالصلح. ويشترط القدرة على تسليم البدل.\rوإن وقع هذا الصلح عن مال بمنافع كسكنى دار، فله حكم الإجارة لوجود معنى الإجارة، وهو تمليك المنافع بمال. والاعتبار في العقود لمعانيها، فيشترط التوقيت فيها، ويبطل العقد بموت أحد العاقدين في أثناء مدة الإجارة لأنه إجارة.\r-------------------------------\r(1) لذلك أبيح فيه الكذب.\r(2) ينمي خيراً: يبلّغ الحديث وينقله بين المتخاصمين.\r(3) المبسوط: 139/20، البدائع: 40/6، تكملة فتح القدير: 24/7، تبيين الحقائق: 30/5، بداية المجتهد: 290/2، الشرح الكبير: 309/3، مغني المحتاج: 177/2، المهذب: 333/1، المغني: 482/4، غاية المنتهى: 118/2، الكتاب مع اللباب: 163/2، القوانين الفقهية: ص 238.","part":6,"page":170},{"id":3766,"text":"2 - صلح مع إنكار المدعى عليه: وهو أن يكون للمدعي حق لا يعلمه المدعى عليه، كأن يدعي شخص على آخر شيئاً، فينكره المدعى عليه، ثم يصالح عنه ببعض الحق المدعى به، وهذا هو الغالب في منازعات الناس، وهو جائز عند المالكية والحنفية والحنابلة، وغير جائز عند الشافعية وابن أبي ليلى (1) . وجوازه عند القائلين به مشروط بأن يكون المدعي معتقداً أن ما ادعاه حق، والمدعى عليه يعتقد أنه لا حق عليه، فيدفع إلى المدعي شيئاً قطعاً للخصومة (2) .\rوصورة الصلح على الإنكار: صالح فلان فلاناً على جميع الدار الفلانية التي ادعى المصالح الأول على الثاني استحقاقها من وجه شرعي، وأنكر المدعى عليه الاستحقاق، وطلب من المدعى عليه يمينه على استحقاقها، فرأى أن يصالحه عن هذه الدعوى بمال، افتداء ليمينه، ودفعاً للخصومة، وقطعاً للمنازعة، فاصطلحا عن المدعى به، مع الإنكار لصحة الدعوى، واعتقاده بطلانها،\r-------------------------------\r(1) المراجع السابقة، مغني المحتاج: ص 179 ومابعدها، المغني: ص 476.\r(2) المغني: 478/4، غاية المنتهى: 120/2.","part":6,"page":171},{"id":3767,"text":"وإصراره على الإنكار إلى حين هذا الصلح وبعده، ودفع إليه مبلغ كذا وكذا، فقبضه منه قبضاً شرعياً...إلخ (1) .\rاستدل الفريق الأول وهم الجمهور بعموم قوله تعالى: {والصلح خير} [النساء:128/4] وقوله عليه الصلاة والسلام: «الصلح جائز بين المسلمين إلا صلحاً أحل حراماً أو حرم حلالاً » فدل هذا العموم على أن كل صلح مشروع إلا ما خص بدليل، قال سيدنا عمر رضي الله عنه : «ردوا الخصوم حتى يصطلحوا، فإن فصل القضاء يورث بينهم الضغائن» وقال أبو حنيفة رحمه الله : «أجوز مايكون الصلح على الإنكار» أي لأنه يحقق الحاجة إلى قطع الخصومة والمنازعة.\rودليل الشافعية وابن أبي ليلى: هو القياس على ما لو أنكر الزوج الخلع، ثم تصالح مع زوجته على شيء، فلا يصح، ودليلهم أيضاً أن المدعي إن كان كاذباً في دعواه، فقد استحل من المدعى عليه ماله، وهو حرام عليه. وإن كان صادقاً في دعواه فقد عاوض على ما لم يثبت له، فلم تصح المعاوضة، كما لو باع مال غيره، ولأن الصلح عقد معاوضة خلا عن العوض في أحد جانبيه، فبطل، كالصلح على حد القذف. وفي الملة: يكون ما يأخذه المدعي أكلاً للمال بالباطل من غير عوض فدخل هذا الصلح في قوله صلّى الله عليه وسلم : «إلا صلحاً أحل حراماً، أو حرم حلالاً» ولو بذل المدعى عليه المال لقطع الخصومة يكون البذل رشوة.\rوهذا مناقش، ولا يسلم الفريق الأول بدخول الصلح مع الإنكار في مفهوم هذا الحديث؛ لأن الممنوع أن يحل الصلح شيئاً محرماً مع بقائه على تحريمه، كما لو تم الصلح على استرقاق حر أو إحلال بُضْع (فرج) محرم، أو تم الصلح بخمر أو خنزير، ثم إن للمدعي أن يأخذ حقه الثابت له بأي طريق.\r-------------------------------\r(1) الإفصاح: 174/1.","part":6,"page":172},{"id":3768,"text":"وأما المدعى عليه فإنه يدفع ادعاء المدعي لدفع المسؤولية عنه، ولإنهاء النزاع ولصيانة نفسه من التبذل وحضور مجلس الحاكم، فإن ذوي النفوس الشريفة والمروءة يصعب عليهم هذا، ويرون أن دفع ضررها عنهم من أعظم مصالحهم، والشرع لا يمنعهم من وقاية أنفسهم وصيانتها ودفع الشر عنهم ببذل أموالهم، والمدعي يأخذ المبذول عوضاً عن حقه الثابت له، فلا يمنعه الشرع منه أيضاً، سواء أكان المأخوذ من جنس حقه، أم من غير جنسه بقدر حقه أو دونه.\r3 - الصلح مع سكوت المدعى عليه: وهو ألا يقر المدعى عليه ولا ينكر، كأن يدعي شخص شيئاً على شخص آخر فيسكت من غير إقرار ولا إنكار، ثم يصالح عنه، وهو جائز عند الجمهور، ومنهم ابن أبي ليلى، وغير جائز عند الشافعية، ودليل كل فريق: هو ما ذكر في الصلح عن إنكار، وقد قرر الشافعية أن الساكت منكر حكماً، فيعامل معاملة المنكر (1) .\rوالخلاصة: إن الصلح بأنواعه الثلاثة السابقة جائز عند الحنفية بحيث يثبت الملك للمدعي في بدل الصلح، ويزول حق المدعى عليه في استرداد شيء؛ لأن الصلح سبب لرفع التنازع المحظور، قال تعالى: {ولا تنازعوا} [الأنفال:46/8] فكان مشروعاً. والصلح عن السكوت أو الإنكار عند الحنفية: هو في حق المدعى عليه لافتداء اليمين وقطع الخصومة؛ لأنه في زعمه أنه مالك لما في يده، وفي حق\r-------------------------------\r(1) المراجع السابقة.","part":6,"page":173},{"id":3769,"text":"المدعي بمعنى المعاوضة؛ لأنه في زعمه يأخذ عوضاً من حقه، فيعامل كل طرف على حسب معتقده (1) .\rأقسام الصلح عند الشافعية: قسم الشافعية (2) الصلح إلى قسمين أذكرهما هنا لكثرة التفريعات:\rأحدهما ـ الصلح الذي يجري بين المتداعيين: وهو الصلح الذي يجري بين المدعي والمدعى عليه، وهو نوعان:\r1 ً - صلح على إقرار: وهو أن يدعي شخص على آخر حقاً من دين أوعين، فيقر المدعى عليه بهذا الحق، ثم يطلب المصالحة عن ذلك. وهذا جائز بالاتفاق كما تقدم.\rأ ـ وهذا إما أن يكون صلحاً على عين: كأن يتصالحا على شيء معين بذاته من دار أو متاع أو سلعة أو دابة أو سيارة مثلاً. فإن جرى على عين غير المدعاة، كما إذا ادعى عليه داراً، فأقر له بها وصالحه عنه بمعين كثوب، فهو بيع للعين المدعاة من المدعي للمدعى عليه، بلفظ الصلح، ويسمى (صلح المعاوضة) وتثبت فيه أحكام البيع كالشفعة والرد بالعيب ومنع التصرف في المصالح عليه قبل قبضه. واشتراط التقابض في المصالح عنه والمصالح عليه إن اتفقا في علة الربا، وغير ذلك من أحكام البيع كالخيارات، وإفساده بالشروط المفسدة، وتحريم الغرر وإفساده به وبالجهل.\rوإن جرى الصلح من العين المدعاة على منفعة عين أخرى لغير العين المدعاة، كأن صالحه عن الدار على استعمال سيارته مثلاً سنة معلومة، فالعقد إجارة، تثبت فيه أحكامها؛ لأن معنى الإجارة قائم فيه.\rوإن جرى الصلح على منفعة العين المدعاة نفسها، كأن صالحه على أن يسكن الدار المدعاة مثلاً مدة خمس سنوات، ثم يردها إليه، فهو إعارة، تثبت فيه أحكامها؛ لأنه في معناها.\rوإن جرى الصلح على بعض العين المدعاة، كأن يصالحه على ربع السيارة المدعاة، فهو هبة من المدعي لبعضها الباقي لصاحب اليد عليها وهو المدعى عليه، فتثبت أحكامها فيه، لأنه في معناها، كاشتراط قبول المدعى عليه ونحو ذلك، ويسمى هذا صلح الحطيطة؛ لأن صاحب الحق قد حط جزءاً من حقه للمدعى عليه.\rب ـ وإما أن يكون الصلح عن إقرار صلحاً عن الدين: كأن يدعي شخص على آخر مبلغاً من المال كألف دينار، فيقر المدعى عليه به، ثم يتصالحان عنه، ويصح هذا الصلح بلفظ الصلح أو البيع أو الإبراء أو الحط أو الإجارة.\rويشترط للصلح عن الدين: أن يجوز الاعتياض عنه على غيره من عين أو دين أو منفعة، فلا يصح الصلح عن دين لا يصح الاعتياض عنه كدين السلَم.\r-------------------------------\r(1) الكتاب مع اللباب: 164/2.\r(2) مغني المحتاج: 177/2-182.","part":6,"page":174},{"id":3770,"text":"والدليل على جواز الصلح عن بعض الدين وهو صلح الحطيطة: ما أخرجه البخاري ومسلم عن كعب بن مالك رضي الله عنه: «أنه تقاضى (1) عبد الله بن أبي حدرد رضي الله عنه ديناً كان له عليه، في عهد رسول الله صلّى الله عليه وسلم في المسجد، فارتفعت أصواتهما، حتى سمعها رسول الله صلّى الله عليه وسلم وهو في بيت، فخرج رسول الله صلّى الله عليه وسلم ، حتى كشف سَجْف حُجْرته (2) ، فنادى كعب بن مالك، فقال: يا كعب، فقال: لبيك يا رسول الله ، فأشار بيده: أن ضعِ الشطر، فقال كعب: قد فعلت يا رسول الله ، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلم : قم فاقضه» .\r2 ً - الصلح على الإنكار أو السكوت من المدعى عليه: كأن ادعى شخص على آخر شيئاً فأنكره المدعى عليه أو سكت، ثم صالح عنه. فإن جرى الصلح على نفس المدَّعى به، كأن يدعي عليه داراً، فيصالحه عليها، بأن تجعل للمدّعي أو للمدعى عليه، فهو صلح باطل في الصورتين عند الشافعية، خلافاً للأئمة الثلاثة، ويبطل الصلح أيضاً في الأصح إن جرى على بعض الشيء المدعى به. وإنما بطل هذا الصلح؛ لأن المدعي إن كان كاذباً، فقد استحل من المدعى عليه ماله، وهو حرام، وإن كان صادقاً، فقد حرم عليه ماله الحلال، فدخل في قوله صلّى الله عليه وسلم : «إلا صلحاً أحلّ حراماً أو حرم حلالاً» .\rالقسم الثاني ـ الصلح بين المدعي والأجنبي: كأن يدعي شخص حقاً على آخر، فيأتي شخص آخر غير المدعى عليه، ويصالح المدعي عما ادعاه.\rوله صور أربع:\r1 - أن يدعي الأجنبي الوكالة عن المدعى عليه: كأن يقول: وكلني المدعي عليه في الصلح عن المدعى به، وهو مقر لك به في الظاهر، أو فيما بيني وبينه، ولم يظهره خوفاً من أخذ المالك له، فيكون الصلح صحيحاً بينهما؛ لأن ادعاء الإنسان الوكالة في المعاملات مقبولة.\r-------------------------------\r(1) تقاضى: طالب بالوفاء.\r(2) سجف حجرته: بفتح السين وكسرها ستر باب غرفته.","part":6,"page":175},{"id":3771,"text":"2 - أن يصالح الأجنبي عن العين لنفسه بعين ماله أو بدين في ذمته: كأن يقول: إن المدعى عليه مقر لك بالمدّعى به ونحو ذلك، وأنا أصالحك عنه على كذا، يكون الصلح صحيحاً أيضاً، وكأن الأجنبي اشتراه بلفظ الشراء.\r3 - أن يكون المدعى عليه منكراً ويقول الأجنبي: هو مبطل في إنكاره، لأنك صادق عندي، فصالحني لنفسي، فهو في حكم شراء المغصوب من الغاصب، فإن كان قادراً على انتزاعه من يد المدعى عليه، فيصح الصلح، وإن لم يكن قادراً على ذلك فلا يصح.\r4 - أن يكون المدعى عليه منكراً ولم يقل الأجنبي: إن المدعى عليه مبطل في إنكاره، وصالح المدعي عن الحق المدعى به لنفسه أو للمدّعى عليه، لم يصح الصلح ولغا، لأنه اشترى منه ما لم يثبت ملكه له.\rما يتضمنه الصلح من العقود: يتضمن الصلح أحد معان ستة هي ما يأتي: (1)\r1 - صلح بمعنى البيع: وهو أن يدعي شيئاً في يد رجل، فيصالح عنه على دراهم أو دنانير، أي أن الصلح تم على عين غير المدعاة، وكان عوض الصلح ذهباً أو فضة، فهو بيع بلفظ الصلح ويسمى صلح المعاوضة.\r2 - صلح بمعنى الهبة: وهو أن يدعي الرجل عيناً في يد رجل، ثم يصالح عنها على بعضها، فيكون الباقي هبة.\r3 - صلح بمعنى الإجارة: وهو أن يجري الصلح من العين المدعاة على منفعة لغير العين المدعاة، كخدمة مدة معلومة، وسكنى في دار معينة.\r4 - صلح بمعنى الإعارة: وهو أن يصالح على منفعة العين المدعاة، فإن عين مدة فإعارة مؤقتة وإلا فمطلقة.\r5 - صلح بمعنى الإبراء والحطيطة: وهو أن يدعي دراهم أو دنانير في ذمة رجل، فيصالح منها على بعضها، ويبرئ عن البعض الأخر، كأبرأتك من خمس مئة من الألف الذي لي عليك أو نحوها.\r6 - صلح بمعنى السَّلَم: وهو أن يصالح عن شيء بعوض موصوف في الذمة كثوب موصوف بصفة السلم.\r-------------------------------\r(1) مغني المحتاج: 177/2-179، الإفصاح: 169/1 ومابعدها.","part":6,"page":176},{"id":3772,"text":"ركن الصلح: ركن الصلح عند الحنفية: هو الإيجاب والقبول، وهو أن يقول المدعى عليه: صالحتك من كذا على كذا، أو من دعواك كذا على كذا. ويقول الآخر: قبلت أو رضيت، أو ما يدل على قبوله ورضاه، فإذا وجد الإيجاب والقبول تم عقد الصلح (1) . وأركان الصلح عند الجمهور أربعة: عاقدان (متصالحان) وصيغة (إيجاب وقبول) ومصطلح عنه (محل النزاع) ومصطلح عليه (بدل الصلح).\rالمبحث الثاني ـ شروط الصلح\rيشترط في عقد الصلح شروط تتعلق إما بالصيغة أو بالمصالح أو بالمصالح عليه أو بالمصالح عنه.\rالصيغة: يشترط في الصلح كونه بإيجاب وقبول من المتصالحين، بأن يقول أحدهما: صالحتك على كذا بكذا، ويقول الآخر: قبلت أو رضيت أو صالحت. ويصح الصلح في بعض أنواعه بلفظ الإبراء والحط ونحوهما.\rشروط المصالح: يشترط في المصالح شروط هي ما يأتي (2) :\r1 - أن يكون عاقلاً: فلا يصح صلح المجنون والصبي الذي لا يعقل، لانعدام أهلية التصرف بانعدام العقل، ولا يشترط البلوغ عند الحنفية، فيصح صلح الصبي المأذون في التصرف إذا كان له فيه نفع ظاهر، أو لا يكون له فيه ضرر ظاهر. ويشترط البلوغ عند الشافعية، فلا يصح الصلح من الصبي وإن كان مميزاً، لأن تصرفاته غير معتبرة شرعاً.\r2 - ألا يكون المصالح بالصلح على الصغير مضراً به مضرة ظاهرة: سواء أكان الصغير مدعى عليه أم كان وليه مدعياً له.\rفإذا ادعى إنسان على صبي ديناً فصالح أبوه مما ادعي به على مال الصغير: فإن كان للمدعي بينة وكان ما أعطاه الأب من المال مثل الحق المدعى به، أو بزيادة يتغابن الناس في مثلها، فالصلح جائز؛ لأن الصلح في هذه الصورة فيه معنى المعاوضة، والأب يملك المعاوضة من مال الصغير بالغبن اليسير.\r-------------------------------\r(1) البدائع: 40/6، تكملة فتح القدير: 23/7، الدر المختار: 493/4.\r(2) البدائع: 40/6 ومابعدها، الدر المختار ورد المحتار: 493/4 ومابعدها.","part":6,"page":177},{"id":3773,"text":"وإن لم تكن للمدعي بينة لا يجوز الصلح؛ لأن الصلح حينئذ يقع تبرعاً بمال الصغير، والتبرع ضرر محض، فلا يملكه الأب، فإن صالح الأب من مال نفسه جاز، لأنه لم يضر الصغير، وإنما نفعه حيث أنهى أمر الخصومة أو الدعوى عنه.\rوإذا ادعى أبو الصغير على إنسان ديناً للصغير، فصالح المدعى عليه على أن يحط بعضه عنه ويأخذ الباقي: فإن كان للأب بينة على المدعى به كسند مثلاً فلا يجوز الصلح؛ لأن الحط منه تبرع من مال الصغير، والأب لا يملك ذلك. وإن صالحه على مثل قيمة الشيء، أو نقص منه شيئاً يسيراً جاز الصلح؛ لأنه في هذه الصورة بمعنى البيع، وهو يملك البيع، فيملك الصلح.\r3 - أن يكون المصالح عن الصغير ممن يملك التصرف في ماله، كالأب والجد والوصي؛ لأن الصلح تصرف في المال، فيختص بمن يملك ا لتصرف فيه.\r4 - ألا يكون المصالح مرتداً: وهذا شرط عند أبي حنيفة بناء على أن القاعدة عنده في تصرفات المرتد هي أنها موقوفة. وأما عند الصاحبين فلا يشترط هذا الشرط بناء على القاعدة المقررة عندهما: وهي أن تصرفات المرتد نافذة. وأما المرتدة فصلحها جائز بلا خلاف عندهم.\rشروط المصالح عليه: يشترط في بدل الصلح الذي يتم عليه العقد شروط هي ما يلي:\r1 - أن يكون المصالح عليه مالاً (1) : فلا يصح الصلح على الخمر والميتة والدم وصيد الحرم والإحرام ونحوها مما ليس بمال؛ لأن في الصلح معنى المعاوضة، فما لا يصلح عوضاً في البيوع لا يصلح بدل الصلح.\rولا فرق في المال المصالح عليه بين أن يكون عيناً أو ديناً أو منفعة؛ لأن العوض في المعاوضات قد يكون عيناً، وقد يكون ديناً، وقد يكون منفعة، إلا أنه يشترط القبض في بعض الأعواض في بعض الأحوال دون بعض. وهذا الموضوع يحتاج إلى البحث والتفصيل.\r-------------------------------\r(1) البدائع: 42/6، مجمع الضمانات: ص 390.","part":6,"page":178},{"id":3774,"text":"قال الحنفية: إن المدعى به في الدعوى إما أن يكون عيناً: وهو ما يحتمل التعيين جنساً ونوعاً وقدراً وصفة واستحقاقاً كالعروض (الأمتعة) من الثياب، والعقار من الأرضين والدور، والحيوان من الدواب، والمكيل من الحنطة والشعير، والموزون من الحديد والنحاس ونحوها.\rوإما أن يكون ديناً: وهو ما لا يحتمل التعيين كالنقود والمكيلات والموزونات الموصوفة في الذمة والثياب والحيوانات الموصوفة في الذمة.\rوإما أن يكون منفعة كسكنى دار معينة.\rوإما أن يكون حقاً ليس بعين ولا دين ولا منفعة، كالقصاص والتعزير.\rوبدل الصلح: إما أن يكون عيناً أو ديناً أو منفعة، والصلح إما أن يكون عن إقرار المدعى عليه أو عن إنكاره، أو عن سكوته كما عرفنا، وهنا بيان حكم كل حالة.\rفإن كان المدعى به عيناً والصلح عن إقرار: فإن هذا الصلح يجوز، سواء أكان بدل الصلح عيناً أو ديناً إذا كان معلوم القدر والصفة؛ لأن هذا الصلح في معنى البيع من الجانبين، فكان بدل الصلح في معنى الثمن، وهذه الأشياء تصلح ثمناً في البيوع عيناً كانت أم ديناً.\rفإن كان بدل الصلح عيناً،قائماً، معيناً، مملوكاً، فيجوز الصلح سواء أكانت العين مكيلة أم موزونة، أم غيرهما من العروض والحيوان.\rوإن كان بدل الصلح ديناً، فإن كان شيئاً من المكيل والموزون معلوم القدر والصفة يجوز الصلح، كما في البيع؛ لأن هذه الأشياء تصلح ثمناً.\rوإن كان بدل الصلح ثياباً موصوفة في الذمة: فلا يجوز الصلح، ما لم تتوافر فيه جميع شرائط السلم التي عرفناها في عقد السلم، كبيان القدر والوصف والأجل؛ لأن الثياب لا تثبت ديناً إلا بشرائط السلم. وهذا بخلاف المكيل والموزون فإنهما يثبتان في الذمة مطلقاً في المعاوضات، فيصلح كل منهما ثمناً من غير ذكر أجل، ولا يشترط قبضهما في المجلس.","part":6,"page":179},{"id":3775,"text":"وإن كان البدل حيواناً موصوفاً في الذمة: فلا يجوز الصلح؛ لأنه لا يصير أصلاً ديناً ثابتاً في الذمة في مقابلة مال بمال، فلا يصلح ثمناً.\rوإن كان المدعى به ديناً والصلح عن إقرار :\rأ ـ فإن كان دراهم أو دنانير فصالح منها، فلا يخلو الأمر من إحدى حالتين: إما أن يصالح منها على خلاف جنسها أو على جنسها.\rففي الحالة الأولى: إن كان بدل الصلح عين مال معلوم جاز الصلح، ويكون العقد بمنزلة بيع الدين بالعين، وإن كان بدل الصلح ديناً من الدراهم والدنانير، لايجوز الصلح، حتى لا يؤدي الاتفاق إلى بيع الدين بالدين.\rوفي الحالة الثانية أي (الصلح على جنس الدين) كأن صالح من دراهم على دراهم: فإن صالح على مثل حقه قدراً وصفة، مثل أن يصالح من ألف جياد على ألف جياد، فلا شك في جواز هذا الصلح؛ لأن المدعي استوفى عين حقه.\rوإن صالح على أقل من حقه قدراً وصفة، مثل أن يصالح من الألف الجياد على خمس مئة رديئة يجوز الصلح أيضاً، ويصير المدعي مستوفياً بعض حقه، ومبرئاً المدعى عليه من الباقي.\rوإن صالح على أكثر من حقه قدراً وصفة، مثل أن يصالح من الألف الرديئة على ألف وخمس مئة جيدة لا يجوز الصلح؛ لأنه ربا في هذه الحالة؛ لأن القاعدة المقررة في هذه الحالات كلها هي: أن الصلح متى وقع على جنس ما هو المستحق بعقد المداينة يعتبر استيفاء من المدعي لحقه، فإذا تعذر جعله استيفاء يعتبر معاوضة، فتطبق شروط المعاوضة (1) .\rوفي الحالة الأخيرة يعتبر العقد معاوضة؛ لأنه بعكس الحالة التي سبقتها؛ فإنه يتعذر اعتبار المدعي مستوفياً بعض حقه ومسقطاً البعض الآخر.\r-------------------------------\r(1) تكملة فتج القدير: 41/7، المبسوط: 27/21، تبيين الحقائق: 41/5، الدر المختار: 500/4.","part":6,"page":180},{"id":3776,"text":"وعلى هذا: إذا صالح على أكثر من حقه صفة لا قدراً بأن صالح من ألف رديئة على ألف جيدة، جاز الصلح، ويشترط تطبيق شروط عقد الصرف حينئذ، ومنها الحلول أو التقابض، فإذا وجد التقابض وهما في مجلس واحد جاز؛ لأن الجودة لا قيمة لها عند مقابلتها بجنسها. وإن افترقا ولم يتم القبض في المجلس بطل العقد، لأن هذا عقد صرف.\rوإذا صالح على أكثر من حقه صفة وأقل منه قدراً بأن صالح من ألف درهم رديئة على خمس مئة جيدة، لا يجوز الصلح في ظاهر الرواية عند الحنفية؛ لأن الصلح من الرديء على الجيد اعتياض عن صفة الجودة، وهذا لا يجوز؛ لأن الجودة في الأموال الربوية لا قيمة لها عند مقابلتها بجنسها، للقاعدة الشرعية المروية حديثاً: «جيدها ورديئها سواء» (1) والعقد هنا عقد صرف، وليس استيفاء للحق؛ لأن مستحق الرديء لا يستحق الجيد، وإذا كان العقد صرفاً فإن من المقرر أن بيع ألف درهم رديئة بخمس مئة جيدة لا يجوز لأنه ربا.\rوالخلاصة: أن الصلح متى وقع على أقل من جنس حق المدعي من الدراهم والدنانير يعد استيفاء لبعض الحق، وإبراء عن الباقي. ومتى وقع على أكثر من جنس حقه منها، أو وقع على جنس آخر من دين أو عين يعتبر معاوضة (2) .\rوبناء عليه: إذا صالح المدعي من الدين الحال على الدين المؤجل وهما في القدر سواء، كأن يصالح من ألف حالَّة على ألف مؤجلة، جاز الصلح، ويكون\r-------------------------------\r(1) قال الحافظ الزيلعي عن هذا الحديث: غريب. ومعناه يؤخذ من إطلاق حديث أبي سعيد الخدري، وهو قوله صلّى الله عليه وسلم : «الذهب بالذهب، والفضة بالفض، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، مثلاً بمثل، يداً بيد، فمن زاد أو استزاد، فقد أربى، الآخذ والمعطي فيه سواء» أخرجه مسلم (راجع نصب الراية: 37/4).\r(2) البدائع: 44/6، تبيين الحقائق: 42/5، الدر المختار: 500/4 .","part":6,"page":181},{"id":3777,"text":"هذا تأجيلاً للدين، ولو كان الصلح على العكس من الحالة السابقة: يجوز أيضاً، ويكون استيفاء من المدعي لحقه، ويصير المدعى عليه تاركاً حقه في تأجيل الدين.\rولو كان الدين مؤجلاً، فصالح صاحب الدين على بعضه معجلاً، كأن يصالح من الألف المؤجلة على خمس مئة معجلة: لا يجوز الصلح؛ لأن صاحب الدين المؤجل لا يستحق المعجل، فلا يمكن أن يجعل هذا استيفاء للحق، فصار التعاقد معاوضة عن الأجل، فلا يجوز؛ لأن الأجل ليس بمال، وبيع خمس مئة بألف لا يجوز (1) .\rأما لو كان الدين معجل الوفاء، فعين الدائن وقت الأداء، كأن كان له على المدين ألف ليرة حل أداؤها بحكم عقد المداينة، فقال له: ( صالحتك على خمس مئة على أن تعطيها اليوم أو على أن تعجلها اليوم ) فإن أعطاه في نفس اليوم برئ عن خمس مئة باتفاق الحنفية. وإن لم يعطه حتى مضى اليوم بطل الصلح وعادت الألف عليه كما كانت عند أبي حنيفة ومحمد. وعند أبي يوسف: يمضي الصلح ويبرأ عن الخمس مئة ويبقى عليه خمس مئة فقط.\rوجه قول أبي يوسف: أن هذا الصلح تضمن تعليق البراءة عن بعض الدين بشرط تعجيل البعض الآخر، والبراءة لا يصح تعليقها بالشروط، فإذا لم يوجد الوفاء بالتعجيل لم ينفسخ العقد بدون شرط الفسخ صراحة، ولم يوجد شرط الفسخ، فبقي الحط عن بعض الدين صحيحاً.\rووجه قول أبي حنيفة ومحمد: هو أن شرط تعجيل بعض الدين هو شرط لانفساخ العقد عند عدم التعجيل، وهو كأنه نص صريح على شرط الفسخ، كما قال شخص لغيره: ( أبيعك هذا المتاع بألف ليرة على أن تعجلها اليوم، فإن لم\r-------------------------------\r(1) تكملة فتح القدير: 42/7 .","part":6,"page":182},{"id":3778,"text":"تعجلها فلا بيع بيننا ) فالبيع في هذه الصورة جائز؛ لأن شرط التعجيل شرط في الفسخ، لا في العقد، فكذا هذا في الصورة المختلف فيها؛ لأن المفهوم ضمناً أو دلالة كالمفهوم صراحة، فصارت الصورة كأن المصالح قال: ( فإن لم تعجل فلا صلح بيننا ).\rيفهم منه أن الحنفية متفقون على أن الدائن إذا قال: ( أصالحك عن الألف التي لي عليك على خمس مئة تعجلها اليوم، فإن لم تعجلها فالألف عليك ) ولم يعجلها اليوم، فالصلح باطل، وعليه الألف باتفاق الحنفية، لوجود النص الصريح على الفسخ.\rولو صالح على أن ( يعطيه خمس مئة إلى شهر على أن يحط عنه خمس مئة في الحال، فإن لم يعطه إلى شهر، فعليه الألف ) فهو صلح صحيح؛ لأنه إبراء للحال، وتعليق لفسخ الإبراء بالشرط.\rوكذلك لو أخذ الدائن من المدين كفيلاً بألف ليرة، وتصالح معه على أن يحط عنه خمس مئة، وشرط على الكفيل أنه إن لم يوفه خمس مئة إلى رأس الشهر، فعليه كل المال وهو الألف، فهو جائز، والألف لازمة للكفيل إن لم يوفه، لأنه جعل عدم إيفاء الخمس مئة إلى رأس الشهر شرطاً للكفالة بألف.\rولو ضمن الكفيل الألف ليرة بدون شرط شيء، ثم قال له الدائن: (حططت عنك خمس مئة على أن توفيني رأس الشهر خمس مئة، فإن لم توفني فالألف عليك ) فهذا صحيح أيضاً، بل هو شرط أوثق من شرط الحالة الأولى؛ لأنه جعل هنا عدم التعجيل شرطاً لانفساخ الحط لا شرطاً للعقد.\rولو قال الدائن لمن عليه الألف ليرة? إن أديت إلي خمس مئة فأنت بريء من الباقي ) أو قال? متى أديت خمس مئة فأنت بريء من خمس مئة ) فإنه لا يصح، ويبقى عليه الألف؛ لأنه تعليق البراءة بالشرط، ولا يبرأ عن الباقي حتى يبرئه (1) .\rب ـ وإن كان المدعى به ديناً سوى الدراهم والدنانير: فإن كان مكيلاً بأن كان مد حنطة مثلاً، فصالح منه فله حالتان: إما أن يصالح على جنسه أو على خلاف جنسه (2) .\r-------------------------------\r(1) راجع البدائع: 44/6 ومابعدها، تكملة فتح القدير: 42/7 ومابعدها، تبيين الحقائق: 43/5 ومابعدها.\r(2) البدائع: 45/6 ومابعدها، المبسوط : 26/21 وما بعدها، تبيين الحقائق: 42/5.","part":6,"page":183},{"id":3779,"text":"الحالة الأولى ـ إن صالح على جنسه فله أحوال: إن صالح على مثل حقه قدراً وصفة، جاز الصلح، ولايشترط القبض؛ لأنه استوفى عين حقه.\rوإن صالح على أقل من حقه قدراً وصفة جاز، ويعتبر الصلح حطاً عن الباقي، لا معاوضة؛ لأنه يعتبر استيفاء لبعض حقه وإبراء عن الباقي ، ولايشترط القبض.\rوإن صالح على أقل من حقه صفة لا قدراً، جاز أيضاً، ويكون استيفاء لعين حقه وإبراء للمدعى عليه عن الصفة، ولايشترط القبض.\rوإن صالح على أكثر من حقه قدراً وصفة أو قدراً لا صفة: لا يجوز الصلح؛ لأنه ربا.\rوإن صالح على أكثر منه صفة لا قدراً: بأن صالح من مد حنطة رديء على مد جيد جاز، ويعتبر معاوضة.\rالحالة الثانية ـ إن صالح على خلاف جنس حقه: فإن كان بدل الصلح من الدراهم والدنانير جاز الصلح، ويشترط القبض حتى لا يفترق المتعاقدان عن دين بدين.\rوإن كان بدل الصلح من المكيلات، وهو شيء معين بذاته، جاز الصلح، ولا يشترط القبض. وإن كان موصوفاً في الذمة، جاز الصلح أيضاً، ولكن يشترط القبض في المجلس احترازاً من الافتراق عن دين بدين، وعليه فإن الصلح عن دين بدين لا يجوز، فلو كان لشخص على آخر مد حنطة، فصالحه عليه بدراهم إلى أجل لا يصح؛ لأنهما افترقا عن دين بدين (1) .\rوإن كان المدعى به حيواناً موصوفاً في الذمة: بأن وجب في الذمة عن قتل الخطأ أو شبه العمد أو عن المهر أو بدل الخلع، فصالح على مكيل أو موزون سوى الدراهم والدنانير، جاز الصلح، ويكون معاوضة، ويشترط التقابض احترازاً عن افتراق العاقدين عن دين بدين.\r-------------------------------\r(1) الفرائد البهية في القواعد الفقهية للشيخ محمود حمزة: ص 146.","part":6,"page":184},{"id":3780,"text":"ولو صالح على قيمة الحيوان أو أكثر مما يتغابن الناس فيه، جاز؛ لأن قيمة الحيوان دراهم ودنانير، وهي ليست من جنس الحيوان، فكان الصلح عليها معاوضة، فيجوز سواء قل أو كثر، ولا يشترط القبض.\rوكذا إذا صالح من الحيوان على دراهم في الذمة، وافترق العاقدان من غير قبض، جاز الصلح، وإن كان افتراقاً عن دين بدين؛ لأن هذا المعنى ليس بمعاوضة، بل هو استيفاء عين حقه؛ لأن الحيوان الذي وجب في الذمة، وإن كان ديناً لكنه ليس بدين لازم، بدليل أن من عليه الحيوان إذا جاء بقيمته يجبر من له على القبول، بخلاف سائر الديون، فلا يكون افتراقاً عن دين بدين حقيقة (1) .\rبدل الصلح منفعة: ذكرت أحكام الشرط الأول من شروط المصالح عليه إذا كان بدل الصلح عيناً أو ديناً. فأما إذا كان منفعة، بأن كان على رجل عشر ليرات\r-------------------------------\r(1) البدائع: 46/6 ومابعدها.","part":6,"page":185},{"id":3781,"text":"مثلاً، فصالح منها على منفعة بيت بأن يسكنه شهراً أو على ركوب دابة أياماً معلومة أو على زراعة أرض مدة معينة ونحوها جاز الصلح (1) ، ويكون التصالح إجارة (أي في معنى الإجارة) سواء أكان الصلح عن إقرار المدعى عليه أم عن إنكاره أم سكوته؛ لأن الإجارة تمليك المنفعة بعوض، وقد وجد العوض هنا، والمعاوضة ظاهرة المعنى في الصلح عن إقرار، وأما في الصلح عن إنكار، فالمعاوضة عن الخصومة واليمين.\rوكذا في الصلح عن سكوت؛ لأن الساكت منكر حكماً.\rوإذا اعتبر الصلح على المنافع إجارة، فيصح بما تصح به الإجارات ويفسد بما تفسد به، وهذا باتفاق المذاهب الأربعة (2) .\r2 - الشرط الثاني من شروط المصالح عليه (بدل الصلح) أن يكون متقوماً: فلا يصح على الخمر والخنزير من المسلم؛ لأنه ليس بمال متقوم في حقه (3) ، لكن في هذه الحالة إذا تم الصلح على ما لا يصلح أن يكون عوضاً أصلاً نفذ الصلح ولم يجب شيء، لأنه يدل على أن المتصالحين ما أرادا المعاوضة، ويكون الصلح عفواً من المصالح.\r-------------------------------\r(1) قال الحنفية (تحفة الفقهاء: 426/3): كل ما يصلح مهراً في النكاح (وهو أن يكون مالاً متقوماً عند الناس، المرجع السابق: 201/2) وتصح تسميته، صح أن يكون بدلاً في الصلح. وكل ما لا يصلح مهراً ولا تصح تسميته ويجب فيه مهر المثل في النكاح، لا يصح أن يكون بدلاً في الصلح، والواجب حينئذ في الصلح دية النفس في القتل وأرش الجناية فيما دون النفس. وقد أجاز الحنفية (الهداية مع الفتح: 450/2) أن يكون المهر منفعة يمكن تسليمها شرعاً كسكنى الدار أو ركوب الدابة أو الحمل عليها، أو على أن تزرع أرضه، ولكن لا يصح أن تكون المنفعة خدمة الحر لزوجته، أو كانت مما لا يستحق عليها الأجر كتعليم القرآن؛ لأنه في الأولى ينقلب وضع الرجل فيصبح خادماً وفي الثانية ليس ذلك مالاً.\r(2) البدائع: 47/6، تكملة فتح القدير: 31/7، الشرح الكبير: 310/3، مغني المحتاج: 178/2، المغني: 483/4.\r(3) البدائع: 47/6 ومابعدها، تكملة فتح القدير: 33/7، تبيين الحقائق: 36/5.","part":6,"page":186},{"id":3782,"text":"3 - الشرط الثالث ـ أن يكون مملوكاً للمصالح: فلو صالح على مال، ثم استحق من يد المدعي، لم يصح الصلح؛ لأنه تبين أنه ليس مملوكاً للمصالح (1) .\r4 - الشرط الرابع ـ أن يكون معلوماً: لأن جهالة البدل تؤدي إلى المنازعة، فتوجب فساد العقد (2) .\rشروط المصالح عنه :\rيشترط في محل عقد الصلح شروط هي ما يأتي:\rأحدها ـ أن يكون حقاً للإنسان لا حقاً لله عز وجل، سواء أكان مالاً عيناً أم ديناً، أم حقاً ليس بمال كالقصاص والتعزير (3) . فلا يصح الصلح من حد الزنا والسرقة وشرب الخمر بأن يأخذ رجل زانياً أو سارقاً أو شارب خمر، وأراد أن يرفعه إلى الحاكم، فصالحه المأخوذ على مال ليتركه، فالصلح باطل؛ لأن الحد حق الله تعالى، والاعتياض عن حق الغير لا يجوز، وهو الصلح على تحريم الحلال أو تحليل الحرام.\rوكذا لا يصح الصلح من حد القذف بأن قذف الإنسان رجلاً، فصالحه على مال على أن يعفو عنه؛ لأن هذا الحد، وإن كان للإنسان فيه حق، فالمغلَّب فيه عند الحنفية هو حق الله تعالى.\rوكذا لا يصح الصلح مع شاهد يريد أن يشهد عليه على مال، على ألا يشهد عليه فهو باطل؛ لأن الشاهد في إقامة الشهادة محتسب حقاً لله تعالى، والصلح عن حقوق الله عز وجل باطل، ويجب على العاقد رد ما أخذ من المال؛ لأنه أخذ بغير حق. ولو علم القاضي به أبطل شهادته؛ لأنه فسق، إلا أن يتوب، فتقبل.\rويجوز الصلح باتفاق المذاهب الأربعة عن القصاص في النفس وما دون النفس من الأعضاء؛ لأن القصاص حق للإنسان، فالصلح يجوز حينئذ، سواء أكان بدل الصلح عيناً أم ديناً، لكن إذا كان\r-------------------------------\r(1) البدائع: المرجع السابق: ص 48.\r(2) البدائع، المرجع السابق، الدر المختار: 493/4.\r(3) البدائع، المرجع نفسه، تبيين الحقائق: 37/5، تكملة فتح القدير، المرجع السابق: ص 34، الدرا لمختار: 493/4.","part":6,"page":187},{"id":3783,"text":"البدل ديناً يشترط القبض في المجلس، حتى لا يكون افتراقاً دين بدين (1) .\rوسواء أكان البدل معلوماً أم مجهولاً غير فاحشة، فإذا صالح مثلاً على ثوب أو دابة أو دار لا يجوز؛ لأن الثياب والدواب والدور أجناس ذات أنواع مختلفة، وجهالة النوع تعتبر فاحشة، فتمنع الجواز.\rوالضابط في هذا: أن كل جهالة تمنع صحة تسمية المهر في النكاح تمنع صحة الصلح من القصاص، وما لا يمنع التسمية فلا يمنع الصحة؛ لأن كلاً من بدل الصلح والمهر يجب بدلاً عما ليس بمال. وعليه إن كان البدل مما يصلح مهراً في النكاح فيصلح بدلاً في الصلح، وإذا لم يصلح تسمية المهر بسبب الجهالة يجب مهر المثل، وإذا لم يصلح تسمية بدل الصلح يسقط القصاص وتجب دية النفس في القتل، وأرش الجناية فيما دون النفس، إلا أن بين النكاح والصلح فرقاً من وجه وهو أنه إذا صالح عن القصاص على خمر أو خنزير، يسقط القصاص، ولا يجب شيء آخر، ويكون الصلح عفواً من صاحب الدم؛ أما في النكاح فإنه يجب مهر المثل. وجه الفرق: هو أن لفظ (الصلح) كناية عن العفو، فإذا لم يذكر مال متقوم في الصلح عن القصاص كان بمثابة السكوت عن ذكر عوض، وإذا لم يذكر العوض كان معناه هو العفو، وبعد العفو لا يجب شيء. أما في النكاح فلا يحتمل العفو عن المهر؛ لأنه إذا سكت عنه يجب حكماً لأنه من ضرورات عقد النكاح، فإنه ما شرع إلا بالمال، فإذا لم يكن المسمى صالحاً للمهر، صار كما لو لم يسم العاقد مهراً، وإذا لم يسم مهراً وجب مهر المثل.\r-------------------------------\r(1) البدائع، المرجع السابق، المبسوط: 9/21، تبيين الحقائق: 35/5، تكملة فتح القدير: 32/7، الشرح الكبير: 317/3، المغني: 494/4 ومابعدها.","part":6,"page":188},{"id":3784,"text":"وأما الصلح: فليس من ضروراته وجوب المال، فإنه لو عفا بلا تسمية شيء لم يجب شيء (1) .\rوالصلح عن القصاص جائز سواء أكان بدل الصلح قدر الدية أم أقل أم أكثر لقوله تعالى: {فمن عفي له (2) من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان} [البقرة:178/2] قال ابن عباس: «إنها نزلت في الصلح عن دم العمد» واسم الشيء يتناول القليل والكثير، فدلت الآية على جواز الصلح من القصاص على القليل والكثير.\rوهذا بخلاف الصلح عن القتل الخطأ وشبه العمد: فإنه إذا صالح على أكثر من الدية والأرش لا يجوز الصلح؛ لأن الأرش والدية مقدران شرعاً بمقدار معلوم لا زيادة عليه، فالزيادة على المقدر تكون ربا، فلا يجوز، أما بدل الصلح عن القصاص فعوض عن القصاص، والقصاص ليس بمال، حتى يكون البدل عنه زيادة على المال المقدر، وليس فيه تقدير شرعي ، فلا يتحقق الربا (3) .\r-------------------------------\r(1) العناية بهامش تكملة فتح القدير: 33/7، تبيين الحقائق: 35/5.\r(2) أي أعطي له. ومعنى الآية: أن الله تعالى أمر الولي بالاتباع بالمعروف إذا أعطي له شيء.\r(3) البدائع: 49/6، العناية مع تكملة الفتح: 34/7، تبيين الحقائق: 36/5، الدر المختار: 497/4.","part":6,"page":189},{"id":3785,"text":"الصلح عن المجهول: لا يشترط عند الحنفية والحنابلة: أن يكون المصالح عنه معلوماً، فيصح الصلح عن المجهول، سواء أكان عيناً أم ديناً، فمن ادعى على آخر حقاً في عين، فأقر به المدعى عليه، أو أنكر، فصالح على مال معلوم، جاز (1) ؛ لأن الصلح كما يصح بطريق المعاوضة يصح بطريق الإسقاط، وهذا إسقاط حق، فصح في المجهول كالعتاق والطلاق، ولأنه إذا صح الصلح مع العلم، وإمكان أداء الحق بعينه، فلأن يصح مع الجهل أولى، إذ لو لم يجز الصلح حينئذ أدى إلى ضياع المال، والصلح هنا ليس بيعاً وإنما هو إبراء، وقد روي عن النبي صلّى الله عليه وسلم أنه قال في رجلين اختصما في مواريث درست: «استهما، وتوخيا، وليحلل أحدكما صاحبه» (2) ، وهذا صلح على المجهول كما قال ابن قدامة.\rوقال المالكية: ينبغي أن يعرف المدعي قدر ما يصالح عنه من الدين، فإن كان مجهولاً لم يجز.\rوقال الشافعي: لا يصح الصلح على المجهول؛ لأن الصلح بيع، ولايصح على المجهول (3) .\r-------------------------------\r(1) يعني أن يكون بين رجلين معاملة وحساب من زمن طويل، ولا علم لكل واحد منهما بما عليه لصاحبه، فيجوز الصلح بينهما، وكذلك من عليه حق، لا علم له بقدره، جاز أن يصالح عليه.\r(2) رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه، وأصله في الصحيحين عن أم سلمة قالت: جاء رجلان يختصمان إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلم في مواريث بينهما قد دَرِست ليس بينهما بينة، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلم : إنكم تختصمون إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلم وإنما أنا بشر، ولعل بعضكم ألحن بحجته من بعض، وإنما أقضي بينكم على نحو مما أسمع، فمن قضيت له من حق أخيه شيئاً فلا يأخذه، فإنما أقطع له قطعة من النار يأتي بها أسطاماً (أي المسعار وهو الحديدة التي يسعر بها النار) في عنقه يوم القيامة، فبكى الرجلان، وقال كل واحد منهما: حقي لأخي، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلم : «أما إذ قلتما فاذهبا، فاقتسما، ثم توخيا الحق، ثم استهما، ثم ليُحلل كل واحد منكما صاحبه» ليحلل: أي ليسأل كل واحد منكما صاحبه أن يجعله في حل من قبله بإبراء ذمته، وفيه دليل على أنه يصح الإبراء من المجهول (راجع نيل الأوطار: 253/5).\r(3) راجع البدائع: 49/6، مجمع الضمانات: ص 388، تبيين الحقائق: 32/5، الدر المختار: 493/4، المغني: 490/4 ومابعدها، الميزان: 79/2، حاشية الدسوقي على الشرح الكبير: 310/3.","part":6,"page":190},{"id":3786,"text":"الشرط الثاني ـ أن يكون المصالح عنه حقاً للمصالح، فإذا لم يكن حقاً له، بطل الصلح (1) .\rالشرط الثالث ـ أن يكون حقاً ثابتاً للمصالح في محل الصلح، فإذا لم يكن حقاً ثابتاً له، لا يجوز الصلح عنه، كما يظهر من الحالات الآتية (2) .\rـ لو أن امرأة طلقها زوجها ادعت عليه صبياً في يده أنه ابنه منها، فصالحت عن النسب على شيء، فالصلح باطل؛ لأن النسب حق الصبي، لاحقها فلا تملك المعاوضة عن حق غيرها.\rـ ولو صالح الشفيع المشتري عن حق الشفعة الذي وجب له، على مال معلوم على أن يسلم الدار المبيعة مثلاً للمشتري، فالصلح باطل؛ لأنه لا حق للشفيع في محل الصلح، إنما الثابت له حق التملك، وهذا عبارة عن ولاية له، وهي صفة له، فليس هذا الحق لمعنى في المحل، فلا يحتمل الصلح عنه (3) وهو بخلاف الصلح عن القصاص؛ لأن المحل هنا يصير مملوكاً في حق الاستيفاء.\rـ وإذا صالح الكفيل بالنفس المكفول له على مال معلوم على أن يبرئه من الكفالة، فالصلح باطل، والكفالة لازمة؛ لأن الثابت للدائن المكفول له: هو حق مطالبة الكفيل بتسليم المكفول بنفسه، وهو عبارة عن ولاية المطالبة، وهي صفة للدائن، فلا يجوز الصلح عنها فأشبه الشفعة.\r-------------------------------\r(1) البدائع، المرجع السابق.\r(2) البدائع، المرجع السابق، المبسوط: 35/21، مجمع الضمانات: ص 385.\r(3) أي أن حق الشفعة: حق أن يتملك، وذلك ليس بحق ثابت في المحل قبل التملك، فأخذ بدل عنه أخذ مال في مقابلة ما ليس بشيء ثابت في المحل، وهو رشوة حرام (العناية مع تكملة فتح القدير: 33/7).","part":6,"page":191},{"id":3787,"text":"ـ ولو كان لرجل ظلَّة (1) على طريق نافذ أو كنيف (2) ممتد إلى الشارع أو ميزاب، فخاصمه رجل فيه، وأراد طرحه وإزالته، فصالحه على مال فالصلح باطل؛ لأن الطريق حق لجماعة المسلمين، وليس لأحد منهم حق معتبر ثابت في الطريق، وإنما له فقط حق المرور، وولاية المرور، وهما صفة للمار، فلا يجوز الصلح عنه. هذا فضلاً عن أنه لا فائدة من هذا الصلح، لأنه إن سقط حق واحد بالصلح، فللباقين حق القلع (3) .\rأما إذا كان الطريق غير نافذ، فخاصمه رجل من أهل الطريق على مال لترك الظلة ونحوها، فالصلح جائز؛ لأن الطريق هنا مملوكة ملكاً مشتركاً بين جماعة محصورة، فكان لكل واحد منهم جزء مملوك له، فجاز الصلح عنه، وفي هذا الصلح فائدة لاحتمال أن يصالح الباقون بخلاف حالة ما إذا كان الطريق نافذاً، فإنه لا يتصور الصلح من جميع الناس.\rـ ولو ادعى رجل على رجل مالاً، فأنكره المدعى عليه، ولا بينة للمدعي، فطلب من المدعى عليه اليمين، فصالح عن اليمين على ألا يستحلفه، جاز الصلح، وبرئ من اليمين.\rـ ولو ادعى رجل على آخر مئة ليرة مثلاً، فأنكرها المدعى عليه، فتصالحا على أنه ( إن حلف المدعى عليه، فهو بريء ) فحلف المدعى عليه: ( ما لهذا المدعي قليل ولا كثير عندي ) فإن الصلح باطل، والمدعي على دعواه، فإن أقام بينة أخذ حقه بها؛ لأن قوله: (على أنه إن حلف المدعى عليه فهو بريء) تعليق البراءة\r-------------------------------\r(1) الظلة: المظلة الضيقة وهي ما يستظل بها من الحر أو البرد كالخيمة المعروفة الآن.\r(2) هو الكنة التي تشرع فوق باب الدار، أي السقيفة الممتدة خارج البيت إلى الشارع كالروشن الآن.\r(3) البدائع: 49/6، مغني المحتاج: 183/2، المهذب: 333/1.","part":6,"page":192},{"id":3788,"text":"بالشرط، وهو باطل؛ لأن في الإبراء معنى التمليك، والأصل في التمليك ألا يحتمل التعليق بالشرط.\rوإن لم تكن له بينة وأراد استحلاف المدعى عليه، فهناك وجهان:\rأ ـ إن كان ذلك الحلف الذي صدر من المدعى عليه عند غير القاضي: فله أن يستحلفه عند القاضي مرة أخرى؛ لأن تلك اليمين غير معتبرة.\rب ـ وإن كان حلف عند القاضي: فلا يستحلفه مرة ثانية؛ لأن حق المدعي في الاستحلاف صار مستوفى مرة، فلا يجب عليه الإيفاء مرة ثانية.\rـ ولو تصالحا على أن ( يحلف المدعي، فمتى حلف، فالدعوى لازمة للمدعى عليه) (1) فحلف المدعي على دعواه، فإن الصلح باطل، ولا يلزم المدعى عليه بشيء؛ لأن هذا تعليق وجوب المال بشرط وهو باطل لكونه قماراً (2) .\rـ ولو ادعى رجل على امرأة نكاحاً، فجحدته، فصالحته على مال بذلته، حتى يترك الدعوى، جاز الصلح؛ لأن النكاح حق ثابت من حقوق المدعي، فكان الصلح على حق ثابت، فكان في معنى الخلع، إذ هو أخذ المال بدلاً عن الحقوق الزوجية، ومن حقها بذل مال لإسقاط الخصومة (3) .\rـ ولو قال رجل لامرأة: ( أعطيتك مئة ليرة على أن تكوني امرأتي ) فهو جائز إذا قبلت الزواج بمحضر من الشهود، ويكون هذا كناية عن إنشاء النكاح ابتداء.\rـ وكذا لو قال: ( تزوجتك أمس على ألف ليرة ) فجحدت، وقالت: ( لا)\r-------------------------------\r(1) أي فالمال واجب على المدعى عليه.\r(2) البدائع: 50/6.\r(3) البدائع، المرجع السابق، تبيين الحقائق: 37/5، الدر المختار: 496/4، مجمع الضمانات: ص 385.","part":6,"page":193},{"id":3789,"text":"فقال: ( أزيدك مئة على أن تقري لي بالنكاح ) فأقرت، جاز الصلح، ولها ألف ومئة، والنكاح جائز، ويحمل إقرارها على الصحة (1) .\rـ ولو ادعت امرأة على رجل نكاحاً، فجحد الرجل، فصالحها على مال بذله لها، لا يجوز الصلح، لأنه لا يخلو إما أن يكون النكاح ثابتاً أو لم يكن ثابتاً، فإن لم يكن ثابتاً كان دفع المال إليها من الرجل في معنى الرشوة، إذ ليس هناك شيء يقابله العوض وقد بذل لها المال لتترك الدعوى. وإن كان ثابتاً لا تثبت الفرقة بهذا الصلح؛ لأن العوض في مثل هذه الفرقة تعطيه المرأة لا الزوج فهو لا يعطي العوض في الفرقة، فلا يكون المال الذي تأخذه المرأة عوضاً عن شيء، فلا يجوز. لكن لو ادعى الدعوى، جاز الصلح، وكان الصلح في معنى الخلع في جانبه، لزعمه أن النكاح قائم، ولدفع الخصومة في جانبها (2) .\rـ ولو ادعى إنسان على آخر ألف ليرة، فأنكر المدعى عليه، فصالحه المدعي على مئة ليرة على أن يقر له بالألف، فالصلح باطل؛ لأن المدعي لا يخلو إما أن يكون صادقاً في ادعائه الألف، وإما أن يكون كاذباً فيها، فإن كان صادقاً فيها، فالألف واجبة على المدعى عليه، ويكون أخذ العوض عليه في معنى الرشوة، وهو حرام.\rوإن كان كاذباً في ادعائه فإقرار المدعى عليه بالألف التزام المال من بادئ الأمر، وهذا لا يجوز (3) .\r-------------------------------\r(1) البدائع: 51/6.\r(2) البدائع: المرجع نفسه: ص 50، تكملة فتح القدير مع العناية: 35/7، تبيين الحقائق: 37/5، الكتاب مع اللباب: 165/2.\r(3) البدائع، المرجع السابق: ص 51.","part":6,"page":194},{"id":3790,"text":"ـ ولو ادعى إنسان على رجل وديعة، أو عارية، أو مال مضاربة أو إجارة، فقال الأمين: ( قد رددتها عليك ) أو ( هلكت ) وكذبه المدعي، وقال: (استهلكتها) ثم تصالحا على مال، فالصلح باطل عند أبي يوسف. وعند محمد: صحيح.\rوجه قول محمد: أن هذا صلح وقع عن دعوى صحيحة، ويمين موجهة، فيصح.\rووجه قول أبي يوسف: أن المدعي مناقض نفسه في هذه الدعوى؛ لأن الوديع أمين المالك، وقول الأمين قول المؤتمن، فكان إخباره بالرد أو الهلاك إقراراً من المودِع، فكان مناقضاً نفسه في ادعاء الاستهلاك، والتناقض يمنع صحة الدعوى، إلا أنه يستحلف لكن لا لدفع الدعوى، لأنها مندفعة لبطلانها، بل للتهمة، وإذا لم تصح الدعوى لا يصح الصلح (1) .\rالصلح على العيب: لو اشترى رجل شيئاً فوجده معيباً، فصالحه البائع من العيب على شيء دفعه إليه، أو حط عنه من ثمنه شيئاً: فإن كان المبيع مما يجوز رده على البائع، أو كان له حق المطالبة بأرش العيب دون رده، فالصلح جائز؛ لأن الصلح عن العيب صلح عن حق ثابت في المحل وهو (صفة سلامة المبيع عن العيب) (2) .\rوإن لم يكن للمشتري حق رد المبيع ولا أخذ الأرش (التعويض عن العيب) بأن باع الشيء أو حدثت زيادة منفصلة متولدة من الأصل أو حدث عيب جديد\rعند المشتري عدا العيب القديم المجيزللرد: فلا يجوز الصلح؛ لأن هذا أخذ مال لا بمقابلة شيء، فلا يجوز.\rوإذا جاز الصلح عن العيب، فزال العيب، كأن كان العيب بياضاً في عين الدابة فانجلى البياض، يبطل الصلح، ويأخذ البائع ما أداه، لأن صفة سلامة المبيع قد عادت إليه، فيعوض العوض، ويزول حق المشتري فيه.\rولو طعن المشتري بعيب في المبيع، فصالحه البائع على أن يبرئه من العيب المذكور ومن كل عيب، فالصلح جائز؛ لأن الإبراء عن العيب إبراء عن صفة السلامة في المبيع وإسقاط لها.\rوكذلك لو لم يطعن المشتري بعيب، فصالحه البائع من كل عيب على مال، فالصلح جائز؛ لأنه وإن لم يطعن بعيب فله حق الخصومة، فيجوز الصلح لإبطال هذا الحق.\rولو طعن المشتري بنوع من العيوب كالعمى والقروح، فصالحه البائع عليه، جاز الصلح؛ لأنه لما جاز عن كل عيب، جاز عن العيب الواحد. فإذا ظهر عيب آخر، كان للمشتري حق الخصومة فيه؛ لأن الصلح وقع عن نوع خاص، فكان له حق الخصومة في غيره (3) .\rالصلح بين المدعي والأجنبي :\rكان الكلام السابق عن الصلح بين المدعي والمدعى عليه. أما إذا كان الصلح بين المدعي والأجنبي المتوسط أو المتبرع بالصلح فلا يخلو الحال بين أن يكون الصلح بإذن أو أمر من المدعى عليه أو بغير إذنه أو أمره.\r-------------------------------\r(1) البدائع، المرجع السابق: ص 50\r(2) يلاحظ أن هذا الصلح جائز في ا لبيع العادي الذي يجوز فيه التفاضل، أما إذا كان البيع فيما يجري فيه الربا، فلا يجوز الصلح على شيء، لأنه يؤدي إلى الزيادة، وهو ربا، وهو لا يجوز.\r(3) البدائع: 51/6، المبسوط: 6/21. .","part":6,"page":195},{"id":3791,"text":"فإن كان الصلح بإذن من المدعى عليه: فإنه يصح الصلح، ويكون المصالح وكيلاً عن المدعى عليه، والصلح مما يحتمل التوكيل به، ويجب المال على المدعى عليه دون الوكيل، سواء أكان الصلح عن إقرار أم عن إنكار؛ لأن الوكيل في الصلح لا ترجع إليه حقوق العقد. والمال لازم للموكل دون الوكيل إلا إذا ضمن الوكيل بدل الصلح عن المدعى عليه، فإنه يجب عليه حينئذ بموجب عقد الكفالة والضمان، لا بموجب عقد الصلح (1)\rوقال الشافعية كما تقدم بيانه: إن قال الأجنبي للمدعي: وكلني المدعى عليه في الصلح وهو مقر لك بما تدعي، صح الصلح بينهما؛ لأن ادعاء الوكالة في المعاملات مقبول، ولو صالح الأجنبي عن العين (المدعاة) لنفسه بماله، وقال الأجنبي للمدعي: إن المدعى عليه مقر لك بالمدعى، صح الصلح إيضاً، وكأن اشترى المدعى به. وإن كان المدعى عليه منكراً، وقال الأجنبي: هو مبطل في إنكاره؛ لأنك صادق عندي، فصالحني: فإن كان المدعى به عيناً، فيطبق عليه حكم شراء المغصوب، أي فإن كان قادراً على انتزاعه من المدعى عليه صح الصلح، وإن لم يقدر على انتزاعه فلا يصح. وإن لم يقل الأجنبي: هو مبطل في إنكاره، لغا الصلح (2) .\rوإن كان الصلح بغير إذن من المدعى عليه: فهو صلح الفضولي، وهو على خمسة أوجه:\rفي أربعة منها يصح الصلح، ويجب المال على المصالح الفضولي، ولا يجب على المدعى عليه شيء. وهذه الأوجه هي:\rأولاً ـ أن يضيف الضمان إلى نفسه: بأن يقول الفضولي للمدعي: (صالحتك من دعواك هذه على فلان بألف ليرة على أني ضامن لك هذه الألف)، أو (على أن علي الألف).\rثانياً ـ أن يضيف المال إلى نفسه: بأن يقول: (على ألفي هذا، أو على متاعي هذا).\rثالثاً ـ أن يعين البدل وإن كان لا ينسبه إلى نفسه بأن يقول: ( على هذا الألف أو على هذا المتاع ).\rرابعاً ـ أن يسلم البدل، وإن لم يعين ولم ينسب إلى نفسه: بأن قال: (صالحتك على ألف) وسلمها إليه.\r-------------------------------\r(1) البدائع: 52/6، تكملة فتح القدير: 38/7 ومابعدها، تبيين الحقائق: 39/5 ومابعدها، الكتاب مع اللباب: 167/2.\r(2) مغني المحتاج: 181/2، المهذب: /333.","part":6,"page":196},{"id":3792,"text":"والدليل على صحة الصلح في هذه الأوجه الأربعة هو قوله تعالى: {إنما المؤمنون إخوة، فأصلحوا بين أخويكم} [الحجرات:10/49]، وقوله عز وجل: {والصلح خير} [النساء:128/4] ولأن الفضولي بالصلح عن غيره في هذه الوجوه متصرف على نفسه بالتبرع بإسقاط الدين عن الغير، بأن يقضي دينه من مال نفسه إذا كان الصلح عن إقرار . وإن كان الصلح عن إنكار فهو متبرع بإسقاط الخصومة عن غيره، فيجوز التبرع في الحالتين.\rوفي وجه واحد: لا يصح الصلح، وإنما يكون موقوفاً على إجازة المدعى عليه، وهو بأن يقول الفضولي: ( صالحتك من دعواك هذه مع فلان على ألف ليرة أو على متاع كذا: الوسط )، ففي هذه الحالة إن أجاز المدعى عليه صلح الفضولي نفذ، ويجب البدل عليه دون المصالح؛ لأن الإجازة اللاحقة بمنزلة الوكالة السابقة، وحكم الوكالة كذلك. وإن لم يجز بطل الصلح؛ لأن التصرف على الإنسان لا يصح من غير إذنه وإجازته، والأصل في العقد إنما هو المدعى عليه (1) .\rوهذه الأحكام تطبق على الخلع من الأجنبي:\rفإن كان خلع الزوجة بإذن الزوج أو المرأة: يصير المخالع وكيلاً، ويجب المال على المرأة للزوج دون الوكيل؛ لأنه سفير ومعبر عن الأصيل، فلا يرجع إليه بشيء من حقوق العقد.\rوإن كان الخلع بغير إذن: فإن وجد من الفضولي ضمان بدل الخلع، أو قال: (خالع امرأتك على كذا ليرة علي) أو (على متاعي هذا) أو (على هذا الألف) أو (على هذا المتاع) فإن الخلع صحيح، ويجب المال على الفضولي، وليس له أن يرجع على الأصيل، لأنه متبرع.\rوإن قال الفضولي للزوج: (اخلع امرأتك على كذا) فقال: (خلعت) فإن الخلع يكون موقوفاً على إجازة المرأة: فإن أجازت صح الخلع، ويجب البدل عليها دون الفضولي، وإن لم تجز بطل الخلع، ولا يقع الطلاق.\rوتطبق هذه الأحكام أيضاً على الصلح عن دم العمد من الأجنبي، كما تطبق كذلك على الزيادة في الثمن من الأجنبي: إن كانت بإذن المشتري يكون الشخص الفضولي وكيلاً ، وتجب الزيادة على المشتري. وإن كانت بغير إذن المشتري، فعلى التفصيل السابق الذي ذكر في الصلح (2) .\r-------------------------------\r(1) البدائع: 52/6، تكملة فتح القدير: 40/7، تبيين الحقائق: 40/5.\r(2) البدائع: 52/6.","part":6,"page":197},{"id":3793,"text":"المبحث الثالث ـ أحكام الصلح :\rللصلح أحكام هي (1) :\rأولاً ـ انقطاع الخصومة والمنازعة بين المتداعيين شرعاً: فلا تسمع دعواهما بعدئذ، وهذا حكم ملازم جنس الصلح.\rثانياً ـ حق الشفعة للشفيع: إذا كان المدعى به داراً وبدل الصلح ليس داراً، وإنما هو نقد أو غيره، فإن حق الشفعة يثبت للشفيع إذا كان الصلح عن إقرار من المدعى عليه؛ لأن الصلح حينئذ يكون في معنى البيع بالنسبة لطرفي العقد. أما إذا كان الصلح عن إنكار من المدعى عليه، فلا يثبت حق الشفعة، لأنه ليس في معنى البيع بالنسبة للمدعى عليه، بل هو بذل المال لدفع الخصومة واليمين.\rوإن كان بدل الصلح داراً، والصلح عن إقرار المدعى عليه يثبت حق الشفعة للشفيع في الدارين، لما عرفنا أن الصلح هنا في معنى البيع من الطرفين.\rوإن كان الصلح عن إنكار يثبت للشفيع حق الشفعة في الدار التي هي بدل الصلح، ولا يثبت في الدار المدعاة؛ لأنها لم تعتبر مبيعة، إذ أن الصلح عن إنكار يعتبر معاوضة بالنسبة للمدعي، وأما بالنسبة للمدعى عليه فليس بمعاوضة، بل هو إسقاط للخصومة ودفع اليمين عن نفسه، فلم يكن للدار المدعاة حكم المبيع في حقه، فلا يثبت للشفيع حق أخذها بالشفعة.\rثالثاً ـ حق الرد بالعيب، وحكم الاستحقاق: فحق الرد بالعيب يثبت لطرفي عقد الصلح إن كان الصلح عن إقرار؛ لأنه بمنزلة البيع.\rوإن كان عن إنكار يثبت حق الرد بالنسبة للمدعي، ولا يثبت بالنسبة\r-------------------------------\r(1) البدائع: 53/6 ومابعدها، تكملة فتح القدير: 29/7، المبسوط: 163/20، تبيين الحقائق: 33/5، الدر المختار مع رد المحتار: 494/4.","part":6,"page":198},{"id":3794,"text":"للمدعى عليه؛ لأن هذا الصلح بمنزلة البيع بالنسبة للمدعي، لا بالنسبة للمدعى عليه.\rوتطبق هذه الأحكام إذا كان الصلح عن إقرار، واستحق بعض المصالح عنه، فيرجع المدعى عليه على المدعي بحصة المستحق من العوض المصالح به؛ لأن الصلح مع الإقرار كالبيع، وهذا هو حكم الاستحقاق في البيع. وإذا كان الصلح عن إنكار أو سكوت فاستحق المتنازع فيه كله، رجع المدعي بالخصومة على المستحق، لقيامه مقام المدعى عليه، ورد العوض المصالح به على من أخذه منه (1) ؛ لأن المدعى عليه ما بذل العوض للمدعي إلا ليدفع خصومته عن نفسه، فإذا ظهر الاستحقاق تبين أنه لا خصومة له، فيبقى العوض في يده غير مشتمل على غرضه، فيسترده. وإن استحق بعض المتنازع فيه، رد حصته، ورجع بالخصومة فيه على المستحق.\rرابعاً ـ الرد بخيار الرؤية في نوعي الصلح: لأن الخيار ثبت للمدعي فيستدعي كون الصلح معاوضة عن حقه.\rخامساً ـ إنه لا يجوز التصرف في بدل الصلح قبل القبض إذا كان منقولاً في نوعي الصلح؛ فلا يجوز للمدعي بيعه وهبته ونحوهما. وإن كان عقاراً يجوز عند أبي حنيفة وأبي يوسف، وعند محمد: لا يجوز، كما هو معروف في بحث عقد البيع.\rويجوز للمصالح في الصلح عن القصاص أن يبيع بدل الصلح أو يبرئ عنه قبل القبض، كما يجوز البيع ونحوه في المهر والخلع؛ لأن المانع من جواز التصرف في الشيء قبل القبض: هو المحافظة على العقد من الانفساخ نتيجة هلاك الشيء، واحتمال الفسخ لا يتأتى في الصلح عن القصاص، لأنه مما لا يحتمل الفسخ، فلا حاجة إلى القول بعدم جواز التصرف في بدل الصلح قبل القبض.\r-------------------------------\r(1) تكملة فتح القدير مع العناية، المرجع السابق: ص 29، المبسوط: 149/20 ومابعدها، تبيين الحقائق: 32/5، 34، الكتاب مع اللباب: 164/2.","part":6,"page":199},{"id":3795,"text":"سادساً ـ إن الوكيل بالصلح يلتزم ببدل الصلح دون المدعى عليه إذا كان الصلح في معنى المعاوضة، كما إذا تم الصلح على جنس آخر خلاف جنس حق المدعي، لأنه يكون حينئذ جارياً مجرى البيع، وحقوق البيع ترجع إلى الوكيل.\rوإن كان الصلح في معنى استيفاء عين الحق، كمن له على آخر ألف ليرة، فصالحه على خمس مئة، فيلتزم الوكيل ببدل الصلح إن ضمنه، وإن لم يضمنه لم يلزمه؛ لأنه يكون حينئذ سفيراً بمنزلة الرسول، فلا ترجع إليه حقوق العقد. أما إن ضمنه لزمه بحكم الكفالة لا بحكم العقد. وقد سبق أن أشرت إليه.\rوالخلاصة: أن الصلح كما قال الشافعية إذا كان عن إقرار وجرى على عين غير المدعاة، فهو بيع بلفظ الصلح تثبت فيه أحكامه، كالشفعة، والرد بالعيب، ومنع التصرف قبل القبض، واشتراط التقابض إن اتفق المصالح عنه والمصالح عليه في علة الربا (1) .\rالمبحث الرابع ـ مبطلات عقد الصلح وحكمه بعد البطلان :\rمبطلات الصلح: يبطل الصلح بأشياء هي ما يأتي (2) :\r1 - الإقالة في غير حالة الصلح على القصاص: فلو أقال أحد المتصالحين الآخر انفسخ الصلح؛ لأن فيه معنى معاوضة المال بالمال، فكان محتملاً للفسخ كالبيع ونحوه. أما القصاص:فالصلح فيه إسقاط محض لحق ولي الدم في استيفاء القصاص من القاتل؛ لأنه عفو عن القاتل، فلايحتمل الفسخ كالطلاق ونحوه.\r2 - لحاق المرتد بدار الحرب أو موته على الردة عند أبي حنيفة: وهذا مبني على القاعدة المقررة عنده: وهي أن تصرفات المرتد موقوفة على العودة إلى الإسلام أو اللحاق بدار الحرب أو الموت، فإن أسلم نفذت تصرفاته، وإن لحق بدار الحرب وقضى القاضي بلحاقه، أو قتل أو مات على الردة بطلت تصرفاته.\rوعند الصاحبين: تعتبر تصرفات المرتد نافذة.\r-------------------------------\r(1) مغني المحتاج: 177/2، المهذب: 333/1.\r(2) البدائع: 54/6 ومابعدها، تبيين الحقائق للزيلعي: 32/5، 34، الدر المختار مع رد المحتار: 494/4.","part":6,"page":200},{"id":3796,"text":"3 - الرد بخيار العيب أو الرؤية: لأن الرد يفسخ العقد.\r4 - هلاك أحد المتعاقدين في الصلح على المنافع قبل انقضاء المدة: لأن في الصلح على المنفعة معنى الإجارة، والإجارة تبطل بموت أحد العاقدين. وكذا يبطل الصلح إذا هلك ما وقع الصلح على منفعته.\rحكم الصلح بعد بطلانه: إذا بطل الصلح يرجع المدعي إلى أصل دعواه إن كان الصلح عن إنكار. ويرجع المدعي على المدعى عليه بالمدعى به لا غيره إن كان الصلح عن إقرار؛ لأنه إذا بطل الصلح،جعل كأن لم يكن، فعاد الأمر على ما كان من قبل.\rلكن في الصلح عن القصاص: يرجع المدعي على القاتل بالدية دون القصاص، وفي الصلح عن المنفعة، إذا بطل بموت أحد العاقدين ونحوه من المبطلات في أثناء المدة، يرجع المدعي بالمدعى به، بقدر ما لم يُستوف من المنفعة إن كان الصلح عن إقرار. وإن كان عن إنكار المدعي إلى أصل الدعوى في قدر ما لم يستوف من المنفعة (1) .\rالصلح عن التركة (التخارج ) : يصح الصلح عن حصة الوارث في التركة، وتطبق أحكام البيع، ويسمى هذا الصلح مخارجة. والمخارجة: هي عقد يتصالح فيه أحد الورثة على أن يخرج من التركة، فلا يأخذ نصيبه، نظير مال يأخذه من التركة، أو من غيرها. ويختلف الحكم فيما إذا كانت التركة أشياء عينية، أو أشياء نقدية. فإن كانت التركة أشياء عينية كعقار أو عروض تجارية، صح الصلح مهما كان مقدار العوض قليلاً كان أو كثيراً؛ لأنه بيع، وقد صالح عثمان امرأة عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنهم على ربع ثمنها على ثمانين ألف دينار.\r-------------------------------\r(1) البدائع: 55/6 ومابعدها، المبسوط: 34/21، تبيين الحقائق :33/5 ، الدر المختار ورد المحتار: 495/4.","part":6,"page":201},{"id":3797,"text":"أما إن كانت التركة نقداً ذهباً أو فضة، فيصح الصلح مهما كان العوض إذا كان من جنس غير جنس مال التركة، كإعطاء ذهب بفضة أو بالعكس؛ لأنه بيع الجنس بخلاف الجنس، فلا يعتبر التساوي، ولكن بشرط قبض العوضين في مجلس العقد، لأنه عقد صرف.\rوإن كانت التركة خليطاً من أشياء عينية ونقدية وهو الغالب فلا بد من أن يكون العوض أكثر من نصيبه في التركة، حتى يتساوى نصيبه بمثله، وتغطي الزيادة الأشياء العينية الأخرى مثل العروض التجارية والعقارات ونحوها، منعاً من الوقوع في الربا، ولا بد من التقابض فيما يقابل نصيبه من الذهب أو الفضة؛ لأن هذا عقد صرف في هذا القدر (1) .\rوالخلاصة: أنه يشترط عند الحنفية كون التركة معلومة، ولا يشترط أن يكون التخارج بمقدار الحصة تماماً؛ لأن هذا العقد بيع، والعلم بالمبيع شرط لإمكان التسليم، ولا يلزم كون الثمن مساوياً لقيمة المبيع، لكن يشترط أن يكون المتخارج عالماً بنصيبه من التركة خشية الغرر، ويشترط أيضاً التقابض فيما هو عقد صرف، لعدم الوقوع في الربا.\r-------------------------------\r(1) اللباب شرح الكتاب: 170/2، تكملة رد المحتار: 205/7 ومابعدها.","part":6,"page":202},{"id":3798,"text":"الفَصْلُ الرّابع عَشَر: الإِبراء\rفيه ستة مباحث تشمل تعريف الإبراء ومشروعيته، وأركانه، وشروطه ومحله، وأنواعه، وحكمه.\rالمبحث الأول ـ تعريف الإبراء ومشروعيته: الإبراء لغة: التنزيه والتخليص والمباعدة عن الشيء. وفقهاً: هو إسقاط شخص حقاً له في ذمة آخر أو قِبَله، كإسقاط الدائن دينه الذي له في ذمة المدين. فإذا لم يكن الحق في ذمة شخص، كحق الشفعة، وحق السكنى الموصى به، فلا يعتبر التنازل عنه أو تركه إبراء، بل هو إسقاط محض، وعليه يكون كل إبراء إسقاطاً، وليس كل إسقاط إبراء.\rوالإبراء وإن تضمن معنى الإسقاط، ففيه معنى آخر وهو التمليك فهو إسقاط من الدين، وتمليك للمدين. وقد رجح كل مذهب أحد المعنيين.\rالحنفية رجحوا معنى الإسقاط مع بقاء معنى التمليك، ورتبوا عليه عدم صحة الإبراء عن الأعيان؛ لأنه إسقاط، وملكية الأعيان لا تقبل الإسقاط، فلو أسقط أحد ملكيته عن شيء مملوك له، لا تسقط ويبقى ملكاً له، ولا يصح الإبراء عن المبيع؛ لأنه إسقاط، وإسقاط العين لا يصح، والإبراء عن العين المغصوبة لا يكون سبباً لملكها، وإنما يكون إبراء عن ضمانها، وتصير أمانة في يد الغاصب. ولكن يصح إبراء الدين الثابت في الذمة كضمان قيمة المغصوب المتلف، ويصح الإبراء عن الدعوى المتعلقة بالأعيان. ولا يصح إقالة الإبراء عن الدين ولا إقالة السلم؛ لأن الإبراء يسقط الدين من الذمة، والساقط لا يعود؛ لأنه معدوم، والمسلم فيه دين سقط. ويعد الإبراء من الدين تبرعاً؛ لأن فيه معنى التمليك، وإن كان في صورة إسقاط.\rوالراجح عند المالكية: كما أبان الدسوقي (1) أن الإبراء نقل للملك فيكون من قبيل الهبة، فيحتاج لقبول.\rوالجديد عند الشافعية (2) : أن الإبراء تمليك المدين ما في ذمته، فيشترط علم الطرفين به إن كان في ضمن معاوضة كخلع، وإلا فيكفي علم المبرئ فقط، والإبراء من المجهول باطل. وقال بعض الشافعية: الأصح أن الإبراء إسقاط.\rوالراجح عند الحنابلة (3) : أن الإبراء إسقاط، ولا مانع يمنع الإنسان من إسقاط بعض حقه أو هبته، فقد كلم النبي صلّى الله عليه وسلم غرماء جابر ليضعوا عنه.\rمشروعية الإبراء: الإبراء في الحكم الغالب له مندوب، قال الخطيب الشربيني: الإبراء مطلوب، فوُسِّع فيه بخلاف الضمان (أي الكفالة) ؛ لأنه نوع الإحسان والبر والصلة، لتضمنه إسقاط الحق عن المدين، ولو لم يكن معسراً، قال تعالى: {وإن كان ذو عُسْرَة، فَنَظِرة إلى مَيْسرة، وأن تَصدَّقُوا خير لكم إن كنتم تعلمون} [البقرة:280/2].\r-------------------------------\r(1) حاشية الدسوقي على الشرح الكبير: 99/4، الفروق: 111/2.\r(2) المحلي على المنهاج مع حاشية القليوبي وعميرة: 326/2 ومابعدها، مغني المحتاج: 202/2، أشباه السيوطي: ص 152.\r(3) كشاف القناع: 379/3، 385، 336/4، المغني: 483/4.","part":6,"page":203},{"id":3799,"text":"المبحث الثاني ـ ركن الإبراء :\rركن الإبراء عند الحنفية: هو الإيجاب فقط الصادر من صاحب الحق المبرئ، الدال دلالة واضحة على ترك حقه والتنازل عنه. باعتبار أن الركن هو جزء الشيء الذي لا يتحقق بدونه. أما بقية عناصر الإبراء من متعاقدين ومحل فهي أطراف العقد، وليست ركناً.\rأما الجمهور فقالوا: للإبراء أركان أربعة: صاحب الحق المبرئ، والمدين (المبرأ)، والصيغة، والمبرأ منه (محل الإبراء من دين أو عين أو حق) باعتبار أن الركن: هو كل ما يتوقف عليه وجود الشيء، سواء أكان جزءاً داخلاً فيه وهو الإيجاب وحده، أو الإيجاب والقبول معاً، أم خارجاً عنه كالأطراف والمحل.\rهل يحتاج الإبراء إلى قبول؟\rيرى الجمهور غير المالكية (1) : أن الإبراء لا يحتاج إلى قبول، فينعقد بمجرد الإيجاب؛ لأنه عند الحنفية والحنابلة إسقاط، والإسقاطات كالطلاق والعتق لا تحتاج إلى قبول، سواء أكان التعبير بلفظ الإبراء أم بلفظ هبة الدين للمدين، وطالب بعض الحنفية بالقبول في هبة الدين للمدين، والمشهور هو الأول.\rوبالرغم من أن الراجح لدى الشافعية أن الإبراء تمليك المدين ما في ذمته كما بينت، فلا يحتاج إلى القبول؛ لأن المقصود منه الإسقاط.\rومثال الإيجاب: أن يقول: أبرأتك من ديني، أو أحللتك منه، أو أسقطته عنك، أو ملكتك إياه، أو تركته لك، ونحو ذلك. نصت المادة 1561 مجلة: «إذا قال أحد: ليس لي مع فلان نزاع ولا دعوى، أو ليس لي عند فلان حق، أو فرغت من دعواي التي هي مع فلان، أو تركتها، أو ما بقي لي عنده، أو استوفيت حقي من فلان بالتمام، يكون قد أبرأه» .\r-------------------------------\r(1) المراجع السابقة.","part":6,"page":204},{"id":3800,"text":"ويرى المالكية على الراجح: أن الإبراء يحتاج إلى قبول؛ لأنه نقل للملك، كالهبة فلا بد من القبول في هبة الدين، لمن هو عليه؛ لأنه إبراء.\rويكون القبول في مجلس العقد بالاتفاق، إلا أن الشافعية (1) اشترطوا القبول لفظاً فوراً فيما لو وكله في إبراء نفسه، ولو من الحاكم. وظاهر المذهب المالكي جواز تأخير القبول عن الإيجاب، وعبارتهم: من سكت عن قبول صدقته زماناً، فله قبولها بعدئذ.\rواستثنى الحنفية من عدم توقف الإبراء على القبول: الإبراء عن بدلي الصرف، وعن رأس مال السلم، فيتوقف فيهما الإبراء على القبول؛ لأن الإبراء يؤدي إلى تفويت القبض المستحق، وفواته يوجب بطلان العقد، ونقض العقد لا ينفرد به أحد العاقدين، بل لا بد من قبول الطرف الآخر، فإن قبله برئ، وإن لم يقبله لم يبرأ، وإذا تم الإبراء مع القبول انفسخ عقد الصرف والسلم، لعدم تحقق القبض المشروط لصحة كل منهما.\rأما الإبراء عن المسلم فيه أو عن ثمن المبيع، فيجوز من غير قبول؛ لأن قبض المسلم فيه أو الثمن ليس بشرط، والإبراء عن دين لا يجب قبضه شرعاً إسقاط لحق المبرئ لا غير، فيملك الإبراء من نفسه فقط (2) .\rرد الإبراء :\rذهب الشافعية في الراجح والحنابلة: إلى أن الإبراء يتم بالإيجاب دون حاجة إلى قبول، ولا يرتد بالرد من المدين؛ لأنه إسقاط عند الحنابلة، كإسقاط القصاص والشفعة، والمقصود منه الإسقاط عند الشافعية، فيصح ا لإبراء من الدين ولو رده المدين.\rوذهب الحنفية والمالكية: إلى أن الإبراء يرتد بالرد، في المجلس أو بعده، مادام لم يحدث منه قبول صريح قبل رده؛ لأن الإبراء عند المالكية يفتقر إلى القبول، ولأن فيه معنى التمليك. ولمراعاة\r-------------------------------\r(1) حاشية القليوبي: 340/2، الأشباه والنظائر للسيوطي: ص 152.\r(2) البدائع: 203/5.","part":6,"page":205},{"id":3801,"text":"معنى التمليك عند الحنفية وإن كان إسقاطاً (1) ، فنظراً لما فيه من معنى التمليك فإنه يرتد بالرد.\rوالرد المعتبر: هو ما يصدر من المبرأ، أو من وارثه بعد موته. واستثنى الحنفية مسائل أربعاً لا يرتد فيها الإبراء بالرد وهي (2) :\r1 و 2 - الإبراء في الحوالة، والكفالة على الراجح؛ لأن الإبراء فيهما إسقاط محض، ليس فيه تمليك مال، والإسقاط المحض لا يحتمل الرد، لانعدام الساقط وتلاشيه، فلو أبرأ المحال المحال عليه فرده لا يرتد، ولو أبرأ الدائن الكفيل فرده لايرتد.\r3 - إذا تقدم من المبرأ على الإبراء طلب بأن قال للمبرئ: أبرئني، فأبرأه ، فردّ، لا يرتد.\r4 - إذا سبق للمبرأ أن قبل الإبراء، فإذا رده بعدئذ لا يرتد. أما المجلة العدلية فقد نصت في المادة 1568 على ما يلي بالنسبة للقبول والرد أخذاً برأي الحنفية: «لايتوقف الإبراء على القبول، ولكن يكون بالرد مردوداً؛ لأنه إذا أبرأ أحد آخر، فلا يشترط قبوله، ولكن إذا رد الإبراء في ذلك المجلس بقوله: لا أقبل، يكون ذلك الإبراء مردوداً، يعني لا يبقى له حكم، لكن لو رده بعد قبول الإبراء لا يكون الإبراء مردوداً، وأيضاً إذا أبرأ المحال له المحال عليه، أو صاحبُ الطلبِ الكفيل، ورد ذلك المحال عليه أو الكفيل، لا يكون الإبراء مردوداً» .\r-------------------------------\r(1) العناية بهامش تكملة فتح القدير: 44/7، الفتاوى الهندية: 365/4، 384، الدر المختار ورد المحتار: 544/4، الأشباه والنظائر للسيوطي: ص152، كشاف القناع: 336/4، حاشية الدسوقي: 99/4.\r(2) رد المحتار على الدر المختار: 544/4.","part":6,"page":206},{"id":3802,"text":"المبحث الثالث ـ شروط الإبراء :\rهناك شروط في المبرئ، وشروط في المبرأ، وشروط في صيغة الإبراء، وشروط في المبرأ منه (محل الإبراء).\rأولاً ـ شروط المبرئ: يشترط في المبرئ ما يلي (1) :\r1ً - أن يكون من أهل التبرع، أي عاقلاً بالغاً راشداً غير محجور لسفه أو لدين؛ لأن الإبراء تبرع من الدائن؛ إذ لا يقابله عوض من المدين. وشرْط عدم الحجر لدين عند الحنفية على المفتى به من رأي الصاحبين بجواز الحجر على المدين هو شرط نفاذ، فإبراء المحجور عليه بسبب الدين صحيح موقوف على إجازة الدائنين، حفاظاً على حقوقهم.\r2ً - أن يكون ذا ولاية على الحق المبرأ منه: بأن يكون مالكاً له، أو موكلاً بالإبراء منه، أو وصياً على الدائن. والإجازة اللاحقة عند من يجيز تصرف الفضولي لها حكم الوكالة السابقة.\rوالعبرة عند الحنفية والحنابلة في ولاية المبرئ بالواقع لا في الظن، فلو أبرأ عن شيء من مال أبيه ظاناً أنه حي، فتبين حين الإبراء أنه ميت، صح الإبراء؛ لأنه إسقاط، ولأن الشيء المبرأ منه كان مملوكاً له في الواقع، كبيع مال مورثه الميت مع ظن الحياة. وإذا اعتبر الإبراء تمليكاً كما يرى الشافعية في الأصح، لم يصح هذا الإبراء.\r3ً - الرضا: يشترط الرضا والاختيار من المبرئ، فلا يصح إبراء المكرَه.\rالتوكيل بالإبراء: يصح التوكيل بالإبراء، بشرط وجود إذن خاص به، ولا يكفي له الإذن بعقد ما. ولا يجوز عند الحنفية للوكيل المأذون بالإبراء توكيل غيره.\r-------------------------------\r(1) الدر المختار: 531/4، تكملة ابن عابدين: 328/2، الفتاوي الهندية: 355/4، مرشد الحيران: م184، 185، 197، 198، الشرح الكبير: 98/4، القليوبي وعميرة: 326/2، و 159/3، 162، كشاف القناع: 329/4، 336، مغني المحتاج: 202/2، الأشباه والنظائر للسيوطي: ص152.","part":6,"page":207},{"id":3803,"text":"ويكفي عند الشافعية (1) في صحة الوكالة بالإبراء: علم الموكل بقدر الدين، وإن جهله الوكيل والمديون. ولا يصح عندهم بناء على أن الإبراء تمليك توكيل المدين ليبرئ نفسه، كما لو وكله ليبيع من نفسه، وأما بناء على القول الثاني وهو أن الإبراء إسقاط فيصح توكيل المدين ليبرئ نفسه.\rالإبراء في مرض الموت: يتفرع عن الشرط الأول ألا يكون المبرئ مريضاً مرض الموت: فإن أبرأ المريض وارثاً، توقف الإبراء على إجازة الورثة، ولو كان الدين أقل من الثلث. وإن أبرأ أجنبياً، والدين يجاوز ثلث التركة، توقف الإبراء في الزائد عن الثلث على إجازة الورثة؛ لأن الإبراء تبرع له حكم الوصية. وإن أبرأ المريض أحد المدينين، وكانت التركة مستغرقة بالديون، لم ينفذ إبراؤه، لتعلق حق الغرماء (2) .\rثانياً ـ شروط المبرأ :\rيشترط باتفاق الفقهاء على المذهب لدى الحنابلة (3) في الطرف المبرأ أن يكون معلوماً معيناً، غير مجهول، ولا مبهم، فلو أبرأ أحد غريميه (مدينيه)، فقال لهما: أبرأت أحدكما، فلا يصح. وكذا لو قال: أبرأت كل مدين لي، أو كل مدين لمورثي، لا يصح كما أن الإقرار ببراءة كل مدين له، لا يصح، إلا إذا قصد مديناً معيناً أو أناساً محصورين. فإذا قال: أبرأت هؤلاء المدينين لي، صح.\rوعلل الشافعية عدم صحة الإبراء مع جهالة المدين المبرأ بأن الإبراء فيه معنى التمليك، ولا يصح تمليك المجهول، والإبراء تمليك من المبرئ، إسقاط عن المبرأ عنه، فيشترط علم الأول دون الثاني.\rوقد نصت المجلة (م 1567) على هذا الشرط: يلزم أن يكون المبرأون معلومين ومعينين، بناء عليه، لو قال أحد: أبرأت كافة مديونيّ، أو ليس لي عند أحد حق، لا يصح إبراؤه. وأما لو قال: أبرأت أهالي المحلة الفلانية، وكان أهل تلك المحلة معينين، وعبارة عن أشخاص معدودين، فيصح الإبراء.\r-------------------------------\r(1) مغني المحتاج: 222/2، الأشباه والنظائر للسيوطي: ص 152.\r(2) الفتاوى الهندية: 382/4، العناية بهامش فتح القدير: 281/6، فتح القدير: 23/7، القليوبي وعميرة: 159/3، 162، الأشباه والنظائر للسيوطي: ص 152، المجلة العدلية: م 1570، 1571، الشرح الكبير: 98/4.\r(3) جامع الفصولين: 125/1، ط الأزهرية سنة 1300 هـ، الخرشي: 99/6، ط صادر، الأشباه والنظائر للسيوطي: ص 152، كشاف القناع: 337/4.","part":6,"page":208},{"id":3804,"text":"ويصح إبراء المبرأ، سواء أكان مقراً بالحق أم منكراً له، بل ولو حلف المنكر؛ لأن الإبراء عند الجمهور غير المالكية ينعقد بمجرد الإيجاب، ولا يفتقر إلى القبول، ولا حاجة فيه إلى تصديق الغريم.\rثالثاً ـ شروط المبرأ منه (محل الإبراء ) :\rيشترط في المحل المبرأ منه مايلي (1) :\r1ً - أن يكون عند الشافعية في الجديد معلوماً: فلا يصح الإبراء من المجهول: وهو ما لا تسهل معرفته، ويكون الإبراء من المجهول جنساً أو قدراً أو صفة باطلاً؛ لأن الإبراء تمليك وهو يتوقف على الرضا، ولا يعقل الرضا مع الجهالة. ولو أبرأه من الدراهم التي عليه، ولا يعلم قدرها، برئ من ثلاثة؛ لأنها أقل الجمع على المعتمد.\rلكنهم قالوا: طريق الإبراء من المجهول: أنه يذكر عدداً يتحقق أنه يزيد على قدر الدين، كمن لا يعلم، هل له عليه خمسة أو عشرة، فيبرئه من خمسة عشر مثلاً.\rواستثنوا من بطلان الإبراء من المجهول: الإبراء من إبل الدية فيصح الإبراء منها، وإن كانت مجهولة الصفة؛ لأنها معلومة السن والعدد، فيرجع في صفتها إلى غالب إبل البلد.\rواستثنوا أيضاً: ما لو أبرأه بعد موته، فيصح مع الجهل؛ لأنه وصية.\rولم يشترط الجمهور (الحنفية والمالكية والحنابلة) هذا الشرط، وأجازوا الإبراء من المجهول قدراً ووصفاً، ولو لم يتعذر علمه؛ لأنه إسقاط حق أو إسقاط محض كالإعتاق والطلاق، فينفذ مع العلم والجهل، فلو أبرأه من أحد الدينين صح الإبراء، لكن قال الحنابلة: لو كتم المدين الدين عن الدائن خوفاً من أن الدائن\r-------------------------------\r(1) تكملة ابن عابدين: 182/2-183، الشرح الكبير مع الدسوقي: 411/3، مغني المحتاج: 202/2 وما بعدها، القليوبي: 326/2 ومابعدها، كشاف القناع: 336/4.","part":6,"page":209},{"id":3805,"text":"لو علم الدين، لم يبرئه، وجهله رب الدين، لم تصح البراءة عنه؛ لأن فيه تغريراً للمبرئ، وقد أمكن التحرز عنه.\r2ً - ألا يكون المبرأ منه عيناً من الأعيان: لأن العين لا تثبت في الذمة، والإبراء إسقاط، والذي يقبل الإسقاط: ما يشغل الذمم من الحقوق، فيكون الإبراء من الأعيان باطلاً، فلو غصب إنسان كتاباً، لم يصح الإبراء منه.\rويصح الإبراء من الديون، ولو كان الدين من الأعيان كالدية من الإبل مثلاً.\rويصح الإبراء من الحقوق، كالإبراء عن حق الدعوى، وإبراء الدائن الكفيل من الكفالة، والمحال عليه من الحوالة، إذ البراءة فيهما عن حق الكفالة أو الحوالة.\r3ً - أن يكون المبرأ منه موجوداً عند الإبراء: فيبطل الإبراء من الحق قبل وجوده، كأن تبرئ شخصاً مما سيقرضه لك، أو مما سيجب له. وبناء عليه، لم يجز الحنفية إبراء الزوجة زوجها من نفقة مستقبلة،ولا من نفقة العدة قبل أن يطلقها؛ لأن الإبراء إسقاط، وما سيوجد ساقط فعلاً، فلا يقبل إسقاطاً.\rواستدل الفقهاء لعدم صحة الإبراء من الدين قبل وجوبه، بقوله صلّى الله عليه وسلم : «لاطلاق إلا فيما تملك، ولا عتق إلا فيما تملك» (1) والإبراء في معناهما.\rرابعاً ـ شروط صيغة الإبراء: يشترط في صيغة الإبراء وذاته أربعة شروط هي ما يلي (2) :\r-------------------------------\r(1) حديث حسن رواه أبو داود والحاكم بلفظ «لا طلاق إلا فيما يملك، ولا عتق إلا فيما يملك» ورواه ابن ماجه عن المسور بلفظ «لا طلاق قبل النكاح، ولا عتاق قبل ملك» .\r(2) تكملة فتح القدير: 41/7، 44 ومابعدها، الدر المختار: 176/4، تكملة ابن عابدين: 330/2، الفتاوى الهندية: 378/4، 384، البدائع: 45/6، 50 ، 118، الدسوقي: 307/2، و89/4، 99، 100، فتح العلي المالك: 229/1، 322، 335، الأشباه والنظائر للسيوطي: ص 152، المجموع: 100/10، القليوبي: 292/2، 45/3، 83، 310، 368/4، كشاف القناع: 305/3، 337/4، المغني: 483/4 ومابعدها، و564/5، مغني المحتاج: 66/2.","part":6,"page":210},{"id":3806,"text":"1ً - أن يكون منجزاً غير معلق بشرط ولا مضاف للمستقبل (1) : وهذا شرط عند الجمهور غير المالكية. فالتنجيز شرط كأن يقول الدائن لمدينه: أبرأتك من ديني؛ لأن في الإبراء معنى التمليك، والتمليكات لا تقبل التعليق.\rوالتعليق على شرط: إن كان على شرط موجود بالفعل، فهو في حكم المنجز. وإن كان على شرط ملائم، مثل: إن كان لي عليك دين، أو إن مت، فأنت بريء، فهو جائز اتفاقاً، بدليل قول أبي اليسر الصحابي لغريمه: «إن وجدتَ قضاء فاقض، وإلا فأنت في حلّ» ولم ينكر ذلك عليه. ومنه قول الحنفية في الإبراء من الكفالة أو الحوالة: إذا قال الدائن للكفيل: إن وافيتني بالدين غداً، فأنت بريء من الكفالة، فإن وافاه في الغد برأ منها.\rوإن علق على الموت، صح في رأي الحنفية والحنابلة؛ لأنه يكون حينئذ في معنى الوصية، والوصية بالبراءة من الدين جائزة.\rوإن علق الإبراء على الشرط المتعارف، لم يجز في مذهب الحنفية، وجاز عند بعض الحنفية.\rأما إن كان التعليق على غير ما ذكر فلا يجوز عند الجمهور، لما في الإبراء من معنى التمليك، والتمليكات لا تقبل التعليق، والتعليق مشروع في الإسقاطات المحضة.\rوأجاز المالكية تعليق الإبراء مطلقاً، لما فيه من معنى الإسقاط.\r-------------------------------\r(1) التعليق: ربط وجود الشيء بوجود غيره، فهو مانع لانعقاد العقد. والتقييد: لا يمنع الانعقاد، بل هو لتعديل آثار العقد الأصلية. والإضافة: لتأخير بدء الحكم في زمن مستقبل.","part":6,"page":211},{"id":3807,"text":"وأما التقييد بالشرط: فيجوز تقييد الإبراء بشرط صحيح باتفاق المذاهب الأربعة، ولا يصح التقييد بشرط غير صحيح، فإذا أبرأه على أنه بالخيار، صح الإبراء وبطل الشرط، وإذا أبرأه عن كل حق له عليه، شمل حق الخيار، لكن بالنسبة لسقوط الخيار، يصح الإبراء ويبطل الشرط؛ لأن الإبراء دون الهبة في كونه تمليكاً.\rوأما إضافة الإبراء إلى المستقبل ولو إلى وقت معلوم غير الموت، فلا يصح؛ لأن الأصل في الإبراء هو التنجيز، ولأن الإبراء فيه معنى التمليك، والتمليك لا يحتمل الإضافة للوقت.\rوأما الإبراء بشرط أداء البعض:\rآ ـ فإن صدر مطلقاً عن الشرط: كأن يعترف له بدين في ذمته، فيقول الدائن: قد أبرأتك من نصفه أو ثلثه، فأعطني الباقي، فالإبراء صحيح اتفاقاً؛ لأنه منجز غير معلق ولا مقيد بشرط، والمبرئ متطوع بإسقاط بعض حقه بطيب من نفسه، وقد صح أن النبي صلّى الله عليه وسلم قال لكعب: «ضع الشطر من دَيْنك» (1) .\rب ـ وإن كان الإبراء فيه معلقاً على أداء الباقي، لم يجز عند الجمهور، وجاز عند المالكية، كما تبين في حكم التعليق.\rجـ ـ وإن كان الإبراء فيه مقيداً بشرط أداء الباقي،مثل أن يقول: من له على آخر ألف: أبرأتك عن خمس مئة، بشرط أن تعطيني ما بقي، جاز عند الحنفية والمالكية والشافعية؛ لأنه استيفاء البعض، وإبراء عن الباقي.\rواشترط الشافعية الجمع بين لفظي الإبراء والصلح، ليكون من أنواع الصلح، لكن لا يحتاج لقبول، نظراً للفظ الإبراء.\rولا يصح الإبراء المقيد بشرط أداء البعض عند الحنابلة؛ لأنه إبراء عن بعض الحق في مقابل بقيته، فكأنه عاوض بعض حقه ببعض.\r-------------------------------\r(1) رواه البخاري ومسلم عن زياد بن أبي حَدْرد.","part":6,"page":212},{"id":3808,"text":"هذا إذا كان الشرط أداء الباقي، أما إن أبرأه عن البعض بشرط تعجيل الباقي، لم يجز كما أبان الشافعية؛ لأنه يشبه ربا الجاهلية. فإن عجل المدين وفاء بعض الدين بغير شرط، فأخذه منه الدائن، وأبرأه مما بقي، فإنه يصح.\r2ً - ألا يتنافى مع الشرع: كالإبراء من شرط التقابض في الصرف، والإبراء من حق السكنى في بيت العدة، والإبراء من حق الولاية على الصغير، فلا يصح؛ لأن كل ما يؤدي إلى تغيير المشروع باطل، ولا يستطيع أحد تغيير حكم الله تعالى.\rويشترط أيضاً ألا يؤدي الإبراء إلى ضياع حق الغير، كالإبراء الصادر من الأم المطلَّقة عن حق الحضانة، لأنه حق للصغير وللحاضنة.\r3ً - أن يكون للمبرئ ملك سابق في الحق المبرأ منه: لأنه لا يصح تصرف الإنسان في ملك غيره دون إنابة منه، أو فضالة عنه عند من يصحح تصرف الفضولي. وهذا شرط متفق عليه؛ لأن تصرف الفضولي جائز عند القائلين به في حالة الظهور بمظهر المالك، وإلا كان من بيع ما لا يملك، وهو منهي عنه.\rأما الإبراء بعد سقوط الحق أو وفائه، أي بعد قضاء الدين، فهو صحيح عند الحنفية؛ لأن الساقط بقضائه هو المطالبة، لا أصل الدين، فتسقط مطالبة كل من طرفي الدين للآخر، لانشغال ذمة كل منهما بدين الآخر، وأما الدينان فيتساقطان بطريق المقاصة؛لأن الديون تقضى بأمثالها. فإذا أبرأ الدائن المدين بعد وفاء الدين، كان للمدين الرجوع بما أداه، إذا أبرأه براءة إسقاط، أما إذا أبرأه براءة استيفاء فلا رجوع. ويعرف نوع البراءة عند الإطلاق بالعرف. وعليه، لو تبرع إنسان بقضاء دين لآخر، ثم أبرأ الدائن المدين على وجه الإسقاط، فللمتبرع أن يرجع على المبرئ","part":6,"page":213},{"id":3809,"text":"بما تبرع به. هذا رأي الحنفية، ووافقهم الحنابلة فيه (1) .\r4ً - أن يقع الإبراء بعد وجوب الحق المبرأ منه أو وجود سببه: لأن الإبراء إسقاط ما في الذمة، ويكون بعد انشغالها. وقد اتفق الفقهاء على عدم صحة الإبراء قبل وجود السبب، إذ لا معنى لإسقاط ما هو ساقط فعلاً، ويكون الإبراء مجرد وعد، وهو غير ملزم.\rأما بعد وجود السبب ففيه خلاف: أما الجمهور غير المالكية فاشترطوا كون الإبراء من الدين بعد وجود السبب، فلا يصح الإبراء قبله، للحديث المتقدم: «لا طلاق ولا عتاق فيما لا يملك» والإبراء في معناهما.\rوالأمثلة عند الحنفية: الإبراء عن نفقة الزوجية قبل القضاء بتقديرها، والإبراء عن ثمن ما تشتريه مني غداً، فلا يصح الإبراء في الحالتين، لأنه قبل وجود السبب.\rومثل الشافعية بإبراء المفوّضة (2) عن مهرها قبل التقدير والدخول، والإبراء عن المتعة قبل الطلاق، لعدم الوجوب. واستثنوا صورة يصح فيها الإبراء قبل الوجوب: وهي ما لو حفر بئراً في ملك غيره بلا إذن، وأبرأه المالك من ذلك التصرف أو رضي ببقاء البئر، فإن حافرها يبرأ مما يقع فيها. ولو أبرأ المشتري البائع عن ضمان المبيع إذا تلف قبل القبض، لم يبرأ في الأظهر؛ لأنه أبرأ عما لم يجب.\rأما المالكية فاختلفوا على قولين في صحة الإبراء قبل وجود السبب، وهو التصرف الذي ينشأ به الحق المبرأ منه، مثل إسقاط المرأة عن زوجها نفقة المستقبل، والقول الراجح أنه يلزمها ذلك أي يصح إبراؤها. ومثل: إسقاط الشفيع شفعته قبل الشراء، في لزومه قولان.\rومثل: عفو المجروح عما يؤول إليه الجرح، وكإجازة الوارث الوصية للوارث أو بأكثر من الثلث للأجنبي في مرض الموصي، ونحوهما، فيه قولان.\r-------------------------------\r(1) القواعد لابن رجب: ص 120.\r(2) المرأة المفوضة: هي التي مات عنها زوجها قبل أن يدخل بها ولم يكن لها صداق مفروض.","part":6,"page":214},{"id":3810,"text":"المبحث الرابع ـ محل الإبراء :\rمحل الإبراء: إما الأعيان، وإما الديون، وإما الحقوق (1) :\rأما الإبراء عن الأعيان: فقد يكون عن دعوى العين أو عن العين نفسها.\rأما الإبراء عن دعوى العين فيشمله الكلام الآتي عن الإبراء عن الحقوق. وهو صحيح بالاتفاق؛ لأنه إسقاط لحق.\rوأما الإبراء عن العين نفسها بمعنى إسقاط ملكية الأعيان فهو غير صحيح اتفاقاً؛ لأن الأعيان ـ كما تبين في شروط محل الإبراء ـ لا تقبل الإسقاط، فلا يترتب على الإبراء عنها بذاتها أي أثر، فلا يتملكها المبرأ، بل تظل في يد واضع اليد عليها مملوكة له، فالإبراء عن الأعيان بمعنى تمليكها لمن هي في يده لا يصح، ويحق لمن ظفر بها أن يأخذها.\rوإذا أطلق هذا التعبير أي البراءة عن العين كان المراد منه عند الحنفية والشافعية والحنابلة سقوط حق الادعاء بها بعد الإبراء. وفي بعض كتب الحنفية: يبقى له حق الادعاء بها.\rوعند المالكية: يراد بها سقوط الطلب بقيمة العين إذا فوتها المبرأ، وسقوط الطلب برفع اليد عنها إن كانت قائمة.\rوهناك أثر آخر عند الحنفية للإبراء عن العين نفسها إذا كانت مضمونة كالدار المغصوبة: وهو سقوط ضمانها، سواء أكانت قائمة أم هالكة، فتصير العين بعد الإبراء عنها أمانة كالوديعة في يد الغاصب. فإذا كانت العين قائمة كان الإبراء عنها إبراء عن ضمانها لو هلكت، فتصبح كالأمانة لا تضمن إلا بالتعدي عليها. وإذا كانت العين هالكة، كان الإبراء عنها إبراء عن قيمتها.\rوأما الإبراء عن أعيان هي أمانة فلا محل له، ولا وجه للإبراء عنها، إذ لم تلحقه عهدتها، فلا يجوز للقاضي أن يسمع دعواه بها بعد البراءة، فتصح البراءة قضاء، لكن لا تعتبر ديانة بمعنى أنه إذا ظفر بها صاحبها أخذها.\r-------------------------------\r(1) تكملة ابن عابدين: 182/2 ومابعدها، الدر المختار وحاشية ابن عابدين: 495/4، الدسوقي: 411/3، القليوبي وعميرة: 327/2، القواعد لابن رجب: ص 119 ومابعدها.","part":6,"page":215},{"id":3811,"text":"وأما الإبراء عن الديون الثابتة في الذمم: فهو صحيح بالاتفاق؛ لأن مدار الإبراء هو إسقاط ما في الذمم.\rوأما الإبراء عن الحقوق :\rآ ـ فإن كان عن الحقوق الخالصة للعبد كالكفالة والحوالة فهو صحيح اتفاقاً.\rب ـ وإن كان عن الحقوق الخالصة لله عز وجل كحد الزنا، وحد القذف وحد السرقة بعد الرفع للحاكم عند الحنفية والمالكية، فلايصح الإبراء عنها.\rجـ ـ وإن كان عن الحقوق التي يغلب فيها حق العبد كالتعزير والقصاص والدية وحق القسم بين الزوجات وحق الانتفاع وحق الفسخ بخيار العيب وغرامة تلف المال، ونحوها من الحقوق الشخصية التي تثبت في الذمم، فيصح الإبراء عنه. ويجوز الإبراء عن دين المدين بعد وفاته بالاتفاق، وهل يرتد بالرد من الوارث؟ فيه خلاف عند الحنفية. ولا يصح عند الحنفية الإبراء عن الحقوق التي لا تقبل الإسقاط، كحق الرجوع في الهبة، والرجوع في الوصية؛ لأن في جوازه تغييراً للمشروع، وهو غير جائز خلافاً للجمهور في رجوع الهبة.\rولا يصح أيضاً الإبراء من خيار رؤية المبيع، ولا من حق الاستحقاق في الوقف، وحق الإرث.\rوأبحث على التخصيص بعض أحكام الإبراء عن بعض الحقوق لاختصاصها بأحكام خاصة:\r1 ً - الإبراء من نفقة الزوجة :\rلا يصح بالاتفاق الإبراء من نفقة الزوجة حتى تصبح ديناً قائماً في ذمة زوجها، أما قبل شغل ذمة الزوج بها، فلا يصح إبراء الزوج عنها؛ لأن الإبراء لا يكون إلا من دين قائم موجود.\rلكن لا تصبح النفقة المستحقة ديناً واجباً عند الحنفية إلا إذا كانت مفروضة بالقضاء أو التراضي عليها. ويصح الإبراء عن النفقة المتجمدة التي سبق فرضها، ويصح الإبراء عن نفقة الشهر بدخول الشهر إذا كانت مفروضة مشاهرة، وعن السنة في بداية السنة إذا فرضت مسانهة، وعن اليوم الأول إن فرضت مياومة.","part":6,"page":216},{"id":3812,"text":"2 ً - المبارأة بين الزوجين :\rتكون المبارأة بين الزوجين لفسخ الزواج، وإسقاط الحقوق المترتبة عليه، ويترتب عليها عند الحنفية بينونة الزوجة بطلقة بائنة، كالخلع، مثل أن يقول الزوج لزوجته: بارأتك على ألف دينار، فتقول له: قبلت، أو نحوه، والمعنى: خالعتك من الزواج على ألف، وعليها دفع عوض المبارأة.\r3 ً - الإبراء عن حق الدعوى :\rالإبراء عن الدعوى إما عام أو خاص:\rالإبراء عن الدعوى إبراء عاماً بإسقاط الحق في المخاصمة لا يجوز اتفاقاً؛ لأنه يتناول الموجود وما لم يوجد، والإبراء عما لم يوجد سبب وجوبه باطل. لكن الإبراء العام عن جميع الدعاوى السابقة بين شخصين صحيح، كأن يقول شخص: أبرأت فلاناً من جميع الدعاوى، أو ليس لي عنده حق أبداً (1) .\rوالإبراء الخاص عن دعوى معينة صحيح اتفاقاً، ولا تسمع دعواه بعدئذ عن موضوع تلك الدعوى (2) .\rوقد يحصل الإبراء ضمناً أو تبعاً، وهو الإبراء عن العين، يكون عند الحنفية إبراء عن ضمانها أو دعواها، كما بينا.\rالمبحث الخامس ـ أنواع الإبراء :\rلإبراء الإسقاط تقسيمات باعتبارات متعددة، فقد ينقسم بحسب الشمول وعدمه إلى خاص وعام، وقد ينقسم بحسب الزمن إلى ماض ومستقبل، وقد ينقسم بحسب صيغته إلى إبراء إسقاط وإبراء استيفاء.\rالتقسيم الأول ـ الإبراء من حيث الشمول وعدمه :\rالإبراء نوعان: عام وخاص (3) .\rأما العام: فهو الإبراء عن كل عين ودين وحق لشخص عند آخر. ويشمل كما أبان الحنفية البراءة عن كل حق، ولو غير مالي كالكفالة بالنفس والقصاص وحد القذف، والبراءة عما هو بدل مالي كالثمن والأجرة، وبدل غير مالي كالمهر وأرش الجناية، وما هو مضمون كالمغصوب، أو أمانة كالوديعة والعارية.\r-------------------------------\r(1) المجلة: م 1565.\r(2) المجلة: م 1564.\r(3) الدر المختار ورد المحتار: 495/4.","part":6,"page":217},{"id":3813,"text":"وأما الإبراء الخاص: فهو ما يتناول حقاً معيناً، وحكمه: أنه يختص بمحله، فإذا أبرأ عن دين خاص برئ عنه، أو عن دين عام كالإبراء عمَّا لشخص عند آخر، برئ أيضاً. وإذا أبرأ عن دار أو عين أو أمانة برئ.\rالتقسيم الثاني ـ الإبراء من حيث الزمن والأشخاص :\rيقتصر أثر الإبراء على ما سبق تاريخه، فلا يشمل ما بعده من ديون أو حقوق، للاتفاق على اشتراط وجود سبب سابق لصحة الإبراء، جاء في فتاوى قاضيخان: «البراءة السابقة لا تعمل في الدين اللاحق» .\rوأما أثر الإبراء على غير المبرأ، كإبراء البائع المشتري من بعض الثمن، فرأى أبو حنيفة ومالك أن الشفيع يستفيد من الإبراء، فيسقط عنه مقدار ما حطه البائع عن المشتري، ويلتحق حط البعض بأصل العقد.\rورأى الحنابلة والشافعية أن الإبراء يصح، ولا يستفيد منه سوى المشتري، وأما الشفيع فيدفع الثمن كله أويترك (1) .\rالتقسيم الثالث ـ الإبراء بحسب صيغته :\rينقسم الإبراء عند الحنفية (2) بحسب صيغته إلى إبراء إسقاط وإبراء استيفاء.\rأما براءة الإسقاط: فتسقط الدين عن الذمة، مثل: أسقطت، وحططت، وأبرأت براءة إسقاط، وهي قد تكون بالنسبة للدين كله أو بعضه.\rوأما براءة الاستيفاء: فهي عبارة عن الإقرار بأنه استوفى حقه وقبضه، مثل: أبرأتك براءة استيفاء، أو قبض، أو أبرأتك عن الاستيفاء. وتفيد عدم جواز المطالبة بالدين بعدئذ.\rوالفرق بينهما بالنسبة للرجوع على الدائن المبرئ: أن المدين المبرأ يرجع بما دفع في براءة الإسقاط، لا في براءة الاستيفاء اتفاقاً، ويتفرع عنه أنه لو علق رجل طلاق امرأته بإبرائها عن المهر، ثم دفعه لها، لا يبطل التعليق، وإذا أبرأته براءة إسقاط وقع الطلاق ورجع عليها بالمهر.\r-------------------------------\r(1) فتح القدير والعناية: 271/5، الدسوقي: 495/3، المغني: 323/5.\r(2) الدر المختار ورد المحتار: 176/4.","part":6,"page":218},{"id":3814,"text":"وبالنسبة لأثرهما يختص إبراء الإسقاط بالديون؛ لأن العبارة فيه صريحة في إسقاطها، ولا يصح في الأعيان، لعدم صحة إسقاط الأعيان. أما إبراء الاستيفاء: فإنه يكون في الدين والعين جميعاً؛ إذ الإقرار بالوفاء كما يكون في الدين يكون في العين، عن طريق دفعها إلى مالكها.\rالمبحث السادس ـ حكم الإبراء وحكم الرجوع عنه :\rحكم الإبراء، أي أثره المترتب عليه إذا صدر مستوفياً شروطه: هو سقوط الحق المبرأ منه بحسب كون الإبراء خاصاً أو عاماً، فإذا كان خاصاً، لم تجز المطالبة بالحق، ولا تسمع دعواه فيما تناوله الإبراء. وإذا كان عاماً شمل جميع الحقوق الموجودة عند صدوره، ولا يشمل ما يحدث بعده من الحقوق.\rولا يقبل من المبرئ الرجوع عن الإبراء ولا العدول عنه في رأي الحنفي والحنابلة، وفي الراجح عند الشافعية (1) ، كما لا يقبل الرجوع بالاتفاق إذا زال الملك عن الموهوب.\rوكذلك لا يجوز الرجوع عن الإبراء في مذهب المالكية بعد القبول؛ إذ ظاهر المذهب كما عرفنا اشتراط القبول (2) ، كما لا يجوز في الهبة.\rواستثنى الحنفية (3) من أثر الإبراء بعدم سماع الدعوى بعده المسائل الآتية:\r1 - ادعاء ضمان الدَّرَك في البيع السابق للإبراء: لأنه وإن كان البيع متقدماً على الإبراء ومشمولاً بأثره، فإن ضمان الدرك متأخر عنه. وضمان الدرك: هو التزام سلامة المبيع مما يمكن أن يلحقه ويدركه من حقوق لغير البائع في عينه، وتحمل التبعة عند ظهور حق فيه.\r2 - ظهور شيء من الحقوق للقاصر، لم يكن يعلم به، بعد أن بلغ وأبرأ وصيه إبراءً عاماً، بأن أقر بأنه قبض كامل تركة والده.\r3 - ادعاء الوصي ديناً للميت، بعد أن أقر باستيفاء جميع ماله على الناس.\r4 - ادعاء الوارث ديناً للمورث، بعد إقراره على النحو السابق.\rوسبب استثناء هذه الصور طروء خفاء يعذر به المبرئ في دعواه مع صدور الإبراء العام منه.\rويلاحظ أن سقوط حق الادعاء بسبب الإبراء إنما هو عند الحنفية بالنسبة لأحكام القضاء لا الديانة، فلو ظفر المبرئ بحقه أخذه (4) .\r-------------------------------\r(1) تكملة ابن عابدين: 182/2، الأشباه والنظائر للسيوطي: ص152، كشاف القناع: 346/4.\r(2) الفروق: 111/2 .\r(3) تنبيه ذوي الأفهام لابن عابدين: 91/2 .\r(4) الدر المختار ورد المحتار: 495/4، تكملة ابن عابدين: 182/2.","part":6,"page":219},{"id":3815,"text":"وقال الشافعية (1) : الإبراء في الدنيا إبراء في الآخرة.\rوللمالكية قولان (2) ، الظاهر منهما أن الإبراء مطلقاً يشمل أحكام الدنيا والآخرة، فلا يؤاخذ المولى أحداً بحق جحده، وأبرأه صاحبه منه. والقول الآخر: لا تسقط عنه مطالبة الله في الآخرة بحق خصمه.\rسماع الدعوى بعد الإبراء العام :\rلا تسمع الدعوى بعد الإبراء، كما تقدم، ولكن فصَّل الحنفية (3) في الموضوع، فقالوا: إن كان الإبراء العام عن الدين، فلا تسمع الدعوى بعده إلا عن دين حادث بعد الإبراء.\rوإن كان الإبراء عن عين: فلا تسمع الدعوى بعده إن كان المدعى عليه منكراً كون العين للمدعي؛ لأن الإبراء من المدعى موافقة على الإنكار.\rأما إن كان المدعى عليه مقراً بأن العين للمدعي، لكنه تمسك بإبراء المدعي، فإن كانت العين قائمة تسمع الدعوى بعد الإبراء عنها، وإن كانت هالكة، كان الإبراء عن ضمانها، فلا تسمع الدعوى بها بعد الإبراء كالدين.\rأثر الإقرار بعد الإبراء :\rلا يعتبر ـ كما أبان الحنفية والمالكية (4) ـ الإقرار بالدين بعد صدور الإبراء العام من الدين إبراء عاماً؛ لأن الدين قد سقط بالإبراء، والساقط لا يعود.\rالإبراء بعوض :\rالإبراء بعوض عند الحنفية (5) : هو صلح بمال.\rوأجاز الشافعية (6) بذل العوض في الإبراء، كأن يعطيه متاعاً مثلاً مقابل الإبراء عما عليه من الدين، فيملك الدائن العوض المبذول له، ويبرأ المدين. لكن لو أعطاه بعض الدين على أن يبرئه من الباقي، فليس العطاء تعويضاً، وإنما هو من الدائن قبض بعض حقه، ويظل الباقي في ذمة المدين، ويبطل الإبراء عند الجمهور غير المالكية، كما تقدم في شروط الصيغة.\r-------------------------------\r(1) حاشية قليوبي وعميرة: 327/2.\r(2) الدسوقي: 411/3.\r(3) إعلام الأعلام لابن عابدين: 100/2.\r(4) إعلام الأعلام: 101/2، الدسوقي: 411/3.\r(5) الدر المختار: 495/4.\r(6) حاشية الجمل على شرح المنهج: 381/3، طبعة إحياء التراث.","part":6,"page":220},{"id":3816,"text":"الفَصْلُ الخامِس عَشر: الاستِحقاق\rالكلام فيه يتناول تعريفه، وحكمه المترتب عليه من فسخ ورجوع، وحكم الاستحقاق في عقود البيع والمقايضة والرهن والقسمة والصلح، والإجارة، والمساقاة والمزارعة، والزواج بالنسبة للصداق وبدل الخلع، والوصية، والوقف، وحكم استحقاق الأضحية والهدي، وفيه ثلاثة مباحث: الأول ـ التعريف والحكم، والثاني ـ أثر الاستحقاق في طائفة من العقود، والثالث ـ حكم استحقاق الأضحية والهدي.\rالمبحث الأول ـ تعريف الاستحقاق وحكمه المترتب عليه :\rالاستحقاق لغة: طلب الحق، فالسين والتاء للطلب، لكن في المصباح: استحق فلان الأمر: استوجبه، فالأمر مستَحق (اسم مفعول) ومنه خرج المبيع مستحقاً، فصار المعنى الشرعي موافقاً للمعنى اللغوي.\rوفقهاً: ظهور كون الشيء حقاً واجباً للغير. وبعبارة أخرى:\rالاستحقاق: هو أن يدعي شخص ملكية شيء، ويثبت دعواه، ويقضي له القاضي بملكيته، وانتزاعه من يد حائزة.\rوعرفه المالكية بقولهم: هو رفع ملك شيء بثبوت ملك قبله.\rوالاستحقاق بالنسبة لفسخ العقد نوعان (1) :\r-------------------------------\r(1) الدر المختار ورد المحتار: 199/4 ومابعدها.","part":6,"page":221},{"id":3817,"text":"1 - مبطل للملك بالكلية: بحيث لا يبقى لأحد عليه غير المدعي حق التملك، كالعتق والحرية الأصلية. وحكمه: أنه يوجب فسخ العقد بلا حاجة لحكم القاضي، ولكل واحد من الباعة الرجوع على بائعه بالثمن، فلو أقام العبد بيِّنة أنه حر الأصل، أو أنه كان عبداً لفلان فأعتقه، فلكل واحد وإن لم يرجع عليه أن يرجع على بائعه قبل القضاء عليه، ويرجع هو أيضاً على بائعه.\r2 - وناقل للملك من شخص إلى آخر، وهذا هو الغالب: كأن ادعى زيد على خالد أن ما في يده من المتاع ملك له، وبرهن على ادعائه.\rوحكمه: أنه لا يوجب فسخ العقد؛ لأنه لا يوجب بطلان ملك المشتري، وإنما يتوقف على إجازة المستحق أو فسخه، والصحيح عند الحنفية أن العقد لا ينفسخ ما لم يرجع المشتري على بائعه بالثمن، ويفسخ العقد في الأصح من ظاهر الرواية بالفسخ أي بالتراضي، لا بمجرد القضاء بالاستحقاق.\rوليس لأحد من المشترين أن يرجع على بائعه بالثمن، ما لم يُرجع عليه، لئلا يجتمع الثمنان في ملك واحد، أي فليس للمشتري الأوسط أن يرجع على بائعه قبل أن يرجع عليه المشتري الأخير.\rوالحكم بالاستحقاق يشمل ذا اليد فيؤخذ المدعى به من يده، ويشمل أيضاً كل من تلقى ذو اليد الملك منه. قال صاحب الدر: الحكم بالاستحقاق حكم على ذي اليد، وعلى من تلقى ذو اليد الملك منه، ولو كان مورثه، ويتعدى الأمر إلى بقية الورثة.\rإثبات المستحق حقه: يرجع المشتري على البائع بالثمن إذا ثبت الاستحقاق ببينة المستحق؛ لأنها حجة متعدية تظهر في حق كافة الناس، ولا تصير حجة معتبرة إلا بقضاء القاضي، حتى ينفذ قضاؤه في حق الكافة بماله من ولا ية عامة.","part":6,"page":222},{"id":3818,"text":"أما إذا ثبت الاستحقاق بإقرار المشتري أو وكيله بالخصومة، أو بنكُولهما، فلا رجوع؛ لأن الإقرار حجة قاصرة على المقر لا يتعداه إلى غيره، لعدم ولايته عليه (1) .\rتناقض الادعاءات: التناقض في الدعوى (2) : أي التدافع في الكلام، يمنع دعوى الملك لعين أو منفعة، إذا كان الكلام الأول قد أثبت حقاً لشخص معين، كأن ادعى شخص على آخر أنه أخوه، وطالبه بالنفقة، فقال المدعى عليه: ليس هو بأخي، ثم مات المدعي عن تركة، فجاء المدعى عليه يطلب ميراثه، فإن قال: هو أخي، لم يقبل، للتناقض.\rأما إذا لم يثبت الكلام الأول لآخر حقاً، لم يمنع دعوى الملك، لقول المدعي: لا حق لي على أحد من أهل بلدة كذا، ثم ادعى شيئاً على أحد منهم، تصح دعواه.\rولا يمنع التناقض أيضاً دعوى ما خفي سببه كالنسب والطلاق، والحرية، كما إذا اشترى ثوباً في شيء مغلَّف، ثم زعم أنه له، ولم يعرّفه، تقبل دعواه.\rومثال النسب: لو باع عبداً مثلاً، ثم باعه المشتري لآخر، ثم ادعى البائع الأول أنه ابنه، تقبل دعواه، ويبطل الشراء الأول والثاني؛ لأن النسب يبتنى على العلوق، فيخفى عليه، فيعذر في التناقض.\rومثال الطلاق: إذا قاسمت المرأة ورثة زوجها، وقد أقروا بالزوجية كباراً، ثم برهنوا على أن زوجها كان طلقها في حال صحته ثلاثاً، رجعوا عليها بما أخذت.\rومثال الحرية: أن يبرهن البائع أو المشتري أن البائع حرر العبد المبيع قبل بيعه، يقبل قوله؛ إذ التناقض متحمل في العتق.\r-------------------------------\r(1) الدر المختار: 203/4.\r(2) المرجع السابق: 205/4 ومابعدها.","part":6,"page":223},{"id":3819,"text":"المبحث الثاني ـ حكم الاستحقاق في طائفة من العقود :\rأولاً ـ الاستحقاق في عقد البيع والمقايضة :\rأما أثر الاستحقاق في المقايضة: فلو استحق بدل المبيع، كأن اشترى داراً بسيارة ثم استحقت السيارة، وأخذت الدار بالشفعة، بطلت الشفعة،ويأخذ البائع الدار من الشفيع، لبطلان البيع؛لأن الاستحقاق في بيع المقايضة، يبطل البيع (1) .\rوأما أثر الاستحقاق في البيع، ففيه تفصيل وآراء:\rرأي الحنفية (2) :\r1ً - استحقاق بعض المبيع :\rأ ـ إن استحق بعض المعقود عليه قبل القبض، ولم يجز المستحق، بطل العقد في القدر المستحق؛ لأنه تبين أن ذلك القدر لم يكن ملك البائع، ولم توجد الإجازة من المالك، فبطل، وللمشتري الخيار في الباقي: إن شاء رضي به بحصته من الثمن، وإن شاء رده سواء أحدث عيباً في الباقي أم لا، وسواء استحق الجزء المقبوض أو غيره؛ لأنه إذا لم يرض المستحق، فقد تفرقت الصفقة على المشتري قبل تمام العقد، والتفرق يوجب الخيار، فكذا هذا.\rب ـ وإن كان الاستحقاق بعد قبض البعض دون البعض أو بعد قبض الكل، بطل البيع في القدر المستحق.\rثم ينظر في حالة قبض الكل: إن كان استحقاق ما استحق يوجب العيب في الباقي، بأن كان المعقود عليه شيئاً واحداً كالدار والسيارة والدابة ونحوها، فالمشتري بالخيار في الباقي: إن شاء رضي بحصته من الثمن، وإن شاء رد؛ لأن الشركة في الأعيان عيب.\rوإن كان استحقاق ما استحق لا يوجب عيباً في الباقي، بأن كان المعقود عليه شيئين كالدابتين أو كمية من المثليات من مكيل كالقمح أو موزون كالزيت، فاستحقت إحداهما، فإنه يلزم المشتري الباقي بحصته من الثمن؛ لأنه لا ضرر في تبعيضه، فلم يكن له خيار الرد.\rوالخلاصة: أنه في حال استحقاق بعض المبيع تتفرق الصفقة على المشتري الأخير، فيثبت للمشتري خيار تفرق الصفقة، فإن شاء احتفظ بباقي المبيع، وإن شاء فسخ العقد فيه ورده للبائع، إلا إذا كان استحقاق البعض قد وقع بعد قبض المشتري جميع المبيع، ولم تضر المبيع التجزئة، فلا يثبت للمشتري حينئذ خيار تفرق الصفقة باستحقاق البعض، بل يلتزم بالباقي بحصته من الثمن.\r-------------------------------\r(1) الدر المختار: 211/4.\r(2) البدائع: 288/5 ومابعدها، فتح القدير: 175/5 ومابعدها.","part":6,"page":224},{"id":3820,"text":"2 ً - استحقاق المبيع كله :\rإن أثبت المستحق ملكية المبيع كله بالبينة، فقضي له به، لا ينفسخ البيع، بل يصبح متوقفاً على إجازة المستحق: فإن أجاز البيع بقي المبيع للمشتري، ويأخذ المستحق الثمن من البائع، ويصبح البائع كوكيل عنه بالبيع؛ لأن الإجازة اللاحقة كالوكالة السابقة. وإن لم يجز المستحق البيع، بل اختارأخذ المبيع، ينفسخ البيع السابق بالفسخ أي بالتراضي عليه في ظاهر الرواية، ويكون البائع ملتزماً للمشتري برد الثمن.\rلكن إن كان الاستحقاق لموقوف أثبت المتولي وقفيته، فإن البيع ينفسخ حتماً، إذ ليس لأحد أن يجيز بيع الوقف.\rشروط الرجوع بالثمن :\rيشترط لرجوع المشتري على البائع بالثمن بعد استحقاق المبيع شروط ثلاثة (1) :\r1ً - أن يكون الاستحقاق ناقلاً لملك البائع: بأن يدعي المستحق ملكاً مطلقاً أو من تاريخ أقدم من تاريخ الشراء، فإن ادعى المستحق الملك منذ شهر، وكان شراء المشتري من سنة مثلاً، فلا رجوع له على بائعه؛ لأن الاستحقاق حدث على ملك المشتري لا على ملك البائع.\r2ً - ألا يتصالح المشتري والمستحق على أن يدفع المستحق إلى المشتري بعض الثمن ويأخذ المبيع؛ لأن المشتري عندئذ يكون قد أبطل حق رجوعه على البائع بهذا الصلح\rأما إن تم الصلح على ترك المبيع للمشتري مقابل شيء يدفعه المشتري للمستحق، فلا يسقط حق الرجوع.\r3ً - ألا يكون البائع قد أبرأ المشتري عن الثمن قبل ا لاستحقاق: فلو كان قد أبرأه عنه، فلا رجوع للمشتري عليه بشيء؛ لأنه لم يدفع شيئاً.\rشرط سماع دعوى الاستحقاق قبل قبض المبيع: لا تسمع دعوى الاستحقاق على المبيع قبل قبضه، حتى يحضر البائع والمشتري عند القاضي للحكم عليهما؛ لأن الملك للمشتري، واليد للبائع، والمدعي يدعيهما، فشرط حضورهما للقضاء عليهما.\r-------------------------------\r(1) عقد البيع للأستاذ الزرقاء: ص 100 ومابعدها.","part":6,"page":225},{"id":3821,"text":"أما إذا رفعت دعوى استحقاق المبيع بعد قبض المشتري، فيطلب حضور المشتري فقط، ولا يشترط حضور البائع، لكن يحق للمشتري طلب إدخاله في المحاكمة بصفة شخص ثالث، لما له من علاقة بحق الرجوع (1) . وأما زوائد المبيع كالولد: فإن أثبت المستحق حقه بالبينة أخذها؛ لأن البينة حجة مطلقة في حق جميع الناس، ولكن بشرط القضاء بها، وإن كان الإثبات بمجرد إقرار المشتري له بها أو بالنكول لأنه في حكم الإقرار، فلا يستحق أخذها؛ لأن الإقرار حجة على المقر فقط (2) .\r3 ً - استحقاق احتباس المبيع :\rإذا ظهر أن المبيع مستحق الاحتباس لغير البائع بسبب كونه مرهوناً (إشارة رهن) أو مأجوراً، وثبت الاستحقاق بالبينة، ففيه تفصيل:\rأ ـ إن أجاز المرتهن أو المستأجر البيع، انفسخ الرهن والإجارة، ويصبح ثمن المبيع رهناً مكان البيع، وللمرتهن حبس المبيع حتى يقبض الثمن، وللمستأجر حبس المبيع حتى تعاد إليه الأجرة عن المدة الباقية من الإجارة لو كانت مدفوعة (3) .\rب ـ وإن لم يجز المرتهن أو المستأجر البيع، ليس له فسخه، بل يبقى المبيع في يده، ويخير المشتري بين أن ينتظر فكاك الرهن وانتهاء مدة الإجارة، أو يفسخ البيع، ويسترد الثمن المدفوع.\rرأي المالكية (4) :\rإذا استحق إنسان شيئاً من يد آخر وأثبت حقه بما تثبت به الأشياء في الشرع، فلا يخلو من أن يستحق من الشيء أقله، أو كله أو جله.\rفإن كان المستحق أقل الشيء: فيرجع على المشتري بقيمة ما استحق من يده، وليس له أن يرجع بالجميع.\rوإ ن كان المستحق كل الشيء أو جله: فإن كان لم يتغير أخذه المستحق، ورجع المشتري على البائع بالثمن. وإن تغير تغيراً يوجب اختلاف قيمته، رجع بقيمته يوم الشراء.\r-------------------------------\r(1) الدر المختار: 207/4.\r(2) الدر المختار: 204/4 ومابعدها.\r(3) انظر المادة 590 و 747 من المجلة.\r(4) بداية المجتهد: 320/2 ومابعدها، الدسوقي: 470/3.","part":6,"page":226},{"id":3822,"text":"وإن تغير الشيء بزيادة: فإن كانت الزيادة من ذات الشيء، أخذها المستحق، مثل أن تسمن الدابة أو يكبر نتاجها. وإن كانت الزيادة من قبل المشتري المستحق منه، كأن يبني في الدار بناء، فتستحق من يده، فيخير المستحق بين أن يدفع قيمة الزيادة ويأخذ ما استحقه، وبين أن يدفع إليه المشتري قيمة ما استحق، أو يكونا شريكين: هذا بقدر قيمة ما استحق من يده، وهذا بقدر قيمة ما بنى أو ما غرس، وهو قضاء عمر بن الخطاب.\rوإن تغير الشيء بنقصان: فإن كان من غير سبب المستحق من يده، فلا شيء على المستحق منه. وإن كان بسبب من المستحق منه كأن يهدم الدار، ويبيع أنقاضها، ثم تستحق منه، فيرجع المستحق على المستحق منه بثمن ما باع من الأنقاض.\rرأي الشافعية (1) :\rإذا استحق بعض المبيع دون البعض الآخر ففيه خيار تفرق الصفقة، والأظهر من القولين عندهم في تفريق الصفقة تجزئة البيع، وإعطاء كل جزء من المبيع حكمه، فيصح البيع فيما يأخذه المشتري، ويبطل في المستحق، ويرجع المشتري على البائع بحصة المستحق من الثمن.\rوأما إذا استحق المبيع كله، فيرجع المشتري بالثمن كله على البائع، سواء علم بالاستحقاق حال العقد، أم لم يعلم؛ لأنه أزيلت يده عن المبيع بسبب كان في يد البائع، وينفسخ البيع.\rولو خرج المبيع مستحقا قبل القبض، فلم يقبضه المشتري، لم يكن للمستحق مطالبة المشتري به، لعدم قبضه له حقيقة، وكذا لو باعه قبل نقله، فنقله المشتري الثاني، فليس للمستحق مطالبة المشتري الأول، لعدم قبضه له حقيقة. وإن وضع البائع المبيع بين يدي المشتري، فخرج مستحقاً، لم يضمنه المشتري، أي لم يطالب ببدله؛ لأن الوضع بين يدي المشتري يكون قبضاً في البيع الصحيح دون الفاسد، وكذا تخلية الدار ونحوها إنما تكون قبضاً في الصحيح دون الفاسد.\r-------------------------------\r(1) المهذب: 269/1، 288، مغني المحتاج: 40/2-42، 65-66، أسنى المطالب: 349/2 ومابعدها.","part":6,"page":227},{"id":3823,"text":"ولو اعترف المشتري للبائع بالملك، ثم استحق المبيع، فإنه يرجع على البائع بالثمن؛ لأنه اعتراف بظاهر اليد.\rولو استحق المبيع باعتراف المشتري أو بنكوله عن يمين نفي العلم باستحقاق المبيع مع يمين المدعي المردودة، لم يرجع بالثمن على البائع، لتقصيره باعترافه مع شرائه أو بنكوله، وهذا موافق للحنفية.\rأما إن استحق المبيع ببينة، أو بتصديق البائع والمشتري للمدعي، رجع المشتري على البائع بالثمن إن كان باقياً، وببدله إن كان تالفاً.\rرأي الحنابلة (1) :\rإذا استحق المبيع رجع المشتري على البائع بالثمن وبما غرمه من أجل بناء أو غرس في أرض؛ لأن البائع غرَّ المشتري ببيعه الأرض مثلاً وأوهمه أنها ملكه، لكن لا يرجع بما أنفق على الحيوان ولا بخراج الأرض؛ لأن المشتري التزم ضمان النفقة باعتبار أن عقد البيع يقتضي النفقة على المبيع ودفع خراجه. ولمستحق الأرض قلع الغراس والبناء، بلا ضمان نقص لموضعه.\rوعبارتهم: إذا بنى المشتري على الأرض ثم أخذها المستحق، وهدم البناء، فالأنقاض للمشتري؛ لأنها أعيان ماله، ويرجع بقيمة التالف على البائع؛ لأنه غره، وقيده الشيخ التقي في موضع بما إذا كان عالماً، وإلا فلا تغرير. وهذا الرأي يصلح في الجملة أساساً للتعويض عن الخسارة.\r-------------------------------\r(1) كشاف القناع: 216/3، 47/4، 112-113، 357، ط مكة.","part":6,"page":228},{"id":3824,"text":"ثانياً ـ الاستحقاق في عقد الرهن (استحقاق المرهون ) :\rرأي الحنفية (1) :\rلو استحق بعض المرهون بعد الرهن، ينظر إلى الباقي:\rأ ـ إن كان الباقي بعد الاستحقاق مما يجوز رهنه ابتداء، لا يفسد الرهن فيه.\rب ـ وإن كان مما لا يجوز رهنه ابتداء، فسد الرهن في الكل، كاستحقاق بعض الرهن شائعاً؛ لأنه لما استحق بعضه تبين أن العقد لم يصح في القدر المستحق، وأنه لم يقع إلا على الباقي، وبما أن الباقي شائع، فيفسد الرهن؛ لأن الشيوع عندهم يمنع صحة الرهن.\rرأي المالكية (2) :\rإذا استحق بعض الرهن المعين، فإن الباقي يكون رهناً عن جميع الدين.\rوأما غير المعين: فيأتي الراهن للمرتهن ببدل البعض المستحق. وإذا استحق كل المرهون: فإن كان قبل قبض الرهن، فيخير المرتهن بين إمضاء العقد بلا رهن، وبين الفسخ. وإن استحق بعد القبض يبقى دينه بلا رهن، إلا أن يغره، فيخير بين الفسخ وعدمه. ومن رهن عقاراً أو حيواناً فاستحق شخص حصته منه، وتركها تحت يد المرتهن، فتلفت، فلا يضمنها المرتهن؛ لأنها باستحقاقها خرجت من الرهينة، وصار المرتهن أميناً فلا يضمن إلا ما بقي.\r-------------------------------\r(1) البدائع: 141/6، 151.\r(2) الخرشي: 288/5، 298 ومابعدها، الشرح الكبير: 238/3.","part":6,"page":229},{"id":3825,"text":"رأي الشافعية (1) :\rإن استحق المرهون المبيع، رجع المشتري على الراهن؛ لأن المبيع له، فكانت العهدة عليه، ويستقر الضمان عليه، لو رجع المشتري على العدل الذي وضع عنده الرهن، إذ يجوز الرجوع عليه لوضع يده عليه.\rرأي الحنابلة (2) :\rإذا قبض المرتهن الرهن، فوجده مستحقاً، لزمه رده على مالكه، والرهن باطل من أصله. وإن استحق الرهن المبيع، رجع المشتري على الراهن؛ لأن المبيع له، فالعهدة عليه، كما لو باع بنفسه، وحينئذ لا رجوع له على العدل إن أعلمه العدل أنه وكيل.\rثالثاً ـ الاستحقاق في القسمة (استحقاق المقسوم كله أو بعضه ) :\rرأي الحنفية (3) :\rإذا استحق العين المقسومة بطلت القسمة في الظاهر، ولكن تبين أنها في الحقيقة لم تصح. ولو استحق شيء منها، فإنها تبطل في القدر المستحق.\rرأي المالكية (4) :\rأ ـ إن استحق جل ما بيد أحد المتقاسمين، فإن القسمة تنفسخ، وترجع الشركة كما كانت قبل القسمة.\rب ـ وإن استحق نصف أو ثلث من نصيب أحد المتقاسمين، خير المستحق بين التمسك بالباقي ولا يرجع بشيء، وبين رجوعه شريكاً فيما بيد شريكه بنصف قدر ما استحق.\rجـ ـ وإن كان المستحق ربع ما بيد أحد المتقاسمين، فلا خيار له، والقسمة باقية لا تنقض، وليس له إلا الرجوع بنصف قيمة ما استحق من يده، ولا يرجع شريكاً بنصف ما يقابله.\rرأي الشافعية (5) :\rأ ـ إن استحق بعد القسمة بعض مشاع من المقسوم كثلث أو ربع بطلت القسمة في البعض المستحق، وفي الباقي قولا تفريق الصفقة والأظهر منهما صحة القسمة وثبوت الخيار، لعدم حصول مقصود القسمة: وهو التمييز، ولظهور انفراد بعض الشركاء بالقسمة.\rب ـ وإن استحق من النصيبين قدر معين على السواء، بقيت القسمة في الباقي؛ لأن كلاً من الشريكين وصل إلى حقه.\rجـ ـ وإن كان المستحق من النصيبين لم يستو مع الآخر، بأن اختص المستحق بأحد النصيبين أو شملهما، لكنه في أحدهما أكثر من المستحق من نصيب الآخر، بطلت القسمة في الجميع؛ لأن ما بقي لكل واحد ليس قدر حقه، بل يحتاج أحدهما إلى الرجوع على الآخر، وتعود الإشاعة.\rرأي الحنابلة (6) :\rأ ـ إذا تقاسم الشركاء، ثم استحق من حصة أحدهما شيء معين، بطلت القسمة، لفوات التعديل، أي لم تعدل فيها السهام، فكانت باطلة.\r-------------------------------\r(1) مغني المحتاج: 135/2.\r(2) المغني: 397/5، كشاف القناع: 334/3.\r(3) البدائع: 24/7.\r(4) الشرح الكبير مع الدسوقي: 514/3.\r(5) مغني المحتاج: 425/4.\r(6) كشاف القناع: 376/6، ط مكة.","part":6,"page":230},{"id":3826,"text":"ب ـ وإن كان المستحق من الحصتين على السواء، بأن اقتسما أرضاً، فاستحق من حصتهما معاً قطعة معينة على السواء في الحصتين، لم تبطل القسمة فيما بقي من الأرض، كما قرر الشافعية؛ لأن القسمة إفراز حق كل واحد منهما، وقد أفرز، كما لو كان المقسوم عينين، فاستحق إحداهما.\rجـ ـ وإن كان المستحق في نصيب أحدهما أكثر من نصيب الآخر، أو كان ضرره في نصيب أحدهما أكثر من ضرره في نصيب الآخر، كسد طريقه، أو سد مجرى مائه، أو سد محل طريقه ونحوه مما فيه ضرر، بطلت القسمة، لفوات التعديل، كالحالة الأولى.\rوكذلك تبطل القسمة إن كان المستحق مشاعاً في نصيبهما؛ لأن الشريك الثالث لم يرض، ولم يحكم عليه بالقسمة.\rوتبطل القسمة أيضاً إن كان المستحق مشاعاً في أحد النصيبين، لفوات التعديل.\rرابعاً ـ الاستحقاق في الصلح (استحقاق محل الصلح أو عوض الصلح ) :\rرأي الحنفية (1) :\rأ ـ إذا صالح على مال (عوض الصلح) ثم استحق من يد المدعي، لم يصح الصلح؛ لأنه تبين أن المصالح عليه (العوض) ليس مملوكاً للمصالح، وهذا شرط لصحة الصلح.\rب ـ إذا كان الصلح عن إقرار، واستحق بعض المصالح عنه (محل الصلح) رجع المدعى عليه بحصة المستحق من العوض؛ لأن هذا الصلح معاوضة مطلقة كالبيع. وإن استحق كل المصالح عنه، رجع بكل المصالح عليه.\r-------------------------------\r(1) البدائع: 48/6 ، 54، تكملة فتح القدير مع العناية: 29/7.","part":6,"page":231},{"id":3827,"text":"جـ ـ وإن وقع الصلح عن سكوت أو إنكار، فاستحق المتنازع فيه، رجع المدعي بالخصومة على المستحق لقيامه مقام المدعى عليه، ورد العوض؛ لأن المدعى عليه ما بذل العوض إلا لدفع الخصومة عن نفسه، فإذا ظهر الاستحقاق ظهر ألا خصومة له،فيبقى في يده غير مشتمل على غرض المدعى عليه، فيسترده، كالمكفول عنه إذا دفع المال إلى الكفيل بغرض دفعه إلى رب الدين (الدائن) ثم أدى الدين بنفسه قبل أداء الكفيل، فإنه يسترده، لعدم اشتماله على تحقيق غرضه.\rرأي المالكية (1) :\rأ - استحقاق ما بيد المدعي: من ادعى على شخص بشيء كحصان، فأقر له به، ثم صالحه عنه بشيء معلوم قيمي كثوب، أو مثلي كطن قمح، ثم استحق ذلك المصالح به، فإن المدعي يرجع في عين شيئه الذي أقر به المدعى عليه إن لم يفت، فإن فات ذلك الشيء المقر به، فإن المدعي يرجع في عوضه، أي يرجع بقيمته إن كان قيمياً، أو بمثله إن كان مثلياً.\rب ـ استحقاق ما بيد المدعى عليه: من ادعى على شخص بحصان مثلاً، وأنه ملكه، فأنكره، ثم صالحه بقيمي، أو مثلي، ودفعه له، ثم استحق الحصان فإن المدعى عليه المنكر يرجع على المدعي بما دفعه له إن لم يفت، أما إن فات، رجع بقيمته إن كان قيمياً، أو بمثله إن كان مثلياً.\rوإن استحق ما بيد المدعى عليه في الصلح بإقرار، لا يرجع المقر على المدعي بشيء، لاعترافه أنه ملكه، وأن المستحق أخذه منه ظلماً.\rفمن اشترى سلعة وهو عالم بصحة ملك بائعها، فاستحقت من المشتري، فلا رجوع له على البائع، لعلمه أن المستحق ظالم في أخذها منه.\r-------------------------------\r(1) الشرح الكبير مع الدسوقي: 470/3، الشرح الصغير: 626/3.","part":6,"page":232},{"id":3828,"text":"رأي الشافعية (1) :\rلو صالح شخص غيره على دار مثلاً على شيء معين، فاستحق الشيء، انفسخ العقد. فإن تعذر الرد بتلف في يده ونحوه، رجع في جزء من الدار بقدر ما نقص من قيمة الشيء، كما لو باع الدار.\rرأي الحنابلة (2) :\rلو صالح المدعى عليه عن دار بعوض، فبان العوض مستحقاً، رجع المدعي في الدار المصالح عنها؛ لأن الصلح عن إقرار ههنا بيع في الحقيقة، فإذا بان كون العوض مستحقاً، كان البيع فاسداً، فرجع فيما كان له.\rوذلك بخلاف الصلح عن القصاص، فإنه ليس بيعاً، فلو صالح عن القصاص بمتاع نفيس، فخرج مستحقاً، رجع بقيمته.\rوإن كان الصلح عن إنكار، وظهر العوض مستحقاً، رجع المدعي إلى دعواه قبل الصلح، لتبين بطلانه.\rخامساً ـ الاستحقاق في الإجارة (استحقاق الأجرة أو المأجور ) :\rرأي الحنفية (3) :\rلو آجر شخص داراً له، ثم استحقت، وأجاز المستحق الإجارة: فإن كانت الإجازة قبل استيفاء المنفعة، جازت إجارته، وكانت الأجرة للمالك؛ لأن المعقود عليه قائم. وإن أجاز العقد بعد استيفاء المنفعة، لم تجز إجارته، وكانت الأجرة للعاقد؛ لأن المنافع عند الإجازة كانت معدومة، فلا يبقى العقد بعدئذ.\rوإن كانت الإجازة بعد مضي بعض المدة فيما لو آجرها غاصب، فالأجر كله للمالك في قول أبي يوسف. وقال محمد: أجر ما مضى للغاصب، وأجر ما بقي للمالك:\r-------------------------------\r(1) أسنى المطالب: 218/2.\r(2) المغني: 493/5.\r(3) البدائع: 177/4.","part":6,"page":233},{"id":3829,"text":"رأي المالكية (1) :\rإذا أجر الأرض من هي في يده، وهو ذو شبهة، مدة سنين أو شهور مثلاً، وقد مضى بعضها، ثم استحقت الأرض بعد الزرع، فيخير المستحق بين أن يفسخ العقد فيما بقي من مدة الإجارة، وبين أن يجيز ما بقي منها، ولا شيء له فيما مضى من الأجرة؛ لأن ذا الشبهة يفوز بالغلة.\rرأي الشافعية (2) :\rالظاهر أن استحقاق المأجور مثل تلفه، والإجارة عندهم تنفسخ بانهدام الدار، لفوات المنفعة المعقود عليها قبل قبضها أو استيفائها، كما ينفسخ البيع بتلف المبيع قبل قبضه. وتنفسخ أيضاً باستحقاق مأجور معين، لفوات المعقود عليه.\rرأي الحنابلة (3) :\rإذا وقعت الإجارة على عين، مثل أن يستأجر جملاً للحمل أو للركوب، فخرج مستحقاً، تبينا أن العقد باطل، ولا يلزم المؤجر بالبدل.\rوإذا وقعت الإجارة على عين موصوفة في الذمة، فخرجت مستحقة لم يبطل العقد، ولزمه بدلها؛ لأن المعقود عليه موصوف غير متعين.\rسادساً ـ الاستحقاق في المساقاة والمزارعة :\rرأي الحنفية (4) :\rإذا استحق النخيل، يرجع العامل بأجر مثله، إذا كان فيه ثمر وإلا فلا أجر له، فإذا لم تخرج النخيل شيئاً حتى استحقت، لا شيء للعامل؛ لأن في المزارعة لو استحقت الأرض بعد العمل قبل الزراعة لا شيء للمزارع، فكذا هنا.\rأما في المزروعة فيرجع العامل بقيمة الزرع، على التفصيل السابق.\rرأي المالكية (5) :\rينفسخ عقد المساقاة إذا استحق البستان المساقى عليه إن شاء المستحق، إذ له الخيار بين إبقاء العامل وبين فسخ عقده، لأنه تبين أن العاقد له غير مالك. وإذا فسخ كانت الغلة للمستحق، وعليه دفع أجر المثل للعامل بحساب ما عمل، حتى لايتضرر.\rرأي الشافعية (6) :\rلو خرج الثمر بعد العمل أو قبله مستحقاً لغير المساقي، كأن أوصى المالك بثمر الشجر المساقى عليه، أو خرج الشجر مستحقاً، فللعامل على المساقي أجرة المثل لعمله؛ لأنه فوت منافعه بعوض فاسد، فيرجع ببدلها، وذلك إذا عمل جاهلاً بالحال، فإن علم الحال فلا شيء له.\r-------------------------------\r(1) الشرح الكبير مع الدسوقي: 463/3.\r(2) مغني المحتاج: 355/2-357.\r(3) المغني: 432/5.\r(4) الدر المختار ورد المحتار: 201/5.\r(5) الدسوقي: 547/3 وما بعدها، الخرشي: 261/6، بداية المجتهد: 321/2.\r(6) مغني المحتاج: 331/2.","part":6,"page":234},{"id":3830,"text":"رأي الحنابلة (1) :\rإن ساقاه على شجر، فبان مستحقاً بعد العمل، أخذه المستحق وثمرته؛ لأنه عين ماله، ولا حق للعامل في ثمرته؛ لأنه عمل فيها بغير إذن مالكها، ولا أجر له عليه، وله أجر مثله على الغاصب؛ لأنه غرّه واستعمله، فلزمه الأجر.\rسابعاً ـ الاستحقاق في عقد الزواج :\r1 ً - استحقاق الصداق:\rرأي الحنفية (2) :\rإذا استحق المهر المعين قبل التسليم كدار مثلاً، صحت التسمية، ووجب على الزوج قيمة الدار، لتعذر تسليمها بالاستحقاق، ولم يجب مهر المثل.\rولو استحق نصف الدار، خيرت المرأة في النصف الباقي في يدها: إن شاءت ردته بالعيب الفاحش: وهو التشقيص في الأملاك المجتمعة، ورجعت بقيمة الدار، وإن شاءت أمسكته، ورجعت بقيمة نصفها.\rولو طلقها قبل الدخول، كان لها النصف الذي في يدها خاصة.\rرأي المالكية (3) :\rإذا استحق الصداق من يد المرأة أو وجد به عيب، رجعت بقيمته لا بمهر المثل، كما قال الحنفية؛ لأن طريق الزواج المكارمة، فقد ترجع بأضعاف مهر المثل وبعشره.\rوقيل في المذهب: ترجع بالمثل، وقيل: ترجع بالأقل من القيمة أو صداق المثل.\rرأي الشافعية (4) :\rإن تزوجها بمغصوب أو بخمر، وجب مهر المثل في الأظهر، لصحة النكاح وفساد التسمية، لعدم كون المغصوب ملكاً للزوج؛ لأنه مستحق لغير الزوج، وعدم كون الخمر مالاً.\rرأي الحنابلة (5) :\rإن تزوجها على شيء معين كدار، فظهر مغصوباً أي مستحقاً للغير، فلها قيمته؛ لأن العقد وقع على التسمية المذكورة، فكان لها قيمته، ولأنه رضيت بقيمته، وذلك بخلاف ما لو قال: أصدقتك هذه الدار المغصوبة، فلها مهر المثل؛ لأنها رضيت الزواج بلا شيء، لرضاها بما تعلم أنه لا يقدر على تمليكه إياها، فكان وجود التسمية كعدمها.\rوتخير الزوجة فيما إذا بان جزء من الصداق مستحقاً بين أخذ قيمة الشيء كله، أو أخذ الجزء المستحق وقيمة المستحق؛ لأن الشركة عيب، فكان لها الفسخ كغيرها من العيوب.\rوالخلاصة: إن الجمهور يوجبون في حالة استحقاق المهر المعين القيمة، والشافعية يوجبون مهر المثل.\r-------------------------------\r(1) المغني: 381/5.\r(2) البدائع: 278/2، فتح القدير: 455/2، 462.\r(3) بداية المجتهد: 28/2، الخرشي: 296/3، 1/6.\r\r(4) مغني المحتاج: 225/3.\r(5) المغني: 689/6-690، غاية المنتهى: 60/3، 62.","part":6,"page":235},{"id":3831,"text":"2 ً - استحقاق بدل الخلع:\rرأي الحنفية (1) :\rلو اختلعت المرأة على شيء معين، فاستحق، لزمها قيمته؛ لأنه تعذر تسليمه مع بقاء السبب الموجب لتسليمه.\rرأي المالكية (2) :\rإذا خالع الرجل زوجته على شيء قيمي معين كثوب، ثم استحق بملك، فترد له قيمته يوم الخلع، أما إن خالعها على شيء مثلي غير معين كقمح، فترد له مثله، وذلك إذا لم يعلم كلاهما بأنه ملك الغير، فإن علما معاً أو علم دونها فلا شيء له، وإن جهلا معاً رجع بالقيمة في القيمي المعين، وبالمثل في الموصوف في الذمة، وإن علمت دونه، فإن كان بدل الخلع معيناً فلا خلع، وإن كان موصوفاً في الذمة، رجع بمثل المستحق.\rوالمغصوب والمسروق كالمستحق، فيرجع الزوج على امرأته بقيمته إن كان معيناً، وبمثله إن كان موصوفاً.\rرأي الشافعية (3) :\rلو خالعها على عين معينة كدار، فتلفت قبل القبض، أو خرجت مستحقة، فردها، أو فاتت منها صفة مشروطة، فردها، رجع عليها بمهر المثل. والعوض في يدها كالمهر في يده في أنه مضمون ضمان عقد، وقيل: ضمان يد.\r-------------------------------\r(1) فتح القدير: 209/3.\r(2) الشرح الكبير والدسوقي: 349/2 ومابعدها.\r(3) مغني المحتاج: 265/3.","part":6,"page":236},{"id":3832,"text":"رأي الحنابلة (1) :\rإذا خالع الرجل امرأته على عوض معين، فاستحق وبان غير مملوك لها، فالخلع صحيح؛ لأن الخلع معاوضة بالبضع، فلا يفسد بفساد العوض كالنكاح، ولكن يرجع عليها بقيمته.\rثامناً ـ الاستحقاق في الوصية والوقف (استحقاق الموصى به والموقوف ) :\rرأي الحنفية (2) :\rأما حكم استحقاق الموصى به فقالوا: من أوصى بأن يباع بيته، ويتصدق بثمنه على المساكين، فباعه الوصي، وقبض الثمن، فاستحق البيت، ضمن الوصي؛ لأنه هو العاقد، فتكون العهدة عليه، وهذه عهدة؛ لأن المشتري منه ما رضي ببذل الثمن إلا ليسلم له المبيع، ولم يسلم، فقد أخذ البائع مال غيره بغير رضاه، فيجب عليه رده لصاحبه، ويرجع الوصي على تركة الميت؛ لأنه عامل له، فيرجع عليه كالوكيل، ويرجع في جميع التركة، بسبب التغرير من الميت، فكان الضمان ديناً على الميت، والدين يقضى من جميع التركة. أما إذا كان البائع هو القاضي أو أمينه فلا ضمان عليه، منعاً من تعطيل القضاء، بسبب الخوف من الغرامة، فتتعطل مصلحة الأمة.\rفإن كانت التركة قد هلكت أو لم يكن بها وفاء، لم يرجع الوصي على التركة بشيء، لا على الورثة ولا على المساكين إن كان قد تصدق عليهم؛ لأن البيع لم يقع إلا للميت، فصار كما إذا كان على الميت دين آخر.\rوأما حكم استحقاق الموقوف: فقالوا: لو وقف شيئاً بكامله ثم استحق جزء منه شائعاً، بطل الوقف عند محمد رحمه الله ؛ لأن بالاستحقاق ظهر أن الشيوع كان مقارناً للوقف، كما في الهبة إذا وهب الكل، ثم استحق بعضه، بطلت لمقارنة الشيوع للهبة.\rوإذا بطل الوقف في غير المستحق رجع الموقوف إلى الواقف، لو كان حياً، وإلى ورثته إن ظهر الاستحقاق بعد موته.\rأما لو كان المستحق جزءاً معيناً، فلم يبطل الوقف في الباقي، لعدم الشيوع، فلهذا جاز في الابتداء أن يقف الباقي فقط.\r-------------------------------\r(1) المغني: 73/7.\r(2) فتح القدير بالنسبة للوقف: 46/5 ومابعدها، تكملة الفتح مع العناية بالنسبة للوصية: 498/8 ومابعدها.","part":6,"page":237},{"id":3833,"text":"رأي الشافعية (1) :\rإن أوصى شخص لآخر بثلث بيت معين مثلاً، فاستحق ثلثاه، فللموصى له الثلث الباقي؛ لأن المقصود نفع الموصى له. وقيل: له ثلث الباقي، وصححه الإسنوي. هذا إن احتمله الثلث، وإلا فله ما يحتمله الثلث.\rرأي الحنابلة (2) :\rمن أوصى لآخر بثلث شيء معين كبيت، فاستحق ثلثاه، فللموصى له ثلث الباقي إن خرج من ثلث التركة، وإلا فله ثلث الثلث إن لم تجز الورثة. وهذا متفق مع تصحيح الإسنوي كما تقدم.\rالمبحث الثالث ـ حكم استحقاق الأضحية والهدي :\rورأي الحنفية (3) :\rإن اشترى رجل شاة ليضحي بها، فضحى بها، ثم استحقها رجل آخر بالبينة، فإن أخذها المستحق مذبوحة، لا تجزئ أضحية عن واحد منهما، وعلى كل واحد منهما أن يضحي بشاة أخرى ما دام في أيام النحر، وإن مضت أيام النحر، فعلى الذابح أن يتصدق بقيمة شاة وسط، ولا يلزمه التصدق بقيمة الشاة المشتراة؛ لأنه بالاستحقاق تبين أن شراءه إياها للأضحية وعدم شرائه سواء. بخلاف ما إذا اشترى شاة للأضحية، ثم باعها، فإنه يلزمه التصدق بقيمتها؛ لأن شراءه إياها للأضحية قد صح، لوجود الملك، فيجب عليه التصدق بقيمتها.\rوإن ترك المستحق الشاة للذابح، وضمنه قيمتها، جاز الذبح، كما إذا اغتصب شاة إنسان كان قد اشتراها للأضحية، فضحاها عن نفسه بغير أمر صاحبها، تجزئ عن الذابح إن ضمنه صاحبها قيمتها حية؛ لأنه ملكها بالضمان من وقت الغصب بأثر رجعي (أي بالاستناد إلى الماضي) فصار ذابحاً شاة هي ملكه، فتجزيه، لكنه يأثم؛ لأن ابتداء فعله وقع محظوراً فتلزمه التوبة والاستغفار. وهذا قول أئمة الحنفية ماعدا زفر.\rرأي المالكية (4) :\rمن اشترى شاة ثم ذبحها، ثم استحقت، فأجاز المستحق البيع، أجزأت لفعله ذلك في شيء ضمنه بالعوض الذي وجب للمستحق.\r-------------------------------\r(1) أسنى المطالب: 62/3.\r(2) غاية المنتهى: 368/2.\r(3) البدائع: 76/5 ومابعدها.\r(4) الخرشي: 50/3.","part":6,"page":238},{"id":3834,"text":"رأي الشافعية (1) :\rإذا صارت الأضحية معينة بأن قال: هذه أضحية، أو نذر أضحية معينة، فقال: ( لله علي أن أضحي بهذه البقرة مثلاً ) أو ( علي أن أضحي بها ) ولو لم يقل: لله تعالى، لزمه ذبحها في وقت الأضحية، فإن أتلفت هذه الأضحية المعينة أو المنذورة، لا إن تلفت، وجب عليه بدلها بأن يشتري بقيمتها مثلها ويذبحها في الوقت المطلوب شرعاً، والظاهر لدي أن الاستحقاق مثل الإتلاف. وإن نذر أضحية في ذمته، ثم عين المنذور كهذا البعير، فإن تلفت المعينة عن النذر بقي الأصل في ذمته عليه في الأصح؛ لأن ما التزمه ثبت في الذمة، والمعين وإن زال ملكه عنه، فهو مضمون عليه.\rرأي الحنابلة (2) :\rإن اشترى أضحية أو هدياً وعينها، ثم بانت مستحقة بعد التعيين، لزمه بدلها، ولو بانت مستحقة قبل التعيين، لم يلزمه بدلها، لعدم صحة التعيين.\r-------------------------------\r(1) مغني المحتاج: 289/4.\r(2) كشاف القناع: 9/3.","part":6,"page":239},{"id":3835,"text":"الفَصْلُ السَّادس عَشَر: المقاصّة\rوفيه مباحث أربعة تشمل: معنى المقاصة ومشروعيتها، ومحلها، وأنواعها وأحكامها (1) .\rالمبحث الأول ـ معنى المقاصة ومشروعيتها :\rالمقاصة لغة: المساواة، وفقهاً عرفها ابن جزي (2) بأنها اقتطاع دين من دين، وفيها متاركة ومعاوضة وحوالة. وعرفها الدردير (3) بقوله: هي إسقاط مالَكَ من دين على غريمك في نظير ما لَه ُ عليك بشروط. وهذا تعريف يشمل المقاصة الاتفاقية والمقاصة التي يطلبها أحد الطرفين وإن أبى الآخر. وعرفها الحنابلة بأن يستوي الدينان جنساً وصفة وحلولاً وأجلاً وقدراً.\rوعرفها ابن القيم بقوله: المقاصة: سقوط أحد الدَّيْنين بمثله جنساً وصفة (4) . فإذا كان لخالد دينار عند محمد، ولمحمد دينار عند خالد، تلاقى الدينان قصاصاً، وسقط حق أحدهما في مطالبة الآخر.\rوالمقاصة مشروعة بالاتفاق بين المذاهب لحديث ابن عمر قال: «أتيت النبي صلّى الله عليه وسلم ، فقلت: إني أبيع الإبل بالبقيع، فأبيع بالدنانير، وآخذ الدراهم، وأبيع بالدراهم وآخذ الدنانير، فقال: لا بأس أن تأخذ بسعر يومها، ما لم تفترقا، وبينكما شيء» (5) فقوله: لا بأس فيه دليل على جواز الاستبدال عن الثمن الذي في الذمة بغيره. وقال البابرتي في العناية (6) : إن هذا الحديث يدل على المقاصة استحساناً، وهي المقاصة بين الدين والعين؛ لأن قبض نفس الدين لا يتصور؛ لأنه عبارة عن مال حكمي في الذمة، والدين لا يتعين بالتعيين، فكان قبضه بقبض بدله، وهو قبض العين. أما القياس فيقتضي ألا تقع المقاصة بين الدين والعين، لعدم المجانسة.\rوالعقل يقضي بجواز المقاصة؛ لأنها الطريقة الوحيدة التي يمكن قضاء الديون بها، ولا يمكن أن تقضى بسواها. وذكر الشافعية والحنابلة أن التقاص يحصل بنفس ثبوت الدينين، ولا حاجة إلى الرضا؛ لأن مطالبة أحدهما الآخر بمثل ما عليه عبث ولا فائدة (7) .\rالمبحث الثاني ـ محل المقاصة :\rالأصل في المقاصة أن تقع بين دينين، بأن يكون للمدين دين آخر على دائنه، فيتقاص الدينان، فلا تقع المقاصة بين عين وعين ولا بين دين وعين.\rولكن صرح الحنفية بحصول المقاصة بين الدين والعين. كما تبين، فمن\r-------------------------------\r(1) انظر بحث المقاصة لأستاذ محمد سلام مدكور في مجلة القانون والاقتصاد، العددان الأول والثاني، السنة السابعة والعشرون، والعدد الرابع من السنة التاسعة والعشرين.\r(2) القوانين الفقهية: ص 292.\r(3) الشرح الكبير: 227/3.\r(4) أعلام الموقعين: 321/1.\r(5) رواه الخمسة (أحمد وأصحاب السنن الأربعة) عن ابن عمر (نيل الأوطار: 156/5).\r(6) العناية بهامش فتح القدير: 380/5 ومابعدها.\r(7) تحفة المحتاج: 396/2، كشاف القناع: 253/3، 257.","part":6,"page":240},{"id":3836,"text":"اشترى ديناراً بعشرة دراهم هي دين له على بائع الدينار، وقبض الدينار، وقعت المقاصة بنفس العقد.\rوالحقيقة أن هذه المقاصة وقعت بين دينين من جنس واحد، لا بين دين وعين من جنسين؛ لأن مشتري الدينار لما قبضه، كان قبضه قبض ضمان بالثمن الذي اتفقا عليه وهو العشرة، فثبت بالقبض في ذمته مثلها للبائع، فالتقى الدينان قصاصا، وإن كان الظاهر يوهم أن المقاصة وقعت بين دين وعين من جنسين مختلفين. فهذه الصورة وأمثالها من باب مقاصة الدينين. ويمكن القول بأن المقاصة الجبرية لا تكون إلا في دينين (1) .\rأما المقاصة الرضائية أو الاتفاقية بين صاحبي الحقين فإنها جائزة بين دين وعين.\rالمبحث الثالث ـ أنواع المقاصة :\rالمقاصة إما جائزة أو غير جائزة. والجائزة إما جبرية أو اختيارية (اتفاقية).\rأولاً ـ المقاصة الجبرية وشروطها :\rالمقاصة الجبرية: هي التي تحدث بنفسها بين دينين متماثلين جنساً وصفة وقدراً وحلولاً وتأجيلاً، ولا تتوقف على تراضي الطرفين ولا على طلب أحدهما. مثل أن يقترض شخص من آخر نقوداً أو شيئاً يثبت ديناً في الذمة كالمثليات، ثم يبيع المقترض لدائنه متاعاً بثمن معجل من جنس الدين الذي عليه، فتقع المقاصة بين هذين الدينين، بمجرد ثبوت الدين الثاني، جبراً على الطرفين، ولا تتوقف على تراضيهما ولا على طلب من أحدهما.\r-------------------------------\r(1) بحث المقاصة للأستاذ مدكور: ص/9-13، العدد الأول من مجلة القانون، السنة 27.","part":6,"page":241},{"id":3837,"text":"وهي جائزة عند الحنفية والشافعية والحنابلة (الجمهور) (1) إذا تحققت الشروط وانتفت الموانع. ولم يجز المالكية (2) المقاصة الجبرية إلا بناء على طلب أو اتفاق، وأكثر التعريفات عندهم كانت للمقاصة الاتفاقية.\rشروط المقاصة الجبرية :\rيشترط في المقاصة الجبرية أربعة شروط (3) :\r1 ً - تلاقي الحقين أو الدينين: وهو اجتماعهما في حيِّز واحد أي اجتماعهما لشخص باعتبارين، بأن يكون الشخص دائناً لأحدهما ومديناً بالنسبة للآخر، فلا تتحقق المقاصة إلا إذا كان كل من المتقاصين دائناً ومديناً معاً.\rمثاله: لو كان للمشتري على الموكل دين تقع المقاصة لتلاقي الدينين، ولا تقع المقاصة في دين على ولي أو وصي نظير دين المولى عليه لعدم تلاقي الحقين، وتقع المقاصة بين دين لحاضنة الصغير ودين عليها، ولا تقع المقاصة بين الدائن ومدين غريمه، لعدم التلاقي بين هذين الدينين. ولا تجتمع المقاصة الجبرية مع الحوالة؛ لأن الحوالة عند الجمهور تنقل الدين من ذمة المدين إلى ذمة المحال عليه، فإذا ثبت للمدين على دائنه مثل دينه وقعت المقاصة جبراً، ولا يبقى عليه دين يحيل به دائنه على آخر، وإذا ثبت للمدين هذا الدين بعد الحوالة، لا تقع المقاصة لعدم التلاقي، فإن دائنه لم يبق دائناً له، وصار دائناً للمحال عليه.\r-------------------------------\r(1) الدر المختار ورد المحتار: 250/4، الأم للشافعي: 388/7 ومابعدها، المادة 154 من مشروع تقنين الشريعة على مذهب أحمد، غاية المنتهى: 114/2، كشاف القناع: 296/3 ومابعدها.\r(2) الحطاب: 549/4.\r(3) ابن عابدين: 250/4، كشاف القناع: 296/3، 373، غاية المنتهى: 114/2، القوانين الفقهية: ص 292، الدسوقي: 227/3 ومابعدها، فتح العزيز شرح الوجيز: 241/18، الأنوار: 528/2، بحث المقاصة السابق.","part":6,"page":242},{"id":3838,"text":"2 ً - تماثل الدينين(1 ) : باتحادهما جنساً ونوعاً وصفة وحلولاً وأجلاً. فإذا كان الدينان من جنسين، أو متفاوتين في الوصف، أو مؤجلين، أو أحدهما حالاً والآخر مؤجلاً، لم تقع المقاصة عند الحنفية، وقال المالكية: تصح المقاصة عند اختلاف الجنسين، كأن يكون أحد الدينين عيناً (ذهباً أو فضة) والآخر طعاماً أو عرضاً، أو يكون أحدهما عرضاً والآخر طعاماً، والعرض: ما ليس عيناً (نقداً) ولا طعاماً.\rومن المعلوم أن صنف كل من الدراهم والدنانير جنسان مختلفان عند الحنفية في ظاهر الرواية وعند الشافعية والحنابلة، لكن في المقاصة تعتبر جنساً واحداً استحساناً في رأي بعض مشايخ الحنفية، جاء في الفتاوى الظهيرية: إذا اختلف الجنس وتقاصا، كما لو كان له عليه مئة درهم، وللمديون مئة دينار عليه، فإذا تقاصا تصير الدراهم قصاصاً بمئة من قيمة الدنانير، ويبقى لصاحب الدنانير على صاحب الدراهم ما بقي منها.\rوبما أن الأوراق النقدية حلت محل الفلوس الرائجة، فالنقود في زماننا بناء على رأي بعض مشايخ الحنفية تعد جنساً واحداً في المقاصة، عملاً بالعرف في التعامل، والمراعى فيها القيمة لا ذات النقد بخصوصه.\rأما عند الشافعية والحنابلة فتعتبر النقود الورقية أجناساً مستقلة بناء على أن صنف الدنانير والدراهم عندهم جنسان، فلا تقع المقاصة بين دينين أحدهما دنانير والآخر دراهم لاختلاف الجنس.\rأما تماثل الدينين في الصفات فهو شرط عند الحنفية والحنابلة،. ويعنون بذلك الصفات التي يكون لاختلافها اختلاف في القيمة والانتفاع.\rواشترط الحنفية أن يكون الدينان حالّين، فإذا كانا مؤجلين أو كان أحدهما حالاً والآخر مؤجلاً، حتى وإن كان أجلهما واحداً، لم تقع المقاصة الجبرية.\rواشترط الشافعية والحنابلة اتفاق الدينين في الحلول وفي قدر الأجل، فإذا كان أحدهما حالاً والآخر مؤجلاً، أو كانا مؤجلين واختلف أجلهما، لم تقع المقاصة. أما لو كانا مؤجلين لأجل واحد، فتقع المقاصة في رأي الحنابلة وفي الأصح عند الشافعية.\r-------------------------------\r(1) الدين: وصف في الذمة، وليس مالاً في الحقيقة عند الحنفية، ولا يطلق عليه اسم المال إلا تجوزاً؛ لأنه يصير مالاً بعد قبضه، ولا يصير الشيء ديناً في الذمة إلا إذا أمكن ضبطه بالوصف، بأن يكون من المثليات.","part":6,"page":243},{"id":3839,"text":"أما المالكية فقالوا: تجوز المقاصة إن حل الدينان معاً، ولم تجز إن لم يحلا أو حل أحدهما دون الآخر إن اختلف الجنس بأن كان أحدهما ذهباً والآخر فضة، فإن كانا ذهبين أو فضتين، جازت المقاصة إذا كان أجل الدينين قد حل، فإن لم يحل أجلهما أو حل أجل الواحد منهما دون الآخر ففيه قولان، والمشهور الجواز بناء على أن المقاصة متاركة تبرأ بها الذمم، ونظراً إلى بُعْد التهمة. هذا إذا كان الدينان من النقد. فإن كان الدينان طعاماً: فإن كانا من قرض، جازت المقاصة، سواء حل الأجل أم لم يحل. وإن كانا من بيع، لم تجز المقاصة، سواء حل الأجل أم لم يحل؛ لأنه من بيع الطعام قبل قبضه. وإن كان الدينان عرضين فتجوز المقاصة إذا اتفقا في الجنس والصفة سواء حل الأجل أم لم يحل.\rواشترط الفقهاء أيضاً اتفاق الدينين في الجودة والرداءة، فإن كان هناك تفاوت فيهما لم تقع المقاصة.\rواشترط الحنفية تماثل الدينين في القوة والضعف، فدين النفقة للزوجة لا يقع قصاصاً بدين للزوج عليها إلا بالتراضي، بخلاف سائر الديون؛ لأن دين النفقة أدنى.\rأما المالكية والشافعية والحنابلة فلم يشترطوا التماثل في القوة.\rواشترط الحنفية والشافعية والحنابلة أيضاً التماثل في الرواج والكساد والرخص والغلاء، فلا تقع المقاصة بنفسها إذا كان أحد الدينين من الدراهم الصحيحة، والآخر من الدراهم الغلة: وهي التي يقبلها التجار، ويردها بيت المال، لا لأنها زائفة، بل لأنها مكونة من قطع، وهي التي تسمى مكسرة أو مقطعة (1) .\rاختلاف السببين: ليس من شرط المقاصة في الدينين أن يكون سببا الدينين من نوع واحد، كأن يكون سبب أحدهما القرض والآخر ثمن مبيع أو أجرة، فإن كان أحدهما من قرض والآخر ثمن مبيع، وقعت المقاصة، وإن اختلف السبب.\r-------------------------------\r(1) العناية بهامش فتح القدير: 381/5.","part":6,"page":244},{"id":3840,"text":"وليس من شرط المقاصة في الدينين أن يكون سبب كل منهما جائزاً غير محظور، فلو كان سبب أحدهما جائزاً كالبيع، والآخر محظوراً كالغصب أو كان السببان محظورين كالاستهلاك، وقعت المقاصة، ولا أثر لعدم مشروعية السبب في منع المقاصة، بعد توفر السبب: وهو ثبوت الدين في الذمة بحيث صار كغيره من الديون التي يجب الوفاء بها.\r3 ً - انتفاء الضرر :\rيشترط في المقاصة الجبرية ألا يترتب على وقوعها ضرر لأحد، فإذا ترتب عليها ضرر لأحد الطرفين أو لغيرهما، لم تقع المقاصة. قال الحنابلة (1) : من عليها دين من جنس واجب نفقتها، لم يحتسب به عليها من نفقتها مع عسرتها؛ لأن قضاء الدين إنما يكون بما فضل عن النفقة ونحوها، أي أن المقاصة الجبرية بين دين نفقة المرأة ودين عليها لا تقع في حالة الإعسار؛ لأن النفقة مقدمة على وفاء الدين. وهذا ضرر للمدين.\rوتجهيز الميت مقدم على الدين كالنفقة، فمن باع شيئاً من التركة لدائن الميت من جنس دينه، لم تقع المقاصة، مراعاة لحق الميت ودفعاً للضرر، وهذا ضرر للمدين.\rوالدين الموثق بالرهن مقدم على غيره من الديون العادية في استيفاء الدين من الرهن، فلو باع الراهن المرهون لدائن غير مرتهن، ليوفي دين المرتهن، وكان الثمن مثل الدين الذي للمشتري عليه، لم تقع المقاصة. وهذا ضرر لمن تعلق حقه بالعين.\rوكما أن ضرر المدين نفسه، وضرر من تعلق حقه بالعين يمنع من المقاصة، كذلك يمنع منها تعلق حق باقي الغرماء، فللقاضي عند الجمهور غير أبي حنيفة أن يحجر على المدين المفلس بطلب غرمائه، وله أن يمنعه من البيع بأقل من ثمن المثل، ومن التصرف والإقرار، حتى لا يضر بالغرماء.\r-------------------------------\r(1) كشاف القناع: 297/3.","part":6,"page":245},{"id":3841,"text":"والخلاصة: إذا تعلق بأحد الدينين حق الغير لا تجوز المقاصة. مثال تعلق حق أحد الدينين: أن يبيع الرهن لإيفاء دين الدائن غير المرتهن، ومثال تعلق حق الغرماء: أن يبيع المفلس بعض غرمائه بثمن في الذمة من جنس دينه.\rفلا مقاصة في الحالتين، لتعلق حق المرتهن بالمال في الأولى، ولتعلق حق باقي الغرماء في المبيع في الثانية.\rحق الدائن طالب البيع :\rإن باع المدين (المحجور عليه) شيئاً لإيفاء دين دائن، وكان المشتري دائناً للمدين البائع بدين من نوع الثمن، وقعت المقاصة جبراً بين دين البائع ودين المشتري؛ لأن هذا المدين غير محجور عليه وتصرف المدين غير المحجور عليه نافذ، ولا حرج على المدين في أن يوفي بعض دائنيه دون البعض الآخر، ولا مانع يمنع المدين المحجور عليه من بيع المال المحجوز، ولا من وقوع المقاصة بثمنه مع المشتري إذا كان غير الدائن طالب البيع الذي حجز له بدينه.\r4 ً - ألا يترتب على المقاصة محظور ديني :\rيشترط في المقاصة الجبرية أخيراً ألا يترتب عليها محظور ديني، كالافتراق قبل قبض رأس مال السلم، والتصرف في المسلم فيه قبل قبضه، وعدم التقابض في مجلس الصرف وفي الربويات التي يجب أن تكون يداً بيد، والتصرف على قاعدة «ضع وتعجل» عند الجمهور ونحو ذلك من المحظورات الشرعية.\rثانياً ـ المقاصة الاتفاقية :\rهي التي تتم بتراضي الطرفين ما لم يترتب على ذلك محظور شرعي، سواء اتحد جنس الدينين أم لم يتحد، اتفقت الأوصاف أم اختلفت، وسواء أكان أحد الحقين ديناً والآخر عيناً.\rثالثاً ـ المقاصة غير الجائزة :\rلا تجوز المقاصة إذا تخلف شرط من شروطها، ومنها أن يترتب على وقوعها مخالفة حكم شرعي، ويظهر هذا في بعض مسائل الصرف، وفي رأس مال السلم، وفي المسلم فيه، وفيما إذا وجدت شبهة الربا، ولو تراضيا.","part":6,"page":246},{"id":3842,"text":"1 ً - الصرف (1) :\rإذا وقعت المقاصة بين ديني المتصارفين بعد انتهاء مجلس عقد الصرف، كانت المقاصة باطلة؛ لأن عقد الصرف يقع باطلاً ولا يثبت به دين، فتبطل المقاصة لعدم قيام الدين في ذمة أحد المتقاصين.\rوفيما عدا ذلك تكون المقاصة صحيحة، سواء أكانت بدين سابق، أم بدين لاحق، أم بدين ثبت للمدين على دائنه في المجلس من طريق قبض مضمون.\rأ ـ إذا تصارف شخصان بدين سابق أضافا العقد إليه، جاز، كما إذا كان لرجل على آخر عشرة دراهم، فباعه هذا المدين ديناراً بالدراهم العشرة التي هي عليه دين؛ لأنه بإضافة العقد إلى هذا الدين، تقع المقاصة بالعقد نفسه بلا توقف على إرادة العاقدين لها، ووجه الجواز: أنه جعل ثمن الدينار دراهم لا يجب قبضها ولا تعيينها بالقبض، وهو جائز إجماعاً؛ لأن التعيين بالقبض للاحتراز عن ربا النسيئة، ولا ربا في دين سقط، إنما الربا في دين يقع الخطر في عاقبته (أي احتمال القبض وعدمه) ولذا لو تصارفا دراهم ديناً بدنانير ديناً، صح لفوات الخطر.\rب ـ إذا باع المدين بالعشرة التي لدائنه ديناراً بعشرة مطلقة عن التقييد بدين عليه، ودفع له الدينار، وتقاصا العشرة الثمن بالعشرة الدين، جاز استحساناً (2) ؛ لأنه بالتقابض انفسخ العقد الأول، وانعقد صرف آخر مضاف إلى الدين؛ لأنهما لما غيّرا موجب العقد، فقد فسخاه إلى آخر اقتضاه، كما لو جدد البيع بأكثر من الثمن الأول، أي أن المقاصة تتضمن فسخ العقد الأول، ويكون الفسخ ثابتاً اقتضاء. وهاتان الحالتان مقاصة في دين سابق.\r-------------------------------\r(1) المبسوط: 19/14 ومابعدها، فتح القدير مع العناية: 379/5 ومابعدها، البدائع: 206/5، 218، الدر المختار ورد المحتار: 249/4 ومابعدها.\r(2) والقياس الذي أخذ به زفر: ألا يجوز، لكونه استبدالاً ببدل الصرف قبل قبضه","part":6,"page":247},{"id":3843,"text":"جـ ـ إذا كان الدين لاحقاً للصرف، كما لو باع ديناراً لآخر بعشرة دراهم، وباع مشتري الدينار لبائعه ثوباً بعشرة دراهم في مجلس الصرف، وسلم الثوب، ثم تقاصا العشرة بالعشرة في المجلس، جازت المقاصة في أصح الروايتين؛ لأن العقد الأول ينفسخ اقتضاء، لما قصدا إلى المقاصة.\rد ـ إذا حصل الصرف ببيع عين بدين مطلق، ثم ثبت للمدين على دائنه دين في المجلس من طريق قبض مضمون، وقعت المقاصة جبراً من غير حاجة إلى تراض، كما لو استقرض الدائن من المدين مثل الثمن أو غصبه منه؛ لأن القبض قد تحقق.\rويلاحظ أنه في جميع هذه الحالات ما عدا الصورة الأولى لا بد من وقوع المقاصة قبل انتهاء مجلس عقد الصرف، فإذا انتهى المجلس بطلت المقاصة لبطلان الصرف كما تبين.\r2 ً - المقاصة برأس مال السلم :\rاتفق الحنفية ـ على ما عليه عامة الكتب عدا البدائع ـ والشافعية والحنابلة (1) على أنه لا تجوز المقاصة برأس مال السلم مع دين آخر مطلقاً، سواء وجب الدين بعقد متقدم أو متأخر عن عقد السلم، ولو تراضيا عليها؛ لأن المقاصة تصرف في دين السلم قبل قبضه، وهو غير صحيح، إذ يشترط قبض جميع رأس مال السلم في مجلس العقد.\r-------------------------------\r(1) تبيين الحقائق: 140/4، الأنوار: 265/1، كشاف القناع: 296/3 ومابعدها.","part":6,"page":248},{"id":3844,"text":"3 ً - المقاصة بالمسلم فيه :\rلا تجوز المقاصة أيضاً بالمسلم فيه كما أبان محمد في كتابه «الأصل» (1) فمن أسلم إلى رجل في مد حنطة، ثم أسلم الآخر إليه في مد حنطة، وأجلهما واحد، وصفتهما واحدة أو مختلفة، فلا تصح المقاصة بينهما؛ لأنه بيع ما لم يقبض، فكل منهما لم يقبض شيئاً من مد الحنطة، وإنما أخذ به ديناً عليه، ولايجوز أن يأخذ إلا رأس ماله أو سلمه الذي أسلم فيه.\rفإن كان أولهما سلماً والآخر قرضاً، لا يصير أحدهما قصاصاً في الحال؛ لأن المقاصة عبارة عن المساواة، ولا مساواة بينهما؛ لأن أحدهما معجل، والآخر مؤجل، والمعجل خير من المؤجل، فإن حل أجل السلم، كان أحدهما قصاصاً بالآخر.\rوإن كان الأول منهما قرضاً والآخر سلماً، فلا مقاصة بينهما، وإن تراضيا على المقاصة.\r4 ً - رأس مال السلم بعد الإقالة :\rحكم رأس مال السلم إذا حصلت فيه إقالة كحكم المسلم فيه، وبما أنه لا تجوز المقاصة في المسلم فيه؛ لأنه مبيع منقول لا يجوز التصرف فيه قبل القبض، لا تجوز المقاصة في رأس مال السلم بعد الإقالة، فإن تقايلا السلم، لم يكن له أن يشتري من المسلم إليه برأس المال شيئاً حتى يقبضه كله (2) ، لقوله عليه الصلاة والسلام:\r-------------------------------\r(1) المبسوط: 168/12.\r(2) الهداية مع فتح القدير: 345/5....","part":6,"page":249},{"id":3845,"text":"«لا تأخذ إلا سلمك أو رأس مالك» (1) أي عند الفسخ، ولأنه أخذ شبهاً بالمبيع، فلا يحل التصرف فيه قبل قبضه.\r5 ً - شبهة الربا :\rاتفق الأئمة على تحريم ما فيه شبهة الربا، فكل قرض جر نفعاً فهو ربا حرام، وعملاً بمبدأ سد الذرائع المتفق عليه بين الأئمة، وإن اختلفوا في مداه وتطبيقاته. فإذا أدت المقاصة إلى شيء من الربا، كانت غير جائزة.\rومن أمثلتها في بيوع الآجال كما ذكر المالكية (2) : باع له عشرة أرادب من الطعام بعشرة دراهم أي إلى أجل، وبعد أن غاب على الطعام وانتفع به، باع لبائعه عشرين أردباً من نوع ما اشتراه بعشرة دراهم، وتقاصا العشرة بالعشرة، لم يجز؛ لأنه أسلفه عشرة أرادب انتفع بها، ثم رد إليه عشرين أردباً، والثمن بالثمن ملغى؛ لأنه مقاصة، فهو قرض جر نفعاً.\rالمبحث الرابع ـ أحكام المقاصة :\rيراد بالحكم هنا الأثر المترتب على الشيء أو مقتضاه.\rمقتضى المقاصة (3) : هو الإسقاط، لكنه ليس إسقاطاً محضاً، وإنما هو إسقاط فيه معنى الوفاء، أي إسقاط بعوض، والعوض هو إسقاط فيه معنى.\rالوفاء، أي إسقاط بعوض، والعوض هو إسقاط الآخر حقه، كما هو الحال في الطلاق على الإبراء، فكل من الطلاق والإبراء إسقاط، وكل منهما في مقابلة الآخر، فتكون المقاصة إسقاطاً فيها معنى المعاوضة، قال المالكية: إن المقصود من المقاصة: المعاوضة والإبراء. وقال الحنفية: إن في المقاصة وفاء، بل الوفاء في نظرهم لا يكون إلا من طريق المقاصة.\rوهو إسقاط يقع جبراً، حتى في المقاصة التي لا تكون إلا عن تراض في رأي الحنفية.\rولكن ما الذي يسقط بالمقاصة؟ أهو نفس الدين أو المطالبة به؟\rقال الجمهور غير الحنفية: إن المقاصة تسقط الدينين إن كانا متساويين، وتسقط مقدار الأقل منهما إن كانا متفاضلين، فيسقط من الأكثر بقدر الأقل إن تفاوتا قدراً، وتبرأ الذمم بها براءة إسقاط، لا براءة مطالبة فحسب.\rويرى الحنفية أن المقاصة لا تسقط أصل الدين، وإنما تسقط المطالبة به فقط، أما الدين فيبقى شاغلاً للذمة، وإن لم تصح المطالبة به، فهو أشبه بالحق الذي لا تسمع الدعوى به للتقادم، ويترتب عليه أنه يصح الإبراء من الدين بعد المقاصة براءة إسقاط، وتصح هبته، ويصح الحط منه، ويرجع من تبرع بقضاء دين عن إنسان على من أداه له إذا أبرأه غريمه منه، بعد هذا، براءة إسقاط. وهذا في الواقع رأي غريب تأباه العدالة، فمن أدى دينه إلى غريمه أو قاصه فيه، لا يفهم منه إلا أنه قام بما يلغي تبعته، ويطهر ذمته، لا أنه يسعى إلى دفع المطالبة فقط.\r-------------------------------\r(1) هذا أثر رواه عبد الرزاق عن ابن عمر، وابن أبي شيبة عن عبد الله بن عمرو، وروى أبو داود وابن ماجه عن أبي سعيد الخدري مرفوعاً إلى الرسول صلّى الله عليه وسلم : «من أسلم في شيء فلا يصرفه إلى غيره» (نصب الراية: 51/4).\r(2) شرح الرسالة: 140/2.\r(3) بحث المقاصة السابق.","part":6,"page":250},{"id":3846,"text":"وإن كانت العين خيراً من الدين وتفضله؛ لأن الدين على خطر التوى والضياع، فهذا يظهر في دين يبقى دائماً، لا في دين ثابت يوفيه صاحبه بالعين، فينقضي بحصول هذا الوفاء. وإذا قلنا بأن الوفاء يثبت به دين في ذمة المستوفي، ووجد إذ ذاك دينان متماثلان متلاقيان، فلم لا يسقط أصل الدين، وتسقط المطالبة به وحدها (1) ؟\rنقض المقاصة: إذا تمت المقاصة على وجه صحيح، لا يمكن نقضها لا بالفسخ ولا بغيره،إذ أن الساقط لا يعود، فمتى سقط الدين وتلاشى لا يمكن النقض.\rلكن قد يطرأ بعد وقوع المقاصة الصحيحة ما يجعل أحد الدائنين لا حق له في استيفاء كل الدين الذي وقعت فيه المقاصة، فتنقض بالقدر الذي لا حق له في استيفائه، كما أنه يطرأ بعد وقوعها ما يقتضي زوال أحد الدينين، فتنقض من أجل ذلك.\rمثال الحالة الأولى: إذا كان على رجل ألف دينار قرضاً، ثم باع المقترض لمقرضه في حال الصحة عيناً كسجادة مثلاً بألف دينار مؤجلة، ثم مرض المقترض، وحل الأجل، وعليه ديون، وقعت المقاصة.\rفإن مات وعليه ديون، كان الغرماء أسوة المشتري فيما عليه من الثمن. ومعنى هذا أن المقاصة وقعت في حياته بكل الثمن، إذ لا يمكن للغرماء الاعتراض عليه في حياته، لعدم تبين أنه في حالة مرض موت، فإذا مات في مرضه هذا، تبين أن حق الغرماء متعلق بماله من وقت ثبوت سببه وهو مرض الموت، فلا يكون للمشتري أن يستوفي من دينه إلا بقدر ما يصيبه مع الغرماء، وتبطل المقاصة التي وقعت صحيحة في حياة المريض، بالقدر الذي زاد على حصة المشتري.\rومثال الحالة الثانية: إذا كان على الوكيل دين للمشتري، يصير الثمن قصاصاً. فإذا لم يسلم الوكيل ما باع حتى هلك المبيع في يده، بطلت المقاصة؛ لأن المبيع لما هلك قبل التسليم، انفسخ البيع من الأصل، وصار كأن لم يكن.\r-------------------------------\r(1) بحث المقاصة للأستاذ سلام مدكور في مجلة القانون ـ العدد الرابع للسنة 29: ص 34.","part":6,"page":251},{"id":3847,"text":"الفَصْلُ السّابع عشر: الإكْرَاه\rخطة الموضوع :\rالكلام عن الإكراه (1) في المباحث الأربعة التالية:\rالمبحث الأول ـ حقيقة الإكراه ونوعاه.\rالمبحث الثاني ـ شروط الإكراه.\rالمبحث الثالث ـ أثر الإكراه في التصرفات الحسية.\rالمبحث الرابع ـ أثر الإكراه في التصرفات الشرعية.\rوبحثها على الترتيب المذكور.\rالمبحث الأول ـ حقيقة الإكراه ونوعاه :\rحقيقة الإكراه: الإكراه لغة:حمل الغير على أمر لا يرضاه قهراً. وهذا ينافي المحبة والرضا، ولذا اقترن الحب والإكراه في قوله تعالى: {وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم، وعسى أن تحبوا شيئاً وهو شر لكم} [البقرة:216/2].\rوهو في اصطلاح الفقهاء: حمل الغير على أن يفعل ما لا يرضاه، ولا يختار مباشرته، لو ترك ونفسه. وقد عرفه السرخسي في المبسوط بأنه: «فعل يفعله الإنسان بغيره، فينتفي به رضاه، أو يزول به اختياره» .\rوالمقصود بالرضا: هو الارتياح إلى فعل الشيء والرغبة به.\rوالمقصود بالاختيار: هو ترجيح فعل الشيء على تركه أو العكس.\rنوعا الإكراه: الإكراه عند الحنفية نوعان: إكراه ملجئ أو كامل، وإكراه غير ملجئ أو قاصر.\rوالإكراه الملجئ: هو الذي لا يبقى للشخص معه قدرة ولا اختيار، وهو بأن يهدده بما يلحق به ضرراً في نفسه، أو في عضو من أعضائه. وحكمه: أنه يعدم الرضا ويفسد الاختيار، مثاله التهديد بالقتل أو التخويف بقطع عضو أو بضربٍ مبرِّح (أي شديد) متوال يخاف منه إتلاف النفس أو العضو، سواء قل الضرب أم كثر.\r-------------------------------\r(1) هناك تشابه بين الإكراه والحجر، لأن في كل منهما سلب ولاية المختار عن ممارسة تصرفاته (تكملة الفتح: 309/7).","part":6,"page":252},{"id":3848,"text":"والإكراه غير الملجئ أو الناقص: هو التهديد بما لا يضر النفس أو العضو، كالتخويف بالحبس أو القيد، أو الضرب اليسير الذي لا يخاف منه التلف، أو بإتلاف بعض المال. وحكمه: أنه يعدم الرضا، ولا يفسد الاختيار (1) .\rوهناك نوع ثالث عند الحنفية وهو الإكراه الأدبي: وهو الذي يعدم تمام الرضا، ولا يعدم الاختيار، كالتهديد بحبس أحد الأصول أو الفروع، أو الأخ أو الأخت، أو نحوهم. وحكمه أنه إكراه شرعي استحساناً لا قياساً، كما قرر الكمال بن الهمام من الحنفية، ويترتب عليه عدم نفاذ التصرفات المكره عليها (2) .\r-------------------------------\r(1) البدائع: 175/7، تكملة فتح القدير: 292/7 ومابعدها، تبيين الحقائق: 181/5، درر الحكام: 269/2 ومابعدها، الدر المختار ورد المحتار: 88/5 ومابعدها، الوسيط في أصول الفقه الإسلامي للمؤلف: ص 185 ومابعدها، الشرح الصغير: 546/2 ومابعدها، ط دار المعارف.\r(2) بحث الإكراه بين الشريعة والقانون للشيخ زكريا البرديسي: ص 372.","part":6,"page":253},{"id":3849,"text":"ويرى الشافعي أن الإكراه نوع واحد وهو الإكراه الملجئ، وأما غير الملجئ فلا يسمى إكراهاً. قال الشافعية: يحصل الإكراه بتخويف بمحذور كضرب شديد وحبس طويل وإتلاف مال. ويختلف أثره باختلاف أحوال الناس، فلا يحصل الإكراه بالتخويف بالعقوبة الآجلة كقوله: لأضربنك غداً، ولا بالتخويف بالمستحق كقوله لمن عليه قصاص: افعل كذا وإلا اقتصصت منك. وشرط الإكراه: قدرة المُكْرِه على تحقيق ما هدد به بولاية أو تغلب عاجلاً ظلماً، وعجز المستكره عن دفعه بهرب أو غيره وظن أنه إن امتنع من فعل ما أكره عليه حقق المهدد به. ولا ينفذ تصرف المستكره بغير حق، لكن يقتص منه بمباشرته جناية القتل ونحوه (1) .\rالمبحث الثاني ـ شروط الإكراه :\rيشترط لتحقق الإكراه أحد عشر شرطاً، وهي ما يأتي:\rالأول ـ أن يكون المكره قادراً على تنفيذ ما هدد به، وإلا كان هذياناً، وبناء عليه كان أبو حنيفة يقول: لا إكراه إلا من السلطان؛ لأن غير السلطان لا يتمكن من تحقيق ما هدد به.\rوقال الصاحبان والأئمة الثلاثة: يتحقق الإكراه من السلطان وغيره؛ لأن إلحاق الضرر بالغير يمكن أن يتحقق من كل متسلط.\rوهذا الاختلاف بين الإمام وصاحبيه اختلاف عصر وزمان، لا اختلاف حجة وبرهان، فقد أفتى الإمام بحسب زمانه، ثم تغير الحال في زمان الصاحبين، فتغيرت الفتوى على حسب الحال. قال البغدادي: الإكراه يثبت حكمه إذا حصل ممن يقدر على إيقاع ما توعد به سلطاناً كان أو غيره (2) .\rالثاني ـ أن يغلب على ظن المستكره أن المكره سينفذ تهديده لو لم يحقق ما أكره عليه، وأنه عاجز عن التخلص من التهديد بالهرب أو الاستغاثة أو المقاومة.\rالثالث ـ أن يكون الأمر المكَره به متضمناً إتلاف نفس أو عضو أو مال أو متضمناً أذى بعض الناس الذين يهمه أمرهم، كالتهديد بحبس الزوجة، أو الوالدين، أو يلحق به غماً يعدم الرضا بحسب حاله، فمن الناس من يغتم بكلام خشن، ومنهم من لا يغتم إلا بالضرب المبرح.\rالرابع ـ أن يكون المستكره ممتنعاً عن الفعل الذي أكره عليه قبل الإكراه: إما لحقه كبيع ماله، أو لحق شخص آخر كإتلاف مال الغير، أو لحق الشرع كشرب الخمر والزنا.\rالخامس ـ أن يكون المهدد به أشد خطراً على المستكره مما أكره عليه، فلو هدد إنسان بصفع وجهه إن لم يتلف ماله أو مال الغير، وكان صفع الوجه بالنسبة إليه أقل خطراً من إتلاف المال، فلا يعد هذا إكراهاً.\rالسادس ـ أن يترتب على فعل المكره به الخلاص من المهدد به: فلو قال إنسان لآخر: ( اقتل نفسك، وإلا قتلتك ) لا يعد هذا إكراهاً عند الجمهور، والراجح عند الحنابلة؛ لأنه لا يترتب على قتل النفس الخلاص مما هدد به، فلا يصح حينئذ للمستكره أن يقدم على ما أكره عليه.\rالسابع ـ أن يكون المهدد به عاجلاً: فلو كان آجلاً لم يتحقق الإكراه؛ لأن\r-------------------------------\r(1) تحفة الطلاب للأنصاري: ص 272 ويظهر أن هذا هو رأي المالكية والحنابلة.\r(2) مجمع الضمانات: ص 204.","part":6,"page":254},{"id":3850,"text":"التأجيل مظنة التخلص مما هدد به بالاستغاثة والاحتماء بالسلطات العامة. وهذا شرط عند الحنفية والشافعية وبعض الحنابلة. وقال المالكية: لا يشترط أن يكون المهدد به عاجلاً، وإنما الشرط أن يكون الخوف حاَّلاً. وهذا هو الأرجح في تقديري.\rالثامن ـ ألا يخالف المستكره المكره بفعل غير ما أكره عليه أو بالزيادة عليه، أو بالنقصان عنه، فإن خالفه في هذه الأحوال الثلاثة، كان طائعاً فيما أتى به، فلا يكون مستكرهاً. وهذا رأي الشافعية والمالكية.\rفلو أكره إنسان شخصاً على طلاق امرأته، فباع داره، أو أكره على طلقة واحدة رجعية، فطلقها ثلاثاً، أو أكرهه على طلاق امرأته ثلاثاً، فطلقها واحدة، فهذه الصور الثلاث نافذة عندهم؛ لأنها ليست من الإكراه في شيء.\rوقال الحنفية والحنابلة: المخالفة بالنقصان، بأن أتى الشخص أنقص مما أكره عليه، تجعل الشخص مكرهاً غير مختار، أما في حالة الزيادة أو فعل غير المكره عليه فلا تجعله مكرهاً، وإنما يكون مختاراً، كما قال الشافعية والمالكية.\rالتاسع ـ اشترط الشافعية أن يكون المكره عليه معيناً بأن يكون شيئاً واحداً، فلو أكره إنسان على طلاق زوجته ( فلانة ) عد هذا إكراهاً، أما لو أكره على طلاق إحدى امرأتيه، أو على قتل زيد أو عمرو، فلا يعد هذا إكراهاً.\rولم يشترط الحنفية والمالكية والحنابلة هذا الشرط، فلو أكره رجل على أن يطلق إحدى امرأتيه، فطلق واحدة كان مكرَهاً، وهو الرأي الأرجح لدي.\rالعاشر ـ ألا يكون المهدد به حقاً للمكره يتوصل به إلى ما ليس حقاً له ولا واجباً: فإذا كان المكره به حقاً للمكره يتوصل به إلى ما ليس حقاً له ولا واجباً كتهديد الزوج زوجته بطلاقها إن لم تبرئه من دينها، فلا يكون إكراهاً، وقال بعضهم: يعتبر إكراهاً لأن الزوج سلطان زوجته، فيتحقق منه الإكراه.","part":6,"page":255},{"id":3851,"text":"وهذا الشرط عند المتأخرين من الشافعية، ويوافقهم الحنفية فيه. أما الإمام أحمد فلم يشترط هذا الشرط، فالإكراه يتحقق عنده، ولو كان المهدد به حقاً للمكره (1) . وهذا هو المعقول.\rالحادي عشر ـ ألا يكون المكره عليه مستحقاً على المستكره: كتهديد المفلس المحجور عليه ببيع ماله، وتهديد القاتل عمداً بالقصاص، وتهديد المولي (حالف يمين الإيلاء) بالتطليق عليه، فكل هذا ليس بإكراه، لأن الأمر المهدَّد به مستَحَق على المستكره.\rوالخلاصة: اتفق الشافعية والحنابلة على شروط ثلاثة للإكراه هي:\rأولاً ـ قدرة المكره على تحقيق ما هدد به بسلطان أو تغلب كاللص ونحوه.\rوثانياً ـ عجز المستكره عن دفع الإكراه بهرب أو غيره، وأن يغلب على ظنه نزول الوعيد به إن لم يجبه إلى ماطلبه.\rوثالثاً ـ أن يكون مما يستضر به ضرراً كثيراً كالقتل والضرب الشديد، والقيد والحبس الطويلين، وإتلاف مال ونحوه. أما الشتم أو السب فليس بإكراه.\rواشترط الشافعية أيضاً أن يكون الإكراه بغير حق.\r-------------------------------\r(1) راجع البدائع: 176/7، تكملة فتح القدير: 293/7، الكتاب مع اللباب: 107/4، تبيين الحقائق: 182/5، الدرالمختار مع حاشية ابن عابدين عليه: 89/5 ومابعدها، بحث الإكراه بين الشريعة والقانون للأستاذ زكريا البرديسي: ص 7 ومابعدها، مغني المحتاج: 289/3 ومابعدها، المغني: 120/7، القوانين الفقهية: ص 227 ومابعدها.","part":6,"page":256},{"id":3852,"text":"المبحث الثالث ـ أثر الإكراه في التصرفات الحسية(أي الفعلية أو الوقائع المادية ) :\rالذي يقع عليه الإكراه من الفعل أو الترك: إما أن يكون من الأمور الحسية أو من الأمور الشرعية، والمكره به في كل منهما: إما معين أو مخير فيه.\rأما التصرفات الحسية المعينة فيتعلق بها حكمان: أحدهما بالنسبة للآخرة، والثاني بالنسبة للدنيا.\rأما أحكام الآخرة في التصرفات الحسية المكره عليها، فتختلف بحسب نوع التصرف، وأنواع التصرف الحسي ثلاثة: مباح، ومرخص فيه، وحرام.\r1 - التصرف الحسي المباح بالإكراه: هو أكل الميتة والدم ولحم الخنزير وشرب الخمر، وحكمه أنه يختلف بحسب نوع الإكراه: فإن كان الإكراه ملجئاً أو تاماً كالتخويف بالقتل أو قطع العضو ونحوه، فتباح هذه الأفعال؛ لأن الله تعالى أباحها عند الضرورة، فقال سبحانه {إلا ما اضطررتم إليه} [الأنعام:119/6] فلو امتنع المستكره عن تناولها حتى قتل يؤاخذ به؛ لأن امتناعه إلقاء بالنفس إلى التهلكة، والله تعالى يقول: {ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة} [البقرة:195/2].\rوإن كان الإكراه ناقصاً كالتهديد بالحبس والضرب اليسير، فلا يباح الإقدام عليها، ولا يرخص فيها أيضاً، حتى إنه يأثم بالإقدام عليها؛ لأنه يجب عليه تقديم حق الله تعالى على حق نفسه (1) .\rوالخلاصة: أن هذه التصرفات لاتباح إلا بالإكراه الملجئ.\r2 - التصرف الحسي المرخص بالإكراه: هو كإجراء كلمة الكفر على اللسان مع اطمئنان القلب بالإيمان، أو سب النبي محمد صلّى الله عليه وسلم ، أو الصلاة إلى الصليب، أو إتلاف مال المسلم، فهذه الأمور لا تباح، ولكن يرخص فعلها عند الإكراه التام، وإن امتنع المستكره عن فعلها حتى قتل، كان مثاباً ثواب الجهاد؛ لأن تحريمها لم يسقط عن فاعلها. وأما وإن كان الإكراه ناقصاً، فلا يرخص فيها أصلاً، ويحكم بكفر فاعلها، وإن كان قلبه مطمئناً بالإيمان، وهذا مذهب الحنفية والمالكية. وعليه، لا يرخص بهذا التصرف إلا في حالة الإكراه الملجئ.\rورخص الشافعية والحنابلة والظاهرية التلفظ بالكفر عند الإكراه الناقص؛ لأن الكثير من حوادث ا لإكراه على الكفر في بدء الإسلام كانت إكراهاً ناقصاً، فهذا هو الراجح إذن من الرأيين.\r-------------------------------\r(1) البدائع: 176/7، تبيين الحقائق: 185/5، الدر المختار: 92/5، تكملة فتح القدير: 198/7، الكتاب مع اللباب: 110/4.","part":6,"page":257},{"id":3853,"text":"والترخيص بإجراء كلمة الكفر عند الإكراه التام ثابت بقوله تعالى: {من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ولكن من شرح بالكفر صدراً فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم} [النحل:16/106]. وهذا هو مذهب الجمهور والظاهرية.\rأما المالكية: فلا يبيحون إجراء كلمة الكفر على اللسان إلا في الإكراه على القتل فقط، أما الإكراه بقطع عضو، فلا يعتبرونه مبيحاً لإجراء كلمة الكفر على اللسان.\rويلاحظ أن الامتناع عن الكفر أفضل، بدليل ما روي أن مسيلمة الكذاب أخذ اثنين من أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلم ، فقال لأحدهما: ما تقول في محمد؟ قال: رسول الله ، قال: فما تقول في؟ قال: وأنت أيضاً، فخلى سبيله. وقال للآخر: ما تقول في محمد؟ قال: رسول الله ، قال: كما تقول في؟ قال: أنا أصم، لا أسمع، فأعاد عليه ثلاث مرات، فأعاد جوابه، فقتله، فبلغ ذلك رسول الله صلّى الله عليه وسلم ، فقال: «أما الأول فقد أخذ برخصة الله تعالى، وأما الثاني فقد صدع بالحق، فهنيئاً له» (1) .\rوأما الترخيص بسبِّ النبي صلّى الله عليه وسلم عند الإكراه، فهو جائز لما روي أن عمار بن ياسر رضي الله عنهما، لما أكرهه الكفار على سبِّ محمد صلّى الله عليه وسلم ، رجع إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلم فقال له: ما وراءك يا عمار؟ قال: شر يا رسول الله ، ما تركوني حتى نلت منك، فقال له الرسول صلّى الله عليه وسلم : «إن عادوا فعد» (2) .\r-------------------------------\r(1) تفسير القرطبي: 189/10، التلخيص الحبير: ص371.\r(2) رواه الحاكم والبيهقي وابن أبي شيبة وأبو نعيم وعبد الرزاق وإسحاق بن راهويه وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه ( راجع نصب الراية: 158/4 ).","part":6,"page":258},{"id":3854,"text":"ولو امتنع المستكره عن سب النبي حتى مات كان مأجوراً ، بدليل ما روي من قصة خبيب، فقد أخذه المشركون وباعوه من أهل مكة، فأخذوا يعذبونه على أن يذكر آلهتهم بخير، ويسب محمداً، فلم يسب إلا آلهتهم، ولم يذكر محمداً إلا بخير، ولما يئسوا من كفره، أجمعوا على قتله، فسألهم أن يصلي ركعتين، فأوجز في صلاته حتى لا يظنوا أنه يخشى الموت، ثم سألهم أن يلقوه على وجهه ليموت وهو ساجد، فأبوا عليه ذلك، فرفع يديه إلى السماء، ثم قال: اللهم إني لا أرى إلا وجه عدو، فاقرأ رسول الله مني السلام، ثم قال: اللهم أحص هؤلاء عدداً، واجعلهم بدَد َا َ، ولا تبق منهم أحداً، ثم أنشأ يقول:\rولست أبالي حين أقتل مسلماً على أي جنب كان في الله مصرعي\rفلما قتلوه وصلبوه، تحول وجهه نحو القبلة، فقال فيه الرسول صلّى الله عليه وسلم : «هو سيد الشهداء، وهو رفيقي في الجنة» (1) .\r-------------------------------\r(1) روى قصة القتل أحمد والبخاري وأبو داود والنسائي عن أبي هريرة ( راجع نصب الراية، المرجع السابق: ص159، نيل الأوطار: 253/7 ومابعدها )، وقول الرسول « هو سيد الشهداء.. إلخ» حديث غريب كما قال الزيلعي، لأن المعروف أن حمزة سيد الشهداء كما روى الحاكم.","part":6,"page":259},{"id":3855,"text":"فهذا دليل على أن الامتناع عن شتم النبي أفضل (1) .\rوأما إتلاف مال المسلم: فيرخص فيه عند الإكراه التام؛ لأن مال الغير يستباح للضرورة، كما في حال المخصمة، والضرورة متحققة هنا؛ لأن الإكراه نوع منها. غير أن أثر الرخصة يظهر في سقوط المؤاخذة الأخروية، لا في سقوط أصل الحرمة؛ إذ الحرمة قائمة بقوله صلّى الله عليه وسلم : «كل المسلم على المسلم حرام: دمه وماله وعرضه» (2) والمراد بالإكراه التام في إتلاف المال: هو الإحراق أو ما في معناه عند الشافعية والحنفية والحنابلة في المعتمد عندهم.\rويرى المالكية والظاهرية أنه لا يرخص في الإحراق لتعلق حق العبد به (3) : لأن الشارع حرم إضرار الغير، قال صلّى الله عليه وسلم : «لا ضرر ولا ضرار» (4) .\rوأما الإكراه على الإسلام: وإن كان ممنوعاً شرعاً، فإن وقع اعتبر إسلام المستكره صحيحاً، وعومل معاملة المسلمين؛ لأنه إكراه في صالح المستكره، وإعلاء للدين الحق.\r3 - التصرف الحسي الحرام الذي لا يباح ولا يرخص بالإكراه :\rهو قتل المسلم بغير حق أو قطع عضو من أعضائه ولو أنملة؛ لأن القتل حرام\r-------------------------------\r(1) المراجع السابقة: البدائع: ص176 ومابعدها، تكملة فتح القدير: ص299، تبيين الحقائق: ص186، الدر المختار: ص93، الكتاب مع اللباب: 110/4، الموافقات: 325/1، أصول الفقه للمؤلف: 113/1، ط دار الفكر، الشفاء للقاضي عياض: 222/2، بحث الإكراه للأستاذ البرديسي: ص 59 ومابعدها.\r(2) رواه مسلم عن أبي هريرة ( الأربعين النووية: ص 76 ومابعدها ).\r(3) تكملة فتح القدير: 302/7، الدر المختار: 93/5، بحث الإكراه: ص53 ومابعدها، والمراجع السابقة.\r(4) رواه ابن ماجه والدارقطني وغيرهما مسنداً عن أبي سعيد الخدري، ورواه مالك في الموطأ مرسلاً، وله طرق يقوي بعضها بعضاً عن جماعة آخرين من الصحابة ( مجمع الزوائد: 110/4، سبل السلام: 84/3، الإلمام: ص 363، المقاصد الحسنة: ص 468 ).","part":6,"page":260},{"id":3856,"text":"محض، قال تعالى: {ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق} [الإسراء:33/17]، ولأن الاعتداء حرام أيضاً، قال تعالى: {والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتاناً وإثماً مبيناً} [الأحزاب:58/33]، والتحريم سواء أكان الإكراه ناقصاً أم كاملاً.\rومثله أيضاً: ضرب الوالدين قل أو كثر، فإنه لا يباح بالإكراه؛ لأنه حرام، قال تعالى: {فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما} [الإسراء:23/17] والنهي عن التأفيف نهي عن الضرب من باب أولى، فلو فعل شيئاً مما ذكر أثم.\rوكذلك أيضاً: الزنا، فإنه لا يباح ولا يرخص للرجل بالإكراه مطلقاً، ولو فعل أثم؛ لأن حرمة الزنا ثابتة عقلاً، قال تعالى: {ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلاً} [الإسراء:32/17]. وكذا المرأة لا يرخص لها أيضاً عند الإكراه ولو كان تاماً، كما رجح الكاساني صاحب البدائع (1) .\rوالخلاصة: إن الكفروالقتل والزنا لا يباح بحال فيظل الإثم قائماً، وإن رخص بالنطق بالكفر، وهناك فرق بين الرخصة والإباحة، ففي الرخصة لا يباح الفعل أحياناً في حد ذاته، وإنما ترتفع المسؤولية فقط، أما في حال الإباحة فيصبح الشيء مباحاً في ذاته، فيرتفع الإثم والمسؤولية الدنيوية أيضاً.\rوأما الأحكام الدنيوية في هذه الأنواع الثلاثة فهي مايأتي (2) :\rالنوع الأول ، والكلام فيه عن:\r1 ً ـ الإكراه على شرب الخمر: إذا كان الإكراه تاماً فلا يجب الحد على\r-------------------------------\r(1) راجع البدائع: 177/7، تكملة فتح القدير: 302/7، 306، تبيين الحقائق: 186/5 ومابعدها، 189، الدر المختار: 93/5 ومابعدها، الكتاب مع اللباب: 112/4 ومابعدها.\r(2) المراجع السابقة المذكورة عند تفصيل كل نوع من أنواع التصرفات الحسية.","part":6,"page":261},{"id":3857,"text":"المستكره على شرب الخمر اتفاقاً؛ لأن الحد شرع زاجراً عن الجناية في المستقبل، والشرب المكره عليه ليس جناية، بل هو مباح.\rولا تنفذ تصرفات السكران المكره على الشرب عند جمهور الفقهاء؛ لأن نفاذ تصرفات السكران حالة الاختيار عند القائلين به (1) كان تغليظاً عليه وزجراً له، ولامعنى للتغليظ في حالة الإكراه؛ لأنه ليس قائم العقل، فهو كالمجنون.\rوأما إذا كان الإكراه ناقصاً فيجب الحد عند الحنفية؛ لأن شرب الخمر حينئذ يعتبر حراماً، فيطبق عليه حكم الشُّرب.\rوقال جمهور الفقهاء: لا يجب الحد على المستكره على شرب الخمر إكراهاً ناقصاً، لقوله صلّى الله عليه وسلم : «إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه» (2) .\r2 ً ـ الإكراه على السرقة: إذا كان الإكراه تاماً فلا إثم على السارق المستكره، ولا حد عليه للحديث السابق: «إن الله تجاوز عن أمتي...» ولأن الحدود تدرأ بالشبهات. وإن كان الإكراه ناقصاً، فلا يرتفع الإثم ولا الحد عند بعض الفقهاء\r-------------------------------\r(1) الراجح من مذهب الشافعية رواية أحمد: هو نفاذ تصرفات السكران باختياره مطلقاً.والحنفية: يرون نفاذ تصرفات السكران مختاراً ماعدا الردة، والإقرار بما يحتمل الرجوع كحد الزنا، والمالكية: يرون نفاذ التصرفات ماعدا الإقرارات والعقود في المشهور من المذهب. والظاهرية ورواية عن أحمد: يرون عدم نفاذ التصرفات مطلقاً.\r(2) رواه الطبراني في الكبير عن ثوبان وأبي الدرداء، وأخرجه ابن ماجه وابن حبان والحاكم عن ابن عباس مرفوعاً، ورواه ابن ماجه أيضاً عن أبي ذر، ورواه أبو نعيم عن ابن عمر، بلفظ « إن الله وضع » إلا حديث أبي الدرداء وثوبان فهو بلفظ « إن الله تجاوز عن أمتي...» وذكره ابن عدي عن أبي بكرة بلفظ «رفع الله عن هذه الأمة ثلاثاً» ورواه الطبراني في الأوسط عن عقبة بلفظ « وضع عن أمتي...» وفيه ابن لهيعة، وفيه ضعف. فلفظ «رفع عن أمتي..» ليس موجوداً ( نصب الراية: 64-65، التلخيص الحبير: ص109، مجمع الزوائد: 250/6 ).","part":6,"page":262},{"id":3858,"text":"(الحنفية)، إذ لا ضرورة لفعل السرقة، ويرى جمهور الفقهاء أنه لا إثم ولا حد، عملاً بمقتضى إطلاق الحديث السابق: «إن الله تجاوز عن أمتي» فهذا الحديث ناطق بالعفو عن موجب الإكراه مطلقاً؛ تاماً أو ناقصاً.\rالنوع الثاني وفيه بحثان :\r1 ً ـ الإكراه على الكفر: إذا كان الإكراه تاماً، فلا يحكم بالردة، ولا تبين امرأة المستكره اتفاقاً بين الفقهاء، ما عدا المالكية فيما إذا كان التهديد بغير القتل، وأقدم المهدد على الكفر، فإنه يرتد عندهم؛ لأن غير القتل أقل خطورة من الكفر.\rوإن كان الإكراه ناقصاً، وتلفظ المستكره بالكفر لا يصبح مرتداً عند الشافعية والحنابلة والظاهرية ، عملاً بقوله تعالى: { من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان..} [النحل:16/106].\rوقال المالكية والحنفية: يحكم بكفر المستكره إكراهاً ناقصاً، ويصبح مرتداً تلحقه أحكام المرتدين؛ لأنه ليس بمكره حقيقة بل أقدم على ما أقدم عليه لدفع الغم عن نفسه لا للضرورة. ويظهر أن الرأي الأول أرجح عملاً بالنص.\rويجري هذا الخلاف في الإكراه على الصلاة للصليب أو على السجود للصنم.","part":6,"page":263},{"id":3859,"text":"وإذا كان الإكراه على الكفر لا يجعل المستكره كافراً، فإن الإكراه على الإسلام يجعل المستكره مسلماً كما تقدم، والفرق بين الحالتين: أن الإيمان في الحقيقة تصديق، والكفر تكذيب، وذلك يحصل في القلب، والإكراه لا شأن له بالقلب، ففي حالة الاختيار جعل اللسان دليلاً على ما في القلب ظاهراً، وفي حالة الإكراه على الكفر لا يجعل اللسان دليلاً على ما في القلب؛ لأن الإيمان أمر قلبي، أما في حال الإكراه على الإسلام، فيحكم بالإسلام مع احتمال أنه كافر في قلبه؛ لأن ترجيح جانب الإسلام إعلاء الدين الحق، وإعلاء الدين الحق واجب (1) ، قال عليه الصلاة والسلام: «الإسلام يعلو ولا يعلى عليه» (2) .\rويلاحظ أن الذي يجوز إكراهه على الإسلام هو الحربي عند جمهور العلماء، وكذا يجوز إكراه الذمي والمستأمن عند الحنفية، ولا يجوز إكراههما عند جمهور العلماء، والأدلة تعرف في كتب الفقه المطولة، والراجح مذهب الجمهور في الذمي، كما أن الراجح في تقديري هو أن الحربي أيضاً لا يكره على الإسلام كما يقرر جماعة من العلماء لقوله تعالى: {لا إكراه في الدين} [البقرة:256/2] (3) .\r2 ً ـ الإكراه على إتلاف المال: إذا أكره شخص غيره على إحراق أثاث منزل لآخر مثلاً، فإن كان الإكراه تاماً، فالضمان على المكره عند الحنفية والحنابلة في الأرجح عندهم وبعض الشافعية؛ لأن المستكره مسلوب الإرادة، وما هو إلا آلة للمكره، ولا ضمان على الآلة اتفاقاً.\rوقال المالكية والظاهرية وبعض الشافعية: الضمان على المستكره؛ لأنه يكون في هذه الحالة كالمضطر إلى أكل طعام الغير، بجامع الإباحة في كل منهما، وكما يجب ضمان المضطر يجب ضمان المستكره.\r-------------------------------\r(1) البدائع: 178/6، بحث الإكراه للأستاذ البرديسي: 61-67، تكملة فتح القدير: 307/7، المغني: 145/8، الكتاب مع اللباب: 114/4.\r(2) أخرجه الدارقطني عن عائذ عن عمرو بن المزني، وفيه مجهولان، ورواه الطبراني والبيهقي عن عمر، ورواه نهشل عن معاذ، وروي موقوفاً على ابن عباس ( راجع نصب الراية: 213/3، سبل السلام: 67/4 ).\r(3) راجع آثار الحرب في الفقه الإسلامي - الطبعة الثانية، للمؤلف: ص 78.","part":6,"page":264},{"id":3860,"text":"وقال الشافعية في الأرجح عندهم وفي وجه عند الحنابلة: الضمان على المكره والمستكره؛ لأن الإتلاف صدر من المستكره حقيقة، ومن المكره بالتسبب، والتسبب في الفعل والمباشرة سواء، لكن يستقر الضمان في النهاية على المكره في الأصح.\rوإن كان الإكراه ناقصاً: فالضمان على المستكره عند الحنفية والمالكية والظاهرية والشافعية والحنابلة؛ لأن الإكراه الناقص لا يسلب الاختيار أصلاً، فلم يكن المستكره مجرد آلة للمكره، فكان الإتلاف من المستكره، فوجب الضمان عليه (1) .\rالنوع الثالث، وفيه بحثان :\r1 ً ـ الإكراه على القتل: اتفق الفقهاء على تأثيم من أكره على القتل، فقتل، واختلفوا في القصاص منه إذا كان الإكراه تاماً.\rفقال أبو حنيفة ومحمد، وداود، وأحمد في رواية، والشافعي في أحد قوليه: لا قصاص على المستكره، وإنما يقتص من المكره، ويعزر المستكره فقط، لقوله صلّى الله عليه وسلم : «عفوت عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه» والعفو عن الشيء عفو عن مقتضاه، فكان مقتضى ما أكره عليه عفواً، ولأن المستكره مجرد آلة للمكره، إذ القاتل في المعنى هو المكره، وإنما الموجود من المستكره صورة القتل، فأشبه المستكره الآلة، ولا قصاص على الآلة.\r-------------------------------\r(1) المراجع السابقة، البدائع: ص 179، مجمع الضمانات: ص205، اللباب شرح الكتاب: 112/4، تكملة فتح القدير: 302/7، تبيين الحقائق: ص186، المحلى لابن حزم: 281/8، الأشباه والنظائر للسيوطي: ص179، قواعد الأحكام: 132/2، تهذيب الفروق: 203/2، الفروق: 208/2، كشاف القناع: 98/4، الشرح الكبير للدردير وحاشية الدسوقي: 444/3، القواعد لابن رجب: ص 286.","part":6,"page":265},{"id":3861,"text":"وقال زفر وابن حزم الظاهري: يقتص من المستكره؛ لأن القتل وجد منه حقيقة حساً ومشاهدة، ولأنه أتى محرماً عليه إتيانه. وأما المكره فهو متسبب، ولا قصاص بالتسبب عندهم، ورجح الطحاوي هذا الرأي.\rوقال أبو يوسف: لا يقتص من المستكره ولا من المكره، للشبهة لأن المكره ليس بقاتل حقيقة وإنما هو مسبب للقتل، وإنما القاتل هو المستكره، ولما لم يجب القصاص على المستكره، فلأن لا يجب على المكره أولى. وإنما يجب على المكره الدية ولا يرجع على المستكره بشيء.\rوقال المالكية والشافعية في الأرجح، والحنابلة في المذهب عندهم: يقتص من المكره والمستكره؛ لأن المستكره وجد منه القتل حقيقة، والمكره متسبب في القتل، والمتسبب كالمباشر كما ثبت شرعاً.\rويظهر أن الرأي الأول أرجح الآراء، وهو مذهب أبي حنيفة.\rوأما إذا كان الإكراه ناقصاً فيجب القصاص على المستكره بلا خلاف؛ لأن الإكراه الناقص لا يسلب الاختيار، فلا يمنع وجوب القصاص (1) .\rوأما الدية حال الإكراه: ففي وجوبها روايتان عند الحنفية أرجحها أنها تجب على المكره.\rوأما الإرث: فلا يمنع منه المستكره الذي أكره على قتل مورثه عند أئمة الحنفية ما عدا زفر.\rوالمستكره على قطع يد إنسان إذا قطعهما يجري فيه الخلاف المذكور في الإكراه على القتل.\r-------------------------------\r(1) المراجع السابقة، مغني المحتاج: 7/2، 289/3، قواعد الأحكام: 132/2، القواعد لابن رجب: ص 287، المغني: 645/7.","part":6,"page":266},{"id":3862,"text":"فإذا أذن المجني عليه للمستكره بقطع يده أو قتله، فلا يباح له الفعل؛ لأن هذه الجنايات لا تباح بالإذن. فإن تم القطع في هذه الحالة، فلا ضمان على أحد، لوجود الإذن من جهة المجني عليه، وأما في القتل فلا عبرة بالإذن، وتجب حينئذ الدية على المكره، كما في ظاهر الرواية. وفي رواية: لا تجب (1) .\r2 ً ـ الإكراه على الزنا: الإكراه على الزنا إما أن يقع على المرأة أو على الرجل.\rفإذا أكرهت المرأة على الزنا: فلا يقام عليها الحد عند جمهور الفقهاء، سواء أكان الإكراه تاماً أم ناقصاً، لقوله تعالى: {ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصناً لتبتغوا عرض الحياة الدنيا ومن يكرههن فإن الله من بعد إكراههن غفور رحيم} [النور:33/24] فدلت الآية على انتفاء الإثم عن المرأة المكرهة على الزنا، وإذا انتفى الإثم عنها ارتفع الحد.\rوإذا أكره الرجل على الزنا إكراهاً تاماً أو ناقصاً، فالمختار عند الحنابلة وجوب الحد عليه؛ لأن الزنا لا يتحقق إلا بانتشار العضو، والانتشار لا يكون مع الخوف، فحيث يوجد الانتشار، توجد الطواعية في الفعل، فيكون المستكره على الزنا إذا حدث منه طائعاً ، فيجب عليه الحد.\rوالواقع أن الانتشار طبيعي ليس دليلاً على الاختيار؛ لأن الانتشار الطبيعي عند مقابلة المرأة، ولذا يحدث للنائم ولا اختيار له.\rوقال الشافعية في المعتمد عندهم: لا يجب الحد على المستكره على الزنا سواء أكان الإكراه تاماً أم ناقصاً؛ لأن الإكراه أياً كان نوعه يورث شبهة، والحدود تدرأ بالشبهات.\r-------------------------------\r(1) البدائع: 180/7، مجمع الضمانات: ص 204-205، اللباب شرح الكتاب: 112/4، مختصر الطحاوي: ص 409 ومابعدها.","part":6,"page":267},{"id":3863,"text":"وأما الحنفية: فكان أبو حنيفة يرى وجوب الحد على المستكره على الزنا، ثم قال: إذا كان الإكراه تاماً ـ وهو الذي يتحقق فقط من السلطان بحسب عرف زمانه ـ فلا يجب الحد. وأما إكراه غير السلطان فيوجب الحد. وقال الصاحبان: لا يجب الحد حالة الإكراه التام، سواء أكان الإكراه من السلطان أم من غيره، ورأيهما هو الأرجح عند الحنفية. وهو رأي أبي حنيفة أخيراً.\rوإن كان الإكراه ناقصاً: فيجب الحد عند أبي حنيفة وصاحبيه؛ لأن الإكراه الناقص لا يسلب الاختيار، فيكون الزاني في هذه الحالة مختاراً، فيحد.\rوالخلاصة: إن الحنفية لا يوجبون الحد في حالة الإكراه التام، ويوجبونه في حالة الإكراه الناقص.\rوقال المالكية: إن كان الرجل والمرأة مكرهين على الزنا فيجب الحد. وإن كانت المرأة طائعة ولم تكن ذات زوج، فقد أسقطت حقها برضاها، فلم يبق سوى حق الله تعالى، وحق الله يسقط بالإكراه، فلا يجب الحد عند بعض المالكية إذا كان التهديد بالقتل. أما بغير القتل فيجب الحد، وهذا هو المفتى به. والمشهور في المذهب: وجوب الحد على الرجل والمرأة.\rوكذلك يحد المكره على الزنا في مذهب الحنابلة.\rوالذي يظهر هو رجحان مذهب الشافعية؛ لأن الحدود تدرأ بالشبهات (1) .\rالإكراه على أحد أمرين: كل ما ذكر إذا كان التصرف الحسي المكره عليه معيناً، فإن كان المكره عليه مخيراً فيه: فبالنسبة للحكم الأخروي يظل المباح\r-------------------------------\r(1) البدائع: 180/7، تكملة فتح القدير: 306/7، مختصر الطحاوي: ص 410، الدر المختار: 95/5، تبيين الحقائق: 189/5، بحث الإكراه للأستاذ البرديسي: ص 56 ومابعدها، الشرح الكبير للدردير وحاشية الدسوقي عليه: 318/4، المغني: 251/5.","part":6,"page":268},{"id":3864,"text":"والمرخص فيه والحرام كما هو في حالة التعيين، ولكن عليه اختيار الأخف، فإذا أكره إنسان على أكل ميتة أو قتل مسلم، يباح له الأكل، ولا يرخص له القتل، ولو امتنع من الأكل حتى قتل يأثم. ولو أكره على إتلاف مال إنسان أو قتله رخص له الإتلاف.\rولو أكره على القتل أو الزنا ،لا يرخص له أن يفعل أحدهما،ولا يأثم إذا قتل.\rولو أكره على القتل أو الكفر، يرخص له إجراء كلمة الكفر إذا كان قلبه مطمئناً بالإيمان.\rوأما بالنسبة للحكم الدنيوي: فقد يختلف الحكم بالتخيير عن حالة التعيين، فلو أكره على أكل الميتة أو قتل المسلم، فلم يأكل وقتل، يجب القصاص على المستكره عند الحنفية؛ لأنه أمكنه دفع الضرورة بتناول المباح، فكان القتل حاصلاً باختياره.\rولو أكره على الكفر أو القتل، فقتل ولم يكفر بلسانه، فالقياس: أنه يجب عليه القصاص؛ لأنه اختار القتل الذي هو حرام على المرخص فيه، ومقتضى الاستحسان. أنه لا قصاص عليه، ولكن تجب عليه الدية، إن لم يكن عالماً أنه مرخص له بلفظ الكفر (1) .\rالمبحث الرابع ـ أثر الإكراه في التصرفات الشرعية: (أي في التصرفات القولية أو التصرفات القانونية ) .\rأبدأ الكلام على التصرفات الشرعية المعينة وأقول:\rالتصرفات الشرعية المعينة إما أن تكون إنشاء أو اقراراً. والتصرفات الإنشائية نوعان: نوع لا يحتمل الفسخ، ونوع يحتمل الفسخ.\r-------------------------------\r(1) راجع البدائع: 181/7","part":6,"page":269},{"id":3865,"text":"أما التصرفات التي لا تحتمل الفسخ: فهي كالطلاق والنكاح والظهار واليمين والعفو عن القصاص. وقد أوصلها بعض الحنفية إلى عشرين، والتحقيق أنها خمسة عشر (1) .\rوأما التصرفات التي تحتمل الفسخ: فهي كالبيع والإجارة ونحوهما من كل تصرف يعتبر سبباً للملك.\rأولاً ـ التصرفات التي لا تحتمل الفسخ (أي الرد، وهي التصرفات اللازمة ) :\rيرى الحنفية أنه لا تأثير للإكراه على التصرفات الشرعية التي لا تحتمل الفسخ أي الرد، ولا يشترط فيها الرضا، فتعتبر هذه التصرفات نافذة مع الإكراه؛ لأنها لا تقبل الفسخ، فتصبح لازمة. فلو أكره الرجل على الطلاق أو النذر أو اليمين أو الظهار أو النكاح أو الرجعة، أو الإيلاء أو الفيء فيه باللسان، أو العفو عن القصاص، وقع المكره عليه؛ لأنها تصرفات يستوي فيها الجدل والهزل، والإكراه في معنى الهزل لعدم القصد الصحيح للتصرف فيهما، والأصل فيه حديث حذيفة ابن اليمان رضي الله عنه، وهو «أن المشركين لما أخذوه واستحلفوه على أن لا ينصر رسول الله صلّى الله عليه وسلم في غزوة، فحلف مكرهاً، ثم أخبر به رسول الله صلّى الله عليه وسلم ، فقال: أوف لهم بعهدهم ونحن نستعين بالله عليهم» وقد أخرج عبد الرزاق في\r-------------------------------\r(1) راجع الدر المختار ورد المحتار عليه: 96/5.","part":6,"page":270},{"id":3866,"text":"مصنفه عن ابن عمر أنه أجاز طلاق المكره (1) . ويؤيده عموم قوله تعالى: {فإن طلقها فلا تحل له من بعد} [البقرة:230/2] الآية.\rوالخلاصة: أن هذه التصرفات تصح وتلزم من المستكره.\rويرى جمهور الأئمة غير الحنفية أن الإكراه يؤثر في هذه التصرفات، فيفسدها، فلا يقع طلاق المكره مثلاً، لا يثبت عقد النكاح بالإكراه ونحوهما. وهذا هو الأرجح.\rواستدلوا بأن الله تعالى لما لم يرتب على التلفظ بالكفر حالة الإكراه أثراً في قوله تعالى: {إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان} [النحل:106/16] فلا يترتب على أي تصرف قولي مع الإكراه أي أثر.\rوقد ثبت في السنة أن خنساء بنت خزام الأنصارية زوجها أبوها وهي ثيب، فكرهت ذلك، فأتت رسول الله صلّى الله عليه وسلم ، فرد نكاحها (2) ، ويؤيدها حادثة أخرى وهي أن فتاة زوجها أبوها من ابن أخيه وهي كارهة، فجعل رسول الله صلّى الله عليه وسلم الأمر إليها (3).\r-------------------------------\r(1) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه عن ابن عمر (نصب الراية: 222/3).\r(2) رواه البخاري عن خنساء بنت خزام (نصب الراية: 191/3).\r(3) أخرجه النسائي وأحمد عن عائشة بلفظ: « إن فتاة دخلت عليها، فقالت: إن أبي زوجني من ابن أخيه يرفع بي خسيسته (أي دنا ءته) وأنا كارهة، قالت: اجلسي حتى يأتي رسول الله صلّى الله عليه وسلم ، فجاء رسول الله صلّى الله عليه وسلم فأخبرته، فأرسل إلى أبيها، فدعاه، فجعل الأمر إليها، فقالت: يارسول الله ، قد أجزت ما صنع أبي، ولكن أردت أن أعلم النساء، أن ليس للآباء من الأمر شيء» قال البيهقي: هذا مرسل. ويؤيده خبر آخر في موضوعه، رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه مرسلاً عن ابن عباس(راجع سبل السلام: 122/3، نصب الراية، المرجع السابق: ص 192).","part":6,"page":271},{"id":3867,"text":"وقال صلّى الله عليه وسلم : «لا طلاق في إغلاق» (1) وفسر الشافعي الإغلاق بالإكراه، وقال عليه السلام أيضاً: «إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه» (2) أي رفع حكم الإكراه وغيره. ثم إن هذه التصرفات لا تصح مع الإكراه حتى لا يترتب عليها زوال حقوق الناس وأملاكهم بدون رضاهم.\rوبناء عليه قال الشافعية:إن طلاق المستكره وعتاقه وبيعه وإجارته ونكاحه ورجعته وغيرها من التصرفات لا تصح؛ لأن رفع حكم الإكراه إنما يكون بانعدام الحكم المتعلق به، كوقوع الطلاق، وصحة البيع والنكاح.\rوأما وجوب القصاص عندهم على القاتل المستكره، فيستثنى من عموم الصيغة، تعظيماً لأمر الدم، فإنه لا سبيل إلى استباحته، وتجب رعاية حرمته (3) .\rوأما حديث: «ثلاث جدهن جد وهزلهن جد: النكاح والطلاق والرجعة» (4) الذي تمسك به الحنفية فهو ضعيف على الأرجح، وأما حديث حذيفة فهو حديث مكذوب كما قال ابن حزم.\rوأما ما روي عن ابن عمر أنه أجاز طلاق المكره، فيقدح فيه ما رواه ابن حجر في فتح الباري أن عبد الرزاق أخرج عن ابن عمر عدم جواز طلاق المكره في قصة ثابت الأعرج، ويؤيده أن عدم جواز طلاق المكره روي عن ابن عمر في سنن البيهقي، وفي صحيح البخاري، وفي موطأ مالك.\rوأما ما استدل به الحنفية من عموم قوله تعالى: {فإن طلقها فلا تحل له من بعد} [البقرة:230/2] فهو معارض لقوله تعالى: {ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم} [البقرة:225/2] والمستكره لم يطلق قط، بل إن حديث «لا طلاق في إغلاق» يقيد إطلاق آية الطلاق، حتى على مذهب الحنفية القائلين بأن هذا الحديث ظني، والظني لا يقيد القطعي؛ لأن هذه الآية قيدت بحديث مشهور وهو قوله صلّى الله عليه وسلم: «رفع القلم عن ثلاث: عن الصبي حتى يكبر (أو\r-------------------------------\r(1) رواه أبو داود وابن ماجه والحاكم وقال: على شرط مسلم، ولفظه: «لا طلاق ولا عتاق في إغلاق» قال أبو داود: أظنه الغضب ـ يعني الإغلاق ـ وقال ابن قتيبة: الإغلاق. وقال بعضهم: الصحيح أنه يعم الإكراه والغضب والجنون، وكل أمر انغلق على صاحبه علمه وقصده (راجع نصب الراية: 223/3).\r(2) رواه الطبراني عن ثوبان، ورمز السيوطي لصحته. ( راجع الفتح الكبير: 35/4 ).\r(3) تخريج الفروع على الأصول: ص 149.\r(4) رواه أصحاب السنن الأربعة إلا النسائي وصححه الحاكم عن أبي هريرة، وفي رواية لابن عدي من وجه آخر ضعيف: «الطلاق والعتاق والنكاح» (راجع سبل السلام: 175/3، الإلمام لابن دقيق العيد: ص 423 وما بعدها، نصب الراية: 293/3 ومابعدها).","part":6,"page":272},{"id":3868,"text":"يعقل أو يحتلم) ، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن المجنون حتى يعقل أو يفيق» (1) فصارت ظنية، فأصبحت بعدئذ صالحة لتقييدها بخبر ظني (2) .\rثانياً ـ التصرفات التي تحتمل الفسخ :\rإذا أكره الإنسان إكراهاً تاماً أو ناقصاً على تصرف يحتمل الفسخ أي يقبل الرد، ويشترط فيه الرضا كالبيع والشراء والهبة والإجارة ونحوها، فإن الإكراه عند جمهور الحنفية يفسده أي أن التصرف نافذ، ولكنه فاسد، وحينئذ يملك المشتري المبيع بالقبض. وسبب الفساد: هو أن الرضا شرط نفاذ هذه التصرفات، والإكراه يعدم الرضا، وانتفاء الشرط يترتب عليه انتفاء المشروط، وهو النفاذ، فيفسد التصرف. وعليه يكون بيع المستكره وإجارته وهبته فاسدة، ولكن للمستكره بعد زوال الإكراه الخيار بين إمضاء التصرف وفسخه؛ لأن الرضا كما ذكرت شرط لصحة هذه التصرفات.\rوقال المالكية وزفر من الحنفية: تعتبر هذه التصرفات بالإكراه موقوفة؛ لأن الرضا شرط في صحة العقد، لا في انعقاده، حتى لو أجاز المستكره ما أكره عليه بعد زوال الإكراه أصبح العقد صحيحاً، ولو كان العقد فاسداً لما جاز ؛ لأن الفاسد لا يجوز بالإجازة، ولا يرتفع الفساد بالإجازة كسائر البيوع الفاسدة، فأشبه بيع الفضولي، وبما أنه بيع موقوف، لا يثبت به الملك بالقبض.\r-------------------------------\r(1) رواه أحمد وأصحاب السنن الأربعة إلا الترمذي وصححه الحاكم، وأخرجه ابن حبان عن عائشة، ورواه بعضهم عن علي وعمر ابن عباس وأبي هريرة وغيرهم (مجمع الزوائد: 251/6، سبل السلام: 180/3، الإلمام: ص 66، 421.\r(2) راجع البدائع: 182/7 ومابعدها، تكملة فتح القدير: 303/7، تبيين الحقائق: 5-188، الدر المختار: 96/5، مجمع الضمانات: ص 206، المحلى: 383/8 ومابعدها، مغني المحتاج: 289/3، الشرح الكبير للدردير: 367/2، المغني: 118/7، بحث الإكراه للأستاذ البرديسي ـ القسم الثاني: ص 2 ومابعدها.","part":6,"page":273},{"id":3869,"text":"والخلاصة: إن أبا حنيفة وصاحبيه ذهبوا إلى أن الإكراه يفسد العقد إفساداً فقط، لا إبطالاً، وتترتب عليه الأحكام المقررة لفساد العقود إلا من ناحية واحدة، وهي أنه بعد زوال الإكراه، لو أجاز المستكره العقد، صح هذا العقد، ويصبح ملزماً؛ لأن الفساد إنما كان صيانة لمصلحته الخاصة لا لمصلحة عامة. وأما زفر فيجعل العقد غير نافذ كعقد الفضولي، فهو صحيح موقوف بالنسبة للمستكره، ويتوقف على إجازته بعد زوال الإكراه، وبما أن هذا العقد يجوز ويلزم بالإجازة، فهذا دليل على كون العقد موقوفاً لا فاسداً؛ لأن العقد الفاسد يفسخ فسخاً ولا يجاز إجازة. ويلاحظ أن دليل زفر أقوى وأوجه، ولكن المعتمد عند الحنفية هو رأي الإمام وصاحبيه (1) .\rوقال باقي الفقهاء: تعتبر هذه التصرفات مع الإكراه باطلة غير صحيحة (2) .\rمثاله: حالة الإكراه على البيع سواء أكان تاماً أم ناقصاً.\r-------------------------------\r(1) راجع المدخل الفقهي للأستاذ الزرقاء: ص 364.\r(2) البدائع: 186/7، تكملة فتح القدير: 293/7 ومابعدها، الكتاب مع اللباب: 108/4، تبيين الحقائق: 182/5، الدر المختار ورد المحتار: 89/5 ومابعدها، المحلى: 380/8، غاية المنتهى: 5/2، بحث الإكراه للأستاذ البرديسي ـ القسم الثاني: ص 25.","part":6,"page":274},{"id":3870,"text":"وبه يلاحظ أن للعلماء في حكم بيع المستكره أربعة مذاهب:\r1 - ذهب أبو حنيفة وصاحباه إلى فساد بيع المكره عملاً بعمومات نصوص البيع، ولا فرق بين فساد البيع بسبب الجهالة أو الربا أو غيرهما وبين فسا ده بالإكراه،لعدم توافر الرضا إلا في أن المستكره له حق إجازة العقد بعد زوال الإكراه، كما له حق الفسخ مطلقاً، فيسترد المبيع الذي أكره على بيعه، ولو تداولته الأيدي كأن تصرف المشتري به، صيانة لمصلحته ومحافظة على إرادته ورضاه. أما بقية البيوع الفاسدة فلا تلحقها الإجازة؛ لأن فسادها لحق الشرع من حرمة الربا ونحوه، كما أنه إذا تصرف المشتري الجديد بالمبيع نفذ تصرفه، وليس للبائع الأصلي حق الفسخ نظراً لتعلق حق المشتري الجديد بالمبيع، وحق العبد مقدم على حق الله ، لاستغناء الله واحتياج العبد.\r2 - وذهب زفر من الحنفية إلى أن بيع المستكره موقوف.\r3 - وقرر المالكية أن بيع المستكره غير لازم أي أن للعاقد المكره الخيار في إمضاء العقد أو فسخه، وهذا يتفق مع ما ذكره القدوري الحنفي في بيان حكم بيع المستكره وشرائه وإقراره.\r4 - وذهب الشافعية والحنابلة والظاهرية إلى بطلان بيع المستكره.\rأثر الإكراه على الإقرارات :\rتحدثت عن أثر الإكراه في التصرفات الإنشائية، وأذكر هنا أثر الإكراه في الإقرارات. إذا أكره رجل بغير حق على أن يقر بشيء، ففي هذا الإقرار للفقهاء مذهبان:\r1 - مذهب الحنفية والشافعية والحنابلة والظاهرية: يقرر إلغاء الإقرار وعدم ترتب أي أثر عليه، سواء أكان المقر به مما يحتمل الفسخ كالبيع والإجارة، أم مما لا يحتمل الفسخ كالطلاق والرجعة.\rاستدل الحنفية بأن الإقرار خبر يحتمل الصدق والكذب، إلا أنه يصح الإقرار حالة الاختيار؛ لأن الإنسان غير متهم على نفسه، ولم يصح حالة الإكراه، لترجح جانب الكذب بسبب وجود التهديد.","part":6,"page":275},{"id":3871,"text":"واستدل غير الحنفية بحديث «إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه» فلفظ «ما» في الحديث يفيد العموم، فيكون حكم كل تصرف أكره عليه الإنسان مرفوعاً، والإقرار تصرف من التصرفات، فيكون حكمه مرفوعاً عند الإكراه، فلا يترتب عليه أي أثر من آثاره.\r2 - مذهب المالكية يقرر عدم لزوم إقرار المستكره بغير حق، أي أن المستكره بعد زوال الإكراه مخير بين أن يجيز الإقرار وبين ألا يجيز.\rواستدلوا بأن إقرار المستكره كطلاقه بجامع عدم الرضا في كل، فكما لا يلزم طلاق المستكره لا يلزم إقرار المستكره.\rوأما الإقرار مكرهاً بالزنا أو شرب الخمر أو السرقة أو القذف أو القتل، فإنه يعتبر ملغياً، ولا يقام عليه حد ولا قصاص عند أغلب الفقهاء، ومنهم المالكية؛ لأن الإكراه شبهة، والحدود تدرأ بالشبهات (1) .\rأثر الإكراه في التصرفات الشرعية المخير فيها :\rعرفنا أن التصرفات الشرعية إما أن تكون قابلة للفسخ أو غير قابلة للفسخ.\rأما التصرفات الشرعية التي لا تحتمل الفسخ والمخير فيها بالإكراه، فللفقهاء في حكمها رأيان:\rالأول ـ رأي الشافعية: وهو أنهم يشترطون تعيين الشيء المكره عليه، فلا إكراه مع التخيير، وتكون التصرفات المخير فيها التي لا تقبل الفسخ نافذة.\rالثاني ـ رأي جمهور الأئمة: وهو أنهم يقولون: لا يشترط التعيين في المكره عليه، فالإكراه باق مع التخيير، ويترتب على الإكراه أثره في التصرفات الشرعية المخير فيها التي لا تحتمل الفسخ بحسب المقرر في كل مذهب، كما تقدم.\r-------------------------------\r(1) البدائع: 189/7 ومابعدها، تكملة فتح القدير: 265/7، تبيين الحقائق: 182/5، الدر المختار: 89/5، مجمع الضمانات: ص 206، الشرح الكبير للدردير: 397/3، المغني: 196/8، حاشية الباجوري: 4/2، بحث الإكراه للبرديسي ـ القسم الثاني: ص 44 ومابعدها.","part":6,"page":276},{"id":3872,"text":"فإذا أكره إنسان على أن يطلق امرأته المدخول بها أو امرأته غير المدخول بها وطلق إحدى المرأتين: لم يعتبر الإكراه عند الشافعية، ويقع الطلاق؛ لأنه وجدت قرينة على الاختيار فيما أتى به.\rوعند بقية الأئمة: يعتبر الإكراه، ولكنهم فصلوا في وقوع الطلاق أي ترتيب أثر الإكراه، فعند الحنفية: يقع الطلاق إذ لا أثر للإكراه عندهم في التصرفات القولية التي لا تحتمل الفسخ. وفي المعتمد عند المالكية: لا يلزم الطلاق، وللمستكره بعد زوال الإكراه حق إجازة الطلاق. وعند الحنابلة: يقع الطلاق؛ لأن التخيير كالتعيين عندهم.\rوأما التصرفات الشرعية المخير فيها التي تحتمل الفسخ، فكذلك للفقهاء في أثر الإكراه فيها رأيان:\rالأول ـ رأي الشافعية القائلين بأنه لا إكراه مع التخيير. الثاني ـ رأي باقي الأئمة الذين يقولون بأنه لا مانع من وجود الإكراه مع التخيير.\rمثلاً : إذا أكره الرجل على بيع إحدى العمارتين المملوكتين له، فباع إحداهما، كان البيع نافذاً عند الشافعية لانعدام الإكراه هنا.\rوعند باقي الأئمة: يترتب على الإكراه أثره كما في حالة التعيين. وبناء عليه يكون بيع إحدى العمارتين باطلاً عند الحنابلة والظاهرية، وفاسداً عند جمهور الحنفية، وموقوفاً عند المالكية وزفر. وأدلة كل منهم تعرف في مثال الإكراه على البيع السابق ذكره (1) .\r-------------------------------\r(1) المراجع السابقة في بحث الإكراه في التصرفات القابلة للفسخ، مغني المحتاج: 289/3، الشرح الكبير للدردير وحاشية الدسوقي عليه: 367/2، بحث الإكراه للبرديسي ـ القسم الثاني: ص 60 ومابعدها.","part":6,"page":277},{"id":3873,"text":"الفَصْلُ الثَّامن عَشَر: الحَجْر\rالكلام عن الحجرفي مباحث أربعة:\rأولها ـ في تعريف الحجر ومشروعيته وحكمة تشريعه.\rوثانيها ـ في أسباب الحجر.\rوثالثها ـ في رفع الحجر.\rورابعها ـ تعلق الدين بالتركة.\rالمبحث الأول ـ تعريف الحجر ومشروعيته وحكمة تشريعه ونوعاه :\rأولاً ـ تعريف الحجر: الحَجْر في اللغة: المنع والتضييق، يقال: حجر عليه حجراً أي منعه من التصرف، ومنه سمي الحرام: حِجْراً، قال تعالى: {ويقولون حجراً محجوراً} [الفرقان:22/25] أي حراماً محرماً، وسمي العقل حجراً، قال تعالى: {هل في ذلك قسم لذي حِجْر} [الفجر:5/89] أي عقل؛ لأنه يمنع صاحبه من ارتكاب ما يقبح من المفاسد وتضر عاقبته، وسمي الحطيم حِجْراً لأنه منع من الكعبة، وقطع منها، كما منع من أن يدخل في الحرم. والحَجْر في الشريعة: هو منع الإنسان عن التصرف في ماله. ويقابله الإذن وهو فك الحجر وإسقاط حق المنع (1) وللحجر تعاريف متقاربة عند الفقهاء هي مايأتي:\rقال الحنفية (2) : الحجر: هو المنع من لزوم العقود والتصرفات القولية. فإذا باشر المحجور عقداً أو تصرفاً قولياً كالبيع أو الهبة لا ينفذ أي لا يلزم، ولا يترتب عليه حكمه، فلا يملك بالقبض. وكون الحجر من التصرفات القولية؛ لأنها هي التي يتصور الحجر فيها بالمنع من نفاذها، أما الأفعال فلا يتصور الحجر فيها؛ لأن الفعل بعد وقوعه لا يمكن رفعه، بخلاف القول، فإنه يمكن رفعه بمنع انعقاده شرعاً أو منع نفاذه. وللحنفية تعريف آخر أدق: وهو عبارة عن منع مخصوص متعلق بشخص مخصوص،عن تصرف مخصوص أو عن نفاذه، أي لزومه؛ لأن عقد المحجور ينعقد موقوفاً (3) .\rفالحجر على الصغير أو المجنون قد يجعل تصرفه غير منعقد أصلاً، كما إذا كان ضرراً محضاً، كطلاق زوجته، وقد يجعله موقوفاً على إجازة الولي كالبيع والشراء من المميز، أما إذا كان لا يعقل أصلاً فتصرفه باطل.\r-------------------------------\r(1) تبيين الحقائق: 203/5، الدر المختار ورد المحتار: 108/5.\r(2) الدر المختار: 99/5، تبيين الحقائق: 190/5، اللباب: 66/2.\r(3) رد المحتار: 99/5.","part":6,"page":278},{"id":3874,"text":"وأما الحجر على الأفعال، فلا يفيد، ويكون كل من الصبي والمجنون ضامناً لما يتلفه من مال غيره، ويؤخذ ثمنه من ماله إن كان له مال، ويطالب بالأداء وليه أو وصيه؛ لأن الضمان من خطاب الوضع، وهو لا يشترط فيه التكليف أو التمييز، لكن لا يطبق عليهما العقاب البدني كالحدود والقصاص، لعدم توافر القصد الصحيح، وإنما تجب عليهما الدية في حال القتل، لأنه يعتبر منهما خطأ.\rوعرفه الما لكية (1) بأنه صفة حكمية ـ أي يحكم بها الشرع ـ توجب منع موصوفها من نفوذ تصرفه فيما زاد على قوته، أو تبرعه بما زاد على ثلث ماله. فشمل الأول: الحجر على الصبي والمجنون والسفيه والمفلس ونحوهم، فإنهم يمنعون من التصرف بالبيع أو التبرع فيما زاد على قوتهم ويكون تصرفهم موقوفاً على إجازة الولي. وشمل الثاني: الحجر على مريض الموت والزوجة، فإنهما لا يمنعان من البيع والشراء، وإنما يمنعان من التبرع فيما يزيد عن ثلث مالهما.\rوعرفه الشافعية والحنابلة (2) : بأنه المنع من التصرفات المالية. سواء أكان المنع من الشرع كمنع الصغير والمجنون والسفيه، أم من الحاكم كمنع المشتري من التصرف في ماله حتى يؤدي الثمن الحال الذي عليه. ولا يمنع المحجور (السفيه والمفلس والمريض) من التصرفات غير المالية، كالتصرف بالطلاق والإقرار بما يوجب العقوبة، وكالعبادة البدنية واجبة أو مندوبة، وتنفذ منه العبادة المالية الواجبة كالحج، دون المندوبة. لكن الصبي والمجنون لا يصح تصرفهما في شيء مطلقاً من الأموال والذمم والأحوال الشخصية من زواج وطلاق.\r-------------------------------\r(1) حاشية الصاوي على الشرح الصغير: 381/3.\r(2) مغني المحتاج: 165/2، المغني: 456/4، كشاف القناع: 404/3.","part":6,"page":279},{"id":3875,"text":"ثانياً ـ دليل مشروعية الحجر :\rورد في القرآن الكريم آيات ثلاث تدل على مشروعية الحجر من حيث المبدأ، أولها قوله تعالى: {ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياماً وارزقوهم فيها واكسوهم وقولوا لهم قولاً معروفاً} [النساء:5/4] نهى الله تعالى فيها الأولياء عن إعطاء السفهاء أموالهم؛ لأن في إعطائهم تعريضاً لضياعها، فدل النص على منعهم من التصرف في أموالهم، وهو معنى الحجر عليهم.\rوالآية الثانية قوله تعالى: {وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشداً فادفعوا إليهم أموالهم} [النساء:6/4] أمر الله تعالى باختبار اليتامى في حفظ أموالهم، بأن يدفع لهم شيء من أموالهم، لمعرفة خبرتهم في التصرفات، فإن آنس منهم الرشد قبل البلوغ، سلموا أموالهم، فدل النص على منع دفع أموالهم إليهم، قبل الرشد، وحجرهم عنها، حتى لا يتصرفوا فيها.\rوالآية الثالثة قوله سبحانه: {فإن كان الذي عليه الحق سفيهاً أو ضعيفاً أو لا يستطيع أن يمل هو فليملل وليه بالعدل} [البقرة:282/2] فسَّر الشافعي رضي الله عنه السفيه بالمبذر، والضعيف بالصبي، والكبير بالمختل، والذي لا يستطيع أن يمل بالمغلوب على عقله، فأخبر الله تعالى أن هؤلاء ينوب عنهم أولياؤهم، فدل على ثبوت الحجر عليهم. وثبت في السنة الصحيحة أن النبي صلّى الله عليه وسلم حجر على معاذ ماله وباعه في دين كان عليه (1) .وحجر عثمان بسبب التبذير على عبد الله بن جعفر (2) .\r-------------------------------\r(1) رواه الدارقطني والبيهقي والحاكم وصححه عن كعب بن مالك (نيل الأوطار: 244/5 ومابعدها).\r(2) رواه الشافعي في مسنده عن عروة بن الزبير: (نيل الأوطار: 245/5).","part":6,"page":280},{"id":3876,"text":"ثالثاً ـ حكمة تشريع الحجر :\rليس في الحجر إهدار حقيقي لكرامة الإنسان، وإنما هو رحمة ومصلحة وصون وتعاون، فهو رحمة بالمحجور عليه حتى يوفر له ماله في وقت تكثر فيه مسؤولياته، وتتعدد واجباته، فلا يواجه الحياة بوجه عبوس مقطب، ولا تتراكم عليه الهموم والمشكلات، ولا تصادمه الصعاب والمشاق، وإنما يجد في ماله سبيلاً للنجاة، والعيش الكريم، وشق طريق الحياة، وهو صون لماله من عبث العابثين، وحد لهوى النفس بالإنفاق في وجوه غير صحيحة.\rوهو مصلحة للفرد والمجتمع ودفع للضرر عنهما، بتدريب المحجور وتوفير الخدمة اللازمة له بالتصرفات وممارسة شؤون التجارات، حتى لا يصبح عالة على المجتمع، وكيلا تبدد الأموال. وهو عون ضروري من الكبير الراشد ليتيم قاصر مثلاً للأخذ بيده في سفينة الحياة، ولتثمير ماله، والإنفاق منه على الأمور الضرورية له، والبعد عن الأوجه المتنوعة للصرف فيما لا يحق النفع والخير له. فالمحجور عليه إن كان صغيراً أو مجنوناً أو معتوهاً، هو ناقص العقل ليس أهلاً لتقدير المصلحة، ولا يتصور منه الرضا الصحيح، ولا القصد والاختيار. فالحجر عليه إنما كان لعجزه عن التصرف في ماله على وجه المصلحة حفظاً لماله عليه. وإن كان سفيهاً مبذراً لأمواله هو متلف له ومضيعة في غير الوجوه النافعة.\rوإن كان مغفلاً فلا يهتدي إلى التصرفات الرابحة، وإنما يغبن في البيوع ويتضرر بها.\rوإن كان مديناً فلا بد من رعاية حق الدائنين في أموالهم وحفظ مصالحهم وعدم إضاعتها دفعاً للضرر عنهم، وحتى لا ينضب معين الخير في الناس، ولا ينفر أو يتبرم امرؤ من إقراض غيره قرضاً حسناً ينقذه من ورطات السوء.","part":6,"page":281},{"id":3877,"text":"لذا كان الحجر محققاً لمصلحة المحجور عليه نفسه بحفظ ماله وحقوقه، ولمصلحة المجتمع أيضاً بإيصاد منافذ العوز والفاقة والفقر؛ لأن المال عصب الحياة، فيجب إنفاقه في غير إسراف ولا تبذير لقوله تعالى: {إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين} [الإسراء:27/17].\rوقد أوصى الله الأولياء والأوصياء عن اليتامى والمساكين بضرورة الإشراف على شؤونهم بالحق والعدل والمعروف، إذ أنه ربما ترك الإنسان ذرية ضعافاً يحتاجون لمعاونة غيرهم لهم، فقال سبحانه: {وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافاً خافوا عليهم فليتقوا الله وليقولوا قولاً سديداً ، إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً إنما يأكلون في بطونهم ناراً وسيصلون سعيراً} [النساء:9/4-10] وروى الإمام أحمد والنسائي وأبو داود وغيرهم عن ابن عباس قال: لما نزلت {ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن} [الإسراء:34/17] عَزَلوا أموال اليتامى، حتى جَعَل الطعامُ يفسدُ، واللحم ينتُن، فذكر ذلك للنبي صلّى الله عليه وسلم فنزلت: {وإن تخالطوهم فإخوانكم والله يعلم المفسد من المصلح} [البقرة:220/2] وأوجب الحق تبارك وتعالى اختبار الأيتام قبل دفع أموالهم إليهم، فقال: {وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشداً فادفعوا إليهم أموالهم} [النساء:6/4].\rومنع القرآن الكريم من إيتاء السفيه ماله حرصاً على مصلحته ولمصلحة الناس، فقال تعالى: {ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياماً} [النساء:5/4].\rوثبت في السنة كما ذكرت الحجر على المدين، دفعاً للضرر عن الدائنين، كما ثبت عن عثمان الحجر على المبذر، حفظاً لماله من الضياع. وروى الدارقطني عن كعب بن مالك: «أن النبي صلّى الله عليه وسلم حجر على معاذ ماله، وباعه في دين عليه» وروى الشافعي في مسنده عن عروة بن الزبير أن عثمان حجر على عبد الله بن جعفر بسبب تبذيره.","part":6,"page":282},{"id":3878,"text":"رابعاً ـ تقسيم الحجر بحسب نوع المصلحة :\rالحجر بحسب نوع المصلحة المقصودة منه نوعان (1) :\rالأول ـ حجر لمصلحة المحجور عليه: وهو كحجر المجنون والصغير والسفيه والمبذر، إذ فائدة الحجر لا تتعداهم، فقد شرع لمصلحتهم أنفسهم.\rالثاني ـ حجر لمصلحة الغير: وهو كحجر المدين المفلس لحق الغرماء (الدائنين)، ومريض الموت لحق الورثة فيما زاد عن ثلث التركة حيث لا دين، وحجر الراهن بعدم لزوم الرهن لحق المرتهن في العين المرهونة، فقد شرع الحجر لصالح غير المحجور عليه.\rالمبحث الثاني ـ أسباب الحجر :\rللحجر أسباب كثيرة، منها ما هو متفق عليه كالحجر بسبب الصغر والجنون والعته،لفقد الأهلية أو نقصها. ومنها ما هو مختلف فيه كالحجر بسبب السفه والغفلة والدين، وسبب الخلاف راجع لا لقصور الأهلية، وإنما لدفع الضرر عنهم وعن الناس.\rوالحجر بسبب الرق متفق عليه، فالرقيق محجور عن التصرف في ملك غيره إلا بإذنه، لكونه ليس أهلاً للملك.\rويختلف أثر الحجر في تصرفات المحجور عليه باختلاف سببه، ويظهر الاختلاف في المطالب الآتية:\rالمطلب الأول ـ أثر الحجر في تصرفات الصغير :\rالصغر طور يمر به كل إنسان، يبدأ من حين الولادة إلى البلوغ، وقد أجمع العلماء على وجوب الحجر على الأيتام الذين لم يبلغوا الحُلُم (2) ، لقوله تعالى: {وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح} [النساء:6/4] ولعدم توافر أهلية التصرف لعدم اكتمال الإدراك اللازم لتقدير مايترتب على التصرفات.\rوقد اختلف الفقهاء في حكم تصرفات الصغير وفي أمور أخرى متعلقة به.\rأولاً ـ آراء الفقهاء في حكم تصرفات الصغير أو أثر الحجر عليه :\rللفقهاء مذاهب في أثر الحجر على الصغير، فيرى الحنفية والمالكية ضرورة التفرقة بين المميز وغير المميز، ولم يفرق الشافعية والحنابلة بينهما.\r-------------------------------\r(1) مغني المحتاج: 165/2، كشاف القناع: 404/3 ومابعدها.\r(2) بداية المجتهد: 275/2.","part":6,"page":283},{"id":3879,"text":"1- قال الحنفية والمالكية (1) : الصغير إما مميز أو غير مميز، وغير المميز: هو الذي لم يتم سن السابعة من العمر. والمميز هو الذي أكمل سن السابعة، لقوله صلّى الله عليه وسلم: «مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين» (2) .\rوالتصرفات إما قولية أو فعلية:\rأما التصرفات الفعلية: وهي الغصوب والإتلافات، فلا أثر لحجر الصبي والمجنون عليها، فيجب على كل منهما ضمان ماأتلف من مال أو نفس، إذ لا حجر على الأفعال، وإنما على الأقوال (3) .\rوأما التصرفات القولية: فإن صدرت من غير مميز فجميع تصرفاته باطلة لفقده أهلية الأداء أو التصرف، إذ لا عقل له ولا تمييز، فلا يعتبر رضاه ولا قصده، سواء أكان التصرف نافعاً له، أو ضاراً به، أو متردداً بين الضرر والنفع، فلا يصح عقده ولا إقراره ولا طلاقه كالمجنون لعدم اعتبار أقوالهما.\rوإن صدرت من مميز فهي ثلاثة أنواع:\rأ ـ التصرف النافع له نفعاً محضاً، كقبوله الهبة أو الوصية، واعتناق الإسلام، يصح منه وينفذ بدون توقف على إجازة وليه أو وصيه، رعاية لجانب نفعه.\r-------------------------------\r(1) الدرا لمختار: 101/5، تبيين الحقائق: 191/5، تكملة الفتح: 310/7 ومابعدها، البدائع: 171/7، اللباب: 67/2، الشرح الكبير: 294/3، 296، الشرح الصغير: 384/3، القوانين الفقهية: ص 320، بداية المجتهد: 278/2.\r(2) رواه أحمد وأبو داود والحاكم عن عبد الله بن عمرو.\r(3) الحجر على الأقوال دون الأفعال، لأنها لا مَردَّ لها لوجودها حساً ومشاهدة، بخلاف الأقوال لأن اعتبارها موجودة بالشرع، لا بالواقع، والقصد شرط لاعتبارها (الهداية مع تكملة الفتح: 311/7).","part":6,"page":284},{"id":3880,"text":"ب ـ التصرف الضار به ضرراً محضاً، كتبرعه بشيء من ماله، أو إقراضه، أو إعارته، أو طلاق زوجته، يبطل منه، ولا ينفذ ولا تصححه إجازة الولي؛ لأن الإجازة لا تلحق الباطل، ومن قواعد الحنفية: «كل طلاق واقع إلا طلاق الصبي والمعتوه» وقد رووه حديثاً، لكنه لم يصح أصلاً (1) .\rجـ ـ التصرف المتردد بين الضرر والنفع، كالبيع والشراء، والإيجار والاستئجار، والزواج، ينعقد منه موقوفاً على إجازة الولي، إذا كان المميز يعقل البيع بأن يعلم أن البيع سالب،والشراء جالب، ويقصده بأن يكون غير هازل؛ لأن تصرفه يحتمل الضرر فإن أجازه نفذ، وإن لم يجزه بطل، وليس له إجازة ما فيه غبن فاحش، والولي بالخيار: إن شاء أجازه إذا كان فيه مصلحة، وإن شاء فسخه.\r2 - وقال الشافعية والحنابلة (2) : تعتبر التصرفات المالية من الصبي مميزاً أو غير مميز باطلة. لكن الشافعية قالوا: لا تصح تصرفات المميز وإن أذن له الولي، ويعتبر إذن الصبي المميز في إذن الدخول وإيصاله الهدية، ويصح إحرامه بإذن وليه، وتصح عبادته، وله إزالة المنكر ويثاب عليه كالبالغ، كما يعتبر إسلامه، كإسلام سيدنا علي رضي الله عنه صغيراً.\rأما الحنابلة فقالوا: يصح تصرف المميز بإذن الولي، وينفك عنه الحجر فيما أذن له فيه من تجارة وغيرها، ويصح إقراره فيما أذن له فيه.\rواتفق المذهبان على تضمين إتلافات الصغير من مال أو نفس، كالحنفية والمالكية. والخلاصة: أنه لا تنفذ عند الحنفية والمالكية عقود الصبي والمجنون ولا إقرارهما، ولا تصح عند الشافعية والحنابلة.\r-------------------------------\r(1) راجع نصب الراية: 161/4.\r(2) مغني المحتاج: 166/2، 170، كشاف القناع: 431/3.","part":6,"page":285},{"id":3881,"text":"ثانياً ـ عدم تسليم الصغير أمواله :\rاتفق العلماء على أنه لا تسلم للصغير أمواله، حتى يبلغ راشداً (1) ؛ لأن الله تعالى علق دفع المال إليه على شرطين: وهما البلوغ والرشد في قوله تعالى: {وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشداً فادفعوا إليهم أموالهم} [النساء:6/4] والحكم المعلق على شرطين لا يثبت بدونهما.\rفإذا بلغ الصغير، فإما أن يبلغ رشيداً أو غير رشيد.\rأ ـ فإن بلغ رشيداً ـ مصلحاً للمال: دفع ماله إليه، وفك عنه الحجر (2) ، لقوله تعالى: {فإن آنستم منهم رشداً فادفعوا إليهم أموالهم} [النساء:6/4] وفي سنن أبي داود: «لا يُتم بعد الاحتلام» . وإذا دفع إليه ماله أشهد عليه عند الدفع لقوله تعالى: {فإذا دفعتم إليهم أموالهم فأشهدوا عليهم} [النساء:6/4]. وهل يحتاج رفع الحجر عن الصغير لحكم القاضي؟\r-------------------------------\r(1) المغني: 457/4 ومابعدها، 471، المهذب: 330/1، البدائع: 170/7، بداية المجتهد: 277/2.\r(2) المهذب: 331/1، مغني المحتاج: 166/2، 170، المغني: 457/4، البدائع: 154/5 و170/7 ومابعدها، تبيين الحقائق: 195/5، بداية المجتهد: 277/2.","part":6,"page":286},{"id":3882,"text":"قال الجمهور (الحنفية والشافعية في الأرجح، والحنابلة) (1) : يرتفع حجر الصغير ببلوغه رشيداً بدون حكم الحاكم؛ لأن الحجر عليه ثبت بغير حكم حاكم، فيزول من غير حكم، كالحجر على المجنون. والوجه الآخر عند الشافعية: أنه يفتقر إلى الحاكم؛ لأنه يحتاج إلى نظر واختبار كفك الحجر عن السفيه. ورأي الجمهور هو الأرجح لاتفاقه مع الواقع، والتيسير.\rوقال المالكية (2) : إما أن يكون الصغير ذكراً أو أنثى:\rفإن كان ذكراً فهناك ثلاث حالات:\rأحدها ـ أن يكون أبوه حياً: فإنه ينطلق من الحجر ببلوغه بدون حكم، ما لم يظهر منه سفه أو يحجره أبوه.\rالثاني ـ أن يكون أبوه قد مات وعليه وصي: فلا ينطلق من الحجر إلا بالترشيد، فإن كان وصيه مقدَّم الأب أي باختياره (وهو الوصي المختار): فله أن يرشده من غير إذن القاضي؛ لأنه ثبت عليه الحجر بالأصالة من غير فرض من أحد، فلا يحتاج رفعه لحكم القاضي. وإن كان وصي القاضي ليس له ترشيده إلا بإذن القاضي كما ذكر ابن جزي، وأما ما قرره الدردير وهو الراجح فهو أن الوصي سواء كان وصي الأب أم وصي القاضي لا يحتاج في ترشيده لإذن القاضي. والترشيد بأن يقول الوصي أمام العدول: اشهدوا أني فككت الحجر عن فلان، وأطلقت له التصرف، لما ثبت عندي من رشده وحسن تصرفه. وللقاضي ترشيد المحجور مطلقاً إذا ثبت عنده رشده.\rالثالث ـ أن يبلغ الصغير، وليس له أب ولا وصي، وهو المُهْمل: فهو محمول على الرشد إلا أن يتبين سفهه.\rوالخلاصة: أن الصبي ذا الأب أو الوصي المختار لا يحتاج رفع الحجر عنه إلى حاكم، ولكن ذو الأب لا يحتاج إلى ترشيد، وذو الوصي يحتاج إلى ترشيد. وأما ذو الوصي المعين من القاضي، فيحتاج لحكم القاضي في رأي ابن جزي، ولايحتاج لإذن القاضي فيما قرره الدردير، وهو الراجح.\rوأما الأنثى: فذات الأب لا ينفك الحجر عنها إذا لم يرشدها أبوها إلا بأمور أربعة: بلوغها، وحسن تصرفها، وشهادة العدول بذلك، ودخول الزوج بها. وللأب ترشيدها قبل دخول الزوج بها بأن يقول لها: رشدتك ورفعت الحجر عنك. فيرتفع الحجر عنها وتنفذ تصرفاتها، ولو لم يشهد العدول بصلاح حالها.\r-------------------------------\r(1) المرجع السابقة.\r(2) الشرح الكبير والدسوقي: 296/3-298، الشرح الصغير: 383/3 ومابعدها، بداية المجتهد: 277/2، القوانين الفقهية: ص 321.","part":6,"page":287},{"id":3883,"text":"وأما ذات الوصي (المختار أو المعين من القاضي): فلا ينفك الحجر عنها إلا بأمور خمسة: البلوغ، وحسن تصرفها، وشهادة البينة بذلك، ودخول الزوج بها، وفك الوصي حجرها بترشيدها، ولا يحتاج في الفك لإذن الحاكم؛ أي أن الأنثى لا تحتاج في رفع الحجر عنها إلى قضاء القاضي.\rوعليه يكون مذهب المالكية قريباً من مذهب الجمهور، إذ لا يحتاج رفع الحجر عن الصغير لقضاء القاضي إلا إذا كان الصغير تحت ولاية القاضي، فيحتاج لترشيد القاضي، كما يحتاج ذو الوصي لترشيد الوصي.\rوالخلاصة: أن ما يرفع الحجر عن الصبي شيئان عند الجمهور غير الشافعية: هما إذن الولي إياه بالتجارة، وبلوغه رشيداً. وعند الشافعية شيء واحد هو البلوغ.\rب ـ وإن بلغ الصغير غير رشيد، لا تسلم إليه أمواله، بل يحجر عليه بسبب السفه، باتفاق المذاهب، لقوله تعالى: {وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشداً فادفعوا إليهم أموالهم} [النساء:6/4].\rإلا أن أبا حنيفة (1) قال: يستمر الحجر على البالغ غير الرشيد إلى بلوغه خمساً وعشرين سنة، ثم يسلم إليه ماله، ولو لم يرشد؛ لأن في الحجر عليه بعد هذه السن إهداراً لكرامته الإنسانية، ولقوله تعالى: {ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده} [الإسراء:34/17] وهذا قد بلغ أشده، ويصلح أن يكون جَدَّاً في هذه السن، ولأن المنع عنه للتأديب، ولا يتأدب بعدئذ غالباً، فلا فائدة في المنع، فلزم الدفع إليه.\rوقال الصاحبان وباقي الأئمة (2) : إذا بلغ الولد غير رشيد، لا يسلم إليه ماله، ويستمر الحجر عليه، حتى يؤنس رشده، ولو بلغ الستين من عمره، للآية السابقة {فإن آنستم منهم رشداً فادفعوا إليهم أموالهم} [النساء:6/4] حيث شرط الله تعالى لدفع أموال اليتامى إليهم شرطين: البلوغ وإيناس الرشد، والحكم المعلق على شرطين لا يثبت بدونهما، ولقوله تعالى: {ولا تؤتوا السفهاء أموالكم} [النساء:5/4] أي أموالهم.\rثالثاً ـ البلوغ: يحدث البلوغ إما بالأمارات الطبيعية أو بالسن. أما الأمارات أو العلامات الطبيعية، فاختلفت المذاهب في تعدادها:\rفقال الحنفية (3) : يعرف البلوغ في الغلام بالاحتلام، وإنزال المني، وإحبال المرأة. والمراد من الاحتلام هو خروج المني في نوم أو يقظة، بجماع أو غيره.\r-------------------------------\r(1) البدائع: 171/7، تكملة الفتح: 316/7، تبيين الحقائق: 195/5، اللباب: 69/2.\r(2) بداية المجتهد: 277/2، القوانين الفقهية: ص 321، الشرح الكبير: 298/2، المهذب: 331/1، مغني المحتاج: 166/2، 170، المغني: 457/4 ومابعدها، كشاف القناع: 440/3.\r(3) البدائع: 171/7، الدر المختار: 107/5، تبيين الحقائق: 203/5، تكملة الفتح: 323/7.","part":6,"page":288},{"id":3884,"text":"والدليل على كونه علامة البلوغ قوله تعالى: {وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم فليستأذنوا} [النور:59/24] وخبر «رفع القلم عن ثلاثة، منها: عن الصبي حتى يحتلم (1) » وروى أبو داود عن علي بن أبي طالب قال: حفظت عن رسول الله صلّى الله عليه وسلم: «لا يُتم بعد الاحتلام» .\rوإذا تحقق البلوغ بالاحتلام تحقق بالإنزال؛ لأن الاحتلام سبب لنزول الماء عادة، فعلق الحكم به. وكذا الإحبال؛ لأنه لا يتحقق بدون الإنزال عادة.\rويعرف البلوغ في الأنثى بالحيض لخبر رواه الخمسة إلا النسائي: «لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار» (2) أو بالحبل لأن الحمل دليل على إنزال المرأة فيحكم ببلوغها منذ حملت. وأدنى مدة البلوغ للغلام اثنتا عشرة سنة، وللأنثى تسع سنين، وهو المختار عند الحنفية.\rفإذا لم يحصل بلوغ طبيعي، ثبت البلوغ بالسن، فمتى بلغ الولد (ذكراً أو أنثى) سن الخامسة عشرة فقد بلغ الحلم على المفتى به، وهو سن المراهقة.\rوقال أبو حنيفة: يبلغ الغلام إذا أتم ثماني عشرة سنة، والأنثى سبع عشرة سنة؛ لأنه إنما يقع اليأس عن الاحتلام الذي علق الشرع الحكم به بهذه السن.\rومذهب المالكية (3) : علامات البلوغ الطبيعية سبعة، خمسة منها مشتركة بين\r-------------------------------\r(1) رواه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه والحاكم عن عائشة بلفظ : «وعن الصبي حتى يكبر» ورواه أحمد وأبو داود والحاكم عن علي وعمر بلفظ: «وعن الصبي حتى يحتلم» (نصب الراية: 161/4 ومابعدها).\r(2) وروى ابن خزيمة في صحيحه عن عائشة: « لا يقبل الله صلاة امرأة قد حاضت إلا بخمار» والحائض: من بلغت سن المحيض. والخمار: ما يغطى به رأس المرأة. فدل ذلك على بدء تكليفها (نيل الأوطار: 67/2).\r(3) الشرح الكبير: 293/3.","part":6,"page":289},{"id":3885,"text":"الجنسين، واثنان مختصان بالأنثى. فالحيض والحبل خاص بالمرأة. وإنزال المني مطلقاً في نوم أو يقظة، وإنبات شعر العانة الخشن، لا الزغب، ونتن الإبط، وفرق أرنبة الأنف، وغلظ الصوت: مشترك بين الذكر والأنثى. ودليل حصول البلوغ بالإنبات: حديث الترمذي عن سمرة أن النبي صلّى الله عليه وسلم قال: «اقتلوا شيوخ المشركين، واستحيوا شَرْخهم، والشرخ: الغلمان الذين لم يُنْبتوا» .\rفإن لم يظهر شيء مما ذكر، كان بلوغ الصغير بتمام ثماني عشرة سنة، وقيل: بالدخول فيها.\rومذهب الشافعية (1) : يحصل البلوغ إما باستكمال خمس عشرة سنة قمرية، أو بالاحتلام أو بخروج المني وقت إمكانه من ذكر أو أنثى، ووقت إمكانه: استكمال تسع سنين، أو بنبات شعر العانة الخشن الذي يحتاج في إزالته لنحو حلق. وأما نبات شعر الإبط واللحية، فليس دليلاً للبلوغ لندورهما دون خمس عشرة سنة.\rويزيد على المذكور بالنسبة للمرأة: الحيض والحبل.\rوالخلاصة: أن البلوغ عندهم يحصل بخمسة أشياء : ثلاثة يشترك فيها الرجل والمرأة، وهي الإنزال (الاحتلام) والإنبات والسن. واثنان تختص بهما المرأة وهما الحيض والحبل.\rودليلهم على تحديد السن بـ 15 سنة: خبر ابن عمر: «عُرضت على النبي صلّى الله عليه وسلم يوم أحد، وأنا ابن أربع عشرة سنة، فلم يجزني، ولم يرني بلغت، وعرضت عليه\r-------------------------------\r(1) مغني المحتاج: 166/2 ومابعدها، المهذب: 330/1.","part":6,"page":290},{"id":3886,"text":"يوم الخندق وأنا ابن خمس عشرة سنة، فأجازني، ورآني بلغت (1) » .\rومذهب الحنابلة (2) كالشافعية تماماً.\rرابعاً ـ الرشد :\rالرشد عند الجمهور (الحنفية والمالكية والحنابلة) (3) : هو صلاح المال ولو كان فاسقاً ، أي توفر الخبرة في إدارة المال واستثماره وحفظه وإصلاحه، وحسن التصرف به، وتمييز النافع من الضار، فلا ينفق ماله في غير مصلحة، ولا يضيعه بالتبذير والإسراف، لقوله تعالى: {فإن آنستم منهم رشداً فادفعوا إليهم أموالهم} [النساء:6/4] قال ابن عباس: يعني صلاحاً في أموالهم. فمن كان مصلحاً لماله، فقد وجد منه الرشد، ولم يكن الحجر عليه إلا لحفظ ماله، فكان المؤثر فيه ما أثر في تضييع المال، أو حفظه.\rوقال الشافعية (4) : الرشد صلاح الدين والمال، فإصلاح الدين؛ ألا يرتكب من المعاصي ما يسقط به العدالة، وإصلاح المال: أن يكون حافظاً لماله غير مبذر، فلا يفعل محرماً يبطل العدالة:من كبيرة أو إصرار على صغيرة، ولم تغلب طاعاته على معاصيه، ولا يبذر بأن يضيع المال بغبن فاحش (5) في المعاملة ونحوها، أو\r-------------------------------\r(1) رواه ابن حبان، وأصله في الصحيحين وقد رواه الجماعة. وقال الشافعي: رد النبي صلّى الله عليه وسلم سبعة عشر من الصحابة، وهم أبناء أربع عشرة، لأنه لم يرهم بلغوا، ثم عرضوا عليه وهم أبناء خمس عشرة، فأجازهم، منهم زيد بن ثابت ورافع بن خديج وابن عمر.\r(2) المغني: 359/4-461، كشاف القناع: 432/3.\r(3) البدائع: 170/7، الدر المختار: 105/5، بداية المجتهد: 278/2، المغني: 467/4، كشاف القناع: 433/3.\r(4) مغني المحتاج: 168/2، 170، المهذب: 331/1.\r(5) وهو ما لا يحتمل غالباً. أما الغبن اليسير فمثل بيع ما يساوي عشرة بتسعة، وهذا إذا كان جاهلاً بالمعاملة.","part":6,"page":291},{"id":3887,"text":"رميه في بحر، أو إنفاقه في محرم. فإذا بلغ الصغير غير رشيد لاختلال صلاح الدين أو المال، دام الحجر عليه، فيتصرف في ماله من كان يتصرف فيه قبل بلوغه.\rوالأصح عندهم أن صرفه في الصدقة ووجوه الخير والمطاعم والملابس التي لا تليق بحاله ليس بتبذير.\rويختبر الولي رشد الصبي في الدين والمال، لقوله تعالى: {وابتلوا اليتامى} [النساء:4/6] أي اختبروهم. أما في الدين فمشاهدة حاله في العبادات، وتجنب المحظورات، وتوقي الشبهات، ومخالطة أهل الخير.\rوأما اختباره في المال فبحسب أمثاله، فيختبر ولد التاجر بالبيع والشراء، والمماكسة فيهما، أي طلب النقصان عما طلبه البائع، وطلب الزيادة على ما يبذله المشتري. ويختبر ولد الزارع بالزراعة، والنفقة على العمال فيها، ويختبر المحترف بما يتعلق بحرفة أبيه وأقاربه. وتختبر المرأة بما يتعلق بالغزل والقطن حفظاً وحياكة وغيرها.\rويشترط تكرر الاختبار مرتين أو أكثر، قبل البلوغ. وقيل: بعده.\rخامساً ـ ولي المحجور عليه :\rالولي: هو صاحب السلطة الشرعية التي يتمكن بها صاحبها من التصرف في مال غيره من غير توقف على إجازة أحد. وقد اتفق أئمة المذاهب على أن ولي المحجور عليه صبياً أو غيره في الأموال هو الأب إن كان موجوداً، ولم يكن مجنوناً أو محجوراً عليه، واختلفوا في غير الأب.\rقال الحنفية (1) : الولي الذي له حق التصرف في مال المحجور عليه: هو\r-------------------------------\r(1) الدر المختار: 122/5، تبيين الحقائق: 220/5، البدائع: 155/5.","part":6,"page":292},{"id":3888,"text":"أبو الصبي، ثم وصيه بعد موته، ثم وصي وصيه، ثم جده (أبو أبيه)، ثم وصي جده، ثم وصي وصيه، ثم الوالي، ثم القاضي أو وصي القاضي. وهذا الترتيب مبني على درجة الشفقة، فشفقة الأب فوق شفقة الكل، وشفقة وصيه فوق شفقة الجد؛ لأنه مرضي الأب ومختاره، وشفقة الجد فوق شفقة القاضي، لوجود القرابة.\rوما عدا المذكورمن العَصَبة كالأخ أو العم، أو غيرهما كالأم ووصيها فليس لهم الإشراف على أموال المحجور عليه، ولا يملكون الإذن للقاصر بالتجارة. وهذا الترتيب للأولياء هو في شأن المال، أما في قضايا الزواج فللأولىاء ترتيب آخر.\rوقال المالكية (1) : الولي على المحجور عليه من صغير أو سفيه لم يطرأ عليه السفه بعد بلوغه (2) : هو الأب الرشيد، ثم لوصيه، ثم للحاكم، فإن لم يكن حاكم فالولاية لجماعة المسلمين. فلا تثبت الولاية المالية للجد والأخ والعم إلا بإيصاء الأب.\rوقال الشافعية (3) : ولي الصبي: أبوه، ثم جده، ثم وصي من تأخر موته من الأب أو الجد، ثم القاضي أو نائبه، لخبر «السلطان ولي من لا ولي له» (4) . ولا ولاية لسائر العصبات كالأخ والعم، كما لا ولاية للأم في الأصح: ولا ية مال أو ولاية نكاح. وإني مع هذا الرأي إذ لا أكاد أصدق أن عاطفة وصي الأب غير القريب أولى من الجد، فرابطة الدم والقرابة أشد باعثاً على الرعاية والحفظ والاهتمام بشؤون القصر.\r-------------------------------\r(1) الشرح الكبير: 299/3، الشرح الصغير: 389/3 ومابعدها.\r(2) أما لو طرأ عليه السفه بعد البلوغ فالحجر عليه للحاكم، لا للأب.\r(3) مغني المحتاج: 173/2 ومابعدها، المهذب: 328/1.\r(4) رواه الترمذي وحسنه، والحاكم وصححه.","part":6,"page":293},{"id":3889,"text":"وقال الحنابلة (1) كالمالكية تماماً: تثبت الولاية على الصبي والمجنون للأب، ثم لوصيه بعده، ثم للحاكم. لكن إن جدد الحجر على الشخص بعد بلوغه، فالولاية عليه للحاكم؛ لأن الحجريفتقر إلى حكم حاكم، وزواله يفتقر إليه، فكذلك النظر في ماله.\rسادساً ـ تصرفات ولي القاصر :\rاتفق الفقهاء على أن الولي يتصرف وجوباً في مال الصبي القاصر بالمصلحة وعدم الضرر لقوله تعالى: {ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن} [الإسراء:34/17] وقوله سبحانه: {وإن تخالطوهم فإخوانكم والله يعلم المفسد من المصلح} [البقرة:220/2] كما أنهم اتفقوا على أن الغني لا يأكل من مال اليتيم، وللفقير أن يأكل بالمعروف من غير إسراف؛ لقوله تعالى: {ومن كان غنياً فليستعفف ومن كان فقيراً فليأكل بالمعروف} [النساء:6/4] وروى الشيخان عن عائشة أنها نزلت في ولي اليتيم إذا كان فقيراً أنه يأكل منه مكان قيامه عليه بالمعروف. وروي أن رجلاً سأل رسول الله صلّى الله عليه وسلم فقال: ليس لي مال، ولي يتيم، فقال عليه الصلاة والسلام: «كل من مال يتيمك غير مُسْرف، ولا مُبذِّر، ولا مُتأثِّل مالاً، ولا تقِ مالك بماله» (2) .\rوتفصيل المذاهب في تحقيق المصلحة كما يأتي:\rقال الحنفية (3) : لا يملك الولي شيئاً من التبرعات من مال الصغير؛ لأن ذلك\r-------------------------------\r(1) المغني: 471/4، كشاف القناع: 434/3.\r(2) رواه أبو داود والنسائي وأحمد وابن ماجه عن عبد الله بن عمرو. ومعنى «غير متأثل مالاً» أي غير جامع، يقال: مال مؤثل، ومجد مؤثل: أي مجموع ذو أصل (نيل الأوطار: 251/5).\r(3) البدائع: 153/5 ومابعدها، تكملة الفتح: 499/8 وما بعدها، مجمع الضمانات: ص408.","part":6,"page":294},{"id":3890,"text":"ضرر محض، فلا يقرض ماله ولا يوصي به، ولا يتصدق بماله، ولا يطلق امرأته، ولا يهب شيئاً من ماله من غير عوض، كما ليس له أن يهب بعوض عند أبي حنيفة وأبي يوسف؛ لأن الهبة بعوض هبة ابتداء، وإنما تصير معاوضة انتهاء، وهو لا يملك الهبة. وتجوز الهبة بعوض عند محمد لأنها في معنى البيع.\rلكن للقاضي إقراض مال اليتيم، لأنه من باب حفظ الدين. وللولي أن يقبل الهبة والصدقة والوصية للصغير، لأن التصرف نفع محض، فيملكه الولي، وقال عليه الصلاة والسلام: «خير الناس أنفعهم للناس» (1) .\rوللولي إعارة مال القاصر استحساناً، وإيداعه، ورهنه بدين القاصر؛ لأن التصرف من توابع التجارة، وهو يملكها، كما له أن يرهن مال القاصر بدين للولي نفسه؛ لأن عين المرهون تحت يد المرتهن، إلا أنه إذا هلك يضمن مقدار ما صار مؤدياً منه دين نفسه.\rوللولي أن يبيع مال القاصر بأكثر من قيمته، ويشتري له شيئاً بأقل من قيمته لأنه نفع محض له. كما له أن يبيعه بمثل قيمته، وبأقل من قيمته قدر ما يتغابن الناس فيه عادة. وله أن يشتري له شيئاً بمثل قيمته وبأكثر من قميته قدر ما يتغابن الناس فيه عادة.\rوله أن يؤاجر نفس القاصر وماله بأكثر من أجر مثله، أو بأجر مثله، أو بأقل منه قدر ما يتغابن الناس فيه عادة. وله أن يستأجر للقاصر شيئاً بأقل من أجر المثل أو بأجر المثل، أو بأكثر منه قدر ما يتغابن الناس فيه عادة. وفي حالة إجارة نفس القاصر إذا بلغ، له الخيار: إن شاء أمضاها، وإن شاء أبطلها، دفعاً للإضرار، ولا خيار له في إجارة المال؛ لأن الأب يملك ذلك بحسب المصلحة، وينفذ تصرفه.\r-------------------------------\r(1) رواه القضاعي عن جابر بن عبد الله ، وهو حديث حسن.","part":6,"page":295},{"id":3891,"text":"وللولي أن يسافر بمال الصغير، وأن يضارب به، وأن يوكل بالبيع والشراء، والإجارة والاستئجار؛ لأن هذه التصرفات من توابع التجارة، وكل من ملك التجارة، ملك ما هو من توابعها.\rوأما بيع عقار القاصر: فيجوز للولي العدل (محمود السيرة بين الناس أو مستور الحال) أن يبيعه بمثل القيمة فأكثر، ولا يجوز بيعه للوصي إلا للضرورة كبيعه لتسديد دين لا وفاء له إلا بهذا المبيع. وهذا هو المفتى به. وينفذ بيع الوصي بإجازة القاضي، وله رده إذا كان خيراً.\rويجوز للأب أو الجد أن يشتري مال الصغير لنفسه، أو يبيع مال نفسه من الصغير، بمثل قيمته أو بأقل مما يتغابن فيه عادة. ولا يجوز بغبن فاحش. وينفذ البيع إذا أجازه القاضي، وللقاضي نقض البيع إذا رأى ذلك خيراً للصبي.\rولا يجوز الشراء أو البيع للوصي عند محمد. ويجوز عند أبي حنيفة وأبي يوسف إن كان البيع للوصي أو الشراء منه خيراً لليتيم، وإلا فلا يجوز. وفسرت الخيرية: بأن تزيد السلعة التي يشتريها الوصي بعشرة من أجنبي (غير الصغير) فإنه يلزم أن يشتريها من الصغير بخمسة عشر.\rوقال المالكية (1) : يتصرف الولي في مال الصغير بالمصلحة،فللأب بيع مال ولده المحجور عليه مطلقاً، عقاراً أو منقولاً، ولا يتعقب بحال، ولا يطلب منه بيان سبب البيع؛ لأن تصرفه محمول على المصلحة. وله أيضاً هبة الثواب (أي بعوض).\rأما الوصي فلا يبيع عقار محجوره إلا لسبب يقتضي بيعه، كما ليس له هبة الثواب من مال محجوره إلا لضرورة، لأنه إذا هلك الموهوب، لم يلزم إلا قيمته يوم الهلاك، ومن الجائز أن تنقص قيمته يوم الهلاك عن قيمته يوم الهبة، وهذا ضرر باليتيم.\r-------------------------------\r(1) الشرح الكبير للدردير: 299/3، 302 ومابعدها، الشرح الصغير: 390/3، 393-395، القوانين الفقهية: ص 322.","part":6,"page":296},{"id":3892,"text":"كذلك يبيع الحاكم كالوصي مال المحجور عند الضرورة كالنفقة ووفاء الدين ونحوهما. فيكون هذا المذهب كالحنفية من حيث المبدأ.\rوذكر المالكية أحد عشر سبباً لجواز بيع عقار القاصر من وصي أو حاكم للضرورة وهي:\r1 - الحاجة البينة للبيع كنفقة أو وفاء دين لا قضاء له إلا من ثمنه.\r2 - الخوف عليه من ظالم يأخذه منه غصباً، أو يعتدي على ريعه ولم يستطع رده.\r3 - المصلحة الظاهرة (الغبطة): بأن يبيعه بزيادة الثلث على ثمن المثل فأكثر.\r4 - أن يكون موظفاً عليه ضريبة ظالمة، فيباع ليشترى له ما لا توظيف عليه إلا أن يكون الأول أكثر ريعاً.\r5 - أن يكون حصته مع شريك، فيباع ليشترى له عقار مستقل لا شركة فيه تخلصاً من ضرر الشركة.\r6 - أن يكون ريعه قليلاً أو لا ريع له أصلاً، فيباع ليستبدل له ما فيه ريع أكثر.\r7 - أن يكون العقار بين جيران سوء في الدين أو الدنيا، أو لكونه بين جيران ذميين، فيباع ليستبدل به عقار بين جيران صالحين.\r8 - أن يكون مشتركاً غير قابل القسمة، فيبيع شريكه حصته، فيباع مع بيع شريكه.\r9 - أن يخاف خرابه، ولا مال للمحجور عليه يعمر به إذا خرب، فيباع.\r10 - أن يخاف خرابه، وله مال يعمر به، ولكن بيعه أولى من تعميره.\r11 - أن يصبح المنزل منفرداً في مكان لانتقال العمارة عنه.","part":6,"page":297},{"id":3893,"text":"وقال الشافعية (1) : يتصرف الولي للقاصر بالمصلحة وجوباً، فيحفظ ماله عن أسباب التلف، ويستثمره ويتجر له في ماله، حتى لا تأكله المؤن من نفقة وغيرها، لقوله تعالى: { ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياماً، وارزقوهم فيها..} [النساء:5/4] وقوله «فيها» لا «منها» تنبيه على أن الولي ينفق على موليه من ريع ماله بعد تشغيله، لا من عينه. ولقول النبي صلّى الله عليه وسلم : «من ولي يتيماً، وله مال فليتجر له بماله، ولا يتركه حتى تأكله الصدقة» (2) ، ويبني له داره بأمتن مواد البناء عند الإمكان. ويشتري له العقار إذا حصل من ريعه الكفاية لأنه يبقى وينتفع بغلته، هذا إذا لم يخف جوراً من سلطان أو غيره، أو خراباً للعقار. وله أن يسافر بمال الصبي والمجنون وقت الأمن إذا اقتضت المصلحة السفر به، ولا يشتري له ما يسرع فساده، وإن كان مربحاً.\rولا يبيع عقاره إلا في موضعين: أحدهما لحاجة كنفقة وكسوة بأن لم تف غلة العقار بهما، ولم يجد من يقرضه، أو لم ير المصلحة في الاقتراض، أو خاف خرابه، والثاني ـ لمصلحة (غبطة) ظاهرة، كأن يرغب فيه شريك أو جار بأكثر من ثمن مثله، وهو يجد مثله ببعضه، أو خيراً منه بكله، أو يكون ثقيل الخراج، أي المغارم والضرائب مع قلة ريعه.\r-------------------------------\r(1) مغني المحتاج: 174/2-176، المهذب: 328/1-330.\r(2) رواه الترمذي عن عبد الله بن عمرو بن العاص.","part":6,"page":298},{"id":3894,"text":"وله بيع مال القاصر مبادلة بعرض آخر، ونسيئة (مؤجلة) للمصلحة التي يراها فيهما، كأن يكون في الأول ربح، وفي الثاني زيادة لائقة، أو خاف عليه من نهب أو إغارة. وإذا باع نسيئة أشهد على البيع وجوباً وارتهن بالثمن رهناً وافياً به. ويشترط أن يكون المشتري موسراً ثقة، والأجل قصيراً عرفاً، احتياطاً للمحجور عليه، فإن لم يفعل ذلك، ضمن، وبطل البيع على الأصح. ولا يودع ماله، ولا يقرضه من غير حاجة؛ لأنه يخرجه من يده. ويزكي ماله وجوباً، لأن الولي قائم مقام القاصر، وينفق عليه بالمعروف في طعام وكسوة مما لا بد منه، بما يليق به في إعساره ويساره، فإن قتَّر أثم، وإن أسرف أثم وضمن.\rفإن ادعى الصغير بعد بلوغه على الأب والجد بيعاً لماله، ولو عقاراً، بلا مصلحة، صدق الأب والجد باليمين؛ لأنهما لا يتهمان لوفور شفقتهما.وإن ادعاه على الوصي أو أمين القاضي، صدق الولد للتهمة في حقهما. وإن أراد الولي أن يبيع مال القاصر بماله: فإن كان أباً أو جداً جاز البيع؛ لأنهما لا يتهمان فيه، لكمال شفقتهما، وإن كان غيرهما لم يجز، لما روي أن النبي صلّى الله عليه وسلم قال: «لا يشتري الوصي من مال اليتيم» (1) ولأنه متهم بمراعاة مصلحته في بيع مال القاصر من نفسه.\rوقال الحنابلة (2) كالشافعية تقريباً: لا يجوز لولي الصغير والمجنون أن يتصرف في مالهما إلا على وجه الحظ (المصلحة) لهما، لقوله تعالى: {ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن} [الإسراء:34/17].\rفإن تبرع بهبة أو صدقة، أو حابى بأن اشترى بزيادة، أو باع بنقصان، أو زاد على النفقة عليهما بالمعروف، ضمن؛ لأنه مفرط، كتصرفه في مال غيرهما. وللولي الإنفاق عليهما من مالهما بغير إذن الحاكم.\r-------------------------------\r(1) رواه الطبراني، ورجاله رجال الصحيح عن صلة بن زفر عن ابن مسعود من قوله (مجمع الزوائد: 214/4).\r(2) كشاف القناع: 435/3-439.","part":6,"page":299},{"id":3895,"text":"ولايصح للولي أو الوصي أو الحاكم أن يشتري من مال الصغير والمجنون شيئاً لنفسه، أو يبيعهما شيئاً من نفسه، أو يرتهن من مالهما لنفسه؛ لأنها مظنة التهمة، إلا الأب لوفور شفقته، وسعيه في مصلحة ابنه، فلا يفعل إلا ما فيه حظه، بخلاف غيره.\rويجب على الولي إخراج زكاة مالهما من مالهما.\rولايصح إقرار الولي عليهما بمال ولا إتلاف ونحوه؛ لأنه إقرار على الغير.\rوللولي السفر بمالهما لتجارة وغيرها في مواضع الأمن وغلبة السلامة؛ لأنه أحظ لهما.\rوللولي التجارة بالمال بنفسه ولا أجرة له، والربح كله للمولى عليه؛ لأنه نماء ماله، والتجارة بما لهما أولى من تركها، لقول عمر وغيره: «اتجروا في أموال اليتامى لئلا تأكلها الصدقة» . وللولي دفع المال مضاربة إلى أمين يتجر فيه بجزء من الربح، وله إبضاعه أي دفع مالهما إلى من يتجر به، والربح كله للمولى عليه.\rوله بيعه نسيئاً لمليِّ، وله قرضه لمصلحة فيهما، بأن يكون الثمن المؤجل أكثر مما يباع به حالاً، وذلك لحاجة سفر أو خوف على المال من نهب أو غرق أو غيرهما، ولو بلا رهن ولا كفيل به. فإن ضاع المال أو تلف بسبب ترك الرهن والكفيل لم يضمن الولي؛ لأن الظاهر السلامة.\rوله إيداع مال المولى عليه لثقة، أو قرضه لمليء أمين، لمصلحة فيه؛ لأنه أحفظ له، ولا ضمان على الولي إن تلف لعدم تفريطه. ولا يقرض وصي ولا حاكم منه شيئاً لنفسه، كما لا يشتري من نفسه، ولا يبيع لنفسه للتهمة، أما الأب فيجوز له لعدم التهمة، كما تقدم.\rوله هبة المال بعوض قدر قيمته فأكثر، أما بدونها فمحاباة لاتصح. وله رهنه عند ثقة لحاجة.\rوللولي شراء العقار للمولى عليه ليستغل، وله أيضاً بناؤه بما جرت به عادة أهل بلده.\rوله تعليمه الخط والرماية والأدب وما ينفعه، وأداء الأجرة عنه من مال المولى عليه؛ لأنه لمصلحته، وله تسليمه للعمل في صناعة، ومداواته لمصلحة بلا إذن حاكم.","part":6,"page":300},{"id":3896,"text":"وللولي بيع عقار المولى عليه لمصلحة، ولو لم يحصل زيادة على ثمن مثله. وأنواع المصلحة كثيرة منها:\rـ الحاجة إلى نفقة أو كسوة أو قضاء دين ونحوها مما لا بد منه للصغير أو المجنون إذا لم يكن لهما ما تندفع به الحاجة سوى المبيع.\rـ أن يخاف على العقار الهلاك بغرق أو حرق أو خراب، ونحوها.\rـ أن يكون في بيع العقار صفقة رابحة للقاصر، كأن يباع بزيادة كثيرة على ثمن مثله، ولا يتقيد بالثلث.\rـ أن يكون العقار في مكان لا ينتفع به، كأن يكون في حي غير عامر، أو قليل النفع، فيبيعه ليشتري له عقاراً في مكان آهل بالسكان، أو أكثر نفعاً.\rـ أن يرى الولي شيئاً يباع بسعر رخيص، لا يمكن شراؤه إلا ببيع العقار. ـ أن يكون العقار في مكان يتضرر الغلام بالمقام فيه، كسوء الجوار أو غيره. ونحوه مما لا ينحصر مما يكون فيه مصلحة. ولا يباع إلا بثمن المثل.\rسابعاً ـ الإذن للقاصر في التصرفات :\rالإذن في اللغة: الإعلام، ومنه الأذان؛ لأنه إعلام بوقت الصلاة، قال تعالى: {وأذان من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر} [التوبة:3/9] أي إعلام. وقال تعالى: {وأذن في الناس بالحج} [الحج:27/22] أ ي أعلمهم به.\rوفي الشرع: الإذن: فك الحجر في التجارة، وإطلاق التصرف، وإسقاط الولي حق المنع من التصرف للقاصر.\rواتفق الفقهاء على اختبار المميز في التصرفات، لمعرفة رشده، لقوله تعالى: {وابتلوا اليتامى} [النساء:6/4] أي اختبروهم. واختباره بتفويض التصرفات التي يتصرف فيها أمثاله. فإن كان من أولاد التجار، اختبر بالمماكسة في البيع والشراء، وإن كان من أولاد الزراع اختبر بالزراعة، وإن كان من أولاد أصحاب الحرف اختبر بالحرفة. والمرأة تختبر في شؤون البيت من غزل وطهي طعام وصيانته وشراء لوازم البيت، ونحوها (1) .\rواختلفوا في إذن الولي للقاصر بالتجارة وفي أثر الإذن على التصرفات:","part":6,"page":301},{"id":3897,"text":"1 - فقال الشافعية (2) : لا يجوز الإذن له في التجارة، وإنما يسلم إليه المال، ويمتحن في المماكسة، فإذا أراد العقد عقد الولي؛ لأن تصرفاته وعقوده باطلة لعدم توافر العقل الكافي لتقدير المصلحة في مباشرة التصرف، فلا يثبت له أحكام العقلاء قبل وجود مظنةكمال العقل. لكن يختبر السفيه، فإذا ظهر رشده عقد؛ لأنه مكلف.\r2 - وقال الحنفية، والمالكية في المعتمد عندهم، والحنابلة في الرواية الراجحة (3) : يجوز للولي المالي الإذن للقاصر في التجارة إذا أنس منه الخبرة، لتدريبه على طرق المكاسب، لقوله تعالى: {وابتلوا اليتامى} [النساء:6/4] أي اختبروهم لتعلموا رشدهم. وإنما يتحقق الاختبار بتفويض التصرف إليهم في البيع والشراء، ولأن المميز عاقل محجور عليه، فيرتفع حجره بإذن وليه، ويصح تصرفه بهذا الإذن، فلو تصرف بلا إذن لم يصح عند الحنابلة، ولم ينفذ عند المالكية والحنفية. وهذا الرأي هو الأرجح والمعقول، لاتفاقه مع طبيعة التدريب على التصرفات.\rوالإذن عند الحنفية والمالكية قد يكون صريحاً، مثل أذنت لك في التجارة، أو دلالة، كما لو رآه يبيع ويشتري، فسكت؛ لأن سكوته دليل الرضا، ولو لم يعتبر سكوته، لأدى إلى الإضرار بمن يعاملونه.\rوقال الحنابلة وزفر من الحنفية: لا يثبت الإذن بالدلالة، لأن سكوته محتمل للرضا، ولعدم الرضا.\rوأما أثر الإذن: فقال الحنفية: الإذن فك الحجر لا توكيل، فيكون عاماً، وإن قيده بنوع خاص، فلا يتوقت ولا يتخصص بنوع ولا بمكان؛ لأنه إسقاط، والإسقاطات لا تقبل التقييد. فإذا أذن الولي في التجارة، نفذت جميع تصرفات\r-------------------------------\r(1) المغني: 478/4.\r(2) مغني المحتاج: 170/2.\r(3) الدر المختار: 108/5-111، تبيين الحقائق: 203/5 ومابعدها، البدائع: 194/7 ومابعدها، الشرح الكبير: 294/3، 303 ومابعدها، الشرح الصغير: 384/3، 396، المغني: 468/4، كشاف القناع: 445/3.","part":6,"page":302},{"id":3898,"text":"المأذون التي تحتمل النفع والضرر، فله أن يبيع ويشتري ويضارب ويرهن ويسترهن، ويؤجر ويستأجر. وليس له أن يهب أو يتصدق أو يقرض أو يتكفل، لأن التصرف تبرع، وليس تجارة ولا من مستلزمات التجارة.\rويجوز للمأذون عند أبي حنيفة أن يتصرف بغبن فاحش؛ لأنه أصبح بالإذن كامل الأهلية، ولكامل الأهلية التصرف بشؤون التجارة ولو بغبن فاحش.\rوقال الصاحبان: لا يجوز تصرفه بغبن فاحش؛ لأن الزيادة الناجمة عن الغبن بمنزلة التبرع، وهو لا يملكه. وهذا في تقديري أولى لأن هذا التصرف مشتمل على ضرر له، وهو لا يملك التصرف الضار.\rومذهب المالكية في نفاذ تصرفات المأذون في المعاوضات المالية دون التبرعات هو كالحنفية، إلا أنهم قالوا كالصاحبين: لا ينفذ التصرف المشتمل على غبن فاحش.\rومذهب الحنابلة: أن الإذن بمثابة التوكيل، فلا ينفك الحجر بالإذن إلا فيما أذن له فيه وليه فقط، فإذا أذن الولي في التجارة في مئة، لم يصح تصرف المأذون فيما زاد عليها، وإذا أذن في نوع من التجارة، يتقيد فيه فقط؛ لأن تصرفه جاز بالإذن، فيزول الحجر عنه ويتقيد فيما أذن له فيه. لكن المأذون في التجارة من مميز ونحوه كمضارب في البيع، له البيع نسيئة أو بعرض (متاع)، لا كوكيل؛ لأن الغرض هنا الربح كالمضاربة.\rويصح إقرار المميز المأذون بقدر ما أذن له فيه؛ لأن الحجر انفك عنه فيه، وليس له التوكيل فيما أذن له فيه.","part":6,"page":303},{"id":3899,"text":"أجر الولي على ولايته: إن كان الولي غنياً لم يجز له الأجر على رعايته أموال المحجور وتنميتها وتشغيلها، وإن كان فقيراً، وانشغل بهذه الرعاية عن كسبه والتفرغ لشأن نفسه، جاز له أن يأخذ أجراً معتدلاً على رعايته، ويعين الأجر بحسب العرف الشائع، ودليل هذا التفصيل قوله تعالى: {ومن كان غنياً فليستعفف، ومن كان فقيراً فليأكل بالمعروف..} [النساء:6/4].\rالمطلب الثاني ـ أثر الحجر في تصرفات المجنون :\rالمجنون: هو من زال عقله. فإن استمر جنونه في جميع الأوقات، كان جنوناً مُطْبِقاً، وإذا ذهب عقله في وقت، وأفاق في وقت، كان جنونه متقطعاً.\rففي وقت الجنون يكون المجنون كالصبي غير المميز، تنسلب عنه الولايات الثابتة بالشرع كولاية الزواج، أو الثابتة بالتفويض كالإيصاء والقضاء، وتبطل أقواله في الدين والدنيا كالإسلام والمعاملات، لعدم قصده.\rفلا تعتبر تبرعاته كالصدقة والهبة، وتبطل جميع عقوده وتصرفاته كالبيع والشراء وإقراراته وطلاقه؛ لأنه فاقد الأهلية. وتعتبر أفعاله كالإحبال وإتلاف مال غيره، فينسب الولد له، ويضمن جنايته على نفس أو طرف أو جرح، فيلتزم بأرش (تعويض) الجناية.\rوأما في وقت الإفاقة التامة بحيث يكون المصاب كامل العقل والتمييز فتعتبر تصرفاته صحيحة نافذة. فإن كانت إفاقته غير تامة، بأن كان يعقل بعض الأشياء دون بعض، فتعد تصرفاته كالمميز موقوفة على إجازة وليه إذا كانت محتملة الضرر والنفع، وتبطل إذا كانت ضارة، وتنفذ إذا كانت نافعة. وهذا عند الحنفية والمالكية.\rالمطلب الثالث ـ أثر الحجر في تصرفات المعتوه :\rالمعتوه: هو من كان قليل الفهم، مختلط الكلام، فاسد التدبير لاضطراب عقله، سواء من أصل الخلقة، أو لمرض طارئ.","part":6,"page":304},{"id":3900,"text":"فإن كان العته شديداً، والمعتوه غير مميز، فهو كالمجنون والصغير غير المميز، تكون تصرفاته كلها باطلة. وقد ألحقت كتب الفقهاء العته بالجنون (1) .\rوإن كان العته خفيفاً، والمعتوه مميزاً، فتصرفه الضار عند الحنفية والمالكية يكون باطلاً، والنافع يكون صحيحاً، والدائر بين النفع والضرر يكون موقوفاً على إجازة وليه، فهو كالصبي المميز (2) .\rالمطلب الرابع ـ أثر الحجر على السفيه :\rيحجر على السفيه باتفاق المذاهب، كما يحجر على الصبي والمجنون، والحجر على السفيه هو المفتى به والمختار في المذهب الحنفي.\rوالسفيه: هو من يبذر ماله، ويصرفه في غير موضعه الصحيح، بما لا يتفق مع الحكمة والشرع. وفسر المالكية (3) السفه: بصرف المال في معصية كخمر وقمار (اللعب بالدراهم على أن من غلب صاحبه فله من المعلوم كذا، وهو محرم إجماعاً) أو بصرفه في معاملة من بيع أو شراء بغبن فاحش خارج عن العادة بلا مصلحة (من غير مبالاة) أو صرفه في شهوات نفسانية على خلاف عادة مثله في مأكله ومشربه وملبوسه ومركوبه ونحوها، أو بإتلافه هَدَراً، كأن يطرحه على الأرض أو يرميه في بحر ونحوه.\rوقد اختلفت المذاهب في تعريفه وفي أحكامه.\r-------------------------------\r(1) البدائع: 170/7، تبيين الحقائق: 191/5 ومابعدها، تكملة الفتح: 310/7-313، الدر المختار: 100/5 ومابعدها، اللباب: 66/2 ومابعدها، الشرح الكبير: 292/3، الشرح الصغير: 382/3، 388، مغني المحتاج: 165/2 وما بعدها، المهذب: 328/1، كشاف القناع: 430/3 ومابعدها.\r(2) الدر المختار ورد المحتار: 100/5، تكملة الفتح: 311/7.\r(3) الشرح الصغير: 393/3.","part":6,"page":305},{"id":3901,"text":"1 - مذهب الحنفية (1) : السفه: هو تبذير المال وتضييعه على خلاف مقتضى الشرع أو العقل، ولو في الخير، كأن يصرفه في بناء المساجد ونحوها. والتبذير كالإسراف في النفقة، وأن يتصرف تصرفات لا لغرض،أو لغرض لا يعده العقلاء المتدينون غرضاً كدفع المال إلى المغنين، والغبن في التجارات من غير محمدة (2) .\rوالسفيه: الخفيف العقل، المتلف لماله فيما لا غرض له فيه، ولا مصلحة. وحكمه مختلف فيه، فقال أبو حنيفة: لا يحجر على الحر العاقل البالغ بسبب السفه والدَّيْن والفسق والغفلة. فلا يحجر على السفيه ويظل تصرفه في ماله جائزاً، وإن كان مبذراً مفسداً يتلف ماله فيما لا غرض له فيه ولا مصلحة؛ لأن في سلب ولايته على ماله إهدار آدميته، وإلحاقه بالبهائم، وهو أشد ضرراً من التبذير، فلا يتحمل الضرر الأعلى لدفع الأدنى. قال تعالى: {وآتوا اليتامى أموالهم، ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب} [النساء:2/4] والمراد به بعد البلوغ (3) .\rلكن إذا بلغ الغلام غير رشيد لإصلاح ماله، لم يسلم إليه ماله في أوائل بلوغه، حتى يبلغ خمساً وعشرين سنة. وإن تصرف في ماله بعد البلوغ قبل أن يبلغ تلك السن، نفذ تصرفه، لوجود الأهلية، وإذا بلغ خمساً وعشرين سنة، سلِّم إليه ماله، وإن لم يؤنس منه الرشد؛ لأن المنع عنه للتأديب، ولا يتأدب بعد هذه السن غالباً، فقد يصير جَدَّاً في هذه السن، فلا فائدة في المنع. وهذا كله غير المفتى به.\r-------------------------------\r(1) البدائع: 169/7، 171، الدر المختار ورد المحتار: 102/5 وما بعدها، تبيين الحقائق: 195/5 ومابعدها، تكملة الفتح: 310/7 ومابعدها، اللباب: 68/2 ومابعدها.\r(2) التسامح في التصرفات من حيث الأصل،والبر والإحسان مشروع، إلا أن الإسراف حرام كالإسراف في الطعام والشراب، قال تعالى: {والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا} [الفرقان:67/25].\r(3) لكن يلاحظ أن هذه الآية مقيدة بآية: {ولا تؤتوا السفهاء أموالكم} [النساء:5/4].","part":6,"page":306},{"id":3902,"text":"وقال الصاحبان: يحجر على السفيه والمديون والمغفل، ولا يحجر على الفاسق. وبقولهما يفتى صيانة لمال السفيه والمغفل، ورعاية لمصلحة الدائنين الغرماء. ودليل الصاحبين وأئمة المذاهب الأخرى على جواز الحجر على السفيه: قوله تعالى: {ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياماً} [النساء:5/4] فقد نهى الله الأولياء عن إعطاء السفهاء أموالهم، مما يدل على منعهم من التصرف، إذ لو أبيح لهم التصرف، لأمكنهم إتلاف أموالهم، وهي في يد أوليائهم، فلا يكون لمنع المال عنهم فائدة. وقال النبي صلّى الله عليه وسلم فيما يرويه الطبراني بإسناد صحيح: «خذوا على يد سفهائكم» .\rثم إن في الحجر على السفيه رعاية لمصلحته، ودفع الضرر عنه بحفظ ماله وعدم وقوعه في الحاجة والفقر، كما أن فيه رعاية المصلحة العامة بدفع الضرر عن الناس الذين يعاملونه، حتى لا يصبح الشخص عالة على المجتمع، ومنعاً من إلحاق الضرر بالأموال، ودفع الضرر واجب شرعاً لقوله عليه الصلاة والسلام: «لا ضرر ولا ضرار» (1) .\rوبناء على قول الصاحبين المفتى به: حكم السفيه المحجور عليه كحكم الصبي المميز، في التصرفات التي تحتمل الفسخ كالبيع والشراء، تصح موقوفة على إجازة القيم عليه. فإن باع بعد الحجر لم ينفذ بيعه، وإن كان في بيعه مصلحة، أجازه الحاكم.\rأما التصرفات التي لا تحتمل الفسخ كالزواج والطلاق، فتصح منه، فإن تزوج امرأة أو أربع نسوة، جاز نكاحه؛ لأنه من حوائجه الأصلية، ولأنه لا يبطله الهزل. ثم إن سمى لها مقدار مهر مثلها، وإن زاد على مهر المثل، بطل الزائد؛ لأنه لا ضرورة فيه. ولو طلقها قبل الدخول، وجب نصف المهر المسمى.\r-------------------------------\r(1) حديث حسن رواه ابن ماجه والدارقطني وغيرهما مسنداً عن أبي سعيد الخدري، ورواه مالك في الموطأ مرسلاً عن عمرو بن يحيى عن أبيه عن النبي صلّى الله عليه وسلم . وله طرق يقوي بعضها بعضاً.","part":6,"page":307},{"id":3903,"text":"وتصح وصيته بمقدار الثلث من ماله، بشرط أن تكون الوصية لجهة خيرية كالإنفاق على الفقراء، أو بناء المساجد أو المشافي أو المدارس؛ لأن الوصية لا تنفذ إلا بعد وفاته.\rويجوز إقراره على نفسه بالحدود والقصاص، ولا يصح إقراره بالمال بعد الحجر عليه.\rوتجب عليه نفقة أولاده وزوجته ومن تجب عليه نفقته من ذوي أرحامه، وتخرج زكاة ماله؛ لأن السفه لا يبطل حقوق الناس.\rوتصح منه عباداته، ومنها الحج المفروض عليه، لكن لا يسلم القاضي النفقة إليه، وإنما يسلمها إلى ثقة من الحجاج، ينفقها عليه في طريق الحج، كيلا يتلفها في غير الحج.\rويلاحظ أنه لا يثبت الحجر على السفيه أو المدين إلا بقضاء القاضي، بخلاف الصغر والجنون والعته.\r2 - مذهب المالكية (1) : السفيه هو المبذر لماله إما لإنفاقه باتباعه لشهوته، وإما لقلة معرفة بمصالحه وإن كان صالحاً في دينه. والسفه: صرف المال في غير ما يراد له شرعاً. والحجر على السفيه من حقوق الأب إذا كان السفه قريباً من البلوغ كالصبي، فإن كان طروء السفه بعد البلوغ بأكثر من عام، فلا بد من حكم الحاكم بالحجر عليه.\rوحكم تصرفاته ما يأتي: ينفذ على الراجح قبل الحجر تصرف السفيه الذكر البالغ الذي لا ولي له ولا قيِّم عليه (ويسمى المُهْمَل) المحقق السفه، بدون إجازة من أحد، ولو تصرف بغير عوض، سواء أكان سفهه أصلياً (أي حدث قبل البلوغ) غير طارئ، أم طرأ بعد أن بلغ رشيداً.\rأما غير محقق السفه أي مجهوله فتصرفه نافذ اتفاقاً. وأما الصبي السفيه والأنثى البالغة السفيهة المُهْمَلان (أي لا ولي لهما) فترد تصرفاتهما، إلى أن يبلغ الصبي، وإلى أن تعنس الأنثى وتقعد عن المحيض وهو سن الأربعين أو من خمسين إلى ستين، أو تمضي سنة بعد دخول الزوج بها.\r-------------------------------\r(1) الشرح الكبير وحاشية الدسوقي: 296/3 ومابعدها، الشرح الصغير: 387/3 ومابعدها، و 393، بداية المجتهد: 279/2، القوانين الفقهية: ص 321.","part":6,"page":308},{"id":3904,"text":"وتصح وصية السفيه المحجور، وتنفذ ، كما ينفذ طلاق زوجته وخلعه لها، ولا تلزمه هبة ولا صدقة ولا عطية، ولا شيء من المعروف. ويصح إقراره بموجب عقوبة من حد أو قصاص.\rوأما تصرف السفيه المحجور بعوض، فهو موقوف على نظر وليه، أي أن حكم تصرفه كحكم تصرف الصبي المميز، المتقدم. ويتصرف الولي على المحجور وجوباً بالمصلحة العائدة على محجوره حالاً أو مآلاً، فله ترك شفعة وقصاص، ولا يعفو عن عمد أو خطأ مجَّاناً بلا أخذ مال، لما فيه من عدم المصلحة.\r3 - مذهب الشافعية (1) : السفه: تبذير (2) المال، وسوء التصرف، بأن يُضيِّع المال باحتمال غبن فاحش في المعاملة ونحوها، أو يرمي المال وإن قل في بحر أو نار، أو نحوه، أو ينفقه في محرَّم ولو معصية صغيرة، لما فيه من قلة الدين. والأصح أن صرف المال، وإن كثر، في الصدقة وباقي وجوه الخير، والمطاعم والملابس التي لا تليق بحاله، ليس بتبذير؛ لأن له في الصرف في الخير غرضاً وهو الثواب، فإنه لا سرف في الخير، كما لا خير في السرف، ولأن المال يتخذ لينتفع به ويلتذ.\rولا بد في الحجر على السفيه من حكم القاضي عليه، لا غيره من أب أو جد لأنه محل اجتهاد، ويسن أن يشهد القاضي على حجر السفيه، ليتجنب في المعاملة. ولو عاد رشيداً لا يرتفع الحجر عنه إلا برفع القاضي له، كما لا يثبت إلا به.\rوولي السفيه: هو القاضي، إذ ولاية الأب ونحوه قد زالت، فيشرف عليه من له النظر العام.\rوأما تصرفاته: فيصح بإذن الولي نكاحه. ويصح طلاقه ورجعته وخلعه زوجته بمثل المهر وبدونه، وظهاره وإيلاؤه، ونفيه النسب لما ولدته زوجته بلعان، واستلحاقه نسب ولد منه.\rولا يصح تصرفه المالي في الأصح ولو بإذن الولي؛ لأن عبارته مسلوبة، كما لو أذن لصبي فلا يصح من المحجور عليه لسفه بيع ولا شراء ولا هبة، فلو اشترى\r-------------------------------\r(1) مغني المحتاج: 168/2، 170-173، المهذب: 332/1.\r(2) التبذير: الجهل بواقع الحقوق. والسرف: الجهل بمقادير الحقوق، وحقيقة السرف: ما لا يكسب حمداً في العاجل، ولا أجراً في الآجل.","part":6,"page":309},{"id":3905,"text":"أو اقترض وقبض وتلف المأخوذ في يده أو أتلفه فلا ضمان عليه، ولا يصح إقراره بدين قبل الحجر عليه أو بعده، كالصبي. كما لا يصح إقراره بإتلاف المال أو جناية توجب المال في ا لأظهر، كدين المعاملة. ويصح إقراره بالحد والقصاص، لعدم تعلقهما بالمال، ولبعد التهمة. وتقطع يده لو كان الحد سرقة. ولا يلزمه المال لو عفا مستحق القصاص؛ لأن المال ثبت باختيار غيره، لا بإقراره.\rوحكمه في العبادة الواجبة مطلقاً، والمندوبة البدنية كالرشيد، لاجتماع الشرائط فيه. أما المندوبة المالية كصدقة التطوع، فليس هو فيها كالرشيد. لكن لا يفرق الزكاة بنفسه؛ لأنه ولاية وتصرف مالي، لكن لو أذن له الولي، وعين له المدفوع إليه، صح صرفه، كالصبي المميز، بشرط أن يكون تصرفه بحضرة الولي أو نائبه، لأنه قد يتلف المال إذا خلا به، أو يدّعي صرفه كاذباً.\rويصح نذره في الذمة بالمال، لا بعين ماله. وإذا أحرم بحج مفروض(أصلي أو قضاء أو منذور قبل الحجر)، أعطى الولي كفايته لثقة ينفق عليه في طريقه، كما قال الحنفية. وإن أحرم حال الحجر بتطوع من حج أو عمرة، أو بنذر بعد الحجر، وزادت مؤنة سفره عن نفقته المعتادة في أثناء الإقامة (أو الحضر)، فللولي منعه من الإتمام، أو الإتيان به، صيانة لماله، والمذهب أنه يكون كمُحْصَر (ممنوع من إكمال الحج)، فيتحلل؛ لأنه ممنوع من المضي، ويتحلل بالصوم؛ لأنه ممنوع من المال. لكن لو كان له في طريقه كسب، قدرَ زيادة المُؤنة، لم يجز منعه؛ لأن الإتمام بدون التعرض للمال ممكن.","part":6,"page":310},{"id":3906,"text":"4 - مذهب الحنابلة (1) : السفيه: هو الذي لا يحسن التصرف.\rولا بد للحجر عليه ـ كما قال سائر الأئمة ـ من حكم الحاكم، كما أن رفع الحجر عنه لا بد له من الحكم؛ لأنه حجر ثبت بحكمه، فلم يزل إلا به، كالمدين المفلس.\rومن حجر عليه الحاكم استحب له إظهاره والإشهاد على الحجر عليه، لتجتنب معاملته، كما قال الشافعية، ومن عامله بعدئذ فهو المتلف لماله.\rوولي السفيه: هو الأب، أو وصيه بعده، أو الحاكم عند عدمهما، إن كان محجوراً عليه صغيراً، واستديم الحجر عليه لسفهه. وإن جدد الحجر عليه بعد بلوغه، لم ينظر في ماله إلا الحاكم؛ لأن الحجر وإزالته يفتقر إلى حكم الحاكم، فكذلك النظر في ماله.\rوأما تصرفاته: فيصح نكاحه بإذن وليه وبغير إذنه، كما قال الحنفية، إن احتاج إليه؛ لأنه في هذه الحالة مصلحة محضة، ويتقيد بمهر المثل فلا يزيد عليه؛ لأن الزيادة تبرع، وليس السفيه من أهله. فإن لم يكن السفيه محتاجاً إلى التزوج، لا يصح تزوجه إلا بإذن وليه؛ لأنه تصرف يجب به مال، فلم يصح بغير إذن وليه كالشراء.\rويصح طلاقه؛ لأن الطلاق ليس بتصرف في المال، كما يصح خلعه زوجته؛ لأنه إذا صح الطلاق من دون دفع مال منه، فالخلع الذي يجلب له المال أولى، لكن لا يدفع العوض إليه. وهو متفق عليه فقهاً، كما لا حظنا.\rويصح ظهاره وإيلاؤه ولعانه ونفي النسب باللعان عن السفيه، وإقراره بنسب ولد منه.\rوتصح وصيته، كما قال سائر الفقهاء، لأنها محض مصلحته، لأنها تقرب إلى الله تعالى بماله، بعد استغنائه عنه. ويصح إقراره بما يوجب حداً أو قصاصاً، كما قال سائر الفقهاء، كالزنا والسرقة والشرب والقذف والقتل العمد أو قطع اليد وما أشبهها. وإذا أقر بما يوجب القصاص، فعفا المقر له على مال، فالصواب: أنه لا يجب المال الذي عفا عليه في الحال، كما قال الشافعية؛ لأن السفيه والمقر له قد يتواطآن على العفو، بل يجب إذا انفك الحجر عنه.\r-------------------------------\r(1) المغني: 469/4-475، كشاف القناع: 440/3-443.","part":6,"page":311},{"id":3907,"text":"ولا يصح إقراره بدين، أو بما يوجب الدين كجناية الخطأ، وشبه العمد وإتلاف المال وغصبه وسرقته، ولا يلزمه ما أقر به في حال حجره؛ لأنه محجور عليه لمصلحته، لكن الظاهر من قول الحنابلة: أنه يلزمه ما أقرَّ به بعد فك الحجر عنه.\rوالحكم في السفيه كالحكم في الصبي والمجنون في وجوب الضمان بإتلاف مال الغير بغير إذنه، كما قال سائر الفقهاء.\rولا تصح تبرعاته، كالهبة والوقف، كما قال بقية الفقهاء؛ لأن التبرع ضرر محض، وليس السفيه من أهله، حفظاً لماله. ولا تصح شركة السفيه ولا حوالته ولا الحوالة عليه، ولا كفالته لغيره، لأن المذكور تصرف مالي، فلم يصح منه كالبيع والشراء.\rولا تصح تصرفاته من بيع وشراء بغير إذن وليه، فتكون باطلة؛ لأنه محجور عليه لحفظ ماله عليه. فإن أذن ولي السفيه له بالبيع والشراء، فهل يصح منه؟. على وجهين:\rأحدهما ـ يصح لأنه عقد معاوضة، فملكه بالإذن كالنكاح، ويظهر أن هذا هو الأرجح عندهم. والثاني ـ لا يصح؛ لأن الحجر عليه لتبذيره وسوء تصرفه، فإذا أذن له، فقد أذن فيما لا مصلحة فيه، فلم يصح. وقد عرفنا أن هذا الوجه هو الأصح عند الشافعية.\rويلتزم السفيه بواجباته الشرعية كنفقة زوجته وخادمه ومن تلزمه نفقته، وتجب عليه الفرائض الدينية المتعلقة بالأموال، كالزكاة، لكن لا يباشر توزيعها بنفسه، بل يفرقها وليه، كسائر تصرفاته المالية. ويصح منه نذر كل عبادة بدنية كالحج والصيام والصلاة؛ لأنه غير محجور عليه في بدنه. ولا يصح منه نذر عبادة مالية كصدقة وأضحية لأنه تصرف في مال.","part":6,"page":312},{"id":3908,"text":"وإن أحرم السفيه بحج فرض، صح إحرامه به، كسائر عباداته، وتدفع النفقة من ماله إلى ثقة، ينفق عليه في الطريق، حتى يعود ، كما قال باقي الفقهاء. وإن كان الحج الذي أحرم به تطوعاً، وكانت نفقته في السفر كنفقته في الحضر، أو كانت نفقته في السفر أزيد، لكن يكتسب السفيه الزائد في سفره، لم يمنعه وليه من إتمام الحج؛ لأنه وجب بالشروع. فإن كانت نفقة السفر أزيد، ولم يكتسبها فلوليه تحليله من الإحرام بحج النفل، لما عليه من الضرر فيه، ويتحلل بالصيام أي صيام عشرة أيام، كالمعسر إذا أحصر، كما قال الشافعية.\rوحكم تصرف ولي السفيه، كحكم تصرف ولي الصغير والمجنون مقيد بتحقيق المصلحة للمولى عليه.\rوالخلاصة: أن تصرفات السفيه بالبيع والشراء ونحوهما موقوفة على إجازة وليه عند الحنفية والمالكية، وباطلة ولو بإذن الولي عند الشافعية، وباطلة بغير إذن الولي، وتصح وتنفذ بإذنه عند الحنابلة على الراجح.\rالمطلب الخامس - أثر الحجر على المغفل :\rالمغفل أو ذو الغفلة: هو من يغبن في البيوع، ولا يهتدي إلى التصرفات الرابحة في بيعه وشرائه، لقلة خبرته وسلامة قلبه. ويختلف عن السفيه بأنه ليس بمفسد لماله، ولا بمتابع هواه، ولا يقصد الإفساد. والسفيه عكسه، مفسد قصداً لماله، متابع لهواه. والمغفل ليس هو المعتوه؛ يخلط في كلامه.\rولا يحجر على المغفل عند أبي حنيفة، ويحجر عليه عند الصاحبين، ويفتى بقولهما، وهو رأي باقي الفقهاء، رعاية لمصلحته وحكم تصرفاته كالسفيه (1) .\rبدء الحجر على السفيه والمغفل ونهايته :\rقال محمد بن الحسن، وابن القاسم المالكي (2) : يثبت الحجر على السفيه والمغفل من وقت ظهور أمارات السفه أو الغفلة، ويزول بزوالهما، دون توقف على قرار القاضي بالحجر؛ لأن المسبب يدور مع سببه وجوداً وعدماً.\rوبناء عليه، لا تصح ولا تنفذ تصرفاتهما بمجرد ظهور الأمارات المذكورة، ويكون محجوراً عليهما ولو قبل صدور قرار القاضي.\rوقال أبو يوسف (ورأيه هو الراجح عند الحنفية) وجمهور الفقهاء (3) : لايثبت الحجر على\r-------------------------------\r(1) الدر المختار: 102/5 ومابعدها، تبيين الحقائق: 198/5 ومابعدها، البدائع: 169/7.\r(2) رد المحتار: 103/5، 106، الشرح الكبير: 297/3 ومابعدها.\r(3) القوانين الفقهية: ص 321، رد المحتار: 103/5، الشرح الصغير: 388/3، مغني المحتاج: 170/2، المغني: 469/4.","part":6,"page":313},{"id":3909,"text":"السفيه وذي الغفلة، ولا يرفع إلا بقرار القاضي بثبوته أو رفعه؛ لأن كلاً من السفه والغفلة ليس أمراً محسوساً كالجنون والعته، وإنما يستدل عليه\rبالتصرفات الحاصلة من السفيه والمغفل، وهذه أمور تقديرية اجتهادية، تختلف باختلاف وجهات النظر، فلا بد من حكم القاضي للتثبت من الأمر ورفع الخلاف، ومنعاً من تغرير المتعاملين معهما، وعدم إضرارهم بهما؛ لأنهم لا يعلمون أمرهما إلا بقرار الحجر عليهما.\rويترتب على هذا الرأي الراجح لدي لضبطه وعدم إضرار أحد أو تغريره نفاذ تصرفات السفيه والمغفل قبل الحجر القضائي عليهما، فينفذ مثلاً ما باعه أحدهما قبل حجر القاضي.\rالمطلب السادس ـ الحجر على الفاسق :\rاتفقت المذاهب الأربعة في الأصح عند الشافعية (1) : على أنه لا يحجر على الفاسق بسبب الفسق وحده دون تبذير ماله، فلو فسق السفيه مثلاً ولم يبذر: أي مع صلاح تصرفه في ماله بعد بلوغه رشيداً، لم يحجر عليه؛ لأن الفاسق أهل للولاية على نفسه وأولاده، ولأن الحجر شُرع لدفع الإسراف والتبذير، وهو مصلح لماله، ولأن السلف لم يحجروا على الفسقة.\rوالفسق الأصلي بأن بلغ فاسقاً، والطارئ بعد البلوغ: سواء في عدم جواز الحجر على صاحبه.\rملاحظة حول الحجر على الغائب :\rقال الحنفية خلافاً لمبدئهم في عدم جواز القضاء على الغائب (2) : يصح الحجر على الغائب، لكن لا ينحجر مالم يعلم بالحجر.\r-------------------------------\r(1) الدر المختار: 102/5، اللباب مع الكتاب: 75/2، القوانين الفقهية: ص320، الشرح الكبير: 292/3، مغني المحتاج: 170/2، كشاف القناع: 440/3.\r(2) الدر المختار ورد المحتار: 106/5.","part":6,"page":314},{"id":3910,"text":"المطلب السابع ـ الحجر للمصلحة العامة :\rصرح الحنفية (1) بأنه يجوز الحجر للمصلحة العامة؛ لأنه يتحمل الضرر الخاص لدفع الضرر العام أو يدفع الضرر الأعلى بالأدنى، فيحجر (أي يمنع) على الطبيب الجاهل، والمفتي الماجن، والمُكاري المفلس. وذلك بأن يسقي المتطبب الناس دواء مهلكاً، أو لا يقدر على إزالة ضرر دواء اشتد تأثيره على المرضى.\rوالمفتي الماجن: بأن يعلم العوام الحيل الباطلة، كتعليم الارتداد لتبين المرأة من زوجها، أو لتسقط عنها الزكاة، ولا يبالي بما يفعل من تحليل الحرام، وتحريم الحلال؛ أو أن يفتي عن جهل.\rوالمُكَارِي المفلس: وهو الذي يتقبل الكراء، ويؤجر وسائل النقل من إبل أو سيارات مثلاً، وليست عنده تلك الوسائل، كما أنه لا مال له، ليشتري بها الوسائل، ويعتمد الناس عليه، ويدفعون الكراء إليه، ويصرف هو ما أخذه منهم في حاجته، فإذا جاء موعد النقل، يختفي عن الأنظار، فتذهب أموال الناس، وتتعطل مصالحهم. وبكلمة موجزة: المكاري المفلس: هو متعهد النقل بدون إمكانات، فهو محتال نصاب.\rفيحجر على هؤلاء وأمثالهم؛ لأن دفع الضرر العام واجب، وإن كان فيه إلحاق الضرر الخاص ومصادمة الحريات. والحجر في هذه الحالات عقوبة مناسبة لزجرهم ودرء المفاسد عن الناس، لهذا روي عن أبي حنيفة أنه كان لا يجري الحجر إلا على هؤلاء الثلاثة؛ لأن الطبيب يضر الأبدان، والمفتي يضر الأديان، والمكاري يضرّ الأموال.\r-------------------------------\r(1) تبيين الحقائق: 193/5، الدر المختار: 102/5 ومابعدها، البدائع: 169/7، الهداية مع تكملة الفتح: 316/7، الكتاب مع اللباب: 68/2.","part":6,"page":315},{"id":3911,"text":"لكن ليس المراد بالحجر عليهم هو حقيقة الحجر: وهوالمنع الشرعي الذي يمنع نفوذ التصرف؛ لأن المفتي لو أفتى بعد الحجر، وأصاب، جاز، وكذا الطبيب لو باع الأدوية، نفذ بيعه، فدل على أن المراد هو المنع الحسي أي يمنع هؤلاء الثلاثة عن عملهم حساً؛ لأن المنع من العمل من باب الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر بسبب أن الطبيب الجاهل يفسد أبدان الناس، والمفتي الماجن يفسد دين المسلمين، والمكاري المفلس يفسد أموال الناس، ويلحق ضرراً بهم.\rالمطلب الثامن ـ الحجر على المريض مرض الموت :\rمرض الموت: هو الذي يغلب بسببه الموت بحسب رأي الأطباء، أو يحدث منه الموت، ولو لم يحصل الموت به غالباً، أي أن المدار على كثرة الموت من المرض، ولو لم يكن غالباً (1) .\rوعرفته مجلة الأحكام العدلية ( م 1595 ) بأنه المرض الذي يعجز الرجل أو المرأة عن ممارسة أعمالهما المعتادة، ويتصل به الموت قبل مضي سنة من بدئه، إذا لم يكن في حالة تزايد أو تغير، فإن كان يتزايد، اعتبر مرض موت من تاريخ اشتداده أو تغيره، ولو دام أكثر من سنة. ويقال لصاحبه: المريض، ويقابله: الصحيح وهو من ليس في حال مرض الموت، ولو كان مريضاً بمرض آخر. ويعد المرض الذي صح منه المريض كالصحة، والمقعد والمفلوج والمسلول إذا تطاول زمن المرض ولم يقعده في الفراش كالصحيح.\rوبناء عليه قال المالكية (2) : المريض نوعان: مريض لايخاف عليه الموت غالباً كالأبرص والمجذوم والأرمد، وغيرهم، فلا حجر عليه أصلاً.\r-------------------------------\r(1) الشرح الكبير وحاشية الدسوقي: 306/3 .\r(2) القوانين الفقهية: ص 322 .","part":6,"page":316},{"id":3912,"text":"ومريض يخاف عليه في العادة كالُحمَّى القوية والسُّل وذات الجنب وشبهها. وفي رأيي أن تقدير خطر الموت عائد لظروف تقدم الطب في كل عصر. فإذا كان السل مثلاً مرضاً خطيراً في الماضي، فقد أصبح في عصرنا غير خطير بعد اكتشاف عصيات السل؛ وعلاجه المناسب له.\rواتفق أئمة المذاهب (1) على جواز الحجر على مريض الموت لحق الورثة. وصرح المالكية أنه يلحق به: من يخاف عليه الموت كالمقاتل في صف القتال، والمحبوس للقتل، أو المحكوم بالإعدام، والحامل إذا بلغت ستة أشهر، ودخلت في السابع ولو بيوم. واختلف في راكب البحر وقت الهول بشدة ريح أو غيرها، والأصح أنه لايعتبر كمريض الموت.\rوالذي يحجر به على مريض الموت: هو تبرعاته فقط فيما زاد عن ثلث تركته، حيث لا دين، فيحجر على المريض في تبرع كهبة وصدقة ووصية ووقف وبيع محاباة، وبيع مشتمل على غبن، فيما يزيد عن ثلث ماله، أي أن حكم تبرعاته كحكم وصيته، تنفذ من الثلث، وتكون موقوفة على إجازة الورثة في الزائد عن الثلث. فإن برئ من مرضه، صح تبرعه. وهذا رأي الحنفية والشافعية والحنابلة. فإن استغرقت الديون جميع تركته حجر عليه جميع تصرفاته دون نظر إلى الثلث رعاية لحقوق الدائنين الغرماء.\rوقال المالكية: لاينفذ من الثلث تبرع المريض في الحال أو لا ينجز للمتبرع له إلا إذا كان المال المتبرع منه مأموناً أي لايخشى تغيره وهو العقار كدار وأرض وشجر، فإن كان المال غير مأمون فلا ينفذ وإنما يوقف ولو بدون الثلث حتى يظهر حاله من موت أو حياة.\r-------------------------------\r(1) الدر المختار: 480/5 ومابعدها، شرح السراجية: ص5، الشرح الكبير: 306/3 ومابعدها، الشرح الصغير: 399/3-402، مغني المحتاج: 165/2، القوانين الفقهية: ص 322 ومابعدها، المغني: 465/4، كشاف القناع: 404/3.","part":6,"page":317},{"id":3913,"text":"ويمنع عند المالكية تصرف المريض فيما زاد على قدر الحاجة من الأكل والشرب والكسوة والتداوي، كما يمنع من الزواج بما زاد على الثلث.\rولايمنع من تصرفات المعاوضات المالية كبيع وشراء وقرض وقراض (مضاربة) ومساقاة وإجارة، إلا إن كان فيها محاباة.\rفإن مات المريض، نفذ تصرفه من التبرعات في ثلث ماله. وإن عاش، نفذ تصرفه من رأس ماله كله.\rوقال الحنفية: تنفذ تصرفات المريض الضرورية الخاصة بشخصه وأسرته دون إجازة أحد، وهي النفقات الضرورية اللازمة للطعام والكسوة والسكنى له، ولمن تلزمه نفقته، أو اللازمة للعلاج كأجر الطبيب وثمن الدواء وأجور العملية الجراحية. وله الزواج، لأنه قد يحتاج إلى من يخدمه أو يؤنسه، بشرط كون المهر في حدود مهر المثل، والزائد عنه تبرع في حكم الوصية.\rوللمريض أن يقر بدين لأجنبي أو لوار ث، فإن كان لأجنبي غير وارث فهو صحيح نافذ دون حاجة لإجازة الورثة، لكن يقدم عليه دين الصحة.\rالمطلب التاسع ـ الحجر على الزوجة :\rقال المالكية وفي رواية عن أحمد (1) : يحجر على المرأة المتزوجة الحرة الرشيدة لصالح زوجها في التصرف بغير عوض كالهبة والكفالة فيما زاد على ثلث مالها قياساً على المريض، ويكون تبرعها بزائد عن الثلث نافذاً، حتى يرد الزوج جميعه أو ما شاء منه، على المشهور عند المالكية.\rوبناء على هذا المشهور، ينفذ جميع ما تبرعت به، إن لم يعلم الزوج بتبرعها حتى بانت منه بطلاق، أو علم وسكت، أو مات أحدهما.\rوللزوج رد جميع ما تبرعت به الزوجة إن تبرعت بزائد على ثلثها، وله إمضاؤه وإنفاذه، وله رد الزائد فقط. ورد الزوج رد إيقاف على المعتمد، ورد إبطال عند أشهب.\rوليس للزوجة بعد الثلث تبرع إلا أن يبعد ما بين التبرعين بنصف عام على المعتمد عندهم.\r-------------------------------\r(1) الشرح الكبير: 307/3 ومابعدها، الشرح الصغير: 402/3، القوانين الفقهية: ص 323، المغني: 464/4، كشاف القناع: 405/3.","part":6,"page":318},{"id":3914,"text":"أما واجبات الزوجة من نفقة أبويها، فلا يحجر عليها فيه، ولو قصدت بالإنفاق ضرر الزوج عند ابن القاسم، خلافاً لما روي عن مالك من رد الثلث إذا قصدت به ضرر الزوج، ولها أن تهب جميع مالها لزوجها، ولا اعتراض عليها في الهبة لأحد. ولها التصرف بعوض في جميع مالها.\rودليل هذا المذهب أخبار منها: «لا يجوز لامرأة عطية في مالها إلا بإذن زوجها، إذ هو مالك عصمتها» (1) .\rوقال الجمهور (الحنفية والشافعية والحنابلة في الراجح عندهم) (2) :للمرأة الرشيدة التصرف في مالها كله بالتبرع والمعاوضة، لقوله تعالى: {فإن آنستم منهم رشداً، فادفعوا إليهم أموالهم} [النساء:6/4] وهو ظاهر في فك الحجر عنهم، وإطلاقهم في التصرف. وثبت أن النبي صلّى الله عليه وسلم قال: « يا معشر النساء ! تصدقن، ولو من حُليِّكن...» (3) ، وأنهن تصدقن، فقبل صدقتهن، ولم يسأل، ولم يستفصل. وهذا الرأي هو الأوجه؛ لأن ذمة المرأة المالية مستقلة عن ذمة الزوج في الإسلام، وهذا من مفاخر الشريعة التي أعطت المرأة أهلية كاملة في التملك والتصرف.\r-------------------------------\r(1) رواه الخمسة إلا الترمذي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم قال في خطبة خطبها: «لا يجوز للمرأة أمر في مالها إذا ملك زوجها عصمتها» ، وهناك روايات أخرى عن ابن ماجه (المغني، المكان السابق، نيل الأوطار: 18/6).\r(2) المغني: 464/4.\r(3) رواه الترمذي عن زينب امرأة عبد الله بن مسعود (سنن الترمذي رقم الحديث: 635).","part":6,"page":319},{"id":3915,"text":"ملحق ـ هل للمرأة الصدقة من مال زوجها بالشيء اليسير بغير إذنه؟\rهناك روايتان عن الإمام أحمد تمثلان أهم آراء السلف إجمالاً (1) :\rإحداهما ـ الجواز وهو الأصح، وهي الرواية الراجحة المشهورة في المذهب؛ لأن عائشة قالت: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم : «ما أنفقت المرأة من بيت زوجها غير مُُفْسِدة، كان لها أجرها بما أنفقت، ولزوجها أجره بما كسب، وللخازن مثل ذلك، لا ينقص بعضهم من أجر بعض شيئاً» (2) ، ولم تذكر إذناً، إذ العادة السماح، وطيب النفس به، فجرى صريح الإذن، كتقديم الطعام بين يدي الضيفان قام مقام صريح الإذن في أكله.\rلكن إن منعها الزوج من التصدق، أو كان الزوج بخيلاً، وتشكُّ في رضاه، فيحرم عليها الصدقة بشيء من ماله حينئذ، كما يحرم على الرجل الصدقة بطعام امرأته بغير إذنها؛ لأن العادة لم تجر به. ومن يقوم مقام المرأة كالأخت والخادمة والغلام المتصرف في مال سيده، هو كالزوجة، يجوز له الصدقة بنحو رغيف من مال رب البيت، ما لم يمنع أو يكن بخيلاً، أو يضطرب العرف ويشك في رضاه.\rوالرواية الثانية ـ لا يجوز، لما روى أبو أمامة الباهلي، قال: سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلم يقول: «لا تنفق المرأة شيئاً من بيتها إلا بإذن زوجها، قيل: يا رسول الله ، ولا الطعام؟\r-------------------------------\r(1) المغني: 465/4 ومابعدها، كشاف القناع: 448/3 ومابعدها، نيل الأوطار: 16/6.\r(2) رواه الجماعة، وهناك أحاديث أخرى في معناها متفق عليها (نيل الأوطار: 15/6 وما بعدها).","part":6,"page":320},{"id":3916,"text":"قال: ذاك أفضل أموالنا» (1) ، ولأنه تبرع بمال غيره، بغير إذنه، فلم يجز للغير وللزوجة.\rقال ابن قدامة الحنبلي: والأول أصح؛ لأن الأحاديث فيها (أي في الرواية الأولى) خاصة صحيحة، والخاص يقدم على العام ويبينه، ويعرِّف أن المراد بالعام غير هذه الصورة المخصوصة. وحديث الباهلي ضعيف. ولا يصح قياس المرأة على غيرها؛ لأنه بحكم العادة تتصرف في مال زوجها وتتبسط فيه، وتتصدق منه لحضوره وغيبته، والإذن العرفي يقوم مقام الإذن الحقيقي، فصار كأنه قال لها: افعلي هذا.\rالمطلب العاشر ـ الحجر على المدين وأثره (التفليس ) :\rأولاً ـ تعريف التفليس والمفلس: التفليس لغة: النداء على المفلس، وشهره بين الناس بصفة الإفلاس المأخوذ من الفلوس التي هي أخس الأموال. وشرعاً: جعل الحاكم المديون مفلساً بمنعه من التصرف في ماله أو خلع الرجل عن ماله للغرماء.\rوالفلس: عدم المال، والمفلس في العرف: من لا مال له. وهو المعدم، وفي الشرع: من لا يفي ماله بدينه، أو الذي أحاط الدين بماله، أو من لزمه من الدين أكثر من ماله الموجود. وسمي مفلساً، وإن كان ذا مال؛ لأن ماله مستحق الصرف في جهة دينه، فكأنه معدوم، أو باعتبار ما يؤول من عدم ماله بعد وفاء دينه، أو لأنه يمنع من التصرف في ماله إلا الشيء التافه الذي لا\r-------------------------------\r(1) رواه سعيد بن منصور في سننه، وفي معناه أحاديث: حرمة مال الإنسان بغير طيب منه، وتحريم الأموال والدماء بين المسلمين.","part":6,"page":321},{"id":3917,"text":"يعيش إلا به، كالفلوس ونحوها (1) .\rثانياً ـ هل يحجر على المدين المفلس؟\rقال أبو حنيفة (2) : لا أحجر على المفلس في الدَّين؛ لأن مال الله غاد ورائح، فهو لا يرى الحجر على المدين المفلس، كما لا يرى الحجر على السفيه؛ لأن في الحجر إهداراً لحريته وإنسانيته وأهليته، فذلك أخطر من ضرر خاص يلحق الدائن. فتنفذ تصرفاته، ولا يباع ماله جبراً عنه، وإنما يؤمر بسداد ديونه؛ فإن امتثل فلا يتعرض له بشيء، وإن امتنع عن الأداء، حبس حتى يسدد دينه، أو يبيع ماله بنفسه، وشرع حبسه دفعاً لظلمه؛ لأن قضاء الدين واجب عليه، والمماطلة ظلم. وليس للقاضي أن يبيع ماله جبراً عنه؛ لأنه نوع حجر عليه، وهو لا يجوز عنده. والخلاصة: أن أبا حنيفة قال: ليس للحاكم أن يحجر على المفلس، ولا يبيع ماله بل يحبسه، حتى يؤدي أو يموت في السجن.\rوالمفتى به عند الحنفية هو قول الصاحبين، وهو قول جمهور الفقهاء: وهو جواز الحجر على المدين المفلس في تصرفاته المالية، حفاظاً على حقوق الدائنين وأموالهم من الضياع. بدليل ماروى الدارقطني، والخلال ، وصحح الحاكم إسناده: أن النبي صلّى الله عليه وسلم حجر على معاذ، وباع ماله في دين كان عليه، وقسمه بين غرمائه، فأصابهم خمسة أسباع حقوقهم، فقال لهم النبي صلّى الله عليه وسلم : ليس لكم إلا ذلك.\rواختلفت المذاهب في بعض التفصيلات، منها توقف الحجر على قضاء القاضي ومايتبعه من أمور.\r-------------------------------\r(1) بداية المجتهد: 280/2، القوانين الفقهية: ص 318، الشرح الكبير: 261/3، مغني المحتاج: 146/2، المغني: 408/4، كشاف القناع: 405/3.\r(2) الهداية مع تكملة الفتح: 324/7 ومابعدها، تبيين الحقائق: 199/5، الكتاب مع اللباب: 72/2.","part":6,"page":322},{"id":3918,"text":"ثالثاً ـ هل يتوقف الحجر على المدين على قضاء القاضي؟\r1 - مذهب المالكية (1) : للمفلس الذي أحاط الدين بماله أحوال ثلاثة:\rالحالة الأولى ـ قبل التفليس أي قبل نزع ماله منه وإعطائه للدائنين: يكون للدائنين الحق في منعه من التصرف في ماله بغير عوض، وإبطال تصرفه، سواء أكان دينهم حالاً أم مؤجلاً. فيمنعونه من التصرفات الضارة بمصلحتهم، كالتبرع والهبة والصدقة والوقف، والكفالة والقرض والإقرار بدين لشخص يتهم بأن إقراره له فراراً من الدين، كولده وزوجه. أما من لايتهم معه، فيعتبر إقراره له. وماعدا المذكور من تصرفات المعاوضة كالبيع والشراء، تنفذ منه.\rالحالة الثانية (2) ـ ألا يرفع الأمر إلى الحاكم، وإنما يقوم الغرماء على المدين، فيستتر منهم ولايجدونه، فلهم أن يحولوا بينه وبين ماله، ويمنعوه من التبرعات\r-------------------------------\r(1) الشرح الكبير وحاشية الدسوقي: 261/3-264، الشرح الصغير: 345/3-353، بداية المجتهد: 280/2 ومابعدها، القوانين الفقهية: ص318 ومابعدها.\r(2) وتسمى إفلاساً بالمعنى الأعم.","part":6,"page":323},{"id":3919,"text":"والتصرفات المالية بالبيع والشراء، والأخذ والعطاء، ولو بغير محاباة، ومن التزوج، ولهم قسم ماله بالمحاصة، أي بنسبة حصص ديونهم.\rالحالة الثالثة (1) ـ حكم الحاكم بتفليسه، أي بخلع ماله لغرمائه ، وهو نزع ماله منه وإعطائه للدائنين، لعجزه عن قضاء مالزمه من الديون.\rولاتتحقق هذه الحالة إلا بطلب الدائنين ( الغرماء ) جميعهم أو بعضهم، وأن يكون الدين حالاً، فلا يصح تفليسه بدين مؤجل، وأن يكون الدين زائداً على ماله ومتى فلسه الحاكم اشترك الجميع في ماله، من طلب ومن لم يطلب.\rويترتب على تفليسه في هذه الحال أمور أربعة تحقق معنى الحجر عليه وهي: منعه من التبرعات؛ ومن المعاوضات المالية، والزواج بأكثر من زوجة واحدة؛ وقسمة ماله بين الدائنين، وحلول الدين المؤجل، أي يحجر عليه في جميع التصرفات بعوض أو بغير عوض، وللدائنين منعه من سفر التجارة أو غيرها إن حل دينه أو كان يحل بغيبته، كما لهم طلب سجنه، فيحبسه الحاكم استبراء لأمره.\r2 ـ مذهب الجمهور ( غير المالكية ) (2) : لايحجر على المدين إلا بقضاء القاضي، فتكون تصرفاته قبل القضاء نافذة. وإذا حجر عليه، فإنه يمنع من جميع التصرفات التي تضر بالدائنين، وهي التبرعات والمعاوضات المالية، والإقرار بالدين في حال الحجر، ويبيع الحاكم ماله، ويقسم ثمنه على الغرماء.\rوشرط الحنفية في المفتى به وهو قول الصاحبين شرطين للحجر على المدين: أن يكون دينه مستغرقاً أمواله أو يزيد عنها، وأن يطلب الغرماء الحجر عليه.\rوشرط الشافعية والحنابلة للحجرعلى المدين شرطين أيضاً كالشرطين السابقين: أن تكون عليه ديون حالّة تزيد على ماله، وأن يطلب الغرماء الحجر عليه.\rويصح تزوج المفلس بمهر المثل، وطلاقه وخلعه زوجته ورجعتها واستيفاؤه القصاص، وإسقاط القصاص ولو مجاناً. وله أن يرد المبيع الذي اشتراه قبل الحجر بالعيب أو الإقالة، إن كانت المصلحة في الرد. والأصح عند الشافعية سريان الحجر على مايتملكه المدين بعد الحجر بالاصطياد والهبة، والوصية، و الشراء في الذمة، على القول الراجح بجواز هذا الشراء؛ لأن مقصود الحجر وصول الحقوق إلى أهلها، وهو لايختص بالمال الموجود وقت الحجر.\rوينفق على المدين من ماله وعلى زوجته وأولاده الصغار وذوي أرحامه؛ لأن حاجته الأصلية مقدمة على حق الغرماء.\r-------------------------------\r(1) وتسمى إفلاساً بالمعنى الأخص.\r(2) تبيين الحقائق: 199/5، الدر المختار: 103/5، الكتاب مع اللباب: 73/2، تكملة الفتح: 327/7 ومابعدها، مغني المحتاج: 147/2 - 149، المهذب: 320/1، المغني: 409/4، 471، كشاف القناع: 407/3-411.","part":6,"page":324},{"id":3920,"text":"الفرق بين حجر المدين وحجر السفيه: فرَق الحنفية (1) بين الحجر بالدين والحجر بالسفه من وجوه، منها:\r1 ـ أن حجر السفيه لمعنى في نفسه، وهو سوء اختياره، لا لحق الغرماء، أما الحجر للدين فهو لمصلحة الدائنين، ويحتاج كلاهما لحكم القضاء.\r2 ـ أن المحجور بالدين لو أقر حالة الحجر ينفذ إقراره بعد زوال الحجر ولو فيما سيحدث له من مال، والمحجور بالسفه لا يجوز إقراره بالدين، لا حال الحجر، ولا بعده، ولا في المال القائم، ولا الحادث. وهذان الوجهان مقرران أيضاً عند الشافعية والحنابلة والمالكية.\rوحجر الفلس أقوى من حجر المرض بدليل أن المريض يتصرف في مرض الموت في ثلث ماله، ولا تتعلق حقوق الورثة بماله إلا بعد الموت. أما حجر الفلس فتتعلق حقوق الغرماء بعين مال المدين في الحال كالمرهون (2) .\rرابعاً ـ سفر المدين المفلس: للفقهاء في منع المدين من السفر رأيان متقاربان:\rفقال الحنفية والشافعية (3) : ليس للدائنين منع المدين من السفر قبل حلول الأجل، سواء أكان الأجل بعيداً أم قريباً؛ لأنه لا حق لهم في مطالبة حلول الأجل. فإذا حل الأجل لهم منعه من المضي في سفره حتى يوفي دينه.\rوقال المالكية (4) : للدائن منع المدين من سفر لتجارة أو غيرها إن حل أجل الدين، أو كان يحل في أثناء غيبته، مطلقاً أي ولو لم يكن الدين محيطاً بمال المدين، إذا لم يوكل من يوفي عنه دينه، أو لم يضمنه موسر.\rفإن كان الدين مؤجلاً، أو لا يحل أثناء الغيبة في السفر، ليس للدائن منعه من السفر.\rويتفق الحنابلة (5) مع المالكية بالقول: للدائن منع المدين الذي أراد سفراً طويلاً فوق مسافة القصر، إن حل الدين قبل عودته من السفر. وليس له منعه إن كان\r-------------------------------\r(1) رد المحتار: 103/5، تبيين الحقائق: 196/5.\r(2) مغني المحتاج: 148/2، المهذب: 321/1.\r(3) البدائع: 173/7، تكملة الفتح: 329/7، اللباب: 74/2، المهذب: 319/1، مغني المحتاج: 157/2.\r(4) الشرح الكبير: 262/3، الشرح الصغير: 348/3.\r(5) المغني: 455/4، كشاف القناع: 405/3 ومابعدها.","part":6,"page":325},{"id":3921,"text":"الدين لا يحل إلا بعد عودته من سفره. لكنهم قالوا: إن كان سفره لجهاد، فله منعه إلا بضمين (كفيل) أو رهن؛ لأنه سفر يتعرض فيه للشهادة، وذهاب النفس، فلا يأمن فوات الحق.\rوالخلاصة: أن الرأي الأول للحنفية والشافعية: ليس للدائن المنع من السفر ولا المطالبة بكفيل إذا كان الدين مؤجلاً بحال، سواء أكان الدين يحل قبل العودة من السفر أم بعده، وسواء أكان السفر إلى الجهاد أم إلى غيره؛ لأنه لا يملك المطالبة بالدين، فلم يملك منعه من السفر، ولا المطالبة بكفيل كالسفر الآمن القصير. فإن كان الدين حالاً منع المدين من السفر.\rوالرأي الثاني للمالكية والحنابلة أكثر تشدداً في حفظ حق الدائن، فله المنع من السفر إذا كان الدين يحل قبل العودة من السفر؛لأنه سفر يمنع استيفاء الدين في أجله، فملك منعه من السفر إن لم يوثق بكفيل أو رهن كالسفر بعد حلول الحق.\rخامساً ـ أثر الحجر على المفلس أو أحكام الحجر :\rيترتب على الحجر آثار أو أحكام:\r1 ً - تعلق حق الغرماء بعين ماله، ومنعه من التصرف بماله (1) :\rيستحب أن يشهد القاضي على حجر المفلس، ليعلم الناس حاله، ويحذروا معاملته، فلا يعاملوه، إلا على بصيرة (2) . فإذا حجر عليه تعلقت ديون الغرماء\r-------------------------------\r(1) رد المحتار: 105/5، تكملة الفتح: 328/7، الشرح الكبير: 265/3، الشرح الصغير: 352/3، 355، القوانين الفقهية: ص 318 ومابعدها، مغني المحتاج: 147/2، المهذب: 321/1، كشاف القناع: 411/3، المغني: 409/4، 471، كشاف القناع: 411/3.\r(2) المهذب: 321/1، مغني المحتاج: 148/2، المغني: 440/4، كشاف القناع: 411/3.","part":6,"page":326},{"id":3922,"text":"بماله كالرهن، فلا ينفذ تصرفه فيه بما يضرهم؛ لأنه لا ضرر على الغرماء، فتبطل تبرعاته كالهبة والصدقة، ولا يقبل إقراره أصلاً بعد التفليس على ماله باتفاق الفقهاء، لكن قال المالكية: يقبل إقرار المفلس لغير متهم عليه أي أجنبي، ولا يقبل لمتهم عليه كابن وأخ وزوجة، وقبول إقراره يكون في المجلس الذي فلس فيه، أو قام عليه الغرماء أو قريباً منه. ويبطل بيعه وشراؤه ونحوهما من المعاوضات المالية عند الحنابلة، والشافعية في الأظهر، لتعلق حق الغرماء بعين ماله كالمرهون، ولأنه محجور عليه بحكم الحاكم، فلا يصح تصرفه في ماله ببيع أو غيره مما يناقض مقصود الحجر.\rوقال الحنفية: يصح بيعه بثمن المثل أو بمثل القيمة، وأما إن كان بغبن فيصح البيع موقوفاً على إجازة الدائنين، وبه يكون قصدهم من منعه من التصرف عندهم هو البيع بأقل من ثمن المثل.\rوقال المالكية: إن وقع التصرف المالي لم يبطل، بل يوقف على نظر الحاكم والغرماء.\rوتصح من المفلس المحجور عليه التصرفات المتعلقة بذمته كالبيع على أساس السلم أو بيع شيء موصوف في الذمة، إذ لا ضرر على الغرماء في ذلك. وتصح منه التصرفات التي لا تتعلق بأمواله كالنكاح والطلاق والخلع والقصاص وإسقاط حق القصاص بمقابل الدية أو العفو مجاناً.\rويصح إقراره بحق أو مال وجب عليه قبل الحجر عليه، ولا يصح إقراره بحقوق تعلقت بماله بعد الحجر عليه بمعاملة أو مطلقاً بأن لم يقيده بمعاملة ولا غيرها (1) .\r-------------------------------\r(1) مغني المحتاج: 148/2 ومابعدها.","part":6,"page":327},{"id":3923,"text":"2 ً - حلول الديون المؤجلة، كما تحل الديون بالموت عند الحنفية وفي المشهور عند المالكية (1) ، لخراب الذمة في الحالتين، وهو عند المالكية ما لم يشترط المدين عدم حلوله بهما، وما لم يقتل الدائن المدين عمداً، فلا يحل.\rوقال الشافعية في الأظهر، والحنابلة في أرجح الروايتين (2) : لا يحل الدين المؤجل بفلس من هو عليه؛ لأن الأجل حق مقصود للمفلس، فلا يسقط بفلسه كسائر حقوقه، ويفترق الفلس عن الموت في أن الميت خربت ذمته وبطلت. وعليه: لا يشارك أصحاب الديون المؤجلة غرماء الديون الحالة، بل يقسم المال الموجود بين أصحاب الديون الحالة، ويبقى المؤجل في الذمة إلى وقت حلوله. فإن لم يقتسم الغرماء حتى حل الدين، شارك الغرماء، كما لو تجدد على المفلس دين بجنايته.\r3 ً - الملازمة والحبس الاحتياطي للمدين :\rاختلف الفقهاء في جواز ملازمة المدين، واتفقوا على جواز حبسه بحكم القاضي بشروط معينة.\rالملازمة: قال أبو حنيفة وصاحباه (3) : للدائنين أن يلازموا المدين، فيذهبوا معه حيثما ذهب، فإذا رجع إلى بيته، فأذن لهم في الدخول، دخلوا معه، وإلا انتظروه على الباب ليلازموه بعد الخروج، ولكن لا يمنعونه من التصرف والكسب والسفر حال الملازمة، ولا يحبسونه في مكان خاص؛ لأنه حبس، بل يدورون\r-------------------------------\r(1) الشرح الصغير: 352/3، القوانين الفقهية: ص 318، بداية المجتهد: 282/2، الشرح الكبير: 265/3 ومابعدها.\r(2) مغني المحتاج: 147/2، المغني: 435/4.\r(3) تبيين الحقائق: 200/5، تكملة الفتح: 329/7 ومابعدها، البدائع: 173/7.","part":6,"page":328},{"id":3924,"text":"معه، ويدور هو حيث شاء؛ لأنه بذلك يتمكن الدائن من حمل المدين على قضاء الدين، ولقوله عليه الصلاة والسلام: «لصاحب الحق: اليد، واللسان» (1) أراد باليد: الملازمة، وباللسان: التقاضي. ولا تلازم المرأة منعاً من الخلوة بالأجنبية.\rوقال زفر والمالكية والشافعية والحنابلة (2) : إذا ثبت إعسار المدين عند الحاكم، لم يكن لأحد مطالبته وملازمته، بل يمهل إلى أن يوسر لأنه إذا ثبتت العسرة استحق النَّظِرة إلى الميسرة، كما لو كان الدين مؤجلاً، لقوله تعالى: {وإن كان ذو عسرة، فنَظِرة إلى ميسرة} [البقرة:280/2]. وحديث «لصاحب الحق...» فيه مقال، كما قال ابن المنذر، أو أنه يحمل على الموسر، فقد ثبت أن النبي صلّى الله عليه وسلم قال لغرماء الذي أصيب في ثمار ابتاعها، فكثر دينه: «خذوا ما وجدتم، وليس لكم إلا ذلك» (3) . وهذا القول هو الأرجح.\rحبس المدين: المقرر شرعاً أنه يجب على المدين إيفاء ديونه إذا كان موسراً، فإن كان معسراً فيمهل إلى وقت اليسار عملاً بنظرة الميسرة. وإن كان مماطلاً في الوفاء، وله مال يفي بدينه للحال، حبسه الحاكم، لقوله صلّى الله عليه وسلم : «لَيُّ الواجد ظلم، يحل عرضه وعقوبته» (4) . واللي: المطل، والواجد: الغني من الوُجد بمعنى القدرة. وعرضه: شِكايته، وعقوبته: حبسه. وبناء عليه يجوز الحبس، ولكن بشروط أوضحها الفقهاء.\r-------------------------------\r(1) رواه بهذا اللفظ ابن عدي في الكامل عن أبي عتبة الخولاني، ورواه الدارقطني عن مكحول بلفظ «إن لصاحب الحق اليد واللسان» وهو حديث مرسل. وأخرج البخاري عن أبي هريرة، قال: «أتى النبي صلّى الله عليه وسلم رجل يتقاضاه، فأغلظ له، فهمَّ به أصحابه، فقال: دعوه، فإن لصاحب الحق مقالاً » (نصب الراية: 166/4).\r(2) مغني المحتاج: 156/2، المغني: 449/4 ومابعدها، كشاف القناع: 406/3، 430، الشرح الصغير: 370/3، القوانين الفقهية: ص 317، بداية المجتهد: 280/2 ومابعدها.\r(3) رواه مسلم والترمذي.\r(4) رواه الخمسة إلا الترمذي، وأخرجه أيضاً البيهقي وابن حبان وصححه عن عمرو بن الشَّريد عن أبيه (نيل الأوطار: 240/5).","part":6,"page":329},{"id":3925,"text":"قال الحنفية (1) : للقاضي أن يحبس المدين رجلاً أو امرأة بدينه في كل دين التزمه بعقد كالمهر والكفالة إذا كان غنياً، أو اشتبه على القاضي حال يساره وإعساره، ولم يقم عنده حجة على أحدهما، فإذا حبسه شهرين أو ثلاثة أشهر، ولم يظهر له مال في تلك المدة، فإنه يطلق سراحه، وإن أقام البينة على أن لا مال له أي أنه فقير، خلى سبيله، للآية السابقة {فنظرة إلى ميسرة} [البقرة:280/2] ولا يضرب المحبوس بالدين ولا يخوَّف، ولا يغل بقيد، ولا يجرد، ولا يوقف أمام صاحب الدين إهانة له، ولا يؤجر.\rويشترط للحبس شروط ثلاثة: في الدين، والمدين، والدائن:\rأولهما ـ أن يكون الدين حالاً، فلا يحبس في الدين المؤجل؛ لأن الحبس لدفع الظلم المتحقق بتأخير قضاء الدين، ولم يوجد ممن دينه مؤجل.\rثانيهما ـ يشترط في المدين شروط ثلاثة: هي القدرة على وفاء الدين: فلو كان معسراً لا يحبس، لقوله تعالى: {وإن كان ذو عسرة، فنظرة إلى ميسرة} [البقرة:280/2].\rوالمطل: وهو تأخير قضاء الدين، للحديث السابق «مطل الغني ظلم» (2) فيحبس دفعاً للظلم، وحديث «ليّ الواجد...» والحبس عقوبة، وما لم يظهر منه المطل، لا يحبس لانعدام المطل واللي منه.\rوأن يكون المدين غير الوالدين، فلا يحبس الوالدون وإن علوا، بدين المولودين، وإن سفلوا، لقوله تعالى: {وصاحبهما في الدنيا معروفاً} [لقمان:15/31] {وبالوالدين إحساناً} [الإسراء:23/17]، وليس من المصاحبة بالمعروف والإحسان: حبسهما بالدين، لكن يحبس الوالد تعزيراً\r-------------------------------\r(1) البدائع: 173/7، تكملة الفتح: 329/7-330، تبيين الحقائق: 199/5.\r(2) رواه الجماعة: عن أبي هريرة (نيل الأوطار: 236/5).","part":6,"page":330},{"id":3926,"text":"بالامتناع عن نفقة ولده الذي عليه نفقته (1) ، ويحبس ولي الصغير إذا كان هو المتسبب في تأخير قضاء الدين.\rثالثها ـ أن يطلب الدائن (صاحب الدين) من القاضي حبس المدين، فما لم يطلب لا يحبس؛ لأن الدين حقه، والحبس وسيلة إلى حقه، وممارسة الحق بطلبه.\rوالذي يمنع عنه المحبوس: هو الخروج إلى أشغاله ومهماته الدينية والدنيوية، كحضور الجمع والجماعات والأعياد وتشييع الجنائز وعيادة المرضى والزيارة والضيافة، ليكون المنع باعثاً له على قضاء الدين. ولا يمنع من زيارة أقاربه له، ولا من التصرفات الشرعية كالبيع والشراء والهبة والصدقة والإقرار لغيرهم من الغرماء. ولا يمكن المحبوس من الاشتغال بعمله على الصحيح ليضجر قلبه، فينبعث على قضاء دينه.\rوقال المالكية (2) : يسجن المدين استبراء لأمره إن جهل حاله، أو ظهرت ملاءته (غناه) بحسب ظاهر حاله، بلبسه فاخر الثياب، وركوبه جيد المواصلات، وكان له خدم من غير أن يعلم حقيقة حاله، حتى يثبت عسره، أو يأتي بكفيل يكفله، فيطلق سراحه.\rفإن وعد غريمه بوفاء الدين، وطلب تأخيره نحو اليومين، أجيب لطلبه، ولا يحبس إن كفله كفيل.\rكذلك يؤجل المدين المعلوم الملاءة (الغنى) أو ظاهر الملاءة، إن وعد بالوفاء، وطلب التأخير لبيع أمواله وعروضه التجارية، إن قدم كفيلاً بالمال، وإلا سجن، وليس للحاكم بيع تلك العروض، بخلاف المفلس؛ لأن المفلس منع من التصرف في ماله، وتحبس المرأة عند امرأة أمينة، ويحبس الجد لولد ابنه، ويحبس الولد لأبيه في دين أو غيره، ولا العكس: أي لا يحبس والد بولده.\r-------------------------------\r(1) أما الولد فيحبس بدين الوالد، وكذا سائر الأقارب يحبس المديون بدين قريبه.\r(2) الشرح الصغير: 368/3-371، الشرح الكبير: 278/3-282، القوانين الفقهية: ص 318.","part":6,"page":331},{"id":3927,"text":"فإن أثبت المدين المجهول الحال، أو ظاهر الملاءة عُسْره بشهادة بيِّنة تشهد أنه لا يعرف له مال ظاهر ولا باطن، وحلف كذلك أنه لا مال له، أُنظر لميسرة، فلا يسجن ولا يطالب قبلها، ولا يلزم بتكسب ولا اقتراض لوفاء ما بقي عليه من الدين، ولو كان قادراً عليه؛ لأن الدين إنما تعلق بذمته، فلا يطلب به إلا عند اليسار. ويخرج المجهول الحال من الحبس إن طال حبسه باجتهاد الحاكم بحيث يغلب على الظن أنه لو كان عنده مال، ما صبر على الحبس هذه المدة. وأما ظاهر الملاءة فلا يخرج من الحبس إلا ببينة بعدمه. وأما معلوم الملاءة فيخلد في السجن حتى يؤدي ما عليه أو يأتي بكفيل غارم.\rوقال الشافعية والحنابلة (1) : على الموسر إن طولب أداء دينه فوراً بحسب الإمكان، فإن امتنع وله مال ظاهر، وهو من جنس الدين، وُفي منه، فإن كان من غير جنس الدين، باع الحاكم جبراً عليه ماله، وإن كان المال في غير محل ولايته، أو أكرهه مع التعزير بحبس أو غيره على البيع، فإن أخفى المدين ماله، وهو معلوم، وطلب غريمه حبسه، حبس، وحجر عليه أولاً حتى يظهره. فإن لم ينزجر بالحبس، ورأى الحاكم ضربه أو غيره، فعل ذلك، وإن زاد مجموعه على الحد.\rومن ادعى الإعسار ولم يصدقه الدائن، حبس إلى أن يأتي ببينة تشهد بعسرته. فإن ثبت إعساره، وجب إنظاره ولم تجز ملازمته للآية السابقة: {وإن كان ذو عسرة، فنظِرة إلى ميسرة} [البقرة:280/2].\r-------------------------------\r(1) مغني المحتاج: 154/2، 157، كشاف القناع: 406/3-409، المغني: 447/4 ومابعدها، و450 ومابعدها، المهذب: 320/1.","part":6,"page":332},{"id":3928,"text":"وإن ثبتت قدرته على الوفاء، ولم يؤد ديونه، حبسه الحاكم (1) ، للحديث السابق: «ليُّ الواجد يحل عرضه وعقوبته» ، وليس للحاكم إخراج المدين من الحبس حتى يتبين له أمره أنه معسر، فيجب حينئذ إطلاقه، أويبرأ المدين من غريمه بوفاء أو إبراء، أو حوالة، فيطلق سراحه لسقوط الحق عنه، أو يرضى غريمه بإخراجه من الحبس. فإن أصر المدين المليء على الحبس، ولم يوف الدين، باع الحاكم ماله، وقضى دينه.\rولا يجبر كما قال المالكية على الكسب، للحديث السابق: «خذوا ما وجدتم، وليس لكم إلا ذلك» كما لا يجبر على قبول الهدية أو الصدقة أو القرض.\r4 ً - بيع مال المدين المحجور عليه وقسمة ثمنه بين الغرماء :\rاتفق الفقهاء (2) على أنه يباع مال المدين المحجور عليه بسبب الفلس، ويقسم ثمنه بين الدائنين الغرماء بالمحاصة أي بنسبة ديونهم، ويندب أن يكون البيع فوراً بعد الحجر، لئلا يطول زمن الحجر عليه، ومبادرة لبراءة ذمته، وإيصال الحق إلى ذويه، ولأنه صلّى الله عليه وسلم لما حجر على معاذ، باع ماله في دينه، وقسم ثمنه بين غرمائه.\rفإن كانت الديون من جنس مال المدين، قضاها القاضي بغير أمر المدين، وإن كانت من غير جنس مال المدين، وجب على القاضي بيع المال، وقسمة الثمن بين الدائنين.\r-------------------------------\r(1) قال الشيخ تقي الدين بن تيمية: لا يجب حبسه في مكان معين، بل المقصود: منعه من التصرف حتى يؤدي الحق، فيحبس ولو في دار نفسه بحيث لا يمكن من الخروج (كشاف القناع: 408/3).\r(2) تكملة الفتح: 328/7 ومابعدها، تبيين الحقائق: 199/5 ومابعدها، الشرح الصغير: 357/3 ومابعدها، 366، الشرح الكبير: 269/3-271، القوانين الفقهية: ص 319، مغني المحتاج: 150/2 وما بعدها، المهذب: 322/1، كشاف القناع: 420/3 ومابعدها، المغني: 441/4-446، بداية المجتهد: 287/2.","part":6,"page":333},{"id":3929,"text":"ويستحب للحاكم وقت البيع أن يحضر أو وكيله، لفوائد، منها ضبط متاعه، والتعريف بالجيد منه، وتطييب نفسه وإسكان قلبه، وتكثير الرغبة في شرائه، كما يستحب إحضار الغرماء؛ لأن البيع لهم، وربما رغبوا في شيء، فزادوا في ثمنه،ولتطييب قلوبهم، والبعد عن التهمة، وربما وجد أحدهم عين ماله، فأخذه.\rويباع الشيء في عصرنا بالمزاد العلني، ويباع ندباً كل شيء في سوقه، بشرط كون البيع بثمن المثل، حالاً، من نقد البلد.\rويقدم في البيع مايخاف فساده كالفواكه والبقول، ثم ما يتعلق به حق كالمرهون، ثم الحيوان لحاجته إلى النفقة، ولأنه معرض للتلف، ثم المنقول؛ لأنه يخشى ضياعه بسرقة ونحوها، ويقدم الملبوس على النحاس ونحوه، ثم العقار، ويقدم البناء على الأرض. وإنما أخر العقار؛ لأنه يؤمن عليه من الهلاك والسرقة؛ ولأن العقار يعد للاقتناء، فيلحقه ضرر ببيعه، فلا يبيعه إلا عند الضرورة، ويستأنى عند المالكية في بيع العقار نحو شهرين.\rويلاحظ أن أبا حنيفة خلافاً لصاحبيه لم يجز للحاكم بيع عروض المدين وعقاره.\rويترك للمفلس مجموعة كاملة عادية (دَسْت) (1) من ثيابه المحتاج إليها عادة، كما يترك له قوت يوم القسمة عند الشافعية لمن تلزمه نفقته، من زوجة وخادم وقريب، وعند الحنفية: ينفق على هؤلاء من مال المدين قبل التفليس ولو بعد الحجر، وعند المالكية: يترك له ما يأكله أياماً، وعند الحنابلة: إلى أن يفرغ من قسمة المال بين الغرماء. فالحنابلة كالشافعية. وتترك له آلة صنعته التي لا بد منها، كما يترك للعالم كتبه التي يحتاج لمراجعتها ومطالعتها. وأجاز المالكية بيع الكتب وثياب الجمعة إن كثرت قيمتها؛ لأن شأن العلم ـ على حد تعبيرهم ـ أن يحفظ في القلب، لكن قال العلامة العدوي: إن الحفظ قد ذهب الآن، فلذا أجراها بعضهم على آلة الصانع.\r-------------------------------\r(1) الدَّسْت: ما قابل ثياب الزينة.","part":6,"page":334},{"id":3930,"text":"ويترك له مسكنه الذي لا غنى له عن سكناه فيه، وخادمه الذي يحتاج إليه، مما يكون كلاهما صالحين لمثله؛ لأن ذلك مما لا غنى له عنه، فلم يبع في دينه كلباسه وقوته.\rلكن الأصح عند الشافعية: أنه يباع مسكنه ومركوبه، ولا يترك له خادمه القابل للبيع في الماضي، لزمانته ومنصبه؛ لأنه يسهل تحصيل المقصود بالكراء.\rوقال المالكية: أوجر على المفلس خادمه الذي لا يباع عليه، ويباع ما يباع عليه.\r5 ً - استرداد الدائن عين ماله الذي وجده في مال المفلس :\rهذا هو الحكم أو الأثر الخامس من أحكام أو آثار الحجر على المفلس عند الجمهور غير الحنفية.\rقال الحنفية (1) : من أفلس (أي حكم الحاكم بتفليسه) وعنده متاع لرجل بعينه، ابتاعه منه، فصاحب المتاع أسوة الغرماء، أي أنه لا يكون أحق به من سائر الغرماء، فإن أفلس قبل قبض المتاع، أو بعد القبض بغير إذن بائعه، كان له استرداده، وحبسه بالثمن في حالة ما قبل القبض.\rودليلهم على عدم استحقاق صاحب المتاع عين ماله: أن الإفلاس يوجب في عقد المعاوضة لا في غيره العجز عن تسليم العين، والعقد غير مستحق الفسخ، فلا يثبت حق الفسخ، وإنما المستحق هو الثمن أو الدين الذي هو وصف في الذمة، وبقبض المشتري عين المبيع، تتحقق المبادلة ما بين الدين والعين.\r-------------------------------\r(1) الدر المختار: 106/5، تكملة الفتح والعناية: 330/7 ومابعدها، تبيين الحقائق: 201/5 ومابعدها.","part":6,"page":335},{"id":3931,"text":"وقال الجمهور غير الحنفية (1) : إذا فلس الحاكم رجلاً،فأصاب أحد الغرماء عين ماله (أو\rسلعته التي باعها إياه بعينها)، كان له حق فسخ البيع وأخذ سلعته؛ لأنه عجز المشتري عن إيفاء الثمن، فيوجب ذلك حق الفسخ، كعجز البائع عن تسليم المبيع، ولأنه يجوز فسخ العقد لتعذر العوض كالمسلم فيه إذا تعذر، ولأن النبي صلّى الله عليه وسلم قال فيما يرويه أبو هريرة: «من أدرك ماله بعينه عند رجل أفلس، أو إنسان قد أفلس، فهو أحق به من غيره» (2) .\rوقال الحنفية: إنه معارض بما روى الخصاف بإسناده: أن النبي صلّى الله عليه وسلم قال: «أيما رجل أفلس فوجد رجل عنده متاعه، فهو أسوة غرمائه» وتأويل حديث أبي هريرة: أن المشتري كان قبضه بشرط الخيار للبائع.\rوالحقيقة أن رأي الجمهور أقوى لصحة حديث أبي هريرة الذي لا يعارضه غيره، ولبعد تأويل الحنفية السابق، إ ذ لا حاجة للحديث في حالة وجود الخيار للبائع بفسخ البيع، فهذا أمر مقرر عام يشمل المفلس وغيره. وأبعد منه تأويلهم الحديث على ما إذا كان المتاع وديعة أو عارية أو لقطة؛ لأن نص الحديث مقيد بحالة الإفلاس.\rوهناك أمور تتعلق برجوع صاحب المتاع أو المال على المفلس أهمها ما يأتي:\rأولاً - هل خيار الرجوع على الفور أو على التراخي؟ للشافعية والحنابلة رأيان (3) : أصحهما أن خيار الرجوع على الفور، كخيار العيب بجامع دفع الضرر، فتأخير الخيار يفضي إلى الضرر بالغرماء، لإفضائه إلى تأخير حقوقهم.\rثانياً ـ حق الرجوع في كل المعاوضات: قال الشافعية (4) : لصاحب المال الرجوع في سائر المعاوضات المحضة كالبيع والإجارة والقرض والسلم، لعموم حديث أبي هريرة السابق، فإذا أجره داراً بأجرة حالَّة، لم يقبضها حتى حجر عليه، فله الرجوع في الدار بالفسخ، تنزيلاً للمنفعة منزلة العين في البيع، ولو سلمه دراهم قرضاً، أو رأس مال سلم حالَّ أو مؤجل، فحل أجل تسليم المسلم فيه، ثم حجر عليه، والدراهم باقية بالشروط الآتية، فله الرجوع فيها بالفسخ.\rأما غير المعاوضات كالهبة، والمعاوضات غير المحضة كالنكاح والصلح عن دم العمد، فلا يجوز الرجوع فيها.\rثالثاً ـ شروط الرجوع: يشترط للرجوع في البيع عند الشافعية شروط (5) :\r-------------------------------\r(1) بداية المجتهد: 283/2 ومابعدها، الشرح الصغير: 373/3، الشرح الكبير: 282/3، المهذب: 322/1، مغني المحتاج: 157/2 ومابعدها، المغني: 409/4 ومابعدها، القوانين الفقهية: ص 319.\r(2) حديث صحيح رواه الجماعة عن أبي هريرة، وله مؤيدات أخرى عن سمرة، وعن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام (نيل الأوطار: 242/5).\r(3) مغني المحتاج: 158/2، المغني: 410/4.\r(4) مغني المحتاج: 158/2.\r(5) المرجع والمكان السابق.","part":6,"page":336},{"id":3932,"text":"(1) ـ كون الثمن حالاً عند الرجوع، لا مؤجلاً؛ لأن المؤجل لايطالب به.\r(2) ـ أن يتعذر حصول الثمن بالإفلاس. فلو انتفى الإفلاس، وامتنع المدين من دفع الثمن مع يساره، أو هرب، أو مات مليئاً وامتنع الوارث من التسليم، فلا فسخ في الأصح؛ لأن التوصل إلى أخذه بالحكم ممكن.\rولو عرض الغرماء فداء المال بدفع ثمنه له، لم يلزمه قبوله، وله الفسخ عند الشافعية والحنابلة لما في الفداء من المنة، ولتعلق حقه بعين ماله. وقال المالكية: ليس له حينئذ حق الرجوع؛ لأن الرجوع لتلافي النقص في الثمن، فإذا بذل له الثمن كاملاً، لم يكن له الرجوع، كما لو زال العيب من المعيب (1) .\r(3) ـ كون المبيع باقياً في ملك المشتري: فلو زال (فات) ملكه حساً كالموت أو حكماً كالوقف والبيع والهبة، فلا رجوع، لخروجه عن ملكه بالفوات.\rتبين من هذه الشروط وما ذكر قبلها أن شروط الرجوع عند الشافعية تسعة (2) :\rالأول ـ كونه في المعاوضة المحضة كالبيع.\rالثاني ـ أن يرجع عقب العلم بالحجر.\rالثالث ـ أن يكون رجوعه بقوله: فسخت البيع ونحوه، بدون حاجة لحكم حاكم.\rالرابع ـ أن يكون عوضه غير مقبوض، فإن قبض شيئاً منه ثبت الرجوع فيما يقابل الباقي.\rالخامس ـ أن يكون عدم استيفاء العوض لأجل الإفلاس.\rالسادس ـ كون العوض ديناً، فإن كان عيناً قدم بها على الغرماء.\rالسابع ـ حلول الدين.\rالثامن ـ كون المال المبيع باقياً في ملك المفلس.\r-------------------------------\r(1) الشرح الكبير: 283/3، الشرح الصغير: 373/3 ومابعدها، مغني المحتاج: 159/2، المغني: 411/4.\r(2) مغني المحتاج: 160/2.","part":6,"page":337},{"id":3933,"text":"التاسع ـ ألا يتعلق بالمال حق لازم، كرهن صادر من المشتري للشيء.\rوقال الحنابلة (1) : إنما يستحق البائع الرجوع في السلعة بخمس شرائط، وزاد في كشاف القناع شرطين آخرين:\rأحدها ـ أن تكون السلعة باقية بعينها، لم يتلف بعضها، فإن تلف جزء منها كتلف ثمرة الشجر المثمر، لم يكن للبائع الرجوع، وكان أسوة الغرماء. وقال المالكية والشافعية: يجوز الرجوع في الباقي، ويساهم مع الغرماء بحصة التالف. وهذا هو الشرط الثامن عند الشافعية.\rثانيها ـ ألا يكون المبيع زاد زيادة متصلة كالسمن والكبر. وقال المالكية والشافعية: إنها لا تمنع.\rثالثها ـ ألا يكون البائع قبض من ثمنها شيئاً، فإن كان قد قبض بعض ثمنها سقط الرجوع، وهذا هو الشرط الرابع عند الشافعية، فالمذهبان متفقان عليه. وقال المالكية: صاحب السلعة مخير: إن شاء رد ما قبضه ورجع في جميع العين، وإن شاء ساهم مع الغرماء ولم يرجع.\rرابعها ـ ألا يكون تعلق بها حق الغير، فإن رهنها المشتري، أو وهبها، لم يملك البائع الرجوع، كما لو باعها. وهذا هو الشرط التاسع عند الشافعية، ولا خلاف فيه بين الشافعية والحنابلة والمالكية.\rخامسها ـ أن يكون المفلس حياً، فإن مات، فالبائع أسوة الغرماء، سواء علم بفلسه قبل الموت، فحجر عليه، ثم مات، أو مات، فتبين فلسه. وهذا رأي المالكية أيضاً، لحديث أبي بكر بن عبد\r-------------------------------\r(1) المغني:413/4، 419، 430، 431، 434، 453، كشاف القناع: 414/3-417.","part":6,"page":338},{"id":3934,"text":"الرحمن: « فإن مات المشتري، فصاحب المتاع أسوة الغرماء» (1) وقال الشافعية: له الفسخ، واسترجاع العين، عملاً بحديث أبي هريرة السابق.\rسادسها ـ كون السلعة لم يزل ملك المشتري عنها ببيع أو هبة أو وقف ونحوه.\rسابعها ـ أن يكون البائع حياً إلى وقت الرجوع.\rوأما شروط رجوع البائع على المفلس في عين ماله عند المالكية فهي ثلاثة (2) :\rأولها ـ ألا يفديه غرماؤه بثمنه الذي على المفلس، فإن فدوه بمالهم أو بمال المفلس، أو ضمنوا له الثمن وهم ثقات، أو أعطوه كفيلاً ثقة، لم يأخذه.\rثانيها ـ أن يمكن أخذه واستيفاؤه، فإن لم يمكن أخذه كبضع الزوجة (الاستمتاع بها) فلا يرجع، فالزوجة إذا أفلس زوجها وطلبت صداقها، ساهمت مع الغرماء؛ إذ لا يمكن رجوعها في البضع، ولها الفسخ قبل الدخول إذا أفلس حينئذ (3) .\rثالثها ـ أن يبقى عين المال على حاله، دون أن يتغير أو ينتقل عما كان عليه حين البيع، فإن تغير، ساهم صاحب المال مع الغرماء، فلا يرجع إن طحنت الحنطة أو بذرت أو قليت أو عجنت أو خبزت، أو جعل الزُّبْد سمناً، أو فصل القماش ثوباً، أو قطع الجلد نعالاً أو ذبح الحيوان، أو تتمر الرطب (جعله تمراً)، أو خلط الشيء بغير مثله، ولم يتيسر تمييزه، كخلط عسل بسمن أو زيت، أو قمح جيد بعفن أو مسوس، أو زيت بنوع آخر من الزيوت.\rفإن خلط الشيء بمثله، أو دبغ الجلد، أو صبغ الثوب، أو نسج الغزل، أو تعيب الشيء بآفة سماوية أو بفعل المشتري أو بفعل أجنبي وعاد لهيئته الأولى، فلصاحبه حق الرجوع وأخذ الشيء.\rفإن استمر العيب، ولم يعد الشيء لهيئته الأولى، فله أخذه ومشاركة الغرماء بنسبة النقص، أو تركه ومشاركة الغرماء بجميع الثمن.\rرابعاً ـ زيادة المبيع عند المشتري المفلس: إذا زاد المبيع في يد المفلس فهل لصاحبه حق الرجوع؟\rللزيادة حالات:\r-------------------------------\r(1) رواه مالك في الموطأ، وأبو داود، وهو مرسل، وقد أسنده أبو داود من وجه ضعيف (نيل الأوطار: 242/5).\r(2) الشرح الكبير: 283/3، الشرح الصغير: 374/3 ومابعدها.\r(3) هذه مسألة استطرادية، لأن الكلام فيما قبض وحيز قبل الفلس. والزوج وهو المبتاع لم يحصل منه قبض للبضع قبل الفلس.","part":6,"page":339},{"id":3935,"text":"الحالة الأولى ـ الزيادة المتصلة: كالسمن والكبر، وتعلم الصناعة أو الكتابة أو القرآن ونحوها، لا تمنع الرجوع عند المالكية إلا أن يعطيه الغرماء ثمن المبيع، وعند الشافعية، وفي رواية عن أحمد. وتمنع الرجوع في رأي الخرقي الحنبلي، ويظهر أنه الرأي الراجح عند الحنابلة لاتفاق كتبهم عليه (1) .\rالحالة الثانية ـ الزيادة المنفصلة: كالثمرة والولد الحادثين بعد البيع في يد المشتري، لا تمنع الرجوع باتفاق المذاهب الثلاثة، ويرجع البائع في الأصل، دون الزيادة، فإنها تكون للمشتري؛ لأن الشارع إنما أثبت لصاحب المال الرجوع في المبيع ذاته، فيقتصر عليه (2) .\rالحالة الثالثة ـ الزيادة بسبب الصبغ: إذا اشترى رجل من آخر قماشاً فصبغه بصباغ ما، ثم أفلس، لم يمنع الصبغ باتفاق المذاهب الثلاثة من رجوع البائع بأصل القماش؛ لأن له حق الرجوع بعين ماله. ويكون المفلس شريكاً لصاحب القماش بما زاد في قيمته، وتكون الزيادة له (3) .\rوفي احتمال آخر عند الحنابلة: ألا يكون له الرجوع إذا زادت القيمة، لأنه اتصل بالمبيع زيادة للمفلس، فمنعت الرجوع كالسمن.\rالحالة الرابعة ـ الزيادة بالبناء أو الغرس أو الزراعة :\rقال المالكية (4) : من وجد ماله بعينه عند المفلس، وقد أحدث زيادة ،مثل أن تكون أرضاً فبناها أو غرسها، امتنع عليه الرجوع، ويساهم مع الغرماء في ماله.\rوقال الشافعية والحنابلة (5) : لو اختار البائع الرجوع في الأرض بعد بناء المشتري أو غرس أشجار فيها، فإن اتفق الغرماء والمفلس على تفريغها من البناء\r-------------------------------\r(1) الشرح الكبير: 283/3، مغني المحتاج: 161/2، المهذب: 324/1، المغني: 419/4، كشاف القناع: 416/3، القوانين الفقهية: ص 320.\r(2) المراجع السابقة، كشاف القناع: 418/3.\r(3) الشرح الكبير: 283/3، مغني المحتاج: 164/2، المهذب: 325/1، المغني: 417/4، كشاف القناع: 418/3.\r(4) بداية المجتهد: 285/2.\r(5) مغني المحتاج: 162/2 ومابعدها، المهذب: 325/1، المغني: 426/4 ومابعدها، كشاف القناع: 427/3.","part":6,"page":340},{"id":3936,"text":"والغرس، فلهم ذلك؛ لأن الحق لهم لا يعدوهم، فإذا تم التفريغ فللبائع الرجوع في أرضه؛ لأنه وجد متاعه بعينه، ويجب تسوية الحفر وغرامة أرش النقص من مال المفلس إن نقصت بالقلع، وإن امتنعوا عن التفريغ، لم يجبروا، قيل: وللبائع الرجوع في الأرض، ويتملك البناء والغراس بقيمته، وله أن يقلع ويضمن أرش النقص؛ لأن مال المفلس مبيع كله، والضرر يندفع بكل واحد من الأمرين، كالزيادة بالصبغ.\rوالأرجح عند الشافعية والحنابلة: أنه ليس للبائع الرجوع في الأرض، ويبقى البناء والغراس للمفلس، لما في الرجوع من ضرر بالمفلس المشتري والغرماء، والضرر لا يزال بالضرر، فالرجوع إنما شرع لدفع الضرر، فلا يزال ضرر البائع بضرر المفلس والغرماء. وحينئذ يساهم البائع مع الغرماء بالثمن. وبه اتفقت المذاهب الثلاثة على عدم الرجوع في هذه الحالة.\rفإن زرع المشتري الأرض، ثم أفلس، فيجوز للبائع عند الشافعية (1) الرجوع في الأرض؛ لأنه وجد عين ماله مشغولاً بما ينقل، كما لو كان المبيع داراً، وفيها متاع للمشتري. وحينئذ إن استحصد الزرع، وجب نقله، وإن لم يستحصد، جاز تركه إلى أوان الحصاد، من غير أجرة؛ لأن المشتري زرع في أرضه، فإذا زال الملك، جاز ترك الزرع إلى أوان الحصاد، من غير أجرة، كما لو زرع أرضه، ثم باع الأرض.\rخامساً ـ تغيير المبيع بطحن الحنطة أو غزل الصوف ونحوهما :\rإن اشترى شخص حنطة فطحنها، أو زرعها، أو دقيقاً فخبزه، أو زيتاً فعمله صابوناً، أو ثوباً قماشاً فقطعه قميصاً، أو غزلاً فنسجه ثوباً، أو خشباً فنجّره أبواباً،\r-------------------------------\r(1) المهذب: 326/1.","part":6,"page":341},{"id":3937,"text":"أو شريطاً فعمله إبراً، أو شيئاً عمل به ما أزال اسمه، ثم أفلس، سقط حق الرجوع للبائع باتفاق المذاهب الثلاثة على الأظهر عند الشافعية إن زادت القيمة. فإن لم تزد القيمة رجع البائع، ولا شيء للمفلس (1) .\rسادساً ـ خلط المبيع بغيره :\rإذا اشترى شخص زيتاً فخلطه بزيت آخر، أو قمحاً فخلطه بما لا يمكن تمييزه منه، سقط حق الرجوع باتفاق المذاهب الثلاثة. لكن قال المالكية: إن خلط الشيء بمثله، فله حق الرجوع، وقال الشافعية: إن خلط المبيع بمثله أو دونه، فللبائع أخذ قدر المبيع من المخلوط، وإن خلطه بأجود منه، فلا رجوع في المخلوط في الأظهر، بل يضارب مع الغرماء بالثمن (2) .\rسابعاً ـ نقص المبيع : إذا نقصت مالية المبيع لذهاب صفة مع بقاء عينه، أو لعيب، كهزال، أو مرض، أو بلى ثوب، لم يمنع الرجوع باتفاق المذاهب الثلاثة؛ لأن فقد الصفة لا يخرجه عن كونه عين ماله، لكن البائع عند الشافعية والحنابلة يتخير بين أخذه ناقصاً بجميع حقه، وبين أن يساهم مع الغرماء بجميع الثمن؛ لأن الثمن لا يتقسط على صفة السلعة من هزال أو غيره، فيصير كنقصه بسبب تغير الأسعار.\rويتخير البائع عند المالكية بين أخذه ومشاركة الغرماء بنسبة النقص، أو تركه\r-------------------------------\r(1) الشرح الكبير: 283/3، الشرح الصغير: 374/3، مغني المحتاج: 163/2، المهذب: 325/1، المغني: 416/4.\r(2) الشرح الكبير، والصغير، ومغني المحتاج: المكان السابق، المغني: 415/4، المهذب: 326/1.","part":6,"page":342},{"id":3938,"text":"ومشاركة الغرماء بجميع الثمن. وهو مذهب الشافعية أيضاً فيما إذا كان إتلاف بعض الشيء من أجنبي (1) .\rالمبحث الثالث ـ رفع الحجر عن المحجورين :\rمن المقرر شرعاً أن الحكم يدور مع سببه أو علته وجوداً أو عدماً، وبما أن الحجر كان لسبب، فإذا زال سبب الحجر، زال مسببه الذي بني عليه، وهو الحجر، وقد بينت الحكم في بحث أثر الحجر في المحجورين وأوجزه هنا.\rيرتفع الحجر عن السفيه إذا ظهر رشده وأمارات حرصه على ماله، ولكن لا بد في الراجح عند الفقهاء، خلافاً لمحمد بن الحسن وابن القاسم كما تبين في السفه، من قرار القاضي برفع الحجر؛ لأن ما ثبت بحكم القاضي لا يزول إلا بحكم آخر. كذلك يرفع الحجر عن المغفل إذا ظهرت خبرته، واهتدى إلى حسن التصرف، عن طريق حكم القاضي، على الخلاف السابق في السفيه.\rويرفع الحجر عن المجنون بدون حكم القاضي باتفاق إذا شفي وعاد إليه عقله. ومثله المعتوه إذا اكتملت قواه العقلية وزال تخبطه في الكلام.\rوأما الصغير: فإن كان غير مميز فيرفع الحجر عن بعض تصرفاته عند الحنفية والمالكية بإتمام سن السابعة. وإن كان مميزاً فيرفع الحجر عنه شيئان (2) :\rأحدهما ـ عند الجمهور غير الشافعية: وهو إذن الولي إياه بالتجارة، والإذن بالتجارة يزيل الحجر عن التصرفات الدائرة بين الضرر والنفع. وعند الشافعية: لايزول الحجر عن المميز ولو بالإذن بالتجارة.\rالثاني ـ بلوغه عاقلاً رشيداً من غير حاجة إلى ترشيد ولي أو حكم من القاضي عند الجمهور غير المالكية.\rوقال المالكية: الصغير ذو الأب: يزول الحجر عنه ببلوغه رشيداً بغير حكم الحاكم. فإن كان عليه وصي من الأب، فيزول حجره بترشيد منه من غير إذن الحاكم، وإن كان وصيه من القاضي، فيزول حجره بترشيده، بإذن القاضي في رأي ابن جزي المالكي، وأما ما ذكره الدردير في الشرح الكبير والصغير فلا يحتاج الوصي مطلقاً في ترشيده إلى إذن القاضي، وما ذكره الدردير أرجح. والترشيد: أن يقول الوصي أمام العدول: اشهدوا أني فككت الحجر عن فلان، وأطلقت له التصرف، لما قام عندي من رشده وحسن تصرفه.\rوللقاضي ترشيد المحجور إذا ثبت عنده رشده، سواء كان بوصي أو بغير وصي.\r-------------------------------\r(1) الشرح الكبير والصغير، المكان السابق، المهذب: 324/1، المغني: 414/4، القوانين الفقهية: ص320.\r(2) البدائع: 171/7، المغني: 457/4.","part":6,"page":343},{"id":3939,"text":"والأنثى تظل في ولاية أبيها في مشهور المذهب حتى تتزوج ويدخل بها زوجها، ويؤنس رشدها، أو يشهد العدول بحفظ مالها، أو يرشدها أبوها قبل الدخول أو بعده، أو وصيها المختار بعد الدخول. وليس لوصي القاضي ترشيدها مطلقاً إلا بشهادة البينة برشدها، كما ذكر في بحث حجر الصغير.\rوأما المفلس إذا قسم ماله بين الغرماء،فهل ينفك عنه الحجر بالقسمة، أو يحتاج إلى حكم القاضي بفك الحجر؟\rذكر الشافعية والحنابلة (1) فيه وجهين:\rأحدهما ـ يزول الحجر، بقسمة مال المفلس؟ لأن المعنى الذي لأجله حجر عليه قد زال، فزال الحجر تبعاً له، كزوال حجر المجنون لزوال جنونه.\rوالثاني ـ لا يزول إلا بحكم الحاكم؛ لأنه حجر ثبت بالحاكم، فلم يزل إلا بالحاكم، كالحجر على المبذر. ويختلف حكمه عن المجنون؛ لأن حجره ثبت بنفسه فزال بزواله.\rوفي تقديري: أنه ينبغي أن يتضمن حكم القاضي بحجر المفلس تحديد غاية معينة للحجر، وهي أن يتم تصفية أموال المفلس، فإذا تحقق الهدف،زال أثر الحجر تلقائياً بدون حاجة لحكم القاضي.\r-------------------------------\r(1) المهذب: /327، المغني: 449/4.","part":6,"page":344},{"id":3940,"text":"المبحث الرابع ـ تعلق الدين بالتركة :\rههنا أمور ثلاثة:\r1 ً - هل تحل الديون المؤجلة بالموت؟ يرى جمهور العلماء ومنهم أئمة المذاهب في رواية عن أحمد (1) أن الديون المؤجلة تحل بالموت، كما تحل عند الحنفية والمالكية خلافاً لغيرهم بالتفليس. قال الزهري: مضت السنة بأن دينه قد حل حين مات (2) . وحجتهم أن الله تبارك وتعالى لم يبح التوارث إلا بعد قضاء الدين. وفي رواية أخرى عن أحمد: لايحل الدين المؤجل بالموت أو الجنون إن وثق الورثة الدين برهن يحرز أو كفيل مليء.\rوإذا لم يحل الدين بالموت، فلا يخلو إما أن يبقى في ذمة الميت، أو الورثة، أو يتعلق بالمال: لا يجوز بقاؤه في ذمة الميت لخرابها وتعذر مطالبته بها، ولا في ذمة الورثة؛ لأنهم لم يلتزموا الدين، ولا رضي صاحب الدين بذممهم، وهي مختلفة متباينة، ولا يجوز تعلق بأعيان أموال التركة، أو تأجيله؛ لأنه ضرر بالميت، وصاحب الدين، ولا نفع للورثة فيه. أما إضرار الميت فلأن ذمته تظل\r-------------------------------\r(1) بداية المجتهد: 282/2، المغني: 435/4، المهذب: 327/1، منار السبيل: 354/1.\r(2) يدل له ما روى ابن عمر رضي الله عنه أن النبي صلّى الله عليه وسلم قال: «إذا مات الرجل وله دين إلى أجل، وعليه دين إلى أجل، فالذي عليه حالٌّ، والذي له إلى أجله» (المهذب: 327/1).","part":6,"page":345},{"id":3941,"text":"مشغولة بالدين حتى يوفى عنه لحديث: «نفس المؤمن معلقة بدينه حتى يقضى عنه» (1) . وأما إضرار صاحب الدين (الدائن) فيتأخر حقه، وقد تتلف العين، فيسقط حقه،وأما إضرار الوراثة فإنهم لا ينتفعون بأعيان التركة ولا يتصرفون فيها.\rولأن الموت ما جعل مبطلاً للحقوق، وإنما هو ميقات للخلافة وعلامة على الوراثة، وقد قال النبي صلّى الله عليه وسلم : «من ترك حقاً أو مالاً فلورثته» (2) .\r2 ً - كيفية تعلق الدين بالتركة: يرى أغلب العلماء (3) أن الدين يبقى في ذمة الميت كما كان، ويتعلق بعين ماله كتعلق حقوق الغرماء بمال المفلس عند الحجر عليه، أو كتعلق الدين بالمرهون؛ لأنه أحوط للميت، إذ يمتنع على الورثة تصرفهم بأموال التركة قبل قضاء الديون. والأصح عند الشافعية أن يستوي الدين المستغرق وغيره في رهن التركة، فلا ينفذ تصرف الوارث في شيء منها.\rوبناء عليه لو باع رجل سلعة ثم مات المشتري قبل أداء الثمن، يكون البائع أحق بسلعته عند الشافعية، كما في حال الإفلاس. ودليلهم رواية ابن أبي ذئب بسنده عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم : «أيما رجل مات، أو أفلس، فصاحب المتاع أحق به» .\rوقال الحنابلة والحنفية والمالكية (4) : صاحب المتاع أسوة الغرماء بدليل رواية\rأبي بكر بن عبد الرحمن عن أبي هريرة، ومعناها «أيما رجل مات أو أفلس، فوجد بعض غرمائه ماله بعينه، فصاحب المتاع أسوة الغرماء» .\r3 ً - هل يمنع الدين نقل التركة إلى الورثة؟\rهناك رأيان عند الشافعية والحنابلة (5) ، الصحيح منهما: أن تعلق الدين بالتركة لا يمنع الإرث؛ لأن تعلقه بها لا يزيد على تعلق حق المرتهن بالمرهون، وحق الدائن بمال المفلس، وحق المجني عليه بمال الجاني، وهو كله لا يزيل الملك في حق الراهن والمفلس والجاني، فلا يمنع تعلق الدين بالتركة من نقل الملك إلى الورثة.\rفلو تصرف الورثة بالتركة ببيع أو غيره، صح تصرفهم، ولزمهم أداء الدين، فإن تعذر وفاؤه فسخ تصرفهم. وتكون زوائد التركة كالنتاج أو الولد أو الولد من حق الورثة؛ لأنها حدثت في ملكهم. ولو تصرف الوارث ولم يكن هناك دين، ثم طرأ دين برد مبيع معيب، فيظل التصرف في الأصح نافذاً، لكن إن لم يقض الدين، فسخ تصرفه، ليصل المستحق إلى حقه.\rولا خلاف في أن للوارث إمساك عين التركةوقضاء الدين من ماله؛ لأنه خليفة المورث، والمورث كان له ما ذكر.\rوإذا قسم مال الميت أو مال المفلس بين الغرماء، ثم ظهر غريم آخر، رجع على الغرماء، وشاركهم فيما أخذوه على قدر دينه؛ لأن القسمة كانت بحكم الظاهر أنه لا غريم له غيرهم، فإذا بان خلاف الظاهر، وجب نقض القسمة.\rوالرأي الثاني المرجوح: أن الدين يمنع نقل التركة إلى الورثة لقوله تعالى: {من بعد وصية يوصِي بها أو دين} [النساء:11/4] أي من بعد إعطاء وصية أو إيفاء دين إن وجد، فجعل التركة للوارث من بعد الدين والوصية، فلا يثبت لهم الملك قبلهما. فلو تصرف الورثة لم يصح تصرفهم؛ لأنهم تصرفوا في غير ملكهم إلا أن يأذن الغرماء لهم.\r-------------------------------\r(1) رواه أحمد والترمذي وابن ماجه والحاكم عن أبي هريرة، وهو حديث صحيح.\r(2) رواه أحمد وابن ماجه عن أبي كريمة (الجامع الكبير: 178/3).\r(3) شرح السراجية: ص 4 ومابعدها، بداية المجتهد: 284/2، القوانين الفقهية: ص 319 ومابعدها، مغني المحتاج: 144/2 ومابعدها، المغني: 436/4، المهذب: 327/1.\r(4) هذا ما ذكره ابن رشد في بداية المجتهد: إذ فرق بين الإفلاس والموت، ففي الأول: صاحب المتاع أحق وفي الثاني: هو أسوة الغرماء. وأما صاحب القوانين فقد سوى بينهما في حالة كون السلعة باقية، فإن تلفت فصاحب المتاع أسوة الغرماء.\r(5) مغني المحتاج: 145/2 ومابعدها، المهذب: 327/1، المغني: 437/4.","part":6,"page":346},{"id":3942,"text":"القسْمُ الرَّابع: المِلْكيّة وَتوابعُها\rيتضمن هذا القسم بحث الملكية في بابين: الباب الأول ـ الملكية، وفيها تمهيد وستة فصول هي:\rالفصل الأول ـ تعريف الملكية والملك.\rالفصل الثاني ـ قابلية المال للتملك وعدمها.\rالفصل الثالث ـ أنواع الملك.\rالفصل الرابع ـ أنواع الملك الناقص.\rالفصل الخامس ـ أسباب الملك التام.\rالفصل السادس ـ طبيعة الملك أو هل الملكية الخاصة في تشريع الإسلام مطلقة أو مقيدة؟\rوأما الباب الثاني: فهو توابع الملكية ، وبحثها في اثني عشر فصلاً، أذكرها بعد التمهيد التالي:","part":6,"page":347},{"id":3943,"text":"..........................................تمهيد........................................\rإن الملكية وخصائصها من أخطر ما يقوم عليه النظام الاقتصادي في الماضي والحاضر، وهي محور الخلاف بين النظامين العالميين المعاصرين: النظام الرأسمالي والنظام الاشتراكي، لذا كان بحث الملكية وتوابعها من القضايا المهمة التي تشغل بال العالم.\rوسيجد الباحث أن هناك كثيراً من أوجه الالتقاء والشبه بين الأنظمة الحالية في أهدافها السامية وبين النظام الإسلامي في تنظيم الملكية، على نحو يحقق مصلحة الفرد والجماعة، أو مصلحة الشعب والدولة، وبذلك انحلت عقدة الصراع على قضية الملكية بما كفله الإسلام من صون مبدأ التملك، ولكن مع تقييده بقيود شديدة ومتعددة لتحقيق مصلحة الجماعة، وتطويقه بوازع الدين الحارس الأمين لكل مصلحة عامة، والدافع القوي للمساهمة في دعم الصالح العام.\rكما سيجد الباحث مع ملاحظة اختلاف وجهات النظر الفقهية: أن الأموال العامة كالنفط والمعادن هي حق للجماعة ممثلة بالدولة، كما أن كثيراً من الأحكام الفقهية القديمة مأخوذ به فعلاً في التقنينات الوضعية الحديثة، سواء في ميدان العقود أم في حال الاعتداء على الأموال، وضمان المتلفات على أساس من العدالة والمساواة بين الضرر والتعويض، ورعاية حق الملكية، والدفاع عن المقدسات من نفس ومال وعرض. وهو كله دليل على سمو المبادئ الإسلامية وعدالتها في التطبيق. والله الموفق إلى سواء السبيل. هذا وقد سبق في النظريات الفقهية بحث الملكية: تعريفها، أسبابها، أنواعها، ولا بأس من إعادة بحثها هنا بنحو أشمل، مع بحث طبيعة الملكية أو هل الملكية الفردية في الإسلام مطلقة أو مقيدة؟ ثم أذكر ما يتعلق بها، وهو ما يأتي في الفصول الاثنتي عشرة الآتية، وهي موضوع الباب الثاني.\rالفصل الأول ـ أحكام الأراضي.\rالفصل الثاني ـ إحياء الموات.\rالفصل الثالث ـ أحكام المعادن والحمى والإقطاع.\rالفصل الرابع ـ حقوق الارتفاق.\rالفصل الخامس ـ عقود استثمار الأرض ـ المزارعة، المساقاة، المغارسة.\rالفصل السادس ـ اتفاق القسمة.\rالفصل السابع ـ الغصب والإتلاف.\rالفصل الثامن ـ دفع الصائل.\rالفصل التاسع ـ اللقطة واللقيط.\rالفصل العاشر ـ المفقود.\rالفصل الحادي عشر ـ المسابقة والمناضلة.\rالفصل الثاني عشر ـ الشفعة.\rملحق ـ معالم النظام الاقتصادي في الإسلام.","part":6,"page":348},{"id":3944,"text":"البَابُ الأوَّل: الملكيّة وخَصَائِصها\rوفيه ستة فصول يأتي بحثها تباعاً وهي ما يأتي:\rالفَصْلُ الأوَّل: تعريف الملكيَّة والمُلْك\rالملكية أو الملك: علاقة بين الإنسان والمال أقرها الشرع (1) تجعله مختصاً به، ويتصرف فيه بكل التصرفات ما لم يوجد مانع من التصرف.\rوالملك كما يطلق على هذه العلاقة، يطلق أيضاً على الشيء المملوك، تقول: هذا الشيء ملكي أي مملوك لي. وهذا المعنى هو المقصود في تعريف المجلة (م125) للملك: بأنه ما ملكه الإنسان، سواء أكان أعياناً أم منافع. وبهذا المعنى يفهم قول الحنفية: إن المنافع والحقوق ملك وليست بمال.\rوبناء عليه فالملك أعم من المال عندهم.\rوالملك في اللغة: هو حيازة الإنسان للمال والاستبداد به، أي ا لانفراد بالتصرف فيه. وقد عرف الفقهاء الملك بتعاريف متقاربة مضمونها واحد (2) ، ولعل أفضلها هو ما يأتي:\rالملك: اختصاص بالشيء يمنع الغير منه، ويمكن صاحبه من التصرف فيه ابتداء إلا لمانع شرعي.\rفإذا حاز الشخص مالاً بطريق مشروع أصبح مختصاً به، واختصاصه به يمكنه من الانتفاع به والتصرف فيه إلا إذا وجد مانع شرعي يمنع من ذلك كالجنون أو العته أو السفه أو الصغر ونحوها. كما أن اختصاصه به يمنع الغير من الانتفاع به أو التصرف فيه إلا إذا وجد مسوغ شرعي يبيح له ذلك كولاية أو وصاية أو وكالة.\r-------------------------------\r(1) حق الملكية وغيره لا يثبت إلا بإقرار الشرع واعترافه به، لأن الشرع هو مصدر الحقوق، وليس الحق في الشريعة حقاً طبيعياً، وإنما هو منحة إلهية منحها الخالق للأفراد وفقاً لمصلحة الجماعة.\r(2) راجع فتح القدير: 74/5، الفروق للقرافي: 208/3 ومابعدها.","part":6,"page":349},{"id":3945,"text":"وتصرف الولي و الوصي أو الوكيل لم يثبت له ابتداء، وإنما بطريق النيابة الشرعية عن غيره، فيكون القاصر أو المجنون ونحوهما هو المالك، إلا أنه ممنوع من ا لتصرف بسبب نقص أهليته أو فقدانها، ويعود له الحق بالتصرف عند زوال المانع أو العارض.\rالفَصْلُ الثَّاني: قابليَّة المال للتّملك وعدمها\rالمال في الأصل قابل بطبيعته للتملك، لكن قد يعرض له عارض يجعله غير قابل في كل الأحوال أو في بعضها للتملك، فيتنوع المال بالنسبة لقابليته للتملك إلى ثلاثة أنواع:\r1 - ما لا يقبل التمليك ولا التملك بحال: وهو ما خصص للنفع العام كالطرق العامة والجسور والحصون والسكك الحديدية والأنهار والمتاحف والمكتبات العامة والحدائق العامة ونحوها. فهذه الأشياء غير قابلة للتملك لتخصيصها للمنافع العامة. فإذا زالت عنها تلك الصفة عادت لحالتها الأصلية، وهي قابلية التملك، فالطريق إذا استغني عنه أو ألغي جاز تملكه.\r2 - ما لا يقبل التملك إلا بمسوغ شرعي: كالأموال الموقوفة وأملاك بيت المال، أي الأموال الحرة في عرف القانونيين. فالمال الموقوف لا يباع ولا يوهب إلا إذا تهدم أو أصبحت نفقاته أكثر من إيراده، فيجوز للمحكمة الإذن باستبداله (1) .\rوأملاك بيت المال (أو وزارة المالية، أو الحكومة) لا يصح بيعها إلا برأي الحكومة لضرورة أو مصلحة راجحة، كالحاجة إلى ثمنها، أو الرغبة فيها بضعف الثمن ونحوها؛ لأن أموال الدولة كأموال اليتيم عند الوصي لا يتصرف فيها إلا للحاجة أو المصلحة، قال الخليفة عمر رضي الله عنه:\r-------------------------------\r(1) أجاز الحنفية الاستبدال بالموقوف أرضاً للحاجة والمصلحة، فقالوا: يجوز للقاضي النزيه العدل الإذن باستبدال الوقف، بشرط أن يخرج عن الانتفاع بالكلية، وأن لا يكون هناك ريع للوقف يعمر به، وأن لا يكون البيع بغبن فاحش، وأن يستبدل بعقار لا بدراهم ودنانير (الدر المختار ورد المحتار: 425/3).","part":6,"page":350},{"id":3946,"text":"«أنزلت نفسي من بيت مال المسلمين بمنزلة وصي اليتيم» .\r3 - ما يجوز تملكه وتمليكه مطلقاً بدون قيد: وهو ما عدا النوعين السابقين.\rالفَصْلُ الثَّالث: أنْواع المُلْك\rالملك إما تام أو ناقص.\rالملك التام: هو ملك ذات الشيء (رقبته) ومنفعته معاً، بحيث يثبت للمالك جميع الحقوق الشرعية.\rومن أهم خصائصه: أنه ملك مطلق دائم لا يتقيد بزمان محدود ما دام الشيء محل الملك قائماً، ولا يقبل الإسقاط (أي جعل الشيء بلا مالك)، فلو غصب شخص عيناً مملوكة لآخر، فقال المالك المغصوب منه: أسقطت ملكي، فلا تسقط ملكيته ويبقى الشيء ملكاً له، وإنما يقبل النقل، إذ لا يجوز أن يكون الشيء بلا مالك. وطريق النقل إما العقد الناقل للملكية كالبيع، أو الميراث أو الوصية.\rويمنح صاحبه الصلاحيات التامة من حرية الاستعمال والاستثمار والتصرف فيما يملك كما يشاء، فله البيع أو الهبة أو الوقف أو الوصية، كما له الإعارة والإجارة؛ لأنه يملك ذات العين والمنفعة معاً، فله التصرف بهما معاً، أو بالمنفعة فقط.\rوإذا أتلف المالك ما يملكه لا ضمان عليه، إذ لا يتصور مالك وضامن في شخص واحد، لكن يؤاخذ ديانة؛ لأن إتلاف المال حرام، وقد يؤاخذ قضاء، فيحجر عليه إذا ثبت سفهه.\rوالملك الناقص: هو ملك العين وحدها، أو المنفعة وحدها. ويسمى ملك المنفعة حق الانتفاع. وملك المنفعة قد يكون حقاً شخصياً للمنتفع أي يتبع شخصه لا العين المملوكة، كالموصى له بمنفعة شيء مدة حياته، وقد يكون حقاً عينياً، أي تابعاً للعين دائماً، بقطع النظر عن الشخص المنتفع. وهذا يسمى حق الارتفاق، ولا يكون إلا في العقار.","part":6,"page":351},{"id":3947,"text":"الفَصْلُ الرَّابع: أنْواع المُلك النَّاقص\rوبناء عليه يكون الملك الناقص ثلاثة أنواع:\r1 - ملك العين فقط :\rوهو أن تكون العين (الرقبة) مملوكة لشخص، ومنافعها مملوكة لشخص آخر، كأن يوصي شخص لآخر بسكنى داره أو بزراعة أرضه مدة حياته، أو مدة ثلاث سنوات مثلاً، فإذا مات الموصي وقبل الموصى له، كانت عين الدار ملكاً لورثة الموصي بالإرث، وللموصى له ملك المنفعة مدة حياته أو المدة المحددة. فإذا انتهت المدة صارت المنفعة ملكاً لورثة الموصي، فتعود ملكيتهم تامة.\rوفي هذه الحالة: ليس لمالك العين الانتفاع بها ولا التصرف بمنفعتها، أو بالعين، ويجب عليه تسليم العين للمنتفع ليستوفي حقه من منافعها، فإذا امتنع أجبر على ذلك.\rوبه يظهر أن ملكية العين فقط تكون دائمة، وتنتهي دائماً إلى ملكية تامة، وملكية المنافع قد تكون مؤقتة لا دائماً؛ لأن المنافع لا تورث عند الحنفية.أو دائمة كالوقف.\r2 - ملك المنفعة الشخصي أو حق الانتفاع(1 ) :\rهناك أسباب خمسة لملك المنفعة: وهي الإعارة والإجارة، والوقف والوصية، والإباحة.\rأما الإعارة: فهي عند جمهور الحنفية والمالكية: تمليك المنفعة بغير عوض. فللمستعيرأن ينتفع بنفسه، وله إعارة الشيء لغيره، لكن ليس له إجارته؛ لأن الإعارة عقد غير لازم (يجوز الرجوع عنه في أي وقت) ، والإجارة عقد لازم، والضعيف لا يتحمل الأقوى منه، وفي إجارة المستعار إضرار بالمالك الأصلي.\r-------------------------------\r(1) يرى الحنفية: أنه لافرق بين ملك المنفعة وحق الانتفاع، وهما شيء واحد. فللمنتفع أن ينتفع بنفسه، أو أن يملك غيره المنفعة، إلا إذا وجد مانع صريح من قبل مالك العين، أو وجد مانع يقتضيه العرف والعادة، فمن وقف داره لسكنى الغرباء كان للطالب حق السكنى فقط، وحق الانتفاع بالمرافق العامة كالمدارس والجامعات والمشافي مقيد بالمنتفع فقط، وليس له تمليك غيره. وهذا الرأي هو المعمول به قانوناً. وقال المالكية: هناك فرق بين ملك المنفعة وحق الانتفاع. فملك المنفعة اختصاص يكسب صاحبه أن ينتفع بنفسه، وأن يملكها لغيره بعوض أو بغير عوض. وأما حق الانتفاع: فهو مجرد رخصة بالانتفاع الشخصي بناء على إذن عام كحق الانتفاع بالمنافع العامة كالطرق والأنهار والمدارس والمصحات وغيرها، أو إذن خاص كحق الانتفاع بملك شخص أذن له به، كركوب سيارته، والمبيت في منزله، وقراءة كتبه، ونحو ذلك. فليس للمنتفع أن يملك المنفعة لغيره، فتمليك الانتفاع: هو أن يباشر المنتفع بنفسه، وتمليك المنفعة أعم وأشمل، فيباشر بنفسه ويملك غيره من الانتفاع بعوض كالإجارة، وبغير عوض كالإعارة.\r(راجع الفروق للقرافي: 18/1، الفرق 30، بدائع الفوائد لابن القيم).","part":6,"page":352},{"id":3948,"text":"وعند الشافعية والحنابلة: هي إباحة المنفعة بلا عوض. فليس للمستعير إعارة المستعار إلى غيره.\rوأما الإجارة: فهي تمليك المنفعة بعوض. وللمستأجر استيفاء المنفعة بنفسه، أو بغيره مجاناً أو بعوض إذا لم تختلف المنفعة باختلاف المنتفعين، حتى ولو شرط\rالمؤجر على المستأجر الانتفاع بنفسه. فإن اختلف نوع المنفعة كان لا بد من إذن المالك المؤجر.\rوأما الوقف: فهو حبس العين عن تمليكها لأحد من الناس وصرف منفعتها إلى الموقوف عليه. فالوقف يفيد تمليك المنفعة للموقوف عليه، وله استيفاء المنفعة بنفسه، أو بغيره إن أجاز له الواقف الاستثمار، فإن نص على عدم الاستغلال، أو منعه العرف منه، فليس له الاستغلال.\rوأما الوصية بالمنفعة: فهي تفيد ملك المنفعة فقط في الموصى به، وله استيفاء المنفعة بنفسه، أو بغيره بعوض أو بغير عوض إن أجاز له الموصي الاستغلال.","part":6,"page":353},{"id":3949,"text":"وأما الإباحة: فهي الإذن باستهلاك الشيء أو باستعماله، كالإذن بتناول الطعام أو الثمار، والإذن العام بالانتفاع بالمنافع العامة كالمرور في الطرقات والجلوس في الحدائق ودخول المدارس والمشافي. والإذن الخاص باستعمال ملك شخص معين كركوب سيارته، أو السكن في داره.\rوسواءأكانت الإباحة مفيدة ملك الانتفاع بالشيء بالفعل أو بإحرازه كما يرى الحنفية، أم مجرد الانتفاع الشخصي كما يرى المالكية، فإن الفقهاء متفقون على أنه ليس للمنتفع إنابة غيره في الانتفاع بالمباح له، لا بالإعارة ولا بالإباحة لغيره.\rوالفرق بين الإباحة والملك هو :\rأن الملك يكسب صاحبه حق التصرف في الشيء المملوك ما لم يوجد مانع. أما الإباحة: فهي حق الإنسان بأن ينتفع بنفسه بشيء بموجب إذن. والإذن قد يكون من المالك كركوب سيارته، أو من الشرع كالانتفاع بالمرافق العامة، من طرقات وأنهار ومراعٍ ونحوها. فالمباح له الشيء لا يملكه ولا يملك منفعته، بعكس المملوك.\rخصائص حق المنفعة أو الانتفاع الشخصي :\rيتميز الملك الناقص أو حق المنفعة الشخصي بخصائص أهمها مايأتي:\r1 - يقبل الملك الناقص التقييد بالزمان والمكان والصفة عند إنشائه، بعكس الملك التام، فيجوز لمن يعير سيارته لغيره أو يوصي بمنفعة داره أن يقيد المنتفع بمدة معينة كشهر مثلاً، وبمكان معين كالركوب في المدينة لا في الصحراء، وأن يركبها بنفسه لا بغيره.\r2 - عدم قبول التوارث عند الحنفية خلافاً لجمهور الفقهاء: فلا تورث المنفعة عند الحنفية؛ لأن الإرث يكون للمال الموجود عند الموت، والمنافع لا تعتبر مالاً عندهم كما تقدم.\rأما عند غير الحنفية فتورث المنافع في المدة الباقية؛ لأن المنافع عندهم أموال كما أوضحت، فتورث كغيرها من الأموال، فمن أوصى لغيره بسكنى داره مدة معلومة، ثم مات قبل انتهاء هذه المدة، فلورثته الحق بسكنى الدار إلى نهاية المدة. وهذا هو الراجح؛ لأن المنفعة مال.","part":6,"page":354},{"id":3950,"text":"3 - لصاحب حق المنفعة تسلم العين المنتفع بها ولو جبراً عن مالكها. ومتى تسلمها تكون أمانة في يده، فيحافظ عليها كما يحافظ على ملكه الخاص، وإذا هلكت أو تعيبت لا يضمنها إلا بالتعدي أو بالتقصير في حفظها. وما عدا ذلك لاضمان عليه.\r4 - على المنتفع ما تحتاجه العين من نفقات إذا كان انتفاعه بها مجاناً، كما في الإعارة. فإن كان الانتفاع بعوض كما في الإجارة فعلى مالك العين نفقاتها.\r5 - على المنتفع بعد استيفاء منفعته تسليم العين إلى مالكها متى طلبها إلا إذا تضرر المنتفع. كما إذا لم يحن وقت حصاد الزرع في أرض مستأجرة أو مستعارة، فله إبقاء الأرض بيده حتى موسم الحصاد، ولكن بشرط دفع أجر المثل.\rانتهاء حق المنفعة :\rحق المنفعة حق مؤقت كما عرفنا، فينتهي بأحد الأمور التالية:\r1 - انتهاء مدة الانتفاع المحددة.\r2 - هلاك العين المنتفع بها أو تعيبها بعيب لا يمكن فيه معه استيفاء المنفعة. كانهدام دار السكنى، أو صيرورة أرض الزراعة سبخة أو ملحة. فإن حصل ذلك بتعدي مالك العين ضمن عيناً أخرى، كالموصى له بركوب سيارة ثم عطلها، فعليه تقديم سيارة أخرى.\r3 - وفاة المنتفع عند الحنفية؛ لأن المنافع لا تورث عندهم.\r4 - وفاة مالك العين إذا كانت المنفعة من طريق الإعارة أو الإجارة؛ لأن الإعارة عقد تبرع، وهو ينتهي بموت المتبرع، ولأن ملكية المأجور تنتقل إلى ورثة المؤجر، وهذا عند الحنفية، وقال الشافعية والحنابلة: الإعارة عقد غير لازم فيجوز للمعير أو لورثته الرجوع عنها، سواء أكانت مطلقة أم مؤقتة. وقال المالكية: الإعارة المؤقتة عقد لازم، فمن أعار دابة إلى موضع كذا، لم يجز له أخذها قبل ذلك، وإلا لزمه إبقاؤها قدر ما ينتفع بالمستعار الانتفاع المعتاد.","part":6,"page":355},{"id":3951,"text":"وبه يتبين أن الجمهور يقولون: إن الإعارة لا تنتهي بموت المعير أو المستعير، وكذلك الإجارة لا تنتهي بموت أحد العاقدين؛ لأنها عقد لازم كالبيع. أما إذا كانت المنفعة من طريق الوصية أو الوقف، فلا ينتهي حق المنفعة بموت الموصي؛ لأن الوصية تبدأ بعد موته، ولا بموت الواقف؛ لأن الوقف إما مؤبد، أو مؤقت فيتقيد بانتهاء مدته. 4670\r3 - ملك المنفعة العيني أو حق الارتفاق :\rحق الارتفاق: هو حق مقرر على عقار لمنفعة عقار آخر، مملوك لغير مالك العقار الأول. وهو حق دائم يبقى ما بقي العقاران، دون نظر إلى المالك، مثل حق الشِّرب، وحق المجرى، وحق المسيل، وحق المرور، وحق الجوار، وحق العلو.\rأما حق الشّرب: فهو النصيب المستحق من الماء لسقي الزرع والشجر، أو نوبة الانتفاع بالماء لمدة معينة لسقي الأرض.\rويلحق به حق الشَّفَة: وهو حق شرب الإنسان والدواب والاستعمال المنزلي. وسمي بذلك؛ لأن الشرب يكون عادة بالشفة.\rوالماء بالنسبة لهذا الحق أربعة أنواع (1) :\rآ ـ ماء الأنهار العامة كالنيل ودجلة والفرات ونحوها من الأنهار العظيمة: لكل واحد الانتفاع به، لنفسه ودوابه وأراضيه، بشرط عدم الإضرار بالغير لحديث: «الناس شركاء في ثلاث: الماء والكلأ والنار» وحديث: «لا ضرر ولا ضرار» .\rب ـ ماء الجداول والأنهار الخاصة، المملوكة لشخص: لكل إنسان حق الشفة منه، لنفسه ودوابه، وليس لغير مالكه سقي أراضيه إلا بإذن مالك المجرى.\rجـ ـ ماء العيون والآبار والحياض ونحوها المملوكة لشخص: يثبت فيها كالنوع الثاني حق الشفة دون حق الشرب. فإن أبى صاحب الماء، ومنع الناس من الاستقاء لأنفسهم ودوابهم، كان لهم قتاله حتى ينالوا حاجتهم، إذ لم يجدوا ماء قريباً آخر.\r-------------------------------\r(1) البدائع: 188/6 ومابعدها، تكملة فتح القدير: 144/8، القوانين الفقهية: ص 339، نهاية المحتاج: 255/4، المغني: 531/5.","part":6,"page":356},{"id":3952,"text":"د ـ الماء المحرز في أوان خاصة: كالجرار والصهاريج، لا يثبت لأحد حق الانتفاع به بأي وجه إلا برضا صاحب الماء؛ لأن الرسول عليه الصلاة والسلام نهى عن بيع الماء إلا ما حمل منه. لكن المضطر إلى هذا الماء الذي يخاف على نفسه الهلاك من العطش، له أخذ ما يحتاجه منه، ولو بالقوة ليدفع عن نفسه الهلاك، ولكن مع دفع قيمته؛ لأن «الاضطرار لا يبطل حق الغير» .\rوحق المجرى: هو حق صاحب الأرض البعيدة عن مجرى الماء في إجرائه من ملك جاره إلى أرضه لسقيها. وليس للجار أن يمنع مرور الماء لأرض جاره، وإلا كان له إجراؤه جبراً عنه، دفعاً للضرر عنه.\rوحق المسيل: هو مجرى على سطح الأرض، أو أنابيب تنشأ لتصريف المياه الزائدة عن الحاجة، أو غير الصالحة حتى تصل إلى مصرف عام أو مستودع، كمصارف الأراضي الزراعية أو مياه الأمطار أو الماء المستعمل في المنازل. والفرق بين المسيل والمجرى: أن المجرى لجلب المياه الصالحة للأرض، والمسيل لصرف الماء غير الصالح عن الأرض أو عن الدار. وحكمه مثل حق المجرى، ليس لأحد منعه إلا إذا حدث ضرر بيِّن.\rوحق المرور: وهو حق صاحب عقار داخلي بالوصول إلى عقاره من طريق يمر فيه، سواء أكان الطريق عاماً غير مملوك لأحد، أم خاصاً مملوكاً للغير. فالطريق العام يحق لكل إنسان المرور فيه. والطريق الخاص: يحق لأصحابه المرور فيه وفتح الأبوب والنوافذ عليه، وليس لهم سده أمام العامة للالتجاء إليه.\rوحق الجوار: الجوار نوعان: علوي وجانبي. وفيه حقان:\r1ً - حق التعلي: وهو الثابت لصاحب العلو على صاحب السفل.\r2ً ـ حق الجوار الجانبي: وهو الثابت لكل من الجارين على الآخر.","part":6,"page":357},{"id":3953,"text":"ولصاحب حق التعلي حق القرار على الطبقة السفلى، وهو حق ثابت دائماً لصاحب العلو، لا يزول بهدم العقار كله أو انهدام السفل، وله ولورثته إعادة بنائه حين يريد، وليس لصاحب العلو أو السفل أن يتصرف في بنائه تصرفاً يضر بالآخر. وإذا انهدم السفل وجب على صاحبه إعادة بنائه، فإن امتنع أجبر على ذلك قضاء، فإن رفض كان لصاحب العلو البناء ويرجع على الآخر بالنفقات، إذا بني بإذن القاضي أو إذن صاحب السفل. فإن بنى من غير إذن رجع بقيمة البناء وقت تمامه، لا بما أنفق؛ لأنه لم يكن وكيلاً بالإنفاق.\rوليس لصاحب الجوار الجانبي إلا حق واحد: وهو ألا يضر أحدهما بصاحبه ضرراً فاحشاً بيناً: وهو كل ما يمنع المنفعة الأصلية المقصودة من البناء كالسكنى أو يكون سبباً لهدم البناء أو وهن فيه.\rفالضرر في كل أنواع الجوار ممنوع، أما التصرفات التي يشكل أمرها في الجوار العلوي فلا يعلم، أيحصل منها ضرر أم لا، كفتح باب ونافذة في الطابق الأسفل، أو وضع متاع ثقيل في الطابق الأعلى قد يؤثر في السقف، فهذه مختلف في منعها (1) : فقال أبو حنيفة: يمنع هذا التصرف إلا بإذن الجار؛ لأن الأصل في تصرفات المالك في ملكه، التي يتعلق بها حق الغير: هو المنع والحظر؛ لأن ملكه ليس خالصاً، فلا يباح له إلا ما يتعين فيه عدم الضرر، ويتوقف ماعداه على إذن صاحب الحق ورضاه. وهذا الرأي هو المفتى به عند الحنفية.\r-------------------------------\r(1) فتح القدير: 503/5، رد المحتار على الدر المختار لابن عابدين: 373/4، ط البابي الحلبي: البدائع: 264/6، البحر الرائق: 32/7، تبيين الحقائق للزيلعي: 196/4.","part":6,"page":358},{"id":3954,"text":"وقال الصاحبان: الأصل في تصرف الجار الإباحة؛ لأن صاحب العلو تصرف في ملكه، والمالك حر التصرف في ملكه ما لم يكن فيه ضرر لغيره بيقين، فيمنع منه حينئذ، ويبقى ما عداه على الإباحة، وهذا الرأي في تقديري هو المعقول الواجب الاتباع. فيصبح حكم الجوار الجانبي والعلوي واحداً وهو إباحة التصرف في الملك ما لم يترتب على التصرف ضرر فاحش بالجار، فإن وقع الضرر، وجب على المتعدي ضمانه، سواء أكان الضرر مباشراً أم بالتسبب. وهو رأي المالكية وباقي المذاهب أيضاً (1) .\rأمور ثلاثة متعلقة بحقوق الارتفاق :\rالأول ـ الفرق بين حق الارتفاق وحق الانتفاع الشخصي :\rيفترق حق الارتفاق عن حق الانتفاع من نواح تالية:\r1 - حق الارتفاق يكون دائماً مقرراً على عقار، فتنقص به قيمة العقار المقرر عليه. أما حق الانتفاع الشخصي فقد يتعلق بعقار كوقف العقار أو الوصية به أو إجارته أو إعارته. وقد يتعلق بمنقول كإعارة الكتاب وإجارة السيارة.\r2 - حق الارتفاق مقرر لعقار إلا حق الجوار فقد يكون لشخص أو لعقار. أما حق الانتفاع فإنه دائماً مقرر لشخص معين باسمه أو بوصفه.\r3 - حق الارتفاق حق دائم يتبع العقار وإن تعدد الملاك. وحق الانتفاع الشخصي مؤقت ينتهي بأحوال معينة كما تقدم.\r4 - حق الارتفاق يورث حتى عند الحنفية الذين لا يعتبرونه مالاً؛ لأنه تابع للعقار. وأما حق الانتفاع فمختلف في إرثه بين الفقهاء كما سبق بيانه.\rالثاني ـ خصائص حقوق الارتفاق :\rلحقوق الارتفاق أحكام عامة وخاصة.\r-------------------------------\r(1) المنتقى على الموطأ: 40/6 ومابعدها، القوانين الفقهية: ص 341، نيل الأوطار: 261/5، ط العثمانية.","part":6,"page":359},{"id":3955,"text":"فأحكامها العامة أنها إذا ثبتت تبقى مالم يترتب على بقائها ضرر بالغير، فإن ترتب عليها ضرر أو أذى وجب إزالتها، فيزال السيل القذر في الطريق العام، ويمنع حق الشرب إذا أضر بالمنتفعين، ويمنع سير السيارة في الشارع العام إذا ترتب عليها ضرر كالسير بسرعة فائقة، أو في الاتجاه المعاكس، عملاً بالحديث النبوي: «لا ضرر ولا ضرار» ولأن المرور في الطريق العام مقيد بشرط السلامة فيما يمكن الاحتراز عنه (1) ، ولأن «الضرر لا يكون قديماً» .\rوأما الأحكام الخاصة فسوف أذكرها في بحث حقوق الارتفاق المخصص لكل نوع منها.\rالثالث ـ أسباب حقوق الارتفاق :\rتنشأ حقوق الارتفاق بأسباب متعددة منها:\r1 - الاشتراك العام: كالمرافق العامة من طرقات وأنهار ومصارف عامة، يثبت الحق فيها لكل عقار قريب منها، بالمرور والسقي وصرف المياه الزائدة عن الحاجة؛ لأن هذه المنافع شركة بين الناس فيباح لهم الانتفاع بها، بشرط عدم الإضرار بالآخرين.\r2 - الاشتراط في العقود: كاشتراط البائع على المشتري أن يكون له حق مرور بها، أو حق شرب لأرض أخرى مملوكة له. فيثبت هذان الحقان بهذا الشرط.\r3 - التقادم: أن يثبت حق ارتفاق لعقار من زمن قديم لا يعلم الناس وقت ثبوته، كإرث أرض زراعية لها حق المجرى أو المسيل على أرض أخرى؛ لأن الظاهر أنه ثبت بسبب مشروع حملاً لأحوال الناس على الصلاح، حتى يثبت العكس.\rالفَصْلُ الخامِس: أسباب المُلك التَّام\rإن أسباب أو مصادر الملكية التامة في الشريعة أربعة وهي:\rالاستيلاء على المباح، والعقود، والخلَفية، والتولد من الشيء المملوك. وفي القانون المدني هي ستة: الاستيلاء على ما ليس له مالك من منقول أو عقار، والميراث وتصفية التركة، والوصية،\r-------------------------------\r(1) الدر المختار ورد المحتار: 427/5.","part":6,"page":360},{"id":3956,"text":"والالتصاق بالعقار أو بالمنقول، والعقد، والحيازة والتقادم (1) .\rوهذه الأسباب تتفق مع الأسباب الشرعية (2) ما عدا الحيازة والتقادم (وضع اليد على مال مملوك للغير مدة طويلة)، فإن الإسلام لا يقر التقادم المكسب على أنه سبب للملكية، وإنما هو مجرد مانع من سماع الدعوى بالحق الذي مضى عليه زمن معين (3) ، توفيراً لوقت القضاء، وتجنباً لما يثار من مشكلات الإثبات، وللشك في أصل الحق. أما أصل الحق فيجب الاعتراف به لصاحبه وإيفاؤه له ديانة. فمن وضع يده على مال مملوك لغيره لا يملكه شرعاً بحال.\rكذلك لا يقر الإسلام مبدأ التقادم المسقط على أنه مسقط للحق بترك المطالبة به مدة طويلة. فاكتساب الحقوق وسقوطها بالتقادم حكم ينافي العدالة والخلق، ويكفي في ذلك أن يصير الغاصب أو السارق مالكاً. إلا أن الإمام مالك في المدونة خلافاً لمعظم أصحابه يرى إسقاط الملكية بالحيازة، كما يرى تملك الشيء بالحيازة. ولكنه لم يحدد مدة للحيازة، وترك تحديدها للحاكم، ويمكن تحديدها عملاً بحديث مرسل رواه سعيد بن المسيب مرفوعاً إلى النبي صلّى الله عليه وسلم عن زيد بن أسلم: «من حاز شيئاً على خصمه عشر سنين، فهو أحق به منه» (4)\r.وأما الالتصاق بسبب سيل أو فيضان أو كثبان رمل بسبب ريح شديدة، فلا مانع منه شرعاً؛ لأنه زيادة سماوية، تدخل تحت مبدأ «التولد من المملوك» .\r-------------------------------\r(1) راجع الفصل الثاني من حق الملكية ـ أسباب كسب الملكية: م 828، 836، 876، 879، 894، 907 ومابعدها من القانون المدني السوري.\r(2) يلاحظ أن المادة (1248) من المجلة اقتصرت على الأسباب الثلاثة الأولى للتملك. ولكن من الضروري إضافة سبب رابع وهو التولد من المملوك إذ هو سبب مستقل عن تلك الأسباب.\r(3) حدده الفقهاء بـ 33 سنة، وحددته المجلة (م 1661، 1662) في الحقوق الخاصة بـ 15 سنة وفي الأراضي الأميرية بـ 10 سنوات، وفي الأوقاف وأموال المال بـ 36 سنة.\r(4) انظر بحث الحيازة والتقادم في الفقه الإسلامي للدكتور محمد عبد الجواد: ص 18، 50 ومابعدها، 60، 108، 150 ومابعدها، ومراجعه مثل المدونة: 23/13، وتبصرة الحكام على هامش فتح العلي المالك: 362/2 وما بعدها. وانظر: 314/2 ط دار الفكر بيروت.","part":6,"page":361},{"id":3957,"text":"1 - الاستيلاء على المباح :\rالمباح: هو المال الذي لم يدخل في ملك شخص معين، ولم يوجد مانع شرعي من تملكه كالماء في منبعه، والكلأ والحطب والشجر في البراري، وصيد البر والبحر. ويتميز الاستيلاء على المباح بما يأتي:\rأ ـ إنه سبب منشئ للملكية على شيء لم يكن مملوكاً لأحد. أما بقية أسباب الملكية الأخرى (العقد، الميراث ونحوهما)، فإن الملكية الحادثة مسبوقة بملكية أخرى، فهي سبب ناقل.\rب ـ إنه سبب فعلي لا قولي: يتحقق بالفعل أو وضع اليد، فيصح من كل\rشخص ولو كان ناقص الأهلية كالصبي والمجنون والمحجور عليه. أما العقد فقد لايصح من هؤلاء أو يكون موقوفاً على إرادة أخرى، وهو سبب قولي.\rويشترط لهذا الطريق أي إحراز المباح شرطان:\rأولهما ـ ألا يسبق إلى إحرازه شخص آخر، لأن «من سبق إلى ما لم يسبقه إليه مسلم فهو له» كما قال النبي عليه الصلاة والسلام.\rثانيهما ـ قصد التملك: فلو دخل الشيء في ملك إنسان دون قصد منه لايتملكه، كما إذا وقع طائر في حجر إنسان، لا يتملكه. ومن نشر شبكته، فإن كان للاصطياد تملك ما يقع فيها، وإن كان للتجفيف لم يمتلك ما يقع فيها؛ لأن «الأمور بمقاصدها» .\rوالاستيلاء على المباح له صور أربع:\rأولاً ـ إحياء الموات: أي استصلاح الأراضي البور. والموات: ما ليس مملوكاً من الأرضين، ولا ينتفع بها بأي وجه انتفاع، وتكون خارجة عند البلد. فلا يكون مواتاً: ما كان ملكاً لأحد الناس أو ماكان داخل البلد، أو خارجاً عنها، ولكنه مرفق لها كمحتطب لأهلها أو مرعى لأنعامهم.","part":6,"page":362},{"id":3958,"text":"والإحياء يفيد الملك لقول النبي صلّى الله عليه وسلم : «من أحيا أرضاً ميتة فهي له» سواء أكان الإحياء بإذن الحاكم أم لا عند جمهور الفقهاء. وقال أبو حنيفة ومالك: لا بد من إذن الحاكم. وإحياء الأرض الموات يكون بجعلها صالحة للانتفاع بها كالبناء والغرس والزراعة والحرث وحفر البئر. وعمل مستصلح الأرض لإحيائها يسمى فقهاً «التحجير» وقد حدد بثلاث سنين، قال عمر: «ليس لمتحجر بعد ثلاث سنين حق» .\rثانياً ـ الاصطياد: الصيد: هو وضع اليد على شيء مباح غير مملوك لأحد. ويتم إما بالاستيلاء الفعلي على المصيد وهو الإمساك، أو بالاستيلاء الحكمي: وهو اتخاذ فعل يعجز الطير أو الحيوان أو السمك عن الفرار، كاتخاذ الحياض لصيد الأسماك، أو الشباك، أو الحيوانات المدربة على الصيد كالكلاب والفهود والجوارح المعلّمة (1) .\rوالصيد حلال للإنسان إلا إذا كان مُحْرماً بالحج أو العمرة، أو كان المصيد في حرم مكة المكرمة أو المدينة المنورة، قال تعالى: {أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعاً لكم وللسيارة، وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرماً} [المائدة:69/5].\rوالصيد من أسباب الملكية، لكن يشترط في الاستيلاء الحكمي لا الاستيلاء الحقيقي قصد التملك عملاً بقاعدة «الأمور بمقاصدها» . فمن نصب شبكة فتعلق بها صيد، فإن كان قد نصبها للجفاف، فالصيد لمن سبقت يده إليه؛ لأن نيته لم تتجه إليه. وإن كان قد نصبها للصيد ملكه صاحبها كما تبين، وإن أخذه غيره كان متعدياً غاصباً. ولو أفرخ طائر في أرض إنسان كان لمن سبقت إليه يده إلا إذا كان صاحب الأرض هيأها لذلك.\rوإذا دخل طائر في دار إنسان، فأغلق صاحبها الباب لأخذه، ملكه. وإن أغلقه صدفة، لم يملكه. وهكذا لو وقع الصيد في حفرة أو ساقية، المعول في تملكه على نية صيده، وإلا فلمن سبقت إليه يده.\r-------------------------------\r(1) قال تعالى: {يسألونك ماذا أحل لهم، قل: أحل لكم الطيبات، وما علمتم من الجوارح مكلبين، تعلمونهن مما علمكم الله ، فكلوا مما أمسكن عليكم، واذكروا اسم الله عليه، واتقوا الله ، إن الله سريع الحساب} [المائدة:4/5].","part":6,"page":363},{"id":3959,"text":"ثالثاً ـ الاستيلاء على الكلأ والآجام :\rالكلأ: هو الحشيش الذي ينبت في الأرض بغير زرع، لرعي البهائم.\rوالآجام: الأشجار الكثيفة في الغابات أو الأرض غير المملوكة.\rوحكم الكلأ: ألا يملك، وإن نبت في أرض مملوكة، بل هو مباح للناس جميعاً، لهم أخذه ورعيه، وليس لصاحب الأرض منعهم منه؛ لأنه باق على الإباحة الأصلية، وهو الراجح في المذاهب الأربعة، لعموم حديث: «الناس شركاء في ثلاثة: الماء والكلأ والنار» (1) .\rوأما الآجام: فهي من الأموال المباحة إن كانت في أرض غير مملوكة، فلكل واحد حق الاستيلاء عليها، وأخذ ما يحتاجه منها، وليس لأحد منع الناس منها، وإذا استولى شخص على شيء منها وأحرزه صار ملكاً له. لكن للدولة تقييد المباح بمنع قطع الأشجار، رعاية للمصلحة العامة، وإبقاء على الثروة الشجرية المفيدة.\rأما إن كانت في أرض مملوكة فلا تكون مالاً مباحاً، بل هي ملك لصاحب الأرض فليس لأحد أن يأخذ منها شيئاً إلا بإذنه؛ لأن الأرض تقصد لآجامها، بخلاف الكلأ، لا تقصد الأرض لما فيها من الكلأ.\rرابعاً ـ الاستيلاء على المعادن والكنوز :\rالمعادن: ما يوجد في باطن الأرض من أصل الخِلقة والطبيعة، كالذهب والفضة والنحاس والحديد والرصاص ونحوها.\rوالكنز: ما دفنه الناس وأودعوه في باطن الأرض من الأموال، سواء في الجاهلية أو في الإسلام.\r-------------------------------\r(1) البدائع: 193/6 ومابعدها، م 1257 من المجلة.","part":6,"page":364},{"id":3960,"text":"والمعدن والكنز يشملها عند الحنفية كلمة «الركاز» : وهو ما ركز في باطن الأرض، سواء أكان بخلق الله كفلزات الحديد والنحاس وغيرها، أم كان بصنع الناس كالأموال التي يدفنها الناس فيها. وحكمها واحد في الحديث النبوي: «وفي الركاز الخمس» (1) .\rوقال المالكية والشافعية والحنابلة: الركاز: دفين الجاهلية. والمعدن: دفين أهل الإسلام.\rحكم المعادن :\rاختلف الفقهاء في تملك المعادن بالاستيلاء عليها، وفي إيجاب حق فيها للدولة إذا وجدت في أرض ليست مملوكة.\rأما تملك المعادن فللفقهاء فيه رأيان:\rقال المالكية في أشهر أقوالهم (2) : جميع أنواع المعادن لا تملك بالاستيلاء عليها، كما لا تملك تبعاً لملكية الأرض، بل هي للدولة يتصرف فيها الحاكم حسبما تقضي المصلحة؛ لأن الأرض مملوكة بالفتح الإسلامي للدولة، ولأن هذا الحكم مما تدعو إليه المصلحة.\rوقال الحنفية (3) : المعادن تملك بملك الأرض؛ لأن الأرض إذا ملكت ملكت بجميع أجزائها، فإن كانت مملوكة لشخص كانت ملكاً له، وإن كانت في أرض للدولة فهي للدولة، وإن كانت في أرض غير مملوكة فهي للواجد؛ لأنها مباحة تبعاً للأرض، وذلك على تفصيل سيأتي في بحث المعادن والإقطاع، فعند الشافعية يملك المحيي المعادن الباطنية، وعند الحنابلة يملك المحيي المعادن الجامدة.\rوأما حق الدولة في المعادن ففيه رأيان أيضاً:\r-------------------------------\r(1) رواه الجماعة عن أبي هريرة (نيل الأوطار: 147/4).\r(2) القوانين الفقهية: ص 102، الشرح الكبير مع الدسوقي: 486/1 ومابعدها.\r(3) الدر المختار ورد المحتار: 61/1 ومابعدها، المهذب: 162/1، المغني: 28/3، 520/5.","part":6,"page":365},{"id":3961,"text":"قال الحنفية: في المعادن الخمس؛ لأن الركاز عندهم يشمل المعادن والكنوز بمقتضى اللغة، والباقي للواجد نفسه. وذلك في المعادن الصلبة القابلة للطرق والسحب كالذهب والفضة والحديد والنحاس والرصاص. أما المعادن الصلبة التي لا تقبل الطرق والسحب كالماس والياقوت والفحم الحجري، والمعادن السائلة كالزئبق والنفط فلا يجب فيها شيء للدولة؛ لأن الأولى تشبه الحجر والتراب، والثانية تشبه الماء، ولا يجب فيها شيء للدولة، إلا الزئبق فيجب فيه الخمس.\rوقال الشافعية: لا يجب في المعادن شيء للدولة، لا الخمس وغيره، وإنما يجب فيها الزكاة، لقول النبي صلّى الله عليه وسلم : «العجماء جُبَار، والبئر جبار، والمعدن جبار، وفي الركاز الخمس» (1) فأوجب الخمس في الركاز: وهو دفين أهل الجاهلية، ولم يوجب في المعدن شيئاً؛ لأن «الجبار» معناه: لا شيء فيه. وإيجاب الزكاة عندهم هو بعموم أدلة الزكاة، والمعدن: مركز كل شيء، والمعادن: المواضع التي تستخرج منها جواهر الأرض كالذهب والفضة والنحاس وغيرها. ويطلق المعدن أيضاً على الفِلّز في لغة العلم.\r-------------------------------\r(1) رواه الأئمة الستة في كتبهم عن أبي هريرة (نصب الراية: 380/2، شرح مسلم: 226/11). وقوله: «والمعدن جبار» معناه أن الرجل يحفر معدناً في ملكه أو في موات، فيمر بها مار، فيسقط فيها فيموت، أو يستأجر أجراء يعملون فيها، فيقع عليهم، فيموتون، فلا ضمان في ذلك. وكذا البئر جبار معناه أنه يحفرها في ملكه أو في مواته فيقع فيها إنسان أو غيره ويتلف، فلا ضمان. وكذا لو استأجره لحفرها، فوقعت عليه، فمات، فلا ضمان. وأما إذا حفر البئر في طريق المسلمين أو في ملك غيره بغير إذنه، فتلف فيها إنسان، فيجب ضمانه، وكذا إن تلف بها غير الآدمي وجب ضمانه في مال الحافر.","part":6,"page":366},{"id":3962,"text":"حكم الكنز :\rوأما الكنز: فهو ما دفنه الناس، سواء في الجاهلية أم في الإسلام. فهو نوعان: إسلامي وجاهلي.\rالإسلامي: ما وجد به علامة أو كتابة تدل على أنه دفن بعد ظهور الإسلام مثل كلمة الشهادة أو المصحف، أو آية قرآنية أو اسم خليفة مسلم.\rوالجاهلي: ما وجد عليه كتابة أو علامة تدل على أنه دفن قبل الإسلام كنقش صورة صنم أو وثن، أو اسم ملك جاهلي ونحوه.\rوالمشتبه فيه: وهو مالم يتبين بالدليل أنه إسلامي أو جاهلي، قال فيه متقدمو الحنفية:إنه جاهلي. وقال متأخروهم: إنه إسلامي لتقادم العهد. وإن وجد كنز مختلط فيه علامات الإسلام والجاهلية فهو إسلامي؛ لأن الظاهر أنه ملك مسلم، ولم يعلم زوال ملكه.\rوالكنز الإسلامي: يبقى على ملك صاحبه، فلا يملكه واجده، بل يعتبر كاللقطة، فيجب تعريفه والإعلان عنه. فإن وجد صاحبه سلم إليه وإلا تصدق به على الفقراء، ويحل للفقير الانتفاع به. هذا رأي الحنفية (1) .\rوأجاز المالكية والشافعية والحنابلة (2) تملكه والانتفاع به، ولكن إن ظهر صاحبه بعدئذ وجب ضمانه.\rوأما الكنز الجاهلي: فاتفق أئمة المذاهب على أن خمسه لبيت المال ( خزانة الدولة ) وأما باقيه وهو الأربعة الأخماس، ففيه اختلاف: فقيل: إنها للواجد مطلقاً سواء وجدها في أرض مملوكة أم لا. وقيل: إنها للواجد في أرض غير مملوكة أو في أرض ملكها بالإحياء. فإن كان في أرض مملوكة فهي لأول مالك لها أو لورثته إن عرفوا، وإلا فهي لبيت المال.\rوهذا وقد جعل القانون المدني السوري (م 830) ثلاثة أخماس الكنز لمالك العقار الذي وجد فيه الكنز، وخمسه لمكتشفه، والخمس الأخير لخزينة الدولة.\r-------------------------------\r(1) فتح القدير: 307/3، البدائع: 202/6، المبسوط: 4/11 ومابعدها، الدر المختار: 351/3.\r(2) بداية المجتهد: 301/2، الشرح الكبير مع الدسوقي: 121/4، المهذب: 430/1، مغني المحتاج: 415/2، المغني: 636/5.","part":6,"page":367},{"id":3963,"text":"2 - العقود الناقلة للملكية :\rالعقود كالبيع والهبة والوصية ونحوها من أهم مصادر الملكية وأعمها وأكثرها وقوعاً في الحياة المدنية؛ لأنها تمثل النشاط الاقتصادي الذي يحقق حاجات الناس من طريق التعامل. أما الأسباب الأخرى للملكية فهي قليلة الوقوع في الحياة.\rويدخل في العقود التي هي سبب مباشر للملكية حالتان (1) :\rالأولى: العقود الجبرية التي تجريها السلطة القضائية مباشرة، بالنيابة عن المالك الحقيقي، كبيع مال المدين جبراً عنه لوفاء ديونه، وبيع الأموال المحتكرة. فالمتملك يتملك عن طريق عقد بيع صريح بإرادة القضاء.\rالثانية: نزع الملكية الجبري. وله صورتان:\rأ - الشفعة: وهي عند الحنفية حق الشريك أو الجار الملاصق بتملك العقار المبيع جبراً على مشتريه بما بذل من ثمن ونفقات.وقصرها الجمهور على الشريك.\rب ـ الاستملاك للصالح العام: وهو استملاك الأرض بسعرها العادل جبراً عن صاحبها للضرورة أو المصلحة العامة، كتوسيع مسجد ، أو طريق ونحوهما.\rوالمتملك من هذا الطريق يتملك بناء على عقد شراء جبري مقدر بإرادة السلطة.\rوعليه فالعقد المسبب للملكية إما أن يكون رضائياً أو جبرياً، والجبري: إما صريح كما في بيع المدين، أو مفترض كما في الشفعة ونزع الملكية.\r3 - الخلَفية :\rوهي أن يخلف شخص غيره فيما كان يملكه، أو يحل شيء محل شيء آخر، فهي نوعان: خلفية شخص عن شخص وهي الإرث. وخلفية شيء عن شيء وهي التضمين.\rوالإرث: سبب جبري للتملك يتلقى به الوارث بحكم الشرع ما يتركه المورث من أموال التركة.\rوالتضمين: هو إيجاب الضمان أو التعويض على من أتلف شيئاً لغيره، أو غصب منه شيئاً فهلك أو فقد، أو ألحق ضرراً بغيره بجناية أو تسبب. ويدخل فيه الديات وأروش الجنايات، أي الأعواض المالية المقدرة شرعاً الواجبة على الجاني في الجراحات.\r-------------------------------\r(1) المدخل الفقهي العام للأستاذ الزرقاء: ف 105.","part":6,"page":368},{"id":3964,"text":"4 - التولد من المملوك :\rمعناه أن ما يتولد من شيء مملوك يكون مملوكاً لصاحب الأصل؛ لأن مالك الأصل هو مالك الفرع، سواء أكان التولد بفعل مالك الأصل، أم بالطبيعة والخلقة. فغاصب الأرض الذي زرعها يملك الزرع عند الجمهور غير الحنابلة؛ لأنه نماء البذر وهو ملكه وعليه كراء الأرض، ويضمن لصاحب الأرض نقصانها بسبب الزرع. وثمرة الشجر وولد الحيوان وصوف الغنم ولبنها لمالك الأصل.\rوقال الحنابلة: الزرع لمالك الأرض، لما رواه الخمسة إلا النسائي عن رافع بن خديج أن النبي صلّى الله عليه وسلم قال: «من زرع في أرض قوم بغير إذنهم، فليس له من الزرع شيء، وله نفقته» قال البخاري: هو حديث حسن (1) .\r-------------------------------\r(1) نيل الأوطار: 318/5 ومابعدها.","part":6,"page":369},{"id":3965,"text":"الفَصْلُ السّادس: طبيعة الملكيّة أو هل الملكيّة الخاصّة في تشريع الإسلام مطلقة أو مقيّدة؟\rالبيع كما هو معروف بمثابة قانون منظم لمعاملات الأفراد وحقوق التملك، وللشرع أهداف فيما فرضه من قيود على التعامل ، ومن أهم أسباب تقييد البيع بقيود أو شروط هو الحفاظ على حقوق الناس الطبيعية فيما يمتلكونه من أموال، فلا تنتقل ملكية أحد إلى آخر إلا في دائرة الحق والعدل، دون أن يكون هناك غش أو غبن أو تغرير أو استغلال أو جهالة تؤدي إلى المنازعة واضطراب المعاملات، أو أكل أموال الناس بالباطل. وهذه هي أهم الأسباب التي تؤثر على العقد فتجعله فاسداً أو باطلاً، وهو مناط تحريم العقد في شرعة الإسلام.\rلذا كان جديراً أن نتساءل: هل حرية الشخص في تصرفاته ونشاطه في العمل والإنتاج والتملك مطلقة، أو أن هناك قيوداً من الشرع على حق التملك؟\rتمهيد :\rيسود عالم اليوم نظامان متعارضان في الاقتصاد: وهما النظام الرأسمالي والنظام الاشتراكي:\rالنظام الرأسمالي: يعترف بحق الفرد في تملك الأموال ملكية خاصة، سواء أكانت هذه الأموال من أموال الاستهلاك، أم من أموال الإنتاج، على أنه لا يشترط أن تكون جميع الأموال مملوكة للأفراد، بل يجوز للدولة أو أحد فروعها أن تمتلك جانباً من هذه الأموال، كما لا يشترط أن يكون حق الملكية الخاصة مطلقاً، بل يجوز أن ترد عليه بعض القيود للمنفعة العامة.\rويقوم النظام الرأسمالي على أساس الحرية الاقتصادية للأفراد، دون تدخل الدول لتقييد نشاطهم في الميدان الاقتصادي، ويكون السعي للحصول على أكبر كسب نقدي هو الدافع المحرك للنشاط الاقتصاد ي في ظل النظام الرأسمالي.\rوقد انتقد هذا النظام لأنه يؤدي إلى اختلال التوازن في توزيع الثروة بين الأفراد، وانقسام المجتمع إلى طبقتين: طبقة الرأسمالية الإقطاعية، وطبقة ذوي الدخل المحدود من عمال وفلاحين ونحوهم، كما يؤدي إلى تركز الثروة في أيدي فئة قليلة وانتشار البطالة والاحتكارات الطبيعية والصناعية. وكان من نتيجة ذلك فشل النظام الرأسمالي في تحقيق الاستقرار الاقتصادي، وضمان الحياة الرغدة للبشرية.\rوأدى هذا الفشل إلى رد فعل معاكس، فازداد تدخل الدولة في الميدان الاقتصادي من ناحية، وانتشرت المبادئ الاشتراكية من ناحية أخرى (1) .\r-------------------------------\r(1) راجع أصول الاقتصاد لأستاذنا الدكتور محمد حلمي مراد : ص 151-183.","part":6,"page":370},{"id":3966,"text":"والنظام الاشتراكي: يقوم على أساس امتلاك الدولة لمختلف وسائل الإنتاج (1) من صناعة وزراعة وثروة طبيعية وخدمات عامة، ويكون بالتالي لاوجود للملكية الفردية القائمة على أساس الاستغلال والاستعباد، ولا حرية اقتصادية مطلقة للفرد إلا بمقدار ما يمنحه المجتمع إياه وينظمه له.\rفالملكية الخاصة لم تلغ إلغاء تاماً؛ لأن ملكية الأموال الاستهلاكية من أدوات منزلية ونقود وسلع معترف بها، ويجوز أن تنتقل هذه الملكية لأموال الاستهلاك إلى الغير بطريق الميراث (2) .\rوأما ملكية أموال الإنتاج: فهي ملكية اشتراكية تظهر بشكل ملكية للدولة، أو بشكل ملكية تعاونية، ومع ذلك فلم تلغ الملكية الخاصة لأموال الإنتاج إلغاءً كاملاً في روسيا، فيسمح القانون الروسي بالمشاريع الاقتصادية الصغيرة الخاصة بالفلاحين القرويين وبالحرفيين على أن يقوموا بعملهم شخصياً، وبشرط ألا يستغلوا فيه جهد الآخرين (3) ، مما أوجد نوعاً ثالثاً من أنواع المشروعات الزراعية هو المشروعات الفردية بجانب المزارع الحكومية والمزارع المشتركة. وعلى هذا فليست الملكية الشخصية حقاً مطلقاً ثابتاً، وإنما هي متطورة في محورها نحو الملكية الجماعية؛ لأن الملكية في ذاتها وظيفة اجتماعية تخدم مصالح الجماعة.\rوغاية النظام الاشتراكي تحقيق العدالة الاجتماعية، لذا فإنه يهتم بالدرجة\r-------------------------------\r(1) وهي الأرض ورأس المال والعمل.\r(2) هذا هو صريح المادة العاشرة من الدستور السوفييتي.\r(3) هذا هو نص المادة التاسعة من الدستور السوفييتي، وقريب منها نص المادة السابعة: «لكل عائلة من عوائل المزرعة التعاونية بالإضافة إلى دخلها الذي يأتيها من اقتصاد المزرعة التعاونية المشترك قطعة من الأرض خاصة بها، وملحقة بمحل السكن. ولها في الأرض اقتصاد إضافي ومنزل للسكنى وماشية منتجة وطيور وأدوات زراعية بسيطة كملكية خاصة» .","part":6,"page":371},{"id":3967,"text":"الأولى في إشباع كل حاجات الأفراد، ولكن بحسب ضرورتها وأهميتها (1) من أجل تحقيق مستوى مادي ومعنوي لائق بكرامة الإنسان، ثم السعي لرفع ذلك المستوى بشكل مستمر، مما جعل الجماهير الكادحة تتجه أنظارها إلى النظام الاشتراكي باعتباره المنقذ من أدران الرأسمالية.\rويقول منتقدو هذا النظام بأنه يهدر الحق الطبيعي المقدس للفرد: وهو حق الملكية، كما أنه يعطي الجماعة ممثلة بالدولة سلطات واسعة على حساب الأفراد، ويقيد الحرية الاقتصادية.وقد انهار هذا النظام في عام 1989م في روسيا، والاتجاه الحالي نحو النظام الغربي والحرية.\rوأما نظام الإسلام الاقتصادي والاجتماعي: فهو العدل الوسط بين النظامين السابقين، أو بتعبير أدق: هو نظام قائم بذاته، له فكره الاجتماعي الخاص به، فهو يعترف بقيمة الإنسان، كما يعترف بحقوق المجتمع، فيقيم توازناً بينهما، بل إنه جعل الفرد للجماعة، والجماعة للفرد من طريق التضامن العام بين الأفراد، فهو إذن ليس فردياً فقط يؤدي إلى الرأسمالية، وليس جماعياً يؤدي إلى الماركسية، وإنما يمنح الفرد قدراً من الحرية بحيث لا يطغى على كيان الآخرين، ويمنح المجتمع أو الدولة التي تمثله سلطة واسعة في تنظيم الروابط الاجتماعية والاقتصادية على أساس من الحب المتبادل بين الفرد والجماعة، لا على أساس الحقد وإيجاد العداوات بين الناس.\rوبناء عليه فهو يعترف بحق الإنسان في التملك الفردي، ويمنحه حق الانتفاع والاستثمار لماله، والتصرف فيه طوال حياته وبعد مماته، في حدود معينة تعتبر أوسع بكثير من القدر الذي تسمح به الشيوعية، ولكنه لا يعطي المالك السلطان المطلق فيما يملك بغير أي قيد عليه كما تفعل الرأسمالية، فهو لا يسمح بالربا والاحتكار، ولا أن تكون الملكية سبيلاً للاستغلال الحرام والطغيان، وبذلك يجمع الإسلام بين مزايا كل من الاشتراكية والرأسمالية ويتجنب أوجه\r-------------------------------\r(1) هدف الرأسمالية إشباع حاجات الأفراد بحسب القدرة الشرائية مما يؤدي إلى عجز بعض الأفراد عن سد حاجاتهم الضرورية، بينما يشبع فريق آخر حاجاته الترفيهية المتعددة.","part":6,"page":372},{"id":3968,"text":"الانحراف والمبالغة في كل منهما (1) .\rولا يمكن القول بأن نظام الإسلام الاقتصادي نظام رأسمالي أو اشتراكي؛ لأن للرأسمالية أو الاشتراكية في الوقت الحاضر معنى محدداً مفهوماً، له خصائص معينة في معالجة الحياة الاقتصادية.\rوإنما الإسلام نظام قائم بنفسه لا ينسب إلى مذهب جديد أو قديم، مهمته الربط بين قوى الحياة ومواهب الفطرة في كيان المرء وبين ثمار الطبيعة الظاهرة والباطنة؛ فيحدث التفاعل بين الجانبين، وتتكون الحضارة الصالحة بما في الإنسان من مواهب العقل والروح وما في الكون من أسرار الحقائق وكنوز المال والثروة، وبما في الإسلام من حلول جذرية لمشكلات الحياة، وقواعد للفرد والمجتمع في الحقوق والواجبات. وإذا كان في الاشتراكية بعض المعاني الإنسانية التي جاء بها الإسلام من ضرورة التكافل الاجتماعي، فلا يعني ذلك أن نظام الإسلام هو النظام الاشتراكي الماركسي.\rالمال والملكية في تقدير الإسلام :\rالمال عند الحنفية كما عرفنا: هو ما يميل إليه الإنسان طبعاً، ويمكن ادخاره لوقت الحاجة. وعند الجمهور: هو كل ما له قيمة يباع بها ويلزم متلفه وإن قلّت،\r-------------------------------\r(1) الفكر الإسلامي الحديث للدكتور محمد البهي: ص 387، شبهات حول الإسلام للأستاذ محمد قطب: ص 27، نظرية الإسلام السياسية للمودودي: ص 57.","part":6,"page":373},{"id":3969,"text":"وما لا يطرحه الناس مثل الفَلس وما أشبه ذلك. وهذا التعريف مأخوذ عن الإمام الشافعي رضي الله عنه (1) .\rوبناء على التعريف الأول لا تكون المنافع والحقوق المجردة مالاً ما عدا منفعة العين المؤجرة، وعلى التعريف الثاني تكون المنافع أموالاً متقومة في ذاتها يمكن أن تورث.\rوالملك: هو اختصاص حاجز شرعاً يسوغ صاحبه التصرف إلا لمانع (2) .\rوالمال في الحقيقة لله سبحانه: {لله ملك السموات والأرض وما فيهن} [المائدة:120/5] (3) .\rوتملك الإنسان للمال مجاز، أي أنه مؤتمن على المال ومستخلف عليه: {وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه} [الحديد:7/57].\rقال عروة رضي الله عنه: «أشهد أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم قضى: أن الأرض أرض الله ، والعباد عباد الله ، ومن أحيا مواتاً فهوأحق به» . ويترتب عليه أن الإنسان ملزم بالتقيد بأوامر الله سبحانه في التملك بحسب ما يريد صاحب الملك. والناس على السواء، لهم حق في تملك خيرات الأرض. والملكية الفردية حق ممنوح من الله تعالى، والمال ليس غاية مقصودة لذاتها، وإنما هو وسيلة للانتفاع بالمنافع وتأمين الحاجيات (4) .\r-------------------------------\r(1) الأشباه والنظائر للسيوطي: ص 258.\r(2) المدخل الفقهي للأستاذ مصطفى الزرقاء، المجلد الأول: جـ 1 ص 220، والمراد من كلمة «حاجز» أنه الذي يخول صاحبه منع غيره، وهو قريب المعنى من المفهوم اللغوي للملكية الذي يدل على معنى الاستئثار والاستبداد مما يتعلق به من الأشياء. والمراد من جملة «يسوغ صاحبه التصرف» أن الملك قدرة مبتدأة لا مستمدة من شخص آخر.\r(3) المائدة: 120.\r(4) انظر اشتراكية الإسلام للمرحوم الدكتور مصطفى السباعي: ص77 ومابعدها، التكافل الاجتماعي في الإسلام لأستاذنا الشيخ محمد أبو زهرة: ص14 ومابعدها.","part":6,"page":374},{"id":3970,"text":"ومن الجدير بالذكر أنه لم يحدث في تاريخ الإسلام أن أخذ مال غني بغير رضاه وأعطي لفقير، مهما اشتدت الحاجة وبلغت الفاقة، وإنما كان النبي صلّى الله عليه وسلم يحض المسلمين على البذل، ويرغبهم في العطاء من غير أمر ولا عزيمة، فجاء أبو بكر مرة بماله كله، وجاء عمر بنصف ماله، وجهز عثمان جيش العسرة بجميع ما يلزمه، فقال النبي صلّى الله عليه وسلم : «ما ضر عثمان ما فعل بعد اليوم» (1) .\rتقييد الملكية :\rيقول بعض الكاتبين: لما كان المال مال الله ، والناس جميعاً عباد الله ، وكانت الحياة التي يعملون فيها ويعمرونها بمال الله هي أيضاً لله ، كان من الضروري أن يكون المال ـ وإن ربط باسم شخص معين ـ لجميع عباد الله ، وينتفع به الجميع، قال الله تعالى: {هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعاً} [البقرة:29/2] وبهذا يكون للمال وظيفة اجتماعية هدفها إسعاد المجتمع وقضاء حاجياته ومصالحه، وتكون الملكية الشخصية إذن في نظر الإسلام وظيفة اجتماعية (2) .\rويرى أستاذنا الشيخ محمد أبو زهرة أنه لا مانع من وصف الملكية بكونها وظيفة اجتماعية، ولكن يجب أن يعرف أنها بتوظيف الله تعالى، لا بتوظيف الحكام؛ لأن الحكام ليسوا دائماً عادلين (3) .\rوفي تقديري أن الإسلام منهج واضح لا غبار عليه، واستعمال هذا التعبير\r-------------------------------\r(1) انظر بحث الملكية الفردية في الإسلام للأستاذ محمد عبد الله كنون المنشور مع بحوث المؤتمر الأول لمجمع البحوث في الأزهر: ص186، وانظر حديث عثمان في التلخيص الحبير: ص278.\r(2) انظر مقال شيخ الأزهر السابق: أستاذنا الشيخ محمود شلتوت في جريدة الجمهورية 22 كانون الأول ( ديسمبر ) 1961م، اشتراكية الإسلام للسباعي: ص80.\r(3) التكافل الاجتماعي في الإسلام، المصدر السابق: ص23.","part":6,"page":375},{"id":3971,"text":"المأخوذ من تعاليم الشيوعية أو الاشتراكية الماركسية يزج الإسلام في حمأة المبادئ الماركسية، ويناقض حرية الإنسان الطبيعية الفطرية في التملك، ويضلل الأفكار في فهم حقيقة نظرة الإسلام للملكية، فالملكية الخاصة حق مصون في الإسلام، اللهم إلا في حدود حق الغير ومصلحة المجتمع. فحق الملكية ليس وظيفة اجتماعية تجعل المالك مجرد موظف لصالح الجماعة، وإنما هو ذو وظيفة اجتماعية، كما أنه ذو صفة فردية، إذ لو اعتبر الحق وظيفة اجتماعية، لكان صاحب الحق موظفاً أو مجرد وكيل يعمل لصالح الجماعة، دون نظر إلى مصلحته الخاصة، وهذا في الحقيقة إلغاء لفكرة الحق، ويعتبر إلغاء الملكية مناقضاً للفطرة الإنسانية ومصادماً لمشاعر الإنسان وحبه التملك، وسبباً واضحاً في كبت الطاقات البشرية ونزعة الإبداع والتقدم الذاتي.\rوبعبارة أخرى: إن الإسلام لايمنع الملكية الخاصة مطلقاً، ولايطلقها بلا حدود. قال الله تعالى: { يا أيها الذين آمنوا لاتأكلوا أموالكم بينكم بالباطل، إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم } [النساء:29/4]، { و في أموالهم حق للسائل والمحروم } [الذاريات:19/51]، { والله فضل بعضكم على بعض في الرزق } [النحل:71/16]، { ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء} [المائدة:54/5] ويقول الرسول صلّى الله عليه وسلم : « كل المسلم على المسلم حرام: دمه وماله وعرضه » (1) « إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا في شهركم هذا» (2) ، «لايحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفسه » (3) .\r-------------------------------\r(1) رواه مسلم وغيره عن أبي هريرة رضي الله عنه ( راجع الترغيب والترهيب: 3ص609 ومابعدها).\r(2) رواه مسلم وأبو داود والنسائي عن جابر بن عبد الله (جمع الفوائد لابن سليمان الروداني:474/1).\r(3) أخرجه الدارقطني في سننه بلفظ: «لايحل لامرئ من مال أخيه شيء إلا ماطابت به نفسه» وله ألفاظ وروايات كثيرة منها: مارواه الحاكم وابن حبان في صحيحيهما عن أبي حميد الساعدي بلفظ: «لايحل لامرئ أن يأخذ عصا أخيه بغير طيبة نفس منه » ( انظر مجمع الزوائد: 4ص171، نصب الراية: 4ص169، سبل السلام: 3ص60، نيل الأوطار: 152/8 ).","part":6,"page":376},{"id":3972,"text":"وبناء عليه يحرم التعدي على ملكيات الأفراد مادامت مشروعة، قال صلّى الله عليه وسلم : «من ظلم شبراً من الأرض طوقه الله من سبع أرضين » (1) .\rوقرر الإسلام عقوبات على السرقة والغصب والسلب والغش، والجباية الظالمة ونحوها، وطالب بضمان الأموال المتلفة. وأما الملكية غير المشروعة فيجوز للدولة التدخل في شأنها لرد الأموال إلى صاحبها، بل إن لها الحق في مصادرتها، سواء أكانت منقولة أم غير منقولة، كما فعل سيدنا عمر في مشاطرة بعض ولاته الذين وردوا عليه من ولايتهم بأموال لم تكن لهم، استجابة لمصلحة عامة: وهو البعد بها عن الشبهات وعن اتخاذها وسيلة للثراء (2) ؛ لأن الملكية مقيدة بالطيبات والمباحات، أما المحرمات التي تجيء عن طريق الرشوة أو الغش أو الربا أو التطفيف في الكيل والميزان أو الاحتكار أو استغلال النفوذ والسلطة، فلا تصلح سبباً مشروعاً للتملك.\rوكذلك يحق للدولة التدخل في الملكيات الخاصة المشروعة لتحقيق العدل والمصلحة العامة، سواء في أصل حق الملكية، أو في منع المباح وتملك المباحات قبل الإسلام وبعده إذا أدى استعماله إلى ضرر عام، كما يتضح من مساوئ الملكية الإقطاعية، ومن هنا يحق لولي الأمر العادل أن يفرض قيوداً على الملكية في بداية إنشائها في حال إحياء الموات، فيحددها بمقدار معين، أو ينتزعها من أصحابها مع دفع تعويض عادل عنها (3) إذا كان ذلك في سبيل المصلحة العامة للمسلمين (4) .\r-------------------------------\r(1) متفق عليه بين البخاري ومسلم وأحمد عن عائشة ( نيل الأوطار: 317/5 ).\r(2) انظر التلخيص الحبير: ص254.\r(3) ولا تعويض وإنما يصادر المال إذا كان مكتسباً بطريق غير مشروع كالاغتصاب والاختلاس أو كان سبب اكتسابه مشتبهاً فيه، ولقد صادر النبي صلّى الله عليه وسلم وصحابته وبخاصة سيدنا عمر أموال الولاة الذين ذكروا سبباً غير مشروع لملكياتهم كالإهداء أو لم يبينوا من أين ملكوا المال.\r(4) انظر بحث الأستاذ الشيخ علي الخفيف «الملكية الفردية وتحديدها في الإسلام» ص 113، 128 ومابعدها من كتاب المؤتمر الأول لمجمع البحوث الإسلامية.","part":6,"page":377},{"id":3973,"text":"ومن المقرر عند الفقهاء أن لولي الأمر أن ينهي إباحة الملكية بحظر يصدر منه لمصلحة تقتضيه، فيصبح ما تجاوزه أمراً محظوراً، فإن طاعة ولي الأمر واجبة بقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم} [النساء:59/4] وأولو الأمر في السياسة والحكم: الأمراء والولاة كما روى ابن عباس وأبو هريرة، وقال الطبري: إنه أولى الأقوال بالصواب.\rومن أمثلة تدخل ولي الأمر في الملكية: ما روي محمد الباقر عن أبيه علي زين العابدين أنه قال: «كان لسمرة بن جندب نخل في حائط (أي بستان) رجل من الأنصار، وكان يدخل هو وأهله فيؤذيه، فشكا الأنصاري ذلك إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلم، فقال رسول الله لصاحب النخل: بعه، فأبى، فقال الرسول: فاقطعه، فأبى، فقال: فهبه ولك مثله في الجنة، فأبى، فالتفت الرسول إليه وقال: أنت مضار، ثم التفت إلى الأنصاري، وقال: اذهب فاقلع نخله» (1) ففي هذه الحادثة ما يدل على أن النبي صلّى الله عليه وسلم لم يحترم الملكية المعتدية، وهو القائل في القضاء في حقوق الارتفاق: «لا ضرر ولا ضرار» (2) ، وروى أبو هريرة رضي الله عنهم أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم قال: «لا يمنع جار جاره أن يغرز خشبة في جداره» (3) . وشرع الإسلام حق الشفعة على الملكية، دفعاً للضرر وإقراراً لقاعدة المصلحة.\r-------------------------------\r(1) انظر الأحكام السلطانية لأبي يعلى، مطبعة البابي الحلبي: ص 285.\r(2) رواه مالك في الموطأ مرسلاً عن عمرو بن يحيى عن أبيه، ورواه أحمد في مسنده وابن ماجه والدارقطني في سننيهما مسنداً عن أبي سعيد الخدري. وله طرق يقوي بعضها بعضاً. والضرر: إلحاق مفسدة بالغير، والضرار: مقابلة الضرر بالضرر.\r(3) رواه مسلم ومالك وأحمد وابن ماجه (شرح مسلم: 47/11) بل رواه الجماعة إلا النسائي عن أبي هريرة رضي الله عنه.","part":6,"page":378},{"id":3974,"text":"ومن الأمثلة أيضاً: ما روى الإمام مالك في الموطأ: وهو أن رجلاً اسمه\rالضحاك بن خليفة ساق خليجاً (1) من العريض (واد في المدينة)، وأراد أن يمر به في أرض محمد بن مَسْلَمة، فكلم فيه الضحاك عمر بن الخطاب، فدعا عمر محمد بن مسلمة، فأمره أن يخلي سبيله، فقال محمد: «لا، فقال عمر: لم تمنع أخاك ما ينفعه، وهو لك نافع، تسقي به أولاً وآخراً، وهو لا يضرك؟ فقال محمد: لا والله، فقال عمر: والله ليمرن به ولو على بطنك، فأمره عمر أن يمر به، ففعل الضحاك» (2) ففي هذا ما يدل على أنه لا يكفي الامتناع من الضرر، بل يجب على المسلم في ملكه أن يقوم بما ينفع غيره ما دام لا ضرر عليه فيه.\rويمكن أن يعتبر مسوغاً لتنظيم الملكية أو تقييدها ـ بناء على قاعدة: الضرورات تبيح المحظورات، وعملاً بقانون المصلحة العامة وبمبدأ سد الذرائع ـ كون صاحبها مانعاً لحقوق الله تعالى أو اتخاذها طريقاً للتسلط والظلم والطغيان، أو التبذير والإسراف وتبديد الأموال والوقوع في حمأة الرذيلة والفساد، أو إشعال نار الفتنة والاضطرابات بين الناس، أو الاحتكارات والتلاعب بأسعار الأشياء، ومحاولة تهريب الأموال إلى خارج البلاد، أو دفع ضرر فقر ألم بفئة من الناس، أو لإهدار الأموال المجموعة من الربا (3) ، على شرط أن يكون إجراء استثنائياً مرهوناً بوقت الحاجة لا تشريعاً دائماً، وبشرط ألا يهتدم رأس المال من أصله.\r-------------------------------\r(1) الخليج: نهر يقتطع من النهر الأعظم إلى موضع ينتفع به فيه.\r(2) الموطأ: 218/2 ومابعدها، وهناك حادثة أخرى في الموطأ تشابه هذه الحادثة قضى فيها عمر.\r(3) الربا والاحتكار هما مصيبة الرأسمالية الطاغية، إذ مكناها رويداً رويداً من تجميع الثروات في أيديها وحرمان سائر الناس منها (جاهلية القرن العشرين لمحمد قطب: ص 278).","part":6,"page":379},{"id":3975,"text":"قيود الملكية :\rقيود الملكية ثلاثة: أولها ـ أن تكون في دائرة منع الضرر. ثانيها ـ ليس كل\rشيء قابلاً للتملك الفردي. ثالثها ـ للجماعة أو للدولة حقوق مفروضة على الملكية الخاصة.\rالقيد الأول ـ منع الإضرار بالآخرين: إن الحقوق المقررة على الملكية أساسها أمران:\r1 - منع ضرر الغير؛ لأن كل حق في الإسلام مقيد بمنع الضرر.\r2 - نفع الغير إن لم يكن ثمة ضرر لا حق به (1) .\rوالضرر أربعة أقسام عند العلماء (2) :\r1 - الضرر المؤكد الوقوع: وهو أن يترتب على تصرف المالك في ملكه ضرر مؤكد بغيره عند استعمال حقه المأذون فيه. وحكمه أنه إذا تمكن صاحب الحق من استعمال ملكه دون إضرار بغيره، فيمنع من الضرر؛ لأنه يتحمل الضرر الخاص في سبيل دفع الضرر العام. وإذا كان الضرر خاصاً بالآحاد، فيكون حق صاحب الحق أولى بالاعتبار.\r2 - الضرر الغالب وقوعه: وهو أن يكون الضرر كثير الوقوع عند القيام بالفعل، وهذه الحال تلحق بسابقتها: وهي المقطوع فيها بوقوع الضرر؛ لأن غلبة الظن تقوم مقام اليقين في الأحكام العملية.\r3 - الضرر الكثير غير الغالب: وهو أن يكون ترتب المفسدة على الفعل كثيراً في ذاته إذا وقع، ولكن لا يغلب على الظن وقوعه.\r-------------------------------\r(1) التكافل الاجتماعي للأستاذ محمد أبو زهرة: ص 24.\r(2) المصدر السابق: ص 64-66.","part":6,"page":380},{"id":3976,"text":"وفيه اختلف الفقهاء، فالمالكية والحنابلة يرون العمل بقاعدة «دفع المضار مقدم على جلب المصالح» واحتمال وقوع الضرر كاف لمنع الفعل. والحنفية والشافعية يرون أن الفعل مشروع في أصله، واحتمال الضرر لا يصلح دليلاً على الضرر المتوقع، فلا يمنع حق لمجرد احتمال الضرر.\r4 - الضرر القليل: وهو أن يكون الضرر المترتب على استعمال الحق المأذون فيه نادر الوقوع، أو كان في ذاته قليلاً، وهو لا يلتفت إليه لقلته، إذ العبرة بأصل الحق الثابت، فلا يعدل عنه إلا لعارض الضرر الكثير بالغير.\rالقيد الثاني - منع الملكية الخاصة في بعض الحالات :\rليست كل الأموال قابلة للتملك الفردي، فهناك أنواع ثلاثة من المال لا تقبل الملكية الفردية وإنما هي مملوكة للجماعة (1) ، وما عداها من المرافق الخاصة كالمزروعات والمصنوعات، يجوز للأفراد تملكها والتصرف فيها. وتلك الأنواع هي ما يأتي:\rالنوع الأول: الأموال ذات النفع العام كالمساجد والمدارس والطرقات والأنهار والأوقاف الخيرية ونحوها من المنافع العامة التي لا تؤدي غايتها إلا إذا كانت للجماعة.\rالنوع الثاني : الأموال الموجودة بخلق الله تعالى، كالمعادن والنفط والأحجار والماء والكلأ والنار، فهذه الأشياء لم يوجدها البشر وإنما هي مخلوقة بخلق الله تعالى. وكون المعادن كلها مملوكة للدولة وتستخدم من أجل المرافق العامة هو الحق وهو الرأي الراجح عند المالكية، وهو رأي الحنابلة في المعادن الظاهرة أو السائلة: وهي التي يحصل عليها من غير مؤنة ينتابها الناس، كالملح والماء والكبريت والنفط والكحل والياقوت ونحوها. أما المعادن الجامدة فتملك بملك الأرض التي هي\r-------------------------------\r(1) انظر التكافل الاجتماعي للأستاذ أبي زهرة: ص 29 وما بعدها.","part":6,"page":381},{"id":3977,"text":"فيها (1) .\rوأما الحنفية فعندهم تفصيلات تعرف في كتبهم، ولكنهم يقرون أن للدولة فيها حظاً كبيراً. ويظهر رأي الحنابلة في قول ابن قدامة الحنبلي: «وجملة ذلك أن المعادن الظاهرة: وهي التي يوصل ما فيها من غير مؤنة ينتابها الناس وينتفعون بها كالملح والماء والكبريت والقير والمومياء (2) والنفط والكحل والبرام (3) والياقوت ومقاطع الطين وأشباه ذلك لا تملك بالإحياء، ولا يجوز إقطاعها لأحد من الناس ولا احتجازها دون المسلمين؛ لأن فيها ضرراً بالمسلمين وتضييقاً عليهم» (4) .\rالنوع الثالث: الأموال التي تؤول ملكيتها للدولة من الأفراد أو يكون للدولة عليها الولاية.\rفالأولى مثل ما يؤول إلى بيت المال كالأموال الضائعة، أو التي لا وارث لها؛ لأن «بيت المال وارث من لا وارث له» والثاني مثل الأراضي الخراجية الزراعية التي آلت إلى المسلمين بالفتح كأراضي الشام ومصر والعراق وفارس وما وراءها تعتبر كالمعادن مملوكة للدولة، وتعتبر اليد القائمة عليها يد اختصاص وانتفاع فقط، لا يد تملك تام أي (للرقبة والمنفعة معاً). وإذا كانت أغلب أراضي المسلمين هي أراضي خراجية، ويد الزراع عليها ليست يد ملك مطلق، فإن لولي الأمر عند الضرورة أن\r-------------------------------\r(1) المغني: 28/3، 520/5.\r(2) نوع من الدواء.\r(3) البرام ـ بكسر الباء جمع برمة ـ بضم الباء: وهي القدر من الحجارة.\r(4) المغني: 520/5.","part":6,"page":382},{"id":3978,"text":"ينتزع الأراضي من أيدي واضعي اليد عليها،ويعوضهم عنها إذا اقتضت المصلحة العامة نزعها، وقد ثبت أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم حمى أرضاً بالمدينة وهو النقيع (موضع معروف بالمدينة) لترعى فيها خيل المسلمين (1) أي أنه جعلها مشاعة لجميع الناس، أي مؤممة للجماعة بتعبير العصر. وحمى عمر رضي الله عنه أرضاً بالرَبذة والشرَف (وهما موضعان بين مكة والمدينة) وجعل كلأهما للمسلمين كافة، فجاءه أهلها يشكون قائلين: «يا أمير المؤمنين، إنها أرضنا، قاتلنا عليها في الجاهلية وأسلمنا عليها، علام تحميها؟» فأطرق عمر وقال: «المال مال الله ، والعباد عباد الله، والله لولا ما أحمل في سبيل الله ـ أي إعداد خيول الجهاد ـ ما حميت من الأرض شبراً في شبر» وظاهر هذا الأثر أن حمى عمر كان في أرض لأهلها فيها منافع ومرافق بسبب الجوار، ولم يمنعه من حمايتها على أهلها حين دعت إلى ذلك مصلحة عامة (2) ، مثل شركات المياه والكهرباء والنفط وخطوط النقل والبرية والبحرية ونحوها من المرافق الحيوية ذات النفع العام للبلاد.\r-------------------------------\r(1) روى أحمد وابن حبان عن ابن عمر أن النبي صلّى الله عليه وسلم حمى النقيع للخيل ـ خيل المسلمين. ورواه أحمد وأبو داود عن الصعب بن جثامة أن النبي صلّى الله عليه وسلم حمى النقيع، وقال «لا حمى إلا لله ولرسوله» للبخاري منه: «لا حمى إلا لله ولرسوله» وقال: «بلغنا أن النبي صلّى الله عليه وسلم حمى النقيع، وأن عمر حمى الشرف والربذة» (انظر جامع الأصول: 331/3، مجمع الزوائد: 171/4، نيل الأوطار: 308/5) ويكون حمى الأرض بجعلها حرماً يمنع غير حاميها من الرعي والإقامة، والحمى كان الغرض منه مجرد انتفاع مقصور على الحامي مدة موقوتة تتحدد بصلاحية المكان للرعي، فإذا انتهت صلاحيته انتهت حمايته.\r(2) الأموال لأبي عبيد: ص 294-302، بحث الأستاذ علي الخفيف «الملكية الفردية وتحديدها في الإسلام» : ص 108 من كتاب المؤتمر الأول لمجمع البحوث الإسلامية.","part":6,"page":383},{"id":3979,"text":"القيد الثالث ـ حقوق الجماعة في ملكيات الأفراد :\rللجماعة أو للدولة حقوق في أموال وملكيات الأفراد يترتب على أدائها تفتيت الثروات الضخمة؛ لأن الإسلام يكره تكديس الأموال واكتنازها وتضخيم الملكيات (1) ، فيجب إسهام ذوي الحاجات في أموال الأغنياء تحقيقاً للعدالة الاجتماعية في توزيع الثروات، كما يجب على الأغنياء الإسهام في دعم موارد الخزينة العامة للمحافظة على كيان الأمة. وهذه الحقوق العامة للجماعة في أموال الأغنياء أو الموارد المالية للدولة تتلخص فيما يأتي (2) :\r1 - الزكاة: هي تشريع إلزامي في الإسلام يجب على الأغنياء القيام بتنفيذه، وتقوم الدولة بجباية الزكاة من أصحاب رؤوس الأموال، ولها أن تجبرهم على أدائها، فليست الزكاة صدقة ممتهنة، كما فهم بعض الكاتبين في الصحافة الحديثة، كما أنها ليست إذلالاً للفقير، وإنما هي حق مستقيم واجب ديانة وقانوناً، وهي تؤخذ من الأموال النامية المنتجة، وهي أربعة أقسام في عرف المسلمين في الماضي:\rأ ـ النعَم: وهي الإبل والبقر والغنم التي ترعى أغلب العام في عشب مباح، ومقادير المأخوذ منها معروفة في كتب السنة والفقه.\r-------------------------------\r(1) هناك آيات قرآنية كثيرة في هذا المعنى، مثل قوله تعالى: {والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم} [التوبة:34/9] {ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض ولكن ينزل بقدر ما يشاء} [الشورى:27/42] {كلا إن الإنسان ليطغى، أن رآه استغنى} [العلق:6/96-7] {كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم} [الحشر:7/59] {وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا وأحسن كما أحسن الله إليك ولا تبغ الفساد في الأرض إن الله لا يحب المفسدين} [القصص:77/28].\r(2) انظر اشتراكية الإسلام للسباعي: ص 121، 126 ومابعدها، التكافل الاجتماعي في الإسلام للأستاذ محمد أبو زهرة. ص 79 وما بعدها.","part":6,"page":384},{"id":3980,"text":"ب ـ النقدان: الذهب والفضة بنسبة ربع العشر 5،2%، ويمثلها في عصرنا الأوراق النقدية.\rجـ ـ أموال التجارة بنسبة ربع العشر.\rد ـ الزروع والثمار بنسبة العشر فيما يسقى بغير آلة، ونصف العشر إن كانت تسقى بآلة.\r2 - تأمين حاجيات الدفاع عن البلاد: إذا اقتضت حاجات الدفاع عن الأمة أوا لجهاد في سبيل الله بعض الأموال، ولم يكن في الخزينة العامة ما يكفي لسد تلك الحاجة، فعلى الدولة أن تفرض في أموال الناس من الضرائب بقدر ما يندفع به الخطر عملاً بالمصالح المرسلة، وقد نص على ذلك كثير من علماء الإسلام مثل الغزالي والقرافي والشاطبي وابن حزم والعز بن عبد السلام وابن عابدين (1) .\r-------------------------------\r(1) انظر أصول الفقه للمؤلف: 765/2 ط دار الفكر، الاعتصام: 121/2، ط التجارية، الفروق: 141/1، ط دار إحياء الكتب، المستصفى 313/1، حاشية ابن عابدين: 42/2، ط الميمنية، المحلى: 156/6-159 ط 1349 هـ.","part":6,"page":385},{"id":3981,"text":"3 - كفاية الفقراء: للدولة أيضاً أن تطالب الأغنياء بإغناء الفقراء، فهي ممثلة لهم، قال عليه الصلاة والسلام ـ فيما يرويه علي بن أبي طالب رضي الله عنه: «إن الله فرض على أغنياء المسلمين في أموالهم بقدر الذي يسع فقراءهم، ولن يجهد الفقراء إذا جاعوا أو عروا إلا بما يصنع أغنياؤهم، ألا وإن الله يحاسبهم حساباً شديداً ويعذبهم عذاباً أليما» (1) وقال عليه الصلاة والسلام أيضاً «أيما أهل عَرْصة (أي بقعة) أصبح فيهم امرؤ جائعاً فقد برئت منهم ذمة الله تبارك وتعالى» (2) .\r-------------------------------\r(1) رواه الطبراني في الأوسط والصغير وقال: تفرد به ثابت بن محمد الزاهد، قال الحافظ ابن حجر: وثابت ثقة صدوق روى عنه البخاري وغيرهم، وبقية رواته لا بأس بهم، وروي موقوفاً على علي رضي الله عنه وهو أشبه (انظر الترغيب والترهيب: 538/1، مجمع الزوائد: 62/3).\r(2) رواه الحاكم وأحمد بلفظ «من احتكر الطعام أربعين ليلة فقد برئ من الله ، وبرئ الله منه، وأيما أهل عرصة أصبح فيهم امرؤ جائعاً فقد برئت منهم ذمة الله » وفي إسناده أصبغ بن زيد وكثير من مرة، والأول مختلف فيه، والثاني قال ابن حزم: إنه مجهول، وقال غيره: معروف، ووثقه ابن سعد، وروى عنه جماعة واحتج به النسائي (انظر نيل الأوطار: 221/5).وأخرجه أيضاً ابن أبي شيبة والبزار.","part":6,"page":386},{"id":3982,"text":"وقال عليه الصلاة والسلام أيضاً: «إن في المال حقاً سوى الزكاة» (1) ، وقال سيدنا عمر رضي الله عنه: «لو استقبلت من أمري ما استدبرت لأخذت فضول أموال الأغنياء، فرددتها إلى الفقراء» . قال ابن حزم (2) في كتاب المحلى: «فرض على الأغنياء من كل بلد أن يقوموا بفقرائها، ويجبرهم السلطان على ذلك إن لم تقم الزكوات بهم ولا في سائر أموال المسلمين ، فيقام لهم بما يأكلون من القوت الذي لا بد منه، ومن اللباس في الشتاء والصيف بمثل ذلك، وبمسكن يكنُّهم من المطر والصيف والشمس وعيون المارة» (3) .\r-------------------------------\r(1) رواه الترمذي عن فاطمة بنت قيس بلفظ «إن في المال حقاً سوى الزكاة» وتلا قوله تعالى {ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر} [البقرة:177/2]. وقال: «إسناده ليس بذاك» (انظر التلخيص الحبير: ص 177، أحكام القرآن للجصاص: 153/1) وروى ابن حزم عن ابن عمر أنه قال: «في مالك حق سوى الزكاة» ثم قال: وصح عن الشعبي ومجاهد وطاوس وغيرهم كلهم يقول: في المال حق سوى الزكاة، ثم ذكر أنه لا خلاف في هذا إلا عن الضحاك بن مزاحم، وهو ليس بحجة.\r(2) يعتبر ابن حزم بعد أبي ذر الغفاري مفكر الاشتراكية الإسلامية، فهو أول من نظر في استنباط الأحكام إلى الحياة الإنسانية التي جاءت الأحكام لتنظيمها، فأحس بمشكلة الفقر في المجتمع، وأهم مظاهر الفقر: الجوع والعري وفقد المأوى، وهذه في الواقع هي الحاجات الأساسية للبشرية، ثم قرر أن الزكاة ليست كل الواجب، وأن الواجب الإسلامي لا يتم إلا بتحقيق وسائل الحياة الكريمة للطبقة الفقيرة، وبذلك يكون للفقراء حق في أموال الأغنياء غير مقيد بالزكاة، وأن للدولة أن تأخذ من الأغنياء ما يمكن أن يسد حاجات الفقراء (انظر بحث الدكتور إبراهيم اللبان وموضوعه «حق الفقراء في أموال الأغنياء» المنشور مع بحوث المؤتمر الأول لمجمع البحوث الإسلامية: ص 249 ومابعدها.\r(3) المحلى: 452/6 م 725.","part":6,"page":387},{"id":3983,"text":"4 - الإنفاق على الأقارب: يجب على الإنسان أن يكفي أقاربه إذ ا كانوا محتاجين كالآباء والأجداد والأبناء وفروعهم. وأما الإخوة وفروعهم والأعمام والعمات والأخوال والخالات، فقد اختلفت المذاهب في أمر الإنفاق عليهم، فأوجب الحنفية الإنفاق على كل ذي رحم محرم كالعم والأخ وابن الأخ والعمة والعم والخال، وألزم الحنابلة النفقة لكل قريب وارث بفرض أو تعصيب كالأخ والعم وابن العم، ولا تجب لذوي الأرحام كبنت العم والخال والخالة.\r5 - صدقات الفطر: تجب صدقة الفطر على الرجل بالنسبة لمن تلزمه نفقتهم من زوجة وولد وخادم.\r6 - الأضاحي: تجب الأضحية مرة في كل عام عند أبي حنيفة، وهي سنة مؤكدة عند جمهور الأئمة.\r7 - النذور والكفارات: يجب على المسلم أن يفي بنذره إذا نذر أن يتبرع لله بمال، كما يجب عليه الكفارة بإطعام الفقراء والمساكين جزاء لبعض الآثام كالحنث في اليمين والظهار، أو بسبب الإخلال ببعض الواجبات الدينية كالإفطار في رمضان بالنسبة للعاجز أو الذي ينتهك حرمة الصيام بالجماع نهاراً، ونحوه كالواجبات التي تجب أثناء الإحرام بالحج.\rوهناك أوجه كثيرة للإنفاق في سبيل الله حث عليها الإسلام،كما أن هناك موارد أخرى لبيت المال كالأوقاف والغنائم، وهو ما يحقق معنى التكافل الاجتماعي في الإسلام.\rوهناك أيضاً قيود أخلاقية دينية على الأموال، فينبغي على الدولة ملاحظة المكاسب لمنع الاستغلال واختلال توازن الثروات، مثل تحريم الربا والاحتكار والميسر والغش والتغرير والغبن والتدليس وإنقاص المكيال والميزان ونحوه.\rوالخلاصة: إن هناك قيوداً كثيرة في الإسلام على حق الملكية الشخصية، منها ما هو قانوني إلزامي، ومنها ما هو أخلاقي ديني يتطلب فهما صحيحاً وتطبيقاً شاملاً لدين الإسلام؛ لأن الإسلام منهج عام شامل للحياة، وكل لا يتجزأ، وتشريعاته حتى العبادات منها يكمل بعضها بعضاً، لمعالجة كل متطلبات الحياة الحديثة وضرورات الاقتصاد المعاصر.","part":6,"page":388},{"id":3984,"text":"البَابُ الثَّاني: توابِعُ الملكيَّة\rويشمل اثني عشر فصلاً:\rالفَصْلُ الأوَّل: أحكامُ الأراضِي\rالأراضي الخاضعة للسلطة الإسلامية إما جديدة آلت إلى المسلمين بالاستيلاء أو الفتح، وإما قديمة استقر بها المسلمون. وأبحث هذين النوعين على النحو التالي:\rأولاً ـ أحكام الأراضي المستولى عليها بالفتح.\rثانياً ـ أحكام الأراضي المستقرة في داخل الدولة.\rوأبدأ بالنوع الأول.\rأولاً ـ أحكام الأراضي المستولى عليها بالفتح :\rالأراضي التي استولى عليها المسلمون تنقسم إلى ثلاثة أقسام: أرض ملكت عَنْوة وقهراً، وأرض ملكت عفواً لجلاء أهلها عنها، وأرض استولي عليها صلحاً.\r1 - الأراضي التي فتحت عنوة :","part":6,"page":389},{"id":3985,"text":"تنتقل ملكية الأراضي إلى الفاتحين بمجرد الاستيلاء عليها عند المالكية على المشهور، والحنابلة والشيعة الإمامية والزيدية؛ لأنها مال زال عنه ملك المحاربين بالاستيلاء عليه، فصار كالمباح تسبق إليه اليد، فيتم تملكه بإحرازه. وعند الشافعية: تملك الأراضي والمنقولات بالاستيلاء والقسمة بالتراضي أو اختيار تملكها.\rوعند الحنفية: لاتنتقل ملكية الأراضي إلا بالضم إلى دار الإسلام أو حيازتها فعلاً، وجعلها جزءاً من دار الإسلام.\rوموات الأرض التي فتحت عنوة أو صلحاً لايملك إلا بالإحياء بالاتفاق (1) .\rواختلف الفقهاء في حكم مالك هذه الأرض بعد الاستيلاء عليها:\rفذهب جمهور الصحابة والشافعية والظاهرية (2) : إلى أنه تنتقل ملكية هذه الأراضي من أصحابها إلى المسلمين، كالغنائم، الخمس لمن ذكرتهم آية الغنائم: {واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول..} [الأنفال:41/8] والغنائم: ماأخذ من أموال أهل الحرب عنوة بطريق القهر والغلبة.\rوالأربعة الأخماس الباقية للغانمين. فإن طابت بتركها نفوس الغانمين بعوض أو غيره، وقفها ولي الأمر على مصالح المسلمين.\rوقال المالكية في المشهور عندهم، والإمامية (3) : تصبح هذه الأراضي وقفاً على المسلمين، بمجرد الحيازة، دون أن تحتاج إلى وقف الإمام، ولا تكون ملكاً\r-------------------------------\r(1) الخرشي، الطبعة الثانية: 128/3، تأسيس النظر للدبوسي: ص 57، مغني المحتاج: 234/4، المهذب: 241/2، القواعد لابن رجب: ص 189، 411 ومابعدها، المغني: 422/8، مفتاح الكرامة: 7/7، البحر الزخار: 215/2.\r(2) الأم: 103/4، 192، مخطوط الروضة للنووي: 2 ق /24ب، المحلى: 241/7.\r(3) الخرشي: 128/3، ط ثانية، المدونة: 27/3، الحطاب: 366/3، القوانين الفقهية: ص 148، ط. تونس، الكافي للكليني: 626/1، مفتاح الكرامة: 239/4 ومابعدها، الشرح الرضوي: ص310، الروضة البهية: 222/1، المختصر النافع في فقه الإمامية: ص 138.","part":6,"page":390},{"id":3986,"text":"لأحد، ويصرف خراجها (1) في مصالح المسلمين من أرزاق المقاتلة، وبناء القناطر والمساجد، وغيرها من سبل الخير، إلا أن يرى ولي الأمر في وقت من الأوقات أن المصلحة تقتضي القسمة.\rوقال الحنابلة في أظهر الروايات عن أحمد (2) : إن الإمام يفعل ما يراه الأصلح من قسمتها ووقفها، نظير خراج دائم يقرر عليها كالأجرة، وتكون أرضاً عشرية خراجية، العشر على المستغل، والخراج على رقبة الأرض.\rوقال الحنفية والزيدية (3) : الإمام بالخيار، إن شاء قسمها بين المسلمين، كما فعل رسول الله صلّى الله عليه وسلم بخيبر، وإن شاء أقر أهلها عليها، ووضع على رؤوسهم الجزية، وعلى أراضيهم الخراج، فتكون أرض خراج، وأهلها أهل ذمة. قال ابن عابدين: القسمة بين الغانمين أولى عند حاجتهم، وتركها بيد أهلها أولى عند عدم الحاجة لتكون عدة للمسلمين في المستقبل.\rالأدلة :\rيتضح مما سبق أن الفقهاء متفقون على جواز قسمة الغنائم بين الغانمين، لعموم قوله تعالى {واعلموا أنما غنمتم من شيء، فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل..} [الأنفال:41/8] أي أن خمس الغنيمة لمن ذكرتهم الآية، أو للدولة، والأربعة الأخماس الباقية ملك للغانمين من\r-------------------------------\r(1) الخراج لغة: هو ما حصل عليه من ريع أرض أو كرائها أو أجرة غلام ونحوه، ثم سمي ما يأخذه السلطان خراجاً، فيقع على الضريبة والجزية ومال الفيء، ويختص في الغالب بضريبة الأرض.\r(2) زاد المعاد: 173/2، الشرح الكبير للمقدسي: 538/1، المحرر: 178/2، أحكام أهل الذمة لابن القيم: ص 102.\r(3) المبسوط: 15/10، 37، درر الحكام: 285/1، فتح القدير: 303/4، حاشية ابن عابدين: 316/3، 353، البحر الزخار: 912/2.","part":6,"page":391},{"id":3987,"text":"غير خلاف بين الأئمة، بدليل إسناد الحق في الغنيمة للغانمين في قوله تعالى: {غنمتم} [الأنفال:41/8] أسنده إليهم إسناد الملك إلى مالكه.\rوبدليل ما بينته السنة بقوله صلّى الله عليه وسلم وفعله، أما قوله فمثل: «أيما قرية أتيتموها وأقمتم بها فسهمكم فيها، وأيما قرية عصت الله ورسوله، فإن خمسها لله ورسوله، ثم هي لكم» (1) ، فالمراد بالقرية الأولى: الفيء، ويصرف مصارفه، والمراد بالقرية الثانية: ما أخذ عنوة، فيكون غنيمة يخرج منه الخمس، وباقيه للغانمين، وهو معنى قوله: «ثم هي لكم» أي باقيها.\rوأما ما فعله عليه الصلاة والسلام: فالثابت عنه أنه قسم خيبر بين الغانمين بعد أن فتحت عنوة أي قهراً لا صلحاً، وقسم أيضاً أموال بني قريظة وبني النضير (2) كما ذكر ابن القيم في زاد المعاد.\rوأما المدينة ففتحت بالقرآن وأسلم عليها أهلها فأقرت بحالها. وأما مكة ففتحها الرسول صلّى الله عليه وسلم عنوة، ولم يقسمها.\rوقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «أما والذي نفسي بيده، لولا أن أترك آخر الناس ببّاناً (3) ، ليس لهم شيء، ما فتحت علي قرية إلا قسمتها كما قسم رسول الله صلّى الله عليه وسلم خيبر، ولكني أتركها خزانة لهم، يقتسمونها» (4) ، فكان رأي عمر أن يترك الأرض ولا يقسمها.\r-------------------------------\r(1) رواه أحمد ومسلم وأبو داود (شرح مسلم للنووي: 69/1، الأموال لأبي عبيد: ص 57).\r(2) انظر شرح مسلم: 91/12، 164، عيني بخاري: 46/15، سنن أبي داود: 217/3، زاد المعاد: 68/2، نيل الأوطار: 12/8.\r(3) الببَّان: المعدم الذي لا شيء له. والمعنى: لولا أني أتركهم فقراء معدمين لا شيء لهم، أي متساوين في الفقر، لأنه إذا قسم البلاد المفتوحة على الغانمين بقي من لم يحضر الغنيمة، ومن يجيء بعد من المسلمين بغير شيء منها، فلذلك تركها لتكون بينهم جميعاً (فتح الباري: 395/7، النهاية لابن الأثير: 69/1).\r(4) صحيح البخاري: 86/4.","part":6,"page":392},{"id":3988,"text":"هل القسمة ملزمة للإمام أو له الخيار في أمور أخرى؟\rأ ـ قال الشافعية والظاهرية: يجب قسمة الأراضي بين الغانمين، كسائر الأموال، عملاً بمقتضى القرآن والسنة، إذ لا فرق بين العقار والمنقول، وعموم آية الغنائم: {واعلموا أنما غنمتم...} [الأنفال:41/8] بوجوب القسمة يتفق مع فعله صلّى الله عليه وسلم الذي يجري مجرى البيان للمجمل، فضلاً عن العام (1) .\rوأما آية الحشر: {وما أفاء الله على رسوله منهم..} [الحشر:6/59] فهي في الفيء (أي الأموال الآيلة للمسلمين بدون قتال) على ما هو الظاهر منها.\rوإذا لم يقسم الإمام الأرض، فعليه أن يستطيب الغانمين، كما استطاب رسول الله صلّى الله عليه وسلم أنفس الغانمين يوم حنين ممن صار في يديه سبي هوازن، وكما فعل في خيبر وبني قريظة (2) ، وكما استطاب عمر بن الخطاب الغانمين بعد فتح سواد العراق بعوض أو بغيره، فصارت الأرض وقفاً أي فيئاً للمصالح العامة بعد أن كانت غنيمة، فقد أعطى عمر جريراً البَجَلي عوضاً من سهمه، وأعطى امرأة بجلية عوضاً من سهم أبيها؛ لأن حق الغانمين قد ثبت في الغنيمة بعد الفتح بالاستيلاء، فلا يملك الإمام إبطال هذا الحق بترك الأرض في أيدي أهلها كالمنقول، ومن لم يطب نفساً منهم فهو أحق بحقه (3) .\rب ـ وقال المالكية في المشهور عندهم والإمامية (4) : تصبح الأرض وقفاً بمجرد الاستيلاء عليها، أي كأثر طبيعي لازم دون حاجة لصيغة الإمام، ولا لتطيب\r-------------------------------\r(1) بداية المجتهد: 388/1، مجمع الزوائد: 340/5.\r(2) رواه البخاري والبيهقي وغيرهما (سنن البيهقي: 64/9، 136، البداية والنهاية: 352/4).\r(3) مغني المحتاج: 234/4، شرح المجموع: 274/1.\r(4) الحطاب: 366/3، منح الجليل: 735/1، بداية المجتهد: 387/1، القوانين الفقهية: ص 148، مفتاح الكرامة: 6/7.","part":6,"page":393},{"id":3989,"text":"أنفس المجاهدين، محتجين بفعل عمر، حيث وقف الأراضي التي افتتحها كمصر والشام والعراق.جـ ـ وقال الحنفية والحنابلة: إن الأصل المقرر أن يكون للإمام الخيار في الأراضي، فله أن يقسمها، وله أن يتركها وقفاً، وعمر رضي الله عنه قد استعمل حقه، فقرر أن تكون وقفاً، أي ملكاً للجماعة الإسلامية بأن تكون ملكية الرقبة للدولة، وملكية المنفعة فقط لأهلها القائمين عليها.\rأدلة القائلين بإعطاء الخيار للإمام في وقف الأرض :\rاستدل هؤلاء، وهي في الواقع أدلة لعمر بما يأتي:\r1 - إن آية الأنفال: {واعلموا أنما غنمتم..} [الأنفال:41/8] وآيات الحشر: {وما أفاء الله على رسوله منهم..} [الحشر:6/59] واردة في موضوع واحد، ولكن آية الحشر مخصصة لآية الأنفال، أي أنه بعد أن كانت الثانية شاملة للأرض والمنقول، خصصتها آية الحشر بما عدا الأرض. أما الأرض فقد أعطت آية الحشر الحق للإمام في أن يتصرف بما يجده من المصلحة: إما أن يقف الأرض، أو يقرها في أيدي أهلها ويضع عليها الخراج؛ لأن آية الأنفال توجب التخميس وآية الحشر توجب القسمة بين المسلمين جميعاً دون التخميس، وبذلك يجمع بين الآيتين (1) ، والجمع بين الأدلة عند كثير من الأصوليين مقدم على القول بالنسخ، أي بنسخ آية الحشر لآية الأنفال، كما قال بعضهم (2) .\r-------------------------------\r(1) الفيء: ما أخذ بغير قتال، مصروفاً لمصالح المسلمين يفعل ولي الأمر في ذلك ما يراه مصلحة، ولا يخمس الفيء عند الجمهور خلافاً للشافعية والزيدية. (بداية المجتهد: 321/1، القوانين الفقهية: ص 147، 150، نهاية المحتاج: 106/5، البحر الزخار: 443/5).\r(2) المقدمات الممهدات لابن رشد: 271/1 ومابعدها.","part":6,"page":394},{"id":3990,"text":"والرسول عليه الصلاة والسلام قد عمل بآية الأنفال، وعمر قد عمل بآية الفيء، وليس فعل النبي صلّى الله عليه وسلم براد لفعل عمر؛ لأن فعل الرسول إما على سبيل الإباحة لجهالة صفة الفعل منه، وإما على سبيل الوجوب فهو واجب مخير، بدليل الآية التي استنبط منها عمر خصلة الواجب الأخرى (1) ، قال عمر: فاستوعبت هذه الآية ( آية الحشر ) الناس إلى يوم القيامة (2) ، وقال أيضاً: «والله ما من أحد من المسلمين إلا وله حق في هذا المال أعطي منه أو منع، حتى راعٍ بعدن» (3) .\rوبناء عليه شملت آية الحشر جميع المؤمنين، وشَّركت آخرهم بأولهم في الاستحقاق. ولا سبيل إليه إلا بعدم قسمة الأرض، وهو معنى وقفها عند المالكية. وليس معناه الوقف الذي يمنع من نقل الملك في الرقبة، بل يجوز بيع هذه الأرض، كما هو عمل الأمة، وقد أجمع العلماء على أنها تورث، والوقف لا يورث، إلى آخر ما هنالك من فروق (4) .\r2 - ترك رسول الله صلّى الله عليه وسلم قرى لم يقسمها، وقد ظهر على مكة عنوة (5) ، وفيها أموال، فلم يقسمها، وظهر على قريظة والنضير، وعلى غير دار من دور العرب، فلم يقسم شيئاً من الأرض غير خيبر. فكان الإمام بالخيار: إن قسم كما قسم رسول الله صلّى الله عليه وسلم فحسن، وإن ترك كما ترك رسول الله غير خيبر فحسن (6) .\r-------------------------------\r(1) مخطوط الدرة اليتيمة في الغنيمة للشيخ الفزاري: ق 102.\r(2) رواه أبو داود (سنن أبي داود: 195/3، القسطلاني: 201/5).\r(3) رواه ابن أبي شيبة والبيهقي (سنن البيهقي: 351/6).\r(4) المنتقى على الموطأ: 223/3 ومابعدها، زاد المعاد: 69/2.\r(5) كما خرَّج مسلم في صحيحه، وهو الأصح عند العلماء (بداية المجتهد: 388/1).\r(6) القسطلاني شرح البخاري: 202/5، زاد المعاد: 69/2، الخراج لابي يوسف: ص 68، القياس لابن تيمية: ص 40.","part":6,"page":395},{"id":3991,"text":"3 - إجماع الصحابة رضي الله عنهم، على ما ارتآه عمر، حينما فتح سواد العراق، فقد ترك الأراضي في أيدي أهلها، وضرب على رؤوسهم الجزية، وعلى أراضيهم الخراج، بمحضر من الصحابة محتجاً بآيات الحشر السابق ذكرها، ولم ينقل أنه أنكر عليه منكر، فكان ذلك إجماعاً منهم. ومن خالف منهم في مبدأ الأمر كبلال وسلمان، عاد فوافق بعدئذ (1) .\r4 - المعقول: إذا قسمت بين الغانمين الأرض المفتوحة التي كادت تشمل معظم العالم في أوج الفتوحات الإسلامية، فماذا يبقى لمن يأتي بعدهم؟\rومن أين تجد خزانة الدولة نفقاتها لإنفاقها في المصالح العامة للمسلمين؟\rلهذا قال عمر، بعد أن تلا آيات الفيء في سورة الحشر: «قد أشرك الله الذين يأتون من بعدكم في هذا الفيء، فلو قسمته لم يبق لمن بعدكم شيء، ولئن بقيتُ ليبلغن الراعي بصنعاء نصيبه من هذا الفيء، ودمه في وجهه» .\rوقال أيضاً: «أرأيتم هذه الثغور لا بد لها من رجال يلتزمونها، أرأيتم هذه المدن العظام، كالشام والجزيرة والكوفة والبصرة ومصر، لا بد لها من أن تشحن بالجيوش وإدرار العطاء عليهم، فمن أين يعطى هؤلاء إذا قسمت الأرضون والعلوج؟» فقالوا جميعاً: الرأي رأيك، فنعم ما قلت وما رأيت (2) .\rوإذا قسمت الأرض بين الغانمين واشتغلوا بالزراعة، وتركوا الجهاد، فسرعان ما تضعف الأمة الإسلامية، وتصبح نهبة للطامعين؛ بل إن في ذلك أمراً مهماً بالنسبة للاقتصاد العام، حيث يحافظ على الإنتاج، لو تركت الأرض في أيدي أهلها لطول خبرتهم بها، وتمرنهم على شؤون الزراعة، بخلاف العرب الذين لم يكونوا يألفون حياة الزراعة والاستقرار في المدينة.\r-------------------------------\r(1) انظر الخراج لأبي يوسف: ص 27، 35، شرح السير الكبير: 254/3، القسطلاني: 200/5، الأموال: ص 58.\r(2) شرح السير الكبير: 254/3، الخراج لأبي يوسف: ص 24 ومابعدها، الأموال لأبي عبيد: ص57، فتوح البلدان: ص 275.","part":6,"page":396},{"id":3992,"text":"يتلخص من هذه الأدلة: أنه قد حصل بدلالة الآية وإجماع السلف والسنة تخيير الإمام في قسمة الأرضين، أو تركها ملكاً لأهلها، ووضع الخراج عليها.\rوأرجح اعتبار الفيء والغنيمة بمعنى واحد: وهو كل ما جاء من العدو، كما تقضي اللغة، فيخير الإمام بكل منهما على حدة بين القسمة وعدمها على وفق مقتضيات المصلحة العامة كما رأى عمر رضي الله عنه.\r2 - الأرض التي جلا عنها أهلها خوفاً :\rهذا النوع الثاني من الأرضين هو المعروف لدى الفقهاء بالفيء: وهو المال الذي حصل من الحربيين بلا قتال ولا إيجاف خيل ولا ركاب، كالجزية والعشور التجارية (1) .\rوحكمها: أنها تنتقل ملكيتها إلى بيت المال بالاستيلاء عليها، وتصير أملاك دولة، وعبر عنها الفقهاء بأنها تصير وقفاً، أي ملكاً للأمة الإسلامية بمجرد الاستيلاء عليها، ويضع الإمام عليها خراجاً يؤخذ كأجرة ممن يعامل عليها من مسلم أو معاهد. وصيرورتها وقفاً لأنها ليست غنيمة، فكان حكمها حكم الفيء يكون للمسلمين كلهم. ولم يختلف في هذا فقهاؤنا بالنسبة للعقار، إلا أن\r-------------------------------\r(1) بداية المجتهد: 389/1، المهذب: 247/2، نهاية المحتاج: 105/5، أحكام أهل الذمة لابن القيم: ص 106.","part":6,"page":397},{"id":3993,"text":"الشافعية والحنابلة في قول عندهم ذكروا أن وقفها يحتاج إلى صيغة من الإمام، لتصبح هذه الأرض وقفاً، والراجح خلافه (1) .\rأما المنقول في الفيء: فيوقف أيضاً عند الجمهور، ويصرف لمصالح المسلمين، أي الأمر فيه للإمام يفعل ما يراه مصلحة. ويخمس عند الشافعية المنقول كالغنيمة؛ لأن آية الفيء؛ {ما أفاء الله على رسوله..} [الحشر:6/59] مطلقة، وآية الغنيمة: {واعلموا أنما غنمتم من شيء...} [الأنفال:41/8] مقيدة، فحمل المطلق على المقيد، جمعاً بينهما لاتحاد الحكم، فإن الحكم واحد، وهو رجوع المال من الحربيين للمسلمين، وإن اختلف السبب بالقتال وعدمه (2) .\rغير أن مذهب الجمهور في هذا أصح، ودليلهم ما روى أنس بن مالك عن عمر، قال: كانت أموال بني النضير مما أفاء الله على رسوله مما لم يوجف عليه المسلمون بخيل ولا ركاب، فكانت للنبي صلّى الله عليه وسلم خاصة، فكان ينفق على أهله نفقة سنة، وما بقي يجعله في الكُراع (الخيول) والسلاح عُدَّة في سبيل الله (3) .\rفقوله: «كانت للنبي صلّى الله عليه وسلم خاصة» يؤيد مذهب الجمهور في أنه لا يخمس الفيء، إذ من المعروف أن فدَك والعوالي (أموال بني النضير في المدينة) (4) كانت للرسول صلّى الله عليه وسلم خاصة، ولمن بعده من الأئمة، لقوله تعالى: {وما أفاء الله على رسوله منهم..} [الحشر:6/59] {ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فللّه وللرسول} [الحشر:59/7] أراد أن الفيء لا يقسم كالغنائم، بدليل قوله تعالى: {كيلا يكون دُولة بين الأغنياء منكم} [الحشر:6/59].\r-------------------------------\r(1) فتح القدير: 353/4، الخراج: ص 23، الشرح الكبير للدردير: 175/2، القوانين الفقهية: ص 66، الأحكام السلطانية للماوردي: ص 133، ولأبي يعلى: ص 132، مغني المحتاج: 99/3، الشرح الكبير للمقدسي: 542/10، كشاف القناع: 75/3، ط أنصار السنة، المحرر: 179/2.\r(2) زاد المعاد: 220/3، القوانين الفقهية: ص 148، ط تونس، مغني المحتاج: 93/3.\r(3) شرح مسلم: 70/12، قال النووي: كانت أموال بني النضير أي معظمها.\r(4) سيرة ابن هشام: 337/2.","part":6,"page":398},{"id":3994,"text":"وإذا أراد الإمام تفريق الفيء بين المسلمين اتخذ ديواناً يحفظهم ويرتبهم، ويجعل العطاء على حسب ما يتيسر له شهرياً أو غيره (1) .\r3 - الأرض التي فتحت صلحاً :\rيتحدد حكم هذا النوع من الأراضي بموجب عقد الصلح، فهو إما أن يقع الصلح على أن تكون الأرض للمسلمين، وإما أن يقع على أن تكون الأرض لأصحابها كأرض اليمن والحيرة.\rففي الحالة الأولى: تصبح الأرض وقفاً للمسلمين، كأرض العنوة، وتعتبر من بلاد الإسلام، كالأرض التي جلا عنها أهلها؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلم فتح خيبر، وصالح أهلها على أن يعمروا أرضها، ولهم نصف ثمرتها، فكانت للمسلمين دونهم. قال ابن عمر رضي الله عنهما: «عامل النبي صلّى الله عليه وسلم خيبر بشطر ما يخرج منها من ثمر أو زرع» (2) ، وصالح النبي بني النضير على أن يجليهم من المدينة، ولهم ما أقلت الإبل من المتعة والأموال إلا الحلقة (السلاح) وكانت مما أفاء الله على رسوله (3) .\rويوضع على هذه الأرض الخراج، ويكون تابعاً لها، فإذا اشترى مسلم بعضاً منها، ظل ملتزماً بضريبة الخراج؛ لأنه يعتبر أجرة في نظير الانتفاع بالأرض، وهذا أمر متفق عليه بين الفقهاء (4) .\rوفي الحالة الثانية: تكون الأرض ملكاً لأهلها بموجب الصلح، باتفاق الفقهاء، ويلتزم المسلمون بتنفيذ شروط الصلح كاملة، ما دام هؤلاء قائمين على الصلح، ولكن يوضع الخراج على الأرض يؤدونه عنها، ويكون لبيت المال (5) ، وهذا الخراج يعتبر في حكم الجزية، فمتى أسلموا سقط عنهم عند الجمهور والشيعة الإمامية (6) ، بدليل ما كتب عمر بن عبد العزيز لعماله: ولا خراج على من أسلم من أهل الأرض.\rأما عند الحنفية والشيعة الزيدية: فلا يسقط؛ لأن الخراج عندهم فيه معنى المؤنة ومعنى العقوبة، ولذا يبقى على المسلم ولا يبتدأ به (7) .\rوتعبر دار هؤلاء المصالحين دار عهد أو صلح عند الشافعية وبعض الحنابلة (8) ، وعند الجمهور: تعتبر الدار بالصلح دار إسلام، ويصير أهلها أهل ذمة تؤخذ منهم الجزية.\r-------------------------------\r(1) البحر الزخار: 442/5، المهذب: 248/2.\r(2) رواه البخاري والبيهقي وأبو داود (صحيح البخاري: 105/3، 140/5، سنن البيهقي: 113/6، سنن أبي داود: 357/3).\r(3) الشرح الكبير لابن قدامة المقدسي: 542/10.\r\r(4) المدونة: 26/3، المنتقى على الموطأ 219/3، الخرشي: 149/3، ط ثانية، كشاف القناع: 75/3، المحرر: 179/2، أحكام أهل الذمة: ص 106، مفتاح الكرامة: 249/4، المختصر النافع: ص14.\r(5) الخراج: ص 63، تبيين الحقا ئق: 274/3، حاشية ابن عابدين: 53/2، حاشية الدسوقي: 175/2، القوانين الفقهية: ص 148، الأم: 103/4، 193، الشرح الكبير للمقدسي: 543/10، أحكام أهل الذمة: ص 105، غاية المنتهى: 467/1، ويلاحظ أن هذه المصادر عند الحنابلة تقرر وجوب الخراج لنا، لكن ورد في كشاف القناع: 686/3 باب حكم الأرضين المغنومة: لا خراج على أرض صولح أهلها على أن الأرض لهم، كأرض اليمن والحيرة، كما لا خراج على ما أحياه المسلمون كأرض البصرة.\r(6) لباب اللباب: ص 73، سنن البيهقي: 141/9، المحرر في الفقه الحنبلي: 179/2، مفتاح الكرامة: 239/4، المختصر النافع: ص 114.\r(7) التلويح على التوضيح: 152/2، المنتزع المختار: 575/1.\r(8) الأحكام السلطانية للماوردي: ص 133، ولأبي يعلى: ص 133، كشاف القناع: 75/3.","part":6,"page":399},{"id":3995,"text":"ثانياً ـ أحكام الأراضي في داخل الدولة :\rالأراضي نوعان: أرض مملوكة وأرض مباحة. والمملوكة نوعان: عامرة وخراب، والمباحة نوعان أيضاً: نوع هو من مرافق البلد للاحتطاب ورعي المواشي، ونوع ليس من مرافقها وهو الأرض الموات أو ما يسمى الآن أملاك الدولة العامة، والمقصود بالأرض العامرة: هي التي ينتفع بها من سكنى أو زراعة أو غيرها. وأما الأرض الخراب: فهي المعروفة بالأرض المملوكة الغامرة: وهي التي انقطع ماؤها أو لم تستغل بسكنى أو استثمار أو غيرهما. وسنعطي هنا فكرة إجمالية عن حكم كل أرض.\r1ً - حكم الأرض المملوكة العامرة: هو أنه لا يجوز لأحد أن يتصرف فيها من غير إذن صاحبها.\r2ً - حكم الأرض الخراب التي انقطع ماؤها: هذه الأرض ملك لصاحبها، وإن طال الزمان على خرابها، حتى إنه يجوز له بيعها وهبتها وإجارتها وتورث عنه إذا مات.... هذا إذا عرف صاحبها، فإن لم يعرف، فحكمها حكم اللقطة.","part":6,"page":400},{"id":3996,"text":"وأما الكلأ (1) الذي ينبت في أرض مملوكة فهو مباح للناس غير مملوك لأحد، إلا إذا قطعه صاحب الأ رض، لقوله عليه الصلاة والسلام: «الناس شركاء في ثلاث: الماء والكلأ والنار» (2) فإذا قطع الكلأ صاحب الأرض وأحرزه صار مملوكاً له؛ لأنه استولى على مال مباح غير مملوك فيملكه كالماء المحرز في الأواني والظروف وسائر المباحات، قال صلّى الله عليه وسلم : «من سبق إلى ما لم يسبق إليه مسلم فهو له» (3) .\rوالمروج غير المملوكة، والآجام (4) غير المملوكة، والسمك وسائر المباحات كالطير، تعتبر في حكم الكلأ.\rوأما الحطب والقصب في الأجمة المملوكة: فليس لأحد أن يقطعها إلا بإذن المالك؛ لأن ذلك مملوك لصاحب الأجمة ينبت على ملكه، وإن لم يوجد منه الإنبات أصلاً؛ لأن ملك القصب والحطب مقصود من ملك الأجمة، فيملك بملكها، بخلاف الكلأ، فإنه غير مقصود، وإنما المقصود زراعة الأرض (5) .\rوإذا كان الكلأ مستنبتاً في أرض مملوكة، بفعل صاحبها وسقيه، كان ملكاً خاصاً له.\r-------------------------------\r(1) الكلأ: الحشيش أو العشب الذي ينبت في الأرض من غير صنع أحد.\r(2) رواه أحمد وأبو داود عن بعض أصحاب النبي صلّى الله عليه وسلم بلفظ «المسلمون شركاء في ثلاثة: في الماء والكلأ والنار» وبلفظ «الناس شركاء..» ورواه ابن ماجه عن ابن عباس، وزاد «وثمنه حرام» ورواه الطبراني في معجمه عن ابن عمر، ورواه غيرهم (راجع تحقيق وتخريج أحاديث تحفة الفقهاء: 430/3 ومابعدها، نصب الراية: 294/4، سبل السلام: 86/3).\r(3) رواه أبو داود عن سمرة بن مضرِّس، وصححه الضياء في المختارة، وقال البغوي: لا أعلم بها الإسناد غير هذا الحديث (نيل الأوطار: 302/5 ومابعدها).\r(4) الأجمة بالتحريك: الشجر الكثير الملتف جمع ْجم، وأجم، وأجمات، وجمع الجمع آجام.\r(5) البدائع: 192/6 ومابعدها.","part":6,"page":401},{"id":3997,"text":"3ً - حكم الأرض الموات: الأرض الموات كما عرفنا نوعان:\rأحدهما: ما كان من مرافق أهل بلدة تستعمل مرعى للمواشي ومحتطباً لهم أو مقبرة لموتاهم أو ملعباً لصغارهم، سواء أكانت داخل البلدة أم خارجها، فيكون حقاً لهم لا مواتاً، فلا يجوز للإمام أن يقطعه لأحد، لما يترتب عليه من الإضرار بأهل البلدة، ولكن ينتفع بالحطب والقصب الذي في هذه الأرض من قبل أهل البلدة وغيرهم، وليس لهم أن يمنعوها عن غيرهم؛ لأنها ليست مملوكة لهم.\rوالحد الفاصل فيما يعتبر قريباً من البلدة: هو المكان الذي يسمع فيه الرجل\rصوت الشخص الذي يناديه من آخر أرض مملوكة، فإذا لم يسمع الصوت، فهو موات لا يتبع تلك البلدة. ومثل أرض القرية: أرض الملح والقار (1) والنفط ونحوها مما لا يستغني عنه المسلمون، فهي لا تعد أرض موات، فلا يجوز إقطاعها لأحد، وإنما تكون حقاً لجماعة المسلمين.\rوالثاني: ما لا يكون تبعاً لقرية من القرى أو مدينة وهو الموات في اصطلاح الفقهاء.\rوالموات: هو ما لا يملكه أحد ولا ينتفع به من الأراضي لانقطاع الماء عنه أو لغلبة الماء عليه وما أشبه ذلك مما يمنع الزراعة: بأن غلبت عليه الرمال مثلاً، ولا يكون مملوكاً لمسلم أو ذمي، وأن يكون في رأي أبي يوسف بعيداً عن القرية بحيث إذا وقف إنسان في طرف الدور، فصاح، لا يسمع الصوت من كان فيه.\rإلا أن هذا الشرط الأخير لا يعتبر في ظاهر الرواية، وإنما يكفي عدم ارتفاق أهل القرية به، وإن كان قريباً منهم وهو المفتى به عند الحنفية. فإذا كانت الأرض مملوكة لأحد لم تكن مواتاً، وإذا لم يعرف مالكها فهي لقطة يتصرف بها الإمام.\rوإحياء الأرض. معناه إصلاحها ببناء أو غرس أو سقي أو تفجير ماء أو حرث بحيث تصبح الأرض منتفعاً بها (2) .\r-------------------------------\r(1) القار: مادة سوداء تطلى بها السفن، وقيل: هو الزفت.\r(2) البدائع، المرجع السابق: ص 194، تكملة فتح القدير: 8 ص 136 ومابعدها، الدر المختار: 5 ص 306.","part":6,"page":402},{"id":3998,"text":"أما لو وضع حول الأرض أحجاراً أو تراباً أو حاطها بحائط صغير، وجعل ذلك حداً، فإنه لا يملكها؛ لأن هذا ليس بإحياء للأرض، وإنما يصير متحجراً، ويكون أحق بها من غيره باتفاق الأئمة (1) ، لقول النبي صلّى الله عليه وسلم : «من سبق إلى ما لم يسبق إليه مسلم فهو أحق به» . وقوله عليه الصلاة والسلام أيضاً «منى مُناخٌ لمن سبق» (2) .\rومن حجر أرضاً ولم يعمرها ثلاث سنين أخذها الإمام ودفعها إلى غيره؛ لأن التحجير كما قلنا ليس بإحياء، وإنما هو إعلام بوضع الأحجار حول الأرض. وإعطاء المحتجر الحق في ترك الأرض له مدة ثلاث سنين مأخوذ من قول عمر رضي الله عنه: «ليس لمحتجر بعد ثلاث سنين حق» (3) ، ولأن هذه المدة يحتاج إليها لتهيئة الأمور والاستعداد لإتمام الأحياء.\rهل يحتاج إحياء الموات إلى إذن الحاكم؟: اختلف العلماء في ذلك، فقال أبو حنيفة والمالكية (4) : يحتاج إحياء الموات إلى إذن الإمام أو نائبه، لقوله صلّى الله عليه وسلم : «ليس للمرء إلا ما طابت به نفس إمامه» (5) فإذا لم يأذن لم تطب نفسه به، فلا يتملكه.\r-------------------------------\r(1) تكملة فتح القدير: ص 138، البدائع: ص 195، الدر المختار: ص 307، المراجع السابقة، الشرح الكبير للدردير: 4 ص 70، مغني المحتاج: 2 ص 366، المغني: 5 ص 518، 538، المهذب: 1ص 425.\r(2) رواه أحمد وأصحاب السنن: أبو داود والترمذي وابن ماجه والبيهقي عن السيدة عائشة رضي الله عنها، قال الترمذي: حديث حسن. والمناخ: مبرك الإبل، ومحل الإقامة (راجع تحقيق وتخريج أحاديث تحفة الفقهاء للمؤلف مع الأستاذ المنتصر الكتاني: 3 ص 442، نيل الأوطار: 8 ص 22).\r(3) رواه أبو يوسف في كتاب الخراج عن سعيد بن المسيب (راجع نصب الراية: 4 ص 290، الخراج لأبي يوسف: ص 65).\r(4) البدائع: 6 ص 194، تكملة فتح القدير: 8 ص 136، الدر المختار: 5 ص 309، الشرح الكبير للدردير: 4 ص 69.\r(5) رواه الطبراني من حديث معاذ بن جبل، وفيه ضعف (نصب الراية: 3 ص 430، 4 ص 290).","part":6,"page":403},{"id":3999,"text":"وقال الصاحبان والشافعية والحنابلة (1) : يجوز تملك الأرض بالإحياء، وإن لم يأذن الإمام فيه، لقوله صلّى الله عليه وسلم : «من أحيا أرضاً ميتة فهي له، وليس لعرق ظالم حق» (2) فهذا الحديث أثبت الملك للمحيي من غير اشتراط إذن الإمام، ولأن إحياء الأرض مباح استولى عليه المحيي، فيملكه بدون إذن الإمام، كما لو أخذ إنسان صيداً أو حشَّ كلأ.\rهل للبئر أو النهر في أرض الموات حريم (3) ؟ إذا حفر الرجل بئراً في برية أو حفر نهراً في أرض موات، فيعتبر الحفر إحياء للأرض، ولكن هل للبئر أو للنهر حريم؟\rاتفق الفقهاء على أن للبئر والنهر حريماً لا يجوز للآخرين التعدي عليه بإحياء الأرض مثلاً فيه؛ لأن الرسول عليه الصلاة والسلام جعل للبئر حريماً كما سيبين، إلا أنهم اختلفوا في مقدار حريم البئر. واتفق الحنفية على أن حريم العين خمس مئة ذراع من كل جانب، لقوله صلّى الله عليه وسلم : «العين خمس مئة ذراع، وحريم بئر العطن أربعون ذراعاً» (4) .\rوأما حريم البئر والنهر ففيه خلاف: قال الحنفية: حريم بئر العطَن (5) :\r-------------------------------\r(1) مراجع الحنفية السابقة، مغني المحتاج: 2 ص 361، المغني: 5 ص 513 وما بعدها.\r(2) روي عن ثمانية: وهم عائشة وسعيد بن زيد، وجابر، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وفضالة بن عبيد، ومروان بن الحكم، وعمرو بن عوف، وابن عباس ، وحديث عائشة رواه البخاري وغيره (راجع نصب الراية: 4 ص 288، سبل السلام: 3 ص 83) قال هشام بن عروة في تفسير: «وليس لعرق ظالم حق» : الظالم: أن يأتي الرجل الأرض الميتة لغيره، فيغرس فيها.\r(3) الحريم: الموضع المجاور حول النهر أو البئر الذي تجب حمايته.\r(4) قال الزيلعي عن هذا الحديث: غريب. ثم بين أول الحديث من زيادة الزهري (راجع نصب الراية: 4ص 292).\r(5) بئر العطن بتحريك العين والطاء: هي التي ينزح منها الماء باليد. والعطن: موطن الإبل ومبركها، أو مناخها حول الماء.","part":6,"page":404},{"id":4000,"text":"أربعون ذراعاً لقوله صلّى الله عليه وسلم : «من حفر بئراً فله مما حولها أربعون ذراعاً عطناً (1) لماشيته (2) » .\rوأما حريم بئر الناضح (3) : فعند أبي حنيفة: أربعون ذراعاً، عملاً بإطلاق الحديث السابق، ولأن حاجة الناضح تتحقق بأربعين ذراعاً من كل جانب كحاجة بئر العطن.\rوعند الصاحبين: حريم بئر الناضح ستون ذر اعاً عملاً بالحديث السابق: «حريم العين خمس مئة ذراع، وحريم بئر العطن أربعون ذراعاً، وحريم بئر الناضح ستون ذراعاً» ولأنه قد يحتاج لهذه المسافة لتسيير الدابة للاستقاء.\rوأما حريم النهر: فاختلف في تقديره أبو يوسف ومحمد. وقال أبو يوسف، ورأيه هو المفتى به: يقدر بنصف أرض النهر من كل جانب. وقال محمد: يقدر بقدر عرض النهر من كل جانب (4) .\rوفائدة تملك الحريم: هي أن من أراد أن يحفر فيه بئراً أو ينتفع به بشيء، فإنه يمنع منه، ولمالك الحريم ردم البئر التي تحفر، أو تضمين الحافر النقصان، ثم يردمه بنفسه.\r-------------------------------\r(1) أي مبركاً للماشية.\r(2) رواه ابن ماجه والطبراني عن عبد الله بن مغفل. قال ابن حجر: وإسناده ضعيف، لأن فيه إسماعيل ابن أسلم، ورواه أيضاً أحمد في مسنده عن أبي هريرة بلفظ: «حريم البئر أربعون ذراعاً من جوانبها كلها لأعطان الإبل، والغنم، وابن السبيل أو الشارب، ولا يمنع فضل ماء، ليمنع به الكلأ» (نصب الرابة: 4 ص 291 وما بعدها، سبل السلام: 3 ص 85).\r(3) بئر الناضح: هي التي ينزح منها الماء بالبعير. والناضح: البعير.\r(4) البدائع: 6 ص 195، تكملة فتح القدير: 8 ص 139 ومابعدها، الدر المختار ورد المحتار عليه: 5 ص 308 وما بعدها.","part":6,"page":405},{"id":4001,"text":"وقال المالكية: إن ما يضر بالماء حريم لكل بئر، ويزاد عليه بالنسبة لبئر الماشية والشِّرب: ما لا يضايق الوارد الذي يشرب من هذه البئر (1) .\rوقال الشافعية: حريم البئر المحفورة في أرض الموات: هو بقدر ما يقف فيه النازح منها على رأس البئر ليستقي إن كانت البئر للشرب، وقدر ما يمر فيه الثيران إن كانت للسقي.\rوحريم النهر عند الشافعية: هو ملقى الطين وما يخرج منه من الرواسب، ويرجع فيه إلى أهل العرف في الموضع (2) . واستدلوا بالحديث السابق: «من حفر بئراً فله مما حولها أربعون ذراعاً..» وبحديث مرسل عن سعيد بن المسيب: «حريم البئر البديء ـ أي المستحدث ـ خمسة وعشرون ذراعاً، وحريم البئر العادية ـ أي القديمة ـ خمسون ذراعاً، وحريم بئر الزرع ثلاث مئة ذراع» (3) .\rوقال الحنابلة: حريم البئر المستحدث خمسة وعشرون ذراعاً حواليها، وحريم البئر القديم خمسون ذراعاً، بدليل حديث ابن المسيب السابق (4) . وسيأتي في بحث إحياء الموات تفصيل الكلام في الحريم.\r-------------------------------\r(1) الشرح الكبير وحاشية الدسوقي عليه: 4 ص 67.\r(2) المهذب: 1 ص 424، مغني المحتاج: 2 ص 363.\r(3) رواه أبو داود في مراسيله عن الزهري عن سعيد بن المسيب. وأخرجه الدارقطني والخلال بإسنادهما عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة مرفوعاً إلى النبي صلّى الله عليه وسلم ، وفيه ابن أبي جعفر ضعيف وهو عند أحمد عن أبي هريرة (نصب الراية: 4 ص 292 ومابعدها، تخريج أحاديث تحفة الفقهاء: 3 ص 439).\r(4) المغني: 5 ص 540.","part":6,"page":406},{"id":4002,"text":"الفَصْلُ الثَّاني: إحياء الموَات ( استصلاح الأراضي والبناء فيها )\rخطة البحث :\rالكلام في هذا الموضوع يشمل ما يأتي:\rالمبحث الأول ـ تعريف إحياء الموات ومشروعيته والترغيب فيه.\rالمبحث الثاني ـ ما يقبل الإحياء من الموات.\rالمبحث الثالث ـ كيفية الإحياء وطرقه ـ التحجير.\rالمبحث الرابع ـ شروطه.\rالمبحث الخامس ـ أحكامه ـ تملك الأرض ومقدار ما يملك (الحريم) .\rالمبحث الأول ـ تعريف إحياء الموات ومشروعيته والترغيب فيه شرعاً :\rتعريف إحياء الموات: الإحياء لغة: جعل الشيء حياً، أي ذا قوة حساسة أو نامية. والموات: ما لا روح فيه، أو الأرض التي لا مالك لها، أو الأرض الخراب الدارسة غير العامرة، وبإيجاز: هو الأرض التي لم تعمر، والمراد بإحياء الموات: التسبب للحياة النامية، شبهت العمارة بالحياة، وتعطيلها بعدم الحياة، وإحياؤها: عمارتها.\rوشرعاً: الإحياء: إصلاح الأرض الموات بالبناء أو الغرس أو الكِرَاب (1) ، أو غير ذلك. والموات: الأرض التي لا عمارة ولا ماء فيها، ولا يملكها ولا ينتفع بها أحد (2) . أو هو عند الحنفية الأرض التي تعذر زرعها لانقطاع الماء عنها، أو لغلبته عليها، غير مملوكة، بعيدة من العامر. أو هو ما سلم عن اختصاص بإحياء أي بسبب إحياء (3) .\rوحد الموات عند الشافعية: ما لم يكن عامراً، ولا حريماً لعامر، قرب من العامر أو بعد (4) .\r-------------------------------\r(1) كرب الأرض: قلبها للحرث.\r(2) القوانين الفقهية: ص 339، الشرح الكبير: 66/4، مغني المحتاج: 361/2، كشاف القناع: 205/4.\r(3) الكنز للنسفي مع تبيين الحقائق: 34/6، اللباب مع الكتاب: 218/1 وما بعدها.\r(4) مغني المحتاج: المكان السابق.","part":6,"page":407},{"id":4003,"text":"ومضمون التعاريف: هو أن إحياء الموات في الغالب: يعني استصلاح الأراضي الزراعية أو جعلها صالحة للزراعة، برفع عوائق الزراعة من أحجار وأعشاب منها، واستخراج الماء، وتوفير التربة الصالحة للزراعة، وإقامة الأسوار عليها أو تشييد البناء فيها.\rوالإحياء ورد عن الشارع مطلقاً، وما كان كذلك وجب الرجوع فيه إلى العرف؛ لأنه قد يبين مطلقات الشارع، والذي يحصل به الإحياء في العرف أحد خمسة أسباب: تبييض الأرض، وتنقيتها للزرع، وبناء الحائط على الأرض، وحفر الخندق القعير الذي لا يطلع من نزله إلا بمطلع، واستخراج الماء (1) .\rمشروعيته: ثبتت شرعية إحياء الموات بالسنة النبوية في أحاديث كثيرة منها:\r«من أحيا أرضاً ميتة فهي له» (2) ، «من أحيا أرضاً ميتة فهي له، وليس لعرق ظالم حق» (3) «من عمر أرضاً ليست لأحد، فهو أحق بها» (4) «من سبق إلى ما لم يسبق إليه مسلم فهو له، قال: فخرج الناس يتعادَوْن يتخاطُون» (5) .\rدلت هذه الأحاديث على إباحة إحياء الأرض الميتة التي لا مالك لها، ولم ينتفع بها أحد، فيحييها الشخص بالسقي، أو الزرع أو الغرس، أو البناء، أو بالتحويط على الأرض بمقدار ما يسمى حائطاً في اللغة. قال عروة: قضى عمر بن الخطاب رضي الله عنه في خلافته وعامة فقهاء الأمصار على أن الموات يملك بالإحياء، وإن اختلفوا في شروطه.\rوتدل الأحاديث أيضاً على أن الشرع رغب في الإحىاء، لحاجة الناس إلى موارد الزراعة، وتعمير الكون، مما يحقق لهم رفاهاً اقتصادياً، ويوفر ثروة عامة كبرى.\r-------------------------------\r(1) سبل السلام: 82/3.\r(2) رواه أحمد والترمذي وصححه عن جابر بن عبد الله ، قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وقد رواه ثمانية من الصحابة.\r(3) رواه أحمد وأبو داود والترمذي، وقال: هذا حديث حسن.\r(4) رواه مالك في موطئه، وأحمد والبخاري وأبو داود عن عائشة. قال ابن عبد البر: وهو مسند صحيح متلقى بالقبول عند فقهاء المدينة وغيرهم. وروى عبيد في الأموال عن عائشة: «من أحيا أرضاً ليست لأحد فهو أحق بها» .\r(5) رواه أبو داود عن سمرة بن مضرِّس. ومعنى يتعادون يتخاطون: المعاداة: الإسراع بالسير، ويتخاطون: يعملون على الأرض علامات بالخطوط، وهي تسمى الخطط، جمع خطة بكسر الخاء (راجع الأحاديث كلها في نيل الأوطاو: 302/5، نصب الراية: 288/4 وما بعدها).","part":6,"page":408},{"id":4004,"text":"المبحث الثاني ـ الموات القابل للإحياء :\rلا تصلح كل أرض للإحياء، وإنما منها ما يقبل الإحياء، ومنها ما لا يقبل. وقد اتفق الفقهاء على أن الأرض التي لم يملكها أحد، ولم يوجد فيها أثر عمارة وانتفاع، تملك بالإحياء.\rكما اتفقوا على أن الأراضي التي لها مالك معروف بشراء أو عطية، لم ينقطع ملكه، لا يجوز إحياؤها لأحد، غير أصحابها.\rواختلفوا في أنواع أخرى من الأرض (1) :\rالنوع الأول: ما ملك بالإحياء، ثم ترك حتى دثر (درس) وعاد مواتاً:\rقال الشافعية والحنابلة (2) : لا يملك بالإحياء؛ لأن الأحاديث التي أجازت الإحياء مقيدة بغير المملوك: «من أحيا أرضاً ميتة ليست لأحد» «ليس لعرق ظالم حق» ، ولأن سائر الأموال لا يزول الملك عنها بالترك.\rوقال أبو يوسف من الحنفية (3) . يملك بالإحياء، ما لا يعرف له مالك بعينه إذا كان بعيداً من القرية، بحيث إذا وقف إنسان جهوري الصوت في أقصى العمران من دور القرية، فصاح بأعلى صوته، لم يسمع الصوت فيه. وعند محمد: إن ملكت في الإسلام لا تكون مواتاً، وإذا لم يعرف مالكها تكون لجماعة المسلمين. وظاهر الرواية المفتى به: عدم ارتفاق البلدة به كما سيذكر.\rوقال المالكية (4) : يملك بالإحياء ما اندرس من عمارة الأرض، لعموم الحديث: «من أحيا أرضاً ميتة فهي له» ، ولأن أصل هذه الأرض مباح، فإذا تركت حتى تصير مواتاً، عادت إلى الإباحة.\r-------------------------------\r(1) المغني: 513/5 ومابعدها، كشاف القناع: 206/4.\r(2) مغني المحتاج: 362/2، المهذب: 423/1، المغني: 514/5، كشاف القناع: 206/4.\r(3) الكتاب مع اللباب: 219/2، تبيين الحقائق: 35/6، الدر المختار: 307/5.\r(4) الشرح الكبير: 66/4، 68، الشرح الصغير: 87/4.","part":6,"page":409},{"id":4005,"text":"النوع الثاني : ما يوجد فيه آثار ملك قديم من الجاهلية كآثار الروم ومساكن ثمود ونحوها يملك بالإحياء في المذاهب الأربعة (1) ، وهو الأظهر عند الشافعية، إذ لا حرمة لملك الجاهلية، ولقوله صلّى الله عليه وسلم : «عادِيّ الأرض لله ولرسوله ثم هو بعد لكم» (2) أي قديم الخراب بحيث لم يملك في الإسلام.\rوالرأي الثاني للشافعي: أنه لا يملك بالإحياء، لأنه ليس بموات.\rالنوع الثالث: ما جرى عليه الملك في الإسلام لمسلم أو ذمي غير معين، أي لم يعرف مالكه: يملك بالإحياء عند الحنفية والمالكية، وفي رواية عن أحمد، لعموم الأخبار الواردة في مشروعية الإحياء، ولأنه أرض موات لا حق فيها لقوم بأعيانهم، فأشبهت ما لم يجر عليه ملك مالك.\rوقال الشافعية: هو مال ضائع، أمره إلى الإمام الحاكم في حفظه إلى ظهور مالكه، أو بيعه وحفظ ثمنه واستقراضه على بيت المال، أي لا يملك بالإحياء.\rوالصحيح عند الحنابلة: أنه لا يملك بالإحياء، فلا أثر لإحيائه ويكون فيئاً بمنزلة ما جلا عنه الأعداء خوفاً منا، أي يوزع في سبيل المصالح العامة (3) .\rوالخلاصة: إن الشافعية والحنابلة متفقون على أنه لا يملك بالإحياء، والحنفية والمالكية يقولون بجواز إحيائه.\r-------------------------------\r(1) المراجع السابقة.\r(2) رواه عن طاوس سعيد بن منصور في سننه وأبو عبيد في الأموال (المغني، المكان السابق).\r(3) المراجع السابقة.","part":6,"page":410},{"id":4006,"text":"توضيح آراء المذاهب في الموات القابل للإحياء :\rيحسن بيان رأي كل مذهب على حدة فيما يقبل الإحياء.\r1 - مذهب الحنفية (1) : الأرض الموات: هي أرض خارج البلد، لم تكن ملكاً لأحد، ولا حقاً له خاصاً. ففي داخل البلد لا يكون موات أصلاً، وكذا ما كان خارج البلدة من مرافقها، محتطباً لأهلها، أو مرعى لهم. فلا يجوز إحياء ماقرب من العامر؛ لأنه من مرافقه التابعة له ويترك مرعى لأهل القرية، ومطرحاً لحصائدهم، لتحقق حاجتهم إليها، فلا يكون مواتاً كالطريق والنهر.\rفالمهم في الأرض غير المملوكة: عدم الارتفاق من أهل البلد، سواء قربت من العامر أم بعدت. وهذا هو ظاهر الرواية وهو قول الأئمة الثلاثة، وهو المفتى به عند الحنفية.\r2 - مذهب المالكية (2) : موات الأرض: ما سلم عن اختصاص بإحياء (أي بسبب إحياء لها بشيء) أو بسبب كونه حريم عمارة كمحتطب أو مرعى لبلد. فإذا اندرست عمارتها من بناء أو غرس أو تفجير ماء ونحوها، لا يزول ملكها عمن أحياها، إلا بإحياء جديد من غيره بعد اندراسها بمدة طويلة يقدرها عرف الناس، فتصبح حينئذ ملكاً للمحيي الثاني.\rوذلك سواء أكانت الأرض قريبة من العمران أم بعيدة من العمران، إلا أن الأولى يفتقر إحياؤها إلى إذن الحاكم.\r-------------------------------\r(1) اللباب شرح الكتاب: 219/2 وما بعدها، البدائع: 194/6، تبيين الحقائق: 34/6، الدر المختار ورد المحتار: 307/5، تكملة الفتح: 136/8.\r(2) الشرح الكبير: 66/4، الشرح الصغير: 87/4 ومابعدها، القوانين الفقهية: ص 339.","part":6,"page":411},{"id":4007,"text":"3 - مذهب الشافعية (1) : حد الموات: ما لم يكون عامراً، ولا حريماً لعامر قرب من العامر أو بعد. أو هو الأرض التي لم تعمرّ قط في بلاد الإسلام. ولا يملك بالإحياء حريم معمور: وهو ما تمس الحاجة إليه لتمام الانتفاع، مثل مرتكض الخيل ومناخ الإبل ومطرح الرماد ونحوها.\r4 - مذهب الحنابلة (2) : الموات: هو الأرض التي ليس لها مالك، ولا بها ماء، ولا عمارة، ولا ينتفع بها. أو هي الأرض المنفكة عن الاختصاصات وملك معصوم: مسلم كان أو كافر. لكن لا يجوز إحياء ما قرب من العامر وتعلق بمصالحه من طرقه ومسيل مائه ومطرح قمامته وملقى ترابه وآلاته، والمتعلق بمصالح القرية كفنائها ومرعى ماشيتها ومحتطبها وطرقها ومسيل مائها، والحد الفاصل بين القريب والبعيد يتحدد بالعرف.\rوالخلاصة: إن المذاهب متقاربة في أصلها ومختلفة في بعض الشروط والقيود.\rالمبحث الثالث ـ كيفية الإحياء وطرقه :\rإحياء الأرض الموات: يكون باستصلاحها للزراعة بحسب عرف الناس وعاداتهم، كما قرر الشافعية، لكن للمذاهب آراء في الموضوع.\rقال الحنفية (3) : إصلاح الأرض الموات يكون بالبناء أو الغرس أو الكراب (قلبها للحرث) ، أو إقامة المسنّاة (السد: وهو ما يبنى ليرد ماء السيل، والمراد هنا الجسر)، أو شق النهر، أو إلقاء البذور، أو السقاية مع حفر الأنهار، أو التحويط والتسنيم بحيث يعصم الماء؛ لأنه من جملة البناء.\rوعن محمد: أن المحيي لو حفر النهر، ولم يسق الأرض أو فعل العكس، يكون فعله تحجيراً لا إحياء.\rوقال المالكية (4) : الإحياء يكون بالبناء والغرس والزراعة والحرث وإجراء المياه فيها وغيرها من أحد أمور سبعة هي:\rالأول: بتفجير ماء لبئر أو عين، فيملك به، وكذا تملك الأرض التي تزرع به.\rوالثاني: بإزالة الماء منها حيث كانت الأرض غامرة بالماء.\rوالثالث: ببناء أرض.\rوالرابع: بسبب غرس الشجر فيها.\rوالخامس: بسبب تحريك أرض بحرثها ونحوه (الحراثة).\rوالسادس: يكون بسبب قطع شجر بها بنية وضع يده عليها.\r-------------------------------\r(1) مغني المحتاج: 361/4، 363، المهذب: 423/1.\r(2) كشاف القناع: 205/4، المغني: 513/5 ومابعدها، 516.\r(3) تبيين الحقائق: 36/6، الهداية مع تكملة الفتح: 139/8، اللباب مع الكتاب: 218/2.\r(4) الشرح الصغير: 93/4، الشرح الكبير: 69/4 وما بعدها، القوانين الفقهية: ص 339.","part":6,"page":412},{"id":4008,"text":"والسابع: بسب كسر حجرها مع تسوية الأرض.\rوقال الشافعية (1) : الإحياء الذي يملك به: يختلف بحسب الغرض المقصود من الأرض، ويرجع فيه إلى العرف، والعرف يمثل المصلحة عادة؛ لأن الشرع أطلقه، ولا حد له في اللغة، فيرجع فيه إلى العرف كالقبض في المبيع والموهوب، والحرز في السرقة: وهو في كل شيء بحسبه، والضابط: التهيئة للمقصود.\rفإن أراد إحياء الموات مسكناً، اشترط فيه تحويط البقعة بآجر أو لبن أو قصب بحسب عادة ذلك المكان. والمعتمد أنه لا يكتفى بالتحويط من غير بناء، بل لا بد من البناء، ويشترط سقف بعض الأرض ليتهيأ للسكنى، وتعليق (نصب) باب؛ لأن العادة في المنازل أن يكون لها أبواب، ولا تصلح الأرض للسكنى بما دون ذلك (أي بالبناء والسقف وتركيب باب).\rوإن أراد إحياء الموات زريبة دواب أو نحوها، كحظيرة لجمع ثماروغلات وغيرها،فيكتفى بالتحويط بالبناء بحسب العادة، ولا يشترط سقف شيء؛ لأن العادة فيها عدمه. ولا بد فيه من تركيب باب على الأرجح مع البناء أو التحويط بالبناء.\rوإن أراد إحياء الموات مزرعة، فيطلب جمع التراب حولها، وتسوية الأرض، وترتيب ماء لها بشق ساقية من نهر، أو بحفر بئر أو قناة أو نحوها، إن لم يكفها المطر المعتاد. ولا تشترط الزراعة فعلاً في الأصح، لأنه استيفاء منفعة الأرض، وهو خارج عن الإحياء، كما لا يعتبر في إحياء الدار سكناها. والخلاصة: أنه بالتحويط وتسوية الأرض وإيجاد الماء.\rوإن أراد إحياء الموات بستاناً، فيشترط جمع التراب حول الأر ض كالمزرعة، والتحويط حيث جرت العادة به عملاً بها، وتهيئة ماء كما تقرر في المزرعة. ويشترط أيضاً في البستان غرس البعض على المذهب. فهذا الإحياء يكون بالتحويط وتسوية الأرض وإيجاد الماء والغرس.\r-------------------------------\r(1) مغني المحتاج: 365/4 وما بعدها، المهذب: 424/1.","part":6,"page":413},{"id":4009,"text":"وقال الحنابلة (1) : إحياء الأرض: أن يحوط عليها حائطاً منيعاً، سواء أرادها للبناء أو للزرع أو حظيرة للغنم أو الخشب أو غيرها، لقوله صلّى الله عليه وسلم : «من أحاط حائطاً على أرض، فهي له» (2) ، ولأن الحائط حاجز منيع، فكان إحياء.\rوكالحائط: إجراء ماء للأرض من نهر أو بئر إن كانت لا تزرع إلا به، أو حفر بئر فيها ينبع منها الماء، فإن لم يخرج الماء فهو كالمحتجر الشارع في الإحياء.\rومثل الحائط: أن يغرس فيها شجراً، أو أن يمنع عن الموات ما لا يمكن زرعها إلا بحبسه عنها كأرض البطائح (3) .\rوفي الجملة: الإحياء يكون إما بالتحويط المنيع أو إيجاد الماء أو غرس الشجر.\rولا يحصل الإحياء بمجرد الحرث والزرع؛ لأنه لا يراد للبقاء بخلاف الغرس، كما لا يحصل الإحياء أيضاً بخندق يجعله حول الأرض التي يريد إحياءها ولا بشوك وشبهه يحوطها به، ويكون تحجراً.\rهل يحصل الإحياء بالتحجير؟\rالتحجير أو التحويط: هو الإعلام بوضع الأحجار حول الأرض، أي وضع سور من الأحجار والأشواك ونحوها على جوانب الأرض، وقد اتفق الفقهاء على عدم صلاحيته للإحياء، لكن المتحجر يكون أحق بها من غيره.\rقال الحنفية (4) : إن حجر شخص الأرض، لا يملكها بالتحجير؟ لأنه ليس بإحياء في الصحيح؛ لأن الإحياء جعلها صالحة للزراعة، والتحجير للإعلام مشتق من الحجر: وهو المنع للغير بوضع علامة من حجر، أو بحصاد ما فيها من الحشيش والشوك ونفيه عنها وجعله حولها، أو بإحراق ما فيها من الشوك وغيره، وكل ذلك لا يفيد الملك، فبقيت مباحة على حالها.\r-------------------------------\r(1) المغني: 538/5، كشاف القناع: 212/4.\r(2) رواه أحمد وأبو داود عن جابر، ولهما مثله عن سمرة بن جندب.\r(3) البطحاء والأبطح: مسيل واسع فيه دقاق الحصى.\r(4) تبيين الحقائق: 35/6، تكملة الفتح: 138/8، الدر المختار: 307/5.","part":6,"page":414},{"id":4010,"text":"لكن المتحجر أولى بها من غيره، ولا تؤخذ منه إلى ثلاث سنين، فإذا لم يعمرها فيها، أخذها الحاكم منه، ودفعها إلى غيرها. والتقدير بثلاث سنين مأخوذ من قول عمر رضي الله عنه: «ليس لمتحجر بعد ثلاث سنين حق» (1) لكن هذا حكم ديانة، أما قضاء: فإذا أحياها غيره قبل مضيها، ملكها لتحقق سبب الملك منه، دون الأول أي المتحجر.\rوقال المالكية (2) : لا يكون الإحياء بتحويط (تحجير) للأرض بنحو خط عليها، ولا رعي كلأ بها، ولا حفر بئر ماشية أو شرب بها، إلا أن يبين الملكية حين حفر البئر، فإن بينها فإحياء.\rوقرر الشافعية والحنابلة (3) أنه: إن تحجر مواتاً، وهو أن يشرع في إحيائه، ولم يتمه، أو أعلم على بقعة بنصب أحجار، أو غرز خشباً فيها، أو نصب أسلاكاً شائكة، أو حاطها بحائط صغير لم يملكها بما ذكر؛ لأن الملك بالإحياء، وليس هذا إحياء.\rلكن يصير أحق الناس به لحديث أبي داود: «من سبق إلى ما لم يسبق إليه مسلم، فهو أحق به» .\rفلو أحياه آخر ملكه. فإن لم يتم إحياء المتحجر، وطالت المدة عرفاً، كنحو ثلاث سنين، قيل له: إما أن تحييه فتملكه، أو تتركه لمن يحييه، إن حصل متشوف للإحياء؛ لأنه ضيق على الناس في حق مشترك بينهم، فلم يمكّن من الإحياء، فإن طلب المتحجر المهلة لعذر، أمهل شهرين أو ثلاثة أو أقل، على ما يراه الحاكم لأنه يسير. وإن لم يكن له عذر، فلا يمهل، فهم تقريباً كالحنفية.\r-------------------------------\r(1) رواه أبو يوسف في كتاب الخراج عن سعيد بن المسيب بلفظ: «من أحيا أرضاً ميتة فهي له، وليس لمحتجر حق بعد ثلاث سنين» لكن في سنده الحسن بن عمارة ضعيف، وسعيد عن عمر فيه كلام (نصب الراية: 290/4).\r(2) الشرح الكبير: 70/4، الشرح الصغير: 93/4.\r(3) مغني المحتاج: 366/4، المهذب: 425/1، المغني: 518/5، 543 وما بعدها، كشاف القناع: 214/4.","part":6,"page":415},{"id":4011,"text":"المبحث الرابع ـ شروط الإحياء :\rهناك شروط في المحيي، والأرض المحياة، وإجراء الإحياء.\rالمطلب الأول ـ شروط المحيي :\rالمحيي: هو الذي يباشر الإحياء الذي هو من أسباب الاختصاص أو التملك، ويجوز إحياء كل من يملك المال؛ لأنه فعل بملك به كالاصطياد.\rولا يشترط عند الجمهور (الحنفية والمالكية والحنابلة) (1) كون المحيي مسلماً، فلا فرق بين المسلم والذمي في الإحياء، لعموم قول النبي صلّى الله عليه وسلم : «من أحيا أرضاً ميتة، فهي له» ، ولأن الإحياء أحد أسباب التمليك، فاشترك فيه المسلم والذمي، كسائر أسباب الملكية.\rواشترط الشافعية (2) في المحيي أن يكون مسلماً، ولا يملك الذمي إحياء الأرض الموات، وإن أذن له فيه الإمام؛ لأن الإحياء استعلاء، وهو ممتنع عليهم بدار الإسلام. فلو أحيا ذمي أرضاً، نزعت منه ولا أجرة عليه، فلو نزعها منه مسلم وأحياها، ملكها، وإن لم يأذن له الإمام، إذ لا أثر لفعل الذمي.\r-------------------------------\r(1) الهداية مع تكملة الفتح: 138/8، الشرح الكبير: 69/4، المغني: 517/5.\r(2) مغني المحتاج: 361/4-362، المهذب: 423/1 وما بعدها.","part":6,"page":416},{"id":4012,"text":"المطلب الثاني ـ شروط الأرض المحياة :\rيشترط في الأرض المحياة شروط تتعلق بملكيتها والارتفاق بها ومكانها، وهي ما يأتي:\r1 - ألا تكون ملكاً لأحد، مسلم أو ذمي، وليست من اختصاص أحد. وهذا معنى قول الفقهاء: أن تكون الأرض عادياً (أي قديم الخراب بحيث لم يملك في الإسلام، لا مالك لها في الإسلام، فكأنها خربت من عهد عاد ). وهذا الشرط متفق عليه فقهاً (1) .\r2 - ألا تكون مرتفقاً بها أي مستعمله ارتفاقاً لأهل البلدة، قريباً أو بعيداً، كمحتطب ومرعى، وناد (مجلس يجتمعون فيه للتحدث)، ومرتكض خيل، ومُناخ إبل، ومطرح رماد، وحريم بئر، وشوارع وطرقات، ونحوها. وهو شرط متفق عليه أيضاً بين المذاهب في الأرجح عند بعضها كالحنفية (2) .\r3 - أن تكون الأرض عند الشافعية في بلاد الإسلام: فإن كانت في دار الحرب فللمسلم إحياؤها إن كانت مما لا يمنعها أهلها عن المسلمين، فإذا منعوها أو دفعوا المسلمين عنها، فلا يملكها المسلم بالاستيلاء (3) .\rولا فرق عند الجمهور غير الشافعية بين دار الحرب ودار الإسلام لعموم الأخيار، ولأن عامر دار الحرب إنما يملك بالقهر والغلبة كسائر أموالهم (4) .\r-------------------------------\r(1) الدر المختار: 306/5، اللباب شرح الكتاب: 219/2، الشرح الكبير: 66/4، مغني المحتاج: 361/4، المهذب: 423/1، كشاف القناع: 205/4.\r(2) الهداية مع التكملة: 136/8، البدائع: 194/6، الدر المختار: 306/5 ومابعدها، اللباب: المكان السابق، الشرح الكبير: 67/4، مغني المحتاج: 363/4، المغني: 516/5، 525، كشاف القناع: 208/4.\r(3) مغني المحتاج: 362/4.\r(4) المغني: 515/5، المراجع السابقة.","part":6,"page":417},{"id":4013,"text":"المطلب الثالث ـ شروط الإحياء الذي يثبت به الملك :\rيشترط في الإحياء الذي يثبت به الملك شرطان في بعض الآراء:\r1 - أن يكون الإحياء عند أبي حنيفة (1) بإذن الحاكم، لحديث: «ليس للمرء إلا ما طابت به نفس إمامه» (2) ، فإذا لم يأذن لم تطب نفسه به، ولأن هذه الأراضي كانت في أيدي الكفرة، ثم صارت في أيدي المسلمين، فهي فيء، والإمام هو المختص بتوزيع الفيء، كالغنائم، ومثل إعطاء السَّلَب للقاتل في قوله عليه الصلاة والسلام: «من قتل قتيلاً فله سَلَبه» (3) فهذا تصرف من الرسول صلّى الله عليه وسلم بطريق الإمامة والسياسة، لا بطريق الشرع والنبوة.\rوقال المالكية (4) : إذا كانت الأرض قريبة من العمران، افتقر إحياؤها إلى إذن الإمام، بخلاف البعيدة من العمران، وأن يكون فيها الإذن لمسلم، فلا يأذن الإمام لذمي على المشهور في إحياء الأرض القريبة من العمران، ولا يجوز للذمي إحياء الأرض في جزيرة العرب: مكة والمدينة وما والاها.\rوقال الصاحبان والشافعية والحنابلة (5) : من أحيا أرضاً مواتاً، تملكها، وإن لم يأذن له فيها الإمام، اكتفاء بإذن رسول الله صلّى الله عليه وسلم : «من أحيا أرضاً ميتة فهي له» الصادر بطريق الشرع والنبوة، ولأنه مال مباح كالاحتطاب والاصطياد، سبقت إليه يد المحيي، فيملكه. ويؤيده حديث البخاري عن عائشة: «من عَمَر أرضاً ليست لأحد فهو أحق بها» فظاهره أنه لا يشترط إذن الإمام.\rلكن يستحب استئذانه . خروجاً من الخلاف.\r2 - يشترط عند الحنفية في حالة التحجير: أن يتم الإحياء خلال مدة أقصاها ثلاث سنين. فإذا لم يعمرها فيها أخذها الحاكم منه، ودفعها إلى غيره؛ لأن البدء أو الشروع في استصلاحها يتطلب تعميرها، فيحصل النفع للمسلمين بدفع العشر أو الخراج، فإذا لم يحصل المقصود، فلا فائدة في\r-------------------------------\r(1) البدائع: 194/6 ومابعدها، الهداية مع التكملة: 136/8، تبيين الحقائق: 35/6، الدر المختار: 307/5، الخراج لأبي يوسف: ص 64.\r(2) رواه الطبراني، وفيه ضعف من حديث معاذ (نصب الراية: 430/3، 290/4).\r(3) أخرجه الجماعة إلا النسائي عن أبي قتادة الأنصاري (نصب الراية: 428/3). والسلب: ما يكون مع القتيل من سلاح وآلات وثياب ونقود وخيل ونحوها.\r(4) القوانين الفقهية: ص 339، الشرح الصغير: 94/4.\r(5) مغني المحتاج: 361/4، تكملة فتح القدير، المكان السابق، المهذب: 423/1، المحرر في الفقه الحنبلي: 367/1، المغني: 543/5، كشاف القناع: 206/4.","part":6,"page":418},{"id":4014,"text":"تركها في يده (1) .\rوالتقدير بثلاث سنين مأخوذ ـ كما عرفنا ـ من قول عمررضي الله عنه: «ليس لمتحجر بعد ثلاث سنين حق» (2) . وهذه مدة معقولة لاستصلاح الأراضي وتدبير مصالحها. لكن هذا الحكم من طريق الديانة، أما من طريق القضاء، فلو أحياها غيره قبل مضي تلك المدة، ملكها لتحقق سبب الملك منه، دون الأول.\rومذهب الشافعية والحنابلة كالحنفية تقريباً.\rالمبحث الخامس ـ أحكام إحياء الموات :\rيترتب على إحياء الأرض تملكها، وفرض ضريبة العشر أو الخراج عليها، وعدم تملك حريم المعمور، وتملك حريم الموات.\rالمطلب الأول ـ تملك الأرض المحياة :\rهل يثبت بإحياء الموات ملك الاستغلال (حق الانتفاع)، أو ملك الرقبة (ذات الأرض) ملكية مطلقة تشمل حق التصرف والاستعمال والاستغلال؟\rقال الفقيه أبو القاسم أحمد البلخي رحمه الله : إن الذي يثبت بإحياء الموات هو حق الاستغلال لا حق الملكية، قياساً على من جلس في موضع مباح، فإن له الانتفاع، فإذا قام عنه، وأعرض، بطل حقه (3) .\rوقال عامة الفقهاء: الثابت بالإحياء هو حق الملكية المطلقة، استدلالاً بنص الحديث: «من أحيا أرضاً ميتة فهي له» فإنه أضاف الحق للمحيي بلام التمليك في قوله «فهي له» وملكه لا يزول بالترك (4) . وهذا هو الحق العيني للمحيي.\rوبناء عليه نص الحنفية: أنه لو ترك المحيي الأرض بعد الإحياء، وزرعها غيره، فالأول أحق بها في الأصح (5) .\rالمطلب الثاني ـ وظيفة الأرض المحياة :\rالحق الثاني في الأرض المحياة هو للدولة، لكن هل الواجب المفروض على تلك الأرض أو الوظيفة: هو العشر أو الخراج؟\rقال أبو يوسف: إن أحياها مسلم، فإن كانت تلك الأرض من الأراضي العشرية فالواجب فيها العشر، وإن كانت من حيّز الأراضي الخراجية فالواجب فيها الخراج.\r-------------------------------\r(1) تبيين الحقائق: 35/6.\r(2) عرفنا أن في سنده ضعفاً. وروى حميد بن زنجويه النسائي في كتاب الأموال عن عمرو بن شعيب أن النبي صلّى الله عليه وسلم أقطع ناساً من جهينة أرضاً، فعطلوها وتركوها، فأخذها قوم آخرون، فأحيوها، فخاصم فيها الأولون إلى عمر بن الخطاب، فقال: لو كانت مني أو من أبي بكر لم أرددها، ولكنها من رسول الله صلّى الله عليه وسلم ، وقال: من كانت له أرض، فعطلها ثلاث سنين، لا يعمرها، فعمرها غيره، فهو أحق بها (نصب الراية: 290/4).\r\r(3) العناية بهامش تكملة فتح القدير: 137/8.\r(4) المرجع السابق، تبيين الحقائق: 35/6، البدائع: 194/6، الشرح الصغير: 87/4، المهذب: 423/1 وما بعدها، مغني المحتاج: 361/4، المغني: 513/5، كشاف القناع: 206/4.\r(5) الدر المختار: 307/5، الهداية مع تكملة الفتح: 137/8، تبيين الحقائق: 35/6.","part":6,"page":419},{"id":4015,"text":"وقال محمد: إن أحياها بماء العشر كماء المطر أو الأنهار الكبيرة فهي عشرية، وإن أحياها بماء الخراج، كالماء المأخوذ من نهر حفره غير المسلمين فهي خراجية. وهذا الرأي هو ما مشى عليه صاحب الهداية.\rوالأراضي العشرية خمسة أنواع:\r1 - أرض العرب.\r2 - كل أرض أسلم أهلها عليها طوعاً.\r3 - الأراضي التي فتحت عنوة وقهراً وقسمت بين الغانمين.\r4 - المسلم إذا اتخذ داره بستاناً أو كرماً.\r5 - المسلم إذا أحيا الأراضي الميتة بإذن الإمام وهي من توابع الأراضي العشرية، أو تسقى بماء العشر، وهو ماء السماء وماء العيون المستنبط من الأراضي العشرية.\rوالأراضي الخراجية:\r1 - سواد العراق كلها، وكل أرض فتحت عنوة وقهر اً وتركت على أيدي أربابها، ومنَّ عليهم الإمام، فإنه يضع الجزية على أعناقهم إذا لم يسلموا، والخراج على أراضيهم إذا أسلموا أو لم يسلموا.وهذا عند الحنفية.\r2 - وكذلك إذا جلاهم الإمام ونقل إليها آخرين.\r3 - والمسلم أو الذمي إذا أحيا أرضاً ميتة، وهي تسقى بماء الخراج، والذمي إذا اتخذ داره بستاناً (1) .\r-------------------------------\r(1) تحفة الفقهاء: 492/1-495.","part":6,"page":420},{"id":4016,"text":"وقال الحنابلة: لا خراج على من أحيا موات الأرض المفتوحة عنوة، كأرض مصر والشام والعراق. أما إن أحياها ذمي فهي خراجية مطلقاً بالاتفاق (1) .\rالمطلب الثالث ـ القيد الوارد على ملكية المحيي والملكية الإضافية ـ الحريم :\rالحريم: هو ما تمس الحاجة إليه لتمام الانتفاع بالمعمور، أو ما يحتاج إليه لمصلحة العامر من المرافق، كحريم البئر، وفناء الدار، والطريق، ومسيل الماء ومرافق القرية مثل ناد (مجلس الاجتماع) ومحتطب ومرعى ومرتكض الخيل ومناخ الإبل، ومطرح الرماد، ونحوها.\rولا يجوز باتفاق الفقهاء (2) إحياء حريم الأر اضي العامرة قبل الإحياء؛ لأنه تابع للعامر، فلا يملك؛ لأنّا لو جوزنا إحياءها أبطلنا الملك في العامر على أهله.\rولا يجوز أيضاً بالإحياء تملك ما بين العامر من الرحاب والشوارع ومقاعد الأسواق؛ لأن المذكور ليس من الموات، وإنما من جملة العامر، ولأنّا لو جوزنا التملك ضيقنا على الناس في أملاكهم وطرقهم.\rوالخلاصة: أن كل مملوك لا يجوز إحياء ما تعلق بمصالحه.\rومن جهة أخرى للمحيي ملكية إضافية قررها الشارع: وهو حريم الأرض التي أحياها، فله بالإحياء ما يحتاج إليه من المرافق كفناء الدار (الساحة أمام الدار وما امتد من جوانبها) ومسيل وحريم البئر، وله أن يمنع غيره منه.\rوالكلام عن الحريم في أصل مشروعيته، ومقداره.\r-------------------------------\r(1) البدائع: 195/6، الهداية مع التكملة: 37/8، كشاف القناع: 207/4.\r(2) البدائع: 195/6، تبيين الحقائق: 36/6، الشرح الكبير: 67/4، الشرح الصغير: 88/4، مغني المحتاج: 363/4، المهذب: 423/1، المغني: 525/5، كشاف القناع: 208/4.","part":6,"page":421},{"id":4017,"text":"مشروعية الحريم: الأصل في مشروعية الحريم: أن النبي صلّى الله عليه وسلم جعل للبئر حريماً (1) . وللعين حريم بالإجماع، لأنه عليه الصلاة والسلام جعل لكل أرض حريماً (2) .\rمقدار الحريم: للفقهاء تقديرات متقاربة للحريم.\rمذهب الحنفية (3) :\r1 ـ حريم العين الجارية: الأصح أن حريمها خمس مئة ذراع من كل جانب والذراع ست قبضات، كل قبضة أربع أصابع، وهو من المرفق إلى الأنامل. لقول الزهري: «وحريم العين خمس مئة ذراع، من كل ناحية» وبناء عليه يمنع غير صاحب الحريم من الحفر ونحوه في مسافة الحريم، لأنه ملك له، فله تضمين المعتدي أو ردم الحفرة.\r2 ـ وحريم البئر: يختلف بين بئر العطَن (العطن: مُناخ الإبل حول البئر)، وبئر العطن (هي التي ينزح منها الماء باليد) وبين بئر الناضح: (وهي التي ينزح منها الماء بالبعير ونحوه).\r-------------------------------\r(1) قال عليه السلام: « من حفر بئراً، فله مما حولها أربعون ذراعاً، عطنا لماشيته» أخرجه ابن ماجه من حديث عبد الله بن مغفل، ورواه أحمد من حديث أبي هريرة (نصب الراية: 291/4).\r(2) أخرج أبو داود في مراسيله عن الزهري عن سعيد بن المسيب، قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم «حريم البئر العادية خمسون ذراعاً، وحريم بئر البديء خمسة وعشرون ذراعاً» وأخرج الحاكم عن عبادة بن الصامت أن النبي صلّى الله عليه وسلم قضى في النخلة أن حريمها مبلغ جريدها (نصب الراية: 292/4 وما بعدها) وزاد الزهري: «وحريم العين خمس مئة ذراع من كل ناحية» .\r(3) الدر المختار: 308/5-310، الهداية مع تكملة الفتح: 139/8 وما بعدها، تبيين الحقائق: 36/6-38، الكتاب مع شرحه اللباب: 221/2 وما بعدها، البدائع: 195/6.","part":6,"page":422},{"id":4018,"text":"وحريم بئر العطن: أربعون ذراعاً من كل جانب باتفاق الحنفية، كما دلت بعض الروايات لكنها غريبة أي لم تثبت، كما قال الزيلعي (1) .\rوحريم بئر الناضح أربعون ذراعاً كبئر العطن عند أبي حنيفة، عملاً بحاجة الناس. وعند الصاحبين: ستون ذراعاً لما روي: «وحريم بئر الناضح ستون ذراعاً» والصحيح: أن حريمها على قدر الحاجة من كل الجوانب. بشرط أن يحفرها في موات بإذن الإمام أو في ملكه، فلو حفر في ملك الغير لا يستحق الحريم.\r3 ـ حريم القناة: وهي مجرى الماء تحت الأرض. ولم يقدر حريمها بشيء يمكن ضبطه، فحريمها بقدر ما يصلحها لإلقاء الطين ونحوه. وعن محمد: أنها بمنزلة البئر في استحقاق الحريم، وقيل بآراء أخرى، أولاها عندي: أن لها حريماً مفوضاً إلى رأي الإمام؛ لأنه لا نص في الشرع.\r4 ـ حريم النهر: اختلف فيه الحنفية. فعن أبي حنيفة: لا حريم للنهر في ملك الغير. وقال الصاحبان: له حريم من الجانبين؛ لأن استحقاق الحريم للحاجة، وصاحب النهر يحتاج إليه كصاحب البئر والعين، إذ أنه يحتاج إلى المشي على حافتي النهر، كما يحتاج إلى موضع لإلقاء الطين عليه عند كري النهر. ثم اختلف الصاحبان في تقديره.\rفقال أبو يوسف: قدر نصف بطن النهر من كل جانب، أي نصف العرض.\rوقال محمد: قدر جميع بطن النهر من كل جانب، أي عرض النهر. واتفق الحنفية أن للنهر حريماً بقدر ما يحتاج إليه لإلقاء الطين ونحوه، فيما لو أحياه في أرض موات. وعليه من كان له نهر في أرض غيره، فليس له حريمه عند أبي حنيفة بمجرد دعواه أنه له؛ لأن الظاهر لا يشهد له، بل لصاحب الأرض؛ لأنه من جنس أرضه، والقول لمن يشهد له الظاهر، إلا أن يقيم البينة على ذلك؛ لأنها لإثبات خلاف الظاهر.\rوقال الصاحبان: له مسنّاة (2) يمشي عليها، ويلقي عليها طينه؛ لأن النهر لابد له من ذلك. فكان الظاهر أنه له.\rوثمرة الخلاف: أن ولاية الغرس لصاحب الأرض عند أبي حنيفة، وعند الصاحبين: لصاحب النهر.\rقال الزيلعي: والصحيح أن هذا الحريم لصاحب النهر، ما لم يفحش.\r5 ـ حريم الشجر: حريم الشجر الذي يغرس في الأرض الموات: خمسة أذرع من كل جانب، حتى لا يملك غيره أن يغرس شجراً في حريمه؛ لأنه يحتاج إلى الحريم لجذاذ ثمره، وللوضع فيه. وقد جعل النبي صلّى الله عليه وسلم حريم الشجرة خمسة أذرع (3) .\rومقدار الحريم عند المالكية (4) : ما يأتي:\r-------------------------------\r(1) نصب الراية: 292/4.\r(2) المسناة: ما يبنى في وجه السيل لحبس الماء. ويراد بها هنا: ما يكون كالجسر للنهر، للمشي وإلقاء الطين عند الكري (أي الحفر).\r(3) أخرجه أبو داود في سننه عن أبي سعيد الخدري (نصب الراية: 293/4).\r(4) الشرح الصغير: 89/4، القوانين الفقهية: ص 339.","part":6,"page":423},{"id":4019,"text":"حريم البئر: ما يتصل بها من الأرض التي حولها، فهو يختلف بقدر كبر البئر وصغرها وشدة الأرض ورخاوتها. ويشمل باطن الأرض. فلا يحق لآخر حفر بئر ينشف ماءها أو يذهبه، أو يغيره بطرح نجاسة يصل إليها وسخها، كما يشمل ظاهر الأرض كالبناء والغرس.\rوحريم الدار: مدخلها ومخرجها، ومواضع مضابطها، وشبهها، مما يرتفق أهلها به من مطرح تراب، ومصب ميزاب لدار.وحريم الفدان (1) : حواشيه، ومدخله ومخرجه.\rوحريم القرية: موضع محتطبها ومرعاها.\rوحريم الشجر: ما فيه مصلحة عرفاً، فلصاحبها منع من أراد إحداث شيء بقربها يضرّ بها، من بناء أو غرس أو حفر بئر ونحوها.\rوعند الشافعية (2) : يرجع في تقدير الحريم إلى العرف، حتى إن المنصوص عليه مراعى فيه العرف والحاجة. والحريم كما تقدم: هو ما تمس الحاجة إليه لتمام الانتفاع بالمعمور، وإن حصل أصل الانتفاع بدونه.\rفحريم القرية المحياة: النادي (وهو المجلس الذي يجتمعون فيه ويتحدثون) ، ومرتكض الخيل، ومناخ الإبل، ومطرح الرماد ونحوها كمراح غنم ومسيل ماء وملعب صبيان.\rوحريم البئر المحفورة في الموات: موقف النازح منها (وهو القائم على رأس البئر ليستقي) (3) والحوض (وهو ما يصب النازح فيه ما يخرجه من البئر) ، والدولاب، ومجتمع الماء (الذي يطرح فيه من الحوض لسقي الماشية والزرع) ، ومتردد النازح من الدابة إن استقى بها، أو الآدمي.\rوحريم بئر الشرب: موضع المستقي منها.\r-------------------------------\r(1) الفدان: 5760 م2 = 240 قصبة، والدونم: 1000 م2.\r(2) مغني المحتاج: 363/4 ومابعدها، المهذب: 424/1 وما بعدها.\r(3) أما المحفورة في ملكه، فيعتبر فيها العرف.","part":6,"page":424},{"id":4020,"text":"وحريم النهر: هو ملقى الطين وما يخرج منه بحسب العرف في الموضع. بدليل حديث عبد الله بن مغفل السابق أن النبي صلّى الله عليه وسلم قال: «من احتفر بئراً، فله أربعون ذراعاً حولها، عطناً لماشيته» .\rوحريم الدار المبنية في الموات: مطرح رماد وكناسة وثلج، وممر في صوب الباب (جهته).\rوحريم آبار القناة: ما لو حفر فيه (أي في الحريم) نقص ماؤها، أو خيف عليها الانهيار، والدار المحفوفة بدور لا حريم لها. ويتصرف كل واحد في ملكه على العادة، فإن تعدى ضمن.\rويجوز إحياء موات الحرم المكي،كما يملك عامره بالبيع وغيره،دون عرفات ومزدلفة ومنى، لا يجوز إحياؤها لتعلق الوقوف بعرفات، وأداء شعائر الحج فيها وفي غيرها، كالحقوق العامة من الطرق ومصلى العيد في الصحراء، وموارد الماء.\rومذهب الحنابلة (1) ما يأتي:\rالبئر العاديّة (بتشديد الياء نسبة إلى عاد) (2) : هي القديمة التي انطمت وذهب ماؤها، فجدد حفرها وعمارتها، أو انقطع ماؤها، فاستخرجه المحيي الذي يملكها ويملك حريمها. وحريمها: خمسون ذراعاً من كل جانب.\rوالبئر غير العادية (البئر البديء) : حريمها على النصف من حريم العادية، وهو خمسة وعشرون ذراعاً من كل جانب.\rوالدليل ما روى أبو عبيد في الأموال عن سعيد بن المسيب قال: «السنة في حريم القليب ـ البئر العادية: خمسون ذراعاً، وحريم البديء: خمسة وعشرون ذراعاً، وحريم بئر الزرع ثلاث مئة ذراع» .\rوحريم عين وقناة من موات حولها: خمس مئة ذراع، أي ذراع اليد؛ لأنه المتبادر عند الإطلاق.\r-------------------------------\r(1) كشاف القناع: 212/4 ومابعدها، المغني: 542/5.\r(2) لم يرد عادا بعينها، لكن لما كانت «عاد» في الزمن الأول، وكانت لها آثار في الأرض، نسب إليها كل قديم. لذا عرفت بأنها: القديمة..الخ.","part":6,"page":425},{"id":4021,"text":"وحريم نهر من حافتيه: ما يحتاج النهر إليه، لطرح كرايته (أي ما يلقى منه طلباً لسرعة جريه) وما يضر صاحبه، بتملكه عليه، وإن كثر، وكذا ما يرتفق بدخوله؛ لأنه من مصالحه.\rوحريم شجرة: قدر مد أغصانها. وحريم النخل: بقدر مد جريدها، لحديث أبي سعيد الخدري المتقدم: «اختصم إلى النبي صلّى الله عليه وسلم في حريم نخلة، فأمر بجريدة من جرائدها فذرعت، فكانت سبعة أذرع، أو خمسة أذرع، فقضى بذلك» .\rوحريم أرض زراعة: قدر ما يحتاجه زارعها لسقيها، وربط دوابها، وطرح سبخها ونحوه، كمصرف مائها عند الاستغناء عنه، لأن كل المذكور من مرافقها.\rوحريم الدار: مطرح تراب وكناسة وثلج وماء وميزاب، وممر إلى بابها؛ لأن هذا كله مما يرتفق بها ساكنها.\rولا حريم لدار محفوفة بملك الغير من كل جانب؛ لأن الحريم من المرافق، ولا يرتفق بملك غيره؛ لأن مالكه أحق به، ويتصرف كل واحد منهم في ملكه وينتفع بحسب ما جرت به العادة، فإن تعدى العادة، منع التعدي، عملاً بالعادة.\rوبناء عليه: لو حفر رجل بئراً في أرضه، فأدى إلى نضوب ماء بئر الجار، وجب سد ماء البئر، عند الحنابلة.\rولا شيء عليه عند الحنفية؛ لأن الماء الموجود تحت الأرض غير مملوك لأحد، وهذا منصوص عليه في المجلة (م 1288).","part":6,"page":426},{"id":4022,"text":"الفَصْلُ الثَّالث: أحكام المعادن والحِمى والإقطاع\rفيه مبحثان:\rالأول ـ الحمى.\rالثاني ـ الإقطاع، ويتضمن أحكام المعادن\rالمبحث الأول ـ الحمى :\rمعناه وأصله، مشروعيته، ما حماه النبي صلّى الله عليه وسلم أو إمام غيره.\rأولاً ـ أصل الحمى ومعناه: أصل الحمى عند العرب في الجاهلية: أن الرئيس منهم كان إذا نزل بأرض مخصبة، استعوى كلباً، على مكان عال، فحيث انتهى إليه صوته من كل جانب، حماه لنفسه، فلا يرعى فيه غيره، ويرعى هو مع غيره. وهذا لا يجوز شرعاً، فقد نهى عنه النبي صلّى الله عليه وسلم لما فيه من التضييق على الناس، ومنعهم من الانتفاع بشيء لهم فيه حق.\rوالحمى بمعنى المحمي، مصدر يراد به اسم المفعول، أو المراد به الحماية والتحجير. ومعناه شرعاً. أن يحمي الإمام أرضاً من الموات، فيمنع الناس من رعي ما فيها من الكلأ، ليختص بها دونهم، لمصلحة المسلمين، لا لنفسه. وعرف المالكية الحمى الشرعي بقولهم: أن يحمي الإمام مكاناً خاصاً لحاجة غيره (1) .\rثانياً ـ مشروعيته: لا يجوز لأحد أن يحمي مواتاً ليمنع إحياء الموات، ورعي ما فيه من الكلأ، لما روى الصعب بن جَثَّامة: أن النبي صلّى الله عليه وسلم قال: «لا حمى إلا لله ولرسوله» (2) .\rويجوز باتفاق المذاهب في الصحيح عند الشافعية للإمام أن يحمي لخيل المجاهدين ونَعَم (3) الجزية، وإبل الصدقة، والماشية الضعيفة، بدليل أن النبي صلّى الله عليه وسلم حمى النقيع (4) للخيل ـ خيل المسلمين (5) . ويؤيده ما روى عامر بن عبد الله بن الزبير عن أبيه، قال: أتى أعرابي من أهل نجد عمر رضي الله عنه، فقال: يا أمير المؤمنين، بلادنا قاتلنا عليها في الجاهلية، وأسلمنا عليها في الإسلام، فعلام تحميها؟ فأطرق عمر رضي الله عنه، وجعل ينفخ، ويفتِل شاربه، وكان إذا كرِه أمراً، فتل شاربه ونفخ، فلما رأى الأعرابي مابه، جعل يردد ذلك، فقال عمر: «المال مال الله ، والعباد عباد الله ، فلولا ما أحمل عليه في سبيل الله (أي لخيل الجهاد) ماحميت من الأرض شبراً في شبر» (6) .\r-------------------------------\r(1) نيل الأوطار: 308/5، المغني: 528/5 ومابعدها، الدردير في الشرح الكبير: 68/4 ومابعدها، وفي الصغير: 92/4، المهذب: 427/1، كشاف القناع: 223/4 ومابعدها.\r(2) رواه أحمد والبخاري وأبو داود (نيل الأوطار: 308/5).\r(3) النَّعَم: الإبل والبقر والغنم.\r(4) النقيع: موضع معروف، على بعد عشرين فرسخاً من المدينة، وقدره ميل في ثمانية أميال. وأصل النقيع: كل موضع ينتقع فيه الماء، فيكثر فيه الخصب، بسبب وجود الماء. والفرسخ 5544 م، والميل 1848 م.\r(5) رواه أحمد عن ابن عمر (نيل الأوطار: 308/5) ورواه البخاري وأبو داود عن الصعب بن جثامة (جامع الأصول: 331/3).\r(6) رواه أبو عبيد بإسناده عن عامر بن عبد الله بن الزبير. ورواه البخاري والموطأ عن أسلم مولى عمر (جامع الأصول: 328/3 وما بعدها).","part":6,"page":427},{"id":4023,"text":"قال مالك: بلغني أنه كان يحمل في كل عام على أربعين من الظهر، وقال مرة: من الخيل.\rوقال البخاري: بلغنا أن النبي صلّى الله عليه وسلم حمى النقيع، وأن عمر حمى شرَف والرّبذة (1) .\rوعن أسلم مولى عمر: أن عمر استعمل مولى له، يدعى «هُنيّاً» على الحمى، وقال له: يا هُنَي، اضمم جَنَاحك على المسلمين (2) ، واتق دعوة المظلوم، فإن دعوة المظلوم مستجابة، وأدخل رب الصُّرَيمة (3) ، ورب الغُنَيمة، وإياك ونَعمَ ابن عوف، ونعم ابن عفان (4) ، فإنهما إن تهلك ماشيتهما، يرجعان إلى نخل وزرع.\rورب الصريمة ورب الغنيمة، إن تهلك ماشيتهما، يأتيني ببينة يقول: يا أمير المؤمنين أفتاركهم أنا، لا أبالك (5) ، فالماء والكلأ أيسر عليَّ من الذهب والورِق.\rوأيم الله ، إنهم ليَروْن أني قد ظلمتهم، إنها لبلادُهم، قاتلوا عليها في الجاهلية، وأسلموا عليها في الإسلام.\rوالذي نفسي بيده، لولا المال الذي أحمل عليه في سبيل الله ، ما حميت عليهم من بلادهم شيئاً (6) .\r-------------------------------\r(1) رواه البخاري عن الصعب بن جثامة (نيل الأوطار، المكان السابق) والشرف: موضع بقرب مكة، والربذة: موضع معروف بين مكة والمدينة.\r(2) في كتب الفقه: اضمم جناحك عن الناس، أي أمسك يدك ولا تمدها إلى ضرر مسلم، أي تواضع لهما، أو اتق الله فيهم.\r(3) الصريمة: تصغير صرمة: وهي القطعة من الإبل نحو الثلاثين، فهي ما بين العشرين إلى الثلاثين من الإبل، أو من العشر إلى الأربعين منها، والغنيمة: ما بين الأربعين والمئة من الشاء.\r(4) أي لا تدخلها الحمى، فإنهما غنيان لا يضرهما هلاك نعمهما.\r(5) ظاهره الذم، والقصد: التحريض على الشيء.\r(6) رواه البخاري (نيل الأوطار، المكان السابق).","part":6,"page":428},{"id":4024,"text":"قال ابن قدامة (1) : وهذا إجماع من الصحابة، ولأن ماكان لمصالح المسلمين، قامت الأئمة فيه مقام رسول الله صلّى الله عليه وسلم ، وقد روي عن النبي صلّى الله عليه وسلم أنه قال.\r«ما أطعم الله لنبي طُعْمة، إلا جعلها طعمة لمن بعده» رواه أحمد.\rوأجاز المالكية (2) الحمى الشرعي بشروط أربعة، هي:\r1 - حاجة المسلمين إليه: فلا يحمي الإمام أو نائبه لنفسه، ولا لغيره عند عدم الحاجة.\r2 - أن يكون المحمي قليلاً، لا كثيراً. والقليل: ما لا يضيق فيه على الناس والكثير: ما ضيق فيه على الناس.\r3 - أن يكون المحمي في مكان عفا، أي خالياً من البناء والغرس.\r4 - أن يكون الغرض من الحمى تحقيق مصلحة عامة الناس، مثل الجهاد ونحوه، أي لترعى فيه دواب الحرب أو الصدقة أو ضعفة المسلمين.\rونائب الإمام مثل الإمام، وإن لم يأذن له الإمام، بخلاف الإقطاع، فليس لنائب السلطان إقطاع إلا بإذن؛ لأن الإقطاع يحصل به التمليك، فلا بد فيه من الإذن، بخلاف الحمى.\rثالثاً ـ حكم ما حماه النبي صلّى الله عليه وسلم أو إمام غيره(3 ) :\rليس لأحد نقضه، ولا تغييره، مع بقاء الحاجة إليه، لأنه كالمنصوص عليه، ومن أحيا منه شيئاً لم يملكه.\rوإن زالت الحاجة إليه، ففيه عند الشافعية والحنابلة وجهان:\rأحدهما ـ يجوز لأنه زال السبب.\rوالثاني ـ لا يجوز، لأن ما حكم به رسول الله صلّى الله عليه وسلم نص، فلا يجوز نقضه بالاجتهاد.\rوإن حمى إمام آخر بعد النبي، فغيّره هو، أو غيره من الأئمة: جاز.\rوإن أحياه إنسان بعد الإمام ففيه قولان عند الشافعية والحنابلة:\rأحدهما ـ لا يملكه، كما لا يملك ما حماه رسول الله صلّى الله عليه وسلم ، ولأن اجتهاد الإمام لايجوز نقضه.\rوالثاني ـ يملك؛ لأن حمى الإمام اجتهاد، وملك الأرض بالإحياء نص، والنص يقدم على الاجتهاد.\r-------------------------------\r(1) المغني: 530/5.\r(2) الشرح الكبير: 69/4، الشرح الصغير: 92/4.\r(3) راجع المهذب: 427/1، المغني: 530/5، كشاف القناع: 224/4.","part":6,"page":429},{"id":4025,"text":"المبحث الثاني ـ الإقطاع :\rتعريفه، مشروعيته، أنواعه وحكم كل نوع.\rأولاً ـ تعريف الإقطاع: هو جعل بعض الأراضي الموات مختصة ببعض الأشخاص ـ سواء أكان ذلك معدناً، أم أرضاً، فيصير ذلك البعض أولى به من غيره، بشرط أن يكون من الموات الذي لا يختص به أحد.\rأو هو تسويغ الإمام من مال الله شيئاً لمن يراه أهلاً له. وأكثر ما يستعمل في الأرض: وهو أن يخرج منها لمن يراه ما يحوزه، إما بأن يملكه، فيعمره، وإما بأن يجعل له غلته مدة (1) .\r-------------------------------\r(1) نيل الأوطار: 311/5.","part":6,"page":430},{"id":4026,"text":"ثانياً ـ مشروعيته: يجوز للإمام أن يقطع موات الأرض لمن يملكه بالإحياء، لما روى وائل بن حُجر: «أن النبي صلّى الله عليه وسلم أقطعه أرضاً بحضرموت، وبعث معاوية ليقطعها إياه» (1) ، وروى ابن عمر: «أن النبي صلّى الله عليه وسلم أقطع الزبير حُضْر فرسه (2) ، وأجرى الفرس حتى قام، ثم رمى بسوطه،فقال: أقطعوه، حيث بلغ السوط» (3) . وروى عمرو بن شعيب أن النبي صلّى الله عليه وسلم أقطع ناساً من جهينة أو مزينة أرضاً (4) .\rوروي أن أبا بكر أقطع الزبير: وأقطع عمر علياً، وأقطع عثمان رضي الله عنهم خمسة من أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلم : الزبير، وسعد، وابن مسعود، وخباباً، وأسامة بن زيد، رضي الله عنهم. ويروى عن نافع أبي عبد الله : أنه قال لعمر: إن قَبلنا أرضاً بالبصرة، ليست من أرض الخراج، ولا تضر بأحد من المسلمين، فإن رأيت أن تقطعنيها، أتخذ فيها قصيلا (5) لخيلي فافعل. قال: فكتب عمر إلى أبي موسى: إن كانت كما يقول، فاقطعها إياه (6) . ويجوز أيضاً إقطاع المعادن للاستغلال، لا ملك الرقبة (عين الشيء)، لما روى ابن عباس قال: «أقطع رسول الله صلّى الله عليه وسلم بلال بن الحارث المزني معادن القَبَليّة (7) ، جَلْسيها وغَوْريّها وحيث يصلح الزرع من قُدْس (8) ، ولم يعطه حق مسلم (9) » .\r-------------------------------\r(1) رواه الترمذي وصححه (نيل الأوطار: 312/5).\r(2) حضر فرسه: مقدار عدوه.\r(3) رواه أحمد وأبو داود لكن في إسناده رجل فيه مقال، وهو عبد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب (نيل الأوطار: 312/5).\r(4) رواه سعيد بن منصور في سننه.\r(5) القصيل: الشعير يجز أخضر لعلف الدواب.\r(6) روى هذه الآثار كلها أبو عبيد في الأموال.\r(7) القبلية: ناحية من ساحل البحر، بينها وبين المدينة خمسة أيام.\r(8) الجلس: كل مرتفع من الأرض، ويطلق على أرض نجد. وغوريها: نسبة إلى غور، قال في القاموس: إن الغور يطلق على ما بين ذات عرق إلى البحر، وكل ما انحدر مغرباً عن تهامة، وموضع منخفض بين القدس وحوران مسيرة ثلاثة أيام في عرض فرسخين، وموضع في ديار بني سليم، وماء لبني العدوية. ا هـ. والمراد هنا المواضع المرتفعة والمنخفضة من معادن القبلية. وقدس: هو جبل عظيم بنجد، كما في القاموس، وقيل: الموضع المرتفع الذي يصلح للزرع.\r(9) رواه أحمد وأبو داود، وروياه أيضاً من حديث عمرو بن عوف المزني (نيل الأوطار: 309/5).","part":6,"page":431},{"id":4027,"text":"ثالثاً ـ أنواع الإقطاع :\rالإقطاع ثلاثة أقسام: إقطاع تمليك، وإقطاع استغلال، وإقطاع إرفاق. وإقطاع التمليك ينقسم إلى موات، وعامر، ومعادن. وإقطاع الاستغلال نوعان: عشر، وخراج.\r1 - حكم إقطاع الموات: أما إقطاع الموات: فيجوز باتفاق المذاهب للإمام إقطاع موات لمن يحييه، فيؤدي إلى عمارة البلاد، لأنه صلّى الله عليه وسلم ـ كما تقدم ـ أقطع بلال ابن الحارث العقيق ، وأقطع وائل بن حجر أرضاً، وأقطع أبو بكر وعمر وعثمان جمعاً من الصحابة.\rفإن أقطع الإمام أرضاً لشخص، ملكها عند المالكية (1) وإن لم يعمرها بشيء، فله بيعها وهبتها، وتورث عنه. وليس هو من الإحياء، بل هو تمليك مجرد.\rولا يملك الموات بالإقطاع عند الجمهور (2) (غير المالكية)، لأنه لو ملكه ما جاز استرجاعه، بل يصير المقطع كالمتحجر الشارع في الإحياء، فيكون أحق به إذا أحياه في خلال مدة، أقصاها عند الحنفية ثلاث سنين، لقول عمر: «ليس لمتحجر بعد ثلاث سنين حق» .\rولا ينبغي للإمام أن يقطع من الموات إلا ما قدر المقطع على إحيائه؛ لأن في إقطاعه أكثر من هذا القدر تضييقاً على الناس في حق مشترك بينهم ، مما لا فائدة فيه،فيدخل به الضرر على المسلمين.\r-------------------------------\r(1) الأحكام السلطانية للماوردي: ص 183، الأحكام السلطانية لأبي يعلى: ص 212، كشاف القناع: 216/4، الشرح الصغير: 90/4.\r(2) البدائع: 194/6، المهذب:426/1، المغني: 526/5-527، كشاف القناع: 216/4 ومابعدها.","part":6,"page":432},{"id":4028,"text":"فإن أقطع الإمام أحداً أكثر من القدر الذي يمكن إحياؤه، ثم تبين عجزه عن عمارته أو إحيائه استرجعه الإمام منه، كما استرجع عمر من بلال بن الحارث ماعجز عن عمارته، من العقيق الذي أقطعه إياه رسول الله صلّى الله عليه وسلم . وهذا هو المراد بالمصلحة التي يجوز الإقطاع لأجلها؛ لأن الحكم يدور مع علته.\rوللإمام عند الحنابلة إقطاع غير موات تمليكاً، وانتفاعاً للمصلحة (1) . ويجوز الإقطاع من مال الخراج، كما يجوز من مال الجزية (2) .\rوقال المالكية (3) : لا يقطع الإمام معمور أرض العنوة كأرض مصر والشام والعراق، أي الصالحة لزرع الحب ملكاً؛ لأنها وقف عندهم، بل يقطعها إمتاعاً وانتفاعاً. وأما ما لا يصلح لزرع الحب، وإن صلح لغرس الشجر، وليس من العقار، فإنه من الموات، يقطعه ملكاً وانتفاعاً.\rوأما أرض الصلح فلا يقطعها الإمام لأحد مطلقاً؛ لأنها مملوكة لأربابها.\r2 - حكم إقطاع العامر وهو إقطاع الإرفاق: قال الشافعية والحنابلة (4) : يجوز إقطاع ما بين العامر من الرحاب للمساجد ونحوها، ومقاعد الأسواق، والطرق الواسعة، إقطاع انتفاع، ولا يملكه المقطع وإنما ينتفع به ما لم يضيق على\r-------------------------------\r(1) كشاف القناع: 217/4.\r(2) المرجع السابق.\r(3) الشرح الصغير: 91/4 ومابعدها، الشرح الكبير: 68/4.\r(4) المهذب: 427/1، المغني: 526/5، كشاف القناع: 217/4، الأحكام السلطانية للماوردي: ص184، الأحكام السلطانية لأبي يعلى: ص 213.","part":6,"page":433},{"id":4029,"text":"الناس أو يضر بالمارة، فمن أقطع شيئاً مما ذكر صار أحق بالجلوس في الموضع؛ لأن للإمام النظر والاجتهاد، فإذا أقطعه ثبتت يده عليه بالإقطاع، فلم يكن لغيره أن يقعد فيه، بمنزلة السابق إليه من غير إقطاع، إلا في فارق واحد: وهو أن السابق لشيء إذا انتقل عنه بنقل متاعه منه، زال استحقاقه، لزوال المعنى الذي استحق به. وفي الإقطاع لا يزول استحقاقه سواء نقل متاعه إليه أو لم ينقل، جلس فيه أو تركه؛ لأنه استحق بإقطاع الإمام، فلا يزول حقه بترك الجلوس فيه.\rوللجالس في الرحاب أو الطرق أن يظلل على نفسه بما لا ضرر فيه من حصير وكساء للحاجة إليه، وليس له بناء شيء في الطريق، ولا في رحبة المسجد، لما فيه من التضييق.\rوليس للجالس بطريق واسع الجلوس بحيث يمنع جاره رؤية المتعاملين معه، أو يضيق على جاره في كيل أو وزن أو أخذ أو عطاء، لحديث «لا ضرر ولا ضرار» .\r3 - حكم إقطاع المعادن وملكيتها :\rتعريف المعادن، والفرق بينها وبين الرّكاز أو الكنز، وأنواعها، وحكم ملكيتها وإقطاعها في المذاهب.\rالمستخرج من الأرض بالبحث والتنقيب: إما معدن، أو ركاز أو كنز.\rتعريف المعادن: المعادن أو الفلزات: هي ما يوجد في باطن الأرض من أصل الخلقة، كالذهب والفضة، والنحاس والحديد والرصاص.\rوالرّكاز أو الكنز: هو المال المدفون في الأرض بفعل صاحبه، أو بأثر حادث إلهي، كزلزال أو رياح عاتية، أدى إلى طمر بلد مع ما فيها من ثروات. والفرق بين المعدن والركاز: أن المعدن","part":6,"page":434},{"id":4030,"text":"جزء من الأرض، وأن الركاز ليس جزءاً من الأرض، وإنما هو دفين مودع فيها، بفعل الإنسان (1) .\rأنواع المعادن: المعادن عند الحنفية أنواع (2) :\r1) ـ ما يقبل الطرق والسحب، فيعمل منه الصفائح والحلي والأسلاك، أو ما يذوب بالإذابة وينطبع بالحلية ـ بتعبير الفقهاء، كالذهب والفضة والحديد والنحاس والرصاص ونحوها.\r2) ـ مالا يقبل الطرق والسحب أو ما لا يذوب بالإذابة، كالماس والياقوت والبلور والعقيق والفيروز والكحل والزرنيخ، ونحوها.\r3) ـ المعادن السائلة أو المائعة، كالنفط والقار ونحوها من الزيوت المعدنية.\rوقسم الشافعية والحنابلة (3) المعادن قسمين: ظاهرة وباطنة.\rأ ـ فالظاهرة: هي البارزة غير المختلطة بالأرض، التي لا تحتاج إلى مشقة في استخراجها أو الوصول إليها، كالنفط والقار (الزفت) والملح والكحل والكبريت.\rب ـ والباطنة: هي التي تحتاج إلى جهد وعمل لاستخراجها، كالذهب والحديد والنحاس والرصاص.\rحكم المعادن عند الحنفية (4) :\rلا تكون أرض المعادن، كأرض الملح والقار والنفط ونحوها مما لا يستغني\r-------------------------------\r(1) تبيين الحقائق: 287/1 ومابعدها، مختصر المعاملات الشرعية للأستاذ الشيخ علي الخفيف: ص 29، الأموال ونظرية العقد، للدكتور محمد يوسف موسى: ص 194.\r(2) البدائع: 67/2، 68.\r(3) الأحكام السلطانية للماوردي: ص 189 وما بعدها، الأحكام السلطانية لأبي يعلى: ص 219 وما بعدها.\r(4) البدائع: 65/2-68،تبيين الحقائق: 288/1 ومابعدها، الدر المختار: 59/2 ومابعدها.","part":6,"page":435},{"id":4031,"text":"عنها المسلمون أو الأمة، أرض موات. فلا يجوز للإمام أن يقطعها لأحد؛ لأنها حق لعامة المسلمين، وفي الإقطاع إبطال حقهم، وهو لا يجوز (1) .\rوحكم ملكيتها وزكاتها فيما يأتي: لا يقول الحنفية بالتفرقة في مقدار الزكاة بين المعدن والكنز، والركاز يشمل الاثنين وكلاهما من البّر، وهناك معادن البحر.\rأولاً ـ المعدن: أ ـ إن كان في أرض غير مملوكةفي دار الإسلام، وكان مما يقبل الطرق والسحب، كالذهب والفضة والحديد والنحاس والرصاص، قليلاً أو كثيراً: يكون فيه الخمس لبيت المال كالواجب في الغنيمة، والباقي وهو الأربعة الأخماس لمن عثر عليه، كائناً من كان إلا الحربي المستأمن، فإنه يسترد منه الكل.\rودليلهم: قوله صلّى الله عليه وسلم : «وفي الركاز الخمس» (2) والركاز: اسم للمعدن حقيقة، ويطلق على الكنز مجازاً؛ لأن العرب تقول: أركز الرجل: إذا أصاب ركازاً، وهي قطع من الذهب تخرج من المعادن (3) . وروى أبو يوسف عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم : «في الركاز الخمس، قيل: وما الركاز يا رسول الله ؟ قال: الذي خلقه الله في الأرض يوم خلقت» (4) فدل النص عندهم على أن الركاز يطلق على المعدن، فالمعدن ركاز، وعلى المال المدفون.\rب ـ وإن كان المعدن مما لا يقبل الطرق والسحب، كالماس والياقوت وسائر الأحجار الكريمة، فلا خمس فيه، ويكون كله للواجد؛ لأنه من جنس الأرض، كالتراب والأحجار العادية، إلا أنها مضيئة، ولا خمس في الحجر.\rجـ ـ وإن كان المعدن مائعاً كالنفط والقير: فلا شيء فيه لبيت المال، وكله لمن وجده؛ لأنه كالماء، ولا يقصد بالاستيلاء، فلا يعتبر كالغنائم، التي يجب فيها الخمس.\rأما الزئبق: ففيه الخمس؛ لأنه ينطبع مع غيره، وإن كان مما لا ينطبع بنفسه، فأشبه الفضة.\r-------------------------------\r(1) البدائع: 164/6، الدر المختار: 308/5.\r(2) رواه الجماعة ( أحمد والأئمة الستة ) عن أبي هريرة ( نيل الأوطار: 147/4، نصب الراية: 380/3).\r(3) خالفهم الجمهور في الحكم، فقالوا: لا يقال للمعدن ركاز، لحديث: « والمعدن جبار - أي هدر - وفي الركاز الخمس » فقد فرق بينهما بالعطف، فدل ذلك على المغايرة.\r(4) نصب الراية: 380/2.","part":6,"page":436},{"id":4032,"text":"د ـ وإن وجد المعدن في أرض مملوكة لبعض الناس، أو دار أو منزل أو حانوت، فلا خوف عند الحنفية في أن الأربعة الأخماس لصاحب الملك، وإن وجده غيره في أرضه؛ لأن المعدن من توابع الأرض، لأنه من أجزائها التي خلق فيها.\rوأما الخمس فهو لبيت المال إذا كان الموجود مما يقبل الطرق والسحب عند الصاحبين، للحديث المتقدم: «وفي الركاز الخمس» من غير تفصيل بين الأرض المملوكة وغيرها.\rوعند أبي حنيفة: لا خمس فيه، على من وجده في أرضه أو داره.\rثانياً ـ الكنز :\rأ ـ إن كان إسلامياً، بأن وجد عليه علامة الإسلام، كالمصحف والدراهم المكتوب عليها: «لا إله إلا الله محمد رسول الله » ، ووجد في أرض غير مملوكة، كالجبال والمغاور ونحوها، كان بمنزلة اللقطة، فيجب على واجده التعريف به، ثم الانتفاع به إن كان فقيراً، والتصدق به إن كان غنياً.\rب ـ وإن كان غير إسلامي، بأن وجد عليه علامة الجاهلية أو الرومان أو الفرس، كان لبيت المال الخمس، والباقي وهو الأربعة الأخماس للواجد، بلا خلاف عندهم. جـ ـ وإن كان الكنز في أرض مملوكة: وجب فيه الخمس بلا خلاف، للحديث السابق: «وفي الركاز الخمس» . والباقي للمالك ثم لورثته عند أبي حنيفة ومحمد، وقال أبو يوسف: هو للواجد؛ لأنه غنيمة وصل إليها قبل غيره.\rد ـ وإن وجد الكنز في دار الحرب: فإن وجد في أرض غير مملوكة لأحد، فهو للواجد، ولا خمس فيه، لأنه مال أخذه، لا بطريق القهر والغلبة. وإن وجد في أرض مملوكة، ففيه الخمس لبيت المال، والباقي للمالك عند أبي حنيفة ومحمد، وعند أبي يوسف: للواجد؛ لأنه مباح سبقت يده إليه، أي كما هو المقرر في دار الإسلام.","part":6,"page":437},{"id":4033,"text":"ثالثاً ـ المستخرج من البحر: كاللؤلؤ والمرجان والعنبر، وكل حلية تستخرج من البحر، لا شيء فيه لبيت المال عند أبي حنيفة ومحمد، وجميعه للواجد، بدليل ما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه سئل عن العنبر، فقال: هو شيء دسره البحر، لا خمس فيه، ولأن يد الكفرة لم تثبت على باطن البحار التي يستخرج منها اللؤلؤ والعنبر، فلم يكن الخارج منها مأخوذاً بطريق القهر لهم، فلا يكون غنيمة، فلا خمس فيه. والعنبر: هو الطيب المعروف.\rوعند أبي يوسف: في كل ما خرج من البحر من الحلي والجواهر: الخمس لبيت المال، والباقي لواجده أو مستخرجه، بدليل أن عمر رضي الله عنه كتب لعامل له وجد لؤلؤة بأن فيها الخمس، وبأن الكفار كانوا يملكون الأرض كلها براً وبحراً، فيكون كل ما يصير من أموالهم إلينا غنيمة، وفي الغنائم الخمس بنص القرآن (1) . وهذا الرأي هو الأولى بالاتباع في الظروف الدولية الحاضرة.\rوذكر أبو عبيد أقوالاً مختلفة، منها كما قال أبو حنيفة ومحمد، ومنها قول لعمر وعمر بن عبد العزيز: أن معادن البحر كمعادن البر، فيها الزكاة إذا بلغت نصاباً (2) .\rالمعادن عند المالكية (3) :\rالمعدن غير الركاز، والركاز هو الكنز، والمعدن: هو ما يخرج من الأرض من ذهب أو فضة بعمل وتصفية. ومذهب المالكية يتفق مع النظرة الحديثة للدول في ملكية المعادن.\rأولاً ـ المعدن: ملكيته، والواجب فيه :\rأما ملكيته فأنواع ثلاثة:\r1) - إن كان في أرض غير مملوكة لأحد: فهو للإمام أي السلطان أو نائبه، يقطعه لمن شاء من المسلمين، انتفاعاً، لا تمليكاً، أو يجعله في بيت المال للمصلحة أو المنفعة العامة، ولا يختص بشيء منه من وجد في أرضه.\r2) ـ أن يكون في أرض مملوكة لمالك معين: هو للإمام في مشهور المذهب، وقيل: لصاحب الأرض.\r3) - أن يكون في أرض مملوكة لغير معين، كأرض العنوة والصلح: المعتمد أنه للإمام، وقيل: لمن افتتحها.\r-------------------------------\r(1) البدائع: 68/2.\r(2) الأموال: ص 345-347.\r(3) القوانين الفقهية: ص 102، الشرح الصغير وحاشية الصاوي عليه: 650/1-654.","part":6,"page":438},{"id":4034,"text":"والخلاصة: أن المعادن الجامدة والسائلة للدولة عند المالكية في مشهور\rالمذهب؛ لأن المعادن قد يجدها شرار الناس، فلو لم يكن حكمها للإمام، لأدى الأمر إلى الفتن والهرج.\rوأما الواجب في المعدن فهو الزكاة: وهي ربع العشر (1) إن كان نصاباً. فإن كان دون النصاب، فلا شيء فيه. ولا حول في زكاة المعدن، بل يزكى لوقته، كالزرع.\rثانياً ـ الركاز: وهو الكنز، يختلف حكمه باختلاف الأرض التي وجد فيها. وهي أربعة أنواع:\rالأول ـ أن يوجد في الفيافي، ويكون من دفن (مدفون) الجاهلية، فهو لواجده، وفيه الخمس لبيت المال مطلقاً، ذهباً كان أو غيره، قل أو كثر.\rالثاني ـ أن يوجد في أرض مملوكة: قيل: يكون لواجده، وقيل: يكون لمالك الأرض.\rالثالث ـ أن يوجد في أرض فتحت عنوة: قيل: لواجده، وقيل للذين افتتحوا الأرض.\rالرابع ـ أن يوجد في أرض فتحت صلحاً: قيل: لواجده، وقيل: لأهل الصلح.\rوهذا كله ما لم يكن بطابع المسلمين. فإن كان بطابع المسلمين فحكمه حكم اللقطة، يعرّف سنة إذا لم يعلم صاحبه أو وارثه، فإن لم يعرف فمحله هو بيت مال المسلمين.\rوالخلاصة: أن في الركاز الخمس لبيت المال، وباقيه لواجده إن لم تكن الأرض مملوكة. فإن كانت مملوكة، فللمالك الأرض الأصلي الذي ملكها بإحياء ثم لوارثه، لا لمالكها الحالي مطلقاً سواء ملكها بشراء أو هبة.\rهذا إن علم المالك الأصلي (البائع الأصلي أو الواهب)، وإلا فلقطة.\r-------------------------------\r(1) هذا هو مقدار ز كاة الذهب والفضة، كما ثبت في السنة (نيل الأوطار: 137/4).","part":6,"page":439},{"id":4035,"text":"المعادن عند الشافعية والحنابلة (1) :\r1) - المعدن غير الركاز عندهم. فالمعدن: هو ما تولد من الأرض، وكان من غير جنسها فهو جزء من الأرض. والركاز: هو دفين الجاهلية أو من تقدم من الكفار. ويفرقون بين نوعين فيها وهي المعادن الظاهرة: وهي ما برزت بلا عمل، ويتوصل إليها بلا مؤنة أي لا تحتاج لعزل عن غيرها، وإنما العمل والجهد في تحصيلها، كالنفط والقار والملح والكبريت.\rوالمعادن الباطنة: وهي التي تحتاج لاستخراجها إلى عمل ومؤنة كالذهب والفضة والحديد والنحاس والرصاص، أي تحتاج لفصلها عن غيرها لاختلاطها بالتراب.\r2) - والمعادن الظاهرة: لا يجوز إقطاعها لأحد من الناس سواء إقطاع تمليك أو إقطاع إرفاق، بل هي للجميع، ينتفعون بها، ولا تملك بإحياء أرض موات، وجدت فيها، عند الشافعية، وفي الأظهر عند الحنابلة؛ لأن هذه الأمور مشتركة بين الناس، مسلمهم وكافرهم كالماء والكلأ، كما في الحديث «الناس شركاء في ثلاث: في الماء والكلأ والنار» ولأنها ليست من أجزاء الأرض، فلم يملكها من أحيا الأرض بملك الأرض، كالكنز؛ ولأنه صلّى الله عليه وسلم أقطع رجلاً ملح\r-------------------------------\r(1) مغني المحتاج: 394/1-396، المهذب: 157/1 ومابعدها، 425، نهاية المحتاج: 253/4، الأحكام السلطانية للماوردي: ص 189 وما بعدها. المغني: 17/3-27، 520/5-524، 544، كشاف القناع: 259/2-265، 208/4 وما بعدها، 216 ومابعدها، الأحكام السلطانية لأبي يعلى: ص 219 وما بعدها.","part":6,"page":440},{"id":4036,"text":"مأرب، فقال رجل: يا رسول الله ، إنه كالماء العدّ (أي الذي لا ينقطع) قال: فلا، إذن (1) .\rوالمعادن الباطنة: لا يملكها بمجرد الحفر والعمل من كشفها وأحياها في الأظهر عند الشافعية، وظاهر المذهب عند الحنابلة، كالمعدن الظاهر؛ لأن إحياء الأرض الذي يملك به هو العمارة التي يتهيأ بها المحيا للانتفاع من غير تكرار عمل. وهذا أي حفر المعدن: حفر وتخريب يحتاج إلى تكرار عند كل انتفاع، فمجرد الاكتشاف لا يكون سبباً لملك المعادن.\r3) - ومن أحيا أرضاً مواتاً، فملكها بذلك، فظهر فيها معدن باطن كالذهب أو الفضة، ملكه عند الشافعية؛ لأنه بالإحياء ملك الأرض بجميع أجزائها، ومن أجزائها المعدن، بخلاف الركاز أو الكنز، فإنه مودع فيها للنقل عنها. أما المعدن الظاهر، فلا يملك كما عرفنا بالإحياء عند الشافعية؛ لأنه حق للجميع (2) .\rوقال الحنابلة (3) : من أحيا أرضاً مواتاً، فملكها، فيملك المعادن الجامدة؛ لأنه ملك الأرض بجميع أجزائها وطبقاتها، وهذا المعدن منها، فدخل في ملكه على سبيل التبعية. وأما المعادن الجارية كالنفط والقار والماء، فأظهر الروايتين عندهم أن محيي الأرض لا يملكها؛ لأن الناس شركاء فيها، لحديث «الناس شركاء في ثلاث: في الماء والكلأ والنار» (4) .\r4) - ومن سبق في الموات إلى معدن ظاهر أو باطن، فهوأحق بما ينال منه دون أن يملكه، لقول النبي صلّى الله عليه وسلم : «من سبق إلى ما لم يسبق إليه مسلم، فهو له» رواه أبو داود.\rوالخلاصة: أن المعادن الظاهرة للدولة في ظاهر المذهب عند الشافعية والحنابلة. وأما المعادن الباطنة فلا يملكها مكتشفها، وتكون للدولة أيضاً. فإن ظهرت المعادن في أرض أحياها شخص، فيملك المحيي المعدن الباطن عند الشافعية. ويملك عند الحنابلة فقط المعدن الجامد دون السائل.\r5) - أما الواجب في المعدن: فهو ربع العشر، إن كان ذهباً أو فضة فقط عند الشافعية، وكذلك إن كان من غيرهما وبلغت قيمته نصاباً عند الحنابلة.\r6) - وأما الكنز: وهو دفين الجاهلية، فيجب فيه الخمس في بيت المال، والباقي إن وجد بأرض مملوكة، فهو عند الشافعية والحنابلة لمالك الأرض بيمينه إن ادعاه، وإلا فهو لمن ملك منه أي لمن سبقه من المالكين. أما إن وجد في موات أو ملك أحياه، فهو لواجده.\rوإن كان الكنز إسلامياً، وعلم مالكه، فهو له، وإلا فهو لقطة. وكذلك إن جهل كونه إسلامياً أم جاهلياً، هو لمالكه إن عرف، وإلا فهو لقطة. وهذا باتفاق الشافعية والحنابلة.\r-------------------------------\r(1) رواه الترمذي وأبو داود وباقي أصحاب السنن الأربعة، وصححه ابن حبان عن أبيض بن حمال (نيل الأوطار: 310/5).\r(2) مغني المحتاج:372/2 -373.\r(3) المغني: 522/5.\r(4) والرواية الثانية: يملكها لأنها خارجة من أرضه المملوكة له، فأشبهت الزرع والمعادن الجامدة. وقد مشى القاضي أبو يعلى في الأحكام السلطانية (ص 220) على هذه الرواية.","part":6,"page":441},{"id":4037,"text":"الفَصْلُ الرّابع: حقوق الارتفاق\rالكلام فيها في مبحثين:\rالمبحث الأول ـ تعريف حق الارتفاق، والفرق بينه وبين حق الانتفاع، ووصفه الفقهي، وأحكامه العامة.\rالمبحث الثاني ـ أنواع حقوق الارتفاق.\rالمبحث الأول ـ تعريف حق الارتفاق، والفرق بينه وبين حق الانتفاع، ووصفه الفقهي أحكامه العامة:\rأولاً ـ تعريف حق الارتفاق: الارتفاق في اللغة: الانتفاع بالشيء. وشرعاً هو أحد أنواع الملك الناقص (1) . وهو حق عيني (2) قصر على عقار، لمنفعة عقار\r-------------------------------\r(1) الملك كما هو معروف نوعان: ملك تام: وهو ملك الرقبة (ذات الشيء) والمنفعة. وملك ناقص: وهو ملك المنفعة. وملك المنفعة: قد يكون حقاً شخصياً للمنتفع أي يتبع شخصه، لا العين المملوكة، وقد يكون حقاً عينياً، أي تابعاً للعين المملوكة دائماً، فينتقل من شخص إلى آخر.\r(2) الحق في اصطلاح القانونيين نوعان: حق عيني وحق شخصي. فالأول: هو علاقة مباشرة بين شخص وشيء معين بذاته، مثل حق الملكية وحق الارتفاق. وحق شخصي: هو علاقة شرعية بين شخصين، أحدهما يكون مكلفاً بعمل، والآخر بالامتناع عن عمل، كعلاقة الدائن والمدين، يكلف المدين بأداء الدين، وهذا عمل، وعلاقة المودع بالوديع، فللأول حق على الوديع في ألا يستعمل الوديعة، وهذا امتناع عن عمل.","part":6,"page":442},{"id":4038,"text":"آخر مملوك لغير الأول، أيا كان شخص المالك، كإجراء الماء من أرض الجار، أو تصريف الماء الملوث في مصرف معين، أو المرور في أرض الغير، أو البناء فوق دار غيره (حق التعلي)، سواء أكانت الأرض المرتفق بها مملوكة ملكاً عاماً أم خاصاً، وبقطع النظر عن شخصيةمالك العقار المرتفق، والمرتفق به، ولذا وصف حق الارتفاق بأنه «حق عيني» فلو كان العقاران لمالك واحد، لم يثبت حق الارتفاق.\rثانياً ـ الفرق بين حق الارتفاق وحق الانتفاع :\rكل من هذين الحقين من أنواع الحقوق العينية لا الشخصية، لكن يظل بينهما فروق (1) .\r1 - إن حق الارتفاق مقرر لعقار. وأما حق الانتفاع فهو مقرر لشخص. فحق المرور من أرض إلى أخرى حق مقرر للأرض الثانية، فينتفع به كل مالك لها، ولا يقتصر الانتفاع به على شخص معين.\rأما حق الانتفاع به فإنه خاص بشخص المنتفع، فإذا مات انتهى حقه، سواء أكان ناشئاً بين الأحياء كالإجارة والإعارة، أم بين ميت وحي كالوصية والوقف.\r2 - يكون حق الارتفاق مقرراً دائماً على عقار، ولذا تقل به قيمته عن الأرض الخالية من مثل هذا الحق. أما حق الانتفاع فقد يتعلق بالعقار، كأرض أعيرت، وقد يتعلق بالمنقول مثل كتاب أعير.\r3 - حق الارتفاق دائم لا ينتهي بوقت، فيورث باتفاق المذاهب. أما حق الانتفاع فهو مؤقت ينتهي بموت شخص المنتفع كالموصى له بمنفعة أرض.\r-------------------------------\r(1) راجع مختصر أحكام المعاملات الشرعية لأستاذنا الشيخ علي الخفيف: ص 15-16.","part":6,"page":443},{"id":4039,"text":"ثالثاً ـ وصفه الفقهي :\rحق الارتفاق عند الحنفية ليس مالاً، وإنما هو حق مالي يسوغ لمالكه الانتفاع به. ويترتب على كونه ليس مالاً عند الحنفية (1) : أنه لا يجوز بيعه مستقلاً عن الأرض، وإنما يباع تبعاً لها، ولا يجوز هبته أو التصدق به؛ لأنه تمليك، والحقوق المجردة لا تحتمل التمليك. ولا يجوز أيضاً الصلح عليه في دعوى تتعلق بالمال أو الحق في القصاص في النفس وما دونها؛ لأن الصلح في معنى البيع أي المبادلة المالية، والبيع لا يجوز.\rولا يصح جعله مهراً في عقد الزواج؛ لأنه يترتب عليه التمليك، وحق الارتفاق لا يقبل التمليك، وإنما يجب في هذه الحالة مهر المثل.\rكما لا يصح جعله بدل الخلع، بأن اختلعت المرأة نفسها عليه؛ لأن بذل العوض تمليك، والارتفاق لا يحتمل التمليك. ويجب على المرأة حينئذ رد المأخوذ من المهر.\rويترتب على كونه حقاً مالياً (2) :\rأنه يمكن أن يورث؛ لأن الإرث عند الحنفية يجري في الأموال وفي بعض الحقوق كخيار العيب.\rويصح أن يوصى بالانتفاع به، كالإيصاء لرجل بأن يسقي أرضه مدة معلومة من حق الشرب لفلان. والإيصاء كالإرث يصح في الأموال والحقوق، لكن إذا مات الموصى له تبطل الوصية.\rويصح بيع الأرض دون حق الارتفاق، ولا يدخل حق الارتفاق كحق الشِرْب مثلاً في بيع الأرض إلا بالنص عليه صراحة، أو بذكر ما يدل عليه، كأن يقول البائع: بعت الأرض بحقوقها أو بمرافقها، أو كل قليل وكثير حولها.\r-------------------------------\r(1) البدائع: 189/6-190، تبيين الحقائق: 43/6.\r(2) المرجعان السابقان، الدر المختار: 316/5.","part":6,"page":444},{"id":4040,"text":"رابعاً ـ أحكام حق الارتفاق العامة :\rلحقوق الارتفاق أحكام عامة وخاصة، أما الخاصة فتذكر مع أنواع الارتفاقات وأما الأحكام العامة فمنها ما يأتي:\r1 - يجب ألا يؤدي استعمالها إلى الإضرار بالغير عملاً بقاعدة: «لا ضرر ولا ضرار» ، فلا يجوز للمار بأرض غيره إلحاق الأذى بغيره. وليس لمن يسقي أرضه بحق الشرب مثلاً أن يسرف في الماء بحيث يضر بمن تحته من المنتفعين بمجرى الماء.\r2 - إما أن تثبت حقوق الارتفاق على أملاك عامة أو خاصة. أما الأملاك العامة: فمثل الأنهار الكبيرة كالنيل ودجلة والفرات، أو الطرق والمرافق العامة كالقناطر والجسور التي لا تختص بأحد. وحق الارتفاق المقرر عليها ثابت للناس جميعاً، بلا إذن من أحد عند غير أبي حنيفة (1) .\rوأما الأملاك الخاصة بفرد أو أفراد فلا يثبت حق الارتفاق عليها إلا بإذن المالك.\r3 - وإذا لم يعرف سبب حق الارتفاق، يترك لصاحبه حق الانتفاع به، ويفترض كونه قديماً حادثاً بسبب مشروع عملاً بقاعدة «القديم يترك على قدمه» بشرط ألا يكون ضاراً بالغير كالمسيل القذر الذي يلوث ماء بئر الجيران، أو النافذة المنخفضة التي تطل على مقر نساء الجار، فيجب إزالة منشأ الضرر، عملاً بقاعدة أخرى هي قيد في سابقتها وهي: «الضرر لا يكون قديماً» (2) .\rالمبحث الثاني ـ أنواع حقوق الارتفاق :\rحقوق الارتفاق المهمة عند الحنفية تنحصر في ستة: هي حق الشِّرب، والطريق، والمجرى، والمسيل، والتعلي، والجوار، ولا يجوز عند الحنفية إنشاء حقوق ارتفاق أخرى؛ لأن في إنشائها تقييداً للملكية، والأصل فيها ألا تقبل تقييداً، وما قيدت به هو استثناء، لا يتوسع فيه.\rورأي المالكية أنها غير محصورة فيما ذكر، فيجوز إنشاء حقوق ارتفاق أخرى بالإرادة، كأن يلتزم شخص ألا يقيم في ناحية من أرضه بناء أو يغرس شجراً، أو ألا يرتفع إلى ارتفاع معين (3) .\r-------------------------------\r(1) عبارة الشافعية في ذلك: منفعة الشارع المرور، ويجوز الجلوس به لاستراحة ومعاملة ونحوهما إذا لم يضيق على المارة، ولا يشترط إذن الإمام (المنهاج للنووي مع مغني المحتاج: 369/4).\r(2) انظر المدخل الفقهي العام للأستاذ الزرقاء: ف 596 وما بعدها.\r(3) الحق والالتزام للأستاذ الشيخ علي الخفيف: ص 64، الأموال ونظرية العقد، يوسف موسى: ص171 وما بعدها.","part":6,"page":445},{"id":4041,"text":"المطلب الأول ـ حق الشرب :\rمعناه، أنواع المياه، وحكم ملكية كل نوع، الأحكام العامة للانتفاع بالمياه، كري الأنهار.\rأولاً ـ معنى حق الشرب: الشرب (بكسر الشين) في اللغة: النصيب من الماء، قال صالح عليه السلام فيما قصه الله في القرآن: {هذه ناقة لها شِرْب ولكم شِرْب يوم معلوم} [الشعراء:155/26]. ويطلق أيضاً على زمن الشرب. ويستعمله الشرعيون في المعنيين. فالشرب في الشرع: النصيب من الماء لسقي الزرع والأشجار. وهذا عند أكثر الفقهاء. وقد يستعمل في نوبة الانتفاع بالماء أو زمن الانتفاع لسقي الشجر أو الزرع.\rويلحق به حق الشفة: وهو حق الشرب (بضم الشين): وهو ما يخص الإنسان والحيوان من الماء لشربه. ويراد به تحقيق حاجة الإنسان إلى الماء لشربه وشرب دوابه.\rثانياً ـ أنواع المياه بالنسبة لحق الشرب والشفة: المياه تنقسم باعتبار هذين الحقين إلى أنواع أربعة:\rالماء المحرز في أوان خاصة، ماء العيون والآبار ونحوها، ماء الأنهار أو الجداول الخاصة، ماء الأنهار العامة.\rالنوع الأول ـ الماء المحرز في أوان خاصة: هو ما حازه صاحبه في آنية أو ظروف خاصة كالجرار والصهاريج والحياض والأنابيب، ومنه مياه الشركات في المدن المتخصصة لتأمين ماء الدور. وهذا الماء ملك خاص لمن أحرزه، بالاستيلاء عليه ككل مباح يمتلك بإحرازه. فليس لأحد حق الانتفاع به إلا بإذن صاحبه، ولصاحبه بيعه أو التصرف به كما يشاء (1) ، فقد روي عن النبي صلّى الله عليه وسلم أنه «نهى عن بيع الماء إلا ما حمل منه» (2) . وخصص حديث المنع من بيع فضل الماء (3) بالقياس\r-------------------------------\r(1) البدائع: 188/6 وما بعدها، تبيين الحقائق. 39/6، تكملة الفتح: 144/8 وما بعدها، الدر المختار: 311/5-313، القوانين الفقهية: ص 339، المهذب: 427/1، المغني: 536/5 وما بعدها، كشاف القناع: 222/4، الخراج لأبي يوسف: ص 95، 97.\r(2) الأموال لابن سلام: ص 302.\r(3) رواه أحمد وأصحاب السنن إلا ابن ماجه، وصححه الترمذي عن إياس بن عبد.","part":6,"page":446},{"id":4042,"text":"على جواز بيع الحطب إذا أحرزه الحاطب، لحديث الرجل الذي أمره النبي صلّى الله عليه وسلم بالاحتطاب ليستغني به عن السؤال (1) .\rوبالرغم من كون هذا الماء مملوكاً لصاحبه، فيجوز للمضطر الذي خاف على نفسه الهلاك من العطش: أن يشرب منه أو يأخذ منه حاجته، ولو بالقوة، ليدفع الهلاك عن نفسه إذا كان فاضلاً عن حاجة صاحبه، بأن كان يكفي لحفظ رمقهما، ولم يجد المضطر ماء آخر، ولكن يجب عليه دفع قيمة الماء؛ لأن «الاضطرار لا يبطل حق الغير» أو أن حل الأخذ للاضطرار لا ينافي الضمان. والأولى أن يقاتله بغير سلاح كالعصا؛ لأنه ارتكب معصية، فكان ذلك كالتعزير له.\rالنوع الثاني ـ ماء العيون والآبار والحياض: وهو الذي يستخرجه الشخص لنفسه: وحكمه عند الحنفية (2) : أنه ليس بمملوك لصاحبه، بل هو مباح في نفسه ولصاحبه حق خاص فيه، سواء أكان في أرض مباحة، أو مملوكة؛ لأن الماء في الأصل مباح لجميع الناس، لقوله صلّى الله عليه وسلم : «الناس شركاء في ثلاث: الماء والكلأ والنار» (3) .\rوعليه، فإنه يثبت فيه حق الشفة، دون حق الشرب، فالأول لا يختص بشخص دون آخر، فهو لمستحقه، ولغيره من الناس، يأخذون منه حاجتهم لشربهم وشرب دوابهم واستعمالهم المنزلي.\r-------------------------------\r(1) متفق عليه من حديث أبي هريرة.\r(2) المراجع السابقة.\r(3) روي من حديث رجل عن أبي داود، ومن حديث ابن عباس بإسناد جيد عن ابن ماجه، ومن حديث ابن عمر عند الطبراني في معجمه (نصب الراية: 294/4) ورواه أحمد أيضاً. وجاء في حديث آخر «لا يُمنع فضل الماء» وهو أن يسقي الرجل أرضه، ثم تبقى من الماء بقية لا يحتاج إليها، فلا يجوز له أن يبيعها ولا يمنع منها أحد ينتفع بها، هذا إن لم يكن الماء مِلكَه، أو على قول من يرى أن الماء لا يُملك.","part":6,"page":447},{"id":4043,"text":"فإن أبى صاحبه، كان للمحتاج أخذه جبراً، ولو بالقوة، وله أن يقاتله بسلاح؛ لأن الماء في البئر مباح غير مملوك، ولكن يشترط ألا يجد المحتاج ماء آخر قريباً منه.\rوالدليل لحق المحتاج: أن قوماً سَفْراً وردوا ماء، فطلبوا من أهله السماح لهم بالشرب منه، وبسقي دوابهم التي كادت أن تهلك من العطش، فأبوا، فذكروا ذلك لعمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال: «هلا وضعتم فيهم السلاح» (1) .\rويلاحظ أن حكم هذين النوعين متشابه تقريباً إلا أن الأول ملك لصاحبه، والثاني غير مملوك، وللمضطر الذي يخاف الضرر على نفسه أن يأخذ الماء الفائض عن الحاجة، ولو بالقوة، لكن في النوع الأول بغير سلاح، وفي الثاني يجوز استخدام السلاح. ويتجلى في هذا النوع صفة حق الارتفاق بنحو أوضح من غيره.\rوقال الشافعية في الأصح عندهم (2) : يملك الشخص ماء البئر المحفورة في الأرض الموات للتملك، أو المحفورة في ملك خاص؛ لأنه نماء ملكه، كالثمرة واللبن والشجر النابت في ملكه.\rولا يلزم المالك عند الشافعية بذل مافضل عن حاجته لزرع وشجر، ويجب بذل الفاضل منه عن شربه وشرب ماشيته، وزرعه، لشرب غيره من الآدميين ولماشية غيره، على الصحيح لحرمة الروح، ولخبر الصحيحين: «لا تمنعوا فضل الماء لتمنعوا به الكلأ» أي من حيث إن الماشية إنما ترعى بقرب الماء، فإذا منع من الماء فقد منع من الكلأ، والمراد: هو نفع البئر المباحة، أي ليس لأحد أن يَغلِب عليه، ويمنع الناس منه، حتى يحوزه في إناء ويملكه.\r-------------------------------\r(1) الخراج لأبي يوسف: ص 97.\r(2) مغني المحتاج: 375/2.","part":6,"page":448},{"id":4044,"text":"النوع الثالث ـ ماء الأنهار الخاصة :\rوهو ماء الأنهار أو الجداول الصغيرة الخاصة المملوكة لبعض الناس، وحكمه كالنوع الثاني (1) : يثبت لكل أحد فيه حق الشفة، لا حق الشرب، فلكل إنسان الحق في الانتفاع به لنفسه ودوابه وإن لحق به ضرر يسير؛ لأن «الضرر الأشد يزال بالضرر الأخف» ولكن ليس له أن يسقي منه زرعه وشجره، إلا بإذن صاحبه، فلصاحبه أن يمنع الغير من سقي الزرع والأشجار (حق الشرب) لأن له في مائه حقاً خاصاً.\rولا يجوز لصاحبه عند الحنفية بيع حق الشرب منفرداً، بأن باع شرب يوم، أو أكثر؛ لأنه عبارة عن حق الشرب والسقي، والحقوق لا تحتمل عندهم الإفراد بالبيع والشراء. فلو باع الأرض مع الشرب، جاز تبعاً للأرض، ويجوز أن يجعل الشيء تبعاً لغيره، وإن كان لا يجوز بيعه مستقلاً عن غيره. ولا يدخل الشرب في بيع الأرض ـ كما ذكرت سابقاً ـ إلا بالتسمية صراحة، أو بذكر ما يدل عليه، بأن يقول: بعتها بحقوقها أو بمرافقها. لكنهم أجازوا بيع الماء المعلوم القدر المحرز أو المملوك، للشرب، لا للشفة (شرب الإنسان والحيوان).\rكذلك أجاز المالكية والشافعية والحنابلة بيع الماء المملوك مستقلاً عن الأرض، ولكن يستحب لصاحبه أن يبذله بغير ثمن. ولا يجبر على بذله، إلا أن يكون قوم اشتد بهم العطش فخافوا الموت، فيجب عليه سقيهم (حق الشفة) فإن منعهم، فلهم أن يقاتلوه على منعه.\r-------------------------------\r(1) البدائع: 189/6، الدر المختار ورد المحتار: 311/5 وما بعدها، تبيين الحقائق: 39/6، الخراج لأبي يوسف: ص 95، تكملة الفتح: 145/8، القوانين الفقهية: ص 339، المهذب: 427/1 وما بعدها، المغني: 79/4، 536/5، كشاف القناع: 221/4، نهاية المحتاج: 257/4، مغني المحتاج: 375/2.","part":6,"page":449},{"id":4045,"text":"وصرح الشافعية بأنه يشترط في بيع الماء تقديره بكيل أو وزن، لا بريّ الماشية أو الزرع (1) .\rالنوع الرابع ـ ماء الأنهار العامة :\rوهو الذي يجري في مجار عامة غير مملوكة لأحد، وإنما هي للجماعة، مثل النيل ودجلة والفرات ونحوها من الأنهار العظيمة.\rوحكمه (2) : أنه لا ملك لأحد في هذه الأنهار، لا في الماء ولا في المجرى، بل هو حق للجماعة كلها، فلكل واحد حق الانتفاع بها، بالشفة (سقي نفسه ودوابه) والشرب (سقي زروعه وأشجاره)، وشق الجداول منها، ونصب الآلات عليها لجر الماء لأرضه، ونحوها من وسائل الانتفاع بالماء، وليس للحاكم منع أحد من الانتفاع بكل الوجوه، إذا لم يضر الفعل بالنهر أو بالغير أو بالجماعة. كما هو الحكم المقرر بالانتفاع في الطرق أو المرافق العامة.\rفإذا أضر، فلكل واحد من المسلمين منعه أو الحد من تصرفه لإزالة الضرر؛ لأنه حق لعامة المسلمين، وإباحة التصرف في حقهم مشروطة بانتفاء الضرر، كالانتفاع بالمرافق العامة، إذ لا ضرر ولا ضرار. والدليل على كون هذه الأنهار غير مملوكة لأحد، وإنما الحق فيها مشاع للجميع: هو قوله عليه الصلاة والسلام:\r-------------------------------\r(1) نهاية المحتاج: 257/4.\r(2) البدائع: 192/6، تبيين الحقائق: 39/6، تكملة الفتح: 144/8، الدر المختار: 211/5، القوانين الفقهية: ص 339، المهذب: 428/1، المغني: 531/5، نهاية المحتاج: 205/4، مغني المحتاج: 373/2.","part":6,"page":450},{"id":4046,"text":"«الناس شركاء في ثلاث: في الماء والكلأ والنار» (1) وفي رواية «والملح» وشركة الناس فيها شركة إباحة، لا شركة ملك، لعدم إحرازها، فهم سواء في الانتفاع بها ومنها الماء العام، فيثبت لهم حق الشرب.\rثالثاً ـ الأحكام العامة لحق الشرب أو الانتفاع بالمياه :\rللانتفاع بالمياه أحكام عامة أهمها ما يأتي (2) :\r1ً ـ المحافظة على حافة البئر أو العين أو النهر (مجرى الماء مطلقاً ): فإن لم يفعل كان لصاحب المجرى منعه من الانتفاع، دفعاً للضرر عنه، عملاً بالحديث النبوي: «لا ضرر ولا ضرار» . ومن الضرر تسرب الماء إلى أرض الجار على وجه غير معتاد، وعليه الضمان إذا كان متعدياً. قال الحنفية: ولا يضمن من ملأ أرضه ماء، فنزت أرض جاره أو غرقت، أي في حال السقي المعتاد الذي تتحمله الأرض عادة، لأنه متسبب غير متعد،فإن كان السقي غير معتاد، ضمن وعليه الفتوى (3) .\r2ً ـ يجب على المنتفع إمرار الماء من طريق عام إن وجد، فإن لم يوجد، كان على صاحب الطريق الخاص الإذن بإمرار الماء، أو إخراج حاجته من الماء، لقول\r-------------------------------\r(1) المراد بالماء: ما ليس بمحرز، فإذا أحرز فقد ملك، فخرج من أن يكون مباحاً، كالصيد إذا أحرز، فلا يجوز لأحد أن ينتفع به حينئذ إلا بإذنه. والمراد بالكلأ: الحشيش الذي ينبت بنفسه من غير أن ينبته أحد، ومن غير أن يزرعه ويسقيه، فيملكه من قطعه وأحرزه، وإن كان في أرض غيره. والمراد بالنار: الاستضاءة بضوئها، والاصطلاء بها، والإيقاد من لهبها، وليس لصاحبها أن يمنع من ذلك إن كانت في الصحراء، بخلاف ما لو أراد غيره أن يأخذ الجمر، لأنه ملكه، ويتضرر بذلك، فكان له منعه كسائر أملاكه، إلا إذا لم يكن له قيمة (تبيين الحقائق: 39/6).\r(2) انظر الأموال ونظرية العقد في الفقه الإسلامي للدكتور محمد يوسف موسى: ص 175 وما بعدها.\r(3) تكملة الفتح: 149/8، الدر المختار: 317/5.","part":6,"page":451},{"id":4047,"text":"عمر رضي الله عنه لمحمد بن مَسْلَمة حينما شكاه الضحاك بن خليفة الذي أراد إمرار ماء من أرض ابن مَسْلمة: «والله ، ليمرَّن به، ولو على بطنك» (1) .\r3ً ـ حق الشرب يورث، وتصح الوصية بالانتفاع به، حتى عند الحنفية، الذين يرون عدم توارث الحقوق والمنافع إلا ما استثني، ويجوز بيعه تبعاً للأرض، لامستقلاً منفرداً عنها عند الحنفية، كما أوضحت سابقاً؛ لأنه مجهول الكمية، وبيع المجهول لا يصح لما فيه من الضرر أو الظلم، ولأن الحقوق عند الحنفية ليست بمال متقوم في ظاهر الرواية، فلا تقبل الإفراد بالبيع أو الهبة أو الإجارة أو التصدق بها (2) .\rوالأولى الأخذ برأي غير الحنفية القائلين بجواز التصرف في الحقوق والمنافع؛ لأنها أموال متقومة، في عرف الناس.\r4ً ـ إذا كان الماء مملوكاً لشخص واحد، كان له حق الانتفاع به كيفما شاء، فإن كان الماء لجماعة مشتركة أو أناس كثيرين، وزع بينهم بالعدل، إما بالمناوبة الزمانية (المهايأة): بأن يستقل واحد بالماء في زمن معين. وإما بالكوى، أي بفتحات جانبية للماء إلى المزارع والجداول، بما يتناسب ومساحة أرض كل منتفع بهذا الماء. وهذا رأي الشافعية أيضاً (3) . ومقتضى العدل في التوزيع: أنه إذا كان نهر بين قوم، واختصموا في الشرب،كان الشرب بينهم على قدر مساحة أراضيهم، كما بينت؛ لأن المقصود هو الانتفاع بسقي الأراضي، فيقدر حقهم بقدرها، بخلاف الطريق؛ لأن المقصود منه هو المرور، وهو لا يختلف قدره سعة وضيقاً، ولا عبرة لسعة الدار وضيقها؛ لأن المقصود الاستطراق.\r-------------------------------\r(1) تنوير الحوالك شرح الموطأ: 218/2 وما بعدها.\r(2) الدر المختار: 316/5 وما بعدها، تبيين الحقائق: 43/6، تكملة الفتح: 150/8، البدائع: 189/6.\r(3) المهذب: 428/1، مغني المحتاج: 375/2.","part":6,"page":452},{"id":4048,"text":"كما أن مقتضى العدل أيضاً أن يتم تغيير التوزيع برضا الجميع، فليس لمشترك بلا رضاهم أن يشق جدولاً من النهر، أو ينصب عليه رحى، أو آلة نزح، أو جسراً، أو يوسع فم النهر، أو أن يقسم بالأيام بعد أن كانت القسمة بالفتحات أو أن يسوق نصيبه إلى أرض أخرى ليس لها فيه شرب؛ لأن القديم يترك على قدمه لظهور الحق فيه، ولأنه يمنع الضرر بالآخرين، وفي التوسعة وغيرها إضرار بهم (1) .\r5ً ـ يصح رفع دعوى الشِرْب بغير أرض استحساناً عند الحنفية (2) ؛ لأن الشرب مرغوب فيه، منتفع به، ويمكن أن يملك بغير أرض بالإرث، أو الوصية، ولأنه قد تباع الأرض دون الشرب فيبقى الشرب وحده، فإذا استولى عليه غيره، كان له أن يدفع الظلم عن نفسه، بإثبات حقه بالبينة.\r6ً ـ ينتفع الناس بماء الأمطار أو السيول أو النهر الصغير الذي يزدحم الناس فيه: بأن يبدأ بالأعلى، فيسقي أرضه، حتى يصل إلى الكعب (النهاية)، ثم يرسله إلى من يليه، فيسقي ويحبس الماء حتى يصل إلى كعبه، ثم يرسله إلى من يليه، فيفعل كذلك، وهلم جرا إلى آخره (3) ، لحديث عبادة: «أن النبي صلّى الله عليه وسلم قضى في شرب النخل من السيل: أن الأعلى يشرب قبل الأسفل، ويترك الماء إلى الكعبين،\r-------------------------------\r(1) الدر المختار: 315/5 وما بعدها، تبيين الحقائق: 42/6، تكملة الفتح: 148/8 وما بعدها، نهاية المحتاج: 258/4، المهذب: 428/1، المغني: 533/5-536.\r(2) الدر المختار: 314/5، تبيين الحقائق: 40/6، تكملة الفتح: 147/8.\r(3) المهذب: 428/1،مغني المحتاج: 373/2، كشاف القناع: 219/4 وما بعدها، المغني: 531/5.","part":6,"page":453},{"id":4049,"text":"ثم يرسل الماء إلى الأسفل الذي يليه، وكذلك حتى تنقضي الحوائط، أو يفنى الماء» (1) .وروى عبد الله بن الزبير: « أن الزبير ورجلاً من الأنصار تنازعا في شراج الحرة (2) التي يسقى بها النخل، فقال الأنصاري للزبير: سرِّح الماء، فأبى الزبير، فاختصما إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلم ، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلم للزبير: اسق أرضك، ثم أرسل الماء إلى أرض جارك. فقال الأنصاري: أن كان ابن عمتك يا رسول الله ، فتلوَّن وجه رسول الله صلّى الله عليه وسلم ، فقال: يا زبير، اسق أرضك، إلى أن يبلغ الجدر» (3) أي الجدار قال الزبير: فوالله ، إني لأحسب هذه الآية نزلت فيه: {فلا، وربك لا يؤمنون حتى يحكِّموك فيما شجر بينهم } [النساء:65/4].\rوروى مالك في الموطأ أيضاً عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم أنه بلغه: أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم قال في سيل مهزور ومذينب: «يمسك حتى الكعبين، ثم يرسل الأعلى على الأسفل» (4) .\r-------------------------------\r(1) رواه ابن ماجه، وعبد الله بن أحمد. ورواه أبو داود بإسناد حسن.\r(2) الحرة: أرض في المدينة ذات حجارة سود. والشراج جمع شرج، والشرج: نهر صغير.\r(3) متفق عليه في الصحيحين، ورواه مالك في موطئه عن عبد الله بن الزبير (جامع الأصول: 565/10) والمراد بقوله: «احبس الماء حتى يبلغ الجذر» : أن يصل مبلغ تمام الشرب، من جذر الحساب: أصل كل شيء. وقيل: أراد أصل الحائط. ويلاحظ أن رواية الحديث بالدال: «يرجع إلى الجذر» أي الكعبين.\r(4) تنوير الحوالك: 217/2.","part":6,"page":454},{"id":4050,"text":"رابعاً ـ كري الأنهار التي يكون منها الشرب :\rالكري: إخراج الطين من أرض النهر، وحفره، وإصلاح ضفتيه. ويلحق به إصلاح الجسور ونحوها.\rومؤنة الكري أي نفقته بحسب نوع النهر، والأنهار أنواع ثلاثة (1) :\rالأول: النهر العام غير المملوك لأحد، كالفرات والنيل: نفقة كريه وإصلاحه من بيت مال المسلمين، من الخراج والجزية، دون العشور والصدقات؛ لأنه للمصلحة العامة، فيختص بنفقته بيت المال، عملاً بالحديث النبوي: «الخراج بالضمان» (2) .\rفإن لم يكن في بيت المال شيء، أجبر الحاكم الناس على إصلاح النهر، إن امتنعوا عنه، دفعاً للضرر، وتحقيقاً للمصلحة العامة. قال عمر في مثله: «لو تركتم، لبعتم أولادكم» .\rوتفرض مؤنة الإصلاح على الأغنياء الموسرين الذين لا يطيقون الإصلاح بأنفسهم، كما هو الشأن في تجهيز الجيوش. ويكلف القادرون على العمل بأنفسهم، وتكون نفقتهم على الأغنياء.\rالثاني: النهر العام المملوك لأهله الداخل في المقاسم، ويمكن قسمته، ويشترك به جماعة هم أصحاب النهر، فهو عام من وجه، وخاص من وجه: نفقة إصلاحه على أهله؛ لأن الحق لهم والمنفعة تعود إليهم على الخصوص، فعليهم إصلاحه لأن الغنم بالغرم. ومن أبى منهم يجبر على الإنفاق، دفعاً للضرر العام الذي يلحق بقية الشركاء.\r-------------------------------\r(1) تكملة الفتح: 46/8 ومابعدها، الدر المختار: 313/5 ومابعدها، البدائع: 191/7 ومابعدها، تبيين الحقائق: 40/6 وما بعدها.\r(2) رواه الخمسة (أحمد وأصحاب السنن) عن عائشة وضعفه البخاري (سبل السلام: 30/3).","part":6,"page":455},{"id":4051,"text":"والمملوك: بأن دخل في المقاسم: عام وخاص (1) . والخاص هو النوع الثالث: هو ما يشترك فيه فئة محصورة. والعام: هو المملوك لجماعة غير محصورة.\rالثالث: النهر المملوك، لأّهله الخاص بفئة محدودة: نفقة إصلاحه على أهله أيضاً؛ لأن نفعه عائد إليهم. لكن إن امتنع جميعهم عن الإصلاح، لم يجبرهم الحاكم، كالممتنع عن عمارة أرضه وداره. فإن امتنع بعضهم دون الآخرين، فقيل: يجبر الآبي؛ لأن النفع للكل، وقيل: لا يجبر؛ لأن في إجباره إضراراً به. ويمكن دفع الضرر عن شركائه برجوعهم عليه بحصته من النفقة، إذا تم الإصلاح بأمر القاضي.\rواختلف في كيفية الكري على الشركاء، إذا احتاج النهر في مسيله إلى إصلاح منطقة ليست في أعلاه: فقال أبو حنيفة: مؤنة كري النهر المشترك على الشركاء من أعلاه، فإذا جازوا أرض رجل منهم دون حاجة إلى الكري، برئ من مؤنة الكري؛ لأن المقصد من الكري الانتفاع بالسقي، وقد حصل لصاحب الأعلى، فلا يلزمه نفع غيره.\rوقال الصاحبان: الكري على الشركاء جميعهم، من أوله إلى آخره، بحصص الشرب والأراضي؛ لأن لصاحب الأعلى حقاً في الأسفل، لاحتياجه إلى تسييل ما فضل من الماء فيه. وهذا الرأي هو المعقول في تقديري.\rواتفق أئمة الحنفية على أن الإصلاح إذا كان من أعلى النهر، فمؤنة إصلاحه على الشركاء جميعاً، لتوقف انتفاعهم به على إصلاحه.\r-------------------------------\r(1) المملوك الداخل في المقاسم: عام وخاص. والفاصل بينهما: أن ما تستحق به الشفعة خاص وهو النوع الثالث، وما لا تستحق به الشفعة عام. واختلف في تحديد الخاص: فقيل: هو ماكان لعشرة، أو عليه قرية واحدة. وقيل: لما دون أربعين أو مئة أو ألف. والأصح: تفويضه لرأي المجتهد، فيختار أي قول شاء.","part":6,"page":456},{"id":4052,"text":"المطلب الثاني ـ حق الشفة :\rيلحق حق الشفة بحق الشرب، وتكاد تكون أحكامهما واحدة مع بعض الفوارق البسيطة:\rمعنى حق الشفة: هو حق الانتفاع بالماء لشرب الإنسان والاستعمال المنزلي من طبخ وغسل ونحوهما، ولسقي البهائم بالشفاه لدفع العطش ونحوه. أو هو حاجة الإنسان إلى الماء لشربه أو لشرب دوابه ولانتفاعه المنزلي (1) .\rوأحكامه تختلف بحسب نوع الماء. والمياه أربعة أقسام (2) :\rالأول ـ ماء البحار: لكل واحد من الناس فيها حق الشفة وسقي الأراضي، والانتفاع بها بأي وجه؛ لأنها غير مملوكة، والانتفاع بماء البحر كالانتفاع بالشمس والقمر والهواء.\rالثاني ـ ماء الأنهار العظيمة كالفرات ودجلة والنيل، وسيحون وجيحون ونحوها: للناس فيه الشفة مطلقاً، وحق سقي الأراضي؛ لأنها مباحة في الأصل لكل إنسان شرباً وسقياً، ما لم يضر بالجماعة؛ لأن دفع الضرر عنهم واجب، ولأن الانتفاع بالمباح إنما يجوز إذا لم يضر بأحد، كتخريب النهر أو كسر ضفته، فتغرق القرى والأراضي.\rالثالث ـ ماء الأنهار الصغيرة المملوكة الخاصة بقوم محصورين وهو المسمى عند الفقهاء «ماء المقاسم» : حق الشفة ثابت فيه، للضرورة، ولأن الأصل في الماء اشتراك الناس فيه، لقوله عليه الصلاة والسلام: «الناس شركاء في ثلاث: الماء، والكلأ والنار» ولأن استصحاب الماء إلى كل مكان أمر متعذر، والناس بحاجة إليه، فلو منعوا منه، وقعوا في حرج عظيم.\rلكن إذا كان ماء النهر أو البئر المملوك لجماعة في أرض مملوكة: فلصاحب الأرض أن يمنع من يريد الشفة من الدخول في ملكه، إذا كان يجد ماء بقربه (3) .\rفإن لم يجد يقال له: إما أن تخرج الماء إليه، أو تتركه، بشرط ألا يضر النهر أو البئر كأن يكسر ضفته أي جانبه؛ لأن للمضطر أو المحتاج حق الشفة في ماء النهر أو البئر أو الحوض عند الحاجة.\rفلو منعه صاحب الأرض، وهو أو دابته في حالة عطش، كان له أن يقاتله بالسلاح ليأخذ قدر ما يدفع عن نفسه الهلاك، لقوله عمر السابق: «هلا وضعتم فيهم السلاح؟ » ولأنه قصد إتلافه بمنع الشفة عنه، وهو حقه؛ لأن ماء البئر أو النهر ونحوهما مباح غير مملوك.\rوالأصح أن للناس الأخذ من هذا الماء ونقله للوضوء وغسل الثياب؛ لأن منعه من الدناءة، قال عليه الصلاة والسلام: «إن الله تعالى يحب معالي الأمور،ويكره سفسافها» (4) .\r-------------------------------\r(1) مختصر المعاملات الشرعية للشيخ علي الخفيف: ص 18.\r(2) تكملة الفتح: 144/8 وما بعدها، تبيين الحقائق: 40/6، البدائع: 188/6 وما بعدها، الدر المختار: 311/5 وما بعدها.\r(3) حد القرب: ميل كما في التيمم، والميل أربعة آلاف ذراع، والذراع: 61/6 سم، فالميل: 1848 م.\r(4) رواه الطبراني عن الحسين بن علي، هو حديث حسن.","part":6,"page":457},{"id":4053,"text":"والأصح أن لصاحب الماء منع من أراد الأخذ منه لسقي الشجر أو الخضر في داره، بحمله بالجرار ونحوها إلا بإذنه.\rكذلك إذا كانت الشفة تأتي على الماء كله، بأن كان جدولاً صغيراً، والمواشي الواردة عليه كثيرة، فقال أكثر الفقهاء منهم الحنفية: للمالك حق المنع، لأنه يلحقه ضرر به، كسقي الأرض.\rالرابع ـ الماء المحرز في الأواني: مملوك لصاحبه بالإحراز، فلا يحق لغيره الانتفاع به إلا بإذن صاحبه، لا شرباً ولا سقياً ولا غيره.\rلكن للمضطر الذي يخاف على نفسه من الهلاك بسبب العطش، ولم يجد سوى هذا الماء المحرز: أن يأخذ هذا الماء من صاحبه، ولو بالقوة، لكن بغير سلاح إذا كان الماء فاضلاً عن حاجة صاحبه، كما تبين في حق الشرب.\rالمطلب الثالث ـ حق المجرى :\rتعريفه، وأحكامه.\rتعريف حق المجرى: هو حق صاحب الأرض البعيدة عن مجرى الماء، في إجراء الماء إلى أرضه لسقيها. وقد يكون المجرى نفسه مملوكاً لصاحب المجرى، أو لصاحب الأرض التي هو فيها وهو الكثير، أو لهما معاً، أو مشتركاً بين كثيرين.\rأحكامه: المبدأ العام في الشرع أنه ليس لصاحب الأرض منع جاره من إمرار الماء في أرضه، عملاً بقول عمر المتقدم، لمن منع جاره من إرسال الماء في أرضه: «والله ليمرن به، ولو على بطنك» .","part":6,"page":458},{"id":4054,"text":"وليس لصاحب الأرض أيضاً أن ينقل المجرى من مكانه إلا برضا أصحاب الحق فيه، ولهم الحق في ترميمه، ومنع تسرب الماء منه، وتعميقه، وتقوية جانبيه. كما أن لصاحب الأرض مطالبتهم بإصلاحه، حتى لا يتسرب الماء منه، فيتلف مزروعاته. وإذا كان المجرى مشتركاً بين جماعة، فليس لأحدهم سده إلا برضا الجميع على أن يسده كل واحد في نوبته. فإن منعوه من سده، كان له رفع الماء إلى أرضه بآلة (1) ، ودليل اشتراط رضا الجميع بسد المجرى هو قاعدة: «يتحمل الضرر الخاص لدفع ضرر عام» .\rوحق المجرى إن كان قديماً في أرض الغير يترك على حاله (2) ، عملاً بقاعدة: «القديم يترك على قدمه» ولا يُزال، إلا إذا كان فيه ضرر على صاحب الأرض، عملاً بقاعدة: «الضرر لا يكون قديماً» .\rوإن أريد إحداث مجرى جديد: فإن كان في طريق عام، أنشئ بإذن السلطة، لمنع الضرر وتحقيق المصلحة العامة.\rوإن كان في أرض مملوكة لغيره، أحدث بإذن المالك، ولكن ليس للمالك المنع من إحداثه، ما لم يلحق به ضرر بسببه، عملاً بقول عمر السابق: «والله ليمرن به ولو على بطنك» (3) .\r-------------------------------\r(1) البدائع: 190/6 وما بعدها، الأموال ونظرية العقد: ص 176 وما بعدها، مختصر المعاملات الشرعية: ص 20.\r(2) الدر المختار ورد المحتار: 314/5، الخراج لأبي يوسف: ص 99.\r(3) والقصة هي: روى مالك في موطئه (218/2) عن عمرو بن يحيى المازني عن أبيه: أن الضحاك بن خليفة ساق خليجاً له من العريض، فأراد أن يمر به في أرض محمد بن مسلمة، فأبى محمد: فقال له الضحاك: لم تمنعني، وهو لك منفعة، تشرب به أولاً وآخراً، ولا يضرك؟ أبى محمد، فكلم فيه الضحاك عمر بن الخطاب، فدعا عمر بن الخطاب محمد بن مسلمة، فأمره أن يخلي سبيله، فقال محمد: لا، فقال عمر: لم تمنع أخاك ما ينفعه، وهو لك نافع، تسقي به أولاً وآخراً، وهو لا يضرك؟ فقال محمد: لا، والله ، فقال عمر: والله ليمرن به، ولو على بطنك. فأمره عمر أن يمر به، ففعل الضحاك. وانظر الخراج ليحيى بن آدم: ص 110.","part":6,"page":459},{"id":4055,"text":"المطلب الرابع ـ حق المسيل :\rتعريفه، وأحكامه.\rحق المسيل: هو حق تصريف الماء الزائد عن الحاجة، أو غير الصالح، إلى المصارف والمجاري العامة، بواسطة مجرى سطحي أو أنبوب مستور، سواء من أرض أو دار أو مصنع.\rوالفرق بينه وبين حق المجرى: هو أن حق المجرى لجلب الماء الصالح للأرض، وحق المسيل لتصريف الماء غير الصالح عن الأرض أو الدار ونحوها.\rوالمسيل قد يكون مملوكاً للمنتفع به، أو لصاحب الأرض التي يمر فيها، وقد يكون في مرفق عام.\rوإذا تعينت أرض الجار لإحداث المسيل، لم يجز لمالكها المعارضة أو الممانعة فيه، إلا إذا ترتب عليه ضرر بيّن. ويظل هذا الحق قائماً، وإن تغيرت صفة الأرض المقرر لها، كأن كانت أرضاً زراعية، فصارت منزلاً أو مصنعاً مثلاً.\rوإذا كان حق المسيل قديماً، بقي على حاله، ما لم يكن ضاراً بالمصلحة العامة أو الخاصة، فيجب حينئذ إزالته؛ لأن «الضرر يزال» ، ولا يحتج بتقادم الضرر؛ لأن «الضرر لا يكون قديماً» .\rوتجب نفقات إصلاح المسيل، على المنتفع به، إذا كان في ملكه، أو في ملك غيره. فإن كان في أرض عامة، فنفقة الإصلاح على بيت المال (1) .\r-------------------------------\r(1) أملية مختصر المعاملات الشرعية للخفيف: ص 20 وما بعدها.","part":6,"page":460},{"id":4056,"text":"المطلب الخامس ـ حق المرور :\rتعريفه، وأحكامه.\rحق المرور: هو حق أن يصل الإنسان إلى ملكه، داراً أو أرضاً، بطريق يمر فيه، سواء أكان من طريق عام، أم من طريق خاص مملوك له أو لغيره، أو لهما معاً.\rوحكمه يختلف بحسب نوع الطريق:\r1ً ـ فإن كان الطريق عاماً: فلكل إنسان حق الانتفاع به، لأنه من المباحات، سواء بالمرور، أو بفتح نافذة أو طريق فرعي عليه، أو إنشاء شرفة ونحوها، وله إيقاف الدواب أو السيارات أو إنشاء مركز للبيع والشراء. ولا يتقيد إلا بشرطين (1) :\rالأول: السلامة، وعدم الإضرار بالآخرين، إذ لا ضرر ولا ضرار (2) .\rالثاني: الإذن فيه من الحاكم.\rفإن أضر المار أو المنتفع بالآخرين، كأن أعاق المرور، منع. وإن لم يترتب على فعله ضرر، جاز بشرط إذن الحاكم عند أبي حنيفة، ولا يشترط الإذن عند الصاحبين، على ما سأبيّن في حق التعلي. كذلك لا يشترط إذن الإمام عند الشافعية والحنابلة (3) كقوله عليه الصلاة والسلام: «من سبق إلى ما لم يسبق إليه مسلم، فهو أحق به» .\rوقال المالكية (4) : من بنى في طريق المسلمين أو أضاف شيئاً من الطريق إلى ملكه، منع منه باتفاق.\r-------------------------------\r(1) الدر المختار ورد المحتار: 319/5 وما بعدها، تبيين الحقائق: 142/6 وما بعدها، جامع الفصولين: 197/2، تكملة الفتح: 330/8 وما بعدها، مغني المحتاج: 182/2.\r(2) أي لا يضر الرجل أخاه ابتداء ولا جزاء، بمعنى أنه لا يجوز إنشاء الضرر، ولا مقابلته بمثله. والضرر في الجزاء: أن يتعدى المجازي عن قدر حقه في القصاص وغيره.\r(3) مغني المحتاج: 369/2، المغني: 544/5.\r(4) القوانين الفقهية: ص 341.","part":6,"page":461},{"id":4057,"text":"وقال الشافعية (1) : الطريق النافذ أي الشارع لا يتصرف فيه بما يضر المارّة في مرورهم فيه؛ لأن الحق فيه للمسلمين كافة، فلا يشرع فيه جَناح أي روشن، ولا ساباط (أي سقيفة على حائطين والطريق بينهما) يضر الناس كلٌ منهما.\r2ً ـ وأما إن كان الطريق خاصاً: فحق الانتفاع به مقصور على صاحبه أو أهله أو المشتركين فيه، فليس لغيرهم أن يفتح عليه باباً أو نافذة إلا منهم، ولكل الناس حق المرور فيه عند زحمة الطريق العام، وليس لأصحابه سده أو إزالته، احتراماً لحق العامة فيه.\rكذلك ليس لأحد من أصحاب الحق في الطريق الخاص الارتفاق به على غير الوجه المعروف إلا بإذن الشركاء كلهم، حتى المشتري من أحدهم بعد الإذن، كإحداث غرفة، أو بناء شرفة، أو ميزاب ونحوه (2) .\rالمطلب السادس ـ حق التعلي :\rتعريفه، وحكم تصرف المالك الأعلى أو الأسفل في ملكه.\rحق التعلي: هو حق القرار الدائم أو الاستناد لصاحب الطبقة العليا، على الطبقة السفلى، والانتفاع بسقوفها، مثل الملكية المشتركة للطوابق الحديثة.\rوهذا حق دائم ثابت لصاحب العلو، على حساب السفل، فيكون للعلو حق البقاء والقرار على ذلك السفل، دون أن يتملك عند الحنفية سقفه، فلا يزول الحق بهدمه، أو انهدام السفل، أو هما معاً،ويظل هذا الحق قائماً، يجري فيه التوارث.\r-------------------------------\r(1) مغني المحتاج: 182/2.\r(2) الدر المختار ورد المحتار: 320/5، تكملة الفتح، تبيين الحقائق، المكان السابق، القوانين الفقهية: ص 341، مغني المحتاج: 184/2.","part":6,"page":462},{"id":4058,"text":"وقال المالكية (1) : السقف الذي بين الطابقين لصاحب السفل، وعليه إصلاحه وبناؤه إن انهدم، ولصاحب العلو الجلوس عليه، أي كما قال الحنفية.\rوقال الشافعية (2) : السقف مشترك بين صاحب العلو والسفل كالجدار بين ملكين، لاشتراكهما في الانتفاع به، فإنه ساتر لصاحب السفل وأرض لصاحب العلو، فلصاحب العلو الاستناد إليه، وليس لأحدهما دق وتد أو فتح كوة ونحوه مما يضايق إلا بإذن الآخر. ولصاحب العلو الانتفاع بالسقف بحسب العادة، وإذا انهدم المشترك بين اثنين ليس لأحدهما إجبار الآخر على العمارة؛ لأن الضرر لا يزال بالضرر، والممتنع يتضرر بتكليف العمارة.\rولا يباع حق التعلي عند الحنفية استقلالاً، فبيعه غير صحيح، لأنه ليس بمال.\rوقال غير الحنفية: يجوز بيعه استقلالاً؛ لأن الحقوق أموال عندهم. وهذا هو المعقول والأصح فقهاً وعرفاً وعملاً.\rواختلف أبو حنيفة مع صاحبيه في مدى حق التصرف لكل من صاحب العلو وصاحب السفل (3) :\rفقال أبو حنيفة: الأصل في تصرفات المالك في ملكه، إذا تعلق به حق الغير: الحظر؛ لأنه تصرف في محل تعلق به حق محترم للغير، فليس للجار التصرف في ملكه من غير رضا صاحب الحق، وإن لم يضره هذا التصرف.\r-------------------------------\r(1) القوانين الفقهية: ص 341.\r(2) مغني المحتاج: 193/2، روضة الطالبين للنووي: 219/4، 226.\r(3) تبيين الحقائق: 194/4-196، فتح القدير: 502/5 وما بعدها، 506، البدائع: 264/6 وما بعدها، الدر المختار ورد المحتار: 375/4-377.","part":6,"page":463},{"id":4059,"text":"وبناء عليه: ليس لصاحب السفل أن يحدث في بنائه أي تغير، كدق وتد، أو فتح نافذة، أو رفع جدار، إلا برضا صاحب العلو، وإن لم يضر به. وليس لصاحب العلو زيادة بناء يوهن السفل.\rوقال الصاحبان: الأصل في تصرف الجار الإباحة؛ لأنه تصرف في ملكه، والملك يقتضي إطلاق التصرف، كما يشاء المالك، إلا إذا لحق بسببه ضرر بالغير، فيمنع حينئذ المالك منه، وبناء عليه: لصاحب السفل أو الطابق الأدنى أن يصنع ما لا يضر بالبناء الأعلى.\rوهذا الرأي هو المعقول، والأصح في تقديري، وهو الاستحسان المفتى به عند الحنفية (1) .\rالمطلب السابع ـ حق الجوار :\rتعريفه، ومدى صلاحية الجار أو حق الجار بالتصرف في ملكه.\rحق الجوار: المراد به هو حق الجوار الجانبي: وهو الناشئ عن تلاصق الحدود وتجاورها، ويكون لكل من الجارين الحق في الارتفاق بعقار جاره، على ألا يلحق به ضرراً بيناً فاحشاً.\rوالامتناع عما يؤذي الجار واجب ديانة، لقوله صلّى الله عليه وسلم : «لا يدخل الجنة من لا يأمن جاره بوائقه» (2) أي غوائله وشروره، ومع ذلك للفقهاء آراء قضائية في منع الضرر بالجار(3 ) :\rفقال أبو حنيفة بمقتضى القياس: والشافعية والظاهرية: لصاحب الملك أن يفعل في ملكه ما يشاء، وهو مطلق التصرف في خالص ملكه، وإن ألحق الضرر بغيره، فله فتح ما شاء من النوافذ، وهدم ما شاء من الجدران، وحفر ما رأى من الآبار، وإنشاء ما يشاء من المصانع، واتخاذ ما أراد من السكنى أو المتجر.\rلكن في الجدار المشترك: قال الشافعية في الجديد (4) : ليس لأحد الشريكين وضع جذوعه عليه بغير إذن شريكه، وليس له أن يدق وتداً أو يفتح كوَّة أو نحوهما مما يضايق فيه عادة إلا بإذن شريكه، ولا أن يستند إليه ويسند متاعاً لا يضر، وله ولغيره مثل هذا الانتفاع في جدار الأجنبي؛ لأنه لا ضرر على المالك، فلا يضايق فيه، بل له الانتفاع، ولو منعه المالك.\rوقال الصاحبان بمقتضى الاستحسان الذي أخذت به المجلة: يتقيد استعمال مالك العقار وتصرفه بما لا يؤدي إلى ضرر بيّن فاحش بجاره، ولقوله عليه الصلاة والسلام: «لا ضرر ولا ضرار» . وهذا هو المفتى به عند الحنفية.\rوالضرر البين الفاحش: ما يكون سبباً لهدم أو سقوط بناء الجار، أو ما يوهن البناء، أو ما يؤذي الجار أذىً بالغاً على وجه دائم، أو ما يؤدي إلى سلخ حق الانتفاع بالكلية: وهو ما يمنع من الحوائج الأصلية، كأن يحول داره إلى فرن أو مصنع للحديد أو مطحنة للحبوب، أو حمام أو تنور أو يبني جداراً يمنع به النور عن جاره.\r-------------------------------\r(1) انظر الدر المختار: 375/4.\r(2) رواه مسلم عن أبي هريرة.\r(3) البدائع: 264/6 وما بعدها، فتح القدير: 506/5، المبسوط: 21/15، الأم: 222/3 وما بعدها، ط الأميرية، المحلى: 241/8، م 1355، مختصر المعاملات الشرعية: ص23.\r(4) مغني المحتاج: 189/2.","part":6,"page":464},{"id":4060,"text":"فإن فعل شيئاً مما ذكر، منع منه، وأمر بإزالته، وكان ضامناً ما يترتب عليه من تلف بدار جاره، سواء أكان بالمباشرة أم بالتسبب.\rوقال المالكية والحنابلة (1) : يتقيد استعمال المالك بألا يضر بالآخرين، ولو بالنية والقصد، فإ لم تكن له مصلحة ظاهرة في التصرف، أو لم يقصد سوى الإضرار بالآخرين، منع منه؛ لأن المسلم ممنوع من قصد الإضرار.\rلكن المشهور عند المالكية أن الشخص لا يمنع إذا أراد أن يعلي بنياناً يمنع جاره الضوء والشمس، ويمنع إذا أراد أن يبني بنياناً يمنع الهواء. واتفق المالكية على منع أنواع من الضرر المحدث، هي: فتح كوة أو طاقة يكشف منها على جاره، فيؤمر بسدها أو سترها، وأن يبني شخص في داره فرناً أو حماماً أو كير حداد، أو صائغ، مما يضر بجاره دخانه، فيمنع منه إلا إن احتال في إزالة الدخان. وأن يصرف ماءه على دار جاره أو على سقفه، أو يجري في داره ماء، فيضر بحيطان جاره. ومن طرق تجنب الضرر: كاتم الصوت وعازل الحرارة، وصفاية الدخان.\rوالخلاصة: أن الاتجاه الأقوى في الفقه الإسلامي يجيز للمالك أن يتصرف في ملكه بما لا ضرر فيه على الجار، أما ما بان ضرره الفاحش، أو أشكل فيه الحال، فإنه ممنوع.\rوإذا كان الشيء قديماً قبل الجوار، يظل قائماً، ما لم يكن فيه ضرر بالجار الجديد.\r-------------------------------\r(1) الموافقات: 349/2، القوانين الفقهية: ص 341.","part":6,"page":465},{"id":4061,"text":"الفَصْلُ الخامِس: عقود استثمار الأرض: المزارعة والمساقاة و المغارسَة\rالعقد الأول ـ المزارعة أو المخابرة\rتعريفها، ومشروعيتها، وركنها وصفة العقد، وشرائطها، وأنواعها أو أحوالها، وحكمها وانتهاؤها وحالات فسخها، وفيها مباحث خمسة:\rالمبحث الأول ـ تعريف المزارعة ومشروعيتها وركنها وصفة العقد :\rأولاً ـ تعريف المزارعة: المزارعة لغة: مفاعلة من الزرع: و هو الإنبات. وشرعاً: عقد على الزرع ببعض الخارج (1) . وعرفها المالكية: بأنها الشركة في الزرع (2) . وعرفها الحنابلة بأنها: دفع الأرض إلى من يزرعها أو يعمل عليها، والزرع بينهما (3) .\rوتسمى أيضاً المخابرة (من الخَبار: وهي الأرض اللينة)، والمحاقلة،\r-------------------------------\r(1) البدائع: 175/6، تبيين الحقائق: 278/5، الدر المختار: 193/5، تكملة الفتح: 32/8.\r(2) الشرح الكبير: 372/3، القوانين الفقهية: ص 280.\r(3) المغني: 382/5، كشاف القناع: 523/3.","part":6,"page":466},{"id":4062,"text":"ويسميها أهل العراق: القَراح. ووصف الشافعية (1) المخابرة بأنها: عمل الأرض ببعض ما يخرج منها، والبذر من العامل. والمزارعة: هي المخابرة، ولكن البذر فيها يكون من المالك.\rوالخلاصة: المزارعة عقد استثمار أرض زراعية بين صاحب الأرض، وآخر يعمل في استثمارها، على أن يكون المحصول مشتركاً بينهما بالحصص التي يتفقان عليها.\rثانياً ـ مشروعيتها: لم يجز أبو حنيفة وزفر المزارعة، وقالا: هي فاسدة، وبعبارة أخرى: المزارعة بالثلث والربع في رأيهما باطلة (2) . وكذلك لم يجز الشافعي المزارعة، وإنما تجوز عند الشافعية فقط تبعاً للمساقاة للحاجة، فلو كان بين النخل بياض صحت المزارعة عليه مع المساقاة على النخل بشرط اتحاد العامل، وعسر إفراد النخل بالسقي، والبياض بالعمارة: وهي الزراعة لانتفاع النخل بسقي الأرض وتقليبها. والأصح أنه يشترط: ألا يفصل العاقدان بين العقدين وإنما يؤتى بهما على الاتصال، وألا يقدم المزارعة على المساقاة، لأنها تابعة، والتابع لا يقدم على متبوعه. ولا تجوز المخابرة عند الشافعية تبعاً للمساقاة، لعدم ورود مشروعيتها (3) . ودليل أبي حنيفة وزفر والشافعي على عدم مشروعية المزارعة أن النبي صلّى الله عليه وسلم نهى عن المخابرة (4) : وهي المزارعة. ولأن أجر المزارع: وهو مما تخرجه\r-------------------------------\r(1) مغني المحتاج: 323/2 وما بعدها.\r(2) العناية بهامش تكملة الفتح: 32/8، وتقييدهم بالثلث والربع باعتبار العادة في ذلك، ولتقرير محل النزاع، إذ لو لم يعين المقدار فسدت اتفاقاً.\r(3) مغني المحتاج: 324/2، المهذب: 349/1.\r(4) أخرجه مسلم عن جابر بن عبد الله ، وأخرجه أيضاً عن ابن عمر: أن رافع بن خديج روى أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم نهى عنه (نصب الراية: 180/4) وروى مسلم أيضاً عن ثابت بن الضحاك: «أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم نهى عن المزارعة» وروى أبو داود والنسائي وأحمد والبخاري حديث رافع بالنهي عن كراء الأرض (نيل الأوطار: 275/6، 280).","part":6,"page":467},{"id":4063,"text":"الأرض إما معدوم لعدم وجوده عند العقد، أو مجهول لجهالة مقدار ما تخرجه الأرض، وقد لا تخرج شيئاً، وكل من الجهالة وانعدام محل العقد مفسد عقد الإجارة.\rوأما معاملة النبي صلّى الله عليه وسلم أهل خيبر ـ كما سيأتي ـ فكان خراج مقاسمة (1) كثلث أو ربع غلة الأرض، بطريق المن والصلح، وهو جائز.\rومع هذا قال كثير من فقهاء الشافعية بمشروعية المزارعة استقلالاً، بدليل معاملة النبي صلّى الله عليه وسلم أهل خيبر، واعتبروا المخابرة في معنى المزارعة.\rوقال صاحبا أبي حنيفة (أبو يوسف ومحمد)، ومالك وأحمد وداود الظاهري، وهو رأي جمهور الفقهاء: المزارعة جائزة، بدليل أن النبي صلّى الله عليه وسلم عامل أهل خيبر بشطر ما يخرج من ثمر أو زرع (2) . ولأنها عقد شركة بين المال والعمل، فتجوز كالمضاربة، لدفع الحاجة، فصاحب المال قد لا يحسن الزراعة، والعامل يتقنها، فيتحقق بتعاونهما الخير والإنتاج والاستثمار. والعمل والفتوى عند الحنفية على قول الصاحبين، لحاجة الناس إليهم ولتعاملهم. وهذا هو الراجح. وهي تشبه الشركة والإجارة، فهي مشاركة في الناتج بين صاحب الأرض والمزارع بنسبة متفق عليها كالنصف أو الثلث للمزارع. وهي كالإجارة عن طريق المشاركة في استغلال الأرض، والأجرة فيها حصة معينة من المحصول. لكنها تتميز عن الشركة بأن نصيب المالك فيها حصة من نفس المحصول الناتج من الأرض، وليس من صافي الأرباح.\rوتتميز عن إيجار الأرض الزراعية بأن تكون الأجرة جزءاً من محصول الأرض المؤجرة كالربع أو الثلث أو النصف، فإن كانت الأجرة مقداراً معيناً من المحصول كطن قمح أو أرز، فلا يكون العقد مزارعة، ولكنه إيجار عادي للأرض.\r-------------------------------\r(1) الخراج نوعان: خراج وظيفة: وهو فرض جزء مقطوع معلوم سنوياً على جزء معلوم من مساحة الأرض المفتوحة. وخراج مقاسمة: وهو فرض مقدار نسبة محددة من غلة الأرض كالنصف مثلاً (تبيين الحقائق: 278/5).\r(2) رواه الجماعة (أحمد والأئمة الستة) عن ابن عمر، وروي أيضاً عن ابن عباس وجابر بن عبد الله (نيل الأوطار: 272/5).","part":6,"page":468},{"id":4064,"text":"ثالثاً ـ ركن المزارعة وصفة العقد: ركن المزارعة عند الحنفية: الإيجاب والقبول، وهو أن يقول صاحب الأرض للعامل: دفعت إليك هذه الأرض مزارعة بكذا، ويقول العامل: قبلت، أو رضيت، أو ما يدل على قبوله ورضاه، فإذا وجدا تم العقد بينهما (1) .\rأطرافها ثلاثة: صاحب الأرض أو المالك، والعامل أو المزارع، ومحل العقد، المتردد بين أن يكون منفعة الأرض أو عمل العامل. وهي عند الحنفية: عقد إجارة ابتداء، شركة انتهاء، فإن كان البذر من العامل فالمعقود عليه منفعة الأرض، وإن كان من صاحب الأرض فالمعقود عليه منفعة العامل.\rوقال الحنابلة (2) : ولا تفتقر المزارعة والمساقاة إلى القبول لفظاً، بل يكفي الشروع في العمل قبولاً، كالوكيل.\rوأما صفة المزارعة: فهي عند الحنفية كبقية الشركات عقد غير لازم. وقال المالكية (3) : وتلزم بالبذر ونحوه أي بإلقاء الحب على الأرض لينبت، أو بوضع الزريعة في الأرض مما لا بذر لحبه كالبصل ونحوه. والمعتمد عند المالكية أن شركات الأموال تلزم بالصيغة.\rوقال الحنابلة (4) : المزارعة والمساقاة عقدان غير لازمين، لكل طرف فسخهما، ويبطل العقد بموت أحد المتعاقدين.\rالمبحث الثاني ـ شرائط المزارعة :\rاشترط الصاحبان من الحنفية (5) في المزارعة شرائط: في العاقد، وفي الزرع والمزروع، وفي الخارج من الزرع، وفي الأرض المزروعة، وفي محل العقد، وفي آلة الزراعة، وفي مدة المزارعة.\rشروط العاقد: يشترط شرطان عامان في العقود.\rأ ـ أن يكون العاقد عاقلاً (مميزاً): فلا تصح مزارعة المجنون والصبي غير المميز؛ لأن العقل شرط أهلية التصرفات.\rوأما البلوغ فليس بشرط لجواز المزارعة عند الحنفية، فتجوز مزارعة الصبي المأذون، كالإجارة. والمزارعة استئجار ببعض الناتج. واشترط الشافعية والحنابلة البلوغ لصحة المزارعة كغيرها من العقود.\r2 - ألا يكون مرتداً ـ في رأي أبي حنيفة ـ لأن تصرفات المرتد موقوفة عنده، فلا تصح للحال. ولا يشترط هذا الشرط عند الصاحبين، فتعتبر مزارعة المرتد نافذة للحال.\rأما المرتدة فتصح مزارعتها باتفاق الحنفية.\r-------------------------------\r(1) البدائع: 176/6.\r(2) كشاف القناع: 528/3 وما بعدها.\r(3) تبيين الحقائق: 278/5، الشرح الصغير: 492/3 وما بعدها.\r(4) غاية المنتهى: 154/2.\r(5) البدائع: 176/6-180، تكملة الفتح مع العناية: 34/8 وما بعدها، الكتاب مع اللباب: 230/2، تبيين الحقائق: 279/5، الدر المختار: 193/5.","part":6,"page":469},{"id":4065,"text":"شرط الزرع: أن يكون معلوماً، بأن يبين ما يزرع؛ لأن حال المزروع يختلف باختلاف الزرع، بالزيادة والنقصان، فرب زرع يزيد في الأرض، وآخر ينقصها. ومقتضى الاستحسان: أن بيان ما يزرع في الأرض ليس بشرط، إذ نص على المزارعة، فإن ما يزرع مفوض للعامل.\rشرط المزروع: أن يكون قابلاً لعمل الزراعة: وهو أن يؤثر فيه العمل بالزيادة بحسب العادة.\rشروط الخارج الناتج من الزرع: تشترط شروط إذا لم تتحقق فسد العقد وهي:\r1 - أن يكون معلوماً في العقد؛ لأنه بمثابة الأجرة وجهالتها تفسد الإجارة.\r2 - أن يكون مشتركاً بين العاقدين: فلو شرط تخصصه بأحدهما فسد العقد.\r3 - أن يكون الناتج معلوم القدر كالنصف والثلث والربع ونحوه؛ لأن ترك التقدير يؤدي إلى الجهالة المفضية إلى المنازعة.\r4 - أن يكون الناتج جزءاً مشاعاً بين العاقدين، فلو شرط لأحدهما مقدار معلوم كأربعة أمداد أو بقدر البذر، لم يصح العقد، لجواز ألا ينتج إلا ذلك القدر.\rولا يصح أيضاً اشتراط كون الناتج على السواقي أو الجداول لأحدهما، لاحتمال ألا ينبت الزرع إلا في ذلك الموضع.\rولا يصح أيضاً اشتراط كون التبن لأحدهما، وللآخر الحب؛ لأن الزرع قد تصيبه آفة، فلا ينعقد الحب، ولا يخرج إلا التبن. واشترط المالكية تساوي العاقدين في قسمة الناتج، وأجاز الشافعية والحنابلة كالحنفية تفاوت العاقدين في الخارج الناتج.\rشروط الأرض المزروعة: يشترط في الأرض المزروعة ما يأتي:\r1 - أن تكون صالحة للزراعة: فلو كانت سبخة أو نزة، لا يجوز العقد؛ لأن المزارعة عقد استئجار ببعض الناتج، والسبخة والنزة لا تجوز إجارتها، فلا تجوز مزارعتها.\r2 - أن تكون معلومة: فإن كانت مجهولة لا تصح المزارعة؛ لأنها تؤدي إلى المنازعة.","part":6,"page":470},{"id":4066,"text":"3 - التخلية بين الأرض والعامل، فتسلم إلى العامل مخلاة: وهو أن يوجد من صاحب الأرض التخلية بين الأرض وبين العامل، فلو شرط العمل على رب الأرض أو عليهما معاً، لا تصح المزارعة، لانعدام التخلية.\rشرط محل العقد: أن يكون المعقود عليه في المزارعة مقصوداً بحسب العرف والشرع: أي من الأعمال الزراعية عرفاً وشرعاً، من حيث إنها إجارة أحد أمرين: إما منفعة عمل العامل: بأن كان البذر من صاحب الأرض. وإما منفعة الأرض: بأن كان البذر من العامل.\rوإذا اجتمع الأمران في الاستئجار، فسدت المزارعة، وتفسد إذا كان العمل غير زراعي كقطع الأحجار ونقلها ورصف جوانب الطرقات مثلاً بالحجارة؛ لأنها ليست من أعمال المزارعة.\rشرط آلة الزراعة: أن تكون الآلة من دابة أو آلة حديثة أمراً تابعاً في العقد، لا مقصوداً، فإن جعلت أمراً مقصوداً، فسدت المزارعة.\rشرط مدة المزارعة: أن تكون المدة معلومة، فلا تصح المز ارعة إلا بعد بيان المدة؛ لأنها استئجار ببعض الناتج، ولا تصح الإجارة مع جهالة المدة، والمدة متعارفة، فتفسد بما لا يتمكن العامل فيها، وبما لا يعيش إليها أحد العاقدين. والمفتى به أن","part":6,"page":471},{"id":4067,"text":"المزارع تصح بلا بيان مدة، وتقع على أول زرع واحد (1) .\rوفي الجملة: تصح المزارعة عند الصاحبين بشروط ثمانية:\r1 - أهلية العاقدين 2 - وتعيين مدة العقد، والمفتى به أنه لا يشترط ذلك. 3 - وصلاحية الأرض للزراعة 4 - والتخلية بين الأرض والعامل 5 - وأن يكون الناتج مشتركاً مشاعاً بين العاقدين تحقيقاً لمعنى الشركة 6 - وبيان من عليه البذر منعاً للمنازعة، وإعلاماً للمعقود عليه: وهو منافع الأرض أو منافع العامل 7- وبيان نصيب كل من العاقدين (2) سواء من قدم البذر أو من لم يقدمه 8 - وبيان جنس البِذْر ليصير الأجر معلوماً؛ لأن الأجر جزء من الناتج، فلا بد من بيانه، ليعلم أن الناتج من أي نوع؛ لأنه ربما يعطي بذاراً لا يحصل الناتج به إلا بعمل كثير. والاستحسان: أن بيان ما يزرع في الأرض ليس بشرط.\rوالخلاصة: لا يشترط تقدير المدة في المفتى به عند الحنفية وظاهر كلام أحمد، ويشترط كون المدة معلومة غير مجهولة في رأي المالكية والشافعية.\r-------------------------------\r(1) الدر المختار: 193/5.\r(2) المذكور في الهداية: بيان نصيب من لا بذر من قبله، لأنه يستحق عوضاً بالشرط، فلا بد من أن يكون معلوماً، وما لا يعلم لا يستحق شرطاً بالعقد. لكن قال قاضي زاده معلقاً عليه: لا شك أن بيان نصيب كل من المتعاقدين مما لا بد منه في عقد المزارعة، فعدُّ بيان نصيب من لا بذر من قبله، من الشرائط دون بيان نصيب الآخر، مما لا يجدي كبير طائل. فتأمل (تكملة الفتح: 34/8).","part":6,"page":472},{"id":4068,"text":"شروط المزارعة عند المالكية (1) :\rاشترط المالكية ثلاثة شروط للمزارعة:\r1 - السلامة من كراء الأرض بأجر ممنوع كراؤها به، بألا تقع الأرض أو بعضها في مقابلة بذر، أو طعام ولو لم تنبته الأرض كعسل، أو ما تنبته ولو غير طعام كقطن وكتان، إلا الخشب، أي إنه لا بد لصحة المزارعة من كرائها بذهب أو فضة أو عرض تجاري أو حيوان. ولا بد من كون البذر من صاحب الأرض والعامل معاً، فلو كان البذر من أحدهما والأرض للآخر، فسدت المزارعة.\rوسبب اشتراط هذا الشرط: ورود النهي في السنة عن كراء الأرض بما يخرج منها (2) . فلا تصح في مقابل جزء من الخارج.\r2 - تكافؤ الشريكين أو تساويهما فيما يخرجان أو يقدمان: بأن يقابل أجرَ الأرض مساوٍ غير بذر كعمل حيوان ونحوه، وعلى قدر الربح الواقع بينهما، كأن تكون أجرة الأرض مئة، وما يقابلها من تقديم حيوان وعمل سوى البذر مئة، والربح بينهما مناصفة، فتصح وإلا فسدت. ويجوز لأحدهما التبرع للآخر بالزيادة من عمل أو ربح، بعد لزوم الشركة.\r3 - تماثل البذرين المقدمين من كليهما نوعاً كقمح أو شعير أو فول. فإن اختلف بذر أحدهما عن الآخر، كأن أخرج أحدهما من البذر غير ما أخرجه الآخر، فسدت المزارعة، ولكل ما أنبته بذره.\rومذهب مالك وابن القاسم، وهو الراجح الذي به الفتوى: أنه لا يشترط -كما في شركة الأموال- خلط البذرين حقيقة ولا حكماً، بل إذا خرج كل منهما ببذره وكان بذر كل منهما مستقلاً عن الآخر، فالشركة صحيحة.\rوبه يتبين أن المالكية يشترطون تقديم البذر من كلا العاقدين، وتساويهما فيه نوعاً، وتماثلهما في الربح وفيما يقدم كل منهما من شيء عيني كالأرض، وما يقابلها من منفعة حيوان وعمل، وألا تكون المزارعة بجزء ناتج من الأرض، وإنما بعوض آخر غير محصول الأرض. ويلاحظ أن هذه الشروط شديدة لا تنطبق مع واقع المزارعة القائم.\r-------------------------------\r(1) الشرح الكبير: 372/3 وما بعدها، الشرح الصغير: 494/3 وما بعدها، القوانين الفقهية: ص280.\r(2) رواه أحمد والبخاري والنسائي من حديث رافع بن خديج (نيل الأوطار: 275/5).","part":6,"page":473},{"id":4069,"text":"أما الشافعية (1) : فلم يشترطوا في المزارعة التي تصح تبعاً للمساقاة أن يتساوى العاقدان في الجزء المشروط من الثمر والزرع، فيصح أن يشرط للعامل نصف الثمر، وربع الزرع مثلاً. كذلك حددوا محل منع كراء الأرض بما يخرج منها بما إذا كان المشروط من خصوص بقعة معينة. وقالوا: إن المزارعة: هي عمل الأرض بما يخرج منها، والبذر من المالك.\rوأما الحنابلة (2) : فأجازوا المزارعة ببعض ما يخرج من الأرض، ولم يشترطوا تساوي العاقدين في الناتج. واشترطوا كالشافعية في ظاهر المذهب كون البذر من المالك رب الأرض، وروي عن أحمد ما يدل على أن البذر يجوز أن يكون من العامل. واشترطوا بيان نصيب كل واحد من العاقدين، فإن جهل النصيب فسدت المزارعة، كما اشترطوا أيضاً معرفة جنس البذر وقدره؛ لأن المزارعة معاقدة على عمل، فلم تجز على غير معلوم الجنس والقدر، كالإجارة.\rوالخلاصة: يجوز تقديم البذر من أحد العاقدين عند الحنفية، ويشترط تقديمه من كلا العاقدين عند المالكية، ويكون البذر من صاحب الأرض والعمل من العامل في رأي الشافعية والحنابلة.\rالمبحث الثالث ـ أحوال المزارعة :\rللمزارعة عند الصاحبين أربعة أحوال، تصح في ثلاثة، وتبطل في واحد (3) .\rالأولى: أن تكون الأرض والبذر من واحد، والعمل والحيوان واسطة الزراعة من آخر: تجوز المزارعة، وصار صاحب الأرض والبذر مستأجراً للعامل، والحيوان المستخدم للحراثة تبعاً له؛ لأن الحيوان آلة العمل.\rالثانية: أن تكون الأرض لواحد، والحيوان والبذر والعمل لواحد: جازت المزارعة أيضاً، وصار العامل مستأجراً للأرض ببعض الخارج الناتج.\rالثالثة: أن تكون الأرض والحيوان والبذر لواحد، والعمل لواحد: جازت أيضاً، وصار رب الأرض مستأجراً للعامل ببعض الخارج (4) .\r-------------------------------\r(1) مغني المحتاج: 323/2-325.\r(2) المغني: 382/5، 388، 392، كشاف القناع: 533/3.\r(3) البدائع: 179/6 ومابعدها، تكملة الفتح: 35/8 وما بعدها، تبيين الحقائق: 281/5 ومابعدها، الدر المختار: 195/5 وما بعدها، اللباب شرح الكتاب: 229/2 وما بعدها.\r(4) قد نظم بعضهم الصور الثلاث الجائزة في بيت، فقال:\rأرض وبذر، كذا أرض، كذا عمل.....من واحد ،ذي ثلاث كلها قبلت","part":6,"page":474},{"id":4070,"text":"الرابعة: إذا كانت الأرض والحيوان لواحد، والبذر والعمل لآخر: فهي فاسدة، في ظاهر الرواية، لأنه لو قدر العقد إجارة للأرض، فاشتراط الحيوان على صاحبها، مفسد للإجارة؛ إذ لا يمكن جعل الحيوان تبعاً للأرض، لاختلاف\rالمنفعة، أي إن منفعة الحيوان ليست من جنس منفعة الأرض؛ لأن الأرض للنماء والإنبات، والحيوان للعمل وشق الأرض.\rولوقدر العقد إجارة للعامل، فاشتراط البذر عليه مفسد؛ لأنه ليس تبعاً له.\rوعليه تفسد المزارعة إذا اشترطت الآلة أو الحيوان أو العمل على صاحب الأرض، كما تفسد إذا اشترط الخارج كله لأحد العاقدين، أو اشترط الحصاد والدياس أو الحمل والحفظ على العامل المزارع؛ لأنه لا يتعلق به صلاح الزرع.\rالمبحث الرابع ـ حكم المزارعة الصحيحة والفاسدة :\rأولاً ـ حكم المزارعة الصحيحة عند الحنفية: للمزارعة الصحيحة عند الحنفية (1) أحكام هي ما يأتي:\r1 - كل ما كان من عمل المزارعة مما يحتاج الزرع إليه لإصلاحه، كنفقة البذر ومؤنة الحفظ، فعلى المزارع، لأن العقد تناوله.\r2 - كل ما كان نفقة على الزرع، كالسماد وقلع الأعشاب والحصاد والدياس، فعلى العاقدين على قدر نصيبهما من الناتج.\rوقال المالكية: على العامل بعد الحرث والزرع ما يحتاج الزرع إليه من خدمة وسقي وتنقية وحصاد ونقله إلى الأندر (البيدر) ودراسته فيه، وتصفيته إلى أن يصير حباً مصفى، فيقسمانه على الكيل (2) .\r-------------------------------\r(1) البدائع: 181/6 وما بعدها، تكملة الفتح: 39/8، تبيين الحقائق: 282/5، الكتاب مع اللباب: 231/2 وما بعدها، الدر المختار: 199/5.\r(2) التاج والإكليل: 177/3.","part":6,"page":475},{"id":4071,"text":"3 - الناتج من الأرض يقسم بين العاقدين بحسب الشرط المتفق عليه، لقوله صلّى الله عليه وسلم : «المسلمون عند شروطهم» (1) . فإن لم تخرج الأرض شيئاً، فلا شيء لواحد من العاقدين على الآخر، أما إنه لا شيء للعامل، فلأنه مستأجر ببعض الخارج الناتج، ولم يوجد. هذا بخلاف المزارعة الفاسدة: يجب للعامل أجر المثل إن لم تخرج الأرض شيئاً. والفرق أن الواجب في العقد الصحيح هو المسمى وهو بعض الخارج، فإذا لم يوجد لم يجب شيء. وأما الواجب في المزارعة الفاسدة فهو أجر مثل العمل في الذمة لا في الخارج، فعدم الخارج لا يمنع وجوبه في الذمة.\r4 - عقد المزارعة كما تقدم في صفته غير لازم عند الحنابلة، ويلزم بالبذر عند المالكية، وقال الحنفية: هو عقد غير لازم في جانب صاحب البذر لازم في جانب العاقد الآخر. ولا يجوز له فسخ المزارعة إلا بعذر كما سيأتي. فإذا امتنع صاحب البذر من العمل، لم يجبر عليه. وإن امتنع الذي ليس من قبله البذر، أجبره الحاكم على العمل؛ لأنه لا يلحقه بالعقد ضرر، والعقد لازم بمنزلة الإجارة إلا إذا كان هناك عذر تفسخ به الإجارة، فتفسخ به المزارعة. وسبب التفرقة بين العاقدين: أن صاحب البذر لا يمكنه تنفيذ العقد إلا بإتلاف ملكه وهو البذر، في التراب، فلا يكون الشروع فيه ملزماً في حقه، إذ لا يجبر الإنسان على إتلاف ملكه، أما العاقد الآخر فليس من قبله إتلاف ملكه، فكان الشروع في حقه ملزماً.\r5 - الكراب (الحراثة) والسقي: إن تم الإتفاق عليه أو الاشتراط يجب الوفاء به على من شرط عليه. وإن لم يتفق عليه يجبر عليه العاقد بحسب الزراعة المعتادة. فإن كانت الأرض تسقى بماء السماء لا يجبر أحد على السقي، وإلا فعلى\r-------------------------------\r(1) رواه الحاكم عن أنس وعائشة، وهو حديث صحيح. ورواه أبو داود والحاكم عن أبي هريرة بلفظ: «المسلمون على شروطهم» وأخرجه الترمذي وابن ماجه من حديث عمرو بن عوف باللفظ الأخير (نصب الراية: 112/4، الجامع الصغير).","part":6,"page":476},{"id":4072,"text":"النحو المعتاد. فإذا قصر المزارع في عقد المزارعة الصحيحة في سقي الأرض حتى هلك الزرع بهذا السبب يضمن لوجوب العمل عليه فيها، ويضمن ضمان الأمانات بالتقصير؛ لأن الأرض في يده أمانة. ولا يضمن في المزارعة الفاسدة.\r6 - تجوز الزيادة على الشرط المذكور من الخارج الناتج، والحط عنه، والقاعدة فيه: هي أنه كلما احتمل إنشاء العقد عليه، احتمل الزيادة، وما لا فلا، والحط جائز في الحالتين جميعاً، كالزيادة في الثمن في عقد البيع.\rفلو زاد العامل المزارع في حصة صاحب الأرض بعد الحصاد، وكان البذر منه أي من العامل، لم يجز؛ لأن الزيادة على الأجرة تمت بعد انتهاء عمل المزارعة واستيفاء المعقود عليه وهو المنفعة، وهو لا يجوز،إذ لو أنشأ العقد بعد الحصاد، لايجوز، فلا تجوز الزيادة.\rوإن كانت الزيادة للمزارع في هذه الحالة من صاحب الأرض، جازت؛ لأنها حط من الأجرة المستحقة له، وهو لا يتطلب قيام المعقود عليه.\rفإن كان البذر من صاحب الأرض، فزاد في حصة المزارع بعد الحصاد، فالحكم أنه لا تجوز الزيادة من المالك؛ لأنها تمت بعد استيفاء المعقود عليه، وتجوز الزيادة من المزارع؛ لأنها حط من الأجرة المستحقة له.\rأما إن حدثت الزيادة من كل واحد من العاقدين، قبل الحصاد، فيجوز.\r7 - لو مات أحد المتعاقدين قبل إدراك الزرع، ترك إلى الإدراك، ولا شيء على المزارع لبقاء عقد الإجارة ههنا ببقاء المدة.","part":6,"page":477},{"id":4073,"text":"والخلاصة: يلتزم صاحب الأرض بالتزامين: تسليم الأرض مع حقوقها الارتفاقية، وإصلاح الأدوات الزراعية، ويلتزم العامل المزارع بالتزامين آخرين في مواجهة التزامي المالك، وهما العناية بالزراعة وتحمل نفقاتها المعتادة وأعمالها المعروفة، من حراثة وعزق وسقي ونحو ذلك، والمحافظة على الأرض، وصيانة الزرع.\rحكم المزارعة عند الشافعية: عرفنا أنه لا تجوز المزارعة (البذر من المالك) عند الشافعية إلا تبعاً للمساقاة. ولا يجوز أن يخابر الشخص (البذر من العامل) تبعاً للمساقاة.\rفإن أفردت أرض بالمزارعة، فالغلة للمالك، لأنها نماء ملكه، وعليه للعامل أجرة مثل عمله ودوابه وآلاته.\rوطريق جعل الغلة للطرفين العاقدين، ولا أجرة لأحدهما على الآخر، يحصل بصورتين إذا كان البذر من المالك:\rإحداهما: أن يستأجر المالك العامل بنصف البذر شائعاً كنصفه أو ربعه مثلاً، أي استئجاراً على الشيوع ليزرع له النصف الآخر في الأرض، ويعيره في الوقت نفسه نصف الأرض شائعاً، فيقوم العامل بالعمل في الأرض، ويقسم الحاصل أو الناتج بينهما بنسبة ما ملك كل منهما من البذر. وهذه إجارة وإعارة.\rالثانية: أن يستأجر المالك العامل بنصف البذر شائعاً، ونصف منفعة الأرض شائعاً أيضاً، ليزرع له النصف الآخر من البذر، في النصف الآخر من الأرض.\rفيكون الطرفان شريكين في الزرع على المناصفة، ولا أجرة لأحدهما على الآخر؛ لأن العامل يستحق في منفعة الأرض بقدر نصيبه من الزرع، والمالك يستحق من منفعة الأرض بقدر نصيبه من الزرع (1) . وهذه إجارة.\rفإن كان البذر من العامل: استأجر من المالك جزءاً شائعاً معيناً من الأرض كالنصف بنصف شائع من البذر وبعمله في النصف الآخر منها، أو يستأجر نصف الأرض بنصف البذر، ويتبرع بالعمل في النصف الآخر. فيملك كل منهما من الغلة بنسبة ما ملك من البذر ومنفعة الأرض.\r-------------------------------\r(1) مغني المحتاج: 325/2.","part":6,"page":478},{"id":4074,"text":"ثانياً ـ حكم المزارعة الفاسدة عند الحنفية: للمزارعة الفاسدة أيضاً أحكام (1) .\r1 - لا يجب على المزارع شيء من أعمال المزارعة؛ لأن إيجابه بالعقد، وهو لم يصح.\r2 - الخارج الناتج كله لصاحب البذر، سواء أكان رب الأرض أم المزارع؛ لأن الخارج استحقه بسبب كونه نماء ملكه، لا بالشرط. ويتفق المالكية والحنابلة (2) مع الحنفية في هذا الحكم، وهو أن العقد إذا فسد لزم كون الزرع لصاحب البذر.\r3 - إذا كان البذر من صاحب الأرض، استحق المزارع بسبب فساد المزارعة أجر مثل عمله. وإذا كان البذر من العامل، كان عليه لصاحب الأرض أجر مثل أرضه؛ لأن العقد في الحالتين يكون استئجاراً.\rوفي الحالة الأولى يطيب الخارج كله لصاحب الأرض؛ لأنه نماء ملكه، وهو البذر في ملكه وهو الأرض. وفي الحالة الثانية: لا يطيب كل الخارج للمز ارع، وإنما يأخذ منه قدر بذره وقدر أجر مثل الأرض، ويتصدق بالفضل الزائد.\r4 - يجب أجر المثل في المزارعة الفاسدة، وإن لم تخرج الأرض شيئاً، بعد أن استعملها المزارع؛ لأن المزارعة عقد إجارة، والأجرة في الإجارة الفاسدة لاتجب إلا بحقيقة الاستعمال، أما في المزارعة الصحيحة فلا يجب شيء على أحدهما إذا لم تخرج الأرض شيئاً. وقد بينت الفرق في أحكام المزارعة الصحيحة رقم ( 3) .\r5 - يجب أجر المثل في المزارعة الفاسدة مقدراً بالمسمى عند أبي حنيفة وأبي يوسف، عملاً برضا الطرفين ورعاية للجانبين بالقدر الممكن، وقد رضي العامل سلفاً بسقوط الزيادة.\rوعند محمد: يجب أجر المثل تاماً مهما بلغ، إذ هو قدر قيمة المنافع المستوفاة، وقد استوفى منافعه بعقد فاسد، فيجب عليه قيمتها، إذ لا مثل لها.\r-------------------------------\r(1) البدائع: 182/6 وما بعدها، تكملة الفتح: 39/8 وما بعدها، تبيين الحقائق: 282/5، الدر المختار: 196/5، الكتاب مع اللباب: 231/2.\r(2) الشرح الصغير: 498/3، المغني: 392/5.","part":6,"page":479},{"id":4075,"text":"حكم المزارعة الفاسدة عند المالكية: إذا وقع عقد المزارعة فاسداً، وعرف فساده قبل الشروع في العمل، وجب فسخه، فإن عرف بعد الشروع فيه، فلا يفسخ، ويكون الزرع بين الشريكين بحسب ما لكل من الأرض والعمل والبذر، إلا أن ينفرد أحدهما باثنين منها، فله جميع الزرع، وللآخر أجرة ما انفرد به إن كان أرضاً أو عملاً،ومثله إن كان بذراً (1) .\rالمبحث الخامس ـ انتهاء المزارعة وحالات فسخها :\rقد تنقضي المزارعة بتحقق المقصود منها، وقد تنتهي بإنهائها قبل تحقق المقصود منها، وذلك في الأحوال التالية عند الحنفية:\r1 - انقضاء مدة المزارعة: تنتهي المزارعة بانقضاء مدة العقد، فإذا انقضت المدة، فقد انتهى العقد، وهو معنى انفساخ العقد (2) .\rلكن إذا انتهت المدة، وأدرك الزرع، وقسم المتعاقدان الناتج بحسب الاتفاق أو الاشتراط بينهما، لم يحدث إشكال، وينتهي العقد حينئذ.\rأما إذا انتهت المدة المقررة في العقد أو انقضت مدة المزارعة، والزرع لم يدرك بعد، استمر المزارع في عمله، حتى يدرك الزرع ويستحصد، رعاية لمصلحة الجانبين، بقدر الإمكان، كما في الإجارة.\rوعلى العامل في هذه الحالة أجر مثل نصيبه من الأرض، إلى أن يستحصد الزرع، كما في الإجارة، لأنه استوفى منفعة بعض الأرض لتربية حصته فيها إلى وقت الحصاد.\rوتكون نفقة الزرع ومؤنة الحفظ وكري الأنهار حينئذ، على المتعاقدين بمقدار حصصهما، لانتهاء العقد بانقضاء المدة، وكانت هذه الأمور على العامل أثناء بقاء مدة العقد، فإذا انتهى العقد ، وجبت هذه النفقات عليهما؛ لأن الزرع مال مشترك بينهما.\r-------------------------------\r(1) شرح مجموع الأمير: 178/2، التقنين المالكي (م 464) القوانين الفقهية: ص 281.\r(2) البدائع: 184/6، تكملة الفتح: 43/8، الكتاب مع اللباب: 232/2، الدر المختار ورد المحتار: 197/5.","part":6,"page":480},{"id":4076,"text":"وهذا بخلاف ما لو مات أحد العاقدين قبل إدراك الزرع، يترك الزرع في مكانه إلى أن يدرك ويكون العمل ونفقاته على العامل؛ لأن الحنفية قرروا حينئذ بقاء عقد الإجارة استحساناً، لبقاء مدة الإجارة، فيستمر العامل أو وارثه على ما كان عليه من العمل. أما في حال انقضاء المدة فلا يمكن إبقاء العقد لانقضاء المدة.\r2 - موت أحد العاقدين: تنتهى المزارعة أو تنفسخ بموت أحد العاقدين (1) ، كما تنفسخ الإجارة به، سواء حدث الموت قبل الزراعة أم بعدها، وسواء أدرك الزرع أم لم يدرك بأن كان بقلاً أي طرياً. وهذا رأي الحنفية والحنابلة، وقال المالكية والشافعية: لا تنقضي المزارعة كالإجارة بموت أحد العاقدين.\rلكن لو مات رب الأرض، والزرع لم يدرك، فإن العامل أو وارثه يظل ملزماً بالعمل؛ لأن العقد يوجب على العامل عملاً يحتاج إليه الزرع إلى انتهاء أو نضوج الزرع، ويبقى العقد كما تقدم للضرورة استحساناً لانتهاء الزرع إذا مات أحد العاقدين،وقد نبت الزرع، ويبقى الزرع إلى الحصاد، ولا يلزم العامل بأجر للأرض، ثم ينتقض العقد فيما بقي من السنين في مدة العقد، لعدم الضرورة؛ لأن في بقاء العقد حتى يستحصد الزرع مراعاة لمصلحة طرفي العقد، فيعمل العامل أو ورثته على النحو المتفق عليه.\r3 - فسخ العقد بالعذر :\rإذا حدث فسخ العقد قبل اللزوم، انتهت المزارعة. ومن المقرر عند الحنفية: أن الملتزم بالبذر لا يلتزم بالمزارعة بمجرد العقد. وعند المالكية: لا تلزم المزارعة إلا بشروع العامل في العمل، فما لم يشرع في عمل المزارعة، له فسخ العقد.\rويجوز عند الحنفية فسخ المزارعة بعد لزومها لعذر من الأعذار، سواء من قبل صاحب الأرض، أم من قبل العامل، ومن الأعذار ما يأتي (2) :\r-------------------------------\r(1) البدائع: 184/6 وما بعدها، تكملة الفتح: 42/8، الكتاب: 232/2، الدر المختار ورد المحتار: 198/5، تبيين الحقائق: 282/5، المغني والشرح الكبير: 568/5، 572.\r(2) البدائع: 183/6 وما بعدها، تكملة الفتح والعناية: 42/8، الدر المختار ورد المحتار: 196/5 وما بعدها، تبيين الحقائق: 282/5، الكتاب مع اللباب: 232/2.","part":6,"page":481},{"id":4077,"text":"1) ـ لحوق دين فادح لصاحب الأرض، فيحتاج لبيع الأرض التي تم الاتفاق على مزارعتها، ولا مال له سواها، فيجوز بيعها بسبب هذا الدين الفادح، ويفسخ العقد بهذا العذر، كما في عقد الإجارة؛ لأنه لا يمكن المضي في العقد إلا بضرر يلحقه، فلا يلزمه تحمل الضرر، فيبيع القاضي الأرض بدين صاحبها أولاً، ثم يفسخ المزارعة. ولا تنفسخ بنفس العذر.\rهذا.. إن أمكن الفسخ بأن كان قبل الزراعة، أو بعدها إذا أدرك الزرع، وبلغ مبلغ الحصاد. فإن لم يمكن الفسخ، بأن كان الزرع لم يدرك، ولم يبلغ مبلغ الحصاد، لا تباع الأرض في الدين، ولا يفسخ إلى أن يدرك الزرع؛ لأن في البيع إبطال حق العامل، وفي الانتظار إلى وقت إدراك الزرع تأخير حق صاحب الدين، فيؤخر البيع، رعاية لمصلحة الجانبين، لأنه الطريق الأولى.\rثم هناك عند الحنفية ـ من أجل التعويض على العامل قضاءً ـ صور ثلاث للفسخ بعد عقد المزارعة وعمل العامل:\rالأولى ـ إذا فسخ العقد، بعدما كَرَب (حرث) المزارع الأرض، وحفر الأنهار، فليس للعامل شيء مقابل عمله؛ لأن أعماله منافع لا تتقوم على صاحب الأرض إلا بالعقد، والعقد إنما قوم بالخارج الناتج، ولم يخرج، لكن يجب استرضاء العامل ديانة فيما بينه وبين الله تعالى.\rالثانية ـ إذا كان الزرع قد نبت، ولم يستحصد بعد، لم تبع الأرض بالدين، حتى يحصد الزرع؛ لأن في البيع إبطال حق المزارع، وتأخير تسديد الدين أهون من الإبطال، فيؤخر كما تقدم.","part":6,"page":482},{"id":4078,"text":"الثالثة ـ إذا أريد فسخ عقد المزارعة، بعد ما زرع العامل الأرض، إلا أنه لم ينبت الزرع، حتى لحق صاحب الأرض دين فادح، فهل له أن يبيع الأرض؟ فيه اختلاف عند مشايخ الحنفية: قال بعضهم: له البيع، لأنه ليس لصاحب البذر في الأرض عين مال قائم، لأن البذر استهلاك والمستهلك ليس بمال، فتباع الأرض في الحال. وقال بعضهم: ليس له البيع، لأن البذر استنماء مال، وليس باستهلاك، فكان للمزارع عين مال قائم، فلا تباع الأرض حتى الحصاد، كما لا تباع بعد نبات الزرع، ولعل هذا اختيار صاحب الهداية.\r2) ـ طروء أعذار للمزارع، مثل المرض؛ لأنه معجز عن العمل، والسفر، لأنه يحتاج إليه، وترك حرفة إلى حرفة، طلباً للكسب الذي يوفر المعيشة، والمانع الذي يمنع من العمل كالتطوع للجهاد في سبيل الله ، كما في الإجارة، والخيانة بالسرقة ونحوها.\rوهل يحتاج الفسخ لقضاء القاضي، أو أنه يصح بالتراضي؟ هناك روايتان عند الحنفية: في رواية: لا بد لصحة الفسخ من القضاء أو الرضا، لأن المزارعة كالإجارة، ولا بد فيها لصحة الفسخ من القضاء أو الرضا. والرواية الراجحة: يجوز فسخ المزارعة، ولو بلا قضاء ورضا.","part":6,"page":483},{"id":4079,"text":"العقد الثاني ـ المساقاة أو المعاملة :\rتعريفها ومشروعيتها وركنها، وموردها، والفرق بينها وبين المزارعة، وشرائطها، وحكم المساقاة الصحيحة والفاسدة، وانتهاء المساقاة.\rالمبحث الأول ـ تعريف المساقاة ومشروعيتها وركنها وموردها، والفرق بينها وبين المزارعة : أولاً ـ تعريف المساقاة :\rالمساقاة لغة: مفاعلة من السقي. وتسمى عند أهل المدينة المعاملة: مفاعلة من العمل. ويفضل اسم المساقاة لما فيها من السقي غالباً. وشرعاً: هي معاقدة دفع الأشجار إلى من يعمل فيها على أن الثمرة بينهما. أو هي عبارة عن العقد على العمل ببعض الخارج. وبعبارة أخرى: هي دفع الشجر إلى من يصلحه بجزء معلوم من ثمره. وهي عند الشافعية: أن يعامل غيره على نخل أو شجر عنب فقط، ليتعهده بالسقي والتربية على أن الثمرة لهما (1) .\rثانياً ـ مشروعيتها: المساقاة عند الحنفية كالمزارعة حكماً وخلافاً وشروطاً ممكنة فيها، فلا تجوز عند أبي حنيفة وزفر، فالمساقاة بجزء من الثمر باطلة عندهما، لأنها استئجار ببعض الخارج، وهو منهي عنه. قال عليه الصلاة والسلام: «من كانت له أرض، فليزرعها، ولا يكريها بثلث ولا بربع ولا بطعام مسمى» (2) .\rوقال الصاحبان وجمهور العلماء (منهم مالك والشافعي وأحمد): تجوز المساقاة بشروط، استدلالاً بمعاملة النبي صلّى الله عليه وسلم أهل خيبر، روي عن ابن عمر: «أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم عامل أهل خيبر بشطر ما يخرج من ثمر أو زرع» رواه الجماعة، ولحاجة الناس إليها؛ لأن مالك الأشجار قد لا يحسن تعهدها، أو لا يتفرغ له، ومن يحسن ويتفرغ قد لا يملك الأشجار، فيحتاج الأول للعامل، ويحتاج العامل للعمل.\rوالفتوى عند الحنفية على قول الصاحبين، لعمل النبي صلّى الله عليه وسلم وأزواجه والخلفاء\r-------------------------------\r(1) تبيين الحقائق: 284/5، البدائع: 185/6، الدر المختار: 200/5، اللباب: 233/2، القوانين الفقهية: ص 279، مغني المحتاج: 322/2، كشاف القناع: 523/3.\r(2) متفق عليه من حديث رافع بن خديج لكنه حديث مضطرب جداً (المغني: 383/5، 385).","part":6,"page":484},{"id":4080,"text":"الراشدين وأهل المدينة، وإجماع الصحابة على إباحة المساقاة (1) . قال ابن جُزَي المالكي: وهي جائزة مستثناة من أصلين ممنوعين، وهما الإجارة المجهولة، وبيع ما لم يخلق (2) .\rثالثاً ـ ركنها: ركن المساقاة عند الحنفية: الإيجاب والقبول، كالمزارعة. الإيجاب من صاحب الشجر، والقبول من العامل أو المزارع. والمعقود عليه: هو عمل العامل فقط دون تردد، بخلاف المزارعة. وتلزم عند المالكية باللفظ لا بالعمل. وذكر الحنابلة أنها كالمزارعة لا تفتقر إلى القبول لفظاً، بل يكفي الشروع في العمل قبولاً، كالوكيل. وقال الشافعية: يشترط فيها القبول لفظاً دون تفصيل الأعمال، ويحمل المطلق في كل ناحية على العرف الغالب (3) .\rوهي عند الجمهور غير الحنابلة من العقود اللازمة، فليس لأحد العاقدين فسخها بعد العقد، دون الآخر، ما لم يتراضيا عليه (4) .\rرابعاً ـ موردها: مورد المساقاة عند الحنفية (5) : الشجر المثمر، فتصح المساقاة في النخل والشجر والكرم والرطاب (الفصة أو البرسيم) وأصول الباذنجان؛ لأن الجواز للحاجة وهي تعم الجميع، وأجاز متأخرو الحنفية المعاملة على الشجر غير المثمر، كشجر الحور والصفصاف، والشجر المتخذ للحطب، لاحتياجه إلى السقي والحفظ، فلو لم يحتج لا تجوز المساقاة.\r-------------------------------\r(1) المغني: 384/5، تكملة الفتح: 45/8 وما بعدها، مغني المحتاج: 322/2 وما بعدها.\r(2) القوانين الفقهية: ص 279، بداية المجتهد: 242/2.\r(3) البدائع: 185/6، كشاف القناع: 528/3، بداية المجتهد: 247/1، الشرح الصغير: 712/3، مغني المحتاج: /328.\r(4) الشرح الصغير: وحاشية الصاوي عليه: 713/3، تبيين الحقائق: 284/5، مغني المحتاج: 328/2، المغني: 372/5 وما بعدها.\r(5) البدائع: 186/6، تكملة الفتح: 47/8، الدر المختار ورد المحتار: 200/5 وما بعدها، تبيين الحقائق: 284/5، اللباب: 234/2.","part":6,"page":485},{"id":4081,"text":"ومورد المساقاة عند المالكية (1) : على الزروع كالحمص والفاصولياء، وعلى الأشجار المثمرة ذات الأصول الثابتة، مثل كرم العنب والنخيل والتفاح والرمان ونحوها بشرطين:أحدهما ـ أن تعقد المساقاة قبل بدو صلاح الثمرة، وجواز بيعها، وبشرط ألا يخلف، فإن كان يخلف كالموز والتين، فلا تصح فيه مساقاة إلا تبعاً لغيره.\rالثاني ـ أن تعقد إلى أجل معلوم، ولو لسنين، وتكره فيما طال من السنين. ولا تجوز المساقاة لمدة من السنين كثيرة جداً، وهي المدة التي تتغير فيها الأصول عادة بحسب اختلاف الأشجار والأمكنة، لما في ذلك من الضرر قياساً على الإجارة، كما لا تجوز إذا اختلف الجزء المساقى به المجعول للعامل في السنين، بأن كان في سنة يخالف غيره في أخرى.\rويشترط لصحتها عند ابن القاسم أن تكون بلفظ المساقاة، ولا تنعقد بلفظ الإجارة، وتجوز عنده فيما ليس له أصل ثابت كالمقاثي من نحو قثاء وبطيخ، والزرع، بأربعة شروط: (الشرطان المذكوران) .\rوالثالث ـ أن تعقد بعد ظهوره من الأرض.\rوالرابع ـ أن يعجز عنه صاحبه.\rويشترط في الجزء المساقى به من الثمر: شيوعه في ثمر البستان، فلا يصح بشجر معين ولا بكيل، كما يشترط علمه كربع أو ثلث أو أقل أو أكثر.\rوالمساقاة عند الحنابلة (2) : ترد على الأشجار المثمرة المأكولة فقط، فلا تصح في الشجر غير المثمر، كالصفصاف والحور والعفص ونحوه، والورد ونحوه.\r-------------------------------\r(1) القوانين الفقهية: ص 279، الشرح الصغير: 713/3-718، بداية المجتهد: 243/2-246.\r(2) كشاف القناع: 523/3.","part":6,"page":486},{"id":4082,"text":"وقال الشافعية في المذهب الجديد (1) : مورد المساقاة النخل والعنب فقط، أما النخل فلخبر الصحيحين السابق: «أنه صلّى الله عليه وسلم عامل أهل خيبر» وفي رواية: «دفع إلى يهود خيبر نخلها وأرضها بشطر ما يخرج منها من ثمر أو زرع» والعنب مثل النخل، لأنه في معناه، بجامع وجوب الزكاة فيهما. وجوزها الشافعي في المذهب القديم في سائر الأشجار المثمرة.\rخامساً ـ الفرق بين المساقاة والمزارعة :\rقال الحنفية: المساقاة كالمزارعة إلا في أربعة أمور (2) :\r1 - إذا امتنع أحد العاقدين في المساقاة عن تنفيذ العقد، يجبر عليه، إذ لا ضرر عليه في بقاء العقد، بخلاف المزارعة، فإن رب البذر إذا امتنع قبل الإلقاء، لا يجبر عليه، للضرر اللاحق به في الاستمرار، ولأن المساقاة عقد لازم عند الجمهور غير الحنابلة. وأما المزارعة فلا تلزم المتعاقدين إلا بإلقاء البذر. وقال الحنابلة (3) : الوكالة والمضاربة والمساقاة والمزارعة والوديعة والجعالة: عقود جائزة من الطرفين، لكل فسخها.\r2 - إذا انقضت مدة المساقاة تترك، أي يستمر العقد بلا أجر، ويعمل العامل بلا أجر عليه لصاحب الشجر، فللعامل البقاء في عمله إلى انتهاء الثمرة، لكن بلا أجر عليه؛ لأن الشجر لا يجوز استئجاره عند الحنفية، ولأن العمل كله على العامل. أما في المزارعة فيستمر العامل بأجر مثل نصيبه من الأرض؛ لأن الأرض يجوز استئجارها، والعمل عليها، بحسب الملك في الزرع، فيكون العمل على العامل وعلى صاحب الأرض، وإذا وجب الأجر لرب الأرض على العامل، لم يجب على العامل العمل في نصيب صاحب الأرض بعد انتهاء المدة.\r-------------------------------\r(1) مغني المحتاج: 323/2، المهذب: 390/1.\r(2) الدر المختار ورد المحتار: 201/5، تبيين الحقائق: 284/5.\r(3) غاية المنتهى لابن يوسف الحنبلي: 154/3، كشاف القناع: 528/3 وما بعدها، المغني: 372/5 وما بعدها.","part":6,"page":487},{"id":4083,"text":"3 - إذا استحق النخيل المثمر لغير رب الأرض، يرجع العامل بأجر مثله؛ لأن أجرته صارت عيناً أي تمثلت بجزء من الشجر، ومتى صارت عيناً واستحقت، رجع بقيمة المنافع. ولا يرجع بشيء إذا لم تخرج النخيل ثمراً. أما في المزارعة: لو استحقت الأرض بعد الزراعة، فيرجع العامل بقيمة حصته من الزرع نابتاً، ولو استحقت الأرض بعد العمل قبل الزراعة لا شيء للمزارع.\r4 - ليس بيان المدة في المساقاة بشرط استحساناً، اكتفاء بعلم وقتها عادة؛ لأن لإدراك الثمرة وقتاً معلوماً قلما يتفاوت، بخلاف الزرع، قد يتقدم الحصاد، وقد يتأخر بحسب التبكير أو التأخر في إلقاء البذر.\rأما في المزارعة فيشترط تعيين المدة في أصل المذهب، لكن المفتى به ـ كما تقدم ـ أنه لا يشترط.\rوتعتبر المساقاة والمزارعة عند الحنفية والشافعية إجارة ابتداء، شركة انتهاء. وألحق الحنابلة المساقاة بالمضاربة (1) .\rالمبحث الثاني ـ شروط المساقاة :\rيشترط في المساقاة ما يمكن من شروط المزارعة، فلا يشترط في المساقاة بيان جنس البذر، وبيان صاحبه، وصلاحية الأرض للزراعة، وبيان المدة.\rوبقي من شروط المزارعة الثمانية الممكنة في المساقاة: أهلية العاقدين، وبيان حصة العامل، والتخلية بينه وبين الأشجار، والشركة في الخارج الناتج ، ويدخل في الأخير: كون الجزء المشروط للعامل جزءاً مشاعاً (2) .\rويمكن توضيح شروط المساقاة فيما يأتي (3) :\r1 - أهلية العاقدين: بأن يكونا عاقلين، فلا يجوز عقد من لا يعقل، وهو غير المميز. أما البلوغ فليس بشرط عند الحنفية، وشرط عند بقية الأئمة.\r2 - محل العقد: أن يكون من الشجر الذي فيه ثمرة. وقد بينت في بحث مورد المساقاة الخلاف فيه. وأن يكون محل العمل وهو الشجر معلوماً.\r3 - التسليم إلى العامل: وهو التخلية بين العامل وبين الشجر المعقود عليه. فلو شرط العمل على العاقدين، فسدت المساقاة، لعدم التخلية.\r-------------------------------\r(1) كشاف القناع: 529/3.\r(2) رد المحتار: 201/5.\r(3) البدائع: 185/6 ومابعدها، تكملة الفتح: 47/8، تبيين الحقائق: 284/5.","part":6,"page":488},{"id":4084,"text":"4 - أن يكون الناتج شركة بين الاثنين، وأن تكون حصة كل واحد منهما جزءاً مشاعاً معلوم القدر، فلو شرط أن يكون الناتج لأحدهما فسدت المساقاة،ولو شرط جزء معين لأحدهما، أو جهل مقدار الحصص فسدت المساقاة أيضاً.\rولا يشترط عند الحنفية بيان مدة المساقاة استحساناً، عملاً بالمتعارف المتعامل به، وتقع المساقاة على أول ثمر يخرج في أول السنة. وفي الرِّطاب (الفصة أو البرسيم) عند الحنفية تقع المساقاة على الجزة الأولى، كما في الشجرة المثمرة، فإن لم يخرج في تلك السنة ثمرة، فسدت المساقاة.\rولو ذكرت مدة لا تخرج الثمرة فيها عادة، فسدت المساقاة أيضاً، لفوات\rالمقصود منها وهو الشركة في الثمار، أما إن كان العقد صحيحاً، ولم تثمر الشجرة أصلاً في المدة المتفق عليها، فلا شيء لأحد العاقدين على صاحبه، ويبقى العقد صحيحاً.\rولو ذكرت مدة يحتمل فيها بلوغ الثمرة وعدمه، صح العقد، لعدم التيقن بفوات المقصود. فلو ظهرت الثمرة في الوقت المتفق عليه، قسمت بحسب الشرط المتفق عليه في العقد، وإن لم تظهر في الوقت المسمى، فسدت المساقاة، وللعامل أجر المثل لفساد العقد؛ لأنه تبين الخطأ في المدة المسماة.\rأما شروط المساقاة عند المالكية فقد ذكرت في بحث مورد المساقاة المتقدم، والمفهوم منها أنه يشترط عندهم كون المساقاة لمدة معلومة كالإجارة.\rأركان المساقاة عند الجمهور :\rذكر الشافعية ومثلهم الحنابلة والمالكية للمساقاة أركاناً خمسة: وهي العاقدان ومورد العمل، والثمار، والعمل، والصيغة (1) .\r-------------------------------\r(1) مغني المحتاج: 323/2-328، المهذب: 390/1-392، كشاف القناع: 523/3-529، غاية المنتهى: 183/2-185، المغني: 368/5، 372 ومابعدها، 375، 380.","part":6,"page":489},{"id":4085,"text":"أما الركن الأول (العاقدان ) : فيصح من جائز التصرف لنفسه (عاقل بالغ) ؛ لأن المساقاة عقد معاوضة أو معاملة على مال، كالمضاربة، فيطلب فيها الأهلية كالبيع. ويمارس الولي عن الصبي والمجنون والسفيه هذا العقد، بالولاية عليهم، عند المصلحة، للاحتياج إليه.\rوالركن الثاني ـ مورد المساقاة: أي ما ترد صيغة عقد المساقاة عليه. هو عند الشافعية: النخل والعنب، وعند الحنابلة: ما له ثمر مأكول من الشجر، المغروس\rالمعلوم بالمشاهدة لمن يعمل عليه، ويقوم بمصلحته بجزء مشاع معلوم من ثمرته، كما تبين في بحث موردها. ولا تجوز المساقاة إلا على شجر معلوم، فإن كان مجهولاً، لم يصح العقد.\rوالركن الثالث ـ وهو الثمار: يشترط فيه تخصيص الثمر بالعاقدين (المالك والعامل)، فلا يجوز شرط بعضه لغيرهما. ويشترط اشتراكهما فيه، فلا يجوز شرط كل الثمرة لأحدهما، ويشترط العلم بالنصيبين (الحصص) بالجزئية، وإن قل، أي كون الحصة مشاعة كالمضاربة.\rوالأظهر عند الشافعية، وهو مذهب الحنابلة: صحة المساقاة بعد ظهور الثمر، لكن قبل بدو الصلاح، فإن ساقاه على صغار النخل مثلاً ليغرسها، ويكون الشجر لهما، لم يجز، إذ لم ترد المساقاة إلا على أصل ثابت، ولأن الغرس ليس من أعمال المساقاة.\rفلو كان الشجر مغروساً، وشرط المالك للعامل جزءاً من الثمر على العمل، فإن قدر له مدة يثمر فيها غالباً كخمس سنين، صح العقد، ولايضر كون أكثر المدة لا ثمر فيها، كما لو ساقاه خمس سنين، والثمرة يغلب وجودها في الخامسة خاصة. فإن لم يثمر الشجر في تلك المدة، لم يستحق العامل شيئاً، كما لو ساقاه على أشجار النخيل المثمرة، فلم تثمر.","part":6,"page":490},{"id":4086,"text":"وإن قدر مدة لا يثمر فيه الشجر غالباً لم تصح المساقاة لخلوها عن العوض، كالمساقاة على شجر لا يثمر. وهذا باتفاق المذاهب.\rوالركن الرابع ـ العمل: يشترط فيه أن ينفرد العامل بالعمل، وباليد أي التخلية والتسليم للعامل، ليتمكن العامل من العمل متى شاء، فلو شرط عمل المالك مع العامل، أو كون البستان في يد المالك أو في يدهما معاً، لم يصح العقد، وفسدت المساقاة. ويشترط ألا يشرط على العامل ما ليس من جنس أعمال المساقاة التي اعتادها الناس، كحفر بئر مثلاً، فإن شرطه، لم يصح العقد؛ لأنه استئجار بعوض مجهول، واشتراط عقد في عقد.\rويشترط أيضاً عند الشافعية معرفة العمل بتقدير المدة كسنة أو أكثر، وأقلها مدة تبقى فيها الأشجار غالباً للاستغلال، فلا تصح على مدة مطلقة ولا مؤبدة ولا مدة لا يثمر فيها الشجر غالباً؛ لأن المساقاة عند الشافعية عقد لازم، فيطلب فيها تحديد المدة كالإجارة. فإن كانت المدة لا يثمر فيها الشجر غالباً لم تصح لخلوها عن العوض، كالمساقاة على شجرة لا تثمر. ولا يجوز في الأصح التوقيت بإدراك الثمر، لجهالته بالتقدم تارة، والتأخر أخرى.\rولا يطلب عند الحنابلة تحديد مدة في المساقاة والمزارعة، لأنه صلّى الله عليه وسلم لم يحدد لأهل خيبر مدة، ومشى خلفاؤه على منهجه من بعده، ولأن المساقاة ومثلها المزارعة عندهم عقد جائز غير لازم كما تقدم، فلكل واحد من العاقدين فسخها متى شاء. واختار ابن قدامة الحنبلي أن المساقاة عقد لازم، فوجب تقديره بمدة كالإجارة. ولا يقدر أكثر المدة، بل يجوز ما يتفقان عليه من المدة التي يبقى الشجر فيها، وإن طالت، وأقل المدة: ما تكمل الثمرة فيها فلا يجوز على أقل منها؛ لأن المقصود الاشتراك في الثمرة، ولا توجد في أقل من هذه المدة.","part":6,"page":491},{"id":4087,"text":"والركن الخامس ـ الصيغة: مثل ساقيتك على هذا النخل بثلث أو ربع ثمره، أو سلمته إليك لتتعهده، أو اعمل في نخيلي أو تعهد نخيلي بكذا من ثمره. ولو ساقاه عند الشافعية بلفظ الإجارة لم يصح في الأصح؛ لأن لفظ الإجارة صريح في عقد آخر. وتصح عند الحنابلة بلفظ المساقاة والمعاملة والمفالحة، وبلفظ الإجارة، كما تصح المزارعة بلفظ الإجارة، أي بإجارة أرض بجزء شائع معلوم، مما يخرج منها، لأن القصد المعنى، فإذا أتى به بأي لفظ دل عليه، صح العقد، كالبيع. وتصح أيضاً بالمعاطاة.\rويشترط عند الشافعية القبول لفظاً من الناطق، للزومها كإجارة وغيرها، وتصح بإشارة الأخرس المفهمة، ككتابته، دون تفصيل الأعمال فيها، فلا يشترط التعرض له في العقد، ويحمل المطلق في كل ناحية على العرف الغالب فيها في العمل، إذ المرجع في مثله إلى العرف.\rوقال الحنابلة: لا تفتقر المساقاة (ومثلها المزارعة) إلى القبول لفظاً، بل يكفي الشروع في العمل قبولاً كالوكالة، كما تقدم في بحث صيغة المزارعة.\rالمبحث الثالث ـ حكم المساقاة الصحيحة والفاسدة: إذا استكملت المساقاة شرائطها، كانت صحيحة، وإذا اختل شرط منها كانت فاسدة.\rالمطلب الأول ـ حكم المساقاة الصحيحة :\rللمساقاة الصحيحة عند الفقهاء أحكام، وأحكامها عند الحنفية ما يأتي (1) :\r1 - كل ما كان من أعمال المساقاة التي يحتاج إليها الشجر وحقل العنب والرِّطاب وأصول الباذنجان، من السقي وإصلاح النهر، والحفظ والتلقيح، فعلى العامل، لأنها من توابع المعقود عليه.\rوكل ما يحتاجه الشجر ونحوه من النفقة كالسرقين وتقليب الأرض، والجذاذ والقطاف، فعلى العاقدين على قدر نصيبهما، لأن العقد لم يشمله.\r2 - أن يكون الخارج بين الطرفين على الشرط المتفق عليه.\r3 - إذا لم يخرج الشجر شيئاً، فلا شيء لواحد منهما على الآخر.\r-------------------------------\r(1) البدائع: 187/6.","part":6,"page":492},{"id":4088,"text":"4 - العقد لازم للجانبين، فلا يملك أحدهما الامتناع عن التنفيذ،أو الفسخ من غير رضا صاحبه، إلا لعذر، بخلاف المزارعة، فإنها غير لازمة في جانب صاحب البذر عند الحنفية.\r5 - لصاحب الأرض إجبار العامل على العمل إلا لعذر.\r6 - تجوز الزيادة على الشرط والحط منه، على وفق القاعدة المقررة في المزارعة وهي: كل موضع احتمل إنشاء العقد، احتمل الزيادة، وإلا فلا، والحط جائز في الموضعين. فما لم يتناه عظم الثمرة في النخيل مثلاً، تجوز الزيادة من كلا الطرفين، لأن إنشاء العقد في هذه الحالة جائز. ولو تناهى عظم الثمرة، جازت الزيادة من العامل لصاحب الأرض، ولا تجوز الزيادة من صاحب الأرض للعامل؛ لأن زيادة العامل حط من الأجرة، ولا يشترط فيه احتمال إنشاء العقد، وأما زيادة صاحب الأرض فهي زيادة في الأجرة، والمحل لا يحتمل الزيادة.\r7 - لا يملك العامل مساقاة غيره، إلا إذا فوض له صاحب الأرض فقال له: (اعمل فيه برأيك). فلو خالف العامل، فعامل غيره على الشجر، كانت الثمرة لصاحب الشجر، ولا أجر للعامل الأول، وللعامل الثاني أجر مثل عمله على العامل الأول.\rوأحكام المساقاة الصحيحة عند المالكية: تتفق في الغالب مع مذهب الحنفية، فقالوا (1) : العمل في الحائط (بستان الشجر) ثلاثة أقسام:\rأحدها ـ ما لا يتعلق بالثمرة: فلا يلزم العامل به بالعقد، ولا يجوز أن يشترط عليه.\rالثاني ـ ما يتعلق بالثمرة، ويبقى بعدها: كحفر بئر أو عين أو ساقية، أو بناء بيت لتخزين الثمر، أوغرس شجر، فلا يلزم العامل به أيضاً، ولا يجوز أن يشترط عليه.\r-------------------------------\r(1) القوانين الفقهية: ص 279، الشرح الصغير: 717/3 وما بعدها، بداية المجتهد: 244/2 وما بعدها.","part":6,"page":493},{"id":4089,"text":"الثالث ـ ما يتعلق بالثمرة، ولا يبقى: فهو على العامل بالعقد، كالتقليم والجذاذ والسقي، وعليه أيضاً جميع المؤن من الآلات والأجراء والدواب ونفقتهم من كل ما يلزم الشجر عرفاً، وليس على العامل تحصين الجدران، وإصلاح مجاري المياه إلى الأرض، ويجوز اشتراطها عليه، لأن المذكور يسير.\rوأما حق العامل: فله جزء من الثمرة كالثلث أو النصف أو غيرهما حسبما يتفقان عليه. ويجوز أن تكون له كلها، وإذا لم يثمر الشجر، فلا شيء لأحد العاقدين على الآخر، لأن انعدام الثمر بسبب آفة سماوية، لا بسبب فساد العقد.\rولا يجوز أن يشترط أحدهما لنفسه منفعة زائدة كدنانير أو دراهم.\rويتفق الشافعية والحنابلة مع المالكية في تحديد الملزم بالعمل، وحق العامل، فقالوا في العمل: كل مايتكرر كل عام فهو على العامل، وما لا يتكرر فهو على رب المال (1) .\rفعلى العامل ما يحتاج إليه لصلاح الثمر، واستزادته، مما يتكرر كل سنة في العمل، ولا يقصد به حفظ الأصل، كسقي، وتنقية نهر وبئر، أي مجرى الماء من\r-------------------------------\r(1) مغني المحتاج: 328/2 وما بعدها، المهذب: 392/1، المغني: 369/5 وما بعدها، كشاف القناع: 528/3 وما بعدها، 531.","part":6,"page":494},{"id":4090,"text":"الطين ونحوه، وإصلاح حُفر الأشجار التي يجتمع فيها الماء للشرب، وتلقيح النخل (1) وإزالة الحشائش والقضبان والأعشاب الضارة وتعريش الدوالي (2) ، وحفظ الثمر وجذاذه (أي قطعه)، وتجفيفه في الأصح عند الشافعية، لأنه من مصالحه.\rوأما ما قصد به حفظ الأصل (أصل الثمر: وهو الشجر)، ولا يتكرر كل سنة، كبناء حيطان البستان، وحفر نهر جديد له، وإصلاح ما انهار من النهر، وإصلاح الدولاب والأبواب فعلى المالك، عملاً بالعرف، وعليه أيضاً خراج الأرض الخراجية.\rوبه يتبين أن الجذاذ (القطاف) على العامل عند المالكية والشافعية والحنابلة، وعلى المالك والعامل بقدر نصيبهما عند الحنفية.\rوالمساقاة عقد لازم من الجانبين، كالإجارة عند الشافعية والحنفية، والمالكية (أي الجمهور) وغير لازمة عند الحنابلة (3) ؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلم في قصة خيبر ـ فيما رواه مسلم عن ابن عباس - قال: «نقركم على ذلك ما شئنا» . أما المزارعة فهي غير لازمة عند الحنفية والحنابلة، وتلزم بالبذر عند المالكية.\rوبناء على كونها لازمة، والمزارعة تبعاً لها عند الشافعية: لو هرب العامل قبل الفراغ من العمل، وأتمه المالك متبرعاً بالعمل، بقي استحقاق العامل، كتبرع الأجنبي بأداء الدين. ولو لم يتبرع المالك بالعمل استأجر الحاكم بعد رفع الأمر إليه، على العامل،من يتم العمل من مال العامل. فإن لم يقدر المالك على مراجعة الحاكم لبعد مسافة، أو لعدم تلبية طلب المالك، فليشهد المالك على العمل بنفسه،أو الإنفاق إن أراد الرجوع بما يعمله أو ينفقه؛ لأن الإشهاد حال العذر كالحكم ويصرح في الإشهاد بضرورة الرجوع.\rوقال الحنابلة: إن هرب العامل، فلرب المال الفسخ؛ لأن المساقاة عقد جائز غير لازم.\rصفة يد العامل: يد العامل في المساقاة والمزارعة والمغارسة يد أمانة، فإذا ادعى هلاك شيء من الثمر أو الزرع أو الشجر، بغير تقصير ولا تعد، كان القول قوله، فيصدق بيمينه، كذلك يصدق بيمينه إن اتهمه المالك بخيانة وأنكر هو؛ لأنه أمين، والقول قول الأمين بيمينه.\r-------------------------------\r(1) وهو وضع شيء من طلع الذكور في طلع الإناث.\r(2) وهو أن ينصب أعواداً لكروم العنب ويظللها ويرفع العنب عليها.\r(3) الشرح الصغير: 713/3، المغني: 372/5، 376، كشاف القناع: 528/3، بداية المجتهد: 247/2.","part":6,"page":495},{"id":4091,"text":"المطلب الثاني ـ حكم المساقاة الفاسدة :\rتفسد المساقاة باختلال شرط من شرائطها المطلوبة شرعاً، فإذا لم يتوافر شرط صحة مثلاً فسد العقد. وأهم حالات الفساد عند الحنفية (1) ما يأتي:\r1 - اشتراط كون الناتج (الخارج) كله لأحد العاقدين، لعدم توافر معنى الشركة به.\r2 - شرط كون جزء معين من الثمرة لأحد العاقدين، كنصف قنطار عنب أو تمر، أو شرط جزء محدد من غير الثمرة، كمبلغ نقدي؛ لأن المساقاة شركة في الثمرة فقط.\r3 - شرط مشاركة المالك في العمل، إذ لا بد من التخلية بين العامل والعمل في الشجر، ومهمة العامل الأصلية في هذا العقد هي العمل.\r4 - اشتراط الجذاذ أو القطاف على العامل؛ لأنه ليس من المساقاة في شيء عندهم، ولعدم التعامل به بين الناس؛ لأن الأصل: كل ما كان من عمل قبل الإدراك كسقي وتلقيح وحفظ فعلى العامل، وما بعده كجذاذ وحفظ، فعلى العاقدين.\r5 - شرط كون الحمل والحفظ بعد القسمة على العامل؛ لأنه ليس من أعمال المساقاة.\r6 - اشتراط عمل تبقى منفعته على العامل بعد انقضاء مدة المساقاة، كغرس الأشجار، وتقليب الأرض، ونصب العرايش، ونحوه؛ لأنه لا يقتضيه العقد، ولا من أعمال المساقاة.\r7 - الاتفاق على مدة لا يحصل فيها الإثمار عادة، لإضرار العامل، ولفوات المقصود وهو الشركة في الخارج. كما أن المساقاة تفسد، إذا كانت الثمرة قد انتهت ونضجت؛ لأن العامل إنما يستحق بالعمل، ولا أثر للعمل بعد الإدراك والتناهي.\r8 - المساقاة مع الشريك، كأن يكون بستان مشترك بين اثنين مناصفة، فيدفعه أحدهما للآخر مساقاة، على أن له الثلثين، وللشريك المساقي الثلث؛ لأن في المساقاة معنى الإجارة، ولا يجوز كون الشخص أجيراً وشريكاً، أي مستأجراً من شريكه، وشريك المستأجر؛ لأن استئجار الشريك على العمل في المشترك لا يصح، إذ يجب أن يكون عمل الأجير في خالص ملك المستأجر.\r-------------------------------\r(1) البدائع: 186/6، تكملة الفتح: 47/8 ومابعدها، تبيين الحقائق: 285/5، الدر المختار ورد المحتار: 202/5، 205، اللباب شرح الكتاب: 234/2.","part":6,"page":496},{"id":4092,"text":"فإذا عمل لا يستحق الأجر على شريكه، ويقع عمل العامل لنفسه. وهذا، أي الحكم بالفساد اختاره الحنابلة من بين وجهين، إذا لم يجعل للعامل شيء في مقابل العمل. وأجاز الشافعية العقد إذا شرط للعامل زيادة على حصته، أي أن الشافعية والحنابلة يجيزون هذه الصورة، وهي حالة الاتفاق على زيادة حصة العامل مقابل عمله (1) ، كأن يكون الشجر بينهما نصفين، فيشترط له ثلثا الثمرة، ليكون السدس عوض عمله، فإن شرط له مقدار نصيبه أو دونه، لم يصح، لاستحقاقه نصيبه بالملك. ويكون الاتفاق بأن يقول الشريك لشريكه: ساقيتك على نصيبي، أو أطلق. فإذا قال: ساقيتك على كل الشجر، لم يصح.\rويترتب على فساد المساقاة عند الحنفية الأحكام التالية (2) :\r1 - لا يجبر العامل على العمل؛ لأن الجبر على العمل بحكم العقد، وهو لم يصح.\r2 - الخارج كله لصاحب الشجر، لكونه نماء ملكه، وأما العامل فلا يأخذ منه شيئاً؛ لأن استحقاقه بالشرط في العقد، ولم يصح.\r3 - وإذا فسدت المساقاة، فللعامل أجر مثله، كالإجارة الفاسدة.\r4 - يجب أجر المثل عند أبي يوسف في حال الفساد مقدراً بالمسمى، لايتجاوز عنه. وعند محمد: يجب أجر المثل تاماً بالغاً ما بلغ.\rأثر فساد العقد في المذاهب الأخرى: قال المالكية (3) : إذا وقعت المساقاة فاسدة، فإن عثر عليها قبل العمل، فسخت. وإن عثر عليها بعد العمل، فسخت في أثنائه، ووجب فيها أجرة المثل إن خرج المتعاقدان عن المساقاة إلى إجارة فاسدة\r-------------------------------\r(1) مغني المحتاج: 327/2، المحلي على المنهاج: 63/3، الشرح الكبير مع المغني: 580/5، كشاف القناع: 533/3.\r(2) البدائع: 188/6.\r(3) القوانين الفقهية: ص 280، الشرح الصغير: 722/3 وما بعدها، بداية المجتهد: 248/2.","part":6,"page":497},{"id":4093,"text":"أو بيع فاسد؛ لأن للعامل فيها أجر ما عمل، قلّ أو كثر، فلا ضرر عليه في الفسخ. ومثال التحول إلى الإجارة الفاسدة: اشتراط زيادة شيء معين أو عرض تجاري من صاحب البستان للعامل؛ لأنه يصبح المالك كأنه استأجر العامل على أن يعمل له في بستان بهذه الزيادة وبجزء من ثمرة البستان، وهي إجارة فاسدة توجب الرد لأجرة مثل أجر العامل ويحسب منها تلك الزيادة، ولا شيء للعامل من الثمرة، ولو بعد تمام العمل. فإن كانت الزيادة من العامل للمالك، فقد خرج العاقدان إلى بيع فاسد: هو بيع الثمرة قبل بدو صلاحها، إذ كأن العامل اشترى الجزء المسمى بما دفعه للمالك من الزيادة، وبأجرة عمله، فوجب له أجرة مثله، وأخذ ما دفعه، ولا شيء له من الثمرة.\rوإن لم يخرج المتعاقدان عن المساقاة لعقد آخر، بأن كان الفساد لضرر، أو لفقد شرط غير الزيادة المتقدمة، أو لوجود مانع، أو بسبب الغرر كالمساقاة على حوائط (بساتين) مختلفة، استمرت المساقاة بمساقاة المثل، كالمساقاة على ثمر بدا صلاحه وآخر لم يبد صلاحه، لاحتواء العقد على بيع ثمر مجهول (وهو الجزء المسمى للعامل) بشيء مجهول (وهو العمل)، وكاشتراط عمل المالك مع العامل بجزء من الثمرة أو مجاناً، وكاشتراط آلة أو دابة للمالك في بستان صغير، لأنه ربما كفاه ذلك، فيصير كأن العامل اشترط جميع العمل على المالك. ويجوز اشتراط الدابة على المالك في بستان كبير. وهذا التفصيل لابن القاسم. وقال ابن الماجشون: ترد إلى إجارة المثل في كل نوع من أنواع الفساد.\rوقال الشافعية والحنابلة (1) : إذا خرج الثمر بعد العمل مستحقاً لغير المساقي المالك، كأن أوصى بثمر الشجر المساقى عليه، أو خرج الشجر مستحقاً، فللعامل\r-------------------------------\r(1) مغني المحتاج: 326/2-327، 331، المهذب: 393/1، المغني: 381/5، 392، كشاف القناع: 532/3، 502.","part":6,"page":498},{"id":4094,"text":"على من ساقاه أجرة المثل لعمله، لأنه ضيّع عليه منافعه بعوض فاسد، فيرجع ببدلها على المالك، وإذا فسدت المساقاة، فللعامل أجرة مثله مقابل عمله، والثمر كله لصاحب الشجر، لأنه نماء ملكه. وتفسد المساقاة بجهالة نصيب كل واحد من العاقدين، أو اشتراط نصيب مجهول، أو دراهم معلومة، أو كمية معينة من الثمرة، أو شرط اشتراك المالك في العمل، أو عمل العامل في شيء آخر غير الشجر الذي ساقاه عليه.\rوالخلاصة: أنه يجب باتفاق الفقهاء فسخ المساقاة الفاسدة إذا عرف الفساد قبل العمل. فإن شرع العامل بالعمل ثم اطلع على الفساد، يجب له عند الجمهور أجر المثل. كما يجب له الأجر عند المالكية إذا خرج المتعاقدان إلى عقد آخر، وإن لم يخرجا لعقد آخر، استمرت المساقاة بمساقاة المثل.\rالمبحث الرابع ـ انتهاء المساقاة :\rتنقضي المساقاة عند الحنفية كالمزارعة بأحد أمور ثلاثة: انتهاء المدة المتفق عليها، موت أحد المتعاقدين، فسخ العقد إما بالإقالة صراحة أو بالأعذار، كما تفسخ الإجارة (1) .\rومن الأعذار: أن يكون العامل سارقاً معروفاً بالسرقة يخاف منه سرقة الثمر أو الأغصان قبل الإدراك؛ لأنه يلزم صاحب الأرض ضرر لم يلتزمه، فيفسخ به.\rومن الأعذار أيضاً: مرض العامل إذا كان يضعفه عن العمل؛ لأن في إلزامه استئجار أجراء، زيادة ضرر عليه، ولم يلتزمه فيجعل عذراً. وفي اعتبار سفر العامل عذراً للفسخ روايتان، الصحيح أنه يوفق بينهما، كما في مرض العامل، فهو عذر إذا شرط عليه عمل نفسه، وغير عذر إذا أطلق العقد عن الشرط.\r-------------------------------\r(1) البدائع: 188/6، تكملة الفتح: 48/8، تبيين الحقائق: 268/5، الدر المختار: 204/5، اللباب: 234/2.","part":6,"page":499},{"id":4095,"text":"وإذا مات العامل، كان لورثته تعهد الثمر حتى يدرك، وإن كره صاحب الشجر رعاية لمصلحة الجانبين. وإن مات المالك استمر العامل بعمله كما كان، وإن كره ورثة المالك. وإن مات العاقدان، كان الخيار في الاستمرار لورثة العامل، فإن أبى ورثة العامل الاستمرار في العمل، كان الخيار فيه لورثة صاحب الأرض.\rوإذا انقضت مدة المساقاة ولم ينضج الثمر، بأن كان فجاً، بقيت المساقاة استحساناً لوقت النضوج، ويخير العامل، إن شاء ترك وإن شاء عمل كما في المزارعة، ولكن بدون أجر، أي لا يجب على العامل أن يدفع للمالك أجر حصته إلى أن يدرك الثمر؛ لأن الشجر لا يجوز استئجاره، بخلاف المزارعة، حيث يجب على العامل أجر مثل الأرض؛ لأن الأرض يجوز استئجارها. ويكون العمل كله في المساقاة على العامل، وفي المزارعة على العاقدين، لأنه لما وجب أجر المثل للأرض في المزارعة بعد انتهاء المدة، لم يستحق العمل على العامل، كما كان يستحق عليه قبل انتهائها.\rوإن أبى العامل العمل، خير المالك أو ورثته بين أمور ثلاثة: إما أن يقتسم الثمر على حسب الشرط، وإما أن يعطي العامل قيمة نصيبه من الثمر، وإما أن ينفق على الثمر حتى يبلغ أو ينضج، ثم يرجع بالنفقة بقدر حصة العامل من الثمر؛ لأنه ليس للعامل إلحاق الضرر بغيره.","part":6,"page":500},{"id":4096,"text":"لكن قال الزيلعي: الرجوع على العامل بالنفقة بنسبة حصته فقط: فيه إشكال، وكان ينبغي أن يرجع عليه بجميع النفقة؛ لأن العامل إنما يستحق بالعمل، وكان العمل كله عليه، فلو رجع عليه بحصته فقط، أدى الرجوع إلى استحقاق العامل بلا عمل في بعض المدة. وقال المالكية (1) : المساقاة عقد موروث، ولورثة المساقي أن يأتوا بأمين يعمل إن لم يكونوا أمناء، وعلى المالك العمل إن أبى ورثة العامل من العمل من تركته. ولا تنفسخ المساقاة إذا كان العامل لصاً أو ظالماً أو عجز عن العمل، وعلى العامل استئجار من يعمل، أو يستأجر من حظه من الثمر إن لم يكن له شيء؛ لأن المساقاة عندهم عقد لازم، لا يفسخ بالأعذار، فليس لعاقد فسخها بعد العقد، دون الآخر ما لم يتراضيا عليه.\rوقال الشافعية (2) : لاتنفسخ المساقاة بالأعذار، فلو ثبتت خيانة عامل مثلاً، ضم إليه مشرف إلى أن يتم العمل؛ لأن العمل واجب عليه. فإن لم يتحفظ عن الخيانة بالمشرف، أزيلت يده بالكلية، واستؤجر عليه من مال العامل من يتم العمل، لتعذر استيفاء العمل الواجب عليه منه.\rوتنتهي المساقاة عند الشافعية بانقضاء المدة، فإذا انقضت المدة كعشر سنين مثلاً، ثم ظهرت ثمرة السنة العاشرة لم يكن للعامل فيها حق؛ لأنها ثمرة حدثت بعد انقضاء العقد.\rوإذا ظهرت الثمرة، ولم تكتمل، قبل انقضاء المدة كأن صارت طَلْعاً (3) أو بلحاً، تعلق بها حق العامل؛ لأنها حدثت قبل انقضاء المدة، ويجب على العامل تمام العمل.\rوتنفسخ المساقاة بموت العامل إذا كانت على عين (ذات) العامل كالأجير المعين، ولا تنفسخ بموت المالك في أثناء المدة، بل يتم العامل العمل ويأخذ نصيبه،\r-------------------------------\r(1) بداية المجتهد: 247/2، الشرح الصغير: 713/3.\r(2) مغني المحتاج: 331/2، المهذب: 391/1 وما بعدها.\r(3) هو بدء الحمل بأن يظهر الحمل في النخيل بين غلافين.","part":6,"page":501},{"id":4097,"text":"لكن إذا ساقى المورث من يرثه ثم مات المورث، فإن المساقاة تنفسخ؛ لأنه أي الوارث لا يكون عاملاً لنفسه.\rوإذا التزم العامل المساقاة في ذمته، ثم مات قبل تمام العمل، وخلّف تركة، أتم الوارث العمل منها، لأنه حق وجب على مورثه، فيؤدَّى من تركته كغيره من الحقوق. وللوارث أن يتم العمل بنفسه أو بماله، وعلى المالك تمكينه من العمل إن كان الوارث عارفاً بعمل المساقاة أميناً، وإلا استأجر الحاكم من التركة عاملاً كفئاً. فإن لم يخلف العامل تركة، لم يقترض عليه؛ لأن ذمته خربت بالموت.\rوبه يتبين أن المساقاة في الذمة لا تنتهي عند الشافعية بموت أحد العاقدين، فإذا مات المالك أو العامل، استمر العامل بعمله. ولا تنتهي المساقاة بخيانة العامل ولا بهربه أو حبسه أو مرضه قبل تمام العمل، لكن في حال الخيانة يضم إليه مشرف آخر يراقبه، وفي حال الحبس ونحوه يستأجر عليه الحاكم من يتم العمل على حسابه. وإذا اختلف المالك والعامل في مقدار الثمرة المشروطة لكل منهما، حلف كل منهما يميناً على إثبا ت دعواه ونفي دعوى خصمه، لأن كلاً منهما منكر لدعوى الآخر، فإذا تحالفا انفسخ عقد المساقاة، وكان الثمر كله للمالك، وللعامل أجرة مثله.\rوقال الحنابلة (1) : المساقاة كالمزارعة عقد جائز غير لازم، فيجوز لكل طرف فيها فسخها. فإن فسخت المساقاة بعد ظهور الثمرة، كانت الثمرة بينهما (أي بين المالك والعامل) على حسب الشرط المتفق عليه في العقد. لأنها (أي الثمرة) حدثت على ملكهما.\rويملك العامل كالمالك حصته من الثمرة بالظهور. ويلزم العامل تمام العمل في المساقاة، كما يلزم المضارب بيع العروض التجارية إذا فسخت المضاربة. وهذا موافق لما قال الشافعية.\r-------------------------------\r(1) المغني: 372/5-377، كشاف القناع: 528/3-530.","part":6,"page":502},{"id":4098,"text":"ولا تنفسخ المساقاة بموت العامل، فإن مات العامل قام وارثه مقامه في الملك والعمل؛ لأنه حق ثبت للمورث وعليه، فكان لوارثه.\rفإن أبى الوارث أن يأخذ ويعمل، لم يجبر، ويستأجر الحاكم من التركة من يعمل، فإن لم تكن له تركة، أو تعذر الاستئجار منها، بيع من نصيب العامل مايحتاج إليه لتكميل العمل واستؤجر من يعمله.\rوإن فسخ العامل، أو هرب قبل ظهور الثمرة، فلا شيء له، لأنه قد رضي بإسقاط حقه، مثل عامل المضاربة إذا فسخ قبل ظهور الربح، وعامل الجعالة إذا فسخ قبل تمام عمله.\rلكن إن فسخ المالك المساقاة قبل ظهور الثمرة وبعد شروع العامل في العمل، فعليه للعامل أجر مثل عمله، بخلاف المضاربة؛ لأن الربح في المضاربة لا يتولد من المال بنفسه وإنما يتولد من العمل، ولم يحصل بعمله ربح، والثمر في المساقاة متولد من عين الشجرة، وقد عمل العامل على الشجر عملاً مؤثراً في الثمر فكان لعمله تأثير في حصول الثمر وظهوره بعد الفسخ.\rوإن مات العامل والمساقاة على عينه (ذاته)، أو جنّ، أو حجر عليه لسفه انفسخت المساقاة، كما قال الشافعية.\rأما لو مات المالك أو جنّ، أو حجر عليه لسفه، فتفسخ المساقاة، خلافاً للشافعية. وفي حالة العذر عند الحنابلة مع عدم الفسخ: إن عجز العامل عن العمل لضعفه مع أمانته، ضم إليه غيره، ولا ينزع من يده، كما قرر الشافعية؛ لأن العمل مستحق عليه، ولا ضرر في بقاء يده عليه، وإن عجز بالكلية، أقام المالك مقامه من يعمل، والأجرة عليه في الحالتين لأن عليه توفية العمل.\rوتنتهي المساقاة بمضي المدة المتفق عليها إن قدرت مدة عند الحنابلة أي كما قرر باقي المذاهب، لكن إن ساقى المالك إلى مدة تكمل فيها الثمرة غالباً، فلم تحمل الثمرة تلك السنة، فلا شيء للعامل، كالمضاربة.","part":6,"page":503},{"id":4099,"text":"العقد الثالث ـ المغارسة أو المناصبة :\rتعريفها، وحكمها عند الفقهاء:\rأولا ـ تعريف المغارسة: هي أن يدفع الرجل أرضه لمن يغرس فيها شجراً (1) وعرفها الشافعية: بأن يسلم إليه أرضاً ليغرسها من عنده، والشجر بينهما (2) . وتسمى عند أهل الشام المناصبة، أو المشاطرة؛ لأن الشجيرة الغرسة تسمى عند العامة نصباً، أي منصوباً ، ولأن الناتج يقسم بينهما مناصفة لكل واحد منهما الشطر.\rثانياً ـ حكم المغارسة عند الفقهاء :\rالمغارسة المختلف فيها بين الفقهاء، هي التي يقسم فيها الشجر والأرض نصفين بين المالك والعامل، فمنعها الجمهور وأجازها المالكية بشروط. فإن كان\r-------------------------------\r(1) القوانين الفقهية: ص 281.\r(2) مغني المحتاج: 324/2.","part":6,"page":504},{"id":4100,"text":"الاشتراك فيها في الشجر فقط، فهي جائزة عند الحنفية والحنابلة، ولا تجوز عند المالكية، وممنوعة في الحالتين عند الشافعية، لعدم الحاجة إليها.\rقال الحنفية (1) : من دفع أر ضاً بيضاء (أي لا شجر ولازرع فيها) سنين معلومة، يغرس فيها شجراً، على أن تكون الأرض والشجر بين رب الأرض والغارس نصفين، لم يجز، لثلاثة أوجه: أولها: لاشتراط الشركة فيما كان موجوداً قبل الشركة، وهو الأرض، لا بعمل العامل، فكان ذلك في معنى قفيز الطحان (2) المنهي عنه (3) . وقال صاحب الهداية عن هذا الوجه: إنه أصحها، لأنه ـ كما قال صاحب العناية ـ نظير من استأجر صباغاً ليصبغ ثوبه، على أن يكون نصف المصبوغ للصباغ، وهو مفسد للعقد، فهو شركة فاسدة.\rوثاني الأوجه التي عللوا بها الفساد: أن المالك جعل نصف الأرض عوضاً عن جميع الأغراس، ونصف الخسارة عوضاً لعمل العامل، فصار العامل مشترياً نصف الأرض بالغراس المجهول المعدوم عند العقد، فيفسد العقد. وهذا الوجه رجحه ابن عابدين؛ لأن كون المغارسة في معنى ( قفيز الطحان ) لا يضر، إذ هو جار في معظم مسائل المزارعة والمعاملة (المساقاة)، ولهذا قال الإمام بفسادهما، وترك صاحباه القياس استدلالاً بمعاملة النبي صلّى الله عليه وسلم أهل خيبر، وهذا هو الأولى، فهو شراء فاسد.\rوثالث الأوجه: أن المالك استأجر أجيراً ليجعل أرضه بستاناً مشجراً بآلات الأجير، على أن يكون له نصف البستان الذي يظهر بعمله، وهو مفسد للعقد؛ لأنها إجارة بأجر مجهول وغرر، فهي إجارة فاسدة.\rوإذا فسدت المغارسة، كان جميع الثمر والغرس لصاحب الأرض، وللغارس قيمة غرسه يوم الغرس، وأجرة مثله فيما عمل.\rوحيلة جواز المغارسة عند الحنفية: أن يبيع المالك نصف الأرض بنصف الغراس، ويستأجر رب الأرض العامل ثلاث سنين مثلاً، بشيء قليل، ليعمل في نصيبه.\rوصحح الحنفية أيضاً ـ كما في الفتاوى الخانية ـ كون المغارسة على الاشتراك في الشجر والثمر فقط، دون الأرض.\r-------------------------------\r(1) تكملة الفتح: 49/8، تبيين الحقائق: 286/5، اللباب: 234/2، الدر المختار ورد المحتار: 203/5 ومابعدها.\r(2) إذ هو استئجار ببعض ما يخرج من عمل العامل، وهو نصف البستان.\r(3) روى الدارقطني عن أبي سعيد الخدري قال: «نهي عن عسب الفحل، وعن قفيز الطحان» وعسب الفحل: أجرة ضرابه، وقد استدل بهذا الحديث أبو حنيفة والشافعي ومالك على أنه لا يجوز أن تكون الأجرة بعض المعمول بعد العمل (نيل الأوطار: 292/5 وما بعدها).","part":6,"page":505},{"id":4101,"text":"وعبارة الشافعية (1) في حكم المغارسة: لا تصح المغارسة، إذ لا يجوز العمل في الأرض ببعض ما يخرج منها، ولأن الغرس ليس من عمل المساقاة، فضمه إليها يفسده، ويمكن تحقيق المقصود بالإجارة.\rأما المساقاة في الشجر، فلا يمكن عقد الإجارة عليه، فجوزت المساقاة للحاجة.\rوالغرس الحاصل يكون للعامل، ويكون لرب الأرض أجرة مثلها على العامل، كما أن من زارع على أرض بجزء من الغلة، فعطل بعض الأرض، يلزمه أجرة ما عطل منها.\rوعبارة الحنابلة (2) : إن دفع المالك للعامل على أن الأرض والشجر بينهما، فالمعاملة فاسدة وجهاً واحداً، لأنه شرط اشتراكهما في الأصل (الأرض والشجر) ففسد، كما لو دفع إليه الشجر أو النخل، ليكون الأصل والثمرة بينهما، أو شرط في المزارعة كون الأرض والزرع بينهما، وحينئذ يكون للعامل أجر المثل.\rلكن إن ساقاه على شجر يغرسه، ويعمل فيه حتى يحمل، ويكون للعامل جزء من الثمرة معلوم، صح؛ لأنه ليس فيه أكثر من أن عمل العامل يكثر، ونصيبه يقل.\rهذه أقوال الجمهور (المذاهب الثلاثة) المانعة من صحة المغارسة، حفاظاً على حقوق العاقدين، ولكثرة الجهالة الناجمة عن انتظار نمو الشجر، وللاشتراك في الأصل، كاشتراك الشريكين في رأس المال في شركة المضاربة، ولأن الغرس ليس من أعمال المساقاة، على النحو المشروع في السنة النبوية، كما لا تصح المساقاة على صغار الشجر إلى مدة لا يحمل فيها غالباً.\rوقال المالكية (2) : العمل لإنماء الشجر يتم إما بالإجارة: وهو أن يغرس العامل للمالك بأجرة معلومة، وإما بالجعالة: وهو أن يغرس له شجراً على أن يكون له نصيب فيما ينبت، وإما بالمغارسة.\rوتصح المغارسة (وهو أن يغرس العامل على أن يكون له نصيب من الشجر والثمر ومن الأرض) بخمسة شروط، وهي:\r1 - أن يغرس العامل في الأرض أشجاراً ثابتة الأصول، دون الزرع والمقاثي والبقول.\r-------------------------------\r(1) مغني المحتاج: 324/2، بجيرمي الخطيب: 167/3 وما بعدها.\r(2) المغني: 380/5 وما بعدها.\r(2) القوانين الفقهية: ص 281.","part":6,"page":506},{"id":4102,"text":"2 - أن تتفق أصناف الشجر، أو تتقارب، في مدة إطعامها (إثمارها) فإن اختلفت اختلافاً بيناً ، لم يجز.\r3 - ألا يكون أجلها إلى سنين كثيرة، فإن حدد لها أجل إلى ما فوق الإطعام (إنتاج الثمرة)، لم يجز، وإن كان دون الإطعام، جاز، وإن كان إلى الإطعام، فقولان.\r4 - أن يكون للعامل حظه من الأرض والشجر، فإن كان له حظه من أحدهما خاصة، لم يجز، إلا إن جعل له مع الشجر مواضعها على الأرض، دون سائر الأرض.\r5 - ألا تكون المغارسة في أرض محبسة (موقوفة) لأن المغارسة كالبيع.\rويلاحظ أنه يمنع في المغارسة والمساقاة والمزارعة عند المالكية شيئان:\rالأول ـ أن يشترط أحدهما لنفسه شيئاً دون الآخر، إلا اليسير.\rالثاني ـ اشتراط السلف أو السلَم، كأن يقول له: أسلفت إليك في مئة دينار أن تغرس الغرس أو يأمره بقلعه.\rوالخلاصة: أن المغارسة تصح إذا كان للعامل جزء معين من الثمرة فقط، كالمساقاة، كما ذكر الحنابلة، وتصح المغارسة أيضاً إذا غرس العامل غرساً على أن تكون الأغراس والثمار بينهما كما أبان الحنفية، ويمكن تصحيح المغارسة على الاشتراك في الأرض والشجر معاً، بواسطة عقدي البيع والإجارة، كأن يبيع المالك نصف الأرض بنصف الغراس، ويستأجر المالك العامل مدة كثلاث سنين مثلاً، بشيء يسير ليعمل في نصيبه، كما ذكر الحنفية.\rوصحح المالكية المغارسة بشروط، وأبطلها الشافعية لعدم الحاجة إليها.","part":6,"page":507},{"id":4103,"text":"الفَصْلُ السّادس: اتّفاق القسمة\rوفيه نوعان: الأول ـ في قسمة الأعيان، والثاني ـ في قسمة المنافع (المهايأة) وكل منهما يرد على الأموال المشتركة.\rالنَّوع الأوَّل: قسمة الأعيان أو الرّقاب\rتسمى قسمة الأعيان أي الذوات قسمة رقاب أيضاً.\rوفيه ستة مباحث:\rالمبحث الأول ـ تعريف القسمة ومشروعيتها وركنها وصفتها.\rالمبحث الثاني ـ أنواع القسمة.\rالمبحث الثالث ـ شروط القسمة.\rالمبحث الرابع ـ كيفية القسمة.\rالمبحث الخامس ـ القاسم.\rالمبحث السادس ـ أحكام القسمة.\rالمبحث الأول ـ تعريف القسمة ومشروعيتها وركنها وصفتها :\rأولاً ـ تعريف القسمة :\rالقسمة لغة: هي إفراز النصيب، أو التفريق. وشرعاً لها تعاريف متقاربة عند الفقهاء، فقال الحنفية: القسمة: جمع نصيب شائع في مكان معيّن، أو مخصوص (1) ، وعرفتها المادة (1114) مجلة بقولها: «القسمة: هي تعيين الحصة الشائعة، يعني إفراز الحصص بعضها من بعض بمقياس ما كالذرع والوزن والكيل» أو هي عبارة عن إفراز بعض الأنصباء عن بعض، ومبادلة بعض ببعض؛ لأن نصيب كل شريك أو ملكه منتشر في جميع أجزاء الشيء المقسوم، فإذا حدثت القسمة، وقع في حصته جزء مملوك له، وجزء مملوك لصاحبه شائعاً في كل الأجزاء، فتتم المبادلة بين الشريكين بتنازل كل واحد منهما عن نصف نصيبه بعوض: وهو نصف نصيب صاحبه (2) .\rومعنى المبادلة أي (أخذ عوض حقه) واضح في القسمة الرضائية، أما القسمة الجبرية فتحدث بناء على طلب الشريكين للقاضي، يتضمن رضاهما بالمبادلة. فالقسمة تتضمن معنى المبادلة؛ لأن ما يؤول لأحدهما، بعضه كان له، وبعضه كان لصاحبه، فهو يأخذه عوضاً عما يبقى من حقه في نصيب صاحبه، فكان ذلك مبادلة من وجه، وإفرازاً من وجه، والإفراز هو الظاهر في المكيلات والموزونات لعدم التفاوت، والمبادلة هي الظاهر في غير المكيل والموزون للتفاوت، ويجوز الإجبار على المبادلة كما في بيع مال المدين.\rوعرف المالكية القسمة بما يقارب تعريف الحنفية، فقالوا: هي تعيين نصيب\r-------------------------------\r(1) تبيين الحقائق: 264/5، الدر المختار: 178/5، تكملة الفتح: 2/8، اللباب: 91/4.\r(2) البدائع: 17/7.","part":6,"page":508},{"id":4104,"text":"كل شريك في مشاع (عقار أو غيره)، ولو كان التعيين باختصاص تصرف فيما عين له، مع بقاءالشركة في الذات، وهذا التعريف يشمل عندهم أنواع القسمة الثلاثة: قسمة المهايأة، وقسمة المراضاة، وقسمة القرعة (1) .\rوعرفها الشافعية والحنابلة (2) بأوضح تعريف في تقديري، فقالوا: القسمة: تمييز بعض الأنصباء عن بعض، وإفرازها عنها، بتجزئة الأنصباء بالكيل أو غيره.\rثانياً ـ مشروعية القسمة :\rأجمع العلماء على جواز القسمة لثبوت شرعيتها في القرآن والسنة:\rأما القرآن فقوله تعالى: {ونبئهم أن الماء قسمة بينهم، كل شرب محتضر} [القمر:28/54] يدل على جواز قسمة المهايأة، وقوله سبحانه: {وإذا حضر القسمة أولو القربى واليتامى والمساكين فارزقوهم منه} [النساء:8/4] الوارد في قسمة التركة، وقوله سبحانه في قسمة الغنائم: {واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول..} [الأنفال:41/8] ولا يعلم هذا الخمس عن الأربعة الأخماس المستحقة للغانمين إلا بالقسمة.\rوأما السنة: فقد قسم النبي صلّى الله عليه وسلم غنائم خيبر وحنين بين الغانمين، وقسم المواريث (3) ، مما يدل على الإباحة.\rويؤيده حاجة الناس إلى القسمة ليتمكن كل واحد من الشركاء من التصرف المستقل في حصته، وليتخلص من سوء المشاركة، وكثرة الأيدي (4) .\rثالثاً ـ ركن القسمة وسببها وشرط لزومها :\rركن القسمة: هو الفعل الذي يحصل به الإفراز والتمييز بين الأنصباء، ككيل وذرع، وسببها: طلب الشركاء أو بعضهم الانتفاع بملكه على وجه الخصوص، فلو لم يطلبوا لا تصح القسمة. وشرط لزومها بطلب أحد الشركاء: عدم فوت المنفعة بالقسمة، أي عدم إبطال فائدة الشيء\r-------------------------------\r(1) الشرح الصغير: 359/3 ومابعدها.\r(2) حاشية الباجوري على ابن قاسم: 351/2، المغني: 114/9، كشاف القناع: 364/6.\r(3) راجع الأحاديث في نصب الراية: 178/4.\r(4) المغني: 112/9.","part":6,"page":509},{"id":4105,"text":"المتعارفة، فلا يقسم مثلاً الحائط والحمام والبيت الصغير (1) .\rرابعاً ـ صفة القسمة :\rتتردد صفة القسمة عند الفقهاء بين وصفين: الإفراز أو التمييز، والبيع أو المبادلة.\rفقال الحنفية (2) : تشتمل القسمة مطلقاً (في المثليات أو القيميات) على وصفين: هما الإفراز: وهو أخذ عين حقه، والمبادلة: وهو أخذ عوض حقه. والسبب في اشتمالها على معنى المبادلة: أن ما يأخذه كل شريك، بعضه كان له، وبعضه كان لصاحبه، فهو يأخذه عوضاً عما يبقى من حقه في حصة صاحبه، فتكون القسمة مبادلة من وجه، وإفرازاً من وجه.\rوالإفراز: هو الظاهر الغالب في المثليات، أي المكيلات والموزونات وما في حكمها: وهي الذرعيات والعدديات المتقاربة كالجوز والبيض، لعدم التفاوت بين أجزائها، حتى كان لأحد الشريكين أن يأخذ نصيبه حال غيبة صاحبه.\rوالمبادلة: هي الظاهر الغالب في غير المثليات أي القيميات كالحيوانات والدور وأصناف العروض التجارية، للتفاوت بين أفرادها، حتى لا يكون لأحد الشريكين أخذ نصيبه عند غيبة صاحبه (3) .\rإلا أنه إذا كانت الأشياء المشتركة متحدة الجنس، جازت القسمة الجبرية، أي يجبر القاضي على القسمة عند طلب أحد الشركاء؛ لأن فيها معنى الإفراز، ويصح الجبر في المبادلة، كما هو المقرر في حالة بيع ملك المدين، لوفاء دينه.\rوإن كانت الأشياء المشتركة أجناساً مختلفة، لم تجز القسمة الجبرية، فلا يجبر القاضي على القسمة، لتعذر المعادلة. وتجوز القسمة الرضائية حينئذ؛ لأن الحق للشركاء.\rوقال المالكية (4) : قسمة المراضاة: وهي التي تتم بلا قرعة كالبيع، وقسمة القرعة: تمييز حق في مشاع بين الشركاء، لا بيع، وقسمة المهايأة في المنافع كالإجارة.\rوقال الشافعية (5) : القسمة إفراز النصيبين وتمييز الحقين إلا إذا كان في القسمة رد، أي\r-------------------------------\r(1) الدر المختار: 178/5.\r(2) الدر المختار: 178/5، اللباب: 91/4، تكملة الفتح: 2/8، البدائع: 26/7.\r(3) نصت المادة (1116) مجلة عن ذلك، فقالت: «والقسمة من جهة إفراز، ومن جهة مبادلة..» ، كما نصت المادة (1117) على أن «جهة الإفراز في المثليات راجحة..» والمادة (1118) على أن «جهة المبادلة في القيميات راجحة..» ونصت المادة (1119) على المثليات.\r(4) الشرح الصغير: 660/3، 662، 664.\r(5) حاشية الباجوري: 352/2-354، المهذب: 306/2.","part":6,"page":510},{"id":4106,"text":"تعويض (أورد مال أجنبي عن المقسوم)، فهي بيع، كأن يكون في أحد جانبي الأرض المشتركة بئر أو شجر مثلاً، لا يمكن قسمته، فيرد من يأخذه بالقسمة بالقرعة قسط قيمة البئر أو الشجر، في المثال المذكور.\rوكذلك تكون القسمة بيعاً إذا كانت بالتعديل للسهام (وهي الأنصباء)\rبالقيمة، كأرض تختلف قيمة أجزائها بقوة إنبات أو قرب ماء، وتكون الأرض بينهما نصفين، ويساوي ثلث الأرض مثلاً لجودته ثلثيها، فيجعل الثلث سهماً، والثلثان سهماً. وهذا الرأي أدق ما عرفته من المذاهب.\rوقال الحنابلة (1) : القسمة: إفراز حق وتمييز أحد النصيبين من الآخر، وليست بيعاً؛ لأنها لا تفتقر إلى لفظ التمليك، ولا تجب فيها الشفعة، ويدخلها الإجبار، وتلزم بإخراج القرعة، ويتقدر أحد النصيبين بقدر الآخر، والبيع لا يجوز فيه شيء من ذلك، ولأنها تنفرد عن البيع باسمها وأحكامها، فلم تكن بيعاً كسائر العقود.\rوفائدة الخلاف: أنها إذا لم تكن بيعاً، جازت قسمة الثمار خرصاً، والمكيل وزناً، والموزون كيلاً، والتفرق قبل القبض فيما يعتبر فيه القبض في البيع، وإن قلنا: هي بيع، انعكست هذه الأحكام.\rلكن إذا كانت القسمة رداً، أي رد عوض عما حصل لشريك من حق شريكه، فتكون بيعاً فيما يقابل الرد (أي العوض الذي رد من أحدهما على الآخر)، وإفرازاً في الباقي. والخلاصة أن القسمة عند الحنابلة إفراز، إلا إذا كانت قسمة رد، فتكون بيعاً فيما يقبل الرد.","part":6,"page":511},{"id":4107,"text":"المبحث الثاني ـ أنواع القسمة :\rللقسمة أنواع في المذاهب الفقهية، إذ كل مذهب ينظر إلى القسمة من جانب فقال الحنفية (2) : القسمة نوعان:\r1 - قسمة جبرية: وهي التي يتولاها القاضي، بطلب أحد الشركاء. ولو قسم القاضي أو نائبه بالقرعة، فليس لبعض الشركاء الإباء بعد خروج بعض السهام (3) .\r2 - قسمة رضائية: وهي التي يفعلها الشركاء بالتراضي، وهي تعتبر عقداً من العقود، ركنها ككل عقد: هو الإيجاب والقبول، ومحلها: العين المشتركة التي يجوز الاتفاق على قسمتها (4) .\rوكل واحد منهما على نوعين:\r1 - قسمة تفريق أو فرد: وهي تخصيص كل شريك بحصة جزئية معينة من المال المشترك، كقسمة دار كبيرة بين شريكين أو ثلاثة، يختص كل واحد منهم بنصف أو بثلث. وهي تحدث في كل ما لا ضرر في تبعيضه بالشريكين كالمكيل والموزون والعددي المتقارب، سواء قسمة رضا أو قسمة جبر.\r2 - وقسمة جمع: وهي أن يجمع نصيب كل شريك في عين على حدة (5) ، كأن يكون الشيء المشترك أقطاناً بين شريكين، فيتقاسمان، على أن يختص أحدهما بكمية منها والآخر بالباقي. وهي جائزة في جنس واحد، ولا تجوز في\r-------------------------------\r(1) المغني: 114/5، 129، كشاف القناع: 365/6.\r(2) البدائع: 19/7-22.\r(3) رد المحتار: 184/5.\r(4) قسمة الرضى في المادة (1121) مجلة هي «القسمة التي تجري بين المتقاسمين في الملك بالتراضي أو برضا الكل عند القاضي» وقسمة القضاء في المادة (1122) هي «تقسيم القاضي الملك المشترك جبراً وحكماً بطلب بعض المقسوم لهم» .\r(5) عرفت المادة (1115) من المجلة هذين النوعين، فقالت: قسمة التفريق: هي تعيين الحصص الشائعة في العين الواحدة المشتركة في أقسامها، مثل قسمة عرصة - أي ساحة -بين اثنين. وقسمة الجمع: هي جمع الحصص الشائعة في كل فرد من أفراد الأعيان في أقسامها، مثل قسمة ثلاثين شاة مشتركة بين ثلاثة: عشرة لكل واحد منهم.","part":6,"page":512},{"id":4108,"text":"جنسين مختلفين، فتصح في المثليات وهي المكيلات والموزونات والعدديات المتقاربة كأصناف الحنطة، ولا تصح في جنسين من المكيل والموزون والمذروع والعددي كالحنطة والشعير، والقطن والحديد، والجوز واللوز، واللآلئ واليواقيت. وتصح بين أفراد الإبل، أو أفراد البقر، أو أفراد الغنم، أي في ضمن الجنس الواحد، والتفاوت القليل ملحق بالعدم.\rولا تصح بين خيل وإبل، أو بين بقر وغنم، لاختلاف الجنس، فيتضرر أحدهما.\rولا تقسم الدور والأراضي المتعددة عند أبي حنيفة قسمة جمع منعاً للضرر، لوجود التفاوت الفاحش بين دار ودار، وأرض وأرض، بسبب اختلاف البناء والبقاع، فتعتبر في حكم جنسين مختلفين.\rوعند الصاحبين: تجوز قسمة الدور والأراضي قسمة جمع، ويعدل ما فيها من التفاوت بالقيمة. ولا تقسم الدار والضيعة (الأرض)، أو الدار والحانوت المشتركتان قسمة جمع باتفاق الحنفية، بل يقسم كل واحد على حدة، لاختلاف الجنس.\rوقال المالكية (1) : قسمة الرقاب أو الأعيان نوعان: قسمة مراضاة وقسمة قرعة.\rأما قسمة المراضاة: فهي أن يتراضيا على أن كل واحد يأخذ شيئاً مما هو مشترك بين الشريكين، يرضى به بلا قرعة. وهي كالبيع، فمن رضي بشيء منه، ملك ذاته، وليس له رده إلا بتراضيهما كالإقالة، ولا رد فيها بالغبن إلا إذا أدخلا بينهما مقوماً. وتصح في متحد الجنس كالثياب، أو في مختلف الجنس كثوب ودابة.\r-------------------------------\r(1) الشرح الصغير: 662/3-664، القوانين الفقهية: ص 284 وما بعدها.","part":6,"page":513},{"id":4109,"text":"وأما قسمة القرعة: فهي تمييز حق مشاع بين الشركاء، لا بيع. فيرد فيها بالغبن، ولا بد فيها من مقوم، ويجبر عليها من أباها، ولا تكون إلا فيما تماثل أو تجانس، ولا يجوز فيها الجمع بين حظ اثنين.\rوقال الشافعية (1) : القسمة ثلاثة أنواع؛ لأن المقسوم إن تساوت الأنصباء منه صورة وقيمة فهو الأول، وإلا، فإن لم يحتج إلى رد شيء فالثاني، وإلا فالثالث.\r1 - قسمة الإفراز (أو قسمة الأجزاء أو قسمة المتشابهات): وهي إفراز حق كل من الشركاء، فهي تمييز للحق لا بيع. وتحدث فيما لا ضرر فيه، كالمثليات من حبوب ودراهم وأدهان، ودور متفقة الأبنية، وأرض مستوية الأجزاء. ويجري فيها الإجبار، فيلزم الشريك بالقسمة بطلب شريكه، إذ لا ضرر عليه فيها، فيجزأ ما يقسم كيلاً في المكيل، ووزناً في الموزون، وذرعاً في المذروع، وعدّاً في المعدود بعدد الأنصباء إن استوت. ثم بعدئذ يقرع بين الأنصباء لتعيين كل نصيب منها لأحد الشركاء.\r2 - قسمة التعديل للسهام: وهي أن تعدل الأنصباء المختلفة بالقيمة، لتحقيق المساواة بين الشركاء، كأرض تختلف قيمة أجزائها بسبب قوة إنبات، أو قرب ماء ونحوهما، أو يختلف جنس ما فيها، كبستان بعضه نخل، وبعضه عنب. فإذا كانت الأرض مناصفة بين شريكين، وكانت قيمة ثلثها المشتمل على ما ذكر كقيمة الثلثين الباقيين، فيجعل الثلث سهماً، والثلثان سهماً، ويقرع بينهما كما سبق.\rويجري فيها الإجبار، فيلزم الشريك بالقسمة بطلب شريكه، كما في النوع الأول، فإن أمكن قسم الجيد وحده، والرديء وحده، لم يجبر الشريك على التعديل.\r-------------------------------\r(1) حاشية الباجوري: 352/2-354، بجيرمي الخطيب: 341/4-344.","part":6,"page":514},{"id":4110,"text":"ويجبر الشريكان على هذه القسمة في منقولات متحدة القيمة، مختلفة الصفة، كثياب من نوع واحد، كما يجبران عليها في نحو دكاكين صغيرة متلاصقة، متماثلة الأعيان أو الذوات، للحاجة إلى القسمة، بخلاف نحو الدكاكين الكبيرة، أو الصغيرة غير المتلاصقة لشدة اختلاف الأغراض، أو المقاصد باختلاف المحالّ والأبنية.\r3 - قسمة الرد: وهي التي تحتاج إلى رد مال أجنبي عن ذات المقسوم، كأن يكون بأحد جانبي الأرض المشتركة بئر أو شجر مثلاً، لا يمكن قسمته، فيردّ من يأخذه بالقسمة الناتجة عن القرعة قسط قيمة البئر أو الشجر. فلو كانت قيمة البئر أو الشجر ألفاً، وحصته النصف، رد الآخذ خمس مئة. ولا يجري فيها الإجبار.\rويعتبر النوع الأول إفرازاً للحق، لا بيعاً، والنوعان الآخران بيعاً.\rوبه يتبين أن القسمة عند الشافعية كغيرهم نوعان رئيسيان: قسمة إجبار، وقسمة تراض.\rوقال الحنابلة (1) كما قال الحنفية: القسمة نوعان:\r1 - قسمة تراض: لا تجوز إلا برضا الشركاء كلهم: وهي التي فيها ضرر، ورد عوض من أحدهما على الآخر، كالدور الصغيرة، والحمام والطاحون الصغيرين، والدكاكين اللطاف الضيقة. ولا إجبار فيها، فإن طلب أحد الشريكين\r-------------------------------\r(1) كشاف القناع: 364/6، 369.","part":6,"page":515},{"id":4111,"text":"قسمة بعضها في مقابلة بعض، لم يجبر الآخر؛ لأن كل عين منها تختص باسم وصورة. وهي تشبه قسمة الرد عند الشافعية، بدليل أن الحنابلة قالوا: كل ما لا يمكن قَسْمه بالأجزاء، أو التعديل، لا يقسم بغير رضا الشركاء كلهم. وحكم قسمة التراضي كالبيع، أي كما قال الشافعية؛ لأن صاحب الزائد بذل المال عوضاً عما حصل له من حق شريكه، وهذا هو البيع، والبيع محصور فيما يقابل الرد (أي العوض الذي رد من أحدهما على الآخر) وإفراز في الباقي، كما تبين في صفة القسمة.وإذا كانت هذه القسمة بيعاً، فلا يجوز فيها ما لا يجوز في البيع، ولا يجبر عليها الممتنع منها، لحديث ابن عباس مرفوعاً: «لا ضرر ولا ضرار» (1) .\r2 - وقسمة الإجبار: ما لا ضرر فيها على الشريكين، ولا على أحدهما، ولا رد عوض، كأرض واسعة وقريبة، وبستان ودار كبيرة، ودكان واسع ونحوها، سواء أكانت متساوية الأجزاء أم لا.\rوتحدث إن أمكن قسمتها بتعديل السهام من غير شيء يجعل معها، فإن لم يمكن تعديل السهام إلا بجعل شيء معها، فلا إجبار، لأنه معاوضة، فلا يجبر عليها من امتنع منها، كسائر المعاوضات.\rومن أمثلتها: قسمة مكيل أو موزون من جنس واحد، كدهن من زيت وسيرج وغيرهما، ولبن ودبس وخل وتمر وعنب ونحوهما، وسائر الحبوب والثمار المكيلة. وإذا طلب أحد الشركاء القسمة في المذكورات وأبى الشريك الآخر، أجبر الممتنع، ولو كان ولياً على صاحب الحصة؛ لأنه يتضمن إزالة الضرر الحاصل بالشركة، وحصول النفع للشريكين، فيمكنهما التصرف بالحصص، أو الاستثمار بأي طريق يختاره الشريك.\r-------------------------------\r(1) رواه أحمد وابن ماجه والدارقطني، قال النووي: حديث حسن، وله طرق يقوي بعضها بعضاً.","part":6,"page":516},{"id":4112,"text":"المبحث الثالث ـ شروط القسمة :\rفيه مطلبان: الأول ـ في شروط قسمة التراضي، والثاني ـ في شروط قسمة الإجبار.\rالمطلب الأول ـ شروط قسمة التراضي :\rاشترط الحنفية شروطاً في قسمة التراضي هي ما يأتي (1) :\r1 - أهلية المتقاسمين: وهي العقل فقط، فلا يجوز قسمة المجنون والصبي الذي لا يعقل (غير المميز)؛ لأن القسمة عقد متردد بين الضرر والنفع وفيها معنى البيع، فيشترط فيها ما يشترط في البيع.\rولا يشترط البلوغ عند الحنفية، فتجوز قسمة الصبي العاقل (المميز) بإذن وليه، كما لا يشترط الإسلام والذكورة والحرية لجواز القسمة، فتجوز قسمة الذمي والمرأة والعبد المكاتب والمأذون، لجواز البيع منهم.\r2 - الملك أو الولاية: فلا تجوز القسمة بدونهما.\rأما الملك: فهو أن يكون القاسم مالكاً عين ما يقسمه وقت القسمة، فيقسمه الشركاء بالتراضي، فإن لم يكن المقسوم مملوكاً للقاسم، لا تجوز القسمة؛ لأن القسمة إفراز بعض الأنصباء، ومبادلة البعض، وكل ذلك لا يصح إلا في الشيء المملوك (2) . وبناء عليه: لا تصح عند الحنفية قسمة الديون المشتركة قبل القبض؛ لأنها لا تملك إلا بالقبض؛ لأن الدين في حكم المعدوم، ووجوده اعتباري، والمقسوم يشترط فيه كونه عيناً. ويترتب عليه أيضاً أن قسمة الفضولي موقوفة على الإجازة قولاً أو فعلاً.\rوأما الولاية: فهي ولاية القرابة المالية، بأن يكون القاسم ذا ولاية مالية على الصغير والمجنون والمعتوه، وهو الأب ووصيه، والجد ووصيّه. والقاعدة في هذه الولاية: أن كل من له ولاية البيع، فله ولاية القسمة، ومن لا فلا، ولهؤلاء ولاية البيع، فلهم ولاية القسمة.\rوأما وصي الأم، ووصي الأخ والعم، فيقسم المنقول، دون العقار؛ لأن له ولاية بيع المنقول، دون العقار.\rولا يقسم وصي الميت على الموصى له، لانعدام ولايته عليه، وكذا لا يقسم الورثة عليه، لانعدام ولايتهم عليهم؛ لأن الموصى له كواحد من الورثة. وكذا لا يقسم بعض الورثة على بعض، لانعدام الولاية فيما بينهم.\r-------------------------------\r(1) البدائع: 18/7، 19، 22.\r(2) البدائع: 24/7، م (1123، 1125، 1126) مجلة.","part":6,"page":517},{"id":4113,"text":"3 - حضور الشركاء أو نوابهم: فلا تصح القسمة على غائب، وتنقض القسمة، لو اقتسم الشركاء، وأحدهم غائب. هذا في قسمة التراضي. أما في قسمة القاضي، فتنفذ القسمة ولا تنقض.\r4 - رضا الشركاء فيما يقسمونه بأنفسهم: إذا كانوا من أهل الرضا أو رضا من يقوم مقامهم. فإن لم يوجد الرضا لا تصح القسمة، فلو كان في الورثة صغير لا وصي له، أو كبير غائب، فاقتسموا فالقسمة باطلة؛ لأن القسمة فيها معنى\rالبيع، كما تقدم، وقسمة الرضا ـ عند الحنفية ـ أشبه بالبيع، وكما لا يصح البيع إلا بالتراضي، لا تصح القسمة إلا به.\rوإذا لم يكن شريك من أهل الرضا، كالصبي والمجنون، قام وليه أو وصيه مقامه. وإذا لم يكن للصغير ونحوه ولي ولا وصي، كان موقوفاً على أمر الحاكم، فينصب وصي من طرف الحاكم ليقسم بمعرفته (1) .\rوكذلك قال الشافعية (2) : يشترط في قسمة التراضي بأنواعها من رد وغيره رضا الشركاء حتى بعد خروج القرعة، ولو ثبت بحجة غلط أو حيف في قسمة الإجبار أو قسمة التراضي التي تكون بالإفراز، نقضت القسمة بنوعيها، فإن كانت بالتعديل أو بالرد، لم تنقض، لأنها بيع.\rالمطلب الثاني ـ شروط قسمة الإجبار أو التقاضي :\rيشترط لقسمة القضاء أو القسمة الجبرية ما يأتي:\rالشرط الأول ـ طلب أحد الشركاء أو كلهم من القاضي قسمة المشترك: فلا تجوز القسمة من غير طلب أصلاً؛ لأنها تصرف في ملك الآخرين، وهو أمر محظور شرعاً (3) . وإذا طلب شريك وأبى الآخر، يقسم الشيء المشترك جبراً بين الشركاء إذا كان قابلاً للقسمة (4) دفعاً للضرر، كالتملك بالشفعة دفعاً لضرر الشفيع.\r-------------------------------\r(1) الدر المختار: 180/5، م (1128) مجلة.\r(2) بجيرمي الخطيب: 344/4.\r(3) الدر المختار: 179/5، البدائع: 18/7، 22، 28، م (1129، 1130) مجلة.\r(4) قابل القسمة: هو المال المشترك الصالح للتقسيم، بحيث لا تفوت المنفعة المقصودة من ذلك المال بالقسمة (م 1131) مجلة.","part":6,"page":518},{"id":4114,"text":"فإن لم يكن قابلاً للقسمة، تناوب الشركاء في الانتفاع بطريق المهايأة.\rوالخلاصة: أنه تجب القسمة عند الطلب، إلا إذا كان الطالب قاصداً الضرر، فلا تجب، كما سيبين في الشرط الثاني.\rالشرط الثاني ـ ألا يترتب على القسمة ضرر: وهذه في قسمة التفريق، لأنه إذا كان في القسمة ضرر لم تتحقق المنفعة المطلوبة من المال.\rويتضح هذا الشرط في معرفة طبيعة المال، والمال في هذا الشأن نوعان (1) :\rأ ـ إن كان المال مما لا ضرر في تبعيضه أو تجزئته، بل فيه منفعة للشريكين، كالمكيل والموزون والعددي المتقارب، فتجوز قسمة التفريق قسمة جبر، ويجبر القاضي من أبى من الشركاء على قبولها تحقيقاً لمصلحة الطرفين.\rب ـ وإن كان في القسمة ضرر: فإن أضرّت بكل واحد من الشريكين لم تجز قسمة الجبر في المال المشترك كاللؤلؤ والياقوت والثوب الواحد والسرج والقوس والمصحف الكريم، والخيمة والحائط، والحمام والبيت، أو الحانوت الصغير، والفرس والجمل والشاة والبقرة؛ لأن الضرر يلحق بالشريكين معاً، والقاضي لا يملك الجبر على الإضرار.\rوأما إن أضرّت القسمة بأحد الشريكين دون الآخر، كالأرض المشتركة بين شريكين ولأحدهما حصة قليلة، وللآخر الأكثر، فتجب القسمة إن طلبها صاحب الأكثر، إزالة للشيوع ومنعاً من الضرر، فهو ينتفع بنصيبه، فيجاب طلبه؛ لأن الحق لا يبطل بتضرر الغير. وإن طلبها صاحب الحصة القليلة: ففيه رأيان:\rرأي الحاكم الشهيد في مختصره الكافي: إنه يقسم المال المشترك، إذ لا ضرر على صاحب الكثير، بل له فيه منفعة، وصاحب القليل قد رضي بالضرر، حيث طلب القسمة، فيجبر على القسمة.\r-------------------------------\r(1) البدائع: 19/7-21، تبيين الحقائق: 268/5 وما بعدها.","part":6,"page":519},{"id":4115,"text":"ورأى القدوري في الكتاب: لا يقسم؛ لأن صاحب القليل متعنِّت في طلب القسمة، لكون القسمة ضرراً محضاً في حقه، فلا يعتبر طلبه، وقسمة الجبر لاتشرع بدون الطلب. وهذا هو الأصح.\rوإن كانت حصة كل من الشريكين قليلة، لم يقسم القاضي بينهما، إلا بتراضيهما؛ لأن الجبر على القسمة لتكميل المنفعة، وفي هذا تفويتها، وإنما تجوز القسمة بتراضيهما؛ لأن الحق لهما وهما أعرف بشأنهما (1) .\rومذهب الشافعية في قسمة الضرر والجبر قريب من مذهب الحنفية، قالوا (2) : إن ما عظم ضرر قسمته: إن بطل نفعه الحالي المقصود منه بالكلية كجوهرة وثوب نفيسين، منعهم الحاكم منها، وانتفعوابه مهايأة.\rوإن لم يبطل نفعه بالكلية، كأن ينقص نفعه كسيف يكسر، أو أبطل نفعه المقصود، كحمام وطاحونة صغيرين، لم يمنعهم ولم يجبهم إلى القسمة، لما فيه من إضاعة المال.\rولو كان هناك مال مشترك بين اثنين، لأحدهما حصة قليلة، كعشر دار أو حمام، أو أرض، وللآخر الأكثر وهو الباقي، أجبر صاحب الأقل على القسمة، بطلب الآخر لا عكسه.\r-------------------------------\r(1) الكتاب مع اللباب: 94/4 وما بعدها، البدائع: 28/7.\r(2) بجيرمي الخطيب: 340/4 وما بعدها.","part":6,"page":520},{"id":4116,"text":"وكذلك قال الحنابلة (1) : يجبر الحاكم على القسمة إذا كان المال قابلاً للقسمة، وأمكن انتفاع الشريكين به مقسوماً، أي إنه يشترط لصحة القسمة عندهم ألا يكون فيها ضرر، فإن كان فيها ضرر، لم يجبر الممتنع لقول النبي صلّى الله عليه وسلم : «لا ضرر ولا ضرار» .\rوالضرر المانع من القسمة عند الشافعي وأحمد: هو أن تنقص قيمة نصيب كل شريك بالقسمة عن حال الشركة، سواء انتفعوا به مقسوماً أم لم ينتفعوا؛ لأن نقص قيمته ضرر، والضرر منفي شرعاً.\rوقال المالكية (2) : إن كان الشيء المشترك مما يحتمل القسمة بلا ضرر كالأرضين وغيرها، أجبر على القسمة من أباها، وإما إذا كان المال المشترك غير قابل للقسمة كحانوت وبيت صغير وسيف، فيباع ويوزع ثمنه بين الشريكين بحسب الحصة، ويجبر على البيع من أباه من الشركاء، بشروط أربعة وهي:\r1 - أن تنقص حصة مريد البيع لو باعها مفردة عن حصة شريكه، فإن لم تنقص لو بيعت مفردة لم يجبر له الآبي عن البيع، لعدم الضرر، كما لا يجبر فيما يقبل القسمة، أي في المال المثلي.\r2 - ألا يلتزم رافض البيع لشريكه بتحمل فرق النقصان.\r3 - ألا يملك مريد البيع حصته مفردة: فإن ملكها مفردة، وأراد بيعها، وأبى صاحبه من البيع معه، لم يجبر على البيع معه، وعلى هذا فإن تملك الشريكان المال المشترك معاً بإرث أو شراء أو غيرهما، جاز إجبار الممتنع على البيع.\r4 - ألا يكون المال المشترك متخذاً للاستغلال أي الكراء، أو مشترىً للتجارة فإن كان متخذاً للغلة، أو اشتروه للانتفاع في غير غلة ولو للتجارة على المعتمد، لم يجبر الآبي على البيع، مع من أراد البيع.\r-------------------------------\r(1) المغني: 115/5 ومابعدها.\r(2) الشرح الصغير: 678/3 وما بعدها، القوانين الفقهية: ص 285.","part":6,"page":521},{"id":4117,"text":"الشرط الثالث ـ أن تكون القسمة عادلة، غير جائرة، لأن القسمة إفراز بعض الأنصباء، ومبادلة البعض بالبعض، ومبنى المبادلات على المراضاة، فإذا وقعت جائرة لم يوجد التراضي، ولا إفراز النصيب على نحو كامل، لبقاء الشركة في جزء ما، فتعاد (1) .\rوبناء عليه لو ظهر في القسمة غلط أو غبن فاحش، بطلت القسمة.\rالشرط الرابع ـ أن يكون المال المشترك في قسمة الجمع (2) من جنس واحد، كالمثلي من حنطة أو قطن أو جوز. فإن كان من أجناس مختلفة كالحنطة والشعير، والقطن والحديد، والجوز واللوز، واللآلئ واليواقيت، وأنواع الحيوان كالخيل مع الإبل، لم تجز القسمة؛ لأن قسمة الجمع عند اتحاد الجنس تقع وسيلةإلى تحقيق المقصود منها، وهو تكميل منافع الملك. وعند اختلاف الجنس تقع تفويتاً للمنفعة، لا تكميلاً لها.\rوكذا الدور والأراضي والكروم (حقول العنب) لا تقسم قسمة جمع عند أبي حنيفة للتفاوت الفاحش بين دار ودار وأرض، بسبب اختلاف الدور والأراضي في بنائها وموقعها، فتعتبر في حكم جنسين مختلفين؛ لأن المعتبر والمقصود في الدور والأراضي هو المعنى، فتقسم قسمة تفريق (3) عنده.\rوقال الصاحبان: تقسم الدور ونحوها قسمة جمع، لأنها من جنس واحد من حيث الصورة وأصل السكنى، وإن كانت أجناساً متعددة من حيث اختلاف المقاصد، ويمكن تعديل التفاوت فيها بالقيمة، وينظر القاضي في الأمر بما يحقق المصلحة.\rواتفق أئمة الحنفية على أنه يقسم البيتان (الغرفتان) قسمة جمع، سواء أكانا متصلين أم منفصلين (4) .\rهذا ما يقوله متقدمو الحنفية، وأما في زماننا فإن المنازل والبيوت كالدور تتفاوت تفاوتاً فاحشاً، فلا تقسم قسمة جمع، وإنما تقسم قسمة تفريق.\rالمبحث الرابع ـ كيفية القسمة :\rأبان الحنفية كيفية القسمة وإجراءاتها التي يتبعها القاسم على النحو التالي (5) ، وهو في تقديري مجرد اجتهاد يتغير بحسب العصور.\r1 - يمسح القاسم الأرض، لحفظ الخريطة، ورفعها للقاضي، ويقوّم البناء ليعرف كل شريك قيمة نصيبه.\r-------------------------------\r(1) البدائع: 26/7، م(1127) مجلة.\r(2) قسمة الجمع كما تقدم: هي أن يجمع نصيب كل واحد من الشريكين في عين على حدة.\r(3) قسمة التفريق: أن يقسم كل فرد من أفراد المال المشترك على حدة، ويعين نصيب المتقاسمين فيه.\r(4) البدائع: 21/7 وما بعدها، تبيين الحقائق: 270/5، م (1132-1142) من المجلة.\r(5) تكملة الفتح: 14/8 وما بعدها، تبيين الحقائق: 270/5، اللباب شرح الكتاب: 100/4 وما بعدها، م (1151) مجلة. وانظر تلك الإجراءات في المذاهب الأخرى في المهذب: 308/2 وما بعدها، المغني: 123/9، الشرح الصغير: 675/3 وما بعدها.","part":6,"page":522},{"id":4118,"text":"2 - يفرز كل نصيب عن غيره مع ارتفاقاته من طريق ونحوه على حدة، ليتحقق معنى التمييز والإفراز تمام التحقيق، ويمنع تعلق نصيب كل شريك بنصيب الآخر.\r3 - تحدد الأنصباء بالأرقام المتوالية، ويطلق على كل نصيب اسم «السهم» .\r4 - تسجل أسماء المتقاسمين في أوراق متساوية مستقلة، وتوضع في وعاء أو نحوه، ثم يقرع بينهم على سبيل الندب والاستحسان، تطييباً للقلوب، وبعداً عن تهمة الميل والتحيز لأحد الشركاء، فمن خرج اسمه أولاً، فله السهم الملقب بالأول، ويعطى من خرج اسمه ثانياً السهم الثاني، وهكذا... إذا اتحدت مقادير السهام.\rفلو اختلفت السهام ـ بأن كانت بين ثلاثة مثلاً، لأحدهم عشرة أسهم، ولآخر خمسة أسهم، ولآخر سهم ـ جعلها القاسم ستة عشر سهماً، وكتب أسماء الثلاثة، فإن خرج أولاً اسم صاحب العشرة، أعطاه السهم الأول، وتسعة متصلة به، لتكون سهامه متصلة مع بعضها، وهكذا حتى يتم التوزيع.\rوالقرعة مندوبة عند الحنفية، فلو عين القاسم لكل شريك نصيبه، من غير اقتراع، جاز؛ لأن عمله في معنى القضاء، فيملك إلزام كل شريك بنصيبه.\r5 - آلة القسمة: نصت المادة (1147) مجلة على ذلك، فقالت: المال المشترك: إن كان من المكيلات، فبالكيل، أو من الموزونات فبالوزن، أو من العدديات فبالعدد، أو من الذرعيات فبالذراع يصير تقسيمه. ونصت المادة (1148) مجلة على أنه: حيث كانت العرصة والأراضي من الذرعيات، فتقسم بالذرع، أما ما عليها من الأشجار والأبنية، فيقسم بتقدير القيمة.","part":6,"page":523},{"id":4119,"text":"تعديل القسمة بالنقود :\rأجاز الشافعية والحنابلة كما تقدم تعديل القسمة بالقيمة والنقود في غير الأموال المثلية، مما لا يقبل الإفراز، كأرض تختلف قيمة أجزائها (1) ، وهذا مذهب المالكية أيضاً كما سيأتي بيانه.\rأما الحنفية فلم يجيزوا في قسمة التقاضي قسمة تفريق إدخال النقود (الدراهم والدنانير) في القسمة، إلا بتراضي الشركاء فيما بينهم؛ لأن القسمة تجري في المشترك والمشترك بينهما العقار، لا النقود، فلو كان بين اثنين دار، وأراد قسمتها، وكان في أحد الجانبين فضل بناء، فأراد أحدهما أن يكون عوض البناء دراهم، وأراد الآخر أن يكون عوضه عن الأرض، فإنه يجعل عوضه من الأرض،ولا يكلف الذي وقع البناء في نصيبه أن يرد دراهم بدلاً عن الزيادة، إلا بالتراضي، لما في القسمة من معنى المبادلة، فيجوز دخول الدراهم فيها بالتراضي دون جبر القاضي، إلا إذا تعذر، فحينئذ للقاضي التعديل بالدراهم، للضرورة (2) .\rنماذج من القسمة: أبان الفقهاء أهم حالات القسمة، وهي كيفية قسمة الدور، والأرض والبناء، والدار والضيعة (الأرض العرصة غير المبنية)، والدار والحانوت والسفل والعلو، والطريق.\rالمطلب الأول ـ قسمة الدور :\rاتفق الحنفية (3) : على أنه إذا كانت الدور المشتركة في بلدين، فلا تجتمع في القسمة، وتقسم دار كل بلد على حدة.\rأما إذا كانت الدور المشتركة في بلد واحد، فتقسم أيضاً عند أبي حنيفة كل دار على حدة؛ لأن الدور أجناس مختلفة، لاختلاف المقاصد باختلاف المحالّ (المواقع) والجيران، والقرب من المسجد والماء والسوق مثلاً، فلا يمكن التعديل في\r-------------------------------\r(1) بجيرمي الخطيب: 343/4، كشاف القناع: 373/6.\r\r(2) تكملة الفتح: 15/8، تبيين الحقائق: 271/5، اللباب: 101/4، البدائع: 19/7، م(1149) مجلة.\r(3) تكملة الفتح: 13/8، تبيين الحقائق: 270/5، البدائع: 22/7، اللباب: 98/4 وما بعدها، الدر المختار ورد المحتار: 184/5.","part":6,"page":524},{"id":4120,"text":"القسمة وإنما تقسم قسمة تفريق، ولا يضم بعض الأنصبة إلى بعض، إلا إذا تراضوا. وهذا هو الصحيح عند الحنفية.\rوقال الصاحبان: الرأي في هذه القسمة (وهي قسمة التقاضي) إلى القاضي، يفعل ما يراه الأصلح، فإن وجد الأصلح للشركاء في قسمة جمع، بأن يجمع حصة كل شريك في دار، فعل، وإن وجد الأصلح في قسمة التفريق بأن يقسم كل دار على حدة، فعل؛ لأن الدور ـ في رأيهما ـ من جنس واحد من حيث الاسم والصورة، وأصل السكن، فيفوض الأمر إلى القاضي لاختيار الأصلح من القسمة: إما قسمة الجمع أو قسمة التفريق.\rوهذا الخلاف بين الإمام وصاحبيه جارٍ في قسمة الدار الواحدة. فعند الإمام: لا تقسم قسمة جمع إلا بالتراضي. وعند الصاحبين: يفوض الأمر إلى القاضي، ليحقق المصلحة والعدل في اختيار نوع القسمة.\rوأما البيوت (الغرف) فتقسم باتفاق الحنفية قسمة جمع، سواء أكانت متباينة أم متلاصقة، لتقاربها في معنى السكنى (1) .\rوالشافعية يرون أن الدار المختلفة الأبنية تقسم قسمة تعديل بالقيمة، لاختلاف الأغراض باختلاف المحالّ والأبنية (2) .\r-------------------------------\r(1) يتلخص مذهب الحنفية فيما يلي: قال في الدرر: ههنا أمور ثلاثة: الدور، والبيوت، والمنازل، فالدور متلازمة كانت أو متفرقة: لا تقسم قسمة واحدة إلا بالتراضي. والبيوت تقسم مطلقاً لتقاربها في معنى السكنى، والمنازل: إن كانت مجتمعة في دار واحدة، متلاصقاً بعضها ببعض، قسمت قسمة واحدة، أي قسمة جمع، وإلا فلا، لأن المنزل أصغر من الدار، وأ كبر من البيت، ففيه بيتان أو ثلاثة، والبيت مسقف واحد له دهليز، فألحقت المنازل بالبيوت إذا كانت متلاصقة، وبالدور إذا كانت متباينة. وقال الصاحبان في كل ما ذكر: ينظر القاضي إلى أعدل الوجوه، ويمضي على ذلك. هذا رأي متقدمي الحنفية. وقال متأخرو الحنفية: لعل هذا في زمانهم، وإلا فالمنازل والبيوت، ولو من دار واحدة تتفاوت تفاوتاً فاحشاً في زماننا (رد المحتار: 184/5، اللباب: 99/4).\r(2) بجيرمي الخطيب: 344/4.","part":6,"page":525},{"id":4121,"text":"وكذلك قال المالكية: تقسم الدور بالتراضي، أو بالسهام على أن تعدل بالقيمة (1) .\rولا تقسم الحمام والبئر والرحى والحائط المشترك إلا بتراضي الشركاء، باتفاق الحنفية منعاً للضرر بكل شريك.\rالمطلب الثاني ـ الأرض والبناء :\rإذا كان المال المشترك أرضاً عليها بناء، ففي كيفية قسمتها أقوال ثلاثة عند الحنفية (2) .\r1 - قال أبو حنيفة: تقسم الأرض بالمساحة، لأنه هو الأصل في الممسوحات، ثم يردّ من وقع البناء في نصيبه، أو من كان نصيبه أجود، دراهم، على الآخر، حتى يساويه، فتدخل الدراهم في القسمة ضرورة؛ لأن قسمة التقاضي جبراً لا يدخل فيها النقود في أصل مذهب الحنفية، وهنا دخلت للضرورة، كما في ولاية الأخ على أخيه الصغير، ليست له عليه ولاية مالية، ولكن إذا زوجه، ملك تسمية الصداق، لضرورة التزويج. وهذا الرأي يتفق مع قسمة الرد عند الشافعية.\r2 - وقال أبو يوسف: تقسم الأرض والبناء، باعتبار القيمة، لأنه لا يمكن اعتبار المعادلة إلا بالتقويم. وهذا يتفق مع رأي الشافعية في قسمة التعديل.\r3 - وقال محمد: يرد الشريك على شريكه بمقابلة البناء ما يساويه من العرصة (الأرض) (3) وإذا بقي فضل، ولم يمكن تحقيق التسوية، بأن كانت العرصة لا تفي بقيمة البناء، فيرد على شريكه دراهم بمقدار الفضل (الزيادة)؛ لأن الضرورة تقدر بقدرها، وهي هنا في هذا المقدار، فلا يترك الأصل (وهو التقسيم باعتبار المساحة) إلا بمقدار الضرورة الحاصلة.\r-------------------------------\r(1) بداية المجتهد: 262/2.\r(2) تكملة الفتح: 15/8.\r(3) العرصة:بسكون الراء:كل بقعة بين الدور واسعة ليس فيها بناء، أو ساحة الدار، والجمع عَرَصات.","part":6,"page":526},{"id":4122,"text":"المطلب الثالث ـ الدار والضيعة، والدار والحانوت :\rالضيعة: أرض غير مبنية، والحانوت: الدكان.\rقال الحنفية: إذا كان المال المشترك داراً مع ضيعة، أو داراً مع حانوت، قسم القاضي كلاً منها على حدة، قسمة تفريق، لا قسمة جمع؛ لأنها أجناس مختلفة، أو في حكم الأجناس المختلفة. ومثل الدور: الأقرحة جمع قَراح: وهي قطعة من الأرض على حيالها، لا شجر فيها ولا بناء، أي إنها أرض مخلاة للزرع وليس عليها بناء.\rوتقسم الأرض (العرصة) بالذراع ونحوه، وتقسم الدار بالقيمة (1) .\rالمطلب الرابع ـ السُفْل والعُلْو :\rإذا كان الذي يراد قسمته، بعضه سفل ليس فوقه علو، أو فوقه علو للغير، وبعضه علو لا سفل له، بأن كان السفل للغير، وبعضه سفل له علو، وكل ذلك في دار واحدة، أو في دارين، قوّم كل واحد من السفل والعلو على حدة، وقسم بواسطة القاضي بالقيمة، ولا يعتبر غير ذلك؛ لأن كلاً منهما يصلح لما لا يصلح له الآخر، فصارا بمثابة جنسين مختلفين، وهذا يقتضي القسمة بالقيمة، ليتحقق التعديل.\rوهذا رأي محمد، وهو الذي اختاره المشايخ، وعليه الفتوى.\r-------------------------------\r(1) تكملة الفتح: 13/8، تبيين الحقائق: 270/5، الدر المختار ورد المحتار: 184/5، اللباب: 99/4، البدائع: 22/7، م (1148) مجلة.","part":6,"page":527},{"id":4123,"text":"وقال الشيخان (أبو حنيفة وأبو يوسف): يقسم ذلك بالذَّرْع؛ لأن السفل والعلو من المذروعات. ثم اختلفا في كيفية تلك القسمة، فقال أبو حنيفة: ذراع من السفل بذراعين من العلو. وقال أبو يوسف: ذراع بذراع. ثم قيل: كل منهما على عادة أهل عصره (1) .\rوقال الحنابلة (2) : إن كان بين الشريكين دار لها علو وسفل، فطلب أحدهما قسمها، لأحدهما العلو وللآخر السفل، فلا إجبار. أو طلب أحد الشريكين قسمة السفل دون العلو أو عكسه، فلا إجبار أيضاً؛ لأن كل واحد منهما مسكن منفرد، ولأن أحدهما قد يتضرر بالقسمة.\rولو طلب أحدهما قسمة كل من ا العلو والسفل على حدة ، فلا إجبار أيضاً، لما فيه من الضرر.\rولو طلب أحدهما قسمة العلو والسفل معاً، ولا ضرر، ولا رد عوض، وجب قبول القسمة، وأجبر الممتنع، وعدل بالقيمة؛ لأنه أحوط؛ أي كما هو المفتى به عند الحنفية.\rولا يجعل ذراع أسفل بذراعي علو، ولا عكسه، ولا ذراع بذراع، إلا أن يتراضى الشريكان على القسمة.\rالمطلب الخامس ـ قسمة الطريق :\rقد تثور عدة مشكلات في شأن قسمة الطريق منها:\rأولاً ـ مصير الطريق ونحوه من الارتفاقات :\rلو قسم القسّام الدار المشتركة بين الشريكين، ولأحدهما مسيل ماء في ملك الآخر، أو طريق أو نحوه، ولم يتفق على الارتفاق في القسمة (3) :\rأ ـ فإن أمكن صرف الطريق والمسيل عن نصيب شريكه، أي الاستغناء عنه بوسيلةأخرى، وجب التحويل والصرف، فليس له بعدئذ أن يستطرق، ويسيل في نصيب الشريك الآخر، لأنه أمكن تحقيق القسمة من غير ضرر.\rب ـ وإن لم يمكن الصرف فسخت القسمة؛ لأنها مختلفة، لبقاء الاختلاط بين الحصص، فتستأنف القسمة.\rثانياً ـ اختلاف الشركاء في إلغاء الطريق :\rلو اختلف الشركاء حول إلغاء الطريق بينهم في القسمة، نظر الحاكم في أمره.\r-------------------------------\r(1) تكملة الفتح: 17/8، تبيين الحقائق: 272/5، اللباب: 102/4، الدر المختار: 185/5.\r(2) كشاف القناع: 267/6.\r(3) تبيين الحقائق: 271/5 وما بعدها، تكملة الفتح: 15/8 وما بعدها، اللباب: 102/4، الدر المختار: 185/5، م (1143-1144، 1167) مجلة.","part":6,"page":528},{"id":4124,"text":"أ ـ فإن كان يستقيم أن يفتح كل واحد منهم طريقاً في نصيبه، قسم الحاكم بينهم من غير طريق مشترك بينهما، ويلغى الطريق، تكميلاً للمنفعة، وتحقيقاً للإفراز من كل وجه.\rب ـ وإن كان لا يستقيم الفتح، شق طريقاً مشتركاً بينهم، ليتحقق تكميل المنفعة فيما وراء الطريق (1) .\rثالثاً ـ اختلاف الشركاء في مقدار الطريق :\rإذا اختلف الشركاء في مقدار عرض الطريق:\rأ ـ ففي طريق الدار: يجعل عرض الطريق، بمقدار عرض باب الدار وارتفاعه، حتى يتمكن كل واحد منهم من إخراج جناح أو إقامة شُرْفة في نصيبه، إن كان فوق الباب، لا فيما دونه؛ لأن في ذلك القدر كفاية في الدخول، وفي السلوك، أي المرور.\rب ـ وفي الطريق إلى الأرض: يترك بقدر ما يمر فيه حيوان، لتحقق الكفاية به في المرور (2) .\rرابعاً ـ تبعية الطريق للحصص :\rالحق في الطريق بمقدار سهام المقتسمين، كما كان عليه الحال قبل القسمة؛لأن القسمة تمت في غير الطريق، فبقي الطريق مشتركاً كما كان قبل القسمة (3) .\rخامساً ـ التفاوت في مقدار حصة الطريق :\rيجوز الاتفاق بين الشركاء على أن تتفاوت حصص الشركاء في الطريق، وإن كانت سهامهم في الدار أو في الأرض متساوية، كأن تكون النسبة في الطريق أثلاثاً، وفي الدار ونحوها متناصفة؛ لأن القسمة مع التفاوت أو التفاضل جائزة بالتراضي، في غير الأموال الربوية (4) .\r-------------------------------\r(1) تكملة الفتح: 16/8، تبيين الحقائق: 272/5.\r\r(2) المرجعان السابقان، الدر المختار: 185/5، البدائع: 29/7.\r(3) المراجع السابقة.\r(4) المراجع السابقة.","part":6,"page":529},{"id":4125,"text":"المبحث الخامس ـ القاسم\rتعيينه، وشروطه، وأجرته، وتعدد القسام.\rأولاً ـ تعيين القاسم: القاسم: هو الذي يمارس القسمة. وقد يتولى الشركاء أنفسهم بالتراضي إجراء القسمة إلا إذا كان فيهم صغير فيحتاج إلى أمر القاضي، لأنه لا ولاية لهم عليه، وقد يعينون وكيلاً عنهم، وهو الغالب، وقد يعينه القاضي. ويندب للإمام أو للقاضي تعيين قاسم دائم، يُرزق من بيت المال، ليقسم بلا أخذ أجر، وهو أحب وأولى؛ لأنه أرفق بالناس وأبعد عن التهمة، ولأن القسمة من جنس عمل القضاء، لأن به يتم فصل الخصومة وقطع المنازعة، ونفعه يعم الناس، فتكون كفايته في مالهم، غرماً بالغنم.\rفإن لم يعين قاسم دائم، عين القاضي قاسماً يقسم بأجر المثل على حساب المتقاسمين؛ لأن النفع عائد لهم على الخصوص، وبقدر أجر مثله، كيلا يتحكم بطلب الزيادة عن المثل، كما أنه لا يجبر القاضي الناس على قاسم واحد، لأنه لو تعين لتحكم أيضاً بالزيادة على أجر مثله. ولا يترك القاضي القسّام يشتركون (تكوين شركة مثلاً) كيلا يتواضعوا على مغالاة الأجر، فيتضرر الناس (1) ، فإن كونوا نقابة على النحو الحديث بإشراف الحاكم جاز؛ لأن الحاكم يوافق على نظام النقابة، ويمنع المغالاة.\rثانياً - شروط القاسم: اشترط الحنفية استحباباً وندباً في القاسم شروطاً هي مايأتي (2) :\r1 - أن يكون عدلاً أميناً عالماً بالقسمة، لأنه لو كان غير عدل، خائناً أو جاهلاً بأمور القسمة يخاف منه الجور في القسمة لا يجوز.\r2 - أن يكون معيناً من القاضي، لأن قسمة غيره لا تنفذ على الصغير والغائب، ولأنه أجمع لشرائط الأمانة.\r3 - المبالغة في تعديل الأنصباء، والتسوية بين السهام، بأقصى الإمكان لئلا يدخل القصور في سهم.\rوينبغي ألا يدع القاسم حقاً بين شريكين غير مقسوم من الطريق والمسيل والشِّرب إلا إذا لم يمكن.\r-------------------------------\r(1) تكملة الفتح: 5/8، الدر المختار: 179/5، تبيين الحقائق: 265/5، اللباب: 91/4 وما بعدها.\r(2) المراجع السابق. البدائع: 19/7، 26.","part":6,"page":530},{"id":4126,"text":"وينبغي ألا يضم القاسم نصيب بعض الشركاء إلى بعض، إلا إذا رضوا بالضم، لأنه يحتاج إلى القسمة ثانياً.\r4 - أن يقرع بين الشركاء بعد الفراغ من القسمة، تطييباً للنفوس ولورود السنة بها (1) ، ولأن القرعة أنفى للتهمة.\rواشترط الشافعية والحنابلة في القاسم المعين من قبل القاضي سبعة شروط وهي (2) :\rالإسلام، والبلوغ، والعقل، والحرية، والذكورة، والعدالة، وعلم المساحة والحساب؛ لأن علمهما آلة القسمة. وأضاف الشافعية اشتراط السمع والبصر والنطق والضبط، إذ لابد مما ذكر؛ لأن للقاسم ولاية على من يقسم لهم بسبب كون قسمته ملزمة، ومن لم تتوافر فيه هذه الشروط، فليس من أهل الولاية.\rفإن كان القاسم كافراً أو فاسقاً أو جاهلاً بالقسمة، لم تلزم القسمة إلا بتراضي الشركاء بها، كما لو اقتسموا بأنفسهم.\rهذا إذا كان القاسم معيناً من قبل القاضي، فإن تراضى الشركاء بمن يقسم بينهم لم تشترط الشروط السابقة، إلا التكليف، لأنه وكيل عنهم.\rثالثاً ـ تعدد القسّام :\rيصح إجراء القسمة بقاسم واحد أو أكثر، وقال المالكية: يكفي في قسمة القرعة قاسم واحد؛ لأن مهمته الإخبار عن نتيجة الاقتراع، كالقائف (العالم بالأنساب) والطبيب والمفتي.\rويكتفى بقاسم واحد عند المالكية والشافعية والحنابلة إن لم يكن في القسمة تقويم؛ لأنه في قسمه كالحاكم في حكمه.\rفإن كان في القسمة تقويم: أي تقدير قيمة السلع المشتركة، فلا بد فيها من التعدد عند هؤلاء الفقهاء، فلا تجوز بأقل من اثنين؛ لأن التقويم شهادة بالقيمة، ولابد في الشهادة من اثنين (3) .\r-------------------------------\r(1) روى أحمد والشيخان عن عائشة: «أن النبي صلّى الله عليه وسلم كان إذا أراد أن يخرج سفراً أقرع بين أزواجه، فأيتهن خرج سهمها، خرج بها معه» (نيل الأوطار: 217/6).\r(2) بجيرمي الخطيب: 338/4 وما بعدها، حاشية الباجوري: 351/2، كشاف القناع: 372/6، المغني: 126/9.\r(3) الشرح الكبير: 500/3، الشرح الصغير: 665/3، بجيرمي الخطيب: 339/4، كشاف القناع: 373/6 وما بعدها.","part":6,"page":531},{"id":4127,"text":"رابعاً ـ أجرة القاسم :\rاتفق الفقهاء على أنه إذا كان القاسم معيناً من قبل القاضي، فأجره (أو رزقه)\rمن بيت مال المسلمين، إذا كان فيه سعة، لأن القسمة من جنس عمل القاضي، ولأن منفعته تعم الناس كما بان سابقاً.\rوأما إن كان القاسم باختيار الشركاء في مقابل أجر، فالأجر على الشركاء.\rويتم توزيع الأجرة عند أبي حنيفة ومالك على الشركاء بحسب العدد، أو الرؤوس؛ لأن الأجرة في مقابل العمل، وهو تمييز الحصص، والتمييز عمل واحد؛ لأن تمييز القليل من الكثير هو بعينه تمييز الكثير من القليل، فيتعلق الحكم بأصل التمييز، وتعب القاسم في تمييز النصيب اليسير كتعبه في تمييزه الكبير، وإذا لم يتفاوت العمل، لا تتفاوت الأجرة.وقال الصاحبان والشافعية والحنابلة: يتم توزيع الأجرة بقدر الحصص أو الأنصباء؛ لأن العمل في الكثير أكثر منه في القليل، ولأن الأجرة كالنفقة التي يحتاجها الملك، فتقدر بقدر الملك، ويؤيده أن أجرة الكيال والوزّان بقدر الأنصباء إجماعاً، وكذا سائر المؤن كأجرة الراعي والحمل والحفظ وغيرها (1) . وهذا في تقديري هو الأولى والأصح؛ لأنه أعدل وأرفق بالناس.\r-------------------------------\r(1) البدائع: 19/7، تكملة الفتح: 5/8، تبيين الحقائق: 265/5، الدر المختار: 179/5 وما بعدها، اللباب: 92/4، الشرح الكبير: 500/3، القوانين الفقهية: ص 286، بجيرمي الخطيب: 340/4، كشاف القناع: 372/6، المغني: 126/9.","part":6,"page":532},{"id":4128,"text":"المبحث السادس ـ أحكام القسمة\rللقسمة أحكام عامة، وأحكام خاصة في الإثبات.\rالمطلب الأول ـ أحكام القسمة العامة :\rلقسمة الأعيان أحكام عامة، أهمها ما يأتي:\rأولاً ـ لزوم القسمة :\rالقسمة من العقود اللازمة باتفاق الفقهاء (1) ، لا يجوز نقضها، ولا الرجوع فيها إلا بالطوارئ كما سأبين في حكم نقض القسمة. ولكن لبعض المذاهب تفصيل في مبدأ اللزوم:\rقال الحنفية (2) : تلزم قسمة التراضي وقسمة التقاضي بعد تمامها، فلا يجوز الرجوع عنها إذا تمت.\rأما قبل التمام، فكذلك تلزم قسمة التقاضي، فلو قسم القاضي المال المشترك بين قوم، فخرجت السهام كلها بالقرعة، لا يجوز لهم الرجوع، وكذا لا رجوع إذا لم تتم القسمة، كأن خرج بعض السهام دون بعض.\rوأما قسمة التراضي: فيجوز للشركاء الرجوع عنها قبل تمامها؛ لأن قسمة التراضي لا تتم إلا بعد خروج السهام كلها، كما هو الشأن في كل عقد كالبيع مثلاً، يجوز الرجوع عنه قبل تمامه.\rإلا أنه إذا خرج جميع السهام إلا واحداً، لم يجز الرجوع في قسمة التراضي، لصيرورة السهم متعيناً لمن بقي من الشركاء أو لتعيين نصيب ذلك الواحد.\rوأطلق المالكية القول باللزوم فقالوا: ولزم ما خرج بالقسمة، فليس لأحدهم نقضها، وكذا يلزم الشريك في قسمة التراضي، فمن أراد الفسخ لم يكن منه (3) .\r-------------------------------\r(1) البدائع: 28/7، بداية المجتهد: 267/2، المهذب: 309/2، المغني: 125/9، الشرح الصغير: 676/3، رد المحتار: 184/5، م (1157) مجلة.\r(2) البدائع، رد المحتار، المكان السابق، م (1158) مجلة.\r(3) الشرح الصغير، المكان السابق.","part":6,"page":533},{"id":4129,"text":"وقال الشافعية (1) : تلزم قسمة الإجبار من غير تراضٍ، ومن المعلوم أن قسمة الإفراز والتعديل فيهما الإجبار، وأما قسمة التراضي قسمة رد دون غيرها، فالأرجح عندهم أنه لا بد من الرضا بها بعد خروج القرعة، ولا يلزم حكم القاسم إلا برضا الشركاء؛ لأنه لما اعتبر الرضا بالقسمة ابتداء، اعتبر بعد خروج القرعة.\rوالحنابلة (2) قالوا: تلزم عندهم قسمة الإجبار، فهم كالشافعية، وفي قسمة التراضي عندهم وجهان كالشافعية، لكن الأرجح عندهم أنه إذا خرجت القرعة لزمت القسمة؛ لأن القاسم كالحاكم، وقرعته كالحاكم، لأنه مجتهد في تعديل السهام كاجتهاد الحاكم في طلب الحق، فوجب أن تلزم قرعته.\rثانياً ـ ثبوت حق الخيار في القسمة :\rقال الحنفية (3) : القسمة ثلاثة أنواع: قسمة لا يجبر الآبي، كقسمة الأجناس المختلفة، وقسمة يجبر الآبي، في ذوات الأمثال كالمكيلات والموزونات، وقسمة يجبر الآبي، في غير المثليات المتحدة الجنس، كالثياب من نوع واحد، والبقر والغنم.\rوالخيارات ثلاثة: خيار شرط، وخيار عيب، وخيار رؤية.\r1 - ففي قسمة الأجناس المختلفة، حيث لا يجبر الآبي بها: تثبت الخيارات كلها؛ لأنها مبادلة من كل وجه، فهي كالبيع.\r2 - وفي قسمة ذوات الأمثال كالمكيلات والموزونات، حيب يجبر الآبي عليها، يثبت خيار العيب، دفعاً للضرر والجور، دون خيار الشرط والرؤية، إذ لا فائدة في إثباتهما، لعدم الضرر.\r3 - وفي قسمة القيميات، غير المثليات، كالثياب من نوع واحد، وكالبقروالغنم، حيث يجبر الآبي في متحد الجنس، ولا يجبر في غير متحد الجنس، كالغنم مع الإبل: يثبت خيار العيب دفعاً للضرر.\rأما خيار الشرط والرؤية، ففي ثبوتهما روايتان، والصحيح منهما والذي عليه الفتوى: أنه يثبت.\rوالخلاصة: تثبت هذه الخيارات الثلاثة في تقسيم الأجناس المختلفة، وفي قسمة القيميات المتحدة الجنس أو المختلفة الجنس، ويثبت خيار العيب دون خيار الشرط والرؤية في قسمة المثليات المتحدة الجنس.\r-------------------------------\r(1) بجيرمي الخطيب: 344/4، المهذب: المكان السابق.\r(2) المغني، المكان السابق، كشاف القناع: 373/6.\r(3) حاشية الشلبي على تبيين الحقائق: 265/5، انظر البدائع: 28/7، م (1153-1155) مجلة.","part":6,"page":534},{"id":4130,"text":"وقال المالكية في الأرجح (1) : يثبت خيار العيب في قسمة المراضاة: (بأن يتراضيا على أن كل واحد يأخذ شيئاً مما هو مشترك بينهم، يرضى به بلا قرعة) لأنها كالبيع.\rوقال الحنابلة (2) : إذا ظهر في نصيب أحد الشريكين عيب لم يعلمه قبل القسمة،فله فسخ القسمة، أو الرجوع بأرش العيب؛ لأنه نقص في نصيبه، فملكه كالمشتري.\rواكتفى الشافعية بالنص على أن قسمة الإفراز تنقض في حال الحيف أو الغلط. وأما قسمة الرد أو التعديل فهي بيع (3) ، أي يثبت فيها خيار العيب.\rثالثاً ـ آثار القسمة :\rيترتب على القسمة الأحكام التالية (4) :\r1 - يتعين نصيب كل شريك مستقلاً عن نصيب غيره، فيملك حصته مستقلاً بعد القسمة.\r2 - يملك الشريك المقسوم له جميع التصرفات الثابتة لصاحب الملكية المطلقة، من بيع وإيجار ورهن، وبناء وهدم، ونحوها.\r3 - لا تثبت الشفعة في القسمة؛ لأن حق الشفعة في المبادلة المحضة، والقسمة مبادلة من وجه واحد، فلا تحتمل الشفعة.\rوالظاهر أن هذا الحكم متفق عليه في المذاهب (5) .\rرابعاً ـ نقض القسمة :\rتنقض القسمة بالإقالة أو بالتراضي على فسخها.\rويجب نقض القسمة بعد وجودها، وبالرغم من لزومها في حالات هي عند الحنفية ما يأتي:\r1 - ظهور دين على الميت: إذا وقعت القسمة، ثم ظهر دين على الميت يحيط بالتركة المقسومة، تفسخ القسمة، إذا لم يكن للميت مال سواه، إلا إذا قضى الورثة الدين، أو أبرأ الغرماء الدائنون ذمم الورثة، أو بقي من التركة ما يفي بالدين لزوال المانع من لزوم القسمة، فتمضي القسمة على ما هي عليه.\r-------------------------------\r(1) الشرح الصغير: 662/3 وما بعدها، بداية المجتهد: 267/2.\r(2) المغني: 128/9 وما بعدها، كشاف القناع: 376/6.\r(3) بجيرمي الخطيب: 344/4.\r(4) البدائع: 28/7، مادة (1162) مجلة.\r(5) المهذب: 306/2، المغني: 121/9.","part":6,"page":535},{"id":4131,"text":"والدليل على مسوغ الفسخ لهذا السبب: قوله تعالى: {من بعد وصية يوصي بها أو دين} [النساء:11/4]، ولأن الدين إذا كان محيطاً بالتركة (مستغرقاً)، تبين أنه لا ملك للورثة فيها، بل هي ملك للميت يتعلق بها حق الغرماء، وقيام ملك الغير في المحل المقسوم، يمنع صحة القسمة.\rوإذا لم يكن الدين محيطاً بالتركة، بقي للغرماء حق الاستيفاء ثابتاً في قدر الدين من التركة، على الشيوع، فيمنع نفاذ القسمة (1) .\rوهذا الرأي عندي هو الأرجح، رعاية لحقوق الدائنين.\rوقال الحنابلة (2) : لا تبطل القسمة بظهور دين على الميت؛ لأن تعلق الدين بالتركة لا يمنع صحة التصرف فيها، لأنه تعلق بها بغير رضا الورثة.\rوقال الشافعية (3) : إذا ظهر دين على الميت، فإن قالوا: القسمة: تمييز الحقين لم تنقض القسمة، وإن قالوا: إنها بيع: ففي نقضها وجهان: في وجه إنها تنقض لتعلق حق الغير بالمال. وفي وجه: لا تنقض إذا قضى الوارث الدين.\r2 - ظهور وارث آخر أو موصى له في قسمة التراضي: إذا تمت القسمة، ثم ظهر وارث آخر، أو موصى له بالثلث أو الربع مثلاً، نقضت القسمة؛ لأن الوارث، والموصى له شريك الورثة.\rولا تنقض قسمة التقاضي في الأصح؛ لأن القسمة حينئذ محل اجتهاد، وقضاء القاضي إذا صادف محل الاجتهاد ينفذ ولا ينقض (4) .\r-------------------------------\r(1) البدائع: 30/7، الدر المختار: 187/5، تكملة الفتح: 26/8، م (1161) مجلة.\r(2) المغني: 129/9.\r(3) المهذب: 310/2، وانظر: 327/1.\r(4) البدائع: 30/7، رد المحتار: 187/5.","part":6,"page":536},{"id":4132,"text":"3 - ظهور غبن فاحش :\rإذا حدثت القسمة، ثم تبين فيها غبن فاحش: وهو الذي لا يدخل تحت تقويم المقومين، كأن قوّم المال بألف وهو لا يساوي خمس مئة، فسخت قسمة التقاضي باتفاق الحنفية؛ لأن تصرف القاضي مقيد بالعدل ولم يوجد، والغبن حصل بغير رضا المالك فصار كبيع الأب والوصي، ينقض بالغبن الفاحش. وتفسخ أيضاً قسمة التراضي في الأصح؛ لأن شرط جوازها المعادلة، ولم توجد، فوجب نقضها. وهذا هو الصحيح المعتمد المفتى به عند الحنفية كما ذكر ابن عابدين، أي أن قسمة التراضي تفسخ بالغبن الفاحش كقسمة التقاضي.\rوتسمع دعوى الغبن الفاحش إن لم يقر المدعي باستيفاء حقه، فإن أقر باستيفاء حقه لا تسمع دعوى الغبن، أو الغلط للتناقض بين الإقرار والادعاء.\rولا تسمع دعوى الغبن اليسير الذي يدخل تحت المقومين، ولا تقبل بينته (1) .\rونقض القسمة بالغبن الفاحش أو الجور متفق عليه بين الفقهاء (2) ، إلا أن الشافعية فصلوا في الأمر، كما سيذكر في حالة الغلط.\r4 - وقوع غلط في المال المقسوم :\rإذا ادعى أحد الشركاء بعد القسمة أن شيئاً من نصيبه وقع في يد صاحبه غلطاً، وكان قد أقر أو أشهد على نفسه باستيفاء حقه (3) ، لم يصدق على الذي يدعيه، إلا ببينة (إقرار الخصم أو نكوله)؛ لأنه يدعي فسخ القسمة بعد وقوعها، فلا يصدق إلا بحجة، ولا يكون متناقضاً لأنه اعتمد على فعل الأمين، ثم ظهر غلطه.\rفإن لم يكن له بينة، استحلف الشركاء، فمن نكل منهم، جمع بين نصيبه ونصيب المدعي، فيقسم بينهما على قدر أنصبائهما، لأن النكول حجة في حقه خاصة، فيعاملان على زعمهما.\r-------------------------------\r(1) الدر المختار ورد المحتار: 187/5، تبيين الحقائق: 273/5 وما بعدها، م (1160) مجلة.\r(2) الشرح الصغير: 677/3، بجيرمي الخطيب: 344//4، المغني: 127/9.\r(3) الاستيفاء: عبارة عن قبض الحق بكامله.","part":6,"page":537},{"id":4133,"text":"وإن لم يكن قد أقر بالاستيفاء، تحالف الشركاء (حلف كل منهم يميناً) وفسخت القسمة؛ لأن الاختلاف في مقدار ما حصل له بالقسمة، فصار كالاختلاف في مقدار المبيع.\rوإن قال: (أصابني إلى موضع كذا، فلم تسلم إلي) ولم يشهد على نفسه بالاستيفاء، وكذبه شريكه، تحالفا، وفسخت القسمة، لاختلافهما في نفس القسمة، فإنهما اختلفا في قدر ما حصل بالقسمة، فأشبه الاختلاف في قدر المبيع.\rوإن قال ( استوفيت حقي ). ثم قال ( أخذت بعضه ) فالقول قول خصمه مع يمينه، لأنه يدعي عليه الغصب، وهو منكر، فالقول قول المنكر (1) .\rوالقول بنقض القسمة في حال ادعاء الغلط، وإثباته بالبينة، محل اتفاق أيضاً بين الفقهاء (2) . إلا أن الشافعية قالوا:\rلو ثبت بحجة (شاهدي عدل أو رجل وامرأتين، أو شاهد ويمين) غلط أو حيف في قسمة إجبار أو قسمة تراض، وهي بالإفراز (أو الأجزاء)، نقضت القسمة بنوعيها.\rفإن لم تكن بالأجزاء بأن كانت بالتعديل أو الرد، لم تنقض؛ لأنها بيع، وإن لم يثبت ذلك، فللمدعي تحليف شريكه.\r5 - استحقاق بعض المال المقسوم :\rإذا ظهر مستحق في المال المقسوم، أي تبين وجود شريك آخر في المال، فله صور ثلاث عند الحنفية (3) علماً بأن الاستحقاق : هو أن يدعي شخص ملكية شيء أو بعضه، ويثبت دعواه، ويقضي له القاضي بملكيته وانتزاعه من يد آخر كالمشتري أو المقسوم له.\rأ ـ لو كان المستحق بعضاً شائعاً في كل المقسوم، كالخمس أو الربع، فسخت القسمة باتفاق الحنفية، لعدم تحقق معنى الإفراز والتمييز.\r-------------------------------\r(1) تكملة الفتح: 20/8 وما بعدها، الدر المختار: 186/5، تبيين الحقائق: 273/5، اللباب: 103/4 ومابعدها، البدائع: 26/7.\r(2) المراجع السابقة.\r(3) تكملة الفتح: 23/8 وما بعدها، تبيين الحقائق: 274/5، الدر المختار: 186/5 وما بعدها، اللباب: 106/4، م (1145) مجلة.","part":6,"page":538},{"id":4134,"text":"ب ـ ولو كان المستحق بعضاً معيناً من نصيب أحد الشركاء، لم تفسخ القسمة باتفاق الحنفية؛ لأن الاستحقاق، لما ورد على جزء معين، لم يظهر أن المستحق كان شريكاً في المال، فلا تبطل القسمة، لكن يرجع المستحق منه على صاحبه بقدر ما يخصه من الجزء المستحق، إذ تبين أنه لم يكن ملكه، فيرده.\rجـ ـ ولو كان المستحق بعضاً شائعاً في أحد النصيبين، لم تفسخ القسمة جبراً على المستحق منه عند أبي حنيفة ومحمد، وإنما يخير المستحق منه، بين أن يرجع بحصة البعض في نصيب صاحبه، وبين أن يفسخ؛ لأنه بالاستحقاق ظهر أن القسمة لم تصح في القدر المستحق فقط.\rوقال أبو يوسف: تفسخ القسمة؛ لأنه بالاستحقاق تبين أن للشركاء شريكاً آخر، ولو كان هناك شريك، لم تصح القسمة، كما في استحقاق بعض شائع في النصيبين.\rأما الشافعية والحنابلة، فقالوا (1) : إن استحق من حصة أحد الشريكين شيء معين لغيرهما، بأن اختص به أحدهما، أو أصابه منه أكثر من نصيب الآخر، بطلت القسمة، لاحتياج أحدهما إلى الرجوع على الآخر بسبب عدم تحقق التعديل بين الأنصباء.\rوإن كان البعض المستحق مقسوماً بين الشريكين بالسوية، كأن اقتسما أرضاً، فاستحق من حصتهما معاً قطعة معينة على السواء في الحصتين، لم تبطل القسمة فيما بقي من الأرض؛ لأن القسمة إفراز حق كل واحد منهما، وقد أفرز.\rوإن استحق بعض المال المقسوم شائعاً في الحصتين أو إحداهما، بطلت القسمة فيه، لا في الباقي عند الشافعية في الأصح، عملاً بمبدأ تفريق الصفقة.\rوبطلت القسمة في الجميع عند الحنابلة؛ لأن المستحق شريك ثالث، وقد اقتسم المال من غير حضوره، ولا إذنه، وذلك سواء في قسمة التراضي أوالإجبار، ولأن القصد من القسمة تمييز الحقين، ولم يحصل. وهذا رأي أبي يوسف كما تقدم.\r-------------------------------\r(1) المهذب: 309/2، بجيرمي الخطيب: 344/4، المغني: 128/9، كشاف القناع:376/6.","part":6,"page":539},{"id":4135,"text":"المطلب الثاني ـ الأحكام الخاصة بالإثبات :\rهناك أحكام خاصة بالقسمة متعلقة بكيفية فض النزاع بين المتقاسمين إذا اختلفوا في بعض الأمور، مثل الاختلاف حول الحدود، أو تقويم الغبن، أو بقاء بعض الحق في يد الشريك الآخر، حيث تعارضت أدلة الإثبات.\rأولاً ـ الاختلاف في الحدود :\rإذا اختلف المتقاسمان في الحدود، فادعى كل واحد منهما بيتاً في يد صاحبه لدخوله في حده، بعد القسمة، وأقام كل منهما البينة على دعواه، قضي لكل واحد بالجزء الذي في يد صاحبه؛ لأنه خارج، وبينة الخارج ترجح على بينة ذي اليد.\rوإن أقام أحدهما بينة على أن بيتاً له في يد صاحبه أصابه بالقسمة وأنكر الآخر قضي له بالبينة. وإن لم تقم لأحدهما بينة، تحالفا، وترادا كما في البيع (1) . وتفسخ القسمة (2) .\rثانياً ـ الاختلاف في تقويم الغبن :\rإذا اختلف المتقاسمان في تقويم الغبن، فإما أن يكون يسيراً أو فاحشاً.\rأ ـ فإن كان الغبن يسيراً: وهو الذي يدخل تحت تقويم المقومين، لم يلتفت للادعاء، سواء أكانت القسمة بالتراضي، أم بقضاء القاضي، لأن الاحتراز عن مثله عسير جداً. ومثلا الغبن اليسير: أن يكون ثمن السلعة عشرة، فيقدره أهل الخبرة بعضهم بعشرة وبعضهم بتسعة، فالواحد يعتبر غبناً يسيراً.\rب ـ وإن كان الغبن فاحشاً: وهو الذي لا يدخل تحت تقويم المقومين (3) ، كأن يقدر أهل الخبرة سعر السلعة ذات العشرة بثمانية أو سبعة، ولا يقدرها أحد\r-------------------------------\r(1) روى عبد الله بن أحمد في زيادات المسند من طريق القاسم بن عبد الرحمن عن جده حديثاً بلفظ «إذا اختلف المبتبايعان، والسلعة قائمة، ولا بينة لأحدهما، تحالفا» (نيل الأوطار: 224/5).\r(2) البدائع: 26/7، تكملة الفتح: 22/8 وما بعدها، تبيين الحقائق: 274/5، ا لدر المختار: 186/5.\r(3) حدد متأخرو الحنفية الغبن الفاحش بما يعادل نصف عشر القيمة في المنقولات (أي 5%) والعشر (10%) في الحيوان، والخمس (20%) في العقارات.","part":6,"page":540},{"id":4136,"text":"بعشرة. فإن كانت القسمة بقضاء القاضي، فسخت؛ لأن الرضا لم يوجد بين المتخاصمين، وتصرف القاضي مقيد بالعدل، ولم يوجد. وإن كانت القسمة بالتراضي، لم يلتفت للادعاء عند بعض الحنفية؛ لأن القسمة في معنى البيع، ودعوى الغبن فيه من المالك لا توجب نقضه (1) .\rأما البيع من غير المالك كبيع الأب والوصي، فإنه ينقض بالغبن الفاحش (2) .\rوالأصح كما تقدم أنه تسمع دعواه وتفسخ قسمة التراضي كقسمة التقاضي بالغبن الفاحش؛ لأن شرط جواز القسمة المعادلة، ولم توجد، فوجب نقضها.\rثالثاً ـ الاختلاف في استيفاء النصيب :\rإذا اختلف المتقاسمان بعد القسمة، فأنكر بعض الشركاء استيفاء نصيبه، وادعى أن بعضه في يد صاحبه، وأنكر الآخر.\rأ ـ فإن شهد قاسمان أو أكثر باستيفاء المدعي حقه، تقبل شهادتهما عند أبي حنيفة وأبي يوسف؛ لأنهما شهدا على فعل غيرهما، وهو القبض، لا على فعل أنفسهما؛ لأن فعلهما هو التمييز، ولا حاجة للشهادة عليه.\rوقال محمد: لا تقبل شهادتهما؛ لأنهما يشهدان على فعل أنفسهما؛ لأن فعلهما التمييز.\rب ـ وإن شهد قاسم واحد باستيفاء الحق، لا تقبل شهادته؛ لأن شهادة الفرد الواحد لا تقبل على غيره (3) .\r-------------------------------\r(1) الغبن الفاحش وحده لا يعيب في معظم الاجتهادات الرضا ما لم يصاحبه شيء من الخلابة أو التدليس أي أن يخدع أحد العاقدين الآخر بوسيلة موهمة قولية أو فعلية تحمله على الرضا بالعقد، ومنه كتمان عيب المبيع، ودليلهم حديث «دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض» .\r(2) تكملة الفتح والعناية: 22/8، تبيين الحقائق: 273/5 وما بعدها.\r(3) الدر المختار ورد المحتار: 185/5 وما بعدها.","part":6,"page":541},{"id":4137,"text":"النَّوع الثَّاني: قسمة المنافع أو المهايأة\rوفيه مباحث خمسة:\rالمبحث الأول ـ تعريف قسمة المهايأة، ومشروعيتها.\rالمبحث الثاني ـ محل المهايأة.\rالمبحث الثالث ـ صفة المهايأة.\rالمبحث الرابع ـ أنواع المهايأة.\rالمبحث الخامس ـ ما يملكه كل شريك من التصرف بعد اتفاق المهايأة.\rالمبحث الأول ـ تعريف المهايأة ومشروعيتها :\rأولاً ـ تعريف المهايأة: المهايأة في اللغة: مفاعلة من الهيئة، وهي الحالة الظاهرة للمتهيء للشيء، فكل من الشريكين يرضى بهيئة واحدة، ويختارها. أو أن الشريك الثاني ينتفع بالعين على الهيئة التي ينتفع بها الشريك الأول، فهي لغة: أن يتواضع الشريكان على أمر، ويتراضيا به. والمهايأة فقهاً: هي عبارة عن قسمة المنافع (1) .\rوعرفها المالكية (2) : بأنها اختصاص كل شريك عن شريكه في شيء متحد كدار، أو متعدد كدارين، بمنفعة شيء متحد أو متعدد في زمن معلوم. وبناء عليه: تعين الزمن شرط، إذ به يعرف قدر الانتفاع، وإلا فسدت المهايأة.\rثانياً ـ مشروعيتها: المهايأة جائزة استحساناً للحاجة إليها، إذ قد يتعذر الاجتماع على الانتفاع. ومحلها: منافع الأعيان المشتركة التي يمكن الانتفاع بها مع بقاء عينها. ولا تبطل بموت الشريكين ولا بموت أحدهما. ولو طلب أحدهما القسمة أعياناً بطلت (3) .\rوقسمة الأعيان أقوى من المهايأة؛ لأن الأولى جمع المنافع في زمان واحد على الدوام، والتهايؤ جمع المنافع على التعاقب بصفة وقتية (4) . فإذا طلب أحد الشريكين القسمة، والآخر المهايأة، يجيب القاضي الأول ويقسم. واستدلوا على مشروعية المهايأة بالقرآن والسنة.\rأما القرآن: فقوله تعالى حكاية عن قسمة مهايأة ناقة صالح عليه السلام: {هذه ناقة لها شِرْب،ولكم شِرْب يوم معلوم} [الشعراء:155/26] وهو المهايأة بعينها.\rوأما السنة: فوقائع منها: أنه صلّى الله عليه وسلم قسم في غزوة بدر كل بعير من الأبعرة السبعين بين ثلاثة نفر، وكانوا يتعاقبون على ركوبه (5) .\r-------------------------------\r(1) العناية على شرح الهداية بهامش تكملة الفتح: 27/8، رد المحتار: 189/5، م (1174) مجلة.\r(2) الشرح الصغير: 660/3.\r(3) رد االمحتار، المكان السابق، اللباب: 106/4.\r(4) الهداية مع تكملة الفتح: 27/8.\r(5) سيرة ابن هشام: 613/1.","part":6,"page":542},{"id":4138,"text":"المبحث الثاني ـ محل المهايأة :\rمحل المهايأة: المنافع دون الأعيان، لأنها قسمة المنفعة دون العين، فكان محلها المنفعة دون العين.\rوعلى هذا: لو اتفق اثنان على أن يسكن أحدهما في قسم من دار، والآخر في القسم الباقي، أو على أن يسكن أحدهما العلو، والآخر السفل، صح، وله إجارته وأخذ غلته. وكذا تجوز المهايأة في الأراضي المشتركة.\rأما لو تهايآ في نخل أو شجر بين شريكين، على أن يأخذ كل واحد منهما جزءاً يستثمره، لا يجوز؛ أو تهايآ في الغنم المشتركة على أن يأخذ كل واحد منهما عدداً معيناً منهما، وينتفع بألبانها، لا يجوز؛ لأن المهايأة عقد يرد على قسمة المنافع، والثمر واللبن عين، فلا يصلح محلاً للمهايأة، وهذا متفق عليه بين الفقهاء (1) .\rوقال الشافعية: ولا تصح قسمة الديون في الذمم ولو بالتراضي، وكل من أخذ منها شيئاً لا يختص به. ونصت المادة (1175) من المجلة على أن «المهايأة لا تجري في المثليات، بل في القيميات ، ليكون الانقطاع بها ممكناً حال بقاء عينها» .\rالمبحث الثالث ـ صفة المهايأة :\rللفقهاء رأيان في لزوم المهايأة، رأي للجمهور غيرالمالكية بأنها غير لازمة، ورأي للمالكية بأنها لازمة. وعباراتهم ما يأتي:\r-------------------------------\r(1) البدائع: 32/7، تبيين الحقائق: 277/5، القوانين الفقهية: ص 285، حاشية الدسوقي على الشرح الكبير: 498/3، الشرح الصغير: 660/3 وما بعدها، بجيرمي الخطيب: 345/4، المغني: 130/9، كشاف القناع: 367/6.","part":6,"page":543},{"id":4139,"text":"قال الحنفية (1) : المهايأة بالتراضي زماناً أو مكاناً عقد غير لازم، فلو طلب أحد الشريكين من الحاكم المهايأة، والآخر القسمة، يجاب الثاني؛ لأن قسمة العين أقوى من قسمة المنفعة؛ لأن في الأولى تجتمع المنافع في وقت واحد على الدوام، وفي الأخرى تجتمع على التعاقب (2) .\rوبناء عليه تكون المهايأة عقداً جائزاً محتملاً للفسخ، كسائر العقود الجائزة، تفسخ ولو بغير عذر، ولا تبطل المهايأة بموت أحد الشريكين أو بموتهما، بخلاف الإجارة، لأنها لو بطلت أي المهايأة أعادها القاضي للحال أي استأنفها حالاً، ولا فائدة من الاستئناف، كما لا فائدة في الانقضاء والإبطال، لأنه يجوز لكل واحد فسخها، بغير رضا الآخر.\rأما المهايأة بالتقاضي: فهي عقد لازم، كما أوضح ابن عابدين، فلا يجوز لكل من الشريكين نقضها بلا عذر، ما لم يصطلحا.\rوقال الشافعية (3) : المهايأة عقد غير لازم، لكل من الشريكين الرجوع عنها متى شاء، ولا إجبار فيها من القاضي.\rوكذلك قال الحنابلة (4) : لا تلزم المهايأة، فمتى رجع أحد الشريكين عنها، انقضت المهايأة، والمهايأة معاوضة لا يجبر عليها كالبيع كما قال الشافعية. ولو طلب أحدهما القسمة كان له ذلك، وانتقضت المهايأة، أي كما قال الحنفية.\rأما المالكية فقالوا (5) : وتلزم المهايأة كالإجارة، فهي من العقود اللازمة، فليس لأحدهما فسخها، فإذا تراضيا على شيء وقعت صحيحة، لا تفسخ إلا برضاهما أو برضاهم إن كانوا جماعة.\r-------------------------------\r(1) البدائع: 32/7، الدر المختار ورد المحتار: 184/5، 189، تبيين الحقائق: 276/5.\r(2) انظر المادة (1182) مجلة الآتي نصها في الحاشية التالية.\r(3) بجيرمي الخطيب: 345/4.\r(4) المغني: 130/9.\r(5) بداية المجتهد: 266/2، القوانين الفقهية: ص 285.","part":6,"page":544},{"id":4140,"text":"المبحث الرابع ـ أنواع المهايأة :\rللمهايأة تقسيمان ـ الأول من حيث التراضي والجبر، والثاني ـ من حيث الزمان والمكان.\rالتقسيم الأول ـ المهايأة من حيث الرضا والجبر :\rتقسم المهايأة بهذا الاعتبار إلى نوعين: مهايأة بالتراضي، ومهايأة بالتقاضي.\r1 - المهايأة بالتراضي: هي أن يتفق شخصان على كيفية الانتفاع بالشيء المشترك بينهما، على طريق التعاقب أو التناوب زماناً أو مكاناً. وهي جائزة باتفاق الفقهاء.\r2 - المهايأة بالتقاضي: هي التي تتم بواسطة القاضي جبراً بناء على طلب أحد الشريكين. فيهايئ القاضي بينهما جبراً إما بالمناوبة الزمانية مدة معينة بنسبة حصة كل منهما، وإما بالمهايأة المكانية بالاختصاص بمنفعة بعض المال المشترك بنسبة الحصص.\rوهي جائزة عند الحنفية (1) ، تحقيقاً للعدل بين الشركاء، وتوفيراً لمصلحتهم (2) ، فللقاضي جبرهم في الأصح، لاحتياج الناس إلى ما هو أعدل وهو القسمة بالقضاء. وقد نصت المادة (1181) مجلة على ما يأتي لبيان أحوال المهايأة الجبرية: «إذا طلب المهايأة أحد أصحاب الأشياء المشتركة المتعددة، وامتنع الآخر: فإن كانت الأعيان المشتركة متفقة المنفعة، فالمهايأة جبرية. وإن كانت مختلفة المنفعة فلا جبر.\rمثلاً: داران مشتركتان طلب أحد الشريكين المهايأة على أن يسكن إحداهما، والأخرى للآخر. أو حيوانان على أن يستعمل أحدهما واحداً، والآخر الآخر، وامتنع شريكه، فالمهايأة جبرية.\r-------------------------------\r(1) بداية المجتهد: المكان السابق، المادة (1176) من المجلة.\r(2) تبيين الحقائق: 276/5.","part":6,"page":545},{"id":4141,"text":"أما لو طلب أحدهما المهايأة على سكنى الدار، وللآخر إيجار الحمام، أو على سكنى أحدهما في الدار وزراعة آخر الأراضي، فالمهايأة بالتراضي، وإن لم تكن جائزة، إلا أنه إذا امتنع الآخر لا يجبر عليها (1) » .\rولا يجبر على المهايأة من أباها عند المالكية والشافعية والحنابلة (2) (الجمهور)، لأنها معاوضة، فلا يجبر عليها كالبيع، ولأن حق كل واحد في المنفعة شيء عاجل، فلا يجوز تأخيره بغير رضاه، كالدين، أي فلا تجوز المهايأة بالتقاضي عند الجمهور.\rوقال المالكية: لا تجوز قسمة المنافع بالقرعة. وقال الشافعية: إذا اتفقوا عليها، وتنازعوا في البداءة (بدء المناوبة) أقرع بينهم.\rالتقسيم الثاني ـ المهايأة من حيث الزمان والمكان :\rتنقسم المهايأة بهذا الاعتبار إلى نوعين: مهايأة زمانية، ومهايأة مكانية.\rفالأولى ترجع للزمان، والثانية ترجع للمكان. والمهايأة عند المالكية (3) قسمان: المهايأة بالأزمان، والمهايأة بالأعيان. والأولى: هي أن ينتفع كل واحد من الشريكين بالعين (الشيء المشترك كله) مدة مساوية لمدة انتفاع صاحبه كأن يسكن أحدهما الدار شهراً، ويسكنها الآخر شهراً آخر، مثل أن يسكن أحدهما الدار شهراً ويسكنها الآخر شهراً أخر. والثانية: هي أن يقسما الرقاب على أن ينتفع كل واحد منهما بما حصل له مدة محدودة، كأن يسكن أحدهما داراً، ويسكن الآخر داراً أخرى مدة من الزمان، أو يركب أحدهما فرساً والآخر فرساً أخرى مدة معينة.\r-------------------------------\r(1) وانظر تبيين الحقائق: 276/5، تكملة الفتح: 30/8.\r(2) القوانين الفقهية: ص 285، بجيرمي الخطيب: 345/4، المغني: 130/9.\r(3) بداية المجتهد: 266/3، القوانين الفقهية: ص 285.","part":6,"page":546},{"id":4142,"text":"1 - المهايأة الزمانية :\rأولاً ـ تعريفها: هي أن ينتفع كل واحد من الشريكين على التعاقب بجميع العين المشتركة مدة مساوية لمدة انتفاع صاحبه، أو بنسبة حصته (1) . كأن يتهايأ اثنان على أن يزرعا الأرض المشتركة بينهما، هذا سنة، والآخر سنة أخرى. أو على سكنى الدار بالمناوبة، هذا سنة، والآخر سنة. أو على استعمال كتاب، هذا أسبوعاً، والآخر مثله. وقد نصت المادة (1187) مجلة على أنه لا تجوز المهايأة على الأعيان، فلا تصلح المهايأة على ثمرة الأشجار المشتركة، ولا على لبن الحيوانات وصوفها على أن يكون لأحد الشريكين ثمرة مقدار من هذه الأشجار، ولآخر ثمرة مقدار منها، أو على لبن قطيع من الغنم المشترك أو صوفه لواحد، ولبن قطيع ثان، وصوفه للآخر.\rثانياً ـ مشروعيتها: وهي جائزة لقوله تعالى حكاية عن مهايأة ناقة صالح عليه السلام في الشِّرب: {هذه ناقة لها شرب، ولكم شرب يوم معلوم} [الشعراء:155/26] {ونبئهم أن الماء قسمة بينهم، كل شرب محتضر} [القمر:28/54] ولحاجة الناس إليها.\r-------------------------------\r(1) بداية المجتهد، المكان السابق، المادة (1176) من المجلة.","part":6,"page":547},{"id":4143,"text":"ثالثاً ـ تكييفها أو تأصيلها الفقهي: المهايأة الزمانية عند الحنفية كقسمة الأعيان: إفراز من وجه، مبادلة من وجه؛ لأن المهايئ كالمستقرض لنصيب شريكه، فكان فيها معنى المبادلة من وجه (1) ، فتكون منفعة أحد أصحاب الحصص في نوبته مبادلة بمنفعة حصة الآخر في نوبته، وبناء على ذلك يكون ذكر المدة وتعيينها في المهايأة مثلاً كذا يوماً أو كذا شهراً، لازماً.\rوقال الحنابلة: المهايأة معاوضة، فلا يجبر عليها كالبيع (2) .\rوصرح الشافعية: أن من استوفى زائداً على حقه، لزمه أجرة ما زاد على قدر حصته من الزائد (3) . ويفهم منه أن المهايأة مبادلة.\rونصت المادة (1178) من المجلة على أن «المهايأة زماناً نوع مبادلة، فتكون منفعة أحد أصحاب الحصص في نوبته مبادلة بمنفعة حصة الآخر في نوبته..» .\rرابعاً ـ تعيين المدة: يشترط في المهايأة الزمانية تعيين المدة، بخلاف المهايأة المكانية؛ لأن تعيين الزمان يعرف به قدر الانتفاع، فتصير به المنافع معلومة، ولا تصير معلومة إلا ببيان زمان معلوم، ولأن هذه المهايأة مقدرة بالزمان، أما المهايأة المكانية فمقدرة مجموعة بالمكان، ومكان المنفعة معلوم (4) . وقد رتبت المادة السابقة (1178) من المجلة على كون هذه المهايأة نوع مبادلة، فقررت: «وبناء على ذلك ذكر المدة وتعيينها في المهايأة، مثلاً كذا يوماً، أو كذا شهراً: لازم» .\r-------------------------------\r(1) تبيين الحقائق: 276/5.\r(2) المغني: 130/9.\r(3) بجيرمي الخطيب: 345/4.\r(4) البدائع: 32/7.","part":6,"page":548},{"id":4144,"text":"وفصل المالكية (1) في مقدار المدة بعد اشتراطهم تعيين الزمن، وانتفاء الغرر، فقالوا: تجوز المهايأة في المنقولات في المدة اليسيرة، ولا تجوز في المدة الكثيرة، فلا تصح لزمن طويل في الحيوان ونحوه كالثوب. وتجوز المهايأة في العقارات كالدار والأرض المأمونة (بأن كانت ملكاً) لمدة بعيدة، فيسكن أحدهما في الدار مدة معينة، ويسكن الآخر مدة أخرى، ويزرع أحدهما الأرض عاماً، والآخر عاماً مثله. أما الأرض غير المأمونة (غير المملوكة) كالمعارة، فلا يجوز قسمها مهايأة، وإن قلت المدة، إذ قد يرجع المستعير في إعارته، فيفوت على الآخر الذي لم تأت نوبته حقه من الانتفاع.\rخامساً ـ انتهاؤها: لا تبطل المهايأة بموت أحد العاقدين، ولا بموتهما؛ لأنها ـ كما ذكرت سابقاً ـ لو بطلت لاستأنفها الحاكم، ولا فائدة في الاستئناف. وإنما تنقضي باتفاق الطرفين على إنهائها، ببيع المال المشترك (2) .\r2 - المهايأة المكانية :\rأولاً ـ تعريفها: هي أن يخصص كل واحد من الشريكين ببعض المال المشترك بنسبة حصته (3) ، فيتم الانتفاع معاً في وقت واحد. ففي المهايأة في دار تجمع منفعة أحدهما في جزء من الدار،ومنفعة الآخر في جزء آخر.\rثانياً ـ مشروعيتها: المهايأة المكانية جائزة؛ لأنها نوع من القسمة، مثل قسمة الأعيان، فلو تهايآ على أن يأخذ أحد الشريكين في الأبنية الطابقية السفل، والآخر العلو، جاز، فتكون قسمة المنفعة بالمهايأة المكانية جائزة أيضاً (4) .\rوبما أن المهايأة الزمانية جائزة للحاجة عند تعذر اجتماع الشريكين على الانتفاع بالعين الواحدة، فكذلك المكانية.\rثالثاً ـ محلها: تجري المهايأة المكانية في المال المشترك الذي يقبل القسمة كالدار الكبيرة. أما ما لا يقبل القسمة كالسيارة والحيوان والكتاب والبيت الصغير، فلا تمكن فيه المهايأة المكانية، وإنما تتعين فيه المهايأة الزمانية.\rالمهايأة في الدور :\rوبناء عليه تجوز في ظاهر الرواية المهايأة في الدور، سواء أكانت زمانية أم مكانية، للاستعمال الشخصي أو للاستغلال (الانتفاع بواسطة الغير بالأجرة ونحوها)؛ لأن الظاهر عدم التغير في العقار، ولأن المهايأة المكانية إفراز لجميع الأنصباء، والمهايأة الزمانية تتم بالمناوبة أو التعاقب في الانتفاع، فكانت كالقرض، ويعتبر كل واحد في نوبته وكيلاً عن الآخر (5) .\rالمهايأة في الحيوان :\rوأما المهايأة في الحيوان كدابتين مثلاً، يركب أحدهما إحداهما مدة، والآخر مدة أخرى، لا تجوز عند أبي حنيفة لا استعمالاً ولا استغلالاً؛ لأن الظاهر التغير في الحيوان، ولأن الاستعمال يتفاوت بتفاوت الراكبين حذقاً وخرقاً.\r-------------------------------\r(1) الشرح الكبير مع الدسوقي: 499/3، الشرح الصغير: 661/3، بداية المجتهد: 266/2.\r(2) الدر المختار: 189/5، تبيين الحقائق: 276/5، تكملة الفتح: 27/8.\r(3) انظر المادة (1179) من المجلة.\r(4) تبيين الحقائق: 276/5، البدائع 31/7، تكملة الفتح: 27/8.\r(5) تبيين الحقائق: 276/5 وما بعدها، تكملة الفتح: 30/8، الدر المختار: 189/5، م(1176) مجلة.","part":6,"page":549},{"id":4145,"text":"وتجوز المهايأة استعمالاً عند الصاحبين في الحيوان والحيوانين، كما تجوز للاستغلال في الحيوانين، ولا تجوز في الحيوان الواحد؛ لأن المعادلة تمكن بين الحيوانين، لاتحاد وقتهما، ولا تمكن المعادلة في الحيوان الواحد؛ لأن الظاهر التغير\rفي الحيوان، لتوالي أسباب التغير عليه، إذ يكون جهد الحيوان في الزمان الثاني أقل منه في الزمان الأول (1) .\rوقد نصت المادة (1177) مجلة: على جواز المهايأة الاستعمالية في الحيوان المشترك لاستعماله بالمناوبة، وكذلك تجوز في الحيوانين المشتركين، على أن يستعمل أحدهما هذا والآخر الآخر، وهو رأي الصاحبين، وهذا يتفق مع رأي المالكية في قسمة المنافع بالأعيان.\rرابعاً ـ تكييفها أو تأصيلها الفقهي :\rالمهايأة المكانية: إفراز لجميع الأنصبة، وليست مبادلة، إذ لو كانت مبادلة لما صحت؛ لأن المبادلة في الجنس الواحد نسيئة، لا تجوز لتوافر ربا النسيئة فيها، باعتبار أن اتحاد الجنس وحده كاف عند الحنفية في وجود هذا النوع من الربا (2) .\rخامساً ـ مدتها :\rلا يشترط في المهايأة المكانية ذكر المدة وتعيينها، بخلاف المهايأة الزمانية؛ لأن الزمانية تحتاج إلى بيان الوقت لتصير المنافع معلومة، وأما المكانية فلا تحتاج لبيان الوقت؛ لأن مكان المنفعة معلوم، فصارت المنافع معلومة بمكانها (3) . ولكن المالكية قالوا: في قسمة المنافع بالأعيان يشترط أن تكون المدة محدودة.\rسادساً ـ انقضاؤها :\rلا تنقضي المهايأة المكانية كالزمانية بموت أحد الشريكين، ولاتنقضي بموتها،\r-------------------------------\r(1) تبيين الحقائق: 277/5، تكملة الفتح: 30/8 وما بعدها، البدائع: 32/7 ، الدر المختار: 190/5.\r(2) تبيين الحقائق: 276/5، المادة (1179) مجلة.\r(3) البدائع: 32/7، المادة (1179) مجلة.","part":6,"page":550},{"id":4146,"text":"إذ لو بطلت لاستؤنفت ولا فائدة في الاستئناف؛ لأن لكل شريك فسخها متى شاء، إنما تنقضي بالتراضي على إنهائها، ببيع المال المشترك (1) .\rالمبحث الخامس ـ ما يملكه كل شريك من التصرف بعد المهايأة :\rإذا تم الاتفاق على المهايأة، ملك كل واحد من المتهايئين استعمال الشيء كما يريد، سواء أكانت المهايأة مكانية أم زمانية. ففي الزمانية: يجوز السكنى والركوب ونحوهما، وفي المكانية: يجوز السكنى ونحوها.\rويملك كل متهايئ في المهايأة المكانية حق استغلال (استثمار) الشيء المتهايأ فيه، بالإجارة والإعارة ونحوهما، سواء أكان ذلك مشروطاً في العقد، أم غير مشروط، وسواء تهايآ في دار واحدة أو دارين؛ لأن كل متهايئ ملك المنفعة، فيملك التصرف فيها بالتمليك وغيره؛ لأن المهايأة المكانية ليست إعارة.\rوأما في المهايأة الزمانية: فلا يملك كل من المتهايئين في نوبته استغلال حصته، باتفاق الحنفية، إذ لم يشترطا ذلك. فإن شرطا في المهايأة حق الاستغلال، ففيه اختلاف عند الحنفية:\rأ ـ قال القدوري: لا يملك، لأن المهايأة الزمانية في معنى الإعارة، والعارية لاتؤجر. وهذا هوالراجح.\rب ـ وقال محمد في الأصل: يجوز التهايؤ في الدار الواحدة على السكنى والغلة، فلكل متهايئ إيجار غيره ما في يده. وتأول الحنفية هذا المنقول في (الأصل) وهو الغلة بأنه غير الاستغلال؛ لأن الغلة أي الناتج عين، والتهايؤ: قسمة المنافع دون الأعيان (2) .\r-------------------------------\r(1) نصت المادة 1191 مجلة على أنه: «بموت أحد أصحاب الحصص أو كلهم، لا تبطل المهايأة» .\r(2) البدائع: 32/7 وما بعدها.","part":6,"page":551},{"id":4147,"text":"الفَصْلُ السّابع: الغَصْبُ والإتلاف\rقال الكاساني (1) : الجناية في الأصل نوعان: جناية على البهائم والجمادات، وجناية على الآدمي.أما الجناية على البهائم والجمادات فنوعان أيضاً: غصب وإتلاف.\rوهذان النوعان أو ما يدل عليهما: وهو وضع اليد عدواناً أحد أسباب الضمان أو التعويض المالي عن الاعتداء على مال الغير أو حقه. ويلحق بهما بحث دفع الصائل لما يترتب على الصيال من إتلاف وضمان. فيكون الكلام في مبحثين: الأول ـ في الغصب وأحكامه، والثاني ـ في الإتلاف وأحكامه.\rالمبحث الأول ـ الغصب وأحكامه :\rوفيه مطلبان\rالمطلب الأول: تحريم الغصب، وتعريفه، وأثر اختلاف الفقهاء في ضابطه.\rالمطلب الثاني: أحكام الغصب الأخروية والدنيوية.\rالأول: التأثيم والمؤاخذة.\rالثاني ـ رد المغصوب ما دام موجوداً.\rالثالث ـ ضمان المغصوب حال هلاكه. وفيه الموضوعات التالية:\r1 - كيفية الضمان.\r2 - وقت وجوب الضمان.\r3 - ما يخرج به الغاصب عن عهدة الضمان.\r4 - تغير العين المغصوبة أو خلطها بغيرها.\r5 - نقصان المغصوب.\r6 - زيادة المغصوب، وحكم البناء والغرس والزرع في الأرض المغصوبة.\r7 - منافع المغصوب أو غلته.\r8 - اختلاف الغاصب والمغصوب منه.\r9 - غاصب الغاصب.\r-------------------------------\r(1) البدائع: 233/7.","part":6,"page":552},{"id":4148,"text":"المطلب الأول ـ تحريم الغصب، وتعريفه، وأثر اختلاف الفقهاء في ضابطه :\rأولاً ـ تحريم الغصب: ثبت تحريم الغصب في القرآن والسنة والإجماع (1) . أما القرآن: فقول الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل، إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم} [النساء:29/4] {ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل، وتدلوا بها إلى الحكام، لتأكلوا فريقاً من أموال الناس بالإثم، وأنتم تعلمون} [البقرة:188/2].\rوأما السنة: فقوله صلّى الله عليه وسلم : «إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا» (2) وقوله: «لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفسه» (3) «من أخذ شبراً من الأرض ظلماً، فإنه يطّوقه يوم القيامة من سبع أرضين» (4) «على اليد ما أخذت حتى تؤديه» (5) ونحوها من الأحاديث.\rوأجمع المسلمون على تحريم الغصب. وهو معصية كبيرة وإن لم يبلغ المغصوب نصاب سرقة.\rثانياً ـ تعريف الغصب: الغصب لغة: أخذ الشيء ظلماً، أو قهراً جهاراً. وشرعاً: له عند الفقهاء في الجملة حقيقتان تختلفان جذرياً عند الحنفية وغيرهم.\r1 - عند الحنفية (6) : الغصب: هو أخذ مال متقوم محترم بغير إذن المالك، على وجه يزيل يده.\rأخذ المال:يشمل المغصوب وغيره، وقولهم (متقوم) لإخراج غير المتقوم كالخمر والخنزير، وقولهم (محترم) احتراز عن مال الحربي فإنه غير محترم.\rوالمراد بغير إذن المالك: لإخراج المأذون فيه كالموهوب وغيره مما يتم المبادلة عليه بعقد من العقود. والقيد الأخير: ( إزالة يد المالك) لا بد منها لتصور معنى الغصب عند الحنفية، فلا تعتبر زوائد المغصوب كالولد والثمرة مضمونة عندهم.\r-------------------------------\r(1) المغني: 220/5، كشاف القناع: 83/4.\r(2) رواه البخاري ومسلم عن أبي بكرة رضي الله عنه، ورواه مسلم عن جابر، أن النبي صلّى الله عليه وسلم قال في خطبته يوم النحر بمنى (سبل السلام: 73/3).\r(3) رواه أبو إسحاق الجوزجاني، ورواه الدارقطني عن أنس، وعن عمرو بن يثربي (نيل الأوطار: 316/5، نصب الراية: 169/4).\r(4) متفق عليه بين أحمد والشيخين عن سعيد بن زيد (نيل الأوطار: 317/5).\r(5) رواه أحمد وأصحاب السنن الأربعة، وصححه الحاكم عن سمرة بن جندب (سبل السلام: 67/3).\r(6) تكملة فتح القدير مع العناية: 361/7 وما بعدها، الكتاب مع اللباب: 188/2.","part":6,"page":553},{"id":4149,"text":"وبناء عليه يعتبر الاستخدام والتحميل غصباً؛ لأنه تصرف بالمال، ولا يعتبر الجلوس على البساط مثلاً غصباً؛ لأن البسط فعل المالك، والجلوس استعمال لم يزل يد المالك عنه.\rولا بد من زيادة قيدين آخرين على التعريف: وهما أولاً: «على سبيل المجاهرة» لإخراج السرقة التي تكون على سبيل الخفية. وثانياً: «أو يقصر يده إن لم يكن في يده» فيصبح التعريف: «أخذ مال متقوم محترم على سبيل المجاهرة بغير إذن المالك على وجه يزيل يد المالك إن كان في يده، أو يقصر يده إن لم يكن في يده» ليشمل الأخذ من المستأجر أو من المرتهن أو من الوديع؛ لأن الأخذ من هؤلاء، وإن لم يكن في يد المالك؛ إلا أنه يترتب عليه أن الغاصب قصر يد المالك عن ماله، أي أنه قيد يده في التصرف بماله، فلم يعد قادراً على التصرف.\r2 - وعرف المالكية (1) الغصب بأنه «أخذ مال قهراً تعدياً بلا حرابة» فكلمة: «أخذ المال» أي الاستيلاء عليه جنس يشمل الغصب وغيره كأخذ إنسان ماله من وديع أو مدين أو غيرهما. وكلمة «المال» يراد بها الذوات أي الأعيان المادية، فخرج بها «التعدي» : وهو الاستيلاء على المنافع كسكنى الدار وركوب الدابة مثلاً. و «قهراً» لإخراج السرقة ونحوها إذ لا قهر فيها حال الأخذ، وإن أعقبها القهر بعدها، كما أنها أيضاً لإخراج المأخوذ اختياراً كالمستعار والموهوب، و «تعدياً» خرج به المأخوذ قهراً بحق كالدين المأخوذ من مدين مماطل أو من غاصب، وأخذ الزكاة كرهاً من ممتنع عن أدائها، ونحوه، والمقصود بقوله «بلا حرابة» أي بدون مقاتلة، لإخراج المأخوذ بالحرابة؛ لأن حقيقتها غير حقيقة الغصب.\rمن هذا التعريف يتبين أن الغصب عند المالكية أخص، والتعدي أعم؛ لأن\r-------------------------------\r(1) الشرح الكبير للدردير: 442/3، 459.","part":6,"page":554},{"id":4150,"text":"التعدي يكون في الأموال والفروج والنفوس والأبدان، والتعدي في النفوس والأبدان يدخل تحت باب الجنايات أو الدماء والقصاص. فالغصب: هو أخذ ذات الشيء، والتعدي: أخذ المنفعة (1) .\rوالتعدي في الأموال أربعة أنواع (2) :\rالأول ـ أخذ الرقبة أي ذات الشيء وهو الغصب.\rوالثاني ـ أخذ المنفعة، دون الرقبة، وهو نوع من الغصب، يجب فيه الكراء مطلقاً.\rوالثالث ـ الاستهلاك بإتلاف الشيء كقتل الحيوان، أو تحريق الثوب كله أو تخريقه، وقطع الشجر، وكسر الزجاج، وإتلاف الطعام والدنانير والدراهم، وشبه ذلك.\rوالرابع ـ التسبب في التلف، من فتح حانوتاً لرجل، وتركه مفتوحاً، فسرق، أو فتح قفص طائر فطار، أو حل رباط دابة فهربت، أو أوقد ناراً في يوم ريح، فأحرقت شيئاً، أو حفر بئر تعدياً، فسقط فيه إنسان أو بهيمة، أو مزق وثيقة، فضاع ما فيها من الحقوق.\rفمن فعل شيئاً مما ذكر فهو ضامن لما استهلكه، أو أتلفه، أو تسبب في إتلافه، سواء تم الفعل عمداً أو خطأ.\r-------------------------------\r(1) وهناك فروق أخرى بينهما منها أن الفساد اليسير من الغاصب يوجب للمالك أخذ قيمة المغصوب إن شاء، والفساد اليسير من المتعدي لا يوجب إلا أخذ أرش النقص الحاصل به. ومنها: أن المتعدي لا يضمن الآفة السماوية، والغاصب يضمنها. ومنها أن المتعدي يضمن غلة ما عطل كدار أغلقها وأرض بورها، ودابة حبسها بخلاف الغاصب إنما يضمن غلة ما استعمل (حاشية الدسوقي على الشرح الكبير: 459/3 وما بعدها).\r(2) القوانين الفقهية: ص 331 وما بعدها.","part":6,"page":555},{"id":4151,"text":"3 - وعرف الشافعية والحنابلة (1) الغصب بأنه: الاستيلاء على حق الغير (من مال أو اختصاص) عدواناً، أي على وجه التعدي أو القهر بغير حق.\rوهذا التعريف يشمل أخذ الأموال المتقومة والمنافع وسائر الاختصاصات كحق التحجر (أي إحياء الأرض الموات بوضع الأحجار على حدودها)، والأموال غير المتقومة كخمر الذمي، وما ليس بمال، كالكلب والسرجين وجلد الميتة، وأما أخذ مال الحربي فهو أخذ بحق.\rثالثاً ـ أثر اختلاف الفقهاء في ضابط الغصب :\rاختلف الفقهاء في ضابط الغصب الذي يتحقق به على رأيين:\r1 - فقال أبو حنيفة وأبو يوسف (2) : الغصب: هو إزالة يد المالك عن ماله المتقوم على سبيل المجاهرة والمغالبة، بفعل في المال، أي أن الغصب لا يتحقق إلا بأمرين هما: إثبات يد الغاصب (وهوأخذ المال) وإزالة يد المالك أي بالنقل والتحويل. وعبارتهم فيه: الغصب يتحقق بوصفين:\rإثبات اليد العادِيَة، وإزالة اليد المحقة (3) .\r2 - وقال جمهور الفقهاء ومنهم المذاهب الثلاثة، ومحمد وزفر من الحنفية (4) : يتحقق الغصب بمجرد الاستيلاء، أي إثبات اليد على مال الغير بغير إذنه، ولا يشترط إزالة يد المالك.وليس المقصود من الاستيلاء أو أخذ مال الغير: هو الأخذ أو الاستيلاء الحسي بالفعل، وإنما يكفي الحيلولة بين المال وصاحبه، ولو أبقاه بموضعه الذي وضعه فيه.\rويظهر أثر الاختلاف بين الرأيين في غصب العقار وفي زوائد المغصوب وفي منافعه. كما يظهر أثر الاختلاف بين الحنفية وغيرهم باشتراط تقوم المال في غصب المال غير المتقوم.\r-------------------------------\r(1) مغني المحتاج: 275/2، كشاف القناع: 83/4، المغني: 220/5.\r(2) البدائع: 143/7، تكملة الفتح: 368/7، تبيين الحقائق: 224/5.\r(3) المراد باليد: هو القدرة على التصرف. وعدم اليد: عدم القدرة على التصرف (تبيين الحقائق، المكان السابق). والعادية: بتخفيف الياء لا بتشديدها، وهي الضامنة لا المتعدية.\r(4) الشرح الكبير: 442/3، مغني المحتاج: 275/2، كشاف القناع: 83/4. ويفتى برأي محمد وزفر في الوقف، وبرأي الشيخين في غير الوقف.","part":6,"page":556},{"id":4152,"text":"1 ً ـ غصب العقار: لا يتصور الغصب عند أبي حنيفة وأبي يوسف إلا في غصب المنقول فقط (1) ؛ لأن إزالة يد المالك بالنقل والتحويل التي يتحقق بها معنى الغصب عندهما، لا تتحقق إلا في المنقولات. وأما العقار كالأرض والدار، فلايتصور وجود الغصب فيه، لعدم إمكان نقله وتحويله، فمن غصب عقاراً فهلك في يده بآفة سماوية كغلبة سيل، لم يضمنه عندهما، لعدم تحقق الغصب بإزالة اليد؛ لأن العقار في محله لم ينقل، فصار كما لو حال بين المالك وبين متاعه، فتلف المتاع. أما لو كان الهلاك بفعل الغاصب كأن هدمه، فيضمنه؛ لأن الغصب إذا لم يتحقق في العقار، فيعتبر الإتلاف.\rوقال محمد وزفر من الحنفية وأئمة المذاهب الثلاثة (2) : يتصور غصب العقار من الأراضي والدور، ويجب ضمانها على غاصبها؛ لأنه يكفي ـ عند غير الحنفية ـ لتوافر معنى الغصب: إثبات يد الغاصب على الشيء بالسكنى ووضع الأمتعة وغيرها، ويترتب عليه ضمناً بالضرورة إزالة يد المالك، لاستحالة اجتماع اليدين على محل واحد في حالة واحدة، ويتحقق أيضاً عند محمد وزفر مبدؤهما: وهو إزالة يد المالك وإثبات يد الغاصب، وتحقق هذين الوصفين هو معنى الغصب، فصار العقار كالمنقول في تحقيق الوصفين المطلوبين لتصور الغصب.\rولأن ما يضمن في الإتلاف يجب أن يضمن في الغصب، فالعقار والمنقول مضمونان على السواء؛ وما يضمن في البيع يضمن أيضاً في الغصب؛ ولأن الغاية المطلوبة من الغصب وهي الانتفاع على وجه التعدي توجد في العقار، كما توجد في المنقول.\r-------------------------------\r(1) البدائع: 45/7 وما بعدها، اللباب شرح الكتاب: 189/2، تكملة الفتح وتبيين الحقائق، المكان السابق.\r(2) الشرح الكبير: 443/3، بداية المجتهد: 311/2، مغني المحتاج: 275/2 وما بعدها، المغني: 223/5، كشاف القناع: 83/4 وما بعدها.","part":6,"page":557},{"id":4153,"text":"ويؤكدما سبق كله قوله صلّى الله عليه وسلم : «من ظلم شبراً من الأرض طوقه الله من سبع أرضين» (1) وفي لفظ «من غصب شبراً من الأرض» فإنه يدل على تحقق الغصب في العقار؛ لأنه سماه غصباً.\rوهذا الرأي هو الأرجح.\r2 ً ـ زوائد المغصوب أو النماء السماوي: لا تضمن زوائد المغصوب إذا هلكت بلا تعدّ،وإنما هي أمانة في يد الغاصب في رأي أبي حنيفة وأبي يوسف (2) ، سواء أكانت منفصلة كالولد واللبن والثمرة، أم متصلة كالسمن والجمال؛ لأن الغصب عندهما هو إثبات يد الغاصب على مال الغير على وجه يزيل يد المالك كما تقدم، ويد المالك لم تكن ثابتة على هذه الزيادة حتى يزيلها الغاصب،أي أن عنصر ( إزالة يد المالك ) لم يتحقق هنا، كما لم يتحقق في غصب العقار.\rفإن تعدّى الغاصب على الزيادة، لأن أتلفها أو أكلها أو باعها، أو طلبها مالكها فمنعها عنه، ضمنها؛ لأنه بالتعدي أو المنع صار غاصباً.\r-------------------------------\r(1) متفق عليه بين أحمد والشيخين من رواية عائشة رضي الله عنها.\r(2) البدائع: 143/7، 160، الدر المختار: 143/5، تكملة الفتح: 388/7، اللباب شرح الكتاب: 194/2.","part":6,"page":558},{"id":4154,"text":"وقال المالكية في الأرجح عندهم (1) : إذا كانت الزيادة التي بفعل الله متصلة كالسمن والكبر فلا تكون مضمونة على الغاصب. وأما إذا كانت الزيادة منفصلة ولو نشأت من غير استعمال الغاصب كاللبن والصوف وثمر الشجر، فهي مضمونة على الغاصب إن تلفت أو استهلكت، ويجب ردها مع المغصوب الأصلي على صاحبها.\rوقال محمد من الحنفية، والشافعية والحنابلة (2) : تضمن زوائد المغصوب في يد الغاصب، سواء أكانت متصلة كالسمن ونحوه، أم منفصلة كثمرة الشجرة وولد الحيوان، متى تلف شيء منه في يد الغاصب، لتحقق إثبات اليد العادِيَة (الضامنة)، لأنه بإمساك الأصل تسبب في إثبات يده على هذه الزوائد، وإثبات يده على الأصل محظور.\r3 ً ـ منافع المغصوب وغلته :\rلا يضمن الغاصب عند الحنفية (3) منافع ما غصبه من ركوب الدابة، وسكنى الدار، سواء استوفاها أم عطلها؛ لأن المنفعة ليست بمال عندهم؛ ولأن المنفعة الحادثة على يد الغاصب لم تكن موجودة في يد المالك، فلم يتحقق فيها معنى الغصب، لعدم إزالة يد المالك عنها.\rوهذا فيما عدا ثلاثة مواضع يجب فيها أجر المثل، في اختيار متأخري الحنفية، وعليه الفتوى، وهي أن يكون المغصوب وقفاً، أو ليتيم، أو معداً للاستغلال بأن بناه صاحبه أو اشتراه لذلك الغرض.\rوإن نقص المغصوب أي ذاته باستعمال الغاصب غرم النقصان،لاستهلاكه بعض أجزاء العين المغصوبة، كما سأبين.\rوأما غلة المغصوب كما سيأتي بيانه: فلا تطيب في رأي أبي حنيفة ومحمد للغاصب؛ لأنه لا يحل له الانتفاع بملك الغير. وقال أبو يوسف وزفر: تطيب له.\rوقال المالكية في المشهور (4) : يضمن الغاصب غلة مغصوب مستعمل، أي أنه يضمن غلة المغصوب ذاته الذي استعمله الغاصب، سواء كان المغصوب عقاراً من دور أو أرض سكنها أو زرعها أو كراها، أم منقولاً: حيواناً أو غيره، كراه أو استعمله، ولا يضمن ما نشأ من غير استعمال، ولو عطّله على صاحبه.\rهذا في حالة غصب الذات، أما إن قصد الغاصب غصب المنفعة ( وهي حالة التعدي عندهم كما تبين ) فيلزمه كراء المثل.\rوالخلاصة: أن الغاصب يضمن فقط غلة ما استعمل، والمتعدي يضمن غلة ما عطل كدار أغلقها، وأرض بورها، ودابة حبسها، كما بان سابقاً.\rوقال الشافعية والحنابلة (5) : يضمن الغاصب منفعة المغصوب، وعليه أجر المثل، سواء استوفى المنافع، أم تركها تذهب، وسواء أكان المغصوب عقاراً كالدار، أم منقولاً كالكتاب والدابة ونحوهما؛ لأن المنفعة مال متقوم، فوجب\rضمانه كالعين المغصوبة ذاتها. وهذا الرأي هو المتفق مع العدالة، ومع ظروف العصر الحاضر المتجه إلى المادية، وتقويم كل الأشياء، حتى النواحي الأدبية أو الذهنية.\r-------------------------------\r(1) بداية المجتهد: 313/2، الشرح الصغير للدردير: 596/3، الشرح الكبير للدردير: 448/3، شرح الرسالة لابن أبي زيد القيرواني: 220/2.\r(2) البدائع: 145/7، الدر المختار: 144/5-145، تكملة الفتح: 394/7، اللباب شرح الكتاب: 195/2، المهذب: 370/1، المغني والشرح الكبير: 399/5 وما بعدها.\r(3) الشرح الكبير: 448/3، الشرح الصغير: 595/3 وما بعدها، بداية المجتهد: 315/2 شرح الرسالة: 240/2.\r(4) الشرح الكبير: 448/3، الشرح الصغير: 595/3 وما بعدها، بداية المجتهد: 315/2 شرح الرسالة: 240/2.\r(5) مغني المحتاج: 486/2، المهذب: 367/1، فتح العزيز: 262/11، المغني: 270/5 القواعد لابن رجب: ص 213.","part":6,"page":559},{"id":4155,"text":"4 ً ـ غصب غير المتقوم :\rقال الحنفية (1) : لا يضمن الغاصب خمر المسلم أو خنزيره إذا غصبه وهلك في يده أو استهلكه أو خلل الخمر، سواء أكان الغاصب مسلماً أم ذمياً؛ لأن الخمر ليست بمال متقوم في حق المسلم ويجب إراقتها، وكذا الخنزير غير متقوم، لكن لو قام الغاصب بتخليل خمر المسلم ثم استهلكها يضمن خلاً مثلاً لا خمراً؛ لأن الغصب حين وجوده لم ينعقد سبباً لوجوب الضمان، فإن استهلكه فقد وجد منه سبب الضمان، وهو إتلاف خلّ مملوك للمغصوب منه، فيضمن. وكذلك يضمن الغاصب جلد الميتة إذا دبغه، ويجب عليه فقط ما زاد الدباغ فيه؛ لأنه بالدبغ صار مالاً متقوماً.\rويضمن المسلم أو الذمي خمر الذمي أو خنزيره إذا استهلكه؛ لأن كلاً منهما مال عند أهل الذمة، فالخمر عندهم كالخل عندنا، والخنزير عندهم كالشاة عندنا؛ لأن لهم ماللمسلمين وعليهم ما على المسلمين، ونحن أمرنا بتركهم وما يدينون (2) ، وبه يقرون على بيعها. لكن تجب على المسلم قيمة الخمر، وإن كان من\r-------------------------------\r(1) البدائع: 147/7 وما بعدها، 162 وما بعدها، الدر المختار: 147/5-149، تكملة فتح القدير: 396/7-405، اللباب: 195/2، تبيين الحقائق: 222/5.\r(2) هذا مروي عن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه حيث قال: «إنما بذلوا الجزية لتكون دماؤهم كدمائنا، وأموالهم كأموالنا» . «وأمرنا بتركهم وما يدينون» (نصب الراية: 369/4، تكملة فتح القدير: 398/7).","part":6,"page":560},{"id":4156,"text":"المثليات؛ لأن المسلم ممنوع من تملكه، وغير المسلم يجوز له تسليم المثل؛ لأنه يجوز له تملك الخمر وتمليكها بالبيع وغيره.\rأما الميتة والدم ولو لذمي فلا يضمنان بالغصب؛ لأنهما ليسا بمال، ولا يدين أحد من أهل الأديان تمولهما. كما لا يضمن متروك التسمية عمداً ولو كان مملوكاً لمن يبيحه.\rوكذلك يضمن المسلم قيمة صليب غصبه من نصراني فهلك في يده؛ لأنه مقر على ذلك.\rوقال أبو حنيفة: ومن كسر لمسلم آلة من آلات اللهو والطرب كالطبل والمزمار والدف ونحوها، فهو ضامن؛ لأنها أموال لصلاحيتها لما يحل من وجوه الانتفاع لغير اللهو، وإن استعملت فيما لا يحل، كالمغنية إذا اعتدي عليها، وتضمن قيمة هذه الآلات خشباً منحوتاً صالحاً لغير اللهو، أي تضمن قيمتها قبل التصنيع.\rأما الصاحبان فقالا: لا تضمن آلات الملاهي؛ لأن هذه الأشياء أعدت للمعصية، فبطل تقومها كالخمر، ولأنه يجب شرعاً إتلافها، وقد فعل المتلف ما أمر به الشرع، فلا ضمان عليه، كما إذا فعل أمراً بإذن الإمام.\rوقال المالكية (1) مثلما قال الحنفية: لا تضمن خمر المسلم أو خنزيره، ولا آلات الملاهي والأصنام، لقوله صلّى الله عليه وسلم : «إن الله تعالى ورسوله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام» (2) ، ولأنه لا قيمة لها، وما لا قيمة له لا يضمن.\rلكن يضمن الغاصب خمر الذمي لتعديه عليه، ولأنها مال محترم عند غير\r-------------------------------\r(1) الشرح الكبير وحاشية الدسوقي: 204/2، 447/3، الشرح الصغير: 592/3 ومابعدها.\r(2) أخرجه البخاري ومسلم من حديث جابر يوم الفتح.","part":6,"page":561},{"id":4157,"text":"المسلمين يتمولونها. وإذا تخللت الخمر، وكانت لمسلم خير صاحبها بين أخذها خلاً، أو مثل عصيرها إن علم قدرها، وإلا فقيمتها.أما خمر غير المسلم فيخير صاحبها بين أخذ قيمتها يوم الغصب، أوأخذ الخل، على المفتى به عند المالكية.\rوإن كان المغصوب جلد ميتة لم يدبغ أو دبغ، أو كلباً مأذوناً في اتخاذه، مثل كلب صيد أو ماشية أو حراسة، فأتلفه الغاصب، فإنه يغرم القيمة، ولو لم يجز بيع الجلد أو الكلب.\rوقال الشافعية والحنابلة (1) : لا تضمن الخمر والخنزيز، سواء أكان متلفها مسلماً أم ذمياً، وسواء أكانت لمسلم أم لذمي، إذ لا قيمة لها كالدم والميتة وسائر الأعيان النجسة، وما حرم الانتفاع به لم يضمن ببدل عنه؛ لأن الرسول صلّى الله عليه وسلم حرم بيعها، وأمر بإراقتها، فما لايحل بيعه ولا تملكه، لا ضمان فيه.\rكذلك لا ضمان عندهم بإتلاف الأصنام وآلات الملاهي، إلا أن الشافعية أجازوا ضمانها خشباً منحوتاً فقط (2) كما قال أبو حنيفة، إذا كانت صالحة لمنفعة مباحة، فإن لم تصلح لذاك لم يلزم المتلف شيء، لأنه لم يتلف ما له قيمة.\rلكن إذا كانت خمر الذمي ما زالت باقية عند الغاصب، فيجب ردها عليه؛ لأنه يقر على شربها. فإن غصبها من مسلم لم يلزم عند الحنابلة ردها، يجب إراقتها؛ لأنه لا يقر على اقتنائها، ويحرم ردها إلى المسلم إذا لم يكن صانع خل (خلالاً) لأنه إعانة له على ما يحرم عليه.\r-------------------------------\r(1) مغني المحتاج: 285/2، 291، فتح العزيز شرح الوجيز: 258/11، المغني: 256/5، 276، المهذب: 374/1، كشاف القناع: 84/4 وما بعدها، الميزان: 90/2.\r(2) عبارة الشافعية في هذا: أن المتلف يلزمه الفرق ما بين قيمة الآلة مفككة (مفصلة) ومكسورة.","part":6,"page":562},{"id":4158,"text":"وفصل الشافعية فقالوا: ترد الخمر المحترمة (1) المغصوبة من مسلم إليه، ولا ترد الخمر غير المحترمة بل تراق.\rولو غصب غاصب عصيراً، فتخمر، ثم تخلل، فالأصح عند الشافعية أن الخل للمالك، وعلى الغاصب أرش ما نقص من قيمة العصير، إن كان الخل أنقص قيمة من العصير، لحصوله في يده. وقال الحنابلة: إنه يجب عليه مثل العصير.\rولو غصب جلد ميتة فدبغه، فالأصح عند الشافعية أيضاً أن الجلد للمغصوب منه كالخمر التي تخللت، فإذا تلفا في يده ضمنهما. وقال الحنابلة: إن غصب جلد ميتة نجسة لم يلزم الغاصب رده ولو دبغه؛ لأنه لا يطهر بدبغه عندهم، ولا قيمة له؛ لأنه لا يصح بيعه.\rالمطلب الثاني ـ أحكام الغصب :\rللغصب أحكام ثلاثة: الإثم لمن علم أنه مال الغير، ورد العين المغصوبة مادامت قائمة، وضمانها إذا هلكت (2) .\rالحكم الأول ـ الإثم: وهو استحقاق المؤاخذة في الآخرة، إذا فعل الغصب عالماً أن المغصوب مال الغير؛ لأن ذلك معصية، وارتكاب المعصية عمداً موجب\r-------------------------------\r(1) الخمر المحترمة: هي التي عصرت من غير قصد الخمرية، سواء عصرت بقصد الخلية أو عصرت بغير قصد شيء.\r(2) الدر المختار: 126/5، القوانين الفقهية: ص 330، مغني المحتاج: 277/2، المغني: 259/5 وما بعدها.","part":6,"page":563},{"id":4159,"text":"للمؤاخذة (1) ، لقوله عليه الصلاة والسلام: «من غصب شبراً من أرض، طوقه الله تعالى من سبع أرضين يوم القيامة» .\rويؤدب بالضرب والسجن عند الحنفية والمالكية (2) غاصب مميز صغير أو كبير لحق الله تعالى، ولو عفا عنه المغصوب منه، باجتهاد الحاكم لدفع الفساد، وإصلاح حاله، وزجره هو وأمثاله. أما غير المميز من صغير ومجنون فلا يعزر. كذلك نص الشافعية (3) على أنه يعزر الغاصب لحق الله تعالى، واستيفاؤه للإمام.\rفإن حدث الغصب لا عن علم بأن ظن أن الشيء ملكه، فلا إثم ولا مؤاخذة عليه؛ لأنه خطأ، والخطأ لا مؤاخذة عليه شرعاً لقوله تعالى: {ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا} [البقرة:286/2] وقوله عليه الصلاة والسلام: «رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه» (4) .\rولكن في هذه الحالة يبقى الحكمان الأخيران وهما: رد العين ما دامت قائمة، والغرم إذا صارت هالكة.\rالحكم الثاني ـ رد العين المغصوبة ما دامت قائمة: والكلام فيه في مواضع:\r-------------------------------\r(1) إن أخذ أموال الناس بالباطل له عشرة أنواع كلها حرام، والحكم فيها مختلف: الأول ـ الحرابة، والثاني ـ الغصب، والثالث ـ السرقة، والرابع ـ الاختلاس، والخامس ـ الخيانة، والسادس ـ الإذلال، والسابع ـ الفجور في الخصام بإنكار الحق أو دعوى الباطل، والثامن ـ القمار، كالشطرنج والنرد، والتاسع ـ الرشوة، فلا يحل أخذها ولا عطاؤها، والعاشر ـ الغش والخلابة في البيوع (القوانين الفقهية: ص 329) والحرام: لا يجوز قبوله ولا الأكل منه ولا السكنى فيه، لكن يجوز أخذ العوض عن التالف عند الغاصب؛ لأن دفع العوض واجب مستقل.\r(2) الشرح الكبير: 442/3؛ القوانين الفقهية: ص 330.\r(3) مغني المحتاج: 277/4.\r(4) رواه ابن ماجه والبيهقي وغيرهما عن ابن عباس بلفظ : «إن الله تجاوز لي عن أمتي الخطأ...» الحديث.","part":6,"page":564},{"id":4160,"text":"هي سبب وجوب الرد، وشرط الرد ومكانه ومؤنته، وما يصير به المالك مسترداً (1) .\rاتفق الفقهاء على أنه يجب رد العين المغصوبة إلى صاحبها حال قيامها ووجودها بذاتها لقوله صلّى الله عليه وسلم : «على اليد ما أخذت حتى تؤديه» «لا يأخذن أحدكم متاع أخيه جاداً، ولا لاعباً، وإذا أخذ أحدكم عصا أخيه، فليردها عليه» (2) وترد إلى مكان الغصب لتفاوت القيم باختلاف الأماكن.\rومؤنة الرد (نفقته) على الغاصب؛ لأنها من ضرورات الرد، فإذا وجب عليه الرد، وجب عليه ما هو من ضروراته كما في رد العارية.\rويصير المالك مسترداً للمغصوب: بإثبات يده عليه، لأنه صار مغصوباً بتفويت يده عنه. فإذا أثبت يده عليه، فقد أعاده إلى يده، وزالت يد الغاصب عنه، إلا أن يغصبه مرة أخرى.\rويبرأ الغاصب من الضمان بالرد، سواء علم المالك بحدوث الرد أم لم يعلم؛ لأن إثبات اليد على الشيء أمر حسي لا يختلف بالعلم أو الجهل بحدوثه.\rالحكم الثالث ـ ضمان المغصوب إذا هلك: والكلام فيه يتناول عدة مواضع هي مايأتي:\r1 - كيفية الضمان :\rإذا هلك المغصوب أو تلف أو أتلف عند الغاصب، وكان من المنقولات عند الحنفية (3) ، أو من العقارات أو المنقولات عند غير الحنفية (4) ، بفعله أو بغير فعله، فعليه ضمانه، أي غرامته أو تعويضه. لكن إن كان الهلاك بتعد من غيره، لا بآفة سماوية، رجع الغاصب عليه بما ضمن؛ لأنه يستقر عليه ضمان الشيء الذي يمكنه أن يتخلص منه برده إلى من كان في يده. وعبارتهم فيه: «الغاصب ضامن لما غصبه، سواء تلف بأمر الله ، أو من مخلوق» (5) .\rوكيفية الضمان أو قاعدته: أنه يجب ضمان المثل باتفاق العلماء إذا كان المال مثلياً، وقيمته إذا كان قيمياً، فإن تعذر وجود المثل وجبت القيمة للضرورة.\rأما ضمان المثل فلقوله تعالى: {فمن اعتدى عليكم، فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم} [البقرة:194/2] {وإ ن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به} [النحل:126/16] {وجزاء سيئة سيئة مثلها} [الشورى:40/42] ولأن المثل تماماً أقرب إلى الأصل التالف، فكان الإلزام به أعدل وأتم لجبران الضرر، والواجب في الضمان الاقتراب من الأصل بقدر الإمكان تعويضاً للضرر.\rوأما ضمان القيمة فلأنه تعذر الوفاء بالمثل تماماً صورة ومعنى، فيجب المثل المعنوي وهو القيمة؛ لأنها تقوم مقامه، ويحصل بها مثله، واسمها ينبئ عنه.\rوالمال المثلي: هو مايوجد له مثل في الأسواق بلا تفاوت يعتد به. أو هو ما تماثلت آحاده أو أجزاؤه بحيث يمكن أن يقوم بعضها مقام بعض دون فرق يعتد به.\r-------------------------------\r(1) البدائع: 148/7، الدر المختار: 128/5، تكملة الفتح: 367/7، الميزان: 88/2.\r(2) رواه أحمد وأبو داود والترمذي عن السائب بن يزيد عن أبيه (نيل الأوطار: 316/5).\r(3) المبسوط: 50/11، البدائع: 150/7، 168، الدر المختار: 128/5، تبيين الحقائق: 223/5، 234، تكملة الفتح: 363/7، اللباب والكتاب: 188/4 وما بعدها.\r(4) الشرح الكبير للدردير: 443/3، القوانين الفقهية: ص 330 وما بعدها، بداية المجتهد: 312/2، مغني المحتاج: 281/2، 284، فتح العزيز شرح الوجيز: 242/11 بهامش المجموع، المغني: 221/5، 254، 258، كشاف القناع: 116/4 وما بعدها.\r(5) القوانين الفقهية: ص 331.","part":6,"page":565},{"id":4161,"text":"والأموال المثلية أربعة: هي المكيلات والموزونات، والعدديات المتقاربة، وبعض أنواع الذرعيات.\rوالمكيلات: هي التي تباع بالكيل كالقمح والشعير، وكبعض السوائل التي تباع اليوم بالليتر كالبترول والبنزين.\rوالموزونات: هي التي تباع بالوزن كالسمن والزيت والسكر.\rوالذرعيات: هي التي تباع بالذراع ونحوه كالقطع الكبرى من المنسوجات الصوفية أو القطنية أو الحريرية.\rوالعدديات المتقاربة: هي التي لاتتفاوت آحادها إلا تفاوتاً بسيطاً كالبيض والجوز. وكالمصنوعات المتماثلة من صنع المعامل كالكؤوس وصحون الخزف والبلور ونحوها من الدفاتر والأقلام والمطبوعات.\rوالقيمي: هو ما ليس له مثل في الأسواق، أويوجد لكن مع التفاوت المعتد به في القيمة. أو هو ما تفاوتت أفراده، فلا يقوم بعضها مقام بعض بلا فرق كالدور والأراضي المختلفة المواقع أو المبنية والأشجار والحيوان والمفروشات والمخطوطات ونحوها (1) .\rوتجب القيمة في ثلاث حالات (2) :\r1 - إذا كان الشيء غير مثلي كالحيوانات والدور والمصوغات، فلكل واحد منها قيمة تختلف عن الأخرى باختلاف الصفات المميزة لكل واحد.\r-------------------------------\r(1) الدر المختار وحاشيته: 130/5، 173/4، اللباب والكتاب: 188/2، تكملة الفتح: 363/7، تبيين الحقائق: 223/5، بداية المجتهد: 312/2، شرح الرسالة: 217/2، القوانين الفقهية: ص 330، مغني المحتاج: 281/2، 284، كشاف القناع: 116/4 ومابعدها، المدخل لنظرية الالتزام العامة في الفقه الإسلامي للأستاذ مصطفى الزرقا: ص50.\r(2) الدر المختار ورد المحتار: 129/5.","part":6,"page":566},{"id":4162,"text":"2 - إذا كان الشيء خليطاً مما هو مثلي بغير جنسه، كالحنطة مع الشعير.\r3 - إذا كان الشيء مثلياً تعذر وجود مثله، والتعذر إما حقيقي حسي كانقطاع وجود المثل في السوق بعد البحث عنه، وإن وجد في البيوت، أو حكمي: كأن لم يوجد إلا بأكثر من ثمن المثل، أو شرعي: بالنسبة للضامن كالخمر بالنسبة للمسلم يجب عليه للذمي عند أئمة المذاهب كما أبنت ضمان القيمة، وإن كانت الخمر من المثليات؛ لأنه يحرم على المسلم تملكها بالشراء.\rوبه يتبين أن الواجب الأصلي في الضمان (أو التعويض أو الغرامة): هو إزالة الضرر عيناً كإصلاح الحائط، ورد عين المغصوب مادام قائماً، ورد الخمر المغصوبة مادامت باقية بالنسبة للمسلم، إذ له عند الحنفية إمساكها لتصير خلاً، وجبر التلف وإعادته صحيحاً كما كان، عند الإمكان، كإعادة المكسور صحيحاً. فإن تعذرت الإعادة وجب التعويض: المثلي في المثليات، والنقدي أو القيمة في القيميات.\r2 - وقت وجوب الضمان أو وقت تقدير التعويض :\rللفقهاء آراء متقاربة في وقت الضمان أو تقدير قيمة التعويض، فقال الحنفية على المختار عندهم (1) والمالكية (2) : تقدر قيمة المغصوب يوم الغصب؛ لأن الضمان يجب بالغصب، فتقدر قيمة المغصوب يوم الغصب، فلا يتغير التقدير\r-------------------------------\r(1) هذا هو رأي أبي يوسف وهو الذي أخذت به المجلة م/921، وقال أبو حنيفة: تجب القيمة وقت الخصومة أي المحاكمة، وقال محمد: تجب القيمة يوم انقطاع المثل من الأسواق.\r(2) البدائع: 151/7، الدر المختار: 128/5، تكملة الفتح: 363/7، المبسوط: 50/11، تبيين الحقائق: 223/5، اللباب مع الكتاب: 188/2، الشرح الكبير للدردير: 443/3، 448، بداية المجتهد: 312/2، القوانين الفقهية: ص 330.","part":6,"page":567},{"id":4163,"text":"بتغير الأسعار؛ لأن سبب الضمان لم يتغير كما لم يتغير محل الضمان، لكن فرق المالكية بين ضمان الذات وضمان الغلة، فتضمن الأولى يوم الاستيلاء عليها، وتضمن الغلة من يوم استغلالها، وأما المتعدي: وهو غاصب المنفعة فيضمن المنفعة بمجرد فواتها على صاحبها وإن لم يستعملها.\rوقال الشافعية (1) : الأصح أن المعتبر في الضمان هو أقصى قيمة للمغصوب من وقت الغصب في بلد الغصب إلى وقت تعذر وجود المثل. وإذا كان المثل مفقوداً عند التلف، فالأصح وجوب الأكثر قيمة من الغصب إلى التلف، سواء أكان ذلك بتغير الأسعار، أم بتغير المغصوب في نفسه.\rوأما المال القيمي: فيضمن بأقصى قيمة له من يوم الغصب إلى يوم التلف.\rوقال الحنابلة (2) : إن كان المغصوب من المثليات، وفقد المثل، وجبت قيمته يوم انقطاع المثل؛ لأن القيمة وجبت في الذمة حين انقطاع المثل، فقُدِّرَت القيمة حينئذ كتلف المتقوم.\rوإن كان المغصوب من القيميات وتلف، فالواجب القيمة أكثر ما كانت من حين الغصب إلى حين الرد، إذا كان التغير في المغصوب نفسه من كبر وصغر، وسمن وهزال، ونحوها من المعاني التي تزيد بها القيمة وتنقص؛ لأن هذه المعاني مغصوبة في الحال التي زادت فيها، والزياد ة لمالكها مضمونة على الغاصب.\rوإن كانت زيادة القيمة لتغير الأسعار، لم تضمن الزيادة؛ لأن نقصان القيمة لهذا السبب لا يضمن إذا ردت العين المغصوبة بذاتها، فلا يضمن عند تلفها.\r-------------------------------\r(1) مغني المحتاج: 283/2، المهذب: 368/1، بجيرمي الخطيب: 136/3، نهاية المحتاج: 119/4-121.\r(2) المغني: 257/5 وما بعدها، كشاف القناع: 117/4.","part":6,"page":568},{"id":4164,"text":"3 - ما يخرج به الغاصب عن عهدة الضمان :\rيخرج الغاصب عن عهدة الضمان بأحد أربعة أمور :\rالأول ـ رد العين المغصوبة إلى صاحبها ما دامت باقية بذاتها، ولم تشغل بشيء آخر.\rالثاني ـ أداء الضمان إلى المالك أو من يقوم مقامه؛ لأنه المطلوب أصالة.\rالثالث ـ الإبراء عن الضمان، إما صراحة مثل: أبرأتك عن الضمان أو أسقطته عنك أو وهبته منك ونحوه، أو يجري مجرى الصريح: وهو أن يختار المالك تضمين أحد الغاصبين، فيبرأ الآخر؛ لأن اختيار تضمين أحدهما إبراء للآخر ضمناً (دلالة).\rالرابع ـ إطعام الغاصب المغصوب لمالكه أو لدابته، وهو يعلم أنه طعامه، أو تسلم الغاصب الشيء المغصوب على سبيل الأمانة كالإيداع أو الهبة أو الإجارة أو الاستئجار على قصارته (تبييضه) أو خياطته، وعلم المالك أنه ماله المغصوب منه، أو على وجه ثبوت بدله في ذمته، كالقرض، وعلم أنه ماله، فإن لم يعلم بذلك لم يبرأ الغاصب حتى تتغير صفة الغصب (1) .\rوهل يملك الغاصب الشيء المغصوب بالضمان؟\rقال الحنفية (2) : يملك الغاصب الشيء المغصوب بعد ضمانه من وقت وجود الغصب، حتى لا يجتمع البدل والمبدل في ملك المالك. وينتج عن التملك أن الغاصب لو تصرف في المغصوب بالبيع أو الهبة أو الصدقة قبل أداء الضمان، ينفذ تصرفه، كما تنفذ تصرفات المشتري في المشترى شراء فاسداً، وكما لو غصب شخص عيناً فغيبها (أخفاها) فضمنه المالك قيمتها، ملكها الغاصب؛ لأن المالك ملك البدل كله، والمبدل قابل للنقل، فيملكه الغاصب لئلا يجتمع البدلان في ملك شخص واحد.\r-------------------------------\r(1) البدائع: 151/7، الشرح الصغير: 600/3 ومابعدها، السراج الوهاج شرح المنهاج: ص 268، المغني والشرح الكبير: 437/5، كشاف القناع: 103/4 ط بيروت.\r(2) المبسوط: 15/16، البدائع: 152/7 وما بعدها، اللباب شرح الكتاب: 193/2.","part":6,"page":569},{"id":4165,"text":"ولكن في رأي أبي حنيفة ومحمد (1) : لا يحل للغاصب الانتفاع بالمغصوب بأن يأكله بنفسه أو يطعمه غيره قبل أداء الضمان. وإذا حصل فيه فضل (أي نماء وزيادة) يتصدق بالفضل استحساناً، وعليه، إن غلة المغصوب المستفادة من إركاب سيارة مثلاً لا تطيب له؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلم لم يبح الانتفاع بالمغصوب قبل إرضاء المالك، روى أبو حنيفة بسنده عن أبي موسى رضي الله عنه: «أن النبي صلّى الله عليه وسلم كان في ضيافة قوم من الأنصار، فقدَّموا إليه شاة مصلية (مشوية)، فأخذ منها لقمة، فجعل يمضغها ولا يسيغها، فقال عليه الصلاة والسلام: إن هذه الشاة لتخبرني أنها ذبحت بغير حق، قالوا: هذه الشاة لجار لنا، ذبحناها لنرضيه بثمنها، فقال صلّى الله عليه وسلم : أطعموها الأسارى (2) » فقد حرم عليهم الانتفاع بها، مع حاجتهم، ولو كانت حلالاً لأطلق لهم إباحة الانتفاع بها.\rوقال المالكية (3) : يمنع الغاصب من التصرف في المغصوب برهن أو كفالة خشية ضياع حق المالك، ولا يجوز لمن وهب له منه شيء قبوله ولا الأكل منه مثلاً\r-------------------------------\r(1) وقال أبو يوسف وزفر: يحل له الانتفاع ولا يلزمه التصدق بالفعل إن كان فيه فضل، لأن المغصوب مملوك للغاصب من وقت الغصب: «المضمونات تملك بأداء الضمان مستنداً إلى وقت الغصب» أي بأثر رجعي، وعلى هذا فإن غلة المغصوب تطيب للغاصب.\r(2) رواه محمد بن الحسن في كتاب الآثار، وأبو داود وأحمد في مسنده والدارقطني في سننه من حديث عاصم بن كليب عن أبيه عن رجل من الأنصار (نصب الراية: 168/4).\r(3) الشرح الكبير: 445/3 وما بعدها، الشرح الصغير: 586/3.","part":6,"page":570},{"id":4166,"text":"ولا السكنى فيه مثل أي شيء حرام، لكن لو تلف المغصوب عند الغاصب أو استهلكه (أي فات عنده بتعبيرهم)، فالأرجح عندهم أنه يجوز للغاصب الانتفاع به؛ لأنه وجبت عليه قيمته في ذمته، فقد أفتى بعض المحققين بجواز الشراء من لحم الأغنام المغصوبة إذا باعها الغاصب للجزارين، فذبحوها؛ لأنه بذبحها ترتبت القيمة في ذمة الغاصب، إلا أنهم قالوا: ومن اتقاه فقد استبرأ لدينه وعرضه، ومعناه أن الغاصب يتملك بالضمان الشيء المغصوب من يوم التلف.\rوقال الشافعية والحنابلة (1) : لا يملك الغاصب العين المغصوبة بدفع القيمة؛ لأنه لا يصح أن يتملكه بالبيع لغيره لعدم القدرة على التسليم، فلا يصح أن يتملكه بالتضمين، كالشيء التالف لا يملكه بالإتلاف.\rوبناء عليه تحرم عندهم تصرفات الغاصب بعقد أو غيره، ولا تصح (2) ، لحديث: «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد» (3) أي مردود، فلا يجوز له بيعه أو إجارته، كما لا يجوز له إتلافه واستعماله كأكل ولبس وركوب وحمل عليه وسكنى العقار، لحديث «إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم» .\r-------------------------------\r(1) المهذب: 368/1، مغني المحتاج: 277/2، 279، كشاف القناع: 120/4، 123 وما بعدها، المغني: 251/5-253.\r(2) وكذلك قال الحنابلة خلافاً للجمهور: يحرم الحج ولا يصح من المال المغصوب وسائر العبادات كالصلاة بثوب مغصوب، أو في مكان مغصوب، والوضوء من ماء مغصوب، وإخراج زكاته بخلاف عبادة لا يحتاج فيهاإلى المغصوب كالصوم والذكر والاعتقاد (كشاف القناع: 123/4 وما بعدها، وراجع للمؤلف أصول الفقه: 82/1 ، ط دار الفكر، طبعة ثانية ).\r(3) رواه مسلم عن عائشة رضي الله عنها.","part":6,"page":571},{"id":4167,"text":"4 - تغير العين المغصوبة عند الغاصب :\rقال الحنفية: قد يتغير المغصوب عند الغاصب بنفسه أوبفعل الغاصب، وهذا الأخير قد يكون تغيراً في الوصف أو تغيراً في الاسم والذات (1) . وكل حالات التغير يكون المغصوب فيها موجوداً.\rأ ـ فإذا تغير المغصوب بنفسه كما لو كان عنباً فأصبح زبيباً، أو رطباً فأصبح تمراً، فيتخير المالك بين استرداد عين المغصوب، وبين تضمين الغاصب قيمته.\rب ـ وأما تغير وصف المغصوب بفعل الغاصب من طريق الإضافة أو الزيادة، كما لو صبغ الثوب، أو خلط الدقيق (السويق) بسمن، أواختلط المغصوب بملك الغاصب بحيث يمتنع تمييزه كخلط البر بالبر أو يمكن بحرج كخلط البر بالشعير، فيجب إعطاء الخيار للمالك: إن شاء ضمّن الغاصب قيمة المغصوب قبل تغييره، وإن شاء أخذه وأعطى الغاصب قيمة الزيادة مثل ما زاد الصبغ في الثوب؛ لأن في التخيير رعاية للجانبين.\rوهذا مذهب المالكية أيضاً (2) .\rوقال الشافعية (3) : إن أمكن فصل الزيادة من الصباغة أو السمن، أجبر الغاصب عليه في الأصح، وإن لم يمكن: فإن لم تزد قيمة المغصوب فلا شيء للغاصب فيه، وإن نقصت قيمته لزم الغاصب أرش النقص؛ لأن النقص حصل بفعله، وإن زادت قيمة المغصوب اشترك الغاصب والمالك فيه أثلاثاً: ثلثاه للمغصوب منه، وثلثه للغاصب. فإن حدث في ملك أحدهما نقص لانخفاض سعره أوزيادة لارتفاع سعره عمل به.\r-------------------------------\r(1) تكملة فتح القدير: 375/7، 384، اللباب مع الكتاب: 191/2، 193، تبيين الحقائق: 226/5، 229، الدر المختار: 134/5-138، البدائع: 160/7 وما بعدها.\r(2) الشرح الكبير: 454/3.\r(3) مغني المحتاج: 291/2 وما بعدها.","part":6,"page":572},{"id":4168,"text":"وقال الحنابلة (1) كالشافعية إجمالاً: إلا أنهم قالوا: لا يجبر الغاصب على قلع الصبغ من الثوب؛ لأن فيه إتلافاً لملكه وهو الصبغ. وإن حدث نقص ضمن الغاصب النقص؛ لأنه حصل بتعديه، فضمنه، وإن حصلت زيادة، فالمالك والغاصب شريكان بقدر ملكيهما، فيباع الشيء، ويوزع الثمن على قدر القيمتين. وبه يظهر أن الفقهاء متفقون على ضمان النقص، وعلى حق الغاصب في الزيادة.\rجـ ـ وأما تغير ذات المغصوب واسمه بفعل الغاصب بحيث زال أكثر منافعه المقصودة: كما لو غصب شاة فذبحها وشواها، أو طبخها، أو غصب حنطة فطحنها دقيقاً، أو حديداً فاتخذه سيفاً، أونحاساً فاتخذه آنية، فإنه يزول ملك المغصوب منه عن المغصوب، ويملكه الغاصب، ويضمن بدله: المثل في المثلي، والقيمة في القيمي. ولكن لا يحل له الانتفاع به حتى يؤدي بدله استحساناً؛ لأن في إباحة الانتفاع قبل أداء البدل فتح باب الغصب، فيحرم الانتفاع قبل إرضاء المالك بأداء البدل أو إبرائه، حسماً لمادة الفساد.\rوكذلك قال المالكية كما بان في فرع (3) السابق.\rوقال الشافعية والحنابلة (2) : لا ينقطع حق المالك في ملكه، وله أن يأخذه، وأرش نقصه إن نقص، ولا شيء للغاصب في زيادته في الصحيح من مذهب الحنابلة.\rوقال أبو حنيفة (3) مثل الشافعية والحنابلة فيمن غصب فضة أو ذهباً، فصكها (ضربها) دراهم أو دنانير، أو صنعها آنية، لا يزول ملك مالكها عنها، ولا شيء للغاصب؛ لأن العين باقية من كل وجه، فاسمها باق، وأحكامها الأربعة المتعلقة بالذهب والفضة باقية، وهي (الثمنية، وكونها موزونة، وجريان الربا فيها، ووجوب الزكاة عليها) فلم ينقطع حق المالك بها.\r-------------------------------\r(1) كشاف القناع: 86/4، 103 وما بعدها، المغني: 266/5 وما بعدها.\r(2) المهذب: 369/1، المغني: 243/5.\r(3) تكملة الفتح مع العناية: 379/7، الكتاب مع اللباب: 192/2.","part":6,"page":573},{"id":4169,"text":"وظل الصاحبان في ذلك على أصلهما السابق (1) : وهو أنه يملكها الغاصب، وعليه مثلها؛ لأنه أحدث فيها صنعة معتبرة، صيَّر بها حق المالك في حكم الهالك (التالف)، وتغاير الأصل مع الحادث المصنوع في الاسم والمعنى، فكان قبل الصنع يسمى تبراً، وبعده سمي دراهم ودنانير أو آنية.\r5 - نقصان المغصوب :\rنقص المغصوب في يد الغاصب قد يكون معنوياً أو حسياً مادياً، وهو يشمل عند الحنفية صوراً أربعاً هي ما يأتي (2) :\rأ ـ أن يحدث النقص بسبب هبوط الأسعار في الأسواق: وهذا لا يكون مضموناً إذا رد العين في مكان الغصب؛ لأن نقصان السعر ليس نقصاً مادياً في المغصوب بفوات جزء من العين، وإنما يحدث بسبب فتور الرغبات التي تتأثر بإرادة الله تعالى، ولا صنع للعبد فيها.\rب ـ أن يكون النقص بسبب فوات وصف مرغوب فيه، كضعف الحيوان، وزوال سمعه أو بصره، أوطروء الشلل أو العرج أو العور أوسقوط عضو من الأعضاء، فيجب على الغاصب ضمان النقص في غيرمال الربا، ويأخذ المالك العين المغصوبة، لبقاء العين على حالها.\rفإن كان المغصوب من أموال الربا كتعفن الحنطة، وكسر إناء الفضة، فليس للمالك إلا أخذ المغصوب بذاته، ولا شيء له غيره بسبب النقصان؛ لأن الربويات لا يمكنهم فيها ضمان النقصان، مع استرداد الأصل؛ لأنه يؤدي إلى الربا.\rجـ ـ أن يكون النقص بسبب فوات معنى مرغوب فيه في العين، مثل الشيخوخة بعد الشباب، والهرب، ونسيان الحرفة، فيجب ضمان النقص في كل الأحوال.\rد ـ أن يكون النقص بفوات (زوال) جزء من العين المغصوبة، كخرق الثوب، فيجب الضمان في جميع الأحوال.\r-------------------------------\r(1) وإطلاق نص المجلة (م 899) يتمشى مع عموم مذهب الصاحبين.\r(2) البدائع: 155/7، تكملة الفتح: 382/7، تبيين الحقائق: 288/5 وما بعدها، اللباب شرح الكتاب: 190/2، رد المحتار: 132/5.","part":6,"page":574},{"id":4170,"text":"لكن إن كان النقص يسيراً كالخرق اليسير في الثوب، فليس للمالك سوى تضمين الغاصب مقدار النقصان لبقاء العين بذاتها.\rوإن كان النقص فاحشاً كالخرق الكبير في الثوب بحيث يبطل عامة منافعه، فالمالك بالخيار بين أخذه وتضمينه النقصان، لتعيبه، وبين تركه للغاصب وأخذ جميع قيمته؛ لأنه أصبح مستهلكاً له من وجه. والصحيح في ضابط الفرق بين اليسير والفاحش هو مايأتي (1) :\rاليسير: ما لا يفوت به شيء من المنفعة، وإنما يدخل فيه نقصان في المنفعة.\rوالفاحش: هو ما يفوت به بعض العين وجنس المنفعة، ويبقى بعض العين وبعض المنفعة.\rوقدرت المجلة (م 900): اليسير بما لم يكن بالغاً ربع قيمة المغصوب. والفاحش: بما ساوى ربع قيمة المغصوب أوأزيد.\rوإذا وجب ضمان النقصان قوّمت العين صحيحة يوم غصبها، ثم تقوّم ناقصة، فيغرم الغاصب الفرق بينهما.\rوإذا كان العقار مغصوباً، فإنه وإن لم تضمن عينه بهلاكه بآفة سماوية عند الحنفية، فإن النقص الطارئ عليه بفعل الغاصب أو بسكناه أو بسبب زراعة الأرض مضمون، كما ذكرت سابقاً؛\r-------------------------------\r(1) رد المحتار: 136/5، تبيين الحقائق: 229/5، تكملة فتح القدير: 383/7.","part":6,"page":575},{"id":4171,"text":"لأنه إتلاف وتعد منه (1) .\rوقال غير الحنفية (2) : لا يضمن نقص المغصوب ولا زيادته بسبب هبوط الأسعار، أي كما قال الحنفية؛ لأن النقص كان بسبب فتور رغبات الناس، وهي لاتقابل بشيء، والمغصوب لم تنقص عينه ولا صفته (3) ، لكن الشافعية وأبو ثور قالوا: إذا نقصت القيمة بسبب تغير الأسعار، يلزم الغاصب بضمان النقصان.\rوأما النقص الحاصل في ذات المغصوب أو في صفته، فيكون مضموناً، سواء حصل النقص بآفة سماوية أو بفعل الغاصب.\rإلا أن المالكية قالوا في المشهور عندهم: إذا كان النقص بأمر من السماء، فليس للمغصوب منه إلا أن يأخذ المغصوب ناقصاً كما هو، أو يُضمن ا لغاصب قيمة المغصوب كله يوم الغصب، ولا يأخذ قيمة النقص وحدها. وإن كان النقص بجناية الغاصب، فالمالك مخير في المذهب بين أن يضمن الغاصب القيمة يوم الغصب، أو يأخذه، مع ما نقصته الجناية (أي يأخذ قيمة النقص) يوم الجناية عند ابن القاسم، ويوم الغصب عند سحنون. ولم يفرق أشهب بين نقص السماء وجناية الغاصب.\r6 - زيادة المغصوب :\rعرفنا أن زيادة المغصوب المتصلة أوا لمنفصلة لاتضمن عند شيخي الحنفية (أبي حنيفة وأبي يوسف) لعدم إزالة يد المالك عنها.\rوتضمن الزوائد مطلقاً عند محمد والشافعية والحنابلة لتولدها من عين مملوكة، وتضمن الزوائد المنفصلة فقط دون المتصلة عند المالكية. ومما يتصل بزيادة المغصوب ما يأتي وهو:\rالبناء على الأرض المغصوبة أو زرعها أو غرسها :\rاتفق أئمة المذاهب الأربعة ـ من حيث المبدأ ـ على أن الغاصب يلزم برد المغصوب إلى صاحبه، وإزالة ما أحدثه فيه من بناء أو زرع أو غرس، لقوله صلّى الله عليه وسلم «ليس لعرق\r-------------------------------\r(1) تكملة فتح القدير: 369/7، تبيين الحقائق: 229/5، م 905 من المجلة.\r(2) بداية المجتهد: 312/2 وما بعدها، الشرح الكبير مع الدسوقي: 452/3 وما بعدها، القوانين الفقهية: ص 331، مغني المحتاج: 286/2، 288، المهذب: 369/1، كشاف القناع: 99/4 ومابعدها، المغني: 228/5، 232، 241.\r(3) لا اعتبار بتغير السعر في السوق في غصب الذوات. أما التعدي: وهو غصب المنفعة عند المالكية فيتأثر بذلك، فللمالك إلزام الغاصب قيمة الشيء إن تغير سوقها، عما كان يوم التعدي، وله أن يأخذ عين شيئه، ولا شيء له على المتعدي.","part":6,"page":576},{"id":4172,"text":"ظالم حق» (1) .\rوتفصيل آراء المذاهب ما يأتي:\r1 - قال الحنفية (2) : من غصب ساجة (خشبة عظيمة تستعمل في أبواب الدور وبنائها) فبنى عليها أو حولها، وكانت قيمة البناء أكثر من قيمتها، زال ملك مالكها عنها، ولزم الغاصب قيمتها، لصيرورتها شيئاً آخر، وفي القلع ضرر ظاهر لصاحب البناء (الغاصب) من غير فائدة تعود للمالك، وضرر المالك ينجبر بالضمان، ولا ضرر في الإسلام. أما إذا كانت قيمة الساجة أكثر من البناء، فلم يزل ملك مالكها، لأنه يرتكب أخف الضررين وأهون الشرين، كما هو القاعدة.\rوعقب القاضي زاده في تكملة الفتح على هذه التفرقة، فقال: لا فرق في المعنى بين أن تكون قيمة البناء أكثر من قيمة الساجة وبين العكس؛ لأن ضرر المالك مجبور بالقيمة، وضرر الغاصب ضرر محض، ولا ريب أن الضرر المجبور دون الضرر المحض، فلا يرتكب الضرر الأعلى عند إمكان العمل بالضرر الأدنى. وهذه مسألة الساجة يعمل فيها بقاعدة «الضرر الأشد يزال بالأخف» (3) .\rوأما مسألة الساحة فهي: لو غصب غاصب أرضاً، فغرس فيها، أو بنى فيها، وكانت قيمة الأرض (الساحة) أكثر، أجبر الغاصب على قلع الغرس، وهدم البناء، ورد الأرض فارغة إلى صاحبها كما كانت؛ لأن الأرض لا تغصب حقيقة عندهم، فيبقى فيهاحق المالك كما كان، والغاصب جعلها مشغولة فيؤمر بتفريغها، إذ ليس لعرق ظالم حق. فإن كانت قيمة البناء أكثر، فللغاصب أن يضمن للمالك قيمة الأرض ويأخذها.\rوإذا كانت الأرض تنقص بقلع الغرس منها أو هدم البناء، فللمالك أن\r-------------------------------\r(1) رواه أبو داود والدارقطني عن عروة بن الزبير بلفظ: «من أحيا أرضاً فهي له، وليس لعرق ظالم حق» (نيل الأوطار: 319/5).\r(2) تكملة فتح القدير: 379/7، 383، الدر المختار: 135/5-137، تبيين الحقائق: 228/5 وما بعدها، اللباب شرح الكتاب: 192/2.\r(3) وطبقوا هذه القاعدة أيضاً على فروع كثيرة منها: لو ابتلعت دجاجة لؤلؤة أو أدخل البقر رأسه في قدر، أو أودع فصيلاً (ولد الناقة إذا فصل عن أمه) فكبر في بيت الوديع ولم يمكن إخراجه إلا بهدم الجدار، أو سقط دينار في محبرة ولم يمكن إخراجه إلا بكسرها ونحو ذلك، يضمن صاحب الأكثر قيمة الأقل. ولو ابتلع إنسان لؤلؤة فمات، لا يشق بطنه لأن حرمة الآدمي أعظم من حرمة المال، وتكون قيمتها في تركته، وهو مذهب الحنابلة أيضاً، أي في اللؤلؤة. وجوزه الشافعي قياساً على الشق لإخراج الولد (الدر المختار: 135/5).","part":6,"page":577},{"id":4173,"text":"يضمن للغاصب قيمة البناء والغرس مقلوعاً (أنقاضاً) رعاية لمصلحة الطرفين ودفعاً للضرر عنهما، فتقوم الأرض بدون الشجر والبناء، وتقوم وبها شجر وبناء مستحق القلع والهدم، فيضمن الفرق بينهما.\rوإذا زرع الغاصب الأرض، فإن كانت الأرض ملكاً: فإن أعدها صاحبها للزراعة، فيكون الأمر مزارعة بين المالك والغاصب، ويحتكم إلى العرف في حصة كل منهما، النصف أو الربع مثلاً،وإن كانت معدة للإيجار فالناتج للزارع، وعليه أجر مثل الأرض. وإن لم يكن شيء مما ذكر فعلى الغاصب نقصان ما نقص الزرع، وأما إذا كانت الأرض وقفاً أو مال يتيم، اعتبر العرف إذا كان أنفع، وإن لم يكن العرف أنفع وجب أجر المثل لقولهم: يفتى بما هو أنفع للوقف.\r2 - وقال المالكية (1) :\rأ ـ البناء: من غصب أرضاً أو عموداً أو خشباً، فبنى فيها أو بها، فيخير المالك بين المطالبة بهدم البناء على المغصوب، وبين إبقائه على أن يعطي الغاصب قيمة الأنقاض، بعد طرح أجرة القلع أو الهدم، ولا يعطيه قيمة التجصيص والتزويق وشبههما مما لا قيمة له، أي أنهم يرجحون مصلحة المالك؛ لأنه صاحب الحق.\rومن غصب سارية أو خشبة فبنى عليها، فلصاحبها أخذها، وإن هدم البنيان وهو قول الشافعية.\rب ـ الغرس:\rومن غصب أرضاً، فغرس فيها أشجاراً لا يؤمر بقلعها، وللمغصوب منه أن يعطيه قيمتها بعد طرح أجرة القلع كالبنيان. فإن غصب أشجاراً، فغرسها في أرضه أمر بقلعها.\r-------------------------------\r(1) القوانين الفقهية: ص 331، الشرح الكبير: 448/3، بداية المجتهد: 319/2.","part":6,"page":578},{"id":4174,"text":"جـ ـ الزرع:\rوإن زرع في الأرض المغصوبة زرعاً: فإن أخذها صاحبها في إبان الزراعة، فهو مخيّر بين أن يقلع الزرع أو يتركه للزارع ويأخذ الكراء. وإن أخذها بعد إبان الزراعة، فقيل: هو مخيّر كما ذكر، وقيل: ليس له قلعه وله الكراء، والزرع لزارعه.\r3 - وقال الشافعية (1) : يكلف الغاصب بهدم البناء وقلع الغراس على الأرض المغصوبة، وأرش النقص إن حدث، وإعادة الأرض كما كانت، وأجرة المثل في مدة الغصب إن كان لمثلها أجرة إذ ليس لعرق ظالم حق، ولو أراد المالك تملكها بالقيمة، أو إبقاءها بأجرة، لم يلزم الغاصب إجابته في الأصح، لإمكان القلع بلا أرش، ولو بذر الغاصب بذراً في الأرض، فللمالك تكليفه إخراج البذر منها وأرش النقص، وإن رضي المالك ببقاء البذر في الأرض لم يكن للغاصب إخراجه. كما لا يجوز للغاصب قلع تزويق الدار المغصوبة إن رضي المالك ببقائه، والخلاصة: أن للمالك الحق في إزالة آثار الغصب بلا ضرر عليه.\r4 - وقال الحنابلة (2) : مثل الشافعية تماماً في البناء والغرس على الأرض المغصوبة عملاً بحديث «ليس لعرق ظالم حق» . أما في حالة زرع الأرض فقالوا: يخير المالك بين إبقاء الزرع إلى الحصاد، وأخذ أجر الأرض وأرش النقص من الغاصب وبين أخذ الزرع له ودفع النفقة للغاصب عملاً بحديث «من زرع في أرض قوم بغير إذنهم فليس له من الزرع شيء، وعليه نفقته» (3) وفي حديث آخر:\r-------------------------------\r(1) مغني المحتاج: 289/2، 291، الميزان: 89/2 وما بعدها، المهذب: 371/1.\r(2) المغني: 223/5-225، 234، 245، كشاف القناع: 87/4-94.\r(3) رواه أحمد وأصحاب السنن إلا النسائي عن رافع بن خديج، وقال البخاري: هو حديث حسن (نيل الأوطار: 319/5 وما بعدها).","part":6,"page":579},{"id":4175,"text":"«خذوا زرعكم وردوا عليه نفقته» (1) أي للغاصب. وهذا أعدل الآراء وأكثرها قابلية للتطبيق.\r7 - ضمان غلة المغصوب ومنافعه :\rتبين سابقاً في بحث منافع المغصوب وغلته: أن غلة المغصوب كالأجرة المستفادة من إيجار الأعيان المغصوبة لا تطيب في رأي أبي حنيفة ومحمد للغاصب، لأن الربح حصل بسبب خبيث: وهو التصرف في ملك الغير، وسبيله التصدق به.\rوقال أبو يوسف وزفر: يطيب الربح للغاصب إذا دفع ضمانه، لأن المغصوب صار مملوكاً له بالضمان عملاً بالقاعدة المقررة عند الحنفية: «المضمونات تملك بأداء الضمان مستنداً إلى وقت الغصب» .\rوأما منافع المغصوب من سكنى العقار وركوب السيارة أو الدابة، ولبس الثوب، واستعمال الشيء وزراعة الأرض، فلا تضمن كما ذكر عند الحنفية، إلا في ثلاث حالات:\rأن يكون المغصوب وقفاً، أو مال يتيم، أو مالاً معداً للاستغلال، أي الاستثمار لأن المنفعة ليست بمال متقوم عندهم، ولا تتقوم إلا بورود عقد الإجارة عليها، ولأن المغصوب لو هلك يضمنه الغاصب عملاً بحديث «الخراج\r-------------------------------\r(1) هذا حديث أخرجه أحمد وأبو داود والطبراني وغيرهم: «أن النبي صلّى الله عليه وسلم رأى زرعاً في أرض ظهير، فأعجبه، فقال: ما أحسن زرع ظهير! قالوا: إنه ليس لظهير، ولكنه لفلان، قال: فخذوا زرعكم، وردوا عليه نفقته» (نيل الأوطار: 320/5).","part":6,"page":580},{"id":4176,"text":"بالضمان» (1) أي الغنم بالغرم. وحينئذ ليس للقاضي إلا الحكم برد المغصوب لصاحبه ما دام قائماً، ورد مثله أو قيمته إذا هلك.\rوقال غير الحنفية كما تقدم: تضمن منافع المغصوب؛ لأن المنافع أموال متقومة كالأعيان ولأن «الغرض الأظهر من جميع الأموال هو منفعتها» كما قال العز بن عبد السلام (2) .\rإلا أن المالكية قالوا: تضمن منافع الأموال من دور وأرض بالاستعمال فقط. ولا تضمن حالة الترك، أي تضمن بالتفويت دون الفوات. وهذا إذا غصب ذات الشيء. أما إذا غصب المنفعة فقط كأن يغلق الدار ويحبس الدابة ونحوهما، فيضمنها بمجرد فواتها على صاحبها وإن لم يستعملها.\rأما الشافعية والحنابلة فقالوا: تضمن منافع الأموال التي يستأجر المال من أجلها بالغصب أو التعدي، سواء استوفى الغاصب المنافع، أم تركها حتى ذهبت، أي تضمن بالتفويت أو بالفوات في يد عادية، أي ضامنة معتدية (3) .\r8 - اختلاف الغاصب والمغصوب منه :\rهناك مظاهر كثيرة لاختلاف الغاصب والمالك المغصوب منه، لها أثر في تحمل تبعة الضمان، فإن صدقنا كلام الغاصب برئ من الضمان، وإن صدقنا كلام\r-------------------------------\r(1) رواه الشافعي وأحمد وأصحاب السنن وصححه الترمذي وابن خزيمة وابن الجارود وابن حبان والحاكم وابن القطان، وضعفه البخاري، والخراج: هو الغلة والكراء (سبل السلام: 30/3).\r(2) قواعد الأحكام: 152/1 وما بعدها.\r(3) المقصود بالتفويت: استيفاء المنفعة كمطالعة الكتاب وركوب الدابة وشم المسك ولبس الثوب. والمقصود بالفوات في يد عادية: هو ترك المنافع تضيع سدى بدون استيفاء كإغلاق الدار دون إسكان أحد فيها (مغني المحتاج: 286/2).","part":6,"page":581},{"id":4177,"text":"المالك تحمل الغاصب الضمان. وللفقهاء كلام مطول في هذا الشأن نلخصه فيما يأتي:\rأ ـ قال الحنفية (1) : إذا قال الغاصب: هلك المغصوب في يدي (أي قضاء وقدراً) ولم يصدقه المغصوب منه، ولا بينة للغاصب، فالقاضي يحبس الغاصب مدة يظهر فيها عادة لو كان قائماً، ثم يقضي عليه بالضمان؛ لأن الحكم الأصلي للغصب هو ـ كما تقدم ـ وجوب رد عين المغصوب؛ وأما القيمة فهي بدل (أو خلف) عنه، وإذا لم يثبت العجز عن الأصل، لا يُقضى بالقيمة التي هي خلَف.\rولو اختلف الغاصب والمالك في أصل الغصب، أو في جنس المغصوب ونوعه، أو قدره،أو صفته، أو قيمته وقت الغصب، فالقول قول الغاصب بيمينه في ذلك كله؛ لأن المالك يدعي عليه الضمان، وهو ينكر، فكان القول قوله؛ لأن اليمين في الشرع على من أنكر.\rولو ادعى الغاصب رد المغصوب إلى المالك، أو ادعى أن المالك هو الذي أحدث العيب في المغصوب، فلا يصدق الغاصب إلا ببينة؛ لأن البينة في الشرع على المدعي.\rولو تعارضت البينتان، فأقام المالك البينة على أن الدابة أو السيارة مثلاً تلفت عند الغاصب من ركوبه، وأقام الغاصب البينة على أنه ردها إلى المالك، فتقبل بينة المالك، وعلى الغاصب قيمة المغصوب؛ لأن بينة الغاصب لا تَدْفع بينة المغصوب منه؛ لأنها قامت على رد المغصوب، ومن الجائز أنه ردها، ثم غصبها ثانياً وركبها، فتلفت في يده.\r-------------------------------\r(1) البدائع: 163/7 وما بعدها، تكملة الفتح: 387/7، اللباب مع الكتاب: 194/2.","part":6,"page":582},{"id":4178,"text":"ب ـ والمالكية (1) قالوا مثل الحنفية: إن اختلف الغاصب والمغصوب منه في دعوى تلف المغصوب، أو في جنسه، أو صفته، أو قدره، ولم يكن لأحدهما بينة، فالقول قول الغاصب مع يمينه.\rجـ ـ وقال الشافعية والحنابلة (2) : إن اختلف الغاصب والمغصوب منه في قيمة المغصوب، بأن قال الغاصب: قيمته عشرة، وقال المالك: اثنا عشر، صدق الغاصب بيمينه؛ لأن الأصل براءة ذمته من الزيادة، وعلى المالك البينة.\rوإن اختلفا في تلف المغصوب، فقال المغصوب منه: هو باق، وقال الغاصب: تلف، فالقول قول الغاصب مع يمينه؛ لأنه يتعذر إقامة البينة على التلف.\rوكذلك لو اختلفا في قدر المغصوب أو في صناعة فيه، ولا بينة لأحدهما، فالقول قول الغاصب بيمينه؛ لأنه منكر لما يدعيه المالك عليه من الزيادة.\rوإن اختلفا في رد المغصوب،فقال الغاصب: رددته، وأنكره المالك، فالقول للمالك؛ لأن الأصل معه وهو عدم الرد، وكذا لو اختلفا في عيب في المغصوب بعد تلفه؛ بأن قال الغاصب: كان مريضاً أو أعمى مثلاً، وأنكره المالك، فالقول للمالك بيمينه؛ لأن الأصل السلامة من العيوب، وهذا موافق لرأي الحنفية.\rوالخلاصة: يصدق الغاصب بيمينه حال الاختلاف بتلف المغصوب وبقائه، والاختلاف في تقدير قيمة المغصوب،وفي صفة المغصوب أو قدره. ويصدق المالك بيمينه في ادعاء رد العين المغصوبة على المغصوب منه.\rوهكذا يلاحظ أن المذاهب الأربعة متفقة في دعاوى اختلاف الغاصب والمالك.\r-------------------------------\r(1) الشرح الكبير: 456/3، القوانين الفقهية: ص 331.\r(2) مغني المحتاج: 287/2، المهذب: 376/1، المغني: 272/5، كشاف القناع: 125/4.","part":6,"page":583},{"id":4179,"text":"9 - غاصب الغاصب ومن في حكمه :\rلو غصب شخص من آخر شيئاً، فجاء آخر وغصبه منه، فهلك في يده، فالمالك باتفاق المذاهب الأربعة (1) بالخيار: إن شاء ضمن الغاصب الأول، لوجود فعل الغصب منه: وهو إزالة يد المالك عنه، وإن شاء ضمن الغاصب الثاني، أو المتلف، سواء علم بالغصب أم لم يعلم؛ لأن الغاصب الثاني أزال يد الغاصب الأول الذي هو بحكم المالك في أنه يحفظ ماله، ويتمكن من رده عليه (أي على المالك)، ولأنه أثبت يده على مال الغير بغير إذنه، والجهل غير مسقط للضمان، ولأن المتلف أتلف الشيء. وهذا بمقتضى ما يعرف قانوناً بالحق العيني للمالك المغصوب منه الذي من خواصه إثبات حق تتبع العين المغصوبة في أي يد وجدت فيها العين.\rفإن اختار المالك تضمين الأول، وكان هلاك المغصوب في يد الغاصب الثاني، رجع الغاصب الأول بالضمان على الثاني؛ لأنه بدفعه قيمة الضمان، ملك ـ عند الحنفية ـ الشيء المضمون (أي المغصوب) من وقت غصبه، فكان الثاني غاصباً الملك الأول. وسبب رجوع الغاصب الأول على الثاني عند غير الحنفية هو أنه غرم المال بدون تسبب منه في هلاكه.\rوإن اختار المالك تضمين الثاني أو المتلف، لا يرجع هذا بالضمان على أحد، ويستقر الضمان في ذمته؛ لأنه ضمن فعل نفسه: وهو إزالة يد المالك، أو استهلاكه، وإتلافه.\rوللمالك أن يأخذ بعض الضمان من شخص، وبعضه الآخر من الشخص الآخر إلا أن الحنفية استثنوا من مبدأ تخيير المالك في هذه الحالة: الموقوف المغصوب إذا غصب، وكان الغاصب الثاني أملأ من الأول، فإن متولي الوقف يضمن الثاني وحده.\rوالراجح عند الحنفية أن المالك متى اختار تضمين أحدهما (الغاصب الأول، أو الثاني) يبرأ الآخر عن الضمان، بمجرد الاختيار، فلو أراد تضمينه بعدئذ، لم يكن له ذلك.\r-------------------------------\r(1) البدائع: 144/7، 146، الأشباه والنظائر لابن نجيم: 96/2 وما بعدها، الدر المختار ورد المحتار: 126/5 وما بعدها، 139، الشرح الكبير للدردير: 457/3، مغني المحتاج: 279/2، فتح العزيز شرح الوجيز: 252/11، المغني: 252/5، م/910 من المجلة.","part":6,"page":584},{"id":4180,"text":"وإذا رد الغاصب الثاني المغصوب على الأول، برئ من الضمان، وإذا رده إلى المالك برئ الاثنان (1) .\rالغاصب الأول ومن تصرف معه بالرهن ونحوه :\rوكذلك للمالك عند الحنفية (2) تضمين الغاصب الأول أو المرتهن أو المستأجر أو المستعير أو المشتري من الغاصب الأول، أو الوديع الذي أودعه الغاصب الأول الشيء المغصوب، فهلك في يده، فإن ضمن الغاصب الأول استقر الضمان عليه، ولم يرجع بشيء على أحد. وإن ضمن المرتهن أو المستأجر أو الوديع أو المشتري، رجعوا على الغاصب بالضمان، لأنهم عملوا له والمشتري إذا ضمن القيمة يرجع بالثمن على الغاصب البائع؛ لأن البائع ضامن استحقاق المبيع، ورد القيمة كرد العين.\rوأما المستعير من الغاصب أو الموهوب له، أو المتصدق عليه منه، فيستقر الضمان عليه وإن كان جاهلاً الغصب؛ لأنه يعمل في القبض لنفسه.\rأما الشافعية (3) فقالوا: الأيدي المترتبة على يد الغاصب أيدي ضمان وإن جهل صاحبها\r-------------------------------\r(1) راجع المجلة: م/911، الدر المختار: 138/5.\r(2) رد المحتار: 139/5.\r(3) مغني المحتاج: 279/2.","part":6,"page":585},{"id":4181,"text":"الغصب؛ لأنه (أي الواضع) وضع يده على ملك غيره بغير إذنه، والجهل ليس مسقطاً للضمان بل يسقط الإثم فقط، فيطالب المالك من شاء منهما. لكن لايستقر الضمان على الآخذ من الغاصب إلا بعلمه بالغصب، حتى يصدق عليه معنى الغصب، أو إن جهل به وكانت يد الواضع في أصلها يد ضمان، كالمستعير والمشتري والمقترض والسائم؛ لأنه تعامل مع الغاصب على الضمان، فلم يغرّه.\rأما إن جهل الواضع يده على المغصوب بالغصب، وكانت يده يد أمانة بلا اتهاب، كوديع ومضارب، فيستقر الضمان على الغاصب دون الآخذ، لأنه تعامل مع الغاصب على أن يده نائبة عن يد الغاصب. وأما الموهوب له فقرار الضمان عليه في الأظهر؛ لأنه وإن كانت يده ليست يد ضمان، إلا أن أخذه الشيء للتملك.\rوعلى هذا، في حالة الجهل بالغصب: يستقر الضمان عند الحنفية والشافعية على المستعير والموهوب له، والمتصدق عليه فقط. وأما الوديع والمضارب المعتبر كل منهما أميناً، فيستقر الضمان الذي دفعه على الغاصب عند كل من الحنفية والشافعية. ولا خلاف بين الحنفية والشافعية في تضمين الغاصب أو الآخذ منه في كل الأحوال.\r10 - نفقة المغصوب :\rتكون نفقة المغصوب أثناء غصبه على الغاصب بسبب ظلمه وتعديه، جاء في كتب المالكية (1) : وما أنفق الغاصب على المغصوب، كعلف الدابة، وسقي الأرض وعلاجها وخدمة شجر ونحو ذلك مما لا بد للمغصوب منه، يكون في نظير الغلة التي استغلها الغاصب من يد المغصوب؛ لأنه وإن ظَلَم لا يُظْلَم، فإن تساوت النفقة مع الغلة فواضح، وإن زادت النفقة على الغلة، فلا رجوع للغاصب بالزائد، كما أنه إذا كان لا غلة للمغصوب، فلا رجوع له بالنفقة لظلمه، وإن زادت الغلة على النفقة، فللمالك الرجوع على الغاصب بزائدها.\rوانفرد الحنابلة (2) بالقول كما تقدم بأن للغاصب النفقة في حال غصب أرض وزراعتها، واختيار المالك أن يكون الزرع له، وأن يدفع للغاصب نفقته، عملاً بالحديث المتقدم: «من زرع في أرض قوم بغير إذنهم، فليس له من الزرع شيء، وعليه نفقته (3) » والخيار الثاني: أن يقر المالك الزرع في الأرض إلى الحصاد، ويأخذ من الغاصب أجر الأرض وأرش نقصها.\r-------------------------------\r(1) الشرح الصغير: 598/3.\r(2) المغني والشرح الكبير: 392/5.\r(3) أخرجه أبو داود والترمذي، وقال: حديث حسن.","part":6,"page":586},{"id":4182,"text":"المبحث الثاني ـ إتلاف المال وحكمه\rوفيه مطالب ثلاثة، وملحق به، ويبحث الإتلاف المالي عادة بعد الغصب أو معه؛ لأنه يأخذ حكمه من حيث التضمين.\rالمطلب الأول ـ تعريف الإتلاف وكونه سبب الضمان.\rالمطلب الثاني ـ شروط إيجاب الضمان بالإتلاف.\rالمطلب الثالث ـ كيفية الضمان أو ماهيته.\rوأبدأ ببحث كل منها فيما يأتي:\rالمطلب الأول ـ تعريف الإتلاف وكونه سبب الضمان :\rالإتلاف (1) : هو إخراج الشيء من أن يكون منتفعاً به منفعة مطلوبة منه عادة (2) وهو سبب موجب للضمان؛ لأنه اعتداء وإضرار، والله تعالى يقول: {فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم} [البقرة:194/2] وقال عليه الصلاة والسلام: «لا ضرر ولا ضرار في الإسلام» وإذا وجب الضمان بالغصب فبالإتلاف أولى؛ لأنه اعتداء وإضرار محض.\rولا فرق بين أن يقع الإتلاف مباشرة: وهو إلحاق الضرر من غير واسطة بمحل التلف، أو تسبباً: وهو ارتكاب فِعلٍ في محل يفضي إلى تلف غيره.\rكما لا فرق في ضمان الإتلاف بين العمد والخطأ، ولا بين وجود البلوغ أو التمييز أو عدمه، فالمتلف عمداً أو خطأ ضامن باتفاق المذاهب الأربعة، والكبير أو الصغير أو المجنون أوالنائم المتلف ضامن أيضاً عند جمهور الفقهاء. وفرق المالكية بين الصبي المميز وغيره، فيغرم المميز ما أتلفه إن كان له مال، فإن لم يكن له مال\r-------------------------------\r(1) الإتلاف والإفساد والاستهلاك لها معان متقاربة في اصطلاح الفقهاء. وهي تدخل تحت مدلول أعم وهو الضرر: وهو إلحاق مفسدة بالآخرين، أو كل نقص يدخل على الأعيان.\r(2) البدائع: 164/7. اتبع به.","part":6,"page":587},{"id":4183,"text":"أما غير المميز فلا شيء عليه فيما أتلفه من نفس أو مال كالعجماء، ومثله المجنون (1) . والمعتمد لدى المالكية إطلاق الضمان من المميز وغير المميز، جبراً للضرر.\rإلا أن الفقهاء اختلفوا في تقدير وجود السبب في بعض الحالات. منها ما يأتي:\rأولاً ـ فتح الباب أو حل الرباط: من فتح باب حانوت، ثم تركه مفتوحاً، فسرق، أو دل لصاً أو ظالماً على شيء فأخذه أو فتح قفص طائر، فطار، أو حل رباط دابة فهربت، أو فتح باب الإصطبل فخرجت، أو حل رباط سفينة، فغرقت أو ذهبت بها الريح.\rلا يضمن المتسبب في هذه الأمثلة عند أبي حنيفة وأبي يوسف (2) ؛ لأن مجرد الفتح ونحوه ليس بإتلاف مباشرة ولا تسبباً، لتدخل عنصر آخر من التلف، وهو السرقة أو الطيران أوا لهرب أو الغرق ونحوها، والسارق هو المباشر، والطير أو الدابة هو الذي اختار الهرب، والماء أو الريح كان السبب في الإغراق أو الضياع، فلم يكن مجرد فتح الباب أو حل الرباط سبباً محضاً، فلا حكم له.\rويضمن هذا المتسبب عند المالكية والحنابلة ومحمد بن الحسن (3) ؛ لأنه تسبب في الإتلاف، وحدوث الضرر أمر متوقع في الطبع أو العادة. وهو الرأي المنطقي العادل في تقديري، وقد أخذت به المجلة: م (922).\r-------------------------------\r(1) تبيين الحقائق: 139/6، الأشباه والنظائر لابن نجيم: 77/1، الدر المختار وحاشيته: 378/5، 415، بداية المجتهد: 404/2 وما بعدها، القوانين الفقهية: ص 332، 333، مغني المحتاج: 277/2، كشاف القناع: 128/4.\r(2) البدائع: 166/7، جامع الفصولين: 115/2 وما بعدها، مجمع الضمانات: ص 148.\r(3) الشرح الكبير للدردير: 451/3، القوانين الفقهية: ص 332، كشاف القناع: 128/4 ومابعدها، المغني: 280/5، 282، القواعد لابن رجب: ص 285.","part":6,"page":588},{"id":4184,"text":"وفصل الشافعية في الأمر (1) فقالوا: من فتح قفصاً عن طائر، وهيجه، فصار في الحال، ضمنه، لأنه ألجأه إلى الفرار، وإن اقتصر على الفتح، فالأظهر أنه إن طار في الحال: ضمن؛ لأن طيرانه في الحال يشعر بتنفيره، وإن وقف ثم طار، فلا يضمنه؛ لأن طيرانه بعد الوقوف يشعر باختياره.\rوهذا التفصيل ينطبق على حل رباط بهيمة، أو فتح باب إصطبل ونحوه.\rوكذلك لو حلّ رباطاً عن علف في وعاء، فأكلته بهيمة في الحال، ضمنه، أما من فتح باب حانوت فسرقه إنسان، أو دلّ سارقاً، فسرق، فلا ضمان عليه؛ لأنه لم يوجد منه سبب يمكن تعليق الضمان عليه به.\rوإن حلّ رباط سفينة، فغرقت، فإن غرقت في الحال ضمن؛ لأنها تلفت بفعله. وإن وقفت، ثم غرقت: فإن كان بسبب حادث كريح هبت، لم يضمن لأنها غرقت بغير فعله. وإن غرقت من غير سبب حادث ففيه رأيان:\rأحدهما ـ لا يضمن كالزِّق إذا ثبت بعد فتحه، ثم سقط.\rوالثاني ـ يضمن لأن الماء أحد المتلفات.\rثانياً ـ فتح وعاء السمن (الزق ) : لو فتح إنسان زقاً (ظرفاً) فيه زيت أو سمن ونحوهما، فخرج ما فيه:\rفقال أبو حنيفة وأبو يوسف (2) : إن كان الزيت ذائباً، فسال منه، ضمن. وإن كان السمن جامداً، فذاب بالشمس، وزال، لم يضمن؛ لأن المائع يسيل بطبعه إن وجد منفذاً بحيث يستحيل استمساكه عادة، فكان حل الرباط إتلافاً له تسْبيباً، أما الجامد فلا يسيل بطبعه، فإن سال بحرارة الشمس، فلا يعد فاتح الظرف سبباً في إتلافه، ولا مباشراً له.\rوقال المالكية والحنابلة ومحمد بن الحسن (3) : يضمن من شق زق إنسان فيه دهن مائع، فسال، وهلك. أو حل وكاء زق جامد، فأذابته الشمس، فاندفق. أو بقي الزق بعد حله قاعداً، فألقته ريح، أو زلزلة، فاندفق، فخرج ما فيه كله في الحال، أو خرج قليلاً قليلاً، أو خرج منه شيء بلَّ أسفله فسقط فاندفق؛ لأن المتسبب متعد في جميع ذلك، سواء حدث الضرر عقب فعله أو تراخى عنه. وهذا الرأي هو المعقول.\rوفصل الشافعية فقالوا (4) : إذا كان الزِّق مطروحاً على الأرض، فخرج ما فيه بالفتح وتلف، يضمن، حتى ولو كان التقاطر بإذابة شمس، أو حرارة، أو ريح، مع مرور الزمن؛ لأن الإتلاف ناشئ عن فعله، سواء حضر المالك، وأمكنه تدارك الأمر، فلم يفعل، أم لا. وهذا كما قال المالكية ومن معهم.\r-------------------------------\r(1) فتح العزيز شرح الوجيز بهامش المجموع: 245/11 وما بعدها، مغني المحتاج: 278/2، المهذب: 374/1 وما بعدها.\r(2) البدائع: 166/7، مجمع الضمانات: ص 148، 153.\r(3) القوانين الفقهية: ص 332، كشاف القناع: 129/4، البدائع: 166/7.\r(4) مغني المحتاج: 278/2، المهذب: 375/1، نهاية المحتاج: 111/4 وما بعدها.","part":6,"page":589},{"id":4185,"text":"أما إذا كان الزق منصوباً على شيء، ففتحه: فإن سقط بالفتح وخرج ما فيه أو بابتلال أسفله منه، ضمن، وإن سقط بسبب ريح، أو نحوها كزلزلة، ووقوع طائر، أو جهل الحال، فلم يعلم سبب سقوطه، لم يضمن؛ لأن التلف لم يحصل بفعله.\rثالثاً ـ الترويع: إذا بعث الحاكم إلى امرأة يستدعيها إلى مجلس القضاء، فأجهضت جنينها فزعاً، أو زال عقلها:\rفقال أبو حنيفة وابن حزم (1) : لا ضمان في شيء من ذلك على أحد، إذ ليس السبب متصلاً بالنتيجة قطعاً.\rوقال جمهور الفقهاء (2) : يضمن الحاكم الدية، لحادثة عمر الذي استدعى امرأة فأجهضت، وقد سبق الكلام عنها في الجنايات.\rرابعاً ـ الحيلولة والحبس: من حبس المالك عن ماله حتى تلف المال، أو عن ماشيته حتى تلفت، فقال جمهور الحنفية (3) : إن كان المال منقولاً ضمن، وإن كان عقاراً لم يضمن. وهذا هو رأي أبي حنيفة وأبي يوسف اللذين يريان إمكان تحقق الغصب في المنقول دون العقار. وقال محمد: يجري الغصب فيهما.\rوقال المالكية والحنابلة (4) : على من فعل ذلك ضمان ما تلف به؛ لأنه سبب هلاكه.\rوقال الشافعية (5) : إن قصد المتسبب منع المالك عن ملكه، ضمن، وهو مبدأ الحيلولة: وهي أن يحول بين الشخص وبين ملكه حائل حتى تلف. وإن لم يقصد منعه عن ملكه، ولم يضمن لأنه لم يتصرف في المال، وإنما تصرف في المالك.\rوبه يظهر أن الحيلولة بين المالك وملكه سبب رابع من أسباب الضمان بعد (العقد، واليد، والإتلاف) عند جمهور الفقهاء، وعند الحنفية في المنقول دون غيره.\r-------------------------------\r(1) الدر المختار: 397/5، مجمع الضمانات: ص 172، اللآلئ الدرية في الفوائد الخيرية بهامش جامع الفصولين: 112/2، ط الأولى بالأزهرية: المحلى: 29/11 وما بعدها.\r(2) الشرح الكبير: 244/4، المهذب: 192/2، المغني: 832/7 وما بعدها.\r(3) جامع الفصولين: 117/2، اللباب شرح الكتاب: 189/2.\r(4) الشرح الكبير للدردير: 242/4، المغني: 223/5، 834/7.\r(5) فتح العزيز شرح الوجيز بهامش المجموع: 247/11، نهاية المحتاج: 112/4، مغني المحتاج: 283/2 .","part":6,"page":590},{"id":4186,"text":"المطلب الثاني ـ شروط إيجاب الضمان بالإتلاف :\rيشترط لإيجاب الضمان بسبب الإتلاف ما يأتي (1) :\r1 - أن يكون الشيء المتلف مالاً، فلا ضمان بإتلاف الميتة وجلدها، والدم، والتراب العادي، والكلب، والسرجين النجس، ونحوها مما ليس بمال عرفاً وشرعاً.\r2 - أن يكون متقوّماً بالنسبة للمتلف عليه، والمتقوم: هو ما يباح الانتفاع به شرعاً في غير حال الاضطرار، فلا ضمان بإتلاف خمر أو خنزير لمسلم، سواء أكان المتلِف مسلماً أم ذمياً، لعدم تقوم الخمر والخنزير في حق المسلم، إذ لايباح له الانتفاع بهما شرعاً، فلا قيمة لهما.\rأما خمور وخنازير غير المسلم أي الذمي، فيضمنها المتلف مسلماً أو غيره، ويلزم المسلم بالقيمة، وغير المسلم بالمثل، عند الحنفية والمالكية، لتعديه عليها، ولأنها مال محترم عند غير المسلمين.\rولا تضمن عند الشافعية والحنابلة؛ إذ لا قيمة لها كالدم والميتة وسائر الأعيان النجسة، وما حرم الانتفاع به لم يضمن ببدل عنه، كما بان في غصب غير المتقوم.\r-------------------------------\r(1) البدائع: 167/7 وما بعدها، المبسوط: 53/11، درر الحكام: 268/2، تبيين الحقائق: 233/5-237، تكملة الفتح: 397/7، اللباب شرح الكتاب: 195/2، الشرح الكبير: 204/2، القوانين الفقهية: ص 333، نهاية المحتاج: 111/4، مغني المحتاج: /277، كشاف القناع: 128/4، 146 وما بعدها.","part":6,"page":591},{"id":4187,"text":"ولا ضمان عند جمهور الفقهاء ومنهم الصاحبان بإتلاف الأصنام وآلات اللهو والفساد كالمزمار والرباب والعود ونحوها من أدوات الموسيقا، لعدم تقوّمها؛ لأن منفعتها محرمة لا تقابل بشيء باعتبارها أدوات لهو، فلا قيمة لها، كما تبين في غصب غير المتقوم.\rوقال أبو حنيفة والشافعي: تضمن باعتبارها خشباً منحوتاً فقط؛ لأن هذه الآلات كما تصلح للهو والفساد، تصلح للانتفاع بها من وجه آخر، فكانت مالاً متقوماً من تلك الناحية فقط.\rولا ضمان أيضاً بإتلاف الأموال المباحة التي ليست مملوكة لأحد لعدم تقوّمها؛ لأن التقوم ينبني على كون الشيء عزيز المنال، خطير الأهمية، وهذا المعنى لا يتحقق إلا بالإحراز والاستيلاء.\rولا ضمان كذلك بتحريق كتب الفسق والضلال، لاشتمالها على الكذب ولإلحاقها ضرراً بعقيدة الناس ووحدتهم، فيجب إتلافها وإعدامها، وهي أولى بالإتلاف من إتلاف آلات اللهو والمعازف وإتلاف آنية الخمر الذي أمر به الرسول صلّى الله عليه وسلم (1) ، فإن ضررها أعظم من ضرر هذه، ولا ضمان فيها كما لا ضمان في كسرأواني الخمر وشق زقاقها (أي ظروفها وأوعيتها)، وقد حرق الصحابة جميع المصاحف المخالفة للمصحف الموحد الخط: وهو مصحف عثمان، لما خافوا على الأمة من الاختلاف في التلاوة لاختلاف اللهجات وطرائق النطق (2) .\r3 - أن يكون التلف (أو الضرر) محققاً بنحو دائم: فإذا أعيد الشيء إلى الحالة التي كان عليها فلا ضمان، كأن عولج المرض أو نبتت سن الحيوان في المدة\r-------------------------------\r(1) انظر نيل الأوطار: 329/5 وما بعدها.\r(2) الطرق الحكمية في السياسة الشرعية لابن قيم:ص 271 ومابعدها، 275،ط أنصار السنة المحمدية.","part":6,"page":592},{"id":4188,"text":"التي بقي فيها الشيء في يد المعتدي؛ لأن النقص الحاصل عندما أزيل أو السن عندما نبتت ثانياً، جعل الضرر كأن لم يكن، ويرد على المعتدي ما أخذ منه بسبب النقصان، لأنه تبين أن النقصان لم يكن موجباً للضمان لعدم تحقق شرط الوجوب وهو العجز عن الانتفاع على طريق الدوام. وهذا رأي أبي حنيفة.\rوقال الصاحبان: على الجاني الأرش كاملاً؛ لأن الجناية وقعت موجبة له، والذي نبت نعمة جديدة من الله (1) .\r4 - أن يكون المتلف أهلاً لوجوب الضمان: فلا يضمن ما تتلفه بهيمته من أموال؛ لأن فعل العجماء جُبَار أي هدر. ولا يشترط التمييز عند بعض المالكية لإيجاب الضمان كما تقدم (2) .\r5 - أن يكون في إيجاب الضمان فائدة: حتى يتمكن صاحب الحق من الوصول إلى حقه، فإن لم يكن في التضمين فائدة، أي عدم القدرة على تنفيذ الحكم الصادر بالتعويض، فلا ضمان.\rوعليه فلا ضمان على المسلم بإتلاف مال الحربي (3) ، ولا على الحربي بإتلاف مال المسلم في دار الحرب؛ إذ ليس لحاكم بلد سلطة أو ولاية لتنفيذ الأحكام على رعايا بلد آخر. وليس مال الحربي بالنسبة للمسلم وعكسه محترماً، أي مصوناً يجب الحفاظ عليه، وإنما هو هَدَر. لهذا اشترط الفقهاء في الضمان أن يكون المال محترماً، فمال الحربي في نظر الشرع مباح، فمن أخذه لا يعد غاصباً (4) .\r-------------------------------\r(1) البدائع: 155/7، 157، تبيين الحقائق: 137/6، اللباب شرح الكتاب: 190/3.\r(2) وعلى هذا نصت المجلة: م/916.\r(3) الحربي: هو بيننا وبين بلاده عداوة وحرب.\r(4) نهاية المحتاج: 111/4.","part":6,"page":593},{"id":4189,"text":"ولا ضمان أيضاً على العادل إذا أتلف مال الباغي، ولا على الباغي إذا أتلف مال العادل (1) ، لعدم إمكان الوصول إلى الضمان لعدم وجود الولاية والسلطة.\rوقيّد غير الحنفية (2) عدم الالتزام بالضمان بين العادلين والبغاة بحال الحرابة (أو الحرب أو الخروج على الإمام) لعذر البغاة بالتأويل.\rوأضاف الشافعية (3) على هذه الشروط أن تثبت اليد على المال: فلا يضمن الشخص طائراً فزع من مسيره من غير قصد، فخرج من القفص الذي كان مفتوحاً، ولا يضمن المشتري مبيعاً تلف قبل القبض.\rوأما شروط الضمان في الإتلاف تسبباً فهي ثلاثة كما ذكر الحنفية (4) :\r1 - التعدي: أن يحدث تعد من فاعل السبب. والتعدي: هو تجاوز الحق، أو ما يسمح به الشرع، كأن يحفر شخص بئراً في الطريق العام من غير إذن الحاكم، أو في غير ملكه عدواناً، أو لا يتخذ الاحتياطات الواقية من وقوع الضرر ولو بإذن، فإذا سقط فيه إنسان أو حيوان، فالحافر ضامن. ومثله أن يؤجج رجل ناراً في يوم ريح عاصف، فيتعدى إلى إتلاف مال الغير؛ أو يحل وكاء وعاء فيه شيء مائع فاندفق؛ أو يمزق وثيقة فضاع ما فيها من الحقوق؛ أو يفتح قفصاً عن طائر، فطار في رأي غير أبي حنيفة وأبي يوسف، أو يحمل حملاً في الطريق، فيقع على شيء فيتلفه، أو يعثر أحد بالحمل، فيضمن في كل تلك الحالات لأنه أثر فعله الذي هو تعدي.\r-------------------------------\r(1) العادل ضد الباغي، وجمعه بغاة، والبغاة قوم كالخوارج لهم شوكة ومنعة خالفوا جماعة المسلمين في بعض الأحكام الشرعية بتأويل فاسد لبعض النصوص، وظهروا على بلدة من البلاد الإسلامية، ونظموا عسكراً لهم، ونفذوا أحكامهم الخاصة.\r(2) الشرح الكبير: 442/3، 300/4، مغني المحتاج: 277/2 وما بعدها، كشاف القناع: 128/4.\r(3) نهاية المحتاج: 113/4.\r(4) جامع الفصولين: 116/2، 112، 124، مجمع الضمانات: ص 323، شرح المجلة للشيخ خالد الأتاسي: 464/3، المادة 924 من المجلة، وانظر القواعد لابن رجب: ص 190 وما بعدها، الفروق للقرافي: 27/4، 208/2، مغني المحتاج: 278/2.","part":6,"page":594},{"id":4190,"text":"2 - التعمد: وهو أن يصدر الفعل عن قصد وإرادة، كأن يتلف شِرْب (1) إنسان بأن يسقي أرضه بشرب غيره، أو يسد الماء عن أرض جاره، فتيبس مزروعاته، أو يجذب ثوب إنسان فيسقط منه ما يحمله فيه، فيتلف، فيضمن. أما إذا لم يكن هناك تعمد، كما لو جفلت دابة من رجل، فهربت وضاعت، فلا يضمن، لأنه غير متعمد أو غير متعد في الأدق. والحقيقة أن المراد بالتعمد هو التعدي، سواء أكان هناك قصد أم لا، فلو صاح مجنون بدابة شخص، فجفلت ووقع الراكب أو الحمل، فتلف، كان ضامناً المال. وإن لم يكن عنده قصد الإضرار، لكنه متعد. وتكون القاعدة؛ «المتسبب لا يضمن إلا بالتعدي» و «المباشر ضامن وإن لم يتعد» .\r3 - أن يؤدي السبب إلى النتيجة قطعاً، دون تدخل سبب آخر بحسب العادة: وبعبارة أخرى: ألا يتخلل بين السبب والمسبب فعل شخص آخر، أو ألا يكون التلف قد نشأ عن فعل آخر مختار مباشر، فإن تدخل عنصر آخر مختار، نسب الفعل إليه مباشرة.\rأي إن اشترك المباشر والمتسبب، ضمن المباشر إن كان السبب لا يؤثر في التلف بانفراده عادة، كمن حفر بئراً في مكان عدواناً، فجاء غير الحافر، وأردى فيه إنساناً أو حيواناً، فالضمان عليه دون الحافر، أما إن تردى فيه بهيمة أو غيرها بنفسها، فالحافر هو الضامن.\rوإن كان السبب يؤثر بانفراده، فإن المتسبب والمباشر يشتركان في الضمان، كما لو نخس رجل دابة آخر بإذنه، فوطئت إنساناً، فالضمان عليهما؛ لأن السبب هنا يؤثر بانفراده، كما أوضحت سابقاً في الجنايات.\rهذا ... ولا يشترط في الضامن التمييز أو كونه بالغاً عاقلاً عند الفقهاء ، فإن الصبي والمجنون يضمنان ما يتلفانه من أموال، كما بان سابقاً في تعريف الإتلاف.\r-------------------------------\r(1) الشرب: النصيب من الماء لإرواء الأراضي. وحق الشفة: هو حق شرب الإنسان والدواب.","part":6,"page":595},{"id":4191,"text":"ولا تكون حالة الضرورة سبباً للإعفاء من الضمان، فمن اضطرحال الجوع مثلاً لتناول مال الغير، فإنه يلزمه ضمانه بالرغم من إباحة التناول حفاظاً على النفس من الهلاك؛ لأن القاعدة تقول: «الاضطرار لا يبطل حق الغير» .\rولا يصلح الجهل بكون المال المتلف مال الغير سبباً أيضاً للتخلص من الضمان.\rفالعلم بكون المتلف مال الغير، ليس بشرط لوجوب الضمان، فمن أتلف مالاً ظاناً أنه ملكه، ثم تبين أنه مملوك لغيره، ضمنه؛ لأن الإتلاف واقعة مادية لا يتوقف وجودها على العلم بكون التلف مال الغير. كل ما في الأمر أن الإتلاف إذا تم مع العلم، فيوجب الضمان والإثم الأخروي، وإذا حدث جهلاً فيوجب الضمان فقط، ويرتفع الإثم؛ لأن الخطأ مرفوع المؤاخذة شرعاً، لقوله صلّى الله عليه وسلم : «إن الله تجاوز لي عن أمتي الخطأ والنسيان، وما استكرهوا عليه» (1) .\rالمطلب الثالث ـ كيفية الضمان أو ماهيته :\rالواجب بالإتلافات المالية هو الواجب بالغصب: وهو ضمان المثل إن كان المتلف مثلياً، وضمان القيمة يوم الإتلاف فيما لا مثل له؛ لأن ضمان الإتلاف ضمان اعتداء، والاعتداء لم يشرع إلا بالمثل. فعند الإمكان يجب العمل بالمثل المطلق (وهو المثل صورة ومعنى)، وعند التعذر يجب المثل معنى، وهو القيمة، كما في الغصب (2) .\rلكن إن تلف المغصوب المثلي، وفقد مثله، فتجب قيمته يوم انقطاع المثل عند الحنابلة، لأن القيمة وجبت في الذمة حينئذ (المغني: 258/5).\r-------------------------------\r(1) حديث حسن رواه ابن ماجه والبيهقي وغيرهما من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.\r(2) البدائع: 168/7، القوانين الفقهية: ص 332، مغني المحتاج: 284/2، غاية المنتهى: 246/2.","part":6,"page":596},{"id":4192,"text":"الفَصْلُ الثَّامن: دَفع الصَّائِل\rوحكم ضمان الفعل الدفاعي ـ الدفاع الشرعي\rوفيه مباحث أربعة: في مشروعية الدفاع ومراحله وحكمه، وشروطه، وهل هو حق أو واجب، وضمان الفعل.\rالمبحث الأول ـ مشروعية الدفاع ومراحله وحكمه :\rإذا اعتدى إنسان على غيره في نفس أو مال أو عرض، أوصال عليه يريد ماله أو نفسه ظلماً، أو يريد امرأة ليزني بها أو صالت عليه بهيمة، فللمعتدى عليه، أو المصول عليه، ولغيره: أن يرد العدوان بالقدر اللازم لدفع الاعتداء بحسب تقديره في غالب ظنه، وللغير أن يعاونه في الدفاع، ولو عرض اللصوص لقافلة، جاز لغير أهل القافلة الدفع عنهم.\rويبتدئ المدافع بالأخف فالأخف إن أمكن، فإن أمكن دفع المعتدي بكلام واستغاثة بالناس، حرم عليه الضرب، وإن أمكن الدفع بضرب اليد، حرم استخدام السوط، وإن أمكن الدفع بالسوط، حرم استعمال العصا، وإن أمكن الدفع بقطع عضو، حرم القتل، وإن لم يمكن الدفع إلا بالقتل أبيح للمدافع القتل؛ لأنه من ضرورات الدفع. فإن شهر عليه سيفاً أبيح للمدافع أن يقتله؛ لأنه لا يقدر على الدفع إلا بالقتل، إذ لو استغاث بالناس لقتله، قبل أن يلحقه الغوث، إذ تأثير السلاح فوري.\rوالخلاصة: أن المدافع إن كان يعلم أن المهاجم ينزجر بصياح أو ضرب بما دون السلاح، فعل، وإلا جاز له استعمال السلاح، فالقتل أو السلاح جوز للضرورة استثناء من قاعدة «الضرر لا يزال بالضرر» ولا ضرورة في الأثقل مع إمكان تحصيل المقصود بالأسهل. ومن المعلوم أن ( الضرورة تقدر بقدرها ) حتى إن تمكن المعتدى عليه أو المصول عليه من الهرب أو الالتجاء لحصن أو جماعة، فيجب عليه ذلك، كما أوضح الشافعية والمالكية، وفي وجه عند الحنابلة، ويحرم قتال المعتدي أو الصائل حينئذ؛ لأن المعتدى عليه مأمور بتخليص نفسه بالأهون، وبما أن الهرب ونحوه أسهل من غيره، فلا يلجأ إلى الأشد (1) ، قال العز بن عبد السلام: «إذا انكف الصوال عن الصيال حرم قتالهم وقتلهم» (2) .\rوأدلة مشروعية الدفاع كثيرة في القرآن والسنة والمعقول:\rأما من القرآن فقوله تعالى: {فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم، واتقوا الله ، واعلموا أن الله مع المتقين} [البقرة:194/2] فالأمر بالتقوى دليل على ضرورة التزام مبدأ المماثلة أو التدرج في الأخذ بالأخف فالأخف.\rومن السنة: أحاديث منها «من قتل دون دينه فهو شهيد، ومن قتل دون دمه فهو شهيد، ومن قتل دون ماله فهو شهيد، ومن قتل دون أهله فهو شهيد» (3) فهذا\r-------------------------------\r(1) البدائع: 93/7، الدر المختار ورد المحتار: 197/3، الشرح الكبير: 357/4، بداية المجتهد: 319/2، مغني المحتاج: 196/4-197، المغني: 329/8-331.\r(2) قواعد الأحكام: 195/1.\r(3) رواه أصحاب السنن الأربعة وصححه الترمذي عن سعيد بن زيد (سبل السلام: 40/4).","part":6,"page":597},{"id":4193,"text":"دليل على جواز الدفاع عن الدين والنفس والمال والعرض، لأن النبي صلّى الله عليه وسلم لما جعل المدافع شهيداً، دل على أن له القتل والقتال.\rوأما جواز الدفاع عن الغير: فأساسه الحفاظ على الحرمات مطلقاً من نفس أو مال، فلولا التعاون، لذهبت أموال الناس وأنفسهم؛ لأن قطاع الطرق مثلاً إذا انفردوا بأخذ مال إنسان لم يُعنه غيره، فإنهم يأخذون أموال الكل واحداً واحداً، وكذلك غيرهم. وقد قال النبي صلّى الله عليه وسلم «انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً، قيل: كيف أنصره ظالماً؟ قال: تحجزه عن الظلم، فإن ذلك نصره» (1) وقال أيضاً: «من أذل عنده مؤمن، فلم ينصره، وهو يقدر على أن ينصره، أذله الله على رؤوس الأشهاد يوم القيامة» (2) وفي حديث «إن المؤمنين يتعاونون على الفُتّان» (3) .\rوحكم الدفاع الشرعي: هو الإباحة، فتكون أفعال الدفاع مباحة باتفاق الفقهاء (4) ، فلا مسؤولية على المدافع من الناحيتين المدنية والجنائية، إلا إذا تجاوز حدود المشروع، فيصبح عمله جريمة يسأل عنها مدنياً وجزائياً، وعليه القصاص. ولا يجوز للمدافع القتل إلا إذا ثبت ببينة أن الصائل لم يندفع إلا به، كأن يرى الشهود أن الصائل أقبل بسلاح مشهور على المدافع، فضربه هذا. ولا يقبل القول بمجرد ادعاء المدافع أنه قد هاجم منزله، فلم يمكنه دفعه إلا بالقتل، كما لا يقبل قول الشهود بأنهم رأوا الصائل داخلاً الدار ولم يذكروا سلاحاً. فإن لم يحضر أحد من الناس يقبل عند المالكية قول المدافع بيمينه (5) .\r-------------------------------\r(1) رواه أحمد في مسنده والبخاري والترمذي عن أنس بن مالك.\r(2) رواه أحمد في مسنده عن سهل بن حنيف (نيل الأوطار: 327/5).\r(3) رواه أبو داود ولفظه «المؤمن أخو المؤمن يسعهما الماء والشجر، ويتعاونان على الفتان» أي الشيطان. وبضم الفاء: جمع.\r(4) المراجع السابقة في بدء هذا المطلب، نظرية الضرورة الشرعية للمؤلف: ص 140-142.\r(5) الشرح الكبير للدردير: 357/4، المغني: 333/8.","part":6,"page":598},{"id":4194,"text":"المبحث الثاني ـ شروط دفع الصائل :\rيشترط لجواز دفع الصائل أربعة شروط وهي (1) :\r1 - أن يكون هناك اعتداء في رأي جمهور الفقهاء، وعند الحنفية: أن يكون الاعتداء جريمة معاقباً عليها. وعلى هذا فممارسة حق التأديب من الأب أو الزوج أو المعلم، وفعل الجلاد لا يوصف بكونه اعتداء. وفعل الصبي والمجنون وصيال الحيوان لا يوصف بكونه جريمة عند الحنفية.\rفإذا قتل الإنسان الجمل الصؤول ونحوه، ضمن قيمته على كل حال عند الحنفية؛ لأن الأموال تضمن حال الضرورة إلى إتلافها، والقاعدة عندهم أن «الاضطرار لا يبطل حق الغير» وأن جناية ( العجماء جُبَار ) أي هدر.\rوقال الجمهور عند الحنفية: لا غرم ولا ضمان على المدافع إذا لم يقدر على الامتناع منه إلا بضربه وقتله، لأنه قتله أثناء الدفاع الجائز، ولدفع شره، وقياساً على قتل الإنسان الصائل، وحرمة النفس أعظم من حرمة المال. وقياساً أيضاً على إهدار دم الصيد الحرمي إذا صال. ويختلف هذا عن حالة المضطر إلى طعام الغير، بأن الطعام لم يلجئ المضطر إلى إتلافه، ولم يصدر منه ما يزيل عصمته (2) . ومذهب غير الحنفية في صيال الحيوان والصبي والمجنون هو المعقول.\r2 - أن يكون الاعتداء حالاً: أي واقعاً بالفعل، لا مؤجلاً ولا مهدداً به فقط.\r-------------------------------\r(1) راجع التفصيل في التشريع الجنائي الإسلامي للمرحوم عبد القادر عودة: 278/1 وما بعدها.\r(2) البدائع: 273/7، بداية المجتهد: 319/2، المغني: 328/8 وما بعدها، المهذب: 225/2، كشاف القناع: 143/4، حاشية الدسوقي على الشرح الكبير: 357/4.","part":6,"page":599},{"id":4195,"text":"3 - ألا يمكن دفع الاعتداء بطريق آخر، فإذا أمكنه ذلك بوسيلة أخرى كالاستغاثة أو الاستعانة بالناس أو برجال الأمن، ولم يفعل، فهو معتد.\r4 - أن يدفع الاعتداء بالقوة اللازمة: أي بالقدر اللازم لرد الاعتداء بحسب ظنه. بالأيسر فالأيسر، كما بينت في المطلب الأول.\rالمبحث الثالث ـ هل دفع الصائل حق مباح أو واجب؟\rالكلام على هذا المطلب يقتضي التفصيل في كل حالة من حالات الدفاع الشرعي على حدة.\rحكم الدفاع عن النفس :\rإذا هوجم إنسان بقصد الاعتداء على نفسه، أو عضو من أعضائه، سواء أكان الهجوم من إنسان آخر أم من بهيمة، فيجب على المعتدى عليه أن يدافع عن نفسه في رأي أبي حنيفة والمالكية، والشافعية (1) ، إلا أن الشافعية قيدوا وجوب دفع الصائل في هذه الحالة بما إذا كان الصائل كافراً أو بهيمة؛ لأن الاستسلام للكافر ذل في الدين، والبهيمة تذبح لاستبقاء نفس الإنسان.\r-------------------------------\r(1) تبيين الحقائق: 110/6، البدائع: 93/7، تكملة فتح القدير: 269/8، الدر المختار ورد المحتار: 197/2، 387/5، الفتاوى الهندية: 7/6، 51، مواهب الجليل للحطاب: 323/6، الشرح الكبير والدسوقي: 357/4، المنتفى على الموطأ: 61/6، تنوير الحوالك شرح الموطأ: 220/2، الفروق: 185/4، مغني المحتاج: 21/4، 195، المهذب: 225/2.","part":6,"page":600},{"id":4196,"text":"وأما إذا كان الصائل مسلماً فالأظهر عند الشافعية أنه يجوز الاستسلام له، بل يسن لخبر أبي داود: «كن خير ابني آدم» يعني قابيل وهابيل، واشتهر ذلك عن الصحابة رضي الله تعالى عنهم، ولم ينكر عليه أحد، وأضاف الشافعية بأن الدفع عن نفس غيره في الإيجاب وعدمه كالدفع عن نفسه.\rوقيد المالكية وجوب الدفاع بأن يكون بعد الإنذار ندباً كالمحارب إن أمكن: بأن يقول له: ناشدتك الله إلا ما تركتني ونحوه، فإن لم ينكف أو لم يمكن، جاز له دفعه بالقتل وغيره.\rودليل القائلين بإيجاب الدفاع عن النفس قوله تعالى: {ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة} [البقرة:195/2] وقوله سبحانه {فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله } [الحجرات:9/49] {فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم} [البقرة:194/2] {وجزاء سيئةٍ سيئةٌ مثلها} [الشورى:40/42] وبما أن الإنسان يجب عليه صيانة نفسه بأكل ما يجده حال الجوع، فيجب عليه الدفاع عن نفسه.\rوقال الحنابلة (1) ، ورأيهم هو المتفق مع السنة: إن دفع الصائل على النفس جائز لا واجب، سواء أكان الصائل صغيراً أم كبيراً أم مجنوناً، لقول النبي صلّى الله عليه وسلم في حال الفتنة: «اجلس في بيتك، فإن خفت أن يَبهرك شعاع الشمس، فغطِّ وجهك» وفي لفظ «تكون فتن، فكن فيها عبد الله المقتول، ولا تكن القاتل» (2) وقد صح أن عثمان رضي الله عنه منع عبيده أن يدافعوا عنه، وكانوا أربع مئة، وقال: «من ألقى سلاحه فهو حر» . قالوا: وهذا مخالف لحال المضطر إلى الطعام: يلزمه الأكل منه؛ لأن في القتل شهادة، وإحياء نفس غيره، وفي الأكل إحياء نفسه من غير مساس بنفس أحد غيره.\r-------------------------------\r(1) المغني: 329/8 وما بعدها، كشاف القناع: 143/4.\r(2) أخرجه ابن أبي خيثمة والدارقطني عن عبد الله بن خباب بن الأرت، وأخرجه أحمد نحوه عن خالد ابن عرفطة.","part":6,"page":601},{"id":4197,"text":"المبحث الرابع ـ ضمان الفعل :\rاتفق الفقهاء (1) على أن المعتدى عليه (المدافع) إذا قتل الصائل، فلا مسؤولية عليه من الناحيتين المدنية والجنائية، فلا دية ولا قصاص، لقوله عليه السلام: «من شهر سيفه ثم وضعه ـ ضرب به ـ فدمه هَدَر» (2) ، ولأن الصائل باغ، والمصول عليه كان يؤدي واجبه في الدفاع عن نفسه، ودفع الشر (3) .\rإلا أن الحنفية استثنوا مما ذكر: ما إذا كان الصائل صبياً أو مجنوناً أو دابة، فقتله المصول عليه، فيسأل مدنياً فقط لا جنائياً، فلا قصاص عليه، وإنما يدفع الدية عن الصبي والمجنون، ويضمن قيمة الدابة كما بينت في المبحث الثاني.\rوروي عن أبي يوسف: أنه يكون مسؤولاً مدنياً فقط عن قيمة الحيوان، ولاتجب الدية عليه في قتل الصبي والمجنون.\rودليل الحنفية بالنسبة للدابة قوله صلّى الله عليه وسلم : «العجماء جُرْحها جُبَار» (4) أي\r-------------------------------\r(1) المراجع السابقة.\r(2) أخرجه النسائي وإسحاق بن راهويه والطبراني عن عبد الله بن الزبير (نصب الراية: 347/4).\r(3) قال الحنفية: «من شهر على رجل سلاحاً ليلاً أو نهاراً، أو شهر عصا ليلاً في مصر، أو نهاراً في طريق غير مصر، فقتله المشهور عليه عمداً، فلا شيء عليه» (مجمع الضمانات: ص166).\r(4) رواه الجماعة عن أبي هريرة رضي الله عنه (نيل الأوطار: 234/5).","part":6,"page":602},{"id":4198,"text":"هَدر. وأما فعل الصبي والمجنون فلا يوصف بكونه جريمة أو بغياً، فلا تسقط به عصمة النفس، ولا يتوافر بالتالي شرط جواز الدفاع عن النفس؛ لأن من شرائطه أن يكون هناك اعتداء أو عدوان عندهم، كما تقدم، ولأن الدفاع شرع لدفع الجرائم، ولا جريمة ههنا.\rوقال أبو يوسف: يعد فعل الصبي والمجنون جريمة، بدليل أنه يجب عليهما ضمان المتلفات، إلا أنه رفع العقاب عنهما لعدم الإدراك. أما فعل الدابة، فليس جريمة، ولا يجب الضمان على ما تتلفه؛ لأن العجماء جبار والشرط أن يكون الاعتداء جريمة.\rوالخلاصة: أن أبا حنيفة لا يرى وجوداً لحالة الدفاع في صيال الصبي والمجنون والحيوان، وإنما يحق الدفاع على أساس الضرورة، أي فيجب الضمان أو التعويض. وأما أبو يوسف فيرى وجود حالة الدفاع إذا صال الصبي أو المجنون، كما هو رأي غير الحنفية. أما إذا صال الحيوان فيدفع على أساس الضرورة، فتجب قيمته بإتلافه.\rوأما جمهور الفقهاء فيرون توافر حالة الدفاع في كل الحالات المذكورة؛ لأن من واجب الإنسان أن يدافع عن النفس والمال عند كل اعتداء، وإن فعل الاعتداء بذاته لا يحل دم الصائل، ولكنه يوجب أو يجيز منع الاعتداء، على الخلاف السابق بينهم على رأيين، فالمطالبة بمنع الاعتداء هو الذي أحل دم الصائل، وليس الاعتداء ذاته، فلايشترط إذن أن يكون الاعتداء ذاته جريمة معاقباً عليها.","part":6,"page":603},{"id":4199,"text":"ورأي الحنابلة (1) : أن من دفع صائلاً عن نفسه أو عن ولده ونسائه ومحارمه كأخته وعمته بالقتل لم يضمنه، ولو دفعه عن غيره بالقتل ضمنه.\rحكم العاض: وأما من عض يد إنسان، فانتزعها منه، فسقطت أسنانه، فلاضمان عليه، أي لا يسأل مدنياً بدفع الدية عند غير المالكية، بدليل حديث عمران بن حصين «أن رجلاً عض يد رجل، فنزع يده من فيه، فوقعت ثنيتاه (2) ، فاختصموا إلى النبي صلّى الله عليه وسلم ، فقال: يَعضُّ أحدكم يد أخيه، كما يعض الفَحْل (3) ، لا\rدية لك» (4) وحديث يعلى بن أمية قال: «كان لي أجير، فقاتل إنساناً، فعض أحدهما صاحبه، فانتزع أصبعه، فأنذر ثنيته (أي أزالها)، فسقطت، فانطلق إلى النبي صلّى الله عليه وسلم ، فأهدر ثنيته، وقال: أيدع يده في فيك، تقضَمها كما يَقْضَم الفحل» (5) .\rوقال المالكية: إنه يجب الضمان في مثل ذلك، لقوله صلّى الله عليه وسلم : «في السن خمس من الإبل» (6) ولكن قال يحيى بن يعمر وابن بطال: لو بلغ مالكاً هذا الحديث ـ حديث ابن الحصين ويعلى ـ لم يخالفه (7) .\rحكم الدفاع عن العرض :\rإذا أراد فاسق الاعتداء على شرف امرأة، فيجب عليها باتفاق الفقهاء (8) أن تدافع عن نفسها إن أمكنها الدفع؛ لأن التمكين منها للرجل حرام، وفي ترك الدفاع تمكين منها للمعتدي، ولها قتل الرجل المكره، ولو قتلته كان دمه هَدراً، إذا لم يمكن دفعه إلا بالقتل.\rوكذلك يجب على الرجل إذا رأى غيره يحاول الاعتداء على امرأة أن\r-------------------------------\r(1) كشاف القناع: 143/4.\r(2) الثنية: واحدة الثنايا أي أسنان مقدم الفم، ثنتان من فوق، وثنتان من أسفل.\r(3) الفحل: الذكر من كل حيوان.\r(4) رواه أحمد وأصحاب الكتب الستة ماعدا أبا داود.\r(5) رواه الجماعة ( أحمد وأصحاب الكتب الستة ) إلا الترمذي.\r(6) رواه أبو داود في المراسيل والنسائي وابن خزيمة وابن الجارود وابن حبان وأحمد.\r(7) المغني: 333/8 ومابعدها، مغني المحتاج: 197/4، نيل الأوطار: 25/7، الميزان للشعراني: 173/2، والمهذب: 225/2. واشترط الشافعية لعدم ضمان رمي الناظر إلى البيوت: عدم وجود محرم وزوجة للناظر، فإن كان له شيء من ذلك حرم رميه لأن له في النظر شبهة.\r(8) الدر المختار: 197/3، 397/5، البدائع: 93/7، بداية المجتهد: 319/2، مجمع الضمانات: ص203، مغني المحتاج: 194/4 ومابعدها، المهذب: 225/2، المغني: 331/8 ومابعدها، كشف الأسرار: 1520/4، الشرح الكبير للدردير: 357/4.","part":6,"page":604},{"id":4200,"text":"يدفعه، ولو بالقتل إن أمكنه الدفاع، ولم يخف على نفسه؛ لأن الأعراض حرمات الله في الأرض، لا سبيل إلى إباحتها بأي حال، سواء عرض الرجل أو عرض غيره.\rولا يسأل المدافع جنائياً ولا مدنياً، فلا قصاص ولا دية عليه، لظاهرالحديث: «من قتل دون أهله فهو شهيد» (1) ولما ذكره الإمام أحمد من حديث الزهري بسنده عن عبيد بن عمير: «أن رجلاً أضاف ناساً من هذيل، فأراد امرأة على نفسها، فرمته بحجر فقتلته، فقال عمر: والله لا يودى أبداً» ، ولأنه إذا جاز الدفاع عن المال الذي يجوز بذله وإباحته، فدفاع المرأة أو الرجل عن أنفسهم، وصيانتهم عن الفاحشة التي لاتباح بحال: أولى.\rالزاني بامرأته: كذلك لاقصاص ولا دية في المذاهب الأربعة (2) على من وجد رجلاً يزني بامرأته، فقتله ، لما روي: «أن عمر رضي الله عنه بينما هو يتغدى يوماً، إذ أقبل رجل يعدو، ومعه سيف مجرد ملطخ بالدم، فجاء حتى قعد مع عمر، فجعل يأكل، وأقبل جماعة من الناس، فقالوا: يا أمير المؤمنين، إن هذا قتل صاحبنا مع امرأته، فقال عمر: ما يقول هؤلاء؟ قال: ضرب الآخر فخذي امرأته بالسيف، فإن كان بينهما أحد، فقد قتله، فقال لهم عمر: مايقول؟ قالوا: ضرب بسيفه فقطع فخذي امرأته، فأصاب وسط الرجل، فقطعه باثنين، فقال عمر: إن عادوا فعد» (3) .\rوإذا كانت المرأة مطاوعة فلا ضمان عليه فيها. وإن كانت مكرهة فعليه القصاص.\r-------------------------------\r(1) سبق تخريجه.\r(2) المراجع السابقة، المغني: 332/8.\r(3) رواه هشيم عن مغيرة عن إبراهيم ، وأخرجه سعيد بن منصور.","part":6,"page":605},{"id":4201,"text":"ولا بد من البينة كما تقدم في حكم الدفاع. وفي البينة روايتان عند الحنابلة: في رواية: أنها أربعة شهداء، لما روي عن علي رضي الله عنه أنه سئل عن رجل دخل بيته، فإذا مع امرأته رجل، فقتلها وقتله، قال علي: إن جاء بأربعة شهداء، وإلا فليعط برمته أي تضمين ديته. ولما روى أبو هريرة: «أن سعد بن عبادة قال: يا رسول الله ، أرأيت إن وجدت مع امرأتي رجلاً أمهله، حتى آتي بأربعة شهداء؟ فقال النبي صلّى الله عليه وسلم : نعم» (1) .\rوفي رواية أخرى: إنه يكفي شاهدان، لأنه البينة تشهد على وجوده على المرأة، وهذا يثبت بشاهدين، وإنما الذي يحتاج إلى أربعة هو الزنا، وهذا لا يحتاج إلى إثبات الزنا.\rفإن لم تكن بينة فادعى الزوج علم ولي المرأة بالزنا، فالقول قول الولي بيمينه، عند الحنابلة.\rالاطلاع على داخل البيوت :\rلو اطلع إنسان بدون إذن على بيت إنسان من ثقب أو شق باب أو نحوه، فرماه صاحب البيت بحصاة أو طعنه بعود، فقلع عينه، فلا مسؤولية عليه جنائياً ولا مدنياً، أي لا قصاص ولا دية عند الشافعية والحنابلة (2) ،لقوله صلّى الله عليه وسلم : «لو أن رجلاً اطلع عليك بغير إذن، فخذفته (3) بحصاة، ففقأت عينه، ما كان عليك جناح» (4) . وقوله عليه الصلاة والسلام: «من اطَّلع في بيت قوم بغير إذنهم، فقد\r-------------------------------\r(1) أخرجه الطبراني من حديث عبادة بن الصامت ( فتح الباري: 154/12 ).\r(2) مغني المحتاج: 197/4 ومابعدها، المهذب: 225/2، أعلام الموقعين: 336/2، المغني: 335/8.\r(3) الخذف: الرمي بالحصاة، والحذف: الرمي بالعصا، لا بالحصا.\r(4) متفق عليه بين البخاري ومسلم وأحمد عن أبي هريرة.","part":6,"page":606},{"id":4202,"text":"حل لهم أن يفقؤوا عينه» (1) وفي لفظ «من اطلع في بيت قوم بغير إذنهم، ففقؤوا عينه، فلا دية له ولا قصاص» (2) .\rهذا إذا رماه بشيء خفيف كحصاة. أما إذا رمى صاحب الدار الناظر بما يقتله عادة كحجر قاتل، أو حديدة ثقيلة، أو نشاب، فيلزم بالقصاص، أو الدية عند العفو عنه؛ لأن له ما يقلع به العين المبصرة التي حصل الأذى منها، دون مايتعدى إلى غيرها.\rفإن لم يندفع الناظر بالشيء اليسير، جاز ـ كما في الصيال ـ رميه بأشد منه، حتى القتل، سواء أكان الناظر في الطريق، أم في ملك نفسه، أم في غيرهما. وقد بين النبي صلّى الله عليه وسلم الحكمة من منع الاطلاع على البيوت فقال: «إنما جعل الاستئذان من أجل البصر» (3) .\rوقال الحنفية والمالكية (4) : يسأل جنائياً صاحب الدار في هذه الحالة، فيجب عليه القصاص أو الدية، لقوله عليه الصلاة والسلام: «في العين نصف الدية» (5) ، ولأن مجرد النظر بالعين لايبيح الجناية على الناظر، كما لو نظر من الباب المفتوح، وكما لو دخل منزله، ونظر فيه، أو نال من امرأته ما دون الجماع، لم يجز قلع عينه، فمجرد النظر أولى.\rويلاحظ أن الاختلاف بين الرأيين هو فيمن نظر من خارج الدار، أما لو أدخل شخص رأسه، فرماه صاحب الدار بحجر، ففقأ عينه، فلا يضمن إجماعاً.\r-------------------------------\r(1) رواه أحمد.\r(2) رواه أحمد والبخاري ومسلم والترمذي عن سهل بن سعد.\r(3) رواه أحمد والبخاري ومسلم والترمذي عن سهل بن سعد.\r(4) تبيين الحقائق وحاشية الشلبي عليه: 110/6، الفتاوى الهندية: 7/6، رد المحتار على الدر: 390/5، تكملة فتح القدير: 269/8، مجمع الضمانات: ص169، القوانين الفقهية: ص351، رحمة الأمة بهامش الميزان للشعراني: 159/2، ط البابي الحلبي.\r(5) أخرجه أبو داود في المراسيل والنسائي وابن خزيمة، وابن الجارود وابن حبان وأحمد (سبل السلام: 244/3).","part":6,"page":607},{"id":4203,"text":"حكم الدفاع عن المال :\rقرر جمهور الفقهاء أن الدفاع عن المال جائز، لا واجب، سواء أكان المال قليلاً أم كثيراً، إذا كان الأخذ بغير حق، ولا قصاص على المدافع إن التزم الدفع بالأسهل فالأسهل، لما رواه أبو هريرة. قال: «جاء رجل، فقال: يا رسول الله ، أرأيت إن جاء رجل يريد أخذ مالي؟ قال: فلا تعطه مالك (وفي لفظ: قاتل دون مالك)، قال: أرأيت إن قاتلني؟ قال: قاتله، قال: أرأيت إن قتلني؟ قال: فأنت شهيد، قال: أرأيت إن قتلتُه؟ قال: هو في النار» (1) قال العلماء: فإن قتله فلا ضمان عليه، لعدم التعدي منه عليه، والحديث عام لقليل المال وكثيره.\rوسبب التفرقة بين الدفاع عن المال، والدفاع عن النفس أو العرض عند القائلين بوجوب الدفاع عن غير المال: هو أن المال مما يباح بالإباحة والإذن، أما النفس فلا تباح بالإباحة.\rوقال بعض المالكية: لا يجوز الدفاع عن المال إذا كان شيئاً يسيراً. ولكن ظاهر الأحاديث السابقة وعمومها يرد على التفرقة بين القليل والكثير كما تقدم.\rوقال بعض العلماء: إن المقاتلة عن المال واجبة. وهذا رأي المالكية بعد الإنذار كما أوضحت (2) .\rوفرق الشافعية (3) بين أنواع المال فقالوا: لا يجب الدفع عن مال لا روح فيه، لأنه يجوز إباحته للغير. أما ما فيه روح: فيجب الدفع عنه إذا قصد إتلافه، ما لم يخش على نفسه أو عرضه، لحرمة الروح، حتى لو رأى أجنبي شخصاً يتلف حيوان نفسه إتلافاً محرماً، وجب عليه دفعه على الأصح. وكذلك يجب عليه الدفع عن مال متعلق به حق الغير كرهن وإجارة.\rلكن أضاف الشافعية: لو سقطت جرة ولم تندفع عنه إلا بكسرها، ضمنها في الأصح، إذ لا قصد لها ولا اختيار، حتى يحال السبب عليها، فصار المدافع عن المال كالمضطر إلى طعام غيره، يأكله ويضمنه.\r-------------------------------\r(1) رواه مسلم وأحمد (نصب الراية: 348/4 وما بعدها) قال ابن تيمية في منتهى الأخبار: فيه من الفقه أنه يدفع بالأسهل فالأسهل (نيل الأوطار: 326/5).\r(2) الدر المختار وحاشيته: 388/5، مواهب الجليل: 323/6، الشرح الكبير: 357/4، نيل الأوطار: 326/5، المغني: 329/8 وما بعدها.\r(3) المهذب: 224/2 وما بعدها، مغني المحتاج: 195/4 وما بعدها.","part":6,"page":608},{"id":4204,"text":"الفَصْلُ التَّاسِع: اللّقطة واللّقيط\rاللقطة لغة: بسكون القاف أو فتحها: ما وجد بعد طلب أي ما يلتقط، قال تعالى: {فالتقطه آل فرعون} [القصص:8/28] وهي بهذا المعنى اللغوي العام تشمل ما يلتقطه الإنسان من بني آدم أو الأموال، أو الحيوان. واللقَطة بفتح القاف أيضاً: الكثير الالتقاط.\rإلا أن الحنفية وغيرهم ميزوا في بحوثهم الفقهية بين اللقيط، واللقطة، والضالة. لذا أذكر معنى اللقيط، وأحكامه، ومعنى اللقطة وأحكامها، وأبين نوعي اللقطة: لقطة الأموال، ولقطة الحيوان أي الضالة، وأختم البحث بمعرفة ما يصنع باللقطة. ويكون الكلام في مبحثين:\rالمبحث الأول ـ حقيقة اللقيط وأحكامه :\rاللقيط لغة: هو ما يلقط أي يرفع من الأرض، وعرفاً: هو الطفل المفقود المطروح على الأرض عادة، خوفاً من مسؤولية إعالته، أو فراراً من تهمة الريبة أو الزنا فلا يعرف أبوه ولا أمه، أو لسبب آخر.\rأحكامه: الالتقاط عند الحنفية مندوب إليه وهو من أفضل الأعمال؛ لأنه يترتب عليه إحياء النفس، ويكون فرض كفاية إن غلب على الظن هلاك الولد لو لم يأخذه، كأن وجد في مغارة ونحوها من المهالك، لحصول المقصود بالبعض وهو صيانته. وقال باقي الأئمة: التقاط الولد فرض كفاية إلا إذا خاف هلاكه ففرض عين.","part":6,"page":609},{"id":4205,"text":"وهناك أحكام فرعية أخرى تتعلق باللقيط منها (1) :\r1 - إن الملتقط أولى بإمساك اللقيط من غيره: فإن شاء تبرع بتربيته والإنفاق عليه، وإن شاء رفع الأمر إلى الحاكم، ليأمر أحداً بتربيته على نفقة بيت المال؛ لأن بيت المال معدّ لحوائج جميع المسلمين.. هذا إذا لم يكن للقيط مال، فإن كان له مال، بأن وجد الملتقط معه مالاً، فتكون النفقة من مال اللقيط؛ لأنه غير محتاج إليه، فلا يثبت حقه في بيت المال،وهذا الحكم مجمع عليه بين العلماء (2) .\rولو أنفق عليه الملتقط من مال نفسه: فإن أنفق بإذن القاضي، فله أن يرجع على اللقيط بعد بلوغه، وإن أنفق بغير إذن القاضي يكون متبرعاً، ولا يرجع على اللقيط بما أنفق عليه بعد استكماله البلوغ.\rواللقيط كاللقطة أمانة في يد الملتقط.\r2 - إن الولاية على اللقيط في نفسه وماله للقاضي: أي بالنسبة للحفظ والتعليم والتربية والتزويج والتصرف من ماله، لقوله عليه الصلاة والسلام: «السلطان ولي من لا ولي له» (3) وليس للملتقط ولاية التزويج أو التصرف في المال.\r-------------------------------\r(1) راجع المبسوط: 209/10 ومابعدها، البدائع: 197/6 وما بعدها، فتح القدير: 417/4، تبيين الحقائق: 297/3، الدر المختار: 343/3 وما بعدها، مختصر الطحاوي: ص 141، مجمع الضمانات: ص 211 وما بعدها.\r(2) المغني: 683/5، بداية المجتهد: 305/2، مغني المحتاج: 421/2.\r(3) رواه خمسة من الصحابة: عائشة، وابن عباس، وعلي، وعبد الله بن عمرو، وجابر، فحديث عائشة أخرجه أصحاب الكتب الستة والشافعي وأحمد بلفظ: «لا نكاح إلا بولي، وأيما امرأة نكحت بغير إذن وليها، فنكاحها باطل، باطل، باطل، فإن لم يكن لها ولي، فالسلطان ولي من لا ولي له » وحديث ابن عباس أخرجه ابن ماجه بلفظ: «لا نكاح إلا بولي، والسلطان ولي من لا ولي له» وهكذا.. (راجع تخريج وتحقيق أحاديث تحفة الفقهاء للمؤلف مع الأستاذ الكتاني: 510/3، نصب الراية: 167/3).","part":6,"page":610},{"id":4206,"text":"وإذا زوج الحاكم اللقيط فالمهر يدفع من بيت المال، إلا إذا كان للقيط مال، فيكون في ماله. كذلك يدفع للقيط من بيت المال ما يحتاج إليه من نفقة وكسوة ودواء ونحوها، وهو مروي عن عمر وعلي رضي الله عنهما، ولأن بيت المال معد للصرف إلى مثله من المحتاجين، كالمقعد الذي لا مال له، ولأن ميراثه لبيت المال، والخراج بالضمان أي لبيت المال غنمه أي (ميراثه) وديته، وعليه غرمه.\r3 - إن اللقيط حر مسلم: لأن الأصل في الإنسان إنما هو الحرية، والأصل بقاء ما كان حتى يوجد ما يغيره، ولأن الدار دار إسلام ودار حرية، فمن كان فيها يكون حراً بمقتضى الأصل العام، إذ هو الحكم الغالب والأمر الظاهر، ويكون أيضاً مسلماً تبعاً لدار الإسلام.\rوبناء عليه، إذا وجد اللقيط مسلم في بلد إسلامي يكون مسلماً، حتى لو مات يغسل ويصلى عليه، ويدفن في مقابر المسلمين، أما إذا وجده ذمي أو مسلم في بِيعة (معبد) النصارى أو كنيسة اليهود أو في قرية ليس فيها مسلم يكون ذمياً تحكيماً للظاهر. ولو وجده ذمي في بلد إسلامي يكون مسلماً، أي أن العبرة للمكان.\rوفي رواية النوادر عند ابن سماعة: ينظر إلى حال الواجد من كونه مسلماً أو ذمياً ولا يلتفت إلى المكان؛ لأن اليد (أي الحيازة) أقوى من المكان، بدليل أن تبعة الأبوين فوق تبعة الدار.\rوفي رواية أخرى يكون اللقيط مسلماً بحسب حال الواجد، أو المكان.","part":6,"page":611},{"id":4207,"text":"قال الكاساني: والصحيح هذه الرواية، فإذا وجده مسلم في بلد إسلامي كان مسلماً تبعاً للدار، وإذا وجده كافر في دار الإسلام كان مسلماً، أو وجده ذمي أو مسلم في كنيسة كان ذمياً (1) .\rفتكون الأقوال ثلاثة: العبرة للمكان، أو العبرة للواجد، أو العبرة للمكان أو الواجد، والقول الثالث هو الأصح عند الحنفية.\rوقال الشافعية والحنابلة: إذا وجد لقيط بدار الإسلام فهو مسلم، وإن وجد بدار الكفار فكافر إن لم يسكنها مسلم كأسير وتاجر،فإن سكنها مسلم فهو مسلم في الأصح (2) تغليباً للإسلام، بدليل ما روى أحمد والدارقطني: «الإسلام يعلو ولا يعلى عليه» .\r4 - حكم النسب: يعتبر اللقيط مجهول النسب، حتى لو ادعى إنسان نسبة اللقيط تصح دعوته، ،ويثبت النسب منه. وبناء عليه: لو ادعى الملتقط أو غيره أن اللقيط ابنه تسمع دعواه من غير بينة، والقياس ألا تسمع إلا ببينة.\rوجه القياس ظاهر، وهو أنه يدعي أمراً يحتمل الوجود وعدمه، فلا بد من ترجيح أحد الجانبين على الآخر بمرجح، وذلك بالبينة، ولم توجد.\rووجه الاستحسان: أن هذا الادعاء إقرار بما ينفع اللقيط؛ لأنه يتشرف بالنسب ويعير بفقده، وتصديق المدعي في مثل هذا لا يتطلب البينة. لكن لو ادعى نسبه ذمي تقبل دعواه، ويثبت نسبه منه، لكنه يكون مسلماً؛ لأن ادعاء النسب يقبل فيما ينفع اللقيط لا فيما يضره، ولا يلزم من كونه ابناً له أن يكون كافراً، كما لو أسلمت أمه مثلاً، فيلحق الولد خير الأبوين ديناً، كما هو معروف.\rولو ادعاه رجلان أنه ابنهما، ولا بينة لهما، فإن كان أحدهما مسلماً، والآخر ذمياً، فالمسلم أولى بثبوت نسبه منه؛ لأنه أنفع للقيط.\r-------------------------------\r(1) البدائع: 198/6.\r(2) مغني المحتاج: 422/2، المغني: 681/5.","part":6,"page":612},{"id":4208,"text":"وإن كان المدعيان مسلمين حرين: فإن وصف أحدهما علامة في جسد الولد، فهو أحق به عند الحنفية؛ لأن ذكر العلامة يدل على أنه كان في يده، فالظاهر أنه له، فيترجح بها، بدليل قوله تعالى مخبراً عن أهل امرأة عزيز مصر: {إن كان قميصه قدّ من قُبُل فصدقت وهو من الكاذبين، وإن كان قميصه قدّ من دُبُر، فكذبت وهو من الصادقين} [يوسف:26/12-27].\rوإن لم يصف أحدهما علامة، أو أقام كل منهما البينة، يحكم بكونه ابناً لهما، إذ ليس أحدهما بأولى من الآخر، وقد روي عن سيدنا عمر في مثل هذا أنه قال: إنه ابنهما يرثهما ويرثاه.\rوإن ذكر أحدهما بينة، والآخر علامة، فصاحب البينة أولى؛ لأنه ترجح جانبه بمرجح.\rوقال الشافعية: إن ادعى اللقيط اثنان ولم يكن لأحدهما بينة، عرض اللقيط على القائف (1) فيلحق من ألحق به؛ لأن في إلحاقه أثراً في الانتساب عند الاشتباه (2) .\rوإن ادعت امرأة أن اللقيط ابنها: فإن لم يكن لها زوج، لا يصح ادعاؤها؛ لأن فيه حمل نسب شخص على الغير وهو الزوج، وهو لا يجوز. وإن كان لها زوج فصدقها في ادعائها أو شهدت لها القابلة، أو شهد لها شاهدان، ثبت النسب منها.\rولو ادعته امرأتان، وأقامت إحداهما البينة فهي أولى به، وإن أقامت كل منهما البينة، فهو ابنهما عند أبي حنيفة. وعند أبي يوسف: لا يكون لواحدة منهما. وعن محمد روايتان: في رواية يجعل ابنهما، وفي رواية: لا يجعل ابن واحدة منهما.\r-------------------------------\r(1) القائف جمعه قافة: وهم قوم يعرفون الأنساب بالشبه، والقائف: من عرفت منه معرفة الأنساب بالشبه، وتكررت منه الإصابة. والأصل في القائف: هو الذي يتبع الآثار والأشباه ويقفوها، أي يتبعها، فهو المتبع للشيء.\r(2) مغني المحتاج: 428/2.","part":6,"page":613},{"id":4209,"text":"المبحث الثاني ـ اللقطة وأحكامها ونوعاها وما يصنع بها :\rينقسم هذا المبحث إلى مطالب ثلاثة:\rالمطلب الأول ـ معنى اللقطة وأحكامها :\rاللقطة ـ بضم اللام وفتح القاف أو سكونها، وحكى ابن مالك فيها أربع لغات: وهي لقاطة، ولقطة بضم اللام وسكون القاف، وبضم اللام وفتح القاف، ولقط بفتح اللام والقاف بلا تاء مربوطة. وقال الخليل بن أحمد: هي بفتح القاف وصف مبالغة لاسم الفاعل: وهو الملتقط، مثل هُمَزة ولُمَزة، وبسكون القاف وصف مبالغة لاسم المفعول: مثل ضُحْكة للذي يضحك منه، وهُزْأة للذي يهزأ به، وإنما قيل للمال الملتقط لقطة؛ لأن طباع النفوس في الغالب تبادر إلى التقاطه؛ لأنه مال.\rوهي شرعاً كما قال ابن قدامة الحنبلي: المال الضائع من ربه يلتقطه غيره. وبنحوه في التتارخانية من كتب الحنفية: هي مال يوجد، ولا يعرف مالكه، وليس بمباح كمال الحربي.\rأحكامها: للقطة أحكام من حيث الندب ومن حيث الضمان وغيرهما:\r1 - أما حكمها من حيث الندب وغيره: فهو مختلف فيه عند الفقهاء، فقال الحنفية والشافعية: الأفضل الالتقاط؛ لأن من واجب المسلم أن يحفظ مال أخيه المسلم، لقوله تعالى: {وتعاونوا على البر والتقوى} [المائدة:2/5] وقوله صلّى الله عليه وسلم : «والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه» (1) فيكون الالتقاط سبيلاً لحفظ المال، ثم رده على صاحبه، لأنه ربما وقع في يد إنسان غير مؤتمن، فيأخذه، أما الأمين فيساعد في رد المال لصاحبه، وكف الأيدي الآثمة عنه. فإن لم يثق بأمانة نفسه وخشي استباحته، كره له الالتقاط، وإن علم من نفسه الخيانة، دون الرد على صاحبه، حرم الالتقاط، لقوله صلّى الله عليه وسلم فيما يرويه أحمد عن جرير بن عبد الله: «لا يأوي الضالة إلا ضال، مالم يعرّفها» .\rوقال المالكية والحنبلية بكراهية الالتقاط، لقول ابن عمر وابن عباس، ولأنه تعريض لنفسه لأكل الحرام، ولما يخاف أيضاً من التقصير فيما يجب لها من تعريفها وردها لصاحبها وترك التعدي عليها (2) .\r-------------------------------\r(1) رواه مسلم عن أبي هريرة (شرح مسلم: 21/17).\r(2) راجع البدائع: 200/6، فتح القدير: 423/4، الدر المختار: 406/3، بداية المجتهد: 299/2 وما بعدها، مغني المحتاج: 406/2، المغني: 630/5.","part":6,"page":614},{"id":4210,"text":"هذا هو الحكم العام، ثم فصل علماء كل مذهب تفصيلات مذهبية، المهم منها الإشارة إلى مذهب الحنفية، ومثلهم الشافعية، فإنهم قالوا: يستحب الالتقاط لواثق بأمانة نفسه إذا خاف ضياع اللقطة لئلا يأخذها فاسق، فإن لم يخف ضياعها فالتقاطها مباح، وإن علم من نفسه الخيانة بأن يأخذ اللقطة لنفسه، لا لصاحبها\rفيحرم الالتقاط، لما روي عن رسول الله صلّى الله عليه وسلم أنه قال: «لا يأوي الضالة إلا ضال» (1) .\r2 - وأما حكمها من حيث الضمان وعدمه: فقال الحنفية: اللقطة أمانة في يد الملتقط لا يضمنها إلا بالتعدي عليها، أو بمنع تسليمها لصاحبها عند الطلب، وذلك إذا أشهد الملتقط على أنه يأخذها ليحفظها ويردها إلى صاحبها؛ لأن الأخذ على هذا الوجه مأذون فيه شرعاً، قال صلّى الله عليه وسلم : «من وجد لقطة فليشهد ذوي عدل» (2) . وهو أمر يقتضي الوجوب، ولأنه إذا لم يشهد كان الظاهر أنه أخذها لنفسه، ويكفيه للإشهاد أن يقول: من سمعتموه ينشد لقطة فدلوه علي.\rوكذلك تكون أمانة إذا تصادق صاحب اللقطة والملتقط أنه التقطها ليحفظها للمالك.\rفإن لم يشهد الملتقط ولم يتصادقا، وإنما قال الآخذ: أخذتها للمالك وكذبه المالك يضمن اللقطة عند أبي حنيفة ومحمد؛ لأن الظاهر أنه أخذ اللقطة لنفسه، لا للمالك.\rوقال المالكية والشافعية والحنابلة: اللقطة أ مانة، ولكن لا يشترط الإشهاد على اللقطة وإنما يستحب فقط، وإذا لم يشهد الآخذ فلا يضمن عندهم وعند أبي يوسف أيضاً؛ لأن اللقطة وديعة، فلا ينقلها ترك الإشهاد من الأمانة إلى الضمان،\r-------------------------------\r(1) رواه مسلم وأحمد عن زيد بن خالد بلفظ: «لا يأوي الضالة إلا ضال ما لم يعرِّفها » ورواه أحمد وأبو داود وابن ماجه بلفظ «لا يأوي الضالة إلا ضال» (نيل الأوطار: 338/5، 344، سبل السلام: 94/3).\r(2) رواه أحمد وابن ماجه عن عياض بن حمار، ورواه أيضاً أبو داود والنسائي والبيهقي والطبراني وصححه ابن خزيمة وابن الجارود وابن حبان (نيل الأوطار: 338/5، نصب الراية: 466/3، سبل السلام: 96/3، الالمام: ص 370).","part":6,"page":615},{"id":4211,"text":"بدليل ما جاء من حديث سليمان بن بلال وغيره أنه قال: «إن جاء صاحبها، وإلا فلتكن وديعة عندك» (1) .\rوأما عدم اشتراط الإشهاد، فلأن الرسول صلّى الله عليه وسلم أمر زيد بن خالد وأبي بن كعب بتعريف اللقطة فقط دون الإشهاد (2) ، ومن المعلوم أنه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة، فلو كان الإشهاد واجباً لبينه النبي صلّى الله عليه وسلم حينما سئل عن حكم اللقطة، وحينئذ تعين حمل الأمر بالإشهاد في حديث عياض الذي استدل به الحنفية على الندب والاستحباب فقط (3) .\rأ ـ وبناء على رأي أبي حنيفة ومحمد: لو أخذ الشخص اللقطة ثم ردها إلى مكانها الذي أخذها منه، لا ضمان عليه في ظاهر الرواية؛ لأنه أخذها محتسباً متبرعاً ليحفظها على صاحبها، فإذا ردها إلى مكانها فقد فسخ التبرع. فصار كأنه لم يأخذها أصلاً. هذا إذا كان المالك قد صدق الملتقط أنه أخذها ليحفظها، أو كان الملتقط قد أشهد على ذلك ثم ضاعت. فإن كان لم يشهد يجب عليه الضمان عند أبي حنيفة ومحمد.\rوعند أبي يوسف: لا يجب الضمان، سواء أشهد أم لم يشهد، ويكون القول قول الملتقط بيمينه أنه أخذها ليحفظها لصاحبها.\r-------------------------------\r(1) حديث سليمان رواه مسلم (نيل الأوطار، المرجع السابق: ص 341، الإلمام بأحاديث الأحكام: ص 371، شرح مسلم: 25/12).\r(2) حديث زيد رواه البخاري ومسلم وأحمد كما ذكرت سابقاً، وحديث أبي بن كعب رواه مسلم وأحمد والترمذي (نيل الأوطار، المرجع السابق: ص 338 وما بعدها).\r(3) المبسوط: 12/11، فتح القدير، المرجع السابق، البدائع: 201/6، تبيين الحقائق: 301/2، مجمع الضمانات: ص 209 وما بعدها، بداية المجتهد: 303/2 وما بعدها، الشرح الكبير: 121/4، القوانين الفقهية: ص 342، مغني المحتاج: 407/2، المغني: 644/5، 647، القواعد لابن رجب: ص53.","part":6,"page":616},{"id":4212,"text":"وقال مالك: لا ضمان على من رد اللقطة إلى موضعها، لما روي عن عمر أنه قال لرجل وجد بعيراً: «أرسله حيث وجدته» . ولكن المشهور في مذهب المالكية أن الملتقط يضمن اللقطة إذا ردها لموضعها أو لغيره بعد أخذها للحفظ.\rورأى الشافعية والحنابلة: أنه إذا أخذ اللقطة إنسان، ثم ردها إلى موضعها ضمنها؛ لأنها أمانة صارت في يده، فلزمه حفظها، فإذا ضيعها لزمه ضمانها كما لو ضيع الوديعة.\rفصار رأي الجمهور هو وجوب الضمان برد اللقطة إلى مكانها.\rب ـ ويضمن الملتقط اللقطة إذا دفعها إلى غيره بغير إذن القاضي؛ لأنه يجب عليه حفظها بنفسه، بالتزامه الحفظ بالالتقاط.\rجـ ـ فإن هلكت اللقطة في يد الملتقط: فإن أشهد على اللقطة، بأن قال للناس:\r( إني وجدت لقطة، فمن طلبها فدلوه علي ): فإنه لا يضمن. وإن لم يشهد فعند أبي حنيفة ومحمد: يضمن. وعند أبي يوسف: لا يضمن إذا كان قد أخذ اللقطة ليردها إلى صاحبها، ويحلف على فعله إن لم يصدقه صاحبها، كما ذكرت قريباً.\rد ـ ولو أقر الملتقط أنه كان قد أخذ اللقطة ليمتلكها لنفسه، لا يبرأ عن الضمان إلا بالرد على المالك؛ لأنه ظهر أنه أخذها غصباً، فكان الواجب عليه الرد إلى المالك (1) لقوله صلّى الله عليه وسلم : «على اليد ما أخذت حتى تؤديه» (2) .\r-------------------------------\r(1) راجع البدائع: 201/6، المبسوط: 11/11، 13، بداية المجتهد: 304/2، المغني: 694/5، مغني المحتاج: 411/2.\r(2) رواه أحمد وأصحاب السنن الأربعة عن الحسن بن سمرة، وصححه الحاكم (نيل الأوطار: 298/5، نصب الراية: 167/4).","part":6,"page":617},{"id":4213,"text":"المطلب الثاني ـ نوع اللقطة وما يصنع بها :\rاللقطة نوعان: لقطة غير الحيوان: وهو المال الساقط الذي لا يعرف مالكه، ولقطة الحيوان: وهو الضالة من الإبل والبقر والغنم من البهائم.\rوحكم لقطة الحيوان: أنه يجوز التقاطها عند الحنفية والشافعية في الأصح عندهم، لحفظها لصاحبها صيانة لأموال الناس ومنعاً من ضياعها ووقوعها في يد خائنة.\rوقال مالك وأحمد: يكره التقاط ضالة الحيوان، ولقطة المال أيضاً (1) ، لما رواه أصحاب الكتب الستة عن زيد بن خالد الجهني، قال: «سئل رسول الله صلّى الله عليه وسلم عن لقطة الذهب والورق (2) ، فقال اعرف وكاءها، وعفاصها (3) ، ثم عرِّفها سنة، فإن لم تعرف فاستنفقها (4) ، ولتكن وديعة عندك، فإن جاء طالبها يوماً من الدهر، فأدّها إليه» . وسأله رجل عن ضالة الإبل، فقال: «مالك ولها، دعها، فإن معها حذاءها وسقاءها (5) ترد الماء، وتأكل الشجر حتى يجدها ربها. وسأله عن الشاة فقال: خذها فإنما هي لك، أو لأخيك أو للذئب» (6) أي أن لقطة الإبل غير جائزة، ولقطة الأموال الأخرى جائزة.\r-------------------------------\r(1) المبسوط: 11/11، البدائع: 200/6، فتح القدير: 428/4، تبيين الحقائق: 305/3، بداية المجتهد: 299/2 ومابعدها، مغني المحتاج: 409/2، المغني: 630/5 وما بعدها.\r(2) الورق ـ بفتح الواو وكسر الراء هو الفضة.\r(3) الوكاء: الخيط الذي يشد به الوعاء الذي تكون فيه النفقة، والعفاص بكسر العين وتخفيف الفاء: هو الوعاء الذي تكون فيه النفقة من جلد أو غيره.\r(4) أي إما أن تستهلكها وتغرم بدلها، وأما أن تتركها عندك على سبيل الوديعة حتى يجيء صاحبها فتعطيها إياه.\r(5) الحذاء: أي الخف، والسقاء أي الجوف، وقيل: العنق، والمراد أنها تستغني عن الحفظ.\r(6) راجع نصب الراية: 468/4، نيل الأوطار: 338/5، شرح مسلم: 20/12.","part":6,"page":618},{"id":4214,"text":"وروى أبو داود وأحمد وابن ماجه عن جرير بن عبد الله أنه أمر بطرد بقرة لحقت ببقرة حتى توارت، فقال: سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلم يقول: «لا يأوي الضالة إلا ضال» (1) وقال صلّى الله عليه وسلم : «إن ضالة المسلم حرق النار» (2) أي تؤدي به إلى النار إذا تملكها.\rوأخرج مسلم وأحمد والترمذي عن أبي بن كعب في حديث اللقطة أن النبي صلّى الله عليه وسلم قال: «عرفها فإن جاء أحد يخبرك بعدَّتها ووعائها ووكائها، فأعطها إياه، وإلا فاستمتع بها» (3) .\rوأجاب الفريق الأول عن الأحاديث بأن حكمها كان في الماضي حين غلبة أهل الصلاح والأمانة، فلا تصل إليها يد خائنة، أما في زماننا فنظراً لكثرة الخيانة يكون في أخذها حفظها على صاحبها.\rوهذا كله ما عدا لقطة الحج، فإن العلماء أجمعوا على أنه لا يجوز التقاطها لنهيه عليه السلام عن ذلك (4) ، ولا يجوز لقطة مكة أيضاً، لقوله صلّى الله عليه وسلم في بلد مكة\r-------------------------------\r(1) في رواية: «لا يأوي» رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه (راجع نيل الأوطار، المرجع السابق: ص344، سبل السلام: 94/3).\r(2) رواه الطبراني في كبيره عن عصمة، وفيه أحمد بن راشد وهو ضعيف، وأخرجه أحمد وابن ماجه والطحاوي وابن حبان وغيرهم عن عبد الله بن الشخِّير ( مجمع الزوائد: 167/4، سبل السلام: 94/3).\r(3) نصب الراية: 467/3، نيل الأوطار: 339/5، الوعاء: ما يجعل فيه المتاع، والوكاء: الخيط الذي يشد به الصرة والكيس ونحوهما.\r(4) رواه أحمد ومسلم عن عبد الرحمن بن عثمان قال: نهى رسول الله صلّى الله عليه وسلم عن لقطة الحج (شرح مسلم: 28/12، سبل السلام: 96/3).","part":6,"page":619},{"id":4215,"text":"يوم الفتح: «ولا تحل لقطتها إلا لمعرِّف» وفي لفظ: «ولا تحل ساقطتها إلا لمنشد» (1) .\rوأما ما يصنع باللقطة: فهو أن الملتقط يعرفها، لما روى البخاري ومسلم عن زيد بن خالد الجهني، قال: «سأل رجل رسول الله صلّى الله عليه وسلم عن اللقطة، فقال: عرفها سنة» وقال عليه الصلاة والسلام أيضاً: «لا تحل اللقطة، فمن التقط شيئاً فليعرِّف سنة» الحديث (2) .\rوالكلام عن تعريف اللقطة يستتبع بحث كيفية التعريف، ومدة التعريف، ومكان التعريف، ونفقات التعريف، وما تحتاجه الضالة، وشرط ردِّ اللقطة إلى صاحبها، وحكم تملكها:\r1 - كيفية تعريف اللقطة وحكم بيان المعرِّف: المراد بتعريف اللقطة: هو المناداة عليها، أو الإعلان عنها حيث وجدها، وفي المجتمعات العامة كالأسواق وأبواب المساجد، والمقاهي، ونحوها. وتعريفها: يكون بذكر بعض أوصافها كأن يذكر جنسها، فيقول:\r( من ضاع له نقود، أو ثياب ) ونحوه، وأن يبين وعاءها أو وكاءها الذي يربط به كيسها، ولا يصف أوصافها التفصيلية لأنه لو وصفها، لعلم صفتها من يسمعها، فلا تبقى صفتها دليلاً على ملكها.\rويجب على الملتقط عند الجمهور تعريف اللقطة؛ لأن ظاهر أمر الرسول صلّى الله عليه وسلم لزيد بن خالد في قوله: «عرفها سنة» يقتضي الوجوب، إذ ظاهر الأمر للوجوب، كما هو معروف عند علماء الأصول.\r-------------------------------\r(1) أخرجه البخاري ومسلم عن ابن عباس بلفظ: «ولا تلتقط لقطة إلا من عرفها» وفي لفظ «إلا لمعرف» وأخرجها أيضاً عن أبي هريرة بلفظ: «ولا تحل ساقطتها إلا لمنشد» (راجع نصب الراية: 467/3، نيل الأوطار: 24/5).\r(2) أخرجه البزار في مسنده والدارقطني في سننه عن أبي هريرة (راجع في هذا وما قبله الذي سبق تخريجه: نصب الراية: 466/3، نيل الأوطار: 338/5، سبل السلام: 94/3، شرح مسلم: 26/12).","part":6,"page":620},{"id":4216,"text":"وقال أكثر الشافعية: لا يجب تعريفها لمن أراد حفظها لصاحبها؛ لأن الشرع إنما أوجب التعريف إذا كان بقصد التملك، لكن المعتمد عندهم وجوب التعريف. وبه اتفقت المذاهب الأربعة على وجوب الإعلان عن اللقطة أو تعريفها.\rوللملتقط أن يتولى تعريفها بنفسه، أو يستنيب عنه أحداً يقوم بالتعريف (1) .\r2 - مدة التعريف: اتفق العلماء على أن لواجد ضالة الغنم في المكان القفر البعيد عن العمران أن يأكلها، لقوله صلّى الله عليه وسلم في الشاة: «هي لك أو لأخيك أو للذئب» . واختلفوا هل يضمن قيمتها لصاحبها أو لا؟.\rقال جمهور العلماء: إنه يضمن قيمتها، إذ لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس منه (2) .\rوقال مالك في أشهر أقواله: إنه لا يضمن أخذاً بظاهر هذا الحديث.\rوأما غير ضالة الغنم: فاتفق العلماء على تعريف ما كان منها له أهمية وشأن مدة سنة؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلم أمر بتعريف اللقطة سنة واحدة كما عرفنا.\r-------------------------------\r(1) الدر المختار: 350/3، فتح القدير: 426/4، الشرح الكبير للدردير: 120/4، مغني المحتاج: 411/2، 413، المهذب: 429/1، المغني: 631/5، 633 ومابعدها، نيل الأوطار: 340/5، نهاية المحتاج للرملي: 362/4.\r(2) هذا حديث رواه الحاكم وابن حبان في صحيحه وأحمد والبزار بلفظ مقارب عن أبي حميد الساعدي، ورواه أحمد أيضاً بهذا اللفظ عن عمرو بن يثربي، وفي معناه أحاديث كثيرة (سبل السلام: 60/3 وما بعدها، مجمع الزوائد: 171/4).","part":6,"page":621},{"id":4217,"text":"وما رواه البخاري ومسلم في حديث أبي من تعريف اللقطة ثلاثة أحوال (أعوام) أو أربعة أو عشرة، هو غلط من بعض الرواة كما حقق ابن الجوزي، أو هو محمول على مريد الورع عن التصرف في اللقطة (1) .\rوأما الشيء الحقير: فقال الشافعية: الأصح أن الشيء الحقير، أي القليل المتمول وهو بقدر الدينار أو الدرهم لا يعرَّف سنة، لقول عائشة: «لا بأس بما دون الدرهم أن يستنفع به» وقدر بما لا تقطع به يد السارق وهو ربع دينار عند الجمهور، وعشرة دراهم عند الحنفية، بل يعرف زمناً يظن أن فاقده يعرض عنه غالباً، وهذا هو الراجح عند المالكية. وفي رواية عن أبي حنيفة: مضمونها إن كانت قيمة الشيء أقل من عشرة دراهم ( أي دينار ) يعرّفه أياماً بحسب ما يرى، وإن كانت عشرة دراهم فصاعداً عرّفها حولاً، إلا أن هذه الرواية ليست هي ظاهر الرواية عند الحنفية فقد قال الطحاوي: وإذا التقط لقطة فإنه يعرفها سنة، سواء أكان الشيء نفيساً أم خسيساً في ظاهر الرواية.\rوظاهر الرواية عند الحنفية هو ظاهر المذهب عند الحنابلة (2) .\rوأما الشيء التافه فقد قال الفقهاء: لا خلاف في إباحة أخذ اليسير من الأشياء والانتفاع به من غير تعريف كالتمرة والكسرة والخرقة؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلم لم ينكر على واجد التمرة حيث أكلها بل قال له: «لو لم تأتها لأتتك» ورأى النبي صلّى الله عليه وسلم تمرة فقال: «لولا أني أخاف أن تكون من الصدقة لأكلتها» (3) ويلاحظ أن الأمر بإكمال مدة التعريف إذا كانت اللقطة مما لا يتسارع إليها الفساد، فإن كانت مما يتسارع بها تصدق بها أو أنفقها على نفسه عند الحنفية.\r-------------------------------\r(1) راجع نصب الراية: 467/3، نيل الأوطار: 340/5 وما بعدها.\r(2) بداية المجتهد: 2 ص 301، 303، الشرح الكبير: 120/4، المغني: 632/5، 634، المهذب: 430/1، مغني المحتاج: 415/2، البدائع: 202/6، تبيين الحقائق: 302/3 وما بعدها، فتح القدير: 424/4 وما بعدها، مختصر الطحاوي: ص 139.\r(3) ذكر ابن قدامة الحنبلي هذين الحديثين (راجع المغني: 634/5) روى الثاني منهما البخاري ومسلم عن أنس (سبل السلام: 93/3، الإلمام: ص 373).","part":6,"page":622},{"id":4218,"text":"وعند الشافعية: يتخير الملتقط بين أن يبيعها ليمتلك ثمنها بعد التعريف، أو يتملكها في الحال ويأكلها ويغرم قيمتها.\r3 - مكان التعريف: تعرّف اللقطة في الأسواق وأبواب المساجد ومجامع الناس؛ لأن المقصود إشاعة خبرها وإظهارها ليعلم بها صاحبها، ولا ينشدها في المسجد؛ لأن المسجد لم يبن لهذا، قال النبي صلّى الله عليه وسلم : «من سمع رجلاً ينشد ضالة في المسجد، فليقل: لا ردَّها الله إليه، فإن المساجد لم تبن لهذا» (1) . وأمر سيدنا عمر واجد اللقطة بتعريفها على باب المسجد. وأجاز الشافعية استثناء مما سبق المسجد الحرام، فإنه يجوز فيه الإعلان عن فقد الأشياء الضائعة، لأن تعريفها لمصلحة مالكها؛ لأن الملتقط ليس له تملكها. أما من ينشد اللقطة في غير المسجد الحرام، فهو متهم أنه يفعل ذلك ليتملك اللقطة بعد تعريفها. وأرى أن الاستعانة بمكبرات الصوت على المآذن للإعلان عن اللقطة أمر لا بأس به في غير أوقات الصلاة، منعاً من التشويش على المصلين، ولأن الحاجة داعية لذلك بسبب ازدحام المدن واتساع مناطق السكان، والأولى كتابة إعلانات وإلصاقها على أبواب المساجد وغيرها، فتتحقق الغاية المطلوبة من التعريف،وقد أصبح هذا مألوفاً في عصرنا. كما يمكن التعريف بالجرائد والصحف اليومية.\rوأبان الشافعية طريق التعريف في أثناء السنة، فقالوا: يعرّف اللقطة، في\r-------------------------------\r(1) رواه مسلم وأبو داود عن أبي هريرة ورواه البزار عن سعد بن أبي وقاص وأنس بن مالك وابن مسعود (راجع مجمع الزوائد: 170/4، التاج: 215/1).","part":6,"page":623},{"id":4219,"text":"أول السنة كل يوم مرتين في طرفي النهار، ثم يعرف في كل يوم مرة، ثم كل أسبوع مرة أو مرتين، ثم كل شهر مرة تقريباً (1) .\r4 - نفقات التعريف وما تحتاجه الضالة: إذا احتاج تعريف اللقطة إلى نفقة كأجور الإعلان في الصحف في عصرنا الحاضر مثلاً، فقد قال الحنفية والحنابلة: تكون تلك النفقة على الملتقط؛ لأن هذا أجر واجب على المعرف نفسه، فكان عليه كما لو قصد تملك اللقطة، ولأنه لو تولى الملتقط تعريف اللقطة بنفسه لم يكن له أجر على صاحبها، فكذلك إذا استأجر على التعريف لا يلزم صاحبها بشيء.\rوقال المالكية: إن أنفق الملتقط على اللقطة شيئاً من عنده، فيخير صاحبها بين أن يفتديها من الملتقط بدفع نفقتها، أو يسلم اللقطة لملتقطها مقابل نفقتها (2) .\rوقال الشافعية: بما أن تعريف اللقطةواجب على الملتقط، على ما هو المعتمد، فإن الملتقط لا يلزم بمؤنة التعريف إن أخذ اللقطة بقصد حفظها لمالكها، وإنما يرتبها القاضي من بيت المال (3) ، أو يقترض على المالك.\rأما إن أخذ اللقطة لتملكها، فيلزمه مؤنة التعريف، سواء أتملكها أم لا. وهذا هو الرأي المعقول.\rأما ما تحتاجه الضالة أو اللقطة من نفقة: فقال المالكية: للملتقط الرجوع بالنفقة على صاحب اللقطة، وقال الشافعية والحنابلة: ملتقط اللقطة متطوع بحفظها، فلا يرجع بشيء من النفقة على صاحب اللقطة، إلا أن الشافعية قالوا: فإن أراد الرجوع استأذن الحاكم، فإن لم يجده أشهد على النفقة.\r-------------------------------\r(1) البدائع: 202/6، رد المحتار على الدر المختار: 350/3، مغني المحتاج: 413/2، المغني: 633/5، الشرح الكبير للدردير: 120/4، نيل الأوطار: 340/5.\r(2) الشرح الكبير وحاشية الدسوقي: 123/4.\r(3) مغني المحتاج: 413/2 ومابعدها.","part":6,"page":624},{"id":4220,"text":"وكذلك قال الحنفية: إن أنفق الملتقط على اللقطة بغير إذن الحاكم فهو متبرع، لأنه لا ولاية له على ذمة المالك في أن يشغلها بالدين بدون أمره، وإن أنفق عليها بإذن الحاكم، كان ما ينفقه ديناً على المالك؛ لأن للقاضي ولاية في مال الغائب رعاية لمصالحه، فإذا رفع الأمر إلى القاضي ينظر في الأمر: فإن كان للبهيمة منفعة، وهناك من يستأجرها أجَرَها وأنفق عليها من أجرتها؛ لأن في إجارتها رعاية لمصلحة المالك، وإن كانت البهيمة لا منفعة لها بطريق الإجارة وخاف أن تستغرق النفقة قيمتها، أمر القاضي الملتقط ببيعها وحفظ ثمنها.\rوإن رأى الأصلح ألا يبيعها، بل ينفق عليها، أذن له في النفقة وجعل النفقة ديناً على مالكها، فإذا حضر المالك فللملتقط أن يحبس اللقطة عنده حتى يحضر النفقة، وإن أبى أن يؤدي النفقة باعها القاضي، ودفع للملتقط قدر النفقات التي أنفقها (1) .\r5 - شرط رد اللقطة إلى صاحبها: يشترط لرد اللقطة إلى صاحبها أن يذكر علامة يميزها عن غيرها، أو يثبت أنها له بالبينة، أي بشهادة شاهدين، فإذا أثبت كونها له أو ذكر علامة تميزها، كأن يصف عفاصها (وعاءها) ووكاءها (ما تربط به من الخيول وغيرها) ووزنها وعددها، فيحل حينئذ للملتقط أن يدفعها إليه، وإن شاء أخذ منه كفيلاً؛ لأن ردها إليه بالعلامة مما قد ورد به الشرع. وهذا باتفاق العلماء، لكن هل يجبر الملتقط قضاء على رد اللقطة بمجرد وصف العلامة المميزة لها، أو لابد من البينة؟ خلاف بين العلماء (2) .\r-------------------------------\r(1) بداية المجتهد: 304/2، مغني المحتاج: 410/2، البدائع: 203/6، فتح القدير: 428/4 وما بعدها، تبيين الحقائق: 305/3، المهذب: 432/1، المبسوط: 9/11، المغني: 633/5 وما بعدها.\r(2) فتح القدير: 431/4، المبسوط: 8/11، البدائع: 202/6، تبيين الحقائق: 306/3، الدر المختار: 353/3، بداية المجتهد: 302/2، مغني المحتاج: 416/2، المهذب: 431/1، المغني: 644/5 وما بعدها.","part":6,"page":625},{"id":4221,"text":"قال الحنفية، والشافعية على المذهب عندهم: لا يجبر الملتقط على تسليم اللقطة إلى من يدعيها بلا بينة، لأنه مدع، فيحتاج إلى بينة كغيره، لقوله صلّى الله عليه وسلم : «لو يعطى الناس بدعواهم لادعى رجال أموال قوم ودماءهم، لكن البينة على المدعي، واليمين على من أنكر» (1) . ولأن اللقطة مال للغير، فلا يجب تسليمه بالوصف كالوديعة، لكن يحل للملتقط دفع اللقطة لمن يدعيها عند إصابة العلامة عند الحنفية، أو إذا غلب على ظن الملتقط صدق المدعي عند الشافعية، عملاً بقول الرسول صلّى الله عليه وسلم : «فإن جاء صاحبها، وعرَّف عفاصها، ووكاءها، وعددها فأعطها إياه، وإلا فهي لك» .\rوقال المالكية والحنابلة: يجبر الملتقط على تسليم اللقطة لصاحبها إذا وصفها بصفاتها المذكورة، سواء غلب على ظنه صدقه أم لم يغلب، ولا يحتاج إلى بينة، عملاً بظاهر قول النبي صلّى الله عليه وسلم : «فإن جاء أحد يخبرك بعددها، ووعائها، ووكائها، فادفعها إليه» .\rوفي حديث زيد السابق: «اعرف وكاءها وعفاصها، ثم عرفها سنة فإن لم تعرف، فاستنفقها، وإن جاء طالبها يوماً من الدهر، فأدِّها إليه» يعني إذا ذكر صفاتها؛ لأن هذا هو المذكور في صدر الحديث، ولم يذكر البينة في شيء من الحديث، ولو كانت شرطاً للدفع لم يجز الإخلال به، ولا أمر بالدفع بدونه، ولأن إقامة البينة على اللقطة متعذر؛ لأنها ضاعت حال الغفلة والسهو. وقول النبي صلّى الله عليه وسلم: «البينة على المدعي» يعني إذا كان هناك منكر، ولا منكر ههنا. وهذا هو الرأي الأرجح حقاً.\r-------------------------------\r(1) حديث حسن رواه البيهقي وأحمد هكذا، وهو في الصحيحين بلفظ آخر من حديث ابن عباس (نصب الراية: 95/4، نيل الأوطار: 305/8، سبل السلام: 132/4، الإلمام: ص 521، شرح مسلم: 2/12).","part":6,"page":626},{"id":4222,"text":"6 - حكم تملك اللقطة: اختلف فقهاؤنا في حكم اللقطة بعد تعريفها سنة على رأيين: رأي يجيز تملكها للفقير دون الغني، ورأي يجيز تملكها مطلقاً.\rقال الحنفية (1) : إذا كان الملتقط غنياً لم يجز له أن ينتفع باللقطة، وإنما يتصدق بها على الفقراء، سواء أكانوا أجانب أم أقارب، ولو أبوين أو زوجة أو ولداً، لأنه مال الغير، فلا يجوز الانتفاع به بدون رضاه، لإطلاق النصوص من قرآن وسنة، مثل قوله تعالى: {ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل} [البقرة:188/2]، وقوله: {ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين} [البقرة:190/2] وقوله عليه الصلاة والسلام: «لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه» .\rولقوله صلّى الله عليه وسلم من حديث أبي هريرة: «لا تحل اللقطة، فمن التقط شيئاً فليعرِّف سنة، فإن جاء صاحبها، فليردها عليه، وإن لم يأت فليتصدق» (2) .\rوفي حديث عياض بن حمار المجاشعي: «من وجد لقطة فليشهد عليها ذا عدل أو ذوي عدل، ولا يكتم ولا يغيب، فإن وجد صاحبها فليردها إليه، وإلا فهي مال الله يؤتيه من يشاء» .\rوأما إذا كان الملتقط فقيراً فيجوز له الانتفاع باللقطة بطريق التصدق، لقوله عليه الصلاة والسلام: «فليتصدق بها» .\rفإن عرف صاحبها بعد التصدق بها أو الانتفاع بها، فهو بالخيار: إن شاء\r-------------------------------\r(1) المبسوط: 4/11 وما بعدها، فتح القدير: 432/4 ومابعدها، تبيين الحقائق: 307/3، البدائع: 202/6، الدر المختار: 351/3.\r(2) أخرجه البزار والدارقطني عن أبي هريرة (نصب الراية: 466/3) ورواه الطبراني من حديث يعلى بن مرة مرفوعاً، وفيه ضعيف، بلفظ: «فإن جاء صاحبها، وإلا فليتصدق بها» (نيل الأوطار: 337/5).","part":6,"page":627},{"id":4223,"text":"أمضى الصدقة، وله ثوابها، وإن شاء ضمن الملتقط، وإن شاء أخذها من الفقير المتصدق عليه بها إن وجده، وأيهما ضمن لم يرجع على صاحبه.\rوقال جمهور الفقهاء: يجوز للملتقط أن يتملك اللقطة، وتكون كسائر أمواله سواء أكان غنياً أم فقيراً؛ لأنه مروي عن جماعة من الصحابة كعمر وابن مسعود وعائشة وابن عمر، وهو ثابت بقوله صلّى الله عليه وسلم في حديث زيد بن خالد: «فإن لم تعْرَف فاستنفقها» وفي لفظ «فشأنك بها» وفي حديث أبي بن كعب: «فاستنفقها» ، وفي لفظ «فاستمتع بها» وهو حديث صحيح.\rوحديث الحنفية عن أبي هريرة لم يثبت، ولا نقل في كتاب يوثق به، ودعواهم في حديث عياض أن ما يضاف إلى الله لا يتملكه إلا من يستحق الصدقة، لا برهان لها ولا دليل عليها، وبطلانها ظاهر، فإن الأشياء كلها تضاف إلى الله تعالى خلقاً وملكاً، قال الله تعالى: {وآتوهم من مال الله الذي آتاكم} [النور:33/24].\rأما طريق التملك عند الجمهور فمختلف فيه: قال الحنابلة: تدخل اللقطة في ملك الملتقط عند تمام التعريف حكماً كالميراث، لقول النبي صلّى الله عليه وسلم : «فإذا جاء صاحبها، وإلا فهي كسبيل مالك» ولقوله: «فاستنفقها» ولو توقف ملكها على تملكها لبين الرسول صلّى الله عليه وسلم له المطلوب.\rوقال المالكية: يملكها الملتقط بأن ينوي تملكها، أي تجديد قصد التملك، لعدم الإيجاب من الغير.\rوقال الشافعية: يملكها الملتقط باختياره بلفظ من ناطق يدل عليه مثل: تملكت ما التقطته؛ لأن تملكها تمليك ببدل، فافتقر إلى اختيار التملك، كما يتملك الشفيع بالشفعة.","part":6,"page":628},{"id":4224,"text":"واتفق العلماء إلا أهل الظاهر على أن الملتقط إذا أكل اللقطة، ضمنها لصاحبها (1) .\rلقطة الحل والحرم: ذهب جمهور الفقهاء إلى أن الأحكام المذكورة في تعريف اللقطة تنطبق على ما إذا كانت اللقطة في مكة وغيرها من البلدان؛ لأن اللقطة أمانة، فلم يختلف حكمها بالحل والحرم كالوديعة، ولأن الأحاديث الواردة في اللقطة لم تفرق بين الحل والحرم، مثل قوله عليه الصلاة والسلام: «اعرف عفاصها ووكاءها، ثم عرِّفها سنة» وغيره.\rوأما الحديث الوارد بتخصيص تعريف لقطة مكة، فالمقصود به دفع توهم بعض الناس أنه لا حاجة لتعريف لقطة مكة،لعدم الفائدة باعتبارها مكان الغرباء (2) .\rوقال الشافعية على الصحيح المنصوص عندهم: يجب تعريف لقطة الحرم أبداً، إذ لا تحل لقطة الحرم للتملك، بل للحفظ أبداً، لخبر الصحيحين: «إن هذا البلد حرمه الله ، لا يلتقط لقطته إلا من عرفها» .\rوفي رواية للبخاري «لا تحل لقطة الحرم إلا لمنشد» قال الشافعي رضي الله عنه: أي لمعرِّف، ففرق صلّى الله عليه وسلم بينها وبين غيرها، وأخبر أنها لا تحل إلا للتعريف ولم يؤقت التعريف بسنة كغيرها، فدل على أنه أراد التعريف على الدوام، وإلا فلا فائدة من التخصيص، والمعنى فيه: أن حرم مكة شرفه الله تعالى مثابة للناس يعودون إليه، المرة بعد الأخرى، فربما يعود مالكها من أجلها، أو يبعث في طلبها، فكأنه جعل ماله به محفوظاً عليه، كما غلظت الدية فيه.\r-------------------------------\r(1) الشرح الكبير للدردير وحاشية الدسوقي عليه: 121/4، بداية المجتهد: 301/2، مغني المحتاج: 415/2، المهذب: 430/1، المغني: 636/5 ومابعدها.\r(2) فتح القدير: 430/4، تبيين الحقائق: 301/3، البدائع: 202/6، الشرح الكبير للدردير: 121/4، الغني لابن قدامة: 642/5.","part":6,"page":629},{"id":4225,"text":"الفَصْلُ العَاشِر: المفقود\rالكلام فيه عن معنى المفقود، وكيفية اعتبار حاله، وما يقوم به القاضي نحو ماله وأهله ووقت الحكم بموته وأثر ذلك (1) .\rمن المفقود؟ هو الشخص الذي غاب عن بلده بحيث لا يعرف أثره، ومضى على فقده زمان بحيث لا يعرف أنه حي أو ميت.\rكيف نعتبر حال المفقود حياة أو موتاً؟ يعتبر المفقود حياً في حق نفسه، ميتاً في حق غيره، فتثبت له عند الحنفية الحقوق السلبية دون الإيجابية، فبالنسبة له لا يورث ماله، ولا تبين منه امرأته، كأنه حي. وبالنسبة لغيره: لا يرث أحداً من أقاربه كأنه ميت، وكذلك لو أوصى أحد للمفقود ومات الموصي لا يستحق الموصى به، وإنما يوقف نصيبه من الإرث أو الوصية إلى أن يظهر حاله أنه حي أو ميت. ووافقهم الشافعية في أن الزوجة لا يحق لها فسخ الزواج، وتنتظر حتى يعلم موت زوجها.\rوقال الإمامان مالك وأحمد: إذا مضى أربع سنوات يفرق القاضي بين المفقود وبين امرأته، وتعتد عدة الوفاة، ثم تتزوج من شاءت؛ لأن عمر رضي الله عنه قضى بذلك في مفقود.\rصلاحيات القاضي في مال المفقود وأهله: للقاضي صلاحيات على مال المفقود وأهله وهي عند الحنفية ما يلي:\r1 - يعين القاضي أميناً يحفظ مال المفقود، ويشرف على شؤونه ويستثمره، ويستوفي حقوقه العائدة إليه، كالقيِّم على مال الصبي والمجنون.\r2 - يبيع من ماله ما يتسارع إليه الفساد ويحفظ ثمنه؛ لأن البيع من مقتضيات الحفظ. وإذا كان له ودائع يتركها في يد الوديع ليحفظها؛ لأن يده يد نيابة عن المفقود في الحفظ.\r3 - ينفق من مال المفقود على زوجته إن كان يعلم بقاء الزوجية، وكذا ينفق من ماله على أولاده الصغار الذكور والإناث، وعلى أولاده الفقراء الزمنى من الذكور والإناث.\rوإن لم يكن له مال وله ودائع، فإنه ينفق منها، إذا كانت من الطعام والثياب والدراهم والدنانير.\r-------------------------------\r(1) راجع البدائع: 196/6،فتح القدير: 440/4، تبيين الحقائق: 310/3، الدر المختار: 360/3، الشرح الصغير: 694/2 وما بعدها، المهذب: 146/2، كشاف القناع: 487/5 ومابعدها.","part":6,"page":630},{"id":4226,"text":"فإن كان مال المفقود من غير الدراهم والدنانير أو الطعام والثياب، كأن كان له عروض تجارة أو عقارات، فلا ينفق منه القاضي على هؤلاء؛ لأنه لا يمكن الإنفاق إلا بالبيع، وليس للقاضي أن يبيع العقار والعروض على الغائب؛ ولكن للأب أن يبيع العروض في نفقته؛ لأن للأب ولاية التصرف في مال الابن في الجملة، بخلاف القاضي، أما العقار فليس للأب أن يبيعه في نفقة الغائب إلا بإذن القاضي.\rمتى يحكم بموت المفقود وما أثر ذلك؟ إذا مضت مدة طويلة على المفقود من وقت ولادته، بحيث لا يعيش مثله إلى تلك المدة يقيناً أو غائباً، يحكم بموته، وتقع الفرقة بينه وبين نسائه، ويقسم ماله بين ورثته الأحياء، ولا يرث هو من أحد.\rوالمدة التي نقدرها لحياة المفقود ليس في ظاهر الرواية تقدير محدد فيها، وإنما يقدر بموت الأقران. وروى الحسن بن زياد عن أبي حنيفة أنه قدر تلك المدة بمئة وعشرين سنة من وقت الولادة. والأرفق أن يقدر بتسعين عاماً.","part":6,"page":631},{"id":4227,"text":"الفَصْلُ الحادي عشر: المسابقة والمناضلة\rالمبحث الأول ـ السَّبْق (1) أو المسابقة أو الرهان :\rوفيه بيان تعريف المسابقة ومشروعيتها.\rشروط جواز المسابقة.\rتعريف المسابقة ومشروعيتها :\rالسبق: بسكون الباء مصدر سبق أن تقدم، وبتحريك الباء: المال الموضوع بين أهل السباق، أي الجائزة أو الرهن، أوالخطر في اصطلاح المتقدمين: وهو الشيء الذي يسابق عليه، فمن سبق أخذه.\rوالسباق: هو أن يسابق الرجل صاحبه في الخيل أو الإبل ونحوها.\rوالمسابقة جائزة بالسنة والإجماع. أما السنة فهو أن النبي صلّى الله عليه وسلم سابق بين الخيل المضمَّرة وبين التي لم تضَّمر (2) . وأجمع المسلمون على جواز المسابقة.\rوالمسابقة مستثناة من ثلاثة أمور ممنوعة: هي القمار، وتعذيب الحيوان لغير الأكل، وحصول العوض والمعوض عنه لشخص واحد، وذلك إذا قدم العوض كلا المتسابقين ليأخذه السابق (3).\rوهي نوعان: مسابقة بغير عوض، ومسابقة بعوض.\rأما المسابقة بغير عوض: فتجوز مطلقاً من غير تقييد بشيء معين كالمسابقة على الأقدام والسفن والطيور والبغال والحمير والفيلة. وكذلك تجوز المصارعة ورفع الحجر ليعرف الأشد، بدليل ماقالت عائشة رضي الله عنها: «سابقني رسول الله صلّى الله عليه وسلم فسبقته، فلبثنا حتى إذا أرهقني اللحم سابقني، فسبقني، فقال: هذه بتلك» (4) وسابق سلمة ابن الأكوع رجلاً من الأنصار بين يدي النبي صلّى الله عليه وسلم ، فسبقه سلمة (5) ، وصارع النبي صلّى الله عليه وسلم رُكانة، فصرعه النبي صلّى الله عليه وسلم (6) . ومر الرسول صلّى الله عليه وسلم بقوم يرفعون حجراً ليعرفوا الأشد منهم، فلم ينكر عليهم. وتقاس بقية أنواع المسابقة على المذكور.\rوأما المسابقة بعوض: فلا تجوز عند الحنفية إلا في أربعة أشياء: في النصل، والحافر، والخف (7) ، والقدم؛ لأن الثلاثة الأولى آلات الحرب المأمور بتعلمها، لقوله تعالى: {وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة} [الأنفال:60/8] فسر النبي صلّى الله عليه وسلم القوة بالرمي (8) . وقال عليه الصلاة والسلام: « ليس من اللهو إلا ثلاث: تأديب الرجل فرسه، وملاعبته أهله، ورميه بقوسه ونبله، فإنهن من الحق» (9) .\rودليل المسابقة على الأقدام والمصارعة، ما ذكر أن النبي صلّى الله عليه وسلم سابق عائشة،\r-------------------------------\r(1) السبق: بسكون الباء بمعنى المسابقة، والسبق بفتح الباء: الجعل أو العوض المخصص في المسابقة.\r(2) رواه البخاري ومسلم عن ابن عمر (سبل السلام: 70/4، الإلمام: ص 358).\r(3) الدسوقي: 209/2.\r(4) رواه أحمد وأبو داود والشافعي والنسائي وابن ماجه وابن حبان والبيهقي عن عروة عن أبيه عن عائشة (نيل الأوطار: 91/8 وما بعدها).\r(5) رواه مسلم وأحمد عن سلمة بن الأكوع (نيل الأوطار، المرجع السابق).\r(6) رواه أبو داود عن محمد بن علي بن ركانة (نيل الأوطار، المرجع نفسه).\r(7) المراد بالنصل: السهم ذو النصل أو الرمح، والحافر: الفرس والحمار والبغل، والخف: البعير والبقر ونحوها.\r(8) رواه مسلم وأحمد عن عقبة بن عامر (نيل الأوطار، المرجع السابق: ص 85، سبل السلام: 71/4).\r(9) رواه أبو داود والترمذي عن عقبة بن عامر ( راجع تخريج أحاديث تحفة الفقهاء للمؤلف مع الأستاذ الكتاني: 500/3).","part":6,"page":632},{"id":4228,"text":"وصارع رُكَانة، ولأن المشي بالقدم والمصارعة مما يحتاج للكر والفر في الجهاد وضرب العدو. قال الشافعية: المسابقة والمناضلة على السهام سنة بالإجماع، ويحل أخذ عوض عليهما؛ لأن فيهما ترغيباً للاستعداد للجهاد.\rوقال الجمهور غير الحنفية: لا يجوز السباق بعوض إلا في النصل والخف والحافر، أي في التدرب على حمل السلاح وفي أعمال الفروسية، لقول الرسول صلّى الله عليه وسلم : «لا سَبَق إلا في خف أو حافر أو نصل» (1) والسبق بفتحتين: (هو ما يجعل للسابق على السبق من جعل) ولأن هذه الأمور آلات القتال، فيجوز التسابق إذن على كل ما هو نافع في الحرب.\rأما المسابقة على الأقدام والمصارعة، فلا تجوز بعوض؛ لأنها لا تنفع في الحرب وكانت مصارعة الرسول لرُكَانة على شياه، كما روى أبو داود في مراسيله، أو أن الغرض من مصارعته أن يريه شدته ليسلم، وقد أسلم فعلاً (2) .\rفإن كانت المسابقة بغير عوض جازت مطلقاً في الخيل وغيرها من الدواب والسفن وبين الطير لإيصال الخبر بسرعة، وتجوز هذه المسابقة على الأقدام وفي رمي الأحجار والمصارعة.\r-------------------------------\r(1) رواه أبو داود والترمذي وحسنه والنسائي والشافعي والحاكم وابن ماجه وأحمد وابن حبان وصححه هو وابن القطان وابن دقيق العيد عن أبي هريرة رضي الله عنه (تخريج أحاديث التحفة، المرجع السابق، نيل الأوطار: 77/8، سبل السلام: 71/4، مجمع الزوائد، 263/5).\r(2) راجع البدائع: 206/6، المهذب: 412/1 وما بعدها، مغني المحتاج: 311/4 وما بعدها، المغني: 651/8 وما بعدها، 172/9، الشرح الكبير: 209/2، شرح الرسالة: 417/2.","part":6,"page":633},{"id":4229,"text":"شروط جواز المسابقة :\rيشترط لجواز المسابقة والرمي بعوض شروط أهمها ما يأتي:\r1 - أن تكون المسابقة في الأنواع النافعة في الجهاد وهي الأنواع الأربعة عند الحنفية: النصل والخف والحافر والقدم. وعند الجمهور: الأنواع الثلاثة الأولى.\r2 - أن يكون العوض من أحد الجانبين المتسابقين أو من شخص ثالث، كأن يقول أحدهما لصاحبه: إن سبقتني فلك علي كذا، وإن سبقتك فلا شيء عليك، أو يقول ولي الأمر أو شخص ثالث: من سبق منكما فله في بيت المال أو فله علي كذا؛ لأنه في هذه الحالات لا يوجد قمار محرم؛ وإنما يكون دفع العوض على سبيل المكافأة أو الجعالة والتحريض على الاستعداد لإتقان فنون الجهاد.\rفإن كان العوض من الجانبين وهو الرهان: فلا يصح الرهان إلا بمحلِّل (1) كأن يتفقا على أن يخصص كل منهما عشر ليرات (2) أو أحدهما عشرة والآخر ثمانية، يدفعها كل منهما لشخص آخر يكون فرسه أو بعيره مكافئاً لفرسيهما أو بعيرهما مثلاً، وذلك إذا سبقهما، فإن سبقهما جميعاً أخذ الغنم، وإن سبق أحدهما لم يغرم هو شيئاً، ولا يأخذ أحدهم شيئاً، بدليل ما روي أن النبي صلّى الله عليه وسلم قال: «من أدخل فرساً بين فرسين، وهو لا يأمن أن يُسبَق، فليس بقمار. ومن أدخل فرساً بين فرسين وقد أمن أن يَسبِق فهو قمار» (3) أي أنه يشترط أن يكون فرس المحلل مكافئاً لفرسي الشخصين اللذين جعل العوض منهما، فلو كان ضعيفاً عنهما أو أقوى منهما، فإنه لا يصح؛ لأن الواضح من الحديث أنه جعل القمار متحققاً إذا أمن الثالث أن يَسبق، وإذا لم يأمن أن يَسبق لم يكن قماراً.\r-------------------------------\r(1) المحلل ـ بكسر اللام ـ مشتق من أحل: جعل الممتنع حلاً، لأنه يحل العقد ويخرجه عن صورة القمار المحرم، فهو قد حلل الجُعْل بدخوله بين المتسابقين.\r(2) هذا المبلغ هو المسمى بالسبق بتحريك الباء أو الخطر أو الندب أو القرع أو الرهن.\r(3) رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه عن أبي هريرة، وإسناده ضعيف عند بعضهم، ولأئمة الحديث في صحته إلى أبي هريرة كلام كثير، وقد أخرجه أيضاً الحاكم وصححه، والبيهقي، وابن حزم وصححه (نيل الأوطار: 80/8، سبل السلام: 71/4، الإلمام: ص360 ).","part":6,"page":634},{"id":4230,"text":"وأما إن كان العوض من الجانبين بدون محلل، فيحرم السباق، كما إذا قال شخصان: من سبق منا فله على الآخر كذا؛ لأن هذا من القمار المحرم.\rوهكذا تكون صور السباق أربعاً: ثلاث منها حلال، وواحدة منها حرام لها حكم الميسر (القمار)، أما الصور الحلال:\rفأولها: أن يكون العوض من السلطان أو أحد الرؤساء أو شخص ثالث، يأخذه السابق، وهذا جائز اتفاقاً.\rوثانيها: أن يكون العوض من أحد الجانبين يؤخذ منه إذا سبقه الآخر، وهذا جائز اتفاقاً.\rوثالثها: أن يكون العوض من المتسابقين أو من الجماعة، ومعهم محلل يأخذ العوض إن سَبَق، ولا يغرم إن سَبَقه غيره؛ لأنهما لم يقصدا القمار، وإنما قصدا التقوي على الجهاد، وهذا جائز عند الجمهور. ومنعه الإمام مالك لجواز عود الجعل لمن قدمه إذا سبَق.\rوأما الصورة الحرام اتفاقاً: فهي أن يكون العوض من كل واحد، على أنه إن سَبَق فله العوض، وإن سُبق فيغرم لصاحبه مثله.وبه يتبين أن السباق يحرم حينما يكون هناك احتمال الأخذ والعطاء من الطرفين، بأن يقال: السابق يأخذ، والخاسر يغرم أو يدفع. وهذا معنى الميسر أو القمار المحرم شرعاً.\r3 - أن تكون المسابقة فيما يحتمل أن يسبق أحدهما، ويسبق الآخر، فإن كانت فيما يعلم غالباً أنه يسبق غيره، فلا يجوز، لأن معنى التحريض في هذه الصورة لا يتحقق، فصار الرهان التزام المال للغير بشرط لا منفعة له فيه.\r4 - العلم بالمال المشروط، ومعرفة نقطة البدء والنهاية، وتعيين الفرسين مثلاً، كما قرر الشافعية (1) .\rتبين من هذا أن السباق الذي يجري الآن على رهان من المتسابقين لا من طرف ثالث محايد هو حرام؛ لأنه قمار.\r-------------------------------\r(1) راجع البدائع، المرجع السابق، مغني المحتاج: 313/4 وما بعدها، المهذب: 415/1 وما بعدها، المغني: 654/8 وما بعدها، القوانين الفقهية: ص 157 وما بعدها، الشرح الكبير مع الدسوقي: 208/2-211.","part":6,"page":635},{"id":4231,"text":"المبحث الثاني ـ المناضلة :\rتعريفها وأنواعها ولزومها وحكمها وشروطها (1) :\rتعريف المناضلة ومشروعيتها: المناضلة لغة بمعنى المغالبة، قال الأزهري: النضال في الرمي، والرهان في الخيل، والسباق يكون في الخيل والرمي، كما في قوله تعالى: { إنا ذهبنا نستبق } [يوسف:17/12] وعليه تكون المسابقة على الخيل ونحوها، من السلاح.\rوهذا الموضوع المتعلق بالمسابقة والمناضلة لم يسبق الشافعيَ رضي الله تعالى عنه أحد إلى تصنيفه كما قال المزني رحمه الله .\rوالمناضلة أو الرمي: التدرب على استعمال السلاح والتنافس على التفوق بإصابة الهدف على مال بشروط مخصوصة. وكل من المناضلة والمسابقة للرجال المسلمين غير ذوي الأعذار سنة جائزة بالإجماع، ولقوله تعالى: { وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة } [الأنفال:60/8] روى مسلم عن عقبة بن عامر رضي الله عنه: أن النبي صلّى الله عليه وسلم فسَّر القوة بالرمي، فقال: ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي.\rوقد حث النبي صلّى الله عليه وسلم على الرمي، روى أحمد والبخاري عن سلمة بن الأكوع\r-------------------------------\r(1) مغني المحتاج: 311/4-319.","part":6,"page":636},{"id":4232,"text":"قال: «مرَّ رسول الله صلّى الله عليه وسلم على نفر من أسلم ينتضلون (1) بالسوق، فقال: ارموا يا بني إسماعيل، فإن أباكم كان رامياً، ارموا وأنا مع بني فلان، قال: فأمسك أحد الفريقين بأيديهم، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلم : ما لكم لا ترمون؟ قالوا: كيف نرمي وأنت معهم؟ فقال ارموا وأنا معكم كلِّكم» .\rوروى الخمسة (أحمد وأصحاب السنن) عن عقبة بن عامر عن النبي صلّى الله عليه وسلم قال: «إن الله يدخل بالسهم الواحد ثلاثة نفر الجنة: صانعَه الذي يحتسب في صنعته الخير، والذي يجهِّز به في سبيل الله ، والذي يرمي به في سبيل الله ، وقال: ارموا واركبوا، فإن ترموا خير من أن تركبوا، وقال: كل شيء يلهو به ابن آدم فهو باطل إلا ثلاثاً: رميه عن قوسه، وتأديبه فرسه، وملاعبته أهله فإنهن من الحق» .\rأنواعها: تصح المناضلة على سهام ورماح ورمي بأحجار بمقلاع أو يد، ومنجنيق وكل نافع في الحرب كالرمي بالمسلاّت والإبر والتردد بالسيوف والرماح.\rولا تصح المسابقة بعوض على الكرة بأنواعها المختلفة، ولا على البندق الذي يرمى به إلى حفرة ونحوها (2) ، ولا على السباحة في الماء، ولا على الشطرنج، ولا على خاتم، ولا على وقوف على رِجْل، ولا على معرفة ما في يده من شفع ووتر، ولا على سائر أنواع اللعب كالمسابقة على الأقدام (الركض) وبالسفن والزوارق؛ لأن هذه الأمور لا تنفع في الحرب.\rهذا إذا عقد عليها بعوض، فإن كانت بغير عوض فمباح كما يرى الشافعية. وقال القرطبي: لا خلاف في جواز المسابقة على الخيل وغيرها من الدواب، وعلى الأقدام، وكذا الرمي بالسهام واستعمال الأسلحة، ما في ذلك من التدرب على الجري. ودليله: ما رواه أحمد وأبو داود أن النبي صلّى الله عليه وسلم تسابق مع عائشة على الأقدام، وروى أحمد والشيخان: أن الأحباش لعبوا بالحراب عند النبي صلّى الله عليه وسلم في المسجد.\r-------------------------------\r(1) ينتضلون أي يترامون، والنضال: الترامي للسبق.\r(2) ذكر الماوردي في الحاوي القول بالجواز، خلافاً لما قرره النووي في الروضة وأصلها.","part":6,"page":637},{"id":4233,"text":"صفة عقد المسابقة والمناضلة: الأظهر عند الشافعية أن كلاً من هذين العقدين إذا تم على مال مشروط لازم لا جائز، فليس لأحد الطرفين إذا التزما المال وبينهما محلِّل فسخه، كما هو شأن العقود اللازمة، ولا ترك العمل قبل الشروع فيه ولا بعده،إلا إذا فسخ الطرفان العقد الأول، واستأنفا عقداً جديداً إن وافقهما المحلِّل.\rحكم المناضلة: حكم المناضلة والمسابقة واحد، ثلاث صور منها حلال، وصورة رابعة منها حرام؛ لأنه ميسر أو قمار، وهي أن يتراهن المتناضلان على أن يتعهد كل منهما للآخر دفع عوض معين إن فاز بالإصابة. فإن كان العوض من الإمام من بيت المال، أو أحد الرعية الأثرياء، أو أحد المتناضلين أو كليهما جاز، فيقول الإمام أو أحد الرعية: ارميا كذا، فمن أصاب من كذا فله في بيت المال، أو عليّ كذا، أو يقول أحدهما: نرمي كذا، فإن أصبت أنت منها كذا فلك علي كذا، وإن أصبتها أنا فلا شيء لي عليك.\rأما إن شرط كل منهما على صاحبه عوضاً، فلا تصح المناضلة إلا بمحلِّل، أي شخص ثالث وسيط، يكون رميه كرميهما في القوة والعدد المشروط، يأخذ مالهما إن غلبهما، ولا يغرم إن غُلب.\rشروط صحة المناضلة: يشترط لصحة المناضلة ما يأتي :\r1ً - تعيين الرماة والهدف المطلوب وتعيين الموقف الذي يقفان فيه وتحديدمسافة (1) ، ومقدار الغرض طولاً وعرضاً وسمكاً وارتفاعاً من الأرض، وتعيين العدد المطلوب من الإصابة أو الرميات لينضبط العمل؛ لأن المناضلة كالميدان في المسابقة. ويشترط إمكان الإصابة والخطأ.\r2ً - اتحاد جنس السلاح من مسدس أو بندقية أو مدفع ونحوها، فلا تصح المناضلة بسلاحين مختلفي الجنس، ولو رضي الطرفان بذلك.\r3ً - بيان مقدار الإصابة وصفة الرمي من قَرْع أو خَزْق أو خَسْق أو مَرْق (2) إذا كان النضال بالسهام ونحوها، بأن يتفق المتناضلان على كون الرمي المطلوب مجرد قَرْع أو إصابة للهدف أو خَزْق له، فإن أطلقا ولم يبينا، حمل الرمي المطلوب على القرع.\r4ً - العلم بالمال وقدره، ووجود المحلل إن كانت المناضلة من النوع المحرم المذكور في المسابقة وفيما تقدم هنا.\r5ً - والأظهر اشتراط بيان البادئ من المتناضلين بالرمي، لاشتراط الترتيب بينهما فيه، حذراً من اشتباه المصيب بالمخطئ، كما لو رميا معاً، فإن لم يبيناه فسد العقد.\r-------------------------------\r(1) مسافة الرمي: هي ما بين موقف الرامي والغرض، وتحديدها لاختلاف الغرض بها، وبيانها إما بالذرعان أو المشاهدة. والغرض: ما يرمى إليه من خشب أو جلد أو قرطاس، والهدف: ما يرفع ويوضع عليه الغرض. والرقعة: عظم ونحوه يجعل وسط الغرض. والدارة: نقش مستدير كالقمر قبل استكماله.\r(2) القَرْع: مجرد إصابة الغرض أو الهدف بلا خدش له، والخزق: هو أن يثقبه السهم ولا يثبت فيه بأن يعود. والخَسْق: هو أن يثبت السهم في الهدف. والمَرْق: هو أن ينفذ السهم ويخرج من الجانب الآخر.","part":6,"page":638},{"id":4234,"text":"الفَصْلُ الثَّاني عَشَر: الشُّفعة\rتبحث الشفعة في المباحث الثمانية الآتية:\rالمبحث الأول ـ تعريف الشفعة، ودليلها وحكمتها، وركنها وعناصرها، وسببها، وحكمها وصفتها.\rالمبحث الثاني ـ محل الشفعة (المشفوع فيه، أو ما تجب فيه الشفعة وما لا تجب).\rالمبحث الثالث ـ الشفيع، مراتب الشفعة (أو أسباب استحقاقها) تزاحم الشفعاء (أي تعددهم) غيبة بعض الشفعاء، إسقاط بعض الشفعاء حقه.\rالمبحث الرابع ـ أحكام الشفعة.\rالمبحث الخامس ـ شروط الشفعة.\rالمبحث السادس ـ إجراءات الشفعة (طلب الشفعة).\rالمبحث السابع ـ مايطرأ على المشفوع فيه بيد المشتري من تصرفات أو نماء أو نقص.\rالمبحث الثامن ـ مسقطات الشفعة.\rوبحثها على ترتيبها المذكور.","part":6,"page":639},{"id":4235,"text":"المبحث الأول ـ تعريف الشفعة، ودليلها وحكمتها، وركنها وأطرافها، وحكمها وصفتها :\rأولاً ـ تعريف الشفعة: الشفعة لغة: مأخوذة من الشفع بمعنى الضمّ أو الزيادة والتقوية، تقول: شفعت الشيء: ضممته، سميت شفعة؛ لأن الشفيع يضم مايتملكه بهذا الحق إلى نصيبه أو ملكه، فيزيده عليه، ويتقوى به، فقد كان الشفيع منفرداً في ملكه، فبالشفعة ضم المبيع إلى ملكه، فصار شفعاً ضد الوتر.\rوفي الاصطلاح الفقهي: هي حق تملك العقار المبيع جبراً عن المشتري، بما قام عليه، من ثمن وتكاليف (أي النفقات التي أنفقها) لدفع ضرر الشريك الدخيل أو الجوار. وهذا عند الحنفية (1) ؛ لأن الشفعة تثبت عندهم للشريك والجار.\rوعرفها الجمهور غير الحنفية: بأنها استحقاق شريك أخذ ما عاوض به شريكه، من عقار، بثمنه أو قيمته، بصيغة. وبعبارة أخرى: هي حق تملك قهري يثبت للشريك القديم على الحادث، فيما ملك بعوض (2) . وهذا لأن الشفعة حق للشريك فقط دون الجار عند الجمهور.\rويلاحظ أن المذاهب الأربعة حصروا الشفعة في العقار. أما الظاهرية فقد أجازوها أيضاً في المنقول، كالحيوان ونحوه (3) .\rثانياً ـ دليلها وحكمة مشروعيتها :\rالدليل على مشروعية الشفعة هو السنة والإجماع:\r-------------------------------\r(1) الدرالمختار: 152/5، تكملة الفتح: 406/7، تبيين الحقائق: 239/5، اللباب: 106/2.\r(2) الشرح الصغير: 630/3، الشرح الكبير: 473/3، مغني المحتاج: 296/2، كشاف القناع: 196/4، المغني: 284/5.\r(3) المحلى: 101/9، م 1594.","part":6,"page":640},{"id":4236,"text":"أما السنة، فأحاديث كثيرة: منها حديث جابر رضي الله عنه: «قضى رسول الله صلّى الله عليه وسلم بالشفعة فيما لم يقسم، فإذا وقعت الحدود، وصُرِّفت الطرق، فلا شفعة» (1) وفي رواية «في أرض، أو رَبْع، أو حائط» والربع: المنزل، والحائط: البستان.\rومنها حديث آخر لجابر: «الجار أحق بشفعة جاره يُنتظر بها،وإن كان غائباً، إذا كان طريقهما واحداً» (2) .\rومنها حديث سمرة: «جار الدار أحق بالدار من غيره» (3) .\rومنها حديث أبي رافع: «الجار أحق بسقبه» أو «بصقبه» (4) أي أحق بقربه وبشفعته؛ لأن السقب أو الصقب: ما قرب من الدار.\rوأما الإجماع: فقال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على إثبات الشفعة للشريك الذي لم يقاسم، فيما بيع من أرض أو دار أو حائط.. ولا نعلم أحداً خالف هذا إلا الأصم، فإنه قال:لا تثبت الشفعة؛ لأن في ذلك إضراراً بأرباب الأملاك، فإن المشتري إذا علم أنه يؤخذ منه إذا ابتاعه لم يبتعه، ويتقاعد الشريك عن الشراء،فسيتضر المالك؛أي أن الشفعة تصادم مبدأ حرية المتعاقد في التصرف.ورد عليه: بأن قوله ليس بشيء لمخالفته الآثار الثابتة والإجماع المنعقد قبله (5) .\rوحكمتها: دفع ضرر الدخيل الأجنبي الذي يأتي على الدوام، بسبب سوء المعاشرة والمعاملة، في استعمال أواستحداث المرافق المشتركة، أو إعلاء الجدار، أو إيقاد النار، أو منع ضوء النهار، وإثارة الغبار، وإيقاف الدواب، ولعب الأولاد، لاسيما إذا كان خصماً أو ضداً.\rوقد تكون الحكمة: دفع ضرر مؤنة القسمة، كما قال المالكية والشافعية والحنابلة.\rوكل ما ذكر مظاهر للضرر، والمقرر في الإسلام أنه «لا ضرر ولا ضرار» .\r-------------------------------\r(1) رواه أحمد والبخاري وأبو داود وابن ماجه، وهو صحيح. وصرفت: بتخفيف الراء، وقيل بتشديدها، أي بينت مصارفها.\r(2) رواه الخمسة (أحمد وأصحاب السنن) إلا النسائي.\r(3) رواه أحمد وأبو داود والترمذي وصححه، والبيهقي والطبراني والضياء، لكن في إسناده كلام واضطراب.\r(4) أخرجه البخاري (راجع الأحاديث في نصب الراية: 172/4-175، نيل الأوطار: 331/5-336).\r(5) المغني: 284/5.","part":6,"page":641},{"id":4237,"text":"كما أن حسن العشرة يقتضي رعاية مصلحة الشريك أو الجار، ورعاية المصلحة أمر مطلوب شرعاً أيضاً (1) .\rوهذه المعاني كما هي متوقعة بين الناس بسبب الشركة، أو الخلطة في المنافع، كذلك هي متوقعة ـ في رأي الحنفية ـ بسبب الجوار.\rثالثاً ـ ركنها وعناصرها وسببها (سبب الأخذ ) :\rقال الحنفية (2) : ركن الشفعة: أخذ الشفيع من أحد المتعاقدين عند وجود سببها وشرطها. ويسمى العقار الذي بسببه تطلب الشفعة: المشفوع به، والعقار الذي يتملك بالشفعة: المشفوع فيه، ومشتري العقار: هو المشفوع عليه، والمطالب بالشفعة: هو الشفيع.\rوسببها: اتصال ملك الشفيع بالمشتري بشركة أو جوار.\rوشرطها: أن يكون المحل المبيع عقاراً، سفلاً كان أو علواً. وقال المالكية (4) : للشفعة أركان أربعة:\rآخذ (شافع)، ومأخوذ منه (مشفوع عليه) ومشفوع فيه، وصيغة. والمراد بالصيغة: ما يدل على الأخذ، لفظاً أو غيره.\rوقال الشافعية والحنابلة (5) : أركان الشفعة ثلاثة: آخذ، ومأخوذ منه، ومأخوذ. وأما الصيغة فتجب في التمليك، فيشترط لفظ من الشفيع، مثل تملكت، أو أخذت بالشفعة.\rرابعاً ـ حكمها وصفتها: إن الأخذ بها بمنزلة شراء مبتدأ (جديد)، قال الحنفية (6) : حكمها: جواز الطلب عند تحقق السبب، ولو بعد سنين، أي إذا لم يعلم بها. وصفتها: أن الأخذ بها بمنزلة شراء مبتدأ، يستحقها الشفيع بعد البيع، فيثبت بها ما يثبت بالشراء، كالرد بخيار الرؤية، والعيب.\rالمبحث الثاني ـ محل الشفعة (المشفوع فيه، أو ما تجب فيه الشفعة وما لا تجب): اتفق المسلمون على أن الشفعة حق في العقار من دور وأرضين وبساتين وبئر، وما يتبعها من بناء وشجر، واختلفوا فيما عداها.\rقررت المذاهب الأربعة أنه لا شفعة في منقول كالحيوان والثياب والعروض التجارية للحديث السابق: «قضى رسول الله صلّى الله عليه وسلم بالشفعة في أرض أو ربَعْ أو حائط..» ورواية الحديث عند مسلم والنسائي وأبي داود: «أن النبي صلّى الله عليه وسلم قضى\r-------------------------------\r(1) تبيين الحقائق: 239/5، مغني المحتاج: 296/2، أعلام الموقعين: 120/2، المغني: 284/5، حاشية الدسوقي على الدردير: 476/3.\r(2) الدر المختار: 152/5 وما بعدها، تبيين الحقائق، المكان السابق.\r(4) الشرح الصغير: 630/3 وما بعدها، بداية المجتهد: 253/2.\r(5) مغني المحتاج: 296/2، 300، المغني: 297/5، كشاف القناع: 158/4.\r(6) الدرالمختار: 153/5 وما بعدها، تبيين الحقائق، المكان السابق.","part":6,"page":642},{"id":4238,"text":"بالشفعة في كل شركة لم تقسم، ربعة أو حائط..» ولأن الشفعة شفعت لدفع ضرر سوء الشركة بالاتفاق، أو الجوار عند الحنفية، بسبب الاستمرار والدوام، والمنقول لا يدوم، بخلاف العقار، فيتأبد فيه ضرر المشاركة؛ ولأن الشفعة تملك بالقهر، فهي كما بينت «استحقاق الشريك ـ عند الحنفية ـ انتزاع حصة شريكه المنتقلة عنه، من يد من انتقلت إليه» ، فناسب أن تكون عند شدة الضرر، وإطلاقاً لحرية التصرف والبيع (1) .\rالِعُلْوُ والسُفْل: ألحق الحنفية بالعقار: ما في حكمه كالعلو، وإن لم يكن طريقه في السفل؛ لأنه التحق بالعقار بماله من حق القرار، فلا فرق في العقار بين كونه سفلاً أو علواً (2) ، وهذا هو المعقول.\rولم يجز الشافعية في الأصح والحنابلة الشفعة في العلو، لأن البناء يرتكز على السقف، والسقف الذي هو أرض البناء لا ثبات له، فكان كالمنقولات (3) .\rوسواء عند الحنفية أكان العقار مما يحتمل القسمة، أم لا يحتملها، كالدار الصغيرة والحمام والطاحون والبئر؛ لأن علة الشفعة عندهم دفع ضرر الشركة أو الجوار مطلقاً، وهو يتحقق فيما لا يقبل القسمة.\rواشترط الجمهور غير الحنفية، في المشهور عند المالكية، وفي ظاهر مذهب الحنابلة، وفي الأصح عند الشافعية: أن يكون العقار قابلاً للقسمة، استدلالاً\r-------------------------------\r(1) الدر المختار: 153/5، تكملة الفتح: 435/7، تبيين الحقائق: 239/5، البدائع: 12/5، اللباب: 109/2، بداية المجتهد: 254/2، الشرح الكبير: 482/3، الشرح الصغير: 634/3، مغني المحتاج: 296/2، المهذب: 376/1، المغني: 287/5، كشاف القناع: 153/4-155.\r(2) الدر المختار واللباب، المكان السابق، تكملة الفتح: 435/7.\r(3) مغني المحتاج: 297/2، كشاف القناع: 155/4.","part":6,"page":643},{"id":4239,"text":"بدليل الخطاب في حديث جابر السابق: «الشفعة فيما لم يقسم...» فكأنه قال: الشفعة فيما تمكن فيه القسمة، ما دام لم يقسم. وقد أجمع عليه في هذا الموضوع فقهاء الأمصار، مع اختلافهم في صحة الاستدلال به؛ ولأن علة مشروعية الشفعة عندهم هو دفع ضرر القسمة، ومالا ينقسم لا تتيسر القسمة فيه، فلا حاجة للشفعة فيه، فلا يترتب فيه ضرر الشريك بعدم الشفعة (1) .\rحقوق الارتفاق: تثبت الشفعة عند الحنفية (2) في حقوق العقار، كالشِّرْب (النصيب من الماء في نوبة مالك الأرض) (3) والطريق الخاصين. فإن لم يكونا خاصين، فلا يستحق بهما الشفعة. والطريق الخاص: أن يكون غير نافذ، فإن كان نافذاً فليس بخاص.\rفلو كان هناك شِرْب نهر صغير مشترك بين قوم، تسقى أراضيهم منه، فبيعت أرض منها، فلكل أهل الشِّرْب من ذلك النهر الخاص الشفعة. أما لو كان النهر عاماً، فالشفعة فقط للجار الملاصق. ومثله الطريق الخاص، فكل أهله شفعاء.\rوقال المالكية (4) : لا شفعة في الطريق (أي المجاز الذي يتوصل منه إلى ساحة الدار) إذا قسم بين الشريكين أو الشركاء متبوعُهما من البيوت إذا بقي الممر مشتركاً بينهما؛ لأنه لما كان تابعاً لما لا شفعة فيه، وهو البيوت المنقسمة، كان لا شفعة فيه.\rوكذلك العَرْصة (ساحة الدار التي بين بيوتها، تسمى في عرف العامة بالحوش) لا شفعة فيها إذا قسم متبوعها، كحكم الطريق السابق.\r-------------------------------\r(1) بداية المجتهد: 255/2، حاشية الدسوقي على الدردير: 476/3، الشرح الصغير: 634/3 ومابعدها، مغني المحتاج: 297/2، المهذب: 377/1، المغني: 289/5.\r(2) تبيين الحقائق: 239/5 وما بعدها، الدر المختار: 154/5، اللباب: 106/2.\r(3) الشرب: هو نوبة الانتفاع بسقي الحيوان والزرع (م 1262) مجلة.\r(4) الشرح الكبير: 482/3، الشرح الصغير: 640/3، بداية المجتهد: 255/2.","part":6,"page":644},{"id":4240,"text":"وقال الشافعية (1) : لا شفعة قطعاً في ممر الدار المبيعة من الدرب النافذ؛ لأنه غير مملوك. وأما الدرب غير النافذ، فالصحيح ثبوت الشفعة في الممر، بما يخصه من الثمن، إن كان لمشتري الممر الخاص المشترك طريق آخر لداره، أو أمكن من غير مؤنة وضرر عليه الوصول لداره من طريق آخر، بفتح باب إلى شارع عام مثلاً، فلا تثبت الشفعة في الممر، لما فيها من ضرر المشتري، والشفعة شرعت لدفع الضرر، فلا يزال ضرر بآخر؛ لأن الضرر لا يزال بالضرر.\rوالحنابلة كالشافعية قالوا (2) : إذا بيعت الدار، ولها طريق في شارع أو درب نافذ، فلا شفعة في تلك الدار، ولا في الطريق؛ لأنه لا شركة لأحد فيهما.\rوإن كان الطريق في درب غير نافذ، ولا طريق للدار سوى ذ لك الطريق، فلا شفعة أيضاً؛ لأن إثباتها يضر بالمشتري؛ لأن الدار تبقى لا طريق لها.\rوإن كان للدار باب آخر يستطرق منه، أو كان لها موضع يفتح منه باب لها إلى طريق نافذ، نظرنا في الطريق المبيع مع الدار:\rفإن كان ممراً لا تمكن قسمته، فلا شفعة فيه.\rوإن كان تمكن قسمته، وجبت الشفعة فيه؛ لأنه أرض مشتركة، تحتمل القسمة، فوجبت فيه الشفعة كغير الطريق.\rالشفعة في السفن: لا تثبت الشفعة في السفن عند فقهاء المذاهب (3) لأنها كالعروض التجارية من المنقولات، والشفعة مشروعة في الأرض التي تبقى على الدوام، ويدوم ضررها.\r-------------------------------\r(1) نهاية المحتاج: 145/4، مغني المحتاج: 298/2.\r(2) كشاف القناع: 154/4، المغني: 290/5.\r(3) الكتاب مع اللباب: 190/2، المهذب: 376/1، مغني المحتاج: 296/2، كشاف القناع: 155/4.","part":6,"page":645},{"id":4241,"text":"ونقل الكاساني (1) عن الإمام مالك: أنه يرى الشفعة في السفن؛ لأن السفينة أحد المسكنين، فتجب فيها الشفعة، كما تجب في المسكن الآخر، وهو العقار، لكن هذا لم يصح عن مالك، كما حقق ابن عبد السلام. وبه يتبين أن المذاهب الأربعة متفقة على عدم الشفعة في السفن.\rالشفعة في الزرع والثمر والشجر: لا شفعة عند الجمهور (غير المالكية) (2) فيما ليس بعقار كالبناء والشجر المفرد عن الأرض، فإن كان تبعاً في البيع للأرض، وجبت الشفعة فيه (3) .\rومما يتبع الأرض عند الشافعية في الأصح: ثمر لم يؤبر؛ لأنه يتبع الأصل في البيع، فيتبعه في الأخذ، قياساً على البناء والغراس.\rواقتصر الحنابلة على إتباع الغراس والبناء للأرض؛ لأنهما يؤخذان تبعاً للأرض، ففيهما الشفعة تبعاً. ولم يتبعوا الزرع والثمرة للأرض؛ لأن من شروط وجوب الشفعة أن يكون المبيع أرضاً؛ لأنها هي التي تبقى على الدوام، ويدوم ضررها.\r-------------------------------\r(1) البدائع: 12/5. ولم أر في كتب المالكية التي اطلعت عليها تصريحاً لهم بالشفعة في السفينة، وإنما يوجبونها في العقار فقط. قال ابن عبد السلام من المالكية: ما نقله بعض الحنفية عن مالك في السفينة: لا يصح (شرح التنوخي لرسالة القيرواني: 193/2).\r(2) تكملة الفتح: 435/7، مغني المحتاج: 296/2 وما بعدها، كشاف القناع: 155/4.\r(3) نصت المادة (1019) مجلة على أنه لا تجري الشفعة في الأشجار والأبنية في أرض الوقف.","part":6,"page":646},{"id":4242,"text":"وأجاز المالكية (1) الشفعة في البناء والشجر إذا بيع أحدهما مستقلاً عن الأرض؛ لأن كلاً منهما عندهم عقار، والعقار: هو الأرض وما اتصل بها من بناء وشجر، فلا شفعة في حيوان أو عرض تجاري إلا إذا بيع تبعاً للأرض.\rمثاله: الشجر أو البناء في أرض موقوفة (محبَّسة) أو معارة: بأن اقتضت المصلحة إجارة الأرض الموقوفة، سنين، ثم بنى فيها المستأجر أو غرس بإذن ناظرها، على أن ذلك له، فإذا كان المستأجر متعدداً، وباع أحدهم، فللآخر الشفعة.\rوأجاز المالكية أيضاً الشفعة في الثمار (2) (الفاكهة) والخضر، كالقِثَّاء، والبطيخ بنوعيه الأخضر والأصفر، والخيار، والباذنجان والفول الأخضر، ونحوه مما له أصل تجنى ثمرته، ويبقى في الأرض وقتاً ما، فإذا باع أحد الشريكين نصيبه منها، ولو مفرداً عن أصله، فللآخر أخذه بالشفعة.\rواشترطوا في الثمرة المأخوذة بالشفعة منفردة: أن تكون موجودة حين الشراء، بشرط كونها مؤبرة.\rولم يجز المالكية الشفعة في زرع كقمح وكتان وبرسيم، ولا في بَقْل مما ينزع أصله كفجل وجزر وبصل وقلقاس، وملوخية. فلو بيع الزرع أو البقل مع أرضه، فلا شفعة فيه، وإنما هي في الأرض فقط، بما ينو بها من الثمن.\rوأما الظاهرية: فقد توسعوا في إيجاب حق الشفعة للشفيع أكثر من سائر المذاهب الأخرى، فأجازوا الشفعة في كل مبيع، عقاراً أو منقولاً، سواء أكان المنقول متصلاً بالعقار أم لا، وسواء أكان الشيء المبيع مما ينقسم، أم مما لا ينقسم، من أرض أو شجرة واحدة فأكثر، أو ثوب، أو سيف أوطعام أو حيوان، أو أي شيء بيع، فلا يحل لمن له الجزء، أن يبيعه حتى يعرضه على شريكه أو شركائه فيه (3) .\r-------------------------------\r(1) الشرح الكبير: 479/3 وما بعدها، الشرح الصغير: 634/3، 638-639، بداية المجتهد: 254/2 وما بعدها، القوانين الفقهية: ص 286، شرح الرسالة: 192/2.\r(2) قال مالك عن الشفعة في الثمرة: ما علمت أحداً من أهل العلم قاله قبلي، ولكني استحسنته (شرح التنوخي لرسالة ابن أبي زيد القيرواني: 192/2).\r(3) المحلى: 101/9، م 1594.","part":6,"page":647},{"id":4243,"text":"المبحث الثالث ـ الشفيع\rأولاً ـ من الشفيع؟\rللفقهاء رأيان فيمن يحق له الأخذ بالشفعة: رأي للحنفية: في أن الشفيع: هو الشريك، أو الجار. ورأي للجمهور: في أن الشفيع هو الشريك فقط.\rقال الحنفية (1) : تثبت الشفعة للشريك (الخليط) في المبيع نفسه، أو في حق من حقوق الارتفاق الخاصة، كالشِّرب (النصيب من الماء)، والطريق الخاصين، كما تثبت للجار الملاصق للمبيع، ولو كان باب داره من سكة أخرى. والملاصق من جانب واحد ولو بشبر، كالملاصق من ثلاثة جوانب، وواضع جذع على حائط، وشريك في خشبة على حائط: جار لا شِريك؛ لأن وضع الجذوع على الحائط لا يصير صاحبه شريكاً في الدار، والشفعة تثبت في العقار دون المنقول، والخشبة منقول. ولا فرق بين مسلم وذمي في استحقاق الشفعة، لعموم أدلة مشروعيتها، ولتساويهما في سبب الشفعة وحكمتها، فيتساويان في الاستحقاق.\rودليلهم الأحاديث السابقة في مشروعية الشفعة، والتي منها: «جار الدار أحق بسقبه» (2) و «جار الدار أحق بدار الجار، والأرض» (3) و «الجار أحق بشفعته» (4) . ويؤكده أن العلة الموجب للشفعة هو دفع الضرر الدائم، الذي يلحق المرء بسبب سوء العشرة على الدوام. وهذا يتحقق في الجار، كما يتحقق في الشريك، فتكون حكمة مشروعية الشفعة ظاهرة فيهما، وهو دفع الضرر عنهما.\rوقال الجمهور (غير الحنفية) (5) : لا شفعة إلا لشريك في ذات المبيع، لم يقاسم (أي أن حقه مشاع لم يقسم) فلا شفعة عندهم لشريك مقاسم، ولا لشريك في حق من حقوق الارتفاق الخاصة بالمبيع، ولا للجار.\r-------------------------------\r(1) البدائع: 4/5، تكملة الفتح: 406/7، 414، 436، تبيين الحقائق: 239/5-241، اللباب: 106/2، الدر المختار: 155/5.\r(2) سبق تخريجه، أخرجه البخاري عن أبي رافع مولى النبي صلّى الله عليه وسلم (نصب الراية: 174/4).\r(3) أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي، وأحمد في مسنده، والطبراني في معجمه، وابن أبي شيبة في مصنفه، وابن حبان في صحيحه، وقال عنه الترمذي: حديث حسن صحيح، من حديث الحسن عن سمرة (نصب الراية: 172/4).\r(4) من حديث جابر عند الترمذي.\r(5) بداية المجتهد: 253/2، الشرح الكبير: 473/3، الشرح الصغير: 631/3، مغني المحتاج: 297/2، المهذب: 377/1 وما بعدها، المغني: 285/5 وما بعدها، 357، كشاف القناع: 149/4، 182، القوانين الفقهية: ص 286، المحلى: 115/9، م1598.","part":6,"page":648},{"id":4244,"text":"وتثبت الشفعة عند المالكية والشافعية والظاهرية للذمي الكافر على المسلم، كما قال الحنفية. ولا تثبت للكافر عند الحنابلة في بيع عقار لمسلم، للحديث النبوي: «لا شفعة لنصراني» (1) فهو يخص عموم ما احتجوا به، ولأن الأخذ بالشفعة يختص به العقار فأشبه الاستعلاء في البنيان، والكافر ممنوع من ذلك بالنسبة للمسلم، ولأن في شركته ضرراً بالمسلم. ولكن رأي الجمهور في هذا أرجح، بسبب ضعف الحديث الذي احتج به الحنابلة.\rواتفق الفقهاء ماعدا الحنابلة على أن الشفعة تثبت للذمي على الذمي، لعموم الأخبار الواردة في الشفعة، ولأنهما تساويا في الدين والحرمة، فتثبت لأحدهما على الآخر كالمسلم على المسلم. وتثبت الشفعة لأهل البدع الذين حكم بإسلامهم؛ لأن عموم الأدلة يقتضي ثبوتها لكل شريك. وأما أصحاب البدع الذين حكم بكفرهم فلا شفعة لهم على مسلم عند الحنابلة، بخلاف الجمهور (2) .\r-------------------------------\r(1) رواه الدارقطني في كتاب العلل بإسناده عن أنس، وأبي بكر، لكن في إسنادهما بابل بن نجيج، ضعفه الدارقطني وابن عدي.\r(2) المغني: 358/5 وما بعدها، كشاف القناع: 183/4.","part":6,"page":649},{"id":4245,"text":"وأدلة الجمهور: حديث جابر السابق: «قضى رسول الله صلّى الله عليه وسلم بالشفعة في كل ما لم يُقْسم، فإذا وقعت الحدود، وصرِّفت الطرق، فلا شفعة» وحديث سعيد بن المسيب: «إذا قسمت الأرض، وحُدَّت، فلا شفعة فيها» (1) ، فإذا كانت الشفعة غير واجبة للشريك المقاسم، فهي أحرى ألا تكون واجبة للجار، والشريك المقاسم إذا قاسم: جارٌ.\rولأن الشفعة تثبت على خلاف الأصل، فيقتصر فيها على مورد النص.\rوأما حديث أبي رافع: «الجار أحق بصقبه» فليس بصريح في الشفعة، فيحتمل أنه أراد بالصقب: إحسان جاره وصلته وعيادته ونحوها. وخبر جابر صريح صحيح، فيقدم. وبقية الأحاديث في أسانيدها مقال، فحديث سمرة يرويه عنه الحسن، ولم يسمع منه إلا حديث العقيقة. ويتعين حمل أحاديث شفعة الجوار على مثل ما دلت عليه أحاديث شفعة الشركة، فيكون لفظ الجار مراداً به الشريك. وهذا الرأي في تقديري أولى؛ لأن الشفعة تثير مشكلات متعددة، والأصل المقرر في الشريعة هو حرية التعاقد، فيقتصر فيها على حالة الشركة فقط.\rوقد توسط ابن القيم بين الرأيين، فقرر ثبوت الشفعة للجار إذا كان شريكاً مع جاره في حق من حقوق الارتفاق الخاصة، مثل الطريق أو الشرب، وإلا فلا شفعة له (2) .\rوارتأى الشوكاني وبعض الشافعية هذا الحل الوسط عملاً بلفظ في حديث جابر: «إذا كان طريقهما واحداً» (3)\rثانياً - مراتب الشفعة (أو أسباب استحقاقها) وكيفية التوزيع عند تزاحم الشفعاء: قال الحنفية (4) : الشفعة واجبة للخليط (الشريك) في نفس المبيع، ثم إذا لم يكن، أو كان وسَلَّم (تنازل عن الشفعة) تثبت للشريك في حق من حقوق الارتفاق الخاصة بالمبيع: وهو الذي قاسم وبقيت له شركة في حق العقار الخاص، كالشِّرب والطريق الخاصين، ثم تثبت الشفعة لجار ملاصق.\r-------------------------------\r(1) رواه أبو داود، ومالك مرسلاً، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن.\r(2) راجع أعلام الموقعين: 123/2-132 ، تحقيق عبد الحميد.\r(3) نيل الأوطار: 333/5.\r(4) تكملة الفتح: 406/7، 412 وما بعدها، الدر المختار ورد المحتار: 154/5 وما بعدها، البدائع: 8/5-9، تبيين الحقائق: 239/5، اللباب: 106/2 وما بعدها، م (1008) مجلة.","part":6,"page":650},{"id":4246,"text":"ولا فرق في ثبوت حق الشفعة لصاحب حق الارتفاق بين الأرض المجاورة للمبيع والبعيدة عنه، ولا بين التي تسقى من المجرى الخاص مباشرة، أو من جدول مأخوذ منه، ما دام أن الكل يشرب من المجرى، وأن سبب الاستحقاق واحد: وهو الاشتراك في المرفق الخاص.\rوالمقصود من الشِّرب الخاص عند أبي حنيفة ومحمد (1) : شرب نهر صغير: وهو الذي لا يجري فيه أصغر السفن، وما تجري فيه السفن فهو عام، وعامة المشايخ على أن الشركاء في النهر إن كانوا يحصون، فصغير، وإلا فكبير. وما لا يحصى: قيل: أربعون، وقيل: خمس مئة، وقيل: الأصح تفويضه إلى رأي كل مجتهد في زمان.\rوالمقصود بالطريق الخاص: هو الذي لا يكون نافذاً، فكل أهله شفعاء. فإن كان الشرب والطريق عامين، فلا شفعة بهما. والمراد بعدم نفاذ الطريق: أن يكون بحيث يمنع أهله من أن يستطرقه غيرهم.\rوتصور الشفعة بسبب الشرب مثلاً: إذا بيعت أرض لها حق الشرب في مجرى نهر خاص مشترك بين قوم تسقى أراضيهم منه، فلكل أهل الشرب الشفعة، سواء أكانت أراضيهم المجاورة للنهر ملاصقة له، أم بعيدة عنه.\r-------------------------------\r(1) وقال أبو يوسف: الشرب الخاص: أن يكون نهراً يسقى منه قراحان أو ثلاثة، وما زاد على ذلك فهو عام (اللباب: 107/2) والقراح: المزرعة التي ليس عليها بناء ولا فيها شجر.","part":6,"page":651},{"id":4247,"text":"ودليل الحنفية على ترتيب الشفعاء على النحو المذكور (الشريك في المبيع، ثم شريك الارتفاق، ثم الجار) هو قوله عليه الصلاة والسلام: «الشريك أحق من الخليط، والخليط أحق من الشفيع» (1) ولأن الاتصال في المبيع أقوى من غيره، والاتصال في حق الارتفاق أقوى من الجار؛ لأنه اشتراك في مرافق الملك، والترجيح يكون بقوة السبب؛ ولأن دفع ضرر مؤنة القسمة، وإن لم يصلح علة عند الحنفية لاستحقاق الشفعة، صلح مرجحاً للأخذ عند تزاحم الشفعاء.\rكيفية التوزيع عند تزاحم الشفعاء :\rيتبين مما سبق كيفية توزيع حق الشفعة عند تزاحم الشفعاء، بأن كانوا أكثر من واحد، وكل منهم يطلب الشفعة.\rأ ـ فإن لم يكونوا من مرتبة واحدة: بأن كان أحدهم شريكاً في المبيع، والآخر شريكاً في حق الارتفاق، والآخر جاراً ملاصقاً، فيقدم الشريك في المبيع أولاً، ثم الشريك في حق المبيع (حق الارتفاق)، ثم الجار (م 1009) مجلة.\rوالمشارك في حائط الدار في حكم المشارك في الدار نفسها. وأما صاحب الأخشاب الممتدة على حائط جاره، فيعد جاراً ملاصقاً، لا شريكاً (م 1012) مجلة.\rوكل من صاحب الطابق الأعلى والأسفل: جار ملاصق (م 1011) مجلة. وحق الشرب مقدم على حق الطريق (م 1016) مجلة. وإذا باع صاحب حق الشرب أو الطريق الخاص أرضه فقط، دون حق الارتفاق، فليس للشركاء في الارتفاق شفعة (م 1015) مجلة.\rوإذا اجتمع صنفان من الشركاء يقدم الأخص على الأعم، فالمشترك في شرب من جدول من الشرب أولى من المشترك في الشرب (م 1014).\r-------------------------------\r(1) قال عنه الزيلعي: غريب: وقال عنه ابن الجوزي: إنه حديث لا يعرف. وقال شريح: «الخليط أحق من الجار، والجار أحق من غيره» وقال إبراهيم النخعي: الشريك أحق بالشفعة، فإن لم يكن شريك، فالجار، والخليط أحق من الشفيع، والشفيع أحق ممن سواه» (نصب الراية: 176/4).","part":6,"page":652},{"id":4248,"text":"ب ـ وإن كان الشفعاء من مرتبة واحدة، كالشركاء في المبيع، قسم العقار المشفوع فيه بين الطالبين جميعاً، بالتساوي بحسب عدد الرؤوس، لا بمقدار الملك أو السهام، عند الحنفية (1) والظاهرية (2) ، لاستوائهم في سبب استحقاق الشفعة، وهو الاتصال بالشركة أو الجوار، أي لأنهم متساوون في أصل الملك.\rوقال الجمهور (3) (غير الحنفية والظاهرية): يقسم العقار المشفوع فيه بين الشفعاء على قدر حصصهم أو أنصبائهم في الملك، لا على الرؤوس؛ لأن الشفعة حق ناشئ بسبب الملك، فكان على قدر الملك، كالغلة والثمرة والأجرة المستفادة من الملك، وكالربح في شركة الأموال، فيأخذ كل واحد من الشركاء الشفعاء بقدر ما يملكه في العقار (المشفوع به وفيه).\rفلو كانت الأرض بين ثلاثة، لواحد نصفها، ولآخر ثلثها، ولآخر سدسها، فباع الأول حصته، أخذ الثاني سهمين، والثالث سهماً. ولأن الشفعة شرعت لإزالة الضرر، والضرر داخل على كل واحد من الشركاء بحسب نسبة ما يملكه، لا بحسب التساوي، فوجب أن يكون استحقاقهم لدفع الضرر على تلك النسبة من الحصص.وقال المالكية في تزاحم الشركاء الشفعاء (4) : يقدم في الأخذ بالشفعة الأخص في الشركة على غيره، وهو المشارك في السهم أي الفرض، فلو مات ذو عقار عن جدتين وزوجتين وأختين، فباعت إحداهن نصيبها، فالشفعة لمن شاركها في السهم، دون بقية الورثة، حتى ولو كان المشارك في السهم أختاً لأب مع أخت شقيقه، أو بنتَ ابن مع بنت، فإذا باعت الشقيقة أو البنت نصيبها، فللأخت لأب أو لبنت الابن الأخذ بالشفعة، دون العاصب.\rويدخل الأخص (5) من ذوي السهام (الفروض) على الأعم، وهو غير المشارك في السهم،أي غير ذوي الفروض وهو غير الأقوى في القرابة، كالعاصب\r-------------------------------\r(1) البدائع: 6/5، تبيين الحقائق: 241/5، الكتاب مع اللباب: 116/2، الدر المختار: 154/5، تكملة الفتح: 414/7، م 1013 مجلة.\r(2) المحلى: 120/9، م 1609.\r(3) الشرح الصغير: 646/3، الشرح الكبير: 486/3 وما بعدها، بداية المجتهد: 257/2، القوانين الفقهية ص 287، مغني المحتاج: 305/2، المهذب: 381/1، 335/5، كشاف القناع: 164/4.\r(4) الشرح الكبير: 492/3، الشرح الصغير: 650/3 وما بعدها.\r(5) الأخص: أي الأقوى والأزيد في القرب.","part":6,"page":653},{"id":4249,"text":"وغيره، فإذا مات شخص عن بنت فأكثر، وعن أخوين أو عمين، فباع أحد الأخوين، فإن البنات يدخلن في الشفعة، ولا يختص الحق بالأخ أو العم الذي لم يبع. وإذا مات شخص عن ثلاث بنات، ثم ماتت إحداهن عن بنتين، فباعت إحدى أخوات الميتة حصتها، فأولاد الميتة يدخلن على خالاتهن، إذ الطبقة السفلى أخص؛ لأنهن أقرب للميت الثاني، والعليا أعم. ويدخل الوارث ذو الفرض أو العاصب على الموصى لهم بعقار، باع أحدهم حصته، فلا يختص بالشفعة بقية الموصى لهم، بل يدخل معه الوارث.\rثم يقدم الوارث مطلقاً، سواء أكان ذا فرض أم عاصباً، على أجنبي.\rثم يقدم الأجنبي، إن أسقط الوارث حقه.\rثالثاً ـ غيبة بعض الشفعاء :\rقال الحنفية (1) : لو كان بعض الشفعاء حين البيع وطلب الشفعة غائباً، فطلبها الحاضر، يقضى له بالشفعة؛ لأن الحاضر ثابت بيقين، والغائب مشكوك في طلبه الشفعة، فلا يؤخر الحاضر؛ لأن المشكوك فيه لا يزاحم المتيقن، لاحتمال عدم طلب الغائب، فلا يؤخر بالشك.\rثم إذا جاء الغائب وطلب الشفعة، وكان مع الحاضر في مرتبة واحدة، قاسم الحاضر فيما أخذ، أي تنقض القسمة الأولى، ويعاد تقسيم العقار.\rوإن لم يكن الغائب في مرتبة واحدة مع الحاضر الذي أخذ بالشفعة ـ وهذا لا يتصور إلا عند الحنفية ـ كالشريك والجار، فإن كان الغائب فوق الحاضر (أعلى منه) كالشريك مع الجار قضي له بكل المشفوع فيه، وإن كان دونه كالجار مع الشريك منع من الشفعة.\r-------------------------------\r(1) البدائع: 6/5، الدر المختار: 156/5، تبيين الحقائق: 242/5.","part":6,"page":654},{"id":4250,"text":"ويتفق المالكية والشافعية والحنابلة والظاهرية (1) مع الحنفية في ثبوت حق الشفعة للغائب، لعموم قوله عليه السلام: «الشفعة فيما لم يقسم» ولأن الشفعة حق مالي، وجد سببه بالنسبة إلى الغائب، فيثبت له، كالإرث، ولأن الغائب شريك لم يعلم بالبيع، فتثبت له الشفعة عند علمه كالحاضر، إذا كتم عنه البيع، ويندفع ضرر المشتري المشفوع عليه بدفع القيمة له.\rرابعاً ـ إسقاط بعض الشفعاء حقه :\rقال الحنفية (2) : إذ أسقط بعض الشفعاء حقه:\rأ ـ فإن كان قبل أن يقضى لهم، فلمن بقي أخذ كل المشفوع فيه، لزوال المزاحمة.\rب ـ وأما إن أسقط حقه بعد القضاء بالشفعة، فليس لمن بقي أخذ نصيب التارك؛ لأنه بالقضاء قطع حق كل واحد منهم في نصيب الآخر.\rوقال المالكية، والشافعية في الأصح، والحنابلة (3) : إذا أسقط بعض الشفعاء حقه في الشفعة، بأن عفا، سقط حقه، كسائر الحقوق المالية، وتخير الآخر بين أخذ جميع المشفوع فيه، أو تركه كله، وليس له أخذ حقه فقط، أو الاقتصار على حصته، لأن الشفيع الواحد إذا أسقط بعض حقه، سقط كله كالقصاص، لئلا تتبعض الصفقة على المشتري. قال ابن المنذر: أجمع كل من أحفظ عنه من أهل العلم هذا؛ لأن في أخذ البعض إضراراً بالمشتري بتبعيض الصفقة عليه، والضرر لا يزال بالضرر.\r-------------------------------\r(1) الشرح الكبير: 490/3، مغني المحتاج: 306/2، المغني: 305/5 وما بعدها، كشاف القناع: 164/4، المحلى: 115/9، م 1598، الشرح الصغير: 644/3.\r(2) الدر المختار: 156/5، تبيين الحقائق: 241/5، م 1043 مجلة.\r(3) الشرح الكبير: 490/3، مغني المحتاج: 306/2، كشاف القناع: 164/4، المغني: 338/5.","part":6,"page":655},{"id":4251,"text":"المبحث الرابع ـ أحكام الشفعة :\rأولاً ـ طريق التملك بالشفعة :\rقال الحنفية (1) : الشفعة تجب بعقد البيع أي تستحق بعد البيع، حتى ولو كان البيع فاسداً وسقط الفسخ بوجه ما، أو كان مشتملاً على خيار للمشتري، ولا شفعة بمجرد الشراء الفاسد لأنه مستحق الفسخ شرعاً، وفي إثبات حق الشفعة تقرير الفساد، فلا يجوز، فإن سقط الفسخ بوجه من الوجوه كالتصرف بالمبيع أو البناء عليه، وجبت الشفعة لزوال المانع. كما لا شفعة إذا كان الخيار للبائع؛ لأنه يمنع زوال الملك عن البائع، أما خيار المشتري فلا يمنع زوال الملك عن البائع، والشفعة تبتنى عليه.\rولا بد من طلب المواثبة (أي طلب الشفعة كما سمع، على وجه السرعة)، وتستقر بالإشهاد بعد الطلب، أي بالطلب الثاني: وهو طلب التقرير، وتملك بالأخذ بالتراضي، أو بقضاء القاضي.\rأي أن طريق التملك بالشفعة للشفيع يكون بأحد طريقين: إما بتسليم المشتري المبيع للشفيع بالتراضي، وإما بقضاء القاضي أي بحكم الحاكم من غير أخذ؛ لأن الملك للمشتري قد تم بالشراء، فلا ينتقل إلى الشفيع إلا بالتراضي، أو قضاء القاضي، كما في الرجوع في الهبة؛ لأن للحاكم ولاية عامة، فيقدر على القضاء في ضمن الحكم بالحق.\rويترتب عليه: أنه لا يثبت للشفيع في شفعته شيء من أحكام الملك قبل تملكه بأحد الأمرين المذكورين، فلا تورث عنه عند الحنفية إذا مات في هذه الحالة، وتبطل شفعته إذا باع داره التي يشفع بها، ولو بيعت دار بجنبها في هذه الحالة لا يستحقها بالشفعة لعدم ملكه فيها.\r-------------------------------\r(1) البدائع: 23/5 وما بعدها، تكملة الفتح: 417/7، تبيين الحقائق: 242/5، 254، الدر المختار: 154/5، اللباب: 107/2، 114، م 1036، 1038 مجلة.","part":6,"page":656},{"id":4252,"text":"والتملك بأحد هذين الطريقين متفق عليه بين المذاهب (1) ، لكن قال المالكية: تملك الشفعة بأحد أمور ثلاثة: بحكم من حاكم، أو دفع ثمن للمشتري، أو إشهاد بالأخذ بالشفعة ولو في غيبة المشتري.\rولا شفعة عند غير الحنفية في بيع فاسد؛ لأنه باطل عندهم أي منعدم شرعاً. واستثنى المالكية حالة تصرف المشتري بشراء فاسد بالشيء إلى غيره ببيع صحيح، فللشفيع أن يأخذه من المشتري الثاني بما دفعه من الثمن. فإن طرأ في يد المشتري على المبيع بيعاً فاسداً ما يغير ذاته كالهدم مثلاً، فللشفيع الأخذ بما لزم المشتري: وهو القيمة إن كان الفساد متفقاً عليه، والثمن إن كان الفساد مختلفاً فيه.\rوتملك العقار بالشفعة هو بمنزلة شراء جديد مبتدأ، فيثبت للشفيع حق الرد بخيار الرؤية وخيار العيب (2) ، كما هو مقرر في كل عقد بيع.\rوالذي يتملكه الشفيع بالشفعة: هو الذي ملكه المشتري بالشراء، سواء ملكه\r-------------------------------\r(1) الشرح الصغير: 640/3، 647، مغني المحتاج: 300/2، كشاف القناع: 177/4، المغني: 346/5 وما بعدها، الشرح الكبير: 487/3.\r(2) البدائع: 24/5، م 1037 مجلة، تبيين الحقائق: 246/5 وما بعدها.","part":6,"page":657},{"id":4253,"text":"أصلاً، أو تبعاً لغيره إذا كان متصلاً به وقت التملك بالشفعة، كالبناء والغرس والزرع والثمر. وهذا استحسان عند الحنفية؛ لأن الحق إذا ثبت في العقار، ثبت فيما هو تبع له إن كان منقولاً متصلاً به؛ لأن حكم التبع حكم الأصل (1) .\rثانياً ـ ما يلزم الشفيع دفعه أو ما يؤخذ به المشفوع :\r1) ـ الثمن الواجب دفعه :\rاتفق الفقهاء على أن الشفيع يأخذ المبيع بالثمن، أو العوض الذي ملك به، أوبمثل الثمن الذي تملك به المشتري، لا بمثل المبيع الذي يملكه المشتري؛ لأن الشرع أثبت للشفيع ولاية التملك على المشتري بمثل ما يملك به (2) قدراً وجنساً، لحديث جابر «فهو أحق به بالثمن» (3) ، كما يلزم بما أنفقه المشتري كأجرة دلال وكاتب ورسوم، فإن كان الثمن مثلياً كالمكيل والموزون، أخذه الشفيع بقيمته (أي قيمة الثمن)؛ لأنها بدله في القرض والإتلاف، وقت لزوم العقد؛ لأنه حين استحقاق الأخذ.\rوإن بيع عقار بعقار (مقايضة) وكان شفيعهما واحداً، أخذ الشفيع كل واحد من العقارين بقيمة الآخر، لأنه بدله، وهو من ذوات القيم (القيميات)، فيأخذه بقيمته.وإن اختلف شفيعهما، يأخذ شفيع كل منهما ماله فيه الشفعة بقيمة الآخر.\rوإن اشترى ذمي داراً بخمر أو خنزير، وكان الشفيع ذمياً، أخذها بمثل\r-------------------------------\r(1) البدائع: 27/5 وما بعدها.\r(2) تكملة الفتح: 427/7، تبيين الحقائق: 249/5، اللباب: 114/2-115، الشرح الصغير: 635/3، 637، مغني المحتاج: 301/2، المهذب: 378/1 وما بعدها، المغني: 322/5، كشاف القناع: 177/4، بداية المجتهد: 256/2.\r(3) رواه أبو إسحاق الجوزجاني في المتر جم.","part":6,"page":658},{"id":4254,"text":"الخمر، وقيمة الخنزير، وإن كان الشفيع مسلماً أخذها عند غير الحنابلة بقيمة الخمر والخنزير. أما الخنزير فظاهر أنه مال قيمي، وأما الخمر فلمنع المسلم عن التصرف فيه، فالتحق بغير المثلي.\rوتحسب قيمة الشيء المبيع يوم البيع، لا يوم الأخذ بالشفعة، باتفاق الفقهاء، لأنه وقت إثبات العوض، واستحقاق الشفعة.\rوقال الحنابلة (1) : لا شفعة فيما اشتراه الذمي بخمر أو خنزير، لأنهما ليسا بمال.\r2) ـ الحط من الثمن أو الزيادة عليه :\rقال الحنفية (2) : إذا حط البائع عن المشتري بعض الثمن سواء قبل الأخذ بالشفعة أم بعدها، سقط قدر المحطوط عن الشفيع؛ لأن حط البعض يلتحق بأصل العقد، فيظهر ذلك في حق الشفيع؛ لأنه يأخذ الشفعة بالثمن، والثمن هو الباقي المستقر عليه.\rأما إن حط البائع عن المشتري جميع الثمن، لم يسقط عن الشفيع منه شيء؛ لأن حط الكل لا يلتحق بأصل العقد بحال، لخروج العقد عن موضوعه، فيصبح هبة، ولم يبق ما يعد ثمناً.\rوإذا زاد المشتري البائع في الثمن، أو جَدَّد العقد بأكثر من الثمن الأول، لم تلزم تلك الزيادة الشفيع، لأن في الزيادة ضرراً به، لاستحقاقه الأخذ بالثمن الأول الأصلي، بخلاف مسألة الحط من الثمن، لأن فيه منفعة له.\rوالخلاصة: أنه يثبت في حق الشفيع الحط أو النقص من الثمن دون الزيادة.\rواتفق بقية الفقهاء مع الحنفية على أنه لو حط البائع جميع الثمن، فلا شفعة، لانتفاء البيع.\rوقال الشافعية والحنابلة (3) : لو حط بعض الثمن عن المشتري أو زيد قبل لزوم العقد أي في مدة الخيار، انحط عن الشفيع مقدار النقص، ويلزم بالزيادة؛ لأن حق الشفيع إنما يثبت إذا تم العقد، وزال الخيار، والتغيير يلحق العقد. فأما إذا انقضى الخيار وانبرم العقد، فحط أو زيد في الثمن، لم يلحق بالعقد؛ لأن النقص حينئذ إبراء مبتدأ جديد، ولا يثبت ذلك في حق الشفيع، والزيادة بعد مدة الخيار هبة، تطبق عليها شروط الهبة.\r3) ـ تأجيل الثمن :\rقال الحنفية ما عدا زفر، والشافعية في الأظهر من أقوال الشافعي في الجديد (4) : إذا أجل الثمن كله أو بعضه، ليس للشفيع الاستفادة من هذا الأجل الممنوح للمشتري، وإنما يكون الشفيع بالخيار بين أن يعجل (يدفع الثمن حالاً) ويأخذ المبيع (أو الشقص أي الحصة) في الحال، أو يصبر حتى ينقضي الأجل، ولا يسقط حقه بتأخيره إلى حلول الأجل، لعذره، لكن يجب عليه طلب الشفعة في حينها، وإلا سقط حقه فيها؛ لأن العقد هو شرط ثبوتها، وقد وجد.\rوالسبب في عدم إفادته من الأجل: هو أن الشفعة ليست تحويل الصفقة بصفتها للشفيع من المشتري، وإنما هي نقض العقد الذي تم بين البائع والمشتري، ثم انعقاد بيع آخر للشفيع.\r-------------------------------\r(1) كشاف القناع: 152/4.\r(2) المبسوط: 107/14، الكتاب مع اللباب: 115/2 وما بعدها، تكملة الفتح: 427/7، تبيين الحقائق: 248/5 وما بعدها، البدائع: 27/5.\r(3) نهاية المحتاج: 149/4، المغني: 322/5، كشاف القناع: 177/4.\r(4) المبسوط: 103/14، البدائع: 24/5، 27، تكملة الفتح: 428/7، تبيين الحقائق: 249/5، نهاية المحتاج: 150/4، مغني المحتاج: 301/2، الإفصاح لابن هبيرة: ص277.","part":6,"page":659},{"id":4255,"text":"وقال زفر: للشفيع الاستفادة من الأجل؛ لأن الأجل وصف في الثمن كالزيافة، والأخذ بالشفعة يكون بالثمن، فيأخذه به وصفاً وأصلاً.\rوقال المالكية والحنابلة (1) : للشفيع الاستفادة من تأجيل الثمن الذي تم به العقد، إذا كان مليئاً ثقة، أو كفله مليء ثقة. فإن لم يكن موسراً، ولا ضمنه مليء، وجب عليه دفع الثمن حالاً، رعاية للمشتري. وهذا الرأي أولى بالاتباع ضماناً لمصلحة المشتري الذي فقد الصفقة بسبب الشفعة.\r4) ـ هل يتوقف القضاء بالشفعة على دفع الشفيع الثمن؟\rقال الحنفية في ظاهر الرواية، والشافعية والمالكية والحنابلة (2) : لا يشترط في التملك بالشفعة حكم الحاكم، ولا إحضار الثمن، ولا حضور المشتري، فلا يتوقف صدور الحكم القضائي بالشفعة على إحضار الشفيع الثمن إلى مجلس القضاء؛ لأن حقه ثبت بمجرد البيع لأجنبي دفعاً للضرر عنه، فصار كما لو صدر الشراء له من البائع من أول الأمر، أو لأن الشفيع يصير متملكاً المشفوع فيه بمقتضى القضاء بالشفعة، فكأنه اشتراه من البائع، والتملك بالشراء لا يتوقف على إحضار الثمن، كالشراء أو البيع المبتدأ بجامع أنه تملك بعوض.\rلكن قال المالكية: إن قال الشفيع: أنا آخذ الشفعة، أجل ثلاثة أيام لإحضار الثمن، فإن أتى به فيها وإلا سقطت شفعته.\rوقال محمد بن الحسن: لا يقضي القاضي بالشفعة حتى يحضر الشفيع الثمن، دفعاً للضرر عن المشتري؛ لأن الشفيع ربما يكون مفلساً، فيتوقف القضاء على إحضار الثمن، ويؤجله القاضي يومين أو ثلاثة تمكيناً له من نقد الثمن، إذ لا يصح دفع الضرر عن الشفيع بإضرار غيره.\r-------------------------------\r(1) الشرح الصغير: 637/3، بداية المجتهد: 256/2، المغني: 323/5، كشاف القناع: 179/4.\r(2) المبسوط: 119/14، تبيين الحقائق: 245/5، تكملة الفتح: 422/7، اللباب: 112/2، البدائع: 24/5 وما بعدها ، مغني المحتاج: 300/2، الشرح الصغير: 647/3-649، كشاف القناع: 177/4.","part":6,"page":660},{"id":4256,"text":"لكن ما يخشاه محمد من هذا المحذور يمكن دفعه، كما يقول أبو حنيفة وأبو يوسف، بأن للمشتري حبس العين في يده، حتى يدفع الشفيع الثمن.\rووفق الكاساني بين الرأيين، فقال: هذا عندي ليس باختلاف على الحقيقة، وللقاضي أن يقضي بالشفعة قبل إحضار الثمن بلا خلاف؛ لأن لفظ محمد رحمه الله : «ليس ينبغي للقاضي أن يقضي بالشفعة، حتى يحضر الشفيع المال» لا يدل على أنه ليس له أن يقضي، بل هو إشارة إلى نوع احتياط، ولهذا لو قضى جاز، ونفذ قضاؤه، نص عليه محمد.\r5) ـ استحقاق المشفوع فيه :\rإذا استحق المشفوع فيه فمن الذي يتحمل العهدة وضمان الثمن؟ الأمر مختلف فيه على رأيين. والمراد بالعهدة: رجوع من انتقل الملك إليه وهو الشفيع على من انتقل الملك عنه من بائع أو مشتر بالثمن عند الاستحقاق أو الأرش (التعويض) عند ظهور عيب من العيوب.\rفقال الحنفية (1) : إن ضمان الثمن عند الاستحقاق يكون على المشتري، إن أخذ الشفيع المبيع منه، ونقده الثمن؛ لأنه هو الذي قبض الثمن، ولأن المبيع قد انتقل منه إلى الشفيع. وهذا هو الغالب.\rوقد يكون على البائع، إذا كان الشفيع قد أخذ المبيع منه قبل تسليمه إلى المشتري؛ لأنه هو الذي قبض الثمن، وانتقل المبيع منه إلى الشفيع.\rوقال الجمهور (المالكية والشافعية والحنابلة) (2) : إذا أخذ الشفيع الشقص (الجزء المبيع المشترك فيه) فظهر مستحقاً أو معيباً، فيرجع بالثمن أو الأرش (التعويض) على المشتري، ويرجع المشتري على البائع؛ لأن الشفيع أخذ المبيع من المشتري على أنه ملكه، فيرجع بالعهدة عليه كما لو اشتراه منه.\r6) ـ اختلاف الشفيع والمشتري في قدر الثمن :\rإذا اختلف الشفيع والمشتري في قدر الثمن، فادعى المشتري ـ بطبيعة الحال ـ الأكثر، وادعى الشفيع الأقل، فمن الذي يصدق قوله؟\r-------------------------------\r(1) تكملة الفتح: 433/7، الدر المختار: 160/5، الكتاب مع اللباب: 119/2، البدائع: 30/5.\r(2) الشرح الكبير: 493/3، المهذب: 383/1، المغني: 344/5 وما بعدها، كشاف القناع: 182/4.","part":6,"page":661},{"id":4257,"text":"يرى جمهور الفقهاء ( في المذاهب الأربعة وغيرها ) (1) : أن الشفيع والمشتري إذا اختلفا في قدر الثمن، فقال المشتري: اشتريته بمئة، وقال الشفيع: بل بخمسين، فالقول قول المشتري بيمينه؛ لأنه أعلم بما باشره من الشفيع، ولأن الشفيع مدع الأقل، والمشفوع عليه مدعى عليه، ينكر ذلك، والقول قول المنكر مع يمينه.\rإلا أن المالكية قيدوا الأخذ بقول المشتري بقيد، فقرروا أن القول قول المشتري إذا أتى بما يشبه تقدير المقدرين، أو ثمن المثل، وإلا أي إن أتى بما لا يشبه تقديرهم، بأن ادعى ما شأنه ألا يكون ثمناً، فالقول قول الشفيع إن أتى بما يشبه التقدير المعقول.\rفإن لم يكن قول كل من المشتري والشفيع مشبهاً التقدير المعقول، حُلِّف كل منهما على مقتضى دعواه، ورد دعوى صاحبه، ورد الثمن إلى القيمة الوسط بين الناس وهي قيمة الحصة يوم البيع، كما لو نكلا معاً عن حلف اليمين.\rوأضاف الحنفية (2) أن القول قول المشتري إذا اختلف مع الشفيع في جنس الثمن أو في صفته، مثال الأول: أن يقول المشتري: اشتريت بمئة دينار، وقال الشفيع: لا، بل بألف درهم، فالقول قول المشتري؛ لأن الشفيع يدعي عليه التملك بهذا الجنس، وهو ينكر، والقول قول المنكر مع يمينه، ولأن المشتري أعرف بجنس الثمن من الشفيع؛ لأن الشراء وجد منه، لا من الشفيع، فكان أعرف به من الشفيع، فيرجع في معرفة الجنس إليه.\rومثال الاختلاف في صفة الثمن: أن يقول المشتري: اشتريت بثمن معجل، وقال الشفيع: لا، بل اشتريته بثمن مؤجل، فالقول قول المشتري؛ لأن الحلول في الثمن أصل، والأجل عارض، والمشتري يتمسك بالأصل، فيكون القول قوله بيمينه، ولأن العاقد أعرف بصفة الثمن من غيره، ولأن الأجل يثبت بالشرط، والشفيع يدعي عليه شرط التأجيل، وهو ينكر، فكان القول قوله.\r-------------------------------\r(1) البدائع: 30/5-32، تكملة الفتح: 424/7، اللباب مع الكتاب: 115/2، بداية المجتهد: 261/2، الشرح الصغير: 656/3، مغني المحتاج: 304/2، المغني: 328/5، 333.\r(2) البدائع: 30/5 - 32.","part":6,"page":662},{"id":4258,"text":"المبحث الخامس ـ شروط الشفعة :\rللأخذ بالشفعة شروط، وقع في بعضها اختلاف بين الفقهاء، وهي ما يلي:\r1 - خروج العقار عن ملك صاحبه خروجاً باتاً لا خيار فيه.\r2 - أن يكون العقد عقد معاوضة وهو البيع وما في معناه.\r3 - أن يكون العقد صحيحاً.\r4 - أن يكون الشفيع مالكاً وقت الشراء وإلى القضاء له بالشفعة: (شرط ملك الشفيع).\r5 - عدم رضا الشفيع بالبيع.\rواشترط الجمهور غير الحنفية أن يكون الشفيع شريكاً، فلا شفعة لجار عندهم، وقد ذكر في بحث الشفيع، كما اشترطوا أن يكون المبيع شقصاً (جزءاً) مشاعاً مع شريك قابلاً لقسمة الإجبار، وقد ذكر في بحث المشفوع فيه، ولم يشترطه الحنفية.\rواشترط كل الفقهاء أن يأخذ الشريك جميع الشقص المبيع، لئلا يتضرر المشتري بتبعيض الصفقة في حقه، بأخذ بعض المبيع، وترك البعض الآخر؛ لأن الضرر لا يزال بالضرر، فإن أخذ البعض وترك البعض سقطت شفعته.\rولم أجد حاجة للكلام عن اشتراط كون المشفوع فيه عقاراً، لأن الكلام عنه في بحث مستقل في المبحث الثاني.\rكما لا داعي للبحث في اشتراط عدم كون المشفوع فيه ملكاً للشفيع وقت البيع، فإن كان ملكاً له لم تجب الشفعة، لاستحالة تملك الإنسان مال نفسه. فهذا مفهوم بداهة، إذ لا يثير نزاعاً يؤدي إلى اللجوء إلى الشفعة. وأما اشتراط المبادرة إلى طلب الشفعة بالتراضي أو بالتقاضي، فمحله بحث مستقل في إجراءات الشفعة.","part":6,"page":663},{"id":4259,"text":"الشرط الأول ـ خروج العقار عن ملك صاحبه خروجاً باتاً :\rيجب أن يزول ملك البائع عن العقار المبيع، من طريق البيع البات النهائي اللازم الذي لا خيار فيه، فلا تستحق الشفعة في العقار إذا بيع بشرط الخيار. وهذا شرط متفق عليه بين المذاهب الأربعة، فقد اتفق فقهاؤهم على أن البيع المشتمل على خيار فيه للبائع، لا شفعة فيه، حتى يجب البيع أو يلزم. وعلى هذا لو كان الخيار لكل من العاقدين، فلا شفعة، لأجل خيار البائع.\rواختلفوا في البيع المشتمل على خيار للمشتري، فقال الحنفية، والشافعية في الأظهر الراجح عندهم (1) : لو كان الخيار للمشتري، تجب الشفعة؛ لأن خياره عند الحنفية لا يمنع زوال المبيع عن ملك البائع، ولأن المبيع في زمن الخيار للمشتري على الراجح عند الشافعية. هذا في خيار الشرط.\rأما خيار العيب والرؤية، فلا يمنع وجوب الشفعة؛ لأنه لا يمنع زوال ملك البائع.\rوقال المالكية والحنابلة (2) : لا تثبت الشفعة في بيع الخيار قبل انقضائه، سواء أكان الخيار لكل من البائع والمشتري، أم لأحدهما، فوجود الخيار للمشتري يمنع\r-------------------------------\r(1) البدائع: 13/5، الهداية مع تكملة الفتح: 438/7، تبيين الحقائق: 253/5 ومابعدها، الدر المختار: 160/5، 167، الكتاب مع اللباب: 114/2، مغني المحتاج: 299/2.\r(2) بداية المجتهد: 256/2، الشرح الصغير: 633/3، المغني: 294/5، كشاف القناع: /4 181.","part":6,"page":664},{"id":4260,"text":"الشفعة؛ لأن الأخذ بالشفعة يلزم المشتري بالعقد بغير رضاه، ويوجب العهدة (1) عليه، ويفوت حقه من الرجوع في عين الثمن، فلم يجز، كما لو كان الخيار للبائع.\rالشرط الثاني ـ أن يكون العقد عقد معاوضة :\rلا يثبت الحق في الشفعة إلا إذا خرج العقار عن ملك صاحبه بعقد معاوضة، وهو البيع، أو ما في معناه كالهبة بشرط العوض إن تقابضا، والصلح عن مال لأنه معاوضة، سواء أكان العقار المبيع وقفاً أم غير وقف.\rففي البيع تجب الشفعة، لانتقال المبيع إلى المشتري بعوض، لحديث جابر السابق: «فإن باعه، ولم يؤذنه، فهو أحق به» . وفي الهبة بعوض تجب الشفعة عند الحنفية إن تقابضا، لوجود معنى المعاوضة، عند التقابض؛ لأن الهبة لا تثبت إلا بالقبض، فإن قبض أحدهما دون الآخر، فلا شفعة عند أئمة الحنفية الثلاثة (أبي حنيفة وصاحبيه). وعند زفر: تجب الشفعة بنفس العقد؛ لأن الهبة بشرط العوض عند الثلاثة: تقع تبرعاً ابتداء، معاوضة انتهاء، وبناء عليه: يشترط ألا يكون الموهوب ولا عوضه شائعاً، لأنه هبة ابتداء. وعند زفر: تقع معاوضة ابتداء وانتهاء.\rولم يشترط التقابض عند الجمهور غير الحنفية في الهبة بشرط العوض (الثواب)؛ لأن الهبة عندهم عقد لازم، ولأن الموهوب له يملك الموهوب بعوض هو مال، فلم يفتقر إلى القبض في استحقاق الشفعة.\r-------------------------------\r(1) المراد بالعهدة هنا: رجوع من انتقل الملك إليه من شفيع أو مشتر على من انتقل عنه الملك من بائع أو مشتر بالثمن أو الأرش عند استحقاق الشقص ( الحصة من المبيع ) أو عيبه ( كشاف القناع: 182/4).","part":6,"page":665},{"id":4261,"text":"وتجب الشفعة في الدار التي هي بدل الصلح، سواء أكان الصلح على الدار عند الحنفية عن إقرار أم إنكار، أم سكوت، لوجود معنى المعاوضة.\rوهذا الشرط متفق عليه بين الفقهاء في المشهور عن مالك (1) ، فلا شفعة بناء عليه إذا زالت ملكية البائع عن ملكه بلا عوض مطلقاً، كالهبة بغير شرط العوض، والوقف، والوصية والميراث؛ لأن الشفعة حق تملك جبري، يملك به المبيع جبراً عن المشتري بمثل ما ملك ( أي بالثمن والتكاليف التي دفعها ). وهذه التصرفات تؤدي إلى نقل الملكية بغير عوض أي بالمجان، فلا يتأتى تحقق شرط الشارع في تملك الشفعة وهو البيع بمعاوضة وما في معناه.\rلكن الفقهاء اختلفوا في التملك بعوض غير مالي، كالمهر، وبدل الخلع، أو أجر طبيب أو محام مثلاً، أو أجرة دار، أو عوض في الصلح عن دم عمد.\rفقال الحنفية والحنابلة (2) : يشترط أن يكون عقد المعاوضة مال بمال، فلا شفعة إذا كان العوض غيرمال، كما في هذه الأحوال، لأن الشيء في المعاوضة غير المالية يشبه الموهوب والموروث، ولأن هذه الأعواض لا مثل لها، حتى يأخذ الشفيع الشيء بمثلها، فلا يمكن مراعاة شرط الشرع فيه، وهو التملك بما تملك به المشتري، فلم يكن مشروعاً. وأوضح الحنابلة أنه لا تجب الشفعة بفسخ يرجع به المبيع إلى البائع، كرده بعيب أو إقالة. وقال الحنفية: إذا اقتسم الشركاء العقار المشترك بينهم فلا شفعة لجارهم بالقسمة، لأنها ليست بمعاوضة مطلقاً، ولأن\rالشريك أولى من الجار. وإذا سلّم ( أي تنازل ) الشفيع الشفعة، ثم رد المشتري ما اشتراه بخيار رؤية أو شرط أو عيب بقضاء قاض، فلا شفعة للشفيع؛ لأن هذا الرد فسخ تام، فعاد المبيع لقديم ملكه، والشفعة تكون في حالة إنشاء العقد. وإن كان الرد للمبيع بغير قضاء، أو تقايلا (فسخا) البيع، فللشفيع الشفعة؛ لأن الرد فسخ في حق الطرفين، وبيع جديد في حق شخص\r-------------------------------\r(1) البدائع: 11/5، تبيين الحقائق: 239/5، 252، الهداية مع التكملة: 436/7-438، الدر المختار: 157/5، 165، الكتاب مع اللباب: 110/2، بداية المجتهد: 255/2 وما بعدها، القوانين الفقهية: ص 287، الشرح الصغير: 633/3 وما بعدها، مغني المحتاج: 298/2، المهذب: 376/1 وما بعدها، المغني: 291/5، كشاف القناع: 152/4.\r(2) تبيين الحقائق: 229/5، 252-253، المغني: 292/5.","part":6,"page":666},{"id":4262,"text":"ثالث، لوجود معنى البيع (وهو مبادلة المال بالمال بالتراضي) والشفيع هنا هو الثالث (1) .\rوقال المالكية والشافعية (2) : يكفي أن يكون العقد عقد معاوضة، سواء أكانت بمال أم غير مال، فتثبت الشفعة بالمعاوضة على غير مال؛ لأن الغرض من الشفعة دفع ضرر الدخيل، وهذا متحقق هنا، ولأنه عقار مملوك بعقد معاوضة، فأشبه البيع، ويطالب الشفيع حينئذ بدفع قيمة البدل، كما لو باعه بعرض تجاري؛ لأن هذه الأعواض أموال متقومة عندهم، فيؤخذ الشيء بقيمته عند تعذر الأخذ بالمثل، فيدفع الشفيع مهر المثل، وعوض الخلع.\rالشرط الثالث ـ أن يكون العقد صحيحاً :\rاتفق الفقهاء على هذا الشرط (3) ،لأن المطلوب هو زوال حق البائع في المبيع، فلا تثبت الشفعة في المشترى شراء فاسداً؛ لأن هذا العقد يجب ديناً نقضه، ورد المبيع إلى ملك بائعه، للتخلص من الفساد، فلا يكون البيع لازماً، لاحتمال فسخه من كل العاقدين، وفي إثبات الشفعة تقرير الفساد.\r-------------------------------\r(1) اللباب: 120/2 وما بعدها، كشاف القناع: 152/4 وما بعدها.\r(2) بداية المجتهد: 255/2، القوانين الفقهية: ص 287، مغني المحتاج: 298/2.\r(3) البدائع: 13/5، تبيين الحقائق: 254/5، اللباب: 114/2، الشرح الصغير: 640/3، مغني المحتاج: 298/2، المغني: 291/5.","part":6,"page":667},{"id":4263,"text":"لكن لو سقط حق فسخ البيع الفاسد بأسباب مسقطة للفسخ، كزيادة المبيع، وزوال ملك المشتري بالتصرف في المشترى إلى غيره، كان للشفيع عند الحنفية والمالكية (1) أن يأخذ بالشفعة؛ لأن المانع قيام احتمال الفسخ ولقد زال المانع، كما لو باع شخص بشرط الخيار له، ثم أسقط الخيار، وجبت الشفعة لزوال المانع من ثبوت الحق، وهو الخيار، فكذا هو.\rوفي حالة بيع المشتري الشيء المشترى شراء فاسداً، يكون الشفيع عند الحنفية بالخيار، إن شاء أخذ الشفعة بالبيع الأول، وإن شاء أخذها بالبيع الثاني؛ لأن حق الشفيع ثابت عند كل من البيعين، غير أنه إن أخذ بالبيع الثاني أخذ بالثمن، وإن أخذ بالبيع الأول، أخذ بقيمة المبيع يوم القبض؛ لأن البيع الفاسد يفيد الملك بقيمة المبيع لا بالثمن. وإنما تقدر القيمة يوم القبض؛ لأن المبيع بيعاً فاسداً مضمون بالقبض، كالمغصوب.\rورأي المالكية قريب من هذا، كما ظهر في مبدأ الكلام عن المبحث الرابع.\rالشرط الرابع ـ ملك الشفيع المشفوع به وقت البيع :\rاتفق الفقهاء على شرط كون الشفيع مالكاً ما يشفع به قبل البيع، واختلفوا في استمرار الملك حتى القضاء بالشفعة على رأيين:\rفقال الحنفية (2) : يشترط استمرار ملك الشفيع حتى يقضى له بالشفعة، فلو بيع عقار، فطلبه الشريك أو الجار بالشفعة، ثم باع ما يشفع به، سقط حقه فيها؛ لأن الشفعة شرعت لدفع الضرر عن الشفيع (الشريك أو الجار عندهم) ولا ضرر يصيبه من المشتري بعد بيع ملكه.\r-------------------------------\r(1) البدائع، والشرح الصغير، المكان السابق.\r(2) البدائع: 14/5، تكلمة الفتح: 446/7، الكتاب مع اللباب: 113/2، الدر المختار ورد المحتار: 157/5، 170.","part":6,"page":668},{"id":4264,"text":"وكذا لو باع الشفيع ما يشفع به قبل أن يقضى له بالشفعة، سقط حقه، سواء أكان عالماً ببيع الدار المشفوع فيها، أم لم يعلم.\rوقال جمهور الفقهاء (غير الحنفية) (1) : يشترط ثبوت ملك الشفيع وقت البيع فقط، ولايشترط استمرار الملك إلى وقت القضاء بالشفعة. وعليه نص الشافعية فقالوا: لو باع الشفيع حصته، أو أخرجها عن ملكه بغير البيع كالهبة، جاهلاً بالشفعة، فالأصح بطلانها، لزوال سببها، وهو الشركة أي حين البيع.\rأ ـ ويترتب على هذا الشرط بالاتفاق أنه لا شفعة لشخص بدار يسكنها بالإجارة، أو الإعارة، ولا بدار باعها قبل بيع المشفوع فيه، ولا بدار جعلها مسجداً، ولا بدار جعلها وقفاً، فلا شفعة للوقف ،أي ليس لناظر الوقف أن يطلب تملك العقار المبيع بجوار الأراضي الموقوفة، إذ لا مالك للوقف.\rأما إذا بيع الوقف عند الحنفية القائلين بجواز الاستبدال بالعين الموقوفة للضرورة أو للحاجة والمصلحة، فيثبت حق الشفعة للجار؛ لأنه بالبيع يصبح غير موقوف، فيجوز أخذه بالشفعة.\rكذلك تثبت الشفعة عند الحنفية في حالة بيع العقار الموقوف غير المحكوم به (2) ، كما تثبت في بيع الأراضي العشرية والخراجية لأنها مملوكة، بخلاف الأراضي السلطانية، فإنه لا شفعة فيها.\r-------------------------------\r(1) بداية المجتهد: 260/2، القوانين الفقهية: ص 287، مغني المحتاج: 298/2، 303، 308 وما بعدها، نهاية المحتاج: 308/4، المهذب: 383/1، المغني: 317/5، 346، غاية المنتهى: 263/2، كشاف القناع: 153/4، 158، 176، الشرح الصغير للدردير: 645/3، الشرح الكبير: 474/3، 487.\r(2) يرى أبو حنيفة أن الوقف لا يلزم ويزول ملك الواقف عنه إلا إذا حكم به الحاكم، أو علقه الواقف بموته (الهداية: 10/3).","part":6,"page":669},{"id":4265,"text":"وأجاز المالكية (1) لا للسلطان الأخذ بالشفعة لبيت المال، كما إذا مات أحد الشريكين، ولا وارث له، فأخذ السلطان نصيبه لبيت المال، ثم باع الشريك الآخر حصته، فللسلطان الأخذ بالشفعة لبيت المال. وكما لو مات إنسان عن بنت مثلاً، فأخذت النصف، ثم باعته، كان للسلطان الأخذ من المشتري لبيت المال.\rب ـ ويتفرع على الخلاف السابق بين الفقهاء في شرط استمرار ملك المشفوع به: إرث حق الشفعة.\rقال الحنفية: لا يثبت للوارث حق الأخذ بالشفعة إذا مات الشفيع بعد طلب الشفعة قبل القضاء، فليس للوارث الشفعة في عقار بيع في حياة مورثه؛ لأن الوارث لم يكن مالكاً ما ورثه وقت العقد.\rوقال الجمهور: يثبت حق الشفعة للوارث، إذا طالب به الشفيع المورث بعد البيع قبل موته، بخلاف ما إذا مات قبل الطلب؛ لأن الوارث خليفة المورث، فله كل حقوق مورثه، ومنها حق الشفعة، دفعاً لضرر الدخيل عن نفسه.\rومنشأ الخلاف في هذه المسألة كالخلاف في إرث خيار الشرط: هو هل تورث الحقوق كما تورث الأموال؟ عند أبي حنيفة: لا تورث، وعند الجمهور: تورث (2) .\rالشرط الخامس ـ عدم رضا الشفيع بالبيع وحكمه :\rاتفق الفقهاء على اشتراط ألا يصدر من الشفيع ما يدل على رضاه ببيع العقار المشفوع فيه، فإن رضي بالبيع أو بحكمه قولاً، أو فعلاً بأن باع الشفيع المشفوع به أو سكت مدة طويلة من غير عذر، سقط حقه في طلب الشفعة؛ لأن الشفيع بالخيار بين الأخذ والترك؛ لأن الشفعة حق ثبت له لدفع الضرر عنه، فيخير بين أخذه وتركه.\rوقدر المالكية مدة السكوت فقالوا: ألا يظهر من الشفيع ما يدل على إسقاط الشفعة من قول أو فعل أو سكوت مدة سنة كاملة بعد العقد فأكثر بلا مانع، مع علمه وحضوره.\rلكن يشترط لسقوط هذا الحق: ألا يكون هناك تدليس أو خديعة للشفيع لإسقاط الشفعة، من\r-------------------------------\r(1) الشرح الصغير: 632/3، الشرح الكبير: 474/3.\r(2) المبسوط: 116/14.","part":6,"page":670},{"id":4266,"text":"طريق المشتري، أو الثمن، أو قدر المبيع نفسه (1) .\rفإذا أخبر أن المشتري فلان، وكان المشتري بالفعل غيره؛ أو أن الثمن كذا، وكان الثمن بالفعل أقل أو من جنس أو نوع أو وصف آخر، أو أن المبيع جزء معين، وكان المبيع بالفعل جزءاً و أكثر أو كل المبيع، فسلم الشفعة أي أعرض عنها، ثم تبين الحقيقة والوافع، بقي حقه، وكان له الشفعة؛ لأنه إنما تركها لغرض بان خلافه ولم يتركه رغبة عنه.\rلكن لو كان الأمر على عكس بعض هذه الحالات الثلاث السابقة، كأن أخبر بأن الثمن ألف، فبان أكثر من ألف، أو أن المبيع كله، فبان بعضه، أو أن الثمن مؤجل، فبان حالاً نقداً، سقط حقه في الشفعة، لأنه إذا لم يرغب فيه بالأقل، أو بالمؤجل، فبالأكثر، أو المعجل أولى. ومن رغب عن شراء الكل، رغب عن شراء البعض بالأولى، خوف ضرر الشركة. والحالة الأخيرة هي الرواية المشهورة (ظاهر الرواية) عند الحنفية، وهي مذهب المالكية، أي أن الشفعة تسقط إذا أخبر الشفيع أن شريكه باع الكل، فترك الشفعة، ثم تبين أنه لم يبع إلا النصف مثلاً.\rوقال أبو يوسف والحنابلة: إن للشفيع في الحالة الأخيرة؛ لأنه قد يعجز عن ثمن الكل ويقدر على ثمن النصف مثلاً، وقد تكون حاجته إلى النصف لإتمام مرافق ملكه، ولا يحتاج إلى الكل.\rوالخلاصة عند الجمهور: أن الشفيع إذا أخبر بما هو الأنفع له، فترك الأخذ بالشفعة، بطل حقه، وإلا فلا.\rالاحتيال لإسقاط الشفعة :\rاتفق الحنفية على كراهية الحيلة تحريماً لإسقاط الشفعة بعد ثبوتها أي بعد البيع، أما الحيلة لدفع ثبوت الشفعة قبل البيع، فيروى عن أبي يوسف، وبقوله يفتى: أنه لا تكره، إذا كان الجار غير محتاج للمشفوع فيه؛ لأنها منع عن إثبات الحق، فلا يعد ضرراً. وتكره عند محمد؛ لأن الشفعة\r-------------------------------\r(1) البدائع: 15/5، 19-20، المبسوط: 105/14، 111، الدر المختار ورد المحتار: 173/5، اللباب: 118/2، الشرح الصغير: 643/3 وما بعدها، نهاية المحتاج: 159/4، المهذب: 379/1، مغني المحتاج: 308/2، المغني: 302/5، القوانين الفقهية: ص 286.","part":6,"page":671},{"id":4267,"text":"إنما وجدت لدفع الضرر، ولو أبحنا الحيلة لما تحقق دفع الضرر (1) .\rوالخلاصة: أن المقرر عند الحنفية ومثلهم الشافعية: أنه يجوز الاحتيال لإسقاط الشفعة، كأن يقر له ببعض الملك ثم يبيعه الباقي.\rأما الحنابلة والمالكية: فقد حرموا صراحة الاحتيال لإسقاط الشفعة، وإن فعل لم تسقط؛ لأنها شرعت لدفع الضرر، فلو سقطت بالتحيل لترتب الضرر (2) .\rالمبحث السادس ـ إجراءات الشفعة\rبما أن الشفعة حق ضعيف كما يقول الفقهاء، فلا تكون سبيلاً للتملك بها إلا باتخاذ إجراءات خاصة بطلبها من الشفيع بمجرد العلم بالبيع، حتى يحكم له بها.\rقال الحنفية: يلزم في الشفعة طلبات ثلاثة: هي طلب المواثبة، وطلب التقرير والإشهاد، وطلب الخصومة والتملك (3) . ويحسن قبل الكلام عن هذه الإجراءات بيان اختلاف الفقهاء حول وقت وجوب الشفعة.\rوقت وجوب الشفعة: اشترط الحنفية طلب الشفعة فور العلم بالبيع؛ لأنها حق ضعيف، فيتقوى بالطلب الفوري بحسب المعتاد.\rولم يشترط الإمام مالك المطالبة بالشفعة على الفور، وإنما وقت وجوب الأخذ بالشفعة عنده متسع، وهو في حدود السنة بعد العقد، على أشهر الأقوال عنه (4) .\rواشترط الشافعية على الأظهر (5) : المبادرة إلى طلب الشفعة على الفور ، أي بعد علم الشفيع بالبيع؛ لأنها حق ثبت لدفع الضرر، فكان على الفور كالرد بالعيب، فإذا علم الشفيع بالبيع، فليبادر على العادة، فلو كان الشفيع في الصلاة أو في الحمام أو في حال قضاء الحاجة، لم يكلف قطع ما هو فيه، وإنما له التأخير\r-------------------------------\r(1) الهداية مع تكملة الفتح: 450/7، الدر المختار ورد المحتار: 173/5، اللباب: 118/2.\r(2) المغني: 326/5 وما بعدها، كشاف القناع: 149/4 وما بعدها، الإفصاح: ص 276.\r(3) م 1028 مجلة، البدائع: 17/5، مختصر الطحاوي: ص 120 وما بعدها، تكملة الفتح: 416/7، 418 وما بعدها ، تبيين الحقائق: 242/5، الدر المختار: 157/5 وما بعدها، اللباب: 107/2، 112.\r(4) الشرح الكبير: 487/3 وما بعدها، الشرح الصغير: 639/3، 645، بداية المجتهد: 259/2.\r(5) المهذب: 380/1، مغني المحتاج: 307/2، حاشية الباجوري: 19/2، المحلي على المنهاج مع حاشية قليوبي وعميرة: 50/3.","part":6,"page":672},{"id":4268,"text":"إلى الفراغ مما هو فيه.والضابط فيه:أن ما عد توانياً في طلب الشفعة أسقطها، وإلا فلا.\rوإن كان مريضاً أو غائباً عن بلد المشتري، أو خائفاً من عدو، فليوكل إن قدر، وإلا بأن عجز عن التوكيل، فليشهد على طلب الشفعة رجلين عدلين أو عدلاً وامرأتين. فإن ترك الشفيع المقدور عليه من التوكيل والإشهاد، بطل حقه في الأظهر.\rوالحنابلة كالشافعية قالوا (1) : يشترط المطالبة بالشفعة على الفور بمجرد العلم بالبيع، بأن يشهد الشفيع على طلب الشفعة، حين يعلم بالبيع، إن لم يكن له عذر يمنعه من الطلب. ثم إذا أشهد على الطلب له أن يخاصم المشتري، ولو بعد أيام أو أشهر أو سنين.\rوبه يتبين أن الجمهور يقولون: إن الشفعة على الفور، للحديث النبوي: «الشفعة كحل العقال» (2) ، ولأن ثبوتها على التراخي ربما أضر بالمشتري لعدم استقرار ملكه.\rوأما المالكية: فلم يشترطوا الفورية، فلو سكت الشفيع بلا مانع سنة كاملة بعد العقد، فما دونها، أو غاب وعاد في أثناء السنة، ثم طلب الشفعة، أخذها؛ لأن السكوت لا يبطل حق امرئ مسلم ما لم يظهر من قرائن الأحوال ما يدل على إسقاطه. لكن يحق للمشتري المطالبة عند الحاكم للشفيع بعد الشراء بأن يحدد موقفه، إما بالأخذ بالشفعة أو الترك، فإن أجاب بواحد منهما فظاهر، وإلا أسقط الحاكم شفعته.\r-------------------------------\r(1) كشاف القناع: 156/4، المغني: 299/5، 306 وما بعدها.\r(2) ويروى «كنشطة العقال» رواه ابن ماجه، والبزار وابن عدي من حديث ابن عمر، وهو ضعيف (نصب الراية: 176/4 وما بعدها).","part":6,"page":673},{"id":4269,"text":"مراحل طلب الشفعة: يبدأ الشفيع بطلب الشفعة عند الحنفية كما يلي:\r1 - طلب المواثبة: أي المبادرة والسرعة، وهو أن يطلب الشفيع في مجلس علمه بالبيع الأخذ بالشفعة، بلفظ يفهم منه طلبها مثل: أطلب الشفعة أو أنا طالبها، أو أنا شفيع المبيع وأطلبه بالشفعة ونحوه (1) ، لقوله صلّى الله عليه وسلم : «الشفعة لمن واثبها» (2) ولا يلزم الإشهاد من الشفيع على هذا الطلب، وإنما هو أفضل، لمخافة جحود أو إنكار الخصم (المشتري) الطلب في ساحة القضاء. فالمعتبر هو الطلب، وإنما الإشهاد ليثبت الطلب بالشهادة عند الإنكار، كالطلب والإشهاد لهدم الحائط المائل، لا يشترط الإشهاد للضمان، وإنما لإثبات سبب الضمان.\rويلاحظ أن أصح الروايتين عند الحنفية: هو بقاء الحق في الطلب ما دام الشفيع في مجلس العلم بالبيع، مهما امتد.\rوالأظهر عند الشافعية كما تقدم أن هذا الطلب على الفور.\rوكذلك قال الحنابلة: الشفعة بالمواثبة ساعة العلم بالبيع أي على الفور .\rوأما المالكية: فوقت الطلب عندهم كما تبين على التراخي، لمدة سنة، على أشهر أقوال مالك.\r2 - طلب التقرير: وهو أن يتقدم الشفيع بطلب آخر يؤكد به طلبه الأول. إذ قد يكون الطلب الأول عن رغبة عارضة من الشفيع، ثم يتبين أمره وظروفه وإمكاناته المادية، فلا بد من هذا الطلب لتأكيد وتقرير الطلب الأول (3) .\rويشترط في هذا الطلب: أن يكون على فور الطلب الأول، والإشهاد عليه، بأن يشهد الشفيع على رغبته بالشفعة رجلين أو رجل وامرأتين، ومدة هذا الطلب ليست على فور المجلس في الأكثر، بل هي مقدرة بمدة التمكن من الإشهاد.\r-------------------------------\r(1) م (1029) مجلة.\r(2) رواه الفقهاء في كتبهم، وهو كما قال الزيلعي عنه: غريب، وأخرجه عبد الرزاق من قول شريح: «إنما الشفعة لمن واثبها » فهو أثر، وليس بحديث ( نصب الراية: 176/4).\r(3) البدائع: 18/5-19، تكملة الفتح: 419/7 ومابعدها، الدر المختار ورد المحتار: 158/5، تبيين الحقائق: 243/5 ومابعدها، اللباب: 108/2-109، م (1020) مجلة.","part":6,"page":674},{"id":4270,"text":"والإشهاد يكون على البائع إن كان المبيع في يده، أو على المشتري، وإن لم يكن قد تسلم المبيع؛ لأنه مالك؛ أوعند العقار لتعلق الحق به. وصورة الإشهاد والطلب: أن يقول الشفيع: إن فلاناً اشترى هذه الدار، وأنا شفيعها، وقد كنت طلبت الشفعة، وأطلبها الآن، فاشهدوا على ذلك، أو نحوه.\rويلاحظ أن الإشهاد على هذا الطلب ليس بشرط لصحته، كما ليس بشرط لصحة طلب المواثبة، وإنما هو لتوثيقه عند إنكار الخصم.\rوإن كان الشفيع في محل بعيد، ولم يمكنه طلب التقرير والإشهاد بهذا الوجه، يوكل آخر، وإن لم يجد وكيلاً أرسل مكتوباً.\rوإذا كان الشفيع قد تقدم بطلب المواثبة أمام شهود، عند البائع إذا كان المبيع في يده، أو عند المشتري، أو عند المبيع نفسه، كفاه ذلك عن طلب التقرير، لحصول المقصود، وهو إظهار كونه مصراً على طلب الشفعة.\rحكم الطلب: إذا فعل الشفيع طلب التقرير، استقرت شفعته أي حقه، ولم تسقط بعده بالتأخير عند أبي حنيفة وفي رواية عن أبي يوسف، وهو ظاهر المذهب وعليه الفتوى؛ لأن الحق متى ثبت واستقر لا يسقط إلا بالإسقاط.\rوقال محمد: إن تركها شهراً بعد الإشهاد من غير عذر، بطلت شفعته، لئلا يتضرر المشتري بالتأخير. وقد قال بعض الحنفية: والفتوى اليوم على قول محمد، لتغير أحوال الناس في قصد الإضرار، وقد أخذت المجلة بهذا الرأي في المادة (1034). وقال الحنابلة: إذا حدث الإشهاد على الطلب، فللشفيع مخاصمة المشتري ولو بعد سنين. وحدد المالكية لطلب الشفعة الأول مدة سنة تامة، فإذا سكت بلا مانع سنة كاملة بعد العقد، أو سكت بلا مانع مع علمه بهدم أو بناء سقطت شفعته، لأن سكوته دليل الإعراض عن أخذه بالشفعة.","part":6,"page":675},{"id":4271,"text":"3 - طلب الخصومة والتملك: وهو أن يقدم الشفيع طلباً للقضاء يطلب فيه الحكم بالشفعة وتسليم المبيع، بأن يقول: اشترى فلان دار كذا، وأنا شفيعها بدار كذا لي، أو أنا شريكه فيها، فأطلب منه تسليم الدار إلي (1) .\rجزاء التأخر في هذه الطلبات :\rلو أخر الشفيع طلب المواثبة عن مجلس علمه بالبيع بدون عذر، كأن اشتغل بأمر آخر، أو بحث في أمر آخر، أو قام من المجلس من دون أن يطلب الشفعة، سقط حقه في الشفعة. فإن وجد عذر مانع من المبادرة بالطلب كوجود حائل مخيف من وحش أو سيل مثلاً، لا تبطل شفعته حتى يزول المانع (2) .\rولو أخر الشفيع طلب التقرير والإشهاد، مدة يمكن إجراؤها فيها، ولو بإرسال مكتوب، يسقط حق شفعته (م 1033) مجلة.\rولو أخر الشفيع طلب الخصومة بعد طلب التقرير والإشهاد شهراً، من دون عذر شرعي، ككونه في ديار أخرى، يسقط حق شفعته (م 1034) مجلة.\rطالب الشفعة للمحجور: للصغير الأخذ بالشفعة عند أكثر الفقهاء. وطلب الولي حق شفعة الصغير ونحوه من المحجورين، فاعلاً ما يراه المصلحة للصغير في الأخذ بها، مثل كون ثمن المبيع رخيصاً أو بثمن المثل، وللصغير مال لشراء العقار. فإذا أخذ الولي بالشفعة لم يملك الصغير نقضها بعد البلوغ باتفاق المذاهب الأربعة.\rوإن لم يطلب الولي حق شفعة الصغير، فلا تبقى له عند أبي حنيفة وأبي يوسف صلاحية طلب حق الشفعة بعد البلوغ؛ لأن من ملك الأخذ بها، ملك العفو عنها، كالمالك.\rوقال المالكية والشافعية: ليس للصغير إذا بلغ المطالبة بالشفعة إذا عفا عنها وليه لمصلحة رآها للصغير، أو لم يكن للصغير ما يأخذها به، فتسقط الشفعة؛ لأن الولي فعل ماله فعله، فلم يجز للصبي نقضه كالرد بالبيع، ولأنه فعل ما فيه الحظ للصبي. فإن أسقط الولي الشفعة بلا نظر ولا تقدير للمصلحة، لم تسقط، ويكون للصغير الحق فيها إذا بلغ.\r-------------------------------\r(1) الدر المختار: 158/5 وما بعدها.\r(2) البدائع: 18/5، م (1032) مجلة.","part":6,"page":676},{"id":4272,"text":"وقال الحنابلة، وزفر ومحمد من الحنفية: للصغير إذا بلغ المطالبة بالشفعة، سواء عفا عنها الولي أو لم يعف، وسواء أكان في الأخذ بها أم في تركها مصلحة، أم لا؟ لأن المستحق للشفعة يملك الأخذ بها، سواء أكان له فيها الحظ، أم لم يكن، فهي حق ثابت للصغير، لا يملك الولي إبطاله، فلم يسقط بترك غير الصغير له، كالغائب إذا ترك وكيله الأخذ بها (1) .\rنظر القاضي في طلب الشفعة وإثبات الدعاوى :\rإذا تقدم الشفيع ليأخذ بالشفعة، وادعى شراء الدار المشفوعة، سأل القاضي (2) أولاً الشفيع عن موضع الدار وحدودها، لدعواه فيها حقاً. ثم هل قبض المشتري الدار؛ إذ لو لم يقبض لم تصح دعواه على المشتري ما لم يحضر البائع.\rثم يسأل القاضي عن سبب شفعة الشفيع وحدود ما يشفع به، إذ قد تكون دعواه بسبب غير صالح، ثم يسأل عن طلب التقرير كيف كان وعند من أشهد. فإذا تحقق ذلك كله صحت الدعوى.\rثم سأل القاضي المدعى عليه عن مالكية الشفيع لما يشفع به، فإن أقر بملكية الشفيع ما يشفع به، فبها، وإن أنكر تلك الملكية، كلف القاضي الشفيع إقامة البينة على ملكه؛ لأن ظاهر اليد (أو الحيازة) لا يكفي لإثبات الاستحقاق.\rفإن عجز الشفيع عن البينة، استحلف ـ بطلب الشفيع ـ المشتري، بالله ما يعلم أن الشفيع مالك لما ذكره، مما يشفع به.\rفإن نكل المشتري عن اليمين، أو قامت بينة للشفيع، ثبت ملكه الدار التي يشفع بها، وثبت له حق الشفعة.\rثم يسأل القاضي المدعى عليه أيضاً : هل اشترى (ابتاع) الدار المشفوعة، أو لا؟ فإن أقر فبها، وإن أنكر الابتياع، قيل للشفيع: أقم البينة على شرائه؛ لأن الشفعة لا تثبت إلا بعد ثبوت البيع بالحجة.\r-------------------------------\r(1) تكملة الفتح: 436/7، 451، تبيين الحقائق: 263/5، م (1035) مجلة، الشرح الصغير: 645/3، الشرح الكبير: 486/3، المغني: 313/5-314، كشاف القناع: 161/4 وما بعدها.\r(2) الدر المختار ورد المحتار: 159/5، تكملة الفتح: 421/7، اللباب: 111/2، تبيين الحقائق: 244/5 وما بعدها.","part":6,"page":677},{"id":4273,"text":"فإن عجز عنها، استحلف المشتري بالله ، ما ابتاع هذه الدار، أو بالله ، ما يستحق عليَّ في هذه الدار شفعة، من الوجه الذي ذكره الشفيع .\rفإن نكل المشتري عن اليمين، أو أقر بالشراء، أو بَرْهن الشفيع على مايدعي، قضي له بها، إذا لم ينكر المشتري طلب الشفيع الشفعة: فإن أنكر، فالقول له (للمشتري) بيمينه (1) . فإن أنكر طلب المواثبة حلف على العلم أي ما يعلم به؛ وإن أنكر طلب التقرير، حلف على البتات، أي الحزم بأنه لم يحصل.\rويلاحظ أن الخصم للشفيع: هو المشتري مطلقاً، سواء تسلم المبيع أم لا؛ لأنه مالك، والبائع قبل التسليم لقيام يده (حيازته).\rلكن لا تسمع البينة على البائع، حتى يحضر المشتري؛ لأنه المالك، ويفسخ بحضوره. فإن سلم المبيع للمشتري،لا يلزم حضور البائع، لزوال الملك واليد عنه (2) .\rالمبحث السابع ـ ما يطرأ على المشفوع فيه بيد المشتري :\rقد يطرأ على المشفوع فيه في يد المشتري قبل القضاء بالشفعة للشفيع بعض التغيرات من عقود وتصرفات ناقلة للملكية كالبيع والهبة، أو مرتبة لحق انتفاع وغيره كالإجارة والإعارة، أو حدوث زيادة كبناء وغرس، أو نقص كهلاك وهدم أو نقض. فما أثر هذه التغيرات الطارئة على حق الشفيع، وهل تسقط شفعته؟\rأولاً ـ العقود والتصرفات :\rقد تصدر تصرفات من المشتري في الشيء المشترى قبل أن يقضى للشفيع بالشفعة. وتلك التصرفات:\r-------------------------------\r(1) هذا محمول على ما إذا قال الشفيع: علمت أمس بالبيع، وطلبت الشفعة، فيكلف إقامة البينة، فإن عجز قبلت يمين المشتري. أما لو قال الشفيع: طلبت حين علمت، فالقول قوله بيمينه (رد المحتار: 158/5، 160).\r(2) الدر المختار: 160/5.","part":6,"page":678},{"id":4274,"text":"إما ناقلة للملكية كالبيع والهبة مع التسليم والوقف، وجعل المبيع مهراً في زواج.\rوإما مرتبة لحق انتفاع، أو حبس كالإجارة والإعارة، والرهن.\rوقد اتفقت المذاهب الأربعة (1) على جواز نقض بعض التصرفات الناقلة للملكية وهو البيع، بعد حكم القاضي بالشفعة لمستحقها، لتعلق حق الغير في المبيع. كما اتفقوا على جواز نقض الرهن والإجارة والإعارة، مما لا شفعة فيه ابتداء.\rوفي حالة البيع: يخير الشفيع بين أن يأخذ العقار المبيع بالثمن الذي تم به الشراء الأول، أو الثاني؛ لأن كل واحد من العقدين سبب تام لثبوت حق الأخذ له بالشفعة كما قال السرخسي، ولأن حق الشفيع سابق على هذا التصرف، فلا يبطل به.\rواتفق الحنفية والشافعية والمالكية على جواز نقض ما لا شفعة فيه ابتداء، كالوقف وجعله مسجداً أو مقبرة، والهبة له، والوصية به.\rوقال الحنابلة: تسقط الشفعة إذا تصرف المشتري بالمبيع قبل طلب الشفعة بهبة أو صدقة، أو وقف على معين كمسجد كذا، أو على الفقراء أو المجاهدين، أو جعله عوضاً عن طلاق أو خلع أو صلح عن دم عمد ونحوه، مما لا شفعة فيه ابتداء؛ لأن في الشفعة إضراراً بالموقوف عليه، والموهوب له، والمتصدق عليه ونحوه ، بسبب زوال ملكه يزول عنه بغير عوض؛ لأن الثمن إنما يأخذه المشتري، والضرر لا يزال بالضرر. ولا يصح عند الحنابلة تصرف المشتري بعد طلب الشفيع الشفعة، لانتقال الملك إلى الشفيع بالطلب في الأصح. ولو أوصى المشتري بالشقص المشترى (الحصة المبيعة) فإن أخذه الشفيع قبل القبول بطلت الوصية، واستقر الأخذ للشفيع، لسبق حقه على حق الموصى له، والوصية قبل القبول بعد الموت جائزة، لا لازمة.\r-------------------------------\r(1) المبسوط: 108/14 وما بعدها، الدرا لمختار: 164/5، الشرح الصغير: 652/3، القوانين الفقهية: ص 287، الشرح الكبير: 493/3، مغني المحتاج: 303/2 وما بعدها، المهذب: 382/1، كشاف القناع: 169/4 وما بعدها.","part":6,"page":679},{"id":4275,"text":"ثانياً ـ نماء المشفوع فيه وزيادته :\rقد يَحْدث نمو طبيعي في العقار المشفوع فيه، وقد يُحدث المشتري فيه زيادة بالبناء أو الغراس،قبل الحكم بالشفعة لصاحبها، فمن الأحق بذلك، الشفيع أم المشتري، وإذا كان المستحق هو المشتري، فهل يعوض عن حقه، وما التعويض؟\r1 - النماء الطبيعي :\rإذا نما المبيع في يد المشتري، كأن أثمر الشجر في يده بعد الشراء:\rقال الحنفية (1) : القياس ألا يكون للشفيع، لأنه نما على ملك المشتري وبعلمه. والاستحسان أنه للشفيع؛ لأن الثمر متصل خلقه بالشجر، فكان تبعاً له، ولأنه متولد من المبيع، فيسري إليه الحق الثابت في الأصل (الشجر) الحادث قبل الأخذ، كالمبيعة إذا ولدت قبل القبض، فإن المشتري يملك الولد تبعاً للأم.\rوالخلاصة: أنه يأخذه الشفيع؛ لأنه مبيع تبعاً لأصله.\rوقال المالكية (2) : الغلة قبل الشفعة للمشتري؛ لأن الضمان عليه، والغلة (أو الخراج) بالضمان.\r-------------------------------\r(1) تبيين الحقائق: 251/5، تكملة الفتح: 434/7، الكتاب مع اللباب: 119/2، الدر المختار ورد المحتار: 164/5-165.\r(2) الشرح الصغير: 654/3.","part":6,"page":680},{"id":4276,"text":"وقال الشافعية والحنابلة (1) : للنماء حالتان:\rأ ـ إذا كان نماء متصلاً، كالثمرة غير الظاهرة، والشجر إذا تكاثر، فهو للشفيع، يأخذ المبيع مع زيادته، لأن مالا يتميز يتبع الأصل في الملك، كما يتبعه في حالة الرد بالعيب أو الخيار أو الإقالة.\rب ـ وإذا كان نماء منفصلاً، كالثمرة الظاهرة، والطلع المؤبر، والغلة والأجرة، فهي للمشتري لاحق للشفيع فيها عند الحنابلة، وفي المذ هب الجديد للشافعي؛ لأنها حدثت في ملك المشتري، فلا تتبع المبيع، فلا يؤخذ به إلا ما دخل بالعقد، ولا يستحق شيء بغير تراض.\rوالخلاصة: أن هذين المذهبين يلتقيان مع مقتضى القياس عند الحنفية.\r2 - الزيادة المحدثة:\rإذا أحدث المشتري زيادة في المبيع، بالبناء أو الغرس أو الزرع.\rأ ـ ففي حالة الزرع الذي له نهاية معلومة: اتفق الفقهاء على أن للشفيع الأخذ بالشفعة، ويكون الزرع للمشتري على أن يبقى في الأرض إلى أوان الحصاد، وعليه الأجرة عند الحنفية عن المدة التي تمضي بين القضاء بالشفعة وبين الحصاد (2) .\rوقال الشافعية والحنابلة: يبقى الزرع بلا أجر على المشتري، لأنه زرعه في ملكه (3) .\r-------------------------------\r(1) المهذب: 382/1، المغني: 319/5 وما بعدها، كشاف القناع: 174/4.\r(2) المبسوط: 115/14، البدائع: 27/5 وما بعدها، الدر المختار ورد المحتار: 164/5، تبيين الحقائق: 250/5.\r(3) المغني: 319/5، نهاية المحتاج:154/4، مغني المحتاج: 304/2، كشاف القناع: 174/4.","part":6,"page":681},{"id":4277,"text":"ب ـ وأما في حالة البناء والغرس: فللشفيع الأخذ بالشفعة أيضاً، لكن الفقهاء اختلفوا فيما يجب عليه من دفع قيمة البناء والغراس.\rقال الحنفية في ظاهر الرواية (1) : إذا بنى المشتري أو غرس فيما اشتراه، ثم قضي للشفيع بالشفعة، كان للشفيع الخيار:إن شاء كلف المشتري بالقلع وتخلية الأرض مما أحدث فيها؛ لأنه وضعه في محل تعلق به حق متأكد للغير من غير إذن، وتكون الأنقاض للمشتري، لا للشفيع، لزوال التبعية بالانفصال.\rوإن شاء أخذ الأرض بالثمن الذي دفعه المشتري، على أن يدفع قيمة البناء والغرس مقلوعاً أي مستَحَق القلع أنقاضاً.\rوقال الجمهور (المالكية والشافعية والحنابلة) (2) ، ورأيهم هو الأعدل: إن اختار المشتري قلع الغراس والبناء، لم يمنع إذا لم يكن فيه ضرر؛ إذ لا ضرر ولا ضرار؛لأنه ملكه، فيملك إزالته ونقله، ولا يلزمه تسوية الأرض؛ لأنه غير متعد.\rوإن لم يختر المشتري القلع، فالشفيع بالخيار بين ترك الشفعة، وبين دفع قيمة البناء والغراس مستَحَق البقاء.\rوهذا هو رأي أبي يوسف أيضاً.\rوالسبب في اختلاف الرأيين كما قال ابن رشد الحفيد الفيلسوف في بداية المجتهد: تردد تصرف المشفوع عليه، العالم بوجوب الشفعة عليه بين شبهة تصرف الغاصب، وتصرف المشتري الذي يطرأ عليه الاستحقاق، عندما بنى في الأرض أو غرس. فمن غلب على فعله شَبَه الاستحقاق وهم الجمهور، قرر أنه لا بد للمشتري من أن يأخذ القيمة. ومن غلب على فعله شَبَه التعدي قال وهم الحنفية: للشفيع أن يعطي قيمة البناء والغراس منقوضاً.\rثالثاً ـ نقص المشفوع فيه :\rللفقهاء حول هذا الموضوع رأيان متعارضان: رأي الحنفية وقريب منه مذهب المالكية، ورأي الشافعية والحنابلة.\rقال الحنفية (3) : قد يكون النقص جزءاً من توابع الأرض، أو متصلاً بالأرض، أو بعضاً من الأرض نفسها.\rأ ـ فإن كان النقص جزءاً من توابع الأرض، مثل قطف الثمر، وهلاك الآلات الزراعية أو الصناعية، ثم حكم بالشفعة للشفيع، سقط من الثمن قيمة هذه الثمار والآلات، سواء أكان النقص بفعل المشتري؛ لأنها مقصودة بالبيع، وقد أخذها المشتري، أم كان الهلاك بآفة سماوية؛ لأنها كانت بعض المعقود عليه، ودخلت في البيع مقصودة، فيقابلها حصتها من الثمن.\rب ـ وإن كان النقص جزءاً متصلاً بالأرض، مثل يبس الشجر أو جفافه، وانهدام البناء، واحتراقه، ونقضه، ثم قضي للشفيع بالشفعة، فإن كان ذلك بصنع المشتري أو غيره، نقص من الثمن قيمة ما زال، كالحالة الأولى، فتقوَّم الأرض بدون شجر وبناء، وتقوَّم وفيها البناء والشجر، ويسقط عن الشفيع مقدار التفاوت أو الفرق بينهما، لوجود التعدي والإتلاف، فيقابله شيء من الثمن. وتكون الأنقاض حينئذ للمشتري.\r-------------------------------\r(1) البدائع: 29/5، تبيين الحقائق: 250/5، المبسوط: 114/14، الدر المختار: 164/5، اللباب: 118/2 وما بعدها.\r(2) بداية المجتهد: 260/2، نهاية المحتاج، ومغني المحتاج: المكان السابق، المغني: 317/5 وما بعدها، كشاف القناع: 175/4.\r(3) المبسوط: 115/14، تبيين الحقائق: 251/5 وما بعدها، الدرالمختار ورد المحتار: 164/5 وما بعدها، تكملة الفتح: 434/7، اللباب: 119/2، الأموال ونظرية العقد في الفقه الإسلامي لأستاذنا المرحوم الدكتور محمد يوسف موسى: ص 236 وما بعدها.","part":6,"page":682},{"id":4278,"text":"وأما إن حدث ذلك بلا تعد من أحد، وإنما بآفة سماوية، كزلزال أو صقيع أو ريح عاتية، كان على الشفيع دفع الثمن كله، ولا يسقط منه شيء مقابل الجزء التالف أو الضائع؛ لأن النقص ليس بجناية أحد، ولأن الشجر والبناء تابعان للأرض، حتى إنهما يدخلان في عقد البيع بدون ذكر، فلا يقابلهما شيء من الثمن؛ لأن الأصل أن الثمن يقابل الأصل لا الوصف.\rوأما مصير الأنقاض من أحجار وأخشاب: فإن لم يبق منها شيء، فلا إشكال. وإ ن بقي منها شيء، وأخذه المشتري لانفصاله من الأرض وعدم تبعيته لها، سقطت حصته من الثمن، بقيمته يوم الأخذ. وأما الدار فتقوم يوم العقد، ويوزع الثمن بين الدار والأنقاض بحسب قيمتها على النحو المذكور.\rوإن لم يأخذ المشتري الأنقاض، كأن هلكت بعد انفصالها، لم يسقط شيء من الثمن، لعدم حبس الأنقاض من قبله، ولأنها من التوابع، والتوابع لا يقابلها شيء من الثمن، وبالأخذ بالشفعة تحولت الصفقة إلى الشفيع.\rجـ ـ وأما إن كان النقص في الأرض نفسها، لا فيما عليها من شجر أو بناء، كأن أغرقها السيل، فأزال بعضها، كان للشفيع الخيار بين ترك الشفعة، وبين أخذ الباقي بحصته من الثمن؛ لأن حقه ثابت في الكل، وقد تمكن من أخذ البعض، فيأخذه بحصته من الثمن، لهلاك بعض الأصل.\rومذهب المالكية إجمالاً كالحنفية، فإنهم قالوا (1) : لا يضمن المشتري نقص الشقص (الجزء المشفوع فيه) إذا طرأ عليه بسب سماوي، أو بسبب من المشتري لمصلحة، كأن هدم ليبني أو لأجل توسعة.\rفإن كان النقص بسبب من المشتري، كأن هدم لا لمصلحة، ضمن.\rفإن هدم وبنى، فللمشتري قيمته يوم البناء على الشفيع قائماً، لعدم تعديه.\r-------------------------------\r(1) الشرح الصغير: 654/3، الشرح الكبير: 494/3.","part":6,"page":683},{"id":4279,"text":"وتحسب للشفيع من الثمن قيمة الأنقاض يوم الشراء، فيحط عنه من الثمن، ويغرم ما بقي مع قيمة البناء قائماً.\rوقال الشافعية والحنابلة (1) : إن تلف الشقص (الجزء المشفوع فيه) أو بعضه، في يد المشتري، فهو من ضمانه، لأنه ملكه، تلف في يده.\rثم إن أراد الشفيع الأخذ بعد تلف بعض المشفوع فيه، أخذ الموجود بحصته من الثمن، سواء أكان التلف بفعل الله تعالى، أم بفعل آدمي، وسواء تلف باختيار المشتري كنقضه البناء، أو بغير اختياره كانهدام البناء نفسه.\rوالأنقاض إن كانت موجودة أخذها الشفيع مع الأرض بحصتها من الثمن، وإن كانت معدومة أخذ الأرض وما بقي من البناء.\rالمبحث الثامن ـ مسقطات الشفعة :\rتعرف الأسباب التي تؤدي إلى إسقاط حق الشفعة، عند الكلام على شروط الأخذ بالشفعة، لذا أوجز الكلام في بيان ما تسقط به الشفعة فيما يأتي، مع ملاحظة أن بعض الحالات متفق عليها، وبعضها مختلف فيها:\r1 - بيع الشفيع ما يشفع به من عقار قبل أن يقضى له بالشفعة: إذا باع الشفيع ما يشفع به قبل العلم بالشفعة، أو بعد العلم بالشفعة، وقبل الحكم بها، سقطت شفعته، باتفاق الفقهاء ما عدا ابن حزم الظاهري، لزوال السبب الذي يستحق به الشفعة، وهو الملك الذي يخاف الضرر بسببه. فبطلان هذه الشفعة أمر منطقي بدهي، لانتفاء الضرر عن الشفيع الذي شرعت الشفعة من أجل دفعه عن الشريك باتفاق الفقهاء. أو عن الجار عند الحنفية (2) .\r-------------------------------\r(1) المغني: 320/5.\r(2) الهداية مع تكملة الفتح: 446/7، تبيين الحقائق: 258/5، الدر المختار: 170/5، الكتاب مع اللباب: 113/2، المهذب: 381/1، كشاف القناع: 169/4، المحلى: 116/9، م 1601، الشرح الصغير: 642/3.","part":6,"page":684},{"id":4280,"text":"2 - تسليم الشفعة أو الرغبة عنها بعد البيع: سواء أكان عالماً بحقه فيها، أم غير عالم، صراحة، أم دلالة وضمناً؛ لأن الشفعة حق ضعيف يسقط بأوهى الأسباب، وذلك في المذاهب الأربعة (1) .\rأما تسليم الشفعة صراحة: فمثل أن يقول الشفيع: لا أرغب فيها، أو لا أريدها، أو أسقطتها أو أبطلتها، أو أبرأتك عنها أو عفوت عنها أو سلمتها، ونحوها على أن يكون تسليمها بعد البيع وقبل الحكم بها؛ لأنه لا حق له قبل البيع فيسقطه، ولأنه بعد الحكم لا يملك إسقاطها إلا بعقد ناقل للملكية.\rوأما تسليم الشفعة دلالة: فهو أن يوجد من الشفيع ما يدل على رضاه بالعقد وحكمه للمشتري، وهو ثبوت الملك له، مثل ترك طلب المواثبة أو طلب التقرير بعد العلم بالبيع مع القدرة عليه بأن يترك الطلب على الفور من غير عذر، أو قام عن المجلس الذي علم فيه بالبيع، أو تشاغل عن الطلب بعمل آخر؛ لأن ترك الطلب مع القدرة عليه دليل الرضا بالعقد وحكمه للمشتري الدخيل.\rومثل: أن يساوم الشفيع المشتري على شراء ما اشتراه أو إيجاره له، لأن مساومته دليل على إعراضه عن الأخذ بالشفعة.\rومثل أن يكون الشفيع وكيلاً عن البائع فيما باعه؛ لأنه يسعى في نقض ما تم من جهته. أما إذا كان الشفيع وكيل المشتري فيما ابتاع أي اشترى لموكله، فله الشفعة، لأنه لا ينتقض شراؤه بالأخذ بها (أي الشفعة)؛ لأنها مثل الشراء. وهذا التفصيل عند الحنفية، وبعض الحنابلة وبعض الشافعية.\r-------------------------------\r(1) المبسوط: 154/14 وما بعدها، البدائع: 19/5-20، تبيين الحقائق: 257/5، الهداية مع التكملة: 442/7-445، الدر المختار: 168/5 وما بعدها، الكتاب مع اللباب: 112/2-113، الشرح الصغير: 642/3، 645، المهذب: 380/1، مغني المحتاج: 306/2، المغني: 349/5 وما بعدها، بداية المجتهد: 259/2، القوانين الفقهية: ص286.","part":6,"page":685},{"id":4281,"text":"وقال الشافعية والحنابلة في الأرجح (1) : إذا وكل الشفيع في البيع، لم تسقط شفعته بالتوكيل، سواء أكان وكيل البائع أم وكيل المشتري، لأنه وكيل فلا تسقط شفعته كالآخر. أما التهمة فلا تؤثر؛ لأن الموكل وكله مع علمه بثبوت شفعته راضياً بتصرفه مع ذلك، فلا يؤثر، كما لو أذن لوكيل في الشراء من نفسه.\rوهناك أمران في تسليم الشفعة: وهما تسليم الولي شفعة الصبي، والصلح عن الشفعة.\rأ ـ تسليم الشفعة من الولي: أوضحت هذا الموضوع في بحث طلب الشفعة، وأشير إليه هنا بإيجاز يتصل بأمر سقوط الشفعة.\rقال الشيخان (أبو حنيفة وأبو يوسف) (2) : تسليم الأب والوصي الشفعة على الصغير جائز، فيسقط حقه فيها حينئذٍ؛ لأن الأخذ بالشفعة في معنى التجارة، بل عين التجارة؛ لأنه مبادلة المال بالمال، وترك الأخذ بها ترك التجارة، فيملكه الولي، كما يملك ترك التجارة برد بيع شيء للصبي، عندما يقال للأب مثلاِ: بعتك هذا المال لابنك الصغير؛ ولأنه أي الأخذ بالشفعة تصرف دائر بين النفع والضرر، وقد تكون المصلحة في ترك الشراء للصبي، رعاية لمصلحته، ليبقى الثمن على ملكه، والولاية: نظر بحسب المصلحة.\rوفصل المالكية في الأمر (3) : فقالوا: إن كان ترك الشفعة لمصلحة القاصر، صح إسقاطها من الأب أو الوصي، وإلا فلا يصح، وللقاصر حينئذ طلبها متى بلغ.\r-------------------------------\r(1) المغني: 351/5.\r(2) تبيين الحقائق: 263/5، تكملة الفتح: 451/7، م (1035) مجلة.\r(3) الشرح الكبير: 486/3، الشرح الصغير: 645/3.","part":6,"page":686},{"id":4282,"text":"وقال زفر ومحمد والحنابلة (1) : ليس للولي إسقاط شفعة الصغير، سواء لمصلحة أو لغير مصلحة، ويظل الصغير على شفعته متى بلغ؛ لأن هذا حق ثابت للصغير، فلا يملك الولي إبطاله، كالتنازل عن ديته، وقَوَده (حقه في القصاص) ولأنه شرع لدفع الضرر، فكان إبطاله إضراراً به.\rويجري هذا الخلاف عند الحنفية في تسليم الوكيل طلب الشفعة عن موكله. عند أبي حنيفة: يصح منه تسليمها في مجلس القاضي؛ لأن الوكيل قائم مقام الموكل في الخصومة ومحلها مجلس القاضي.\rوعند أبي يوسف: يصح للوكيل تسليم الشفعة في مجلس القاضي وفي غيره، لكونه نائباً عن الموكل مطلقاً.\rوعند محمد وزفر: لا يصح من الوكيل تسليم الشفعة أصلاً.\rب ـ الصلح عن الشفعة: قال الحنفية (2) : إن صالح الشفيع عن حقه في الشفعة بأخذ عوض عنه، سقطت شفعته لتضمن فعله الإعراض عن الشفعة، وعليه رد العوض الذي أخذه، لبطلان الصلح وبيع الحق؛ لأن الشفعة مجرد حق في التملك، وقد شرعت لدفع الضرر عن الشفيع، فلا تصح المعاوضة عن هذا الحق، ويكون الاعتياض عنه رشوة.\rوالخلاصة: أن الصلح وإن لم يصح، فإسقاط حق الشفعة صحيح؛ لأن صحته لا تتوقف على العوض، بل هو شيء من الحقوق المالية لا تصح المعاوضة عنه، فصار الشفيع كأنه سلَّم الشفعة بلا عوض.\r-------------------------------\r(1) المغني: 313/5، كشاف القناع: 161/4 وما بعدها.\r(2) البدائع: 20/5، تكملة الفتح: 443/7، تبيين الحقائق: 257/5، الكتاب مع اللباب: 113/2، الدر المختار: 169/5.","part":6,"page":687},{"id":4283,"text":"3 - ضمان الدَّرَك: تسقط الشفعة عند الحنفية (1) إذا ضمن الشفيع الدرك عن المشتري للبائع أي ضمن له الثمن عند المشتري؛ لأن هذا دليل على الرضا بالبيع الحادث للمشتري.\rكما أن البائع إذا شرط الخيار للشفيع في إمضاء البيع أو عدم إمضائه، فأمضى المشروط له الخيار (وهو الشفيع) البيع؛ لأن البيع تم بإمضائه، وهذا في تقديري هو الأحق بالاتباع.\rوقال الشافعية والحنابلة (2) : لا تسقط الشفعة إن ضمن الشفيع العهدة (المطالبة بالثمن عند استحقاق المبيع أو عيبه) للمشتري، أو شرط له الخيار، فاختار إمضاء العقد، لم تسقط شفعته؛ لأن المسقط لها هو الرضا بتركها بعد وجوبها بالبيع، وهذا لم يوجد، فإنه سبب سَبَق وجوب الشفعة، فلم تسقط به الشفعة، كالإذن بالبيع، والعفو عن الشفعة قبل تمام البيع.\r4 - تجزئة المشفوع فيه: اتفق الفقهاء (3) على أن الشفعة حق لا يقبل التجزئة، فإذا تنازل (سلم) الشفيع عن بعض المشفوع فيه كالنصف مثلاً، سقط حقه في كل المبيع؛ لأنه لما سلَّم في النصف بطل حقه فيه بصريح الإسقاط، وبطل حقه في الباقي؛ لأنه لا يملك حق تفريق الصفقة على المشتري، فسقطت شفعته في الكل، منعاً من إضرار المشتري في تفريق الصفقة عليه، والضرر لا يزال بالضرر، لكن كما لو قال أبو يوسف، ورأيه هو الراجح عند الحنفية: لا تسقط الشفعة في حال طلب نصف المشفوع فيه ويظل الحق للشفيع في أخذ الكل أو ترك الكل.\r-------------------------------\r(1) تبيين الحقائق: 258/5، الهداية مع التكملة: 447/7، اللباب: 113/2.\r(2) المغني: 351/5، كشاف القناع: 182/4.\r(3) البدائع: 21/5، بداية المجتهد: 258/2، مغني المحتاج: 306/2، المهذب: 381/1، كشاف القناع: 164/4، المحلى: 118/9، م 1604.","part":6,"page":688},{"id":4284,"text":"وإذا تعدد الشفعاء، فليس لبعضهم أن يهب حصته لبعض، وإن فعل أحدهم أسقط حق شفعته م (1042) مجلة (1) .\rوإن أسقط أحد الشفعاء حقه قبل حكم الحاكم، فللشفيع الآخر أن يأخذ تمام العقار المشفوع. وإن أسقطه بعد حكم الحاكم، فليس للآخر أن يأخذ حقه م (1043) مجلة.\r5 - وفاة الشفيع: تسقط الشفعة عند الحنفية (2) بوفاة الشفيع، سواء بعد الطلب (أي طلبي المواثبة والتقرير) أو قبله، قبل الأخذ بالقضاء له أو تسليم المشتري إليه؛ لأن حق الشفعة لا يورث كخيار الشرط، إذ الحقوق لا تورث عندهم، ولأنه بالموت يزول ملك الشفيع عن داره ويثبت الملك للوارث بعد البيع، والمطلوب تحقق الملك وقت البيع.\rولا تبطل الشفعة بموت المشتري لبقاء المستحق، أي أن المستحق باق، ولم يتغير سبب حقه.\rوفصل الظاهرية والحنابلة في الأمر (3) ، فقالوا: إن مات الشفيع قبل أن يطلب الشفعة، سقطت شفعته (4) ، ولا حق لورثته في الأخذ بالشفعة أصلاً؛ لأن الله تعالى إنما جعل الحق له، لا لغيره، والخيار لا يورث.\rوتورث الشفعة إن أشهد الشفيع على مطالبته، ثم مات، وللورثة المطالبة بها؛ لأن الإشهاد على الطلب عند العجز عنه يقوم مقامه.\r-------------------------------\r(1) المهذب: المكان السابق، البدائع: 5/5 وما بعدها، الدر المختار: 173/5.\r(2) الدر المختار: 170/5، تكملة الفتح: 446/7، تبيين الحقائق: 257/5، اللباب: 113/2، البدائع: 22/5، م (1038) مجلة.\r(3) المحلى: 117/9، م 1603، المغني: 346/5، كشاف القناع: 176/4.\r(4) قال الإمام أحمد: الموت يبطل به ثلاثة أشياء: الشفعة، والحد إذا مات المقذوف، والخيار إذا مات الذي اشترط الخيار.","part":6,"page":689},{"id":4285,"text":"وهذا التفصيل يؤدي إلى الاتفاق مع مذهب الحنفية في عدم إرث الشفعة قبل الطلب.\rوقال المالكية والشافعية (1) : يورث حق الشفعة، إذا مات الشفيع بعد الطلب قبل الأخذ، فالشفعة موروثة عندهم؛ لأنه خيار ثابت لدفع الضرر عن المال، فيورث كخيار العيب.\rوالظاهر مما نقل عن هذين المدهبين في كتب غيرهم أن حق الشفعة يورث، ولو قبل طلبها من الشفيع أيضاً، لإطلاق عباراتهم. لكن الحق أنه لا بد عند الشافعية من الطلب وإلا سقط حق الشفيع نفسه فيكون مذهبهم كالحنابلة (2) .\rوالخلاصة: أن الشفعة لا تورث عند الحنفية بعد الطلب، وتورث بعد الطلب في المذاهب الثلاثة وعند الظاهرية.\rوالخلاف محصور فيما إذا مات الشفيع قبل القضاء بالشفعة له، فإذا مات بعد القضاء قبل نقد الثمن وقبض المبيع، فالبيع لازم لورثته بالاتفاق.\rومن الكلام في مسقطات الشفعة يتبين لنا الحقائق التالية (3) :\r1 - الشفعة حق ضعيف، يجب أن يتقوى ويتأكد بالطلب.\r2 - الشفعة شرعت لدفع الضرر عن صاحبها وهو الشريك باتفاق الفقهاء، والجار عند الحنفية.\r3 - لا يصح أن تكون الشفعة سبباً لضرر المشتري بتفريق الصفقة عليه، إذا طلب الشفيع أخذ بعض المبيع فقط.\rانتهى الجزء السادس ويتبعه\rالجزء السابع: الفقه العام - معالم النظام الاقتصادي - الحدود والجنايات\r-------------------------------\r(1) بداية المجتهد: 260/2، القوانين الفقهية: ص 287، المهذب: 383/1، نهاية المحتاج: 158/4.\r(2) أما المالكية فقد أثبتوا للشفيع حق الأخذ بالشفعة مدة سنة، فإذا مات قبل الطلب فيورث عنه هذا الحق، ما لم يكن الحاكم قد أسقط شفعته إذا لم يحدد رغبته إما بالأخذ أو بالترك، بناء على طلب المشتري.\r(3) الأموال ونظرية العقد للمرحوم موسى: ص 238.","part":6,"page":690},{"id":4286,"text":".......................................الفِقْهُ الإسلاميُّ وأدلَّتُهُ...............................\r...........................................الجزء السابع....................................\rمعالم النظام الاقتصادي في الإسلام\rالكلام في موضوع الاقتصاد يحتاج إلى بحث طويل وتخصص وتعمق، ولا يمكن الإحاطة بمضمون نظرية اقتصادية إلا بعد دراسة مستفيضة لها، والحق أن النظريات الاقتصادية الحديثة يصعب أن نجد لها مثيلاً مفصلاً عند فقهاء الإسلام وكل مالدينا هو مبادئ وخطط عامة في الاقتصاد، يمكن التماسها والسير في هديها لمعرفة مدى مطابقتها أو مغايرتها إجمالاً لما هو سائد اليوم في عالم الاقتصاد.\rوهكذا يمكننا رسم معالم السياسة الاقتصادية في الإسلام من عدة وجوه منها ما يأتي من البحوث:\rالمبحث الأول ـ الاقتصاد الإسلامي ومعالمه الكبرى :\rتمهيد: إن الاقتصاد في الماضي والحاضر والمستقبل هو عصب الحياة النابض وشريانها المتدفق حيوية وغزارة وفاعلية، لذا فإنه يؤثِّر في الإنسان تأثيراً مباشراً في جميع أحواله الفكرية والدينية والسلوكية، ويؤثِّر في الأمة من جميع نواحيها العسكرية والسياسية والقانونية والاجتماعية، فالاقتصاد القوي عنوان المجد والقوة والسيادة، والاقتصاد الضعيف رمز التخلف والتأخر والانحطاط، ولقد كانت الحروب والمنازعات على الصعيدين القبلي والدولي ترجع في أغلبها إلى أسباب اقتصادية. وما زال الناس أفراداً وجماعات منذ فجر التاريخ مهتمين بوسائل المعاش ومتاع الحياة، وينعكس أثر الاقتصاد على السياسة الدولية بشكل واضح، فما الاستعمار وآثامه، والمؤتمرات الدولية التي يتكررا انعقادها في المناسبات والأزمات والأسواق الدولية المشتركة سوى انعكاس لاقتصاد الدولة، وتخطيط سياستها المالية، والتنمية المطلوبة لديها.","part":7,"page":1},{"id":4287,"text":"وإذا كان هذا هو شأن الاقتصاد وتأثيره في العالم، فلا بد من أن يكون للإسلام خطة واضحة في القضايا الاقتصادية، إذ إنه شريعة الخلود الدائمة التي تقدر تماماً ما للوضع الاقتصادي من تأثير كبير في حياة الأمة، والتي تتجاوب مع مقتضيات التطوروالتبدل الذي يمر على البشرية. وليس من المعقول ألا يكون هناك أساس اقتصادي للحضارة الإسلامية التي سادت العالم عدة قرون من الزمان، وكان الرفاه والرخاء يعم الأوساط الإسلامية، حتى إنه لايكاد يجد الغني أحداً من الفقراء يعطيه زكاة أمواله في بعض عهود الدولة الإسلامية الزاهرة.\rلذا فإني أذكر أهم معالم النظام الاقتصادي الإسلامي، تلك المعالم التي لم يستغرب المرء منها أن تكون أساساً صالحاً للمجتمعات المتحضرة في مختلف مراحل التطور البشري؛ لأنها تتلاءم مع الفطرة الإنسانية، وتلتقي مع العدالة والحرية والرحمة، وتصدر عن تخطيط إلهي أو عن تنظيم اقتصادي مستقل، مجرد عن النزعات والأهواء الخاصة. وأسس هذا النظام الاقتصادي الإسلامي تجمع بين ما هو معروف في مجال الفكر الاقتصادي بصفة عامة من (السياسة الاقتصادية) و(المذهب الاقتصادي) والمقصود بالسياسة الاقتصادية: هو ذلك النوع من الفكر الاقتصادي الذي يحاول حل المشكلات الاقتصادية الطارئة على المجتمع. وموضوع هذه السياسة دراسة خير السبل والوسائل التي يجب أن تتبعها السلطات العامة للوصول إلى هدف معين أو غاية محدودة. وأما المقصود بالمذهب الاقتصادي: فهو المرحلة الثانية من مراحل التفكير الاقتصادي الذي يحاول فيه الباحث أن يتخذ موقفاً معيناً بالحكم التقييمي على نظام اقتصادي معين، فيحبِّذ قبوله أو رفضه، ويدافع عن الأخذ به أو العدول عنه. وبعبارة أخرى: هو الطريق التي يفضل المجتمع اتباعها في حياته الاقتصادية وحل مشكلاتها العملية.\rولقد تضمن النظام الإسلامي أحكاماً تتعلق بموضوع السياسة الاقتصادية، كما أن هذه الأحكام حددت رأياً مذهبياً واضحاً تجاه القضايا الاقتصادية حسبما يتطابق مع المثل العليا التي يجب أن تكون عليها الحياة الإنسانية. وأبدأ بما يأتي:","part":7,"page":2},{"id":4288,"text":"أولاً ـ لمحة عابرة عن خصائص النظامين الاشتراكي والرأسمالي :\rأما النظام الرأسمالي: فإنه كما تقدم يقوم على أساس الاعتراف بمبدأ الملكية الفردية، فللأفراد الحق في تملك أموال الاستهلاك والإنتاج، ويمكن توارث ذلك عنهم، إلا أن الدولة تتدخل دائماً لانتزاع جزء كبير من ثروة المتوفى. وتعتبر حرية التعاقد والتبادل من ركائز هذا النظام فهو يعتبر دائماً نظام سوق، كما أنه يقوم على مبدأ الحرية الاقتصادية للأفراد، دون تدخل من الدولة لوضع قيود على الإنتاج أو الاستهلاك، فالحرية الاقتصادية تقتضي ترك تحديد الإنتاج، وأن الفرد حر في التصرف في ثروته استهلاكاً وادخاراً، ويكون السعي للحصول على أكبر كسب نقدي هو الدافع المحرِّك للنشاط الاقتصادي في ظل النظام الرأسمالي.","part":7,"page":3},{"id":4289,"text":"وقد انتقد هذا النظام كما تقدم؛ لأنه يؤدي إلى اختلال التوازن في توزيع الثروة بين الأفراد، وانقسام المجتمع إلى طبقتين: طبقة الرأسمالية الإقطاعية، وطبقة ذوي الدخل المحدود من العمال والفلاحين وغيرهم، كما أن هذا النظام يؤدي إلى تركيز الثروة في أيدي فئة قليلة مستبدة، وإلى انتشارا لبطالة، والاحتكارات الطبيعية والصناعية التي تتكون وتستغل المستهلك والطبقات الضعيفة. ومن أخطر عيوب هذا النظام: استعمار الشعوب الذي ترتكز عليه سياسة الدول الرأسمالية النامية، فكان من نتيجة كل ذلك فشل النظام الرأسمالي في تحقيق الاستقرار الاقتصادي، وضمان الحياة الرغد ة للبشرية، وبالتالي انهيار مذهب الحرية الاقتصادية المطلقة. وهذا ما جعل أنصار المذهب الرأسمالي ينادون بضرورة تدخل الدولة لتنظيم الحريات الاقتصادية ، وعلى الدول أن تقوم بنفسها بجمع المشاريع الاقتصادية التي يحتاجها المجتمع...\rوأما النظام الاشتراكي\rفإنه كما تقدم يقوم على أساس امتلاك الدولة لمختلف وسائل الإنتاج من صناعة وزراعة وثروة طبيعية وخدمات عامة، فلا وجود للملكية الفردية، ولا مجال للحرية الاقتصادية إلا بقدر ما يمنحه المجتمع للفرد، وتطالب المذاهب الاشتراكية من الناحية الاجتماعية بتحقيق المساواة بين الأفراد، أي بإلغاء الفوارق بين الطبقات، ولا يقصد من ذلك تحقيق المساواة التامة الكاملة، وإنما إلغاء الفوارق التي لا يكون مردها الكفاءة في الإنتاج أو العلم، أو العمل لصالح المجموع. فالاشتراكية تكافئ كل فرد بحسب عمله مع مراعاة ظروفه ومواهبه الشخصية على أن يتحقق أولاً إشباع الحاجات الضرورية لكل إنسان.","part":7,"page":4},{"id":4290,"text":"وقد انتقد هذا النظام كما تقدم بأنه يصادم ما استقر في فطرة الإنسان من حبه التملك الفردي، واستئثاره بثمرات جهوده التي يبذلها كاملة وبإضراره بمصلحة الإنتاج العام لانعدام روح المنافسة الشرعية، كما أن النظرية الماركسية التي تجعل قيمة أي سلعة بحسب ما يبذل في إنتاجها من عمل منتقدة أيضاً؛ لأن عنصر العمل ليس هو العنصر الإنتاجي الوحيد، وإنما هناك عناصر إنتاج أخرى من طبيعة ورأس مال لا يمكن ردها إلى العمل. وكذلك مبدأ التوزيع القائل: ( من كل حسب طاقته، ولكل حسب عمله) يخلق لوناً جديداً من الطبقية: طبقة القيادة الحاكمة، وغيرها من الطبقات ،كالتي تنشأ بين العمال مثلاً بحسب اختلاف مواهبهم وكفاءاتهم ونوعية العمل ودرجة تعقيده، فيظهر مثلاً الصراع بين العمال الفنيين والعمال اليدويين.\rوهذه الانتقادات دفعت الاشتراكيين في روسيا إلى التزام جانب الاعتدال فاعترفوا بالملكية الخاصة بالأموال الاستهلاكية من أدوات منزلية ونقود وسلع ودخول ومدخرات متأتية من العمل ويحترم ميراث هذه الأشياء. كما أن الروس سمحوا بملكية خاصة لأموال الإنتاج عن طريق قيام مشاريع زراعية صغيرة خاصة بالفلاحين ومشروعات حرفية للصناع، وكذلك أجازو للأفراد مزاولة المهن الحرة كالطب والكتابة والفن، وبالرغم من محاولات إصلاح هذا النظام وتدارك سلبياته وعيوبه، فلم يكتب له النجاح، حتى أدى أخيراً إلى سقوطه كنظام اقتصادي شامل في عهد جورباتشوف رئيس جمهوريات الاتحاد السوفييتي عام 1989م في خطته المسماة بالبيروستريكا أي إعادة البناء والإصلاح.","part":7,"page":5},{"id":4291,"text":"الفروق الأساسية بين الفكر الإسلامي والفكر الماركسي :\rمن أهم هذه الفروق مايأتي:\rأولاً - إن الفكر الماركسي فكر ملحد يقوم على أساس المادة، وأن المادة وتطور قوى الإنتاج هو الذي يحدد علاقات الأفراد ويصنع تطور المجتمع. بخلاف الأمر في الإسلام فهو فكر مؤمن بالله وحساب اليوم الآخر، وإن خشية الله تعالى وابتغاء مرضاته والتزام تعاليم الإسلام، هي التي تصوغ علاقات الأفراد بعضهم ببعض وتحدد مسار المجتمع.\rثانياً - إن الفكر الماركسي يستهدف إلغاء الملكية الخاصة، لتحل محلها الملكية العامة أياً كانت صورتها: ملكية الدولة ( قطاع عام ) أو ملكية الجماعة (ملكية جماعية أو تعاونية) بخلاف الأمر في الإسلام، فالتأميم ليس هدفاً، وإنما هو وسيلة. وتبدو أهمية هذا الفارق في أن الملكية العامة في الاقتصاد الماركسي هو الأصل، والملكية الخاصة هي استثناء، أما في الاقتصاد الإسلامي فالملكية الخاصة والملكية العامة كلاهما على السواء أصل. فإن الإسلام أقر الملكية الخاصة، وفرض عليها عدة قيود، كما أنه أوجد منذ أربعة عشر قرناً الملكية العامة بالقدر الذي تتطلبه احتياجات المجتمع وقتئذ ودرجة تطوره الاقتصادي، ومن قبيل ذلك أرض الحمى للرعي.. والوقف الخيري.. ومؤسسات المساجد، وانتزاع الملكية الخاصة من أجل توسيعها.. وموقف عمر من الأراضي المفتوحة ورفض تمليكها للفاتحين، وتحويلها إلى ملكية جماعية. ويمكن فقهاً التوسيع من دائرة أي نوع من الملكية بحسب ظروف الزمان والمكان.\rثالثاً ـ إن الفكر الماركسي يقوم على أساس الصراع بين الطبقات، وإقامة دكتاتورية الطبقة الواحدة وهي طبقة البروليتاريا (العمال). وفي حين إن الفكر الإسلامي يقوم على أساس تعاون جميع أفراد المجتمع، وإقامة تحالف قوى الشعب العاملة.\rوقد استطاع المسلمون الروس مثل سلطان جالييف وحنفي مظهر التوفيق بقدر الإمكان بين الاشتراكية والإسلام، وحاولوا إقناع القادة الروس بما يعارض الإسلام.","part":7,"page":6},{"id":4292,"text":"أولاً ـ أوضح سلطان جالييف أنه لا علاقة بين المادية والاشتراكية، وأن محاولة الربط بين التفسير المادي للكون الذي يرفض الدين بالضرورة وبين الاشتراكية هي محاولة لا ضرورة لها ولا محل لها، فقد يكون المادي (الملحد) اشتراكياً وقد يكون غير اشتراكي. كما أن الاشتراكي قد يكون مادياً أو غير مادي. ثم إن التصور المادي للوجود والقول بأن المادة هي سبب كل موجود هو من قبيل التصورات الميتافيزيقية، وهو على هذا النحو نوع من عملية الاستبدال بإله حقيقي هو الله إلهاً آخر هو المادة. وقد بدأ كثير من الماركسيين يسلمون بهذه الحقيقة.\rثانياً ـ وأظهر سلطان جالييف أن إلغاء الملكية الخاصة والتأميم الكامل ليس هدفاً في ذاته، وليس هو السبيل الوحيد للاشتراكية، وإنما المهم هو سيطرة الشعب على أدوات الإنتاج. وقد اعتنق هذا الاتجاه المؤتمر العشرون للحزب الشيوعي سنة 1956.\rثالثاً ـ أبرز سلطان جالييف أنه بعد انتصار الثورة البلشفية، لم يعد هناك محل لفكرة صراع الطبقات أو الكراهية، كما لم يعد هناك محل لتمييز العمال على الفلاحين، أو إقامة دكتاتورية الطبقة الواحدة. وحل محل كل ذلك فكرة تعاون أفراد المجتمع، وإقامة تحالف قوى الشعب العاملة. وقد أخذت بذلك دول أوربا الشرقية.\rرابعاً ـ يرى سلطان جالييف أن المجال الحيوي لثورة أكتوبر البلشفية هو الشرق وليس الغرب (1) .\r-------------------------------\r(1) من مقال الدكتور محمد شوقي الفنجري في مجلة العربي عدد 180 سنة 1973م.","part":7,"page":7},{"id":4293,"text":"ثانياً ـ وظيفة المال وحق الملكية الفردية والقيود الواردة عليه في الإسلام: المال في الحقيقة لله سبحانه وتعالى كما قال: {لله ملك السموات والأرض وما فيهن} [المائدة:120/5] والناس جميعاً عباد الله ، فهم شركاء في توزيع المال، سواء تمثّل هذا المال في سلعة اقتصادية أو في سلعة حرة، وتملك الإنسان للمال يعتبر تملكاً مجازياً، أي إنه مؤتمن على المال ومستخلف فيه ونائب أو خليفة عن الله فيه لقوله تعالى: {وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه} [الحديد:7/57] {هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها} [هود:61/11] {وهو الذي جعلكم خلائف الأرض، ورفع بعضكم فوق بعض درجات ليبلوكم فيما آتاكم} [الأنعام:165/6] {هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعاً} [البقرة:29/2].\rويترتب على هذا التصور للمال واستخلاف الإنسان فيه، أو وكالته عليه أنه يجب التقيد بأوامر الله تعالى، في التملك حسبما يريد صاحب الملك الحقيقي. والناس على السواء لهم حق في تملك خيرات الأرض، والمال ليس غاية مقصودة لذاتها، وإنما هو وسيلة للانتفاع بالمنافع وتأمين الحاجات، وإذا كانت الخلافة عن الله في المال للجماعة، فإن الملكية الخاصة تعتبر أسلوباً من أساليب قيام الجماعة بمهمتها في الخلافة، وإن لها صفة اجتماعية، لا صفة حق مطلق وسيطرة واستبداد. وللجماعة حق مراقبة ذوي الملكيات الخاصة لاستخدامها في سبيل الصالح العام، فيعتبر صاحب المال حينئذ مسؤولاً أمام الله عن ماله، ومسؤولاً أمام الجماعة أيضاً.\rوليس المال مقياساً للاحترام والتعظيم، ولا لاحتكار النفوذ ، فمن قواعد فقهنا: «من عظم غنياً لماله وغناه فقد كفر» .\rبهذه النظرة الإسلامية إلى المال بأنه وسيلة لا غاية مقصودة لذاتها، ولا للتجميع والتكديس، يدق الإسلام أول معول في هدم الرأسمالية الظالمة.","part":7,"page":8},{"id":4294,"text":"وأما حق الملكية في الإسلام فهو نزعة فطرية وحق شخصي أقرته الشريعة وصانته الديانات السماوية، لقوله تعالى: { زُيِّن للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة} [آل عمران:14/3] {يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل، إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم} [النساء:29/4] {والذين في أموالهم حق معلوم للسائل والمحروم} [المعارج:24/70-25].\rوقال النبي صلّى الله عليه وسلم : «إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم» «كل المسلم على المسلم حرام: دمه وماله وعرضه» «لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه» (1) .\rإلا أن هذا الحق الشخصي مقيد بقيود كثيرة ستذكر قريباً، ومن أهمها عدم جواز الإضرار بالغير، مما يدل على أن لحق الملكية الفردية في تقدير الإسلام صفتين مزدوجتين: صفة الفردية وصفة الجماعية العامة في وقت واحد.\rأما الصفة الفردية: فلأن الحق ليس في أصله وظيفة، بل هو ميزة تمنح صاحبها الحق في الانتفاع بثمرات ملكه والتصرف فيه، ولكن لا تعتبر هذه الملكية الخاصة هي الأصل العام الذي يسمح للأفراد وحدهم بتملك أموال الثروة في البلاد وبحسب النشاط والظروف، وإن الملكية العامة أمر استثنائي تقتضيه الظروف الاجتماعية، كما هو مقرر في النظام الرأسمالي. وعلى هذا فلا يمكن أن يعتبر المجتمع الإسلامي مجتمعاً رأسمالياً، وإن اعترف بالملكية الخاصة.\rوأما صفة الحق الجماعية العامة فتتجلى في تقييد حق الملكية الخاصة بمنع اتخاذها سبيلاً إلى الإضرار بالآخرين، وأنه يمكن أن تقوم ملكيات عامة للجماعة أو الدولة، كالحمى والوقف والأموال العامة بجوار الملكية الخاصة. وعلى هذا فلا يعتبر النظام الإسلامي وإن أخذ بنظام الملكية العامة أو ملكية الدولة لبعض الثروات\r-------------------------------\r(1) الحديث الأول أخرجه البخاري ومسلم عن أبي بكرة رضي الله عنه، والحديث الثاني أخرجه مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه. والحديث الثاني أخرجه الدارقطني عن أنس بن مالك رضي الله عنه.","part":7,"page":9},{"id":4295,"text":"ورؤوس الأموال متطابقاً مع النظام الاشتراكي الذي يعتبر الملكية الجماعية هي المبدأ العام، ومع هذا فإن الحمى الذي قرره عمر رضي الله عنه إنما كان (تأميمه) صريحاً وبدون مقابل، فقد كانت الأرض التي حماها مملوكة لبني ثعلبة، فلما اعترضوا عليه قال: إنه فعل ذلك في سبيل الله . والخلاصة: إن حق الملكية في الإسلام حق مزدوج يقوم على ركيزتين: الصفة الفردية والصفة الجماعية، وإن الملكية نوعان: ملكية خاصة وملكية عامة. ويكون لحق الملكية الفردية وظيفة اجتماعية، يوجه الحق بمقتضاها نحو البر والخير والصالح العام،وليس هو بذاته وظيفة اجتماعية يمنحها المجتمع له ويقبل الزوال؛ لأن هذا المعنى يؤدي في النتيجة إلى إلغاء فكرة الحق من أصلها.\rوأما القيود الواردة على الملكية الفردية في الإسلام فهي كثيرة:\rمنها قيود سلبية ومنها قيود إيجابية. أما القيود الإيجابية فسأذكرها في بحث وسائل تحقيق العدالة الاجتماعية ومبدأ تدخل الدولة.\rوأما القيود السلبية فهي ما يأتي:\r1 - منع الإضرار بالآخرين :\rإن حق الفرد في التملك أو الانتفاع بالملك ينظر إليه في الإسلام على أن الفرد عضو في الجماعة المستخلفة عن الله في الأموال، فلا يصح بداهة أن يكون التملك أو استعمال الملك طريقاً للإضرار بالجماعة أو أن يكون مصدر قلق أو اضطراب ومنازعة وسيطرة، لذا فإن المالك يمنع أثناء استعمال ماله من إضرارغيره، لقول الرسول صلّى الله عليه وسلم : «لا ضرر ولا ضرار» (1) فلا يصح اعتبار المال وسيلة ضارة أو طريقاً للتسلط والإيذاء ، سواء أكان الضرر خاصاً أم عاماً.\r-------------------------------\r(1) أخرجه أحمد وابن ماجه عن ابن عباس رضي الله عنهما.","part":7,"page":10},{"id":4296,"text":"2 - عدم جواز تنمية المال بالوسائل غير المشروعة :\rأوجب الإسلام استثمار المال وتنميته بالطرق المشروعة من زراعة وصناعة وتجارة ونحوها، وحرم كل الوسائل التي لا تتفق مع الإنسانية الحقة الرحيمة مما هو جاثم في بلدان الحضارة المادية والرأسمالية الغاشمة. وأخطرها الربا أو الفائدة، والقمار، والغش، والاحتكار والتدليس، وبذلك هدم الإسلام صرح الرأسمالية التي يمتص فيها الغني دماء الفقراء والطبقة العاملة، كما أنه قضى على مفاسد الرأسمالية والملكية الفردية، كما يظهر فيما يلي:\rأما الربا فقد شن الإسلام عليه حرباً شعواء لا هوادة فيها لاستئصاله من جذوره مهما كانت أشكاله، سواء أكان في القروض الاستهلاكية والإنتاجية أم في عقود المبادلات الأخرى التي يتفق فيها على بيع سلعة بسلعة من النوع نفسه الذي يعتبر من الأقوات الضرورية أو السلع الأساسية للمجتمع كالحبوب والأقطان والمعادن، قال الله تعالى: {وأحل الله البيع وحرم الربا} [البقرة:275/2] {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين، فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله، وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم لا تَظْلمون ولا تُظْلمون} [البقرة:278/2-279] ومن المعلوم أن مهاجمة الربا في الإسلام دليل على محاربة مختلف أشكال النظم الرأسمالية التي تتحكم فيها مصالح المرابين، وذلك حتى يكون المجتمع الإسلامي مجتمعاً متراحماً ومتعاوناً على الخير، لا يستغل القوي فيه حاجة الضعيف، ولا تتكون فيه طبقة تعيش على حساب رأسمالها دون بذل جهد من عمل ولا كسب، أو دون أن تتعرض هذه الفئة كبقية المشروعات الاقتصادية لاحتمالات الربح أو الخسارة.","part":7,"page":11},{"id":4297,"text":"وأما القمار بمختلف أنواعه ومنه اليانصيب فقد حرمه الإسلام؛ لأنه مرض فتاك خبيث يهدد طاقة الإنسان الجسدية والفكرية من دون فائدة مشروعة، ويعوِّد الإنسان على الخمول والكسل؛ لأنه محاولة للتوصل إلى كسب بلا جهد ولا عمل، وفضلاً عن ذلك فإنه يولّد بين الناس أحقاداً عميقة الجذور، ويثير شرارات نارية من المنازعات والاختلافات التي لا تنتهي ذيولها، حتى وصفه القرآن الكريم بأنه رجس من عمل الشيطان.\rوأما الغش في المعاملات: فهو ممنوع منعاً مطلقاً لقوله صلّى الله عليه وسلم : « من غشنا فليس منا » (1) إذ يهدم الثقة بين المتعاملين، ويجعل الحياة التجارية في اضطراب. ويشمل الغش كل أنواع الخلابة (أي خديعة المشتري) من خيانة (كذب في مقدار الثمن).. وتناجش (إيهام الغير برغبة الشراء إغراء له به) وتغرير (إغراء بوسيلة كاذبة للترغيب في العقد) وتدليس العيب (كتمان عيب خفي في المعقود عليه) وغبن فاحش (وهو الإضرار بما يعادل نصف عشر القيمة في المنقولات والعشر في الحيوان، والخمس في العقارات) ومن صور الغبن: حالة تلقي الركبان، أي تلقي ابن المدينة قوافل الباعة الواردة من القرى والبوادي، وشراؤها بأقل من سعر السوق بغبن فاحش.\rوأما الاحتكار فقد حرمه الإسلام تحريماً عاماً في كل ما يضرُّ بالناس حبسه ومنعه، وبخاصة السلع الغذائية وضروريات الناس الاستهلاكية ؛ لقوله صلّى الله عليه وسلم : «الجالب مرزوق والمحتكر ملعون» (2) لأن الاحتكار أمر لصيق بتنظيم السوق، ولأن فيه من المخاطر التي يعاني منها النظام الرأسمالي، والسبب في تحريم الاحتكار أمر واضح وهو منع استغلال المحتكر للمستهلكين بمغالاته في الثمن،\r-------------------------------\r(1) أخرجه الترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه، وهو حديث صحيح.\r(2) أخرجه ابن ماجه عن عمر رضي الله عنه، لكنه ضعيف.","part":7,"page":12},{"id":4298,"text":"ومنع السلعة أحياناً من السوق لقوله صلّى الله عليه وسلم : «من احتكر طعاماً يريد أن يغلي بها على المسلمين، فهو خاطئ، وقد برئت منه ذمة الله ورسوله» (1) .\rوهكذا حرَّم الإسلام كل أوجه الكسب غير المشروع مثل ما ذكر، ونحوه من الرشوة والاختلاس وابتزاز أموال الغير بالباطل واستغلال الحاكم أو الموظف لمنصبه ليقتنص أموال الناس ظلماً وعدواناً. والقصد من تحريم ذلك هو دفع الإنسان إلى العمل وإبعاده عن البطالة والكسل. وبهذا كله أوصد الإسلام الباب أمام تضخم الثروات؛ لأن الطرق غير المشروعة تؤدي عادة إلى ربح عظيم: قال عليه الصلاة والسلام: « الدنيا خضرة حلوة. من اكتسب فيها مالاً من حِلّه، وأنفقه في حقه، أثابه الله عليه، وأورده جنته، ومن اكتسب فيها مالاً من غير حِلّه، وأنفقه في غير حقه، أحله الله دار الهوان، ورب متخوض في مال الله ورسوله، له النار يوم القيامة» (2) .\r3 - منع الإسراف والتقتير :\rأوجب الإسلام الاعتدال في النفقة لقوله تعالى: {ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط، فتقعد ملوماً محسوراً} [الإسراء:29/17] فلا يكون التقتير مقبولاً لما يترتب عليه من اكتناز الثروات الضخمة الذي يحول بدوره دون توفر نشاط تداول الأموال، الذي هو أمر ضروري لانتعاش الحياة الاقتصادية في كل مجتمع، فحبس المال تعطيل لوظيفته في توسيع ميادين الإنتاج وتهيئة وسائل العمل للعاملين، قال الله سبحانه وتعالى: {والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشِّرهم بعذاب أليم} [التوبة:34/9].\r-------------------------------\r(1) أخرجه أحمد والحاكم عن أبي هريرة، وهو حديث حسن.وفي رواية: « لايحتكر إلا خاطئ » عند مسلم وأحمد وأبي داود والترمذي (الترغيب والترهيب 582/2) والخاطئ: الآثم.\r(2) أخرجه البيهقي في شعب الإيمان عن ابن عمر رضي الله عنهما، وهو صحيح.","part":7,"page":13},{"id":4299,"text":"وكذلك يحرم الإسلام الإسراف وتبذير الأموال من دون وجه مشروع أو يؤدي إلى الضرر ولو في سبيل الخير، قال الله تعالى: {إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين} [الإسراء:27/17] فالتبذير طريق الفقر الذي يصبح به المبذر في النهاية عالة على المجتمع، مما ينذر بمخاطر اجتماعية سيئة، فضلاً عن أن التبذير سبيل لغرس الأحقاد والبغضاء بين الناس والمحرومين، وهكذا أوضح الإسلام مبدأ سياسة الاعتدال في الاستهلاك والادخار، فقال الله سبحانه: {وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين} [الأعراف:31/7].\r4 - ليس المال سبيلاً إلى الجاه والسلطان :\rحظر الإسلام على أرباب الأموال استخدامها في هضم الحقوق عن طريق الرشوة أو للتوصل إلى منصب سياسي أو جاه أو وظيفة ليس أهلاً لها، قال الله تعالى: { ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام لتأكلوا فريقاً من أموال الناس بالإثم وأنتم تعلمون} [البقرة:188/2] وفي هذا إيصاد الباب أمام ما تفعله التكتلات الاحتكارية والشركات العالمية في التأثير على السياسة الداخلية والخارجية في الدول الرأسمالية..\r5 - توزيع المال بعد الوفاة مقيّدٌ بنظام الإرث :\rليس المرء حراً بالتصرف في ماله بعد وفاته حسبما يشاء كما هو مقرر في النظام الرأسمالي، وإنما هو مقيد بنظام الإرث الذي يعتبر في الإسلام من قواعد النظام الإلهي العام التي لا يجوز للأفراد الاتفاق على خلافها، فالإرث حق جبري، ولا يجوز الإيصاء بأكثر من ثلث المال، ولا يصح تفضيل بعض الورثة على حساب الآخرين، أو حرمان وارث أو الإضرار بالدائنين، وللسلطة القضائية الحق في إبطال التصرفات غير الشرعية في الإرث والوصية، فيكون تشريع الإرث عاملاً مهماً من عوامل تفتيت الثروات الضخمة، وتوزيع الملكيات والقضاء على التفاوت الفاحش بين الطبقات.","part":7,"page":14},{"id":4300,"text":"ثالثاً ـ مبدأ الحرية الاقتصادية :\rإذا كان مبدأ الاعتراف بالملكية المزدوجة (الخاصة والجماعة) وبمبدأ الملكية الفردية المقيدة بقيود كثيرة هو الركن الأول من أركان الاقتصاد الإسلامي كما تقدم، فإن مبدأ الحرية الاقتصادية المقيدة في حدود معينة هو الركن الثاني من أركان هذا النظام، وليست هذه الحرية مطلقة غير محدودة كما في النظام الرأسمالي، ولا هي غير موجودة كما في النظام الاشتراكي، وإنما هي مقررة ضمن حدود معينة، بقول الرسول صلّى الله عليه وسلم : «دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض» (1) .\rولقد نادى ابن خلدون بمبدأ الاقتصاد الحر، وحبَّذ الإسلام نظام المنافسة الكاملة الشريفة الذي يمنع فيه الاحتكار، والذي يتحدد فيه ثمن السلع طبقاً لمساومات البائعين والمشترين دون تدخل من جانب الدولة، إلا أن هذا كان في عصر صدر الإسلام حيث كانت صفات الورع والتقوى والتدين لها السيطرة المطلقة على النفوس، ثم أفتى الفقهاء السبعة في المدينة بجوار تدخل الدولة لتسعير الحاجيات ووضع حد لجشع التجار، ومنع الغبن، لأنه يجب أن يكون الثمن عادلاً غير مجحف بالبائع والمشتري. وبه يتبين أن مبدأ الحرية الاقتصادية أصبح مقيداً فيما يجيزه تشريع الإسلام من نشاط اقتصادي اجتماعي للأفراد، ولايجوز للإنسان الخروج عليه كالتعامل بالربا والاحتكار ونحو ذلك.\r-------------------------------\r(1) أخرجه الجماعة ( أحمد وأصحاب الكتب الستة ) إلا البخاري عن جابر رضي الله عنه بلفظ: « لايبيع حاضر لباد، دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض » .","part":7,"page":15},{"id":4301,"text":"كما أن هذا المبدأ مقيد بالرقابة الحازمة للدولة وإشراف الحاكم على النشاط العام، وتوجيهه وجهة تتمشى مع حفظ المصالح العامة، ومنع الضرر عن الجماعة، حسبما يقدر الاقتصاديون المتخصصون، قال الله تعالى: { ياأيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم } [النساء:59/4] وأولو الأمر: هم الحكام والعلماء المختصون، فما يقرره أهل الخبرة واجب الطاعة لحماية الأمة، وللحفاظ على كيان الدولة، ولتحقيق مبدأ التوازن الاجتماعي الإسلامي على وفق ما تقرره الشريعة.\rرابعاً - قيمة العمل ودوره في الحياة الاقتصادية وأثره على أثمان الأشياء :\rالعمل شرف ومجد وفريضة على كل قادر عليه، ولقد حث الإسلام عليه، وحارب الكسل والخمول والبطالة والتسول؛ لأن الفقر مذلة ومرض اجتماعي خطير، وتنفير الإسلام منه لأنه يضر بالمصلحة العامة، فالأمة قوية بقوة أفرادها، ضعيفة بضعف أبنائها ، قال عليه الصلاة والسلام: « كاد الفقر أن يكون كفراً » (1) واعتبر الإسلام العمل هو الوسيلة المفضلة الأغلبية للتملك، وأن لاعمل من غير أجر، وأن الأجر على قدر العمل، قال النبي صلّى الله عليه وسلم : « أطيب الكسب كسب الرجل من عمل يده » (2) ، « ما أكل أحد طعاماً قط خيراً من أن يأكل من عمل يده، وإن نبي الله داود كان يأكل من عمل يده» (3) « من أمسى كاَّلا ـ أي متعباً ـ من عمل يده أمسى مغفوراً له » (4) « إن الله يحب العبد المحترف » (5) « طلب الحلال فريضة\r-------------------------------\r(1) أخرجه أبو نعيم في الحلية عن أنس، وسكت عنه السيوطي.\r(2) أخرجه البزار وصححه الحاكم عن رفاعة بن رافع أن النبي صلّى الله عليه وسلم سئل: « أي الكسب أطيب؟ قال: عمل الرجل بيده، وكل بيع مبرر » .\r(3) أخرجه أحمد والبخاري عن المقدام بن معد يكرب رضي الله عنه.\r(4) أخرجه الطبراني في الأوسط عن ابن عباس رضي الله عنهما، لكنه ضعيف.\r(5) أخرجه الحكيم الترمذي والطبراني والبيهقي عن ابن عمر رضي الله عنهما، لكنه ضعيف.","part":7,"page":16},{"id":4302,"text":"بعد الفريضة » (1) « إن من الذنوب ذنوباً لايكفّرها الصلاة ولا الصيام ولا الحج ولا العمرة، يكفرها الهموم في طلب المعيشة » (2) « إن أطيب ماأكلتم من كسبكم، وإن أولادكم من كسبكم» (3) ... وقال عمر رضي الله عنه « والله لئن جاءت الأعاجم بالأعمال وجئنا بغير عمل، فهم أولى بمحمد منا يوم القيامة، فإن من قصَّر به عمله لم يسرع به نسبه » وهذه الأحاديث النبوية مستمدة من القرآن الكريم وملتقية معه. قال الله تعالى: { ولكلٍ درجاتٌ مما عملوا وليوفيهم أعمالهم، وهم لايُظلمون } [الأحقاف:19/46] { ولا تبخسوا الناس أشياءهم } [هود:85/11] { فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه وإليه النشور } [الملك:15/67] {فابتغوا عند الله الرزق} [العنكبوت:17/29].\rوعقد النبي صلّى الله عليه وسلم موازنة بين العمل والاستجداء فقال: « لأن يأخذ أحدكم حَبْله، فيذهب به إلى الجبل، ثم يأتي به فيحمله على ظهره، فيأكل، خير له من أن يسأل الناس» (4) « لاتزال المسألة بأحدكم حتى يلقى الله تعالى، وليس في وجهه مُزْعة لحم » (5) « اليد العليا خير من اليد السفلى » (6) « اطلبوا الحوائج بعزة الأنفس فإن الأمور تجري بالمقادير » (7) « لاتحل الصدقة لغني ولا لذي مِرَّة سوي » (8) .\rكل هذه الآيات والأحاديث النبوية تدل على تقديس الإسلام للعمل وتقدير\r-------------------------------\r(1) أخرجه الطبراني عن ابن مسعود، لكنه ضعيف.\r(2) أخرجه أبو نعيم في الحلية وابن عساكر عن أبي هريرة رضي الله عنه.\r(3) أخرجه الخمسة ( أحمد وأصحاب السنن ) عن عائشة رضي الله عنها.\r(4) أخرجه أحمد بإسناد جيد عن أبي هريرة رضي الله عنه.\r(5) أخرجه البخاري ومسلم والنسائي عن ابن عمر رضي الله عنهما.\r(6) أخرجه أحمد والطبراني عن ابن عمر رضي الله عنهما، وهو حديث صحيح.\r(7) أخرجه أبو الشيخ ابن حبان وفي مسند الفردوس للديلمي عن أنس رضي الله عنه، لكنه ضعيف.\r(8) أخرجه أبو داود والترمذي عن عمرو بن العاص رضي الله عنه، والمرة: القوي ، والسوي: المستوي الخلق، التام الأعضاء.","part":7,"page":17},{"id":4303,"text":"تأثيره في الحياة الاقتصادية، وإن من حق العمال أن يتقاضوا من الأجور بقدر مايبذلونه من جهود، وبما يتفق مع خبراتهم ومواهبهم، فالكفاية وحدها، والمقدرة وحدها، هما معيار أهلية الفرد، وبذلك كفل الإسلام تحقيق مبدأ تكافؤ الفرص بين الناس كافة في السعي، والجد المشروع في اكتساب المعاش والتماس الرزق، ولكن لاتشترط المساواة في ثمار هذا السعي؛ لأن الإسلام لايقول بالمساواة في الرزق نفسه، ولايعقل بل من الظلم الفاحش عدم الاعتراف بالتفاوت الفطري بين الأفراد في الإمكانات والمواهب والجهود، قال الله تعالى: {نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا، ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات} [الزخرف:32/43] {والله فضَّل بعضكم على بعض في الرزق} [النحل:71/16].\rإن العمل في تقدير الإسلام سبب لملكية العامل نتيجة عمله. وتكون القاعدة في الإسلام: ( أن العمل سبب الملكية ) لا قاعدة ( أن العمل سبب لتملك المجتمع لا الفرد ) أو قاعدة (أن العمل سبب لقيمة المادة، وبالتالي سبب تملك العامل لها). ويشترك العمل أحياناً مع رأس المال المستثمر في كسب الملكية كما في شركة المضاربة، وكما تقرر نظرية كينز، فالعامل يتملك الربح بسبب عمله في المضاربة ورب المال يستثمر ماله ويشغله، فيكون ربح العامل بسبب جهده، وربح رب المال بسبب رأسماله الذي يحرك عجلة التجارة، كما أن ماله سبب في انتعاش السوق الاقتصادية، وفي ربح العامل بدون مشاركة في الخسارة، وإنما رب المال يتحمل وحده الخسارة التي هي حالة اضطرارية وغير غالبة.","part":7,"page":18},{"id":4304,"text":"وإذا كان ابن خلدون مؤسس علم الاقتصاد ومن بعده ريكاردو وما ركس واضع نظرية الاشتراكية العلمية يرون أن العمل أساس القيمة، أي أن قيمة السلع والأشياء تتحدد بقيمة العمل الداخل فيها أو ساعات العمل التي بذلت في صنعها، فإن النظرية الإسلامية تجعل قيمة السلعة تتحدد بحسب العرض والطلب الواقعين عليها مع التزام مبدأ السعر العادل، وفي ظل من رقابة الدولة على تطبيق العدالة، أي أن قيمة الأشياء تتدخل فيها اعتبارات الندرة في المال، وسعر السوق النسبي، بحسب حاجة الشخص للسلعة وهو ما يريده الفقهاء من سعر المثل. وإذا كان مبدأ الاشتراكية في التوزيع (من كل حسب طاقته ولكل حسب عمله) فإن مبدأ الإسلام (لكل حسب عمله، أو حسب حاجته) إذ قد يعجز الإنسان عن العمل، فتلتزم الجماعة بإغنائه وتوفير حاجياته رحمةً به، وتكريماً لإنسانيته.\rخامساً ـ مبدأ تدخل الدولة في النشاط الاقتصادي للأفراد :\rالكلام في تدخل الدولة وحدود هذا التدخل يتضح فيما يأتي:\r1 - رقابة الدولة على أعمال الأفراد :\rيقول الرسول صلّى الله عليه وسلم : «كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته» (1) في هذا الحديث دلالة واضحة على أن الدولة مسؤولة عن كل شيء يجري في داخلها. فلها الإشراف على نشاط الأفراد العام، ولها حق التدخل بالمصالح الخاصة لحماية المصالح العامة وكفالة تطبيق وتنفيذ الشريعة، ولها محاسبة الموظفين وأصحاب الولاية والسلطة في نواحي الدولة. ويمكنها أن تحاكمهم على أساس المبدأ القائل: (من أين لك هذا). ليتبين الوجه المشروع لكسب المال. ولقد كان سيدنا عمر رضي الله عنه يحاسب ولاته ويشاطر عماله كما فعل مع عمرو بن العاص عامله على مصر، حينما شك في ماله وكسبه وطريقة إنمائه، وشاطر خالد بن الوليد أمواله، حتى زوجي نعله، وللدولة أن تراقب أرباب الأموال في كيفية استثمار أموالهم، فإذا جنحوا إلى تعطيل استثمار المال، جاز اتخاذ التدابير التي تحمي المصلحة\r-------------------------------\r(1) أخرجه أحمد والشيخان وأبو داود والترمذي عن ابن عمر رضي الله عنهما.","part":7,"page":19},{"id":4305,"text":"العامة، فإذا وضع امرؤ يده على أرض موات بقصد إحيائها وتعميرها واستصلاحها وهو ما يعرف بالاحتجار، ثم لم يقم بواجبه جاز سلخها عنه وإعطاؤها لغيره، قال صلّى الله عليه وسلم : «من أحيا أرضاً ميتة فهي له» (1) « ليس لمحتجر حق بعد ثلاث سنين» (2) لأنه لا بد من مداومة استثمار المال، حتى لا يؤدي الإهمال إلى فقر المال والإضرار بمصالح المجتمع وإفقار الأمة وخسارة الدخل القومي العام وضآلة الإنتاج.\rوإذا حاول الناس تركيز استثمار أموالهم في نشاط اقتصادي معين، كان لولي الأمر حق التدخل بما يراه من إجراءات لتوزيع الناس أموالهم بين مختلف مصادر الإنتاج ( وهي الأرض والعمل والمال )، وعندئذ تضمن الدولة الحد الأدنى من إنتاج السلع الضرورية، والحد الأعلى الذي لا يجوز التجاوز عنه. وإذا تضخمت الثروة في أيدي فئة قليلة من المواطنين، ثم ثبت عجز أصحابها عن استثمارها، كان للحاكم أن يتدخل في استثمار الأموال أو وضعها تحت ولاية الدولة بما يدرأ الضرر العام عن المجتمع، كإلزامهم باتباع الأساليب الرشيدة في استثمار الأموال، ووضعها تحت ولاية الدولة لضمان تشغيلها بما ينفع البلاد.\r2 - إقرار الملكية الجماعية :\rقال الرسول صلّى الله عليه وسلم : «الناس شركاء في ثلاث» وفي رواية: «في أربع: الماء والكلأ والنار والملح» (3) والنص على هذه الأمور فقط لأنها كانت من ضروريات\r-------------------------------\r(1) أخرجه أحمد والترمذي وصححه عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه.\r(2) أخرجه أبو يوسف في كتاب الخراج عن سعيد بن المسيب رحمه الله ، ولكنه ضعيف.\r(3) أخرجه أحمد وأبو داود، وأخرجه ابن ماجه عن ابن عباس رضي الله عنهما، وأخرجه الطبراني عن ابن عمر.","part":7,"page":20},{"id":4306,"text":"الحياة في بيئة العرب، فهي مباحة لجميع الناس، والدولة هي التي تمثل مصالح الجماعة، فلها وضع اليد عليها، وعلى كل الأشياء الضرورية التي تعتبر من قبل الثروات الطبيعية الخام، والصناعات الاستخراجية وإنتاج المواد الأولية، والاستيلاء على المرافق العامة والتي تتغير وتتبدل وتتطور بحسب البيئات والعصور، مثل مختلف الأنهار العامة، والمعادن والنفط ولو وجدت في أرض مملوكة ملكية خاصة، والكهرباء، والمنشآت العامة ونحوها من المرافق الحيوية الأساسية لمصلحة الجماعة. ومما يؤيد وجود الملكية الجماعية: أن النبي صلّى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين قد اعتبروا بعض الأراضي كالنقيع والرَّبذَة (موضعين قرب المدينة) حمىً في سبيل الله لترعى فيها خيل المسلمين، أي من أجل الصالح العام وهو المعروف بـ (الحمى) قال عليه الصلاة والسلام: «لاحمى إلا لله ولرسوله» (1) أي لا حمى لأحد الأشخاص العاديين.\r3 - التأميم أو نزع الملكية الخاصة :\rإذا كان المبدأ العام في الإسلام هو الاعتراف بالملكية الفردية وبالحرية الاقتصادية كما أوضحت، فإنه لا مانع من تدخل الدولة لحماية مصلحة الأمة في وقت معين، بأن تتخذ من التدابير ماتجده محققاً للصالح العام، بناء على المبدأ المعروف في الإسلام بالاستحسان والمصالح المرسلة، وقواعد دفع الضرر العام، وأنه يتحمل الضرر الخاص من أجل دفع الضرر العام، وأنه يجب على الجماعة كفاية الجائع والعريان عملاً بالمبدأ الشرعي القائل: (إذا بات مؤمن جائعاً فلا مال لأحد) ولكن بشرط دفع الثمن. وقال عمر قبيل وفاته: « لو استقبلت من أمري ما استدبرت لأخذت فضول أموال الأغنياء فرددتها على الفقراء » : وهذا ما\r-------------------------------\r(1) أخرجه أحمد والبخاري وأبو داود عن الصعب بن جثّامة رضي الله عنه.","part":7,"page":21},{"id":4307,"text":"يجعل النظام الاقتصادي الإسلامي أبعد عن النظام الرأسمالي القائم في أصله على أساس من الحرية الفردية المطلقة.\rلذا فإنه يحق للدولة التدخل في الملكيات غير المشروعة، كالملكية الحادثة بالسلب والقهر أو الاغتصاب، فترد الأموال إلى أصحابها أو تصادرها، وتستولي عليها بغير تعويض، سواء أكانت منقولة أم عقارية، لقوله صلّى الله عليه وسلم : «على اليد ما أخذت حتى تؤديه» (1) وقوله: «ليس لعرْقٍ ظالمٍ حق» (2) ، وقوله: «من زرع أرض قوم بغير إذنهم ، فليس له من الزرع شيء وله نفقته» (3) .\rوكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يشاطر بعض ولاته الذين وردوا عليه من ولاياتهم بأموال لم تكن لهم، استجابة لمصلحة عامة، وهو البعد بالملكية عن الشبهات، وعن اتخاذها وسيلة للثراء غير المشروع، وكذلك يحق للدولة التدخل في الملكيات الخاصة المشروعة لتحقيق العدل في التوزيع، سواء في حق أصل الملكية، أو منع المباح، أو في تقييد حرية التملك الذي هو من باب تقييد المباح، والملكية من المباحات قبل الإسلام وبعده إذا أدى استعمال الملك إلى ضرر عام. وعلى هذا فيحق لولي الأمر العادل أن يفرض قيوداً على الملكية الزراعية ، فيحددها بمقدار مساحة معينة، أو ينتزعها من أصحابها إذا عطلها أو أهملها حتى خربت، أو ينزع ملكيتها من أي شخص مع دفع تعويض عادل عنها، إذا اقتضت المصلحة العامة أو النفع العام ذلك.\rكماحدث في وقتنا الحاضر من تأميم المصارف والشركات الكبرى، وكما فعل عمر بن الخطاب في سبيل توسعة المسجد الحرام حينما ضاق على الناس،\r-------------------------------\r(1) أخرجه الخمسة (أحمد وأصحاب السنن) والحاكم عن سمرة بن جندب رضي الله عنه.\r(2) أخرجه أبو داود والدارقطني عن عروة بن الزبير رحمه الله تعالى.\r(3) أخرجه الخمسة (أحمد وأصحاب السنن) إلا النسائي عن رافع بن خديج رضي الله عنه.","part":7,"page":22},{"id":4308,"text":"فأجبر الناس المجاورين للمسجد على بيع دورهم المحيطة به، وقال لهم: «إنما أنتم الذين نزلتم على الكعبة، ولم تنزل الكعبة عليكم» . وكذلك فعل عثمان بن عفان رضي الله عنه هذا الفعل مرة أخرى وقال : « إنما جرأكم علي حلمي، فقد فعل عمر بكم ذلك فلم تتكلموا» ثم أمر بحبسهم لمدة، مما يدل على جواز نزع الملكية الفردية لمصلحة المرافق العامة كتوسيع الطرق والمقابر وإقامة المساجد وإنشاء الحصون والمرافئ والمؤسسات العامة كالمشافي والمدارس والملاجئ ونحوها؛ لأن المصلحة العامة مقدمة على المصلحة الخاصة.\rثم إن فقهاء المذاهب قرروا أن لولي الأمر أن ينهي إباحة الملكية بحظر يصدر منه لمصلحة تقتضيه، فيصبح ما تجاوزه أمراً محظوراً، فإذا منع من فعل مباح صار حراماً، وإذا أمر به صار واجباً. والدليل على إعطاء ولي الأمر مثل هذه الصلاحيات في غير المنصوص على حكمه صراحة هو قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم} [النساء:59/4] وأولو الأمر في السياسة والحكم: هم الأمراء والحكام والعلماء، كما تبين سابقاً.\rولكن ليس كل مايتوهم من ضرر، أو يتخيل من مصلحة يكون مسوغاً لتقييد الملكية أو مصادرتها بالتعويض، وإنما ينبغي أن تكون المصلحة العامة محققة الحدوث، أو الضرر العام محقق الوقوع، أو غالب الوقوع، لا نادراً ولا محتملاً، ويكفي عند فقهاء المالكية والحنابلة أن يكون احتمال وقوع الضرر مسوغاً لمنع الفعل أخذاً بقاعدة: «دفع المضار والمفاسد مقدم على جلب المصالح» .\rويلاحظ أن مبدأ تقدير الضرر مقيد بثلاثة أمور:\rأولاً ـ أن كل ضرر يلحق الناس كافة هو ممنوع.\rثانياً ـ لا ينظر في الأضرار العامة إلى قصد الضرر أو عدم قصده وإنما ينظر إلى النتائج المترتبة في الواقع..","part":7,"page":23},{"id":4309,"text":"ثالثاً ـ لا يعتبر الضرر الواقع بآحاد الناس إلا إذا قصد الشخص إضرار غيره بالفعل بأن يتعسف في استعمال حقه، أو يستعمله استعمالاً غير عادي.\rومن هنا يمكن أن يعتبر مسوغاً لتنظيم الملكية أو تقييدها: كون صاحبها مانعاً لحقوق الله فيها، أو اتخاذها طريقاً للتسلط والظلم والطغيان أو للتبذير والإسراف، أو لإشعال نار الفتن والاضطرابات الداخلية أو للاحتكار والتلاعب بأسعار الأشياء، ومحاولة تهريب الأموال إلى خارج البلاد، أو لتأمين متطلبات الدفاع عن البلاد، أو لدفع ضرر فقر مدقع ألم بفئة من الناس على أن يكون كل هذا إجراء استثنائياً بحسب الحاجة وبشرط عدم استئصال أصل رأس المال، مع دفع العوض. ولقد قرر دارسو الأوضاع الاقتصادية في البلاد العربية أن تركز أكثر الثروة القومية في أيدي فئة قليلة من الأغنياء ينشأ عنه ضرر عام جسيم بمصلحة البلاد، على عكس ما يتطلبه القرآن الكريم الذي يطالب بتداول الأموال في المجتمع في قوله تعالى: { كيلا يكون دولة بين الأغنياء منكم } [الحشر:7/59] ومما لا شك فيه أن تأميم المرافق العامة التي تقدم خدمات للشعب كالمواصلات والكهرباء والماء يرفع الحرج عن الناس، ومثل ذلك تحديد ملكية الأراضي الزراعية برفع الحرج عن الناس، وأما تأميم المصانع والشركات المملوكة للأفراد، فيتطلب وجود مصلحة عامة فيه.\rومن أدلة منع الضرر: الحديث النبوي السابق ذكره: « لا ضرر ولا ضرار» (1) وحديث « لا يمنع جار جاره أن يغرز خشبة في جداره » (2) ومن الوقائع التاريخية\r-------------------------------\r(1) أخرجه أحمد وابن ماجه عن ابن عباس رضي الله عنهما.\r(2) أخرجه الجماعة إلا النسائي عن أبي هريرة رضي الله عنه.","part":7,"page":24},{"id":4310,"text":"لتدخل الحاكم المسلم في ملكيات الأفراد في دائرة منع الضرر: « أنه كان لسمرة بن جندب نخل في بستان رجل من الأنصار، وكان يدخل هووأهله فيؤذي صاحب الأرض، فشكا الأنصاري ذلك إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلم ، فقال الرسول لصاحب النخل: بعه: فأبى: فقال الرسول صلّى الله عليه وسلم فاقطعه، فأبى ، قال: فهبه ولك مثله في الجنة فأبى، فالتفت رسول إليه، وقال: أنت مضار، ثم التفت إلى الأنصاري، وقال، اذهب فاقلع نخله » (1) ففي هذه الحادثة مايدل على أن النبي صلّى الله عليه وسلم لم يحترم الملكية المعتدية.\rومن الأمثلة أيضاً: ( أن رجلاً اسمه الضحاك بن خليفة أراد أن يمر بماء له في أرض محمد بن مَسْلمة، فأبى، فاشتكى الضحاك إلى عمر فدعا محمد بن مسلمة فأمره أن يخلي سبيل جاره، فقال محمد: لا، فقال عمر: لم تمنع أخاك ماينفعه، وهو لك نافع، تسقي به أولاً وآخراً وهو لايضرك، فقال محمد: لا والله، فقال عمر: والله ليمرن به ولو على بطنك ) (2) ففي هذه الواقعة مايدل على أنه لايكفي الامتناع عن الضرر، بل يجب على المسلم في ملكه أن يقوم بما ينفع غيره، مادام لاضرر عليه فيه..\rوعندما حمى عمر رضي الله عنه أرضاً بالرَّبَذَة قرب المدينة، قال: «المال مال الله والعباد عباد الله ، والله لولا ما أحمل في سبيل الله ما حميت من الأرض شبراً في شبر» فهذا يدل على أن تخصيص بعض الأراضي للمصلحة العامة أمر جائز، وأن نزع الملكية لضرورة المصلحة العامة للجماعة أو لدفع الحرج عن الناس لا مانع منه شرعاً..\r-------------------------------\r(1) رواه محمد الباقر عن أبيه علي زين العابدين.\r(2) أخرجه الإمام مالك في الموطأ.","part":7,"page":25},{"id":4311,"text":"هذا .. وقد حدد الفقهاء أربع حالات يجوز فيها شرعاً أن تنزع الأملاك وهي:\rالحالة الأولى : أن تنزع الملكية للمنافع العامة كفتح الطرق وتوسيع المساجد والمقابر ونحوها، ولم يوجد عنه بديل، ودليل ذلك فعل الصحابة رضي الله عنهم، فإنهم أجازوا توسيع المسجد الحرام مرتين في عهد عمر وفي عهد عثمان.\rالحالة الثانية : أن يترتب على صاحب الملك دين من نفقة أو خراج أو معاملة أو غير ذلك، ويمتنع عن أدائه، فيحكم القاضي بالبيع جبراً لوفاء الدين، فيبدأ بما بيعه أهون. وقد نصت على ذلك المادة 998 من المجلة.\rالحالة الثالثة : أن تنزع الملكية منعاً من الاحتكار. وذلك كما إذا احتكرت طائفة من التجار أقوات الناس وحصل بذلك ضرر، فإنه يجوز للحاكم أن يمنعه ببيع أو تسعير دفعاً للضرر؛ لأن الرسول صلّى الله عليه وسلم «نهى عن احتكار الطعام» وقد بيَّن ابن قدامة في المغني: 198/4 شروط الاحتكار المحرم.\rالحالة الرابعة : حالة الأخذ بالشفعة للشريك، وذلك مراعاة لحق المالك القديم على الجديد. وما عدا ذلك لا يؤخذ ملك أحد إلا برضاه لقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم} [النساء:29/4] وحديث سابق: «إن دماءكم وأموالكم علي حرام» .\r4 - تحقيق التوازن الاقتصادي :\rإذا كان الإسلام يسمح بقيام ودوام الملكية الشخصية، فلا يدل ذلك أنه يجيز ما يعرف في النظام الرأسمالي بنظام الطبقات الذي يسمح لطبقة معينة تملك المال أن تملك السلطات ووسائل التشريع مباشرة، أو بطريقة غير مباشرة، فطبيعة نظام","part":7,"page":26},{"id":4312,"text":"كم التشريع الإسلامي الذي يمنع من اكتناز النقود، ويحرم الفائدة المصرفية في غير حال الضرورة القصوى، ويفتت الملكية عن طريق الإرث، ويلغي الاستثمار الرأسمالي للثروات الطبيعية الخام، كل ذلك يؤدي إلى إذابة الفوارق بين الطبقات، ويقلل التفاوت الصارخ بين الأفراد في تملك الأموال. وهكذا جفف الإسلام كل المنابع التي تؤدي إلى الطبقية، كما أن لولي الأمر صلاحيات واسعة النطاق في تحقيق العدالة ومنع الضرر والتعسف في استعمال الحق، مما يوجد نوعاً من التوازن الاقتصادي. ومن أمثلة ذلك أن الرسول صلّى الله عليه وسلم حينما هاجر إلى المدينة آخى بين المهاجرين الفقراء وبين الأنصار، فكان يقاسم المهاجري مال الأنصاري، وكان أبو بكر الصديق يسوي في العطاء من الغنائم بين الناس، وحينما اتسعت الفتوحات الإسلامية، أجمع الصحابة بقيادة عمر بن الخطاب على عدم توزيع الأراضي بين الفاتحين، وإنما تركت في أيدي أهلها حفاظاً على مبدأ التوازن الاقتصادي بين الرعية جميعاً، سواء أكانوا مسلمين أم غير مسلمين، قال الله تعالى: {ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل، كيلا يكون دُولة بين الأغنياء منكم} [الحشر:7/59] أي إن أموال الفيء والأراضي ملك للجميع.\rسادساً ـ أسس العدالة الاجتماعية في الإسلام :\rمبدأ العدالة الاجتماعية هو الركن الثالث من أركان النظام الاقتصادي الإسلامي، ولقد استطاع المسلمون أن يترجموا هذا المبدأ إلى واقع فعلي فعّال، جعل المجتمع الإسلامي مجتمعاً متراحماً متعاوناً متآخياً متحاباً، متناصراً متضامناً وقت اليسار والإعسار. وتلك هي صفات المجتمع الإنساني الأفضل، ذلك المجتمع الذي صانه الإسلام من مختلف العيوب الخلقية والاجتماعية والاقتصادية، فقرر ضرورة القضاء على الفقر و الجهل والمرض والبطالة والتخلف الاقتصادي والضعف العسكري والخضوع السياسي أو الإذلال المدني.\rوالكلام عن العدالة الاجتماعية في الإسلام كثير معروف يهمنا الإشارة فقط إلى أمرين:\rأولهما ـ واجب الدولة في تحقيق مبدأ الضمان الاجتماعي.\rثانياً ـ القيود الإيجابية الواردة على حق الأفراد في الملكية الخاصة.","part":7,"page":27},{"id":4313,"text":"أما الأمر الأول ـ وهو واجب الدولة في تحقيق مبدأ الضمان الاجتماعي: فإنه يستمد وجوده من اعتبار الدولة مسؤولة عن رعاياها، وأن المسلمين جميعاً يكفل بعضهم بعضاً. فالإسلام ألزم الدولة بضمان معيشة أفرادها، وعليها أن تهيء لهم سبل الكسب المشروع ووسائل العمل الشريف، وفرصة المساهمة في أوجه النشاط الاقتصادي المختلفة التي تعود عليهم بالخير والثمار اليانعة بما يحقق لهم أولاً إشباع الحاجات الأساسية من مأكل وملبس ومسكن، ثم الحاجات الكمالية بقدر المستطاع، قال عليه الصلاة والسلام: «من أصبح منكم آمناً في سِرْبه، معافىً في جسده، عنده قوت يومه، فكأنما حِيزت له الدنيا بحذافيرها» (1) ، هذا يدل على أن الحاجات الأساسية هي المأكل والملبس والمسكن، وما عداها فهو من الحاجات الكمالية، وإذا أصبح المرء عاجزاً عن العمل، ومحتاجاً إلى النفقة فعلى الدولة كفايته وتأمين حاجياته وسد عوزه ليعيش عيشة حرة كريمة تليق بعزة الإنسان، وتستطيع الدولة تأمين المال اللازم لهذه الغاية السامية، مما يساهم به الأفراد، ويلتزمون بدفعه من التكاليف المالية الآتية وهي موضوع الأمر الثاني.\r-------------------------------\r(1) أخرجه البخاري في الأدب والترمذي وابن ماجه عن عبيد الله بن محصن رضي الله عنه، وهو حديث حسن.","part":7,"page":28},{"id":4314,"text":"والأمر الثاني ـ هو القيود الإيجابية المفروضة على أصحاب الملكيات الخاصة: فرض الإسلام طائفة من القيود المتعددة على حق الملكية الفردية لتحقيق العدل والمصلحة العامة، منها قيود سلبية ذكرت أهمها، كمنع الاحتكار والتسعير الجبري، وعدم الضرر بالآخرين، ومنع تملك المباح إذا أفضى استعماله إلى ضرر عام. ومنها قيود إيجابية تجعل حق الملكية ذا هدف أو معنى اجتماعي أو ذا وظيفة اجتماعية تبعد فكرة الحق عن معنى السلطة المطلقة، أو حب الذات وتخفف من وجود الملكيات الكبيرة ، وتقيم بناء التكافل الاجتماعي بين الأفراد في الإسلام على أمتن الأسس وأقوى الدعائم الدينية والخلقية والتشريعية من أجل رفع مستوى المعيشة العامة ورعاية مصالح الفقراء، وليؤخذ بأيديهم نحو الكسب المستقل، وأهم هذه القيود الإيجابية هي:","part":7,"page":29},{"id":4315,"text":"1 - فريضة الزكاة :\rتعتبر الزكاة كما هو معلوم ـ من أركان الإسلام، فهي تشريع مدني إلزامي يجب على الأغنياء القيام بتنفيذه وإعطائه لمستحقيه من الفقراء، وتقوم الدولة في الأصل بجباية الزكوات من أصحاب رؤوس الأموال وتجبرهم على أدائها، فليست الزكاة كما يظن بعض الناس مجرد صدقة مستحبة، كما أنها ليست طريقاً لإذلال الفقير وإنما هي حق مستقيم واجب الأداء، قال الله تعالى: {والذين في أموالهم حق معلوم، للسائل والمحروم} [المعارج:24/70-25] والهدف منها أن يؤخذ بيد الضعيف، ويتجه إلى الاعتماد على نفسه من طريق الكسب الحر، فهو علاج مؤقت لحالة كل فقير، وليست طعمة دائمة إلا للعاجزين عن العمل، وتستوفى الزكاة كما هو معروف من ثلاثة أنواع من الأموال: هي النقود المتداولة والسلع التجارية بنسبة 25% ، والإبل والبقر والغنم السائمة (أي التي ترعى الكلأ المباح) بنسب تصاعدية، والزروع والثمار بنسبة العشر فيما يعتمد على الأمطار والأنهار العامة، ونصف العشر فيما يسقى بآلة ونحوها.\rوإذا لم تكف حصيلة زكاة هذه الأموال، فلا مانع شرعاً في رأي فقهاء العصر من إيجابها على أصناف الأموال المستحدثة في زمننا وهي الآلات الصناعية، الأوراق المالية (كالأسهم والسندات) وكسب العمل والمهن الحرة، والدور والأماكن المستغلة عن طريق الإيجارات. غير أن قرار مجمع الفقه الإسلامي في جدة لم يوجب الزكاة على المستغلات العقارية ونحوها إلا بعد حولان الحول على الأموال المدخرة.\rوالعلماء يطالبون المسؤولين بالعودة إلى جباية فريضة الزكاة في وقتنا الحاضر كما فعلت بعض الدول الإسلامية والعربية بقانونها الحديث؛ لأنه مبدأ حيوي يحل كثيراً من المشكلات الاجتماعية.","part":7,"page":30},{"id":4316,"text":"2 - كفاية الفقراء :\rللدولة أيضاً أن تطالب الأغنياء بإغناء الفقراء، فهي المسؤولة عن رعاية مصالحهم؛ لأن الإسلام يجعل العلاقات الاجتماعية قائمة على أساس من التراحم والتعاطف والتوادد، قال النبي صلّى الله عليه وسلم : «كاد الفقر أن يكون كفراً» (1) . وقال صلّى الله عليه وسلم لعلاج ذلك: «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى» (2) ولقد أوجب الدين الحنيف أيضاً تكليفاً في المال غير الزكاة، فقال عليه الصلاة والسلام: «إن في المال حقاً سوى\r-------------------------------\r(1) أخرجه أبو نعيم في الحلية عن أنس رضي الله عنه.\r(2) أخرجه أحمد ومسلم عن النعمان بن بشير رضي الله عنه.","part":7,"page":31},{"id":4317,"text":"الزكاة» (1) بل إن مبدأ كفاية الفقراء للعاجزين على العمل يتجلى في أصدق صورة في قوله عليه الصلاة والسلام: «إن الله فرض على أغنياء المسلمين في أموالهم بقدر الذي يسع فقراءهم؛ ولن يُجهد الفقراء إذا جاعوا أو عروا إلا بما يصنع أغنياؤهم ، ألا وإن الله يحاسبهم حساباً شديداً، ويعذبهم عذاباً أليماً » (2) هذا بالإضافة إلى حث الإسلام على تقديم الصدقات المستحبة تقرباً إلى الله عز وجل كما هو معروف، يقول عليه الصلاة والسلام: « من كان له فضل ظهر فليعد به على من لا ظهر له، ومن كان له فضل زاد فليعد به على من لا زاد له » (3) .\rوكذلك يجب على الإنسان تقديم النفقات لكفاية أقاربه الفقراء المحتاجين كالآباء والأجداد والأبناء وفروعهم.\r3 - الإنفاق في سبيل الله :\rأوجب الإسلام على المسلمين الإسهام بالإنفاق في سبيل الله، والمقصود به الإنفاق على كل مايتطلبه المجتمع من مصالح ضرورية كالدفاع عن البلاد، وتزويد الجيش العامل بالمؤن والسلاح، وبناء المؤسسات الخيرية العامة التي لاغنى لأي بلد متحضر عنها. وللحاكم كيفية تنظيم الحصول على هذه الموارد الكافية لسد العجز في موازنة الخزينة العامة، من طريق وضع نظام ضريبي عادل يلتزم خطة التصاعد بحيث يرتفع سعر الضريبة كلما زاد دخل المكلف، وبحسب درجة الغنى واليسار، و نص فقهاء الإسلام كالغزالي والشاطبي والقرطبي على مشروعية طرح ضرائب\r-------------------------------\r(1) أخرجه الترمذي عن فاطمة بنت قيس رضي الله عنها. وأما حديث: « ليس في المال حق سوى الزكاة» فهو ضعيف أخرجه ابن ماجه عن فاطمة بنت قيس.\r(2) أخرجه الطبراني عن علي رضي الله عنه.\r(3) أخرجه أحمد ومسلم وأبو داود عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.","part":7,"page":32},{"id":4318,"text":"جديدة على الأغنياء والغلات والثمار وغيرها بقدر مايكفي حاجات البلاد العامة، وأقر ذلك مجمع البحوث الإسلامية في مؤتمره الأول المنعقد سنة 1964م في قراره الخامس (1) .\rوالخلاصة: إن الشريعة الإسلامية قيدت المالك في استعمال سلطاته على ملكيته، وفي حق التملك ذاته بقيود كثيرة، تحقيقاً لمبادئ المصلحة والعدل والمساواة بقدر الإمكان.\rسابعاً ـ موقف الإسلام من تعارض مصلحتي الفرد والجماعة :\rإن النظام الرأسمالي يقدس حرية الفرد ومصلحته، ويعتبر مصلحة الجماعة هي حصيلة المصالح الفردية، وإن النظام الاشتراكي يلغي دور الفرد ويقدس مصلحة الجماعة ويفضلها على مصلحة الفرد. ويعتبر التضامن الاجتماعي هو الأساس الوحيد لحياة الجماعة. والفرد مسخر لخدمة مصالحها. وأما الإسلام فقد راعى مصلحة الفرد ومصلحة الجماعة، وأقام توازناً فعالاً بين المصلحتين على وجه يحقق التضامن والتكافل الاجتماعي، فلم يسمح في الحالات العادية للفرد أن يطغى على حساب المجموع، ولا للجماعة أن تسحق مصلحة الفرد لحساب المجتمع، وذلك منعاً من الإخلال بميزان العدالة، ورعاية للحقين معاً بقدر الإمكان، فإذا تعارضت المصلحتان في ظرف استثنائي مثلاً، وتعذر التوفيق بينهما، قدمت المصلحة العامة على المصلحة الخاصة دفعاً للضرر العام، ولكن مع المحافظة على حق الفرد في التعويض.\r-------------------------------\r(1) واشترط لجواز فرض الضريبة أربعة شروط: الأول: أن تكون هناك حاجة حقيقية بالدولة إلى المال، ولا يوجد مورد آخر لتحقيق الأهداف وإقامة المصالح دون إرهاق الناس بالتكاليف. الثاني: أن توزع أعباء الضرائب بالعدل بحيث لا يرهق فريق من الرعية لحساب فريق آخر، ولا تحابى طائفة وتكلف أخرى. الثالث: أن تصرف الضريبة في المصالح العامة للأمة. الرابع: موافقة أهل الشورى والرأي في الأمة. لأن الأصل في أموال الأفراد الحرمة، والأصل أيضاً براءة الذمة من الأعباء والتكاليف.\rهذا .. وهناك رأي آخر يقرر تحريم فرض الضرائب، لأنه لا حق في المال سوى الزكاة، ولأن الإسلام احترم الملكية وحرم الأموال كما حرم الدماء والأعراض. والضرائب مهما قيل في تسويغها فهي مصادرة لجزء من المال يؤخذ كرهاً عن مالكيه، ولأن الأحاديث النبوية قد جاءت بذم المكس ومنع العشور.","part":7,"page":33},{"id":4319,"text":"وعلى أساس هذه النظرة المتوازنة، نظر الإسلام إلى المال، فاعترف بمصلحة الفرد فيه وبحقه في تملكه، كما أنه اعترف بمصلحة الجماعة وبحقها في التملك، وحينئذ تتجاور في الوجود الإسلامي الملكية الخاصة مع الملكية العامة وملكية الدولة، ويكون للإسلام عندئذ غاية مزدوجة رسم لها الشرع حدوداً معينة واضحة، فهو حين يبيح الملكية الفردية من حيث المبدأ فإنه يضع لها حدوداً وقيوداً تمنع اتخاذها سبيلاً للضرر كما ذكرت، ويسخرها نحو مصلحة المجتمع، وللمجتمع استرداد هذه الملكية أو تعديلها إذا وجد فيما يفعل مصلحة عامة، وذلك كله حماية للمصالح الأساسية التي شرعت من أجلها الحقوق، ودرءاً للتعسف والظلم. وبه يتبين أنه لا خطورة في تشريع الإسلام في اعترافه بالملكية الفردية مادام يملك إلغاءها أو تعديلها.\rوبإيجاد هذا النوع من التوازن الاقتصادي بين مصلحتي الفرد والجماعة على أسس من العدل، وحسبما تقتضي المصلحة، استطاع الإسلام حل المشكلة الاقتصادية التي يثيرها الاقتصاديون وهي: كيف يستطيع المجتمع تأمين إشباع الحاجات الكثيرة المتعددة بموارد الطبيعة المحدودة لديه؟\rإن إجابة الإسلام عن هذه المشكلة هي أن الطبيعة ليست بخيلة ولا عاجزة عن تلبية حاجات الإنسان، فهي من صنع الله الذي تكفل بالرزق. لجميع مخلوقاته، وإنما المشكلة تتجسد في الإنسان نفسه، فظلم الإنسان في حياته العملية في توزيع الثروة، وعدم استثماره واستغلاله موارد الطبيعة هما السببان المزدوجان للمشكلة التي يعانيها الإنسان منذ القدم، فمتى انمحى الظلم في التوزيع، وجنَّد الإنسان كل طاقاته للاستفادة من الطبيعة المخلوقة المتجددة زالت المشكلة الاقتصادية.","part":7,"page":34},{"id":4320,"text":"ثامناً ـ أثر الدين والأخلاق والتزام كل مبادئ الإسلام في تكوين مذهبنا الاقتصادي :\rلا يمكن الحكم على نجاح المذهب الاقتصادي الإسلامي إلا بتطبيق كل أنظمة الإسلام السياسية والاجتماعية والمالية؛ لأن الإسلام كل لا يتجزأ، ووحدة متكاملة مترابطة لا يمكن تجزئة بعضه عن بعض، والاقتصاد الإسلامي يعتمد في الدرجة الأولى على الإطار العام من الدين أو العقيدة، والخلق أو السلوك، والمفهوم الشامل عن الكون والحياة.\rالعقيدة الإسلامية في قلب المسلم ووجدانه هي الدافع المحرك لاحترام النظام الاقتصادي والإيمان به والإذعان لتعاليمه.\rوالقيم الخلقية في الإسلام لا تقل أهمية عن النصوص التشريعية الملزمة في توجيه سلوك الفرد بالنسبة لغيره، واحترامه حقوق الآخرين، ورعايته لمصلحة الجماعة، وغيرته على حرمات بلاده والحفاظ عليها بطواعية واختيار ودافع ذاتي ورقابة داخلية للنفس على ذاتها، فالبر والإحسان والرحمة والإخاء العام والتضحية والإيثار والمحبة والتناصر والتعاون على البر والتقوى، كل تلك العواطف التي هي من صميم الدين تؤثر تأثيراً واضحاً في تكييف الحياة الاقتصادية، وتساند المذهب فيما ينشده من غايات، وتسمو بالإنسان دائماً إلى مواطن الخير، وتبعده عن عوامل الشر، وتُسهم في إيجاد قاعدة عتيدة من التكافل والتضامن الاجتماعي بين جميع الأفراد، فالمؤمن المخلص التقي هو الذي يرعى مصالح غيره، كما يرعى مصالح نفسه، وهذه هي مقومات المجتمع الإنساني الفاضل.\rومفهوم الإنسان عن الكون والحياة والعلاقات الاجتماعية في أن الدنيا مزرعة الآخرة، وأن الله هو القابض والباسط والرازق والمتصرف، وأن المال مال الله، والإنسان خليفة ووكيل عن الله في ملكه، وأن المال وسيلة لا غاية، فهو خير إن استعمله صاحبه في الخير، وشر إن أدى إلى الشر والضرر، قال صلّى الله عليه وسلم : « نعم المال الصالح للرجل الصالح» (1) .\r-------------------------------\r(1) أخرجه أحمد وابن مَنيع عن عمرو بن العاص رضي الله عنه.","part":7,"page":35},{"id":4321,"text":"وإن الملكية الخاصة لها طابع ووظيفة اجتماعية، وإنها نعمة كبرى يجب صيانتها، والتوصل إليها من طرق حلال، وأن الربح المعقول هو الخالد الدائم والذي يصون التجارة ومصلحة التاجر، وأن العدو يجب جهاده، وأن الحاكم عادل أمين على مصالح الرعية، كل هذه المفاهيم ونحوها تؤثر في الحقل الاقتصادي تأثيرات بعيدة المدى.\rتاسعاً ـ خلاصة هذا المبحث :\rإن الإسلام ـ كشأنه في كل ما جاء به ـ هو شريعة التوسط والتوازن والاعتدال، وإنه نظام فريد مستقل بنفسه، قائم بذاته، له خصائص ومزايا تميزه عن كل ما عداه من النظم الأخرى في السياسة والاقتصاد والاجتماع والتشريع، وإنه لا قصور فيه عن معالجة المشكلات والأوضاع الحديثة.\rلذا فإنه يلتقي مع أحسن ما في النظامين الحاضرين: الاشتراكي والرأسمالي من مزايا وصفات، ويتجنب ما فيهما من مغالاة وانحراف عن سنن الفطرة الإنسانية، ويسير بأبنائه إذا التزموا مبادئه نحو السعادة الحقيقية التي من أبرز مظاهرها شعور الإنسان بالاستقرار المادي، والاطمئنان النفسي والثقة بالذات، والتمتع بالحرية والكرامة.\rوليست فلسفة الإسلام في بناء الحضارة الإنسانية قائمة على مجرد إشباع البطون؛ لأن الإنسان جسم وروح، لا مجرد آلة، وإنما هو يفيض بمشاعر الآمال والآلام، ويحس في قرارة نفسه العجز في يوم ما ، والناس يتفاوتون عادة في قدراتهم الإنتاجية بحسب تفاوت استعدادهم الفطري وقواهم الفكرية والجسدية، وليس من العدل ولا من المعقول حرمان إنسان من ثمرات عمله أو الحد منها ما دامت مشروعة.\rولقد حارب الإسلام الثالوث الهدّام المخيف (وهو الفقر والجهل والمرض) وقاوم كل عوامل التخلف الاقتصادي: وهي البطالة ووسائل الكسب غيرالمشروع وإضعاف الإنتاج الزراعي والصناعي والتجاري، كما أنه حقق في الواقع التاريخي مبادئه في التكافل الاجتماعي.","part":7,"page":36},{"id":4322,"text":"المبحث الثاني ـ المعالم الكبرى لاشتراكية الإسلام :\rتمهيد حول مصطلح الاشتراكية :\rشاعت كلمة ( الاشتراكية ) في عصرنا الحاضر بدءاً من القرن التاسع عشر، وتحمس لها الناس لأنها نشأت كرد فعل لظلم الرأسمالية، ولأنهم وجدوا فيها ملامح الإنسانية والعدل والرفاه والمساواة، باعتبار أن النظام الاشتراكي يتضمن الأسس اللازمة لإسعاد الإنسان سعادة عادلة، ومنع استغلال الإنسان لغيره فرداً أو جماعة، سواء أكان استغلالاً اقتصادياً أم اجتماعياً أم سياسياً. وتتفاوت أنواع الاشتراكية تطرفاً واعتدالاً، بمقدار تنازل أفراد المجتمع للدولة عن الحريات السياسية والمالية. فكلما كان ذلك القدر المتنازل عنه أبعد عن محو شخصية الفرد ومسؤليته، كان أقرب إلى الوضع الطبيعي للإنسان.\rولكن الوسط الديني الإسلامي والمسيحي وأي دين نفر مما صاحب الاشتراكية السائدة من إلحاد وجحود لوجود الله وأصول الدين وعقيدة البعث بالذات بقصد إنصاف الطبقة الكادحة، مع أن هذا الجحود يذوب أمام براهين إثبات الإله المعروفة، بل ولا حاجة إليه إطلاقاً في ميدان العقل والتجربة لإنصاف تلك الطبقات المظلومة أو الكادحة، وإنما على العكس يقتضي العقل والتجربة أن تكون الدعوة لإنصاف هذه الطبقات أجدى فيما إذا اعتمدت على الإيمان بوجود الله وبالحساب يوم الجزاء.\rونتيجة لهذه النفرة مما اقترنت به الاشتراكية من إلحاد أو شيوع في الأموال والأعراض، فضّل كثير من كتاب الإسلام استخدام كلمة أخرى بديلة عنها وهي (العدالة الاجتماعية) أو (التكافل الاجتماعي) أو الضمان الاجتماعي: أي أن يكون كل فرد في الدولة في حمايتها ورعايتها بوصفها ممثلة للجماعة. وعندئذ يتحقق الضمان لآحاد الناس حين يجدون من المجتمع حماية وأمناً واستقراراً.","part":7,"page":37},{"id":4323,"text":"والحقيقة أن اللغة العربية لا تمنع قبول هذا المصطلح الذي ينبئ عن الاشتراك في الملكيات، كما أن فقه الإسلام الذي يقرر الاعتماد على المقاصد والمعاني لا ينفر من هذه الكلمة فيما تستهدفه من غايات إنسانية، مجردة من العيوب التي صاحبتها، وقد قال النبي صلّى الله عليه وسلم عن اشتراك الناس في مصادر الإنتاج الأساسية والأموال الضرورية: «الناس شركاء في ثلاث: الماء والكلأ والنار» (1) . وكان الهدف الجوهري من رسالات السماء هو إقامة المجتمع الفاضل القائم على أساس من المحبة والإيثار والمساواة بين الأفراد والتزام الحق والعدل ومنع الظلم بمختلف أشكاله. فالاشتراكية في جوهرها الإنساني وغاياتها النبيلة قديمة منذ المجتمعات البدائية، ولا يضيرنا الاعتزاز بالإسلام والاعتراف بسموه وذاتيته واستقلاله عن الأنظمة الأخرى أن نعرف موقفه من نظام (الاشتراكية) الحالي، بل ونتعرف مبادئه وأسبقيته في الأخذ بأحسن ما ينشده هذا النظام، وإصلاح عيوبه وتجريد أخطائه، مما يؤدي إلى إعلان هذه الحقيقة وهي القول بـ (اشتراكية الإسلام).\rمعالم اشتراكية الإسلام :\rللإنسان منذ القدم مشكلة مثلثة تتطلب حلاً مناسباً في كل عصر، وهي تتكون أولاً من حاجاته البدنية الطبيعية المتنوعة كالغذاء والكساء والمسكن والثقافة والعلاج ونحوها، وثانياً غرائزه المتعارضة التي من أهمها غريزة التملك، وغريزة الاجتماعية أي العيش في مجتمع، وثالثاً حبه الحرية المطلقة في السلوك والتصرفات.\rوقد أجاب الإسلام عن هذه المشكلة بوضع المبادئ التالية:\rأولاً ـ التكافل الاجتماعي :\rأبنت في المبحث الأول أسس العدالة الاجتماعية، وأوضح بعض جوانبها هنا.\r-------------------------------\r(1) سبق تخريجه.","part":7,"page":38},{"id":4324,"text":"1 - المسلمون كالجسد الواحد (المشاركة الوجدانية والعملية ) :\rلا تتحقق سعادة الفرد في الإسلام إلا بسعادة الجماعة، فكل فرد يكمل الفرد الآخر لإقامة بنيان واحد، دل على ذلك أحاديث نبوية كثيرة مثل: «ذمة المسلمين واحدة، تتكافأ بها دماؤهم، وهم يد على من سواهم» (1) «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً» (2) «مثل المسلمين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى» (3) وهكذا تنمي الشريعة في نفس كل مسلم الشعور بالمسؤولية الجماعية، وتدفعه إلى المشاركة العملية بباعث المشاركة الوجدانية أو الإيمان الذي يربطه بإخوته في العقيدة برباط متين لا تنفصم عراه. فيتضامن جميع الأفراد في سبيل تحقيق سعادة المجموع، قال الله تعالى: {وتعاونوا على البر والتقوى} [المائدة:2/5].\r2 - كفالة المجتمع الحاجات الأساسية لكل إنسان فيه :\rيترتب على مبدأ التكافل الاجتماعي: كفالة الحاجات الضرورية لكل عضو في المجتمع، لا على أن ذلك مجرد صدقة، وإنما قياماً بحق يمنح صاحبه حق الادعاء به أمام القاضي حتى يستوفي ما يكفيه من بيت المال، قال النبي صلّى الله عليه وسلم : «ما من مؤمن إلا وأنا أولى به في الدنيا والآخرة.. ومن ترك ديناً أو ضياعاً (4) فليأتني فأنا مولاه» «ابغوني في ضعفائكم، إنما تنصرون وترزقون بضعفائكم» (5)\r-------------------------------\r(1) أخرجه البخاري ومسلم وأحمد وابن ماجه عن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه.\r(2) أخرجه الشيخان والترمذي والنسائي عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه.\r(3) سبق تخريجه.\r(4) الضَياع: هو ضياع الأطفال بموت عائلهم (عمدة القاري: 235/12) والحديث رواه أحمد وأبو داود والنسائي عن جابر.\r(5) أخرجه أحمد وأبو داود والنسائي والترمذي وصححه عن أبي الدرداء رضي الله عنه.","part":7,"page":39},{"id":4325,"text":"والضعيف يشمل ضعف الجسد وضعف الفقر والعذر والحاجة. وابغوني: أي اطلبوا إلي ضعفاءكم. ويتم تنفيذ هذا الواجب عن طريق الزكاة التي هي التزام مدني واجب على الغني، لا مجرد التزام ديني، ويجب على الدولة جبايته، فإن لم تكف الزكوات جاز فرض ضرائب أخرى على الأغنياء لتحقيق كفاية الفقراء كما بان سابقاً. ويسأل كل حاكم مباشرة عن أي فرد من أفراد الفقراء كما ذكر سابقاً. ويسأل كل حاكم مباشرة عن أي فرد من أفراد الرعية، كما بدا ذلك واضحاً في إحساس الخلفاء الراشدين بهذه المسؤولية. وفي عهد عمر تكافل المسلمون جميعاً لدفع غائلة المجاعة عام الرمادة، وقال عمر وقتذاك: « لو أصابت الناس الشدة لأدخلت على أهل كل بيت مثلهم، فإن الناس لا يهلكون على أنصاف بطونهم» .\r3 - توفير العمل والحث عليه :\rعلى المجتمع ممثلاً بالدولة تهيئة فرص العمل المناسب لكل قادر عليه (1) ، ومقاومة كل أسباب التعطل والبطالة، حتى لا يثقل كاهل بيت المال بتأمين حاجات العاطلين. ويراعى في كل عمل مدى حاجة المجتمع إليه، وما يتطلبه العامل من حماية وتأمين وعدالة في التوزيع وراحة مناسبة. وعلى رب العمل إيفاء حق العامل بمجرد الفراغ من عمله لقوله عليه الصلاة والسلام: « أعطوا الأجير أجره قبل أن يجف عرقه» (2) وعليه ألا يكلفه ما لا يطيق، وأن يعاونه عليه إن كان\r-------------------------------\r(1) روى الترمذي أن النبي صلّى الله عليه وسلم أرشد أنصارياً إلى أن يعمل بالاحتطاب، وساعده بأن أعدَّ له فأساً بيده الشريفة. وروى الإمام أحمد أن النبي صلّى الله عليه وسلم قال: «من ولي لنا عملاً وليس له منزل فليتخذ منزلاً، أو ليست له امرأة فليتزوج، أو ليست له دابة فليتخذ دابة» وهذا بلا ريب من بيت مال المسلمين.\r(2) أخرجه ابن ماجه عن ابن عمر رضي الله عنهما، وهو ضعيف.","part":7,"page":40},{"id":4326,"text":"مرهقاً. وعلى الدولة العناية بالاستثمار والاستغلال المشروع والتنمية أكثر من اهتمامها بجباية ضرائب الإنتاج في الزراعة ونحوها، قال علي رضي الله عنه لأحد ولاته: «وليكن نظرك في عمارةالأرض (أي الإنتاج) أبلغ من نظرك في استجلاب الخراج (أي من فرض الضرائب)؛ لأن ذلك لا يدرك إلا بالعمارة. ومن طلب الخراج بغير عمارة أخرب البلاد وأهلك العباد، ولم يستقم أمره إلا قليلاً» . وحث الإسلام في آيات وأحاديث متعددة كما عرفنا على العمل، واعتبره من أفضل موارد الكسب المشروع، ورأس وسائل الإنتاج. كما أنه هو أساس التفاضل بين الأفراد ومعيار تقييم الناس: «قيمة كل امرئ ما يحسنه» وقال سيدنا عمر: «إني لأرى الرجل فيعجبني، فإذا قيل: لا عمل له سقط من عيني» . ومن هذا وجب إتقان الأعمال وتحسينها، قال عليه الصلاة والسلام: «إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه» (1) . وينبغي الاتجاه إلى الكسب والعمل المنتج بدافع أو حافز داتي لقوله صلّى الله عليه وسلم «اليد العليا خير من اليد السفلى» (2) .\r4 - كفالة القاصرين والعجزة عن العمل :\rيجب على الأب كفاية ولده حتى البلوغ، وعلى الغني الموسر كفالة قريبه المعسر والإنفاق عليه إذا كان من الأصول والفروع. وأوجب بعض الفقهاء وهم الحنفية النفقة للمحارم كالإخوة والأعمام والعمات والأخوال والخالات. وجعل المذهب الحنبلي وجوب النفقة مع قاعدة الميراث، فإذا لم يكن للولد أو العاجز عن العمل أو الشيخ الهرم أحد يكفيه من أقاربه، وجبت كفايته من بيت المال.\rوكان عمر رضي الله عنه يرتب نفقة للطفل منذ فطامه، ثم جعله منذ الولادة\r-------------------------------\r(1) أخرجه البيهقي عن عائشة رضي الله عنها، لكنه ضعيف.\r(2) أخرجه أحمد والطبراني عن ابن عمر رضي الله عنه وهو حديث صحيح، وقد سبق تخريجه.","part":7,"page":41},{"id":4327,"text":"بمقدار مئة درهم، حتى لا تعجل الأمهات فطام أولادهن، ثم إذا ترعرع جعلها مئتين. وفرض عمر أيضاً نفقة لشيخ من أهل الذمة حينما وجده يسأل الناس بسبب الحاجة والسن وأداء الجزية. ومثل الولد والشيخ الهرم: كل عاجز عن العمل بسبب الإصابة في عمله أو بسبب آفة صحية أو عقلية تمنع من التكسب، أو بسبب فقد العائل أو بسبب كارثة مؤقتة كغرق أو حريق . وقد ذكرت مبدأ (كفاية الفقراء) في المبحث الأول، قال النبي صلّى الله عليه وسلم : «إن في المال حقاً سوى الزكاة» (1) «ما آمن بي من بات شبعان، وجاره جائع إلى جنبه، وهو يعلم به» (2) «أيما أهل عَرْصة ـ أي بقعة ـ أصبح فيهم امرؤ جائعاً، فقد برئت منهم ذمة الله تبارك وتعالى» (3) .\rوإذا كان الصحابة كما لاحظنا قرروا صوراً من التكافل لمطلق المصلحة والعدل، فإن كل ما تسنه الدولة من قوانين للتأمين الاجتماعي أو للتقاعد أو للمساعدات لفئة من المواطنين نقداً أو عيناً كرعاية الطفولة أو إصلاحيات المنحرفين من الأحداث ونحوها بحسب الحاجة وتطور الزمن: يكون مقبولاً بشرط ألا يخالف أصلاً من أصول الشريعة. قال مجاهد: «ثلاثة من الغارمين: رجل ذهب السيل بماله، ورجل أصابه حرق فذهب بماله، ورجل معه عيال وليس معه مال» وقد طلب النبي صلّى الله عليه وسلم إلى المسلمين أن يتصدقوا على من أصابته جائحة.\r5 - التعاون في درء الأخطار :\rأبنت سابقاً أن للدولة الحق في فرض الضرائب على الأغنياء في حالة فقر بيت المال، وتهديد المجتمع بأي خطر كالمجاعة والوباء والحرب إذ «يتحمل الضرر\r-------------------------------\r(1) سبق تخريجه.\r(2) أخرجه الطبراني عن أنس رضي الله عنه.\r(3) أخرجه الحاكم وأحمد، وفيه شخص مختلف فيه.","part":7,"page":42},{"id":4328,"text":"الخاص لدفع الضرر العام» ويجوز للجائع حال الضرورة أخذ الطعام من الآخرين، لإنقاذ نفسه من الهلاك، على أن يدفع ثمنه لأن (الاضطرار لا يبطل حق الغير). وعلى مالك الطعام أن يدفعه إلى المحتاج إليه، وإلا كان آثماً، ويجوز للمضطر إليه مقاتلته، كما له أن يقاتل صاحب الماء الذي يمنعه عن العطشان، فإن قتل الجائع وجب القصاص على القاتل.وقد نوه سيدنا عمر بهذا المبدأ وما قبله فقال: «لو استقبلت من أمري مااستدبرت لأخذت فضول أموال الأغنياء، فرددتها على الفقراء» وقال ابن حزم الظاهري: «فرض على الأغنياء من كل بلد أن يقوموا بفقرائها، ويجبرهم السلطان على ذلك إن لم تقم الزكوات بهم ولا في سائر أموال المسلمين، فيقام لهم بما يأكلون من القوت الذي لا بد منه، ومن اللباس في الشتاء والصيف بمثل ذلك وبمسكن يكنّهم من المطر والصيف والشمس وعيون المارة» .\rوهكذا يظهر لنا أن هناك تضامناً فعالاً بين الفرد والجماعة الممثلة بالدولة لتحقيق السعادة والرفاه، فكما أن الدولة مسؤولة عن رعاياها (مجتمعها) يعتبر كل فرد في المجتمع مسؤولاً عن أي فرد آخر، وهذا ليس مجرد تكافل أخلاقي، وإنما هو تكافل قانوني إلزامي، وإن لم يوجد جزاء أو عقاب دنيوي على تقصير الإنسان بواجبه فيه. وعليه تكون الدولة في النظام الإسلامي أشبه بدولة اشتراكية، وكل فرد فيها أقرب إلى أنه عضو اشتراكي فعال يساهم في تحمل المسؤولية الاشتراكية على وفق ترتيب منطقي وهو: «وابدأ بمن تعول» (1) أي ابدأ بنفسك ثم بمن تجب عليك نفقتهم من الأهل، ثم العناية بشأن الجار، والضيف، ثم كل محتاج، ثم التعاون في استغلال موارد الطبيعة. ولا يقتصر الأمر على جانب الاقتصاد، بل لا\r-------------------------------\r(1) أخرجه أحمد والطبراني عن ابن عمر رضي الله عنه، ومطلع الحديث: «اليد العليا خير من اليد السفلى» .","part":7,"page":43},{"id":4329,"text":"بد من المشاركة في نواحي الحياة الأخرى من تربية وتعليم، وممارسة أصول الحياة السياسية والمدنية كالحرية والكرامة والعدالة والشورى وتكافؤ فرص الحياة السياسية.\rثانياً ـ الملكية الخاصة ووظيفتها الاجتماعية :\r1) ـ إقرار الملكية الفردية: أوضحت سابقاً أن الإسلام يقر الملكية الفردية ويحترمها، تجاوباً مع فطرة الإنسان وغريزة التملك والاقتناء، فطلب الغنى ليس محرماً في ذاته، ولكن يشترط أن يتخذ الإنسان وسائل الكسب المشروعة له، ومن أهمها وأشرفها العمل، ومن أفضل الأعمال إحياء الأرض الموات التي لا مالك لها واستثمارها.\rوإذ يجيز الإسلام التملك بدون عمل عن طريق الإرث أو الوصية أو الهبة، فما ذلك إلا لأن الوارث امتداد لشخصية المورث، وأما الوصية أو الهبة ونحوهما من التبرعات فهي أثر لحرية الإنسان في التصرف، وتشجيع على أعمال البر والخير وعمل المعروف الذي يدعم فريضة الزكاة، ويغطي نواحي الحاجة والنقص أو الحالات التي لا تصرف فيها الزكاة، مع توافر بعض المقتضيات الإنسانية لها.","part":7,"page":44},{"id":4330,"text":"2) ـ قيود الملكية: عرفنا أيضاً أن إقرار الملكية الخاصة ليس بصفة مطلقة، وإنما هي مقيدة بقيود كثيرة تجعل للملكية وظيفة اجتماعية وطابعاً إنسانياً كريماً. وهذه القيود منها عام يرتبط بالنظام الإلهي العام للإسلام كتحريم المعاملات الربوية أو القمار أو الاتجار بالخمر وسائر ما حرمه الله ، ومنها خاص يمس النشاط الفردي ويجعله ذا طابع أو اتجاه اشتراكي معتدل، كتحريم الاستغلال الممنوع والاحتكار والغش، وكراهية تكدس الثروات المالية. وتحريم الاستغلال شامل استغلال رب العمل فقر العامل فيظلمه، واستغلال التاجر حاجة المستهلك، فيغلي قيمة السلعة، أو جهل المنتج أو المصدر، فيشتري بضاعته بثمن بخس (تلقي الركبان)، أو سذاجة البدوي فيبيعه السلعة بأزيد من ثمنها (بيع الحاضر للبادي) واستغلال النفوذ بسبب الولاية أو القرابة أو الحسب والنسب.\rوالاحتكار محرم لأنه يمنع تداول الثروة، ويؤدي إلى السيطرة والاستغلال، وقد يعطل الاستثمار، كمافي حال احتجار الأرض بغير استثمار مما يوجب سلبها من محتجرها بعد ثلاث سنين، كما تقدم.\rوتكدس الثروات المكروه في الإسلام، وإن لم يصل إلى درجة التحريم، فهو ممقوت لا يتفق مع الهدف الأمثل للشريعة، وللدولة أن تتخذ السياسة التي تمنعه، لما يؤدي إليه من ترف وفساد وسيطرة، كما فعل النبي صلّى الله عليه وسلم من إقرار التوازن الاقتصادي بين المهاجرين والأنصار، وسار على نهجه الخلفاء الراشدون، فترك سيدنا عمر الأراضي المفتوحة في العراق والشام ومصر بيد أهلها، ولم يقسمها بين الفاتحين، حتى لا تنحصر الثروة بأيديهم، ولا يبقى شيء لمن يأتي بعدهم، واستدل على صحة فعله الذي وافقه عليه الصحابة بقوله تعالى: {ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل كيلا يكون دُولة بين الأغنياء منكم} الآيات [الحشر:7/59-10] .","part":7,"page":45},{"id":4331,"text":"وكان النبي حريصاً على عدم اتساع الملكيات الزراعية، فنهى عن كراء الأرض، كما سيتضح في بحثه المخصص له. ويعتبر نظام الإرث في الشريعة من أكبر العوامل على تفتيت الثروة ومنع تركيزها في أيدي فئة قليلة.\rوقد أوردت أهم القيود التي تقيد حق الملكية الفردية، والتي تجعلها ذات وظيفة اجتماعية يمارسها صاحبها لمصلحة المجموع، ودون تمسك بأنها حق مطلق، باعتبار أن المالك الحقيقي للأموال هو الله تعالى، والناس لهم عليها حق الاستخلاف، قال الله تعالى: {وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه } [الحديد:7/57] وهذه القيود الشرعية الواردة على الملكية الخاصة: هي ألا تؤدي الملكية إلى الإضرار بالغير، وأن يخرج مالكها منها الزكاة والنفقات الواجبة على الغني الموسر لقريبه المعسر، سواء أكان من الأصول أم الفروع أم الحواشي أم الزوجات. وأن تستخدم الملكية في صالح النفع العام، أي أنه يجوز تحديدها أو انتزاعها من مالكها إذا اقتضت المصلحة العامة ذلك بشرط دفع ثمنها لصاحبها.\rوأما إنه لم يحدث في تاريخ الإسلام أن أخذ مال غني بغير رضاه، وأعطي لفقير، فذلك صحيح، لا يتنافى مع مبدأ مشروعية التأميم في أحوال استثنائية فقط؛ لأن واقع المجتمع قد تغير عما كان عليه حال المسلمين في صدر الإسلام، فقد كان أغنياء المسلمين يبذلون أموالهم في سبل الخيرالعامة عن طواعية واختيار، عملاً بما ندبهم إليه الإسلام ورسوله، والقيام بالواجب بدافع ذاتي أفضل وأكرم بلا شك من القهر عليه.\rواشتكى أحد الولاة في عهد الخليفة عمر بن عبد العزيز رحمه الله من تكدس الأموال في بيت المال، دون أن يجد فقيراً يعطيه، فأمر عمر بصرفه في قضاء ديون الغرماء المدينين، وكان الفقراء يتعففون من أخذ الزكوات، حتى نشأت مشكلة البحث عنهم في عهد عمر بن الخطاب، مما اضطره إلى إحداث نظام الخفراء (أو العَسس) في الليل للبحث عن المحتاجين لإعطائهم حقهم من بيت المال.","part":7,"page":46},{"id":4332,"text":"وبما أنه قد تغيرت ظروف المجتمع اليوم، وساءت أحوال المسلمين وضنَّ الناس بما عندهم وقصروا في أداء واجبهم، فلا مانع من اتخاذ بعض الإجراءات الاستثنائية المرهونة بوقت الحاجة لتصحيح بعض الأوضاع الفاسدة، وإجبار الأغنياء على إعطاء حق الفقراء، أو تأميم بعض أموالهم ليقوم الفقير باستثمارها، بعد أن منعوا الزكاة ونحوها من الواجبات المفروضة. قال النبي صلّى الله عليه وسلم عن مانع الزكاة: «ومن منعها ـ أي الزكاة ـ فإنا آخذوها وشطر ماله، عَزْمة من عزمات ربنا عز وجل» (1) . هذا بالإضافة إلى أن بعض ملكيات الإقطاعيين الكبيرة كانت قد اكتسبت بوسائل غير مشروعة، إما بخدمة المستعمر، أو الحاكم الظالم. ولا شك بأنه يجوز مصادرة الأراضي والأموال المكتسبة بوسيلة غير شرعية كما عرفنا سابقاً. كما أنه إذا لم تتحقق كفاية الفقراء، لا مانع شرعاً من فرض الكفاية اللازمة على الأغنياء عملاً بالمبدأ الشرعي: «إذا بات مؤمن جائعاً فلا مال لأحد» .\r3) ـ مبدأ المساواة الاجتماعية في الإسلام :\rمن البدهيات المسلمة المعروفة أن الإسلام دين المساواة في الحقوق والواجبات بين أفراد المجتمع المسلم، فلا تمييز بين الناس بسبب الجنس أو اللون، أو الحسب والنسب، أو الغنى والفقر، وإنما الكل أمام الله تعالى، وفي المنزلة الاجتماعية سواء، حتى يقضى على كل بواعث الجرائم التي يدفع إليها وجود الامتياز المادي والأدبي. وحينئذ فلا يسمح الإسلام بوجود طبقات اجتماعية تتفاوت في الدرجة الاجتماعية، وإن كان هناك تفاوت مادي بين غني وفقير، في حدود كفاية الفقير، وعدم اكتناز المال لدى الغني، قال الله تعالى: {نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات} [الزخرف:32/43] {والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم} [التوبة:34/9] والآية الأولى لا تعني وجود مجتمع طبقي في نظام الإسلام، إذ ليس في\r-------------------------------\r(1) أخرجه أحمد والنسائي وأبو داود من حديث بهز بن حكيم عن أبيه عن جده.","part":7,"page":47},{"id":4333,"text":"الإسلام طبقات ذات امتيازات اجتماعية، وإنما يقر الإسلام وجود تفاوت مادي بين الإسلام؛ لأن الغنى والفقر كل منهما محل مسؤولية وابتلاء واختبار، فلا طبقية إذن، وإنما هي مسؤولية على كل منهما، الغني في استغلال ماله، والفقير في اختبار صبره ومدى جهاده في الحياة.\rوالتفاوت المادي لا عيب فيه؛ لأنه يتمشى مع الفطرة الإنسانية في حب التملك والاقتناء، ويولد عنصر المنافسة الحرة الشريفة، وتقتضيه طبيعة الناس بحسب تفاوتهم في العلم والعمل والقدرة على الكفاح والإنتاج. وهذا يعطينا الدليل لتوزيع الأعمال والكفايات بين الأفراد. وبذلك تكون أسباب التفاوت المحدودة في المجتمع الإسلامي محصورة في سببين: العمل والعلم. فبالعمل تشتد المنافسة في الإنتاج، وبالتالي في الحفاظ على ثمرات الكسب والغنى واليسار. وبالعلم تتقدم الأمم، ويستفيد العالم من ثمرات علمه لنفع المجتمع وإعلاء كلمة الحق وإبداء النصيحة والإرشاد إلى الخير. والتفاوت في المقدرة والنشاط والعلم لايخلق طبقية اجتماعية لها امتياز أو استعلاء، وإنما هومسؤولية أمام الله ، ومسؤولية أمام المجتمع، قال النبي صلّى الله عليه وسلم : «لا تزول قدما عبد حتى يسأل عن أربع: عن عمره فيم أفناه، وعن شبابه فيم أبلاه، وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه، وماذا عمل فيما علم» (1) .\rثالثاً ـ الحرية الاشتراكية في الإسلام :\rالناس جميعاً أحرار في ميزان الإسلام، ولا خضوع إلا لله وحده، ولا يخضع إنسان لغيره إلا بالحق والمعروف، إذ لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.\r-------------------------------\r(1) أخرجه الترمذي عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه.","part":7,"page":48},{"id":4334,"text":"فمن هذا المبدأ تتأصل الحرية والكرامة للإنسان. فهي شيء ينبع من ذات الإنسان وتكوينه، لا أنها منحة من المجتمع للإنسان. والحرية تكون مصدر الاعتزاز بالشخصية، والشجاعة الأدبية في إعلاء كلمة الحق، ومجابهة الصعاب وعدم خشية أحد إلا الله قال عليه الصلاة والسلام: «أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر» (1) وحرية الفرد تستتبع حرية الجماعة السياسية والاقتصادية.\rغير أن هذه الحرية ليست مطلقة، وإنما هي مقيدة بالمعيار الاشتراكي الذي يقوم على تكافل أفراد المجتمع، سواء في ذلك الحاكم والمحكومون. فالحاكم الذي ترشحه الأمة وتبايعه مقيد بالعمل بنظام الشريعة، وبمشاورة أهل الخبرة والاختصاص (أهل الحل والعقد) قال الله تعالى آمراً نبيه: {وشاورهم في الأمر} [آل عمران:159/3] والمحكومون من الرعية مطالبون بالطاعة في المعروف، وبالنصرة، إذ «لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق» (2) وقال الله تعالى: {والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض} [التوبة:71/9] أي ، متناصرون، ولهم إبداء الرأي في تصرفات الحاكم كما طالب بذلك أبو بكر في خطبته المعروفة، والدولة الإسلامية مقيدة في علاقتها مع الدول الأخرى بعدم الاعتداء، لقوله تعالى : {ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين} [البقرة:190/2].\rرابعاً ـ القيم الخلقية في النظام الاشتراكي الإسلامي :\rأشرت سابقاً إلى دور الأخلاق في بناء الفرد والجماعة، وأضيف هنا أن أفضل أنواع الاشتراكية هي التي لا تفرض بالحديد والنار وبالمجازر الدموية\r-------------------------------\r(1) أخرجه ابن ماجه عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.\r(2) حديث نبوي أخرجه أحمد والحاكم عن عمران بن حصين والحكم بن عمرو الغفاري رضي الله عنهما.","part":7,"page":49},{"id":4335,"text":"والصراع الحاد بين الطبقات، وإنما التي تنبع من الذات المؤمنة السامية والضمير الإنساني اليقظ والمثل الدينية العليا. فالاشتراكية السياسية والاقتصادية الوطيدة الأركان هي التي تقوم على الاقتناع بضرورة التنازل عن شيء من المصالح الفردية في سبيل تحقيق مصلحة المجموع، وهذا الاقتناع يحتاج إلى تذوق خلقي للعلاقات الإنسانية بين أفراد المجتمع، والفهم الخلقي يحتاج إلى قوة دافعة من العقيدة السامية التي قررتها الأديان، وتبلورت ـ أخيراً في الإسلام، لأن الدين سند الأخلاق وحارسها وحافظها من الضعف والانهيار أثناء الأزمات.\rومن أهم الأخلاق الاشتراكية: الإحساس المرهف بالمسؤولية والسمو البشري في التعاطف والتعامل وحب الخير والحق والإيثار. أما الإحساس بالمسؤولية فموزع على الحكام والأفراد، قال صلّى الله عليه وسلم : «كلكم راع ، وكلكم مسؤول عن رعيته، فالإمام راع وهو مسؤول عن رعيته، والرجل راع في أهله وهو مسؤول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها وهي مسؤولة عن رعيتها» (1) وقد بلغ الإحساس بالمسؤولية عند الخلفاء الراشدين ومن تبعهم بإحسان درجة عالية انعكست على كل الولاة والعمال في الدولة، بل على سائر أفراد المسلمين، إذ كان الواحد يندفع إلى تلبية الواجب وتنفيذ أوامر الإسلام من دون حاجة إلى مراسيم وقوانين وأوامر متتابعة ومتراكمة من الخليفة والحكام بحيث يزحم بعضها بعضاً، وقد ينقض واحد منها الآخر.\rوكان أخطر أنواع المسؤولية: هو توزيع الحقوق المالية على الناس في أجزاء البلاد، وقيام الحاكم بواجبه نحو الرعية، وهو الذي أحس به سيدنا عمر حينما قال: «لئن عشت إلى قابل ليبلغنَّ الراعيَ في صنعاء نصيبه من هذا الفيء ودمه في\r-------------------------------\r(1) سبق تخريجه.","part":7,"page":50},{"id":4336,"text":"وجهه» وقال أيضاً : «لئن ضلت شاة على شاطئ الفرات لخشيت أن يسألني الله عنها يوم القيامة» .\rوأما التعاطف بين أبناء المجتمع فهو السمة البارزة لاشتراكية الإسلام القائمة على المحبة والإيثار، والأخوة والتضامن والسعي في سبل الخير، قال الله تعالى: {إنما المؤمنون إخوة} [الحجرات:10/49] {ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة} [الحشر:9/59] وقال النبي صلّى الله عليه وسلم : «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه» (1) «الخلق كلهم عيال الله، فأحبهم إلى الله أنفعهم لعياله» (2) «عامل الناس بما تحب أن يعاملوك به» (3) «تحب للناس ما تحب لنفسك، وتكره لهم ما تكره لنفسك» (4) .\rوهناك أحاديث نبوية كثيرة ترغّب في فعل الخير وعمل المعروف وبذل المال، ومساعدة المحتاج، وتقديم القربات، مثل قوله عليه الصلاة والسلام: «من كان له فضل ظهر فليعد به على من لا ظهر له، ومن كان له فضل زاد فليعد به على من لا زاد له» (5) «يا ابن آدم إنك إن تبذل الفضل خير لك، وإن تمسكه شر لك، ولا تلام على كفاف، وابدأ بمن تعول، واليد العليا خير من اليد السفلى» (6) .\rبهده الأصول الخلقية قامت اشتراكية الإسلام، وبها وحدها تم التوصل لحل مشكلة الإنسان المعقّدة المثلثة، فتحقق التقاء الفرد والمجتمع، والتوافق بين غرائز الإنسان الذاتية الخاصة ومصلحة المجموع، وأثبت التطبيق العملي للاشتراكية بالاعتماد على القيم الخلقية أن القوانين والأنظمة أو السلطة والقهر لا تكفي لنجاح الاشتراكية في إسعاد الإنسان، بل ولن يكتب لها الدوام والاستمرار. وهذه مقولة أعلنتُ عنها منذ عام 1965م قبل انهيار الاتحاد السوفييتي.\r-------------------------------\r(1) أخرجه الجماعة (أحمد وأصحاب الكتب الستة) عن أنس بن مالك رضي الله عنه.\r(2) أخرجه أبو يعلى والبزار عن أنس، والطبراني عن ابن مسعود، لكنه ضعيف.\r(3) الثابت في السنة: «وأحب للناس ما تحب لنفسك تكن مؤمناً» .\r(4) أخرجه أحمد عن معاذ بن أنس رضي الله عنه (الترغيب والترهيب: 23/4).\r(5) سبق تخريجه.\r(6) أخرجه أحمد ومسلم والترمذي عن أبي أمامة رضي الله عنه (الفتح الكبير: 376/3).","part":7,"page":51},{"id":4337,"text":"المبحث الثالث ـ نظرية القيمة في الإسلام :\rتكلمت في المبحث الأول عن هذه النظرية، وبينت أن الإسلام حض على العمل، وطالب القرآن باستخراج خيرات الطبيعة لقوله تعالى: {هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعاً} [البقرة:29/2] لأن العمل في الحقيقة أساس التقدم وبناء الكون كله. وبه يتم التفاضل بين الناس في الدنيا والآخرة، أما العمل في الدنيا: فهو كل جهد يؤدي إلى جلب نفع عام أو خاص، أو منع أذى خاص أو عام، أو ازدهار صناعة مفيدة، أو زيادة طيبات الحياة، أو انتشار عمران.\rوأما العمل للآخرة: فهو أداء الفروض الدينية فكراً وتعلماً وعملاً وامتناعاً عن الشر ومختلف أنواع الجرائم. ويشمل أيضاً النية الطيبة في إنجاز الأعمال الدنيوية.\rوالمهم الآن تكرار ما قلته من أن العمل وإ ن كان هو الأساس الأول للقيمة الاقتصادية للسلع وللقيمة الاجتماعية للفرد وللتنمية الاقتصادية، ولاستغلال الثروة الطبيعية، فإن قيمة السلعة تتحدد بحسب العرض والطلب الواقعين عليها، مع التزام مبدأ السعر العادل، وفي ظل من رقابة الدولة. بدليل قول النبي صلّى الله عليه وسلم : «دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض» (1) ويضم إليه إفتاء فقهاء المدينة السبعة\r-------------------------------\r(1) سبق تخريجه.","part":7,"page":52},{"id":4338,"text":"في عصر التابعين والمالكية والحنابلة ومتأخري الزيدية بجواز تسعير السلع، حينما استبد الجشع والطمع ببعض الناس، وتغالوا في قيم البضائع (1) ، وذلك عملاً بالمصلحة المرسلة مما أوجب القول بتدخل الحاكم لرد التجار إلى مبدأ السعر العادل (أو قيمة المثل) الذي لا يشتمل على غبن فاحش (2) . وعلى هذا فإن أسعار البضائع المصنوعة الآن يدخل العمل أساساً في تقدير أثمانها، ويراعى في ذلك المصلحة العامة، والعدالة في التقييم.\rالمبحث الرابع ـ كراء الأرض في الإسلام :\rقبل أن أذكر اختلاف العلماء الكثير في موضوع كراء الأرض، أبيّن اتجاهات الإسلام وغاياته العامة وروحه التشريعية ومبادئ اشتراكية الإسلام التي أشرت إليها.\rإن الإسلام بلا شك يرغب ترغيباً أكيداً في استثمار خيرات الطبيعة واستخراج كنوزها، ويكره تعطيل المال وإضاعته، كما يكره بطالة العامل، ومن هنا كره بعض العلماء تعطيل الأرض عن الزراعة، لأن فيه تضييع المال.\rويحرص الإسلام أيضاً على تعميم الرفاه والرخاء على الناس وقصد النفع العام، وتوزيع الملكيات،وعدم اتساع الملكيات الزراعية بالذات خشية العجز عن استثمارها، ويكره تكدس الثروات واحتكار ملكية الأراضي، وحرمان الأغلبية من تملكها؛ لأن الأرض لله ، والله يحب العدالة في التوزيع.\r-------------------------------\r(1) وقال جمهور الفقهاء بحرمة التسعير إلا إذا حصل تعدٍ فاحش في قيمة السلع استناداً إلى قول النبي صلّى الله عليه وسلم فيما أخرجه الخمسة إلا النسائي عن أنس: « إن الله هو القابض الباسط الرازق المسعِّر» ولأن الثمن حق البائع، فكان إليه تقديره، فلا ينبغي للإمام أن يتعرض لحقه. وهذا صحيح في عصر النبي حيث كان يسود الورع.\r(2) قال ابن القيم: يجوز التسعير في الأعمال، فإذا احتاج الناس إلى أرباب الصناعات كالفلاحين وغيرهم، أجبروا على ذلك بأجرة المثل. وهذا من التسعير الواجب، فهذا تسعير في الأعمال.","part":7,"page":53},{"id":4339,"text":"ويفضل الإسلام أن يكون مورد الإنسان من طريق العمل، ويمقت بصفة عامة كون الإيراد بدون عمل، ومن هنا حرم الربا والقمار والتدليس والغبن والاستغلال والاحتكار. وتأثر بعض العلماء بهذا الاتجاه التشريعي، فحرم أيضاً إجارة الأرض، وتمسك برأيه القائلون بجواز التأميم أو تحديد الملكية.\rواشتراكية الإسلام ينبغي أن تنبع كما بينت من الباعث الذاتي والدافع الخلقي، وتكره إجمالاً القهر والجبر وفرض الأمر على الناس بالقوانين الرادعة والزواجر الصارمة ما لم يضطر الحاكم إليها ويقصر الناس بواجباتهم، حتى يكون احترام الحكم قائماً على الرضا والطواعية والاختيار، وليتوفر له الخلود والدوام والبقاء وتمتنع الشحناء والبغضاء والحقد بين الأفراد. ومن هذه الروح أجاز جمهور العلماء كراء الأرض، ولم يجبروا مالكها على استثمارها أو إعارتها للآخرين أو بذلها مجاناً لمن يحرثها، عملاً بمبدأ الحرية الاقتصادية، أي أن كل مالك حر التصرف بماله.\rفمن هذه الاتجاهات اختلف الفقهاء في حكم كراء الأرض من أجل زراعتها على رأيين: رأي يمنع ذلك إطلاقاً، ورأي يجيز. ثم إن المجيزين لكراء الأرض اختلفوا فيما بينهم اختلافات جزئية يحسن ذكرها.\rأما الفريق الأول الذي يمنع كراء الأرض وهم الأقل فهم بعض التابعين: طاوس وأبو بكر بن عبد الرحمن وطائفة قليلة، وأخذ برأيهم ابن حزم الظاهري، قالوا: لا يجوز كراء الأرض مطلقاً، لا بجزء من ثمرها أو طعامها من الحبوب ونحوها، ولا بشيء من النقود ذهباً أو فضة، ولا بغير ذلك. واستدلوا على رأيهم بدليلين:\rأ ـ دليل عقلي: وهو أن مثل هذا الكراء يتضمن الغرر، أي احتمال إضرار المكتري وهو الفلاح؛ لأنه يمكن أن يصاب الزرع بآفة سماوية أو جائحة من نار أو قحط، أو غرق، فتلزمه الأجرة أو الكراء من غير أن ينتفع من ذلك بشيء.","part":7,"page":54},{"id":4340,"text":"ب ـ دليل نقلي من السنة النبوية: وردت أحاديث صحيحة عن النبي صلّى الله عليه وسلم تنهى عن كراء المزارع. منها: مارواه مالك عن رافع بن خديج: أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم نهى عن كراء المزارع. وروي عن رافع بن خديج عن أبيه قال: نهى رسول الله صلّى الله عليه وسلم عن إجارة الأرضين (1) .\rوعن جابر قال: « خطبنا رسول الله صلّى الله عليه وسلم فقال: من كانت له أرض فليزرعها، أو ليُحرثها أخاه وإلا فليدعها » (2) .\rوعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم : «من كانت له أرض فليزرعها، أو ليُحرثها أخاه، فإن أبى فليمسك أرضه» (3) ومعنى « فليُحرثها » أي يجعلها مزرعة لأخيه بلا عوض، وذلك بأن يعيره إياها، بدليل ماروى ابن عباس أن النبي صلّى الله عليه وسلم قال: « لأن يمنح أحدكم أخاه - أي أرضاً - خير له من أن يأخذ عليها خراجاً معلوماً » (4) . فهذه الأحاديث تدل صراحة على أن كل مالك مكلف بزراعة أرضه بنفسه، فإن لم يستطع زراعتها كلها أو بعضها، منحها أو منح الجزء الزائد عن طاقته لبعض إخوانه بدون مقابل.\r-------------------------------\r(1) أخرجه أحمد والبخاري والنسائي.\r(2) أخرجه أحمد ومسلم عن جابر رضي الله عنه.\r(3) أخرجه البخاري ومسلم.\r(4) أخرجه أحمد والبخاري وابن ماجه وأبو داود ( نيل الأوطار 279/5 ). وقوله: «لأن يمنح..» أي يجعلها منحة له، والمنحة: العارية.","part":7,"page":55},{"id":4341,"text":"وأما الفريق الثاني وهم الجمهور المجيزون لكراء الأرض مبدئياً فقد اختلفوا اختلافات تتعلق بنوع الأجرة منشؤها ضرورة رعاية بعض قواعد الشريعة الأخرى التي تحرم الربا والغرر. وينحصر اختلافهم في جواز كراء الأرض بجزء مما يخرج منها:\r1 ً - مذهب بعض التابعين: ربيعة وسعيد بن المسيب: لايجوز كراء الأرض إلا بالدراهم والدنانير فقط، بدليل ماروى رافع بن خديج عن النبي صلّى الله عليه وسلم أنه قال: «نهى رسول الله صلّى الله عليه وسلم عن المحاقلة والمزابنة، وقال: إنما يزرع ثلاثة: رجل له أرض، ورجل مُنح أرضاً فهو يزرع مامُنح، ورجل اكترى بذهب أو فضة» (1) ، قالوا: فهذا تصنيف لمستثمري الأرض، ولايجوز تعدي مافي هذا الحديث.\rوأما الأحاديث الأخرى فهي مطلقة الكلام، وهذا الحديث مقيد، فيحمل المطلق على المقيد، أي أنها تفهم وتفسر بحسب مادل عليه هذا الحديث، أو أن النهي المطلق عن المخابرة والمزارعة يحمل على حالة اشتمال العقد على الجهالة والغرر، أو يحمل على اجتنابها ندباً واستحباباً. قال ابن حجر في فتح الباري: إن النهي عن المزارعة محمول عند الجمهور على الوجه المفضي إلى الغرر والجهالة، لا عن كرائها مطلقاً حتى بالذهب والفضة.\r2 - مذهب المالكية على المشهور: يجوز كراء الأرض بكل شيء من النقود والمعادن والحيوان وعروض التجارة ومنافع الأموال ماعدا شيئين: الطعام سواء أكان خارجاً من الأرض أم لم يكن، وماتنبته الأرض سواء أكان طعاماً أم غيره سوى الخشب والحطب والقصب ونحوها من كل ما يطول مكثه في الأرض حتى يعد كأنه أجنبي عنها.\rفالطعام المستثنى يشمل كل ما أنبتته الأرض كالقمح، وما لم تنبته كاللبن والعسل. وغير الطعام الذي تنبته الأرض،ولا يجوز الكراء به مثل القطن والكتان والعصفر والزعفران.\r-------------------------------\r(1) أخرجه أبو داود والنسائي بإسناد صحيح ( نيل الأوطار: 276/5 ).","part":7,"page":56},{"id":4342,"text":"والسبب في استثناء الطعام هو عدم الوقوع في الربا ببيع الطعام بالطعام لأجل. وأما استثناء غير الطعام مما تنبته الأرض فسببه وجود الغرر في هذا العقد (أي احتمال أن تخرج الأرض قدر ما أكرى به المكتري أو أقل أو أكثر) ووجود الجهالة أيضاً أي العقد على معلوم هو الأرض بمجهول وهو ما يخرج منها. وكل من الغرر والجهالة يوجب المشاجرة. وعلى هذا فإن المساقاة والمزارعة جائزة عند المالكية. أما المساقاة فهي عقد بين صاحب الأرض والعامل على القيام بخدمة أو مؤنة شجر مثمر كنخل أو كرم عنب بجزء معلوم من الثمرة للأجير. ويجوز أن يضم إليه تباعاً استثمار جزء من الأرض بشرط أن يكون قليلاً بأن تكون أجرته بالنسبة للأجرة الكلية من الثمرة الثلث فأقل.\rوالمزارعة: هي المعاملة على استغلال الأرض ببعض مايخرج منها، وتجوز عند المالكية بشرط خلوها من كراء الأرض بممنوع بأن لاتقع الأرض أو بعضها في مقابلة بذر، أو طعام ولو لم تنبته، أو ماتنبته ولو غير طعام، كما تقدم. ولم يجز أبو حنيفة المزارعة، ويرى الشافعية عدم صحة المزارعة إلا تبعاً للمساقاة، وتعسر إفراد الشجر بالسقي وبياض الأرض التي لازرع فيها بالعمارة، أي الاستثمار.\rودليل المالكية على ماذهبوا إليه: ما رواه رافع بن خديج قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم : « من كانت له أرض فليزرعها أو ليزرعها أخاه، ولايكرها بثلث ولا بربع ولا بطعام معين » (1) واستكراء الأرض بالحنطة يعرف بالمحاقلة وقد نهى عنها النبي صلّى الله عليه وسلم في حديث آخر، وهذا دليلهم على منع كراء الأرض بالطعام. أما حجتهم على منع كراء الأرض\r-------------------------------\r(1) أخرجه أحمد والبخاري وأبو داود والنسائي.","part":7,"page":57},{"id":4343,"text":"مما تنبت فهو ماورد من نهيه صلّى الله عليه وسلم عن المخابرة (1) : وهي كراء الأرض مما يخرج منها.\r3 - مذهب أبي يوسف ومحمد من الحنفية، والحنابلة، والثوري والليث وابن أبي ليلى والأوزاعي وجماعة: يجوز كراء الأرض بكل شيء، ولو بجزء مما يخرج منها. وهذا ما عليه المسلمون في كل مكان، لأن ذلك كراء منفعة معلومة (وهي العمل في الأرض) بشيء معلوم ( وهو الأجرة )، فجاز قياساً على إجارة سائر المنافع مثل سكنى الدور واستعمال الحوانيت ونحوها. ويؤكد ذلك من ناحية الأثر حديث ابن عمر الثابت: « أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم عامل أهل خيبر بشطر مايخرج منها من ثمر أو زرع » (2) ، أي دفع إلى يهود خيبر نخل خيبر وأرضها على أن يعملوها من أموالهم على نصف ماتخرجه الأرض والثمرة. ورويت أحاديث أخرى بمعناه عن ابن عباس وأبي هريرة، وكان كل المهاجرين في المدينة يزرعون على ثلث أو ربع إنتاج الأرض، وقد زارع علي كرم الله وجهه وسعد بن مالك وابن مسعود وعمر بن عبد العزيز والقاسم وعروة وآل أبي بكر وآل علي وآل عمر، ومعاذ بن جبل في عهد النبي والخلفاء الراشدين.\rورد هؤلاء على أحاديث غيرهم بأن أحاديث رافع ضعيفة لأنها مضطربة المتون أي متغايرة الألفاظ. وإن فرض كونها صحيحة فهي محمولة على الكراهية لا الحظر أو الحرمة، بدليل ما أخرجه البخاري ومسلم عن ابن عباس أنه قال: « إن النبي صلّى الله عليه وسلم لم ينه عنها » ولكن قال: « إن يمنح أحدكم أخاه يكن خيراً له من أن يأخذ\r-------------------------------\r(1) أخرجه أبو داود عن زيد بن ثابت رضي الله عنه.\r(2) أخرجه الجماعة ( أحمد وأصحاب الكتب الستة ) عن ابن عمر رضي الله عنه ( نيل الأوطار: 272/5 ).","part":7,"page":58},{"id":4344,"text":"منه شيئاً » أو إن النهي عن كراء الأرض محمول على ما إذا كانت الأجرة مجهولة أو مضمونة من إنتاج مكان معين من الأرض، مثل اشتراط صاحب الأرض ناحية منها، أو اشتراط ماينبت على حفة النهر لصاحب الأرض، لما فيه من الغرر والجهالة. فدل ذلك على أن الأحاديث التي تمنع من كراء الأرض محمولة على الندب والاستحباب، والأفضل بذلها مجاناً للفلاحين والعمال، بدليل إجماع الصحابة على أن الإجارة جائزة، ولاتجب الإعارة بالإجماع.\rالمبحث الخامس - الأجر في الإسلام :\rالإجارة نوعان: إجارة على المنافع بأن يكون المعقود عليه هو المنفعة، وإجارة على الأعمال بأن يكون المعقود عليه هو العمل. ومثال النوع الأول: إجارة العقارات والدور والمنازل والحوانيت والضياع، والدواب للركوب والحمل، والثياب والحلي للبس، والأواني والظروف للاستعمال، ونحو ذلك بشرط أن تكون المنافع مباحة، فإن كانت محرمة كالميتة والدم وأجر النوائح وأجر المغنيات فلا تصح الإجارة عليها. ومثال النوع الثاني: وهي التي تعقد على عمل معلوم: الاستئجار من أجل البناء والخياطة والحمل إلى موضع معين وصباغة ثوب وإصلاح حذاء، ونحو ذلك من كل مايباح الاستئجار عليه، روي عن رافع بن رفاعة، قال: « نهانا النبي صلّى الله عليه وسلم عن كسب الأمة إلا ماعملت بيديها، وقال: هكذا بأصابعه نحو الخبز والغزل والنفش » (1) أي عجن العجين وخبزه، وغزل الصوف والقطن والكتان والشعر، أو نفشه وندفه، وفي رواية ( النقش ) وهو التطريز.\rوالإجارة بنوعيها مشروعة مباحة بالقرآن والسنة والإجماع، قال الله تعالى:\r-------------------------------\r(1) أخرجه أحمد وأبو داود ( نيل الأوطار 282/5 ومابعدها).","part":7,"page":59},{"id":4345,"text":"{فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن } [الطلاق:6/65] ، { يا أبت استأجره، إن خير من استأجرت القوي الأمين } [القصص:26/28] وقال النبي صلّى الله عليه وسلم : «أعطوا الأجير أجره قبل أن يجف عرقه » (1) ، «من استأجر أجيراً فليسمّ له أجرته» (2) . وأجمعت الأمة في زمن الصحابة على جواز الإجارة، لحاجة الناس إلى المنافع مثل حاجتهم إلى أعيان الأشياء.\rلكن أحاط الشرع حق الأجير بضمانات متعددة: وهي الرضا، والعدالة أو الكفاءة، والعرف. فينبغي أن يكون الأجر عادلاً متمشياً مع العرف السائد ومراعى فيه نوع الخبرة، ومعتمداً في التقدير على الحرية والرضا والطواعية، فلا يجوز الإكراه على العمل، ولا إلحاق الظلم بالأجير، ولا منعه حقه أو المماطلة في أدائه، أو استيفاء منفعة منه بغير عوض، إذ إن من استخدم عاملاً بغير أجرة فكأنه استعبده، كما قال فقهاء الإسلام أخذاً من حديث نبوي اعتبر آكل جهد العامل بمثابة من باع حراً وأكل ثمنه، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم : « قال الله عز وجل: ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة ومن كنت خصمه خصمته: رجل أعطى بي ثم غدر، ورجل باع حراً وأكل ثمنه، ورجل استأجر أجيراً فاستوفى منه ولم يوفه أجره» (3) قال ابن التين: هو سبحانه وتعالى خصم لجميع الظالمين، إلا أنه أراد التشديد على هؤلاء بالتصريح. وأكد النبي صلّى الله عليه وسلم في أحاديث أخرى على ضرورة إيفاء حق العامل، كما ذكرت، وكما في قوله: « ولكن العامل إنما يوفى أجره إذا قضى عمله » (4) .\r-------------------------------\r(1) أخرجه ابن ماجه عن ابن عمر، وأبو يعلى عن أبي هريرة، والطبراني في الأوسط عن جابر، والحكيم الترمذي عن أنس، وهو ضعيف.\r(2) أخرجه البيهقي وعبد الرزاق وإسحاق في مسنده وأبو داود في المراسيل والنسائي في الزراعة غير مرفوع بهذا اللفظ عند بعضهم. وأخرج أحمد عن أبي سعيد الخدري قال: «نهى رسول الله صلّى الله عليه وسلم عن استئجار الأجير حتى يبين له أجره » ( نيل الأوطار: 292/5، 293 ).\r(3) أخرجه أحمد والبخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه، ( نيل الأوطار: 295/5).\r(4) أخرجه أحمد عن أبي هريرة رضي الله عنه ( نيل الأوطار: 295/5 ).","part":7,"page":60},{"id":4346,"text":"وحرصاً من الشريعة على حقوق العامل والعمال، ومن أخصها الأجور اشترطت شروط معينة عند الاتفاق على عقد الاستئجار، منها: أن تكون الأجرة مالاً متقوماً معلوماً قدره للعامل جنساً وقدراً وصفة كالثمن في البيع، لقول النبي صلّى الله عليه وسلم المتقدم: «من استأجر أجيراً فليسمّ له أجرته» والعلم بالأجرة لا يحصل إلا بالإشارة والتعيين، أو بالبيان الصريح. ويشترط أيضاً أن تكون المنفعة المؤجرعليها معلومة القدر، وذلك إما بغايتها مثل خياطة الثوب وعمل الباب ونحوهما من إجارة الأعمال، وإما بتحديد الأجل إذا لم تكن هناك غاية معروفة، مثل خدمة الأجير مياومة أو مشاهرة أو سنوياً، وذلك إما بالزمان إن كان المأجور عليه عملاً واستيفاء منفعة متصلة الوجود متتابعة التحصيل، مثل كراء الدور والحوانيت، وإما بالمكان إن كان المطلوب مشياً مثل كراء الرواحل، أي وسائط النقل من مكان إلى مكان آخر.\rواستحقاق تسلم الأجرة يكون بالعمل أو إنجاز المطلوب من العامل، للحديث السابق: «ولكن العامل إنما يوفى أجره إذا قضى عمله» فإذا لم يكمل عمله، يلزم المستأجر قدر عمل الأجير.","part":7,"page":61},{"id":4347,"text":"أما ثبوت حق العامل في تملك الأجرة ففيه رأيان للفقهاء: قال الشافعية والحنابلة: تثبت الملكية في الأجرة بمجرد انعقاد العقد، أي بنفس عقد الإجارة، لأنه عقد معاوضة، والمعاوضة تقتضي الملك في العوضين عقب العقد، كما يملك البائع الثمن بالبيع. وبناء عليه إذا كانت الإجارة في الذمة، أي تعهد شيء كخياطة أو بناء في ذمة العامل، يلزم تسليم الأجرة في مجلس العقد. وإن كانت الإجارة واردة على شيء معين كعقار معين بذاته أو دابة معينة بذاتها، ملكت الأجرة في الحال ويجب تعجيلها إلا إذا وجد شرط يقتضي التأجيل. وقال المالكية والحنفية: تجب الأجرة باستيفاء المنفعة فعلاً أو بالتمكين من الاستيفاء، ولا تملك الأجرة بالعقد نفسه؛ لأن المستأجر يملك حينئذ الشيء المأجور عليه، فيملك الأجير العوض المستحق تحقيقاً لمبدأ المساواة المطلوبة العاقدين. وذلك إلا إذا اشترط تعجيل الأجرة بالعقد نفسه، أو عجلت فعلاً من غير شرط أو تم الاتفاق على تأجيل الأجرة. وبناء عليه: يستحق الأجير أجرته شيئاً فشيئاً بحسب المنفعة التي قدمها للمستأجر وملكها شيئاً فشيئاً على ممر الزمان. وبعبارة أخرى: يلزم المكري دفع الكراء جزءاً فجزءاً بحسب ما يقبض من المنافع، إلا إذا وجد شرط خلافه، أو كان هناك ما يقتضي التقديم، مثل أن يكون الكراء عوضاً معيناً بذاته، أو يكون كراء في الذمة.","part":7,"page":62},{"id":4348,"text":"والخلاصة : إن العلاقة بين رب العمل والعامل تقوم في الإسلام على أساس الإنسانية والرحمة والتعاون، والعدالة أو الكفاءة والرضا والعرف. ويرغِّب الإسلام أيضاً في إكرام العامل زيادة على أجره؛ لقول النبي صلّى الله عليه وسلم : «خيركم أحسنكم قضاء» (1) ويتحدد قدر الشيء المقابل بحسب ما يتعارفه الناس في مثله إذا لم يكن هناك اتفاق صريح على التقدير، أو فوض شخص بأداء شيء لآخر ولم يقدر حدود الشيء المدفوع. ويلزم رب العمل بتعويض العامل عما قد يصيبه من أضرار الآلة والعمل منعاً من الضرر، وللحكومة أن تتدخل في علاقات أرباب العمل والعمال بأن تقرر أن تكون أجور العمال متفقة مع مشقة العمل، ولا تجحف بمصلحة الملاك، منعاً لاستغلال حاجة العمال، ومحافظة على نمو رأس المال للأمة.\r-------------------------------\r(1) أخرجه أحمد والشيخان عن أ بي هريرة بلفظ «إن خيركم أحسنكم قضاء» وأخرجه أحمد والترمذي وصححه عن أبي هريرة رضي الله بلفظ «خياركم أحاسنكم قضاء» وأخرجه الجماعة إلا البخاري عن أبي رافع بلفظ «فإن من خير الناس أحسنهم قضاء» (نيل الأوطار: 230/5 ومابعدها).","part":7,"page":63},{"id":4349,"text":"المبحث السادس ـ السوق المالية :\rتمهيد: هذا بحث يتناول حكم الإسلام في أهم المعاملات المعاصرة التي تتم فيما يسمى بالبورصة أو السوق المالية.\rوالمقصود بالبورصة هنا: مجموعة العمليات التي تتم في مكان معين بين مجموعة من الناس لإبرام صفقات تجارية حول منتجات زراعية أو صناعية أو أوراق مالية، سواء أكان محل الصفقة حاضراً ـ وجود نموذج أو عينة منه ـ أو غائباً عن مكان العقد، أو حتى لا وجود له أثناء التعاقد ( معدوم ) لكن يمكن أن يوجد (1) ، فيكون التعامل به أمراً احتمالياً، أو ما يسمى في فقهنا غرراً.\rوليست البورصة في الحقيقة سوقاً بالمعنى الشائع من كلمة السوق، لأن البورصة تختلف عن السوق في ثلاثة أمور:\r1 - تتم الصفقات في الأسواق على أشياء موجودة بالفعل، أما في البورصة فيتم التعامل بالنموذج (عينة) أو بالوصف الشامل لسلعة.\r2 - التعامل في السوق يحدث في جميع السلع، أما في البورصة فلا بد من أن تتوافر في السلعة: القابلية للادخار، وأن تكون من المثليات وتكرار التعامل، وكون أثمانها عرضة للتغير في فترة زمنية معينة بسبب ظروف العرض والطلب أو الأحوال المناخية.\r3 - تكون الأسعار في الأسواق ثابتة لا تؤثر الأسواق فيها لقلتها، بينما تؤثر البورصات على مستوى الأسعار، لكثرة ما يعقد فيها من صفقات ،ولذلك وصفت البورصة بأنها كجهنم.\rومن أهم وظائف البورصة: المضاربة، أي المخاطرة بالبيع أو الشراء بناء على التنبؤ بتقلبات الأسعار بغية الحصول على فارق الأسعار، والبورصة ثلاثة أنواع:\r1 - بورصة البضاعة الحاضرة: وهي التي يتم التعامل فيها بناء على عيّنة، ثم يدفع غالب الثمن عند التعاقد، والباقي عند التسليم.\r2 - بورصة الأوراق المالية: وهي التي تباع فيها أسهم الشركات المختلفة، أو السندات بسعر بات أو بسعر البورصة في تصفية محددة بتاريخ معين. وهذه الأوراق قد تكون حاضرة، وقد تكون على المكشوف، أي لا يملكها بائعها.\r3 - بورصة العقود أو بورصة ( الكونتراتات ) : وهي التي يتم البيع فيها لسلع غائبة غير حاضرة بسعر بات أو بسعر معلق على سعر البورصة في تصفية محددة، ويكون البيع فيها على المكشوف، أي بيع مقدور التسليم في المستقبل لا في الحال.\rوعمليات البورصة ذات أشكال ثلاثة هي :\r1 - العمليات العاجلة: ويلجأ إليها الراغبون في استثمار أموالهم بشراء أوراق مالية، ويتم بيعها عند توافر فرصة للربح، أو وجود أمل في الحصول على الجوائز التي تعطى لبعض السندات بطريق السحب للأرقام.\r2 - العمليات الآجلة: وهي نوعان:\r-------------------------------\r(1) الموسوعة العلمية والعملية للبنوك الإسلامية: 391/5 .","part":7,"page":64},{"id":4350,"text":"أ ـ العمليات الشرطية البسيطة: وهي التي يكون فيها الخيار للمضارب بين فسخ العقد في ميعاد التصفية أو قبله، أو تنفيذ العملية إذا رأى تقلب الأسعار لصالحه، على أن يدفع تعويضاً متفقاً عليه سلفاً.\rب ـ العمليات الشرطية المركبة: وهي التي يكون فيها الخيار للمضارب بين أن يكون مشترياً أو بائعاً، وأن يفسخ العقد، إذا رأى مصلحة له في ذلك عند التصفية أو قبلها، مقابل تعويض أكبر مما يدفع في العمليات البسيطة، يدفعه لصاحبه.\rجـ ـ العمليات المضاعفة: وهي التي يكون فيها الحق للمضارب في مضاعفة الكمية التي اشتراها أو باعها، بسعر التعاقد، إذا رأى مصلحة في التصفية، على أن يدفع تعويضاً مناسباً متفقاً عليه، يختلف بنسبة الكمية المضاعفة.\rويختلف معنى المضاربة في البورصة عن معناها الشرعي، فمضاربة البورصة: هي المخاطرة على سعر السلعة في البورصة في تصفية معينة. وهي إما مضاربة على الصعود: وهي أن المضارب يشتري السلعة بسعر، وهو يخاطر في أنه سيرتفع، فيبيع حالاً ما اشتراه مؤجلاً بالسعر المرتفع، ويقبض الفرق. وإما مضاربة على الهبوط: وهي أن يبيع الشخص سلعة بسعر، وهو يخاطر في أنه سينخفض يوم التصفية، حيث يبيع بالثمن الحال، ويشتري ما اتفق عليه مؤجلاً، ويقبض الربح.\rوفي كلتا الحالتين قد يحدث خلاف المتوقع فيخسر المضارب، ويتم البيع على المكشوف، فلا تكون السلعة في حيازة البائع، ولا الثمن في حيازة المشتري وقت التعاقد، ولا يتم تسليم أو تسلم إلا يوم التصفية. وهذا كله حرام شرعاً.\rأما المضاربة الشرعية أو القراض فهي عقد يقوم على تقديم المال من أحد طرفي العقد، والعمل من الطرف الآخر.","part":7,"page":65},{"id":4351,"text":"خطة البحث: يتضمن البحث قسمين: الأول : أحكام بورصة الأوراق المالية.\rوالثاني: أحكام بورصة العقود «الكونتراتات» .\rالقسم الأول ـ أحكام بورصة الأوراق المالية :\rالأوراق المالية: هي الأسهم والسندات.\rأما الأسهم: فهي حصص الشركاء في الشركات المساهمة، فيقسم رأس مال الشركة إلى أجزاء متساوية، يسمى كل منها سهماً، والسهم: جزء من رأس مال الشركة المساهمة، وهو يمثل حق المساهم مقدراً بالنقود، لتحديد مسؤوليته ونصيبه في ربح الشركة أو خسارتها. فإذا ارتفعت أرباح الشركة ارتفع بالتالي ثمن السهم إذا أراد صاحبه بيعه، وإذا خسرت انخفض بالتالي سعره إذا أراد صاحبه بيعه.\rويجوز شرعاً وقانوناً بيع الأسهم، بسعر بات، أما إذا كان السعر مؤجلاً لوقت التصفية فلا يجوز البيع لجهالة الثمن، لأن العلم بالثمن شرط لصحة البيع عند جماهير العلماء. وأجاز الإمام أحمد وابن تيمية وابن القيم البيع بما ينقطع عليه السعر، قياساً على القول بمهر المثل في الزواج، وأجر المثل في الإجارة، وثمن المثل في البيع، وعملاً بالمتعارف، وبما يحقق مصالح الناس.\rأما بيع الأسهم على المكشوف، أي إذا كان البائع لا يملكها في أثناء التعاقد، فلا يجوز، للنهي الثابت شرعاً عن بيع ما لا يملك الإنسان.\rأما السندات: فهي أوراق مالية، ضماناً لدين على الدولة، أو على إحدى الشركات، ويقدر لها فائدة ثابتة أو ربح ثابت، كما يكون هناك خصم في إصدار السندات بمعنى أن يدفع المكتتب أقل من القيمة الاسمية على أن يسترد القيمة الاسمية كاملة عند الاستحقاق، علاوة على الفوائد السنوية، والخلاصة: أنها قرض بفائدة سنوية، لا تتبع الربح والخسارة.","part":7,"page":66},{"id":4352,"text":"والرأي الراجح المتعين في حكم هذه السندات أنها حرام شرعاً، ولا يجوز التعامل بها بيعاً أو شراء، لأن كل قرض جر نفعاً فهو ربا، وهذا قرض جر نفعاً، فهو من الربا الواضح. والبديل لاستمرار الشركات التي تصدرها أن تتحول هذه السندات إلى أسهم، وأن تباع أو تشترى بعقد حالّ، بحيث يشارك حاملوها في الربح والخسارة، وهذا يناقض المبدأ الشرعي: «لا ضرر ولا ضرار» ويناقض قاعدة «الغنم بالغرم» وتكون المساهمة في الربح والخسارة عدلاً، والعدل واجب، وغيره ظلم، والظلم حرام شرعاً وعقلاً وعرفاً وقانوناً، ولأن التعامل بالسندات يعتمد على الفكر الربوي الرأسمالي وهو أن المال يولد المال، أما الفكر الإسلامي فهو أن العمل هو الذي يثمر المال.\rأما الذين أجازوا التعامل بالسندات من المعاصرين كالشيخ محمد عبده والأستاذ عبد الوهاب خلاف بالاعتماد على أن تحديد الفائدة أو الربح أصبح ضرورياً بعد فساد ذمم الكثير من الناس، فإنهم يصادمون صراحة النصوص التي تحرّم الفائدة الثابتة أو الربا، ويعتمدون على مصالح تصادم النص، فلا تعتبر كما أنه لا تتوافر ضوابط الضرورة الشرعية التي تسوغ الاستثناء.\rالقسم الثاني ـ أحكام بورصة العقود ( الكونتراتات )\rالكلام في هذا القسم يتناول حكم بيع الإنسان مالا يملك، وبيع الشيء قبل القبض، والعقد دون تحديد السعر، والعمليات الآجلة الشرطية البسيطة، والعمليات الآجلة الشرطية المركبة، والعمليات المضاعفة، وحكم بدل التأجيل للتسليم والتسلم، وبيع الدين بالدين، وعمولات المصارف مقابل الخدمات أو الضمانات.","part":7,"page":67},{"id":4353,"text":"أولاً: حكم بيع الإنسان مالا يملك (بيع المعدوم وبيع معجوز التسليم في الحال وبيع الغرر ) :\rاشترط جمهور العلماء لانعقاد العقد أن يكون محل العقد موجوداً وقت التعاقد، فلا يصح التعاقد على معدوم، كبيع الزرع قبل ظهوره لاحتمال عدم نباته، ولا على ماله خطر العدم، أي احتمال عدم الوجود كبيع الحمل في بطن أمه، لاحتمال ولادته ميتاً، وكبيع اللبن في الضرع، لاحتمال عدمه بكونه انتفاخاً، وكبيع اللؤلؤ في الصدف، ولا يصح التعاقد على مستحيل الوجود في المستقبل، كالتعاقد مع طبيب على علاج مريض توفي، فإن الميت لا يصلح محلاً للعلاج، وكالتعاقد مع عامل على حصاد زرع احترق، فكل هذه العقود باطلة.\rهذا الشرط مطلوب عند الحنفية والشافعية (1) ، سواء أكان التصرف من عقود المعاوضات أم من عقود التبرعات، فالتصرف بالمعدوم باطل، سواء بالبيع أو الهبة أو الرهن، لنهي النبي صلّى الله عليه وسلم عن بيع حبل الحبلة (2) ونهيه عن بيع المضامين والملاقيح (3) وعن بيع ما ليس عند الإنسان فيما رواه أحمد وأصحاب السنن الأربعة عن عبد الله بن عمرو أن النبي صلّى الله عليه وسلم قال: «لا يحل سلف وبيع، ولا شرطان في بيع، ولا ربح ما لم يضمن، ولا بيع ما ليس عند ك» .\r-------------------------------\r(1) المبسوط: 194/12، البدائع: 138/5، فتح القدير: 192/5، مغني المحتاج: 30/2، المهذب: 262/1.\r(2) أي بيع ولد ولد الناقة أو بيع ولد الناقة، والحديث رواه أحمد ومسلم والترمذي عن ابن عمر.\r(3) المضامين: ما في أصلاب الإبل، والملاقيح: ما في بطون النوق، والحديث رواه عبد الرزاق في مصنفه عن ابن عمر.","part":7,"page":68},{"id":4354,"text":"واستثنى هؤلاء الفقهاء من قاعدة المنع من التصرف بالمعدوم عقود السلم والإجارة والمساقاة والاستصناع، مع عدم وجود المحل المعقود عليه حين إنشاء العقد، استحساناً، مراعاة لحاجة الناس إليها، وتعارفهم عليها، وإذن الشرع في السلم والإجارة والمساقاة ونحوها.\rواكتفى المالكية باشتراط هذا الشرط في المعاوضات المالية، دون التبرعات كالهبة والوقف والرهن (1) .\rولم يشترط الحنابلة هذا الشرط، واكتفوا بمنع البيع المشتمل على الغرر الذي نهى عنه الشرع، كبيع الحمل في البطن دون الأم، وبيع اللبن في الضرع، والصوف على ظهر الغنم، وأجازوا فيما عدا ذلك بيع المعدوم عند العقد إذا كان محقق الوجود في المستقبل بحسب العادة، كبيع الدار على الهيكل أو الخريطة، لأنه لم يثبت النهي عن بيع المعدوم، لا في الكتاب ولا في السنة ولا في كلام الصحابة، وإنما ورد النهي عن بيع الغرر: وهو ما لا يقدر على تسليمه، سواء أكان موجوداً أم معدوماً، كبيع الفرس الهارب والجمل الشارد، فليست العلة في المنع، لا العدم ولا الوجود، فبيع المعدوم إذا كان مجهول الوجود في المستقبل باطل للغرر، لا للعدم. بل إن الشرع صحح بيع المعدوم في بعض المواضع، فإنه أجاز بيع الثمر بعد بدء صلاحه، والحب بعد اشتداده، والعقد في هذه الحالة ورد على الموجود والمعدوم الذي لم يخلق بعد. وأما حديث النهي عن بيع ما ليس عند الإنسان المتقدم، فالسبب فيه هو الغرر، لعدم القدرة على التسليم، لا أنه معدوم (2) .\r-------------------------------\r(1) الشرح الصغير: 305/3، القوانين الفقهية: ص 367.\r(2) المغني: 200/4، 208، نظرية العقد لابن تيمية: ص 224، أعلام الموقعين: 8/2.","part":7,"page":69},{"id":4355,"text":"وعلى أي حال فقد اتفقت المذاهب الثمانية (1) وجميع الفقهاء، ومنهم ابن حزم وابن تيمية وابن القيم على أن بيع الإنسان ما لا يملك لا يجوز، إما لأنه معدوم أثناء العقد عند الأغلبية الساحقة، وإما لأنه غرر عند الحنابلة للأحاديث الثلاثة التالية:\r1 - حديث حكيم بن حزام الذي أخرجه أصحاب السنن قال: «قلت: يا رسول الله ، يأتيني الرجل، فيسألني البيع ليس عندي أبيعه منه، ثم أبتاعه له من السوق؟ فقال: لا تبع ما ليس عندك» .\r2 - حديث عبد الله بن عمرو المتقدم الذي أخرجه أحمد وأصحاب السنن الأربعة والدارمي قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم : «لا يحل سلف وبيع، ولا ربح ما لم يضمن، ولا بيع ما ليس عندك» .\r3 - حديث أبي هريرة الذي أخرجه مسلم وأحمد وأصحاب السنن: «نهى رسول الله صلّى الله عليه وسلم عن بيع الغرر، وعن بيع الحصاة» .\rواتفقت المذاهب الأربعة على بطلان بيع معجوز التسليم، أي ما لا يقدر على تسليمه كالطير في الهواء، والسمك في الماء والجمل الشارد والفرس الهارب والمال المغصوب في يد الغاصب، وكبيع الدار أو الأرض تحت يد العدو، لأن النبي صلّى الله عليه وسلم ـ كما تقدم ـ نهى عن بيع الحصاة وعن بيع الغرر، وهذا غرر (2) .\rواتفق الفقهاء على عدم صحة بيع الغرر، كبيع اللبن في الضرع، والصوف\r-------------------------------\r(1) فتح القدير والبدائع، المكان السابق، المقدمات الممهدات: 202/3، الشرح الصغير والقوانين الفقهية، المكان السابق، مغني المحتاج والمهذب، المكان السابق، المغني، المكان السابق، المحلى: 363/9، منهاج الصالحين عند الزيدية: 24/2، البحر الزخار: 291/3.\r(2) البدائع: 295/5، بداية المجتهد: 156/2، المهذب: 263/1، المغني: 202/4.","part":7,"page":70},{"id":4356,"text":"على الظهر، واللؤلؤ في الصدف، والحمل في البطن، والسمك في الماء، والطير في الهواء قبل صيدهما، وبيع مال الغير على أن يشتريه فيسلمه قبل ملكه له، لأن البائع باع ما ليس بمملوك له في الحال، سواء أكان السمك في البحر أم في النهر، أي في حظيرة لا يؤخذ منها إلا باصطياد، وسواء أكان الغرر في المبيع أم في الثمن (1) .\rثانياً: بيع الشيء المملوك قبل قبضه من آخر :\rاتفق الفقهاء من حيث المبدأ على عدم جواز بيع الشيء قبل قبضه من مالك آخر، ولكنهم اختلفوا في مدى عموم الحكم وإطلاقه وتقييده، لاختلاف روايات الأحاديث المانعة منه، أو بسبب تأويل معنى الحديث، أو للعمل بظاهر الحديث فقط.\rمنهم كالشافعية، ومحمد وزفر من الحنفية من منع التصرف في المبيع قبل قبضه مطلقاً. ومنهم من منع منه في المنقولات دون العقارات وهو مذهب الشيخين أبي حنيفة وأبي يوسف، ومنهم من جوزه في غير الطعام وهم المالكية، ومنهم من جوزه في غير المعدود والموزون والمكيل من الطعام (أي غير المقدرات) وهم الحنابلة، وقريب منهم الإمامية والزيدية، ومنهم من جوزه في غير القمح خاصة وهم الظاهرية.\rوأما الشافعية ومحمد بن الحسن وزفر فقالوا: لا يجوز بيع ما لم يستقر ملكه عليه مطلقاً قبل قبضه، عقاراً كان أو منقولاً، لعموم النهي عن بيع ما لم يقبض، في حديث أحمد وغيره المتقدم عن حكيم بن حزام: «لا يحل سلف وبيع، ولا\r-------------------------------\r(1) المجموع للنووي: 280/9، قواعد الأحكام للعز بن عبد السلام: 76/2، نيل الأوطار: 148/5.","part":7,"page":71},{"id":4357,"text":"ربح ما لم يضمن، ولا بيع ما ليس عند ك» وهذا من باب ما لم يضمن، ومعناه: مالم يقبض ، لأن السلعة قبل تلفها ليست في ضمان المشتري، لأنه ربما هلك، فانفسخ العقد، وفيه غرر من غير حاجة، فلم يجز، فالعلة في منع البيع هي الغرر (1) .\rوأما المعتمد عند الحنفية وهو رأي الشيخين أبي حنيفة وأبي يوسف فهو التفصيل، وهو أنه لا يجوز التصرف في المبيع المنقول قبل القبض، لأن النبي صلّى الله عليه وسلم نهى عن بيع ما لم يقبض، والنهي يوجب فساد المنهي عنه، ولأنه بيع فيه غرر الانفساخ بهلاك المعقود، أي إنه يحتمل الهلاك، فلا يدري المشتري: هل يبقى المبيع أو يهلك قبل القبض، فيبطل البيع الأول، وينفسخ الثاني، وقد نهى رسول الله صلّى الله عليه وسلم عن بيع فيه غرر، كما تقدم.\rوأما العقار: كالأراضي والدور، فيجوز بيعه قبل القبض، استحساناً استدلالاً بعمومات البيع من غير تخصيص، ولا يجوز تخصيص عموم الكتاب بخبر الواحد، ولا غرر في العقار، إذ لا يتوهم هلاك العقار، ولا يخاف تغيره غالباً بعد وقوع البيع وقبل القبض، أي إن تلف العقار غير محتمل، فلا يتقرر الغرر (2) . والخلاصة: أن العلة في مذهب الحنفية في عدم جواز بيع الشيء قبل قبضه هي الغرر، كما قال الشافعية.\rوبما أن السلع التي تباع في البورصة ( بيع الكنتراتات ) هي منقولات لها مقدرات مثلية، وليست عقارات، فلا يجوز بيعها قبل قبضها عند الحنفية والشافعية.\rويكون البيع فاسداً عند الحنفية باطلاً عند الشافعية، لأنه يتم فيه البيع قبل القبض وبثمن مختلف.\r\r-------------------------------\r(1) مغني المحتاج: 68/2، المهذب: 264/1.\r(2) فتح القدير: 193/4، البدائع: 139/5.","part":7,"page":72},{"id":4358,"text":"أما المالكية: فإنهم قصروا المنع في بيع الشيء قبل قبضه على بيع الطعام (1) خاصة، إذا بيع بالكيل أو الوزن أو العد، أما غير الطعام أو الطعام المبيع جزافاً: فيجوز بيعه قبل قبضه، لغلبة تغير الطعام بخلاف ما سواه، ولمفهوم حديث ابن عمر الذي رواه أصحاب الكتب الستة ما عدا ابن ماجه أن رسول لله صلّى الله عليه وسلم قال: «من ابتاع طعاماً، فلا يبعه حتى يقبضه» . والعلة في منع بيع الطعام قبل قبضه عندهم: هي أنه قد يتخذ ذريعة للتوصل إلى ربا النسيئة، فهو شبيه ببيع الطعام بالطعام نسيئة، فيحرم سد اً للذرائع (2) .\rوأما الحنابلة: فقالوا: لا يجوز بيع الشيء قبل قبضه إذا كان كيلاً أو موزوناً أو معدوداً أي المقدرات، لسهولة قبض المكيل والموزون والمعدود عادة، فلا يتعذر عليه القبض، واستدلالاً بمفهوم حديث الطعام السابق، فإن تخصيصه الطعام بالنهي عن بيعه قبل قبضه، يدل على إباحة البيع فيما سواه، ولم يصح غيره من الأحاديث. واشتراط الكيل أو الوزن أو العد، لأن المكيل والموزون والمعدود لا يخرج من ضمان البائع إلى ضمان المشتري إلا بالكيل أو الوزن أو العدد، وقد نهى الرسول صلّى الله عليه وسلم عن بيع ما لم يضمن. فالعلة في منع البيع عندهم هي الغرر كما قال الحنفية (3) .\rوأما غير المكيل والموزون والمعدود، أي غير المقدرات، فيصح عند الحنابلة بيعه قبل قبضه.\rوبناء عليه يصح عند المالكية للمشتري التصرف في المبيع قبل قبضه، سواء كان البيع أعياناً منقولة أو أعياناً ثابتة كالأرض والنخيل ونحوها إلا الطعام المكيل أو الموزون أو المعدود. ويصح عند الحنابلة بيع غير المكيل أو الموزون أوالمعدود. فما يجري داخل البورصة من بيع العقود قبل قبضها يصح في هذين المذهبين بالتخلية، أي بتسليم البائع المبيع وقبض المشتري برفع الحوائل وإزالة المانع.\rوأما الظاهرية: فأجازوا بيع الشيء قبل قبضه إلا القمح خاصة، سواء بيع كيلاً أو وزناً أوجزافاً، عملاً بظاهر النهي في الحديث، والطعام عندهم لا يكون إلا في القمح. ومعنى القبض: أن يطلق\r-------------------------------\r(1) يشمل الطعام عنده كل ما تجب فيه الزكاة من الحبوب والأدم بجميع أنواعهاكالزيت والعسل ونحوها.\r(2) المنتقى على الموطأ: 279/4، بداية المجتهد: 142/2.\r(3) المغني: 110/4، 113 وما بعدها.","part":7,"page":73},{"id":4359,"text":"البائع يد المشتري في المبيع، بألا يحول بينه وبينه (1) .\rوأما الإمامية: فقالوا: لا بأس ببيع ما لم يقبض، ويكره فيما يكال أو يوزن، وتتأكد الكراهية في الطعام، وقيل: يحرم (2) .\rوأما الزيدية: فأجازوا بيع الشيء قبل القبض إن كان مما لا يكال ولا يوزن، ومنعوا في الأظهر البيع بالربح فيما يكال أو يوزن قبل القبض (3) .\rوالظاهر رجحان رأي الشافعية، لعموم النهي عن بيع الشيء قبل قبضه في حديث حكيم بن حزام، دون قصره على الطعام، ويكون حديث النهي عن الطعام في حالة من حالات النهي لا تمنع غيرها، وهو احتجاج بالمفهوم المخالف من الحديث، والمنطوق في حديث حكيم بن حزام مقدم عليه، ويؤيده حديث زيد بن ثابت الذي أخرجه أبو داود بسند صحيح: أن النبي صلّى الله عليه وسلم نهى أن تباع السلع حيث تبتاع، حتى يحوزها التجار إلى رحالهم، ثم إن الملكية في الشيء قبل القبض ضعيفة، وفيها غرر أي احتمال الحصول وعدم الحصول، ويترجح عدم الحصول في حال احتكار المنتجين للسلع وإيقاع البائعين على المكشوف في حرج.\r-------------------------------\r(1) المحلى: 292/1، 297.\r(2) المختصر النافع في فقه الإمامية: ص 148.\r(3) منهاج الصالحين: 51/2.","part":7,"page":74},{"id":4360,"text":"ثالثاً ـ البيع دون تحديد السعر (أو البيع بما ينقطع عليه السعر ) :\rاتفقت المذاهب الثمانية على اشتراط معرفة الثمن في عقد البيع حال العقد أو قبله، فلا يجوز البيع بثمن مجهول، ولا بد من بيان جنس الثمن وقدره وصفته (1) . وعليه فلا يصح عندهم البيع بما ينقطع عليه السعر أو بسعر السوق في يوم معين أو في فترة محددة.\rلكن روي عن الإمام أحمد جواز البيع بما ينقطع عليه السعر في المستقبل بتاريخ معين من غير تقدير الثمن أو تحديده وقت العقد، لتعارف الناس، ولتعاملهم به في كل زمان ومكان. وقد رجح ابن تيمية وابن القيم هذا الرأي، وأرادوا به سعر السوق وقت البيع، لا أي سعر في المستقبل (2) .\rوبه يتبين أن جميع المذاهب لا تجيز البيع الحالي في البورصة حيث تباع السلع الحاضرة بثمن السوق في يوم محدد أو في خلال فترة محددة هي فترة التصفية، حتى عند ابن تيمية وابن القيم ورواية عن أحمد الذين يجيزون البيع بما ينقطع عليه السعر، فإنهم أرادوا كما تقدم سعر السوق وقت البيع، لا أي سعر في المستقبل، كمن يشتري شيئاً من خباز أو لحام أو سمّان أو غيرهم، بسعر يومه، ثم يحاسبه في نهاية الشهر ويعطيه ثمنه، وهذا ما يسمى ببيع الاستجرار.\rوقد تورط بعض الأساتذة المعاصرين برأي بعض الحنابلة، فأجازوا البيع بسعر السوق يوم كذا، أو بسعر الإقفال في بورصة كذا، لرضا المتعاقدين بذلك، ولأن جهالة الثمن حينئذ لا تؤدي إلى المنازعة، واحتجاجاً بقول ابن تيمية بأنه عمل الناس في كل عصر ومصر، وقوله: هو أطيب لقلب المشتري من المساومة، يقول: لي أسوة بالناس.\rوكل ذلك في رأيي محل نظر وتأمل، فإن ما أراده ابن تيمية غير ما يحدث في بورصة العقود الحالية، كما أن بيع الاستجرار ونحوه روعي فيه حاجة بعض الناس، وأين مثل هذه الحاجة في البورصة؟!\r-------------------------------\r(1) المبسوط: 49/13، البدائع:158/5، فتح القدير: 113/5، رد المحتار: 30/4، الشرح الكبير للدردير: 15/3، القوانين الفقهية: ص 257، مغني المحتاج: 17/2، المهذب: 266/1، المغني: 187/4، المحلى: 19/9، المختصر النافع: ص 143، منهاج الصالحين: 25/2.\r(2) غاية المنتهى: 14/2، 26، نظرية العقد لابن تيمية: ص 220، أعلام الموقعين: 5/4-6.","part":7,"page":75},{"id":4361,"text":"رابعاً : العمليات الآجلة الشرطية البسيطة :\rوهي كما عرفنا أن يكون من حق المضارب فسخ العقد في ميعاد التصفية أو قبله إذا أحس بانقلاب الأسعار في غير صالحه، على أن يدفع أولاً تعويضاً للطرف الآخر، ولا يرد إليه، ويسمى هذا بالشرط البسيط.\rويمكن معرفة حكم هذه العمليات في ضوء ما يعرف في فقهنا بشرط الخيار، وقد أجاز جميع الفقهاء ما عدا الظاهرية خيار الشرط (1) ، ولكنهم اختلفوا في مدة الخيار المشروع:\rفقال أبو حنيفة وزفر والشافعي: يجوز شرط الخيار في مدة معلومة لا تزيد على ثلاثة أيام، عملاً بحديث حبان بن منقذ الذي أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي وغيرهم عن ابن عمر، فقد شكا أنه يغبن في البياعات إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلم ، فقال: «إذا بايعت فقل؛ لا\r-------------------------------\r(1) المبسوط: 40/12، البدائع: 174/5، المدونة: 223/3، المنتقى على الموطأ: 108/5، المهذب: 258/1، مغني المحتاج: 47/2، المغني: 585/3، غاية المنتهى: 30/2، بداية المجتهد: 207/2، الدردير والدسوقي: 91/3، 95، المحلى: 328/9، المختصر النافع: ص 145، منهاج الصالحين: 32/2، البحر الزخار: 349/3.","part":7,"page":76},{"id":4362,"text":"خلابة (1) ، ولي الخيار ثلاثة أيام» .\rوأجاز أبو يوسف ومحمد والحنابلة والإمامية والزيدية اشتراط مدة الخيار حسبما يتفق عليه البائع والمشتري من المدة المعلومة، قلت مدته أو كثرت، لأن الخيار يعتمد الشرط، فيرجع في تقديره إلى مشترطه كالأجل.\rوأجاز المالكية الخيار بقدر ما تدعو إليه الحاجة. ويختلف ذلك باختلاف الأحوال، فخيار الشرط في الفاكهة يوم، وفي الثياب والدابة ثلاثة أيام، وفي الأرض أ كثر من ثلاثة أيام، وفي الدار ونحوها مدة شهر.\rوبناء على هذا الرأي للمالكية والحنابلة ومن وافقهم، تجوز العمليات الآجلة الشرطية البسيطة إذا كانت مدة استعمال حق الخيار معلومة على النحو المذكور، ومدة الخيار في هذه العمليات معلومة وهي الفترة ما بين وقت العقد إلى وقت أقرب تصفية. ويجوز دفع المال بشرط متفق عليه أو التبرع به لاستعمال حق الخيار، لأن المسلمين على شروطهم، ولأن دفع المال يؤيد ما شرعه الشرع من حق الخيار. لكن لا يجوز الاتفاق على إسقاط حق الخيار بعوض، فقد نص فقهاؤنا على أنه لو صالح شخص بعوض عن خيار في بيع أو إجارة، لم يصح الصلح، لأن الخيار لم يشرع لاستفادة مال، وإنما شرع للنظر في الأحظ، فلم يصح الاعتياض عنه (2) .\r-------------------------------\r(1) أي لا خديعة ولا غبن، والمعنى: لا يحل لك خديعتي، أو لا تلزمني خديعتك.\r(2) العقود المسماة في القانونين الإماراتي والأردني للباحث: ص 205، التقنين الحنبلي (م 264) كشاف القناع: 387/3.","part":7,"page":77},{"id":4363,"text":"خامساً : العمليات الشرطية المركبة :\rوهي العمليات التي يكون للبائع الحق فيها في أن يتحول إلى مشتر وأن يفسخ العقد، أو أن يظل بائعاً حسبما يتراءى له من تقلبات الأسعار عند التصفية أو قبلها، مقابل تعويض أكبر مما يدفع في العمليات البسيطة يدفعه لصاحبه.\rوهي جائزة كالعمليات الشرطية البسيطة (1) ، عملاً بما يراه الجهور من اشتراط مدة في خيار الشرط بحسب الحاجة أو الأحوال.\rسادساً ـ العمليات المضاعفة :\rوهي التي يكون فيها الحق لأحد العاقدين: البائع أو المشتري في مضاعفة الكمية التي باعها أو اشتراها، بسعر يوم التعاقد، مقابل تعويض يدفعه الراغب في المضاعفة عند اتضاح الأسعار، ولا يرد إليه، وتختلف قيمة التعويض بحسب كمية الزيادة وموضوع التخزين. وهذا أيضاً جائز إذا كانت الكمية المضاعفة معلومة (2) ، لأنه لا يجوز تعديل العقد بشرط إضافي، ويعتبر التعويض مضافاً إلى أصل الثمن، والمسلمون عند شروطهم.\rسابعاً ـ حكم بدل التأجيل :\rإذا تم تسليم المبيع والثمن في وقت التسليم، فلا إشكال وتنتهي الصفقة، أما إذا اتفق العاقدان على تأجيل التسليم والتسلم لوقت لاحق هو وقت التصفية القادمة مقابل تعويض يدفعه إلى الآخر الذي يقبل نقل الصفقة إليه، وهو شخص آخر غير العاقدين، فهذا ربا واضح، لأنه يبيع ديناً حالاً بثمن مؤجل مع زيادة، كربا الجاهلية: إما أن تدفع أو تربي، لأن مشتري الصفقة الذي يحل محل المشتري، إنما يأخذ فائدة المبلغ الذي سيدفعه إليه العاقد الأصلي، وهذا ربا محقق، لأن دافع التعويض يدفعه مضطراً لنقل تصفية صفقته إلى وقت مؤجل، يأمل فيه تغير الأسعار لمصلحته، ولم يدفعه متبرعاً كالعمليات الثلاث السابقة، كما أن الآخذ لم يأخذ التعويض مقابل حق تنازل عنه كما هو الحال في العمليات المتقدمة.\rثامناً ـ بيع الدين بالدين :\rالدين هو الشيء الثابت في الذمة، كثمن مبيع، وبدل قرض، وأجرة مقابل منفعة، وغرامة متلف، ومسلم فيه في عقد السلم (بيع آجل بعاجل).\rوبيع الدين: إما أن يكون لمن في ذمته الدين، أو لغير من عليه الدين، وفي كل من الحالين إما أن يباع الدين في الحال، أو نسيئة مؤجلاً.\rوبيع الدين نسيئة: هو ما يعرف ببيع الكالئ بالكالئ، أي بيع الدين بالدين، وهو بيع ممنوع شرعاً، لأن النبي صلّى الله عليه وسلم فيما يرويه الدارقطني عن ابن عمر، والطبراني عن رافع بن خديج نهى عن بيع الكالئ بالكالئ (3) . ومع أن الحديث ضعيف لكن أجمع الناس على أنه لا يجوز بيع دين بدين، سواء أكان البيع للمدين، أم لغير المدين.\rمثال الأول ـ وهو بيع الدين للمدين: أن يقول شخص لآخر: اشتريت منك هذه السلعة بدينار على أن يتم تسليم العوضين بعد شهر مثلاً، أو أن يشتري شخص شيئاً إلى أجل، فإذا حل الأجل، لم يجد البائع ما يقضي به دينه، فيقول\r-------------------------------\r(1) الموسوعة العلمية والعملية للبنوك الإسلامية: 425/5.\r(2) المرجع السابق.\r(3) إلا أنه حديث ضعيف.","part":7,"page":78},{"id":4364,"text":"للمشتري: بعني هذا الشيء إلى أجل آخر بزيادة شيء، فيبيعه، ولا يجري بينهما تقابض، فيكون هذا ربا حراماً تطبيقاً لقاعدة: «زدني في الأجل، وأزيدك في القدر» كما تقدم في النوع السابق: سابعاً.\rومثال بيع الدين لغير الدين: أن يقول رجل لغيره: بعتك السلعة التي لي عند فلان بكذا تدفعها لي بعد شهر. وهذا أيضاً حرام.\rوإذا كانت أغلب عمليات البورصة تتم في صورة بيع الدين بالدين دون تسليم ولا تسلم كما هو ملاحظ، فلا تجوز هذه العمليات، ولا بد من تعجيل تنفيذ الصفقة دون تأخير.\rأما بيع الدين نقداً في الحال: فمختلف فيه، فقد أجاز جمهور الفقهاء غيرالظاهرية بيع الدين لمن عليه الدين أو هبته له، ولم يجز الجمهور غير المالكية بيع الدين لغير المدين،وأجازه المالكية بشروط ثمانية تبعده عن الغرر والربا وأي محظور آخر كبيع الطعام قبل قبضه (1) . ولا داعي لتفصيل الكلام في هذا النوع من البيع في الحال، لأنه غير موجود في البورصة، لاعتماد أغلب العمليات فيها على التأجيل.\rتاسعاً ـ عمولات المصارف (البنوك) مقابل الخدمات أو الضمانات :\rإن ما يأخذه المصرف (البنك) مقابل خدمات الحراسة، واستئجار الأرض، واستعمال المخازن (التخزين) وأجرة إعداد الفواتير وكتابة الحسابات، جائز مشروع لا شبهة فيه، لأنه مقابل منفعة، وإجارة المنافع والأعمال جائزة شرعاً.\r-------------------------------\r(1) البدائع: 148/5، تكملة ابن عابدين: 326/2، الشرح الكبير للدردير: 63/3، بداية المجتهد: 146/2، المهذب: 262/1، المغني: 120/4، 30، غاية المنتهى: 80/2، كشاف القناع: 237/4، المحلى: 7/9، أصول البيوع الممنوعة للشيخ عبد السميع إمام: ص 19، الغرر وأثره في العقود للدكتور الصديق محمد الضرير: ص 315.","part":7,"page":79},{"id":4365,"text":"أما ما يأخذه المصرف من الفوائد على المال المودع زيادة على الخدمات، أو مقابل القروض أو الضمانات غير المغطاة فعلاً، فهو غير مشروع، إلا إذا دخل البنك مع المضارب في شركة صحيحة، أو مضاربة شرعية، في الحالات التي لا يجوز فيها البيع أو الشراء داخل البورصة وهي حالات البيع الحال أو الشراء الحال. أما المؤجل فقد بينت عدم جوازه للغرر والتصرف فيما لا يملك، وبيع الشيء قبل القبض (1) .\rوالخلاصة: إن حكم عمليات العقود داخل السوق المالية أو البورصة ما يلي:\r1 - إذا كانت البضاعة حاضرة (أي وجود عيِّنة) والسعر بات، فهذا حلال.\r2 - إذا كانت البضاعة حاضرة، والسعر مؤجل ليوم التصفية، فهذا غير جائز عند جماهير العلماء، وأجازه بعض المعاصرين عملاً برأي الإمام أحمد وابن تيمية وابن القيم في البيع بما ينقطع عليه السعر.\r3 - العقود المؤجلة: وهي الحاصلة في بعض عمليات البورصة، فهذه غير جائزة، لأنها بيع الإنسان ما ليس عنده، وهو غير جائز بسبب وجود الغرر فيه، ولأنها بيع للشيء قبل قبضه، وهو الرأي الذي رجحته من مذهب الشافعية ومن وافقهم، وهي بيع دين بدين.\rوالبديل الشرعي عن العقود المؤجلة هو عقد السلم الجائز شرعاً، وهو بيع آجل بعاجل، أو بيع شيء موصوف في الذمة ببدل عاجل يجب قبضه عند الجمهور في مجلس العقد، ويجوزتأخيره مدة قليلة كيوم أو ثلاثة أيام عند المالكية، ويصح عقد السلم بلفظ البيع، ولا يشترط كون المعقود\r-------------------------------\r(1) الموسوعة السابقة: 426/5.","part":7,"page":80},{"id":4366,"text":"عليه موجوداً عند التعاقد ،ولا أن يكون في ملك البائع المسلم إليه، وإنما يكفي وجوده عند التسليم، وإنما يشترط فيه ألا يكون العقد مشتملاً على ربا النسيئة، أي ألا يكون مطعوماً أو نقداً في مقابل مطعوم أو نقد، ويصح أن يكون مطعوماً مؤجلاً في مقابل نقود.\rالمبحث السابع - عائد الاستثمار :\rتمهيد :\rالتنمية أو المزيد من استثمار الأموال من قواعد الإسلام وثوابته الاقتصادية، لأن في ذلك إنعاش الاقتصاد، والإسهام في تنشيط الحركة التجارية، وتحقيق الرخاء أو الرفاه الذي يستفيد منه أكبر مجموعة من الناس.","part":7,"page":81},{"id":4367,"text":"لذا رغب الإسلام في التجارة وحث عليها لكسب المعاش، وبارك الله فيها لتحصيل الربح، وتنمية الإنتاج، وجعل الإسلام العمل هو أساس الاسترباح، والعقود المشروعة هي أعمال تتطلب خبرة وجهداً، فقال الله تعالى: { وأحل الله البيع وحرم الربا } [البقرة:275/2] ، فالبيع التجاري طريق للكسب المشروع،فهو حلال، والربا أو الفائدة حرام، لأن النقود لا تولد النقود، فالكسب الحاصل بالمراباة حرام؛ لأنه من غير جهد ولا عمل، وإنما هو ظلم واستغلال، ومن أهم عوامل التضخم النقدي، وانتشار الاحتكارات، ووجود التفاوت الصارخ بين فئة الأغنياء المترفين، والفقراء المستضعفين والمعدِمين. بل إن الإسلام حرم كل المكاسب الخبيثة كالغصب والرشوة والسرقة والنهب والغش، قال الله تعالى: {ياأيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراضٍ منكم} [النساء:29/4]. وجاءت آيات قرآنية أخرى تؤيد كسب العمل والتجارة والاحتراف، مثل قوله تعالى: { فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله } [الجمعة:10/62] وقوله سبحانه: { هو الذي جعل لكم الأرض ذَلولاً، فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه، وإليه النشور } [الملك:15/67]. وقوله عز وجل على سبيل تزكية التجارة المباحة المبارك فيها: { يرجون تجارةً لن تبور } [فاطر:29/35]. وقال النبي صلّى الله عليه وسلم حينما سئل عن أي الكسب أطيب: « عمل الرجل بيده، وكل بيع مبرور » (1) أي لا غش فيه ولا خيانة، وقال عليه الصلاة والسلام أيضاً: « تسعة أعشار الرزق في التجارة » (2) .\r-------------------------------\r(1) رواه البزار وصححه الحاكم عن رفاعة بن رافع ( سبل السلام: 4/3 ).\r(2) حديث حسن عن نعيم بن عبد الرحمن الأزدي ويحيى بن جابر الطائي مرسلاً (الجامع الصغير للسيوطي 130/1).","part":7,"page":82},{"id":4368,"text":"وفي الحياة الاقتصادية الحديثة وجدت استثمارات مشروعة تختلف عن الأحوال الضيقة ذات الصبغة المنفردة ( المضاربة الخاصة) بين عاقدين فأكثر، متمثلة في ( المضاربة المشتركة ) حيث يتعدد أرباب المال وهم جماعة المستثمرين، الذين يقدمون المال بصورة انفرادية ليعمل به مضاربة، ويتلقاه جماعة المضاربين في صورة مصرف (بنك) شركة أو جماعة، وهم الذين يأخذون المال منفردين أيضاً، ويقومون بتشغيله لدى شخص أو جهة للعمل فيه بالمضاربات المعقودة مع كل منهم على انفراد.\rوأصبح هذا اللون من الاستثمار أكثر رغبة واجتذاباً لرؤوس الأموال المكدسة لتوافر قدر أكبر من الثقة والائتمان.\rخطة البحث :\r- ماهو المراد من العائد، وما الفرق بينه وبين الربح؟\r- ماهي أنواع العوائد وما حكم كل منها؟\r- ماهي الطريقة السائغة شرعاً لتحديد العائد على الاستثمار؟\r- في الحالات التي يتغير فيها المستثمرون ( المودعون ) هل يجوز توزيع نسبة مئوية بصفة دورية محسوبة على اعتبار ماسيقع من الأرباح أو العائد؟\r-وإذا وافق جميع المستثمرين على هذه الطريقة السابقة، فهل تكون جائزة؟\r- وفي الحالات التي لايمكن فيها الرجوع على عميل قبض حصته، ثم يظهر أن الربح لم يتحقق في نهاية المدة، كيف تكون المحاسبة؟ ومن يتحمل الفرق، الشركة أم المستثمر، أم غير ذلك؟\r- إذا أنشأ البنك حافظة استثمارية ( صندوق ) مقسمة إلى حصص يقوم بإدارتها نيابة عن المستثمرين، فهل يجوز له اقتطاع أجر لنفسه محسوب كنسبة من الربح؟ وهل يجوز أن يكون مبلغاً محدداً مقطوعاً؟ وهل يجب على البنك أن يوضح هذا؟\r- ماهي التكاليف التي يجوز تحميلها للشركة في عقد المضاربة؟\r-إذا كان العامل في المضاربة شركة ( شخصية معنوية مستقلة ) فهل تعتبر جميع رواتب الموظفين والإدارة من ضمن التكاليف؟\r- هل يجوز تنازل المستثمرين عن كل حق في التدخل في الإدارة؟\r- هل يجوز حساب العائد يومياً؟\rوأبدأ ببحث هذه العناصر:","part":7,"page":83},{"id":4369,"text":"- ما المراد من العائد، وما الفرق بينه وبين الربح؟ :\rعائد الاستثمار: هو ربح الاستثمار المشروع الذي يوزع من باقي الربح على الأعضاء المستثمرين - بعد احتجاز الاحتياطي ومايخصص للخدمات العامة - بنسبة المعاملات التي أبرمها كل منهم مع المصرف ( البنك ) أو الجمعية التعاونية (1) .\rإن القدر المخصص لفئة من المستثمرين يوزع بينهم بنسبة تعاملهم مع البنك الإسلامي، وهذا التعامل امتزاج بين المال المودع بالبنك لاستثماره، وبين الزمن، أي المدة التي ظل فيها المال مستثمراً بالبنك.\rويكون التوزيع العادل لحصة المستثمرين فيما بينهم على أساس حواصيل ضرب المبالغ المستثمرة في المدد التي بقيت في الاستثمار، وهذه الحواصل هي المتعارف عليها في أعمال البنوك باسم ( النِّمر ) أو الأعداد.\rوعائد الاستثمار يحدث بسبب الاستثمار التعاقدي للنقود وهو المضاربة ( أو القراض ) وغيرها كالمرابحة للآمر بالشراء. والمقصود المضاربة المشتركة كنظام جماعي للاستثمار.\rأما الربح: فهو كما قال ابن قدامة: الفاضل عن رأس المال، ومالم يفضل فليس بربح، ولانعلم في هذا خلافاً (2) . وكما قال الزيلعي: الربح تابع لرأس المال، فلا يسلم الربح بدون سلامة الأصل (3) .\r-------------------------------\r(1) المدخل إلى النظرية الاقتصادية للدكتور أحمد النجّار: ص176.\r(2) المغني: 51/5.\r(3) تبيين الحقائق: 67/5.","part":7,"page":84},{"id":4370,"text":"والربح يعتبر بعد الأجر (1) النوع الثاني من الدخول ( جمع دخل ) التي يقرها الاقتصاد الإسلامي، ويستحق شرعاً لكل من قام بإنفاق عمل في سبيل إنتاج سلعة أو الاتجار بها، سواء كان إنفاق العمل في السابق أو في الحال.\rوالربح عائد للتنظيم، أي أن رب العمل المنظم الذي يقوم على المشروع يستحق الناتج أو الربح المتأتي من العملية الإنتاجية كعوص عن إسهامه في هذه العملية. وقد يشترك معه آخرون من مديرين وموظفين وعمال. أما رأس المال التجاري فلا يتقاضى أجراً مقابل إسهامه في العملية الإنتاجية، إنما يتقاضى نصيباً في الأرباح مقابل إسهامه في أعباء العملية الإنتاجية، وإذا دفعه صاحب رأس المال إلى غيره ليتجر به، تحمل وحده الخسارة، وإذا حدث ربح يقتسم بين صاحب رأس المال التجاري وبين العامل المنظِّم بالنِّسَب المتفق عليها (2) .\rودور المنظِّم في التوصل للربح إما أن يكون في مال الإنسان الخاص، فيكون صافي الناتج من المشروع الذي نهض به ( عمل + تنظيم ) وإما أن يكون في مال الغير من طريق الشركة، ومنها المضاربة (3) .\rإن الحصول على الربح يكون إذن إما بالأجر أو من طريق المغامرة بالدخول في عمل غير مضمون العائد، بدلاً من العمل بأسلوب الأجر التعاقدي. وإذا فعل ذلك وحصل على رأس مال نقدي أو عيني من شخص آخر، أو من مؤسسة من المؤسسات، على أساس اقتسام الربح، فإنه في هذه الحالة يسمى ( منظِّماً ) أو مستحدثاً. ويمكن اشتراك العمال في شراكة في عمل واحد كالخياطة أو الغسيل أو\r-------------------------------\r(1) الأجر يعتبر النوع الأول من الدخول، وهو مكافأة العامل مقابل إسهامه في العملية الإنتاجية ( عنصر العمل ) أو مكافأة عنصر الطبيعة المملوك ملكية خاصة كالأرض، وعنصر رأس المال .\r(2) اقتصادنا في ضوء القرآن والسنة للدكتور حسن أبو يحيى: ص214.\r(3) النظرية الاقتصادية في الإسلام للأستاذ أحمد نعمان: ص256 ومابعدها.","part":7,"page":85},{"id":4371,"text":"غير ذلك، ثم يقتسمان صافي الربح بطريقة يتفقان عليها، كما يمكن للمتخصصين من محامين ومهندسين وأطباء وغيرهم التجمع في مؤسسة تقدم الخدمات الاستشارية ليقتسموا أيضاً الأرباح على وفق نسب متفق عليها. ويختلف هذا النوع من الدخول عن الأجور؛ لأن الحصول عليه لايتم عن طريق التعاقد الثابت، فهو أقرب في طبيعته إلى الربح، لاشتماله على احتمال الخسارة (1) .\rويشترك عائد الاستثمار والربح في أغلب الخصائص والضوابط، فإن كلاً منهما غير مضمون، بعكس الفائدة الربوية فإنها مضمونة، وقد يصبح عائد الاستثمار مضموناً كله لرب المال في حال دفع العامل المضارب رأس المال كله أو بعضه إلى مضارب ثان، والعمل به عند الحنفية، أو في حال خلط مال المضاربة بمال المضارب نفسه أو بمال قراض ( مضاربة ) عنده؛ لأن المضاربة تكون حينئذ فاسدة. وفي حال فساد المضاربة يكون الربح كله لرب المال، وللعامل أجر المثل عند الجمهور ( الحنفية والشافعية والحنابلة) (2) . ويزول فساد المضاربة المشتركة بإذن المودعين المستثمرين في خلط أموالهم مع غيرها، كما هو حاصل الآن في هذه المعاملة.\rويرد العامل عند المالكية (3) في جميع أحكام المضاربة الفاسدة إلى قراض مثله في الربح والخسارة في أحوال معدودة (4) ، وله أجر مثل عمله في غيرها من\r-------------------------------\r(1) بحث الدكتور محمد نجاة صدّيقي في مجلة الاقتصاد الإسلامي بجامعة الملك عبد العزيز: ص133.\r(2) المبسوط: 22/22، البدائع: 108/6، تكملة فتح القدير 58/7، مختصر الطحاوي: ص124، مجمع الضمانات: ص311، مغني المحتاج 315/2، غاية المنتهى: 179/2.\r(3) الشرح الكبير للدردير 519/3 ومابعدها، الخرشي: 205/6 - 208، بداية المجتهد: 240/3، القوانين الفقهية: ص282.\r(4) أهم هذه الحالات: حالة القراض بالعروض، وحالة جهالة الربح دون وجود عادة يحتكم إليها، وحالة توقيت القراض كسنة مثلا، وإضافة القراض للمستقبل، وحالة اشتراط ضمان رأس المال على العامل، وحالة الاختلاف بين العاقدين بعد العمل على جزء الربح. وأهم حالات وجوب أجرة المثل في ذمة رب المال سواء حصل ربح أم لا: وقوع القراض بدين لرب المال على العامل قبل قبضه منه، أو بوديعة له عند العامل، واشتراط يد رب المال مع العامل في البيع والشراء والأخذ والعطاء، واشتراط مشاورته عند البيع والشراء، أو اشتراط أمين مع العامل يراقبه، أو مشاركة الغير في مال القراض أو خلط أموال المضاربة.","part":7,"page":86},{"id":4372,"text":"الحالات. فإذا حدث ربح في الأحوال المعدودة يثبت حق المضارب في الربح نفسه، لا في ذمة رب المال، حتى إذا هلك المال، لم يكن للمضارب شيء، وإذا لم يكن ربح فلا شيء له.\rوالفرق عند المالكية بين قراض المثل وأجره المثل: أن الأجرة تتعلق بذمة رب المال، سواء كان في المال ربح أو لم يكن، وقراض المثل: هو على سنة القراض، إن كان فيه ربح كان للعامل منه، وإلا فلا شيء له (1) .\rويشترط في عائد الاستثمار والربح كون كل منهما معلوم القدر، وجزءاً شائعاً من الجملة، والربح حينئذ بالمقاسمة بحسب الاتفاق، فإذا كان هناك جهالة في المقدار، فسد العقد، وإذا شُرط ربح أو عائد مقطوع لأحد العاقدين،مثل كل شهر كذا درهماً فسد العقد أيضاً، وإذا لم يكن ربح، فصاحب المال عطّل ماله، والعامل خسر جهده (2) .\rوالفرق بين الربح وعائد الاستثمار يظهر في حال قسمة الربح، والأمر يختلف بين المضاربة الخاصة، والمضاربة المشتركة، ففي حال المضاربة الخاصة: لايكون الربح إلا بعد تنضيض رأس المال ( أي تحويله من أعيان إلى نقود ) وذلك\r-------------------------------\r(1) بداية المجتهد: 241/2، المقدمات الممهدات: 14/3.\r(2) البدائع: 85/6، تبيين الحقائق: 55/5 ومابعدها، الدر المختار: 505/4، الخرشي: 209/6، بداية المجتهد: 234/2، مغني المحتاج 313/2، المهذب 385/1، المغني: 30/5، نهاية المحتاج: 162/4.","part":7,"page":87},{"id":4373,"text":"لايتم إلا بعد التصفية الكاملة للعملية، ووجود الربح الفعلي، والغاية من ذلك: هي أن يعود رأس المال نقوداً كما كان، حتى يتمكن رب المال من استرداد رأس ماله أولاً، ثم تجري قسمة الربح المتبقي بعد ذلك الاسترداد؛ لأن الأصل في الربح أنه وقاية لرأس المال، فلا ربح إلا بعد سلامة رأس المال لصاحبه.\rأما عائد الاستثمار فيكون بسبب الاستثمار الجماعي المشترك أو المضاربة المشتركة، وهذا الاستثمار يقوم على فكرة استمرار الاستثمار من ناحية، وإجراء توزيع للأرباح في فترات دورية من الناحية الأخرى ، حيث يتعذر إجراء التصفية الكلية في نهاية كل فترة يوزع فيها الربح على المستثمرين. ويكون المضارب المشترك بمثابة الأجير المشترك، والمضاربة المشتركة مستمرة بطبيعتها لاتتوقف أو تصفى إلا إذا صفّي العمل بكامله.\rولامجال للقول بالربح المقدر أو المفترض لمعرفة عائد الاستثمار، مع استمرار المضاربة المشتركة؛ لأن الربح لايستقر إلا بالقسمة، والقسمة لاتصح إلا بعودة رأس المال نقوداً كما كان، لكي يقبضه المضارب المشترك الذي هو ممثل المالك بالنسبة للمضاربين.\rواستمرار المضاربة إلى أجل غير محدد يلجئنا إلى أن نجري القسمة سنوياً كما تفعل الشركات المساهمة، بقصد تحقيق نوع من الانتظام، وإيجاد طريقة لتأدية عائد دوري للمستثمرين في مواعيد محددة. ففي نهاية كل عام تحصى الأرباح المتحققة حتى يجري تقسيمها بنسبة الأموال المخصصة للاستثمار، سواء أكانت أموالاً للمستثمرين وحدهم، أم كانت مشتركة بينهم وبين المضارب المشترك الذي هو المصرف اللاربوي أو أية مؤسسة مالية عاملة في مجال الاستثمار بهذا الأسلوب الجديد (1) .\r-------------------------------\r(1) تطوير الأعمال المصرفية للدكتور سامي حمود: ص424 - 425، 453 - 455.","part":7,"page":88},{"id":4374,"text":"وحساب عائد الاستثمار على هذا النحو يجعله مختلفاً عن حساب الربح الفعلي في المضاربة الخاصة.\rوالخلاصة: إن عائد الاستثمار نوع خاص من الربح، له طريقة حسابية معينة تختلف عن الطريقة العادية في حساب الربح من المضاربة الخاصة القائمة بين رب المال والعامل المضارب، تعتمد على استثمار النقود على أساس تعاقدي بين من يملك مالاً، وبين من يعمل في ذلك المال. وإنما تعتمد على المضاربة المشتركة كنظام جماعي للاستثمار وهي تختلف عن المضاربة الخاصة في أشخاصها، باعتبار أن المضاربة الخاصة - وإن تعدد الأشخاص المتعاملون فيها - مقصورة على علاقة ثنائية بين مالك المال والعامل فيه، أما المضاربة المشتركة فإنها تضم ثلاث علاقات مترابطة، تمثل مالكي المال، والعاملين فيه وهم جماعة المضاربين، والجهة الوسيطة بين الفريقين لتحقيق التوافق والانتظام في توارد الأموال، وإعطائها للراغبين من الفريق الثاني للعمل فيها بالمضاربات المعقودة مع كل منهم على انفراد. كما تنفرد المضاربة المشتركة - كنظام جماعي - بعدد من المزايا يتعذر تحقيقها في نطاق المضاربة الخاصة ومايذكر فيها من قيود، مجملها مباراة النظام المصرفي الحديث في تجميع المدخرات واستثمارها، حيث لا حاجة للبحث في السوق عن شخص أمين مستقيم خبير بالتجارة الرابحة، ويستطيع المستثمر استرداد نقوده المستثمرة قبل إجراء التصفية والمحاسبة، ويجد المضاربون لدى المضارب المشترك - كما يجد المقترضون عند المصرف الحديث - استعداداً لتلبية طلباتهم من غير تعرض لحساسيات وانفعالات شخصية يتعرضون لها في حال المضاربة الخاصة مع المستثمرين المنفردين (1) .\r-------------------------------\r(1) تطوير الأعمال المصرفية للدكتور سامي حمود: ص434-437.","part":7,"page":89},{"id":4375,"text":"- ماهي أنواع العوائد وما حكم كل منها؟\rإن أنواع عوائد الاستثمار في البنوك الإسلامية (1) كثيرة ومتنوعة، فالبنك الإسلامي يقوم بالعمل في الاتجاهات أو المجالات الثلاثة الآتية (2) :\r1 - في مجال الاستثمار والمشا ركات، ويشمل الاستثمار المباشر وغير المباشر في مجال الزراعة والصناعة والتجارة والخدمات، ويشمل أيضاً العمليات التجارية ذات الآجال القصيرة وهي شراء السلع وغيرها من الأموال المنقولة، وعمليات الاستيراد والتصدير لكافة السلع، وتخزين السلع والمحاصيل والمنقولات، وتخليص بوالص الشحن والمستندات الأخرى . وكذلك يشمل المشاركات في الاستثمار لآجال طويلة المدى، والمشاركات في العمليات التجارية لآجال قصيرة نسبياً. وهذه كلها مشروعة.\r2 - في مجال الأعمال والخدمات المصرفية الأخرى التي لا تعارض الطبيعة الإسلامية، وهي قبول الودائع: ودائع تحت الطلب ( الحسابات الجارية ) وودائع التوفير، وودائع مع التفويض في الاستثمار، وتحصيل الشيكات لحساب العملاء بالعملات المحلية والأجنبية، وتحويل الأموال، وإصدار خطابات ضمان أو فتح اعتمادات مستندية، وخطابات الضمان تشمل الابتدائية، والنهائية لضمان تنفيذ عمليات مشاركة أو عن دفعات مقدمة. وتحصيل كمبيالات خاصة بعملاء لاتتضمن فوائد، ومقابل أتعاب معينة للبنك، وشراء وبيع أوراق مالية باسم العملاء، لاتتضمن سندات أو فوائد بشكل عام، وحفظ الأوراق المالية وتحصيل\r-------------------------------\r(1) البنك الإسلامي: مؤسسة مالية تقوم بجميع الأعمال المصرفية والمالية والتجارية وأعمال الاستثمار وإنشاء مشروعات التصنيع والتنمية الاقتصادية والعمران والمساهمة فيها في الداخل والخارج (انظر: 100 سؤال و100 جواب في البنوك الإسلامية للدكتور أحمد النجار: ص127 ).\r(2) الموسوعة العلمية والعملية للبنوك الإسلامية: 239/3-242.","part":7,"page":90},{"id":4376,"text":"مستحقاتها والحقوق المترتبة عليها، وحفظ جميع المعادن الثمينة والمستندات وإيجار الخزائن الخاصة، والقيام بأعمال أمناء الاستثمار والوكلاء، وإصدار الأسهم لحساب المؤسسات والشركات ومعاونتها في عمليات الاكتتاب عند تأسيسها أو زيادة رؤوس أموالها. وهذه كلها أعمال مشروعة في الإسلام إذا التزمت الشروط والأحكام الإسلامية.\r3 - في مجال التكافل الاجتماعي: بإيتاء الزكاة، وصناديق التأمين ضد المخاطر، والقروض الاجتماعية: قروض المرضى،وقروض المسنّين وصغار الحرفيين والطلبة. وهذا المجال لايحقق عوائد استثمار فيما عدا استثمار أموال التأمين التعاوني المشروع في الإسلام.\rويلاحظ أن أهم حالات الاستثمار والمشاركة: هي المضاربة على النحو المذكور سابقاً، والمضاربة مشروعة في الإسلام بالإجماع، وكذلك بيع المرابحة للآمر بالشراء، وهو مشروع كما ذكر الإمام الشافعي في كتابه الأم (1) حيث قال: «... وإذا أرى الرجلُ الرجلَ السلعة، فقال: اشتر هذه وأربحك فيها كذا، فاشتراها الرجل، فالشراء جائز، والذي قال: أربحك فيها بالخيار، إن شاء أحدث فيها بيعاً، وإن شاء تركه.. » وهذه المعاملة ليست من قبيل بيع الإنسان ماليس عنده؛ لأن المصرف لايعرض أن يبيع شيئاً ولكنه يتلقى أمراً بالشراء، وهو لايبيع حتى يملك ماهو مطلوب ويعرضه على المشتري الآمر، ليرى ما إذا كان مطابقاً لما وصف. كما أن هذه العملية لاتنطوي على ربح مالم يَضْمن؛ لأن المصرف قد اشترى، فأصبح مالكاً، يتحمل تبعة الهلاك، فلو عطبت الأجهزة المشتراة أو تكسرت قبل تسليمها لطالبها الذي أمر بشرائها، فإنها تهلك على حساب المصرف، وليس على حساب الآمر (2) .\r-------------------------------\r(1) الأم: 29/3.\r(2) تطوير الأعمال المصرفية: ص479.","part":7,"page":91},{"id":4377,"text":"- ماهي الطريقة السائغة شرعاً لتحديد العائد على الاستثمار :\rيتحدد عائد الاستثمار في المصارف الإسلامية على النحو الذي يجري في الشركات المساهمة، في خلال فترة زمنية معينة، وهي سنة مالية، نظراً لاستمرار المضاربة المشتركة.\rوعلى ذلك فإن الربح المعلن في نهاية كل سنة مالية، لايتقرر إلا للمبلغ الذي يبقى من أول السنة إلى نهايتها. فإذا استرد المستثمر في المضاربة المشتركة كامل مبلغه أو جزءاً منه قبل انتهاء السنة، حيث لايكون هناك إعلان للربح، فإن هذا المبلغ المسترد لايكون له نصيب من الربح الذي يجري حسابه وإعلانه للتوزيع في نهاية تلك السنة (1) .\rولهذا نظير مماثل في المضاربة الخاصة المقرر أحكامها لدى فقهائنا، ذكر الرملي في نهاية المحتاج: أنه إذا استرد المالك بعض مال القراض قبل ظهور ربح أو خسارة، فإن المال المضارب به يرجع إلى الباقي، لأن مالك المال لم يترك في يد المضارب غيره، فصار كما لو اقتصر في الابتداء على إعطائه (2) .\rويعرف العائد بضرب المبلغ المستثمر في المدة التي بقي فيها في الاستثمار، والحاصل هو المعروف في أعمال البنوك الربوية بنظام الأعداد أو النِّمر (3) : وهو ضرب الرصيد اليومي في عدد الأيام التي مكثها هذا الرصيد. والعدد الناتج هو مقدار الفائدة لمدة يوم واحد. علماً بأن الربح يكون بالمال، أو بالعمل حسب الاتفاق، أو بضمان العمل كما في شركة الأعمال، وتضمين الغاصب؛ لأن الغنم\r-------------------------------\r(1) المرجع السابق: ص 458-460.\r(2) نهاية المحتاج: 176/4.\r(3) وهو طريقة حسابية لتحديد فائدة المبلغ الذي يتحرك زيادة أو نقصاناً بشكل يومي غالباً.","part":7,"page":92},{"id":4378,"text":"مقابل الغرم أو الخراج بالضمان، أي مستحق بسببه (1) . فإذا صار الشريك ضامناً بسبب ما ، كان جميع الربح له لضمانه إياه، لأنه خراج المال.\rوبما أن الاستثمار اللاربوي استثمار إنتاجي يعتمد على الربح الفعلي الذي لايتحقق بالسرعة التي يبدأ فيها الاستثمار المصرفي حركة الحساب في ميدان الفوائد، فإن الطريقة الحسابية المصرفية في البنوك الإسلامية تكون المدة فيها على أساس الشهور بدل الأيام. فمن يدفع ألف دينار للاستثمار السنوي لايتساوى مع من يدفع نفس الألف في منتصف العام، أي الاستثمار لمدة ستة أشهر فقط، ويكون عائد الاستثمار السنوي أكثر بنسبة 9% مثلاً، وعائد الاستثمار النصف سنوي 7%، فإن اقتصر الاستثمار على نصف سنة فقط، فتكون النسبة نصف نسبة العائد السنوي.\rوذكر الدكتور أحمد النجار: أن وحدة المدة إما اليوم أو الأسبوع أو الشهر وفقاً لما تقرره اللوائح التنظيمية المعتمدة للبنك، وتكون معلنة للمستثمرين (2) . وهذا مقبول من حيث المبدأ، إن تحقق الربح كما سيأتي بيانه.\rوأضاف الدكتور النجار: أنه في حالات تغير مبلغ المستثمر الواحد خلال السنة، بأن تتناولها الإضافة أو السحب، يكون حساب النِّمر على أساس أرصدة الاستثمار عقب كل تعديل، مابين تاريخ التعديل وتاريخ إنهاء الاستثمار، أو نهاية السنة المالية أيهما أقرب. كما يمكن - كطريق آخر - أخذ الفرق بين نمر المبالغ المضافة للاستثمار، ونمر المبالغ المسحوبة محسوبة من تاريخ الإضافة ومن تاريخ السحب إلى تاريخ إنهاء الاستثمار أو تاريخ انتهاء السنة المالية أيهما أقرب، وإن اتباع أي من الطريقين يعطي نفس النمر التي تعطيها الطريقة الأخرى.\r-------------------------------\r(1) البدائع: 77/6.\r(2) المدخل إلى النظرية الاقتصادية: ص177.","part":7,"page":93},{"id":4379,"text":"- في الحالات التي يتغير فيها المستثمرون ( المودعون ) هل يجوز توزيع نسبة مئوية بصفة دورية محسوبة على اعتبار ماسيقع من الأرباح أو العائد؟.\rالأصل العام المقرر في المضاربة الخاصة: أن كل تعاقد ثنائي قائم بذاته، تصفى فيه الأرباح بعد وفاء رأس المال إلى المالك، ولايوزع الربح ولايعرف الحظ منه إلا بعد تنضيض جميع رأس المال، أي تحويله إلى نقود (1) .\rوأرباح المضاربات المشتركة يجب أن تبقى قائمة على الأسس التي أبانها الفقهاء، وفقاً لأصول المحاسبة التامة، حيث يسترد رأس المال، وتقسم الأرباح الفاضلة، بحسب الاتفاق. وبناء عليه، لا مجال للقول بالربح المقدر أو المفترض مع استمرار المضاربة؛ لأن الربح لايستقر إلا بالقسمة، والقسمة لاتصح إلا بعودة رأس المال نقوداً كما كان (2) .\rوهذا يرشدنا إلى أنه لايجوز توزيع نسبة مئوية بصفة دورية محسوبة على اعتبار ماسيقع من الأرباح أو العائد.\rويتبع بنك ناصر الاجتماعي طريقة محاسبية في تقدير الربح، على أساس الافتراض المبني على دراسة ميدانية للمشروع الذي يقدم له البنك قرض المشاركة بالأرباح. وعقب على ذلك الدكتور سامي حمود بقوله: إننا نرى أن هذا التطبيق لايتفق مع الأسس الفقهية المقررة من ناحية مسألة تحقق الربح. وهذا الأسلوب المتبع لايعدو في نظرنا أن يكون أسلوباً من أساليب الإقراض الربوي. وإنني أؤيده تأييداً تاماً في هذا الرأي - فهو محق، وأما طريقة الافتراض فهي غير سائغة شرعاً، منعاً من الغرر والظلم، فكثيراً مايكون الواقع خلاف الأمر المفترض.\r-------------------------------\r(1) بداية المجتهد: 237/2، قال ابن رشد: ولا خلاف بينهم أن المقارض إنما يأخذ حظه من الربح، بعد أن ينض جميع رأس المال، وأنه إن خسر ثم اتجر، ثم ربح، جبر الخسران من الربح.\r(2) تطوير الأعمال المصرفية، د. حمود: ص 453.","part":7,"page":94},{"id":4380,"text":"- وإذا وافق جميع المستثمرين على هذه الطريقة السابقة، فهل تكون جائزة؟\rالوضع في الشريعة يختلف عن القوانين الوضعية التي تقرر أن « العقد شريعة المتعاقدين» أما في الشريعة فهذا المبدأ مقيد بما تقرره أحكام شرع الله التي تسمو على النظرة الضيقة أو المحدودة، ولاتقر الظلم أو الغبن أو الاستغلال أو أكل أموال الناس بالباطل، كما ذكرت في مقدمة البحث.\rفلا قيمة مثلاً لاتفاق المتراهنين على الرهان، أو العاقدين في البيع أو القرض على الربا، فهذا اتفاق مصادم لأصول الشريعة، فيكون باطلاً، وإن تراضى عليه الطرفان؛ لأن شرع الله عادل يحمي مصالح الناس على الدوام ، ويقيهم من سوء تصرفاتهم وتورطهم فيما يضرهم ولاينفعهم في نهاية الأمر، وإن تراءى لهم أن هناك مصلحة موقوتة، أو تسوية سريعة لأوضاع تجارية متشابكة، لكنها تتجاوز الحق، وتوقع الناس في الباطل.\r- وفي الحالات التي لايمكن فيها الرجوع على عميل قبض حصته، ثم يظهر أن الربح لم يتحقق في نهاية المدة، كيف تكون المحاسبة؟ ومن يتحمل الفرق، الشركة أم المستثمر أم غير ذلك؟.\rالأصل المقرر في شركات المضاربة أن الخسارة على رب المال، ويكفي العامل أنه خسر جهده، وحينئذ يتحمل المودعون ( المستثمرون ) الخسارة الواقعة. وإذا تعذر الرجوع على عميل قبض حصته، وهذا خطأ من إدارة شركة المضاربة المشتركة، فإن هذه الإدارة تتحمل تَبِعَة الخطأ الصادر منها، وهو الفرق الحاصل بسبب المدفوع خطأ، أي تضمن ما دفع لعميل من غير حق، وتوزع بقية الخسارة على المستثمرين بنسبة ودائعهم الاستثمارية؛ لأن القاعدة الشرعية في شركات العنان وغيرها هي: « الربح على ماشرطا، والوضيعة على قدر المالين » (1) أي أن الخسارة في الشركة على كل شريك بقدر ماله. ولايتحمل شيئاً من الخسارة أحد غير ماذكر على النحو السابق إلا إذا كان متبرعاً بالضمان، لأنه يجوز لشخص آخر غير العاقدين الالتزام بهذا الضمان تبرعاً وإحساناً، لإنقاذ سمعة شركة مضاربة معينة.","part":7,"page":95},{"id":4381,"text":"- إذا أنشأ البنك حافظة استثمارية ( صندوق ) مقسمة إلى حصص يقوم بإدارتها نيابة عن المستثمرين، فهل يجوز له اقتطاع أجر لنفسه محسوب كنسبة من الربح، وهل يجوز أن يكون مبلغاً محدداً مقطوعاً، وهل يجب على البنك أن يوضح هذا؟\rيعتبر البنك مضارباً بالنسبة للمستثمرين ( وهم أصحاب الأموال ) فيقوم بالإدارة والعمل نيابة عن المستثمرين، ومن قواعد الربح أو ضوابطه كما تقدم: أن يكون جزءاً شائعاً مقسوماً بين العاقدين، فإذا عين المتعاقدان مقداراً مقطوعاً محدداً لأحدهما، فلا يصح هذا الشرط، والمضاربة فاسدة؛ لأن المضاربة تقتضي الاشتراك في الربح، وهذا الشرط يمنع الاشتراك في الربح، لاحتمال ألا يربح المضارب إلا هذا القدر، فيكون الربح لأحدهما دون الآخر، فلا تتحقق الشركة، ولايكون التصرف مضاربة. قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على إبطال القراض، أي المضاربة إذا شرط أحدهما أو كلاهما لنفسه دراهم معلومة (2) .\r-------------------------------\r(1) يذكر الفقهاء هذا النص حديثاً عادة، ولكنه في الواقع هو قاعدة وليس حديثاً، قال الحافظ الزيلعي عنه: غريب جداً ( أي لا أصل له ) ويوجد في بعض كتب الفقهاء من قول علي (نصب الراية: 475/3).\r(2) المغني لابن قدامة: 34/5.","part":7,"page":96},{"id":4382,"text":"وذكر ابن قدامة علة عدم جواز أن يجعل لأحد الشركاء فضل دراهم، قائلاً (1) ، وإنما لم يصح ذلك لمعنيين:\rأحدهما: أنه إذا شرط دراهم معلومة احتمل أن لايربح غيرها، فيحصل على جميع الربح، واحتمل أن لايربحها، فيأخذ من رأس المال جزءاً، وقد يربح كثيراً، فيستضرر من شرطت له الدراهم.\rوالثاني: أن حصة العامل المضارب ينبغي أن تكون معلومة بالأجزاء ، لما تعذر كونها معلومة بالقدر. فإذا جهلت الأجزاء فسدت كما لو جهل القدر فيما يشترط أن يكون معلوماً به. ولأن العامل متى شرط لنفسه دراهم معلومة ربما توانى في طلب الربح لعدم فائدته فيه وحصول نفعه لغيره، بخلاف ما إذا كان له جزء من الربح.\rوإذا أخذ المضارب شيئاً من العائد قبل القسمة أو الاستحقاق على أن يحتسب من حصته، جاز ذلك موقوفاً على القسمة، قال البغدادي في مجمع الضمانات (2) :\rقسمة الربح قبل قبض رب المال رأس ماله موقوفة: إن قبض رأس المال صحت القسمة وإلا بطلت؛ لأن الربح فضْل على رأس المال، ولايتحقق الفضل إلا بعد سلامة الأصل، وما هلك من مال المضاربة، فهو من الربح دون رأس المال بقسمته، حتى لو اقتسما الربح قبل قبض رب المال رأس المال، ثم هلك في يد المضارب، فالقسمة باطلة.\rيتبين مما ذكر أمران:\r-------------------------------\r(1) المرجع والمكان السابق.\r(2) ص311.","part":7,"page":97},{"id":4383,"text":"الأول - لايجوز للبنك اقتطاع أجر لنفسه محسوب كنسبة من الربح، ولايجوز أن يكون أجره مبلغاً محدداً مقطوعاً، سواء أوضح هذا للعملاء، أم لا.\rالثاني - لايجوز حصول المضارب على حصة من ربح المضاربة إضافة إلى مايناله من أجر ثابت ( أجير + شريك ) (1) . ولا عبرة لرضا حملة الصكوك بهذا الأجر، ولا إلى معقولية أجر المضارب ( المؤلف من عنصرين: ثابت ومتغير ).\r- ماهي التكاليف التي يجوز تحميلها للشركة في عقد المضاربة؟\rبحث فقهاؤنا في نطاق المضاربة الخاصة مسألة التكاليف أو النفقات التي يجوز للمضارب أخذها من مال المضاربة، والشركة الآن كالمضارب الخاص.\rولهم في ذلك اتجاهان:\r- اتجاه لايجيز للعامل المضارب اقتطاع النفقة من مال المضاربة.\r- واتجاه يجيز ذلك بقيود.\rأما الاتجاه الأول: فهو للظاهرية والشافعية (2) ، أما الظاهرية فيقولون: لايحل للعامل أن يأكل من مال المضاربة شيئاً، ولا أن يلبس منه شيئاً لا في سفر ولا حضر.\rوأما الشافعية فقالوا في الأظهر من قولي الإمام الشافعي: لا نفقة للمضارب على نفسه من مال المضاربة، لا حضراً ولا سفراً، إلا أن يأذن له رب المال؛ لأن للمضارب نصيباً من الربح، فلا يستحق شيئاً آخر، ويكون المأخوذ زيادة منفعة في المضاربة، ولأن النفقة قد تكون قدر الربح، فيؤدي أخذه إلى انفراده به، وقد تكون أكثر، فيؤدي إلى أن يأخذ جزءاً من رأس المال، وهذا ينافي مقتضى العقد، فلو شرطت النفقة للمضارب في العقد فسد.\rوأما الاتجاه الثاني فهو لجمهور الفقهاء ومنهم الزيدية والإمامية. أما الحنفية ومثلهم الزيدية\r-------------------------------\r(1) هذا جواب تساؤل في بحث « طلائع البنوك الإسلامية » في « دراسات في الاقتصاد الإسلامي » - جامعة الملك عبد العزيز: ص202.\r(2) المحلى: 248/8، المهذب: 387/1، مغني المحتاج: 317/2.","part":7,"page":98},{"id":4384,"text":"والإمامية (1) فأجازوا للمضارب أن ينفق من مال المضاربة في السفر دون الحضر، وهي النفقة الخاصة بحاجة الطعام والشراب والإدام والكسوة والتنقل وأجر الأجير وأجرة الحمام ودهن السراج والحطب، وعلف الدابة، والفراش الذي ينام عليه وغسل الثياب ونحو ذلك مما لابد في السفر منه عادة.\rوأما المالكية (2) : فأجازوا للعامل النفقة من مال القراض في السفر لا في الحضر، إن كان المال يحمل ذلك، إلا إذا كانت المضاربة في الإقامة ( الحضر ) تشغله عن الوجوه التي يقتات منها، فله حينئذ الإنفاق من مال المضاربة.\rوأما الحنابلة (3) : فأجازوا النفقة للمضارب في الحضر أو في السفر إذا اشترطت، فهم كالشافعية؛ لأن الإذن أو الشرط في النتيجة شيء واحد، وإن كان الشافعية لايجيزون الاشتراط كما تقدم.\rأما في نطاق المضاربة المشتركة: فذهب الدكتور محمد عبد الله العربي إلى جواز خصم (حسم) البنك الإسلامي مصاريفه العمومية بما فيها أجور موظفيه وعماله (4) .\rوجاء في نظام الشركة الإسلامية للاستثمار الخليجي بالشارقة التي طرحت «صكوك المضاربة والقروض الإسلامية» مايلي: تتحمل شركة المضاربة مصاريفها الفعلية الخاصة بها تحت إشراف مراقب الاستثمار وموافقته. وتشمل هذه المصاريف الأعباء الإدارية العامة والمباشرة للمضارب وتكاليف إدارة أموال شركة المضاربة.. على أن لاتتجاوز كل هذه المصروفات سنوياً دولارين عن كل 100 دولار أمريكي من أصول شركة المضاربة، ويتحمل المضارب المصاريف الزائدة من نصيبه في الأرباح إذا وجدت. وحامل الصك ينيب المضارب في سداد الزكاة المستحقة عليه شرعاً تحت إشراف هيئة الرقابة الشرعية (5) .\rوذهب الدكتور سامي حمود (6) إلى أن حكم التكاليف أو النفقات تختلف فيه المضاربة المشتركة عن المضاربة الخاصة، باعتبار أن المضارب المشترك لايتقيد بطبيعة عمله بالشروط التي يمكن أن يتقيد بها المضارب الخاص، فليس له أن يشترط النفقة للاعتبارات التالية:\r1 - إن النفقة التي أجاز الفقهاء تحميلها على المال المضارب به هي النفقة الطارئة بمناسبة السفر، وليست النفقة العادية.\r2 - إن النفقة التي أجازها الحنفية محصورة في حوائج السفر، والتي أجازها الحنابلة محددة بالطعام والكسوة وهي نفقة منضبطة بحسب العرف.\r-------------------------------\r(1) المبسوط: 63/22، تكملة فتح القدير: 81/7، المنتزع المختار: 333/5، فقه الإمام جعفر الصادق للشيخ محمد جواد مغنية: 162/4.\r(2) بداية المجتهد: 238/2، القوانين الفقهية: ص283، الخرشي 217/6، ط ثانية\r(3) المغني 64/5، كشاف القناع 265/2.\r(4) بحثه « المعاملات المصرفية ورأى الإسلام فيها » الذي قدمه للمؤتمر الثاني لمجمع البحوث الإسلامية في القاهرة 1965/1385: ص103.\r(5) دراسات في الاقتصاد الإسلامي، جامعة الملك عبد العزيز: ص 201\r(6) تطوير الأعمال المصرفية: ص 492-494.","part":7,"page":99},{"id":4385,"text":"3 - إن النفقة بالنسبة للعمل المصرفي، سواء بالنسبة لأجور الموظفين والعمال أو المصاريف الإدارية والعمومية، تعتبر من المستويات العالية في الإنفاق، وهي حالات لاتدخل في حسبان الشخص العادي بالنسبة لما يراه في تقديره أمراً معقولاً، وهذا بخلاف ما راعاه الفقهاء حيث اعتبروا أن لنفقة شخص المضارب حدوداً -قابلة للتوقع- في الطعام والكساء والانتقال من مكان إلى مكان.\rوبالنظر للواقع فإن تحميل الأرباح مصاريف البنك وأجور عماله وموظفيه، قد يؤدي إلى أن تأكل هذه المصاريف والأجور كل الأرباح المتحققة، ولاسيما في السنوات الأولى من بدء العمل.\rلذا فلا تتحمل الأرباح أية نفقات سوى مايتعلق بعمل المضاربة نفسه من سجلات ومطبوعات خاصة بالعمل الاستثماري. أما أجور العمال والموظفين ومصاريف البنك والإدارة، فهي من حصة البنك في الربح باعتباره مضارباً مشتركاً. فإذا لم يكن ربح، تحمل البنك خسران مصاريفه، كما يتحمل المستثمرون عدم الحصول على أرباح طوال العام.\rأما المضاربون الذين يعملون مع البنك، فتكون النفقة بحسب الاتفاق المحدد لكل حالة بظروفها.\rوإني أؤيد رأي الدكتور سامي حمود، مع إضافة شيء من التعديل عليه: وهو أن الموظف الذي يبعثه البنك لدولة أجنبية من أجل استيراد سلع معينة لحساب المضاربة تكون نفقاته في السفر على حساب مال المضاربة.\r- إذا كان العامل في المضاربة شركة ( شخصية معنوية ) فهل تعتبر جميع رواتب الموظفين والإدارة من ضمن التكاليف؟\rتبين مما سبق أنه يصعب الإفتاء بمثل هذا، فلا يجوز صرف شيء من رواتب الموظفين والإدارة من مال المضاربة؛ لأن هؤلاء مقيمون في مراكز تجارية، وهم ذوو كفاءات عالية لتحسين مستوى الخدمة والأداء، ولكسب العملاء وزيادة حجم العمل في المستقبل.","part":7,"page":100},{"id":4386,"text":"وقد عرفنا في البحث السابق أن الفقهاء إما مانعون لأخذ شيء من النفقات من مال المضاربة، وإما مقيِّدون لتلك النفقة في السفر لا في الحضر. إلا أن إبراهيم النخعي والحسن البصري أجازا للمضارب أخذ نفقته حضراً وسفراً في باب المضاربة الخاصة.\rوقد لاحظنا أن ظروف عمل المؤسسات المصرفية في نطاق المضاربة المشتركة لاتتفق مع أوضاع المضاربة الخاصة، فلا يحق حينئذ للبنك صرف الرواتب والنفقات الإدارية من مال المضاربة، ماعدا ما ذكرته سابقاً وهو نفقات التسجيل والطباعة أو الكتابة والتوثيق ونحو ذلك.\r- هل يجوز تنازل المستثمرين عن كل حق في التدخل في الإدارة؟ .\rمن المعلوم أن إدارة المضاربة الخاصة والمشتركة للمضارب ليتمكن من استثمار الأموال بحسب خبرته وبمقتضى ضرورات وحاجات التجارة وغيرها. وأرباب المال في المضاربة لايستطيعون التدخل في أعمال الشركة، وإن كانوا يستطيعون المراقبة طبعاً.\rويترتب عليه أن ليس للمستثمرين الحق في التدخل في شؤون الإدارة، وإذا لم يكن لهم الحق في ذلك، فلا يملكون شيئاً يتنازلون عنه. أما حق الرقابة فهو حق طبيعي شرعي لايتنازل عنه إلا بالتراضي، ومن له حق مقرر يثبت له حق التنازل عنه. ومن أهم عناصر الإدارة التي شرطها جمهور فقهائنا (1) : أن يسلّم رأس المال إلى العامل المضارب، ولاتصح المضاربة مع بقاء يد رب المال على المال، لعدم تحقق التسليم مع بقاء يده، فلو شرط بقاء يد المالك على المال أو مشاركة المالك في عمل المضاربة، فسدت المضاربة.\rأما الحنابلة (2) فأجازوا اشتراط بقاء يد المالك على المال، ويقتضي هذا جواز مشاركة المالك في إدارة أعمال المضاربة.","part":7,"page":101},{"id":4387,"text":"- هل يجوز حساب العائد يومياً؟\rعرفنا فيما سبق أن نظام المضاربة اللاربوي يعتمد على الربح الفعلي، والطريقة الحسابية المصرفية المعروفة بنظام الأعداد أو النِّمر يَسْهُل في نظام المضاربة المشتركة تحقيقها أو الأخذ بها على أساس الشهور بدل الأيام، نظراً لأن الاستثمار اللاربوي استثمار إنتاجي يعتمد على الربح الفعلي الذي لايتحقق بالسرعة التي يبدأ فيها الاستثمار المصرفي الربوي حركة الحساب في ميدان الفوائد (3) .\rوبناء عليه لايجوز حساب العائد يومياً؛ لأن حساب الفوائد الربوية يعتمد على عنصر الزمن، وحساب الأرباح أو العوائد الاستثمارية في الشريعة يعتمد على وجود الربح فعلاً.\rفإذا كانت عجلة الإنتاج دائمة والربح دورياً، فيجوز حساب العائد يومياً، وهذا متروك لطبيعة العمل الاقتصادي وتقدير المضارب وإشرافه على النشاط التجاري وغيره بالنيابة عن المستثمرين، فهو أدرى بظروف العمل ومردوده.\rويقوم البنك عادة بتسوية حسابات المضاربة في نهاية كل ربع سنة، فيقوم بإعداد بيان عن جميع أنشطته، ويقوم كذلك بتحديد إجمالي الربح والخسارة، وفي ضوئها يقوم البنك بتحديد قيمة حساب المضاربة. ولاينبغي تخمين ربح وخسارة المشروع قبل انتهائه. واختيار مدة ربع السنة ليست لها أهمية خاصة، إذ يمكن اقتراح فترات أقصر أو أطول كما قال البروفيسور نجاة صديقي (4) .\rوالخلاصة: إن المهم معرفة الربح، فإذا عرف جاز اقتسام وحداته، سواء في اليوم أو الأسبوع أو الشهر ونحوه.\r-------------------------------\r(1) الدر المختار 506/4، الشرح الكبير للدردير: 520/3 ومابعدها، مغني المحتاج، 310/2.\r(2) كشاف القناع : 262/2.\r(3) تطوير الأعمال المصرفية، الدكتور سامي حمود، ص 460.\r(4) النظام المصرفي اللاربوي، البروفيسور محمد نجاة الله صديقي: ص 28 - 31.","part":7,"page":102},{"id":4388,"text":"...............................قرارات مجمع الفقه الإسلامي...............................\r................................في مقره الأصلي ـ جدّة..................................\r..............................التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي................................\rنظراً لأهمية هذه القرارات البناءة والتي هي ثمرة بحوث واجتهاد جماعي ومناقشات طويلة لمدة أسبوع في كل دورة، ونظراً لكثرة سؤال الناس عنها، وتمكينهم من معرفتها، رأيت إضافة هذه القرارات ليسهل الاطلاع عليها وهي ولله الحمد موفقة وموضوعية ومعتدلة، لقيت القبول والاستحسان من الجميع.\rعلماً بأنني أحد ثلاثة أسهموا في وضع منهج وخطة عمل هذا المجمع، ورسم سياسته، وتطلعاته. وكنت في دورتين أوليين ممثلاً لسورية، وأصبحت بعدهما خبيراً علمياً فيه، شاركت في جميع دوراته ببحث أو أكثر، وقمت مع لجنة الصياغة بصياغة كثير من قراراته.\rوأبدأ بإيراد قرار حقوق التأليف في طليعة القرارات.\r( حقوق التأليف مصونة شرعاً لا يجوز الاعتداء عليها)\rقرار مجمع الفقه الإسلامي\rلمنظمة المؤتمر الإسلامي\rالقرار رقم (5) د 88/09/5\rبشأن الحقوق المعنوية\rإن مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنعقد في دورة مؤتمره الخامس بالكويت من 1 إلى 6 جمادى الأولى 10/1409 إلى 15 كانون الأول (ديسمبر) 1988م.\rبعد اطلاعه على البحوث المقدمة من الأعضاء والخبراء في موضوع (الحقوق المعنوية) واستماعه للمناقشات التي دارت حوله.\rقرر :\rأولاً : الاسم التجاري، والعنوان التجاري، والعلامة التجارية، والتأليف والاختراع أو الابتكار هي حقوق خاصة لأصحابها، أصبح لها في العرف المعاصر قيمة مالية معتبرة لتمول الناس لها. وهذه الحقوق يعتد بها شرعاً فلا يجوز الاعتداء عليها.\rثانيا ً: يجوز التصرف في الاسم التجاري أو العنوان التجاري أو العلامة التجارية ونقل أي منها بعوض مالي إذا انتفى الغرر والتدليس والغش باعتبار أن ذلك أصبح حقاً مالياً.\rثالثاً : حقوق التأليف والاختراع أو الابتكار مصونة شرعاً، ولأصحابها حق التصرف فيها، ولا يجوز الاعتداء عليها.\rوالله أعلم..","part":7,"page":103},{"id":4389,"text":"القَرارات والتوصيَات\rالدَّورَة الثانية لمجلس مجْمَع الفقه الإسلامي\rجدة: 10-16 ربيع الثاني هـ/22-28 ديسمبر 1985 م\rبسم الله الرَّحمن الرَّحيم\rالحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم النبيين وعلى آله وصحبه.\rقرار رقم (1)\rبشأن\rزكاة الديون\rأما بعد:\rفإن مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنبثق عن منظمة المؤتمر الإسلامي في دورة انعقاد مؤتمره الثاني بجدة من 10-16 ربيع الثاني 1406 هـ/22/-28 ديسمبر ( كانون الأول ) 1985 م.\rبعد أن نظر في الدراسات المعروضة حول «زكاة الديون» وبعد المناقشة المستفيضة التي تناولت الموضوع من جوانبه المختلفة تبين: 1 - أنه لم يرد نص من كتاب الله تعالى أو سنة رسوله صلّى الله عليه وسلم يُفصل زكاة الديون.\r2 - أنه قد تعدد ما أثر عن الصحابة والتابعين رضوان الله عليهم من وجهات نطر في طريقة إخراج زكاة الديون.\r3 - أنه قد اختلفت المذاهب الإسلامية بناءً على ذلك اختلافاً بيناً.\r4 - أن الخلاف قد انبنى على الاختلاف في قاعدة: هل يعطى المال الممكَّن من الحصول عليه صفة الحاصل؟.\rوبناء على ذلك قرر:\r1 - أنه تجب زكاة ـالدين على رب الدين عن كل سنة إذا كان المدين مليئاً باذلاً.\r2 - أنه تجب الزكاة على رب الدين بعد دوران الحول من يوم القبض إذا كان المدين معسراً أو مماطلاً.\rوالله أعلم.. قرار رقم (2)\rبشأن\rزكاة العقارات والأراضي المأجورة غير الزراعية\rأما بعد:\rفإن مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنبثق عن منظمة المؤتمر الإسلامي في دورة انعقاد مؤتمره الثاني من 10-16 ربيع الثاني 1406 هـ/18-22 ديسمبر 1985 م.\rبعد أن استمع المجلس لما أعد من دراسات في موضوع «زكاة العقارات والأراضي المأجورة غير الزراعية» .\rوبعد أن ناقش الموضوع مناقشة وافية ومعمقة، تبين:\rأولاً: أنه لم يؤثر نص واضح يوجب الزكاة في العقارات والأراضي المأجورة.\rثانياً : أنه لم يؤثر نص كذلك يوجب الزكاة الفورية في غلة العقارات والأراضي المأجورة غير الزراعية.\rولذلك قرر:\rأولاً : أن الزكاة غير واجبة في أصول العقارات والأراضي المأجورة.\rثانياً : أن الزكاة تجب في الغلة وهي ربع العشر بعد دوران الحول من يوم القبض مع اعتبار توافر شروط الزكاة، وانتفاء الموانع.\rوالله أعلم","part":7,"page":104},{"id":4390,"text":"قرار رقم (3)\rبشأن\rأجوبة استفسارات المعهد العالمي\rللفكر الإسلامي بواشنطن\rأما بعد:\rفإن مجمع الفقه الإسلامي المنبثق عن منظمة المؤتمر الإسلامي في دورة انعقاد مؤتمره الثاني من 10-16 ربيع الثاني 1406 هـ22/-28 ديسمبر 1985 م.\rإذ ألف لجنة من أعضاء المجمع للنظر في الأسئلة الواردة من المعهد العالمي للفكر الإسلامي بواشنطن.\rوبعد التأمل فيما قدم في الأمر من إجابات تبين منها:\rـ أن الإجابات قد صيغت بطريقة مختصرة جداً لا يحصل معها الاقتناع وقطع دابر الخلاف أو الرفض.\rـ أنه لا بد من قيام المجمع بإزاحة الإشكالات الحاصلة لإخواننا المسلمين في الغرب.\rقرر:\r1 - تكليف الأمانة العامة بإحالة هذه الأسئلة على من تراه من الأعضاء أو الخبراء لإعداد إجابات معللة عن تلكم الأسئلة مستندة إلى الأدلة الشرعية. وأقوال من تقدم من فقهاء المسلمين وإبرازها في صورة مقنعة بينة.\r2 - تكليف الأمانة العامة برفع ما تتحصل عليه إلى الدورة الثالثة.\rوالله أعلم قرار رقم (4)\rبشأن\rالقاديانية\rأما بعد:\rفإن مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنبثق عن منظمة المؤتمر الإسلامي في دورة انعقاد مؤتمره الثاني بجدة من 10-16 ربيع الثاني 1406 هـ/22-28 ديسمبر 1985 م.\rبعد أن نظر في الاستفتاء المعروض عليه من «مجلس الفقه الإسلامي في كيبتاون بجنوب أفريقيا» بشأن الحكم في كل من (القاديانية) والفئة المتفرعة عنها التي تدعى (اللاهورية) من حيث اعتبارهما في عداد المسلمين أو عدمه، وبشأن صلاحية غير المسلم للنظر في مثل هذه القضية.\rوفي ضوء ما قدم لأعضاء المجمع من أبحاث ومستندات في هذا الموضوع عن (ميرزا غلام أحمد القادياني) الذي ظهر في الهند في القرن الماضي وإليه تنسب نحلة القاديانية واللاهورية.","part":7,"page":105},{"id":4391,"text":"وبعد التأمل فيما ذكر من معلومات عن هاتين النحلتين وبعد التأكد من أن (ميرزا غلام أحمد) قد ادعى النبوة بأنه نبي مرسل يوحى إليه وثبت عنه هذا في مؤلفاته التي ادعى أن بعضها وحي أنزل عليه وظل طيلة حياته ينشر هذه الدعوى ويطلب إلى الناس في كتبه وأقواله الاعتقاد بنبوته ورسالته، كما ثبت عنه إنكار كثير مما علم من الدين بالضرورة كالجهاد. وبعد أن اطلع المجمع (أيضاً) على ما صدر عن (المجمع الفقهي بمكة المكرمة) في الموضوع نفسه.\rقرر ما يلي:\r1 - أن ما ادعاه (ميرزا غلام أحمد) من النبوة والرسالة ونزول الوحي عليه إنكار صريح لما ثبت من الدين بالضرورة ثبوتاً قطعياً يقينيّاً من ختم الرسالة والنبوة بسيدنا محمد صلّى الله عليه وسلم، وأنه لا ينزل وحي على أحد بعده. وهذه الدعوى من (ميرزا غلام أحمد) تجعله وسائر من يوافقونه عليها مرتدين خارجين عن الإسلام. وأما (اللاهورية) فإنهم كالقاديانية في الحكم عليهم بالردة، بالرغم من وصفهم (ميرزا غلام أحمد) بأنه ظل وبروز لنبينا محمد صلّى الله عليه وسلم.\r2 - ليس لمحكمة غير إسلامية، أو قاض غير مسلم، أن يصدر الحكم بالإسلام أو الردة، ولا سيما فيما يخالف ما أجمعت عليه الأمة الإسلامية من خلال مجامعها وعلمائها، وذلك لأن الحكم بالإسلام أو الردة، لا يقبل إلا إذا صدر عن مسلم عالم بكل ما يتحقق به الدخول في الإسلام، أو الخروج منه بالردة، ومدرك لحقيقة الإسلام أو الكفر، ومحيط بما ثبت في الكتاب والسنة والإجماع، فحكم مثل هذه المحكمة باطل.\rوالله أعلم","part":7,"page":106},{"id":4392,"text":"قرار رقم (5)\rبشأن\rأطفال الأنابيب\rأما بعد\rفإن مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنبثق عن منظمة المؤتمر الإسلامي في دورة انعقاد مؤتمره الثاني بجدة من 10-16 ربيع الثاني 1406 هـ/22-28 ديسمبر 1985 م.\rإذ استعرض البحوث المقدمة من السادة الفقهاء والأطباء الذين عرضوا موضوع «أطفال الأنابيب» من جانبيه الفقهي والفني الطبي، ناقش ما قدم من دراسات وافية، وما أثير من جوانب مختلفة لاستيضاح الموضوع.\rوإذ تبين له أن الموضوع يحتاج إلى مزيد من الدراسة طبياً وفقهياً، وإلى مراجعة الدراسات والبحوث السابقة، واستيفاء التصور من جميع جوانبه.\rقرر:\r1 - تأجيل البت في هذا الموضوع إلى الدورة القادمة للمجمع.\r2 - يعهد لفضيلة الشيخ الدكتور بكر أبو زيد ـ رئيس المجمع ـ بإعداد دراسة وافية في الموضوع تلم بكل المعطيات الفقهية والطبية.\r3 - توجيه الأمانة ما يصل إليها إلى جميع الأعضاء قبل انعقاد الدورة القادمة بثلاثة أشهر على الأقل.\rوالله الموفق قرار رقم (6)\rبشأن\rبنوك الحليب\rأما بعد\rفإن مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنبثق عن منظمة المؤتمر الإسلامي في دورة انعقاد مؤتمره الثاني بجدة من 10-16 ربيع الثاني 1406 هـ/22-28 ديسمبر 1985 م.\rبعد أن عرض على المجمع دراسة فقهية، ودراسة طبية حول بنوك الحليب:\rوبعد التأمل: فيما جاء في الدراستين ومناقشة كل منهما مناقشة مستفيضة شملت مختلف جوانب الموضوع تبين:\r1 - أن بنوك الحليب تجربة قامت بها الأمم الغربية، ثم ظهرت مع التجربة بعض السلبيات الفنية والعلمية فيها فانكمشت وقل الاهتمام بها.\r2 - أن الإسلام يعتبر الرضاع لحمة كلحمة النسب يحرم به ما يحرم من النسب بإجماع المسلمين. ومن مقاصد الشريعة الكلية المحافظة على النسب، وبنوك الحليب مؤدية إلى الاختلاط أو الريبة.\r3 - أن العلاقات الاجتماعية في العالم الإسلامي توفر للمولود الخداج أو ناقص الوزن أو المحتاج إلى اللبن البشري في الحالات الخاصة ما يحتاج إليه من الاسترضاع الطبيعي، الأمر الذي يغني عن بنوك الحليب. وبناء على ذلك قرر:\rأولاً : منع إنشاء بنوك حليب الأمهات في العالم الإسلامي.\rثانياً: حرمة الرضاع منها.\rوالله أعلم","part":7,"page":107},{"id":4393,"text":"قرار رقم (7)\rبشأن\rأجهزة الإنعاش\rأما بعد\rفإن مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنبثق عن منظمة المؤتمر الإسلامي في دورة انعقاد مؤتمره الثاني بجدة من 10-16 ربيع الثاني 1406 هـ/22-28 ديسمبر 1985 م.\rبعد أن نظر فيما قدم من دراسات فقهية وطبية في موضوع «أجهزة الإنعاش» .\rوبعد المناقشات المستفيضة، وإثارة متنوع الأسئلة، وخاصة حول الحياة والموت نظراً لارتباط فك أجهزة الإنعاش بانتهاء حياة المنعش.\rونظراً لعدم وضوح كثير من الجوانب.\rونظراً لما قدمت به جمعية الطب الإسلامي في الكويت من دراسة وافية لهذا الموضوع، يكون من الضروري الرجوع إليها. قرر:\rأولاً: تأخير البت في هذا الموضوع إلى الدورة القادمة للمجمع.\rثانياً : تكليف الأمانة العامة بجمع دراسات وقرارات مؤتمر الطب الإسلامي في الكويت وموافاة الأعضاء بخلاصة محددة واضحة له.\rوالله الموفق\rقرار رقم (8)\rبشأن\rاستفسارات البنك الإسلامي للتنمية\rأما بعد\rفإن مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنبثق عن منظمة المؤتمر الإسلامي في دورة انعقاد مؤتمره الثاني بجدة من 10-16 ربيع الثاني 1406 هـ/22-28 ديسمبر 1985 م.\rبعد استماعه إلى عرض البنك الإسلامي للتنمية لجملة من الأسئلة والاستفسارات قصد الإفتاء بشأنها.\rوبعد استماعه إلى تقرير اللجنة الفرعية التي تألفت أثناء الدورة من أصحاب الفضيلة الأعضاء الذي تقدموا بردود عن المسائل المستفسر عنها ومن انضم إليهم.\rولكون الموضوع يحتاج إلى دراسة أوسع وأكمل تقتضي الاتصال بالبنك وتداول النظر معه في مختلف جزئياته في لجنة مكونة من طرفه. وبناء على ذلك قرر:\r1 - إرجاء هذا الموضوع للدورة القادمة.\r2 - مطالبة البنك بتقديم تقرير من هيئته العلمية الشرعية.\rوالله الموفق\rقرار رقم (9)\rبشأن\rالتأمين وإعادة التأمين\rأما بعد:\rفإن مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنبثق عن منظمة المؤتمر الإسلامي في دورة انعقاد مؤتمره الثاني بجدة من 10-16 ربيع الثاني 1406 هـ/22-28 ديسمبر 1985 م.","part":7,"page":108},{"id":4394,"text":"بعد أن تابع العروض المقدمة من العلماء المشاركين في الدورة حول موضوع «التأمين وإعادة التأمين» .\rوبعد أن ناقش الدراسات المقدمة.\rوبعد تعمق البحث في سائر صوره وأنواعه، والمبادئ التي يقوم عليها والغايات التي يهدف إليها.\rوبعد النظر فيما صدر عن المجامع الفقهية والهيئات العلمية بهذا الشأن. قرر:\r1 - أن عقد التأمين التجاري ذا القسط الثابت الذي تتعامل به شركات التأمين التجاري عقد فيه غرر كبير مفسد للعقد. ولذا فهو حرام شرعاً.\r2 - أن العقد البديل الذي يحترم أصول التعامل الإسلامي هو عقد التأمين التعاوني القائم على أساس التبرع والتعاون. وكذلك الحال بالنسبة لإعادة التأمين القائم على أساس التأمين التعاوني.\r3 - دعوة الدول الإسلامية للعمل على إقامة مؤسسات التأمين التعاوني وكذلك مؤسسات تعاونية لإعادة التأمين، حتى يتحرر الاقتصاد الإسلامي من الاستغلال ومن مخالفة النظام الذي يرضاه الله لهذه الأمة.\rوالله أعلم\rقرار رقم (10)\rبشأن\rحكم التعامل المصرفي بالفوائد\rوحكم التعامل مع المصارف الإسلامية\rأما بعد:\rفإن مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنبثق عن منظمة المؤتمر الإسلامي في دورة انعقاد مؤتمره الثاني بجدة من 10-16 ربيع الثاني 1406 هـ/22-28 ديسمبر 1985 م. بعد أن عرضت عليه بحوث مختلفة في التعامل المصرفي المعاصر.\rوبعد التأمل فيما قدم ومناقشته مناقشة مركزة أبرزت الآثار السيئة لهذا التعامل على النظام الاقتصادي العالمي، وعلى استقراره خاصة في دول العالم الثالث.\rوبعد التأمل فيما جره هذا النظام من خراب نتيجة إعراضه عما جاء في كتاب الله من تحريم الربا جزئياً وكلياً تحريماً واضحاً بدعوته إلى التوبة منه، وإلى الاقتصار على استعادة رؤوس أموال القروض دون زيادة ولا نقصان قل أو كثر، وما جاء من تهديد بحرب مدمرة من الله ورسوله للمرابين.\rقرر:","part":7,"page":109},{"id":4395,"text":"أولاً: أن كل زيادة أو فائدة على الدين الذي حل أجله وعجز المدين عن الوفاء به مقابل تأجيله، وكذلك الزيادة (أو الفائدة) على القرض منذ بداية العقد! هاتان الصورتان ربا محرم شرعاً.\rثانياً : أن البديل الذي يضمن السيولة المالية والمساعدة على النشاط الاقتصادي حسب الصورة التي يرتضيها الإسلام، هو التعامل وفقاً للأحكام الشرعية.\rثالثاً : قرر المجمع التأكيد على دعوة الحكومات الإسلامية إلى تشجيع المصارف التي تعمل بمقتضى الشريعة الإسلامية، والتمكين لإقامتها في كل بلد إسلامي لتغطي حاجة المسلمين كيلا يعيش المسلم في تناقض بين واقعه ومقتضيات عقيدته.\rوالله أعلم قرار رقم ( 11)\rبشأن\rتوحيد بدايات الشهور القمرية\rأما بعد\rفإن مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنبثق عن منظمة المؤتمر الإسلامي في دورة انعقاد مؤتمره الثاني بجدة من 10-16 ربيع الثاني 1406 هـ/22-28 ديسمبر 1985 م.\rبعد أن استعرض البحوث المقدمة إليه من الأعضاء والخبراء حول توحيد بدايات الشهور القمرية.\rوبعد أن ناقش الحاضرون العروض المقدمة في الموضوع مناقشة مستفيضة واستمعوا لعديد من الآراء حول اعتماد الحساب في إثبات دخول الشهور القمرية.\rقرر:\r1 - تكليف الأمانة العامة لمجمع الفقه الإسلامي بتوفير الدراسات العلمية الموثقة من خبراء أمناء في الحساب الفلكي والأرصاد الجوية.\r2 - تسجيل موضوع توحيد بدايات الشهور القمرية في جدول أعمال الجلسة القادمة لاستيفاء البحث فيه من الناحيتين الفنية والفقهية الشرعية.\r3 - تكليف الأمانة العامة باستقدام عدد كاف من الخبراء المذكورين وذلك لمشاركة الفقهاء في تصوير جوانب الموضوع كلها تصويراً واضحاً يمكن اعتماده لبيان الحكم الشرعي.\rوالله الموفق","part":7,"page":110},{"id":4396,"text":"قرار رقم (12)بشأن\rخطاب الضمان\rأما بعد\rفإن مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنبثق عن منظمة المؤتمر الإسلامي في دورة انعقاد مؤتمره الثاني بجدة من 10-16 ربيع الثاني 1406 هـ/22-28 ديسمبر 1985 م.\r\rبحث مسألة خطاب الضمان: وبعد النظر فيما أعد في ذلك من بحوث ودراسات وبعد المداولات والمناقشات المستفيضة تبين ما يلي:\r1 - أن خطاب الضمان بأنواعه الابتدائي والانتهائي لا يخلو إما أن يكون بغطاء أو بدونه، فإن كان بدون غطاء، فهو: ضم ذمة الضامن إلى ذمة غيره فيما يلزم حالا أو مآلاً، وهذه هي حقيقة ما يعنى في الفقه الإسلامي باسم: (الضمان) أو (الكفالة).\rوإن كان خطاب الضمان بغطاء فالعلاقة بين طالب خطاب الضمان وبين مصدِّره هي (الوكالة) والوكالة تصح بأجر أو بدونه مع بقاء علاقة الكفالة لصالح المستفيد (المكفول له).\r2 - إن الكفالة هي عقد تبرع يقصد للإرفاق والإحسان. وقد قرر الفقهاء عدم جواز أخذ العوض على الكفالة، لأنه في حالة أداء الكفيل مبلغ الضمان يشبه القرض الذي جر نفعاً على المقرض، وذلك ممنوع شرعاً. ولذلك فإن المجمع قرر ما يلي:\rأولاً : أن خطاب الضمان لا يجوز أخذ الأجر عليه لقاء عملية الضمان (والتي يراعى فيها عادة مبلغ الضمان ومدته) سواء أكان بغطاء أم بدونه.\rثانياً : أما المصاريف الإدارية لإصدار خطاب الضمان بنوعيه فجائزة شرعاً، مع مراعاة عدم الزيادة على أجر المثل، وفي حالة تقديم غطاء كلي أو جزئي، يجوز أن يراعى في تقدير المصاريف لإصدار خطاب الضمان ما قد تتطلبه المهمة الفعلية لأداء ذلك الغطاء.\rوالله أعلم","part":7,"page":111},{"id":4397,"text":"القَرارَات وَالتوصيَات\rالدّورة الثالثة لمجلس مجمع الفقه الإسلامي\rعمَّآن: 8-13 صفر 1407 هـ/11-16 اكتوبر 1986 م\rبسم الله الرحمن الرحيم\rالحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم النبيين وعلى آله وصحبه وسلم.\rقرار رقم (1)\rبشأن\rاستفسارات البنك الإسلامي للتنمية\rإن مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنعقد في دورة مؤتمره الثالث بعمان عاصمة المملكة الأردنية الهاشمية من 8-13 صفر 1407 هـ/11 إلى 16 أكتوبر 1986 م.\rـ بعد دراسة مستفيضة ومناقشات واسعة لجميع الاستفسارات التي تقدم بها البنك إلى المجمع، انتهى إلى ما يلي:\r(أ) بخصوص أجور خدمات القروض في البنك الإسلامي للتنمية :\rقرر مجلس المجمع اعتماد المبادئ التالية: 1 - جواز أخذ أجور عن خدمات القروض.\r2 - أن يكون ذلك في حدود النفقات الفعلية.\r3 - كل زيادة على الخدمات الفعلية محرمة لأنها من الربا المحرم شرعاً.\r(ب) بخصوص عمليات الإيجار :\rقرر مجلس المجمع اعتماد المبادئ التالية فيها:\rالمبدأ الأول:\rأن الوعد من البنك الإسلامي للتنمية بإيجار المعدات إلى العميل بعد تملك البنك لها أمر مقبول شرعاً.\rالمبدأ الثاني:\rأن توكيل البنك الإسلامي للتنمية أحد عملائه بشراء ما يحتاجه ذلك العميل من معدات وآليات ونحوها مما هو محدد الأوصاف والثمن لحساب البنك بغية أن يؤجره البنك تلك الأشياء بعد حيازة الوكيل لها هو توكيل مقبول شرعاً. والأفضل أن يكون الوكيل بالشراء غير العميل المذكور إذا تيسر ذلك.\rالمبدأ الثالث:\rأن عقد الإيجار يجب أن يتم بعد التملك الحقيقي للمعدات وأن يبرم بعقد منفصل عن عقد الوكالة والوعد.\rالمبدأ الرابع:\rأن الوعد بهبة المعدات عند انتهاء أمد الإجارة جائز بعقد منفصل. المبدأ الخامس:\rأن تبعة الهلاك والتعيب تكون على البنك بصفته مالكاً للمعدات ما لم يكن ذلك بتعد أو تقصير من المستأجر فتكون التبعة عندئذ عليه.\rالمبدأ السادس:\rأن نفقات التأمين لدى الشركات الإسلامية كلما أمكن ذلك،يتحملها البنك.\r(جـ) بخصوص عمليات البيع بالأجل مع تقسيط الثمن :\rقرر مجلس المجمع اعتماد المبادئ التالية فيها:\rالمبدأ الأول:\rأن الوعد من البنك الإسلامي للتنمية ببيع المعدات إلى العميل بعد تملك البنك لها أمر مقبول شرعاً.\rالمبدأ الثاني:","part":7,"page":112},{"id":4398,"text":"أن توكيل البنك أحد عملائه بشراء ما يحتاجه ذلك العميل من معدات وآليات ونحوها مما هو محدد الأوصاف والثمن لحساب البنك، بغية أن يبيعه البنك تلك الأشياء بعد وصولها وحصولها في يد الوكيل، هو توكيل مقبول شرعاً. والأفضل أن يكون الوكيل بالشراء غير العميل المذكور إذا تيسر ذلك.\rالمبدأ الثالث:\rأن عقد البيع يجب أن يتم بعد التملك الحقيقي للمعدات والقبض له، وأن يبرم بعقد منفصل. (د) بخصوص عمليات تمويل التجارة الخارجية :\rقرر مجلس المجمع أنه ينطبق على هذه العمليات المبادئ المطبقة على عمليات البيع بالأجل مع تقسيط الثمن.\r(هـ) بخصوص التصرف في فوائد الودائع التي يضطر البنك الإسلامي للتنمية لإيداعها في المصارف الأجنبية :\rقرر مجلس المجمع بشأن ذلك ما يلي:\rيحرم على البنك أن يحمي القيمة الحقيقية لأمواله من آثار تذبذب العملات بواسطة الفوائد المنجرة من إيداعاته. ولذا يجب أن تصرف تلك الفوائد في أغراض النفع العام كالتدريب والبحوث وتوفير وسائل الإغاثة، وتوفير المساعدات المالية للدول الأعضاء وتقديم المساعدة الفنية لها، وكذلك للمؤسسات العلمية والمعاهد والمدارس وما يتصل بنشر المعرفة الإسلامية.\rوالله أعلم\rقرار رقم (2)\rبشأن\rزكاة الأسهم في الشركات\rإن مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنعقد في دورة مؤتمره الثالث بعمان عاصمة المملكة الأردنية الهاشمية من 8-13 صفر 1407 هـ/11 إلى 16 أكتوبر 1986 م. ـ بعد مناقشته لموضوع «زكاة الأسهم في الشركات» من جميع جوانبه والاطلاع على البحوث المقدمة بخصوصه.\rقرر:\rتأجيل إصدار القرار الخاص به إلى الدورة الرابعة للمجلس، والله الموفق.\rقرار رقم (3)\rبشأن\rتوظيف الزكاة في مشاريع ذات ريع بلا تمليك فردي للمستحق\rأما بعد:\rإن مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنعقد في دورة مؤتمره الثالث بعمان عاصمة المملكة الأردنية الهاشمية من 8-13 صفر 1407 هـ/11 إلى 16 أكتوبر 1986 م.","part":7,"page":113},{"id":4399,"text":"بعد اطلاعه على البحوث المقدمة في موضوع «توظيف الزكاة في مشاريع ذات ريع بلا تمليك فردي للمستحق» وبعد استماعه لآراء الأعضاء والخبراء فيه.\rقرر:\rيجوز من حيث المبدأ توظيف أموال الزكاة في مشاريع استثمارية تنتهي بتمليك أصحاب الاستحقاق للزكاة، أو تكون تابعة للجهة الشرعية المسؤولة عن جمع الزكاة وتوزيعها، على أن تكون بعد تلبية الحاجة الماسة الفورية للمستحقين وتوافر الضمانات الكافية للبعد عن الخسائر.\rوالله أعلم قرار رقم (4)\rبشأن\rأطفال الأنابيب\rإن مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنعقد في دورة مؤتمره الثالث بعمان عاصمة المملكة الأردنية الهاشمية من 8-13 صفر 1407 هـ/11 إلى 16 أكتوبر 1986 م.\rبعد استعراضه لموضوع التلقيح الصناعي «أطفال الأنابيب» وذلك بالاطلاع على البحوث المقدمة والاستماع لشرح الخبراء والأطباء.\rوبعد التداول.\rتبين للمجلس:\rأن طرق التلقيح الصناعي المعروفة في هذه الأيام هي سبع:\rالأولى: أن يجري تلقيح بين نطفة مأخوذة من زوج وبييضة مأخوذة من امرأة ليست زوجته ثم تزرع اللقيحة في رحم زوجته.\rالثانية: أن يجري التلقيح بين نطفة رجل غير الزوج وبييضة الزوجة ثم تزرع تلك اللقيحة في رحم الزوجة.\rالثالثة: أن يجري تلقيح خارجي بين بذرتي زوجين ثم تزرع اللقيحة في رحم امرأة متطوعة بحملها. الرابعة: أن يجري تلقيح خارجي بين بذرتي رجل أجنبي وبييضة امرأة أجنبية وتزرع اللقيحة في رحم الزوجة.\rالخامسة: أن يجري تلقيح خارجي بين بذرتي زوجين ثم تزرع اللقيحة في رحم الزوجة الأخرى.\rالسادسة: أن تؤخذ نطفة من زوج وبييضة من زوجته ويتم التلقيح خارجياً ثم تزرع اللقيحة في رحم الزوجة.\rالسابعة: أن تؤخذ بذرة الزوج وتحقن في الموضع المناسب من مهبل زوجته أو رحمها تلقيحاً داخلياً.\rوقرر:\rأن الطرق الخمسة الأولى كلها محرمة شرعاً وممنوعة منعاً باتاً لذاتها أو لما يترتب عليها من اختلاط الأنساب وضياع الأمومة وغير ذلك من المحاذير الشرعية.","part":7,"page":114},{"id":4400,"text":"أما الطريقان السادس والسابع فقد رأى مجلس المجمع أنه لا حرج من اللجوء إليهما عند الحاجة مع التأكيد على ضرورة أخذ كل الاحتياطات اللازمة.\rوالله أعلم قرار رقم (5)\rبشأن\rأجهزة الإنعاش\rإن مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنعقد في دورة مؤتمره الثالث بعمان عاصمة المملكة الأردنية الهاشمية من 8-13 صفر 1407 هـ/11 إلى 16 أكتوبر 1986 م.\rبعد تداوله في سائر النواحي التي أثيرت حول موضوع «أجهزة الإنعاش» واستماعه إلى شرح مستفيض من الأطباء المختصين.\rقرر ما يلي:\rيعتبر شرعاً أن الشخص قد مات وتترتب جميع الأحكام المقررة شرعاً للوفاة عند ذلك إذا تبينت فيه إحدى العلامتين التاليتين:\r1 - إذا توقف قلبه وتنفسه توقفاً تاماً وحكم الأطباء بأن هذا التوقف لا رجعة فيه.\r2 - إذا تعطلت جميع وظائف دماغه تعطلاً نهائياً، وحكم الأطباء الاختصاصيون الخبراء بأن هذا التعطل لا رجعة فيه، وأخذ دماغه في التحلل.\rوفي هذه الحالة يسوغ رفع أجهزة الإنعاش المركبة على الشخص وإن كان بعض الأعضاء كالقلب مثلاً لا يزال يعمل آلياً بفعل الأجهزة المركبة.\rوالله أعلم قرار رقم (6)\rبشأن\r«توحيد بدايات الشهور القمرية»\rإن مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنعقد في دورة مؤتمره الثالث بعمان عاصمة المملكة الأردنية الهاشمية من 8-13 صفر 1407 هـ/11 إلى 16 أكتوبر 1986 م.\rبعد استعراضه في قضية «توحيد بدايات الشهور القمرية» مسألتين:\rالأولى: مدى تأثير اختلاف المطالع على توحيد بداية الشهور\rالثانية: حكم إثبات أوائل الشهور القمرية بالحساب الفلكي.\rوبعد استماعه إلى الدراسات المقدمة من الأعضاء والخبراء حول هذه المسألة. قرر:\r1 - في المسألة الأولى:\rإذا ثبتت الرؤية في بلد وجب على المسلمين الالتزام بها ولا عبرة لاختلاف المطالع لعموم الخطاب بالأمر بالصوم والإفطار.\r2 - في المسألة الثانية:","part":7,"page":115},{"id":4401,"text":"وجوب الاعتماد على الرؤية، ويستعان بالحساب الفلكي والمراصد مراعاة للأحاديث النبوية والحقائق العلمية.\rوالله أعلم قرار رقم (7)\rبشأن\r«الإحرام للقادم للحج والعمرة بالطائرة والباخرة»\rإن مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنعقد في دورة مؤتمره الثالث بعمان عاصمة المملكة الأردنية الهاشمية من 8-13 صفر 1407 هـ/11 إلى 16 أكتوبر 1986 م.\rبعد اطلاعه على البحوث المقدمة بخصوص موضوع «الإحرام للقادم للحج والعمرة بالطائرة والباخرة» .\rقرر:\rأن المواقيت المكانية التي حددتها السنة النبوية يجب الإحرام منها لمريد الحج أو العمرة، للمار عليها أو للمحاذي لها أرضاً أو جواً أو بحراً لعموم الأمر بالإحرام منها في الأحاديث النبوية الشريفة.\rوالله أعلم قرار رقم (8)\rبشأن\r«صرف الزكاة لصالح صندوق التضامن الإسلامي»\rإن مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنعقد في دورة مؤتمره الثالث بعمان عاصمة المملكة الأردنية الهاشمية من 8-13 صفر 1407 هـ/11 إلى 16 أكتوبر 1986 م.\rبعد استماعه لبيان الأمين العام المساعد لمنظمة المؤتمر الإسلامي حول أنشطة صندوق التضامن الإسلامي وحاجته الماسة إلى الدعم المادي، واقتراحه أن يكون مصرفاً من مصارف الزكاة.\rقرر:\rتكليف الأمانة العامة بالتعاون مع صندوق التضامن الإسلامي بإعداد الدراسات اللازمة لبحث الموضوع وعرضها على مجلس المجمع في دورته القادمة.\rوالله الموفق قرار رقم (9)\rبشأن\r«أحكام النقود الورقية وتغير قيمة العملة»\rإن مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنعقد في دورة مؤتمره الثالث بعمان عاصمة المملكة الأردنية الهاشمية من 8-13 صفر 1407 هـ/11 إلى 16 أكتوبر 1986 م.\rبعد اطلاعه على البحوث الواردة إلى المجمع بخصوص موضوع «أحكام النقود الورقية وتغير قيمة العملة» .\rقرر:\rأولاً: بخصوص أحكام العملات الورقية:","part":7,"page":116},{"id":4402,"text":"أنها نقود اعتبارية فيها صفة الثمنية كاملة ولها الأحكام الشرعية المقررة للذهب والفضة من حيث أحكام الربا والزكاة والسلم وسائر أحكامهما.\rثانياً: بخصوص قيمة العملة:\rتأجيل النظر في هذه المسألة حتى تستوفى دراسة كل جوانبها لتنظر في الدورة الرابعة للمجلس.\rوالله الموفق قرار رقم (10)\rبشأن\r«سندات المقارضة وسندات التنمية والاستثمار»\rإن مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنعقد في دورة مؤتمره الثالث بعمان عاصمة المملكة الأردنية الهاشمية من 8-13 صفر 1407 هـ/11 إلى 16 أكتوبر 1986 م.\rبعد اطلاعه على البحث المقدم في موضوع «سندات المقارضة وسندات التنمية والاستثمار» واستماعه للمناقشات التي دارت حوله.\rوجرياً على خطة المجمع في وجوب إعداد عدد من الدراسات في الموضوع الواحد.\rونظراً لأهمية هذا الموضوع وضرورة بحث استكمال جميع جوانبه وتغطية كل تفصيلاته والتعرف على جميع الآراء فيه.\rقرر:\rأن تقوم الأمانة العامة للمجمع بتكليف من تراه لإعداد عدد من البحوث فيه ليتمكن المجمع من اتخاذ القرار المناسب في دورته الرابعة.\rوالله الموفق قرار رقم (11)\rبشأن\r«استفسارات المعهد العالمي للفكر الإسلامي بواشنطن»\rإن مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنعقد في دورة مؤتمره الثالث بعمان عاصمة المملكة الأردنية الهاشمية من 8-13 صفر 1407 هـ/11 إلى 16 أكتوبر 1986 م.\rبعد اطلاعه على الاستفسارات التي عرضها «المعهد العالمي للفكر الإسلامي بواشنطن» وما أعد من إجابات عليها من بعض الأعضاء والخبراء.\rقرر:\rتكليف الأمانة العامة للمجمع بتبليغ المعهد المذكور بما أقره المجلس من إجابات.\rبسم الله الرحمن الرحيم، صلى الله على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .\rما أقره المجمع من أجوبة على الاستفسارات (1) .\rالسؤال الثالث :\rما حكم زواج المسلمة بغير المسلم خاصة إذا طمعت في إسلامه بعد الزواج\r-------------------------------\r(1) أرجئ اتخاذ القرار بالنسبة للأسئلة 1، 2، 7، 15، 22.","part":7,"page":117},{"id":4403,"text":"حيث تدعي مسلمات كثيرات أنه لا يتوفر لهن الأكفاء من المسلمين في غالب الأحيان، وأنهن مهددات بالانحراف أو يعشن في وضع شديد الحرج؟\rالجواب :\rزواج المسلمة بغير المسلم ممنوع شرعاً بالكتاب والسنة والإجماع. وإذا وقع فهو باطل، ولا تترتب عليه الآثار الشرعية المترتبة على النكاح، والأولاد المولودون عن هذا الزواج أولاد غير شرعيين. ورجاء إسلام الرجال لا يغير من هذا الحكم شيئاً.\rالسؤال الرابع :\rما حكم استمرار الزوجية والمعاشرة بين زوجة دخلت الإسلام وبقي زوجها على الكفر ولها منه أولاد تخشى عليهم الضياع والانحراف، ولها طمع في أن يهتدي زوجها إلى الإسلام لو استمرت العلاقة الزوجية بينها وبينه.\rوما الحكم فيما إذا لم يكن هناك طمع في إسلامه، ولكنه يحسن معاشرتها وتخشى لو تركته ألا تعثر على زوج مسلم؟\rالجواب :\rبمجرد إسلام المرأة وأبى الزوج الإسلام ينفسخ نكاحهما، فلا تحل معاشرته لها، ولكنها تنتظر مدة العدة، فإن أسلم خلالها عادت إليه بعقدهما السابق.\rأما إذا انقضت عدتها ولم يسلم فقد انقطع ما بينهما فإن أسلم ـ بعد ذلك ـ ورغب للعودة إلى زواجهما عاد بعقد جديد. ولا تأثير لما يسمى بحسن المعاشرة في إباحة استمرار الزوجية. السؤال الخامس :\rما حكم دفن المسلم في مقابر غير المسلمين، حيث لا يسمح للدفن خارج المقابر المعدة لذلك ولا توجد مقابر خاصة بالمسلمين في معظم الولايات الأمريكية والأقطار الأوربية؟\rالجواب :\rإن دفن المسلم في مقابر غير المسلمين في بلاد غير إسلامية جائز للضرورة.\rالسؤال السادس :","part":7,"page":118},{"id":4404,"text":"ماحكم بيع المسجد «إذا انتقل المسلمون عن المنطقة التي هو فيها وخيف تلفه أو الاستيلاء عليه» . فكثيراً ما يشتري المسلمون منزلاً ويحولونه مسجداً فإذا انتقلت غالبية المسلمين من المنطقة لظروف العمل هجر المسجد أو أهمل، وقد يستولي عليه آخرون. ومن الممكن بيعه واستبداله بمسجد يؤسس في مكان فيه مسلمون. فما حكم هذا البيع أو الاستبدال؟ وإذا لم تتيسر فرصة استبداله بمسجد آخر فما أقرب الوجوه التي يجوز صرف ثمن المسجد فيها؟\rالجواب :\rيجوز بيع المسجد الذي تعطل الانتفاع به، أو هجر المسلمون المكان الذي هو فيه أو خيف استيلاء الكفار عليه، على أن يشترى بثمنه مكاناً آخر يتخذ مسجداً.\rالسؤال الثامن :\rبعض النساء أو الفتيات تضطرهن ظروف العمل أو الدراسة إلى الإقامة بمفردهن، أو مع نسوة غير مسلمات، فما حكم هذه الإقامة؟\rالجواب :\rلا يجوز للمرأة المسلمة أن تقيم وحدها شرعاً في بلاد الغربة. السؤال التاسع :كثيرات من النساء هنا، يذكرن أن أقصى ما بإمكانهن ستره من أجسادهن هو ما عدا الوجه والكفين، وبعضهن تمنعهنّ جهات العمل من ستر رؤوسهن فما أقصى ما يمكن السماح بكشفه من أجزاء جسم المرأة بين الأجانب في محلات العمل أو الدراسة؟\rالجواب :\rإن حجاب المرأة المسلمة ـ عند جمهور العلماء ـ ستر جميع بدنها عدا الوجه والكفين إذا لم تخش فتنة، فإن خيفت فتنة يجب سترهما أيضاً.\rالسؤال العاشر والسؤال الحادي عشر :\rـ يضطر الكثير من الطلاب المسلمين إلى العمل في هذه البلاد لتغطية نفقات الدراسة والمعيشة لأن كثيراً منهم لا يكفيه ما يرده من ذويه مما يجعل العمل ضرورة له لا يمكن أن يعيش بدونه، وكثيراً ما لا يجد عملاً إلا في مطاعم تبيع الخمور أو تقدم وجبات فيها لحم الخنزير وغيره من المحرمات فما حكم عمله في هذه المحلات؟","part":7,"page":119},{"id":4405,"text":"ـ وما حكم بيع المسلم للخمور والخنازير، أو صناعة الخمور وبيعها لغير المسلمين؟ علماً بأن بعض المسلمين في هذه البلدان قد اتخذوا من ذلك حرفة لهم.\rالجواب :\rللمسلم إذا لم يجد عملا مباحاً شرعاً، العمل في مطاعم الكفار بشرط ألا يباشر بنفسه سقي الخمر أو حملها أو صناعتها أو الاتجار بها، وكذلك الحال بالنسبة لتقديم لحوم الخنازير ونحوها من المحرمات. السؤال الثاني عشر :\rهناك كثير من الأدوية تحوي كميات مختلفة من الكحول تترواح بين 01% و25% ومعظم هذه الأدوية من أدوية الزكام واحتقان الحنجرة والسعال وغيرها من الأمراض السائدة. وتمثل هذه الأدوية الحاوية للكحول ما قارب 95% من الأدوية في هذا المجال مما يجعل الحصول على الأدوية الخالية من الكحول عملية صعبة أو متعذرة، فما حكم تناول هذه الأدوية؟\rالجواب :\rللمريض المسلم تناول الأدوية المشتملة على نسبة من الكحول إذا لم يتيسر دواء خال منها، ووصف ذلك الدواء طبيب ثقة أمين في مهنته.\rالسؤال الثالث عشر :\rهناك الخمائر والجلاتين توجد فيها عناصر مستخلصة من الخنزير بنسب ضئيلة جداً، فهل يجوز استعمال هذه الخمائر والجلاتين؟\rالجواب :\rلا يحل للمسلم استعمال الخمائر والجلاتين المأخوذة من الخنازير في الأغذية، وفي الخمائر والجلاتين المتخذة من النباتات أو الحيوانات المذكاة شرعاً غُنية عن ذلك.\rالسؤال الرابع عشر :\rاضطر معظم المسلمين إلى إقامة حفلات الزفاف لبناتهم في مساجدهم، وكثيراً ما يتخلل هذه الحفلات رقص وإنشاد أو غناء، ولا تتوفر لهن أماكن تتسع لمثل هذه الحفلات فما حكم إقامة هذه الحفلات في المساجد؟ الجواب :\rيندب عقد النكاح في المساجد، ولا تجوز إقامة الحفلات فيها إذا اقترنت بمحظور شرعي كاختلاط الرجال بالنساء وتبرجهن والرقص والغناء.\rالسؤال السادس عشر :","part":7,"page":120},{"id":4406,"text":"ما حكم زواج الطالب أو الطالبة المسلمة زواجاً لا ينوي استدامته بل النية منعقدة عنده على إنهائه بمجرد انتهاء الدراسة والعزم على العودة إلى مكان الإقامة الدائم، ولكن العقد يكون ـ عادة ـ عقداً عادياً بالصيغة نفسها التي يعقد بها الزواج المؤبد، فما حكم هذا الزواج؟\rالجواب :\rالأصل في الزواج الاستمرار والتأبيد وإقامة أسرة مستقرة ما لم يطرأ عليه ما ينهيه.\rالسؤال السابع عشر :\rما حكم ظهور المرأة في محلات العمل أو الدراسة بعد أن تأخذ من شعر حاجبيها وتكتحل؟\rالجواب :\rالاكتحال للرجال والنساء جائز شرعاً. أما نتف بعض الحاجبين فلا يجوز إلا إذا كان الشعر مشوهاً لخلقة المرأة.\rالسؤال الثامن عشر :\rبعض المسلمات يجدن حرجاً في عدم مصافحتهن للأجانب الذين يرتادون الأماكن التي يعملن أو يدرسن فيها، فيصافحن الأجانب دفعاً للحرج، فما حكم هذه المصافحة؟\rوكذلك الحال بالنسبة لكثير من المسلمين الذين تتقدم إليهم نساء أجنبيات مصافحات، وامتناعهم عن مصافحتهن يوقعهم في شيء من الحرج على حد ما يذكرون ويذكرن؟\rالجواب :\rمصافحة الرجل المرأة الأجنبية البالغة ممنوعة شرعاً وكذلك العكس.\rالسؤال التاسع عشر :\rما حكم استئجار الكنائس أماكن لإقامة الصلوات الخمس أو صلاة الجمعة والعيدين، مع وجود التماثيل وما تحتويه الكنائس عادة.. علماً بأن الكنائس ـ في الغالب ـ أرخص الأماكن التي يمكن استئجارها من النصارى وبعضها تقدمه الجامعات أو الهيئات الخيرية للاستفادة منه في هذه المناسبات دون مقابل؟\rالجواب :\rاستئجار الكنائس للصلاة لا مانع منه شرعاً عند الحاجة، وتجتنب الصلاة إلى التماثيل والصور وتستر بحائل إذا كانت باتجاه القبلة.\rالسؤال العشرون :\rما حكم ذبائح أهل الكتاب من اليهود والنصارى وما يقدمونه من طعام في مطاعمهم مع عدم العلم بالتسمية عليها؟ الجواب :","part":7,"page":121},{"id":4407,"text":"ذبائح الكتابيين جائزة شرعاً إذا ذكيت بالطريقة المقبولة شرعاً، ولم يذكر اسم الله عليها ، ويوصي المجمع بدراسة متعمقة للموضوع في دورته القادمة.\rالسؤال الحادي والعشرون :\rكثير من المناسبات العامة التي يدعى المسلمون لحضورها تقدم فيها الخمور ويختلط فيها النساء والرجال، واعتزال المسلمين لبعض هذه المناسبات قد يؤدي إلى عزلهم عن بقية أبناء المجتمع، وفقدانهم لبعض الفوائد.\rفما حكم حضور هذه الحفلات من غير مشاركة لهم في شرب الخمر أو الرقص أو تناول الخنزير؟\rالجواب :\rفي حضور حفلات تقدم فيها الخمور لا يجوز للمسلم أو المسلمة حضور مجالس المعاصي والمنكرات.\rالسؤال الثالث والعشرون :\rفي كثير من الولايات الأمريكية وكذلك الأقطار الأوربية تصعب أو تتعذر رؤية هلال رمضان أو شوال، والتقدم العلمي الموجود في كثير من هذه البلدان يمكن من معرفة ولادة الهلال بشكل دقيق بطريق الحساب، فهل يجوز اعتماد الحساب في هذه البلدان؟\rوهل تجوز الاستعانة بالمراصد وقبول قول الكفار المشرفين عليها علماً أن الغالب على الظن صدق قولهم في هذه الأمور؟ ومما يجدر بالملاحظة أن اتباع المسلمين في أمريكا وأوربا لبعض البلدان الإسلامية المشرقية في صيامها أو إفطارها قد أثار بينهم اختلافات كثيرة، غالباً ما تذهب بأهم فوائد الأعياد، وتثير مشكلات شبه دائمة، وفي الأخذ بالحساب ما قد يقضي على هذا في نظر البعض أو يكاد.\rالجواب :\rيجب الاعتماد على الرؤية، ويستعان بالحساب الفلكي والمراصد مراعاة للأحاديث النبوية والحقائق العلمية.\rوإذا ثبتت الرؤية في بلد وجب على المسلمين الالتزام بها ولا عبرة لاختلاف المطالع لعموم الخطاب بالأمر بالصوم والإفطار.\rالسؤال الرابع والعشرون :\rما حكم عمل المسلم في دوائر ووزارات الحكومة الأمريكية أو غيرها من حكومات البلاد الكافرة، خاصة في مجالات هامة كالصناعات الذرية أو الدراسات الاستراتيجية ونحوها؟\rالجواب :","part":7,"page":122},{"id":4408,"text":"يجوز للمسلم العمل المباح شرعاً في دوائر ومؤسسات حكومات غير إسلامية إذا لم يؤد عمله ذلك إلى إلحاق ضرر بالمسلمين.\rالسؤال الخامس والعشرون والسؤال السادس والعشرون :\rـ ما حكم تصميم المهندس المسلم لمباني النصارى كالكنائس وغيرها علماً بأن هذا هو جزء من عمله في الشركة الموظفة له، وفي حالة امتناعه قد يتعرض للفصل من العمل؟ ـ ما حكم تبرع المسلم فرداً كان أو هيئة لمؤسسات تعليمية أو تنصيرية أو كنَسِية؟\rالجواب :\rلا يجوز للمسلم تصميم أو بناء معابد الكفار أو الإسهام في ذلك مالياً أو فعلياً.\rالسؤال السابع والعشرون :\rكثير من العائلات المسلمة يعمل رجالها في بيع الخمور والخنزير وما شابه ذلك، وزوجاتهم وأولادهم كارهون لذلك علماً بأنهم يعيشون بمال الرجل، فهل عليهم من حرج في ذلك؟\rالجواب :\rللزوجة والأولاد غير القادرين على الكسب الحلال أن يأكلوا للضرورة من كسب الزوج المحرم شرعاً، كبيع الخمر والخنزير وغيرهما من المكاسب الحرام بعد بذل الجهد في إقناعه بالكسب الحلال والبحث عن عمل.\rالسؤال الثامن والعشرون :\rما حكم شراء منزل السكنى وسيارة الاستعمال الشخصي وأثاث المنزل بواسطة البنوك والمؤسسات التي تفرض ربحاً محدداً على تلك القروض لقاء رهن تلك الأصول، علماً بأنه في حالة البيوت والسيارات والأثاث عموماً، يعتبر البديل عن البيع هو الإيجار بقسط شهري يزيد في الغالب عن قسط الشراء الذي تستوفيه البنوك؟\rالجواب : لا يجوز شرعاً.\rوالله أعلم قرار رقم (12)\rبشأن\r«المشاريع العلمية للمجمع»\rإن مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنعقد في دورة مؤتمره الثالث بعمان عاصمة المملكة الأردنية الهاشمية من 8-13 صفر 1407 هـ/11 إلى 16 أكتوبر 1986 م.\rبعد دراسة تقرير شعبة التخطيط عن اجتماعها يومي 8 و 9 صفر 1407 هـ 11-12 أكتوبر 1986 م، والذي بحثت فيه عدداً من الأمور المدرجة على جدول أعمالها.\rقرر:\rأولاً: الموافقة على المشاريع التالية بعد أن أدخل عليها بعض التعديلات:\r1 - الموسوعة الفقهية.\r2 - معجم المصطلحات الفقهية.\r3 - معلمة القواعد الفقهية.\r4 - مدونة أدلة الأحكام الفقهية.\r5 - إحياء التراث الفقهي.\r6 - اللائحة المالية للموسوعة الفقهية.\r7 - اللائحة المالية لمعجم المصطلحات الفقهية.\r8 - اللائحة المالية لإحياء التراث الفقهي.\r9 - منهج سير عمل ومناقشات وإدارة جلسات المجلس.\rثانياً : تأليف لجنة علمية رباعية لوضع منهج لكل من مشروعي معلمة القواعد الفقهية ومدونة أدلة الأحكام الفقهية بالتشاور بين رئيس المجلس والأمين العام.\rوالله الموفق","part":7,"page":123},{"id":4409,"text":"توصيات الدورة الثالثة لمجلس مجمع الفقه الإسلامي\rإن مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنعقد في دورة مؤتمره الثالث بعمان عاصمة المملكة الأردنية الهاشمية من 8-13 صفر 1407 هـ/11 إلى 16 أكتوبر 1986 م.\rبعد استماعه إلى بيان سمو ولي عهد المملكة الأردنية الهاشمية الأمير الحسن ابن طلال، حول المشكلات الملحة التي يعاني منها المسلمون في مجالات التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وضرورة التوجه لتلبية الحاجات الملحة للمسلمين في مواجهة آثار الفقر والمرض والجهل، وتحقيق الحياة الكريمة للإنسان.\rوبعد اطلاعه على نداء سمو ولي عهد المملكة الأردنية الهاشمية الموجه إلى العالم العربي والإسلامي لإغاثة السودان.\rوبعد استشعاره وهو ينعقد على مقربة من المسجد الأقصى المبارك بضرورة مضاعفة الجهد من أجل استنقاذ أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين.\rوفي ضوء قناعته بضرورة الاهتمام بالدرجة الأولى بالقضايا التي تتصل بحياة المسلمين الاجتماعية والاقتصادية والتضامنية، وبضرورة تعميق الدراسة والبحث فيها بالتركيز على الندوات العلمية والأيام الدراسية ونحوها.\rيوصي بما يلي:","part":7,"page":124},{"id":4410,"text":"أولاً: ضرورة تبني برنامج إسلامي واسع للإغاثة ينفق عليه من صندوق مستقل ينشأ لهذا الغرض ويمول من أموال الزكاة والتبرعات والأوقاف الخيرية.\rثانياً:\rمناشدة الأمة الإسلامية شعوباً وحكومات أن تعمل جهدها لاستنقاذ أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين وتحرير الأرض المحتلة بحشد طاقاتها وبناء ذاتها وتوحيد صفوفها والتسامي على كل أسباب الاختلاف بينها وتحكيم شريعة الله سبحانه في حياتها الخاصة والعامة.\rثالثاً:\rالاهتمام بأعمال المجمع في مجالات الدراسات والبحوث والفتوى والمشاريع، وبالقضايا الهامة للمسلمين والتي تتصل بحياتهم الاجتماعية والاقتصادية وتوحيد صفوفهم وجمع كلمتهم وتحقيق أسباب التكافل والتضامن بينهم وتمكينهم من مواجهة كل التحديات ومن إقامة حياتهم على هدي من شريعة الله سبحانه.\rرابعاً:\rالتمييز بين قضايا الدراسات والبحوث وموضوعات الفتوى وذلك بالتركيز في البحوث والدراسات بصفة خاصة على الندوات العلمية والأيام الدراسية وفق خطة تعدها شعبة التخطيط في المجمع لتعرض على المجلس.\rوالله الموفق","part":7,"page":125},{"id":4411,"text":"القَرارَات وَالتوصيَات\rالدَّورَة الرابعة لمجلس مجْمع الفقه الإسلامي\rجدة: 18 - 23 جمادى الآخرة 1408 هـ/ 6-11 فبراير 1988م\rالقرارات\rبسم الله الرحمن الرحيم\rالحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم النبيين وعلى آله وصحبه\rقرار رقم (1)\rبشأن\rانتفاع الإنسان بأعضاء جسم إنسان آخر حياً كانَ أو ميتاً\rإن مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنعقد في دورة مؤتمره الرابع بجدة في المملكة العربية السعودية من 18-23 جمادى الآخرة 1408 هـ، الموافق 6-11 فبراير 1988 م.\rبعد اطلاعه على الأبحاث الفقهية والطبية الواردة إلى المجمع بخصوص موضوع «انتفاع الإنسان بأعضاء جسم إنسان آخر حياً أو ميتاً» .\rوفي ضوء المناقشات التي وجهت الأنظار إلى أن هذا الموضوع أمر واقع فرضه التقدم العلمي والطبي، وظهرت نتائجه الإيجابية المفيدة والمشوبة في كثير من الأحيان بالأضرار النفسية والاجتماعية الناجمة عن ممارسته دون الضوابط والقيود الشرعية التي تصان بها كرامة الإنسان، ومع مراعاة مقاصد الشريعة الإسلامية الكفيلة بتحقيق كل ما هو خير ومصلحة غالبة للفرد والجماعة، والداعية إلى التعاون والتراحم والإيثار.\rوبعد حصر هذا الموضوع في النقاط التي يتحرر فيها محل البحث وتنضبط تقسيماته وصوره وحالاته التي يختلف الحكم تبعاً لها.\rقرر ما يلي:\rمن حيث التعريف والتقسيم :\rأولاً: يقصد هنا بالعضو: أي جزء من الإنسان، من أنسجة وخلايا ودماء ونحوها، كقرنية العين، سواء أكان متصلاً به، أم انفصل عنه.\rثانياً : الانتفاع الذي هو محل البحث، هو استفادة دعت إلىها ضرورة المستفيد لاستبقاء أصل الحياة، أو المحافظة على وظيفة أساسية من وظائف الجسم كالبصر ونحوه.\rعلى أن يكون المستفيد يتمتع بحياة محترمة شرعاً.\rثالثاً : تنقسم صور الانتفاع هذه إلى الأقسام التالية:\r1 - نقل العضو من حي\r2 - نقل العضو من ميت\r3- النقل من الأجنّة\rالصورة الأولى: وهي نقل العضو من حي، تشمل الحالات التالية:\rأ ـ نقل العضو من مكان من الجسد إلى مكان آخر من الجسد نفسه، كنقل الجلد والغضاريف والعظام والأوردة والدم ونحوها.\rب ـ نقل العضو من جسم إنسان حي إلى جسم إنسان آخر.وينقسم العضو في هذه الحالة إلى ما تتوقف عليه الحياة وما لا تتوقف عليه.\rأما ما تتوقف عليه الحياة، فقد يكون فردياً، وقد يكون غير فردي، فالأول كالقلب والكبد، والثاني كالكلية والرئتين.","part":7,"page":126},{"id":4412,"text":"وأما ما لا تتوقف عليه الحياة، فمنه ما يقوم بوظيفة أساسية في الجسم ومنه ما لا يقوم بها. ومنه ما يتجدد تلقائياً كالدم، ومنه ما لا يتجدد، ومنه ما له تأثير على الأنساب والموروثات، والشخصية العامة، كالخصية والمبيض وخلايا الجهاز العصبي، ومنه ما لا تأثير له على شيء من ذلك.\rالصورة الثانية: وهي نقل العضو من ميت :\rويلاحظ أن الموت يشمل حالتين:\rالحالة الأولى: موت الدماغ بتعطل جميع وظائفه تعطلاً نهائياً لا رجعة فيه طبياً.\rالحالة الثانية: توقف القلب والتنفس معاً توقفاً تاماً لا رجعة فيه طبياً.\rفقد روعي في كلتا الحالتين قرار المجمع في دورته الثالثة.\rالصورة الثالثة: وهي النقل من الأجنة، وتتم الاستفادة منها في ثلاث حالات :\rحالة الأجنة التي تسقط تلقائياً.\rحالة الأجنة التي تسقط لعامل طبي أو جنائي.\rحالة «اللقائح المستنبتة خارج الرحم» . من حيث الأحكام الشرعية :\rأولاً: يجوز نقل العضو من مكان من جسم الإنسان إلى مكان آخر من جسمه، مع مراعاة التأكد من أن النفع المتوقع من هذه العملية أرجح من الضرر المترتب عليها، وبشرط أن يكون ذلك لإيجاد عضو مفقود أو لإعادة شكله أو وظيفته المعهودة له، أو لإصلاح عيب أو إزالة دمامة تسبب للشخص أذى نفسياً أو عضوياً.\rثانياً : يجوز نقل العضو من جسم إنسان إلى جسم إنسان آخر، إن كان هذا العضو يتجدد تلقائياً، كالدم والجلد، ويراعى في ذلك اشتراط كون الباذل كامل الأهلية، وتحقق الشروط الشرعية المعتبرة.\rثالثاً : تجوز الاستفادة من جزء من العضو الذي استؤصل من الجسم لعلة مرضية لشخص آخر، كأخذ قرنية العين لإنسان ما عند استئصال العين لعلة مرضية.\rرابعاً : يحرم نقل عضو تتوقف عليه الحياة كالقلب من إنسان حي إلى إنسان آخر.","part":7,"page":127},{"id":4413,"text":"خامساً : يحرم نقل عضو من إنسان حي يعطل زواله وظيفة أساسية في حياته وإن لم تتوقف سلامة أصل الحياة عليها كنقل قرنية العينين كلتيهما، أما إن كان النقل يعطل جزءاً من وظيفة أساسية فهو محل بحث ونظر كما يأتي في الفقرة الثامنة.\rسادساً : يجوز نقل عضو من ميت إلى حي تتوقف حياته على ذلك العضو، أو تتوقف سلامة وظيفة أساسية فيه على ذلك. بشرط أن يأذن الميت أو ورثته بعد موته، أو بشرط موافقة وليّ المسلمين إن كان المتوفى مجهول الهوية أو لا ورثة له. سابعاً : وينبغي ملاحظة أن الاتفاق على جواز نقل العضو في الحالات التي تم بيانها، مشروط بأن لا يتم ذلك بوساطة بيع العضو. إذ لا يجوز إخضاع أعضاء الإنسان للبيع بحال ما.\rأما بذل المال من المستفيد، ابتغاء الحصول على العضو المطلوب عند الضرورة أو مكافأة وتكريماً، فمحل اجتهاد ونظر.\rثامناً : كل ما عدا الحالات والصور المذكورة، مما يدخل في أصل الموضوع، فهو محل بحث ونظر، ويجب طرحه للدراسة والبحث في دورة قادمة، على ضوء المعطيات الطبية والأحكام الشرعية.\rوالله أعلم قرار رقم (2)\rبشأن\rصرف الزكاة لصالح صندوق التضامن الإسلامي\rإن مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنعقد في دورة مؤتمره الرابع بجدة في المملكة العربية السعودية من 18-23 جمادى الآخرة 1408 هـ، الموافق 6-11 فبراير 1988 م.\rبعد اطلاعه على المذكرة التفسيرية بشأن «صندوق التضامن الإسلامي ووقفيته» المقدمة إلى الدورة الثالثة للمجمع، وعلى الأبحاث الواردة إلى المجمع في دورته الحالية بخصوص موضوع «صرف الزكاة لصالح صندوق التضامن الإسلامي» .\rيوصي :","part":7,"page":128},{"id":4414,"text":"ـ عملاً على تمكين صندوق التضامن الإسلامي من تحقيق أهدافه الخيرة (المبينة في نظامه الأساسي) والتي أنشئ من أجلها، والتزاماً بقرار القمة الإسلامي الثاني الذي نص على إنشاء هذا الصندوق وتمويله من مساهمات الدول الأعضاء، ونظراً لعدم انتظام بعض الدول في تقديم مساعداتها الطوعية له، يناشد المجمع الدول والحكومات والهيئات والموسرين المسلمين القيام بواجبهم في دعم موارد الصندوق بما يمكنه من تحقيق مقاصده النبيلة في خدمة الأمة الإسلامية.\rويقرر : أولاً: لا يجوز صرف أموال الزكاة لدعم وقفية صندوق التضامن الإسلامي، لأن في ذلك حبساً للزكاة عن مصارفها الشرعية المحددة في الكتاب الكريم.\rثانياً: لصندوق التضامن الإسلامي أن يكون وكيلاً عن الأشخاص والهيئات في صرف الزكاة في وجوهها الشرعية بالشروط التالية:\rأ ـ أن تتوافر شروط الوكالة الشرعية بالنسبة للموكل والوكيل.\rب ـ أن يدخل الصندوق على نظامه الأساسي، وأهدافه، التعديلات المناسبة التي تمكنه من القيام بهذا النوع من التصرفات.\rجـ ـ أن يخصص صندوق التضامن حساباً خاصاً بالأموال الواردة من الزكاة بحيث لا تختلط بالموارد الأخرى التي تنفق في غير مصارف الزكاة الشرعية، كالمرافق العامة ونحوها.\rد ـ لا يحق للصندوق صرف شيء من هذه الأموال الواردة للزكاة في النفقات الإدارية ومرتبات الموظفين وغيرها من النفقات التي لا تندرج تحت مصارف الزكاة الشرعية.\rهـ ـ لدافع الزكاة أن يشترط على الصندوق دفع زكاته فيما يحدده من مصارف الزكاة الثمانية، وعلى الصندوق ـ في هذه الحالة ـ أن يتقيد بذلك.\rو ـ يلتزم الصندوق بصرف هذه الأموال إلى مستحقيها في أقرب وقت ممكن حتى يتيسر لمستحقيها الانتفاع بها، وفي مدة أقصاها سنة.\rوالله أعلم","part":7,"page":129},{"id":4415,"text":"قرار رقم (3)\rبشأن\rزكاة الأسهم في الشركات\rإن مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنعقد في دورة مؤتمره الرابع بجدة في المملكة العربية السعودية من 18-23 جمادى الآخرة 1408 هـ، الموافق 6-11 فبراير 1988 م.\rبعد اطلاعه على البحوث الواردة إلى المجمع بخصوص موضوع «زكاة أسهم الشركات» .\rقرر ما يلي :\rأولاً : تجب زكاة الأسهم على أصحابها، وتخرجها إدارة الشركة نيابة عنهم إذا نص في نظامها الأساسي على ذلك، أو صدر به قرار من الجمعية العمومية، أو كان قانون الدولة يلزم الشركات بإخراج الزكاة، أو حصل تفويض من صاحب الأسهم لإخراج إدارة الشركة زكاة أسهمه.\rثانياً : تخرج إدارة الشركة زكاة الأسهم كما يخرج الشخص الطبيعي زكاة أمواله، بمعنى أن تعتبر جميع أموال المساهمين بمثابة أموال شخص واحد وتفرض عليها الزكاة بهذا الاعتبار من حيث نوع المال الذي تجب فيه الزكاة، ومن حيث النصاب، ومن حيث المقدار الذي يؤخذ، وغير ذلك مما يراعى في زكاة الشخص الطبيعي، وذلك أخذاً بمبدأ الخلطة عند من عممه من الفقهاء في جميع الأموال. ويطرح نصيب الأسهم التي لا تجب فيها الزكاة، ومنها أسهم الخزانة العامة، وأسهم الوقف الخيري، وأسهم الجهات الخيرية، وكذلك أسهم غير المسلمين.\rثالثاً : إذا لم تزك الشركة أموالها لأي سبب من الأسباب، فالواجب على المساهمين زكاة أسهمهم، فإذا استطاع المساهم أن يعرف من حسابات الشركة ما يخص أسهمه من الزكاة لو زكت الشركة أموالها على النحو المشار إليه، زكى أسهمه على هذا الاعتبار، لأنه الأصل في كيفية زكاة الأسهم.\rوإن لم يستطع المساهم معرفة ذلك:","part":7,"page":130},{"id":4416,"text":"فإن كان ساهم في الشركة بقصد الاستفادة من ريع الأسهم السنوي، وليس بقصد التجارة فإنه يزكيها زكاة المستغلات. وتمشّياً مع ما قرره مجمع الفقه الإسلامي في دورته الثانية بالنسبة لزكاة العقارات والأراضي المأجورة غير الزراعية، فإن صاحب هذه الأسهم لا زكاة عليه في أصل السهم، وإنما تجب الزكاة في الريع، وهي ربع العشر بعد دوران الحول من يوم قبض الريع مع اعتبار توافر شروط الزكاة وانتفاء الموانع.\rوإن كان المساهم قد اقتنى الأسهم بقصد التجارة، زكاها زكاة عروض التجارة، فإذا جاء حول زكاته وهي في ملكه، زكى قيمتها السوقية وإذا لم يكن لها سوق، زكى قيمتها بتقويم أهل الخبرة، فيخرج ربع العشر 2.5% من تلك القيمة ومن الربح إذا كان للأسهم ربح.\rرابعاً:إذا باع المساهم أسهمه في أثناء الحول ضم ثمنها إلى ماله وزكاه معه عندما يجيء حول زكاته. أما المشتري فيزكي الأسهم التي اشتراها على النحو السابق.\rوالله أعلم قرار رقم (4)\rبشأن\rانتزاع الملكية للمصلحة العامة\rإن مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنعقد في دورة مؤتمره الرابع بجدة في المملكة العربية السعودية من 18-23 جمادى الآخرة 1408 هـ، الموافق 6-11 فبراير 1988 م.\rبعد الاطلاع على البحوث الواردة إلى المجمع بخصوص موضوع «انتزاع الملك للمصلحة العامة» .\rوفي ضوء ما هو مسلَّم في أصول الشريعة، من احترام الملكية الفردية، حتى أصبح ذلك من قواطع الأحكام المعلومة من الدين بالضرورة، وأن حفظ المال أحد الضروريات الخمس التي عرف من مقاصد الشريعة رعايتها وتواردت النصوص الشرعية من الكتاب والسنة على صونها، مع استحضار ما ثبت بدلالة السنة النبوية وعمل الصحابة رضي الله عنهم فمن بعدهم من نزع ملكية العقار للمصلحة العامة، تطبيقاً لقواعد الشريعة العامة في رعاية المصالح وتنزيل الحاجة العامة منزلة الضرورة وتحمل الضرر الخاص لتفادي الضرر العام.\rقرر ما يلي :","part":7,"page":131},{"id":4417,"text":"أولاً: يجب رعاية الملكية الفردية وصيانتها من أي اعتداء عليها، ولا يجوز تضييق نطاقها أو الحد منها، والمالك مسلط على ملكه، وله - في حدود المشروع- التصرف فيه بجميع وجوهه وجميع الانتفاعات الشرعية. ثانياً: لا يجوز نزع ملكية العقار للمصلحة العامة إلا بمراعاة الضوابط والشروط الشرعية التالية:\r1 - أن يكون نزع العقار مقابل تعويض فوري عادل يقدره أهل الخبرة بما لا يقل عن ثمن المثل.\r2 - أن يكون نازعه ولي الأمر أو نائبه في ذلك المجال.\r3 - أن يكون النزع للمصلحة العامة التي تدعو إليها ضرورة عامة أو حاجة عامة تنزل منزلتها كالمساجد والطرق والجسور.\r4 - أن لا يؤول العقار المنزوع من مالكه إلى توظيفه في الاستثمار العام أو الخاص، وألا يعجل نزع ملكيته قبل الأوان.\rفإن اختلت هذه الشروط أو بعضها كان نزع ملكية العقار من الظلم في الأرض والغصوب التي نهى الله تعالى عنها ورسوله صلّى الله عليه وسلم.\rعلى أنه إذا صرف النظر عن استخدام العقار المنزوعة ملكيته في المصلحة المشار إليها تكون أولوية استرداده لمالكه الأصلي، أو لورثته بالتعويض العادل.\rوالله أعلم","part":7,"page":132},{"id":4418,"text":"قرار رقم (5)\rبشأن\rسندات المقارضة وسندات الاستثمار\rإن مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنعقد في دورة مؤتمره الرابع بجدة في المملكة العربية السعودية من 18-23 جمادى الآخرة 1408 هـ، الموافق 6-11 فبراير 1988 م.\rبعد اطلاعه على الأبحاث المقدمة في موضوع «سندات المقارضة وسندات الاستثمار» والتي كانت حصيلة الندوة التي أقامها المجمع بالتعاون مع المعهد الإسلامي للبحوث والتدريب بالبنك الإسلامي للتنمية بتاريخ 6-9 محرم 1408 هـ/8/30-1987/9/2 م تنفيذاً لقرار رقم (10) المتخذ في الدورة الثالثة للمجمع وشارك فيها عدد من أعضاء المجمع وخبرائه وباحثي المعهد وغيره من المراكز العلمية والاقتصادية وذلك للأهمية البالغة لهذا الموضوع وضرورة استكمال جميع جوانبه، وللدور الفعال لهذه الصيغة في زيادة القدرة على تنمية الموارد العامة عن طريق اجتماع المال والعمل.\rوبعد استعراض التوصيات العشر التي انتهت إليها الندوة ومناقشتها في ضوء الأبحاث المقدمة في الندوة وغيرها.\rقرر ما يلي:\rأولاً: من حيث الصيغة المقبولة شرعاً لصكوك المقارضة :\r1 - سندات المقارضة هي أداة استثمارية تقوم على تجزئة رأس مال القراض (المضاربة) بإصدار صكوك ملكية برأس مال المضاربة على أساس وحدات متساوية القيمة ومسجلة بأسماء أصحابها باعتبارهم يملكون حصصاً شائعة في رأس مال المضاربة وما يتحول إليه، بنسبة ملكية كل منهم فيه.\rويفضل تسمية هذه الأدلة الاستثمارية (صكوك المقارضة).\r2 - الصورة المقبولة شرعاً لسندات المقارضة بوجه عام لا بد أن تتوافر فيها العناصر التالية:\rالعنصر الأول :\rأن يمثل الصك ملكية حصة شائعة في المشروع الذي أصدرت الصكوك لإنشائه أو تمويله، وتستمر هذه الملكية طيلة المشروع من بدايته إلى نهايته.\rوترتب عليها جميع الحقوق والتصرفات المقررة شرعاً للمالك في ملكه من بيع وهبة ورهن وإرث وغيرها، مع ملاحظة أن الصكوك تمثل رأس مال المضاربة.\rالعنصر الثاني :\rيقوم العقد في صكوك المقارضة على أساس أن شروط التعاقد تحددها (نشرة الإصدار) وأن (الإيجاب) يعبر عنه (الاكتتاب) في هذه الصكوك، وأن (القبول) تعبر عنه موافقة الجهة المصدِّرة.","part":7,"page":133},{"id":4419,"text":"ولا بد أن تشتمل نشرة الإصدار على جميع البيانات المطلوبة شرعاً في عقد القراض (المضاربة) من حيث بيان معلومية رأس المال وتوزيع الربح مع بيان الشروط الخاصة بذلك الإصدار على أن تتفق جميع الشروط مع الأحكام الشرعية. العنصر الثالث :\rأن تكون صكوك المقارضة قابلة للتداول بعد انتهاء الفترة المحددة للاكتتاب باعتبار ذلك مأذوناً فيه من المضارب عند نشوء السندات مع مراعاة الضوابط التالية:\rأ ـ إذا كان مال القراض المتجمع بعد الاكتتاب وقبل المباشرة في العمل بالمال ما يزال نقوداً، فإن تداول صكوك المقارضة يعتبر مبادلة نقد بنقد وتطبق عليه أحكام الصرف.\rب ـ إذا أصبح مال القراض ديوناً تطبق على تداول صكوك المقارضة أحكام تداول التعامل بالديون.\rج ـ إذا صار مال القراض موجودات مختلطة من النقود والديون والأعيان والمنافع، فإنه يجوز تداول صكوك المقارضة وفقاً للسعر المتراضى عليه، على أن يكون الغالب في هذه الحالة أعياناً ومنافع. أما إذا كان الغالب نقوداً أو ديوناً فتراعى في التداول الأحكام الشرعية التي ستبينها لائحة تفسيرية توضع وتعرض على المجمع في الدورة القادمة.\rوفي جميع الأحوال يتعين تسجيل التداول أصولياً في سجلات الجهة المصدِّرة.\rالعنصر الرابع :\rأن من يتلقى حصيلة الاكتتاب في الصكوك لاستثمارها وإقامة المشروع بها هو المضارب، أي عامل المضاربة ولا يملك من المشروع إلا بمقدار ما قد يسهم به بشراء بعض الصكوك فهو رب مال بما أسهم به بالإضافة إلى أن المضارب شريك في الربح بعد تحققه بنسبة الحصة المحددة له في نشرة الإصدار وتكون ملكيته في المشروع على هذا الأساس.\rوأن يد المضارب على حصيلة الاكتتاب في الصكوك وعلى موجودات المشروع هي يد أمانة لا يضمن إلا بسبب من أسباب الضمان الشرعية.\r3 - مع مراعاة الضوابط السابقة في التداول:","part":7,"page":134},{"id":4420,"text":"يجوز تداول سندات المقارضة في أسواق الأوراق المالية إن وجدت بالضوابط الشرعية وذلك وفقاً لظروف العرض والطلب ويخضع لإرادة العاقدين. كما يجوز أن يتم التداول بقيام الجهة المصدرة في فترات دورية معينة بإعلان أو إيجاب يوجه إلى الجمهور تلتزم بمقتضاه خلال مدة محددة بشراء هذه الصكوك من ربح مال المضاربة بسعر معين، ويحسن أن يستعين في تحديد السعر بأهل الخبرة وفقاً لظروف السوق والمركز المالي للمشروع. كما يجوز الإعلان عن الالتزام بالشراء من غير الجهة المصدرة من مالها الخاص، على النحو المشار إليه.\r4 - لا يجوز أن تشتمل نشرة الإصدار أو صكوك المقارضة على نص بضمان عامل المضاربة رأس المال أو ضمان ربح مقطوع أو منسوب إلى رأس المال، فإن وقع النص على ذلك صراحة أو ضمناً بَطَلَ شرط الضمان واستحق المضارب ربح مضاربة المثل.\r5 - لا يجوز أن تشتمل نشرة الإصدار ولا صك المقارضة الصادر بناء عليها على نص يلزم بالبيع ولو كان معلقاً أو مضافاً للمستقبل. وإنما يجوز أن يتضمن صك المقارضة وعداً بالبيع. وفي هذه الحالة لا يتم البيع إلا بعقد بالقيمة المقدرة من الخبراء وبرضى الطرفين.\r6 - لا يجوز أن تتضمن نشرة الإصدار ولا الصكوك المصدرة على أساسها نصاً يؤدي إلى احتمال قطع الشركة في الربح فإن وقع كان العقد باطلاً. ويترتب على ذلك:\rأ ـ عدم جواز اشتراط مبلغ محدد لحملة الصكوك أو صاحب المشروع في نشرة الإصدار وصكوك المقارضة الصادرة بناء عليها.\rب ـ أن محل القسمة هو الربح بمعناه الشرعي، وهو الزائد عن رأس المال وليس الإيراد أو الغلة. ويعرف مقدار الربح، إما بالتنضيض أو بالتقويم للمشروع بالنقد، وما زاد عن رأس المال عند التنضيض أو التقويم فهو الربح الذي يوزع بين حملة الصكوك وعامل المضاربة، وفقاً لشروط العقد.\rج ـ أن يعد حساب أرباح وخسائر للمشروع وأن يكون معلناً وتحت تصرف حملة الصكوك.","part":7,"page":135},{"id":4421,"text":"7 - يستحق الربح بالظهور، ويملك بالتنضيض أو التقويم ولا يلزم إلا بالقسمة. وبالنسبة للمشروع الذي يدر إيراداً أو غلة فإنه يجوز أن توزع غلته. وما يوزع على طرفي العقد قبل التنضيض (التصفية) يعتبر مبالغ مدفوعة تحت الحساب.\r8 - ليس هناك ما يمنع شرعاً من النص في نشرة الإصدار على اقتطاع نسبة معينة في نهاية كل دورة، إما من حصة حملة الصكوك في الأرباح في حالة وجود تنضيض دوري، وإما من حصصهم في الإيراد أو الغلة الموزعة تحت الحساب ووضعها في احتياطي خاص لمواجهة مخاطر خسارة رأس المال.\r9 - ليس هناك ما يمنع شرعاً من النص في نشرة الإصدار أو صكوك المقارضة على وعد طرف ثالث منفصل في شخصيته وذمته المالية عن طرفي العقد بالتبرع بدون مقابل بمبلغ مخصص لجبر الخسران في مشروع معين، على أن يكون التزاماً مستقلاً عن عقد المضاربة بمعنى أن قيامه بالوفاء بالتزامه ليس شرطاً في نفاذ العقد وترتب أحكامه عليه بين أطرافه ومن ثم فليس لحملة الصكوك أو عامل المضاربة الدفع ببطلان المضاربة أو الامتناع عن الوفاء بالتزاماتهم بها بسبب عدم قيام المتبرع بالوفاء بما تبرع به بحجة أن هذا الالتزام كان محل اعتبار في العقد.\rثانياً:\rاستعرض مجلس المجمع أربع صيغ أخرى اشتملت عليها توصيات الندوة التي أقامها المجمع، وهي مقترحة للاستفادة منها في إطار تعمير الوقف واستثماره دون الإخلال بالشروط التي يحافظ فيها على تأبيد الوقف وهي:\rأ - إقامة شركة بين جهة الوقف بقيمة أعيانه وبين أرباب المال بما يوظفونه لتعمير الوقف.\rب ـ تقديم أعيان الوقف ( كأصل ثابت ) إلى من يعمل فيها بتعميرها من ماله بنسبة من الريع.\rج ـ تعمير الوقف بعقد الاستصناع مع المصاريف الإسلامية لقاء بدل من الريع.\rد ـ إيجار الوقف بأجرة عينية هي البناء عليها وحده، أو مع أجرة يسيرة.\rوقد اتفق رأي مجلس المجمع مع توصية الندوة بشأن هذه الصيغ من حيث حاجتها إلى مزيد من البحث والنظر، وعهد إلى الأمانة العامة الاستكتاب فيها، مع البحث عن صيغ شرعية أخرى للاستثمار، وعقد ندوة لهذه الصيغ لعرض نتائجها على المجمع في دورته القادمة.\rوالله أعلم","part":7,"page":136},{"id":4422,"text":"قرار رقم(6)\rبشأن\rبدل الخلو\rإن مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنعقد في دورة مؤتمره الرابع بجدة في المملكة العربية السعودية من 18-23 جمادى الآخرة 1408 هـ، الموافق 6-11 فبراير 1988 م.\rبعد اطلاعه على الأبحاث الفقهية الواردة إلى المجمع بخصوص (بدل الخلو) وبناء عليه.\rقرر ما يلي:\rأولاً: تنقسم صور الاتفاق على بدل الخلو إلى أربع صور هي:\r1 - أن يكون الاتفاق بين مالك العقار وبين المستأجر عند بدء العقد.\r2 - أن يكون الاتفاق بين المستأجر وبين المالك وذلك في أثناء مدة عقد الإجارة أو بعد انتهائها.\r3 - أن يكون الاتفاق بين المستأجر وبين مستأجر جديد، في أثناء مدة عقد الإجارة أو بعد انتهائها.\r4 - أن يكون الاتفاق بين المستأجر الجديد وبين كل من المالك والمستأجر الأول قبل انتهاء المدة، أو بعد انتهائها. ثانياً: إذا اتفق المالك والمستأجر على أن يدفع المستأجر للمالك مبلغاً مقطوعاً زائداً عن الأجرة الدورية (وهو ما يسمى في بعض البلاد خلواً)، فلا مانع شرعاً من دفع هذا المبلغ المقطوع على أن يعد جزءاً من أجرة المدة المتفق عليها، وفي حالة الفسخ تطبق على هذا المبلغ أحكام الأجرة.\rثالثاً: إذا تم الاتفاق بين المالك وبين المستأجر أثناء مدة الإجارة على أن يدفع المالك إلى المستأجر مبلغاً مقابل تخليه عن حقه الثابت بالعقد في ملك منفعة بقية المدة، فإن بدل الخلو هذا جائز شرعاً، لأنه تعويض عن تنازل المستأجر برضاه عن حقه في المنفعة التي باعها للمالك.","part":7,"page":137},{"id":4423,"text":"أما إذا انقضت مدة الإجارة، ولم يتجدد العقد صراحة أو ضمناً عن طريق التجديد التلقائي حسب الصيغة المفيدة له، فلا يحل بدل الخلو، لأن المالك أحق بملكه بعد انقضاء حق المستأجر.\rرابعاً: إذا تم الاتفاق بين المستأجر الأول وبين المستأجر الجديد أثناء مدة الإجارة على التنازل عن بقية مدة العقد لقاء مبلغ زائد عن الأجرة الدورية، فإن بدل الخلو هذا جائز شرعاً، مع مراعاة مقتضى عقد الإجارة المبرم بين المالك والمستأجر الأول، ومراعاة ما تقضي به القوانين النافذة الموافقة للأحكام الشرعية.\rعلى أنه في الإجارات الطويلة المدة خلافاً لنص عقد الإجارة طبقاً لما تسوغه بعض القوانين لا يجوز للمستأجر إيجار العين لمستأجر آخر، ولا أخذ بدل الخلو فيها إلا بموافقة المالك.\rأما إذا تم الاتفاق بين المستأجر الأول وبين المستأجر الجديد بعد انقضاء المدة فلا يحل بدل الخلو، لانقضاء حق المستأجر الأول في منفعة العين.\rوالله أعلم قرار رقم(7)\rبشأن\rبيع الاسم التجاري والترخيص\rإن مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنعقد في دورة مؤتمره الرابع بجدة في المملكة العربية السعودية من 18-23 جمادى الآخرة 1408 هـ، الموافق 6-11 فبراير 1988 م.\rبعد اطلاعه على الأبحاث الواردة إلى المجمع بخصوص موضوع «بيع الاسم التجاري والترخيص» والتي تفاوتت في تناولها للموضوع واختلفت المصطلحات المستخدمة فيها تبعاً للأصول اللغوية التي ترجمت عنها تلك الصيغ العصرية، بحيث لم تتوارد الأبحاث على موضوع واحد وتباينت وجهات النظر.\rقرر ما يلي :\rأولاً: تأجيل النظر في هذا الموضوع إلى الدورة الخامسة للمجلس حتى تستوفى دراسته من كل جوانبه مع مراعاة الأمور التالية:\r(أ) اتباع منهجية متقاربة في البحث تبدأ من مقدماته التي يتم فيها تحرير المسألة وتحديد نطاق البحث مع تناول جميع المصطلحات المتداولة في الأبحاث الحقوقية مع مرادفاتها.","part":7,"page":138},{"id":4424,"text":"(ب) الإشارة إلى السوابق التاريخية للموضوع وما طرح فيه من أنظار شرعية أوحقوقية لها أثر في إيضاح التصور وأحكام التقسيم. ثانياً: محاولة إدراج موضوع (بيع الاسم التجاري والترخيص) تحت موضوع عام لتكون الدراسة أحكم والفائدة أعم وأوسع، وذلك تحت عنوان (الحقوق المعنوية) لكي تستوفي المفردات الأخرى من مثل (حق التأليف ـ حق الاختراع أو الابتكار ـ حق الرسالة ـ حق الرسوم والنماذج الصناعية والتجارية من علامات وبيانات.. إلخ).\rثالثاً: يمكن للباحثين أن يركزوا على مفردة معينة من الحقوق المشار إليها، كما يمكنهم توسيع نطاق أبحاثهم لتشمل المفردات المتقاربة في هيكل الموضوع العام.\rوالله الموفق قرار رقم (8)\rبشأن\rالتأجير المنتهي بالتمليك\rوالمرابحة للآمر بالشراء وتغير قيمة العملة\rإن مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنعقد في دورة مؤتمره الرابع بجدة في المملكة العربية السعودية من 18-23 جمادى الآخرة 1408 هـ، الموافق 6-11 فبراير 1988 م.\rقرر مايلي :\rأولاً: تأجيل النظر في كل من موضوع «التأجير المنتهي بالتمليك» وموضوع «المرابحة للآمر بالشراء» وكذلك تأجيل البت في موضوع «تغير قيمة النقد» للحاجة لاستيفاء جوانبه إلى الدورة القادمة.\rثانياً: تكليف الأمانة العامة استيفاء دراسة الموضوعين واستحضار ما قدم من أبحاث في موضوع «التأجير المنتهي بالتمليك» وما صدر فيه من قرارات عن الندوة الفقهية الأولى لبيت التمويل الكويتي التي عقدت عام 1407 هـ (1987 م). وما قدم من أبحاث في موضوع «المرابحة للآمر بالشراء» في ندوة استراتيجية الاستثمار في المصارف الإسلامية التي أقيمت في عمان عام 1407 هـ/1987 م بالتعاون بين المعهد الإسلامي للبحوث والتدريب للبنك الإسلامي للتنمية، والمجمع الملكي لبحوث الحضارة الإسلامية.\rوالله الموفق","part":7,"page":139},{"id":4425,"text":"قرار رقم (9)\rبشأن\rالبهائية\rإن مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنعقد في دورة مؤتمره الرابع بجدة في المملكة العربية السعودية من 18-23 جمادى الآخرة 1408 هـ، الموافق 6-11 فبراير 1988 م.\rـ انطلاقاً من قرار مؤتمر القمة الإسلامي الخامس المنعقد بدولة الكويت من 26 إلى 29 جمادى الأولى 1407 هـ (الموافق 26 إلى 29 يناير 1987 م)، والقاضي بإصدار مجمع الفقه الإسلامي رأيه في المذاهب الهدامة التي تتعارض مع تعاليم القرآن الكريم والسنة المطهرة.\rـ واعتباراً لما تشكله البهائية من أخطار على الساحة الإسلامية وما تلقاه من دعم من قبل الجهات المعادية للإسلام.\rـ وبعد التدبر العميق في معتقدات هذه الفئة والتأكد من أن البهاء مؤسس هذه الفرقة يدعي الرسالة ويزعم أن مؤلفاته وحي منزل، ويدعو الناس أجمعين إلى الإيمان برسالته، وينكر أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم هو خاتم المرسلين ويقول: إن الكتب المنزلة عليه ناسخة للقرآن الكريم، كما يقول بتناسخ الأرواح.\rـ وفي ضوء ما عمد إليه البهاء في كثير من فروع الفقه بالتغيير والإسقاط، ومن ذلك تغييره لعدد الصلوات المكتوبة وأوقاتها إذ جعلها تسعاً تؤدى على ثلاث كرات، في البكورة مرة، وفي الآصال مرة، وفي الزوال مرة، وغير التيمم فجعله يتمثل في أن يقول البهائي «بسم الله الأطهر الأطهر» وجعل الصيام تسعة عشر يوماً تنتهي في عيد النيروز في الواحد والعشرين من مارس في كل عام،وحول القبلة إلى بيت البهاء في عكا بفلسطين المحتلة، وحرم الجهاد وأسقط الحدود، وسوى بين الرجل والمرأة في الميراث وأحل الربا.\rوبعد الاطلاع على البحوث المقدمة في موضوع (مجالات الوحدة الإسلامية) المتضمنة التحذير من الحركات الهدامة التي تفرق الأمة وتهز وحدتها وتجعلها شيعاً وأحزاباً وتؤدي إلى الردة والبعد عن الإسلام.\rيوصي :","part":7,"page":140},{"id":4426,"text":"بوجوب تصدي الهيئات الإسلامية في كافة أنحاء العالم بما لديها من إمكانات لمخاطر هذه النزعة الملحدة التي تستهدف النيل من الإسلام عقيدة وشريعة ومنهاج حياة.\rويقرر :\rاعتبار أن ما ادعاه البهاء من الرسالة ونزول الوحي عليه ونسخ الكتب التي أنزلت عليه للقرآن الكريم، وإدخاله تغييرات على فروع شرعية ثابتة بالتواتر، هو إنكار لما هو معلوم من الدين بالضرورة، ومنكر ذلك تنطبق عليه أحكام الكفار بإجماع المسلمين.\rوالله أعلم قرار رقم (10)\rبشأن\rمشروع تيسير الفقه\rإن مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنعقد في دورة مؤتمره الرابع بجدة في المملكة العربية السعودية من 18-23 جمادى الآخرة 1408 هـ، الموافق 6-11 فبراير 1988 م.\rبعد دراسة التقرير المعد عن مشروع تيسير الفقه والمشتمل على الخطة المقترحة للمشروع كما وردت من اللجنة المكلفة بالإشراف عليه.\rوبعد اطلاعه على تقرير اللجنة الفرعية المكونة في أثناء انعقاد هذه الدورة لدراسة مشروع تيسير الفقه وتوصيتها باعتماد الخطة المشار إليها وتكليف الأمانة العامة للمجمع متابعة تنفيذه.\rقرر ما يلي :\rاعتماد الخطة الواردة في تقرير اللجنة المشرفة على مشروع تيسير الفقه وفق التعديل المقترح منها، وتكليف الأمانة العامة للمجمع متابعة تنفيذه.\rوالله الموفق قرار رقم (11)\rبشأن\rمشروع الموسوعة الفقهية\rإن مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنعقد في دورة مؤتمره الرابع بجدة في المملكة العربية السعودية من 18-23 جمادى الآخرة 1408 هـ، الموافق 6-11 فبراير 1988 م.\rبعد دراسة التقرير المعد من اللجنة المكلفة بإعداد الخطة التنفيذية لمشروع الموسوعة الفقهية، والمشتمل على الخطوات المقترحة للتنفيذ، وهيكل الزمرة المرشحة للبدء بها (زمرة المشاركات)، وخطط مقرراتها.","part":7,"page":141},{"id":4427,"text":"وبعد اطلاعه على تقرير اللجنة الفرعية المكونة في أثناء انعقاد هذه الدورة لدراسة مشروع الموسوعة الفقهية وتوصياتها باعتماد الخطة التنفيذية للمشروع وفق التعديل المقترح منها، والجوانب المقترح إدخالها على خطط الموضوعات والمراجع المضافة إلى قائمة المراجع.\rقرر ما يلي :\rاعتماد الخطة التنفيذية الواردة في تقرير اللجنة المكلفة بإعدادها وفق الاقتراحات المقترحة من اللجنة الفرعية، وتكليف الأمانة العامة للمجمع متابعة تنفيذه.\rوالله الموفق قرار رقم (12) بشأن\rمشروع موسوعة القواعد الفقهية\rإن مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنعقد في دورة مؤتمره الرابع بجدة في المملكة العربية السعودية من 18-23 جمادى الآخرة 1408 هـ، الموافق 6-11 فبراير 1988 م.\rوبعد دراسة التقرير المعد عن مشروع معلمة القواعد الفقهية واطلاعه على تقرير اللجنة المكونة في أثناء انعقاد هذه الدورة لدراسة مشروع موسوعة القواعد الفقهية ومراحل السير فيه، والمشتمل على الصياغة النهائية للمشروع ثم المراحل السبع المقترحة لإعداد الموسوعة وما في المرحلة الأولى والخامسة من تعدد الرأي.\rقرر مايلي :\rأولاً: اعتماد الصياغة النهائية لمشروع موسوعة القواعد الفقهية والمراحل المتفق على اقتراحها من لجنة المشروع.\rثانياً: تكليف الأمانة العامة للمجمع متابعة تنفيذ ما يترك لها واختيار ما تراه مناسباً من الرأيين المطروحين من لجنة المشروع بالنسبة للمرحلة الأولى والخامسة من مراحل إعداده.\rوالله الموفق","part":7,"page":142},{"id":4428,"text":"قرار رقم (13)\rبشأن\rميزان المجمع\rإن مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنعقد في دورة مؤتمره الرابع بجدة في المملكة العربية السعودية من 18-23 جمادى الآخرة 1408 هـ، الموافق 6-11 فبراير 1988 م.\rبعد الإحاطة بما أفادته أمانة المجمع من أن تأخر عقد هذه الدورة اقتضى قيامها بنظر (الميزان)، ثم قامت بفحص بنوده لجنة الرقابة التابعة لمنظمة المؤتمر الإسلامي، ثم قدم إلى اللجنة المالية الدائمة التابعة للمنظمة التي أقرته وستدرجه في أعمال مؤتمر وزراء خارجية الدول الإسلامية.\rقرر :\rاعتماد الإجراء الذي قامت به الأمانة العامة، واعتماد ميزان المجمع.\rوالله الموفق توصيات الدورة الرابعة لمجلس مجمع الفقه الإسلامي\rالحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم النبيين وعلى آله وصحبه.\rإن مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنعقد في دورة مؤتمره الرابع بجدة من 18-23 جمادى الآخرة 1408 هـ، الموافق 6-11 فبراير 1988 م.\rأولاً:\rبعد الاطلاع على البحوث الواردة للمجمع في موضوع «كيفية مكافحة المفاسد الأخلاقية» والتي أوضحت ما يعانيه العالم بأسره من المفاسد الأخلاقية التي أخذت تنتشر في عالمنا الإسلامي بصورة لا ترضي الله تعالى ولا تتوافق مع الدور القيادي المنوط بهذه الأمة في قيادة البشرية نحو الطهر العقدي والأخلاقي والسلوكي.\rوانسجاماً مع خصائص الإسلام المتكاملة وكون الجانب الأخلاقي من أهم جوانب الدين ولا تتحقق الثمار الكاملة للانتماء إلى الإسلام إلا بتطبيق الشريعة الإسلامية بجميع مبادئها وأحكامها وفي شتى مرافق الحياة.\rيوصي :\rأ ـ العمل على تصحيح وتقوية الوازع العقدي عبر القيام بتوعية شاملة وتحسيس بآثار العقيدة الصحيحة في النفوس.\rب ـ السعي إلى تطهير الإعلام المقروء، والمرئي والمسموع والإعلانات التجارية في عالمنا الإسلامي من كل ما يشكل معصية لله تعالى وتنقيته تماماً من كل ما يثير الشهوة أو يسبب الانحراف ويوقع في المفاسد الأخلاقية.","part":7,"page":143},{"id":4429,"text":"جـ ـ وضع الخطط العملية للمحافظة على الأصالة الإسلامية والتراث الإسلامي والقضاء على كل محاولات التغريب والتشبه واستلاب الشخصية الإسلامية والوقوف أمام كل أشكال الغزو الفكري والثقافي الذي يتعارض مع المبادئ والأخلاق الإسلامية.\rوأن توجد رقابة إسلامية صارمة على الأنشطة السياحية والابتعاث إلى الخارج حتى لا تتسبب في هدم مقومات الشخصية الإسلامية وأخلاقها.\rد ـ توجيه التعليم وجهة إسلامية وتدريس كل العلوم من منطلق إسلامي وجعل المواد الدينية مواد أساسية في كل المراحل والتخصصات مما يقوي العقيدة الإسلامية ويؤصل الأخلاق الإسلامية في النفوس. كما يجب أن تحرص الأمة أن تكون رائدة في مجالات العلم المتعددة.\rهـ ـ بناء الأسرة الإسلامية بناء صحيحاً وتيسير الزواج والحث عليه وحث الآباء والأمهات على تنشئة البنين والبنات تنشئة صحيحة حتى يكونوا جيلاً قوياً يعبد الله على حق ويتولى المهمة الدائمة لنشر الإسلام والدعوة إليه. وأن تهيأ المرأة لتقوم بدورها أمّاً وربة بيت حسبما تقضي به الشريعة الإسلامية والقضاء على ظاهرة انتشار استخدام المربيات الأجنبيات خاصة غير المسلمات.\rو ـ تهيئة جميع الوسائل التي تحقق تربية النشء تربية إسلامية بحيث يلتزم بأركان الإسلام وسلوكياته ويدرك واجباته تجاه ربه وأمته ويتخلص من الخواء الروحي الذي يتسبب في تعاطي المخدرات والمسكرات والتفسخ الأخلاقي بأشكاله المتعددة وإشغال الشباب بمهمات الأمور وإعطائه المسؤوليات كل حسب قدرته وكفاءته وإشغال أوقات الفراغ لديهم بما هو مفيد وإيجاد وسائل الترفيه والرياضيات والمسابقات البريئة الطاهرة وأن توجه وجهة إسلامية كاملة.\rثانياً:","part":7,"page":144},{"id":4430,"text":"بعد الاطلاع على البحوث الواردة للمجمع في موضوع (مجالات الوحدة الإسلامية وسبل الاستفادة منها) وانطلاقاً من أولوية رابطة الإسلام بين شعوب الأمة الإسلامية وهي رابطة لا انفصام لها، وأساس متين للتضامن المنشود وقاعدة ثابتة لكل بناء حضاري يرمي إلى توحيد صفوفها وإلى التأليف بين الجهود المبذولة في مجابهة التحديات المعاصرة وتحقيق العزة والتقدم.\rوبما أن في رابطة الإسلام حافزاً قوياً وعاملاً باقياً لأحكام التوجه ولتنسيق سياسات الدول الإسلامية في مختلف ميادين التنمية الاقتصادية والاجتماعية ولتوثيق علاقات التناصر والتعاون والمرحمة بين شعوب الأمة في رفع ما يعوق سيرها من ألوان التبعية ويجابهها من التحديات المعاصرة وفي بلوغ ما تسعى لتحقيقه من رقي ومنعة وازدهار.\rيوصي أيضاً بما يلي :\rأ ـ الذود عن العقيدة الإسلامية، وتمكينها بصورتها النقية من الشوائب، والتحذير من كل ما يؤدي إلى هدمها أو التشكيك في أصولها، ويقسم وحدة المسلمين ويجعلهم مختلفين متنابذين.\rب ـ تأكيد عناية مجمع الفقه الإسلامي بالأبحاث والدراسات الفقهية التي ترمي إلى مجابهة التحديات الفكرية الناشئة عن مقتضيات المعاصرة واهتمام الفقه الإسلامي بمشكلات المجتمع واعتماده كعنصر أساسي في النهضة الفكرية للأمة وتوسيع دائرة اعتماده فيما تسنه الدول الإسلامية من تشاريع وقوانين في عامة شؤون المجتمع.\rجـ ـ وجوب التناسق الوثيق في ميدان التربية والتعليم مضموناً ومنهاجاً على السبيل القويمة للحضارة الفكرية التي بناها الإسلام بغية تكوين أجيال من المسلمين متوحدين في المرجع التعبدي متقاربين في التوجه الفكري متشاركين في الاعتزاز بالانتساب الحضاري.\rد ـ إعطاء درجة عالية من الأولوية للبحث العلمي في مختلف ميادين المعرفة وتخصيص نسبة 1% من الناتج الإجمالي لتمويل البرامج البحثية وإنشاء المخابر العلمية على أساس وثيق من التكامل والتعاون بين الجامعات الإسلامية.","part":7,"page":145},{"id":4431,"text":"هـ ـ العمل مع الجامعات الإسلامية على ضبط برنامج دراسي يتألف من عدد من المحاور الكبرى تكون غرضاً للبحث الفقهي، و إنشاء لجنة عليا من المفكرين المسلمين لمتابعة هذه الأبحاث وإجازتها، وتخصيص جائزة تفوق لمكافأة أحسنها.\rو ـ أن يكون الإعلام في بلاد المسلمين بكل أنواعه المسموعة والمقروءة والمرئية إعلاماً هادفاً إلى تحقيق العبودية لله في أرضه، وبث الخير ونشر الفضيلة والتحرر من المبادئ الهدامة للفكر والخلق، والملحدة في دين الله، والمنحرفة عن الصراط المستقيم. ودعم جهود توحيده.\rز ـ إقامة اقتصاد إسلامي لا شرقي ولا غربي، بل اقتصاد إسلامي خالص مع إقامة سوق إسلامية مشتركة، يتعاون فيها المسلمون على الإنتاج وتسويقه دون الحاجة إلى غيرهم؛ لأن الاقتصاد ركن مهم من أركان قيام المجتمعات، وتكامله سبيل للوحدة بين شعوب الأمة الإسلامية. ثالثاً:\rانطلاقاً من أن (إسلامية التعليم) في الديار الإسلامية اليوم ضرورة لا مناص منها لبناء الأجيال الإسلامية بناء سوياً متكاملاً في الفكر والتصور والسلوك والعمل. وذلك بجعل جميع العلوم محكومة بالإسلام في المنطلقات والأهداف، وأن يكون الإسلام بنظمه وضوابطه إطاراً لهذا العلوم، وأن تكون العقيدة الإسلامية قاعدة وأصلاً في بناء المنهج التربوي والتعليمي. وتتلخص أهم معالم المنهج المنشود في (إسلامية التعليم) فيما يلي:\rأ ـ جعل العقيدة الإسلامية قاعدة التصور الإسلامي الكبير الذي يعطي نظرة كلية شاملة للكون والإنسان والحياة، كما تعرِّف الإنسان بخالق الحياة وعلاقته بالكون، وعلاقة الإنسان بخالقه، وبمجتمعه.\rب ـ اتخاذ الإسلام محوراً للعلوم الاجتماعية والإنسانية والاقتصادية والسياسية وإبراز نظرياته الإنسانية وتعلقها بخالق الكون والإنسان والحياة بالتنسيق مع المنظمات الإسلامية العاملة في هذا المجال كالمنظمة الإسلامية للعلوم الطبية والمنظمة الإسلامية للتربية والثقافة والعلوم.","part":7,"page":146},{"id":4432,"text":"جـ ـ العمل على إظهار فساد ما يخالف العقيدة الإسلامية من علوم مادية وملحدة وأخرى مضللة كالكهانة والسحر والتنجيم والتحذير من العلوم التي ذمها وحرمها الإسلام وكذلك العلوم التي تقوم على الفسق والفجور.\rد ـ إعادة كتابة تاريخ العلوم والمعارف وبيان تطورها وإسهامات المسلمين في كل منها وتنقيتها مما دس فيهامن نظريات استشراقية وتغريبية تحرِّف المسار التاريخي الحق، وإعادة النظر في تصنيف العلوم ومناهج البحث وفق النظرة الإسلامية من خلال أنشطة مراكز ومعاهد البحث العلمي ومراكز الاقتصاد الإسلامي في شتى البلاد الإسلامية. هـ ـ إعادة الوشائج بين العلوم التي تبحث في الكون والإنسان والحياة وبين خالقها، فإن العالم الباحث في هذه المجالات يجب أن ينظر فيها على أنها تمثل الإبداع الإلهي، والصنعة الربانية المحكمة.\rو ـ وضع الضوابط والقواعد المستخلصة من الدين الإسلامي أو المنسقة مع أهدافه وغاياته لأن تكون مبادئ لجميع العلوم أو لعلم واحد منها وإبراز عيوب المناهج الغربية التي أقامت فصاماً موهوماً بين الدين والعلم، أو بنت العلوم بناء خاطئاً كعلم التاريخ والاقتصاد والاجتماع.\rوينبغي أن يؤخذ في الاعتبار أن هناك مشروعاً يشكل ظهيراً لإسلامية التعليم بل ربما كان من الوسائل الضرورية له وهو مشروع (إسلامية المعرفة) وينهض (المعهد العالمي للفكر الإسلامي) بمتطلباته من حيث التخطيط ورسم سبل التنفيذ من خلال مقالات ومؤلفات وندوات.\rوالله الموفق","part":7,"page":147},{"id":4433,"text":"القرَارات وَالتوصيَات\rالدَّورَة الخامسَة لمجلس مجْمَع الفقه الإسلامي\rالكويت: 1-6 جمادى الأولى 1409 هـ/10-15 ديسمبر 1988 م\rبسم الله الرحمن الرحيم\rالحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد خاتم النبييين وعلى آله وصحبه.\rقرار رقم (1)\rبشأن\rتنظيم النسل\rإن مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنعقد في دورة مؤتمره الخامس بالكويت من 1 إلى 6 جمادى الأولى 1409 هـ/10 إلى 15 كانون الأول (ديسمبر) 1988م.\rبعد اطلاعه على البحوث المقدمة من الأعضاء والخبراء في موضوع (تنظيم النسل) واستماعه للمناقشات التي دارت حوله.\rوبناء على أن من مقاصد الزواج في الشريعة الإسلامية الإنجاب والحفاظ على النوع الإنساني وأنه لا يجوز إهدار هذا المقصد، لأن إهداره يتنافى مع نصوص الشريعة وتوجيهاتها الداعية إلى تكثير النسل والحفاظ عليه والعناية به باعتبار حفظ النسل أحد الكليات الخمس التي جاءت الشرائع برعايتها.\rقرر مايلي :\rأولاً: لا يجوز إصدار قانون عام يحد من حرية الزوجين في الإنجاب.\rثانياً: يحرم استئصال القدرة على الإنجاب في الرجل أو المرأة، وهو ما يعرف بـ (الإعقام) أو (التعقيم)، ما لم تدع إلى ذلك ضرورة بمعاييرها الشرعية.\rثالثاً: يجوز التحكم المؤقت في الإنجاب بقصد المباعدة بين فترات الحمل، أو إيقافه لمدة معينة من الزمان، إذا دعت إليه حاجة معتبرة شرعاً بحسب تقدير الزوجين عن تشاور بينهما وتراض، بشرط أن لا يترتب على ذلك ضرر، وأن تكون الوسيلة مشروعة، وأن لا يكون فيها عدوان على حمل قائم.\rوالله أعلم قرار رقم (2،3)\rبشأن\rالوفاء بالوعد، والمرابحة للآمر بالشراء\rإن مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنعقد في دورة مؤتمره الخامس بالكويت من 1 إلى 6 جمادى الأولى 1409 هـ/10 إلى 15 كانون الأول (ديسمبر) 1988م.\rبعد اطلاعه على البحوث المقدمة من الأعضاء والخبراء في موضوع (الوفاء بالوعد، والمرابحة للآمر بالشراء) واستماعه للمناقشات التي دارت حولهما.\rقرر :","part":7,"page":148},{"id":4434,"text":"أولاً: أن بيع المرابحة للآمر بالشراء إذا وقع على سلعة بعد دخولها في ملك المأمور، وحصول القبض المطلوب شرعاً، هو بيع جائز، طالما كانت تقع على المأمور مسؤولية التلف قبل التسليم، وتبعة الرد بالعيب الخفي ونحوه من موجبات الرد بعد التسليم، وتوافرت شروط البيع وانتفت موانعه.\rثانياً: الوعد (وهو الذي يصدر من الآمر أو المأمور على وجه الانفراد) يكون ملزماً للواعد ديانة إلا لعذر، وهو ملزم قضاء إذا كان معلقاً على سبب ودخل الموعود في كلفة نتيجة الوعد. ويتحدد أثر الإلزام في هذه الحالة إما بتنفيذ الوعد، وإما بالتعويض عن الضرر الواقع فعلاً بسبب عدم الوفاء بالوعد بلا عذر.\rثالثاً: المواعدة (وهي التي تصدر من الطرفين) تجوز في بيع المرابحة بشرط الخيار للمتواعدين كليهما أو أحدهما، فإذا لم يكن هناك خيار فإنها لا تجوز، لأن المواعدة الملزمة في بيع المرابحة تشبه البيع نفسه، حيث يشترط عندئذ أن يكون البائع مالكاً للمبيع حتى لا تكون هناك مخالفة لنهي النبي صلّى الله عليه وسلم من بيع الإنسان ما ليس عنده.\rويوصي المؤتمر :\rفي ضوء ما لاحظه من أن أكثر المصارف الإسلامية اتجه في أغلب نشاطاته إلى التمويل عن طريق المرابحة للآمر بالشراء.\rيوصي بما يلي :\rأولاً: أن يتوسع نشاط جميع المصارف الإسلامية في شتى أساليب تنمية الاقتصاد ولا سيما إنشاء المشاريع الصناعية أو التجارية بجهود خاصة أو عن طريق المشاركة والمضاربة مع أطراف أخرى.\rثانياً: أن تدرس الحالات العملية لتطبيق (المرابحة للآمر بالشراء) لدى المصارف الإسلامية، لوضع أصول تعصم من وقوع الخلل في التطبيق وتعين على مراعاة الأحكام الشرعية العامة أو الخاصة ببيع المرابحة للآمر بالشراء.\rوالله أعلم قرار رقم (4)\rبشأن\rتغير قيمة العملة\rإن مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنعقد في دورة مؤتمره الخامس بالكويت من 1 إلى 6 جمادى الأولى 1409 هـ/10 إلى 15 كانون الأول (ديسمبر) 1988م.","part":7,"page":149},{"id":4435,"text":"بعد اطلاعه على البحوث المقدمة من الأعضاء والخبراء في موضوع (تغير قيمة العملة) واستماعه للمناقشات التي دارت حوله.\rوبعد الاطلاع على قرار المجمع رقم (9) في الدورة الثالثة بأن العملات الورقية نقود اعتبارية فيها صفة الثمنية كاملة، ولها الأحكام الشرعية المقررة للذهب والفضة من حيث أحكام الربا والزكاة والسلم وسائر أحكامهما.\rقرر مايلي :\rـ العبرة في وفاء الديون الثابتة بعملة ما هي بالمثل وليس بالقيمة لأن الديون تقضى بأمثالها فلا يجوز ربط الديون الثابتة في الذمة أياً كان مصدرها بمستوى الأسعار.\rوالله أعلم. قرار رقم (5)\rبشأن\rالحقوق المعنوية\rإن مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنعقد في دورة مؤتمره الخامس بالكويت من 1 إلى 6 جمادى الأولى 1409 هـ/10 إلى 15 كانون الأول (ديسمبر) 1988م.\rبعد اطلاعه على البحوث المقدمة من الأعضاء والخبراء في موضوع (الحقوق المعنوية) واستماعه للمناقشات التي دارت حوله.\rقرر :\rأولاً: الاسم التجاري، والعنوان التجاري، والعلامة التجارية، والتأليف والاختراع أو الابتكار هي حقوق خاصة لأصحابها أصبح لها في العرف المعاصر قيمة مالية معتبرة لتمول الناس لها. وهذه الحقوق يعتد بها شرعاً فلا يجوز الاعتداء عليها.\rثانياً: يجوز التصرف في الاسم التجاري أو العنوان التجاري أو العلامة التجارية ونقل أي منها بعوض مالي إذا انتفى الغرر والتدليس والغش باعتبار أن ذلك أصبح حقاً مالياً.\rثالثاً: حقوق التأليف والاختراع أو الابتكار مصونة شرعاً، ولأصحابها حق التصرف فيها، ولا يجوز الاعتداء عليها.\rوالله أعلم قرار رقم (6)\rبشأن\rالإيجار المنتهي بالتمليك\rإن مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنعقد في دورة مؤتمره الخامس بالكويت من 1 إلى 6 جمادى الأولى 1409 هـ/10 إلى 15 كانون الأول (ديسمبر) 1988م.\rبعد اطلاعه على البحوث المقدمة من الأعضاء والخبراء في موضوع (الإيجار المنتهي بالتمليك) واستماعه للمناقشات التي دارت حوله.","part":7,"page":150},{"id":4436,"text":"وبعد الاطلاع على قرار المجمع رقم (1) في الدورة الثالثة بشأن الإجابة عن استفسارات البنك الإسلامي للتنمية فقرة (ب) بخصوص عمليات الإيجار.\rقرر :\rأولاً: الأولى الاكتفاء عن صور الإيجار المنتهي بالتمليك ببدائل أخرى منها البديلان التاليان:\r(الأول): البيع بالأقساط مع الحصول على الضمانات الكافية.\r(الثاني): عقد إجارة مع إعطاء المالك الخيار للمستأجر بعد الانتهاء من وفاء جميع الأقساط الإيجارية المستحقة خلال المدة في واحد من الأمور التالية:\rـ مد مدة الإجارة. ـ إنهاء عقد الإجارة ورد العين المأجورة إلى صاحبها.\rـ شراء العين المأجورة بسعر السوق عند انتهاء مدة الإجارة.\rثانياً: هناك صور مختلفة للإيجار المنتهي بالتمليك تقرر تأجيل النظر فيها إلى دورة قادمة بعد تقديم نماذج لعقودها وبيان ما يحيط بها من ملابسات وقيود بالتعاون مع المصارف الإسلامية لدراستها وإصدار القرار في شأنها.\rوالله أعلم\rقرار رقم (7)\rبشأن\rالتمويل العقاري لبناء المساكن وشرائها\rإن مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنعقد في دورة مؤتمره الخامس بالكويت من 1 إلى 6 جمادى الأولى 1409 هـ/10 إلى 15 كانون الأول (ديسمبر) 1988م.\rبعد عرض موضوع (التمويل العقاري لبناء المساكن وشرائها).\rقرر :\rتأجيل النظر في موضوع ( التمويل العقاري لبناء المساكن ) لإصدار القرار الخاص به إلى الدورة السادسة، من أجل مزيد من الدراسة والبحث.\rوالله الموفق قرار رقم (8)\rبشأن\rتحديد أرباح التجار\rإن مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنعقد في دورة مؤتمره الخامس بالكويت من 1 إلى 6 جمادى الأولى 1409 هـ/10 إلى 15 كانون الأول (ديسمبر) 1988م.\rبعد اطلاعه على البحوث المقدمة من الأعضاء والخبراء في موضوع (تحديد أرباح التجار) واستماعه للمناقشات التي دارت حوله.\rقرر :","part":7,"page":151},{"id":4437,"text":"أولاً: الأصل الذي تقرره النصوص والقواعد الشرعية ترك الناس أحراراً في بيعهم وشرائهم وتصرفهم في ممتلكاتهم وأموالهم في إطار أحكام الشريعة الإسلامية الغراء وضوابطها عملاً بمطلق قول الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم} .[البقرة:2/188]\rثانياً: ليس هناك تحديد لنسبة معينة للربح يتقيد بها التجار في معاملاتهم، بل ذلك متروك لظروف التجارة عامة وظروف التاجر والسلع، مع مراعاة ما تقضي به الآداب الشرعية من الرفق والقناعة والسماحة والتيسير.\rثالثاً: تضافرت نصوص الشريعة الإسلامية على وجوب سلامة التعامل من أسباب الحرام وملابساته كالغش، والخديعة، والتدليس، والاستغفال وتزييف حقيقة الربح، والاحتكار، الذي يعود بالضرر على العامة والخاصة. رابعاً: لا يتدخل ولي الأمر بالتسعير إلا حيث يجد خللاً واضحاً في السوق والأسعار ناشئاً من عوامل مصطنعة، فإن لولي الأمر حينئذ التدخل بالوسائل العادلة الممكنة التي تقضي على تلك العوامل وأسباب الخلل والغلاء والغبن الفاحش.\rوالله أعلم\rقرار رقم (9)\rبشأن\rالعرف\rإن مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنعقد في دورة مؤتمره الخامس بالكويت من 1 إلى 6 جمادى الأولى 1409 هـ/10 إلى 15 كانون الأول (ديسمبر) 1988م.\rبعد اطلاعه على البحوث المقدمة من الأعضاء والخبراء في موضوع (العرف) واستماعه للمناقشات التي دارت حوله.\rقرر :\rأولاً: يراد بالعرف ما اعتاده الناس وساروا عليه من قول أو فعل أو ترك، وقد يكون معتبراً شرعاً أو غير معتبر.\rثانياً: العرف إن كان خاصاً فهو معتبر عند أهله وإن كان عاماً فهو معتبر في حق الجميع. ثالثاً: العرف المعتبر شرعاً هو ما استجمع الشروط الآتية:\rأ ـ أن لا يخالف الشريعة، فإن خالف العرف نصاً شرعياً أو قاعدة من قواعد الشريعة فإنه عرف فاسد.\rب ـ أن يكون العرف مطرداً (مستمراً) أو غالباً.","part":7,"page":152},{"id":4438,"text":"ج ـ أن يكون العرف قائماً عند إنشاء التصرف.\rد ـ أن لا يصرح المتعاقدان بخلافه، فإن صرحا بخلافه فلا يعتد به.\rرابعاً: ليس للفقيه ـ مفتياً كان أو قاضياً ـ الجمود على المنقول في كتب الفقهاء من غير مراعاة تبدل الأعراف.\rوالله أعلم\rقرار رقم (10)\rبشأن\rتطبيق أحكام الشريعة الإسلامية\rإن مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنعقد في دورة مؤتمره الخامس بالكويت من 1 إلى 6 جمادى الأولى 1409 هـ/10 إلى 15 كانون الأول (ديسمبر) 1988م.\rبعد اطلاعه على البحوث المقدمة من الأعضاء والخبراء في موضوع (تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية) واستماعه للمناقشات التي دارت حوله. وبمراعاة أن مجمع الفقه الإسلامي الذي انبثق عن إرادة خيّرة من مؤتمر القمة الإسلامية الثالثة بمكة المكرمة، بهدف البحث عن حلول شرعية لمشكلات الأمة الإسلامية وضبط قضايا حياة المسلمين بضوابط الشريعة الإسلامية، وإزالة سائر العوائق التي تحول دون تطبيق شريعة الله وتهيئة جميع السبل اللازمة لتطبيقها، إقراراً بحاكمية الله تعالى، وتحقيقاً لسيادة شريعته، وإزالة للتناقض القائم بين بعض حكام المسلمين وشعوبهم وإزالة لأسباب التوتر والتناقض والصراع في ديارهم وتوفيراً للأمن في بلاد المسلمين.\rقرر :\rأن أول واجب على من يلي أمور المسلمين تطبيق شريعة الله فيهم، ويناشد جميع الحكومات في بلاد المسلمين المبادرة إلى تطبيق الشريعة الإسلامية وتحكيمها تحكيماً تاماً كاملاً مستقراً في جميع مجالات الحياة، ودعوة المجتمعات الإسلامية أفراداً وشعوباً ودولاً للالتزام بدين الله تعالى وتطبيق شريعته باعتبار هذا الدين عقيدة وشريعة وسلوكاً ونظام حياة.\rويوصي بما يلي :\rأ ـ مواصلة المجمع الأبحاث والدراسات المتعمقة في الجوانب المختلفة لموضوع تطبيق الشريعة الإسلامية ومتابعة ما يتم تنفيذه بهذا الشأن في البلاد الإسلامية.","part":7,"page":153},{"id":4439,"text":"ب ـ التنسيق بين المجمع وبين المؤسسات العلمية الأخرى التي تهتم بموضوع تطبيق الشريعة الإسلامية وتعد الخطط والوسائل والدراسات الكفيلة بإزالة العقبات والشبهات التي تعوق تطبيق الشريعة في البلاد الإسلامية. ج ـ تجميع مشروعات القوانين الإسلامية التي تم إعدادها في مختلف البلاد الإسلامية ودراستها للاستفادة منها.\rد ـ الدعوة إلى إصلاح مناهج التربية والتعليم ووسائل الإعلام المختلفة، وتوظيفها للعمل على تطبيق الشريعة الإسلامية، وإعداد جيل مسلم يحتكم إلى شرع الله تعالى.\rهـ ـ التوسع في تأهيل الدارسين والخريجين من قضاة ووكلاء نيابة ومحامين لإعداد الطاقات اللازمة لتطبيق الشريعة الإسلامية.\rوالله الموفق قرار رقم (13)\rبشأن\rاللجنة الإسلامية الدولية للقانون\rإن مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنعقد في دورة مؤتمره الخامس بالكويت من 1 إلى 6 جمادى الأولى 1409 هـ/10 إلى 15 كانون الأول (ديسمبر) 1988م.\rبعد اطلاعه على المذكرة المتعلقة بمشروع النظام الأساسي للجنة الإسلامية الدولية للقانون المحال إليه من المؤتمر السابع عشر لوزراء الخارجية الإسلامية المنعقد بعمان ـ بالمملكة الأردنية الهاشمية بالقرار رقم 17/45 س.\rقرر :\rالموافقة على دراسة مشروع النظام الأساسي للجنة الإسلامية الدولية للقانون وتسلم المهام الموكلة إلى اللجنة لتكون من ضمن نشاطات المجمع.\rوالله الموفق","part":7,"page":154},{"id":4440,"text":"القرارات والتوصيات الصادرة عن مجلس مجمع الفقه الإسلامي في دورة مؤتمره السادس\rالمنعقد في جدة (المملكة العربية بالسعودية)\r17 -23 شعبان 1410 هـ/14-20 مارس 1990 م)\rبسم الله الرحمن الرحيم\rالحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم النبيين وعلى آله وصحبه وسلم.\rقرار رقم (6/1/52)\rبشأن\rالتمويل العقاري لبناء المساكن وشرائها\rإن مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنعقد في دورة مؤتمره السادس بجدة في المملكة العربية السعودية من 17- 23 شعبان 1410 هـ الموافق 14-20 آذار (مارس) 1990 م.\rبعد اطلاعه على البحوث الواردة إلى المجمع بخصوص موضوع: (التمويل العقاري لبناء المساكن وشرائها)\rواستماعه للمناقشات التي دارت حوله،\rقرر :\r1 - أن المسكن من الحاجات الأساسية للإنسان، وينبغي أن يوفر بالطرق المشروعة بمال حلال، وأن الطريقة التي تسلكها البنوك العقارية والإسكانية ونحوها، من الإقراض بفائدة قلت أو كثرت، هي طريقة محرمة شرعاً لما فيها من التعامل بالربا.\r2 - هناك طرق مشروعة يستغنى بها عن الطريقة المحرمة، لتوفير المسكن بالتملك (فضلاً عن إمكانية توفيره بالإيجار) منها:\rأ ـ أن تقدم الدولة للراغبين في تملك مساكن قروضاً مخصصة لإنشاء المساكن، تستوفيها بأقساط ملائمة بدون فائدة سواء أكانت الفائدة صريحة أم تحت ستار اعتبارها (رسم خدمة) على أنه إذا دعت الحاجة إلى تحصيل نفقات لتقديم عمليات القروض ومتابعتها وجب أن يقتصر فيها على التكاليف الفعلية لعملية القرض على النحو المبين في الفقرة (أ) من القرار رقم (1) للدورة الثالثة لهذا المجمع.\rب ـ أن تتولى الدول القادرة إنشاء المساكن وتبيعها للراغبين في تملك مساكن بالأجل والأقساط بالضوابط الشرعية المبينة في القرار (6/2/53) لهذه الدورة.\rجـ ـ أن يتولى المستثمرون من الأفراد أو الشركات بناء مساكن تباع بالأجل.\rد ـ أن تملك المساكن عن طريق عقد الاستصناع ـ على أساس اعتباره لازماً ـ وبذلك يتم شراء المسكن قبل بنائه، بحسب الوصف الدقيق المزيل للجهالة المؤدية للنزاع، دون وجوب تعجيل جميع الثمن، بل يجوز تأجيله بأقساط يتفق عليها، مع مراعاة الشروط والأحوال المقررة لعقد الاستصناع لدى الفقهاء الذين ميزوه عن عقد السلم.\rويوصي :\rبمواصلة النظر لإيجاد طرق أخرى مشروعة توفر تملك المساكن للراغبين في ذلك. قرار رقم (6/2/53)","part":7,"page":155},{"id":4441,"text":"بشأن\r(البيع بالتقسيط )\rإن مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنعقد في دورة مؤتمره السادس بجدة في المملكة العربية السعودية من 17- 23 شعبان 1410 هـ الموافق 14-20 آذار (مارس) 1990 م.\rبعد اطلاعه على البحوث الواردة إلى المجمع بخصوص موضوع:\rالبيع بالتقسيط\rواستماعه للمناقشات التي دارت حوله،\rقرر :\r1 - تجوز الزيادة في الثمن المؤجل عن الثمن الحال. كما يجوز ذكر ثمن المبيع نقداً وثمنه بالأقساط لمدد معلومة. ولا يصح البيع إلا إذا جزم العاقدان بالنقد أو التأجيل. فإن وقع البيع مع التردد بين النقد والتأجيل بأن لم يحصل الاتفاق الجازم على ثمن واحد محدد فهو غير جائز شرعاً.\r2 - لا يجوز شرعاً في بيع الأجل التنصيص في العقد على فوائد التقسيط مفصولة عن الثمن الحال بحيث ترتبط بالأجل، سواء اتفق العاقدان على نسبة الفائدة أم ربطاها بالفائدة السائدة. 3 - إذا تأخر المشتري المدين في دفع الأقساط عن الموعد المحدد فلا يجوز إلزامه أي زيادة على الدين بشرط سابق أو بدون شرط لأن ذلك ربا محرم.\r4 - يحرم على المدين المليء أن يماطل في أداء ما حل من الأقساط ومع ذلك لا يجوز شرعاً اشتراط التعويض في حالة التأخر عن الأداء.\r5 - يجوز شرعاً أن يشترط البائع بالأجل حلول الأقساط قبل مواعيدها عند تأخر المدين في أداء بعضها ما دام المدين قد رضي بهذا الشرط عند التعاقد.\r6- لا حق للبائع في الاحتفاظ بملكية المبيع بعد البيع، ولكن يجوز للبائع أن يشترط على المشتري رهن المبيع عنده لضمان حقه في استيفاء الأقساط المؤجلة.\rويوصي :\rبدراسة بعض المسائل المتصلة ببيع التقسيط للبت فيها إلى ما بعد إعداد دراسات وأبحاث كافية فيها، ومنها:\rأ ـ حسم (خصم) البائع كمبيالات الأقساط المؤجلة لدى البنوك.\rب ـ تعجيل الدين مقابل إسقاط بعضه وهي مسألة (ضع وتعجل).\rجـ ـ أثر الموت في حلول الأقساط المؤجلة.","part":7,"page":156},{"id":4442,"text":"قرار رقم (6/3/54)\rبشأن\rإجراء العقود بآلات الاتصال الحديثة\rإن مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنعقد في دورة مؤتمره السادس بجدة في المملكة العربية السعودية من 17- 23 شعبان 1410 هـ الموافق 14-20 آذار (مارس) 1990 م.\rبعد اطلاعه على البحوث الواردة إلى المجمع بخصوص موضوع:\rإجراء العقود بآلات الاتصال الحديثة،\rونظراً إلى التطور الكبير الذي حصل في وسائل الاتصال وجريان العمل بها في إبرام العقود لسرعة إنجاز المعاملات المالية والتصرفات.\rوباستحضار ما تعرض له الفقهاء بشأن إبرام العقود بالخطاب وبالكتابة وبالإشارة وبالرسول، وما تقرر من أن التعاقد بين الحاضرين يشترط له اتحاد المجلس (عدا الوصية والإيصاء والوكالة) وتطابق الإيجاب والقبول، وعدم صدور ما يدل على إعراض أحد العاقدين عن التعاقد، والموالاة بين الإيجاب والقبول بحسب العرف:\rقرر :\r1 - إذا تم التعاقد بين غائبين لا يجمعهما مكان واحد، ولا يرى أحدهما الآخر معاينة، ولا يسمع كلامه، وكانت وسيلة الاتصال بينهما الكتابة أو الرسالة أو السفارة (الرسول)، وينطبق ذلك على البرق والتلكس والفاكس وشاشات الحاسب الآلي (الكومبيوتر) ففي هذه الحالة ينعقد العقد عند وصول الإيجاب إلى الموجه إليه وقبوله.\r2 - إذا تم التعاقد بين طرفين في وقت واحد وهما في مكانين متباعدين، وينطبق هذا على الهاتف واللاسلكي، فإن التعاقد بينهما يعتبر تعاقداً بين حاضرين وتطبق على هذه الحالة الأحكام الأصلية المقررة لدى الفقهاء المشار إليها في الديباجة.\r3 - إذا أصدر العارض بهذه الوسائل إيجاباً محدد المدة يكون ملزماً بالبقاء على إيجابه خلال تلك المدة، وليس له الرجوع عنه.\r4 - أن القواعد السابقة لا تشمل النكاح لاشتراط الإشهاد فيه، ولا الصرف لاشتراط التقابض، ولا السلم لاشتراط تعجيل رأس المال.\r5 - ما يتعلق باحتمال التزييف أو التزوير أو الغلط يرجع فيه إلى القواعد العامة للإثبات.","part":7,"page":157},{"id":4443,"text":"قرار رقم (6/4/55)\rبشأن\rالقبض: صوره وبخاصة المستجدة منها وأحكامها\rإن مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنعقد في دورة مؤتمره السادس بجدة في المملكة العربية السعودية من 17- 23 شعبان 1410 هـ الموافق 14-20 آذار (مارس) 1990 م.\rبعد اطلاعه على البحوث الواردة إلى المجمع بخصوص موضوع:\rالقبض: صوره وبخاصة المستجدة منها وأحكامها،\rواستماعه للمناقشات التي دارت حوله،\rقرر :\rأولاً: قبض الأموال كما يكون حسياً في حالة الأخذ باليد، أو الكيل أو الوزن في الطعام، أو النقل والتحويل إلى حوزة القابض، يتحقق اعتباراً وحكماً بالتخلية مع التمكين من التصرف ولو لم يوجد القبض حساً، وتختلف كيفية قبض الأشياء بحسب حالها واختلاف الأعراف فيما يكون قبضاً لها.\rثانياً: أن من صور القبض الحكمي المعتبرة شرعاً وعرفاً:\r1) القيد المصرفي لمبلغ من المال في حساب العميل في الحالات التالية:\rأ - إذا أودع في حساب العميل مبلغ من المال مباشرة أو بحوالة مصرفية. ب ـ إذا عقد العميل عقد صرف ناجز بينه وبين المصرف في حال شراء عملة بعملة أخرى لحساب العميل.\rج ـ إذا اقتطع المصرف ـ بأمر العميل ـ مبلغاً من حساب له إلى حساب آخر بعملة أخرى، في المصرف نفسه أو غيره، لصالح العميل أو لمستفيد آخر. وعلى المصارف مراعاة قواعد عقد الصرف في الشريعة الإسلامية.\rويغتفر تأخير القيد المصرفي بالصورة التي يتمكن المستفيد بها من التسلم الفعلي، للمدد المتعارف عليها في أسواق التعامل. على أنه لا يجوز للمستفيد أن يتصرف في العملة خلال المدة المغتفرة إلا بعد أن يحصل أثر القيد المصرفي بإمكان التسلم الفعلي.\r2) تسلم الشيك إذا كان له رصيد قابل للسحب بالعملة المكتوب بها عند استيفائه، وحجزه للمصرف. قرار رقم (6/5/56)\rبشأن\r(زراعة خلايا المخ والجهاز العصبي )\rإن مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنعقد في دورة مؤتمره السادس بجدة في المملكة العربية السعودية من 17-23 شعبان 1410 هـ، الموافق 14-20 آذار (مارس) 1990 م.","part":7,"page":158},{"id":4444,"text":"بعد اطلاعه على الأبحاث والتوصيات المتعلقة بهذا الموضوع الذي كان أحد موضوعات الندوة الفقهية الطبية السادسة المنعقدة في الكويت من 23-26 ربيع الأول 1410 هـ، الموافق 23-1989/10/26م، بالتعاون بين هذا المجمع وبين المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية.\rوفي ضوء ما انتهت إليه الندوة المشار إليها من أنه لا يقصد من ذلك نقل مخ إنسان إلى إنسان آخر، وإنما الغرض من هذه الزراعة علاج قصور خلايا معينة في المخ عن إفراز مادتها الكيميائية أو الهرمونية بالقدر السوي فتودع في موطنها خلايا مثيلة من مصدر آخر، أو علاج فجوة في الجهاز العصبي نتيجة بعض الإصابات.\rقرر :\r1 - إذا كان المصدر للحصول على الأنسجة هو الغدة الكظرية للمريض نفسه وفيه ميزة القبول المناعي لأن الخلايا من الجسم نفسه، فلا بأس من ذلك شرعاً.\r2 - إذا كان المصدر هوأخذها من جنين حيواني، فلا مانع من هذه الطريقة إن أمكن نجاحها ولم يترتب على ذلك محاذير شرعية. وقد ذكر الأطباء أن هذه الطريقة نجحت بين فصائل مختلفة من الحيوان ومن المأمول نجاحها باتخاذ الاحتياطات الطبية اللازمة لتفادي الرفض المناعي.\r3 - إذا كان المصدر للحصول على الأنسجة هو خلايا حية من مخ جنين باكر (في الاسبوع العاشر أو الحادي عشر) فيختلف الحكم على النحو التالي:\rأ ـ الطريقة الأولى :\rأخذها مباشرة من الجنين الإنساني في بطن أمه، بفتح الرحم جراحياً وتستتبع هذه الطريقة إماتة الجنين بمجرد أخذ الخلايا من مخه، ويحرم ذلك شرعاً إلا إذا كان بعد إجهاض طبيعي غير متعمد أو إجهاض مشروع لإنقاذ حياة الأم وتحقق موت الجنين، مع مراعاة الشروط التي سترد في موضوع الاستفادة من الأجنة في القرار رقم (6/8/59) لهذه الدورة.\rب - الطريقة الثانية :","part":7,"page":159},{"id":4445,"text":"وهي طريقة قد يحملها المستقبل القريب في طياته باستزراع خلايا المخ في مزارع للإفادة منها ولا بأس في ذلك شرعاً إذا كان المصدر للخلايا المستزرعة مشروعاً، وتم الحصول عليها على الوجه المشروع.\r4 - المولود اللادماغي :\rطالما ولد حياً، لا يجوز التعرض له بأخذ شيء من أعضائه إلى أن يتحقق موته بموت جذع دماغه، ولا فرق بينه وبين غيره من الأسوياء في هذا الموضوع، فإذا مات فإن الأخذ من أعضائه تراعى فيه الأحكام والشروط المعتبرة في نقل أعضاء الموتى من الإذن المعتبر، وعدم وجود البديل وتحقق الضرورة وغيرها مماتضمنه القرار رقم (1) من قرارات الدورة الرابعة لهذا المجمع. ولا مانع شرعاً من إبقاء هذا المولود اللادماغي على أجهزة الانعاش إلى ما بعد موت جذع المخ (والذي يمكن تشخيصه) للمحافظة على حيوية الأعضاء الصالحة للنقل توطئة للاستفادة منها بنقلها إلى غيره بالشروط المشار إليها.\rقرار رقم (6/6/57)\rبشأن\rالبييضات الملقحة الزائدة عن الحاجة\rإن مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنعقد في دورة مؤتمره السادس بجدة في المملكة العربية السعودية من 17- 23 شعبان 1410 هـ الموافق 14-20 آذار (مارس) 1990 م.\rبعد اطلاعه على الأبحاث والتوصيات المتعلقة بهذا الموضوع الذي كان أحد موضوعات الندوة الفقهية الطبية السادسة المنعقدة في الكويت من 23-26 ربيع الأول 1410 هـ، الموافق 23-1980/10/26 م، بالتعاون بين هذا المجمع وبين المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية،\rوبعد الاطلاع على التوصيتين الثالثة عشرة والرابعة عشرة المتخذتين في الندوة الثالثة التي عقدتها المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية في الكويت 20-23 شعبان 1407 هـ/18-1987/4/21 م بشأن مصير البييضات الملقحة والتوصية الخامسة للندوة الأولى للمنظمة الإسلامية للعلوم الطبية المنعقدة في الكويت 11-14 شعبان 1403 هـ/24-1982/5/27 م في الموضوع نفسه.\rقرر :","part":7,"page":160},{"id":4446,"text":"1 - في ضوء ما تحقق علمياً من إمكان حفظ البييضات غير ملقحة للسحب منها، يجب عند تلقيح البييضات الاقتصار على العدد المطلوب للزرع في كل مرة، تفادياً لوجود فائض من البييضات الملقحة.\r2 - إذا حصل فائض من البييضات الملقحة بأي وجه من الوجوه تترك دون عناية طبية إلى أن تنتهي حياة ذلك الفائض على الوجه الطبيعي.\r3 - يحرم استخدام البييضة الملقحة في امرأة أخرى، ويجب اتخاذ الاحتياطات الكفيلة بالحيلولةدون استعمال البييضة الملقحة في حمل غير مشروع.\rقرار رقم (6/7/58)\rبشأن\rاستخدام الأجنة مصدراً لزراعة الأعضاء\rإن مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنعقد في دورة مؤتمره السادس بجدة في المملكة العربية السعودية من 17- 23 شعبان 1410 هـ الموافق 14-20 آذار (مارس) 1990 م.\rبعد اطلاعه على الأبحاث والتوصيات المتعلقة بهذا الموضوع الذي كان أحد موضوعات الندوة الفقهية الطبية السادسة المنعقدة في الكويت من 23-26 ربيع الأول 1410 هـ، الموافق 23-1989/10/26م، بالتعاون بين هذا المجمع وبين المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية.\rقرر :\r1 - لا يجوز استخدام الأجنة مصدراً للأعضاء المطلوب زرعها في إنسان آخر إلا في حالات بضوابط لابد من توافرها:\rأ ـ لا يجوز إحداث إجهاض من أجل استخدام الجنين لزرع أعضائه في إنسان آخر، بل يقتصر الإجهاض على الإجهاض الطبيعي غير المتعمد والإجهاض للعذر الشرعي ولا يلجأ لإجراء العملية الجراحية لاستخراج الجنين إلا إذا تعينت لإنقاذ حياة الأم.\rب ـ إذا كان الجنين قابلاً لاستمرار الحياة فيجب أن يتجه العلاج الطبي إلى استبقاء حياته والمحافظة عليها، لا إلى استثماره لزراعة الأعضاء وإذا كان غير قابل لاستمرار الحياة فلا يجوز الاستفادة منه إلا بعد موته بالشروط الواردة في القرار رقم (1) للدورة الرابعة لهذا المجمع.\r2 - لا يجوز أن تخضع عمليات زرع الأعضاء للأغراض التجارية على الإطلاق.","part":7,"page":161},{"id":4447,"text":"3 -لا بد أن يسند الإشراف على عمليات زراعة الأعضاء إلى هيئة متخصصة موثوقة. قرار رقم (6/8/59)بشأن\rزراعة الأعضاء التناسلية\rإن مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنعقد في دورة مؤتمره السادس بجدة في المملكة العربية السعودية من 17-23 شعبان 1410 هـ،الموافق 14-20 آذار/مارس 1990 م.\rبعد اطلاعه على الأبحاث والتوصيات المتعلقة بهذا الموضوع الذي كان أحد موضوعات الندوة الفقهية الطبية السادسة المنعقدة في الكويت من 23-26 ربيع الأول 1410 هـ، الموافق 23-1989/10/26 م، بالتعاون بين هذا المجمع وبين المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية.\rقرر :\r1 - زرع الغدد التناسلية :\rبما أن الخصية والمبيض يستمران في حمل وإفراز الصفات الوراثية (الشفرة الوراثية) للمنقول منه حتى بعد زرعهما في متلق جديد، فإن زرعهما محرم شرعاً.\r2 - زرع أعضاء الجهاز التناسلي :\rزرع بعض أعضاء الجهاز التناسلي التي لا تنقل الصفات الوراثية ـ ما عدا العورات المغلظة ـ جائز لضرورة مشروعة ووفق الضوابط والمعايير الشرعية المبينة في القرار رقم (1) للدورة الرابعة لهذا المجمع. قرار رقم (6/9/60)\rبشأن\rزراعة عضو استؤصل في حد أو قصاص\rإن مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنعقد في دورة مؤتمره السادس بجدة في المملكة العربية السعودية من 17-23 شعبان 1410 هـ،الموافق 14-20 آذار/مارس 1990 م.\rبعد اطلاعه على البحوث الواردة إلى المجمع بخصوص موضوع:\r( زراعة عضو استؤصل في حد أو قصاص )\rواستماعه للمناقشات التي دارت حوله.\rوبمراعاة مقاصد الشريعة من تطبيق الحد من أجل الزجر والردع والنكال، وإبقاء للمراد من العقوبة بدوام أثرها للعبرة والعظة وقطع دابر الجريمة، ونظراً إلى أن إعادة العضو المقطوع تتطلب الفورية في عرف الطب الحديث، فلا يكون ذلك إلا بتواطؤ وإعداد طبي خاص ينبئ عن التهاون في جدية إقامة الحد وفاعليته.\rقرر :","part":7,"page":162},{"id":4448,"text":"1 - لا يجوز شرعاً إعادة العضو المقطوع تنفيذاً للحد لأن في بقاء أثر الحد تحقيقاً كاملاً للعقوبة المقررة شرعاً، ومنعاً للتهاون في استيفائها، وتفادياً لمصادمة حكم الشرع في الظاهر. 2 - بما أن القصاص قد شرع لإقامة العدل وإنصاف المجني عليه، وصون حق الحياة للمجتمع، وتوفير الأمن والاستقرار، فإنه لا يجوز إعادة عضو استؤصل تنفيذاً للقصاص، إلا في الحالات التالية:\rأ ـ أن يأذن المجني عليه بعد تنفيذ القصاص بإعادة العضو المقطوع.\rب ـ أن يكون المجني عليه قد تمكن من إعادة العضو المقطوع منه.\r3 - يجوز إعادة العضو الذي استؤصل في حد أو قصاص بسبب خطأ في الحكم أو في التنفيذ . قرار رقم (6/10/61)\rبشأن\rالأسواق المالية\rإن مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنعقد في دورة مؤتمره السادس بجدة في المملكة العربية السعودية من 17-23 شعبان 1410 هـ،الموافق 14-20 آذار/مارس 1990 م.\rبعد اطلاعه على الأبحاث والتوصيات والنتائج المقدمة من ندوة (الأسواق المالية) المنعقدة في الرباط 20-24 ربيع الثاني 1410 هـ، 20-1989/10/24 م بالتعاون بين هذا المجمع والمعهد الإسلامي للبحوث والتدريب بالبنك الإسلامي للتنمية، وباستضافة وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بالمملكة المغربية.\rوفي ضوء ما هو مقرر في الشريعة الإسلامية من الحث على الكسب الحلال واستثمار المال وتنمية المدخرات على أسس الاستثمار الإسلامي القائم على المشاركة في الأعباء وتحمل المخاطر، ومنها مخاطر المديونية.","part":7,"page":163},{"id":4449,"text":"ولما للأسواق المالية من دور في تداول الأموال وتنشيط استثمارها، ولكون الاهتمام بها والبحث عن أحكامها يلبي حاجة ماسة لتعريف الناس بفقه دينهم في المستجدات العصرية ويتلاقى مع الجهود الأصيلة للفقهاء في بيان أحكام المعاملات المالية وبخاصة أحكام السوق ونظام الحسبة على الأسواق، وتشمل الأهمية الأسواق الثانوية التي تتيح للمستثمرين أن يعاودوا دخول السوق الأولية وتشكل فرصة للحصول على السيولة وتشجع على توظيف المال ثقة بإمكان الخروج من السوق عند الحاجة.\rوبعد الاطلاع على ما تناولته البحوث المقدمة بشأن نظم وقوانين الأسواق المالية القائمة وآلياتها وأدواتها.\rقرر :\r1 - أن الاهتمام بالأسواق المالية هو من تمام إقامة الواجب في حفظ المال وتنميته باعتبار ما يستتبعه هذا من التعاون لسد الحاجات العامة وأداء ما في المال من حقوق دينية أو دنيوية.\r2 - إن هذه الأسواق المالية ـ مع الحاجة إلى أصل فكرتها ـ هي في حالتها الراهنة ليست النموذج المحقق لأهداف تنمية المال واستثماره من الوجهة الإسلامية. وهذا الوضع يتطلب بذل جهود علمية مشتركة من الفقهاء والاقتصاديين لمراجعة ما تقوم عليه من أنظمة، وما تعتمده من آليات وأدوات، وتعديل ما ينبغي تعديله في ضوء مقررات الشريعة الإسلامية.\r3 - إن فكرة الأسواق المالية تقوم على أنظمة إدارية وإجرائية، ولذا يستند الالتزام بها إلى تطبيق قاعدة المصالح المرسلة فيما يندرج تحت أصل شرعي عام ولا يخالف نصاً أو قاعدة شرعية، وهي لذلك من قبيل التنظيم الذي يقوم به ولي الأمر في الحرف والمرافق الأخرى وليس لأحد مخالفة تنظيمات ولي الأمر أو التحايل عليها ما دامت مستوفية الضوابط والأصول الشرعية.\rويوصي :\rباستكمال النظر في الأدوات والصيغ المستخدمة في الأسواق المالية بكتابة الدراسات والأبحاث الفقهية والاقتصادية الكافية.","part":7,"page":164},{"id":4450,"text":"قرار رقم (6/11/62)\rبشأن\rالسندات\rإن مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنعقد في دورة مؤتمره السادس بجدة في المملكة العربية السعودية من 17-23 شعبان 1410هـ، الموافق 14-20 آذار/مارس 1990م.\rبعد اطلاعه على الأبحاث والتوصيات والنتائج المقدمة في ندوة (الأسواق المالية) المنعقدة في الرباط 20-24 ربيع الثاني 1410هـ/20-1989/10/24م، بالتعاون بين هذا المجمع والمعهد الإسلامي للبحوث والتدريب بالبنك الإسلامي للتنمية، وباستضافة وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بالمملكة المغربية.\rوبعد الاطلاع على أن السند شهادة يلتزم المصدر بموجبها أن يدفع لحاملها القيمة الاسمية عند الاستحقاق، مع دفع فائدة متفق عليها منسوبة إلى القيمة الاسمية للسند، أو ترتيب نفع مشروط سواء أكان جوائز توزع بالقرعة أم مبلغاً مقطوعاً أم حسماً (خصماً).\rقرر :\r1 - إن السندات التي تمثل التزاماً بدفع مبلغها مع فائدة منسوبة إليه أو نفع مشروط محرمة شرعاً من حيث الإصدار أو الشراء أم التداول، لأنها قروض ربوية سواء أكانت الجهة المصدرة لها خاصة أم عامة ترتبط بالدولة ولا أثر لتسميتها شهادات أو صكوكاً استثمارية أو ادخارية أو تسمية الفائدة الربوية الملتزم بها ربحاً أو ريعاً أو عمولة أو عائداً.\r2 - تحرم أيضاً السندات ذات الكوبون الصفري باعتبارها قروضاً يجري بيعها بأقل من قيمتها الاسمية، ويستفيد أصحابها من الفروق باعتبارها حسماً (خصماً) لهذه السندات.\r3 - كما تحرم أيضاً السندات ذات الجوائز باعتبارها قروضاً اشترط فيها نفع أو زيادة بالنسبة لمجموع المقرضين، أو لبعضهم لا على التعيين، فضلاً عن شبهة القمار.\r4 - من البدائل للسندات المحرمة - إصداراً أو شراءً أو تداولاً - السندات أو الصكوك القائمة على أساس المضاربة لمشروع أو نشاط استثماري معين، بحيث لايكون لمالكيها فائدة أو نفع مقطوع، وإنما تكون لهم نسبة من ربح هذا المشروع بقدر مايملكون من هذه السندات أو الصكوك ولاينالون هذا الربح إلا إذا تحقق فعلاً. ويمكن الاستفادة في هذا من الصيغة التي تم اعتمادها بالقرار رقم (5) للدورة الرابعة لهذا المجمع بشأن سندات المقارضة.\rيوصي :\r1 - بمراعاة هذه المقترحات، مع تفويض الأمانة العامة للاختيار منها بحسب ماتقدره من مقتضيات المصلحة، وبخاصة ما اقترح درسه في الدورة السابقة.\r2 - قيام الأمانة العامة بالإعداد لعقد الندوات المقترحة مع إعطاء الأولوية للموضوعات التي طرحت في الدورات حسب الظروف والإمكانات المتاحة.","part":7,"page":165},{"id":4451,"text":"القرارات والتوصيات الصادرة عن مجلس مجمع الفقه الإسلامي في دورة مؤتمره السابع\rالمنعقد في جدة - المملكة العربية السعودية\rفي: 7-12 ذو القعدة 1412 هـ\r(9-14) مايو 1992 م)\rبسم الله الرحمن الرحيم\rالحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم النبيين وعلى آله وصحبه وسلم\rقرار رقم 7/1/64\rبشأن الأسواق المالية\rإن مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنعقد في دورة مؤتمره السابع بجدة في المملكة العربية السعودية من 7 إلى 12 ذو القعدة 1412 هـ الموافق 9-14 مايو (أيار) 1992م. بعد اطلاعه على البحوث الواردة إلى المجمع بخصوص موضوع: (الأسواق المالية) الأسهم، الاختيارات، السلع، بطاقة الائتمان،\rوبعد استماعه إلى المناقشات التي دارت حوله،\rقرر:\rأولاً: الأسهم\r1 - الإسهام في الشركات :\rأ ـ بما أن الأصل في المعاملات الحل فإن تأسيس شركة مساهمة ذات أغراض وأنشطة مشروعة أمر جائز.\rب ـ لا خلاف في حرمة الإسهام في شركات غرضها الأساسي محرم، كالتعامل بالربا أو إنتاج المحرمات أو المتاجرة بها.","part":7,"page":166},{"id":4452,"text":"ج ـ الأصل حرمة الإسهام في شركات تتعامل أحياناً بالمحرمات، بالربا ونحوه، بالرغم من أن أنشطتها الأساسية مشروعة.\rد ـ أما المساهمة في الشركات التي تتعامل أحياناً بالمحرمات، فيرى المجلس تأجيل النظر فيها إلى دورة قادمة لمزيد من الدراسة والبحث.\r2 - ضمان الإصدار:\rضمان الإصدار: هو الاتفاق عند تأسيس شركة مع من يلتزم بضمان جميع الإصدار من الأسهم، أو جزء من ذلك الإصدار، وهو تعهد من الملتزم بالاكتتاب في كل ما تبقى مما لم يكتتب فيه غيره، وهذا لا مانع منه شرعاً إذا كان تعهد الملتزم بالاكتتاب بالقيمة الاسمية بدون مقابل لقاء التعهد، ويجوز أن يحصل الملتزم على مقابل عن عمل يؤديه ـ غير الضمان ـ مثل إعداد الدراسات أو تسويق الأسهم.\r3 - تقسيط سداد قيمة السهم عند الاكتتاب :\rلا مانع شرعاً من أداء قسط من قيمة السهم المكتتب فيه وتأجيل سداد بقية الأقساط، لأن ذلك يعتبر من الاشتراك بما عجل دفعه، والتواعد على زيادة رأس المال، ولا يترتب على ذلك محذور لأن هذا يشمل جميع الأسهم، وتظل مسؤولية الشركة بكامل رأس مالها المعلن بالنسبة للغير، لأنه هو القدر الذي حصل العلم والرضا به من المتعاملين مع الشركة.\r4 - السهم لحامله :\rبما أن المبيع في (السهم لحامله) هو حصة شائعة في موجودات الشركة وأن شهادة السهم هي وثيقة لإثبات هذا الاستحقاق في الحصة فلا مانع شرعاً من إصدار أسهم في الشركة بهذه الطريقة وتداولها.\r5 - محل العقد في بيع السهم :\rإن المحل المتعاقد عليه في بيع السهم هو الحصة الشائعة من أصل الشركة، وشهادة السهم عبارة عن وثيقة للحق في تلك الحصة.\r6 - الأسهم الممتازة :\rلا يجوز إصدار أسهم ممتازة لها خصائص مالية تؤدي إلى ضمان رأس المال أو ضمان قدر من الربح أو تقديمها عند التصفية، أو عند توزيع الأرباح. ويجوز إعطاء بعض الأسهم خصائص تتعلق بالأمور الإجرائية أو الإدارية.\r7 - التعامل في الأسهم بطرق ربوية :","part":7,"page":167},{"id":4453,"text":"أ ـ لا يجوز شراء السهم بقرض ربوي يقدمه السمسار أو غيره للمشتري لقاء رهن السهم، لما في ذلك من المراباة وتوثيقها بالرهن وهما من الأعمال المحرمة بالنص على لعن آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه.\rب ـ لا يجوز أيضاً بيع سهم لا يملكه البائع وإنما يتلقى وعداً من السمسار بإقراضه السهم في موعد التسليم؛ لأنه من بيع ما لا يملك البائع، ويقوى المنع إذا اشترط إقباض الثمن للسمسار لينتفع به بإيداعه بفائدة للحصول على مقابل الإقراض.\r8 - بيع السهم أو رهنه :\rيجوز بيع السهم، أو رهنه مع مراعاة ما يقتضي به نظام الشركة، كما لو تضمن النظام تسويغ البيع مطلقاً أو مشروطاً بمراعاة أولوية المساهمين القدامى في الشراء، وكذلك يعتبر النص في النظام على إمكان الرهن من الشركاء برهن الحصة المشاعة.\r9 - إصدار أسهم مع رسوم إصدار :\rإن إضافة نسبة معينة تدفع مع قيمة السهم، لتغطية مصاريف الإصدار، لا مانع منها شرعاً ما دامت هذه النسبة مقدرة تقديراً مناسباً.\r10 - إصدار أسهم بعلاوة إصدار أو حسم (خصم) إصدار :\rيجوز إصدار أسهم جديدة لزيادة رأس مال الشركة إذا أصدرت بالقيمة الحقيقية للأسهم القديمة (حسب تقويم الخبراء لأصول الشركة) أو بالقيمة السوقية. 11 - ضمان الشركة شراء الأسهم :\rيرى المجلس تأجيل إصدار قرار في هذا الموضوع لدورة قادمة لمزيد من البحث والدراسة.\r12 - تحديد مسؤولية الشركة المساهمة المحدودة :\rلا مانع شرعاً من إنشاء شركة مساهمة ذات مسؤولية محدودة برأس مالها، لأن ذلك معلوم للمتعاملين مع الشركة وبحصول العلم ينتفي الغرور عمن يتعامل مع الشركة.\rكما لا مانع شرعاً من أن تكون مسؤولية بعض المساهمين غير محدودة بالنسبة للدائنين بدون مقابل لقاء هذا الالتزام، وهي الشركات التي فيها شركاء متضامنون وشركاء محدودو المسؤولية.\r13 - حصر تداول الأسهم بسماسرة مرخصين، واشتراط رسوم للتعامل في أسواقها :","part":7,"page":168},{"id":4454,"text":"للجهات الرسمية المختصة أن تنظم تداول بعض الأسهم بأن لا يتم إلا بواسطة سماسرة مخصوصين ومرخصين بذلك العمل، لأن هذا من التصرفات الرسمية المحققة لمصالح مشروعة.\rوكذلك يجوز اشتراط رسوم لعضوية المتعامل في الأسواق المالية لأن هذا من الأمور التنظيمية المنوطة بتحقيق المصالح المشروعة، وذلك لتغطية النفقات أو لجباية ضريبة غير مباشرة. 14 - حق الأولوية :\rيرى المجلس تأجيل البت في هذا الموضوع إلى دورة قادمة لمزيد من البحث والدراسة.\r15 - شهادة حق التملك :\rيرى المجلس تأجيل البت في هذا الموضوع إلى دورة قادمة لمزيد من البحث والدراسة.\rثانياً: بيع الاختيارات:\rصورة العقد :\rإن المقصود بعقود الاختيارات الاعتياض عن الالتزام ببيع شيء محدد موصوف أو شرائه بسعر محدد خلال فترة زمنية معينة أو في وقت معين إما مباشرة أو من خلال هيئة ضامنة لحقوق الطرفين.\rحكمه الشرعي :\rإن عقود الاختيارات ـ كما تجري اليوم في الأسواق المالية العالمية ـ لا تنضوي تحت أي عقد من العقود الشرعية المسماة، فهي عقود مستحدثة.\rوبما أن المعقود عليه ليس مالاً ولا منفعة ولا حقاً مالياً يجوز الاعتياض عنه فإنه عقد غير جائز شرعاً.\rوبما أن هذه العقود لا تجوز ابتداء فلا يجوز تداولها.\rثالثاً : التعامل بالسلع والعملات والمؤشرات في الأسواق المنظمة:\r1 - السلع :\rيتم التعامل بالسلع في الأسواق المنظمة بإحدى أربع طرق هي التالية:\rالطريقة الأولى :\rأن يتضمن العقد حق تسلم المبيع وتسلم الثمن في الحال مع وجود السلع أو إيصالات ممثلة لها في ملك البائع وقبضه.\rوهذا العقد جائز شرعاً بشروط البيع المعروفة.\rالطريقة الثانية :\rأن يتضمن العقد حق تسلم المبيع وتسلم الثمن في الحال مع إمكانهما بضمان هيئة السوق.\rوهذا العقد جائز شرعاً بشروط البيع المعروفة.\rالطريقة الثالثة :","part":7,"page":169},{"id":4455,"text":"أن يكون العقد على تسليم سلعة موصوفة في الذمة في موعد آجل ودفع الثمن عند التسليم وأن يتضمن شرطاً يقتضي أن ينتهي فعلاً بالتسليم والتسلم.\rوهذا العقد غير جائز لتأجيل البدلين، ويمكن أن يعدل ليستوفي شروط السلم المعروفة، فإذا استوفى شروط السلم جاز.\rوكذلك لا يجوز بيع السلعة المشتراة سلماً قبل قبضها. الطريقة الرابعة :\rأن يكون العقد على تسليم سلعة موصوفة في الذمة في موعد آجل ودفع الثمن عند التسليم دون أن يتضمن العقد شرط أن ينتهي بالتسليم والتسلم الفعليين بل يمكن تصفيته بعقد معاكس.\rوهذا هو النوع الأكثر شيوعاً في أسواق السلع وهذا العقد غير جائز أصلاً.\r2 - التعامل بالعملات :\rيتم التعامل بالعملات في الأسواق المنظمة بإحدى الطرق الأربعة المذكورة في التعامل بالسلع.\rولا يجوز شراء العملات وبيعها بالطريقتين الثالثة والرابعة.\rأما الطريقتان الأولى والثانية فيجوز فيهما شراء العملات وبيعها بشرط استيفاء شروط الصرف المعروفة.\r3 - التعامل بالمؤشر :\rالمؤشر هو رقم حسابي يحسب بطريقة إحصائية خاصة يقصد منه معرفة حجم التغير في سوق معينة، وتجري عليه مبايعات في بعض الأسواق العالمية.\rولا يجوز بيع وشراء المؤشر لأنه مقامرة بحتة وهو بيع شيء خيالي لا يمكن وجوده.\r4 - البديل الشرعي للمعاملات المحرمة في السلع والعملات :\rينبغي تنظيم سوق إسلامية للسلع والعملات على أساس المعاملات الشرعية وبخاصة بيع السلم والصرف والوعد بالبيع في وقت آجل والاستصناع وغيرها. ويرى المجمع ضرورة القيام بدراسة وافية لشروط هذه البدائل وطرائق تطبيقها في سوق إسلامية منظمة.","part":7,"page":170},{"id":4456,"text":"رابعاً : بطاقة الائتمان:\rتعريفها :\rبطاقة الائتمان هي مستند يعطيه مصدره لشخص طبيعي أو اعتباري ـ بناء على عقد بينهما ـ يمكنه من شراء السلع أو الخدمات ممن يعتمد المستند دون دفع الثمن حالاً لتضمنه التزام المصدر بالدفع. ومن أنواع هذا المستند ما يمكن من سحب نقود من المصارف، ولبطاقات الائتمان صور:\rـ منها ما يكون السحب أو الدفع بموجبها من حساب حاملها في المصرف وليس من حساب المصدر فتكون بذلك مغطاة، ومنها ما يكون الدفع من حساب المصدر ثم يعود على حاملها في مواعيد دورية.\rـ ومنها ما يفرض فوائد ربوية على مجموع الرصيد غير المدفوع خلال فترة محددة من تاريخ المطالبة، ومنها ما لا يفرض فوائد.\rـ وأكثرها يفرض رسماً سنوياً على حاملها ومنها ما لا يفرض فيه المصدر رسماً سنوياً.\rوبعد التداول قرر المجلس تأجيل البت في التكييف الشرعي لهذه البطاقة وحكمها إلى دورة قادمة لمزيد من البحث والدراسة.\rوالله أعلم قرار رقم 7/2/65\rبشأن\rالبيع بالتقسيط\rإن مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنعقد في دورة مؤتمره السابع بجدة في المملكة العربية السعودية من 17إلى 12 ذو القعدة 1412 هـ الموافق 9-14 مايو 1992م.\rبعد اطلاعه على البحوث الواردة إلى المجمع بخصوص موضوع: (البيع بالتقسيط).\rوبعد استماعه إلى المناقشات التي دارت حوله.\rقرر :\r1 - البيع بالتقسيط جائز شرعاً، ولو زاد فيه الثمن المؤجل على المعجّل.\r2 - الأوراق التجارية (الشيكات ـ السندات لأمر ـ سندات السحب) من أنواع التوثيق المشروع للدين بالكتابة.\r3 - إن حسم (خصم) الأوراق التجارية غير جائز شرعاً، لأنه يؤول إلى ربا النسيئة المحرم.\r4 - الحطيطة من الدين المؤجل، لأجل تعجيله، سواء أكانت بطلب الدائن أو المدين (ضع وتعجل) جائزة شرعاً، لا تدخل في الربا المحرم إذا لم تكن بناء على اتفاق سابق، وما دامت العلاقة بين الدائن والمدين ثنائية، فإذا دخل بينهما طرف ثالث لم تجز، لأنها تأخذ عندئذ حكم حسم الأوراق التجارية.","part":7,"page":171},{"id":4457,"text":"5 - يجوز اتفاق المتداينين على حلول سائر الأقساط عند امتناع المدين عن وفاء أي قسط من الأقساط المستحقة عليه مالم يكن معسراً.\r6 - إذا اعتبر الدين حالا لموت المدين أو إفلاسه أو مماطلته، فيجوز في جميع هذه الحالات الحط منه للتعجيل بالتراضي، ويجب هذا الحط من الدين لتعجيله إذا كان قد زيد فيه لتأجيله.\r7 - ضابط الإعسار الذي يوجب الإنظار: ألا يكون للمدين مال زائد عن حوائجه الأصلية يفي بدينه نقداً أو عيناً.\rوالله أعلم قرار رقم 7/3/66\rبشأن\rعقد الاستصناع\rإن مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنعقد في دورة مؤتمره السابع بجدة في المملكة العربية السعودية من 17إلى 12 ذو القعدة 1412 هـ الموافق 9-14 مايو 1992م.\rبعد اطلاعه على البحوث الواردة إلى المجمع بخصوص موضوع: (عقد الاستصناع)،\rواستماعه للمناقشات التي دارت حوله، ومراعاة لمقاصد الشريعة في مصالح العباد والقواعد الفقهية في العقود والتصرفات، ونظراً لأن عقد الاستصناع له دور كبير في تنشيط الصناعة، وفي فتح مجالات واسعة للتمويل والنهوض بالاقتصاد الإسلامي.\rقرر :\r1 - أن عقد الاستصناع ـ هو عقد وارد على العمل والعين في الذمة ـ ملزم للطرفين إذا توافرت فيه الأركان والشروط.\r2 - يشترط في عقد الاستصناع ما يلي:\rأ ـ بيان جنس المستصنع ونوعه وقدره وأوصافه المطلوبة. ب ـ أن يحدد فيه الأجل.\r3 - يجوز في عقد الاستصناع تأجيل الثمن كله، أو تقسيطه إلى أقساط معلومة لآجال محددة.\r4 - يجوز أن يتضمن عقد الاستصناع شرطاً جزائياً بمقتضى ما اتفق عليه العاقدان ما لم تكن هناك ظروف قاهرة.\rوالله أعلم قرار رقم 7/4/67\rبشأن بيع الوفاء\rإن مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنعقد في دورة مؤتمره السابع بجدة في المملكة العربية السعودية من 17إلى 12 ذو القعدة 1412 هـ الموافق 9-14 مايو 1992م.\rبعد اطلاعه على البحوث الواردة إلى المجمع بخصوص موضوع: (بيع الوفاء).","part":7,"page":172},{"id":4458,"text":"واستماعه إلى المناقشات التي دارت حول بيع الوفاء، وحقيقته: «بيع المال بشرط أن البائع متى رد الثمن يرد المشتري إليه المبيع» .\rقرر :\r1 - أن حقيقة هذا البيع «قرض جر نفعاً» فهو تحايل على الربا، وبعدم صحته قال جمهور العلماء.\r2- يرى المجمع أن يبقى هذا العقد غير جائز شرعاً.\rوالله أعلم قرار رقم 7/5/68\rبشأن العلاج الطبي\rإن مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنعقد في دورة مؤتمره السابع بجدة في المملكة العربية السعودية من 17إلى 12 ذو القعدة 1412 هـ الموافق 9-14 مايو 1992م.\rبعد اطلاعه على البحوث الواردة إلى المجمع بخصوص موضوع: (العلاج الطبي)،\rوبعد استماعه إلى المناقشات التي دارت حوله.\rقرر:\rأولاً: التداوي\rالأصل في حكم التداوي أنه مشروع، لما ورد في شأنه في القرآن الكريم والسنة القولية والعملية، ولما فيه من (حفظ النفس) الذي هو أحد المقاصد الكلية من التشريع.\rوتختلف أحكام التداوي باختلاف الأحوال والأشخاص:\rـ فيكون واجباً على الشخص إذا كان تركه يفضي إلى تلف نفسه أو أحد أعضائه أو عجزه، أو كان المرض ينتقل ضرره إلى غيره، كالأمراض المعدية.\rـ ويكون مندوباً إذا كان تركه يؤدي إلى ضعف البدن ولا يترتب عليه ما سبق في الحالة الأولى.\rـ ويكون مباحاً إذا لم يندرج في الحالتين السابقتين.\rـ ويكون مكروهاً إذا كان بفعل يخاف منه حدوث مضاعفات أشد من العلة المراد إزالتها.\rثانياً : علاج الحالات الميئوس منها :\rأ ـ مما تقتضيه عقيدة المسلم أن المرض والشفاء بيد الله عز وجل، وأن التداوي والعلاج أخذ بالأسباب التي أودعها الله تعالى في الكون وأنه لا يجوز اليأس من روح الله أو القنوط من رحمته، بل ينبغي بقاء الأمل في الشفاء بإذن الله. وعلى الأطباء وذوي المرضى تقوية معنويات المريض، والدأب في رعايته وتخفيف آلامه النفسية والبدنية بصرف النظر عن توقع الشفاء أو عدمه.","part":7,"page":173},{"id":4459,"text":"ب ـ إن ما يعتبر حالة ميئوساً من علاجها هو بحسب تقدير الأطباء وإمكانات الطب المتاحة في كل زمان ومكان وتبعاً لظروف المرضى.\rثالثاً : إذن المريض :\rأ ـ يشترط إذن المريض للعلاج إذا كان تام الأهلية، فإذا كان عديم الأهلية أو ناقصها اعتبر إذن وليه، حسب ترتيب الولاية الشرعية ووفقاً لأحكامها التي تحصر تصرف الولي فيما فيه منفعة المولى عليه ومصلحته ورفع الأذى عنه.\rعلى أنه لا عبرة بتصرف الولي في عدم الإذن إذا كان واضح الضرر بالمولى عليه، وينتقل الحق إلى غيره من الأولياء ثم إلى ولي الأمر. ب ـ لولي الأمر الإلزام بالتداوي في بعض الأحوال، كالأمراض المعدية والتحصينات الوقائية.\rج ـ في حالات الإسعاف التي تتعرض فيها حياة المصاب للخطر لا يتوقف العلاج على الإذن.\rد ـ لا بد في إجراء الأبحاث الطبية من موافقة الشخص التام الأهلية بصورة خالية من شائبة الإكراه (كالمساجين) أو الإغراء المادي (كالمساكين). ويجب أن لا يترتب على إجراء تلك الأبحاث ضرر.\rولا يجوز إجراء الأبحاث الطبية على عديمي الأهلية أو ناقصيها ولو بموافقة الأولياء\rويوصي مجلس المجمع :\rالأمانة العامة للمجمع بالاستكتاب في الموضوعات الطبية التالية لطرحها على دورات المجمع القادمة:\rـ العلاج بالمحرمات وبالنجس، وضوابط استعمال الأدوية.\rـ العلاج التجميلي.\rـ ضمان الطبيب.\rـ معالجة الرجل للمرأة، وعكسه، ومعالجة غير المسلمين للمسلمين.\rـ العلاج بالرقى (العلاج الروحي).\rـ أخلاقيات الطبيب (مع توزيعها على أكثر من دورة إن اقتضى الأمر).\rـ التزاحم في العلاج وترتيب الأولوية فيه.\rوالله أعلم قرار رقم 7/6/69\rبشأن\rالحقوق الدولية في نظر الإسلام\rإن مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنعقد في دورة مؤتمره السابع بجدة في المملكة العربية السعودية من 17إلى 12 ذو القعدة 1412 هـ الموافق 9-14 مايو 1992م.\rبعد اطلاعه على البحوث الواردة إلى المجمع بخصوص موضوع:(الحقوق الدولية في نظر الإسلام)،","part":7,"page":174},{"id":4460,"text":"واستماعه إلى المناقشات التي دارت حوله، رأى المجلس ما يلي:\rأولاً:\rيثني المجلس على الجهود المشكورة في البحوث التي قدمت ونوقشت في دورته السابعة حول هذا الموضوع، وقد رأى أن الموضوع من الأهمية والسعة بحيث يدعو إلى مزيد من البحث والدراسة في الجوانب المتعددة التي ما زال الموضوع في حاجة إليها.\rثانياً:\rيقترح المجلس تشكيل لجنة تحضيرية لإعداد ورقة عمل لندوة متخصصة تعقد لمعالجة تفاصيل هذا الموضوع والخروج بمشروع لائحة للحقوق الدولية في الإسلام تعرض على المجلس في دورته القادمة. ثالثاً:\rيقترح المجلس أيضاً أن يكون من محاور ورقة العمل ما يلي:\r1 - مصادر القانون الدولي الإسلامي والعلاقات الدولية وهي: القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة والتطبيقات العملية عند الخلفاء الراشدين، كما يستفاد من اجتهادات الفقهاء في هذا.\r2 - المقاصد والخصائص العامة للشريعة الاسلامية، والتي تترك أثرها العملي على المواقف كلها:\rأ ـ المقاصد الشرعية.\rب ـ الخصائص العامة.\r3 - مفهوم الأمة ووحدتها في الإسلام.\r4 - مذاهب الفقهاء في أقسام الديار.\r5 - الجذور التاريخية للحالة القائمة في العالم الإسلامي.\r6 - علاقات الدولة الإسلامية في داخلها (الشعب والأقليات).\r7 - علاقات الدولة الإسلامية بالدول الأخرى.\r8 - موقف الدولة الإسلامية من المواثيق والمعاهدات والمنظمات الدولية.\rرابعاً:\rيقترح المجلس على اللجنة التحضيرية أن تقوم بوضع أوراق شارحة يسترشد بها الباحثون في تفصيل هذه المحاور وأن يكون ذلك في خلال الأشهر القادمة.\rوالله ولي التوفيق","part":7,"page":175},{"id":4461,"text":"قرار رقم 7/7/70\rبشأن\rالغزو الفكري\rإن مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنعقد في دورة مؤتمره السابع بجدة في المملكة العربية السعودية من 7 إلى 12 ذو القعدة 1412 هـ الموافق 9-14 مايو 1992م.\rبعد اطلاعه على البحوث الواردة إلى المجمع بخصوص موضوع: (الغزو الفكري) والتي بينت بداية هذا الغزو وخطورته وأبعاده وما حققه من نتائج في بلاد العرب والمسلمين، واستعرضت صوراً مما أثار من شبه ومطاعن، ونفذ من خطط وممارسات، استهدفت زعزعة المجتمع المسلم ووقف انتشار الدعوة الإسلامية، كما بينت هذه البحوث الدور الذي قام به الإسلام في حفظ الأمة وثباتها في وجه هذا الغزو وكيف أحبط كثيراً من خططه ومؤامراته.\rوقد اهتمت هذه البحوث ببيان سبل مواجهة هذا الغزو وحماية الأمة من كل آثاره في جميع المجالات وعلى كل الأصعدة.\rوبعد استماعه للمناقشات التي دارت حول هذه البحوث.\rيوصي بضرورة مايلي:\r1 - العمل على تطبيق الشريعة الإسلامية واتخاذها منهجاً في رسم علاقتنا السياسية المحلية منها والعالمية. 2 - الحرص على تنقية مناهج التربية والتعليم والنهوض بها بهدف بناء الأجيال على أسس تربوية إسلامية معاصرة وبشكل يعدهم الإعداد المناسب الذي يبصرهم بدينهم ويحميهم من كل مظاهر الغزو الثقافي .\r3 - تطوير مناهج إعداد الدعاة من أجل إدراكهم لروح الإسلام ومنهجه في بناء الحياة الإنسانية بالإضافة إلى اطلاعهم على ثقافة العصر ليكون تعاملهم مع المجتمعات المعاصرة عن وعي وبصيرة.\r4 - إعطاء المسجد دوره التربوي المتكامل في حياة المسلمين لمواجهة كل مظاهر الغزو الثقافي وآثاره وتعريف المسلمين بدينهم التعريف السليم الكامل.\r5 - رد الشبهات التي أثارها أعداء الإسلام بطرق علمية سليمة و بثقة المؤمن بكمال هذا الدين دون اللجوء إلى أساليب الدفاع التبريري الضعيف.\r6 - الاهتمام بدراسة الأفكار الوافدة والمبادئ المستوردة والتعريف بمظاهر قصورها ونقصها بأمانة وموضوعية.","part":7,"page":176},{"id":4462,"text":"7 - الاهتمام بالصحوة الإسلامية ودعم المؤسسات العاملة في مجالات الدعوة والعمل الإسلامي لبناء الشخصية الإسلامية السوية التي تقدم للمجتمع الإنساني صورة مشرقة للتطبيق الإسلامي على المستوى الفردي والجماعي وفي كل مجالات الحياة السياسية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية.\r8 - الاهتمام باللغة العربية والعمل على نشرها ودعم تعليمها في جميع أنحاء العالم باعتبارها لغة القرآن الكريم واتخاذها لغة التعليم في المدارس والمعاهد والجامعات في البلاد العربية والإسلامية.\r9 - الحرص على بيان سماحة الإسلام وأنه جاء لخير الإنسان وسعادته في الدنيا والآخرة، وبحيث يكون ذلك على المستوى العالمي وباللغات الحية جميعها.\r10 - الاستفادة الفعالة والمدروسة من الأساليب المعاصرة في الإعلام مما يمكن من إيصال كلمة الحق والخير إلى جميع أنحاء الدنيا ودون إهمال لكل وسيلة متاحة.\r11 - الاهتمام بمواجهة القضايا المعاصرة بحلول إسلامية والعمل على نقل حلول الإسلام لهذه المشكلات إلى التنفيذ والممارسة لأن التطبيق الناجح هو أفعل طرق الدعوة والبيان.\r12 - العمل على تأكيد مظاهر وحدة المسلمين وتكاملهم على كل الأصعدة وحل خلافاتهم ومنازعاتهم فيما بينهم وبالطرق السلمية وفق أحكام الشريعة المعروفة إفساداً لمخططات الغزو الثقافي في تفتيت وحدة المسلمين وزرع الخلافات والمنازعات بينهم.\r13 - العمل على بناء قوة المسلمين واكتفائهم الذاتي اقتصادياً وعسكرياً.\r14 - مناشدة الدول العربية والإسلامية مناصرة المسلمين الذين يتعرضون للاضطهاد في شتى بقاع الأرض ودعم قضاياهم ودرء العدوان عنهم بشتى الوسائل المتاحة.\rكما يوصي المجلس أيضاً الأمانة العامة للمجمع باستمرار الاهتمام بطرح أهم قضايا الموضوع في لقاءات المجمع وندواته القادمة نظراً لأهمية موضوع الغزو الفكري وضرورة وضع استراتيجية متكاملة لمجابهة مظاهره ومستجداته ويمكن البدء بقضيتي التبشير والاستشراق في الدورة القادمة.\rوالله ولي التوفيق.","part":7,"page":177},{"id":4463,"text":"القرارات والتوصيات الصادرة عن مجلس مجمع الفقه الإسلامي في دورة مؤتمره الثامن\rالمنعقد ببندر سري بجاون ( بروناي دار السلام )\r1 - 7 محرم 1414هـ / 21 - 27 يونيو 1993م\rبسم الله الرحمن الرحيم\rالحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم النبيين وعلى آله وصحبه.\rقرار رقم: 1/74/د8\rبشأن\rالأخذ بالرخصة وحكمه\rإن مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنعقد في دورة مؤتمره الثامن ببندر سري بجاون، بروناي دار السلام من 1 إلى 7 محرم 1414هـ الموافق 21 - 27 يونيو 1993م.\rبعد اطلاعه على البحوث الواردة إلى المجمع بخصوص موضوع: « الأخذ بالرخصة وحكمه » . وبعد استماعه إلى المناقشات التي دارت حوله،\rقرر مايلي :\r1 - الرخصة الشرعية: هي ماشرع من الأحكام لعذر، تخفيفاً عن المكلفين، مع قيام السبب الموجب للحكم الأصلي.\rولا خلاف في مشروعية الأخذ بالرخص الشرعية إذا وجدت أسبابها، بشرط التحقق من دواعيها، والاقتصار على مواضعها، مع مراعاة الضوابط الشرعية المقررة للأخذ بها.\r2 - المراد بالرخص الفقهية: ماجاء من الاجتهادات المذهبية مبيحاً لأمر في مقابلة اجتهادات أخرى تحظره.\rوالأخذ برخص الفقهاء: بمعنى اتباع ماهو أخف من أقوالهم، جائز شرعاً بالضوابط الآتية في ( البند 4 ).\r3 - الرخص في القضايا العامة تعامل معاملة المسائل الفقهية الأصلية إذا كانت محققة لمصلحة معتبرة شرعاً، وصادرة عن اجتهاد جماعي ممن تتوافر فيهم أهلية الاختيار ويتصفون بالتقوى والأمانة العلمية.","part":7,"page":178},{"id":4464,"text":"4 - لايجوز الأخذ برخص المذاهب الفقهية لمجرد الهوى، لأن ذلك يؤدي إلى التحلل من التكليف، وإنما يجوز الأخذ بالرخص بمراعاة الضوابط التالية:\rأ ـ أن تكون أقوال الفقهاء التي يترخص بها معتبرة شرعاً ولم توصف بأنها من شواذ الأقوال.\rب ـ أن تقوم الحاجة إلى الأخذ بالرخصة، دفعاً للمشقة سواء أكانت حاجة عامة للمجتمع أم خاصة أم فردية. ج ـ أن يكون الآخذ بالرخص ذا قدرة على الاختيار، أو أن يعتمد على من هو أهل لذلك.\rد - ألا يترتب على الأخذ بالرخص الوقوع في التلفيق الممنوع الآتي بيانه في (البند 6 ).\rهـ ـ ألا يكون الأخذ بذلك القول ذريعة للوصول إلى غرض غير مشروع.\rو ـ أن تطمئن نفس المترخص للأخذ بالرخصة.\r5 - حقيقة التلفيق في تقليد المذاهب: هي أن يأتي المقلد في مسألة واحدة ذات فرعين مترابطين فأكثر بكيفية لا يقول بها مجتهد ممن قلدهم في تلك المسألة.\r6 - يكون التلفيق ممنوعاً في الأحوال التالية:\rأ ـ إذا أدى إلى الأخذ بالرخص لمجرد الهوى، أو الإخلال بأحد الضوابط المبينة في مسألة الأخذ بالرخص.\rب ـ إذا أدى إلى نقض حكم القضاء.\rج ـ إذا أدى إلى نقض ما عمل به تقليداً في واقعة واحدة.\rد ـ إذا أدى إلى مخالفة الإجماع أو ما يستلزمه.\rهـ ـ إذا أدى إلى حالة مركبة لا يقرها أحد من المجتهدين.\rوالله أعلم قرار رقم: 2/75/د 8\rبشأن\rحوادث السير\rإن مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنعقد في دورة مؤتمره الثامن ببندر سري بجاون، بروناي دار السلام من 1 إلى 7 محرم 1414هـ الموافق 21 - 27 يونيو 1993م.\rبعد اطلاعه على البحوث الواردة إلى المجمع بخصوص موضوع: «حوادث السير» .\rوبعد استماعه إلى المناقشات التي دارت حوله،","part":7,"page":179},{"id":4465,"text":"وبالنظر إلى تفاقم حوادث السير وزيادة أخطارها على أرواح الناس وممتلكاتهم، واقتضاء المصلحة سَنّ الأنظمة المتعلقة بترخيص المركبات بما يحقق شروط الأمن كسلامة الأجهزة وقواعد نقل الملكية ورخص القيادة والاحتياط الكافي بمنح رخص القيادة بالشروط الخاصة بالنسبة للسن والقدرة والرؤية والدراية بقواعد المرور والتقيد بها وتحديد السرعة المعقولة والحمولة.\rقرر ما يلي :\r1 - أ- إن الالتزام بتلك الأنظمة التي لا تخالف أحكام الشريعة الإسلامية واجب شرعاً،لأنه من طاعة ولي الأمر فيما ينظمه من إجراءات بناء على دليل المصالح المرسلة. وينبغي أن تشتمل تلك الأنظمة على الأحكام الشرعية التي لم تطبق في هذا المجال.\rب ـ مما تقتضيه المصلحة أيضاً سَنّ الأنظمة الزاجرة بأنواعها، ومنها التعزير المالي، لمن يخالف تلك التعليمات المنظمة للمرور لردع من يعرض أمن الناس للخطر في الطرقات والأسواق من أصحاب المركبات ووسائل النقل الأخرى أخذاً بأحكام الحسبة المقررة.\r2 - الحوادث التي تنتج عن تسيير المركبات تطبق عليها أحكام الجنايات المقررة في الشريعة الإسلامية وإن كانت في الغالب من قبيل الخطأ. والسائق مسؤول عما يحدثه بالغير من أضرار سواء في البدن أم المال إذا تحققت عناصرها من خطأ وضرر ، ولا يعفى من هذه المسؤولية إلا في الحالات الآتية:\rأ ـ إذا كان الحادث نتيجة لقوة قاهرة لا يستطيع دفعها وتعذر عليه الاحتراز منها، وهي كل أمر عارض خارج عن تدخل الإنسان.\rب ـ إذا كان بسبب فعل المتضرر المؤثر تأثيراً قوياً في إحداث النتيجة.\rج ـ إذا كان الحادث بسبب خطأ الغير أو تعديه فيتحمل ذلك الغير المسؤولية.\r3 - ما تسببه البهائم من حوادث السير في الطرقات يضمن أربابها الأضرار التي تنجم عن فعلها إن كانوا مقصرين في ضبطها، والفصل في ذلك إلى القضاء.","part":7,"page":180},{"id":4466,"text":"4 - إذا اشترك السائق والمتضرر في إحداث الضرر كان على كل واحد منهما تبعة ما تلف من الآخر من نفس أو مال.\r5 - أ ـ مع مراعاة ما سيأتي من تفصيل، فإن الأصل أن المباشر ضامن ولو لم يكن متعدياً، وأما المتسبب فلا يضمن إلا إذا كان متعدياً أو مفرطاً.\rب ـ إذا اجتمع المباشر مع المتسبب كانت المسؤولية على المباشر دون المتسبب إلا إذا كان المتسبب متعدياً والمباشر غير متعد.\rج ـ إذا اجتمع سببان مختلفان كل واحد منهما مؤثر في الضرر، فعلى كل واحد من المتسببين المسئولية بحسب نسبة تأثيره في الضرر. وإذا استويا أو لم تعرف نسبة أثر كل واحد منهما فالتبعة عليهما على السواء.\rوالله أعلم. قرار رقم: 3/76/د 8\rبشأن\rبيع العربون\rإن مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنعقد في دورة مؤتمره الثامن ببندر سري بجاون، بروناي دار السلام من 1 إلى 7 محرم 1414هـ الموافق 21 - 27 يونيو 1993م.\rبعد اطلاعه على البحوث الواردة إلى المجمع بخصوص موضوع: «بيع العربون» .\rوبعد استماعه إلى المناقشات التي دارت حوله،\rقرر مايلي :\r1 - المراد ببيع العربون : بيع السلعة مع دفع المشتري مبلغاً من المال إلى البائع على أنه إن أخذ السلعة احتسب المبلغ من الثمن وإن تركها فالمبلغ للبائع.\rويجري مجرى البيع الإجارة، لأنها بيع المنافع. ويستثنى من البيوع كل ما يشترط لصحته قبض أحد البدلين في مجلس العقد (السلم) أو قبض البدلين (مبادلة الأموال الربوية والصرف) ولا يجري في المرابحة للآمر بالشراء في مرحلة المواعدة ولكن يجري في مرحلة البيع التالية للمواعدة.\r2 - يجوز بيع العربون إذا قيدت فترة الانتظار بزمن محدود. ويحتسب العربون جزءاً من الثمن إذا تم الشراء، ويكون من حق البائع إذا عدل المشتري عن الشراء.","part":7,"page":181},{"id":4467,"text":"قرار رقم: 4/77/د 8\rبشأن\rعقد المزايدة\rإن مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنعقد في دورة مؤتمره الثامن ببندر سري بجاون، بروناي دار السلام من 1 إلى 7 محرم 1414هـ الموافق 21 - 27 يونيو 1993م.\rبعد اطلاعه على البحوث الواردة إلى المجمع بخصوص موضوع: (عقد المزايدة)\rوبعد استماعه إلى المناقشات التي دارت حوله،\rوحيث إن عقد المزايدة من العقود الشائعة في الوقت الحاضر، وقد صاحب تنفيذه في بعض الحالات تجاوزات دعت لضبط طريقة التعامل به ضبطاً يحفظ حقوق المتعاقدين طبقاً لأحكام الشريعة الإسلامية، كما اعتمدته المؤسسات والحكومات، وضبطته بتراتيب إدارية، ومن أجل بيان الأحكام الشرعية لهذا العقد.\rقرر مايلي :\r1 - عقد المزايدة: عقد معاوضة يعتمد دعوة الراغبين نداء، أو كتابة للمشاركة في المزاد ويتم عند رضا البائع.\r2- يتنوع عقد المزايدة بحسب موضوعه إلى بيع وإجارة وغير ذلك، وبحسب طبيعته إلى اختياري كالمزادات العادية بين الأفراد، وإلى إجباري كالمزادات التي يوجبها القضاء. وتحتاج إليه المؤسسات العامة والخاصة، والهيئات الحكومية والأفراد.\r3 - إن الإجراءات المتبعة في عقود المزايدات من تحرير كتابي، وتنظيم، وضوابط وشروط إدارية أو قانونية، يجب أن لا تتعارض مع أحكام الشريعة الإسلامية.\r4- طلب الضمان ممن يريد الدخول في المزايدة جائز شرعاً، ويجب أن يرد لكل مشارك لم يرس عليه العطاء، ويحتسب الضمان المالي من الثمن لمن فاز بالصفقة.\r5- لا مانع شرعاً من استيفاء رسم الدخول (قيمة دفتر الشروط بما لا يزيد عن القيمة الفعلية) لكونه ثمناً له.\r6 - يجوز أن يعرض المصرف الإسلامي، أو غيره مشاريع استثمارية ليحقق لنفسه نسبة أعلى من الربح، سواء أكان المستثمر عاملاً في عقد مضاربة مع المصرف أم لا.\r7 - النجش حرام، ومن صوره:\rأ ـ أن يزيد في ثمن السلعة من لا يريد شراءها ليغري المشتري بالزيادة.","part":7,"page":182},{"id":4468,"text":"ب ـ أن يتظاهر من لا يريد الشراء بإعجابه بالسلعة وخبرته بها، ويمدحها ليغر المشتري فيرفع ثمنها. ج ـ أن يدعي صاحب السلعة، أو الوكيل، أو السمسار، ادعاء كاذباً أنه دفُع فيها ثمن معين ليدلس على من يسوم.\rد ـ ومن الصور الحديثة للنجش المحظورة شرعاً اعتماد الوسائل السمعية، والمرئية، والمقروءة، التي تذكر أوصافاً رفيعة لا تمثل الحقيقة، أو ترفع الثمن لتغر المشتري، وتحمله على التعاقد.\rوالله أعلم.\rقرار رقم: 5/78/د8\rبشأن\rتطبيقات شرعية لإقامة السوق الإسلامية\rإن مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنعقد في دورة مؤتمره الثامن ببندر سري بجاون، بروناي دار السلام من 1 إلى 7 محرم 1414هـ الموافق 21 - 27 يونيو 1993م.\rبعد اطلاعه على البحوث الواردة إلى المجمع بخصوص موضوع: (تطبيقات شرعية لإقامة السوق الإسلامية) التي كانت استكمالاً لموضوعات الأسواق المالية، والأوراق المالية الإسلامية التي سبق بحثها في الدورات السابقة، ولاسيما في دورة مؤتمره السابع بجدة، وفي الندوات التي أقامها لهذا الغرض للوصول إلى مجموعة مناسبة من الأدوات المشروعة لسوق المال، حيث إنها الوعاء الذي يستوعب السيولة المتوافرة في البلاد الإسلامية، ويحقق الأهداف التنموية، والتكافل والتوازن، والتكامل للدول الإسلامية.\rوبعد استماعه إلى المناقشات التي دارت حول كيفية الإفادة من الصيغ التي بها تكتمل السوق الإسلامية، وهي الأسهم، والصكوك والعقود الخاصة لإقامة السوق الإسلامية على أسس شرعية.\rقرر مايلي:\r1 - الأسهم :\rأصدر مجمع الفقه الإسلامي قراره رقم 1/65/د7، بشأن الأسواق المالية: الأسهم، والاختيارات، والسلع، والعملات، وبين أحكامها مما يمكن الإفادة منها لإقامة سوق المال الإسلامية.\r2 - الصكوك ( السندات ) :\rأ - سندات المقارضة وسندات الاستثمار:\rأصدر مجمع الفقه الإسلامي قراره رقم /5د4 بشأن صكوك المقارضة.","part":7,"page":183},{"id":4469,"text":"ب - صكوك التأجير، أو الإيجار المنتهي بالتمليك. وقد صدر بخصوصها قرار المجمع رقم 6/د5، وبذلك تؤدي هذه الصكوك دوراً طيباً في سوق المال الإسلامية في نطاق المنافع.\r3 - عقد السلم :\rبما أن عقد السلم - بشروطه - واسع المجال إذ أن المشتري يستفيد منه في استثمار فائض أمواله لتحقيق الربح، والبائع يستفيد من الثمن في النتاج، فهو أداة فعالة لإقامة سوق مال إسلامية في مجال بيع شيء موصوف في الذمة. مع التأكيد على قرار المجمع رقم 1/64/د7 بشأن عدم جواز بيع المسلم فيه قبل قبضه ونصه: « لايجوز بيع السلعة المشتراة سلماً قبل قبضها » .\r4 - عقد الاستصناع :\rأصدر المجمع قراره رقم 3/66/د7 بشأن عقد الاستصناع.\r5 - البيع الآجل :\rالبيع الآجل صيغة تطبيقية أخرى من صيغ الاستثمار،تيسر عمليات الشراء، حيث يستفيد المشتري من توافر الحصول على السلع حالاً، ودفع الثمن بعد أجل، كما يستفيد البائع من زيادة الثمن، وتكون النتيجة اتساع توزيع السلع ورواجها في المجتمع.\r6 - الوعد والمواعدة :\rأصدر المجمع قراره رقم 2-3/د5 بشأن الوعد، والمواعدة في المرابحة للآمر بالشراء.\r7 - يدعو المجمع الباحثين من الفقهاء والاقتصاديين لإعداد بحوث ودراسات في الموضوعات التي لم يتم بحثها بصورة معمقة، لبيان مدى إمكانية تنفيذها، والاستفادة منها شرعاً في سوق المال الإسلامية وهي:\rأ ـ صكوك المشاركة بكل أنواعها.\rب ـ صياغة صكوك من الإيجار أو التأجير المنتهي بالتمليك.\rج ـ الاعتياض عن دين السلم، والتولية والشركة فيه، والحطيطة عنه والمصالحة عليه ونحو ذلك.\rد ـ المواعدة في غير بيع المرابحة، وبالأخص المواعدة في الصرف.\rهـ ـ بيع الديون.\rو ـ الصلح في سوق المال (معاوضة أو نحوها).\rز ـ المقاصة.\rوالله أعلم.","part":7,"page":184},{"id":4470,"text":"قرار رقم: 6/79/د8\rبشأن\rقضايا العملة\rإن مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنعقد في دورة مؤتمره الثامن ببندر سري بجاون، بروناي دار السلام من 1 إلى 7 محرم 1414هـ الموافق 21 - 27 يونيو 1993م.\rبعد اطلاعه على البحوث الواردة إلى المجمع بخصوص موضوع:(قضايا العملة)\rوبعد استماعه إلى المناقشات التي دارت حوله،\rقرر ما يلي :\r1 - يجوز أن تتضمن أنظمة العمل واللوائح والترتيبات الخاصة بعقود العمل التي تتحدد فيها الأجور بالنقود شرط الربط القياسي للأجور، على ألا ينشأ عن ذلك ضرر للاقتصاد العام.\rوالمقصود هنا بالربط القياسي للأجور: تعديل الأجور بصورة دورية تبعاً للتغيرفي مستوى الأسعار وفقاً لما تقدره جهة الخبرة والاختصاص. والغرض من هذا التعديل حماية الأجر النقدي للعاملين من انخفاض القدرة الشرائية لمقدار الأجر بفعل التضخم النقدي وما ينتج عنه من الارتفاع المتزايد في المستوى العام لأسعار السلع والخدمات. وذلك لأن الأصل في الشروط الجواز إلا الشرط الذي يحل حراماً أو يحرم حلالاً.\rعلى أنه إذا تراكمت الأجرة وصارت ديناً تطبق عليها أحكام الديون المبينة في قرار المجمع رقم (4/د5).\r2 - يجوز أن يتفق الدائن والمدين يوم السداد ـ لا قبله ـ على أداء الدين بعملة مغايرة لعملة الدين إذا كان ذلك بسعر صرفها يوم السداد. وكذلك يجوز في الدين على أقساط بعملة معينة الاتفاق يوم سداد أي قسط أيضاً على أدائه كاملاً بعملة مغايرة بسعر صرفها في ذلك اليوم.\rويشترط في جميع الأحوال أن لا يبقى في ذمة المدين شيء مما تمت عليه المصارفة في الذمة، مع مراعاة القرار الصادر عن المجمع برقم 1/55/د6 بشأن القبض.\r3 - يجوز أن يتفق المتعاقدان عند العقد على تعيين الثمن الآجل أو الأجرة المؤجلة بعملة تدفع مرة واحدة أو على أقساط محددة من عملات متعددة أو بكمية من الذهب وأن يتم السداد حسب الاتفاق. كما يجوز أن يتم حسبما جاء في البند السابق.","part":7,"page":185},{"id":4471,"text":"4 - الدين الحاصل بعملة معينة لا يجوز الاتفاق على تسجيله في ذمة المدين بما يعادل قيمة تلك العملة من الذهب أو من عملة أخرى، على معنى أن يلتزم المدين بأداء الدين بالذهب أو العملة الأخرى المتفق على الأداء بها.\r5 - تأكيد القرار رقم (4/د5) الصادر عن المجمع بشأن تغير قيمة العملة.\r6 - يدعو مجلس المجمع الأمانة العامة لتكليف ذوي الكفاءة من الباحثين الشرعيين والاقتصاديين من الملتزمين بالفكر الإسلامي بإعداد الدراسات المعمقة للموضوعات الأخرى المتعلقة بقضايا العملة، لتناقش في دورات المجمع القادمة إن شاء الله، ومن هذه الموضوعات ما يلي:\rأ ـ إمكان استعمال عملة اعتبارية مثل الدينار الإسلامي وبخاصة في معاملات البنك الإسلامي للتنمية ليتم على أساسها تقديم القروض واستيفاؤها، وكذلك تثبيت الديون الآجلة ليتم سدادها بحسب سعر التعادل القائم بين تلك العملة الاعتبارية بحسب قيمتها، وبين العملة الأجنبية المختارة للوفاء كالدولار الأمريكي.\rب ـ السبل الشرعية البديلة عن الربط للديون الآجلة بمستوى المتوسط القياسي للأسعار.\rج ـ مفهوم كساد النقود الورقية وأثره في تعيين الحقوق والالتزامات الآجلة.\rد ـ حدود التضخم التي يمكن أن تعتبر معه النقود الورقية نقوداً كاسدة.\rقرار رقم: 7/80/د8\rبشأن\rمشاكل البنوك الإسلامية\rإن مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنعقد في دورة مؤتمره الثامن ببندر سري بجاون، بروناي دار السلام من 1 إلى 7 محرم 1414هـ الموافق 21 - 27 يونيو 1993م.\rبعد اطلاعه على البحوث الواردة إلى المجمع بخصوص موضوع:(مشاكل البنوك الإسلامية)\rوبعد استماعه إلى المناقشات التي دارت حوله،\rوبعد استعراض مجلس المجمع ما جاء في الأوراق المقدمة بشأن مشاكل البنوك الإسلامية، والمتضمنة مقترحات معالجة تلك المشاكل بأنواعها من شرعية وفنية وإدارية ومشاكل علاقاتها بالأطراف المختلفة وبعد الاستماع إلى المناقشات التي دارت حول تلك المشكلات.\rقرر :","part":7,"page":186},{"id":4472,"text":"1 - عرض القائمة التالية المصنفة على أربعة محاور على الأمانة العامة للمجمع لاستكتاب المختصين فيها وعرضها في دورات المجمع القادمة بحسب الأولوية التي تراها لجنة التخطيط: المحور الأول: الودائع وما يتعلق بها :\rأ ـ ضمان ودائع الاستثمار بطرق تتلاءم مع أحكام المضاربة الشرعية.\rب ـ تبادل الودائع بين البنوك على غيرأساس الفائدة.\rج ـ التكييف الشرعي للودائع والمعالجة المحاسبية لها.\rد ـ إقراض مبلغ لشخص بشرط التعامل به مع البنك عموماً أوفي نشاط محدد.\rهـ ـ مصاريف المضاربة ومن يتحملها (المضارب أو وعاء المضاربة).\rو ـ تحديد العلاقة بين المودعين والمساهمين.\rز ـ الوساطة في المضاربة والإجارة والضمان.\rح ـ تحديد المضارب في البنك الإسلامي (المساهمون أو مجلس الإدارة، أو الإدارة التنفيذية).\rط ـ البديل الإسلامي للحسابات المكشوفة.\rي ـ الزكاة في البنوك الإسلامية لأموالها وودائعها.\rالمحور الثاني: المرابحة :\rأ ـ المرابحة في الأسهم.\rب ـ تأجيل تسجيل الملكية في بيوع المرابحة لبقاء حق البنك مضموناً في السداد.\rج ـ المرابحة المؤجلة السداد مع توكيل الآمر بالشراء واعتباره كفيلاً. د ـ المماطلة في تسديد الديون الناشئة عن المرابحة أو المعاملات الآجلة.\rهـ ـ التأمين على الديون.\rو ـ بيع الديون.\rالمحور الثالث: التأجير :\rأ ـ إعادة التأجير لمالك العين المأجورة أو لغيره.\rب ـ استئجار خدمات الأشخاص وإعادة تأجيرها.\rج ـ إجارة الأسهم أو إقراضها أو رهنها.\rد ـ صيانة العين المأجورة.\rهـ ـ شراء عين من شخص بشرط استئجاره لها.\rو ـ الجمع بين الإجارة والمضاربة.\rالمحور الرابع: العقود :\rأ ـ الشرط الاتفاقي على حق البنك في الفسخ في حال التخلف عن سداد الأقساط.\rب ـ الشرط الاتفاقي على تحويل العقد من صيغة إلى صيغة أخرى عند التخلف عن سداد الأقساط.\rويوصي مجلس المجمع بما يلي :","part":7,"page":187},{"id":4473,"text":"1 - مواصلة البنوك الإسلامية الحوار مع البنوك المركزية في الدول الإسلامية لتمكين البنوك الإسلامية من أداء وظائفها في استثمار أموال المتعاملين معها في ضوء المبادئ الشرعية التي تحكم أنشطة البنوك وتلائم طبيعتها الخاصة. وعلى البنوك المركزية أن تراعي متطلبات نجاح البنوك الإسلامية للقيام بدورها الفعال في التنمية الوطنية ضمن قواعد الرقابة بما يلائم خصوصية العمل المصرفي الإسلامي ودعوة منظمة المؤتمر الإسلامي والبنك الإسلامي للتنمية لاستئناف اجتماعات البنوك المركزية للدول الإسلامية، مما يتيح الفرصة لتنفيذ متطلبات هذه التوصية.\r2 - اهتمام البنوك الإسلامية بتأهيل القيادات والعاملين فيها بالخبرات الوظيفية الواعية لطبيعة العمل المصرفي الإسلامي، وتوفير البرامج التدريبية المناسبة بالتعاون مع المعهد الإسلامي للبحوث والتدريب وسائر الجهات المعنية بالتدريب المصرفي الإسلامي.\r3 - العناية بعقدي السلم والاستصناع، لما يقدمانه من بديل شرعي لصيغ التمويل الإنتاجي التقليدية.\r4 - التقليل ما أمكن من استخدام أسلوب المرابحة للآمر بالشراء وقصرها على التطبيقات التي تقع تحت رقابة المصرف ويؤمن فيها وقوع المخالفة للقواعد الشرعية التي تحكمها. والتوسع في مختلف الصيغ الاستثمارية الأخرى من المضاربة والمشاركات والتأجير مع الاهتمام بالمتابعة والتقويم الدوري، وينبغي الاستفادة من مختلف الحالات المقبولة في المضاربة مما يتيح ضبط عمل المضاربة ودقة المحاسبة لنتائجها.\r5 - إيجاد السوق التجارية لتبادل السلع بين البلاد الإسلامية بديلاً عن سوق السلع الدولية التي لاتخلو من المخالفات الشرعية.\r6 - توجيه فائض السيولة لخدمة أهداف التنمية في العالم الإسلامي، وذلك بالتعاون بين البنوك الإسلامية لدعم صناديق الاستثمار المشتركة وإنشاء المشاريع المشتركة.","part":7,"page":188},{"id":4474,"text":"7 - الإسراع بإيجاد المؤشر المقبول إسلامياً الذي يكون بديلاً عن مراعاة سعر الفائدة الربوية في تحديد هامش الربح في المعاملات.\r8 - توسيع القاعدة الهيكلية للسوق المالية الإسلامية عن طريق قيام البنوك الإسلامية فيما بينها، وبالتعاون مع البنك الإسلامي للتنمية، للتوسع في ابتكار وتداول الأدوات المالية الإسلامية في مختلف الدول الإسلامية.\r9 - دعوة الجهات المنوط بها سن الأنظمة لإرساء قواعد التعامل الخاصة بصيغ الاستثمار الإسلامية، كالمضاربة والمشاركة والمزارعة والمساقاة والسلم والاستصناع والإيجار.\r10 - دعوة البنوك الإسلامية لإقامة قاعدة معلومات تتوافر فيها البيانات الكافية عن المتعاملين مع البنوك الإسلامية ورجال الأعمال، وذلك لتكون مرجعاً للبنوك الإسلامية وللاستفادة منها في تشجيع التعامل مع الثقات المؤتمنين والابتعاد عن سواهم.\r11 -دعوة البنوك الإسلامية إلى تنسيق نشاط هيئات الرقابة الشرعية لديها، سواء بتجديد عمل الهيئة العليا للرقابة الشرعية للبنوك الإسلامية أم عن طريق إيجاد هيئة جديدة بما يكفل الوصول إلى معايير موحدة لعمل الهيئات الشرعية في البنوك الإسلامية.\rوالله أعلم.\rقرار رقم: 8/81/د 8\rبشأن\rالمشاركة في أسهم الشركات المساهمة المتعاملة بالربا\rإن مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنعقد في دورة مؤتمره الثامن ببندر سري بجاون، بروناي دار السلام من 1 إلى 7 محرم 1414هـ الموافق 21 - 27 يونيو 1993م.\rبعد اطلاعه على توصيات الندوة الاقتصادية حول حكم المشاركة في أسهم الشركات المساهمة المتعاملة بالربا، والأبحاث المعدة في تلك الندوة.\rونظراً لأهمية هذا الموضوع وضرورة استكمال جميع جوانبه وتغطية كل تفصيلاته والتعرف إلى جميع الآراء فيه.\rقرر :\rأن تقوم الأمانة العامة للمجمع باستكتاب المزيد من البحوث فيه ليتمكن المجمع من اتخاذ القرار المناسب في دورة قادمة.\rوالله أعلم.","part":7,"page":189},{"id":4475,"text":"قرار رقم: 9/82/د8\rبشأن\rبطاقات الائتمان\rإن مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنعقد في دورة مؤتمره الثامن ببندر سري بجاون، بروناي دار السلام من 1 إلى 7 محرم 1414هـ الموافق 21 - 27 يونيو 1993م.\rبعد اطلاعه على البحوث الواردة إلى المجمع بخصوص موضوع: «بطاقات الائتمان» .\rوبعد استماعه إلى المناقشات التي دارت حوله،\rونظراً لأهمية هذا الموضوع وضرورة استكمال جميع جوانبه وتغطية كل تفصيلاته والتعرف إلى جميع الآراء فيه،\rقرر :\rأن تقوم الأمانة العامة للمجمع باستكتاب المزيد من البحوث فيه ليتمكن مجلس المجمع من اتخاذ القرار المناسب في دورة قادمة.\rوالله الموفق.\rقرار رقم: 10/83/د8\rبشأن\rالسر في المهن الطبية\rإن مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنعقد في دورة مؤتمره الثامن ببندر سري بجاون، بروناي دار السلام من 1 إلى 7 محرم 1414هـ الموافق 21 - 27 يونيو 1993م.\rبعد اطلاعه على البحوث الواردة إلى المجمع بخصوص موضوع: «السر في المهن الطبية»\rوبعد استماعه إلى المناقشات التي دارت حوله،\rقرر مايلي :\r1 - أ ـ السر: هو ما يفضي به الإنسان إلى آخر مستكتماً إياه من قبل أو من بعد، ويشمل ما حفت به قرائن دالة على طلب الكتمان إذا كان العرف يقضي بكتمانه، كما يشمل خصوصيات الإنسان وعيوبه التي يكره أن يطلع عليها الناس.\rب ـ السر: أمانة لدى من استودع حفظه، التزاماً بما جاءت به الشريعة الإسلامية وهو ما تقضي به المروءة وآداب التعامل.\rج ـ الأصل حظر إفشاء السر. وإفشاؤه بدون مقتض معتبر موجب للمؤاخذة شرعاً. د ـ يتأكد واجب حفظ السر على من يعمل في المهن التي يعود الإفشاء فيها على أصل المهنة بالخلل، كالمهن الطبية، إذ يركن إلى هؤلاء ذوو الحاجة إلى محض النصح وتقديم العون فيفضون إليهم بكل ما يساعد على حسن أداء هذه المهام الحيوية، ومنها أسرار لا يكشفها المرء لغيرهم حتى الأقربين إليه.","part":7,"page":190},{"id":4476,"text":"2 - تستثنى من وجوب كتمان السر حالات يؤدي فيها كتمانه إلى ضرر يفوق ضرر إفشائه بالنسبة لصاحبه، أو يكون في إفشائه مصلحة ترجح على مضرة كتمانه، وهذه الحالات على ضربين:\rأ ـ حالات يجب فيها إفشاء السر بناء على قاعدة ارتكاب أهون الضررين لتفويت أشدهما، وقاعدة تحقيق المصلحة العامة التي تقضي بتحمل الضرر الخاص لدرء الضرر العام إذا تعين ذلك لدرئه.\rوهذه الحالات نوعان:\rـ ما فيه درء مفسدة عن المجتمع.\rـ وما فيه درء مفسدة عن الفرد.\rب ـ حالات يجوز فيها إفشاء السر لما فيه:\rـ جلب مصلحة للمجتمع.\rـ أو درء مفسدة عامة.\rوهذه الحالات يجب الالتزام فيها بمقاصد الشريعة وأولوياتها من حيث حفظ الدين والنفس والعقل والنسل والمال.\rج ـ الاستثناءات بشأن مواطن وجوب الإفشاء أو جوازه ينبغي أن ينص عليها في نظام مزاولة المهن الطبية وغيره من الأنظمة، موضحة ومنصوصاً عليها على سبيل الحصر، مع تفصيل كيفية الإفشاء، ولمن يكون، وتقوم الجهات المسؤولة بتوعية الكافة بهذه المواطن.\r3 - يوصي المجمع نقابات المهن الطبية ووزارات الصحة وكليات العلوم الصحية بإدراج هذا الموضوع ضمن برامج الكليات والاهتمام به وتوعية العاملين في هذا المجال بهذا الموضوع. ووضع المقررات المتعلقة به، مع الاستفادة من الأبحاث المقدمة في هذا الموضوع.\rوالله أعلم.\rقرار رقم: 11/84/د8\rبشأن\rأخلاق الطبيب: مسؤوليته وضمانه\rإن مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنعقد في دورة مؤتمره الثامن ببندر سري بجاون، بروناي دار السلام من 1 إلى 7 محرم 1414هـ الموافق 21 - 27 يونيو 1993م.\rبعد اطلاعه على البحوث الواردة إلى المجمع بخصوص موضوع: «أخلاقيات الطبيب: مسؤوليته وضمانه»\rوبعد استماعه إلى المناقشات التي دارت حوله،\rقرر ما يلي :","part":7,"page":191},{"id":4477,"text":"1 - تأجيل إصدار قرار في موضوع أخلاقيات الطبيب: مسؤوليته وضمانه وموضوع التداوي بالمحرمات، والنظر في دستور المهنة الطبية المعد من المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية بالكويت ، والطلب إلى الأمانة العامة لاستكتاب المزيد من الأبحاث في تلك الموضوعات لعرضها في دورة قادمة للمجمع.\rوالله أعلم. قرار رقم: 12/85/د8\rبشأن\rمداواة الرجل للمرأة\rإن مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنعقد في دورة مؤتمره الثامن ببندر سري بجاون، بروناي دار السلام من 1 إلى 7 محرم 1414هـ الموافق 21 - 27 يونيو 1993م.\rبعد اطلاعه على البحوث الواردة إلى المجمع بخصوص موضوع:(مداواة الرجل للمرأة)\rوبعد استماعه إلى المناقشات التي دارت حوله،\rقرر ما يلي :\r1 - الأصل أنه إذا توافرت طبيبة متخصصة يجب أن تقوم بالكشف على المريضة وإذا لم يتوافر ذلك فتقوم بذلك طبيبة غير مسلمة ثقة، فإن لم يتوافر ذلك يقوم به طبيب مسلم، وإن لم يتوافر طبيب مسلم يمكن أن يقوم مقامه طبيب غير مسلم. على أن يطلع من جسم المرأة على قدر الحاجة في تشخيص المرض ومداواته وألا يزيد عن ذلك وأن يغض الطرف قدر استطاعته، وأن تتم معالجة الطبيب للمرأة هذه بحضور محرم أو زوج أو امرأة ثقة خشية الخلوة.\r2 - يوصي المجمع أن تولي السلطات الصحية جل جهدها لتشجيع النساء على الانخراط في مجال العلوم الطبية والتخصص في كل فروعها، وخاصة أمراض النساء والتوليد، نظراً لندرة النساء في هذه التخصصات الطبية، حتى لا نضطر إلى قاعدة الاستثناء.\rوالله أعلم. قرار رقم: 13/86/د8\rبشأن\rمرض نقص المناعة المكتسب (الإيدز )\rإن مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنعقد في دورة مؤتمره الثامن ببندر سري بجاون، بروناي دار السلام من 1 إلى 7 محرم 1414هـ الموافق 21 - 27 يونيو 1993م.\rبعد اطلاعه على البحوث الواردة إلى المجمع بخصوص موضوع: «مرض نقص المناعة المكتسب (الإيدز) »\rوبعد استماعها إلى المناقشات التي دارت حوله،\rقرر ما يلي :","part":7,"page":192},{"id":4478,"text":"1 - بما أن ارتكاب فاحشتي الزنا واللواط أهم سبب للأمراض الجنسية التي أخطرها الإيدز (متلازمة العوز المناعي المكتسب) ، فإن محاربة الرذيلة وتوجيه الأعلام والسياحة وجهة صالحة تعتبر عوامل مهمة في الوقاية منها. ولا شك أن الالتزام بتعاليم الإسلام الحنيف ومحاربة الرذيلة وإصلاح أجهزة الإعلام ومنع الأفلام والمسلسلات الخليعة ومراقبة السياحة تعتبر من العوامل الأساسية للوقاية من هذه الأمراض.\rويوصي مجلس المجمع الجهات المختصة في الدول الإسلامية باتخاذ كافة التدابير للوقاية من الإيدز ومعاقبة من يقوم بنقل الإيدز إلى غيره متعمداً. كما يوصي حكومة المملكة العربية السعودية بمواصلة تكثيف الجهود لحماية ضيوف الرحمن واتخاذ ما تراه من إجراءات كفيلة بوقايتهم من احتمال الإصابة بمرض الإيدز.\r2 - في حالة إصابة أحد الزوجين بهذا المرض، فإن عليه أن يخبر الآخر وأن يتعاون معه في إجراءات الوقاية كافة.\rويوصي المجمع بتوفير الرعاية للمصابين بهذا المرض. ويجب على المصاب أو حامل الفيروس أن يتجنب كل وسيلة يعدي بها غيره، كما ينبغي توفير التعليم للأطفال الذين يحملون فيروس الإيدز بالطرق المناسبة.\r3 - يوصي مجلس المجمع الأمانة العامة باستكتاب الأطباء والفقهاء في الموضوعات التالية، لاستكمال البحث فيها وعرضها في دورات قادمة:\rأ ـ عزل حامل فيروس الإيدز ومريضه.\rب ـ موقف جهات العمل من المصابين بالإيدز.\rج ـ إجهاض المرأة الحامل المصابة بفيروس الإيدز.\rد ـ إعطاء حق الفسخ لامرأة المصاب بفيروس الإيدز.\rهـ ـ هل تعتبر الإصابة بمرض الإيدز من قبيل مرض الموت من حيث تصرفات المصاب؟\rو ـ أثر إصابة الأم بالإيدز على حقها في الحضانة.\rز ـ ما الحكم الشرعي فيمن تعمد نقل مرض الإيدز إلى غيره؟\rح ـ تعويض المصابين بفيروس الإيدز عن طريق نقل الدم أو محتوياته أو نقل الأعضاء.\rط ـ إجراء الفحوصات الطبية قبل الزواج لتجنب مخاطر الأمراض المعدية وأهمها الإيدز.\rوالله أعلم.\rقرار رقم: 14/87/د8\rبشأن\rتنظيم استكتاب الأبحاث ومناقشتها في دورات المجمع\rإن مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنعقد في دورة مؤتمره الثامن ببندر سري بجاون، بروناي دار السلام من 1 إلى 7 محرم 1414هـ الموافق 21 - 27 يونيو 1993م.\rبعد اطلاعه على قواعد النشر لأبحاث المجمع، والشروط المطلوب توافرها في البحوث.\rوبعد استماعه إلى الملابسات التي تحصل في عملية الاستكتاب وتحديد أجل معين لتسلم الأبحاث بحيث تتمكن الأمانة العامة للمجمع من تقويم البحوث في ضوء قواعد النشر المشار إليها.\rقرر ما يلي :\r1 - في حالة انتهاء الأجل المحدد لتلقي البحوث يحق للأمانة العامة الاقتصار على الأبحاث الواردة خلال الأجل دون أي التزام تجاه ما تأخر عنه.\r2 - لا تستقبل الأمانة العامة للمجمع أي بحوث يتطوع أصحابها بإعدادها دون استكتاب من الأمانة العامة.\r3 - تقتصر المناقشة في الدورة القادمة على من تمت استضافتهم من أعضاء المجمع وخبرائه وباحثيه.\rوالله أعلم.","part":7,"page":193},{"id":4479,"text":"قرارات وتوصيات الدورة التاسعة لمجمع الفقه الإسلامي في أبو ظبي\r1 - 6 من ذي القعدة 1415 هـ\r1 - 6 من نيسان ( أبريل ) 1995م\rبسم الله الرحمن الرحيم\rالحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على\rسيدنا محمد خاتم النبيين وعلى آله وصحبه\rقرار رقم: 1/88 /د 9 بشأن\r« تجارة الذهب، الحلول الشرعية لاجتماع الصرف والحوالة »\rإن مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنعقد في دورة مؤتمره التاسع بأبو ظبي بدولة الإمارات العربية المتحدة من 1 إلى 6 ذي القعدة 1415هـ، الموافق 1-6 أبريل 1995م.\rبعد اطلاعه على البحوث الواردة إلى المجمع بخصوص موضوع: « تجارة الذهب، الحلول الشرعية لاجتماع الصرف والحوالة » .\rوبعد استماعه إلى المناقشات التي دارت حوله،\rقرر أولاً بشأن تجارة الذهب مايلي :\rأ - يجوز شراء الذهب والفضة بالشيكات المصدقة، على أن يتم التقابض بالمجلس.","part":7,"page":194},{"id":4480,"text":"ب-تأكيد ماذهب إليه عامة الفقهاءمن عدم جوازمبادلة الذهب المصوغ بذهب مصوغ أكثر مقداراً منه، لأنه لا عبرة في مبادلة الذهب بالذهب بالجودة أو الصياغة، لذا يرى المجمع عدم الحاجة للنظر في هذه المسألة، مراعاة لكون هذه المسألة، لم يبق لها مجال في التطبيق العملي، لعدم التعامل بالعملات الذهبية بعد حلول العملات الورقية محلها، وهي إذا قوبلت بالذهب تعتبر جنساً آخر.\rجـ - تجوز المبادلة بين مقدار من الذهب ومقدار آخر أقل منه مضموم إليه جنس آخر، وذلك على اعتبار أن الزيادة في أحد العوضين مقابلة بالجنس الآخر في العوض الثاني.\rد - بما أن المسائل التالية تحتاج إلى مزيد من التصورات والبحوث الفنية والشرعية عنها، فقد أرجئ اتخاذ قرارات فيها، بعد إثبات البيانات التي يقع بها التمييز بينها وهي:\r- شراء أسهم شركة تعمل في استخراج الذهب أو الفضة.\r- تملّك وتمليك الذهب من خلال تسليم وتسلّم شهادات، تمثِّل مقادير معينة منه، موجودة في خزائن مصدّر الشهادات، بحيث يتمكن بها من الحصول على الذهب، أو التصرف فيه متى شاء.\rقرر ثانياً بشأن الحلول الشرعية لاجتماع الصرف والحوالة مايلي :\rأ - الحوالات التي تقدم مبالغها بعملة ما، ويرغب طالبها تحويلها بالعملة نفسها جائزة شرعاً، سواء أكان بدون مقابل أم بمقابل في حدود الأجر الفعلي، فإذا كانت بدون مقابل، فهي من قبيل الحوالة المطلقة عند من لم يشترط مديونية المحال إليه، وهم الحنفية، وهي عند غيرهم سفتجة، وهي إعطاء شخص مالاً لآخر لتوفيته للمعطي أو لوكيله في بلد آخر. وإذا كانت بمقابل فهي وكالة بأجر، وإذا كان القائمون بتنفيذ الحوالات يعملون لعموم الناس، فإنهم ضامنون للمبالغ، جرياً على تضمين الأجير المشترك.","part":7,"page":195},{"id":4481,"text":"ب-إذا كان المطلوب في الحوالة دفعهابعملة مغايرة للمبالغ المقدمة من طالبها، فإن العملية تتكون من صرف وحوالة بالمعنى المشار إليه في الفقرة (أ) ، وتجري عملية الصرف قبل التحويل، وذلك بتسليم العميل المبلغ للبنك، وتقييد البنك له في دفاتره بعد الاتفاق على سعر الصرف المثبت في المستند المسلَّم للعميل، ثم تجري الحوالة بالمعنى المشار إليه.\rقرار رقم: 2/89 /د9\rبشأن « السلم وتطبيقاته المعاصرة »\rإن مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنعقد في دورة مؤتمره التاسع بأبو ظبي بدولة الإمارات العربية المتحدة من 1 إلى 6 ذي القعدة 1415هـ، الموافق 1-6 أبريل 1995م.\rبعد اطلاعه على البحوث الواردة إلى المجمع بخصوص موضوع: « السلم وتطبيقاته المعاصرة » .\rوبعد استماعه إلى المناقشات التي دارت حوله،\rقرر أولاً بشأن ( السلم ) مايلي :\rأ - السلع التي يجري فيها عقد السلم تشمل كل مايجوز بيعه ويمكن ضبط صفاته ويثبت ديناً في الذمة، سواء أكانت من المواد الخام أم المزروعات أم المصنوعات.\rب - يجب أن يحدد لعقد السلم أجل معلوم، إما بتاريخ معين، أو بالربط بأمر مؤكد الوقوع، ولو كان ميعاد وقوعه يختلف اختلافاً يسيراً، لا يؤدي للتنازع كموسم الحصاد.\rجـ - الأصل تعجيل قبض رأسمال السلم في مجلس العقد، ويجوز تأخيره ليومين أو ثلاثة ولو بشرط، على أن لاتكون مدة التأخير مساوية، أو زائدة عن الأجل المحدد للسلم. د - لا مانع شرعاً من أخذ المسلم ( المشتري ) رهناً أو كفيلاً من المسلَم إليه (البائع).\rهـ - يجوز للمسلم (المشتري) مبادلة المسلم فيه بشيء آخر - غير النقد - بعد حلول الأجل، سواء كان الاستبدال بجنسه أم بغير جنسه. حيث إنه لم يرد في منع ذلك نص ثابت ولا إجماع، وذلك بشرط أن يكون البدل صالحاً لأن يجعل مسلماً فيه برأس مال السلم.","part":7,"page":196},{"id":4482,"text":"و - إذا عجز المسلم إليه عن تسليم المسلم فيه عند حلول الأجل، فإن المسلم (المشتري) يخير بين الانتظار إلى أن يوجد المسلم فيه وفسخ العقد وأخذ رأس ماله، وإذا كان عجزه عن إعسار، فنظِرة إلى ميسرة.\rز - لايجوز الشرط الجزائي عن التأخير في تسليم المسلم فيه، لأنه عبارة عن دين، ولايجوز اشتراط الزيادة في الديون عند التأخير.\rح - لايجوز جعل الدين رأس مال للسلم؛ لأنه من بيع الدين بالدين.\rقرر ثانياً بشأن ( التطبيقات المعاصرة للسلم ):\rيعد السلم في عصرنا الحاضر أداة تمويل ذات كفاءة عالية في الاقتصاد الإسلامي وفي نشاطات المصارف الإسلامية، من حيث مرونتها واستجابتها لحاجات التمويل المختلفة، سواء أكان تمويلاً قصير الأجل أم متوسطة أم طويلة، واستجابتها لحاجات شرائح مختلفة ومتعددة من العملاء، سواء أكانوا من المنتجين الزراعيين أم الصناعيين أم المقاولين أم من التجار، واستجابتها لتمويل نفقات التشغيل والنفقات الرأسمالية الأخرى.\rولهذا تعددت مجالات تطبيق عقد السلم، ومنها مايلي:\rأ - يصلح عقد السلم لتمويل عمليات زراعية مختلفة، حيث يتعامل المصرف الإسلامي مع المزارعين الذين يتوقع أن توجد لديهم السلعة في الموسم من محاصيلهم، أو محاصيل غيرهم التي يمكن أن يشتروها ويسلّموها إذا أخفقوا في التسليم من محاصيلهم، فَيُقَدِّم ُ لهم بهذا التمويل نفعاً بالغاً، ويدفع عنهم مشقة العجز المالي عن تحقيق إنتاجهم.\rب - يمكن استخدام عقد السلم في تمويل النشاط الزراعي والصناعي، ولاسيما تمويل المراحل السابقة لإنتاج وتصدير السلع والمنتجات الرائجة، وذلك بشرائها سَلَماً، وإعادة تسويقها بأسعار مجزية.\rجـ - يمكن تطبيق عقد السلم في تمويل الحرفيين وصغار المنتجين الزراعيين والصناعيين، عن طريق إمدادهم بمستلزمات الإنتاج في صورة معدات وآلات أو مواد أولية كرأس مال سلم، مقابل الحصول على بعض منتجاتهم وإعادة تسويقها.","part":7,"page":197},{"id":4483,"text":"ويوصي المجلس باستكمال صور التطبيقات المعاصرة للسلم بعد إعداد البحوث المتخصصة.\rقرار رقم: 90 / 3 / د9\rبشأن « الودائع المصرفية ( حسابات المصارف ) »\rإن مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنعقد في دورة مؤتمره التاسع بأبو ظبي بدولة الإمارات العربية المتحدة من 1 إلى 6 ذي القعدة 1415هـ، الموافق 1-6 أبريل 1995م.\rبعد اطلاعه على البحوث الواردة إلى المجمع بخصوص موضوع: «الودائع المصرفية ( حسابات المصارف ) » .\rوبعد استماعه إلى المناقشات التي دارت حوله،\rقرر مايلي :\rأولاً - الودائع تحت الطلب ( الحسابات الجارية ) سواء أكانت لدى البنوك الإسلامية أو البنوك الربوية: هي قروض بالمنظور الفقهي، حيث إن المصرف المتسلِّم لهذه الودائع يده يد ضمان لها، وهو ملزم شرعاً بالرد عند الطلب. ولايؤثر على حكم القرض كون البنك ( المقترض) مليئاً.\rثانياً - إن الودائع المصرفية تنقسم إلى نوعين بحسب واقع التعامل المصرفي:\rأ - الودائع التي تدفع لها فوائد، كما هو الحال في البنوك الربوية: هي قروض ربوية محرمة، سواء أكانت من نوع الودائع تحت الطلب (الحسابات الجارية) أم الودائع لأجل، أم الودائع بإشعار، أم حسابات التوفير.\rب - الودائع التي تسلم للبنوك الملتزمة فعلياً بأحكام الشريعة الإسلامية بعقد استثماري على حصة من الربح: هي رأس مال مضاربة، وتطبق عليها أحكام المضاربة ( القراض ) في الفقه الإسلامي التي منها عدم جواز ضمان المضارب (البنك) لرأس مال المضاربة.\rثالثاً - إن الضمان في الودائع تحت الطلب ( الحسابات الجارية ) هو على المقترضين لها ( المساهمين في البنوك ) ماداموا ينفردون بالأرباح المتولدة من استثمارها، ولايشترك في ضمان تلك الحسابات الجارية المودعون في حسابات الاستثمار، لأنهم لم يشاركوا في اقتراضها ولا استحقاق أرباحها.","part":7,"page":198},{"id":4484,"text":"رابعاً - إن رهن الودائع جائز، سواء أكانت من الودائع تحت الطلب (الحسابات الجارية) أم الودائع الاستثمارية، ولايتم الرهن على مبالغها إلا بإجراء يمنع صاحب الحساب من التصرف فيه طيلة مدة الرهن. وإذا كان البنك الذي لديه الحساب الجاري هو المرتهن، لزم نقل المبالغ إلى حساب استثماري، بحيث ينتفي الضمان للتحول من القرض إلى القراض ( المضاربة ) ويستحق أرباح الحساب صاحبه تجنباً لانتفاع المرتهن ( الدائن ) بنماء الرهن.\rخامساً - يجوز الحجز من الحسابات إذا كان متفقاً عليه بين البنك والعميل. سادساً - الأصل في مشروعية التعامل: الأمانة والصدق بالإفصاح عن البيانات بصورة تدفع اللبس أو الإيهام، وتطابق الواقع، وتنسجم مع المنظور الشرعي، ويتأكد ذلك بالنسبة للبنوك تجاه مالديها من حسابات لاتصال عملها بالأمانة المفترضة ودفعاً للتغرير بذوي العلاقة.\rقرار رقم: 91 / 4 /د9\rبشأن « الاستثمار في الأسهم والوحدات الاستثمارية »\rإن مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنعقد في دورة مؤتمره التاسع بأبو ظبي بدولة الإمارات العربية المتحدة من 1 إلى 6 ذي القعدة 1415هـ الموافق 1-6 أبريل 1995م.\rبعد اطلاعه على الأبحاث الثلاثة الواردة إلى المجمع بخصوص موضوع: «الاستثمار في الأسهم والوحدات الاستثمارية » التي تبين منها أن الموضوع تضمن بين عناصره مسألة شراء أسهم الشركات التي غرضها وأنشطتها الأساسية مشروعة، لكنها تقترض أو تودع أموالها بالفائدة، وهي لم يقع البتّ في أمرها، بالرغم من عقد ندوتين لبحثها، وصدور قرار مبدئي فيها للمجمع في دورته السابعة، ثم قرار لاحق في دورته الثامنة بأن تقوم الأمانة العامة باستكتاب المزيد من البحوث في هذا الموضوع، ليتمكن من اتخاذ القرار المناسب في دورة قادمة.","part":7,"page":199},{"id":4485,"text":"وبعد الشروع في المناقشات التي دارت حوله، تبين أن الموضوع يحتاج إلى الدراسات المتعددة المعمَّقة، لوضع الضوابط المتعلقة بهذا النوع من الشركات الذي هو الأكثر وقوعاً داخل البلاد الإسلامية وخارجها.\rقرر مايلي :\rأولاً - تأجيل النظر في هذا الموضوع على أن يعدّ فيه مزيد من الدراسات والأبحاث بخصوصه، وتستوعب فيه الجوانب الفنية والشرعية. وذلك ليتمكن المجمع من اتخاذ القرار المناسب فيه حسب توصية الدورة الثامنة (قرار 8/81/د8).\rثانياً - الاستفادة مما تضمنته الأبحاث الثلاثة عن الصناديق والإصدارات الاستثمارية لإعداد اللائحة الموصى بوضعها في القرار (5) للدورة الرابعة (بند أولاً /2 في العنصر الرابع).\rقرار رقم: 5/92/د9\rبشأن « المناقصات »\rإن مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنعقد في دورة مؤتمره التاسع بأبو ظبي بدولة الإمارات العربية المتحدة من 1 إلى 6 ذي القعدة 1415هـ، الموافق 1 - 6 أبريل 1995م.\rبعد اطلاعه على البحثين الواردين إلى المجمع بخصوص موضوع: «المناقصات» ،\rوبعد استماعه إلى المناقشات التي دارت حوله،\rوجرياً على خطة المجمع في وجوب إعداد عدد من الدراسات في كل موضوع لاستقصاء التصورات الفنية له، واستيعاب الاتجاهات الفقهية فيه،\rقرر مايلي :\rأولاً - تأجيل إصدار القرار الخاص بالنقاط التي درست في هذا الموضوع، نظراً لأهميته، وضرورة استكمال بحث جميع جوانبه وتغطية كل تفصيلاته، والتعرف على جميع الآراء فيه، واستيفاء المجالات التي تجري المناقصات من أجلها، ولاسيما ماهو حرام منها كالأوراق المالية الربوية وسندات الخزانة. ثانياً - أن يقوم أعضاء المجمع وخبراؤه بموافاة الأمانة العامة - قبل انتهاء الدورة إن أمكن أو خلال فترة قريبة بعدها - بما لديهم من نقاط فنية أو شرعية تتعلق بموضوع « المناقصات » سواء تعلقت بالإجراءات، أم بالصيغ والعقود التي تقام المناقصة لإبرامها.","part":7,"page":200},{"id":4486,"text":"ثالثاً - استكتاب أبحاث أخرى في موضوع ( المناقصات ) يسهم فيها أهل الخبرات الفنية والفقهية والعملية في هذا الموضوع.\rقرار رقم: 93/ 6 /د9\rبشأن « قضايا العملة »\rإن مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنعقد في دورة مؤتمره التاسع بأبو ظبي بدولة الإمارات العربية المتحدة من 1 إلى 6 ذي القعدة 1415هـ، الموافق 1-6 أبريل 1995م.\rبعد اطلاعه على البحوث الواردة إلى المجمع بخصوص موضوع: « قضايا العملة » ،\rوبعد استماعه إلى المناقشات التي دلت على أن هناك اتجاهات عديدة بشأن معالجة حالات التضخم الجامح الذي يؤدي إلى الانهيار الكبير للقوة الشرائية لبعض العملات منها:\rأ - أن تكون هذه الحالات الاستثنائية مشمولة أيضاً بتطبيق قرار المجمع الصادر في الدورة الخامسة، ونصه « العبرة في وفاء الديون الثابتة بعملة ماهي بالمثل وليس بالقيمة؛ لأن الديون تقضى بأمثالها، فلا يجوز ربط الديون الثابتة في الذمة أياً كان مصدرها بمستوى الأسعار » .\rب - أن يطبق في تلك الأحوال الاستثنائية مبدأ الربط بمؤشر تكاليف المعيشة (مراعاة القوة الشرائية للنقود ). جـ - أن يطبق مبدأ ربط النقود الورقية بالذهب ( مراعاة قيمة هذه النقود بالذهب عند نشوء الالتزام ).\rد - أن يؤخذ في مثل هذه الحالات بمبدأ الصلح الواجب، بعد تقرير أضرار الطرفين ( الدائن والمدين ).\rهـ - التفرقة بين انخفاض قيمة العملة عن طريق العرض والطلب في السوق، وبين تخفيض الدولة عملتها، بإصدار قرار صريح في ذلك، بما قد يؤدي إلى تغير اعتبار قيمة العملات الورقية التي أخذت قوتها بالاعتبار والاصطلاح.\rو - التفرقة بين انخفاض القوة الشرائية للنقود الذي يكون ناتجاً عن سياسات تتبناها الحكومات، وبين الانخفاض الذي يكون بعوامل خارجية.\rز - الأخذ في هذه الأحوال الاستثنائية بمبدأ ( وضع الجوائح ) الذي هو من قبيل مراعاة الظروف الطارئة.\rوفي ضوء هذه الاتجاهات المتباينة المحتاجة للبحث والتمحيص.\rقرر مايلي :","part":7,"page":201},{"id":4487,"text":"أولاً - أن تعقد الأمانة العامة للمجمع - بالتعاون مع إحدى المؤسسات المالية الإسلامية - ندوة متخصصة يشارك فيها عدد من ذوي الاختصاص في الاقتصاد والفقه، وتضم بعض أعضاء وخبراء المجمع، وذلك للنظر في الطريق الأقوم والأصلح الذي يقع الاتفاق عليه للوفاء بما في الذمة من الديون والالتزامات في الأحوال الاستثنائية المشار إليها أعلاه.\rثانياً - أن يشتمل جدول الندوة على:\rأ - دراسة ماهية التضخم وأنواعه وجميع التصورات الفنية المتعلقة به.\rب - دراسة آثار التضخم الاقتصادية والاجتماعية وكيفية معالجتها اقتصادياً.\rجـ - طرح الحلول الفقهية لمعالجة التضخم من مثل ماسبقت الإشارة إليه في ديباجة القرار. ثالثاً - ترفع نتائج الندوة - مع أوراقها ومناقشاتها - إلى مجلس المجمع في الدورة القادمة.\rقرار رقم: 94/ 7 / د9\rبشأن « مرض نقص المناعة المكتسب ( الأيدز ) والأحكام الفقهية المتعلقة به »\rإن مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنعقد في دورة مؤتمره التاسع بأبو ظبي بدولة الإمارات العربية المتحدة من 1 إلى 6 ذي القعدة 1415هـ ، الموافق 1 - 6 أبريل 1995م.\rبعد اطلاعه على البحوث الواردة إلى المجمع بخصوص موضوع: « مرض نقص المناعة المكتسب ( الأيدز ) والأحكام المتعلقة به » .\rوبعد استماعه إلى المناقشات التي دارت حوله،\rاعتبر الموضوعات المطروحة على الدورة ذات صبغتين:\rالأولى تناولت الجوانب الطبية لمرض نقص المناعة المكتسب ( الأيدز ) من حيث أسبابه وطرق انتقاله وخطورته.\rوالثانية تناولت الجوانب الفقهية، وتشتمل هذه على:\r1 - حكم عزل مريض نقص المناعة المكتسب ( الأيدز ).\r2 - حكم تعمد نقل العدوى.\r3 - حقوق الزوج المصاب وواجباته.\rأ - حكم إجهاض الأم المصابة بعدوى مرض نقص المناعة المكتسب (الأيدز).\rب - حكم حضانة الأم المصابة بمرض نقص المناعة المكتسب (الأيدز) لوليدها السليم وإرضاعه.","part":7,"page":202},{"id":4488,"text":"جـ- حق السليم من الزوجين في طلب الفرقة من الزوج المصاب بعدوى مرض نقص المناعة المكتسب ( الأيدز ).\rهـ - حق المعاشرة الزوجية.\r4 - اعتبار مرض نقص المناعة المكتسب ( الأيدز ) مرض موت.\rأولاً - عزل المريض :\rتؤكد المعلومات الطبية المتوافرة حالياً أن العدوى بفيروس العوز المناعي البشري مرض نقص المناعة المكتسب ( الأيدز ) لاتحدث عن طريق المعايشة أو الملامسة أو التنفس أو الحشرات أو الاشتراك في الأكل والشرب أو حمامات السباحة أو المقاعد أو أدوات الطعام، ونحو ذلك من أوجه المعايشة في الحياة اليومية العادية، وإنما تكون العدوى بصورة رئيسية بإحدى الطرق التالية:\r1 - الاتصال الجنسي بأي شكل كان.\r2 - نقل الدم الملوث أو مشتقاته.\r3 - استعمال الإبر الملوثة، ولاسيما بين متعاطي المخدرات، وكذلك أمواس الحلاقة.\r4 - الانتقال من الأم المصابة إلى طفلها في أثناء الحمل والولادة.\rوبناء على ماتقدم فإن عزل المصابين إذا لم تخش منه العدوى، عن زملائهم الأصحاء غير واجب شرعاً، ويتم التصرف مع المرضى وفق الإجراءات الطبية المعتمدة.\rثانياً - تعمد نقل العدوى :\rتعمد نقل العدوى بمرض نقص المناعة المكتسب (الأيدز) إلى السليم منه بأية صورة من صور التعمد عمل محرم، ويعد من كبائر الذنوب والآثام، كما أنه يستوجب العقوبة الدنيوية، وتتفاوت هذه العقوبة بقدر جسامة الفعل وأثره على الأفراد وتأثيره على المجتمع.\rفإن كان قصد المتعمد إشاعة هذا المرض الخبيث في المجتمع، فعمله هذا يعد نوعاً من الحرابة والإفساد في الأرض، ويستوجب إحدى العقوبات المنصوص عليها في آية الحرابة ( سورة المائدة - آية 33 ).\rوإن كان قصده من تعمد نقل العدوى إعداء شخص بعينه وتمت العدوى ولم يمت المنقول إليه بعد، عوقب المتعمد بالعقوبة التعزيرية المناسبة، وعند حدوث الوفاة ينظر في تطبيق عقوبة القتل عليه.","part":7,"page":203},{"id":4489,"text":"وأما إذا كان قصده من تعمد نقل العدوى إعداء شخص بعينه ولكن لم تنتقل إليه العدوى، فإنه يعاقب عقوبة تعزيرية.\rثالثاً - إجهاض الأم المصابة بعدوى مرض نقص المناعة المكتسب (الأيدز ) :\rنظراً لأن انتقال العدوى من الحامل المصابة بمرض نقص المناعة المكتسب (الأيدز) إلى جنينها لا تحدث غالباً إلا بعد تقدم الحمل ( نفخ الروح في الجنين ) أو أثناء الولادة، فلا يجوز إجهاض الجنين شرعاً.\rرابعاً - حضانة الأم المصابة بمرض نقص المناعة المكتسب (الأيدز) لوليدها السليم وإرضاعه :\rأ - لما كانت المعلومات الطبية الحاضرة تدل على أنه ليس هناك خطر مؤكد من حضانة الأم المصابة بعدوى مرض نقص المناعة المكتسب ( الأيدز ) لوليدها السليم، وإرضاعها له، شأنها في ذلك شأن المخالطة والمعايشة العادية، فإنه لامانع شرعاً من أن تقوم الأم بحضانته ورضاعته مالم يمنع من ذلك تقرير طبي. خامساً - حق السليم من الزوجين في طلب الفرقة من الزوج المصاب بعدوى مرض نقص المناعة المكتسب ( الأيدز ) :\rللزوجة طلب الفرقة من الزوج المصاب باعتبار أن مرض نقص المناعة المكتسب ( الأيدز ) مرض مُعْد تنتقل عدواه بصورة رئيسية بالاتصال الجنسي.\rسادساً - اعتبار مرض نقص المناعة المكتسب ( الأيدز ) مرض موت :\rيعد مرض نقص المناعة المكتسب (الأيدز) مرض موت شرعاً إذا اكتملت أعراضه، وأقعد المريض عن ممارسة الحياة العادية، واتصل به الموت.\rسابعاً - حق المباشرة الزوجية :\rتؤجل لاستكمال بحثها.\rويوصي مجلس المجمع بضرورة الاستمرار على التأكد في موسم الحج من خلو الحجاج من الأمراض الوبائية، وبخاصة مرض نقص المناعة المكتسب (الأيدز) .\rقرار رقم 95 / 8 /د 9\rبشأن « مبدأ التحكيم في الفقه الإسلامي »\rإن مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنعقد في دورة مؤتمره التاسع بأبو ظبي بدولة الإمارات العربية المتحدة من 1 إلى 6 ذي القعدة 1415هـ، الموافق 1-6 أبريل 1995م.","part":7,"page":204},{"id":4490,"text":"بعد اطلاعه على البحوث الواردة إلى المجمع بخصوص موضوع: « مبدأ التحكيم في الفقه الإسلامي » .\rوبعد استماعه إلى المناقشات التي دارت حوله،\rقرر مايلي : أولاً - التحكيم: اتفاق بين طرفي خصومة معينة، على تولية من يفصل في منازعة بينهما، بحكم ملزم، يطبق الشريعة الإسلامية.\rوهو مشروع، سواء أكان بين الأفراد أم في مجال المنازعات الدولية.\rثانياً - التحكيم: عقد غير لازم لكل من الطرفين المحتكمين والحكَم، فيجوز لكل من الطرفين الرجوع فيه مالم يشرع الحكَم في التحكيم، ويجوز للحكَم أن يعزل نفسه - ولو بعد قبوله - مادام لم يصدر حكمه، ولايجوز له أن يستخلف غيره دون إذن الطرفين، لأن الرضا مرتبط بشخصه.\rثالثاً - لايجوز التحكيم في كل ماهو حق لله تعالى كالحدود، ولا فيما استلزم الحكم ُفيه إثبات حكم أو نفيه بالنسبة لغير المتحاكمين ممن لا ولاية للحَكَم عليه، كاللعان، لتعلق حق الولد به، ولا فيما ينفرد القضاء دون غيره بالنظر فيه.\rفإذا قضى الحكَم فيما لايجوز فيه التحكيم، فحكمه باطل ولاينفذ.\rرابعاً - يشترط في الحكَم بحسب الأصل توافر شروط القضاء.\rخامساً - الأصل أن يتم تنفيذ حكم المُحكَّم طواعية، فإن أبى أحد المحتكمين، عرض الأمر على القضاء لتنفيذه، وليس للقضاء نقضه مالم يكن جوراً بيِّناً أو مخالفاً لحكم الشرع.\rسادساً - إذا لم تكن هناك محاكم دولية إسلامية يجوز احتكام الدول أو المؤسسات الإسلامية إلى محاكم دولية غير إسلامية توصلاً لما هو جائز شرعاً.\rسابعاً - دعوة الدول الأعضاء في منظمة المؤتمر الإسلامي إلى استكمال الإجراءات اللازمة لإقامة محكمة العدل الإسلامية الدولية، وتمكينها من أداء مهامها المنصوص عليها في نظامها. قرار رقم: 96 / 9 / د9\rبشأن « سدّ الذرائع »\rإن مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنعقد في دورة مؤتمره التاسع بأبو ظبي بدولة الإمارات العربية المتحدة من 1 إلى 6 ذي القعدة 1415هـ، الموافق 1-6 أبريل 1995م.","part":7,"page":205},{"id":4491,"text":"بعد اطلاعه على البحوث الواردة إلى المجمع بخصوص موضوع: « سد الذرائع » ،\rوبعد استماعه إلى المناقشات التي دارت حوله،\rقرر مايلي :\r1 - سدّ الذرائع أصل من أصول الشريعة الإسلامية، وحقيقته: منع المباحات التي يتوصل بها إلى مفاسد أو محظورات.\r2 - سدّ الذرائع لايقتصر على مواضع الاشتباه والاحتياط، وإنما يشمل كل مامن شأنه التوصل به إلى الحرام.\r3 - سد الذرائع يقتضي منع الحيل إلى إتيان المحظورات أو إبطال شيء من المطلوبات الشرعية، غير أن الحيلة تفترق عن الذريعة باشتراط وجود القصد في الأولى دون الثانية.\r4 - والذرائع أنواع:\r(الأولى ) مجمع على منعها: وهي المنصوص عليها في القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة أو المؤدية إلى المفسدة قطعاً أو كثيراً غالباً، سواء أكانت الوسيلة مباحة أم مندوبة أم واجبة. ومن هذا النوع العقود التي يظهر منها القصد إلى الوقوع في الحرام بالنص عليه في العقد. (والثانية ) مجمع على فتحها: وهي التي ترجح فيها المصلحة على المفسدة.\r(والثالثة) مختلف فيها: وهي التصرفات التي ظاهرها الصحة، لكن تكتنفها تهمة التوصل بها إلى باطن محظور، لكثرة قصد ذلك منها.\r5 - وضابط إباحة الذريعة: أن يكون إفضاؤها إلى المفسدة نادراً، أو أن تكون مصلحة الفعل أرجح من مفسدته.\rوضابط منع الذريعة: أن تكون من شأنها الإفضاء إلى المفسدة لا محالة (قطعاً) أو كثيراً، أو أن تكون مفسدة الفعل أرجح مما قد يترتب على الوسيلة من المصلحة.\rقرار رقم : 97 / 10 / د9\rبشأن « معلمة القواعد الفقهية »\rإن مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنعقد في دورة مؤتمره التاسع بأبو ظبي بدولة الإمارات العربية المتحدة من 1 إلى 6 ذي القعدة 1415هـ، الموافق 1-6 أبريل 1995م.\rبعد استحضار القرار المتخذ في الدورة الثالثة بإصدار معلمة القواعد الفقهية،","part":7,"page":206},{"id":4492,"text":"وبعد اطلاعه على المذكّرة المعدة من الأمانة العامة عن المشروع المتضمنة بيان محتويات المعلمة، ومصادرها من الكتب المفردة للقواعد ومتعلقاتها أو المدونات الفقهية والأصولية، والخطة العملية المقترحة للشروع في إعداد المعلمة والنموذج المقترح للبطاقات المستخدمة في الإعداد، لضمان توفية كل قاعدة حقها من البيانات، ومنهج إعداد المعلمة ومراحل الإعداد، مع تفصيل المرحلة الأولى والتجهيزات التقنية، باستخدام الحاسوب ( الكومبيوتر ) لاختصار الوقت اللازم للإعداد والتحقق من الاستقصاء والتناسق.\rقرر مايلي :\rأولاً - المضي في الخطوات التنفيذية لإعداد معلمة القواعد الفقهية وفق المنهج المقترح من الأمانة العامة بالتعاون مع اللجنة المكونة منها لهذا المشروع.\rثانياً - الاستفادة من خدمات الحاسوب للاطمئنان إلى استيعاب ماجاء في الكتب المتخصصة والكتب الفقهية والأصولية العامة، بصورة شاملة لكل من القواعد والضوابط والمقاصد العامة للتشريع.\rثالثاً - موافاة الأعضاء والخبراء الأمانة العامة في أقرب وقت بما يبدو لهم من ملاحظات أو مقترحات حول المرحلة الأولى من الإعداد، للاستفادة منها قبل الشروع في التكليف باستخراج البيانات.\rقرار رقم : 98 /11/د9\rبشأن « المراحل المنجزة من مشروع الموسوعة الفقهية الاقتصادية »\rإن مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنعقد في دورة مؤتمره التاسع بأبوظبي بدولة الإمارات العربية المتحدة من 1 إلى 6 ذي القعدة 1415هـ، الموافق 1 - 6 أبريل 1995م.\rبعد استحضار القرار المتخذ في الدورة الثالثة بإصدار الموسوعة الفقهية الاقتصادية.","part":7,"page":207},{"id":4493,"text":"وبعد اطلاعه على المذكرة المعدة من الأمانة العامة عن المشروع المتضمنة بيان الخطوات والإجراءات التي قامت بها الأمانة العامة في هذا الصدد من عقد جلسات عمل، وتشكيل لجنة فنية لإعداد الخطة التنفيذية، واستخلاص قائمة بالموضوعات الأساسية للموسوعة، وقد تضمنت المذكرة الخطة التفصيلية بعدة زمر منها، مع الاستكتاب المشترك للمختصين من الاقتصاديين والفقهاء في موضوعات الزمرة الأولى منها:\rقرر مايلي :\rأولاً - مواصلة العمل في إنجاز الموسوعة الفقهية الاقتصادية وفق المنهج المعد من الأمانة العامة بالتعاون مع اللجنة المكونة منها لهذا المشروع.\rثانياً - العمل على نشر ماينجز من موضوعات الموسوعة طبعة تمهيدية ( كل بحث على حدة ) لوضع نماذج تساعد على الإنجاز، وتمكن المختصين من تقديم ملاحظاتهم واقتراحاتهم بشأن هذا الموضوع.\rتوصيات الندوة الثامنة للمنظمة الإسلامية للعلوم الطبية بالكويت\rمن 22-1415/12/24هـ الموافق لـ 22-1995/5/24م\rاستمراراً لمسيرة المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية في تصديها للمشاكل الطبية والصحية من خلال رؤية إسلامية والتي تمثلت في العديد من ندواتها المتتابعة.\rولما كانت الحاجة تدعو لاستخدام الترقيع الجلدي وسبله لإنقاذ حياة من يتعرض لحروق نسبتها كبيرة، فقد رأت المنظمة أن تعرض هذا الموضوع في ندوتها التالية.\rكما أن المنظمة رأت ضرورة بحث « المواد المحرمة والنجسة في الغذاء والدواء» نظراً للتوسع الكبير في تكنولوجيا الغذاء والدواء واستخدام مواد فيها شبهة الحرمة والنجاسة.\rفقد تم بفضل من الله وعونه عقد الندوة الثامنة، وموضوعها « رؤية إسلامية لبعض المشاكل الصحية» وذلك بمشاركة الأزهر الشريف، ومجمع الفقه الإسلاميبجدة، والمكتب الإقليمي لمنظمة الصحة العالمية بالإسكندرية، ووزارة الصحة بدولة الكويت، وذلك في الفترة من 22-24 من شهر ذي الحجة 1415هـ الذي يوافقه 22-24 من شهر مايو 1995م.","part":7,"page":208},{"id":4494,"text":"التوصيات الخاصة\rأولاً - الترقيع الجلدي :\r1- للآدمي مسلماً وغير مسلم حرمة ذاتية. وتكريم الآدمي والحفاظ على حرمته مقصد من مقاصد الشريعة، لذا فإن عمليات الترقيع الجلدي الجائزة بالشروط المبينة فيما يلي، لا تتنافى مع هذا المقصد بل تحققه وترسخه.\r2 - الجلد عضو حي ينطبق عليه من حيث النقل ماينطبق على نقل الأعضاء وزرعها طبقاً لما قررته المجامع الفقهية.\r3 - عمليات الترقيع الجلدي برقعة من مصدر آدمي ربما تكون ضرورة شرعية تخضع في أحكامها للشروط العامة للضرورة.\r4 - الرقعة الجلدية المأخوذة من مصدر آدمي حي أو ميت، ذاتية ( من الشخص لنفسه)، أو مثلية ( من آدمي لآدمي )، طاهرة شرعاً.\r5 - يتوقف جواز عمليات الترقيع الجلدي برقعة من مصدر آدمي على توافر الشروط التالية:\rأ - أن يكون الترقيع الجلدي هو الوسيلة الطبية الوحيدة الممكنة لعلاج المريض.\rب - أن لايتسبب نزع الجلد في حالة التبرع من الحي في ضرر يماثل ضرر المتبرع له أو يفوقه.\rج - أن يبلغ نجاح عملية الترقيع حد غلبة الظن.\rد - أن يكون الحصول على الجلد الآدمي عن غير طريق البيع أو الإكراه أو التغرير، ولا مانع من بذل المال من قبل المحتاج من أجل الحصول على الجلد اللازم إذا لم يجد متبرعاً.\r6 - الرُّقَع الجلدية المأخوذة من حيوان طاهر مذكىً حسب الشروط الشرعية مصدر يبيحه الشرع.\r7 - الرُّقَع الجلدية المأخوذة من حيوان غير مأكول ( باستثناء الكلب والخنزير) يجوز الترقيع بها إن ذكيّ تذكية شرعية.\r8 - الرقع الجلدية المأخوذة من الميتة أو من حيوان حي، نجسة لايجوز استخدامها إلا عند الضرورة.\r9 - الرقع الجلدية المأخوذة من الكلب أو الخنزير لايجوز استخدامها إلا عند عدم وجود البديل الجائز شرعاً وعند الضرورة، شريطة أن تكون مؤقتة.\r10 - يجوز إنشاء بنك لحفظ الجلد الآدمي مع مراعاة مايلي:\rأ - أن يكون البنك بيد الدولة أو هيئة مؤتمنة تحت إشراف الدولة.","part":7,"page":209},{"id":4495,"text":"ب - أن يكون الاختزان للجلود الآدمية على قدر الحاجة الواقعية والمتوقعة.\rج - أن تحترم قطع الجلد التي يستغنى عنها، فتدفن، ولا تلقى في مصبّ الفضلات.\rثانياً - المواد المحرمة والنجسة في الغذاء والدواء :\rالمبادئ العامة\r1 - يجب على كل مسلم الالتزام بأحكام الشريعة الإسلامية، وبخاصة في مجال الغذاء والدواء، وذلك محقق لطيب مطعمه ومشربه وعلاجه، وإن من رحمة الله بعباده، وتيسير سبيل الاتباع لشرعه مراعاة حال الضرورة والحاجة العامة إلى مبادئ شرعية مقررة، منها: أن الضرورات تبيح المحظورات، وأن الحاجة تنزّل منزلة الضرورة مادامت متعينة، وأن الأصل في الأشياء الإباحة مالم يقم دليل معتبر على الحرمة، كما أن الأصل في الأشياء كلها الطهارة مالم يقم دليل معتبر على النجاسة. ولايعتبر تحريم أكل الشيء أو شربه حكماً بنجاسته شرعاً.\r2 - مادة الكحول غير نجسة شرعاً، بناء على ماسبق تقريره من أن الأصل في الأشياء الطهارة، سواء كان الكحول صرفاً أم مخففاً بالماء ترجيحاً للقول بأن نجاسة الخمر وسائر المسكرات معنوية غير حسية، لاعتبارها رجساً من عمل الشيطان.\rوعليه، فلا حرج شرعاً من استخدام الكحول طبياً كمطهر للجلد والجروح والأدوات وقاتل للجراثيم، أو استعمال الروائح العطرية ( ماء الكولونيا ) التي يستخدم الكحول فيها كمذيب للمواد العطرية الطيارة، أو استخدام الكريمات التي يدخل الكحول فيها. ولا ينطبق ذلك على الخمر لحرمة الانتفاع به.\r3 - لما كان الكحول مادة مسكرة فيحرم تناولها، وريثما يتحقق مايتطلع إليه المسلمون من تصنيع أدوية لايدخل الكحول في تركيبها ولاسيما أدوية الأطفال والحوامل، فإنه لا مانع شرعاً من تناول الأدوية التي تصنع حالياً ويدخل في تركيبها نسبة ضئيلة من الكحول، لغرض الحفظ، أو إذابة بعض المواد الدوائية التي لاتذوب في الماء على ألا يستعمل الكحول فيها كمهدئ، وهذا حيث لايتوافر بديل عن تلك الأدوية.","part":7,"page":210},{"id":4496,"text":"4 - لايجوز تناول المواد الغذائية التي تحتوي على نسبة من الخمور مهما كانت ضئيلة، ولاسيما الشائعة في البلاد الغربية كبعض الشوكولاته وبعض أنواع المثلجات ( الآيس كريم، الجيلاتي، البوظة ) وبعض المشروبات الغازية، اعتباراً للأصل الشرعي في أن ما أسكركثيره فقليله حرام، ولعدم قيام موجب شرعي استثنائي للترخيص فيها.\r5 - المواد الغذائية التي يستعمل في تصنيعها نسبة ضئيلة من الكحول لإذابة بعض المواد التي لاتذوب بالماء من ملونات وحافظات وما إلى ذلك، يجوز تناولها لعموم البلوى ولتبخر معظم الكحول المضاف أثناء تصنيع الغذاء.\r6 - المواد الغذائية التي يدخل شحم الخنزير في تركيبها دون استحالة عينه مثل بعض الأجبان وبعض أنواع الزيت والدهن والسمن والزبد وبعض أنواع البسكويت والشوكولاته والآيس كريم، هي محرمة ولايحل أكلها مطلقاً، اعتباراً لإجماع أهل العلم على نجاسة شحم الخنزير وعدم حل أكله، ولانتفاء الاضطرار إلى تناول هذه المواد.\r7 - الإنسولين الخنزيري المنشأ يباح لمرضى السكري التداوي به للضرورة بضوابطها الشرعية.\r8 - الاستحالة التي تعني انقلاب العين إلى عين أخرى تغايرها في صفاتها تحوّل المواد النجسة أو المتنجسة إلى مواد طاهرة، وتحول المواد المحرمة إلى مواد مباحة شرعاً.\rوبناءً على ذلك:\rأ - الجيلاتين المتكون من استحالة عظم الحيوان النجس وجلده وأوتاره: طاهر وأكله حلال.\rب - الصابون الذي ينتج من استحالة شحم الخنزير أو الميتة يصيرطاهراً بتلك الاستحالة ويجوز استعماله.\rج - الجبن المنعقد بفعل إنفحة ميتة الحيوان المأكول اللحم طاهر، ويجوز تناوله.\rد - المراهم والكريمات ومواد التجميل التي يدخل في تركيبها شحم الخنزير لايجوز استعمالها إلا إذا تحققت فيها استحالة الشحم وانقلاب عينه. أما إذا لم يتحقق ذلك فهي نجسة.\r9 -المواد المخدرة محرمة لايحل تناولها إلا لغرض المعالجة الطبية المتعينة، وبالمقادير التي يحددها الأطباء وهي طاهرة العين.\rولا حرج في استعمال جوزة الطيب ونحوها في إصلاح نكهة الطعام بمقادير قليلة لاتؤدي إلى التفتير أو التخدير.\rالتوصيات العامة\r1 - توصي الندوة بضرورة الاستفادة من جلود وعظام الحيوانات المذكاة لاستخراج مادة الجيلاتين التي تستخدم في الغذاء والدواء، وذلك حفاظاً على الثروة الوطنية وتجنباً لشبهات استعمال مواد من مصادر غير مقبولة شرعاً.\r2 - توصي الندوة المسؤولين في البلاد الإسلامية بأن تراعى في الصناعة الدوائية والغذائية الشروط والمواصفات المقبولة شرعاً من حيث المواد الخام وطرق التحضير.\r3 - توصي اللجنة المسؤولين في البلاد الإسلامية بإلزام الشركات المنتجة والمستوردة للمواد الغذائية المحفوظة ببيان التركيب التفصيلي لجميع مقومات كل عبوة بشكل واضح وباللغة الوطنية.","part":7,"page":211},{"id":4497,"text":"القِسْمُ الخامِس: الفقهُ العَّام (1)\rيشتمل على ستة أبواب وهي ما يأتي:\rالباب الأول - الحدود الشرعية\rالباب الثاني - التعزير\rالباب الثالث - الجنايات وعقوباتها: القصاص والديات\rالباب الرابع - الجهاد وتوابعه\rالباب الخامس - القضاء وطرق إثبات الحق\rالباب السادس - نظام الحكم في الإسلام\rالبَاب الاوَل: الحدود الشّرعيّة\rيشتمل هذا الباب على تمهيد وستة فصول وهي مايأتي:\rالفصل الأول - حد الزنا\rالفصل الثاني - حد القذف\rالفصل الثالث - حد السرقة\rالفصل الرابع - حد الحرابة\rالفصل الخامس - حد الشُّرْب وحد السُّكْر\rالفصل السادس - حد الردة\r-------------------------------\r(1) يراد بالفقه العام: ماله صلة بالدولة إما بممارسة السلطة العامة على مواطنيها كالقضاء، وإما بمباشرة علاقاتها الدولية مع الدول الأخرى أو مع غير المسلمين في دار الإسلام، ويقابله « الفقه الخاص » الشامل علاقات الأفراد فيما بينهم أو بينهم وبين الله عز وجل.","part":7,"page":212},{"id":4498,"text":"تمهيد\rهدفنا: كلما نقب الإنسان في آفاق الفقه وكتب الفقهاء المسلمين، ازداد إيماناً بخلود شريعة الإسلام في تنظيم الحياة، وسلامة الفكر الإسلامي، وعبقرية الفقهاء، وعظمة الفقه، الذي لا تقتصر أحكامه على الدليل النقلي من القرآن والسنة فحسب، وإنما تتغلغل في أعماق الوجدان والعقل الإنساني لتجد لها ما يؤيدها ويدعمها حتى اليوم، ويساندها من أجل التطبيق العملي، ويشد أزرها للنهوض من جديد في حكم العلاقات الاجتماعية والمعاملات المتكررة يومياً بين الأفراد، وفي العلاقات الدولية أيضاً.\rوالهدف من الأخذ بأحكام الإسلام هو إقامة مجتمع إسلامي عزيز كريم نظيف آمن مطمئن، لا محل فيه لإعطاء الدنية أو الاستسلام للعدو، ولا قرار فيه للجريمة والفوضى، ولا اعتبار للشذوذ والانحراف، والفساد أو المنكر والمعصية، وذلك بقدر الإمكان، وضمن مبادئ الإسلام التي من أهمها مبدأ الستر على المعصية الخفية غير المعلنة، ومبدأ درء الحدود ـ لا التعزيرات ـ بالشبهات.","part":7,"page":213},{"id":4499,"text":"ومما يشدنا إلى إسلامنا بحق أن الناس جربوا في عصرنا المستورد من القوانين والأنظمة، والأفكار والثقافات والمعارف المتعددة، المصطبغة كلها بصبغة مادية ضيقة أو بحتة، وآب الواعون في النهاية إلى حظيرة الإسلام ليجدوا فيه الحل الأفضل، بعد أن أفلست البضاعة المستوردة، في تقدم الفرد والجماعة، وانكشف طلاؤها المزيف بزيف الحضارة، التي أخذنا منها الساقط الحقير، وتركنا الجوهر أو النافع المفيد، فنقم الناس على تلك الأنظمة والثقافات، لما أدت إليه من إفساد الضمائر والأفكار، وزرع الشك وعدم الثقة بالنفس، واهتزاز القيم والفضائل والأخلاق، ولم تفلح في النهاية إلا في إبقائنا ضعفاء عالة على الغير، مجهولي الهوية، ليست لنا ذاتية مستقلة، إسلاماً أو عروبة، شرقاً أو غرباً.\rوبدافع قوي من الشعور أو اللاشعور اتجه المجتمع إلى الإسلام ـ طريق الخلاص، ولكنهم ظلوا في فلك العبادات وحدها يعملون، فأصبحت نظم الحياة في جانب، والعبادة في جانب، فصاروا في ازدواجية وترنح وتناقض، وحيرة وملل، واضطراب جديد أقل سوءاً من البعد النهائي عن الإسلام.\rولا نجاة من تلك الازدواجية إلا بتطبيق كامل لشرعة الله في المعاملات والجنايات والحدود وغيرها، وتغيير القوانين الوضعية. وبالفعل برقت آمال في اتجاهات صادقة نحو قوانين الشريعة في دنيا العرب والإسلام لتطهير المجتمع من الرذيلة والانحراف، وإثبات الذات، ومعالجة شؤون الحياة بفكر الإسلام السياسي والاقتصادي والاجتماعي والعسكري، ولتحطيم قيود الذل والهوان، ودحر العدوان بمختلف أشكاله، ومحاربة الاستغلال بكل أصنافه، والاعتماد على النفس، وجمع المسلمين تحت راية القرآن، وسنة الرسول عليه الصلاة والسلام، والإفادة من فقه الشريعة الذي لا يخرج عن هذين المصدرين.","part":7,"page":214},{"id":4500,"text":"وأحسَّ كل مسلم أن سبيل العزة، ورد العدوان، وتخليص الأراضي والحقوق المغتصبة، هو بالانضمام تحت راية الجهاد المقدس لإعلاء كلمة الله تعالى، على النحو الذي وُجد به العدو، وجمَّع قواته، وقاتلنا تحت شعار مذهبه العنصري البغيض.\rومعرفة أحكام العقود، كما بان سابقاً، وتنظيم الجهاد في الفقه، وتفصيل الكلام عن الحدود والجنايات، والقضاء الإسلامي العادل، ومبادئ الحكم الإسلامي، فرع من تلك الدوحة العظيمة والثروة الكبرى لفقهنا الذي له من المكانة العالية عند كل رجال التشريع والفقه والقضاء في العالم.\rومع الأسف الشديد وصف بعض الجاهلين هذا الفقه الخصب بأنه «مجرد ركام» تأثراً منهم بحب الغرب، وشعوراً منهم بالنقص، وعدم الثقة بالنفس، وجهلاً فاضحاً بما تتطلبه الحياة من فرضيات واحتمالات كثيرة موجودة في ظل تطبيق القوانين الحالية، ويحلو لهم بعدها التطفل على موائد الغرب، وترديد ما قال ( المسيو فلان والمستر فلان ) متجاهلين أو تاركين عمداً ما قاله شيوخ الإسلام العظام، الذين ما زالت أفكارهم ونظرياتهم وجهودهم مرقى العظماء، ومطمح العلماء، ومأوى الفلاسفة والمفكرين.\rفإلى فقه الإسلام يا جيلنا، وإلى ثروته الخصبة، وإلى ينابيعه العذبة لتغترف منها ما تراه مناسباً لعصرك، فالله يسَّر لك الطريق باختيار السمح السهل من الأحكام، وزودك باليقين الصادق والعقل الناضج والحس المرهف لأخذ الصالح، وكشف الحق في مهاده، وقمع الباطل في وهاده. وحينئذ تعلم أن رفع راية الإسلام تتطلب تهيئة أرضية صلبة لها، من الواقع العملي المتمثل بالفقه الإسلامي، والفكر الإسلامي، والدعوة الإسلامية البناءة؛ لأن الدعوة ليست مجرد عاطفة تؤجج، أو هيكل فارغ المضمون والمحتوى والمنهج. وإعداد هذه الأرضية إنما هو من أجل ضمان بقاء هذه الدعوة، حتى لا تهتز أمام تحرك العواصف الهوجاء، أو تدابير الأعداء.","part":7,"page":215},{"id":4501,"text":"ففي فقه الإسلام بكل مذاهبه إذن دليل على صلاحية الإسلام للتطبيق في كل عصر، وطريق لتحقيق تماسك الشخصية الإسلامية، فهو عامل بناء وتجميع وتوحيد لا تفريق وتمزيق كما يرى السطحيون، وأما اختلاف الفقهاء فليس إلا في الفروع والجزئيات الاجتهادية لا في الأصول والغايات، لكن ما أشد الحاجة حينئذ لعرض الفقه بأسلوب سهل حديث مدعم بالدليل الصحيح، لموازنة الآراء الفقهية، وتعرف سبل الترجيح بينها، أو اختيار الأصلح المناسب للزمن منها.\rوهذا ما حاولت فعله في إعداد هذا الكتاب، بعد بذل جهود ـ الله أعلم بها ـ لتحقيق كل رأي فقهي، ومعرفة حكم كل مسألة في متاهات الكتب القديمة، رجاء تحقيق النفع به والإفادة منه.\rتعريف الحد :\rالحد في اللغة: المنع، ولذا سمي البواب حداداً لمنعه الناس عند الدخول، وسميت العقوبات حدوداً، لكونها مانعة من ارتكاب أسبابها، وحدود الله : محارمه؛ لأنها ممنوعة، بدليل قوله تعالى: {تلك حدود الله فلا تقربوها} [البقرة:187/2] وحدود الله أيضاً: أحكامه أي ما حده وقدره، فلا يجوز أن يتعداه الإنسان، وسميت حدوداً؛ لأنها تمنع عن التخطي إلى ما وراءها، بدليل قوله تعالى: {تلك حدود الله فلا تعتدوها} [البقرة:229/2].\rوالحد في الشرع في اصطلاح الحنفية: عقوبة مقدرة واجبة حقاً لله تعالى، فلا يسمى التعزير حداً؛ لأنه ليس بمقدر، ولا يسمى القصاص أيضاً حداً؛ لأنه وإن كان مقدراً، لكنه حق العباد، فيجري فيه العفو والصلح، وسميت هذه العقوبات حدوداً؛ لأنها تمنع من الوقوع في مثل الذنب.\rوالمراد من كونها حقاً لله تعالى: أنها شرعت لصيانة الأعراض والأنساب والأموال والعقول والأنفس عن التعرض لها (1) . غير أن بعض هذه الحدود كحد\r-------------------------------\r(1) المبسوط للسرخسي: 9 ص 36، فتح القدير: 4 ص 112، البدائع: 7 ص 33، تبيين الحقائق للزيلعي: 3 ص 163، حاشية ابن عابدين: 3 ص 154، مغني المحتاج: 4 ص155.","part":7,"page":216},{"id":4502,"text":"الزنا وشرب الخمر حق خالص لله تعالى، أي حق للمجتمع، وبعضها الآخر مثل حد القذف فيه حق لله ، وحق للعبد، أي أنه يشترك فيه الحق الشخصي والحق العام (1) .\rوالحد في اصطلاح الجمهور غير الحنفية: عقوبة مقدرة شرعاً، سواء أكانت حقاً لله أم للعبد.\rوالحدود أنواع: حد الزنا وحد القذف وحد السرقة وحد الحرابة أو قطع الطريق وحد شرب الخمر ونحوه، قال الحنفية: الحدود خمسة: وهي حد السرقة وحد الزنا وحد الشرب وحد السُكْر وحد القذف (2) . أما قطع الطريق فهو داخل تحت مفهوم السرقة بالمعنى الأعم، ويضاف إليها لدى غير الحنفية حدان آخران وهما حد القصاص وحد الردة،فيصبح مجموع الحدود سبعة في رأي هؤلاء باعتبار أن الحد هو عقوبة مقدرة حدها الله تعالى وقدرها، فلا يجوز لأحد أن يتجاوزها، وباعتبار أن الحد يشمل في الأصح ما كان من حقوق الله تعالى، وما كان من حقوق الناس، ومنها القصاص.\rوعلى هذا يكون لدينا اصطلاحان في الحدود:\rأولهما ـ مذهب الحنفية المشهور: وهو تخصيص الحد بالعقوبة المقدرة المقررة حقاً لله تعالى، أي لصالح الجماعة، وهي خمسة أنواع ذكرتها، بإدخال حد الحرابة في حد السرقة، والتفرقة بين حد الخمر (ماء العنب النيء المتخمر) وحد السكر للأشربة المسكرة المتخذة من غير العنب كالشعير والذرة والعسل ونحوها.\rوثانيهما ـ مذهب الجمهور غير الحنفية: وهو إطلاق لفظ الحد على كل عقوبة\r-------------------------------\r(1) الجريمة والعقوبة لأستاذنا الشيخ محمد أبو زهرة: ص 64 ومابعدها.\r(2) البدائع، المرجع السابق.","part":7,"page":217},{"id":4503,"text":"مقدرة، سواء أكانت مقررة رعاية لحق الله تعالى أم لحق الأفراد، وهي سبعة أنواع، منها القصاص وحد الردة.وسأذكر هذه الأنواع السبعة مبيناً أن جرائم الحدود ثمانية: وهي الزنا، والقذف، وشرب المسكر، والسرقة، والحرابة، والبغي، والردة، والقتل العمد الموجب للقصاص، على أساس أن عقوباتها جميعاً مقدرة شرعاً.وقال ابن جزي المالكي (1) : الجنايات أي الجرائم الموجبة للعقوبة ثلاث عشرة وهي: القتل والجرح، والزنى، والقذف، وشرب الخمر، والبغي، والحرابة، والردة، والزندقة، وسب الله ، وسب الأنبياء والملائكة، وعمل السحر، وترك الصلاة والصيام.\rويلاحظ أن الجناية هي الجريمة في اصطلاح الفقه الإسلامي. قال الماوردي (2) : الجرائم محظورات شرعية زجر الله تعالى عنها بحد أو تعزير، كما يلاحظ أن عقوبة الزندقة والمذكور بعدها هنا هي القتل، كعقوبة الردة. وقد أفردت الجنايات ببحث مستقل؛ لأن الكلام عنها لدى فقهائنا لا يقتصر على ما يوجب القصاص الذي هو حدٌ عند الجمهور، وإنما يشمل بحث الديات والاعتداء على الحيوان، وكيفية التعويض عن الأضرار الناجمة من سقوط الحائط أو البناء، وطرق إثبات الجناية.\rالحكمة من تشريع الحدود :\rإن الحكمة من هذه الحدود أو العقوبات : هي زجر الناس وردعهم عن اقتراف تلك الجرائم، وصيانة المجتمع عن الفساد، والتطهر من الذنوب، قال ابن تيمية: «من رحمة الله سبحانه وتعالى أن شرع العقوبات في الجنايات الواقعة بين\r-------------------------------\r(1) القوانين الفقهية: ص 344، ط فاس.\r(2) الأحكام السلطانية: ص 211.","part":7,"page":218},{"id":4504,"text":"الناس بعضهم على بعض في النفوس والأبدان والأعراض والأموال والقتل والجراح والقذف والسرقة، فأحكم سبحانه وتعالى وجوه الزجر الرادعة عن هذه الجنايات غاية الإحكام، وشرعها على أكمل الوجوه المتضمنة لمصلحة الردع والزجر، مع عدم المجاوزة لما يستحقه الجاني من الردع، فلم يشرع في الكذب قطع اللسان ولا القتل، ولا في الزنا الخصاء، ولا في السرقة إعدام النفس، وإنما شرع لهم في ذلك ما هو موجب أسمائه وصفاته من حكمته ورحمته، ولطفه وإحسانه وعدله، لتزول النوائب وتنقطع الأطماع عن التظالم والعدوان، ويقتنع كل إنسان بما آتاه مالكه وخالقه، فلا يطمع في استلاب غيره حقه» (1) .\rوتطبيق الحدود يتطلب أموراً أربعة:\rأولها ـ الإيمان بالإسلام عقيدة وشريعة ومنهاجاً .\rوثانيها ـ تطبيق شريعة الله في جميع أحكامها السياسية والاقتصادية والاجتماعية.\rوثالثها ـ الإدراك العقلي والتجريبي بفائدة الحدود.\rورابعها ـ الحرص على مصلحة الجماعة وتفضيلها على مصلحة الفرد.\rهل في قطع اليد تعذيب وقسوة وتنكيل؟ إن في تطبيق عقوبة القطع زجراً مناسباً للمجرم ولأمثاله في المجتمع، فهو رحمة بالناس عامة، وقد جاء في المذكرة الإيضاحية لقانون حدي السرقة والحرابة رقم 148 لسنة 1972م الصادر في ليبيا ما يأتي: ولقد يحلو لبعض المرتابين والمتشككين أن يصفوا عقوبة القطع (أي في حدي السرقة والحرابة) بأنها لا تتفق مع المدنية والتقدم، ويرمونها بالعنف والغلظة. وهؤلاء يركزون النظر على شدة العقوبة ويتناسون فظاعة الجريمة وآثارها الخطيرة على المجتمع، إنهم يتباكون على يد سارق أثيم تقطع، ولا تهولهم جريمة\r-------------------------------\r(1) راجع رسالته في القياس: ص 85، والسياسة الشرعية له: ص 98، وانظر مثل ذلك في قواعد الأحكام للعز بن عبد السلام: 163/1-165 ومثله أيضاً قول ابن القيم في أعلام الموقعين: 95/2، 107 وما بعدها.","part":7,"page":219},{"id":4505,"text":"السرقة ومضاعفاتها الخطيرة، كم من جرائم ارتكبت في سبيل السرقة، كم من جرائم اعتداء على الأشخاص وإحداث عاهات جسام وقعت على الأبرياء بسبب السرقة، كم من أموال اغتصبت وثروات سلبت وأناس تشردوا بسبب السطو على أموالهم ومصدر رزقهم، كل ذلك لا يخطر ببال المشفقين على أيد قليلة في سبيل أمن المجموع واستقراره، فيكون الهدف من إقامة الحدود توفير سلامة المجتمع وتحقيق أمنه واستقراره ومنع كل ما يهدد المصالح الكبرى للأمة.\rألا يتساءل هؤلاء، أيهما أهون على المجتمع: أن تقطع يد أو يدان في كل عام، وتختفي السرقة، ولا تكاد تقطع يد بعد ذلك، ويعيش الناس مطمئنين على أموالهم وأنفسهم، أم يحبس ويسجن ويحكم بالأشغال الشاقة المؤقتة والمؤبدة في جريمة السرقة وحدها، في أغلب الدول، عشرات الآلاف كل عام، ثم لا تنقضي السرقة، بل تزداد وتتنوع وتستفحل، فما زلنا نسمع عن مصارف بأسرها تسرق، وقطارات تنهب في وضح النهار، وخزائن تسلب، وجرائم على الأموال تصحبها جرائم على الأشخاص والأعراض لا تقع تحت حصر، ولا يكاد يلاحقها علم ولا فن ولا سلطة.","part":7,"page":220},{"id":4506,"text":"ثم إن الجرائم الخطيرة لا يفلح في صدها ومقاومة أخطارها إلا عقوبات شديدة فعالة، فاسم العقوبة مشتق من العقاب، ولا يكون العقاب عقاباً إذا كان موسوماً بالرخاوة والضعف. والعقاب الناجح هو ذلك الذي ينتصر على الجريمة، وليس ذلك الذي تنتصر عليه الجريمة. ثم إن المشرعين الوضعيين لم يستغلظوا عقوبة الإعدام بالنسبة إلى بعض الجرائم الخطيرة، وما من شك في أن هذه العقوبة أشد من عقوبة القطع في السرقة والحرابة، فالعبرة إذن بالعقوبة المناسبة والفعالة في مقاومة الجريمة. والحقيقة التي لا مراء فيها أن قطع يد سارق أو عدو معدود من السراق أهون كثيراً من ترك السرقة ترتع في المجتمع تروع الآمنين بما تفضي إليه من العديد من الجرائم والمنكرات.\rولقد أثبت التاريخ أن المجتمع الإسلامي عندما طبق الحدود، عاش آمناً مطمئناً على أمواله وأعراضه ونظامه، حتى إن المجرم نفسه كان يسعى لإقامة الحد عليه، رغبة في تطهير نفسه، والتكفير عن ذنبه. وقد كانت الحجاز ـ بل وسائر الجزيرة العربية ـ مرتعاً خصباً لأشنع جرائم السرقة وقطع الطريق، حتى على حجاج بيت الله الحرام رجالاً ونساء، فلم يكن يعود إلى بلده منهم إلا النزر اليسير. فما أن طبقت الحجاز ـ أي الدولة السعودية ـ هذين الحدين حتى استتب الأمن وانقطعت السرقات، وانهارت عصابات قطع الطريق، حتى أصبحت البلاد مضرب المثل المستغرب في انقطاع دابر جريمتي السرقة وقطع الطريق، بالرغم من أن ما قطع من الأيدي منذ تطبيق الحدود لا يمثل إلا عدداً ضئيلاً جداً لا يوازي ما كان يقطعه قطاع الطريق من رقاب الأبرياء في هجمة واحدة. ويذكر أن عدد الأيدي التي قطعت في المملكة السعودية ستة عشر يداً خلال أربعة وعشرين عاماً.","part":7,"page":221},{"id":4507,"text":"ومما تقدم جميعه يتضح أن القسوة التي تتسم بها عقوبة القطع في السرقة والحرابة، هي في الواقع رحمة عامة بالمجتمع في مجموعه حتى يتخلص من شرور هاتين الجريمتين، وأخطارهما الوبيلة، فإن التضحية بعدد محدود جداً من الأيدي والأرجل بالنسبة لأناس آثمين خارجين على حكم الله ، أهون كثيراً من ترك الجريمة تفتك بآلاف الأبرياء في أرواحهم وأبدانهم وثرواتهم.\rبل إن شدة العقوبة ذاتها رحمة بمن توسوس لهم أنفسهم بالإجرام حيث تمنعهم تلك الشدة من الإقدام على الجريمة، فتحول بينهم وبين التردي في مهاوي الإجرام، فهي شدة في نطاق محدود، تفضي إلى رحمة واسعة شاملة بالنسبة إلى المجتمع الواسع العريض، كيف لا، وشريعة الإسلام هي شريعة الرحمة، أليس الله هو القائل: {كتب ربكم على نفسه الرحمة} [الأنعام:54/6] وهو الرحمن الرحيم حيث نذكر الله في كل وقت وحين. والرسول يقول: «الراحمون يرحمهم الرحمن» (1) ، بل أمرنا بالشفقة على الحيوان. وشريعة هذا شأنها لا يمكن أن تحمل أحكامها في الحدود على محمل الشدة والقسوة، وإنما هي رحمة بالناس في مجموعهم. والنظر إلى أثر الحدود على القلة التي تتعرض لها دون نظر إلى أثرها في المجتمع ككل، هو نظر مقلوب ومعكوس. ويكاد أن يكون نظراً مغرضاً ومريباً؛ لأن العبرة بمصلحة الناس في مجموعهم، وليست بمصلحة مجرمين ثبت جرمهم، ولم يدرأ عنهم الحد شبهة.\r-------------------------------\r(1) رواه أبو داود والترمذي عن عبد الله بن عمرو بلفظ «الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء، والرحمة شجنة من الرحمن، فمن وصلها وصله الله ، ومن قطعها قطعه الله » وشجنة: عروق الشجر المشتبكة.","part":7,"page":222},{"id":4508,"text":"ومع ذلك فلا يغرب عن البال أن الإسلام حريص كل الحرص على ألا يقام الحد، إلا حيث يتبين على وجه اليقين ثبوت ارتكاب الجرم، وذلك بتشدده في وسائل الإثبات. ثم إنه بعدئذ يدرأ الحد بالشبهات، كل هذا تفادياً لتوقيع الحدود إلا في حالات استثنائية محضة، ويكفي توقيعها في هاتيك الحالات حتى يتحقق أثرها الفعال في منع الجريمة وتضييق الخناق عليها إلى أقصى حد ممكن. بل إن تطبيق بعض الحدود كالجلد ـ بأصوله الشرعية ـ أحب إلى كثير من العصاة من الحبس في غياهب السجون مدة من الزمن، قلت أم كثرت. وأما الرجم فهو مجرد قتل بوسيلة إعلامية زاجرة تمثل انتقام المجتمع ممن سطا على الأعراض.\rومما يجب الانتباه له أن الإسلام قبل تشريع الحدود، شرع تشريعات واقية من\rالوقوع في الجريمة، فأمر بالستر والحجاب ونهى عن الاختلاط والخلوة بالمرأة، وأمر بالتبكير في الزواج، ومنع كل وسائل الإغراء والفتنة، ووفر للإنسان حاجياته بتهيئة فرص العمل، وتكافل المجتمع عند العجز والتعطل ورغّب في العمل، وجعل التكافل سبيلاً للتوجه نحو العمل والإنتاج، لا الإبقاء في دائرة العوز والكسل والاعتماد على الآخرين.\rالفرق بين الحدود والتعازير :\rذكر القرافي المالكي عشرة فروق بين الحدود والتعازير وهي ما يأتي (1) :\r1 ً - التقدير: إن عقوبات الحدود والقصاص مقدرة مقدماً في الشرع للجرائم الموجبة لها، وليس للقاضي تقدير العقوبة بحسب ظروف المجرم أو ظروف الجريمة. أما عقوبات التعزير فمفوض تقديرها إلى القاضي، يختار العقوبة المناسبة بحسب ظروف المتهم وشخصيته وسوابقه ودرجة تأثره بالعقوبة، ودرجة ظروف الجريمة وأثرها في المجتمع.\r-------------------------------\r(1) الفروق: 177/4-183.","part":7,"page":223},{"id":4509,"text":"لكن يلاحظ أن إعطاء هذه السلطة التقديرية للقاضي في التعزير مقيد بضوابط أهمها اختيار ما يراه مناسباً من العقوبات المشروعة في التعزير، للحالات التي تعرض عليه، وتعتبر من المعاصي. فضلاً عن أن القاضي المسلم يجب أن يكون في غاية العدالة والورع، وينبغي أن يكون عند المالكية والشافعية والحنابلة بالغاً رتبة الاجتهاد. وبه يتبين أن سلطته ليست تحكمية لا ضابط لها، أو ليس فيها ضمانات للمتهمين، أو أن المتهم قد يضار بها، حتى بخطأ القاضي أو بجهله، إن لم يكن بميله وظلمه (1) . ومع ذلك فلا بأس بتقنين العقوبات واعتماد الدولة نظاماً محدداً للجرائم والعقوبات التعزيرية، فإن أصل التفويض في تقدير التعزير هو للإمام أي رئيس الدولة إذا كان مجتهداً، وتصدى للقضاء، فإذا ناب عنه قضاة متخصصون، تقيدوا بما يقيدهم به من أنظمة وقواعد.\rهذا وقد اتفق الفقهاء على عدم تحديد أقل التعزير، ولكنهم اختلفوا في تحديد أكثره، فقال المالكية: هو غير محدود، بدليل إجماع الصحابة على أن معن بن زائدة (1) زوركتاباً على عمر رضي الله عنه، ونقش خاتماً مثل خاتمه، فجلده مئة، فشفع فيه قوم، فقال: أذكروني الطعن، وكنت ناسياً، فجلده مئة أخرى، ثم جلده بعد ذلك مئة أخرى، ولأن الأصل مساواة العقوبات للجنايات، ولأن الخليفة عمر ابن عبد العزيز رحمه الله قال: تحدث للناس أقضية على قدر ما أحدثوا من الفجور.\rوقال أبو حنيفة: لا يجاوز بالتعزير أقل الحدود، وهو أربعون جلدة (حد العبد في الخمر والقذف) بل ينقص منه سوط واحد.\r-------------------------------\r(1) رسالة التعزير للدكتور عبد العزيز عامر: ص 50.\r(2) يظهر أنه معن بن أوس، وهو غير معن المشهور بحلمه، وهوغير صحابي أيضاً.","part":7,"page":224},{"id":4510,"text":"وللشافعي قولان: أصحهما كرأي أبي حنيفة. وسأوضحه في بحثه أيضاً، ودليلهم خبر في الصحيحين: أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم قال: «لا تجلدوا فوق عشر، في غير حدود الله تعالى» (1) وقد أجيب عن هذا الحديث بسبب تقرير هؤلاء الفقهاء الزيادة على عشرة أسواط بأنه محمول على التأديب للمصالح، الصادر من غير الولاة كالسيد يضرب عبده، والزوج يضرب زوجته، والأب يضرب ولده. أو أن المراد به جلد غير المكلفين كالصبيان والمجانين والبهائم.\rوقال الحنابلة (2) : لا يبلغ بتعزير الحر أدنى حدوده، إلا فيما سببه الوطء، فيجوز أن يبلغ بالتعزير عليه في حق الحر مئة جلدة بدون نفي. وقيل: لا يبلغ المئة، بل ينقص منه سوطاً، ويجوز النقص منه على ما يراه السلطان.\r2ً - وجوب التنفيذ: الحدود، والقصاص إذا لم يكن عفو من ولي الدم واجبة التنفيذ على ولاة الأمر، فليس فيها عفو ولا إبراء ولا شفاعة ولا إسقاط لأي سبب من الأسباب.\rوأما التعزير فمختلف فيه، فقال مالك وأبو حنيفة وأحمد (الجمهور): إن كان التعزير لحق الله تعالى وجب تنفيذه كالحدود، إلا أن يغلب على ظن الإمام أن غير الضرب من الملامة والكلام يحقق المصلحة، أي أن التعزير، إذا كان من حق الله تعالى، لا يجوز للإمام تركه، لكن يجوز فيه العفو والشفاعة إن رئيت في ذلك المصلحة، أو كان الجاني قد انزجر بدونه.\rأما التعزير الذي يجب حقاً للأفراد، فإن لصاحب الحق فيه أن يتركه بالعفو أو بغيره، وهو يتوقف على رفع الدعوى إلى القضاء، لكن إذا طلبه صاحبه لا يكون لولي الأمر فيه عفو ولا شفاعة ولا إسقاط.\rوقال الشافعي: التعزير غير واجب على الإمام، إن شاء أقامه، وإن شاء تركه، بدليل ما ثبت في الصحيح أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم لم يعزر الأنصاري الذي قال له في حق الزبير في أمر السقي: أن كان ابن عمتك؟! يعني فسامحته (3) ، ولأن\r-------------------------------\r(1) رواه الجماعة إلا النسائي عن أبي بردة بلفظ: «لا يجلد فوق عشرة أسواط، إلا في حد من حدود الله تعالى» (نيل الأوطار: 149/7).\r(2) القواعد لابن رجب : ص 311، المغني: 324/8.\r(3) راجع نيل الأوطار: 307/5، أعلام الموقعين: 99/2، جامع الأصول: 565/9، والحديث رواه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي عن عبد الله بن الزبير.","part":7,"page":225},{"id":4511,"text":"التعزير غير مقدر، فلا يجب كضرب الأب والمعلم والزوج (1) .\rوأساس الخلاف بين الحدود والتعازير في هذا: أن الحدود خالصة لله تعالى، وأن القصاص من حق الأفراد، فيجوز لهم العفو عنه، وأن التعزير منه ما هو من حق الله تعالى، ومنه ما هو من حق الأفراد.\r3 ً - الاتفاق مع الأصل أو القاعدة العامة: إن التعزير موافق الأصل أو القاعدة العامة التي تقرر ضرورة اختلاف العقوبة باختلاف الجريمة. أما الحدود فلا تختلف باختلاف جسامة الجريمة، بدليل تسوية الشرع في السرقة بين سرقة القليل كدينار، وسرقة الكثير كألف دينار، وفي شرب الخمر سوَّى الشرع في الحد بين شارب القطرة، وشارب الجرة مثلاً. وفي القصاص سوى بين قتل الرجل العالم الصالح التقي الشجاع البطل وقتل الوضيع، وهكذا.\r4 ً - وصف الجريمة بالمعصية وعدمها: إن التعزير تأديب يتبع المفاسد، وقد لا يصحبها العصيان في كثير من الصور كتأديب الصبيان والبهائم والمجانين استصلاحاً لهم، مع عدم المعصية.\rأما الحدود المقدرة فلم توجد في الشرع إلا في معصية، عملاً بالاستقراء.\r5 ً - سقوط العقوبة: إن التعزير قد يسقط، وإن قلنا بوجوبه، كما إذا كان الجاني من الصبيان، أوا لمكلفين إذا جنى جناية حقيرة، لا تحقق العقوبة فيها المقصود، لعدم كون العقوبة الخفيفة رادعة، ولعدم إيجاب العقوبة الشديدة، أما الحد فلا يسقط بعد وجوبه بأي حال.\r-------------------------------\r(1) ورد على الاستدلال بالحديث بأن التعزير حق لرسول الله صلّى الله عليه وسلم ، فله تركه، بخلاف حق الله تعالى لايجوز تركه، وكذلك رد على الاستدلال بأنه غير مقدر: بأن غيرالمقدر قد يجب كنفقات الزوجات والأقارب ونصيب الإنسان في بيت المال.","part":7,"page":226},{"id":4512,"text":"6 ً - أثر التوبة: إن التعزير يسقط بالتوبة، دون أن يعلم فيه خلاف. أما الحد كما سأبين فلايسقط بالتوبة على الصحيح عند جمهور العلماء غيرالحنابلة، إلا الحرابة لقوله تعالى: {إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم} [المائدة:34/5].\r7 ً - التخيير: التخيير يدخل في التعازير مطلقاً، ولا يدخل في الحدود، إلا في الحرابة.\r8 ً - مراعاة الظروف المخففة: إن التعزير يختلف باختلاف الفاعل والمفعول معه، والجناية، أي أنه يختلف باختلاف الأشخاص والجريمة، فلا بد في عقوبة التعزير من اعتبار مقدار الجناية والجاني والمجني عليه. أما الحدود فلا تختلف باختلاف فاعلها، وليس للظروف المخففة أي أثر على جرائم الحدود والقصاص. ويلاحظ أن هذا متمم للفرق الأول.\r9 ً - مراعاة مكان الجريمة وزمانها: إن التعزير يختلف باختلاف الأعصار والأمصار، فرب تعزير في بلاد يكون إكراماً في بلد آخر.\r10 ً - حق الله وحق العبد: يتنوع التعزير نوعين: فمنه ما هو مقرر، رعاية لحق الله تعالى، كالاعتداء على الصحابة أو القرآن ونحوه من انتهاك الحرمات الدينية. ومنه ما هو مقرر رعاية لحق العبد، أي الحق الشخصي، كشتم فلان وضربه ونحوه.\rأما الحدود فكلها عند أئمة المذاهب حق لله تعالى، إلا القذف ففيه خلاف، كما سيأتي بيانه. ومن الفروق عند الشافعي بين الحد والتعزير: أن ما يحدث عن الحد من التلف هدر، لكن إن حصل تلف من التعزير فإنه يوجب الضمان بدليل فعل عمر حينما استدعى امرأة حاملاً فخافت منه فألقت جنيناً ميتاً، فشاور علياً في الأمر فألزمه بدية الجنين، قيل: على عاقلة ولي الأمر . وقيل : إنها تكون في بيت المال.\rوأما عند أبي حنيفة ومالك وأحمد، فلا ضمان مطلقاً، فمن حده الإمام أو عزره فمات من ذلك، فدمه هدر؛ لأن الإمام في الحالتين مأمور بالحد والتعزير، وفعل المأمور لا يتقيد بشرط السلامة (1) .\r-------------------------------\r(1) الشرح الكبير للدردير وحاشية الدسوقي: 355/4، رد المحتار لابن عابدين: 196/3 وراجع رسالة التعزير: ص 51 ومابعدها.","part":7,"page":227},{"id":4513,"text":"السياسة العقابية في الإسلام وأثرها الإصلاحي في المجتمع\rتمهيد :\rإن نظام الشريعة في تبيان الحرام والمحظور، وفي الحملة الشديدة على مرتكبي المنكرات والفواحش في القرآن والسنة، والقيام بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتأييد الأحكام الأصلية بالمؤيدات المدنية كالبطلان والفساد في العقود والمعاملات، والجزائية كالحدود والتعزيرات من توبيخ وحبس وضرب غير مهين ولا مشين، إن ذلك كله ساهم مساهمة بناءة في إقامة المجتمع الإسلامي النظيف الذي تقل فيه الجرائم، ويمتنع فيه إلى حد كبير شيوع الكبائر.\rوقد أكد سلامة هذا النظام وكفاءته واقع الأمة الإسلامية في عصورها المتلاحقة بنحو إجمالي لا تفصيلي، فإنها بالمقارنة مع الأمم الأخرى والدول المتحضرة المعاصرة التي تقع فيها جريمة أو جريمتان كل ثانية، تعد أقل الأمم نزعة إلى الإجرام، والنسبة الإجرامية فيها أقل النسب إحصائياً، ما دامت متمسكة بدينها، ملتزمة بأخلاقها الإسلامية الرصينة، متبعة هدي القرآن والسنة وسيرة السلف الصالح، باستثناء وقائع فردية لشذوذ أو جهالة أو بدائية، أو دوافع عصبية سياسية لم يتوافر لها التكوين الإسلامي الصحيح، والتربية والثقافة الدينية الرادعة الكافية. ويمكن لكل مطلع على هذا البحث وهو ( السياسة العقابية في الإسلام وأثرها الإصلاحي في المجتمع ) تكوين قناعة كافية بصدق هذه الحقيقة الواقعية وإدراك سلامتها ونقائها، من خلال المبادئ النظرية والواقع العملي في البلاد التي تطبق فيها أحكام الشريعة.","part":7,"page":228},{"id":4514,"text":"وخطة البحث كما يلي:\rأولاً : مفاهيم عامة عن الجريمة وأوضاعها في الحاضر بسبب غيبة الوازع الديني.\rثانياً: أصول السياسة العقابية أو الجنائية الإسلامية.\rثالثاً: أنواع الأحكام الشرعية ودورها الوقائي والعلاجي.\rرابعاً: أنواع العقوبات في الإسلام وأثرها في منع الجريمة.\rخامساً: تطبيق مبادئ السياسة الجنائية الإسلامية: الوسائل وأهداف العقوبة وغاياتها المنشودة ومدى تأثيرها في قمع الإجرام.\rسادساً: مبادئ العقاب في الشريعة ومالها من أثر في تخفيف الجريمة.\rسابعاً: الحدود الشرعية وحكمتها وأثر تطبيقها في منع الجريمة.\rثامناً: العقوبات وحقوق الإنسان في الإسلام.\rتاسعاً: شرعية الجريمة والعقوبة أو مبدأ لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص، وتأثير ذلك على ظاهرة الإجرام.\rعاشراً: موانع العقاب وموانع المسؤولية، وأسباب الإباحة، وإنسانية العقوبة.\rحادي عشر:الآثار الإصلاحية الكبرى لسياسة العقاب في الإسلام.","part":7,"page":229},{"id":4515,"text":"أولاً - مفاهيم عامة عن الجريمة وأوضاعها في العصر الحاضر بسبب غيبة الوازع الديني :\rالجريمة ظاهرة اجتماعية قديمة ومستمرة ومتطورة، ولها تأثيرات ضارة ومؤذية وهي في مفهوم الناس سلوك شاذ يحظره قانون الدولة، ويرتب له جزاء، أو هي الخروج على أوامر قانون العقوبات ونواهيه (1) . ويتطور مفهوم الجريمة من زمن لآخر، ومن مجتمع لآخر في الزمن الواحد. والجريمة هي الجناية بالمعنى الخاص في اصطلاح الفقه الإسلامي، قال القاضي الماوردي: الجرائم محظورات شرعية زجر الله تعالى عنها بحد أو تعزير (2) . والمحظور إما إتيان منهي عنه أو ترك مأمور به. والجناية بالمعنى العام: هي كل فعل محرَّم شرعاً، سواء وقع الفعل على نفس أو مال أوغيرهما. وهذا هو معنى الجريمة عند أغلب القانونيين، فإنهم صوروها بأنها كل فعل ينهى عنه القانون ويفرض له عقوبة.\rوالظاهرة الإجرامية إحدى سمات المجتمعات بسبب الصراع على إشباع حاجات الأفراد غير المتناهية. ووجدت فكرة الجزاء بالفطرة في كل جماعة إنسانية، وإن اختلفت صورته، أو تباينت وجهات النظر في تحديد أهداف العقوبة\r-------------------------------\r(1) الجريمة والتنمية للدكتور حسني درويش عبد الحميد: ص 13، 15، قانون العقوبات القسم العام للدكتور عمر السعيد رمضان: ص 35.\r(2) الأحكام السلطانية: ص 211، ط صبيح.","part":7,"page":230},{"id":4516,"text":"بالانتقام من الجاني، أو تطبيق العدالة، أوإصلاح المتهم وتهذيبه (1) . والواقع أن الهدف من العقوبة مجموع هذه الأمور، فإن الجزاء للردع والتخويف، وللإصلاح والتهذيب معاً، ولإرضاء الشعور بالعدالة في ضمير المجتمع، وقد أدى التطور أخيراً إلى اعتبار العقوبة وسيلة دفاع عن المجتمع من خطر الجريمة، فالعقوبة بمعناها الحديث تؤدي وظيفتها الدفاعية عن المجتمع في لحظات ثلاث: اللحظة التشريعية: أي عند سن قانون العقوبات لإظهار الخشية من العقاب، واللحظة القضائية: أي عند إصدار الحكم بالعقوبة، لحماية المجتمع من جرائم جديدة تحدث فيه لو لم تلق الجريمة جزاءها، واللحظة التنفيذية: أي عند توقيع العقوبة المحكوم بها لإصلاح الجاني عن طريق إيلامه، حتى لا يعود إلى الجريمة مرة أخرى، وللجرائم أنواع كثيرة من الناحية الاجتماعية، فهناك جرائم ضد الممتلكات كالسرقة وتسميم الماشية ،والحريق، وجرائم ضد النفوس والأفراد، كالضرب والقتل وهتك العرض، وجرائم ضد النظام العام، كجرائم أمن الدولة والتخريب والتجسس، وجرائم على الدين وأهله كالاعتداء على أماكن العبادة وعلى المصلين، وجرائم على الأسرة كإهمال الأطفال والزنا والخيانة الزوجية، وجرائم ضد الأخلاق كالأفعال الفاضحة الجارحة للحياء في الأماكن العامة (2) .\rوتنوعت الجرائم وتفنن المجرمون فيها في العصر الحاضر، فارتكبوا جرائم لاتكاد تخطر على بال، كاغتصاب المرأة وهي تسير في شارع عام، وخطف الأطفال والنساء للبيع، وهو الرقيق الأبيض، ذكرت وكالة رويتر أن ضابطاً كبيراً في قوة حرس الحدود في بنغلاديش قال: إن أفراد الحرس أنقذوا حوالي (60) رجلاً وامرأة وطفلاً من البيع خارج البلاد للعمل في البغاء واستخدامهم كمصادر\r-------------------------------\r(1) الإجرام والعقاب في مصر للدكتور حسن المرصفاوي: ص 231.\r(2) الجريمة والتنمية، المرجع السابق: ص 21-22.","part":7,"page":231},{"id":4517,"text":"لعمليات زرع الأعضاء البشرية . وقد تقدمت الحكومة في ( 1988/7/1 ) بمشروع قانون إلى البرلمان يقضي بإعدام بائعي بنات حواء (1) . وتصاعدت عملية الاتجار بالأطفال، فهناك مليون طفل يخطفون ويباعون سنوياً في العالم (2) ، ويوجد في الكيان الصهيوني اليوم 2000 طفل برازيلي مخطوفين،تزودهم لإسرائيل (16) عصابة تقوم بدراسة عمليات خطف الأطفال. وتعيش فرنسا من عدة أشهر في عامي ( 87 )،( 1988 ) ظاهرة اجتماعية خطيرة هي ظاهرة خطف الفتيات دون العاشرة من الأماكن العامة لاغتصابهن ثم قتلهن بصورة وحشية (3) ، وبدأت فئات كثيرة تنادي بإعادة عقوبة الإعدام.\rوكثر تعاطي المخدرات والإدمان عليها، حتى ارتفع عدد ضحاياها في إيطاليا مثلاً إلى (500) قتيل من جراء الإدمان، وكشفت إحصائية لمنظمة الصحة العالمية في عام (1985) عن وجود (32) مليون مدمن في العالم، وطالب مفتي مصر بإعدام تجار المخدرات علانية أمام الشعب في الساحات العامة،للعظة والعبرة والزجر بسبب شيوع المخدرات في مصر (4) .\rوتزايدت نسبة الجرائم في بريطانيا، وكذا في المجتمع الأمريكي من قتل وسرقة واغتصاب واعتداء، حتى بلغت في أمريكا أكثر من عشرة أضعاف ما كانت عليه بين ( 1950 ، 1964 ) بسبب الرخاء والازدهار الاقتصادي في كل من مدينة نيويورك وأطلنطا وبوسطن، وتفشت ظاهرة المخدرات في أوربا وآسيا وأفريقيا، وكثر المصابون بالإيدز أو الشذوذ الجنسي، حتى بلغ عددهم في العالم\r-------------------------------\r(1) جريدة البيان في الإمارات بتاريخ 1988/7/2م.\r(2) جريدة الاتحاد في الإمارات بتاريخ 1988/6/23م.\r(3) جريدة الاتحاد المرجع السابق بتاريخ 88/4/30، و 1988/10/3م.\r(4) جريدة الفجر في الإمارات بتاريخ 1988/9/22م، الاتحاد 1988/10/8م.","part":7,"page":232},{"id":4518,"text":"أكثر من عشرة ملايين من الذكور والإناث (1) . وزادت نسبة جرائم النهب والسلب في بريطانيا في عام ( 1987 ) بنسبة (12%) وبلغت (000،45 ) جريمة، بسبب زيادة معدل الرخاء، وغيبة الوازع الديني، فإن المدنية الحديثة البعيدة عن هدي الله والدين وتعاليمه أفرزت مثل هذه الظواهر الإجرامية الشاذة، كما أفرزت فلسفات مادية منحدرة، وكلها تؤذن بتدمير وتخريب معالم الحضارة الحديثة القائمة على مجرد المادة، وتغفل جانب الأخلاق والدين والقيم الإنسانية، والخروج عن مبادئ العدالة والمساواة. ومثال ذلك: يعتبر عدد السجناء الذين ينتظرون الموت في الولايات المتحدة الأمريكية أعلى رقم سجل في ذلك البلد عام (1986)، ويتزايد معدل تنفيذ الإعدام بصورة مستمرة، وتشير الأدلة إلى أن استخدام عقوبة الإعدام في أمريكا يقوم على أساس تعسفي ومتحيز عنصرياً وغير عادل، ويشمل من ينتظرون الموت رجالاً ونساء، مرضى عقليين أو متخلفين عقلياً، وأشخاصاً ما زالت أعمارهم أقل من( 18 عاماً )، أو كانت أعمارهم أقل من( 18 عاماً ) عندما ارتكبوا جرائمهم، ونصف هؤلاء تقريباً من السود، والكثير منهم قد أدين بموجب سلطات قضائية، وجسدت الدراسات أن تطبيق عقوبة الإعدام فيها قائمة على التمييز العنصري (2) .\rوتقدم العلوم والفنون لم يكن سبباً لمنع الجرائم؛ لأن الغالب على العلوم المعاصرة الصبغة المادية المحضة، البعيدة في الأكثر عن النزعة الإنسانية، أما العلوم الإنسانية فهي التي تهذب المشاعر، وتقوّم الطبائع، وتقلّل الجرائم، ولكن دورها في الحياة الحاضرة والحضارة المادية الحديثة ضعيف التأثير في الغالب، مع أن الشأن في العلم أو المعرفة أن يكون طريقاً لانخفاض معدل الجرائم، وإذا وجد الجهل ارتفعت نسبة الجرائم.\r-------------------------------\r(1) المجلة العربية للدراسات الأمنية في الرياض، شهر ذي الحجة 1406هـ الموافق شهر آب «أغسطس» عام 1986م. ص 106.\r(2) نشرة منظمة العفو الدولية عام 1986: ص1.","part":7,"page":233},{"id":4519,"text":"ثانياً - أصول السياسة العقابية أوالجنائية الإسلامية :\rإن استراتيجية منع الجريمة وقيامها بوظيفتها تتطلب في رأي فلاسفة القوانين الوضعية تحقيق أهداف السياسة الجنائية، وضرورة تميزها بالخصائص التالية:\r1 - الشمول: بمعنى أن تطبيق الاستراتيجية على جميع مجالات السياسة الجنائية بالتجريم والعقاب والمنع.\r2 - متكاملة: بمعنى أن تتفق مع الأهداف السياسية والاجتماعية والاقتصادية.\r3 - عملية: بمعنى قيام الاستراتيجية على منهج عملي، فينظر مثلاً في مدى فاعلية العقوبات السالبة للحرية من حبس وسجن مع الأشغال الشاقة في تحقيق غاية معينة هي تأهيل المجرم للحياة الاجتماعية (1) .\rونحن نلاحظ أن هذه الخصائص كلها مرعية في نظام السياسة العقابية في الإسلام، أما الشمول فكل المجالات الجنائية للحياة المعاصرة تستوعبها أنظمة التحريم والحظر والمنع والتجريم والعقاب، فما من أمر ضارّ بمصلحة الفرد والجماعة إلا وقد حرَّمته الشريعة وعاقبت عليه إما بعقاب أخروي أو دنيوي. وأما التكامل، فإن أنظمة التجريم والعقاب في الإسلام تحقق جميع الأهداف المرجوة السياسية والاجتماعية والاقتصادية، مثل عقوبات البغاة وقطاع الطرق والزنى والقذف والاعتداء على الأموال والأشخاص بالسرقة والخطف والاغتصاب والاختلاس والنهب والحريق ونحو ذلك.\r-------------------------------\r(1) الجريمة والتنمية، د/ حسني درويش: ص 89.","part":7,"page":234},{"id":4520,"text":"وأما الهدف العملي من العقوبة فواضح من خلال تطبيقها إذا التزمت ضوابط الشريعة وآدابها في التنفيذ والرقابة والرعاية والتوجيه، ومحاولات الإصلاح المتكررة في السجون بأساليب مختلفة تشمل الوعظ والإرشاد، والتشغيل وإيقاظ الضمير، والإحساس بمخاطر الجريمة، فإن كثيراً من السجناء ما عدا زمرة شاذة كان السجن مثلاً في الجرائم التعزيرية وسيلة لصلاحهم وعودتهم أسوياء ومواطنين صالحين، استقاموا على منهج الحياة الصحيحة.\rوفضلاً عن ذلك فإن للسياسة الجنائية الإسلامية مجالاً آخر يتمثل في أسلوب المنع والوقاية من الجريمة قبل وقوعها، بواسطة نظام الحسبة وهي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، في جميع مرافق الحياة، وبخاصة في الأسواق العامة، كما أن اتباع أساليب الدين وأحكامه الشرعية والاهتداء بهديها في العبادات والمعاملات والأخلاق، ووعظ الناس بتعاليم دينهم، وإرشادهم إلى الطريق السوي، والاعتماد على عناصر الترغيب والترهيب بآي القرآن الكريم والأحاديث النبوية، كل ذلك سيؤدي حتماً إلى صلاح المجتمع والأفراد ، ويقلل من عدد الجرائم المرتكبة، لما له من أثر ملحوظ في التربية والثقافة والتهذيب الأخلاقي والاجتماعي، وتقويم الانحراف، والدفع الإيجابي إلى حياة أفضل وأقوم.","part":7,"page":235},{"id":4521,"text":"ثالثاً - أنواع الأحكام الشرعية ودورها الوقائي والعلاجي :\rيلاحظ أن الأحكام الشرعية نوعان: أحكام أصلية وأحكام مؤيدة أو زجرية، أما الأحكام الأصلية الأساسية فهي التي تكوّن نظام الشريعة الأصلي في دائرة الإيجاب والمنع، والقصد من المنع وقاية الإنسان من المحظورات التي يترتب على اقترافها ضرر واضح في الدين أو النفس أو المال أو العقل أو العرض، فكان تحريم الحرام لاتقاء الإضرار والأذى، وليس لأغلب المحرّمات عقاب دنيوي، وإنما العقاب عليها أخروي، فالشرك، وعقوق الوالدين، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف من السبع الموبقات أو الكبائر لا عقاب عليها في الدنيا، إلا إذا رأى الحاكم مصلحة في ذلك بسبب الإخلال بالنظام الاجتماعي، وكذلك في مجال العبادات قد يرتكب الإنسان فيها الحرام، كالصلاة من غير طهارة، والصيام مع الغيبة والنميمة، والحج مع الرفث والفسوق (الكلام الفاحش) والزكاة باختيار رديء المال، ولاعقوبه عليه.\rوفي المعاملات: قد يقع الإنسان في غش أو غبن أو استغلال أو ظلم، وقد يحتكر أو يغصب، أو يغرر بآخر، أو يبيع على بيع أخيه ولا يعاقب في الدنيا، وفي العلاقات الدولية قد ينقض الحاكم المعاهدة من غير مسوغ شرعي، ولا يعاقب على فعله، وفي المواريث والحقوق العامة قد يجور أحد الورثة فيأخذ شيئاً من التركة، وقد يأخذ المجاهد شيئاً من الغنيمة من غير حق، ولايعجل له عقاب في الدنيا، وفي الأحوال الشخصية قد يلحق الرجل ضرراً بالمرأة، وقد يعضلها (يمنعها) عن الزواج من كفء وقد يخطب على الخطبة ولا يعاقب، وفي دائرة الأخلاق الاجتماعية قد يقع الإنسان في الغيبة والنميمة وقد يسعى ببريء ظلماً إلى حاكم، ولا عقاب على ذلك في الدنيا ما لم ينكشف أمره.","part":7,"page":236},{"id":4522,"text":"وعدم العقاب الدنيوي لا يعني الإباحة أو الحل، فإن العقاب الأخروي أشد وأنكى، وأخطر وأدوم، فيكون تحريم الحرام أمراً وقائياً لتجنب الوقوع في المخاطر والمضار والمفاسد والشرور والمنازعات، والتأمل في ذلك يدفع المرء إلى التزام جادة الاستقامة، والبعد عن كل ما حرمه الشرع، لئلا يؤدي اقترافه الحرام إلى جريمة، وهذا من خصائص الشريعة والدين السماوي الذي يميزه عن أي نظام قانوني وضعي لا يهتم بالممنوع إلا إذا أدى إلى المساس بالعلاقات الاجتماعية. وقد يشمل المنع دائرة المشتبهات خشية التورط في الحرام والممنوع، فيكون اجتناب المشتبه فيه أولى وأسلم، لئلا يقع الإنسان في جريمة، قال النبي صلّى الله عليه وسلم : «الحلال بيِّن، والحرام بيِّن، وبينهما أمور مشتبهات، لا يعلمهن كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات، وقع في الحرام، كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يقع فيه، ألا وإن لكل ملك حمى، ألا إن حمى الله محارمه..» (1) .\rفهذه الأحكام الحاظرة أو المانعة أحكام وقائية ذات أثر تربوي واضح، تعمل على منع الجريمة واقترافها.\rومن أهم الأحكام الوقائية كما تقدم نظام الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي يطلب من كل مسلم في صريح كثير من الآيات القرآنية، والأحاديث النبوية، ويتكرر التذكير به أيام الجمعة والأعياد، قال الله عز وجل: {ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير، ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، وأولئك هم المفلحون} [آل عمران:104/3]. وقال النبي صلّى الله عليه وسلم : «من رأى منكم منكراً، فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان» (2) . وفي حديث آخر أخرجه الترمذي عن أبي هريرة: «من غشنا فليس منا» .\rوقام على أساس هذه الأوامر نظام الحسبة الذي يقي الأفراد والمجتمع من غائلة الجريمة. والحسبة كما تقدم: أمر بالمعروف إذا ظهر تركه، ونهي عن منكر إذا\r-------------------------------\r(1) رواه البخاري ومسلم عن النعمان بن بشير رضي الله عنه.\r(2) أخرجه الإمام أحمد ومسلم وأصحاب السنن الأربعة عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.","part":7,"page":237},{"id":4523,"text":"ظهر فعله (1) . أو هي وظيفة دينية من باب الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، كما قال ابن خلدون (2) .\rوالحسبة وإن كانت واجباً عاماً على كل مسلم، إلا أنها إذا أصبحت نظاماً أو وظيفة صارت فرض عين على المحتسب بحكم ولايته أو وظيفته المأجورة. ويتولى المحتسب وظائف لها صلة بالقضاء والمظالم والشرطة، فهو ينظر في المنازعات الظاهرة التي تحتاج إلى أدلة إثباتية، كدعاوى الغش، والتدليس والتطفيف، فهو بهذا كالقاضي، ويؤدب مرتكبي المعاصي التي ترتكب جهراً، أو تخل بآداب الإسلام، فهو بهذا كناظر المظالم يرعى النظام العام والآداب والأمن في الشوارع والأسواق مما لا تجوز مخالفته، فيكون بذلك كالشرطة أوالنيابة العامة (3) .\rويشمل قيامه بواجبه في نطاق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ما يتعلق بالجماعة أو الأفراد كترك الواجبات الدينية العامة، الشعائر وغيرها، وتعطل مرافق البلد العامة من مساجد وشوارع، ومماطلة في أداء الحقوق والديون، وكفالة الصغار والمطالبة بترويج الفتيان والفتيات. وفي المحظورات يمنع الناس من مواقف الريب ومظان التهمة، لقوله صلّى الله عليه وسلم : «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك» (4) مثل اختلاط النساء بالرجال في المساجد والأماكن العامة، والمجاهرة بإظهار المسكرات والملاهي المحرمة. ويمنع المعاملات المنكرة كالربا والبيوع الفاسدة وما منع الشرع منه كالغش والتدليس وبخس الكيل والميزان.\r-------------------------------\r(1) الأحكام السلطانية للماوردي: ص 231.\r(2) مقدمة ابن خلدون: ص 576.\r(3) المرجعان السابقان.\r(4) رواه الترمذي والنسائي عن الحسن بن علي رضي الله عنهما.","part":7,"page":238},{"id":4524,"text":"وأما المؤيدات فهي إما مدنية أو جزائية،والمؤيدات المدنية أربعة: هي البطلان والفساد والتوقف (عدم النفاذ) وعدم اللزوم، فكل عقد لم تكتمل أركانه أو شرائطه، فهو إما باطل أو فاسد أو موقوف أو غير لازم. والمؤيدات الجزائية هي العقوبات الرادعة، وهي الحدود والتعزيرات. والمؤيدات بقسميها شرعت لحماية أحكام الشريعة الأصلية، فيكون لأحكام الشريعة إما دور وقائي، أو علاجي، وكل من الوقاية والعلاج سبب للإصلاح ومنع الإجرام والانحراف، كما سيأتي بيانه.\rرابعاً - أنواع العقوبات في الإسلام وأثرها في منع الجريمة :\rالجزاء أو العقاب في شرعة الإسلام إما أخروي وإما دنيوي، والعقاب الأخروي مردّه إلى الله تعالى، إن شاء عذب العاصي أو المجرم، وإن شاء غفر ورحم، والله غفور رحيم، وهو شديد العقاب، والمؤمن الحق يخشى من عقاب الآخرة وعذاب النار أكثر من عقاب الدنيا.\rوالعقوبة الأخروية: يمليها قانون الحق والعدل، قال الله تعالى: {أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض، أم نجعل المتقين كالفجار} [ص:28/38] وقال سبحانه: {أفنجعل المسلمين كالمجرمين، ما لكم كيف تحكمون} [القلم:35/68-36]. فليس عدلاً أبداً ولا منطقاً وعقلاً أن يتساوى العاصي مع الطائع، والمنحرف مع المستقيم، لذا كان يوم الدين أو يوم القيامة يوم الجزاء الفاصل هو أمل المعذبين والمظلومين في الدنيا. روى الإمام مسلم في صحيحه عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه، قال: كنا مع رسول الله صلّى الله عليه وسلم في مجلس: فقال: «تبايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئاً ولا تزنوا، ولا تسرقوا، ولا تقتلوا النفس التي حرّم الله إلا بالحق، فمن وفّى منكم فأجره على الله ، ومن أصاب شيئاً من ذلك، فعوقب به، فهو كفارة له، ومن أصاب شيئاً من ذلك، فستره الله عليه، فأمره إلى الله : إن شاء عفا عنه، وإن شاء عذبه» .","part":7,"page":239},{"id":4525,"text":"وما أكثر الآيات القرآنية المعبرة عن مبدأ الإنصاف المطلق المذكور، وعن عدالة الله الشاملة في عباده الذين امتثلوا، أوخالفوا وقصروا، أو كانوا رسل خير وهداية وإصلاح أو دعاة شر وضلال وفساد، ليكون ذلك مبعث الاستقامة، وتهديداً وترهيباً للجناة والمجرمين، قال الله تعالى: {ولتكن منكم أمةٌ يَدعون إلى الخير، ويأمرون بالمعروف، ويَنْهون عن المنكر، وأولئك هم المفلحون. ولاتكونوا كالذين تفرّقوا واختلفوا، من بعد ما جاءهم البيِّنات، وأولئك لهم عذاب عظيم. يوم تبْيَضُّ وجوه، وتسوّد وجوه، فأما الذين اسوّدت وجوههم، أكفرتم بعد إيمانكم، فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون. وأما الذين ابيضت وجوههم، ففي رحمة الله هم فيها خالدون. تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق، وما الله يريد ظلماً للعالمين} [آل عمران:104/3-108].\rوأما العقوبات الدنيوية في الإسلام، فهي نوعان:\r1 ـ الحدود: وهي العقوبات المقدرة من الشارع نوعاً ومقداراً بالنصوص الصريحة (1) ، وهي محدودة جداً، وعددها خمسة أنواع في رأي الحنفية: حد الزنا، وحد القذف، وحد السرقة، ويشمل حد الحرابة أو قطع اليد، وحد شرب الخمر، وحد المسكر، وقد قصروها على ما شرع حقاً لله تعالى، أي مراعاة للصالح أو النفع العام، ولم يجعلوا القصاص من الحدود، لأن المقصود به والغالب فيه مراعاة حق العبد أو الإنسان.\r-------------------------------\r(1) المبسوط للسرخسي: 36/9، فتح القدير: 112/4، البدائع: 33/7، تبيين الحقائق للزيلعي: 163/3، رد المحتار لابن عابدين على الدر المختار: 154/3، اللباب شرح الكتاب: 72/2.","part":7,"page":240},{"id":4526,"text":"والحدود عند جمهور العلماء (1) غير الحنفية سبعة: هي حد الزنا، وحد القذف، وحد السرقة، وحد الحرابة، وحد المسكرات الشامل للخمر وجميع الأنبذة المسكرة، وحد القصاص، وحد الردة، باعتبار أن الحد عقوبة مقدرة حدّها الله تعالى وقدرها، فلا يجوز لأحد أن يتجاوزها، سواء أكان المقصود منها مراعاة حقوق الله تعالى، أي الحق العام أو مصلحة المجتمع، أم مراعاة حقوق الناس الخاصة، ومنها القصاص. وسميت هذه العقوبات حدوداً، لأنها تمنع من الوقوع في الجرم أو الذنب.\rويقصد بالحدود كلها مراعاة حق المجتمع في أصل العقاب للتأديب والانزجار عما يتضرر به الناس، وتحقيقاً لمصلحة الأمن والاستقرار، والحفاظ على حرمات الحياة وصيانة الأعراض والنفوس والعقول والأموال عن التعرض لها (2) ، ويراعى فيها أيضاً حق الشرع في نوع العقوبة المقدرة المنصوص عليها إما في القرآن الكريم: وهي حدود الزنا والقذف والسرقة والحرابة والقصاص، وإما في السنة النبوية وهي حد المسكرات والرجم.\rوالقصد من النص على هذه الحدود بالذات تقدير الشرع مالجرائمها من خطورة بالغة، تمس أصول القيم الإنسانية، وهي الحفاظ على حق الحياة (النفس) والفكر الإنساني (العقل) والعرض (حد الزنا والقذف) والمال (السرقة والحرابة) والدين أو العقيدة الذي هو أسمى شيء في الوجود.\rوتطبيق هذه الحدود الشرعية بضوابطها وشرائطها المقررة شرعاً، وهي كثيرة\r-------------------------------\r(1) مواهب الجليل للحطاب: 277/6، التاج والإكليل للمواق: 277/6 الطبعة الأولى، مغني المحتاج: 155/4، حاشية البجيرمي علي الخطيب: 140/4، ط بيروت كشاف القناع: 77/6، ط بيروت.\r(2) المراجع السابقة.","part":7,"page":241},{"id":4527,"text":"جداً، مما يجعل احتمال تطبيق الحد نادراً، كفيل بمنع هذه الجرائم الخطيرة، والواقع أصدق شاهد في البلاد التي تطبق فيها الحدود كالسعودية.\rوجرائم الحدود عند الجمهور ثمانٍ: هي الزنا، والقذف، وشرب المسكر، والسرقة، والحرابة، والبغي، والردة، والقتل العمد الموجب للقصاص، على أساس أن عقوباتها جميعاً مقدرة شرعاً. وقال ابن جزي المالكي: الجنايات أي الجرائم الموجبة للعقوبة ثلاث عشرة: وهي القتل والجرح، والزنا، والقذف، وشرب الخمر ـ علماً بأن كل مسكر خمر ـ والسرقة، والبغي، والحرابة، والردة، والزندقة، وسب الله ، وسب الأنبياء والملائكة، وعمل السحر، وترك الصلاة والصيام (1) .\rوزيادة العدد في تقدير ابن جزي منشؤه ضم عقوبات تعزيرية ليس منصوصاً عليها صراحة في القرآن والسنة، وإنما باجتهاد الفقهاء إجماعاً، أو بالأكثرية، علماً بأن العقوبة واحدة وهي القتل في القصاص، وفي الزندقة والسب والسحر وترك الصلاة والصيام.\r2 - التعزيرات: وهي العقوبات غير المقدرة شرعاً، وإنما فوض الشرع النظر في نوعها ومقدارها إلى ولي الأمر (الدولة) لمعاقبة المجرم بما يكافئ جريمته، ويقمع عدوانه، ويحقق الزجروالإصلاح، ويراعي أحوال الشخص والزمان والمكان والتطور، وذلك يختلف باختلاف درجة الرقي وتحضر المجتمعات، وتهذيب الجماعات وأحوال الناس في مختلف الأزمنة والأمكنة.\rوأغلب العقوبات في القوانين الوضعية من قبيل التعزير، لأنها مجرد تنظيم يراعى فيه ما يلائم الجريمة وحال المجرم للزجر والإصلاح والتقويم والتهذيب، وتحقيق الأمن والاستقرار.\r-------------------------------\r(1) القوانين الفقهية: ص 344، ط فاس.","part":7,"page":242},{"id":4528,"text":"والتعزير يكون في كل جريمة لا حد فيها ولا كفارة، سواء أكانت اعتداء على حق الله تعالى، كالأكل في نهار رمضان بغير عذر، وترك الصلاة في رأي الجمهور، والربا وطرح النجاسة وأنواع الأذى في طريق الناس، أم على حق الأفراد أو العباد، كتقبيل الأجنبية أو المفاخذة، وسرقة ما دون النصاب الشرعي (دينار أوعشرة دراهم في رأي الحنفية) والسرقة من غير حرز، وخيانة الأمانة، والرشوة، والقذف والسب والإيذاء بغير ألفاظ القذف.\rقال ابن القيم: إن المعاصي ثلاثة أنواع: نوع فيه الحد ولا كفارة فيه، كالسرقة والشُّرب والزنا والقذف، فالحد فيه مغنٍ عن التعزير. ونوع فيه الكفارة ولا حد فيه كالوطء في نهار رمضان عند الشافعية والحنابلة بعكس الحنفية والمالكية، والوطء في الإحرام. ونوع ثالث لا حد فيه ولا كفارة، مثل قبلة الأجنبية والخلوة بها، ودخول الحمام بغير مئزر، وأكل الميتة والدم ولحم الخنزير، ونحو ذلك، وهذا النوع فيه التعزير، ولا يجوز للإمام تركه في قول الجمهور، وقال الشافعية: إنه راجع إلى اجتهاد الإمام في إقامته وتركه، كما يرجع إلى اجتهاده في قدره (1) .\rوالعقوبات التعزيرية كالتوبيخ، والحبس، والضرب، والتغريم بالمال، والقتل سياسةً لمعتادي الإجرام وفي جرائم أمن الدولة والتجسس واللواط وسب النبي صلّى الله عليه وسلم، ونحو ذلك مما يراه الحاكم ولي الأمر رادعاً للشخص، بحسب اختلاف حالات الناس والزمان والمكان ودرجة الرقي والحضارة.\rوتطبيق هذه العقوبات دون إفساح المجال للتحايل والشفاعة والرشوة يؤدي إلى الإقلال من الجريمة أو منعها.\rوالخلاصة: أن تطبيق الحدود الشرعية بمعاييرها وضوابطها وشرائطها والتعازير دون تلكؤ ولا مجاملة، ومراعاة التفاوت بين موجب الحد وموجب التعزير، يؤدي إلى تحقيق سلامة المجتمع، وأمن الناس واستقرارهم، والقضاء على ظاهرة الإجرام تدريجياً.\r-------------------------------\r(1) أعلام الموقعين: 99/2.","part":7,"page":243},{"id":4529,"text":"خامساً - تطبيق مبادئ السياسة الجنائية الإسلامية :\rإن تطبيق أصول السياسة الجنائية الإسلامية يعرفنا على الوسائل وأهداف العقوبة وغاياتها المنشودة ومدى تأثيرها في قمع الإجرام على وفق التصور التالي:\rتقويم المجرم: إن الهدف من العقوبة في الشريعة والأنظمة الوضعية هو تقويم المجرم، ومعنى هذا المبدأ أن ألم العقوبة ليس غاية في ذاته، وإما هو وسيلة إلى غاية، هي تقويم الجاني، فلا داعي لإ يلام المجرم أوإذلاله، ولا تكليفه بعمل في السجن، ما لم يكن وراء ذلك تقويم المجرم (1) .\rالعقاب ليس مقصوداً لذاته: ليس أصل العقاب أيضاً غاية مقصودة لذاتها في مفهوم الإسلام، وليس هو أولى وسائل الإصلاح والتهذيب الفردي والجماعي، وإحداث التغيير الجذري في حياة الناس والمجتمع، وإنما هو آخر الوسائل إذا استعصت الحلول، كما أن آخر الدواء الكي في عرف العرب في الماضي.\rالإنذار السابق: إذا أردنا التوصل إلى غاية العقوبة فيجب تقديم البيان الكافي للاقتناع بسلامة المبدأ أو تنفيذ الأحكام وطاعة الشريعة، فكما لا يصح الإيمان بالقهر والإكراه من غير استدامة عليه، وكما لا يتعين الجهاد بالقتال، وربما كان الأفيد هو الإقناع والبرهان، والدعوة والإرشاد، والكلمة الطيبة، والموعظة الحسنة، كذلك لا يلجأ إلى العقاب دائماً، ويقبح العقاب ولا يسوغ بحال بلا بيان وإنذار وتحذير، كما أن الثواب والجزاء لا يكون قبل التكليف الشرعي القائم على توافر الأهلية من العقل الكافي والبلوغ الجسدي، وإصدار الأوامر والنواهي وتعليل الأحكام الشرعية، وبيان الحكمة التشريعية، فإن كل العقلاء يستهجنون توجيه اللوم والعتاب، وتطبيق العقوبة والعذاب، دون سبق هداية أو إنذار.\r-------------------------------\r(1) الجريمة والتنمية، د/حسن درويش: ص 102.","part":7,"page":244},{"id":4530,"text":"لذا قدم الله سبحانه للناس جميعاً كل وسائل الإقناع، والبراهين العقلية والحسية، والإرشاد إلى الإيمان الصحيح وتوحيد الله ، ونبذ كل هياكل الوثنية والشرك، ثم أرشدهم إلى ما فيه السعادة في الدنيا والآخرة، ودلهم على طرق الخير والبر والإحسان، ونوّع الأساليب، وألقى المواعظ والعبر، وضرب الأمثال من قصص الأمم الغابرة، وشد الأنظار نحو التأمل في الكون، ونبّه العقول والأفكار، وأيقظ الضمير والوجدان، وأهاب باستقلال الشخصية عن الآخرين، وحارب الموروثات السيئة والتقليد الأعمى للآباء والأجداد، من أجل تغيير العقيدة الفاسدة أو المشوهة أو المنعدمة وإصلاح الأخلاق، ووضع الأنظمة الصالحة للحياة الهانئة السعيدة المستقرة، والتخلص من فوضى الجاهلية، والوثنية الدينية.\rالتدرج في الإصلاح: في حال البيان السابق تدرج القرآن في خطوات الإصلاح الاجتماعي والفردي، ولم يفاجئ الناس بجميع بنود التغيير والإصلاح، وإنما روّضهم على تقبل أحكام الشريعة ببطء وانتظار وقت غير قصير، فلما استحكم العناد بالزعماء والقادة والكبراء، واستكبروا عن سماع الحق، والإصغاء للأفضل، وتكررت منهم محاولات الاعتداء على أهل القرآن والإيمان، وتعذيب المستضعفين، وفتنة الأتباع الضعفاء لمدة ثلاثة عشر عاماً في مكة، بعد أن حصل منهم كل هذا وغيره، تنزلت آيات الوحي ملأى بالزجر والقوة والتهديد والوعيد، والإنذار بالعقاب والتحذير من تعجيل العذاب الشديد، فأعذر الحق سبحانه وتعالى نفسه من هؤلاء المعاندين المعرضين علواً في الأرض واستكباراً ومكراً سيئاً، وحفاظاً على الزعامات والرياسات والمصالح المادية، وتبين للناس قاطبة أن شيئاً سيحدث، وأن المقصرين والمعرضين عن إجابة نداء الوحي والقرآن بالإصلاح والإقلاع عن الجريمة جديرون بالتأديب مستحقون للعقاب.","part":7,"page":245},{"id":4531,"text":"أدلة وجوب البيان السابق: تم الإعلان الشهير في آي القرآن عن قبح العقاب بلا بيان، فقال الله تعالى: {رسلاً مبشرين ومنذرين، لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل} [النساء:165/4] ثم أوضح القرآن كل ما يقطع الأعذار والإمهال والتراخي في الاستجابة لرسالة الإصلاح، فقال تعالى: {ولو أنا أهلكناهم بعذاب من قَبْله، لقالوا: ربَّنا لولا أرسلت إلينا رسولاً، فنتَّبِع آياتِك من قبل أن نَذِل ونَخْزَى} [طه:134/20] وقدَّم سبحانه العذر قبل مفاجأة العذاب الأخروي، فقال: {كلما ألقي فيها فوج، سألهم خزنتها: ألم يأتكم نذير؟ قالوا: بلى قد جاءنا نذير فكذَّبنا وقُلْنا: مانزَّل الله من شيء، إن أنتم إلا في ضلال كبير} [المُلك:8/67-9] ونفى القرآن الكريم احتمال تطبيق العقاب قبل بعثة الرسل المزوَّدين بأنواع الهداية، والتعريف بأصول الحياة المستقيمة والازدهار والحضارة والإرشاد إلى أرقى الأنظمة، فقال الله تعالى: {وما كنا معذّبين حتى نبعث رسولاً} [الإسراء:15/17].\rوسواء قلنا: إن الرسول: هو المرسل بهداية إلهية ومواعظ سماوية وأحكام تشريعية، وهو الحق المتبادر إلى الذهن، وهوقول جمهور المسلمين، أو إن الرسول هو العقل، كما يقول المعتزلة، فإن العقل لا يعدو أن يكون أحد وسائل الهداية الإلهية؛ لأن الهداية أنواع: هداية الله وتوفيقه وعونه، وهداية الحواس من السمع والبصر والفؤاد وهداية العقل والفكر، وكل هذه الأنواع مقدمة على الحساب والعقاب والتكليف وتنفيذ النظام أو القانون الإلهي.","part":7,"page":246},{"id":4532,"text":"أدلة التسامح في العقاب: مما يدل على عدم الحرص الشديد في الشريعة على تطبيق العقاب كما ذكر سابقاً: أن القرآن في مجال تبيان مهام الأنبياء والرسل جعل العقوبة أو القوة آخر ما يلجأ إليه في أساليب الحكم في الإسلام، فقال الله تعالى: {لقد أرسلنا رسلنا بالبيِّنات، وأنزلنا معهم الكتاب والميزانَ، ليقوم الناسُ بالقِسْط وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافعُ للناس، وليعلمَ الله من ينصره ورسله بالغيب إن الله قويَّ عزيز} [الحديد:25/57] قرن الله سبحانه إنزال الكتب والأمر بالعدل بإنزال الحديد، إشارة إلى أن الكتاب يمثل القوة التشريعية، والعدل يمثل القوة القضائية، وإنزال الحديد، وهو آخر الأسس، يمثل القوة التنفيذية المؤيدة للأحكام التشريعية، سواء بعقوبة المجرمين في داخل الدولة الإسلامية أو بعقوبة المعتدين غير المسلمين خارج حدود الدولة بالجهاد واستخدام السلاح، والاستعداد للقتال، لأن الاستعداد للحرب يمنع الحرب في العرف الشائع، قال الإمام ابن جرير الطبري شيخ المفسرين في تفسيره المشهور عند هذه الآية: يقول الله تعالى في الآية السالفة: لقد أرسلنا رسلنا بالمفصَّلات من البيان والدلائل وهذا هو الأول، وأنزلنا معهم الكتاب بالأحكام والشرائع، وهذا هو الثاني، والميزان بالعدل، وهذا هو الثالث، وأنزلنا الحديد، وهذا هو الرابع، لما فيه من قوة شديدة ومنافع للناس، وذلك ما ينتفعون به عند لقائهم العدو، وغير ذلك من منافعه.","part":7,"page":247},{"id":4533,"text":"التوبة: كما أن هداية الله سبقت إنذاراته وتهديداته وعقوباته، كذلك بعد ارتكاب الجرم أو الذنب سبقت رحمته غضبه وسخطه، ولم يكن الإسلام في كل تشريعاته حريصاً على إنزال العقوبة الصارمة فوراً بالمخطئين، وإنما ترك لهم فرصة للإصلاح الداخلي النابع من القناعة الذاتية، والرضا بالإقلاع عن الجريمة، والندم والتوبة المكفِّرة للذنوب، حتى إن التوبة في رأي فقهاء الحنابلة، وعلى رأسهم الإمام أحمد رحمه الله تسقط جميع العقوبات من الحدود وغيرها،من غير اشتراط مضي زمان؛ لقوله صلّى الله عليه وسلم : «التائب من الذنب كمن لا ذنب له» (1) وقوله عليه الصلاة والسلام: «التوبة تجبُّ ما قبلها» (2) ولأن في إسقاط الحد ترغيباً في التوبة، وذلك ما عدا حد القذف، فإنه لا يسقط، لأنه حق آدمي، أو حق شخصي. ولا خلاف بين العلماء في أن المحاربين أو قطاع الطرق إن تابوا قبل القدرة عليهم، وإلقاء سلطة القبض عليهم، تسقط عنهم حدود الله تعالى من قتل، وقطع يد ورجل من خلاف، ونفي وصلب؛ لقوله تعالى في آية المحاربين: {إلا الذين تابوا من قبل أن تَقْدِروا عليهم فاعلموا أن الله غفورٌ رحيمٌ} [المائدة:34/5].\rولقد اشتد غضب النبي صلّى الله عليه وسلم على ماعز بن مالك الأسلمي الذي أقر أمامه بالزنا، وأعرض عنه ثلاث مرات، وأظهر الكراهية من قوله، بل لقنه الرجوع عن الإقرار بالزنا بقوله: «لعلك مسستها، لعلك قبَّلتها!» وقال لأصحابه حينما هرب ماعز أثناء رجمه، فاتبعوه: «هلا تركتموه، لعله أن يتوب، فيتوب الله عليه» (3) .\rالشبهة: إن الشبهة بأنواعها العديدة في الجريمة، سواء أكانت شبهة في الفعل، أم شبهة في الفاعل، أم شبهة في المحل، تدرأ الحدود وتسقطها (4) ؛ لقوله\r-------------------------------\r(1) أخرجه ابن ماجه، والطبراني في الكبير والبيهقي عن ابن مسعود رضي الله عنه.\r(2) المعروف أن التوبة تصح بالإسلام، والإسلام يجب ماكان قبله كما في الحديث الذي رواه ابن سعد عن الزبير وعن جبير بن مطعم، وضعفه السيوطي، أما حديث « التوبة تجب ماقبلها » فهو مذكور في مغني المحتاج للخطيب: 184/4، والمغني لابن قدامة: 201/9، وتؤيده أحاديث في معناه في مجمع الزوائد: 31/1، 199/10 ومابعدها، منها حديث « الندم توبة » رواه الطبراني في الصغير عن أبي هريرة، ورجاله وثقوا، وفيهم خلاف.\r(3) رواه أبو داود عن يزيد بن نعيم بن هزال عن أبيه، ورواه أحمد والترمذي عن أبي هريرة.\r(4) فتح القدير: 140/4، 147، البدائع: 36/7، حاشية ابن عابدين: 165/3.","part":7,"page":248},{"id":4534,"text":"صلّى الله عليه وسلم : «ادرأوا الحدود بالشبهات، ادفعوا القتل عن المسلمين ما استطعتم» (1) . «ادرأوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم فإن وجدتم للمسلمين مخرجاً فخلوا سبيله، فإن الإمام لأن يخطئ في العفو خير من أن يخطئ في العقوبة» (2) . قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم أن الحدود تدرأ بالشبهات، فمن زنى أو سرق أو شرب خمراً جاهلاً بالتحريم بأن أسلم حديثاً أو نشأ في بلد بعيد عن العلما ء أو سرق الدائن من مدينه مايعادل دينه، ولو كان الدين مؤجلاً، أو سرق الضيف من مضيفه، أو سرق أحد الزوجين من الآخر، أو سرق الشخص من أحد أقاربه المحارم، أو ادعى المتهم وجود زوجية بينه وبين امرأة، فلا يقام عليه الحد؛ لأن الشبهة تجعل له معذرة.\r-------------------------------\r(1) أخرجه ابن عدي عن ابن عباس، وأخرجه مسدِّد في مسنده موقوفاً على ابن مسعود، وهو حسن، وأخرجه آخرون مرفوعاً مرسلاً.\r(2) أخرجه الترمذي والحاكم والبيهقي عن عائشة وغيرها، وفيه ضعيف، لكن له طرق يقوي بعضها بعضاً، قال البيهقي: الموقوف أقرب إلى الصواب.","part":7,"page":249},{"id":4535,"text":"تقدير المخاوف والمخاطر: هناك بواعث داخلية نفسية ودينية كثيرة تبعث النفس على الإقلاع عن الخطيئة، وهي مقبولة عرفاً وقضاءً، أهمها الشعور بالندم، والخوف من عقاب الله وعذابه في الآخرة، وخشية الله في السر والعلن، والحياء من الله ومن الناس، ومن رقابة السلطة أو الدولة، وتقدير مخاطر الزج في قيعان السجون والتشهير وتشويه السمعة بالمثول أمام القضاء، ومحاكم الجنايات والجرائم، والتأثير على مورد المعيشة بالفصل من العمل أو الوظيفة مثلاً، وسقوط الاعتبار وسوء السمعة بين الناس، وغير ذلك من المثبِّطات التي تضعف روح الإقدام على الجريمة، وكلها من الدواعي والأسباب المانعة من الإجرام. كما أن تنمية الوازع الديني وإذكاء العاطفة والحرارة الدينية، والتربية الخلقية التي يغرسها\rالإسلام في نفوس المؤمنين، كلها عوامل أيضاً لإضغاف بواعث الإقدام على الجريمة، والصد عن اقتراف المعصية حتى يكاد ذلك كله يمنع الانحراف، وليس أدل على ذلك من أن نسبة الجرائم في البلاد الإسلامية أقل عدداً، وأخف خطراً، وأرقى نوعاً مما نسمعه ونشاهده من جرائم عديدة ومتنوعة في البلاد المتطورة أو المتقدمة المتمدنة حديثاً كما سبق بيانه.","part":7,"page":250},{"id":4536,"text":"الأمل في العفو: هناك آمال معقودة في القضاء يقرها الشرع عند النظر في التهمة، بإصدار الحكم بالبراءة لعدم ثبوت أو كفاية الأدلة، أو العفو من الحاكم أو رئيس الدولة، أو بإسقاط المدعي حقه الشخصي، أو بحكم القاضي بوقف التنفيذ أو تأجيل تنفيذ الحكم الجزائي، أو بإعطاء القاضي سلطة تقديرية مرنة في اللجوء إلى أخف العقوبات، أو العفو عنها في نطاق التعزيرات «أي العقوبات المفوضة إلى رأي القضاة نوعاً ومقداراً» في غير دائرة الحدود أو بالتخيير بين حدين أدنى وأعلى، وهي دائرة واسعة تشمل أكثر الجرائم، وتكاد تكون عقوبات القوانين الجزائية كلها والمطبقة في البلاد العربيةوالإسلامية، تدخل تحت اسم التعزيرات، كما أن احتمالات العفو من صاحب الحق الشخصي كثيرة، لترغيب القرآن الكريم بالعفو والصفح، قال الله تعالى: {والكاظمين الغيظ، والعافين عن الناس، والله يحب المحسنين} [آل عمران:134/3] وقال تعالى: {وأن تعفوا أقرب للتقوى} [البقرة:237/2].\rحكمة تنوع العقاب: اقتضت الحكمة الإلهية كما تقدم أن يكون العقاب في الإسلام نوعين: العقاب الأخروي، والعقاب الدنيوي.","part":7,"page":251},{"id":4537,"text":"الأول: الذي هو أشد وأنكى وأدوم وأخطر مؤجل أو مرجأ لنهاية الحياة الإنسانية، كما عرفنا، لإعطاء الفرصة الكافية أمام البشر عبر مسيرة حياتهم لتدارك ما قصروا فيه، وإصلاح ما أفسدوه،وتصحيح ما أخطؤوا فيه، والإقلاع عن كل مخالفة تغضب الله عز وجل. ولعل أخطر ما تجب ملاحظته أن أخطر الجرائم في الإسلام من شرك أو كفر أو نفاق، لا تعجل عقوبته في الدنيا، كما عرفنا، وإنما أرجأ الله الفصل في أمره إلى عالم الآخرة، جرياً على سنة الله تعالى في خلقه، قال الله تعالى: {وربُّك الغفور ذو الرَّحْمة، لو يؤاخذهم بما كَسَبوا، لعجَّل لهم العذابَ، بل لهم موعدٌ، لن يجدوا من دونه مَوْئلاً، وتلك القرى أهلكناهم لما ظلموا، وجعلنا لِمَهْلِكِهم موعداً} [الكهف:58/18-59]. وهذا دليل واضح على أنه ليس العدل فوق الرحمة أو على العكس، وإنما العدل والرحمة قرينان، لكن الرحمة فوق القوة، ورحمة الله وسعت كل شيء، قال الله تعالى: {ورحمتي وسِعَتْ كلَّ شيء...} [الأعراف:156/7] وقال سبحانه: {ربَّنَا وَسِعَتْ كلَّ شيء رحمة ً وعلماً...} [غافر:7/40].","part":7,"page":252},{"id":4538,"text":"وبالرغم من ترك العقاب الدنيوي على الشرك ما لم يقترن بالعدوان أو الإشاعة والترويج بين الناس، فإن الله سبحانه إعذاراً وإنذاراً وإبعاداً للوم والعقاب، حذر تحذيراً شديداً من الشرك، وجعله قمة الجرائم ورأس الكفر وذروة الكفر وذروة الطغيان، وسمى القرآن أداة الشرك وهي الأصنام والشيطان طاغوتاً، فقال الله تعالى: {إن الله َ لا يَغْفِرُ أن يُشْرَكَ به ويِغْفِرُ ما دُون ذلك لمن يشاء ُ، ومن يُشْرِكْ بالله ، فقد افترى إثماً عظيماً} [النساء:48/4] وقال سبحانه: {لا إكراهَ في الدِّين قد تبيَّن الرشدُ من الغيَّ، فمن يكفرْ بالطاغوت، ويؤمنْ بالله ، فقد استمسك بالعُرْوةِ الوثقى، لا انفصامَ لها، والله ُ سميعٌ عليم} [البقرة:256/2] وقال عزَّ وجل: {والذين كفروا أولياؤهم الطاغوتُ..} [البقرة:257/2] وقال سبحانه {الذين آمنوا يُقاتِلون في سبيلِ الله ، والذين كفَروا يقاتلون في سبيل الطاغوت..} [النساء:76/4]: والطاغوت: كل ماعبد من دون الله . والنفاق كالشرك جرم عظيم، لذا أنذر الحق سبحانه جماعة المنافقين بما ينتظرهم من أشد العذاب، فقال: {إن المنافقين في الدَرْك الأسفل من النار، ولن تجدَ لهم نصيراً} [النساء:145/4].\rوكذلك العقاب على كثير من الرذائل الخلقية المشينة والموقعة في أشرار كثيرة مؤجل تنفيذه إلى ا لآخرة، مثل الحسد والحقد والنميمة والسعاية بالإفساد بين الناس أو إلى الحاكم ظلماً، والغيبة، وعقوق الوالدين، وشهادة الزور التي لم يكشف أمرها ونحو ذلك، كما تقدم.","part":7,"page":253},{"id":4539,"text":"وأما العقاب الدنيوي: فليس مراداً به التنكيل والتشفي وإلحاق الضرر بالبنية الإنسانية، وإنما يستهدف الزجر والتهديد والإصلاح والتنفير من الجريمة، بل إن الله تعالى لم يوقع عقوبة دنيوية على المنافقين بالرغم من أخطارهم الشديدة على الدولة والمجتمع، وبخاصة وقت الأزمات والحروب. وما أحسن ما قاله الجصاص الرازي عند بيان عقوبة المنافقين الأخروية في الآية التي هي: {إن المنافقين في الدّرك الأسفل من النار} [النساء:145/4]:\rومع ما أخبر بذلك من عقابهم وما يستحقونه في الآخرة، خالف بين أحكامهم وأحكام سائر المظهرين للشرك،في رفع القتل عنهم، بإظهارهم الإيمان، وأجراهم مجرى المسلمين في التوارث وغير ذلك، فثبت أن عقوبات الدنيا ليست موضوعة على مقادير الإجرام، وإنما هي على ما يعلم الله من المصالح فيها، وعلى هذا أجرى الله تعالى أحكامه، فأوجب رجم الزاني المحصن، ولم يزل عنه الرجم بالتوبة، ألا ترى إلى قوله عليه الصلاة والسلام في ما عز بعد رجمه، وفي الغامدية بعد رجمها: «لقد تاب توبة لو تابها صاحب مكس ـ جمارك ظالمة ـ لغفر له» . والكفر أعظم من الزنا، ولو كفر رجل ، ثم تاب قبلت توبته، وقال تعالى: {قل للذين كفروا، إن ينتهوا يُغْفَرْ لهم ما قد سَلَف} .[الأنفال:38/8]. وحكم في القاذف بالزنا بجلد ثمانين، ولم يوجب على القاذف بالكفر الحد، وهو أعظم من الزنا. وأوجب على شارب الخمر الحد، ولم يوجبه على شارب الدم وآكل الميتة، فثبت بذلك أن عقوبات الدنيا غير موضوعة على مقادير الإجرام، ولأنه لما كان جائزاً في العقل ألا يوجب في الزنا والقذف والسرقة حداً رأساً، ويكل أمرهم إلى عقوبات الآخرة، جاز أن يخالف بينها، فيوجب في بعضها أغلظ ما يوجب في بعض، ولذلك قال أصحابنا (أي الحنفية): «لا يجوز إثبات الحدود من طريق المقاييس، وإنما طريق إثباتها التوقيف أو الاتفاق» أي أن العقوبة لا تثبت إلا بالنص عليها لا بالاجتهاد (1) .\r-------------------------------\r(1) أحكام القرآن للجصاص: 26/1-27.","part":7,"page":254},{"id":4540,"text":"وهذا مطابق لقول القانونيين: «لا جريمة ولا عقوبة إلا بالنص» .\rالشعور القوي بضرورة التطهر من الذنب: تمتاز شريعة الله بأنها تلقي في نفس الإنسان شعوراً قوياً بمخاطر الجريمة أو المعصية، وإحساساً متدفقاً بضرورة تطهير نفسه من آثار الذنب، فيبادر إلى ا لإقرار بالجريمة، كما فعلت المرأة الغامدية حين اعترفت بالزنا في حال حياة النبي صلّى الله عليه وسلم ، وكذا امرأة العسيف (الأجير) وماعز ابن مالك الأسلمي. ورُجم الكل (1) ، إحساساً منهم بضرورة التطهر من أثر المعصية. وهذا الشعور يولد الخوف من اقتراف الجريمة، وينمي ذلك الشعور معرفة فضل الله بعدم تكرار العقوبة الأخروية، في رأي أكثر العلماء غير الحنفية القائلين بأن الحدود جوابر للمسلم تسقط عقوبتها في الآخرة إذا استوفيت في الدنيا، لقوله صلّى الله عليه وسلم : «من أصاب حداً، فعُجِِّل عقوبته في الدنيا، فالله أعدل من أن يُثنِّي على عبده العقوبة في الآخرة، ومن أصاب حداً فستره الله وعفا عنه، فالله أكرم من أن يعود في شيء قد عفا عنه» (2) .\rحكمة العقاب في ذاته: تبين مما سبق أن الحكمة من الحدود والتعزيرات في شريعة الله واضحة الأهداف، وهي تقويم المجرم وإصلاح حاله ومنعه من العود أو التكرار، وزجر الناس وردعهم عن اقتراف تلك الجرائم المخلة بأمن الجماعة ومصالحها، وصيانة المجتمع من ألوان الفوضى والفساد، وتطهير النفوس الجانحة أو المنحرفة من آثار الذنوب والمعاصي، التي تؤثر في صفاء القلب، وطهارة النفس، وتركيز الضمير، وترقية الوجدان وإذكاء الشعور الإنساني بمراعاة حقوق الآخرين، والبعد عن مختلف أنواع الأذى والضرر، قال ابن تيمية رحمه الله :\r-------------------------------\r(1) ثبت ذلك بالأحاديث الصحيحة عند البخاري ومسلم وأحمد والموطأ والدارقطني وغيرهم (جامع الأصول: 279/4، نصب الراية: 314/3، نيل الأوطار: 111/7).\r(2) أخرجه أحمد والترمذي وابن ماجه والحاكم عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه (جامع الأصول: 349/4).","part":7,"page":255},{"id":4541,"text":"من رحمة الله سبحانه وتعالى: أن شرع العقوبات في الجنايات الواقعة بين الناس بعضهم على بعض، في النفوس والأبدان والأعراض والأموال والقتل والجرح والقذف والسرقة، فأحكم سبحانه وتعالى وجوه الزجر الرادعة عن هذه الجنايات غاية الإحكام وشرعها على أكمل الوجوه المتضمنة لمصلحة الردع والزجر، مع عدم المجاوزة لما يستحقه الجاني من الردع، فلم يشرع في الكذب قطع اللسان، ولا القتل، ولا في الزنا الخصاء، ولا في السرقة إعدام النفس، وإنما شرع لهم في ذلك ما هو موجب أسمائه وصفاته من حكمته ورحمته، ولطفه وإحسانه وعدله لتزول النوائب، وتنقطع الأطماع عن التظالم والعدوان، ويقتنع كل إنسان بما آتاه مالكه وخالقه، فلا يطمع في استلاب غيره حقه (1) .\r-------------------------------\r(1) السياسة الشرعية لابن تيمية: ص 98، ورسالته في القياس: ص 85. ولابن القيم قول مشابه لهذا في أعلام الموقعين: 95/2، 107 وما بعدها، وكذا لعز الدين بن عبد السلام شيخ الإسلام في قواعد الأحكام: 163/1-165.","part":7,"page":256},{"id":4542,"text":"يمكننا في ضوء ما تقدم بيان أهداف أو غايات العقوبة في شريعة الله تعالى بإيجاز فيما يلي:\r1 - الزجر والردع: إن في تطبيق العقوبة الشرعية زجراً للمتهم ولأمثاله من الإقدام على الجريمة مرة أخرى، وذلك يساهم إلى حد كبير في إضعاف وتقليل نسبة الجريمة؛ لأن الحكمة من العقوبات أو الحدود الشرعية كما تبين هي زجر الناس، وردعهم عن اقتراف الجرائم الموجبة لها، وصيانة المجتمع عن ممارسة ألوان الفساد، والتخلص من ظاهرة الإجرام بقدر الإمكان.\r2 - الإصلاح والتهذيب والتقويم: إن من أهداف العقوبة أيضاً هو إصلاح النفوس، وتهذيب الحواس، وإقناع المتهم بخطئه، وحماية الجماعة من طبائع النفوس الشريرة، وليس تأديب المجرم بقصد الانتقام أو التشفي منه، قال الماوردي عن الحدود: «الحدود زواجر وضعها الله تعالى للردع عن ارتكاب ما حظر، وترك ما أمر» (1) . وقال عن التعازير (العقوبات المفوضة للحاكم) وعن الحدود أيضاً: «إنها تأديب واستصلاح وزجر، يختلف بحسب اختلاف الذنب» (2) .\r3 - محاربة الجريمة في ذاتها: الجريمة في واقعها ضرر بالنفس وبالمال وبالجماعة، فهي وباء فتاك أو نار تقتضي الحصر في أضيق نطاق ممكن للحد من آثارها الفاحشة، وعدم إشاعتها، حتى لا يتجرأ الناس على اقتحامها، ويستسهلوا أمر اقترافها أو ارتكابها ويستمرئوا فعلها.\rلذا كان العقاب عليها أمراً لازماً، لاستئصالها من جنبات المجتمع، قال الماوردي: الجرائم محظورات شرعية، زجر الله تعالى عنها بحد أو تعزير، ولها\r-------------------------------\r(1) الأحكام السلطانية: ص 213.\r(2) المرجع السابق: ص 223.","part":7,"page":257},{"id":4543,"text":"عند التهمة حال استبراء تقتضيه السياسة الدينية، ولها عند ثبوتها وصحتها حال استيفاء توجبه الأحكام الشرعية (1) .\r4 - منع عادة الأخذ بالثأر، وإطفاء نار الغيظ لدى المعتدى عليه أو أقاربه: إن عادة الانتقام أو الأخذ بالثأر التي كانت سائدة في الجاهلية، والتي هي من طبائع النفوس، عادة قبيحة توسع من رقعة انتشار الجريمة، وتطول غير المجرم غالباً. لذا كان من حكمة الإسلام المبادرة إلى تطبيق العقوبة على المجرمين، منعاً من التورط في تلك العادة الذميمة، وإطفاءً لنار الحقد والغيظ المضطرمة في نفس المعتدى عليه أو أقاربه.\rومن الحكمة أن تكون العقوبة من جنس الجريمة كالقصاص، أو أشد منها تحقيقاً للمصلحة العامة بالحفاظ على الأموال والأعراض والدماء والعقول، فلا تكون المطالبة بإلغاء عقوبة الإعدام في مصلحة أحد سواء المجتمع أو أقارب المجني عليه.\rسادساً ـ مبادئ العقاب في الشريعة وما لها من أثر في تخفيف الجريمة :\rاشتملت الشريعة الإسلامية على مبادئ كثيرة تبدد المخاوف من تطبيقها في جانب العقوبات، وتقتلع من بعض النفوس في ديار العرب والإسلام وفي العالم الخارجي التهمة بقسوة أحكام الشريعة، وما فيها من تنكيل وتعذيب تتنافى مع الإنسانية وأوضاع الحضارة الحديثة، وتعد هذه المبادئ صمَّام أمان لحقوق الناس الاجتماعية، وقيوداً على الحرية بمعناها المطلق، وحاجزاً منيعاً من الجريمة.\rوهذه المبادئ التي تنطلق منها أنواع العقاب في الشريعة تلازم وجدان القاضي وضميره وشعوره وأصوله في القضاء، وهي الرحمة والعدالة وحماية الكرامة الإنسانية، ورعاية المصالح العامة والخاصة أو حقوق المجتمع والشخص معاً، والمساواة بين الجريمة والعقوبة، وعدم الحرص على توقيع العقوبة في ظل مبدأ الستر حيث لا مجاهرة ولا إعلان بالفسق، والعفو عن المتهم في حالات كثيرة، ودرء الحد بالشبهة، والتركيز على العقوبة في حال المجاهرة والإعلان والمفاخرة بالمعصية، والاستخفاف بالقيم الإنسانية، وتحدي مشاعر المجتمع وإحساسه ونظامه العام وآدابه العامة.\rأما مبدأ الرحمة: فمراعى أصلاً من الشرع حين وضع العقوبات، لأن الله رحيم حقاً بعباده ،قال الله تعالى: {كتب ربُّكم على نفسه الرحمةَ} [الأنعام:6/54] وقال جل جلاله: {ورحمتي وسعت كلَّ شيء} [الأعراف:156/7].\rووصف الله تعالى مهمة أو وظيفة نبيه محمد صلّى الله عليه وسلم بأنها رسالة الرحمة والهداية، فقال: {وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين} [الأنبياء:107/21].\r-------------------------------\r(1) المرجع السابق: ص 211.","part":7,"page":258},{"id":4544,"text":"والمقصود من الرحمة المرعية في العقاب والتطبيق القضائي: الرحمة العامة بالجماعة، فينظر إلى المصلحة العامة من ناحية المبدأ والحكم المطبق، بقطع النظر عن مصلحة كل شخص بعينه. أما التسامح الخاص والشفقة والرفق بالم بعينه، أو ما يسمى بالرأفة بالمتهم الذي ثبتت عليه الجريمة، فلا ينظر إليه، وتستبعد مراعاته ومحاولة إعفاء الجاني من العقوبة، لذا قال الله تعالى في تطبيق الحد على الزناة: {ولا تأخذْكم بهما رأفةٌ في دينِ الله } [النور:2/24] فإذا ثبت الجرم وبلغ الألى الحاكم أو القضاء فلا مجال لترك العقوبه عليه. أما في مجال التعاون العام من أجل الخير المشترك، والتضامن في سبيل الصالح العام، والدفاع عن الأمة في مواجهة العدو الخارجي، فإن المجتمع الإسلامي مجتمع متراحم متعاون، كما قال\rمر إتهموما أرسل الله تعالى: {محمدٌ رسول ُالله ، والذين معه أشدَّاء على الكفّار، رُحَماء ُ بينهم...} [الفتح:29/48] وسمة المسلم وشأنه وخاصيته الرحمة بالآخرين، قال النبي صلّى الله عليه وسلم : «الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض، يرحمْكم من في السماء» (1) وقال أيضاً، «من لا يرحم الناس لا يرحمه الله » (2) وفي حديث آخر: « لا تنزع الرحمة إلا من شقي » (3) .\rقال ابن تيمية رحمه الله : إن إقامة الحد من العبادات، كالجهاد في سبيل الله ، فينبغي أن يعرف أن إقامة الحدود رحمة من الله بعباده، فيكون الوالي شديداً في إقامة الحد، لا تأخذه رأفة في دين الله فيعطله، ويكون قصده رحمة الخلق، بكف الناس عن المنكرات لإشفاء غيظه، وإرادة العلو على الخلق، بمنزلة الوالد إذا أدّب ولده فإنه لو كف عن تأديب ولده، كما تشير به الأم رقة ورأفة، لفسد الولد، وإنما يؤدبه رحمة به، وإصلاحاً لحاله، مع أنه يود ويؤثر ألا يحوجه إلى تأديب (4) .\r-------------------------------\r(1) أخرجه مسلم وأبو داود والترمذي والحاكم عن ابن عمر رضي الله عنه وهوصحيح.\r(2) أخرجه أحمد والشيخان والترمذي عن جرير بن عبد الله رضي الله عنه وهو صحيح.\r(3) أخرجه أحمد وأبو داود والترمذي وابن حبان والحاكم عن أبي هريرة رضي الله عنه وهو حسن.\r(4) السياسة الشرعية لابن تيمية: ص 98.","part":7,"page":259},{"id":4545,"text":"وأما العدالة: فتقتضيها موازين العقوبات العامة، ويوجبها إلزام السلطة الحاكمة بالعدل، حتى لا تضطرب الموازين، ولئلا يتجرأ المفسدون في الأرض على متابعة فسادهم دون رقيب ولا عتيد، ولأن مبدأ الإسلام أن كل إنسان مجزي بعمله، إن خيراً فخير، وإن شراً فشر، قال الله تعالى مبيناً مهام الأنبياء والمرسلين ووظائفهم العامة: {لقد أرسلنا رُسلنا بالبيِّنات، وأنزلنا معهم الكتابَ والميزانَ، ليقوم الناسُ بالقِسْط، وأنزلنا الحديدَ فيه بأسٌ شديدٌ، ومنافعُ للناس} [الحديد:25/57].\rوالعدل و القسط بين الناس ملازم للرحمة الشاملة، كما تقدم، فليست الرحمة فوق العدل، ولا العدل فوق الرحمة، كما ذكر سابقاً، بدليل قول الحق سبحانه وتعالى: {وربُّك الغفورُ ذو الرحمةِ، لو يؤاخذُهم بما كَسَبوا، لعجَّل لهم العذابَ، بل لهم موعدٌ لن يجدوا من دونه موئلاً} [الكهف:58/18].\rوحماية كرامة الإنسان: أصل من أصول العقاب في الإسلام، فليس في الشريعة ما ينافي الكرامة، ولا تسمح الشريعة للحاكم باتخاذ عقوبات تخل بالشرف والمروءة والكرامة، فلا يجوز ضرب الأعضاء الحساسة المخوفة التي قد تؤدي إصابتها إلى القتل، كالوجه والرأس والصدر والبطن والفرج والأعضاء التناسلية، لما روي عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه قال: «ليس في هذه الأمة مدٌ ولا تجريد ولا غَل ولا صفد » (1) وجلد أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلم ، فلم ينقل عن أحد منهم مدّ ولا تجريد، ولا ينزع عن المجلود ثيابه، بل يكون عليه الثوب والثوبان (2) .\rومن مظاهر حماية الكرامة الإنسانية تحريم التمثيل أو الممثلة بالقتيل، ولو كان من الأعداء، قال الله تعالى: {ولقد كرّمنا بني آدم...} [الإسراء:70/17]. وقال النبي صلّى الله عليه وسلم : «إن الله كتب الإحسانَ على كل شيء...» (3) ونهى النبي صلّى الله عليه وسلم عن المُثْلة والنهبى، وفي وصية أبي بكر الصديق رضي الله عنه ليزيد بن أبي سفيان: «ولا تمثّلوا» .\r-------------------------------\r(1) رواه الطبراني، قال الهيثمي: وهو منقطع الإسناد، وفيه جويبر، وهو ضعيف (مجمع الزوائد: 253/6). والغل بالفتح: شد العنق بحبل أو غيره، والصفد بالتحريك: القيد وهو الغل في العنق أيضاً.\r(2) المهذب: 270/2، ومغني المحتاج: 190/4، المغني: 313/8 وما بعدها.\r(3) أخرجه أحمد ومسلم وأصحاب السنن الأربعة عن شداد بن أوس رضي الله عنه.","part":7,"page":260},{"id":4546,"text":"ورعاية المصالح العامة والخاصة أو حقوق الجماعة والأفراد معاً: هي ميزان الإسلام في كل ما شرع وحكم، فحفظ النظام للجماعة واجب أساسي لا يجوز للأفراد إسقاطه أو العفو عنه، أو إهمال إقامته، كما أنه ليس للجماعة الحق في مصادرة حقوق الأفراد الخاصة كالملكية الشخصية والحرية المنظمة.\rوتعتبر الحدود على الجرائم الخطيرة كالزنا والسرقة والقذف وشرب المسكرات، كما تقدم، من مقومات المصلحة أو حقوق الجماعة أو حقوق الله ، مثل الصلاة والصوم والزكاة؛ لأن المقصود بها إقامة الدين، والدين في تشريع الإسلام أساس نظام الجماعة العام؛ لأن المصالح التي لاحظها الإسلام هي الأصول الخمسة الكلية الضرورية لكل مجتمع، وهي مقاصد الشريعة المعروفة وهي حفظ الدين أو العقيدة، وحفظ النفس (أو حق الحياة) وحفظ العقل وحفظ النسل أو العرض، وحفظ المال والممتلكات، فلا تتوافر الحياة الإنسانية الصحيحة إلا بها.","part":7,"page":261},{"id":4547,"text":"والمساواة بين الجريمة والعقوبة: أساس تشريع العقوبات الإسلامية، فلا تجاوز عن الحدود المقررة شرعاً، قال النبي صلّى الله عليه وسلم : «من بلغ حداً في غير حد، فهو من المعتدين» (1) . ومن مبادئ الإسلام أنه لا افتئات فيه على أحد بجرم لم يصدر عنه، وأن الأصل في المتهم البراءة حتى تثبت إدانته. والقصاص أو إمكان المماثلة بين الجناية والعقوبة شرط جوهري في العقوبة، حتى يطمئن الناس إلى عدالة الحكم القضائي، ولتسهم العقوبة في توفير عنصر الرهبة والزجر المانع في الغالب من الإقدام على الجريمة دون إثارة ولا تشنيع ولا نقد، لذا قال الله تعالى: {ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب} [البقرة:179/2].\rوعدم الحرص من المشرع الإسلامي على إيقاع العقوبة: ليترك المجال للإنسان لإصلاح عيوب نفسه وأخطائه بنفسه، لذا أمر الشرع بالستر على المخطئ غير المجاهر، جاء في الحديث\r-------------------------------\r(1) رواه الطبراني بلفظ «من جلد حدا..» وفيه شخصان غير معروفين للهيثمي كما قال، ورواه البيهقي عن النعمان بن بشير، وقال: المحفوظ المرسل، ورواه ابن ناجية في فوائده، ورواه محمد بن الحسن مرسلاً (نصب الراية: 354/3، مجمع الزوائد: 281/6).","part":7,"page":262},{"id":4548,"text":"الصحيح: «ومن ستر مسلماً ستره الله في الدنيا والآخرة» (1) وفي حديث آخر: «من ستر عورة أخيه المسلم، ستر الله عورته يوم القيامة، ومن كشف عورة أخيه، كشف الله عورته حتى يفضحه في بيته» (2) .\rوتجوز الشفاعة في الحدود قبل بلوغها إلى الحاكم، ترغيباً في الستر ومنع إشاعة الفاحشة، وتحرم الشفاعة وقبولها في حدود الله بعد أن تبلغ الحاكم؛ لقوله صلّى الله عليه وسلم : «من حالت شفاعته دون حد من حدود الله ، فهو مضادٌ الله في أمره» (3) . وقصة إنكار النبي صلّى الله عليه وسلم على أسامة بن زيد شفاعته في حد السرقة على المرأة المخزومية معروفة مشهورة (4) .\rولا توقع العقوبة أو يحكم بها إلا بعد انتفاء الشبهات المقررة فقهاً وشرعاً، لقوله صلّى الله عليه وسلم في الحديث السابق عند ابن عدي عن ابن عباس: «ادرؤوا الحدود بالشبهات» .\rولصاحب الحق الخاص العفو عن القاتل أوالمخطئ؛ لقوله تعالى: {وجزاء ُ سيئة سيئةٌ مِثْلها، فمن عفا وأصلح فأجرهُ على الله } [الشورى:40/42] وقوله سبحانه في القصاص: {فمن عُفي له من أخيه شيء، فاتباعٌ بالمعروف، وأداءٌ إليه بإحسان} [البقرة:178/2]. والعفو كثيراً ما يلجأ إليه في الأوساط الإسلامية بسبب محاولات الصلح والتسوية الودية والتقاليد المتبعة بين القبائل والعشائر وفي الأرياف. وهذا سبيل رحب للتخلص من العقوبة، والدفع إلى الاستحياء من الجريمة حتى في القتل، والعفو يكون بالاختيار والرضا والطواعية لا بالإكراه أو بإلغاء العقوبة من القوانين.\r-------------------------------\r(1) أخرجه مسلم في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه، وأخرجه أيضاً الترمذي والحاكم.\r(2) أخرجه ابن ماجه عن ابن عباس مرفوعاً رضي الله عنه.\r(3) أخرجه أحمد وأبو داود والحاكم وصححه عن ابن عمر رضي الله عنه.\r(4) أخرج الحديث أحمد ومسلم والنسائي عن عائشة رضي الله عنها.","part":7,"page":263},{"id":4549,"text":"والحالة التي لا بد فيها من العقاب: هي حالة المجاهرة بالمعصية وإشاعة الفاحشة، والإصرار على الإقرار أمام القاضي، وإعلان الردة عن الإسلام المتضمن الخروج عن نظام الجماعة، والكيد للمجتمع وحرماته والعمل على تقويض أركان العقيدة الإسلامية بالترويج للشكوك والشبهات، جاء في الحديث الثابت: «أيها الناس من ارتكب من هذه القاذورات، فاستتر، فهو في ستر الله ، ومن أبدى صفحته، أقمنا عليه الحد» . وقد وصف الله تعالى الذين يعلنون الجرائم ويكذبون على الناس ويرمونهم بالتهم الباطلة ويفترون عليهم، بأنهم أعداء المؤمنين، فقال الله تعالى: {إن الذين يحبِّون أن تشيع الفاحشةُ في الذين آمنوا، لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة، والله يعلم وأنتم لا تعلمون} [النور:19/24].\rوإن رقابة الله في السر والعلن: أو تكوين وازع الدين، وإيقاظ سلطان الضمير هو كما تقدم من أهم عوامل منع الجريمة والإجرام، وهو العنصر الأساسي المساعد للقاضي في الحكم على المتهم، وإصدار الحكم بالعقاب تخفيفاً أو تشديداً عليه؛ لأن من لا يصلح حاله بنفسه، صعب على الدولة أو المجتمع إصلاحه.\rوإذا كانت الغاية من العقاب كما عرفنا إصلاح الإنسان، فبالأولى أن يكون تجنب كل ما يوقع في الجرائم بوازع الدين للإصلاح، لأن الدفع أو المنع أولى من الرفع «ودرء المفاسد مقدم على جلب المصالح» كما جاء في القواعد الشرعية الكلية.\rولقد بلغ من شدة الخوف من الله ومن قوة ضمير المسلم أن كان المؤمن الصادق الإيمان يقدم على الموت بلا تردد ولا وجل من أجل تطهير نفسه، وإرضاء ربه، فهل لهذا مثيل في قوانين الدين أو عادات الشعوب؟!.\rوالخلاصة: أن هذه المبادئ أو القواعد الشرعية تساهم مساهمة فعالة في منع الجريمة أو التخفيف منها أو توجيهها الوجهة الصالحة.","part":7,"page":264},{"id":4550,"text":"سابعاً - الحدود الشرعية وحكمتها وأثر تطبيقها في منع الجريمة في عصرنا :\rلا شك بأن حقيقة الحد الشرعي قاسية، ولكن القسوة تفيد أحياناً في الزجر والردع والإصلاح، وهي أفعل وأمضى وأنفذ من العقوبات التعزيرية كالحبس والضرب البسيط، وليس أدل على أثرها في منع الجريمة من تطبيقها في البلاد السعودية، حيث استتب الأمن، وانقطعت السرقات، وانتهت عصابات قطع الطريق أو المحاربين، بالرغم من أن قطع اليد في ربع قرن فأكثر لا يزيد عن ستة عشر يداً. وكذلك عندما طبقت الحدود في السودان في عام ( 1983)، قلّت الجرائم، وعندما جمدت وأوقفت كثرت وانتشرت.\rفالعقوبةالحدية أداة زجر وإصلاح معاً، ووسيلة تهذيب وتقويم فعال، لكني ألاحظ أن البدء في تطبيق الشريعة الإسلامية بأقسى ما فيها من عقوبات الحدود وما يصحبها من تصورات مغلوطة وأوهام فاسدة ومبالغات مسرفة، ليس منهجاً صحيحاً ولربما أدى عند تغير السلطة ورئاسة الدولة إلى ردود فعل عنيفة تسيء إلى الإسلام ديناً وعقيدة ونظام حياة، كما حدث في السودان في أواسط الثمانينات في رجب سنة (1406 هـ ) الموافق (1985) بعد تطبيق الحدود سنة ( 1983 ) وحدث عام (1409 هـ) في الباكستان بعد أن فجرت طائرة الرئيس ضياء الحق الذي طبق الشريعة، لأن شريعة الإسلام منهج متكامل وكل لا يتجزأ، يشمل آفاق الحياة المختلفة سياسياً واجتماعياً واقتصادياً.\rوطريقة الإسلام أو أسلوبه في الإصلاح يبدأ أولاً بالتوجيه والإقناع، والبرهان والبيان، والدعوة بالكلمة الطيبة والموعظة الحسنة، والإرشاد الهادئ غير الثائر في الداخل، المعتمد على الإقناع ومناقشة أولئك الذي ألفوا تطبيق القوانين الغربية البعيدة عن فلسفة الإسلام وتصوراته.","part":7,"page":265},{"id":4551,"text":"وبالحكمة ونشر تعاليم الإسلام في أوساط الناس يمكن تحويل المجتمع بما فيه من طاقات خيّرة عن تقاليده وموروثاته الاستعمارية، وتصوراته الغربية الدنيوية، إلى عدل الإسلام ورحمته الشاملة ويسره وإسعاده الفرد والجماعة في عالمه القائم. ولا بد أيضاً من إصلاح أنظمة الحكم الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، بجعل الشورى أصلاً للحكم، والعدل والإنصاف رائداً للقضاء والسياسة فعلاً، لا مجرد شعار، والعمل بقدر الإمكان على تحقيق الرخاء أو الرفاه الاقتصادي للجميع، وتوزيع الثروة العامة بالعدل، ومحاولة إنهاء مشكلة الفقر والبطالة ومحو الأمية، وتغيير معالم المجتمع الجاهلية، وإصلاح مناهج التربية والتعليم ووسائل الإعلام المرئية والمسموعة، وإزالة كل ما فيها من تناقضات وإشكالات، حتى تزول الاضطرابات الفكرية، وتستأصل العُقَد لدى الشباب، وتبدد الشبهات والمشكلات الطارئة في الأوساط العامة، بتأثير بعض النظريات المادية الخالية من تفسير ظواهر الكون تفسيراً دينياً مقبولاً، فإذا ما توافرت القاعدة الإسلامية، واستعد المجتمع نسبياً للعمل بالإسلام، وساد الاحترام لمبادئه وأحكامه، سهل حينئذ البدء بتطبيق أحكام الإسلام وشرعه المتكامل الشامل، ووضع خطة شاملة لتنفيذ جميع أحكامه فور العمل بشريعة الله عز وجل، ودون تدرج.","part":7,"page":266},{"id":4552,"text":"أما أن تصدر قوانين الحدود شكلاً واسماً، ويعلّق أو يجمد تطبيقها فعلاً أو أن نقتصر من تطبيق الإسلام على الحدود الشرعية، وترك الناس في متاهة أو جهالة أو مجاعة أو غليان داخلي بسبب الحاجة والفقر، فذلك ليس من شرع الله ودينه الذي يراد له الهيمنة على كل شؤون الحياة، وربما كان الاقتصار على تطبيق الحدود الشرعية فقط وسيلة لتنفير الناس من الإسلام، وإظهار فشله وعدم صلاحيته أو العمل على تجزئة أحكامه، قال الله تعالى: {أفتؤمنون ببعض الكتاب، وتكفرون ببعض، فما جزاء ُمن يفعل ُذلك منكم إلا خزيٌ في الحياة الدنيا ويومَ القيامة يُرَدُّون إلى أشدِّ العذاب، وما الله ُ بغافلٍ عما تعملون} [البقرة:85/2].\rثامناً - العقوبات الشرعية وحقوق الإنسان في الإسلام :\rترى بعض الجهات العلمية والاجتماعية في أوساط الغرب أن الحدود الشرعية تتنافى مع حقوق الإنسان في الحياة والحرية والكرامة الإنسانية. وتطالب منظمة العفو الدولية بإلغاء عقوبة الإعدام من قوانين العقوبات في الدول المعاصرة، وقد استجابت بعض الدول الغربية لهذا الاتجاه، كفرنسا وإيطاليا وألمانيا وبعض الولايات المتحدة الأمريكية التي ألغت هذه العقوبة، وبعضها أو أكثرها لم تلغها.\rويردد بعض رجال القانون الوضعي في البلاد العربية مثل هذه الأفكار واصفين العقوبات الشرعية أو الشريعة الإسلامية بأوصاف غير لائقة، ربما أدت بهم إلى الكفر. وتروّج بعض أجهزة الإعلام من صحف وإذاعات، في طليعتها إذاعة لندن بالقسم العربي ، الإشاعات المغرضة من جراء تطبيق أحكام الشريعة، ويكثر الحديث في بلاد الغرب عما سمي بحركة الأصوليين الإسلاميين، ويتهمون كل من يطالب بتطبيق الشريعة الإسلامية بأنهم متزمتون متشددون متعصبون، مع أنهم هم المتعصبون ضد الإسلام وأهله، أو هم الجاهلون السطحيون الذين لم يعرفوا حقيقة الإسلام، ولديهم استعداد لفهم الإسلام خطأ بسبب الدعايات المغرضة والأفكار الشائعة المشوهة.","part":7,"page":267},{"id":4553,"text":"ويعلن في أديس أبابا عاصمة الحبشة اتفاق يوم الثلاثاء الواقع في (1988/11/16) بين رئيس الحزب الاتحادي الديمقراطي السوداني السيد محمد عثمان الميرغني والعقيد جون قرنق زعيم حركة التمرد لتحقيق السلام في جنوب السودان، مقابل تجميد تطبيق الشريعة الإسلامية في السودان (1) .\rومصدر جميع هذه الاتجاهات المشبوهة شيء واحد هو التعصب ضد الإسلام ومقاومة الاتجاه الإسلامي، ودوافع ذلك وبواعثه معروفة يقصد بها تشويه أحكام الشريعة بسبب الجهل البيِّن بالحكم الشرعي ومسوغاته وحقيقته، أو عدم الربط بين الوسائل والغايات التشريعية، أو تجزئة أحكام الشريعة والنظر إلى جانب واحد منها دون إلمام باتجاهها العام ومراعاة بقية أحكامها. فمن نظر إلى حكم إسلامي ما من زاوية الوسيلة وحدها دون ربطه بالهدف التشريعي العام، بدا له وجه من النقد في تقديره الشخصي من خلال البيئة التي يعيش فيها، والغريبة عن الوسط الإسلامي، وحينئذ يتهم الشريعة بعدم صلاحيتها للمجتمع المتمدن المعاصر ذي النزعة الفردية المتحيزة لواحد من الناس، ويصف عقوباتها بالقسوة والعنف، أو التنكيل والتعذيب والوحشية في زعمه وتصوره القاصر.\r-------------------------------\r(1) اتفق الجانبان على تجميد مواد الحدود وكافة المواد ذات الصلة المضمنة في قوانين سبتمبر 198 3، وألا تصدر أية قوانين تحتوي عى مثل تلك المواد، وذلك إلى حين انعقاد المؤتمر القومي الدستوري والفصل نهائياً في مسألة القوانين (جريدة الاتحاد في الإمارات 8 ربيع الثاني 1409 هـ الموافق 17 نوفمبر 1988) ثم أعلنت إذاعة لندن في مساء الثلاثاء 11 جمادى الأولى 1409 الموافق 20 ديسمبر 1988، وتبعتها جريدة الاتحاد السابقة في اليوم التالي أن الجمعية التأسيسية لم توافق في يوم الثلاثاء المذكور على هذا الاتفاق.","part":7,"page":268},{"id":4554,"text":"والواقع أن الادعاء بوجود التعارض والمنافاة بين حقوق الإنسان وبين الحدود الشرعية أمر باطل للأسباب التالية:\rأولاً : إن الله سبحانه وتعالى الذي شرع الحدود في الشريعة الإلهية هو أرحم بعباده وبالناس جميعاً من أنفسهم، وهو أدرى وأعلم بما يصلحهم وينفعهم، ويحقق الخير والنفع والأمن والطمأنينة لهم.\rثانياً : إن الجاني الذي يرتكب جريمة موجبة للحد الشرعي قد خرج عن الحدود الإنسانية الصحيحة، وشذ شذوذاً واضحاً عن معاير الحياة السوية، وطعن المجتمع في أقدس مقدساته، وإن شوهت معالم التقديس في الأوساط الغربية، فأصبح ما يسمى لدينا بالعِرْض مثلاً مفقوداً من المفاهيم الأخلاقية العامة والخاصة عند الغربيين، ومثل هذا المعتدي على حرمات المجتمع الجوهرية بمقتضى النظرة الصحيحة، لم يعد يردعه إلا مثل هذه العقوبة الشرعية المقررة في شرع الله ودينه.\rثالثاً : إن العقوبات البديلة عن الحدود الشرعية في القوانين الوضعية لم تحقق الهدف المطلوب، فانتشرت ظاهرة الجريمة، وكثر المجرمون، وتفننوا في ابتكار عجائب وألوان الإجرام مما لا يكاد يصدّق به عقل.\rرابعاً : إن القرآن الكريم واضح الدلالة في الإعلان عن حقوق الإنسان في قوله تعالى: {ولقد كرمنا بني آدم} [الإسراء:70/17] وإن الفقهاء المسلمين أشد العلماء حرصاً على رعاية كرامة الإنسان فيما استنبطوه من أحكام شرعية، فقرروا ضوابط كثيرة وشرطوا شرائط عديدة لتطبيق الحدود، وقد عرفنا أنه لا غل ولا تجريد ولا تصفيد ولا تمثيل في الإسلام، وأن للسجين الحق على الدولة في الغذاء والكساء (1) والمأوى الملائم،ومنع التعذيب الوحشي وغير ذلك من أصول الحفاظ على الكرامة الإنسانية.\r-------------------------------\r(1) تبيين الحقائق للزيلعي: 182/4، ط بولاق سنة 1315 هـ.","part":7,"page":269},{"id":4555,"text":"خامساً : إن دعاة حقوق الإنسان أخطؤوا حينما رأوا أن تطبيق العقوبة الشرعية بشرائطها وضوابطها وموازينها العادلة يتنافى مع حقوق الإنسان، كما أخطؤوا أيضاً في محاولة الرأفة بشخص معين لذاته، وليس هو في الواقع أهلاً للرأفة، وإنما مراعاة للمصلحة الشخصية، وإهدار مصلحة الجماعة، والاعتداء على المصلحة العامة، وما يؤدي إليه من فقد الأمن والاستقرار، وانتشار ظاهرة القلق والخوف وعدم الاطمئنان على حق الحياة المقدس والحرية والأموال والممتلكات.\rوالخلاصة: إن العقوبات الشرعية أدوات فعالة في القضاء على الجريمة والمجرمين، ووسائل بناءة نفاذه في نشر الأمن والسلام واستئصال نزعة الإجرام بدليل الفارق الواضح والواقع المرّ الأليم في أرقى دول العالم تحضراً كأمريكا زعيمة العالم الحر وبريطانيا وغيرها، حيث تزداد نسبة الجريمة والاعتداء على الأشخاص والأموال، مما لا يردع المجرمين غير الحكم بشرع الله أحكم الحاكمين وأعدل القضاة.\rقال الله تعالى عن القرآن الكريم: {قد جاءكم من الله ِ نورٌ وكتابٌ مبين، يهدي به الله ُ من اتبَّع رضوانَه سبُلَ السلام ويخرجُهم من الظلُمات إلى النور بإذنه، ويهديهم إلى صراطٍ مستقيم} [المائدة:15/5-16] وقال سبحانه: {وهذا كتابٌ أنزلناه مباركٌ فاتَّبعوه واتقوا لعلكم تُرْحَمون} [الأنعام:155/6] وهذا بلا شك يحتاج إلى إيمان برسالة السماء وهدي الله تعالى.","part":7,"page":270},{"id":4556,"text":"تاسعاً - شرعية الجريمة والعقوبة، أو مبدأ (لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص)، وتأثير ذلك على ظاهرة الإجرام :\rإن التصور السابق للجريمة المنصوص على تجريمها في قوانين الدولة العقابية، ومعرفة نوع العقوبة المقررة قانوناً في تقنين منشور متداول، يعد حاجزاً قوياً ما نعاً من الإجرام والتفكير بالجريمة والتخطيط لها.\rلذا ظلت النظم الديمقراطية تحترم مبدأ قانونية أو شرعية الجرائم والعقوبات، بمعنى تركيز سلطة التجريم في يد الشارع أو من يفوضه في ذلك ضمن حدود معلومة، وقد أعلنت هذا المبدأ الثورة الفرنسية ونصت عليه وثيقة «إعلان حقوق الإنسان والمواطن عام (1789م) في المادة الثامنة، استجابة لصيحات الفلاسفة والمفكرين الذين حملوا على ما كان عليه القضاة من سلطة تحكمية أدت إلى إسراف في العقاب وعسف بحريات الأفراد، ونص عليه في المادة الرابعة من قانون العقوبات الذي أصدره نابليون سنة (1810م)، ثم انتقل إلى الشرائع الأخرى، وصاغه العرف القانوني بعبارة موجزة هي «لا جريمة ولا عقوبة بغير نص» . والحكمة منه كفالة حقوق الأفراد وحريتهم في أفعالهم وتصرفاتهم، إذ لو ترك أمر التجريم للقاضي، لأضحى الأفراد في حيرة من أمرهم، ثم إن العدالة والمنطق يقضيان به حتى لا تواجه الدولة الأفراد بعقاب لا علم لهم به.\rوبما أن هذا المبدأ يؤدي إلى جمود التشريع الجنائي وتخلفه عن مسايرة التطورات الحديثة، فقد اتجه الفقه والقضاء عامة إلى ضرورة التخفيف من حدته، وتوسيع سلطة القاضي في تقرير العقوبة أو إيقاف تنفيذها أحياناً، ولكن دون إخلال بأصل المبدأ، وهو حرمان القاضي من سلطة التجريم.","part":7,"page":271},{"id":4557,"text":"وفي هذا المجال أيضاً نجد بعض رجال القانون الوضعي يتهمون الشريعة الإسلامية جهلاً وغلطاً وظلماً وتعصباً ضدها بأنها تترك أمر التجريم للقاضي. ومنشأ الاتهام راجع في تقديرنا إلى ناحية تنظيمية: هي عدم وجود تقنين خاص بالجرائم والعقوبات عند الفقهاء الشرعيين المعاصرين، مع أن الأمر سهل جداً، إذ لا مانع شرعاً من وجود مثل هذا التقنين، ومن اليسير على فقهاء الشريعة إيجاده وصياغته في أشهر معدودة، إذا أظهرت السلطة الحاكمة استعدادها لتطبيق وإنفاذ العمل به، وقد وجد فعلاً بعض هذه التشريعات في ليبيا والسودان والإمارات. ولكن لا يعني عدم التقنين أن القاضي حر التصرف بالعقاب حرية مطلقة، وإنما الأمر في شأن التعازير (العقوبات غير المنصوص صراحة على نوعها ومقدارها) راجع شرعاً وفقهاً لتقدير ولي الأمر الحاكم أي الدولة، فالدولة تضع للقضاة من الأنظمة والقوانين الجزائية ما يناسب العصر، وعلى وفق ما تراه اللجان المتخصصة المكونة عادة من العلماء والفقهاء، بحسب متطلبات المصلحة العامة، ومقتضيات الزمان وتطور الأحداث.\rلذا كان ينبغي أن يعرف هؤلاء القانونيون أن مبدأ التفويض لولي الأمر في تقدير العقوبات التعزيرية في الإسلام، هو في الأصل مبدأ دستوري تمارسه الدولة مقيدة بأحكام الشريعة، كما هو الشأن في أن كل دولة لها الحق في وضع القوانين الداخلية التي تريدها.","part":7,"page":272},{"id":4558,"text":"وعليهم أن يعرفوا أن الإسلام يفترض في كل مسلم ومسلمة تعلم أحكام شريعته، ومعرفة الفرائض والحلال والحرام، والمعاصي والعقوبات أو الجزاءات المقررة في الإسلام؛ لأن من الفرائض الشرعية العينية المطلوبة من كل المسلمين تعلم الحد الأدنى المفروض العلم به من الشريعة، فلا يصلح الاحتجاج بتقصير المسلمين في التعلم سبباً للقول بأن الأفراد لا يعلمون ما هو ممنوع ولا أنواع العقوبات، حتى توجد التقنينات. ثم إن كتب الشريعة، سواء القرآن والسنة ومصنفات الفقهاء المطولة والموجزة، فيها البيان الواضح المفصل لكل المعاصي والمخالفات، والكبائر والصغائر، والتحذير من مخاطرها وبيان مدى ضررها، والتصريح بالعقوبات الدنيوية والأخروية المقررة لها.\rوالقاضي لا يملك في الشريعة سلطة التجريم وتحديد أصل العقاب بحسب رغبته وهواه، كما يفهم خطأ، وإنما هو مقيد في ذلك بأحكام الشريعة، وبما تضعه له الدولة من نظام، إذ ليس لأي مسلم سلطة التشريع، وإنما السلطان في الأحكام إنشاء ووضعاً للشريعة والمشرع وهو الله تعالى، كل ما في الأمر هو أن للقاضي سلطات تقديرية في التطبيق فقط، حسبما يرى ملائماً لظروف الجريمة والجاني ولكن في غير دائرة الحدود والقصاص المنصوص على أحكامها صراحة، وإنما في مجال التعزيرات التي يمكن إدخال أغلب نصوص القوانين الجزائية الحديثة في مضمونها.","part":7,"page":273},{"id":4559,"text":"ويوضح ذلك أن الشريعة ـ كما هو معروف ـ جاءت حرباً على الأهواء الشخصية والنزعات والميول الفردية، كما دل على ذلك القرآن الكريم في آيات كثيرة منها قوله تعالى: {ولا تَقْفُ ما ليس لك به علم} [الإسراء:36/17] وقوله سبحانه: {إن يتّبعون إلا الظن، وما تهوى الأنفس، ولقد جاءهم من ربهم الهدى} [النجم:23/53] وقوله عز وجل: {وما لهم به من علم، إن يتَّبعون إلا الظن، وإن الظنَّ لا يُغْني من الحق شيئاً، فأعرضْ عمن تولَّى عن ذِكْرنا، ولم يرِدْ إلا الحياة الدنيا} [النجم:28/35-29] وقوله جل جلاله: {ولو اتّبعَ الحقُّ أهواءهم، لفسدت السموات والأرضُ ومن فيهن، بل أتيناهم بِذِكْرهم، فهم عن ذِكْرهم مُعْرضون} [المؤمنون:23/71]. لذا وضعت الشريعة نظاماً تشريعياً متكاملاً ودقيقاً للحياة، وسبق الفقهاء المسلمون إلى معرفة قاعدة «لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص» كما يتضح من القاعدتين الأصوليتين التاليتين:\r1 - «لا حكم لأفعال العقلاء قبل ورود النص» .\r2 - «الأصل في الأشياء والأفعال والأقوال: الإباحة» .\rومصدر هاتين القاعدتين قول الله تبارك وتعالى: {وما كنا معذِّبين حتى نبعث رسولاً} [الإسراء:15/17] وقوله سبحانه: {وما كان ربُّك مُهْلِكَ القرى حتى يبعثَ في أمّها رسولاً يتلو عليهم آياتنا } [القصص:59/28] وأمها: أصلها وعاصمتها ومركزها، وقوله جل وعز: { رسلاً مبشرِّين ومنذِرِين ، لئلا يكون للناس على الله حجةٌ بعد الرسُلِ} [النساء:165/4].\rهذه النصوص الشريفة قاطعة بأن لا جريمة إلا بعد بيان، ولا عقوبة إلا بعد إنذار.\rوترتب على هذا المبدأ أن فترة الجاهلية عند جمهور المسلمين لا عقاب على الجرائم التي حدثت أثناءها، سواء أكانت إراقة دم حرام أم غيرها من الربا والزنا والنهب والغصب والمنكرات.","part":7,"page":274},{"id":4560,"text":"ويمكن القول إجمالاً: إن الشريعة والقانون الوضعي الجنائي يلتقيان في أنه إذا لم يكن هناك نص مانع من شيء، فهو مباح، بيد أن المنصوص عليه قانوناً صريح محصور في دائرة التقنين الموضوع، أما المنصوص عليه شرعاً فهو غير مقنن في مجموعة قانونية محدودة وموحدة بين المذاهب، وليس ذلك بعسير علينا عند الطلب، فقد يكون التحريم أو التجريم والعقاب مأخوذاً من نص القرآن الكريم أو السنة النبوية، أو من إجماع الأمة، أو من اجتهاد المجتهدين في ضوء النصوص، وروح التشريع الإسلامي.والنص الحاظر شرعاً أو المانع من فعل قد يكون صريحاً، كما هو الشأن في الحدود (العقوبات المقدرة نوعاً ومقداراً) وقد يفهم دلالة وضمناً من طريق اجتهاد علماء الإسلام الثقات. ودور العلماء في الحقيقة مجرد كاشف ومظهر لحكم الله في الحادثة، ومبيّن للقيود والشروط والأوصاف. أما أصل الحكم حظراً وعقاباً، فمرده إلى الحكم الإلهي، إذ لا بد لصحة الاجتهاد من مستند شرعي يعتمد عليه في الاستنباط.\rثم إن المحذور الذي يخشى منه القانونيون من مخالفة قاعدة: «لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص» وهو أن يلجأ القاضي فيما لا نص بتجريمه إلى الأخذ بالقياس،هذا المحذور قد فرغ من بحثه علماء الأصول من الحنفية ومن وافقهم الذين قرروا بصراحة عدم جواز القياس في الحدود والمقدرات الشرعية، سواء بالنسبة للمجتهد الفقيه أم للقاضي، وقرروا عدم جواز القياس في الحدود والكفارات والرخص والتقديرات؛ لأن القياس إنما يفيد الظن، والظن سبيل الخطأ، فكان في سلوكه شبهة، فلا يثبت من طريقه عقاب أو تجريم لحادثة لا نص فيها؛ لأن «الحدود تدرأ بالشبهات» وفي هذا التقعيد الأصولي ضمانة كافية أكيدة لحقوق وحريات الأفراد في تصرفاتهم وأفعالهم.","part":7,"page":275},{"id":4561,"text":"والقائلون بالقياس في الحدود كالمالكية والشافعية لا ينشئون حكماً جديداً بناء على تحريم حادثة، وإنما يطبقون النص المذكور في حادثة على حادثة مشابهة تماماً، مساوية للواقعة المنصوص عليها، فيكون عملهم من قبيل تطبيق النص على الوقائع، إذ ليست الوقائع كلها منصوصاً عليها حتى في القوانين النافذة الآن، ويكون القياس المنفي قانوناً في التجريم والعقاب معمولاً به شرعاً باتفاق الفقهاء، إذ ليس للمجتهد سلطة التشريع، أو إنشاء ووضع أحكام جديدة بالمنع والعقاب فيما لم يأذن به الشرع.\rوتوضيحاً لذلك يحسن بيان مضمون التشريع الإسلامي في مجال العقوبات:\rإن الجرائم والعقوبات محددة بذاتها ونوعها، معروفة تماماً في الإسلام، وهي كل ما نهى عنه القرآن الكريم أو السنة النبوية أو أبانه الفقهاء، والعقوبات الإسلامية منها كما تقدم ما هو مستوجب للإثم والعقاب الأخروي فقط، ومنها ما يجتمع فيه الوصفان: العقاب في الدنيا، والعقاب في الآخرة. والعقوبات الدنيوية تكون على فعل محرّم أو ترك واجب، وهي كما عرفنا نوعان: عقوبة مقدّرة، وعقوبة غير مقدّرة الكمّ شرعاً، والمقدّرة تختلف مقاديرها وأجناسها وصفاتها باختلاف أحوال الجرائم وكبرها وصغرها، وبحسب حال العاصي أو المذنب أو المجرم نفسه، كما أبان ابن تيمية وابن القيم رحمهما الله .","part":7,"page":276},{"id":4562,"text":"والعقوبات المقدرة نوعاً ومقداراً وهي الحدود الشرعية الخمسة أو السبعة كما تبين سابقاً لدى الفقهاء قد نص عليها القرآن الكريم أو السنة النبوية صراحة، ثم أجمع عليها الصحابة الكرام والفقهاء من بعدهم. والسبب في نص الشرع عليها: هو حرصه على إقامة ركائز وحصون أساسية في حياة المجتمع، تعد بمثابة القواعد الصلبة، لتوفير الأمن والاستقرار والطمأنينة في الأنفس والأموال والأعراض والعقول وإقرار دين التوحيد الحق، ومنع الرذيلة، ودرء المفسدة، واستئصال نزعة الشر، وبتْر أسباب المنازعات والأمراض والفوضى الأخلاقية عن الناس في أخطر ما يمس جوهر حياتهم الاجتماعية التي لا بد لها من وجود نظام ثابت صحيح، غيرمِعْوَج. وليس للقاضي بداهة مخالفة النصوص في تجريم وعقاب هذه الجرائم التي قدر لها الشرع نوعاً ومقداراً معيناً من العقوبات، ولم يجز الشرع في العقوبات المقدرة عدا القصاص العفو عنها، ولا الشفاعة فيها، ولا الصلح والتنازل عنها، ولا إسقاطها والإبراء عنها، ولا المعاوضة عنها، بعد رفع الأمر فيها إلى القاضي، صوناً لحق الجماعة العام فيها وفي تطبيقها. ولا يملك القاضي التدخل في شأن هذه العقوبات إلا بإصدار الحكم فيها بعد ثبوت الجريمة، بطرق الإثبات الشرعية المقبولة، لأنها تمس النظام العام للمجتمع: وهو المحافظة على مقاصد الشريعة أو أصولها الكلية الخمسة، وهي الدين والنفس والعرض أو النسب والعقل والمال.","part":7,"page":277},{"id":4563,"text":"وأما العقوبات غير المقدرة نوعاً ومقداراً وهي التعزيرات، فهي أيضاً معروفة لدى كل مسلم، ويجب عليه تعلم أحكام شرعه، والتعزير: هو العقوبة المشروعة على معصية أو جناية (جريمة) لا حد فيها ولا كفارة، سواء أكانت الجريمة على حق الله تعالى، أي حق المجتمع، كالأكل في نهار رمضان عمداً، والإخلال بأمن الدولة، والتجسس، وترك الصلاة، وطرح النجاسة ونحوها في طريق الناس، أو على حق الأفراد، كمباشرة المرأة الأجنبية (غير القريبة قرابة رحم محرم) فيما دون الجماع،والتقبيل واللمس، والنظر والخلوة المحرمة ونحوها، وسرقة الشيء القليل الذي هو دون النصاب الشرعي الموجب للحد (دينار أو ربع دينار على الخلاف بين الفقهاء) والسرقة من غير حرز حافظ للمال، والقذف بغير لفظ الزنا ونحوه من أنواع السب، والضرب والإيذاء بأي وجه، كالقول: يا فاسق، يا خبيث، يا سارق، يا فاجر، يا زنديق، يا آكل الربا، يا شارب الخمر أو يا حمار، أو بغل أو ثور، في رأي الأكثرين، وخيانة الأمانة من الحكام وولاة الوقف ونظّار الأوقاف، وتبديد أموال الأيتام، وإهمال الوكلاء والشركاء، والغش في المعاملة، وتطفيف المكيال والميزان (النقص من البائع والزيادة من المشتري) وشهادة الزور التي كشف أمرها، والرشوة، والحكم بغير ما أنزل الله تهاوناً، والاعتداء على الرعية، والدعاء بدعوة الجاهلية وعصبيتها ونحو ذلك (1) .\rويمكن وضع ضابط عام للتعزير بمثابة تقنين أو تعريف عام: وهو كل ما فيه اعتداء على النفس أو المال أو العرض أو العقل أو الدين مما لا حدّ فيه، وذلك يشمل كل الجرائم التي هي ترك واجب ديني أو دنيوي، أو فعل محرم محظور شرعاً للمصلحة العامة أو الخاصة بالشخص.\rوذكر فقهاء الحنفية ضابطاً مختصراً لجرائم التعزير وهو: يعزر كل مرتكب منكر ـ خطيئة لا حد فيها ـ أو معصية ليس فيها حد مقدر أو مؤذي مسلم أو غير مسلم بغير حق، بقول أو فعل أو إشارة بالعين أو باليد (2) . أو بعبارة أخرى: إن ضابط موجب التعزير: هو كل من ارتكب منكراً أو آذى غيره بغير حق بقول أو فعل أو إشارة، سواء أكان المعتدى عليه مسلماً أم كافراً (3) .\r-------------------------------\r(1) البحر الرائق: 240/8، تكملة المجموع: 361/18.\r(2) رد المحتار على الدر المختار: 195/3 وما بعدها.\r(3) البدائع: 63/7.","part":7,"page":278},{"id":4564,"text":"وهذا الضابط، وإن كان فيه عموم وإجمال، خلافاً لما تتطلبه قوانين العصر من النص صراحة على كل جريمة بعينها وعقوبتها، إلا أنه بمثابة القاعدة الفقهية الكلية المفيدة في التفقيه ووضع الإطار العام للجرائم غير الحدية، ويمكن بسهولة إفراد كل جريمة بالبيان، لأن مرجع القاضي في التجريم ـ كما تقدم ـ إنما هو الشرع، وليس هو العقل والهوى الشخصي، الذي ليس له أثر في شرع الله بإنشاء الأحكام، وما على القاضي إلا أن يتقيد في كل تجريم بأوامر الشرع ونواهيه في القرآن والسنة، ويهتدى بما أجلاه الفقهاء تماماً في هذا الشأن، فما قبّحه الشرع أو منعه فهو قبيح ممنوع، وما حسّنه الشرع أو طلبه، فهو حسن مطلوب أو مباح، كما\rيقول الأصوليون غير المعتزلة. وحكم الشرع دائماً مقيد بالمصلحة العامة، ودفع الضرر العام. فإن لم تكن هناك مصلحة عامة أو ضرر عام، روعيت المصلحة الشخصية، دون إضرار بالآخرين. ويقسم ابن تيمية رحمه الله الجرائم التعزيرية، من ناحية أصل التكليف إلى قسمين:\rالأول : ما تكون العقوبة فيه على إتيان فعل نهى الله عنه كالغش، والتزوير، وشهادة الزور (أي التي ظهر أمرها للقاضي) وخيانة الأمانة، والتدليس...الخ.","part":7,"page":279},{"id":4565,"text":"الثاني : ما تكون العقوبة فيه على ترك واجب أو على الامتناع من أداء حق، وتكون هذه العقوبة بقصد حمل الشخص على أداء الواجب أو الحق، كعقوبة تارك الزكاة، فهي للحمل على الأداء وليست على ترك الزكاة، فإن أداها التارك فلا عقاب. وكذلك الحال بالنسبة لحبس المرتد، فإن تاب فلا عقاب، وحبس المدين المماطل، فإن وفى الدين فلا عقاب (1) .\rوالعقوبات التعزيرية: هي التوبيخ أو الزجر بالكلام، والحبس، والنفي عن الوطن، والضرب. وقد يكون التعزير بالقتل سياسة في رأي الحنفية وبعض المالكية، وبعض الشافعية إذا كانت الجريمة خطيرة تمس أمن الدولة أو النظام العام في الإسلام، مثل قتل المفرّق جماعة المسلمين، أو الداعي إلى غير كتاب الله وسنة رسوله صلّى الله عليه وسلم ، أو التجسس، أو انتهاك عرض امرأة بالإكراه، إذا لم يكن هناك وسيلة أخرى لقمعه وزجره (2) .\r-------------------------------\r(1) الجريمة والعقوبة في الفقه الإسلامي للأستاذ المرحوم محمد أبو زهرة: 122/1.\r(2) الفروق للقرافي: 79/4، الاعتصام للشاطبي: 120/2، الطرق الحكيمة لابن القيم: ص 101 وما بعدها، أحكام القرآن للجصاص: 412/2، تبيين الحقائق : 207/2، المغني: 328/9، رد المحتار: 196/3، الشرح الكبير للدردير: 355/4، المهذب: 242/2، غاية المنتهى: 334/3، السياسة الشرعية لابن تيمية: ص 114، الحسبة لابن تيمية: ص48.","part":7,"page":280},{"id":4566,"text":"يدل هذا على أن العقوبات التعزيرية معروفة أيضاً في الشريعة، وقد أوضحها الفقهاء في كتبهم، لكنهم قد يذكرونها إجمالاً، ويتركون اختيار إحداها للقاضي يفعل ما يراه محققاً للمصلحة من العقاب، وفي هذا مرونة ومنح للقاضي شيئاً من الحرية، وإعطاؤه سلطة تقديرية، وقد يحدد الفقهاء العقوبة الخاصة بكل جريمة على حدة، فتكون الكتب الفقهية بمثابة التقنينات، وإن كان ينقصها الجمع والتنظيم والإيجاز وحسن التبويب والتفصيل، لتعرف عقوبة كل جريمة بعينها. وليس للقاضي أصلاً الحكم بعقوبة غير مألوفة شرعاً، أما إن لم يكن في الكتب أحياناً تقدير محدد لعقوبة كل جريمة بذاتها، فحينئذ يتمكن القاضي من اختيار نوع العقوبة الملائم قدرها للجريمة، ومراعاة ظروف الجاني وأحواله تغليظاً أو تخفيفاً، لأن المقصود من التعزير: هو الزجر، والناس يتفاوتون بتفاوت مراتبهم فيما يحقق الهدف المقصود من العقاب، ولأنه قد تحدث جرائم لم يألفها الناس، حسبما تقتضي طبيعة التطورات الاجتماعية والاقتصادية، وقد يتفنن المجرمون في ابتكار ألوان مختلفة لجريمة واحدة، كما قال الخليفة العادل عمر بن عبد العزيز رحمه الله: «سيحدث للناس أقضية بقدر ما أحدثوا من الفجور» (1) .\rوإذا حكم القاضي بالضرب، فليس لأقله حد معين، فهو سوط فأكثر، ويفعل ما يراه محققاً للمصلحة والزجر. وأما أقصى الضرب فهو مقيد بألا يتجاوز مقداراً معيناً، وهو ما دون أقل الحدود الشرعية، للحديث المتقدم: «من بلغ حداً في غير حد فهو من المعتدين» .\r-------------------------------\r(1) انظر كتاب الخليفة الراشد العادل عمر بن عبد العزيز رحمه الله للكاتب صاحب البحث.","part":7,"page":281},{"id":4567,"text":"لكن اختلف الفقهاء في أكثر الضرب، فقال أبو حنيفة ومحمد والشافعية والحنابلة: لا يبلغ بالتعزير أدنى الحدود الشرعية، وهو أربعون جلدة، وإنما ينقص\rمنه سوط واحد، فلا يتجاوز الحكم تسعة وثلاثين سوطاً، باعتبار أن أقل الحدود للعبيد أربعون جلدة. وقال أبو يوسف: لا يبلغ بالحد ثمانين جلدة، وينقص منه خمسة أسواط، فلا يتجاوز خمسة وسبعين سوطاً، باعتبار أن أقل حد الأحرار ثمانون جلدة (1) .\rوقال المالكية: يجوز التعزير بمثل الحدود فأقل وأكثر بحسب الاجتهاد (2) .\rوتقدير مدد الحبس أو السجن متروك للقاضي. وعلى كل حال يمكن إصدار نظام أو قانون عام يحدد الحدود الدنيا والقصوى لكل عقوبة، ويبين مدى سلطة القاضي، فهذا متروك لاجتهاد ولاة الأمور، ولا حظر فيه شرعاً، أو عقلا، وإنما هو مستحسن بحسب الأعراف المعاصرة، ويمكننا بسهولة وضع تقنين شرعي يتناسب مع ظروف العصر، وقد حدث هذا فعلاً في القوانين الجنائية المستمدة من الشريعة الإسلامية كما تقدم.\rومن صفات التعزير عند الحنفية والشافعية: أنه ليس واجباً على القاضي الحكم به، وإنما يجوز له العفو عنه وتركه، إذ ا لم يتعلق به حق شخصي لإنسان معين (3) ، لما روي أن النبي قال: «أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم إلا في الحدود» (4) . وهذا يدل على أنه يراعى في التعزير مصلحة المتهم، ويسلك معه مسلك التخفيف.\r-------------------------------\r(1) البدائع: 64/7، فتح القدير: 214/4، تبيين الحقائق: 209/3، نهاية المحتاج: 175/7، المهذب: 288/2، المغني: 324/8، غاية المنتهى: 333/3 - 335، السياسة الشرعية لابن تيمية: ص 112، الطرق الحكمية: ص 265.\r(2) الشرح الكبير وحاشية الدسوقي: 355/4.\r(3) البدائع: 64/7، حاشية ابن عابدين: 204/3، مغني المحتاج: 193/4، قواعد الأحكام للعز: 158/1، المهذب: 288/2.\r(4) رواه أحمد وأبو داود والنسائي وابن عدي والعقيلي عن عائشة، وصححه ابن حبان.","part":7,"page":282},{"id":4568,"text":"يتجلى مما سبق أن العقوبات التعزيرية تتصف بصفة المرونة في التطبيق، فيترك فيها للقاضي الحرية في اختيار نوع العقاب الملائم، أو الإعفاء من العقوبة أو التفاوت بين المجرمين بحسب الظروف والأحوال، وليس للقاضي أصلاً سلطة في التجريم والعقاب كيفما يشاء، وإنما هو مقيد في حكمه بأوامر الشرع وقيوده وقواعده، ويستأنس بتصنيف الفقهاء للعقوبات. وهذا كله يساعد في إصلاح المجرم وبالتالي الإقلال من الجريمة ومنعها، بسبب رهبته من العقاب المحدد مطلقاً، وهو أسمى ما ينشده رجال القانون للتخفيف من حدة مبدأ قانونية الجرائم، وإعطاء سلطات تقديرية للقاضي في العقاب، مثل ترتيب العقوبة بين حد أقصى وحد أدنى يتراوح بينهما تقديره، أو ائتمانه على تطبيق نظام الظروف المخففة، أو تخويله سلطة الأمر بإيقاف تنفيذ العقوبة في بعض الأحوال. وبذلك بدأت الشريعة الإسلامية في العقوبات التعزيرية بما انتهت إليه القوانين الحديثة في أفضل وأسمى نظرياتها.","part":7,"page":283},{"id":4569,"text":"عاشراً ـ موانع العقاب أو موانع المسؤولية، وأسباب الإباحة وإنسانية العقوبة :\rقد يمتنع تطبيق العقوبة لأسباب إنسانية تؤدي إلى منع الجريمة وحماية المجتمع من تكرار وقوع الجريمة وهي نوعان:\r1 - موانع العقاب أو موانع المسؤولية: هي أسباب شخصية ترجع إلى تخلف الركن المعنوي للجريمة وهو القصد الجنائي (أو الإرادة الآثمة) إما لانعدام أهلية الفاعل وهو عذر صغر السن أو عدم التمييز والجنون، وإما بسبب انتفاء التكوين الطبيعي للإرادة وهو عذر الإكراه.\r2 - أسباب الإباحة: هي أسباب موضوعية ترجع إلى ظروف خارجة عن شخص الفاعل تمنع توافر علة التجريم، وتؤدي إلى عدم تطبيق العقوبة على من يرتكب فعلاً يعد في الأصل جريمة، مثل ممارسة حق الدفاع الشرعي واستعمال الحق، فتعتبر أفعال الدفاع مباحة باتفاق الفقهاء، فلا مسؤولية على المدافع من الناحيتين المدنية والجنائية، إلا إذا تجاوز حدود الدفاع المشروع، فيصبح عمله جريمة يسأل عنها مدنياً وجزائياً. والدفاع عامل مهم من عوامل منع الجريمة. واستعمال الحق مثل رضاء المجني عليه يسقط القصاص للشبهة، ورفع العقاب عن المكره ومثله المضطر في الشريعة يتمشى مع مراعاة الوظيفة الإنسانية للعقوبة، فلا قصاص في رأي الحنفية والظاهرية على المستكره على القتل، ولا عقاب عند جمهور الفقهاء على المرأة المستكرهة على الزنا، لقوله تعالى: {ولا تُكْرِهُوا فتياتِكم على البِغَاءِ إن أردن تحصناً لتبتغوا عرض الحياة الدنيا، ومَنْ يكرِههن، فإنَّ الله من بعد إكراهِهِن غفورٌ رحيمُ} [النور:33/24] وكذا لا عقاب على الرجل المكره على الزنا في مذهبي الحنفية والشافعية، لأن الإكراه يوّرث شبهة، والحدود تدرأ بالشبهات (1) .\rوالمضطر لا عقاب عليه، لأن عمر رضي الله عنه أوقف قطع يد السارق عام الرمادة أو المجاعة العامة بالناس، وقال: «لا أقطع في عام سنة» (2) . وذكر ابن القيم أن عمر رضي الله عنه أتي بامرأة جهدها العطش، فمرت على راع فاستقت، فأبى أن يسقيها إلا أن تمكنه من نفسها، ففعلت، فشاور الناس في رجمها، فقال علي رضي الله عنه: هذه مضطرة أرى أن يخلى سبيلها: {فمن اضْطُرَّ غير باغ ولا عاد فلا إثمَ عليه} [الأنعام:145/6] فخلى عمر سبيلها (3) . وهذا يتفق أيضاً مع مبدأ انتفاء القصد الجنائي، وتطبيق قاعدة رفع الحرج، ودرء الحدود بالشبهات.\r-------------------------------\r(1) البدائع: 175/7 وما بعدها، بداية المجتهد: 389/2، الشرح الكبير للدردير: 444/3، الفروق للقرافي: 208/2، قواعد الأحكام: 132/2، القواعد لابن رجب: ص 286 وما بعدها، كشاف القناع: 98/4، المغني: /645، أعلام الموقعين: 183/4، بتحقيق عبد الحميد.\r(2) أعلام الموقعين: 33/3، مطبعة النيل بمصر.\r(3) المرجع السابق.","part":7,"page":284},{"id":4570,"text":"حادي عشر ـ الآثار الإصلاحية الكبرى لسياسة العقاب في الإسلام :\rتبين مما سبق، وهذا بمثابة الخاتمة للبحث أن تطبيق الشريعة الإسلامية في مجال العقوبات، ومراعاة مبادئ السياسة الجنائية الإسلامية يؤدي إلى تحقيق الهدف المنشود من العقاب وهو تقويم المجرم، ومنع الجريمة أو التخفيف والإقلال منها، وهذه هي أهم آثار التطبيق للنظام الجنائي في الإسلام:\r1 - تحقيق الزجر والردع للجاني ولأمثاله وللناس قاطبة، وإصلاح المجرم وتهذيبه أيضاً وعودته إلى الحياة عضواً صالحاً مستقيماً، كما سأبين، ففي إقامة الحدود الشرعية الزجر الكافي الذي يمنع من الجريمة، وليس أدل على صدق ذلك من أن تطبيق العقوبات الشرعية في السعودية وغيرها أدى إلى تحقيق الأمن والاطمئنان مما لا نجد له مثيلاً في العالم. وأن الخوف من العقوبة الأخروية ومن العذاب الشديد في نار جهنم يملأ النفس رهبة وخشية من اقتراف الجريمة.\rوالتوبة باب مفتوح لصلاح الجناة والمجرمين، كما أن المواعظ والإرشادات المتكررة في الحياة الإسلامية من أمر بمعروف ونهي عن منكر، وسماع خطب الجمعة والعيدين وغيرهما في المناسبات الإسلامية يعد عاملاً مهماً جداً في الإصلاح والتقويم، والزجر الردع معاً.\r2 - عدم الحرص الشديد على تطبيق الحدود الشرعية: إن الأخذ بمبدأ","part":7,"page":285},{"id":4571,"text":"الستر على غير المجاهر بالمعصية، ودرء الحدود بالشبهات الكثيرة يؤديان إلى ندرة العقوبة وعدم الحرص الشديد على تطبيقها.\r3 - منع الجريمة أو التخفيف منها: لا يمكن في الغالب استئصال الجريمة في أي مجتمع ولكن يمكن إضعافها وتقليل نسبتها باتباع نظام صحيح يحقق الهدف من العقوبة وهو صيانة الأمن، واستتباب النظام، ومنع الفوضى وجعل احتمال الجريمة أمراً بعيد الحصول.\r4 - إصلاح المجرم وتقويمه واستقامته: إن كل إنسان يشعر ذاتياً بفداحة المسؤولية والعقاب، ويحس بضرر ذلك على سمعته وشرفه واعتباره، فإذا عوقب مرة، دفعه ذلك في الغالب إلى العزم على عدم العود إلى جرم آخر، وصلح حاله واستقام أمره.\r5 - نظافة المجتمع وطهره وحمايته من ظاهرة الإجرام: وهذا هدف أساسي في سياسة العقاب في الإسلام، لأن أمن الفرد من أمن الجماعة، والعيش في سلام هو غاية كل إنسان، فيكون توقيع العقوبة المناسبة أدعى إلى صون مصلحة المجتمع أكثر من رعاية مصلحة فرد أو إنسان معين.\r6 - تقدير المخاطر، والتوعية بأن الوقاية خير من العلاج: إن تطبيق العقوبة في الإسلام أمر علني لينزجر الناس، ويحاسبوا أنفسهم،ويقدروا ما قد يقعون فيه من الحساب العسير والعقاب الصارم؛ لأن كل امرئ بما كسب رهين، والوقاية خير من العلاج، وسد الذرائع المؤدية إلى الفساد أمر واجب، ودرء المفاسد مقدم على جلب المصالح.","part":7,"page":286},{"id":4572,"text":"7 - نشر ظاهرة الخوف من العقاب الدنيوي والأخروي يحقق مصالح عامة كثيرة أهمها صون أمن المجتمع، والتوجه نحو التنمية والإنتاج وتوفير الطاقات، وتقليل الإنفاق على مقاومة الجريمة، فهناك خسائر تلحق بالممتلكات ومصادر الثروة كالسرقة والنصب والاختلاس ،وتهريب الأموال، وخسائر في الأرواح بسبب القتل أو الإصابة بالعجز الكلي أو الجزئي، وتعطيل جزء من الطاقة بإيداع المجرمين في السجون، وإن صارت السجون الآن طاقة إنتاجية من خلال التدريب وتأهيل المسجونين ليتعلموا حرفة أو مهنة يتعيشون منها بعد إطلاق سراحهم من السجون. وهناك نفقات طائلة تنفقها الدولة في مكافحة الجريمة، كمرتبات رجال الشرطة والقضاء، ونفقات السجون ودور القضاء والموظفين في هذه المؤسسات وغير ذلك.\r8 - تحقيق الأمن والاستقرار الدائم: إن ظاهرة الجريمة تحدث قلقاً بالغاً واضطراباً شديداً وغلياناً لا يهدأ إلا بالعقوبة الصارمة.\r9 - بقاء العالم: إن في تطبيق العقوبة كالقصاص (أو الإعدام) صوناً لحياة العالم وأرواح الناس، وبقاء النوع الإنساني، لأن القاتل إذا علم أنه سيقتل إذا قتل، ارتدع وانزجر، فأحيا نفسه، وأحيا غيره، قال الله تعالى: {ولكم في القصاصِ حياةٌ يا أولي الألبابِ، لعلكم تتقون} [البقرة:179/2]. لذا كانت المطالبة بمنع عقوبة الإعدام خطأ بيناً لا يتفق مع المصلحة العامة والخاصة في شيء أبداً.","part":7,"page":287},{"id":4573,"text":"10 - حصر الجريمة في أضيق نطاق ممكن: وهذا من مقاصد التشريع وأصول العقاب في الإسلام، ويتمثل هذا بالترهيب من إشاعة الفاحشة في المجتمع، قال الله تعالى: {إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم} [النور:19/24]. وإذا شاعت الفاحشة تجرأ الناس على ارتكابها وهان عليهم اقترافها، ويتمثل أيضاً بمبدأ تفريد العقاب القضائي في نطاق التعازير (أي إصدار العقوبة الملائمة لكل فرد على حدة حسبما يلائمه ويزجره، فيحقق فكرة السلطة التقديرية للقاضي ويساير التطور) وكذا المسؤولية الشخصية، قال تعالى: {ولا تزر وازرة وزر أخرى} [الأنعام:164/6]. ثم إن العقوبة واجبة التطبيق عند جمهور الفقهاء غير أبي حنيفة، ولو وقعت خارج دار الإسلام، لأن الممنوع أو الحرام لا تتغير صفته في أي مكان.\r11 - الدفاع عن المجتمع ضد الجريمة: لقد حرص الإسلام على هذا المعنى، وأقام مبدأ التكافل الاجتماعي ضد الجريمة، أو المسؤولية الجماعية المفروضة على كل فرد أن يرعى مصالح الجماعة، كأنه حارس لها أو موكل بها، وهذا ما صوره الرسول صلّى الله عليه وسلم في حديث السفينة بقوله: «مثل القائم على حدود الله ، والواقع فيها، كمثل قوم استهموا في سفينة، فأصاب بعضهم أعلاها، وأصاب بعضهم أسفلها، فكان الذين في أسفلها إذا استقوا مرّوا على من فوقهم، فقالوا: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقاً، ولم نؤذ من فوقنا، فإن تركوهم وما أرادوا، هلكوا جميعاً، وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعاً» (1) .\r12 - الحفاظ على المقاصد العامة للتشريع أو الأصول الخمس الكلية: تقوم خطة الشريعة في التجريم والعقاب على أساس الحفاظ على المصالح الأساسية المعتبرة في الإسلام، وهي الدين، والنفس، والعقل، والنسل، والمال، وهي المصالح التي لا تستقيم الحياة الإنسانية إلا بوجودها وصيانتها من الاعتداء، فيكون الاعتداء عليها جريمة يعاقب عليها المعتدى بما يتناسب مع جسامة الجرم وخطورته (2) .\rوالخلاصة: إن العقوبات الإسلامية أدوات فعالة في القضاء على الجريمة والمجرمين، ووسائل نفّاذة في نشر الأمن والسلام واستئصال الجريمة، والدليل على ذلك واقع البيئة التي تطبق فيها، وحينئذ لا يلتفت إلى أي نقد أو اعتراض أو تشويه لمعنى العقوبة وأساليبها وأنواعها في شريعة الله تعالى، فتلك المزاعم باطلة، وأفكار مروجيها خطأ ،ومصدرها الجهل بحقيقة الأمور في الشريعة، ومراعاة مصلحة شخص على حساب الجماعة كلها.\r-------------------------------\r(1) أخرجه البخاري في صحيحه.\r(2) التعزير والاتجاهات الجنائية المعاصرة للدكتور عبد الفتاح خضر: ص 9.","part":7,"page":288},{"id":4574,"text":"الفَصْلُ الأوَّل: حَدّ الزِّنا\rتمهيد :\rالزنا حرام وفاحشة عظيمة، وهو من الكبائر العظام، واتفق أهل الملل على تحريمه ولم يحل في ملة قط، ولهذا كان حده أشد الحدود؛ لأنه جناية على الأعراض والأنساب، قال الله تعالى: {ولا تقربوا الزنى، إنه كان فاحشة وساء سبيلاً} [الإسراء:32/17] وقال سبحانه: {والذين لا يدعون مع الله إلهاً آخر، ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق، ولا يزنون، ومن يفعل ذلك يلق أثاماً، يضاعف له العذاب يوم القيامة ، ويخلد فيه مهاناً} [الفرقان:68/25-69].\rوالأصل في مشروعية حد الزنا للبكر قوله عز وجل: {الزانية والزاني، فاجلدوا كل واحدٍ منهما مائة جلدة} [النور:2/24]. وأما الرجم للمحصن فقد ثبت في السنة، فإن الرسول صلّى الله عليه وسلم رجم ماعزاً وامرأة من بني غامد، بأخبار بعضها متواتر، كما أثبتنا في تخريج أحاديث تحفة الفقهاء (1) ، وأجمع الصحابة على مشروعية الرجم.\rوحد الزنا من حقوق الله تعالى الخالصة له، أي من حقوق المجتمع، لما يترتب على الزنا من اعتداء على الأسرة والنسل ونظام المجتمع.\r-------------------------------\r(1) راجع تحفة الفقهاء: 188/3، 192 وسيأتي تخريج الحديث بإيجاز.","part":7,"page":289},{"id":4575,"text":"واتفق أئمة المذاهب على أنه لا يجب الحد على الصبي والمجنون، لقوله صلّى الله عليه وسلم «رفع القلم عن ثلاث: عن الصبي حتى يكبر، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن المجنون حتى يُفيق» (1) .\rوكما أن الزنا حرام، اللواط محرم أيضاً، بل هو أفحش من الزنا، لقوله عز وجل: {ولوطاً إذ قال لقومه: أتأتون الفاحشة، ما سبقكم بها من أحد من العالمين} [الأعراف:80/7] فسماه الحق تعالى فاحشة، وقال: {ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن} [الأنعام:151/6]. وقد عذب الله عز وجل قوم لوط بما لم يعذب به أحداً من الناس. وقال صلّى الله عليه وسلم : «من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به» (2) . وروى البيهقي عن أبي موسى: أن النبي صلّى الله عليه وسلم قال: «إذا أتى الرجل ُالرجلَ فهما زانيان» .\rوالسحاق: (وهو فعل النساء بعضهن ببعض) حرام أيضاً، ويعزر فاعل المساحقة ولو كان ذلك بين رجل وامرأة، أو بين رجلين. وروى البيهقي عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أن النبي صلّى الله عليه وسلم قال: «إذا أتى الرجل ُالرجل فهما\r-------------------------------\r(1) أخرجه البزار في مسنده بهذا اللفظ عن أبي هريرة. قال الهيثمي: وفيه عبد الرحمن بن عبد الله بن عمر بن حفص وهو متروك ا هـ . إلا أنه روي عن صحابة آخرين بألفاظ مختلفة: منها ـ ما رواه أحمد وأصحاب السنن الأربعة إلا الترمذي وصححه الحاكم، وأخرجه ابن حبان، ولفظه: «رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصغير حتى يكبر، وعن المجنون حتى يعقل أو يفيق» وروي أيضاً عن علي بن أبي طالب وأبي قتادة وثوبان وشداد بن أوس.\r(راجع نصب الراية: 161/4 وما بعدها، جامع الأصول: 271/4، 349، مجمع الزوائد: 251/6، سبل السلام: 180/3).\r(2) أخرجه أبو داود والترمذي وابن ماجه وأحمد والحاكم والبيهقي عن ابن عباس، ورواه البزار في مسنده وابن ماجه والحاكم في المستدرك عن أبي هريرة وإسناده أضعف من الأول (راجع نصب الراية: 339/3 وما بعدها، جامع الأصول: 305/4، 271، التلخيص الحبير: ص 351).","part":7,"page":290},{"id":4576,"text":"زانيان، وإذا أتت المرأة المرأة فهما زانيتان» (1) . وعن واثلة قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: «سحاق النساء بينهن زنا» (2) .\rوفي الجملة: إن العين بريد الزنا، قال النبي صلّى الله عليه وسلم : «العينان تزنيان واليدان تزنيان، والرجلان تزنيان، ويصدق ذلك كله الفرج أو يكذبه» (3) مما يدل على أن غض البصر واجب شرعاً. قال تعالى: {قل للمؤمنين: يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم} [النور:30/24] {وقل للمؤمنات: يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن} [النور:31/24] فمن حرمت مباشرته في الفرج بحكم الزنا أو اللواط، حرمت مباشرته فيما دون الفرج بشهوة، لقوله تعالى: {والذين هم لفروجهم حافظون، إلا على أزواجهم أو ماملكت أيمانهم، فإنهم غير ملومين} [المؤمنون:5/23-6].\r-------------------------------\r(1) رواه البيهقي عن أبي موسى. قال ابن حجر: « وفيه محمد بن عبد الرحمن القشيري كذبه أبو حاتم، ورواه أبو الفتح الأزدي في الضعفاء والطبراني في الكبير من وجه آخر عن أبي موسى، وفيه بشر بن الفضل البجلي، وهو مجهول. وقد أخرجه أبو داود الطيالسي في مسنده عنه» . (راجع التلخيص الحبير: ص 352).\r(2) رواه أبو يعلى ورجاله ثقات، ورواه الطبراني أيضاً بلفظ «السحاق بين النساء زنا بينهن» . (راجع مجمع الزوائد: 256/6).\r(3) رواه مسلم عن أبي هريرة عن النبي صلّى الله عليه وسلم قال: «كتب على ابن آدم نصيبه من الزنا، مدرك ذلك لا محالة، فالعينان زناهما النظر، والأذنان زناهما الاستماع، واللسان زناه الكلام، واليدان تزنيان، وزناهما البطش، والرجلان تزنيان وزناهما المشي، والقلب يهوى ويتمنى، ويصدق ذلك الفرج أو يكذبه» وأخرجه البخاري ومسلم عن ابن عباس بلفظ آخر، ورواه أحمد وأبو يعلى، والبزار والطبراني وإسنادهما جيد عن ابن مسعود بلفظ: «العينان تزنيان والرجلان تزنيان واليدان تزنيان والفرج يزني» . (راجع نصب الراية: 248/4، التلخيص الحبير: ص 324، مجمع الزوائد: 256/6) والمقصود من كتابة الزنا على ابن آدم: تقرير الواقع من الإنسان بحسب علم الله المحيط بكل الأحداث والتصرفات، لا بمعنى الفرض والإلزام، ولا بد من أن يقع تصرف الإنسان مطابقاً لما في علم الله ؛ لأن علمه لا يتغير.","part":7,"page":291},{"id":4577,"text":"ويحرم الاستمناء لقوله عز وجل: {والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم، فإنهم غير ملومين} [المؤمنون:5/23-6]، ولأنها مباشرة تفضي إلى قطع النسل، فإن فعل عزر ولم يحد؛ لأنها مباشرة محرمة من غير إيلاج، فأشبهت مباشرة الأجنبية فيما دون الفرج. ويحرم إتيان الميتة والبهيمة للآية السابقة (1) . وسنعرف حكم الحد فيه.\rخطة الموضوع :\rالكلام في حد الزنافي المباحث الخمسة الآتية:\rالمبحث الأول ـ سبب حد الزنا «الجريمة» وتعريف الزنا.\rالمبحث الثاني ـ شروط الحد.\rالمبحث الثالث ـ عقوبة الزنا «الحد» .\rالمبحث الرابع ـ إثبات الزنا عند القاضي.\rالمبحث الخامس ـ إقامة الحد (كيفيته، حالة المحدود، مكان الإقامة).\rويلحق بها بيان حكم اللواط، ووطء البهيمة، ووطء الميتة.\r-------------------------------\r(1) حاشية ابن عابدين: 171/3، المهذب: 268/2 ومابعدها، حاشية الدسوقي: 316/4، المغني: 187/8، غاية المنتهى: 334/3.","part":7,"page":292},{"id":4578,"text":"المبحث الأول ـ سبب حد الزنا وتعريف الزنا :\rإن سبب حد الزنا هو ارتكاب جريمة الزنا، ولكن الفقهاء وضعوا ضوابط دقيقة لتحقق هذه الجريمة؛ لأن الحدود عموماً مبنية على الدرء والإسقاط، صيانة\rللمجتمع من سماع وقوع هذه الفاحشة، فضلاً عن انتشارها والخوض في مساوئها، فإذا لم تتوافر هذه الضوابط سقط الحد. ويجب التعزير أو المهر إذا كان الوطء بشبهة؛ لأن كل وطء حرام لا يخلو عن عَقر (أي عقوبة أو حد زاجر) أو عُقر (1) (أي مهر جابر في حالة الشبهة).\rتعريف الزنا (2) :\rالزنا في اللغة والشرع بمعنى واحد: وهو وطء الرجل المرأة في القُبُل في غير الملْك وشبهته (3) .\rوقد ذكر الحنفية تعريفاً مطولاً يبين ضوابط الزنا الموجب للحد، فقالوا: هو الوطء الحرام في قُبل المرأة الحية المشتهاة في حالة الاختيار في دار العدل، ممن التزم أحكام الإسلام، الخالي عن حقيقة الملك، وحقيقة النكاح، وعن شبهة الملك، وعن شبهة النكاح، وعن شبهة الاشتباه في موضع الاشتباه في الملك والنكاح جميعاً (4) .\rشرح التعريف وبيان محترزات قيوده :\rالوطء: فعل معلوم وهو إيلاج فرج في فرج بقدر الحشَفة. فالوطء الذي يجب به الحد أن يغيب الحشفة في الفرج، فلا يجب الحد بأدنى من ذلك كالمفاخذة والتقبيل.\r-------------------------------\r(1) الكتاب مع اللباب: 22/3، 28.\r(2) الزنا تكتب بالقصر في لغة أهل الحجاز، وبالمد في لغة أهل نجد.\r(3) حاشية ابن عابدين: 154/3، فتح القدير: 138/4، تبيين الحقائق للزيلعي: 164/3، وقال في المهذب: 266/2: إذا وطئ رجل من أهل دار الإسلام امرأة محرمة عليه، من غير عقد ولا شبهة عقد، وغير ملك ولا شبهة ملك، وهو عاقل بالغ مختار، عالم بالتحريم، وجب عليه الحد. فإن كان محصناً وجب عليه الرجم.\r(4) البدائع: 33/7، العناية شرح الهداية: 138/4.","part":7,"page":293},{"id":4579,"text":"الحرام: أي الوطء الحاصل من الشخص المكلف (أي العاقل البالغ). أما وطء غير المكلف كالصبي والمجنون فلا يعتبر زنا موجباً للحد؛ لأن فعلهما لا يوصف بالحرمة، لكونهما غير مكلفين، بقوله عليه الصلاة والسلام: «رفع القلم عن ثلاث: عن الصبي حتى يبلغ (1) ، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن المجنون حتى يُفيق» السابق ذكره.\rفي قبل: أخرج بذلك الوطء في الدبر في الأنثى أو الذكر، فإنه لايسمى زنا عند الإمام أبي حنيفة، بخلاف الصاحبين والشافعية والحنابلة والمالكية.\rالمرأة: أخرج وطء البهيمة؛ لأنه أمر نادر ينفر منه الطبع السليم كما تقدم.\rالحية: أخرج وطء الميتة؛ لأنه أمر نادر، كما ذكر.\rالمشتهاة: لا يحد واطئ غير المشتهاة كالصغيرة التي لم تبلغ حداً يشتهى؛ لأن الطبع السليم لا يقبل هذا.\rحالة الاختيار: يجب أن يكون الواطئ مختاراً، سواء أكان رجلاً أم امرأة موطوءة، فلا يحد المكرَه على الزنا. وقد اتفق العلماء على أنه لا حد على المرأة المكرهة على التمكين من الزنا، لقوله عليه الصلاة والسلام: «رفع عن أمتي الخطأ والنسيان ومااستكرهوا عليه» (2) .\rوأما الرجل المكرَه على الزنا، فلا حد ولاتعزير عليه أيضاً عند الشافعية، وهو المختار عند محققي المالكية، للحديث السابق ولقيام عذره بالإكراه.\rوقال الحنابلة: يحد؛ إذ أنه ما دام قد حصل الانتشار منه، دل على انتفاء الإكراه.\r-------------------------------\r(1) هذا اللفظ أخرجه أبو داود عن علي بن أبي طالب. وهناك روايات أخرى مثل «حتى يحتلم» أو «حتى يكبر» وقد تقدم تخريج الحديث (انظر نصب الراية: 163/4).\r(2) أخرجه الطبراني عن ثوبان، وله لفظ آخر: «إن االله تجاوز عن أمتي ثلاثة: الخطأ والنسيان وما أكرهوا عليه» قال النووي: حديث حسن، وصححه السيوطي، وهو غير صحيح، فقد تعقبه الهيثمي بأن فيه يزيد بن ربيعة الرحبي وهو ضعيف، ورواه ابن ماجه وابن حبان والدارقطني والطبراني والبيهقي والحاكم في المستدرك من حديث الأوزاعي، واختلف عليه، فقيل: عن ابن عباس بلفظ: «إن الله وضع» وللحاكم والدارقطني والطبراني بلفظ: «تجاوز» . (راجع التلخيص الحبير: ص 109، الجامع الصغير: 24/2، فيض القدير: 34/4، مجمع الزوائد: 250/6).","part":7,"page":294},{"id":4580,"text":"وقال أبو حنيفة أولاً: إن أكرهه السلطان فلا حد عليه، وإن أكرهه غير السلطان حد استحساناً؛ لأن الإكراه لا يتحقق في رأيه إلا من السلطان.\rوأما وقوع الزنا بإكراه غير السلطان، فإنه يدل على عدم تحقق معنى الإكراه، لوجود الطواعية والرضا من الفاعل، بدلالة الحال وحصول الانتشار والشهوة.\rثم استقر رأي أبي حنيفة على أنه لا يحد المستكره؛ لأن الانتشار قد يكون دليل الفحولية لا دليل الاختيار.\rوقال الصاحبان: لا يحد المكره في الحالتين وهو المعتمد في الفتوى. وقال زفر: يحد فيهما جميعاً (1) .\rفي دار العدل: أي في دار الإسلام؛ إذ لا ولاية لولي الأمر على دار الحرب أو دار البغي.\rممن التزم أحكام الإسلام: أي المسلم أو الذمي وهو احتراز عن الحربي، فإنه لم يلتزم أحكام الإسلام.\r-------------------------------\r(1) راجع البدائع: 34/7، 180، حاشية ابن عابدين: 172/3، مغني المحتاج: 145/4، المهذب: 267/2، حاشية الدسوقي على الشرح الكبير للدردير: 318/4، بداية المجتهد: 431/2، المغني لابن قدامة: 187/8، 205.","part":7,"page":295},{"id":4581,"text":"الخالي عن حقيقة الملك: هذا القيد لإخراج وطء المملوكة بملك اليمين، مثل وطء الجارية المشتركة والمجوسية (1) والمرتدة والمكاتبة والمحرمة برضاع أو صهرية أو جمع (2) ، حتى وإن كان الوطء حراماً وعلم بالحرمة (3) . والصحيح عند الشافعية أن من ملك ذات رحم محرم، فوطئها، لا حد عليه؛ لأنه وطء في ملك، فلم يجب به الحد، كوطء أمته الحائض. وكذا من وطئ جارية مشتركة بينه وبين غيره، لا يجب عليه الحد.\rالخالي عن حقيقة النكاح: هذا قيد آخر لإخراج وطء المرأة بملك النكاح، مثل وطء الزوجة الحائض أو النفساء، أو الصائمة، أو المُحرمة في الحج، أو التي ظاهر منها زوجها أو آلى منها، فلا يجب الحد وإن كان الوطء حراماً، لقيام ملك النكاح (4) .\rشبهة الملك: إذا قامت شبهة في ملك أو نكاح، فلا يجب الحد؛ لقوله عليه السلام: «ادرؤوا الحد بالشبهات» (5) وهذا الحديث وإن كان موقوفاً، فله حكم\r-------------------------------\r(1) من المعلوم أنه لا يجوز نكاح المجوسية (عابدة النار) ولا الوثنية، ولا وطؤها بملك يمين (حاشية ابن عابدين: 398/2).\r(2) لا يعتق بالملك إلا عمودا النسب: وهم الآباء والأمهات وإن علوا، والأولاد وإن سفلوا.\r(3) فتح القدير: 140/4، البدائع: 35/7.\r(4) البدائع: 35/7، فتح القدير: 140/4.\r(5) قال الزيلعي: غريب بهذا اللفظ ورواه البيهقي عن علي موقوفاً، وتمامه «ولا ينبغي للإمام أن يعطل الحدود» إلا أن فيه المختار بن نافع قال البخاري عنه: وهو منكر الحديث، قال: وأصح ما فيه حديث سفيان الثوري عن عاصم عن أبي وائل عن عبد الله بن مسعود قال: «ادرؤوا الحدود بالشبهات، ادفعوا القتل عن المسلمين ما استطعتم» أخرجه ابن عدي ومسدد في مسنده موقوفاً على ابن مسعود، وهو حسن، وأخرجه آخرون مرفوعاً ومرسلاً. وروي عن عقبة بن عامر ومعاذ أيضاً موقوفاً، وروي منقطعاً وموقوفاً على عمر. وفي مسند أبي حنيفة عن ابن عباس مرفوعاً بلفظ (ادرؤوا الحدود بالشبهات) ورواه ابن ماجه بإسناد ضعيف عن أبي هريرة بلفظ: (ادفعوا الحدود ما وجدتم لها مدفعاً) وأخرجه الترمذي والحاكم والبيهقي عن عائشة بلفظ: «ادرؤوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم» ولكن في إسناده يزيد بن أبي زياد وهو ضعيف كما قال الترمذي، ورواه الدارقطني ثم البيهقي في سننيهما مرفوعاً، وقال البيهقي: الموقوف أقرب إلى الصواب. والحديث الصحيح هو ما أخرجه ابن أبي شيبة والترمذي والحاكم والبيهقي عن عائشة بلفظ «ادرؤوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم، فإن وجدتم للمسلم مخرجاً، فخلوا سبيله، فإن الإمام لأن يخطئ في العفو، خير من أن يخطئ في العقوبة» . (راجع نصب الراية: 309/3، 333، التلخيص الحبير: ص 352، نيل الأوطار: 104/7، سبل السلام: 15/4، جامع الأصول: 343/4، مجمع الزوائد: 248/6، فيض القدير: 227/1، الجامع الصغير: 14/1).","part":7,"page":296},{"id":4582,"text":"المرفوع، ولأن الحدود عقوبة كاملة فتستدعي جناية كاملة، ووجود الشبهة ينفي تكامل الجناية، مثل وطء الأب جارية ابنه، فإن فيه شبهة ملك أو حق، لقوله عليه الصلاة والسلام: «أنت ومالك لأبيك» (1) ؛ ووطء جارية العبد المكاتب؛ لأن المكاتب عبد ما بقي عليه درهم، فيملك السيد الرقبة، فيورث ملكها شبهة في ملك الكسب؛ ووطء جارية العبد المأذون، سواء أكان عليه دين أم لم يكن، فإذا لم يكن عليه دين، فتكون الجارية ملك السيد، وإن كان عليه دين، فتكون رقبة المأذون مملوكة للسيد، وملك الرقبة يقتضي ملك الكسب، لكن توجد شبهة بسبب كون المكاتب والمأذون يملكان التصرف في الجارية.\rومثل وطء الجارية من المغنم في دار الحرب أو بعد الإحراز في دار الإسلام، ولكن قبل القسمة لثبوت حق الاستيلاء.\r-------------------------------\r(1) روي من حديث جابر وعائشة وسمرة بن جندب، وعمر بن الخطاب وابن مسعود وابن عمر، فحديث جابر رواه ابن ماجه وإسناده صحيح. وحديث عائشة رواه ابن حبان في صحيحه، وحديث سمرة أخرجه البزار والطبراني، وحديث عمر أخرجه البزار، وحديث ابن مسعود أخرجه الطبراني، وحديث ابن عمر رواه أبو يعلى الموصلي. (راجع نصب الراية: 337/3 وما بعدها). إلا أن الملك هنا على سبيل الأدب والبر، لا على سبيل الحقيقة؛ لأن ملك الأب مستقل عن ملك الابن.","part":7,"page":297},{"id":4583,"text":"فلا يجب الحد في هذه الحالات لوجود شبهة الملك وإن علم أن الوطء حرام (1) .\rشبهة النكاح: أي شبهة العقد بأن وطئ الرجل امرأة تزوجها بغير شهود أو بغير ولي، أو بنكاح مؤقت وهو نكاح المتعة، فلا يجب الحد وإن كان الواطئ يعتقد التحريم، لاختلاف العلماء في جواز عقد النكاح بغير شهود، أو بغير ولي، أو تأقيت العقد، والاختلاف يورث شبهة. وإذا تزوج إنسان من محارمه بسبب نسب أو رضاع أوصهارة موجبة لتحريم مؤبد، أو جمع بين أختين أو عقد على خمس أو تزوج معتدة الغير، وحصل وطء بموجب العقد، فلا حد عليه عند أبي حنيفة والثوري وإن علم بالحرمة، لكن عليه التعزير؛ لأنه وطء تمكنت الشبهة منه بسبب وجود صورة المبيح، وهو عقد النكاح، فلم يوجب الوطء حداً.\rوقال جمهور العلماء من المالكية والشافعية والحنابلة والصاحبين من الحنفية: يجب الحد في كل وطء حرام على التأبيد؛ لأن النكاح باطل بالإجماع، ولا عبرة بشبهته؛ لأنها شبهة فاسدة، وما ليس بحرام على التأبيد، كالمحرم بالصهرية مثل أخت الزوجة، أو المختلف في تحريمه، كالنكاح بغير شهود: لا يوجب الحد.\rلكن قيد المالكية وجوب الحد بوطء ذات الرحم المحرم أو ذات الرضاع أو الزوجة الخامسة بأن كان الواطئ عالماً بالحرمة، فإن لم يعلم بالحرمة، فلا يحد.\rوكذلك لا يحد عند الشافعية حال الجهل بالتحريم، أو بكون المرأة من المحارم.\rومنشأ الخلاف: أن الأصل عند أبي حنيفة أن النكاح إذا وجد من أهل له، في محل قابل لمقاصد النكاح، يمنع وجوب الحد، سواء أكان هذا النكاح حلالاً أم حراماً، وسواء أكان التحريم مختلفاً فيه أم مجمعاً عليه، وسواء ظن الحل فادعى الاشتباه أم علم بالحرمة.\r-------------------------------\r(1) البدائع: المرجع السابق، فتح القدير: 141/4.","part":7,"page":298},{"id":4584,"text":"والأصل عند الصاحبين والجمهور: أن النكاح إذا كان محرماً على التأبيد، أو كان تحريمه مجمعاً عليه، يجب الحد؛ لأن الوطء فيه صادف محلاً ليس فيه شبهة، وهو مقطوع بتحريمه. وإن لم يكن محرماً على التأبيد أو كان تحريمه مختلفاً فيه لا يجب الحد (1) .\rوقول الصاحبين هو الأظهر، وعليه الفتوى عند الحنفية، لكن قال صاحب الدر المختار: «لكن المرجح في جميع الشروح قول الإمام، فكان الفتوى عليه أولى» (2) .\rوذكر الشافعية أن من استأجر امرأة ليزني بها فزنى بها، أو تزوج ذات رحم محرم وهو يعتقد تحريمها، وجب عليه الحد؛ لأنه لا تأثير للعقد في إباحة وطئها، فكان وجوده كعدمه.\rشبهة الاشتباه:\rالشبهة: هي ما يشبه الثابت وليس بثابت، وهي إما شبهة في الفعل، وتسمى شبهة اشتباه، أي أنها شبهة في حق من اشتبه عليه، وليست بشبهة في حق من لم يشتبه عليه، حتى لو قال: علمت أنها تحرم علي، حد.\rأو شبهة في المحل، وتسمى شبهة حكمية وهي تتحقق بقيام دليل على نفي الحرمة، سواء ظن الحل أو علم الحرمة.\r-------------------------------\r(1) راجع البدائع: 35/7 وما بعدها، مغني المحتاج: 145/4، 146، المهذب: 268/2، الميزان للشعراني: 157/2، حاشية الدسوقي: 251/3، 314/4، المغني: 182/8، الفروق: 174/4، رحمة الأمة: 136/2.\r(2) حاشية ابن عابدين: 168/3.","part":7,"page":299},{"id":4585,"text":"وشبهة في الفاعل، وسيأتي بيانها (1) .\rأما شبهة الفعل: فتثبت في ثمانية مواضع إذا ظن الواطئ الحل، أما لو قال: علمت أنها حرام علي، فيحد.\rوهذه المواضع هي:\r1 - المرأة المطلقة ثلاثاً ما دامت في العدة، فإذا وطئها زوجها لم يحد إذا ظن بقاء حلها، نظراً لبقاء النكاح في حق إلحاق النسب به: (وهو مايعبرون عنه بقيام أثر الفراش) وحرمة زواجها بآخر، ولوجوب النفقة والسكنى على الرجل.\r2 - المطلقة طلاقاً بائناً على مال، أو المختلعة، ما دامت في العدة، للأسباب السابقة في المطلقة ثلاثاً (2) .\r-------------------------------\r(1) راجع فتح القدير مع العناية: 140/4 وما بعدها، 147، البدائع: 36/7، حاشية ابن عابدين: 165/3 وما بعدها.\r(2) وأما المواضع الستة الباقية فهي «جارية الأب وجارية الأم وجارية الزوجة؛ لأن الرجل يتبسط في مال أبويه وزوجته، وينتفع به من غير استئذان وحشمة عادة. وأم الولد إذا أعتقها مولاها ما دامت تعتد منه لقيام أثر الفراش، والعبد إذا وطئ جارية مولاه؛ لأن العبد يتبسط في مال مولاه عادة بالانتفاع. والجارية المرهونة إذا وطئها المرتهن في الرواية المذكورة في كتاب الحدود، وهي الرواية الصحيحة، لأن ملك المال في الجملة، أي حالة الهلاك سبب لملك المتعة.\rوقال الحنابلة: (المغني: 749/6): إذا كان الصداق جارية، فوطئها الزوج عالماً بزوال ملكه وتحريم الوطء عليه، فعليه الحد؛ لأنه وطء في غير ملكه، وعليه المهر لسيدتها، سواء أكرهها أو طاوعته؛ لأن المهر لمولاتها، فلا يسقط ببذلها ومطاوعتها.\rأما وطء المرتهن الجارية المرهونة بإذن الراهن وادعى أنه جهل تحريمه، ففيه وجهان عند الشافعية (المهذب: 268/2): أحدهما ـ أنه لا يقبل دعواه إلا إذا كان ممن يعذر بالجهل بالأحكام، والثاني ـ أنه يقبل قوله؛ لأن معرفة ذلك تحتاج إلى فقه.","part":7,"page":300},{"id":4586,"text":"وأما شبهة المحل فتتحقق في ستة مواضع، سواء ظن الواطئ الحل، أو قال: علمت أنها علي حرام، وهذه المواضع هي:\r1 - المرأة المطلقة طلاقاً بائناً بالكنايات، مثل: أنت بائن، أنت بتة، أنت بتلة،فلا يحد الواطئ، لاختلاف الصحابة في كون هذه المرأة رجعية أو بائنة (1) .\rوأما شبهة الفاعل: فتظهر فيما لو رأى إنسان ليلاً على فراشه امرأة، فظنها زوجته، فوطئها، أو نادى أعمى زوجته فأجابته امرأة أجنبية فوطئها، وهو يظنها زوجته، ثم بانت الموطوءة أنها أجنبية، فلا حد عليه عند المالكية والشافعية وزفر من الحنفية، لقيام عذره بالظن المجوز للإقدام على الوطء في الجملة. وذلك مثل المرأة التي زفت إلى رجل، وقالت النساء: إنها زوجتك مع أنها لم تكن امرأته، فوطئها، فلا حد عليه، وعليه المهر (2) .\rوقال أبو حنيفة وأبو يوسف والحنابلة: يحد الشخص في الحالتين؛ لأن الظن لا يسوغ له الإقدام على الوطء، فكان الواجب عليه التربص حتى يعلم أنها\r-------------------------------\r(1) وبقية المواضع هي:\r1 - جارية الابن وإن سفل، لقيام المقتضي للملك وهو قوله عليه الصلاة والسلام: (أنت ومالك لأبيك)\r2 - والجارية المبيعة إذا وطئها البائع قبل القبض أو التسليم؛ لأن ملك اليد قائم فيورث شبهة، وإن زال ملك الرقبة بالبيع.\r3 - الجارية التي جعلت مهراً في عقد زواج، ثم وطئها الزوج قبل التسليم: لأن ملك اليد قائم فيورث شبهة، وإن زال ملك الرقبة بالنكاح.\r4 - الجارية بين الشريكين، لقيام الملك في النصف.\r5 - الجارية المرهونة في الرواية المذكورة في كتاب الرهن؛ لأنه انعقد له فيها سبب الملك، فلا يجب عليه الحد، اشتبه عليه أو لم يشتبه، قياساً على ما لو وطئ جارية اشتراها على أن البائع بالخيار (راجع العناية على الهداية في فتح القدير: 142/4).\r(2) راجع فتح القدير: 146/4.","part":7,"page":301},{"id":4587,"text":"زوجته، ولا شبهة هنا سوى وجود المرأة على فراش الرجل، وهو لا يصلح شبهة مسقطة للحد (1) .\rوقال محمد: إذا دعا الزوج الأعمى امرأته فقال: يافلانة، فأجابت امرأة بقولها: ( أنا فلانة امرأتك ) فوطئها، لا حد عليه؛ لأنه لا سبيل للأعمى إلى أن يعرف أنها امرأته إلا بذلك الطريق، فكان معذوراً.\rأما إذا أجابته ولم تقل: ( أنا فلانة ) فيجب الحد؛ لأنه في وسعه أن يتثبت بأكثر من هذا الجواب، فلا يصير شبهة (2) .\rوقال الشافعية والمالكية (3) : الشبهات دارئة للحدود، وهي ثلاثة:\r1 - شبهة في الفاعل: وهو ظن حل الوطء إذا وطئ امرأة يظنها زوجته أو مملوكته.\r2 - شبهة في الموطوءة: كوطء الشركاء الجارية المشتركة.\r3 - شبهة في السبب المبيح للوطء، كالنكاح المختلف فيه، كنكاح المتعة والشغار (مبادلة فتاة بأخرى ) والتحليل والنكاح بلا ولي ولا شهود، ونكاح الأخت في عدة أختها البائن، ونكاح الخامسة في عدة الرابعة البائن، ونكاح المجوسية. قال ابن قدامة الحنبلي: وهذا قول أكثر أهل العلم؛ لأن الاختلاف في إباحة الوطء فيه شبهة، والحدود تدرأ بالشبهات. قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم أن الحدود تدرأ بالشبهات (4) .\r-------------------------------\r(1) البدائع: 37/7، فتح القدير: 147/4، المغني: 184/8.\r(2) المرجعان السابقان.\r(3) قواعد الأحكام للعز بن عبد السلام: 137/2، الفروق: 172/4.\r(4) المغني: 184/8.","part":7,"page":302},{"id":4588,"text":"ووافق الحنابلة على اعتبار الشبهة الثانية والثالثة دارئة الحد، أما شبهة الفاعل فلا تدرأ الحد (1) .\rأما الشبهة الأولى عند الشافعية والمالكية فدرأت الحد؛ لأن الفاعل غير آثم لاعتقاده الإباحة، والنسب لاحق به، والعدة واجبة على الموطوءة، والمهر واجب عليه.\rأما الشبهة الثانية: فدرأت الحد؛ لأن ما فيها له من ملك يقتضي الإباحة، وما فيها من ملك غيره يقتضي التحريم، فلا تكون المفسدة فيه كمفسدة الزنا المحض، فيحصل الاشتباه بسبب عدم وجود مقتض للحد في حقه، وإن وجد موجب الحد بسبب ملك غيره.\rوأما الشبهة الثالثة، فليس اختلاف العلماء هو الشبهة، وإنما الشبهة ناجمة عن التعارض بين أدلة التحريم والتحليل، فإن الحلال: ما قام دليل تحليله، والحرام: ما قام دليل تحريمه، وليس أحدهما أولى من الآخر، كما أن ملك أحد الشريكين يقتضي التحليل، وملك الآخر يقتضي التحريم.\rوإنما غلب درء الحد مع تحقق الشبهة؛ لأن المصلحة العظمى في استيفاء الإنسان عبادة الله الديان، والحدود أسباب محظرة لا تثبت إلا عند كمال المفسدة وتمحضها.\rالجهل بتحريم الزنا: يعذر الجاهل بالتحريم إن كان قريب العهد بالإسلام، أو نشأ في بادية بعيدة عن العلماء، أو كان مجنوناً فأفاق وزنى قبل أن يعلم الأحكام (2) .\r-------------------------------\r(1) المغني: 181/8-184.\r(2) المهذب: 268/2.","part":7,"page":303},{"id":4589,"text":"المبحث الثاني ـ شروط حد الزنا :\rلا حد على الزاني والزانية إلا بشروط، منها متفق عليه، ومنها مختلف فيه، وهي عشرة (1) :\rالأول ـ أن يكون الزاني بالغاً، فلا يحد الصبي غير البالغ بالاتفاق.\rالثاني ـ أن يكون عاقلاً، فلا يحد المجنون بالاتفاق، فإن زنى عاقل بمجنونة أو مجنون بعاقلة، حد العاقل منهما.\rالثالث ـ أن يكون مسلماً، في رأي المالكية، فلا يحد الكافر إن زنى بكافرة ولكنه يؤدب إن أظهره، وإن استكره مسلمة على الزنا قتل، وإن زنى بها طائعة نكَّل به وعزر. وقال الجمهور: يحد الكافر حد الزنا، لكنه لا يرجم المحصن عند الحنفية، وإنما يجلد. ولا حد للزنا وشرب الخمر عند الشافعية والحنابلة على المستأمن؛ لأنه حق لله تعالى، ولم يلتزم بالعهد حقوق الله تعالى.\rالرابع ـ أن يكون طائعاً مختاراً،واختلف الفقهاء في أنه هل يحد المكره على الزنا، فقال الجمهور (2) : لا يحد، وقال الحنابلة: يحد، كما بان في التعريف. ولا تحد المرأة إذا استكرهت على الزنا أو اغتصبت.\rالخامس ـ أن يزني بآدمية، فإن أتى بهيمة فلا حد عليه باتفاق المذاهب الأربعة في الأصح عند الشافعية، ولكنه يعزر، ولا تقتل البهيمة ولا بأس بأكلها عند الجمهور، وتقتل بشهادة رجلين على فعله بها، ويحرم أكلها ويضمنها عند الحنابلة.\rالسادس ـ أن تكون المزني بها ممن يوطأ مثلها، فإن كانت صغيرة لا يوطأ مثلها، فلا حد عليه ولا عليها عند الحنفية. ولا تحد المرأة إذا كان الواطئ غير بالغ. وقال الجمهور: يحد واطئ الصغيرة التي يمكن وطؤها، وإن كانت غير مكلفة لصدق حد الزنا عليه دونها كالنائمة والمجنونة (3) .\rالسابع ـ ألا يفعل ذلك بشبهة (انتفاء الشبهة) فإن كان الوطء بشبهة، سقط الحد، مثل أن يظن بامرأة أنها زوجته أو مملوكته، فلا حد عند المالكية والشافعية، ويجب الحد عند أبي حنيفة وأبي يوسف والحنابلة، وهذه هي شبهة الفاعل. وكذلك لا يحد بالاتفاق من وطئ بعد وجود نكاح فاسد مختلف فيه، كالزواج دون ولي أو بغير شهود، وذلك بسبب شبهة العقد. فإن كان الزواج فاسداً بالاتفاق، كالجمع بين الأختين، ونكاح خامسة، ونكاح ذوات المحارم من النسب أو الرضاع، أو تزوج في العدة، أو ارتجاع من طلاق ثلاث دون أن تتزوج غيره، أو شبه ذلك، فيحد فيما ذكر كله، إلا أن يدعي الجهل بتحريم المذكور كله،ففيه قولان عند المالكية.\rالثامن ـ أن يكون عالماً بتحريم الزنا، فإن ادعى الجهل به، وهو ممن يظن به الجهل، ففيه قولان عند المالكية لابن القاسم وأصبغ، والراجح أنه لا يحد الجاهل والغالط والناسي، كمن نسي طلاق امرأته.\r-------------------------------\r(1) القوانين الفقهية: ص 353 وما بعدها، اللباب شرح الكتاب: 190/3-193، المهذب: 263/2، 266، 269، غاية المنتهى: 319/3 وما بعدها.\r(2) هذا هو المفتى به عند المالكية، وهو مذهب المحققين كابن العربي وابن رشد، خلافاً لرأي الأكثر والمشهور، لعذر المكره كالمرأة (حاشية الدسوقي: 318/4).\r(3) الشرح الكبير: 314/4، حاشية قليوبي وعميرة: 179/4، كشاف القناع: 99/6.","part":7,"page":304},{"id":4590,"text":"التاسع ـ أن تكون المرأة غير حربية في دار الحرب أو دار البغي، وهذا عند الحنفية كما تقدم، أما المذاهب الأخرى، فيحد من وطئ حربية ببلاد الحرب أو دخلت عندنا بأمان.\rالعاشر ـ أن تكون المرأة حية فلا يحد عند الجمهور واطئ الميتة ويحد في المشهور عند المالكية، كما سيأتي بيانه.\rويشترط أيضاً تحقيق معنى الزنا وهو تغييب حشفة أصلية في قبل امرأة كما تقدم، أما الوطء في الدبر أو اللواط، فلا يوجب الحد وإنما يوجب التعزير عند أبي حنيفة، ويوجب الحد كحد الزنا مكرراً أو محصناً عند سائر المذاهب ومنهم الصاحبان، لكن يرجم اللائط والملوط به مطلقاً بشرط التكليف عند المالكية (1) . وأما من وطئ أجنبية غير محرم فيما دون الفرج، كتفخيذ وتبطين، فيعزر اتفاقاً؛ لأنه فعل منكر ليس فيه شيء مقدر شرعاً. ويشترط كذلك أن يكون الوطء في دار الإسلام، فلا حد على من وطئ في دار الحرب، كما تقدم.\rولا يقام حد الزنا إلا بعد ثبوت الزنى بإقرار أو ببينة أربعة شهود عدول، كما سيأتي بيانه.\rالمبحث الثالث ـ عقوبة الزنا :\rالزاني إما محصن فيجب عليه حد الرجم، أو غير محصن، فيجب عليه حد الجلد.\r1 - حد الزاني البكر غير المحصن :\rحد الزاني البكر هو الجلد، لقوله تعالى: {الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة} [النور:2/24]. وقال المالكية: لا يحد الكافر الذمي والحربي حد الزنا؛ لأن وطأه لا يسمى زنا شرعاً، فيكون الإسلام شرطاً عندهم لهذا الحد،\r-------------------------------\r(1) الشرح الصغير: 456/4، مغني المحتاج: 144/4، كشاف القناع: 94/6. كما تقدم.","part":7,"page":305},{"id":4591,"text":"واختلف العلماء في النفي، فهل يجمع بين الجلد والتغريب على الزاني البكر (1) .\rقال الحنفية: لا يضم التغريب أي النفي إلى الجلد؛ لأن الله تعالى جعل الجلد جميع حد الزنا، فلو أوجبنا معه التغريب. كان الجلد بعض الحد، فيكون زيادة على النص، والزيادة عليه نسخ، ولا يجوز نسخ النص بخبر الواحد، ولأن التغريب تعريض للمغرّب على الزنا، لعدم استحيائه من معارفه وعشيرته.\rفالنفي عندهم ليس بحد، وإنما هو موكول إلى رأي الإمام، إن رأى مصلحة في النفي فعل، كما أن له حبسه حتى يتوب.\rوقال الشافعية والحنابلة: يجمع بين الجلد والنفي أو التغريب عاماً، لمسافة تقصر فيها الصلاة، لقوله عليه الصلاة والسلام: «خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلاً: البكر بالبكر جلد مئة، وتغريب عام، والثيب بالثيب جلد مئة والرجم» (2) إلا أن الشق الثاني من هذا الحديث غير معمول به عند هؤلاء وغيرهم، بل الواجب على المحصن الرجم فقط للأحاديث الآتية الواردة في الرجم،ولكن لا تغرب المرأة وحدها بل مع زوج أو محرم لخبر: «لا تسافر المرأة إلا ومعها زوج أو محرم» (3) .\r-------------------------------\r(1) راجع المبسوط للسرخسي: 44/9، البدائع: 39/7، فتح القدير: 134/4، 136، مختصر الطحاوي ص 262، مغني المحتاج: 147/4، المهذب: 267/2، 271، حاشية الدسوقي: 313/4، 322، بداية المجتهد: 427/2، المنتقى على الموطأ: 137/7، القوانين الفقهية: ص354، الشرح الصغير: 447/4، المغني لابن قدامة: 166/8، كشاف القناع: 90/6.\r(2) رواه أحمد والموطأ وأصحاب الكتب الستة إلا البخاري والنسائي عن عبادة بن الصامت (راجع جامع الأصول: 264/4، مجمع الزوائد: 264/6، نصب الراية: 330/3، نيل الأوطار: 87/7، سبل السلام: 45/4، التلخيص الحبير: ص 350).\r(3) أخرجه البخاري ومسلم عن أبي سعيد الخدري مرفوعاً: « لا تسافر المرأة يومين إلا ومعها زوجها أو ذو محرم منها» وفي لفظ مسلم: «ثلاثاً» وفي لفظ «فوق ثلاث» وفي لفظ له «ثلاثة أيام فصاعداً» وأخرجه الدارقطني عن أبي أمامة الباهلي موفوعاً: «لا تسافر امرأة سفر ثلاثة أيام، أو تحج إلا ومعها زوجها» ورواه البخاري ومسلم بألفاظ أخرى عن ابن عمر وأبي هريرة (راجع نصب الراية: 11/3، سبل السلام: 183/2، الجامع الصغير: 200/2، التلخيص الحبير: ص 351).","part":7,"page":306},{"id":4592,"text":"ويؤكده قصة العسيف التي رواها الجماعة عن أبي هريرة وزيد بن خالد، والتي قضى فيها النبي صلّى الله عليه وسلم على الولد الأجير بجلد مئة وتغريب عام، وعلى المرأة بالرجم.\rوقال المالكية: يغرب الرجل سنة، أي يسجن في البلد التي غرب إليها، ولا تغرب المرأة خشية عليها من الوقوع في الزنا مرة أخرى بسبب التغريب.\rقال الشوكاني (1) : والحاصل أن أحاديث التغريب قد جاوزت حد الشهرة المعتبرة عند الحنفية فيما ورد من السنة زائداً عن القرآن، فليس لهم معذرة عنها بذلك، وقد عملوا بما هو دونها بمراحل.\rوبهذا يظهر أنه لا يجمع بين الجلد والرجم بالاتفاق بين المذاهب الأربعة.\rوقال الظاهرية: يجمع بين الجلد والرجم لظاهر حديث: «والثيب بالثيب جلد مئة، ورجم بالحجارة» .\r2 - حد الزاني المحصن :\rاتفق العلماء ما عدا الخوارج على أن حد الزاني المحصن هو الرجم، بدليل ما ثبت في السنة المتواترة وإجماع الأمة، والمعقول (2) .\r-------------------------------\r(1) نيل الأوطار: 89/7.\r(2) المبسوط: 37/9، مغني المحتاج: 146/4، فتح القدير: 121/4، المنتقى على الموطأ: 132/7 وما بعدها، نيل الأوطار: 86/7، القوانين الفقهية: ص 354 وما بعدها.","part":7,"page":307},{"id":4593,"text":"أما السنة فكثير من الأحاديث: منها قوله عليه الصلاة والسلام: «لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة» (1) ومنها قصة العسيف الذي زنى بامرأة، فقال الرسول عليه الصلاة والسلام لرجل من أسلم: «واغد يا أنيس إلى امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها» (2) .\rوقصة ماعز التي وردت من جهات مختلفة، فقد اعترف بالزنا فأمر الرسول عليه السلام برجمه (3) . وقصة الغامدية التي أقرت بالزنا فرجمها الرسول صلّى الله عليه وسلم بعد أن وضعت (4) .\rوأجمعت الأمة على مشروعية الرجم، ولأن المعقول يوجب مثل هذا العقاب؛ لأن زنا المحصن غاية في القبح، فيجازى بما هو غاية من العقوبات الدنيوية (5) .\r-------------------------------\r(1) رواه البخاري ومسلم عن ابن مسعود، وروي بألفاظ أخرى عن عثمان وعائشة وأبي هريرة وجابر وعمار بن ياسر (راجع نصب الراية: 317/3، ومجمع الزوائد: 252/6، الأربعين النووي: ص38).\r(2) أخرجه البخاري ومسلم والموطأ وأحمد وأبو داود والترمذي والنسائي عن أبي هريرة وزيد بن خالد الجهني (راجع نصب الراية: 314/3، جامع الأصول: 296/4، التلخيص الحبير: ص 522، سبل السلام: 2/4 وما بعدها). والعسيف: الأجير.\r(3) روى الحديث مسلم وأبو داود عن بريدة. ورواه أحمد والشيخان والترمذي وأبو داود عن أبي هريرة. ورواه مسلم وأبو داود وأحمد والبيهقي عن جابر بن سمرة، وأخرجه أحمد والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي وصححه عن ابن عباس، وأخرجه أحمد عن أبي بكر الصديق وبريدة، وأخرجه أيضاً أبو يعلى والبزار والطبراني عن أبي بكر. وفي الجملة: إن قصة ماعز قد رواها جماعة من الصحابة وهي متواترة (راجع جامع الأصول: 279/4 وما بعدها، نيل الأوطار: 95/7، 109، مجمع الزوائد: 266/6، نصب الراية: 314/3 وما بعدها، سبل السلام: 6/4، التلخيص الحبير: ص 350، النظم المتناثر من الحديث المتواتر: ص 18).\r(4) رويت القصة في صحيح مسلم عن بريدة، كما رواها أحمد وأبو داود (راجع المراجع السابقة، نيل الأوطار: 109/7).\r(5) العقوبات الشرعية وأسبابها لأستاذنا علي قراعة: ص 3.","part":7,"page":308},{"id":4594,"text":"شرط الرجم ـ الإحصان :يشترط لإقامة حد الرجم توافر الإحصان، والإحصان لغة: المنع، وشرعاً جاء بمعنى الإسلام والبلوغ والعقل والحرية والعفة والتزويج، ووطء المكلف الحر في نكاح صحيح. والمراد هنا هو المعنى الأخير عند الشافعية (1) .\rوقال الحنفية: الإحصان نوعان: إحصان الرجم وإحصان القذف، أما إحصان الرجم: فهو عبارة في الشرع عن اجتماع صفات اعتبرها الشرع لوجوب الرجم، وهي سبعة: العقل والبلوغ، والحرية، والإسلام والنكاح الصحيح، والدخول في النكاح الصحيح على وجه يوجب الغسل، ولو من غير إنزال، وكون الزوجين جميعاً على هذه الصفات وقت الدخول (2) . فإذا اختل شرط من هذه الشروط، وجب الجلد، لقوله تعالى: {فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة} [النور:2/24].\rوقد ترتب على اشتراط الشرط الأخير: أنه لو دخل الزوج البالغ العاقل الحر المسلم بزوجته وهي صبية أو مجنونة أو أمة، لا يصير محصناً ما لم يوجد دخول آخر بعد زوال هذه العوارض؛ لأن اجتماع هذه الصفات في الزوجين معاً يشعر بكمال حالهما، وهذا يشعر بكمال اقتضاء الشهوة من الجانبين.\rو روي عن أبي يوسف: أنه لم يشترط هذا الشرط الأخير، فيصير المسلم محصناً إذا وطئ كافرة مثلاً. وهو رأي الشافعية (3) ، فإنهم قالوا: لو كان أحد الشريكين في الوطء صغيراً، والآخر بالغاً، أو أحدهما مستيقظاً والآخر نائماً، أو\r-------------------------------\r(1) مغني المحتاج: 146/4.\r(2) البدائع: 37/4، حاشية ابن عابدين: 163/3، فتح القدير: 130/4، المبسوط: 39/9.\r(3) المهذب: 268/2.","part":7,"page":309},{"id":4595,"text":"أحدهما عاقلاً والآخر مجنوناً، أو أحدهما عالماً بالتحريم والآخر جاهلاً، أو أحدهما مختاراً والآخر مستكرهاً، أو أحدهما مسلماً والآخر مستأمناً، وجب الحد على من هو من أهل الحد، ولم يجب على الآخر؛ لأن أحدهما انفرد بما يوجب الحد، وانفرد الآخر بما يسقط الحد، فوجب الحد على أحدهما، وسقط عن الآخر. وإن كان أحدهما محصناً، والآخر غير محصن، وجب على المحصن الرجم، وعلى غير المحصن الجلد والتغريب؛ لأن أحدهما انفرد بسبب الرجم، والآخر انفرد بسبب الجلد والتغريب.\rاختلاف العلماء في اشتراط الإسلام للإحصان :\rقال أبو حنيفة ومالك: الإسلام من شروط الإحصان، فلا يرجم الذمي إذا تحاكم إلينا، ولا تحصن الذمية مسلماً؛ لأن الرجم تطهير، والذمي ليس من أهل التطهير، بل لا يطهر إلا بحرقه في الآخرة بالنار، بدليل قوله عليه الصلاة والسلام: «من أشرك بالله فليس بمحصن» (1) .\rوقال صلّى الله عليه وسلم لكعب بن مالك حين أراد أن يتزوج يهودية: «دعها فإنها لا تحصنك» (2) . قالوا: وأما رجمه اليهوديين (3) فكان بحكم التوراة قبل نزول آية\r-------------------------------\r(1) رواه إسحاق بن راهويه في مسنده عن ابن عمر، رفعه مرة فقال: عن رسول الله صلّى الله عليه وسلم ، ووقفه مرة. ومن طريق إسحاق بن راهويه رواه الدارقطني في سننه، ثم قال: «لم يرفعه غير إسحاق، ويقال: إنه رجع عن ذلك والصواب موقوف» . (راجع نصب الراية: 327/3، التلخيص الحبير: ص 351).\r(2) رواه ابن أبي شيبة في مصنفه، ومن طريقه في معجمه والدارقطني في سننه وابن عدي في الكامل من حديث أبي بكر بن أبي مريم عن علي بن أبي طلحة عن كعب بن مالك أنه أراد أن يتزوج يهودية، فقال له النبي صلّى الله عليه وسلم : «لا تتزوجها فإنها لا تحصنك» قال الدارقطني: وأبو بكر بن أبي مريم ضعيف، وعلي بن أبي طلحة لم يدركا كعباً (راجع نصب الراية: 328/3).\r(3) رواه أحمد وأصحاب الكتب الستة عن ابن عمر مختصراً، ومطولاً. ورواه أبو داود عن أبي هريرة وفيه رجل مجهول، ورواه الحاكم من حديث ابن عباس، ورواه البيهقي من حديث عبد الله بن الحارث الزبيدي، وإسناده ضعيف، ورواه ابن حبان في صحيحه عن ابن عمر (راجع نصب الراية: 326/3، التلخيص الحبير: ص 351، نيل الأوطار: 92/7).","part":7,"page":310},{"id":4596,"text":"الرجم ثم نسخ (1) .\rوقال الشافعي وأحمد وأبو يوسف (2) : ليس الإسلام من شروط إحصان الرجم، فيحد الذمي إذا ترافع إلينا، وإن تزوج المسلم ذمية فوطئها صارا محصنين؛ لما روى ابن عمر رضي الله عنهما: أن النبي صلّى الله عليه وسلم أتي بيهوديين زنيا، فأمر برجمهما، ولو كان الإسلام شرطاً لما رجم، ولعموم قوله صلّى الله عليه وسلم : «الثيب بالثيب رمياً بالحجارة» (3) ، ولأن اشتراط الإسلام للزجر عن الزنا، والدين عموماً يصلح للزجر عن الزنا؛ لأن الزنا حرام في الأديان كلها.\r-------------------------------\r(1) انظر المبسوط: 39/9، 40، فتح القدير: 132/4، البدائع: 38/7، حاشية ابن عابدين: 163/3، الميزان: 154/2، بداية المجتهد: 426/2، حاشية الدسوقي: 320/4، القوانين الفقهية: ص 355.\r(2) مغني المحتاج: 147/4، المهذب: 267/2، الميزان: 154/2، المغني: 163/8.\r(3) أخرجه أبو داود من حديث عبادة بن الصامت «الثيب بالثيب جلد مئة ورمياً بالحجارة» .","part":7,"page":311},{"id":4597,"text":"والخلاصة: إن الفقهاء اتفقوا على خمسة شروط في الإحصان المشترط للرجم، وهي البلوغ والعقل والحرية، وتغييب الحشفة، وتقدم الوطء بنكاح صحيح: وهو أن يتقدم للزاني والزانية وطء مباح في الفرج بتزويج صحيح، فلا يحصن زنا متقدم، ولا وطء بملك اليمين، ولا وطء فيما دون الفرج، ولا وطء بنكاح فاسد أو شبهة، ولا وطء في صيام أو حيض أو اعتكاف أو إحرام، ولا وطء نكاح في الشرك، ولا بعد عقد نكاح دون وطء. واختلفوا في اشتراط الإسلام على رأيين، منها تحقق هذه الشروط في كلا الزوجين.\rصفة حد الزنا: حد الزنا حق خالص الله تعالى، أي حق للمجتمع؛ لأنه وجب صيانة للأعراض عن التعرض لها، ومحافظة على المصالح العامة، وهي دفع الفساد الراجح إليهم، ويترتب عليه ما يلي:\r1 - إنه حد لا يحتمل العفو والصلح والإبراء عنه، بعد ما ثبت بالحجة، لأنه كما تقدم حق خالص لله تعالى، لا حق للعبد فيه، فلا يملك أحد إسقاطه.\r2 - إنه يجري فيه التداخل (1) ، حتى لو زنى مراراً لا يجب عليه إلا حد واحد؛ لأن المقصود من إقامة الحد، هو الزجر، وإنه يحصل بحد واحد، لكنه لو زنى فحد، ثم زنى ثانياً حد ثانياً؛ لأنه تبين أن المقصود وهو الزجر لم يحصل بالحد الأول، بدليل وقوعه منه ثانية، فيحد مرة أخرى، رجاء أن يحصل به الزجر المطلوب (2) .\rالفرق بين حق الله تعالى وحق الآدمي :\rحق الله : أمره ونهيه. وحق العبد: مصالحه وتكاليفه، وهو كل ما للعبد إسقاطه. أما حق الله : فهو كل ما ليس للعبد إسقاطه.\rوتكاليف الشريعة ثلاثة أقسام بالنسبة لهذه القسمة (3) .\r-------------------------------\r(1) معنى التداخل: أن الجرائم في حالة التعدد تتداخل عقوباتها بعضها في بعض بحيث يعاقب على جميع الجرائم بعقوبة واحدة.\r(2) انظر البدائع: 55/7 وما بعدها.\r(3) الفروق: 141/1 وما بعدها، وانظر قواعد الأحكام للعز بن عبد السلام: 66/2.","part":7,"page":312},{"id":4598,"text":"1 - حق الله تعالى فقط كالإيمان وتحريم الكفر.\r2 - وحق العباد فقط كالديون وأثمان الأشياء.\r3 - وقسم اختلف فيه، هل يغلب فيه حق الله ، أو حق العبد كحد القذف.\rقال القرافي: نعني بحق العبد المحض: أنه لو أسقطه لسقط، كما تبين، وإلا\rفما من حق للعبد، إلا وفيه حق لله تعالى: وهو أمره بإيصال ذلك الحق إلى مستحقه، فيوجد حق الله تعالى دون حق العبد، ولا يوجد حق العبد إلا وفيه حق الله تعالى. وإنما يعرف ذلك بصحة الإسقاط، فكل ما للعبد إسقاطه فهو حق العبد، وكل ما ليس له إسقاطه فهو حق الله تعالى.\rوقد يوجد حق الله تعالى: وهو ما ليس للعبد إسقاطه، ويكون معه حق العبد، كتحريمه تعالى لعقود الربا والغرر والجهالات، فإن الله تعالى إنما حرمها صوناً لمال العبد عليه، وصوناً له عن الضياع بعقود الغرر والجهل، فلا يحصل المعقود عليه بكامله أو أغلبه، فيضيع المال، فحجر الرب تعالى برحمته على عبده في تضييع ماله الذي هو عونه على أمر دنياه وآخرته، ولو رضي العبد بإسقاط حقه في ذلك، لم يؤثِّر رضاه.\rوكذلك حجر الرب تعالى على العبد في إلقاء ماله في البحر، وتضييعه من غير مصلحة، ولو رضي العبد بذلك لم يعتبر رضاه.\rوكذلك تحريمه تعالى المسكرات صوناً لمصلحة عقل العبد عليه، وحرم السرقة صوناً لماله، والزنا صوناً لنسبه، والقذف صوناً لعرضه، والقتل والجرح صوناً لنفسه وأعضائه ومنافعها عليه، ولو رضي العبد بإسقاط حقه من ذلك، لم يعتبر رضاه، ولم ينفذ إسقاطه.","part":7,"page":313},{"id":4599,"text":"فهذه كلها وما يلحق بها من نظائرها مما هو مشتمل على مصالح العباد: حق الله تعالى؛ لأنها لا تسقط بالإسقاط، وهي مشتملة على حقوق العباد، لما فيها من مصالحهم ودرء مفاسدهم. وأكثر الشريعة من هذا النوع كالرضا بولاية الفسقة وشهادة الأراذل ونحوها، فحجر الرب تعالى على العبد في هذه المواطن لطفاً به ورحمة له سبحانه وتعالى.\rهل يجب الحد والمهر على الرجل المكرَه على الزنا؟ :\rالرأي الذي استقر عليه أبو حنيفة أخيراً، ورأي الصاحبين: أنه لا يحد المستكره على الزنا،وإنما عليه الصداق؛ لأنه حيث سقط الحد، يجب المهر للمرأة.\rوقال الحنابلة وبعض المالكية: عليه الصداق والحد جميعاً. وقال الشافعية ومحققو المالكية: عليه الصداق فقط، وليس عليه الحد لوجود الشبهة (1) ولحديث: «رفع عن أمتي الخطأ والنسيان، وما استكرهوا عليه» (2) . والخلاصة: أن الجمهور على الأرجح يرون الصداق على المستكره وليس عليه العقوبة، وأن الحنابلة يوجبون عليه الصداق والعقوبة معاً.\rالمبحث الرابع ـ إثبات الزنا عند القاضي :\rأجمع العلماء على أن الزنا يثبت بالإقرار أو بالشهادة، ولا تثبت حدود الله تعالى كالزنا والسرقة والمحاربة والشرب بعلم القاضي حالة القضاء أو قبل القضاء؛ لأنها تدرأ بالشبهات ويندب سترها (3) .\rأما الحكمة من اشتراط الحجة لإيقاع العقوبة فواضحة، وهي أن من تمام حكمة الله ورحمته أنه لم يأخذ الجناة بغير حجة، كما لم يعذبهم في الآخرة إلا بعد إقامة الحجة عليهم، وجعل الحجة التي يأخذهم بها إما منهم: وهي الإقرار أو ما يقوم مقامه من إقرار الحال، وهو أبلغ وأصدق من إقرار اللسان، فإن من قامت\r-------------------------------\r(1) راجع بداية المجتهد: 319/2، البدائع: 180/7، حاشية ابن عابدين: 172/3، المهذب: 267/2.\r(2) أخرجه الطبراني عن ثوبان.\r(3) مغني المحتاج: 398/4، 149، الميزان للشعراني: 154/2، المغني: 209/8، البدائع: 52/7.","part":7,"page":314},{"id":4600,"text":"عليه شواهد الحال بالجناية كرائحة الخمر وقيئها، ووجود المسروق في دار السارق، وتحت ثيابه، أولى بالعقوبة، ممن قامت عليه شهادة على إخباره عن نفسه التي تحتمل الصدق والكذب. وهذا متفق عليه بين الصحابة، وإن نازع فيه بعض الفقهاء.\rوإما أن تكون الحجة من غير الجناة: وهي البينة، واشترط فيها العدالة، وعدم التهمة. وهما شرطان توجبهما العقول والفطر السليمة ويحققان المصلحة (1) .\rوجعل الصحابة الحمل علامة على الزنا (2) وقد أخذ بذلك المالكية وابن القيم، أما الحنابلة فقالوا: تحد الحامل بالزنا، وزوجها بعيد عنها، إذا لم تدّع شبهة، ولا يثبت الزنا بحمل المرأة وهي خلية لا زوج لها. ولم يأخذ الحنفية والشافعية بإثبات الزنا بالقرائن.\rأما البينة: فهي شهادة أربعة رجال، ذكور، عدول، أحرار، مسلمين، على الزنا بأن يقولوا: رأيناه وطئها في فرجها، كالميل في المُكحُلة، على حد تعبير الفقهاء.\rيفهم مما ذكر ومما قرره الحنفية أنه يشترط في البينة شروط: بعضها وهي البلوغ والعقل والذكورة والحرية والعدالة والأصالة يعم كل الحدود، وبعضها وهو عدم التقادم يخص الزنا والسرقة وشرب الخمر. والباقي خاص بالزنا (3) .\r-------------------------------\r(1) أعلام الموقعين: 100/2.\r(2) الطرق الحكمية: ص 97، 214، الشرح الكبير للدردير، المنتقى على الموطأ: باب حد الزنا، المهذب: 266/2، القوانين الفقهية: ص 356، مطالب أولي النهي: 193/6.\r(3) انظر البدائع: 46/7 ومابعدها، فتح القدير: 114/4، 161-177، تبيين الحقائق للزيلعي: 164/3.","part":7,"page":315},{"id":4601,"text":"1 - عدد الأربع في الشهود في حد الزنا لقوله تعالى: {واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم} [النساء:15/4] وقوله عز اسمه: {لولا جاءوا عليه بأربعة شهداء} [النور:13/24] وقوله سبحانه في حد القذف: {والذين يرمون المحصنات، ثم لم يأتوا بأربعة شهداء} [النور:4/24]. فإذا شهد ثلاثة، وقال الرابع: رأيتهما في لحاف واحد، ولم يزد عليه: يحد الثلاثة عند الحنفية حد القذف، ولا حد على الرابع؛ لأنه لم يقذف. وإن شهد شهود دون أربعة في مجلس الحكم بزنا حدوا بالاتفاق حد القذف؛ لأن عمر حد الثلاثة الذين شهدوا على المغيرة بالزنا (1) .\r2 - التكليف: أي البلوغ والعقل، فلا تقبل شهادة الصبيان والمجانين.\r3 - الذكورة: فلا تقبل شهادة النساء بحال، تكريماً لهن؛ لأن الزنا فاحشة.\rوأما الإحصان فيثبت بشهادة الرجال مع النساء عند الحنفية ما عدا زفر.\r4 - العدالة: فلا تقبل شهادة الفاسق ولا مستور الحال الذي لا تعلم عدالته لجواز أن يكون فاسقاً. فإن شهد أربعة بالزنا وهم فساق، أو ظهر أنهم فساق لم يحدوا حد القذف؛ لأن الفاسق من أهل الأداء والتحمل، وإن كان في أدائه نوع قصور لتهمة الفسق.\r5 - الحرية: فلا تقبل شهادة العبيد.\r6 - الإسلام: فلا تقبل شهادة أهل الذمة لعدم تحقق عدالتهم.\r7 - الأصالة: فلا تقبل الشهادة على الشهادة، ولا كتاب القاضي إلى القاضي، لتمكن الشبهة في وقوع الجريمة، والحدود لا تثبت مع الشبهات.\r8 - اتحاد المشهود به: وهو أن يجمع الشهود الأربعة على فعل واحد، في مكان واحد وزمان واحد.\r-------------------------------\r(1) ذكره البخاري في صحيحه.","part":7,"page":316},{"id":4602,"text":"9 - اتحاد المجلس: أي أن يكون الشهود مجتمعين في مجلس واحد وقت أداء الشهادة. فإن جاؤوا متفرقين واحداً بعد واحد لا تقبل شهادتهم، ويحدون حد القذف، لقول عمر رضي الله عنه: «لو جاؤوا مثل ربيعة ومضر فرادى لجلدتهم» أي أن المراد اتحاد المجلس عند أداء الشهادة. وهذا عند الحنفية، وأما بقية الفقهاء فلم يقولوا بهذا الشرط.\r10 - أن يكون المشهود عليه الزنا ممن يتصور منه الوطء، فلو كان مجبوباً لاتقبل شهادتهم، ويحدون حد القذف.\r11 - أن يكون المشهود عليه الزنا ممن يقدر على دعوى الشبهة، فإن كان أخرس، لم تقبل شهادتهم، إذ قد يدعي الشبهة لو كان قادراً.\r12 - عدم التقادم من غير عذر ظاهر: وهو شرط في حد الزنا والسرقة وشرب الخمر كما تقدم. ومعناه ألا تمضي مدة بعد مشاهدة الجريمة وأداء الشهادة، منعاً من التهمة وإثارة الفتنة، إذ أن أداء الشهادة بعد مضي مدة من غير عذر ظاهر، يدل على أن الضغينة هي الحاملة على الشهادة، كما قال سيدنا عمر رضي الله عنه: «أيما قوم شهدوا على حد، لم يشهدوا عند حضرته، فإنما شهدوا عن ضغن، ولا شهادة لهم» .\rفإذا كان التقادم لعذر ظاهر، كعدم وجود حاكم في موضع أو بُعد مسافة خوف طريق، فلا يمنع من قبول الشهادة.\rومدة التقادم متروك تقديرها إلى اجتهاد القاضي عند أبي حنيفة، لاختلاف أعذار الناس في كل زمان وبيئة. وقال الصاحبان: مدة التقادم شهر أو أكثر، فإن كان دون شهر فليس بمتقادم؛ لأن الشهر أدنى الآجل، فكان ما دونه في حكم العاجل.","part":7,"page":317},{"id":4603,"text":"13 - بقاء الشهود على أهليتهم حتى يقام الحد: فلو ماتوا، أو غابوا، أو عموا، أو ارتدوا، أو خرسوا، أو ضربوا حد القذف قبل إقامة الحد، أو قبل أن يقضى بشهادتهم، سقط الحد؛ لأن هذه العوارض لو اقترنت بالشهادة منعت من قبولها، فكذلك إذا اعترضتها بعدئذ (1) ، ويحد الباقي حد القذف؛ لأن الشهود حينئذ أقل من أربعة، ومتى كانوا أقل حدوا حد القذف. وقال الشافعية والحنابلة: لا تؤثر هذه العوارض بعد أداء الشهادة (2) .\rولو رجع الشهود عن شهادتهم على محض بالزنا، بعد أن حكم القاضي عليه بالرجم فرجم،ضمنوا ديته. ولو أنكر الشاهد شهادته بعد الحكم بالرجم، لا يضمن شيئاً من الدية؛ لأن إنكار الشهادة ليس برجوع، بل الرجوع أن يقول: كنت مبطلاً في الشهادة (3) .\rاختلاف العلماء في بعض شروط الشهادة على الزنا :\r1 - اتحاد المشهود به: قال الأئمة الأربعة: يشترط في شهادة الشهود الأربعة اتحاد المشهود به: وهو أن يجمع الشهود الأربعة على فعل واحد، في المكان والزمان، كما بان عند الحنفية. فإن اختلفوا لا تقبل شهادتهم، فلو شهد اثنان أنه زنى في مكان كذا، وشهد آخران أنه زنى في مكان آخر في بيت صغير وزواياه متقاربة، أو شهد اثنان أنه زنى بها في يوم كذا، وشهد اثنان آخران أنه زنى بها في يوم آخر، فإنه لا يحد المشهود عليه، ولا حد على الشهود أيضاً عند جمهور الحنفية؛ لأن المشهود به لم يختلف عند الشهود؛ لأن عندهم أن هذا زنا واحد. وعند زفر: يحدون؛ لأن عدد الشهود قد انتقص، ونقصان عدد الشهود يوجب صيرورة الشهادة قذفاً، كما لو شهد ثلاثة بالزنا.\rواختلفوا فيما لو شهد اثنان أنه زنى بها في هذه الزاوية من البيت، وشهد آخران أنه زنى بها في زاوية أخرى، وكان المكان ضيقاً:\r-------------------------------\r(1) المبسوط للسرخسي: 50/9.\r(2) المغني لابن قدامة: 207/8.\r(3) مجمع الضمانات: ص 360 وما بعدها.","part":7,"page":318},{"id":4604,"text":"فقال أبو حنيفة وأحمد: تقبل هذه الشهادة، لجواز ابتداء الفعل في زاوية، وانتهائه في زاوية أخرى، أما لو كان البيت كبيراً فلا تقبل؛ لأنه يكون بمنزلة البيتين (1) .\rوقال مالك والشافعي: لا تقبل هذه الشهادة، ولا يثبت بها الحد؛ لأنهم لم يتفقوا على زنية واحدة (2) .\r2 - اتحاد مجلس الشهادة: قال أبو حنيفة: يشترط أن يكون الشهود مجتمعين، وأن يؤدوا الشهادة في مجلس واحد، فإن جاؤوا متفرقين يشهدون واحداً بعد الآخر، لا تقبل شهادتهم، كما بان سابقاً.\rوقال مالك وأحمد: يشترط اتحاد مجلس القاضي فقط، فإن جاء الشهود متفرقين، والحاكم جالس في مجلس حكمه لم يقم، تقبل شهادتهم، وإن جاء بعضهم بعد أن قام الحاكم كانوا قَذَفة وعليهم الحد (3) .\rوقال الشافعي: ليس ذلك بشرط، لا في مجيئهم، ولا في اجتماعهم، بل متى شهدوا بالزنى متفرقين، ولو واحداً بعد الآخر، وجب الحد، لقوله تعالى: {لولا جاءوا عليه بأربعة شهداء} [النور:13/24] ولم يذكر المجلس، ولأن المهم هو اتحاد شهادة الشهود، سواء في مجلس واحد أو في مجالس،\r-------------------------------\r(1) البدائع: 49/7، المغني: 200/8، فتح القدير: 167/4.\r(2) مغني المحتاج: 151/4، بداية المجتهد: 430/2، الشرح الكبير: 185/4.\r(3) المغني: 200/8، المنتقى على الموطأ: 144/7، القوانين الفقهية: ص 356.","part":7,"page":319},{"id":4605,"text":"كسائر الشهادات (1) .\rتقادم الشهادة :\rقال الحنفية: لا تقبل الشهادة بمضي الزمن، على الخلاف السابق الذي ذكر.\rوقال مالك والشافعي وأحمد: إن الشهادة في الزنا والقذف وشرب الخمر تقبل بعد مضي زمان طويل من الواقعة، لعموم آية الشهادة في الزنا، ولأنه حق لم يثبت لنا ما يبطله، وقد يكون التأخير لعذر أو غيبة، والحد لا يسقط بمطلق الاحتمال (2) .\rدور القاضي مع شهود الزنا :\rإذا اجتمعت الشروط السابقة في الشهود، وشهدوا عند القاضي، سألهم عن ماهية الزنا، وكيفية الزنا، ومكان الزنا، وزمان الزنا، والمزني بها (3) .\rأما سؤاله عن ماهية الزنا: فلأنه يحتمل أن يريد غير الزنا الموجب للحد، كالزنا بالعين،أو باليد.\rوأما سؤاله عن كيفية الزنا: فلأنه يحتمل أن يريد الجماع فيما دون الفرج، كالمفاخذة.\rوأما سؤاله عن مكان الزنا: فلأنه يحتمل أنه زنى في دار الحرب، أو في دار البغي في رأي الجمهور غير الشافعية كما سيأتي في حد البغاة.\rوأما سؤاله عن زمان الزنا: فلأنه يحتمل أن يشهد بزنا متقادم.\rوأما سؤاله عن المزني بها: فلأنه يحتمل أن تكون الموطوءة ممن لا يجب الحد بوطئها، كالموطوءة بشبهة.\rالإقرار بالزنا :\rهو عند الحنفية أن يقر البالغ العاقل، أربع مرات بالزنا، عند القاضي، في أربعة مواطن.\rشروط الإقرار :\rاشترط الحنفية شروطاً في الإقرار: منها ما يعم الحدود كلها، ومنها ما يخص بعضها.\rأما الشرائط التي تعم الحدود كلها، فهي (4) :\r1 - البلوغ: فلا يصح إقرار الصبي في شيء من الحدود؛ لأن فعل الصبي لا يوصف بكونه جناية.\r2 - النطق: وهو أن يكون الإقرار بالخطاب والعبارة، دون الكتابة أو الإشارة، فلا يكفي الإقرار من الأخرس، لا بالكتابة ولا بالإشارة، لأن الشرع علق وجوب الحد بالبيان المتناهي، والبيان لا يتناهى إلا بالصريح.\rوقال الشافعية: يكفي في ثبوت الحد إشارة الأخرس بالإقرار بالزنا.\r3 - الاختيار أو الطواعية: فلا يقبل إقرار المكره في الحدود والأموال.\r-------------------------------\r(1) المغني، المرجع السابق،الميزان: 156/2.\r(2) الميزان: 158/2، المغني: 207/8، فتح القدير: 161/4.\r(3) المبسوط: 38/9، البدائع: 49/7، فتح القدير: 115/4، المغني: 200/8.\r(4) انظر البدائع: 49/7-51، فتح القدير: 117/4، المبسوط: 91/9.","part":7,"page":320},{"id":4606,"text":"وأما الشرائط التي تخص بعض الحدود فهي:\r1 - تعدد الإقرار: أي كون الإقرار مكرراً أربع مرات في حد الزنا خاصة، بأن يقر أربع مرات على نفسه مع كونه بالغاً عاقلاً، طلباً للتثبت في إقامة الحد، ولأن ماعزاً أقر أمام الرسول صلّى الله عليه وسلم أربع مرات (1) . وهذا هو مذهب الحنفية والحنابلة (2) .\rوقال المالكية والشافعية (3) : يكفي في وجوب الحد إقرار واحد مرة واحدة (4) ؛ لأن من المستبعد كذب الإنسان على نفسه، واعترافه بما يوجب الحد، ولأن الإقرار إخبار، والخبر لا يزيد رجحاناً بالتكرار، وقد قال الرسول صلّى الله عليه وسلم في قصة العسيف: «اغد يا أنيس ـ رجل من أسلم ـ إلى امرأ ة هذا، فإن اعترفت\r-------------------------------\r(1) رواه البخاري ومسلم والترمذي وأبو داود عن أبي هريرة، ورواه مسلم وأحمد عن بريدة، وقد سبق تخريجه (راجع جامع الأصول: 283/4 وما بعدها، نيل الأوطار: 109/7).\r(2) المغني: 191/8 وما بعدها.\r(3) حاشية الدسوقي: 318/4، المنتقى على الموطأ: 135/7، القوانين الفقهية: ص 356، مغني المحتاج: 150/4.\r(4) قال الزنجاني الشافعي في تخريج الفروع على الأصول: ص 181، مبيناً وجه قصة ماعز ومقرراً قاعدة عامة وهي «لا يمكن دعوى العموم في واقعة لشخص معين، قضى فيها رسول الله صلّى الله عليه وسلم بحكم، وذكر علته أيضاً، إذا أمكن اختصاص العلة بصاحب الواقعة عند الشافعي رضي الله عنه» . ويتفرع عنه: سقوط اعتبار التكرار في الإقرار بالزنا عند الشافعي رضي الله عنه سلوكاً لجادة القياس، كما في سائر الأقارير.","part":7,"page":321},{"id":4607,"text":"فارجمها» (1) كما سبق ذكره. واعترفت الغامدية بالزنا، فقال لها الرسول عليه الصلاة والسلام: «ويحك ارجعي فاستغفري الله وتوبي إليه، فقالت: أراك تريد أن ترددني كما رددت ماعز بن مالك، قال: وما ذاك؟ قالت: إنها حبلى من الزنى، قال: أنتِ؟ قالت: نعم، فقال لها: حتى تضعي ما في بطنك» (2) ونحوهما من الأحاديث.\r2 - تعدد مجالس الإقرار بالزنا: وهو أن يقر في أربعة مجالس متفرقة؛لأن الرسول عليه الصلاة والسلام اعتبر اختلاف مجالس ماعز، حيث كان يخرج من المسجد في كل مرة، ثم يعود، ومجلسه عليه الصلاة والسلام لم يختلف، وهذا هو مذهب الحنفية.\rوقال جمهور العلماء: يكفي أن يكون الإقرار في مجلس واحد (3) .\r3 - أن يكون الإقرار بين يدي الإمام أو القاضي: وإلا لم يعتبر؛ لأن إقرار ماعز كان عند رسول الله صلّى الله عليه وسلم ، فإن شهد شهود على إقرار شخص أربع مرات في مجالس مختلفة أمام من ليس له إقامة الحد، فلا يقبل القاضي هذه الشهادة؛ لأن الزاني إن كان منكراً، فقد رجع عن الإقرار، وإ ن كان مقراً، فلا عبرة لشهادة مع الإقرار.\r4 - الصحو في الإقرار بالزنا والسرقة والشرب والسكر: فإذا أقر شخص وهو سكران، لم يصح إقراره.\r5 - أن يكون الإقرار بالزنا ممن يتصور منه الزنا: فإن كان لا يتصور كالمجبوب لفقدان آلته، لم يصح إقراره، أما لو كانت آلته موجودة كالعنِّين والخصي، فيصح إقراره، لوجود الآلة عنده.\r6 - أن يكون المزني به ممن يقدر على ادعاء الشبهة بأن كان ناطقاً: فإن لم يقدر كأن تكون المزني بها خرساء، أو المزني به أخرس، لم يصح إقراره، لجواز ادعائه وجود عقد النكاح، أو إنكار الزنا.\r-------------------------------\r(1) رواه البخاري ومسلم وأحمد والموطأ وغيرهم عن أبي هريرة وزيد بن خالد الجهني، وقد سبق تخريجه، فقد رواه الجماعة والبيهقي.\r(2) رواه مسلم والدارقطني عن سليمان بن بريدة عن أبيه، وقال الدارقطني: هذا حديث صحيح (راجع جامع الأصول: 279/4 وما بعدها، نيل الأوطار: 111/7، نصب الراية: 314/3).\r(3) بداية المجتهد: 430/2.","part":7,"page":322},{"id":4608,"text":"الإقرار حجة قاصرة: إذا أقر أحد الشريكين في الوطء بالزنا وأنكر الآخر، وجب على المقر الحد (1) ؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلم قال في قصة العسيف: «على ابنك جلد وتغريب عام، واغد يا أنيس على امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها» (2) وروى سهل بن سعد الساعدي أن رجلاً أقر أنه زنى بامرأة، فبعث النبي صلّى الله عليه وسلم إليها، فجحدت، فحد الرجل (3) .\rتقادم الإقرار: اتفق العلماء على أن التقادم لا يؤثر في الإقرار بالزنا؛ لأن الإنسان غير متهم على نفسه. وعلى هذا فيقبل الإقرار بالزنا بعد مدة (4) .\rدور القاضي مع المقر بالزنا :\rإذا أقر إنسان بالزنا عند القاضي، ينبغي أن يظهر له الكراهية، أو يطرده، يفعل ذلك ثلاث مرات، كما فعل الرسول صلّى الله عليه وسلم مع ماعز.\rفإذا أقر أربع مرات عند الحنفية نظر القاضي في حاله: أهو صحيح العقل أم به آفة، كما فعل الرسول عليه السلام مع ماعز، حيث قال له: أبك خبَل أم بك جنون؟ وبعث به إلى قومه، فسألهم عن حاله.فإذا عرف أنه صحيح العقل، سأله عن ماهية الزنا، وعن كيفيته، وعن مكانه، وعن المزني بها، للأسباب التي ذكرت في الشهادة على الزنا.\rفإذا بين ذلك كله سأله القاضي عن حاله: أهو محصن أم لا؟ لأن حكم الزنا يختلف بالإحصان وعدمه. فإذا قال: أنا محصَن، سأله القاضي عن الإحصان: ماهو؟ لأنه عبارة عن اجتماع شرائط\r-------------------------------\r(1) البدائع: 51/7، المغني: 207/8.\r(2) المهذب: 268/2.\r(3) رواه الجماعة والبيهقي عن أبي هريرة وزيد بن خالد الجهني.\r(4) رواه البيهقي بألفاظ متقاربة، وأحمد وأبو داود، وفيه عبد السلام بن حفص، متكلم فيه.","part":7,"page":323},{"id":4609,"text":"لا يعرفها كل واحد. فإذا فسره التفسير الشرعي المطلوب، حكم عليه بالرجم وأمر بإقامته عليه (1) .\rالرجوع عن الإقرار :\rقال أبو حنيفة والشافعي وأحمد: إذا اعترف شخص عند القاضي بالزنا، ثم رجع عن إقراره بعد الحكم بالحد، أوبعد إقامة بعض الحد، أو هرب، فإنه يسقط عنه الحد (2) ، عملاً بحديث «ادرؤا الحدود بالشبهات» ، والرسول عليه السلام لقن ماعزاً الرجوع بقوله: «لعلك مسستها أو لعلك قبلتها!» (3) وقال لأصحابه حينما هرب ماعز فاتبَعوه: «هلا تركتموه، لعله أن يتوب، فيتوب الله عليه» (4) .\rوالمشهور عند المالكية: أن الرجوع عن الإقرار لشبهة أو لا لشبهة، كقوله: كذبت على نفسي، أو وطئت زوجتي وهي محرمة، فظننت أنه زنا، يسقط الحد، وروي عن الإمام مالك أنه قال: لا يعذر إلا إذا رجع لشبهة، عملاً بحديث: «لا عذر لمن أقر» (1) .\rوالخلاصة: أن الرجوع عن الإقرار جائز بالاتفاق.\r-------------------------------\r(1) المبسوط: 46/9، البدائع: 51/7، فتح القدير: 120/4، تبيين الحقائق: 166/3. (2) فتح القدير: 120/4، مغني المحتاج: 150/4، المهذب: 271/2، المغني: 197/8.\r(3) رواه الحاكم في المستدرك بلفظ «لعلك مسستها أو قبلتها؟» من حديث ابن عباس، والحديث عند البخاري بلفظ: «لعلك قبلت أو غمزت أو نظرت؟» وعند أحمد في مسنده بلفظ: «لعلك قبلت أو لمست أو نظرت؟» (راجع نصب الراية: 316/4، سبل السلام: 8/4).\r(4) رواه أبو داود عن يزيد بن نعيم بن هزال عن أبيه. ورواه أحمد وابن ماجه والترمذي، وقال: «حسن» من حديث أبي هريرة بلفظ: «هلا تركتموه» . (راجع جامع الأصول: 287/4، نيل الأوطار: 102/7).","part":7,"page":324},{"id":4610,"text":"المبحث الخامس ـ إقامة الحد على الزاني :\rشروط إقامة الحد: يشترط لإقامة الحد ما يلي:\rأولاً ـ هناك شرائط لإقامة الحد: منها ما يعم الحدود كلها، ومنها ما يخص حد الرجم. أما ما يعم الحدود كلها فهو الإمامة كما سيأتي، وأما ما يخص حد الرجم: فهو شرط البداية من الشهود في الرجم. وعلى هذا فالإمام أو من ينوب عنه هو مقيم الحد. فإذا كان الحد جلداً فهو الذي يقيمه أو ينيب عنه أحداً. وأما إذا كان الحد رجماً، فيشترط البداية من الشهود في الرجم، إذا ثبت الحد بالشهادة، فإذا ثبت بالإقرار، فيبدأ الإمام بالرجم (2) .\rاختلاف العلماء في اشتراط بداءة الشهود بالرجم :\rقال الحنفية: إن ثبت وجوب الرجم بالشهادة، فيشترط بدء الشهود بالرجم استحساناً، بدليل ما روي عن علي رضي الله عنه أنه قال: «يرجم الشهود أولاً ثم\r-------------------------------\r(1) بداية المجتهد: 430/2، حاشية الدسوقي: 318/4.\r(2) البدائع: 57/7 وما بعدها، فتح القدير: 122/4، 124، حاشية الدسوقي: 320/4، بداية المجتهد: 428/2.","part":7,"page":325},{"id":4611,"text":"الإمام ثم الناس» (1) وكلمة «ثم» للترتيب، وكان ذلك بمحضر من الصحابة، ولم ينكر أحد، فكان إجماعاً، ولأن في اعتبار هذا الشرط احتياطاً في درء الحد؛ لأن الشهود إذا بدؤوا بالرجم ربما استعظموا فعله، فيحملهم هذا على الرجوع عن الشهادة، فيسقط الحد عن المشهود عليه، فإن امتنع بعض الشهود عن الرجم، سقط الرجم عند أبي حنيفة ومحمد، وفي رواية عن أبي يوسف؛ لأن امتناعهم عن الرجم أورث شبهة الكذب في شهادتهم.\rهذا بخلاف الجلد، فلا يشترط ابتداء الشهود به؛ لأنهم لا يعرفونه على وجهه الصحيح، ولأن الأثر عن علي ورد في الرجم خاصة، فيبقى أمر الجلد على أصل القياس.\rوقال المالكية: إذا حضر الإمام الرجم، جاز له أن يبدأ هو وأن يبدأ غيره، فلم يثبت عند الإمام مالك في حديث صحيح ولا سنة معمول بها بداءة البينة بالرجم، ثم من بعدهم الإمام، أي الحاكم، ثم الناس عقبه (2) .\rوقال الشافعية والحنابلة: السنة إذا ثبت الحد بالبينة أن يبدأ الشهود بالرجم، ثم الحاكم، ثم الناس؛ لأن الشهود في غير أداء الشهادة هم وسائر الناس سواء، فلا يلزم أحد بذاك. والإمام هو الذي يستوفي الحدود، ولأن الرجم أحد نوعي الحد، فيقاس على الجلد، الذي لا يشترط فيه البداية من الشهود (3) .\r-------------------------------\r(1) رواه البيهقي في سننه عن عامر الشعبي، ورواه أحمد في مسنده عن الشعبي أيضاً، ورواه ابن أبي شيبة عن يزيد بن أبي ليلى، وعن ابن مسعود عن علي بألفاظ مختلفة (راجع نصب الراية: 319/3 وما بعدها، نيل الأوطار: 108/7).\r(2) القوانين الفقهية:ص 356، الشرح الكبير وحاشيته: 320/4، مواهب الجليل: 320/6، ط ثانية.\r(3) البدائع، فتح القدير، المرجعان السابقان، المنتقى على الموطأ: 133/7، بداية المجتهد: 438/2، مغني المحتاج: 152/4، المهذب: 269/2 وما بعدها، المغني: 159/8. .","part":7,"page":326},{"id":4612,"text":"وهذا الرأي هو مقتضى القياس عند الحنفية.\rثانياً ـ لا يقيم الحدود إلا الإمام أو من فوض إليه الإمام، باتفاق الفقهاء؛ لأنه لم يقم حد على عهد رسول الله صلّى الله عليه وسلم إلا بإذنه، ولا في أيام الخلفاء إلا بإذنهم، ولأن الحد حق لله تعالى يفتقر إلى الاجتهاد، ولا يؤمن فيه الحيف، فلم يجز بغير إذن الإمام (1) .\rثالثاً ـ يشترط عند الحنفية وجود أهلية أداء الشهادة لدى الشهود عند إقامة الحد، فلو بطلت أهليتهم بالفسق أو الردة أو الجنون أو العمى أو الخرس أو نحوها، سقط الحد (2) كما سبق بيانه. ولم يشترط الجمهور هذا الشرط.\rرابعاً ـ يشترط بالاتفاق: ألا يكون في إقامة حد الجلد خوف الهلاك؛ لأن هذا الحد شرع زاجراً لا مهلكاً، فلا يجوز إقامة حد الجلد في الحر الشديد والبرد الشديد، والمرض والنفاس، والحمل؛ لأن الحد إذا أقيم في هذه الأحوال أدى إلى القتل، ولأنه يخشى هلاك الحامل وهلاك ولدها (3)\rلكن الشافعية والحنابلة أجازوا إقامة الحد في المرض الذي لا يرجى برؤه (4) ، وقالوا في هذه الحالة أو إذا كان نضو الخلق لا يطيق الضرب: يضرب بمئة شمراخ دفعة واحدة، لما روى سهل بن حنيف أنه أمر في رجل مريض أضنى أن يأخذوا مئة شمراخ، فيضربوه بها ضربة واحدة (5) ، ولأنه لا يمكن ضربه بالسوط؛ لأنه يتلف به، ولا يمكن تركه؛ لأنه يؤدي إلى تعطيل الحد. أما الضمان فقال الشافعية:\rإن أقيم الحد في الحال التي لا تجوز إقامته، فهلك منه، لم يضمن؛ لأن الحق قتله، وإن أقيم في الحال التي لا تجوز إقامته، فإن كانت حاملاً، فتلف منه الجنين وجب الضمان؛ لأنه مضمون، فلا يسقط ضمانه بجناية غيره، وإن تلف المحدود فإذا أقيم الحد في شدة حر أو برد، فهلك لا ضمان عليه. وقال الجمهور: لا ضمان بهلاك المحدود. وسيأتي مزيد بيان له في بحث التعزير.\rوأما الرجم فلا يشترط لإقامته عدم خوف الهلاك؛ لأنه حد مهلك، إلا الحامل، فإنه لا يقام عليها الرجم وقت حملها؛ لأنه يؤدي إلى إهلاك ولدها بدون حق، وهو لا يجوز، فيؤخر رجم الحامل حتى تضع حملها؛ لأن الرسول عليه الصلاة والسلام رد المرأة الغامدية أو الجهنية حينما\r-------------------------------\r(1) المهذب: 269/2، البدائع: 57/7.\r(2) البدائع: 59/7.\r(3) البدائع، المرجع السابق، المبسوط: 100/9، المهذب: 270/2 وما بعدها.\r(4) مغني المحتاج: 155/4، المهذب: 270/2 وما بعدها، حاشية الدسوقي: 330/4، القوانين الفقهية: ص 356، ط، فاس، المغني: 171/8، 173.\r(5) رواه أحمد وابن ماجه.","part":7,"page":327},{"id":4613,"text":"قالت: «فوالله إني لحبلى» . فقال : «إما لا، فاذهبي حتى تلدي» ثم قال: «اذهبي فأرضعيه حتى تفطميه» (1) .\rحالة المحدود: ذهب الجمهور إلى أن المحدود بالرجم إذا كان رجلاً يقام عليه الحد قائماً، ولا يربط بشيء، ولا يمسك، ولا يحفر له، سواء ثبت الرجم بالبينة أم بالإقرار،كما فعل الرسول عليه السلام بماعز، فلم يحفر له (2) ، ولأن الحفر له لم يرد به الشرع في حق المحدود فوجب ألا يثبت،ولأن المرجوم قد يفر، فيكون فراره\r-------------------------------\r(1) البدائع، مغني المحتاج، الدسوقي، المغني، المراجع السابقة، وقد سبق تخريج حديث الغامدية، وسيأتي قريباً تخريج حديث الجهنية. ويظهر أن الجهنية هي الغامدية لأن «غامداً» بطن من جهينة.\r(2) رواه مسلم وأحمد وأبو داود عن أبي سعيد الخدري، قال: «لما أمرنا رسول الله صلّى الله عليه وسلم أن نرجم ماعز بن مالك خرجنا به إلى البقيع، فو الله ما حفرنا له، ولا أوثقناه، ولكن قام لنا، فرميناه بالعظام والخزف (وهي أكسار الأواني المصنوعة من المدر)، فاشتكى فخرج يشتد حتى انتصب لنا في عرض الحرة (وهي أرض ذات حجارة سود) فرميناه بجلاميد (بصخور) الجندل (ما يقله الرجل من الحجارة) حتى سكت» (راجع نصب الراية: 325/3، نيل الأوطار: 109/7).","part":7,"page":328},{"id":4614,"text":"دلالة على الرجوع عن قراره، وقد هرب ما عز من أرض قليلة الحجارة إلى أرض كثيرة الحجارة (1) .\rوإذا كان المحدود امرأة، فقال الحنفية: يخير الإمام في الحفر لها، إن شاء حفر لها وإن شاء ترك الحفر، أما الحفر فلأنه أستر لها، وقد روي أن الرسول صلّى الله عليه وسلم حفر للمرأة الغامدية إلى ثَنْدوتها (أي ثديها) (2) . وأما ترك الحفر فلأن الحفر للستر وهي مستورة بثيابها؛ لأنها لا تجرد عند إقامة الحد.\rوقال الشافعية: الأصح استحباب الحفر للمرأة إن ثبت زناها بالبينة، لئلا تنكشف، بخلاف ما إذا ثبت زناها بالإقرار لتتمكن من الهرب إن رجعت عن إقرارها.\rوقال المالكية والحنابلة: لا يحفر للمرأة، لعدم ثبوته. قال ابن رشد: وبالجملة فإن الأحاديث في ذلك مختلفة. والمشهور عند المالكية أنه لا يحفر للمرجوم حفرة. وقال أحمد (3) : أكثر الأحاديث على ألا حفر، فإن النبي صلّى الله عليه وسلم لم يحفر للجهنية ولالماعز ، ولا لليهوديين (4) .\rوأما حالة المحدود قياماً أو قعوداً في أثناء الجلد، فقال الحنفية: يقام الرجل، وتضرب المرأة قاعدة، وينزع عن الرجل ثيابه إلا الإزار، ويجرد عن ثيابه في كل الحدود والتعزير إلا حد القذف، فيكتفى بنزع الحشو والفرو.\r-------------------------------\r(1) المبسوط: 15/9، بداية المجتهد: 429/2، المنتقى على الموطأ: 142/7، القوانين الفقهية: ص 356، حاشية الدسوقي: 320/4، مغني المحتاج: 153/4، المغني: 158/8، البدائع: 59/7، فتح القدير: 128/4.\r(2) رواه أبو داود في سننه عن أبي بكر أن النبي صلّى الله عليه وسلم رجم امرأة فحفر لها إلى الثندرة، قال الزيلعي: وفيه مجهول. وروى مسلم وأحمد وأبو داود قصة الغامدية، وذكر فيها: «ثم أمر بها، فحفر لها إلى صدرها وأمر الناس فرجموها» (راجع جامع الأصول: 294/4، نصب الراية: 325/3، التلخيص الحبير: ص 353، نيل الأوطار: 109/7).\r(3) المراجع السابقة.\r(4) كونه صلّى الله عليه وسلم لم يحفر لماعز: ثابت في رواية أبي سعيد الخدري كما سبق بيانه، وأما عدم الحفر للجهنية فهو استدلال بظاهر الحديث الذي رواه أحمد ومسلم وأصحاب السنن إلا ابن ماجه عن عمران بن حصين، فإنه قال: «فأمر بها رسول الله صلّى الله عليه وسلم ، فشدت عليها ثيابها، ثم أمر بها فرجمت، ثم صلى عليها» فلم يذكر الحفر، قال ابن حجر في التلخيص: «لكنه استدلال بعدم الذكر، ولا يلزم منه عدم الوقوع» وكذلك الحديث الذي رواه أحمد والشيخان عن ابن عمر في قصة رجم اليهوديين لم يذكر فيه الحفر (راجع التلخيص الحبير: ص 353، نيل الأوطار: 92/7، 111، سبل السلام: 11/4، جامع الأصول: 277/4).","part":7,"page":329},{"id":4615,"text":"وأشد الضرب: هو التعزير إذا رأى الإمام ذلك للزجر والردع، ثم الجلد في الزنا، ثم حد الشرب، ثم حد القذف؛ لأن جناية الزنا أعظم من جناية الشرب والقذف؛ لأن القذف نسبة إلى الزنا، فكان دون حقيقة الزنا، ولأن قبح الزنا ثبت شرعاً وعقلاً. أما جريمة نفس الشرب فقد ثبتت شرعاً لا عقلاً، ولهذا كان الزنا حراماً في كل الأديان بخلاف الشرب، والخمر أيضاً يباح عند المخمصة والإكراه، ولا يباح الزنا عند الإكراه وغلبة الشهوة، وكذا وجوب الجلد ثبت في الزنا بنص الكتاب العزيز، وأما حد الشرب فثبت بالاجتهاد.\rوأما المرأة فلا ينزع عنها ثيابها إلا الفرو والحشو في كل الحدود؛ لأن كشف عورتها حرام، والفرو والحشو يمنعان وصول الألم إلى المضروب، والستر حاصل بدونهما، فينزعان ليتحقق الزجر، والزجرواجب (1) .\rوقال مالك: يضرب الرجل قاعداً لا قائماً، وكذا المرأة ويجرد الرجل في ضرب الحدود كلها ما عدا ما بين السرة والركبة؛ لأن الأمر بجلده يقتضي مباشرة جسمه (2) .\r-------------------------------\r(1) البدائع: 60/7، تبيين الحقائق للزيلعي: 171/3، المبسوط: 71/9 وما بعدها، فتح القدير: 128/4.\r(2) بداية المجتهد: 429/2، حاشية الدسوقي: 354/4.","part":7,"page":330},{"id":4616,"text":"وقال الشافعي وأحمد: لا يجرد المحدود في الحدود كلها فيما عدا الفرو أو الجبة المحشوة، فإنها تنزع عنه؛ لأنه لو ترك عليه ذلك، لم يبال بالضرب، وما عدا المذكور لا يجرد، لما روي عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، أنه قال: «ليس في هذه الأمة مدّ، ولا تجريد، ولا غَل ولا صفَد» (1) وجلد أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلم، فلم ينقل عن أحد منهم مد ولا تجريد، ولا ينزع عنه ثيابه، بل يكون عليه الثوب والثوبان (2) .\rوأما الرجم فترجم المرأة بالاتفاق قاعدة، والرجل يرجم عند الجمهور قائماً، وقال مالك كما تقدم : يرجم قاعداً.\rأداة الحد (كيفية الضرب والرجم ) :\rيقام حد الرجم بالضرب بالمدَر (الطين المتحجر) وبالحجارة المعتدلة (أي بملء الكف) لا بحصيات خفيفة لئلا يطول تعذيبه، ولا بصخرات تقضي عليه بسرعة لئلا يفوت التنكيل المقصود (3) .\rوأما الجلد: فيكون بسوط لا ثمرة له، ولا يمدد المحدود على الأرض، كما يفعل اليوم؛ لأنه بدعة، ولا يرفع الجلاد يده إلى ما فوق رأسه (4) ؛ لأنه يخاف منه\r-------------------------------\r(1) رواه الطبراني، قال الهيثمي: وهو منقطع الإسناد، وفيه جويبر، وهو ضعيف ( مجمع الزوائد: 253/6) الغل بالفتح: شد العنق بحبل أو غيره، والصفد بالتحريك: القيد وهو الغل في العنق أيضاً.\r(2) المهذب: 270/3، مغني المحتاج: 190/4، المغني: 313/8 وما بعدها.\r(3) راجع مغني المحتاج: 153/4، فتح القدير: 126/4، المنتقى على الموطأ: 134/7، القوانين الفقهية: ص 356.\r(4) بدليل فعل عمر وعلي وابن مسعود أنهم قالوا للجلاد: «لا ترفع يدك حتى ترى بياض إبطك» رواه البيهقي (راجع التلخيص الحبير: ص 361).","part":7,"page":331},{"id":4617,"text":"الهلاك أو تمزيق الجلد، ويضرب ضربة متوسطة ليست بمبرحة، ولا بالتي لا مسَّ فيها، حتى لا يؤدي إلى الهلاك، ويتحقق معنى الانزجار. والدليل فعل عمر وعلي وابن مسعود حيث ضربوا حداً بسوط بين سوطين (1) . ويلاحظ أنه لا خلاف بين العلماء في أن ضرب المحدود في غير حد الخمر يكون بالسوط. أما حد الخمر: فقال بعضهم: يقام بالأيدي والنعال وأطراف الثياب، لما روى أبو هريرة أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم أتي برجل قد شرب، فقال: اضربوه، فقال أبو هريرة: «فمنا الضارب بيده، والضارب بنعله، والضارب بثوبه» (2) .\rمكان الضرب في حد الجلد :\rيجب عند الحنفية ألا يجمع الضرب في عضو واحد؛ لأنه يؤدي إلى إتلاف العضو أو إلى تمزيق جلده، وإنما يفرق الضرب على الأعضاء من الكتفين والذراعين والعضدين والساقين والقدمين، ويتقى المواضع المخوفة التي يخشى من ضربها القتل، وهو الوجه والرأس والصدر والبطن والأعضاء التناسلية (3) . قال علي للجلاد: «اضربه وأعط كل عضو منه حقه، واتق وجهه ومذاكيره» (4) .\r-------------------------------\r(1) رواه البيهقي، ورواه عبد الرزاق في مصنفه عن يحيى بن أبي كثير، ويؤيد فعلهم: ما رواه الموطأ عن زيد بن أسلم من فعل الرسول صلّى الله عليه وسلم أنه دعا بسوط بين سوطين لجلد رجل اعترف بالزنا (راجع جامع الأصول: 340/4، نصب الراية: 323/3، التلخيص الحبير: ص 361، نيل الأوطار: 114/7).\r(وراجع فقهاً البدائع: 60/7، فتح القدير: 126/4، تبيين الحقائق: 169/3، حاشية ابن عابدين: 161/3، مغني المحتاج: 190/4، المهذب: 287/2، حاشية الدسوقي: 354/4، القوانين الفقهية: ص 346).\r(2) رواه أحمد والبخاري وأبو داود عن أبي هريرة (راجع نيل الأوطار: 138/7).\r(3) البدائع: 60/7، فتح القدير: 126/4، المهذب: 270/2.\r(4) قال الهيثمي: غريب مرفوعاً، وروي موقوفاً على علي، رواه ابن أبي شيبة وعبد الرزاق وسعيد بن منصور والبيهقي من طرق عن علي (راجع نصب الراية: 324/3، التلخيص الحبير: ص 361، سبل السلام: 32/4).","part":7,"page":332},{"id":4618,"text":"وقال مالك: يضرب في الحدود الظهر وما يقاربه (1) .\rوقال الشافعي: يفرق الضرب على الأعضاء ويتقى الوجه والفرج والخاصرة وسائر المواضع المخوفة. ودليلهم قول علي السابق، وما روي عن عمر أنه أتي بجارية قد فجرت، فقال: «اذهبا، واضرباها، ولا تخرقا لها جلداً» ولأن القصد من الحد الردع دون القتل (2) .\rوقال أحمد: يضرب في الأعضاء كلها ما عدا ثلاثة: وهي الرأس والوجه والفرج من الرجل والمرأة جميعاً؛ لأن ما عدا هذه الأعضاء ليس بمقتل، فأشبهت الظهر، ودليلهم قول علي السابق للجلاد: اضرب وأوجع واتق الرأس والوجه (3) .\rمكان إقامة الحد :\rقال الحنفية والحنابلة: ينبغي أن تقام الحدود كلها في ملأ من الناس؛ لقوله تعالى: {وليشهد عذابَهما طائفة من المؤمنين} [النور:2/24]، ولأن المقصود من الحد هو زجر الناس (4) .\rوقال الشافعية والمالكية: يستحب حضور جماعة، وأن يكونوا أربعة على الأقل (5) .\r-------------------------------\r(1) بداية المجتهد: 429/2، حاشية الدسوقي: 354/4.\r(2) مغني المحتاج: 154/4، المهذب: 270/2، الميزان: 173/2.\r(3) المغني لابن قدامة: 313/8 وما بعدها.\r(4) البدائع: 60/7، المغني: 170/8.\r(5) مغني المحتاج: 152/4، القوانين الفقهية: ص 356، المهذب: 270/2.","part":7,"page":333},{"id":4619,"text":"وقال الجمهور منهم الحنفية والشافعية والحنابلة (1) : لا تقام الحدود في المساجد لقوله عليه الصلاة والسلام: «لا تقام الحدود في المساجد، ولا يقتل بالولد الوالد» (2) وقوله أيضاً: «جنِّبوا مساجدكم صبيانكم ومجانينكم ورفع أصواتكم، وشراءكم وبيعكم، وإقامة حدودكم، وجمِّروها في جُمعكم، وضعوا على أبوابها المطاهر» (3) .\rولأن تعظيم المساجد واجب، ولهذا نهينا عن سل السيوف في المساجد، ولأنه لا يؤمن أن يخرج من المحدود نجاسة تلوث المسجد، فيجب الاحتياط في أمرها وتنزيه المسجد عنها (4) .\rحكم الميت بالرجم: قال الجمهور: إذا مات المرجوم يغسل ويكفن ويصلى عليه ويدفن (5) ؛ لأن الرسول عليه الصلاة والسلام قال في ماعز: «اصنعوا به ما تصنعون بموتاكم» (6) .\r-------------------------------\r(1) المهذب: 287/2، المبسوط: 101/9، المغني، المرجع السابق.\r(2) رواه الترمذي وابن ماجه والحاكم عن ابن عباس. وفي إسناده إسماعيل بن مسلم المكي وهو ضعيف من قبل حفظه، وأخرجه أبو داود والحاكم وابن السكن والدارقطني والبيهقي من حديث حكيم بن حزام، ولا بأس بإسناده، ورواه البزار من حديث جبير بن مطعم وفيه الواقدي، وهو ضعيف لتدليسه، ورواه ابن ماجه من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده وفيه ابن لهيعة (راجع جامع الأصول: 346/4، التلخيص الحبير: ص 361، مجمع الزوائد: 282/6، سبل السلام: 32/4).\r(3) رواه البزار من حديث ابن مسعود، ثم قال: يرويه موسى عن عمير، قال البزار: ليس له أصل من حديث ابن مسعود، ورواه ابن ماجه والطبراني في الكبير عن أبي الدرداء وأبي أمامة وواثلة بن الأسقع، ورواه الطبراني في الكبير أيضاً عن معاذ (راجع نصب الراية: 492/2، الترغيب والترهيب: 199/1).\r(4) البدائع: المرجع السابق.\r(5) البدائع: 63/7، المغني لابن قدامة: 166/8.\r(6) رواه ابن أبي شيبة في مصنفه عن بريدة. وروى حديث الصلاة عليه جابر بن عبد الله عند البخاري، وأبو أمامة بن سهل عند الزبيدي (راجع نصب الراية: 320/3، تحفة الفقهاء: 192/3).","part":7,"page":334},{"id":4620,"text":"ثلاثة مباحث ختامية\r1 - حكم اللواط :\rقال مالك والشافعي وأحمد: إن اللواط يوجب الحد؛ لأن الله سبحانه غلظ عقوبة فاعله في كتابه المجيد، فيجب فيه حد الزنا، لوجود معنى الزنا فيه.\rوقال أبو حنيفة: يعزر اللوطي فقط، إذ ليس في اللواط اختلاط أنساب، ولا يترتب عليه غالباً حدوث منازعات تؤدي إلى قتل اللائط، وليس هو زنا (1) .\rوحد اللائط في رأي المالكية والحنابلة في أظهر الروايتين عن أحمد: هو الرجم بكل حال، سواء أكان ثيباً أم بكراً، لقوله عليه السلام: «من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط، فاقتلوا الفاعل والمفعول به» وفي لفظ: «فارجموا الأعلى والأسفل» (2) .\rوحد اللائط عند الشافعية: هو حد الزنا، فإن كان اللائط محصناً، وجب عليه الرجم، وإن كان غير محصن، وجب عليه الجلد والتغريب، لما روى أبو موسى الأشعري رضي الله عنه أن النبي صلّى الله عليه وسلم قال: «إذا جاء الرجل الرجل فهما زانيان، وإذا أتت المرأة المرأة فهما زانيتان» ولأنه حد يجب بالوطء، فاختلف فيه البكر والثيب، قياساً على حد الزنا بجامع أن كلاً منهما إيلاج محرم في فرج محرم (3) .\r-------------------------------\r(1) العناية على هامش فتح القدير: 150/4.\r(2) حاشية الدسوقي: 314/4، المغني: 187/8، المنتقى على الموطأ: 142/7، القوانين الفقهية: ص355.\r(3) الميزان للشعراني: 157/2، المهذب: 268/2، مغني المحتاج: 144/4، تخريج الفروع على الأصول: ص 184.","part":7,"page":335},{"id":4621,"text":"2 - حكم إتيان البهيمة :\rاتفق الأئمة الأربعة على أن واطئ البهيمة يعزره الحاكم بما يردعه؛ لأن الطبع السليم يأبى هذا الوطء، فلم يحتج إلى زاجر بحد، بل يعزر، وفي سنن النسائي عن ابن عباس رضي الله عنهما: «ليس على الذي يأتي البهيمة حد» (1) ، ومثل هذا لا يقوله صحابي إلا عن توقيف، ونقل عن الرسول صلّى الله عليه وسلم .\rواختلفوا في حكم البهيمة الموطوءة، فقال المالكية: حكمها كغيرها في الذبح والأكل فلا تحرم ولا تكره.\rوقال الشافعية: لا تذبح في الأصح، وإن كانت مأكولة وذبحت، حل أكلها على الأصح، ولكنه يكره لشبهة التحريم. وإن كانت البهيمة لغيره، وجب عليه ضمانها إن كانت مما لا تؤكل، وضمان ما نقص بالذبح إذا كانت تؤكل؛ لأنه هو السبب في إتلافها وذبحها.\rوقيل عند الحنفية: إنها تذبح ولا تؤكل.\rوقال الحنابلة: يجب قتلها، سواء أكانت مأكولة أم غير مأكولة، لقوله عليه السلام: «من أتى بهيمة فاقتلوه واقتلوا البهيمة» (2) ، ولأن في بقائها تذكيراً بالفاحشة، فيعيَّر بها صاحبها (3) .\r3 - حد إتيان الميتة :\rقال المالكية: يحد من أتى ميتة في قبلها أو دبرها؛ لأنه وطء في فرج آدمية، فأشبه وطء الحية، ولأنه أعظم ذنباً وأكثر إثماً؛ لأنه انضم إلى الفاحشة هتك حرمة الميتة (4) .\rوقال الحنفية والشافعية والحنابلة في الأرجح عندهم: لا يحد واطئ الميتة؛ لأن هذا ينفر الطبع عنه، فلا يحتاج إلى الزجر عنه بحد كشرب البول، بل يعزر ويؤدب (5) .\r-------------------------------\r(1) أخرجه الترمذي وأبو داود، وفي لفظ «من أتى بهيمة فلا حد عليه» (راجع جامع الأصول: 308/4، التلخيص الحبير: ص 352، نيل الأوطار: 118/7).\r(2) رواه أحمد وأصحاب السنن الأربعة من طريق عمرو بن أبي عمر عن ابن عباس، قال الترمذي عن هذا الحديث: (لا نعرفه إلا من حديث عمرو بن أبي عمر) وضعفه أبو داود بحديث ابن عباس السابق: (ليس على الذي يأتي البهيمة حد) قال الترمذي: هذا أصح من الأول (راجع المراجع السابقة، ونصب الراية: 342/3، مجمع الزوائد: 273/6).\r(3) انظر فتح القدير: 152/4، البدائع: 34/7، حاشية الدسوقي: 316/4، المغني: 189/8، مغني المحتاج: 146/4، المهذب: 269/2.\r(4) حاشية الدسوقي: 314/4.\r(5) البدائع: 34/7، المغني: 181/8، مغني المحتاج: 145/4، المهذب: 269/2.","part":7,"page":336},{"id":4622,"text":"الفَصْلُ الثَّاني: حَدّ القَذف\rخطة الموضوع :\rتوضيح حد القذف في المباحث الستة الآتية:\rالمبحث الأول : مشروعية حد القذف وسبب وجوبه ومقداره.\rالمبحث الثاني: تعريف القذف لغة، وتفسيره شرعاً.\rالمبحث الثالث: شرائط وجوب حد القذف.\rالمبحث الرابع: صفة حد القذف.\rالمبحث الخامس: إثبات القذف.\rالمبحث السادس: صلاحيات القاضي في إثبات القذف.\rالمبحث الأول ـ مشروعية حد القذف وسبب وجوبه ومقداره :\rمشروعيته: القذف محرم من الكبائر، لما روى أبو هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم قال: «اجتنبوا السبع الموبقات، قالوا: يا رسول الله ، ما هن؟ قال: الشرك بالله عز وجل، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات» (1) .\rوحد القذف مشروع بقوله تعالى: {والذين يرمون المحصنات، ثم لم يأتوا بأربعة شهداء، فاجلدوهم ثمانين جلدة، ولا تقبلوا لهم شهادة أبداً، وأولئك هم الفاسقون} [النور:4/24].\rسبب وجوبه: يجب الحد بسبب القذف بالزنا؛ لأنه نسبة إلى الزنا، تتضمن إلحاق العار بالمقذوف، فيجب الحد دفعاً للعار عنه، وصيانة لسمعته (2) .\rمقداره: حد القذف مقدر بثمانين جلدة بنص الآية السابقة، ويضم إليه عقوبة أدبية أخرى هي رد الشهادة والتفسيق، فلا تقبل شهادته بعدئذ إلا إذا تاب في رأي غير الحنفية.\rالمبحث الثاني ـ تعريف القذف لغة وتفسيره شرعاً :\rالقذف لغة: هو الرمي بالحجارة ونحوها، ثم استعمل في الرمي بالمكاره لعلاقة المشابهة بين الحجارة والمكاره في تأثير الرمي بكل منهما؛ لأن في كل منهما أذى، فالقذف إذاية بالقول. ويسمى فرية ـ بكسر الفاء ـ كأنه من الافتراء والكذب (3) .\rوأما في الاصطلاح الشرعي: فهو نسبة آدمي غيره لزنا، أو قطع نسب\r-------------------------------\r(1) أخرجه البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه (راجع التلخيص الحبير: ص 355، الإلمام لابن دقيق العيد: ص 518، نيل الأوطار: 252/7).\r(2) البدائع: 40/7.\r(3) فتح القدير: 190/4، حاشية الدسوقي: 324/4، مغني المحتاج: 155/4، المغني: 215/8.","part":7,"page":337},{"id":4623,"text":"مسلم. وبعبارة أخرى تُخصص المراد هنا: هو نسبة آدمي مكلف غيره، حراً، عفيفاً، مسلماً، بالغاً عاقلاً أو مطيقاً، للزنا، أو قطع نسب مسلم. وهذا التعريف عند المالكية (1) .\rوقد فسره الحنفية بقولهم: القذف نوعان:\rـ أن يقذفه بصريح الزنا، وما يجري مجرى الصريح، وهو نفي النسب (2) .\rفالأول: أن يقذفه بصريح الزنا الخالي عن الشبهة، الذي لو أقام القاذف عليه أربعة من الشهود، أو أقر به المقذوف، لزمه حد الزنا.\rوالثاني: أن ينفي نسب إنسان من أبيه المعروف، فيقول: (لست بابن فلان) أو ( هو ليس بأبيك ) فيكون قاذفاً، كأنه قال: ( أمك زانية ).\rوبيانه: إذا قال رجل لآخر: يا زاني، أو زنيت، أو أنت زانٍ، يحد؛ لأنه قذفه بصريح الزنا، وكذلك لو قال له: ( يا ابن الزاني ) أو ( يا ابن الزانية ) فهو قاذف لأبيه أو أمه.\rأما لو قال له: ( لست لأمك ) فلا يكون قذفاً، إذ أنه كذب محض؛ لأنه نفي النسب من الأم، ونفي النسب من الأم لا يتصور؛ لأن أمه ولدته حقيقة. وكذا لو قال له: ( لست لأبويك ) لأنه نفي نسبه عنهما، ولا ينتفي عن الأم؛ لأنها ولدته، فيكون كذباً.\r-------------------------------\r(1) انظر حاشية الدسوقي: 324/4 وعرفه ابن جزي في القوانين الفقهية: ص 342 بتعريف أوجز:وهو الرمي بوطء حرام من قبل أو دبر أو نفي من النسب للأب (خلاف النفي من الأم) أو تعريض بذلك.\r(2) انظر التفصيل في البدائع: 42/7 وما بعدها، المبسوط: 119/9 وما بعدها، فتح القدير والعناية: 190/4، 202، تبيين الحقائق للزيلعي: 199/3 وما بعدها، حاشية ابن عابدين: 185/3 وما بعدها.","part":7,"page":338},{"id":4624,"text":"هذا بخلاف ما لو قال: ( لست لأبيك ) فهو قاذف لأمه؛ لأن ذلك ليس بنفي لولادة الأم، بل هو نفي النسب عن الأب، ونفي النسب عن الأب يكون قذفاً للأم.ولو قال: ( أنت ابن فلان ) لعمه أو لخاله، أو لزوج أمه، في غير حال الغضب، لا يكون قذفاً عند الحنفية؛ لأن العم يسمى أباً، وكذلك الخال، وزوج الأم، قال الله سبحانه: {قالوا: نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل} [البقرة:133/2] وإسماعيل كان عم يعقوب عليه السلام، وقد سماه أباً.\rوقال جل وعلا عن يوسف عليه السلام: {ورفع أبويه على العرش} [يوسف:100/12] قيل: إنهما أبوه وخالته، وإذا كانت الخالة أماً كان الخال أباً، وقال الله تعالى: {إن ابني من أهلي} [هود:45/11] قيل في التفسير: إنه كان ابن امرأته من غيره.\rفإن كان ذلك في حال الغضب على سبيل الشتم يكون قذفاً.\rولو قال: ( لست بابن فلان ) لجده، لم يكن قاذفاً؛ لأنه صادق في كلامه حقيقة؛ لأن الجد لا يسمى أباً حقيقة بل مجازاً.","part":7,"page":339},{"id":4625,"text":"ولو قال لرجل:( يا زانية ) لا يجب الحد عند أبي حنيفة وأبي يوسف، خلافاً لمحمد والشافعي. دليل محمد والشافعي: أن الهاء قد تدخل صلة زائدة في الكلام مثل: {ما أغنى عني ماليهْ، هلك عني سلطانيهْ} [الحاقة:28/69-29] ومعناه مالي وسلطاني، والهاء زائدة، فيحذف الزائد فيبقى قوله: ( يا زاني ) وقد تدخل الهاء في الكلام للمبالغة في الصفة مثل: علاَّمة ونسابة ونحوهما، فلا يختل به معنى القذف، كما لو قال لامرأة: «يا زاني» يجب الحد بالاتفاق. ودليل الشيخين: أنه قذفه بما لا يتصور، فيلغو، ودليل عدم التصور أنه قذفه بفعل المرأة وهو التمكين؛ لأن الهاء في الزانية هاء التأنيث كالضاربة والقاتلة والسارقة ونحوها، وهو لا يتصور من الرجل، بخلاف ما إذا قال لامرأة: ( يا زاني )؛ لأنه أتى بمعنى الاسم، وحذف الهاء في نعت المرأة لا يخل بمعنى القذف، وهاء التأنيث قد تحذف في الجملة كالحائض والطالق والحامل ونحوها.\rفيفهم منه حكم ما لو قال لامرأته: ( يا زاني ) فإنه يحد بالاتفاق بين الحنفية والشافعية. ولو قال: ( يا زانئ ) بالهمزة وعنى به الصعود، يحد؛ لأن العامة لا تفرق بين المهموز والملين، وبعض العرب يهمز الملين، فيبقى مجرد النية، فلا يعتبر.\rولو قال: ( زنأت في الجبل ) وعنى به الصعود، فلا يصدق، ويحد عند أبي حنيفة وأبي يوسف. وعند محمد: يصدق ولا يحد.\rدليل محمد: أن الزنا الذي هو فاحشة ملين، والزنأ الذي هو صعود مهموز. فإذا قال: عنيت به الصعود، فقد عنى به ماهو موجب اللفظ لغة، فلزم اعتباره.\rودليل الشيخين: أن اسم الزنا يستعمل في الفجور عرفاً وعادة، والعامة لا تفصل بين المهموز والملين، فلا يصدق في الصرف عن المتعارف.\rوقال الشافعية (1) : إن قال: زنأت في الجبل، فليس بقذف من غير نية؛ لأن الزنأ هو الصعود في الجبل، بدليل قول الشاعر:\rوارق إلى الخيرات زنأً في الجبل\r-------------------------------\r(1) المهذب: 273/2.","part":7,"page":340},{"id":4626,"text":"وإذا قال: ( زنأت على الجبل ) فيحد بالاتفاق؛ لأنه لا تستعمل كلمة (على) في الصعود، فلا يقال: صعد على الجبل، وإنما يقال: صعد في الجبل.\rولو قال: ( يا ابن القحبة ) لم يكن قاذفاً؛ لأن هذا الاسم كما يطلق على الزانية، يستعمل في المهيأة المستعدة للزنا وإن لم تزن، فلا يجعل قذفاً مع الاحتمال.\rوكذلك لو قال: ( يا ابن الدعية ) لا يحد؛ لأن الدعية هي المرأة المنسوبة إلى قبيلة لا نسب لها منهم، فلا يدل على كونها زانية، لجواز ثبوت نسبها من غيرهم.\rولكن إذا تغير العرف، وأصبح استعمال اللفظين الأخيرين مقصوداً به القذف في عرف الناس وعاداتهم، وجب الحد.\rهذا كله في القذف بصريح الزنا، أو بما جرى مجرى الصريح، وفيما ليس قذفاً بالزنا، فما حكم القذف بطريق الكناية والتعريض؟ وجوابه فيما يأتي:\rهل التعريض بالقذف يوجب الحد؟\rاتفق الفقهاء على أن القذف إذا كان بلفظ صريح بالزنا، وجب الحد. واختلفوا إذا كان بتعريض مثل: أن يقول لمن يخاصمه: ( ما أنت بزان )، ( ما يعرفك الناس بالزنا )، ( يا حلال ابن الحلال ). أو يقول: ( ما أنا بزان، ولا أمي بزانية، ولا أبي بزان ).\rفقال الحنفية: إن التعريض لا يوجب الحد، وإن نوى به القذف؛ لأن التعريض أمر خفيف في الأذى عادة، وهو بمنزلة الكناية المحتملة للقذف ونحوه، ولا يحد الشخص بالاحتمال، لقوله عليه الصلاة وسلام: ( ادرؤوا الحدود بالشبهات ). كذلك لا يحد بالألفاظ المشتركة بين الزنا وغيره، أو بما يدل صراحة على وطء غير الزنا.\rمثال الأول: أن يقول لامرأة: ( وطئك فلان وطأً حراماً ) أو (فجر بك فلان) أو يقول لرجل:( وطئت فلانة حراماً ) أو ( جامعتها حراماً ) فلا يحد، إذ قد يكون الوطء حراماً ولا يكون زنا، فكان قذفه محتملاً، ولا يجب الحد مع الاحتمال.","part":7,"page":341},{"id":4627,"text":"ومثال الثاني: أن يقول لرجل: ( يا لوطي ) أو ( تعمل عمل قوم لوط ) فلا يحد؛ لأنه في الأول نسبه إلى قوم لوط فقط، وفي الثاني قذفه باللواط، وهو ليس زنا عند أبي حنيفة خلافاً لصاحبيه، كما سبق بيانه بالتفصيل (1) .\rوقال المالكية: التعريض بالقذف يوجب الحد إن أفهم تعريضه القذف بالزنا بالقرائن، كالخصام، كأن يقول: ( أما أنا فلست بزان ) أو ( أنا معروف ) لأنه ثقيل على غالب الناس، والكناية قد تقوم في العادة والاستعمال مقام الصريح، وإن كان اللفظ فيها مستعملاً في غير موضعه أي مقولاً بالاستعارة، وهذا معنى قول الأدباء: الكناية أبلغ من الصريح. وقد وقعت هذه القضية في زمان عمر، فشاور فيها الصحابة، فاختلفوا فيها عليه، فرأى عمر فيها الحد، فجلد القاذف (2) .\rوقال الشافعية: التعريض إن نوى به القذف، وفسره به وجب الحد، فهو بمنزلة الكناية، والكناية توجب الحد؛ لأن ما لا تعتبر فيه الشهادة كانت الكناية فيه مع النية بمنزلة الصريح كالطلاق والعتاق. وإن لم ينو به القذف لم يجب الحد، سواء أكان التعريض في حال الخصومة أم غيرها؛ لأنه يحتمل القذف وغيره،\r-------------------------------\r(1) انظر المبسوط: 120/9، فتح القدير: 191/4، البدائع: 42/7-44، تبيين الحقائق: 200/3.\r(2) بداية المجتهد: 432/2، حاشية الدسوقي: 327/4، المنتقى على الموطأ: 150/7، القوانين الفقهية: ص 357.","part":7,"page":342},{"id":4628,"text":"والحدود تدرأ بالشبهات (1) . ومن الكناية عندهم أن يقول: يا فاجر، يا خبيث، ياحلال ابن الحلال، فإن نوى به القذف، وجب به الحد، وإن لم ينو به القذف، لم يجب به الحد، سواء أكان القول في حال الخصومة أم في غيرها؛ لأنه يحتمل القذف وغيره.\rوقال الحنابلة: اختلفت الرواية عن أحمد في التعريض بالقذف:في رواية لا حد عليه، وهو ظاهر كلام الخرقي واختيار أبي بكر. وفي رواية: عليه الحد بدليل فعل عمر السابق ذكره (2) .\rالقذف باللواط: قال الشافعية (3) : إن قال شخص لغيره: لطت أو لاط بك فلان باختيارك، فهو قذف؛ لأنه قذفه بوطء يوجب الحد، فأشبه القذف بالزنا، وإن قال: يا لوطي، وأراد أنه على دين قوم لوط لا يحد؛ لأنه يحتمل ذلك. وإن أراد أنه يعمل عمل قوم لوط وجب الحد. والقذف باللواط موجب للحد عند الجمهور غير الحنفية.\rقذف الجماعة: قال الحنفية والمالكية: إذا قذف الشخص جماعة يحد حداً واحداً، كأن يقول: «كلكم زان» أو يقول لكل واحد منهم في مجلس، أو متفرقين: «يا زاني» أو «فلان زان، وفلان زان» . ودليلهم أن هلال بن أمية قذف أمرأته بشريك بن سحماء، فرفع الأمر إلى النبي عليه الصلاة والسلام فلاعن بينهما، ولم يحد هلالاً لقذفه شريك بن سحماء (4) ؛ لأن القذف جناية توجب\r-------------------------------\r(1) المهذب: 273/2.\r(2) المغني: 222/8.\r(3) المهذب: 273/2.\r(4) أخرجه أبو يعلى ورجاله ثقات من حديث أنس بن مالك، قال: «أول لعان كان في الإسلام أن شريك ابن سحماء قذفه هلال بن أمية بامرأته، فقال له النبي صلّى الله عليه وسلم : البينة وإلا فحد في ظهرك، فقال: يا رسول الله ، إن الله يعلم أني لصادق ولينزلن الله عليك ما يبرئ ظهري من الحد، فأنزل الله عز وجل آية اللعان، ولاعن النبي صلّى الله عليه وسلم وفرق بينهما» والحديث أخرجه البخاري عن ابن عباس (راجع نصب الراية: 306/3، سبل السلام: 16/4).","part":7,"page":343},{"id":4629,"text":"حداً، فإذا تكرر كفى حد واحد، كما لو سرق من جماعة، أو زنى بنساء (1) .\rوقال الشافعي، وزفر من الحنفية: إذا قذف شخص جماعة، فيجب لكل واحد منهم حد، سواء أكان القذف لكل واحد على انفراد أم بكلمة واحدة؛ لأنه ألحق العار بقذف كل واحد منهم، فلزمه لكل واحد منهم حد، كما لو أفرد كل واحد منهم بالقذف (2) .\r\rوقال الحنابلة: إن قذف الجماعة بكلمة واحد، فيحد حداً واحداً، إذا طالبوا جميعاً، أو طالب واحد منهم؛ لأن مطلق الآية: {والذين يرمون المحصنات} [النور:4/24] لم يفرق فيها بين قذف واحد أو جماعة، ولأنه قذف واحد، فلم يجب إلا حد واحد. فإن قذف الجماعة بكلمات فلكل واحد حد؛ لأن القذف حق للآدمي، وحقوق الآدميين لا تتداخل كالديون والقصاص (3) ، أي لا يجزئ بعضها عن بعض.\rتكرار القذف: قال الشافعية (4) : إن كرر القاذف القذف بنفس الزنا السابق الذي حد عليه، يعزر للأذى، ولم يحد؛ كما فعل عمر مع أبي بكرة الذي كرر قذف المغيرة. وإن قذفه بزنا آخر قبل أن يقام عليه الحد، يلزمه في الصحيح حد واحد؛ لأنهما حدان من جنس واحد، لمستحق واحد، فتداخلا كما لو زنى، ثم زنى.\r-------------------------------\r(1) المبسوط: 111/9، البدائع: 42/7، 56، حاشية الدسوقي: 327/4، القوانين الفقهية: ص358، بداية المجتهد: 433/2، الشرح الكبير: 327/4.\r(2) المهذب: 275/2، الميزان: 160/2.\r(3) المغني: 233/8 وما بعدها.\r(4) المهذب: 275/2.","part":7,"page":344},{"id":4630,"text":"وقال المالكية (1) : من قذف شخصاً واحداً مراراً كثيرة، فعليه حد واحد إذا لم يحد لواحد منها، اتفاقاً، فإن قذفه فحد، ثم قذفه مرة أخرى، حد مرة أخرى اتفاقاً.\rوأيد الحنابلة (2) ذلك فقالوا: إن اجتمعت حدود الله في جنس، بأن زنى أو سرق أو شرب مراراً، تداخلت، فلا يحد سوى مرة، فإن كانت من أجناس وفيها قتل، استوفي وحده، وإلا وجب أن يبدأ بالأخف فالأخف.\rالمبحث الثالث ـ شرائط وجوب حد القذف :\rاشترط الحنفية لوجوب حد القذف ستة أنواع من الشرائط، يتعلق بعضها بالقاذف، وبعضها بالمقذوف، وبعضها بهما جميعاً، وبعضها بالمقذوف به، وبعضها بالمقذوف فيه، وبعضها بنفس القذف.\rأولاً ـ شروط القاذف :\rيشترط في القاذف ستة شروط متفق عليها:\r1 - العقل: فلا عبرة بكلام المجنون.\r2 - البلوغ: فلا يحد القاذف إذا كان صبياً كالمجنون، والسبب في عدم العقاب أن الحد عقوبة، فتستدعي كون القذف جناية، وفعل الصبي والمجنون، لايوصف بكونه جناية. ولافرق بين كون القاذف مسلماً أو كافراً التزم حقوق المسلمين من مرتد أو ذمي أو معاهد. واشترط الشافعية كون القاذف مختاراً غير مكره.\r3 - عدم إثباته ما قذف به بأربعة شهود، فإن أتى بهم وشهدوا على المقذوف بالزنا، لم يحد حد القذف، لقوله تعالى: {والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة} [النور:4/24] (3) واشترط أبو حنيفة أن يأتي الشهود جماعة؛ لأن الشاهد الواحد إذا شهد بانفراده صار قاذفاً، فوجب عليه الحد، وخرج عن كونه شاهداً، فلا خلاص من هذا الإشكال إلا باشتراط الاجتماع. ولم يشترط الجمهور هذا الشرط، إذ الآية مطلقة، بل تفريقهم أولى؛ لأنه أبعد عن التهمة والتواطؤ. وأجاز الحنفية كون الزوج أحد الشهود الأربعة. وقال الجمهور: يلاعن الزوج، ويحد الشهود الثلاثة؛ لأن الشهادة بالزنى قذف.\r4 - أن يكون القاذف ملتزماً بأحكام الشريعة، لا الحربي، وعالماً بالتحريم.\r5 - الاختيار أو الطواعية، فلا يحد المكره بالقذف.\r6 - ألا يأذن المقذوف للقاذف بالقذف بالزنا، فإن أذن له بالقذف لم يحد للشبهة.\rثانياً ـ شروط المقذوف :\rيشترط في المقذوف بالاتفاق شرطان (4) :\r1 - أن يكون المقذوف محصناً: رجلاً كان أو امرأة. وشرائط إحصان\r-------------------------------\r(1) القوانين الفقهية: ص 357 وما بعدها، الشرح الكبير: 327/4.\r(2) غاية المنتهى: 315/3.\r(3) البدائع: 40/7.\r(4) انظر البدائع، المرجع السابق، فتح القدير: 191/4، المبسوط: 116/9، تبيين الحقائق للزيلعي: 200/3، حاشية ابن عابدين: 184/3، المهذب: 272/2، 276، الدرديرمع الدسوقي: 325/4 وما بعدها، المغني: 215/8، 227 وما بعدها.","part":7,"page":345},{"id":4631,"text":"القذف خمسة: العقل، والبلوغ، والحرية، والإسلام، والعفة عن الزنا. وبناء عليه لا يجب الحد بقذف الصبي والمجنون والرقيق والكافر، ومن لاعفة له من الزنا.\rأما اشتراط العقل والبلوغ: فلأن الزنا لا يتصور من الصبي والمجنون، فكان قذفهما بالزنا كذباً محضاً، فيوجب التعزير، لا الحد.\rوأما الحرية: فلأن الله سبحانه وتعالى شرط الإحصان في آية القذف، وهي قوله تعالى: {والذين يرمون المحصنات} [النور:4/24] والمراد من المحصنات هنا: الحرائر لا العفائف عن الزنا. فلو أريد من المحصنات: العفائف، لكان تكراراً مع ما بعده من الأوصاف الآتية.\rوأما الإسلام والعفة عن الزنا، فلقوله تعالى: { إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات} [النور:23/24] والغافلات: العفائف عن الزنا.\rوتفسير العفة عن الزنا: هو ألا يكون المقذوف قد وطئ في عمره وطأً حراماً، في غير ملك، ولا نكاح أصلاً، ولا في نكاح فاسد فساداً مجمعاً عليه في عهد السلف، مثل وطء المرأة بشبهة: بأن زفت إليه غير امرأته فوطئها.\rومن لا يجب عليه الحد، لعدم إحصان المقذوف أو للتعريض بالقذف، على الخلاف السابق فيه، عزر؛ لأنه آذى من لا يجوز إيذاؤه.","part":7,"page":346},{"id":4632,"text":"2 - أن يكون المقذوف معلوماً: فإن كان مجهولاً لا يجب الحد، كما إذا قذف جماعة على النحو الذي سبق بيانه، أو قال لجماعة: ( ليس فيكم زان إلا واحد ) أو قال لرجلين: ( أحدكما زان ) فإنه في هذه الصور الثلاث لا يجب الحد لكل واحد من الجماعة؛ لأن المقذوف مجهول. والمذهب لدى الشافعية (1) : أنه إذا قذف الوالد ولده، أو قذف الجد ولد ولده، لم يجب عليه الحد؛ لأن الحد عقوبة تجب لحق الآدمي، فلم تجب للولد على الوالد كالقصاص. وإن قذف زوجته، فماتت، وله منها ولد، سقط الحد؛ لأن المطالبة حق للولد، ولم يثبت له هذا الحق على والده. وإن كان لها ابن آخر من غيره، وجب له الحد، لثبوت حقه فيه.\rثالثاً ـ ما يشترط في القاذف والمقذوف معاً :\rيشترط بالاتفاق ألا يكون القاذف أباً للمقذوف، ولا جده وإن علا، ولا أمه ولا جدته وإن علت. فإن كان كذلك، فلا حد عليه، للأوامر التي تطالب بالإحسان إلى هؤلاء، وفي إقامة الحد ترك للتعظيم والاحترام الواجب شرعاً (2) .\rرابعاً ـ مايشترط في المقذوف به :\rيشترط أن يكون القذف بصريح الزنا، أو بما يجري مجرى الصريح. وقد سبق تفصيله في مطلب تفسير القذف شرعاً.\rخامساً ـ شرط المقذوف فيه أي المكان :\rيشترط أن يكون القذف حاصلاً في دار العدل، فإن حصل في دار الحرب أو في دار البغي، فلا يجب الحد؛ لأن الإمام هو الذي يقيم الحد، ولا ولاية له على دار الحرب، ولا على دار البغي (3) في رأي الجمهور، وقال الشافعية: يستحق الباغي الحد.\r-------------------------------\r(1) المهذب: 272/2.\r(2) البدائع: 42/7، المهذب: 272/2، الدردير مع الدسوقي: 327/4، 331، المغني: 219/6.\r(3) البدائع: 45/7.","part":7,"page":347},{"id":4633,"text":"سادساً ـ ما يشترط في القذف نفسه :\rيشترط أن يكون القذف مطلقاً عن الشرط والإضافة إلى وقت في المستقبل. فإن كان معلقاً بشرط أو مضافاً إلى وقت، لا يجب الحد؛ لأن ذكر الشرط أو الوقت يمنع وقوعه قذفاً للحال، وعند وجود الشرط أو الوقت يجعل كأنه نجز القذف، فكان قاذفاً تقديراً مع انعدام القذف حقيقة، فلا يجب الحد. فإذا قال رجل لآخر: ( إن دخلت هذه الدار فأنت زان ) فدخل، فلا حد عليه. وكذلك إذا قال لغيره: ( أنت زان غداً ) أو ( أنت زان رأس شهر كذا ) فجاء الغد والشهر، لا حد عليه (1) .\rوالخلاصة: قال القرطبي: للقذف عند العلماء شروط تسعة: شرطان في القاذف، وهما العقل والبلوغ؛ لأنهما أصلا التكليف؛ إذ التكليف ساقط دونهما. وشرطان في المقذوف به: وهو أن يقذف بوطء يلزمه فيه الحد، وهو الزنا واللواطة، أو بنفيه من أبيه دون سائر المعاصي. وخمسة في المقذوف: وهي العقل والبلوغ والإسلام والحرية والعفة عن الفاحشة التي رمي بها، كان عفيفاً من غيرها، أم لا.\rالمبحث الرابع ـ صفة حد القذف :\rاختلف الفقهاء في تكييف حد القذف، هل هو حق لله تعالى أو حق للعباد (2) .\r-------------------------------\r(1) البدائع: المرجع السابق.\r(2) المراد بحق العبد: هو أنه لو أسقطه لسقط كالديون والأثمان. والمراد بحق الله : هو أنه ليس للعبد إسقاطه (الفروق: 141/1).","part":7,"page":348},{"id":4634,"text":"قال الحنفية: إن حد القذف فيه حقان: حق للعبد، وحق لله تعالى، إلا أن حق الله تعالى فيه غالب؛ لأن القذف جريمة تمس الأعراض، وفي إقامة الحد على القاذف تتحقق مصلحة عامة: وهي صيانة مصالح العباد، وصيانة الأعراض، ودفع الفساد عن الناس (1) .\rوقال الشافعية والحنابلة: إن حد القذف حق خالص للآدمي المقذوف؛ لأن القذف جناية على عرض المقذوف، وعرضه حقه، فكان البدل (وهو العقاب) حقه، كالقصاص (2) .\rويترتب على هذا الخلاف: أنه بناء على القول الأول، وهو مذهب الحنفية: لا يصح للمقذوف إسقاط الحد ولا الإبراء منه والعفو عنه،ولا الصلح والاعتياض عنه (أي بعد أن يرفع الأمر إلى الحاكم، أما قبل ذلك فيسقط بالعفو) ولا يجري فيه الإرث، ولكن يسقط بموت المقذوف؛ لأن الإرث إنما يجري في المتروك من ملك أو حق للمورث، لقوله عليه السلام: «من ترك مالاً أو حقاً فهو لورثته» (3) وحد القذف ليس حقاً للمورث عندهم، وإنما هو حق لله تعالى في غالبه، فلا يرثه ورثته، ويجري فيه التداخل كما في قذف الجماعة، فيجب حد واحد إذا تكرر القذف كما سبق بيانه.\rوإذا طلب المقذوف من القاضي أن يستحلف القاذف، فلا يحلفه كما في حد الزنا. ومثل حد القذف: حد الزنا والشرب والسكر والسرقة.\r-------------------------------\r(1) فتح القدير: 194/4، البدائع: 56/7، حاشية ابن عابدين: 189/4، المبسوط: 113/9.\r(2) المهذب: 274/2 وما بعدها، الميزان: 160/2 وما بعدها، المغني: 217/8، 219، 230، 233، 236.\r(3) رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة عن النبي صلّى الله عليه وسلم أنه قال في خطبته: «من خلّف مالاً أو حقاً فلورثته، ومن خلف كلاً أو ديناً، فكله إلي، ودينه علي» وفي لفظ: «من ترك مالاً فلورثته، ومن ترك كلاًّ فإلينا» وعن سلمان عند الطبراني بنحو حديث أبي هريرة وزاد: «وعلى الولاة من بعدي من بيت مال المسلمين» وفي إسناده عبد الله بن سعيد الأنصاري متروك، وعن أبي أمامة عند ابن حبان في ثقاته. وأخرج أبو داود والنسائي وابن ماجه عن المقدام بن معد يكرب، قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم : «من ترك كلاً فإلي، ومن ترك مالاً فلورثته، وأنا وارث من لا وارث له، أعقل منه، وأرثه، والخال وارث من لا وارث له، يعقل عنه ويرثه» . (راجع نصب الراية: 58/4، التلخيص الحبير: ص 251، نيل الأوطار: 238/5).","part":7,"page":349},{"id":4635,"text":"وبناء على القول الثاني، وهو مذهب الشافعية والحنابلة: يصح للمقذوف ولو بعد رفع الأمر للحاكم إسقاط الحد والإبراء منه، والعفو عنه، والصلح، والاعتياض عنه، ويورث حق المطالبة بحد القذف؛ لأنه من حقوق العباد. أما حديث صفوان الآتي فهو في حد السرقة الذي هو حق لله تعالى. ودليلهم ما رواه ابن السني أن النبي صلّى الله عليه وسلم قال: «أيعجز أحدكم أن يكون كأبي ضمضم كان يقول: تصدقت بعرضي» أي بنفسي، والتصدق بالعرض لا يكون إلا بالعفو عما يجب له.\rوأما التداخل: فلا يجري فيه عندهم، حتى لو قذف جماعةً، كل واحد منهم على انفراد، وجب لكل واحد منهم حد كما سبق بيانه وتفصيله.\rوإذا ادعى شخص على رجل أنه قذفه فيستحلف؛ لأنه حق لآدمي كالدين.\rوأما مذهب المالكية فمختلف فيه؛لأن قول مالك اختلف: فمرة قال بقول الشافعي: وهو أن حد القذف حق للآدمي، فيجوز فيه العفو وهو الأظهر عند ابن رشد، ومرة قال: فيه حقان: حق لله وحق للعبد، إلا أنه يغلب فيه حق الإمام إذا وصل إليه أمر الحد، فإذا رفع أمر الحد إلى الإمام لا يملك المقذوف العفو عن الحد، إلا إذا أراد المقذوف الستر على نفسه، تغليباً لحق ولي الأمر إذا وصل إليه الحد، قياساً على الأثر الوارد في السرقة (1) ، وهو أن الرسول عليه الصلاة والسلام قال في حادثة سارق رداء صفوان: «فهلا ـ أي عفوت عنه ـ قبل أن تأتيني به» فلم يعمل\r-------------------------------\r(1) انظر بداية المجتهد: 433/2 وما بعدها، المنتقى على الموطأ: 148/7، حاشية الدسوقي: 331/4، الفروق للقرافي: 141/1، القوانين الفقهية: ص 358، تهذيب الفروق: 157/1، الفروق: 141/1، 175/4.","part":7,"page":350},{"id":4636,"text":"الرسول بقول صفوان: «إني لم أرد هذا ـ أي قطع يده ـ هوـ أي الرداء ـ عليه صدقة» (1) .\rوالرأي الأول هو المشهور عن مالك والراجح في مذهبه، فيجوز عنده للمقذوف العفو عن قاذفه قبل بلوغ الإمام أو نائبه، أو بعد بلوغه إليه إن أراد المقذوف ستراً على نفسه، كأن يخشى أنه إن ظهر أمره قامت عليه بينة بما رماه به. أما إن لم يرد المقذوف الستر، فلا يجوز له العفو عن القاذف بعد بلوغ الإمام أو نائبه، لصيرورته حقاً لله تعالى.\rالمبحث الخامس ـ إثبات القذف :\rتثبت جرائم الحدود كلها عند القاضي بالبينة أو بالإقرار، بشرط توافر شروط معينة، بعضها في وسيلة الإثبات نفسها، أي في البينة أو الإقرار، وبعضها يتوقف عليها النظر في إثبات الحد بالوسائل المذكورة، وهو شرط الخصومة (2) ، أي رفع الدعوى.\rالخصومة: الخصومة معناها: رفع الدعوى، وهي ليست بشرط في حد الزنا والشرب، ولكنها شرط في ثبوت حد السرقة كما سأبين، وشرط في ثبوت حد\r-------------------------------\r(1) أخرجه الموطأ وأحمد وأصحاب السنن الأربعة وصححه ابن الجارود والحاكم عن صفوان بن أمية. ورواية الموطأ: أن صفوان بن أمية قيل له: إنه إن لم يهاجر هلك، فقدم صفوان بن أمية المدينة، فنام في المسجد وتوسد رداءه، فجاء سارق، فأخذ رداءه. فأخذ صفوان السارق، فجاء به إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلم ، فأمر به رسول الله صلّى الله عليه وسلم أ ن تقطع يده، فقال له صفوان: إني لم أرد هذا يا رسول الله ، هو عليه صدقة، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلم : فهلا قبل أن تأتيني به. (راجع تنوير الحوالك شرح موطأ مالك: 49/3، جامع الأصول: 342/4، مجمع الزوائد: 276/6، نصب الراية: 368/3، سبل السلام: 26/4).\r(2) البدائع: 46/7، 52.","part":7,"page":351},{"id":4637,"text":"القذف بالشهادة والإقرار. أما على أصل الشافعي فلأن حد القذف حق خالص للعبد، فيشترط فيه الدعوى، كما في سائر حقوق العباد، ويسقط إذا عفا عنه، بدليل ما روى ابن السني: «أن النبي صلّى الله عليه وسلم قال: أيعجز أحدكم أن يكون كأبي ضمضم؟ كان يقول: تصدقت بعرضي» والتصدق بالعرض لا يكون إلا بالعفو عما يجب له.\rوأما عند الحنفية: فحد القذف وإن كان المغلب فيه حق الله عز وجل، ولكن للشخص فيه حق؛ لأنه ينتفع به بصيانة عرضه عن الهتك، فيشترط فيه رفع الدعوى عن جهة حق الشخص؛ لأن حق الشخص الخاص لا يثبت إلا بمطالبته وخصومته (1) . وسأتكلم عن الخصومة في موضعين: حكم الخصومة، ومن يملك الخصومة.\rحكم الخصومة أو الدعوى: الأفضل للمقذوف أن يترك الخصومة؛ لأن فيها إشاعة الفاحشة، وهو مندوب إلى تركها، وكذا العفو عن الخصومة أفضل لقوله تعالى: {وأن تعفوا أقرب للتقوى ولا تنسوا الفضل بينكم} [البقرة:237/2] ويستحسن للقاضي إذا رفع الأمر إليه أن يرغب المدعي بترك الدعوى (2) .\rمن يملك الخصومة ومن لا يملكها :\rالمقذوف: إما أن يكون حياً وقت القذف، وإما أن يكون ميتاً. فإن كان حياً فلا خصومة لأحد سواه، ولو كان ولداً أو والداً له، سواء أكان حاضراً أم غائباً؛ لأنه إذا كان حياً وقت القذف، كان هو المقذوف صورة ومعنى بإلحاق العار به، فكان حق الخصومة له.\rوتجوز الإنابة في هذه الخصومة وهو التوكيل بالإثبات بالبينة عند أبي حنيفة ومحمد. وعند أبي يوسف: لا تجوز، إذ لا تصح وكالة في حد ولاقصاص عنده. دليله: أنه كما لا يجوز التوكيل في استيفاء حد القذف، فلا يجوز ذلك في إثباته؛ لأن الإثبات وسيلة إلى الاستيفاء.\r-------------------------------\r(1) البدائع: المرجع السابق: ص 52، المهذب: 274/2.\r(2) البدائع، المرجع السابق: ص 52.","part":7,"page":352},{"id":4638,"text":"ودليل الطرفين: أنه يفرق بين الإثبات والاستيفاء، وهو أن امتناع التوكيل في الاستيفاء بسبب الشبهة، وهي منعدمة في التوكيل بالإثبات (1) .\rوأما إذا كان المقذوف ميتاً: فإن حق الخصومة للوالد وإن علا، وللولد وإن سفل؛ لأن معنى القذف وهو إلحاق العار عائد إلى الأصل والفرع، لوجود الجزئية بالنسبة للفرع والبعضية بالنسبة للأصل، وقذف الإنسان يكون قذفاً لأجزائه، فكان القذف لاحقاً بهم من حيث المعنى، أما الميت فلا يرجع إليه معنى القذف؛ لأنه ليس بمحل لإلحاق العار به (2) . فإذا كان المقذوف حياً ثم مات، فليس لأحد من هؤلاء حق الخصومة؛ لأنه حد لا يورث كما عرفنا.\rولا حق في الخصومةأصلاً للإخوة والأخوات والأعمام والعمات والأخوال والخالات؛ لأنه وإن كان يؤلمهم نسبة الزنا إلى قريبهم، ولكنهم لا يلحقهم القذف لا صورة ولا معنى، لعدم انتسابهم إلى المقذوف لا بجزئية ولا بأصل.\rوأما أولاد البنات فمختلف فيهم: فعند محمد: لا يملكون الخصومة؛ لأن ولد البنت ينسب إلى أبيه، لا إلى جده، فلم يكن مقذوفاً معنى بقذف جده.\rوعند أبي حنيفة وأبي يوسف: يملكون الخصومة؛ لأن النسبة الحقيقية بين المقذوف وأولاد بناته ثابتة بوساطة أمهاتهم، فصاروا مقذوفين معنى (3) .\r-------------------------------\r(1) البدائع: 21/6، فتح القدير: 197/4، المبسوط: 113/9.\r(2) البدائع: المرجع السابق: 55/7، حاشية ابن عابدين: 187/4، فتح القدير: 195/4.\r(3) البدائع، المرجع السابق نفسه، المبسوط: 112/9.","part":7,"page":353},{"id":4639,"text":"ويلاحظ أن حق الخصومة يثبت لأقارب المقذوف هؤلاء على السواء، دون مراعاة الترتيب في القرابة، فالأقرب والأبعد في هذا الحق سواء؛ لأنه ثابت لهم ابتداء، وليس من طريق الإرث عن الميت وانتقاله لهم.\rوقال زفر: يراعى الترتيب في القرابة؛ لأن عار الأقرب يزيد على الأبعد (1) .\rونص المالكية والشافعية والحنابلة (2) : على أن حق القذف يثبت للورثة، فإن كان هناك وارثان، فعفا أحدهما ثبت للآخر جميع الحد، تحقيقاً للردع الذي شرع الحد من أجله. فإن لم يكن وارث، ثبت الحق فيه للمسلمين، ويستوفيه السلطان.\rالتوكيل في استيفاء الحد :\rعرفنا خلاف الحنفية في التوكيل في إثبات الحد، فهل تصح الوكالة في استيفاء الحد؟\rاتفق الحنفية على أنه لا تصح الوكالة في استيفاء الحدود والقصاص، فلا بد من وجود المقذوف، ووجود ولي القصاص حين الاستيفاء؛ لأن الاستيفاء عند غيبة الموكل استيفاء مع الشبهة، فقد يجوز فيما لو حضر المقذوف أن يصدِّق القاذف، والحدود لا تستوفى مع الشبهات (3) .\rوإذا حضر المقذوف يقوم ولي الأمر أو نائبه باستيفاء حد القذف، لتطلبه معرفة معينة. وأما القصاص فيستوفيه ولي الدم، أو من يوكله بسبب عجزه وضعف قلبه بإشراف الحاكم.\rوإذا طلب المقذوف إقامة الحد على القاذف، وخاصم بين يدي القاضي، وحكم القاضي بالحد، ثم مات المقذوف، أو مات قبل المطالبة، أو مات بعد ما ضرب بعض الحد، فيبطل الحد ويبطل ما بقي منه، وإن كان سوطاً واحداً. وليس لأحد الحق في متابعة الخصومة أو الاستيفاء، وحينئذ فلا تبطل شهادة القاذف عند الحنفية؛ لأن المغلب في حد القذف هو حق الله تعالى، فلا يورث كما\r-------------------------------\r(1) البدائع، المرجع السابق نفسه.\r(2) تكملة المجموع: 201/8، المهذب: 275/2، الشرح الكبير: 331/4.\r(3) البدائع: 55/7.","part":7,"page":354},{"id":4640,"text":"عرفنا (1) .وقال الشافعي وأحمد: يقوم الوارث مقام المقذوف في إثبات الحد واستيفائه؛ لأن حد القذف حق خالص للإنسان عنده، فيورث كل ما ترتب على القذف من حق الخصومة، ومتابعتها، واستيفاء الحد، وما تبقى منه (2) .\rشرائط البينة لإثبات القذف :\rلا يشترط في بينة المقذوف لإثبات القذف سوى الشروط التي تعم الحدود التي سبق ذكرها، وهي الذكورة والأصالة، فلا تقبل شهادة النساء ولا الشهادة على الشهادة ولا كتاب القاضي (3) .\rولا يشترط عدم التقادم في حد القذف، فلو تأخر الشهود زمناً طويلاً عن أداء الشهادة، ثم شهدوا على القذف، تقبل شهادتهم، بخلاف بقية الحدود كما عرفنا. والسبب في التفرقة بين حد القذف وغيره: هو أن التأخير فيه لا يدل على الضغينة والتهمة؛ لأنه يشترط رفع الدعوى في القذف، فاحتمل أن يكون التأخر في أداء الشهادة لتأخر المدعي في رفع الدعوى (4) .\r-------------------------------\r(1) البدائع، المرجع السابق نفسه، فتح القدير: 197/4، المبسوط: 114/9. (2) المهذب: 275/2.\r(3) المبسوط: 111/9.\r(4) البدائع: 46/7.","part":7,"page":355},{"id":4641,"text":"شرائط الإقرار بالقذف :\rكذلك لا يشترط في الإقرار بالقذف سوى الشروط العامة في الإقرارات في كل الحدود : وهي البلوغ والنطق، فلا يصح إقرار الصبي في الحدود، ولا إقرار الأخرس، سواء بالكتابة أم بالإشارة، كما ذكر في حد الزنا.\rولا يشترط تعدد الإقرار بالقذف بالاتفاق، ولا عدم التقادم أيضاً (1) .\rإثبات القذف بعلم القاضي :\rاتفق الحنفية على أن حد القذف يثبت بعلم القاضي في زمان القضاء ومكانه. واختلفوا في إثباته في غير زمان القضاء ومكانه (2) . فقال متقدموهم: له أن يقضي بعلمه في الواقعة، وقال متأخروهم: لا يجوز له أن يقضي بعلمه مطلقاً في الحوادث المتنازع فيها بسبب غلبة الفساد والسوء في القضاة!.\rتحليف القاذف ونكوله :\rإذا لم يكن للمدعي بينة على القذف، وطلب من القاضي أن يستحلف القاذف بالله تعالى ما قذفه، فلا يحلف عند الحنفية؛ لأن المقصود من الاستحلاف القضاء بالنكول عند عدم الحلف، والنكول يكون قائماً مقام الإقرار، ولكن الحد لا يقام بما هو قائم مقام غيره (3) .\rوقال مالك والشافعي: يحلف، وإذا نكل لا ترد اليمين على المدعي في الحدود. وقال أحمد: يحلف ولا ترد اليمين على المدعي، وإنما يقضي القاضي على المدعى عليه بالنكول عن اليمين، بإلزامه بادعاء المدعي (4) .\rومنشأ الخلاف بين الحنفية والجمهور: هل حد القذف خالص للإنسان، فيجري فيه الاستحلاف كما في سائر حقوق العباد، أو أن فيه حقين، وحق الله غالب ، فلا يحلف، وقد سبق بيانه في صفة حد القذف.\rالمبحث السادس ـ صلاحيات القاضي في إثبات القذف :\rإذا رفعت دعوى القذف إلى القاضي، فإما أن ينكر القاذف، أو يقر. فإن أنكر وطلب المقذوف من القاضي التأجيل لإقامة البينة، وادعى أن له بينة في المصر على قذفه، فإنه يؤجله إلى أن يقوم من مجلسه، ويحبس (5) المدعى عليه القذف في تلك الفترة. فإن أحضر البينة قبل قيام الحاكم من مجلسه، تمَّ المقصود، وإلا خلَّى سبيله.\rولا يجوز عند أبي حنيفة في فترة الانتظار إلى آخر مجلس الحاكم أن يأخذ كفيلاً بنفس المدعى عليه؛ لأن المقصود من الكفالة إقامة الكفيل مقام المكفول عنه في إيفاء الحد، وهذا لا يتحقق في الحدود والقصاص، ولأن الكفالة شرعت للاستيثاق، والحدود مبناها على الدرء والإسقاط، قال عليه الصلاة والسلام: «ادرؤوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم» (6) فلا يناسبها الاستيثاق بالكفالة، بخلاف الحبس، فإن الحبس للتهمة مشروع.\rوقال الصاحبان والشافعية: يأخذ القاضي من المدعى عليه كفيلاً بنفسه إلى ثلاثة أيام، ليأتي بالبينة، ولا يحبسه؛ لأنه لا ضرر على المدعى عليه، فتؤخذ منه\r-------------------------------\r(1) البدائع: 49/7-50.\r(2) البدائع، المرجع نفسه: 54/7، المبسوط: 108/9.\r(3) المبسوط للسرخسي: 105/9، البدائع: 52/7.\r(4) القوانين الفقهية: ص 358.\r\r(5) المراد من الحبس: الملازمة، أي يقال للمدعي: لازمه إلى هذا الوقت، لأن الحبس عقوبة، وبمجرد الدعوى لا تقام العقوبة على أحد (المبسوط: 106/9).\r(6) تقدم تخريجه عن عائشة، وأنه ضعيف الإسناد، والأصح أنه موقوف على جماعة من الصحابة مثل عمر وعلي وابن مسعود وعقبة بن عامر ومعاذ.","part":7,"page":356},{"id":4642,"text":"الكفالة كما في الأموال، ولأنه إذا كان الحبس جائزاً في الحدود، فالكفالة أولى؛ لأن معنى الوثيقة في الحبس أبلغ منه في الكفالة، فلما جاز الحبس، فالكفالة أحق بالجواز (1) ، وأما مدة الثلاثة الأيام فهي وقت قريب، لقوله عز وجل: {ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب قريب} [هود:64/11] ثم قال: {تمتعوا في داركم ثلاثة أيام } [هود:65/11].\rوإن قال المقذوف: ( لا بينة لي ) أو ( بينتي غائبة، أو خارج المصر ) فإن القاضي يخلي سبيل القاذف، ولا يحبس بالاتفاق لعدم التهمة (2) .\rموقف القاضي من القاذف بعد ثبوت القذف :\rإن أقام المقذوف البينة على صحة القذف، أو أقر القاذف كما ذكر، فإن القاضي يقول للقاذف: «أقم البينة على صحة قولك» .\rفإن أقام أربعة من الشهود على معاينة الزنا، أو على إقرار المقذوف بالزنا، بين يدي الإمام أربع مرات، سقط الحد عن القاذف، ويقام حد الزنا على المقذوف؛ لأنه ظهر أن القاذف صادق في مقالته (3) .\rوإن عجز عن إقامة البينة، يقام عليه حد القذف، لقوله تعالى: {والذين يرمون المحصنات، ثم لم يأتوا بأربعة شهداء، فاجلدوهم ثمانين جلدة} [النور:4/24].\rفإن طلب التأجيل من القاضي، وقال: ( شهودي غيَّب ) أو ( خارج المصر) لم يؤجله.\r-------------------------------\r(1) المبسوط: 106/9، البدائع: 53/7، المهذب: 273/2.\r(2) المرجعان السابقان.\r(3) البدائع: 53/7.","part":7,"page":357},{"id":4643,"text":"وإن قال: ( شهودي في المصر ) أجله إلى آخر المجلس، ولازمه المقذوف، ويقال له : «ابعث أحداً إلى شهودك فأحضرهم» ولا يؤخذ منه كفيل بنفسه عند أبي حنيفة؛ لأن في التأجيل إلى آخر المجلس الثاني منعاً من استيفاء الحد بعد ظهوره.\rوقال الصاحبان: يؤجل ( أي القاذف ) يومين أو ثلاثة، ويؤخذ منه كفيل؛ لأنه يحتمل أن يكون صادقاً في إخباره أن له بينة في المصر، وربما لا يمكنه الإحضار في ذلك الوقت، فيحتاج إلى التأخير إلى المجلس الثاني، وأخذ الكفيل لئلا يفوت حقه.\rوروي عن محمد رحمه الله أنه قال: إذا ادعى أن له بينة حاضرة في المصر، ولم يجد أحداً يبعثه إلى الشهود، فإن القاضي يبعث معه من الشُّرَط (1) من يحفظه ولا يتركه حتى يفر، فإن عجز، أقيم عليه الحد. فإن ضرب القاذف بعض الحد، ثم حضر الشهود، وشهدوا على صدق مقالته، قبلت بينته، وبطل الحد الباقي، ولا تبطل شهادته، ويقام حد الزنا على المقذوف.\rوإن ضرب القاذف الحد بتمامه، ثم شهد الشهود على صدق مقالته، تقبل شهادتهم. ويظهر أثر القبول في استرداد عدالة القاذف وقبول شهادته؛ لأنه تبين أنه لم يكن محدوداً في القذف حقيقة، حيث ظهر أن المقذوف لم يكن محصناً؛ لأن من شرائط الإحصان: العفة عن الزنا، وقد ظهر زناه بشهادة الشهود، فلم يصر القاذف مردود الشهادة (2) .\rاللعان بعد إثبات القذف: قال الشافعية (3) : إن ادعت المرأة على زوجها أنه قذفها وأنكر، فشهد شاهدان أنه قذفها، جاز أن يلاعن؛ لأن إنكاره للقذف لايكذب ما يلاعن عليه من الزنا؛ لأنه يقول: إنما أنكرت القذف، وهو الرمي بالكذب، وما كذبت عليها؛ لأني صادق أنها زنت، فجاز أن يلاعن.\rما يسقط حد القذف: يسقط حد القذف بأحد أمور ثلاثة:\r1 - إثبات الزنى على المقذوف بالبينة أو بإقراره به.\r2 - عفو المقذوف عن القاذف في رأي الشافعية؛ لأنه عندهم حق من حقوق العباد.\r3 - اللعان بين الزوجين، لقوله تعالى: {والذين يرمون أزواجهم} [النور:6/24].\r-------------------------------\r(1) الشرط: هم الطائفة من خيار أعوان الولاة، وفي أيامنا هم رؤساء الضابطة، والواحد: شرطي.\r(2) راجع البدائع: 53/7 وما بعدها، تبيين الحقائق للزيلعي: 199/3.\r(3) المهذب: 276/2.","part":7,"page":358},{"id":4644,"text":"الفَصْلُ الثَّالث: حَدّ السَّرقة\rخطة الموضوع :\rبيان حد السرقة في المباحث الأربعة الآتية:\rالمبحث الأول: تعريف السرقة وحكمها وصفة حدها.\rالمبحث الثاني: شروط السرقة الموجبة للحد.\rالمبحث الثالث: إثبات السرقة، وإقامة الدعوى بها.\rالمبحث الرابع: ما يسقط الحد بعد وجوبه.\rالمبحث الأول ـ تعريف السرقة وحكمها وصفة حدها :\rتعريف السرقة: السرقة: هي أخذ مال الغير من حرز المثل على الخفية والاستتار. ومنه استراق السمع ومسارقة النظر إذا كان يستخفي بذلك.\rووقت الخفية: هو عند ابتداء وانتهاء أخذ المسروق إذا كانت السرقة نهاراً، ويمتد النهار إلى وقت العشاء، وعند ابتداء الأخذ فقط إذا كانت السرقة ليلاً، حتى لو دخل السارق البيت ليلاً خفية، ثم أخذ المال مجاهرة ولو بعد مقاتلة ممن في يده، قطع استحساناً، إذ لو اعتبروا الخفية في الليل في نهاية الأخذ أيضاً لامتنع الحد في أكثر السرقات في الليالي؛ لأن أكثرها يصير مغالبة عند انتهاء الأخذ، لأنه وقت لايلحق فيه الغوث. وهل العبرة في الخفية لزعم السارق أن رب الدار لم يعلم به أم لزعم أحدهما وإن كان رب الدار؟ فيه خلاف عند الحنفية. ويظهر الخلاف فيما لو ظن السارق أن رب الدار علم به، مع أنه لم يعلم، فالخفية هنا في زعم رب الدار، لا في زعم السارق، فعند الزيلعي: لا يقطع؛ لأن شرط السرقة أن تكون خفية على زعم السارق. وفي الخلاصة والمحيط والذخيرة: يقطع اكتفاء بكونها خفية في زعم أحدهما. أما لو زعم اللص أن المالك لم يعلم به مع أنه عالم، يقطع، اكتفاء بزعمه الخفية. وكذا لو يعلما معاً، وأما لو علما","part":7,"page":359},{"id":4645,"text":"بالأخذ معاً فلا قطع (1) .\rواتفق العلماء على أنه ليس في الاختطاف أو الخيانة فيما ائتمن عليه أو الاختلاس أو النهب أو الغصب حد، لقوله عليه الصلاة والسلام:\r« ليس على الخائن ولا المختلس قطع» (2) وقوله أيضاً: «ليس على المنتهب قطع» (3) .\rوالاختلاس: أن يستغل صاحب المال فيخطفه ويذهب بسرعة جهراً، فهو من يتعمد الهرب.\rوالخائن: هو الذي يضمر ما لا يظهره في نفسه. والمراد به: هو الذي يأخذ المال خفية من مالكه، مع إظهاره له النصيحة والحفظ.\r-------------------------------\r(1) راجع الدر المختار ورد المحتار: 212/3، العناية وفتح القدير: 219/4، تبيين الحقائق: 212/3.\r(2) حديث قوي رواه أحمد وأصحاب السنن الأربعة وصححه الترمذي وابن حبان، وأخرجه أيضاً الحاكم والبيهقي عن جابر بن عبد الله بلفظ: «ليس على خائن، ولا منتهب ، ولامختلس قطع» وفي لفظ: «ليس على المختلس ولا على الخائن قطع» وفي رواية أبي داود: «ليس على المنتهب قطع، ومن انتهب نهبة مشهورة فليس منا» ورواه الطبراني في معجمه الوسط عن أنس بن مالك بلفظ: «ليس على منتهب ، ولا مختلس، ولا خائن قطع» (راجع جامع الأصول: 321/4، نصب الراية: 363/3، التلخيص الحبير: ص 356، نيل الأوطار: 130/7، سبل السلام: 33/4).\r(3) هذه هي رواية أبي داود عن جابر، كما ذكر في الحديث السابق.","part":7,"page":360},{"id":4646,"text":"والمنتهب: هو المغير، مأخوذ من النهبة: وهي الغارة والسلب، والمراد به: الذي يأخذ المال على جهة الغلبة والقهر (1) .\rورأى الحنابلة أن جاحد عارية قيمتها نصاب يقطع، ولا يقطع جاحد وديعة، أي أن خائن الوديعة لا يقطع عندهم. وقال الجمهور: لا يقطع جاحد المستعار، ولا جاحد الوديعة.\rوالفرق بين السارق الذي تقطع يده، والمختلس والمنتهب والغاصب الذين لا تقطع أيديهم هو ما يأتي (2) :\rإن السارق لا يمكن الاحتراز منه، فإنه ينقب الدور ويهتك الحرز ويكسر القفل، ولا يمكن صاحب المتاع الاحتراز بأكثر مما قام به، فلو لم يشرع قطعه، لسرق الناس بعضهم بعضاً، وعظم الضرر، واشتدت المحنة بسبب السراق، بخلاف المنتهب والمختلس.\rفإن المنتهب: هو الذي يأخذ المال جهرة بمرأى من الناس، فيمكنهم أن يأخذوا على يديه، ويخلصوا حق المظلوم، أو يشهدوا له عند الحاكم.\rوأما المختلس: فإنه إنما يأخذ المال على حين غفلة من مالكه وغيره، فلا يخلو من نوع تفريط يمكن به المختلس من اختلاسه، وإلا فمع كمال التحفظ والتيقظ، لا يمكنه الاختلاس، فليس كالسارق، بل هو بالخائن أشبه. وأيضاً فالمختلس إنما يأخذ المال من غير حرز مثله غالباً، فإنه الذي يغافلك ويختلس متاعك في حال تخليك عنه وغفلتك عن حفظه، وهذا يمكن الاحتراز منه غالباً، فهو كالمنتهب.\rوأما الغاصب، فالأمر فيه ظاهر، وهو أولى بعدم القطع من المنتهب. وإذا لم تقطع يد هؤلاء، يكف عدوانهم بالضرب والنكال والسجن الطويل، والعقوبة بأخذ المال.\rحكم السرقة: الأصل في مشروعية حد السرقة قوله تعالى: {والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما} [المائدة:38/5] وقال صلّى الله عليه وسلم : «إنما أهلك من كان قبلكم أنهم كانوا\r-------------------------------\r(1) المبسوط: 133/9، البدائع: 65/7، فتح القدير: 233/4، حاشية ابن عابدين: 208/3، حاشية الدسوقي: 355/4، المهذب: 289/2، الميزان: 172/2، المغني: 327/8، مغني المحتاج: 171/4، القوانين الفقهية: ص 360، غاية المنتهى: 336/3.\r(2) أعلام الموقعين: 61/2 وما بعدها.","part":7,"page":361},{"id":4647,"text":"إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف قطعوه» (1) . وفي رواية : «أقاموا عليه الحد» وإذا ثبتت السرقة فالواجب فيها القطع من حيث هي جناية، والغرم إذا لم يجب القطع.\rواختلفوا: هل يجمع بين الضمان والقطع؟\rلا خلاف بين العلماء في أنه إذا قطع السارق، والعين قائمة، ردت على صاحبها، لبقائها على ملكه. فإن كانت تالفة اختلفوا في ضمانها، فقال الحنفية: إذا هلك المسروق، فلا يجتمع على السارق وجوب الغرم (أي الضمان) مع القطع. فإن اختار المسروق منه الغرم لم يقطع السارق ، أي قبل وصول الأمر إلى الحاكم. وإن اختار القطع، واستوفي منه لم يغرم السارق؛ لأن الشارع سكت عن الغرم، فلا يجب مع القطع شيء. قال الله تعالى: {والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما، جزاء بما كسبا} [المائدة:38/5] فالله سبحانه جعل القطع كل الجزاء، فلو أوجبنا الضمان، لصار القطع بعض الجزاء، فيكون نسخاً لنص القرآن (2) .\r-------------------------------\r(1) رواه البخاري ومسلم والترمذي وأبو داود والنسائي عن عائشة، ورواه الطبراني في الأوسط ورجاله ثقات عن أم سلمة (راجع جامع الأصول: 314/4، مجمع الزوائد: 259/6، نيل الأوطار: 131/7، 136).\r(2) البدائع: 84/7، فتح القدير: 261/4، المبسوط: 156/9، تبيين الحقائق: 231/3، مجمع الضمانات: ص 203.","part":7,"page":362},{"id":4648,"text":"وقال عليه الصلاة والسلام: «إذا قطع السارق فلا غرم عليه» (1) .\rوقال المالكية: إن كان السارق موسراً عند القطع، وجب عليه القطع والغرم، تغليظاً عليه، وإن كان معسراً لم يتبع بقيمته، ويجب القطع فقط، ويسقط الغرم تخفيفاً عنه، بسبب عذره بالفاقة والحاجة (2) .\rوقال الشافعية والحنابلة: يجتمع قطع وضمان، فيرد ما سرق لمالكه، وإن تلف فيرد بدله، فإذا تلف المسروق في يد السارق ضمن بدله: برد مثله إن كان مثلياً، وقيمته إن كان قيمياً، سواء أكان موسراً أم معسراً، قطع أم لم يقطع، فلا يمنع القطع وجوب الضمان، لاختلاف سبب وجوب كل منهما، فالضمان يجب لحق الآدمي، والقطع يجب لحق الله تعالى، فلا يمنع أحدهما الآخر، كالدية والكفارة، والجزاء والقيمة في قتل الصيد الحرمي المملوك (3) .\rويلاحظ أن منشأ الخلاف بين الحنفية وغيرهم: هو قاعدة تملك المضمون عند الحنفية، وهي «أن المضمونات تملك بالضمان، ويستند الملك فيها إلى وقت وجوب الضمان» فلا يجتمع عندهم القطع والضمان؛ لأنه لو ضمن لملك المسروق، واستند ملكه إلى وقت الأخذ، فيحصل القطع في ملك نفسه، وهو لا يجوز.\rوقال الشافعي وغيره: لا تملك المضمونات بالضمان، فيجتمع القطع والضمان لتعدد السبب، وعدم إسناد الضمان إلى وقت الأخذ (4) .\rوالراجح الواضح هو قول الشافعية والحنابلة، لاختلاف سبب كل من الضمان والقطع، ولضعف الحديث الذي استند إليه الحنفية.\rحالة تكرار السرقة: اتفق العلماء على أن السارق تقطع يده اليمنى في السرقة الأولى، فإذا سرق ثانية تقطع رجله اليسرى. واختلفوا في قطع اليد اليسرى في السرقة الثالثة، والرجل اليمنى في السرقة الرابعة.\r-------------------------------\r(1) قال الزيلعي عن حديث «لا غرم على السارق بعد ما قطعت يمينه» : غريب بهذا اللفظ ومثله اللفظ الوارد هنا، وبمعناه ما أخرجه النسائي في سننه عن عبد الرحمن بن عوف أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم قال: «لا يغرم السارق إذا أقيم عليه الحد» قال النسائي: هذا مرسل وليس بثابت، وأخرجه البيهقي أيضاً، وذكر له علة أخرى، وأخرجه الدارقطني في سننه بلفظ: «لا غرم على السارق بعد قطع يمينه» (راجع جامع الأصول: 327/4، نصب الراية: 375/3، سبل السلام: 24/4).\r(2) بداية المجتهد: 442/2، حاشية الدسوقي: 346 وما بعدها، القوانين الفقهية: ص360.\r(3) المهذب: 284/2، المغني: 270/8، غاية المنتهى: 344/3.\r(4) تخريج الفروع على الأصول للزنجاني: ص 107.","part":7,"page":363},{"id":4649,"text":"قال الحنفية والحنابلة: لا يقطع السارق أصلاً بعد اليد اليمنى والرجل اليسرى، ولكنه يضمن المسروق، ويعزر، ويحبس حتى يتوب، بدليل ما روي عن سيدنا علي رضي الله عنه أنه أتي بسارق، فقطع يده، ثم أتي به ثانية وقد سرق، فقطع رجله، ثم أتي به ثالثة، فقال: «لا أقطعه، إن قطعت يده فبأي شيء يأكل، بأي شيء يتمسح، وإن قطعت رجله فبأي شيء يمشي، إني لأستحي من الله » فضربه بخشبة وحبسه (1) . وروي مثل ذلك عن سيدنا عمر رضي الله عنه (2) . وهذا استحسان.\rوقال المالكية والشافعية: إن سرق ثالثة قطعت يده اليسرى، ثم إن سرق رابعة قطعت رجله اليمنى، ثم يعزر (3) ؛ لأن فعله معصية ليس فيها حد ولا كفارة، فعزر فيها، والدليل لقطع اليد والرجل الأخرى: ما روى أبو هريرة رضي الله عنه: «أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم قال في السارق: إن سرق فاقطعوا يده، ثم إن سرق\r-------------------------------\r(1) رواه محمد بن الحسن في كتاب الآثار عن علي بن أبي طالب، ومن طريق محمد رواه الدارقطني بسنده ومتنه، ورواه عبد الرزاق في مصنفه، واللفظ الوارد هنا أخرجه البيهقي عن علي (راجع نصب الراية: 374/3).\r(2) البدائع: 86/7، فتح القدير: 248/4، المغني: 264/8، غاية المنتهى: 343/3.\r(3) الشرح الكبير: 332/4، بداية المجتهد: 443/2، مغني المحتاج: 178/4، المهذب: 283/2، القوانين الفقهية: ص 360.","part":7,"page":364},{"id":4650,"text":"فاقطعوا رجله، ثم إن سرق فاقطعوا يده، ثم إن سرق فاقطعوا رجله» (1) وهو فعل أبي بكر وعمر رضي الله عنهما (2) .\rوبما أنه لم يثبت حديث صحيح في هذا الأمر، فلا بأس في عصرنا بالأخذ برأي الحنفية والحنابلة.\rوالحكمة في قطع اليد والرجل: أن اعتماد السارق في السرقة على البطش والمشي، فإنه يأخذ بيده وينتقل برجله، فتعلق القطع بهما، وإنما قطع من خلاف، لئلا يفوت جنس المنفعة عليه فتضعف حركته (3) .\rالفرق بين اعتبار اليد في السرقة وبين اعتبارها في الدية :\rإن قطع اليد في ربع دينار، وجعل ديتها عند الاعتداء عليها بالبتر أو القطع خمسمئة دينار (أي نصف دية في الشرع) هو من أعظم المصالح والحكمة البالغة، فإن الشرع احتاط في الموضعين للأموال والأطراف، فقرر قطعها في سرقة ربع دينار فصاعداً، حفظاً لأموال الناس، وإهانة لها حال كونها خسيسة، وجعل ديتها بالعدوان عليها خمسمئة دينار، حفظاً لها وصيانة، وتقديراً لأهميتها حال كونها شريفة (4) . وقد تساءل بعضهم، قيل: إنه أبو العلاء المعري (5) ، فقال:\rيد بخمس مئين عسجد وُدِيَت ..... ما باله قطعت في ربع دينار\rتناقض مالنا إلا السكوت له ..... ونستجير بمولانا من العار\rفأجابه بعض الفقهاء بأنها كانت ثمينة لما كانت أمينة، فلما خانت هانت، وضمنه الناظم قوله:\rيد بخمس مئين عسجد وديت ..... لكنها قطعت في ربع دينار\rعز الأمانة أغلاها، وأر خَصَها ..... ذل الخيانة ، فافهم حكمة الباري\rوروي أن الشافعي رحمه الله أجاب بقوله:\rهناك مظلومة غالت بقيمتها ..... وههنا ظلمت ، هانت على الباري\r-------------------------------\r(1) أخرجه الدارقطني في سننه عن أبي هريرة، وفي إسناده الواقدي، وفيه مقال. ورواه الشافعي عن بعض أصحابه عن أبي هريرة مرفوعاً. وفي موضوعه عن عصمة بن مالك رواه الطبراني والدارقطني، وإسناد ضعيف (راجع نصب الراية: 368/3، التلخيص الحبير: ص 357).\r(2) أخرج أحمد والترمذي عن حذيفة أن النبي صلّى الله عليه وسلم قال: «اقتدوا باللذين من بعدي: أبي بكر وعمر» .\r(3) مغني المحتاج، المرجع السابق.\r(4) أعلام الموقعين: 63/2.\r(5) يظهر أن التساؤل من بعض الزنادقة، بدليل رد الشافعي الآتي، إذ من المعلوم أن المعري متأخر عن الشافعي،ويظهر أن الاعتراض تكرر من بعض الزنادقة، ومن المعري أيضاً في عصرين مختلفين بدليل رد شمس الدين الكردي على المعري في قوله:\rقل للمعري عار أيما عار ..... جهل الفتى وهو عن ثوب التقى عار\rلا تقدحن زناد الفكر في حكم ..... شعائر الشرع لم تقدح بأشعار\rفقيمة اليد نصف الألف من ذهب ..... فإن تعدت فلا تسوى بدينار","part":7,"page":365},{"id":4651,"text":"مكان القطع: قال جمهور العلماء: مكان القطع في اليد هو من الكوع أو مفصل الزند (الرسغ)، لما روي أنه عليه السلام قطع يد السارق من مفصل الزند (1) وقال قوم: الأصابع فقط.\rومكان القطع في الرجل عند الجمهور من مَفْصِل القدم، بدليل ما روى ابن المنذر عن عمر رضي الله عنه أنه قطع الرجل من المفصل. وروى البيهقي عن علي\r-------------------------------\r(1) فيه أحاديث: منها ما أخرجه الدارقطني عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده في قصة سارق رداء صفوان بن أمية وفيه «ثم أمر بقطعه من المفصل» ومنها ما روى ابن عدي عن عبد الله بن عمرو قال: قطع النبي صلّى الله عليه وسلم سارقاً من المفصل. ومنها ما روى ابن أبي شيبة عن رجاء بن حيوة أن النبي صلّى الله عليه وسلم قطع رجلاً من المفصل وهو مرسل (راجع نصب الراية: 37/3). والكوع: طرف الزند الذي يلي الإبهام في اليد. ويقابله الكرسوع في القدم، والذي يقابل الخنصر: هو البوع.","part":7,"page":366},{"id":4652,"text":"رضي الله عنه أنه يقطع من خنصر القدم (1) ويبقى له الكعب ليعتمد عليه. وبه قال أبو ثور، والراجح المشهور عملاً هو كون القطع من مفصل الزند ومن مفصل القدم.\rوإذا قطع فالسنة أن يعلق العضو في عنقه ساعة، لما روى فضالة بن عبيد، قال: «أتي النبي صلّى الله عليه وسلم بسارق، فأمر به فقطعت يده، ثم أمر فعلقت في رقبته» ولأن في ذلك ردعاً للناس. ويحسم موضع القطع، لما روى أبو هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم أتي بسارق، فقال: اذهبوا به فاقطعوه، ثم احسموه، ثم ائتوني به، فأتي به، فقال: تب إلى الله تعالى، فقال: تبت إلى الله تعالى، فقال: تاب الله عليك. والحسم : هو أن يغلى الزيت غلياً جيداً، ثم يغمس فيه موضع القطع لتنحسم العروق، وينقطع الدم (2) وعلى المحدود أجرة قاطع، وثمن زيت حسم.\rصفة حد السرقة: حد السرقة بالاتفاق حق خالص لله تعالى، فلا يحتمل العفو والصلح والإبراء بعد ثبوته، فلو أمر الحاكم بقطع السارق، فعفا عنه المسروق منه، كان عفوه باطلاً؛ لأن صحة العفو تعتمد كون العفو عنه حقاً للعافي، والقطع حق خالص لله سبحانه وتعالى. ومن هنا قرر الحنفية هذه القاعدة : «الصلح عن الحدود باطل» (3) .\rويترتب عليه (4) : أنه يجري التداخل في حد السرقة، فلو سرق شخص سرقات، فرفع الأمر فيها كلها أو بعضها إلى الحاكم، فيقام حد واحد هو القطع\r-------------------------------\r(1) المبسوط: 133/9، البدائع: 98/7، بداية المجتهد: 443/2، حاشية الدسوقي: 332/4، مغني المحتاج: 178/4، المغني: 259/8.\r(2) المهذب: 283/2، غاية المنتهى: 343/3.\r(3) الفرائد البهية في القواعد الفقهية للشيخ محمود حمزة: ص 147.\r(4) البدائع: 55/7، 86، المبسوط: 185/9، المهذب: 263/2، 283.","part":7,"page":367},{"id":4653,"text":"لكل السرقات؛ لأن الجرائم التي هي من جنس واحد يكتفى فيها بحد واحد، كما في الزنا، إذ المقصود من إقامة الحد هو الزجر والردع، وهو يحصل بإقامة حد واحد.\rوإذا ثبت الحد عندالسلطان، لم يجز العفو عنه، ولا تجوز الشفاعة فيه؛ لأن الحد لله ، فلا يجوز فيه العفو والشفاعة، ولما روت عائشة رضي الله عنها قالت: «أتي لرسول الله صلّى الله عليه وسلم بسارق قد سرق، فأمر به فقطع، فقيل: يا رسول الله ، ما كنا نراك تبلغ به هذا، قال: لو كانت فاطمة بنت محمد ، لأقمت عليها الحد» (1) . وقال الزبير: « إذا بلغ ـ أي الحد ـ السلطان فلعن الله الشافع والمشفع» (2) .\rالمبحث الثاني ـ شروط السرقة الموجبة للحد :\rيشترط لإقامة حد السرقة شروط، بعضها في السارق، وبعضها في المسروق، وبعضها في المسروق منه، وبعضها في المسروق فيه، وهو المكان.\rشروط السارق: يشترط في السارق توافر أهلية وجوب القطع: وهي العقل والبلوغ والاختيار والعلم بالتحريم، فلا يقطع الصبي والمجنون، لقوله عليه السلام: «رفع القلم عن ثلاث: عن الصبي حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يفيق، وعن النائم حتى يستيقظ» . ولأن القطع عقوبة، فيستدعي جناية، وفعل الصبي والمجنون لا يوصف بأنه جناية. ولا يحد المكرَه لرفع القلم عنه، ولا يحد من أخذ شيئاً جاهلاً بتحريمه لقرب عهده بالإسلام.\rوإذا اشترك الصبي أو المجنون مع جماعة في سرقة، فلا قطع على الجميع عند أبي حنيفة وزفر رحمهما الله تعالى.\r-------------------------------\r(1) متفق عليه بين أحمد والشيخين (نيل الأوطار: 135/7 وما بعدها).\r(2) رواه مالك في الموطأ عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن (نيل الأوطار، المرجع السابق).","part":7,"page":368},{"id":4654,"text":"وقال أبو يوسف رحمه الله : العبرة بمباشرة إخراج المتاع، فإن أخرجه الصبي أو المجنون، درئ الحد عن الجميع، وإن باشر الإخراج غيرهما قطع، ولا يقطع الصبي أو المجنون؛ لأن الإخراج من الحرز هو الأصل في السرقة، والإعانة كالتابع.\rودليل أبي حنيفة وزفر: أن السرقة واحدة، وقد حصلت ممن يجب عليه القطع وممن لا يجب عليه القطع، فلا يجب القطع على أحد، كالعامد مع الخاطئ إذا اشتركا في جريمة، وإخراج السرقة حصل من الكل من ناحية المعنى (1) .\rواشتراط البلوغ والعقل في السارق لإقامة الحد متفق عليه، وأضاف الشافعية والحنابلة شرط كونه مختاراً، التزم أحكام الإسلام، فلا يجب الحد على مكره، لحديث: «رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه» ولا تجب على الحربي؛ لأنه لم يلتزم حكم الإسلام. وفي وجوب الحد على المستأمن والمهادن قولان عندهم: أحدهما ـ أنه لا يجب عليه حد السرقة؛ لأنه حق خالص لله تعالى، فلم يجب عليه كحد الشرب والزنا. والثاني ـ أنه يجب عليه؛ لأنه حد يجب لصيانة حق الآدمي، فوجب عليه كحد القذف.\rوأضاف المالكية ألا يكون للسارق على المسروق منه ولادة، فلا يقطع الأب في سرقة مال ابنه لقوة الشبهة الآتية من حديث جابر عند ابن ماجه: «أنت ومالك لأبيك» . وزاد الشافعي وأحمد ومالك الجد، فلا يقطع في مال حفيده، وزاد أبو حنيفة كل ذي رحم محرم، واختلفوا في الزوج والزوجة إذا سرق كل واحد منهما من مال صاحبه، كما سأوضح. وأضاف المالكية أيضاً ألا يضطر السارق إلى السرقة من جوع. وأضاف الحنابلة شرط كون السارق عالماً بمسروق وبتحريمه اعتباراً بما في ظن المكلف (البالغ العاقل). أما إذا سرق الولد من مال أحد أبويه فيقطع عند المالكية، ولايقطع عند بقية المذاهب، لأن الولد يتبسط في مال والديه عادة، فتكون هناك شبهة في إسقاط الحد.\rشروط المسروق: يشترط في المسروق عدة شروط:\r1 - أن يكون المسروق مالاً متقوما (2) : والمراد بالمال: ما يتموله الناس ويعدونه مالاً؛ لأن ذلك يشعر بعزته وخطره عندهم، وما لا يتمولونه فهو تافه حقير، ولا تقطع اليد في الشيء التافه، كما كان عليه عهد رسول الله صلّى الله عليه وسلم . والمراد بالمتقوم: ما كان له قيمة يضمنها متلفه عند اعتدائه عليه.\rوبناء على هذا: لو سرق إنسان صبياً حراً، لا تقطع يده، لأن الحر ليس بمال (3) ، وإنما يعزر. ولو سرق شخص خمراً أو خنزيراً أو جلد ميتة لا تقطع يده أيضاً؛ لأنه لا قيمة للخمر والخنزير في حق المسلم، ولا مالية في جلد الميتة، وهذا شرط متفق عليه. ولا قطع بسرقة أدوات الملاهي كالعدد والمزمار، والأصنام والصلبان؛ لأنها غير متقومة فلا يباح استعمالها ، وإزالة المعصية أمر مندوب إليه.\r-------------------------------\r(1) البدائع: 67/7، تبيين الحقائق للزيلعي: 211/3، فتح القدير: 220/4، المهذب: 277/2، القوانين الفقهية: ص 359.\r(2) البدائع: 67/7، المهذب: 280/2 وما بعدها، القوانين الفقهية: ص 359، غاية المنتهى: 336/3.\r(3) فتح القدير: 230/4.","part":7,"page":369},{"id":4655,"text":"2 - أن يكون المال المسروق مقدراً: أي له نصاب، فلا يقطع السارق في الشيء التافه. واختلف الفقهاء في مقدار النصاب: فقال الحنفية: نصاب السرقة دينار أو عشرة دراهم، أو قيمة أحدهما (1) ، لقوله صلّى الله عليه وسلم : «لا قطع فيما دون عشرة دراهم» (2) وقوله أيضاً: «لا تقطع اليد إلا في دينار، أو في عشرة دراهم» (3) . وعنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: «لا يقطع السارق إلا في ثمن المِجَنَّ، وكان يقوَّم يومئذ بعشرة دراهم» (4) .وقال الجمهور من المالكية والشافعية والحنابلة: نصا ب السرقة ربع دينار شرعي من الذهب أو ثلاثة دراهم شرعية خالصة من الفضة (5) . أو قيمة ذلك من العروض والتجارات والحيوان، إلا أن التقويم عند المالكية والحنابلة في سائر الأشياء المسروقة عدا الذهب والفضة يكون بالدراهم. وعند الشافعية بالربع دينار. ودليلهم: قوله عليه الصلاة والسلام: «تقطع اليد في ربع دينار فصاعداً» (6) وأنه\r-------------------------------\r(1) المبسوط: 137/9، البدائع: 77/7، فتح القدير: 220/4.\r(2) رواه أحمد عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم : «لا قطع فيما دون عشرة دراهم» وفيه نصر بن باب، ضعفه الجمهور. وقال أحمد: لا بأس به. ورواه الطبراني عن ابن مسعود بلفظ: «لا قطع إلا في عشرة دراهم» (راجع جمع الزوائد: 273/6، نصب الراية: 359/3).\r(3) هذا من الآثار عن ابن مسعود: رواه عبد الرزاق في مصنفه، ومن طريقه رواه الطبراني في معجمه، وهو موقوف كما قال الهيثمي. وفيه القاسم أبو عبد الرحمن ضعيف، وقد وثق (راجع مجمع الزوائد، المرجع السابق، نصب الراية: 360/3) « وروى أبو داود في سننه عن ابن عباس أن النبي صلّى الله عليه وسلم قطع يد رجل في مجنّ قيمته دينار أو عشرة دراهم، وهو حديث مرفوع (راجع نصب الراية: 358/3).\r(4) رواه ابن أبي شيبة عن عبد الله بن عمرو بلفظ: «لا تقطع يد السارق فيما دون ثمن المجن، قال عبد الله : وكان ثمن المجن عشرة دراهم» «وروى النسائي عن أيمن بن أم أيمن الحبشية رضي الله عنهما قال: ولم يقطع النبي صلّى الله عليه وسلم السارق إلا في ثمن المجن، وثمن المجن يومئذ دينار» وفي رواية «عشرة دراهم» قال النسائي: وأيمن ما أحسب أن لحديثه صحة (راجع جامع الأصول: 113/4، نصب الراية: 359/3).\r(5) من المعروف عند هؤلاء أن الدينار اثنا عشر درهماً. والدرهم 975،2 غم. وعند الحنفية: الدينار عشرة دراهم. وبما أن المثقال أو الدينار يساوي 1 و 7/3 درهم، فيساوي الدينار 45،4 غم.\r(6) رواه أحمد والموطأ وأصحاب الكتب الستة عن عائشة رضي الله عنها بألفاظ متعددة منها لفظ البخاري: «تقطع يد السارق في ربع دينار فصاعداً» ومنها لفظ مسلم: «لا تقطع يد السارق إلا في ربع دينار فصاعداً» (راجع جامع الأصول: 310/4، سبل السلام: 18/4، نيل الأوطار: 124/7، التلخيص الحبير: ص 355).","part":7,"page":370},{"id":4656,"text":"عليه الصلاة والسلام: «قطع في مجن قيمته ثلاثة دراهم» (1) وهي قيمة ربع الدينار (2) .\rوبه يظهر أن منشأ الخلاف: هو تقدير ثمن المجن الذي قطع السارق به في عهد الرسول صلّى الله عليه وسلم . فالحنفية يقولون: كان ثمنه ديناراً. والآخرون يقولون: كان ثمنه ربع دينار. والأحاديث الصحيحة تؤيد وترجح رأي الجمهور.\r-------------------------------\r(1) أخرجه البخاري ومسلم والموطأ وأبو داود والترمذي والنسائي عن عبد الله بن عمر أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم قطع سارقاً في مجن قيمته ثلاثة دراهم (المراجع السابقة، جامع الأصول: 311/4، نصب الراية: 355/3).\r(2) المنتقى على الموطأ: 156/7، بداية المجتهد: 437/2، حاشية الدسوقي: 333/4، المهذب: 277/2، مغني المحتاج: 158/4، المغني: 240/8، القوانين الفقهية: ص 359، غاية المنتهى: 337/3.","part":7,"page":371},{"id":4657,"text":"صفات النصاب :\rقال الحنفية: يشترط أن تكون الدراهم جياداً، فلو سرق زيوفاً، أو سرق غيرالدراهم، لا يقطع ما لم تبلغ قيمة المسروق عشرة دراهم جياد.\rوأن تكون الدراهم، وزن سبعة مثاقيل (1) ؛ لأن اسم الدرهم عند الإطلاق يقع على ذلك، ولأن هذا أوسط المقادير بين الدراهم الكبار والصغار التي كانت على عهد الرسول صلّى الله عليه وسلم .\rوهل ينبغي أن تكون الدراهم مضروبة؟\rقال أبو حنيفة: إذا سرق عشرة دراهم ولو كانت تبراً مما يروج بين الناس في معاملاتهم تقطع يده؛ لأن المهم هو الرواج في التعامل بين الناس، ودليله: إطلاق حديث القطع في عشرة دراهم، ورد عليه بأن المطلق يقيد بالعرف والعادة.\r-------------------------------\r(1) المثقال: درهم وثلاثة أسباع الدرهم، قال في شرح الدميري: إن كل درهم: ستة دوانيق، وكل عشرة دراهم سبعة مثاقيل، والمثقال لم يتغير في جاهلية ولا في إسلام (راجع سبل السلام: 128/2، الأحكام السلطانية لأبي يعلى ص 159).","part":7,"page":372},{"id":4658,"text":"وقال الصاحبان والكرخي: ينبغي أن تكون الدراهم مضروبة؛ لأن اسم الدراهم في الحديث يطلق على المضروبة عرفاً، وهو ظاهر الرواية، وهو الأصح، وهو قول الجمهور. فلو سرق تبراً (أي فضة غير مضروبة صكاً) أو نُقْره (هي القطعة المذابة من الذهب والفضة أي السبيكة) قيمتها أقل من عشرة دراهم مضروبة لا يقطع، فإذا ساوت قيمتها عشرة دراهم مسكوكة فأكثر، يقطع سارقها (1) .\rوقت اعتبار قيمة المسروق :\rقال جمهور الحنفية: يجب أن تكون قيمة المسروق عشرة دراهم، من وقت السرقة، إلى وقت القطع، فإن نقص المسروق: فإما أن يكون نقصان العين أو نقصان السعر.\rفإذا نقصت قيمة المسروق بانتقاص عينه: بأن دخله عيب أو ذهب بعضه، فيقام الحد؛ لأن نقصان العين هو هلاك بعض المسروق، وهلاك جميع المسروق لا يسقط الحد، فهلاك بعضه لا يسقطه من باب أولى.\rوإن كان نقصان السعر: بأن صار يساوي ثمانية دراهم مثلاً، بعد أن كان يساوي عشرة، فهناك روايتان:\rظاهر الرواية: أنه لا يقطع؛ لأن نقصان السعر يورث شبهة نقصان في المسروق وقت السرقة؛ لأن العين بحالها لم تتغير، فيحصل النقصان الطارئ كالموجود عند السرقة، بخلاف نقصان العين؛ لأنه يوجب تغير العين، بهلاك بعضها، والهلاك مضمون على السارق، فلا يمكن افتراض وجوده عند السرقة.\rوروي عن محمد وهو قول مالك والشافعي وأحمد رحمهم الله تعالى: أنه\r-------------------------------\r(1) فتح القدير: 222/4، حاشية ابن عابدين: 211/3، البدائع: 78/7، المبسوط: 138/9، مغني المحتاج: 158/4.","part":7,"page":373},{"id":4659,"text":"تعتبر قيمة العين وقت الإخراج من الحرز، ولا يعتبر نقصان السعر بعد أخذ المسروق، قياساً على نقصان العين (1) ، وهذا في تقديري أولى، لاكتمال الجريمة وقت السرقة.\rويجري هذا الخلاف فيما لو سرق الشخص في بلد، وقبض عليه في بلد آخر: لا يقطع في ظاهر الرواية، ما لم تكن قيمة المسروق في البلدين عشرة دراهم.\rكون النصاب من حرز واحد :\rالنصاب الموجب لحد القطع يجب أن يكون مأخوذاً من حرز واحد، سواء أكان المسروق لواحد أم لجماعة؛ لأنها سرقة واحدة. وبناء على هذا ، لو سرق خمسة دراهم من دار لرجل، وخمسة من دار أخرى، لا يجب القطع؛ لأنهما سرقتان مختلفتان من حرزين مختلفين، فلا محل للقطع فيهما. وكذلك لو سرق عشرة دراهم على مرتين، لا يقطع؛ لأن المسروق في كل مرة أقل من نصاب (2) .\rاشتراك جماعة في السرقة :\rاتفق العلماء على أنه إذا اشترك جماعة في سرقة، فحصل لكل واحد منهم نصاب، فعلى كل واحد منهم القطع.\rأما إذا كان المسروق كله نصاباً، واشترك جماعة في سرقته:\rفقال أبو حنيفة والشافعي: لا يقطع كل واحد منهم (3) ؛ لأن كل واحد منهم\r-------------------------------\r(1) البدائع: 79/7، المنتقى على الموطأ: 158/7.\r(2) البدائع، المرجع السابق: ص 78، حاشية ابن عابدين: 212/3.\r(3) البدائع، المرجع السابق: ص 78، فتح القدير: 225/4، مغني المحتاج: 160/4، المهذب: 277/2.","part":7,"page":374},{"id":4660,"text":"لم يسرق نصاباً، فلم تستوجب جنايته عقوبة كاملة، كما لو انفرد بسرقة مادون النصاب، والرسول صلّى الله عليه وسلم يقول: «لا تقطع يد السارق إلا في ربع دينار فصاعداً» وهذا دليل الشافعي. ولكن هذا الحكم يخالف حكم جريمة الاشتراك في القتل؛ لأنه لو لم يجب القصاص على كل واحد منهم، لكان الاشتراك طريقاً إلى إسقاط القصاص، بخلاف الأمر في السرقة، فإنه إذا لم يجب القطع على الشركاء في سرقة نصاب، لم يصر الاشتراك طريقاً إلى إسقاط القطع، لقلة ما يصيب كل واحد منهم، فإذا سرقوا أكثر من نصاب بحيث يصيب كل واحد منهم مقدار نصاب، فإنه يجب القطع. ويقدر المسروق في الحكم عند الحنفية يوم الحكم بالقطع.\rوقال المالكية: إن اشترك السارقان أو أكثر في سرقة نصاب: فإن كان لكل واحد قدرة على حمله بانفراده، فلا يقطع أحد، وإلا بأن كانوا يحتاجون في إخراجه إلى تعاون بعضهم، فيقطعون جميعاً، ويصيرون كأنهم حملوه على دابة، فإنهم يقطعون إذا تعاونوا على رفعه عليها، ويقدر المسروق عندهم وعند الشافعية والحنابلة بقيمته يوم السرقة (1) .\rوقال الحنابلة: إذا اشترك الجماعة في سرقة، قيمتها ثلاثة دراهم قطعوا، لضرورة حفظ المال، فإن الواحد والجماعة يستوون في هتك الحرز، وسرقة النصاب فعل يوجب القطع، فاستوى فيه الواحد والجماعة كالقصاص.\rقال ابن قدامة في المغني: وقول أبي حنيفة والشافعي أحب إلي؛ لأن القطع ههنا لا نص فيه، ولا هو في معنى المنصوص والمجمع عليه فلا يجب، والاحتياط بإسقاطه أولى من الاحتياط بإيجابه؛ لأنه مما يدرأ بالشبهات (2) .\r-------------------------------\r(1) حاشية الدسوقي: 335/3، بداية المجتهد: 439/2، المنتقى على الموطأ: 178/7، القوانين الفقهية: ص 359.\r(2) المغني: 282/8، غاية المنتهى: 337/3 وما بعدها.","part":7,"page":375},{"id":4661,"text":"3 - أن يكون المسروق محرزاً مطلقاً، مقصوداً بالحرز :\rالأصل في اشتراط هذا الشرط المتفق عليه قوله عليه السلام: «لا قطع في ثَمَر ولا كَثر حتى يؤويه الجرين، فإذا أواه الجرين، ففيه القطع» وفي رواية: «فإذا أواه المُراح أو الجرين» (1) .\rوالحرز لغة: الموضع الذي يحرز فيه الشيء. وشرعاً: هو ما نصب عادة لحفظ أموال الناس كالدار والحانوت والخيمة والشخص (2) . وهو نوعان:\r-------------------------------\r(1) المراح: حرز الإبل والبقر والغنم الذي تأوي إليه ليلاً. والجرين: حرز التمر الذي يجفف فيه، مثل البيدر للحنطة. والكثر: هو جمار النخل أي الجزء الأبيض الغصن من قلب النخل أو ما يحيط بالبرعمة الرئيسية الكبيرة وهي حلوة المذاق تخلو من الألياف، وقد يبلغ بعضها وزن كيلو غرام أو أكثر حسب حجم رأس النخلة، قال الزيلعي عن هذا الحديث: غريب بهذا اللفظ، وبمعناه ما أخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجه عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عبد الله بن عمرو أن النبي صلّى الله عليه وسلم سئل عن الثمر المعلق (أي الذي بعد في شجره) فقال: «من أصاب بفيه من ذي حاجة غير متخذ خبنة (هو ما تحمله في حضنك) فلا شيء عليه، ومن سرق منه شيئاً بعد أن يؤويه الجرين، فبلغ ثمن المجن، فعليه القطع» وروى مالك في الموطأ وابن أبي شيبة عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي حسين المكي أن رسول ا لله صلّى الله عليه وسلم قال: «لا قطع في ثمر معلق، ولا في حريسة جبل ( أي ليس فيما يحرس بالجبل إذا سرق قطع) فإذا أواه المراح أو الجرين، فالقطع فيما بلغ ثمن المجن » وهو معضل، وقد روى حديث «لا قطع في ثمر ولا كثر» الترمذي عن الليث بن سعد والنسائي، وابن ماجه عن سفيان بن عيينة من حديث رافع بن خديج، رواه ابن حبان في صحيحه،وأخرجه الطبراني في معجمه، وأخرجه أحمد والدارقطني والحاكم والبيهقي (راجع جامع الأصول: 318/4 وما بعدها، نصب الراية: 362/3، سبل السلام: 23/4، التلخيص الحبير: ص 356، نيل الأوطار: 127/7).\r(2) هذا ويلاحظ أن المذاهب الأربعة متفقة على أن تحديد الحرز مرجعه إلى العرف والعادة (بداية المجتهد: 440/2، الأم: 135/6 وما بعدها، المغني: 249/8، غاية المنتهى: 339/3، فتح القدير: 238/4، المهذب: 280/2، القوانين الفقهية: ص 360).","part":7,"page":376},{"id":4662,"text":"1 - حرز بنفسه: وهو كل بقعة معدة للإحراز، ممنوعة الدخول فيها، إلا بالإذن، كالدور والحوانيت والخيام، والخزائن والصناديق.\r2 - حرز بغيره: وهو كل مكان غير معد للإحراز، يدخل إليه بلا إذن، ولا يمنع منه، كالمساجد والطرق والمفاوز.\rفالنوع الأول: يكون حرزاً بنفسه، سواء وجد حافظ، أو لا، وسواء أكان الباب مغلقاً، أم مفتوحاً؛ لأن البناء يقصد به الإحراز، وهو معتبر بنفسه بدون صاحبه؛ لأنه عليه الصلاة والسلام علق القطع بإيواء الجرين والمراح من غير شرط وجود الحافظ، لصيرورته حرزاً.\rوأما النوع الثاني: فحكمه حكم الصحراء إن لم يكن هناك حافظ، فإن كان هناك حافظ قريب","part":7,"page":377},{"id":4663,"text":"من المال يمكنه حفظه، فهو حرز، سواء أكان نائماً، أم يقظان، لأنه عليه الصلاة والسلام قطع سارق رداء صفوان، وصفوان كان نائماً (1) .\rوالأخذ من الحرز شرط متفق عليه، ولا يجب القطع حتى ينفصل المال عن جميع الحرز.\rوبناء عليه يعرف حكم الصور الآتية:\rأ ـ لو سرق إنسان عِدلاً موجوداً على ظهر دابة تسير ضمن مجموعة من الدواب مقطورة ببعضها، لم يقطع؛ لأنه أخذ نفس الحرز، ونفس الحرز ليس في الحرز، وكون العدل على ظهر الدابة لا يكفي اعتباره محرزاً؛ لأنه ليس بحرز مقصود؛ لأن قصد قائد الدواب هو قطع المسافة دون الحفظ، وإنما القائد حافظ للدابة التي زمامها بيده فقط، هذا مذهب الحنفية. ويظهر أن هذا الرأي متأثر بالعرف، وعرفنا اليوم أن قائد القافلة مطالب بحفظ المتاع المحمول.\rوقال الأئمة الثلاثة: القائد حافظ لكل الدواب التي يقودها إذا كان بحيث يراها إذا التفت إليها، وهو وإن كان يقصد قطع المسافة يقصد أيضاً الحفظ.\r-------------------------------\r(1) المبسوط: 150/9 وما بعدها، تبيين الحقائق للزيلعي: 221/3، فتح القدير: 240/4، البدائع: 73/7، وقد سبق تخريج هذا الحديث في حد القذف.","part":7,"page":378},{"id":4664,"text":"فإن شق العدل الموجود على الدابة، وأخرج المتاع: قطع؛ لأن العدل حرز لما فيه (1) .\rب ـ إذا علم صاحب الشيء المسروق بالسرقة قبل إخراج المسروق من الحرز، فأخذه منه، لا يقطع، لأنه لم يوجد منه الإخراج من الحرز. أما إن علم به ولم يأخذه منه خوفاً من الاصطدام معه، أو عجز عن أخذه بعد مقاتلته بسلاح ونحوه، فإن كانت السرقة نهاراً لا تقطع يد السارق؛ إذ لا بد من الخفية عند ابتداء وانتهاء الأخذ كما تقدم، أما إن كانت السرقة ليلاً فتقطع يد السارق في هذه الحالة استحساناً عند الحنفية؛ لأنه يكفي في الليل توافر الخفية عند بدء الأخذ لا نهايته؛ لأن أغلب سرقات الليل تصير مغالبة أو مع خوف المالك من المقاومة، لعدم تيسر النجدة والغوث أثناء الليل.\rجـ ـ إذا رمى السارق المسروق إلى خارج، فوجده مالكه فأخذه، لا يقطع؛ لأنه لم تثبت يده عليه عند الخروج، لثبوت يد غيره، فإذا رماه من الحرز، ثم خرج وأخذه، يجب القطع، وهذا متفق عليه، خلافاً لزفر، لأنه ثبتت عليه يده حكماً، والرمي حيلة لإتمام السرقة. ودليل زفر: أن الإلقاء غير موجب للقطع، كما لو خرج ولم يأخذه (2) .\rد ـ المناولة من الحرز: إذا اشترك اثنان في نَقْب جدار، فدخل أحدهما، وأخذ المتاع، وناوله الآخر، هو خارج الحرز، أو رمى به إليه، فقال أبو حنيفة: لا قطع على كل واحد منهما؛ لأن كل واحد منهما لم يستقل بالنقب والإخراج اللذين لا تكمل السرقة إلا بهما جميعاً بحسب العرف، فالداخل لم تثبت يده على المسروق حين إخراجه، والخارج لم يوجد منه هتك الحرز، فلم تتم السرقة من كل واحد، وهذا هو الراجح لدى الحنفية.\r-------------------------------\r(1) البدائع: 74/7، فتح القدير: 246/4، تبيين الحقائق: 224/3.\r(2) فتح القدير: 244/4، مغني المحتاج: 172/4.","part":7,"page":379},{"id":4665,"text":"وقال محمد: إن أخرج الداخل يده من الحرز، وناول الخارج، يقطع الداخل دون الخارج، فإن أدخل الخارج يده في الحرز، وأخذ المسروق فلا قطع عليهما؛ لأن الداخل لم يوجد منه الإخراج، والآخر لم يوجد منه هتك الحرز، فلم تتم السرقة من كل واحد.\rوقال أبو يوسف: إذا أخرج الداخل يده، فالقطع على الداخل، وأما الخارج إذا أدخل يده وأخذ منه، فيجب القطع عليهما؛ لأنه لا يشترط عنده دخول الحرز (1) .\rوقال المالكية والشافعية والحنابلة: يقطع الداخل وحده، دون الخارج؛ لأنه هو الذي أخرج المتاع، مع المشاركة في النقب (2) .\rهـ ـ إخراج المسروق من الحرز (سرقة النقب): إذا نقب شخصان حرزاً، ودخل أحدهما، وقرب المتاع إلى النقب وتركه، فأدخل الخارج يده، فأخرجه من الحرز، فقال أبو حنيفة ومحمد: لا قطع عليهما؛ لأن الداخل لم يوجد منه الإخراج، والخارج لم يوجد منه هتك الحرز، فلم تتم السرقة من كل واحد منهما، وفي هذه المسألة قال علي رضي الله عنه: «إذا كان اللص ظريفاً لا يقطع» (3) .\rوقال أبو يوسف: يقطع الخارج؛ لأن المقصود أخذ المال، لا دخول الحرز (4) .\rوقال مالك: يقطع المخرج خاصة، لأنه السارق. وقال الشافعية: لو تعاونا في النقب وانفرد أحدهما بالإخراج، أو وضعه ناقب بقرب النقب، فأخرجه آخر،\r-------------------------------\r(1) المبسوط: 147/9، فتح القدير: 243/4، الاختيار: 106/4.\r(2) حاشية الدسوقي: 343/4، المهذب: 279/2، المغني: 284/8، غاية المنتهى: 338/3.\r(3) هذا ما نقله الحنفية في كتبهم، ويحتاج ذلك إلى مزيد من التثبت.\r(4) المبسوط: 147/9، فتح القدير: 245/4، تبيين الحقائق للزيلعي: 223/3.","part":7,"page":380},{"id":4666,"text":"قطع المخرج، لكن لو وضعه بوسط نقبه فأخذه خارج وهو يساوي نصابين، لم يقطع الاثنان في الأظهر. ولو نقب شخص وأخرج غيره المسروق فلا قطع على واحد (1) .\rوقال أحمد: يقطع كل واحد منهما؛ لأنهما اشتركا في هتك الحرز، وإخراج المتاع، فلزمهما القطع، كما لو حملاه معاً فأخرجاه (2) . وهذا لدي أصح الآراء للاشتراك في السرقة. ويجري هذا الخلاف أيضاً فيمن دخل الحرز، وجمع المتاع عند النقب، ثم خرج، وأدخل يده، وأخرج المتاع.\rو ـ الاشتراك في السرقة أو تحميل المسروق على ظهر واحد من الجماعة: إذا دخل جماعة الدار، فأخذوا متاعاً، وحملوه على ظهر رجل منهم أو رجلين، وخرج الباقون من غير حمل شيء: فالقياس عند الحنفية وهو قول زفر والمالكية والشافعية: ألا يقطع غير الحامل؛ لأن فعل السرقة لا يتم إلا بالإخراج بعد الأخذ (3) .\rوفي الاستحسان عندالحنفية وهو قول الحنابلة: يقطعون جميعاً؛ لأن إخراج المسروق تم بمعاونة الجماعة، وهكذا تكون السرقة الجماعية عادة (4) .\rويجري هذا الخلاف فيما لو حملوا المسروق على دابة، حتى خرجت من الحرز، فإنه يجب القطع استحساناً.\rز ـ الطرار والنباش: الطرار: هو النشال وعرفه الحنابلة بقولهم بأنه من يبط (يشق) جيباً أو كماً ويأخذ منه أو بعد سقوطه نصاباً. وقد اتفق الفقهاء على أن\r-------------------------------\r(1) حاشية الدسوقي: 343/4، بداية المجتهد: 440/2، المهذب: 280/2، مغني المحتاج: 171/4 وما بعدها.\r(2) المغني: 283/8 وما بعدها، غاية المنتهى: 338/3.\r(3) الشرح الكبير: 335/4، الأم: 137/6، مغني المحتاج: 172/4.\r(4) فتح القدير: 244/4، المغني: 283/8.","part":7,"page":381},{"id":4667,"text":"الطرار تقطع يده (1) . وهو الرأي المتفق مع المصلحة. ومعنى الطرار: هو الذي يسرق من جيب الرجل، أو كمه (2) أو صُفْنة (وعاء من أدم يستقى به) سواء بالقطع أو بالشق أو بإدخال اليد في الجيب.\rغير أن الحنفية فصلوا في طريقة الطر: فإن كان الطر بالقطع، والدراهم مصرورة على ظاهر الكم لم يقطع؛ لأن الحرز هو الكم، والدراهم بعد القطع تقع على ظاهر الكم، فلم يوجد الأخذ من الحرز.\rوإن كانت الدراهم مصرورة في داخل الكم، يقطع؛ لأنها بعد القطع، تقع في داخل الكم، فكان الطر أخذاً من الحرز، وهو الكم، فيقطع.\rوإن كان الطر بحل الرباط ينظر: إن كان بحال لو حل الرباط تقع الدراهم على ظاهر الكم، بأن كانت العقدة مشدودة من داخل الكم، لا يقطع؛ لأنه أخذها من غير حرز.\rوإن كان بحال إذا حل الرباط تقع الدراهم في داخل الكم، وهو يحتاج إلى إدخال يده في الكم للأخذ، يقطع، لوجود الأخذ من الحرز.\rوالخلاصة: أن الحنفية يتطلبون وجود معنى الحرز حقيقة واقعة، والأولى الأخذ برأي الجمهور تفادياً لخطر هؤلاء اللصوص الخطرين.\r-------------------------------\r(1) فتح القدير، المرجع السابق: ص 245، البدائع: 76/7، حاشية ابن عابدين: 224/3، مختصر الطحاوي: ص 271، بداية المجتهد: 440/2، المهذب: 279/2، المغني: 256/8، غاية المنتهى: 336/3.\r(2) الكم ـ بضم الكاف والميم المشدددة: مدخل اليد ومخرجها من الثوب، والمراد به هنا: أنه ما يتخد مكاناً لتخبئة الأشياء فيه. والكم بكسر الكاف: وعاء الطلع أو الزهر أو الثمر.","part":7,"page":382},{"id":4668,"text":"النباش: هو سارق أكفان الموتى، واختلف الفقهاء في حكمه، فقال أبو حنيفة ومحمد: لا يقطع ولو كان القبر في بيت مقفل في الأصح؛ لأن القبر ليس بحرز بنفسه أصلاً، إذ لا تحفظ الأموال فيه عادة (1) .\rوقال المالكية والشافعية والحنابلة وأبو يوسف: تقطع يده؛ لأنه سارق، أو ملحق بسارق مال الحي، والله تعالى يقول: {والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما} [المائدة:38/5]، وقالت عائشة رضي الله عنها: «سارق أمواتنا كسارق أحيائنا» (2) ، وروى البراء بن عازب رضي الله عنه أن النبي صلّى الله عليه وسلم قال: «من حرَّق حرقناه، ومن غرق غرقناه، ومن نبش قطعناه» (3) ، ولأن القبر حرز للكفن، فإن الكفن يحتاج إلى تركه في القبر، دون غيره، ويكتفى به في حرزه (4) .\rإلا أن الشافعية استثنوا القبر الموجود في برية، فلا قطع في السرقة منه؛ لأنه ليس بحرز للكفن، وإنما يكون الدفن في البرية للضرورة بخلاف المقبرة التي تلي العمران، والراجح رأي الجمهور، منعاً من هذه الدناءات.\rح ـ الدار المشتركة: إذا كانت الدار مشتركة بين عدة سكان، كالغرف المؤجرة في المنازل لأكثر من واحد، فسرق المتاع من غرفة، يقطع عند الحنفية إذا كانت الدار عظيمة بحيث يستغني أهل كل بيت ببيتهم عن صحن الدار.\r-------------------------------\r(1) المبسوط: 159/9، حاشية ابن عابدين: 219/3، مختصر الطحاوي: ص 273، البدائع: 69/7، القوانين الفقهية: ص 359، غاية المنتهى: 340/3.\r(2) أخرجه الدارقطني من حديث عمرة عنها.\r(3) رواه البيهقي في المعرفة وقال: في هذا الإسناد بعض من يجهل حاله وروى الدارقطني عن عائشة قالت: «سارق أمواتنا كسارق أحيائنا» (راجع نصب الراية: 366/3، التلخيص: ص: 356، 358).\r(4) حاشية الدسوقي: 340/4، بداية المجتهد: 440/2، مغني المحتاج: 169/4، المهذب: 278/2، المغني: 272/8.","part":7,"page":383},{"id":4669,"text":"وكذلك يقطع عند الحنابلة إذا كان الباب مغلقاً، ويقطع عند مالك والشافعي بإخراج المتاع، ولو لم يخرجه من جميع الدار (1) .\rط ـ الأمتعة في الأسواق: يقطع سارقها عند الحنفية إذا سرق منها ليلاً، ولا يقطع إن سرق منها نهاراً، لاختلال الحرز في النهار بسبب وجود الإذن عادة بالدخول. وقال المالكية والشافعية: يقطع سارق المتاع من حوانيت التجار أو الأسواق إذا كانت الأمتعة قد ضمها أصحابها إلى بعضها في موضع البيت، أوأحرزت في أوعيتها التي تحرز بها عادة، عملاً بالعرف الجاري في إحرازها. وبناء عليه، يقطع - في رأيي - سارق السيارات المتروكة في الشوارع اليوم؛ لأن الشارع هو حرزها، والحرز: هو كل مكان تحفظ فيه الأموال عادة.\rوقال أحمد: يقطع سارقها إذا كان في السوق حارس، أو كان مع الأمتعة حارس يشاهدها (2) .\r4 - أن يكون المسروق أعياناً، قابلة للادخار والإمساك، ولا يتسارع إليها الفساد :\rقال أبو حنيفة ومحمد: لا قطع فيما يسرع إليه الفساد، إذا بلغ الحد الذي يقطع في مثله بالقيمة، كالعنب والتين والسفرجل والرطب والبقول والخبز ونحوها من الأطعمة الرطبة، والطبائخ، واللحم الطري أو اليابس، والنبيذ الحلال، والعصير والألبان، سواء أخذت من حرز أم لا، لعدم قابلية الادخار، ودليلهما قوله عليه الصلاة والسلام: «لا قطع في ثمر ولا كَثَر» (3) .\r-------------------------------\r(1) فتح القدير: 243/4، الموطأ: 50/3، الأم: 136/6، 139، المغني: 256/8، المهذب: 280/2.\r(2) فتح القدير: 242/4، الموطأ: 50/3، الأم: 135/6،المغني: 249/8-250.\r(3) الثمر: هو ما كان معلقاً في النخل قبل أن يجز ويحرز: وهو اسم جامع للرطب واليابس من الرطب والعنب وغيرهما. والكثر: هو جمار النخل، وهو شحم النخل الذي في وسط النخلة (راجع سبل السلام: 23/4، المنتقى على الموطأ: 182/7).","part":7,"page":384},{"id":4670,"text":"ولأن هذه الأشياء لا تعد مالاً عادة، فيقل خطرها عند الناس، فكانت تافهة، ونظراً لأنها معرضة للهلاك أيضاً تشبه ما لم يحرز، فإن كان المسروق مما يبقى من سنة إلى سنة، فيدخر، مثل الجوز واللوز والتمر اليابس والفواكه اليابسة والخل والدبس، فيجب القطع (1) .\rوقال أبو يوسف: يجب القطع فيما لا يحتمل الادخار؛ لأنها منتفع بها حقيقة، والانتفاع بها مباح شرعاً على الإطلاق، فكانت مالاً، فيقطع فيها كسائر الأموال (2) . وهذا الرأي يتفق مع عرفنا اليوم، إذ أن الفواكه أصبحت من الأموال المهمة، وليست تافهة، كما كان عليه عرف الناس في الماضي.\rوقال المالكية والشافعية والحنابلة: يجب القطع في كل الأموال المتمولة التي يجوز بيعها، وأخذ العوض عنها، سواء أكانت طعاماً أم ثياباً، أم حيواناً، أم أحجاراً، أم قصباً، أم صيداً، أم زجاجاً، ونحوها، لعموم قوله تعالى: {والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما} [المائدة:38/5] ولأن هذا مال يتمول عادة ويرغب فيه، فيقطع سارقه إذا اجتمعت فيه شروط السرقة (3) ، كأن يؤخذ من حرز مثله.\rسرقة الثمر المعلق: اتفق العلماء على أنه لا يجب القطع في سرقة الثمر المعلق على الشجر أو الحنطة في سنبلها، إذا لم يكن محرزاً، فإن أحرز وجب فيه القطع. ويرجع في تحديد الحرز إلى ما يعرفه الناس حرزاً، فما عرفوه حرزاً قطع بالسرقة منه، وما لا يعرفونه حرزاً لم يقطع بالسرقة منه؛ لأن الشرع دل على اعتبار الحرز، وليس له حد مقرر في الشرع، فوجب الرجوع فيه إلى العرف. قال الشافعي: إن حديث رافع: «لا قطع في ثمر» خرج على ما كان عليه عادة أهل المدينة من عدم إحراز حوائطها (بساتينها) فذلك لعدم الحرز. فإذا أحرزت الحوائط (أي البساتين) بالجدران أو الأسلاك الشائكة مثلاً، كانت كغيرها. لكن إذا أخذ الثمر من غير حرز، يجب فيه عند الجمهور دفع قيمته.\r-------------------------------\r(1) المبسوط: 153/9، فتح القدير: 227/4، البدائع: 69/7.\r(2) المراجع السابقة.\r(3) بداية المجتهد: 441/2، الميزان: 162/2، المهذب: 277/2 وما بعدها، المغني: 246/8، نيل الأوطار: 128/7، غاية المنتهى: 337/3، 341.","part":7,"page":385},{"id":4671,"text":"وقال الحنابلة: يجب دفع مثلي قيمته، لقوله عليه السلام: «من أصاب بفيه من ذي حاجة غير متخذ خُبْنة، أي (لا يخبئ شيئاً في ثنيات ثيابه) فلا شيء عليه، ومن خرج بشيء منه فعليه غرامة مثليه والعقوبة، ومن سرق منه شيئاً بعد أن يؤويه الجرين، فبلغ ثمن المجن، فعليه القطع» (1) . فإن استحكم جفاف الثمر أو الحنطة، وجذَّ وآواه الجرين، ثم سرق، قطع السارق؛ لأنه صار مالاً مطلقاً، قابلاً للادخار، وإليه أشار الرسول صلّى الله عليه وسلم حيث قال: «لا قطع في ثمر ولا كثَر حتى يؤويه الجرين» الحديث (2) .\r5 - أن يكون المسروق شيئاً ليس أصله مباحاً :\rإذا كان الشيء في أصله مباحاً، كالطيور والتبن والخشب والحطب والقصب والصيود والحشيش والسمك والزرنيخ والطين الأحمر والنُّورة (3) واللَّبِن والفحم والملح والخزف والزجاج لسرعة كسره، فقد اختلف العلماء في حكم سرقته كما في الشرط السابق.\r-------------------------------\r(1) رواه الترمذي وأبو داود والنسائي وابن ماجه عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وأخرج الترمذي عن ابن عمر مرفوعاً: «إذا مر أحدكم بحائط (أي بستان من ا لنخل) فليأكل ولا يتخذ خبنة» قال الترمذي: غريب، وقال البيهقي: لم يصح، وجاء من أوجه أخرى غير قوية. قال ابن حجر: والحق أن مجموعها لا يقصر عن درجة الصحيح، وقد احتجوا في كثير من الأحكام بما دونها (راجع نصب الراية: 363/3، سبل السلام: 97/3، جامع الأصول: 318/4، 296/11، نيل الأوطار: 127/7).\r(2) راجع جامع الأصول: 318/4.\r(3) النورة: حجر الكلس ثم غلبت على أخلاط تضاف إلى الكلس من زرنيخ وغيره، ويستعمل لإزالة الشعر (المصباح، والقاموس المحيط).","part":7,"page":386},{"id":4672,"text":"قال الحنفية: لا قطع فيما كان أصله مباحاً في دار الإسلام، كهذه الأشياء، واستثنوا منها خشب الساج والأبنوس والصندل والقنا (هو عنقود النخل) والخشب المصنوع. ودليله: أن الناس لا يتمولون تلك الأشياء، وإنما توجد بكثرة، وهي مباحة، فيقل خطرها عندهم، فكانت تافهة كالتراب، إلا ما كان غالي القيمة؛ لأنه يتمول عادة فلا يكون تافهاً، وهو ما استثنوه. ولأنها أيضاً من الأمور التي يشترك فيها الناس جميعاً، فبالنظر للشبهة التي فيها لكل مالك، لا يقطع سارقها، مراعاة لأصلها (1) .\rويلاحظ أن اعتماد أبي حنيفة في هذا الشرط على معنى التفاهة وعدم المالية، لا على إباحة الجنس؛ لأن ذلك موجود في الذهب والفضة.\rوعليه إذا أصبحت هذه الأشياء من جملة الأموال المعتبرة وجب الحد بسرقتها.\rوقال المالكية والشافعية والحنابلة (2) : يقطع سارق الأموال، سواء أكانت مما أصله مباح ، كالصيد والماء والحطب والحشيش والمعادن، أم غير مباح لعموم الآية الموجبة للقطع، وعموم الآثار الواردة في اشتراط النصاب، ولأنها مال محرز (3) ، وهذا هوالأرجح لدي، لتمول الناس هذه الأشياء، وإحرازهم لها.\r-------------------------------\r(1) المبسوط: 153/9، فتح القدير: 226/4، تبيين الحقائق: 219/3، البدائع: 68/7، حاشية ابن عابدين: 217/3.\r(2) حاشية الدسوقي: 334/4، الميزان: 167/2، بداية المجتهد: 441/2، المهذب: 278/2، المغني: 246/8، المنتقى على الموطأ: 156/7، القوانين الفقهية: ص 359، غاية المنتهى: 337/3.\r(3) قال الزنجاني الشافعي في تخريج الفروع على الأصول: ص 186: استصحاب حكم العموم إذا لم يقم دليل الخصوص متعين عند القائلين بالعموم، وعليه بنى الشافعي رضي الله عنه معظم مسائل السرقة. ويتفرع عليه أن حد القطع يتعلق بسرق ما أصله على الإباحة عند الشافعي رضي الله عنه، تمسكاً بعموم قوله تعالى: {والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما} [المائدة:38/5] وعموم الآية يقتضي إيجاب القطع في كل ما يسمى آخذه سارقاً، فكل من يطلق عليه اسم السارق مقطوع بحكم العموم إلا ما استثناه الدليل.","part":7,"page":387},{"id":4673,"text":"6- أن يكون المال المسروق معصوماً، ليس للسارق فيه حق الأخذ ولا تأويل الأخذ، ولا شبهة التناول (انتفاء شبهة الأخذ ) :السبب في اشتراط هذا الشرط: أن القطع عقوبة محضة، فيستدعي جناية محضة، وأخذ ما لَه حق أخذه لا يكون جناية أصلاً، فلا يستدعي عقوبة. وكذلك أخذ ما لأخذه فيه تأويل التناول أو شبهة التناول، لا يكون جناية محضة، فلا تناسبه العقوبة المحضة (1) .\rويتفرع على هذا الشرط أنه لا يقام حد القطع فيما يلي:\rأ ـ سائر الأموال المباحة التي لا مالك لها.\rب ـ مال الحربي المستأمن في دار الإسلام، فإنه لا يقطع استحساناً؛ لأنه مال فيه شبهة الإباحة، والقياس أن يقطع؛ لأن هذا المال أصبح معصوماً بسبب الأمان الذي منحه الحربي، ولهذا كان مضموناً بالإتلاف كمال الذمي.\rجـ ـ مال المسلم أو الذمي إذا سرقه الحربي المستأمن لاعتقاده إباحته.\rد ـ مال الباغي إذا سرقه العادل؛ لأنه ليس بمعصوم في حقه. وكذا مال العادل إذا سرقه الباغي، لأنه أخذه متأولاً.\rهـ ـ المال المسروق من الغريم، أي المدين، على التفصيل الآتي:\r-------------------------------\r(1) العقوبات الشرعية وأسبابها للأستاد علي قراعة: ص 146 وما بعدها، البدائع: 70/7-72، فتح القدير: 229/4 وما بعدها، المبسوط: 152/9، 178، غاية المنتهى: 341/3.","part":7,"page":388},{"id":4674,"text":"إن كان المسروق من جنس حقه، كأن كان له عشرة دراهم، فسرق عشرة دراهم، وكان الدين حالّ الأداء، لم يقطع السارق؛ لأن الأخذ مباح له، لأنه ظفر بجنس حقه، فله أخذه كما هو مقرر، حتى ولو أخذ أكثر من مقدار حقه، لا يقطع؛ لأن بعض المأخوذ حقه على الشيوع، ولا قطع في سرقة حق شائع كما في المال المشترك. فإن كان الدين مؤجلاً لا يقطع استحساناً، ويقطع قياساً.\rوجه القياس: أن الدين إذا كان مؤجلاً لم يكن لآخذه حق الأخذ قبل حلول الأجل، فصار كما لو سرقه أجنبي، فيقطع فيه.\rووجه الاستحسان: أن حق الأخذ، وإن لم يثبت قبل حلول الأجل، إلا أن سبب ثبوت حق الأخذ: وهو الدين، قائم، وأما الأجل فتأثيره في تأخير المطالبة، لا في سقوط الدين، فقيام السسبب المذكور يورث شبهة، والشبهة تمنع إقامة الحد.\rفإن كان المسروق خلاف جنس حقه، كأن يكون له عشرة دراهم، فسرق ديناراً أو عُروضاً، فيقام عليه حد القطع، كما ذكر الكرخي؛ لأنه أخذ مالاً ليس له حق أخذه. وذكر في كتاب السرقة أنه لا يقطع، وهو قول أبي يوسف والشافعي (1) .\rقال ابن عابدين: إن عدم جواز أخذ الدائن شيئاً للمدين من خلاف جنسه حقه، كان في زمانهم ـ أي زمان متقدمي الحنفية ـ لمطاوعتهم في الحقوق، والفتوى اليوم على جواز الأخذ عند القدرة من أي مال كان، لا سيما في ديارنا لمداومتهم للعقوق (2) .\r-------------------------------\r(1) فتح القدير: 236/4، مغني المحتاج: 162/4، المهذب: 282/2.\r(2) رد المحتار: 220/3.","part":7,"page":389},{"id":4675,"text":"و ـ سرقة المصحف الشريف: لا يقطع سارقه؛ لأن له تأويل الأخذ، وهو أنه أخذه لقراءة القرآن العظيم، وهو مذهب الحنابلة أيضاً. وقال مالك والشافعي وأبو يوسف: يقطع بسرقة المصحف؛ لأنه مال متقوم. واستثنى الشافعية في الأصح سرقة المصحف الموقوف على القراءة، فإن سارقه لا يقطع كالسرقة من بيت المال، لوجود الشبهة فيه (1) .\rز ـ الطبل والمزمار، والصليب، والنرد والشطرنج، وجميع آلات اللهو، لا يقطع بسرقتها؛ لأنه يتأول بأخذها منع المالك عن المعصية ونهيه عن المنكر.\r7 - ألا يكون للسارق في المسروق ملك ولا تأويل الملك، أو شبهته (انتفاء شبهة الملك ) :\rالسبب في اشتراط هذا الشرط المتفق عليه: هو ما ذكر في الشرط السابق: وهو أن الجناية حينئذ لا تكون متكاملة، فلا تستدعي عقوبة متكاملة، ويتفرع عن هذا أن السارق لا يقطع بسرقة ما أعاره، أو رهنه، أو آجره لغيره؛ لأنه مملوك له، ولايقطع بسرقة المال المشترك بينه وبين المسروق منه؛ لأن له حقاً فيه، ولا يقطع بسرقة مال الولد وإن سفل؛ لأن له تأويل الملك، أو شبهة الملك، لقوله عليه الصلاة والسلام: «أنت ومالك لأبيك» . وكذا لا يقطع بسرقة مال الأصل كالأب والجد وإن علا، لوجود المباسطة في الدخول في الحرز (2) ، أي أنه لا يقطع بسرقة من عمودي نسبه.\rوكذلك لا يقطع السارق من بيت المال؛ لأنه مال العامة، فيكون له فيه ملك\r-------------------------------\r(1) المغني: 247/8، غاية المنتهى: 337/3، المبسوط: 152/9، الدر المختار: 218/3، مغني المحتاج: 163/4، تكملة المجموع: 337/18، القوانين الفقهية: ص 359.\r(2) البدائع: 70/7، فتح القدير: 238/4.","part":7,"page":390},{"id":4676,"text":"وحق. والدليل هو أن عمر رضي الله عنه لم يقطع من سرق من بيت المال، فقد كتب عامل لعمر يسأله عمن سرق من مال بيت المال، فقال: «لا تقطعه فما من أحد إلا وله فيه حق» وروى الشعبي أن رجلاً سرق من بيت المال، فبلغ علياً كرم الله وجهه، فقال: «إن له فيه سهماً» ولم يقطعه. وإن سرق ذمي من بيت المال، قطع؛ لأنه لا حق له فيه. وإن سرق فقير من غلة وقف على الفقراء، لم يقطع؛ لأن له فيه حقاً، وإن سرق منها غني، قطع؛ لأنه لا حق له فيها. والخلاصة: لا يقطع فيما له فيه شبهة، لحديث «ادرؤوا الحدود بالشبهات» وهو مذهب الحنفية والشافعية والحنابلة.\rوقال مالك: يقطع لعموم الكتاب (1) أي عموم الآية القرآنية الدالة على وجوب قطع أي سارق.\r8 - ألا يكون السارق مأذوناً له بالدخول في الحرز، أو فيه شبهة الإذن :\rإذا سرق إنسان من ذوي الرحم المحرم (2) ، أو من زوجه، فلا تقطع يده؛ لأنه يدخل عادة بدون إذن، وجرت العادة بالتبسط بين الزوجين في الأموال، فكان له شبهة الإذن، فيختل معنى توفر الحرز، وهذا شرط متفق عليه في الجملة.\r-------------------------------\r(1) فتح القدير: 235/4، المغني: 277/8، غاية المنتهى: 341/3، المهذب: 281/2، المبسوط: 188/9، حاشية ابن عابدين على الدر المختار: 220/3، مغني المحتاج: 163/4. ويلاحظ أن للشافعية تفصيلاً رجحه النووي في السرقة من بيت المال، فقال: ومن سرق مال بيت المال:إن فرز لطائفة كذوي القربى والمساكين، ليس هو منهم، قطع إذ لا شبهة له في ذلك، وإن لم يفرز لطائفة فالأصح أنه إن كان له حق في المسروق كمال المصالح العامة وكصدقة وهو فقير مثلاً، فلا يقطع، وإن لم يكن له فيه حق، قطع لانتفاء الشبهة.\r(2) ذو الرحم المحرم من الشخص: هو الذي لو كان أحدهما رجلاً، والآخر امرأة، لم يجز له أن يتزوجها من أجل الرحم التي بينهما.","part":7,"page":391},{"id":4677,"text":"وكذلك لا قطع على خادم قوم سرق متاعهم، ولا على ضيف سرق متاع مضيفه، ولا على أجير سرق من موضع أذن له في دخوله؛ لأن الإذن في الدخول أخرج الموضع من أن يكون حرزاً في حقه (1) . وهذا متفق عليه في المذاهب الأربعة، إلا أن الإمام مالك اشترط في الخادم حتى يدرأ عنه الحد أن يلي الخدمة بنفسه.\rووافق الإمام أحمد أبا حنيفة في رواية عنه في ألا قطع بالسرقة من أحد الزوجين.\rوقال الشافعي في الأظهر: يجب القطع في السرقة من الأقارب وأحد الزوجين من الآخر، ما عدا قرابة الأصل والفرع، إذا سرق المال المحرز عنه، لعموم آية السرقة والأخبار الواردة فيها، وإلحاقاً للقرابة القريبة، كالأخت والعمة بالقرابة البعيدة، ولأن النكاح عقد على منفعة، فلا يؤثر في درء الحد، كالإجارة لا يسقط بها الحد عن الأجير أو المستأجر إذا سرق أحدهما من الآخر المال المحرز عنه (2) . ووافق الإمام مالك الشافعي في القطع بالسرقة بين الزوجين، والمعقول هو الرأي الأول، لوجود التسامح في أخذ المال عادة بين الأقارب.\r-------------------------------\r(1) البدائع: 70/7، 75، المبسوط: 151/9، تبيين الحقائق للزيلعي: 220/3، 222، الدر المختار: 221/3، المهذب: 280/2، القوانين الفقهية: ص 359.\r(2) مغني المحتاج: 162/4. ويلاحظ أن الشافعية نبهوا على أن وجوب قطع يد الزوجة بالسرقة من مال زوجها: هو فيما إذا لم تستحق على الزوج شيئاً حين السرقة، أما إذا كانت تستحق النفقة والسكنى في تلك الحالة، فالمتجه أنه لا قطع إذا أخذت بقصد الاستيفاء كما في حق رب الدين الحال إذا سرق نصاباً من المديون، وربما كان الإمام الشافعي في الأم (139/6) أميل لعدم القطع مطلقاً بسبب الشبهة. وقال الإمام مالك (الموطأ: 52/3): إذا سرق أحد الزوجين من حرز يختص به الآخر كأن كان في بيت لا يسكنان معاً فيه، أو سرق شيئاً أحرزه عنه، يقطع. وعن الإمام أحمد روايتان في ذلك (المغني: 276/8): إحداهما ـ لا قطع عليه كمذهب أبي حنيفة، والثانية ـ يقطع كمذهب مالك.","part":7,"page":392},{"id":4678,"text":"9 - أن يكون المسروق مقصوداً بالسرقة لا تبعاً لمقصود :\rفلو سرق إنسان كلباً أو هراً في عنقه طوق ذهب أو فضة، أو مصحفاً مرصعاً بالذهب والياقوت، أو سرق صبياً حراً عليه حلي أو ثياب ديباج، أو إناء من ذهب أو فضة فيه شراب أو ماء أو طعام: لا يجب القطع عند أبي حنيفة ومحمد وأحمد وفي وجه للشافعية؛ لأن المقصود بالسرقة هو الكلب أو الصبي، والطعام وغيره تابع له، وإذا كان الأصل المقصود لا يجب فيه القطع لقصور في ماليته، فلا يجب بالتابع.\rوقال أبو يوسف وفي وجه آخر للشافعية: ليس هذا بشرط؛ لأنه قصد سرقة ما عليه من مال، ولأن الطعام الذي في الإناء، ونحوه، إذا كان مما لا يقطع فيه، التحق بالعدم، فيعتبر أخذ الإناء على الانفراد، فيقطع فيه (1) ، ويظهر لي أن هذا هو المعقول، لولا وجود الشبهة في اشتمال السرقة على ما يقطع من أجله وما لا يقطع.\rشروط المسروق منه :\rيشترط في المسروق منه أن تكون له يد صحيحة، واليد الصحيحة ثلاثة أنواع:\r1 - يد الملك.\r2 - يد الأمانة، كيد الوديع والمستعير ويد الشريك المضارب.\r3 - يد الضمان، كيد الغاصب ويد القابض على سوم الشراء، ويد المرتهن.\r-------------------------------\r(1) البدائع: 79/7، المهذب: 281/2.","part":7,"page":393},{"id":4679,"text":"فيجب القطع على السارق من هؤلاء. ولا يجب القطع على السارق من السارق؛ لأن يد السارق ليست بيد صحيحة، فكان الأخذ منه كالأخذ من الطريق (1) .\rشروط المسروق فيه :\rالمسروق فيه: هو مكان السرقة. يشترط أن تكون السرقة في دار العدل، فلو سرق في دار الحرب أو في دار البغي: لا يقطع؛ لأنه لا ولاية للإمام على غير دار العدل، فلم تنعقد السرقة موجبة للقطع (2) .\rالمبحث الثالث ـ إثبات السرقة :\rتثبت السرقة عند القاضي بأحد أمرين: البينة أو الإقرار.\rشروط البينة :\rيشترط لقبول البينة شروط عامة تعرف في باب الشهادات، وشروط خاصة في الحدود والقصاص، وهي (3) :\r1 - الذكورة: فلا تقبل فيها شهادة النساء.\r2 - العدالة: فلا تقبل فيها شهادة الفساق.\r3 - الأصالة: فلا تقبل فيها الشهادة على الشهادة، لوجود الشبهة.\r4 - عدم تقادم العهد، إلا في حد القذف والقصاص: فلو شهدوا بالسرقة بعد حين، لم تقبل شهادتهم، للشبهة.\r5 - الخصومة أو الدعوى ممن له يد صحيحة: بأن كان صاحب ملك أو صاحب يد أمانة، أو يد ضمان، كما بان سابقاً. فلو شهدوا أنه سرق مال فلان الغائب من غير خصومة من المسروق منه، لم تقبل شهادتهم، ولكن يحبس السارق؛ لأن إخبارهم أورث تهمة، ويجوز الحبس بالتهمة.\rويلاحظ أن حق الخصومة ثابت لمن له يد صحيحة في حق ثبوت ولاية استرداد المسروق وإعادته إلى أيديهم، وفي حق القطع عند جمهور الحنفية؛ لأن يد المالك أو الأمين أو الضامن يد صحيحة، والخصومة مظهرة للسرقة، وإذا ظهرت السرقة بخصومة هؤلاء يقطع السارق، لقوله تعالى: {والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما} [المائدة:38/5].\r-------------------------------\r(1) البدائع، المرجع السابق: ص 80.\r(2) المرجع السابق.\r(3) المبسوط: 169/9، فتح القدير: 223/4، 252، البدائع: 81/7، تبيين الحقائق: 213/3، حاشية ابن عابدين: 213/3، غاية المنتهى: 342/3، القوانين الفقهية: ص360 وما بعدها.","part":7,"page":394},{"id":4680,"text":"وقال زفر: لا تعتبر خصومة غير المالك في حق القطع، ولا يقطع السارق بخصومة الأمين أو الضامن؛ لأن يد غير المالك ليست بيد صحيحة في الأصل، وإنما تثبت لهم ولاية الخصومة لإمكان الرد إلى المالك، فكان ثبوتها لهم بطريق الضرورة، والثابت بالضرورة يكون عدَماً فيما وراء محل الضرورة، لانعدام علة الثبوت، وهي الضرورة.\rوأما السارق الأول فلا تعتبر خصومته باتفاق الحنفية في حق القطع بالنسبة للسارق الثاني بالاتفاق؛ لأن يده ليست يد ملك، ولا يد ضمان، ولا يد أمانة، فصار الأخذ من يده كالأخذ من الطريق. وأما في حق الاسترداد ففيه روايتان: رواية تقرر أن للسارق الأول الاسترداد، إذ من الجائز أن يختار المالك الضمان، ويترك القطع، فيحتاج إلى أن يسترد المسروق من السارق الثاني، ليدفعه إلى المالك، فيتخلص من الضمان. ورواية: ليس له الاسترداد، إذ ليس له يد صحيحة (1) .\rويلاحظ أن مذهب الشافعية والحنابلة في أظهر الروايتين كالحنفية في افتقار حد القطع إلى مطالبة المسروق منه؛ لأن المغلب عندهم في القطع حق المخلوق (2) .\rوقال مالك: إنه لا يفتقر إلى مطالبة المسروق منه صيانة لحق المجتمع، ومحافظة على أموالهم (3) .\rولا تثبت السرقة عند القاضي بالنكول عن الحلف من المدعى عليه، ولا تثبت أيضاً بعلم القاضي، في زمان القضاء أو قبله.\rشروط الإقرار :\rتظهر السرقة عند القاضي بالإقرار؛ لأن الإنسان غير متهم في الإقرار على نفسه بالإضرار بها، ويكفي لوجوب القطع الإقرار مرة واحدة عند أبي حنيفة ومحمد وجمهور العلماء.\rوقال أبو يوسف والحنابلة: لا يقطع إلا بالإقرار مرتين، كما أن عدد الشهود اثنان.\rويشترط عند أبي حنيفة ومحمد إقامة دعوى من المسروق منه، فإذا أقر السارق أنه سرق مال فلان الغائب لم يقطع، ما لم يحضر المسروق منه ويخاصمه، كما هو المقرر في البينة.\r-------------------------------\r(1) انظر البدائع: 83/7-84، فتح القدير: 255/4 وما بعدها، تبيين الحقائق للزيلعي: 228/3.\r(2) المهذب: 282/2 وما بعدها، المغني: 273/8، غاية المنتهى: 342/3.\r(3) بداية المجتهد: 443/2.","part":7,"page":395},{"id":4681,"text":"وقال أبو يوسف: الدعوى في الإقرار بالسرقة ليست بشرط لوجوب القطع؛ لأن الإنسان غير متهم على نفسه (1) .\rالمبحث الرابع ـ ما يسقط الحد بعد وجوبه :\rيسقط الحد بأنواع هي (2) :\r1 - تكذيب المسروق منه السارق في إقراره بالسرقة، بأن يقول له: لم تسرق مني.\r2 - تكذيب المسروق منه بينته، بأن يقول: شهد شهودي بزور.\r3 - رجوع السارق عن الإقرار بالسرقة، فلا يقطع، ويضمن المال؛ لأن الرجوع عن الإقرار يقبل في الحدود، ولا يقبل في المال؛ لأنه يورث شبهة في الإقرار، والحد يسقط بالشبهة، ولا يسقط المال.\r4 - رد السارق المسروق إلى مالكه قبل المرافعة في السرقة عند أبي حنيفة ومحمد، وإحدى الروايتين عن أبي يوسف. وفي رواية أخرى عنه: إن الرد قبل المرافعة لا يسقط الحد؛ لأن السرقة انعقدت موجبة للقطع، فرد المسروق بعدئذ لا يخل بالسرقة الموجودة.\rودليل الطرفين: أن الخصومة شرط لظهور السرقة عند القاضي، ولما رد المسروق على المالك، فقد بطلت الخصومة، بخلاف ما بعد المرافعة؛ لأن المطلوب هو وجود الخصومة لا استمرارها. وعلى هذا، رد المسروق بعد المرافعة وسماع البينة: لا يسقط القطع، سواء أكان الرد قبل القضاء أم بعده.\r-------------------------------\r(1) المراجع السابقة عند الحنفية، المبسوط: 182/9، المهذب: 282/2، القوانين الفقهية: ص 361، غاية المنتهى: 342/3.\r(2) البدائع: 88/7 وما بعدها، فتح القدير: 255/4 وما بعدها، تبيين الحقائق: 229/3 وما بعدها.","part":7,"page":396},{"id":4682,"text":"5 - ملك السارق المال المسروق قبل رفع الأمر إلى القضاء بلا خلاف، فإن ملكه بعدئذ قبل إمضاء الحكم، فاختلف فيه الفقهاء: فقال أبو حنيفة ومحمد: يسقط الحد، كما إذا وهب أو باع المسروق منه المال المسروق للسارق قبل القضاء أو بعده قبل إصدار الحكم.\rوقال أبو يوسف والشافعي وأحمد ومالك: إذا وهبه بعد القضاء ، أي بعد ما رفع إلى الحاكم، لم يسقط القطع، لما روي أن النبي صلّى الله عليه وسلم أمر في سارق رداء صفوان أن تقطع يده، فقال صفوان: إني لم أرد هذا، هو عليه صدقة، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: «فهلا قبل أن تأتيني به؟» (1) .\rودليل الطرفين: أن الملك في الهبة يثبت من وقت القبض، فيظهر الملك له من ذلك الوقت، أي أن له أثراً رجعياً. وكون المسروق ملكاً للسارق على الحقيقة أو مع الشبهة، يمنع من القطع، ولهذا لم يقطع قبل القضاء، فكذلك بعده؛ لأن القضاء في باب الحدود إمضاؤها، فما لم يمض الحد (أي ينفَّذ فعلاً بأن يقام على المحدود) فكأنه لم يقض. ولو كان لم يقض لا يقطع، فكذلك إذا لم يمض، أي لم ينفَّذ الحد، والمعنى أنهم اعتبروا الحد قبل استيفائه، كما لو كان قبل القضاء به.\rزراعة عضو استؤصل في حد: تقدمت ببحث إلى مجمع الفقه الإسلامي بجدة عام 1410 هـ1990/م في دورته السادسة مفاده عدم جواز إعادة العضو المقطوع في حال القصاص، بعملية جراحية، مراعاة لمصلحة المقتص له، وكذلك عدم جواز إعادة العضو المقطوع في حد من الحدود الخالصة للعبد، ورأيت جواز إعادة العضو إذا ثبت الجرم بالإقرار؛ لجواز الرجوع عنه، وكذلك إذا ثبت الجرم\r-------------------------------\r(1) المهذب: 282/2، البدائع، المرجع السابق: ص 89، غاية المنتهى: 337/3، المنتقى على الموطأ: 162/7، والحديث رواه أصحاب السنن من حديث ابن عباس.","part":7,"page":397},{"id":4683,"text":"بالشهادة في حقوق الله تعالى كحد السرقة والحرابة والزنى والردة، إذا تاب المحدود، وكانت حالات الإعادة قليلة أو نادرة، حتى لا يتجرأ الجناة على الجرائم والفواحش، ثم وافقت على قرار المجمع المذكور بعدم الجواز، حتى لا يتخذ تطبيق الحد عبثاً أو مجالاً للتلاعب والبعد عن الجدية، ولإبقاء آثار تطبيق الحد لزجر المحدود وبقية الناس، وأذكر هنا نص قرار المجمع رقم (6/9/60):\r1 - لا يجوز شرعاً إعادة العضو المقطوع تنفيذاً للحد؛ لأن في بقاء أثر الحد تحقيقاً كاملاً للعقوبة المقررة شرعاً، ومنعاً للتهاون في استيفائها، وتفادياً لمصادمة حكم الشرع في الظاهر.\r2 - بما أن القصاص قد شرع لإقامة العدل وإنصاف المجني عليه، وصون حق الحياة للمجتمع، وتوفير الأمن والاستقرار، فإنه لا يجوز إعادة عضو استؤصل تنفيذاً للقصاص إلا في الحالات التالية:\rأ ـ أن يأذن المجني عليه بعد تنفيذ القصاص بإعادة العضو المقطوع.\rب ـ أن يكون المجني عليه قد تمكن من إعادة العضو المقطوع منه.\r3 - يجوز إعادة العضو الذي استؤصل في حد أو قصاص بسبب خطأ في الحكم أو في التنفيذ.","part":7,"page":398},{"id":4684,"text":"الفَصْلُ الرّابع: حَدّ الحِرابة أو قَطع الطَّريق وحكم البغاة\rتمهيد :\rهذا هو الحد الرابع من أنواع الحدود، ونتكلم فيه عن حكم البغاة لوجود التشابه بين جريمتي قطع الطريق والبغي، فقطاع الطرق: هم محاربون على غير التأويل، والبغاة محاربون على التأويل.\rوقد ألحق الحنفية حد الحرابة بحد السرقة؛ لأن قطع الطريق يسمى سرقة كبرى، إلا أنه ليس بسرقة مطلقة، فإن السرقة هي الأخذ خفية كما يتبادر إلى الذهن، وإنما يطلق عليه اسم السرقة مجازاً بسبب الإخفاء عن الإمام أو عن حراسه لحفظ الطريق.\rفيسمى سرقة بسبب أخذ المال سراً عن الحارس أو الإمام، وتسميتها «كبرى» ؛ لأن فيه ضرراً على أصحاب الأموال وعامة الناس، ولذا غلظ الحد فيه، وخفف في السرقة العادية المسماة بالسرقة الصغرى؛ لأن ضررها يخص الملاك بأخذ مالهم وهتك حرزهم (1) .\rوالكلام على حد الحرابة يكون في المباحث الخمسة الآتية:\rالمبحث الأول ـ تعريف قطاع الطرق أو المحاربين، وركن قطع الطريق.\rالمبحث الثاني ـ شروط قطع الطريق.\rالمبحث الثالث ـ إثبات قطع الطريق.\rالمبحث الرابع ـ أحكام قطاع الطرق.\rالمبحث الخامس ـ ما يسقط حكم القطع، وما يترتب على عدم وجوب الحد. ثم يكون الكلام عن تعريف البغاة وأحكامهم.\rالمبحث الأول ـ تعريف قطاع الطرق وركن قطع الطريق :\rقاطع الطريق أو المحارب: هو كل من كان دمه محقوناً قبل الحرابة وهو المسلم أو الذمي. والأصل في مشروعية حد قطع الطريق هو قوله تعالى: {إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فساداً أن يُقتَّلوا أو يُصلَّبُوا، أو تُقطَّع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو يُنْفَوا من الأرض} [المائدة:33/5].\rوقد اتفق العلماء على أن من قتل وأخذ المال، وجب إقامة الحد عليه، ولا يسقط العقاب بعفو ولي المقتول، والمأخوذ منه المال، خلافاً للقتل العادي.\rقال ابن المنذر: أجمع على هذا كل من نحفظ عنه من أهل العلم (2) .\rفالحرابة إذن: هي كل فعل يقصد به أخذ المال على وجه تتعذر معه الاستعانة عادة (3) .\r-------------------------------\r(1) فتح القدير مع العناية بحاشيته: 268/4.\r\r(2) الميزان: 168/2، بداية المجتهد: 445/2، حاشية الدسوقي: 350/4، المهذب: 284/2، مغني المحتاج: 183/4، المغني: 290/8.\r(3) تبصرة الحكام في أصول الأقضية والأحكام لابن فرحون: 271/2.","part":7,"page":399},{"id":4685,"text":"ركن قطع الطريق :\rركنه: هو الخروج على المارة لأخذ المال على سبيل المغالبة على وجه يمتنع المارة عن المرور وينقطع الطريق، سواء أكان القطع من جماعة أم من واحد، بعد أن يكون له قوة القطع، وسواء أكان القطع بسلاح أم غيره من العصا والحجر والخشب ونحوها، وسواء أكان بمباشرة الكل، أم التسبب من البعض بالإعانة والأخذ؛ لأن القطع يحصل بكل ماذكر كما في السرقة، ولأن هذا من عادة قطاع الطرق (1) . وبه يظهر أن قطاع الطرق قوم لهم منعة وشوكة، بحيث لا تمكن للمارة مقاومتهم، يقصدون قطع الطريق، بالسلاح أو بغيره.\rالمبحث الثاني ـ شروط قطع الطريق :\rهناك شروط في القاطع، والمقطوع عليه، وفيهما معاً، وفي المقطوع له، وفي المقطوع فيه.\rشروط القاطع :\rيشترط في القاطع أن يكون عاقلاً بالغاً، فإن كان صبياً مجنوناً لا حد عليهما؛ لأن الحد عقوبة تستدعي جناية، وفعل الصبي والمجنون لا يوصف بكونه جناية.\rويشترط أيضاً أن يكون ذكراً في ظاهر الرواية عن أبي حنيفة، ولو كان بين القطاع امرأة لا يقام الحد عليها في الرواية المشهورة؛ لأن ركن القطع وهو (الخروج على المارة على وجه المحاربة والمغالبة) لا يتحقق من النساء عادة، لرقة قلوبهن وضعف بنيتهن، فلا يكنَّ من أهل الحرب.\rوقال الطحاوي: النساء والرجال في قطع الطريق سواء؛ لأن هذا حد يستوي في وجوبه الذكر والأنثى كسائر الحدود. وسيأتي بيان المذاهب الأخرى.\r-------------------------------\r(1) البدائع: 90/7 وما بعدها، فتح القدير: 268/4، المبسوط: 195/9.\rوالمحارب عند المالكية: هو الذي شهر السلاح وقطع الطريق وقصد سلب الناس، سواء أكان في مصر أو قفر. ومن دخل داراً بالليل وأخذ المال بالكره، ومنع من الاستغاثة، فهو محارب، والقاتل غيلة محارب، ومن كان معاوناً للمحاربين كالكمين والطليعة فهو في حكم المحارب عندهم (القوانين الفقهية: ص 362).","part":7,"page":400},{"id":4686,"text":"وأما الرجال الذين مع المرأة، فلا يقام عليهم الحد عند أبي حنيفة ومحمد، سواء باشروا معها أو لم يباشروا؛ لأن سبب وجوب الحد شيء واحد، وهو قطع الطريق، وقد حصل ممن يجب عليه، ومن لا يجب عليه، فلا يجب أصلاً كما إذا كان فيهم صبي أو مجنون.\rوفرق أبو يوسف بين الصبي وبين المرأة، فقال: إذا باشر الصبي لا حد على من لم يباشر من المكلفين.\rوإذا باشرت المرأة يحد الرجال؛لأن امتناع وجوب الحد على المرأة ليس لعدم الأهلية؛ لأنها من أهل التكليف، بل لعدم المحاربة منها، أو نقصانها عادة، وهذا لم يوجد في الرجال، فلا يمتنع وجوب الحد عليهم (1) . لكن نص ابن عابدين في حاشيته ( 232/3 ) على أن المرأة كالرجل في الحرابة في ظاهر الرواية، إلا أنها لاتصلب.\rولم يفرق الجمهور بين الرجل والأنثى،فيقام حد الحرابة على جميع المكلفين الملتزمين ولو أنثى، الذين يعرضون للناس بسلاح أو غيره، فيغصبون مالاً محترماً مجاهرة (2) .\rشروط المقطوع عليه :\rيشترط في المقطوع عليه أمران:\r1 - أن يكون مسلماً أو ذمياً: فإن كان حربياً مستأمناً، لا حد على القاطع؛ لأن عصمة مال المستأمن ليست عصمة مطلقة، وإنما فيها شبهة الإباحة.\r2 - أن تكون يده صحيحة: بأن كانت يد ملك أو يد أمانة أو يد ضمان، فإن لم تكن كذلك كيد السارق، لم يجب الحد على القاطع (3) .\rشروط القاطع والمقطوع عليه جميعاً :\rيشترط ألا يكون في القطاع ذو رحم محرم من المقطوع عليهم، فإن كان أحدهم ذا رحم من المقطوع عليهم لا يجب الحد على القطاع؛ لأنه يوجد بينهم قريب للمقطوع عليهم. والسبب في منع الحد: هو أنه يكون عادة بين هذا القريب وبين المقطوع عليه تبسط في المال والحرز، لوجود الإذن بالتناول عادة.\rو اختلف الحنفية مع بقية المذاهب في هذا الشرط، وفي اشتراط الذكورة في القاطع، وفي اشتراك الصبي أو المجنون مع القطاع.\r-------------------------------\r(1) البدائع: 91/7،المبسوط: 197/9، مختصر الطحاوي: ص 277.\r(2) غاية المنتهى: 344/3، القوانين الفقهية: ص 362، المهذب: 284/2.\r(3) البدائع، المرجع السابق.","part":7,"page":401},{"id":4687,"text":"فقال الحنفية كما تقدم: يشترط كون القطاع كلهم أجانب مكلفين ذكوراً، حتى إذا كان أحدهم ذا رحم محرم أو صبياً أو مجنوناً، لا يجب عليهم القطع عند\rأبي حنيفة ومحمد؛ لأن الحد عقوبة، فتستدعي جناية، وفعل الصبي والمجنون لا يوصف بكونه جناية، كما سبق بيانه، وأما المرأة: فلا يتحقق منها قطع الطريق لضعفها.\rوقال أبو يوسف: العبرة بمباشرة القطع، فإذا باشرت المرأة القطع حد الرجل كما تبين، ولا تحد المرأة، فإن قتلت أحداً تقتل قصاصاً، لا حداً، فيجوز لولي القتيل العفو عن القصاص.\rوإذا باشر الصبي أو المجنون القطع لا يحد أحد، وإن كانت المباشرة من غيرهما، فيحد العقلاء البالغون، ولا يحد الصبي أو المجنون. ودليله أن القطع هو الأصل في قطع الطريق، والإعانة كالتابع، فإذا وليه الصبي، فقد أتى بالأصل، فإذا لم يجب القطع بالأصل، فكيف يجب بالتابع، فإذا وليه البالغ فقد حصل الأصل منه (1) .\rوقال المالكية والشافعية والحنابلة: لا يسقط حد القطع عن قطاع الطرق إذا كان فيهم صبي أو مجنون أو ذو رحم من المقطوع عليه؛ لأن وجود هؤلاء شبهة اختص بها واحد، فلم يسقط الحد عن الباقين، كما لو اشتركوا في وطء المرأة. وعلى هذا فلا حد على الصبي والمجنون وإن باشر القتل وأخذ المال؛ لأنهما ليسا من أهل الحدود، وعليهما ضمان ما أخذا من المال في أموالهما، ودية قتيلهما على عاقلتهما، أي أقاربهما من العصبات.\rوأما المرأة إذا كانت مشتركة مع القطاع، فيثبت في حقها حكم المحاربة؛ لأنها تحد في السرقة، فيلزمها حكم المحاربة كالرجل، وتقتل حداً إن قتلت، وأخذت المال (2) .\r-------------------------------\r(1) البدائع: 67/7، 91، فتح القدير: 273/4، تبيين الحقائق: 239/3، المبسوط: 203/9.\r(2) حاشية الدسوقي: 348/4، مغني المحتاج: 180/4، الميزان: 169/2، المغني: 297/8.","part":7,"page":402},{"id":4688,"text":"حكم الردء :\rاختلف العلماء أيضاً في الردء، أي العون:\rفقال الحنفية والمالكية والحنابلة: إذا اجتمع محاربون، فباشر بعضهم القتل والأخذ، وكان بعضهم ردءاً، كان للردء حكم المحاربين في جميع الأحوال، اكتفاء بوجود المحاربة، سواء باشر بعضهم القتل أم لم يباشر (1) .\rوقال الشافعية: لا يجب على الردء بأن كثَّر جمعهم فقط، ولم يزد على ذلك، غير التعزير بالحبس والتغريب ونحوهما؛ لأن المدار في المحاربة على المباشر، لا على من كان ردءاً له (2) .\rشروط المقطوع له :\rالمقطوع له: أي من أجله وهو المال: يشترط فيه الشروط نفسها التي ذكرت في المسروق، وموجزها: أن يكون المأخوذ مالاً، متقوماً، معصوماً، ليس لأحد فيه حق الأخذ ، ولا تأويل التناول، ولا تهمة التناول، مملوكاً لا ملك فيه للقاطع، ولا تأويل الملك، ولا شبهة الملك، محرزاً مطلقاً، ليس فيه شبهة الإباحة، نصاباً كاملاً: عشرة دراهم، أو مقدراً بها، لكل من القاطعين (3) .\rشروط المقطوع فيه :\rالمقطوع فيه وهو المكان، يشترط فيه ثلاثة شروط:\r1 - أن يكون قطع الطريق في دار الإسلام، فإن كان في دار الحرب لا يجب الحد، لعدم ولاية الإمام في دار الحرب، فلا قدرة له على إقامة الحد.\r-------------------------------\r(1) المراجع السابقة، فتح القدير: 271/4، القوانين الفقهية: ص 362.\r(2) مغني المحتاج: 182/4، المهذب: 285/2.\r(3) البدائع: 92/7.","part":7,"page":403},{"id":4689,"text":"2 - أن يكون القطع عند متقدمي الحنفية خارج المصر. واختلف العلماء في تحقق قطع الطريق في داخل المصر. فقال أبو حنيفة ومحمد وظاهر كلام أحمد: لا يثبت حكم القطع إلا أن يكون خارج المصر؛ لأن القطع لا يحصل بدون الانقطاع، والطريق لا ينقطع في الأمصار وفيما بين القرى؛ لأن الناس يغيثون المقطوع عليه في كثير من الأحيان، فكان القطع في المصر بالغصب أشبه، فعليه التعزير ورد ما أخذ من مستحقه، وهذا أخذ بمقتضى الاستحسان (1) . وهوظاهر الرواية عند الحنفية، لكن المفتى به خلافه كما سأبين.\rوقال أبو يوسف والمالكية والشافعية، والحنابلة في المعتمد عندهم: يثبت حكم قطع الطريق داخل المصر، وخارجه على حد سواء. استدل أبو يوسف بمقتضى القياس: وهو أن سبب جوب الحد قد تحقق وهو قطع الطريق، فيجب الحد، كما لو كان في غير مصر.\rقال ابن عابدين: أفتى المشايخ برواية أبي يوسف التي تقتضي بأن الحرابة تقع في المصر ليلاً أو نهاراً بسلاح أو بدونه دفعاً لشر المتغلبة المفسدين (2) .\rواستدل الجمهور بنحوه، فقالوا: إن محاربة شرع الله عز وجل وتعدي حدوده لا يختلف تحريمها بكونها خارج المصر، أو داخله كغيرها من سائر المعاصي من زنا وشرب خمر وغيرهما (3) .\rإلا أن الشافعية قالوا: يشترط في قاطع الطريق أن يكون له شوكة، أي قدرة وقوة مغالبة لغيره، ولا يشترط العدد. والمغالبة: إنما تتأتى بالبعد عن العمران، لا بالقرب منه، بحيث لو قال الشخص: ياغوثاه، أغاثه الناس، وتوجد المغالبة في المصر حال ضعف السلطان.\r-------------------------------\r(1) المرجع السابق، المبسوط: 201/9، الهداية مع فتح القدير: 274/4.\r(2) رد المحتار: 232/3، وانظر أيضاً: 815/1.\r(3) حاشية الدسوقي: 348/4، القوانين الفقهية: ص 362، بداية المجتهد: 445/2، مغني المحتاج: 181/4، المغني: 287/8، المهذب: 284/2.","part":7,"page":404},{"id":4690,"text":"3 - أن يكون بينهم وبين المصر مسيرة سفر، فإن كان أقل منه لم يكونوا قطاع طرق، وهذا الشرط عند أبي حنيفة ومحمد، وأما عند أبي يوسف فليس بشرط. وقد بيّنت في الشرط السابق دليل كل منهم (1) وأن المفتى به هو رأي أبي يوسف.\rالمبحث الثالث ـ إثبات قطع الطريق :\rيثبت قطع الطريق عند القاضي، إما بالبينة، وإما بالإقرار، بعد خصومة صحيحة أي (رفع الدعوى ممن له يد صحيحة) ولا يثبت بعلم القاضي، ولا بالنكول (2) ، على حسب ما ذكر في السرقة. ويشترط عند الحنابلة وأبي يوسف تكرار الإقرا ر مرتين (3) .\rالمبحث الرابع ـ أحكام قطاع الطرق (عقوباتهم ) :\rاختلف العلماء في عقوبة قطع الطريق، هل العقوبات المذكورة في آية المحاربة على التخيير، أو مرتبة على قدر جناية المحارب؟.\rفقال الحنفية والشافعية والحنابلة: إن حد قطاع الطريق على الترتيب المذكور في الآية الكريمة السابق ذكرها؛ لأن الجزاء يجب أن يكون على قدر الجناية، ولكنهم اختلفوا في كيفية الترتيب:\rفقال الحنفية: إن أخذوا المال، تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف؛ وإن قتَلوا فقط قُتلوا؛ وإن قتلوا وأخذوا المال كان الإمام بالخيار: إن شاء قطع أيديهم وأرجلهم من خلاف، ثم قتلهم، أو صلبهم، وإن شاء لم يقطع، وإنما يقتل أو يصلب.\r-------------------------------\r(1) البدائع: 92/7.\r(2) المرجع السابق: ص 93، والنكول: استنكاف الخصم عن حلف اليمين الموجهة إليه من القاضي.\r(3) غاية المنتهى: 344/3.","part":7,"page":405},{"id":4691,"text":"وإن أخافوا الطريق فقط دون قتل، ولا أخذ للمال، ينفوا من الأرض، أي يحبسوا ويعزروا (1) .\rوما ذكر في الصورة الثالثة وهو (القتل وأخذ المال) هو رأي أبي حنيفة وزفر.\rوقال الصاحبان: يقتل الإمام القاطع أو يصلبه، ولكن لا يقطعه؛ لأن الجناية وهي قطع الطريق واحدة، فلا توجب حدين، ولأن ما دون النفس في الحدود يدخل في النفس كحد السرقة والرجم إذا اجتمعا كما سأبين، فيقام حد الرجم فقط.\rورد أبو حنيفة وزفر على ذلك بأن هذه الجناية وإن كانت واحدة، فإن القطع والقتل أيضاً عقوبة واحدة، ولكنها مغلظة لتغلظ سببها، حيث إن قطع الطريق يخل بالأمن على النفس والمال معاً.\rوقال الشافعية والحنابلة: إن أخذوا المال فقط قطعت أيديهم وأرجلهم من خلاف، وإن قتلوا ولم يأخذوا المال، قتلوا ولم يصلبوا. وإن قتلوا وأخذوا المال، قتلوا وصلبوا.\rوإن أخافوا، ينفوا من الأرض (2) .\rودليلهم على هذا الترتيب: ما روي عن ابن عباس من قصة أبي بُرْدة الأسلمي بهذه الكيفية (3) . فهم يخالفون الحنفية في الصورة الثالثة فقط.\rوقال الإمام مالك (4) : الأمر في عقوبة قطاع الطرق راجع إلى اجتهاد الإمام ونظره ومشورة الفقهاء بما يراه أتم للمصلحة وأدفع للفساد، وليس ذلك على هوى الإمام.\r1 - فإن أخاف القاطع السبيل فقط كان الإمام مخيراً بين قتله أو صلبه أو قطعه من خلاف أو نفيه وضربه، على التفصيل الآتي:\rفإن كان المحارب ممن له الرأي والتدبير والقوة، فوجه الاجتهاد قتله أو صلبه؛ لأن القطع لا يدفع ضرره. وإن كان لا رأي له، وإنما هو ذو قوة وبأس، قطعه من خلاف. وإن كان ليس فيه شيء من هاتين الصفتين أخذ بأيسر عقاب فيه وهو الضرب والنفي.\r2 - وأما إذا قتل، فلا بد من قتله، وليس للإمام تخيير في قطعه، ولا في نفيه، وإنما التخيير في قتله أو صلبه.\r-------------------------------\r(1) المبسوط: 195/9، البدائع: 93/7، فتح القدير: 270/4، تبيين الحقائق: 235/3، مختصر الطحاوي: ص 276، حاشية ابن عابدين: 233/3 وما بعدها.\r(2) المهذب: 284/2، مغني المحتاج: 81/4 وما بعدها، المغني: 288/8، السياسة الشرعية لابن تيمية: ص 78.\r(3) هذا أثر عن ابن عباس رواه الشافعي في مسنده وفي إسناده إبراهيم بن محمد أبي يحيى، وهو ضعيف، وأخرجه البيهقي عن ابن عباس في قوله تعالى: {إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله} [المائدة:33/5] الآية، ورواه أحمد بن حنبل في تفسيره عن أبي معاوية عن حجاج عن عطية به نحوه. قال الشافعي: «واختلاف حدودهم باختلاف أفعالهم على ما قال ابن عباس إن شاء الله » (راجع التلخيص الحبير: ص 358 وما بعدها، نيل الأوطار: 152/7).\r(4) المنتقى على الموطأ: 172/7، القوانين الفقهية: ص 363.","part":7,"page":406},{"id":4692,"text":"3 - وأما إن أخذ المال، فلم يقتل، فالإمام مخير بين قتله أو صلبه أو قطعه أو نفيه، يفعل مما ذكر ما يراه نظراً ومصلحة ولا يحكم فيه بالهوى.\rودليله: أن حرف «أو» المذكور في آية المحاربة يقتضي في اللغة التخيير، مثل قوله تعالى: {فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم، أو كسوتهم، أو تحرير رقبة} [المائدة:89/5] (1) .\rويلاحظ أن الجمهور قالوا: إن «أو» للتنويع، فتكون العقوبة بحسب نوع الجناية كما تبين.\rكيفية الصلب ووقته ومدته :\rقال أبو يوسف والكرخي وهو الأصح في مذهب الحنفية، والراجح عند المالكية أيضاً: يصلب قاطع الطريق حياً، على خشبة تغرز في الأرض، بأن يربط جميعه بها بعد وضع قدميه على خشبة عريضة من الأسفل، وربط يديه على خشبة عريضة من الأعلى. ثم يقتل مصلوباً قبل نزوله بأن يطعن بالحربة؛ لأن الصلب عقوبة مشروعة تغليظاً، وإنما يعاقب الحي، أما الميت فليس من أهل العقوبة. وليس صلبه من قبيل المثْلة المنهي عنها؛ لأن المراد بها قطع بعض الجوارح (2) .\rوقال أشهب من المالكية والشافعية والحنابلة والطحاوي من الحنفية: الصلب يكون بعد القتل؛ لأن الله تعالى قدم القتل على الصلب لفظاً، وفي صلبه حياً تعذيب له وتمثيل به (3) ، وقد نهى النبي صلّى الله عليه وسلم عن المثلة وعن تعذيب الحيوان، فقال: «\r-------------------------------\r(1) راجع حاشية الدسوقي: 349/4، بداية المجتهد: 445/2 وما بعدها، القوانين الفقهية: ص 363.\r(2) المبسوط: 196/9، فتح القدير: 271/4، البدائع: 95/7، والمراجع السابقة في أحكام القطاع.\r(3) المراجع السابقة في بيان مذهب الشافعية والحنابلة، المنتقى على الموطأ: 172/7.","part":7,"page":407},{"id":4693,"text":"إذا قتلتم فأحسنوا القِتْلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذِّبْحة» (1) . والغرض من صلبه بعد قتله هو التنكيل به، وزجر غيره ليشتهر أمره.\rومدة الصلب عند الجمهور: ثلاثة أيام، ولا يبقى أكثر من ذلك.\rوقال الإمام أحمد: يصلب بقدر ما يقع عليه اسم الصلب. قال ابن قدامة: والصحيح توقيته بما ذكر الخرقي، وهو بقدر ما يشتهر أمره.\rالنفي :\rالنفي عند الحنفية: معناه الحبس؛ لأن فيه نفياً عن وجه الأرض، وخروجاً عن الدنيا مع قيام الحياة، إلا عن الموضع الذي حبس فيه، ومثل هذا في عرف الناس يسمى نفياً عن وجه الأرض، وخروجاً عن الدنيا، كما قال بعض المحبوسين:\rخرجنا من الدنيا ونحن من أهلها (2) ..... فلسنا من الأحياء فيها ولا الموتى\rإذا جاءنا السجان يوماً لحاجة ..... عجبنا ، وقلنا : جاء هذا من الدنيا\rوأما التغريب ففيه إضرار ببلد آخر، وتمكين له من الهرب إلى دار الحرب، وتعريض للكفر (3) .\r-------------------------------\r(1) أخرجه مسلم وأحمد وأصحاب السنن الأربعة عن شداد بن أوس بلفظ : «إن الله تعالى كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة، وليحد أحدكم شفرته، وليرح ذبيحته» (راجع الجامع الصغير: 71/1، الأربعين النووية: ص 41، نيل الأوطار: 141/8).\r(2) بتخفيف همزة «أهلها» بحيث تقرأ همزة وصل، لضرورة الشعر.\r(3) المبسوط: 135/9 وما بعدها، تبيين الحقائق: 236/3، فتح القدير: 270/4، البدائع: 95/7.","part":7,"page":408},{"id":4694,"text":"وقال المالكية: النفي أن يخرج من البلد الذي كان فيه إلى بلد آخر ويسجن فيه، إلى أن تظهر توبته. والمسافة بين البلدين: أقل ما تقصر فيه الصلاة (1) . والنفي هنا هو بمعنى التغريب في حد الزنا، وهو الحبس في بلد آخر.\rوقال الشافعية: النفي معناه أن يحبسهم الإمام مدة حتى تظهر توبتهم، أو يعزرهم بما يراه رادعاً لهم (2) . أما التغريب في حد الزنا فمعناه: الإبعاد لبلد آخر كما تقدم.\rوقال الحنابلة: النفي أن يشردوا، فلا يتركون يأوون إلى بلد. ودليلهم ما روي عن الحسن والزهري: أن النفي هو تشريدهم عن الأمصار والبلدان، فلا يتركون يأوون بلداً (3) . وأما التغريب في حد الزنا فمعناه مثلما قال الشافعية.\rصفة حكم قطع الطريق :\rحد الحرابة: من حقوق الله الخالصة له، فيجري فيه التداخل ولا يحتمل العفو والإسقاط والإبراء والصلح عنه، على نحو ما بان في حد السرقة. وأما اجتماع الغرم والقطع ففيه خلاف بين العلماء:\rاتفق الفقهاء على أنه إذا أخذ المحاربون المال وأقيمت فيهم حدود الله تعالى، فإن كانت الأموال موجودة ردت إلى مالكها. وإن كانت تالفة أو معدومة، فقال الحنفية: لا يجمع بين الحد والضمان؛ لقوله عليه السلام: «إذا أقيم الحد على\r-------------------------------\r(1) حاشية الدسوقي: 349/4، القوانين الفقهية: ص 363، بداية المجتهد: 446/2، المنتقى على الموطأ: 173/7.\r(2) مغني المحتاج: 181/4، المهذب: 284/2.\r(3) المغني:294/8.","part":7,"page":409},{"id":4695,"text":"السارق فلا غرم عليه» (1) ولأن التضمين يقتضي التمليك، والملك يمنع الحد، فلا يجمع بينهما (2) .\rوقال المالكية والشافعية والحنابلة: يجتمع الحد والضمان كما في السرقة؛ لأن المال عين يجب ضمانها بالرد، لو كانت باقية، فيجب ضمانها إذا كانت تالفة، كما لو لم يقم عليه الحد، ولأن الحد والغرم حقان يجبان لمستحقين، فجاز اجتماعهما كالجزاء والقيمة في الصيد الحرمي المملوك (3) .\rالمبحث الخامس ـ ما يسقط حكم القطع، وما يترتب على عدم وجوب الحد أو سقوطه :\rيسقط حكم قطع الطريق وهو الحد بعد وجوبه بأمور:\r1 - تكذيب المقطوع عليه القاطع في إقراره بقطع الطريق.\r2 - رجوع القاطع عن إقراره بقطع الطريق.\r3 - تكذيب المقطوع عليه البينة.\r4 - ملك القاطع الشيء المقطوع له وهو المال قبل الترافع أو بعده عند جمهور الحنفية خلافاً لغيرهم، على نحو ما ذكر في السرقة.\r5 - توبة القاطع قبل قدرة السلطان عليه، لقوله تعالى: {إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم، فاعلموا أن الله غفور رحيم} [المائدة:34/5] وهذا باتفاق الأئمة (4) .\rويترتب على سقوط الحد بالتوبة، أو على عدم وجوب الحد لمانع بأن فات شرط من شروط الحد السابق ذكرها كنقصان النصاب: أنه إذا كان المال موجوداً يجب رده إلى صاحبه، وإن كان هالكاً أو مستهلكاً يجب الضمان.\rفإن قتلوا بسلاح يجب القصاص عند الحنفية، وإن قتلوا بعصا أو حجر، فعلى عاقلة القاتل الدية لورثة المقتول، ويجب القصاص عند الجمهور في القتل العمد، سواء أكان بسلاح أم بغيره.\rوإن جرحوا، فالجراحات فيها القصاص فيما يمكن فيه القصاص، والأرش (أي الضمان) فيما لا يمكن (5) .\r-------------------------------\r(1) اللفظ الصحيح لهذا الحديث المرسل هو: «لا يغرم السارق إذا أقيم عليه الحد» وقد سبق تخريجه.\r(2) البدائع: 95/7، فتح القدير: 271/4.\r(3) حاشية الدسوقي: 350/4، مغني المحتاج: 182/4، المغني: 295/8، 298.\r(4) البدائع: 96/7، المنتقى على الموطأ: 174/7.\r(5) البدائع، المرجع السابق، فتح القدير: 271/4، المهذب: 285/2، القوانين الفقهية: ص363.","part":7,"page":410},{"id":4696,"text":".........................................البغاة..........................................\rأولاً ـ تعريف البغي: البغي لغة: إما الطلب كما في قوله تعالى: {ماكنا نبغِ} [الكهف:64/18] أو التعدي. وهو في اصطلاح الفقهاء كما عرفه ابن عرفة المالكي: الامتناع من طاعة من تثبت إمامته في غير معصية بمغالبة، ولو تأولاً (1) . والبغي حرام لقول النبي صلّى الله عليه وسلم : «من نزع يده من طاعة إمامه، فإنه يأتي يوم القيامة، ولا حجة له، ومن مات وهو مفارق للجماعة، فإنه يموت ميتة جاهلية» (2) ، وقال عليه الصلاة والسلام أيضاً: «من حمل علينا السلاح فليس منا» (3) .\rوعرف الحنفية البغاة: بأنهم قوم لهم شوكة ومنعة، خالفوا المسلمين في بعض الأحكام بالتأويل، وظهروا على بلدة من البلاد، وكانوا في عسكر، وأجروا\r-------------------------------\r(1) حاشية الدسوقي: 298/4.\r(2) الأحاديث في هذا المعنى كثيرة: منها: ما أخرجه مسلم والنسائي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم : «من خرج من الطاعة، وفارق الجماعة فمات، مات ميتة جاهلية..» الحديث، ومنها: ما رواه الحاكم عن ابن عمر بلفظ: «من خرج من الجماعة فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه حتى يراجعه، ومن مات وليس عليه إمام جماعة فإن ميتته ميتة جاهلية» ومنها: ما رواه أحمد والشيخان عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم : «من رأى من أميره شيئاً يكرهه فليصبر، فإنه من فارق الجماعة شبراً، فمات، فميتته جاهلية» . وفي لفظ: «من كره من أميره شيئاً فليصبر عليه، فإنه ليس أحد من الناس خرج من السلطان شبراً، فمات عليه إلا مات ميتة جاهلية» ومنها: ما روي عن أبي ذر ومعاوية وأبي الدرداء وغيرهم كثير (راجع جامع الأصول: 256/4، مجمع الزوائد: 219/5، 220، 224، نيل الأوطار: 171/7، 173).\r(3) أخرجه أحمد والشيخان من حديث ابن عمر، وأبي موسى الأشعري، وأخرجه مسلم من حديث أبي هريرة، وسلمة بن الأكوع. (راجع نيل الأوطار: 173/7، سبل السلام: 257/3).","part":7,"page":411},{"id":4697,"text":"أحكامهم ، كالخوارج وغيرهم. أما الخوارج أو الحرورية: فهم قوم خرجوا على علي واستحلوا دمه ودماء المسلمين وأموالهم وسبي نسائهم، وكفروا أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلم ورأوا أن كل ذنب كفر (1) ، وكانوا متشددين في الدين تشدداً زائداً.\rوأما غيرهم من البغاة فلم يستبيحوا ما استباحه الخوارج من دماء المسلمين وسبي ذراريهم.\rوعرف المالكية البغاة: بأنهم الذين يقاتلون على التأويل، مثل الطوائف الضالة كالخوارج وغيرهم، والذين يخرجون على الإمام، أو يمتنعون من الدخول في طاعته؛ أو يمنعون حقاً وجب عليهم كالزكاة وشبهها (2) . وعرفهم الحنابلة بقولهم: هم الخارجون على إمام ولو غير عدل، بتأويل سائغ ولهم شوكة، ولو لم يكن فيهم مطاع. ويحرم الخروج على ا لإمام ولو غير عدل (3) .\rوالفرق بين الباغي والمحارب: أن المحارب يخرج فسقاً وعصياناً على غير تأويل، والباغي: هو الذي يحارب على تأويل، فيقتل ويأخذ المال، وإذا أخذ الباغي ولم يتب، فإنه لا يقام عليه حد الحرابة، ولا يؤخذ منه ما أخذ من المال وإن كان موسراً ، إلا أن يوجد بيده شيء بعينه، فيرد إلى صاحبه (4) . ويكون للبغاة قوة ومنعة في مكان يتحصنون فيه.\r-------------------------------\r(1) فتح القدير: 408/4 وما بعدها، تحفة الفقهاء: 251/3 الطبعة الأولى، حاشية ابن عابدين: 338/3.\r(2) القوانين الفقهية: ص 363.\r(3) غاية المنتهى: 348/3 وما بعدها.\r(4) المقدمات الممهدات: 236/3.","part":7,"page":412},{"id":4698,"text":"ثانياً ـ أحكام البغاة :\r1) ـ قتالهم واستتابتهم :\rإذا لم يكن للبغاة منعة، فللإمام أن يأخذهم ويحبسهم حتى يتوبوا.\rوإن تأهبوا للقتال، وكان لهم منَعة (مكان محصن) وشوكة (سلاح)، يدعوهم الإمام إلى التزام الطاعة، ودار العدل، والرجوع إلى رأي الجماعة أولاً، كما يفعل مع أهل الحرب. فإن أبوا ذلك قاتلهم أهل العدل حتى يهزموهم ويقتلوهم، ويجوز قتل مدبريهم وأسراهم، والإجهاز على جريحهم عند الحنفية خلافاً لجمهور الفقهاء (1) . ولا يبدؤهم الإمام بالقتال حتى يبدؤوه؛ لأن قتالهم لدفع شرهم. ودليل هذه الأحكام: هو قوله تعالى: {وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا، فأصلحوا بينهما، فإن بغت إحداهما على الأخرى، فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله ، فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا، إن الله يحب المقسطين} [الحجرات:9/49] وقال صلّى الله عليه وسلم لعلي رضي الله عنه:\r«إنك تقاتل على التأويل، كما تقاتل على التنزيل» (2) .\rولا بأس أن يقاتل البغاة بسلاحهم، ويرتفق بخيولهم إن احتاج المسلمون إليه؛ لأن للإمام أن يفعل ذلك في مال العادل عند الحاجة، ففي مال الباغي أولى.\rوأما أموالهم: فيحبسها عنهم الإمام إلى أن يزول بغيهم، فإذا زال ردها إليهم؛ لأن أموالهم لا\r-------------------------------\r(1) حاشية الدسوقي: 300/4، مغني المحتاج: 127/4، المغني: 114/8، الكتاب مع اللباب: 154/4 وما بعدها.\r(2) رواه أحمد وإسناده حسن عن أبي سعيد الخدري قال: كنا عند رسول الله صلّى الله عليه وسلم فقال: «فيكم من يقاتل على تأويل القرآن كما قاتلت على تنزيله» وفي رواية «إن منكم» ثم في بعض الروايات عين رسول الله صلّى الله عليه وسلم المقصود بهذا الخطاب، وهو سيدنا علي (راجع مجمع الزوائد: 244/6، 133/9).","part":7,"page":413},{"id":4699,"text":"تحتمل التملك بالاستيلاء لكونهم مسلمين (1) .\r2) ـ ضمان ما أتلفوه من الأنفس والأموال :\rقال الحنفية والمالكية والحنابلة، والشافعية في أظهر القولين عندهم: لايضمن البغاة المتأولون ما أتلفوه حال القتال من نفس ولا مال، بدليل ماروى الزهري، فقال: «كانت الفتنة العظمى بين الناس، وفيهم البدريون، فأجمعوا ـ أي في وقائعهم كوقعة الجمل وصفِّين ـ على ألا يقام حد على رجل استحل فرجاً حراماً بتأويل القرآن، ولا يقتل رجل سفك دماً حراماً بتأويل القرآن، ولا يغرم مال أتلفه بتأويل القرآن» (2) ؛ ولأن البغاة طائفة ممتنعة بالحرب بتأويل سائغ، فلم تضمن ما أتلفت على الأخرى كأهل العدل، ولأن تضمينهم يفضي إلى تنفيرهم عن الرجوع إلى الطاعة، فلا يشرع كتضمين أهل الحرب.\rواتفق العلماء أيضاً على أنه لا إثم ولا كفارة على أهل العدل بقتلهم أهل البغي، ولا يضمنون ما أتلفوه عليهم، لخبر الزهري السابق، ولأن العادل قد فعل ما أمر به، وقتل من أحل الله قتله، وأمر بمقاتلته. وكذلك الأموال مهدرة كالأنفس، لأنهم إذا لم يضمنوا الأنفس، فالأموال أولى (3) .\rوإذا أتلف البغاة أو العادلون مال بعضهم بعضاً، قبل تمكن المنعة للبغاة، أو بعد انهزامهم، فإنهم يضمنون ما أتلفوه من الأنفس والأموال، لأنهم حينئذ من أهل دار الإسلام، فتكون الأنفس والأموال معصومة.\r-------------------------------\r(1) المبسوط: 124/10وما بعدها، البدائع: 140/7 ومابعدها، فتح القدير: 409/4 وما بعدها، تبيين الحقائق: 295/3، الكتاب مع اللباب: 155/4.\r(2) ذكره أحمد في رواية الأثرم واحتج به (راجع نيل الأوطار: 169/7).\r(3) المبسوط: 128/10، البدائع: 141/7، فتح القدير: 414/4، بداية المجتهد: 448/2، حاشية الدسوقي: 300/4، القوانين الفقهية: ص 364، المهذب: 220/2، مغني المحتاج: 125/4، المغني: 113/8،كشاف القناع:128/4، شرح مسلم للنووي: 170/7، غاية المنتهى: 351/3.","part":7,"page":414},{"id":4700,"text":"وما جباه أهل البغي من البلاد التي غلبوا عليها من الخراج والعشر، لم يأخذه الإمام ثانياً؛ لأن ولاية الأخذ له باعتبار الحماية، ولم يحمهم. فإن صرف البغاة هذا المال في حقه، أجزأ من أخذ منه لوصول الحق إلى مستحقه، وإن لم يكونوا صرفوه في حقه، أفتي أهله فيما بينهم وبين الله تعالى أن يعيدوا دفعه؛ لأنه لم يصل إلى مستحقه (1) .\r3) ـ عقوبة جرائم البغاة :\rإذا قطع البغاة الطريق على أهل العدل من المسافرين، فلا يجب عليهم الحد؛ لأنه يدعون إباحة أموالهم عن تأويل، ولهم منعة.\rولو سرق الباغي مال العادل لا يقطعه الإمام، لعدم ولايته على دار البغي، ولخبر الزهري السابق الذكر. وفي الجملة: لا تقام الحدود على البغاة عند الحنفية، لعدم ولاية الإمام على دار البغي. ويوافقهم المالكية والحنابلة في عدم ضمان ما أتلفوه حال الحرب من نفس أو مال، ولا تقام عليهم الحدود (2) .\rوقال الشافعي: يقطع الباغي إذا أصاب شيئاً من أموال المسلمين، ولو في داره؛ لأنه جانٍ، فيستوي في حقه وجود المنعة وعدمها؛ لأن الجاني يستحق التغليظ دون الخفيف.\rوإذا سرق الباغي مال العادل في دار الإسلام يقطع، وإن استحله؛ لأنه لا\r-------------------------------\r(1) الكتاب مع اللباب: 156/4.\r(2) القوانين الفقهية: ص 364، المغني: 113/8.","part":7,"page":415},{"id":4701,"text":"منعة له (1) . وفي الجملة: حكم البغاة عند الشافعية في ضمان النفس والمال والحد في غير حال الحرب حكم أهل العدل. وإن ارتكب الباغي جريمة القتل: الصحيح عندهم أنه لا يتحتم قتله، ويجوز العفو عنه، لقول علي بعد أن جرحه ابن ملجم: أطعموه واسقوه واحبسوه، فإن عشت فأنا ولي دمه، أعفو إن شئت، وإن شئت استقدت (2) .\r4) ـ الفرق بين قتال البغاة وقتال المشركين :\rالبغاة باتفاق أئمة المذاهب كما عرفنا: هم الذين يخرجون على الإمام يبغون خلعه،أو منع الدخول في طاعته، أو يبغون منع حق واجب بتأويل في ذلك كله. وبهذا التأويل يمتازون عن المحاربين.\rويفترق حكم قتالهم عن قتال المشركين بأحد عشر وجهاً عند المالكية كما أبان القرافي المالكي (3) :\rوهي أن يقصد بالقتال ردعهم لا قتلهم، ويكف عن مدبرهم، ولا يجهز على جريحهم، ولا يقتل أسراهم، ولا تغنم أموالهم، ولا تسبى ذراريهم، ولا يستعان على قتالهم بمشرك، ولا نوادعهم على مال، ولا تنصب عليهم الرعَّادات (المجانيق)، ولا تحرق عليهم البساتين، ولا يقطع شجرهم. والمعتمد في المذهب المالكي: أن للإمام أن يقاتل البغاة بالسيف والرمي بالنبل والمنجنيق والتغريق والتحريق وقطع الميرة (التموين) والماء عنهم إلا أن يكون فيهم نسوة أو ذراري، فلا نرميهم بالنار، ولا نسبي ذراريهم وأموالهم؛ لأنهم مسلمون.\rوقتال الحربيين المشركين كقتال البغاة إلا في خمسة أوجه:\rيقاتلون أي الحربيون مدبرين، ويجوز تعمد قتلهم، ويطالبون بما استهلكوا من دم أو مال في الحرب وغيرها، ويجوز حبس أسراهم لاستبراء أحوالهم، وما أخذوه من الخراج والزكاة لا يسقط عمن كان عليه كالغاصب إذا أخذ ذلك.\r-------------------------------\r(1) البدائع: 141/7، تحفة الفقهاء: 252/3، المهذب: 221/2. (2) المهذب: 221/2، مغني المحتاج: 129/4، 277/2 وما بعدها.\r(3) الفروق: 171/4، وانظر أيضاً القوانين الفقهية: ص 364، الشرح الكبير: 299/4.","part":7,"page":416},{"id":4702,"text":"الفَصْلُ الخامِس: حدّ الشُّرْب وحدّ السُّكْر والأشربة\rخطة الموضوع :\rالكلام عن حد الشرب وحد السُّكْر بحسب اصطلاح الحنفية، ثم يأتي بيان رأي غيرهم، في المباحث الآتية:\rالمبحث الأول ـ تعريف حد الشرب وحد السكر، وضابط السكر وشروط الحد ومقدار الحد.\rالمبحث الثاني ـ أنواع الأشربة المحرمة والمباحة.\rالمبحث الثالث ـ أحكام الخمر.\rالمبحث الرابع ـ أحكام الأشربة المسكرة غير الخمر.\rالمبحث الخامس ـ إثبات الشرب.\rالمبحث السادس ـ مخاطر المخدرات وأحكامها في الإسلام.\rالمبحث الأول ـ تعريف حد الشرب وحد السكر، وضابط السُّكْر وشروط الحد ومقدار الحد :\rاعتبر الحنفية لشرب الأشربة المحرمة نوعين من الحد، وهما حد الشرب وحد السكر، أما حد الشرب: فهو الذي يجب بشرب الخمر خاصة، حتى يجب الحد بشرب قليلها وكثيرها، ولا يتوقف الوجوب على حصول السكر منها. قال صلّى الله عليه وسلم : «من شرب الخمر فاجلدوه..» (1) والخمر كما سأبين: ماء العنب النيء المتخمر، وسميت الخمر خمراً إما لأنها تخمر العقل، أي تستره، وإما لأنها تخامر العقل، أي تخالطه، وإما لأنها تخمر نفسها لئلا يقع فيها شيء يفسدها.\rوأما حد السكر: فهو الذي يجب عند السكر الحاصل بشرب ما سوى الخمر من الأشربة المعهودة المسكرة (2) ، التي سيأتي بيانها.\rولم يفرق جمهور الفقهاء بين شرب الخمر وغيرها، فقالوا: كل شراب أسكر كثيره، فقليله حرام، وهو خمر، حكمه حكم عصير العنب في تحريمه، ووجوب الحد على شاربه (3) ، لقول النبي صلّى الله عليه وسلم : «كل مسكر خمر، وكل خمر حرام» (4) .\r-------------------------------\r(1) روي عن اثني عشر صحابياً : وهم أبو هريرة، ومعاوية، وابن عمر، وقبيصة بن ذؤيب، وجابر، والشريد بن سويد، وأبو سعيد الخدري، وعبد الله بن عمرو، وجرير بن عبد الله البجلي، وابن مسعود، وشرحبيل بن أوس، وغطيف بن الحارث. فحديث أبي هريرة أخرجه أصحاب السنن إلا الترمذي، وحديث معاوية أخرجوه إلا النسائي، وحديث ابن عمر وجابر أخرجهما النسائي، وحديث قبيصة رواه أبو داود، وحديث الخدري رواه ابن حبان، وحديث غطيف رواه البزار، وأحاديث الصحابة الآخرين رواها الحاكم، فهو متواتر (راجع نصب الراية: 346/3 وما بعدها، جامع الأصول: 333/4 وما بعدها، مجمع الزوائد: 277/6، نيل الأوطار: 146/7).\r(2) البدائع: 39/7، تبيين الحقائق: 195/3، فتح القدير: 178/4.\r(3) بداية المجتهد: 434/2، مغني المحتاج: 187/4، المغني: 304/8، المهذب: 286/2، المنتقى على الموطأ: 147/3.\r(4) رواه بهذا اللفظ مسلم والدارقطني عن ابن عمر، ورواه أحمد ومسلم وأصحاب السنن إلا ابن ماجه بلفظ: «كل مسكر خمر، وكل مسكر حرام» وكذلك رواه ابن حبان وعبد الرزاق والدارقطني. وروي عن صحابة آخرين مثل أنس بن مالك وعمر بن الخطاب، وقرة بن إياس، وقيس بن سعد بن عبادة الأنصاري، وميمونة، وأبي موسى الأشعري، وغيرهم، حتى إنه بلغ رواة هذا الحديث ستة وعشرين صحابياً أحصيناها في تخريج أحاديث تحفة الفقهاء: 449/3، فهو متواتر (وراجع أيضاً نصب الراية: 295/4، التلخيص الحبير: ص 359، مجمع الزوائد: 57/5، نيل الأوطار: 173/8).","part":7,"page":417},{"id":4703,"text":"ضابط السُكْر :\rقال أبو حنيفة: إن السكر الذي يتعلق به وجوب الحد، والحرمة: هو الذي يزيل العقل، بحيث لا يفهم السكران شيئاً، ولا يعقل منطقاً، ولا يفرق بين الرجل والمرأة، والأرض من السماء؛ لأن الحدود يؤخذ في أسبابها بأقصاها درءاً للحد، لقوله عليه السلام: «ادرؤوا الحدود بالشبهات» . وبناء عليه اعتبر غاية السكر وأكمله هو الموجب للحد.\rوقال الصاحبان وباقي الأئمة: السكران هو الذي يكون غالب كلامه الهذيان، واختلاط الكلام؛ لأنه هو السكران في عرف الناس وعادتهم، فإن السكران في متعارف الناس اسم لمن هذى وخلط في كلامه، ولا يعرف ثوبه من ثوب غيره، ولا نعله من نعل غيره.\rوقول الصاحبين مال إليه أكثر المشايخ، وعليه الفتوى كما صرح صاحب تنوير الأبصار وغيره (1) ، وهو رأي غير الحنفية.\rشروط الحد :\rيشترط لحد المسكرات شروط ثمانية (2) وهي:\rالأول ـ أن يكون الشارب عاقلاً: فلا يحد المجنون.\rالثاني ـ أن يكون بالغاً: فلا يحد الصغير.\r-------------------------------\r(1) مختصر الطحاوي: ص 278، فتح القدير: 187/4، البدائع: 118/5، حاشية ابن عابدين: 181/3.\r(2) القوانين الفقهية: ص 361، اللباب مع الكتاب: 193/3، المهذب: 286/2، المغني: 308/8، غاية المنتهى: 330/3.","part":7,"page":418},{"id":4704,"text":"الثالث ـ أن يكون مسلماً: فلا حد على الكافر في شرب الخمر، ولا يمنع منه.\rالرابع ـ أن يكون مختاراً غير مكره.\rالخامس ـ ألا يضطر إلى شربه لغصة.\rالسادس ـ أن يعلم أنه خمر: فإن شربه وهو يظنه شراباً آخر، فلا حد عليه.\rالسابع ـ أن يعلم أن الخمر محرمة، فإن ادعى أنه لا يعلم ذلك، فاختلف المالكية، هل يقبل قوله أو لا. وقال غيرهم: لا تقبل دعوى الجهل ممن نشأ بين المسلمين.\rالثامن ـ أن يكون مذهبه تحريم ما شرب: فإن شرب النبيذ من يرى أنه حلال، فاختلف العلماء: هل عليه حد أو لا. وذكر الحنابلة أن الحد على المسكرات إنما يلزم من شربها إذا كان عالماً أن كثيرها يسكر، فأما غيره فلا حد عليه؛ لأنه غير عالم بتحريمها، ولا قاصد إلى ارتكاب المعصية بها، فأشبه من زفت إليه غير زوجته. وهذا قول عامة أهل العلم.\rمقدار الحد :\rقال جمهور الفقهاء: حد الشرب والسكر ثمانون جلدة (1) ، لقول علي رضي الله عنه: «إذا شرب سكر، وإذا سكر هذى، وإذا هذى افترى، وحد\r-------------------------------\r(1) فتح القدير: 185/4، البدائع: 113/5، تبيين الحقائق: 198/3، بداية المجتهد: 435/2، حاشية الدسوقي: 353/4، المنتقى على الموطأ: 143/3، القوانين الفقهية: ص361، المغني: 304/8، نيل الأوطار: 144/7.","part":7,"page":419},{"id":4705,"text":"المفتري ثمانون» (1) ولم ينكر عليه أحد، فكان إجماعاً (2) .\rوقال الشافعية: حد الخمر وسائر المسكرات أربعون جلدة؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلم لم يعين في ذلك حداً، وإنما كان يضرب السكران ضرباً غير محدود، كما روى أبو هريرة (3) ، فقدروه بأربعين. وروى أنس رضي الله عنه قال: «كان النبي صلّى الله عليه وسلم يضرب في الخمر بالجريد والنعال أربعين» (4) . وقال علي كرم الله وجهه: «جلد رسول الله صلّى الله عليه وسلم أربعين، وأبو بكر أربعين، وعمر ثمانين، وكلٌ سنة، وهذا أحب إلي» (5) . هذا وقد حرمت الخمر سنة ثمان من الهجرة، كما استظهره الحافظ ابن حجر في فتح الباري. ويضرب في حد الخمر بالأيدي والنعال وأطراف الثياب،\r-------------------------------\r(1) رواه الدارقطني ومالك بمعناه والشافعي عنه عن ثور بن زيد الديلي رحمه الله ، وهو منقطع؛ لأن ثوراً لم يلحق عمر بلا خلاف. ولكن وصله النسائي والحاكم من وجه آخر عن ثور عن عكرمة عن ابن عباس، ورواه عبد الرزاق عن عكرمة، ولم يذكر ابن عباس (راجع جامع الأصول: 331/4،التلخيص الحبير: ص 360، نيل الأوطار: 144/7، وانظر في نصب الراية: 351/3 حديث السائب بن يزيد وغيره في موضوعه).\r(2) إن دعوى الإجماع غير مسلَّمة، فقد اختلف الصحابة في حد الخمر قبل إمارة سيدنا عمر وبعدها، ولم يثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام مقدار معين (نيل الأوطار: 142/7).\r(3) رواه أحمد والبخاري وأبو داود عن أبي هريرة، قال: أتي النبي صلّى الله عليه وسلم برجل قد شرب، فقال: اضربوه، فقال أبو هريرة: فمنا الضارب بيده، والضارب بنعله، والضارب بثوبه، فلما انصرف، قال بعض القوم: أخزاك الله . قال: لا تقولوا هكذا، لا تعينوا عليه الشيطان (راجع نيل الأوطار: 138/7) ويؤيده حديث سيأتي تخريجه عن علي في ضمان موت الذي يعزر.\r(4) رواه البخاري ومسلم والترمذي وأبو داود عن أنس أن النبي صلّى الله عليه وسلم أتي برجل قد شرب الخمر، فجلده بجريدة نحو أربعين... الحديث. وفي رواية «فجلد بجريدتين نحو أربعين» قال: وفعله أبو بكر. والجريد: سعف النخل (راجع جامع الأصول: 330/4، نيل الأوطار: 138/7، التلخيص الحبير: ص 360).\r(5) رواه مسلم من حديث حصين بن المنذر من قول علي (راجع نيل الأوطار: 138/7 ومابعدها، التلخيص الحبير: ص 360) وراجع في الفقه: مغني المحتاج: 189/4، المهذب: 286/2 وما بعدها، السياسة الشرعية لابن تيمية: ص 105.\rعلى ظاهر النص، لحديث أبي هريرة المتقدم. والسوط الذي يضرب به: سوط بين سوطين، ولا يمد ولا يجرد، ولا تشد يده؛ لما روي عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال: «ليس في هذه الأمة مد ولا تجريد، ولا غَل، ولا صفد» وقد سبق تخريجه.","part":7,"page":420},{"id":4706,"text":"المبحث الثاني ـ أنواع الأشربة :\rأولاً ـ الأشربة المحرمة: سبعة وهي (1) :\r1 - الخمر: هو اسم للنيء (أي غير النضيج أو الذي لم تمسه النار) من ماء العنب بعد ما غلى، واشتد وقذف بالزبد (أي الرغوة)، وسكن عن الغليان، وصار صافياً. وهذا التعريف هو مذهب أبي حنيفة؛ لأن معنى الإسكار لا يتكامل إلا بالقذف بالزبد، فلا يصير خمراً بدونه.\rوقال الصاحبان والأئمة الثلاثة: إذا غلى واشتد فهو خمر، وإن لم يسكن عن الغليان؛ لأن معنى الإسكار يتحقق بدون القذف بالزبد، وهذا هو الأظهر عند الحنفية، سداً لباب الفساد أمام العوام.\rويحرم وينجس عصير غلى، أو أتى عليه ثلاثة أيام بلياليهن. ودليل تحريم الخمر وحكمة التحريم قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون. إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر، ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون} [المائدة:90/5-91] وقد نزلت هذه الآية في\r-------------------------------\r(1) راجع نتائج الأفكار تكملة فتح القدير: 152/8 وما بعدها، البدائع: 112/5، حاشية ابن عابدين: 318/5 وما بعدها، المبسوط: 13/24 وما بعدها.","part":7,"page":421},{"id":4707,"text":"المرحلة الرابعة من مراحل التدرج في تشريع الخمر، التي كان أولها: {ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكَراً ورزقاً حسناً} [النحل:16/67] وثانيها: {يسألونك عن الخمر والميسر، قل: فيهما إثم كبير} [البقرة:219/2] وثالثها: { لاتقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ماتقولون } [النساء:43/4] والحكمة واضحة: و هي دفع الضرر والفساد عن الناس، فالخمر أم الخبائث.\r2 - السَّكَر: هونقيع التمر الطري الذي لم تمسه النار، أو هو النيء من ماء الرطب (1) إذ غلى واشتد وقذف بالزبد، وسكن غليانه عند أبي حنيفة.\rوعند الصاحبين والأئمة الآخرين: إذا غلى، ولم يسكن غليانه، على الخلاف السابق. ونبيذ التمر إذا لم يطبخ هو السَّكَر كما حقق قاضي زاده في نتائج الأفكار.\r3 - الفضيخ: هو اسم للنيء من ماء البُسْر (2) اليابس إذا غلى واشتد وقذف بالزبد، أو لم يقذف، على الاختلاف السابق. وسمي فضيخاً؛ لأنه يفضخ أي يكسر ويرض.\r4 - نقيع الزبيب: هو اسم للنيء من ماء الزبيب المنقوع في الماء حتى خرجت حلاوته، من غير طبخ، واشتد وقذف بالزبد، أو لم يقذف، على الخلاف السابق.\r-------------------------------\r(1) الرطب: ثمر النخيل إذا أدرك ونضج قبل أن يتتمر (المصباح المنير) والبلح أول ما يرطب من البسر. وهكذا يكون أول ثمر النخيل: طَلْع، ثم خَلاَل، ثم بلَح، ثم بُسْر، ثم رُطَب، ثم تَمْر. والزهو: البُسْر الملون، يقال: إذا ظهرت الحمرة والصفرة في النخل، فقد ظهر فيه الزهو.\r(2) البسر: ما قد أزهى من ثمر النخل، ولم يبد فيه إرطاب، والرطب ما قد جاوز حد البسر إلى الإرطاب، والتمر اسم جنس يتناول اليابس والرطب والبسر (المصباح المنير، المنتقى على الموطأ : 149/3).","part":7,"page":422},{"id":4708,"text":"5 - الطلاء أو المثلَّث: هو اسم للمطبوخ من ماء العنب إذا ذهب ثلثاه وبقي ثلثه وصار مسكراً على ما هو الصواب عند الحنفية، فيحرم عند أبي حنيفة وأبي يوسف إذا قصد بشر به اللهو والطرب، كما عليه حال الأغلبية الساحقة من الشاربين، فإن قصد بشربه التقوية أو التداوي، وهذا نادر، فيباح شربه عندهما. ويحرم مطلقاً عند الصاحبين وباقي الأئمة.\r6 - الباذَق أو المنصَّف: هو المطبوخ أدنى طبخة من ماء العنب حتى ذهب أقل من الثلثين، سواء أكان أقل من الثلث أم النصف، وصار مسكراً. والدليل على أن الزائد على الثلث حرام: هو ما ثبت عن سيدنا عمر أنه أحل ما ذهب ثلثاه وبقي ثلثه، فما لم يذهب ثلثاه، فالقوة المسكرة فيه قائمة.\r7 - الجمهوري: هو الطلاء الذي يلقى فيه الماء حتى يرق ويعود إلى المقدار الذي كان في الأصل، ثم طبخ أدنى طبخة، وصار مسكراً، فيحرم عند أبي حنيفة وأبي يوسف إذا قصد بشر به اللهو، ويحرم مطلقاً عند الصاحبين وبقية الأئمة.\rثانياً ـ الأشربة الحلال في رأي ضعيف هو رأي أبي حنيفة وأبي يوسف: أربعة إذا كان القصد من شربها التقوي واستمراء الطعام والتداوي، وهي ما يأتي (1) :\r1 - نبيذ التمر والزبيب إن طبخ كل واحد منهما أدنى طبخة: وهو أن يطبخ إلى أن ينضج أي أن يطبخ طبخاً يسيراً، وحكمه أنه يحل شربه وإن اشتد إذا شرب منه بلا لهو ولا طرب، وما لم يسكر. فلو شرب ما يغلب على ظنه أنه مسكر فيحرم القدح الأخير الذي يسكر بشربه؛ لأن السكر حرام من كل شراب.\r2 - الخليطان من الزبيب والتمر إذا طبخ أدنى طبخة، وإن اشتد: يحل شربه بلا لهو، كأن يكون بقصد التقوي أو استمراء الطعام.\r-------------------------------\r(1) حاشية ابن عابدين: 322/3.","part":7,"page":423},{"id":4709,"text":"3 - نبيذ العسل والتين والبُر والذرة: يحل سواء طبخ أو لا، بلا لهو وطرب. ويسمى نبيذ العسل ( البِتْع ) إذا صار مسكراً. ويسمى نبيذ الحنطة والشعير ( الجِعَة ) إذا صار مسكراً. ويسمى نبيد الذرة ( المِرز ) إذا صار مسكراً، وهي مع ذلك حلال عند أبي حنيفة فيما دون الإسكار (1) ، كما سيأتي بيانه.\r4 - الطلاء أو المثلث العنبي وإن اشتد: وهو ما طبخ من ماء العنب حتى ذهب ثلثاه، وبقي ثلثه: يحل شربه إذا قصد به استمراء الطعام والتداوي والتقوي على طاعة الله عند أبي حنيفة وأبي يوسف رضي الله عنهما.\rوالرأي المختار عند الحنفية في حكم شرب هذه الأنواع الأربعة: هو الحرمة مطلقاً، عملاً برأي محمد، كما سيبين.\rالمبحث الثالث ـ أحكام الخمر :\rيتعلق بالخمر الأحكام التالية (2) :\r1 - يحرم شرب قليلها وكثيرها إلا عند الضرورة؛ لأنها محرمة العين. قال الله تعالى: {إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجسٌ من عمل الشيطان} [المائدة:90/5] فوصفها الحق تعالى بكونها رجساً، فيدل على أنها محرمة في نفسها.\r-------------------------------\r(1) البدائع: 117/5.\r(2) المبسوط: 2/24 وما بعدها، البدائع: 112/5 ومابعدها، نتائج الأفكار: 155/8 وما بعدها، حاشية ابن عابدين: 319/5، القوانين الفقهية: ص 361، المهذب: 286/2 وما بعدها، المغني: 304/8 وما بعدها.","part":7,"page":424},{"id":4710,"text":"وقال عليه الصلاة والسلام: «حرمت الخمر بعينها قليلها وكثيرها، والسَكَر من كل شراب» (1) .\rإلا أنه رخص في شربها عند ضرورة العطش أو الإكراه قدر ما تندفع به الضرورة.\rولا يجوز الانتفاع بها للتداوي وغيره؛ لأن الله تعالى لم يجعل شفاءنا فيما حرم علينا، قال صلّى الله عليه وسلم : «إن الله لم يجعل شفاءكم فيما حَرَّم عليكم» (2) فإنه دل على تحريم التداوي بما حرم الله تعالى، وأنه لم يجعل الشفاء فيه، ولما كانت الخمر محرمة، دل على تحريم التداوي بها.\rويحرم على الرجل أن يسقي الصبيان الخمر، فإذا سقاهم، فالإثم عليه في الشرب، دون الصغير؛ لأن خطاب التحريم موجه إليه. قال عليه الصلاة والسلام: «شارب الخمر كعابد الوثن» (3) وقال صلّى الله عليه وسلم أيضاً: «الخمر أم الخبائث» (4)\r-------------------------------\r(1) رواه العقيلي من حديث علي بلفظ : «حرمت الخمر بعينها، والسكر من كل شراب» ويروى: «لعينها» وهو معلول بمحمد بن الفرات وأخرجه النسائي موقوفاً على ابن عباس باللفظ المذكور في الصلب هنا. ورواه البزار موقوفاً أيضاً، وكذلك أخرجه الطبراني في معجمه موقوفاً على ابن عباس، وأخرجه عنه من طريق ابن المسيب مرفوعاً نحوه، وأخرجه أبو نعيم في الحلية. وأخرجه الدارقطني في سننه عن ابن عباس موقوفاً، وقال: وهذا هو الصواب عن ابن عباس؛ لأنه قد روي عن النبي صلّى الله عليه وسلم: «كل مسكر حرام» (راجع نصب الراية: 306/4 وما بعدها، مجمع الزوائد: 53/5) والسكر: كل ما يسكر، ويطلق على نبيذ الرطب.\r(2) أخرجه البيهقي وصححه ابن حبان، وأخرجه أحمد عن أم سلمة، وأخرجه البخاري تعليقاً عن ابن مسعود، وصححه السيوطي.\r(3) رواه البزار عن عبد الله بن عمرو بن العاص مرفوعاً، ورواه ابن ماجه عن أبي هريرة بلفظ: «مدمن خمر كعابد وثن» وفي صحيح ابن حبان عن ابن عباس نحوه. ورواه أحمد والبزار والطبراني ورجال أحمد رجال الصحيح عن ابن عباس بلفظ: «مدمن الخمر إن مات لقي الله كعابد الوثن» (راجع نصب الراية: 298/4، مجمع الزوائد: 70/5، 74، نيل الأوطار: 169/8).\r(4) رواه النسائي عن عثمان بن عفان موقوفاً، وكذا رواه ابن أبي الدنيا، والبيهقي في سننه موقوفاً على عثمان، وهو أصح، قال: سمعت رسول الله يقول: «اجتنبوا الخمر فإنها أم الخبائث» الحديث، وفيه قصة عن رجل قديم. وروى الطبراني عن ابن عباس عن رسول الله صلّى الله عليه وسلم قال: «الخمر أم الفواحش وأكبر الكبائر، من شربها وقع على أمته وخالته وعمته» وفيه ضعيف (راجع نصب الراية: 297/4، مجمع الزوائد: 67/5، التلخيص الحبير: ص 360).","part":7,"page":425},{"id":4711,"text":"وقال صلّى الله عليه وسلم أيضاً: «لعن الله الخمر وشاربها وساقيها وبائعها ومبتاعها وعاصرها ومعتصرها وحاملها والمحمولة إليه وآكل ثمنها» (1) .\r2 - يكفر مستحلها؛ لأن حرمتها ثبتت بدليل مقطوع به، وهو نص القرآن الكريم في الآية السابقة: {إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام (2) رجس من عمل الشيطان، فاجتنبوه، لعلكم تفلحون} [المائدة:90/5].\r3 - يحرم على المسلم تمليكها بسائر أسباب الملك من البيع والشراء والهبة وغيرها؛ لأن كل ذلك انتفاع بالخمر، وإنها محرمة الانتفاع على المسلم. قال النبي عليه الصلاة والسلام: «يا أهل المدينة، إن الله تبارك وتعالى قد أنزل تحريم الخمر، فمن كتب هذه الآية، وعنده شيء منها، فلا يشربها، ولا يبيعها، فسكبوها في\r-------------------------------\r(1) رواه أبو داود عن ابن عمر، وصححه ابن السكن، ورواه ابن ماجه وزاد: «وآكل ثمنها» وفي موضوعه عن أنس بن مالك وزاد: «وعاصرها والمشتري لها والمشترى له» رواه الترمذي وابن ماجه ورواته ثقات. وعن ابن عباس رواه أحمد وابن حبان والحاكم، وعن ابن مسعود ذكره ابن أبي حاتم في العلل، ورواه البزار والطبراني وفيه ضعيف. وعن أبي هريرة مرفوعاً: «إن الله حرم الخمر وثمنها، وحرم الميتة وثمنها وحرم الخنزير وثمنه» رواه أبو داود، وعن عبد الله بن عمر (راجع التلخيص الحبير: ص 359، مجمع الزوائد: 73/5) وفي بعض ألفاظه: «لعن رسول الله صلّى الله عليه وسلم الخمر وشاربها...الحديث» .\r(2) الميسر: القمار، قال مجاهد: كل شيء فيه قمار فهو ميسر، حتى لعب الصبيان بالجوز. والأنصاب جمع نصب بفتح النون وضمها، وهوحجر أو صنم منصوب يذبحون عنده. والأزلام: القداح، واحدها زلم ـ بفتح الزاي وضمها ـ وهي السهام التي كان أهل الجاهلية يستقسمون بها على الميسر. والرجس: العذاب أو القذر والنتن، وسميت الأصنام رجساً لأنها سبب الرجس وهو العذاب.","part":7,"page":426},{"id":4712,"text":"طرق المدينة» (1) وقال صلّى الله عليه وسلم : «إن الذي حرم شربها حرم بيعها» (2) ، إلا أنها تورث؛ لأن الملك في الموروث ثبت شرعاً من غير صنع العبد، فلا يكون ذلك من باب التمليك والتملك، والخمر إن لم تكن متقومة، فهي مال قابل للملك في الجملة.\r4 - لا يضمن متلفها إذا كانت لمسلم؛ لأنها ليست متقومة في حق المسلم، وإن كانت مالاً في حقه.\r5 - إنها نجسة نجاسة مغلظة، حتى إذا أصاب الثوب ـ في رأي الحنفية ـ أكثر من قدر الدرهم، يمنع جواز الصلاة؛ لأن الله تعالى سماها رجساً، فقال سبحانه: {رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه} [المائدة:90/5]. والظاهر أن المراد من كلمة ( رجس ) هو النجاسة المعنوية الشرعية (3) ، إلا أن الأمر بالاجتناب يقتضي الابتعاد عن الخمر ابتعاداً شديداً، وقد حكم الجمهور بنجاسة الخمر وسائر المسكرات المائعة فوق تحريم شربها تنفيراً وتغليظاً، وزجراً عن الاقتراب منها (4) ، يدل لنجاستها حديث أبي ثعلبة الخشني قال: يا رسول الله ، إنا بأرض أهل كتاب أفنأكل في آنيتهم؟ قال:( إن وجدتم غيرها فلا تأكلوا فيها، وإن لم\r-------------------------------\r(1) الأحاديث في تحريم الخمر متواترة، منها: ما رواه مسلم عن أبي سعيد الخدري بلفظ: «إن الله حرم الخمر، فمن أدركته هذه الآية، وعنده منها شيء، فلا يشرب ولا يبيع، قال: فاستقبل الناس بما كان عندهم منها طرق المدينة، فسفكوها» ومنها ما أخرجه الإمام أحمد عن عائشة: «كل مسكر حرام، وما أسكر منه الفرق، فملء الكف منه حرام» والفَرق بإسكان الراء: مئة وعشرون رطلاً، وبفتحها ستة عشر رطلاً. ومنها ما أخرجه الإمام أحمد وأصحاب السنن الأربعة وصححه ابن حبان عن جابر: «ما أسكر كثيره، فقليله حرام» . (راجع نيل الأوطار: 169/8، نصب الراية: 296/4 وما بعدها، مجمع الزوائد: 51/5، فيض القدير: 420/5).\r(2) أخرجه أحمد ومسلم والنسائي عن ابن عباس، ورواه الحميدي في مسنده عن أبي هريرة (راجع نيل الأوطار، المرجع السابق).\r(3) تفسير المنار: 58/7.\r(4) الفقه على المذاهب الأربعة: 18/1، حاشية قليوبي وعميرة على شرح المحلي على المنهاج: 68/1.","part":7,"page":427},{"id":4713,"text":"تجدوا فاغسلوها وكلوا فيها ). وفي رواية أبي داود: «إنا نجاور أهل الكتاب، وهم يطبخون في قدورهم الخنزير، ويشربون في آنيتهم الخمر، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلم : إن وجدتم غيرها فكلوا اشربوا، وإ ن لم تجدوا غيرها فارحضوها (اغسلوها) بالماء، وكلوا اشربوا» (1) . قال الشوكاني: والأمر بغسل الآنية في حديث أبي ثعلبة ليس لتلوثها برطوباتهم بل لطبخهم الخنزير، وشربهم الخمر فيها.\rولو سقيت بهيمة خمراً ثم ذبحت، فإن ذبحت ساعة ما سقيت به تحل من غير كراهة؛ لأنها في أمعائها، فتطهر بالغسل، وإن مضى عليها يوم أو أكثر، تحل مع الكراهة عند الحنفية، لاحتمال أنها تفرقت في العروق والأعصاب.\rولو نقعت فيها الحنطة، ثم غسلت، حتى زال طعمها ورائحتها، يحل أكلها. وإن وجد فيها طعم الخمر ورائحتها، لا يحل أكلها.\r6 - يحد شاربها قليلاً أو كثيراً، لقوله عليه الصلاة والسلام: «ما أسكر كثيره فقليله حرام» (2) ولإجماع الصحابة رضي الله عنهم على ذلك (3) .\r-------------------------------\r(1) أخرجه الدارقطني (نصب الراية: 95/1، نيل الأوطار: 19/1).\r(2) روي عن تسعة من الصحابة: وهم عبد الله بن عمرو، وجابر، وسعد بن أبي وقاص، وعلي، وعائشة، وابن عمر، وخوات بن جبير، وزيد بن ثابت، وأنس بن مالك، فحديث ابن عمرو رواه النسائي وابن ماجه وغيرهما، وحديث جابر أخرجه الدارقطني وأحمد وأصحاب السنن الأربعة وصححه ابن حبان، وحديث عائشة أخرجه أبو داود والترمذي وغيرهما، وحديث ابن عمر رواه إسحاق بن راهويه في مسنده والطبراني في معجمه، وحديث خوات بن جبير أخرجه الحاكم وغيره، وحديث سعد رواه النسائي والدارقطني، وحديث علي أخرجه الدارقطني، وحديث زيد رواه الطبراني في معجمه، وحديث أنس رواه أحمد وأبو يعلى وغيرهما فهو متواتر. (راجع نصب الراية: 301/4 وما بعدها، مجمع الزوائد: 56/5 وما بعدها، التلخيص الحبير: ص 359، سبل السلام: 35/4، نيل الأوطار: 179/8).\r(3) تفسير المنار: 77/7.","part":7,"page":428},{"id":4714,"text":"ولو شرب خمراً ممزوجاً بالماء: إن كانت الغلبة للخمر، يجب الحد، وإن غلب الماء عليها حتى زال طعمها وريحها لا يجب الحد، إلا أنه يحرم شرب الماء الممزوج بالخمر، لما فيه من أجزاء الخمر حقيقة.\r7 - إن حد شرب الخمر وحد السكر مقدر بثمانين جلدة في الأحرار،لفعل الصحابة رضي الله عنهم، وقياسهم على حد القذف كما عرفنا، وهذا رأي الجمهور، وقال الشافعية: حد الخمر أو المسكر على الأحرار أربعون جلدة؛ لأن عثمان رضي الله عنه جلد الوليد بن عقبة أربعين، وقال علي: جلد رسول الله صلّى الله عليه وسلم في الخمرأربعين، وأبو بكر أربعين، وعمر ثمانين، وكل سُنَّة (1) .\r8 - إذا تخللت الخمر بنفسها يحل شرب الخل بلا خلاف، لقوله عليه الصلاة والسلام: «نعم\r-------------------------------\r(1) أخرج البيهقي قصة جلد الوليد، وأخرج مسلم عن حصين بن المنذر قول علي كرم الله وجهه.\r(2) رواه مسلم وأحمد وأصحاب السنن الأربعة عن جابر بن عبد الله ، وأخرجه مسلم والترمذي عن عائشة، وأخرجه الحاكم عن أم هانئ، ورواه البيهقي عن أم أيمن. وفي لفظ: «نعم الأدم الخل» (راجع نصب الراية: 310/4، المقاصد الحسنة: ص 447، الجامع الصغير: 188/2).","part":7,"page":429},{"id":4715,"text":"الإدام الخل» (2) . ويعرف التخلل بالتغير من المرارة إلى الحموضة بحيث لا يبقى فيها مرارة أصلاً عند أبي حنيفة، فلو بقي فيها بعض المرارة لا يحل؛ لأن الخمر عنده لا يصير خلاً إلا بعد تكامل معنى الخلِّية فيه، كما لا يصير خمراً إلا بعد تكامل معنى الخمرية.\rوقال الصاحبان: تصير الخمر خلاً بظهور قليل الحموضة فيها، اكتفاء بظهور دليل الخلية فيه، كما أن الخمر تصير خمراً بظهور دليل الخمرية عندها.\rأما إذا خلل الخمر صاحبها بإلقاء علاج فيها من خل أو ملح أو غيرهما، حتى صارت حامضاً، فيحل شربها، ويكون التخليل جائزاً عند الجمهور، قياساً على دبغ الجلد، فإن الدباغ يطهره، ولقوله عليه السلام: «خير خلكم خل خمركم» (1) وقوله أيضاً: «نعم الإدام الخل» ولم يفصل بين تخلل الخمر بنفسها والتخليل، ولأن التخليل يزيل الوصف المفسد، ويجعل في الخمر صفة الصلاح، والإصلاح مباح.\rوإذا صارت الخمر خلاً يطهر ما يجاورها من الإناء، ويطهر أعلى الإناء إذا غسل بالخل. وقيل: يطهر تبعاً، وهو المفتى به (2) .\rوقال الشافعي: لا يحل التخليل بالعلاج، ولا تطهر الخمر حينئذ، لأننا مأمورون باجتنابها، فيكون التخليل اقتراباً من الخمر على وجه التمول، وهو مخالف للأمر بالاجتناب، ولأن الشيء المطروح في الخمر يتنجس بملاقاتها، فينجسها بعد انقلابها خلاً (3) .\r-------------------------------\r(1) رواه البيهقي في المعرفة عن جابر وقال: تفرد به المغيرة بن زياد، وليس بالقوي. ويلاحظ أن أهل الحجاز يسمون خل العنب خل الخمر (راجع نصب الراية: 311/4).\r(2) المبسوط: 7/24، البدائع: 113/5 وما بعدها، نتائج الأفكار: 166/8، حاشية ابن عابدين: 320/5.\r(3) حاشية قليوبي وعميرة على شرح الجلال المحلي على المنهاج للنووي: 72/1.","part":7,"page":430},{"id":4716,"text":"وإذا نقلت الخمر من الظل إلى الشمس أو بالعكس، فتخللت، تحل عند الجمهور، وكذا عند الشافعية في الأصح.\rالمبحث الرابع ـ أحكام الأشربة المسكرة غير الخمر :\rهذه الأشربة ثلاث فئات:\rالفئةالأولى ـ غير المطبوخ غالباً: وهو السَّكَر والفضيح النيء والباذق المطبوخ ونقيع الزبيب والتمر من غير طبخ :\rأي نقيع التمر إذا اشتد وقذف بالزبد أو الذي طبخ من ماء العنب، فذهب أقل من ثلثيه، ونقيع التمر والزبيب إذا اشتد بغير طبخ، فهذه هي الفئة الأولى التي يتعلق بها الأحكام التالية (1) :\r1 - يحرم شرب قليلها وكثيرها باتفاق العلماء، لقوله عليه السلام: «الخمر من هاتين الشجرتين» (2) . وأشار إلى النخلة والعنبة، وهذه الفئة إما من التمر أو من العنب، ولأنه إذا ذهب أقل من الثلثين بالطبخ، فالحرام فيه باق، وهو مازاد على الثلث.\r2 - لا يكفر مستحلها، ولكن يضلل؛ لأن حرمتها دون حرمة الخمر، لثبوتها بدليل غير مقطوع به من أخبار الآحاد، وآثار الصحابة رضي الله عنهم.\r-------------------------------\r(1) البدائع: 114/5 وما بعدها، نتائج الأفكار: 158/8 وما بعدها، المبسوط: 4/24.\r(2) أخرجه أحمد ومسلم وأصحاب السنن الأربعة أي الجماعة إلا البخاري عن أبي هريرة عن النبي صلّى الله عليه وسلم قال: «الخمر من هاتين الشجرتين: النخلة والعنبة» (راجع نصب الراية: 295/4، نيل الأوطار: 172/8).","part":7,"page":431},{"id":4717,"text":"3 - لا يحد عند الحنفية بشرب قليلها، وإنما يجب الحد بالسُّكر منها؛ لأن نص الحديث السابق: «والسَكَر من كل شراب» حرم السكر وجعله كحرمة الخمر،والمعاني التي حرم من أجلها الخمر في قوله تعالى: {إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر، ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة، فهل أنتم منتهون} [المائدة:91/5] هذه المعاني تحصل بالسكر من كل شراب. لهذا قال علي رضي الله عنه: «فيما أسكر من النبيذ ثمانون، وفي الخمر قليلها وكثيرها ثمانون » .\r4 - مقدار الحد: ثمانون جلدة عند الجمهور كما عرفنا، وأربعون جلدة عند الشافعية.\r5 - يحرم التداوي بها، سئل ابن مسعود رضي الله عنه عن التداوي بالمسكر،فقال: «إن الله تبارك وتعالى لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم» (1) .\r6 - يجوز بيعها عند أبي حنيفة مع الكراهة، ويضمن متلفها؛ لأن البيع مبادلة شيء مرغوب فيه بشيء مرغوب فيه، وهذه الأشربة مرغوب فيها، إلا أن الخمر مع كونها مرغوباً فيها لا يجوز بيعها بنص الحديث السابق: «يا أهل المدينة، إن الله تبارك وتعالى قد أنزل تحريم الخمر، فمن كتب هذه الآية، وعنده شيء منها، فلا يشربها ولا يبيعها» والنص ورد في الخمر، فيقتصر على مورد النص.\rوأيضاً لأن الأخبار تعارضت في هذه الأشربة في الحل والحرمة، قال أبو حنيفة بحرمة شربها احتياطاً، ولكن لا تبطل ماليتها احتياطاً؛ لأن الاحتياط لايجري في إبطال حقوق الناس.\r-------------------------------\r(1) رواه عبد الرزاق والطبراني في معجمه وابن أبي شيبة عن ابن مسعود قال: «إن الله لم يكن ليجعل شفاءكم فيما حرم عليكم» وذكره البخاري تعليقاً عن ابن مسعود، وأخرجه البيهقي وابن حبان وصححه، وأخرجه أيضاً أحمد عن أم سلمة رضي الله عنها عن النبي صلّى الله عليه وسلم قال: «إن الله لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم، وأخرج أبو داود عن أبي الدرداء، قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم : «إن الله أنزل الداء والدواء، وجعل لكل داء دواء، فتداووا، ولا تتداووا بحرام» وروى أحمد ومسلم وأبو داود والترمذي وصححه وابن ماجه وابن حبان عن وائل بن حجر أن طارق بن سويد سأل النبي صلّى الله عليه وسلم عن الخمر، فنهاه عنها، فقال: إنما أصنعها للدواء، قال: « إنه ليس بدواء، ولكنه داء» (راجع نصب الراية: 299/4، التلخيص الحبير: ص 359، مجمع الزوائد: 72/5، نيل الأوطار: 203/8، سبل السلام: 36/4).","part":7,"page":432},{"id":4718,"text":"وقال الصاحبان: لا يجوز بيعها أصلاً، ولا يضمن متلفها، لعدم كونها مالاً متقوماً؛ لأن المال المتقوم: هو ما يباح الانتفاع به حقيقةً وشرعاً، وهي لا يباح الانتفاع بها.\r7 - في نجاستها روايتان عن أبي حنيفة: رواية راجحة تعتبر نجاستها مغلظة كنجاسة الخمر؛ لأنه يحرم شرب قليلها وكثيرها، فلا يعفى عنها أكثر من قدر\rالدرهم، ورواية تعتبر نجاستها مخففة فيعفى عنها ما دون ربع الثوب عند الحنفية؛ لأن نجاسة الخمر إنما ثبتت بالشرع، بقوله تعالى: {رجس} [المائدة:90/5] فتختص النجاسة باسم الخمر. وعن أبي يوسف: أن الكثير الفاحش: هو النجس؛ لأن حرمتها دون حرمة الخمر، واختار السرخسي أن نجاسة السكر ونقيع الزبيب مخففة، والمفتى به أن نجاستها كالخمر (1) .","part":7,"page":433},{"id":4719,"text":"الفئة الثانية ـ المطبوخ وهو المثلث (أو الطلاء) والجمهوري والمطبوخ من الزبيب والتمر أدنى طبخ :\rأي أن عصير العنب إذا طبخ فذهب ثلثاه، ونقيع التمر والزبيب إذا طبخ، وإن لم يذهب ثلثاه، فهذه هي الفئة الثانية.\rالمثلث: وهو المطبوخ من ماء العنب حتى ذهب ثلثاه وبقي معتقاً، حكمه وحكم الجمهوري والمطبوخ من الزبيب والتمر أدنى طبخ، أي وإن لم يذهب ثلثاه: أنه يحل شرب القليل منه، ويحرم المسكر منه وهو القدح الأخير الذي يسكر، فإذا سكر يجب الحد، ويجوز بيعه وتمليكه ويضمن متلفه، وهذا عند أبي حنيفة وأبي يوسف، ودليلهما حديث وآثار: أما الحديث فهو ما روي عن ابن عمر أن النبي صلّى الله عليه وسلم أتي بنبيذ فشمه، فقطب وجهه لشدته، ثم دعا بماء، فصبه عليه وشرب منه (2) .\r-------------------------------\r(1) نتائج الأفكار: 160/8، البدائع: 115/5، رد المحتار: 321/5.\r(2) رواه الطبراني وفيه هود بن عطاب وهو ضعيف، ويؤيده ما رواه الطبراني عن المطلب بن أبي وداعة وفيه رجل ضعيف: أن النبي أتي بإناء فصب عليه الماء، حتى تدفق، ثم شرب منه، وروى العقيلي عن علي، قال: «طاف النبي صلّى الله عليه وسلم بين الصفا والمروة أسبوعاً، ثم استند إلى حائط من حيطان مكة، فقال: هل من شربة؟ فأتي بقعب من نبيذ، فقطب، ورده، فقام إليه رجل من آل حاطب، فقال: يا رسول الله، هذا شراب أهل مكة، قال: فصب عليه الماء، ثم شرب، ثم قال: حرمت الخمر بعينها والسَّكَر من كل شيء» وأعله بمحمد بن الفرات وهو منكر الحديث (راجع نصب الراية: 306/4، مجمع الزوائد: 66/5).","part":7,"page":434},{"id":4720,"text":"وأما الآثار، فمنها ماروي عن سيدنا عمر رضي الله عنه أنه كان يشرب النبيذ الشديد، ومنها: ما روي عن سيدنا علي رضي الله عنه أنه أضاف قوماً فسقاهم، فسكر بعضهم، فحده، فقال الرجل: تسقيني ثم تحدني؟ فقال علي: إنما أحدك للسُّكْر (1) . والحقيقة أن هذا الخبر غير صحيح؛ لأن في سنده مدلساً وضعيفاً.\rوقد اعتبر أبو حنيفة حل المثلث من علامة مذهب أهل السنة والجماعة، فقال: السنة أن تفضل الشيخين، وتحب الخَتَنين (أي الصهرين) وتمسح على الخفين، ولا تحرم نبيذ الجَرّ، أي المثلث أو الطلاء. والحل محصور في القليل منه أو إذا قصد به التقوي على الطاعة، أو التداوي، أو استمراء الطعام، أما إذا قصد به التلهي، فيحرم.\rوقال محمد: لا يحل شرب هذين الشرابين، ولكن لا يجب الحد ما لم يسكر، لقوله عليه السلام: «ما أسكر كثيره فقليله حرام» وبرأيه يفتى عند الحنفية.\rوقال الشافعية والمالكية والحنابلة: كل شراب أسكر كثيره حرم قليله، وحد شاربه إذا كان مكلفاً مختاراً، لقوله عليه السلام: «كل مسكر خمر، وكل خمر حرام» وقوله أيضاً «أنهاكم عن قليل ما أسكر كثيره» وصحح الترمذي: «ما أسكر كثيره فقليله حرام» (2) .\r-------------------------------\r(1) المبسوط: 15/24، البدائع: 116/5، نتائج الأفكار: 162/8 وهذا الحديث أخرجه الدارقطني في سننه، ورواه ابن أبي شيبة في مصنفه عن الشعبي. وروى الدارقطني مثل ذلك عن عمر رضي الله عنه، ورواه العقيلي في كتابه عن عمر أيضاً، وله طرق أخر عند ابن أبي شيبة، وفي الأطراف، وعند عبد الرزاق في مصنفه (راجع نصب الراية: 350/3) ويلاحظ أن هذه القصة غير ثابتة.\r(2) مغني المحتاج: 187/4، المهذب: 286/2، بداية المجتهد:434/2 وما بعدها، المغني: 304/8.","part":7,"page":435},{"id":4721,"text":"الفئة الثالثة ـ الأشربة الحلال في رأي ضعيف: وهي خليط الزبيب والتمر المطبوخ، والمتخذ من غير العنب والتمر :\rالأشربة الأربعة الحلال التي ذكرت كالخليطين والمِزْر والجِعة والبِتْع والمثلث بقصد التداوي يحل شربها بلا لهو ولا طرب، قليلاً كان أو كثيراً إذا شرب مالا يسكره، ولا يحد شاربها، وإن سكر منها، وهذا عند أبي حنيفة وأبي يوسف؛ لأنه ليس في هذه الأشربة معنى الخمرية، إذ لا شدة فيها، ولأنه عليه السلام قال: «الخمر من هاتين الشجرتين: يعني النخلة والكرمة» ذكر صلّى الله عليه وسلم الخمر بلام الجنس، فاقتضى اقتصار الخمرية على ما يتخذ من هاتين الشجرتين. وإنما لا يجب الحد وإن سكر منه؛ لأنه سكر حصل بتناول شيء مباح، فلا يوجب الحد، كالسكر الحاصل من تناول البنج، بخلاف ما إذا سكر بشرب المثلث، فإنه يجب الحد؛ لأن السكر فيه حصل بتناول المحظور وهو القدح الأخيرة.\rوخلاصة الفرق بين هذه الفئات الثلاث: أن الفئة الأولى يحرم قليلها وكثيرها ويجب الحد بالسكر منها، وأن الثانية يحرم المسكر منه فقط ويجب الحد بالسكر، وأما الثالثة فيحل شربها للتداوي والتقوي، وإن سكر منها، ولا حد فيها وإن سكر منها عند أبي حنيفة وأبي يوسف.\rوقد حرم محمد رحمه الله تعالى هذه الأشربة الأربعة التي هي حلال عند الشيخين: وهي المتخذة من العسل والتين ونحوهما قليلها وكثيرها، والأصح أنه يحد شاربها بالسكر منها، وبه يفتى في المذهب الحنفي (1) ، وقال الأئمة الثلاثة:\r-------------------------------\r(1) يظن بعض شاربي البيرة ونحوها أن قليلها حلال في مذهب الحنفية. والواقع أن قليلها وكثيرها حرام في كل المذاهب وبإجماع آراء الحنفية، لأن الخلاف فيما يسمى بالأشربة الحلال محصور فيما قصد بشربه تقوية البدن الضعيف. أما إذا كان يؤخذ للهو والتسلية كما يفعل هؤلاء الشاربون فهو حرام كالكثير تماماً، ولو قطرة واحدة (الفقه على المذاهب الأربعة: 2 حاشية ص 7 بتصرف).","part":7,"page":436},{"id":4722,"text":"يحد بشرب القليل منها والكثير (1) لقوله عليه الصلاة والسلام: «كل مسكر خمر، وكل خمر حرام» وقوله: «ما أسكر كثيره فقليله حرام» وقوله: «كل شراب أسكر فهو حرام» وقوله صلّى الله عليه وسلم أيضاً: «إن من العنب خمراً، وإن من العسل خمراً، ومن الزبيب خمراً، ومن الحنطة خمراً، ومن التمر خمراً، وأنا أنهاكم عن كل مسكر» (2) .\rالحشيش والأفيون والبنج (3) :\rيحرم كل ما يزيل العقل من غير الأشربة المائعة كالبنج والحشيشة والأفيون، لما فيها من ضرر محقق، ولا ضرر ولا ضرار في الإسلام، ولكن لا حد فيها؛ لأنها ليست فيها لذة ولاطرب، ولا يدعو قليلها إلى كثيرها، وإنما فيها التعزير لضررها، ولما رواه أبو داود عن أم سلمة رضي الله عنها قالت: «نهى رسول الله صلّى الله عليه وسلم عن كل مسكر ومفتِّر» .\rويحل القليل النافع من البنج وسائر المخدرات للتداوي ونحوه؛ لأن حرمته ليست لعينه، وإنما لضرره (4) .\rالقهوة والدخان: سئل صاحب العباب الشافعي عن القهوة، فأجاب: للوسائل حكم المقاصد، فإن قصدت للإعانة على قربة كانت قربة، أو مباح فمباحة، أو مكروه فمكروهة، أو حرام فمحرمة. وأيده بعض الحنابلة على هذا التفصيل.\r-------------------------------\r(1) انظر نيل الأوطار: 140/7، البدائع: 117/5، نتائج الأفكار: 160/8 وما بعدها، حاشية ابن عابدين: 322/5 وما بعدها.\r(2) رواه أحمد وأصحاب السنن إلا النسائي عن النعمان بن بشير، زاد أحمد وأبو داود: «وأنا أنهى عن كل مسكر» (راجع التلخيص الحبير: ص 359، مجمع الزوائد: 56/5، نيل الأوطار: 173/8).\r(3) البَنج: يسمى في العربية شيكران: وهونبات يصدع ويسبت، ويخلط العقل. والأفيون: عصارة الخشخاش. والحشيشة: ورق القنب الهندي.\r(4) مغني المحتاج: 187/4، حاشية ابن عابدين: 325/5، المبسوط: 9/24، فتح القدير: 184/4.","part":7,"page":437},{"id":4723,"text":"وقال الشيخ مرعي بن يوسف الحنبلي صاحب غاية المنتهى: ويتجه حل شرب الدخان والقهوة، والأولى لكل ذي مروءة تركهما (1) .\rوالواقع، لا تقل مرتبة التدخين عن الكراهة أو الكراهة التحريمية، وقد يصبح التدخين حراماً إذا ثبت ضرره بالنفس أو المال أو كان المدخن محتاجاً إلى المال لإنفاقه على قوته أو قوت أهله أو ملبسه أو ملبس أهله وعياله.\rوقد حرم الإباضية التبغ؛ لأنه من الخبائث، وأصدرت دولة إيران عام 1991م أمراً بمنعه وتحريمه ومنع توظيف المدخنين، وقد ذكر الشيخ محمد بن جعفر الكتاني في كتابه: حكم التدخين عند الأئمة الأربعة وغيرهم (2) سبعة عشر دليلاً على تحريم الدخان، وأبان المفاسد الكثيرة المترتبة على الدخان، وأورد فتاوى علماء المذاهب الإسلامية بالتحريم، وناقش أدلة المبيحين بالتحريم.\rوتلك الأدلة بإيجاز:\r1 - الدخان من الخبائث المحرمة بنص الكتاب، والخبائث: كل ما تستكرهه النفوس وتنفر منه.\r2 - الدخان مضرّ بالأبدان ضرراً بيِّناً لا شك فيه، ولا شبهة الآن عند الحكماء وهو من أهم أسباب سرطان الرئة والقلب وغير ذلك من الأمراض الخطيرة أو المنتنة.\r3 - الدخان مؤذ بدخانه الخبيث ورائحته المنتنة لمن لا يتعاطاه من زوجة أو زوج وصاحب.\r-------------------------------\r(1) غاية المنتهى: 331/3.\r(2) توزيع مكتبة الغزالي بدمشق، طبع عام 1411هـ ـ 1990م وعنوان الكتاب «إعلان الحجة وإقامة البرهان على منع ما عمَّ وفشا من استعمال عُشبة الدخان» .","part":7,"page":438},{"id":4724,"text":"4 - الدخان مؤذ برائحته ونتنه للحفظة الكرام الكاتبين وغيرهم من الملائكة المكرمين.\r5 - الدخان مضر بدِين صاحبه، شاغل له عن سلوك المسالك التي يرتقي بها.\r6 - الدخان فيه إفساد للجسم والبدن وتخدير له وتفتير بالتجربة والمشاهدة.\r7 - الدخان مع كونه مفتراً ، أي مخدراً للجفون والأطراف، قد يحصل الإسكار منه لبعض الناس في ابتداء التعاطي، وقد نهى النبي صلّى الله عليه وسلم عن كل مسكر ومفتِّر.\r8 - فيه إسراف وتبذير، وهو إضاعة المال من أي نوع كان بإتلافه وإنفاقه في غير فائدة دينية ولا مصلحة دنيوية.\r9 - إنه مصادم للفطرة الإنسانية، مؤد إلى تردد القلب وقلقه واضطرابه، فهو مشكوك ومشتبه فيه، ومن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، والبر: ما اطمأنت إليه النفس واطمأن إليه القلب.\r10 - إنه يؤدي إلى أكل المحروق وتسرب أجزاء منه محروقة للحلق كلما تناول المدخن شيئاً منه.\r11 - فيه أكل النار الممتزجة بالحطب الذي هو ورقه، أي من جذبه إلى جوفه.\r12 - فيه إفساد مزاج من طبعه السوداء أو الصفراء؛ لأنه يجفف الرطوبات البدنية ويحرقها.\r13 - فيه عبث ولهو، وهو حرام عندالحنفية.\r14 - نهى عنه ملوك الإسلام وسلاطينه في الترك والمغرب والسودان وغيرهم، بل وملوك أوروبا.\r15 - إنه من البدع ومحدثات الأمور بعد القرون الثلاثة المشهود بخيريتها وفضلها، بل بعد القرون العشرة، أخرج أبو داود من حديث العرباض بن سارية: «إياكم ومُحْدَثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار» .","part":7,"page":439},{"id":4725,"text":"16 - فيه غول، وهو ما يعتري شاربه بتركه من القلق والفساد والأذى في عقله ومزاجه وحواسه، وبسببه يعود له ولا يقدر على الترك، وكل ما فيه غول يغتال العقول ويضعف الإرادة يمنع منه، بدليل وصف الحق تعالى خمر الجنة بأنها {لا فيها غول} [الصافات:47/37].\r17 - ما كان مشكوكاً فيه أحرام هو أم حلال، ولم نجد فيه نصاً عن النبي صلّى الله عليه وسلم، يعمل فيه بعمل أهل التقوى والورع واجتناب المشتبهات.\rالمبحث الخامس ـ إثبات شرب الخمر ونحوها :\rاتفق جمهور الفقهاء على أن شرب الخمر ونحوها يثبت بشهادة رجلين مسلمين عدلين يشهدان أنه مسكر أو بالإقرار مرة واحدة، ولا تقبل فيه شهادة النساء مع الرجال. ويكفي في إقرار وشهادة أن يقال: شرب فلان خمراً.\rوقال أبو يوسف وزفر: يشترط في الإقرار هنا كما في السرقة: أن يكون مرتين بمجلسين، اعتباراً لعدد الإقرار بعدد الشهود.\rولا يعتبر الإقرار والشهادة بعد ذهاب الرائحة وتقادم العهد عند أبي حنيفة وأبي يوسف. وقال محمد: يحد بالإقرار أو الشهادة بعد ذهاب الرائحة، ولكن دون شهر في الشهادة.\rواختلفوا في إثبات الشرب بالرائحة :\rفقال المالكية: يجب الحد بالرائحة إذا شمها شاهدان عدلان في فمه أو تقيأها، وشهدا بذلك عند الحاكم؛ لأن ابن مسعود جلد رجلاً وجد منه رائحة الخمر (1) ، وتشبيهاً للشهادة على الرائحة بالشهادة على الصوت (2) .\rوقال الحنفية والشافعية والحنابلة: لا حد على من وجد منه رائحة الخمر أو تقيأها؛ لأن الرائحة يحتمل أنه تمضمض بها أو حسبها ماء، فلما صارت في فمه مجها، أو ظنها لا تسكر، أو كان مكرهاً أو مضطراً أو غالطاً، أو شرب شراب التفاح، فإنه يكون منه كرائحة الخمر، وإذا احتمل ذلك لم يجب الحد بالشك؛ لأن الحد يدرأ بالشبهة، ولا يستوفيه القاضي بعلمه أيضاً (3) .\rويلاحظ أنه لا يقام الحد على السكران حال سكره، وإنما يؤخره إلى الصحو باتفاق الأئمة، ليتحقق مقصود الحد من الانزجار.\r-------------------------------\r(1) رواه الطبراني وعبد الرزاق وإسحاق بن راهويه عن أبي ماجد الحنفي، قال: جاء رجل بابن أخ له سكران إلى عبد الله بن مسعود، فقال عبد الله : ترتروه ومزمزوه (أي حركوه تحريكاً عنيفاً لعله يصحو) واستنكهوه، ففعلوا، فرفعه إلى السجن، ثم عاد به من الغد، ودعا بسوط، ثم أمر بثمرته فدقت بين حجرين، حتى صارت درة، ثم قال للجلاد: اجلد وأرجع تلك، وأعط كل عضو حقه (راجع نصب الراية: 349/3، مجمع الزوائد: 275/6، 279).\r(2) حاشية الدسوقي: 353/4، بداية المجتهد: 436/2، المنتقى على الموطأ: 142/3، القوانين الفقهية: ص 362.\r(3) فتح القدير: 180/4، 186، تبيين الحقائق: 196/3، الكتاب مع اللباب: 193/3، مختصر الطحاوي: ص 280، مغني المحتاج: 190/4، المغني: 309/8، حاشية الباجوري على متن أبي شجاع: 246/2، غاية المنتهى: 330/3.","part":7,"page":440},{"id":4726,"text":"المبحث السادس ـ مخاطر المخدرات وأحكامها في الإسلام :\rالشرائع الإلهية وخاتمتها الشريعة الإسلامية تنشد في تشريعها لتنظيم حياة الناس وأحوالهم تحقيق المصالح والمنافع البشرية الحقيقية، ودفع أنواع المضار والمفاسد وألوان الأذى والشر، بدليل الاستقراء التام والتتبع الشامل لكل ما جاءت به شريعة القرآن الكريم من أحكام العبادات والمعاملات والجنايات والعلاقات الاجتماعية الخاصة والعامة، فلا نجد مطلوباً شرعاً: فرضاً أو مندوباً إلا وكان فيه الخير للفرد والجماعة أو الشخص والأمة، ولا نرى ممنوعاً: حراماً أو مكروهاً إلا وفيه الشر أو شبهة السوء للإنسان والناس قاطبة.\rوالعقل المجرد غير المتأثر بالهوى أو النفعية الطائشة أو الوقتية غير المنضبطة يدرك تماماً المصلحة المجردة والمضرة الواضحة، ويؤيد ما جاءت به شريعة السماء، إذ لا يخفى على عاقل أن تحصيل المصالح المحضة أو الدائمة الأثر، ودرء المفاسد المحضة أو الآنية التأثير، عن نفس الإنسان وغيره، محمود حسن، كما أنه لا يخفى أيضاً أن درء المفاسد والمضار الراجحة مقدم على المصالح المرجوحة، كما قال العز بن عبد السلام في مقدمة كتابه: «قواعد الأحكام في مصالح الأنام» .","part":7,"page":441},{"id":4727,"text":"وهذا ما اتفق عليه الحكماء، وأجمعت عليه الشرائع، فحرّمت الدماء والأبضاع والأموال والأعراض، واتفقت الملل كلها على الحفاظ على المقاصد الخمسة الكلية الضرورية، وهي الدين والعقل والنفس والنسب أو العرض والمال، ووجهت الأديان ذات المصدر الإلهي إلى تحصيل الأفضل فالأفضل من الأقوال والأعمال والآداب والأخلاق. وكذلك الأطباء يدفعون أعظم المرضين بالتزام بقاء أدناهما. ومن هذا المنطلق حاربت الشريعة الإسلامية وحرمت تناول المسكرات والمخدرات بأنواعها المختلفة، لما فيها من ضرر واضح على الإنسان وصحته وعقله وكرامته وسمعته أو اعتباره الأدبي. روى ابن ماجه والدارقطني مسنداً، والإمام مالك في الموطأ مرسلاً عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم قال: «لا ضرر ولا ضرار» وهو حديث حسن، مفاده أن الضرر ممنوع بالنفس أو بالغير، فلا يجوز لأحد أن يضر نفسه أو غيره بغير حق ولا جناية سابقة، ولايجوز مقابلة الضرر بالضرر، فمن سبَّك أو شتمك فلا تسبّه، ومن ضرّ بك فلا تضرّ به، بل اطلب حقك منه عند الحاكم من غير مسابّة.\rوجاء في الإنجيل المتداول الآن من قول السيد المسيح عليه السلام: «السكّيرون والزناة لا يدخلون ملكوت السموات» وإذا كان السكر والزنى ممنوعين لضررهما وقبحهما، فكذلك المخدرات التي تضر العقل، وتفسد النفس والوجدان أو الضمير.","part":7,"page":442},{"id":4728,"text":"ومن المعلوم أن الضرر الناجم عن تعاطي المسكرات والمخدرات متعدد الجوانب ففيها ضرر بالشخص ذاته، وبأسرته وأولاده، وبمجتمعه وأمته.\rأما الضرر الشخصي: فهو التأثير الفادح في الجسد والعقل معاً، لما في المسكر والمخدر من تخريب وتدمير الصحة والأعصاب والعقل والفكر ومختلف أعضاء جهاز الهضم وغير ذلك من المضار والمفاسد التي تفتك بالبدن كله، بل وبالاعتبار الأدبي والكرامة الإنسانية، حيث تهتز شخصية الإنسان، ويصبح موضع الهزء والسخرية، وفريسة الأمراض المتعددة.\rوأما الضرر العائلي: فهو ما يلحق بالزوجة والأولاد من إساءات، فينقلب البيت جحيماً لا يطاق من جراء التوترات العصبية والهياج والسب والشتم وترداد عبارات الطلاق والحرام، والتكسير والإرباك، وإهمال الزوجة والتقصير في الإنفاق على المنزل، وقد تؤدي المسكرات والمخدرات إلى إنجاب أولاد معاقين متخلفين عقلياً، وقد شاهدت ذلك بنفسي في حالات كثيرة من أولاد المدمنين.\rوأما الضرر العام: فهو واضح في إتلاف أموال طائلة من غير مردود نفعي، وفي تعطيل المصالح والأعمال، والتقصير في أداء الواجبات، والإخلال بالأمانات العامة، سواء بمصالح الدولة أو المؤسسات أو المعامل أو الأفراد.\rهذا فضلاً عما يؤدي إليه السكر أو التخدير من ارتكاب الجرائم على الأشخاص والأموال والأعراض، بل إن ضررالمخدرات أشد من ضرر المسكرات؛ لأن المخدرات تفسد القيم الخلقية.","part":7,"page":443},{"id":4729,"text":"أنواع المخدرات وحكمها الشرعي :\rالمخدرات والمسكرات أنواع متعددة، يتفنن الناس في تناولها بأسماء مختلفة، ويلجأ بعضهم إلى تعاطي أشياء تحقق الهدف المقصود من تغطية العقل، وكلها تشترك في حكم واحد، وهو التحريم بسبب ما فيها من الضرر المؤكد الحصول.\rومن أشهر أنواع المخدرات: الحشيشة، والأفيون، والكوكايين والمورفين والبنج (نبات سام يستعمل في الطب للتخدير) وجوزة الطيب (ثمر شجرة) والبرش (مركب من الأفيون والبنج) والقات (نبات تمضغ أوراقه، قليله منبه منشط، وكثيره مخدر مثبّط، يورث الكسل والخمول، ويعطل الأعمال) وغير ذلك مما يؤخذ بالحُقَن أو المضغ أو التدخين أو غيرها، فيؤدي إلى تغييب العقل، وإضرار الصحة، وإفساد الأخلاق. والحكم الشرعي للمخدرات أنها حرام في غير حالة التداوي للضرورة أو الحاجة، وفي غير حالة إصلاح البهارات بإضافة بعضها إليها بالقدر القليل فقط مثل خلط شيء قليل من جوزة الطيب مع البهارات أو المقبّلات. وحرمتها كالمسكرات التي جاءت النصوص التشريعية في القرآن والسنة النبوية بتحريمها تحريماً قطعياً.\rوأدلة تحريم تعاطي المخدرات كثيرة منها ما يلي:\r1ً - إن المخدرات تؤدي إلى أضرار جسيمة كثيرة كما تقدم، وقد يفوق ضررها ضرر المسكرات؛ لأنها تفسد أخلاق المجتمع وتضر الأمة في اقتصادها وأعمالها ضرراً بليغاً، وتفسد العقل، وتصد عن ذكر الله وعن الصلاة، ففيها ضرر عقلي وبدني وديني وأخلاقي، وكل ما هو ضار في نتائجه أو ذاته وعينه فهو حرام، والمضِّرات من أشهر المحرمات.\r2ً - روى الإمام أحمد في مسنده وأبو داود في سننه عن أم سلمة رضي الله عنها قالت: «نهى رسول الله صلّى الله عليه وسلم عن كل مسكر ومفتّر» . والمفتر: كل ما يورث الفتور وارتخاء الأعضاء وتخدير الأطراف. قال ابن حجر: وهذا الحديث فيه دليل على تحريم الحشيش بخصوصه، فإنها تسكر وتخدِّر وتفتر. وفي حديث آخر عند أبي داود عن ابن عباس: «كل مخمِّر وكل مسكر حرام» والمخمِّر: ما يغطي العقل.","part":7,"page":444},{"id":4730,"text":"3ً - حكى القرافي وابن تيمية الإجماع على تحريم الحشيشة، قال ابن تيمية: ومن استحلها فقد كفر، وإنما لم تتكلم فيها الأئمة الأربعة رضي الله عنهم؛ لأنها لم تكن في زمنهم، وإنما ظهرت في آخر المئة السادسة، وأول المئة السابعة حين ظهرت دولة التتار.\r4ً - قال ابن تيمية في فتاويه الكبرى: كل ما يغيب العقل فإنه حرام، وإن لم تحصل به نشوة ولا طرب، فإن تغييب العقل حرام بإجماع المسلمين، أي إلا لغرض معتبر شرعاً.\rوقال أيضاً في كتابه السياسة الشرعية: إن الحشيشة حرام، يُحَدُّ متناولها كما يحد شارب الخمر، وهي أخبث من الخمر من جهة أنها تفسد العقل والمزاج، حتى يصير في الرجل تخنث ودياثة، وغير ذلك من الفساد، وأنها تصد عن ذكر الله وعن الصلاة، وهي داخلة فيما حرّمه الله ورسوله من الخمر والمسكر لفظاً أو معنى.\rوجاء أيضاً في فتاوى ابن تيمية في مواضع متكررة: «هذه الحشيشة الملعونة هي وآكلوها، ومستحلوها، الموجبة لسخط الله تعالى، وسخط رسوله، وسخط عباده المؤمنين، المعرّضة صاحبها لعقوبة الله ، تشتمل على ضرر في دين المرء وعقله وخلقه وطبعه، وتفسد الأمزجة حتى جعلت خلقاً كثيراً مجانين، وتورث من مهانة أكلها ودناءة نفسه وغير ذلك ما لا تورث الخمر، ففيها من المفاسد ما ليس في الخمر، فهي بالتحريم أولى. وقد أجمع المسلمون على أن السكر منها حرام.\rومن استحل ذلك وزعم أنه حلال، فإنه يُستتاب، فإن تاب وإلا قتل مرتداً، لا يصلى عليه ولا يدفن في مقابر المسلمين.\rوإن القليل منها حرام أيضاً بالنصوص الدالة على تحريم الخمر وتحريم كل مسكر» .","part":7,"page":445},{"id":4731,"text":"وأيد ابن القيم أستاذه ابن تيمية في ذلك كله، وقال في زاد المعاد: «إن الخمر يدخل فيها كل مسكر: مائعاً كان أو جامداً، عصيراً أو مطبوخاً، فيدخل فيها لقمة الفسق والفجور ـ أي الحشيشة ـ لأن هذا كله خمر بنص رسول الله صلّى الله عليه وسلم الصحيح الصريح الذي لا مطعن في سنده ولا إجمال في متنه، إذ صح عنه قوله: كل مسكر خمر» . وصح عن أصحابه رضي الله عنهم الذين هم أعلم الأمة بخطابة ومراده، بأن الخمر ما خامر العقل.\rعلى أنه لو لم يتناول لفظه صلّى الله عليه وسلم كل مسكر، لكان القياس الصحيح الصريح الذي استوى فيه الأصل والفرع من كل وجهة، حاكماً بالتسوية بين أنواع المسكر، فالتفريق بين نوع ونوع تفريق بين متماثلين من جميع الوجوه» .\rوقال الصنعاني في سبل السلام: «إنه يحرم ما أسكر من أي شيء، وإن لم يكون مشروباً، كالحشيشة» . وقال بعض علماء الحنفية: «إن من قال بحل الحشيشة زنديق مبتدع» .\rوقال الحافظ ابن حجر: «إن من قال: إن الحشيشة لا تسكر، وإنما هي مخدر: مكابرٌ، فإنها تحدث ما تحدثه الخمر من الطرب والنشوة» .\rوذكر ابن البيطار أن قبائح خصالها كثيرة، وعدّ منها بعض العلماء مئة وعشرين مضرة دينية ودنيوية. وقال: إن قبائح خصالها موجودة في الأفيون، وفيه زيادة مضار.","part":7,"page":446},{"id":4732,"text":"وأما القات فهو حرام، وإن زعم بعض أهل اليمن أنه لا يخدر وإنما هو منشط ومفتق للذاكرة، وهذا مجرد وهم وهو غير صحيح؛ لأن العبرة بالنتائج، ولقد أثبت الأطباء ، وجاء في قرار اليونيسكو في الأمم المتحدة أنه مخدر وضار، ومن أضراره الواضحة: تخلّف اليمنيين، وتعطيل اقتصادهم، وانشغالهم بشرائه، وتعاطيه من منتصف النهار إلى منتصف الليل، وإهدارهم المال الكثير في سبيل الحصول عليه وبذل الجهود في زراعته على حساب المزروعات الأخرى النافعة. وذهب أبو بكر المقري الشافعي إلى تحريم القات، وقال: إني رأيت من أكلها الضرر في بدني وديني، فتركت أكلها، فقد ذكر العلماء: إن المضِّرات من أشهر المحرمات، فمن ضررها أن آكلها يرتاح ويطرب وتطيب نفسه ويذهب حزنه، ثم يعتريه بعد ساعتين من أكله هموم متراكمة وغموم متزاحمة وسوء أخلاق.\rوكذلك حرمه الفقيه حمزة الناشري محتجاً بحديث أم سلمة السابق: أنه صلّى الله عليه وسلم «نهى عن كل مسكر ومُفْتِر» وهو الذي يجعل في الجسم فتوراً، أي ضعفاً وانكساراً.\rوالخلاصة: إن جميع المخدرات الحادثة من قرون بعد القرون الستة الأولى حرام كالخمر، لمخامرتها العقل وتغطيتها إياه. وفيها مفاسد الخمر ومضاره، وتزيد عليها، فهي أكثر ضرراً وأكبر فساداً من الخمر؛ لأنها تضر الأمة ضرراً بليغاً، أفراداً وجماعات، مادياً، وصحياً، وأدبياً. ولا شك بأن الشريعة الإسلامية تحرِّم المفاسد والمضار، وتجيز ما فيه مصالح حقيقية، خالصة أو راجحة. وأما ما يزعمونه من مصالح ومنافع فهي وهمية خادعة.\rلذا اتفقت أنظمة العالم على منع المخدرات، ولا نجد إجماعاً دولياً على شيء، مثلما نجده في الإجماع على مقاومة كل وسائل تعاطي المخدرات وتهريبها، وإتلاف الكميات المهربة، وعقاب المهربين بالسجن وغيره.","part":7,"page":447},{"id":4733,"text":"الاتجار بالمخدرات :\rإن الاتجار بالمخدرات بيعاً وشراء وتهريباً وتسويقاً أمر حرام كحرمة تناول المخدرات؛ لأن الوسائل في الشريعة تأخذ حكم المقاصد، ويجب سد الذرائع إلى المحرمات بمختلف الإمكانات والطاقات؛ لأن التاجر يسهِّل رواج المخدرات وتعاطيها، فيكون الثمن حراماً، والمال سُحْتاً، والعمل ضلالاً، والاتجار بها إعانة على المعصية، والبيع باطل، قال الله تعالى: {وتعاونوا على البر والتقوى،ولا تعاونوا على الإثم والعدوان} [المائدة:2/5].\rويكون النهي عن بيع الخمر والحكم ببطلانه شاملاً المخدرات؛ لما في ذلك من الإعانة على المعصية، والتواطؤ على إفساد الناشئة والأمة، وتدمير أخلاقها وقيمها، وتخريب اقتصادها وإضعافها أمام غيرها. ويكون الربح التجاري المغري سبباً واضحاً في التآمر على وجود الأمة وضعضعة كيانها وتحطيم جهود أبنائها، وخيانتها، والإسهام في تخلفها وهزِّ بنيتها.\rزراعة الحشيش والخشخاش والقات وتصنيع الأفيون والكوكايين والهروين :\rإن كل ما يؤدي إلى الحرام فهو حرام، وكل ما يعين على المعصية ، فهو معصية، فتكون زراعة الحشيش وغيرها واستخراج المواد المخدرة والعناية بها حفظاً وتعليباً وتهريباً ونقلاً من مكان إلى آخر أمراً حراماً في شرع الله ودينه، للأسباب التالية:\r1 - إن زراعة ما يؤدي إلى الحرام يعد رضاً صريحاً من الزراع بتعاطي الناس له، واتجارهم فيه، والرضا بالمنكر أو المعصية يعد منكراً وعصياناً.\r2 - تبين مما ذكر أن كل مافيه إعانة على المعصية يعد معصية ، كما أن الزراعة لوسائل المخدرات معصية.","part":7,"page":448},{"id":4734,"text":"3 - روى أبو داود في سننه عن ابن عباس أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم قال: « إن من حَبَس العنب أيام القطاف حتى يبيعه ممن يتخذه خمراً، فقد تقحم النار » . وهذا دليل صريح على حرمة زراعة الحشيش والقات وكل ما يؤدي لاستخراج عصارة الأفيون والهروين والكوكايين وغير ذلك.\r4 - روى أصحاب السنن الأربعة والإمام أحمد عن ابن مسعود: أن النبي صلّى الله عليه وسلم « لعَنَ آكل الربا ومُؤكله وشاهديه وكاتبه » . ولفظ النسائي: «آكل الربا ومؤكله وشاهديه وكاتبه إذا علموا ذلك، ملعونون على لسان محمد صلّى الله عليه وسلم يوم القيامة» فهؤلاء أربعة لعنوا في أكل الربا.\rوروى أبو داود والحاكم عن ابن عمر: أن النبي صلّى الله عليه وسلم قال: «لعن الله الخمر، وشاربها، وساقيها، وبائعها، ومبتاعها، وعاصرها، ومعتصرها، وحاملها، والمحمولة إليه، وآكل ثمنها» فهؤلاء عشرة لعنوا في الخمر وتناولها.\rوالمتبادر إلى الذهن ألا يكون ملعوناً إلا آكل الربا وشارب الخمر دون من ذكر معهما، ولكن الشرع حرم فعل ثلاثة آخرين في الربا، وتسعة آخرين في الخمر؛ لأنهم كانوا سبباً في المعصية، وعوناً على اقتراف الحرام، فيكون المتسبب والمعين أو المساعد، له حكم الفاعل تماماً.\rوبناء عليه يكون تاجر المخدرات والمهرب والناقل وكل من ساعد في تعاطيها آثماً إثماً عظيماً ومرتكباً حراماً ومنكراً شديداً.","part":7,"page":449},{"id":4735,"text":"ربح المخدرات :\rإن الأرباح التي يستفيد منها التجار والمتعاملون في المخدرات كلها سحت وحرام، لما يأتي:\r1ً - قوله تعالى: {ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل} [البقرة:188/2] وأكل المال بالباطل يتناول جرائم السرقة والخيانة والظلم والغصب، والقمار، والعقود المحرمة من بيع وشراء ونحوهما من التجارات، وكل الخدمات المبذولة في سبيل ارتكاب المعاصي والمنكرات وكل ما حرمه الشرع، وإن رضي به المالك.\r2ً - الحديث النبوي وهو ما رواه ابن أبي شيبة عن ابن عباس أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم قال: «إن الله إذا حرّم شيئاً حرّم ثمنه» فكل ما حرم الله الانتفاع به، حرم الانتفاع بعوضه أو ثمنه، بدليل ما رواه أحمد ومسلم والنسائي عن ابن عباس، والحميدي عن أبي هريرة في بيع الخمر: «إن الذي حرم شربها حرّم بيعها» . وروى مسلم وغيره عن أبي سعيد الخدري: أن النبي صلّى الله عليه وسلم قال: «إن الله حرم الخمر، فمن أدركته هذه الآية ـ أي آية {إنما الخمر والميسر} [المائدة:90/5] ـ وعنده منها شيء، فلا يشرب ولا يبيع، قال: فاستقبل الناس بما كان عندهم منها طرق المدينة، فسفكوها» وروى أبو داود عن أبي هريرة مرفوعاً: «إن الله حرَّم الخمر وثمنها، وحرم الميتة وثمنها، وحرم الخنزير وثمنه» .\rعقوبة متناول المخدرات :\rأوجب ابن تيمية - كما تقدم- إقامة حد الخمر على من سكر من الحشيشة؛ لأنها تشتهى وتطلب، فالحكم عنده منوط باشتهاء النفس.\rوذهب الشافعية إلى أن الأفيون وغيره إذا أذيب واشتد وقذف بالزبد، فإنه يلحق بالخمر في النجاسة وإقامة الحد، كالخبز إذا أذيب وصار كذلك، بل أولى.\rواتفق الفقهاء على تعزير متناول المخدرات بدون عذر كما في حال التداوي والتعزير يكون بالتوبيخ والضرب والحبس والتشهير والتغريم بالمال وغير ذلك مما يراه القاضي أو الحاكم زاجراً ورادعاً الناس عن اقتراف الجرائم والمنكرات.","part":7,"page":450},{"id":4736,"text":"وأجاز فقهاء الحنفية والمالكية أن تكون عقوبة التعزير هي القتل، ويسمونه القتل سياسة، أي إذا رأى الحاكم المصلحة في ذلك، وكان جنس الجريمة يوجب القتل، كما في حال التكرار أو إدمان المسكرات والمخدرات، واعتياد الإجرام أو اللواط أو القتل بالحجر أو العصا أو الخشب. وهذا يصلح دليلاً أو مستنداً لما أفتى به بعض المفتين المعاصرين من اقتراح مشروع قانون يقضي بعقوبة متعاطي المخدرات بالإعدام شنقاً. وفي ذلك توفير مؤيد أو رادع من قبل السلطة الحاكمة لكل من يتاجر بالمخدرات أو يتعاطاها، أو يقوم بتهريبها.\rوقد أصبحت عصابات التهريب وتجار المخدرات خطراً على الدول المختلفة، فلا يجوز التهاون بشأن إنزال أقسى العقوبات في حقهم، لحماية المجتمع من أضرار المخدرات ومفاسدها الجسيمة.\rولا شك بأن إتلاف المخدرات التي تُمسِكُ بها الدولة أمر واجب شرعاً؛ لأن الضار بذاته يجب التخلص منه بمختلف وسائل الإتلاف. والمصادرة، وعقاب المتعاملين فيها.\rوإني أرى ضرورة وجود معاهدات دولية لمنع الاتجار بالمخدرات وتهريبها وعقاب تجارها وسماسرتها ووسطائها، كما أرى ضرورة وجود قانون موحد في البلاد العربية والإسلامية ينص على عقوبة شديدة لتجار المخدرات وكل من يتعاطاها أو يتناولها أو يقوم بنقلها بوسائط مختلفة في الحقائب والطائرات والسيارات ووسائل النقل القديمة وغيرها.","part":7,"page":451},{"id":4737,"text":"ملحق بالحدود :\rأولاً ـ تداخل الحدود :\rإذا اجتمعت الحدود على شخص، فإما أن تكون حدوداً خالصة لله تعالى، أو حدوداً خالصة للآدمي، أو تجتمع حدود الله ، وحدود الآدميين (1) .\rفالقسم الأول نوعان :\r1 - أن يكون فيها قتل: مثل أن يسرق ويزني وهو محصن، ويشرب الخمر، ويقتل في المحاربة ( قطع الطريق ). اختلف العلماء فيها:\rقال الحنفية والمالكية والحنابلة: تتداخل الحدود فيقتل الشخص، ويسقط سائر الحدود، لقول ابن مسعود: «إذا اجتمع حدان: أحدهما القتل، أحاط القتل بذلك» .\rوقال إبراهيم النخعي: يكفيه القتل، ولأنها حدود خالصة لله تعالى، يراد بها الزجر، ومع القتل لا حاجة إلى زجره.\rوقال الشافعي: يستوفى جميعها؛ لأن ما وجب مع غير القتل، وجب مع القتل، كقطع اليد قصاصاً، فهي حدود وجبت بأسباب، فلم تتداخل.\r2 - ألا يكون فيها قتل: كما لو سرق وزنى وشرب الخمر، فلا تداخل، ويستوفى جميعها، من غير خلاف بين العلماء. ويقدم عند الشافعية والحنابلة الأخف فالأخف، فيقدم حد الشرب أولاً، ثم حد الزنى، ثم قطع اليد للسرقة، ويتداخل القطع للسرقة مع القطع للمحاربة؛ لأن محل القطعين واحد.\rوقال المالكية: يقطع، ثم يجلد.\rوقال الحنفية: الإمام بالخيار في البداية، إن شاء بدأ بحد الزنى، وإن شاء بحد السرقة، ويؤخر حد الشرب عنهما؛ لأن حد الزنى وحد السرقة ثبتا بنص القرآن، وحد الشرب ثبت بالاجتهاد، ولا يجمع ذلك كله في وقت واحد، بل يقام كل واحد منها بعد البرء من الأول، لئلا يؤدي الحد إلى الهلاك.\rوأما القسم الثاني: وهو الحدود الخالصة للآدمي، وهي القصاص وحد القذف (على رأي الجمهور).\rأما عند الحنفية: فإن حد القذف يشتمل على حق الله وحق العبد، إلا أن حق الله فيه غالب، كما عرفنا، وحينئذ يكون عندهم من القسم الأول، فيقدم في الاستيفاء على غيره من الحدود؛ لأن فيه حقاً للعبد أيضاً.\rوقال المالكية: كل حد يدخل في القتل كردة أو قصاص أو حرابة إلا القذف، فلا بد من استيفائه أولاً، ثم يقتل. فلو اجتمع حد الزنى والشرب والسرقة، فإن هذه الحدود تسقط وتندرج في القتل.\r-------------------------------\r(1) راجع التفصيل في البدائع: 62/7، فتح القدير: 208/4، تبيين الحقائق: 207/3، حاشية الدسوقي: 347/4، المنتقى على الموطأ: 145/3، القوانين الفقهية: ص 362، مغني المحتاج: 184/4، الميزان للشعراني: 169/2، المهذب: 288/2، تكملة المجموع: 351/18، حاشية الشرقاوي: 427/2، المغني: 298/8.","part":7,"page":452},{"id":4738,"text":"وقال الحنابلة والشافعية: يستوفى كل الحدود، ويبدأ بأخفها، فيحد للقذف، ثم يقطع، ثم يقتل؛ لأنها حقوق للآدميين، أمكن استيفاؤها، فوجب كسائر حقوقهم، فإن ما دون القتل حق للآدمي، فلم يسقط به.\rوقال الحنفية: يدخل ما دون القتل فيه، احتجاجاً بقول ابن مسعود السابق ذكره، وقياساً على الحدود الخالصة لله تعالى.\rوأما القسم الثالث: وهو أن يجتمع حدود الله ، وحدود الآدميين: وهذه ثلاثة أنواع:\rأحدها ـ ألا يكون فيها قتل: فقال الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة: تستوفى كلها إلا أن المالكية قالوا بتداخل حد الشرب وحد القذف؛ لأن الغرض من العقوبتين واحد، وهو منع الافتراء.\rثانيها ـ أن يكون فيها قتل: فقال الجمهور: حدود الله تعالى تدخل في القتل. وأما حقوق الآدميين، فتستوفى كلها.\rوقال الشافعي: تستوفى الحدود جميعهاً؛ لأنها حدود وجبت بأسباب، فلم تتداخل.\rثالثها ـ أن يتفق الحقان في محل واحد، فإن اجتمع حقان: أحدهما لله ، والآخر لآدمي، كالقصاص والرجم في الزنى، قدم القصاص عند العلماء، لتأكد حق الآدمي، وبه يتحقق أيضاً حق الله تعالى.\rثانياً ـ إسقاط الحدود بالتوبة :\rإذا تاب العصاة ما عدا المحاربين من شاربي الخمر والزناة والسراق، فلا يسقط الحد عند الحنفية والمالكية والشافعية في الأظهر عندهم، وذلك سواء بعد رفع الأمر إلى الحاكم أو قبله؛ لأن الرسول صلّى الله عليه وسلم لم يسقط الحد عن ماعز، حينما جاءه، وأقر بالزنى، ولا شك أنه لم يأت، إلا وهو تائب، ونحوه من الحدود، فإنه لم يرد نص في إسقاط الحد عن هؤلاء.\rواستثنى الكاساني في البدائع حد السرقة العادية، فإنه يسقط بتوبة السارق قبل أن يظفر الحاكم به، وبشرط رد المال إلى صاحبه. وقال ابن عابدين: الظاهر أن التوبة لا تسقط الحد الثابت عند الحاكم بعد الرفع إليه. أما قبله فيسقط الحد بالتوبة حتى في قطاع الطرق، سواء أكان قبل جنايتهم أم بعدها.","part":7,"page":453},{"id":4739,"text":"وقال أحمد في أظهر الروايتين عنه: التوبة تسقط الحد عنهم من غير اشتراط مضي الزمان، لقوله صلّى الله عليه وسلم : «التائب من الذنب كمن لا ذنب له» (1) وقوله عليه الصلاة والسلام: «التوبة تجبُّ ما قبلها» (2) ، ولأن في إسقاط الحد ترغيباً في التوبة، وذلك ما عدا حد القذف، فإنه لا يسقط لأنه حق آدمي. وبه يظهر أنه ليس هناك إجماع ـ كما زعم بعضهم ـ على أن التوبة لا تسقط الحد في الدنيا.\rأما حد المحاربة: فلا خلاف بين العلماء كما تقدم: أن قطاع الطرق إن تابوا قبل القدرة عليهم، فتسقط عنهم حدود الله تعالى، لقوله سبحانه في آية المحاربين: {إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم، فاعلموا أن الله غفور رحيم} (:3) [المائدة:34/5].\r-------------------------------\r(1) رواه ابن ماجه والطبراني في الكبير والبيهقي عن عبد الله بن مسعود، ورجال الطبراني رجال الصحيح إلا أن أبا عبيدة راوي الحديث عن أبيه عبد الله لم يسمع منه، ورواه ابن أبي الدنيا والبيهقي مرفوعاً أيضاً من حديث ابن عباس، وزاد «والمستغفر من الذنب وهو مقيم عليه كالمستهزئ بربه» وقد روي بهذه الزيادة موقوفاً ولعله أشبه، بل هو الراجح، كما قال المنذري. وروى الطبراني عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم قال: «الندم توبة، والتائب من الذنب كمن لا ذنب له» قال الهيثمي: وفيه من لم أعرفهم (راجع الترغيب والترهيب: 97/4،المقاصد الحسنة: ص 152، مجمع الزوائد: 200/10).\r(2) المعروف أن التوبة تصح بالإسلام، والإسلام يجب ما قبله، وقد ذكر حديث «التوبة تجب ما قبلها» في مغني المحتاج للخطيب: 184/4، وراجع مجمع الزوائد: 31/1، 199/10 وما بعدها، وذكره أيضاً ابن قدامة في المغني: 201/9، كما ذكر حديثاً آخر وهو «الندم توبة» رواه الطبراني في الصغير عن أبي هريرة ورجاله وثقوا وفيهم خلاف (مجمع الزوائد: 199/10).\r(3) راجع البدائع: 96/7، فتح القدير: 272/4، رد المحتار: 154/3، الفروق للقرافي: 181/4، مغني المحتاج: 184/4، المهذب: 285/2، الميزان: 169/2، حاشية قليوبي وعميرة: 201/4، المغني: 295/8 وما بعدها، القوانين الفقهية: ص 357، 362 وما بعدها، السياسة الشرعية لابن تيمية: ص 67، وانظر أعلام الموقعين: 78/2، 19/3، 398/4، وراجع إحياء علوم الدين للغزالي: 14/4 وما بعدها، غاية المنتهى: 345/3 ومابعدها.","part":7,"page":454},{"id":4740,"text":"وقد رأى الشافعية أن الحدود إذا أقيمت في الدنيا، لم تقم في الآخرة لحديث: «الله أعدل من أن يثني على عبده العقوبة في الآخرة» (1) ، ولقوله عليه الصلاة والسلام: «الحدود كفارات لأهلها» (2) .\rويسقط حد تارك الصلاة وحد الردة بالتوبة الصادقة النصوح.\rهل تقبل شهادة المحدود بالقذف إذا تاب؟\rاختلف الحنفية والجمهور فيه، فقال الحنفية: لا تقبل شهادة المحدود في القذف أبداً، وإن تاب وأصلح، ومن هنا كانت التوبة عندهم بالنسبة إليه عملاً قلبياً بين العبد وربه، ليس من الضروري اطلاعنا عليه؛ لأنه ليس هناك حكم عملي يترتب على هذه التوبة.\rوقال الجمهور: إذا تاب المحدود في القذف قبلت شهادته، وتوبة القاذف: إكذابه نفسه. وفسره الإصطخري من أصحاب الشافعي بأن يقول: كذبت فيما أقول، فلا أعود إلى مثله. وقال أبو إسحاق المروزي من أصحاب الشافعي: لا\r-------------------------------\r(1) أخرجه أحمد والترمذي وابن ماجه والحاكم عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه عن النبي صلّى الله عليه وسلم قال: «من أصاب حداً فعجل عقوبته في الدنيا فالله أعدل من أن يثني على عبده العقوبة في الآخرة. ومن أصاب حداً فستره الله عليه وعفا عنه فال أكرم من أن يعود في شيء قد عفا عنه» (راجع جامع الأصول: 349/4، الجامع الصغير: 164/2).\r(2) الأحاديث في هذا المعنى كثيرة منها: ما رواه الطبراني وأحمد بنحوه عن خزيمة بن ثابت أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم قال: «أيما عبد أصاب شيئاً مما نهى عنه، ثم أقيم عليه حده، كفر عنه ذلك الذنب» وفي رواية: «من أصاب ذنباً وأقيم عليه حد ذلك الذنب فهو كفارته» وفيه راو لم يسم، وبقية رجاله ثقات. وروي بمعناه عن ابن عمر مرفوعاً عند الطبراني، وفيه متروك، وقد جاء في القسطلاني شرح البخاري: 380/7: إن الحدود كفارات. وترجم الإمام النووي في شرحه لصحيح مسلم بعنوان: «باب: الحدود كفارات لأهلها» : 224/12، وذلك عند شرح حديث عبادة بن الصامت الآتي ذكره في المبحث التالي (راجع مجمع الزوائد: 265/6).","part":7,"page":455},{"id":4741,"text":"يقول: كذبت؛ لأنه ربما يكون صادقاً، فيكون قوله: «كذبت» كذباً، والكذب معصية، والإتيان بالمعصية لا يكون توبة عن معصية أخرى، بل يقول: القذف باطل، وندمت على ما قلت ورجعت عنه، ولا أعود إليه.\rوالسبب في أن الشافعي شرط في توبة القاذف التلفظ باللسان، مع أن التوبة من عمل القلب: أنه رتب عليها حكماً شرعياً: وهو قبول شهادة المحدود إذا تاب، فلا بد من أن يعلم الحاكم بتوبته حتى يقبل شهادته.\rومنشأ الخلاف بين الحنفية والجمهور: خلافهم في رجوع الاستثناء الوارد في قوله تعالى: {والذين يرمون المحصنات، ثم لم يأتوا بأربعة شهداء، فاجلدوهم ثمانين جلدة، ولا تقبلوا لهم شهادة أبداً، وأولئك هم الفاسقون. إلا الذين تابوا} [النور:4/24-5] هل يرجع إلى جميع الجُمَل التي سبقت، فيرتفع رد الشهادة، كما ارتفع الفسق، أو يرجع إلى الجملة الأخيرة وهي الفسق. والخلاف راجع إلى مسألة أصولية مشهورة وهي: هل الاستثناء عقب الجمل المتعاطفة يعود للجميع أو يعود للجملة الأخيرة؟","part":7,"page":456},{"id":4742,"text":"قال الحنفية: لا تقبل شهادة المحدود في القذف أبداً، لاختصاص الاستثناء بالجملة الأخيرة؛ لأنها جملة مستأنفة بصيغة الإخبار، منقطعة عما قبلها جيء بها لدفع ما عساه يخطر بالبال من أن القذف لا يصلح أن يكون سبباً لهذه العقوبة.\rونوقش قولهم بأن العلة في هذه العقوبة هو فسقهم، والفسق علة في رد الشهادة، فإذا ارتفع الفسق بالتوبة، فيلزم منه ارتفاع رد الشهادة الذي هو معلوله؛ لأن الحكم يزول بزوال علته.\rوقال الجمهور من المالكية والشافعية والحنابلة: تقبل شهادة المحدود في القذف بالتوبة؛ لأن الاستثناء يرجع إلى الجمل الثلاث المتعاطفة بالواو، فيرتفع رد الشهادة كما ارتفع الفسق بالتوبة. لكن لم يسقط الحد بالتوبة، للإجماع على أنه لا يسقط بالتوبة، لما فيه من حق العبد أو الآدمي، فلا يسقط باستيفائه، لا لخلل في اقتضاء صيغة الاستثناء التي أعقبت الجمل السابقة أن تعم كل الجمل، فبقي الاستثناء في ظاهره عائداً إلى رد الشهادة والتفسيق، وهذا ما قرره الزمخشري، وهو رأي أكثر التابعين وفقهاء الأمصار غير الحنفية (1) .\rواختلف الفقهاء في وقت رد شهادة القاذف، فقال أبو حنيفة ومالك: لا ترد شهادته إلا بعد جلده، لأن الواو وإن لم تقتض الترتيب، لكن الظاهر من الترتيب في الذكر أنه على وفق الترتيب في الحكم. وقال الشافعي: لا يتوقف رد الشهادة على حد القذف؛ لأن ظاهر الآية أنه متى قذف وعجز عن البينة استحق العقوبات الثلاث: الحد، ورد الشهادة، والتفسيق.\r-------------------------------\r(1) تخريج الفروع على الأصول: ص 207 وما بعدها، تفسير آيات الأحكام بالأزهر: 131/3 وما بعدها، ط 1953، المحرر في الفقه الحنبلي: 251/2 وما بعدها.","part":7,"page":457},{"id":4743,"text":"هل التوبة مسقطة للقصاص والدية؟\rإذا ثبت القتل وجب على القاتل إما القصاص، وإما الدية. ولا يسقط القصاص إلا بعفو أولياء المقتول على أن يأخذوا الدية أو بدون شيء، فلا يسقط القصاص أو الدية إذن بالتوبة لتعلق الحق الشخصي به لأولياء الدم. وبناء عليه لا تصح توبة القاتل حتى يسلِّم نفسه للقود (القصاص) أو يؤدي الدية حين العفو، أو حالة القتل الخطأ. وتوبة القاتل لا تكون بالاستغفار والندامة فقط، بل تتوقف على إرضاء أولياء المقتول، فإن كان القتل عمداً لا بد من أن يمكنهم من القصاص منه، فإن شاؤوا قتلوه، وإن شاؤوا عفوا عنه مجاناً، فإن عفوا عنه كفته التوبة. وبالعفو عنه يبرأ من العقوبة الدنيوية.\rوهل يبرأ فيما بينه وبين الله تعالى؟\rاستظهر ابن عابدين أن الظلم المتقدم لا يسقط بالتوبة لتعلق حق المقتول به، فيخاصم القاتل يوم القيامة. وأما ظلم القاتل لنفسه بإقدامه على المعصية، فيسقط بالتوبة (1) .\rوقال الإمام النووي وأكثر العلماء: إن ظواهر الشرع تقتضي سقوط المطالبة في الآخرة بالعقوبة عن القاتل إذا تاب. فقد دلت أحاديث نبوية على أنه لايطالب، من أشهرها الحديث المروي في الصحيحين الذي ذكر فيه توبة القاتل مئة نفس في الأمم السابقة، وقبول الله توبته (2) .\rإسقاط التعازير بالتوبة :\rبمناسبة بحث أثر التوبة في العقوبات المقدرة (الحدود والقصاص) يحسن الكلام عن أثر التوبة أيضاً على العقوبات غير المقدرة وهي التعازير.\rيظهر مما ذكره الفقهاء في إسقاط الحدود بالتوبة ضرورة التفرقة في التعزيرات بين حقوق الله وحقوق الأفراد (3) ؛ لأن ضابط التعزير: هو كل من ارتكب منكراً أو آذى غيره بغير حق بقول أو فعل أو إشارة. فقد يكون التعزير حقاً لله ، أو حقاً للإنسان، أو يشترك فيه الحقان وأحدهما غالب على الآخر.\rفإن كان التعزير حقاً خالصاً للإنسان، أو الغالب فيه حقه كالشتم والسب\r-------------------------------\r(1) رد المحتار: 389/5.\r(2) رواه أبو سعيد الخدري (راجع رياض الصالحين: ص 14، كتاب التوابين لابن قدامة: ص 85، ط دمشق).\r(3) رد المحتار: 190/3، 198، 204 وما بعدها، و 209، نهاية المحتاج: 175/7، رسالة التعزير للدكتور عبد العزيز عامر: ص 41، 436-441.","part":7,"page":458},{"id":4744,"text":"والمواثبة والضرب بغير حق، والتزوير وشهادة الزور ونحوها مما يتوقف على الادعاء الشخصي، فلا يسقط بالتوبة، كما لا يسقط بعفو القاضي، إلا أن يصفح المعتدى عليه.\rوأما إن كان التعزير حقاً لله تعالى كتعزير مفطر رمضان عمداً بدون عذر، وتارك الصلاة، وآكل الربا ظاهراً، ومن يحضر موائد الخمر ومجالس الفسق، أو كان حق الله فيه غالباً كمباشرة امرأة أجنبية فيما دون الجماع، كتقبيل وعناق وخلوة بها ونحوها، فيسقط بالتوبة، كما يسقط بعفو القاضي.\rوهذا التفصيل في الواقع هو رأي الحنفية والشافعية.\rولكن وردت عبارات لبعض الفقهاء يفهم منها بعمومها أن التعزير مطلقاً يسقط بالتوبة باتفاق الفقهاء.\rقال القرافي المالكي: إن التعزير يسقط بالتوبة، ما علمت في ذلك خلافاً (1) .\rوقال صاحب البحر الزخار الزيدي: يسقط التعزير بالتوبة، ويقرب أنه إجماع المسلمين الآن، لكثرة الإساءات فيما بينهم، ولم يعلم أن أحداً طلب تعزير من اعتذر إليه واستغفر، ولامن أقر بأنه قارف ذنباً خفيفاً، ثم تاب منه، ولاستلزامه تعزير أكثر الفضلاء، إذ لم يخل أكثرهم عن مقارفة ذنب، وظهوره في فعل أو قول (2) .\r-------------------------------\r(1) الفروق: 181/4.\r(2) البحر الزخار، ملخصاً منه: 211/5.","part":7,"page":459},{"id":4745,"text":"ولعل المراد من هذه العبارات: التعزير الواجب حقاً لله تعالى؛ لأن الخلاف بين التعزير والحد هو في حقوق الله تعالى. أما الحقوق الشخصية فلا تسقط إلا بمسامحة أو إسقاط أصحابها كما هو معروف، فقد قرر الفقهاء أن حقوق الآدميين لا تسقط بالتوبة ما لم ترد المظالم لأصحابها، كما أنه لا يغفرها الباري سبحانه إلا بمغفرة صاحبها، ولا يسقطها إلا بإسقاطه (1) .\rوسيأتي مزيد بيان لموضوع إسقاط العقوبات بالتوبة.\rثالثاً ـ هل الحدود زواجر أو جوابر؟\rإن المقصود من مشروعية الحدود والتعزيرات هو زجر الناس وردعهم عن ارتكاب المحظورات وترك المأمورات، دفعاً للفساد في الأرض ومنعاً من إلحاق الضرر بالأفراد والمجتمعات (2) . ولكن الفقهاء اختلفوا في أمر آخر: وهو أنه، هل تتكرر العقوبة على الجاني في الآخرة ،مع أن العقوبة استوفيت منه في الدنيا؟\rقال الحنفية: إن الحدود والتعزيرات شرعت فقط زجراً لأرباب المعاصي من إفساد العلاقات الزوجية، وإضاعة الأنساب، وإتلاف الأعراض والأموال والعقول والنفوس، ولا يحصل التطهر من الذنب في الآخرة إلا بتوبة الجاني. واستدلوا بعموم آيات العقاب التي تدل على أن المذنب يستحق العقاب في النار، مثل قوله تعالى: {ومن يقتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه جهنم خالداً فيها} [النساء:93/4] ومثل قوله سبحانه في قطاع الطرق بعد أن ذكر عقابهم المعروف: {ذلك لهم خزيٌ في الدنيا، ولهم في الآخرة عذابٌ عظيمٌ } [المائدة:33/5] فقد أخبر\r-------------------------------\r(1) أحكام القرآن لابن العربي: 600/2، تفسير القرطبي: 200/18.\r(2) راجع الأحكام السلطانية للماوردي: ص 213، فتح القدير: 112/4، تبيين الحقائق للزيلعي: 163/3.","part":7,"page":460},{"id":4746,"text":"الله تعالى أن لهم عقوبة دنيوية، وعقوبة أخروية إلا من تاب، فإن التوبة تسقط عنه العقوبة الأخروية (1) .\rوقال أكثر العلماء: إن العقوبات الشرعية فضلاً عن أنها أصلاً للزجر في الدنيا، تعتبر تبعاً بالنسبة للمسلم جوابر لسقوط عقوبتها في الآخرة، إذا استوفيت في الدنيا، وفي الكافر زواجر، فإذا نفذت العقوبة على المسلم في الدنيا، فذلك يقيه عذاب الآخرة، فيكون الهدف منها مزدوجاً، للحديث السابق: «الله أعدل من أن يثني على عبده العقوبة في الآخرة...» وفي رواية له: «من أذنب فعوقب به في الدنيا لم يعاقب به في الآخرة...» ولقوله عليه الصلاة والسلام فيما رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: «كنا مع رسول الله صلّى الله عليه وسلم في مجلس ، فقال: تبايعوني على ألا تشركوا بالله شيئاً، ولا تزنوا، ولا تسرقوا، ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق، فمن وفَّى منكم فأجره على الله، ومن أصاب شيئآً من ذلك، فعوقب به فهو كفارة له، ومن أصاب شيئاً من ذلك، فستره الله عليه فأمره إلى الله : إن شاء عفا عنه، وإن شاء عذبه» (2) .\rقاعدة الزواجر والجوابر في الشريعة :\rقال العز بن عبد السلام والقرافي وصاحب تهذيب الفروق (3) : الجوابر:\r-------------------------------\r(1) فتح القدير، والزيلعي، المرجعان السابقان، البحر الرائق: 3/5، الدر المختار وحاشية ابن عابدين: 154/3، أحكام القرآن للجصاص: 412/2.\r(2) رواه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي عن عبادة بن الصامت (جامع الأصول: 161/1، شرح مسلم للنووي: 223/11 وما بعدها، القسطلاني شرح البخاري: 380/7، مغني المحتاج: 359/3، 2/4، حاشية البجيرمي على الخطيب الشربيني على المنهاج، باب الحدود، الأم للشافعي، باب الحدود، الشرح الكبير للدردير: 136/4، قواعد الأحكام للعز بن عبد السلام: 150/1، غاية المنتهى: 315/3).\r(3) قواعد الأحكام: 150/1 وما بعدها، الفروق: 213/1، تهذيب الفروق: 211/1.","part":7,"page":461},{"id":4747,"text":"مشروعة لجلب مافات من المصالح. والزواجر مشروعة لدرء المفاسد. والغرض من الجوابر: جبر ما فات من مصالح حقوق الله ، وحقوق عباده. ولا يشترط أن يكون من وجب عليه الجبر آثماً.\rويفرق بينهما من أربعة وجوه:\r1ً - إن الزواجر مشروعة لدرء المفاسد المتوقعة. والجوابر مشروعة لاستدراك المصالح الفائتة.\r2ً - إن معظم الزواجر مقررة على العصاة، زجراً لهم عن المعصية، وزجراً لمن يقدم بعدهم على المعصية. وقد تكون مع عدم العصيان، كما في تأديب الصبيان والمجانين، فإنا نزجرهم ونؤدبهم، لا لعصيانهم، بل لدرء مفاسدهم واستصلاحهم. وكقتال البغاة درءاً لتفريق الكلمة، مع عدم التأثيم؛ لأنهم متأولون.\rومعظم الجوابر تقرر على من لا يكون آثماً، بدليل أنه شرع الجبر في حالات الخطأ والعمد والجهل والعلم والنسيان والتذكر، وعلى المجانين والصبيان، بخلاف الزواجر، فإن معظمها لا يجب إلا على عاص زجراً له عن المعصية.\r3ً - إن معظم الزواجر إما حدود مقدرة، وإما تعزيرات غير مقدرة، فهي ليست فعلاً للمزجورين، بل يفعلها الأئمة بهم، وإنما الجوابر فعل لمن خوطب بها.\rوقد اختلف في بعض الكفارات: هل هي زواجر، لما فيها من مشاق تحمل الأموال وغيرها، أو هي جوابر؛ لأنها عبادات لا تصح إلا بنيات، وليس التقرب إلى الله تعالى زجراً، بخلاف الحدود والتعزيرات، فإنها ليست قربات؛ لأنها ليست فعلاً للمزجورين كما علم. والظاهر أنها جوابر؛ لأنها عبادات وقربات لاتصح إلا بالنية.\r4ً - إن الجوابر تقع في النفوس والأعضاء ومنافع الأعضاء والجراح والعبادات والأموال والمنافع، بخلاف الزواجر، فإنها إنما تقع في الجنايات والمخالفات، ففي بداية المجتهد لابن رشد (1) : الجنايات التي لها حدود مشروعة خمس:\rأحدها: جنايات على الأبدان أو النفوس والأعضاء، وهو المسمى قتلاً وجرحاً.","part":7,"page":462},{"id":4748,"text":"وثانيها: جنايات على الفروج وهو المسمى زناً وسفاحاً.\rوثالثها: جنايات على الأموال، وهذه ما كان منها مأخوذاً بحراب سمي حرابة إذا كان بغير تأويل، وإن كان بتأويل سمي بغياً. وما كان منها مأخوذاً على وجه المغافصة (2) من حرز يسمى سرقة. وما كان منها مأخوذاً بعلو مرتبة وقوة سلطان سمي غصباً.\rورابعها: جناية على الأعراض، وهو المسمى قذفاً.\rوخامسها: جنايات بالتعدي على استباحة ما حرمه الشرع من المأكول والمشروب. وهذه إنما يوجد فيها حد في هذه الشريعة في الخمر فقط، وهو حد متفق عليه بعد صاحب الشرع صلوات الله وسلامه عليه.\rوأمثلة الجوابر فيما ذكر هي ما يأتي:\rأما جوابر العبادات: فمثل التيمم مع الوضوء، وسجود السهو للسنن، وجبر ما فات مصلي النوافل من الاتجاه نحو القبلة بالاتجاه جهة السفر أثناء الصلاة، واتجاه الخائف في صلاة الخوف جهة العدو إذا ألجأته الضرورة إلى ذلك، وجبر الصوم بالفدية بمد من الطعام في حق الشيخ الكبير، وجبر ارتكاب محظور من محظورات الحج والعمرة بالصيام، والإطعام، وذبح شاة (وهو النسك). ويلاحظ أن الصلاة لا تجبر إلا بعمل بدني. والأموال لا تجبر إلا بجابر مالي، والحج والعمرة يجبران تارة بعمل بدني كالصيام، وتارة يجبران بجابر مالي كذبح النسك والإطعام، والصوم تارة يجبر بمثله في حق من مات وعليه صيام، وتارة يجبر بالمال كالفدية للشيخ الكبير.\rوأما جوابر المال: فالأصل رد الحقوق بأعيانها عند الإمكان، فإذا ردها كاملة الأوصاف برئ من عهدتها، وإن ردها ناقصة الأوصاف، جبر أوصافها بالقيمة؛ لأن الأوصاف ليست من الأموال المثلية.\rوأما المنافع فنوعان: أحدهما ـ منفعة محرمة كمنافع الملاهي والفروج المحرمة واللمس والمس والتقبيل والضم المحرم، فلا تجبر احتقاراً لها، كما لا تجبر الأعيان النجسة لحقارتها.\r\r-------------------------------\r(2) انظر حـ 387/2.\r(2) غافصه مغافصة: فاجأه وأخذه على غرة منه.","part":7,"page":463},{"id":4749,"text":"والثاني ـ أن تكون المنفعة مباحة متقومة، فتجبر في العقود الفاسدة والصحيحة وفي حالة التلف في يد معتاد عليها كالغاصب؛ لأن الشرع قد قومها ونزلها منزلة الأموال، فلا فرق بين جبرها بالعقود كالإيجارات، وجبرها بالتلف والإتلاف ومنع صاحبها عن الانتفاع بها؛ لأن المنافع هي الغرض الأظهر من جميع الأموال، فمن غصب قرية أو داراً ضمن قيمة منفعتها طوال مدة الغصب، ولا تضمن منافع المغصوب عند الحنفية ، إلا مال اليتيم ومال الوقف والأموال المعدة للاستغلال في رأي المتأخرين من الحنفية.\rوأما النفوس، والأعضاء، ومنافع الأعضاء، والجراح: فما رتبه الشارع عليها من ديات أو كفارات أو حكومة عدل (تعويض الجروح بحسب تقدير القاضي) فجوابر. وما رتبه الشارع عليها من قصاص أو ضرب أو سجن أو تأديب فزواجر.\rمبدأ الستر والشفاعة في الحدود: يستحب الستر مطلقاً على مرتكب المعصية الموجبة للحد قبل الرفع إلى الإمام (1) ، لحديث أبي هريرة عند الترمذي والحاكم: «ومن ستر على مسلم ستره الله في الدنيا والآخرة» وحديث ابن عباس مرفوعاً عند ابن ماجه: «من ستر عورة أخيه المسلم، ستر الله عورته يوم القيامة، ومن كشف عورة أخيه كشف الله عورته حتى يفضحه في بيته» وستأتي أدلة أخرى في بحث الشهادة.\rوتحرم الشفاعة وقبولها في حدود الله بعد أن تبلغ الحاكم (2) ، أما قبل ذلك فإنه جائز؛ لقوله صلّى الله عليه وسلم : «من حالت شفاعته دون حد من حدود الله ، فهو مضادٌ الله في أمره» (3) وقوله صلّى الله عليه وسلم أيضاً: «حد يعمل به في الأرض خير لأهل الأرض من أن يُمطروا أربعين صباحاً» (4) وقد أنكر النبي صلّى الله عليه وسلم على من شفع في حد ونهاه عن ذلك، قالت عائشة: «كانت امرأة مخزومية تستعير المتاع وتجحده، فأمر النبي صلّى الله عليه وسلم بقطع يدها، فأتى أهلها أسامة بن زيد، فكلَّموه، فكلَّم النبي صلّى الله عليه وسلم فيها، فقال له النبي صلّى الله عليه وسلم : يا أسامة لا أُراك تشفع في حد من حدود الله عز وجل، ثم قام النبي صلّى الله عليه وسلم خطيباً، فقال: إنما هلك من كان قبلكم بأنه إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف قطعوه، والذي نفسي بيده، لو كانت فاطمة بنت محمد لقطعت يدها، فقطع يد المخزومية» (5) .\r-------------------------------\r(1) نيل الأوطار: 136/7.\r(2) غاية المنتهى: 312/3.\r(3) رواه أحمد وأبو داود عن ابن عمر، وكذا أخرجه أيضاً الحاكم وصححه، وأخرجه ابن أبي شيبة عن ابن عمر من وجه آخر صحيح موقوفاً عليه، وأخرج نحوه الطبراني في الأوسط عن أبي هريرة مرفوعاً، وقال فيه: «فقد ضادَّ الله في ملكه» (نيل الأوطار: 107/7).\r(4) رواه ابن ماجه والنسائي عن أبي هريرة (المرجع السابق).\r(5) رواه أحمد ومسلم والنسائي عن عائشة (نيل الأوطار: 131/7).","part":7,"page":464},{"id":4750,"text":"نظام التوبة وأثره في العقوبات\rخطة البحث\rالمطلب الأول ـ نظام التوبة :\rأولاً : الباعث على التوبة.\rثانياً : تعريف التوبة.\rثالثاً : شروط التوبة.\rرابعاً : حكم التوبة شرعاً.\rأ ـ وجوب التوبة فوراً.\rب ـ ما تجب التوبة عنه ووقت قبولها.\rجـ ـ الوعد المضمون الحصول بقبول التوبة.\rد ـ المشيئة الإلهية وحرية الاختيار في مغفرة الذنوب.\rخامساً: التوبة والعقوبة.\rأ ـ نوعا الجزاء أو العقوبة في الإسلام.\rب ـ الهدف من العقوبة.\rجـ ـ الحاجة إلى العقوبة.\rد ـ فلسفة التوبة أو هل تؤثر التوبة على المصلحة المقصودة من العقاب.\rهـ ـ المعاصي التي يتاب منها، وكيفية التوبة عنها.\rالتقسيم الأول ـ تقسيم الذنوب إلى صغائر وكبائر.\rالتقسيم الثاني ـ تقسيم الذنب إلى ما يتعلق بحق الله أو بحق العباد .\rالمطلب الثاني ـ أثر التوبة الصادقة في الجزاءات أو العقوبات الأخروية :\r1 - توبة الكافر.\r2 - توبة المنافق.\r3 - توبة الزنديق.\r4- توبة المبتدع.\rالمطلب الثالث ـ أثر التوبة في الجزاءات أو العقوبات الدنيوية :\rتمهيد في أنوع العقوبات.\rأولاً: آراء الفقهاء في إسقاط الحدود بالتوبة.\rعقوبة الردة والبغي\rعقوبة القذف.\rالحقوق الشخصية للناس.\rعقوبة الزنا والسرقة وشرب الخمر. ثانياً: هل التوبة مسقطة للقصاص والدية؟.\rثالثاً: إسقاط التعازير بالتوبة.\rخاتمة.","part":7,"page":465},{"id":4751,"text":"المطلب الأول ـ نظام التوبة :\rأولاً- الباعث على التوبة :\rالإنسان في أصل فطرته ـ وإن كان ميالاً إلى الشر واقتراف الذنوب والمعاصي لكنه كثيراً ما يدرك خطورة انحرافه وشذوذ سلوكه، فيبادر إلى تصحيح مسيرته إرضاء لشعوره الداخلي ،وإحساساً بمرارة الألم والضيق الذي يعقب الفعل الجانح واستجابة لنداء الضمير وندماً على التورط في المعصية، وتأثراً بالوازع الديني الفطري المستقر في النفس الإنسانية، وطمعاً في نيل العفو من الله تعالى، وخوفاً من عقاب السلطة الحاكمة في عالم الدنيا.\rوالتخلص من الخطيئة بالتوبة دليل على قوة الإرادة وبعد النظر وسعة الأفق العقلي. وذلك بسبب قوة تأثير المغريات والشهوات الباعثة على الانحراف، لاسيما إذا اعتادها الإنسان، والعادة طبيعة ثانية، وفي نزع الناس عن عاداتهم حرج عظيم، ولأن الإنسان عادة يتعجل الأمور، وقلما ينتظر المؤجل، إلا بشيء من الأناة والصبر والفهم والتخطيط، لذا لفت القرآن الكريم نظر الناس لطبائعهم، فقال تعالى: {كلاّ بل تحبون العاجلة وتذرون الآخرة} [القيامة:20/75-21] {بل تؤثرون الحياة الدنيا والآخرة خير وأبقى} [الأعلى:87/16-17].","part":7,"page":466},{"id":4752,"text":"ثانياً - تعريف التوبة :\rالتوبة: عبارة عن ندم يورث عزماً وقصداً على عدم العود أو تكرار الخطيئة (1) . وتتحقق بأن يرجع الخاطئ عن الفعل القبيح شرعاً وعقلاً، أو عن الإخلال بالواجب في الحال، ويندم على ما مضى، ويعزم على تركه في المستقبل (2) ، قال عليه الصلاة والسلام: «الندم توبة» (3) .\rوالحقيقة أن التوبة لغة هي الرجوع، ولا يلزم أن تكون عن ذنب. وشرعاً: هي الرجوع عن التعويج إلى سنن الطريق المستقيم (4) . وأما الندم والعزم فهما من مقومات الرجوع الصحيح الذي يعد إقلاعاً صادقاً عن المعاصي. ولا بد من أن يكون الباعث على الرجوع مع الندم والعزم دينياً أو شخصياً أمراً ذاتياً بحتاً مع القدرة والإرادة، فلو رجع لسبب آخر من ضعف بدن أو غرامة مالية أو تهديد بحبس أو إكراه من الدولة، لم تكن التوبة محققة نتائجها الدينية المرجوة، وأخصها تكفير الخطايا في عالم الآخرة، وإن حققت نتيجة مدنية تهتم السلطة بها ألا وهو قمع الإجرام وتوفير الأمن والطمأنينة والاستقرار.\rثالثاً- شروط التوبة :\rاشترط العلماء (5) لصحة التوبة شروطاً معينة تختلف بحسب كون المعصية بين الإنسان وبين الله تعالى، أو تتعلق بحقوق الناس. فإن كانت المعصية تمس أمراً بين الإنسان وربه، ولا تتعلق بحق شخصي لإنسان آخر، أي في حقوق الله تعالى فلها ثلاثة شروط:\rأحدها ـ الإقلاع عن المعصية في الحال.\rثانيها ـ الندم على المعصية والمخالفة.\rثالثها ـ العزم على ألا يعود إلى مثل تلك المعصية أبداً في المستقبل.\r-------------------------------\r(1) إحياء علوم الدين للغزالي: 3/4، 30.\r(2) روح المعاني للألوسي: 35/25 وما بعدها.\r(3) رواه ابن ماجه وابن حبان والحاكم وصحح إسناده من حديث ابن مسعود. ورواه ابن حبان والحاكم من حديث أنس وقال: صحيح على شرط الشيخين.\r(4) الإقناع في حل ألفاظ أبي شجاع: 131/2.\r(5) الإحياء للغزالي: 30/4 وما بعدها، قواعد الأحكام للعز بن عبد السلام: 187/1، رياض الصالحين للنووي: ص 11، تفسير القرطبي: 91/5، الإقناع في حل ألفاظ أبي شجاع: 131/2.","part":7,"page":467},{"id":4753,"text":"فالتوبة ذات أركان ثلاثة: الإقلاع، والندم، والعزم، فإن فقدت أحد هذه الأركان الثلاثة لم تصح التوبة. إلا أن من عجز عن العزم والإقلاع كتوبة الأعمى عن النظر إلى المحرم، وتوبة المجبوب عن الزنا، فتوبته مجرد الندم، لأن (الميسور لا يسقط بالمعسور): أي لا يسقط المقدور عليه بالمعجوز عنه، كما لا يسقط ما قدر عليه من أركان الصلاة مثلاً بما عجز عنه، عملاً بقوله صلّى الله عليه وسلم : «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم (1) » أي إذا أمرتكم بمأمور تأتوا من ذلك المأمور ما استطعتموه أو ما قدرتم عليه.\rوإن كانت المعصية تتعلق بحق شخصي لإنسان، فشروطها أربعة وهي الثلاثة السابقة، ويضاف إليها الخروج من المظالم بأن يبرأ العاصي من حق صاحبها، فإن كانت المعصية أخذ مال أو نحوه بدون حق رده إليه، وإن كان الفعل قذفاً ونحوه مكن المقذوف منه أو طلب عفوه. وإن كان غيبة استحله منها وطلب مسامحته عن طعنه فيه في غيبته.\rوأكمل أنواع التوبة ما حدده علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وذلك فيما روى جابر أن أعرابياً دخل مسجد رسول الله صلّى الله عليه وسلم وقال: اللهم إني أستغفرك وأتوب إليك، وكبر، فلما فرغ من صلاته قال له علي كرم الله وجهه: إن سرعة اللسان بالاستغفار توبة الكذابين، وتوبتك تحتاج إلى التوبة، فقال: يا أمير المؤمنين، ما التوبة؟ قال : « اسم يقع على ستة معان: على الماضي من الذنوب الندامة، ولتضيع الفرائض الإعادة، ورد المظالم، وإذابة النفس في الطاعة كما ربيتها في المعاصي، وإذاقة النفس مرارة الطاعة كما أذقتها حلاوة المعصية، والبكاء\r-------------------------------\r(1) نص الحديث: «ما نهيتكم عنه فاجتنبوه وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم» رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة.","part":7,"page":468},{"id":4754,"text":"بدل كل ضحك ضحكته » (1) .\rوالتوبة المستوفية كامل شرائطها هي التوبة النصوح المشار إليها في قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحاً} [التحريم:8/66] . {وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحاً ثم اهتدى} [طه:82/20] .\rواختلاف العلماء في تحديد هذه التوبة النصوح على ثلاثة وعشرين قولاً مجرد اختلاف ظاهري في العبارة، من هذه الأقوال ما قال القرطبي: التوبة النصوح يجمعها أربعة أشياء: الاستغفار باللسان، والإقلاع بالأبدان، وإضمار ترك العود بالجنان ومهاجرة سيء الخلاّن (2) .\rرابعاً - حكم التوبة شرعاً:\r1) ـ وجوب التوبة فوراً :\rاتفقت مصادر الشريعة في القرآن والسنة وإجماع الأمة على وجوب المبادرة إلى التوبة فور وقوع الخطيئة ، فمن أخرها زماناً صار عاصياً بتأخيرها (3) وذلك حتى يتحقق المقصود الأكمل منها بالتخلص من الأوزار، والظفر بمغفرة الله تعالى في الآخرة ، والرضا عن الإنسان في الدنيا، ولتطهير المجتمع من الجرائم، ومنع الاسترسال في الانحراف كيلا تتجدد ظروف العود أو التكرار مرة أخرى في المستقبل، وغير ذلك من وجوه المصلحة المترتبة على التوبة التي يمكن فهمها من الحث المتكرر عليها في القرآن والأحاديث النبوية:\rفمن آيات القرآن الكريم قوله تعالى: {وتوبوا إلى الله جميعاً أيها المؤمنون لعلكم تفلحون} [النور:31/24] {وأن استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يمتعكم متاعاً حسناً} [هود:3/11] {يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحاً} [التحريم:8/66] {إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة، ثم يتوبون من قريب } [النساء:17/4] {فإن يتوبوا يك خيراً لهم} [التوبة:74/9] {ومن يعمل سوءاً أو يظلم نفسه، ثم يستغفر الله ، يجد الله غفوراً رحيماً} [النساء:110/4].\r-------------------------------\r(1) تفسير الألوسي: 36/25.\r(2) انظر تفسير القرطبي: 198/18.\r(3) قواعد الأحكام: 188/1، رياض الصالحين: ص 12، وتفسير القرطبي: 197/18.","part":7,"page":469},{"id":4755,"text":"ومن الأحاديث النبوية المؤكدة للقرآن أو المبينة الموضحة لبعض أحكامه قوله صلّى الله عليه وسلم : «والله إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة» (1) «يا أيها الناس توبوا إلى الله ، واستغفروه فإني أتوب في اليوم مئة مرة» (2) وقد استنبط العلماء من هذين الحديثين أنه يستحب للتائب إذا ذكر ذنبه الذي تاب منه أن يجدد الندم على فعله، والعزم على ترك العود إلى مثله، بل ولا يلزم أن تكون التوبة عن ذنب كما ذكرت سابقاً، فلا يعني الحديثان إذن أن النبي صلّى الله عليه وسلم يذنب في كل يوم سبعين مرة أو مئة مرة، بل معناه تجديد التوبة وتكريرها عن ذنب واحد صغير (3) الإقناع في حل ألفاظ أبي شجاع للخطيب الشربيني: 131/2. واستعظام التقصير أو التفريط، أو ارتكاب أي خطيئة مهما صغرت، تشريعاً وتعليماً للأمة وإرشاداً للناس وفتحاً لباب التوبة للأمة، كل على قدر منزلته، وعلو رتبته، ومدى مسؤوليته العامة أو الخاصة. أما النبي صلّى الله عليه وسلم فقد تاب الله عليه من أي شيء.\r-------------------------------\r(1) رواه البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه.\r(2) رواه مسلم عن الأغر بن يسار المزني.\r(3) قواعد الأحكام: 287/1 وما بعدها،","part":7,"page":470},{"id":4756,"text":"ومن الأحاديث المرغبة في التوبة أيضاً: «لله أفرح بتوبة عبده من أحدكم سقط على بعيره، وقد أضله في أرض فلاة» (1) .\r2) ـ ما تجب التوبة عنه ووقت قبولها :\rتجب التوبة من جميع الذنوب أو المعاصي، فإن تاب المرء من بعضها صحت توبته عند أهل السنة من ذلك الذنب وبقي عليه الباقي (2) .\rوالمقصود بالذنب: كل ما هو مخالف لأمر الله تعالى في ترك أو فعل (3) . ومما يدل على جواز التوبة عن أي مخالفة لأحكام الإسلام قوله تعالى: {إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة...} [النساء:17/4] فإنه يعم الكفر وسائر المعاصي، فكل من عصى ربه، فهو جاهل حتى ينزع أو يقلع عن معصيته، قال قتادة: أجمع أصحاب النبي صلّى الله عليه وسلم على أن كل معصية فهي بجهالة عمداً كانت أو جهلاً (4) .\rوإيجاب التوبة على الفور هو الأصل المبدئي العام، ومع ذلك يمكن قبول التوبة طوال حياة الإنسان تفضلاً من الله ورحمة،وتيسيراً وسماحة، وفتحاً لباب\r-------------------------------\r(1) متفق عليه بين البخاري ومسلم عن أنس بن مالك رضي الله عنه.\r(2) رياض الصالحين: ص 12، تفسير القرطبي: 90/5\r(3) الإحياء: 14/4\r(4) تفسير القرطبي: 92/5.","part":7,"page":471},{"id":4757,"text":"الأمل. وإبعاداً لليأس والقنوط عن النفس، إذ « كل ابن آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون» (1) . ويرشد لذلك قول النبي صلّى الله عليه وسلم : «إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر» (2) أي ما لم تبلغ روحه الحلقوم. وفسر عكرمة قوله تعالى: {ثم يتوبون من قريب} [النساء:17/4] بأن الدنيا كلها قريب. وقال الضحاك: كل ما كان قبل الموت فهو قريب (3) وفي حديث آخر: «ما من عبد مؤمن يتوب قبل الموت بشهر إلا قبل الله منه أدنى من ذلك، وقبل موته بيوم وساعة، ويعلم الله منه التوبة والإخلاص إليه، إلا قبل منه» (4) .\rقال العلماء: إنما صحت التوبة قبل الموت ولو بيوم، لأن الرجاء بإصلاح الإنسان باق، ويصح منه الندم والعزم على ترك الفعل القبيح (5) . أما من صار في حال اليأس من الحياة، كفرعون الذي آمن حينما صار في غمرة الماء والغرق، فلا تنفعه التوبة، أو إظهار الإيمان في ذلك الوقت؛ لأنها حال زوال التكليف الشرعي، قال الله تعالى عن قصة فرعون: {وجاوزنا ببني إسرائيل البحر، فأتبعهم فرعون وجنوده بغياً وعدْواً، حتى إذا أدركه الغرق، قال: آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل وأنا من المسلمين،آلآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين} [يونس:90/10-91]. ويؤكد ذلك آية أخرى في موضوعها وهي: {وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت، قال: إني تبت الآن، ولا الذين يموتون وهم كفار أولئك أعتدنا لهم عذاباً أليماً} [النساء:18/4].\r-------------------------------\r(1) رواه الترمذي وابن ماجه والحاكم من حديث أنس بن مالك، وقال الحاكم: صحيح الإسناد.\r(2) أخرجه أحمد والترمذي وابن ماجه والحاكم من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما.\r(3) تفسير ابن كثير: 463/1، تفسير القرطبي: 92/5، تفسير الكشاف: 386/1.\r(4) ذكره الحافظ أبو بكر بن مردويه من حديث عبد الله بن عمر.\r(5) تفسير القرطبي: 92/5.","part":7,"page":472},{"id":4758,"text":"دلت الآيتان على عدم قبول التوبة حال اليأس من الحياة، وهو رأي ابن عباس وابن زيد وجمهور المفسرين (1) ، لكن قال جماعة من الحنفية: توبة اليأس مقبولة دون إيمان اليأس؛ لقوله تعالى: { وهو الذي يقبل التوبة عن عباده } [الشورى:25/42] (2) .\rوقال الشيخ محمد عبده: المراد بالزمن القريب: الوقت الذي تسكن فيه ثورة الشهوة النفسية، أو تنكسر به سورة الغضب، ويثوب إلى فاعل السيئة حلمه، ويرجع إليه دينه وعقله. فالظاهر من آية { من قريب } [النساء:17/4] أنها بينت الوقت الذي تقبل فيه التوبة من كل مذنب حتماً. وأما الآية التالية لها: {وليست التوبة} [النساء:18/4] فإنها بينت الوقت الذي لا تقبل فيه توبة مذنب قط، وما بين الوقتين مسكوت عنه، وهو محل الرجاء والخوف، فكلما قرب وقت التوبة من وقت اقتراف الذنب، كان الرجاء أقوى، وكلما بعد الوقت بالإصرار وعدم المبالاة والتسويف كان الخوف من عدم القبول هو الأرجح (3) .\r3) ـ الوعد المضمون الحصول بقبول التوبة :\rوعد الله سبحانه وتعالى المغفرة لمن اجتنب الذنوب الكبائر، فقال: {إن تجتنبوا كبائر ما تُنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم} [النساء:31/4] أي إذا اجتنبتم كبائر الآثام التي نهيتم عنها كفرنا عنكم صغائر الذنوب، وأدخلناكم الجنة، جزاء على الامتناع عن الكبائر، والصبر عنها، والحث على الدوام أوالبقاء على طريق الاستقامة. فهذا إخبار من الله سبحانه، وهو الصادق في وعده بأنه يقبل التوبة عن العاصين من عباده. ومثله قوله تعالى: {ألم يعلموا أن الله هو يقبل التوبة عن عباده } [التوبة:104/9] وقوله {وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحاً ثم اهتدى } [طه:82/20].\rقال القرطبي: فإخباره سبحانه وتعالى عن أشياء أوجبها على نفسه يقتضي وجوب تلك الأشياء. والعقيدة: أنه لا يجب عليه شيء عقلاً، فأما السمع فظاهره قبول توبة التائب، والخلاصة: إن الآيات تتضمن وعداً من الله ، ولا خُلْف في وعده أنه يقبل التوبة إذا كانت بشروطها المصححة لها، وهي الأربعة السابق ذكرها.\r-------------------------------\r(1) تفسير القرطبي: 93/5.\r(2) الدر المختار: 317/3.\r(3) تفسير المنار: 440/4 وما بعدها، 448","part":7,"page":473},{"id":4759,"text":"وأما العقل فلا يوجب قبول التوبة على الله خلافاً للمعتزلة، لأن من شرط الموجب أن يكون أعلى رتبة من الموجب عليه، والحق سبحانه خالق الخلق، ومالكهم والمكلف لهم، فلا يصح أن يوصف بوجوب شيء عليه، تعالى عن ذلك (1) .\r4) ـ المشيئة الإلهية وحرية الاختيار في مغفرة الذنوب :\rقد يعفو الله عن السيئات صغيرها وكبيرها من غير اشتراط شيء كالتوبة من الكبائر واجتناب الصغائر. لقوله تعالى: {وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات ويعلم ما تفعلون } [الشورى:25/42].\rأي يقبل الله التوبة في المستقبل ويعفو عن السيئات في الماضي مطلقاً،سواء الصغائر والكبائر لمن يشاء (2) ومشيئة الله : موافقة لحكمته، وجارية على مقتضى سننه.\r-------------------------------\r(1) تفسير القرطبي: 90/5 وما بعدها.\r(2) تفسير الألوسي: 36/25، تفسير القرطبي: 90/5.","part":7,"page":474},{"id":4760,"text":"وجاءت آية أخرى تستثني الشرك بالله مما يغفره الله تعالى ويراد بالشرك مطلق الكفر الشامل لكفر اليهود وغيرهم. وذلك لأنه تتولد منه سائر الرذائل التي تهدم الأفراد والجماعات ، قال عز وجل: {إن الله لا يغفر أن يُشرَك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء } [النساء:48/4] . أي إن مغفرة المعاصي لا لكل الناس، ولكن لمن يشاء الله من عباده الموفقين للإيمان والتوبة والعمل الصالح (1) . { إن الحسنات يذهبن السيئات } [هود:114/11] . {قل يا عباديَ الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله، إن الله يغفر الذنوب جميعاً } [الزمر:53/39].\rأي إن رأي جماعة من العلماء تقييد المغفرة في هذه الآيات بشرط التوبة، حتى لا يفهم من القرآن الإغراء بالمعصية والتجرئة عليها. والحقيقة أن الآية فوق ذلك، فهي تقارن بين الشرك وغيره، فالشرك معاقب عليه حتماً لإفساده النفوس البشرية، وأما ما عداه فمغفرته ممكنة بحسب المشيئة الإلهية، لأنه لا يصل إلى درجة الشرك في إفساد النفس (2) .\rوالكلمة الأخيرة في قضية تكفير السيئات وعدم المؤاخذة عليها في الآخرة هي أنها تتعلق بمقاصد النفس وقوة الإيمان وسلطانه في القلب. وهذا رأي الغزالي (3) وتبعه الأستاذ الإمام محمد عبده (4) ، فمن صح إيمانه واتجه قصده وإرادته إلى كف النفس عن المعاصي استحق المغفرة والرضوان.\rوأما الإضرار بحقوق الناس المالية والأدبية فهو يعتبر كالشرك بالله لا يقبل المغفرة ما لم يسقط صاحبه حقه الشخصي، قال النبي صلّى الله عليه وسلم : «الدواوين عند الله ثلاثة: ديوان لا يعبأ الله به شيئاً، وديوان لا يترك الله منه شيئاً، وديوان لا يغفره الله، فأما الديوان الذي لا يغفره الله فالشرك بالله ، قال الله عز وجل: {إن الله لا يغفر أن يشرك به} [النساء:48/4] وقال: {إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة} [المائدة:72/5] وأما الديوان الذي لا يعبأ الله به شيئاً فظلم العبد نفسه فيما بينه وبين الله من صوم تركه، أوصلاة، فإن الله لا يغفر ذلك ويتجاوز إن شاء. وأما الديوان الذي لا يترك الله منه شيئاً فظلم العباد بعضهم بعضاً، القصاص لا محالة» (1) .\r\r-------------------------------\r(1) تفسير ابن كثير: 508/1-511، تفسير الكشاف: 424/1.\r(2) تفسير المنار: 150/5، تفسير الألوسي: 52/5.\r(3) الإحياء: 14/4-20.\r(4) تفسير المنار: 51/5.","part":7,"page":475},{"id":4761,"text":"خامسا ً - التوبة والعقوبة :\r1) ـ نوعا الجزاء أو العقوبة في الإسلام :\rمن المعلوم أن الشريعة الإسلامية تقرر نوعين من العقاب على الجرائم: وهما عقاب دنيوي وعقاب أخروى. فالعقاب الدنيوي: هو الذي تطبقه السلطة الزمنية الحاكمة في الدنيا. والعقاب الأخروي: هو الذي يوقعه الله تعالى على العاصي في عالم الآخرة كالتعذيب في النار ونحوه .\rوالجنايات الموجبة للعقوبة الدنيوية المحددة هي - كما تقدم - ثلاث عشرة: وهي القتل، والجرح، والزنى، والقذف، وشرب الخمر، والسرقة، والبغي، والحرابة (قطع الطريق)، والردة، والزندقة، وسب الله وسب الأنبياء والملائكة، وعمل السحر، وترك الصلاة والصيام (2) .\rوالسبب في تنوع العقاب في الإسلام هو الحماية الفعلية للأنظمة والأخلاق والفضائل وقمع الرذائل والقضاء عليها. فمن أفلت من عقاب الحاكم الزمني غفلة منه، أو تحايلاً عليه أو لعدم توافر وسائل الإثبات المطلوبة، أو لم يكن لجريمته عقاب مقرر في القوانين المطبقة كالكذب وخلف الوعد والحقد والحسد والغيبة والنميمة ونحوها، عوقب على مخالفاته في عالم الآخرة بين يدي أحكم الحاكمين الذي لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء.\rكما أن الجزاء الأخروي يمتاز بمكافأة الصالحين على فعل الخير تشجيعاً للفضيلة وحثاً على الاستقامة وصلاح الأعمال في الدنيا. والتوبة النصوح قد تساعد على تطبيق العقوبة في الدنيا بالإقرار بالجريمة أمام القاضي، وقد تسقط الجزاء الأخروي فتساهم في إصلاح المجرم، وإنقاذه من الزلات والأخطاء التي ارتكبها، وتجعله في عداد الصالحين، فيتحقق تلقائياً أو بصفة ذاتية الهدف الجوهري من تشريع العقوبات الزاجرة.\r2) ـ الهدف من العقوبة :\rيلتقي الفقه الإسلامي كأساس عام مع أفضل المبادئ والنظم التي توصلت إليها المدرستان التقليدية والوضعية لتحديد أساس حق العقاب ووظائف العقوبة قانوناً.\r-------------------------------\r(1) رواه الإمام أحمد والطبراني والحاكم وصححه من حديث عائشة.\r(2) القوانين الفقهية لابن جزي: ص 344.","part":7,"page":476},{"id":4762,"text":"ففي مواجهة المدرسة التقليدية التي تقيم حق العقاب على أساس منفعة الصالح الاجتماعي عن طريق المنع أو الوقاية في المستقبل، نرى فقهاءنا يقررون أن أساس أو مناط العقوبات المقررة شرعاً هو مصلحة الناس العامة وسعادتهم (1) ،فكل ما يحقق مصالح البشرية فهو مشروع مطلوب؛ لأن المقصود الأصلي من مشروعية الحدود والتعزيرات هوزجر الناس وردعهم عن ارتكاب المحظورات وترك المأمورات دفعاً للفساد في الأرض، ومنعاً من إلحاق الضرر بالأفراد والمجتمعات (2) . قال ابن عابدين: إن مدار الشريعة بعد قواعد الإيمان على حسم مواد الفساد لبقاء العالم (3) .\rومن حرص الشريعة على تحقيق المصلحة في العقاب: أنها تمنع كل الوسائل التي تؤدي إلى الإجرام كتناول المسكرات والمخدرات، بل واعتبرتها جرائم في ذاتها (4) وتطبيقات مبدأ (سد الذرائع) تؤكد ذلك، فالفاحشة مثلاً حرام، والنظر إلى عورة الأجنبية حرام، لأنها تؤدي إلى الفاحشة.\rثم إنه في مواجهة المدرسة التقليدية الجديدة التي تقول: إن أساس حق العقاب هو العدالة المطلقة مجردة عن فكرة المنفعة، يقرر فقهائنا ضرورة وجود تناسب بين الجريمة وعقوبة التعزير. ولكن دون فصل لمبدأ العدالة عن مراعاة المصلحة. وإنما يستهدف العقاب تحقيق العدالة وحماية المصالح الاجتماعية الثابتة.\r-------------------------------\r(1) الجريمة والعقوبة في الفقه الإسلامي لأستاذنا الشيخ محمد أبو زهرة ص 32 وما بعدها ،ط الأنجلو المصرية، القصاص في الشريعة الإسلامية للمرحوم الشيخ أحمد إبراهيم: ص 247 وما بعدها.\r(2) راجع الأحكام السلطانية للماوردي: ص 213، فتح القدير: 112/4، تبيين الحقائق للزيلعي 163/3، البحر الرائق: 3/5، أحكام القرآن للجصاص: 412/2.\r(3) حاشية رد المحتار على الدر المختار: 262/3.\r(4) القصاص في الشريعة للأستاذ الشيخ أحمد إبراهيم: ص 21.","part":7,"page":477},{"id":4763,"text":"وفي مواجهة المدرسة الوضعية التي تتفق مع المدرسة التقليدية من حيث ارتكازها على المبدأ النفعي، وتطالب بالعناية بشخص المجرم لتقدير درجة خطورته ومدى قابليته للإصلاح، نرى فقهاءنا يقررون ذلك صراحة عند تقدير القاضي العقوبات التعزيرية لأكثر الجرائم الواقعة، وذلك على قدر الجناية وعلى قدر مراتب الجاني. كما أن فقهاءنا يتميزون أساساً سواء في الحدود والتعزيرات بفتح باب التوبة عن المخالفات، ليبادر الجاني إلى إصلاح نفسه إصلاحاً ذاتياً صادراً عن اقتناع واختيار وحرية فكرية.\r3) ـ الحاجة إلى العقوبة :\rفي كل إنسان نزعتا الخير والشر، وبما أن الخير سبيل الإصلاح والتقدم والسعادة وجب تقوية دوافع الخير في الإنسان، وإضعاف عوامل الشر في نفسه، فكان لا بد من تشريع العقاب الزاجر، لأنه يساعد في مقاومة الميل إلى الشر، ويرغب في الخير.","part":7,"page":478},{"id":4764,"text":"وحينئذ يعتبر تطبيق العقوبة على الجناة محققاً لمبدأ الرحمة العامة، والرحمة العامة في الحقيقة: هي العدل، والعدالة الحقيقية هي الرحمة الحقيقية، ويعني ذلك أن الرحمة والعدالة في الشريعة متلازمتان (1) ، فليست الرحمة فوق العدل، ولا العدل فوق الرحمة أو القانون، بدليل صريح القرآن الكر يم: {وربك الغفور ذو الرحمة، لو يؤاخذهم بما كسبوا لعجل لهم العذاب، بل لهم موعدٌ لن يجدوا من دونه موئلاً } [الكهف:58/18] . فإذا كانت العدالة تقتضي تعجيل العقوبة في الدنيا، فإن الرحمة تستدعي تأخيرها فتحاً لباب الأمل والتوبة والعدول عن المخالفة أمام كل إنسان في الحياة، وبذلك تكون التوبة أثراً من آثار الرحمة الواجب مراعاتها في تشريع العقاب مع مراعاة العدالة، وهذا هو جوهر رسالة الإسلام. قال الله تعالى: {وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين } [الأنبياء:107/21] قال ابن القيم «إن الشريعة مبناها وأساسها على الحِكَم ومصالح العباد في المعاش والمعاد، وهي عدل كلها، ورحمة كلها، ومصالح كلها وحكمة كلها» (2) .\r-------------------------------\r(1) الجريمة والعقوبة في الفقه، المرجع السابق: ص 6-8.\r(2) أعلام الموقعين: 14/3.","part":7,"page":479},{"id":4765,"text":"وقال ابن تيمية: «من رحمة الله سبحانه وتعالى أن شرع العقوبات في الجنايات الواقعة بين الناس بعضهم على بعض في النفوس والأبدان والأعراض والأموال والقتل والجراح والقذف والسرقة، فأحكم سبحانه وتعالى وجوه الزجر الرادعة عن هذه الجنايات غاية الإحكام؛ وشرعها على أكمل الوجوه، المتضمنة لمصلحة الردع والزجر، مع عدم المجاوزة لما يستحقه الجاني من الردع » (1) . واستعرض العز بن عبد السلام مفاسد الجرائم التي شرعت عنها الزواجر من الحدود والتعزيرات بعبارة دقيقة البيان عميقة التحليل (2) .\rوقال الشاطبي في الموافقات: « إن أحكام الشريعة ماشرعت إلا لمصلحة الناس، وحيثما وجدت المصلحة فثم شرع الله » ......\r4) ـ فلسفة التوبة أو هل تؤثر التوبة على المصلحة المقصودة من العقاب؟.\rإن الشريعة الإسلامية ـ كما هو معروف ـ تستهدف في أحكامها حماية مصالح الدنيا، وحفظ مقاصد الآخرة، بل إن الدنيا في الحقيقة مزرعة الآخرة، كما ورد في الأثر.\rوبناء على هذا فلا يتصور أن تكون التوبة سبباً في ضياع مصلحة الجماعة في تطبيق العقوبة، ولا وسيلة تؤدي إلى الإغراء بالمعاصي والتجرئة عليها أو تسهيل ارتكابها، وإنما على العكس تكون التوبة الصادقة مساعدة على استئصال شأفة الجريمة، لأنه إذا كانت الغاية الأولى للعقاب هي إصلاح المجرم، فإن التوبة أقوى تأثيراً في تحقيق تلك الغاية لصدروها عن باعث ذاتي واقتناع داخلي. فهي إذن تفتح باب الأمل أمام المخطئين، وتدفعهم إلى معترك الحياة بروح إيجابية جديدة وحيوية وفعالية منتجة.\rثم إن دور التوبة مقصور ـ باتفاق الفقهاء كما سأبين ـ على الحالة التي لم تعرض فيها قضية الجريمة على محاكم القضاء، وفي حقوق المجتمع المحضة (أي حق الله بتعبير فقهائنا) فإن عرضت القضية على الحاكم لم يكن للتوبة تأثير في إسقاط العقوبة. وإن مست الجريمة حقاً شخصياً للفرد لم يَقبَل الحد (أي العقوبة المقدرة شرعاً) الإسقاط أيضاً بالتوبة ولا بغيرها كالإبراء والعفو والتنازل والصلح والمعاوضة.\r-------------------------------\r(1) انظر رسالته في القياس ص 85 والسياسة الشرعية له: ص 98.\r(2) قواعد الأحكام: 163/1-165.","part":7,"page":480},{"id":4766,"text":"5) ـ المعاصي التي يتاب منها وكيفية التوبة عنها :\rيتناول هذا الموضوع أمرين: تقسيم الذنوب إلى صغائر وكبائر، وتقسيم الذنوب إلى ما يكون حقاً لله أو للآدميين.\rالتقسيم الأول - تقسيم الذنوب إلى صغائر وكبائر:\rكل معصية في الإسلام تصح التوبة عنها، سواء أكانت من الكبائر أم من الصغائر، ابتداء من جريمة الكفر أو الشرك بالله إلى أدنى المحظورات . والمراد من الصغائر: هي التي تحصل لظرف طارئ كثورة أو غضب، أو نزوة طائشة، ثم يعقبها تأنيب وندم يمحو صفة الإصرار (1) . كالنظر إلى ما لا يحل النظر إليه من المرأة الأجنبية (أي التي لا قرابة محرمية منها)، وضرب الخادم بدون ذنب، وسماع الملاهي والأوتار، واللعب بالنرد، ومجالسة شاربي الخمر والفساق والخلوة بالمرأة الأجنبية.\rواختلفت عبارات العلماء في تحديد الكبائر:\r-------------------------------\r(1) عن ابن عباس أن رجلاً قال له: الكبائر سبع؟ فقال: هي إلى سبع مئة أقرب، لأنه لا صغيرة مع الإصرار ، ولا كبيرة مع الاستغفار ( تفسير الكشاف: 394/1، تفسير المنار: 50/5، الإحياء: 28/4 وما بعدها.","part":7,"page":481},{"id":4767,"text":"فقال ابن عمر: كل ما نهي عنه فهو كبيرة.\rوقال صحابي آخر: كل ما وعد الله عليه بالنار فهو كبيرة.\rوقال بعض السلف: كل ما أوجب عليه الحد في الدنيا فهو كبيرة (1) .\rوأما غير الصحابة فقال الذهبي: الكبائر: كل ما نهى الله ورسوله عنه في الكتاب والسنة والأثر عن السلف الصالحين (2) . وذكر في كتابه (الكبائر) سبعين كبيرة، من أهمها: الشرك بالله وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، والسحر، وأكل الربا، وأكل ما ل اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات (3) ، وعقوق الوالدين، وشهادة الزور، والظلم، والغدر، وعدم الوفاء بالعهد، واليمين الغموس (وهي الكاذبة قصداً وعمداً) والرشوة، والقمار، والزنا، والسرقة، وشرب الخمر، والغصب، وإيذاء الناس وشتمهم.\rوذكر المفسرون في تفسير المعصية الكبيرة آراء أهمها أربعة (4) :\rأحدها: إنها المعصية الموجبة للحد.\rوالثاني: إنها المعصية التي يلحق صاحبها الوعيد الشديد بنص كتاب أو سنة.\rوالثالث: قال إمام الحرمين وغيره: كل جريمة تنبئ بقلة اكتراث مرتكبها بالدين ورقة الديانة فهي مبطلة للعدالة.\r-------------------------------\r(1) الإحياء: 15/4، ط العثمانية المصرية.\r(2) كتاب الكبائر للحافظ الذهبي : ص 7.\r(3) وهذه السبع هي السبع الموبقات في الحديث النبوي الذي رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه.\r(4) تفسير ابن كثير: 487/1، ط البابي الحلبي.","part":7,"page":482},{"id":4768,"text":"والرابع: ذكر القاضي أبو سعيد الهروي: إن الكبيرة: كل فعل نص الكتاب على تحريمه، وكل معصية توجب في جنسها حداً من قتل أو غيره. وترك كل فريضة مأمور بها على الفور، والكذب في الشهادة والرواية واليمين.\rوإذا كان القول الثاني هو لأكثر المفسرين، فإن الرأي الثالث هو أولى الآراء بالقبول؛ لأن الغزالي اعتمده، واستحسنه الرازي (1) .\rفالكبيرة إذن: هي كل ما يشعر بالاستهانة بالدين وعدم الاكتراث به (2) .\rالتقسيم الثاني - تقسيم الذنوب إلى ما يتعلق بحق الله أو بحق العباد (3) :\rتنقسم الذنوب إلى مايكون بين العبد وبين الله تعالى، وإلى ما يتعلق بحقوق الأشخاص (4) .\rفأما ما يتعلق بحق الله تعالى: فهو كترك الصلاة والصوم. والتوبة لا تصح منه، حتى ينضم إلى الندم قضاء ما فات منها.\r-------------------------------\r(1) تفسير المنار: 49/5.\r(2) صنف أبو طالب المكي الكبائر بسبع عشرة: أربعة في القلب: وهي الشرك بالله ، والإصرار على معصيته، والقنوط من رحمته، والأمن من مكره. وأربع في اللسان: وهي شهادة الزور ، وقذف المحصن، واليمين الغموس، والسحر. وثلاث في البطن: وهي شرب الخمر والمسكر من كل شراب وأكل مال اليتيم ظلماً، وأكل الربا وهو يعلم. واثنتان في الفرج، وهما الزنا واللواط. واثنتان في اليد: وهما القتل والسرقة. وواحدة في الرجلين: وهو الفرار من الزحف. وواحدة في جميع الجسد: وهو عقوق الوالدين. وتعقبه الغزالي بأنه تصنيف غير شامل ويمكن الزيادة عليه. وقال: إن الكبائر على ثلاث مراتب: الأولى ما يمنع من معرفة الله تعالى ومعرفة رسله وهو الكفر، ويتلوه الأمن من مكر الله والقنوط من رحمته ، ثم يتلوه البدع كلها المتعلقة بذات الله وصفاته وأفعاله. المرتبة الثانية: النفوس. المرتبة الثالثة: الأموال. ثم استعرض بقية الجرائم (راجع الإحياء: 15/4-20).\r(3) تفسيرالقرطبي 199/18 وما بعدها، الإحياء 14/4.\r(4) المقصود بحق الله تعالى: ما يمس المجتمع وهو مايتعلق به النفع العام للعالم من غير اختصاص بأحد. وينسب إلى الله تعالى لعظم خطره وشمول نفعه. وأما حق العبد: فهو الحق الشخصي: وهو مايتعلق به مصلحة خاصة كحرمة مال الغير ودمه وعرضه.","part":7,"page":483},{"id":4769,"text":"وأما ما يتعلق بحقوق العباد : فهو كترك الزكاة وقتل النفس وغصب الأموال وشتم الأعراض، والتوبة منه تكون برد الحق لصاحبه. ففي حال التفريط بالزكاة يجب القضاء. وفي القتل تكون التوبة بالتمكين من القصاص إن كان عليه، وكان مطلوباً منه قضاء. وفي القذف ببذل ظهره للجلد إن كان مطالباً به. فإن عفي عنه أو عن القتل مجاناً كفاه الندم والعزم على ترك العود بالإخلاص . فإن عفي عن القتل بمال فعليه أداؤه إن كان واجداً له، قال الله تعالى: {فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان } [البقرة:178/2]. وكذلك شراب الخمر والسراق والزناة إذا أصلحوا وتابوا سقط الحد عنهم في رأي بعض العلماء كما سيأتي تفصيل الكلام فيه.\rوإن كان الذنب من مصالح العباد، فلا تصح التوبة عنه إلا برده إلى صاحبه والخروج عنه ـ عيناً كان أو غيره ـ إن كان قادراً عليه. فإن لم يكن قادراً فالعزم أن يؤديه إذا قدر في أعجل وقت وأسرعه.\rوإن كان العاصي أضر بآخر فإنه يزيل ذلك الضرر عنه، ثم يطلب منه العفو والاستغفار له، فإذا عفا عنه، سقط الذنب عنه.\rوإن أساء رجل إلى آخر بأن فزَّعه بغير حق، أو غمه، أو لطمه، أو صفعه بغير حق أو ضربه بسوط فآلمه، أو شانه بشتم لا حد فيه ثم ندم واستعفى من المضرور، وعزم على ألا يعود فعفا عنه صاحب الحق، سقط عنه ذلك الذنب.","part":7,"page":484},{"id":4770,"text":"المطلب الثاني - أثر التوبة الصادقة في الجزاءات أو العقوبات الأخروية :\rيترتب على التوبة النصوح ـ كما ذكر ـ إسقاط عقوبة المعصية قطعاً فيما بين التائب وبين الله تعالى، لأن التوبة تسقط أثر المعصية (1) ، ولو كانت أعظم الجرائم التي هي الكفر أو الشرك بالله ، لأنه يغفر كل ذنب للتائب إلا إذا أصر عليه فلا يغفر (2) ، قال الله تعالى: {غافر الذنب وقابل التوب} [غافر:3/40] وقال سبحانه: {قل للذين كفروا إن ينتهوا يُغفر لهم ما قد سلف، وإن يعودوا، فقد مضت سنة الأولين} [الأنفال:8/38] {إن الله يغفر الذنوب جميعاً} [الزمر:53/39] : أي بشرط التوبة في رأي الزمخشري وغيره.\rروى مسلم من حديث عمرو بن العاص، قال: لما جعل الله الإسلام في قلبي أتيت النبي صلّى الله عليه وسلم ، قلت: ابسط يدك أبايعك فبسط يمينه، فقبضت يدي، فقال: (مالك؟) قلت: أردت أن اشترط، قال: « تشترط بماذا؟ » قلت: أن يغفر لي، قال: « أما علمت يا عمرو أن الإسلام يهدم ما كان قبله، وأن الهجرة تهدم ما كان قبلها، وأن الحج يهدم ما كان قبله » .\rويؤيد ذلك أحاديث نبوية كثيرة منها: «التائب من الذنب كمن لا ذنب له» (3) «لو أخطأتم حتى تبلغ السماء، ثم تبتم لتاب الله عليكم» (4) «والذي نفسي بيده لو\r-------------------------------\r(1) مغني المحتاج: 184/4.\r(2) تفسير الألوسي: 52/5، تفسير الكشاف: 401/1، 36/3.\r(3) رواه ابن ماجه والطبراني من حديث عبد الله بن مسعود ورواه ابن أبي الدنيا والبيهقي مرفوعاً أيضاً من حديث ابن عباس وزاد (والمستغفر من الذنب وهو مقيم عليه كالمستهزئ بربه).\r(4) رواه ابن ماجه بإسناد جيد عن أبي هريرة.","part":7,"page":485},{"id":4771,"text":"لم تذنبوا لذهب الله بكم، ولجاء بقوم يذنبون، فيستغفرون الله ، فيغفر لهم» (1) «التوبة تجب ما قبلها» (2) .\rوسأذكر هنا نموذجاً من توبة العصاة:\r1 - توبة الكافر: الكفر أو الشرك إما في الألوهية أو في الربوبية، فالشرك في الألوهية: هو الشعور بسلطة وتأثير وراء الأسباب والسنن الكونية لغير الله تعالى، وكل قول وعمل ينشأ عن ذلك الشعور. والشرك في الربوبية: هو الأخذ بشيء من أحكام الدين والحلال والحرام عن بعض البشر دون الوحي (3) .\rوتوبة المشرك أو الكفر تكون بإعلان الإسلام والإقرار بتوحيد الإله (توحيد الألوهية وتوحيد الربوبية) سواء أقدر عليه الحاكم أم لم يقدر عليه، لأن عدم القدرة ليست مشترطة في توبة الكفار. والتوحيد الذي يناقض الشرك: هو عبارة عن إعتاق الإنسان من رق العبودية لكل أحد من البشر وكل شيء من الأشياء السماوية والأرضية، وجعله حراً كريماً عزيزاً لا يخضع خضوع عبودية مطلقة إلا لمن خضعت لسنته الكائنات، بما أقامه فيها من النظام في ربط الأسباب بالمسببات، فلسنته الحكيمة يخضع، ولشريعته العادلة المنزلة يتبع. وإنما خضوعه هذا لعقله ووجدانه، لا لأمثاله في البشرية وأقرانه (4) .\rوتقبل توبة الكافر اتفاقاً ترغيباً في الإسلام (5) ولقوله تعالى: {قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف} [الأنفال:38/8].\r2 - توبة المنافق: النفاق: إظهار الإيمان باللسان، وكتمان الكفر بالقلب (1) والمنافق وهو الذي يبطن الكفر ويظهر الإسلام أشد خطراً على المسلمين من الكفار، لأنه يكتم الكفر والكيد للمسلمين ويتربص الدوائر بهم، ويرتكب السيئات بباعث النفاق الظاهر والخبث الباطن، فاستحق العذاب مرتين،وكان في الدرك الأسفل من النار.\r-------------------------------\r(1) رواه مسلم وغيره عن أبي هريرة.\r(2) ذكره بعض الفقهاء ولم أقف على تخريجه وقد سبق بيان ذلك.\r(3) تفسير المنار: 148/5.\r(4) المرجع السابق: 149/5.\r(5) الفروق للقرافي: 181/4.","part":7,"page":486},{"id":4772,"text":"وتوبة المنافق تكون بتزكية نفسه ومجاهدتها بقدر الاستطاعة والطاقة، وطلب العفو عما لا طاقة له به، وترك الكفر ظاهراً أو باطناً، وإعلانهم الإيمان بالله ورسوله. ويمكن قبول توبة المنافق لقوله تعالى {ويعذب المنافقين إن شاء أو يتوب عليهم إن الله كان غفوراً رحيماً} [الأحزاب:24/33] {وآخرون اعترفوا بذنوبهم} ... {عسى الله أن يتوب عليهم} [التوبة:102/9] {وآخرون مرجون لأمر الله إما يعذبهم، وإما يتوب عليهم} [التوبة:106/9].\r3 - توبة الزنديق: الزنادقة هم الدهريون الذين ينكرون وجود الإله ويزعمون أن العالم وجد مصادفة (2) . وقال المالكية: الزنديق هو الذي يظهر الإسلام ويسرّ الكفر (3) . وقال الحنفية : الزنديق: هو من لا يتدين بدين (4) .\rواختلف العلماء في توبة الزنديق، فقال العترة من الزيدية، وأبو حنيفة ومحمد والشافعي: تقبل توبة الزنادقة ولا يقتلون؛ لعموم قوله تعالى: {قل للذين كفروا: إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف} [الأنفال:38/8].\r-------------------------------\r(1) التعريفات للجرجاني: ص 219، الفرق بين الزنديق والمنافق والدهري والملحد مع الاشتراك في إبطان الكفر: أن المنافق غير معترف بنبوة نبينا صلّى الله عليه وسلم . والدهري كذلك مع إنكاره إسناد الحوادث إلى الصانع المختار سبحانه وتعالى. والملحد: وهو من مال عن الشرع القويم إلى جهة من جهات الكفر سواء اعترف بالنبوة لمحمد أم لا، أظهر الكفر أو أبطنه، سبق إلى الإسلام أم لا. فهو أوسع فرق الكفر. أما الزنديق في لسان العرب فهو من ينفي الباري تعالى، أو من يثبت الشريك أو من ينكر حكمته، أو بعبارة أخرى كما في الفتح: هو من لا يتدين بدين (رد المحتار: 324/3).\r(2) المنقذ من الضلال للغزالي: ص 10.\r(3) القوانين الفقهية: ص 365.\r(4) رد المحتار: 201/3، 324.","part":7,"page":487},{"id":4773,"text":"وقال مالك وأبو يوسف والجصاص: لا تقبل توبتهم، فإذا عثر على الزنديق قتل ولا يستتاب ، ولا يقبل منه ادعاء التوبة إذ يعرف منه عادة التظاهر بالتوبة تقيه، بخلاف ما يبطنه، واستثنى الإمام مالك من جاء تائباً قبل ظهور زندقته فتقبل توبته (1) .\rوالمفتى به في مذهب الحنفية أن الزنديق إذا أخذ قبل توبته ثم تاب لم تقبل توبته ويقتل، ولو أخذ بعدها قبلت (2) .\rقال صاحب البحر الزخار الزيدي: لكن الأقرب العمل بالظاهر، وإن التبس الباطن لقوله صلّى الله عليه وسلم لمن استأذنه في قتل منافق: «أليس يشهد أن لا إله إلا الله » (3) .\r4 - توبة المبتدع: المبتدع: هو الذي أحدث شيئاً في الإسلام ليس منه، ولم يكن عليه الصحابة والتابعون ولم يكن مما اقتضاه الدليل الشرعي. أو هو كل من قال قولاً خالف فيه اعتقاد أهل السنة والجماعة (4) .\rفإذا كان ببدعته منكراً لما علم بالتواتر والضرورة (أي البداهة) من الشريعة، فهذا كافر ببدعته، كالمجسمة أو المشبهة، الذين شبهوا معبودهم بإنسان له جسم محدود بسبعة أشبار بشبر نفسه، أو الذين ألهوا أحداً من البشر.\rوأما إن كان المبتدع لا يكفر ببدعته، فهو ضال فاسق كأهل البدع والأهواء المخالفين لأهل السنة أو سيرة السلف الصلاح في بعض المسائل الاعتقادية، مثل القدَرية القائلين بخلق الإنسان أفعال نفسه، والخوارج الذين كفروا علياً ومعاوية وعبد الرحمن بن عوف وغيرهم من الصحابة.\rوتوبة المبتدع تكون بالتخلص من بدعته والتزام العقيدة الحقة، ولا مانع من قبول توبته وإن كان\r-------------------------------\r(1) البحر الزخار: 207/5، القوانين الفقهية: ص 365.\r(2) الدر المختار ورد المحتار: 324/3.\r(3) روى الحديث مسلم عن المقداد بن الأسود.\r(4) التعريفات للجرجاني: ص 37، رد المحتار: 201/3.","part":7,"page":488},{"id":4774,"text":"كافراً، لأن العقل يجوز ذلك، وظاهر الشرع وعموم الآيات القرآنية يدل على إمكان قبول توبة الكفار والمشركين (1) .\rوالخلاصة: إن قبول التوبة في عالم الآخرة مشروط بعدم الإصرار على المعصية، وعدم التلاعب بالإسلام. وعدم البقاء على الكفر قبل الموت وذلك هو ما يشير إليه القرآن الكريم في الآيات الثلاث الآتية:\r1 - {والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله ، ولم يصروا على ما فعلوا، وهم يعلمون } [آل عمران:135/3].\r2 - {إن الذين آمنوا ثم كفروا، ثم آمنوا ثم كفروا، ثم ازدادوا كفراً لم يكن الله ليغفر لهم، ولا ليهديهم سبيلاً} [النساء:4/137]. {إن الذين كفروا بعد إيمانهم ثم ازدادوا كفراً لن تقبل توبتهم } [آل عمران:90/3].\r3 - {إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار، فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهباً ولو افتدى به} [آل عمران:91/3] و [البقرة:161/2].\r-------------------------------\r(1) الاعتصام للشاطبي: 271/2.","part":7,"page":489},{"id":4775,"text":"المطلب الثالث - أثر التوبة في الجزاءات أو العقوبات الدنيوية :\rتمهيد في أنواع العقوبات:\rالعقوبات الدنيوية بحسب نوع المصلحة المقصودة منها ثلاثة أنواع وهي (1) :\r1 - الحدود: وهي العقوبات المقدرة شرعاً الواجبة حقاً لله تعالى في الشريعة، أي التي تستوجبها المصلحة العامة: وهي دفع الفساد عن الناس، وتحقيق الصيانة والسلامة لهم. وتطبق على جرائم سبعة: الزنا، القذف، شرب المسكرات، السرقة، الحرابة، الردة، البغي.\r2 - القصاص والدية: أما القصاص فهو معاقبة الجاني على جريمة القتل أو القطع أو الجراح عمداً بمثلها. وأما الدية فهي العوض المالي الواجب دفعه بدل النفس. وقد شرع القصاص مراعاة للحقين: حق الجماعة العام في أصل العقاب، وحق المجني عليه الخاص في نوع العقاب.\r3 - التعازير: وهي العقوبة المشروعة على معصية أو جناية لا حد فيها ولا كفارة، سواء أكانت الجناية على حق الله تعالى، كالأكل في نهار رمضان وترك الصلاة، وطرح الأقذار في طريق الناس ونحو ذلك، أو على حق شخصي للعباد كأنواع السب والضرب والإيذاء بأي وجه، وغير ذلك من مختلف أنواع جرائم الاعتداء على الأموال والأنفس التي لا حد فيها.\rوتعدّ أغلب الجرائم التي نص عليها قانون العقوبات في مصر وسورية داخلة تحت عقوبات التعزير الشرعية، سواء أكانت جنايات وجنحاً مضرة بالمصلحة العامة، أو تحصل لآحاد الناس، أو كانت مخالفات عادية.\r-------------------------------\r(1) راجع التشريع الجنائي الإسلامي للمرحوم الأستاذ عبد القادر عودة: 78/1 وما بعدها.","part":7,"page":490},{"id":4776,"text":"وأبحث هنا أثر التوبات في هذه العقوبات.\rأولاً - آراء الفقهاء في إسقاط الحدود بالتوبة :\rاتفق الفقهاء على أن الحدود إذا رفعت إلى ولي الأمر أو نائبه القاضي، ثم تاب المتهم عن جريمته بعد ذلك، لم يسقط الحد عنه، بل تجب إقامة الحد وإن تاب المجرم حينئذ، سواء أكان قاطع طريق أم لصاً أم زانياً أم قاذفاً وغيرهم، إذ لا يجوز تعطيل الحد، لا بعفو، ولا بشفاعة، ولا بهبة، ولا غير ذلك (1) لأن الجريمة تمس مصلحة الجماعة، والتصرف على الرعيةمنوط بالمصلحة العامة. ويرشد لذلك من السنة أن النبي صلّى الله عليه وسلم لم يقبل العفو عن سارق رداء صفوان بن أمية، وقال لصفوان: «فهلا قبل أن تأتيني به؟» ثم قطع يده (2) يريد النبي صلّى الله عليه وسلم أنك لو عفوت عنه قبل أن تأتيني به لكان العفو سائغاً جائزاً.\rوذكر في الموطأ عن عثمان رضي الله عنه. أنه قال: «إذا بلغت الحدود السلطان فلعن الله الشافع والمشفع» .\rوفي سنن أبي داود والنسائي عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم قال: «تعافوا الحدود فيما بينكم، فما بلغني من حد فقد وجب» .\rواتفق الفقهاء أيضاً على قبول توبة المحارب (قاطع الطريق) قبل قدرة السلطان عليه: وهو أن يأتي إلى الحاكم عن طوع واختيار ويظهر التوبة عنده، ويسقط عنه الحبس، لأن الحبس للتوبة، وقد تاب فلا معنى للحبس (3) . ودليلهم\r-------------------------------\r(1) السياسة الشرعية لابن تيمية ص 66، رد المحتار لابن عابدين: 154/3، البحر الزخار: 158/5.\r(2) رواه أصحاب السنن من حديث ابن عباس.\r(3) البدائع: 96/7، فتح القدير: 272/4، أحكام القرآن للجصاص: 413/2، المنتقى على الموطأ: 174/7، بداية المجتهد: 447/2، أحكام القرآن لابن العربي: 600/2، القوانين الفقهية: ص 363، مغني المحتاج: 183/4 ، تكملة المجموع: 342/18، المغني لابن قدامة: 295/8، أعلام الموقعين: 78/2، غاية المنتهى: 345/3 ، السياسة الشرعية لابن تيمية: ص 68، كشاف القناع: 124/6، الإفصاح: 424، الخلاف في الفقه للطوسي: 482/2، المختصر النافع في فقه الإمامية: ص 304، البحر الزخار: 202/5، شرح النيل: 643/7.","part":7,"page":491},{"id":4777,"text":"صريح قوله تعالى في حق المحاربين: {إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم، فاعلموا أن الله غفور رحيم } [المائدة:34/5].\rومفهوم الآية ألا يسقط عنه شيء بالتوبة بعد الظفر عليه، لأن الظاهر أن التوبة قبل ذلك توبة إخلاص، ولترغيبه في التوبة ، وبعده الظاهر أنها تقيه من إقامة الحد عليه، ولا حاجة لترغيبه في التوبة؛ لأنه قد عجز عن الفساد والمحاربة.\rأما ما يسقط عنه بالتوبة: فاختلفوا فيه (1) ، فقال فقهاء الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة والإمامية والزيدية في أرجح الآراء لديهم: تسقط بتوبة المحارب حقوق الله تعالى كحد الزنا واللواط والسرقة وشرب الخمر؛ لأنها حدود الله تعالى، فتسقط بالتوبة كحد المحاربة، ولأن في إسقاطها ترغيباً في التوبة.\rولا تسقط عنه حقوق الناس الشخصية كحد القذف والقصاص وضمان الأموال، إذ لا دليل على إسقاطها.\rوهناك آراء أخرى، قال الهادي من الزيدية، والإباضية: يسقط عنه ما قد أتلف ولو حقاً لآدمي في نفس أو مال أو قتل، لعموم الآية: {إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم} [المائدة:34/5].\rوقال بعضهم: ترفع التوبة جميع حقوق الله ، ولكن يؤاخذ بالدماء (أي جراح النفس من قتل وضرب وجرح) والأموال بما وجد بعينه في يده، ولا تتبع ذمته. وهو قول لمالك.\r-------------------------------\r(1) المراجع السابقة.","part":7,"page":492},{"id":4778,"text":"وبعضهم قال: إن التوبة تسقط جميع حقوق الله ، وحقوق الآدميين من مال ودم، إلا ما كان من الأموال قائم العين بيده، وهو قول الليث بن سعد ورجحه ابن جرير الطبري (1) .\rوشدد بعضهم وهو قول عند الشافعية وللإمام مالك. فقال: لا تسقط التوبة عن المحارب إلا حد الحرابة فقط، ويؤاخذ بما سوى ذلك من حقوق الله وحقوق الآدميين.\rعقوبة الردة والبغي :\rالردة: ترك الدين الإسلامي والخروج عليه بعد اعتناقه. والبغي: الخروج عن طاعة الحاكم بثورة مسلحة، أو الخروج على الإمام مغالبة.\rاتفق الفقهاء على إسقاط عقوبة الباغي (وهي القتل) بالتوبة؛ لأن القصد من عقابه توفير الطاعة والولاء والعدول عن البغي (2) .\rكما أن عقوبة المرتد (وهي القتل ومصادرة ماله) تسقط أيضاً بالتوبة بأن يتبرأ عن الأديان كلها سوى الإسلام أو عما انتقل إليه من مذهب الكفر، لأن الغاية هي رجوعه إلى الإسلام، لذا استحب الحنفية استتابته وعرض الإسلام عليه قبل القتل، لاحتمال أن يسلم ، وأوجب جمهور الفقهاء حصول الاستتابة قبل القتل ثلاث مرات (3) ، فإن تاب قبلت توبته، وإن لم يتب وجب عليه القتل.\rوأضاف الزيدية وأئمة المذاهب أن من تكرر منه الردة والإسلام حتى كثر فهو مقبول التوبة، لقوله تعالى: {يغفر لهم ما قد سلف} [الأنفال:38/8] ولم يفصل النص بين من تكرر منه ذلك أو لم يتكرر (4) .\rذكر النسائي عن ابن عباس قال: كان رجل من الأنصار أسلم، ثم ارتد ولحق بالمشركين ثم ندم فأرسل إلى قومه: سلوا لي رسول الله صلّى الله عليه وسلم : هل لي من توبة؟ فجاء قومه إلى النبي صلّى الله عليه وسلم فقالوا: هل من توبة؟ فنزلت آيات من سورة آل عمران آخرها (5) {إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا، فإن الله غفور رحيم} قال ابن عباس: فأرسل إلى الرجل فأسلم.\rعقوبة القذف :\rاتفق العلماء على أن التوبة لا تسقط حد القذف، لأنه حق آدمي (6) .\rالحقوق الشخصية للناس :\rيظهر مما سبق أن حقوق الآدميين لا تسقط بالتوبة ما لم ترد المظالم لأصحابها، كما أنه لا يغفرها الباري سبحانه إلا بمغفرة صاحبها، ولا يسقطها إلا بإسقاطه (7) .\rعقوبة السرقة والزنا وشرب الخمر :\r\r-------------------------------\r(1) تفسير الطبري: 287/1 وما بعدها، شرح الأزهار: 378/4، شرح النيل: 643/7.\r(2) فتح القدير: 409/4، الدر المختار ورد المحتار: 340/3، الشرح الكبير للدردير: 299/4، مغني المحتاج: 127/4، المغني: 114/8.\r(3) المبسوط للسرخسي: 98/10، فتح القدير: 385/4، البدائع: 134/7، تبيين الحقائق: 284/3، بداية المجتهد: 448/2، الشرح الكبير للدردير: 304/4، مغني المحتاج: 139/4، المغني: 124/8، كشاف القناع: 144/6، القوانين الفقهية: ص 364، شرح النيل: 643/7.\r(4) البحر الزخار: 208/5.\r(5) الآيات: 86 - 89.\r(6) بداية المجتهد: 434/2، المغني: 296/8.\r(7) أحكام القرآن لابن العربي: 600/2، تفسير القرطبي: 200/18.","part":7,"page":493},{"id":4779,"text":"اختلف الفقهاء في إسقاط عقوبات هذه الحدود بالتوبة على رأيين:\rالرأي الأول : قال الحنفية (1) و المالكية والشافعية والظاهرية والزيدية والإباضية في أرجح الآراء لديهم (2) : إن التوبة لا تسقط سائر الحدود المختصة بالله تعالى كالزنا والسرقة وشرب الخمر ، سواء بعد رفع الأمر الى الحاكم أو قبله واستدلوا بالأدلة الآية:\r1 - عموم الآيات القرآنية التي تقرر عقوبة هؤلاء العصاة مثل قوله تعالى: {الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة} [النور:2/24] {والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما} [المائدة:38/5] فكل نص منهما عام في التائبين وغيرهم، ولا يستثنى إلا حد الحرابة كما أبنت، وحد تارك الصلاة لو تاب سقط القتل قطعاً، ولو بعد رفعه إلى الحاكم؛ لأن عقابه على الإصرار على الترك لا على مجرد الترك في الماضي. وكذلك إذا زنى الكافر ثم أسلم يسقط عنه الحد.\r2 - أقام النبي صلّى الله عليه وسلم الحد على من جاءه تائباً، إذ رجم ماعزاً والغامدية وقطع الذي أقر بالسرقة، وقد جاؤوا تائبين يطلبون التطهير بإقامة الحد، بدليل أن الرسول صلّى الله عليه وسلم سمى فعلهم توبة، فقال في حق المرأة: «لقد تابت توبة لو قسمت بين سبعين من أهل المدينة لوسعتهم (3) . وجاء عمرو بن سمرة إلى النبي صلّى الله عليه وسلم ،فقال: يا رسول الله إني سرقت جملاً لبني فلان، فطهرني فأقام الرسول الحد عليه.\r3 - إن الحد كفارة، فلم يسقط بالتوبة ككفارة اليمين والقتل، ولو جاز إسقاط الحد بالتوبة، لتمكّن كل مجرم من إسقاط العقوبة عنه بادعاء التوبة، وفي ذلك تشجيع على الإجرام والفساد.\r4 - لا تقاس الحدود على حد الحرابة لأن مرتكبها مقدور عليه، فلا تسقط التوبة عنه الحد المقرر، كالمحارب بعد القدرة عليه.\r-------------------------------\r(1) استثنى الكاساني في البدائع حد السرقة العادية فقال: أ نه يسقط إذا تاب السارق قبل أن يظفر به، ورد المال إلى صاحبه، بخلاف سائر الحدود لأن الخصومة (أي الادعاء بالحق) شرط في السرقة الصغرى والكبرى (أي الحرابة) والخصومة تنتهي بالتوبة.\r(2) البدائع: 96/7، فتح القدير: 272/4، الدر المختار: 154/3، الفروق للقرافي : 181/4، تفسير القرطبي: 174/6 وما بعدها، مغني المحتاج: 184/4، المهذب: 285/2، حاشية قليوبي وعميرة: 201/4، القوانين الفقهية: ص 362، شرح النيل: 650/7، المحلى: 156/11-159، البحر الزخار: 158/5.\r(3) رواه الجماعة إلا البخاري وابن ماجه من حديث عمران بن الحصين.","part":7,"page":494},{"id":4780,"text":"الرأي الثاني: قال الحنابلة في الأرجح عندهم (1) والشيعة الإمامية (2) وبعض علماء الحنفية (3) والمالكية (4) والشافعية (5) والزيدية (6) : إن التوبة تسقط حد الزنا والسرقة وشرب الخمر عن العصاة من غير اشتراط مضي زمان قبل رفع الأمر إلى الحاكم أو قبل القدرة عليهم أو قبل البينة وثبوت الحد عليهم ، واستدلوا بما يأتي:\r-------------------------------\r(1) المغني: 296/8، غاية المنتهى: 345/3، قال ابن تيمية في فتاويه: 253/4 من وجب عليه حد الزنا أو السرقة أو شرب الخمر فتاب قبل أن يرفع إلى الإمام، فالصحيح أن الحد يسقط عنه كما يسقط عن المحاربين بالإجماع إذا تابوا قبل القدرة.\r(2) قال الطوسي: كل من وجب عليه حد من حدود الله من شرب الخمر أو الزنا أو السرقة من غير المحاربين ثم تاب من قبل قيام البينة عليه بذلك فإنها بالتوبة تسقط ( الخلاف في الفقه : 482/2، المختصر النافع في فقه الإمامية: ص 297-303 ).\r(3) قال ابن عابدين من الحنفية: الظاهر أن التوبة لا تسقط الحد الثابت عند الحاكم بعد الرفع إليه، أما قبله فيسقط الحد بالتوبة حتى في قطاع الطرق، سواء كان قبل جنايتهم على نفس أو عضو أو مال أو كان بعد شيء من ذلك. ونقل عن شرح الأشباه: إذا تاب شارب الخمر توبة نصوحاً أرجو ألا يحد في الآخرة ، فإنه لا يكون أكثر من الكفر والردة، وإنه يزول بالإسلام والتوبة (رد المحتار: 154/3).\r(4) الفروق للقرافي: 181/4، قال فيه: (إن الحدود لا تسقط بالتوبة على الصحيح إلا الحرابة) مما يدل على وجود قول آخر بالسقوط.\r(5) للشافعي قول بأن هذه الحدود تسقط بالتوبة قياساً على حد المحاربة. لكن قال النووي لا تسقط سائر الحدود عدا حد الحرابة بالتوبة في الأظهر (مغني المحتاج: 184/4، تكملة المجموع: 343/18، المهذب: 285/2).\r(6) جاء في كتاب الوافي في الفقه عند الزيدية: يسقط حد الزنا بالتوبة لخبر ماعز (البحر الزخار: 158/5).","part":7,"page":495},{"id":4781,"text":"1 - ثبت في صحيحي البخاري ومسلم من حديث أنس قال: «كنت مع النبي صلّى الله عليه وسلم فجاء رجل فقال: يا رسول الله ، إني أصبت حداً فأقمه علي، قال: ولم يسأله عنه فحضرت الصلاة، فصلى مع النبي صلّى الله عليه وسلم ، فلما قضى النبي صلّى الله عليه وسلم الصلاة، قام إليه الرجل، فأعاد قوله، قال: أليس قد صليت معنا؟ قال: نعم، قال: فإن الله عز وجل قد غفر لك ذنبك» ففي هذا دليل على أن التائب غفر الله له، ولم يكن بحاجة لإقامة الحد عليه مادام أنه اعترف به.\r2 - قال النبي صلّى الله عليه وسلم : «التائب من الذنب كمن لا ذنب له» ومن لا ذنب له لا حد عليه. وقال في ما عز لما أخبر بهربه: «هلا تركتموه يتوب فيتوب الله عليه؟» وإقامة الحد عليه بالرغم من توبته تجاوب مع ما اختاره بنفسه كما اختارته المرأة الغامدية، قال ابن تيمية: إن الحد مطهر، وإن التوبة مطهرة، وهما اختارا التطهير بالحد على التطهير بمجرد التوبة وأبيا إلا أن يطهرا بالحد، فأجابهما النبي صلّى الله عليه وسلم إلى ذلك (1) .\r3 - صرح القرآن الكريم بإسقاط حد الزنا بالتوبة في قوله تعالى: {واللذان يأتيانها منكم فآذوهما، فإن تابا وأصلحا فأعرضوا عنهما} [النساء:16/4] وبإسقاط حد السرقة أيضاً في قوله سبحانه: {فمن تاب من بعد ظلمه وأصلح، فإن الله يتوب عليه} [المائدة:39/5].\r4 - لا فرق بين حد الحرابة وبقية الحدود، فإذا أسقطت التوبة حد الحرابة مع شدة ضررها وتعدي المحارب، فلأن تدفع التوبة ما دون حد الحراب بطريق الأولى والأحرى، وقد قال الله تعالى: {قل للذين كفروا: إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف} [الأنفال:38/8].\r-------------------------------\r(1) أعلام الموقعين: 79/2.","part":7,"page":496},{"id":4782,"text":"قال ابن القيم: الله تعالى جعل الحدود عقوبة لأرباب الجرائم، ورفع العقوبة عن التائب شرعاً وقدراً، فليس في شرع الله ولا قدره عقوبة تائب البتة (1) .\rوالكلمة الأخيرة: إن ظواهر القرآن والسنة والعمل بمبدأ الستر في الإسلام تؤيد الرأي الثاني الذي يسقط الحدود بالتوبة إذا كانت خالصة لله تعالى، أي لمصلحة الجماعة، ولم تكن متعلقة بالحقوق الشخصية للناس. وليس في هذا الرأي إخلال بمصالح المجتمع؛ لأن التائب بتوبته يحقق المصلحة المنشودة، لا سيما إذا لا حظنا اشتراط كون التوبة صادقة نصوحاً.\rقال الحنابلة: إذا قلنا بسقوط الحد بالتوبة، فهل يسقط بمجرد التوبة أو بهما مع إصلاح العمل؟ فيه وجهان:\rأحدهما: يسقط بمجردها، وهو ظاهر قول أصحابنا، لأنها توبة مسقطة للحد فأشبهت توبة المحارب قبل القدرة عليه.\rوالثاني: يعتبر إصلاح العمل، لقول الله تعالى: {فإن تابا وأصلحا فأعرضوا عنهما} [النساء:16/4] وقال: {فمن تاب من بعد ظلمه وأصلح فإن الله يتوب عليه} [المائدة:39/5]. فعلى هذا القول: يعتبر مضي مدة يعلم بها صدق توبته وصلاح نيته، وليست مقدرة بمدة معلومة (2) .\r-------------------------------\r(1) أعلام الموقعين: 78/2، 19/3، 398/4.\r(2) المغني: 296/8 وما بعدها.","part":7,"page":497},{"id":4783,"text":"ثانياً- هل التوبة مسقطة للقصاص والدية؟\rإذا ثبت القتل وجب على القاتل: إما القصاص، وإما الدية، ولا يسقط القصاص إلا بعفو أولياء المقتول على أن يأخذوا الدية أو بدون شيء، فلا يسقط القصاص أو الدية إذن بالتوبة لتعلق الحق الشخصي به لأولياء الدم. وبناء عليه لا تصح توبة القاتل حتى يسلم نفسه للقود (القصاص)، أو يؤدي الدية حين العفو أو حالة القتل الخطأ. وتوبة القاتل لا تكون بالاستغفار والندامة فقط، بل يتوقف على إرضاء أولياء المقتول، فإن كان القتل عمداً لا بد من أن يمكنهم من القصاص منه، فإن شاؤوا قتلوه، وإن شاؤوا عفوا عنه مجاناً، فإن عفوا عنه كفته التوبة. وبالعفو عنه يبرأ من العقوبة الدنيوية.\rوهل يبرأ فيما بينه وبين الله تعالى؟.\rاستظهر ابن عابدين أن الظلم المتقدم لا يسقط بالتوبة لتعلق حق المقتول به، فيخاصم القاتل يوم القيامة. وأما ظلم القاتل لنفسه بإقدامه على المعصية فيسقط بالتوبة (1) .\rوقال الإمام النووي وأكثر العلماء: إن ظواهر الشرع تقتضي سقوط المطالبة في الآخرة بالعقوبة عن القاتل إذا تاب، فقد دلت أحاديث نبوية على أنه لا يطالب، من أشهرها الحديث المروي في الصحيحين الذي ذكر فيه توبة القاتل مئة نفس في الأمم السابقة، وقبول الله توبته (2) .\rثالثاً ـ إسقاط التعازير بالتوبة :\rيظهر مما ذكره الفقهاء في إسقاط الحدود بالتوبة ضرورة التفرقة في التعزيرات بين حقوق الله وحقوق الأفراد (3) ، لأن ضابط التعزير هو: كل من ارتكب منكراً أو آذى غيره بغير حق بقول أو فعل أو إشارة. فقد يكون التعزير حقاً لله أو حقاً للفرد. ويشترك فيه الحقان وأحدهما غالب على الآخر.\r-------------------------------\r(1) رد المحتار: 389/5.\r(2) رواه أبو سعيد الخدري (رياض الصالحين: ص 14، كتاب التوابين لابن قدامة: ص 85، ط دمشق) وانظر فتاوى ابن تيمية: 184/4 وما بعدها، ط 1329.\r(3) وانظر رسالة التعزير للدكتور عبد العزيز عامر: ص 41، 436-441، رد المحتار: 190/3، 198، 204 وما بعدها، 209، نهاية المحتاج: 175/7.","part":7,"page":498},{"id":4784,"text":"فإن كان التعزير حقاً خالصاً للفرد أو الغالب فيه حقه كالشتم والسب والمواثبة والضرب بغير حق والتزوير وشهادة الزور ونحوها مما يتوقف على الادعاء الشخصي، فلا يسقط بالتوبة كما لا يسقط بعفو القاضي، إلا أن يصفح المعتدى عليه.\rوأما إن كان التعزير حقاً لله تعالى كتعزير مفطر رمضان عمداً بدون عذر، وتارك الصلاة وأكل الربا ظاهراً، ومن يحضر موائد الخمر ومجالس الفسق أو كان حق الله فيه غالباً كمباشرة امرأة أجنبية فيما دون الجماع كتقبيل وعناق وخلوة بها ونحو ذلك، فيسقط بالتوبة، كما يسقط بعفو القاضي. وهذا التفصيل في الواقع هو رأي الحنفية والشافعية.\rولكن وردت عبارات لبعض الفقهاء يفهم منها بعمومها أن التعزير مطلقاً يسقط بالتوبة باتفاق الفقهاء.\rقال القرافي: إن التعزير يسقط بالتوبة، ما علمت في ذلك خلافاً (1) .\rوقال في البحر الزخار: يسقط التعزير بالتوبة، ويقرب أنه إجماع المسلمين الآن لكثرة الإساءات فيما بينهم، ولم يعلم أن أحداً طلب تعزير من اعتذر إليه واستغفر، ولا من أقر بأنه قارف ذنباً خفيفاً، ثم تاب منه، ولاستلزامه تعزير أكثر الفضلاء، إذ لم يخل أكثرهم عن مقارفة ذنب وظهوره في فعل أو قول (2) . ولعل المراد من هذه العبارات التعزير الواجب حقاً لله تعالى، لأن الخلاف بين التعزير والحد هو في حقوق الله تعالى.\r-------------------------------\r(1) الفروق: 181/4.\r(2) البحر الزخار ملخصاً: 211/5.","part":7,"page":499},{"id":4785,"text":".......................................خاتمة.........................................\rيتبين من هذا البحث أن للتوبة نظاماً دقيقاً في الشريعة الإسلامية، إذ إنه قد يُكشَف عن الجريمة، فيبادر الجاني إلى الإقرار بمعصيته أمام القاضي، وللقاضي حينئذ توقيع العقوبة عليه، كما فعل الرسول صلّى الله عليه وسلم فيمن أقر بالزنا أمامه، وهو رأي ابن تيمية وابن القيم.\rوقد تساعد التوبة على التقليل من الجرائم بإصلاح الجاني من نفسه ورده الحقوق لأصحابها بدافع ذاتي واقتناع داخلي، إذا توافرت شرائط التوبة الشرعية، فكانت توبة صادقة نصوحاً.\rثم إنه قد تكون التوبة دليلاً على تحقيق الولاء والطاعة السياسية فتحقن دماء كثيرة، ولا تهدر الكرامة الإنسانية في سبيل دعم الحكم، فتتخلص الأمة من شر كبير وفساد عظيم وقعت به في الماضي حين قام بعض الحكام بالبطش بخصومهم المعارضين لسياستهم، كما يظهر في توبة البغاة والخوارج وقطاع الطرق.\rوقد تكون التوبة أيضاً سبيلاً سهلاً لتوفير احترام العقيدة والنظام الإسلامي، كما في توبة المنافقين والمرتدين والزنادقة.\rلهذا كله أقِرّ الرأي القائل بإسقاط الحدود والتعزيرات بالتوبة إذا كانت الجريمة ماسة بمصلحة المجتمع (حق الله ) ما لم يرفع في شأنها دعوى إلى القضاء، أما إذا كانت الجريمة متعلقة بحق شخصي (حق الفرد) أو رفع في شأنها دعوى إلى القضاء، فمن العدل والمنطق ألا تسقط التوبة العقوبة إطفاء لنار الفتنة. ودفعاً للضرر عن المجني عليه، وشفاء لألم المصاب، واستئصالاً للجريمة، فلا يتجرأ أحد على الاعتداء على حقوق الآخرين في نفس أو مال أو عرض. وهذا هو رأي الحنابلة والشيعة الإمامية وبعض فقهاء المذاهب الأخرى في نطاق الحدود الثلاثة: ( حد الزنا والسرقة وشرب الخمر )، وهو رأي الفقهاء عامة فيما يبدو بالنسبة للتعازير، وبقية الحدود الأخرى.\rوفي ذلك مصلحة للمؤمنين بشرائع الإسلام في وقت عطلت فيه الحدود الشرعية، ولم يبق أمام المؤمن الصادق سوى التوبة لتكفير خطاياه.\rوالله الموفق والهادي إلى سواء الصراط، أخرج الترمذي عن أنس رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلم يقول: قال الله: « يا ابن آدم، إنك مادعوتني ورجوتني غفرت لك على ماكان منك ولا أبالي، يا ابن آدم، لو بلغت ذنوبك عنان السماء، ثم استغفرتني غفرت لك ولا أبالي، يا ابن آدم، إنك لو لقيتني بقُراب الأرض خطايا، ثم لقيتني لاتشرك بي شيئاً، لأتيتك بقُرابها مغفرة » .","part":7,"page":500},{"id":4786,"text":"الفَصْلُ السّادس: حدّ الرِّدّة وأحكام المرتدّين\rالكلام هنا عن معنى الردة وشرائطها وأحكام المرتدين: حكم قتل المرتد، وحكم تملك أمواله وتصرفاته، وحكم ميراثه.\rمعنى الردة: الردة لغة: الرجوع عن الشيء إلى غيره، وهي أفحش الكفر وأغلظه حكماً، ومحبطة للعمل إن اتصلت بالموت عند الشافعية، وبنفس الردة عند الحنفية، قال الله تعالى: {ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر، فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة، وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون} [البقرة:217/2].\rوهي شرعاً: الرجوع عن دين الإسلام إلى الكفر، سواء بالنية أو بالفعل المكفر أو بالقول، وسواء قاله استهزاءً أو عناداً أواعتقاداً.\rوعلى هذا فالمرتد: هو الراجع عن دين الإسلام إلى الكفر، مثل من أنكر وجود الصانع الخالق، أو نفى الرسل، أو كذب رسولاً، أو حلل حراماً بالإجماع كالزنا واللواط وشرب الخمر والظلم، أو حرم حلالاً بالإجماع كالبيع والنكاح، أو نفى وجوب مجمع عليه، كأنه نفى ركعة من الصلوات الخمس المفروضة، أو اعتقد وجوب ما ليس بواجب بالإجماع، كزيادة ركعة من الصلوات المفروضة، أو وجوب صوم شيء من شوال، أو عزم على الكفر غداً، أو تردد فيه. ومثال الفعل المكفر: إلقاء مصحف أو كتاب حديث نبوي على قاذورة، وسجود لصنم أو شمس (1) .\rوالخلاصة: للردة أسباب ثلاثة كبرى وهي:\r1 - إنكار حكم مجمع عليه في الإسلام، كإنكار وجوب الصلاة والصوم والزكاة والحج، وإنكار تحريم الخمر والربا وكون القرآن كلام الله .\r2 - فعل بعض أفعال الكفار: كإلقاء مصحف في قاذورة متعمداً، وكذلك إلقاء كتب التفسير والحديث، وكالسجود لصنم وممارسة بعض عبادات الكفار أو خصائصهم في اللباس والشراب.\r3 - التحلل من الإسلام بسب الإله أو سب نبي أو سب الدين، أو استباحة تعري المرأة ومنع الحجاب.\r-------------------------------\r(1) راجع مغني المحتاج: 133/4 وما بعدها، المهذب: 288/2، غاية المنتهى: 332/3،المغني: 123/8، 131، فتح القدير: 385/4، حاشية الدسوقي على الشرح الكبير: 301/4.","part":7,"page":501},{"id":4787,"text":"المرتد والزنديق والسابّ والساحر :\rالمرتد: هو المكلف الذي يرجع عن الإسلام طوعاً إما بتصريح بالكفر، أو بلفظ يقتضيه، أو بفعل يتضمنه.\rوأما الزنديق: فهو الذي يظهر الإسلام ويُسرّ الكفر. فإذا عثر عليه قتل ولا يستتاب، ولا يقبل قوله في ادعاء التوبة إلا إذا جاء تائباً قبل ظهور زندقته.\rوأما الساحر: فيقتل إذا عثر عليه كالكافر، واختلف في قبول توبته أم لا.\rوأما من سب الله تعالى أو النبي صلّى الله عليه وسلم أو أحداً من الملائكة أو الأنبياء، فإن كان\rمسلماً قتل اتفاقاً. واختلف هل يستتاب أو لا، المشهور عند المالكية عدم الاستتابة وإن كان كافراً، فإن سب بغير ما به كفر، فعليه القتل، وإلا فلا قتل عليه (1) .\rشروط صحة الردة: اتفق العلماء على اشتراط شرطين لصحة الردة:\rالأول ـ العقل: فلا تصح ردة المجنون والصبي الذي لا يعقل؛ لأن العقل من شرائط الأهلية في الاعتقادات وغيرها.\rوأما السكران الذاهب العقل، فلا تصح ردته استحساناً عند الحنفية؛ لأن الأمر يتعلق بالاعتقاد والقصد، والسكران لا يصح عقده ولا قصده، فأشبه المعتوه، ولأنه زائل العقل فلم تصح ردته كالنائم، ولأنه غير مكلف، فلم تصح ردته كالمجنون (2) .\rوقال الشافعية على المذهب عندهم، والحنابلة في أظهر الروايتين عن أحمد: تصح ردة السكران المتعدي بسكره، وإسلامه، كما يصح طلاقه وسائر تصرفاته، ولأن الصحابة أوجبوا عليه حد الفرية التي يأتي بها في سكره، وأقاموا مظنة الافتراء مقامه (3) ، ولكن لا يقتل وهو سكران إن ارتد حتى يستتاب بعد بلوغ وصحو ثلاثة أيام. وأما البلوغ فليس بشرط عند أبي حنيفة ومحمد والمالكية والحنابلة، فتصح ردة الصبي المميز، لكن عند أبي حنيفة ومحمد: لا يقتل ولا يضرب، وإنما يعرض عليه الإسلام جبراً (4) عند البلوغ ويحبس ويضرب. وإذا\r-------------------------------\r(1) القوانين الفقهية: ص 364 وما بعدها، غاية المنتهى: 359/3، 362.\r(2) البدائع: 134/7، الدر المختار: 311/3 وما بعدها.\r(3) مغني المحتاج: 137/4، المغني: 147/8 وما بعدها.\r(4) وهذا مثل الصبي الذي حكم بإسلامه تبعاً لأبويه، ثم بلغ كافراً، ولم يسمع منه الإقرار بالردة بعد البلوغ، فإنه يجبر على الإسلام، ولايقتل. فإن أقر بالإسلام بعد البلوغ ثم ارتد يقتل. (الدر المختار ورد المحتار: 335/3)","part":7,"page":502},{"id":4788,"text":". حكم بصحة ردته بانت منه امرأته، ولا تطبق عليه العقوبات المقررة للمرتد؛ لأنه ليس أهلاً لالتزام العقوبات في الدنيا.\rوقال الشافعي وأبو يوسف: البلوغ شرط، فلا تصح ردة الصبي المميز، ولا المجنون لعدم تكليفهما، فلا اعتداد بقولهما واعتقادهما، أي لا يصح أيضاً عندهما إسلام الصبي، لحديث «رفع القلم عن ثلاثة: عن الصبي حتى يبلغ...» وقد رجع أبو حنيفة إلى رأي أبي يوسف كما في الفتح وغيره.\rوقال الجمهور غير الشافعية: يصح إسلام الصبي المميز لحديث: «كل مولود يولد على الفطرة..» (1) .\rولقوله عليه الصلاة والسلام: «من قال: لا إله إلا الله دخل الجنة» (2) . والخلاصة: أنه يصح إسلام المميز وردته عند الجمهور، ولا يصح إسلامه ولا ردته عند الشافعية.\rوأرجح رأي الجمهور في قبول إسلام المميز بدليل إسلام سيدنا علي رضي الله عنه وهو صغير، والأولى الأخذ برأي الشافعي وأبي يوسف في عدم صحة ردة المميز؛ إذ لا تكليف قبل البلوغ.\r-------------------------------\r(1) رواه البخاري ومسلم وأحمد والموطأ والترمذي وأبو داود عن أبي هريرة بلفظ «ما من مولود إلا يولد...» ورواه أبو يعلى والطبراني والبيهقي عن الأسود بن سريع بلفظ «كل مولود يولد...» (جامع الأصول: 178/1، نيل الأوطار: 200/7، الجامع الصغير: 94/2) والفطرة: أنه يكون متهيئاً للإسلام.\r(2) البدائع، مغني المحتاج، المرجعان السابقان، المغني، المرجع نفسه: ص 133، 135 وما بعدها، وأما حديث «من قال: لا إله إلا الله » فرواه البزار عن أبي سعيد الخدري، وهو حديث صحيح متواتر روي عن 34 صحابياً بلفظ «من شهد أن لا إله إلا الله ، وجبت له الجنة» (النظم المتناثر من الحديث المتواتر للكتاني: ص 28، الجامع الصغير: 177/2، مجمع الزوائد: 81/10 وما بعدها).","part":7,"page":503},{"id":4789,"text":"وأما الذكورة فليست بشرط اتفاقاً، فتصح ردة المرأة.\rالشرط الثاني: الاختيار أو الطواعية: فلا تصح ردة المكره اتفاقاً إذا كان قلبه مطمئناً بالإيمان، كما سبق ذكره في بحث الإكراه (1) .\rأحكام المرتد: للمرتد أحكام منها:\r1 - قتل المرتد :\rلا يقتل المرتد إلا إذا كان بالغاً عاقلاً، لم يتب من ردته، وثبتت ردته بإقرار أو شهادة . وقد اتفق العلماء على وجوب قتل المرتد، لقوله صلّى الله عليه وسلم : «من بدل دينه فاقتلوه» (2) وقوله عليه السلام: «لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس،\r-------------------------------\r(1) المراجع السابقة، المغني: ص 145، غاية المنتهى: 353/3، 358.\r(2) رواه الجماعة إلا مسلماً، ورواه ابن أبي شيبة وعبد الرزاق عن عكرمة عن ابن عباس. وقد سبق تخريجه (راجع نيل الأوطار: 190/7).","part":7,"page":504},{"id":4790,"text":"والتارك لدينه المفارق للجماعة» (1) . وأجمع أهل العلم على وجوب قتل المرتد، وكذا تقتل المرأة المرتدة عند جمهور العلماء غير الحنفية، بدليل أن امرأة يقال لها: « أم مروان ارتدت عن الإسلام، فبلغ أمرها إلى النبي صلّى الله عليه وسلم فأمر أن تستتاب، إن تابت وإلا قتلت» (2) وقد وقع في حديث معاذ: «أن النبي صلّى الله عليه وسلم لما أرسله إلى اليمن، قال له: أيما رجل ارتد عن الإسلام فادعه، فإن عاد، وإلا فاضرب عنقه، وأيما امرأة ارتدت عن الإسلام ، فادعها، فإن عادت، وإلا فاضرب عنقها» (3) . قال الحافظ ابن حجر: «وإسناده حسن، وهو نص في موضوع النزاع، فيجب المصير إليه» .\r-------------------------------\r(1) رواه البخاري ومسلم عن ابن مسعود رضي الله عنه (سبل السلام: 231/3، الإلمام: ص 443).\r(2) أخرجه الدارقطني والبيهقي عن جابر، وإسناده ضعيف، وأخرجه البيهقي من وجه آخر ضعيف عن عائشة (نيل الأوطار: 192/7، نصب الراية: 458/3، تلخيص الحبير، الطبعة المصرية: 49/4).\r(3) رواه الطبراني في معجمه عن معاذ بن جبل، قال الحافظ ابن حجر: وسنده حسن (نيل الأوطار: 193/7، نصب الراية: 457/3).","part":7,"page":505},{"id":4791,"text":"وقال الحنفية: لا تقتل المرأة المرتدة، ولكنها تجبر على الإسلام، وإجبارها يكون بالحبس إلى أن تسلم أو تموت؛ لأنها ارتكبت جرماً عظيماً، وتضرب في كل ثلاثة أيام مبالغة في الحمل على الإسلام، ولو قتلها قاتل لا يجب عليه شيء للشبهة. ودليلهم على عدم جواز قتل المرأة المرتدة هو قوله صلّى الله عليه وسلم : «لا تقتلوا امرأة» وفي حديث صحيح آخر أن النبي عليه السلام نهى عن قتل النساء، ولأن القتل لدفع شر الحرابة لا بسبب الكفر، إذ جزاؤه أعظم من القتل عند الله تعالى، فيختص القتل لمن يتأتى منه المحاربة، وهو الرجل دون المرأة لعدم صلاحية بنيتها (1) .\rأما الاستتابة قبل القتل: فيستحب عند الحنفية أن يستتاب المرتد ويعرض عليه الإسلام، لاحتمال أن يسلم، لكن لا يجب؛ لأن دعوة الإسلام قد بلغته، فإن أسلم فمرحباً به، وإن أبى نظر الإمام في شأنه: فإن تأمل توبته أو طلب هو التأجيل أجله ثلاثة أيام، فإن لم يتأمل توبته، أو لم يطلب هو التأجيل، قتله في الحال، بدليل ما روي عن سيدنا عمر رضي الله عنه: «أنه قدم على رجل من جيش المسلمين، فقال: هل عندكم من مُغربةِ خبر؟ قال: نعم، رجل كفر بالله تعالى بعد إسلامه، فقتلناه، فقال عمر: هلا حبستموه في بيت ثلاثة أيام، وأطعمتموه في كل يوم رغيفاً لعله يتوب، ثم قال: اللهم إني لم أحضر ولم آمر، ولم أرض» (2) ، إلا أن الكمال بن الهمام قال: لكن ظاهر تبري عمر يقتضي الوجوب.\r-------------------------------\r(1) راجع المبسوط: 98/10 وما بعدها، فتح القدير: 385/4 وما بعدها، البدائع: 134/7، تبيين الحقائق للزيلعي: 384/3 وما بعدها، الدر المختار ورد المحتار: 312/3، 326.\r(2) رواه مالك في الموطأ، والشافعي والبيهقي من طريقه عن محمد بن عبد الله بن عبد القادر، قال: قدم على عمر بن الخطاب رجل من قبل أبي موسى.. الحديث (نصب الراية: 460/3، نيل الأوطار: 191/7).","part":7,"page":506},{"id":4792,"text":"وكيفية توبة المرتد: أن يتبرأ عن الأديان كلها سوى الإسلام، ولو تبرأ عما انتقل إليه كفاه، لحصول المقصود به، وتكون توبة المرتد وكل كافر بإتيانه بالشهادتين (1) .\rوقال جمهور العلماء: تجب استتابة المرتد والمرتدة قبل قتلهما ثلاث مرات، بدليل حديث أم مروان السابق ذكره، وثبت عن عمر وجوب الاستتابة، ولا يعارض هذا: النهي عن قتل النساء الذي استدل به الحنفية، لأن ذلك محمول على الحربيات، وهذا محمول على المرتدات (2) .\rوالخلاصة: أنه يعرض الإسلام استحباباً عند الحنفية (3) ، ووجوباً عند غيرهم على المرتد، فإن كانت له شبهة كشفت له، إذ الظاهر أنه لا يرتد إلا من له شبهة. ويحبس ثلاثة أيام ندباً عند الحنفية، ويعرض عليه الإسلام في كل يوم، فإن أسلم فبها، وإن لم يسلم قتل، لحديث: «من بدل دينه فاقتلوه» (4) .\rولا يقتل المرتد إلا الإمام أو نائبه، فإن قتله أحد بلا إذنهما، أساء وعزر، ولكن لا ضمان بقتله ولو كان القتل قبل استتابته، أو كان مميزاً، إلا أن يلحق بدار الحرب فلكل أحد قتله وأخذ مامعه.\r2 - حكم مال المرتد وتصرفاته :\rلا خلاف في أن المرتد إذا أسلم تكون أمواله على حكم ملكه السابق، ولا خلاف أيضاً في أنه إذا مات،أو قتل، أو لحق بدار الحرب، تزول أمواله عن ملكه.\r-------------------------------\r(1) اللباب شرح الكتاب: 149/4، غاية المنتهى: 360/3.\r(2) بداية المجتهد: 448/2، الشرح الكبير للدردير: 304/4، مغني المحتاج: ص 139 وما بعدها، المغني: 124/8 وما بعدها، غاية المنتهى: 358/3.\r(3) الكتاب مع اللباب: 148/4.\r(4) أخرجه البخاري وأبو داود والنسائي والترمذي وابن ماجه وأحمد عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، وقد سبق تخريجه.","part":7,"page":507},{"id":4793,"text":"واختلف في أن زوال ملكه عن أمواله بالموت أو القتل أو اللحاق بدار الحرب: هل من وقت الردة، أي بأثررجعي، أو عند حدوث هذه الأسباب؟\rقال أبو حنيفة (وقوله هو الصحيح في مذهبه)، والشافعي في أظهر أقواله الثلاثة، ومالك على الراجح في مذهبه، وظاهر كلام أحمد: تصبح أموال المرتد بمجرد الردة موقوفة، أي يحجر عليه بالارتداد إلى أن يتقرر مصيره، فإن أسلم تبينا بقاء ملكه، وإن مات أو قتل على ردته أو لحق بدار الحرب وحكم بلحاقه، تبينا زوال ملكيته عن أمواله بمجرد ردته، وعند أبي حنيفة: ينتقل ماكان اكتسبه في حال إسلامه إلى ورثته المسلمين؛ لأن ردته بمنزلة موته، فيتحقق شرط توريث المسلم من المسلم، ويصبح مااكتسبه في حال ردته فيئاً للمسلمين، فيوضع في بيت المال؛ لأن كسبه حال ردته كسب مباح الدم ليس فيه حق لأحد، فكان فيئاً كمال الحربي.\rوكذلك تكون تصرفات المرتد حال ردته بالبيع والشراء والهبة والوصية ونحوها موقوفة عند أبي حنيفة: إن أسلم تبينا أن تصرفه كان صحيحاً، وإن قتل أو مات على ردته كان تصرفه باطلاً، إلا أن الشافعية قالوا: إذا كان التصرف يحتمل الوقف كالوصية فهو موقوف، وإن لم يحتمل الوقف كالبيع والهبة والرهن، كان التصرف باطلاً؛ لأنهم يقولون ببطلان وقف العقود.","part":7,"page":508},{"id":4794,"text":"ودليل الشافعية: أن المرتد تزول عصمة نفسه بالردة، فيجب قتله، وكذا تزول عصمة ماله، لأنها تبع لعصمة النفس، فتزول ملكيته عن ماله، ولأنه معرض للقتل، والقتل يؤدي به إلى الموت، والموت تزول به الملكية، بأثر رجعي أي (مستند إلى الماضي) يمتد إلى السبب الذي أدى إلى الموت وهو الردة، غير أنه يدعى إلى الإسلام. ونظراً لاحتمال عودته إلى الإسلام نحكم بتوقف زوال ملكه في الحال، فإن أسلم تبين أن الردة لم تكن سبباً لزوال الملك، وإن قتل أو مات أو لحق بدار الحرب، تبين أنها وقعت سبباً لزوال الملك من حين حدوثها، والحكم لا يتخلف عن سببه.\rوقال الصاحبان، والحنابلة في الراجح عندهم: لا يزول ملك المرتد بمجرد ردته، وإنما يزول بالموت أو القتل، لأن تأثير الردة يظهر في إباحة دمه، لا في زوال ملكه كالمحكوم عليه بالرجم والقصاص، ولأنه مكلف، فيكون كامل الأهلية، فيحكم ببقاء ملكه. وزوال العصمة عن النفس لا يلزم منه زوال الملك بدليل المحكوم عليه بالرجم ونحوه.\rإلا أن الحنابلة قالوا: لو لحق المرتد بدار الحرب لم يزل ملكه، وإنما يباح قتله لكل واحد من غير استتابة، ويباح أخذ ماله لمن قدر عليه، لأنه صار حربياً، حكمه حكم الحربيين. وتصبح تصرفات المرتد حينئذ موقوفة. قال ابن مفلح الحنبلي في المبدع: تكون تصرفات المرتد من البيع والهبة والوقف ونحوه موقوفة على المذهب؛ لأنه مال تعلق به حق الغير، فكان التصرف فيه موقوفاً كتبرع المريض، والمذهب أنه يمنع من التصرف فيه. فإن أسلم ثبت ملكه وتصرفاته، وكان ذلك صحيحاً وإلا بطلت، أي إذا مات أو قتل في ردته، كان تصرفه باطلاً، تغليظاً عليه، بقطع ثوابه، بخلاف المريض.","part":7,"page":509},{"id":4795,"text":"أما الصاحبان فقالا: تزول ملكية المرتد عن أمواله بمجرد اللحاق بدار الحرب مثل الموت أو القتل، وتنتقل كل أمواله لورثته. وتعتبر تصرفات المرتد نافذة في أمواله، إلا أن أبا يوسف قال: تنفذ تصرفاته كتصرف الإنسان العادي الصحيح البدن؛ لأنه يمكنه الرجوع إلى الإسلام، فيتخلص عن القتل. أما المريض: فلا يمكنه دفع المرض عن نفسه، فلا تشابه بينهما. وقال محمد: تنفذ تصرفاته كالمريض مرض الموت، أي لا تنفذ تبرعاته بالنسبة للورثة إلا في حدود الثلث؛ لأن المرتد معرض للموت بتنفيذ العقاب عليه وهو القتل، فأشبه المريض مرض الموت.\rويلاحظ أن خلاف أبي حنيفة مع صاحبيه هو في المرتد، أما المرتدة فلا يزول ملكها عن أموالها بلا خلاف عندهم، وتنفذ تصرفاتها في مالها؛ لأنها لا تقتل عندهم، فلم تكن ردتها سبباً لزوال ملكها عن أموالها، فتنفذ تصرفاتها (1) .\r3 - حكم ميراث المرتد :\rإذا مات المرتد أو قتل، فإنه يبدأ بقضاء دينه وضمان جنايته ونفقة زوجته وقريبه؛ لأن هذه الحقوق لا يجوز تعطيلها.\rوما بقي من ماله يكون فيئاً لجماعة المسلمين يجعل في بيت المال، وهو مذهب المالكية والشافعية والحنابلة (2) ، لقوله عليه الصلاة والسلام: «لا يرث المسلم الكافر، ولا يرث الكافر المسلم» (3) .\r-------------------------------\r(1) راجع الموضوع في المبسوط: 101/10، الكتاب مع اللباب: 150/4 وما بعدها، البدائع: 136/7، فتح القدير: 390/4-397، تبيين الحقائق: 285/3، الدر المختار: 328/3، الشرح الكبير للدردير: 305/4 وما بعدها، مغني المحتاج: 142/4 وما بعدها، المغني: 128/8 وما بعدها، غاية المنتهى: 361/3، المبدع شرح المقنع لابن مفلح المؤرخ الحنبلي: (916 -984 هـ) طبع المكتب الإسلامي بدمشق.\r(2) الشرح الكبير للدردير: ص 304، مغني المحتاج، المغني، المراجع السابقة.\r(3) رواه أحمد في مسنده وأصحاب الكتب الستة عن أسامة بن زيد، وهو حديث صحيح (تلخيص الحبير، الطبعة المصرية: 84/3، سبل السلام: 98/3، الإلمام: ص 388).","part":7,"page":510},{"id":4796,"text":"وقال أبو حنيفة: إذا مات المرتد أو قتل، أو لحق بدار الحرب، وترك ماله في دار الإسلام، انتقل ما اكتسبه في الإسلام إلى ورثته، وكان ما اكتسبه في حال ردته فيئاً يوضع في بيت مال المسلمين؛ لأن الإرث له أثر رجعي يمتد إلى الماضي، فما اكتسبه في حال إسلامه يورث لوجود الكسب قبل الردة، فيكون للإرث أثر رجعي بالنسبة إليه، فيتم شرط توريث المسلم من المسلم، وما اكتسبه حال ردته يكون فيئاً؛ لأنه زال ملكه بالردة، فكان الكسب لا مالك له، فلا يورث، إذ لا يمكن هنا أن يكون للإرث أثر رجعي بالنسبة لكسب الردة، لعدم الكسب قبل الردة.\rوقال الصاحبان: كل مال للمرتد يملكه ورثته، سواء أكان الكسب قبل الردة أم بعدها؛ لأن القاعدة عندهما أن المرتد لا تزول ملكيته عن أمواله، وإنما ملكه باق له؛ لأنه كما عرفنا أهل للملك، وإذا ثبت ملكه فتنتقل أمواله إلى ورثته بالموت أو ما في معناه، ويعتبر للتوريث أثر رجعي إلى ما قبيل ردته، فيجعل كأنه اكتسبه في حال الإسلام، فورثه ورثته منه حال الإسلام، فينطبق شرط توريث المسلم من المسلم.\rثم اختلف أبو حنيفة مع صاحبيه في أهلية الوراثة: هل يعتبر حال الوارث إسلاماً وغيره وقت الردة أو وقت الموت؟\rقال الصاحبان: تعتبر أهلية الوراثة وقت الموت أو القتل؛ لأن ملك المرتد يزول عندهما بالموت أو ما في معناه، فإن كان الوارث مسلماً حراً يرث، وإلا فلا.\rوعن أبي حنيفة روايتان: في رواية: يعتبر حال الردة فقط، فلو كان حينئذ أهلاً للإرث ورث، وإن زالت أهليته بعدئذ.","part":7,"page":511},{"id":4797,"text":"وفي رواية: يعتبر حال الردة مع الدوام على الأهلية إلى وقت الموت أو القتل، فمن كان وارثاً حال الردة، بأن كان حراً مسلماً، وبقي كذلك إلى وقت الموت أو اللحاق بدار الحرب، فإنه هو الذي يرث. والأصح كما قال في المبسوط هو اعتبار حال الوارث عند الموت أو القتل، أوالحكم باللحاق بدار الحرب؛ لأن الحادث بعد انعقاد سبب الملكية ولكن قبل تمام السبب كالحادث عند وجود أصل السبب، فمثلاً إن الزيادة المتولدة من المبيع كالولد، والثمرة قبل قبض المشتري للمبيع، تعتبر ملحقة بالمبيع، فتصير معقوداً عليها، وكأنها موجودة عند ابتداء العقد، ويعتبر الثمن موزعاً على الأصل وعلى الزيادة معاً (1) .\rوإن لحق المرتد بدار الحرب، وحكم القاضي بلحاقه، حلت ديونه المؤجلة التي عليه، ونقل ما اكتسبه في حال الإسلام عند الحنفية إلى ورثته المسلمين.\rهل يشترط قضاء القاضي بلحاق المرتد بدار الحرب؟\rفيه عند الحنفية روايتان: في رواية: أنه لا بد لاستقرار لحاقه بدار الحرب من قضاء القاضي لاحتمال عودته إلى دار الإسلام. وظاهر الرواية: أنه لا يحتاج للقضاء.\rإلا أن الصاحبين ـ في حالة القضاء باللحاق ـ اختلفا في أهلية الوراثة باللحاق بدار الحرب: هل تعتبر الأهلية وقت القضاء باللحاق أو وقت اللحاق؟\rعند أبي يوسف: يعتبر وقت القضاء؛ لأن الملك لا يزول إلا بالقضاء، ومجرد اللحاق يعتبر غيبة. وهذا هو الأرجح.\rوعند محمد: يعتبر وقت اللحاق؛ لأن اللحاق هو سبب زوال الملك، فالملك يزول به، والقضاء إنما يكون لتقرر اللحاق بإزالة احتمال عودة المرتد إلينا.\r-------------------------------\r(1) المبسوط: ص 102، فتح القدير: ص 391، تبيين الحقائق: ص 286، البدائع: ص 138، الدر المختار: ص 328 وما بعدها، المراجع السابقة.","part":7,"page":512},{"id":4798,"text":"وإذا افترضنا أن المرتد بعد لحاقه بدار الحرب، عاد مسلماً إلى دار الإسلام: فإن كان قبل قضاء القاضي بلحاقه، فماله على حاله، وإن كان بعد القضاء، فما وجد من ماله في يد وارثه فهو أحق به، ويأخذه منه بطريق القضاء؛ لأن حكم القاضي باللحاق صير المال ملكاً لورثة المرتد، فلا يعود الملك له إلا بالقضاء أو بالتراضي.\rوإذا كان المال قد خرج عن ملك الوارث بالتمليك، أو بالاستهلاك، فلا يحق للمرتد الرجوع على وارثه بذلك (1) .\rأما ديون المرتد: فتقضى الديون التي لزمته في حال الإسلام مما اكتسبه في حال الإسلام، وما لزمه من الديون في حال ردته يقضى مما اكتسبه في حال ردته. وهذه رواية عن أبي حنيفة، وقول زفر.\r-------------------------------\r(1) المراجع السابقة، الدر المختار: ص 331، فتح القدير: ص 394، تبيين الحقائق: 288، البدائع: ص 138، المبسوط: ص 103.","part":7,"page":513},{"id":4799,"text":"البَابُ الثّاني: التَّعزِير\rبعد انتهاء الكلام عن الحدود: وهي العقوبات المقدرة في الشرع، أبيِّن عقوبات الجرائم التي ليس لها حد مقدر شرعاً: وهوما يعرف بالتعزير، وأتكلم عنه بإيجاز عن تعريفه، وشروط وجوبه، وقدره وصفته، وطرق إثبات موجبه، وضمان موت المعزر (1) .\rتعريف التعزير وموجبه ومنفِّذه وكيفيته :\rالأصل في التعزير لغة: المنع، ومنه التعزير بمعنى النصرة؛ لأنه منع لعدوه من أذاه، ثم اشتهر معنى التعزير في التأديب والإهانة دون الحد؛ لأنه يمنع الجاني من معاودة الذنب. وهوشرعاً: العقوبة المشروعة على معصية أو جناية لا حد فيها، ولا كفارة (2) ، سواء أكانت الجناية على حق الله تعالى، كالأكل في نهار رمضان بغير عذر (3) ، وترك الصلاة في رأي الجمهور، والربا، وطرح النجاسة ونحوها في طريق الناس ونحوها، أم على حق العباد كمباشرة الأجنبية فيما دون الفرج، وسرقة ما دون النصاب، أو السرقة من غير حرز، وخيانة الأمانة والرشوة، أو القذف بغير الزنى من أنواع السب والضرب والإيذاء بأي وجه، مثل أن يقول الرجل لآخر: يا فاسق، يا خبيث، يا سارق، يا فاجر، يا كافر، يا آكل الربا، يا شارب الخمر، ونحوها. سئل علي كرم الله وجهه عن قول الرجل للرجل: يا فاسق، يا خبيث، قال: هن فواحش فيهن التعزير، وليس فيهن حد.\rومن موجبات التعزير: الجناية التي لا قصاص فيها، أو وطء الزوجة في الدبر، أو أثناء الحيض، أو النهب أو الغصب أو الاختلاس.\rولو قال شخص لآخر: يا كلب، يا خنزير، يا حمار، يا ثور، لا يعزر في أصل مذهب الحنفية؛ لأنه قذفه بما لا يتصور، فيرجع عار الكذب إليه. وبعضهم\r-------------------------------\r(1) من أراد التفصيل فليرجع إلى رسالة الدكتوراه للزميل عبد العزيز عامر وموضوعها: «التعزير في الشريعة الإسلامية» طبعة البابي الحلبي.\r(2) إن المعاصي ثلاثة أنواع: نوع فيه الحد ولا كفارة فيه، كالسرقة والشرب والزنا والقذف، فالحد فيه مغن عن التعزير. ونوع فيه الكفارة ولا حد فيه، كالوطء في نهار رمضان عند الشافعية والحنابلة بعكس الحنفية والمالكية، والوطء في الإحرام. ونوع ثالث لا حد فيه ولا كفارة: مثل قبلة الأجنبية والخلوة بها، ودخول الحمام بغير مئزر، وأكل الميتة والدم ولحم الخنزير، ونحو ذلك، وهذا النوع فيه التعزير، ولا يجوز للإمام تركه في قول الجمهور كما بينا، وقال الشافعي: إنه راجع إلى اجتهاد الإمام في إقامته وتركه، كما يرجع إلى اجتهاده في قدره (أعلام الموقعين: 99/2).\r(3) ذكر الحنابلة أنه يعزر بعشرين سوطاً لشرب مسكر نهار رمضان مع الحد (غاية المنتهى: 333/3).","part":7,"page":514},{"id":4800,"text":"قال: يعزر في عرفنا، وهذا هو المناسب لعصرنا، إذا كان مثله يتأذى بذلك، ويعزره القاضي بناء على طلب المشتوم، ويؤيد هذا الاتجاه (1) أن الشافعية قالوا: من الألفاظ الموجبة للتعزير قوله لغيره: يا فاسق، يا كافر، يا فاجر، يا شقي، يا كلب، يا حمار، يا تيس، يا رافضي، يا خبيث، يا كذاب، يا خائن، يا قواد، يا ديوث (2) .\rويقوم بالتعزير ولي الأمر أو نائبه. ويكون التعزير إما بالضرب، أو بالحبس أو بالتوبيخ، ونحوها بحسب ما يراه ولي الأمر رادعاً للشخص، بحسب اختلاف حالات الناس.\rمتى يشرع الحبس؟\rقال جماعة من الفقهاء بمشروعية الحبس، بدليل أن النبي صلّى الله عليه وسلم حبس رجلاً في تهمة، ثم خلى عنه (3) ، وهذا هو الحبس الاحتياطي. وقال عليه السلام: «لي الواجد يُحلَّ عِرْضه وعقوبته» (4) . وثبت أن عمر بن الخطاب كان له سجن، وتبعه في ذلك عثمان، وعلي رضي الله عنهم. واستدل الحنفية على مشروعية الحبس بقوله تعالى: {أو ينفوا من الأرض} [المائدة:5/33] قالوا: والمقصود من النفي هو الحبس (5) .\r-------------------------------\r(1) البحر الرائق: 240/8.\r(2) تكملة المجموع: 361/18.\r(3) رواه أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي عن بهز بن حكيم. والتهمة: الظن بما نسب إلى إنسان (نيل الأوطار: 150/7).\r(4) رواه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه عن عمرو بن الشريد. واللي: المطل، والواجد: الغني، يحل: يجوز وصفه بكونه ظالماً، وعرضه: شكايته، وعقوبته: حبس. وقد استدل بالحديث على جواز حبس من عليه الدين حتى يقضيه إذا كان قادراً على القضاء تأديباً له وتشديداً عليه، لا إذا لم يكن قادراً (نيل الأوطار: 240/5).\r(5) تبيين الحقائق: 208/3، أحكام القرآن للجصاص: 412/2، المغني: 328/9.","part":7,"page":515},{"id":4801,"text":"ويشرع الحبس في ثمانية مواضع، كما أبان القرافي المالكي (1) :\rالأول ـ يحبس الجاني لغيبة المجني عليه، حفظاَ لمحل القصاص.\rالثاني ـ حبس الآبق سنة، حفظاً للمالية رجاء أن يعرف صاحبه.\rالثالث ـ يحبس الممتنع عن دفع الحق إلجاء إليه.\rالرابع ـ يحبس من أشكال أمره في العسر واليسر، اختباراً لحاله، فإذا ظهر حاله حكم بموجبه عسراً أو يسراً.\rالخامس ـ الحبس للجاني تعزيراً وردعاً عن معاصي الله تعالى.\rالسادس ـ يحبس من امتنع من التصرف الواجب الذي لا تدخله النيابة، من حقوق العباد، كحبس من أسلم متزوجاً بأختين أو عشر نسوة، أو امرأة وابنتها، وامتنع من تعيين واحدة.\rالسابع ـ من أقر بمجهول، عيناً أو في الذمة، وامتنع من تعيينه، فيحبس حتى يعينه، فيقول: العين هو هذا الثوب أو هذه الدابة ونحوها، أو الشيء الذي أقرت به هو دينار في ذمتي.\rالثامن ـ يحبس الممتنع في حق الله تعالى الذي لا تدخله النيابة عند الشافعية كالصوم. وعند المالكية: يقتل كالصلاة.\rقال القرافي: وما عدا هذه الثمانية لا يجوز الحبس فيه، ولا يجوز الحبس ي الحق إذا تمكن الحاكم من استيفائه، فإن امتنع المدين من دفع الدين، وعرف ماله، أخذنا منه مقدار الدين، ولا يجوز لنا حبسه، وكذلك إذا ظفرنا بماله، أو داره، أو شيء يباع له في الدين، رهناً كان أو غيره، فعلنا ذك ولا نحبسه؛ لأن في حبسه استمرار ظلمه، ودوام المنكر في الظلم.\r-------------------------------\r(1) الفروق: 79/4، الاعتصام: 120/2، وانظر الطرق الحكمية لابن القيم: ص 101 ومابعدها.","part":7,"page":516},{"id":4802,"text":"التعزير بالقتل سياسة :\rأجاز الحنفية والمالكية (1) : أن تكون عقوبة التعزير كما في حال التكرار (العود) أو اعتياد الإجرام، أو المواقعة في الدبر (اللواطة)، أو القتل بالمثقل عند الحنفية: هي القتل، ويسمونه القتل سياسة، أي إذا رأى الحاكم المصلحة فيه، وكان جنس الجريمة يوجب القتل.\rوقد أفتى أكثر فقهاء الحنفية بناء عليه بقتل من أكثر من سب النبي صلّى الله عليه وسلم من أهل الذمة، وإن أسلم بعد أخذه، وقالوا: يقتل سياسة. وأجمع العلماء كما قال القاضي عياض في الشفا على وجوب قتل المسلم إذا سب النبي صلّى الله عليه وسلم ، لقوله تعالى: {إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة وأعد لهم عذاباً مهيناً} [الأحزاب:57/33].\rوقالوا أيضاً: إن للإمام قتل السارق سياسة إذا تكررت منه جريمة السرقة، وله قتل من تكرر منه الخنق في ضمن المصر، لسعيه بالفساد في الأرض، ومثله كل من لا يدفع شره إلا بالقتل يقتل سياسة. وذكلك يقتل الساحر عند أكثر العلماء، والزنديق الداعي إلى زندقته، إذا قبض عليه، ولو تاب. وقد روى الترمذي عن جندب موقوفاً ومرفوعاً: «أن حد الساحر ضربه بالسيف» .\rوأجاز المالكية والحنابلة وغيرهم (2) قتل الجاسوس المسلم، إذا تجسس للعدو على المسلمين. ولم يجز أبو حنيفة والشافعي هذا القتل. وجوز طائفة من أصحاب الشافعي وأحمد وغيرهما قتل الداعية إلى البدع المخالفة للكتاب والسنة.\rواتفق الفقهاء على أنه يقتل الجاسوس الحربي الكافر، وأما المعاهد والذمي فقال مالك والأوزاعي: ينتقض عهده بذلك، وعند الشافعية خلاف، وقد ورد في السنة ما يدل على جواز قتل الجاسوس إذا كان مستأمناً أو ذمياً، قال سلمة بن الأكوع: «أتى النبي صلّى الله عليه وسلم\r-------------------------------\r(1) رد المحتار لابن عابدين: 196/3، الشرح الكبير للدردير: 355/4.\r(2) السياسة الشرعية لابن تيمية: ص 114، الحسبة لابن تيمية: ص 48، غاية المنتهى: 334/3، المهذب: 242/2.","part":7,"page":517},{"id":4803,"text":"عَيْن، وهو في سفر، فجلس عند بعض أصحابه يتحدث، ثم انسل، فقال النبي صلّى الله عليه وسلم : اطلبوه فاقتلواه، فسبقتهم إليه، فقتلته، فنفلني سلبه» (1) .\rومن لم يندفع فساده في الأرض إلا بالقتل قُتل، مثل المفرق لجماعة المسلمين، والداعي إلى البدع في الدين، قال تعالى: {من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفساً بغير نفس أو فساد في الأرض، فكأنما قتل الناس جميعاً} [المائدة:32/5] وفي الصحيح عن النبي صلّى الله عليه وسلم أنه قال: «إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما» ، وروى مسلم في صحيحه عن عرفجة الأشجعي رضي الله عنه: «من أتاكم وأمركم جميع على رجل واحد، يريد أن يشق عصاكم، أو يفرق جماعتكم فاقتلوه» . وأمر النبي صلّى الله عليه وسلم بقتل رجل تعمد عليه الكذب، وسأله ديلم الحميري ـ فيما يرويه أحمد في المسند ـ عمن لم ينته عن شرب الخمر في المرة الرابعة، فقال: «فإن لم يتركوه فاقتلوهم» .\rوالخلاصة: أنه يجوز القتل سياسة لمعتادي الإجرام ومدمني الخمر ودعاة الفساد ومجرمي أمن الدولة، ونحوهم.\rالتعزير بالمال: لا يجوز التعزير بأخذ المال في الراجح عند الأئمة (2) لما فيه م تسليط الظلمة على أخذ مال الناس، فيأكلونه. وأثبت ابن تيمية وتلميذه ابن القيم أن التعزير بالعقوبات المالية مشروع في مواضع مخصوصة في مذهب مالك في المشهور عنه، ومذهب أحمد وأحد قولي الشافعي، كما دلت عليه سنة رسول الله صلّى الله عليه وسلم مثل أمره بمضاعفة غرم ما لا قطع فيه من الثمر المعلَّق والكثَر (جمّار النخل)، وأخذه شطر مال مانع الزكاة، عزمة مات الرب تبارك وتعالى، ومثل تحريق عمر وعلي رضي الله عنهما المكان الذي يباع فيه الخمر، ونحوه كثير. ومن قال كالنووي وغيره: إن العقوبات المالية منسوخة، وأطلق ذلك، فقد غلط في نقل مذاهب\r-------------------------------\r(1) رواه أحمد والبخاري وأبو داود عن سلمة (نيل الأوطار: 7/7).\r(2) البدائع: 63/7، فتح القدير: 212/4، تبيين الحقائق: 207/3، حاشية ابن عابدين: 195/3 ومابعدها، مغني المحتاج: 191/4، المهذب: ص 288، حاشية الدسوقي: 354/4، المغني: 324/8، أعلام الموقعين: 99/2، الاعتصام للشاطبي: 123/2 ومابعدها، ط السعادة.","part":7,"page":518},{"id":4804,"text":"الأئمة والاستدلال عليها (1) .\rمعنى التعزير بأخذ المال :\rروي عن أبي يوسف: أنه يجوز للسلطان التعزير بأخذ المال. ومعنى التعزير بأخذ المال على القول عند من يجيزه: هو إمساك شيء من مال الجاني عنه مدة، لينزجر عما اقترفه، ثم يعيده الحاكم إليه، لا أن يأخذه الحاكم لنفسه، أو لبيت المال، كما يتوهم الظلمة؛ إذ لا يجوز لأحد من المسلمين أخذ مال أحد بغير سبب شرعي.\rقال ابن عابدين: وأرى أن يأخذ الحاكم مال الجاني، فيمسكه عنده، فإن أيس من توبته، يصرفه إلى ما يرى من المصلحة.\rوأما مصاردة السلطان لأرباب الأموال فلا تجوز إلا لعمال بيت المال، على أن يردها لبيت المال (2) . وصادر عمر طعاماً من سائل وجده أكثر من كفايته، وتصادر الأموال من كسب غير مشروع.\rأقسام العقوبات المالية عند ابن تيمية :\rتقسم العقوبات المالية في رأي ابن تيمية إلى ثلاثة أقسام: الإتلاف، والتغيير، والتمليك (3) .\r1 ً - الإتلاف: هو إتلاف محل المنكرات من الأعيان والصفات تبعاً لها، مثل إتلاف مادة الأصنام، بتكسيرها وتحريقها، وتحطيم آلات الملاهي عند أكثر الفقهاء، وتكسير وتخريق أوعية الخمر، وتحريق الحانوت الذي يباع فيه الخمر، على المشهور في مذهب أحمد ومالك وغيرها، عملاً بما فعله عمر من تحريق حانوت خمار، وبما فعله علي من تحريق قرية كما يباع فيها الخمر؛ لأن مكان البيع مثل الأوعية.\r-------------------------------\r(1) راجع شرح مسلم للنووي: 218/12، الحسبة في الإسلام لابن تيمية: ص 49 وما بعدها، أعلام الموقعين: 98/2 والطرق الحكمية لابن قيم: ص 266 ومابعدها، وانظر التعزير في الشريعة الإسلامية للدكتور عبد العزيز عامر: ص 32 وما بعدها.\r(2) حاشية ابن عابدين: 195/3 ومابعدها.\r(3) الحسبة لابن تيمية: ص 52 وما بعدها.","part":7,"page":519},{"id":4805,"text":"ومثل إراقة عمر اللبن المخلوط بالماء للبيع، وبه أفتى طائفة من الفقهاء. ومثله إتلاف المغشوشات في الصناعات كالثياب الرديئة النسج.\r2 ً - التغيير: قد تقتصر العقوبة المالية على تغيير الشيء، مثل نهي النبي صلّى الله عليه وسلم عن كسر العملة الجائزة بين المسلمين (1) ، كالدراهم والدنانير، إلا إذا كان بها بأس، فإذا كان بها بأس كسرت.\rومثل فعل النبي عليه السلام في التمثال الذي كان في بيته، والستر الذي به تماثيل، إذ أمر بقطع رأس التمثال فصار كهيئة الشجرة، وبقطع الستر، فصار وسادتين يوطآن.\rوهكذا اتفق العلماء على إزالة وتغيير كل ما كان من العين أو التأليف المحرم، مثل تفكيك آلات الملاهي، وتغيير الصورة المصورة.\rلكن العلماء اختلفوا في جواز إتلاف محل هذه الأشياء تبعاً للشيء الحال فيها، قال ابن تيمية: والصواب جوازه كما دل عليه الكتاب والسنة وإجماع السلف، وهو ظاهر مذهب مالك وأحمد وغيرهما.\r3 ً - التمليك: مثل ما روى أبو داود وغيره من أهل السنن عن النبي صلّى الله عليه وسلم فيمن سرق من الثمر المعلق، قبل أن يؤويه إلى الجرين، أن عليه جلدات نكال، وغرمه مرتين. وفيمن سرق من الماشية قبل أن تؤوي إلى المراح أن عليه جلدات نكال، وغرمه مرتين، وكذلك قضاء عمر بن الخطاب في الضالة المكتومة: أن يضعف غرمها على كاتمها.\rوقال بهذا طائفة من العلماء مثل أحمد وغيره.\rوأضعف عمر وغيره الغرم في ناقة أعرابي أخذها مماليك جياع، أضعف الغرم على سيدهم ودرأ عنه القطع.\rوأضعف عثمان بن عفان في المسلم إذا قتل الذمي عمداً، أضعف عليه الدية، فتجب عليه الدية الكاملة، إذ إن دية الذمي نصف دية المسلم. وأخذ به أحمد بن حنبل.\r-------------------------------\r(1) رواه أبو داود عن عبد الله بن عمر.","part":7,"page":520},{"id":4806,"text":"وأجاز المالكية (1) العقوبة في المال إذا كانت جناية الجاني في نفس ذلك لمال أو\rفي عوضه، فيتصدق بالزعفران المغشوش على المساكين، وإذا اشترى مسلم من نصراني خمراً، فإنه يكسر وعاؤه على المسلم، ويتصدق بالثمن، تأديباً للنصراني إن كان النصراني لم يقبضه.\rنوعا التغريم من حيث الضبط وعدمه :\rتغريم المال أو العقوبات المالية كما أبان ابن القيم (2) نوعان: نوع مضبوط، ونوع غير مضبوط. فالمضبوط: ما قابل الشيء المتلف، إما لحق الله تعالى كإتلاف الصيد في الإحرام، أو لحق الآدمي كإتلاف ماله. وقد نبه الله سبحانه وتعالى على أن تضمين الصيد متضمن للعقوبة بقوله: {ليذوق وبال أمره} [المائدة:95/5]. ومنه مقابلة الجاني بنقيض قصده من الحرمان، كعقوبة القاتل لمورثه بحرمان ميراثه، وعقوبة الموصى له ببطلان وصيته، وعقوبة الزوجة الناشزة بسقوط نفقتها وكسوتها.\rوغير المضبوط: هو غير المقدر المتروك لاجتهاد الأئمة بحسب المصالح. ولذلك لم تأت فيه الشريعة بأمر عام، وقدر محدد كالحدود. وقد اختلف فيه الفقهاء: هل حكمه منسوخ أو ثابت؟ والصواب أنه يختلف باختلاف المصالح، ويرجع فيه إلى اجتهاد الأئمة في كل زمان ومكان بحسب المصلحة؛ إذ لا دليل على النسخ، وقد فعله الخلفاء الراشدون ومن بعدهم من الأئمة.\rشروط وجوب التعزير :\rيشترط العقل فقط لوجوب التعزير بارتكاب جناية ليس لها حد مقدر في الشرع، فيعزر كل عاقل، ذكر أو أنثى، مسلماً أو كافراً، بالغاً أو صبياً عاقلاً؛ لأن هؤلاء غير الصبي من أهل العقوبة، أما الصبي فيعزر تأديباً لا عقوبة (3) .\r-------------------------------\r(1) الاعتصام للشاطبي: 124/2.\r(2) أعلام الموقعين: 98/2.\r(3) البدائع: 63/7.","part":7,"page":521},{"id":4807,"text":"وضابط موجب التعزير: هو كل من ارتكب منكراً أو آذى غيره بغير حق بقول أو فعل أو إشارة، سواء أكان المعتدى عليه مسلماً أم كافراً (1) .\rقدر التعزير :\rيكون التعزيرعلى قدر الجناية، وعلى قدر مراتب الجاني بحسب اجتهاد الحاكم إما بالتغليظ في القول أي الكهر، أو بالحبس، أو بالضرب، أو بالصفع، أو بالقتل، كما في الجماع في غير القبل عند المالكية (2) ، أو بالعزل من الولاية، وبإقامته من المجلس، وبالنيل من عرضه مثل: يا ظالم، يا معتدي، ولا بأس بتسويد وجهه، ونداء عليه بذنبه، ويطاف به مع ضربه، ويجوز صلبه، ولايمنع من أكل ووضوء، ويصلي بالإيماء ولا يعيد. وحرم تعزير بحلق لحية، وقطع طرف، وجرح، وكذا بأخذ مال وإتلافه عند الحنابلة. وتعزر تعزيراً بليغاً القوادة التي تفسد النساء والرجال، وينبغي شهر ذلك بحيث يستفيض في الناس.\rوأقل التعزير في الضرب: ثلاثة أسواط فصاعداً، ويمكن أن يكون أقل من ثلاثة بحسب الأشخاص، فليس لأقل التعزير حد معين. واختلف العلماء في أقصاه: فقال أبو حنيفة ومحمد والشافعية والحنابلة: لا يبلغ بالتعزير أدنى الحدود المشروعة، فينقص منه سوط، وأدنى الحدود عند الشافعية بالنسبة للأحرار هو أربعون جلدة وهو حد الخمر، وعند الآخرين هو بالنسبة للماليك: وهو أربعون جلدة، وهو حد القذف للعبيد، لقوله عليه السلام: «من بلغ حداً في غير\r-------------------------------\r(1) رد المحتار: 199/3، 203، 206. تكملة المجموع: 357/18.\r(2) القوانين الفقهية لابن جزي: ص 358.","part":7,"page":522},{"id":4808,"text":"حد فهو من المعتدين» (1) ، ولأن العقوبة على قدر الإجرام والمعصية، والمعاصي المنصوص على حدودها أعظم من غيرها، فلا يجوز أن يبلغ في أهون الأموين عقوبة أعظمهما.\rوقال أبو يوسف: لا يبلغ الحد ثمانين، وينقص منه خمسة أسواط؛ لأنه حمل الحد المذكور في الحديث السابق: «من بلغ حداً...» على الأحرار؛ لأن الأحرار هم المقصودون في الخطاب، وغيرهم ملحق بهم (2) . وقد أخذ برأي الإمام علي في أنه ينقص عن الثمانين جلدة خمسة أسواط.\rوقال المالكية: يضرب الإمام في التعزير أي عدد أداه إليه اجتهاده، حتى ولو تجاوز أعلى الحدود، فيجوز العزير بمثل الحدود وأقل وأكثر على حسب الاجتهاد؛ لما روي أن معن بن أوس عمل خاتماً على نقش خاتم بيت المال، ثم جاء به صاحب بيت المال، فأخذ منه مالاً، فبلغ عمر رضي الله عنه، فضربه مائة وحبسه، فكلم فيه، فضربه مائة أخرى، فكلم فيه من بعد، فضربه ونفاه (3) . وكان جلد عمر لمعن على عدة جنايات: وهي تزويره الخاتم، وأخذ المال من بيت المال، وفتحه باب الاحتيال لغيره من الناس. ويؤيد رأي المالكية أيضاً ما روي عن الإمام علي رضي الله عنه أنه جلد من وجد مع امرأة من غير زنا مائة سوط إلا سوطين.\r-------------------------------\r(1) رواه البيهقي عن النعمان بن بشير، وقال: المحفوظ المرسل، ورواه ابن ناجيه في فوائده، ورواه محمد بن الحسن مرسلاً، ورواه الطبراني بلفظ: «من جلد حداً...» قال الهيثمي: وفيه محمد بن الحسين القصاص والوليد بن عثمان خال مسعر، ولم أعرفهما، وبقية رجاله ثقات (راجع نصب الراية: 354/3، مجمع الزوائد: 281/6).\r(2) البدائع، المرجع السابق: ص 64، فتح القدير: 214/4، تبيين الحقائق: 209/3، حاشية ابن عابدين: 190/3، 198 ومابعدها، 204 وما بعدها، تكملة المجموع: 357/18، المهذب: 288/2، المغني: 324/8، غاية المنتهى: 333/3، 335، السياسة الشرعية لابن تيمية: ص 112، الطرق الحكمية: ص 265، نهاية المحتاج: 175/7، مغني المحتاج: 193/4.\r(3) حاشية الدسوقي: 355/4، القوانين الفقهية: ص 358، وقصة معن ذكرها ابن قدامة في المغني: 325/8.","part":7,"page":523},{"id":4809,"text":"صفات التعزير :\rللتعزير صفات (1) أولها ـ أنه عند المالكية والحنابلة: حق واجب لله تعالى إذا رآه الإمام، فلا يجوز للحاكم في الجملة ترك التعزير؛ لأنه زاجر مشروع لحق الله تعالى، فوجب كالحد.\rوعند الشافعية: ليس التعزير واجباً، فيجوز للسلطان تركه إذا لم يتعلق به حق لآدمي، فهم كالحنفية، لما روي أن النبي صلّى الله عليه وسلم قال: «أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم إلا في الحدود» (2) ، ولأن رجلاً جاء إلى النبي صلّى الله عليه وسلم : فقال: إني لقيت امرأة فأصبت منها ما دون أن أطأها، فقال: «أصليت معنا؟!» قال: نعم، فتلا عليه: {إن الحسنات يذهبن السيئات} [هود:114/11] (3) . وقال رجل للرسول صلّى الله عليه وسلم : «إن هذه لقسمة ما أريد بها وجه الله » (4) ، فلم يعزره، فلو لم يجز\r-------------------------------\r(1) المغني: 326/8، غاية المنتهى: 333/3، البدائع: 64/7، حاشية ابن عابدين: 204/3 وما بعدها، مغني المحتاج: 193/4، قواعد الأحكام: 158/1، المهذب: 288/2.\r(2) رواه أحمد وأبو داود والنسائي وابن عدي والعقيلي عن عائشة، وقال العقيلي: له طرق وليس فيها شيء يثبت، وذكره ابن طاهر عن أنس، وقال: الإسناد باطل، ورواه الشافعي وابن حبان وصححه وابن عدي والبيهقي من حديث عائشة بلفظ: «أقيلوا ذوي الهيئات زلاتهم» وقال الشافعي: «سمعت من أهل العلم من يعرف هذا الحديث، ويقول: يتجافى للرجل ذي الهيئة عن عثرته، مالم يكن حداً» وقال في تفسير الهيئة: من لم تظهر منه ريبة. ورواه الطبراني في الأوسط، ورجاله ثقات بلفظ: «أقيلوا الكرام عثراتهم» وروي في معناه عن ابن مسعود وزيد بن ثابت وابن عباس (راجع التلخيص الحبير: ص 361، جامع الأصول: 344/4، مجمع الزوائد: 282/6، نيل الأوطار: 135/7).\r(3) رواه البخاري ومسلم عن أنس بن مالك، ولأحمد ومسلم من حديث أبي أمامة نحوه، وفي موضوعه عن ابن مسعود عند مسلم والترمذي وأبي داود والنسائي (راجع نيل الأوطار: 100/7، أعلام الموقعين: 78/2).\r(4) وذلك حينما آثر الرسول رجالاً هم المؤلفة قلوبهم وهم ناس من قريش، أسلموا يوم الفتح إسلاماً ضعيفاً، فقال رجل اسمه: «معتِّب بن قشير من بني عمرو بن عوف» وكان من المنافقين: «والله إن هذه القسمة ما عدل فيها، وما أريد فيها وجه الله » . رواه أحمد والشيخان عن ابن مسعود (راجع نيل الأوطار: 290/7 وما بعدها).","part":7,"page":524},{"id":4810,"text":"ترك التعزير، لعزره رسول الله صلّى الله عليه وسلم على ما قال، ويؤيده قصة أخرى رواها عبد الله ابن الزبير: أن رجلاً خاصم الزبير عند رسول الله صلّى الله عليه وسلم في شراج الحرة (1) الذي يسقون به النخل، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلم للزبير: اسق أرضك الماء، ثم أرسل الماء إلى جارك، فغضب الأنصاري، فقال: ىا رسول الله ، وأن كان ابن عمتك، فتلون وجه رسول الله صلّى الله عليه وسلم، فقال: يا زبير، اسق أرضك الماء، ثم احبس الماء حتى يرجع إلى الجدر، فقال الزبير: فوالله ، إني لأحسب هذه الآية نزلت في ذلك: {فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم} [النساء:65/4] ولو لم يجز ترك التعزير لعزره رسول الله صلّى الله عليه وسلم على ما قال (2) . والخلاصة: أنه إذا كان التعزير حقاً لله كما في حالة انتهاك الحرمات الدينية فلا يجب تنفيذه، أما إن كان حقاً للعبد ولم يعف عنه مستحقه، فهو واجب التنفيذ.\rوأما الحنفية فقالوا: إن التعزير إذا كان حقاً شخصياً لإنسان، فهو واجب لا عفو فيه؛ لأن حقوق العباد ليس للقاضي إسقاطها، وإن كان حقاً لله تعالى فهو مفوض إلى رأي الإمام: إن ظهر له المصلحة فيه أقامه، وإن ظهر عدم المصلحة، أو علم انزجار الجاني بدونه، يتركه أي أن العفو فيه للإمام. وعبارة الكمال بن الهمام فيه هي: «ما وجب من التعزير حقاً لله تعالى يجب على الإمام، ولا يحل له تركه إلا فيما علم أنه انزجر الفاعل قبل ذلك» (3) .\r-------------------------------\r(1) شراج الحرة: هي مسايل الماء من بين الحجارة إلى السهل.\r(2) متفق عليه بين الشيخين وغيرهما.\r(3) راجع فتح القدير: 212/4-213، حاشية ابن عابدين: 205/3.","part":7,"page":525},{"id":4811,"text":"ويترتب على أن التعزير حق العبد عند الشافعية: أنه يحتمل العفو والصلح والإبراء؛ وأنه يورث كالقصاص وغيره من سائرحقوق العباد ؛وأنه لا يتداخل؛ لأن حقوق العبد لا تحتمل التداخل.\rويؤخذ فيه الكفالة؛ لأن التكفيل للتوثيق والتعزير حق العبد، فكان التوثيق ملائماً له، بخلاف الحدود على أصل أبي حنيفة رحمه الله تعالى.\rثاني الصفات: أن التعزير أشد الضرب؛ لأنه جرى فيه التخفيف من حيث العدد، فلا يخفف من حيث الوصف، كيلا يؤدي إلى فوات المقصود منه وهو الزجر، ثم يليه حد الزنى ثم حد الشرب، ثم حد القذف (1) كما سبق بيانه.\rطرق إثبات جريمة التعزير :\rتثبت جريمة التعزير عند الحنفية بماتثبت به سائر حقوق العباد من الإقرار والبينة، والنكول، وعلم القاضي، وتقبل فيه شهادة النساء مع الرجال، والشهادة على الشهادة، وكتاب القاضي إلى القاضي. وسيأتي في بحث القضاء أن المفتى به عدم جواز قضاء القاضي بعلمه الشخصي في الحوادث مطلقاً في زماننا، منعاً للتهمة، وسداً للباب بسبب فساد قضاة الزمان.\rوروي عن أبي حنيفة أنه لا تقبل فيه شهادة النساء. قال الكاساني: والصحيح هو الأول؛ لأنه حق العبد على الخلوص، فيظهر بما يظهر به حقوق العباد (2) .\rضمان موت المعزر أو المحدود :\rقال الحنفية والمالكية والحنابلة: إذا عزر الإمام رجلاً، أو حدَّه فمات من التعزير أو الحد، فلا ضمان عليه؛ لأن التعزير عقوبة مشروعة للردع والزجر، فلم\r-------------------------------\r(1) فتح القدير: 216/4 وما بعدها، تبيين الحقائق: 210/3، حاشية ابن عابدين: 199/3.\r(2) البدائع: 65/7، حاشية ابن عابدين: 205/3.","part":7,"page":526},{"id":4812,"text":"يضمن من تلف بها كالحد، ولأن الإمام مأمور بالحد والتعزير، وفعل المأمور لا يتقيد بشرط السلامة (1) .\rوقال الشافعي: لا يجب على الإمام ضمان موت المحدود؛ لأن الحق قتله، سواء في ذلك الجلد والقطع، وسواء جلده في حر وبرد مفرطين أم لا، وسواء أكان الجلد في مرض يرجى برؤه أم لا، إلا أن تكون المرأة حاملاً، فيموت الجنين، فيجب الضمان؛ لأنه مضمون فلا يسقط ضمانه بجناية غيره. ويجب ضمان موت المعزَّر، لما روي عن علي كرم الله وجهه أنه قال: «ما من رجل أقمت عليه حداً، فمات، فأجد في نفسي أنه لا دية عليه، إلا شارب الخمر، فإنه لو مات وديته؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلم لم يسنَّه» (2) ، أي لم يسن مقداراً معيناً في جلد شارب الخمر، وإنما فعل أفعالاً مختلفة يجوز جميعها، ومنها: أنه عليه السلام حد في الخمر أربعين كما روى علي نفسه (3) ، وهذا أمر متفق عليه، والخلاف بين الفقهاء إنما هو في الزيادة على الأربعين، فليس المراد إذن من حديث علي أن الشخص مات من الحد؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلم حد في الخمر، كما ذكرت، فثبت أنه أراد بقوله: «لو مات وديته» أي من\r-------------------------------\r(1) فتح القدير: 217/4، تبيين الحقائق: 211/3، مجمع الضمانات: ص 201، حاشية ابن عابدين: 208/3، حاشية الدسوقي: 355/4، المغني: 310/8 وما بعدها.\r(2) أخرجه البخاري ومسلم وأحمد وأبو داود وابن ماجه وفي روايتهما قال: «لا أدي ـ أي لا أعطي ديته ـ أو ما كنت أدي من أقمت عليه الحد إلا شارب الخمر، فإن رسول الله صلّى الله عليه وسلم ، لم يسن فيه شيئاً، وإنما هو شيء قلناه نحن» ومعنى «لم يسنه» : لم يقدره ويوقته بلفظه ونطقه، ففيه دليل على أن الخمر لم يكن فيه حد محدود من رسول الله صلّى الله عليه وسلم ، فهو من باب التعزيرات، فإن مات ضمنه الإمام. (راجع جامع الأصول: 337/4، نصب الراية : 352/3، سبل السلام: 38/4، نيل الأوطار: 143/7).\r(3) رواه مسلم في قصة الوليد بن عقبة الذي شهد عليه رجل أنه رآه يتقيأ الخمر، فأمر الرسول صلّى الله عليه وسلم بجلده، كما روى حصين بن المنذر، وعلي يعد حتى بلغ أربعين، ثم قال: «جلد رسول الله صلّى الله عليه وسلم أربعين، وجلد أبو بكر أربعين، وجلد عمر ثمانين، وكل سنة، وهذا أحب إلى» (راجع التلخيص الحبير: ص 360، سبل السلام: 30/4، نيل الأوطار: 138/7).","part":7,"page":527},{"id":4813,"text":"الزيادة على الأربعين، وهذا تعزير، ولأن التعزير ضرب جعل إلى اجتهاد الإمام، فإذا أدى إلى التلف ضمن كضرب الزوج زوجته، إذ أن التعزير مشروط بسلامة العاقبة، باعتبار أن المقصود هو التأديب لا الهلاك، فإذا حصل به هلاك تبين أنه جاوز الحد المشروع. والهلاك الحاصل إن كان بضرب يقتل غالباً، فيجب فيه القصاص إذا لم يكن الضارب أصلاً (أباً أو جداً) للمضروب. وإن لم يكن الضرب قاتلاً في الغالب، فيجب دية شبه العمد على العاقلة (العصبات).","part":7,"page":528},{"id":4814,"text":"حق التأديب :\rوأما إذا ضرب الأب ولده تأديباً، أو ضرب الزوج زوجته، أو المعلم إذا ضرب الصبي تأديباً، فتلف من التأديب المشروع، فإن أبا حنيفة والشافعي قالا في هذه الحالات: إنه يجب الضمان، ودليلهما عرفناه في الحالة السابقة، ولأنه تأديب مباح،فيتقيد بشرط السلامة كالمرور في الطريق ونحوه. وقال مالك وأحمد والصاحبان: لا ضمان عليه في هذه الحالات؛ لأن التأديب فعل مشروع للزجر والردع، فلا يضمن التالف به كما في الحدود (1) .\rالتعزير للإمام: التعزير كالحدود منوط بالإمام، وليس لأحد حق التعزير إلا لثلاثة: الأب، والسيد، والزوج.\rأما الأب: فله تأديب ولده الصغير وتعزيره للتعلم والتخلق بالأخلاق الفاضلة وزجره عن سيئها، وللأمر بالصلاة والضرب عليها عند الاقتضاء. والأم مثل الأب في أثناء الحضانة والكفالة، وليس للأب تعزير البالغ وإن كان سفيهاً.\rوالسيد: يعزر رقيقه في حق نفسه وفي حق الله تعالى.\rوالزوج: له تعزير زوجته في أمر النشوز وأداء حق الله تعالى كإقامة الصلاة وصيام رمضان بما يراه مناسباً في إصلاح زوجته من زجر؛ لأن كل هذا من باب إنكار المنكر، والزوج من جملة المكلفين بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (2) .\r-------------------------------\r(1) راجع المهذب: 271/2، 289، نيل الأوطار: 140/7-145، الميزان: 172/2، مغني المحتاج: 191/4، 199 ومابعدها، المبسوط: 13/16، الدرا لمختار: 401/5، درر الحكام: 77/2، المغني: 327/8، غاية المنتهى: 285/3، رحمة الأمة بهامش الميزان: 160/2.\r(2) سبل السلام: 38/4، المهذب: 275/2 .","part":7,"page":529},{"id":4815,"text":"البَابُ الثَّالث: الجنايات وعقوباتها: القصاص والدّيات\rخطة البحث :\rالكلام عن الجنايات طويل ذو فروع متعددة وتفصيلات متشعبة، ويمكن ضبطه والإحاطة به على وفق الخطة التالية في فصول خمسة:\rالفصل الأول ـ الجناية على النفس (القتل بأنواعه وعقوبة القصاص والدية).\rالفصل الثاني ـ الجناية على ما دون النفس (الشجاج والجراح والدية والأرش).\rالفصل الثالث ـ الجناية على نفس غير مكتملة (الجناية على الجنين أو الإجهاض).\rالفصل الرابع ـ حالات طارئة من الاعتداء بطريق التسبب (جناية الحيوان، وجناية الحائط المائل).\rالفصل الخامس ـ طرق إثبات الجناية (الشهادة، الإقرار، القسامة...إلخ).\rتمهيد :\rتعريف الجناية: الجناية أو الجريمة لغة: هي الذنب أو المعصية، أو كل مايجنيه المرء من شر اكتسبه. ولها في الشرع معنى عام وخاص. أما الأول فالجناية: هي كل فعل محرَّم شرعاً، سواء وقع الفعل على نفس أو مال أو غيرهما (1) . وعرفها الماوردي (2) بقوله: الجرائم: محظورات شرعية زجر الله تعالى عنها بحد أو تعزير. والمحظور: إما إتيان منهي عنه، أو ترك مأمور به.\rوأما المعنى الثاني فهو اصطلاح خاص للفقهاء، وهو إطلاق الجناية على الاعتداء الواقع على نفس الإنسان أو أعضائه. وهو القتل والجرح والضرب (3) . ويبحثه الفقهاء إما تحت عنوان «كتاب الجنايات» كالحنفية، أو «كتاب الجراح» كالشافعية والحنابلة الذين اعتبروا الجراحة هي السبب الغالب في الاعتداء. وينتقدهم الشراح بقولهم (4) : التبويب بالجنايات أولى لشمولها الجناية بالجرح وغيره كالقتل بمثقل كالعصا والحجر، وبمسموم، وسحر.\rأو بعنوان «باب الدماء» كالمالكية، ناظرين إلى نتيجة الجريمة غالباً.\rأنواع الجناية: الجناية بصفة عامة نوعان (5) : جناية على البهائم والجمادات، وتبحث عادة في باب الغصب والإتلاف. وجناية على الإنسان الآدمي، وهي محل البحث هنا.\rوالجناية على الإنسان بحسب خطورتها أنواع ثلاثة: جناية على النفس وهي القتل، وجناية على ما دون النفس وهي الضرب والجرح، وجناية على ما هو نفس من وجه دون وجه وهي الجناية على الجنين، أو الإجهاض في اصطلاح القانونيين. وسميت كذلك؛ لأن الجنين يعد جزءاً من أمه، غير مستقل عنها في الواقع، ومن جهة أخرى يعد نفساً مستقلة عن أمه بالنظر للمستقبل؛ لأن له حياة خاصة، وهو يتهيأ لأن ينفصل عنها بعد حين، ويصبح ذا وجود مستقل (6) .\rوالجنايات على النفوس بحسب القصد وعدمه ثلاثة: عمد، وشبه عمد، وخطأ. فإذا قصد الجاني الجريمة أو الاعتداء، وترتب على فعله حدوث الأثر المقصود، كانت الجريمة عمداً. أما إذا تعمد الاعتداء ولم يقصد حدوث النتيجة، كانت الجريمة شبه عمد (أي ضرباً مفضياً للموت). فإن لم يقصد الاعتداء أصلاً كانت الجريمة خطأ.\r-------------------------------\r(1) للقانونيين اصطلاح آخر في معنى الجناية: وهي الجريمة المعاقب عليها إما بالإعدام، أو الأشغال الشاقة المؤبدة أو المؤقتة، أو السجن من ثلاث سنوات إلى خمس عشرة سنة.\r(2) الأحكام السلطانية: ص 211 ط صبيح.\r(3) تبيين الحقائق للزيلعي: 97/6.\r(4) مغني المحتاج: 2/4.\r(5) البدائع: 233/7.\r(6) كشف الأسرار على أصول البزدوي: ص 1359 وما بعدها، ط حسين حلمي.","part":7,"page":530},{"id":4816,"text":"الفَصْلُ الأوَّل: الجِناية على النَّفس الإنسانيَّة (القتل وعقوبته )\rفيه مباحث أربعة:\rالمبحث الأول ـ معنى القتل وتحريمه وأنواعه.\rالمبحث الثاني ـ القتل العمد وعقابه.\rالمبحث الثالث ـ القتل شبه العمد وعقوبته.\rالمبحث الرابع ـ القتل الخطأ وعقوبته.\rالمبحث الأول ـ تعريف القتل وتحريمه وأنواعه :\rتعريف القتل: القتل هو الفعل المزهق أي القاتل للنفس أو المميت (1) ، أو هو فعل من العباد تزول به الحياة (2) ، أي أنه هدم للبنية الإنسانية.\rتحريم القتل: القتل إذا كان عمداً عدواناً جريمة كبرى، ومن السبع الموبقات التي يترتب عليها استحقاق العقاب في الدنيا والآخرة، وذلك بالقصاص، والخلود في نار جهنم؛ لأنه اعتداء على صنع الله في الأرض، وتهديد لأمن الجماعة وحياة المجتمع.\r-------------------------------\r(1) مغني المحتاج: 3/4.\r(2) تكملة فتح القدير: 244/8.","part":7,"page":531},{"id":4817,"text":"ففي القرآن الكريم آيات كثيرة في شأن تحريم القتل، منها قوله تعالى: {ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق، ومن قتل مظلوماً، فقد جعلنا لوليه سلطاناً، فلا يسرف في القتل، إنه كان منصوراً} [الاسراء:17/33]. ودلت جريمة ابن آدم (قابيل) على أن القتل اعتداء على الإنسانية، فقال سبحانه: {من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفساً بغير نفس، أوفساد في الأرض، فكأنما قتل الناس جميعاً} [المائدة:5/32].\rودليل القصاص قوله جل ثناؤه: {يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى: الحر بالحر، والعبد بالعبد، والأنثى بالأنثى (1) ، فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف، وأداء إليه بإحسان، ذلك تخفيف من ربكم ورحمة، فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم. ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب، لعلكم تتقون} [البقرة:2/178]. وكان القصاص أيضاً مقرراً في الشرائع السماوية السابقة كشريعة اليهود. بدليل قوله تعالى: {وكتبنا عليهم فيها (2) أن النفس بالنفس، والعين بالعين، والأنف بالأنف، والأذن بالأذن، والسن بالسن، والجروح قصاص، فمن تصدق به فهو كفارة له، ومن لم يحكم بما أنزل الله ، فأولئك هم الظالمون}\r[المائدة:5/45] .ونص القرآن العظيم على العذاب الأخروي للقاتل عمداً في قوله تعالى:\r-------------------------------\r(1) أوجبت الآية مبدأ المماثلة في القصاص إذا أريد قتل القاتل، ومنع العدوان والظلم، فلا يقتل غير القاتل، منعاً من عادة الأخذ بالثأر التي كانت في الجاهلية. ويرى الحنفية: أن قوله {الحر بالحر..إلخ} [البقرة:178/2] تأكيد لصدر الآية، فلا يقتل غير القاتل، وإنما يقتل القاتل دون غيره. وبناء عليه فليس في الآية دلالة على أنه لا يقتل الحر القاتل بقتله العبد. أو لا يقتل الرجل بالمرأة وبالعكس. وقال المالكية والشافعية: إن الله أوجب المساواة. ثم بين المساواة المعتبرة، فالحر يساويه الحر، والعبد يساويه العبد، والأنثى تساويها الأنثى، لكن دل الإجماع على أن الرجل يقتل المرأة.\r(2) أي في التوراة.","part":7,"page":532},{"id":4818,"text":"{ومن يقتلْ مؤمناً متعمداً، فجزاؤه جهنم خالداً فيها، غضب الله عليه، ولعنه، وأعد له عذاباً عظيماً} .[النساء:4/93]\rوأوضحت السنة النبوية حالات القتل المأذون به شرعاً أي المباح للحاكم، لا للأفراد، فقال النبي عليه السلام: «لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة» (1) . وفي رواية: «لا يحل دم امرئ إلا بإحدى ثلاث: كفر بعد إيمان، أو زنى بعد إحصان، أو قتل نفس بغير حق» . ورويت أحاديث كثيرة في تحريم القتل والانتحار، وتحريم الدماء والأموال والأعراض، منها: «قتل المؤمن أعظم عند الله من زوال الدنيا» (2) ومنها: «إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا» (3) ومنها: «اجتنبوا السبع الموبقات، الشرك بالله ، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق» (4) الحديث.\rوحددت السنة عقوبة القتل العمد فقال صلّى الله عليه وسلم : «العمد قوَد، إلا أن يعفو ولي المقتول» (5) أي أن القتل العمد يوجب القود (أي القصاص) إلا عند العفو.\rوأجمع العلماء على تحريم القتل، فإن فعله إنسان متعمداً فسق، وأمره إلى الله، إن شاء عذبه، وإن شاء غفر له. وتوبته مقبولة في قول أكثر أهل العلم خلافاً لابن عباس (6) ، بدليل قوله تعالى:\r-------------------------------\r(1) رواه الجماعة (أحمد وأصحاب الكتب الستة) عن ابن مسعود رضي الله عنه.\r(2) رواه النسائي والضياء عن بريدة.\r(3) متفق عليه بين البخاري ومسلم عن أبي بكرة رضي الله عنه.\r(4) رواه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي عن أبي هريرة رضي الله عنه.\r(5) رواه ابن أبي شيبة وإسحاق بن راهويه في مسنديهما عن ابن عباس رضي الله عنهما.\r(6) المغني: 636/7.","part":7,"page":533},{"id":4819,"text":"{إن الله لا يغفر أن يشرك به، ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} [النساء:4/116]فجعل التوبة عن القتل وغيره داخلاً في المشيئة، وقال تعالى: {إن الله يغفر الذنوب جميعاً} [الزمر:39/53]وحديث القاتل مائة نفس التائب من جرائه معروف مشهور (1) صريح في قبول توبة التائب.\rوأما آية الخلود في جهنم للقال، فهي محمولة على من لم يتب، أو على أن هذا جزاؤه إن جازاه الله ، وله العفو إذا شاء.\rويلاحظ أن تحريم القتل هو في حالة كون القتل ظلماً، بخلاف حالة غير الظلم وهي القتل بحق، كقتل القاتل والمرتد، فالقتل عموماً نوعان: قتل محرم: وهو كل قتل عدوان، وقتل بحق. ويرى الشافعية أنه يمكن انقسام القتل إلى الأحكام الخمسة: واجب وحرام ومكروه ومندوب ومباح (2) .\rفالقتل الواجب: هو قتل المرتد إذا لم يتب، والحربي إذا لم يسلم أو لم يعط الجزية.\rوالقتل الحرام: هو قتل معصوم الدم بغير حق، أي بصفة العدوان، وكان المقتول مؤمناً أو أمناً؛ لأن العصمة بإيمان أو أمان، فهي عصمة مخصوصة.\rوالقتل المكروه: هو قتل المجاهد قريبه الكافر إذا لم يسب الله أو رسوله.\rوالمندوب: هو قتل المجاهد قريبه الكافر إذا سب الله أو رسوله.\rوالمباح: هو قتل المقتص منه أو قتل الإمام الأسير؛ لأنه مخير في قتله حسبما يرى من المصلحة. ومنه القتل دفاعاً عن النفس ضمن ضوابط الدفاع الشرعي. وعدَّ الحنفية (3) ما يأتي من القتل المباح، فقالوا: لو دخل رجل بيته فرأى رجلاً مع\r-------------------------------\r(1) رواه البخاري ومسلم عن أبي سعيد الخدري (راجع جامع الأصول لابن الأثير: 68/3).\r(2) مغني المحتاج: 3/4.\r(3) الدر المختار ورد المحتار: 197/3، 397/5.","part":7,"page":534},{"id":4820,"text":"امرأته أو محرمه يزني بها فقتله، حل له ذلك، ولا قصاص عليه. وهو رأي الحنابلة والشافعية والمالكية أيضاً (1) . وإذا كان الزنى طواعية باختيار منهما، كان له عند الحنفية والحنابلة قتلهما جميعاً، فلو أكرهها فله قتله، ودمه هدَر إذا لم يمكنها التخلص منه بصياح أو ضرب. أما لو وجد رجلاً مع امرأة لا تحل له، فله قتله إن كان يعلم أنه لا ينزجر بصياح وضرب بما دون السلاح، فإن كان ينزجر بما ذكر لا يحل القتل.\rأنواع القتل:\rأولاً ـ يقول الحنفية (2) : القتل خمسة أنواع: عمد، وشبه عمد، وخطأ، وما جرى مجرى الخطأ، والقتل بالتسبب.\rفالعمد: ما تعمد فيه القاتل ضرب غيره بسلاح، كالسيف والسكين والرمح والرصاص، أو ما أجري مجرى السلاح في تفريق أجزاء الجسد، كالمحدد من الخشب، والحجر، والنار، والإبرة في مقتل.\rوذلك لأن العمد معناه القصد وهو أمر خفي لا يمكن الإطلاع عليه ولا معرفته، إلا بدليل يدل عليه، وهو استعمال الآلة القاتلة، فجعلت الآلة دليلاً على القصد، وأقيمت مقامه باعتبارها مظنة لوجوده، كما أن السفر مظنة المشقة.\rوشبه العمد عند أبي حنيفة: أن يتعمد الضرب بما ليس بسلاح ولا ما أجري مجرى السلاح، أي بما لا يفرق الأجزاء، كاستعمال العصا والحجر والخشب\r-------------------------------\r(1) المغني: 332/8، المهذب: 225/2، الشرح الكبير: 357/4.\r(2) تكملة فتح القدير: 244/8 وما بعدها، البدائع: 233/7، الدر المختار: 375/5، اللباب شرح الكتاب: 141/3.","part":7,"page":535},{"id":4821,"text":"الكبيرين، أي أن القتل بالمثقل يعتبر شبه عمد؛ لأنه لا يقتل به غالباً، ويقصد به التأديب، والفتوى بقول الإمام.\rوقال الصاحبان: القتل بالمثقل كالحجر العظيم أو الخشبة العظيمة عمد. وشبه العمد: أن يتعمد ضربه بما لا يقتل غالباً كالحجروالخشب الصغيرين،أو كالعصا الصغيرة، أو اللطمة.\rوبناء عليه يكون الضرب بما لا يغلب فيه الهلاك كالعصا والحجر الصغيرين والسوط واللطمة متفقاً على كونه شبه عمد بين أئمة الحنفية الثلاثة. واختلفوا في الحجر الكبير والعصا الكبيرة ونحوهما، كالإلقاء من سطح أو جبل ولا يرجى منه النجاة، فهو شبه عمد عند أبي حنيفة، عمد عند الصاحبين.\rوالقتل الخطأ: هو الذي لا يقصد به القتل أو الضرب، وهو نوعان:\r1 - خطأ في القصد أو ظن الفاعل: وهو أن يرمي شيئاً، يظنه صيداً، فإذا هو إنسان، أو يظنه حربياً فإذا هو مسلم، أي أن الخطأ راجع إلى فعل القلب وهو القصد.\r2 - خطأ في الفعل نفسه: وهو أن يرمي غرضاً (الغرض: هو الهدف الذي يرمي إليه) أو صيداً، فيصيب آدمياً، أو يقصد رجلاً، فيصيب غيره، أي أن الخطأ راجع إلى أداة الرمي.\rوما أجري مُجرى الخطأ: هو المشتمل على عذر شرعي مقبول، كانقلاب نائم على آخر فيقتله.\rوالقتل بالتسبب: هو الحاديث بواسطة غير مباشرة، كمن حفر حفرة أو بئراً في غير ملكه، في طريق عام بغير إذن السلطات، فوقع فيها فيها إنسان ومات، أو وضع حجراً أو خشبة على قارعة الطريق، فعثر به إنسان، فمات، ومثل شهود القصاص إذا رجعوا عن شهادتهم، بعد قتل المشهود عليه (1) .\rثانياً ـ يرى أكثر العلماء ومنهم الشافعية والحنابلة(2) : أن القتل ثلاثة أنواع: قتل عمد، وشبه عمد (3) ، وخطأ.\r-------------------------------\r(1) البدائع: 139/7.\r(2) مغني المحتاج: 3/4، المغني: 636/7 وما بعدها.\r(3) سمي بذلك، لأنه أشبه العمد في القصد، ويسمى أيضاً خطأ عمد، وعمد خطأ، وخطأ شبه عمد.","part":7,"page":536},{"id":4822,"text":"والقتل العمد: هو قصد الفعل العدوان والشخص بما يقتل غالباً، جارحٍ، أو مثقل، مباشرة، أو تسبباً، كحديد وسلاح وخشبة كبيرة، وإبرة في مقتل، أو غير مقتل كفخذ وألية إن حدث تورم وألم واستمر حتى مات، أو كأن قطع إصبع إنسان، فسرت الجراحة إلى النفس ومات.\rوشبه العمد: هو قصد الفعل العدوان والشخص بما لا يقتل غالباً، كضرب بحجر خفيف أو لكمة باليد، أو بسوط، أو عصا صغيرين أو خفيفين، ولم يوال بين الضربات، وألا يكون الضرب في مقتل، أو كان المضروب صغيراً أو ضعيفاً، وألا يكون حر أو برد مساعد على الهلاك، وألا يشتد الألم ويبقى إلى الموت. فإن كان شيء من ذلك فهو عمد؛ لأنه يقتل غالباً. ولا قصاص في شبه العمد، وإنما فيه دية مغلظة أبيّنها في بحث الديات.\rوالخطأ: هو القتل الحادث بغير قصد الاعتداء لا للفعل، ولا للشخص، كأن وقع شخص على آخر فمات، أو رمى شجرة أودابة، فأصابت الرمية إنساناً فمات، أو رمى آدمياً فأصاب غيره فمات.\rوبما أن هذا التقسيم أشهر التقاسيم فإني سأعتمده في بحث أنواع القتل وعقوباته.","part":7,"page":537},{"id":4823,"text":"ثالثاً ـ مشهور مذهب المالكية (1) : أن القتل نوعان: عمد، وخطأ، لأنهما المذكوران فقط في القرآن الكريم، لبيان حكم نوعي القتل، فمن زاد قسماً ثالثاً أو رابعاً زاد على النص، وأنكر مالك شبه العمد.\rأما العمد: فهو أن يقصد القاتل القتل مباشرة بضرب بمحدد أو مثقل، أو تسبباً بإحراق أو تغريق أو خنق، أو سُمّ أو غيرها، كمنع طعام أو شراب قاصداً به موته، فمات، أو قصد مجرد التعذيب، سواء بما يقتل غالباً أو بما لا يقتل غالباً، إن فعل ذلك لعداوة أو غضب لا على وجه التأديب. فإن كان القتل بسبب الضرب على وجه اللعب أو التأديب فهو من الخطأ، إن كان الضرب بنحو قضيب، لا بنحو سيف.\rوأما الخطأ: فهو ألا يقصد الضرب ولا القتل، كما لو سقط إنسان على غيره فقتله، أو رمى صيداً فأصاب إنساناً.\rوشبه العمد: هو أن يقصد الضرب ولا يقصد القتل، والمشهور عندهم أنه كالعمد (2) .\rويلاحظ مما سبق أن الفقهاء اتفقوا على بعض حالات القتل العمد كالقتل بسلاح، وعلى حالة القتل الخطأ، واختلفوا في حالات ثلاث: هي القتل شبه العمد، وما أجري مجرى الخطأ، والقتل بسبب.\rكما يلاحظ أن الفقهاء اعتمدوا في إثبات العمد وشبه الخطأ، على الآلة المستعملة في القتل باعتبارها دليلاً مادياً أو حسياً على توافر القصد أي (العمد) وعدم توفره. وفي عصرنا الحاضر حيث تعددت أساليب القتل، ينبغي البحث في ظروف القتل وملابساته، وفي قرائن الأحوال، للحكم على نية القاتل، أهو متعمد، أم مخطئ.\r-------------------------------\r(1) الشرح الكبير للدردير مع الدسوقي: 242/4، القوانين الفقهية: ص 344، بداية المجتهد: 390/2.\r(2) القوانين الفقهية: ص 345.","part":7,"page":538},{"id":4824,"text":"المبحث الثاني ـ القتل العمد وعقابه\rوفيه مطلبان ـ المطلب الأول ـ أركان القتل العمد.\rالمطلب الثاني ـ عقوبات القتل العمد.\rالمطلب الأول ـ أركان القتل العمد :\rللقتل العمد أركان ثلاثة: هي أن يكون القتيل آدمياً حياً معصوم الدم، وأن يحدث القتل نتيجة لفعل الجاني، وأن يقصد الجاني إحداث الوفاة (1) .\rالركن الأول ـ القتيل آدمي حي معصوم الدم :\rالقتل العمد الموجب للقصاص: هو الحادث اعتداء على آدمي حي معصوم الدم (2) على التأبيد، فلا قصاص بالاعتداء على غير الإنسان، أو على الميت الذي فارق الحياة، أو على غير معصوم الدم عصمة مؤقتة غير دائمة، كالمرتد أو الحربي (3) ، أو المستأمن (4) في دار الإسلام؛ لأن المستأمن لم تثبت له عصمة مطلقة دائمة، وإنما عصمته مؤقتة أثناء إقامته في دار الإسلام، فهو في الأصل حربي، ودخل دار الإسلام لحاجة عارضة، ثم يعود إلى وطنه الأصلي، فكان في عصمة دمه شبهة الإباحة بالعود إلى دار الحرب، فلا يقتص من قاتله عمداً، وإنما يعزر، لافتئاته على مصلحة الحاكم.\r-------------------------------\r(1) التشريع الجنائي الإسلامي للمرحوم الأستاذ عبد القادر عودة: 12/2 وما بعدها.\r(2) البدائع: 336/7، 252، الدر المختار: 375/5، اللباب شرح الكتاب: 143/3، مغني المحتاج: 8/4.\r(3) الحربي: عدو، وهو الذي ينتمي لدولة محاربة، أو هو الذي بيننا وبين بلاده عداوة وحرابة، والإجماع على أنه مهدر الدم والمال، أي مباح الدم والمال.\r(4) المستأمن: هو من دخل دار الإسلام بأمان مؤقت فيما دون السنة.","part":7,"page":539},{"id":4825,"text":"كذلك لا قصاص عند الجمهور بقتل الباغي (1) لعدم العصمة، واعتقاد أهل العدل (جماعة المسلمين في دار الإسلام) إباحة دمه. وتلك الإباحة عند غير الحنفية (2) مقصورة على حالة الحرب الدائرة بين قومه البغاة وبين أهل العدل. ويرى الحنفية أن عدم عصمة البغاة مطلقة في أي حال بمجرد البغي (3) .\rوأساس العصمة عند الحنفية (4) : هو الوجود في دار الإسلام، فيعد المسلم والذمي والمستأمن معصوم الدم بسبب وجوده في دار الإسلام. أما الحربي أو المسلم في دار الحرب، فليس معصوماً، ولا عقاب على قاتله، لكونه في دار الحرب.\rوأما عند الجمهور غير الحنفية (5) : فأساس العصمة هو الإسلام أو الأمان. فيعدّ المسلم والذمي والمستأمن والمهادن معصوماً، إما بسبب الإسلام بالنسبة للمسلم ولو كان في دار الحرب، أو بسبب الأمان بالنسبة لغير المسلم المعاهد، فلا\r-------------------------------\r(1) الباغي: هو أحد البغاة الخارجين على الإمام يبغون خلعه، وكان له منعة وشوكة، معتمدين على تأويل سائغ لنص شرعي.\r(2) الشرح الكبير للدردير: 300/4، المهذب: 220/2، مغني المحتاج: 125/4، المغني: 113/8 وما بعدها. قال ابن قدامة: الصحيح أن الخوارج يباح قتلهم، فلا قصاص على قاتل أحد منهم ولا ضمان عليه في ماله.\r(3) البدائع: 236/7.\r(4) تكملة الفتح: 255/8، البدائع: 252/7، اللباب مع شرح الكتاب: 144/3.\r(5) الشرح الكبير للدردير مع الدسوقي: 239/4، مغني المحتاج: 14/4، المغني: 648/7.","part":7,"page":540},{"id":4826,"text":"تباح دماؤهم ولا أموالهم، ويعاقب قاتلهم على القتل العمد، إلا أنه لا يقتل المسلم بالكافر عندهم (1) كما سيتضح فيما بعد، ويقتل قاتل المسلم ولو كان في دار الحرب. ويظهر أثر الخلاف بين الرأيين في قتل المسلم في دار الحرب.\rووقت العصمة عند الحنفية: مختلف فيه بين الإمام وصاحبيه (2) . فأبو حنيفة: يرى أن وقت العصمة هو وقت الفعل أي فعل القاتل لا غير، فمن رمى إنساناً مسلماً فجرحه، ثم ارتد المجروح بعد الجرح، ومات وهو مرتد، لا يقتص منه؛ لأن فعل الجاني لا يصير قتلاً إلا بفوات حياة القتيل، وقد فاتت حياة المقتول في وقت لم يكن فيه معصوماً، فكان دمه هدراً، لكن على الجاني دية المقتول عند أبي حنيفة؛ لأنه يسأل عن الجرح الذي أحدثه في معصوم عند بدء فعله.\rوقال الصاحبان: وقت العصمة هو وقت الفعل ووقت الموت جميعاً؛ لأن للفعل تعلقاً بالقاتل والمقتول، فهو فعل القاتل، وأثره يظهر في المقتول بفوات الحياة، فلا بد من ملاحظة العصمة في الوقتين جميعاً، فلا قصاص على الجاني في المثال السابق ولا دية عليه عندهما.فالإمام وصاحباه اتفقوا على عدم القصاص واختلفوا في إيجاب الدية.\rوقال زفر: إن وقت العصمة هو وقت الموت لا غير.\rكذلك اختلف أبو حنيفة مع صاحبيه في تحديد وقت العصمة عند الرمي. فقال أبو حنيفة: العبرة بوقت الرمي لا وقت الإصابة، لأن الإنسان يسأل عن فعله، ولا فعل منه سوى الرمي.\rوقال الصاحبان: العبرة بوقت الإصابة لا وقت الرمي؛ لأن المعول عليه هو وقت التلف، ووقت التلف هو وقت الإصابة.\rفمن رمى غيره برصاصة، فارتد المرمي بعد الرمي وقبل الإصابة، يكون الجاني مطالباً بالدية عند أبي حنيفة؛ لأنه كان معصوماً عند الرمي، وليس مطالباً عند الصاحبين؛ لأن المجني عليه لم يكن معصوماً وقت الإصابة.\r-------------------------------\r(1) المغني: 652/7.\r(2) البدائع: 253/7، التشريع الجنائي الإسلامي: 23/2 وما بعدها.","part":7,"page":541},{"id":4827,"text":"واتفق غير الحنفية (مالك والشافعي وأحمد) (1) مع الصاحبين في رأيهما بتحديد وقت العصمة، وهو وقت الفعل (ضرباً أو جرحاً) ووقت الموت معاً، أي حال البدء وحال الانتهاء، فيشترط كون المجني عليه معصوماً من حين الضرب أو الجراح إلى حين الموت. فلو قطع شخص يد مسلم، فارتد، ثم مات بسراية الجرح، فالنفس هَدَر،أي لم يجب في النفس قصاص ولا دية ولا كفارة؛ لأنها نفس مرتد غير معصوم ولا مضمون.\rلكن اختلف غير الحنفية في تحديد وقت العصمة حال الرمي، فقال المالكية والشافعية: إنه وقت الرمي. وقال الحنابلة: إنه حالة الإصابة.\rالركن الثاني ـ القتل نتيجة لفعل الجاني :\rلا تعد الجريمة قتلاً إلا إذا ارتكب الجاني فعلاً من شأنه إحداث الموت. فإن حدث الموت بفعل لا يمكن نسبته إلى الجاني، أو لم يكن فعله مما يحدث الموت، فلا يعد الجاني قاتلاً.\rوالفعل القاتل يصح أن يكون ضرباً أو جرحاً، أو ذبحاً أو حرقاً أو خنقاً أو تسميماً أو غير ذلك (2) . والبحث في هذا الركن في أمرين: أداة القتل، والأفعال المكونة للقتل العمد.\rأداة القتل :\rتختلف أدوات القتل قوة وضعفاً في مدى التأثير على الجسم والتأثر بها، لذا حدد الفقهاء لكل منها حكماً وأثراً معيناً، واختلفوا فيما بينهم في ترتيبها كما ذكرت في بيان أنواع القتل إجمالاً.\rأولاً ـ رأي الحنفية (3) :\rاشترط أبو حنيفة في أداة القتل العمد: أن تكون مما يقتل غالباً، ومما يعد للقتل، وهي كل آلة جارحة أوطاعنة ذات حد لها مَوْر في الجسم، أي تفرق أجزاء الجسم، سواء كانت من الحديد أو الرصاص أو النحاس، أو الخشب المحدد أو الحجر المحدد، أو نحوها كالسيف والبندقية والسكين والرمح، والإبرة في مقتل، أو ما يعمل عمل هذه الأشياء في الجرح والطعن، كالنار والزجاج وليطة القصب (4) والمروة المحددة (5) ، والرمح الذي لاسنان له ونحوها.\rوسواء أكان الحديد وشبهه من المعادن مما له حد يبضع (يقطع الجلد ويشق اللحم) بضعاً، أم هو مثقل ليس له حد يرض رضاً، كالعمود وصنجة الميزان وظهر الفأس والمروة، ونحوها.\r-------------------------------\r(1) الشرح الكبير للدردير: 238/4 وما بعدها، 249، مغني المحتاج: 23/4، المغني: 653/7-656.\r(2) التشريع الجنائي، عودة: 25/2.\r(3) البدائع: 233/7 ومابعدها، تبيين الحقائق: 97/6 وما بعدها، تكملة فتح القدير: 244/8، الدر المختار ورد المحتار: 375/5.\r(4) الليطة: قشر القصب اللازق به.\r(5) المروة: حجر أبيض براق يقدح به النار.","part":7,"page":542},{"id":4828,"text":"أما أداة القتل شبه العمد: فهي كل آلة تقتل غالباً، ولكنها ليست جارحة ولا طاعنة كالخشبة الكبيرة، والحجر الثقيل، ويقصد به غير القتل كالتأديب ونحوه، فإن قصد به الإتلاف فهو عمد.\rودليل الإمام قوله عليه الصلاة والسلام: «ألا إن قتيل الخطأ شبه العمد قتل ُ السوط أو العصا، فيه مئة من الإبل، منها أربعون في بطونها أولادها» (1) .\rواتفق أبو حنيفة مع صاحبيه على أن القتل شبه عمد في حالتين وهما:\r1 - أن يقصد الجاني القتل بعصا صغيرة أو بحجر صغير أو بلطمة، أو بسوط ضرب به ضربة أو ضربتين ولم يوال الضربات، ونحوها مما لا يقتل غالباً.\r2 - الضرب بالسوط الصغير الذي يوالي به الضربات حتى يموت المجني عليه. وقيل في الحالة الثانية عند الصاحبين: إنها عمد محض.\rواختلف الإمام مع صاحبيه في حالتين أخريين هما:\r1 - استعمال العصا الكبيرة والحجر الكبير والمدقة الكبيرة ونحوها.\r2 - الإلقاء في بئر أو من سطح أو جبل، ولا يرجى منه النجاة.\rعند الإمام: هما شبه عمد. وعند الصاحبين: هما عمد. قال الحنفية (2) : والصحيح قول الإمام، وبه يفتى في شبه العمد.\rأما التغريق في الماء القليل وموت الغريق، فليس عمداً ولا شبه عمد، باتفاق الحنفية.\r-------------------------------\r(1) رواه أحمد وأصحاب السنن إلا الترمذي عن عبد الله بن عمرو.\r(2) رد المحتار: 376/5، اللباب شرح الكتاب: 142/3، تبيين الحقائق: 101/6.","part":7,"page":543},{"id":4829,"text":"ثانياً ـ مذهب الشافعية والحنابلة: اكتفى الشافعية والحنابلة (1) في تحديد أداة القتل العمد: بأن تكون مما يقتل غالباً، سواء أكان القتل بمحدد أم بمثقّل.\rوالمحدد: هو ما يقطع ويدخل في البدن كالسيف والسكين ونحوهما من أي معدن كحديد ورصاص ونحاس وذهب وفضة، أوغير معدن كزجاج وحجر وقصب وخشب له حد قاطع. والمحدد لا ينظر فيه إلي غلبة الظن في حصول القتل، بدليل ما لو قطع شحمة أذنه أو أنملته فمات، كان عمداً.\rوالمثقل: هو ما ليس له حد يجرح ولا سن يطعن، كالعصا والحجر، فإن كان المثقل مما يقتل غالباً، أي يغلب على الظن حصول الموت به عند استعماله، كان القتل عمداً موجباً للقصاص. وإن كان المثقل مما لا يقتل غالباً، كان القتل شبه عمد موجباً للدية.\rوبناء عليه يكون القتل عمداً إذا استعمل الجاني سلاحاً نارياً أو سلاحاً أبيض كالسيف ونحوه، أو معدناً أو غير معدن له حد جارح يقطع الجلد واللحم، أو له مور (2) وغور في الجسم كالمسلّة والنشاب، أو الإبرة المغروزة في مقتل. أو استعمل ما يقتل غالباً كالعصا الغليظة والعمود والخشبة الكبيرة والحجر، أو كانت الأداة مما تقتل كثيراً كالعصا والسوط والحجر الصغير، واللكزة واللطمة، إذا كرر الضرب بما ذكر حتى قتله، أو ضربه في مقتل أو كانت تقتل نادراً في بعض الظروف كما في حال ضعف المضروب لمرض أو صغر، أو في زمن حر أو برد مفرط، أو اشتد الألم وبقي إلى الموت.\rفإن استعمل الجاني أداة لا تقتل غالباً كالضرب بالسوط أو العصا الخفيفين، ولم يوال الضربات، ولم يكن الضرب في مقتل، أو المقتول صغيراً أو ضعيفاً، ولم يكن حرأو برد معين على الهلاك، ولم يشتد الألم ويستمر إلى الموت، كان القتل شبه عمد.\r-------------------------------\r(1) مغني المحتاج: 3/4-4، المهذب: 175/2، المغني: 637/7-640، كشاف القناع: 587/5.\r(2) أي يفرق أجزاء الجسد.","part":7,"page":544},{"id":4830,"text":"ودليل الشافعية والحنابلة: هو نفس الحديث الذي استدل به الحنفية وهو «ألا إن في قتيل عمد الخطأ، قتيل السوط والعصا والحجر مائة من الإبل» وقالوا: إن الحديث محمول على المثقل الصغير؛ لأنه ذكر العصا والسوط، وقرن به الحجر، فدل على أنه أراد ما يشبههما. واستدلوا أيضاً بحديث آخر: «إن جارية وُجدت، وقد رُضَّ رأسها بين حجرين، فقيل لها: من فعل بك هذا، أفلان أو فلان، حتى سمي يهودي، فأومأت برأسها، فأخذ اليهودي، فاعترف، فأمر رسول الله صلّى الله عليه وسلم برض رأسه بالحجارة» (1) قالوا: فثبت القصاص في هذا أي في المثقل، بالنص، وقيس عليه الباقي، مما يدل على شرعية القصاص في القتل بالمثقل.\rثالثاً ـ مذهب المالكية: إن أداة القتل العمد عند المالكية (2) : هي كل آلة يقتل بها غالباً كالمحدد مثل السلاح، والمثقل مثل الحجر، أو ما لا يقتل بها غالباً كالعصا والسوط ونحوهما، سواء قصد الجاني بالضرب قتل المجني عليه، أو لم يقصد قتلاً، وإنما قصد مجرد الضرب، أو قصد قتل شخص معتقداً أنه ( زيد ) فإذا هو (عمرو): إن حصل الضرب لعداوة أو غضب لغير تأديب، ففي كل ذلك القَوَد (3) .\rويعتبر كالضرب: الإحراق أو التغريق أو الخنق أو التسميم، أو منع الطعام أو الشراب، سواء قصد الموت أم مجرد التعذيب.\r-------------------------------\r(1) رواه الجماعة (أحمد وأصحاب الكتب الستة) عن أنس بن مالك رضي الله عنه. وهو دليل أيضاً على أنه يقتل الرجل بالمرأة، وعليه إجماع العلماء. ودليل أيضاً على أنه يجوز القود بمثل ما قتل به المقتول، وإليه ذهب الجمهور.\r(2) الشرح الكبير للدردير مع الدسوقي: 242/4، القوانين الفقهية: ص 344.\r(3) القود: القصاص، وسمي بذلك؛ لأن الجاني المقتص منه كانوا في الغالب يقودونه بشيء يربط به أو بيده، كالحبل وغيره (المغني: 683/7، رد المحتار: 376/5).","part":7,"page":545},{"id":4831,"text":"فإن كان الضرب على وجه اللعب أو التأديب، فهو قتل خطأ، إن كان بنحو قضيب (أي عصا)، لا بنحو سيف، وكما لو سقط على غيره فقتله، أو رمى صيداً فأصاب إنساناً.\rوهذا في غير الأب، وأما الأب فلا يقتل بولده، ما لم يقصد إزهاق روحه، كأن يضجعه ويذبحه.\rوبه يتبين أن القتل عند مالك نوعان فقط كما بان سابقاً: عمد، وخطأ، وليس هناك ما يسمى ( شبه العمد ) فقد أنكره مالك، وقال: «ليس في كتاب الله إلا العمد والخطأ، فأما شبه العمد فلا يعمل به عندنا» وجعله من قسم العمد.\rالأفعال المكونة للقتل العمد :\rالقتل العمد الموجب للقصاص في الجملة، مع اختلاف الفقهاء في بعض أنواعه: هو تسعة أقسام (1) ، أبحثها هنا، مع بيان الرأي الأرجح في عصرنا الحاضر.\r1 - القتل بمحدد: المحدد: هو كل آلة جارحة أوطاعنة لها مور في البدن، أي تفرق أجزء الجسد، مثل الأسلحة النارية الحديثة المختلفة، والسلاح الأبيض، والأخشاب والأحجار المحددة والزجاج والعظم ونحوها.\rويكاد يكون هناك اتفاق بين الفقهاء على أن القتل بالمحدد هو قتل عمد موجب للقصاص، مع ملاحظة ضوابط المذاهب في بيان ما يوجب القصاص، على ما بان في المبحث السابق.\r- الحنفية اشترطوا أن تكون قاتلة غالباً ومعدة للقتل.\r- واكتفى الشافعية والحنابلة بأن تكون الآلة محددة، ولم يشترطوا غلبة الظن في حصول القتل بها.\rولم يشترط المالكية شيئاً في آلة القتل، وإنما يكفي وجود العدوان.\rوبناء عليه: إذا أحدث الجاني جرحاً كبيراً، فهوقتل عمد بالاتفاق، وإن أحدث جرحاً صغيراً في مقتل كالعين والقلب والخاصرة، باستعمال إبرة أوشوكة، فهو قتل عمد اتفاقاً.\r-------------------------------\r(1) راجع كشاف القناع: 587/5 وما بعدها، المغني: 637/7-646.","part":7,"page":546},{"id":4832,"text":"وإن استعمل الإبرة في غير مقتل كفخذ وألية فهو شبه عمد عند الحنفية؛ لأن الإبرة معدة للخياطة، ولا تستعمل في القتل عادة (1) ،وعمد عند الشافعية (2) إن تورم محل الغرز وتألم، واستمر الأمران حتى مات. فإن لم يظهر للغرز أثر، بأن لم يشتد الألم، ومات في الحال، فهو قتل شبه عمد، وقيل: هو عمد. ويعد الغرز عند الحنابلة (3) في غير مقتل قتل عمد إن بالغ الجاني في إدخال الإبرة في البدن؛ لأن هذا يشتد ألمه ويفضي إلى القتل. وكذا إن كان الغور يسيراً، أو الجرح لطيفاً، واستمر حتى مات يكون عمداً فيه القود. وإن مات في الحال ففيه وجهان: أحدهما - لا قصاص فيه، والثاني - فيه القصاص، وبه يظهر أن مذهبي الشافعية والحنابلة متفقان في حال استعمال الإبرة.\r-------------------------------\r(1) رد المحتار: 375/5.\r(2) مغني المحتاج: 4/4-5.\r(3) المغني: 637/7-638.","part":7,"page":547},{"id":4833,"text":"وجعل مالك الجرح والغرز قتلاً عمداً، في مقتل أو غير مقتل إذا لم يكن الفعل على وجه اللعب أوا لتأديب (1) .\r2 - القتل بالمثقَّل، أو بغير المحدد: هو ما ليس له حد، كالعصا والحجر. واختلف الفقهاء في شأنه، هل يوجب القود ؛ لأنه عمد، أو الدية؛ لأنه شبه عمد؟\rقال أبو حنيفة: القتل بمثقل إلا الحديد وما في معناه من نحاس وصنجة ميزان (2) شبه عمد (3) . واستثناء الحديد لأنه يعمل عمل السلاح، لقوله تعالى: {وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد، ومنافع للناس} [الحديد:25/57]. ودليله حديث «ألا إن في قتيل عمد الخطأ قتيل السوط والعصا والحجر مئة من الإبل» فإذا أوجب الرسول عليه السلام فيه الدية، كان شبه عمد وليس عمداً.\rوقال الصاحبان: القتل بمثقل كحجر عظيم أوخشبة عظيمة إذا كان مما يقتل غالباً عمد؛ لأنه لما كان يقتل غالباً، صار بمنزلة الآلة الموضوعة له. فإذا لم يكن المثقل قاتلاً غالباً، كان القتل شبه عمد، ولو توالى الضرب.\rورأى الشافعية والحنابلة (4) : أن القتل بالمثقل الذي يقتل غالباً، سواء كان كبيراً، أم صغيراً وكان في مقتل أو في مرض أو حر أو برد شديدين، أم والى الضربات: هو قتل عمد؛ لأنه يقتل غالباً، ولعموم الآيات الدالة على وجوب القصاص في القتل، ولإيجاب النبي عليه الصلاة والسلام القصاص على يهودي قتل امرأة بحجر، وقوله عليه الصلاة والسلام: «ومن قتل له قتيل فهو بخير النظرين، إما أن يُوديَ، وإما أن يقاد» (5) . وأما الحديث الذي استدل به أبو حنيفة السابق فهو محمول على المثقل الصغير؛ لأنه ذكر العصا والسوط وقرن به الحجر، فدل على أنه أراد ما يشبههما، كما تقدم.\rوقال المالكية (6) : القتل بمثقل قتل عمد، سواء أكان مما يقتل غالباً أم لا يقتل غالباً، ما دام الفعل عدواناً، لا على وجه اللعب والتأديب.\rوالحقيقة أن الذي يلاحظ حالات القتل العمد العدوان وظروفه من غيظ وحقد وعصبية جامحة يرجح رأي المالكية في القتل بمحدد أو بمثقل.\r3 - القتل بالمباشرة :\rالمباشرة: ما أثر في التلف وحصله دون واسطة، وكان علة للموت، والقتل بالمباشرة: أن يقصد الجاني عين المجني عليه بالفعل المؤدي إلى الهلاك بلا واسطة (7) ، كالجرح أو الذبح بالسكين، والخنق، فإنه يؤدي بذاته إلى موت المجني عليه.\rوقد اتفق الفقهاء على أن القتل بطريق المباشرة موجب للقصاص، واشترط الحنفية (8) لإيجاب القصاص أن يكون القتل مباشرة لا تسبباً.\rوالمباشرة إما أن تكون من قاتل واحد، أو من جماعة. فإن حدث القتل من شخص واحد بانفراده، وجب القصاص من القاتل. وأما إن حدث القتل من جماعة اشتركوا في الجريمة، فإما أن يتم الاشتراك في حال التعاقب أو في وقت واحد.\r-------------------------------\r(1) الشرح الكبير: 242/4.\r(2) سنجة الميزان بالسين أفصح من الصاد.\r(3) الدر المختار ورد المحتار: 375/5، اللباب شرح الكتاب: 141/3 وما بعدها.\r(4) مغني المحتاج: 4/4، المغني: 638/7.\r\r(5) متفق عليه بين البخاري ومسلم وأصحاب الكتب الستة من حديث أبي هريرة.\r(6) حاشية الدسوقي على الشرح الكبير: 242/4.\r(7) مغني المحتاج: 6/4.\r(8) البدائع: 239/7.","part":7,"page":548},{"id":4834,"text":"قتل الجماعة بالواحد :\rيجب شرعاً باتفاق الأئمة الأربعة قتل الجماعة بالواحد، سداً للذرائع، فلو لم يقتلوا لما أمكن تطبيق القصاص أصلاً، إذ يتخذ الاشتراك في القتل سبباً للتخلص من القصاص. ثم إن أكثر حالات القتل تتم على هذا النحو، فلا يوجد القتل عادة إلا على سبيل التعاون والاجتماع.\rوقد بادر الصحابة إلى تقدير هذا الأمر، فأفتوا بالقصاص الشامل. وأول حادثة حدثت هي في عهد عمر، وهي أن امرأة بمدينة صنعاء، غاب عنها زوجها، وترك عندها ابناً له من غيرها، فاتخذت لنفسها خليلاً، فقالت له: إن هذا الغلام يفضحنا فاقتله، فأبى، فامتنعت منه فطاوعها، فاجتمع على قتل الغلام خليل المرأة، ورجل آخر، والمرأة وخادمها، فقطعوه أعضاء، وألقوا به في بئر. ثم ظهر الحادث وفشا بين الناس، فأخذ أمير اليمن خليل المرأة فاعترف، ثم اعترف الباقون، فكتب إلى عمر بن الخطاب، فكتب إليه عمر: أن اقتلهم جميعاً، وقال: «والله لو تمالأ عليه أهل صنعاء لقتلتهم جميعاً» (1) . وحكم حالتي الاشتراك في القتل يظهر فيما يأتي (2) :\r-------------------------------\r(1) أخرجه مالك في موطئه عن سعيد بن المسيب أن عمر بن الخطاب قتل نفراً: خمسة، أو سبعة برجل قتلوه غيلة، وقال: «لو تمالأ عليه أهل صنعاء لقتلتهم به» وعن مالك رواه محمد بن الحسن في موطئه والشافعي في مسنده والبخاري في صحيحه وابن أبي شيبة في مصنفه والدارقطني في سننه والطحاوي والبيهقي.\r(2) البدائع: 238/7، تكملة الفتح: 278/8، اللباب شرح الكتاب: 150/3، الدر المختار: 394/5 وما بعدها، تبيين الحقائق: 114/6 وما بعدها.","part":7,"page":549},{"id":4835,"text":"أولاً ـ القتل المباشر على التعاقب: كأن يشق رجل بطن آخر، ثم يأتي غيره فيحز رقبته، فالقصاص على الثاني إن كان عمداً، وإن كان خطأ فالدية على عاقلته؛ لأنه هو القاتل، لا الأول، فإن عليه التعزير فقط.\rوتتم هذه الحالة بانفراد كل من المشتركين عن الآخر، لا مجتمعين، فلا يكون بينهما توافق أو تمالؤ سابق.\rثانياً ـ القتل المباشر حالة الاجتماع: كأن تحدث جراحات معاً من عدة جناة، فيجرح كل منهم جرحاً مهلكاً، أو يطلق كل منهم عياراً نارياً، فيصيب المجني عليه إصابة قاتلة، فيجب القصاص عند الحنفية على كل المشتركين إذا باشروا القتل؛ لأن كل واحد منهم يعد قاتلاً عمداً. يظهر من هذا أن الحنفية لا يفرقون بين حالة التوافق (وهو قصد القتل دون اتفاق سابق) وبين التمالؤ (وهو في اصطلاح المالكية قصد القتل بعد اتفاق سابق على ارتكاب الجريمة)، وإنما المهم حدوث الإصابة فعلاً وأن يكون فعل الجاني قاتلاً، بدليل قولهم في القتل العمد: «وتشترط المباشرة من الكل، بأن جرح كل واحد جرحاً سارياً» وقال التمرتاشي: «ويقتل جمع بمفرد إن جرح كل واحد جرحاً مهلكاً، وإلا لا» أي أن المهم عندهم هو حدوث مباشرة القتل.\rوقال الجمهور (المالكية والشافعية والحنابلة) (1) : تقتل الجماعة غير المتمالئين (أي غير المتفقين سابقاً) بالواحد إذا كان فعل كل واحد منهم صالحاً للقتل به، فيما لو انفرد بالجناية ومات المجني عليه، وضربوه عمداً عدواناً، أي لا بد من كون فعل كل واحد من الجماعة قاتلاً. وفي هذه الحالة يتفق الجمهور مع الحنفية. وكذلك\r-------------------------------\r(1) الشرح الكبير للدردير: 245/4، القوانين الفقهية لابن جزي: ص 345، المهذب: 174/2، مغني المحتاج: 12/4، 20، 22، المغني: 671/7 وما بعدها، كشاف القناع: 598/5، بداية المجتهد: 392/2.","part":7,"page":550},{"id":4836,"text":"يقتل عند الجمهور الجماعة المتمالئون (المتواطئون) على القتل بالواحد إن قصد الجميع الضرب، وإن لم يصلح فعل كل واحد من الجماعة للقتل، أي ولو لم يكن فعل كل واحد قاتلاً، كأن ضربوه بسياط أو بحجر صغير، فمات، لئلا يتخذ التواطؤ (الاتفاق السابق)ذريعة إلى درء القصاص. وهذا هو الأصح عند الشافعية والحنابلة، إلا أنهم يخالفون المالكية في اشتراط كون كل مشترك في ارتكاب الفعل له صفة الفاعل للجريمة، ويكفي عند المالكية حضور الجميع، وإن لم يتول القتل إلا واحد، إذا كان غير الضارب مستعداً للضرب، ولو لم يضرب غيره، وإنما كان ربيئة أي رقيباً.\rوبه يظهر أن الجمهور يختلفون مع الحنفية في هذه الحالة (القتل بالتمالؤ) لكني أرجح مذهب الجمهور، لفعل عمر رضي الله عنه في قتل سبعة من أهل صنعاء قتلوا رجلاً، وإجماع الصحابة على فعله.\rوالخلاصة: أنه إذا باشر الجميع القتل يقتل الجميع باتفاق المذاهب.\rوأما الشريك: الذي لم يباشر فعلاً من أفعال القتل، وإنما اقتصر على الاتفاق على القتل دون حضور القتل،أو على التحريض أو الإعانة على القتل دون مباشرة القتل، فيعاقب بالتعزير، ومنه القتل إذا شاء الإمام عند غير المالكية. ويعاقب بالقصاص عند المالكية.\rمعنى التمالؤ: هذا ويلاحظ أن الفقهاء اختلفوا في تحديد معنى التمالؤ (1) .\rقال الحنفية والشافعية والحنابلة في الأرجح عندهم: التمالؤ ـ في اصطلاحهم هو توافق إرادات الجناة على الفعل ولو دون أن يكون بينهم اتفاق سابق، بحيث\r-------------------------------\r(1) الشرح الكبير للدردير مع الدسوقي: 245/4، الشرح الصغير: 344/4، وراجع التشريع الجنائي الإسلامي: 39/2-42، 126 وما بعدها.","part":7,"page":551},{"id":4837,"text":"يباشرون الجناية، أي يجتمعون على ارتكاب الفعل في فور واحد ولو دون سابقة من تدبير أو اتفاق.وقال المالكية: التمالؤ: التعاقد والاتفاق، وهو أن يقصد شخصان فأكثر قتل شخص وضربه، فالتمالؤ يتطلب اتفاقاً سابقاً على ارتكاب الفعل، وإن التوافق على الاعتداء لا يعتبر تمالؤاً، لكن يقتل الجميع إذا قصدوا الضرب، وحضروا الجناية، وإن لم يتول القتل إلا واحد منهم، وكان الآخر رقيباً مثلاً، بشرط أن يكونوا بحيث لو استعين بهم أعانوا.\rويقتل عند المالكية أيضاً الجمع غير الممالئين بقتل شخص واحد إذا ضربوه عمداً عدواناً ومات مكانه، ولم تتميز الضربات، أو تميزت ولكن لم تعرف الضربة القاتلة.\rقتل الواحد بالجماعة ـ تعدد القتلى :\rيقتل أيضاً الواحد بالجماعة قصاصاً، ولا يجب عند الحنفية (1) والمالكية (2) مع القود شيء من المال، فليس للجماعة إلا القصاص؛ لأن الجماعة لو قتلوا واحداً قتلوا به، فكذلك إذا قتلهم واحد، قتل بهم، كالواحد بالواحد. وحق أولياء المقتول في القتل مقدور الاستيفاء لهم، فلو أوجبنا معه المال، لكان زيادة على القتل، وهذا لا يجوز. وإني أميل لهذا الرأي.\rوقال الشافعية (3) : لا يقتل القاتل إلا بواحد، سواء اتفق أولياء الدم على طلب القصاص، أو لم يتفقوا؛ لأن المماثلة مشروطة في القصاص، ولا مماثلة بين\r-------------------------------\r(1) البدائع: 239/7، الدر المختار: 395/5، تبيين الحقائق: 115/6، تكملة الفتح: 278/8.\r(2) المغني: 699/7، الميزان الكبرى للشعراني: 143/2، القوانين الفقهية: ص 345.\r(3) مغني المحتاج: 22/4، المهذب: 183/2.","part":7,"page":552},{"id":4838,"text":"الواحد والجماعة، فلا يجوز أن يقتل الواحد بالجماعة، وإنما يقتل الواحد بالواحد، وتجب الديات للباقين. واشتراك أولياء الدم في حق المطالبة بالقصاص لايوجب تداخل حقوقهم كسائر الحقوق.\rوبناء عليه، إن قتل الواحد جماعة على الترتيب، قتل بأولهم، إن لم يعف لسبق حقه. وإن قتلهم معاً دفعة واحدة، كأن جرحهم أو هدم عليهم جداراً، فماتوا في وقت واحد، أو أشكل أمر المعية والترتيب، فيقتص من الجاني لواحد من القتلة بالقرعة وجوباً، وللباقين من المستحقين الديات، لتعذر القصاص عليه، كما لو مات الجاني مثلاً.\rوقال الحنابلة (1) : إن اتفق أولياء القصاص على القود أو قتل الجاني قتل بهم، وإن أراد أحدهم القود، والآخر الدية، قتل لمن أراد القود، وأعطي الباقون الدية من مال الجاني، سواء قتلهم دفعة واحدة أو دفعتين، ودليلهم قول النبي صلّى الله عليه وسلم: «فمن قتل له قتيل، فأهله بين خِيرَتين: إن أحبوا قَتَلوا، وإن أحبوا أخذوا العقل» (2) أي الدية، ولأن الجنايات المتعددة لا تتداخل في حالة الخطأ، فلا تتداخل في حالة العمد.\r-------------------------------\r(1) المغني: 699/7 وما بعدها.\r(2) سبقت الإشارة لتخريجه إجمالاً وقد رواه الجماعة (أحمد وأصحاب الكتب الستة) عن أبي هريرة بلفظ: «من قتل له قتيل فهو بخير النظرين: إما أن يفتدي، وإما أن يقتل» ولفظ الترمذي: «إما أن يعفو، وإما أن يقتل» وفي رواية لأحمد وأبي داود وابن ماجه عن أبي شريح الخزاعي: «فهو بالخيار بين إحدى ثلاث: إما أن يقتص أو يأخذ العقل أو يعفو» قال ابن عباس: «فالعفو أن يقبل في العمد الدية والاتباع بالمعروف» .","part":7,"page":553},{"id":4839,"text":"4 - القتل بالتسبب :\rالسبب: ما يؤثر في الهلاك ولا يحصله، أي أنه المؤثر في الموت لا بذاته، ولكن بواسطة، كحفر بئر في طريق عام دون إذن من السلطات وتغطيتها بحيث يسقط المار فيها ويموت، وشهادة زور على بريء بالقتل، وإكراه رجل على قتل رجل آخر، وحكم جائر من حاكم على رجل بالقتل.\rالسبب أنواع ثلاثة (1) :\rالأول ـ حسي:كالإكراه على القتل.\rالثاني ـ شرعي: كشهادة الزور على القتل، وحكم الحاكم على رجل بالقتل كذباً أو مع العلم بالتهمة متعمداً الأذى.\rالثالث ـ عرفي: كتقديم الطعام المسموم لمن يأكله، وحفر بئر وتغطيتها في طريق القتيل.\rوحكم القتل بالتسبب إجمالاً: أنه عند الحنفية (2) لا يوجب القصاص؛ لأن القتل تسبيباً لا يساوي القتل مباشرة، والعقوبة قتل مباشر. فمن حفر حفرة أو بئراً على قارعة الطريق، فوقع فيها إنسان، ومات، لا قصاص على الحافر؛ لأن الحفر قتل بالسبب لا بالمباشرة. كما لا قصاص على شهود الزور إذا رجعوا عن شهادتهم بعد قتل المشهود عليه. أما الإكراه على القتل فيوجب القصاص عند الحنفية على المُكرِه؛ لأنه قتل مباشرة، والإكراه يجعل المستكره آلة بيد المكره، ولا قصاص على الآلة.\rوقال الجمهور غير الحنفية (3) : يجب القصاص بالسبب، إذا قصد المتسبب\r-------------------------------\r(1) مغني المحتاج: 6/4.\r(2) البدائع: 239/7، تبيين الحقائق للزيلعي: 101/6 وما بعدها، تكملة فتح القدير: 253/8.\r(3) الشرح الكبير للدردير: 243/4، 246، مغني المحتاج: 6/4، المهذب: 176/2 ومابعدها، المغني: 645/7، كشاف القناع: 591/5-593، 601 وما بعدها.","part":7,"page":554},{"id":4840,"text":"إحداث الضرر، وهلك المقصود المعين بالسبب المتخذ، كما في حالة الحفر ورجوع الشهود عن شهادتهم، والتسميم، والإكراه.\rولا بد من توضيح الكلام في الإكراه على القتل، والتسميم.\rالإكراه على القتل: إذا أكره رجل غيره على قتل آخر بأن هدده بما يلحق ضرراً بنفسه أو ماله، فقال أبو حنيفة ومحمد: يجب القصاص على المكرِه، دون المستكره المباشر، لقوله صلّى الله عليه وسلم : «عفي عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه» (1) ولأن المستكره آلة للمكره، والقاتل معنى هو المكرِه، والموجود من المستكره صورة القتل فقط.\rوقال أبو يوسف: لا قصاص على أحد، سواء المكره والمستكره، للشبهة؛ لأن المكره ليس بمباشر للقتل، وإنما هو مسبب له، وإنما القاتل هو المستكره.\rوقال زفر: القصاص على المستكره؛ لأن القتل وجد منه في الحقيقة والواقع. وبه يتبين أن في المذهب الحنفي (2) آراء ثلاثة أرجحها الأول.\rوقال الجمهور (المالكية والشافعية في الأظهر عندهم، والحنابلة) (3) : يجب القصاص على المكره والمستكره جميعاً؛ لأن المكره متسبب في القتل بما يفضي إليه غالباً، والمستكره مباشر القتل عمداً عدواناً، ومؤثرْ في فعله استبقاء نفسه. وإني أرجح هذا الرأي.\rلكن لو قال له: اقتلني وإلا قتلتك، فلا قصاص عند الشافعية إذا قتله؛ لأن الإكراه شبهة يدرأ بها الحد.\r-------------------------------\r(1) رواه ابن ماجه عن أبي ذر، والطبراني والحاكم عن ابن عباس، والطبراني أيضاً عن ثوبان بلفظ: «إن الله تعالى تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه» .\r(2) البدائع: 179/6، تكملة فتح القدير: 302/7، اللباب شرح الكتاب: 112/4.\r(3) الشرح الكبير للدردير: 244/4، مغني المحتاج: 9/4، المهذب: 177/2، المغني: 645/7، كشاف القناع: 601/5 وما بعدها.","part":7,"page":555},{"id":4841,"text":"أما لو أمره بقتل نفسه، بأن قال له: اقتل نفسك وإلا قتلتك، فقتل نفسه، لم يجب القصاص؛ لأن هذا ليس إكراهاً، فصار كأنه مختار له، في رأي الشافعية. ويلاحظ أن الإكراه على القتل لا يبيحه، بل يأثم بالاتفاق وكذا لا يباح الزنى بالإكراه.\rالأمر بالقتل :\rفرَق الفقهاء بين الإكراه على القتل وبين الأمر بالقتل، لاختلاف طبيعة الحالتين، ففي حالة الإكراه يكون المباشر مجبراً على تنفيذ الفعل، وفي حالة الأمر يكون المباشر مختاراً ارتكاب الجريمة؛ لذا كان في حكمه تفصيل:\r1 - إذا كان المأمور غير مميز كصبي أو مجنون، فلا قصاص على الآمر عند الحنفية؛ لأنه قتل بالتسبب، والقتل بالتسبب لا قصاص فيه، وإنما فيه الدية، كما بينت سابقاً.\rوقال الجمهور (المالكية والشافعية والحنابلة) (1) : يقتص من الآمر؛ لأنه متسبب في القتل. وأما المباشر فهو مجرد آلة يحركها الآمر كيف يشاء.\r2 - وإذا كان المأمور مميزاً، أو كبيراً بالغاً عاقلاً، فإما أن يكون للآمر سلطان عليه، أو لا سلطان له عليه.\r-------------------------------\r(1) بداية المجتهد: 388/2 وما بعدها، الشرح الكبير للدردير: 244/4، المهذب: 177/2، كشاف القناع: 602/5 ومابعدها، المغني: 757/7، القوانين الفقهية: ص 345.","part":7,"page":556},{"id":4842,"text":"فإن لم يكن سلطان للآمر على المأمور، فقال مالك والشافعي وأحمد (1) : يقتص من المباشر المأمور، ويعزر الآمر.\rوأما إذا كان للآمر سلطان على المأمور أي المباشر، كسلطة الأب على ولده الصغير، وسلطة الحاكم على من هو تحت إمرته، بحيث يخاف المأمور أن يقتله الآمر لو لم يطع أمره، فيقتص عند مالك (2) من الآمر والمأمور معاً؛ لأن الأمر في هذه الحالة يعتبر إكراهاً.\rوقال الشافعية والحنابلة (3) : إن علم المأمور أن القتل بغير حق، فيقتص من المأمور المباشر؛ لأنه غير معذر في فعله، لقوله صلّى الله عليه وسلم : «لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق» (4) ، ويعزر الآمر بالقتل ظلماً لارتكابه معصية. وإن لم يعلم المأمور أن القتل بغير حق، فالقصاص على الآمر؛ لأن المأمور معذور لوجوب طاعة الإمام في غير معصية، والظاهر من حاله أنه لا يأمر إلا بالحق.\rوعند أبي حنيفة (5) : لا قصاص على الآمر إلا إذا كان مُكرِهاً، كما لا قصاص على المأمور إذا كان الأمر صادراً ممن يملكه؛ لأن الأمر أو الإذن شبهة تدرأ القصاص، فإن كان الأمر صادراً ممن لا حق له فيه، فعلى المأمور القصاص.\rالتسميم :\rالتسميم: تسبب لقتل النفس، فلا يوجب القصاص عند الحنفية (6) . فإن دس شخص لآخر السم في طعام أو شراب، فأكله أو شربه ولم يعلم به، ومات منه، فلا قصاص عليه، ولا دية، لكن يلزمه الاستغفار والحبس والتعزير، لارتكابه معصية بتسببه لقتل النفس، وتغريره بالمجني عليه.\rأما في حالة الإكراه على تناول السم، كأن أوجر (صب في الحلق) شخص السم في حلق آخر على كره منه، أو ناوله إياه وأكرهه على شربه حتى شرب، فالفعل قتل شبه عمد؛ لأنه حصل بما لا يجرح، فلا قصاص فيه عند أبي حنيفة، وإنما تجب الدية على عاقلته (أهل ديوانه أو حرفته أو\r-------------------------------\r(1) المراجع السابقة.\r(2) بداية المجتهد: 389/2.\r(3) المهذب، كشاف القناع، المرجعان السابقان، والمكان السابق.\r(4) رواه الحاكم وأحمد في مسنده عن عمران والحكم بن عمرو الغفاري.\r(5) البدائع: 236/7.\r(6) الدر المختار: 385/5، تبيين الحقائق: 101/6.","part":7,"page":557},{"id":4843,"text":"نقابته) (1) .\rوالتسميم أو تقديم مسموم عند المالكية (2) موجب للقصاص، إن مات متناوله، وكان مقدمه عالماً بأنه مسموم، وإلا فلا شيء عليه لأنه معذور، كما لا شيء على مقدِّمه إن علم المتناول بسميته ؛ لأنه يكون حينئذ قاتلاً لنفسه.\rوكذلك يعتبر التسميم عند الحنابلة (3) قتلاً عمداً موجباً للقصاص إذا كان مثله يقتل غالباً، لأن التسميم يتخذ كثيراً طريقاً إلى القتل، فيوجب القصاص، وبدليل أن يهودية أتت النبي صلّى الله عليه وسلم بشاة مسمومة، فأكل منها النبي صلّى الله عليه وسلم وبشر بن البراء بن معرور، فلما مات بشر، أرسل إليها النبي صلّى الله عليه وسلم ، فاعترفت، فأمر بقتلها (4) .\rوعند الشافعية (5) : يعد تسميم الصبي غير المميز (دون السابعة) والمجنون قتلاً عمداً موجباً للقصاص، وكذلك يجب القصاص إن سقى السم بالغاً عاقلاً مكرَهاً، فمات، لأنه سبب يقتل غالباً.\rفإن سقاه مميزاً أو بالغاً عاقلاً في غير حالة الإكراه، ولم يعلم المتناول حال الطعام، فهو في الأصح قتل شبه عمد، يوجب الدية فقط لا القصاص؛ لأن آخذه تناوله باختياره من غير إلجاء.\rوالخلاصة: إن التسميم قتل عمد عند المالكية والحنابلة، وعمد عند الشافعية في حالة الإكراه، وإعطائه غير المميزأو المجنون، وشبه عمد عند الحنفية في حالة الإكراه، وكذا في غير حالة ا لإكراه عند الشافعية، ويوجب التعزير فقط عند الحنفية في غير حالة الإكراه.\r-------------------------------\r(1) وأما على رأي الصاحبين، فمن الفقهاء من قال: إنه قتل شبه عمد عندهما أيضاً، ومنهم من قال: عندهما تفصيل: إن كان ما أوجر من السم مقداراً يقتل مثله غالباً فهو عمد، وإلا فخطأ العمد.\r(2) الشرح الكبير مع الدسوقي: 244/4.\r(3) المغني: 643/7، كشاف القناع: 591/5 وما بعدها.\r(4) رواه أبو داود عن أبي هريرة. وانظر سيرة ابن هشام: 338/2.\r(5) مغني المحتاج: 6/4، المهذب: 176/2.","part":7,"page":558},{"id":4844,"text":"حالات اشتراك المتسبب مع المباشر في جناية القتل :\rبينت سابقاً حالة الاشتراك المباشر بين اثنين فأكثر في بحث قتل الجماعة بالواحد، وأبين هنا حالة اشتراك المتسبب مع المباشر، كما سأبين في مبحث تالٍ حالة الاشتراك بين من يجب عليه القصاص وبين من لا يجب عليه.\rأما حالة اشتراك المتسبب مع المباشر في جريمة القتل، فيخضع حكمها لما قرره الفقهاء من القواعد الفقهية العامة في بحث الضمان (1) . وأمثلتها: اشتراك الممسك مع القاتل، والدال مع المدلول، والحافر حفرة مع المردي، والملقي من شاهق مع القاد.\rأولاً ـ ضمان المباشر وحده :\rالمباشر: هو الذي حصل الضرر بفعله بلا واسطة، أي تدخل فعل شخص آخر مختار، ويكون مسؤولاً عن فعله في ضوء قاعدتين عند الحنفية هما:\r1 - «المباشر ضامن وإن لم يتعمد» : فمن باشر القتل بسلاح وجب عليه القصاص إذا كان القتل عمداً عدواناً. ومن باشر القتل بغير سلاح كحجر وخشب، أو أطلق عياراً نارياً إلى طائر فأصاب إنساناً، أو انقلب نائم على إنسان فقتله أو سقط من حائط على إنسان في الطريق فقتله،كان القتل شبه عمد في القتل بغير سلاح، وخطأ في الإطلاق على طائر، ومما جرى مجرى الخطأ في الوقوع على إنسان، ويجب عليه الدية (2) والأصح أن يقال في القاعدة: « وإن لم يتعدّ » .\r2 - «إذا اجتمع المباشر والمتسبب يضاف الحكم إلى المباشر» : يلزم المباشر بالضمان أو المسؤولية إذا كان هو المؤثر الأقوى في إحداث العدوان، وكان دور السبب ضعيفاً لا يعمل بانفراده في الهلاك. كمن حفر حفرة أو بئراً في الطريق العام دون إذن السلطات، وجاء آخر وأردى غيره (دفعه أو ألقاه) في البئر، أوألقى حيواناً فيها، ضمن المردي أو الدافع أو الملقي، ووجب عليه الدية أو التعويض، لأنه مباشر للتلف بالذات، وأما حافر البئر فهو متسبب فقط؛ لأن حفره البئر، وإن أفضى إلى التلف، لكنه لا ينفرد بالإتلاف ما لم يوجد الدفع الذي هو المباشر (3) . ومثله من دل غيره على شخص فقتله المدلول كان الثاني عند أبي حنيفة هو المسؤول. ومثَّل الشافعية والحنابلة (4) لهذه القاعدة بمن أمسك شخصاً فقتله آخر أو\r-------------------------------\r(1) انظر كتابنا نظرية الضمان: ص 44 ومابعدها، 188 ومابعدها.\r(2) مجمع الضمانات: ص 146-154، 161، 165، جامع الفصولين لابن قاضي سماوة: 113/2، 124 ومابعدها، الأشباه والنظائر لابن نجيم: 99/2، الدر المختار: 375/5-377.\r(3) البدائع: 275/7، المبسوط: 185/26، الدر المختار: 422/5، جامع الفصولين: 115/2، مجمع الضمانات: ص 153.\r(4) المهذب: 192/2 ومابعدها، مغني المحتاج: 8/4 ومابعدها، المغني: 684/7، كشاف القناع: 601/5.","part":7,"page":559},{"id":4845,"text":"حفر بئراً فرداه فيها آخر، أو ألقاه من شاهق، فتلقاه آخر فقدَّه (قطعه نصفين مثلاً قبل وصوله الأرض) فالقصاص على القاتل والمردي والقادّ فقط (1) .\rوبناء عليه لو أمسك رجل شخصاً ليقتله آخر، يضمن القاتل فقط عند الحنفية (2) ، فيقتص منه إن قتله بسلاح؛ لأنه باشر القتل،، ويجب التعزير على الممسك من غير حبس.\rوقال الشافعية، والراجح عند أحمد (3) : يقتل القاتل، ويعزر الممسك عند الشافعية بحسب ما يرى الحاكم من المدة. وقال الحنابلة: يحبس الممسك حتى يموت، لقوله عليه السلام: «إذا أمسك الرجلُ الرجلَ، حتى جاء آخر، فقتله، قتل القاتل وحبس الممسك» (4) وقوله أيضاً: «إن من أعتى الناس على الله عز وجل: من قتل غير قاتله، أو طلب بدم الجاهلية في الإسلام، أو بصَّر عينيه في النوم ما لم تبصره» (5) .\r-------------------------------\r(1) وهذا هو المعروف من الأفعال المؤثرة في زهوق الروح بالشرط، لأن الذي له دخل من الأفعال بالزهوق إما مباشرة: وهي ما يؤثر في الهلاك ويحصله بالذبح بسكين، وإما شرط: وهو مالا يؤثر في الهلاك ولا يحصله، بل يحصل التلف عنده بغيره، ويتوقف تأثير ذلك الغير عليه، كالحفر مع التردي، فإنه لا يؤثر في التلف ولا يحصله، وإنما التردي هو المحصل للتلف، لكن لولا الحفر لما حصل التلف، ولذا سمي شرطاً، ومثله الإمساك للقاتل. وإما سبب: وهو ما يؤثر في الهلاك ولا يحصله كشهادة الزور على بريء بالقتل، فإنها علة أو مؤثر في الحكم عليه بالإعدام، ولكنها لا تجلب بذاتها الإعدام، وإنما الذي يجلبه فعل الجلاد (مغني المحتاج: 6/4).\r(2) الدر المختار ورد المحتار: 384/5، البدائع: 274/7.\r(3) مغني المحتاج: 8/4، المهذب: 176/2، المغني: 755/7.\r(4) رواه الدارقطني عن ابن عمر، وهو حديث مرسل، ورواه الشافعي من فعل علي. قال في بلوغ المرام: رجاله ثقات، وصححه ابن القطان.\r(5) رواه أحمد والدارقطني والطبراني والحاكم من حديث أبي شريح الخزاعي. ورواه آخرون عن عائشة، وابن عباس.","part":7,"page":560},{"id":4846,"text":"لكن المالكية (1) قالوا: إذا اجتمعت المباشرة والسبب، فالقصاص عليهما معاً، فيشارك القاتل والممسك في الضمان أو القصاص، لتسبب الممسك ومباشرة القاتل. ومثله الدال الذي لولا دلالته ما قتل المدلول عليه، قياساً على الممسك. كذلك يقتص عندهم من الحافر والمردي معاً.\rوالخلاصة: إن المباشر ضامن إذا تغلبت المباشرة على السبب.\r-------------------------------\r(1) الشرح الكبير للدردير: 245/4 وما بعدها، لكن في إتلاف الأموال يقدم المستكره على المكره، والمردي على الحافر في تعلق الضمان به وحده (الشرح الكبير: 444/3).","part":7,"page":561},{"id":4847,"text":"ثانياً ـ ضمان المتسبب وحده :\rالمتسبب: هو الذي يحدث أمراً يؤدي إلى تلف شيء آخر بحسب العادة، إلا أن التلف مباشرة لا يقع منه، وإنما بواسطة أخرى هي فعل فاعل مختار. ويضمن المتسبب وحده إذا كان متعدياً، عملاً بقاعدة «المتسبب لايضمن إلا بالتعدي » سواء أكان بقصد أم لا، أو بقاعدة « يضاف الفعل إلى المتسبب إن لم يتخلل واسطة» ، وذلك إذا تعذر تضمين المباشر لكونه غير مسؤول أو غير موجود أو غير معروف، أو كان فعل المتسبب أقوى من المباشر. فمن دفع إلى صبي سكيناً ليمسكه له، فوقع عليه، فجرحته، كان الضمان (الدية) على الدافع؛ لأن السبب هنا يشتمل على معنى التعدي، لكون الصبي لم يباشر فعلاً معيناً، فهو غير مسؤول، والسكين بطبيعتها آلة جارحة.\rومن طرح على قارعة الطريق حية، فلدغت إنساناً بمجرد إلقائها، فمات، فهو ضامن ديته؛ لأنه متعد في هذا السبب. ومثله لو ألقى عقرباً أوزنبوراً ونحوهما على حيوان أو إنسان، فأتلفه، كان على الملقي الضمان. وشهود الزور في قتل إنسان يضمنون الدية عند الحنفية، ويجب عليهم القصاص عند غير الحنفية؛ لأنهم تسببوا في موت المشهود عليه، ولو كان الحاكم هو المباشر.\rولو دفع إنسان رجلاً على آخر، فعطب الآخر، كان الضمان (الدية) على الدافع؛ لأن المدفوع كالآلة، والقاعدة فيه هي «المدفوع كالآلة في الضمان» .\rولو عثر شخص بحجر لم يعرف واضعه، فوقع في بئر، يكون حافر البئر ضامناً الدية، لتعذر معرفة المباشر، ولأن صاحب البئر متسبب.\rومن حفر بئراً في داره، وغطاها، أوربط كلباً قرب باب الدار، ثم أذن لرجل بالدخول، فوقع في البئر ومات، أو عقره الكلب، فمات وجب عليه الضمان (الدية عند الحنفية، وفي الأصح عند الشافعية) (1) .\rوالخلاصة: أن المتسبب هو الضامن إذا تغلب السبب على المباشر.\r-------------------------------\r(1) المبسوط: 14/16 وما بعدها، 185/26، البدائع: 273/7، الأشباه والنظائر لابن نجيم: 197/1، مجمع الضمانات للبغدادي: ص 168، المهذب: 193/2.","part":7,"page":562},{"id":4848,"text":"ثالثاً ـ تضمين المتسبب والمباشر معاً :\rيضمن المتسبب مع المباشر إذا كان للسبب تأثير يعمل بانفراده في الإتلاف متى انفرد عن المباشرة، أي إذا تعادلت قوة التسبب والمباشرة، أو اعتدل السبب والمباشر بأن تساوى أثرهما في الفعل، كان المتسبب والمباشر مسؤولين معاً عن القتل، كأن اجتمع على قيادة دابة سائق وراكب عليها، فما أحدثته من تلف، كان الضمان عليهما؛ لأن سوق الدابة وحده يؤدي إلى التلف، وإن لم يكن هناك شخص راكب عليها. وكذلك إذا نخس رجل الدابة بأمر راكبها، يكون الضمان على الاثنين؛ لأن الناخس بمنزلة السائق.\rوعند الجمهور غير الحنفية يقتص في حالة الإكراه من المكره والمستكره معاً؛ لأن المكره متسبب، والمستكره مباشر، كما بان سابقاً.\rوعند المالكية خلافاً لبقية المذاهب: يقتص من الممسك والقاتل؛ لأن الممسك متسبب، والقاتل مباشر، كما أوضحت سابقاً.","part":7,"page":563},{"id":4849,"text":"حالة اشتراك من يجب عليه القصاص ومن لا يجب عليه القصاص :\rالقاعدة المقررة في هذه الحالة عند الحنفية هي أن «القصاص لا يتجزأ» (1) فلو اشترك اثنان في قتل رجل: أحدهما ممن يجب عليه القصاص، لو انفرد بالجريمة وحده، والآخر لا يجب عليه، لو انفرد لعدم انطباق شروط القصاص عليه كما سيأتي، مثل اشتراك صبي مع بالغ، ومجنون مع عاقل، ومخطئ وعامد في قتل شخص (2) ، أو اشتراك الأب مع شخص أجنبي في قتل الابن، أو اشتراك زوج مع أجنبي في قتل زوجته وله منها ولد، أو اشتراك رجل مع سبعٍ أو حية في إماتة إنسان، كأن يجرحه سبع أو تلدغه حية، ويجرحه إنسان عمداً، فيموت بسببها، أو يجرح الشخص نفسه، ويجرحه أجنبي أيضاً، فمات، ففي كل هذه الحالات لا قصاص على أحد في مذهبي الحنفية والحنابلة (3) ، سواء من توافرت فيه شرائط القصاص أو لم تتوافر فيه لمانع شرعي، لوجود الشبهة في فعل كل واحد منهما، ولا يطبق القصاص مع الشبهة، لكن تجب الدية عليهما.\rأما صاحب أهلية القصاص كالبالغ فتجب الدية في ماله. والذي لا يجب عليه القصاص كالمخطئ، تجب الدية على عاقلته.\rوهذا عند الحنفية في حالة غير شريك الأب، أما في حالة اشتراك الأب والأجنبي، فتجب الدية في مالهما؛ لأن الأب لو انفرد بالقتل تجب الدية في ماله.\rورأى الحنابلة: أن على عاقلة الصبي والمخطئ نصف الدية، وعلى البالغ، والمتعمد نصف الدية في ماله. وفي شريك السبع وشريك جارح نفسه وجهان في إيجاب القصاص عليه: أحدهما وهو الأصح: لا قصاص عليه، والثاني: عليه القصاص. وأما شريك الأب فعليه القصاص، كشريك الأجنبي.\r-------------------------------\r(1) راجع الدر المختار: 380/5، وكتابنا نظرية الضمان: ص 304.\r(2) أو أحدهما بالسيف والآخر بالعصا عند أبي حنيفة، لأن الاشتراك بالعصا يجعل المشترك مرتكباً قتلا شبه العمد.\r(3) البدائع: 235/7، الفتاوى الهندية: 4/6، الدر المختار ورد المحتار: 397/5، المغني: 676/7، 677، 681، كشاف القناع: 605/5.","part":7,"page":564},{"id":4850,"text":"وقال الشافعية (1) بتفصيل آخر: لا يقتل شريك المخطئ، وشبه العمد بسبب الشبهة في القصاص، وإنما تجب الدية عليهما، أما المتعمد فعليه نصف الدية مغلظة في ماله، وغير المتعمد عليه نصف الدية مخففة. ويقتل شريك الأب في قتل ولده (أي كما قال الحنابلة)، وشريك جارح نفسه، كأن جرح الشخص نفسه وجرحه غيره فمات بهما. وكذلك يقتل شريك دافع الصائل (2) في الأظهر، وشريك صبي مميز أو مجنون، وشريك السبع والحية القاتلين غالباً، لصدور الجريمة منه، وهو القتل العمد، وأما امتناع القصاص على الآخر فهو لعذر أو مانع خاص به، فلا يتعدى إلى الآخر، ويجب عليه القصاص جزاء لفعله. والأظهر عند الشافعية أن من ألقى غيره في ماء مُغرق كالبحر فالتقمه حوت، وجب القصاص عليه؛ لأنه بسببه، فإن كان الماء غير مغرق فلا قصاص عليه.\rوقال المالكية (3) : إن اشترك في القتل عامد ومخطئ، أو مكلف وغير مكلف مثل رجل عامد وصبي، أو عامد ومجنون، إن تمالآ على قتله، فعلى العامد القصاص، وعلى عاقلة المخطئ والمجنون والصبي نصف الدية؛ لأن عمد الصبي كخطئه، رعاية للمصلحة وصيانة للدماء، فكأن كل واحد منهما انفرد بالجريمة.\r-------------------------------\r(1) مغني المحتاج: 20/4، المهذب: 174/2.\r(2) أي المدافع عن نفسه أو ماله أو عرضه ضد الباغي المعتدي.\r(3) بداية المجتهد: 389/2، 405، الشرح الكبير للدردير وحاشية الدسوقي: 246/4 ومابعدها.","part":7,"page":565},{"id":4851,"text":"فإن لم يتمالأا على قتله، وتعمد الاثنان قتل المجني عليه أوتعمد الكبير، فعلى الكبير نصف الدية في ماله، وعلى عاقلة الصبي نصفها أي كما قال الحنفية. فإن قتلاه خطأ، أو أخطأ الكبير، فعلى عاقلة كل منهما نصف الدية. وفي حالة عدم التمالؤ هناك قولان عند المالكية في أربع مسائل: هي شريك سبع، وشريك جارح نفسه جرحاً يعقبه الموت غالباً، ثم ضربه كبير قاصداً قتله، وشريك حربي، وشريك مرض بعد الجرح، بأن جرح شخص غيره، ثم حصل للمجروح مرض ينشأ عنه الموت غالباً. ثم مات، ولم يدر، أمات من الجرح أو من المرض.\rوالقولان هما: قول بعدم القصاص من الشريك، ولكن على الشريك نصف الدية في ماله، ويضرب مئة، ويحبس عاماً، وقول بالقصاص. والراجح في شريك المرض القصاص في حالة القتل العمد، والدية في الخطأ. ولكن بعد حلف أيمان القسامة الخمسين. وأما المسائل الثلاث الباقية فالقولان فيها على حد سواء. ولعل رأي المالكية أرجح الآراء صوناً للدماء.\r5 - الإلقاء في مهلكة :\rإذا جمع شخص بين إنسان وبين أسد أونمر في مكان ضيق كزُبية (1) ونحوها، أوأمام كلب فينهشه، أو يرمي عليه حية أوعقرباً فتلدغه، فهل يعتبر فعله قتلاً عمداً، فيسأل عنه، أو لا يسأل عنه؟ هناك آراء ثلاثة في المذاهب.\r-------------------------------\r(1) زبية الأسد: حفرة تحفر له شبه البئر، أو حفرة في مكان عال يصاد فيها الأسد.","part":7,"page":566},{"id":4852,"text":"قال الحنفية (1) : لا قود فيه ولا دية، وإنما يعزر ويضرب ويحبس إلى أن يموت. ويروى عن أبي حنيفة أن عليه الدية. وإن فعل ذلك بصبي فعليه الدية.\rوإن ربط صبياً وألقاه في الشمس أو البرد حتى مات، فعلى عاقلته الدية.\rوقال المالكية (2) : الفعل العدوان في هذه الحالة قتل عمد فيه القود، سواء أكان فعل الحيوان بالإنسان مما يقتل غالباً كالنهش، أم مما لا يقتل غالباً ومات الآدمي من الخوف. ولا يقبل الادعاء بأنه قصد بفعله اللعب. وكذلك قال الحنابلة (3) : الفعل قتل عمد موجب للقصاص إن فعل الحيوان المفترس أو المتوحش بالإنسان ما يقتل به غالباً، أو فعل به فعلاً يقتل مثله. فإن فعل به فعلاً لو فعله الآدمي لم يكن قتلاً عمداً، لم يجب القصاص به؛ لأن السبع صار آلة للآدمي، فكان فعله كفعله.\rوعلى هذا، إن ألقاه مكتوفاً بين يدي أسد أو نمر، فقتله، فهو عمد. وكذا إن جمع بينه وبين حية في مكان ضيق، فنهشته، فقتلته، فهو عمد. ولو لسعه عقرب من القواتل، فهو عمد. ورأي المالكية والحنابلة أولى في تقديري.\rوقال الشافعية (4) : إن جمع بين شخص وبين السبع في زُبية أو بيت صغير ضيق، أو أغراه به، أو أمسكه وعرضه لمجنون فقتله، وجب عليه القود؛ لأن السبع يقتل إذا اجتمع مع الآدمي في موضع ضيق. أما إن كتّف رجلاً وطرحه في أرض مسبعة أو بين يدي سبع (أي في مكان واسع مثل البرية) فقتله، لم يجب القود؛ لأنه سبب غير ملجئ.\rوإن كتَّفه وتركه في موضع فيه حيات، فنهشته، فمات لم يجب القود، سواء أكان المكان ضيقاً أم واسعاً؛ لأن الحية تهرب عادة من الآدمي، فلم يكن تركه معها ملجئاً إلى قتله، بخلاف السبع فإنه يثب على الإنسان في المكان الضيق دون المتسع.\rوإن أنهشه سبعاً أو حية يقتل مثلها غالباً، فمات منه، وجب عليه القود؛ لأنه ألجأه إلى قتله.\r-------------------------------\r(1) الدر المختار: 386/5.\r(2) الشرح الكبير للدردير: 244/4.\r(3) المغني: 641/7 ومابعدها، كشاف القناع: 589/5 وما بعدها.\r(4) نهاية المحتاج للرملي: 14/7، المهذب: 176/2، مغني المحتاج: 9/4.","part":7,"page":567},{"id":4853,"text":"6 - التغريق والتحريق :\rيفرق الحنفية بين التحريق والتغريق، فالتحريق بالنار عندهم قتل عمد؛ لأن النار كالسلاح في تفريق أجزاء الجسد، فتشق الجلد، وتعمل عمل الذبح. وألحقوا بالنار: الماء المغلي أو الحار، والمعدن المصهور، والتنور أو الفرن المحمي وإن لم يكن فيه نار (1) .\rوأما التغريق بالماء الكثير فهو عند أبي حنيفة قتل شبه عمد، لأنه كالقتل بالمثقل. وعند الصاحبين: هو قتل عمد موجب للقود؛ لأنه مما يقتل به غالباً، واستعماله دليل العمدية (2) ، ويدل لهما قوله عليه السلام: «من غرَّق غرقناه» (3) . وهذا إذا كان الماء عظيماً بحيث لا تمكن النجاة منه. فلو كان الماء قليلاً لا يقتل غالباً، أو عظيماً تمكن النجاة منه بالسباحة، والملقى بالماء يحسن السباحة، فالقتل ليس شبه عمد باتفاق الحنفية.\r-------------------------------\r(1) الدر المختار ورد المحتار: 375/5، 386، نتائج الأفكار ـ تكملة فتح القدير: 245/8 وما بعدها.\r(2) نتائج الأفكار: 267/8، الدر المختار: 385/5.\r(3) رواه البيهقي من حديث البراء بن عازب، لكن في إسناده من يجهل حاله.","part":7,"page":568},{"id":4854,"text":"ويرى المالكية (1) : أن التحريق والتغريق قتل عمد موجب للقصاص، إذا كان التغريق عدواناً أو لعباً لغير المحسن للعوم، أوعداوة لمحسن العوم وكان الغالب عدم النجاة لشدة برد، أو طول مسافة، فغرق. فإن كان التغريق لمحسن العوم لعباً، فعليه دية مخففة (مخمسة) لا مغلظة.وقال الشافعية والحنابلة (2) : إذا ألقى أو طرح شخص غيره في نار أو ماء، لا يمكنه التخلص منه لكثرة الماء أو النار أولعجزه عن التخلص لعدم إحسانه السباحة، أو مع إحسانها، وكان مكتوفاً أو ضعيفاً أو مريضاً أو صغيراً، فمات، كان القتل عمداً موجباً القصاص. وإن ألقاه في ماء مغرق، فالتقمه حوت، وجب القصاص في الأظهر عند الشافعية؛ لأنه ألقاه في مهلكه، وفيه وجهان عند الحنابلة، أصحهما وجوب القود على الملقي. فإن كان الماء يسيراً غير مغرق والتقمه الحوت فلا قصاص، وعليه دية القتل شبه العمد عند الشافعية والحنابلة؛ لأنه هلك بفعله.\rوإن أمكنه التخلص من الغرق بسباحة أو تعلق بزورق، فتركها، فلا قود ولا دية؛ أي أنه هدر عند الحنابلة، وفي الأظهر عند الشافعية؛ لأنه مهلك لنفسه. كذلك لا دية في الأظهر عند الشافعية إذا ألقاه في نار يمكنه الخلاص منها، فمكث فيها حتى مات. وفي إيجاب ضمان ديته وجهان عند الحنابلة، والصواب إلزامه الدية؛ لأنه جانٍ بالإلقاء المفضي إلى الهلاك. ورأي الشافعية والحنابلة أولى بالاتباع، ويقترب منه رأي المالكية؛ لأن مثل هذا الفعل الذي يباشره المعتدي قاتل غالباً.\r-------------------------------\r(1) الشرح الكبير والدسوقي: 243/4.\r(2) مغني المحتاج: 8/4، نهاية المحتاج: 10/7، المهذب: 176/2،192، المغني: 641/7، كشاف القناع: 590/5.","part":7,"page":569},{"id":4855,"text":"7 - الخنِق (1) :\rالخنق عند أبي حنيفة قتل شبه عمد موجب للدية؛ لأنه ليس وسيلة معدة للقتل. وشرط القتل العمد عنده استعمال آلة قاتلة غالباً، ومعدة للقتل. وهو قتل عمد موجب للقصاص عند الصاحبين؛ لأنه في رأيهما وسيلة معدة للقتل، وذلك عندهما بشرط أن يدوم الجاني على الخنق بمقدار ما يموت منه الإنسان غالباً. فإن لم يتحقق هذا الشرط فلا قصاص باتفاق الحنفية (2) .\rوقال المالكية (3) : الخنق عمد، سواء قصد به الجاني موت المجنى عليه، فمات، أو قصد مجرد التعذيب، ما دام هناك عدوان. فإن كان على وجه اللعب أو التأديب، فهو من القتل الخطأ.\rوقال الشافعية والحنابلة (4) : الخنق عمد فيه القصاص، إن فعل به ذلك مدة يموت في مثلها غالباً، فمات، أي كما قال الصاحبان. وإن فعله في مدة لا يموت في مثلها غالباً، فمات، فهو عمد الخطأ أي شبه العمد، إلا أن يكون ذلك يسيراً في العادة بحيث لا يتوهم الموت منه، فلا يوجب ضماناً؛ لأنه بمنزلة لمسه.\rوإن خنقه وتركه متألماً مثلاً حتى مات، ففيه القود؛ لأنه مات من سراية جنايته. وإن تنفس وصح بعدئذ، ثم مات، فلا قود؛ لأن الظاهر أنه لم يمت بالخنق. ورأي غير أبي حنيفة أولى سداً للباب أمام المعتدين.\r-------------------------------\r(1) الخنِق ـ بكسر النون، ولا يقال بالسكون: مصدر خنق من باب نصر: إذا عصر حلقه أي حبس أنفاسه، ومنع خروج الهواء من رئتيه، سواء بالشنق، أو باليدين أو بالحبل أو بالوسادة. والخناق بكسر الخاء: حبل يخنق به.\r(2) الدر المختار ورد المحتار: 385/5 وما بعدها.\r(3) الشرح الكبير للدردير وحاشية الدسوقي: 242/4.\r(4) المغني: 640/7، مغني المحتاج: 6/4.","part":7,"page":570},{"id":4856,"text":"8 - القتل بالترك أو الحبس ومنع الطعام والشراب :\rإذا حبس شخص إنساناً في مكان، ومنع عنه الطعام أو الشراب، أو الدفء في الشتاء ولياليه الباردة، حتى مات جوعاً أو عطشاً أوبرداً في مدة يموت في مثلها غالباً، وتعذر عليه الطلب، ففيه آراء:\rقال أبو حنيفة: لا شيء على الحابس؛ لأن الموت حدث بالجوع ونحوه، لا بالحبس.\rوقال الصاحبان: تجب عليه الدية؛ لأنه قاتل شبه عمد؛ لأن الطعام والشراب والدفء من لوازم الإنسان، وتتوقف عليها حياته، فمن منعه إياها أهلكه بمنعه. وكونهما لم يعتبرا الفعل قتل عمد، فلأن الحبس في تقديرهما ليس وسيلة معدة للموت، وإن كان في ذاته وسيلة قاتلة غالباً (1) .\rواعتبر المالكية (2) القتل في هذه الحالة كالخنق قتلاً عمداً، ما دام قد صدر على وجه العدوان.\rواعتبر الشافعية والحنابلة (3) القتل حينئذ عمداً موجباً القصاص، إذا مضت مدة يموت مثله فيها غالباً جوعاً أو عطشاً؛ لظهور قصد الإهلاك به؛ لأن الله تعالى أجرى العادة بالموت عندئذ، فإذا تعمده الإنسان، فقد تعمد القتل، وهذا الرأي وسط معتدل.\rوتختلف المدة باختلاف حال المحبوس قوة وضعفاً، والزمان حراً وبرداً؛ لأن فقد الماء في الحر ليس كفقده في البرد.\rفإن كان لا يموت في مثلها غالباً، كان القتل شبه عمد عند الحنابلة. وفصل النووي في المنهاج في هذه الحالة، فقال: إن لم يكن به جوع وعطش سابق فشبه عمد. وإن كان به بعض جوع أو عطش، وعلم الحابس الحال، كان القتل عمداً، لظهور قصد الاهلاك.\r-------------------------------\r(1) الدر المختار ورد المحتار: 386/5، التشريع الجنائي لعودة: 73/2.\r(2) الشرح الكبير والدسوقي: 242/4.\r(3) نهاية المحتاج: 7/7 ومابعدها، مغني المحتاج: 5/4 وما بعدها، المهذب: 176/2، المغني: 643/7، كشاف القناع: 591/5.","part":7,"page":571},{"id":4857,"text":"9 ـ القتل تخويفاً أو إرهاباً :\rيحدث القتل أحياناً بفعل معنوي غير مادي، كالتخويف والإرهاب، والصيحة الشديدة ونحوها من الأمثلة التالية:\rـ من شهر سيفاً في وجه إنسان، أو دلاَّه من مكان شاهق، فمات من روعته، أو ذهب عقله.\rـ لو صاح إنسان بصبي أو مجنون أو معتوه صيحة شديدة، وهو على سطح أو حائط ونحوهما، فوقع فمات، أو ذهب عقله.\rـ لو تغفل أحد بالغاً عاقلاً، فصاح به، فأصابه ذلك.\rـ لو طلب الحاكم امرأة إلى مجلس القضاء، فأجهضت جنينها فزعاً، أو زال عقلها.\rـ لو ألقى على إنسان حية، ولو كانت ميتة، فمات فزعاً ورعباً.\rففي كل هذه الأحوال: لا ضمان لديته عند الحنفية لعدم تعدي السبب، أي لم يكن المذكور سبباً كافياً للضمان، إذ ليس السبب متصلاً بالنتيجة قطعاً، وذلك إذا لم يكن التخويف فجأة. فإن كان الصياح ونحوه على إنسان فجأة، فمات من صيحته أو قال له: قع، فوقع، فهو قاتل له قتلاً شبه عمد، فتجب الدية (1) .\rوقال المالكية (2) : يكون المتسبب فيما ذكر في غير حال الإجهاض قاتلاً عمداً يجب عليه القصاص إن كان على وجه العداوة. أما إن كان على وجه اللعب أو التأديب فعليه الدية.\rوقال الشافعية والحنابلة (3) : إن فعل ما ذكر عمداً فهو شبه عمد موجب الدية، وإلا فهو خطأ؛ لأنه سبب إتلافه. ووافق الشافعية على هذا في الصبي. ولهم في البالغ قولان: تجب الدية؛ لأن الفاعل مسؤول عن فعله ما دام قد أدى للموت، والبالغ في حال غفلته يفزع من الصيحة كما يفزع الصبي. وقيل في وجه آخر: لا تجب الدية؛ لأن البالغ بما يتميز به عادة من ضبط الأعصاب لا يفزع مع الغفلة، وإن فزع فنادراً، ولا حكم للنادر.\rإلا أن هذين المذهبين اختلفا في حالة الاجهاض من الفزع، فإن أجهضت المرأة، فاتفقا على ضمان الجنين إذا ألقته أمه ميتاً، لقصة عمر الآتية. وأما إن فزعت المرأة فماتت، فقال الشافعية: لم تضمن ديتها؛ لأن ما حدث ليس بسبب لهلاكها في العادة.\rوقال الحنابلة: تجب ديتها أيضاً؛ لأن الحاكم أفزعها، فكان متسبباً في موتها.\r-------------------------------\r(1) الدرالمختار: 397/5، مجمع الضمانات: 172، اللآلئ الدرية في الفوائد الخيرية بهامش جامع الفصولين: 112/2، ط الأولى بالأزهرية.\r(2) الشرح الكبير للدردير: 244/4 وما بعدها.\r(3) المهذب: 192/2، الأحكام السلطانية للماوردي: ص 230، المغني: 832/7 وما بعدها، مغني المحتاج: 4/4.","part":7,"page":572},{"id":4858,"text":"وأما قصة عمر: فهي أنه أرسل إلى امرأة مُغِيبة (1) ، كان يدخل عليها، فقالت: يا ويلها، ما لها ولعمر، فبينا هي في الطريق فزعت، فجاءها الطلق (2) ، فألقت ولداً، فصاح الصبي صيحتين، ثم مات، فاستشار عمر أصحاب النبي صلّى الله عليه وسلم، فأشار بعضهم أن ليس عليك شيء، إنما أنت وال ومؤدب، وصمت علي. فأقبل عليه عمر، فقال: ما تقول يا أبا الحسن؟ فقال: إن كانوا قالوا برأيهم، فقد أخطأ رأيهم، وإن كانوا قالوا في هواك، فلم ينصحوا لك، إن ديته عليك؛ لأنك أفزعتها، فألقته، فقال عمر: أقسمت عليك ألا تبرح حتى تقسمها على قومك، أي قريش.\r-------------------------------\r(1) المرأة المُغِيبة: هي التي غاب عنها زوجها. يقابلها: امرأة مُشْهِد: وهي التي زوجها شاهد حاضر.\r(2) الطلق: وجع الولادة.","part":7,"page":573},{"id":4859,"text":"الركن الثالث ـ القصد الجنائي :\rلا يكون القتل عمداً عند جمهور الفقهاء ( الحنفية (1) والشافعية (2) والحنابلة (3) ) إلا إذا قصد الجاني قتل المجني عليه، أو ضربه بفعل مزهق (أي قصد الفعل العدوان بما يقتل غالباً). فإن لم يتوافر القصد الجنائي، فلا يعد الفعل قتلاً عمداً. ولو قصد الجاني مجرد الاعتداء على المجني عليه، دون إزهاق روحه، بما لا يقتل غالباً، كان القتل شبه عمد.\rوبما أن هذا القصد أو النية أمر باطني خفي لا يمكن الاطلاع عليه، أناط الفقهاء حكم القتل العمد بوصف ظاهر يمكن معرفته، وهو استعمال أداة القتل المناسبة؛ لأن الجاني غالباً يختار الآلة المناسبة لتنفيذه قصده الجرمي. فاستعمال الآلة القاتلة غالباً هو المظهر الخارجي لنية الجاني، وهو الدليل المادي الذي لا يكذب في الغالب؛ لأنه من صنع الجاني، لا من صنع غيره. ومن ثم اشترط الفقهاء أن تكون الآلة قاتلة غالباً؛ لأنها دليل على قصد القتل عند الجاني (4) .\r-------------------------------\r(1) تبيين الحقائق: 97/6، 100، البدائع: 233/7 وما بعدها، الدر المختار ورد المحتار: 375/5.\r(2) مغني المحتاج: 3/4، المهذب: 172/2، الأحكام السلطانية للماوردي: ص 222.\r(3) كشاف القناع: 587/5، المغني: 637/7.\r(4) التشريع الجنائي الإسلامي للأستاذ عودة: 79/2 وما بعدها.","part":7,"page":574},{"id":4860,"text":"وأما المالكية (1) ، فاشترطوا للقصاص من الجناية وجود العدوان، ولم يشترطوا في القصاص قصد القتل، فسواء قصد الجاني قتل المجني عليه، أو تعمد الفعل بقصد العدوان المجرد عن نية القتل، فهو قاتل عمداً (2) ، إذا لم يرتكب الفعل على وجه اللعب أو التأديب، فيكون حينئذ خطأ.\rالقصد المحدود وغير المحدود: لا فرق عند الحنفية والحنابلة (3) بين القصد المحدود وغير المحدود، فسواء قصد الجاني قتل شخص معين، أو ضرب جماعة ولو لم يقصد شخصاً معيناً من الجماعة، فهو قاتل عمد.\rوفرق الشافعية والمالكية (4) بين نوعي القصد، فإن قصد معيناً فهو قتل عمد، وإن قصد غير معين فهو قتل شبه عمد عند الشافعية، وخطأ عند المالكية.\rالرضا بالقتل أو الإذن بالقتل :\rيرى بعض الفقهاء أن الرضا أو الإذن بالقتل لا يبيح القتل؛ لأن الإنسان غير مالك نفسه، وإنما هي مملوكة لله عز وجل، فلا تباح عصمة النفس إلا بما نص عليه الشرع. ورأي فقهاء آخرون أن الإذن يبيح القتل. وبناء عليه اختلف الفقهاء في عقوبة القاتل المأذون له بالقتل، كما لو قال رجل لآخر: اقتلني، فقتله.\r-------------------------------\r(1) الشرح الكبير للدردير وحاشية الدسوقي: 237/4، 242.\r(2) وبذلك يتسع مذهب المالكية لما يسمى عند القانونيين بالقصد الاحتمالي في جريمة القتل العمد: وهو كون الجاني مسؤولاً عن كل ما يتوقع حدوثه، مما هو ممكن الوقوع. بل إن هذا المذهب يتسع لأكثر من القصد الاحتمالي، فيشمل كل ما يتصوره الفاعل ممكن الوقوع، أو ممتنع الوقوع؛ لأن القتل العمد عندهم: هو كل فعل قصد به مجرد العدوان، ولو لم يقصد به القتل.\r(3) الدر المختار: 375/5، كشاف القناع: 587/5.\r(4) الشرح الكبير للدردير: 243/4 وما بعدها، مغني المحتاج: 4/4، نهاية المحتاج: 4/7.","part":7,"page":575},{"id":4861,"text":"قال الحنفية ما عدا زفر (1) : القتل شبه عمد، يوجب الدية؛ لأن الإذن بالقتل الموجود بالفعل أورث شبهة، والحدود ومنها القصاص تدرأ بالشبهات. وقال زفر: لا يصلح الإذن شبهة، فلا يدرأ القصاص، ويجب تطبيقه.\rوقال المالكية (2) : الإذن بالقتل لا يمنع وجوب القصاص، وإنما يلزم القود.\rوقال الشافعية في الأظهر عندهم والحنابلة (3) : لا قصاص ولا دية، ودم المقتول أو جرحه هدر؛ لأن الحق له فيه، وقد أذنه في إتلافه، كما لو أذن له في إتلاف ماله.\rالمطلب الثاني ـ عقوبات القتل العمد :\rعقوبة القتل العمد: هي الجزاء المترتب على الاعتداء على النفس.\rوللقتل العمد عقوبات: أصلية، وبدلية (عن الأصلية) ، وتبعية.\rواتفق الفقهاء على أن قاتل النفس عمداً يجب عليه أمور ثلاثة: الأول ـ الإثم العظيم لورود القرآن بتخليده في نار جهنم، والثاني ـ القود لآية القصاص، والثالث ـ الحرمان من الميراث لحديث: «لا يرث القاتل شيئاً» .\rالنوع الأول ـ العقوبة الأصلية :\rنص الشرع على عقوبة أصلية للقتل العمد وهي القصاص أو القود (4) ، وهي\r-------------------------------\r(1) البدائع: 236/7، الدر المختار: 388/5.\r(2) الشرح الكبير للدردير: 240/4.\r(3) مغني المحتاج: 11/4، كشاف القناع: 602/5 وما بعدها.\r(4) سمي قوداً؛ لأنهم كانوا يقودون الجاني بحبل أو غيره إلى محل استيفاء القصاص.","part":7,"page":576},{"id":4862,"text":"عقوبة متفق عليها بين الفقهاء، قال الحنفية (1) : موجَب العمد: القود عيناً، أي فلا ينتقل عنه إلى المال إلا بالتراضي.\rوأضاف الشافعية دون غيرهم من الفقهاء عقوبة أخرى للقتل العمد وهي الكفارة، قياساً على عقوبة القتل الخطأ التي نص عليها القرآن الكريم صراحة.\rالعقوبة الأصلية الأولى المتفق عليها ـ القصاص :\rالكلام عن القصاص يتناول بحث معناه ومشروعيته، والفرق بينه وبين الحدود الأخرى، وشروطه، وموانعه، وكيفية وجوبه، وصاحب الحق فيه، وولاية الاستيفاء، وكيفية الاستيفاء، ومسقطاته.\rأولاً ـ معنى القصاص: القصاص والقصص لغة: تتبع الأثر، واستعمل في معنى العقوبة؛ لأن المقتص يتبع أثر جناية الجاني، فيجرحه مثلها. وهو أيضاً المماثلة، ومن هذا المعنى أخذت عقوبة «القصاص» شرعاً، أي مجازاة الجاني بمثل فعله، وهو القتل.\rويلزم القصاص، سواء كان القتل مع سبق الإصرار أو الترصد أم لا.\rثانياً ـ مشروعية القصاص: ثبتت مشروعية القصاص بالقرآن والسنة والإجماع والمعقول.\rأما القرآن، ففيه ـ كما ذكر سابقاً ـ آيات كثيرة، منها قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى} [البقرة:178/2] ومنها أيضاً: {وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس...} [المائدة:45/5] {ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب} [البقرة:179/2].\rوفي السنة أحاديث متعددة أيضاً منها: «لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله ، إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة» (2) ومنها حديث ابن عباس مرفوعاً: «... ومن قتل عمداً فهو قود، ومن حال دونه، فعليه لعنة الله وغضبه، لا يقبل منه صرف ولا عدل» (3) .\rوأجمعت الأمة على وجوب القصاص.\rوالعقل يقضي بتشريع القصاص، إما عدالة بأن يفعل بالقاتل مثل جنايته، وإما مصلحة بتوفير الأمن العام وصون الدماء، وحماية الأنفس، وزجر الجناة، ولا يتحقق ذلك إلا به، فلا يلتفت إلى الدعاوى والمزاعم القائلة بأن فيه تهديماً جديداً للبنية الإنسانية؛ لأن في تشريعه صون حق الحياة للمجتمع: {ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب} [البقرة:179/2].\rهل القصاص يكفر إثم القتل؟ اختلف العلماء في أمره (4) كما اختلفوا في الحدود، هل هي زواجر أو جوابر؟\rقال الجمهور: القصاص من القاتل أو العفو عنه يكفر إثم القتل؛ لأن «الحدود كفارات لأهلها» (5) وهذا عام لم يخصص قتلاً من غيره. قال النووي: ظواهر الشرع تقتضي سقوط المطالبة بالعقوبة في الآخرة.\rوقال الحنفية: القصاص أو العفو لا يكفر إثم القتل؛ لأن المقتول المظلوم لا منفعة له في القصاص، وإنما القصاص منفعة للأحياء ليتناهى الناس عن القتل: {ولكم في القصاص حياة} [البقرة:179/2].\r-------------------------------\r(1) الدر المختار: 376/5.\r(2) أخرجه أحمد والأئمة الستة من حديث عبد الله بن مسعود.\r(3) رواه أبو داود والنسائي. والصرف: التوبة، والعدل: الفدية.\r(4) انظر حاشية الدسوقي على الشرح الكبير للدردير: 239/4 وما بعدها، رد المحتار: 389/5.\r(5) يذكره الفقهاء حديثاً، روى مسلم في صحيحه عن عبادة بما في معناه: «من أصاب شيئاً من ذلك ـ أي المعاصي كالزنا والسرقة والقتل ـ فعوقب به فهو كفارة له» ورويت أحاديث أخرى في هذا المعنى، منها ما رواه الترمذي وصححه الحاكم عن علي بن أبي طالب وفيه: «من أصاب ذنباً فعوقب به في الدنيا، فالله أكرم من أن يثني العقوبة على عبده في الآخرة» وهو عند الطبراني بإسناد حسن ولفظه «من أصاب ذنباً أقيم عليه حد ذلك الذنب، فهو كفارة له» وللطبراني عن ابن عمر مرفوعاً: «ما عوقب رجل على ذنب إلا جعله الله كفارة لما أصاب من ذلك الذنب » (راجع نيل الأوطار: 50/7، 53).","part":7,"page":577},{"id":4863,"text":"ثالثاً ـ الفرق بين القصاص والحدود الأخرى :\rالحدود كحد الزنا وحد المسكر حقوق خالصة لله تعالى، أي للمجتمع أو للجماعة، والقصاص حق شخصي للعباد، وفيه عند الحنفية والمالكية حق لله تعالى، أي للجماعة، وحد القذف مشتمل على الحقين: حق الله وحق العبد (الآدمي). وبناء على هذا ذكر الحنفية بين الحدود والقصاص فروقاً سبعة هي ما يأتي (1) :\r1 - القصاص يورث، والحد لا يورث.\r2 - القصاص يصح العفو عنه، والحد لا يعفى عنه.\r3 - التقادم لا يمنع قبول الشهادة بالقتل، بخلاف الحد ما عدا القذف، فإن التقادم يمنع الشهادة. والتقادم في الشرب بذهاب الريح، وفي حد غيره بمضي شهر.\r4 - تجوز الشفاعة في القصاص، ولا تجوز في الحد بعد الوصول للحاكم،\r-------------------------------\r(1) الدر المختار ورد المحتار: 390/5، نقلاً عن الأشباه والنظائر لابن نجيم.","part":7,"page":578},{"id":4864,"text":"أما قبل الوصول إليه والثبوت عنده، فتجوز الشفاعة فيه لإطلاق سراح المتهم (1) .\r5 - لا بد في القصاص من رفع الدعوى إلى القضاء من ولي الدم، أما الحد ما عدا القذف والسرقة، فلا يشترط فيه الادعاء الشخصي من صاحب المصلحة فيه، وإنما يصح الحسبة فيه.\r6 - يثبت القصاص بإشارة الأخرس أو كتابته، أما الحد فلا يثبت بهما، لاشتمالهما على الشبهة.\r7 - يجوز للقاضي القضاء بعلمه الشخصي في القصاص دون الحدود، وهذا عند متقدمي الحنفية، وأفتى المتأخرون بعدم القضاء بالعلم مطلقاً سداً للذريعة أمام قضاة السوء، سواء في القصاص والحدود أم في الأموال وغيرها.\rوأضاف بعض الحنفية فروقاً ثلاثة أخرى هي:\r8 - استيفاء الحدود يكون بواسطة الإمام الحاكم، وأما القصاص فيجوز لولي الدم استيفاؤه بشرط وجود الحاكم.\r9 - يجوز الاعتياض في القصاص ، بخلاف الحدود ومنها حد القذف. وأجاز الشافعية المعاوضة عنه.\r10 - يصح الرجوع عن الإقرار في الحد، دون القصاص.\r-------------------------------\r(1) تجوز الشفاعة لأرباب الحوائج المباحة كدفع الظلم وتخليص من خطأ، أو العفو عن ذنب ليس فيه حد إذا لم يكن المذنب مصراً، فإن كان مصراً فلا يجوز حتى يرتدع عن الذنب والإصرار. ودليل الشفاعة حديث: «اشفعوا تؤجروا» ولا يتناول هذا الحديث الحدود، فإن هناك أحاديث أخرى تمنع من الشفاعة فيها ، مثل حديث عائشة في المرأة المخزومية السارقة ورد شفاعة أسامة فيها: «أتشفع في حد من حدود الله ؟» .","part":7,"page":579},{"id":4865,"text":"رابعاً ـ شروط القصاص :\rيشترط لوجوب القصاص شروط في القاتل والمقتول ونفس القتل وولي القتيل.\rشروط القاتل :\rيشترط في القاتل الذي يقتص منه شروط أربعة (1) :\r1 - أن يكون مكلفاً (أي بالغاً عاقلاً)، فلا قصاص ولا حد على الصبي أو المجنون؛ لأن القصاص عقوبة، وهما ليسا من أهل العقوبة؛ لأنها لا تجب إلا بالجناية، وفعلهما لا يوصف بالجناية. ومثلهما زائل العقل بسبب يعذر فيه كالنائم والمغمى عليه ونحوهما؛ ولأن هؤلاء ليس لهم قصد صحيح، فهم كالقاتل خطأ.\rالقصاص من السكران: ويقتص من السكران بشراب محرم باتفاق المذاهب الأربعة (2) ؛ لأن السكر لا ينافي الخطاب الشرعي أي التكليف، فتلزمه كل أحكام الشرع، وتصح عباراته كلها في العقود كالبيع، وفي الإسقاطات كالطلاق، وفي الإقرارات، وإنما ينعدم بالسكر القصد دون العبارة، فلو تكلم بكلمة الكفر لا يرتد استحساناً عند الحنفية.\rوالقصاص من السكران واجب؛ لأنه حق آدمي، وقياساً على إيجاب حد الشرب عليه، وسداً للذرائع أمام المفسدين الجناة، فلو لم يقتص منه لشرب ما يسكره، ثم يقتل ويزني ويسرق، وهو بمأمن من العقوبة والمأثم، ويصير عصيانه سبباً لسقوط عقوبة الدنيا والآخرة عنه.\r-------------------------------\r(1) البدائع: 234/7 ومابعدها، الدر المختار: 378/5، حاشية الشلبي على تبيين الحقائق: 98/6، الشرح الكبير للدردير: 242/4، بداية المجتهد: 388/2، القوانين الفقهية: ص 345، المهذب: 173/2، مغني المحتاج: 15/4، المغني: 664/7 وما بعدها، كشاف القناع: 606/5.\r(2) التلويح على التوضيح: 186/2، كشف الأسرار على أصول البزدوي: 1472/2-1475، القوانين الفقهية: ص 345، المهذب: 173/2، مغني المحتاج: 5/4، المغني: 665/7، الدردير: 237/4.","part":7,"page":580},{"id":4866,"text":"2 - أن يكون متعمداً القتل: أي قاصداً إزهاق روح المجني عليه، فإن كان مخطئاً، فلا قصاص عليه، لقول النبي صلّى الله عليه وسلم : «العمد قود» (1) أي القتل العمد يوجب القود، فالحديث شرط العمد لوجوب القود. ولم يشترط المالكية العمد بالذات، وإنما يكفي وجود العدوان.\r3 - أن يكون تعمد القتل محضاً: أي لا شبهة في عدم إرادة القتل؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلم شرط العمد مطلقاً في قوله «العمد قود» . وهو يعني اكتمال وصف العمدية، ولا كمال مع وجود شبهة انتفاء قصد القتل، كما في حالة تكرار الضرب بما لا يقتل عادة، لا يراد به القتل، بل التأديب والتهذيب.\r4 - أن يكون القاتل عند الحنفية مختاراً: فلا قصاص على المستكره على القتل عند الحنفية ما عدا زفر، وقال الجمهور: عليه مع المكره القصاص، كما بان سابقاً.\rشروط المقتول :\rيشترط لإيجاب القصاص في المعتدى عليه المقتول شروط هي ما يأتي (2) :\r-------------------------------\r(1) رواه ابن أبي شيبة وإسحاق بن راهويه في مسنديهما من حديث ابن عباس بلفظ: «العمد قود إلا أن يعفو ولي المقتول» .\r(2) البدائع: 235/7 ومابعدها، الدر المختار: 378/5 ومابعدها، تكملة فتح القدير: 254/8 وما بعدها، الشرح الكبير للدردير: 237/4، 242 وما بعدها، مواهب الجليل: 232/6، القوانين الفقهية: ص 345، بداية المجتهد: 391/3، مغني المحتاج: 15/4 وما بعدها، المهذب: 173/2، الروضة للنووي: 148/9، المغني: 648/7، 652، 657، كشاف القناع: 585/5، 587، 607.","part":7,"page":581},{"id":4867,"text":"1 - أن يكون معصوم الدم أو محقون الدم (1) أي يحرم الاعتداء على حياته. فلا يقتل مسلم ولا ذمي بالكافر الحربي، ولا بالمرتد، ولا بالزاني المحصن، ولا بالزنديق، ولا بالباغي؛ لأن هؤلاء مباحو الدم إما بسبب الحرابة أو الردة أو الزنا أو البغي، فكل واحد منها سبب لإهدار الدم، أي إباحته.\rوالعصمة عند الحنفية تكون ـ كما بان سابقاً ـ بالإسلام والإقامة في دار الإسلام، فمن أسلم في دار الحرب، وبقي مقيماً فيها، لا يقتص من قاتله هناك؛ لأن كمال حقن الدم بالعصمة المقومة والمؤثمة، وبالإسلام حصلت المؤثمة دون المقومة؛ لأن هذه تحصل بالإقامة في دار الإسلام (2) .\rوأما العصمة عند الجمهور (غير الحنفية): فتكون بالإيمان (الإسلام) أو الأمان بعقد الذمة أو الهدنة، فمن قتل مسلماً في دار الحرب عامداً عالماً بإسلامه، فعليه القود، سواء أكان قد هاجر أم لم يهاجر إلى دار الإسلام.\rوصرح الحنفية بأن العصمة لمحقون الدم يجب أن تكون «على التأبيد» لإخراج المستأمن، فلا يقتص من قاتله؛ لأن عصمته مؤقتة أثناء الأمان، لا مؤبدة، ففي دمه شبهة الإباحة.\rويتفق الجمهور مع الحنفية على هذا القيد، لأنهم يقولون: لا يقتل مسلم بكافر، سواءأكان مستأمناً أم ذمياً أم معاهداً؛ لأن الكافر ليس بمحقون الدم على التأبيد، فأشبه الحربي (3) .\rقتل الوالد بالولد وبالعكس :\r2 - ألا يكون المجني عليه جزء القاتل، أي ألا تكون هناك رابطة الأبوة والبنوة، فلا قصاص على أحد الوالدين (الأب والجد، والأم أو الجدة وإن علوا) بقتل الولد أو ولد الولد وإن سفلوا، لقوله صلّى الله عليه وسلم : «لا يقاد الوالد بالولد» (4) . قال ابن عبد البر: هو حديث مشهور عند أهل العلم بالحجاز والعراق، مستفيض عندهم، يستغنى بشهرته وقبوله والعمل به عن الإسناد فيه، حتى يكون الإسناد في مثله مع شهرته تكلفاً (5) .\rولأن في القصاص من الأب شبهة آتية من حديث: «أنت ومالك لأبيك» (6) والقصاص يدرأ بالشبهات.\rولأن الأوامر المطالبة بالإحسان إلى الآباء تمنع القصاص منهم، فقد كان الأب سبباً في إيجاد ولده، فلا يكون الابن سبباً في إعدامه.\rوإذا لم يقتل الأب بابنه وجب عليه الدية.\rوهذا الحكم متفق عليه بين أئمة المذاهب (7) إلا أن المالكية استثنوا حالة واحدة: هي أن يتحقق أن الأب أراد قتل ابنه، وانتفت شبهة إرادة تأديبه وتهذيبه،\r-------------------------------\r(1) الحقن هو المنع، وحقن دمه: إذا منعه أن يسفك.\r(2) رد المحتار: 378/5.\r(3) المغني: 652/7 ومابعدها، المهذب: 241/2.\r\r(4) رواه الترمذي والنسائي وابن ماجه عن عمر بن الخطاب، وفي بعض أسانيده طعن، وصحح البيهقي والحاكم بعض طرقه. وروي عن آخرين وهم ابن عباس وسراقة بن مالك وعمرو بن شعيب عن أبيه عند جده.\r(5) المغني: 666/7.\r(6) رواه ابن ماجه عن جابر، والطبراني عن سمرة وابن مسعود، وهو ضعيف.\r(7) البدائع: 235/7، تكملة الفتح: 258/8 وما بعدها، بداية المجتهد: 293/2، الشرح الكبير للدردير: 242/4، مغني المحتاج: 18/4، المهذب: 174/3، المغني: 666/7 ومابعدها، الأحكام السلطانية للماوردي: ص 222.","part":7,"page":582},{"id":4868,"text":"كأن يضجعه فيذبحه، أو يبقر بطنه أو يقطع أعضاءه، فيقتل به لعموم القصاص بين المسلمين. فلو ضربه بقصد التأديب، أو في حالة غضب، أو رماه بسيف أو عصا، فقتله لا يقتل به.\rواتفق الفقهاء على أنه يقتل الولد بقتل والده، لعموم القصاص وآياته الدالة على وجوبه على كل قاتل، إلا ما استثني بالحديث السابق (1) .\rوعلة التفرقة بين الأب والابن في هذا الحكم: هو قوة المحبة التي بين الأب والابن، إلا أن محبة الأب غير مشوبة بشبهة مادية بقصد انتظار النفع منه، فتكون محبته له أصيلة لا لنفسه، فتقتضيه بالطبيعة الحرص على حياته. أما محبة الولد لأبيه فهي مشوبة بشبهة انتظار المنفعة؛ لأن ماله له بعد وفاة أبيه، فلا يحرص عادة على حياته، فتكون محبته لنفسه، فقد يقتله.\rالتكافؤ :\r3 - اشتراط الجمهور (غير الحنفية) (2) أن يكون المقتول مكافئاً للقاتل في الإسلام والحرية، فلا يقتل قصاصاً مسلم بكافر، ولا حر بعبد، لقول النبي صلّى الله عليه وسلم : «لا يقتل مسلم بكافر» (3) وقوله: «المسلمون تتكافأ دماؤهم، ويسعى بذمتهم أدناهم، ولا يقتل مؤمن بكافر» (4) وقوله عليه الصلاة والسلام في العبد: «لا يقتل\r-------------------------------\r(1) المراجع السابقة.\r(2) الشرح الكبير للدردير: 238/4، 241، بداية المجتهد: 391/2، القوانين الفقهية: ص 345، مغني المحتاج: 16/4، المهذب: 173/2، المغني: 652/7، 658، كشاف القناع: 609/5.\r(3) رواه أحمد وابن ماجه والترمذي وأبو داود من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده. ورواه أحمد والبخاري وأصحاب السنن إلا ابن ماجه من حديث أبي جحيفة.\r(4) رواه أحمد والنسائي وأبو داود من حديث علي رضي الله عنه.","part":7,"page":583},{"id":4869,"text":"حر بعبد» (1) وقول علي رضي الله عنه : «من السنة ألا يقتل حر بعبد» (2) .ولم يشترط الحنفية (3) التكافؤ في الحرية والدين، وإنما يكفي التساوي في الإنسانية، لعموم آيات القصاص بدون تفرقة بين نفس ونفس، مثل قوله تعالى: {كتب عليكم القصاص في القتلى} [البقرة:178/2] وقوله سبحانه {وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس} [المائدة:45/5] ولعموم حديث «العمد قَوَد» وصوناً لحق الحياة، وتحقيق ذلك في قتل المسلم بالذمي أبلغ منه في قتل المسلم بالمسلم، لما بينهما من العداوة الدينية، وروي أن النبي صلّى الله عليه وسلم أقاد مؤمناً بكافر، وقال: «أنا أحق من وفى بذمته» (4) ، ولأن العبد آدمي معصوم الدم فأشبه الحر، والقصاص يتطلب فقط المساواة في العصمة.\rوأما المراد من قوله تعالى: {الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى} [البقرة:178/2] بعد قوله تعالى: {كتب عليكم القصاص في القتلى} [البقرة:178/2] فاختلف فيه الفقهاء، فقال الحنفية: المراد به الرد علي ما كان يفعله بعض القبائل، من أنهم يأبون أن يقتلوا في عبدهم إلا حراً، وفي امرأتهم إلا رجلاً، على ما جاء في حديث الشعبي، فأبطل ما كان من الظلم، وأكد فرض القصاص على القاتل دون غيره، فليس في الآية دلالة على أنه لا يقتل الحر بالعبد أو أنه لا يقتل الرجل بالمرأة. وقال الجمهور: إن الله قد أوجب المساواة في القصاص، ثم بيَّن المساواة المعتبرة، فبين أن الحر يساويه الحر، والعبد يساويه\r-------------------------------\r(1) رواه الدارقطني والبيهقي عن ابن عباس مرفوعاً. (2) رواه الإمام أحمد بإسناده عن علي، وأخرجه البيهقي.\r(3) البدائع: 237/7، تبيين الحقائق: 102/6 وما بعدها.\r(4) رواه الدارقطني في سننه عن ابن عمر من طريق عبد الرحمن بن البيلماني، وهو ضعيف. وروي مرسلاً عند محمد بن الحسن، والشافعي وعبد الرزاق وأبي داود من طريق البيلماني.","part":7,"page":584},{"id":4870,"text":"العبد، والأنثى تساويها الأنثى، لكن جاء الإجماع على أن الرجل يقتل بالمرأة. فمناط الاستدلال عندهم كلمة {القصاص} الموجبة للمساواة والمماثلة في القتل، ومناط الاستدلال عندالحنفية كلمة {القتلى} الموجبة حصر القصاص في القاتل، لا في غيره.\rوأما حديث «لا يقتل مسلم بكافر، ولا ذو عهد في عهده» فمعناه عند الحنفية أنه لا يقتل المسلم والمعاهد بكافر حربي؛ لأن المراد بالكافر هو الحربي بدليل جعل الحربي مقابلاً للمعاهد؛ لأن المعاهد يقتل بمن كان معاهداً مثله من الذميين إجماعاً، فيلزم أن يقيد الكافر في المعطوف عليه بالحربي، كما قيد في المعطوف؛ لأن الصفة بعد متعدد ترجع إلى الجميع اتفاقاً، ويكون التقدير: لا يقتل مسلم بكافر حربي ولا ذو عهد بكافر حربي؛ لأن الذمي أو المعاهد إذا قتل ذمياً قتل به، فعلم أن المراد به: الحربي، إذ هو الذي لا يقتل به مسلم ولا ذمي. ولا يقال كما يرى الجمهور، معناه: لا يقتل ذو عهد مطلقاً، أي لا يحل قتله، بمعنى أنه يصبح كلاماً مستأنفاً مبتدأ به؛ لأن المراد من الحديث نفي القتل قصاصاً، لا نفي مطلق القتل، فيكون المعطوف مثل المعطوف عليه.\rوأيد الحنفية قولهم بالقياس أيضاً وهو أن يد المسلم تقطع إذا سرق مال الذمي فإذا كانت حرمة ماله كحرمة مال المسلم، فحرمة دمه كحرمة دمه.","part":7,"page":585},{"id":4871,"text":"لكن رد الجمهور على أدلة الحنفية بأن حديث «أنا أحق من وفى بذمته» ضعيف. وتوجد شبهة في إباحة دم الذمي، بسبب الكفر المبيح للدم، ولا قصاص مع الشبهة. وحديث «ولا ذو عهد في عهده» كلام تام لا يحتاج إلى تقدير، وهي جملة مستأنفة، لبيان حرمة دماء أهل الذمة والعهد بغير نقض، ولو سلمنا أنها للعطف، فالمشاركة في أصل النفي لا من كل وجه، فلو سلمنا تقدير الحربي في الجملة الثانية، فلا يسلم تخصيص الكافر بالحربي. وأما القياس فهو في مقابلة النص: «لا يقتل مسلم بكافر» . ثم إن حد السرقة حق الله ، والقصاص يشعر بالمساواة، ولا مساواة بين المسلم والكافر.\rواتفق الفقهاء فيما عدا ذلك على أنه يقتل الرجل بالأنثى، والكبير بالصغير، والعاقل بالمجنون، والعالم بالجاهل، والشريف بالوضيع، وسليم الأطراف بمقطوعها وبالأشل، أي أنه لا يشترط التكافو في الجنس والعقل والبلوغ والشرف والفضيلة وكمال الذات أو سلامة الأعضاء (1) .\rوهل يقتل الباغي قصاصاً بالعدل وبالعكس؟: قال الحنفية (2) والمالكية (3) والحنابلة (4) في وجه هو الراجح: لا يقتل الباغي بالعدل وبالعكس؛ لأن كلاً منهما غير معصوم الدم في زعم الآخر، لاستحلاله الدم بتأويل. قال الزهري: «وقعت الفتنة والصحابة متوافرون، فاتفقوا على أن كل دم استحل بتأويل القرآن العظيم فهو موضوع» .\rوقال الشافعية (5) : يقتص من الباغي بقتل العادل وبالعكس في غير حال القتال؛ لأن المقتول معصوم الدم مطلقاً؛ لأن الإسلام حقن دماء البغاة في غير حال القتال. وحكم البغاة في ضمان النفس والمال والحد إن لم يكن في قتال حكم أهل\r-------------------------------\r(1) البدائع، بداية المجتهد، المهذب، كشاف القناع، المكان السابق، المغني: 648/7.\r(2) البدائع: 236/7.\r(3) القوانين الفقهية: ص 364، الشرح الكبير والدسوقي: 300/4.\r(4) المغني: 115/8، غاية المنتهى: 350/3، قال ابن قدامة: في القصاص وجهان: أحدهما: يجب لأنه مكافئ معصوم، والثاني: لا يجب لأن في قتلهم اختلافاً بين الأئمة، فكان ذلك شبهة دارئة للقصاص، لأنه مما يندرئ بالشبهات.\r(5) المهذب: 221/2، مغني المحتاج: 128/4 وما بعدها.","part":7,"page":586},{"id":4872,"text":"العدل، فإذا أتلفوه في غير قتال ضمنوه، وإلا فلا. لكن الصحيح عند الشافعية (1) أنه لا يتحتم قتل الباغي ويجوز العفو عنه، لقول علي رضي الله عنه بعد أن جرحه ابن ملجم قبل استشهاده: «أطعموه واسقوه واحبسوه، فإن عشت فأنا ولي دمه: أعفو إن شئت، وإن شئت استقدت، وإن مت فاقتلوه ولا تمثلوا به» وقال الشافعي رضي الله عنه والحنابلة: يكره للعادل أن يتعمد قتل ذي رحمه من أهل البغي، وأضاف الشافعي: وحكم دار البغي دار الإسلام، فإذا جرى فيها ما يوجب إقامة حد، أقامه الإمام إذا استولى عليها.\rقتل الغيلة: هو القتل لأخذ المال، سواء أكان القتل خفية، كما لو خدعه، فذهب به لمحل، فقتله فيه لأخذ المال، أم كان القتل ظاهراً على وجه يتعذر معه الغوث، وقد يسمى الثاني (أي القتل ظاهراً) حرابة (2) .\rوحكم هذا القتل كبقية أنواع القتل الأخرى عند الجمهور (3) (غير المالكية) في القصاص والعفو عنه، واشتراط التكافؤ بين القاتل والمقتول.\rوقال المالكية: يقتل هذا القاتل بسبب الفساد والحرابة، لا قصاصاً، وبما أن هذا القتل يعاقب عليه فاعله بسبب الحرابة والفساد، لا للقصاص، رأى المالكية (4) : أنه لا يشترط فيه شرط التكافؤ، فيقتل الحر بالعبد، والمسلم بالكافر ولا عفو فيه، ولا صلح، وصلح ولي القتيل مردود، والحكم فيه إلى الإمام.\r-------------------------------\r(1) وقال في مغني المحتاج: أرجح الوجهين كما قال البلقيني: الوجوب أي وجوب القصاص على البغاة.\r(2) وعرفه صاحب المغني ابن قدامة بقوله: أن يخدع الإنسان فيدخل بيتاً أو نحوه، فيقتل أو يؤخذ ماله. وذكر أن ذلك عند مالك.\r(3) المغني: 648/7.\r(4) الشرح الكبير للدردير مع الدسوقي: 238/4، 242.","part":7,"page":587},{"id":4873,"text":"شرط القتل :\rاشترط الحنفية (1) في القتل نفسه الموجب للقصاص: أن يكون مباشرة، لاتسبباً، فإن كان تسبباً ففيه الدية، كمن حفر بئراً على قارعة الطريق، فوقع فيه إنسان ومات، فعلى الحافر الدية. وإذا رجع شهود القصاص عن شهادتهم بعد قتل المشهود عليه، فتجب عليهم الدية؛ لأنه لم يوجد منهم القتل مباشرة، وإنما وجد منهم سبب القتل.\rولم يشترط غير الحنفية هذا الشرط، وإنما قالوا ـ في الجملة ـ : يجب القصاص بالسبب كالمباشرة؛ لأنهما متماثلان، على النحو الذي بان سابقاً. وملخصه:\rإنه يجب عند الجمهور القصاص بالسبب الحسي كالإكراه على القتل، وبالسبب الشرعي كشهود الزور، وفي بعض أحوال السبب العرفي كتقديم الطعام المسموم إلى الضيف الصبي غير المميز أو المجنون. واختلفوا في تسميم المميز أو البالغ العاقل، فقال المالكية والحنابلة: على فاعله القصاص. وقال الشافعية في أرجح الأقوال: لا يقتص منه، وإنما عليه الدية (دية شبه العمد). كما اختلفوا في حالة الشرط (وهو مالا يؤثر في الهلاك ولا يحصله بل يحصل التلف عند ه بغيره، ويتوقف تأثير ذلك الغير عليه) كالحفر مع التردي، والإمساك مع القتل، والدلالة على المجني عليه. فقال غير المالكية: يقتص من مباشر القتل، ويعزر المتسبب. وقال المالكية: يقتص من الاثنين معاً. واختلفوا أيضاً في حالة اشتراك الفاعل والشريك: فمن اتفق أو حرض أي اشترك في الجريمة ولم يباشر القتل فعليه\r-------------------------------\r(1) البدائع: 239/7.","part":7,"page":588},{"id":4874,"text":"التعزير عند الأئمة ما عدا مالكاً، وكذلك من أعان على القتل ولم يباشر القتل، عليه القصاص عند مالك، والتعزير عند باقي الأئمة (1) .\rشرط ولي القتيل :\rاشترط الحنفية (2) في ولي القتيل صاحب الحق في القصاص: أن يكون معلوماً، فإن كان مجهولاً لا يجب القصاص؛ لأن القصد من إيجاب القصاص هو التمكين من استيفاء الحق، والاستيفاء من المجهول متعذر، فتعذر الإيجاب له. وخالف فيه باقي الأئمة.\rخامساً ـ موانع القصاص :\rيفهم من المبحث السابق في شروط القصاص أن هناك حالات مانعة من القصاص، وهي ستة، يمكن إدخالها تحت مفهوم الشبهة التي تدرأ الحدود ومنها القصاص.\r1 - حالة الأبوة عند فقهاء المذاهب ما عدا حالة إرادة القتل إذا ثبتت ثبوتاً قاطعاً عند المالكية.أما رابطة الزوجية فلا تمنع القصاص باتفاق المذاهب الأربعة، خلافاً للزهري والليث بن سعد (3) .\r2 - عدم التكافؤ بين الجاني والمجني عليه: في الإسلام والحرية عند جمهور الفقهاء خلافاً للحنفية. أما الكفار فيقتلون، بعضهم ببعض دون تفريق، فيقتل الذمي بالذمي، أو المجوسي، أو الحربي، أو المستأمن.\r3 - حالة الاشتراك الجرمي أو الاتفاق الجنائي: أي حالة الاتفاق على القتل دون حضور القتل، أو التحريض أو الإعانة على القتل دون مباشرة القتل، فلا قصاص على من لم يباشر القتل، وإنما يعزر عند جمهور الفقهاء، خلافاً للمالكية الذين قالوا: يقتص ممن حضر أو أعان ولم يباشر كالربيئة أو حارس الأبواب ومفارق الطرق.\rأما في حالة اشتراك الجماعة بالقتل ومباشرتهم القتل فيقتص من الجميع باتفاق المذاهب.\r4 - القتل بالتسبب عند الحنفية دون غيرهم من الأئمة.\r5 - أن يكون ولي القتيل مجهولاً عند الحنفية دون غيرهم من الأئمة.\r6 - أن يكون القتل في دار الحرب عند الحنفية دون غيرهم.\r-------------------------------\r(1) التشريع الجنائي الإسلامي: 132/2.\r(2) البدائع: 240/7.\r(3) المغني: 668/7.","part":7,"page":589},{"id":4875,"text":"فلا قصاص عند الحنفية على من قتل مسلماً في دار الحرب، لعدم ولاية الإمام على دار الحرب، سواء أكان القتيل ممن أسلم في دار الحرب ولم يهاجر إلينا، أم كان مسلماً من أهل دار الإسلام، لكنه دخل دار الحرب بأمان، أو بإذن كالتاجر والأسير. وتجب الدية عند الصاحبين بقتل التاجر أو الأسير؛ لأنهما من أهل دار الإسلام، والأسر أمر طارئ. وعند أبي حنيفة: تجب دية التاجر، لا الأسير: لأن الأسير مقهور في يد أهل الحرب، فصار تابعاً لهم ، فلم يعد متقوماً (1) . وأوجب غير الحنفية القصاص من القاتل في كل هذه الأحوال، كما بان سابقاً.\r-------------------------------\r(1) البدائع: 133/7، 237.","part":7,"page":590},{"id":4876,"text":"سادساً ـ كيفية وجوب القصاص (أو مدى لزوم القصاص، أو موجب العمد ) :\rيجب القصاص من القاتل إلا إذا عفا عنه ولي القتيل. فإذا عفا، هل يلزم القاتل بالدية أو لا؟\rقال الحنفية والمالكية، والشافعية في ظاهر مذهبهم الراجح عندهم وفي رواية عن أحمد (1) : موجَب (2) القتل العمد هو القَود عيناً أي متعيناً، لقوله تعالى: {كتب عليكم القصاص في القتلى} [البقرة:178/2] وهذا يفيد تعين القصاص واجباً متعيناً للعمد، ولقوله عليه الصلاة والسلام: «من قتل عمداً فهو قَود» (3) ، ولأن القصاص بدل شيء متلف، فتعين الجزاء من جنسه، كسائر المتلفات.\rويحسن إيراد عبارة الشافعية فيه وهي: موجب العمد القود عيناً، والدية بدل عند سقوطه، وفي قول: موجب العمد: أحدهما (القصاص والدية) مبهماً، وعلى القولين: للولي عفو على الدية بغير رضا الجاني، وعلى الأول: لو أطلق العفو فالمذهب لا دية.\rوبناء على هذا الرأي: قال الحنفية والمالكية والشافعية على المذهب: لو عفا ولي القتيل عن القصاص مطلقاً، أي دون مطالبة بالدية، لا يلزم الجاني بالدية جبراً عنه، وإنما له باختياره أن يدفعها في مقابل العفو عنه. وللولي أن يعفو مجاناً أو يقتص، أي ليس له إن أراد أخذ جزاء الجناية إلا القود، لا الدية. ويجوز العفو على الدية أو أكثر أو أقل برضا الجاني، وتعد الدية حينئذ بدلاً عن القصاص. ولو تعدد الأولياء فبادر أحدهم، فقتل الجاني قبل إبداء الآخرين رأيهم، سقط حق الباقين في القصاص ولا دية لهم، ويترتب على اعتبار الدية بدلاً من القصاص أنه لا يجوز للقاضي أن يجمع بين عقوبة وبدلها جزاء عن فعل واحد.\rوقال الحنابلة عملاً برواية أخرى عن أحمد هي الراجحة عندهم (4) ، وفي قول عند الشافعية: ليس القصاص واجباً عيناً، وإنما الواجب بقتل العمد أحد شيئين: القصاص أو الدية. وللولي خيار التعيين: إن شاء استوفى القصاص، وإن شاء أخذ الدية من غير توقف على رضا القاتل. ويعتبر التعزير بدلاً عن الدية. ودليلهم قوله تعالى: {فمن عفي له من أخيه شيء، فاتباع بالمعروف، وأداء إليه بإحسان} [البقرة:178/2] ومعناه فليتتبع القاتل، وليؤد القاتل الدية، فالله أوجب الاتباع بمجرد العفو، ولو أوجب العمد القصاص عيناً، لم تجب الدية عند العفو المطلق. ثم إن الدية أحد بدلي النفس، فكانت بدلاً عنها، لا عن بدلها كالقصاص. وأما حديث «من قتل عمداً فهو قود» فالمراد به وجوب القود. ويخالف القتل سائر المتلفات؛ لأن بدلها لا يختلف بالقصد وعدمه، والقتل بخلافه.\rوأضاف الحنابلة أدلة أخرى، منها قول ابن عباس: كان في بني إسرائيل القصاص، ولم يكن فيهم الدية، فأنزل الله تعالى هذه الآية: {كتب عليكم القصاص في القتلى} [البقرة:178/2] (5) وعن أبي هريرة مرفوعاً: «من قتل له قتيل، فهو بخير النظرين: إما أن يُودِي (6) ، وإما أن يقاد» (7) .\r-------------------------------\r(1) البدائع: 241/7، الدر المختار: 376/5، الشرح الكبير للدردير: 239/4، بداية المجتهد: 394/2، مغني المحتاج: 48/4، المهذب: 188/2، المغني: 752/7، كشاف القناع: 633/5.\r(2) موجب العمد، أي مقتضاه في الاعتداء على نفس أو غيرها.\r(3) رواه أبو داود وغيره بإسناد صحيح.\r(4) كشاف القناع: 633/5.\r(5) رواه البخاري.\r(6) وديت القتيل: إذا أعطيت ديته. واتديته: أخذت ديته.\r(7) رواه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي عن أبي هريرة.","part":7,"page":591},{"id":4877,"text":"ويترتب على هذا الرأي: أن الولي لو عفا عن القصاص مطلقاً، أو إلى الدية بدلاً عنه، وجبت الدية؛ لأن الواجب غير معين، فإذا ترك أحدهما وجب الآخر، وإن اختار الدية سقط القصاص، وإن اختار القصاص تعين. وفي هذه الحالة الأخيرة: هل له بعدئذ العفو على الدية؟ قال القاضي أبو يعلى الحنبلي: له ذلك؛ لأن القصاص أعلى، فكان له الانتقال إلى الأدنى، ويكون بدلاً عن القصاص. ويحتمل أنه ليس له ذلك؛ لأنه أسقط الدية باختياره القود، فلم يعد إليها.\rسابعاً ـ صاحب الحق في القصاص :\rصاحب الحق في القصاص أو مستوفيه أو ولي الدم: هو عند الحنفية والحنابلة، والصحيح عند الشافعية (1) : كل وارث يرث المال، سواء أكان من ذوي الفروض أم العصبة، أي جميع الورثة نساءً ورجالاً، أزواجاً وزوجات.\rوقال المالكية (2) : مستحق القصاص هو العاصب الذكر، أي جميع العصبة بالنفس، يقدم الأقرب فالأقرب من العصبة في إرثه إلا الجد والإخوة، فهم في درجة متساوية في القصاص والعفو، فلا دخل في القصاص للبنات والأخوات والزوجات والزوج؛ لأن القصاص لرفع العار، فاختص بالعصبات كولاية الزواج.\rوقد تكون المرأة مستحقة القصاص عند المالكية بشروط ثلاثة وهي:\r1 - أن تكون وارثة المقتول كبنت أو أخت، فخرج العمة والخالة ونحوهما من ذوي الأرحام.\r-------------------------------\r(1) البدائع: 242/7 وما بعدها، الدر المختار: 383/5، حاشية الشلبي علي الزيلعي: 114/6، مغني المحتاج: 39/4 وما بعدها، المهذب: 183/2 وما بعدها، المغني: 739/7، 743، كشاف القناع: 621/5 وما بعدها.\r(2) الشرح الكبير للدردير: 256/4، بداية المجتهد: 395/2، الشرح الصغير: 358/4.","part":7,"page":592},{"id":4878,"text":"2 - ألا يساويها عاصب في الدرجة وفي القوة معاً: بأن لم يوجد أصلاً، أو وجد عاصب أنزل منها درجة، كعم مع بنت أو أخت. فتخرج البنت مع الابن، والأخت مع الأخ، فلا كلام لها معه في عفو ولا قود،أي ليس لها حينئذ طلب القصاص، لتساويهما في الدرجة والقوة معاً، بخلاف الأخت الشقيقة مع الأخ لأب، لها الكلام معه؛ لأنه وإن ساواها في الدرجة هو أنزل منها في القوة.\r3 - أن تكون عصبة فيما لو فرض كونها ذكراً، فلا كلام للأخت لأم، والزوجة، والجدة لأم (1) . وللأم المطالبة باستيفاء القصاص، لأنها لو ذكِّرت، كانت أباً؛ لأنها والدة، لكن لا لاكلام لها مع وجود الأب، لمساواة العاصب لها.\rوإذا تعدد الورثة، هل يثبت حق القصاص لكل وارث على سبيل الاستقلال، أو على سبيل الشركة؟ رأيان:\rالرأي الأول ـ لأبي حنيفة ومالك (2) : وهو أن القصاص يثبت لكل وارث على سبيل الاستقلال والكمال؛ لأنه حق مبتدأ لهم بوفاة القتيل؛ لأن المقصود من القصاص في القتلى هو التشفي، والميت لا يتشفى، فيثبت للورثة ابتداء. ثم إن حق القصاص لا يتجزأ، وما لا يتجزأ من الحقوق إذا ثبت لجماعة، يثبت لكل واحد منهم على سبيل الكمال، كأنه ليس معه غيره، كولاية التزويج وولاية الأمان.\rالرأي الثاني ـ للشافعية والحنابلة في ظاهر المذهب، والصاحبين (3) : وهو أن حق القصاص يثبت لكل وارث على سبيل الشركة؛ لأن الحق في القصاص أصلاً\r-------------------------------\r(1) الشرح الكبير للدردير: 258/4، الشرح الصغير: 360/4 وما بعدها.\r(2) البدائع: المرجع السابق والمكان السابق، الدردير: 257/4، الشرح الصغير للدردير: 360/4.\r(3) مغني المحتاج: 40/4، المهذب: 188/2، المغني: 739/7، كشاف القناع: 621/5، البدائع: 242/7.","part":7,"page":593},{"id":4879,"text":"هو للمقتول، وبما أنه عجز بالموت عن استيفاء حقه بنفسه، فيقوم الورثة مقامه بالإرث عنه، ويكون مشتركاً بينهم، كما يشتركون في إرث المال.\rويتفرع عن هذا الاختلاف على رأيين: أنه إذا تعدد الأولياء، هل ينتظر لاستيفاء القصاص بلوغ أحد الأولياء إذا كان صغيراً، أو عودته إذا كان غائباً، أو إفاقته من جنونه إذا كان مجنوناً؟\rفعلى الرأي الأول: لا ينتظر بلوغ الصغير، ولا إفاقة المجنون، ويكون الحق في الاستيفاء للكبير، والعاقل، وأما الغائب فينتظر لاحتمال عفوه.\rوأما على الرأي الثاني: فينتظر بلوغ الصبي، وكمال المجنون بإفاقته،وقدوم الغائب، ولا يجوز حينئذ للكبير أو للحاضر الاستقلال باستيفاء القصاص. وفي هذه الحالة يحبس القاتل حتى يحضر الغائب، ويكمل الصبي والمجنون، ولا يخلى بكفيل.\rوإذا لم يكن للمقتول وارث غير جماعة المسلمين، كان الأمر باتفاق الفقهاء إلى السلطان، عملاً بالقاعدة الشرعية: «السلطان ولي من لا ولي له» (1) فإن رأ ى السلطان القصاص اقتص، وإن رأى العفو على مال عفا؛ لأن الحق للمسلمين، فوجب على الإمام أن يفعل ما يراه من المصلحة؛ لأن «تصرف الحاكم على الرعية منوط بالمصلحة» فإن أراد أن يعفو على غير مال لم يجز؛ لأنه تصرف لا مصلحة فيه للمسلمين، فلم يملكه (2) .\r-------------------------------\r(1) هذا نص حديث نبوي رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه عن عائشة رضي الله عنها، وحسنه الترمذي، ورواه أحمد وصححه الحاكم وابن حبان.\r(2) المهذب: 188/2، البدائع: 245/7، المغني: 754/7.","part":7,"page":594},{"id":4880,"text":"ثامناً ـ ولاية استيفاء القصاص :\rالكلام فيمن يلي استيفاء القصاص يحتاج لتفصيل بحسب ما إذا كان المستحق منفرداً أو متعدداً.\r1 - إذا كان مستحق القصاص منفرداً فإما أن يكون كبيراً أو صغيراً:\rأ ـ فإن كان كبيراً فله استيفاء القصاص؛ لقوله تعالى: {ومن قُتل مظلوماً فقد جعلنا لوليه سلطاناً، فلا يسرف في القتل، إنه كان منصوراً} [الإسراء:33/17].\rب ـ وإن كان صغيراً أو مجنوناً، ففي انتظار كماله عند مشايخ الحنفية رأيان (1) : قال بعضهم: ينتظر بلوغه أو كماله. وقال آخرون: يستوفيه القاضي نيابة عنه.\rوقال المالكية (2) : لا ينتظر البلوغ أو الإفاقة، ولولي الصغير أو المجنون أو وصيهما النظر بالمصلحة في استيفاء القصاص، وفي أخذ الدية كاملة.\rوقال الشافعية والحنابلة (3) : ينتظر بلوغ الصغير وإفاقة المجنون؛ لأن القصاص للتشفي، فحقه التفويض إلى اختيار المستحق، فلا يحصل المقصود باستيفاء غيره من ولي أو حاكم أو بقية الورثة.\r2 - إذا تعدد مستحقو القصاص: فإما أن يكون الكل كباراً أو فيهم صغير.\rأ ـ فإن كان الجميع كباراً حاضرين، فلكل واحد منهم ولاية استيفاء القصاص، حتى لو قتله أحدهم صار القصاص مستوفى للجميع؛ لأن القصاص إن كان حق الميت (كما يرى الصاحبان وموافقوهما) فكل واحد من الورثة خصم في استيفاء حق الميت، كما هو الحال في استيفاء المال.\rوإن كان القصاص حق الورثة ابتداءً واستقلالاً (كما يرى أبو حنيفة ومالك) فكل واحد من الورثة يملك حق القصاص على سبيل الكمال.\rلكن يشترط عند الحنفية حضور جميع المستحقين عند استيفاء القصاص، لاحتمال العفو من الغائب. فإن بادر أحد المستحقين بقتل الجاني، صار القصاص عند الحنفية مستوفى للجميع؛ لأن القصاص واجب عيناً، وليس لباقي الورثة شيء من المال، وإنما يعزر المقتص لافتئاته على إمام المسلمين.\r-------------------------------\r(1) البدائع: 243/7.\r(2) الشرح الكبير للدردير: 258/4.\r(3) مغني المحتاج: 40/4، المغني: 739/7.","part":7,"page":595},{"id":4881,"text":"وقال الحنابلة، والأظهر عند الشافعية (1) : إنه لا قصاص في هذه الحالة على من بادر فقتل الجاني، ولكن للباقين من المستحقين نصيبهم من الدية من تركة الجاني، لسقوط حقهم بغير اختيارهم، وكون ذلك من تركة الجاني لا من المبادر على الأرجح؛ لأن المبادر فيما وراء حقه كالشخص الأجنبي، ولو بادر أجنبي فقتل الجاني، أخذ الورثة الدية من تركة الجاني لا من الأجنبي.\rب ـ وأما إذا كان مستحقو القصاص كباراً وصغاراً، أو فيهم مجنون أو بعضهم غائب. فللكبار استيفاء القصاص عند أبي حنيفة ومالك (2) ، ولا ينتظر بلوغ الصغير، ولا إفاقة المجنون (3) ؛ لثبوت حق القصاص للورثة ابتداء على سبيل الكمال والاستقلال، ولأن القصاص حق لا يتجزأ، لثبوته بسبب لا يتجزأ، وهو القرابة. ويؤيده اقتصاص الحسن لأبيه علي من ابن ملجم، وكان في ورثة علي كرم الله وجهه صغار.\rوأما الغائب فينتظر عودته لاحتمال عفوه حال غيبته، فتقع الشبهة، ولا قصاص مع الشبهة، بعكس الصغير؛ لأن العفو من الصغير ميئوس منه حال استيفاء القصاص؛ لأنه ليس من أهل العفو. وانتظار الغائب عند المالكية هو في حال الغيبة القريبة، بحيث تصل إلىه الأخبار إن أراد الحاضر القصاص. أما في حال الغيبة البعيدة بحيث يتعذر وصول الخبر إليه كأسير ومفقود فلا ينتظر.\rوللأب والجد عند الحنفية والمالكية استيفاء القصاص عن الصغير، وأضاف المالكية دون الحنفية تلك الولاية للوصي أيضاً.\r-------------------------------\r(1) مغني المحتاج: 41/4، المغني: 741/7.\r(2) البدائع: 243/7 وما بعدها، الدر المختار: 383/5، الشرح الكبير للدردير: 257/4، تكملة فتح القدير: 265/8.\r(3) هذا عند المالكية إذاكان الجنون مطبقاً مستمراً، أما من يفيق أحياناً فتنتظر إقامته، كما ينتظر المغمى عليه.","part":7,"page":596},{"id":4882,"text":"وقال الصاحبان والشافعية والحنابلة (1) : ليس لبعض أولياء القتيل استيفاء القصاص إلا بإذن الباقين، فإن كان فيهم صغير ينتظر بلوغه، أو مجنون تنتظر إفاقته، أو غائب ينتظر قدومه؛ لأن القصاص حق مشترك بينهم، ولا يملك أحدهم إبطال حق غيره، فيؤخر إلى وقت كمال القاصر، كما يؤخذ لعودة الغائب.\rوليس للولي أباً أو جداً، ولا للوصي ولا للحاكم استيفاء القصاص للصغير أو المجنون؛ لأن القصد من القصاص هو التشفي، وترك الغيظ، ولايحصل المقصود باستيفاء الأب أو غيره، بخلاف الدية، فإن الغرض يحصل باستيفائه.\r-------------------------------\r(1) تكملة فتح القدير: 265/8، مغني المحتاج: 40/4، المغني: 740/7 وما بعدها، كشاف القناع: 621/5.","part":7,"page":597},{"id":4883,"text":"تاسعاً ـ كيفية استيفاء القصاص (أداة القصاص ) :\rهناك رأيان في الفقه في كيفية القصاص.\r1 - قال الحنفية، والأصح عن الحنابلة (1) : لا يكون القصاص في النفس إلا بالسيف (2) ، سواء أكان ارتكاب جريمة القتل بالسيف ونحوه، أم بمحرم لذاته كسحر وتجريع خمر ولواط، أم بمثقل كحجر وعصا، أم بتغريق أم تحريق أم هدم حائط عليه، أم حبس أم خنق أم قطع عضو ثم ضرب عنقه، أم جنى عليه جناية غير ما ذكر فمات، وتوافرت شروط القصاص بحسب كل مذهب، على ما بان، فمن له قود قاد بالسيف، ولا يفعل بالمقتص منه كما فعل إذا كان القتل بغير السيف لأنه مُثْلة، وقد نهي عن المثلة، ولأن فيه زيادة تعذيب، لكن لو قام ولي الدم بإلقاء الجاني في بئر، أو قتله بحجر، أو بنوع آخر عزر، وكان مستوفياً حقه في القصاص.\rواستدلوا بقول النبي صلّى الله عليه وسلم : «لا قَود إلا بالسيف» (3) .\r2 - وقال المالكية والشافعية (4) : يقتل القاتل بالقِتْلة التي قتل بها ، أي بمثل الفعل الذي فعله بالقتيل، من ضربه بمحدد كحديد أو سيف، أو بمثقل كحجر، أو رمي من شاهق، أو خنق أو تجويع أو تغريق أو تحريق أو غيرها. لكن إن عدل الولي عن هذه الوسائل إلى السيف، جاز بل هو أولى للخروج من الخلاف.\rويتعين السيف عند هؤلاء إذا كان القتل بسحر أو خمر، أو لواط؛ لأن هذا محرم لعينه، فوجب العدول عنه إلى القتل بالسيف.\rكما يتعين السيف أيضاً عند المالكية إذا طال تعذيب الجاني بمثل فعله، أو ثبت القصاص بالقسامة، واختلف المالكية على رأيين في القتل بالنار والسم إذا كان القاتل قتل بهما، فقيل: يقتل بالسيف، وقيل: يقتل بما قتل به، وهذا هو مشهور مذهب المالكية.\rواستدلوا على مذهبهم بالقرآن والسنة والمعقول:\rأما من القرآن فآيات مثل قوله تعالى: {وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به} [النحل:126/16] وقوله سبحانه: {فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم} [البقرة:194/2] {وجزاء سيئةٍ سيئةٌ مثلها} [الشورى:40/42].\r-------------------------------\r(1) البدائع: 245/7، الدر المختار: 382/5، حاشية الشلبي على تبيين الحقائق: 98/6، كشاف القناع: 628/5، المغني: 685/7، 688.\r(2) قال الحنفية: المراد بالسيف: السلاح.\r(3) رواه ابن ماجه والبزار في مسنده، وقال: لا نعلم أحداً أسنده بأحسن من هذا الإسناد، ورواه ابن ماجه والبيهقي والدارقطني عن النعمان بن بشير من غير طريق ، وقال أحمد: ليس إسناده بجيد.\r(4) بداية المجتهد: 396/2 وما بعدها، الشرح الكبير للدردير: 265/4، مغني المحتاج: 44/4، المهذب: 186/2، القوانين الفقهية لابن جزي: ص 345، الشرح الصغير: 369/4 وما بعدها.","part":7,"page":598},{"id":4884,"text":"ومن السنة: قوله عليه الصلاة والسلام: «من حرَّق حرقناه، ومن غرَّق غرَّقناه» (1) وثبت أن النبي صلّى الله عليه وسلم : « رضَّ رأس يهودي بين حجرين، كان قد قتل بهما جارية من الأنصار (2) » .\rومن المعقول: أن القصاص معناه المماثلة في الفعل، فوجب أن يستوفى من الجاني مثل ما فعل، ثم إن المقصود من القصاص هو التشفي، ولا يكمل المطلوب إلا إذا قتل القاتل بمثل ما قتل. وأما حديث النهي عن المثلة فمحمول على من وجب قتله، لا على وجه المكافأة.\rتنفيذ القصاص بواسطة ولي القتيل :\rاستيفاء القصاص بالسيف ونحوه قد يكون بالجلاد المتخصص إذا رغب عنه مستوفي القصاص، وقد يكون بنفس مستحق القصاص، فيمكَّن من السيف، ولكن بإشراف الحاكم؛ لأن المبدأ الشرعي المتفق عليه أن تنفيذ عقوبات الحدود والقصاص والتعزيرات يكون من اختصاص الإمام، فيشترط وجوده عند استيفاء العقوبة (3) . وتعتبر مشاركة ولي الدم في القصاص سبيلاً لإطفاء لوعته وإزالة حقده، فتهدأ نفسه، ويوصد الباب أما م أسرته، كيلا تبادر إلى الاقتتال مع أسرة القاتل، قال الله تعالى: {ومن قُتِل مظلوماً فقد جعلنا لوليه سلطاناً فلا يسرف في القتل، إنه كان منصوراً} [الإسراء:33/17].\rوإذا سلِّم القاتل لولي الدم لأجل استيفاء القصاص منه، وجب على الحاكم أن ينهاه عن العبث بالجاني، فلا يشدد عليه بحبس أو تخشيب أو تكتيف قبل القصاص ولا يمثل به بعد القصاص (4) .\rوعليه، يشترط لاستيفاء ولي المقتول القصاص بنفسه شرطان:\r1 - أن يكون ذلك بإذن الإمام، وإلا عزر.\r2 - أن يكون القصاص في قتل النفس، لا في الأطراف والأعضاء.\r-------------------------------\r(1) أخرجه البيهقي في السنن من حديث البراء بن عازب. لكن في إسناده من يجهل حاله كبشر وغيره.\r(2) أخرجه البخاري ومسلم من حديث أنس بن مالك.\r(3) راجع البدائع: 96/7، الدر المختار: 389/5 وما بعدها، حجة الله البالغة: 132/2، الشرح الكبير للدردير: 354/4، مغني المحتاج: 277/2، 31/4، الأحكام السلطانية للماوردي: ص 14، المهذب: 184/2، كشاف القناع: 626/5، المغني: 690/7.\r(4) الشرح الكبير للدردير: 259/4.","part":7,"page":599},{"id":4885,"text":"استعمال وسيلة قصاص غير السيف :\rبما أن القصد من استعمال السيف كونه أسرع أداة في القتل، وأيسر وسيلة لتفادي الألم والعذاب، فلا مانع شرعاً من استعمال أداة أخرى أسرع من السيف،\rوأقل إيلاماً، وأبعد عن المُثْلة، مثل المِقْصلة التي هي من قبيل السلاح المحدد، والكرسي الكهربائي التي تسرع في الصعق (1) ، والشنق لعدم إسالة الدم فيه، والاعتماد على إيقاف القلب به، والإعدام بغاز معين شبيه بالمخدر.\rعاشراً ـ مسقطات القصاص :\rيسقط القصاص بأحد أربعة أسباب هي ما يأتي: موت الجاني، العفو، الصلح، إرث القصاص (2) .\r1 - موت الجاني (فوات محل القصاص ) : إذا مات من عليه القصاص، أو قتل ظلماً بغير حق، أو بحق بالردة أو القصاص، سقط القصاص؛ لأن محله هو نفس القاتل، ولا يتصور بقاء الشيء في غير محله.\rوفي هذه الحالة، هل تجب الدية في مال الجاني أو لا؟\rقال الحنفية والمالكية (3) : إذا سقط القصاص بالموت لا تجب الدية في مال القاتل؛ لأن القصاص واجب عيناً، فإذا مات سقط الواجب. وليس للولي أخذ الدية إلا برضا القاتل. ولا تجب الدية إلا برضا القاتل واختياره.\rوقال الحنابلة (4) : إذا سقط القصاص بالموت، بقي الخيار للولي في أخذ الدية؛ لأن الواجب بقتل العمد أحد شيئين: القود أو الدية، فإن اختار أخذ الدية\r-------------------------------\r(1) التشريع الجنائي الإسلامي: 154/2 نقلاً عن لجنة الفتوى بالأرهر، المدخل الفقهي للأستاذ الزرقا: ف/328. (2) البدائع: 246/7 وما بعدها، الدر المختار: 394/5، الشرح الكبير: 262/4 ومابعدها، الشرح الصغير: 366/4 وما بعدها.\r(3) البدائع، المكان السابق، الشرح الكبير للدردير: 239/4.\r(4) كشاف القناع: 633/5.","part":7,"page":600},{"id":4886,"text":"وجبت ولو لم يرض الجاني. وبالرغم من أن الراجح في المذهب الشافعي وهو أن القصاص واجب عيناً، إلا أن الشافعية قالوا: الدية بدل عن القصاص عند سقوطه بعفو أو غيره كموت الجاني، فيثبت حق المجني عليه في الدية؛ لأن ما ضمن بسببين على سبيل البدل، إذا تعذر أحدهما ثبت الآخر، كذوات الأمثال (1) . وتلزم الدية حال العفو عن القصاص على الدية باختيار ولي المجني عليه، لا برضا الجاني. وبه يظهر أن الشافعية والحنابلة يقررون بقاء الدية في التركة بموت القاتل.\r2 - العفو: الكلام فيه يتناول مشروعيته، وركنه، ومعناه وشروطه، وأحكامه.\rمشروعيته: يجوز العفو عن القصاص، وهو أفضل من استيفاء القصاص (2) ، بدليل قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى : الحر بالحر، والعبد بالعبد، والأنثى بالأنثى، فمن عُفي له من أخيه شيء، فاتِّباع بالمعروف، وأداء إليه بإحسان، ذلك تخفيف من ربكم ورحمة} [البقرة:178/2] وقال سبحانه: {والجروحَ قصاص، فمن تصدَّق به فهو كفارة له} [المائدة:45/5] وقال تعالى في مناسبة إسقاط الحق في شيء من المهر قبل الدخول: {وأن تعفوا أقرب للتقوى} [البقرة:237/2].\rومن السنة قول أنس: «ما رفع إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلم أمر فيه القصاص إلا أمر فيه بالعفو» (3) . وعن أبي الدرداء قال: سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلم يقول: «ما من رجل يصاب بشيء في جسده، فيتصدق به إلا رفعه الله درجة، وحط به عنه خطيئة» (4)\r-------------------------------\r(1) مغني المحتاج: 48/4، نهاية المحتاج: 48/7، المهذب: 188/2.\r(2) المغني: 742/7، كشاف القناع: 633/5.\r(3) رواه أحمد وأصحاب السنن إلا الترمذي، وإسناده لابأس به.\r(4) رواه ابن ماجه والترمذي، وقال عنه: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه.","part":7,"page":601},{"id":4887,"text":"وعن أبي هريرة أن النبي صلّى الله عليه وسلم قال: «ما عفا رجل عن مظلمة إلا زاده الله بها عزاً» (1) .\rوجعل القصاص قابلاً للسقوط بالعفو مزية فريدة للتشريع الإسلامي، إذ به يقلص من حالات تنفيذ هذه العقوبة الخطيرة، ويتحقق الغرض منها بحفظ حق الحياة، ومنع الثأر، ورفع الأحقاد والضغائن من النفوس.\rوركن العفو: أن يقول العافي: عفوت أو أسقطت أو أبرأت أو وهبت ونحوها (2) .\rومعنى العفو عند الحنفية والمالكية (3) : هو إسقاط القصاص مجاناً. أما التنازل عن القصاص مقابل الدية فهو صلح، لا عفو؛ لأن تنازل الولي لا ينفذ إلا إذا قبل الجاني دفع الدية، فلا تثبت الدية عندهم إلا بتراضي الفريقين أي الولي والقاتل. وليس للولي إلا أن يقتص أو يعفو عن غير ديته، إلا أن يرضى القاتل بإعطاء الدية.\rوالعفو عند الشافعية والحنابلة (4) : هو التنازل عن القصاص مجاناً، أو إلى الدية، وولي الدم بالخيار: إن شاء اقتص، وإن شاء أخذ الدية، رضي القاتل أم لم يرض، عملاً بحديث أبي هريرة: «من قتل له قتيل فهو بخير النظرين، بين أن يأخذ الدية، وبين أن يعفو» .\r-------------------------------\r(1) رواه أحمد ومسلم والترمذي وصححه.\r(2) البدائع: 246/7.\r(3) تبيين الحقائق: 107/6 وما بعدها، 113، البدائع: 247/7، بداية المجتهد: 394/2، الشرح الصغير: 368/4، الشرح الكبير: 262/4 وما بعدها.\r(4) مغني المحتاج: 49/4، كشاف القناع: 633/5.","part":7,"page":602},{"id":4888,"text":"شروط العفو: يشترط شرطان في العفو (1) :\r1 - أن يكون العافي بالغاً عاقلاً، فلا يصح عفو الصبي والمجنون؛ لأنه تصرف ضار بهما ضرراً محضاً، فلا يملكانه، كالطلاق، والهبة.\r2 - أن يصدر العفو من صاحب الحق فيه؛ لأن العفو إسقاط الحق، وإسقاط الحق لا يقبل ممن لا حق له.\rوصاحب الحق في العفو: هو الورثة رجالاً ونساء عند الجمهور، والعاصب الذكر عند المالكية.\rومن لا حق له في العفو: هو الأجنبي غير الوارث عند الجمهور، وغير العاصب عند المالكية، وكذا الأب والجد في قصاص وجب للصغير عند المالكية والحنفية؛ لأن الصغير هو صاحب الحق، ولأبيه وجده ولاية الاستيفاء فقط، كما أن العفو ضرر محض، فلا يملكه أحد سوى الصغير بعد البلوغ، حتى الحاكم لا يملكه، والسبب فيه أن العفو معناه التنازل مجاناً. وأجاز الشافعية والحنابلة للأب والجد والحاكم العفو على مال.\rأحكام العفو :\rللعفو أحكام، منها ما يأتي:\r1 ً) ـ أثر العفو في إسقاط القصاص والدية: يترتب على العفو عن القاتل عند الحنفية والمالكية (2) إسقاط القصاص مجاناً. وليس للعافي حينئذ الحق في أخذ الدية إلا من طريق الصلح، أي الاتفاق مع الجاني لدفع الدية برضاه؛ لأن موجب العمد عندهم هو القود عيناً. ولكن وجوب القود لا ينافي أن للولي العفو مجاناً، أوأخذ الدية برضا الجاني.\r-------------------------------\r(1) البدائع: 246/7، بداية المجتهد: 395/2، الشرح الكبير: 258/4 ومابعدها، مغني المحتاج: 48/4، كشاف القناع: 634/5، المغني: 743/7.\r(2) البدائع: 247/7، الشرح الكبير للدردير: 239/4 وما بعدها.","part":7,"page":603},{"id":4889,"text":"وقال الشافعية والحنابلة (1) : للولي الحق المطلق في العفو، فإن عفا عن القصاص سقط، وإن عفا على الدية، وجبت على الجاني ولو بغير رضاه، لما روى البيهقي عن مجاهد وغيره: «كان في شرع موسى عليه السلام تحتم القصاص جزماً، وفي شرع عيسى عليه السلام الدية فقط، فخفف الله تعالى عن هذه الأمة وخيرها بين الأمرين» لما في الإلزام بأحدهما من المشقة، ولأن الجاني محكوم عليه فلا يعتبر رضاه.\rوإذا أطلق الولي العفو أو بعبارة أخرى، إذا صدر العفو من الولي مطلقاً عن القود، ولم يتعرض للدية بنفي ولا إثبات، فالمذهب عند الشافعية: أنه لا دية؛ لأن القتل يوجب القود عيناً على الراجح عندهم، ولم يوجب الدية، والعفو إسقاط شيء ثابت، لا إثبات أمر معدوم. وكذلك قال المالكية: لا دية لعاف مطلق في عفوه إلا أن تظهر بقرائن الأحوال إرادتها، فيحلف على مراده (2) .\rوتجب الدية عند الحنابلة في هذه الحالة، لانصراف العفو إلى القود؛ لأنه في مقابلة الانتقام، والانتقام إنما يكون بالقتل، ولقوله تعالى: {فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف، وأداء إليه بإحسان} [البقرة:178/2] أي اتباع المال، وذلك يشعر بوجوبه بالعفو (3) .\r2 ً) ـ أثر العفو على حق الغير إذا تعدد الأولياء أو كان الولي واحداً :\rإذا عفا ولي الدم، وكان واحداً، ترتب عليه أثره: فإن كان العفو مطلقاً ترتب عليه عصمة دم القاتل، فلو رجع عن عفوه، وقتل القاتل، اعتبر الولي قاتلاً عمداً، لعموم تشريع القصاص وآياته التي لم تفرق بين شخص وشخص، وحال وحال، ولأن الجاني بالعفو عنه صار معصوم الدم (1) .\rوإن كان العفو مقيداً بدفع الدية، وجب على الجاني دفع الدية إن تم ذلك برضاه عند الحنفية والمالكية، أو بغير رضاه عند الشافعية والحنابلة، على ما تقدم سابقاً.\r-------------------------------\r(1) مغني المحتاج: 48/4، كشاف القناع: 633/5 وما بعدها، المهذب: 188/2، المغني: 743/7.\r(2) الشرح الكبير للدردير: 240/4.\r(3) وهل بالعفو عن القاتل يبرأ القاتل في الدنيا فقط أو أنه يبرأ أيضاً فيما بينه وبين الله تعالى؟ قال الحنفية: يبرأ القاتل بالعفو عن القصاص والدية، ولكن لا يبرأ عن ظلمه، ولو بالتوبة لتعلق حق المقتول به، وأثر التوبة هو في إسقاط ظلم القاتل نفسه بإقدامه على المعصية. لكن الجمهور قالوا: يبرأ القاتل بالعفو في الدنيا والآخرة (رد المحتار: 389/5).","part":7,"page":604},{"id":4890,"text":"وأما إذا تعدد الأولياء، فعفا أحدهم، سقط القصاص عن القاتل؛ لأن القصاص لا يتجزأ، وهو شيء واحد، فلا يتصور استيفاء بعضه دون بعض، ويبقى للآخرين حصتهم من الدية. بدليل ما روي عن جماعة من الصحابة، وهم عمر وابن مسعود وابن عباس: أنهم أوجبوا في عفو بعض الأولياء الذين لم يعفوا نصيبهم من الدية. ويأخذ العافي نصيبه من الدية إذا عفا على الدية، ولا يأخذ شيئاً إذا عفا مجاناً.\rلكن سقوط القصاص عند المالكية بعفو أحد المستحقين مقيد بما إذا كان العافي مساوياً لدرجة الباقين أو أعلى درجة، أوا ستحقاقاً. فإن كان أنزل درجة أو لم يساو الباقي في الاستحقاق كإخوة لأم مع إخوة لأب، لم يعتبر عفوه (2) .\r-------------------------------\r(1) البدائع: 247/7، الدر المختار: 394/5، الشرح الكبير للدردير: 240/4، الشرح الصغير: 366/4 وما بعدها، المهذب: 188/2، كشاف القناع: 634/5، المغني: 745/7.\r(2) البدائع، المكان السابق، الشرح الكبير للدردير: 261/4 وما بعدها، الشرح الصغير: 364/4، المهذب: 189/2، المغني: 744/7، كشاف القناع، المكان السابق.","part":7,"page":605},{"id":4891,"text":"وإذا عفا أحد الأولياء، فقتله الآخر، فلا قصاص عند الحنفية (1) ، للشبهة، إذا كان القاتل غير عالم بالعفو، أو عالماً بالعفو، غيرعالم بحرمة القتل. وقال الشافعية والحنابلة وزفر (2) : عليه القصاص إذا كان عالماً بالعفو؛ لأنه قتل نفساً بغير حق؛ لأن عصمته عادت إليه بالعفو.\r3) ـ هل يبقى حق للسلطان بعد عفو ولي الدم؟ :\rإذا عفا ولي القتيل مطلقاً عن القاتل عمداً، صح العفو، وبقي عند الحنفية والمالكية حق السلطان في عقوبته تعزيراً؛ لأن القصاص فيه حقان: حق الله (أو حق المجتمع أو الحق العام)، وحق المجني عليه. وحدد المالكية نوع التعزير فقالوا: إذا عفا ولي الدم (3) عن القاتل عمداً، يبقى للسلطان حق فيه، فيجلده مئة، ويسجنه سنة (4) .\rوقال الشافعية والحنابلة: إذا عفي عن القاتل مطلقاً، صح العفو، ولم تلزمه عقوبة أخرى (5) . وقال الماوردي (6) : الأظهر أن لولي الأمر أن يعزر مع العفو عن الحدود؛ لأن التقويم من حقوق المصلحة العامة. وقال أبو يعلى الحنبلي (7) في حق\r-------------------------------\r(1) البدائع: 248/7.\r(2) البدائع، المكان السابق، مغني المحتاج: 41/4، المهذب: 184/2، شرح المحلي على المنهاج: 122/4، المغني: 744/7، كشاف القناع: 632/5.\r(3) أولياء الدم كما عرفنا: هم الورثة على ترتيب الإرث والحجب حتى الزوجان، في رأي الحنفية والشافعية والحنابلة. وقال المالكية: أولياء الدم: هم الذكور العصبة دون البنات والأخوات والزوجين (انظر القوانين الفقهية: ص 346).\r(4) التلويح على التوضيح: 155/2، بداية المجتهد: 396/2.\r(5) المغني: 745/7.\r(6) الأحكام السلطانية له: ص 229.\r(7) الأحكام السلطانية له: ص 266.","part":7,"page":606},{"id":4892,"text":"السلطنة المشروع للتقويم والتهذيب: ظاهر كلام أحمد رحمه الله تعالى: أنه يسقط؛ لأنه لم يفرق، ويحتمل ألا يسقط للتهذيب والتقويم (1) .\r4) ـ عفو المقتول عمداً عن دمه قبل موته: إذا عفا المقتول عن القاتل قبل موته، فقال الحنفية والشافعية والحنابلة (2) : يسقط القصاص عن القاتل، ولا تجب الدية لورثة المقتول من بعده، أي لا قصاص فيه ولا دية، وإنما هو هدر، للإذن فيه؛ لأن المقتول أسقط حقه باختياره، وقال تعالى: { فمن تصدق به فهو كفارة له} [المائدة:45/5] أي المقتول يتصدق بدمه، في حال إصابته قبل موته.\rوقال المالكية (3) : لو قال المقتول لقاتله: إن قتلتني أبرأتك، أو قال له بعد جرحه قبل إنفاذ مقتله: أبرأتك من دمي، فلا يبرأ القاتل، بل للولي القود؛ لأنه أسقط حقاً قبل وجوبه. أما لو أبرأه بعد إنفاذ مقتله، أو قال له: إن مت فقد أبرأتك، فإنه يبرأ؛ لأنه أسقط شيئاً بعد وجوبه. ويشترط أن يكون هذا القول بالإبراء بعد إنفاذ مقتله.\rأما عفو المقتول خطأ عن الدية، فينفذ في المذاهب من ثلث ماله (4) .\r3 - الصلح :\rيجوز الصلح على القصاص باتفاق الفقهاء، ويسقط به القصاص، سواء أكان الصلح بأكثر من الدية أم بمثلها أم بأقل منها (5) ، وسواء أكان حالاً أم مؤجلاً،\r-------------------------------\r(1) انظر كتابنا نظرية الضمان: ص 309-311 ، المسؤولية المدنية والجنائية للشيخ محمود شلتوت: ص51 وما بعدها.\r(2) البدائع: 249/7، مغني المحتاج: 50/4، المغني: 750/7.\r(3) الشرح الكبير للدردير: 240/4، فتح العلي المالك: 322/1.\r(4) البدائع: 249/7.\r(5) يجوز لأبي المعتوه الصلح على الدية بالأكثر والمساوي، ولا يجوز بالأقل منها (الدر المختار: 382/5).","part":7,"page":607},{"id":4893,"text":"ومن جنس الدية، ومن خلاف جنسها بشرط قبول الجاني؛ لأن القصاص ليس مالاً (1) . أما الصلح على الدية فلا يجوز بأكثر من الدية، حتى لا يقع المتصالحان في الربا.\rوالصلح يختص بالإسقاط بمقابل. أما العفو فقد يقع مجاناً أو في مقابل مال، لكن إن وقع العفو عن القصاص على الدية، اعتبر عند الحنفية والمالكية صلحاً لا عفواً، ويسمى أيضاً عند الشافعية والحنابلة عفواً بمقابل.\rوقد رغب الشرع في الصلح عموماً في قوله تعالى: {والصلح خير} [النساء:128/4] وقول النبي صلّى الله عليه وسلم : «الصلح جائز بين المسلمين إلا صلحاً أحل حراماً أو حرم حلالاً» (2) . ودلت السنة على مشروعية الصلح في الدماء لإسقاط القصاص، بدليل قوله صلّى الله عليه وسلم : «من قَتَل عمداً، دفع إلى أولياء المقتول، فإن شاؤوا قتلوا، وإن شاؤوا أخذوا الدية: ثلاثين حقة، وثلاثين جذعة، وأربعين خَلِفة (3) ، وما صولحوا عليه فهو لهم» (4) وذلك لتشديد حرمة القتل.\rوحكم الصلح: هو حكم العفو، فمن يملك العفو يملك الصلح، وأثر الصلح كأثر العفو في إسقاط القصاص، وإذا تعدد الأولياء، وصالح أحدهم الجاني على مال، سقط القصاص، وبقي حق الآخرين في المال. وإذا بادر أحد الأولياء بقتل الجاني بعد الصلح، فهو قاتل له عمداً، لكنه لا قصاص عليه عند الحنفية ما عدا زفر. وعليه القصاص عند الشافعية والحنابلة.\r-------------------------------\r(1) الدر المختار: 394/5، الشرح الكبير للدردير: 263/4، الشرح الصغير للدردير: 368/4، مغني المحتاج: 49/4، كشاف القناع: 634/5.\r(2) رواه أبو داود والحاكم وابن حبان وصححه عن أبي هريرة، ورواه الترمذي وابن ماجه والحاكم عن عمرو بن عوف.\r(3) الحقة: هي الناقة التي طعنت في السنة الرابعة، والجذعة: هي التي طعنت في الخامسة، والخلفة: هي الحامل.\r(4) رواه الترمذي، وقال: حديث حسن غريب.","part":7,"page":608},{"id":4894,"text":"واتفق الفقهاء على أن الصلح الصادر من ولي الصغير أو المجنون أو من الحاكم لا يجوز على غير مال، ولا على أقل من الدية؛ لأنه لا يملك إسقاط حقه، ولأنه تصرف لا مصلحة فيه للصغير. فإن وقع الصلح على أقل من الدية صح عند المالكية والحنفية، ووجب باقي الدية في ذمة الجاني، ويرجع الصغير عند المالكية بعد رشده على القاتل في حال ملاءته (1) ،أي يسره وغناه.\r4 - إرث القصاص :\rيسقط القصاص إذا كان ولي الدم هو وارث الحق في القصاص، كما إذا وجب القصاص لإنسان، فمات من له القصاص، فورث القاتل القصاص كله، أو بعضه، أو ورثه من ليس له القصاص من القاتل وهو الابن (2) .\rفتكون لدينا صورتان لإرث القصاص:\r1 - مثال كون القاتل وارث القصاص: أن يقتل ولد أباه، وللولد أخ، ثم يموت الأخ صاحب الحق في القصاص، ولا وارث له إلا أخوه القاتل، فيصبح القاتل وارث دم نفسه من أخيه، فيسقط القصاص؛ لأن القصاص لا يتجزأ أو لا يتبعض، ولا يصح استيفاء القصاص من شخص طالب ومطلوب في آن واحد.\rكذلك يسقط القصاص إذا ورث القاتل بعض الحق في القصاص، بأن ورث القاتل أحد ورثة القتيل، ويكون لهؤلاء الورثة نصيبهم من الدية.\r2 - ومثال كون وارث القصاص من ليس له القصاص من القاتل: أن يقتل أحد الوالدين الوالد الآخر، وكان لهما ولد (ذكر أو أنثى) فيسقط القصاص؛ لأن الولد هو صاحب الحق فيه، ولا يجب للولد قصاص على والده، بدليل أنه لو جنى الوالد على ولده، وقتله، لا يقتص منه؛ للحديث النبوي: «لا يقاد الوالد بالولد» فمن باب أولى لا يقتص للولد من الوالد إذا جنى الوالد على غير ولده.\rكذلك يسقط القصاص إذا كان للمقتول ولد آخر، أو وارث آخر؛ لأنه لو ثبت القصاص لوجب له جزء منه، ولا يمكن وجوبه، وإذا لم يثبت بعضه سقط كله، لأنه لا يتبعض، وصار الأمر كما لو عفا بعض مستحقي القصاص عن نصيبه منه.\r-------------------------------\r(1) الدر المختار: 382/5، الشرح الكبير للدردير: 258/4 وما بعدها، المهذب: 188/2، كشاف القناع: 634/5، المغني: 753/7.\r(2) البدائع: 251/7، الشرح الكبير للدردير: 262/4، الشرح الصغير: 368/4، مغني المحتاج: 18/4 وما بعدها ، المغني: 668/7 وما بعدها، المهذب: 174/2.","part":7,"page":609},{"id":4895,"text":"العقوبة الأصلية الثانية للقتل العمد عند الشافعية ـ الكفارة :\rورد تشريع الكفارة (1) في القتل الخطأ (2) في القرآن الكريم في آية: {ومن قَتَل مؤمناً خطأ فتحرير رقبة مؤمنة، ودية مسلَّمة إلى أهله إلا أن يصدَّقوا...} [النساء:92/4] إلى قوله تعالى: {فمن لم يجدْ فصيام شهرين متتابعين، توبةً من الله ، وكان الله عليماً حكيماً} [النساء:92/4] أي أن الواجب تحرير رقبة مؤمنة إن وجدت، فإن لم توجد فصيام شهرين متتابعين.\rفهل يقاس القتل العمد على القتل الخطأ في إيجاب الكفارة أو لا؟ هناك رأيان للفقهاء أو ثلاثة:\r-------------------------------\r(2) الكفارة مأخوذة من الكَفر، وهو الستر؛ لأنها تغطي الذنب وتستره.\r(2) ورد النص في الخطأ دون العمد، مع أن مقتضى الظاهر العكس، لخطر الدماء، ولأن مع المخطئ تفريطاً، إذ لو تحرز واحتاط لترك الفعل المسبب للقتل، ولأن العامد لا تكفيه الكفارة.","part":7,"page":610},{"id":4896,"text":"1 - قال جمهور الفقهاء (1) (غير الشافعية): لا تجب الكفارة في القتل العمد؛ لأنه لا قياس في الكفارات؛ لأنها مقدرات شرعية للتعبد ، فيقتصر فيها على محل ورودها، وقد اقتصر النص القرآني على الكفارة في القتل الخطأ جبراً للذنب غير المقصود. أما القتل العمد فجزاؤه جهنم؛ لأنه كبيرة، ولم يوجب القرآن كفارة فيه، فدل النص بمفهومه على أنه لا كفارة فيه، ولو كانت واجبة لبينها القرآن؛ لأن المقام يقتضي البيان.\rوالقتل العمد يوجب القصاص، فلا يوجب كفارة كزنا المحصن.\rويرشد إليه: «أن سويد بن الصامت قتل رجلاً، فأوجب النبي صلّى الله عليه وسلم عليه القود، ولم يوجب كفارة » ، وعمرو بن أمية الضَّمري قتل رجلين في عهد النبي صلّى الله عليه وسلم «فو داهما النبي صلّى الله عليه وسلم ، ولم يوجب كفارة» (2) .\r2 - وقال الشافعية (3) : تجب الكفارة في القتل العمد على كل قاتل بالغ وصبي ومجنون وعبد وذمي وعامد ومخطئ، ومتسبب، وفي شبه العمد،أي أن الكفارة تجب سواء أكان القاتل كبيراً عاقلاً أم صغيراً أم مجنوناً، مسلماً أم ذمياً، فاعلاً أصلياً أم شريكاً، مباشرة أم تسبباً، وكان المقتول مسلماً ولو بدار حرب، أ و ذمياً أو أجنبياً حتى ولو بقتل نفسه. ولا تجب الكفارة بقتل مباح الدم كالحربي والباغي والصائل والمقتص منه، والمرتد والزاني المحصن.\rهذا.. وقد حدد الشوكاني محل وجوب الكفارة في القتل العمد فيما إذا\r-------------------------------\r(1) البدائع: 251/7، بداية المجتهد: 410/2، القوانين الفقهية: ص 348، المغني: 96/8، كشاف القناع: 65/6.\r(2) المغني: 96/8.\r(3) مغني المحتاج: 107/4، المهذب: 217/2.","part":7,"page":611},{"id":4897,"text":"عفي عن القاتل أو رضي الوارث بالدية، وأما إذا اقتص منه، فلا كفارة عليه، بل القتل كفارته، لحديث عبادة بن الصامت في أن الحدود كفارات لأهلها، ولما أخرجه أبو نعيم في المعرفة: أن النبي صلّى الله عليه وسلم قال: «القتل كفارة» (1) .\rوالدليل على وجوب الكفارة في العمد: أن المقصود من تشريع الكفارة هو رفع الذنب، ومحو الإثم، والذنب في القتل العمد أعظم من القتل الخطأ، فكانت الكفارة في العمد أحرى وأولى، والعامد أحوج إليها لرفع الذنب وتكفير الخطيئة.\rويدل له خبر واثلة بن الأسقع، قال: «أتينا النبي صلّى الله عليه وسلم في صاحب لنا، قد استوجب النار بالقتل، فقال: أعتقوا عنه رقبة، يعتق الله بكل عضو منها عضواً منه من النار» (2) .\rوكفارة القتل مثل كفارة الظهارفي الترتيب: عتق رقبة أولاً، فإن لم يجد (3) فصيام شهرين متتابعين (4) ، كما نصت الآية، لكن لا إطعام فيها في الأظهر عند العجز عن الصوم، اقتصاراً على الوارد فيها، إذ المتبع في الكفارات النص، لا القياس، ولم يذكر الله تعالى في كفارة القتل غير العتق والصيام. وعلى هذا فمن لم يستطع الصوم ثبت ديناً في ذمته، ولا يجب شيء آخر. والواجب في عصرنا هو الصوم فقط.\r3 - وقال المالكية (5) : تستحب الكفارة في قتل الجنين م وجوب دية الجنين، ولا تجب، خلافاً لأبي حنيفة؛ لأن الكفارة لما كانت لا تجب عندهم في العمد، وتجب في الخطأ، وكان الاعتداء على الجنين متردداً بين العمد والخطأ، استحسن الإمام الكفارة في الجنين، ولم يوجبها.\rولا تجب الكفارة على قاتل الباغي والصائل والحربي والمرتد والزاني المحصن والذي يقتص منه؛ لأن هؤلاء مباحو الدم بالنسبة للقاتل .\r-------------------------------\r(1) نيل الأوطار: 57/7.\r(2) رواه أبو داود وأحمد وصححه الحاكم وغيره، كما رواه أيضاً النسائي وابن حبان والحاكم.\r(3) قال ابن قدامة الحنبلي: فإن لم يجد الرقبة في ملكه فاضلة عن حاجته أو لم يجد ثمنها فاضلاً عن كفايته، فصيام شهرين متتابعين، توبة من الله . وهذا ثابت بالنص أيضاً (المغني: 97/8).\r(4) تحتسب المدة بالأهلّة إذا صام من أول الشهر وإلا فيحسب كل شهر ثلاثين يوماً.\r(5) القوانين الفقهية: ص 348، بداية المجتهد: 408/2.","part":7,"page":612},{"id":4898,"text":"النوع الثاني ـ العقوبة البدلية في القتل العمد :\rإذا سقط القصاص بعفو ولي القتيل أو بموت الجاني أو بغيرهما، طبقت عقوبتان أخريان وهما:\r1 - الدية التي هي بدل حتمي عن القصاص عند الحنابلة، أو إذا عفي إليها عند الشافعية، وبرضا الجاني عند الحنفية والمالكية.\r2 - التعزير الذي هو بدل حتمي أيضاً عند المالكية، وباختيار الحاكم عند الجمهور.\rويلاحظ أن صيام شهرين متتابعين عند الشافعية هو أحد خصال الكفارة على الترتيب الواجب بعد عتق الرقبة. ولا يقال: إن الصوم بدل مطلق عن الكفارة، وإنما هو بدل عن الخصلة الأولى فيها، لذا فإنه لا يعدُّ عقوبة بدلية في القتل العمد، وإنما هو عقوبة أصلية كما تقدم. وأبحث هنا فقط حكم الدية والتعزير.\rالعقوبة البدلية الأولى ـ الدية :\rالكلام فيها يتناول تعريف الدية، ومشروعيتها، وشروط إيجابها، ونوعها ومقدارها، تغليظها وتخفيفها وقت أدائها، الملزم بها (أو من تجب عليه)، متى تجب كاملة، وهل يتساوى كل الناس في مقدارها؟\rأولاً ـ تعريف الدية: هي في الشرع (1) : المال الواجب بالجناية على النفس أو ما في حكمها. والأرش: المال الواجب المقدر شرعاً بالاعتداء على ما دون النفس (2) ، أي مما ليس فيه دية كاملة من الأعضاء. وبناء عليه تطلق الدية على بدل النفس أو ما في حكمها، والأرش على دية العضو.\rوحكومة العدل: هو الأرش غير المقدر في الشرع، بالاعتداء على ما دون النفس من جرح أو تعطيل وغيرهما. ويترك أمر تقديره للحاكم بمعرفة أهل الخبرة العدول.\rثانياً ـ مشروعية الدية: ثبتت مشروعية الدية في القرآن والسنة والإجماع أما القرآن: فقوله تعالى: {ومن قتل مؤمناً خطأ فتحرير رقبة مؤمنة، ودية مسلَّمة إلى أهله، إلا أن يصَّدَّقوا} [النساء:92/4] وهذه الآية وإن كانت في القتل الخطأ، إلا أن العلماء أجمعوا على وجوب الدية في القتل العمد، في حالات سقوط القصاص المار ذكرها.\rوأما السنة فأحاديث كثيرة أشهرها حديث عمرو بن حزم في الديات. وهو: أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم كتب إلى أهل اليمن كتاباً فيه الفرائض والسنن والديات، وكان في كتابه « أن من اعتبط (3) مؤمناً قتلاً عن بينة، فإنه قود، إلا أن يرضى أولياء\r-------------------------------\r(1) اللباب شرح الكتاب: 152/3، الدرالمختار: 406/5، مغني المحتاج: 53/4، تكملة فتح القدير: 301/8.\r(2) أطلق الحنفية الدية على بدل النفس، والأرش على الواجب فيما دون النفس، والأدق هو إطلاق الدية على المال الواجب بجناية على الحر في نفس أو فيما دونها كما فعل الشافعية (مغني المحتاج: 53/4)؛ لأن الدية كاملة تجب في أحيان كثيرة بالاعتداء على ما دون النفس كتعطيل منفعة عضو أو قطع عضوين أو أربعة أو عشرة، كما سأبين في حالات وجوب الدية كاملة.\r(3) من اعتبط: هو القتل بغير سبب موجب. وأصله من اعتبط الناقة: إذا ذبحها من غير مرض ولا داء. فمن قتل مؤمناً كذلك، وقامت عليه البينة بالقتل وجب عليه القود إلا أن يرضى أولياء المقتول بالدية أو يقع منهم العفو.","part":7,"page":613},{"id":4899,"text":"المقتول، وإن في النفس: الدية مئة من الإبل...» (1) . وأول من سنَّها مئة عبد المطلب جد الرسول صلّى الله عليه وسلم .\rوأما الإجماع: فقد أجمع أهل العلم على وجوب الدية في الجملة.\rثالثاً ـ شروط وجوب الدية: يشترط لوجوب الدية عند الحنفية (2) شرطان:\r1 - العصمة: وهو أن يكون المقتول معصوماً، أي مصون الدم، فلا دية بقتل الحربي والباغي لفقد العصمة. ورأي الجمهور متفق مع الحنفية في هذا الشرط، إلا أن الباغي معصوم الدم في غير حال الحرب عند الشافعية ومن وافقهم وهم الجمهور غيرا لحنفية.\r2 - التقوم: وهو أن يكون المقتول متقوماً، فلا تجب الدية عند الحنفية بقتل الحربي إذا أسلم في دار الحرب، ولم يهاجر إلينا، وكان قاتله مسلماً أو ذمياً خطأ. وقال الجمهور: تجب الدية؛ لأن التقوم عندهم بالإسلام، وهذا مسلم قتل خطأ، والله تعالى يقول: {ومن قتَل مؤمناً خطأ فتحرير رقبة مؤمنة، ودية مسلَّمة إلى أهله} [النساء:92/4].\r-------------------------------\r(1) رواه النسائي ومالك، وابن خزيمة وابن حبان وابن الجارود والحاكم والبيهقي موصولاً، قال ابن عبد البر: وهو كتاب مشهور عند أهل السير ومعروف عند أهل العلم معرفة يستغنى بشهرته عن الإسناد؛ لأنه أشبه المتواتر، في مجيئه في أحاديث كثيرة.\r(2) البدائع: 252/7 وما بعدها.","part":7,"page":614},{"id":4900,"text":"والتقوم عند الحنفية بدار الإسلام، وهذا ليس من أهل دار الإسلام، والله تعالى يقول: {فإن كان من قوم عدو لكم، وهو مؤمن، فتحرير رقبة مؤمنة} [النساء:92/4] فقد أوجب الله جزاء قتله: الكفارة فقط وهي عتق الرقبة، فلا يكون داخلاً تحت صدر الآية، وهي التي احتج بها الجمهور؛ لأنه مؤمن ديناً، لا\rداراً، وهو في دار الحرب مكثر سواد الكفار، ومن كثَّر سواد قوم فهو منهم، على لسان رسول الله صلّى الله عليه وسلم (1) .\rوأما الاتصاف بصفة «الإسلام» فليس من شرائط وجوب الدية، لا بالنسبة لقاتل، ولا بالنسبة للمقتول، فتجب الدية سواء أكان القاتل أو المقتول مسلماً أم ذمياً أم حربياً مستأمناً.\rوكذلك العقل والبلوغ ليس شرطاً لإيجاب الدية، فتجب الدية في مال الصبي والمجنون، لعموم قوله تعالى: {ومن قتل مؤمناً خطأ، فتحرير رقبة مؤمنة، ودية مسلَّمة إلى أهله، إلا أن يصدقوا} [النساء:92/4]. كما تجب الدية بقتل الذمي والمستأمن، لقوله تعالى: {وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق، فدية مسلَّمة إلى أهله} [النساء:92/4].\rهل تضمن الدية بسبب ممارسة حق التأديب؟\rإذا ضرب السلطان أو الوالي متهماً، أو ضرب الأب ابنه للتأديب المشروع، أو ضرب الولي أو الوصي الصبي اليتيم، أو ضرب الزوج زوجته بسبب نشوزها، أو لتركها الصلاة مثلاً، أو أدَّب المعلم صبياً بغير إذن أبيه، فمات المؤدَّب بسبب هذا التأديب المشروع المعهود في العرف بين الناس، فهل يضمن هؤلاء فعلهم؟ للفقهاء فيه آراء:\r1 - قال أبو حنيفة والشافعي (2) : إنه يجب ضمان الدية في هذه الحالات؛\r-------------------------------\r(1) هذا حديث رواه أبو يعلى في مسنده من حديث عبد الله بن مسعود بلفظ: «من كثَّر سواد قوم، فهو منهم، ومن رضي عمل قوم، كان شريك من عمل به» (نصب الراية: 346/4).\r(2) المبسوط: 13/16، الدر المختار: 401/5، درر الحكام: 77/2، جامع أحكام الصغار بهامش الفصولين: 8/2-10، مجمع الضمانات: ص 54، 157، 166، البدائع: 305/7، المهذب: 289/2، مغني المحتاج: 199/4، الأحكام السلطانية للماوردي: ص230.","part":7,"page":615},{"id":4901,"text":"لأن المقصود هو التأديب والزجر، لا الهلاك، فإذا أفضى التأديب إلى التلف، تبين أنه تجاوز الحد المشروع له، أو تخطى حدود السلطة المخولة إياه، ولأن هذا الفعل وهو التأديب أمر مباح، فيتقيد بشرط السلامة للغير كالمرور في الطريق العام ونحوه، فإن استيفاء الإنسان حقه مقيد بشرط السلامة للآخرين.\r2 - وقال المالكية والحنابلة والصاحبان من الحنفية (1) : لا ضمان في هذه الحالات، ما لم يكن هناك إسراف أو زيادة على ما يحقق المقصود، أو يتجاوز المعتاد؛ لأن التأديب فعل مشروع للزجر والردع، فلا يضمن التالف به، كما هو الشأن عند تطبيق الحدود الشرعية أو التعزيرات (2) ، والقاعدة الفقهية تقول: «الجواز الشرعي ينافي الضمان» .\rرابعاً ـ نوع الدية ومقدارها :\rاختلف الفقهاء على آراء ثلاثة في تحديد نوع الدية، وهي ما يأتي:\r1 - رأي أبي حنيفة ومالك، والشافعي في مذهبه القديم (3) : إن الدية تجب في واحد من ثلاثة أنواع: الإبل، والذهب، والفضة. ويجزئ دفعها من أي نوع. ودليلهم ما ثبت في كتاب عمرو بن حزم في الديات: «وإن في النفس الدية، مئة\r-------------------------------\r(1) المغني: 327/8، غاية المنتهى: 285/3، الأحكام السلطانية لأبي يعلى: ص 266، الميزان للشعراني: 172/3، نيل الأوطار: 140/7-145، البدائع، المكان السابق.\r(2) قارن ذلك بالفقه على المذاهب الأربعة: 292/5.\r(3) البدائع: 253/7، تكملة فح القدير: 302/8 وما بعدها، الدر المختار: 406/5 ومابعدها، اللباب: 153/3، الشرح الكبير للدردير: 266/4 ومابعدها، بداية المجتهد: 401/2 ومابعدها، القوانين الفقهية: ص 347، مغني المحتاج: 53/4-56.","part":7,"page":616},{"id":4902,"text":"من الإبل» (1) وأن عمر فرض على أهل الذهب في الدية ألف دينار ومن الورِق عشرة آلاف درهم (2) . ورأي أبي حنيفة هو الصحيح في مذهبه.\r2 - رأي الصاحبين وأحمد (3) : إن الدية تجب من ستة أجناس، وهي الإبل أصل الدية، والذهب، والفضة، والبقر، والغنم، والحُلل. والخمسة الأولى هي أصول الدية عند الحنابلة، وأما الحلل فليست أصلاً عندهم؛ لأنها تختلف ولا تنضبط. وروي عن أحمد: أنها أصل، وقدرها مئتا حلة من حلل اليمن، كل حلة بُرْدان: إزار ورداء جديدان.\rوأي شيء أحضره الملزم بالدية، لزم ولي القتيل قبوله، سواء أكان الجاني من أهل ذلك النوع، أم لا؛ لأنها أصول في قضاء الواجب، يجزئ واحد منها، فكانت الخيرة إلى من وجبت عليه كخصال الكفارة.\rودليل هذا الرأي: أن عمر قام خطيباً فقال: «ألا إن الإبل قد غلت، قال الراوي، فقوَّم على أهل الذهب ألف دينار، وعلى أهل الورق اثني عشر ألفاً، وعلى أهل البقر مئتي بقرة، وعلى أهل الشاء ألفي شاة، وعلى أهل الحلل مئتي حلة» (4) . وأخرج أبو داود مثله عن جابر بن عبد الله أنه قال: «فرض رسول الله صلّى الله عليه وسلم في الدية على أهل الإبل مئة من الإبل...الخ» (5) .\r-------------------------------\r(1) سبق تخريجه: وفيه أيضاً: «وعلى أهل الذهب ألف دينار، وعلى أهل الورق اثنا عشر ألف درهم» .\r(2) رواه البيهقي من طريق الشافعي، قال: قال محمد بن الحسن: بلغنا عن عمر...الخ (نصب الراية: 361/4).\r(3) البدائع، ومراجع الحنفية، المكان السابق، المغني: 759/7-761، كشاف القناع: 16/6 وما بعدها.\r(4) رواه أبو داود عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده. وأخرجه البيقهي وابن أبي شيبة في مصنفه عن عبيدة السلماني، لكن جاء في هذه الرواية «وعلى أهل الحلل مئة حلة» (نصب الراية: 362/4).\r(5) راجع نصب الراية: 363/4.","part":7,"page":617},{"id":4903,"text":"3 - رأي الشافعي في مذهبه الجديد (1) : إن الواجب الأصلي في الدية هو مائة من الإبل إن وجدت، وعلى القاتل تسليمها للولي سليمة من العيوب، فإن عدمت حساً بأن لم توجد في موضع يجب تحصيله منه، أو عدمت شرعاً بأن وجدت فيه بأكثر من ثمن مثلها، فالواجب قيمة الإبل، بنقد البلد الغالب (2) ، وقت وجوب تسليمها بالغة ما بلغت؛ لأنها بدل متلف، فيرجع إلى قيمتها عند فقد الأصل. ودليله الحديث السابق وهو ما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: كانت قيمة الدية على عهد الرسول صلّى الله عليه وسلم ثمان مئة دينار، أو ثمانية آلاف درهم، كان ذلك كذلك، حتى استخلف عمر رضي الله عنه، فقام عمر خطيباً، فقال: «ألا إن الإبل قد غلت، فقال: فقوم على أهل الذهب ألف دينار، وعلى أهل الورق اثني عشر ألف درهم، وعلى أهل البقر مئتي بقرة، وعلى أهل الشاء ألفي شاة، وعلى أهل الحلل مئتي حلة» (3) ويؤكده من المعقول أن ما ضمن بنوع من المال وتعذر، وجبت قيمته، كذوات الأمثال (4) .\rوأما مقدار الدية فيتضح من الأحاديث السابقة، ولم يختلف الفقهاء في المقادير إلا في دراهم الفضة (أي الوَرِق).\rوسبب الاختلاف فيها: هو سعر صرف الدينار، فعند الحنفية: الدينار يساوي عشرة دراهم بدليل حديث عَبيدة السلماني المتقدم. وعند الجمهور (5) :\r-------------------------------\r(1) مغني المحتاج: 56/4، المهذب: 195/2 وما بعدها.\r(2) المراد بالبلد: هو المحل الذي يجب التحصيل منه لو كانت موجودة فيه.\r(3) وروي ما يقاربه في المعنى عن الزهري.\r(4) المثليات: هي المكيلات (حنطة أو شعير) والموزونات (قطن أو حديد) والعدديات المتقاربة (جوز أو بيض) والذرعيات (كالقماش).\r(5) راجع بداية المجتهد: 403/2، الشرح الكبير للدردير: 267/4، المغني: 760/7، مغني المحتاج: 56/4.","part":7,"page":618},{"id":4904,"text":"الدينار يساوي اثني عشر درهماً، بدليل حديث عمر السابق، وأن رجلاً من بني عدي قتل، فجعل النبي صلّى الله عليه وسلم ديته اثني عشر ألفاً (1) . وعلى هذا:\rالواجب من الإبل مئة، ومن الذهب ألف دينار (2) ، ومن الفضة عشرة آلاف درهم عند الحنفية، واثنا عشر ألف درهم عند الجمهور، ومن البقر مئتا بقرة، ومن الغنم ألفان، ومن الحلل، أي الثياب مئتا حلة: إزار ورداء.\rخامساً ـ تغليظ الدية وتخفيفها :\rالدية إما مغلظة أو مخففة، وتجب الدية عند الحنفية في شبه العمد وفي الخطأ وفي شبه الخطأ وفي القتل بسبب، وفي العمد أيضاً إذا اشتمل القتل على شبهة: وهي الحالة التي يقتل فيها الأب ابنه. وقد تجب الدية في العمد برضا القاتل وولي الدم، أي عند التراضي عليها فيما إذا حصل عفو من ولي القتيل أو من بعض الأولياء، فيكون للباقي نصيبه من دية العمد.\rولا تتغلظ الدية إلا في حالة الوفاء بها بالإبل خاصة؛ لأن الشرع ورد بها، والمقدرات الشرعية لا تعرف إلا سماعاً ونقلاً من طريق الشرع، إذ لا مدخل للرأي فيها؛ فلا تتغلظ الدية في الدنانير والدراهم، بأن يُزاد على ألف دينار، أو على عشرة آلاف درهم (عند الحنفية).\rوتتغلظ الدية في القتل العمد وفي شبه العمد عند الجمهور (3) . وقال\r-------------------------------\r(1) رواه أصحاب السنن الأربعة، عن ابن عباس.\r(2) الدينار: هو المثقال من الذهب، ويساوي 80،4 غم وهو المثقال العجمي.\r(3) البدائع: 256/7 وما بعدها، تبيين الحقائق: 126/6 وما بعدها، الدر المختار: 406/5 وما بعدها، تكملة فتح القدير: 251/8، 302، 304، مغني المحتاج: 53/4-55، المهذب: 195/2 وما بعدها، المغني: 764/7-766، كشاف القناع: 17/6 ومابعدها.","part":7,"page":619},{"id":4905,"text":"المالكية (1) : تتغلظ الدية في القتل العمد إذا قبلها ولي الدم، وفي حالة قتل الوالد ولده.\rوإذا غلظت الدية تجب مثلثة عند المالكية والشافعية ومحمد بن الحسن (أي ثلاثون حقه وثلاثون جَذَعة، وأربعون خَلِفة أي حاملاً، لخبرالترمذي بذلك). وهذا عند المالكية في حال قتل الأصل ولده، أما في القتل العمد إذا عفا ولي الدم، فتجب الدية عندهم مربعة، بحذف ابن اللبون من الأنواع الخمسة الواجبة في القتل الخطأ.\rوتجب حينئذ مربعة، أي أرباعاً عند الحنفية ما عدا محمداً، والحنابلة (2) : (خمس وعشرون بنت مخاض، وخمس وعشرون بنت لبون، وخمس وعشرون حقة، وخمس وعشرون جذعة) (3) .\rوأما الدية المخففة في القتل الخطأ ونحوه، فتجب مخمسة، أي أخماساً باتفاق المذاهب (وهي عشرون بنت مخاض، وعشرون ابن مخاض، وعشرون بنت لبون، وعشرون حقة، وعشرون جذعة) وهذا رأي الحنفية والحنابلة، بدليل ما روى ابن مسعود قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم : «في دية الخطأ عشرون حقة، وعشرون جذعة، وعشرون بنت مخاض، وعشرون بنت لبون، وعشرون بني مخاض» (4) ولأن ابن اللبون يجب على طريق البدل عن ابنة المخاض في الزكاة إذا\r-------------------------------\r(1) الشرح الكبير للدردير: 266/4 وما بعدها، 282، بداية المجتهد: 401/2 وما بعدها، الشرح الصغير: 373/4.\r(2) المراجع السابقة.\r(3) بنت المخاض: هي التي طعنت في السنة الثانية، وبنت اللبون في الثالثة، والحقة في الرابعة، والجذعة في الخامسة.\r(4) رواه أحمد وأصحاب السنن الأربعة والبزار والبيهقي إلا أن الدارقطني قال: «عشرون بني لبون» مكان قوله «عشرون ابن مخاض» .","part":7,"page":620},{"id":4906,"text":"لم يجدها، فلا يجمع بين البدل والمبدل في واجب واحد (1) .\rوجعل المالكية والشافعية (2) مكان ( بني المخاض): ( بني اللبون ) بدليل ما روى الدارقطني وسعيد بن منصور، في سننهما عن النَّخعي عن ابن مسعود، وقال الخطابي: روي أن النبي صلّى الله عليه وسلم ودى الذي قتل بخيبر بمئة من إبل الصدقة، وليس في أسنان الصدقة ابن مخاض.\rوتغلظ عند الشافعية والحنابلة (3) دية القتل الخطأ في النفس والجراح في حالات ثلاث:\r1 - إذا حدث القتل في حرم مكة، تحقيقاً للأمن.\r2 - أو حدث في الأشهر الحرم: وهي ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب.\r3 - أو قتل القاتل قريباً له ذا رحم محرم، كالأم والأخت.\rوعلى هذا الرأي تغلظ الدية بأحد أسباب خمسة: كون القتل عمداً، أو شبه عمد، أو في الحرم، أو الأشهر الحرم، أو لذي رحم محرم.\rوالدليل على تربيع (4) الدية المغلظة عند الحنفية ما عدا محمداً، وعند الحنابلة: هو ما رواه الزهري عن السائب بن يزيد، قال: كانت الدية على عهد رسول الله صلّى الله عليه وسلم أرباعاً: «خمساً وعشرين جذعة، وخمساً وعشرين حقة، وخمساً وعشرين بنت لبون، وخمساً وعشرين بنت مخاض» وقضى بذلك ابن مسعود،\r-------------------------------\r(1) البدائع: 254/7، المغني: 769/7، 771.\r(2) بداية المجتهد: 402/2، مغني المحتاج: 54/4.\r(3) مغني المحتاج: 54/4، المغني: 772/7، المهذب: 196/2.\r(4) أي كونها تؤخذ أرباعاً.","part":7,"page":621},{"id":4907,"text":"ولأن الدية حق يتعلق بجنس الحيوان، فلا يعتبر فيه الحمل في بعضها، كالزكاة والأضحية (1) .\rوأما دليل المالكية والشافعية ومحمد بن الحسن في تثليث (2) الدية المغلظة، فهو حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم قال: «من قَتَل متعمداً، دفع إلى أولياء المقتول، فإن شاؤوا قتلوه، وإن شاؤوا أخذوا الدية، وهي ثلاثون حقة، وثلاثون جذعة، وأربعون خَلِفة، وما صولحوا عليه فهو لهم» (3) وذلك لتشديد القتل.\rوحديث آخر عن عبد الله بن عمرو، أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم قال: «ألا إن في قتيل عمد الخطأ، قتيل السوط والعصا مائة من الإبل، منها أربعون خلفة في بطونها أولادها» (4) .\rوالخلاصة: أن دية العمد تغلظ عند الجمهور بتخصيصها بالجاني، وتعجيلها عليه، أي كونها حالَّة عند غير الحنفية، وتربيعها في رأي الحنفية والحنابلة، وتثليثها في رأي عند المالكية والشافعية.\rودية شبه العمد: تخفف من ناحيتين (وهما فرض الدية على العاقلة، والتأجيل بثلاث سنين) وتغلظ من ناحية واحدة: وهي التربيع في رأي، والتثليث في رأي آخر.\rودية الخطأ: تخفف من نواح ثلاث: إلزام العاقلة بها، والتأجيل ثلاث سنين، وتخميسها.\r-------------------------------\r(1) المغني: 766/7، البدائع: 254/7.\r(2) أي كونها أثلاثاً.\r(3) رواه الترمذي وقال: هو حديث حسن غريب.\r(4) رواه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي والدارقطني (راجع نيل الأوطار: 21/7). هذا ...وإن كان البحث هنا في دية العمد، لكني استطردت فيه لبيان أحوال الديات الأخرى تجميعاً لشتات البحث.\rسادساً ـ وقت أداء الدية :\rتجب دية العمد وشبه العمد والخطأ عند الحنفية (5) مؤجلة في ثلاث سنين، عملاً بفعل عمر رضي الله عنه، ويكفي العامد تغليظ الدية عليه، وإيجابها في ماله.\rوقال جمهور الفقهاء (6) : دية العمد تجب معجلة (حالَّة) في ماله، غير مؤجلة؛ لأن الدية فيه بدل عن القصاص، وبما أن القصاص حالّ الأداء، فبدله وهو الدية حال مثله، ولأن في التأجيل تخفيفاً على القاتل، والعامد يستحق التغليظ لا التخفيف، بدليل وجوب الدية في ماله لا على العاقلة.\rوأما دية الخطأ فتجب عند الجمهور كالحنفية مؤجلة في مدى ثلاث سنوات، تخفيفاً عن العاقلة، بدليل ما روي عن عمر وعلي أنهما قضيا بالدية على العاقلة في ثلاث سنين، ولا مخالف لهما في عصرنا، فكان إجماعاً (7) .\rوكذلك دية شبه العمد عند الجمهور تجب مؤجلة لثلاث سنين، في كل سنة ثلثها.\r-------------------------------\r(5) البدائع: 256/7 وما بعدها.\r(6) بداية المجتهد: 402/2، القوانين الفقهية: ص 347، الشرح الكبير: 281/4، 285، مغني المحتاج: 55/4، المهذب: 196/2، 212، المغني: 764/7-766، كشاف القناع: 17/6.\r(7) المغني: 766/7.","part":7,"page":622},{"id":4908,"text":"سابعاً ـ الملزم بأداء الدية :\rاتفق الفقهاء على أن دية القتل العمد تجب على القاتل في ماله وحده، ولاتحملها العاقلة؛ لأن الأصل في كل إنسان أن يسأل عن أعماله الشخصية المدنية كالإتلافات، والجنائية كالجرائم، ولا يسأل عنها غيره لقوله تعالى: {كل امرئ بما كسب رهين} [الطور:21/52] {ولا تزو وازرة وزر أخرى} [الأنعام:164/6] {قل: لا تسألون عما أجرمنا، ولا نسأل عما تعملون} [سبأ:25/34].\rويؤيده ما جاء في السنة من قول النبي صلّى الله عليه وسلم: «لا يجني جانٍ إلا على نفسه» (1) ، وقال النبي صلّى الله عليه وسلم لبعض أصحابه حين رأى معه ولده: «ابنك هذا؟» قال: نعم، قال: «أما إنه لا يجني عليك، ولا تجني عليه» (2) .\rوثبت في السنة بنحو خاص: «لا تعقل العاقلة عمداً، ولا عبداً، ولا صلحاً، ولا اعترافاً» (3) .\rويرى الفقهاء ما عدا المالكية (4) أن دية شبه العمد، والخطأ على العاقلة، كما سيأتي في عقوبة كل منهما.\rوأما دية القتل العمد الصادر من الصبي أو المجنون، فقال الحنفية والمالكية والحنابلة (الجمهور) (5) : إنها على عاقلته، وعبارتهم فيها: عمد الصبي وخطؤه\r-------------------------------\r(1) رواه أحمد وابن ماجه والترمذي وصححه من حديث عمرو بن الأحوص في حجة الوداع.\r(2) رواه أبو داود والنسائي وأحمد عن أبي رمثة (جامع الأصول: 9/11، نيل الأوطار: 83/7).\r(3) رواه البيهقي عن الشعبي، وأبو عبيد القاسم بن سلام في الأموال (نصب الراية: 379/4).\r(4) راجع بحث الملزم بأداء الدية في البدائع: 256/7، الدر المختار: 400/5، القوانين الفقهية: ص347، الشرح الكبير للدردير: 282/4، مغني المحتاج: 55/4، المغني: 764/7-770، كشاف القناع: 3/6.\r(5) تبيين الحقائق: 139/6، الأشباه والنظائر لابن نجيم: 77/1، الدر المختار: 378/5، 415، بداية المجتهد: 404/2 ومابعدها، القوانين الفقهية: ص 345، الشرح الكبير للدردير مع الدسوقي: 486/4، المغني: 776/7، جامع أحكام الصغار لابن قاضي سماوه: 18/2، بهامش جامع الفصولين.","part":7,"page":623},{"id":4909,"text":"سواء، بدليل أن مجنوناً صال على رجل بسيف، فضربه، فرفع ذلك إلى علي رضي الله عنه، فجعل ديته على عاقلته، بمحضر من الصحابة رضي الله عنهم، وقال: عمده وخطؤه سواء.\rوقال الشافعية (1) : الأظهر أن عمد الصبي عمد إذا كان مميزاً، وإن لم يكن له تمييز فهو خطأ قطعاً، أي أنه سواء أكان مميزاً أم غير مميز لا قصاص عليه لعدم تكليفه بالحلال والحرام شرعاً، لكن تجب الدية في ماله، ولا تتحملها عنه عاقلته إذا كان مميزاً، وكان القتل عمداً؛ لأن العاقلة (العصبة) لا تتحمل دية القتل العمد أو حالة الصلح أو الاعتراف، كما تقدم. وبما أن فعله يعدّ عمداً إذا كان مميزاً في الراجح عند الشافعية، فلا تتحمل العاقلة دية القتيل الذي جنى عليه، وتكون الدية عليه مغلظة.\rثامناً ـ متى تجب الدية كاملة، وهل يتساوى كل الناس في دية العمد؟\rقال الحنفية والمالكية (2) : دية العمد عند العفو عن القصاص غير محدودة، والواجب هو ما يتم التراضي أو الاتفاق عليه بين الجاني وولي الدم، سواء أكان المال قليلاً أم كثيراً، فإن انبهمت أي لم تحدد الدية كانت بحسب المقدار الشرعي (مئة من الإبل أو ما ينوب منابها من الدنانير والدراهم).\rوقال الشافعية والحنابلة (3) : دية العمد بحسب المقدار المحدد شرعاً: مئة بعير، لقوله صلّى الله عليه وسلم في حديث عمرو بن حزم في الديات: «في النفس مائة من الإبل» .\r-------------------------------\r(1) مغني المحتاج: 10/4، 15، المهذب: 173/2، 174، 196.\r(2) رد المحتار على الدر المختار: 382/5، بداية المجتهد: 402/2، القوانين الفقهية: ص347.\r(3) مغني المحتاج: 53/4، كشاف القناع: 3/6.","part":7,"page":624},{"id":4910,"text":"وأما تساوي الديات بين الناس: ففيه خلاف:\rقال الشافعية (1) : قد يعرض للدية ما ينقصها، وهو أحد أسباب أربعة: الأنوثة، والرق، وقتل الجنين، الكفر، فالأول يردها إلى الشطر، والثاني إلى القيمة المختلفة بحسب كل شخص، والثالث إلى الغرة، والرابع إلى الثلث أو أقل.\rوأذكر هنا الخلاف في أمرين: الأنوثة، والكفر.\rالأنوثة (دية المرأة ) : اتفق الفقهاء ما عدا النادر (2) على أن دية المرأة نصف دية الرجل، عملاً بأحاديث وآثار وبالمعقول. أما الأحاديث، فمنها قوله عليه السلام مرفوعاً عن معاذ: «دية المرأة نصف دية الرجل» (3) ، وروي موقوفاً عن علي: «عقل المرأة على النصف من عقل الرجل في النفس، وفيما دونها» (4) .\rوالآثار فيها كثيرة مروية عن عمر وعلي وعثمان وابن عباس وابن عمر وزيد بن ثابت رضوان الله عليهم، فكان هناك إجماع من الصحابة على تنصيف دية المرأة.\rوالمعقول: أن المرأة في ميراثها وشهادتها على النصف من الرجل، فكذلك ديتها.\rوحكي عن ابن عُلَيَّة وأبي بكر الأصم من نفاة القياس: أن دية المرأة كدية الرجل، لقوله عليه الصلاة والسلام في حديث عمرو بن حزم: «في النفس المؤمنة مائة من الإبل» .\r-------------------------------\r(1) مغني المحتاج: 53/4.\r(2) البدائع: 254/7، الدر المختار: 407/5، بداية المجتهد: 405/2، القوانين الفقهية: ص347، مغني المحتاج: 56/4 ومابعدها، المهذب: 197/2، المغني: 97/7، كشاف القناع: 18/6.\r(3) رواه البيهقي عن معاذ بن جبل مرفوعاً، وقال البيهقي: إسناده لا يثبت مثله (نصب الراية: 363/4، نيل الأوطار: 67/7).\r(4) رواه البيهقي عن علي موقوفاً، وفيه انقطاع. وأخرجه ابن أبي شيبة من طريق الشعبي عنه (المرجعان السابقان) ولم أجد هذا الحديث في روايات حديث عمرو بن حزم، بالرغم من نسبته إليه في كتب فقه الحنابلة (المغني وكشاف القناع).","part":7,"page":625},{"id":4911,"text":"الكفر (دية غيرالمسلم ) : اختلف الفقهاء في تقدير دية غير المسلم على آراء ثلاثة:\r1 - قال الحنفية (1) : إن دية الذمي والمستأمن كدية المسلم، فلا يختلف قدر الدية بالإسلام والكفر، لتكافؤ الدماء، وعملاً بعموم قوله تعالى: {وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق، فدية مسلَّمة إلى أهله} [النساء:92/4] ولأنه عليه الصلاة والسلام «جعل دية كل ذي عهد في عهده ألف دينار» (2) .\r2 - وقال المالكية والحنابلة (3) : دية الكتابي (اليهودي والنصراني) المعاهد أو المستأمن نصف دية المسلم، ونساؤهم نصف ديات المسلمين ، أي كنساء المسلمات، لقوله عليه الصلاة والسلام: «دية المعاهد نصف دية المسلم» (4) أو «إن دية المعاهد نصف دية المسلم» (5) أو «دية عقل الكافر نصف عقل المسلم» (6) .\r3 - وقال الشافعية (7) : دية اليهودي والنصراني والمعاهد والمستأمن ثلث دية\r-------------------------------\r(1) البدائع: 254/7، الدر المختار: 407/5.\r(2) أخرجه أبو داود في المراسيل عن سعيد بن المسيب، وفيه أحاديث أخرى تؤيده (نصب الراية: 366/4).\r(3) الشرح الكبير للدردير: 267/4 وما بعدها، بداية المجتهد، والقوانين الفقهية، المكان السابق، المغني: 793/7، 796.\r(4) أخرجه أصحاب السنن الأربعة من حديث ابن عمرو، وهذا لفظ أبي داود.\r(5) أخرجه الطبراني من حديث ابن عمر.\r(6) أخرجه أصحاب السنن الأربعة وأحمد، وهذا لفظ الترمذي، وقال: حديث حسن.\r(7) مغني المحتاج: 57/4، المهذب: 197/2.","part":7,"page":626},{"id":4912,"text":"المسلم، لما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أنه صلّى الله عليه وسلم «فرض على كل مسلم قتل رجلاً من أهل الكتاب أربعة آلاف درهم» (1) . وقضى بذلك عمر وعثمان رضي الله عنهما (2) ، ولأنه أقل ما أجمع عليه في المسألة.\rواتفق غير الحنفية على أن دية المجوسي والوثني المستأمن كعابد الشمس والقمر والزنديق ثمان مئة درهم، أي ثلثا عشر دية المسلم بتقدير الجمهور، وأن نساءهم نصف دياتهم، أي أربع مئة درهم، كما قال بعض الصحابة مثل عمر وعثمان وابن مسعود رضي الله عنهم، ربعض التابعين كسعيد بن المسيب وسليمان ابن يسار وعطاء وعكرمة والحسن وغيرهم (3) .\rوالمذهب المنصوص عند الشافعية: أن من لم يبلغه الإسلام: إن تمسك بدين لم يبدَّل، فتجب له دية أهل دينه، فإن كان كتابياً فدية كتابي، وإن كان مجوسياً فدية مجوسي، وإن تمسك بدين بدِّل فديته كدية المجوسي. وقال الحنابلة والحنفية: لا يجوز قتل هذا الشخص إن وجد، حتى يدعى إلى الإسلام، فإن قتل قبل الدعوى من غير أن يعطى أماناً، فلا ضمان فيه؛ لأنه لا عهد له ولا إيمان.\rالعقوبة البدلية الثانية للعمد ـ التعزير :\rإذا سقط القصاص في القتل العمد، كان التعزير عقوبة بدلية عنه؛ لكن هل التعزير أمر واجب أو جائز؟ وقد أشرت له في حالة عفو ولي الدم.\r-------------------------------\r(1) رواه عبد الرزاق في مصنفه. وروى عبادة بن الصامت أن النبي صلّى الله عليه وسلم قال: «دية اليهودي والنصراني أربعة آلاف» .\r(2) روي الشافعي والدارقطني عن سعيد بن المسيب، قال: «كان عمر يجعل دية اليهودي والنصراني أربعة آلاف، والمجوسي ثمان مئة» .\r(3) الشرح الكبير للدردير:: 268/4، مغني المحتاج: 57/4، المغني: 796/7.","part":7,"page":627},{"id":4913,"text":"1 - قال المالكية (1) : يجب تعزير القاتل العمد إذا لم يقتص منه، والعقوبة هي جلد مئة، وحبس سنة، عملاً بأثر ضعيف عن عمر.\r2 - وقال الجمهور (2) : لا يجب التعزير، وإنما يفوض الأمر للحاكم، يفعل ما يراه مناسباً للمصلحة، فيؤدب الشرير بالحبس أو الضرب أوالتأنيب ونحوها. ويمكن أن يكون التعزير عند الحنفية والمالكية هو القتل أو الحبس مدى الحياة.\rالنوع الثالث ـ العقوبة التبعية للقتل العمد ـ الحرمان من الميراث والوصية :\rثبت في السنة تشريع عقوبة أخرى للقتل العمد وهي الحرمان من الإرث، والوصية، وذلك في قوله صلّى الله عليه وسلم : «ليس لقاتل ميراث» (3) وفي رواية: «لا يرث القاتل شيئاً» (4) . وفي قوله عليه الصلاة والسلام: «ليس لقاتل وصية» (5) . فإذا قتل الوارث مورثه، أو الموصى له الموصي، حرم من الميراث والوصية، عملاً بمبدأ سد الذرائع، كيلا يطمع أحد بمال مورثه، فيتعجل موته بالقتل.\rلكن اختلف الفقهاء في نوع القتل المانع من الميراث أو الوصية.\rأولاً ـ الحرمان من الميراث :\rالقتل من حيث المبدأ مانع من الميراث بالاتفاق، لكن الخلاف في تحديد صفة القتل.\r-------------------------------\r(1) بداية المجتهد: 396/2.\r(2) التلويح على التوضيح: 155/2، المغني: 745/7، الأحكام السلطانية للماوردي: ص 229، ولأبي يعلى: ص 266، رد المحتار: 196/3، الشرح الكبير للدردير: 355/4، التشريع الجنائي الإسلامي: 183/2 ومابعدها، المدخل الفقهي للأستاذ الزرقا: ف 331، 333.\r(3) رواه مالك في الموطأ وأحمد وابن ماجه عن عمر (نيل الأوطار: 74/6).\r(4) رواه أبو داود من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده (نيل الأوطار، المكان السابق).\r(5) أخرجه الدارقطني والبيهقي عن علي بن أبي طالب، وفيه راو متروك يضع الحديث (نصب الراية: 402/4).","part":7,"page":628},{"id":4914,"text":"فقال الحنفية والشافعية والحنابلة (الجمهور) (1) : إن القتل العدوان بغير حق، الصادر من البالغ العاقل، عمداً أم خطأ، مانع من الميراث.\rلكن يشترط عند الحنفية أن يكون القتل مباشرة لا تسبباً. ولم يميز الشافعية والحنابلة بينهما، فقالوا: لا فرق بين المباشرة والتسبب، فكلاهما مانع من الإرث.\rوإذا كان القتل بحق وهو القتل غير المضمون كالقتل قصاصاً أو حداً أو دفاعاً عن النفس أو قتل العادل الباغي، أو كالقتل الحادث بسبب التأديب كضرب الأب والزوج والمعلم، فلا يمنع الميراث عند الحنفية والحنابلة، ويمنع الميراث عند الشافعية، أي أن القتل غير المضمون يمنع الإرث عند الشافعية، وعند الحنابلة لايمنع. والقتل بإكراه مضمون عند الشافعية والحنابلة، فيمنع الميراث.\rوالقتل الصادر من الصبي أو المجنون أو النائم لا يمنع الميراث عند الحنفية، ويمنع الميراث عند الشافعية والحنابلة؛ لأنه قتل بالتسبب.\rوقال المالكية (2) : إن القتل العمد، ومثله شبه العمد المعروف عند غيرهم والمقرر استثناء لديهم هو المانع من الميراث، سواء أكان مباشرة أم تسبباً، وأما القتل الخطأ فلا يحرم الإرث.\rوعلى هذا فأشد المذاهب في جعل القتل مانعاً من الميراث هم الشافعية ثم الحنابلة، ثم الحنفية ثم المالكية. والسبب في التشدد إطلاق حديث : «ليس للقاتل شيء» ولأن القاتل لو ورث لم يؤمن أن يستعجل الإرث بالقتل، فاقتضت المصلحة حرمانه: «من استعجل شيئاً قبل أوانه عوقب بحرمانه» .\r-------------------------------\r(1) الدر المختار: 542/5، التلويح على التوضيح: 153/2، الأشباه والنظائر للسيوطي: ص 136، مغني المحتاج: 25/3، المغني: 292/6، المهذب: 24/2، مؤلفنا نظرية الضمان: ص 329 وما بعدها.\r(2) الشرح الكبير للدردير: 486/4.","part":7,"page":629},{"id":4915,"text":"ثانياً ـ الحرمان من الوصية :\rالقتل المانع من الوصية عند الحنفية (1) : هو القتل المانع من الإرث وهو أن يكون صادراً من بالغ عاقل، ومباشرة لا تسبباً، وعدواناً أي بغير حق، سواء أكان عمداً أم خطأ.\rوعند المالكية (2) : لا يصلح القتل الخطأ مانعاً من الوصية كالميراث، وأما القتل العمد ومثله شبه العمد، فهو مانع من الوصية على الراجح إن لم يعلم الموصي بأن الموصى له ضربه. فإن علم الموصي بمن ضربه أو قتله، ولم يغير وصيته، أو أوصى له بعد الضرب صحت الوصية، سواء قتله عمداً أم خطأ.\rومثلهما قال الحنابلة (3) : الأصح أن القتل بغير حق، سواءأكان عمداً أم خطأ يبطل الوصية؛ لأنه يمنع الميراث، وهو آكد منها، فهي أولى بحرمان القاتل منها.\rوقال الشافعية (4) : الأظهر أن الموصى له لو قتل الموصي ولو تعدياً، استحق الموصى به؛ لأن الوصية تمليك بعقد فأشبهت عقد الهبة، وخالفت الإرث.\rوالخلاصة: إن القتل المانع من الميراث مانع عند الجمهور من الوصية. وأما عند الشافعية: فلا يعتبر القتل مانعاً من الوصية، وإن منع الميراث.\r\r-------------------------------\r(1) الدر المختار: 459/5، البدائع: 339/7.\r(2) الشرح الكبير للدردير: 426/4.\r(3) منار السبيل في شرح الدليل على مذهب أحمد للشيخ إبراهيم بن ضويان: 39/2، ط دمشق، كشاف القناع: 397/4.\r(4) الأشباه والنظائر للسيوطي: 136/2، مغني المحتاج: 43/3.","part":7,"page":630},{"id":4916,"text":"المبحث الثالث ـ القتل شبه العمد وعقوبته :\rلايعرف المالكية القتل شبه العمد، فهو في حكم العمد إلا في حالة قتل الأب ابنه فهو شبه عمد عندهم (1) . وعرفه الجمهور، ولكنهم كما تبين اختلفوا في تحديد معناه، فهو عند أبي حنيفة: أن يتعمد الجاني الضرب بما ليس بسلاح أو ما في حكمه، كالقتل بالمثقل من عصا أو حجر أو خشب كبير.وعند الصاحبين والشافعية والحنابلة: القتل بالمثقل عمد. وشبه العمد: أن يتعمد الجاني الضرب بما لا يقتل غالباً كالحجر والخشب الصغير والعصا الصغيرة.\rوعقوبات القتل شبه العمد أنواع ثلاثة: أصلية، وبدلية، وتبعية.\rالنوع الأول ـ العقوبة الأصلية :\rهناك عقوبتان أصليتان للقتل شبه العمد: وهما الدية والكفارة.\rالمطلب الأول ـ الدية المغلظة :\rلا قصاص في القتل شبه العمد، بل فيه الدية المغلظة على العاقلة وهي العقوبة الأولى فيه (2) ، لقوله صلّى الله عليه وسلم : «ألا إن دية الخطأ شبه العمد، ما كان بالسوط والعصا، مئة من الإبل: منها أربعون في بطونها أولادها» (3) وهو رأي المالكية والشافعية، وتجب هذه الدية مربعة عند الحنابلة والحنفية.\rودية شبه العمد مثل دية العمد في نوعها ومقدارها، وتغليظها، لكنها تختلف عنها في الملزم بها، وفي وقت أدائها، فدية العمد تجب على الجاني في ماله معجلة، ودية شبه العمد تجب على العاقلة مؤجلة في مدى ثلاث سنين.\rلكن الإمام مالك يرى أن شبه العمد كالعمد، في وجوب الدية في مال الجاني. إلا في حالة قتل الأب ابنه فيما إذاحذفه بسيف أو عصا، فقتله، ففيه دية شبه عمد: مغلظة مثلثة، مؤجلة كدية الخطأ.\r-------------------------------\r(1) القوانين الفقهية: ص 345، بداية المجتهد: 390/2، 393 وذلك كأن يحذف الأب ابنه بسيف أو عصا، فيقتله، كما فعل رجل من بني مدلج بابنه، ففرض عمر على الأب دية مغلظة مثلثة: 30 حقة و 30 جذعة، و 40 حوامل. (2) البدائع: 251/7.\r(3) رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه من حديث عبد الله بن عمرو، وصححه ابن القطان (نصب الراية: 356/4).","part":7,"page":631},{"id":4917,"text":"أولاً ـ الملزم بأداء دية شبه العمد :\rقال الجمهور (الحنفية والشافعية والحنابلة) (1) : تجب دية شبه العمد بطريق التعاون والتخفيف والمواساة للجاني على العاقلة، لا في مال الجاني.\rوبما أن المالكية (2) يقسمون القتل إلى نوعين فقط: وهما العمد والخطأ، وليس عندهم شبه العمد، وهو في حكم العمد، فإنهم يوجبون دية شبه العمد في مال القاتل، لا في مال العاقلة إلا فيما استثناه الإمام مالك. وهذا موافق لرأي جماعة من فقهاء المذاهب غير المشهورة (وهم ابن سيرين والزهري والحارث العُكلي وابن شُبرمة وقتادة وأبو ثور وأبو بكر الأصم)؛ لأن هذا القتل موجَب فعل قصده الجاني، فلا تتحمله العاقلة عنه كالعمد المحض، ولأن دية هذا القتيل دية مغلظة، فأشبهت دية العمد.\rودليل الجمهور حديث أبي هريرة قال: «اقتتلت امرأتان من هذيل، فرمت إحداهما الأخرى بحجر، فقتلتها وما في بطنها، فاختصموا إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلم\r-------------------------------\r(1) البدائع: 255/7، تكملة فتح القدير: 251/8، مغني المحتاج: 55/4، المغني: 766/7 وما بعدها.\r(2) بداية المجتهد: 401/2، 405، الشرح الكبير للدردير: 282/4، المغني: 767/7.","part":7,"page":632},{"id":4918,"text":"فقضى أن دية جنينها غرّه (1) : عبد أو وليدة، وقضى بدية المرأة على عاقلتها» (2) . قال ابن تيمية: وفيه دليل على أن دية شبه العمد تحملها العاقلة.\rويؤكده أنه قتل لا يوجب قصاصاً، فتجب ديته على العاقلة، كالخطأ، ويختلف عن العمد المحض؛ أن العمد قصد فيه الجاني الفعل وإرادة القتل، فاستحق تغليظ الدية بكونها في ماله، وتدفع فوراً، وشبه العمد قصد فيه الجاني الفعل، ولم يرد القتل، فاستحق التخفيف من ناحيتين: هما كون الدية على العاقلة، وكونها مؤجلة كما في القتل الخطأ.\rوهل تجب الدية ابتداء على العاقلة أو على القاتل؟\rهناك رأيان للفقهاء: قال الحنفية والمالكية والأصح عند الشافعية (3) : تجب ابتداء على القاتل؛ لأن سبب وجوبها وهو القتل، وجد منه، لا من العاقلة، فكان الوجوب عليه، لا على العاقلة، وإنما العاقلة تتحمل دية واجبة عليه.\rويتحمل القاتل جزءاً من الدية مع العاقلة؛ لأنه هو المطالب أصالة بتحمل جريرة فعله، ودور العاقلة تابع، فهو مطالب بحفظ نفسه من ارتكاب الجرائم، وعاقلته مطالبة أيضاً بحفظه من الجريمة، فإذا لم يحفظوا فرَّطوا، والتفريط منهم ذنب. والقاتل يعتمد على مناصرة عاقلته وحمايتها له، فتشاركه في تحمل تبعة المسؤولية، لا أنها تستقل بتحملها عنه.\rوبناء على هذا الرأي: إذا لم يكن للجاني عاقلة يرجع بالدية كلها عليه، وهذا هو الأظهر عند الشافعية. لكنهم قالوا في حال وجود العاقلة: متى وزع الواجب في السنة الأولى على العاقلة أو بيت المال، وفضل شيء منه فهو على الجاني مؤجلاً عليه كالعاقلة.\r-------------------------------\r(1) أصل الغرة: البياض في وجه الفرس، وعبر هنا بالغرة عن الجسم كله.\r(2) متفق عليه بين أحمد والشيخين (البخاري ومسلم) (نيل الأوطار: 69/7).\r(3) البدائع: 255/7، مغني المحتاج: 95/4، 97، الشرح الكبير للدردير: 281/4 ومابعدها، الدر المختار ورد المحتار: 400/5، 454.","part":7,"page":633},{"id":4919,"text":"وقال الحنابلة (1) : تجب الدية على العاقلة ابتداء؛ لأنه لا يطالب بها غيرهم، ولايعتبر تحملهم ولا رضاهم بها، فلا تجب على غير من وجبت عليه، كما لو عدم القاتل.\rولا يتحمل القاتل عند الحنابلة جزءاً من الدية؛ لأن الدية تلزم العاقلة ابتداء، فإن لم توجد عاقلة أو عجزت، وكان الجاني مسلماً أخذت الدية أوباقيها من بيت المال حالَّة دفعة واحدة؛ لأن الدية إنما أجلت على العاقلة تخفيفاً ولا حاجة للتأجيل في بيت المال.\rثانياً ـ وقت أداء دية شبه العمد: تؤدى دية شبه العمد كما تقدم في دية العمد مؤجلة في مدى ثلاث سنين، في آخر كل سنة ثلثها، وهو مروي عن النبي صلّى الله عليه وسلم، ومحكي عن عمر وعلي رضي الله عنهما، وكونها في آخر السنة لتتمكن العاقلة دفعها من إنتاج المواسم. وكونها في كل سنة الثلث، توزيعاً لها على السنين الثلاث.\rويعتبر بدء السنة عند الحنفية (2) من يوم الحكم أو القضاء بها، وهو رأي المالكية (3) في دية الخطأ.\rوعند الشافعية والحنابلة (4) : تبدأ السنة من وقت وجوب الدية، فإن كانت دية نفس، فمن حين الموت؛ لأنه وقت استقرار الوجوب في الذمة، وإن كانت دية غير النفس، فمن حين الجناية؛ لأنها تلك حالة الوجوب.\rثالثاً ـ مقدار ما تتحمله العاقلة من دية شبه العمد :\rيرى الحنفية (5) : أن العاقلة لاتتحمل ما دون نصف عشر الدية (وهو خمس من الإبل: أرش الموضِحة) إذا كانت الجناية فيما دون النفس.أما بدل النفس فتحمله العاقلة، وإن قل؛ لأن بدل النفس ثبت بالنص على العاقلة. وأما ما دون النفس فعلى الجاني، لقول الشعبي: «لا تعقل العاقلة عمداً، ولا عبداً، ولا صلحاً، ولا اعترافاً، ولا ما دون أرش الموضحة» (6) .\rوالأصح عند الحنفية: أنه لا يؤخذ في كل سنة من كل واحد من أفراد العاقلة إلا درهم، أو درهم وثلث، بحيث يؤخذ منه في مجموع الثلاث السنوات ثلاثة أو أربعة دراهم.\rوقال المالكية، والحنابلة (7) : لا تحمل العاقلة ما دون ثلث الدية؛ لأن عمر رضي الله عنه قضى في الدية ألا يحمل منها شيء، حتى تبلغ عقل المأمومة ، أي تعويضها، وهو ثلث الدية.\r-------------------------------\r(1) كشاف القناع: 60/6، المغني: 771/7.\r(2) اللباب شرح الكتاب: 178/3، 180، الدر المختار: 454/5.\r(3) الشرح الكبير للدردير: 285/4، الشرح الصغير: 403/4.\r(4) مغني المحتاج: 98/4، المغني: 767/7 وما بعدها.\r(5) الدر المختار: 454/5 وما بعدها، البدائع: 255/7 وما بعدها، 322، اللباب شرح الكتاب: 179/3.\r(6) رواه البيهقي موقوفاً على الشعبي. وتأويل العبد معناه: أن يقتل العبد حراً، فليس على عاقلة مولاه شيء من جنايته، وإنما هي في رقبته (نصب الراية: 379/4).\r(7) الشرح الكبير للدردير: 282/4، 286، الشرح الصغير للدردير: 396/4، المغني: 775/7، 777، 788، القوانين الفقهية: ص 347 ومابعدها.","part":7,"page":634},{"id":4920,"text":"ويتحمل عندهم كل فرد من أفراد العاقلة على قدر ما يطيق، بحسب اجتهاد الحاكم، وليس فيه تقدير شرعي محدد، فلا يكلف أحد ما يجحف به ويشق عليه؛ لأن تكليف العاقلة مشروع على سبيل المواساة للقاتل والتخفيف عنه.\rوأقل عدد للعاقلة عند المالكية بحيث لا ينقص عنه: هو سبع مئة، وقيل: ألف، فإذا وجد من العصبة هذا العدد، فلا يضم إليهم أحد، وإن نقصوا عن هذا العدد، ولو كانوا أغنياء، ضم إليهم ما يكمِّلهم من الموالي، أي المعتِقون.\rوقال الشافعية (1) : تحمل العاقلة جميع الدية، قلَّت أو كثرت؛ لأنه إذا ألزمت بالكثير فالقليل من باب أولى. وتوزع على النحو التالي:\rعلى الغني من العاقلة: نصف دينار ذهب أو قدره، وعلى المتوسط (2) ربع دينار أو ثلاثة دراهم، كل سنة من الثلاث السنوات؛ لأنها وجبت مواساة متعلقة بالحول، فتتكرر بتكرره كالزكاة. فيصبح جميع ما يلزم الغني في الثلاث السنين ديناراً ونصفاً، والمتوسط يلزمه نصف دينار وربع.\rرابعاً ـ هل تحمل العاقلة خطأ الحاكم؟\rتتحمل العاقلة الخطأ الشخصي للإمام والحاكم: وهو الذي لا صلة له بالحكم والاجتهاد.\rأما الخطأ الناجم عن الحكم والاجتهاد ففيه رأيان (3) :\r-------------------------------\r(1) المهذب: 211/2، مغني المحتاج: 95/4، 99.\r(2) الغني: هو من يملك فاضلاً عن نصاب الزكاة وهو عشرون ديناراً، والمتوسط: من يملك عشرين ديناراً.\r(3) المغني: 780/7 وما بعدها، 833، المهذب: 192/2، 212، مغني المحتاج: 81/4، حاشية الدسوقي على الشرح الكبير: 252/4، 268.","part":7,"page":635},{"id":4921,"text":"قال الجمهور (الشافعية في قول راجح والمالكية والحنابلة): يجب على عاقلته أيضاً، لما روي عن عمر رضي الله عنه أنه بعث إلى امرأة ذكرت بسوء، فأجهضت جنينها، فقال عمر لعلي: عزمت عليك ألا تبرح حتى تقسمها على قومك (1) ، أي قريش، ولأن الحاكم جانٍ، فكان خطؤه على عاقلته كغيره.\rوقال الحنفية (2) : عقل (أي تعويض) خطأ الحاكم في بيت المال؛ لأن الخطأ يكثر في أحكامه واجتهاده، فإيجاب عقله على عاقلته مجحف بهم، ولأن الحاكم نائب عن الله تعالى في أحكامه وأفعاله، فكان أرش جنايته في مال الله سبحانه. وهذا هو رأي العز بن عبد السلام من الشافعية (3) .\rخامساً ـ من العاقلة، وهل تتحمل الدية في العصر الحاضر؟\rالعاقلة: هي التي تتحمل العقل أي الدية، وسميت الدية عقلاً؛ لأنها تعقل الدماء من أن تسفك، أي تمسكه، ومنه سمي العقل؛ لأنه يمنع القبائح.\rواختلف الفقهاء في تحديد العاقلة على ثلاثة مذاهب:\r1 - قال الحنفية (4) : العاقلة: هم أهل الديوان (5) ، إن كان القاتل من أهل\r-------------------------------\r(1) رواه عبد الرزاق في مصنفه (نصب الراية: 398/4).\r(2) الدر المختار: 397/5، مجمع الضمانات للبغدادي: ص 172، نظرية الضمان للؤلف: ص 32 وما بعدها.\r(3) قواعد الأحكام: 165/2، نظرية الضمان للمؤلف: ص 336 وما بعدها.\r(4) الدر المختار 453/5 وما بعدها، البدائع: 255/7 وما بعدها، تبيين الحقائق: 177/6 ومابعدها، الكتاب مع اللباب: 178/3 وما بعدها.\r(5) الديوان: اسم للدفتر الذي يضبط فيه أسماء الجند وعددهم وعطاؤهم . وكان عمر أول من دون الدواوين في العرب. وكانت الدواوين السلطانية في عهد عمر أربعة أقسام: ديوان الجيش أو الجند، وديوان الخراج والجزية، وديوان الولاة، وديوان بيت المال (الأحكام السلطانية للماوردي: ص 199، تحرير الأحكام في تدبير أهل الإسلام لابن جماعة: ص138).","part":7,"page":636},{"id":4922,"text":"الديوان، وهم الجيش أو العسكر الذين كتبت أساميهم في الديوان: وهو جريدة الحساب. أو هم المقاتلة من الرجال الأحرار البالغين العاقلين، أي أهل الرايات والألوية، تؤخذ من عطاياهم أو من أرزاقهم (1) لا من أصول أموالهم. بدليل فعل عمر رضي الله عنه، فإن الدية كانت على أهل النصرة، وكانت بأنواع: بالقرابة، والحلف، والولاء، والعقد، فلما دوَّن عمر الدواوين جعل العقل (الدية) على أهل الديوان بمحضر من الصحابة رضي الله عنهم (2) .\rوإن لم يكن القاتل من أهل الديوان، فعاقلته: قبيلته وأقاربه، وكل من يتناصر هو بهم؛ لأنه يستنصر بهم. فإن لم تتسع القبيلة لذلك ضم إليهم أقرب القبائل نسباً على ترتيب العصبات: الأقرب فالأقرب، فيقدم الإخوة ثم بنوهم، ثم الأعمام ثم بنوهم، وأما من لم يكن له عاقلة كاللقيط والحربي أو الذمي الذي أسلم فعاقلته بيت المال في ظاهر ا لرواية. والقاتل داخل مع العاقلة، فيكون ـ كما تقدم ـ فيما يؤدي مثل أحدهم؛ لأنه هو الجاني، فلا معنى لإخراجه، ومؤاخذة غيره، بل هو أولى بتحمل تبعة فعله.\rولا يدخل في العاقلة آباء القاتل وأبناؤه (3) ولا الأزواج؛ لأنه لا يتحقق بهم الكثرة، ولا النساء والصبيان والمجانين؛ لأن تحمل العاقلة تبرع بالإعانة، وهؤلاء ليسوا من أهل التبرع.\rولا تتحمل العاقلة جناية العبد، ولاالعمد، ولا ما لزم صلحاً ولا اعترافاً،\r-------------------------------\r(1) العطاء: ما يعطى للجندي من بيت المال في السنة مرة أو مرتين، لا بقدر الحاجة، بل بصبره وعنائه في أمر الدين. والرزق: ما يفرض للجندي في بيت المال، بقدر الحاجة، في كل شهر، أو مياومة كالرواتب اليوم.\r(2) راجع نصب الراية: 398/4.\r(3) رد المحتار: 454/5، وقيل: يدخل الآباء والأبناء.","part":7,"page":637},{"id":4923,"text":"لقول الشعبي السابق ذكره، ولأنه لا يتناصر بالعبد، ولأن الإقرار مقصور على نفس المقر، فلا يتعدى إلى العاقلة، إلا أن يصدقوه في إقراره، ولأن ما لزم بالصلح عن دم العمد، يجب في القصاص، فإذا صالح عنه الجاني كان بدله في ماله.\rكما لا تتحمل العاقلة أقل من نصف عشر الدية، وتتحمل نصف العشر فصاعداً كما تبين، وما نقص عن هذا المقدار، فهو في مال الجاني.\r2 - ومذهب المالكية: أن العاقلة هم أهل الديوان (وهو الدفتر الذي يضبط فيه أسماء الجند وعددهم وعطاءاتهم وقدمهم) فإن لم يكن ديوان فالعصبة (ويبدأ بالإخوة، ثم بالأعمام، ثم من بعدهم من الأقارب) ثم بيت المال إن كان الجاني مسلماً؛ لأن بيت المال لا يعقل عن كافر، فإن لم يكن بيت مال، فتقسط الدية على الجاني (1) .\r3 - وقال الشافعية والحنابلة (2) : العاقلة: هم قرابة القاتل من قبل الأب، وهم العصبة النسبية كالإخوة لغير أم والأعمام، دون أهل الديوان، بدليل ما روى المغيرة بن شعبة رضي الله عنه أن النبي صلّى الله عليه وسلم قضى في المرأة بديتها على عصبة القاتل (3) .\rويدخل عند المالكية والحنابلة في أرجح الروايتين عن أحمد: الآباء والأبناء خلافاً لما قال الحنفية؛ لأنهم أحق العصبات بميراث الجاني، فكانوا أولى بتحمل عقله، أي ديته.\r-------------------------------\r(1) الشرح الكبير مع الدسوقي: 282/4، الشرح الصغير: 397/4 وما بعدها، القوانين الفقهية: ص 347، بداية المجتهد: 405/2.\r(2) مغني المحتاج: 95/4 وما بعدها، المهذب: 212/2، المغني: 783/7-791، كشاف القناع: 58/6 وما بعدها.\r(3) رواه أحمد ومسلم وأبو داود والنسائي والترمذي (نيل الأوطار: 69/7).","part":7,"page":638},{"id":4924,"text":"واستثنى الشافعية كالحنفية الأصل من أب وإن علا، والفرع من ابن وإن سفل؛ لأنهم أبعاض الجاني، فكما لا يتحمل الجاني الدية لا يتحمل أبعاضه وهم الآباء والأبناء.\rوروى النسائي: «لا يؤخذ الرجل بجريرة (أي جريمة) ابنه» وفي رواية لأبي داود في خبر المرأتين اللتين اقتتلتا، من هذيل، السابق (1) : «وبرأ الولد» أي من العقل ، وقيس به غيره من الأبعاض. وفيها أيضاً « وبرأ زوجها » . ويقدم الأقرب فالأقرب من العصبة: البنوة، ثم الأبوة عند من يدخلهم في العاقلة، ثم الأخوة، ثم العمومة. وأعمام الأب ثم بنوهم مقدمون على أعمام الجد ثم بنوهم.\rومن لم تكن له عاقلة أديت ديته من بيت المال، لقوله صلّى الله عليه وسلم : «أنا وارث من لا وارث له، أعقل عنه وأرثه» (2) . فإن فقد بيت المال فالواجب عند المالكية والشافعية على الجاني، والجاني أحد العاقلة؛ لأن الدية عندهم تلزمه ابتداء، تتحملها العاقلة. وليس عند الحنابلة على القاتل في هذه الحالة شيء ، كما أنه ليس واحداً من العاقلة؛ لأن الدية عندهم لزمت العاقلة ابتداء.\rوتوزع الدية على أفراد العاقلة قريبهم وبعيدهم، حاضرهم وغائبهم، صحيحهم ومريضهم، ولو هرماً وزمِناً وأعمى؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلم قضى في امرأة بني لَحْيان التي توفيت بسبب الاعتداء عليها وعلى جنينها بأن العقل على عصبتها (3) ، كما أن النبي صلّى الله عليه وسلم في حادثة أخرى قضى أن يعقل عن المرأة عصبتها (4) .\rولا تؤخذ الدية من فقير من العاقلة ولا امرأة ولا صبي ولا زائل العقل؛ لأن تحمل الدية للتناصر، والمواساة، والفقير لا يقدر على المواساة، وغيره ليس من أهل النصرة.\rومن مات من العاقلة أو افتقر أو جُنَّ قبل آخر الحول لم يلزمه شيء؛ لأنه مال يجب في آخر العام على سبيل المواساة، فأشبه الزكاة.\r-------------------------------\r(1) رواه أبو داود عن جابر، ونصه «إن امرأتين من هذيل قتلت إحداهما الأخرى، ولكل واحدة منهما زوج وولد، فجعل رسول الله صلّى الله عليه وسلم دية المقتول على عاقلة القاتلة، وبرأ زوجها وولدها» (نيل الأوطار: 81/7).\r(2) أخرجه أبو داود والنسائي وصححه ابن حبان.\r(3) متفق عليه من حديث أبي هريرة.\r(4) رواه أحمد وأصحاب السنن إلا الترمذي من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده.","part":7,"page":639},{"id":4925,"text":"مصير نظام العواقل في الوقت الحاضر في رأي متأخري الحنفية :\rإن نظام العواقل مستثنى من القاعدة العامة في تحمل كل مخطئ وزر نفسه، ولكن دون أن يلزم العاقلة شيء من ذنب الجاني أخروياً. والسبب في هذا الاستثناء هو مواساة القاتل ومناصرته وإعانته والتخفيف عنه، ودعم أواصر المحبة والألفة والإصلاح بين أفراد الأسرة ، والحفاظ على حقوق المجني عليه حتى لاتذهب الجناية عليه هدراً إذا كان القاتل فقيراً، وأغلب الناس فقراء، فكان في ذلك النظام عدالة ومساواة في المجتمع، حتى لا يحرم أحد من التعويض بسبب فقر الجاني. ثم إن هذا النظام فيه تقدير للباعث الذي يشاهد عند القاتل، إذ لولا استنصاره بأسرته واعتماده على قوتهم لتثبت في الأمر ملياً، وصدرت أفعاله عن روية كاملة ووعي تام، لذا اعتبر الفقه الإسلامي أن الجناية الواقعة منسوبة ضمناً إلى كل فرد من أفراد العاقلة، فأوجبت الدية عليهم جميعاً (1) . وكان بذل المال من العاقلة بديلاً عن النصرة التي كانت في الجاهلية، حيث كانت القبيلة تمنع الجاني وتحميه كيلا يدنو منه أولياء القتل للأخذ بالثأر.\r-------------------------------\r(1) راجع الجريمة والعقوبة لأستاذنا محمد أبي زهرة: ص 423 ومابعدها، المسؤولية الجنائية لأستاذنا الشيخ محمود شلتوت: ص 38، التشريع الجنائي الإسلامي: 198/2 ومابعدها، نظرية الضمان للمؤلف: ص 298.","part":7,"page":640},{"id":4926,"text":"وبالرغم من كل هذه المزايا، فإن نظام العاقلة كان مناسباً للبيئة التي كانت فيه الأسرة الواحدة متماسكة البنيان، متناصرة فيما بينها على السراء والضراء. أما وإنه قد تفككت الأسر، وتحللت عرى الروابط بين الأقارب، وزالت العصبية القبلية، ولم يعد الاهتمام بالنسب أمراً ذا بال، فلم يبق بالتالي محل لنظام العواقل، لفقدان معنى التناصر بين أفراد الأسرة.\rيرشد إليه أن نظام العاقلة تطور ـ في رأي الحنفية ـ من الأسرة إلى العشيرة، فالقبيلة، ثم إلى الديوان، ثم إلى الحرفة (1) (أو النقابة في عصرنا) ثم إلى بيت المال.\rوبما أن نظام العشيرة قد زال، وبيت المال قد تغير نظامه، واختلف النظام الاجتماعي عما كان عليه في زمن العرب، وفقدت عصبية القبيلة بعضهم لبعض، وصار كل امرئ معتمداً على نفسه دون قبيلته كما في النظام الحاضر، فإن دية القتل الخطأ أو شبه العمد، أصبحت في زماننا هذا واجبة في مال الجاني وحده، وقد نص عليه الحنفية (2) . وهذا موافق لرأي أبي بكر الأصم والخوارج الذين يجعلون الدية على القاتل لا على العاقلة، أخذاً بعموم الآيات والأحاديث التي تقرر مبدأ المسؤولية الفردية أو الشخصية عن الأفعال (3) . وهو أيضاً منسجم مع رأي باقي المذاهب الذين قرروا وجوب الدية على الجاني إذا لم توجد له عاقلة ولم يوجد بيت المال.\r-------------------------------\r(1) قال الحنفية: لو كان اليوم قوم تناصرهم بالحرف فعاقلتهم أهل الحرفة (اللباب: 178/3).\r(2) الدر المختار ورد المحتار: 456/5.\r(3) مذكرة تفسير آيات الأحكام بالأزهر: 123/2.","part":7,"page":641},{"id":4927,"text":"المطلب الثاني ـ العقوبة الأصلية الثانية: الكفارة :\rالقتل شبه العمد عند جمهور الفقهاء (1) القائلين به وهم غير المالكية: تجب فيه كفارة؛ لأنه ملحق بالخطأ المحض في عدم القصاص، وتحمل العاقلة ديته، وتأجيلها ثلاث سنين، فجرى مجرى الخطأ في وجوب الكفارة على الجاني.\rوالكفارة كما تقدم في القتل العمد: هي عتق رقبة مؤمنة، فمن لم يجدها في ملكه، أو لم يجد ثمنها فاضلاً عن كفايته لشراء الرقبة وإعتاقها، أو لم يجد الرقبة فعلاً، وجب عليه صيام شهرين متتابعين، كما ورد في النص القرآني.\rوالمالكية (2) يعتبرون شبه العمد مثل العمد لا يوجب كفارة.\rويلاحظ أن حوادث الدهس بالسيارات اليوم توجب الدية وكفارة القتل بالتسبب.\rالنوع الثاني ـ العقوبة البدلية في القتل شبه العمد :\rإذا سقطت الدية لسبب ما، حل محلها التعزير، وعلى الحاكم عند المالكية تعزير القاتل بما يراه مناسباً. وجمهور الفقهاء يتركون الخيار في التعزير للحاكم، كما تقدم في تعزير القاتل عمداً. وأما الصوم فهو خصلة من خصال الكفارة التي هي عقوبة أصلية، ولكنها تأتي مُرتَّبة بعد العجز عن عتق الرقبة.\rالنوع الثالث ـ العقوبة التبعية في القتل شبه العمد :\rيعاقب القاتل شبه العمد بعقوبتين أخريين عدا الدية، وهما الحرمان من الميراث والحرمان من الوصية، على النحو المبين في جزاء القتل العمد، عملاً بعموم حديثين هما: «ليس للقاتل ميراث» و «ليس لقاتل وصية» لكن الأول صحيح والثاني في سنده متروك يضع الحديث.\r-------------------------------\r(1) تكملة فتح القدير: 251/8، البدائع: 249/7 وما بعدها، الدر المختار: 407/5، مغني المحتاج: 107/4، المهذب: 217/2، المغني: 97/8، كشاف القناع: 65/6.\r(2) الشرح الصغير للدردير: 405/4، بداية المجتهد: 401/2، الشرح الكبير: 266/4.","part":7,"page":642},{"id":4928,"text":"المبحث الرابع ـ القتل الخطأ وعقوبته :\rالقتل الخطأ كما عرفنا: هو ألا يقصد به الضرب ولا القتل، مثل لو سقط شخص على غيره فقتله، أو رمى صيداً فأصاب إنساناً، فهو نوع واحد عند الجمهور. ونوعان عند الحنفية؛ لأنهم يعتبرون حالة سقوط النائم على غيره، مما جرى مجرى الخطأ.\rولا قصاص في الخطأ وشبهه باتفاق الفقهاء، وإنما له عقوبتان فقط:\rأصلية: وهي الدية والكفارة ، وتبعية: وهي الحرمان من الميراث والوصية.\rوكذلك عقوبات القتل شبه الخطأ عند الحنفية هي مثل عقوبات الخطأ (الكفارة، والدية على العاقلة، وحرمان القاتل من الميراث والوصية) وأما القتل بالتسبب عند الحنفية كحافر البئر فله عقوبة واحدة هي الدية على العاقلة، وليس فيه كفارة ولا حرمان من الميراث والوصية (1) ، وهو عند الجمهور كالقتل الخطأ.\rأما الصيام فهو أحد خصلتي الكفارة المنصوص عليها في القرآن الكريم في آية عقوبة القتل الخطأ: {ومن قتل مؤمناً خطأ فتحرير رقبة مؤمنة، ودية مسلَّمة إلى أهله} ... {فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين} ..[النساء:4/92] وقد ذكر في الآية ثلاث كفارات: الأولى بقتل المسلم في دار الإسلام خطأ، والثانية بقتله في دار الحرب وهو لا يعرف إيمانه، والثالثة بقتل المعاهد وهو الذمي.\r-------------------------------\r(1) تكملة فتح القدير: 252/8 ومابعدها. ولا تعزير في الخطأ باتفاق الفقهاء.","part":7,"page":643},{"id":4929,"text":"أما دية الخطأ فهي ـ كما تقدم في العمد ـ مخمسة، أي تؤخذ أخماساً: 20 بنت مخاض، و 20 ابن مخاض، و20 بنت لبون، و20 حقة، و20 جذعة، وهو مذهب الحنفية والحنابلة. وجعل المالكية والشافعية عشرين بني لبون مكان «عشرين بني مخاض» .\rواستدل كل من الفريقين برواية عن ابن مسعود (1) .\rواتفق الفقهاء (2) على أن دية الخطأ على العاقلة مؤجلة في ثلاث سنين، عملاً بقضاء النبي صلّى الله عليه وسلم بدية الخطأ على العاقلة (3) ، وبفعل عمر وعلي رضي الله عنهما بجعل هذه الدية على العاقلة في ثلاث سنين (4) .\rوالتأجيل عند الحنفية يشمل ما تحمله العاقلة والجاني معاً، وأما عند الجمهور فيجب حالاً كل ما لا تحمله العاقلة؛ لأنه بدل متلف، فلزم حالاً كقيم المتلفات. أما الذي تحمله العاقلة فيجب مواساة، فلزم التأجيل تخفيفاً على متحمله غير الأصلي.\rوالسبب في إلزام العاقلة الدية: أن جنايات الخطأ تكثر، ودية الآدمي كثيرة، فاقتضت الحكمة إيجابها على العاقلة على سبيل المواساة للقاتل، والإعانة له تخفيفاً عنه؛ إذ كان معذوراً في فعله بسبب عدم قصده، وينفرد هو بالكفارة.\rولا تتغلظ دية الخطأ عند الحنفية والمالكية. وتتغلظ عند الشافعية والحنابلة في حالات ثلاث، كما تقدم في دية العمد.\rوأما كفارة القتل الخطأ: فتجب في مال القاتل، ولا يشاركه في تحمل شيء منها أحد (5) ؛ لأنه هو المتسبب بها، ولأن الكفارة شرعت للتكفير عن الجاني، ولا يكفر عنه بفعل غيره؛ لأنها عبادة (6) . واتفق الفقهاء على وجوب كفارة القتل الخطأ إذا لم يكن المقتول ذمياً ولا عبداً، وأوجبها الجمهور غيرالمالكية بقتل الذمي أيضاً. وقال المالكية: لا تجب الكفارة في قتل الذمي؛ لأنه مهدر الدم في الجملة بسبب كفره.\rوأما الحرمان من الميراث والوصية: فقد سبق الكلام عنه في عقوبة القتل العمد.\r-------------------------------\r(1) راجع نيل الأوطار: 76/7 وما بعدها، نصب الراية: 356/4-360.\r(2) المغني: 770/7 وما بعدها.\r(3) نيل الأوطار: 80/7 وما بعدها.\r(4) نصب الراية: 334/4، 399.\r(5) المغني: 771/7، 92/8، مغني المحتاج: 107/4، البدائع: 252/7، الدر المختار: 277/5، الشرح الصغير: 405/4 وما بعدها.\r(6) هذا ولم يبق في عصرنا بسبب إلغاء الرق إلا صيام شهرين متتابعين كفارة عن القتل الخطأ؛ لأن المقصود من الرقبة هو العتق، والله تعالى قال { فمن لم يجد } أي من لم يجد رقبة يحررها بأن لم يملكها ولا ما يتوصل به إليها من الثمن، فعليه صيام شهرين متتابعين.","part":7,"page":644},{"id":4930,"text":"الفَصْلُ الثّاني: الجِناية على ما دون النَّفس\rالجناية على ما دون النفس: هي كل اعتداء على جسد إنسان من قطع عضو، أو جرح، أو ضرب، مع بقاء النفس على قيد الحياة.\rوهي عند الحنفية (والمالكية الذين لا يقولون بشبه العمد): إما عمد أو خطأ. والعمد: ما تعمد فيه الجاني الفعل بقصد العدوان، كمن ضرب شخصاً بحجر بقصد إصابته. والخطأ: هو ما تعمد فيه الجاني الفعل دون قصد العدوان ،كمن يلقي حجراً من نافذة، فيصيب رأس إنسان فيوضحه (أي يُوضح العظم)، أو يقع نتيجة تقصير كمن ينقلب على نائم فيكسر ضلعه (1) .\rوليس فيما دون النفس عند الحنفية شبه عمد، وإنما هو عمد أو خطأ؛ لأن شبه العمد: هو الضرب بما ليس بسلاح أو ما في حكمه، كالضرب بالمثقل من حجر أو عصا كبيرة. فوجوده يعتمد على آلة الضرب، والقتل هو الذي يختلف حكمه باختلاف الآلة، أما إتلاف ما دون النفس فلايختلف حكمه باختلاف الآلة، وإنما ينظر فيه إلى النتيجة الحاصلة، وهو حدوث الإتلاف أو قصد الاعتداء، فاستوت الآلات كلها في دلالتها على قصد الفعل، فكان الفعل إما عمداً أو خطأ فقط. وعقوبة شبه العمد عندهم هي عقوبة العمد، بدليل قولهم: «ما يكون شبه عمد في النفس فهو عمد فيما سواها» (2) .\r-------------------------------\r(1) التشريع الجنائي الإسلامي: 204/2.\r(2) تكملة فتح القدير: 271/8، البدائع: 233/7، 310، اللباب مع الكتاب: 147/3.","part":7,"page":645},{"id":4931,"text":"ويتصور الشافعية والحنابلة (1) شبه العمد فيما دون النفس، كأن يضرب رأس إنسان بلطمة، أو بحجر صغير لا يشج غالباً، فيتورم الموضع إلى أن يتضح العظم. ويقولون: «لا قصاص إلا في العمد، لا في الخطأ وشبه العمد» . وعقوبة شبه العمد عندهم كعقوبة الخطأ.\rوالكلام في هذا الفصل على نوعي الجناية على ما دون النفس عمداً أو خطأ في مبحثين:\rالمبحث الأول ـ عقوبة الجناية العمدية على ما دون النفس :\rالجناية العمدية على ما دون النفس: إما أن تكون على الأطراف بقطعها أو تعطيل منافعها، أوتكون بإحداث جُرْح في غير الرأس وهي الجراح، أو في الرأس والوجه وهي الشجاج.\rوالقاعدة المقررة في عقوبة هذه الجناية: هي (2) أنه كلما أمكن تنفيذ القصاص فيه (وهو الفعل العمد الخالي عن الشبهة) وجب القصاص، وكل ما لا يمكن فيه القصاص (وهو الفعل الخطأ، وما فيه شبهة) وجب فيه الدية أو الأرش.\rوعلى هذا تكون ـ عقوبة إبانة الأطراف (أو قطعها): هو القصاص أو الدية والتعزير، وعقوبة تعطيل منافع الأعضاء (إذهاب معاني الأعضاء) في الواقع العملي: هو الدية، أو الأرش (3) . وعقوبة الجراح والشجاج: القصاص أو الأرش أو حكومة العدل (4) .\rففي هذا المبحث أربعة مطالب:\r-------------------------------\r(1) مغني المحتاج: 25/4، كشاف القناع: 638/5.\r(2) البدائع: 234/7، تكملة فتح القدير: 270/8.\r(3) الأرش: هو المال الواجب المقدر شرعاً في الجناية على ما دون النفس من الأعضاء.\r(4) حكومة العدل: هي المال الذي يقدره القاضي بمعرفة الخبراء فيما ليس فيه مقدار محدد شرعاً كاليد الشلاء ونحوها مما ذهب نفعه، والجرح والتعطيل ونحوهما.","part":7,"page":646},{"id":4932,"text":"المطلب الأول ـ عقوبة إبانة الأطراف (أو قطعها ) :\rالأطراف عند الفقهاء: هي اليدان والرجلان، ويلحق بها أو يجري مجراها الأصبع، والأنف والعين والأذن، والشفَة والسن، والشعر والجفن ونحوها.\rوعقوبة إبانة الأطراف: إما القصاص، أو الدية والتعزير بدلاً عنه، إذا امتنع القصاص لسبب من الأسباب.\rالعقوبة الأصلية الأولى ـ القصاص :\rيشترط لتطبيق القصاص في الطرف والجُرْح (1) ولغيرهما مما دون النفس، الشروط العامة المشروطة للقصاص في النفس، ويضاف إليها شروط خاصة.\rأما الشروط العامة: فهي عند الحنفية (2) أن يكون الجاني عاقلاً بالغاً، متعمداً مختاراً، غير أصل للمجني عليه، وكون المجني عليه معصوماً ليس جزءاً للجاني ولا ملكه، وكون الجناية مباشرة لا تسبباً، وأن يكون القصاص ممكناً بإمكان المماثلة.\rوأضاف الجمهور (3) كما تقدم في القتل العمد: أن يكون المجني عليه مكافئاً للجاني، ولا فرق عندهم بين أن تكون الجناية مباشرة أو تسبباً.\rوبناء عليه تكون موانع القصاص العامة ما يأتي:\r1 - الأبوة: يمتنع القصاص من الوالد لولده فيما دون النفس كالنفس لحديث «لا يقاد الوالد بولده » باتفاق المذاهب الأربعة، حتى عند الإمام مالك؛ لأن الضرب عدواناً أي تعدياً لا على وجه اللعب أو التأديب الذي ينشأ عنه جرح، لا قصاص فيه عنده؛ لأنه من الخطأ (1) .\r2 - انعدام التكافؤ: ينعدم التكافؤ بين الجاني والمجني عليه فيما دون النفس في حالتين أو ثلاث عند الحنفية، وفي حالتين أخريين عند غير الحنفية (الجمهور).\r-------------------------------\r(1) الطرف: ماله حد ينتهي إليه كأذن ويد ورجل. والجرح بضم الجيم: هو أثر الجراحة. وليس المراد به نفس الجرح بفتح الجيم، لأنه هو الفعل.\r(2) البدائع: 297/7.\r(3) الشرح الكبير للدردير: 250/4، مغني المحتاج: 25/4، المغني: 703/7، كشاف القناع: 638/5.","part":7,"page":647},{"id":4933,"text":"أما حالتا انعدام التكافؤ عند الحنفية: فهما الاختلاف في الجنس، وعدم التماثل العددي، فلا قصاص فيما دون النفس بين الرجل والمرأة (2) ؛ لأن الأطراف عندهم كالأموال، وإذا لم يتحقق التماثل بين دية المرأة والرجل، إذ أن ديتها نصف دية الرجل، فلا تماثل بينهما في دية الأطراف، وإذا انعدم التماثل والمساواة بين أرشي المرأة والرجل، امتنع القصاص بين طرفيها.\rوإذا تعدد الجناة كأن قطعوا يد رجل أو أصبعه أوقلعوا سنه لا قصاص عليهم، لعدم المماثلة بين الأيدي واليد، والمماثلة فيما دون النفس شرط أساسي للقصاص. وعليهم دية الطرف المقطوع (3) .\rوعند الجمهور: يقتص الرجل بالمرأة وبالعكس، وتقطع الأيدي الكثيرة باليد الواحدة.\rوأما حالتا انعدام التكافؤ عند الجمهور: فهما الحرية والإسلام كما في قصاص النفس.\rفلا قصاص بالقطع عندهم من الحر للعبد، ويقطع العبد بالحر، والعبد بالعبد. ويقول الحنفية في هذا خلافاً لمبدئهم في القصاص بالنفس: لا قصاص مطلقاً بين الحر والعبد، وبالعكس، ولا بين العبيد أنفسهم، لعدم التماثل، أو للتفاوت في القيمة؛ إذ أن قيمة كل عبد تختلف عن قيمة غيره (4) ، أي أن الحرية وعكسها العبودية حالة ثالثة لمنع القصاص فيما دون النفس عند الحنفية.\rولا قصاص عند الجمهور فيما دون النفس من المسلم للذمي الكافر، ولكن يقطع الذمي بالمسلم عند الشافعية والحنابلة، لعدم التكافؤ في النفس، ولا يقطع الذمي بالمسلم عند المالكية؛ لأن القصاص فيما دون النفس يقتضي المساواة بين الطرفين، ولا مساواة بين المسلم والكافر مطلقاً (5) .\r-------------------------------\r(1) الشرح الكبير للدردير والدسوقي: 242/4، 250.\r(2) تكملة فتح القدير: 271/8، اللباب مع الكتاب: 147/3.\r(3) تكملة فتح القدير: 280/8، البدائع: 299/7.\r(4) تكملة فتح القدير: 271/8 وما بعدها، اللباب مع الكتاب: 147/3.\r(5) الشرح الكبير للدردير: 250/4، مغني المحتاج: 25/4.","part":7,"page":648},{"id":4934,"text":"3 - كون الاعتداء على ما دون النفس شبه عمد عند الشافعية والحنابلة: كأن يلطم شخص غيره فيفقأ عينه، أو يرميه بحصاة فيشل يده، أو يحدث ورماً ينتهي بموضحة، فلا قصاص عندهم في هذه الحالة، وإنما تجب الدية المقررة شرعاً للعين أو اليد.\rويقتص من الجاني عند المالكية والحنفية في هذه الحالة؛ لأن شبه العمد فيما دون النفس له حكم العمد، لتوافر صفة الاعتداء، وما دون النفس يكفي فيه مجرد قصد الاعتداء، والاعتداء بأي آلة أمر متصور ممكن، بعكس القتل، فلا يكون إلا بآلة مخصوصة، كما بان سابقاً.\r4 - أن يكون الفعل تسبباً عند الحنفية: فهم يشترطون للقصاص بالجناية على النفس أو ما دون النفس أن تكون الجناية مباشرة لا تسبباً كما ذُكر. ويخالفهم الجمهور فيه.\r5 - أن تكون الجناية واقعة في دار الحرب عند الحنفية: فلا قصاص عندهم في النفس أو ما دونها على جناية وقعت في دار الحرب لعدم ولاية الإمام عليها، خلافاً لباقي الأئمة.\r6 - تعذر استيفاء القصاص: يمتنع القصاص في النفس أو ما دونها عند الفقهاء إذا لم يمكن الاستيفاء؛ لأن القصاص يتطلب المماثلة، فإذا لم يتحقق التماثل فلا قصاص، وينتقل إلى الدية (1) . فلا تقطع إبهام اليد اليمنى ذات المفصلين من الجاني، بقطعه إبهاماً ذات مفصل واحد من المجني عليه، لكونها كانت مقطوعة المفصل الأول قبل الجناية، لعدم التماثل.\rوأما الشروط الخاصة للقصاص في الجناية على ما دون النفس: فهي التي ترجع إلى أساس واحد، وهو تحقيق التماثل. ومقتضاه تحقيق التماثل بين الجناية والعقوبة في أمور ثلاثة: التماثل في الفعل، والتماثل في المحل (أو الموضع والاسم) والتماثل في المنفعة (أو الصحة والكمال) (2) .\r-------------------------------\r(1) البدائع: 297/7 وما بعدها، المغني: 703/7، كشاف القناع: 639/5، المهذب: 178/2 وما بعدها، الشرح الكبير للدردير: 250/4.\r(2) البدائع: 297/7 وما بعدها، المغني: المغني: 703/7، كشاف القناع: 639/5-651.","part":7,"page":649},{"id":4935,"text":"وأضاف الحنفية التماثل في الأرشين، وقد سبق بيانه في مانع القصاص العام بسبب انعدام التكافؤ عندهم بين المرأة والرجل، وبين الحر والعبد؛ لأن ما دون النفس عندهم له حكم الأموال؛ لأنه خلق وقاية للنفس كالأموال، فتعتبر فيه المماثلة كما تعتبر في إتلاف الأموال.\rوالدليل على اشتراط التماثل: قوله تعالى: {والجروحَ قصاص} [المائدة:45/5] وقوله عز وجل: {وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به} [النحل:126/16] {فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم} [البقرة:194/2] ولأن دم الجاني معصوم إلا بمقدار جنايته، فما زاد عليها معصوم يمنع\rالتعرض له، فلا تصح الزيادة في القصاص على قدر الجناية (1) ، ولاقصاص في الجراح إلا في الموضحة إذا كانت عمداً. وبناء عليه تكون موانع القصاص الخاصة بما دون النفس ثلاثة هي:\r1 - عدم التماثل في الفعل ( أو عدم إمكان الاستيفاء بلا حيف ولا زيادة) : يشترط لجواز استيفاء القصاص: الأمن من الحيف (أي الجور والظلم) ولايؤمن من الحيف إلا إذا كان القطع في الأطراف من المفاصل كمفصل الزند أو مفصل المرفق أو الكتف من اليد أو مفصل الكعب أو الركبة أو الورك من الرجل، أو كان له حد ينتهي إليه كمارن الأنف (وهو ما لان منه) .\rفإن كان القطع من غير مفصل، أو لم يكن له حد ينتهي إليه كالقطع من قصبة الأنف، أو من نصف الساعد أو العضد أو الساق أو الفخذ، فلا قصاص عند الحنفية والراجح عند الحنابلة (2) ، وتجب دية اليد أو الرِّجل.\rويجب القصاص حينئذ عند المالكية (3) كلما أمكن، ولم يحدث خطر أو خوف؛ لأن المماثلة مع الإمكان حق لله لا يجوز تركها؛ لقوله تعالى: {والجروحَ قصاص} [المائدة:45/5].\rويرى الشافعية (4) أنه يقتص من أقرب مفصل إلى محل الجناية دونه، ويعطى المجني عليه حكومة\r-------------------------------\r(1) المغني: 703/7.\r(2) البدائع: 298/7، كشاف القناع: 639/5.\r(3) الشرح الكبير للدردير: 251/4-253، 255.\r(4) مغني المحتاج: 29/4، المهذب: 180/2.","part":7,"page":650},{"id":4936,"text":"(تعويض) الباقي لتعذر القصاص فيه، فإن قطع رجل يد آخر من نصف الساعد، فللمجني عليه أن يقتص من الكوع (الرسغ) ؛ لأنه داخل في جناية يمكن القصاص فيها، ويأخذ الحكومة (التعويض) في الباقي؛ لأنه كسر عظم لا تمكن المماثلة فيه، فانتقل إلى البدل. وإن قطع رجل يد آخر من نصف العضد، فللمقطوع أن يقتص من المرفق، ويأخذ الحكومة (التعويض) في الباقي، وله أن يقتص من الكوع (الرسغ) ويأخذ الحكومة في الباقي؛ لأن الجميع مفصل واحد في الجناية، وليس له الاقتصاص من الكوع إذا كان القطع من المرفق؛ لأنه يتمكن من القصاص في محل الجناية، أما في الحالة المتقدمة فلا يمكنه الاقتصاص في موضع الجناية.\rولا قصاص باتفاق الأئمة في كسر العظام كعظم الصدر أو الصلب أو العنق، ويجب فيها الأرش كاملاً؛ لأن التماثل غير ممكن (1) .\rكما لا قصاص بالاتفاق فيما بعد (أو فوق) الموضحة من الشجاج؛ لأن الاستيفاء دون حيف غير ممكن. ويقتص من الموضحة لإمكان القصاص، ولا يقتص فيما دون الموضحة إلا عند المالكية (2) ولا قصاص في الضرب بالسوط والعصا واللطمة والوكزة إذا لم تترك أثراً؛ لأن المماثلة فيها غير ممكنة (3) وإنما فيها التعزير. واستثنى المالكية السوط، ففي الضرب به قصاص. ويرى ابن القيم القصاص في اللطمة ونحوها.\r-------------------------------\r(1) البدائع: 308/7، الشرح الكبير للدردير: 253/4، المهذب: 178/2، مغني المحتاج: 28/4.\r(2) البدائع: 309/7، الشرح الصغير: 349/4 وما بعدها، مغني المحتاج: 26/4، كشاف القناع: 652/5، الشرح الكبير: 252/4.\r(3) البدائع: 299/7، الدردير في الكبير: 252/4، وفي الصغير: 353/4، مغني المحتاج: 29/4، كشاف القناع: 640/5، المغني: 60/8، أعلام الموقعين: 318/1. .","part":7,"page":651},{"id":4937,"text":"2 - عدم المماثلة في الموضع قدراً ومنفعة: فلا تقطع اليد بغير اليد، ولا اليمنى باليسرى، ولا الإبهام أو السبابة بغيرها لعدم التجانس، ولا تقلع السن إلا\rبمثلها ثنية أو ناباً أو ضرساً، ولا الأعلى بالأسفل أو بالعكس، لاختلاف المنفعة (1) .\r3 - عدم التماثل في الصحة والكمال: فلا تقطع اليد الصحيحة بالشلاء، ولا الرجل الصحيحة بالشلاء، ولايؤخذ الكامل بالناقص كيد أو رجل كاملة بأخرى ناقصة الأصابع. إلا أن الإمام مالك يرى قطع اليد أو الرجل الناقصة إصبعاً بالكاملة بلا غرم على الجاني، ولا خيار للمجني عليه في نقص الأصبع، فإن نقصت أكثر من أصبع، خيِّر المجني عليه بين القصاص وأخذ الدية. وإن نقصت يد المجني عليه أو رجله أصبعاً يقتص من الجاني الكامل الأصابع، فإن نقصت أكثر من أصبع كأصبعين فأكثر لا يقتص لها من يد أو رجل كاملة (2) .\rوأحسن نموذج تطبيقي للقصاص فيما دون النفس هو قوله تعالى: {وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس، والعين بالعين، والأنف بالأنف، والأذن بالأذن، والسن بالسن، والجروحَ قصاص} [المائدة:45/5].\r-------------------------------\r(1) البدائع: 297/7، الشرح الكبير للدردير: 251/4، المهذب: 179/2 وما بعدها،كشاف القناع: 646/5 وما بعدها.\r(2) البدائع: 300/7-303، الشرح الكبير للدردير: 252/4-254 وما بعدها، المهذب: 181/2، كشاف القناع: 649/5 وما بعدها.","part":7,"page":652},{"id":4938,"text":"أداة القصاص فيما دون النفس :\rلا يستوفى القصاص فيما دون النفس بالسيف، ولا بآلة يخشى منها الزيادة سواء أكان الجرح بها أم بغيرها، وإنما يستعان بجرَّاح مختص يستخدم الموسى أو المبضع الجراحي ونحوهما، ويطلب القصاص من الجاني في الجراحات بأرفق مما جنى به، فإذا كان الجرح بحجر أو عصا اقتص منه بالموسى (1) .\rسراية القصاص فيما دون النفس :\rالسراية: هي حدوث مضاعفات أو آثار تترتب على تطبيق العقوبة الشرعية، تؤدي إلى إتلاف عضو آخر أو موت النفس البشرية. فإذا سرى الجرح الحاصل بالقصاص من العضو إلى النفس، فأدى للموت، سمي الفعل سراية النفس أو الإفضاء للموت، وإذا سرى إلى عضو آخر، سمي الفعل سراية العضو.\rوعلى هذا إذا اقتص من طرف الجاني، فسرى القصاص إلى النفس، ومات، فهل هناك ضمان أو لا؟ فيه رأيان للفقهاء.\r1 - قال أبو حنيفة (2) : إذا اقتص شخص من آخر لقطع يده، فقطع المجني عليه يد الجاني، فمات من القطع، ضمن الدية؛ لأنه استوفى غير حقه، إذ حقه القطع. وكذلك يضمن الأرش أي دية العضو إذا قطع شخص أصبعاً من يد أو رجل، فشلت الكف، أو شلت أصبع آخر جنبها، فعليه دية اليد.\rوالقاعدة عنده فيه وفي أمثاله هي أن «الجناية إذا حصلت في عضو، فسرت إلى عضو آخر، والعضو الثاني لا قصاص فيه، فلا قصاص في العضو الأول أيضاً، ولكن فيه الدية» أي على العاقلة.\r-------------------------------\r(1) البدائع: 309/7، الدسوقي على الدردير: 265/4، المهذب: 186/2، المغني: 704/7.\r(2) البدائع: 305/7، 307، تكملة فتح القدير: 319/8، تبيين الحقائق: 136/6.","part":7,"page":653},{"id":4939,"text":"ولو كان الموت حادثاً بسبب التأديب، كالضرب الحاصل من الأب أو الوصي أو المعلم، يضمن المتسبب الدية؛ لأنه التأديب هو الفعل الذي يبقى فيه المؤدَب حياً بعده، فإذا سرى، تبين أنه قتل، وليس بتأديب، فسأل الفاعل؛ لأنه متعد في فعله، غير مأذون في القتل، أي أن الفاعل ضامن الدية في كل الحالات، سواء أكان عمله مشروعاً أم غير مشروع.\rوقال الصاحبان (1) : لا شيء على المقتص في الحالة الأولى وهي قطع اليد قصاصاً؛ لأن الموت حصل بفعل مأذون فيه، وهو القطع. كما لا شيء عليه في الحالة الثالثة (التأديب)؛ لأن الفاعل مأذون في تأديب الصبي وتهذيبه، والمتولد من الفعل المأذون فيه لا يكون مضموناً، كما لو عزر الإمام إنساناً فمات، أو قطع الحاكم يد السارق، فمات.\rوتجب دية اليد في الحالة الثانية (شل اليد) ولا قصاص.\r2 - وقال الجمهور (المالكية والشافعية والحنابلة) (2) : لا ضمان على المقتص بسريان القصاص إلى النفس أو العضو، أو المنفعة؛ لأن السراية حصلت من فعل مأذون فيه، مثل بقية الحدود، ويؤيده أن عمر وعلياً قالا: «من مات من حد أو قصاص: لا دية له، الحقُ قتَله» (3) . وهذا موافق لرأي الصاحبين.\rسراية الجناية :\rلا خلاف بين الفقهاء في أن سراية الجناية مضمونة (4) ؛ لأنها أثر الجناية، وبما أن الجناية مضمونة، فكذلك أثرها.\rفإن سرت الجناية إلى النفس، وجب القصاص.\rوإن لطمه فذهب ضوء عينيه، لم يقتص منه عند الجمهور؛ لأن المماثلة فيها غير ممكنة، وقال الشافعية: يجب القصاص فيه بالسراية؛ لأن له محلاً مضبوطاً (5) .\r-------------------------------\r(1) المراجع السابقة.\r(2) الشرح الكبير للدردير: 252/4، المهذب: 188/2، 190، المغني: 727/7.\r(3) رواه سعيد بن منصور في سننه.\r(4) المغني: 727/7، مغني المحتاج: 33/4.\r(5) المغني: 715/7، مغني المحتاج: 29/4، المهذب: 186/2.","part":7,"page":654},{"id":4940,"text":"وإن قطع الجاني أصبعاً، فتأكَّلت أخرى وسقطت من مفصل، وجب فيه القصاص عند الصاحبين والحنابلة. وقال أبو حنيفة وأكثر الفقهاء: لا قصاص وتجب دية الأصبع الثانية، لعدم تحقق العمدية (1) .\rالعقوبة الأصلية الثانية عند المالكية في إبانة الأطراف - التعزير :\rيوجب المالكية (2) التعزير (أو الأدب على حد تعبيرهم) على المعتمد عندهم في الجناية على ما دون النفس، بحسب اجتهاد الحاكم، سواء في حالة العمد (لا الخطأ) الذي لا قصاص فيه، أو العمد الذي فيه القصاص، فتقطع يد الجاني مثلاً ويعزر (أو يؤدب)، سواء في الأطراف أو الشجاج أو الجراح.\rولا يرى جمهور الفقهاء حاجة لهذا التعزير مع القصاص؛ لأن الله تعالى جعل العقوبة في قوله: {والجروحَ قصاص} [المائدة:45/5] هي القصاص دون غيره، فمن أضاف غيرها فقد زاد على النص بدون دليل، وهذا الرأي أولى بالاتباع.\rالعقوبة البدلية في إبانة الأطراف ـ الدية أو الأرش :\rإذا امتنع القصاص لسبب من الأسباب وجبت الدية بدلاً عنه، كما تجب أيضاً عند الشافعية والحنابلة بصفة عقوبة أصلية إذا كانت الجناية شبه عمد.\rوتجب الدية كاملة بإزالة جنس المنفعة كإتلاف اليدين، ويجب الأرش بإزالة بعض المنفعة كإتلاف يد واحدة أو أصبع واحدة. والأرش نوعان: مقدر وغير مقدر. والمقدر: هو ما حدد الشرع له نوعاً ومقداراً معلوماً كأرش اليد والعين. وغير المقدر: هو مالم يقدر له الشرع مقداراً معيناً، وترك أمر تقديره للقاضي.\r-------------------------------\r(1) المغني: 727/7، البدائع: 307/7، مغني المحتاج: 30/4.\r(2) حاشية الدسوقي على الشرح الكبير: 253/4، الشرح الصغير: 353/4.","part":7,"page":655},{"id":4941,"text":"ما تجب فيه الدية كاملة :\rتجب الدية كاملة بدلاً عن القصاص في الجناية العمدية أو في حالة الجناية خطأ بإزالة جنس منفعة العضو، إما بإبانته (أو قطعه)، أو بتعطيل منفعته (إذهاب معناه) مع بقاء الهيكل أو الصورة.\rوالأعضاء التي تجب فيها الدية أنواع أربعة:\rنوع لا نظير له في البدن، ونوع في البدن منه اثنان، ونوع في البدن منه أربعة، ونوع في البدن منه عشرة.\rالنوع الأول ـ ما لا نظير له في البدن، وهو ما يلي (1) :\rالأنف، اللسان، الذكر أو الحَشَفة، الصُلب إذا انقطع المني، مسلك البول، مسلك الغائط، الجلد، شعر الرأس، شعر اللحية إذا لم ينبت.\rأما الأنف: إذا قطع كله، أو قطع المارن (وهو مالان من الأنف) ففيه الدية لقوله عليه الصلاة والسلام في كتاب عمرو بن حزم: «وإن في الأنف إذا أوعب جَدْعُه الدية» أي إذا قطع جميعه. والأنف مشتمل على الفتحتين (المنخرين) وعلى الحاجز بينهما؛ وتندرج حكومة قصبته في ديته، عند الفقهاء حتى الشافعية (2) وفي كل من طرفي الأنف، والحاجز: ثلث الدية.\r-------------------------------\r(1) البدائع: 311/7، الشرح الكبير: 272/4 وما بعدها، مغني المحتاج: 61/4 وما بعدها، المهذب: 200/2، المغني: 1/8 ومابعدها.\r(2) مغني المحتاج: 62/4، كشاف القناع: 37/6.","part":7,"page":656},{"id":4942,"text":"وأما اللسان المتكلم به ـ لسان الناطق: ففيه الدية لقوله عليه السلام في حديث ابن حزم: «وفي اللسان الدية» .\rوفي لسان الأخرس عند (المالكية والحنفية والشافعية): حكومة (أي تعويض يقدره القاضي) وعند الحنابلة: فيه ثلث الدية (1) ، أي حكومة، والحكومة عند المالكية إذا لم يذهب الذوق، وإلا فالدية.\rوفي لسان الطفل الذي لم ينطق دية عند الجمهور، وحكومة عند أبي حنيفة.\rوفي الذكر أو الحشفة (رأس الذكر) ولو لصغير وشيخ: الدية، للحديث السابق في الديات: «وفي الذكر الدية» .\rوفي ذكر الخصي والعنَّين (2) عند الحنفية والحنابلة: حكومة، وعند المالكية على الراجح والشافعية: دية كاملة (3) .\rوفي الصلب إذا انقطع الماء وهو المني الذي فيه: الدية، للحديث السابق في الديات: «وفي الصلب الدية» .\rوفي إتلاف كل من مسلك البول أو مسلك الغائط: الدية عند الفقهاء، وهو الأقرب عند المالكية؛ لأن الجاني فوَّت منفعة مقصودة بنحو كامل، فيجب عليه كمال الدية (4) .\r-------------------------------\r(1) مغني المحتاج: 63/4، المغني: 16/8، البدائع: 311/7، اللباب: 154/3، الشرح الكبير للدردير: 277/4، كشاف القناع: 41/6.\r(2) وهو من لا يتأتى منه الجماع.\r(3) اللباب شرح الكتاب: 154/3، الدردير في الكبير: 273/4، مغني المحتاج: 67/4، المغني: 33/8، كشاف القناع: 47/6 وما بعدها.\r(4) البدائع: 311/7، الدردير والدسوقي: 277/4، مغني المحتاج: 74/4، المغني: 51/8.","part":7,"page":657},{"id":4943,"text":"وفي سلخ الجلد عند الشافعية: الدية إذا لم ينبت، وبقيت حياة مستقرة في المسلوخ، ثم مات بسبب آخر غير السلخ، كأن حز غير السالخ رقبته بعد السلخ (1) .\rوتجب الدية عند المالكية إذا أدت الجناية إلى تجذيم الجلد أو تبريصه، أو تسويده (2) .\rوتجب عند الحنفية والحنابلة في الجلد حكومة عدل، إلا أن الحنفية قالوا: في سلخ جلد الوجه كمال الدية (3) .\rوفي إزالة شعر الرأس أو اللحية أو الحاجبين: ولم ينبت بعدئذ: الدية عند الحنفية والحنابلة. وأما عند المالكية والشافعية: فيجب في الكل حكومة عدل (4) .\rالنوع الثاني ـ الأعضاء التي في البدن منها اثنان: وهي ما يأتي (5) : اليدان، الرجلان، العينان، الأذنان، الشفتان، الحاجبان إذا ذهب شعرهما نهائياً ولم ينبت، والثديان، والحلمتان، والأنثيان، والشُّفران، والأليتان، واللَّحيان.\rفإذا ذهب واحد منها ففيه نصف الدية.\rأما اليدان إن قطعتا من الرسغ أو الكتف أو المنكب (6) ففيهما الدية، لحديث معاذ: «وفي اليدين وفي الرجلين الدية» ولحديث سعيد بن المسيب عن النبي صلّى الله عليه وسلم : «\r-------------------------------\r(1) مغني المحتاج: 67/4 وما بعدها.\r(2) الدردير والدسوقي: 272/4.\r(3) الدر المختار: 413/5.\r(4) البدائع: 312/7، الدرالمختار: 408/5 وما بعدها، الدردير والدسوقي: 277/4، مغني المحتاج: 79/4، كشاف القناع: 36/6، المغني: 10/8 وما بعدها.\r(5) البدائع: 311/7.\r(6) المنكب: مَجْمع عظم العضد والكتف.","part":7,"page":658},{"id":4944,"text":"في العينين الدية، وفي اليدين الدية، وفي الرجلين الدية، وفي الشفتين الدية، وفي الأذنين الدية، وفي الأنثيين الدية» (1) وفي اليد الواحدة نصف الدية؛ لما روى مالك والنسائي في حديث عمرو بن حزم: «وفي اليد خمسون» .\rوأما الرِّجلان: ففيهما الدية، وفي الرِّجْل الواحدة نصف الدية، لحديث معاذ وابن المسيب المتقدمين في دية اليدين، وحديث ابن حزم: «وفي الرِّجل خمسون» .\rوالعينان: فيهما الدية لحديث ابن المسيب المتقدم ولحديث عمرو بن حزم: «في العينين الدية، وفي اليدين الدية، وفي الرِّجلين الدية، وفي الشفتين الدية، وفي العين خمسون» (2) . وأما عين الأعور ففيها عند مالك وأحمد وجماعة من الصحابة دية كاملة؛ لأنها في معنى العينين، وفيها نصف الدية عند االشافعي، إذ لم يفصّل الدليل، وهو كتاب ابن حزم بين عين المبصروعين الأعور.\rوالأذنان: فيهما الدية بالقطع أو القلع، وفي أذن واحدة نصف الدية لخبر عمرو بن حزم: «في الأذن خمسون من الإبل» (3) واشترط مالك لدية الأذنين ذهاب السمع، فإن لم يذهب ففيها حكومة.\rوالشفتان: فيهما الدية لخبر عمرو بن حزم: «وفي الشفتين الدية» . وفي كل شفة نصب الدية، عليا أو سفلى، صغرت أو كبرت.\rوالحاجبان: إذا أزيل شعرهما ولم ينبت فيهما الدية عند الحنفية والحنابلة.\rوفي أحد الحاجبين: نصف الدية؛ لأن الجاني أتلف جنس منفعة مقصودة، أو فوت جمالاً مقصوداً لذاته.\rوعند المالكية والشافعية في إزالة شعر الحاجبين الحكومة فقط (أي التعويض المقدر قضا ء)؛ لأنه إتلاف جمال من غير منفعة، فلا تجب فيه الدية (4) .\rوالثديان والحَلْمتان للمرأة: فيهما الدية، وفي إحداهما نصف الدية؛ لأن فيهما جمالاً ومنفعة، فأشبها اليدين والرجلين. قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن في ثدي المرأة نصف الدية، وفي الثديين الدية. واشترط مالك لدية الحلمتين انقطاع اللبن أو فساده، فإن لم ينقطع أو يفسد فتجب حكومة عدل. أما الثديان ففيهما عنده الدية، انقطع اللبن أو لا (5) .\rوالأنثيان: (الخُِصيتان) فيها الدية؛ لأنهما وكاء المني، ولحديث عمرو بن حزم: «وفي البيضتين الدية» (6) .\rوالشُّفران (7) : فيهما الدية، إذا قطعا أو أشلا، وفي أحدهما نصف الدية؛ لأن فيهما جمالاً ومنفعة في المباشرة أو الجماع. فلو زالت بقطعهما البكارة وجب أرشها مع الدية (8) .\rوالأليان: فيهما الدية عند الحنفية والشافعية والحنابلة. وفي واحدة منهما نصف الدية؛ لأن فيهما جمالاً ظاهراً أو منفعة كاملة، وليس في البدن نظيرهما. وقال المالكية في أليي الرجل: حكومة اتفاقاً ، وكذلك في المرأة قياساً على الرجل. وقال أشهب (9) في أليي (10) المرأة خطأ: الدية.\rواللَّحيان (11) : فيهما الدية عند الشافعية والحنابلة (12) ، وفي أحدهما نصف الدية؛ لأن فيهما نفعاً وجمالاً، وليس في البدن مثلهما.\r-------------------------------\r(1) قال عنه الزيلعي في (نصب الراية: 371/4): غريب.\r(2) حديث عمرو بن حزم سبق تخريجه، وقد صححه ابن حبان، والحاكم، وحكى ابن المنذر الإجماع فيه.\r(3) رواه الدارقطني والبيهقي.\r(4) البدائع: 311/7، المغني: 11/8، الشرح الكبير للدردير: 277/4، بداية المجتهد: 413/2، المهذب: 208/2.\r(5) البدائع، المكان السابق، المغني: 30/8، الدردير: 273/4، مغني المحتاج: 66/4.\r(6) البدائع: المكان السابق، الدردير: 273/4، مغني المحتاج: 79/4، المغني: 34/8.\r(7) الشفران: هما اللحمان المحيطان بحرفي فرج المرأة، المغطيان له، كما تحيط الشفتان بالفم.\r(8) الدردير، المكان السابق، مغني المحتاج: 67/4.\r(9) الدردير: 277/4، مغني المحتاج: 67/4.\r(10) الألية: بالفتح ألية الشاة، ولا تقل: إلية بالكسر، ولا لِيَّة، وتثنيتها «اليان» بغير تاء.\r(11) اللحيان: هما العظمان اللذان فيهما الأسنان السفلى أي الفك السفلي.\r(12) المغني: 27/8، كشاف القناع: 44/6، مغني المحتاج: 65/4.","part":7,"page":659},{"id":4945,"text":"النوع الثالث - الأعضاء التي منها في البدن أربعة : وهي الآتي:\rأشفار العينين (وهي حروف الأجفان التي ينبت عليها الشعر وهو الهُدْب) إذا لم تنبت، والأهداب (وهي شعر الأشفار) إذا لم تنبت.\rوأما الأشفار وحدها أو الجفون معها: ففيها عند الجمهور دية: لأن منفعة الجنس، سواء قطع الشفر وحده أو قطع معه الجفن؛ لأن الجفن تبع للشفر. وفي كل جُفن أو شُفْر ربع الدية؛ لأن فيهما جمالاً ظاهراً، ونفعاً كاملاً. ويرى المالكية أن فيها حكومة عدل لعدم ورود نص فيها، والتقدير لابد فيه من نص، ولا يثبت بالقياس كما يرى الجمهور (1).\rوأما الأهداب (أو شعر الجفن): ففيهما عند الحنفية والحنابلة: الدية؛ لأن الأهداب تابعة للأجفان كحلمة الثدي، والأصابع مع الكف. وفيها عند المالكية إذا فسد منبتها: حكومة عدل كسائر الشعور (2).\rالنوع الرابع - ما في البدن منه عشرة : وهو أصابع اليدين ، وأصابع الرجلين ، وفي كل اصبع عشر الدية , لحديث عمرو بن حزم : ( وفي كل اصبع من اصابع اليد والرجل عشر من الابل ) وفي كل أنملة ثلث الدية إلا أنملة الإبهام ففيها نصف ديتها باتفاق المذاهب الأربعة .\rولا يفضل أصبع على أصبع، لقوله صلّى الله عليه وسلم : «في كل أصبع عشر من الإبل، وفي كل سن خمس من الإبل، والأصابع سواء، والأسنان سواء» (3) وفي الأصبع الزائدة أو الشلاء حكومة عدل (4) .\rوأما الأسنان الـ (32): ففيها الدية، وفي كل سن خمس من الإبل أو خمس مئة درهم ما لم تصل إلى مقدار الدية، للحديث السابق، ولحديث ابن حزم: «وفي السنِّ خمس من الإبل» سواء أكانت السن صغيرة أم كبيرة، دائمة أم لبنية (مؤقتة قابلة للتبدل) أما السن الزائدة ففيها حكومة. وأما ما يترتب على تغير السن من الشَّين كسواد أواخضرار أو حمرة، ففيه أرش السن عند الحنفية وحكومة عدل عند غيرهم (5) . وقيد المالكية إيجاب التعويض في الخضرة أو الاصفرار بما إذا كانت مثل السواد عرفاً. وفي الصفرة عند الحنفية حكومة (6) .\r-------------------------------\r(1) البدائع: 311/7، 324، الدردير: 277/4، المهذب: 201/2، مغني المحتاج: 62/4، المغني: 7/8.\r(2) المراجع السابقة.\r(3) رواه الخمسة إلا الترمذي من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده.\r(4) البدائع: 314/7، 303، 318، تبيين الحقائق: 134/6، الدردير: 278/4، مغني المحتاج: 66/4، المغني: 35/8 وما بعدها.\r(5) وهناك رواية أخرى عند الحنابلة في التسويد أو الاخضرار: أن الواجب أرش أو دية السن: خمس من الإبل.\r(6) البدائع: 315/7، الدردير: 278/4 وما بعدها، مغني المحتاج: 63/4 وما بعدها،كشاف القناع: 42/6، المغني: 21/8 وما بعدها.","part":7,"page":660},{"id":4946,"text":"المطلب الثاني ـ تعطيل منافع الأعضاء (أو إذهاب المعاني ) :\rيعاقب الجاني إذا عطل منفعة عضو غيره أو أذهب معناه مع بقاء هيكله (أو صورته أو آلته) ، كذهاب البصر أو السمع، أو الذوق أو الشم، أو اللمس، أو المشي أو البطش أو النطق أو العقل، أو شلل اليد أو الرجل، أو القدرة على الجماع. وقد عد بعضهم المنافع عشرين أو أكثر، منها: عقل، سمع ، بصر، شم، صوت، ذوق، مضغ، إمناء، إحبال، جماع، إفضاء، بطش، مشي، ذهاب شعر، أو جلد أو مشي وغير ذلك.","part":7,"page":661},{"id":4947,"text":"والقاعدة في عقوبة هذه الجنايات: هي محاولة القصاص، كلما أمكن، من الناحية العملية، فإن لم يمكن القصاص وجبت الدية أو الأرش المقدر شرعاً (1) .\rففي البصر الدية؛ لأنه أبطل منفعة العينين. جاء في كتاب عمرو بن حزم: «وفي العينين الدية» . وفي السمع الدية لحديث معاذ: «في السمع الدية» (2) ،ونقل ابن المنذر الإجماع فيه، ولأنه من أشرف الحواس، فكان كالبصر، بل هو أشرف منه عند أكثر الفقهاء؛ لأن به يدرك الفهم، فلو فقد بضربة واحدة سمعه وبصره، فعليه ديتان.\rوفي الشم لقوله عليه الصلاة والسلام في حديث عمرو بن حزم: «في المشام الدية» .\rوفي إبطال الذوق: الدية؛ لأنه أحد الحواس الخمس، فأشبه الشم.\rوفي إذهاب الكلام: دية لخبر البيهقي: «في اللسان الدية إن منع الكلام» ولأن اللسان عضو مضمون بالدية، فكذا منفعته العظمى كاليد والرجل.\rوفي ذهاب العقل: الدية لخبر عمرو بن حزم: «وفي العقل الدية» .\r-------------------------------\r(1) البدائع: 311/7، الدردير: 271/4 وما بعدها، المهذب: 201/2 وما بعدها، مغني المحتاج: 68/4 وما بعدها، المغني: 37/8 وما بعدها، كشاف القناع: 32/6 وما بعدها.\r(2) رواه البيهقي.","part":7,"page":662},{"id":4948,"text":"وفي ذهاب جماع بجناية على الصلب: دية، لحديث عمرو بن حزم: «وفي الذكر الدية، وفي الصلب الدية» والمقصود من ذلك: الجماع. وقال المالكية: لو كسر صلبه، فأبطل إنعاظه فعليه ديتان، فهم يجعلون لتعطيل قوة الجماع دية، بأن فعل معه فعلاً كضربه، فأبطل إنعاظه، ولكسر الصلب دية أخرى، وإن كانت قوة الجماع فيه.\rوقال الشافعية والحنابلة (1) : لو كسر شخص صلب المجني عليه، فذهب مع سلامة الرجل والذكر مشيه وجماعه، أو مشيه ومنيه، فعليه ديتان؛ لأن كل واحد منهما مضمون بالدية عند الانفراد، فكذا عند الاجتماع.\rفإن ذهب بعض منفعة العضو وجب فيه بعض الدية إن كان التبعيض معروفاً أو ممكن التقدير، كذهاب بصر عين واحدة، أو ذهاب سمع أذن واحدة دون الأخرى.\rفإن لم يمكن التقدير يجب عند الجمهور (الحنفية والشافعية والحنابلة): حكومة. وعند المالكية: يقابل النقص بما يناسبه من الدية، أي بحساب ما ذهب (2) .\r-------------------------------\r(1) مغني المحتاج: 76/4، كشاف القناع: 47/6.\r(2) الدردير: 272/4، مغني المحتاج: 77/4، المغني: 16/8، كشاف القناع: 32/6، 38، 47.","part":7,"page":663},{"id":4949,"text":"المطلب الثالث ـ عقوبة الشجاج\rإما أن يجب القصاص في الشجة وإما أن يجب الأرش، والأرش إما مقدر أو غير مقدر، وفي كل من الشجاج والجراح إما أرش مقدر أو غير مقدر.\rأولاً ـ ما يجب فيه أرش مقدر :\rعقوبة الشجة: هي الأرش، والأرش نوعان كما تقدم: مقدر وغير مقدر.\rوالأرش المقدر: هو ما حدد له الشرع مقداراً مالياً معلوماً. ويجب في الأعضاء وفي الشجاج والجراح، ففي الأعضاء أو الأطراف كما تبين إما أن تجب الدية كاملة بتفويت جنس المنفعة كقطع اليدين أو الرجلين، أو فقء العينين، وقطع الأذنين، وقد يجب الأرش بتفويت بعض منفعة الجنس، فيكون الأرش نصف الدية كما في قطع يد أورجل واحدة أو قلع عين أو قطع أذن واحدة. وقد يكون الأرش ربع الدية كما في الجفن الواحد، أو الشَّفْر أو هُدب العين، وقد يكون الأرش عشر الدية كما في قطع إحدى أصابع اليد أو الرجل. وقد يكون نصف عشر الدية، أي خمس من الإبل، كما في السن أو الضرس. فهذا كله هو الأرش المقدر (1) .\rثانياً ـ ما يجب فيه حكومة عدل :\rالأرش غير المقدر: هو حكومة العدل وهي ما لم يحدد له الشرع مقداراً معلوماً، وترك أمر تقديره للقاضي، والقاعدة فيها: أن ما لا قصاص فيه من الجنايات على ما دون النفس، وليس له أرش مقدر: فيه الحكومة (2) كإزالة الأشعار عند الشافعية، وعند الحنفية (3) ، ومثل كسر الضلع، وكسر قصبة الأنف، وكسر كل عظم من البدن سوى السن. وكذا في ثدي الرجل، وفي حلمة ثدييه، وفي لسان الأخرس، وذكر الخصي والعنِّين، والعين القائمة الذاهب نورها، والسن السوداء، واليد أو الرجل الشلاء، والذكر المقطوع الحشفة، والكف المقطوع الأصابع، والأصبع الزائدة، وكسر الظفر وقلعه، ولسان الطفل ما لم يتكلم، وفي ثدي المرأة المقطوعة الحلمة، والأنف المقطوع الأرنبة، والجفن الذي لا أشفار له.\rومن المتفق عليه أن ما قبل الموضحة من الشجاج ليس له أرش مقدر.\r-------------------------------\r(1) البدائع: 314/7، الدر المختار: 409/5 وما بعدها، 413.\r(2) البدائع: 323/7.\r(3) البدائع: 323/7، الدر المختار: 413/5 وما بعدها، الشرح الصغير للدردير: 381/4، مغني المحتاج: 77/4، المغني: 56/8.","part":7,"page":664},{"id":4950,"text":"وحكومة العدل: هي على الجاني، ولا تتحملها العاقلة، وتقدر الحكومة في الشجاج بأن ينظر كم مقدار هذه الشجة من الموضحة، فيجب بقدر ذلك من أرش الموضحة، وهو نصف عشر الدية (1) . والمفتى به عند الحنفية ومذهب الشافعية: أنها هي بمقدار التفاوت بين القيمتين: في الحر من الدية وفي العبد من القيمة، فإن نقص الحر عشر قيمته أخذ عشر ديته، وهكذا بعد افتراض كون المشجوج عبداً.\rوالشجاج: هي جراحات الرأس والوجه خاصة (2) ، وهي عند الحنفية إحدى عشرة شَجة (3) :\r1 - الحارصة: هي التي تحرص الجلد أي تشقه ولا يظهر منها الدم.\r2 - الدامعة: هي التي يظهر منها الدم ولا يسيل كالدمع في العين ، وتسمى أيضاً الخارصة: وهي التي تكشط الجلد.\r3 - الدامية: هي التي يسيل منها الدم، بأن تضعف الجلد بلا شق له حتى يرشح الدم. وتسمى عند الحنابلة البازلة أو الدامعة.\r4 - الباضعة: هي التي تبضع اللحم، أي تقطعه وتشقه.\r5 - المتلاحمة: هي التي تذهب في اللحم أكثر مما تذهب الباضعة ولم تقرب للعظم، هذا ما روى أبو يوسف، وقال محمد: المتلاحمة قبل الباضعة: وهي التي يتلاحم منها الدم ويسود.\r6 - السِّمحاق: هي التي تقطع اللحم وتظهر الجلدة الرقيقة التي بين اللحم والعظم. وهذه الجلدة هي السمحاق، فسميت الشجة بها لوصولها إليها، ويسميها الشافعية الملطاط: وهي التي تستوعب اللحم إلى أن تبقى غشاوة رقيقة فوق العظم.\r-------------------------------\r(1) الدر المختار: 412/5، 416، المهذب: 199/2، البدائع: 324/7.\r(2) أما جراح الجسم فيما عد ا الرأس والوجه فتسمى «الجراح» . فالشجة إذن: هي ما كان في الرأس والوجه. والجراحة: ماكان في سائر البدن غير الرأس والوجه.\r(3) البدائع: 296/7، الدر المختار: 411/5، تكملة فتح القدير: 311/8، تبيين الحقائق: 132/6.","part":7,"page":665},{"id":4951,"text":"7 - الموضحة (1) : هي التي تخترق السمحاق، وتوضح العظم، أي تظهره وتكشفه، ولو قدر مغرز إبرة.\r8 - الهاشمة: هي التي تهشم العظم، أي تكسره.\r9 - المنقِّلة: هي التي تنقل العظم بعد كسره، أي تحوله عن مكانه.\r10 - الآمَّة (أو المأمومة): هي التي تصل إلى أم الدماغ: وهي جلدة تحت العظم وفوق الدماغ أي المخ.\r11 - الدامغة: هي التي تخرق غشاء الدماغ، وتصل إلى الدماغ.\rوالجمهور يرون الشجاج عشرة. أما المالكية (2) فيحذفون الثانية وهي الدامعة، ويسمون الأولى دامية، والثانية حارصة، والثالثة سمحاقاً، والسادسة ملطاة أو ملطاط بتسمية أهل البلد، ويخصصون الآمة والدامغة بالرأس، والباقي في الرأس أو الخد.\rوأما الشافعية والحنابلة (3) : فيحذفون أيضاً الثانية وهي الدامعة، ويقال عند الشافعية عن الأولى: الخارصة؛ وهي التي تكشط الجد، ويسميها الحنابلة كالجمهور الحارصة، أو الملطاة، والخمسة الأولى لا مقدر فيها من الشرع.\rنوعا عقوبة الشجاج: عقوبة الشجاج كما تقدم: إما عقوبة أصلية وهي القصاص إذا أمكن، أو عقوبة بدلية وهي الأرش.\rالعقوبة الأصلية في الشجاج ـ القصاص :\rالقاعدة في القصاص في جنايات العمد: أنه كلما أمكن وجب استيفاؤه، وإذا لم يمكن وجب الأرش. وعليه تعرف أحوال القصاص في الشجاج، ففي كل شجة يمكن فيها المماثلة: القصاص.\rلا خلاف في أن الموضحة فيها القصاص، لعموم قوله سبحانه وتعالى: {والجروحَ قصاص} [المائدة:45/5] إلا ما خص بدليل، ولأنه يمكن استيفاء القصاص فيها على سبيل المماثلة؛ لأن لها حداً تنتهي إليه السكين، وهو العظم.\rويعتبر قدر الموضحة بالمساحة طولاً وعرضاً في قصاصها، لابحجم الرأس كبراً وصغراً؛ لأن الرأسين قد يختلفان في ذلك.\rولا خلاف في أنه لا قصاص فيما بعد أو فوق الموضحة لتعذر استيفاء القصاص فيها على وجه المماثلة أوالمساواة.\rوأما ما دون الموضحة ففيها خلاف:\r-------------------------------\r(1) بتخفيف الضاد أو بتشديدها.\r(2) الشرح الكبير للدردير: 250/4 وما بعدها، القوانين الفقهية: ص 350.\r(3) مغني المحتاج: 58/4 وما بعدها، المهذب: 198/2، المغني: 42/8 وما بعدها، كشاف القناع: 51/6 وما بعدها.","part":7,"page":666},{"id":4952,"text":"1 - قال المالكية (1) ، وهو الأصح وظاهر الرواية عند الحنفية (2) : فيها القصاص، سواء أكانت في الرأس أم في الخد، لإمكان المساواة، بأن يسبر غورها بمسبار، ثم يتخذ حديدة بقدره، فيقطع. واستثنى في الشرنبلالية السمحاق، فلا يقاد إجماعاً.\r2 - وقال الشافعية والحنابلة (3) : لا قصاص فيما دون الموضحة، لعدم إمكان تحقيق المماثلة، ولحديث مرسل: «لا طلاق قبل ملك، ولا قصاص فيما دون الموضحة من الجراحات» (4) . وعلى هذا فلا قصاص في الشجاج في هذين المذهبين سوى الموضحة .\rالعقوبة البدلية في الشجاج ـ الأرش :\rالأرش كما عرفنا: هو التعويض المالي الواجب بالجناية على ما دون النفس. ويرى أكثر الفقهاء ومنهم أئمة المذاهب الأربعة: أنه ليس في موضحة غير الرأس والوجه أرش مقدر، لقول الخليفتين الراشدين: «الموضحة في الوجه والرأس» (5) .\rكما أنه ليس فيما دون الموضحة من الشجاج أرش مقدر أيضاً، بل فيه\r-------------------------------\r(1) القوانين الفقهية: ص 350، بداية المجتهد: 399/2 وما بعدها، 411، الشرح الكبير للدردير: 250/4 وما بعدها.\r(2) البدائع: 309/7، الدر المختار ورد المحتار: 391/5، 412، اللباب شرح الكتاب: 147/3.\r(3) المهذب: 198/2، مغني المحتاج: 26/4، 59، المغني: 42/8، كشاف القناع: 51/6 وما بعدها.\r(4) أخرجه البيهقي عن طاوس، وأخرج عبد الرزاق في مصنفه عن الحسن وعمر بن عبد العزيز ما يؤيده (نصب الراية: 374/4).\r(5) المغني: 44/8.","part":7,"page":667},{"id":4953,"text":"حكومة عدل (1) ؛ إذ ليس فيه أرش مقدر في الشرع، ولا يمكن إهدارها، فوجب فيها حكومة عدل. وأخرج عبد الرزاق في مصنفه عن الحسن وعمر بن عبد العزيز أن النبي صلّى الله عليه وسلم لم يقض فيما دون الموضحة بشيء (2) .\rواتفقوا على أن ما فيه أرش مقدر من الشجاج هو الموضحة فما بعدها، لورود الشرع بتقديره، كما يتبين من حديث عمرو بن حزم في الديات: «وفي المأمومة ثلث الدية، وفي الجائفة ثلث الدية، وفي المنقِّلة خمس عشرة من الإبل، وفي كل أصبع من أصابع اليد والرجل عشر من الإبل، وفي السن خمس من الإبل، وفي الموضحة خمس من الإبل» (3) .\rفي الموضحة: خمس من الإبل، أي نصف عشر الدية، لحديث «في الموضحة خمس من الإبل» .\rوفي الهاشمة: عشر من الإبل، أي عُشر الدية؛ لحديث ابن حزم: «وفي الهاشمة عشر» . ويلاحظ أن الهاشمة عند المالكية هي في جراح البدن. وبدلها في الوجه والرأس: المنقلة.\rوفي المنقِّلة: خمس عشرة من الإبل، لحديث ابن حزم «وفي المنقلة خمس عشرة من الإبل» .\rوفي الآمة أو المأمومة: ثلث الدية،لحديث ابن حزم: «وفي المأمومة ثلث الدية» .\rوفي الدامغة: ثلث الدية، قياساً على المأمومة.\r-------------------------------\r(1) البدائع: 324/7، الدر المختار: 412/5، الشرح الكبير للدردير: 271/4، مغني المحتاج: 59/4، المغني: 54/8 وما بعدها.\r(2) نصب الراية: 374/4.\r(3) نيل الأوطار: 57/7، نصب الراية: 374/4 وما بعدها.","part":7,"page":668},{"id":4954,"text":"المطلب الرابع ـ عقوبة الجراح :\rالجراح: ما كان في سائر البدن عدا الرأس والوجه، وهي نوعان: جائفة، وغير جائفة (1) .\rوالجائفة: هي التي تصل إلى الجوف، من الصدر أو البطن، أو الظهر، أو الجنين أو ما بين الأنثيين، أو الدبر، أو الحلق.\rولا تكون الجائفة في اليدين والرجلين، ولا في الرقبة؛ لأنه لا يصل إلى الجوف.\rوغير الجائفة: هي التي لا تصل إلى الجوف، كالرقبة أو اليد أو الرجل.\rوعقوبة الجراح: إما أصلية أو بدلية.\rالعقوبة الأصلية في جراح العمد ـ القصاص :\rلا قصاص في الجائفة والمأمومة والمنقّلة؛ لأن الرسول صلّى الله عليه وسلم رفع القَوَد في المأمومة، والمنقّلة، والجائفة، ولأنه يخشى منها الموت، وإنما فيها الدية. وفيما عدا ذلك اختلف الفقهاء:\r1 - فقال الحنفية (2) : إنه لا قصاص في شيء من الجراح إذا لم يمت المجروح، سواء أكانت الجراحة جائفة أم غيرها؛ لأنه لا يمكن استيفاء القصاص فيها على وجه المماثلة.\rفإن مات المجروح بسبب الجراحة، وجب القصاص؛ لأن الجراحة صارت بالسراية نفساً، لهذا قالوا: «لا يقاد جرح إلا بعد برئه» .\r2 - وقال المالكية (3) : يجب القصاص في جراح العمد، كلما أمكن التماثل ولم يخش منه الموت، لقوله تعالى: {والجروحَ قصاص} [المائدة:45/5].\rوذلك بأن يقيس أهل الطب والمعرفة طول الجرح وعرضه وعمقه ويشقون مقداره في الجارح.\r3 - وقال الشافعية والحنابلة (4) : يقتص في كل جرح ينتهي إلى عظم، كالموضحة في الوجه والرأس، وجرح العضد والساعد والفخذ والساق والقدم؛ لأنه يمكن استيفاؤه على سبيل المماثلة من غير حيف ولا زيادة، لانتهائه إلى عظم؛ لأن الله نص على القصاص في الجروح.\rويشترط في القصاص في جراح العمد ما يشترط في قصاص النفس حال العمد من كون الجاني مكلفاً (بالغاً عاقلاً)، وعصمة المجني عليه، وتكافؤ الجاني والمجني عليه على الخلاف المذكور سابقاً في الشجاج، كما تشترط الشروط الخاصة بقصاص الأطراف (5) . ولا قصاص في جراح العمد إلا إذا أمكن تحقيق المماثلة، ولا قصاص في الشجاج إلا في الموضحة إذا كانت عمداً، ولا قصاص في اللسان، ولا في كسر عظم إلا في السن؛ لأنه لا يمكن الاستيفاء من غير ظلم.\rالقصاص بعد البرء: لا يجوز القصاص في الأطراف والجراح عند الجمهور (6) إلا بعد اندمال أو برء الجرح، لما روى جابر أن النبي صلّى الله عليه وسلم «نهى أن يستقاد\r-------------------------------\r(1) البدائع: 296/7.\r(2) البدائع: 310/7، رد المحتار على الدر المختار: 310/5.\r\r(3) بداية المجتهد: 399/2، القوانين الفقهية: ص 350.\r(4) مغني المحتاج: 23/4، المغني: 686/7 وما بعده، 748، كشاف القناع: 651/5.\r(5) البدائع: 310/7، بداية المجتهد: 399/2، مغني المحتاج: 25/4، المغني: 702/7 وما بعدها.\r(6) الدر المختار ورد المحتار: 390/5، المغني: 729/7، 59/8، تبيين الحقائق: 138/6، بداية المجتهد: 400/2، الشرح الصغير: 381/4.","part":7,"page":669},{"id":4955,"text":"من الجارح، حتى يبرأ المجروح» (1) ولأن الجراحات ينظر إلى مآلها، لاحتمال أن تسري إلى النفس، فيحدث القتل، فلا يعلم أنه جرح إلا بالبرء.\rوقال الشافعية (2) : إن كان القصاص في الطرف، فالمستحب ألا يستوفى إلا بعد استقرار الجناية بالاندمال (أي البرء) أو بالسراية إلى النفس، فإن استوفي قبل الاندمال جاز، لما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: «أن رجلاً طعن رجلاً بقرْن في ركبته، فجاء إلى النبي صلّى الله عليه وسلم فقال: أقدني، فقال: حتى تبرأ، ثم جاء إليه، فقال: أقدني، فأقاده، ثم جاء إليه، فقال: يا رسول الله ، عرجتُ، قال: قد نهيتك، فعصيتني، فأبعدك الله ، وبطل عرجك، ثم نهى رسول الله صلّى الله عليه وسلم أن يقتص من جرح حتى يبرأ صاحبه» (3) .\rتأجيل القصاص لعذر: اتفق الأئمة على أنه يؤخر القصاص في الطرف أو النفس عن المرأة الحامل حتى تضع حملها وترضع وليدها، ويستغني عنها ولدها بإرضاع من جهة أخرى. وقال المالكية: يؤخّر القصاص فيما دون النفس لعذر كبرد شديد أو حر يخاف منه الموت.\r-------------------------------\r(1) رواه الدارقطني، وأبو بكر بن أبي شيبة مسنداً ورواه البيهقي وأحمد مرسلاً (نيل الأوطار: 27/7).\r(2) المهذب: 185/2.\r(3) رواه أحمد والدارقطني.","part":7,"page":670},{"id":4956,"text":"العقوبة البدلية في جراح العمد ـ الأرش :\rإذا تعذر تنفيذ القصاص في الجراح، لعدم إمكان تحقيق المماثلة وجب الأرش، والأرش هنا: هو الأقل من الدية.\rوقد عرفنا أن جراح البدن: إما جائفة أو غير جائفة:\rففي الجائفة: ثلث الدية لحديث عمرو بن حزم: «وفي الجائفة ثلث الدية» .\rوغير الجائفة: فيها حكومة عدل.\rحكومة العدل (ضابطها وتقديرها ) أشرت لذلك سابقاً، وأوضح الآن مايلي:\rأما ضابط حكومة العدل فهو: كل ما لا قصاص فيه من الجنايات على ما دون النفس، وليس له أرش مقدر، ففيه حكومة (1) . مثل كسر العظم إلا السن، واليد الشلاء ونحوها.\rوأما كيفية تقديرها: فقد أشرت لطريقتين، أولاهما للطحاوي الحنفي وهي المفتى بها عند الحنفية، والمقررة في المذاهب الأخرى (2) : وهي أن يقوَّم المشجوج أو المجروح كما لو كان عبداً بدون شج أو جرح، ثم يقوَّم وهما به، فيجب بمقدار التفاوت بين القيمتين، بنسبتهما من الدية في الأحرار، فلو كانت قيمته وهو عبد صحيح عشرة، وقيمته وهو عبد به الجناية تسعة، فيكون فيه عشر ديته.\rولكن يتعذر اللجوء لهذه الطريقة في الوقت الحاضر، لعدم وجود الرق.\rوالطريقة الثانية ـ هي للكرخي: وهي أن تقرب الجناية إلى أقرب الجنايات التي لها أرش مقدر، ففي الشجاج مثلاً ينظر كم مقدار الشجة من الموضحة، فيجب بقدر ذلك من نصف عشر الدية المقرر للموضحة (3) .\r-------------------------------\r(1) البدائع: 323/7، القوانين الفقهية: ص 354، مغني المحتاج: 77/4، المغني: 55/8.\r(2) رد المحتار على الدر المختار: 412/5، البدائع: 324/7، الدردير في الشرح الكبير: 271/4، مغني المحتاج: 77/4، المغني: 56/8 وما بعدها.\r(3) الدر المختار: 412/5.","part":7,"page":671},{"id":4957,"text":"غير أن هذه الطريقة محصورة التطبيق في شجاج الرأس والوجه.\rوقيل بطريقة ثالثة ربما كانت أنسب الطرق في عصرنا، وهي أن تقدر الجناية بمقدار ما يحتاج إليه المجني عليه من النفقة وأجرة الطبيب والأدوية إلى أن يبرأ (1) . فإن لم يبرأ الجرح وأحدث عاهة مستديمة، أو ترك أثراً دائماً فيلاحظ الأثر.\rولا يكون التقويم إلا بعد برء الجرح؛ لأن أرش الجرح المقدر إنما يستقر بعد برئه، فإن لم تنقصه الجناية شيئاً، مثل: إن قطع أصبعاً أو يداً زائدة، أو قلع لحية امرأة، فلم ينقصه ذلك، بل زاده حسناً فلا شيء على الجاني؛ لأن حكومة العدل لأجل جبر النقص، ولا نقص حينئذ، فأشبه ما لو لطم وجهه فلم يؤثر (2) .\rدية جراح المرأة: للفقهاء رأيان في تقدير ديات جراح المرأة:\r1 - قال الحنفية والشافعية (3) : الجناية على ما دون النفس في المرأة تقدر بحسب ديتها، وبما أن دية المرأة نصف دية الرجل، فتكون جراحها وشجاجها نصف جراح الرجل وشجاجه، إلحاقاً لجُرحها بنفسها.\r2 - وقال المالكية والحنابلة (4) : دية جراح المرأة كدية جراح الرجل فيما دون ثلث الدية الكاملة، فإن بلغت الثلث أو زادت عليها رجعت إلى نصف دية الرجل. وعلى هذا إن قطعت أصبع المرأة ففيها عشر من الإبل، وإن قطعت ثلاث أصابع ففيها ثلاثون من الإبل، فإن قطع أربعة أصابع ففيها عشرون من الإبل.\r-------------------------------\r(1) الدر المختار، المكان السابق.\r(2) المغني: 59/8، الدر المختار: 415/5، تبيين الحقائق: 138/6.\r(3) البدائع: 322/7، مغني المحتاج: 57/4.\r(4) القوانين الفقهية: ص 354، المغني: 797/7 وما بعدها.","part":7,"page":672},{"id":4958,"text":"ودليلهم ما روى النسائي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم : «عقل المرأة مثل عقل الرجل حتى يبلغ الثلث من ديتها» . وروى مالك في الموطأ، والبيهقي، وسعيد بن منصور عن ربيعة قال: قلت لسعيد بن المسيب، كم في أصبع المرأة؟ قال: عشر، قلت: ففي أصبعين؟ قال: عشرون، قلت: ففي ثلاث أصابع؟ قال: ثلاثون، قلت: ففي أربع؟ قال: عشرون. قال ربيعة: لما عظمت مصيبتها قل عقلها؟ قال سعيد: هكذا السنة ياابن أخي.\rويضيف البيهقي جواباً على اعتراض ربيعة قول ابن المسيب: أعراقي أنت؟ قال ربيعة: عالم متثبت، أو جاهل متعلم، قال: يا ابن أخي، إنها السنة (1) .\rالمبحث الثاني ـ عقوبة الجناية على ما دون النفس خطأ :\rإن عقوبة الجناية على ما دون النفس خطأ، هي الدية أو الأرش (2) . والدية المقصودة هنا هي الكاملة، والأرش المقصود هنا: هو الأقل من الدية. وليس هناك أية عقوبة بدلية أخرى. وقد أبنت أحوال وجوب الدية والأرش في إبانة الأطراف والشجاج والجراح العمد.\rولكن من يتحمل الدية أو الأرش المقدر (لا حكومة العدل عند الحنفية) في حال الخطأ؟ العاقلة هي التي تتحملها فيما زاد عن نصف عشر الدية في رأي الحنفية، أو عن ثلث الدية ولو في الطرف أو الجرح في رأي المالكية والحنابلة.\rوتتحمل العاقلة عند الشافعية كل التعويض الواجب، حتى الحكومات قل أو كثر، كما تبين في مقدار ما تتحمله العاقلة في شبه العمد.\rويلاحظ أن عمد الصبي والمجنون عند الجمهور خطأ تحمله العاقلة (3) ، والأظهر عند الشافعية كما بان سابقاً: أن عمد الصبي عمد إذا كان مميزاً، وإلا فهو خطأ، لكن لا قصاص عليه في حالة العمد، لكن تجب الدية في ماله، ولا تتحملها عنه عاقلته (4) .\r-------------------------------\r(1) قال الشافعي: كنا نقوم به، ثم وقفت عنه، وأنا أسأل الله الخيرة، لأنا نجد من يقول: السنة، ثم لا نجد نفاذاً بها عن النبي صلّى الله عليه وسلم ، والقياس أولى بنا فيها. وأول الحنفية السُّنة بأنها سنة زيد بن ثابت (نصب الراية: 364/4).\r(2) الدر المختار: 415/5 ومابعدها، القوانين الفقهية: ص 351، مغني المحتاج: 95/4، 778/7.\r(3) المغني 776/7، الدر المختار: 415/5 وما بعدها، بداية المجتهد: 404/2 وما بعدها، القوانين الفقهية: ص 347.\r(4) مغني المحتاج: 10/4، المهذب: 174/2.","part":7,"page":673},{"id":4959,"text":"الفَصْلُ الثّالث: الجِناية على نفس غير مكتملة (الجناية على الجنين، أو الإجهاض )\rإذا ضرب إنسان (أب أو أم أو غيرهما) امرأة حاملاً على بطنها أو ظهرها، أو جنبها أورأسها أو عضو من أعضائها، أو أخافها بالضرب أو القتل أو الصياح عليها فأجهضت أوألقت جنينها، فإما أن تلقيه ميتاً أو حياً، وفيه مبحثان:\rالمبحث الأول ـ حالة إلقاء الجنين ميتاً :\rإذا انفصل الجنين عن أمه ميتاً، فعقوبة الجاني هي دية الجنين، ودية الجنين ذكراً أو أنثى، عمداً أو خطأ: غرة (1) ـ عبد أو أمة، قيمتها خمس من الإبل، أي نصف عشر الدية، أو ما يعادلها وهو خمسون دينارا أو خمس مئة درهم عند الحنفية أو ست مئة درهم عند الجمهور (2) ،على الخلاف في تقويم الدينار بالدراهم.\rوالدليل عليه أحاديث صحيحة متعددة، منها: ما رواه أبو هريرة رضي الله عنه قال: «اقتتلت امرأتان من هذيل، فرمت إحداهما الأخرى بحجر فقتلتها وما\r-------------------------------\r(2) غرة كل شيء: خياره، وسمي العبد أو الأمة غرة؛ لأنهما من أنفس الأموال، وأصل الغرة: البياض في وجه الفرس.\r(2) البدائع: 325/7، الشرح الكبير للدردير: 268/4، مغني المحتاج: 103/4، المهذب: 198/2، المغني: 799/7، بداية المجتهد: 407/2.","part":7,"page":674},{"id":4960,"text":"في بطنها، فاختصموا إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلم ، فقضى أن دية جنينها غرة ـ عبد أو وليدة (1) ، وقضى بدية المرأة (2) على عاقلتها» (3) .\rمن تجب عليه الغرة: إذا كانت الجناية عمداً، وجبت مغلظة، أي حالَّةً معجلة في مال الجاني المتعمد، ولا يتصور العمد إلا عند المالكية، وبناء عليه قالوا: دية الجنين تكون حالَّة معجلة لا منجَّمة (أي مقسّطة)، وتكون من النقدين: الذهب أو الفضة، ولا تكون من الإبل، وتكون في مال الجاني في العمد مطلقاً، وكذا في حالة الخطأ إلا أن تبلغ ثلث دية الجاني فأكثر، فتكون حينئذ على العاقلة (4) ، كما لو ضرب مجوسي مسلمة فألقت جنيناً.\rوأما في حالة الخطأ أو شبه العمد، وهذا هو المتصور عند الجمهور، فتحمل العاقلة الدية، والجاني واحد من العاقلة عند الجمهور، وليس واحداً منها عند الحنابلة، كما بان في دية القتل شبه العمد. والدليل له حديث المغيرة: «أن امرأة ضربتها ضَرَّتها بعمود فِسطاط (خيمة)، فقتلتها وهي حبلى، فأتي بها النبي صلّى الله عليه وسلم ، فقضى فيها على عصبة القاتلة بالدية في الجنين غرة، فقال عصبتها: أندي مالا طعِم ولا شرب ولا صاح ولا استهل (5) ، مثل ذلك يُطَلّ (6) ؟ فقال: سجع مثل سجع الأعراب» (7) .\r-------------------------------\r(1) الوليدة: الأمة الصغيرة، أقل سنها سبع سنين، ولذا عبر عنها بوليدة دون أمة لئلا يتوهم اشتراط كبرها.\r(2) التي توفيت بعدئذ.\r(3) متفق عليه بين أحمد والشيخين. قال ابن تيمية: وفيه دليل على أن دية شبه العمد تحملها العاقلة ( نيل الأوطار: 69/7).\r(4) الشرح الكبير: 268/4، بداية المجتهد: 408/2، القوانين الفقهية: ص 347، 351.\r(5) استهل المولود: صاح عند الولادة.\r(6) يطل: أي يبطل ويهدر.\r(7) رواه أحمد ومسلم وأبو داود والنسائي، والترمذي ولكنه لم يذكر اعتراض العصبة وجوابه. واستدل بذلك على ذم السجع في الكلام، وكراهته إذا كان ظاهر التكلف. ولا يكره إذا كان عفوياً وهو حق أو في مباح.","part":7,"page":675},{"id":4961,"text":"لكن الشافعية قالوا: إن كانت الجناية خطأ وجبت دية مخففة، وإن كانت شبه عمد، وجبت دية مغلظة كما في الدية الكاملة.ونص الحنفية على أن العاقلة تضمن الغرة إذا أسقطت الأم عمداً جنينها ميتاً بدواء أو فعل، كأن ضربت هي بطنها، بلا إذن زوجها. فإن أذن أو لم يتعمد فلا غرة، لعدم التعدي (1) . ولا خلاف بين العلماء في إلزام الأم بالغرة في هذه الحالة، وأضاف إليها الشافعية والحنابلة وجوب الكفارة (2) .\rوتتعدد الغرة بتعدد الأجنة.\rوتجب دية الجنين عند الحنفية والحنابلة في سنة (3) ، وهو الأصح عند الشافعية (4) ؛ لأن التأجيل في ثلاث سنين خاص بدية نفس كاملة. فإن كانت الدية بمقدار ثلث دية المسلم كدية الذمي فتؤجل سنة فقط. ومثلها دية المأمومة.\rمن تجب له الغرة: اتفق أئمة المذاهب الأربعة وهو الراجح عند المالكية (5) على أن الغرة تورث عن الجنين بحسب الفرائض الشرعية المعلومة لذوي الفرض والتعصب. والجاني الضارب إذا كان قريباً ولو أباً لا يرث من الغرة شيئاً؛ لأنه قاتل بغير حق، والقاتل لا يرث بنص الحديث النبوي.\rشروط وجوب دية الجنين: يشترط لوجوب دية الجنين شرطان:\r1ً - أن تؤثر الجناية في الجنين كضرب أو إيجار دواء ونحوهما.\r2ً - انفصال الجنين ميتاً، فلو لم ينفصل أو انفصل حياً، لم تجب له الدية.\r-------------------------------\r(1) الدر المختار ومناقشة رد المحتار: 418/5 وما بعدها، تبيين الحقائق: 142/6. (2) المغني: 816/7، الشرح الكبير: 268/4، كشاف القناع: 21/6.\r(3) تبيين الحقائق: 140/6، كشاف القناع: 64/6.\r(4) المهذب: 198/2، مغني المحتاج: 55/4، 97 ومابعدها.\r(5) البدائع: 326/7، الدر المختار: 417/5، تبيين الحقائق: 142/6، الشرح الكبير: 269/4، الشرح الصغير: 380/4، مغني المحتاج: 104/4، المغني: 805/7، كشاف القناع: 22/6.","part":7,"page":676},{"id":4962,"text":"هل تجب الكفارة على الضارب؟ لا كفارة عند الحنفية (1) على الضارب، إن سقط الجنين كامل الخلقة ميتاً، إلا أن يشاء ذلك، فهو أفضل، تقرباً إلى الله تعالى بما يشاء إن استطاع، ويستغفر الله سبحانه مما صنع، أي أنه لا كفارة وجوباً بل ندباً.\rوكذلك قال المالكية (2) : تستحب الكفارة في قتل الجنين، ولا تجب.\rوقال الشافعية والحنابلة (3) : تجب الكفارة في الإجهاض، سواء ألقت الأم الجنين حياً أم ميتاً؛ لأنه نفس مضمونة، ولقوله تعالى: {ومن قتَل مؤمناً خطأ فتحرير رقبة مؤمنة} [النساء:92/4] والجنين محكوم بإيمانه تبعاً لأبويه أو لأحد أبويه. وإن كان من أهل الذمة فهو من قوم بيننا وبينهم ميثاق، وقد نص الله على الكفارة في أهل الميثاق. فمن لم يجد الرقبة حساً، أو شرعاً بأن وجدها بأكثر من ثمن المثل، صام شهرين متتابعين.\rمتى يجب التعويض المالي (الغرة) عن الجنين؟\rاختلف الفقهاء في وقت وجوب الغرة عن الجنين: فقال الحنفية : يكفي استبانة بعض خلقه كظفر وشعر (4) . وقال المالكية: تجب الغرة إذا كان الجنين\r-------------------------------\r(1) البدائع: 326/7، تبيين الحقائق: 141/6، اللباب شرح الكتاب: 171/3، الدر المختار: 418/5.\r(2) القوانين الفقهية: ص 348، بداية المجتهد: 408/2.\r(3) المغني: 815/7 وما بعدها، 96/8، كشاف القناع: 65/6، مغني المحتاج: 108/4، المهذب: 217/2.\r(4) الفتاوى الهندية: 34/6، حاشية ابن عابدين: 587/6.","part":7,"page":677},{"id":4963,"text":"مضغة أو كاملاً، أما إن كان علقة أي دماً مجتمعاً بحيث إذا صب عليه الماء الحار يذوب، فليس فيه شيء (1) .\rوقال الشافعية والحنابلة: تجب غرة الجنين إذا كان مضغة وثبت ذلك بالشهادة، فعند الشافعية: بشهادة أربعة نسوة، وعند الحنابلة بشهادة ثقات من القوابل أن فيه صورة خفية. ولا شيء فيه إذا كان نطفة أو علقة (2) .\rالمبحث الثاني ـ حالة إلقاء الجنين حياً :\rإذا انفصل الجنين حياً ثم مات بسبب الجناية عمداً، فهل يجب القصاص من الضارب؟\rقال المالكية (3) : الراجح وجوب القصاص إذا أدى الفعل في الغالب إلى الموت كالضرب على البطن أو الظهر. وتجب الدية فقط لا الغرة إذا لم يؤد الفعل غالباً إلى نتيجة كالضرب على اليد أو الرجل؛ لأن الجنين إذا استهل صار من جملة الأحياء، فلم يكن فيه غرة (4) .\rوقال الحنفية والحنابلة والأصح عند الشافعية (5) : إن الجناية على الجنين لا تكون عمداً، وإنما هي شبه عمد أو خطأ؛ لأنه لا يتحقق وجود الجنين وحياته حتى يقصد، فتجب الدية كاملة. ولا يرث الضارب منها شيئاً.\rوأوجب الحنفية في هذه الحالة الكفارة، كما قال الشافعية والحنابلة في إيجابها مطلقاً، سواء في حالة إلقاء الجنين ميتاً أو حياً.\rوتتعدد الدية بتعدد الأجنة.\rفإن ماتت الأم أيضاً من الضربة بعد موت الجنين، أو أنه خرج الجنين بعد موت الأم حياً ثم مات، فعلى الضارب ديتان: دية الأم، ودية الجنين لوجود سبب وجوبهما، وهو قتل شخصين.\r-------------------------------\r(1) مواهب الجليل للحطاب: 257/6، الخرشي: 38/8، حاشية الدسوقي على الشرح الكبير: 268/4.\r(2) قليوبي وعميرة: 160/4، المهذب: 198/2، المغني: 406/8.\r(3) الشرح الكبير: 269/4.\r(4) وقال ابن الحاجب: المشهور هو قول أشهب: وهو أنه لا قود في هذه الحالة، بل تجب الدية في مال الجاني بقسامة.\r(5) البدائع: 326/7، تبيين الحقائق: 140/6، الدر المختار: 417/5، الكتاب مع اللباب: 170/3، المغني: 811/8، مغني المحتاج: 105/4.","part":7,"page":678},{"id":4964,"text":"موت الجنين بعد موت الأم :\rإن خرج الجنين بعد موت الأم ميتاً، فعلى الضارب دية الأم ولا شيء عليه عند الحنفية والمالكية (1) في الجنين، وإنما عليه التعزير، إذ لم يقم دليل قاطع على أن الجناية أدت لموت الجنين أو انفصاله، وإنما يحتمل أنه مات بموت الأم، فهو يجري حينئذ مجرى أعضائها.\rوقال الشافعية والحنابلة (2) : يجب على الضارب دية الأم وغرة الجنين، سواء ألقته في حياتها أم بعد موتها؛ لأنه جنين تلف بجناية الضارب، وعلم موته بخروجه، فوجب ضمانه؛ لأنه أتلفه مع الأم، كما لو خرج الجنين ميتاً ثم ماتت الأم. فإذا لم تسقط الأم جنينها فلا شيء فيه؛ لأنه لا يثبت حكم الولد إلا بخروجه.\rجنين غير المسلمة: تجب غرة جنين المرأة الذمية بالجناية عليها، لكن تقدير الغرة مختلف فيه بحسب كون الجنين مسلماً أو غير مسلم ولو من أب كافر.\rأما الحنفية: فغرته عندهم مثل غرة الجنين المسلم؛ لأن دية الكافر كدية المسلم عندهم، وكذلك غرته مثل غرة المسلم عند الحنابلة (3) ؛ لأن الجنين مسلم تبعاً لدار الإسلام، فتقدر الذمية مسلمة.\rوعند المالكية (4) : غرة الجنين من الذمية تساوي عشر دية الأم.\rوالأصح عند الشافعية (5) : غرة جنين اليهودي أو النصراني كثلث غرة المسلم، بناء على أن الغرة مقدرة بنصف عشر دية الأب.\r-------------------------------\r(1) البدائع: 326/7، الشرح الكبير: 269/4، بداية المجتهد: 408/2، القوانين الفقهية: ص 347.\r(2) مغني المحتاج: 103/4، المغني: 802/7، كشاف القناع: 22/6.\r\r(3) كشاف القناع: 23/6، المغني: 800/7.\r(4) الشرح الكبير: 268/4 وما بعدها.\r(5) مغني المحتاج: 106/4 .","part":7,"page":679},{"id":4965,"text":"الفَصْلُ الرّابع: حالات طارئة من الاعتداء بطريق التّسبيب\rجناية الحيوان، وجناية الحائط المائل\rالكلام فيه في مبحثين:\rالأول ـ في جناية الحيوان.\rوالثاني ـ في جناية الحائط المائل.\rالمبحث الأول ـ جناية الحيوان :\rاتفق الفقهاء على أن حارس الحيوان (المالك أو الراكب أو السائس أو غيرهم من كل حائز ذي يد بصفة الرهن أو الإعارة أو الإجارة أو الغصب) هو الضامن لما يتلفه الحيوان إذا كان متسبباً في إحداث الضرر، بأن تعمد الإتلاف أو الجناية، بواسطة الحيوان، أو قصر في حفظه مع بعض الشروط أو القيود أحياناً، التي أبينها أثناء توضيح آراء الفقهاء فيما يأتي:\rفإن لم يكن متسبباً في الضرر، فإن الفقهاء اختلفوا في شأن تضمين القائم على الحيوان (ملكاً أو حيازة).\r1 - قال الحنفية (1) : إما أن يكون الحيوان عادياً أو خطراً :\rأ ـ فإن كان الحيوان عادِيَاً ( متعدياً أو مؤذياً) ، فأتلف شيئاً بنفسه، مالآً أو إنساناً، فلا ضمان على حارسه، سواء وقع الاعتداء ليلاً أو نهاراً، لقوله صلّى الله عليه وسلم : «العجماء جُرْحها جُبَآر» (2) أي المنفلتة هدَر لا يغرم.\rفإن كان صاحبه معه سائقاً أو راكباً أو قائداً، أو أرسله وأتلف شيئاً فور إرساله ونحوه، ضمن ما يتلفه.\rوإذا أتلف الحيوان شيئاً في المراعي المباحة أو أثناء السير في الطرقات العامة أو أثناء ربطه في الأسواق العامة أو المرابض المخصصة لربط الحيوانات، لا ضمان فيه، كما لو كان لقرية خيول أو بقر في المرعى، فعض أحدها أو ضرب برجله، فأتلف حيوان شخص آخر، لا ضمان على صاحبه.\rوذلك بخلاف المحل المملوك، فإن الضمان على غير المالك، كأن يكون لرجل مربط، فيجيء آخر، ويربط دابته عند دابة المالك، فتتلف دابة المالك، فالضمان على المعتدي، ولا ضمان على المالك إذا أتلف دابته دابة الآخر (3) .\rب ـ وأما إن كان الحيوان خطراً: كالثور والكلب العقور، فيضمن صاحبه أو حارسه ما يتلفه إذا لم يحفظه، إذا تقدم إليه الناس الراغبون بدفع الأذى عنهم، وأشهدوا على تقدمهم، طالبين منع أذى هذا الحيوان كما في الحائط المائل. فإن لم يفعل، كان مقصراً في حفظه، فيضمن بالتسبب لتعديه.\r-------------------------------\r(1) البدائع: 272/7 وما بعدها، الدر المختار: 427/5 وما بعدها، درر الحكام: 111/2 وما بعدها، جامع الفصولين: 114/2، 119، مجمع الضمانات: ص 185، 191.\r(2) رواه الأئمة الستة عن أبي هريرة (نصب الراية: 387/4).\r(3) القواعد الفقهية للحمزاوي: ص 195.","part":7,"page":680},{"id":4966,"text":"هذا ما لم يكن الكلب كلب حراسة بستان أو حقل عنب مثلاً، فلا يضمن صاحبه شيئاً مطلقاً، سواء تقدم إليه الناس وأشهدوا على تقدمهم أم لا (1) .\rوأما إن قام صاحب الحيوان أو حارسه بإرسال طير، أو دابة، أو إشلاء كلب أو إغراء حيوان، فأصاب إنساناً، فيضمن مايتلفه بكل حال أي مطلقاً، سواء أكان سائقاً له أم قائداً أم لا، بسبب التعدي. وهذا قول أبي يوسف، وبه أخذ عامة مشايخ الحنفية، وعليه الفتوى (2) .\r2 - وقال المالكية في الراجح عندهم، والشافعية والحنابلة (3) : إن ما تفسده البهائم من الزروع والشجر ونحوه مضمون على صاحبها، أو راعيها أو ذي اليد عليها إن لم يوجد صاحبها إذا وقع الضرر ليلاً، ولا ضمان على ما تتلفه نهاراً إذا لم يكن معها صاحبها. فإن كان معها صاحبها أو ذو اليد الحائز كالغاصب والمستأجر والمستعير راكباً أو سائقاً أو قائداً، فهو ضامن لما تفسده من النفوس والأموال، لما روي أن ناقة البراء بن عازب دخلت حائطاً (بستاناً) فأفسدت فيه، فقضى نبي الله صلّى الله عليه وسلم أن على أهل الحوائط حفظها بالنهار، وأن ما أفسدت المواشي بالليل ضامن على أهلها (4) .\r-------------------------------\r(1) رد المحتار والدر المختار: 432/5 وما بعدها. وقال أبو حنيفة: لا يضمن حتى في حالة الإشلاء (البدائع: 273/7).\r(2) رد المحتار على الدر المختار: 430/5، البدائع: 273/7، تكملة الفتح: 350/8.\r(3) المنتقى على الموطأ: 61/6، الشرح الكبير: 358/4، بداية المجتهد: 408/2، 317، القوانين الفقهية: ص 333، الفروق للقرافي: 186/4، فتح العزيز شرح الوجيز: 246/11، مغني المحتاج: 204/4 وما بعدها، تحفة الطلاب للأنصاري: 446/2، نهاية المحتاج: 113/4، المهذب: 226/2، المغني: 283/5، 336/8، أعلام الموقعين: 25/2، كشاف القناع: 139/4، الطرق الحكمية: ص283، الإفصاح لابن هبيرة: ص 275، الميزان: 174/2.\r(4) رواه مالك في الموطأ والشافعي وأحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه والدارقطني وابن حبان وصححه. والحاكم والبيهقي من حديث حِرام بن مُحيِّصة.","part":7,"page":681},{"id":4967,"text":"أما البهائم والجوارح الضارية (أي معتادة الجناية) فيضمن صاحبها مطلقاً ماتتلفه من مال أو نفس لتفريطه.\rضمان الراكب ومن في معناه وحوادث التصادم: أورد فقهاء الحنفية أمثلة فقهية واقعية لتحديد الضامن في حوادث السير والركوب والتصادم وإتلاف الحيوان، ويمكن معرفة أحكامها في ضوء القواعد الفقهية التالية وهي:\r«ما لا يمكن الاحتراز عنه لا ضمان فيه» « يضاف الفعل إلى المتسبب ما لم يتخلل واسطة» ، «المتسبب لا يضمن إلا بالتعدي» ، «المباشر ضامن وإن لم يتعدّ» ، «إذا اجتمع المباشر والمتسبب يضاف الحكم إلى المباشر» ، تضمين المتسبب والمباشر معاً عند تعدي كل منهما.\rأولاً ـ (مالا يمكن الاحتراز عنه لا ضمان فيه ) :\rومعناها أن كل ما يشق البعد عنه لا يكون سبباً موجباً للضمان، لأنه من الضرورات، ولأن ما يستحق على المرء شرعاً يعتبر فيه الوسع والطاقة. وأما ما يمكن تجنبه أو الاحتياط عنه فيكون سبباً موجباً للضمان.\rوبناء عليه (1) ، للناس الانتفاع بالمرافق العامة كالطرقات مشياً أو ركوباً بشرط السلامة، وعدم الإضرار بالآخرين بما يمكن التحرز عنه، دون ما لا يمكن التحرز عنه، حتى يتيسر للناس سبيل الانتفاع، ويتهيأ لهم ممارسة حقوقهم وحرياتهم على أساس العدل والأمن والاستقرار.\rفما تولد من سير الماشي أو الراكب من تلف، مما يمكن الاحتراز عنه، فهو مضمون. وما لا يمكن الاحتراز عنه، فليس بمضمون، إذ لو جعلناه مضموناً، لصار الشخص ممنوعاً عن السير، وهو مأذون به.\r-------------------------------\r(1) المبسوط: 103/15، 188/26 ومابعدها، البدائع: 272/7 وما بعدها، تبيين الحقائق: 149/6، مجمع الضمانات: ص 47، 165، دررالحكام: 111/2 وما بعدها، الدر المختار: 427/5 وما بعدها، تكملة فتح القدير: 345/8 وما بعدها.","part":7,"page":682},{"id":4968,"text":"ـ فما أثارت الدابة بسنابكها من الغبار، أو الحصى الصغار، لا ضمان فيه، لأنه لا يمكن الاحتراز عنه وهو أمر معتاد. وأما الحصى الكبار أو الغبار الزائد عن المعتاد فيجب الضمان فيهما؛ لأنه يمكن التحرز عن إثارتهما.\rوكذلك يضمن الراكب إذا ركب دابة نزقة لا يؤثر بها كبح اللجام، لخروج ذلك عن المعتاد. ولو كبح الدابة باللجام، فنفحت (1) برجلها أو بذنبها، ومثله البول والروث واللعاب، فهو هَدر لا ضمان فيه لعموم البلوى به، ولأن الاحتراز عنه غير ممكن، ولقوله صلّى الله عليه وسلم : «الرِجْل جبار» (2) أي نفحها. فإن أوقفها صاحبها في الطريق، ضمن النفحة؛ لأنه يمكن التحرز عن الإيقاف والوقوف.\rـ ويضمن الراكب أو القائد أو السائق ما وطئت دابته بيد أو رجل أو رأس، أو كدمت (3) ، أو صدمت بصدرها، أو خبطت بيدها؛ لأن الاحتراز عن ذلك ممكن؛ لأنه ليس من ضرورات السير في الطريق.\rوهذا هو مذهب الشافعية، ويلاحظ أنه لا ضمان على الراكب عند المالكية في هذه الأحوال عملاً بحديث: «العجماء جرحها جبار» وفرق الحنابلة بين ما\r-------------------------------\r(1) أي ضربت برجلها.\r(2) أخرجه أبو داود والدارقطني والنسائي من حديث أبي هريرة، ولكن تكلم الناس في هذا الحديث، وفيه ضعف ( نصب الراية: 387/4).\r(3) الكدم: العض بأدنى الفم كما يكدم الحمار، وبابه ضرب ونصر.","part":7,"page":683},{"id":4969,"text":"جنت الدابة بيدها فيضمنه الراكب، وما جنت برجلها فلا ضمان عليه، عملاً بحديث: «الرِجْل جبار» (1) ومفهومه وجوب الضمان في جناية غير الرِجْل (2) .\rـ ويضمن صاحب الدابة ما تتلفه بالوطء والصدم ونحوهما إذا أوقفها في الطريق العام أو المحجة (جادة الطريق) التي لم يؤذن فيها بالوقوف، أو على باب المسجد لأنه متعدٍ في الوقوف.\rـ ولكن لا ضمان عليه إذا أوقف الدابة في الأسواق أو الأماكن المخصصة من قبل السلطات للوقوف (أو المأذون بها من جهته كالمحطات الجانبية) أو في الفلاة؛ لأن الوقوف فيها مباح لعدم الإضرار بالناس. فإن كان راكباً عليها فوطئت إنساناً فقتلته يضمن؛ لأنه قتل بطريق المباشرة.\rـ ولا ضمان عليه أيضاً إذا أوقف الدابة أو سار بها أو ساقها أو قادها في ملكه الخاص، إلا ما تحدثه بالإيطاء برجلها أو بيدها، وهو راكبها، فيضمن ماتحدثه؛ لأنه تصرف في ملكه الخاص، فلا يتقيد تصرفه بشرط السلامة، أما الوطء فهو بمنزلة فعله لحصول الهلاك بثقله، ومن تعدى على الغير في دار نفسه، يضمن.\rـ والسائق والقائد والرديف كالراكب، إلا أن الفرق أن الراكب قاتل بوطء الدابة بثقله وفعله، أي أنه مباشر، وليس بمتسبب. والسائق ونحوه متسبب. فتجب الكفارة على الراكب في ملكه أو في غير ملكه دون السائق والقائد.\rفإذا قاد الرجل قافلة (قطاراً) من الدواب، فما أوطأته دابته يكون ضامناً. وكذا إذا صدم إنساناً؛ لأن القائد مقرب للبهيمة إلى الجناية، وهذا مما يمكن الاحتراز عنه في الجملة، بأن يذود الناس عن الطريق.\rـ ولو نفرت الدابة أو انفلتت من حارسها (المالك أو غيره): فما أصابت في فورها، فلا ضمان عليه لقوله عليه الصلاة والسلام: «العجماء جبار» أي البهيمة جُرْحها جُبَار: هدر، ولأنه لا صنع له في نَفَارها وانفلاتها، ولا يمكنه الاحتراز عن فعلها، فلا يكون الناشئ عنه مضموناً.\rـ ولو أرسل دابته، فما أصابت من فورها، ضمن؛ لأن سيرها في فورها مضاف إلى إرسالها، فكانت متعدياً في الإرسال، فصار كالدافع لها، أو كالسائق. فإن عطفت (مالت أو تحولت) يميناً أو شمالاً، ثم أصابت شيئاً ففيه احتمالان:\r-------------------------------\r(1) رواه سعيد بن منصور بإسناده عن هزيل بن شرحبيل، كما روي عن أبي هريرة.\r(2) المغني: 338/8 ومابعدها.","part":7,"page":684},{"id":4970,"text":"إن لم يكن لها طريق آخر إلا ذاك، وجب الضمان على المرسل؛ لأنها باقية على الإرسال.\rوإن كان لها طريق آخر، لا يضمن مرسلها؛ لأنه انقطع أثر الإرسال، وصارت كالمنفلتة.\rوفي كل هذه الأحوال: ما كان من جناية الحيوان على بني آدم، فهو على العاقلة؛ لأن حائز الحيوان متسبب متعد. وما كان على المال، فهو على المسؤول عن الحيوان، في ماله، حالاً، أي أن ضمان النفس على العاقلة، وضمان المال في مال المتعدي. وهذا ما نص عليه الحنفية والشافعية (1) .\rثانياً ـ ضمان المتسبب وحده:\rالمتسبب: هو من يفعل فعلاً يؤدي إلى ضرر ما، ولكن بواسطة أخرى. ويضمن المتسبب أثر فعله بشرطين:\r1ً - إذا كان متعدياً، والتعدي: هو فعل السبب بغير حق، سواء أكان متعمداً الضرر أم لا يقصد الضرر.\r2ً - وإذا كان هو العامل الأهم في إحداث الضرر، بأن يغلب السبب المباشرة، كما في الأمثلة التالية:\rـ من ضرب دابة عليهاراكب، أو نخسها بعود بلا إذن الراكب، فنفحت شخصاً أو ضربته برجلها أو بذنبها، أو نفرت، فصدمت إنساناً في فور النخسة، ضمن الناخس أو الضارب، دون الراكب؛ لأن الأول متعد في فعله، فما تولد عنه، مضمون عليه، والراكب ليس بمتعد، فترجح جانب الناخس في التغريم للتعدي. ويلاحظ أن اشتراط كون النفحة فور النخس أمر ضروري ليتوافر معنى السببية في إحداث الضرر (2) .\rفإذا انقطع الفور بعد النخس، فينسب الضرر إلى اختيار الدابة، لا إلى الناخس.\rوإذا حدث النخس أو الضرب بأمر الراكب، فنفحت الدابة برجلها إنساناً، فقتلته: فإن وقع الفعل في مكان مأذون فيه فلا ضمان. كأن كان الراكب يسير في الطريق، أو كان واقفاً في ملكه الخاص، أو في موضع قد أذن فيه بالوقوف من الأسواق العامة ونحوها؛ لأن الناخس فعل بأمر الراكب فعلاً يملكه الراكب، فصار فعله كفعل الراكب نفسه، وفعل الراكب حينئذ لا يضمن، فلا يضمن مثله.\rأما إن وقع النخس في مكان لم يؤذن بالوقوف فيه، كالطريق العام، فيشترك\rالناخس والراكب في الضمان، وتكون دية المجني عليه مثلاً عليهما مناصفة. وسأذكر أمثلة أخرى في حال اشتراك المتسبب والمباشر في الضمان.\r-------------------------------\r(1) مراجع الحنفية السابقة، مغني المحتاج: 204/4.\r(2) المبسوط: 2/27، درر الحكام: 113/2 ومابعدها، الدر المختار: 430/5 وما بعدها، مجمع الضمانات: ص187، تكملة الفتح: 352/8.","part":7,"page":685},{"id":4971,"text":"ثالثاً ـ ضمان المباشر وحده:\rالمباشر: هو الذي حصل الضرر بفعله بلا واسطة، أي دون تدخل فعل شخص آخر مختار. ويكون هو الضامن إذا كان السبب لا ينفرد بالإتلاف إذا ترك وحده دون مباشرة، أي أنه كان هو المؤثر الأقوى في إحداث الضرر، ودور السبب ضعيف إذا قورن به.\rمثاله: إذا كان هناك قائد قطار (1) إبل، وكانت الإبل وقوفاً لاتقاد، فجاء رجل، وربط إليها بعيراً، والقائد لا يعلم، فقاد البعير معها، فوطئ البعير إنساناً، فقتله، فالدية على القائد، تتحملها عنه عاقلته ولا ترجع على عاقلة الرابط بشيء؛ لأن الرابط، وإن تعدى في الربط، وكان سبباً لوجوب الضمان، لكن القائد لما قاد البعير عن ذلك المكان الذي كانت الإبل واقفة فيه، قد أزال تعديه، فيزول الضمان عنه، ويتعلق بالقائد، كمن وضع حجراً في الطريق، فجاء إنسان ، فدحْرَجَه عن مكانه، ثم عطب به إنسان، فالضمان على الثاني، لا على الأول.\rأما لو كانت الإبل سائرة، وجاء رجل وربط مع آخرها بعيراً، فوطئ البعير إنساناً، ضمنت عاقلة القائد الدية، ثم رجعت بها على عاقلة الرابط؛ لأن الرابط متعد في الربط، وهو المتسبب الأقوى في إلزام الضمان، فيستقر الضمان عليه (2) .\r-------------------------------\r(1) قطار الإبل: قال في المغرب: القطار: الإبل تقطر على نسق واحد، والجمع قطر مثل كتب.\r(2) الدر المختار: 430/5، البدائع: 281/7.","part":7,"page":686},{"id":4972,"text":"رابعاً ـ ضمان المتسبب والمباشر معاً :\rيضمن المتسبب والمباشر بالاشتراك معاً إذا تساوى أو تعادل أثرهما في الفعل الذي يترتب عليه إحداث الضرر. وعلى حد تعبير الحنفية والشافعية: يضمن المتسبب مع المباشر إذا كان للسبب تأثير يعمل بانفراده في الإتلاف متى انفرد عن المباشرة. أي أن اشتراك المتسبب مع المباشرة في الضمان مشروط عندهم بأن يكون السبب مما يعمل بانفراده. وعند المالكية والحنابلة (1) مشروط بأن تكون المباشرة مبنية على السبب وناشئة عنه، بحيث لو تخلفت السببية لزالت علة الإتلاف كاشتراك المكره والمستكره في القصاص والضمان، واشتراك الممسك مع القاتل في رواية عند الحنابلة، وفي الرواية الأخرى: يختص المباشر بالعقوبة، ويحبس الممسك حتى يموت، وكما لو دل الوديع لصاً على الوديعة فسرقها.\rوأمثلة الحنفية هي ما يأتي (2) :\rـ لو اجتمع على قيادة الدابة سائق وراكب، أوقائد وسائق (3) ،فالضمان عليهما؛ لأن سَوق الدابة يؤدي إلى التلف، وإن لم يكن هناك شخص راكب عليها. وقائد قطار الإبل والسائق سواء في الضمان؛ لأن على القائد الحفظ كالسائق، فيصير متعدياً بالتقصير فيه، والتسبب بوصف التعدي سبب الضمان. لكن ضمان النفس على العاقلة، وضمان المال في مال المتعدي كما تقدم.\rـ وكذلك إذا نخس شخص الدابة أو ضربها بأمر راكبها، يكون الضمان على الاثنين؛ لأن الناخس بمنزلة السائق.\r-------------------------------\r(1) تبيين الحقائق: 150/6، رد المحتار: 428/5، أشباه ابن نجيم: 78/2، الفروق: 31/4، القواعد لابن رجب: ص 285.\r(2) الدر المختار : 428/5، تكملة فتح القدير: 354/8، تبيين الحقائق: المكان السابق، المبسوط: 2/27 وما بعدها، البدائع: 280/7، اللباب شرح الكتاب: 164/3.\r(3) القود: أن يكون الرجل أمام الدابة آخذاً بقيادتها. والسوق: أن يكون خلفها.","part":7,"page":687},{"id":4973,"text":"ـ ولو نخس الدابة بغير أمر الراكب، فوطئت إنساناً بقدمها أثناء الدفع، فمات، فالضمان عليهما؛ لأن الموت حصل بسبب فعل الناخس، وثقل الراكب. والرديف كالراكب.\rإلا أن الراكب يختلف عن الناخس والسائق أو القائد في إيجاب الكفارة عليه، وحرمانه من الميراث والوصية عند الحنفية لمباشرته القتل، وأما غيره فهو متسبب، والمتسبب لا كفارة عليه ولا يحرم الميراث والوصية.\rوفي قيادة قطار الإبل يجب الضمان على القائد فيما أوطأه أو أصابه أو صدمه البعير الأول أو الأوسط أو الأخير؛ لأنه فعل فعلاً سبب حصول التلف وهو مما يمكن الاحتراز عنه. ولا يختلف الحكم كيفما كان السائق في الوسط أو الآخر.\rـ ولو كان على القطار محامل (1) فيها أناس نيام أوغير نيام، مشتركون في القود أو السوق، فهم شركاء السائق والقائد في الضمان. وعلى الركبان وحدهم الكفارة. فإذا لم يكن من المحامل اشتراك في القود أو السوق، فهم كالمتاع، لا شيء عليهم.\rويلاحظ أن هذه الأحكام لا تنطبق على السيارات اليوم، لعدم اشتراك الركاب مع السائق في شيء، فتكون مسؤولية الضمان على السائق وحده.\rالتصادم: إذا تصادم راكبان أو فارسان أو ملاحان أو سائقا سيارة أو ماشيان أو راكب وماشٍ، فماتا، أو تلف شيء بسبب التصادم، وجب على كل واحد\r-------------------------------\r(1) المحامل جمع مَحْمِل: وهو الهودج.","part":7,"page":688},{"id":4974,"text":"منهما عند الحنفية والحنابلة (1) تحمل تبعة الضمان كاملة للآخر، لكن في الموت تتحمل عاقلة كل واحد منهما دية الآخر، واليوم يتحمل كل واحد لا عاقلته تبعة فعله. وفي الإتلاف يجب على كل منهما تعويض ضرر الآخر؛ لأن الضرر قد حدث لكل واحد منهما بفعل نفسه وبفعل صاحبه أيضاً.\rهذا إذا كان التصادم خطأ، فإن كان عمداً وجب عند الحنفية تحمل نصف قيمة الضمان، أي نصف الدية أو التعويض المالي.\rويرى المالكية (2) : أنه إذا تصادم الفارسان، فإن كان عمداً وماتا فلا قصاص لفوات محله، وإن مات أحدهما اقتص من الآخر له. وإن كان خطأ ومات كل واحد منهما، فعلى كل واحد منهما دية الآخر، وتتحملها عنه العاقلة، كما قال الحنفية. فإن تصادمت سفينتان فتلفتا أو تلفت إحداهما فهدر، لا قود ولا ضمان؛ لأن جريهما بالريح، وليس من عمل أربابهما (3) .\rوقال الشافعية، وزفر الحنفي (4) : إذا اصطدم فارسان أو ماشيان، أو سفينتان بتفريط من ربانهما، بأن قصرا في صيانة آلاتهما، أو قدرا على ضبطهما فلم يضبطا، أو سيرا المركبين في ريح شديدة لاتسير السفن في مثلها، وجب على كل واحد منهما نصف قيمة ما تلف للآخر (وكان في الماضي الضمان على عاقلة كل منهما)؛ لأن التلف حصل بفعلهما، أي أن كل واحد هلك بفعله وفعل صاحبه فيهدر النصف، وينقسم الضمان عليهما، ويهدر النصف الآخر بسبب فعل كل واحد في حق نفسه. وعند الشافعية يجب نصف الدية مغلظة على عاقلة كل منهما لورثة الآخر؛ لأن القتل شبه عمد؛ إذ الغالب أن الاصطدام لا يفضي إلى الموت، فلا يتحقق فيه العمد المحض، فلا يتعلق به القصاص.فإن حدث التصادم بين السفينتين دون تفريط، وإنما بقوة قاهرة كريح شديدة عصفت، فلا ضمان على أحد.\rأما إذا كان المخطئ أحد المتصادمين، كان الضمان عليه باتفاق الفقهاء، كما لو صدم الماشي واقفاً، فالضمان على الماشي؛ لأنه هو المتسبب، ولو صدمت سفينة جائية سفينة واقفة، كان الضمان على صاحب السفينة الجائية إذا لم تكن الواقفة متعدية في وقوفها.\r-------------------------------\r(1) الدر المختار: 428/5، تكملة الفتح: 348/8، الكتاب مع اللباب: 168/3، درر الحكام: 112/2، مجمع الضمانات: ص 150، المغني: 340/8 ومابعدها، غاية المنتهى: 282/3، كشاف القناع: 144/4.\r(2) بداية المجتهد: 409/2، القوانين الفقهية: ص 332، الشرح الكبير للدردير: 247/4 وما بعدها.\r(3) المراجع السابقة.\r(4) المهذب: 194/2، مغني المحتاج: 89/4 وما بعدها.","part":7,"page":689},{"id":4975,"text":"المبحث الثاني ـ جناية الحائط المائل ونحوه مما يحدثه الرجل في الطريق ـ سقوط البناء أو الجدار:\rيجب في الجملة في حالة سقوط البناء الضمان على المتسبب في إحداث الضرر، إما لأنه يمكن الاحتراز عنه، أو بسبب تقصيره وإهماله. وإذا حدث موت، فالدية تجب على عاقلة مالك البناء، لأنه متسبب. لكن لا تجب عليه الكفارة ولا يحرم من الميراث والوصية عند الحنفية، كما هو المقرر عندهم في حالة القتل بالتسبب، وعلى هذا إذا كانت الجناية على نفس فالواجب هو الدية، وإذا كانت على ما دون النفس فالواجب بها الأرش على العاقلة إن بلغ عند الحنفية نصف عشر دية الرجل وعشر دية الأنثى. وإن كانت الجناية على المال فيجب التعويض في مال المتسبب. وسقوط البناء: إما أن يكون بسبب خلل أصلي عند الإنشاء، أو بسبب خلل طارئ (1) .\rالمطلب الأول ـ سقوط البناء أو الجدار بسبب خلل أصلي فيه :\rلا خلاف بين الفقهاء في وجوب ضمان الضرر الحادث بسبب سقوط البناء أو الجدار الذي بناه صاحبه مائلاً إلى الطريق العام أو إلى ملك غيره؛ لأنه متعد بفعله، فإنه ليس لأحد الانتفاع بالبناء في هواء ملك غيره، أو هواء مشترك، ولأنه ببنائه المشتمل على الخلل يعرضه للوقوع على غيره في غير ملكه (2) .\rومثله: ما تولد من جناح (3) إلى شارع، سواء أكان يضر أم لا، أذن فيه الإمام أم لا،أو ما يتلف بالميازيب المخرجة إلى الشارع أو بما سال من مائها؛ لأنه ارتفاق بالشارع، والارتفاق بالشارع مشروط بسلامة العاقبة، فكل ما يحدث يكون صاحبه ضامناً.\r-------------------------------\r(1) البدائع: 283/7.\r(2) البدائع: 283/7، المغني: 827/7 وما بعدها، مغني المحتاج: 86/4.\r(3) جناح بفتح الجيم: هو البارز عن سمت الجدار من خشب أو غيره.","part":7,"page":690},{"id":4976,"text":"ومثله أيضاً: لو طرح تراباً بالطريق ليطين به سطحه، أو وضع حجراً أو خشبة أو متاعاً فزلق به إنسان، ضمنه. وكذلك لو طرح قمامات (كناسة) وقشور بطيخ في طريق، أو صب ماء في الطريق، فتلف بفعله شيء، أو قعد في الطريق للاستراحة أو لمرض فعثر به عابر، فوقع فمات أو وقع على غيره فقتله، يكون مضموناً؛ لأن الانتفاع بالطريق مشروط بسلامة العاقبة؛ ولأن فيه ضرراً على المسلمين.\rومن حفر بئراً عدواناً كحفرها في ملك غيره بغير إذنه، أو في شارع ضيق أو واسع لمصلحة نفسه بغير إذن الإمام: ضمن ما تلف فيها من آدمي أو غيره (1) . والمراد بالضمان: الدية ـ دية شبه عمد في القتل، والتعويض المالي في الإتلافات المالية. وكل ما ذكر ضمان بالتسبب ، والقاعدة تقول: «يضاف الفعل إلى المتسبب ما لم يتخلل واسطة» .\rودليل الضمان في تلك الحالات وأمثالها هو قوله عليه الصلاة والسلام: «لا ضرر ولا ضرار في الإسلام» (2) .\rالمطلب الثاني ـ سقوط البناء أو الجدار بسبب خلل طارئ عليه :\rإذا بنى الشخص بناءه أو حائطه مستوياً أو مستقيماً، ثم مال إلى الطريق أوإلى دار إنسان، أو تشقق بالعرض لا بالطول، فسقط على شيء فأتلفه، ففي ضمان الشيء المتلف رأيان للفقهاء:\r1 - مذهب الشافعية والراجح عند الحنابلة (3) : لا ضمان به في هذه الحالة؛ لأن صاحبه تصرف في ملكه، والميل لم يحصل بفعله، فأشبه ما إذا سقط بلا ميل، سواء أمكنه هدمه وإصلاحه أم لا، وسواء طولب بالنقض أم لا.\r2 - مذهب الحنفية والمالكية (4) : في الأمر تفصيل:\r-------------------------------\r(1) تبيين الحقائق: 142/6-145، مغني المحتاج: 82/4-85، المغني: 822/7-831، المنتقى على الموطأ: 41/6، البدائع: 277/7، اللباب شرح الكتاب: 162/3.\r(2) روي من حديث عبادة بن الصامت، وابن عباس، وأبي سعيد الخدري، وأبي هريرة، وأبي لبابة، وثعلبة بن مالك، وجابر بن عبد الله ، وعائشة (راجع نصب الراية: 384/4).\r(3) مغني المحتاج: 86/4، المغني: 828/7، مجلة الأحكام الشرعية للقاري (م 1445).\r(4) البدائع: 283/7، الدر المختار: 424/5، تكملة الفتح: 341/8 ومابعدها، الكتاب مع اللباب: 167/3.","part":7,"page":691},{"id":4977,"text":"أ ـ إن لم يطالب بنقضه، حتى سقط على إنسان، فقتله، أو على مال فأتلفه، فلا ضمان؛ لأنه بناه في ملكه، والميل حادث بغير فعله، فأشبه ما لو وقع قبل ميله، كثوب ألقته الريح في يده، فما تولد منه، لا يؤاخذ به.\rب ـ وأما إن طولب بنقضه، فلم يفعل، ثم سقط بعدئذ يمكنه فيها نقضه، فهو ضامن ما تلف به من نفس أو مال؛ لأنه حينئذ يصبح متعدياً، كما لو امتنع عن تسليم (أو رد) ثوب ألقت به الريح في دار إنسان، وطولب به، فهلك، يضمن. ولأن للناس حق المرور دون ضرر، وليس لأحد منعهم منه.\rأما إذا لم يفرط في نقضه، وذهب حتى يستأجر عاملاً يهدمه، فسقط، فأفسد شيئاً، فلا شيء عليه؛ لأن الواجب عليه فقط إزالة الضرر بقدر الإمكان.\rوالمطالبة بالنقض أو الإصلاح هو المعروف بشرط التقدم، والتقدم: هو التنبيه والتوصية أولاً بدفع وإزالة مضرة مظنونة (م 889 مجلة).\rالإشهاد على المطالبة بالنقض: لا يشترط الإشهاد لصحة التقدم أو المطالبة بالإصلاح، وإنما الإشهاد كما قال الحنفية أمر ضروري لإثبات سبب الضمان أي لإثبات حصول الطلب عند القاضي والإلزام بالضمان عند الإنكار. فلو اعترف صاحب الدار أنه طولب بنقض الجدار، وجب عليه الضمان، وإن لم يشهد عليه.\rمعنى الإشهاد: الإشهاد هو أن يقول الرجل: «اشهدوا أني قد تقدمت إلى هذا الرجل في هدم حائطه هذا» أي أن المعتبر هو المطالبة بالهدم (1) . وتعتبر شهادة رجلين أو رجل وامرأتين على التقدم، أي المطالبة.\r-------------------------------\r(1) راجع هذا وما يأتي بعده في البدائع: 284/7، تكملة الفتح: 342/8، الدر المختار: 425/5.","part":7,"page":692},{"id":4978,"text":"عناصر الإشهاد :\r1 - الذي يطالب بالإشهاد: إن كان ميلان الحائط إلى دار إنسان، فالإشهاد إلى صاحب الدار إن كان فيها، أو إلى الساكن إن كانت مسكونة. وإن كان الميلان إلى الطريق العام، فالإشهاد إلى كل من له حق المرور، مسلماً كان أو ذمياً. أما إن مال بعض البناء للطريق وبعضه لدار إنسان، فأي طلب من إنسان يصح، لأنه إذا صح الإشهاد في البعض، صح في الكل.\r2 - المشهود عليه: يصح الإشهاد على من يملك نقض الجدار، وهو المالك، أو صاحب الولاية على الغير كالأب والوصي وقيِّم الوقف؛ لأن المطالبة بالنقض ممن لا يملكه عبث ولا فائدة منه. فلا يطالب بالنقض المستأجر والمرتهن، والمستعير والوديع، لعدم ولايتهم على النقض والتصرف، فكان الإشهاد عليهم وعدمه سواء.\rفترة الطلب والإشهاد: لا يصح الطلب والإشهاد إلا بعد ميل البناء وقبل السقوط؛ لأن ما قبل الميل لا يوجد تعدٍ، وما بعد السقوط لا فائدة من الطلب. كما لا تتحقق المسؤولية عن الضمان إلا بعد مضي مدة يقدر فيها صاحب الحائط على نقضه؛ لأن الضمان يجب بترك النقض الواجب، ولا وجوب من دون الإمكان أو الاستطاعة. فلو ذهب يطلب من ينقضه أو يهدمه، فسقط الحائط، فتلف به شيء، فلا ضمان عليه؛ لأنه لم يكن متعدياً بالتفريط أو الإهمال.\rطلب التأجيل أو الإبراء بعد الإشهاد: إن كان ميل الحائط إلى دار إنسان من مالك أو ساكن، فطلب منه الهدم وأشهد على طلبه، ثم طلب صاحب الحائط تأجيله أو إبراءه من الجناية، فأجل أو أبرأ، صح؛ لأن الحق الخاص يملك صاحبه التنازل عنه. وأما إن كان الميل إلى الطريق، فأبرأ أو أجل الذي طلب النقض أو أشهد على صاحب الحائط، وهو من له حق المرور، أو القاضي، فلا يصح ولا يبرأ؛ لأن هذا حق عام، والحق العام لا يملك أحد التنازل عنه، وتصرف القاضي في الحق العام نافذ فيما ينفعهم لا فيما يضرهم (1) .\r-------------------------------\r(1) الدر المختار: 425/5.","part":7,"page":693},{"id":4979,"text":"التصرف في البناء بعد الإشهاد: إذا تصرف صاحب الحائط أو الدار في البناء ببيع أو غيره كهبة، بعد الإشهاد، فسقط الحائط بعد قبض المشتري المبيع، أو بعد ما ملكه بالإيجاب والقبول قبل القبض، في زمان لا يتمكن من نقضه، فلا ضمان على صاحب الحائط الأصلي، فيما هلك بسقوطه، لزوال ولايته بالبيع ونحوه، فلا يملك النقض، فسقط حكم الإشهاد، حتى إنه لو رد المبيع على البائع بقضاء أو غيره أو بخيار شرط أو رؤية للمشتري، لم يضمن البيع، إلا إذا طولب بعد الرد. وأما إن كان الخيار للبائع ونقض البيع، ثم سقط الحائط وأتلف شيئاً، كان ضامناً؛ لأن خيار البائع لا يلغي ولاية الإصلاح، فلا يلغي الإشهاد.\rفإن سقط الحائط بعد تفريط صاحبه قبل البيع، التزم بالضمان. ويعتبر الجنون والردة مثل التصرف بالبناء، فلو جن صاحب الحائط جنوناً مطبقاً أو ارتد ولحق بدار الحرب، ثم أفاق من جنونه، أو عاد مسلماً وردت عليه الدار، لا يضمن إلا بإشهاد جديد في المستقبل (1) .\r-------------------------------\r(1) الدر المختار، المكان السابق، المغني: 829/7.","part":7,"page":694},{"id":4980,"text":"الفَصْلُ الخامس: طرق إثبات الجناية\rفيه مبحثان:\rالمبحث الأول ـ لمحة إجمالية عن طرق الإثبات العامة.\rالمبحث الثاني ـ إثبات القتل بطريق خاص ـ القسامة.\rالمبحث الأول ـ لمحة إجمالية عن طرق الإثبات العامة :\rلا حظنا في أثناء الكلام عن الحدود أن الفقهاء يبحثون باختصار طرق إثبات الجريمة الموجبة للحد من شهادة أو إقرار ونحوهما، لما للحد من خطورة خاصة تتطلب توقف الحكم به على ثبوت الجريمة ثبوتاً قاطعاً أو مؤكداً. وذلك بالإضافة إلى وجود مباحث مستقلة لطرق الإثبات في كل كتاب فقهي.\rوكذلك الشأن في الجنايات، لا بد من الإشارة لما تثبت به، تسهيلاً على القاضي في إصدار أحكامه عليها، ولفت نظره لضرورة التأكد من وقوع الجناية الموجبة لعقوبة بدنية كالقصاص أو التعزير أو لعقوبة مالية كالدية أو الأرش.\rلذا فإني أعطي هنا فكرة أو لمحة إجمالية عن طرق الإثبات العامة من إقرار وشهاد وقرينة ونكول عن اليمين، لبيان مدى صلاحية إحداها لإثبات الجناية،سواء عند جمهور الفقهاء أو عند بعض الفقهاء، وأحيل بالتفصيل على البحوث المستقلة الخاصة بكل منها في هذا الكتاب أو غيره. ويلاحظ أن العلماء اتفقوا على جواز إثبات جرائم القصاص في القتل والجرح العمد بالإقرار أو شهادة رجلين.\rأولاً ـ الإقرار :\rالإقرار: هو إخبار عن ثبوت حق للغير على نفسه (1) ، وهو حجة قاصرة على المقر لا يتعدى أثره إلى غيره، لقصور ولاية الإقرار على غيره، فيقتصر أثر الإقرار على المقر نفسه. ويؤخذ بمقتضى الإقرار؛ لأن الإنسان غير متهم على نفسه.\rولا خلاف في جواز الاعتماد على الإٍقرارفي العبادات والمعاملات والأحوال الشخصية والجرائم أو الجنايات والحدود، فقد أجمعت الأمة على صحة الإقرار مطلقاً، وكونه حجة في مختلف العصور، إذا كان صحيحاً.\rواتفق العلماء على صحة الإقرار بحق من الحر البالغ العاقل المختار غير المتهم في إقراره (2) .\rويشترط في الإقرار بالجناية أو الجريمة الموجبة لحد أو قصاص أو تعزير أن يكون واضحاً مفصلاً، قاطعاً في الاعتراف بارتكاب الجرم، عمداً أو خطأ أو شبه عمد.\rفلا يصح الإقرار المجمل الغامض أو المشتمل على شبهة، حتى يتحدد نوع العقاب، إذ لا عقاب مثلاً على القتل دفاعاً عن النفس أو المال، أو استعمالاً لحق، أو تنفيذاً لقصاص.\rولا يصح إقرار المتهم في إقراره لملاطفة صديق ونحوه؛ لأن التهمة تخل برجحان جانب الصدق على الكذب في إقراره.\r-------------------------------\r(1) الدر المختار: 467/4.\r(2) البدائع: 222/7، تكملة الفتح: 281/6، تبيين الحقائق: 3/5، الشرح الكبير للدردير: 397/3 وما بعدها، المهذب: 343/2، مغني المحتاج: 238/2، المغني: 138/5.","part":7,"page":695},{"id":4981,"text":"ولا يصح إقرار عديم العقل كالمجنون، وغير المميز. ويصح عند الحنفية خلافاً لبقية الأئمة إقرار الصبي المميز بالديون والأعيان؛ لأنه من ضرورات التجارة.\rولا يصح إقرار المستكره أو المتهم الذي يضرب ليقر في الأموال والجنايات الموجبة لحد أو قصاص، ويلغى، ولا يترتب عليه أي أثر، إلا أن المالكية يقولون: لا يلزم إقرار المستكره، بمعنى أنه يخير بعد زوال الإكراه بين إجازة الإقرار أو إلغائه أو إبطاله (1) .\rولا يصح إقرار زائل العقل بنوم أو إغماء أو دواء. أما السكران المتعدي بسكره (وهو من تعاطى مسكراً متعمداً) (2) : فيصح إقراره في كل تصرفاته وجناياته عند الشافعية. ويصح إقراره عند الحنفية في الأموال والأحوال الشخصية وفي القتل والجناية على ما دون النفس وعلى الجنين؛لأنها حقوق شخصية للعباد، ولا يصح إقراره في الحدود الخالصة لله تعالى كحد الزنا والسرقة، لوجود الشبهة، وهي تدرأ بالشبهات، لكن يضمن السكران الشيء المسروق وإن كان لا يحد.\rولا يصح إقرار السكران بحق أو جناية أو غيرهما عند المالكية والحنابلة؛ لأنه غير عاقل.\r-------------------------------\r(1) البدائع: 189/7 وما بعدها، تكملة الفتح: 265/7، تبيين الحقائق: 182/5، الدر المختار: 89/5، الدردير: 397/3، المغني: 196/8، حاشية الباجوري على شرح ابن القاسم لمتن أبي شجاع: 4/2.\r(2) الدر المختار: 489/4، رد المحتار والدر المختار: 180/3 وما بعدها، الدردير: 397/3، حاشية الباجوري: 4/2، المغني: 138/5.","part":7,"page":696},{"id":4982,"text":"واتفق الفقهاء (1) عى أنه يجوز للمقر الرجوع عن إقراره في حقوق الله تعالى كالردة والزنا وشرب خمر وسرقة وقطع طريق من أجل إسقاط الحد، لا إسقاط المال؛ لأنها تدرأ بالشبهات.\rأما حقوق الآدميين كالإقرار بالقتل أو الجُرْح أو قطع طرف، أو إسقاط جنين، فلا يجوز للمقر الرجوع عن إقراره بها، لتعلقها بحقوق الناس الشخصية، ولو أن القصاص مما يدرأ بالشبهات؛ لأن الأصل ألا يجوز إلغاء كلام المكلف بلا مقتضٍٍ.\rولا يشترط تعدد الإقرار، ويكفي مرة واحدة إلا في الإقرار بالزنا عند الحنفية والحنابلة، فإنه يطلب كونه أربع مرات، طلباً للتثبت في إقامة الحد، وعملاً بواقعة إقرار ماعز بن مالك أمام الرسول صلّى الله عليه وسلم أربع مرات.\rثانياً ـ الشهادة :\rإن أغلب وقائع الخصومات في الحقوق المالية والجرائم يثبت بالشهادة. وهي: إخبار صادق لإثبات حق بلفظ الشهادة في مجلس القضاء (2) . ولا خلاف بين الفقهاء في جواز الاعتماد على الشهادة في الإثبات، لورود النصوص القرآنية والنبوية الدالة على مشروعيتها والقضاء بها (3) .\rوعدد الشهود اثنان إلا في الزنا، فلا بد فيه من أربعة شهود لقوله تعالى: {لولا جاءوا عليه بأربعة شهداء} [النور:13/24].\r-------------------------------\r(1) فتح القدير: 120/4، بداية المجتهد: 430/2، الدردير: 318/4، مغني المحتاج: 150/4، تحفة الطلاب شرح تنقيح اللباب لزكريا الأنصاري: ص 180، المغني: 197/8.\r(2) فتح القدير: 2/6، الدر المختار: 385/4، الشرح الكبير للدردير: 164/4، مغني المحتاج: 426/4.\r(3) راجع بحث الشهادة.","part":7,"page":697},{"id":4983,"text":"وتقبل عند الحنفية (1) شهادة النساء مع الرجال في الأموال والأحوال الشخصية (الزواج والطلاق وتوابعهما). وعند المالكية والشافعية والحنابلة (2) : لا تقبل شهادة النساء مع الرجال إلا في الأموال وتوابعها وعقودها.\rولا تقبل شهادة النساء مع الرجال في المذاهب الأربعة في الحدود والجنايات والقصاص، وإنما لا بد فيها من شهادة رجلين عدلين، لخطورتها وضرورة التأكد من ثبوتها، وتضييقاً في طرق إثباتها، واحتيالاً لدرئها، ولأن في شهادة المرأة بدلاً عن الرجل شبهة البدلية، لقيامها مقام شهادة الرجال، فلا تقبل فيما يندرئ بالشبهات. ويقول الزهري: «مضت السنة من رسول الله صلّى الله عليه وسلم والخليفتين من بعده ألا تجوز شهادة النساء في الحدود» (3) وقال علي كرم الله وجهه: «لا تجوز شهادة النساء في الحدود والدماء» (4) .\rوبما أن هناك خلافات فقهية في أنواع الشهادات في الجرائم فإني أضيف لما سبق التوضيح التالي:\r-------------------------------\r(1) فتح القدير: 7/6، البدائع: 277/6، اللباب شرح الكتاب: 55/4 ومابعدها، الهداية: 93/3، ط الخيرية.\r(2) بداية المجتهد: 454/2، المهذب: 333/2، المغني: 97/8، 149/9 ومابعدها، الطرق الحكمية: ص 152 ومابعدها، مغني المحتاج: 118/4.\r(3) رواه ابن أبي شيبة في مصنفه. وأخرج عن الشعبي والنخعي والضحاك قالوا: «لا تجوز شهادة النساء في الحدود» (نصب الراية: 79/4).\r(4) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (نصب الراية، المكان السابق).","part":7,"page":698},{"id":4984,"text":"1 ً - جرائم القصاص في النفس أو ما دونها :\rلا تثبت عند أئمة المذاهب الأربعة إلا بشهادة رجلين عدلين. ولا تقبل فيها شهادة رجل وامرأتين، ولا شهادة شاهد ويمين المدعي ـ المجني عليه (1) ، ولا تثبت بالشهادة على الشهادة (2) ، ولا بكتاب القاضي إلى قاض آخر (3) ؛ لأن القصاص عقوبة خطيرة، فيحتاط لدرئه باشتراط شاهدين عدلين.\rإلا أن المالكية (4) أجازوا استحساناً في جراح النفس عمداً أو خطأ إثباتها بشهادة شاهد واحد ويمين المجني عليه. كما أنهم أجازوا إثبات جراح العمد بشاهد عدل وامرأتين، أو أحدهما مع اليمين. وهذه إحدى المستحسنات الأربع، إذ هي ليست بمال، ولا آيلة له.\r2 ً - جرائم التعزير البدني كالضرب والحبس ونحوهما :\rيرى الحنفية (5) أن التعزير يغلب فيه حق الآدمي، فتثبت جريمة التعزير عندهم بما تثبت به سائر حقوق العباد من الإقرار والبينة والنكول عن اليمين (6) ، وعلم القاضي، وشهادة النساء مع الرجال، والشهادة على الشهادة، وكتاب القاضي إلى القاضي.\rوالمالكية كما قالوا في جرائم القصاص أجازوا إثبات جرائم التعزير البدني بشاهد ويمين المدعي. وأجاز بعض المالكية التعزير في بعض الجرائم بشاهد واحد\r-------------------------------\r(1) المبسوط: 17/30، البدائع: 225/6، بداية المجتهد: 256/2، الدردير: 187/4، المهذب: 301/4، 334، مغني المحتاج: 118/4، 443، 482، المغني: 151/9، 252، 97/8.\r(2) فتح القدير: 20/6، الدردير: 198/4، المهذب: 334/2،المغني: 158/9.\r(3) تبيين الحقائق: 241/4، الدردير: 159/4، بداية المجتهد: 458/2، مغني المحتاج: 452/4، المغني: 90/9.\r(4) الشرح الكبير للدردير: 187/4 وما بعدها.\r(5) الدر المختار وحاشيته: 204/3 ومابعدها، البدائع: 65/7.\r(6) ونكول الجاني عن اليمين مجرد قرينة تقوي موقف المجني عليه.","part":7,"page":699},{"id":4985,"text":"دون يمين (1) ، وقبل الإمام مالك شهادة الصبيان على بعضهم في الجراح (2) عملاً بالمصلحة المرسلة أو إجماع أهل المدينة.\rواقتصر الشافعية والحنابلة (3) على إثبات جريمة التعزير بما تثبت به جريمة القصاص، وهو شهادة رجلين عدلين؛ لأن العقوبة البدنية خطيرة، فيحتاط فيها بقدر الإمكان، فلا تثبت به بما تثبت به الأموال من شهادة رجل وامرأتين أو شهادة رجل ويمين المدعي.\r3 ً - جرائم التعزير المالي كالدية أو الغرامة :\rتثبت هذه الجريمة في المذاهب الأربعة (4) بما تثبت به الحقوق المالية كشهادة رجلين أو رجل وامرأتين؛ لأنه يقصد بها المال. وأجاز غيرا لحنفية إثباته أيضاً بشاهد ويمين المجني عليه. وأضاف المالكية إمكان إثباتها بامرأتين ويمين المدعي، ولم يجز الحنفية مطلقاً مبدأ قبول شاهد ويمين، ولا يمين وامرأتين، عملاً بما اقتصر عليه النص القرآني في قوله تعالى: {واستشهدوا شهيدين من رجالكم، فإن لم يكونا رجلين، فرجل وامرأتان} [البقرة:282/2] فمن زاد على ذلك فقد زاد على النص، والزيادة على النص نسخ، والنسخ لا يكون إلا بنص مشابه.\r-------------------------------\r(1) تبصرة الحكام: 260/1 ومابعدها.\r(2) الاعتصام للشاطبي: 115/2 ومابعدها، كتابنا الوسيط في أصول الفقه: ص 364، ط ثالثة.\r(3) المراجع السابقة.\r(4) المراجع السابقة، المغني: 98/8.","part":7,"page":700},{"id":4986,"text":"ثالثاً ـ القرائن :\rالقرينة: هي كل أمارة ظاهرة تقارن شيئاً خفياً، فتدل عليه. ومنه يفهم أنه لا بد في القرينة من تحقق أمرين:\r1 - أن يوجد أمر ظاهر معروف يصلح أساساً للاعتماد عليه.\r2 - أن توجد صلة تربط بين الأمر الظاهر والأمر الخفي.\rولا يحكم عند جمهور الفقهاء بالقرائن في الحدود؛ لأنها تدرأ بالشبهات، ولا في القصاص إلا في القسامة للاحتياط في أمر الدماء وإزهاق النفوس، بالاعتماد على وجود القتيل في محلة المتهمين عند من لا يشترط قرينة اللوث (العداوة الظاهرة) أو بالاعتماد على مجرد اللوث عند من يشترطه. ويحكم بها في نطاق المعاملات المالية والأحوال الشخصية عند عدم وجود بينة في إثبات الحقوق الناشئة عنها، ولكنها تقبل إثبات العكس بأدلة أخرى.\rوأخذ بعض الفقهاء كابن فرحون المالكي وابن القيم الحنبلي (1) بالقرائن أحياناً مع التحفظ والحذر، ولو في نطاق الحدود، وصار ذلك مذهب المالكية والحنابلة، مثل إثبات الزنا بالحمل، وإثبات شرب الخمر بظهور رائحتها من فم المتهم، وثبوت السرقة بوجود المسروق في حيازة المتهم، ورد المسروقات أو الوديعة أو اللقطة لمن يصفها بعلامات مميزة. ونحوه كثير في إثبات الحق والملكية والأهلية والولادة.\rواعتبر الحنفية القرينة القطعية (2) بينة نهائية كافية للقضاء بها، كما لو رئي شخص مدهوشاً ملطخاً بالدم، ومعه سكين ملوثة بالدم، بجوار مضرج بدمائه في مكان، فيعتبر هو القاتل (م/1741 من المجلة). أما القرينة غير القطعية الدلالة ولكنها ظنية أغلبية، ومنها القرائن العرفية، أو المستنبطة من وقائع الدعوى\r-------------------------------\r(1) تبصرة الحكام: 312/1، الطرق الحكمية في السياسة الشرعية: ص 97 وما بعدها، 214 وما بعدها.\r(2) عرفت المجلة القرينة القاطعة: بأنها الأمارة البالغة حد اليقين (م/1741).","part":7,"page":701},{"id":4987,"text":"وتصرفات الخصوم، فهي دليل أولي مرجح لزعم أحد المتخاصمين مع يمينه، متى اقتنع بها القاضي، ولم يثبت خلافها (1) .\rرابعاً ـ النكول عن اليمين :\rالنكول عن اليمين: هو الامتناع عن حلف اليمين الموجهة إلى المدعى عليه بطريق القاضي. وهو لا يعدو أن يكون مجرد قرينة على صدق المدعي في اتهام المتهم.\rويقضى به عند الحنفية والحنابلة (2) ؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلم جعل جنس اليمين في جانب المدعى عليه وحصرها فيه في قوله عليه الصلاة والسلام: «البينة على المدعي، واليمين على المدعى عليه» .\rويقضى بالنكول عند أبي حنيفة في القصاص في الأطراف حالة العمد، وبالدية حالةالخطأ. ولا يقضى فيه عنده بالقصاص بالنفس لا بالقصاص ولا بالدية، لكن يحبس الجاني حتى يقر أو يحلف.\rولا يقضى بالنكول في القصاص بالنفس أو بالطرف عند الحنابلة والصاحبين.\rكما لا يقضى بالنكول باتفاق الحنفية والحنابلة في الحدود الخالصة لله تعالى كحد الزنا والسرقة والشرب، لاشتماله على الشبهة، والحدود تدرأ بالشبهات.\rوأما التعازير فيقضى فيها بالنكول عند الحنفية كما بان سابقاً، أما عند الحنابلة فلا يقضى فيها بالنكول، على ما هول الظاهر في الترجيح بين الروايتين عن أحمد؛ لأنه يرى قصر الأيمان على الأموال والعروض التجارية (3) .\rولم يأخذ المالكية والشافعية (4) بالنكول، وإنما أخذوا باليمين المردودة في جانب المدعي، ويقضى باليمين المردودة عند المالكية في الأموال وما يؤول إليها فقط كخيار وأجل دون ما سواها من القصاص والحدود والتعازير. وأما عند الشافعية: فيقضى باليمين المردودة في جميع الحقوق والتعازير، ما عدا جنايات الدماء والحدود، فلا يقضى فيها بالقصاص ولا بالحد.\r-------------------------------\r(1) المدخل الفقهي للأستاذ مصطفى الزرقاء: ف/536.\r(2) تكملة فتح القدير: 155/6 و 158، المبسوط: 35/17، الدر المختار: 442/4، المغني: 235/9 وما بعدها، كشاف القناع: 332/6 وما بعدها.\r(3) المغني: 67/8، 238/9، كشاف القناع: 332/6.\r(4) بداية المجتهد: 454/2، الدردرير: 146/4 ومابعدها، مغني المحتاج: 118/4، 150، المهذب: 301/2، 318.\r(5) البدائع: 286/7، الكتاب مع اللباب: 172/3، تبيين الحقائق: 169/6، الدر المختار: 442/5.","part":7,"page":702},{"id":4988,"text":"المبحث الثاني ـ إثبات القتل بطريق خاص ـ القَسامة :\rوفيه ثمانية مطالب: معنى القسامة، ومشروعيتها، وآراء الفقهاء في شرعيتها، ومحل القسامة (الجريمة التي تجوز فيها) ومتى تكون، وشروطها، وكيفيتها، ومن تجب عليه، وحكمها أو ما يجب بها.\rالمطلب الأول ـ معنى القسامة :\rالقسامة لغة: مصدر بمعنى القسم أي اليمين. وشرعاً: هي الأيمان المكررة في دعوى القتل، وهي خمسون يميناً من خمسين رجلاً. يقسمها عند الحنفية (5) : أهل المحلَّة التي وجد فيها القتيل ويتخيرهم ولي الدم، لنفي تهمة القتل عن المتهم، فيقول الواحد منهم: بالله ما قتلته ولا علمت له قاتلاً. فإذا حلفوا غرموا الدية.وعند الجمهور غير الحنفية (1) : يحلفها أولياء القتيل لإثبات تهمة القتل على الجاني، بأن يقول كل واحد منهم: بالله الذي لا إله إلا هو: لقد ضربه فلان فمات، أو لقد قتله فلان. فإن نكل بعضهم (أي ورثة القتيل) عن اليمين، حلف الباقي جميع الأيمان، وأخذ حصته من الدية. وإن نكل الكل أو لم يكن هناك لوث (قرينة على القتل أو العداوة الظاهرة) ترد اليمين على المدعى عليه ليحلف أولياؤه خمسين يميناً. فإن لم يكن له أولياء (عاقلة) حلف المتهم (الجاني) الخمسين، وبرئ.\rوإذا حلف أولياء القتيل وجب عند المالكية القصاص في حالة العمد، والدية في الخطأ. وتجب الدية فقط في كل الحالات عند الشافعية، على ما سأبين، وأوجب الحنابلة القصاص في دعوى القتل عمداً، والدية في القتل شبه العمد أو الخطأ.\rفهل القسامة إذن دليل نفي أو دليل إثبات؟\rقال الحنفية: القسامة دليل لنفي التهمة عن المدعى عليهم. وقال الجمهور: إنها دليل للمدعين لإثبات تهمة القتل على القاتل إذا لم تتوافر وسائل الإثبات الأخرى.\r-------------------------------\r(1) الشرح الكبير للدردير: 293/4، بداية المجتهد: 421/2، مغني المحتاج: 109/4، 114، المهذب: 318/2، المغني: 68/8، كشاف القناع: 66/6 وما بعدها، 76.","part":7,"page":703},{"id":4989,"text":"المطلب الثاني ـ مشروعية القسامة وحكمة التشريع وسبب وجوب القسامة :\rكانت القسامة معروفة في الجاهلية، وأول من قضى بها الوليد بن المغيرة. وثبتت مشروعية القسامة بالسنة في أحاديث متعددة، منها: ما رواه رجل من الأنصار: «أن النبي صلّى الله عليه وسلم أقر القسامة على ما كانت عليه في الجاهلية» (1) .\rوقال رسول الله صلّى الله عليه وسلم : «البينة على المدعي، واليمين على من أنكر إلا في القسامة» (2) .\rوروى الجماعة عن سهل بن أبي حَثْمة قال: « انطلق عبد الله بن سهل، ومُحَيِّصة بن مسعود إلى خيبر، وهو يومئذ صلح، فتفرقا، فأتى محيصة إلى عبد الله بن سهل، وهو يتشحّط في دمه (3) قتيلاً، فدفنه، ثم قدم المدينة، فانطلق عبد الرحمن بن سهل، ومُحَيِّصة وحُوَيِّصة ابنا مسعود إلى النبي صلّى الله عليه وسلم ، فذهب عبد الرحمن يتكلم، فقال: كبِّر كبِّر (4) ، وهو أحدث القوم، فسكت، فتكلما، قال: أتحلفون وتستحقون قاتلكم، أو صاحبكم (5) ؟ فقالوا: وكيف\r-------------------------------\r(1) رواه أحمد ومسلم والنسائي عن أبي سلمة بن عبد الرحمن وسليمان بن يسار (نيل الأوطار: 34/7).\r(2) رواه الدارقطني عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وهو ضعيف (نيل الأوطار: 39/7).\r(3) هو الاضطراب في الدم.\r(4) أي دع من هو أكبر منك سناً يتكلم.\r(5) فيه دليل على مشروعية القسامة. وإليه ذهب جمهور الصحابة والتابعين والعلماء من الحجاز والكوفة والشام، كما حكى القاضي عياض. وهي أصل مستقل من أصول الشريعة لورود الدليل بها، فتخصص بها الأدلة العامة، وفيها حفظ للدماء وزجر للمعتدين.","part":7,"page":704},{"id":4990,"text":"نحلف، ولم نشهد ولم نر؟ قال: فتبرِّئكم يهود بخمسين يميناً (1) ، فقالوا: كيف نأخذ أيمان قوم كفار؟ فعقله النبي صلّى الله عليه وسلم من عنده» (2) .\rوفي لفظ آخر: «أتحلفون خمسين يميناً، وتستحقون دم صاحبكم» أي يقتص لكم من قاتله.\rوالحكمة من تشريع القسامة: هي أنها شرعت لصيانة الدماء وعدم إهدارها، حتى لا يهدر (أو يطل) دم في الإسلام، وكيلا يفلت مجرم من العقاب، قال علي لعمر فيمن مات من زحام يوم الجمعة أو في الطواف: «يا أمير المؤمنين، لا يُطلُّ دم امرئ مسلم، إن علمت قاتله، وإلا فأعطه ديته من بيت المال» .\rوأما إلزام عصبة أو عاقلة المتهم بالقتل بالقسامة والدية عند الحنفية (3) فبسبب وجود التقصير منهم في الحفاظ على حياة القتيل قبل قتله في الموضع الذي وجد فيه، ولعدم نصرته أو حمايته من اعتداء الجاني عليه، كما في القتل خطأ، كأنهم شُرطة، وبما أن حفظ المحلة عليهم ونفع ولاية التصرف في المحلة عائد إليهم، فهم مسؤولون، والخراج بالضمان على لسان الرسول عليه الصلاة والسلام (4) .\rويلاحظ أن إيجاب الدية بعد القسامة ليس هو الهدف الأصلي من القسامة وإنما الغرض الحقيقي منها: هو إظهار جريمة القتل، وتطبيق القصاص عندما يحس الحالفون بخطورة اليمين، ويتحرجون من حلف اليمين الكاذبة، فيقرون بالقتل، فإذا حلفوا برئوا من القصاص، وثبتت الدية لئلا يهدر دم القتيل، وعلى هذا فإن القسامة لم تشرع لإيجاب الدية إذا نكلوا عن الأيمان.\rوإنما شرعت لدفع التهمة بالقتل، وأما الدية فلوجود القتيل بين أظهرهم. وإلى هذا المعنى أشار عمر حينما قيل: «أنبذل أموالنا وأيماننا؟ فقال: أما أيمانكم فلحقن دمائكم، وأما أموالكم فلوجود القتيل بين أظهركم» . ومن نكل من عصبة القاتل عن اليمين حبس حتى يحلف؛ لأن اليمين فيه مستحقة لذاتها، تعظيماً لأمر الدم، فيجمع بينه وبين الدية، وذلك بعكس النكول عن اليمين في الأموال؛ لأن الحلف فيها بدل عن أصل حق صاحب المال (المدعي)، ولهذا يسقط اليمين ببذل المدعى به. وأما أيمان القسامة فلا تسقط ببذل الدية؛ لأنها واجب أصلي لإظهار القصاص، وليست بدلاً عن حق.\r-------------------------------\r(1) أي يخلصونكم عن الأيمان بأن يحلفوا، فإذا حلفوا انتهت الخصومة.\r(2) نيل الأوطار: 34/7. فعقله النبي صلّى الله عليه وسلم أي وداه بمئة من إبل الصدقة كما جاء في لفظ لأحمد.\r(3) البدائع: /7 290، اللباب شرح الكتاب: 172/3.\r(4) رواه مسلم وأصحاب السنن الأربعة عن عائشة وضعفه البخاري وصححه الترمذي وغيره.","part":7,"page":705},{"id":4991,"text":"المطلب الثالث ـ آراء الفقهاء في شرعية القسامة :\rأقر فقهاء المذاهب الأربعة والشيعة والظاهرية مشروعية القسامة لثبوتها بالسنة النبوية، كما تقدم.\rوروى القاضي عياض عن جماعة السلف (منهم أبو قلابة وسالم بن عبد الله والحكم بن عتيبة وقتادة وسليمان بن يسار وإبراهيم بن عُلَيَّة ومسلم بن خالد، وعمر بن عبد العزيز في رواية عنه) أن القسامةغير ثابتة، لمخالفتها لأصول الشريعة من وجوه (1) :\rمنها ـ أن اليمين لا تجوز إلا على ما علم قطعاً أوشوهد حساً.\rومنها ـ أن البينة على المدعي واليمين على من أنكر.\rومنها ـ أن حديث سهل السابق الوارد بها ليس فيه حكم بها، وإنما كانت القسامة من أحكام الجاهلية، فتلطف بهم النبي صلّى الله عليه وسلم ليريهم كيفية بطلانها.\rوالجواب: أن القسامة ثبتت بحديث خاص، فلا يترك العمل بها من أجل الدليل العام، فتكون مخصصة له، لما فيها من حفظ الدماء، وزجر المعتدين، وتعذر قيام الشهادة على القتل حيث يرتكبه القاتل غالباً في الخفاء، وأما دعوى أن النبي قال ذلك للتلطف بهم في بيان بطلانها، فمردود، لثبوتها في أحاديث ووقائع أخرى، منها حديث أبي سلمة المتقدم الذي أقر به النبي صلّى الله عليه وسلم القسامة على ما كانت عليه في الجاهلية.\r-------------------------------\r(1) نيل الأوطار: 36/7، بداية المجتهد: 419/2.","part":7,"page":706},{"id":4992,"text":"المطلب الرابع ـ محل القسامة ومتى تكون؟\rلا تكون القسامة إلا في جريمة القتل فقط أياً كان نوع القتل عمداً أو خطأ أو شبه عمد، دون بقية الاعتداءات على النفس من قطع أو جرح أو تعطيل منفعة عضو؛ لأن النص ورد في القتل، فيقتصر في القسامة على محل ورودها، وعلى هذا تثبت الجراح بالاعتراف والشهادة، ولا قسامة في الجراح.\rكما لا تكون عند الحنفية (1) إلا إذا كان القاتل مجهولاً، فإن كان معلوماً فلا قسامة، ويجب حينئذ القصاص أو الدية.\rولا تكون القسامة عند الجمهور (المالكية والشافعية والحنابلة) (2) إلا إذا كان هناك لوث (أو لطخ، أو شبهة) ولم توجد بينة للمدعي في تعيين القاتل، ولا إقرار.\rواللوث كما عرفه المالكية: هو الأمر الذي ينشأ عنه غلبة الظن بوقوع المدعى به، أو الأمر الذي ينشأ عنه غلبة الظن بأنه قتل. وذكروا له أمثلة خمسة يظهر منها تعيين القاتل بدليل غير كاف لإثبات القتل، وهي:\r1 - أن يقول المجروح المُدمى البالغ الحر المسلم: دمي عند فلان، مع وجود الجرح وأثر الضرب، أو يقول: قتلني فلان، سواء أكان الْمُدمى عدلاً أم فاسقاً (مسخوطاً). والتدمية في العمد لوث باتفاق المالكية. وفيها قولان في الخطأ، أرجحهما أنها لوث.\r2 - شهادة عدلين على معاينة الضرب أو الجرح، أو على إقرار المُدمى في المثال الأول.\r3 - شهادة واحد على معاينة الجرح أوالضرب.\r4 - شهادة واحد على معاينة القتل.\r5 - أن يوجد القتيل، وبقربه شخص عليه أثر القتل.\r-------------------------------\r(1) البدائع: 288/7، تكملة فتح القدير: 383/8، تبيين الحقائق: 169/6.\r(2) الشرح الكبير للدردير: 287/4، بداية المجتهد: 422/2، مغني المحتاج: 111/4 ومابعدها، نهاية المحتاج: 105/7، المهذب: 318/2 ومابعده، المغني: 68/8، كشاف القناع: 68/6، القوانين الفقهية: ص 349.","part":7,"page":707},{"id":4993,"text":"وعرفه الشافعية: بأنه قرينة حالية أو مقالية لصدق المدعي، أو هو أن يوجد معنى يغلب معه على الظن صدق المدعي، كأن وجد قتيل أو بعضه كرأسه في مَحَلَّة، أو قرية صغيرة، بينها وبين قبيلة المقتول عداوة دينية أو دنيوية، ولا يعرف قاتله، ولا بينة بقتله. أو وجد قتيل تفرق عنه جمع كأن ازدحموا على بئر أو على باب الكعبة، ثم تفرقوا عن قتيل، لقوة الظن أنهم قتلوه، ولا يشترط هنا كونهم أعداء، لكن يشترط أن يكونوا محصورين بحيث يتصور اجتماعهم على القتيل. وإلا لم تسمع الدعوى ولا قسامة. والتحام قتال بين صفين أو وصول سلاح في أحدهما للآخر: لوث في حق الصف الآخر، وشهادة العدل الواحد أو النساء، وقول فسقة وصبيان وكفار: لوث في الأصح. وعرف الحنابلة اللوث: بأنه العداوة الظاهرة بين المقتول والمدعى عليه، لنحو ما كان بين الأنصار ويهود خيبر، وما يكون بين القبائل والأحياء وأهل القرى الذين بينهم الدماء، وما بين البغاة وأهل العدل، وما بين الشرطة واللصوص، وكل من بينه وبين المقتول ضغن يغلب على الظن أنه قتله، فإن لم تكن عداوة ظاهرة بين المتهم والمقتول ولكن غلب على الظن صدق المدعي كتفرق جماعة عن قتيل أو في زحام أو شهد نساء وصبيان وفساق أو عدل فليس لوثاً. وإن ادعى شخص القتل من غير وجود عداوة، فلا بد من تعيين المدعى عليه. وإذا رفعت الدعوى على عدد غير معين لم تسمع الدعوى، كما قال الشافعية.\rوبهذا يظهر أن المالكية يرون أن وجود القتيل في المحلة ليس لوثاً، وإن كانت هنالك عداوة بين القوم الذين منهم القتيل، وبين أهل المحلة. ويعتبرون ادعاء المجني عليه على المتهم قبل وفاته لوثاً، وهذا هو التدمية في العمد: وهو قول المقتول: فلان قتلني أو دمي عند فلان. ولا يعتبره الشافعية وسائر العلماء لوثاً. والإشاعة المتواترة على ألسنة الخاص والعام أن فلاناً قتله: لوث عند الشافعية، وليست لوثاً عند المالكية.\rوالخلاصة أن اللوث: هو أمارة غير قاطعة على القتل، ولكن حالات اللوث مختلف فيها بين الجمهور.","part":7,"page":708},{"id":4994,"text":"المطلب الخامس ـ شروط القسامة :\rاشترط الحنفية (1) في القسامة سبعة شروط هي ما يأتي:\r1ً - أن يكون بالقتيل أثر القتل من جراحة أو أثر ضرب أو خنق، فإن لم يكن شيء من ذلك فلا قسامة فيه ولا دية، لأنه إذا لم يكن به أثر القتل، فالظاهر أنه مات حتف أنفه، فلا يجب به شيء. فإذا وجد والدم يخرج من فمه أو من أنفه أو دبره، أو ذكره، لا شيء فيه؛ لأن الدم يخرج من هذه المواضع عادة بدون الضرب، وإنما بسبب القيء أو الرعاف ونحوهما، فلا يعرف كونه قتيلاً.\rوإن كان الدم يخرج من عينه أو أذنه، ففيه القسامة والدية؛ لأن الدم لا يخرج من هذه المواضع عادة، فكان خروجه بسبب القتل. وعلى هذا لا يشترط الحنفية: اللوث، وإنما يكفي أن توجد الجثة في محلها وبها أثر القتل.\rوقال جمهور الفقهاء غير الحنفية (2) : يشترط للقسامة وجود لوث، ولكن ليس من شرط اللوث قرينة القتل أن يكون بالقتيل أثر، بل لا بد من تحقق الموت قتلاً بسبب، لا قضاءً وقدراً محضاً؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلم لم يسأل الأنصار في قتيل خيبر، هل كان بقتيلهم أثر أو لا، ولأن القتل يحصل بما لا أثر له كالخنق وعصر الخصيتين. ومن به أثر قد يموت حتف أنفه لسقطته أوصرعته أو يقتل نفسه.\r2ً - أن يكون القاتل مجهولاً، فإن علم فلا قسامة فيه، ولكن يجب القصاص بشروطه في القتل العمد، وتجب الدية في شبه العمد والخطأ ونحوهما.\r3ً - أن يكون القتيل من بني آدم، فلا قسامة في بهيمة وجدت في محلة قوم، ولا غرم فيها.\r4ً - رفع الدعوى إلى القضاء من أولياء القتيل؛ لأن القسامة يمين، واليمين لاتجب من دون الدعوى، كما في كل الدعاوى.\r-------------------------------\r(1) البدائع: 287/7-290، الكتاب مع اللباب: 173/3، تبيين الحقائق: 171/6، الدر المختار: 443/5 ومابعدها.\r(2) الشرح الكبير للدردير: 287/4، مغني المحتاج: 111/4، المغني: 71/8، القوانين الفقهية: ص349.","part":7,"page":709},{"id":4995,"text":"واشترط المالكية والشافعية والحنابلة (1) اتفاق الأولياء على الدعوى، فإن اختلفوا لم تثبت القسامة. وعبر الشافعية عن ذلك بقولهم: ألا تتناقض دعوى المدعي، فلو ادعى على شخص انفراده بالقتل، ثم ادعى على آخر أنه شريكه أو أنه القاتل منفرداً، لم تسمع الدعوى الثانية، لمناقضتها الدعوى الأولى (2) .\r5ً - إنكار المدعى عليه؛ لأن اليمين وظيفة المنكر، فإن اعترف فلا قسامة.\r6ً - المطالبة بالقسامة؛ لأنها أيمان، واليمين حق المدعي، وحق الإنسان يوفى عند طلبه، كما في سائر الأيمان. ولهذا يختار أولياء القتيل من يتهمونه. ولو طولب من عليه القسامة، فنكل عن اليمين حبس حتى يحلف أو يقر؛ لأن اليمين حق مقصود بنفسه، لا أنه وسيلة إلى المقصود، وهو الدية، بدليل أنه يجمع بينه وبين الدية. قال الحارث بن الأزمع لسيدنا عمر رضي الله عنه: «أنبذل أيماننا وأموالنا؟ فقال: نعم» . وذلك بخلاف اليمين في سائر الحقوق فإنها ليست مقصودة بنفسها، بل هي وسيلة إلى المقصود، وهو المال المدعى ، فلا يجمع بينهما، فلو حلف المنكر أو المدعى عليه برئ.\r-------------------------------\r(1) المغني: 71/8 وما بعدها، كشاف القناع: 70/6، مغني المحتاج: 110/4، الدردير: 288/4.\r(2) هذا وقد اشترط الشافعية في كل دعوى بدم أو غيره كغصب وسرقة وإتلاف ستة شروط وهي ما يأتي:\r1ً - أن يكون محل الدعوى معلوماً غالباً بأن يفصّل المدعي ما يدعيه من عمد وخطأ وشبه عمد، ومن انفراد وشركة وعدد الشركاء.\r2ً - أن يكون موضوع الدعوى ملزماً، فلا تسمع دعوى هبة شيء أو بيعه أوإقراره به حتى يقول: وقبضته بإذن الواهب، ويلزم البائع أو المقر التسليم إلي.\r3ً - أن يعين المدعي في دعواه المدعى عليه، واحداً كان أو جمعاً معيناً كثلاثة حاضرين.\r4ً - أن يكون المدعي مكلفاً (بالغاً عاقلاً) حالة الادعاء، فلا تسمع دعوى صبي ولا مجنون، ولا سكرانٍ متعدٍ بسكره.\r5ً - أن يكون المدعى عليه أيضاً مكلفاً مثل المدعي، فلا تصح الدعوى على صبي ومجنون.\r6ً - ألا تتناقض دعوى المدعي (راجع مغني المحتاج: 109/4 وما بعدها).","part":7,"page":710},{"id":4996,"text":"7ً - أن يكون الموضع الذي وجد فيه القتيل مملوكاً لأحد الناس، أو في حيازة أحد، وإلا فلا قسامة ولا دية؛ لأن كل واحدة منهما تجب بترك الحفظ اللازم، فإذا لم يكن المحل ملك أحد أو في يد أحد، لا يلزم أحد بحفظه، فلا تجب القسامة والدية. وإنما تجب الدية في بيت المال؛ لأن حفظ المكان العام على العامة أو الجماعة، ومال بيت المال مالهم.\rوتطبيقات ذلك في الأمثلة التالية (1) :\rـ إذا وجد قتيل في فلاة (صحراء أو برية) من الأرض، ليست ملكاً لأحد، فإن كان موضعه في مكان يسمع فيه الصوت من قرية أوبلد، فعليهم القسامة. وإن كان في مكان لا يسمع فيه الصوت، فلا قسامة فيه ولا دية على أحد. وإنما تؤخذ ديته من بيت المال.\rـ إن وجد القتيل في وسط نهر عظيم كدجلة والفرات والنيل، وكان يجري على سطح الماء، فلا قسامة ولا دية على أحد؛ لأن النهر العظيم ليس ملكاً لأحد، ولا في يد أحد. وإنما تجب الدية في بيت المال.\rوأما إذا لم يكن يجري على سطح الماء، وكان محتبساً بالشاطئ (جانب النهر) أو في جزيرة، فالقسامة على أقرب القرى من ذلك المكان إذا كانوا يسمعون الصوت؛ لأنهم مسؤولون عن نصرة هذا الموضع، وهو تحت تصرفهم، فكان في أيديهم.\rوأما إن وجد في نهر صغير، فالقسامة والدية على أهل النهر؛ لأن النهر مملوك لهم.\r-------------------------------\r(1) البدائع: 289/7 ومابعدها، اللباب: 174/3-176، تكملة فتح القدير: 392/8-396، الدر المختار: 445/5 وما بعدها، 448.","part":7,"page":711},{"id":4997,"text":"ـ ولا قسامة في قتيل يوجد في المساجد الجامعة العامة، أو الشوارع أوالجسور أو الأسواق العامة، أو في السجن؛ لأن هذه الأماكن ليست مملوكة لأحد، ولا في يد أحد.والدية في بيت المال.\rفإن كان في مسجد مَحلَّة، فالقسامة على أهلها.\rـ وإن وجد القتيل في سفينة، فالقسامة على من فيها من الركاب والملاحين؛ لأنها في أيديهم.\rوالسيارة أو العربة مثل السفينة.\rوإذا وجد القتيل على دابة، ومعها رجل قائد أو سائق أو راكب، فالقسامة عليه، والدية على عاقلته، دون أهل المحلة؛ لأنها في يده.\rومثله، لو وجد القتيل في دار إنسان: القسامة عليه، والدية على عاقلته.\rفإن وجد على دابة تسير، وليس في يد أحد، فلا قسامة ولا دية، وإنما الدية على بيت المال.\rـ وإن وجد القتيل بين قريتين، بحيث يبلغ الصوت أهل كل منهما، ليتمكنوا من النصرة، فالقسامة والدية على أقربهما إليه.\rوالخلاصة: أن كل مكان يكون التصرف فيه لعامة المسلمين لا لواحد منهم ولا لجماعة يحصون، لا قسامة ولا دية على أحد، وإنما الدية على بيت المال؛ لأن الغرم بالغنم.","part":7,"page":712},{"id":4998,"text":"المطلب السادس ـ كيفية القسامة (صيغتها وحالفها ) :\rاختلف الفقهاء فيمن يبدأ بحلف الأيمان الخمسين، هل المدعون أو المدعى عليهم؟\r1ً - قال الحنفية (1) : يبدأ بتحليف المدعى عليهم، كما هو الأصل في أن اليمين على المدعى عليه، ويتخيرهم ولي الدم؛ لأن اليمين حقه، فيختار من يتهمه بالقتل، فيحلف كل واحد منهم: «بالله ما قتلته، ولاعلمت له قاتلاً» .\rواستدلوا بما أخرجه البخاري عن سعيد بن عبيد الطائي، عن بشير بن يسار: «أن رجلاً من الأنصار يقال له سهل بن أبي حَثْمة» روى حديثاً وفيه «فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلم : تأتون بالبينة على من قتله؟ قالوا: ما لنا بينة، قال: فيحلفون لكم، قالوا: ما نرضى بأيمان يهود، وكره رسول الله صلّى الله عليه وسلم أن يبطل دمه، فوداه بمائة بعير من إبل الصدقة» (2) .\rواحتجوا أيضاً بما أخرجه البخاري وأبو داود عن أبي سلمة وسليمان بن يسار عن رجال من الأنصار: «أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم قال ليهود، وبدأ بهم: يحلف منكم خمسون رجلاً (أي خمسين يميناً) فأبوا، فقال للأنصار: احلفوا، فقالوا: نحلف على الغيب يا رسول الله ؟! فجعلها رسول الله صلّى الله عليه وسلم دية على يهود؛ لأنه وجد بين أظهرهم» (3) .\rواستدل الكاساني (4) بما روي عن زياد بن أبي مريم أنه قال: « جاء رجل إلى النبي صلّى الله عليه وسلم ، فقال: يا رسول الله ، إني وجدت أخي قتيلاً في بني فلان، فقال عليه الصلاة والسلام: اجمع منهم خمسين، فيحلفون بالله : ما قتلوه، ولا علموا له قاتلاً، فقال: يا رسول الله ، ليس لي من أخي إلا هذا؟ فقال: بل لك مئة من\r-------------------------------\r(1) البدائع: 286/7، اللباب مع الكتاب: 172/3، تبيين الحقائق: 170/6\r(2) نصب الراية: 392/4\r(3) نصب الراية، المكان السابق، قال ابن رشد في بداية المجتهد: 421/2: وهو حديث صحيح الإسناد؛ لأنه رواه الثقات عن الزهري عن أبي سلمة بن أبي عبد الرحمن.\r(4) البدائع: 286/7.","part":7,"page":713},{"id":4999,"text":"الإبل» (1) فدل الحديث على وجوب القسامة على المدعى عليهم، وهم أهل المحلة، وعلى وجوب الدية عليهم مع القسامة.\rفإن حلفوا قضي عليهم (أي على أهل المحلة) بالدية في القتل العمد، وعلى عاقلتهم (عاقلة أهل المحلة) في القتل الخطأ.\rوإن امتنع المدعى عليهم أو بعضهم عن الحلف، حبسوا حتى يحلفوا؛ لأن اليمين فيه مستحقة لذاتها، تعظيماً لأمر الدم (2) .\r2ً - وقال المالكية والشافعية والحنابلة وداود الظاهري (3) : يبدأ المدعون أولياء القتيل بالأيمان الخمسين، عملاً بحديث سهل بن أبي حثمة المتقدم، وفيه: «أتحلفون خمسين يميناً، وتستحقون دم صاحبكم؟» فيحلف كل ولي (بالغ عاقل) منهم أمام الحاكم والمدعى عليه، وفي المسجد الأعظم بعد الصلاة عند اجتماع الناس: «بالله الذي لا إله إلا هو: لقد ضربه فلان فمات، أو لقد قتله فلان» . ويشترط أن تكون اليمين قاطعة (على البت) في ارتكاب المتهم الجريمة.\rويشترط عند المالكية (4) أن تكون الأيمان متوالية، فلا تفرق على أيام أوأوقات؛ لأن للموالاة أثراً في الزجر والردع.\rولا يشترط عند الشافعية على المذهب والحنابلة (5) موالاتها؛ لأن الأيمان من جنس الحجج، والحجج يجوز تفريقها، كما لو شهد الشهود متفرقين.\rفإذا لم يحلف المدعون، حلف المدعى عليه خمسين، وبرئ، فيقول: «والله ما قتلته، ولا شاركت في قتله، ولا تسببت في موته» لقول النبي صلّى الله عليه وسلم : «فتبرئكم يهود بأيمان خمسين منهم» أي يتبرؤون منكم.\r-------------------------------\r(1) هذا الحديث غريب كما قال الزيلعي في نصب الراية: 393/4 ومابعدها.\r(2) البدائع: 289/7، اللباب مع الكتاب: 172/3، تكملة فتح القدير: 388/8، تبيين الحقائق: 170/6.\r(3) بداية المجتهد: 421/2، الدردير: 289/4 ومابعدها، 293، مغني المحتاج: 114/4-116، المغني: 68/8، 77، كشاف القناع: 8/6، القوانين الفقهية: ص 348.\r(4) الدردير: 293/4.\r(5) مغني المحتاج: 115/4، كشاف القناع: 76/6.","part":7,"page":714},{"id":5000,"text":"فإن لم يحلف المدعون، ولم يرضوا بيمين المدعى عليه، برئ المتهم، وكانت دية القتيل في بيت المال عند الحنابلة (1) ، خلافاً للمالكية والشافعية.\rوإن نكل (امتنع) المدعى عليه عن اليمين، ردت الأيمان عند الشافعية (2) على المدعين، فإن حلفوا عوقب المدعى عليه، وإن لم يحلفوا لا شيء لهم.\rوعند المالكية (3) : من نكل من المدعى عليهم، حبس حتى يحلف أو يموت في السجن، وقيل: يجلد مئة ويحبس عاماً.\rولا يحبس عليها عندالحنابلة (4) كسائر الأيمان.\rالمطلب السابع ـ من تجب عليه القسامة (أو من يدخل القسامة ) :\rتجب القسامة على الورثة كلهم عند بعض الفقهاء وعلى بعض الورثة عند آخرين.\r1ً - قال الحنفية (5) : الحالف هو المدعى عليه، وتجب أيمان القسامة على بعض الورثة وهم الرجال البالغون، فلا قسامة على صبي أو مجنون أو امرأة؛ لأن سبب وجوبها هو التقصير في النصرة، وعدم حفظ موضع القتل، وهؤلاء ليسوا أهلاً لذلك.\rوالصبي أو المجنون لا يدخل في القسامة في أي موضع وجد القتيل، سواء وجد في غير ملكه، أو في ملكه. أما اشتراكه في الدية مع العاقلة فيدخل معها إن وجد القتيل في ملكه؛ لأن وجوده في ملكه كمباشرته القتل، والصبي والمجنون مؤاخذان بضمان الأفعال المالي.\rوالمرأة لا تدخل في القسامة والدية في قتيل يوجد في غير ملكها. أما إن وجد في دارها أو في قرية لها، ليس بها غيرها، فعليها القسامة؛ لأنها أهل لليمين، فتستحلف وتكرر عليها الأيمان في قول الطرفين (أبي حنيفة ومحمد). وقال أبو يوسف: لا قسامة عليها، وإنما على عاقلتها؛ لأنها ليست من أهل النصرة.\rوتدخل المرأة مع العاقلة في الدية في هذه المسألة، استثناء من نظام العاقلة.\rولا يحلف ولي القتيل مع أهل المحلة، ولا يقضى له بالجناية بيمينه؛ لأن اليمين شرعت للدفع، لا للاستحقاق.\r-------------------------------\r(1) المغني: 78/8.\r(2) مغني المحتاج: 116/4.\r(3) الشرح الكبير للدردير: 296/4، القوانين الفقهية: ص 348.\r(4) المغني: 87/8.\r(5) البدائع: 294/7، تكملة الفتح: 386/8، 389 ومابعدها، تبيين الحقائق: 171/6، الدر المختار: 444/6، 446 ومابعدها.","part":7,"page":715},{"id":5001,"text":"والقسامة والدية تجبان على الأقرب من عاقلة من وجد القتيل فيهم،فرب الدار وقومه أخص، ثم أهل المحلة، ثم أهل المصر. وقوم الشخص أو قبيلته يرتبون أيضاً: الأقرب فالأقرب.\rولا يدخل عند أبي حنيفة ومحمد السكان (كالمستأجرين والمستعيرين) مع الملاك في القسامة؛ لأن المالك هو المختص بنصرة البقعة دون السكان. وقال أبو يوسف: هي عليهم جميعاً؛ لأن ولاية التدبير تكون بالسكنى وبالملك. والقسامة عند الطرفين على أهل الخطة (1) دون المشترين، ولو بقي من أهل الخطة واحد. وقال أبو يوسف: الكل مشتركون؛ لأن ضمان الشيء إنما يجب بترك الحفظ، ممن له ولاية الحفظ، والولاية تتحقق بالملك، والكل هنا ملاك. ويظهر أن هذا الرأي في الظروف الحاضرة هو الأولى بالاتباع (2) .\rوإذا حلف أهل المحلة وجبت الدية في مالهم إن كانت الدعوى في قتل عمد، وعلى عواقلهم إن كانت في قتل خطأ.\rوإذا كان مكان وجود القتيل مملوكاً تجب القسامة على الملاك، والدية على عاقلتهم، وإذا لم يكمل أهل المحلة خمسين رجلاً، كررت الأيمان عليهم حتى يتم خمسون يميناً؛ لأنها الواجبة بالسنة، فيجب إتمامها ما أمكن. ولا يبحث عن فائدة تكرار الأيمان على هذا النحو، لثبوتها هكذا بالسنة.\r2ً - والمالكية (3) فرقوا بين نوعي القتيل: العمد والخطأ، فقالوا:\rفي الخطأ: يحلف أيمان القسامة ورثة القتيل، وإن كان الوارث واحداً أوامرأة أو أخاً أو أختاً لأم، وإذا تعدد الورثة توزع الأيمان على قدر الميراث، ويجبر الكسر واحداً على صاحب الكسر الأكثر، وينتظر حضور الغائب حتى يحلف، والصبي حتي يبلغ، فيحلف حصته من أيمان القسامة فقط، وأخذ نصيبه من الدية. وإن نكل ورثة المقتول خطأ حلفت عاقلة القاتل، كل واحد منهم يميناً واحدة. فإن لم\r-------------------------------\r(1) الخِطة: ما اختط للبناء، والمراد هنا: ما خطه الإمام حين فتح البلدة وقسمها بين الغانمين. والمقصود بما خطه الإمام: أي ما أفرزه وميزه من أراض وأعطاه لأحد الناس.\r(2) قال ابن عابدين في رد المحتار: 447/5: والحاصل أنه إذا كان في محلة أملاك قديمة وحديثة وسكان، فالقسامة على القديمة دون أخويها؛ لأنه إنما يكون ولاية تدبير المحلة إليهم. وإذا كان فيها أملاك حديثة وسكان فعلى الحديثة. وإذا كان سكان فلا شيء عليهم. قال في شرح الطحاوي: قيل هذا في عرفهم، وأما في عرفنا فعلى المشترين؛ لأن التدبير إليهم.\r(3) الشرح الكبير: 293/4 ومابعدها، القوانين الفقهية: ص 348 ومابعدها.","part":7,"page":716},{"id":5002,"text":"يكن عاقلة حلف الجاني الخمسين وبرئ، فإن نكل غرم حصته، وإن نكل بعض الورثة حلف البعض الآخر جميع الأيمان، وأخذ حصته فقط من الدية.\rومن نكل من العاقلة يغرم حصته فقط من الدية للناكلين من ورثة القتيل.\rوأما في القتل العمد: فيحلف العصبة من النسب، سواء ورثوا أم لا. ولا يحلف أقل من رجلين منهم. ولا يحلف النساء في العمد لعدم قبول شهادتهن فيه. فإن لم يوجد غيرالنساء، صار المقتول كمن لا وارث له، فترد الأيمان على المدعى عليه، فيحلف خمسين يميناً أنه: ما قتل.\r3ً - وقال الشافعية (1) : يشترك جميع الورثة رجالاً ونساءً في أيمان القسامة، وتوزع الأيمان الخمسون عليهم بحسب أنصبائهم من الإرث. ويجبر الكسر للواحد.\r4ً - وقال الحنابلة (2) : تختص الأيمان بالورثة الذكور المكلفين، وهم ذوو الفروض والعصبات على قدر إرثهم إن كانوا جماعة، ويجبر الكسر واحداً، وإن كان الوارث واحداً حلفها أي الخمسين يميناً، ولا يدخل في القسامة: النساء والصبيان والمجانين، لقول النبي صلّى الله عليه وسلم : «يقسم خمسون رجلاً منكم، وتستحقون دم صاحبكم» ولأن القسامة حجة يثبت بها قتل العمد، فلا تسمع من النساء كالشهادة، ولأن الصبي أو المجنون لا يثبت بقوله حجة، فلو أقر أحدهما على نفسه لم يقبل إقراره، فلأن لا يقبل قوله في حق غيره أولى.\r-------------------------------\r(1) مغني المحتاج: 115/4.\r(2) كشاف القناع: 74/6، المغني: 80/8.","part":7,"page":717},{"id":5003,"text":"المطلب الثامن ـ مايجب بالقسامة (أو الأثر المترتب عليها ) :\rاتفق الفقهاء على أن الدية تجب بالقسامة على العاقلة في القتل خطأ أو شبه عمد، مخففة في الأول، ومغلظة في الثاني.\rأما في القتل العمد: فيرى الحنفية، والشافعية في المذهب الجديد (1) : أنه لايجب القصاص، وإنما تجب الدية حالَّة في مال المقسم عليه (المتهم)، لخبر البخاري: «إما أن تدوا صاحبكم، أو تأذنوا بحرب» فقد أطلق النبي صلّى الله عليه وسلم إيجاب الدية، ولم يفصل بين العمد والخطأ، ولو صلحت أيمان القسامة لإيجاب القصاص لذكره النبي صلّى الله عليه وسلم ، ولأن القسامة حجة ضعيفة، مشتملة على شبهة؛ لأن اليمين تفيد غلبة الظن، فلا توجب القصاص، احتياطاً لأمر الدماء التي لا تراق بالشبهة، كالإثبات بالشاهد واليمين.\rوقد روي إيجاب الدية عن عمر وعلي في قتيل وجد بين قريتين على أقربهما إليه.\rوقال المالكية والحنابلة (2) : يجب القصاص بالقسامة في القتل العمد. لكن عند المالكية: إذا تعدد المتهمون لا يقتل بالقسامة أكثر من واحد. وعند الحنابلة: لا قصاص إذا وجد مانع يمنع منه كعدم المكافأة. غير أن هذا القيد في كل قصاص.\r-------------------------------\r(1) تكملة فتح القدير: 388/8، الدر المختار ورد المحتار: 446/5 ومابعدها، اللباب شرح الكتاب: 172/3، مغني المحتاج: 116/4 ومابعدها.\r(2) بداية المجتهد: 423/2، الشرح الكبير للدردير: 288/4، 297، كشاف القناع: 76/6، المغني: 68/8 وما بعدها، 77، 85.","part":7,"page":718},{"id":5004,"text":"واستدلوا على إيجاب القصاص بخبر الصحيحين: «أتحلفون وتستحقون دم صاحبكم» أي دم قاتل صاحبكم (1) ، وفي رواية «فيدفع إليكم برمته» وفي لفظ مسلم: «فيسلَّم إليكم» ولأن القسامة حجة يثبت بها العمد، أي القصد بالاتفاق، فيثبت بها القصاص كشهادة الرجلين. وقد روى الأثرم بإسناده عن عامر الأحول: «أن النبي صلّى الله عليه وسلم أقاد بالقسامة بالطائف» .\rانتهى الجزء السابع\rويتبعه الجزء الثامن\rتتمة الفقه العام\rالجهاد وتوابعه - القضاء\r-------------------------------\r(1) وأجاب الشافعي في الجديد عن الحديث بأن التقدير: بدل دم صاحبكم.","part":7,"page":719},{"id":5005,"text":"......................................الفِقْهُ الإسلاميُّ وأدلَّتُهُ...............................\r.........................................الجزء الثامن.....................................\rالبَابُ الرَّابع: الجهاد وتوابعه\rويشتمل على أربعة فصول:\r1 - حكم الجهاد وقواعده.\r2 - انتهاء الحرب بالإسلام أو بالمعاهدات.\r3 - حكم الأنفال والغنائم.\r4 - حكم الأسرى والسبي.\rالفَصْلُ الأوَّل: حكم الجهاد وقواعده\rيتكلم الفقهاء عادة عن العلاقات الدولية العامة والخاصة بين المسلمين وغيرهم فيما يسمونه «كتاب السِّيَر» (1) . والسير: جميع سيرة، وهي السنة والطريقة، ويقصد بها هنا سيرة الرسول صلّى الله عليه وسلم في غزواته، وذلك يشمل البحث في حقيقة الجهاد والمكفلين بالقتال وواجبات المسلمين قبل بدء المعركة وفي أثنائها وبعد انتهائها، وحكم المعاهدات من أمان وهدنة وعقد ذمة، وحكم الأنفال والغنائم وكيفية تقسيم خمس الغنيمة، وحكم أموال المسلمين التي استولى عليها الأعداء، وحكم الأسرى، وحكم المرتدين.\rوسأذكر هنا هذه الموضوعات مجملة؛ لأن تفصيلها يحتاج إلى مؤلف ضخم (2) .\rمعنى الجهاد: الجهاد لغة: بذل الجهد وهو الوسع والطاقة: مأخوذ من الجهد بالضم، أوا لمبالغة في العمل: مأخوذ من الجهد بالفتح. واصطلاحاً عند الحنفية: هو الدعاء إلى الدين الحق وقتال من لم يقبله بالمال والنفس، قال الله تعالى: {انفروا خفافاً وثقالاً ، وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله، ذلكم خير لكم\r-------------------------------\r(1) السير: بكسر السين وفتح الياء. وللإمام محمد بن الحسن كتابان: «السير الكبير» و «السير الصغير» من كتب ظاهر الرواية، وقد وصفت بصفة المذكر لقيامها مقام المضاف الذي هو الكتاب.\r(2) انظر آثار الحرب في الفقه الإسلامي ـ رسالتنا التي حصلنا بها على درجة الدكتوراه في الحقوق بمرتبة الشرف الأولى مع التبادل مع الجامعات الأجنبية، ط ثالثة.","part":8,"page":1},{"id":5006,"text":"إن كنتم تعلمون} [التوبة:41/9] وقال سبحانه: {إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتِلون في سبيل الله ، فيَقتلون ويُقتلون وعداً عليه حقاً في التوراة والإنجيل والقرآن، ومن أوفى بعهده من الله ، فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به، وذلك هو الفوز العظيم} [التوبة:111/9] (1) .\rوعرفه غير الحنفية بما يقارب هذا التعريف، فقال الشافعية مثلاً: «هو قتال الكفار لنصرة الإسلام» (2) .\rوأنسب تعريف للجهاد شرعاً أنه: بذل الوسع والطاقة في قتال الكفار ومدافعتهم بالنفس والمال واللسان.\rفالجهاد يكون بالتعليم وتعلم أحكام الإسلام ونشرها بين الناس، وببذل المال، وبالمشاركة في قتال الأعداء إذا أعلن الإمام الجهاد، أخرج أبو داود عن أنس ابن مالك رضي الله عنه عن النبي صلّى الله عليه وسلم قال: «جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم» .\rفضل الجهاد ومنزلته في الإسلام :\rالجهاد في الإسلام ذروة سنامه، وسياج مبادئه، وطريق الحفاظ على بلاد الإسلام والمسلمين. فهو من أهم مبادئ الإسلام العظمى؛ لأنه سبيل العزة والكرامة والسيادة، لهذا كان فريضة محكمة، وأمراً ماضياً إلى يوم القيامة، وما ترك قوم الجهاد إلا ذَلّوا وغُزوا في عقر دارهم وخذلهم الله ، وسلط عليهم شرار الناس وأراذلهم.\r-------------------------------\r(1) البدائع: 97/7، فتح القدير: 276/4 وما بعدها، الدر المختار: 238/3.\r(2) حاشية الشرقاوي على تحفة الطلاب: 391/2، وانظر آثار الحرب للمؤلف: ص 31 وما بعدها.","part":8,"page":2},{"id":5007,"text":"قال تعالى: {وجاهدوا في الله حق جهاده} [الحج:78/22] {إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة، يقاتلون في سبيل الله ، فيَقْتلون ويُقْتلون، وعداً عليه حقاً في التوراة والإنجيل والقرآن، ومن أوفى بعهده من الله ، فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به، وذلك هو الفوز العظيم} [التوبة:111/9].\rثم وردت أحاديث نبوية كثيرة تبين فضل الجهاد، وأنه أفضل الأعمال عند الله تعالى، سئل رسول الله صلّى الله عليه وسلم : «أي العمل أفضل؟ قال: إيمان بالله ورسوله، قيل: ثم ماذا؟ قال: الجهاد في سبيل الله ، قيل: ثم ماذا؟ قال: حج مبرور» (1) . وقال النبي صلّى الله عليه وسلم : «لغدوة أو روحة في سبيل الله خير من الدنيا وما فيها» (2) .\rوالمجاهد الذي يجود أو يضحي بنفسه في سبيل الله ، سبيل الجماعة والقيم العليا، يتمتع بالخلود والرفعة والمكانة في تاريخ البشرية وعند الله تعالى حيث يجعله في مصاف الأنبياء والمرسلين، قال الله تعالى: {ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً، بل أحياء عند ربهم يرزقون. فرحين بما آتاهم الله من فضله، ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خَلْفهم ألاَّ خوف عليهم ولا هم يحزنون} [آل عمران:169/3-170].\rولقد تمنى نبي الله أن يحوز درجة الشهادة في سبيل الله ، فقال: «والذي نفس محمد بيده، لوددت أن أغزو في سبيل الله ، فأُقتل،ثم أغزو فأقتل، ثم أغزو فأقتل» (3) وقال: «يغفر للشهيد كل ذنب إلا الدَّيْن» (4) . بل إن الشهيد نفسه يتمنى\r-------------------------------\r(1) رواه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن خزيمة في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه.\r(2) رواه الشيخان وغيرهما عن أنس بن مالك رضي الله عنه.\r(3) رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه.\r(4) رواه مسلم عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما.","part":8,"page":3},{"id":5008,"text":"العودة إلى دار الدنيا، قال النبي صلّى الله عليه وسلم : «ما أحد يدخل الجنة يحب أن يرجع إلى الدنيا وإن له ما على الأرض من شيء، إلا الشهيد فإنه يتمنى أن يرجع إلى الدنيا، فيقتل عشر مرات لما يرى من الكرامة» (1) .\rوعقد الرسول الكريم مقارنة دقيقة بين قتلى الحرب فقال (2) : «القتلى ثلاثة رجال: رجل مؤمن جاهد بنفسه وماله في سبيل الله ، حتى إذا لقي العدو قاتلهم حتى يقتل، ذلك الشهيد الممتحن، في خيمة الله تحت عرشه، لا يفضله النبيون إلا بدرجة النبوة. ورجل مؤمن قَرَف (3) على نفسه من الخطايا، جاهد بنفسه وماله في سبيل الله ، حتى إذا لقي العدو قاتل حتى يقتل، فتلك مصمصة (4) محت ذنوبه وخطاياه، إن السيف محَّاء للخطايا، وأُدخل من أي أبواب الجنة شاء، فإن لها ثمانية أبواب، ولجهنم سبعة أبواب، وبعضها أسفل من بعض. ورجل منافق جاهد بنفسه وماله في سبيل الله ، حتى إذا لقي العدو قاتل حتى يقتل، فذلك في النار، إن السيف لا يمحو النفاق» (5) .\rفريضة الجهاد :\rإن لم يكن النفير عاماً: فالجهاد فرض كفاية، ومعناه أنه يفترض على جميع من هو أهل للجهاد، لكن إذا قام به البعض سقط عن الباقين، لقوله عز وجل: {فضَّل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة، وكلاًّ وعد الله\r-------------------------------\r(1) رواه البخاري ومسلم والترمذي عن أنس رضي الله عنه.\r(2) راجع كتاب الجهاد لعبد الله بن المبارك: ص30.\r(3) قرف الذنب واقترفه، إذا كسبه وعمله.\r(4) أي مطهرة من دنس الخطايا.\r(5) أخرجه من حديث عتبة بن عبد السلمي الدارمي، والطيالسي، وابن حبان والبيهقي وأحمد والطبراني، ورجال أحمد رجال الصحيح خلا أبا المثنى، المملوكي وهو ثقة.","part":8,"page":4},{"id":5009,"text":"الحسنى} [النساء:95/4] الله سبحانه وعد الحسنى كلاًّ من المجاهدين والقاعدين عن الجهاد، ولو كان الجهاد فرض عين لما وعد القاعدين الحسنى؛ لأن القعود يكون حراماً.\rوقوله سبحانه: {وما كان المؤمنون لينفروا كافة، فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين} [التوبة:122/9] الآية، ولأن المقصود من الجهاد ـ وهو الدعوة إلى الإسلام، وإعلاء الدين الحق، ودفع شر الكفرة وقهرهم ـ يحصل بقيام البعض به، فإذا قاموا به يسقط عن الباقين.\rوإن ضعفوا عن مقاومة الكفرة، فعلى من يجاورهم من المسلمين، الأقرب، فالأقرب: أن يجاهدوا معهم وأن يمدوهم بالسلاح والمال.\rولا يجوز للمرأة الاشتراك في الجهاد إلا بإذن زوجها؛ لأن القيام بحقوق الزوجية فرض عين، كما لا يجوز الجهاد للولد بدون إذن أبويه أو أحدهما إذا كان الآخر ميتاً؛ لأن بر الوالدين فرض عين، فيكون مقدماً على فرض الكفاية.\rوأقل الجهاد عند توافر القوة مرة في السنة كإحياء الكعبة، ولقوله تعالى: {أوَ لا يرون أنهم يفتنون في كل عام مرة أو مرتين} [التوبة:126/9] قال مجاهد: نزلت في الجهاد ولفعله صلّى الله عليه وسلم منذ أمر به.\rوكان الجهاد على عهد رسول الله صلّى الله عليه وسلم فرض كفاية، لقوله تعالى: {لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر} ـ إلى قوله تعالى - {وكلاً وعد الله الحسنى} [النساء:4/95] ففاضل سبحانه وتعالى بين المهاجرين والقاعدين ، ووعد كلاً الحسنى، والعاصي لا يوعد بها، ولا يفاضل بين مأجور ومأزور. وأما بعد النبي صلّى الله عليه وسلم فللكفار حالان: أحدهما ـ يكونون ببلادهم ففرض كفاية إذا فعله من فيهم كفاية، سقط الحرج عن الباقين.","part":8,"page":5},{"id":5010,"text":"الثاني ـ يدخلون بلدة لنا، فيلزم أهلها الدفع بالممكن، فإن عجزوا وجب القتال على من بقربهم دون مسافة القصر من البلدة كأهلها، ثم يلزم من بعد ذلك بقدر الكفاية دفعاً عنهم وإنقاذاً لهم. والتقييد بقدر الكفاية دال على أنه لا يجب على الجميع الخروج للقتال، بل إذا صار إليه قوم فيهم كفاية، سقط الحرج عن الباقين (1) .\rفإن كان النفير عاماً: كأن هجم العدو على بلد إسلامي: فالجهاد فرض عين على كل قادر من المسلمين، لقوله سبحانه وتعالى: {انفروا خفافاً وثقالاً} [التوبة:41/9] قيل: نزلت في النفير. وقوله عز وجل: {ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله ، ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه} [التوبة:120/9] فإذا عم النفير خرجت المرأة بغير إذن زوجها، وجاز للولد أن يخرج بدون إذن والديه.\rويتعين الجهاد في ثلاثة أحوال (2) :\rالأول ـ إذا التقى الزحفان وتقابل الصفان، حرم على من حضر الانصراف وتعين عليه المقام، لقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيراً} [الأنفال:45/8].\rالثاني ـ إذا نزل الكفار ببلد، تعين على أهله قتالهم ودفعهم.\rالثالث ـ إذا استنفر الإمام قوماً، لزمهم النفير معه، لقول الله تعالى:\r-------------------------------\r(1) مغني المحتاج: 208/4 - 219، المغني: 348/8.\r(2) المغني: 346/8.","part":8,"page":6},{"id":5011,"text":"{يا أيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثّاقلتم إلى الأرض} [التوبة:38/9] وللحديث المتفق عليه: «إذا استنفرتم فانفروا» .\rوهذا الحكم المذكور في فرضية الجهاد باتفاق الفقهاء (1) .\rشروط الجهاد: يشترط لوجوب الجهاد سبعة شروط (2) : الإسلام، والبلوغ، والعقل، والحرية، والذكورة، والسلامة من الضرر، ووجود النفقة.\rفأما الإسلام والبلوغ والعقل فهي شروط لوجوب سائر الفروع الشرعية. وأما الحرية؛ فلأن النبي كان يبايع الحر على الإسلام والجهاد، ويبايع العبد على الإسلام دون الجهاد.\rوأما الذكورة فلحديث عائشة عند البخاري وغيره: «قلت: يا رسول الله ، نرى الجهاد أفضل الأعمال، أفلا نجاهد؟ فقال: لكن أفضل الجهاد: حج مبرور» . وأما السلامة من الضرر أي العمى والعرج والمرض، فلقوله تعالى: {ليس على الأعمى حرج، ولا على الأعرج حرج، ولا على المريض حرج} [النور:61/24]. وأما وجود النفقة فلقوله تعالى: {ليس على الضعفاء ولاعلى المرضى، ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج إذا نصحوا لله ورسوله} [التوبة:91/9] ولأن الجهاد لا يمكن إلا بآلة ، فتطلب القدرة عليها. وهذا كان في الماضي، وأما في عصرنا فالدولة تمد المجاهد بالسلاح والنفقة.\rالمكلفون بالجهاد: يفترض الجهاد على القادر عليه، فمن لا قدرة له لا جهاد عليه، فلا يطالب بالجهاد: الأعمى، والأعرج، والمريض مرضاً مزمناً أو غير\r-------------------------------\r(1) البدائع: المرجع السابق: ص 98، تبيين الحقائق: 241/3، فتح القدير: 278/4، الدر المختار: 239/3، آثار الحرب: ص 87.\r(2) المغني: 347/8.","part":8,"page":7},{"id":5012,"text":"مزمن، والمقعد (1) والشيخ الهرم، والضعيف والأقطع (2) والذي لا يجد ما ينفق، والصبي، والمرأة والعبد؛ لأن الأخيرين مشغولان بخدمة الزوج والسيد؛ ولأن الصبي غير مكلف، وليس أهلاً للقتال، بدليل ما ورد في الصحيحين عن ابن عمر قال: «عُرضتُ على رسول الله صلّى الله عليه وسلم يوم أحد، وأنا ابن أربع عشرة سنة، فلم يجزني في المقاتلة» الحديث. وأما كون الباقين لاقتال عليهم فلعجزهم، وقد نزل فيهم قوله تعالى: {ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج، ولا على المريض حرج...} [النور:61/24] الآية نزلت في أصحاب الأعذار حين همّوا بالخروج مع النبي صلّى الله عليه وسلم حين نزلت آية التخلف عن الجهاد. وقال سبحانه: {ليس على الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج إذا نصحوا لله ورسوله} [التوبة:91/9] (3) .\rولا تقاتل المرأة إلا بإذن زوجها إلا أن يهجم العدو على بلاد المسلمين، لصيرورة القتال حينئذ فرض عين.\rولا يقاتل الولد إلا بإذن أبويه، إلا إذا صار الجهاد فرض عين، جاء في الصحيحين: « أن رجلاً استأذن النبي صلّى الله عليه وسلم في الجهاد، فقال: ألك والدان؟ قال: نعم، قال: ففيهما فجاهد» .\rما يجب قبل القتال: أمر الجهاد موكول إلى الإمام واجتهاده، ويلزم الرعية طاعته فيما يراه من ذلك، وينبغي أن يبتدئ بترتيب قوم في أطراف البلاد يكفون\r-------------------------------\r(1) المقعد كما في المغرب: هو الذي أقعده الداء عن الحركة. وقيل: المقعد: المتشنج الأعضاء. والزمِن: الذي طال مرضه.\r(2) هو المقطوع اليد.\r(3) المراجع السابقة، البدائع: ص 98 وما بعدها، تبيين الحقائق: ص 241، فتح القدير: ص283، الدر المختار: ص 241.","part":8,"page":8},{"id":5013,"text":"من بإزائهم من المشركين، ويأمر بإعداد الحصون وحفر الخنادق، وجميع المصالح. ويؤمِّر في كل ناحية أميراً يقلده أمر الحروب وتدبير الجهاد (1) . فإذا ساءت العلاقة بين المسلمين وغيرهم من الكفار ووجدت دواعي القتال، وقرر الحاكم المسلم خوض المعركة مع العدو، فيجب حينئذ إنذار العدو بإعلان الجهاد أوإبلاغ الدعوة الإسلامية.\rواختلف الفقهاء في حكم إبلاغ الدعوة على ثلاثة آراء:\rالأول ـ يجب قبل القتال تقديم الدعوة الإسلامية مطلقاً، أي سواء بلغت الدعوة العدو أم لا، وبه قال مالك والهادوية والزيدية، لقوله تعالى: {ستُدعون إلى قوم أولي بأس شديد تقاتلونهم أو يسلمون} [الفتح:16/48].\rالثاني ـ لا يجب ذلك مطلقاً، وهو رأي قوم كالحنابلة.\rالثالث ـ تجب الدعوة لمن لم يبلغهم الإسلام، فإن انتشر الإسلام، وظهر كل الظهور، وعرف الناس لماذا يُدعون، وعلى ماذا يقاتلون، فالدعوة مستحبة تأكيداً للإعلام والإنذار، وليست بواجبة، وهذا رأي جمهور الفقهاء والشيعة الإمامية والإباضية. قال ابن المنذر: هو قول جمهور أهل العلم، وقد تظاهرت الأحاديث الصحيحة على معناه، وبه يجمع بين ما ظاهره الاختلاف من الأحاديث (2) .\rمن الأحاديث التي توجب الإبلاغ: ما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: «ما قاتل رسول الله صلّى الله عليه وسلم قوماً قط إلا دعاهم» (3) وما رواه سليمان بن\r-------------------------------\r(1) المغني: 352/8.\r(2) راجع آثار الحرب للمؤلف، الطبعة الثالثة: ص 152 وما بعدها، الأحكام السلطانية للماوردي: ص35.\r(3) رواه أحمد والبيهقي وأبو يعلى والطبراني وعبد الرزاق، قال الهيثمي في مجمع الزوائد: 304/5: ورجاله رجال الصحيح (راجع نيل الأوطار: 230/7 وما بعدها، نصب الراية: 378/3).","part":8,"page":9},{"id":5014,"text":"بريدة عن أبيه، قال: «كان رسول الله صلّى الله عليه وسلم إذا أمَّر أميراً على جيش أو سرية أوصاه في خاصيته بتقوى الله ومن معه من المسلمين خيراً.. ثم قال: وإذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى ثلاث خصال أو خلال، فأيتهن ما أجابوك، فاقبل منهم، وكف عنهم: ادعهم إلى الإسلام فإن أجابوك، فاقبل منهم، وكف عنهم... فإن أبوا فسلهم الجزية، فإن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم، وإن أبوا فاستعن بالله عليهم وقاتلهم...» الحديث (1) .\rومن الأحاديث التي لا توجب الإبلاغ أو الدعوة إلى الإسلام: ما روي عن عبد الرحمن بن عوف أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم أغار على بني المُصطَلِق وهم غارّون (أي غافلون) وأنعامهم تسقى على الماء، فقتل مقاتلتهم وسبى سبيهم (2) . ومنها ما رواه أسامة بن زيد أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم كان عهد إليه فقال: «أغر على أبنى (3) صباحاً، وحرّق» (4) والغارة لا تكون مع الدعوة.\rالحديثان الأولان وغيرهما يعتبران الدعوة إلى الإسلام شرطاً في جواز القتال، والحديثان الآخران يجيزان الإغارة على العدو بدون دعوة جديدة، نظراً لأنه سبق له بلوغ الدعوة، وإزاء هذا التعارض في الظاهر قال أرباب الرأي الأول والثاني: إن بعض الأحاديث ينسخ بعضها، أو يخصص الفعل بزمن النبوة.\r-------------------------------\r(1) رواه الجماعة إلا البخاري، وصححه الترمذي (راجع نيل الأوطار، المرجع السابق، جامع الأصول: 201/3، نصب الراية: 380/3، سبل السلام: 46/4، الإلمام: ص 484).\r(2) رواه أحمد والشيخان (راجع نيل الأوطار، المرجع السابق، ص 232، جامع الأصول: 204/3، نصب الراية: 3ص 381، سبل السلام: ص 45، الإلمام: ص 486).\r(3) أبنى ـ كحبلى: موضع بفلسطين بين عسقلان والرملة.\r(4) رواه أبو داود وابن ماجه (راجع سنن أبي داود: 352/1، سنن ابن ماجه: ص 209، نصب الراية: 382/3، نيل الأوطار: 250/7).","part":8,"page":10},{"id":5015,"text":"وقال الجمهور: يلجأ إلى الجمع والتوفيق بين الأحاديث؛ لأنه لا يلجأ إلى النسخ إلا إذا تعذر الجمع بين الأدلة، وأما ادعاء التخصيص فلا دليل عليه.\rفمن لم تبلغه الدعوة يجب دعاؤه إلى الإسلام، فإذا بلغته استحب ذلك (1) .\rوعلى هذا ، يجوز أن نبدأ العدو بالقتال والإغارة والبيات عليهم (2) ؛ لأنه قد وصلتهم أنباء الدعوة الإسلامية. وبه يتبين أنه يشترط فيمن نقاتلهم شرطين:\r1 - ألا يكونوا مستأمنين أو معاهدين أو من أهل الذمة: لأن دماء هؤلاء معصومة مصونة، وقد حرم الشرع قتلهم، كما يأتي في المعاهدات.\r2ً - إبلاغهم الدعوة الإسلامية وتعريفهم بالإسلام وبيان حقيقته وأهدافه وأسباب جهاد أعدائه. فإن توافر هذان الشرطان جاز قتالهم من دون إنذار سابق كما تقدم.\rمن يقتل ومن لا يقتل من الأعداء في المعركة: يجوز قتل المقاتلة الذين يشتركون في الحرب برأي أو تدبير أو قتال، ولا يجوز قتل غير المقاتلة من امرأة أو صبي أو مجنون أو شيخ هرم، أو مريض مقعد، أو أشل، أو أعمى، أو مقطوع اليد والرجل من خلاف أو مقطوع اليد اليمنى، أو معتوه، أو راهب في صومعته، أو قوم في دار أو كنيسة ترهبوا، والعَجَزة عن القتال،والفلاحين في حرثهم إلا إذا قاتلوا بقول أو فعل أو رأي أو إمداد بمال، بدليل أن ربيعة بن رفيع السُّلَمي أدرك دريد بن الصِّمة يوم حنين، فقتله وهو شيخ كبير جاوز المئة، لا ينتفع إلا برأيه، فبلغ ذلك رسول الله صلّى الله عليه وسلم ولم ينكر عليه (3) . ويجوز قتل المرأة إذا كانت مَلِكة\r-------------------------------\r(1) آثار الحرب: ص 153 وما بعدها.\r(2) البيات ـ بفتحتين: الإغارة ليلاً، يقال: بيَّت الأمر: دبره ليلاً.\r(3) روي ذلك في الصحيحين عن أبي موسى (نيل الأوطار: 248/7).","part":8,"page":11},{"id":5016,"text":"الأعداء؛ لأن في قتلها تفريقاً لجمعهم، وكذلك إذا كان ملكهم صبياً صغيراً وأحضروه معهم في المعركة، لا بأس بقتله إذا كان في قتله تفريق جمعهم.\rوأما أدلة عدم جواز قتلهم إذا لم يقاتلوا: فمنها قوله صلّى الله عليه وسلم : «لا تقتلوا امرأة ولا وليداً» (1) وقد ثبت أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم «نهى عن قتل النساء والصبيان» (2) . وقال لأحد صحابته: الحق خالداً فقل له: «لا تقتلوا ذرّية ولا عسيفاً» (3) . وعن ابن عباس أن النبي صلّى الله عليه وسلم كان إذا بعث جيوشه قال: «لا تقتلوا أصحاب الصوامع» (4) . وعن أنس أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم قال: «انطلقوا باسم الله وبالله ، وعلى ملة رسول الله، ولا تقتلوا شيخاً فانياً، ولا طفلاً، ولا صغيراً، ولا امرأة، ولا تغلُّوا، وضموا غنائمكم، وأصلحوا، وأحسنوا إن الله يحب المحسنين» (5) .\rهذا في حال الحرب والقتال. أما بعد انتهاء القتال وهو ما بعد الأسر والأخذ: فكل من لا يحل قتله في حال القتال لا يحل قتله بعد الفراغ من القتال، وكل من يحل قتله في حال القتال إذا قاتل يباح قتله بعد الأخذ والأسر إلا الصبي\r-------------------------------\r(1) رواه الطبراني في الكبير والأوسط عن ابن عباس ولفظه: «..ولا تقتلوا وليداً ولا امرأة ولا شيخاً» (راجع مجمع الزوائد: 316/5).\r(2) رواه الجماعة إلا النسائي عن ابن عمر أنه قال: «وجدت امرأة مقتولة في بعض مغازي النبي صلّى الله عليه وسلم ، فنهى الرسول صلّى الله عليه وسلم عن قتل النساء والصبيان» . ورواه الموطأ أيضاً، وفي رواية لأحمد وأبي داود: «ما كانت هذه لتقاتل» (راجع القسطلاني شرح البخاري: 142/5، سنن ابن ماجه: 101/2، منتخب كنز العمال من مسند أحمد: 319/2، نيل الأوطار: 246/7، جامع الأصول: 208/3 ومابعدها، نصب الراية: 386/3، مجمع الزوائد: 315/5).\r(3) رواه أحمد وأصحاب السنن إلا الترمذي وابن حبان والحاكم والبيهقي عن رباح بن ربيع (نيل الأوطار، المرجع السابق، جامع الأصول، المرجع السابق، مجمع الزوائد: ص 316، نصب الراية: ص 388) والذرية: الولدان. والعسيف: الأجير.\r(4) أخرجه أحمد عن ابن عباس (نيل الأوطار، المرجع السابق: ص 247).\r(5) أخرجه أبو داود عن أنس (نيل الأوطار، المرجع السابق، ص 246، سنن أبي داود: 52/3، والمراجع السابقة).","part":8,"page":12},{"id":5017,"text":"والمعتوه الذي لا يعقل، فإنه يباح قتلهما في حال القتال إذا قاتلا، ولا يباح قتلهما بعد الفراغ من القتال إذا أسرا، حتى وإن قتلا جماعة من المسلمين في القتال؛ لأن القتل بعد الأسر بطريق العقوبة، وهما ليسا من أهل العقوبة، فأما القتل في حال القتال فلدفع شر المقاتل، فإذا وجد الشر منهما فأبيح قتلهما لدفع الشر، كما قال الكاساني (1) .\rوينبغي للمسلمين ألا يغدروا (أي يخونوا بنقض العهد) ولا يغلُّوا (أي يسرقوا من الغنيمة) ولا يمثِّلوا بالأعداء: بأن يشقوا أجوافهم ويرضخوا رؤوسهم ونحو ذلك. قال بعض الحنفية: وإنما تكره المُثْلة بعد الظفر بهم، أما قبله فلا بأس بها (2) .\rهذا هو مذهب الجمهور (الحنفية والمالكية والحنابلة والشيعة الزيدية والشافعي في أحد قوليه). وقال الشيعة الإمامية والظاهرية وابن المنذر والشافعي في أظهر قوليه: يجوز قتل من عدا النساء والصبيان (3) .\rالتدمير والتخريب: لا بأس عند الضرورة الحربية بإحراق حصون العدو بالنار، وإغراقها بالماء وتخريبها وهدمها عليهم، وقطع أشجارهم وإفساد زروعهم، ونصب المجانيق (4) ونحوها من مدافع اليوم على حصونهم وهدمها، لقوله تعالى: { يُخرِبون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين } [الحشر:2/59].\r-------------------------------\r(1) راجع البدائع: 101/7 وفي شرح اللباب على الكتاب: 210/4: لا بأس بقتل غير الصبي والمجنون بعد الأسر، لأنه من أهل العقوبة، الشرح الصغير: 275/2 وما بعدها، كشاف القناع: 44/3 وما بعدها.\r(2) راجع الموضوع في آثار الحرب: ص 294 وما بعدها.\r(3) راجع الموضوع في آثار الحرب: ص 494 وما بعدها.\r(4) المجانيق: جمع منجنيق، وهي التي يرمى بها الحجارة.","part":8,"page":13},{"id":5018,"text":"ولأنه عليه الصلاة والسلام أحرق البويرة: وهي موضع بقرب المدينة، ولأن في إرسال الماء ونحوه كسر شوكتهم وتفريق جمعهم.\rولا بأس برميهم بالنبال ونحوها من وسائل القتال الحديثة، البرية والبحرية والجوية، وإن كان فيهم مسلمون من الأسارى والتجار؛ لأن رميهم ضرورة، ويقصد الكفار بالضرب لا المسلمين؛ لأنه لا ضرورة في القصد إلى قتل مسلم بغير حق.\rوكذا يجوز ضرب الكفار إن تترسوا بأطفال المسلمين وأسراهم، للضرورة وسداً لذريعة الفساد التي قد تترتب على ترك قتلهم، لكن يقصد الكفار بالضرب كما ذكر. وإن أصيب مسلم فلا دية ولا كفارة. ولاينبغي للمسلمين أن يستعينوا بالكفار على قتال الكفار، لقوله صلّى الله عليه وسلم ـ فيما رواه مسلم عن عائشة ـ لرجل تبعه يوم بدر: «ارجع فلن أستعين بمشرك» ؛ ولأنه لا يؤمن غدرهم، إذ العداوة الدينية تحملهم على الغدر إلا عند الاضطرار (1) ، وقد أجاز الأكثرون من أتباع المذاهب الأربعة الاستعانة بالكافر على الكفار، إذا كان الكافر حسن الرأي بالمسلمين، أي وكانت القيادة للمسلمين. وقيد الشافعية ذلك أيضاً بالحاجة؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلم ـ فيما رواه مسلم ـ استعان بصفوان بن أمية يوم حنين، وتعاونت خزاعة مع النبي صلّى الله عليه وسلم عام فتح مكة، وخرج قُزمان الظفري وهو من المنافقين مع الصحابة يوم أحد، وهو مشرك (2) .\r-------------------------------\r(1) البدائع: 100/7 وما بعدها، الكتاب مع اللباب: 117/4 وما بعدها.\r(2) نيل الأوطار: 136/7، القسطلاني شرح البخاري: 170/5.","part":8,"page":14},{"id":5019,"text":"ما يجب على المجاهدين حال القتال: يجب على المجاهدين حال التحام القتال، وفي أثناء المعركة، الثبات أمام عدوهم إذا غلب على ظنهم أنهم يقاومونهم، قال الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيراً، لعلكم تفلحون} [الأنفال:45/8] وعلى المسلم أن يثبت أمام اثنين من الكفار، قال الله تعالى: {الآن خفف الله عنكم، وعلم أن فيكم ضعفاً، فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين، وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين بإذن الله ، والله مع الصابرين} [الأنفال:66/8].\rفإن غلب على ظن المقاتلين المسلمين أنهم سيُغلبون ويقتلون، فلا بأس أن يفروا من عدوهم منحازين إلى فئة يستنصرون بها من المسلمين. ولا عبرة بالعدد، حتى إن الواحد، إذا لم يكن معه سلاح، فلا بأس أن يفر من اثنين مسلحين، أو من واحد مسلح، أو بسبب عجز لمرض ونحوه، قال الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفاً، فلا تولوهم الأدبار، ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفاً لقتال، أو متحيزاً إلى فئة، فقد باء بغضب من الله ، ومأواه جهنم وبئس المصير} [الأنفال:16/8] (1) .\rويؤيده ما روى ابن عمر قال: «بعث رسول الله صلّى الله عليه وسلم سرية قِبَل نجد، وأنا فيهم، فحاص المسلمون حيصة (يعني انهزموا من العدو) فلما قدمنا المدينة، قلنا: نحن الفرّارون، فقال النبي صلّى الله عليه وسلم : بل أنتم العكّارون (2) في سبيل الله ،أنا لكم فئة، لترجعوا معي إلى الجهاد في سبيل الله » (3) ، فهذا إقرار من الرسول صلوات الله وسلامه عليه لفعل هذه السرية التي لم تستطع متابعة القتال أمام قوة الأعداء، وإن كانت حالة الحرب ما زالت قائمة معهم.\rويحرم على المسلمين بيع أهل الحرب السلاح والكُرَاع (الخيول) ونحوها من وسائل القتال التي تقوي العدو كالحديد، ولا يتاجر بها إلى الأعداء (4) .\r-------------------------------\r(1) آثار الحرب: ص 750 وما بعدها، البدائع: 98/7 وما بعدها.\r(2) العكارون: العطافون الراجعون إلى الجهاد مرة أخرى.\r(3) رواه أحمد وأبو داود والترمذي عن ابن عمر (جامع الأصول: 222/3، نيل الأوطار: 252/7).\r(4) الكتاب مع اللباب: 123/4.","part":8,"page":15},{"id":5020,"text":"الفَصْلُ الثّاني: انتهاء الحرب بالإسلام أو بالمعاهدات\rينتهي القتال بطرق متعددة منها اعتناق الإسلام، أو عقد معاهدة مع المسلمين أو بالأمان.\rالمبحث الأول ـ انتهاء القتال بالإسلام :\rالكلام هنا عن طرق الدخول في الإسلام، وعن أحكام إعلان الإسلام في ظروف القتال.\rأما طرق الدخول في الإسلام، فمنها الصريح، ومنها الضمني، ومنها التبعي.\rفإعلان الإسلام صراحة: يكون بالنطق بالشهادتين أو بالشهادة مع التبري من عقيدته السابقة. والكفار في هذا الأمر أصناف أربعة: صنف ينكرون وجود الله وهم الدُهرية، وصنف ينكرون وحدانية الخالق وهم الوثنية والمجوس، وصنف يقرون بوجود الله ووحدانيته إلا أنهم ينكرون النبوة والرسالة، وصنف ينكرون فقط رسالة سيدنا محمد صلّى الله عليه وسلم .\rفإن كان الكافر من الصنف الأول والثاني، فيكفي أن يقول ليُحكم بإسلامه: لا إله إلا الله ، أو يقول: أشهد أن محمداً رسول الله ، بدليل قوله صلّى الله عليه وسلم : «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله ، فإذا قالوها عصموا مني دمائهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله » (1) .\rعن أبي مالك عن أبيه قال: سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلم يقول: « من قال: لا إله إلا الله ، وكفر بما يعبد من دون الله ، حرم ماله ودمه، وحسابه على الله » (2) .\r-------------------------------\r(1) هذا حديث متواتر عن تسعة عشر صحابياً بألفاظ، منها: ما رواه مسلم والبخاري وأبو داود وغيرهم عن أبي هريرة، ومنها: ما رواه الشيخان عن ابن عمر، ومنها: ما رواه البخاري والترمذي وأبو داود والنسائي عن أنس، ومنها غير ذلك (راجع العيني شرح البخاري: 215/14، شرح مسلم: 210/1، سنن البيهقي: 182/9، نيل الأوطار: 197/7 وما بعدها، نصب الراية: 379/3، النظم المتناثر: ص 29).\r(2) أخرجه مسلم (راجع شرح مسلم: 212/1، جامع الأصول: 161/1).","part":8,"page":16},{"id":5021,"text":"وعن ثوبان مولى رسول الله صلّى الله عليه وسلم في قصة حبر من أحبار اليهود أنه قال للنبي: «لقد صدقت، وإنك لنبي» ثم انصرف (1) .\rوإن كان الكافر من الصنف الثالث: فلا يكفي أن يقول: لا إله إلا الله ، وإنما لا بد من أن ينطق بالشهادة الأخرى، فيقول: أشهد أن محمداً رسول الله . وحينئذ يحكم بإسلامه.\rوإن كان من الصنف الرابع، فلا يكفيه النطق بالشهادتين، وإنما ينبغي عليه أن يتبرأ من الدين الذي عليه من اليهودية أو النصرانية. ولا يقبل إسلامه أيضاً إذا قال: أنا مؤمن، أو مسلم، أوآمنت، أو أسلمت؛ لأن اليهود والنصارى يدعون أنهم مؤمنون، أو مسلمون على النحو الذي هم عليه. هذا ما قرره الإمام محمد، وكان ذلك بحسب زمنه، أما الآن فالمفتى به ما قاله ابن عابدين: يكفي أن يقول اليهودي والنصراني: أنا مسلم؛ لأن اليهود والنصارى يمتنعون من قول: (أنا مسلم) فإذا قال أحدهم: (أنا مسلم) فهو دليل إسلامه (2) .\r-------------------------------\r(1) أخرجه مسلم (راجع صحيح مسلم: 99/1).\r(2) رد المحتار على الدر المختار: 315/3.","part":8,"page":17},{"id":5022,"text":"وأما الوثني مثلاً فيحكم بإسلامه إذا قال: أنا مسلم ونحوه، بدليل حديث المقداد بن الأسود أنه قال: يا رسول الله ، أرأيت إن لقيت رجلاً من الكفار، وقاتلني، فضرب إحدى يدي بالسيف، فقطعها، ثم لاذ مني بشجرة ، فقال: أسلمتُ لله ، أفأقتله يا رسول الله بعد أن قالها؟ قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم : لا تقتله (1) .\rوأما إعلان الإسلام ضمناً: فمثل أن يصلي الكتابي أو المشرك مع جماعة من المسلمين؛ لأن الصلاة على هذه الهيئة لم تكن في شرائع من قبلنا، فكان ذلك دليلاً على الدخول في الإسلام. هذا عند الحنفية والحنابلة. وقال الشافعي: لا يحكم بإسلامه؛ لأن الصلاة ليست دليلاً على الإيمان حال الانفراد، فكذلك حال الاجتماع.\rوأما الحكم بالإسلام تبعاً: فهو أن الصبي يحكم بإسلامه تبعاً لأبويه عند وجودهما، أو وجود أحدهما، كما إذا أسلم أحد الأبوين، فالولد يتبع المسلم منهما؛ لأن الإسلام يعلو ولا يعلى عليه، كما أنه يحكم بإسلامه أيضاً إذا سبى الصبي وحده، وأدخل في دار الإسلام فهو مسلم تبعاً للدار (2) .\rوأما الأحكام المترتبة على الدخول في الإسلام من قبل الكفار: فهي عصمة الدماء والأموال ، لقوله صلّى الله عليه وسلم : «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله ، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها» .\rوبناء عليه إذا أسلم أهل بلدة من أهل دار الحرب قبل أن يتغلب عليهم المسلمون، حرم قتلهم، ولا سبيل لأحد على أموالهم التي في أيديهم أو الودائع\r-------------------------------\r(1) أخرجه البخاري ومسلم (راجع شرح مسلم: 98/2، الإلمام: ص 465).\r(2) آثار الحرب: ص 643 وما بعدها، البدائع: 102/7 وما بعدها، رد المحتار على الدر المختار: 316/3، المغني: 143/8.","part":8,"page":18},{"id":5023,"text":"في بلاد الإسلام للحديث السابق، ولقوله عليه الصلاة والسلام: «من أسلم على ما ل فهو له» (1) .\rفإن تغلبنا عليهم بالحرب، كان عقار من أسلم وزوجته وأولاده الكبار فيئاً للمسلمين؛ لأن العقار من جملة دارالحرب، وزوجته كافرة حربية لا تتبعه في الإسلام، وكذا أولاده كفار حربيون، ولا تبعة لهم؛ لأنهم على حكم أنفسهم.\rكذلك يعصم الإسلام عند جمهور العلماء صغار الأولاد والحَمْل، إذا أسلم الأب أو الأم، سواء أكان في دار الحرب أم في دار الإسلام؛ لأن الطفل تابع لأبيه أو لأمه في الإسلام مطلقاً، إذ الولد يتبع خير الأبوين ديناً بالاتفاق. قال الله تعالى: {والذين آمنوا واتَّبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم} [الطور:21/52].\rوقال الحنفية: إذا أسلم كافر في دار الإسلام لم يكن أولاده الصغار مسلمين بإسلامه، إذا كانوا في دار الحرب، لانقطاع التبعة بتباين الدارين، فكانوا من جملة الأموال يدخلون في الفيء.\rوأما الزوجة والأولاد الكبار: فقد اتفق أئمة المذاهب الأربعة والشيعة الإمامية والزيدية والظاهرية على أن إسلام الشخص لا يعصم زوجته ولا أولاده الكبار البالغين، إذ إن للزوجة والأولاد الراشدين حكم أنفسهم كفراً وإسلاماً، لقوله تعالى: {ولا تكسب كل نفس إلا عليها} [الأنعام:164/6] { كل امرئ بما كسب رهين} [الطور:21/52] (2) .\r-------------------------------\r(1) رواه البيهقي وأبو يعلى وأبو عدي في الكامل مرفوعاً عن أبي هريرة بلفظ: «من أسلم على شيء فهو له» . (راجع مجمع الزوائد: 335/5، سنن البيقهي: 113/9، نيل الأوطار: 11/8، نصب الراية: 310/3).\r(2) آثار الحرب: ص 650-652 والمراجع المذكورة فيه.","part":8,"page":19},{"id":5024,"text":"المبحث الثاني ـ انتهاء القتال بالأمان\rالكلام عن الأمان ببيان ركنه وشروطه وحكمه وصفته وما يبطل به ومكانه ومدته والمصلحة فيه.\rتعريف الأمان وركنه ونوعاه: الأمن في اللغة: ضد الخوف، وفي اصطلاح الشرعيين كما عرفه الشافعية: عقد يفيد ترك القتل والقتال مع الحربيين. وركنه: اللفظ الدال على الأمان، نحو قول المجاهد: أمنتكم أو أنتم آمنون، أو أعطيتكم الأمان، ونحوها.\rوهو إما عام أو خاص:\rفالعام: ما يكون لجماعة غير محصورين كأهل ولاية، ولا يعقده إلا الإمام أو نائبه، كعقد الهدنة وعقد الذمة؛ لأن هذا العقد من المصالح العامة التي يختص الإمام بالنظر فيها.\rوالخاص: ما يكون للواحد أو لعدد محصور كعشرة فما دون. ولا يجوز لأكثر من ذلك كأهل بلدة كبيرة، لما فيه من افتئات على الإمام، وتعطيل للجهاد. وما نص عليه الحنفية من إعطاء الفرد حق تأمين أهل حصن أو مدينة لا دليل عليه؛ لأن الأحاديث الواردة في الأمان محصورة في حالات فردية معينة كما سنرى.\rوالعام: إما مؤقت وهو الهدنة، أو مؤبد وهو عقد الذمة (1) .\rشروط الأمان: اشترط الحنفية لصحة الأمان شروطاً أربعة (2) :\r1 - أن يكون المسلمون في حال ضعف، والكفار في حال القوة.\r2 - العقل: فلا يجوز أمان المجنون والصبي غير المميز؛ لأن العقل شرط في أهلية التصرف.\r3 - البلوغ وسلامة العقل عن الآفات المرضية.\r4 - الإسلام: فلا يصح أمان الكافر ولو ذمياً، وإن كان يقاتل مع المسلمين؛ لأنه متهم بالنسبة للمسلمين، فلا تؤمن خيانته، والأمان مبني على مراعاة مصلحة المسلمين، والكافر مشكوك في تقديره المصلحة.\rولا تشترط الحرية، فيصح أمان العبد عند الجمهور، ولم يجز أبو حنيفة أمان العبد المحجور عن القتال إلا أن يأذن له مولاه بالقتال؛ لأن الأمان عنده من جملة العقود، والعبد محجور عليه، فلا يصح عقده.\r-------------------------------\r(1) آثار الحرب: ص 225 وما بعدها، 285 ومابعدها.\r(2) البدائع: 106/7، فتح القدير: 298/4، تبيين الحقائق: 247/3، الدر المختار: 249/3.","part":8,"page":20},{"id":5025,"text":"وقال الصاحبان: يصح أمان العبد، لأنه مؤمن ذو قوة وامتناع يتحقق منه الخوف، والأمان يكون بسبب الخوف.\rوكذلك لا تشترط الذكورة، فيصح أمان المرأة لحديث: «إن المرأة لتأخذ للقوم، يعني تجير على المسلمين» (1) وحديث: «قد أجرنا من أجرت يا أم هانئ» (2) . ولا تشترط السلامة عن العمى والزمانة والمرض، فيصح أمان الأعمى والزمِن والمريض.\rولا يجوز أمان التاجر في دار الحرب، والأسير فيها، والحربي الذي أسلم هناك؛ لأن هؤلاء لا يستطيعون تقدير المصلحة في الأمان، ولأنهم متهمون في نظر المجاهدين لكونهم تحت سلطة العدو.\rوكذلك الجماعة ليست بشرط، فيصح أمان الواحد.\rويوافق الحنفيةَ في أغلب هذه الحالات: جمهورُ الفقهاء والشيعة الإمامية والزيدية والإباضية، فهم يرون أن الأمان يصح من كل مسلم بالغ عاقل مختار، ولو كان عبداً لمسلم أو كافر، أو فاسقاً، أو محجوراً عليه لسفه أو تفليس، أو امرأة، أوأعمى، أو مقعداً أو زَمِناً أو مريضاً أو خارجاً على الإمام؛ لأن الخوارج مسلمون، قال علي رضي الله عنه: «إخواننا بغوا علينا» .\rوالأدلة لما ذكر من القرآن والسنة والمعقول هي ما يأتي:\rأما القرآن فقوله تعالى: {وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله } [التوبة:6/9] والنص عام يشمل كل مسلم، وكل مستأمن أو معاهد يريد سماع القرآن الكريم أو المفاوضة مع المسلمين لأمور سياسية أو حربية أو أمنية أو تجارية.\r-------------------------------\r(1) رواه الترمذي عن أبي هريرة، وقال: حسن غريب (نيل الأوطار: 28/8).\r(2) حديث متفق عليه بين أحمد والشيخين عن أم هانئ (نيل الأوطار: 17/8).","part":8,"page":21},{"id":5026,"text":"وأما السنة: فقول الرسول صلّى الله عليه وسلم : «ذمة المسلمين واحدة يسعى بها أدناهم، فمن أخفر مسلماً، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه يوم القيامة صرفاً ولا عدلاً» (1) ، وفي رواية «المسلمون تتكافأ دماؤهم، وهم يد على من سواهم، ويسعى بذمتهم أدناهم» (2) ، وقد أنفذ الرسول صلّى الله عليه وسلم أمان أم هانئ\r-------------------------------\r(1) الصرف: التوبة أو الحيلة، والحديث أخرجه البخاري ومسلم وأحمد وابن ماجه عن علي بن أبي طالب، وأخرج البخاري نحوه عن أنس بن مالك، وأخرجه مسلم أيضاً عن أبي هريرة، وأخرجه غيرهم (راجع نصب الراية: 393/3 وما بعدها، صحيح البخاري: 102/4، القسطلاني: 229/5، 236، منتخب كنز العمال في مسند أحمد: 295/2، نيل الأوطار: 28/8، مجمع الزوائد: 283/6، 329/5).\r(2) معنى الحديث: أن المسلمين يتساوون في القصاص والديات، لا فضل لشريف على وضيع، وإذا أعطى أدنى رجل منهم أماناً فليس للباقين نقضه، ومعنى «وهم يد» أي يتناصرون على الملل المحاربة لهم.","part":8,"page":22},{"id":5027,"text":"لرجل أو رجلين من أحمائها قائلاً لها: «قد أجرنا من أجرت ياأم هانئ» (1) وكذلك أجاز الرسول عليه الصلاة والسلام أمان ابنته زينب لزوجها أبي العاص بن الربيع الذي كان قادماً بتجارة إلى المدينة، فأصابتها إحدى سرايا المسلمين (2) .\rوأما المعقول: فهو أن الواحد من المسلمين من أهل القتال والمنعة، فيخافه العدو، ويهتم هو بتحقيق مصلحة الجماعة الإسلامية، فيتم منه الأمان دون حاجة إلى إجازة الإمام؛ لأن فعله تصرف صدر من ذي أهلية له، ووقع في محله (3) .\rحكم الأمان: يقتضي الأمان ثبوت الأمن والطمأنينة للمستأمنين، فيحرم قتل رجالهم وسبي نسائهم وأولادهم، واغتنام أموالهم، واسترقاقهم، ولا يجوز أيضاً ضرب الجزية عليهم؛ لأن فعل شيء مما ذكر غدر، والغدر حرام.\rويشمل حكم الأمان نفس المستأمن، وأولاده الصغار، وماله عند الحنابلة والحنفية استحساناً؛ لأن الإذن بالدخول يقتضي ذلك.\rوقال الشافعية: يدخل في الأمان مال المستأمن وأهله بلا شرط إن كان الإمام هو الذي أعطى الأمان.\rويرى الهادوية والمالكية: أن الأمان يتبع الشرط (4) .\rوبناء عليه يجب على المسلمين كف الأذى عن المستأمنين، وإذا انتهت مدة الأمان وجب على الحاكم المسلم إبلاغ المأمن، أي تبليغ المستأمن المكان الذي يأمن فيه على نفسه وماله. ولا يجوز في رأي الجمهور نقض أمان المستأمن ما لم نخش منه الخيانة، أو يصدر منه ما يستدعي إلغاء أمانه.\rرقابة الدولة على التأمينات: للإمام مراقبة كل أمان يصدر من الأفراد، وعلى التخصيص أمان المرأة والعبد والصبي ونحوهم، ولكن لايتوقف عند أكثر الفقهاء نفاذ الأمان على إجازة الإمام. وقال ابن الماجشون وسحنون المالكيان: أمان المرأة موقوف على إذن الإمام. ورد عليهما بحديث عائشة - فيما رواه البيهقي وأبو داود والترمذي - « إن كانت المرأة لتجير على المؤمنين، فيجوز» وفي رواية: «أمان المرأة جائز إذا هي أعطت القوم الأمان» وروى الترمذي عن أبي هريرة حديث: «إن المرأة لتأخذ للقوم، يعني تجير على المسلمين» .\r-------------------------------\r(1) أخرجه البخاري ومسلم وأحمد وأبو داود والموطأ والترمذي والبيهقي عن أم هانئ (راجع العيني شرح البخاري: 93/15، القسطلاني: 228/5، سنن أبي داود: 112/3، سنن البيهقي: 94/9، نصب الراية: 395/3، جامع الأصول: 259/3).\r(2) أخرجه الطبراني عن أم سلمة وفيه ابن لهيعة وحديثه حسن وفيه ضعف ويؤيده أيضاً حديث رواه الترمذي وقال: حسن غريب عن أبي هريرة بلفظ: «إن المرأة لتأخذ للقوم ـ يعني تجير على المسلمين» (راجع نصب الراية: 395/3 وما بعدها، نيل الأوطار: 28/8، مجمع الزوائد: 330/5).\r(3) راجع آثار الحرب: ص 222، 228 وما بعدها.\r(4) راجع التفصيل في آثار الحرب: ص 245 ومابعدها.","part":8,"page":23},{"id":5028,"text":"صفة الأمان: يرى الحنفية أن الأمان عقد غير لازم، حتى لو رأى الإمام المصلحة في النقض نقضه؛ لأنه جوازه عندهم مشروط بتحقيق المصلحة، فإذا صارت المصلحة في النقض نقض، ونبذ للمستأمن، أي أُلقي إليه عهده (1) .\rويرى جمهور الفقهاء والشيعة الإمامية والزيدية أن الأمان عقد لازم من جانب المسلمين، ويبقى اللزوم مع بقاء عدم الضرر؛ لأن الأمان حق على المسلم، فليس له نبذه إلا لتهمة أو مخالفة (2) .\rما ينتقض به الأمان: إذا كان الأمان مؤقتاً إلى مدة معلومة ينتهي بمضي الوقت من غير حاجة إلى النقض.\rوإن كان الأمان مطلقاً غير محدد بوقت: فانتقاضه عند الحنفية إما بنقض الإمام، لكن يخبرهم بالنقض ثم يقاتلهم، وإما بطلب العدو نقضه، وحينئذ يدعوهم الإمام إلى الإسلام، فإن أبوا فإلى التعاقد بعقد الذمة، فإن أبوا ردهم إلى مأمنهم ثم قاتلهم،احترازاً عن الغدر.\rوأجاز جمهور الفقهاء للإمام أن ينبذ عقد الأمان إذا حصل فقط ضرر للمسلمين لقوله تعالى:\r-------------------------------\r(1) البدائع: 107/7، البحر الرائق: 81/5، مخطوط السندي: 45/8، فتح القدير: 300/4، الكتاب مع اللباب: 126/4.\r(2) راجع آثار الحرب، والمراجع التي فيه: ص 293.","part":8,"page":24},{"id":5029,"text":"{وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء، إن الله لا يحب الخائنين} [الأنفال:58/8] (1) .\rمدة الأمان: إذا دخل الحربي إلى دار الإسلام مستأمناً، لم يمكَّن من الإقامة فيها سنة فما فوقها، لئلا يصير عيناً للأعداء وعوناً عليهم. ويقول له الإمام أو نائبه إذا أمنه وأذن له في الدخول إلى دارنا: إن أقمت في دارنا تمام السنة وضعت عليك الجزية، فإن أقام تمام السنة أخذت منه الجزية، وصار ذمياً لالتزامه ذلك، ولم يترك بعدها أن يرجع إلى دارالحرب؛ لأن عقد الذمة لا ينقض.\rوإن عاد المستأمن إلى دار الحرب وترك وديعة عند مسلم أو ذمي، أو ترك ديناً في ذمة مسلم أو ذمي، صار دمه مباحاً بالعود لبطلان أمانه، وما كان في دار الإسلام من ماله، فهو موقوف (أي مجمَّد بتعبير العصر). فإن أسر أو قتل، سقطت ديونه؛ لأن يد من عليه الدين أسبق إليه من يد الجماعة العامة، فيختص به، وصارت الوديعة ونحوها مما في دارنا فيئاً؛ لأنها في يده حكماً، فتصير فيئاً تبعاً لنفسه (2) .\r-------------------------------\r(1) آثار الحرب: ص 361، البدائع، المرجع السابق.\r(2) الكتاب مع اللباب: 135/4.","part":8,"page":25},{"id":5030,"text":"المصلحة في الأمان: اشترط الحنفية والمالكية (1) : أن يكون الأمان لمصلحة؛ لأن الحرب مع العدو مستمرة. واكتفى الشافعية والحنابلة (2) باشتراط عدم وجود الضرر من الأمان ولا تشترط المصلحة. فلا يجوز الأمان لجاسوس ونحوه، إذ لاضرر ولا ضرار في الإسلام. والضرر: مثل تأمين جاسوس أو مهرب سلاح.\rمكان الأمان: هو دار الإسلام : وهي مكان الأمان إذا كان المؤمّن هو الإمام أو أمير الجيش، فللمستأمن التنقل في كل البلاد الإسلامية إلا إذا قيد الأمان في موطن معين أو كان القيد شرعياً، والقيد الشرعي مختلف في تحديده بين الفقهاء (3) ، ففي رأي أبي حنيفة: يجوز للكافر دخول أي مكان في دار الإسلام، حتى الحرم المكي والمسجد الحرام، فله الدخول والإقامة في حرم مكة والمسجد مدة مقام المسافر ـ ثلاثة أيام بلياليها ـ وأجاز الحنفية لغير المسلم دخول المساجد كلها ومنها المسجد الحرام، من غير إذن؛ لأنه ليس المراد من آية {إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا} [التوبة:28/9] النهي عن دخول المسجد الحرام، وإنما المراد النهي عن أن يحج المشركون ويعتمروا كما كانوا يفعلون في الجاهلية.\rومنع الشافعية والحنابلة غير المسلم، ولو لمصلحة من دخول حرم مكة، لقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا} [التوبة:28/9] والمراد من المسجد الحرام: الحرم المكي بإجماع المفسرين، بدليل قوله تعالى عقب ذلك: {وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله} [التوبة:28/9] والعيلة: هي الفقر بانقطاع التجارة حال المنع من دخول الحرم. ويمنع غير المسلم أيضاً في هذين المذهبين من دخول الحجاز أو الاستيطان فيه إلا بإذن الإمام ولمصلحة المسلمين كحمل رسالةأو إدخال تجارة يحتاج إليها المسلمون، وذلك لمدة ثلاثة أيام فقط، ودليلهم حديث أحمد ومسلم والترمذي عن عمر: «لئن عشت لأخرجن اليهود والنصارى من جزيرة العرب، حتى لا أترك إلا مسلماً» والمراد من جزيرة العرب هو الحجاز خاصة، كما حكى ابن حجر عن الجمهور، بدليل رواية أحمد: «أخرجوا اليهود من الحجاز» . ودليلهم أيضاً فعل عمر رضي الله عنه ـ فيما روى البخاري والبيهقي ـ حيث أجلى اليهود والنصارى من الحجاز فقط دون جزيرة العرب، وأقرهم في اليمن مع أنها من جزيرة العرب.\rوأجاز المالكية لغير المسلم دخول حرم مكة دون البيت الحرام، بأمان، لمدة ثلاثة أيام أو بحسب الحاجة في تقدير المصلحة من قبل الإمام، ولا يجوز عند المالكية لغير المسلم استيطان جزيرة العرب (الحجاز واليمن) لعموم حديث عمر السابق: «لأخرجن اليهود والنصارى من جزيرة العرب، حتى لا أدع إلا مسلماً» وحديث ابن عباس ـ فيما اتفق عليه البخاري ومسلم وأخرجه أبو داود ـ «أخرجوا المشركين من جزيرة العرب» وحديث عائشة عند أحمد: «لا يترك بجزيرة العرب دينان» وحديث أبي عبيدة بن الجراح فيما يرويه أحمد والبيهقي: «أخرجوا يهود أهل الحجاز وأهل نجران من جزيرة العرب» وما أخرجه مالك عن الزهري مرسلاً: «لا يجتمع دينان في جزيرة العرب» وأما حديث «أخرجوا يهود أهل الحجاز» فلا يصلح لتخصيص العام، لما تقرر لدى علماء أصول الفقهاء من أن التخصيص بموافق العام لا يصح، وعبارتهم هي: «إفراد فرد من أفراد العام بحكمه لا يخصص العام» .\r-------------------------------\r(1) فتح القدير: 300/4، الشرح الكبير: 185/2، الشرح الصغير: 286/2.\r(2) نهاية المحتاج: 217/7، مغني المحتاج: 238/4، كشاف القناع: 97/3، ط مكة.\r(3) شرح السير الكبير : 1/93 ، الأشباه والنظائر لابن نجيم : 2/176 ، أحكام القرآن للجصاص : 2/88 ، مواهب الجليل للحطاب : 3/381 ، الدردير مع الدسوقي : 2/185 ، المهذب : 2/257 ، الأم : 4/100 ، المغني : 8/529.","part":8,"page":26},{"id":5031,"text":"المبحث الثالث ـ انتهاء الحرب بالهدنة :\rالكلام عن الهدنة أو الصلح المؤقت أوالموادعة يتناول البحث في ركنها وشروطها وحكمها وصفتها وما تنتقض به ومدتها.\rتعريف الموادعة وصيغتها: الموادعة: هي مصالحة أهل الحرب على ترك القتال مدة معينة بعوض أو غيره، سواء فيهم من يقر على دينه ومن لم يقر، دون أن يكونوا تحت حكم الإسلام (1) . وعاقدها هو الإمام أو نائبه باتفاق الفقهاء، فإن عقدها أحد الأفراد، عدّ ذلك افتياتاً على الإمام أو نائبه، ولم يصح العقد عند الجمهور.\rويصح عند الحنفية إذا تولاه فريق من المسلمين بغير إذن الإمام إذا توافرت المصلحة للمسلمين فيه؛ لأن المعول عليه وجود المصلحة، وقد وجدت، ولأن الموادعة أمان، وأمان الواحد كأمان الجماعة (2) .\rوصيغتها: لفظ الموادعة أو المسالمة أو المصالحة أو المعاهدة أو المهادنة ونحوها.\rوركنها: الإيجاب والقبول بين الإمام أو نائبه، وحاكم الأعداء.\r-------------------------------\r(1) راجع آثار الحرب، والمراجع التي فيه: ص 662.\r(2) البدائع: 108/7، الدسوقي: 189/2، مغني المحتاج: 260/4، المغني: 462/8، الفروق: 207/1.","part":8,"page":27},{"id":5032,"text":"وشرط مشروعيتها: أن يكون المسلمون في حال ضعف، والكفار أقوىاء؛ لأن الموادعة ترك القتال، فلا يجوز إلا في حال يقع وسيلة إلى القتال. والحقيقة أن هذا الشرط حالة من الحالات التي يطلب فيها باتفاق العلماء وجود المصلحة من عقد الهدنة، والمصلحة كما تتحقق حال ضعفنا، تتحقق بأغراض أخرى كرجاء إسلام الكفار، أو عقد الذمة، أو التعاون معهم لدفع عدوان غيرهم، أو لإقرار السلام، وتبادل المنافع الاقتصادية ونحوها (1) ، قال تعالى: {ولا تهنوا وتدعوا إلى السَّلْم وأنتم الأعلون، والله معكم} [محمد:35/47] وقال سبحانه: {وإن جنحوا للسَّلم فاجنح لها وتوكل على الله } [الأنفال:61/8] وقد وادع رسول الله صلّى الله عليه وسلم أهل مكة عام الحديبية على إنهاء الحرب عشر سنين (2) .\rولا يقاتل المعاهدون ما لم تظهر منهم بوادر الخيانة، لقوله تعالى: {وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء، إن الله لا يحب الخائنين} [الأنفال:58/8].\rولا بأس بأن يتم الصلح على عوض مالي يدفعه المسلمون إلى الكفار عند الاضطرار،أو يدفعه الأعداء للمسلمين إذا كان في الدفع مصلحة للمسلمين؛ لأن الله تعالى أباح لنا الصلح مطلقاً في قوله : {وإن جنحوا للسلم فاجنح لها} [الأنفال:61/8] فيجوز ببدل أو بغير بدل، ولأن المقصود من الصلح هو دفع الشر والخطر، فيجوز بأية وسيلة، وهذا باتفاق الفقهاء (3) .\r-------------------------------\r(1) آثار الحرب: ص 669، البدائع: 108/7، فتح القدير: 293/4.\r(2) انظر المعاهدة في القسطلاني شرح البخاري: 336/5، العيني شرح البخاري: 13/14 وما بعدها، شرح مسلم: 135/12 وما بعدها، نيل الأوطار: 31/8 وما بعدها، نصب الراية: 388/3، أخرج الحديث أبو داود عن المِسْور بن مَخرمة ومروان بن الحكم، وأصله في البخاري، وأخرج مسلم بعضه عن أنس، ورواه أحمد والبيهقي.\r(3) راجع آثار الحرب: ص 670، المرجع السابق: ص 109، الدر المختار: 247/3، اللباب شرح الكتاب: 120/4.","part":8,"page":28},{"id":5033,"text":"حكم الهدنة: يترتب على الموادعة أو الهدنة إنهاء الحرب بين المتحاربين، ويأمن الأعداء ـ كما في عقد الأمان ـ على أنفسهم وأموالهم ونسائهم وأولادهم؛ لأن الموادعة عقد أمان أيضاً، وبناء عليه يجب كف أذانا أو أذى الذميين عنهم حتى يتأتى ناقض للعهد منهم (1) . ويجب لهم الوفاء بشروط الهدنة الصحيحة شرعاً. ولا يوفى لهم بالشروط الباطلة كاشتراط إعادة النساء المسلمات إليهم.\rالفرق بين الهدنة والأمان العام: هناك فرق بين الهدنة والأمان العام مع جماعة من الحربيين من نواح أربع:\rالأولى ـ أن الهدنة معاهدة بين دولتين على إنهاء القتال وتوفير السلام في جميع أنحاء الدولة. أما الأمان العام فهو اتفاق الدولة مع جماعة غير محصورة على المسالمة ومنح الأمان في بلد أو إقليم معين.\rالثانية ـ أن الهدنة طريق لإنهاء الحرب بين المسلمين وغيرهم، وأما الأمان العام فهو لتأمين جماعة ولو في أثناء الحرب.\rالثالثة ـ أن الإجابة لطلب الأمان واجبة، لقوله تعالى: {وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله } [التوبة:6/9]. أما الإجابة لطلب الهدنة فمباحة جائزة غير واجبة بشرط مراعاة المصلحة الإسلامية.\rالرابعة ـ إذا بطل أمان رجال لم يبطل أمان نسائهم والصبيان، وإذا انتقضت الهدنة انتقض أمان جميع المهادنين.\r-------------------------------\r(1) آثار الحرب: ص 682، 686.","part":8,"page":29},{"id":5034,"text":"صفة عقد الهدنة: يرى الحنفية أن الهدنة عقد غير لازم محتمل للنقض، فللإمام أن ينبذ عهد الكفار إليهم، كلما رأى في النبذ مصلحة للمسلمين، لقوله تعالى: { وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء} [الأنفال:58/8] فإذا بلغهم الخبر جاز بدؤهم بالقتال.\rولا بد من النبذ تحرزاً عن الغدر، ولا بد من تقدير مدة يبلغ خبر النبذ إلى جميعهم. ولا ينبذ إليهم إن بدؤوا بخيانة باتفاقهم؛ لأنهم صاروا ناقضين للعهد، فلا حاجة إلى نقضه.\rأما إن نقض جماعة منهم العهد، فإن كان نقضهم بإذن ملكهم، صاروا ناقضين للعهد؛ لأنه باتفاقهم معنى. وإن لم يكن نقضهم بإذن ملكهم، ودخلوا بلادنا، وقطعوا الطريق وكان لهم منعة، وقاتلوا المسلمين علانية، يكون فعلهم نقضاً للعهد في حقهم دون غيرهم. فإن لم يكن لهم مَنَعة، حوربوا، ولا يكون فعلهم نقضاً للعهد في حقهم (1) .\rوقرر جمهور الفقهاء أن الهدنة عقد لازم لا يجوز نقضه إلا إذا وجدت خيانة، أو غدر من العدو، بقيام أمارات تدل عليه؛ وإن لم توجد فيجب الوفاء لهم بالعهد، كما هو مقتضى آية النبذ السابق ذكرها: {وإما تخافن من قوم خيانة...} [الأنفال:58/8] (2) فإذا لم يخف الإمام الخيانة، لا يجوز نبذ عهدهم.\rشروط صحة الهدنة: يشترط لصحة الهدنة الشروط الأربعة التالية (3) :\r1ً - أن يعقدها مع الأعداء الإمام أو نائبه، وإذا كانت مع إقليم عقدها والي الإقليم أيضاً لتلك البلدة.\r2ً - أن تعقد لمصلحة إسلامية، ولا يكفي انتفاء المفسدة كما في عقد الجزية، لعدم توافر المصلحة في موادعة الأعداء، والله تعالى يقول: { فلا تهنوا وتدعوا إلى السَّلْم وأنتم الأعلون } [محمد:35/47]. والمصلحة كضعفنا بقلة عدد أو أهبة، أو لرجاء إسلامهم أو بذل الجزية أو نحو ذلك كحاجة الإمام إلى إعانتهم له على غيرهم، وقد هادن النبي صلّى الله عليه وسلم صفوان بن أمية أربعة أشهر عام فتح مكة لرجاء إسلامه، فأسلم قبل مضيها.\r-------------------------------\r(1) الكتاب مع اللباب: 120/4 وما بعدها.\r(2) البدائع: 109/7، آثار الحرب: ص 361 وما بعدها.\r(3) مغني المحتاج: 260/4.","part":8,"page":30},{"id":5035,"text":"3ً - أن تكون مؤقتة بمدة معينة لا مؤبدة ولا دائمة ولا مطلقة من غير مدة. والمدة كما ذكر الشافعية أربعة أشهر لا سنة، لقوله تعالى: {براءة من الله ورسوله...} [التوبة:1/9] ثم قال: {فسيحوا في الأرض أربعة أشهر..} [التوبة:2/9]. وتجوز في حال ضعفنا لمدة عشر سنين فقط فما دونها بحسب الحاجة، لا أكثر من عشر، لأن هذا غاية مدة الهدنة، لأنه صلّى الله عليه وسلم ـ فيما رواه أبو داود ـ هادن قريشاً في الحديبية هذه المدة، وكان ذلك قبل أن يقوى الإسلام.\r4ً - خلو عقد الهدنة من كل شرط فاسد، كأن شرط الأعداء منع فك أسرانا منهم، أو ترك مالنا الذي استولوا عليه لهم، أو لتعقد لهم ذمة بأقل من دينار لكل واحد، أو بدفع مال لهم ولم تدع ضرورة إليه، أو التنازل عن بعض واجباتهم نحو المسلمين أو دولتهم أو دينهم، فكل شرط من هذه الشروط يفسد عقد الهدنة ويجعلها لاغية.\rما ينتقض به عقد الهدنة: قال الحنفية: إذا كانت الهدنة مؤقتة ينتهي العقد بانتهاء المدة المحددة دون حاجة إلى النبذ.\rوإن كانت الهدنة مطلقة غير معينة المدة، أي متروكة لرأي الإمام: فإما أن تنتقض صراحة بنبذ العهد من المسلمين أو من غيرهم، وإما أن تنتقض ضمناً أو دلالة بأن يوجد من الأعداء ما يدل على النبذ كقطع الطريق من قبل جماعة من الكفار، بإذن مليكهم.\rوفي الجملة: لا تنتقض الهدنة عند الحنفية إلا بخيانة العدو متفقين. والخيانة: كل ما ناقض العهد والأمان مما هو شرط فيه أو جرى به العرف والعادة، مثل مقاتلة المسلمين أو مظاهرة عدو عليهم.\rوقال الجمهور: تنتقض الهدنة إذا نقضها العدو بقتال أو بمناصرة عدو آخر، أو قتل مسلم، أو أخذ مال، أو بسبّ الله تعالى أو القرآن الكريم أو رسوله صلّى الله عليه وسلم ، أو التجسس","part":8,"page":31},{"id":5036,"text":"على المسلمين، أو الزنا بمسلمة ونحوها (1) .\rواستدلوا على النقض بأدلة كثيرة، منها قوله تعالى: {فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم} [التوبة:7/9] وقوله سبحانه: { إلا الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ينقصوكم شيئاً، ولم يظاهروا عليكم أحداً، فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم} [التوبة:4/9] وقوله عز وجل: {وإن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم، وطعنوا في دينكم، فقاتلوا أئمة الكفر، إنهم لا أيمان لهم لعلهم ينتهون} [التوبة:12/9].\rومن أدلة الجمهور أيضاً: ما روى البيهقي وغيره أنه لما نقضت قريش عهد النبي صلّى الله عليه وسلم أي صلح الحديبية، خرج إليهم، فقاتلهم وفتح مكة، بسبب مظاهرة بعضهم لبعض (2) . ومن المعروف أن بني النضير لما أرادوا قتل رسول الله صلّى الله عليه وسلم بإلقاء الجدار عليه نقض عهدهم، كما روى البيهقي وغيره (3) .\rمدة الهدنة: اتفق الفقهاء على أن عقد الصلح مع العدو لا بد من أن يكون مقدراً بمدة معينة، فلا تصح المهادنة إلى الأبد من غير تقدير بمدة، وإنما هي عقد مؤقت؛ لأن الصلح الدائم يفضي إلى ترك الجهاد. ومع هذا الاتفاق فإنهم اختلفوا في المدة التي تجوز بها الهدنة.\rفقال الشافعية: إذا كان بالمسلمين قوة فتجوز لمدة أربعة أشهر فما فوقها إلى ما دون سنة في الأظهر، لقوله تعالى: {براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين، فسيحوا في الأرض أربعة أشهر} [التوبة:1/9-2] ولأن الرسول صلّى الله عليه وسلم هادن صفوان بن أمية أربعة\r-------------------------------\r(1) البدائع: المرجع السابق، آثار الحرب: ص380 ومابعدها.\r(2) رواه البيهقي عن مروان بن الحكم، والمسْور بن مخرمة (نصب الراية: 390/3).\r(3) وراجع شرح مسلم: 91/12.","part":8,"page":32},{"id":5037,"text":"أشهر عام الفتح (1) . ولا تبلغ المدة سنة؛ لأنها مدة تجب فيها الجزية.\rفإن كان بالمسلمين ضعف، فتجوز لعشر سنين فقط فما دونها بحسب الحاجة، لأن هذا غاية مدة الهدنة، لأنه صلّى الله عليه وسلم هادن قريشاً في الحديبية هذه المدة على المعتمد. فإن لم يقْو المسلمون طوال تلك المدة فلا بأس أن يجدد الإمام مدة مثلها أو دونها على رجاء أن يقووا، وإذا انقضت المدة والحاجة باقية استؤنف العقد.\rوهذا هو مذهب الشيعة الإمامية وظاهر كلام الإمام أحمد، وقال أبو الخطاب من الحنابلة: ظاهر كلام أحمد أنه يجوز على أكثر من عشر سنين على حسب ما يراه الإمام من المصلحة بعد اجتهاده. والذي يبدو أن ما نقله أبو الخطاب هو الأصح عند الحنابلة (2) .\rوقال الحنفية والمالكية والزيدية: ليس للهدنة مدة معينة، إنما تقدير المدة راجع إلى اجتهاد الإمام قدر الحاجة؛ لأن المهادنة عقد جاز لمدة عشر سنين،فتجوز الزيادة عليها كعقد الإجارة (3) .\r-------------------------------\r(1) راجع تلخيص الحبير، طبع القاهرة، بتعليق هاشم اليماني: 131/4، الاستيعاب في معرفة الأصحاب: 720/2.\r(2) كشاف القناع: 104/3، ط مكة.\r(3) راجع التفصيل في آثار الحرب: ص 675 وما بعدها.","part":8,"page":33},{"id":5038,"text":"المبحث الرابع ـ انتهاء الحرب بعقد الذمة :\rالكلام عن عقد الذمة ببيان ركنه وشرائطه وحكمه وصفته ومقدار الجزية ومسقطاتها.\rتعريف عقد الذمة أو الصلح المؤبد وركنه: الذمة في اللغة العهد، وهو الأمان والضمان والكفالة. وعند الفقهاء (1) : هو التزام تقرير الكفار في ديارنا وحمايتهم والدفاع عنهم ببذل الجزية (2) والاستسلام من جهتهم. ولا يعقدها إلا الإمام أو نائبه؛ لأنها من المصالح العظمى التي تحتاج إلى نظر واجتهاد، وهذا لا يتأتى لغير الإمام أونائبه، لكن قال المالكية: إن عقدها غير الإمام فيأمنون، ويسقط عنهم القتل والأسر، وللإمام النظر بأن يمضيها أو يردهم لمأمنهم (3) .\rويحرم قتال أهل الذمة وقتلهم ما داموا ملتزمين بشروط العهد، لما أخرجه أبو داود عن أبي بكرة رضي الله عنه أن النبي صلّى الله عليه وسلم قال: «من قتل رجلاً من أهل الذمة، لم يجد ريح الجنة، وإن ريحها ليوجد من مسيرة سبعين عاماً» . وأخرج الترمذي وابن ماجه عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن النبي صلّى الله عليه وسلم قال: «ألا من قتل نفساً معاهدة له ذمة الله ورسوله، فقد أخفر بذمة الله ، فلا يرح رائحة الجنة، وإن ريحها ليوجد من مسيرة سبعين خريفاً» .\rوحكمة عقد الذمة: تحقيق التعايش السلمي بين المسلمين وغيرهم، وتمكين غير المسلمين من الاطلاع على حقائق الإسلام ومبادئه، فيلتقي الجميع على الحق والعقيدة الصالحة.\rوالجزية بديل عن حماية المسلمين لأهل الذمة وعن المشاركة في الجهاد، ودليل مادي على الولاء للدولة الإسلامية.\rوركن العقد أو صيغته: إما لفظ صريح يدل عليه ، مثل لفظ العهد والعقد على أسس معينة، وإما فعل يدل على قبول الجزية، كأن يدخل حربي دار الإسلام بأمان، ويمكث فيها سنة، فيطلب إلىه إما أن يخرج أو يصبح ذمياً، فإن اختار البقاء عندنا صار من أهل الذمة.\r-------------------------------\r(1) راجع آثار الحرب للمؤلف: ص 692.\r(2) الجزية: ما يؤخذ من أهل الذمة، لأنها تجزئ من القتل، أي تعصم.\r(3) فتح القدير: 368/4، الخرشي، الطبعة الأولى: 166/3، مغني المحتاج: 243/4، كشاف القناع: 92/3 ط مصر.","part":8,"page":34},{"id":5039,"text":"شروط صحة العقد: يشترط في المعقود له عقد الذمة شروط ثلاثة:\rالأول ـ ألا يكون المعاهد من مشركي العرب، فإنه لا يقبل منهم إلا الإسلام أو القتال، لقوله تعالى عن المشركين: {تقاتلونهم أو يسلمون} [الفتح:16/48]، وإنما يعقد عقد الذمة مع أهل الكتاب، لقوله سبحانه: {قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر، ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله، ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب، حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون} [التوبة:29/9] ويعقد هذا العقد أيضاً مع المجوس؛ لأن لهم شبهة كتاب، لما قال عبد الرحمن بن عوف: أشهد لسمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلم يقول: «سنوا بهم سنة أهل الكتاب» (1) . وعن عمر: «أنه لم يأخذ الجزية من المجوس حتى شهد عبد الرحمن ابن عوف أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم أخذها من مجوس هجَر» (2) .\rوهذا الشرط متفق عليه بين الحنفية والشافعية والحنابلة والظاهرية والإباضية والشيعة الإمامية والزيدية.\r-------------------------------\r(1) رواه الشافعي، ورواه الموطأ عن جعفر بن محمد عن أبيه أن عمر بن الخطاب قال: لا أدري ما أصنع بالمجوس، فقال عبد الرحمن بن عوف: أشهد لسمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلم يقول: «سنوا بهم سنة أهل الكتاب» وهذا منقطع ورجاله ثقات، ورواه أيضاً البزار والدارقطني وابن أبي شيبة مرسلاً (جامع الأصول: 264/3، نصب الراية: 448/3، نيل الأوطار: 56/8).\r(2) رواه أحمد والبخاري وأبو داود والترمذي (جامع الأصول: ص 261، نصب الراية: ص448، نيل الأوطار: 56/8، سبل السلام: 65/4).","part":8,"page":35},{"id":5040,"text":"وقال الأوزاعي والثوري وفقهاء الشام والمالكية على المشهور في مذهبهم: تؤخذ الجزية من كل كافر، سواء أكان من العرب أم من العجم، من أهل الكتاب، أم من عبدة الأصنام (1) ، بدليل ما رواه سليمان بن بريدة عن أبيه، قال: «كان رسول الله صلّى الله عليه وسلم إذا أمَّر أميراً على جيش أو سرية، أوصاه في خاصته بتقوى الله ومن معه من المسلمين خيراً» ثم قال: «...وإذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى ثلاث خصال، أو خلال، فأيتهن ما أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم، ثم ادعهم إلى الإسلام... فإن هم أبوا فسلهم الجزية...» الحديث (2) فقوله صلّى الله عليه وسلم : «عدوك» عام يشمل كل كافر، قال الشوكاني: هذا الحديث حجة في أن قبول الجزية لا يختص بأهل الكتاب.\rالشرط الثاني: ألا يكون المعاهد مرتداً، لأن حكمه القتل إذا لم يتب؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: «من بدل دينه فاقتلوه» (3) ، وهذ الشرط متفق عليه بين الفقهاء.\rالشرط الثالث: أن يكون العقد مؤبداً: فإن أقت الصلح لم يصح العقد؛ لأن عقد الذمة بالنسبة لعصمة الإنسان في ماله ونفسه بديل عن الإسلام، والإسلام مؤبد، فكذا بديله وهو عقد الذمة. وهذا شرط متفق عليه أيضاً (4) .\r-------------------------------\r(1) راجع آثار الحرب: ص 712 ومابعدها، الدر المختار: 293/3، تبيين الحقائق: 277/3.\r(2) أخرجه مسلم عن عائشة رضي الله عنها (راجع شرح مسلم: 37/12 ومابعدها).\r(3) رواه الجماعة إلا مسلماً، ورواه ابن أبي شيبة وعبد الرزاق (نصب الراية: 456/3، نيل الأوطار: 190/7، سبل السلام: 65/4).\r(4) راجع البدائع: 110/7 وما بعدها، آثار الحرب: ص 707، 713، فتح القدير: 371/4.","part":8,"page":36},{"id":5041,"text":"شروط المكلفين بالجزية: يشترط لوجوب الجزية على أهل الذمة شروط:\r1 - الأهلية من العقل والبلوغ: فلا تجب على الصبيان والمجانين؛ لأنهم ليسوا من أهل القتال.\r2 - الذكورة: فلا تجب على النساء؛ لأنهن أيضاً لسن من أهل القتال، والله سبحانه وتعالى أوجب الجزية على المقاتلين بقوله تعالى: {قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر...} [التوبة:29/9] الآية، فالمقاتلة تقتضي المشاركة، يعني وقوع القتال من الطرفين.\r3 - الصحة والمقدرة المالية: فلا تجب على المريض مرضاً لمدة سنة أو أكثر السنة؛ لأن للأكثر حكم الكل، ولا تجب أيضاً على الفقير المتعطل عن العمل، ولا على الرهبان الذين لا يخالطون الناس.\r4 - السلامة من العاهات المزمنة، كالمرض المزمن والعمى والشيخوخة.\r5 - الحرية، فلا تجب الجزية على العبد، لأنه ليس مالكاً للمال.\rوفي الجملة: اتفق الفقهاء على اشتراط البلوغ والحرية والذكورة، فلا جزية على امرأة ولا صبي ولا مجنون ولا معتوه ولا زمِن ولا أعمى ولا مفلوج ولا شيخ كبير؛ لأنها وجبت بدلاً عن القيام بقتال الأعداء، وهم لا يقاتلون لعدم الأهلية. ولا جزية على فقير غير معتمل (أي مكتسب ولو بالسؤال) لعدم الطاقة، ولا على الرهبان الذين لايخالطون الناس، إذ لا يقتلون، والأصل في الجزية لإسقاط القتل، ولا جزية على العبد بأنواعه.\rوخالف الشافعية والحنابلة في الأرجح عندهم في الشرطين الثالث والرابع، فلم يجيزوا إسقاط الجزية بالأعذار (1) .\r-------------------------------\r(1) البدائع، المرجع السابق: ص 111، آثار الحرب: ص 699، تبيين الحقائق: 278/4، فتح القدير: 372/4، الكتاب مع اللباب: 145/4.","part":8,"page":37},{"id":5042,"text":"حكم عقد الجزية: يترتب على عقد الذمة إنهاء الحرب بين المسلمين وغيرهم، وعصمة نفوس الكفار وأموالهم وبلادهم وأعراضهم، فلا يجوز استباحتها بعد انعقاد العقد، بدليل حديث بريدة السابق ذكره وفيه: «فادعهم إلى أداء الجزية، فإن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم» ولقوله تعالى في آية الجزية: {قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر} [التوبة:29/9] إلى قوله تعالى {حتى يعطوا الجزية عن يدٍ وهم صاغرون} [التوبة:29/9] فالله سبحانه طالب بالكف عن قتال أهل الكتاب عند وجود الإسلام أو بذل الجزية، وبما أن الإسلام يعصم النفس والمال وما ألحق بهما، فكذا الجزية. وقال علي رضي الله عنه: «وإنما بذلوا الجزية لتكون أموالهم كأموالنا، ودماؤهم كدمائنا» (1) وروى أبو داود والبيهقي وأحمد عن الرسول صلّى الله عليه وسلم من حديث أسامة قال: «ألا من ظلم معاهداً، أو انتقصه، أو كلفه فوق طاقته، أوأخذ شيئاً بغير طيب نفس منه، فأنا حجيجه يوم القيامة» (2) .\rوالجزية نوعان: جزية صلحية: وهي جزية توضع بالتراضي والصلح، فتقدر بحسب ما يقع عليه الاتفاق، فلا حد لها ولا لمن تؤخذ منه إلا ما يقع عليه الصلح. وجزية عنوية تفرض فرضاً: وهي التي يبتدئ الإمام وضعها إذا غلب المسلمون على الكفار، واستولوا على بلادهم، وأقرهم الإمام على أمرهم.\rفيضع الإمام عند الحنفية والحنابلة على الغني الظاهر الغنى (وهو من يملك\r-------------------------------\r(1) آثار الحرب: ص 728 وما بعدها، 111/7، والأثر المروي عن علي غريب، وأخرجه الدارقطني عن علي بلفظ «من كانت له ذمتنا، فدمه كدمنا، وديته كديتنا» (نصب الراية: 281/3).\r(2) الحديث مروي عن صفوان بن سليم رحمه الله (راجع سنن أبي داود: 231/3، سنن البيهقي: 205/9، منتخب كنز العمال من مسند أحمد: 296/2،جامع الأصول: 257/3، الفتح الكبير: 485/1).","part":8,"page":38},{"id":5043,"text":"عشرة آلاف درهم فصاعداً) في كل سنة ثمانية وأربعين درهماً، منجمة أي مقسطة على الأشهر، يأخذ في كل شهر أربعة دراهم. ويضع على المتوسط الحال (وهو من يملك مئتي درهم فصاعداً) أربعة وعشرين درهماً منجمة أيضاً على الأشهر، في كل شهر درهمين، وعلى الفقير المعتمل (وهو من يملك ما دون المئتي درهم، أو لا يملك شيئاً) اثني عشر درهماً منجمة أيضاً على الأشهر، في كل شهر درهماً (1) . وذلك عملاً بفعل عمر رضي الله عنه الذي قسم أهل الذمة ثلاث طبقات: وهم الموسرون والمتوسطون والفقراء العاملون.\rويرى المالكية: أن الجزية أربعة دنانير في كل عام على كل واحد من أهل الذهب، وأربعون درهماً على أهل الفضة، وذكر ابن جزي المالكي (2) أنه لا يزاد على ذلك لقوة أحد، ولا ينقص لضعفه، والراجح لدى المالكية أنه ينقص عن الفقير بحسب طاقته ووسعه.\rوذهب الشافعية (3) إلى أن أقل الجزية دينار، لحديث معاذ بن جبل: «أنه صلّى الله عليه وسلم لما وجهه إلى اليمن، أمره أن يأخذ من كل حالم ديناراً أو عدله من المعافر» (4) وهي ثياب يمنية، نسبة إلى حي من همدان في اليمن، تنسب إلىه الثياب المعافرية. ويستحب لدى الشافعية مماكسة(مشاححة) الذمي حتى يأخذ من المتوسط دينارين، ومن الغني أربعة دنانير، اقتداء بعمر رضي الله عنه، كما رواه البيهقي عنه.\r-------------------------------\r(1) الكتاب مع اللباب: 143/4، المغني: 501/8 ومابعدها.\r(2) القوانين الفقهية: ص 156.\r(3) مغني المحتاج: 248/4.\r(4) رواه أحمد وأبو داود والنسائي والترمذي والبيهقي والدارقطني، وصححه ابن حبان والحاكم من حديث مسروق عن معاذ.","part":8,"page":39},{"id":5044,"text":"صفة عقد الذمة: اتفق الفقهاء على أن عقد الذمة عقد لازم من ناحية\rالمسلمين، فلا يملك المسلمون نقضه بأي حال. وأما بالنسبة لغير المسلمين فهو عقد غير لازم، لكنه لا ينتقض عند الحنفية إلا بأحد أمور ثلاثة: وهي أن يسلم الذمي، أو يلحق بدار الحرب، أو يغلب الذميون على موضع فيحاربوننا، ولا ينتقض عهدهم بغير المذكور، كالامتناع من إعطاء الجزية، أو سب النبي صلّى الله عليه وسلم ، أو قتل مسلم، أو الزنى بمسلمة؛ لأن التزام الجزية باق، ويستطيع الحاكم أن يجبره على أدائها، وأما بقية المخالفات فهي معاصي ارتكبوها وهي دون الكفر، وقد أقررناهم عليه، فما دونه أولى (1) .\rويرى جمهور الفقهاء، والشيعة الإمامية والزيدية، والإباضية: أن عهد الذمي ينتقض بمنعه أداء الجزية، أو امتناعه من تطبيق أحكام الإسلام العامة، أو بالاجتماع على قتال المسلمين؛ لأن هذه الأمور من مقتضى عقد الذمة، فارتكابها يخالف مقتضى العقد، فيوجب نقض المعاهدة.\rوكذلك قالوا ما عدا الشافعية والإمامية: ينتقض العقد بارتكاب المعاصي السابقة؛ لأن فيها ضرراً على المسلمين، فأشبه الامتناع عن بذل الجزية.\rأما الشافعية في الأصح عندهم، فإنهم يرون أن عهد الذمة لا ينتقض بارتكاب المعاصي إذا لم يشترط النقض في العقد، فإن اشترط على أهل الذمة انتقاض العهد انتقض، لمخالفة الشرط ولحوق الضرر بالمسلمين (2) .\rواتفق الفقهاء على أن أهل الذمة ملتزمون بتطبيق أحكام الإسلام المدنية والجنائية، وأما العبادات ونحوها مما يدينون به كشرب الخمور وتربية الخنازير\r-------------------------------\r(1) البدائع، المرجع السابق: ص 112 وما بعدها، فتح القدير: 381/4، تبيين الحقائق: 281/3، الكتاب مع اللباب: 147/4.\r(2) راجع آثار الحرب: ص 359، 367-374.","part":8,"page":40},{"id":5045,"text":"وأكلها فيتركون وما يدينون بدون تظاهر. ولكن لا يجوز لهم إحداث بِيعة ولا كنيسة (1) ولا صومعة ولا بيت نار ولا مقبرة في دار الإسلام (2) . ولهم فقط ترميم أماكن عبادتهم هذه.\rآراء الفقهاء في مقدار الجزية ووقت أدائها ومسقطاتها: يرى الحنفية والحنابلة أن الجزية مقدارها بحسب حال المكلف بها، فإن كان غنياً فيجب عليه ثمانية وأربعون درهماً، وإن كان متوسط الحال فعليه أربعة وعشرون درهماً، وإن كان فقيراً عاملاً فعليه اثنا عشر درهماً كما ذكر. وهذا التقدير ثابت عن سيدنا عمر رضي الله عنه (3) .\rوقال المالكية في الأصح: مقدار الجزية أربعون درهماً، أي أربعة دنانير، وينقص عن الفقير بحسب وسعه وطاقته (4) . وذكر ابن جزي أنه لا يزاد على أربعين درهماً (علماً بأن الدينار عندهم عشرة دراهم) لقوة أحد ولا ينقص لضعفه.\rوقال الشافعية مثل الحنفية والحنابلة: أقل الجزية دينار لكل سنة، ويؤخذ من متوسط الحال ديناران، ومن غني أربعة دنانير، اقتداء بعمر رضي الله عنه كما رواه البيهقي عنه، ودليلهم على أقل مقدار الجزية: ما رواه الترمذي وأبو داود وغيرهما\r-------------------------------\r(1) البيعة بكسر الباء: وهي في الاستعمال الغالب متعبَّد النصارى، والكنيسة متعبد اليهود. لكن في ديار مصر والشام، لا يستعمل لفظ البيعة، بل تستعمل الكنيسة لمتعبد الفريقين. ولفظ الدير للنصارى خاصة. وأصل اللغة أن الكنيسة والبيعة تطلق على كل من معبد اليهود والنصارى.\r(2) الكتاب مع اللباب: 146/4.\r(3) البدائع: 112/7، الدر المختار: 292/3، تبيين الحقائق: 276/3، المغني: 502/8، وأما التقدير المذكور فمروي من طرق عن عمر، منها ما رواه ابن أبي شيبة عن محمد بن عبيد الله الثقفي، ورواه ابن زنجويه عن المغيرة بن شعبة (راجع نصب الراية: 447/3 وما بعدها).\r(4) الشرح الكبير للدردير: 201/2 وما بعدها.","part":8,"page":41},{"id":5046,"text":"عن معاذ رضي الله عنه: «أنه صلّى الله عليه وسلم لما وجهه إلى اليمن أمره أن يأخذ من كل حالم ديناراً، أو عِدله من المعافر، وهي ثياب تكون باليمن» (1) .\rويجب أداء الجزية عند الحنفية في أول السنة؛ لأنها تجب لحماية الذمي في المستقبل. وعند سائر المذاهب: تجب الجزية في آخر السنة؛ لأنه مال يتكرر بتكرار الحول، أو يؤخذ في آخر كل حول كالزكاة (2) .\rوتسقط الجزية باختيار الإسلام باتفاق الفقهاء، لقوله عليه الصلاة والسلام فيما يرويه ابن عباس: «ليس على مسلم جزية» (3) وفي رواية للطبراني عن ابن عمر: «من أسلم فلا جزية عليه» .\rوتسقط بالموت عند الحنفية والمالكية والزيدية؛ لأن الجزية في رأيهم عقوبة، فتسقط بالموت كالحدود. وعند الشافعية والحنابلة: لا تسقط بالموت وتؤخذ من التركة؛ لأنها دين وجب في الحياة، فلم يسقط بالموت كديون الناس.\rوتسقط الجزية أيضاً عند أبي حنيفة والزيدية بمضي السنة ودخول سنة أخرى؛ لأن الجزية عقوبة، فتتداخل مع بعضها كالحدود. وعند الصاحبين وسائر الأئمة: لا تتداخل الجزية وتجب الجزيات كلها؛ لأنها عوض، فتعتبر بمنزلة سائر الحقوق المالية كالدية والزكاة وغيرهما (4) .\r-------------------------------\r(1) مغني المحتاج: 248/4، وأما حديث معاذ فرواه أبو داود والترمذي والنسائي، وصححه ابن حبان والحاكم، وقال الترمذي: حديث حسن، وذكر أن بعضهم رواه مرسلاً وأنه أصح (جامع الأصول: 261/3، نصب الراية: 445/3، سبل السلام: 4 ص 66).\r(2) المراجع السابقة.\r(3) رواه أحمد وأبو داود والبيهقي والدارقطني، وذكر الترمذي أنه مرسل ( سنن أبي داود: 231/3، مجمع الزوائد: 13/6، منتخب كنز العمال من مسند أحمد: 38/2، جامع الأصول: 267/3، نصب الراية: 453/3، نيل الأوطار: 61/8).\r(4) راجع آثار الحرب: ص 694 وما بعدها، المغني: 511/8 وما بعدها.","part":8,"page":42},{"id":5047,"text":"حقوق الذميين وواجباتهم: للذميين حقوق وواجبات (1) .\rأ ما حقوقهم فهي ما يأتي:\r1ً -التزام تقريرهم في بلادنا إلا الحرم المكي في رأي الجمهور غير أبي حنيفة، لقوله تعالى: {إنما المشركون نجس، فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا} [التوبة:28/9] والمراد به الحرم، بدليل قوله تعالى: {وإن خفتم عيلة} [التوبة:28/9] وأجاز أبو حنيفة لهم دخول الحرم المكي كالحجاز كله، ولكنهم لا يستوطنون به، ومنع الاستيطان لا يمنع من دخوله.\rومنع المالكية استيطان الكفار في جزيرة العرب، وهي الحجاز واليمن، لكنهم أجازوا لهم دخول الحرم المكي دون البيت الحرام بأمان.\rوأجاز الحنابلة دخول الكفار إلى الحجاز للتجارة، ولكن لا يمكنون من الإقامة فيه أكثر من ثلاثة أيام، وعن بعضهم: أربعة أيام.\rوحظر الإمام الشافعي تمكين الكافر من دخول مكة وحرمها بأي حال فإن دخلها خفية، وجب إخراجه، وإن مات ودفن فيها، نبش وأخرج منها ما لم يتغير.\r2ً - وجوب الكف عنهم وحمايتهم، بسبب عصمة أنفسهم وأموالهم بالعقد، وإنهاء الحرب معهم ومسالمتهم، لحديث بريدة رضي الله عنه عند مسلم: «فسلهم الجزية، فإن هم أجابوك فاقبل منهم وكفَّ عنهم» ، وروى البخاري عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: «وأوصيه بذمة الله وذمة رسوله صلّى الله عليه وسلم : أن يوفى لهم بعهدهم، وأن يقاتَل من وراءهم، ولا يكلَّفوا إلا طاقتهم» .\r3ً - عدم التعرض لكنائسهم ولا لخمورهم وخنازيرهم ما لم يظهروها، فإن أظهروا الخمر أرقناها عليهم، وإن لم يظهروها وأراقها مسلم، ضمنها في رأي المالكية والحنفية، ولا يضمنها في رأي الشافعية والحنابلة. ويؤدب منهم من أظهر الخنزير.\r-------------------------------\r(1) راجع القوانين الفقهية: ص 156 وما بعدها، المهذب: 258/2، تحفة الأحوذي شرح الترمذي : 231/5، المغني: 529/8-531.","part":8,"page":43},{"id":5048,"text":"وأما واجباتهم فهي ثلاثة عشر شيئاً هي:\r1ً - أداء الجزية عن كل رجل في كل عام مرة، وهي دينار عند الشافعي، وإن صولحوا على أكثر من ذلك جاز، وأربعة دنانير عند الجمهور.\r2ً - ضيافة المسلمين ثلاثة أيام إذا مروا عليهم.\r3ً - دفع عشر ما يتجرون به في غير بلادهم التي يسكنونها.\r4ً - ألا يبنوا كنيسة، ولا يتركوها مبنية في بلدة بناها المسلمون، أو فتحت عنوة، فإن فتحت صلحاً واشترطوا بقاءها جاز.\r5ً - ألا يركبوا الخيل ولا البغال النفيسة، ولهم ركوب الحمير.\r6ً - أن يمنعوا من جادة الطريق ويضطروا إلى أضيقه.\r7ً - أن تكون لهم علامة يعرفون بها كالزنار ويعاقبون على تركها.\r8ً - ألا يغشوا المسلمين، ولا يأووا جاسوساً، وألا يتواطؤا مع أهل الحرب على إيذاء المسلمين، وغير ذلك من كل ما فيه ضرر بالمسلمين.\r9ً - ألا يمنعوا المسلمين من النزول في كنائسهم ليلاً ونهاراً.\r10ً - أن يوقروا المسلمين، فلا يضربوا مسلماً ولا يسبونه ولا يستخدمونه.\r11ً - أن يخفوا نواقيسهم، ولا يظهروا شيئآً من شعائر دينهم.\r12ً - ألا يسبوا أحداً من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، ولا يظهروا معتقدهم، وألا يطعنوا في شرع الله عز وجل، وألا يتعرضوا للقرآن أو الرسول صلّى الله عليه وسلم بسوء.\r13ً - إجراء أحكام الإسلام عليهم في المعاملات والعقوبات الجنائية، كتحريم الزنا، بدليل أن النبي صلّى الله عليه وسلم رجم يهودياً ويهودية زنيا (1) ، والامتناع من التعامل بالربا وارتكاب الفواحش والمعاصي وأحوال الفسوق، لكنهم يقرون على تناول الخمر لاعتقادهم إباحته، إلا إذا ترافعوا إلينا، فيحكم بينهم بشريعتنا.\r-------------------------------\r(1) أخرجه البخاري ومسلم عن ابن عمر رضي الله عنهما.","part":8,"page":44},{"id":5049,"text":"الفَصْلُ الثَّالث: حكم الأنفال والغنائم\rيترتب على قيام الحرب آثار في أموال العدو تعرف لدى الفقهاء بأموال الفيء والغنائم: وهي ما وصلت من الحربيين أو كانوا سبب وصولها (1) . ومن هذه الأموال ما يعرف باسم خاص يخص به الإمام أحد المجاهدين ويعرف بالأنفال. فما معنى كل لفظ على حدة وما حكمه؟\r1 - النَّفَل: النفل في اللغة: عبارة عن الزيادة، وفي الاصطلاح: عبارة عما خصه الإمام لبعض المجاهدين تحريضاً لهم على القتال، سمي نفلاً، لكونه زيادة عن حصته من الغنيمة.\rوالتنفيل: تخصيص بعض المجاهدين بالزيادة، كأن يقول ولي الأمر: من أصاب شيئاً فله ربعه أو ثلثه، أو فهو له، أو من قتل قتيلاً فله سَلبَه (2) أو يقول لسرية: «ما أصبتم فهو لكم» .\rوهذا جائز لما فيه من تحريض على القتال، والله تعالى يقول: {يا أيها النبي حرِّض المؤمنين على القتال} [الأنفال:65/8] ويجوز التنفيل في سائر الأموال من الذهب والفضة والسَلبَ وغيرها.\rولا بأس أن يُنفِّل الإمام في حال القتال، ويحرض بالنَّفَل على القتال، فيقول: من قتل قتيلاً فله سلبه، أو يقول لسرية (هي القطعة من الجيش): قد جعلت لكم الربع أو النصف بعد أخذ الخمس، لما فيه من تقوية القلوب، وإغراء المقاتلة على المخاطرة وإظهار الجلادة رغبة في القتال. وقال الله تعالى: {حرض المؤمنين على القتال} [الأنفال:65/8] وهذا نوع من التحريض.\r-------------------------------\r(1) الأحكام السلطانية للماوردي: ص 121.\r(2) سيأتي تفسير السلب قريباً، وهذا نص حديث.","part":8,"page":45},{"id":5050,"text":"والسَّلب: هو ثياب المقتول وسلاحه الذي معه، ودابته التي ركبها بما عليها، وما كان معه من مال. وأما ما يكون مع خادم للمقتول على فرس آخر أو ما معه من أموال على دابة أخرى، فكله من الغنيمة التي هي من حق جماعة الغانمين كلهم. هذا مذهب الحنفية (1) والمالكية (2) الذي يقتضي أن القاتل لا يستحق سلب المقتول إلا بإذن الإمام، أي بأن ينفله له الإمام بعد انتهاء الحرب بطريق الاجتهاد. فإذا لم يجعل السلب للقاتل فهو من جملة الغنيمة، ويكون القاتل وغيره في السلب سواء؛ لأنه مأخوذ بقوة الجيش، فيكون غنيمة لهم.\rوقال الشافعية والحنابلة: يستحق القاتل سلب المقتول في كل حال بدون إذن الإمام (3) بدليل عموم قوله صلّى الله عليه وسلم : «من قتل قتيلاً فله سلبه» (4) .\r-------------------------------\r(1) البدائع:7 /114 وما بعدها، فتح القدير: 4 /333 ومابعدها، تبيين الحقائق: 4 /258.\r(2) بداية المجتهد: 384/1، الفروق للقرافي: 7/3.\r(3) راجع مغني المحتاج: 99/3، المغني لابن قدامة: 388/8.\r(4) رواه الجماعة إلا النسائي، ورواه الموطأ وأحمد عن أبي قتادة الأنصاري ورواه البيهقي عن سمرة، كما رواه غيرهما. وأما حديث «ليس لك من سلب قتيلك إلا ما طابت به نفس إمامك» فهو منقطع (راجع جامع الأصول: 291/3، شرح مسلم: 59/12، مجمع الزوائد: 331/5، نصب الراية: 428/3-430، نيل الأوطار: 261/7، سبل السلام: 52/4).","part":8,"page":46},{"id":5051,"text":"وقد روي أن «أبا طلحة رضي الله عنه قتل يوم خيبر عشرين قتيلاً، وأخد أسلابهم» (1) .\rومنشأ الخلاف بين الفريقين: هل قوله صلّى الله عليه وسلم : «من قتل قتيلاً فله سلبه» صادر منه بطريق الإمامة أم بطريق الفتيا؟\rقال الحنفية والمالكية: إن السلب لم يكن للقاتل إلا يوم حنين، فتخصيص بعض المجاهدين به موكول إلى اجتهاد الإمام، فهو تصرف مقول بطريق الإمامة والسياسة. وما وقع منه صلّى الله عليه وسلم بالإمامة لا بد فيه من إذن الإمام في كل عصر من العصور.\rوقال الشافعية والحنابلة: إن تنفيل السلب تصرف حادث من الرسول صلّى الله عليه وسلم بطريق الفتيا، لا بطريق الإمامة، وكل ما وقع منه بطريق الفتيا والتبليغ يستحق بدون قضاء قاض أوإذن إمام (2) .\rوهذا الخلاف يجري في فهم حديث: «من أحيا أرضاً ميتة فهي له» (3) فهل يحتاج إصلاح الأرض لتملكها إلى إذن الإمام أو لا؟ رأيان كما لا حظنا.\rوالتنفيل بناء على رأي الفريق الأول إنما يكون في مباح القتل، فلا يستحق بقتل غير المقاتلة كالصبي والمرأة والمجنون ونحوهم. ولا يشترط في استحقاق النفل سماع القاتل مقالة الإمام؛ لأن إسماع كل المجاهدين متعذر.\r-------------------------------\r(1) رواه أبو داود وأحمد وابن حبان والحاكم عن أنس (راجع نيل الأوطار: 262/7، نصب الراية: 429/3).\r(2) راجع الفروق للقرافي: 195/1، 7/3 وما بعدها.\r(3) رواه البخاري في صحيحه عن عائشة، وروي عن سبعة آخرين من الصحابة (راجع نصب الراية: 288/4).","part":8,"page":47},{"id":5052,"text":"ويشترط لجواز التنفيل أن يكون قبل حصول الغنيمة في أيدي الغانمين، فإن حصلت في أيديهم، فلا نفل إلا من الخمس ونحوه.\rوحكم التنفيل: اختصاص القاتل بالنفل، فلا يشاركه فيه أحد من الغانمين، ولكن لا يتم تملكه إلا بالإحراز في دار الإسلام عند أبي حنيفة، وأبي يوسف. وأما عند محمد فيتم تملكه قبل الإحراز بدارنا (1) .\r2 - الفيء: الفيء في اللغة: الرجوع، واصطلاحاً: هو المال الذي يؤخذ من الحربيين من غير قتال،أي بطريق الصلح كالجزية والخراج (2) . وقد كان الفيء لرسول الله صلّى الله عليه وسلم خاصة يتصرف فيه كيف شاء، لقوله تعالى: {وما أفاء الله على رسوله منهم، فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب، ولكن الله يسلط رسله على من يشاء، والله على كل شيء قدير} [الحشر:6/59] وروي عن سيدنا عمر رضي الله عنه أنه قال: «كانت أموال بني النضير مما أفاء الله عز وجل على رسوله صلّى الله عليه وسلم ، وكانت خالصة له، وكان ينفق منها على أهله نفقة سنة، وما بقي جعله في الكُراع (3) والسلاح» (4) .\rوأما بعد الرسول صلّى الله عليه وسلم فيكون الفيء لجماعة المسلمين، يصرف في مصالح المسلمين عامة. والفرق بين الرسول وغيره من الأئمة: أن الأئمة ينصرون بالقوة المعنوية لقومهم، أما الرسول عليه الصلاة والسلام فإنه منصور بما آتاه الله من هيبة\r-------------------------------\r(1) راجع الدر المختار ورد المحتار عليه: 261/4-264، البدائع: 115/7.\r(2) راجع آثار الحرب: والمراجع التي فيه: ص 553.\r(3) الكراع ـ بضم الكاف: اسم يطلق على الخيل والبغال والحمير.\r(4) رواه الشيخان وأحمد عن عمر (نيل الأوطار: 71/8، الإلمام: ص 503).","part":8,"page":48},{"id":5053,"text":"خاصة به، كما قال عليه الصلاة والسلام: «نصرت بالرعب مسيرة شهر» (1) .\rوبناء عليه: إذا دخل حربي في دار الإسلام بغير أمان، فأخذه أحد المسلمين، يكون فيئاً لجماعة المسلمين، ولا يختص به الآخذ عند أبي حنيفة؛ لأن سبب ثبوت الملك فيه متحقق بالنسبة لجميع أهل دار الإسلام. وعند الصاحبين: يكون للآخذ خاصة؛ لأن سبب الملك وهو الأخذ والاستيلاء وجد حقيقة من الآخد خاصة.\rويخمَّس المنقول من الفيء كالغنيمة عند الشافعية، فيكون الخمس لمن ذكرته آية الغنائم: {واعلموا أنما غنمتم من شيء} [الأنفال:41/8] ويقسم الخمس خمسة أسهم: سهم رسول الله صلّى الله عليه وسلم ويجعل بعد وفاته في مصالح المسلمين، وسهم ذوي القربى وهم بنو هاشم وبنو المطلب، وسهم اليتامى، وسهم المساكين، وسهم أبناء السبيل.\rوأما عقارات الفيء فتوقف لمصالح بيت مال المسلمين، لآية الفيء السابقة: {ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فللَّه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل} [الحشر:7/59] ومن مصارف الفيء: النفقة على أسر المجاهدين والشهداء، وهم المرتزقة، وعلى العلماء ونحوهم ممن تحتاج إليهم الأمة.\r-------------------------------\r(1) أخرجه البخاري ومسلم والنسائي عن جابر بن عبد الله بلفظ «أعطيت خمساً لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل، وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي، وأعطيت الشفاعة، وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة، وبعثت إلى الناس عامة» ويروى عن جماعة آخرين من الصحابة، وهو حديث متواتر (الجامع الصغير: ص 471، مجمع الزوائد: 65/6، تلخيص الحبير، الطبعة الجديدة بمصر: 140/3).","part":8,"page":49},{"id":5054,"text":"3 - الغنيمة: الغنيمة في اللغة: الفوز بالشيء بلا مشقة، واصطلاحاً : هي ما أخذ من أموال أهل الحرب عنوة بطريق القهر والغلبة (1) ، وللغنائم أحكام:\rالحكم الأول ـ ثبوت الحق والملك فيها :\rإن حق الغانمين في تملك الغنائم عند الحنفية يتدرج في مراتب ثلاث، يثبت في أولها أصل الحق العام، ويتأكد في ثانيها هذا الحق، ويتخصص في ثالثها حق كل مجاهد به.\rففي المرتبة الأولى ـ يتعلق أصل الحق العام في تملك الغنيمة للغانمين بمجرد الأخذ والاستيلاء، ولكن لا تثبت الملكية قبل الإحراز بدار الإسلام عند الحنفية (2) .\rوعند بقية الأئمة والشيعة الزيدية والإمامية: تنتقل ملكية أموال العدو إلى الغانمين بمجرد الاستيلاء، فيثبت لهم الملك في الغنيمة قبل الإحراز بدار الإسلام (3) .\rإلا أن الراجح عند الشافعية أن تملك أموال الأعداء لا يثبت إلا بالاستيلاء مع القسمة أو اختيار التملك (4) .\rوقد فرع الحنفية على الأصل المقرر عندهم هذه الفروع الفقهية:\rأ ـ إذا مات واحد من الغانمين في دار الحرب لا يورث نصيبه.\rب ـ إذا باع الإمام شيئاً من الغنائم، لا لحاجة المجاهدين، لا يجوز.\rجـ ـ إذا أتلف أحد الغانمين شيئاً، لا يضمنه.\rد ـ إذا لحق المدد الجيش في دار الحرب، فأحرزوا جميعهم الغنائم إلى دار الإسلام، يشاركونهم في القسمة.\rهـ ـ إذا قسم الإمام الغنيمة في دار الحرب قسمة مجازفة بدون اجتهاد ولا لحاجة المجاهدين، فإن القسمة لا تصح.\rوأما عند الأئمة الآخرين فإن حكم هذه الفروع على العكس تماماً مما هو مقرر لدى الحنفية.\rوأما فائدة ثبوت أصل الحق العام في الغنيمة عند الحنفية فهو يظهر فيما يلي:\rإذا أسلم الأسير في دار الحرب، فإنه لا يكون حراً، ويدخل في قسمة الغنيمة، وإذا أسلم قبل الأسر يكون حراً، ولا يدخل في القسمة؛ لأنه بالأسر يتعلق به حق الغانمين، فإذا وجد الإسلام قبل الأسر لم يتعلق به حق أحد.\rولو أسلم أرباب الأموال قبل الإحراز بدار الإسلام، فإن أموالهم لا تكون خاصة بهم، وإنما يساهمون مع غيرهم من المجاهدين في القسمة والاستحقاق، بسبب اشتراكهم مع المجاهدين في الإحراز بدار الإسلام، فيكونون كالمدد اللاحق بالجيش.\r-------------------------------\r(1) آثار الحرب، المرجع السابق.\r(2) فتح القدير: 309/4، البدائع: 121/7.\r(3) آثار الحرب: ص 556 ومابعدها.\r(4) مغني المحتاج: 234/4، المهذب: 241/2.","part":8,"page":50},{"id":5055,"text":"وكذلك ليس لأحد المجاهدين أن يأخذ شيئاً من الغنائم من غير حاجة، لثبوت أصل الحق العام للغانمين فيما غنموه، ولو لم يثبت أصل الحق، لكان المال الذي غنم بمنزلة المباح (1) .\rاستدل الحنفية على مذهبهم بأن الاستيلاء إنما يفيد الملك إذا ورد على مال مباح غير مملوك لأحد، وهذا المعنى لم يتوافر في الغنيمة؛ لأنها مملوكة للأعداء في الأصل، ولم تزل ملكيتهم عنها إلا بالإحراز بدار الإسلام.\rواستدل غير الحنفية بأن سبب الملك هو الاستيلاء التام، وقد وجد فيفيد الملك، كالاستيلاء على سائر المباحات كالحطب والحشيش ونحوهما، ثم إن الأدلة الدالة على استحقاق الغنيمة عامة، مثل قوله تعالى: {واعلموا أنما غنمتم من شيء} [الأنفال:41/8] الآية (2) .\rوفي المرتبة الثانية ـ أي بعد الإحراز بدار الإسلام قبل القسمة: يتأكد الحق العام في الغنيمة ويستقر على ملك الغانمين، ولكن لا يثبت الملك أيضاً عند الحنفية.\rولهذا قالوا: لو مات أحد المجاهدين، يورث نصيبه، ولو باع الإمام شيئاً من الغنيمة أو قسمها، جاز، ولو لحقهم مدد لا يشاركون الغانمين، وإذا أتلف أحد شيئاً من الغنيمة يضمنه.\rوفي المرتبة الثالثة ـ أي بعد الإحراز والقسمة يثبت الملك الخاص لكل واحد من المجاهدين فيما هو نصيبه؛ لأن القسمة إفراز الأنصباء وتعيينها (3) .\rأوجه الانتفاع بالغنيمة في دار الحرب: إذا تم الاستيلاء على الغنائم، فلا بأس بالانتفاع بها عند الحنفية قبل الإحراز بدار الإسلام، وذلك بالأكل والشرب والعلف والحطب منها، لعموم حاجة الغانمين، سواء أكان المنتفع غنياً أم فقيراً؛\r-------------------------------\r(1) راجع البدائع: 121/7 وما بعدها، فتح القدير: 309/4 وما بعدها، تبيين الحقائق: 251/3.\r(2) المرجعان السابقان للشافعية (مغني المحتاج والمهذب)، المغني: 422/8.\r(3) راجع فتح القدير: 310/4، البدائع: 122/7، تبيين الحقائق: 252/3.","part":8,"page":51},{"id":5056,"text":"لأن في إلزام الغني حمل الطعام والعلف من دار الإسلام إلى دار الحرب، مدة الذهاب والإياب والإقامة، حرجاً عظيماً، فكانت الحاجة عامة.\rولا يباح لهم بيع شيء مما يباح الانتفاع به، إذ لا ضرورة إلى البيع، ولو باع أحدهم شيئاً ردّ ثمنه إلى الغنيمة، إن تم البيع قبل قسمة الغنيمة. أما بعد القسمة: فإن كان البائع غنياً تصدق بقيمة المبيع على الفقراء، لتعذر توزيعه على الغانمين، وإن كان البائع فقيراً أخذ القيمة؛ لأن المبيع، لو كان موجوداً، لكان له حق أكله.\rوكذلك إذا فضل شيء من الطعام والعلف من الغانمين بعد الإحراز بدا ر الإسلام، فإنه قبل القسمة يرد إلى الغنيمة إن كان حامله غنياً، وإن كان فقيراً يأكل منه. أما بعد القسمة: فإن كان حامل الطعام أو العلف غنياً، تصدق به على الفقراء إن كان موجوداً، وبقيمته إن كان هالكاً، وإن كان فقيراً ينتفع به.\rفإن لم يفضل شيء في يد من أخذ الطعام والعلف قبل الإحراز بدار الإسلام، فإنه لا يجوز الانتفاع بشيء من الغنيمة بعد الإحراز بدار الإسلام، لزوال المبيح، وهي الضرورة (1) .\rوأما ما عدا الطعام والعلف من الأموال: فلا يباح للمجاهدين أن يأخذوا شيئاً منها، لتعلق حق الجماعة بها، إلا أنه إذا احتاج أحدهم إلى استعمال شيء من السلاح أو الدواب أو الثياب، لصيانة سلاحه ودابته وثيابه، فلا بأس باستعماله، فإن استغنى عنه رده إلى المغنم؛ لأن المحظور يستباح للضرورة، والضرورة تقدر بقدرها (2) .\rوإذا أراد المسلمون العودة إلى دار الإسلام ومعهم مواشٍ أو أسلحة، ولم يقدروا على نقلها إلى دار الإسلام، ذبحوا المواشي وأحرقوها بعد الذبح، وأتلفوا الأسلحة حتى لا يستفيد منها العدو.\r-------------------------------\r(1) تبيين الحقائق، المرجع السابق: ص 252 وما بعدها. البدائع: 124/7، الكتاب مع اللباب: 121/4.\r(2) المراجع السابقة.","part":8,"page":52},{"id":5057,"text":"الحكم الثاني ـ كيفية ومكان قسمة الغنائم :\rإن كيفية توزيع الغنائم موضحة في قوله تعالى: {واعلموا أنما غنمتم من شيء، فأن لله خمسه، وللرسول، ولذي القربى، واليتامى، والمساكين، وابن السبيل إن كنتم آمنتم بالله ، وما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان يوم التقى الجمعان، والله على كل شيء قدير} [الأنفال:41/8] فتقسم الغنيمة خمسة أسهم: الخمس لمن ذكرتهم الآية والأربعة الأخماس للغانمين، وهذا ما بينه ابن عباس: قال: كان رسول الله صلّى الله عليه وسلم إذا بعث سرية، فغنموا، خمَّس الغنيمة، فضرب ذلك الخمس في خمسة، ثم قرأ: {واعلموا أنما غنمتم من شيء...} [الأنفال:41/8] الآية، فجعل سهم الله وسهم الرسول واحداً، ولذي القربى، فجعل هذين السهمين قوة في الخيل والسلاح، وجعل سهم اليتامى والمساكين وابن السبيل لا يعطيه غيرهم، وجعل الأسهم الأربعة الباقية: للفرس سهمين، ولراكبه سهماً، وللراجل سهماً (1) .\rويقول بعض العلماء: تقسم الغنيمة على ستة أسهم، منها سهم الكعبة.\rوقال الإمام مالك: إن أمرالقسمة موكول إلى نظر الإمام، ومصروف في مصالح المسلمين. وما ذكر في الآية تنبيه على أهم من يدفع إليهم الخمس (2) .\r-------------------------------\r(1) رواه البيهقي: والطبراني وفي سنده متروك (راجع سنن البيهقي: 324/6، مجمع الزوائد: /340، نصب الراية: 426/3 وما بعدها، تلخيص الحبير ،الطبعة المصرية: 99/3 وما بعدها).\r(2) آثار الحرب: هامش ص 629.","part":8,"page":53},{"id":5058,"text":"وسهم الرسول صلّى الله عليه وسلم عند جمهور الفقهاء: كان يأخذ منه الرسول كفايته لنفسه وعياله ويدخر منه مؤنة سنة، ثم يصرف الباقي في مصالح المسلمين العامة كشراء الأسلحة ونحوها، لقوله صلّى الله عليه وسلم : «إنا معشر الأنبياء لا نورث، ما تركناه صدقة» (1) .\rوالصحيح عند الحنفية أن سهم ذوي القربى كان يصرف للفقراء منهم دون الأغنياء. وقال جمهور الفقهاء: يشترك الغني والفقير والنساء في سهم القرابة، لإطلاق الآية: {ولذي القربى} [الأنفال:41/8] ولأن النبي صلّى الله عليه وسلم أعطى العباس منه، وكان من أغنياء قريش، وكان الزبير يأخذ سهم أمه صفية عمة النبي صلّى الله عليه وسلم .\rثم اختلف الناس في سهم الرسول صلّى الله عليه وسلم وسهم ذي القربى بعد وفاته.\rفقالت طائفة، منهم الشافعية: سهم الرسول عليه السلام للخليفة من بعده.\rوقالت طائفة: سهم ذي القربى لقرابة الخليفة. وأجمعوا أن جعلوا هذين السهمين في المصالح العامة كالخيول والأسلحة للجهاد في سبيل الله .\rوقالت الحنفية: سقط سهم الرسول بموته؛ لأنه كان يأخذه بوصف الرسالة، لا بوصف الإمامة. وهذا مخالف لجمهور الأئمة.\rوالمراد بذي القربى هنا: هم بنو هاشم وبنو طالب دون بني عبد شمس وبني نوفل؛ لأن الأوائل لم يفارقوا الرسول صلّى الله عليه وسلم في جاهلية ولا إسلام، كما قال الرسول صلّى الله عليه وسلم ، وشبك بين أصابعه (2) . ويصرف اليوم في المصالح العامة.\rوالخلاصة: أن مذاهب الفقهاء في قسمة خمس الغنيمة بعد عهد النبوة مايأتي:\rقال الحنفية: تقسم على ثلاثة أسهم: سهم لليتامى، وسهم للمساكين، وسهم لأبناء السبيل.\r-------------------------------\r(1) حديث متواتر مروي عن ثلاثة عشر صحابياً، منهم عمر الذي روى الحديث عنه مالك بن أوس بن الحدثان الذي روى حديثه الجماعة، إلا ابن ماجه، واللفظ المذكور عن أبي هريرة (راجع النظم المتناثر من الحديث المتواتر للسيد محمد بن جعفر الكتاني: ص 138، جامع الأصول: 300/3 وما بعدها، تلخيص الحبير، الطبعة المصرية: 134/3).\r(2) رواه البخاري وأحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه عن جبير بن مطعم (جامع الأصول: 295/3، نصب الراية: 425/3، تلخيص الحبير، الطبعة المصرية: 101/3، نيل الأوطار: 69/8).","part":8,"page":54},{"id":5059,"text":"وأما ذكر الله تعالى في الخمس فإما هو لافتتاح الكلام، تبركاً باسمه تعالى. وسهم النبي صلّى الله عليه وسلم سقط بموته، كما سقط الصَّفي: وهو شيء كان يصطفيه النبي صلّى الله عليه وسلم لنفسه، أي يختاره من الغنيمة، مثل درع وسيف. وسهم ذوي القربى كانوا يستحقونه في زمن النبي صلّى الله عليه وسلم بالنصرة له، وبعد وفاته بالفقر لانقطاع النصرة.\rوقال الشافعي وأحمد والظاهرية وجمهور المحدثين: توزع الغنيمة على خمسة أسهم:\rأولها ـ سهم المصالح (سهم الله ورسوله) وثانيها ـ سهم ذوي القربى وهم بنو هاشم من أولاد فاطمة وغيرها، وثلاثة أسهم أخرى إلى ما نص الله عليهم.\rوقال الإمام مالك: إن القسمة مفوض أمرها إلى الإمام، يفعل ما يراه مصلحة (1) .\rوأما الأربعة الأخماس: فهي للغانمين، ويساهم فيها الرجل المسلم المقاتل بأن يكون من أهل القتال، ودخل المعركة على قصد القتال، سواء قاتل أم لم يقاتل؛ لأن الجهاد إرهاب للعدو.\r-------------------------------\r(1) آثار الحرب: هامش ص 628 وما بعدها، البدائع: 125/7، بداية المجتهد: 277/1، مغني المحتاج: 94/3.","part":8,"page":55},{"id":5060,"text":"أما المرأة والصبي المميز والذمي: فليس لهم سهم كامل؛ لأنهم ليسوا من أهل القتال، ولكن يرضخ (1) لهم بحسب ما يرى الإمام من عنايتهم.\rومقدار الاستحقاق يختلف بحسب ما إذا كان القاتل فارساً أوراجلاً، فقال أبو حنيفة والشيعة الإمامية: يعطى للفارس سهمان، وللراجل سهم واحد.\rوقال الصاحبان وجمهور العلماء والشيعة الزيدية: يعطى للفارس ثلاثة أسهم، وللراجل سهم واحد.\rوسبب تفضيل الفارس على الراجل: هو أن المحارب كان في الماضي يملك الفرس التي يخرج بها للجهاد، ويلتزم بمؤونتها.\rومذهب الجمهور أصوب لصحة ثبوته عن الرسول صلّى الله عليه وسلم ، فإنه كما روى ابن ماجه والبيهقي أن الرسول صلّى الله عليه وسلم أسهم يوم حنين للفارس ثلاثة أسهم: للفرس سهمان وللرجل سهم (2) .\rوأما حديث الدارقطني الذي نصه: «للفارس سهمان وللراجل سهم» ففي إسناده ضعيف وفي متنه وهم (3) .\r-------------------------------\r(1) الرضخ لغة: العطاء ليس بالكثير، وشرعاً: مال تقديره إلى رأي الإمام محله الخمس كالنفل. والنفل في الشرع: الزيادة من خمس الغنيمة كما سبق بيانه.\r(2) رواه ابن ماجه بهذا اللفظ، وأخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي وأحمد والبيهقي عن ابن عمر ( نيل الأوطار: 281/8 وما بعدها، الإلمام: ص 502، جامع الأصول: 272/3، سنن ابن ماجه: 102/2، سنن البيقهي: 325/6).\r(3) رواه ابن عباس، وقال عنه الزيلعي: غريب، وفي الباب أحاديث، منها حديث مجمِّع بن جارية أخرجه أبو داود وأحمد والطبراني وابن أبي شيبة والدارقطني والبيهقي والحاكم، قال ابن القطان: وعلة هذا الحديث الجهل بحال يعقوب بن مجمع (نصب الراية: 416/3، آثار الحرب: حاشية ص629 وما بعدها، والمراجع التي فيه).","part":8,"page":56},{"id":5061,"text":"ولا يسهم لأكثر من فرس واحد عند أبي حنيفة ومحمد وزفر؛ لأن الإسهام للخيل في الأصل، ثبت على خلاف القياس، إلا أن الشرع ورد به لفرس واحد، فالزيادة عليها ترد إلى أصل القياس. وقال أبو يوسف: يسهم لفرسين إذا كانتا مع الفارس؛ لأن المجاهد قد يحتاج إلى فرسين يركب أحدهما، فإذا عيي ركب الآخر (1) .\rوصف المقاتل المستحق للغنيمة: المعتبر في تحديد وصف المقاتل بكونه فارساً أو راجلاً في ظاهر الرواية عند الحنفية: هو وقت دخوله دار الحرب بقصد الجهاد، حتى إنه إذا دخل تاجراً، فإنه لا يستحق شيئاً من الغنيمة، ولو دخل فارساً ثم مات فرسه يستحق سهم الفرسان، ودليلهم أن إرهاب العدو يحصل بمجرد اجتياز حدود دار الحرب، وأن معرفة حقيقة القتال وشهود الوقعة أمر متعذر أو متعسر، فيعتبر بالنسبة لكل المستحقين السبب المفضي إلى القتال ظاهراً، وهو اجتياز الحدود.\rويترتب على هذا المذهب أيضاً أنه لو دخل المجاهد إلى دار الحرب راجلاً، ثم اشترى فرساً، أو وهب له، أو ورثه، أو استعاره، أو استأجره، فقاتل فارساً: فله سهم الراجل، لاعتبار حالة دخوله إلى دار الحرب. وقيل: له سهم فارس.\rوأما الصورة العكسية لهذا، وهي أنه لو دخل فارساً، ثم باع فرسه، أو آجره أو وهبه، أو أعاره، فقاتل، وهو راجل: فإنه في ظاهر المذهب يستحق سهم راجل، كما في السير الكبير لمحمد؛ لأنه لما باع فرسه مثلاً تبين أنه لم يقصد الجهاد فارساً، بل قصد به التجارة، والعبرة في الاستحقاق: اجتياز الحدود بقصد الجهاد. وروى الحسن عن أبي حنيفة رحمهما الله أنه يستحق سهم الفرسان، بحسب حالته وقت مجاوزة الحدود (2) .\rوقال جمهور الفقهاء: المعتبر في تحديد وصف المستحق للغنيمة هو من حضر المعركة بنية القتال وإن لم يقاتل مع الجيش (3) ، لقول أبي بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما: «إنما الغنيمة لمن شهد الوقعة» (4) قال الماوردي: ولا مخالف لهما من الصحابة.\rويترتب على هذا: أنه لو لحق المدد بالمسلمين بعد انقضاء القتال، فإنهم لا يستحقون شيئاً من الغنيمة، خلافاً للحنفية، كما سبق لدينا: وهو أن المدد يشارك المقاتلة في الغنائم قبل القسمة، أو قبل إحرازها بدار الإسلام.\rمكان قسمة الغنائم :\rيرى جمهور الفقهاء والظاهرية والشيعة الإمامية والزيدية: أنه يجوز قسمة الغنائم في دار الحرب بعد انهزام العدو، بل إنه يستحب؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلم اعتمر من الجِعْرانَة (موضع بين مكة والطائف) حيث قسم غنائم حنين (واد بينه وبين مكة ثلاثة أميال) (5) وقسم الرسول عليه الصلاة والسلام الغنائم بذي الحُليفة (ميقات\r-------------------------------\r(1) البدائع: 126/7، فتح القدير: 323/4، تبيين الحقائق: 254/3.\r\r(2) فتح القدير: 326/4، البدائع، المرجع نفسه: ص 127، تبيين الحقائق: 255/3.\r(3) بداية المجتهد: 380/1، مغني المحتاج: 102/3، المغني: 419/8.\r(4) رواه الشافعي رحمه الله تعالى وابن أبي شيبة عن عمر، قال الزيلعي: غريب مرفوعاً، وهو موقوف على عمر، ورواه الطبراني والبيهقي وقال: هو الصحيح من قول عمر، وأخرجه ابن عدي عن علي (نصب الراية: 408/3، تلخيص الحبير: 102/3، 108).\r(5) رواه البخاري عن أنس، وذكره الطبراني في الأوسط من حديث قتادة عن أنس (تلخيص الحبير، الطبعة المصرية: 105/3، مجمع الزوائد: 238/5، المنتقى على الموطأ: 199/3).","part":8,"page":57},{"id":5062,"text":"أهل المدينة) (1) ، وافتتح بلاد بني المصطلق، فقسم الرسول أموالهم في دارهم (2) .\rويقول الحنفية: لا يجوز قسمة الغنائم في دار الحرب، حتى يخرج الجيش إلى دار الإسلام. هذا إذا كان المكان غير متصل بدار الإسلام، فإن كان متصلاً بها، ففتح وأجري عليه حكم الإسلام، كما هو شأن غنائم حنين، فلا بأس بالقسمة. والسبب في عدم جواز القسمة عندهم هو أن ملكية الغنائم لا تتم إلا بالاستيلاء، ولا يتم الاستيلاء إلا بالإحراز في دار الإسلام. ومع هذا إذا قسم الإمام الغنائم بدار الحرب عن اجتهاد، أو لحاجة المجاهدين، فتصح القسمة،أو للإيداع فتحل إذا لم يكن عند الإمام وسائط نقل أو حمولة (3) .\rاستيلاء الكفار على أموال المسلمين :\rقال جمهور الفقهاء ومنهم الحنفية: يملك الكفار أموال المسلمين، أو الذميين في دار الإسلام بالقهر والغلبة، إلا أن الحنفية قالوا: لا يثبت تملكهم لأموالنا إلا بالإحراز في دار الحرب، فلو تمكن المسلمون من غلبتهم وأخذوا ما في أيديهم لا يصير ملكاً لهم، وعليهم ردها إلى أربابها بغير شيء، وكذا لو قسموها في دار الإسلام، ثم غلبهم المسلمون، فأخذوها من أيديهم، فإنها ترد إلى أصحابها؛ لأن قسمتهم لا تعتبر جائزة لعدم وجود الملكية.\rوقال الشافعية والظاهرية: لا يملك الكافر مال المسلم أو الذمي بطريق الغنيمة.\r-------------------------------\r(1) راجع العيني شرح البخاري: 311/14. وذو الحليفة الآن: ميقات أهل المدينة، ويسمى آبار علي، ويقع في مكان أعلى قليلاً من الينبع، ولم يكن حينئذ من دار الإسلام.\r(2) سنن البيهقي: 54/9، ذكره الشافعي في الأم، واستنبطه البيهقي من حديث أبي سعيد الذي ذكر فيه أنهم سبوا كرائم العرب، وأنهم أرادوا الاستمتاع والعزل (تلخيص الحبير، الطبعة المذكورة: 105/3 وما بعدها، الأموال لأبي عبيد: ص 119).\r(3) راجع الموضوع في آثار الحرب: ص 631 وما بعدها.","part":8,"page":58},{"id":5063,"text":"الأدلة :\rأدلة الجمهور :\r1 - استدل الحنفية بأن الكفار استولوا على مال مباح غير مملوك، ومن استولى على مال مباح غير مملوك يملكه، كمن استولى على الحطب والحشيش والصيد، والدليل عل أنه غير مملوك أنه زال ملك المسلم عنه باستيلاء العدو وإحرازه في بلاده؛ لأنه حينئذ لا يتمكن من الانتفاع بماله إلا بدخوله دار الحرب، وهو غير مستطاع.\rواستدل غير الحنفية: بأن الاستيلاء سبب للملك، فيثبت قبل الحيازة إلى دار الحرب، كاستيلاء المسلمين على مال غيرهم.\r2 - قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم لمن وجد بعيره في الغنيمة: «إن وجدته لم يقسم فخذه، وإن وجدته قد قسم فأنت أحق به بالثمن إن أردته» (1) فهذا يدل على تملك الأعداء للبعير، وأولوية مالكه الأول بعينه. وللجمهور أدلة أخرى.\rواستدل الشافعية بأدلة، منها أن ابن عمر ذهب له فرس، فأخذها العدو، فظهر عليهم المسلمون، فرد عليه في زمن رسول الله صلّى الله عليه وسلم ، وأبَق (هرب) له عبد، فلحق بالروم، فظهر عليهم المسلمون، فرده عليه خالد بن الوليد بعد النبي صلّى الله عليه وسلم في\r-------------------------------\r(1) رواه مالك والدارقطني عن عبد الملك بن ميسرة عن ابن عباس (نصب الراية: 434/3).","part":8,"page":59},{"id":5064,"text":"زمن أبي بكر الصديق، والصحابة متوافرون من غير نكير منهم (1) . قال القسطلاني: وفيه دليل للشافعية وجماعة على أن أهل الحرب لا يملكون بالغلبة شيئاً من مال المسلمين، ولصاحبه أخذه قبل القسمة وبعدها (2) .\rرد المال على صاحبه: إذا افترضنا أن العدو ظفر بأموال المسلم أو الذمي، ثم تغلب المسلمون على أعدائهم، فإذا عرف صاحب المال قبل قسمة الغنيمة، فإنه يجب رد هذه الأموال على أصحابها عند جماهير العلماء، ومنهم أئمة المذاهب الأربعة.\rأما إذا كانت الغنيمة قد قسمت، ثم عرف صاحب المال، فله أخذه بعد دفع قيمته عند المالكية والحنفية، والحنابلة في الأظهر عن أحمد، والزيدية.\rوقال الشافعية والظاهرية والشيعة الإمامية: إن صاحب المال يستحقه من غير شيء، ويعطى من كان عنده ثمنه من خمس المصالح؛ لأنه يشق نقض القسمة (3) .\rأموال الحربي الذي أسلم قبل تمام الفتح :\rإذا أسلم الحربي قبل أن يتم الفتح الإسلامي لبلده، فما أثر هذا الإسلام على ماله الكائن في دار الحرب؟\rيرى المالكية في الراجح عندهم: أن مال هذا الشخص يعتبر فيئاً وغنيمة إذا ظفر المسلمون ببلاده، سواء بقي في دار الحرب أم فرَّ إلى دار الإسلام.\rوهو رأي الحنفية والإمامية والزيدية في العقار والأرض، أما المنقول: فإن الإسلام يعصمه، ولكنهم اشترطوا أن يكون المنقول تحت يد صاحبه.\rوقال الشافعية والحنابلة والظاهرية: إن الإسلام يعصم المال، سواء أكان عقاراً أم منقولاً.\rوسبب الخلاف بين الفقهاء: هو أن العاصم للمال والدم، هل هو الإسلام أو الدار؟\rفالفريق الأول يقول: إن العاصم هو الدار، فما لم يحز المسلم ماله وولده بدار الإسلام، وأصيب في دار الكفر، فهوفيء. وقال الفريق الثاني: العاصم هو الإسلام (4) .\r-------------------------------\r(1) رواه البخاري ومالك في الموطأ وأبو داود وابن ماجه والدارقطني عن ابن عمر (راجع فتح الباري: 111/6، العيني شرح البخاري: 2/15، سنن ابن ماجه: 102/2، نصب الراية: 435/3، نيل الأوطار: /292).\r(2) القسطلاني شرح البخاري: 172/5.\r(3) راجع آثار الحرب: ص 613 وما بعدها.\r(4) آثار الحرب، المرجع نفسه: ص 622 ومابعدها.","part":8,"page":60},{"id":5065,"text":"الفَصْلُ الرّابع: حكم الأسرى والسّبي\rالأسرى: هم الرجال المقاتلون من الكفار إذا ظفر المسلمون بأسرهم أحياء.\rوالسبي: هم النساء والأطفال.\rوالكلام عنهم يطول جداً، ولذا سأقصر الكلام على بحث حكم الأسرى والسبي بعد أسرهم وسبيهم، ومن المعلوم أن الأسر مشروع لقوله تعالى: {وخذوهم واحصروهم} [التوبة:5/9] وقوله سبحانه: {فشدوا الوَثاق} [محمد:4/47] وهو كناية عن الأسر، والأسر في حرب المسلمين قليل؛ لأن المسلم لا يأسر عدوه عادة إلا في نهاية المعركة، أما في أثنائها فنادر، والأسير عالة على الآسر.\rوالثابت من فعل الرسول صلّى الله عليه وسلم أنه كان يمن على بعض الأسارى ويقتل بعضهم، ويفادي بعضهم بالمال، أو بالأسرى (1) ، وذلك على حسب ما تقتضيه المصلحة العامة ويراه ملائماً لحال المسلمين.\rوأبدأ أولاً بحكم السبي:\r-------------------------------\r(1) راجع نيل الأوطار: 8 ص 2-6.","part":8,"page":61},{"id":5066,"text":"حكم السبي: يعرف حكم السبي ببحث الأحوال التي قد يتعرضون لها، وهي: القتل والاسترقاق، والمن والفداء (1) .\rأما القتل بعد الأسر فلا يجوز للنساء والذراري، أي الأولاد باتفاق العلماء، سواء أكانوا من أهل الكتاب، أم من قوم ليس لهم كتاب كالدهرية (2) وعبدة الأوثان والثنوية (3) .\rفإن اشترك النساء والأولاد في القتال مع قومهم بالفعل أو بالرأي، جاز قتلهم في أثناء القتال، وبعد الأسر عند جمهور الأئمة، لوجود العلة في قتل الأعداء: وهي المقاتلة. وخالف الحنفية في حالة القتل بعد الأسر، فلم يجيزوا قتل المرأة والصبي والمعتوه الذي لا يعقل؛ لأن القتل بعد الأسر بطريق العقوبة، وهم ليسوا من أهل العقوبة.\rفأما القتل حال نشوب المعركة، فلدفع شر القتال، وقد وجد الشر منهم، فأبيح قتلهم فيه، لدفع الشر، وقد انعدم الشر بالأسر.\rوأما الرق: فإنه إذا لم يجز قتل السبي بعد الأسر كما تقدم، فإن المالكية يرون أن الإمام يخير حينئذ بين الاسترقاق والمن والفداء.\rوقال الحنفية: يسترقهم الإمام، سواء أكانوا من العرب أم من العجم؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلم استرق نساء هوازن وذراريهم (4) ، وكذا الصحابة استرقوا نساء المرتدين من العرب وذراريهم.\r-------------------------------\r(1) راجع التفصيل في آثار الحرب للمؤلف: ص 418 وما بعدها، البدائع: 7 ص 119.\r(2) الدهرية ـ بفتح الدال وقد يضم: منسوبة إلى الدهر لقولهم: «ما يهلكنا إلا الدهر» فهم يقولون ببقاء الدهر وإن العالم لم يزل موجوداً كذلك بنفسه لا بصانع، فهم جحدوا الصانع المدبر العالم القادر (راجع المنقذ من الضلال للغزالي: ص 10).\r(3) الثنوية: هم القائلون بإلهين اثنين: وهما النور والظلمة (راجع اعتقادات فرق المسلمين والمشركين للرازي: ص 88).\r(4) راجع نيل الأوطار، المرجع السابق: ص 3.","part":8,"page":62},{"id":5067,"text":"وقال الشافعية والحنابلة والزيدية والإمامية: يصيرون أرقاء بنفس السبي ويقسمون مع الغنائم؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلم كان يقسم السبي كما يقسم المال (1) .\rويلاحظ أن إرقاق السبي كان معاملة بالمثل؛ لأن مشروعية الرق في الإسلام، كانت على أساس تقرير الواقع الذي كان موجوداً قبل الإسلام؛ ولتهيئة الأذهان للتخلص منه بالعتق مع مرور الزمن.\rوأما المن: فقد أجاز المالكية أن يمن الإمام على السبي بإطلاق سراحهم إلى بلادهم بدون مقابل. وكذلك أجاز الشافعية والحنابلة لولي الأمر المن على السبي، ولكن بشرط استطابة أنفس الغانمين، إما بالعفو عن حقوقهم، أو بمال يعوضهم من سهم المصالح.\rولم يجز الحنفية المن مطلقاً، حتى لا يعود السبي حرباً على المسلمين؛ لأن النساء يقع بهن نسل، والصبيان يبلغون، فيصيرون حرباً كذلك.\rوأما الفداء: فقد أجازه المالكية، فللإمام أن يفادي بالنفوس من نساء أو صبيان. وأجازه الإباضية أيضاً بالنفوس والمال.\rوأجازه الشافعية على مال أو أسرى من المسلمين في أيدي الأعداء بعد تعويض الغانمين عنهم من سهم المصالح، بدليل أن الرسول صلّى الله عليه وسلم سبى نساء بني قريظة وذراريهم، فباعهم من المشركين (2) .\rولم يجز الحنفية والحنابلة الفداء بالسبي، لا على مال، ولا على أسرى من المسلمين في أيدي قومهم.\r-------------------------------\r(1) راجع نيل الأوطار: 8 ص 3، 51، شرح مسلم: 12 ص 91.\r(2) رواه الشيخان وأحمد عن أبي سعيد (شرح مسلم، المرجع السابق، نيل الأوطار: 8 ص 55، الأموال: ص121).","part":8,"page":63},{"id":5068,"text":"حكم الأسرى: اتفق الفقهاء على أن لولي الأمر أن يفعل بالنسبة للأسرى ما يراه الأوفق لمصلحة المسلمين، ويختار أحد أمور حددها كل واحد من أصحاب المذاهب بما هداه إليه اجتهاده (1) .\rمذهب الحنفية: أن ولي الأمر مخير في الأسرى بين أمور ثلاثة: إما القتل، وإما الاسترقاق، وإما تركهم أحراراً ذمة للمسلمين، إلا مشركي العرب والمرتدين، فإنهم لا يسترقون، ولا تعقد لهم الذمة، ولكن يقتلون إن لم يسلموا، لقوله تعالى: {ستُدعون إلى قوم أولي بأس شديد، تقاتلونهم أو يسلمون} [الفتح:16/48] ولقوله عليه الصلاة والسلام: «لا يجتمع دينان في جزيرة العرب» (2) .\rولا يجوز في رواية عن أبي حنيفة الفداء بالمال أو بالأسرى بعد تمام الحرب. وعند الصاحبين: يجوز الفداء بالأسارى، وجاء في السير الكبير لمحمد بن الحسن: أنه يجوز الفداء بالمال عند الحاجة أو بأسرى المسلمين؛ لأنه ثبت عن رسول الله صلّى الله عليه وسلم في صحيح مسلم وغيره: أنه فدى رجلين من المسلمين برجل من المشركين (3) ، وفدى بامرأة ناساً من المسلمين، كانوا أسرى بمكة (4) .\r-------------------------------\r(1) راجع آثار الحرب: ص 430 وما بعدها.\r(2) رواه مالك وعبد الرزاق والبيهقي وإسحاق بن راهويه وابن هشام عن أبي هريرة، ورواه أحمد والطبراني في الأوسط عن عائشة بلفظ: «لا يترك بجزيرة العرب دينان» (سنن البيهقي: 9 ص 208، مشكل الآثار للطحاوي: 4 ص 13، نصب الراية: 3 ص 454، نيل الأوطار: 8 ص 64، مجمع الزوائد: 5 ص 325).\r(3) رواه مسلم وأحمد والترمذي وصححه وابن حبان عن عمران بن حصين أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم فدى رجلين من المسلمين برجل من المشركين من بني عقيل (نيل الأوطار: 7 ص 305، سبل السلام: 4ص 55).\r(4) أخرجه مسلم عن سلمة بن الأكوع، وفيه أنه أسر امرأة من بني فزارة، فاستوهبها الرسول منه فوهبها له، فبعث بها رسول الله صلّى الله عليه وسلم إلى مكة، ففدى بها ناساً من المسلمين، كانوا أسروا بمكة (نصب الراية: 3 ص 404).","part":8,"page":64},{"id":5069,"text":"وقال محمد: الجواز أظهر الروايتين عن أبي حنيفة، وفدى الرسول عليه الصلاة والسلام الأسارى يوم بدر بالمال (1) .\rويحرم المن على الأسرى عند جمهور الحنفية؛ لأن في المن تمكين الأسير من أن يعود حرباً على المسلمين، فيقوي عدوهم عليهم، وهو لا يحل.\rويرى الإمام محمد: أنه يجوز المن على بعض الأسارى إن رأى الإمام فيه النظر للمسلمين؛ لأن الرسول صلّى الله عليه وسلم منَّ على ثمامة بن أُثال الحنفي حين أسره المسلمون، وربطوه بسارية من سواري المسجد (2) .\rلكن يجوز باتفاق الحنفية المن على الأسرى تبعاً للأراضي، كيلا يشغل الفاتحون بالزراعة عن الجهاد.\rومذهب الشافعية والحنابلة والإمامية والزيدية والظاهرية: أن الإمام أو من استنابه من أحد أركان حربه يفعل ماهو الأصلح والأحظ للإسلام والمسلمين من أحد أمور أربعة: وهي القتل والاسترقاق والمن والفداء بمال أو بأسرى، يفعل ذلك بالاجتهاد لا بالتشهي، فإن خفيت عليه المصلحة حبسهم حتى يظهر له وجهها. وتقدير المصلحة يتم بحسب ما يرى في الأسير من قوة بأس وشدة نكاية، أو أنه مأمون الخيانة، أو مرجو الإسلام، أو مطاع في قومه، أو أن المسلمين في حاجة إلى المال.\rومذهب المالكية: أن الإمام يتخير بما هو مصلحة للمسلمين في الأسرى قبل قسم الغنيمة بين أحد أمور خمسة: القتل، والاسترقاق، والمن، والفداء، وضرب الجزية عليهم.\r-------------------------------\r(1) رواه أبو داود عن ابن عباس أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم جعل فداء أهل الجاهلية يوم بدر أربع مئة. وروى مسلم وأحمد عن أنس قصة اقتراح أبي بكر قبول الفداء منهم، ومعارضة عمر لذلك (نصب الراية: 2 ص 402 وما بعدها، نيل الأوطار: 7 ص 304، الإلمام: ص 495).\r(2) رواه الشيخان وأحمد عن أبي هريرة (شرح مسلم: 12 ص 87، نصب الراية، المرجع السابق: ص 391، نيل الأوطار، المرجع السابق: ص301 وما بعدها.","part":8,"page":65},{"id":5070,"text":"الأدلة (1) :\rاستدل الفقهاء على جواز قتل الأسرى بعموم آيات القتال، مثل قوله تعالى: {فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم} [التوبة:5/9] وبما ثبت في السنة عن النبي صلّى الله عليه وسلم أنه قتل بعض الأسرى يوم بدر، فأمر بقتل عقبة بن أبي مُعيط والنضر بن الحارث، لشدة إيذائهما للرسول عليه الصلاة والسلام ولصحبه (2) .\rوأمر النبي صلّى الله عليه وسلم يوم أحد بقتل أبي عزة الشاعر الذي أطلق الرسول سراحه يوم بدر، فنظم بعدئذ شعراً يحرض به على قتال المسلمين، وفتح الرسول مكة وأمر بقتل هلال بن خطَل، ومِقْيس بن صبابة، وعبد الله بن أبي سرح، وقال: «اقتلوهم وإن وجدتموهم متعلقين بأستار الكعبة» (3) .\rثم إنه قد يكون في قتل بعض الأسرى مصلحة كبرى للمسلمين حسماً لمادة الفساد، واستئصالاً لجذور الشر، وقطع شرايين الفتنة، وهذا كله بحسب الضرورة.\rواستدلوا على جواز استرقاق الأسرى الذي كان معاملة بالمثل مع الأمم الأخرى بسبب الحرب بقوله تعالى: {فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب حتى إذا أثخنتموهم، فشدوا الوثاق، فإما منَّاً بعد، وإما فداءً} [محمد:4/47] قالوا: إن الاسترقاق قد فهم من الأمر بشد الوثاق، كما استدلوا بما ثبت في السير والمغازي من أن الرسول صلّى الله عليه وسلم استرق بعض العرب\r-------------------------------\r(1) راجع آثار الحرب، الطبعة الثالثة: ص 432 وما بعدها.\r(2) أخرجه أبو داود في المراسيل، ورجاله ثقات عن سعيد بن جبير (نصب الراية، المرجع نفسه: ص402، سبل السلام: 4 ص 55).\r(3) رواه الشيخان: البخاري ومسلم عن أنس (مجمع الزوائد: 6 ص 168، سبل السلام: 4 ص 54).","part":8,"page":66},{"id":5071,"text":"كهوازن وبني المصطلق وقبائل من العرب (1) ، واسترق النبي أسرى في غزوة خيبر وقريظة وفي غزوة حنين، وسبى أبو بكر وعمر رضي الله عنهما بني ناجية من قريش، وفتحت الصحابة بلاد فارس والروم، فسبوا من استولوا عليه.\rوالحكمة من الإبقاء على مشروعية الرق في النصوص الشرعية: هو مراعاة الأوضاع القائمة في المجتمعات القديمة، لأن الرق كان عماد الحياة الاجتماعية والاقتصادية، ولا يعقل أن يحرمه الإسلام ويبقى مباحاً عند الأمم الأخرى التي تسترق أسرى المسلمين، ولا يعاملهم المسلمون بالمثل، والمعاملة بالمثل كان منهج الشريعة والخلفاء في العلاقات الخارجية، عملاً بأحكام السياسة الشرعية المؤقتة، وتحقيقاً للمصلحة الإسلامية العامة، ولكن الإسلام أيقظ الضمير العالمي بتنبيه الناس إلى علاج مشكلة الأرقاء وضرورة الإحسان إليهم في المعاملة والتخلص التدريجي من هذه الظاهرة بالعتق وفتح منافذ دينية له، حتى إن العتق من أفضل القربات إلى الله تعالى .\rوأما المن فثابت جوازه في قوله تعالى: {فإما مناً بعد وإما فداء} [محمد:4/47] وادعاء نسخ هذه الآية بآية براءة السابق ذكرها وهي { فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم} [التوبة:5/9] لا دليل عليه، ولا حاجة إليه، لإمكان الجمع بين الآيتين، بحمل آية براءة على الأمر بالقتال عند وجود العدوان، وفي أثناء قيام\r-------------------------------\r(1) نيل الأوطار: 8 ص 2 وما بعدها.","part":8,"page":67},{"id":5072,"text":"الحرب مع الأعداء، وقصر آية المن على حالة ما بعد الانتهاء من الحرب والوقوع في قيد الأسر.\rوقد منَّ الرسول صلّى الله عليه وسلم على ثُمامة بن أُثال الحنفي سيد أهل اليمامة (1) كما منَّ على أبي عزة الجمحي الشاعر، وأبي العاص بن الربيع، والمطَّلب بن حَنْطب يوم بدر، ومنَّ أيضاً على أهل مكة بقوله عليه السلام: «اذهبوا فأنتم الطلقاء» وكذا منَّ على أهل خيبر (2) . وقال في أسارى بدر: «لو كان المطعم بن عدي حياً ثم كلمني في هؤلاء النتنى، لتركتهم له» (3) أي لأطلقتهم له بغير فداء أي بالمن.\rوأما الفداء أو المفاداة: وهو تبادل الأسرى أو إطلاق سراحهم على عوض، فهو جائز بآية سورة محمد السابقة: {فإما مناً بعد وإما فداء} [محمد:4/47]، وأول حادثة فداء كانت إثر سرية عبد الله بن جحش، حيث قبل الرسول عليه الصلاة والسلام الفداء في الأسيرين اللذين أسرا في هذه السرية قبل غزوة بدر بشهرين (4) . وفيما بعد موقعة بدر كان فداء الأسارى أربعة آلاف درهم إلى ما دون ذلك (5) ، فمن لم يكن له شيء أمر أن يعلم صبيان الأنصار الكتابة والقراءة. وليس في المفاداة إعانة لأهل الحرب، كما قال المانعون للفداء، وهم الحنفية، إذ إن تخليص المسلم من قيد الأسر واجب لتمكينه من العبادة الحرة لله تعالى.\rوأخرج مسلم عن إياس بن سَلَمة عن أبيه: أن سرية من المسلمين أتوا بأسرى، فيهم امرأة من بني فَزارة، فبعث بها رسول الله صلّى الله عليه وسلم إلى أهل مكة، ففدى بها ناساً من المسلمين، كانوا أسروا بمكة.\r-------------------------------\r(1) رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة في قصة الخيل التي بعثها النبي صلّى الله عليه وسلم قبل نجد (راجع نيل ا لأوطار: 301/7).\r(2) راجع هذه الحوادث في نصب الراية: 3 ص 398-406، زاد المعاد لابن القيم: 2 ص 165.\r(3) أخرجه أحمد والبخاري وأبو داود عن جبير بن مطعم (نيل الأوطار، المرجع السابق، نصب الراية: 3 ص 405، سبل السلام: 4 ص 56، الإلمام: ص 494).\r(4) راجع نصب الراية: 2 ص 403.\r(5) رواه الواقدي عن النعمان بن بشير (نصب الراية، المرجع السابق).","part":8,"page":68},{"id":5073,"text":"البَابُ الخامِس: القَضاء وطرق إثبات الحقّ\rسأبحث هنا أمر القضاء أو الحكم بين الناس، ووسيلة الوصول إلى الحق بطريق القضاء وهي الدعوى، وطرق إثبات الحق لدى القاضي بالشهادة وباليمين والنكول والإقرار، والقرائن، وذلك في فصول ثلاثة:\rالفصل الأول ـ القضاء وآدابه\rالفصل الثاني ـ الدعوى والبينات\rالفصل الثالث ـ طرق الإثبات\rوأمهد لهذه الفصول ببيان منهج الإسلام في القضاء.\rالمنهج الإسلامي في الميدان القضائي\rالمنهج: معناه المسلك وطريقة العمل، والقضاء: فصل الخصومات وإنهاء المنازعات بإلزام الخصم بالحكم الشرعي، وهو أحد أركان الدولة الإسلاميةأو الخلافة أو الإمامة العظمى، ومحور نظام الحكم، والمظهر العملي الحازم لإلزام الناس باحترام أحكام الشريعة وإعلان هيبتها ونفوذها وتطبيقها في العلاقات الاجتماعية لإحقاق الحق، وإبطال الباطل، وإبراز العدل والإنصاف بين الناس، المؤمنين منهم وغير المؤمنين.\rلذا كان أحد وظائف الأنبياء، وكان الخلفاء والولاة والقضاة يتولونه بالنيابة عن الأمة التي يمثلها الخليفة أو الإمام الأعظم. ولاشك بأن العدل في التصور الإسلامي هو أساس الملك، والظلم مؤذن بخراب المدنيات وتدمير كيان الأمم والشعوب، والقضاء على مصالح الأفراد والجماعة، لأنه يؤدي إلى التذمر ويعجل بالفوضى ويدفع إلى الانتقام والتخريب.\rفالقضاء في غاية الأهمية والحساسية، ومادام هو بخير فالأمة بخير، وإذا فسد القضاء فسدت الأمة والبلاد. ونظراً لهذه الحساسية المفرطة للقضاء، كان منهج الإسلام فيه يقوم على الأسس التالية:\r1 - النظر في الدعوى بموضوعية وتجرد وحياد دون محاباة خصم أو ميل لأحد الخصمين دون الآخر. وهذا واجب ديني خطير من أوليات نظام القضاء إرساء لمعالم الحق والعدل، وإيفاء الحقوق، ونشر الأمن والاستقرار في صفوف الناس، ونزع الضغينة والحقد، وتوفير الصفاء والوئام، وملء النفوس بالثقة والاطمئنان والرضا والمحبة.","part":8,"page":69},{"id":5074,"text":"وحينئذ ترتقي الأمة، وتعلو كلمتها، وترتفع سمعتها في كل مكان مما يدعو إلى سرعة الدخول في الإسلام، والتفرغ لكل متطلبات التنمية والرخاء وزيادة العطاء والإنتاج. قال الله تعالى: { لقد أرسلنا رسلَنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط} [الحديد:25/57] وقال سبحانه: { وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل، إن الله نِعمَّا يعظكم به} [النساء:58/4].\r2 - الالتزام بأحكام الشريعة الإسلامية، شريعة الله القائمة على الحق وتعظيمه، وحفظ الحقوق، وأداء الواجبات، فلا يجوز شرعاً تطبيق غير أحكام الله تعالى وشرعه، لذا هدد الله تعالى أهل الكتاب الذين يحكمون بغير ما أنزل الله، فقال سبحانه: { ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون } [المائدة:44/5] { الظالمون } [المائدة:45/5] ، { الفاسقون } [المائدة:47/5]، وندّد الله تعالى بالمشركين والمنافقين الذين يتجاوزون حدود الله والحكم بشرائع الجاهلية، فقال تعالى: { أفحكمَ الجاهلية يبغون، ومن أحسنُ من الله حُكْماً لقوم يوقنون } [المائدة:50/5] وعلى القاضي حفظ هيبة مجلس القضاء، وليس المراد بذلك شخص القاضي، وإنما حفظ هيبة أحكام الشرع التي يطبقها على المتخاصمين، فلا يعفو مثلاً عمن أهانه من الخصوم أو أهان أحد الحضور.","part":8,"page":70},{"id":5075,"text":"3 - مراقبة الله تعالى، وهذا واجب على القاضي والخصوم معاً؛ لأن قاضي الأرض لايستطيع أن يفعل شيئاً أمام قاضي السماء، فعليه أن يبحث بأناة وجدية وتعمق عن الحق وصاحبه، وعلى الخصم أن يعتقد أن القاضي في الدنيا لايحل الحرام ولا يحرم الحلال، فعليه الاكتفاء بما يعتقد أنه حق، دون تجاوز ولا اعتداء، حتى وإن قضى القاضي في الظاهر بحكم معين ومقدار معين.\r4 - غاية القضاء في الإسلام إرضاء الله تعالى بإحقاق الحق وإنصاف المظلوم، دون تأثر بدين أو ملة أو قومية أو قرابة، وحتى على النفس، قال الله تعالى: { يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط، شهداءَ لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين، إن يكن غنياً أو فقيراً فالله أولى بهما فلا تتّبعوا الهوى أن تعدلوا، وإن تَلْوُوا أو تُعرضوا فإن الله كان بما تعملون خبيراً } [النساء:135/4] وقال سبحانه: { يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله ، شهداء بالقِسْط، ولايجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا، اعدلوا هو أقرب للتقوى واتقوا الله ، إن الله خبير بما تعملون } [المائدة:8/5].\r5 - ركائز القضاء أو أركانه: يعتمد القضاء على أركان خمسة هي في مجملها مايأتي :\rالأول - الحاكم: وهو القاضي الذي عينته السلطة أو الحكومة للفصل في الدعاوى والخصومات، وبهذا يختلف الحاكم عن المحكَّم: وهوالذي يتفق عليه الخصمان للتحكيم في النزاع الدائر بينهما.\rالثاني - الحُكْم: وهو مايصدر عن القاضي من قرار لحسم النزاع وإنهاء الخصومة وله صفة الإلزام، فيختلف الحكم عن الفتوى، فإنها غير ملزمة. والحكم يكون إما بإلزام المحكوم عليه بأمر ما كتنفيذ شيء أو إعطاء شيء، وهذا يسمى قضاء إلزام، وإما يمنع الحاكم المنازعة بقوله للمدعي: ليس لك حق عند خصمك بسبب عجزك عن الإثبات، وهذا يسمى قضاء الترك.","part":8,"page":71},{"id":5076,"text":"الثالث - المحكوم به: وهو في قضاء الإلزام ما ألزم به القاضي المحكوم عليه من إيفاء المدعي حقه، وهو في قضاء الترك ترك المدعي المنازعة. وعلى كل فالمحكوم به هو الحق، إما لله أو للعبد أو مشترك بينهما.\rالرابع - المحكوم عليه: هو من يصدر الحكم ضده، أو من يستوفى منه الحق، سواء أكان مدعى عليه أم لا.\rالخامس - المحكوم له: وهو المدعي بحق له، سواء أكان خالصاً له كالحق في الدين أو الالتزام المالي، أم خالصاً لله كالحدود الشرعية، أم مشتركاً بين الحقين وكان حق الله هو الغالب وهو حد القذف في رأي الحنفية، أو حق العبد هو الغالب وهو الحق في القصاص. فإن كان الحق خالصاً لله أو حق الله فيه غالب، فإن المحكوم له هو الشرع، وهنا لاتشترط الدعوى من شخص معين، ويحق لكل شخص حتى القاضي التقدم بالأمر وهي دعوى الحسبة، وهو الذي تمثله في عصرنا النيابة العامة.\r6 - التقيد بوسائل الإثبات: ليس للقاضي إصدا ر الحكم في قضية ما بناء على قناعته الشخصية، وإنما لابد من التقيد في إثبات الحق بوسائل إثبات معينة كالشهادة والإقرار واليمين والقرينة.\r7 - الاعتماد على النصوص الشرعية الأصلية في الكتاب والسنة من خلال التفسيرات والاجتهادات الراجحة التي أوضحت فيها هذه النصوص، كالمذاهب الفقهية أو مدارس التفسير القرآني المختلفة أو شرح الأحاديث النبوية الصحيحة.\r8 - الدمج بين مبدأ التوازن العام ومبدأ العدالة: إن التوازن بين الحقوق والواجبات عند تطبيق العدل أمر ضروري لتحقيق المساواة بين الخصوم وتحقيق القدرة على الوفاء، وتوازن القضاء، وهذا هو الذي يقال له: الإحسان في العدل، وهو الذي أمر الله تعالى به في قوله سبحانه: { إن الله يأمر بالعدل والإحسان } [النحل:90/16]. والعدل: هو فصل الخصومات بين المتنازعين بواسطة الشريعة الإسلامية والإحسان في العدل: هو موازنة الحقوق والواجبات عند تطبيق العدل.","part":8,"page":72},{"id":5077,"text":"والشريعة تفرض التكاليف مشروطة بالقدرة على الوفاء، لقوله تعالى: {لايكلف الله نفساً إلا وُسْعها } [البقرة:286/2]، وهذا يستوجب مبدأ إنظار المعسر لقوله تعالى: { وإن كان ذو عُسْرة فنَظِرَةٌ إلى ميسرة } [البقرة:280/2] فلا تكليف عند العجز، ولايخاطب الصبي ولا المجنون ولا الناسي، لقوله صلّى الله عليه وسلم فيما يرويه الطبراني عن ثوبان: « رُفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه» .\rواشتراط القدرة يتطلب التخفيف عند المشقة، عملاً بالقاعدة الشرعية، (المشقة تجلب التيسير).\rوالقدرة تستوجب الاعتراف بنظرية الدفاع الشرعي والأخذ بنظرية الظروف الطارئة والقوة القاهرة، كالأخذ بمبدأ فسخ الإجارة للأعذار في مذهب الحنفية، وفسخ البيع حال تعرض الثمار للجوائح المهلكة أو المتلفة بقدر الثلث فأكثر في مذهب المالكية والحنابلة، فإذا كان الوفاء بالعقد واجباً لقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود} [المائدة:1/5] فإن هذا مقيد بمبدأ عدم إرهاق المدين بعقد لم تكن الظروف المستقبلية متوقعة فيه أو منتظرة له وقت التعاقد (1) .\rوتوازن القضاء يستدعي ضرورة التسوية بين الخصوم في كل شيء، ويندب في الإسلام اللجوء إلى الصلح قبل السير في إجراءات الدعوى؛ لأن الصلح يُبْقي جانب الود والسماحة والتفاهم، ويحقق توازناً أكثر مما يحققه الحكم القضائي.\r-------------------------------\r(1) نظرية الضرورة الشرعية للدكتور وهبة الزحيلي ص316 ومابعدها.","part":8,"page":73},{"id":5078,"text":"والتوازن يقتضي كفالة حقوق الدفاع لكل منهم، ويتطلب أيضاً الجمع بين الإثبات وحريته، لذا حدد الإسلام قيمة الإقرار والشهادة واليمين وبعض القرائن الشرعية، وترك في الوقت نفسه للقاضي حق تقدير وسائل أخرى كالقرائن القضائية، حتى لايضيع حق يثبت المنطق أن مدعيه محق، وحتى لايلزم أي شخص بحق لم يثبته مدعيه بالحجج الكافية. وهذا التوازن جعل الإسلام يشدد في الإثبات في الميدان الجنائي، فجعل إثبات الزنا بأربعة شهود يعاينون الجريمة،وجعل الشبهة دارئة للحد لصالح المتهم، وأباح الرجوع عن الشهادة والإقرار، فيكون ذلك دليل البراءة من الجريمة.\r9 - اعتماد القضاء على الوازع الديني: إن إقامة العدل بين الناس غاية سامية، لذا فقد أحيطت بسياج ديني أخلاقي إلى جانب الضمانات القانونية والمبادئ القضائية والأخلاقية مترابطة مع بعضها، ومن هنا قررت الشريعة لفت نظر كل من الخصوم والشهود والقضاة إلى عقاب من ادعى باطلاً أو شهد زوراً أو حكم ظلماً، وإلى ثواب الذين يؤدون الشهادة على وجهها، والذين يتحرون في أحكامهم الحق ليس غير.\rوإذا أمر القاضي أو ثبت عليه أنه جار في حكمه عمداً بقتل نفس أو قطع يد أو قصاص، أقيد منه، ولا شيء عليه إذا أخطأ في حكم (1) .\r10 - القضاء في الإسلام منصب خطير، وذو مكانة كبيرة في الشريعة الإلهية، لذا وردت نصوص كثيرة في القرآن الكريم والسنة الشريفة تشيد بالقضاء وتكلف به الأنبياء والمرسلين،وتوجب القضاء بالحق والعدل كما تقدم لدينا. وكما كرمت الشريعة القاضي العادل حذرت من القاضي الجائر الذي يتبع هواه (2) ، فقال\r-------------------------------\r(1) نظام القضاء في الإسلام للشيخ المرحوم أحمد عبد العزيز آل مبارك ص8.\r(2) القضاء في الإسلام للأستاذ محمود الشربيني: ص13.","part":8,"page":74},{"id":5079,"text":"سبحانه: { وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطبا } [الجن:15/72]. وقال النبي صلّى الله عليه وسلم فيما يرويه الحاكم والبيهقي عن عبد الله بن أبي أوفى: « إن الله تعالى مع القاضي مالم يجر، فإذا جار، تبرأ الله منه وألزمه الشيطان » . وقال عليه الصلاة والسلام فيما يرويه أصحاب السنة الأربعة والحاكم عن بُريدة : « القضاة ثلاثة، اثنان في النار وواحد في الجنة: رجل علم الحق فقضى به فهو في الجنة، ورجل قضى للناس على جهل فهو في النار، ورجل عرف الحق فجار في الحكم، فهو في النار » .\rولا وجود للإجراءات المعقدة في نظام المحاكمات الإسلامي، كما لا تأخير في إصدار الأحكام، وإنما يتميز نظام القضاء في الإسلام بالتعجيل.\rهذه هي أصول المنهج الإسلامي في القضاء، لما طبقت كان القضاء في الدولة الإسلامية تاج عز، ومفخرة من مفاخر التاريخ، لأنه نظام يعتمد على العقيدة والدين والأخلاق وهو النظام الكفيل بتحقيق الأمن والاستقرار لأي مجتمع إنساني يريد السعادة والبقاء، ويفرض الهيبة والاحترام له في أنظار العالم. ولقد طبق هذا النظام خلال عشرات القرون من سنة (622 حتى سنة 1924)م، أي قرابة ثلاثة عشر قرناً من الزمان، وكان أبرز معالمه التسوية بين الإمام الحاكم وبين آحاد الرعية في مجلس القضاء، والتزام العدالة حتى مع الأعداء في السلم والحرب والمواطنة والتعايش الديني بين المسلمين وغيرهم في ظل الدولة الإسلامية الرشيدة.","part":8,"page":75},{"id":5080,"text":"رسالة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه في القضاء: ينبغي على كل قاض أن يحفظ الرسالة العمرية في القضاء؛ لأنها تضع له منهاج التقاضي، وتحدد نظرة الإسلام إلى القضاء، وأوضاع المتقاضين أمام القاضي وآداب القاضي، وقواعد سير الدعوى، وضوابط الشهادة في سبيل الوصول إلى إصدار الحكم وتنفيذه، وهذا نص الرسالة (1) :\r- بسم الله الرحمن الرحيم\r- من عمر بن الخطاب أمير المؤمنين إلى عبد الله بن قيس (2) .\r- سلام عليك، فإني أحمد الله الذي لا إله إلا هو\rأما بعد:\r1 - فإن القضاء فريضة محكمة وسنة متّبعة.\r2 - فافهم إذا أُدلي إليك.\r3 - فإنه لاينفع تكلم بحق لا نفاد له.\r4 - آسِ بين الناس في مجلسك وفي وجهك وقضائك، حتى لايطمع شريف في حيفك، ولا ييأس ضعيف من عدلك.\r5 - البينة على المدعي، واليمين على من أنكر.\r6 - والصلح جائز بين المسلمين، إلا صلحا أحل حراماً ، أو حرَّم حلالاً.\r7 - ومن ادعى حقاً غائباً أو بيِّنةً، فاضرب له أمداً ينتهي إليه، فإن بيَّنه أعطيته بحق، وإن أعجزه ذلك استحللت عليه القضية فإن ذلك هو أبلغ للعذر، وأجلى للعماء.\r8 - ولا يمنعنك قضاء قضيت فيه اليوم، فراجعت فيه رأيك، فهديت فيه لرشدك، أن تراجع فيه الحق، فإن الحق قديم، لايبطله شيء، ومراجعة الحق خير من التمادي في الباطل.\r9 - والمسلمون عدول بعضهم على بعض، إلا مجرَّباً عليه شهادة زور، أو مجلوداً في حد، أو ظنيناً في ولاء أو قرابة.\r10 - فإن الله تعالى تولى من العباد السرائر، وستر عليهم الحدود، إلا بالبيِّنات والأيمان.\r11 - ثم الفهمَ الفهمَ، فيما أدلي إليك، مما ورد عليك، مما ليس في قرآن ولا سنة، ثم قايس الأمور عند ذلك، واعرف الأمثال، ثم اعمد فيما ترى إلى أحبها إلى الله ، وأشبهها بالحق.\r12 - وإياك والغضب، والقلق، والضجر، والتأذي بالناس، والتنكرعند الخصومة أو الخصوم.\r13 - فإن القضاء في مواطن الحق مما يوجب الله به الأجر، ويحسن به الذِّكْر.\r14 - فمن خلصت نيته في الحق، ولو على نفسه، كفاه الله مابينه وبين الناس، ومن تزيّن بما ليس في نفسه شانه الله ، فإن الله لايقبل من العباد إلا ما كان خالصاً.\rوالسلام عليكم ورحمة الله .\r-------------------------------\r(1) انظر أعلام الموقعين لابن قيم الجوزية: 85/1 ومابعدها، وانظر الشرح النفيس لها في هذا الكتاب، تبصرة الحكام: 19/1.\r(2) هو أبو موسى الأشعري رضي الله عنه.","part":8,"page":76},{"id":5081,"text":"صلاحيات القاضي :\rيحدد قانون القضاء في العصر الحديث صلاحيات القاضي واختصاصه، ويوزع تلك الصلاحيات بين القضاة بحسب الموضوع عادة، إما في المسائل المدنية أو في المسائل الجنائية أو الأحوال الشخصية أوفي القضايا التجارية أو الإدارية أو الدستورية أو أمن الدولة أو نحو ذلك.\rوأما أعمال القاضي الشرعي في تصور فقهائنا، فمنها ماهو متفق عليه ومنها ماهو مختلف فيه، وقد اتفق الفقهاء على تولي القاضي للأمور الآتية (1) :\r1 - الفصل بين المتخاصمين، إما بصلح عن تراضٍ أو بإجبار على حكم نافذ.\r2 - قمع الظالمين ونصرة المظلومين وإيصال الحق إلى ذويه.\r3 - تنفيذ الوصايا.\r4 - النظر في شؤون الأوقاف.\r5 - الحجر على السفهاء.\r6 - المواريث.\r7 - شؤون الأيتام والمجانين وإقامة الأوصياء لحفظ أموالهم.\r8 - الجراحات والدماء.\r9 - الإثبات.\r10 - عقد نكاح النساء اللاتي ليس لهن أولياء أو عَضَلهن (2) الأولياء.\r11 - منع التعدي على الطرقات والأفنية العامة. وللقاضي المطالبة بهذه الأعمال إن لم تسند إليه.\rواختلف الفقهاء حول تولي القاضي الشؤون الآتية:\r1 - إقامة الحدود.\r2 - صلاة الجمعة والعيدين.\r3 - أموال الصدقات.\rفبعضهم أسندها للقاضي؛ لأنه كالوصي المطلق إلا ما اختص به الخليفة نفسه من شؤون الجيش وقتال البغاة وجباية الخراج.\rوبعضهم لم يدخلها في اختصاص القاضي لأنه وكيل عن الإمام الأعظم، وليس للوكيل أن يتعدى حدود وكالته.\rودليلهم أن عمر رضي الله عنه نهى الولاة عن تنفيذ حكم الإعدام على أحد إلا بعد مشاورته وموافقته، وقاسوا القضاة على الولاة. ويظهر أن هذا الرأي هو الأرجح؛ لأن القاضي وكيل عن الإمام الأعظم، فليس له أن يتعدى حدود وكالته.\r-------------------------------\r(1) نظام القضاء في الإسلام للشيخ أحمد عبد العزيز آل مبارك: ص12-14.\r(2) منعهن الأولياء عن الزواج.","part":8,"page":77},{"id":5082,"text":"الفَصْلُ الأوّل: القضاء وآدابه\rالكلام عن القضاء في المباحث التسعة الآتية:\rالمبحث الأول ـ تعريف القضاء ومشروعيته.\rالمبحث الثاني ـ شروط القاضي.\rالمبحث الثالث ـ حكم قبول القضاء.\rالمبحث الرابع ـ صلاحيات القاضي.\rالمبحث الخامس ـ واجبات القضاة.\rالمبحث السادس ـ آداب القضاة.\rالمبحث السابع ـ انتهاء ولاية القاضي.\rالمبحث الثامن ـ متى يجوز حبس المدين؟\rالمبحث التاسع ـ عزل القاضي وانعزاله.\rوأبدأ ببحثها كلاً على حدة.\rالمبحث الأول ـ تعريف القضاء ومشروعيته :\rالقضاء لغة: انقضاء الشيء وإتمامه، والحكم بين الناس، والقاضي: الحاكم، وشرعاً: فصل الخصومات وقطع المنازعات (1) . وعرفه الشافعية بأنه فصل الخصومة بين خصمين فأكثر بحكم الله تعالى، أي إظهار حكم الشرع في الواقعة. وسمي القضاء حكماً: لما فيه من الحكمة التي توجب وضع الشيء في محله، لكونه يكف الظالم عن ظلمه، أو من إحكام الشيء (2) .\rوالأصل في مشروعيته: الكتاب والسنة والإجماع (3) :\rأما الكتاب: فقول الله تعالى: {يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق، ولا تتبع الهوى، فيضلك عن سبيل الله } [ص:26/38] وقول الله تعالى: {وأن احكم بينهم بما أنزل الله } [المائدة:49/5] وقوله تعالى: {فاحكم بينهم بالقسط} [المائدة:42/5] وقوله عز وجل: {إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله } [النساء:105/4] ونحوها من الآيات.\rوأما السنة: فما روى عمرو بن العاص عن النبي صلّى الله عليه وسلم أنه قال: «إذا اجتهد الحاكم، فأصاب، فله أجران، وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر» (4) ، وفي رواية صحح\r-------------------------------\r(1) الدر المختار: 4 ص 309، الشرح الكبير للدردير: 4 ص 129.\r(2) مغني المحتاج: 4 ص 372، وانظر فتح القدير: 5 ص 453.\r(3) المبسوط: 16 ص 59 وما بعدها، المغني: 9 ص 34، مغني المحتاج، المرجع السابق، المهذب: 2 ص 289.\r(4) متفق عليه بين البخاري ومسلم عن عمرو وأبي هريرة، ورواه الحاكم والدارقطني عن عقبة بن عامر وأبي هريرة وابن عمر بلفظ: «إذا اجتهد الحاكم فأخطأ فله أجر، وإن أصاب فله عشر أجور» . (راجع نصب الراية: 4 ص 63، شرح مسلم: 12 ص 13، سبل السلام: 4 ص 117، مجمع الزوائد: 4 ص 195، الإلمام: ص 514).","part":8,"page":78},{"id":5083,"text":"الحاكم إسنادها: «فله عشرة أجور» وروى البيهقي خبر: «إذا جلس الحاكم للحكم بعث الله له ملكين يسددانه ويوفقانه، فإن عدل أقاما، وإن جار عرجا وتركاه» .\rوقد حكم النبي صلّى الله عليه وسلم بين الناس (1) ، وبعث علياً كرم الله وجهه وأبا موسى الأشعري إلى اليمن للقضاء في المنازعات، وبعث أيضاً إليها معاذاً (2) ، وكان عتّآب بن أسيد أول قاض لرسول الله صلّى الله عليه وسلم على مكة، ولأن الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم حكموا بين الناس، وبعث عمر رضي الله عنه أبا موسى الأشعري إلى البصرة قاضياً، وأرسل عبد الله بن مسعود إلى الكوفة قاضياً. وتولى القضاء عمر وعلي ومعاذ وأبو موسى وشريح وأبو يوسف رضي الله عنهم.\rوأجمع المسلمون على مشروعية تعيين القضاة، والحكم بين الناس، لما في القضاء من إحقاق الحق، ولأن الظلم متأصل في الطباع البشرية، فلا بد من حاكم ينصف المظلوم من الظالم.\rنوع المشروعية: القضاء فريضة محكمة من فروض الكفايات باتفاق أئمة المذاهب، فيجب على الإمام تعيين قاض، ودليل الفرضية قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا كونوا قوَّامين بالقسط} [النساء:135/4] ولأنه كما ذ ُكر طباع البشر مجبولة على التظالم ومنع الحقوق، وقل من ينصف من نفسه، وبما أن الإمام لا يقدر عادة على فصل الخصومات بنفسه لكثرة مشاغلة العامة، فالحاجة تدعو إلى تولية القضاة.\r-------------------------------\r(1) أخرجه أبو داود عن علي، ورواه أحمد وإسحاق بن راهويه، وأبو داود الطيالسي في مسانيدهم، ورواه الحاكم في المستدرك (راجع نصب الراية، المرجع السابق، ص 60 ومابعدها).\r(2) أخرجه أبو داود والترمذي عن معاذ (نصب الراية: ص 63، تلخيص الحبير، الطبعة المصرية: 4 ص 182).","part":8,"page":79},{"id":5084,"text":"وأما كونه فرض كفاية: فلأنه أمر بمعروف، أو نهي عن منكر، وهما واجبان كفائيان. قال بعضهم: «القضاء أمر من أمور الدين، ومصلحة من مصالح المسلمين، تجب العناية به؛ لأن بالناس إليه حاجة عظيمة » (1) ، وهو من أنواع القربات إلى الله عز وجل، ولذا تولاه الأنبياء عليهم السلام، قال ابن مسعود: «لأن أجلس قاضياً بين اثنين أحب إليّ من عبادة سبعين سنة» .\rالمبحث الثاني ـ شروط القاضي :\rاتفق أئمة المذاهب على أن القاضي يشترط فيه أن يكون عاقلاً بالغاً حراً مسلماً سميعاً بصيراً ناطقاً، واختلفوا في اشتراط العدالة، والذكورة، والاجتهاد (2) .\rأما العدالة: فهي شرط عند المالكية والشافعية والحنابلة، فلا يجوز تولية فاسق ولا من كان مرفوض الشهادة لعدم الوثوق بقولهما، قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا} [الحجرات:6/49] فإذا لم تقبل الشهادة من امرئ، فلأن لا يكون قاضياً أولى. والعدالة تتطلب اجتناب الكبائر، وعدم الإصرار على الصغائر، وسلامة العقيدة، والمحافظة على المروءة، والأمانة التي لا اتهام فيها بجلب منفعة لنفسه أو دفع مضرة عنها من غير وجه شرعي.\rوقال الحنفية: الفاسق أهل للقضاء، حتى لو عين الإمام قاضياً صح قضاؤه للحاجة، لكن ينبغي ألا يعين، كما في الشهادة، فإنه لا ينبغي أن يقبل القاضي شهادة الفاسق، لكن لو قبلها منه جاز، وفي الحالتين: (قضاء وشهادة) يأثم من يعينه للقضاء ومن يقبل شهادته.\r-------------------------------\r(1) اللباب شرح الكتاب للميداني: 4 ص 77.\r(2) البدائع: 3/7، الدسوقي: 129/4، بداية المجتهد: 449/2، مغني المحتاج: 375/4، البجيرمي على الخطيب: 318/4، المغني: 39/9.","part":8,"page":80},{"id":5085,"text":"أما المحدود في القذف: فلا يعين قاضياً كما لا تقبل شهادته عند الحنفية كبقية الأئمة؛ لأن القضاء من باب الولاية، وبما أن هذا المحدود لا تقبل شهادته وهي أدنى الولايات، فعدم تعيينه قاضياً أولى.\rوأما الذكورة: فهي شرط أيضاً عند غير الحنفية، فلا تولى المرأة القضاء ؛ لقوله صلّى الله عليه وسلم : «لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة» (1) ، ولأن القضاء يحتاج إلى كمال الرأي وتمام العقل والفطنة والخبرة بشؤون الحياة، والمرأة ناقصة العقل، قليلة الرأي، بسبب ضعف خبرتها واطلاعها على واقع الحياة، ولأنه لا بد للقاضي من مجالسة الرجال من الفقهاء والشهود والخصوم، والمرأة ممنوعة من مجالسة الرجال بعداً عن الفتنة، وقد نبه الله تعالى على نسيان المرأة ، فقال: {أن تضل إحداهما فتذكِّر إحداهما الأخرى} [البقرة:282/2] ولا تصلح للإمامة العظمى ولا لتولية البلدان، ولهذا لم يولِّ النبي صلّى الله عليه وسلم ولا أحد من خلفائه ولا من بعدهم امرأة قضاء ولا ولاية بلد.\rوقال الحنفية: يجوز أن تكون المرأة قاضياً في الأموال أي في القضاء المدني؛ لأنه تجوز شهادتها في المعاملات، ويأثم المولي لها للحديث السابق: «لن يفلح..» أما في الحدود والقصاص أي في القضاء الجنائي، فلا تعين قاضياً؛ لأنه لا شهادة لها فيه، ومن المعلوم أن أهلية القضاء تلازم أهلية الشهادة.\rوقال ابن جرير الطبري: يجوز أن تكون المرأة حاكماً على الإطلاق في كل شيء، لأنه يجوز أن تكون مفتية فيجوز أن تكون قاضية.\rوأما الاجتهاد: فهو شرط عند المالكية والشافعية والحنابلة وبعض الحنفية\r-------------------------------\r(1) رواه البخاري والنسائي والترمذي وصححه عن أبي بكرة (المقاصد الحسنة للسخاوي: ص 340، نيل الأوطار: 8 ص 263، سبل السلام: 4 ص 123، تلخيص الحبير: 4 ص 184).","part":8,"page":81},{"id":5086,"text":"كالقدوري (1) ، فلا يولى الجاهل بالأحكام الشرعية، ولا المقلد: (وهو من حفظ مذهب إمامه، لكنه غير عارف بغوامضه، وقاصر عن تقرير أدلته) لأنه لا يصلح للفتوى، فلا يصلح للقضاء بالأولى؛ لأن الله تعالى يقول: {وأن احكم بينهم بما أنزل الله } [المائدة:49/5] ولم يقل بالتقليد للآخرين، وقال سبحانه: {لتحكم بين الناس بما أراك الله } [النساء:105/4] وقال عز وجل: {فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول} [النساء:59/4] وروى بريدة عن النبي صلّى الله عليه وسلم قال: «القضاة، ثلاثة: واحد في الجنة، واثنان في النار، فأما الذي في الجنة، فرجل عرف الحق، فقضى به، ورجل عرف الحق وجار في الحكم فهو في النار، ورجل قضى للناس على جهل فهو في النار» (2) فالعامي يقضي على جهل.\rويلاحظ أن اشتراط وصف الاجتهاد عند المالكية: هو الذي عليه عامة أهل المذهب، لكن المعتمد والأصح عندهم أنه يصح تولية المقلد مع وجود المجتهد (3) .\rوأهلية الاجتهاد: تتوافر بمعرفة ما يتعلق بالأحكام من القرآن والسنة، ومعرفة الإجماع والاختلاف والقياس ولسان العرب، ولا يشترط أن يكون الفقيه محيطاً بكل القرآن والسنة، ولا أن يحيط بجميع الأخبار الواردة، ولا أن يكون مجتهداً في كل المسائل، بل يكفي معرفة ما يتعلق بموضوع البحث (4) .\r-------------------------------\r(1) اللباب في شرح الكتاب أي كتاب القدوري: 4 ص 78. قال في الهداية: والصحيح أن أهلية الاجتهاد شرط أولوية. فأما تقلي الجاهل أي غير المجتهد فصحيح عندنا؛ لأنه يمكنه أن يقضي بفتوى غيره.\r(2) رواه ابن ماجه وأبو داود والترمذي والنسائي والحاكم وصححه. وقد علق عليه ابن تيمية بقوله: «وهو دليل على اشتراط كون القاضي رجلاً» (نيل الأوطار: 263/8 ومابعدها، سبل السلام: 115/4، نصب الراية: 65/4، مجمع الزوائد: 195/4).\r(3) الشرح الكبير وحاشية الدسوقي: 129/4.\r(4) راجع التفصيل في كتابنا أصول الفقه: ص 1044/2 ومابعدها، ط دار الفكر.","part":8,"page":82},{"id":5087,"text":"وقال جمهور الحنفية: لا يشترط كون القاضي مجتهداً، والصحيح أن أهلية الاجتهاد شرط الأولوية والندب والاستحباب، فيجوز تقليد غير المجتهد للقضاء، ويحكم بفتوى غيره أي بتقليد مجتهد؛ لأن الغرض من القضاء هو فصل الخصائم وإيصال الحق إلى مستحقه، وهو يتحقق بالتقليد، لكن مع هذا قالوا: لا ينبغي أن يقلد الجاهل بالأحكام، أي الجاهل بأدلة الأحكام الشرعية تفصيلاً واستنباطاً؛ لأن الجاهل يفسد أكثر مما يصلح، بل يقضي بالباطل من حيث لا يشعر به.\rوبصرف النظر عن هذا الخلاف فإن الواقع له مكان وأهمية، قال الإمام الغزالي: اجتماع هذه الشروط من العدالة والاجتهاد وغيرهما متعذر في عصرنا لخلو العصر من المجتهد والعدل، فالوجه تنفيذ قضاء كل من ولاه سلطان ذو شوكة، وإن كان جاهلاً فاسقاً (1) .\rوقال الشافعية: إذا تعذرت هذه الشروط، فولى سلطان له شوكة فاسقاً أو مقلداً نفذ قضاؤه للضرورة. وفي الجملة: إذا وجد اثنان كل منهما أهل للقضاء يقدم الأفضل في العلم والديانة والورع والعدالة والعفة والقوة، لقوله صلّى الله عليه وسلم : «من تولى من أمر المسلمين شيئاً فاستعمل عليهم رجلاً، وهو يعلم أن فيهم من هو أولى بذلك وأعلم منه بكتاب الله ، وسنة رسوله، فقد خان الله ورسوله، وجماعة المسلمين» (2) .\r-------------------------------\r(1) راجع البحث في البدائع: 3/7، فتح القدير: 453/5 وما بعدها، 485، مختصر الطحاوي: ص 332، الدر المختار ورد المحتار عليه: 312/4 وما بعدها، 318، بداية المجتهد: 449/2، الشرح الكبير للدردير: 129/4 وما بعدها، مغني المحتاج: 375/4 وما بعدها، المهذب: 290/2، المغني: 39/9 وما بعدها.\r(2) رواه الطبراني في معجمه عن ابن عباس، وأخرجه الحاكم وابن عدي وأحمد بن حنبل والعقيلي والخطيب البغدادي. وعن حذيفة بن اليمان أخرجه أبو يعلى الموصلي (نصب الراية: 62/4).","part":8,"page":83},{"id":5088,"text":"إثبات ولاية القاضي: تثبت ولاية القاضي بشهادة شاهدين يخبران بمحل ولايته، وباستفاضته خبر تعيينه، والأولى أن يكتب له الإمام كتاباً بالتولية، اتباعاً لفعل النبي صلّى الله عليه وسلم ، فإنه كتب لعمرو بن حزم كتاباً لما بعثه إلى اليمن، وهو ابن سبعة عشر عاماً، وكتب أبو بكر رضي الله عنه كتاباً لأنس لما بعثه إلى البحرين، وختمه بخاتم رسول الله صلّى الله عليه وسلم . وتثبت ولاية القاضي اليوم بقرار التعيين أو التوظيف وينشر في الجريدة الرسمية، وقد ينشر في الصحف اليومية. ويسن للقاضي الاستعانة بعلماء البلد الذي عين فيه، كما يتعرف على العدول ليتابع عمله بوجه أفضل.\rالمبحث الثالث ـ حكم قبول القضاء :\rاتفق الفقهاء على أنه إذا تعين للقضاء واحد يصلح له في بلد لزمه طلبه وقبوله، فإن امتنع عصى، كسائر فروض الأعيان، وللحاكم إجباره؛ لأن الناس مضطرون إلى علمه ونظره، فأشبه من عنده طعام منعه عن المضطر.\rفإن وجد في البلد عدد يصلح للقضاء، فيجوز القبول والترك. وهل القبول حينئذ أفضل أو الترك؟\rقال جمهور العلماء في المذاهب الأربعة: الترك أفضل، لقوله صلّى الله عليه وسلم : «من جعل قاضياً بين الناس، فقد ذبح بغير سكين» (1) وقد امتنع بعض الصحابة كابن عمر وبعض كبار الفقهاء كأبي حنيفة من قبول القضاء، لما ورد فيه من التشديد\r-------------------------------\r(1) رواه أحمد وأصحاب السنن الأربعة عن أبي هريرة، وأخرجه أيضاً الحاكم والبيهقي وابن أبي شيبة وأبو يعلى والبزار والدارقطني وحسنه الترمذي وصححه ابن خزيمة وابن حبان، وله طرق منها ما رواه ابن عدي عن ابن عباس (نيل الأوطار: 259/8 وما بعدها، نصب الراية: 64/4، سبل السلام: 116/4، تلخيص الحبير: 184/4، الإلمام: ص 512).","part":8,"page":84},{"id":5089,"text":"والذم، ولما فيه من الخطورة (1) ، بل إنه يكره طلبه لقوله صلّى الله عليه وسلم لعبد الرحمن بن سمرة: «يا عبد الرحمن بن سمرة، لا تسأل الإمارة فإنك إن أعطيتها من غير مسألة أعنت عليها، وإن أعطيتها عن مسألة وكلت إليها» (2) أي صرفت إليها دون عون، وعن أنس قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم : «من سأل القضاء، وكل إلى نفسه، ومن أجبر عليه نزل إليه ملك فسدده» (3) وعن أبي هريرة عن النبي صلّى الله عليه وسلم قال: «إنكم ستحرصون على الإمارة، وستكون ندامة يوم القيامة، فنعم المرضعة، وبئست الفاطمة» (4) . فيكون طلب القضاء مكروهاً إذا كان هناك مماثل أو أفضل منه.\rلكن يندب طلب القضاء لعالم غير مشهور يرجو به نشر علمه بين الناس لتحصل المنفعة بعلمه، كما يندب لمن كان محتاجاً إلى الرزق؛ لأن القضاء طاعة لما في إقامة العدل من جزيل الثواب. ويستحب أيضاً لمن يرجو بعمله إحقاق الحق ومنع ضياع الحقوق، وتدارك جورالقضاة أو عجزهم عن إيصال الحقوق لأهلها.\rويكره قبول القضاء لمن يخاف العجز عنه، ولا يأمن على نفسه الحيف فيه، حتى لا يكون سبباً لمباشرة القبيح.\rوقال بعض العلماء: قبول القضاء أفضل؛ لأن الأنبياء والمرسلين صلوات الله\r-------------------------------\r(1) قال في كتاب الجوهرة الحنفي: وقد دخل فيه (أي في القضاء) قوم صالحون، واجتنبه قوم صالحون، وترك الدخول فيه أحوط وأسلم للدين والدنيا، لما فيه من الخطر العظيم والأمر المخوف.\r(2) رواه البخاري ومسلم وأحمد (نيل الأوطار: 256/8).\r(3) أخرجه أبو داود والترمذي وابن ماجه وأحمد (نصب الراية: 69/4، مجمع الزوائد: 194/4، نيل الأوطار، المرجع السابق).\r(4) رواه البخاري وأحمد والنسائي. وقوله: «ستحرصون» بكسر الراء، ويجوز فتحها، وقوله: «نعم المرضعة وبئست الفاطمة» أي نعمت المرضعة في الدنيا وبئست الفاطمة بعد الموت (نيل الأوطار: 257/8، سبل السلام: 116/4).","part":8,"page":85},{"id":5090,"text":"ويوضح ذلك ما أخرجه البزار والطبراني بسند صحيح عن عوف ابن مالك بلفظ «أولها ملامة، وثانيها ندامة، وثالثها عذاب يوم القيامة، إلا من عدل» . عليهم، والخلفاء الراشدين ما رسوا القضاء، ولنا فيهم قدوة، ولأن القضاء إذا أريد به وجه الله تعالى يكون عبادة خالصة، بل هو من أفضل العبادات، لقوله صلّى الله عليه وسلم: «يوم من إمام عادل أفضل من عبادة ستين سنة، وحد يقام في الأرض بحقه أزكى فيها من مطر أربعين يوماً» (1) .\rوقوله عليه الصلاة و السلام: «إن المقسطين عند الله على منابر من نور عن يمين الرحمن، وكلتا يديه يمين: الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم، وما وَلُوا» (2) قالوا: وأما الأحاديث التي فيها ذم القضاء فهي محمولة على القاضي الجاهل أو العالم الفاسق، أو الذي لا يأمن على نفسه الرشوة (3) .\rقال القدوري الحنفي: ولا بأس بالدخول في القضاء لمن يثق بنفسه (أي يعلم من نفسه) أنه يؤدي فرضه: وهو الحكم على قاعدة الشرع. ويكره الدخول فيه لمن يخاف العجز عنه أي عن القيام به على الوجه المشروع، ولا يأمن على نفسه الحيف (أي الظلم). ولا ينبغي للإنسان أن يطلب الولاية بقلبه، ولا يسألها بلسانه (4) ، لقوله صلّى الله عليه وسلم : «من طلب القضاء وكل إلى نفسه ومن أجبر عليه نزل عليه ملك يسدده» (5) .\r-------------------------------\r(1) رواه إسحاق بن راهويه والطبراني في الأوسط عن ابن عباس (نصب الراية: 67/4).\r(2) رواه مسلم وأحمد والنسائي عن عبد الله بن عمر (نصب الراية، المرجع نفسه: ص 68، نيل الأوطار: 260/8).\r(3) راجع البدائع: 3/7 ومابعدها، فتح القدير: 458/5 ومابعدها، الدر المختار: 319/4، اللباب شرح الكتاب: 78/4، الشرح الكبير للدردير: 130/4 ومابعدها، مغني المحتاج: 373/4، المغني: 35/9.\r(4) الكتاب: 78/4\r(5) سبق تخريج الحديث قريباً. وفيه دليل على أن طلب مايتعلق بالحكم مكروه، فيدخل الإمارة والقضاء والحسبة ونحو ذلك ( نيل الأوطار: 259/8 ).","part":8,"page":86},{"id":5091,"text":"المبحث الرابع ـ صلاحيات القاضي :\rتشتمل ولاية القاضي على عشرة أمور (1) :\rالأول ـ الفصل بين المتخاصمين إما بصلح عن تراضٍ، وإما بإجبار على حكم نافذ.\rالثاني ـ قمع الظالمين عن الغصب والتعدي وغير ذلك، ونصرة المظلومين وإيصال كل ذي حق إلى حقه.\rالثالث ـ إقامة الحدود والقيام بحقوق الله تعالى.\rالرابع ـ النظر في الدماء والجراح.\rالخامس ـ النظر في أموال اليتامى والمجانين وتقديم الأوصياء عليهم حفظاً لأموالهم.\rالسادس ـ النظر في الأحباس (الأوقاف).\rالسابع ـ تنفيذ الوصايا.\rالثامن ـ عقد نكاح النساء إذا لم يكن لهن ولي أو عضلهن الولي.\rالتاسع ـ النظر في المصالح العامة من طرقات المسلمين وغير ذلك.\rالعاشر ـ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالقول والفعل.\rوهذا دليل على أن القاضي ينظر في الأمور المدنية والجنائية والأحوال الشخصية، والقضايا الإدارية وحقوق الله تعالى، أي حقوق المجتمع، فهو قاضي مدني وجنائي وشرعي وإداري ومحتسب، ولكن لا مانع شرعاً من التخصص الموضوعي في القضاء إذا ازدحمت الدعاوى وكثرت المشكلات.\r-------------------------------\r(1) القوانين الفقهية: ص293.","part":8,"page":87},{"id":5092,"text":"المبحث الخامس ـ واجبات القضاة :\rيجب على القاضي التقيد ببعض الواجبات فيما يتعلق بمصادر الأحكام التي يستمد منها حكمه، وطريق ثبوت الحق بالبينة أو الإقرار ونحوهما وما يتعلق بالمقضي له والمقضي عليه.\rالمطلب الأول ـ ما يقضي به القاضي من الأحكام الشرعية وصفة قضائه :\rيجب على القاضي أن يقضي في كل حادثة بما يثبت عنده أنه حكم الله تعالى: إما بدليل قطعي، وهو النص المفسر الذي لا شبهة فيه من كتاب الله عز وجل، أو السنة المتواترة أو المشهورة، أو الإجماع.\rوإما بدليل ظاهر موجب للعمل، كظواهر النصوص المذكورة في القرآن الكريم أو السنة المشرفة، أو الثابت بالقياس الشرعي، ويعمل به في المسائل الاجتهادية التي اختلف فيها الفقهاء.\rفإن لم يجد القاضي حكم الحادثة في المصادر الأربعة: الكتاب والسنة والإجماع والقياس،يجب عليه العمل بما أدى إليه اجتهاده، إن كان مجتهداً؛ لأن ثمرة اجتهاده هو الحق بالنسبة إليه ظاهراً، فلا يعمل باجتهاد غيره.\rوهل للمجتهد أن يقضي برأي مجتهد آخر أفقه منه؟ قال أبو حنيفة: له القضاء به. وقال الصاحبان: ليس له القضاء به. ومرجع الخلاف هو أن كون أحد المجتهدين أفقه من غيره هل يصلح مرجحاً؟ عند أبي حنيفة: يصلح؛ لأن اجتهاده أقرب إلى الصواب. وعند الصاحبين: لا يصلح مرجحاً؛ لأن كون العالم أفقه من غيره ليس من جنس الدليل الذي يستند إليه في استنباط الحكم.\rوالصحيح عند المالكية أن القاضي إذا كان من أهل الاجتهاد، فله أن يقضي بما رأى، وإن كان غيره أعلم منه؛ لأن التقليد لا يصح للمجتهد فيما يرى خلافه بالإجماع (1) .\rوإن لم يكن القاضي مجتهداً: يختار قول الأفقه والأورع من المجتهدين بحسب اعتقاده (2) .\rصفة قضاء القاضي: قال جمهور العلماء: قضاء القاضي ينفذ ظاهراً لا باطناً؛ لأنا مأمورون باتباع الظاهر، والله يتولى السرائر، فلا يحل هذا الحكم حراماً ولا يحرم حلالاً، فلو حكم بشهادة شاهدين ظاهرهما العدالة لم يحصل بحكمه الحل باطناً، سواء في المال وغيره، لقوله صلّى الله عليه وسلم : «إنكم تختصمون إلي ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، فأقضي له بنحو مما أسمع، فمن قضيت له من حق أخيه بشيء فلا يأخذه، فإنما أقطع له قطعة من النار» متفق عليه (3) .\r-------------------------------\r(1) المقدمات الممهدات: 263/2.\r(2) المبسوط: 68/16، البدائع: 5/7 وما بعدها، مختصر الطحاوي: ص 327.\r(3) راجع مغني المحتاج: 397/4، المغني: 58/9، بداية المجتهد: 450/2 ومابعدها، المقدمات الممهدات: 266/2.","part":8,"page":88},{"id":5093,"text":"وقال أبو حنيفة: إذا حكم الحاكم بعقد أو فسخ أو طلاق، نفذ حكمه ظاهراً وباطناً؛ لأن مهمته القضاء بالحق، وأما الحديث فهو في قضية لا بينة فيها. وعلى هذا إذا ادعى رجل على امرأة أنه تزوجها، فأنكرت، فأقام على زواجها شاهدي زور، فقضى القاضي بالنكاح بينهما، وهما يعلمان أنه لا نكاح بينهما، حل للرجل وطؤها، وحل لها التمكين عند أبي حنيفة، خلافاً للجمهور. ومثله لو قضى بالطلاق فرق بينهما عنده، وإن كان الرجل منكراً. ويقاس عليه البيع ونحوه.\rوالخلاصة: إن القاضي في قول أبي حنيفة ينفذ قضاؤه ظاهراً وباطناً حيث كان المحل قابلاً لذلك كالعقود والفسوخ، والقاضي غير عالم بزور الشهود. وهذا القول وإن كان هو الأوجه في مذهب الحنفية، إلا أن المفتى به عندهم هو قول الصاحبين الموافق لبقية الأئمة، وهو أن قضاء القاضي ينفذ ظاهراً فقط لا باطناً، أي ليس الحلال عند الله هو ما قضى به القاضي، بل ما وافق الحق (1) .\rالمطلب الثاني ـ طرق إثبات الحق لدى القضاء :\rيجب على القاضي أن يقضي بما ثبت عنده بطرق الإثبات الشرعية: وهي البينة والإقرار واليمين والنكول على النحو الذي سيذكر في المبحث المخصص لطرق الإثبات. وأشير هنا إلى أن البينة تظهر الحق بالاتفاق بشرط أن يثبت عند القاضي عدالة الشهود بالسؤال عنهم، ممن له علم بأحوالهم سراً وعلانية.\rوالإقرار حجة مطلقة؛ لأن الإنسان غير متهم بالإقرار على نفسه كاذباً.\rوالشهادة في الأموال: شهادة رجلين أو رجل وامرأتين، أو شهادة رجل ويمين المدعي عند غير الحنفية.\r-------------------------------\r(1) البدائع: 15/7، شرح فتح القدير: 492/5، ط التجارية، الدر المختار ورد المحتار: 462/4، ط الأميرية.","part":8,"page":89},{"id":5094,"text":"واليمين تسقط بها دعوى المدعي الذي لا بينة له. وكذلك عند الإمام مالك: يثبت بها حق المدعي الذي أنكره عليه خصمه.\rوالنكول عن اليمين من المدعى عليه يثبت به الحق للمدعي في الأموال عند أبي حنيفة (1) . ويقضى عند المالكية بالنكول مع شاهد أو يمين المدعي أو مع يمين المدعى عليه (2) . وهل للقاضي أن يقضي بعلمه أو بكتاب قاض آخر إليه أو بالشهادة على الشهادة\r1 - قضاء القاضي بعلم نفسه :\rقال المالكية والحنابلة: لا يقضي الحاكم بعلم نفسه في حد ولا غيره، سواء علم ذلك قبل القضاء وبعده، ويجوز له أن يقضي بما علمه في مجلس القضاء، بأن أقر بين يديه طائعاً. ودليلهم على عدم الجواز قول النبي صلّى الله عليه وسلم : «إنما أنا بشر، وإنكم تختصمون إلي، ولعلَّ بعضكم أن يكون ألحن (3) بحجته من بعض، فأقضي بنحوٍ مما أسمع، فمن قضيت له من حق أخيه شيئاً، فلا يأخذه، فإنما أقطع له قطعة من النار» (4) فدل على أنه يقضي بما يسمع، لا بما يعلم. وقال النبي صلّى الله عليه وسلم في قضية\r-------------------------------\r(1) البدائع، المرجع السابق: ص 6، بداية المجتهد: 451/2 ومابعدها، الشرح الكبير للدردير: 151/4.\r(2) القوانين الفقهية: ص 302.\r(3) أي أفطن بها، ويجوز أن يكون معناه: أفصح تعبيراً وأظهر احتجاجاً حتى يخيل أنه محق، وهو في الحقيقة مبطل. والأرجح في المعنى: أنه أبلغه أي أحسن إيراداً للكلام مع أنه كاذب.\r(4) رواه الجماعة: أحمد وأصحاب الكتب الستة عن أم سلمة، ورواه الطبراني في الأوسط عن ابن عمر، لكن فيه متروك (نيل الأوطار: 278/8، شرح مسلم: 4/12، مجمع الزوائد: 198/4، الإلمام: ص 514).","part":8,"page":90},{"id":5095,"text":"الحضرمي والكندي: «شاهداك أو يمينه، ليس لك منه إلا ذاك» (1) ، وهناك آثار عن بعض الصحابة تؤيد عدم جواز القضاء بعلم نفسه (2) .\rوقال الحنفية: القضاء بعلم القاضي بنفسه: بالمعاينة، أو بسماع الإقرار، أو بمشاهدة الأحوال، فيه تفصيل:\r1 - إن قضى القاضي بعلم حدث له، في زمن القضاء وفي مكانه، في الحقوق المدنية كالإقرار بمال لرجل، أو الشخصية كطلاق رجل امرأته، أو في بعض الجرائم: وهي قذف رجل أو قتل إنسان، جاز قضاؤه. ولا يجوز قضاؤه بعلم نفسه في جرائم الحدود الخالصة لله عز وجل، إلا أن في السرقة يقضي بالمال، لا بالقطع؛ لأن الحدود يحتاط في درئها، وليس من الاحتياط فيها الاكتفاء بعلم القاضي.\r2 - إذا قضى القاضي بعلم نفسه قبل أن يقلد منصب القضاء، أو بعد أن قلد، لكن قبل أن يصل إلى البلد الذي ولي قضاءه، فإنه لا يجوز عند أبي حنيفة أصلاً.\rوعند الصاحبين: يجوز فيما سوى الحدود الخالصة لله عز وجل، قياساً على جواز قضائه فيما علمه في زمن القضاء.\rورد أبو حنيفة بأن القياس مع الفارق، فالعلم المستفاد في زمن القضاء علم في وقت يكون القاضي فيه مكلفاً بالقضاء، فأشبه البينة القائمة فيه، أما العلم الحاصل في غير زمان القضاء: فهو علم في وقت لا يكون القاضي مكلفاً فيه بالقضاء، فلا يصلح؛ لأنه ليس في معنى البينة، فلم يجز القضاء به؛ لأن البينة المعتبرة أن يسمع القاضي الشهود في ولايته، أما ما يعلمه قبل ولايته فهو بمنزلة ما يسمعه من الشهود قبل ولايته، وهو لا قيمة له.\r-------------------------------\r(1) رواه أحمد والشيخان عن الأشعث بن قيس (نيل الأوطار: 302/8).\r(2) المغني: 53/9 وما بعدها، الشرح الكبير للدردير: 158/4، نيل الأوطار: المرجع السابق: ص 286، بداية المجتهد: 458/2 وما بعدها.","part":8,"page":91},{"id":5096,"text":"والخلاصة: إن أبا حنيفة يقول: ما كان من حقوق الله كالحدود الخالصة له، لا يحكم فيه القاضي بعلمه؛ لأن حقوق الله مبنية على المساهلة والمسامحة، وأما حقوق الناس المدنية، فما علمه القاضي قبل ولايته، لم يحكم به، وما علمه في ولايته، حكم به (1) . والمعتمد عند المتأخرين من الحنفية وهو المفتى به: عدم جواز قضاء القاضي بعلمه مطلقاً في زماننا لفساد قضاة الزمن (2) .\rوقال الشافعية: الأظهر أن القاضي يقضي بعلمه قبل ولايته أو في أثناء ولايته، أو في غير محل ولايته، سواء أكان في الواقعة بينة أم لا، إلا في حدود الله تعالى. وعلى هذا فيجوز للقاضي أن يقضي بعلمه في الأموال قطعاً، وفي القصاص وحد القذف على الأظهر؛ لأنه إذا حكم بما يفيد الظن وهو الشاهدان، فقضاؤه بالعلم أولى. وأما الحدود الخالصة لله كالزنا والسرقة والمحاربة وشرب المسكرات، فلا يقضي بعلمه فيها؛ لأنها تدرأ بالشبهات، ويندب سترها، لكن إن اعترف إنسان بموجب الحد في مجلس الحكم قضى فيه بعلمه (3) ، لقوله صلّى الله عليه وسلم : «فإن اعترفت فارجمها» .\r-------------------------------\r(1) المبسوط: 93/16، البدائع: 7/7، مختصر الطحاوي: ص 332.\r(2) الدر المختار ورد المحتار: 4 ص 369.\r(3) مغني المحتاج: 4 ص 398.","part":8,"page":92},{"id":5097,"text":"2 - قضاء القاضي بكتاب قاض آخر إليه :\rاتفق الفقهاء على أن القاضي له أن يقضي بكتاب قاض آخر إليه فيما ثبت عنده في الحقوق المالية للحاجة إليه، فقد يكون لامرئ حق في غير بلده، ولا يمكنه إتيانه والمطالبة به إلا بكتاب القاضي بشرط أن يشهد شاهدان عدلان على أن الكتاب المرسل هو كتاب قاضٍ، وأن يشهد بثبوت الحكم عنده على نحو معين، وأجاز الإمام مالك أن يحكم القاضي بكتاب قاضٍ في الحدود والقصاص أيضاً (1) .\rولكتاب القاضي إلى قاض آخر صورتان:\rالأولى: كتابة الشهادة التي سمعها القاضي من الشهود إما مع تعديل الشهود وتزكيتهم أو بدون تعديل، ليبحث القاضي الآخر عن أحوال الشهود.\rالثانية: كتابة صورة الحكم الذي حكم به على الشخص الغائب ويرسلها إلى القاضي الثاني لتنفيذ الحكم عليه.\rوبما أن الحنفية لا يجيزون القضاء على الغائب كما سيأتي بيانه، فالصورة الثانية لتنفيذ الحكم. والأولى مقدمة لإصدار الحكم.\rوقد اشترط علماء المذاهب في قبول كتاب القاضي شروطاً أكتفي بذكر شروط الحنفية منها وهي (2) :\rأولاً ـ البينة على أنه كتابه: فيشهد شاهدان رجلان أو رجل وامرأتان على أن\r-------------------------------\r(1) بداية المجتهد: 2 ص 458، المغني: 9 ص 90، مغني المحتاج: 4 ص 452، المهذب: 2 ص 304، المبسوط: 16 ص 95، الميزان: 2 ص 188، الشرح الكبير للدردير: 4 ص 159، فتح القدير: 5 ص 277 وما بعدها، تبيين الحقائق: 241/4.\r(2) المبسوط، المرجع السابق، البدائع: 7 ص 7 وما بعدها، فتح القدير، المرجع السابق، اللباب شرح الكتاب للميداني: 4 ص 84 وما بعدها، مختصر الطحاوي: ص 330، درر الحكام: 2 ص 412 وما بعدها، تبيين الحقائق: 184/4، القوانين الفقهية: ص 297، الشرح الكبير: 159/4.","part":8,"page":93},{"id":5098,"text":"هذا كتاب فلان القاضي ببيان اسمه ونسبه؛ لأنه لا يعرف أنه كتابه بدون المذكور. ويحدد في الكتاب اسم المدعى عليه والشهود، والمدعى به وصفاته لتمييزه عن غيره. وهذا أمر طبيعي متفق عليه.\rثانياً ـ أن يكون الكتاب مختوماً، ويشهدوا على أن هذا ختمه لصيانته عن الخلل فيه. وأن تكون الكتابة ظاهرة مقروءة تفيد المعنى المراد وتؤدي المقصود من كتابة الشهادة أو كتابة الحكم، ليتمكن القاضي المكتوب له العمل بموجب الكتاب.\rثالثاً ـ أن يشهد الشاهدان بما في الكتاب: بأن يقولا: إنه قرأه عليهما مع الشهادة بالختم.\rوهذا قول أبي حنيفة ومحمد. وقال أبو يوسف: يكفي أن يشهد الشاهدان بالكتاب والخاتم، ولا تشترط الشهادة بما في الكتاب؛ لأن المقصود من هذه الشهادة حصول العلم للقاضي المرسل إلىه بأن هذا كتاب فلان القاضي، ويتحقق المطلوب بما ذكر. وقال الطرفان: لا يحصل هذا المقصود إلا بالعلم بما فيه.\rرابعاً ـ أن تكون هناك مسافة سفر القصر بين القاضي المرسل وبين المرسل إليه؛ لأن القضاء بكتاب القاضي أمر جوِّز للحاجة أو للضرورة؛ لأنه قضاء على غائب، ولا ضرورة فيما دون مسافة القصر.\rخامساً ـ أن يكون موضوع الكتاب في الحقوق المدنية أو الشخصية كالديون والنكاح، وإثبات النسب، والمغصوبات، والأمانات والمضاربة، أو أن يكون في العقارات كالأراضي والدور؛ لأنها تقبل التحديد، وقيل: لا يقبل في المنقولات للحاجة إلى الإشارة إليها عند الدعوى والشهادة.\rوفي رواية عن محمد: أنه يقبل في جميع المنقولات من الدواب والثياب والأمتعة ونحوها، وبه أخذ المتأخرون من الحنفية، وعليه الفتوى، وبه قال سائر الأئمة الآخرين.\rسادساً ـ ألا يكون الكتاب في الحدود والقصاص؛ لأن كتاب القاضي إلى القاضي بمنزلة الشهادة على الشهادة، وهي لا تقبل في العقوبات الخالصة لله عز وجل؛ لأنها تدرأ بالشبهات، وكتاب القاضي إلى القاضي فيه شبهة.\rوهذا أيضاً هو الأرجح عند الشافعية والحنابلة. وقال المالكية كما عرفنا: يجوز كتاب القاضي إلى القاضي في الحدود والقصاص؛ لأن الاعتماد على الشهود، وقد شهدوا.\rوهناك شروط أخرى من أهمها: أن الكتاب إذا وصل إلى القاضي قرأه على الخصم؛ لأنه بمنزلة أداء الشهادة، وهو لا يكون إلا بمحضر الخصم، فكذا هذا، منعاً من اتهام القاضي في شيء.\rومن أهمها أيضاً: أن الكتاب يقبل إذا كان القاضي الكاتب ما زال في منصبه عند وصول الكتاب إلى المرسل إليه، فإن مات، أو عزل أو لم يبق أهلاً للقضاء قبل وصول الكتاب، لا يقبل؛ لأن الكاتب صار من جملة الرعايا العاديين، ولا يقبل أيضاً الكتاب إذا مات المكتوب له أو عزل، إلا أن يكتب إلى قاضي بلد كذا وإلى كل من يقضي فيه من قضاة المسلمين.","part":8,"page":94},{"id":5099,"text":"3 - قضاء القاضي بالشهادة على الشهادة :\rاتفق الفقهاء على قبول الشهادة على الشهادة في الأموال، لقوله تعالى: {وأشهدوا ذوي عدل منكم} [الطلاق:2/65] وللحاجة إليها؛ لأن الشهادة الأصلية قد تتعذر بسبب حبس أو مرض أو عجز. ولا تقبل الشهادة على الشهادة في الحدود الخالصة لله عند الحنفية والحنابلة، والشافعية في الأظهر؛ لأن الحدود مبنية على الستر والدرء بالشبهات، والشهادة على الشهادة فيها شبهة، فإنه يعترضها احتمال الغلط والسهو والكذب في شهود الفرع مع احتمال ذلك في شهود الأصل.\rوقال الإمام مالك: تقبل الشهادة على الشهادة في الحدود وكل الحقوق المالية؛ لأن موجب الحد يثبت بشهادة الأصل، فيثبت بالشهادة على الشهادة كالأموال (1) ، وسأفصل هذا الموضوع في بحث الشهادات إن شاء الله تعالى.\rالمطلب الثالث ـ واجبات القاضي نحو المقضي له :\rيجب على القاضي نحو المقضي له أمور (2) :\r1ً - أن يكون ممن تقبل شهادته للقاضي، فإن كل من لا تقبل شهادته له: لا يجوز قضاء القاضي له؛ لأن القضاء له قضاء لنفسه من جهة، فلم يكن القضاء مجرداً، وإنما فيه تهمة، فلا يصح القضاء. وعليه فلا يجوز للقاضي أن يقضي لنفسه، ولا لأبويه وإن علوا، ولا لزوجته، ولا لأولاده وإن سفلوا، ولا لشريكه في المال المشترك بينهما، ولا لكل من لا تجوز شهادته لهم، لوجود التهمة، وهذا رأي أكثر الفقهاء (3) .\r2ً - أن يكون المقضي له حاضراً وقت القضاء،فإن كان غائباً لم يجز القضاء له إلا إذا كان عنه وكيل حاضر؛ لأن القضاء على الغائب عند الحنفية لا يجوز، فكذلك لا يجوز القضاء للغائب أيضاً.\r3ً - طلب القضاء من القاضي في حقوق الناس؛ لأن القضاء وسيلة إلى الحق، وحق الإنسان لا يستوفى إلا بطلبه.\r-------------------------------\r(1) راجع فتح القدير: 74/6، مغني المحتاج: 453/4، المغني: 206/9، القوانين الفقهية: ص 297.\r(2) البدائع: 8/7، اللباب شرح الكتاب: 90/4، مختصر الطحاوي: ص 332.\r(3) بداية المجتهد: 460/2، مغني المحتاج: 393/4، المغني: 107/9.","part":8,"page":95},{"id":5100,"text":"المطلب الرابع ـ واجبات القاضي نحو المقضي عليه :\rيجب على القاضي ألا يحكم على من لا يجوز أن يشهد عليه، فلا يقضي على عدوه، ويجوز أن يقضي له. ويجب أن يكون المقضي عليه حاضراً عند الحنفية، فلا يجوز القضاء على الغائب بالبينة إذا لم يكن عنه وكيل حاضر (1) كوكيله ووصيه ومتولي الوقف أو نائبه، لقول النبي صلّى الله عليه وسلم : «فإنما أقضي له بحسب ما أسمع» وما روي عن علي أن النبي صلّى الله عليه وسلم قال حين أرسله إلى اليمن: «لا تقض لأحد الخصمين حتى تسمع كلام الآخر» (2) ، ولأنه قضاء لأحد الخصمين وحده، فلم يجز، كما لو كان الآخر في البلد، ولأنه يجوز أن يكون للغائب ما يبطل البينة ويقدح فيها، فلم يجز الحكم عليه.\rوعدم جواز القضاء على الغائب عند الحنفية، سواء أكان الخصم غائباً وقت الشهادة أم بعدها وبعد التزكية، وسواء أكان غائباً عن مجلس القضاء أم عن البلد التي فيها القاضي، إلا أن يكون ذلك ضرورياً، كما إذا توجه القضاء على الخصم، فاستتر.\r-------------------------------\r(1) البدائع، المرجع السابق: 222/6، اللباب، المرجع السابق: ص 88، تكملة فتح القدير: 137/6، تكملة رد المحتار على الدر المختار: 314/1، المبسوط: 39/17.\r(2) رواه أبو داود والترمذي وقال: هذا حسن صحيح، وأخرجه أيضاً ابن حبان وصححه وأحمد، وقواه ابن المديني عن علي بلفظ: «يا علي إذا جلس إليك الخصمان، فلا تقض بينهما حتى تسمع من الآخر، كما سمعت من الأول فإنك إذا فعلت ذلك تبين لك القضاء» (نيل الأوطار: 375/8، سبل السلام: 120/4).","part":8,"page":96},{"id":5101,"text":"وقال المالكية والشافعية والحنابلة (1) : يجوز القضاء على الغائب البعيد الغيبة بشرط أن يكون للمدعي بينة، وذلك في حقوق الناس المدنية، أما في الحدود الخالصة لله تعالى، فلا يقضى على الغائب بها؛ لأنها مبنية على المسامحة والدرء والإسقاط، لاستغنائه تعالى، بخلاف حق الإنسان، فإن قامت بينة على غائب بسرقة مال، حكم عليه بالمال دون القطع.\rواستدلوا على جواز الحكم على الغائب بحديث هند، قالت: «يا رسول الله، إن أبا سفيان رجل شحيح، وليس يعطيني ما يكفيني وولدي؟ قال: خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف» (2) فقضى لها الرسول عليه السلام، ولم يكن زوجها حاضراً. والواقع أن هذا الحديث لا حجة لهم فيه؛ لأن أبا سفيان كان حاضراً بمكة، والحادثة كانت بمكة، لما حضرت هند لمبايعة الرسول صلّى الله عليه وسلم .\rقال ابن حزم: صح عن عثمان القضاء على الغائب، وصح عن عمر أنه حكم في امرأة المفقود أنها تتربص أربع سنين وأربعة أشهر وعشراً، ولا مخالف لهما من الصحابة. ودليلهم من المعقول أن البينة يطلب سماعها وهي مسموعة في هذه الحالة على الغائب، فيجب الحكم بها كالبينة المسموعة على الحاضر الساكت، وأيضاً فالحكم على الميت والصغير جائز، وهما أعجز عن الدفاع عن نفسيهما من الغائب، ولأن في منع الحكم عن الغائب إضاعة للحقوق التي ندب الحكام إلى حفظها.\rوحد الغيبة البعيدة عند الشافعية: هو أن يكون الغائب في مسافة بعيدة عن بلد القاضي: وهي التي لا يرجع منها مبكر إلى موضعه الذي بكَّر منه ليلاً بعد فراغ المحاكم، لما في إلزامه الحضور من المشقة. وقيل: هي مسافة القصر.\rوأما الحاضر في بلد القاضي ومن بقربه: فلا تسمع البينة عليه، ولا يحكم عليه في غيبته إلا لتواريه، أو تعززه، وعجز القاضي حينئذ عن إحضاره بنفسه أو بأعوان السلطان.\r-------------------------------\r(1) بداية المجتهد: 460/2، الشرح الكبير للدردير: 162/4، مغني المحتاج: 406/4، 415، المهذب: 3/2، المغني: 110/9.\r(2) متفق عليه بين البخاري ومسلم عن عائشة (شرح مسلم: 7/12، الإلمام: ص 515).","part":8,"page":97},{"id":5102,"text":"المبحث السادس ـ آداب القضاة :\rينبغي على القاضي أن يلتزم بآداب معينة تقتضيها مصلحة القضاء وإقامة العدل بين الناس، وهذه الآداب مستمدة في أغلبها من كتاب سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه في القضاء والسياسة إلى أبي موسى الأشعري رضي الله عنه.\rوأذكر هنا أهمها عند الحنفية وأصنفها إلى قسمين: آداب عامة، وآداب خاصة.\rالآداب العامة :\r1 ً - المشاورة: يندب للقاضي أن يجلس معه جماعة من الفقهاء يشاورهم ويستعين برأيهم فيما يجهله من الأحكام أو يشكل عليه من القضايا، قال تعالى: {وشاورهم في الأمر} [آل عمران:159/3] وأخرج الترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: «ما رأيت أحداً بعد رسول الله صلّى الله عليه وسلم أكثر مشاورة لأصحابه منه» .\rفإن اتفق رأي الفقهاء على أمر قضى به، كما كان يفعل الخلفاء الراشدون، وإن اختلفوا أخذ بأحسن أقاويلهم وقضى بما رآه صواباً، إلا أن يكون غيره أفقه منه، فيجوز له الأخذ برأيه وترك رأيه الشخصي. وإن اعتمد على قول بعضهم، ثم رأى الصواب في قول الآخر، فله أن يعدل عن الرأي الأول؛ لأن الأمور الاجتهادية يجوز للقاضي أن يأخذ بأحد الآراء فيها قبل صدور الحكم. أما بعد الحكم فليس له أن يبطل الحكم الذي صدر منه؛ لأنه صار بالقضاء كالرأي المتفق عليه، ولكن له أن يعمل في المستقبل بخلاف الرأي السابق (1) .\r-------------------------------\r(1) البدائع: 11/7 وما بعدها، الدر المختار: 316/4، الكتاب مع اللباب: 81/4، أصول الفقه للمؤلف: 1115/2، ط دار الفكر.","part":8,"page":98},{"id":5103,"text":"2 ً - التسوية بين الخصمين في المجلس والإقبال: ينبغي أن يعدل القاضي بين الخصمين في الجلوس، والإقبال، فيجلسهما بين يديه، لا عن يمينه ولا عن يساره، وأن يسوي بينهما في النظر والنطق والإشارة والخلوة فلا يسارّ أحدهما أو يخلو به، ولا يشير إليه، ولا يلقنه حجة منعاً للتهمة، ولا يضحك في وجه أحدهما؛ لأنه يجترئ عليه، ولا يمازحهما ولا واحداً منهما؛ لأنه يذهب بمهابة القضاء، ولا يضيف أحدهما (1) ، ولا يرفع صوته على أحدهما، ولا يكلم أحدهما بلغة لا يعرفها الآخر، وإذا تكلم أحدهما أسكت الآخر حتى يسمع كلامه، ويفهم، ثم يستنطق الآخر، حتى يفهم تماماً رأيه (2) .\rقال رسول الله صلّى الله عليه وسلم : «من ابتلي بالقضاء بين المسلمين، فليسوِّ بينهم في\r-------------------------------\r(1) روي إسحاق بن راهويه وعبد الرزاق والدارقطني والبيهقي وابن خزيمة في صحيحه عن الحسن عن علي قال : «إن النبي صلّى الله عليه وسلم نهانا أن نضيف الخصم إلا ومعه خصمه» ورواية البيهقي له بإسناد ضعيف منقطع، وله طريق آخر عند الطبراني في الأوسط عن علي، قال: «نهى النبي صلّى الله عليه وسلم أن يضيف أحد الخصمين دون الآخر» وفيه ضعيف (نصب الراية: 73/4، تلخيص الحبير: 193/4 وما بعدها، مجمع الزوائد: 197/4).\r(2) البدائع، المرجع السابق: ص 9، المبسوط: 61/16، فتح القدير: 469/5.","part":8,"page":99},{"id":5104,"text":"المجلس، والإشارة والنظر، ولا يرفع صوته على أحد الخصمين أكثر من الآخر» (1) .\rوفي كتاب عمر إلى أبي موسى الأشعري: «آس بين الناس في وجهك وعدلك ومجلسك، حتى لا يطمع شريف في حيفك، ولا ييأس ضعيف من عدلك» (2) وعن الحسن قال: «جاء رجل فنزل على علي رضي الله عنه، فأضافه، فلما قال:إني أريد أن أخاصم، قال له علي رضي الله عنه: تحول، فإن النبي صلّى الله عليه وسلم نهانا أن نضيف الخصم إلا ومعه خصمه» (3) ، وعن عبد الله بن الزبير قال: «سنة رسول الله ؛ صلّى الله عليه وسلم أن يجلس الخصمان بين يدي القاضي» ، وفي لفظ: «قضى رسول الله صلّى الله عليه وسلم أن الخصمين يقعدان بين يدي الحاكم» (4) .\rوكما أنه لا يصح تلقين الخصم حجته، يكره تلقين الشاهد، وهو أن يقول القاضي كلاماً يستفيد به الشاهد علماً على الحادثة، واستحسن أبو يوسف تلقين الشاهد الذي يستحي أو يحتار أو يهاب مجلس القضاء، فيترك شيئاً من شروط الشهادة، فيعينه القاضي بقوله: «أتشهد بكذا وكذا» بشرط عدم التهمة؛ لأن في التلقين إحياء للحق (5) .\r-------------------------------\r(1) رواه إسحاق بن راهويه في مسنده وأبو يعلى والدارقطني والطبراني عن أم سلمة، ولفظ الدارقطني: «من ابتلي بالقضاء بين المسلمين فليعدل بينهم في لحظه وإشارته ومقعده» (فتح القدير، المرجع السابق، نصب الراية: 73/4، مجمع الزوائد: 197/4، تلخيص الحبير: 193/4).\r(2) روى الكتاب الدارقطني في سننيهما عن أبي المليح الهذلي، وروى بعضه ابن أبي شيبة في مصنفه من طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، ونقله ابن الجوزي في سيرة عمر بن الخطاب واعتمده ابن القيم في أعلام الموقعين (راجع نصب الراية: 63/4، 81، أعلام الموقعين: 85/1، أصول الفقه للمؤلف: 628/2، ط دار الفكر.\r(3) رواه إسحاق بن راهويه عن الحسن، ورواه أيضاً عبد الرزاق والدارقطني وغيرهم كما سبق في تخريجه قريباً (فتح القدير: 469/5، نصب الراية: 73/4).\r(4) رواه أبو داود وأحمد والبيهقي والحاكم عن عبد الله بن الزبير وفي إسناده ضعيف (نيل الأوطار: 274/8، تلخيص الحبير: 193/4).\r(5) فتح القدير، المرجع السابق: ص 470، البدائع: 10/7، اللباب: 81/4.","part":8,"page":100},{"id":5105,"text":"3 ً - قبول الهدية: لا يقبل القاضي هدية أحد إلا من ذي رحم محرم، أو ممن جرت عادته قبل القضاء بمهاداته؛ لأن المقصود في الأول صلة الرحم، وفي الثاني استدامة المعتاد. والحاصل أن المهدي إذا كان له خصومة في الحال يحرم قبول هديته، لأنها بمعنى الرشوة، قال صلّى الله عليه وسلم : «هدايا العمال غلول» (1) وروي: «هدايا العمال سحت» وفي لفظ: «هدايا السلطان سحت» . وأخرج أبو داود عن بريدة حديثاً بلفظ: «من استعملناه على عمل فرزقناه رزقاً، فما أخذه بعد ذلك فهو غلول» وقال عليه الصلاة والسلام في قصة ابن اللُّتبِيّة: «ما بال العامل نبعثه فيجيء، فيقول: هذا لكم، وهذا أهدي إلي، ألا جلس في بيت أمه، فينظر أيهدى إليه أم لا؟» (2) ولأن الهدية تدعو إلى الميل للمهدي، وينكسر بها قلب خصمه. وهذا كله دليل على تحريم قبول الهدية على الحاكم بعد تولي القضاء؛ لأن للإحسان تأثيراً في طبع الإنسان، والقلوب مجبولة على حب من أحسن إليها، فربما مالت نفسه إلى المهدي ميلاً يؤثر في الميل عن الحق عند وجود خصومة بين المهدي وبين غيره، والقاضي لا يشعر بذلك، ويظن أنه لم يخرج عن الصواب بسبب ما قد زرعه الإحسان في قلبه.\r-------------------------------\r(1) رواه أحمد والبيهقي وابن عدي والبزار من حديث أبي حميد الساعدي وإسناده ضعيف، ورواه الطبراني في ا لأوسط من حديث أبي هريرة، وإسناده أشد ضعفاً (تلخيص الحبير: 189/4، نيل الأوطار: 297/7، 268/8، مجمع الزوائد: 200/4) والغلول: الخيانة.\r(2) متفق عليه بين البخاري ومسلم عن أبي حميد الساعدي، قال: «استعمل رسول الله صلّى الله عليه وسلم رجلاً من الأزد، يقال له: ابن اللتبية على الصدقة، فلما قدم، قال: هذا لكم، وهذا أهدي إلي، فقام رسول الله صلّى الله عليه وسلم على المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: «ما بال عامل أبعثه، فيقول: هذا لكم، وهذا أهدي إلى، أفلا جلس في بيت أبيه أو أمه، حتى ينظر أيهدى له أم لا؟ والذي نفس محمد بيده، لا ينال أحد منها شيئاً إلا جاء يوم القيامة يحمله على عنقه، إن كان بعيراً له رغاء، أو بقرة لها خوار، أو شاة تيعر، ثم رفع يديه حتى رأينا عفرتي إبطيه، ثم قال: اللهم، هل بلَّغت؟ مرتين أو ثلاثاً» (الإلمام في أحاديث الأحكام: ص 516، سنن أبي داود: 121/2، نيل الأوطار: 297/7) واللتبية بتشديد اللام المضمومة وسكون التاء وكسر الباء وتشديد الياء المكسورة. وقال ابن السرح: ابن الاتبية.","part":8,"page":101},{"id":5106,"text":"وإن كان المهدي قريباً من القاضي ولا خصومة له، جاز قبول هديته؛ لأنه لا تهمة فيه.\rوإن كان المهدي أجنبياً عن القاضي، لا تقبل هديته؛ لأنه قد يكون له مآرب في المستقبل، إلا إذا كان له عادة بالمهاداة قبل تقلد القضاء، فيجوز قبولها بشرط ألا تزيد الهدية على القدر المعتاد (1) .\rويندب للقاضي ألا يبيع ولا يشتري بنفسه، لئلا يحابيه أحد، ويستغل منصبه وقربه منه إذا وقعت خصومة بينه وبين غيره.\r4 ً - إجابة الدعوة: إذا كانت الدعوة عامة: وهي (ما تكون فوق العشرة أو التي يتخذها صاحبها سواء حضر القاضي أم لا، مثل دعوة العرس والختان) ولا خصومة لصاحب الوليمة، فللقاضي إجابة الدعوة؛ لأن الإجابة سنة، ولا تهمة فيه.\r-------------------------------\r(1) البدائع: 9/7 وما بعدها، فتح القدير: 467/5، الكتاب مع اللباب: 81/4، الدر المختار: 323/4 وما بعدها، مغني المحتاج: 392/4.","part":8,"page":102},{"id":5107,"text":"وإن كانت الدعوة خاصة: وهي (ما تكون دون العشرة أو التي لا يتخذها صاحبها لولا حضور القاضي) فلا يجيبها؛ لأن إجابتها لا يخلو من التهمة، إلا إذا كان صاحب الدعوة ممن اعتاد أن يتخذ للقاضي دعوة قبل القضاء، أو كان بينه وبين القاضي قرابة، فلا بأس بأن يحضر، إذا لم يكن لصاحب الدعوة خصومة، كما تبين في حال الهدية، لعدم وجود التهمة (1) .\r5 - شهود الجنازة وعود المريض: لا بأس بأن يشهد القاضي الجنازة ويعود المريض؛ لأن ذلك من حقوق المسلمين بعضهم على بعض (2) ، قال صلّى الله عليه وسلم: «حق المسلم على المسلم خمس: رد السلام، وتشميت العاطس، وإجابة الدعوة، وعيادة المريض، واتباع الجنائز، وإذا\r-------------------------------\r(1) البدائع، المرجع السابق: ص 10، فتح القدير: ص 468، الدر المختار، المرجع نفسه: ص 325.\r(2) المراجع السابقة.","part":8,"page":103},{"id":5108,"text":"استنصحك فانصح له» (1) فهي السادسة.\rالآداب الخاصة :\r1 - مكان القضاء: قال الشافعية: يستحب أن يكون مجلس القضاء فسيحاً بارزاً للناس، متلائماً مع الوقت والفصول، متناسباً مع الحر والبرد، لا مسجداً، فيكره اتخاذ المسجد مجلساً للحكم؛ لأن مجلس القاضي، لا يخلو عن اللغط، وارتفاع الأصوات، وقد يحتاج لإحضار المجانين والصغار وذوات الأعذار بالحيض والنفاس والجنابة، والكفار، ونحوهم، والمسجد يصان عن ذلك كله. أخرج مسلم: «أنه صلّى الله عليه وسلم حين سمع من ينشد ضالته في المسجد، قال: إن المساجد لم تبن لهذا، إنما بنيت لما بنيت له» فإن صادف وقوع قضية أو أكثر وقت الحضور في المسجد لصلاة أو غيرها، فلا بأس بفصلها، وعليه يحمل ما جاء عنه صلّى الله عليه وسلم ، وعن خلفائه في القضاء في المساجد (2) .\rوقال الحنفية والمالكية والحنابلة: لا بأس من القضاء في المساجد، اقتداء برسول الله صلّى الله عليه وسلم (3) وبصحابته (4) وتابعيهم رضي الله عنهم، كانوا يجلسون في المسجد للقضاء، والاقتداء بهم واجب (5) .\r2 - معاونو القاضي: يندب أن يكون للقاضي جلواز وهو المسمى بصاحب المجلس أي الحارس في عرفنا، وأن يكون له أعوان يستحضرون الخصوم ويمتثلون بين يديه إجلالاً له، ليكون المجلس مهيباً ويذعن المتمرد للحق، وأن يكون للقاضي ترجمان لجواز أن يحضر المحاكمة من لا يعرف القاضي لغته من المدعي والمدعى عليه والشهود.\rوأن يتخذ القاضي كاتباً، لأنه يحتاج إلى حفظ الدعاوى والبينات والإقرارات، وقد يشق عليه الكتابة بنفسه، فيحتاج إلى كاتب يستعين به. وينبغي أن يكون الكاتب عفيفاً صالحاً من أهل الشهادة، وله معرفة بالفقه. وينبغي أن يقعد الكاتب حيث يرى القاضي ما يكتب وما يصنع؛\r-------------------------------\r(1) رواه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن حبان عن أبي هريرة، ورواه البخاري في الأدب المفرد من حديث عبد الرحمن بن زياد بن أنعم الأفريقي (نصب الراية: 72/4 وما بعدها، جامع الأصول: 338/7، سبل السلام: 148/4، مجمع الزوائد: 184/8).\r(2) مغني المحتاج: 390/4.\r(3) راجع بعض حوادث قضائه صلّى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين في المسجد في (نصب الراية: 71/4 وما بعدها).\r(4) راجع نصب الراية، المرجع السابق: ص 72.\r(5) البدائع: 13/7، فتح القدير: 465/5، الدر المختار: 323/4، اللباب: ص 80، الشرح الكبير للدردير: 137/4، المغني: 45/9.","part":8,"page":104},{"id":5109,"text":"لأنه أقرب إلى الاحتياط (1) ، وأن يخصص الكاتب سجلاً خاصاً بالدعوى، يذكر فيه موضوع الدعوى والمدعي والمدعى عليه، والشهود، ودفوع كل من الخصمين.\r3 - فهم المنازعة: ينبغي على القاضي أن يفهم الخصومة فهماً دقيقاً، فيجعل فهمه وسمعه وقلبه متجهاً كله إلى كلام الخصمين، لقول سيدنا عمر في فاتحة كتابه إلى أبي موسى الأشعري: «فافهم إذا أدلي إليك، فإنه لا ينفع تكلم بحق لانفاذ له» .\r4 - صفاء القاضي وحالته النفسية: يلزم ألا يكون القاضي قلقاً ضجراً مضطرباً وقت القضاء، لقوله صلّى الله عليه وسلم : «إياك والضجر والقلق» (2) وألا يكون غضبان باتفاق العلماء، لقوله صلّى الله عليه وسلم : «لا يقضي القاضي وهو غضبان» (3) ، ولقول سيدنا عمر إلى أبي موسى: «إياك والغضب والقلق والضجر والتأذي بالناس، والتنكر لهم عند الخصومة، فإذا رأيت الخصم يتعمد الظلم، فأوجع رأسه» ولأن القاضي إذا غضب تغير عقله، ولم يستكمل رأيه وفكره.\rوفي معنى الغضب: كل ما شغل النفس من الهم والنعاس والجوع المفرط والعطش المفرط، والتخمة، والخوف، والمرض، وشدة الحزن والسرور، ومدافعة الأخبثين، فينبغي ألا يكون القاضي مشغولاً بهذه العوارض العشرة، حتى لا تمنع الحاكم من إصابة الحق؛ لأنها تمنع استحضار القلب والعقل، واستجماع الفكر الذي يتوصل به إلى إصابة الحق في الغالب، فهي في معنى الغضب المنصوص عليه، فتجري مجراه، قال عليه السلام: «لا يقضي القاضي وهو غضبان\r-------------------------------\r(1) البدائع: 12/7، مختصر الطحاوي: ص 329.\r(2) ذكره السرخسي في المبسوط: 64/16.\r(3) رواه أحمد وأصحاب الكتب الستة عن أبي بكر بلفظ: «لا يقضين حاكم بين اثنين وهو غضبان» وفي لفظ ابن ماجه: «لا يقضي» وفي لفظ آخر: «لا يحكم أحد بين اثنين وهو غضبان» (نيل الأوطار: 272/8 وما بعدها، مجمع الزوائد: 194/4، شرح مسلم: 15/12، تلخيص الحبير: 189/4، سبل السلام: 120/4).","part":8,"page":105},{"id":5110,"text":"مهموم، ولا مصاب، ولا يقضي وهو جائع» (1) .\rفإن حكم القاضي في الغضب وما شاكله لا ينفذ قضاؤه عند بعض الحنابلة؛ لأنه منهي عنه، والنهي يقتضي فساد المنهي عنه.\rوقال بعضهم وهو مذهب الشافعي والجمهور: ينفذ قضاؤه (2) .\rوإذا أخطأ القاضي في قضائه، كان خطؤه على المقضي له، وإن تعمد الخطأ بجور، كان الخطأ عليه (3) .\r5 - تزكية الشهود: لا يسأل القاضي عن حالة الشهود فيما سوى الحدود والقصاص، وهذا من آداب القضاء عند أبي حنيفة؛ لأن القضاء عنده بظاهر العدالة. وعند الصاحبين: من واجبات القضاء، وسأفصل الموضوع في بحث شروط أداء الشهادة. والسؤال يكون أولاً سراً، ثم يكون علانية خوفاً من الاحتيال والتزوير، بأن يسمى غير العدل باسم العدل، فإذا اتفق اثنان عدلان أو أكثر على تزكية رجل، قبل قوله وعمل به. وعدالة المزكين شرط؛ لأن من لا يكون عدلاً في نفسه، كيف يعدِّل غيره\rوأما العدد: فهو شرط فضيلة وكمال عند أبي حنيفة وأبي يوسف؛ لأن التزكية ليست بشهادة. وعند محمد: شرط جواز؛ لأن التزكية في معنى الشهادة.\rولو اختلف المعدلان، فعدله أحدهما، وجرحه الآخر، سأل القاضي غيرهما، فإن عدله آخر أخذ بالتزكية، وإن جرحه أخذ بالجرح؛ لأن خبر الاثنين أولى من خبر الواحد بالقبول؛ لأنه حجة مطلقة.\rوإن عدله اثنان، وجرحه اثنان، عمل بالجرح؛ لأن المجرح يعتمد حقيقة الحال، والمعدل يبني الأمر على الظاهر؛ لأن الظاهر من حال الإنسان أن يظهر الصلاح، ويكتم الفسق، فكان قبول قول الجارح أولى.\r-------------------------------\r(1) رواه أبو عوانة في صحيحه، وأخرج البيهقي والدارقطني والطبري بسند ضعيف عن أبي سعيد الخدري مرفوعاً: « لايقضي القاضي إلا وهو شبعان ريان » ( مجمع الزوائد: 195/4، نيل الأوطار: 273/8، تلخيص الحبير، المرجع السابق ).\r(2) المبسوط: 64/16، المغني: 49/9، مغني المحتاج: 391/4، البدائع: 9/7، بداية المجتهد: 462/2.\r(3) مجمع الضمانات: ص 364.","part":8,"page":106},{"id":5111,"text":"وكذا لو جرحه اثنان، وعدله ثلاثة فأكثر، يعمل بقول الجارح عند الحنفية؛ لأن الترجيح لا يقع بكثرة العدد في موضوع الشهادات (1) .\r6 - مصالحة الخصمين: لا بأس للقاضي أن يرد الخصوم إلى الصلح، إن تأمل منهما المصالحة، قال تعالى: {والصلح خير} [النساء:128/4] فكان طلب الصلح طلباً للخير.\rوقال سيدنا عمر: «ردوا الخصوم حتى يصطلحوا، فإن فصل القضاء يورث بينهم الضغائن» . وإن لم يتأمل القاضي الصلح من المتخاصمين، ولم يرضيا به، فلا يردهما إلى الصلح، ويتركهما على الخصومة، وينفذ القضاء على من قامت عليه الحجة (2) .\rالمبحث السابع ـ انتهاء ولاية القاضي :\rكل ما تنتهي به الوكالة، تنتهي به ولاية القاضي، كالعزل والموت، والجنون المطبق، وإنجاز المهمة الموكولة للشخص، إلا في شيء واحد، وهو أن الموكل إذا مات أو خلع ينعزل الوكيل، أما ولي الأمر إذا مات أو خلع، فلا ينعزل قضاته وولاته. والفرق بين الوكالة وولاية القاضي: أن الوكيل يعمل بولاية الموكل وفي حقه الخالص له، فإن زالت أهلية الولاية، بطلت الوكالة. أما القاضي فلا يعمل بولاية الإمام وفي حقه المجرد له، وإنما يعمل بولاية المسلمين وفي حقوقهم، وإنما الإمام بمنزلة النائب عنهم، وولاية المسلمين باقية بعد موت الإمام، فلو استخلف القاضي أحداً بإذن الإمام ثم مات القاضي،لا ينعزل خليفته؛ لأنه نائب الإمام، لا نائب القاضي (3) .\r-------------------------------\r(1) البدائع: 10/7 ومابعدها، مختصر الطحاوي: ص 328.\r(2) البدائع، المرجع نفسه: ص13، مختصر الطحاوي: ص333.\r(3) البدائع: 16/7، 37/6 وما بعدها.","part":8,"page":107},{"id":5112,"text":"المبحث الثامن ـ متى يجوز حبس المدين؟\rبينت في بحث التعزير أن الحبس جائز شرعاً لقوله عليه الصلاة والسلام: «مطل الغني ظلم» والظالم يحبس.\rفإذا رفعت الدعوى إلى القاضي، وثبت الحق عنده على أحد المتخاصمين، وطلب صاحب الحق حبس غريمه، لم يعجل القاضي بحبسه، وإنما يعمل بما يأتي (1) :\r1ً - إذا ثبت لدى القاضي أن المدين معسر أو معدم لا مال له: لا يحكم بحبسه في الدين، باتفاق الفقهاء لقوله تعالى: {وإن كان ذو عسرة فنَظِرة إلى ميسرة} [البقرة:280/2] إذ لا فائدة من حبسه، فيكون ظلماً، وإنما يترك ليسعى في الأرض ويكتسب، فيتمكن من سداد دينه كله أو بعضه.\r2ً - إذا كان مشكوكاً في أمر المدين، أهو معسر أم موسر، جاز حبسه عند جمهور الفقهاء حبس تلوم واختبار، إذا كان الدين من ديون المعاوضة (2) كثمن مبيع ودين قرض، وطلب غرماؤه حبسه، وادعوا أن له مالاً يخفيه أو ينكره. وينتهي هذا الحبس بالإفراج عن المدين إذا ثبت عسره، كالحالة السابقة، إذ لا حبس للمدين المعدم، ويكون حبسه حينئذ ظلماً ، ولا يحول القاضي بينه وبين غرمائه بعد خروجه من الحبس، ولهم حق ملازمته.\r3ً - إذا ثبت يسار المدين بالأدلة المعروفة، لم يأمر القاضي فوراً بحبسه، وإنما يأمره بأداء المال المستحق عليه لصاحبه؛ لأن الحبس جزاء المماطلة، فلا بد من ظهورها، إذا ثبت الحق بإقراره. أما إن ثبت الحق بالبينة، وامتنع من الوفاء بالدين المستحق، أو تأخر عن الدفع من غير ضرورة، جاز حبسه شهرين أو ثلاثة أو أكثر أو أقل بحسب تقدير القاضي لأحوال الأشخاص.\rويظل محبوساً أبداً في رأي أبي حنيفة وزفر حتى يقوم بالوفاء.\r-------------------------------\r(1) اللباب شرح الكتاب: 82/4، الطرق الحكمية: ص 101 - 106.\r(2) أما إذا كان الدين من غير معاوضة كأرش الجناية ونفقة الأقارب، فلا يحبس المدين بسببه إذا ادعى الإعسار. ولم يجز ابن القيم هذه التفرقة ورفض الحبس في الحالتين، حتى يثبت موجبه، ويظهر أن هذا الرأي هو الأرجح تحقيقاً للعدالة.","part":8,"page":108},{"id":5113,"text":"وقال الصاحبان وأئمة المذاهب الأخرى: إذا لم يفلح الحبس في دفعه إلى الوفاء بديونه، يحجر عليه ويباع ماله جبراً، ويقسم بين دائنيه قسمة غرماء. فالحبس جزاء مؤقت عند هؤلاء ينتهي إما بالإفراج عن المدين إذا ثبت عسره، أو ببيع ماله جبراً وتسديد ديونه.\rويحبس الرجل في نفقة زوجته لظلمه بامتناعه عن الإنفاق، ولا يحبس والد في دين ولده؛ لأنه نوع عقوبة، فلا يستحقه الولد على والده، إلا إذا امتنع والده من الإنفاق عليه، دفعاً لهلاكه، ولئلا تسقط النفقة بمضي الزمان.\rوقد رأى الحنفية بالنسبة لإثبات يسار المدين أنه يحبس إلى ظهور عسره في كل دين لزمه بدلاً عن مال حصل في يده (أي في المعاوضات) كثمن مبيع وبدل مستأجر، أو التزمه بعقد كالمهر والكفالة؛ لأن التزامه بالعقد باختياره دليل يساره.\rولا يحبس المدين فيما سوى ذلك كبدل الخلع، وبدل مغصوب أو شيء متلف ونحوها إلا أن يثبت غريمه (دائنه) أن له مالاً، فيحبسه حينئذ لظهور المطل.\rكيفية الحبس الشرعي (1) : إن الحبس الشرعي في أصله ليس هو الحبس في مكان ضيق، وإنما هو تعويق الشخص، ومنعه من التصرف بنفسه، سواءأكان في بيت أم في مسجد، أم كان بتوكل شخص أو وكيله عليه، وملازمته له.\rوحق الملازمة يخول الدائن مراقبة مدينه عن كثب، حتى يتمكن من معرفة الأموال التي تؤول إلىه تمهيداً للاستيلاء عليها وفاء لدينه.\rوكان هذا هو الحبس على عهد النبي صلّى الله عليه وسلم وأبي بكر الصديق رضي الله عنه، ولم يكن له محبس معد لحبس الخصوم.\rولكن لما كثر الناس في عهد عمر بن الخطاب ابتاع بمكة داراً وجعلها سجناً يحبس فيها، فانقسم العلماء فريقين:\r-------------------------------\r(1) الطرق الحكمية: ص 102 وما بعدها.","part":8,"page":109},{"id":5114,"text":"قال بعضهم: لا يتخذ الحاكم حبساً؛ إذ لم يكن لرسول الله صلّى الله عليه وسلم ولا لخليفته بعده حبس، ولكن يعوقه بمكان من الأمكنة، أو يقام عليه حافظ، أو يأمر غريمه بملازمته، كما فعل النبي صلّى الله عليه وسلم .\rوقال آخرون وهم الأكثرون كما تبين في التعزير: للحاكم أن يتخذ حبساً؛ إذ أن عمر بن الخطاب قد اشترى من صفوان بن أمية داراً بأربعة آلاف درهم، جعلها حبساً.\rعزل القاضي وانعزاله :\rللقاضي أن يعزل نفسه، لأنه كالوكيل عن الإمام، وللوكيل أن يعزل نفسه عن الوكالة.\rولا ينعزل القاضي بموت الإمام أو ترك منصبه وولايته بسبب من الأسباب؛ لأن الإمام يمثل الأمة في تعيين القضاة والموظفين.\rوللإمام عزل القاضي إذا أخل بواجبه أو كثرت الشكاوى منه، أو وجد من هو أفضل منه، أو كان هناك مثله أو دونه وكان في عزله مصلحة للمسلمين. فإ لم يكن شيء مما سبق حرم عزله؛ لأنه عبث منهي عنه.\rولا ينعزل القاضي قبل بلوغه خبر عزله، لعدم علمه بذلك. وينعزل القاضي بنفسه بأحد أسباب ثلاثة:\r1 ً - زوال الأهلية: بالجنون أو الإغماء أو العمى أو الخرس أو الصمم، أو فقدان أهلية الاجتهاد وضبط الأمور بسبب غفلة أو نسيان.\r2 ً - الردة: بخروجه عن الإسلام؛ لأنه يصبح كافراً، والله تعالى يقول: {ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلاً} [النساء:141/4].\r3 ً - الفسق: بالإخلال بأحكام الشريعة أمراً ونهياً، وبالآداب العامة؛ لمنافاة ذلك لمنصب الولاية إلا قاضي الضرورة: وهو القاضي الفاسق الذي يعينه سلطان ذو شوكة.","part":8,"page":110},{"id":5115,"text":"......................إقليمية الشريعة والقضاء في ديار الإسلام..........................\rكلما هبَّت رياح الضعف والوهن على بلد إسلامي أو عربي، أثيرت حوله مشكلات عديدة تتعلق بأوضاع غير المسلمين من الناحية القانونية أو الاجتماعية أو السياسية، وتبدأ مظاهر الفتنة بالتساؤل: هل تطبق عليهم أحكام الشريعة الإسلامية، أو أنهم يخضعون لقوانين خاصة بهم؟ وذلك كما كان عليه الحال في أواخر عهد السلطة العثمانية، حيث تقرر بمساعي الدول الكبرى ما يسمى بنظام الامتيازات الأجنبية الذي عانت منه البلاد الشيء الكثير، ويعاصرنا الآن الوضع المتأزم في السودان بين الشمال والجنوب بمناسبة إقرار القانون الجنائي لإعفاء الجنوبيين من أحكامه، بل حتى إقليم الخرطوم عاصمة الدولة، التي يختل فيها الأمن اختلالاً ملحوظاً، وتكثر جرائم النهب والسرقة والقتل في الفترة التي أوقف فيها تطبيق الحدود الشرعية.\rومثل هذه التساؤلات لا تتردد بالنسبة لغير المواطنين في ربوع الدول القوية الغربية أو الشرقية، فلا يعترض أحد على تطبيق أحكام قانون عقوبات تلك الدولة، مهما اشتد وقسا، ومهما تعنَّت الساسة وتغطرسوا، ويظل مبدأ إقليمية القانون الذي هو جزء من سيادة الدولة هو المحترم والمطبق، ويتصدى قضاء الدولة الحالي للنظر في أي جريمة وقعت على أرضها أو إقليمها، أو حتى على وسائل النقل والمواصلات البرية والبحرية والجوية التابعة لها من طائرات وسفن، ولو في غير إقليم الدولة البري أو البحري أو الجوي، وتبادر الدولة على الفور إلى طرد دبلوماسي مثلاً لإطلاقه عياراً نارياً في شارع أو قرب سفارته، وتعلن الدولة صراحة كما حدث في بريطانيا في الأسبوعين الأخيرين من شهر أيلول(سبتمبر 1988) قائلة لغير الإنجليز: إما أن تحترموا قوانيننا أو ترحلوا من بلادنا، حفاظاً على ا لأمن الداخلي والسلم والاستقرار.","part":8,"page":111},{"id":5116,"text":"وبالمقارنة بين هذا المثال والوضع في السودان يظهر لنا أن القضية إذن هي قضية قوة ونفوذ لحماية المبدأ والحق، فإن كانت هناك قوة، كان احترام المبدأ القانوني هو السائد، وإن كان هناك ضعف انحسر مبدأ القانون، وظهر الاستنكار والاستهجان في وسائل الإعلام من إذاعة وصحافة، وتجرأ الناقدون لوصف القانون الجنائي المستمد من شريعة الله تعالى بأنه متسم بالقسوة والشدة، وأنه سبب التفرقة والتجزئة والانقسام، وفصل جنوب السودان عن شماله!!\rوالواقع أن مشكلة جنوب السودان سياسية محضة تعتمد على دعم وتأييد خارجي، له بواعثه وأهدافه ومراميه المفروضة والمشبوهة المعروفة، وليس منشأ المشكلة قضية تطبيق الشريعة.\rومع كل هذا أودّ بيان مبدأ إقليمية القانون الجنائي والقضاء، وأقارن بين ما عليه القانون الوضعي في العقوبات، وبين ما قرره فقهاؤنا الشرعيون منذ قرون كثيرة، لمعرفة أوجه الشبه والاختلاف في هذا الموضوع المهم جداً، ولدحض ذرائع الذين يريدون التخلص من أحكام شريعة الله تعالى، بقصد إبقاء الجريمة ترتع وتمرح، ويكون المجرمون في أمان من العقاب الرادع الذي يستأصل الإ جرام ويقطع دابره.","part":8,"page":112},{"id":5117,"text":"من المعلوم أن الشريعة الغراء ذات المصدر الإلهي الوحيد الثابت الصحة والأصل منذ مجيئها وإلى اليوم والغد، تبغي الخير والسلامة والعدالة والاستقرار والعيش بسلام في ديارها وفي العالم أجمع، سواء بين المسلمين أنفسهم وبينهم وبين غيرهم الذين يعيشون في ديار الإسلام وأوطانه، وإذا تحقق هذا الهدف، وهو سريع التحقق إذا طبقت أحكام الشريعة بأصولها وفروعها الصحيحة، وفي ضوء مقاصد التشريع العامة وروحه النقية الصافية، والتُزمت جميع الأحكام الشرعية، ليس في نطاق العقاب الصارم وحده، وإنما في مبنى الهيكل السياسي والاجتماعي والاقتصادي الشامل لجميع المواطنين في ديار الإسلام بحيث يشعر الناس أن مظلة الإسلام رحمة كلها، وخير كلها، وعدل كلها، ومصلحة كلها. وقد أثبتت التجارب أن العقوبات والأنظمة الوضعية لم تحقق للناس سعادتهم ولم تكفل أو تضمن لهم الأمن والسلامة والاستقرار لأموالهم وأنفسهم ومنازلهم وتحركاتهم وتنقلاتهم وأسفارهم.\rولا فرق في الحاجة إلى تطبيق شريعة الإسلام المدنية والجزائية بين عالم متمدن متحضر، وعالم بدائي أو متخلف، فالبشر هم البشر، والناس هم الناس، والكل يعرف أن أكبر نسبة للجرائم في العالم هي في الولايات المتحدة الأمريكية، وأنه في كل دقيقة أو ثانية تقع جريمة في بريطانيا وأمريكا.","part":8,"page":113},{"id":5118,"text":"ومبدأ إقليمية قانون العقوبات وغيره في كل دولة معناه أن القانون يسري حكمه على كل ما يقع في إقليم الدولة من جرائم مهما كانت جنسية المجرم وصفته. وأساس هذا المبدأ حق الدولة في السيادة على إقليمها، سواء الإقليم الأرضي، والمائي، والجوي. والإقليم الأرضي يشمل جميع أجزاء حدود الدولة الجغرافية من مساحة الأرض اليابسة، والإقليم المائي يمتد إلى ذلك الجزء من البحر العام الملاصق لشواطئ الدولة، ويتحدد في العرف الدولي عرضه بثلاثة أميال بحرية من آخر نقطة ينحسر عنها البحر وقت الجزر، والإقليم الجوي يضم كل طبقات الجو فوق الإقليمين الأرضي والمائي.\rوهذا المبدأ الذي يحكم نطاق التطبيق المكاني للنصوص الجنائية الوضعية وهو ما يعبر عنه بمبدأ ( إقليمية قانون العقوبات ) هو المبدأ السائد في عالم القانون المعاصر، ولكن يرد عليه استثناءان: أحدهما داخلي والآخر خارجي. أما الاستثناء الداخلي فيقتضي إعفاء بعض الأشخاص من الخضوع لقانون العقوبات في ا لدولة، وهم أعضاء البرلمان عما يبدونه من أفكار وآراء في أداء أعمالهم داخل المجلس أو في لجانه، ورؤساء الدول الأجنبية ورجال السلك السياسي الأجنبي، وأفراد القوات الحربية الأجنبية الذين يقومون بمهمات أمنية لحفظ السلام بترخيص من الدولة، وذلك عملاً بالعرف الدولي باعتبار أن هؤلاء تتصل أوضاعهم بسيادة الدولة التي ينتمون إليها.\rوأما الاستثناء الخارجي فيعني تطبيق قانون عقوبات الدولة خارج إقليمها على جرائم تمس مصلحة أساسية لها، وهي الجرائم المخلة بأمن الدولة، وجرائم تزييف النقود الوطنية، وجرائم تزوير أختام الدولة.","part":8,"page":114},{"id":5119,"text":"ولقد أجمع فقهاء الإسلام على وجوب تطبيق الشريعة في دار الإسلام على المسلمين وغيرهم ، كما هو السائد في نظريات القوانين الوضعية، ومنها القوانين العربية، مع المخالفة أحياناً في بعض الحالات، فإن فقهاءنا اختلفوا فيما بينهم في مدى تطبيق الشريعة على المستأمن: وهو من دخل دارنا بأمان مؤقت، وذلك مثل الأجانب الذين يدخلون أراضي دولة أخرى بتأشيرة دخول من الدولة نفسها أو من سفاراتها أو قنصلياتها المعتمدة في خارج الدولة، كما اختلفوا أيضاً في مدى تطبيق الشريعة على جرائم مواطني الدولة الواقعة أو التي ترتكب خارج أرض الدولة. وتطبق أحكام الشريعة على المسلمين وغيرهم في ديار الإسلام في المعاملات المدنية والعقوبات الجنائية، سواء أكانت حدوداً شرعية (عقوبات مقدرة) أم تعازير (عقوبات غير مقدرة متروك أو مفوض تقديرها إلى ولي الأمر الحاكم).\rومبدأ إقليمية القضاء تابع لإقليمية الشريعة، ويجب على القاضي المسلم أن يحكم في النزاع في حقوق الآدميين من ديون ومعاملات في رأي الحنفية والشافعي في القول الصحيح، لقول الله تعالى مخاطباً نبيه عليه الصلاة والسلام: {وأن احكُمْ بينَهم بما أنزلَ الله ، ولا تتَّبعْ أهواءَهم، واحذرْهم أن يفتنوك عن بعضِ ما أنزلَ الله ُ إليكَ، فإن تولَّوْا فاعلمْ أنما يريدُ الله أن يُصيبَهم ببعضِ ذنوبهم، وإن كثيراً من الناسِ لفاسقون. أفحُكْمَ الجاهلية يبغون، ومَنْ أحسنُ من الله حُكماً لقومٍ يُوقنون} [المائدة:49/5]. وهذا يشمل المسلمين وغيرهم في دار الإسلام.","part":8,"page":115},{"id":5120,"text":"وذهب فقهاء آخرون (مالك والشافعي في القول الآخر وأحمد) إلى أنه يخير القاضي المسلم بين الحكم والإعراض عن الحكم بين غير المسلمين في المعاملات، لقوله تعالى: {فإنْ جاءوك فاحكمْ بينهم أو أعرضْ عنهم} [المائدة:42/5]. والظاهر هو الرأي الأول، لأن هذه الآية منسوخة بالآية المتقدمة: {وأن احكم بينهم} [المائدة:49/5] ولأننا التزمنا بمنع الظلم عن المستوطنين غير المسلمين في ديارنا، ويلزم الدولة استئصال دابر الإجرام والفساد في داخل أراضيها لحفظ الأموال والدماء، ويجب منح غير المسلمين حق التقاضي عموماً إلى محاكمنا، وهذا يتفق مع ما قررته اتفاقية جنيف عام (1949م) في المادة (42) من منح الرعايا الأجانب حق التقاضي، سواء كانوا مدعين أو مدعى عليهم، بعد أن كان هذا الحق مسلوباً منهم فترة طويلة من الزمن.\rويتقوى الرأي الأول بقول الإمام علي رضي الله عنه: «وإنما بذلوا الجزية ـ ضريبة الأشخاص كضرائب الدخل الحالية ـ لتكون أموالهم كأموالنا، ودماؤهم كدمائنا» . وروى أبو داود والبيهقي عن رسول الله صلّى الله عليه وسلم قال: «ألا من ظلم معاهداً أو انتقصه، أو كلّفه فوق طاقته، أو أخذ شيئاً بغير طيب نفسٍ منه، فأنا حجيجه يوم القيامة» .","part":8,"page":116},{"id":5121,"text":"أما الخلاف الفقهي في المستأمن فينحصر في رأيين: رأي أبي حنيفة ومحمد، ورأي الجمهور، أما أبو حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى: فيريان أن المستأمن الذي يقيم إقامة مؤقتة في دار الإسلام لا تطبق عليه العقوبات الشرعية إذا ارتكب جريمة متعلقة بحق الله تعالى، كشرب الخمر والزنى والسرقة، ولا تقام عليه الحدود؛ لأن المستأمن التزم بما فيه حقوق العباد،ولأن العقاب الديني لا ولاية كاملة فيه للحاكم المسلم على المستأمن، لتوقيت مدة إقامته في ديارنا. أما مسؤوليته مدنياً وجنائياً فيما يمس حقوق الأشخاص، كالقصاص والقذف والغصب والتبديد، فهو كبقية المسلمين وغير المسلمين المقيمين إقامة دائمة في بلاد الإسلام (الذميين المعاهدين) لما في ذلك من صلاح الجماعة، وزجر الجاني، وعهد الذمة القديم ما يزال ساري المفعول على غير المسلمين الحاليين المقيمين في البلاد الإسلامية.\rوأما الجمهور ومنهم أبو يوسف والشيعة الإمامية والزيدية: فيرون أن المستأمن كالذمي تطبق عليه أحكام الشريعة، ويخضع لجميع أحكام المعاملات المدنية والجرائم المخلة بالأمن والنظام، ويعاقب على جرائمه التي تمس حق الشخص كالقصاص، والسرقة في رأيهم، والقذف وإتلاف الأموال، وكذا جرائمه التي تتعلق بحق الله تعالى كشرب الخمر والزنى، لما في ذلك من ممارسة حق السيادة للدولة، وللمحافظة على نقاوة المجتمع وسلامته وأمنه، ولأن المستأمن في دار الإسلام التزم بتطبيق أحكام الإسلام عليه بموجب العهد أو الأمان، كما أن أحكام الشريعة في المعاملات المالية من بيوع وعقود وتعامل بالربا تطبق عليه باتفاق الفقهاء.","part":8,"page":117},{"id":5122,"text":"وقد اتخذت نظرية أبي حنيفة ومحمد ذريعة لإعفاء الأجانب من الخضوع لأحكام الشريعة مما سبَّب منح المستأمنين في عهد سليمان القانوني السلطان العثماني ما يسمى بالامتيازات الأجنبية التي قاست منها البلاد الإسلامية كثيراً، فكانت سبباً لاستغلال المسلمين، وتضييع حقوقهم، واستعلاء الأجانب عليهم، والحد من سلطة الدولة وسيادتها، والإعفاء من الاختصاص التشريعي والقضائي، ومن الأعباء المالية والخدمة العسكرية.\rوينبني على رأي الجمهور أن الحصانة القضائية التي يترتب عليها في العرف الدولي الحديث عدم خضوع رجال السلك الدبلوماسي للولاية القضائية للدولة الموفد إليها، سواء في المسائل المدنية أو الجنائية أو الإدارية، هذه الحصانة غير مقررة لدى جماهير فقهائنا، فالمستأمن والسفير والقنصل ورئيس الدولة الأجنبية وغيرهم من ذوي الاستثناءات المتقدمة يسأل كل منهم مدنياً وجنائياً عما يرتكبه من أعمال مخالفة في بلاد الإسلام؛ لأن دفع الفساد واجب ملزم لكل من يقيم بين المسلمين، ولو مؤقتاً، والمجرم لا يستحق الحماية ولا يصلح لأداء وظيفته.\rوأما الإمام أبو حنيفة وصاحبه محمد فيريان أيضاً مسؤولية المستأمن مدنياً وجنائياً، لكنه معفى فقط كما تقدم من المسؤولية الجنائية التي تتعلق بالحق العام (حق الله تعالى) الذي تمارسه الدولة وترعاه، كشرب الخمر والزنى.","part":8,"page":118},{"id":5123,"text":"ويرى أستاذنا المرحوم الشيخ محمد أبو زهرة: أن العقوبات التعزيرية التي لم يرد في عقوبتها نص من كتاب أو سنة، أي غير الحدود الشرعية، يعفى منها الممثلون السياسيون مجاراة للعرف الدولي الحاضر، ومراعاة لمبدأ المعاملة بالمثل؛ لأن تقديرهذه العقوبات من حق ولي الأمر، وله الإعفاء منها لمصلحة عامة. والعرف أو القانون الدولي، وإن كان لا يخضع الممثل السياسي لولاية القضاء الإقليمي خشية التحامل عليه وإهدار حصانته، فإنه أجاز للدولة الموفد إليها تبليغ الأمر إلى الدولة الموفدة لمحاكمته، كما أن لها أن تعتبره شخصاً غير مرغوب فيه، وتطلب استدعاءه، بل لها في الجرائم الخطيرة أن تطرده، ولها أن تقبض عليه إذا كان ذلك ضرورياً للمحافظة على سلامتها، كما لها أن تطلب رفع الحصانة الدبلوسية عنه من دولته لتحاكمه هي بسبب ارتكابه جريمة في أرضها. أما القناصل فيجوز خضوعهم للقضاء الإقليمي. وهكذا يقترب العرف الدولي الحاضر من الحكم المقرر في الشريعة لدى فقهائنا.\rوأما الخلاف الفقهي حول تطبيق أحكام الشريعة على رعايا دار الإسلام إذا ارتكبوا جرائم في خارج تلك الدار، فيتمثل في رأيين أيضاً: مذهب الحنفية، ومذهب الجمهور. أما الحنفية: فيرون أن أحكام الشريعة العقابية لا تطبق على الجرائم التي يقترفها المسلم أو الذمي في دار الحرب، لعدم ولاية الإمام في إقامة الحدود وغيرها على جزء من أجزاء الدار أو البلاد غير الإسلامية، ولأن وجوب إقامة الحد مشروط بالقدرة على الإقامة أو التطبيق، ولا قدرة للإمام على من يرتكب جريمة في دار الحرب أثناء ارتكابها، وإذا لم تتوافر القدرة لم تجب العقوبة.","part":8,"page":119},{"id":5124,"text":"إلا أن أبا يوسف خالف أستاذه أبا حنيفة في أمرين:\rالأول ـ أن التعاقد على الربا حرام في جميع البلاد، في دار الإسلام وغيرها؛ لأن الربا حرام في ذاته في أي مكان من العالم.\rوالثاني ـ أن الأسير المسلم إذا قتله مسلم أو ذمي في دار الحرب، فعليه الدية، لأنه إذا تعذر القصاص لعدم ولاية الإمام المسلم على تلك الدار، فتجب الدية؛ لأن الأسر لا يفقد عصمة المسلم، ولأنه (لا يُطَل دم في الإسلام) أي لا يهدر، فإذا امتنع القصاص، أمكن إيجاب الدية. وأما الجمهور (مالك والشافعي وأحمد): فيرون أن الشريعة تطبق على كل جريمة في أي مكان ارتكبت، سواء في حدود البلاد الإسلامية أو خارجها، وسواء أكان الجاني مسلماً أم ذمياً أم مستأمناً؛ لأن المسلم ملزم بأحكام الشريعة في أي مكان، والذمي والمستأمن ملزمان بتلك الأحكام الشرعية بمقتضى العهد والأمان. وقد أمر رسول الله صلّى الله عليه وسلم بعقوبة سكران يوم حنين في بلاد المشركين، وروى أبو داود في المراسيل عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم : «وأقيموا الحدود في الحضر والسفر على القريب والبعيد، ولا تبالوا في الله لومة لائم» .\rوهذا الحكم شامل في رأي الجمهور كل حرام كالتعامل بالربا وغيره من المحرمات كالقمار والرشوة، وما أروع كلمة الإمام الشافعي في ذلك، حيث قال في كتابه الأم (165/4): «ومما يوافق التنزيل والسنة، ويعقله المسلمون، ويجتمعون عليه: أن الحلال في دار الإسلام حلال في بلاد الكفر، والحرام في دار الإسلام حرام في بلاد الكفر، فمن أصاب حراماً، فقد حده الله على ما شاء منه، ولا تضع عنه بلاد الكفر شيئاً» . وهذا واضح في أن الدار أو المكان لا تغير صفة التحريم للأفعال، فلا تمنع العقوبة المقررة جزاء على ارتكاب الفعل الحرام.\rوهذه النظرية ـ نظرية الجمهور - هي السائدة اليوم في القوانين الوضعية، إلا أن الفرق بينهما أن القانونيين يجيزون للدولة تطبيق العقاب على ما ترى فيه مصلحة بسبب ارتكاب الجرائم التي تقع في خارج أراضيها، وتطبق العقوبة الصارمة على الجرائم التي تمس مصلحة أساسية لها، وهي ما سبق بيانه من جرائم أمن الدولة، وتزييف العملة، وتزوير أختام الدولة الرسمية.\rأما الشرعيون فيوجبون تطبيق عقوبات الحدود دون إعفاء، ويجيزون لولي الأمر في التعزيرات إعفاء ما ترى فيه مصلحة في ذلك. والخلاصة: إن المبدأ الأساسي في الحكم الإسلامي في ديار الإسلام على المسلمين والذميين والمستأمنين هو مبدأ إقليمية القوانين، مع بعض استثناءات كحرية ممارسة الشعائر الدينية وحرية العقيدة، وكذلك اختصاص القضاء اختصاص إقليمي، ومبدأ الإقليمية التشريعي والقضائي هو الذي تسير عليه القوانين الوضعية في العصر الحديث.","part":8,"page":120},{"id":5125,"text":"الفَصْلُ الثَّاني: الدّعوى والبَيّنات (1)\rخطة الموضوع :\rالكلام هنا عن وسيلة الوصول إلى الحق وهي الدعوى، وعن طرق إثبات الحق: وهي الشهادة واليمين والنكول والإقرار والقرائن، وعن تعارض الدعويين مع تعارض البينتين، في المباحثات الآتية:\rالمبحث الأول ـ تعريف الدعوى وركنها وشرائطها والأصل في مشروعيتها.\rالمبحث الثاني ـ نوعا الدعوى أو ما يجب على المدعى عليه بعد الادعاء.\rالمبحث الثالث ـ حكم الدعوى أو ما يجب على المدعى عليه بعد الادعاء.\rالمبحث الرابع ـ حجج المتداعين أو طرق إثبات الحق.\rالمبحث الخامس ـ حكم تعارض الدعويين مع تعارض البينتين.\rالمبحث السادس ـ حكم تعارض الدعويين فقط في الملك، وحكم الملك وما يقتضيه من حقوق.\r-------------------------------\r(1) البينات جمع بينة وهي اسم لما يبين الحق ويظهره، وهي تارة تكون بالأيمان وتارة تكون بالشهود، سموا بذلك؛ لأن بهم يتبين الحق، وقد جمعت البينات لأنها مختلفة وأفردت الدعوى؛ لأن حقيقتها واحدة.","part":8,"page":121},{"id":5126,"text":"المبحث الأول ـ تعريف الدعوى، وركنها، وشرائطها، والأصل في مشروعيتها :\rتعريف الدعوى: الدعوى لغة، قول يقصد به الإنسان إيجاب حق على غيره أو هي الطلب والتمني، قال تعالى: {ولهم ما يدَّعون} [يس:57/36] وتجمع على دعاوى ودعاوي. وشرعاً: إخبار بحق للإنسان على غيره عند الحاكم (1) .\rوركنها: هو قول الرجل: لي على فلان، أو قبل فلان كذا، أو قضيت حق فلان، أو أبرأني عن حقه، ونحوها (2) .\rوشرائطها عند الحنفية :\rأولاً ـ أهلية العقل أو التمييز: يشترط أن يكون المدعي والمدعى عليه عاقلين، فلا تصح دعوى المجنون والصبي غير المميز، كما لا تصح الدعوى عليهما، فلا يلزمان بالإجابة على دعوى الغير عليهما، ولا تسمع البينة عليهما.\rثانياً ـ أن تكون في مجلس القضاء: لأن الدعوى لا تصح في غير هذا المجلس.\rثالثاً ـ أن تكون دعوى المدعي على خصم حاضر لدى الحاكم عند سماع الدعوى والبينة والقضاء، فلا تقبل الدعوى على غائب، كما لا يقضى على غائب عند الحنفية، سواء أكان غائباً وقت الشهادة أم بعدها، وسواء أكان غائباً عن مجلس القاضي أم عن البلد التي فيها القاضي. ولا يشترط هذا الشرط في المذاهب الأخرى.\rوقد سبق لدينا أن المالكية والشافعية والحنابلة في الأرجح: يجوزون القضاء على الغائب إذا أقام المدعي البينة على صحة دعواه، وذلك في الحقوق المدنية لا في الحدود الخالصة لله تعالى.\r-------------------------------\r(1) الدر المختار: 437/4، تكملة فتح القدير: 137/6، اللباب شرح الكتاب: 26/4، مغني المحتاج: 461/4، المغني: 271/9.\r(2) البدائع: 222/6.","part":8,"page":122},{"id":5127,"text":"رابعاً ـ أن يكون المدعى به شيئاً معلوماً: وعلمه إما بالإشارة إليه عند القاضي إذا كان الشيء من المنقولات (1) ، أو ببيان حدوده إذا كان قابلاً للتحديد كالأراضي والدور وسائر العقارات، أو بكشف يجريه القاضي أو من ينوب عنه إذا لم يكن المدعى به قابلاً للتحديد كحجر الرحى، أو ببيان جنسه ونوعه وقدره وصفته إذا كان المدعى به ديناً، كالنقود والبُر والشعير؛ لأن الدين لا يصير معلوماً إلا ببيان هذه الأمور. والسبب في اشتراط العلم بالمدعى به: هو أن المدعى عليه لا يلزم بإجابة دعوى المدعي إلا بعد معرفة المدعى به، وكذلك الشهود لا يمكنهم الشهادة على مجهول، ثم إن القاضي لا يتمكن من إصدار الحكم أو القضاء بالدعوى إلا إذا كان المدعى به شيئاً معلوماً.\rخامساً ـ أن يكون موضوع الدعوى أمراً يمكن إلزام المدعى عليه به، أي أن يكون الطلب مشروعاً ملزماً في مفهومنا الحاضر:\rفإذا لم يكن بالإمكان إلزام المدعى عليه بشيء، فلا تقبل الدعوى، كأن يدعي إنسان أنه وكيل هذا الخصم عند القاضي في أمر من أموره، أو يدعي على شخص بطلب صدقة أو بتنفيذ مقتضى عقد باطل، فإن القاضي لا يسمع دعواه هذه إذا أنكر الخصم ذلك؛ لأن الوكالة عقد غير لازم، فيمكنه عزل مدعي الوكالة في الحال.\r-------------------------------\r(1) حتى يشير إليه المدعي بالدعوى، والشهود بالشهادة، والمدعى عليه بالاستحلاف؛ لأن الإعلام بأقصى ما يمكن شرط، ويتم بالإشارة في المنقولات؛ لأن النقل ممكن، والإشارة أبلغ في التعريف. واليوم يكتفى بالوصف في المنقولات كالديون.","part":8,"page":123},{"id":5128,"text":"سادساً ـ أن يكون المدعى به مما يحتمل الثبوت: لأن دعوى ما يستحيل وجوده حقيقة أو عادة، تكون دعوى كاذبة، فلو قال شخص لمن هو أكبر سناً منه: هذا ابني، لا تسمع دعواه؛ لاستحالة أن يكون الأكبر سناً ابناً لمن هو أصغر سناً منه، وكذا إذا قال لمعروف النسب من الغير: هذا ابني، لا تسمع دعواه (1) .\rو يشترط أيضاً عدم تناقض أقوال المدعي أو دعاويه، فلو ادعى شخص على آخر ديناً، ثم ثبت أنه أقر بعدمه، لم تقبل دعواه، ولو ادعى على شخص أنه القاتل وحده، ثم ادعى أنه شريك مع آخر، لم تسمع الدعوى الثانية، لمناقضتها الأولى، إلا إذا صدقه المتهم الثاني بالقتل، فيؤخذ بإقراره.\rالأصل في مشروعية الدعوى: الأصل في الدعوى قول النبي صلّى الله عليه وسلم : «لو يعطى الناس بدعواهم لادعى رجل أموال قوم ودماءهم، لكن البينة على المدعي، واليمين على من أنكر» (2) ولفظ مسلم: «ولكن اليمين على المدعى عليه» .\rوبما أن الخصومات والمنازعات أمر واقع بين البشر، فكان لا بد من الفصل فيها بطريق الدعوى؛ لأن في امتدادها فساداً كبيراً، والله تعالى لا يحب الفساد (3) .\r-------------------------------\r(1) المبسوط: 39/17، تكملة فتح القدير: 137/6، 141 وما بعدها، البدائع: 222/6، 224، الدر المختار: 438/4، اللباب: 27/4، الميزان: 194/2.\r(2) حديث حسن رواه البيهقي وأحمد هكذا ورواه مسلم والبخاري بلفظ آخر (الأربعين النووية: ص 74، نصب الراية: 95/4، نيل الأوطار: 305/8).\r(3) المبسوط: 28/17، المغني: 272/9، مغني المحتاج: 461/4.","part":8,"page":124},{"id":5129,"text":"المبحث الثاني ـ نوعا الدعوى، وتعيين من هو المدعي والمدعى عليه :\rالدعوى نوعان: صحيحة وفاسدة.\rفالدعوى الصحيحة: هي التي استكملت شرائط الصحة المذكورة في المبحث الأول ويتعلق بها أحكامها المقصودة منها: وهي إحضار الخصم إلى ساحة المحكمة بواسطة أعوان القاضي، ومطالبته بالجواب على دعوى المدعي، واليمين إذا أنكر المدعى به. ويثبت فيها حق المدعي: إما بالبينة أو بنكول المدعى عليه عن اليمين.\rوالدعوى الفاسدة أو الباطلة: هي التي لم يتوافر فيها شرط من شروط الصحة المذكورة آنفاً، ولا تترتب عليها الأحكام السابقة المقصودة منها، كأن تكون الدعوى على غائب، أو كان المدعى به مجهولاً؛ لأن المجهول يتعذر إثباته بالشهادة، فلا يمكن للشهود أن يشهدوا به، ولا يتمكن القاضي من القضاء بالمجهول، لا بالبينة ولا بالنكول عن اليمين (1) .\rمن هو المدعي والمدعى عليه؟\rلما كانت مسائل الدعوى متوقفة على معرفة المدعي والمدعى عليه، وهي من أهم ما تبتنى عليه الدعاوى، لا سيما فيما يتعلق بما يلزم به أحدهما من البينة أو اليمين ونحوهما، كان من الضروري تعيين المتصف بصفة المدعي والمدعى عليه، وفي تعيينه تعريفات شتى، منها :\rالمدعي: من لا يجبر على الخصومة إذا تركها؛ لأنه مطالب. أو هو من خالف قوله الظاهر.\rوالمدعى عليه: من يجبر على الخصومة؛ لأنه مطلوب (2) . أو هو من وافق قوله الظاهر، والظاهر هو البراءة.\r-------------------------------\r(1) تكملة فتح القدير: 137/6، المبسوط: 30/17.\r(2) اللباب شرح كتاب القدوري: 26/4، تكملة فتح القدير: 138/6، الدر المختار: 237/4، تكملة رد المحتار على الدر المختار: 310/1، البدائع: 224/6.","part":8,"page":125},{"id":5130,"text":"وقيل: المدعي: من يلتمس بقوله أخذ شيء من يد غيره، أو إثبات حق في ذمته.\rوالمدعى عليه: من ينكر ذلك.\rوقيل: المدعى عليه: هو المنكر، والآخر هو المدعي (1) .\rالمبحث الثالث: حكم الدعوى أو ما يجب على المدعى عليه بعد الادعاء :\rللقاضي الدور المهم في الدعوى، فإذا جاء المدعي إلى المحكمة مع خصمه سأله القاضي عن موضوع الدعوى، فإذا كانت الدعوى صحيحة، بأن كانت على خصم حاضر واستوفت شروطها، طلب القاضي من المدعى عليه جوابه عن الدعوى؛ لأن قطع دابر الخصومة واجب.\rحكم الدعوى إذن: وجوب الجواب على المدعى عليه بقوله: لا أو نعم، حتى إنه لو سكت، كان سكوته إنكاراً، فتقبل بينة المدعي، ويحكم بها على المدعى عليه. فإن أقر المدعى عليه بموضوع الدعوى، حكم القاضي عليه؛ لأنه غير متهم في إقراره على نفسه، ويؤمر بأداء الحق لصاحبه.\rوإن أنكر، طلب القاضي من المدعي إثبات حقه بالبينة، فإن أقام البينة قضى بها، لترجح جانب الصدق على الكذب بالبينة. وإن عجز المدعي عن تقديم البينة، وطلب يمين خصمه المدعى عليه، استحلفه القاضي، ودليله قول النبي صلّى الله عليه وسلم للمدعي في قصة الحضرمي والكندي: «ألك بينة؟» قال: لا، فقال النبي: «فلك يمينه» (2) أي يمين المدعى عليه.\r-------------------------------\r(1) البدائع، المرجع السابق، المغني لابن قدامة الحنبلي: 271/9.\r(2) أخرجه البخاري ومسلم عن وائل بن حجر (نصب الراية: 94/4).","part":8,"page":126},{"id":5131,"text":"فإن قال المدعي: ( لي بينة حاضرة في البلد ) وطلب اليمين من المدعى عليه لم يستحلف عند أبي حنيفة؛ لأن حق المدعي في طلب اليمين مرتب على عجزه عن إقامة البينة، كما في الحديث المذكور قريباً.\rوقال أبو يوسف: يستحلف؛ لأن طلب اليمين حق المدعي، لقول النبي صلّى الله عليه وسلم : «البينة على من ادعى، واليمين على من أنكر» (1) .\rوهل يقضى بشاهد واحد ويمين المدعي، وهل ترد اليمين على المدعي أو يقضى على المدعى عليه بنكوله عن اليمين؟ هذا ما يجاب عنه في المبحث التالي:\rالمبحث الرابع ـ حجج المتداعين أو طرق إثبات الحق :\rطرق الإثبات التي يعتمد عليها في القضاء: هي الشهادة، واليمين، والنكول، والإقرار، أو الشهادة مع اليمين.\rأما الشهادة: فهي حجة المدعي: لقوله صلّى الله عليه وسلم : «البينة على المدعي» ولأن المدعي يدعي أمراً خفياً، فيحتاج إلى إظهاره، وللبينة قوة الإظهار..\rوسأخصص مبحثاً للكلام عن الشهادات. والسبب في تكليف المدعي البينة أو الشهادة أن جانبه ضعيف، لكون دعواه خلاف الأصل، فكلف الحجة القوية وهي البينة، وأن جانب المدعى عليه قوي، لأنه متمسك بالأصل وهو البراءة، فاكتفي منه بالحجة الضعيفة وهي اليمين.\rوالبينة إما شهادة رجلين أو رجل وامرأتين أو شاهد ويمين، أو أربعة رجال، أو أربع نسوة.\rوأما اليمين: فهي حجة المدعى عليه، لقوله عليه الصلاة والسلام: «واليمين على المدعى عليه» فإن حلف المدعى عليه، قضى القاضي بفصل الدعوى، وتنتهي الخصومة بين طرفي الدعوى إلى أن يتمكن المدعي من إقامة البينة.\rوإن نكل عن اليمين، فهل ترد اليمين إلى المدعي أو يقضى عليه بالنكول؟ فيه رأيان للفقهاء، أذكرهما فيما يلي:\rرد اليمين والقضاء بالنكول: إذا أبى المدعى عليه أن يحلف، هل يحلف المدعي، أو يقضى له بنكول صاحبه عن اليمين (2) ؟ اختلف العلماء في الموضوع.\rقال المالكية: ترد اليمين على المدعي بعد النكول في الأموال ما يؤول إليها فقط كخيار وأجل. وذلك إذا ثبتت الدعوى، أما مجرد دعوى الاتهام فلا ترد على المدعي.\rوقال الشافعية: ترد اليمين على المدعي في جميع الحقوق ما عدا جنايات الدماء والحدود، ويقضى له بمدعاه، ولا يقضى بنكول المدعى عليه. وتعتبر اليمين المردودة إقراراً تقديرياً. وهذا هو الذي صوبه الإمام أحمد، فيكون رأي مالك والشافعي وأحمد هو القول برد اليمين، لكن المختار عند الحنابلة القول بعدم رد اليمين.\rاستدل الجمهور بما روى ابن عمر: «أن النبي صلّى الله عليه وسلم رد اليمين على طالب الحق» (3) ولأن المدعى عليه إذا نكل عن اليمين بعد أن طلبت منه، ظهر صدق\r-------------------------------\r(1) تكملة فتح القدير: 151/6 ومابعدها، الدر المختار: 438/4، اللباب: 29/4.\r(2) النكول: استنكاف الخصم عن حلف اليمين الموجهة عليه من القاضي (المدخل الفقهي للأستاذ الزرقاء: ص 1051، الطبعة السادسة) وقال في البحر الزخار: 4 /410: النكول لغة: التأخر عن لقاء العدو، وشرعاً عن اليمين الواجبة.\r(3) رواه الدارقطني والبيهقي بإسناد ضعيف، والحاكم وصحح إسناده (سبل السلام: 4 /136، تلخيص الحبير: 4 /209).","part":8,"page":127},{"id":5132,"text":"المدعي، وقوي جانبه ، فتشرع اليمين في حقه، كالمدعى عليه قبل نكوله، وكالمدعي إذا شهد له شاهد واحد، كما سأبين، وقال تعالى: {أو يخافوا أن ترد أيمان بعد أيمانهم} [المائدة:108/5] أي بعد الامتناع من الأيمان الواجبة، فدل على نقل الأيمان من جهة إلى جهة.\rولا يقضى عند الجمهور بالنكول: لأن النكول كما يحتمل أن يكون امتناعاً وتحرزاً عن اليمين الكاذبة، يحتمل أن يكون تورعاً عن اليمين الصادقة، فلا يقضى للمدعي مع تردد المدعى عليه، إذ لا يتعين بنكوله صدق المدعي، فلا يجوز الحكم له من غير دليل، فإذا حلف المدعي كانت يمينه دليلاً عند عدم ما هو أقوى منها (1) .\rوقال الحنفية، والحنابلة في المشهور عندهم: لا ترد اليمين على المدعي، وإنما يقضي القاضي على المدعى عليه بالنكول عن اليمين، وبإلزامه بما ادعى عليه المدعي. والنكول إما أن يكون حقيقة كقوله: ( لا أحلف ) أو حكماً كأن سكت، دون أن يكون هناك عارض كخرس وطرش.\rوتعرض اليمين على المدعى عليه مرة واحدة. ولكن لزيادة الاحتياط والمبالغة في إبداء العذر: ينبغي للقاضي تكرار عرض اليمين ثلاث مرات بأن يقول له: إني أعرض عليك اليمين ثلاثاً، فإن حلفت فبها، وإلا قضيت عليك بما ادعاه خصمك.\rاستدلوا بقول النبي صلّى الله عليه وسلم : «البينة على المدعي واليمين على من أنكر» فقد جعل جنس الأيمان على المنكرين، كما جعل جنس البينة على المدعي. وفي لفظ\r-------------------------------\r(1) راجع مغني المحتاج: 150/4، 444، 447 وما بعدها، المهذب: 301/2، 318، بداية المجتهد: 454/2، الشرح الكبير للدردير: 146/4 وما بعدها، المغني: 235/9، الميزان: 196/2، الطرق الحكمية في السياسة الشرعية: ص 116، الشرح الصغير: 64/5.","part":8,"page":128},{"id":5133,"text":"آخر للحديث في الصحيحين: «ولكن اليمين على المدعى عليه» فحصر اليمين في جانب المدعى عليه.\rواستدل الحنفية أيضاً بأن النكول دليل على كون المدعى عليه باذلاً للحق إذا اعتبرنا النكول بذلاً، وهو رأي أبي حنيفة، أو كونه مقراً إقراراً تقديرياً بالحق المدعى به إذا اعتبرنا النكول إقراراً، وهو رأي الصاحبين (1) ، ولولا كون المدعى عليه باذلاً أو مقراً، لأقدم على اليمين دفعاً لضرر الدعوى عن نفسه وقياماً بالواجب؛ لأن اليمين واجبة عليه بقوله صلّى الله عليه وسلم : «واليمين على من أنكر» وكلمة (على) للوجوب (2) .\rوينبغي للقاضي أن يقول للمدعى عليه: «إني أعرض اليمين عليك ثلاث مرات، فإن حلفت، وإلا قضيت عليك بما ادعاه المدعي» فإن كرر العرض عليه ثلاث مرات قضى عليه بالنكول.\r-------------------------------\r(1) النكول: معناه عند أبي حنيفة البذل أي ترك المنازعة والإعراض عنها وإباحة المال والتبرع به في سبيل قطع الخصومة بدفع ما يدعيه الخصم، أي أن النكول له أثر سلبي عند أبي حنيفة، فلا يفيد الهبة والتمليك، ومعناه عند الصاحبين: الإقرار بالحق، أي أن أثره إيجابي (راجع تكملة فتح القدير: 165/6 مع شرح العناية بهامشه، الطرق الحكمية لابن قيم الجوزية: ص 124 وما بعدها) احتج أبو حنيفة الذي جعل النكول كالبذل: بأنا لو اعتبرنا إقراره يكون كاذباً في إنكاره، والكذب حرام، فيفسق بالنكول بعد الإنكار، وهذا باطل، فجعلناه بذلاً وإباحة، صيانة له عما يقدح في عدالته، ويجعله كاذباً.\rواحتج الصاحبان اللذان جعلا النكول كالإقرار بأن الناكل كالممتنع من اليمين الكاذبة ظاهراً، فيصير معترفاً بالمدعى به؛ لأنه لما نكل ـ مع إمكان تخلصه باليمين ـ دل نكوله على أنه لو حلف لكان كاذباً، وهو دليل اعترافه. ومن ثمرة الخلاف أن الصبي المأذون بالتجارة هل يحلف أو لا؟ فعند أبي حنيفة : لا يحلف لأنه لو نكل كان باذلاً، وهو ليس من أهل البذل، وعند الصاحبين: يحلف؛ لأن النكول إقرار وهو من أهل الإقرار (الفرائد البهية في القواعد الفقهية للشيخ محمود حمزة: ص 105).\r(2) تكملة فتح القدير، المرجع نفسه: ص 155، 158، المبسوط: 35/17، البدائع: /6 225 وما بعدها، 230، الدر المختار: 442/4، اللباب شرح الكتاب: 30/4، المغني: 235/9 وما بعدها، الطرق الحكمية، المرجع السابق.","part":8,"page":129},{"id":5134,"text":"مجال القضاء بالنكول: قال الحنفية وأصحاب أحمد: يقضى بالنكول في الأموال، أما غير المال أو مالا يقصد به المال كنكاح وطلاق ولعان وقصاص ووصاية ووكالة، فلا يقضى فيه بالنكول، فلا يقضى بالنكول في القصاص بالنفس أو بالطرف عند الحنابلة والصاحبين، وإنما يقضى عندهما بالدية أو بالأرش.\rوقال أبو حنيفة: يقضى بالقصاص في الطرف حالة العمد، وبالدية حالة الخطأ، أما في القصاص بالنفس فلا يقضى فيه عنده لا بالقصاص ولا بالمال أي بالدية، لكن يحبس الجاني حتى يقر أو يحلف.\rوإذا كان لا يقضى بالنكول في القصاص عند الحنابلة، سواء أكان في النفس أم في الطرف، فماذا يصنع بالجاني؟ وجهان ـ أحدهما: يخلى سبيله؛ لأنه لم يثبت عليه حجة، والثاني: يحبس حتى يقر أو يحلف.","part":8,"page":130},{"id":5135,"text":"وكذلك لا يقضى بالنكول في الحدود الخالصة لله تعالى كحد الزنا والسرقة والشرب؛ لأن النكول يعتبر بذلاً عند أبي حنيفة، وإقراراً فيه شبهة عند الصاحبين؛ لأنه في نفسه سكوت، والحدود لا تحتمل البذل، أي لا يقبل من المتهم إباحة نفسه لإقامة الحد عليه، وتندرئ بالشبهات، فلا تثبت بدليل فيه شبهة، والنكول فيه شبهة، كما أوضحت، فلا تجب به.\rوقال أبو حنيفة: لا يقضى أيضاً بالنكول في الأشياء السبعة: وهي النكاح، والرجعة، والفيء في الإيلاء، والنسب، والرق، والاستيلاد، والولاء، ولايستحلف المنكر فيها؛ لأن النكول عنده يعتبر بذلاً وإباحة، والبذل لا يجري في هذه الأشياء. فإذا أنكر الرجل أو المرأة عقد النكاح، فقالت المرأة مثلاً: لا نكاح بيني وبينك،ولكن بذلت لك نفسي، لم يصح بذلها؛ لأن الزوجية لا تباح بالبذل. وكذلك في الرجعة: بأن ادعى الرجل بعد الطلاق وانقضاء المدة أنه كان قد راجعها في العدة، وأنكرت المرأة، أو بالعكس، فلا يحلف المنكر، ولا يصح بذله نفسه للآخر.\rوفي دعوى الفيء بالإيلاء، أي الرجوع إلى معاشرة الزوجة بعد أن حلف ألا يطأها مدة أربعة أشهر (1) : إذا ادعى الرجل بعد انقضاء مدة الإيلاء أنه كان قد فاء إليها في المدة، وأنكرت المرأة أو بالعكس، فلا يستحلف المنكر، ولا يصح بذله نفسه للآخر.\rوفي دعوى النسب: بأن يدعي شخص على مجهول النسب أنه ولده أو والده وأنكر المجهول أو بالعكس، فلا يحلف المنكر ولا يصح قوله: أبحت له أن يدعي نسبي، لم يصح بذله.\rوفي دعوى الرق: بأن ادعى مجهول النسب أنه عبده، وأنكر المجهول أو بالعكس، فلا يحلف المنكر، ولا يقبل قوله: بذلت له نفسي ليسترقني.\r-------------------------------\r(1) هذا مأخوذ من قوله تعالى: {للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر فإن فاؤوا فإن الله غفور رحيم، وإن عزموا الطلاق فإن الله سميع عليم} [البقرة:2/226-227].","part":8,"page":131},{"id":5136,"text":"وفي دعوى استيلاد الأمة، بأن ادعت أمة على مولاها أنها ولدت منه ولداً، وأنكر المولى، لا يحلف ولا يقبل قوله: بذلت نفسي لجعل الأمة مستولدة مني. وفي هذه الصورة لايتأتى العكس، أي أن يكون من قبل الأمة؛ لأن المولى إذا ادعى الاستيلاد، ثبت ذلك بإقراره، ولا يلتفت إلى إنكار الأمة.\rوفي دعوى الولاء، بأن ادعى إنسان على مجهول أنه عتيقه ومولاه وأنكر\rالمجهول، أو بالعكس، فلا يحلف المنكر، ولا يصح قوله: بذلت نفسي ليجعلني مولاه (1) .\rكل هذا بخلاف الأموال، فإنه يجري فيها البذل، فلو قال شخص: هذا المال ليس لفلان، ولكن أبحته وبذلته له، لأتخلص من خصومته، صح بذله.\rهذا رأي أبي حنيفة. وقال الصاحبان: يجري الاستحلاف والنكول في هذه الأشياء السبعة؛ لأن النكول عندهما إقرار، والإقرار يجري في هذه الأشياء، لكنه فقط إقرار فيه شبهة، فلا يقبل في الحدود، كما أشرت. فنكول المدعى عليه دليل على كونه كاذباً في إنكاره؛ لأنه لو كان صادقاً لما امتنع من اليمين الصادقة، فكان النكول إقراراً دلالة أو تقديراً، إلا أنه إقرار فيه شبهة، وهذه الأشياء تثبت بدليل فيه شبهة، إذ يجوز إثباتها بالشهادة على الشهادة، وشهادة رجل وامرأتين.\r-------------------------------\r(1) جاريت الفقهاء في بيان بعض الأحكام المتعلقة بالرق إتماماً للبحث من الناحية التاريخية؛ لأنهم يصفون هذه الأشياء بصفة واحدة، ويقولون عنها: «لايجري البذل في الأشياء السبعة» فكان من الضروري ذكرها لمعرفة ما هذه الأشياء السبعة، ولبيان طبيعة هذه الحالات.\r(2) تكملة فتح القدير: 162/6-166، البدائع: 230/6، الدر المختار وحاشية ابن عابدين عليه: 443/4، اللباب شرح الكتاب للميداني: 31/4.","part":8,"page":132},{"id":5137,"text":"والفتوى على قول الصاحبين أي بتحليف المنكر، والقضاء عليه بالنكول في هذه الأشياء، لا في الحدود والقصاص، واللعان؛ لأنه في معنى الحد؛ إذ أنه (أي اللعان) بالنسبة للزوج يعد قائماً مقام حد القذف، وبالنسبة للمرأة يعد قائماً مقام حد الزنا، فلا يجري النكول فيه (2) . والخلاصة عند الحنفية: أنه لا تحليف في الحدود اتفاقاً، ويستحلف في القصاص والأموال كلها اتفاقاً، واختلفوا في التحليف في سبع مسائل، فعند الإمام: لا يستحلف. وعند الصاحبين: يستحلف. وكل ما يجري فيه التعزير من الحقوق كالضرب والشتم والألفاظ القبيحة يجري فيه التحليف ولا يسقط بالتقادم، وتقبل فيه شهادة النساء كما في سائر الحقوق (1) .\rكيفية اليمين وأثرها في الدعوى: لليمين كيفية معينة، سواء أكانت يميناً مردودة، أم مع الشاهد، أم يميناً من المدعى عليه.\rاتفق العلماء على أن اليمين تكون بالله عز وجل دون غيره، لقوله صلّى الله عليه وسلم : «من كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت» (2) ولقوله عليه السلام: «من حلف بغير الله فقد كفر» (3) ، واتفقوا أيضاً على أن اليمين المشروعة في الحقوق التي يبرأ بها المدين هي اليمين بالله .\rإلا أن الإمام مالك قال: أحب أن يحلف بالله الذي لا إله إلا هو، وإن استحلف حاكم بالله ، أجزأ.\r-------------------------------\r(1) الفرائد البهية في القواعد الفقهية للشيخ محمود حمزة: ص 106-108.\r(2) أخرجه الجماعة إلا النسائي عن ابن عمر، وفي لفظ «أو ليسكت» وفي لفظ «من كان حالفاً فلا يحلف إلا بالله » (نصب الراية: 295/3، نيل الأوطار: 227/8).\r(3) رواه أبو داود والترمذي وحسنه والحاكم وصححه عن ابن عمر مرفوعاً. ويروى «فقد أشرك» وهو عند أحمد، وكذا عند الحاكم، ورواه الترمذي وابن حبان بلفظ «فقد كفر وأشرك» (نيل الأوطار، المرجع السابق).","part":8,"page":133},{"id":5138,"text":"وقال الشافعية: يندب تغليظ اليمين، وإن لم يطلب الخصم تغليظها فيما ليس بمال، ولا يقصد به مال كنكاح وطلاق ولعان وقصاص ووصاية ووكالة، وفي مال يبلغ نصاب زكاة، لا فيما دونه.\rوالتغليظ يكون مثلاً بزيادة أسماء وصفات الله عز وجل، كأن يقول: والله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة الرحمن الرحيم الذي يعلم السر والعلانية. أو بالله الطالب الغالب المدرك المهلك الذي يعلم السر وأخفى.\rوقال الحنابلة: اليمين التي يبرأ بها المدين هي اليمين بالله ، وإن كان الحالف كافراً، لقوله تعالى: {فيقسمان بالله لشهادتنا أحق من شهادتهما} [المائدة:107/5] وقوله سبحانه: {وأقسموا بالله جهد أيمانهم} [النور:53/24] قال بعض المفسرين:","part":8,"page":134},{"id":5139,"text":"«من أقسم بالله ، فقد أقسم جهد اليمين» (1) .\rوقال الحنفية: للقاضي أن يحلِّف المسلم من غير تغليظ مثل: ( بالله) أو (والله)، وله أن يغلظ، أي يؤكد اليمين بذكر أوصاف الله تعالى مثل قوله: قل: (والله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة الرحمن الرحيم الذي يعلم من السر ما يعلم من العلانية: ما لفلان هذا علي ولا قبلي هذا المال الذي ادعاه وهو كذا وكذا، ولا شيء منه) وله أن يزيد على هذه الصيغة وله أن ينقص منها، إلا أنه يجتنب العطف كيلا يتكرر اليمين؛ لأن المطلوب منه يمين واحدة. ولا يستحلف بالطلاق في ظاهر الرواية، لقوله عليه الصلاة والسلام: «من كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت» وفي لفظ: «أو ليذر» .\rولا يجب تغليظ اليمين عند الحنفية والحنابلة على المسلم بزمان كيوم الجمعة بعد العصر، ولا بمكان مثل بين الركن والمقام بمكة، وعند منبر النبي صلّى الله عليه وسلم في المدينة؛ لأن المقصود تعظيم المقسم به، أي الله تعالى، وهو حاصل بدون ذلك، وفي إيجابه حرج على القاضي، حيث يكلف حضورها، والحرج مرفوع (2) .\rوقال مالك والشافعي كما تقدم: تغلظ اليمين في الزمان في اللعان؛ لأن الله تعالى قال في اللعان محدداً أن يكون بعد صلاة العصر: {تحبسونهما من بعد الصلاة فيقسمان بالله إن ارتبتم لا نشتري به ثمناً} [المائدة:106/5] وتغلظ في المكان عند الحلف على قدر معين من الحقوق، وهذا القدر عند مالك ثلاثة دراهم فصاعداً، فمن ادعي عليه بثلاثة دراهم فأكثر، وجبت عليه اليمين في المسجد الجامع، فإن كان مسجد النبي عليه الصلاة والسلام، فلا خلاف أنه يحلف على المنبر، وإن كان في غيره من المساجد، ففيه روايتان: إحداهما وهي الراجحة حيثما كان في المسجد، والثانية عند المنبر.\r-------------------------------\r(1) راجع بداية المجتهد: 455/2، المغني: 226/9، مغني المحتاج: 472/4.\r(2) تكملة فتح القدير: 174/6، البدائع: 227/6، اللباب شرح الكتاب: 40/4 ومابعدها، المغني: 288/9 وما بعدها.","part":8,"page":135},{"id":5140,"text":"وقال الشافعي: يحلف في المدينة عند المنبر، وفي مكة بين الركن والمقام، وفي القدس في المسجد عند الصخرة، وكذلك يحلف في كل بلد عند المنبر، والنصاب الذي يندب فيه التغليظ كما عرفنا هو نصاب الزكاة ، أي عشرون ديناراً (1) .\rثم قال الحنفية وغيرهم: إن كان الحالف كافراً فتغلظ اليمين في حقه، فإن كان يهودياً ، حلف بالله الذي أنزل التوراة على موسى. وإن كان نصرانياً حلف بالله الذي خلق النار، فيغلظ على كل واحد بحسب اعتقاده. والوثني لا يحلف إلا بالله. ولا يحلف الكفار عند الحنفية في بيوت عباداتهم، لكراهة دخولها، ولما فيه من إيهام تعظيمها. وأجاز الحنابلة تحليفهم في المواضع التي يعظمونها (2) .\rالحلف على البت أو نفي العلم: ويحلف الشخص باتفاق أئمة المذاهب الأربعة على البت (وهو القطع والجزم) في فعله إثباتاً كان أو نفياً؛ لأنه يعلم حال نفسه ويطلع عليها، فيقول في البيع والشراء حالة الإثبات: (والله لقد بعت بكذا أو اشتريت بكذا) وفي حالة النفي: (والله ما بعت بكذا، ولا اشتريت بكذا).\r-------------------------------\r(1) بداية المجتهد: 455/2، الشرح الكبير: 228/4، الشرح الصغير: 314/4، المغني: 228/9، مغني المحتاج: 377/3، 472/4.\r(2) تكملة فتح القدير: 176/6، البدائع: 227/6، اللباب: 40/4 وما بعدها.","part":8,"page":136},{"id":5141,"text":"وكذلك يحلف الشخص أيضاً على البت على فعل غيره إن كان الأمر إثباتاً كبيع وإتلاف وغصب؛ لأنه يسهل معرفة الواقع والشهادة به، وإن كان نفياً فيحلف على نفي العلم، أي لا يعلم أنه كذلك، لعدم علمه بما فعل غيره، فيقول: (والله ما علمت أنه فعل كذا) لأن نفي الشيء يعسر معرفته (1) . وعليه، إذا ادعى إنسان على آخر أنه سرق منه شيئاً أو غصب منه شيئاً، فيحلف المدعى عليه على البت أنه ما سرق أو غصب. وإن ادعى على فعل الغير، كأن ادعى ديناً على ميت بحضور وارثه، أو أن أباه سرق منه شيئاً، فيحلف الوارث بالله ما يعلم أن على أبيه ديناً أو أنه سرق هذا الشيء.\rصفة المحلوف عليه: إذا كان المدعى به أرضاً وأنكر المدعى عليه، يحلف على الحاصل فعلاً في النهاية، فيقول: (والله ما هذه الأرض لفلان، ولا شيء منها) وإن ادعى أنه أقرضه ألفاً أو غصبه ألفاً أو أودعه ألفاً، وأنكر المدعى عليه، فيحلف (بالله ما يستحق المدعي رد شيء عليه) ولا يحلف بالله ما استقرضت أو غصبت أو استودعت؛ لأنه قد تحصل هذه الأسباب ثم يفسخ، أي يزول معنى القرض أو الغصب أو الإيداع بالهبة أو بالبيع، فلو حلف المدعى عليه على السبب الذي هو الغصب ونحوه لتضرر به، فيحلف على الحاصل في النهاية لدفع الضرر عنه. وقال أبو يوسف: إنه يحلف على القرض والغصب والإيداع.\rومن ادعى أنه اشترى من هذا حيواناً، فأنكر المدعى عليه، استحلف بالله ما بينكما بيع قائم في هذا الحيوان. ولا يستحلف بالله ما بعت، خلافاً لأبي يوسف؛ لأنه قد يبيع الحيوان، ثم يفسخ البيع أو تطرأ عليه الإقالة، فلا يبقى البيع على حاله.\r-------------------------------\r(1) الدر المختار: 444/4، مغني المحتاج: 473/4 وما بعدها، تكملة فتح القدير: 180/6، المغني: 230/9 وما بعدها. قال الكاساني في البدائع: 279/5: ومن حلف على غير فعله، يحلف على العلم؛ لأنه لا علم له بما ليس بفعله، ومن حلف على فعل نفسه يحلف على البتات.","part":8,"page":137},{"id":5142,"text":"وفي النكاح، يحلف المنكر: ( بالله ما بينكما نكاح قائم في الحال ) لأنه قد يطرأ عليه الخلع.\rوكذلك في دعوى الطلاق، يحلَّف المدعى عليه: ( بالله ما هي بائن منك في هذه الساعة بالوجه الذي ذكرته المدعية ) ولا يستحلف بالله ما طلقها، خلافاً لأبي يوسف، لاحتمال تجدد النكاح بعد البينونة، فيحلف على ما هو حاصل فعلاً في النهاية، لأنه لو حلف على السبب الذي هو الطلاق، لتضرر المدعى عليه، وهذا قول أبي حنيفة ومحمد.\rأما على قول أبي يوسف: فيحلف المدعى عليه في جميع هذه الصور على سبب الدعوى من طلاق ونحوه إلا إذا حدث منه تعريض للقاضي بأمر طارئ كما تقدم، فيقول المدعى عليه للقاضي إذا طلب منه اليمين: (بالله ما بعت أيها القاضي، إن الإنسان قد يبيع شيئاً، ثم يقيل فيه) أي يفسخ البيع بالإقالة (1) .\rالعبرة في اليمين بنية القاضي المستحلف: يلاحظ أن العبرة في الحلف بنية القاضي المستحلف للخصم، لقوله صلّى الله عليه وسلم : «اليمين على نية المستحلف» (2) وقد حمل هذا الحديث على الحاكم؛ لأنه الذي له ولاية الاستحلاف، فلو أخذ بنية الحالف، لبطلت فائدة الأيمان وضاعت الحقوق؛ إذ كل أحد يحلف على ما يقصد، فلو ورَّى الحالف في يمينه، بأن قصد خلاف ظاهر اللفظ عند تحليف القاضي، أو تأول أي اعتقد خلاف نية القاضي، أو استثنى الحالف، كقوله عقب يمينه: «إن شاء الله»\r-------------------------------\r(1) راجع تكملة فتح القدير: 177/6 وما بعدها، اللباب شرح الكتاب: 41/4 وما بعدها، البدائع: 228/6.\r(2) رواه مسلم عن أبي هريرة، وفي لفظ له: «يمينك على ما يصدقك به صاحبك» (سبل السلام: 102/4، الإلمام لابن دقيق العيد: ص 427).","part":8,"page":138},{"id":5143,"text":"أو وصل باللفظ شرطاً، مثل: إن دخلت الدار (1) ، بحيث لا يسمع القاضي كلامه، لم يدفع ما ذكر إثم اليمين الفاجرة، وإلا ضاع المقصود من اليمين وهو حصول الهيبة من الإقدام عليها.\rأثر اليمين في الدعوى: أما أثر اليمين في الدعوى فهو يترتب عليها قطع الخصومة والمنازعة وعدم المطالبة بالحق في الحال لا مطلقاً، وإنما مؤقتاً إلى وقت إمكان إقامة البينة، فلا تفيد اليمين براءة ذمة المدعى عليه عند جمهور العلماء (2) ، لما روى ابن عباس «أن النبي صلّى الله عليه وسلم أمر رجلاً بعد ما حلف، بالخروج من حق صاحبه، كأنه صلّى الله عليه وسلم علم كذبه» (3) فدل على أن اليمين لا توجب براءة.\rالقضاء بشاهد ويمين :\rإذا أقام المدعي شاهداً، وعجز عن تقديم شاهد آخر وحلف مع شاهده، هل يقضى به بشاهده ويمينه؟\r1 - قال الحنفية (4) : لا يقضى بالشاهد الواحد مع اليمين في شيء، لقوله تعالى: {واستشهدوا شهيدين من رجالكم، فإن لم يكونا رجلين، فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء} [البقرة:282/2] وقوله سبحانه: {وأشهدوا ذوي عدل منكم} [الطلاق:2/65] طلب القرآن الكريم إشهاد رجلين أو رجل وامرأتين، فقبول الشاهد الواحد ويمين المدعي زيادة على النص، والزيادة على النص نسخ، والنسخ في القرآن الكريم لا يجوز إلا بمتواتر أو مشهور، وليس هناك واحد منهما.\r-------------------------------\r(1) مغني المحتاج: 475/4.\r(2) البدائع: 229/6، مغني المحتاج: 477/4، بداية المجتهد: 454/2.\r(3) رواه أبو داود والنسائي والحاكم وأحمد عن ابن عباس.\r(4) المبسوط: 30/17، البدائع: 225/6، مقارنة المذاهب في الفقه للأستاذين شلتوت والسايس: ص 128.","part":8,"page":139},{"id":5144,"text":"واستدلوا بالسنة أيضاً بقوله صلّى الله عليه وسلم فيما رواه مسلم وأحمد: «ولكن اليمين على المدعى عليه» وفي لفظ «البينة على المدعي، واليمين على من أنكر» وقال صلّى الله عليه وسلم لمدعٍ: «شاهداك أو يمينه» (1) .\rفالحديث الأول أوجب اليمين على المدعى عليه، فلو جاز القضاء بشاهد ويمين المدعي، لما بقيت اليمين واجبة على المدعى عليه. ثم إنه في هذا الحديث وفي الحديث الثاني جعل الرسول عليه الصلاة والسلام جنس اليمين حجة للمنكر، فإن قبلت يمين المدعي، لم يكن جميع أفراد اليمين على المنكرين.\rوكذلك تضمن الحديث الثاني قسمة وتوزيعاً بين المتخاصمين، والقسمة تنافي اشتراك الخصمين في أمر وقعت القسمة فيه.\rوالحديث الثالث خير المدعي بين أمرين لا ثالث لهما: إما البينة أو يمين المدعى عليه، والتخيير بين أمرين يمنع تجاوزهما إلى غيرهما أو الجمع بينهما.\r2 - وقال جمهور الفقهاء (2) : يقضى باليمين مع الشاهد في الأموال، واستدلوا بما ثبت عن النبي صلّى الله عليه وسلم : «أنه قضى بشاهد ويمين» (3) .\rقال الشافعي: وهذا الحديث ثابت لا يرده أحد من أهل العلم لو لم يكن فيه غيره، مع أن معه غيره مما يشده. وقال النسائي: إسناده جيد. وقال البزار: في الباب أحاديث حسان، أصحها حديث ابن عباس وقال ابن عبد البر: لا مطعن لأحد في إسناده، ولا خلاف بين أهل العلم في صحته.\rالإقرار :\rالإقرار سيد الأدلة غالباً، وهو إذا كان بيِّناً لا خلاف في وجوب القضاء به. وسأخصص مبحثاً مستقلاً له.\r-------------------------------\r(1) رواه البخاري ومسلم وأحمد عن الأشعث بن قيس (نيل الأوطار: 302/8).\r(2) راجع بداية المجتهد: 456/2، الشرح الكبير للدردير: 47/4، المهذب: 301/2، 334، مغني المحتاج: 443/4، 482، المغني: 151/9، 225، الميزان: 200/2، مقارنة المذاهب في الفقه للأستاذين شلتوت والسايس: ص 129، الطرق الحكمية في السياسة الشرعية: ص 132 وما بعدها.\r(3) هذا الحديث متواتر، رواه أكثر من عشرين صحابياً كما ذكر ابن الجوزي والبيهقي، روى ذلك في خلافياته والصحابة كأبي هريرة وعمر وابن عمر وعلي وابن عباس وزيد بن ثابت وجابر بن عبد الله وسعد بن عبادة وعبد الله بن عمرو، والمغيرة بن شعبة، وعمارة بن حزم، وسُرَّق، بأسانيد حسان، وأصحها حديث ابن عباس الذي أخرجه مسلم وأحمد وأصحاب السنن الأربعة، والدارقطني والبيهقي (راجع نصب الراية: 96/4 وما بعدها، نيل الأوطار: 282/8، النظم المتناثر من الحديث المتواتر: ص 109، مجمع الزوائد: 202/4، سبل السلام: 131/4، الإلمام : ص 521).","part":8,"page":140},{"id":5145,"text":"المبحث الخامس ـ حكم تعارض الدعويين مع تعارض البينتين :\rقد ترفع دعويان للقضاء حول موضوع واحد، ويكون لكل واحد من المتداعيين بينة تساند مدعاه، وتثبت حقه في موضوع الدعوى المتنازع عليه، فكيف يقضي القاضي بينهما؟\rتنازع الدعويين قد يكون في ملك مطلق أو في ملك مقيد بسبب. والملك المطلق: أن يدعي شخص الملك من غير أن يتعرض لذكر سبب الملكية، بأن يقول: «هذا ملكي» ولا يقول: «هذا ملكي بسبب الشراء أو الإرث أو نحوهما» .\rوالملك المقيد بسبب: أن يدعي شخص ملكية شيء مع بيان سبب الملكية كنتاج ونكاح وشراء وإرث (1) .\rوتعارض الدعويين في ملك مطلق يحدث عادة بين اثنين: أحدهما ـ يكون الشيء في يده وهو المسمى صاحب اليد أو الداخل أو الحائز (2) . والثاني ـ لا يكون الشيء في يده، ويسمى في لغة الفقهاء: الخارج أو غير الحائز، وقد يتم التنازع بين الخارجين عن ذي اليد، أو بين ذوي اليد أنفسهم.\rوقد تكون بينة كل من المتنازعين مؤرخة، أو إحداهما مؤرخة، والأخرى بدون تاريخ، أو أن تاريخ إحداهما أسبق من الأخرى.\rتبحث هذه الافتراضات في نوعين: دعوى الملك المطلق ودعوى الملك المقيد.\r-------------------------------\r(1) تكملة فتح القدير: 156/6.\r(2) الحيازة: وضع اليد على الشيء والاستيلاء عليه، وتصرف الحيازة مثل السكنى والزرع والغرس والهبة والبيع والهدم ونحوها.","part":8,"page":141},{"id":5146,"text":"النوع الأول ـ تعارض الدعويين مع تعارض البينتين في ملك مطلق :\rنجد في هذا القسم احتمالات ثلاثة: وهي التعارض في الدعويين بين الخارج عن ذي اليد وذي اليد، والتعارض في الدعويين بين الخارجين عن ذي اليد، والتعارض في الدعويين بين ذوي اليد.\rالأول ـ تعارض الدعويين بين الخارج وذي اليد: إذا كانت الدعوى من الخارج أي (غير الحائز) على ذي اليد أي (الحائز) دعوى الملك، وأقام كل منهما بينة، فإما أن تكون البينتان غير مؤرختين، أو مؤرختين وتاريخهما سواء، أو تاريخ أحدهما أسبق من الآخر، أو أحدهما بتاريخ، والآخر من غير تاريخ.\rففي هذه الصور قال الحنفية والحنابلة في الجملة: تقدم بينة المدعي، أي الخارج إلا أن تكون بينة أحدهما أسبق تاريخاً من الأخرى، فتقدم عند أبي حنيفة وأبي يوسف، ولا تقبل بينة صاحب اليد في الملك المطلق؛ لأنها لا تفيد أكثر مما تفيد اليد؛ إذ أن ظاهر الملك ثابت له باليد فلم تثبت له شيئاً زائداً. والتفصيل فيما يأتي (1) :\r-------------------------------\r(1) المبسوط: 32/17، تكملة فتح القدير: 156/6 ومابعدها، البدائع: 225/6، 232، الدر المختار: 455/4، كتاب القدوري مع اللباب: 32/4، المغني: 275/9 ومابعدها.","part":8,"page":142},{"id":5147,"text":"1 - إذا كانت الدعوى من الخارج على ذي اليد بدون تاريخ: فبينة المدعي وتسمى بينة الخارج أولى بالقبول عند الحنفية والحنابلة؛ لقول النبي صلّى الله عليه وسلم : «البينة على المدعي، واليمين على المدعى عليه» (1) فجعل جنس البينة على المدعي، فلا يؤبه لبينة ذي اليد؛ لأنه ليس بمدع، فلا تكون البينة حجته (2) . والدليل على أنه ليس بمدع عدم انطباق وصف المدعى عليه، لأن المدعي: هو من يخبرعما في يد غيره لنفسه. والموصوف بهذه الصفة هو الخارج، لا ذو اليد؛ لأنه يخبر عما في يد نفسه لنفسه، فلم يكن مدعياً، وإنما هو مدعى عليه، فلا تكون البينة حجة له، فتعد بينته لاغية.\rولأن بينة المدعي أكثر فائدة، فوجب تقديمها كتقديم بينة الجرح على التعديل، ودليل كثرة فائدتها: أنها تثبت شيئاً لم يكن، وبينة المنكر إنما تثبت أمراً ظاهراً تدل اليد عليه، فلم تكن مفيدة، أي أن بينته لا تفيد أكثر مما تفيد اليد، أي الحيازة فقط.\r2 - إذا كانت البينتان مؤرختين، وتاريخهما سواء: يقضى للمدعي الخارج؛ لأنه لم يثبت سبق ملك أحدهما؛ إذ أنه بطل اعتبار الوقتين للتعارض، فبقي الحال حال دعوى ملك مطلق، كالصورة الأولى.\r3 - إذا كان تاريخ أحدهما أسبق من الآخر: يقضى للأسبق وقتاً أيهما كان عند أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد. وروي في النوادر عن محمد أنه رجع عن هذا القول عند رجوعه من الرقة، وقال: لا تقبل من صاحب اليد بينة على وقت ولا غيره إلا في النتاج؛ لأنه لا قيمة لبينته إذ أنه مدعى عليه، والبينة حجة المدعي.\r-------------------------------\r(1) رواه أحمد والشيخان وابن ماجه عن ابن عباس.\r(2) وبعبارة أخرى: هي أن الشرع قد جعل البينة في حيز المدعي واليمين في حيز المدعى عليه، فوجب ألا ينقلب الأمر، وهذا عندهم من باب العبادة.","part":8,"page":143},{"id":5148,"text":"والصحيح القول الأول وهو ظاهر الرواية؛ لأن بينة صاحب الوقت الأسبق أظهرت الملك له في وقت لا ينازعه فيه أحد، فيثبت له الحق في موضوع النزاع إلى أن يثبت الآخر سبباً لنقل الملكية له.\r4 - إذا أرخ أحدهما ولم يؤرخ الآخر: يقضى للخارج عند أبي حنيفة ومحمد؛ لأن الملك المطلق يحتمل التأخر والسبق، لجواز أن صاحب البينة المطلقة لو وقتت بينته، كان وقتها أسبق. فوقع الاحتمال في سبق الملك المؤقت، وإذا حصل الاحتمال في شيء سقط اعتباره، فيسقط اعتبار الوقت، وتبقى الدعوى دعوى ملك مطلق، فيقضى للخارج.\rوقال أبو يوسف: يقضى لصاحب البينة المؤرخة؛ لأن بينة صاحب الوقت أظهرت الملك له في وقت معين خاص به، لا يعارضها فيه بينة مدعي الملك المطلق بيقين، بل تحتمل بينته المعارضة وعدمها، والمعارضة لا تثبت بالشك، فبقيت بينة صاحب التاريخ سالمة عن المعارضة، فيقضى له.\rوقال المالكية والشافعية في هذه الصور (1) : تقدم بينة صاحب اليد وتسمى بينة الداخل على الإطلاق؛ لأنهما استويا في إقامة البينة، فتعارضت البينتان، وترجحت بينة صاحب اليد بيده أي بحيازته، كترجيح أحد الحديثين المتعارضين بالقياس، فيقضى بالشيء لصاحب اليد، ولأن بينة المدعى عليه تفيد معنى زائداً على كون الشيء المدعى فيه موجوداً بيده.\rولأن جانب المدعى عليه أقوى، استصحاباً للأصل، فالأصل معه وهو بقاء ما كان على ما كان، ويمينه تقدم على يمين المدعي، فإذا تعارضت البينتان، وجب إبقاء يد صاحب اليد على ما كانت عليه، ويقدم هو، كما لو لم تكن بينة لأحد المتنازعين.\r-------------------------------\r(1) مغني المحتاج: 480/4، المهذب: 311/2.","part":8,"page":144},{"id":5149,"text":"ويؤيد هذا حديث جابر بن عبد الله : «أن النبي صلّى الله عليه وسلم اختصم إليه رجلان في دابة أو بعير، فأقام كل واحد منهما البينة بأنها له أنتجها، فقضى بها رسول الله صلّى الله عليه وسلم للذي هي في يده» (1) .\rالثاني ـ تعارض الدعويين بين الخارجين عن ذي اليد في ملك مطلق :\rإذا تنازع اثنان عيناً، وهي في يد شخص ثالث، وهو منكرلها، وأقام كل منهما بينة يريد بها إثبات حقه فيها.\rفقال الشافعية في الأرجح: تهاترت البينتان أي تساقطتا وبطلتا لتناقض موجبيهما، سواء أكانت البينتان مطلقتي التاريخ، أم متفقتين فيه، أم إحداهما مطلقة عن التاريخ والأخرى مؤرخة. فأشبه ذلك تعارض الدليلين ولا مرجح بينهما، فكأنه لا بينة، ويصار إلى الحكم في القضية، كما لو تداعيا ولا بينة لواحد منهما، فيحلف كل واحد منهما يميناً، ويقضى بالشيء بينهما نصفين. وفي قول عندهما: يقرع بينهما، ويرجح من خرجت قرعته (2) .\rوكذلك قال المالكية: تسقط البينتان، ويقضى كأنه لا بينة فيحلف كل منهما يميناً، ويقسم الشيء بينهما، فإن حلف أحدهما دون الآخر قضي له (3) .\r-------------------------------\r(1) أخرجه البيهقي ولم يضعفه بلفظ: «أن رجلين اختصما في ناقة، فقال كل واحد منهما: نُتجت هذه الناقة عندي، وأقاما بينة، فقضى بها رسول الله صلّى الله عليه وسلم للذي هي في يده. ورواه الدارقطني وفي إسناده ضعف، ورواه أبو حنيفة، وأخرج نحوه عن الشافعي إلا أن فيه «تداعيا دابة» ولم يضعف إسناده (راجع سبل السلام: 135/4) وانظر حادثة مشابهة رواها الطبراني في مجمع الزوائد: 203/4.\r(2) مغني المحتاج: 480/4، المهذب: 311/2.\r(3) بداية المجتهد: 461/2، الميزان: 195/2، الشرح الكبير للدردير: 222/4 وما بعدها.","part":8,"page":145},{"id":5150,"text":"والراجح عند الحنابلة: أنه تسقط البينتان ويقترع المدعيان على اليمين كما لو لم تكن بينة، فمن خرجت له قرعته حلف، وأخذ العين (1) .\rوقال الحنفية في الجملة: يقضى بالشيء بينهما نصفين إلا أن يكون تاريخ أحدهما أسبق، فيقضى له به، وتفصيله في الصور الأربعة الآتية (2) :\r1 و 2 ـ إذا كانت الدعوى من الخارجين، وقامت البينتان على ملك مطلق، بلا تاريخ أو تاريخهما سواء، والشيء في يد ثالث: فيقضى به بينهما نصفين، عملاً بالبينتين بقدر الإمكان (3) ، صيانة لهما عن الإلغاء؛ لأن العمل بالدليل واجب بالقدر الممكن، أي أنه إذا تعذر العمل بالبينتين في كل الشيء المتنازع فيه، أمكن العمل بهما في بعض الشيء، فيقضى لكل واحد منهما بالنصف؛ لأنهما تساويا في الدعوى، فيتساويان في القسمة.\rويؤيده «أن رجلين اختصما إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلم في بعير، وأقام كل واحد منهما البينة أنه له، فقضى رسول الله صلّى الله عليه وسلم به بينهما نصفين» (4) .\r-------------------------------\r(1) المغني: 287/9.\r(2) تكملة فتح القدير: 217/6، البدائع: 236/6، الدر المختار: 465/4، اللباب شرح الكتاب: 32/4.\r(3) لكن إن ادعى اثنان نكاح امرأة، وأقاما البينة على ذلك، لم يقض بواحدة من البينتين لعدم أولوية إحداهما، وتعذر الحكم بهما لعدم قبول المحل اشتراكهما، ويرجع إلى تصديق المرأة لأحدهما، إذا لم تؤقت البينتان وقتاً للزواج، فأما إذا وقتتا، فصاحب الوقت الأول أولى. وإن أقرت المرأة لأحدهما قبل إقامة البينة، فهي امرأته لتصادقهما على الزواج، والزواج مما يحكم به بتصادق الطرفين. فإن أقام الآخر البينة على الزواج، قضي بها لأن البينة أقوى من الإقرار. (اللباب شرح الكتاب: 4 /32).\r(4) أخرجه أبو داود والنسائي وأحمد والحاكم والبيهقي عن أبي موسى الأشعري بلفظ ((أن رجلين ادعيا بعيراً على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبعث كل واحد منهما بشاهدين، فقسمه النبي صلى الله عليه وسلم بينهما نصفين)) ورواه الطبراني في الكبير عن جابر بن سمرة، وفيه متروك (نصب الراية: 109/4، نيل الأوطار: 200/8، الإلمام: ص522، سبل السلام: 13/4)","part":8,"page":146},{"id":5151,"text":"3 - إذا كان تاريخ أحدهما أسبق من الآخر: فالأسبق أولى؛ لأن كلاً من الخارجين ينطبق عليه وصف المدعي، فكانت بينتاهما مسموعتين مقبولتين قضاء، فترجح إحداهما بأسبقية التاريخ؛ لأنها أثبتت الملك في وقت لم تعارضه فيه البينة الأخرى، فيؤمر صاحب اليد بتسليم الشيء المتنازع عليه إلى المقضي له، إلى أن يثبت الآخر انتقال الملكية إليه بطريق ما.\r4 - إن أرخ أحدهما ولم يؤرخ الآخر: يقضى بينهما نصفين عند أبي حنيفة، ولا عبرة للتاريخ؛ لأن الملك المؤرخ يحتمل أن يكون سابقاً عن تاريخ ملك الآخر، ويحتمل أن يكون متأخراً عنه، لوجود احتمال أن صاحب الملك الآخر لو أرخ لكان تاريخه أقدم، ونظراً لطروء الاحتمال في التاريخ، سقط اعتباره، فبقي ادعاء ملك مطلق بالنسبة لكل منهما. وعند أبي يوسف: يقضى لصاحب الوقت، أي صاحب الملك المؤرخ؛ لأن البينة المؤرخة أظهرت الملك في زمان لا تعارضها فيه بيقين البينة المطلقة عن التاريخ، بل تحتمل المعارضة وعدم المعارضة، فلا تثبت المعارضة بالشك، فتثبت بينة صاحب التاريخ بلا معارض، فيكون هو أولى بالشيء.\rوعند محمد: يقضى لصاحب الملك المطلق الذي لم تذكر بينته تاريخاً؛ لأن البينة القائمة على الملك المطلق أقوى؛ إذ أنه مالك من الأصل حكماً، بدليل استحقاقه زوائد الشيء من أولاد وألبان وأصواف وغلات ونحوها.","part":8,"page":147},{"id":5152,"text":"الثالث ـ تعارض الدعويين في ملك مطلق بين ذوي اليد :\rإذا كانت هناك دار يحوزها اثنان، أي تحت يدهما، فادعاها كل منهما، وأقام كل منهما بينة على ملكيته لها، فقال الشافعية على الصحيح (1) : تهاترت البينتان،\rأي تساقطتا وبطلتا لتعارضهما وتناقض موجبهما، كتعارض الدليلين دون مرجح لأحدهما، فيقضى ببقاء الدار في يدهما، كما كانت قضاء ترك، إذ ليس أحدهما أولى بها من الآخر. وفي قول: يقرع بينهما كما أشرت سابقاً.\rوقال الحنابلة: إذا تنازع رجلان في عين في أيديهما، وأقام كل واحد منهما بينة، وتساوت البينتان، تعارضتا، وقسمت العين بينهما نصفين، لما روى أبو موسى رضي الله عنه: «أن رجلين اختصما إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلم في بعير فأقام كل واحد منهما شاهدين، فقضى رسول الله صلّى الله عليه وسلم بالبعير بينهما نصفين» رواه أبو داود، ولأن كل واحد من المتنازعين يعد بالنسبة لما في يده داخلاً في نصف الشيء، وخارجاً عن النصف الآخر (2) وقد عرفنا أنه يقضى ببينة الخارج؛ لأنه هو المدعي.\rوقال الحنفية في الجملة: يقضى بالشيء بين صاحبي اليد نصفين، إلا أن تكون بينة أحدهما أسبق تاريخاً من بينة الآخر، وتفصيله فيما يأتي (3) .\r1 - إن أقام كل واحد من صاحبي اليد بينة أن الشيء له: فإنه يقضى لكل واحد منهما بالنصف الذي في يد صاحبه؛ لأنه كما ذكر عند الحنابلة يعتبر خارجاً بالنسبة لذلك النصف، والخارج: هو المدعي، وهوالذي تقبل بينته، وأما النصف الذي في يده فيترك في يده قضاء ترك، وعلى هذا فكأن الدار الواحدة بمنزلة دارين، في يد كل واحد منهما دار، وكل واحد منهما يدعيها، فكان كل واحد منهما مدعياً لما في يد صاحبه، فعليه البينة، ومنكر الدعوى: صاحبه بالنسبة لما في يده.\r-------------------------------\r(1) مغني المحتاج: 480/4، المهذب: 311/2.\r(2) المغني: 280/9 وما بعدها.\r(3) البدائع: 240/6 ومابعدها، تكملة فتح القدير: 248/6 ومابعدها، المبسوط: 32/17، الدر المختار: 460/4، الكتاب مع اللباب: 32/4.","part":8,"page":148},{"id":5153,"text":"وكذلك إن أقام أحدهما البينة ولم يقم الآخر بينة: يقضى له بالنصف الذي في يد صاحبه، وأما ما في يده فيترك في يده قضاء ترك.\rوأيضاً إذا لم يكن لأحدهما بينة: يترك الشيء في يديهما قضاء ترك، حتى لو قامت لأحدهما بينة بعدئذ تقبل؛ لأنه لم يصر مقضياً عليه حقيقة.\r2 - إن أرخ كل منهما بينته، وتاريخهما سواء يقضي بالشيء بينهما نصفين، كما في الصورة الأولى.\r3 - إذا كان تاريخ أحدهما أسبق: فالأسبق أولى عند أبي حنيفة وأبي يوسف.\rوقال محمد: لا عبرة للتاريخ بالنسبة لصاحب اليد، فيكون الشيء بينهما نصفين، والحجج سبق بيانها.\r4 - إن أرخ أحدهما دون الآخر: يقضى بالشيء بينهما نصفين عند أبي حنيفة ومحمد، ولا عبرة للوقت؛ لأنه ساقط الاعتبار لوجود الاحتمال في تقدمه عن تاريخ بينة الآخر وتأخره. وقال أبو يوسف: هو لصاحب التاريخ، وأدلة كل من الفريقين عرفت فيما سبق.\rهل ترجح بينة أحد المتداعيين بكثرة عدد الشهود أو اشتهار العدالة؟.\rفي الصور السابقة الذكر وغيرها من حالات تعارض البينات قرر جمهور الفقهاء أنه لا ترجح إحدى البينتين بكثرة عدد الشهود، ولا اشتهاد العدالة؛ لأن كلاً من البينتين حجة كاملة من الطرفين بتقدير الشرع، فلا تتقوى بالزيادة، كما هو الشأن في الديات: لا يختلف مقدارها باختلاف الأشخاص. وقال الإمام مالك: يرجح بزيادة العدالة، كما يرجح بها أحد الخبرين","part":8,"page":149},{"id":5154,"text":"المرويين، ولا يرجح بكثرة العدد (1) .\rالنوع الثاني - تعارض الدعويين مع تعارض البينتين في دعوى الملك بسبب: دعوى الملك بسبب كما عرفنا: هي أن يذكر فيها سبب الملك من إرث أو شراء أو نتاج. وأبحث كل حالة على حدة فيما يأتي. ومجمل القول في الملك المقيد عند الحنفية: هو أنه إذا ادعى اثنان تلقي الملك من واحد وأحدهما قابض، أو ادعيا الشراء من اثنين، وأرخا وتأريخ ذي اليد أسبق، ففي هاتين الصورتين تقبل بينة ذي اليد باتفاق الحنفية.\rالحالة الأولى ـ دعوى الملك بسبب الإرث :\rيكون بحث تعارض دعويي الملك بسبب الإرث في حالتين: حالة ما إذا كان أحد المتداعيين خارجاً، والآخر صاحب يد، وحالة ما إذا كان التداعي بين خارجين على ما في يد ثالث.\rأولاً ـ تعارض الدعويين بين الخارج وذي اليد في دعوى الملك بالإرث :\rإذا كان متاع في يد رجل، فأقام رجل البينة أن أباه مات وتركه ميراثاً له، وأقام صاحب اليد البينة أن أباه مات وتركه ميراثاً له، فقال الحنفية: يقضى به للخارج سواء ذكروا وقتاً أم لم يؤقتوا، أو أرخوا وكان تاريخهما سواء. فإن كان تاريخ أحدها أسبق فهو له. وتفصيله فيما يأتي (2) :\r1 - إذا أقام كل واحد من الخارج وذي اليد البينة على أنه ملكه مات أبوه وتركه ميراثاً له: يقضى به للخارج؛ لأن كل واحد من المتداعيين أثبت ملكية المتاع للميت، لكن قام الوارث مقام الميت فيما يملكه، فكأن الوارثين ادعيا ملكاً مطلقاً من غير سبب، فيقضى به للخارج، كما عرفنا في دعوى الملك المطلق.\r-------------------------------\r(1) تكملة فتح القدير: 243/6، المبسوط: 41/17، الدر المختار: 495/4، اللباب: 37/4، مغني المحتاج: 482/4، الميزان: 195/2، المغني: 282/9، بداية المجتهد: 461/2، الشرح الكبير للدردير: 220/4.\r(2) المبسوط: 44/17، البدائع: 233/6.","part":8,"page":150},{"id":5155,"text":"2 و 3 ـ كذلك يقضى بالمتاع المتنازع عليه للخارج إذا أرخا وتاريخهما سواء أو ذكر أحدهما تاريخاً دون الآخر؛ لأنه في الصورة الأولى سقط اعتبار الوقتين للتعارض، فبقي دعوى مطلق الملك. وفي الصورة الثانية: لا عبرة للوقت؛ لأنه يحتمل تأخر ملك الآخر وتقدم، ومع الاحتمال لا ينظر إلى الوقت.\r4 - إذا كان تاريخ أحدهما أسبق من الآخر: فهو لصاحب الوقت الأسبق عند أبي حنيفة وأبي يوسف؛ لأن بينته أثبتت له الملك في وقت لا ينازعه فيه الآخر.\rوقال محمد: يقضى به للخارج؛ لأن دعوى الإرث دعوى ملك الميت، فكل واحد من البينتين أظهرت ملك الميت، لكن قام الوارث مقام الميت في ملك الميت، فكأن المورثين ادعيا ملكاً مطلقاً أو مؤرخاً منذ سنة مثلاً من غير ذكر سبب للملك، وقد عرفنا أنه في هذه الحالة يقضى بالشيء للخارج عند محمد.\rثانياً ـ تعارض الدعويين بين الخارجين عن ثالث في دعوى الإرث :\rإذا وجدت دار في يد شخص، ثم أقام شخصان آخران غيره، كل منهما البينة على أن الدار ملك له، مات أبوه، وترك الدار ميراثاً له.\rقال الحنفية (1) : يقضى بالدار بين الشخصين نصفين، سواء أرخت البينتان وقت الإرث أم لم تؤرخاه، أو كان تاريخهما سواء، لما ذكر أن الملك الموروث هو ملك الميت بعد موته، وإنما الوارث يخلفه، ويقوم مقامه في ملكه، فكأن المورثين حضرا وادعيا ملكاً مطلقاً عن الوقت لهما في يد ثالث، أو مؤقتاً وكان تاريخهما سواء، أو أحدهما مؤقتاً والآخر مطلقاً، وقد عرفنا أنه يقضى بالشيء حينئذ مناصفة بين الخارجين؛ لأنهما مدعيان متساويان في الادعاء.\r-------------------------------\r(1) المرجعان السابقان، المبسوط: ص 41، البدائع: ص 237.","part":8,"page":151},{"id":5156,"text":"وإن كان تاريخ أحدهما أسبق: فهو له عند أبي حنيفة وأبي يوسف؛ لأن الوارث بإقامة البينة يظهر الملك للمورث لا لنفسه، فيصير كأنه حضر المورثان، وأقام كل واحد منهما بينة مؤرخة، وتاريخ أحدهما أسبق، وحينئذ يقضى لأسبقهما وقتاً، لإثباته الملك في وقت لا تعارضه فيه بينة الآخر.\rوقال محمد: يقضى بالشيء بين الخارجين في هذه الحالة نصفين، ولا عبرة للتاريخ عنده في الميراث، لما ذكر أن الموروث ملك الميت، والوارث قام مقامه، فلم يكن الموت تاريخاً لملك الوارث، فسقط اعتبار التاريخ لملكه، وكأنه لم يكن، فبقي دعوى الملك المطلق عن التاريخ، فيتساوى الخارجان حينئذ.\rالحالة الثانية ـ دعوى الملك بسبب الشراء :\rإذا تنازع اثنان على ملكية دار مثلاً، وكانت الدار في يد أحدهما فادعى أحدهما الشراء من الآخر، أو ادعى كل منهما الشراء من صاحبه، أو كانت الدار في يد شخص ثالث، فادعى كل منهما الشراء من صاحب اليد أو من رجل آخر غير الذي ادعى عليه صاحبه، فكيف يحكم القاضي بينهما؟ يعرف الجواب من الصور الآتية:\r1 - التنازع بين الخارج وذي اليد(1) :\rنجد في هذه الحالة افتراضات ثلاثة:\rأولاً ـ إذا ادعى الخارج أنه اشترى هذه الدار من صاحب اليد بألف ليرة ونقده الثمن: يقضى للخارج بالبينة؛ لأنه هو المدعي.\rثانياً ـ إذا ادعى صاحب اليد الشراء من خارج: يقضى له بالبينة؟ لأنه يصح تلقي الملك من الخارج؛ لأنه هو المدعي.\rثالثاً ـ إذا ادعى كل واحد من الخارج وصاحب اليد أنه اشترى الدار من صاحبه بألف ليرة ونقده الثمن، وأقام كل واحد منهما البينة على ذلك ولم يؤرخا وقت الشراء، أو أرخا وتاريخهما سواء:\r-------------------------------\r(1) البدائع: 233/6 ومابعدها، تحفة الفقهاء: 301/3 ومابعدها الطبعة القديمة، الكتاب مع اللباب: 36/4.","part":8,"page":152},{"id":5157,"text":"فإن لم يثبتا قبض المبلغ بالبينة: لا تقبل البينتان عند أبي حنيفة وأبي يوسف، ولا يجب لواحد منها على صاحبه شيء، ويترك المدعى به في يد الحائز، أي صاحب اليد؛ لأن كل مشترٍ يكون مقراً بكون المبيع ملكاً للبائع. وعلى هذا تعد دعوى الشراء من كل واحد منهما إقراراً بملك المبيع لصاحبه، وتكون البينتان قائمتين على إثبات إقرار كل واحد منهما بالملك لصاحبه، وبين موجبي الإقرارين تناف وتناقض، فتعذر العمل بالبينتين أصلاً.\rوقال محمد: يقضى بالبينتين، ويؤمر صاحب اليد بتسليم المدعى به للخارج؛ لأن الجمع والتوفيق بين الدليلين مطلوب بقدر الإمكان، والتوفيق هنا ممكن: بتصحيح العقدين بأن نفترض أن صاحب اليد اشترى المبيع أولاً من الخارج\rوقبضه، ثم اشتراه الخارج ثانية من صاحب اليد، ولم يقبضه، وإنما باعه مرة أخرى لصاحب اليد. فبذلك يمكن تصحيح العقدين: الأول والثاني بالتقدير المذكور.\rولا يصح افتراض العكس: بأن نقدر أن الخارج اشترى أولاً من صاحب اليد، ولم يقبضه، وإنما باعه ثانية لصاحب اليد؛ لأنه يترتب على هذا الافتراض إفساد العقد الثاني؛ لأن هذا بيع للعقار المبيع قبل قبضه، وهذا البيع غير جائز عند محمد، كما هو معروف في عقد البيع.\rوإذا صح العقدان بحسب الافتراض الأول، فيبقى الشيء في يد الحائز صاحب اليد، فيؤمر بتسليمه إلى الخارج.\rوأما إذا أرخا، وتاريخ أحدهما أسبق، ولم تذكر البينتان قبضاً: فإنه يقضى لصاحب البيع المتأخر وقتاً، والبيع الثاني ينقض البيع الأول عند أبي حنيفة وأبي يوسف.","part":8,"page":153},{"id":5158,"text":"وعند محمد: يقضى للخارج؛ لأن بيعه إذا كان أسبق، افترض كأنه اشترى الدار أولاً، ولم يقبضها، ثم باعها لصاحب اليد، وبيع العقار قبل القبض لا يجوز عنده، وإذا لم يجز بقي المبيع على ملك الخارج. أما عند أبي حنيفة وأبي يوسف، فيجوز، فصح البيعان ويقضى بالشيء لصاحب اليد.\rوإذا كان بيع صاحب اليد أسبق: فيقضى بالدار للخارج اتفاقاً؛ لأنه إذا كان وقته أسبق يجعل سابقاً في الشراء، كأنه اشترى من الخارج وقبض، ثم اشترى منه الخارج ولم يقبض، فيؤمر بتسليم الدار إليه.\rوأما إن أثبتا القبض بالبينة: فقد تهاترت البينتان ، أي تساقطتا عند أبي حنيفة وأبي يوسف، ويقضى بالدار قضاء ترك لمن كانت الدار في يده. وقال محمد: يقضى بالدار لمن كانت في يده قضاء حقيقة، وتحصل مقاصة بين ثمن البيع الأول وثمن البيع الثاني، فمن زاد له أخذ الزيادة من صاحبه، كأن الخارج اشترى الدار من الداخل صاحب اليد، فقبضها ثم اشتراها الداخل منه، وقبض، تصحيحاً لتصرف الإنسان؛ لأنه مهما أمكن أن يجعل القبض قبض بيع، يجعل.\r2 - التنازع بين الخارجين على ما في يد شخص ثالث :\rنجد في هذه الحالة افتراضين:\rأولاً ـ أن يدعي الخارجان الشراء من شخص واحد على صاحب اليد :\rإذا ادعى اثنان داراً عند إنسان آخر، كان قد اشتراه كل منهما من واحد معين، وأقاما البينة على الشراء منه بثمن معلوم، ونقد الثمن:","part":8,"page":154},{"id":5159,"text":"قال الحنفية (1) : فإن لم يذكرا تاريخاً للشراء ولا قبضاً للمبيع: يقضى بالدار بينهما نصفين ويثبت لهما الخيار كما سيُبين؛ لاستوائهما في سبب الاستحقاق، وقبول محل النزاع للاشتراك فيه.\rوقال الشافعية في هذه الحالة: تعارضت البينتان، فتساقطتا، لتناف بين موجبيهما ومقتضاهما، فكأنه لا بينة، فيحلف كل منهما يميناً على نفي كونه للآخر بأن يقول: إن هذا الشيء ليس لك، ثم يجعل الشيء بينهما، أي يقسم بينهما نصفين لقضائه صلّى الله عليه وسلم بذلك، كما صححه الحاكم على شرط الشيخين. وفي قول: يقرع بينهما (2) .\rثم قال الحنفية: أما إذا أرخا، وتاريخ أحدهما أسبق: فيقضى للأسبق؛ لأن بينته تظهر الملك له في وقت لا تعارضه فيه بينة الآخر، أي أن الأسبق أثبت الشراء في زمان لا ينازعه فيه أحد، فاندفع الآخر به.\rولو أرخت بينة أحدهما دون الآخر: فيقضى لصاحب الوقت، لثبوت ملكه في ذلك الوقت، فاحتمل الآخر أن يكون قبله أو بعده، فلا يقضى له بالشك.\rولو لم تؤرخ البينتان، أوأرخت إحداهما دون الأخرى، أو كان تاريخهما سواء، ولكن مع أحدهما قبض: أي أن القبض ثابت في يده معاينة: فهو أولى بالشيء المتنازع عليه، لأن تمكنه من قبضه يدل على سبق شرائه، ولأن المتداعيين استويا في إثبات الشراء بالبينة، والقبض أمر مرجح، فلا تزول اليد الثابتة بالشك. هذا.. إلا أن تشهد بينة التاريخ أن شراءه قبل شراء الآخر فيقضى له، ويرجع الآخر بالثمن على البائع.\rوالخلاصة: أن بينة ذي اليد أولى من بينة غير القابض في دعوى الملك بسبب، خلافاً لحالة دعوى الملك المطلق، فإن بينة الخارج أولى.\r-------------------------------\r(1) البدائع: 237/6، تكملة فتح القدير: 221/6 وما بعدها، الدر المختار: 456/4، اللباب: 34/4 وما بعدها.\r(2) مغني المحتاج: 480/4، حاشية الباجوري على متن أبي شجاع: 359/2.","part":8,"page":155},{"id":5160,"text":"وإذا ادعى اثنان على ثالث ذي يد، أحدهما يدعي شراء منه، والآخر هبة وقبضاً، وأقاما البينة على ذلك، ولا تاريخ معهما، فالشراء أولى؛ لأنه أقوى، لكونه معاوضة من الجانبين؛ ولأنه يثبت بنفسه بخلاف الهبة، فإنه يتوقف على القبض. وإن ادعى أحدهما الشراء وادعت امرأة أنه تزوجها على هذا الشيء، فهما سواء لاستوائهما في القوة؛ لأن كلاً منهما معاوضة من الجانبين، ويثبت الملك لنفسه. وإن ادعى أحدهما رهناً وقبضاً، والآخر هبة وقبضاً، فالرهن أولى؛ لأن المرهون مضمون، والموهوب غير مضمون وعقد الضمان أولى.\rثانياً ـ أن يدعي كل واحد من الخارجين الشراء من رجل غير الذي ادعى عليه صاحبه :\rإذا ادعى شخصان داراً في يد شخص آخر، وأقام كل واحد منهما البينة على أنه اشتراها من شخص غير الذي ذكره صاحبه سوى صاحب اليد: يقضى به بينهما نصفين؛ لأن المشتريين قاما مقام البائعين، كأنهما حضرا، وأقاما البينة على ملك مطلق، ولو كان الأمر كذلك يقضى به بينهما نصفين، فكذا هذا، ويثبت لهما الخيار كما سأبين.\rولو أرخا وكان تاريخهما سواء أو أرخت بينة أحدهما ولم تؤرخ الأخرى: يقضى به بينهما نصفين أيضاً. وإن كان تاريخ أحدهما أسبق من الآخر، فالأسبق تاريخاً أولى عند أبي حنيفة وأبي يوسف. وكذا عند محمد في رواية الأصول بخلاف الميراث: إنه يكون بينهما نصفين عنده.\rوالفرق بالنسبة لمحمد بين الميراث والشراء: هو أن المشتري يثبت الملك لنفسه، والوارث يثبت الملك للميت.\rوفي رواية عن محمد في الإملاء: أنه سوى بين الميراث والشراء، وقال: لا عبرة بالتاريخ في الشراء أيضاً، إلا أن يؤرخ المدعيان ملك البائعين (1) .\r-------------------------------\r(1) راجع البدائع: 238/6.","part":8,"page":156},{"id":5161,"text":"ثبوت الخيار لمن يقضى لهما: في حالة القضاء بالدار بين المتداعيين الخارجين مناصفة، سواء في ادعاء الشراء من واحد أو من اثنين: يثبت الخيار لكل واحد من مدعيي الشراء: إن شاء أخذ كل واحد منهما نصف الدار بنصف الثمن، وإن شاء ترك لتفريق الصفقة عليه؛ لأن غرض كل واحد من المتداعيين الوصول إلى شراء\rجميع المبيع، ولم يحصل له شراؤه، مما ترتب عليه حدوث خلل في رضا كل منهما، فلا يرضى بالنصف مشتركاً مع الآخر، فأثبت لهما الخيار.\rفإن اختار كل واحد منهما أخذ نصف الدار، رجع على البائع بنصف الثمن؛ لأنه لم يحصل له في ملكه إلا نصف المبيع.\rوإن اختار كل منهما رد المبيع ونقض البيع، رجع كل واحد منهما بجميع الثمن على البائع؛ لأنه انفسخ البيع.\rوإن اختار أحدهما الرد، والآخر الأخذ: فإن حدث هذا قبل تخيير الحاكم لهما، والحكم لهما نصفين، فللآخر أن يأخذ جميع المبيع بجميع الثمن؛ لأن المستحق له بالعقد كل المبيع، وامتناع استحقاقه للكل بسبب مزاحمة الآخر له، فإذا زالت الخصومة فقد زال المانع من الاستحقاق، فيأخذه كله.\rوأما إن حدث ذلك بعد قضاء القاضي وتخييره إياهما: فليس له أن يأخذ إلا النصف بنصف الثمن؛ لأنه بحكم القاضي ينفسخ العقد بالنسبة لكل واحد منهما في النصف، فلا يعود إلا بالتجديد (1) .\r-------------------------------\r(1) البدائع: 237/6، تكملة فتح القدير: 221/6 وما بعدها.","part":8,"page":157},{"id":5162,"text":"الحالة الثالثة ـ دعوى الملك بسبب النتاج :\rالنتاج: هو ولادة الحيوان، مشتق من فعل (نُتجت) المبني للمجهول: يعني ولدت ووضعت. والمراد هنا: ولادة الحيوان في ملك الإنسان نفسه أو في ملك بائعه، أو في ملك مورثه.\rإذا تنازع رجلان في دابة مثلاً، فادعى كل واحد منهما أنها ملكه دون صاحبه، وأقام كل واحد منهما بينة أنها له نُتجت عنده أو عند بائعه أو عند مورثه، فكيف يقضي القاضي بينهما؟\rنجد هنا ثلاثة افتراضات أذكر حكمها عند الحنفية:\rأولاً ـ أن يدعي الخارج وصاحب اليد نتاج أي (منتوج) دابة، ويقيم كل واحد منهما بينة على النتاج من غير تاريخ، أو أرخا تاريخاً واحداً: فصاحب اليد أولى؛ لأن صاحب اليد لا يستحق الملك هنا بظاهر يده فقط، وإنما تثبت بينته شيئاً آخر عدا الحيازة باليد، وهوأولية الملك بالنتاج؛ لأن النتاج لا يتكرر حدوثه، كما تُثبت بينة الخارج، فاستوت البينتان في إظهار أولية الملك، وترجحت بينة ذي اليد باليد، فيقضى له. وذلك بخلاف الملك المطلق فهناك لا تُثبت بينته إلا ما هو ثابت له بظاهر يده، باعتبار أن الملك ينتقل ويتكرر حدوثه.\rوفي هذا ورد حديث جابر: «أن رجلين اختصما في ناقة، فقال كل واحد منهما: نتجت هذه الناقة عندي، وأقاما بينة، فقضى بها رسول الله صلّى الله عليه وسلم للذي هي في يده» (1) ويقضى في ظاهر مذهب الحنفية لصاحب اليد قضاء حقيقة، لا أن يترك في يده قضاء ترك. وهو موافق لمذهب الشافعية.\rوقال عيسى بن أبان: تتهاتر البينتان ويترك المدعى به في يد صاحب اليد قضاء ترك (2) .\r-------------------------------\r(1) رواه الدارقطني والبيهقي وإسناده ضعيف.\r(2) راجع المبسوط: 63/17، البدائع: 234/6، تكملة فتح القدير: 235/6، الدر المختار: 459/4، اللباب: 35/4.","part":8,"page":158},{"id":5163,"text":"ثانياً ـ أن يقيم أحد المتنازعين على النتاج، والآخر على الملك المطلق عن النتاج :\rإذا أقام أحد المتخاصمين البينة على النتاج، والآخر على الملك المطلق عن النتاج، بأن قال: هو ملكي، فبينة النتاج أولى، سواء أكان خارجاً أم ذا اليد، لما ذكر أنها تثبت أولية الملك لصاحبه، فلا تثبت لغيره إلا بالتلقي منه (1) .\rثالثاً ـ ادعاء النتاج من الخارجين على ثالث يدعي ملكاً مطلقاً :\rإذا ادعى الخارجان النتاج وهو في يد شخص ثالث يدعي ملكاً مطلقاً: فهو بين الخارجين نصفين، لا ستوائهما في سبب الاستحقاق.\rفإن أرخت البينتان، واتفق تاريخهما، فيقضى بالمدعى به أيضاً نصفين، لسقوط اعتبار الوقتين بالتعارض.\rوإن اختلف التاريخان يحكَّم سن الدابة: فيقضى لصاحب الوقت الذي يوافقه سن الدابة إن علم سنها؛ لأنه ظهر أن البينة الأخرى كاذبة بيقين.\rفإن أشكل السن، كانت الدابة بينهما نصفين؛ لأنه سقط اعتبار التاريخ، وجعل كأنهما لم يذكرا تاريخاً؛ لأنه يحتمل أن يكون سنها موافقاً لتاريخ أحدهما أو مخالفاً لهما.\rوإن خالف سنها الوقتين جميعاً، سقط اعتبار التاريخ في ظاهر الرواية؛ لأنه ظهر بطلان اعتبار التوقيت، فكأنهما لم يؤقتا، فبقيت البينتان قائمتين على ملك مطلق.\rوذكر الحاكم الشهيد في مختصره (الكافي) أنه تتهاتر البينتان، ويبقى النتاج في يد صاحب اليد قضاء ترك، قال: وهو الصحيح.\rوالواقع أن الأصح في هاتين الحالتين: حالة إشكال السن ومخالفته للوقتين\r-------------------------------\r(1) البدائع، المرجع السابق، تكملة فتح القدير: 337/6.","part":8,"page":159},{"id":5164,"text":"هو ما قاله محمد، وهو أن تكون الدابة بينهما نصفين، سواء أكانت الدابة في يديهما، أم في يد أحدهما، أم في يد شخص ثالث (1) .\rما يتكرر سببه وما لا يتكرر :\rكل ما ذكرمن الأحكام في تعارض الدعويين في الملك المطلق أو بسبب الإرث أو الشراء، ينطبق على كل ما يتكرر فيه سببه، ويصنع مرتين فأكثر كبناء وغرس ونسج خز (2) وزرع بر ونحوه، يقضى بالمدعى به للخارج، فلو ادعى رجل ثوباً أنه ملكه من خزه، أو ادعى داراً أنهاملكه بناها بماله، أو ادعى غرساً أنه ملكه غرسه بنفسه، أو ادعى حنطة أنها ملكه زرعها أو حباً آخر من الحبوب، وأقام على مدعاه بينة وادعى ذو اليد مثل ذلك، وأقام عليه بينة، قضي به للخارج؛ لأن هذه الأشياء ليست في معنى النتاج لتكررها.\rوكل ما ذكر من الأحكام في النتاج ينطبق على ما لا يتكرر فيه سبب الملك ولايعاد، ولا يصنع مرتين كنسج الثياب التي لا تنسج إلا مرة واحدة، وغزل قطن، وحلب لبن، وجز صوف، ونحوها؛ لأنه في معنى النتاج، يقضى به لصاحب اليد. فلو ادعت امرأة غزل قطن أنه ملكها، غزلته بيدها، أو ادعى رجل ثوباً أنه ملكه، نسجه بيده، وهو مما لا يتكرر نسجه، أو ادعى لبناً أنه ملكه حلبه من شاته، أو ادعى جبناً أنه ملكه، صنعه بيده، أو ادعى صوفاً مجزوزاً بأنه ملكه، جزَّه من شاته، وأقام على مدعاه بينة، فادعى ذو اليد مثل ذلك، وأقام عليه بينة، فإنه يقضى به لذي اليد؛ لأنه في معنى النتاج، فيلحق به (3) .\r-------------------------------\r(1) راجع البدائع: 234/6، تكملة فتح القدير: 246/6 وما بعدها، اللباب شرح الكتاب: 43/4.\r(2) أي الصوف الخليط بالإبريسم أي الحرير، فإن هذا إذا بلي يغزل مرة أخرى وينسج.\r(3) تكملة فتح القدير مع العناية: 236/6 وما بعدها، البدائع: المرجع نفسه: ص 234، الدر المختار: 459/4 وما بعدها، اللباب: 36/4.","part":8,"page":160},{"id":5165,"text":"المبحث السادس ـ حكم تعارض الدعويين في أصل الملك فقط، وحكم الملك وما يقتضيه من حقوق :\rيتناول هذا المطلب قضيتين مختلفتين، وإنما جمعتُ بينهما؛ لأن كلاً منهما لا يستحق على الانفراد مطلباً مستقلاً لقلة الكلام فيه، ولأن بينهما ارتباطاً جزئياً من جهة ولاية التصرف في الشيء.\rحكم تعارض الدعويين في أصل الملك فقط أو التنازع بالأيدي :\rانتهى بيان تعارض الدعويين مع تعارض البينتين، والكلام في هذا المطلب عن تعارض الدعويين لا غير، تمسكاً بظاهر اليد، فيحكم بين المتداعيين بأرجحية يد أحدهما على الآخر، ويظهر الحكم في المسائل الآتية (1) :\r1 - إذا تنازع اثنان في دابة: أحدهما راكبها، والآخر متعلق بلجامها، فالراكب أولى؛ لأن تصرفه أقوى، فإن الركوب يختص بالملك غالباً.\rوكذلك إذا كان أحدهما راكباً على السرج، والآخر رديفه، فالراكب أولى، لقوة يده، وهذا رأي أبي يوسف، وهو الذي مشى عليه القدوري في مختصره «الكتاب» .أما في ظاهر الرواية: فالدابة بينهما نصفان؛ لأنهما استويا في أصل الاستعمال. وكذلك تكون الدابة بينهما اتفاقاً إذا كانا راكبين على السرج، لاستوائهما في التصرف.\rوإن تنازعا في بعير عليه لأحدهما حمل، وللآخر عليه مخلاة معلقة فصاحب الحمل أولى، لأنه هو المتصرف، فهو ذو اليد في الواقع.\r2 -إذا تنازع اثنان في قميص: أحدهما لا بسه، والآخر متعلق به، فاللابس أولى؛ لأنه أقواهما تصرفاً، فهو مستعمل للقميص.\rولو تنازعا في بساط أحدهما جالس عليه، والآخر متعلق به: فهو بينهما نصفان، قضاء ترك، لا قضاء حقيقة؛ لأن القعود عليه ليس بيد عليه، حتى إنه لا يعتبر غاصباً بالقعود عليه، وإنما تكون اليد، أي الحيازة على البساط إما بالنقل والتحويل، أو بكونه في بيته، والجلوس عليه ليس بشيء من الأمرين، فلا يكون يداً عليه. وبما أنهما يدعيانه على السواء، فيترك في يديهما لعدم وجود منازع ينازعهما.\rوإذا كان ثوب في يد رجل، وطرف منه في يد آخر، فهو بينهما نصفان؛ لأن الزيادة من جنس الحجة، فإن كل واحد منهما متمسك باليد، إلا أن أحدهما أكثر استمساكاً، ومثله لا يوجب الرجحان، كزيادة عدد الشهود، لا تُرجح بينة أحد الخصمين.\r-------------------------------\r(1) المبسوط: 87/17 ومابعدها، تكملة فتح القدير: 247/6 وما بعدها، البدائع: 255/6 وما بعدها، الدر المختار: 461/4 ومابعدها، اللباب: 44/4، مختصر الطحاوي: ص354 وما بعدها.","part":8,"page":161},{"id":5166,"text":"3 - إذا كان حائط بين دارين: فادعاه كل من المالكين المتجاورين، وليس لأحدهما عليه جذوع (1) ولا هو متصل ببناء كل منهما، فإنه يكون بينهما، لاستوائهما في الاستظلال به.\rوإن كان لأحدهما عليه جذوع، فهو له؛ لأنه مستعمل للحائط.\rولو كان لكل واحد منهما جذوع، على السواء، أو لأحدهما أكثر من الآخر، بأن كان ثلاثة فصاعداً، فهو بينهما نصفان؛ لأنهما استويا في استعمال الحائط، فاستويا في ثبوت اليد عليه، والزيادة على الثلاثة من جنس الحجة.\rأما إن كان لأحدهما ما دون الثلاثة، وللآخرأكثر، فهو لصاحب الكثير؛ لأن أصل الاستعمال لا يحل بما دون الثلاثة؛ لأن الجدار لا يبنى له عادة، وإنما يبنى لأكثر من الثلاثة، إلا أن الأكثر لا نهاية له، والثلاثة أقل الجمع الصحيح، فقيِّد به. ولكن يبقى لصاحب القليل حق الاستناد على الحائط، وليس لصاحب الحائط الحق في أن يطلب رفع الجذوع، إلا إذا أثبت بالبينة أن الحائط له، فحينئذ يرفع الجذع.\rوإن لم يكن لهما جذوع، ولأحدهما اتصال بالبناء اتصال التزاق وارتباط، فهو لصاحب الاتصال، لأنه كالمتعلق به.\rولو كان لأحدهما اتصال التزاق، وللآخر جذوع، فصاحب الجذوع أولى؛ لأنه مستعمل للحائط، ولا استعمال من صاحب الاتصال.\rولو كان لأحدهما اتصال التزاق وارتباط، وللآخر اتصال تربيع (2) ، فصاحب التربيع أولى؛ لأن اتصال التربيع أقوى من اتصال الالتزاق.\rولو كان لأحدهما اتصال تربيع وللآخر جذوع: فالحائط لصاحب التربيع، ولصاحب الجذوع حق وضع الجذوع، أي استنادها عليه؛ لأن الظاهر ليس بحجة في الاستحقاق. والسبب في ترجيح صاحب الاتصال: أن الحائطين بالاتصال يصيران كبناء واحد. وقال السرخسي: صاحب الجذوع أولى؛ لأن لصاحب الاتصال اليد، ولصاحب الجذوع التصرف والتصرف أقوى. والرأي الأول أرجح؛ لأن اتصال التربيع يكون حالة البناء، وهو سابق على وضع الجذوع، فكانت يده أسبق من وضع الآخر جذوعه، فصار مثل سبق التاريخ.\r-------------------------------\r(1) الجذع: ساق النخلة أو الشجرة، يوضع في منتصف السقف للاستناد عليه، ويوضع طرفاه على جدارين متقابلين، وهو الآن مثل الجسور الحديدية في منتصف السقوف.\r(2) اتصال التربيع: أن يكون في حائط من المدر أو الآجر تداخل بين أنصاف لبنات حائط المدعي، وأنصاف لبنات الحائط المتنازع فيه وبالعكس. وإن كان الحائط من خشب: فالتربيع: أن تكون الخشبة مركبة في الأخرى. وأما إذا ثقب فأدخل في الأخرى، فلايكون تربيعاً. (تكملة فتح القدير: 251/6، الدر المختار: 461/4، البدائع: 257/6).","part":8,"page":162},{"id":5167,"text":"ثم إن الاتصال الذي وقع الاختلاف السابق في ترجيح صاحبه على صاحب الجذوع أو على العكس: هو الاتصال الذي وقع في أحد طرفي أو جانبي الحائط المتنازغ فيه. وأما إذا وقع اتصال التربيع في طرفيه أو جانبيه، فصاحب الاتصال أولى بلا خلاف (1) .\rولو كان وجه البناء على الحائط في أحد الجانبين، فلا يرجح به باتفاق الحنفية؛ لأن هذا لا يختص بالملك.\r4 - إذا كان خُص (2) بين دارين، أو بين حقلين، والقُمط (3) إلى أحدهما، وادعى كل واحد الخص، فهو بينهما عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى عليه، ولا ينظر إلى القمط؛ لأن هذا دليل الحيازة واليد في الماضي، لا وقت الدعوى، فلا يفيد في الإثبات.\rوقال الصاحبان: صاحب القمط أولى بالعرف والعادة، فإن الناس في العادة يجعلون وجه البناء والطاقات (ما عطف من الأبنية) وأنصاف اللبن والقمط إلى صاحب الدار، فيدل على أنه بناؤه.\rتنبيه: كل موضع قضي فيه بالملك لأحد المتنازعين لكون المدعى به في يده، تجب عليه اليمين لصاحبه إذا طلب، فإن حلف برئ، وإن نكل يقضى عليه بالنكول (4) .\r-------------------------------\r(1) تكملة فتح القدير، المرجع السابق: ص 225، البدائع، المرجع نفسه: ص 257، رد المحتار: 461/4.\r(2) الخص بضم الخاء: البيت من قصب، والجمع أخصاص.\r(3) القمط - بضم القاف والميم: جمع قماط، والمراد به هنا حبل عريض ينسج من ليف أو خوص تشد به الخيمة ونحوها.\r(4) البدائع: 258/6، رد المحتار: 461/4 .","part":8,"page":163},{"id":5168,"text":"حكم الملك وما يقتضيه من حقوق :\rحكم الملك أو مقتضاه عند الحنفية: هو أن يثبت لصاحبه ولاية التصرف في الشيء المملوك بمطلق اختياره، دون أن يكون لأحد عليه حق الإجبار على التصرف إلا لضرورة، أو حق المنع من التصرف، وإن تضرر به إلا إذا تعلق به حق الغير، فيمنع عن التصرف مراعاة لحق الغير، ولا يكون لغير المالك شيء من حقوق التصرف في ملك غيره بدون إذنه أو رضاه إلا لضرورة.\rوبناء عليه للمالك أن يتصرف في ملكه أي تصرف شاء، سواء أكان تصرفاً يتعدى ضرره إلى غيره، أم لا يتعدى، فله أن يبني في ملكه مرحاضاً أو حماماً أورحى أو تنوراً، وله أن يؤجر بناءه لحداد أو قصار، وله أن يحفر في ملكه بئراً أو بالوعة، وإن كان يتأذى به جاره، وليس لجاره أن يمنعه؛ لأن حق الملكية حق مطلق، ويتقيد هذا الحق عند وجود عارض من تعلق حق الآخرين به، لكن يجب أن يمتنع الإنسان عن كل ما يؤذي جاره ديانة، لقوله صلّى الله عليه وسلم : «المؤمن من أمن جاره بوائقه» (1) .\rفلو تصرف المالك في ملكه تصرفاً أدى إلى أن يوهن بناء جاره أو سقوط حائط جاره، لا يضمن؛ لأنه لم يتعد على ملك الغير.\r-------------------------------\r(1) رواه الطبراني في الكبير والأوسط عن طلق بن علي بلفظ «ليس بالمؤمن: الذي لا يأمن جاره بوائقه» أي شره، وفيه أيوب بن عتبة ضعفه الجمهور، وهو صدوق كثير الخطأ، واعتبر السيوطي هذا الحديث حسناً (مجمع الزوائد: 169/8، الجامع الصغير: 135/2).","part":8,"page":164},{"id":5169,"text":"العلو والسفل: وعلى هذا لو كان لأحد الجوار سفل، وللآخر علو عليه كطوابق المنازل الحديثة، فأراد صاحب السفل أن يفتح باباً أو نافذة، أو يحفر طاقاً، أو يدق وتداً على الحائط، أو يتصرف فيه تصرفاً لم يكن في القديم، من غير رضا صاحب العلو سواء أضر بالعلو، بأن ترتب عليه وَهْن الحائط أم لم يضرَّ به، فليس له ذلك عند أبي حنيفة؛ لأن حرمة التصرف في ملك الغير وحقوقه لا تتوقف على وقوع الضرر، بل هو حرام، سواء تضرر به أم لا.\rوقال الصاحبان: لصاحب السفل أن يفعل في ملكه ما يشاء إن لم يضر بصاحب العلو؛ لأن صاحب السفل يتصرف في ملك نفسه، فلا يمنع إلا لحق الغير، وحق الغير لا يمنع المالك من التصرف لذاته، وإنما لما يترتب عليه من إيقاع الضرر به، بدليل أن الإنسان لا يمنع من الاستظلال بجدار غيره، ومن الاصطلاء بنار غيره، لعدم تضرر المالك. والرسول صلّى الله عليه وسلم يقول: «لا ضرر ولا ضرار» (1) .\rوإذا انهدم السفل والعلو: لم يجبر صاحب السفل على البناء؛ لأن الإنسان لا يجبر على عمارة ملك نفسه، ولكن يقال لصاحب العلو: إن شئت فابن السفل من مال نفسك، وضع عليه علوك، وارجع عليه بقيمته مبنياً،ثم امنع صاحب السفل عن الانتفاع بالسفل حتى يرد عليك قيمة البناء؛ لأن البناء، وإن كان تصرفاً في ملك الغير، لكن فيه ضرورة؛ لأنه لا يمكنه الانتفاع بملك نفسه إلا بالتصرف في ملك غيره. وأما رجوعه بقيمة البناء، فلأنه ملكه بإذن الشرع، فله ألا يمكن صاحب السفل من الانتفاع بملكه إلا بعد دفع قيمته.\rأما إذا هدم صاحب السفل منزله، فانهدم الطابق العلوي، فيجبر على إعادته؛ لأنه أتلف حق صاحب العلو بنفسه.\rويجري هذا الخلاف في الحائط بين الدارين إذا انهدم، ولهما عليه جذوع، فإنه لا يجبر واحد منها على بنائه، ولكن إذا أبى أحدهما البناء، يقال للآخر: إن شئت فابن من مال نفسك، وضع خشبك عليه، وامنع صاحبك من الوضع والاستناد، حتى يرد عليك نصف قيمة البناء، أو نصف ما أنفقته.\rفإن هدمه أحدهما، يجبر على عمارته (2) .\r-------------------------------\r(1) رواه مالك والشافعي مرسلاً عن عمر بن يحيى المازني عن أبيه، وهو عند أحمد وعبد الرزاق وابن ماجه والطبراني عن ابن عباس، ورواه ابن ماجه والدارقطني وغيرهما مسنداً عن أبي سعيد الخدري وهو حديث حسن (المقاصد الحسنة: ص 468، مجمع الزوائد: 110/4، سبل السلام: 84/3، الإلمام: ص 363).\r(2) البدائع: 263/6 وما بعدها، الدر المختار: 372/4 وما بعدها، درر الحكام: 416/2 وما بعدها.","part":8,"page":165},{"id":5170,"text":"الفَصْلُ الثَّالث: طرق الإثبات\rيشتمل هذا الفصل على المباحث الأربعة التالية:\r1 - الشهادة.\r2 - اليمين.\r3 - الإقرار.\r4 - القرائن.\rالمبحث الأول ـ الشهادة والرجوع عنها :\rأشرت في الفصل السابق إلى أن البينات ومنها الشهادات من أهم طرق إثبات الحق عند القاضي، ووعدت بتخصيص مبحث مستقل للشهادة أتكلم فيه عن حكم أداء الشهادة وشروط تحملها؛ وشروط أدائها، وحكم الرجوع عن الشهادة، في المطالب الستة الآتية:\rالمطلب الأول ـ تعريف الشهادة وركنها وحكمها.\rالمطلب الثاني ـ شروط تحمل الشهادة.\rالمطلب الثالث ـ شروط أداء الشهادة.\rالمطلب الرابع ـ حكم الرجوع عن الشهادة.\rالمطلب الخامس ـ عقوبة شاهد الزور.\rالمطلب السادس ـ شهادة غير المسلمين.\rالمطلب الأول ـ تعريف الشهادة وركنها وحكمها :\rالشهادة: مصدر شهد من الشهود بمعنى الحضور،وهي لغة: خبر قاطع. وشرعاً: إخبار صادق لإثبات حق بلفظ الشهادة في مجلس القضاء (1) .\rوركنها: لفظ ( أشهد ) لا غير؛ لأن النصوص اشترطت هذا اللفظ، إذ الأمر القرآني ورد فيها بهذه اللفظة، ولأن فيها زيادة تأكيد، فإن قوله: ( أشهد ) من ألفاظ اليمين. وهي تتضمن معنى المشاهدة أي الإطلاع على الشيء. فلو قال: (شهدت) لا يجوز؛ لأن الماضي موضوع للإخبار عما وقع، والشهادة يقصد بها الإخبار في الحال (2) .\rوالأصل في الشهادة قبل الإجماع: الكتاب والسنة.\r-------------------------------\r(1) فتح القدير: 2/6، الدر المختار: 385/4، الشرح الكبير للدردير: 164/4، مغني المحتاج: 426/4.\r(2) الدر المختار، المرجع السابق، البدائع: 266/6، اللباب شرح الكتاب: 57/4، المغني: 216/9.","part":8,"page":166},{"id":5171,"text":"أما الكتاب فقوله تعالى: {واستشهدوا شهيدين من رجالكم، فإن لم يكونا رجلين، فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء} [البقرة:282/2] وقال تعالى: {وأشهدوا ذوي عدل منكم} [الطلاق:2/65]، {وأشهدوا إذا تبايعتم} [البقرة:282/2] أمر إرشاد لا وجوب.\rوأما السنة فمثل قوله صلّى الله عليه وسلم لمدع: «شاهداك أو يمينه» (1) وخبر في السنة: «أنه\rصلّى الله عليه وسلم سئل عن الشهادة، فقال للسائل: ترى الشمس؟ قال: نعم، فقال: على مثلها فاشهد، أو دع» (2) .\rوحكم الشهادة: وجوب القضاء على القاضي بموجبها بعد توافر شروطها. وأما حكم تحمل الشهادة وأدائها، فهو فرض كفائي إذا دعي الشهود إليه، إذ لو تركه الجميع، لضاع الحق، ويصبح أداء الشهادة بعد التحمل فرض عين، فيلزم الشهود بأداء الشهادة، ولا يجوز لهم كتمانها إذا طالبهم المدعي بها، لقوله تعالى: {ولا يأب الشهداء إذا ما دُعوا} [البقرة:282/2] وقوله سبحانه: {ولا تكتموا الشهادة، ومن يكتمها فإنه آثم قلبه} [البقرة:283/2] وقوله عز وجل: {وأقيموا الشهادة لله } [الطلاق:2/65] (3) .\rويجب أداء الشهادة بلا طلب في حقوق الله تعالى، كطلاق امرأة بائناً، ورضاع، ووقف، وهلال رمضان، وخلع، وإيلاء، وظهار. قال الحنفية (4) : الذي تقبل فيه الشهادة حسبة (5) بدون الدعوى أربعة عشر: وهي الوقف، وطلاق الزوجة، وتعليق طلاقها، وحرية الأمة، وتدبيرها، والخلع، وهلال رمضان، والنسب، وحد الزنا، وحد الشرب، والإيلاء، والظهار، وحرمة المصاهرة، ودعوى المولى نسب العبد. وزاد ابن عابدين: الشهادة بالرضاع.\r-------------------------------\r(1) رواه البخاري ومسلم عن الأشعث بن قيس، وقد سبق تخريجه.\r(2) رواه البيهقي والحاكم وصحح إسناده وتعقبه الذهبي، فقال: « بل هو حديث واه » وأخرجه ابن عدي بإسناد ضعيف عن ابن عباس (سبل السلام: 130/4، نصب الراية: 82/4).\r(3) المبسوط: 177/16، فتح القدير: 3/6، الدر المختار: 386/4، الشرح الكبير للدردير: 199/4، مغني المحتاج: 450/4، المغني: 146/9، المهذب: 323/2.\r(4) الدر المختار ورد المحتار: 440/3.\r(5) الحسبة: الأجر، أي لقصد الأجر، لا لإجابة مدعٍ.","part":8,"page":167},{"id":5172,"text":"لكن الشهادة في الحدود: يخير فيها الشاهد بين الستر والإعلام؛ لأنه يكون متردداً بين شهادتي حسبة: في إقامة الحد، والتوقي عن هتك حرمة مسلم، والستر\rأولى وأفضل؛ لقوله صلّى الله عليه وسلم للذي شهد عنده: «لو سترته بثوبك لكان خيراً لك» (1) وقوله عليه الصلاة والسلام: «من ستر مسلماً، ستره الله في الدنيا والآخرة» (2) وقد عرفنا في الحدود أن الرسول عليه الصلاة والسلام لقن ماعزاً الرجوع عن الإقرار بقوله: «لعلك قبلت أو غمزت أو نظرت» ففي هذا دلالة ظاهرة على أفضلية الستر.\rلكن الأولى أن يقول الشاهد في السرقة: أخذ المال إحياء لحق المسروق منه، ولا يقول: سرق صوناً ليد السارق عن القطع، فيكون بهذا قد جمع بين الستر والإعلام أو الإظهار (3) .\rالمطلب الثاني ـ شروط تحمل الشهادة :\rتحمل الشهادة: عبارة عن فهم الحادثة وضبطها بالمعاينة أو بالسماع. ويشترط لتحمل الشهادة شروط ثلاثة عند الحنفية (4) .\rأولها ـ أن يكون الشاهد عاقلاً: فلا يصح تحمل الشهادة من المجنون والصبي الذي لايعقل؛ لأن التحمل يتطلب الفهم والإدراك، وهو يحصل بالعقل.\r-------------------------------\r(1) الواقع أن الذي قال له النبي صلّى الله عليه وسلم هذا القول وهو «هزَّال» لم يشهد عنده بشيء، ولكنه هو الذي أشار على ما عز أن يأتي النبي صلّى الله عليه وسلم ويقر عنده، فلم يكن شاهداً؛ لأن ماعزاً حد بالإقرار، فقال النبي لهزال: «لو سترته بثوبك لكان خيراً لك» رواه أبو داود والنسائي والبزار وأحمد والطبراني عن نعيم ابن هزال (راجع نصب الراية: 74/4).\r(2) رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة مرفوعاً بلفظ: «ومن ستر مسلماً ستره الله في الدنيا والآخرة» ورواه الحاكم من طريقين، ورواه الترمذي عن ابن عمر، ورواه أبو نعيم عن مسلم بن مخلد مرفوعاً، ورواه ابن ماجه عن ابن عباس مرفوعاً (نصب الراية: 307/3، 79/4، تلخيص الحبير: 66/4).\r(3) فتح القدير، الدر المختار، المرجعان السابقان، اللباب: 54/4.\r(4) البدائع: 266/6، الدر المختار: 385/4.","part":8,"page":168},{"id":5173,"text":"ثانيها ـ أن يكون بصيراً وقت التحمل، فلا يصح التحمل من الأعمى؛ لأن شرط التحمل هو السماع من الخصم، ولا يعرف الخصم إلا بالرؤية؛ لأن نغمات الأصوات يشبه بعضها بعضاً.\rوقال الحنابلة (1) : تحمل الشهادة يكون بالرؤية والسماع، فيجوز للأعمى أن يشهد فيما يتعلق بالسماع كالبيع والإجارة وغيرهما إذا عرف المتعاقدين، وتيقن أنه كلامهما.\rوقال الشافعية (2) : لا تجوز شهادة الأعمى فيما يتعلق بالبصر لجواز اشتباه الأصوات، وقد يحاكي الإنسان صوت غيره، كما قال الحنفية، فلا يجوز أن يكون شاهداً على الأفعال كالقتل والإتلاف والغضب والزنا وشرب الخمر، وهذا ما قال به الحنابلة أيضاً، كما لا يجوز أن يكون شاهداً على الأقوال كالبيع والإقرار والنكاح والطلاق، إلا فيما سماه الشافعية بصورة الضبط: وهي أن يقر شخص في أذن الأعمى بنحو طلاق أو مال لشخص معروف، فيتعلق الأعمى به ويضبطه إلى أن يحضر عند الحاكم، فيشهد عليه بما سمعه منه، فتقبل شهادته في هذه الحالة على الصحيح.\rثالثها ـ معاينة المشهود به بنفسه لا بغيره إلا فيما تصح فيه الشهادة بالتسامع من الناس والاستفاضة؛ لقوله صلّى الله عليه وسلم للشاهد: «إذا علمت مثل الشمس فاشهد، وإلا فدع» (3) ولا يتم العلم مثل الشمس إلا بالمعاينة.\rولا يشترط لتحمل الشهادة البلوغ والحرية والإسلام والعدالة، وإنما هي شروط للأداء.\r-------------------------------\r(1) المغني: 58/9 وما بعدها.\r(2) المهذب: 334/2 وما بعدها، مغني المحتاج: 446/4.\r(3) رواه الخلال في الجامع بإسناده عن ابن عباس بلفظ سبق ذكره. والمذكور هنا مروي بالمعنى.","part":8,"page":169},{"id":5174,"text":"وأما ما تصح فيه الشهادة بالتسامع: فهي النكاح، والنسب، والموت، ودخول الرجل على امرأته، وولاية القاضي، فللشاهد أن يشهد بهذه الأشياء إذا أخبره بها من يثق به استحساناً؛ لأن هذه الأمور يختص بمعاينة أسبابها خواص الناس، ويترتب عليها أحكام دائمة على ممر السنين والأعوام، فلو لم يقبل فيها الشهادة بالتسامع، لأدى ذلك إلى الحرج وتعطيل الأحكام.\rوالتسامع عند أبي حنيفة: هو بأن يشتهر الخبر ويستفيض بين الناس، وتتواتر به الأخبار ليحصل له نوع من اليقين. وعند الصاحبين: بأن يخبر الشاهد رجلان عدلان أو رجل وامرأتان، واختار قولهما بعض الفقهاء بدليل أن القاضي يحكم بشهادة شاهدين، ولو لم يرد المشهود به أو يسمعه بنفسه. وعند أداء الشهادة بالتسامع لا يذكر الشاهد أمام القاضي أن شهادته بالتسامع، وإنما يقول: أشهد بكذا.\rأما فيما عدا المذكور فلا يجوز للشاهد أن يشهد بشيء لم يعاينه؛ لأن الشهادة مشتقة من المشاهدة: وهي المعاينة، وتتم بالعلم، فلا تجوز الشهادة إلا بما علمه الإنسان، بدليل قوله تعالى: {إلا من شهد بالحق، وهم يعلمون} (1) وقوله سبحانه: {ولا تقْف ما ليس لك به علم، إن السمع والبصر والفؤاد، كل أولئك كان عنه مسؤولاً} [الإسراء:36/17] (2) .\rوقال المالكية: تجوز شهادة التسامع في عشرين حالة: منها عزل قاض أو والٍ أو وكيل، وكفر، وسفه، ونكاح، ونسب، ورضاع، وبيع، وهبة ووصية (3) .\r-------------------------------\r(1) الآية: {ولا يملك الذين يدعون من دونه الشفاعة إلا من شهد بالحق وهم يعلمون} [الزخرف:86/43].\r(2) المبسوط: 111/16، فتح القدير: 20/6، البدائع: 266/6، اللباب: 67/4، المغني: 158/9. المهذب: 334/2.\r(3) راجع الشرح الكبيرللدردير وحاشية الدسوقي عليه: 198/4 وما بعدها.","part":8,"page":170},{"id":5175,"text":"والتسامع: أن يكون المنقول عنه غير معين ولا محصور، وذلك بأن يشتهر النسب مثلاً المشهود به بين الناس العدول وغيرهم. ويشترط أن يقول الشهود: سمعنا أو لم نزل نسمع سماعاً فاشياً من أهل العدل وغيرهم أن فلاناً ابن فلان.\rوقال الشافعية في الأصح: تجوز الشهادة بالتسامع أو الاستفاضة في النسب والموت، والوقف، والنكاح، وملكية الأشياء، فإن استفاض في الناس أن فلاناً ابن فلان، جاز أن يشهد به؛ لأن سبب النسب لا يدرك بالمشاهدة، وإن استفاض في الناس أن فلاناً مات، جاز أن يشهد به؛ لأن أسباب الموت كثيرة، ويتعذر الاطلاع عليها، وإن استفاض في الناس أن هذه الدار لفلان جاز أن يشهد به؛ لأن أسباب الملك لا تضبط... وهكذا (1) .\rوقال الحنابلة: تصح الشهادة بالاستفاضة في النسب والولادة، والنكاح والموت، والملك، والوقف، والولاية والعزل (2) .\rويشرط التسامع عند الشافعية والحنابلة في الأصح مثلما قال أبو حنيفة: سماع المشهود به من جمع كثير يؤمن تواطؤهم (أي توافقهم) على الكذب بحيث يحصل العلم (أي اليقين) أو الظن القوي بخبرهم. ولا بد من أن يقول الشاهد: أشهد بكذا.\r-------------------------------\r(1) المهذب: 335/2، مغني المحتاج: 448/4 وما بعدها.\r(2) المغني: 161/9.","part":8,"page":171},{"id":5176,"text":"الشهادة على الكتابة: بما أن الشهادة لا تجوز إلا بما علمه الشاهد، فلا يحل للشاهد عند أكثر العلماء أن يشهد بما رآه من خط نفسه، إلا أن يتذكر الشهادة؛ لأن الخط يشبه الخط، والمطلوب في الشهادة العلم بالحادثة، والشيء المشتبه فيه لا يفيد العلم، فإن تذكر القضية أو الشهادة، يشهد حينئذ على ما علم لا على أنه خطه.\rوقال أبو يوسف ومحمد وفي رواية عند الحنابلة: يجوز للشاهد أن يشهد بما يجده من خط نفسه (1) .\rأنواع ما يتحمله الشاهد :\rمايتحمله الشاهد نوعان : أحدهما: ما يثبت حكمه بنفسه. وهو ما يعرف بالسماع المباشر كالبيع والإقرار، أو رؤية الفعل بالذات كالغصب والقتل.\rفللشاهد إذا سمع أورأى أن يشهد به، ويقول: أشهد أنه باع، ولا يقول: أشهدني؛ لأنه كذب. ولو سمع من وراء الحجاب لا يجوز له أن يشهد؛ لأن النغمة تشبه النغمة.\rوالثاني: ما لا يثبت حكمه بنفسه: وهو ما لا يوجب الشهادة بنفسه، وإنما بالنقل إلى مجلس القضاء والإنابة في الأداء. فإذا سمع شاهداً يشهد بشيء لم يجز أن يشهد بنفسه على شهادته إلا أن يشهده على شهادته، ويأمره بأدائها ليكون نائباً عنه. وكذلك لو سمعه يشهد الشاهد على شهادته ويأمره بأدائها لم يسع السامع له أن يشهد؛ لأنه لم يحمله الشهادة، وإنما حمل غيره (2) .\rفالنوع الثاني إذن يكون بتكليف الشاهد لغيره نقل شهادته أمام القضاء.\r-------------------------------\r(1) فتح القدير: 19/6، اللباب: 59/4، الشرح الكبير للدردير: 193/4، المغني: 160/9.\r(2) الكتاب مع اللباب: 58/4 وما بعدها.","part":8,"page":172},{"id":5177,"text":"المطلب الثالث ـ شروط أداء الشهادة :\rيشترط في مذهب الحنفية لجواز أداء الشهادة عند القاضي شروط في الشاهد وفي الشهادة نفسها، وفي مكان الشهادة. وفي إيضاح هذه الشروط نتبين من تقبل شهادته، ومن لا تقبل، وحالة اختلاف الشهود في الشهادة، وصفة العدالة في الشهود.\rشروط الشاهد :\rيشترط في الشاهد شرائط عامة في كل الشهادات، وشرائط خاصة ببعض أنواع الشهادات.\rأما الشرائط العامة فهي ما يأتي (1) :\r1 - أهلية العقل والبلوغ: يشترط أن يكون الشاهد عاقلاً بالغاً باتفاق الفقهاء، فلا تقبل شهادة من ليس بعاقل إجماعاً، مثل المجنون والسكران والطفل؛ لأنه لا تحصل الثقة بقوله، ولا تقبل شهادة صبي غير بالغ؛ لأنه لا يتمكن من أداء الشهادة على الوجه المطلوب، لقوله تعالى: {واستشهدوا شهيدين من رجالكم} [البقرة:282/2] وقوله: {وأشهدوا ذوي عدل منكم} [الطلاق:2/65] وقوله: {ممن ترضون من الشهداء} [البقرة:282/2] والصبي ممن لا يرضي؛ ولأن الصبي لا يأثم بكتمان الشهادة، فدل على أنه ليس بشاهد.\rوأما شهادة الصبيان بعضهم على بعض، فتجوز عند الإمام مالك في الجراح وفي القتل، خلافاً لجمهور الفقهاء، بشرط أن يتفقوا في الشهادة، وأن يشهدوا قبل تفرقهم، وألا يدخل بينهم كبير (2) .\r2 - الحرية: اتفق الحنفية والمالكية والشافعية على أن الشاهد يشترط فيه أن يكون حراً، فلا تقبل شهادة رقيق، لقوله تعالى: {ضرب الله مثلاً عبداً مملوكاً لا يقدر على شيء} [النحل:75/16] ولأن الشهادة فيها معنى الولاية، وهو لا ولاية له.\r-------------------------------\r(1) البدائع: 267/6 وما بعدها.\r(2) بداية المجتهد: 451/2، 452، البدائع: 164/6، المرجع السابق، الشرح الكبير للدردير: 165/4، المغني: 164/9، مغني المحتاج: 427/4.","part":8,"page":173},{"id":5178,"text":"وقال الحنابلة والظاهرية: تقبل شهادة العبد، لعموم آيات الشهادة، ولأن العبودية ليس لها تأثير في الرد، وقيدها الحنابلة فيما عدا الحدود والقصاص (1) .\r3 - الإسلام: اتفق الفقهاء على اشتراط كون الشاهد مسلماً، فلا تقبل شهادة الكافر على المسلم؛ لأنه متهم في حقه، وأجاز الحنفية والحنبلية شهادة الكافر في الوصية في السفر، لقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموتُ حين الوصية اثنان ذوا عدل منكم، أو آخران من غيركم} [المائدة:106/5] وأجاز الحنفية خلافاً للجمهور شهادة أهل الذمة بعضهم على بعض إذا كانوا عدولاً في دينهم، وإن اختلفت مللهم كاليهود والنصارى (2) ، لما روى ابن ماجه عن جابر بن عبد الله : «أن النبي صلّى الله عليه وسلم أجاز شهادة أهل الكتاب بعضهم على بعض» (3) وفي بعض رجاله مقال.\rولا تقبل شهادة الحربي المستأمن على الذمي؛ لأنه لا ولاية له عليه؛ لأن الذمي من أهل ديارنا، وهو أعلى حالاً منه. وتقبل شهادة الذمي على الحربي المستأمن، كما تقبل شهادة المسلم عليه وعلى الذمي. وتقبل شهادة المستأمنين بعضهم على بعض إذا كانوا أهل دار واحدة.\r4 - البصر: يشترط عند أبي حنيفة ومحمد والشافعية: أن يكون الشاهد مبصراً، فلا تقبل شهادة الأعمى؛ لأنه لا بد من معرفة المشهود له والإشارة إليه عند الشهادة، ولا يميز الأعمى بين الناس إلا بنغمة الصوت، وفيه شبهة؛ لأن الأصوات تتشابه. وتشدد الحنفية فمنعوا قبول شهادة الأعمى وإن كان بصيراً عند تحمل الشهادة.\r-------------------------------\r(1) المراجع السابقة، البدائع: ص 267 وما بعدها، بداية المجتهد: ص 452، الشرح الكبير: 165/4، مغني المحتاج: ص 427، المغني: ص 194.\r(2) المراجع السابقة، فتح القدير: 41/6، الكتاب مع اللباب: 63/4، نصب الراية: 85/4، بداية المجتهد: ص 452، مغني المحتاج: ص 427، المغني: ص 182.\r(3) أخرجه ابن ماجه في سننه عن جابر بن عبد الله : «أن النبي صلّى الله عليه وسلم أجاز شهادة أهل الكتاب، بعضهم على بعض» وفيه مجالد وفيه مقال (نصب الراية: 85/4).","part":8,"page":174},{"id":5179,"text":"وأجاز المالكية والحنابلةوأبو يوسف شهادة الأعمى إذا تيقن الصوت؛ لعموم الآيات الواردة في الشهادة، ولأنه رجل عدل مقبول الرواية، فقبلت شهادته كالبصير، ولأن السمع أحد الحواس التي يحصل بها اليقين، ولهذا أجاز الشافعية شهادة الأعمى فيما يثبت بالاستفاضة. كما أجازوا أن يكون شاهداً في الترجمة؛ لأنه يفسر ما سمعه بحضرة الحاكم، وسماعه كسماع البصير (1) .\r5 - النطق: اشترط الحنفية والشافعية والحنابلة أن يكون الشاهد ناطقاً، فلا تقبل شهادة الأخرس، وإن فهمت إشارته؛ لأن الإشارة لا تعتبر في الشهادات؛ لأنها تتطلب اليقين، وإنما المطلوب التلفظ بالشهادة.\rوأجاز المالكية قبول شهادة الأخرس إذا فهمت إشارته؛ لأنها تقوم مقام نطقه في طلاقه ونكاحه وظهاره، فكذلك في شهادته (2) .\r6 - العدالة: اتفق العلماء على اشتراط العدالة في الشهود، لقوله تعالى: {ممن ترضون من الشهداء} [البقرة:282/2] وقوله سبحانه: {وأشهدوا ذوي عدل منكم} [الطلاق:2/65] فلا تقبل شهادة الفاسق كالزاني والشارب والسارق ونحوهم، وكذا مجهول الحال، وروي عن أبي يوسف: أن الفاسق إذا كان وجيهاً في الناس، ذا مروءة، تقبل شهادته؛ لأنه لا يستأجر لشهادة الزور لوجاهته، ويمتنع عن الكذب لمروءته. وقال جمهور الحنفية: لا تقبل شهادة الفاسق مطلقاً، إلا أن القاضي لو قضى بشهادة الفاسق نفذ قضاؤه، ويكون القاضي عاصياً.\r-------------------------------\r(1) المراجع السابقة، البدائع: ص 268، فتح القدير: ص 27، مغني المحتاج: ص 446، المهذب: 335/2، المغني: ص 189، الشرح الكبير للدردير: 167/4، اللباب: 60/4.\r(2) المغني: 110/9، حاشية الدسوقي على الشرح الكبير: 168/4.","part":8,"page":175},{"id":5180,"text":"والعدالة: لغة التوسط، وشرعاً: اجتناب الكبائر وعدم الإصرار على الصغائر. والحقيقة أن اجتناب الكبائر كلها هو شرط لصحة الشهادة ،وبعد توقيها يلاحظ الشأن الغالب، فمن كثرت معاصيه أثَّر ذلك في شهادته، ومن ندرت منه المعصية قبلت شهادته. وهذا هو حد العدالة المعتبرة، حتى لا يترتب على التشدد سد باب الشهادة وإماتة الحقوق.\rوضابط عدالة الشاهد في مذهب الشافعية: أن يكون مجتنباً الكبائر، وغير مصر على الصغائر، وسليم السريرة أي العقيدة، ومأموناً عند الغضب، ومحافظاً على مروءة مثله.\rواكتفى أبو حنيفة بظاهر العدالة في المسلم، ولا يسأل عن الشهود، حتى يطعن الخصم بها إلا في الحدود والقصاص، فإنه يسأل عن الشهود، وإن لم يطعن فيهم الخصوم، ودليله على الاكتفاء بظاهر العدالة قوله صلّى الله عليه وسلم : «المسلمون عدول بعضهم على بعض إلا محدوداً في قذف» (1) ومثله مروي عن عمر رضي الله عنه (2) . وأما دليله على استثناء الحدود والقصاص، فهو أن القاضي يتحايل لإسقاطها عن المتهم، فيشترط فيها استقصاء معرفة حال الشهود؛ ولأنها تدرأ بالشبهات.\r-------------------------------\r(1) رواه ابن أبي شيبة في مصنفه عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ولفظه: «إلا محدوداً في فرية» (نصب الراية: 81/4).\r(2) رواه الدارقطني عن أبي المليح الهذلي، وهو في كتاب عمر المشهور إلى أبي موسى الأشعري (نصب الراية، المرجع السابق).","part":8,"page":176},{"id":5181,"text":"وقال الصاحبان والفتوى على قولهما: لا بد من أن يسأل القاضي عن الشهود في السر والعلانية في سائر الحقوق؛ لأن القضاء قائم على الحجة، وهي شهادة العدول، فلا بد من التعرف على العدالة، وفي ذلك صيانة للحكم القضائي عن النقض والإبطال بسبب الطعن في عدالة الشهود (1) .\rقال المتأخرون من الحنفية: هذا الاختلاف اختلاف عصر وزمان، لا اختلاف حجة وبرهان؛ لأن زمن أبي حنيفة كان زمن خير وصلاح؛ لأنه زمن التابعين، وشهد لهم النبي صلّى الله عليه وسلم بالخيرية، بخلاف زمان الصاحبين، قال عليه الصلاة والسلام: «خير أمتي قرني، ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم، ثم إن من بعدهم قوماً يشهدون ولا يُستشهدون، ويخونون ولايؤتمنون، وينذرون ولا يوفون، ويظهر فيهم السمن» (2) .\rوقال فقهاء الحنفية: لا تقبل شهادة مُخنَّث، لفسقه، وهو الذي يفعل الرديء ويؤتى كالنساء. أما الذي في كلامه لين وفي أعضائه تكسر فهو مقبول الشهادة.\rولا تقبل شهادة نائحة في مصيبة غيرها بأجر، ولا مغنية، ولو لنفسها لحرمة رفع صوتها، خصوصاً مع الغناء، ولا شهادة مدمن الشرب لهواً، سواء أكان الشراب خمراً أم غيره لحرمة ما ذكر في الإسلام، ولا شهادة من يلعب بالطيور؛ لأنه يورث غفلة، ولأنه قد يطلع على عورات النساء بصعود سطحه ليطير طيره، ولا شهادة من يغني للناس؛ لأنه يجمع الناس على ارتكاب كبيرة، ولا من يأتي كبيرة موجبة للحد كالزنا والسرقة ونحوها؛ لأنه يفسق، ولا من يدخل الحمام بغير إزار؛ لأن كشف العورة حرام إذا رأى الشخص غيره، ولا من يأكل الربا إذا كان مشهوراً به، ولا المقامر بالنرد (أي الزهر) والشطرنج؛ لأن كل ذلك من الكبائر، لكن الشطرنج عند الشافعي مكروه فقط، وليس كبيرة، إذا لم يكن قماراً.\r-------------------------------\r(1) راجع المبسوط: 113/16، فتح القدير: 12/6 وما بعدها، البدائع: 268/6 وما بعدها، الدر المختار: 388/4، الكتاب مع اللباب: 57/4 وما بعدها، بداية المجتهد: 451/2، مغني المحتاج: 427/4، المغني: 165/9 وما بعدها.\r(2) رواه الشيخان وأحمد عن عمران بن حصين (نيل الأوطار: 296/8، سبل السلام: 126/4).","part":8,"page":177},{"id":5182,"text":"ولا تقبل شهادة من يفعل الأفعال المستقبحة، كالبول على الطريق والأكل على الطريق؛ لأنه في عرف السابقين تارك للمروءة؛ ومثله لا يمتنع عن الكذب فيتهم. ولا تقبل شهادة من يظهر سب السلف كالصحابة والتابعين لظهور فسقه، بخلاف من يخفيه؛ لأنه فاسق مستور (1) .\rواتفق الفقهاء على أن الفاسق إذا تاب من فسقه، تقبل شهادته. واستثنى الحنفية المحدود في القذف، فإنه لا تقبل شهادته عندهم وإن تاب، خلافاً لبقية الفقهاء. ومنشأ الخلاف هو عود الاستثناء في قوله تعالى: {ولا تقبلوا لهم شهادة أبداً، وأولئك هم الفاسقون، إلا الذين تابوا من بعد ذلك} [النور:4/24-5]. فقال الحنفية: لا تقبل شهادة المحدود في قذف وإن تاب، لقوله تعالى: {ولا تقبلوا لهم شهادة أبداً} [النور:4/24] وأما الاستثناء فهو راجع عندهم إلى الجملة الأخيرة وحدها،أي إلى أقرب مذكور إليه.\rوقال جمهور الفقهاء: تقبل شهادة المحدود في قذف بعد التوبة؛ لأن الاستثناء بعد الجمل المتعاطفة بالواو يعودإليها جميعاً إلا إذا خصص الحكم\r-------------------------------\r(1) راجع الكتاب مختصر القدوري مع اللباب: 61/4 وما بعدها، فتح القدير: 34/6 وما بعدها.","part":8,"page":178},{"id":5183,"text":"بالإجماع، وهنا خصص الإجماع أحد الأحكام السابقة عند التوبة وهو أن الحد لا يسقط بالتوبة (1) .\rوتقبل شهادة أهل الأهواء، أي أصحاب البدع التي لا تكفر صاحبها مثل الجبرية والقدَرية والرافضة والخوارج والمشبهة والمعطلة.\rوكذلك تقبل شهادة الأقلف ( غير المختون ) إلا إذا تركه استخفافاً بالدين، فلا يكون حينئذ عدلاً، وتقبل شهادة الخصي وولد الزنا إذا كان عدلاً، وشهادة الخنثى ويعتبر كأنثى (2) .\r7 - عدم التهمة: أجمع الفقهاء على أن التهمة ترد بها الشهادة. والتهمة: أن يجلب الشاهد إلى المشهود له نفعاً أو يدفع عنه ضرراً، فلا تجوز شهادة الوالد لولده وولد ولده ولا شهادة الولد لأبويه وأجداده، ولا شهادة الخصم لخصمه. والخصم: كل من خاصم في حق، فلا تقبل شهادة الوكيل لموكله، ولا الموصى له للميت أو الموصى عليه: وهو اليتيم في حجره ورعايته، ولا الشريك لشريكه في أمور الشركة؛ لأنها شهادة لنفسه من وجه لاشتراكهما في الشركة. فلو شهد الشريك بما ليس من شركتهما تقبل شهادته لانتفاء التهمة، وأجاز المالكية شهادة الشريك، لقوله صلّى الله عليه وسلم : «لا تقبل شهادة خصم ولا ظنين» (3) وقوله عليه الصلاة\r-------------------------------\r(1) مذكرة تفسير آيات الأحكام بالأزهر: 131/3، وراجع بداية المجتهد: 452/2، فتح القدير: المرجع السابق: ص 29، البدائع، المرجع نفسه: ص 271، مغني المحتاج: 438/4، المغني، المرجع نفسه: ص 197 وما بعدها، المهذب: 330/2 وما بعدها.\r(2) الكتاب مع اللباب: 63/4 ومابعدها.\r(3) أخرجه مالك في الموطأ موقوفاً على عمر، وهو منقطع، ورواه أبو داود في المراسيل عن طلحة بن عبد الله بن عوف، ورواه أيضاً البيهقي من طريق الأعرج مرسلاً، ورواه الحاكم عن أبي هريرة مرفوعاً، وفي إسناده نظر (نيل الأوطار: 291/8).","part":8,"page":179},{"id":5184,"text":"والسلام: «لا تقبل شهادة بدوي على حضري» (1) .\rولا تقبل شهادة العدو على عدوه بالاتفاق حتى عند الحنفية؛ لأن العداوة تورث التهمة، ولا يؤمن التقول فيها، ولقوله صلّى الله عليه وسلم : «لا تجوز شهادة الخائن، ولا خائنة، ولا ذي غِمْر على أخيه، ولا تجوز شهادة القانع لأهل البيت، والقانع: الذي ينفق على أهل البيت» (2) والمراد بالعدو الذي ترد شهادته: هو صاحب العداوة الدنيوية، وهو من يبغض المشهود عليه بحيث يتمنى زوال نعمته، ويحزن بسروره، ويفرح بمصيبته.\rواتفقوا على جواز شهادة الأخ والعم والخال ونحوهم بعضهم لبعض، لانعدام التهمة؛ لأن مال كل واحد منهم مستقل عن الآخر عرفاً وعادة، فكانوا كالأجانب.\rواختلفوا في شهادة أحد الزوجين للآخر، فردها جمهور الفقهاء؛ لأن كل واحد منهما يرث الآخر، وينتفع بماله عادة، فينتفع بشهادته لصاحبه.\rوأجاز الشافعية قبولها؛ لأن الحاصل بين الزوجين عقد يطرأ ويزول فلا يمنع قبول الشهادة، كما لو شهد الأجير للمستأجر وعكسه.\r-------------------------------\r(1) رواه أبو داود وابن ماجه عن أبي هريرة بلفظ: «لا تجوز شهادة بدوي على صاحب قرية» (انظر نيل الأوطار: 291/8، سبل السلام: 129/4، الإلمام: ص 520) والبدوي: من سكن البادية، نَسَب على غير قياس النسبة، والقياس بادوي، والقرية: المصر الجامع.\r(2) رواه أبو داود وأحمد وعبد الرزاق والبيهقي وابن دقيق العيد وابن ماجه بإسناد حسن، قال ابن حجر في التلخيص: وسنده قوي. وروايته من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده. وقوله «ذو الغمر» : أي صاحب الشحناء والحقد، والغمر بكسر الغين وسكون الميم، وقال صاحب سبل السلام: بفتح الغين وفتح الميم وكسرها، والقانع: هو الخادم المنقطع إلى الخدمة، فلا تقبل شهادته للتهمة بجلب النفع لنفسه كالأجير الخاص (نصب الراية: 83/4، نيل الأوطار: 291/8، سبل السلام: 128/4، الإلمام: ص 519).","part":8,"page":180},{"id":5185,"text":"وتقبل شهادة الصديق لصديقه باتفاق الفقهاء، والصديق: من صدق في ودادك، بأن يسرَّه ما يسرك، ويضره ما يضرك، ويهمه مايهمك. وقبول شهادته، لضعف التهمة بالنسبة إليه، بعكس شهادة الأصل للفرع، وبالعكس ونحوهما (1) .\rوأما الشرائط الخاصة ببعض الشهادات دون بعض، فأهمها مايأتي :\r1 - العدد في الشهادة بما يطلع عليه الرجال، لقوله تعالى: {واستشهدوا شهيدين من رجالكم، فإن لم يكونا رجلين، فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء} [البقرة:282/2] وذلك في الحقوق المدنية، مالاً كان الحق، أو غير مال، مثل النكاح والطلاق والعدة والحوالة، والوقف، والصلح، والوكالة، والوصية، والهبة، والإقرار، والإبراء، والولادة، والنسب، فهذه الحقوق تثبت عند الحنفية بشهادة رجلين أو رجل وامرأتين. وقبول شهادة المرأة هنا لتوافر أهلية الشهادة عندها: وهي الشهادة والضبط والأداء. والسبب في جعل المرأتين في مقام رجل في الشهادة: هو نقصان الضبط بسبب زيادة النسيان، كما في قوله تعالى: {أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى} [البقرة:282/2] (2) .\rوقال الشافعية والمالكية والحنابلة: لا تقبل شهادة النساء مع الرجال إلا في الأموال وتوابعها كالبيع والإجارة والهبة والوصية والرهن والكفالة؛ لأن الأصل عدم قبول شهادة النساء لغلبة العاطفة عليهن، واختلال ضبط الأمور، وقصور\r-------------------------------\r(1) راجع المبسوط: 120/16 ومابعدها، البدائع: 272/6، فتح القدير: 31/6 وما بعدها، الدر المختار: 392/4 ومابعدها، اللباب: 60/4 وما بعدها، بداية المجتهد: 452/2 ومابعدها، الشرح الكبير: 168/4 وما بعدها، المهذب: 329/2 وما بعدها، مغني المحتاج: 433/4 وما بعدها، المغني: 185/9، 191.\r(2) فتح القدير: 7/6، البدائع: 277/6، الكتاب مع اللباب: 55/4 ومابعدها.","part":8,"page":181},{"id":5186,"text":"الولاية على الأشياء. أما ما ليس بمال ولا يقصد منه المال ويطلع عليه الرجال كالنكاح والرجعة والطلاق والوكالة وقتل العمد والحدود سوى حد الزنا، فلا يثبت إلا بشاهدين ذكرين، لقوله تعالى في الرجعة: {وأشهدوا ذوي عدل منكم} [الطلاق:2/65] ولما روى ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلّى الله عليه وسلم قال: «لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل» (1) وعن الزهري أنه قال: «جرت السنة على عهد رسول الله صلّى الله عليه وسلم والخليفتين من بعده ألا تقبل شهادة النساء في الحدود والدماء» (2) قال الشافعية: فدل النص على الرجعة والنكاح والحدود، وقسنا عليها كل ما لا يقصد به المال ويطلع عليه الرجال (3) .\rوفي حد الزنا: أجمع العلماء على أنه لا يثبت بأقل من أربعة شهود رجال عدول أحرار مسلمين، لقوله تعالى: {لولا جاؤوا عليه بأربعة شهداء، فإذ لم يأتوا بالشهداء، فأولئك عند الله هم الكاذبون} [النور:13/24] وقوله سبحانه: {واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم} [النساء:15/4] وقوله عز وجل: {ثم لم يأتوا بأربعة شهداء} [النور:4/24].وقد ثبت عن النبي صلّى الله عليه وسلم أنه قال: «أربعة شهود، وإلا حد في ظهرك» (4) .\r-------------------------------\r(1) أخرجه البيهقي وابن حبان والطبراني في الأوسط عن عمران بن حصين وعائشة وأبي هريرة وجابر وغيرهم، وذكر السيوطي تصحيحه (الجامع الصغير: 204/2، نصب الراية: 167/3، مجمع الزوائد: 286/4).\r(2) رواه ابن أبي شيبة في مصنفه عن الزهري، وأخرجه عبد الرزاق عن علي، قال: «لا تجوز شهادة النساء في الحدود والدماء» (نصب الراية: 79/4).\r(3) المهذب: 333/2، بداية المجتهد: 454/2، المغني: 149/9 ومابعدها، الطرق الحكمية: ص 152 وما بعدها.\r(4) رواه أبو يعلى الموصلي في مسنده عن أنس بن مالك، وأخرجه البخاري عن ابن عباس بلفظ: «البينة وإلا حد في ظهرك» (نصب الراية: 306/3).","part":8,"page":182},{"id":5187,"text":"وفي سائر الحدود الأخرى والقصاص اتفق الجمهور على أنها تثبت بشهادة رجلين لقوله تعالى: {واستشهدوا شهيدين من رجالكم} [البقرة:282/2] ولا تقبل فيها شهادة النساء لا مع رجل، ولا مفردات.\rوقال الظاهرية: تقبل شهادة النساء مع رجل في الحدود إذا كان النساء أكثر من واحدة، عملاً بظاهر الآية: {فإن لم يكونا رجلين، فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء} [البقرة:282/2].\rوأما مالايطلع عليه إلا النساء، فتقبل فيه شهادة النساء، لما روي: «أن النبي صلّى الله عليه وسلم أجاز شهادة القابلة» (1) ولما رواه عبد الرزاق في مصنفه عن الزهري، قال: «مضت السنة أن تجوز شهادة النساء فيما لا يطلع عليه غيرهن، من ولادات النساء وعيوبهن» (2) .\rواختلف في تحديد تلك الحالات، فقال الحنفية: تقبل شهادة النساء في الولادة والبكارة وعيوب النساء في موضع لا يطلع عليه الرجال، ولا تقبل شهادتهن منفردات على الرضاع؛ لأنه يجوز أن يطلع عليه محارم المرأة من الرجال، ولا تقبل شهادتهن عند أبي حنيفة على استهلال الصبي بالنسبة للإرث؛ لأن الاستهلال صوت الصبي عند الولادة، وهو مما يطلع عليه الرجال، فلا تكون شهادتهن فيه حجة، لكن تقبل شهادتهن في صلاة الجنازة على المولود؛ لأن الصلاة من أمور الدين، وشهادتهن فيها حجة كشهادتهن على هلال رمضان.\r-------------------------------\r(1) رواه الدارقطني في سننه عن حذيفة بن اليمان، وفيه رجل مجهول، ورواه الطبراني في الأوسط، قال الهيثمي: وفيه من لم أعرفه، وقال في التنقيح: هو حديث باطل لا أصل له (راجع نصب الراية: 80/4، مجمع الزوائد: 201/4).\r(2) ورواه ابن أبي شيبة أيضاً (نصب الراية: 80/4).","part":8,"page":183},{"id":5188,"text":"وقال الصاحبان: تقبل شهادتهن على الاستهلال بالنسبة للإرث أيضاً؛ لأن الاستهلال صوت عند الولادة، ولا يحضرها الرجال عادة، فصار كشهادتهن على نفس الولادة. وهو الرأي الأرجح عند الكمال بن الهمام صاحب فتح القدير.\rوقال المالكية والشافعية والحنابلة: تقبل شهادة النساء منفردات فيما لا يراه رجال غالباً كبكارة وثيوبة وولادة وحيض ورضاع واستهلال ولد، وعيوب نساء تحت الثياب، كجراحة ورتَق وقرَن وبرص وانقضاء عدة، ودليلهم خبر الزهري السابق ذكره، ويقاس ما لم يذكر في الخبر على ما ذكر فيه مما شاركه في الضابط المذكور من ولادة وعيوب النساء.\rواختلفوا في العدد المشترط في شهادة النساء منفردات: فقال الحنفية والحنبلية: تقبل شهادة امرأة واحدة عدل (1) . وقال المالكية: يكفي امرأتان. وقال الشافعية: ليس يكفي أقل من أربع نسوة؛ لأن الله عز وجل قد جعل عديل الشاهد الواحد امرأتين، واشتراط الاثنينية (2) .\r2 - الاتفاق في الشهادتين عند التعدد: يشترط اتفاق الشهادتين (3) فيما\r-------------------------------\r(1) لأن النبي صلّى الله عليه وسلم أجاز شهادة القابلة، رواه الدارقطني عن حذيفة، وروى أبو الخطاب عن ابن عمر أن النبي صلّى الله عليه وسلم قال: «يجزئ في الرضاع شهادة امرأة واحدة» روى أحمد والطبراني في الكبير عن ابن عمر «أنه سأل النبي صلّى الله عليه وسلم ، فقال، أو أن رجلاً سأل النبي صلّى الله عليه وسلم فقال: ما الذي يجوز في الرضاع من الشهود؟ فقال النبي صلّى الله عليه وسلم : رجل أو امرأة، وفي رواية: «رجل وامرأة» وفيه ضعيف ولكن له مؤيد في أن شهادة المرضعة وحدها تقبل (راجع سبل السلام: /218، مجمع الزوائد: 201/4).\r(2) راجع لكل ما ذكر: المبسوط: 112/16، فتح القدير: 6/6 وما بعدها، البدائع: 277/6، 279، الدر المختار: 386/4 وما بعدها، اللباب: 55/4 وما بعدها، بداية المجتهد: 453/2 وما بعدها، الشرح الكبير: 185/4، المهذب: 332/2 وما بعدها، مغني المحتاج: 441/4 وما بعدها، المغني: 147/9 وما بعدها، 155، المحلى لابن حزم: 483/9، الطرق الحكمية: ص 129.\r(3) يشترط عند أبي حنيفة اتفاق الشاهدين في اللفظ والمعنى معاً، ويكتفى عند الصاحبين بالموافقة المعنوية (الكتاب مع اللباب: 65/4).","part":8,"page":184},{"id":5189,"text":"يطلب فيه العدد، فإن اختلفت الشهادة لم تقبل؛ لأن اختلاف الشهادتين مثلاً يوجب اختلاف الدعوى. والاختلاف يكون في جنس المشهود به، وفي قدره، وفي الزمان والمكان ونحوها.\rأما الاختلاف في الجنس فقد يكون في العقد كأن يشهد أحدهما بالبيع والآخر بالميراث أو بالهبة، وقد يكون في المال كأن يشهد أحدهما بمكيل والآخر بموزون فلا تقبل الشهادة، لاختلاف العقدين، أولاختلاف الجنسين.\rوأما الاختلاف في القدر: فهوأن يدعي رجل على آخر ألفي درهم، ويثبت ادعاءه بالبينة، فيشهد له شاهد بألفين، والآخر بألف، فلا تقبل الشهادة عند أبي حنيفة؛ لأنه يشترط اتفاق الشاهدين باللفظ والمعنى، وهنا اختلف الشاهدان لفظاً؛ لأن أحدهما مفرد، والآخر مثنى، واختلاف الألفاظ إفراداً وتثنية يدل على اختلاف المعاني الدالة عليها، فكان كلام كل منهما مبايناً لكلام الآخر، فصار كما إذا اختلف جنس المال، وهذا هو الصحيح.\rوتقبل هذه الشهادة عند الصاحبين على ألف درهم؛ لأن الشاهدين اتفقا على الألف، وتفرد أحدهما بالزيادة، فيثبت الحق فيما اتفقا عليه دون ما تفرد به أحدهما.\rوهذا الاختلاف يجري فيما إذا شهد أحد الشاهدين على طلقة، والآخر على طلقتين أو ثلاث، لا تقبل الشهادة عند أبي حنيفة، وتقبل على الأقل عند الصاحبين.","part":8,"page":185},{"id":5190,"text":"واتفق أبو حنيفة مع صاحبيه على أنه إذا كان المدعي يدعي ألفاً وخمس مئة، فشهد أحد الشاهدين على الألف، والآخر على ألف وخمس مئة، تقبل الشهادة على الألف، لاتفاق الشاهدين عليها لفظاً ومعنى؛ لأن الألف والخمس مئة جملتان عطفت إحداهما على الأخرى، والعطف يقرر المعطوف عليه ويؤكده، بخلاف الألف والألفين، فليس بينهما حرف العطف.\rوأما الاختلاف في الزمان والمكان: فإن كان الاختلاف في الإقرار فتقبل الشهادة؛ لأن الإقرار يحتمل التكرار، فيمكن التوفيق بين الشهادتين بسماع الإقرار في زمانين أو مكانين.\rوإن كان الاختلاف في الفعل كالقتل والغصب وإنشاء البيع والطلاق والنكاح ونحوها، فإنه يمنع قبول الشهادة، لاختلافها؛ لأن الأفعال لا تحتمل التكرار، فاختلاف الزمان والمكان فيها يوجب اختلاف الشهادتين، فما لم يوجد على كل حالة شاهدان لا يقبل. فلو شهد شاهدان أن زيداً قتل يوم النحر بمكة، وشهد آخران أنه قتل يوم النحر بالكوفة، لم تقبل الشهادتان للتيقن بكذب إحداهما.\rولو ادعى رجل على آخر قرض ألف درهم، فشهد شاهدان: أحدهما على القرض، والآخر على القرض والقضاء، أي أنه أدى الدين، يقضى بشهادتهما على القرض، ولا يقضى بالأداء في ظاهر الرواية؛ لأن الشهادتين اتفقتا على القرض، فيقضى به، واختلفا في الأداء، فلا يقضى به (1) .\r-------------------------------\r(1) البدائع: 278/6 ومابعدها، فتح القدير: 52/6 وما بعدها، مختصر القدوري مع اللباب: 65/4 وما بعدها، الدر المختار: 405/4 وما بعدها.","part":8,"page":186},{"id":5191,"text":"شروط في الشهادة نفسها :\rيشترط في الشهادة شروط منها:\r1 - لفظ الشهادة: ينبغي أن يذكر الشاهد لفظة الشهادة، فإن قال الشاهد: أعلم أو أتيقن، لم تقبل شهادته في تلك الحادثة.\r2 - أن تكون الشهادة موافقه للدعوى: فإن خالفتها لا تقبل ، إلا إذا وفق المدعي بين الدعوى وبين الشهادة عند إمكان التوفيق (1) .\rوتجوز الشهادة على الشهادة في كل الحقوق التي لا تسقط بالشبهة، لشدة الحاجة إليها؛ إذ قد يعجز الأصل عن أداء الشهادة لعذر من الأعذار، فلو لم تجز الشهادة على شهادته، أدى إلى ضياع الحقوق. ولا تقبل الشهادة على الشهادة في الحدود والقصاص، وإنما تشترط فيها الأصالة؛ لأنها تسقط بالشبهة كما عرفنا.\rوتجوز في الشهادة على الشهادة شهادة شاهدين على شهادة شاهدين؛ لأن نقل الشهادة من جملة الحقوق، وقد شهدا بحق، ثم بحق آخر، فتقبل؛ لأن شهادة الشهادتين على حقين جائزة.\rولا تقبل شهادة واحد على شهادة واحد؛ لأن شهادة الفرد لا تثبت الحق.\rوصفة الإشهاد في الشهادة على الشهادة: أن يقول شاهد الأصل لشاهد الفرع: اشهد على شهادتي أني أشهد أن فلان ابن فلان أقر عندي بكذا، وأشهدني على نفسه؛ لأنه لا بد أن يشهد شاهد الأصل عند الفرع كما يشهد القاضي لينقله إلى مجلس القضاء.\rوإن لم يقل العبارة الأخيرة السابقة وهي «أشهدني على نفسه» جاز ذلك؛ لأن من سمع إقرار غيره، حل له الشهادة، وإن لم يقل له: اشهد.\rويقول شاهد الفرع عند الأداء لما تحمله: أشهد أن فلاناً أشهدني على شهادته أنه يشهد أن فلاناً أقر عنده بكذا، وقال لي: اشهد على شهادتي بذلك؛ لأنه لا بد من شهادة الفرع، وذكر شهادة الأصل، وذكر تحميله الشهادة.\rوقال في الدر المختار: الأقصر أن يقول الأصل: اشهد على شهادتي بكذا، ويقول الفرع: أشهد على شهادته بكذا. وهذا ما أفتى به السرخسي وغيره، وابن الكمال، وهو الأصح.\rولا تقبل شهادة الفرع إلا أن يتعذر حضور شهود الأصل، كأن يموت شهود الأصل عند الأداء، أو يغيبوا مسيرة سفر ثلاثة أيام فصاعداً، أو يمرضوا مرضاً قوياً بحيث لا يستطيعون معه حضور مجلس الحاكم؛ لأن جواز هذه الشهادة للحاجة، وإما تمس الحاجة عند عجز الأصل، وبهذه الأشياء يتحقق العجز.\r-------------------------------\r(1) المراجع السابقة، البدائع: ص 273، فتح القدير: ص 10، اللباب: 64/4.","part":8,"page":187},{"id":5192,"text":"وتقبل تزكية شهود الأصل بشهود الفرع؛ لأن الفروع من أهل التزكية، فصح تعديلهم، فإن لم يزكوهم نظر القاضي في رأي أبي يوسف في حال شهود الأصل، كما لو حضروا بأنفسهم وشهدوا. وهذا هو الرأي الأصح وظاهر الرواية. وقال محمد: لا تقبل تزكية الأصول بالفروع؛ لأنهم ينقلون الشهادة، ولا شهادة بدون العدالة.\rوإن أنكر شهود الأصل الشهادة بأن قالوا: ما لنا شهادة على هذه الحادثة، وماتوا أو غابوا، ثم جاء الفروع يشهدون على شهادتهم، أو أنكر شهود الأصل تحميل الشهادة لغيرهم بأن قالوا: لم نشهدهم على شهادتنا، وماتوا أوغابوا، لم تقبل شهادة شهود الفرع؛ لأن التحميل شرط، ولم يتوافر ذلك بسبب تعارض الخبرين (1) .\rشرط مكان الشهادة :\rيشترط أن تكون الشهادة في مجلس القضاء (2) .\r-------------------------------\r(1) راجع الكتاب مع اللباب: 68/4-70، تبيين الحقائق: 237/4 وما بعدها.\r(2) البدائع، المرجع نفسه: ص 379.","part":8,"page":188},{"id":5193,"text":"المطلب الرابع ـ حكم الرجوع عن الشهادة :\rالرجوع عن الشهادة: أن يقول الشاهد: رجعت عما شهدت به، ونحوه، فلو أنكر شهادته بعد القضاء لا يكون رجوعاً، ولا يصح الرجوع إلا في مجلس القضاء؛ لأنه فسخ للشهادة، فيكون في المكان الذي تعتبر فيه الشهادة، وهو المحكمة، ولأن الرجوع توبة، والتوبة تكون بحسب الجناية:السر بالسر، والعلانية بالعلانية (1) ، أي إذا كان الذنب سراً فالتوبة سرية، وإن كان علانية فالتوبة علانية.\rوإذا لم يصح الرجوع عن الشهادة في غير المحكمة: فلو ادعى المشهود عليه رجوع الشاهدين أو أراد يمينهما أنهما لم يرجعا، لا يحلفان، وكذا لو أقام المشهود عليه بينة على هذا الرجوع، لا تقبل؛ لأنه ادعى رجوعاً باطلاً؛ إذ أنه في غير المحكمة، وإقامة البينة وإلزام اليمين لا تقبل إلا على دعوى صحيحة، بدليل أنه لو أقام البينة أن الشاهد رجع عند قاضي بلدة كذا، وحكم عليه بضمان المال، تقبل بينته.\rوكذلك لا يصح الرجوع عن الشهادة بعد صدور الحكم من القاضي، وإذا رجع الشهود حينئذ، لم ينتقص الحكم الذي حكم بشهادتهما فيه، ولا يفسخه القاضي باتفاق العلماء، وإذا رجع الشهود قبل صدور الحكم، لم يحكم القاضي بشهادتهما، ويصح رجوعهما حينئذ؛ لأن الشهادة إخبار يحتمل الغلط.\rويترتب على الرجوع عن الشهادة بعد الحكم: أن الشهود يلتزمون بضمان الغرم أو التلف الذي تسببوا في إلحاقه بالمشهود عليه من مال أو دية باتفاق المذاهب الأربعة على الراجح عند بعضهم، لإقرارهم على أنفسهم بسبب الضمان، فهم قد أخرجوا المال من يد المشهود عليه بغير حق، ويوزع الضمان بينهم، ولا ضمان عليهم إذا كان المشهود عليه قد استوفى عوضاً عما أتلف عليه. وإذا كانت الشهادة على حد زنا مثلاً، ثم رجع الشهود كلهم أو بعضهم، فيقام عليهم حد القذف (2) . وتطبيقات هذه القاعدة تعرف عند الحنفية في المسائل الآتية (3) :\rـ إذا شهد شاهدان على رجل بمال، وقضى القاضي به، وسلم المدعى عليه المال إلى المدعي، ثم رجع الشاهدان: ضمنا المال بينهما نصفين. ولو رجع أحدهما، غرم نصف المال، وبقي النصف الآخر ببقاء شاهد. ودليل الضمان أن الشاهدين تسببا بإتلاف مال المشهود عليه تعدياً، والتسبب سبب الضمان.\r-------------------------------\r(1) هذا بعض حديث معاذ رضي الله عنه حين بعثه النبي صلّى الله عليه وسلم إلى أهل اليمن، فقال: أوصني، فقال: عليك بتقوى الله تعالى ما استطعت. إلى أن قال: «وإذا عملت شراً، فأحدث توبة: السر بالسر، والعلانية بالعلانية» (فتح القدير: 87/6).\r(2) المبسوط: 177/16، 2/17، 8، 16، فتح القدير: 85/6 وما بعدها، البدائع: 283/6 وما بعدها، الدر المختار: 412/4 وما بعدها، اللباب شرح الكتاب: 72/4 وما بعدها، مجمع الضمانات: ص 359 وما بعدها، الشرح الكبير للدردير: 207/4، مغني المحتاج: 456/4 وما بعدها، المهذب: 340/2، المغني: 248/9 وما بعدها.\r(3) مراجع الحنفية السابقة.","part":8,"page":189},{"id":5194,"text":"ـ لو كان الشهود أربعة، فرجع اثنان أو واحد منهم: فلا ضمان عليه، لبقاء المال للمشهود له ببقاء الشاهدين. ولو رجع منهم ثلاثة يلزمهم نصف المال المشهود عليه، لبقاء النصف، أي أنه ببقاء أحدهما يبقى نصف الحق عند الحنفية والشافعية. وأما عند الحنابلة: فيغرم الشاهد الذي رجع بقدر نسبته إلى عدد الشهود، فإن كانوا ثلاثة فرجع واحد، فعليه الثلث، وإن كانوا عشرة فعليه العشر.\rـ وإن شهد رجل وامرأتان على مال، فرجعت امرأة: غرمت ربع المال، ولو رجعتا غرمتا نصف المال، لبقاء نصف الحق ببقاء رجل، ومن المعلوم أن المرأتين بمنزلة رجل واحد في الشهادات.وكذا يغرم الرجل نصف المال، إن رجع وبقيت المرأتان.\rـ ولو شهد رجل واحد، وعشر نسوة، على مال، ثم رجعوا جميعاً بعد صدور الحكم، فالضمان بينهم عند أبي حنيفة أسداساً، على الرجل سدس المال بحسب نسبته إلى عدد النسوة، وعلى النساء خمسة أسداس؛ لأن كل امرأتين بمنزلة رجل واحد في الشهادة.\rوقال الصاحبان: الضمان بينهما مناصفة، على الرجل النصف، وعلى النساء النصف؛ لأن النساء، وإن كثرن، لهن شطر الشهادة فقط.\rـ لو شهد اثنان على بائع ببيع شيء بمثل القيمة أو أكثر، وقضى القاضي به، ثم رجعا، لم يضمنا للمشهود عليه شيئاً، لأن شهادتهما أدت إلى إتلاف بعوض قبضه بديلاً عن المبيع، والإتلاف بعوض لا يعد إتلافاً، وإن شهد الاثنان بأقل من قيمة المثل، ضمنا الجزء الناقص، لإتلافهما هذا الجزء بلا عوض.","part":8,"page":190},{"id":5195,"text":"ـ وكذا لو شهد اثنان على رجل أنه تزوج امرأة بمقدار مهر مثلهما، ثم رجعا: فلا ضمان عليهما، ولا يفسخ النكاح برجوعهما؛ لأن منافع البضع (أي محل الاستمتاع بالمرأة) غير متقومة عند الإتلاف، بعكس الأعيان المالية، وبما أن المنافع لاتتقوم فلا تضمن؛ لأن التضمين يتطلب المماثلة بين العوض والمعوض عنه، ولا مماثلة بين الأعيان التي تحرز وتتمول، وبين الأعراض التي تزول ولا تبقى، وإنما تتقوم منافع البضع على الزوج عند الدخول بالمرأة إظهاراً لخطورة محل الاستمتاع فقط، وحينئذ تعتبر شهادة الشاهدين مؤدية إلى إتلاف بعوض، وهو أن الشاهدين أثبتا للزوج البضع بمقابلة المال، والإتلاف بعوض لا يعد إتلافاً، كما ذكر، وإن شهدا بأكثر من مهر المثل ثم رجعا، ضمنا الزيادة؛ لأنهما أتلفا الزيادة من غير عوض.\rـ وكذلك لو شهد اثنان على رجل: أنه طلق امرأته ثلاثاً، وقد دخل بها وأقر الزوج بالدخول، وقضى القاضي بالفرقة، ثم رجع الشاهدان: لم يضمنا، إلا ما زاد على مهر المثل؛ لأنه بقدر مهر المثل إتلاف بعوض، وهو استيفاء منافع البضع، وإذا لم ننظر إلى معنى المعاوضة في الزواج، فلا ضمان أيضاً؛ لأن المهر يجب بنفس العقد عند الحنفية، ويتأكد بالدخول، لا بشهادة الشهود، فلم يترتب على الشهادة إتلاف، فلم يجب الضمان.\rوإن كان الطلاق قبل الدخول، فقضى القاضي بنصف المهر إذا كان المهر مسمى في العقد، أو بالمتعة إذا لم يكن المهر مسمى، ثم رجع الشاهدان، فإنهما يضمنان للزوج نصف المهر في الحالة الأولى، والمتعة في الحالة الثانية؛ لأن شهادتهما أدت إلى إتلاف شيء على الزوج دون أن يحصل في مقابله على عوض. ولا يقال: إن الحكم الصادر من القاضي أمر لا بد منه؛ لأن هذا هو حكم المهر أو المتعة قبل الدخول. لا يقال ذلك؛ لأنه بشهادة الشاهدين على الطلاق، تأكد الواجب في ذمة الزوج، فلم يعد محتملاً للسقوط بأن تحدث الفرقة من قبل المرأة.","part":8,"page":191},{"id":5196,"text":"ـ وكذلك لو شهد اثنان على رجل بإجارة داره سنة، والمستأجر ينكر، وقضى القاضي بالإيجار، ثم رجعا بعد استيفاء منفعة السكنى، فإنهما يغرمان للمستأجر ما زاد على أجر المثل؛ لأنه بقدر أجر المثل حصل العوض، والباقي بغير عوض، فتكون شهادتهما مؤدية إلى إتلاف على المستأجر بقدر الباقي وهو الزيادة.\rـ ولو شهد اثنان على رجل أنه قال لامرأته: «إن دخلت الدار فأنت طالق» وشهد اثنان آخران بالدخول، ثم رجعوا بعد أن قضى القاضي بالفرقة، ضمن الشاهدان الأولان؛ لأن هذه شهادة على الطلاق، وهو إتلاف بغير عوض، فيضمنان؛ لأن الطلاق علة الحكم، ولا يجب على شهود الدخول شيء ؛ لأن الدخول شرط. ـ ولو شهد اثنان على رجل بسرقة نصاب (وهو عشرة دراهم عند الحنفية) فقضى القاضي بعد ادعاء المالك المسروق منه بقطع اليد، وقطعت يده، ثم رجع الشاهدان، يغرمان دية اليد.\rـ وكذلك لو شهد اثنان على رجل أنه قتل فلاناً خطأ، أو جرحه خطأ، وقضى القاضي بالعقوبة، ثم رجعا، ضمنا الدية؛ لأنهما أتلفاها عليه، وتكون في مالهما؛ لأن الشهادة منهما بمنزلة الإقرار منهما بالإتلاف، والعاقلة (أي عصبة القاتل) لاتعقل بالإقرار بالقتل.\rـ ولوشهد رجلان على آخر أنه قتل فلاناً عمداً، فقضى القاضي بالقصاص، واقتص منه أي قتل، ثم رجعا، لا يقتص منهما عند الحنفية، وهو ظاهر المدونة لمالك وقول ابن القاسم، وإنما يضمنان الدية في مالهما في ثلاث سنين؛ لأنهما معترفان، والعاقلة لا تعقل الاعتراف. والدليل على أنه لا يقتص منهما هو أنهما لم يباشرا القتل، بل ولم يوجد منهما ـ في تقدير الحنفية ـ تسبب بالقتل؛ لأن التسبب: ما يفضي إلى ما تسبب فيه غالباً، والشهادة لا تفضي إلى القتل","part":8,"page":192},{"id":5197,"text":"غالباً، وإن أفضت إلى القضاء به، وإنما كثيراً ما يقضى بالقتل، ثم يتوسط الناس في الصلح على الدية (1) .\rوقال الشافعية والحنابلة وأكثر أصحاب مالك (2) : إذا رجع الشهود، وقد نفذ القصاص أو قتل الردة، أو رجم الزنا، أو الجلد أو القطع ومات المجلود أو المقطوع، وقال الشهود: تعمدنا الشهادة، فيقتص منهم، أو يلزمون بدية مغلظة في مالهم موزعة على عدد رؤوسهم، لتسببهم في إهلاك المشهود عليه، وقتلهم نفساً بغير شبهة، ولما روى الشعبي: أن رجلين شهدا عند علي رضي الله عنه على رجل أنه سرق، فقطعه، ثم أتياه برجل آخر، فقالا: إنا أخطأنا بالأول، وهذا السارق، فأبطل شهادتهما على الآخر، وضمنها دية الأول، وقال: «لو أعلم أنكما تعمدتما لقطعتكما» .\rوإن قال الشاهدان اللذان رجعا: أخطأنا، فعليهما الدية مخففة في أموالهما عند الحنابلة، لأن العاقلة لا تحمل الاعتراف، وعند الشافعية: عليهما نصف الدية، وعلى القاضي النصف الآخر، توزيعاً للدية على من باشر القتل ومن تسبب فيه.\rـ ولو شهد أربعة على رجل بالزنا، وشهد آخران عليه بأنه محصن، ثم رجعوا بعد إقامة الرجم: فضمان الدية على شهود الزنا، ولا يجب شيء على شهود الإحصان؛ لأن الزنا علة الحكم، والإحصان شرط، والحكم يضاف إلى العلة أو السبب لا إلى الشرط.\rوأما بالنسبة لحد القذف : فإن رجع جميع الشهود يحدون حد القذف، سواء رجعوا بعد القضاء بالرجم أو قبل القضاء.\rوإن رجع أحد الشهود بالزنا بعد الرجم: فإنه يحد حد القذف،؛ لأن شهادته صارت قذفاً بإقراره، ويغرم ربع الدية، ويتحمل ثلاثة أرباع الدية الباقية الشهود الثلاثة الآخرون.\r-------------------------------\r(1) فتح القدير: 95/6 وما بعدها، البدائع: 285/6، الشرح الكبير: 207/4.\r(2) مغني المحتاج: 457/4، المهذب: 340/2، المغني: 247/9.","part":8,"page":193},{"id":5198,"text":"وإن رجع واحد من الشهود بعد قضاء الحاكم بالرجم وقبل إقامة الحد، فإنهم يحدون جميعاً عند أبي حنيفة وأبي يوسف؛ لأن رجوعه قبل إقامة الحد بمنزلة رجوعه قبل القضاء بالحد . وعند محمد: يحد الراجع وحده استحساناً؛ لأن كلام الشهود اعتبر شهادة بدليل القضاء بموجبه، فلا ينقلب قذفاً إلا بالرجوع، ولم يرجع واحد منهم، فينقلب كلامه خاصة قذفاً، فلم يؤثر بالنسبة للباقين، فيظل كلامهم شهادة.\rواتفق أئمة الحنفية ما عدا زفر على أنه إذا رجع أحد الشهود قبل القضاء بالرجم، فإن الشهود جميعاً يحدون حد القذف؛ لأن كلامهم لا يعتبر شهادة بالزنا إلا بقرينة القضاء به (1) .\rأما أثر الرجوع عن الشهادة في حكم القاضي: فإن رجع الشهود قبل الحكم، امتنع على القاضي الحكم بشهادتهم، وإن رجعوا عن شهادة في زنى، حدّوا حد القذف. وإن رجعوا بعد إصدار الحكم، فإن كان قبل استيفاء الحق المالي لم يستوف من المقضي عليه، وإن كان عقوبة لم تستوف من المتهم.\rوإن رجعوا بعد استيفاء الحق لم ينقض الحكم، لتأكد الأمر وتوفير الثقة بأحكام القضاة، واتصاف الشهود بالفسق، والفاسق لا ينقض الحكم بقوله، فإن كان المقضي به مالاً، غَرِم الشهود المال المستوفى من المحكوم عليه؛ لتسببهم في تغريمه، وإن كان المقضي به قصاصاً، اقتص منهم عند جماعة، ووجب عليهم الدية المغلظة عند جماعة أخرى كما تقدم. وإن كان المقضي به حداً عزِّروا، وإن شهدوا بطلاق وفرّق القاضي بين الزوجين، وجب عليهم عند الشافعي مهر المثل للزوج، لأنه بدل ما فوتوه عليه، وعليهم عند الحنفية الزائد عن مهر المثل كما تقدم، ولا ضمان عليه عند الحنابلة (2) .\r-------------------------------\r(1) راجع البدائع: 289/6.\r(2) المغني: 250/9.","part":8,"page":194},{"id":5199,"text":"المطلب الخامس ـ عقوبة شاهد الزور :\rإذا أقر الشاهد أنه شهد زوراً، فقال أبو حنيفة: يشهَّر به في الأسواق إن كان سوقياً، أو بين قومه إن كان غير سوقي، وذلك بعد صلاة العصر في مكان تجمع الناس. ولا يعزر بالضرب، أو بالحبس؛ لأن المقصود هو التوصل إلى الانزجار، وهو يحصل بالتشهير، بل ربما يكون أعظم عند الناس من الضرب، فيكتفى به.وقال الصاحبان: نوجعه ضرباً، ونحبسه، حتى يتوب (1) .\rويوافق الشافعية رأي الصاحبين (2) ، قالوا: ومن شهد بالزور فسق وردت شهادته؛ لأنها من الكبائر،بدليل ما روى خُرَيم بن فاتك قال: صلى رسول الله صلّى الله عليه وسلم صلا ة الصبح، فلما انصرف، قام قائماً، ثم قال: عُدِّلت شهادة الزور بالإشراك بالله ، ثلاث مرات (3) ، ثم تلا قوله عز وجل: {فاجتنبوا الرجس من الأوثان واجتنبوا قول الزور} [الحج:30/22]. وإذا ثبت أنه شاهد زور، ورأى الإمام تعزيره بالضرب أو بالحبس أو الزجر، فعل، وإن رأى أن يشهر أمره في سوق ومصلاه وقبيلته، وينادى عليه أنه شاهد زور فاعرفوه، فعل، لقوله عليه الصلاة والسلام: «اذكروا الفاسق بما فيه ليحذره الناس» (4) وشدد المالكية والحنابلة على شاهد الزور فقالوا: يعزر بالسجن والضرب ويطاف به في المجالس (5) .\rالمطلب السادس ـ القضاء بشهادة غير المسلمين :\rشهادة غير المسلمين إما على بعضهم بعضاً، وإما على المسلمين (6) .\r-------------------------------\r(1) تبيين الحقائق: 241/4، الكتاب مع اللباب: 70/4 وما بعدها.\r(2) المهذب: 328/2 وما بعدها.\r(3) رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه عن خريم بن فاتك بلفظ «عدت شهادة الزور والإشراك بالله ، ثلاث مرات..إلخ» (الترغيب والترهيب: 221/3 وما بعدها).\r(4) رواه ابن أبي الدنيا وابن عدي والطبراني والخطيب عن معاوية بن حَيْدة بلفظ: «اذكروا الفاجر بما فيه يحذره الناس» وهو لا يصح (كشف الخفا: 114/1، 242/2).\r(5) القوانين الفقهية لابن جزي: ص 309، المحرر في الفقه الحنبلي لأبي البركات: 355/2.\r(6) المراجع السابقة في شروطهم الشهادة، بداية المجتهد: 452/2، الطرق الحكمية في السياسة الشرعية لابن قيم: ص 176-193، ط السنة المحمدية، مقارنة المذاهب في الفقه للأستاذين السايس وشلتوت: ص 131-137.","part":8,"page":195},{"id":5200,"text":"أولاً ـ شهادة غير المسلمين على بعضهم :\rللفقهاء رأيان في قبول شهادة الكفار على بعضهم:\r1 ً - قال الحنفية: تقبل شهادة الكفار بعضهم على بعض، بدليل الكتاب والسنة والمعقول. أما الكتاب فقوله تعالى: {ومن أهل الكتاب مَنْ إن تأمنه بقنطار يؤده إليك} [آل عمران:75/3] فأخبر أن منهم الأمين على مثل هذا القدر من المال، ولا ريب أن الشهادة تعتمد على صفة الأمانة.\rوقوله تعالى: {والذين كفروا بعضهم أولياء بعض} [الأنفال:73/8] فأثبت لهم الولاية على بعضهم بعضاً، والولاية أعلى رتبة من الشهادة، وغاية الشهادة أن تشبه بها.\rوأما السنة: فما رواه جابر بن عبد الله رضي الله عنه: «أن اليهود جاؤوا إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلم برجل منهم وامرأة زنيا، فقال لهم رسول الله صلّى الله عليه وسلم : ائتوني بأربعة منكم يشهدون، قالوا: وكيف؟ الحديث» والذي في الصحيح: «مُرَّ على رسول الله صلّى الله عليه وسلم بيهودي قد حُمِّم (1) ، فقال: ما شأن هذا؟ فقالوا: زنى، فقال: ما تجدون في كتابكم؟ ..الحديث» فأقام الحد بقولهم، ولم يسأل اليهودي واليهودية، ولا طلب اعترافهما وإقرارهما.\rوقد جاء في القصة أنه صلّى الله عليه وسلم قال لليهود: «ائتوني بأربعة منكم يشهدون عليه» فقد قبل النبي شهادتهم على الفعل وحكم بناء عليها.\rوأما المعقول: فهو أن الكفار يتعاملون فيما بينهم بأنواع المعاملات من المداينات وعقود المعاوضات وغيرها، وتقع بينهم الجنايات، ولا يحضرهم غالباً\r-------------------------------\r(1) التحميم: تسخيم الوجه بالفحم.","part":8,"page":196},{"id":5201,"text":"مسلم، فلو لم تقبل شهادتهم عند ترافعهم وتحاكمهم إلينا، لأدى ذلك إلى تظالمهم وضياع حقوقهم. وللواحد منهم أن يزوج ابنته وأخته، ويلي مال ولده، وقد أجاز الله شهادة الكفار على المسلمين في السفر في الوصية للحاجة، وحاجتهم إلى قبول شهادة بعضهم على بعض أعظم بكثير من حاجة المسلمين إلى قبول شهادتهم عليهم.\rوالكافر قد يكون عدلاً في دينه بين قومه، صادق اللهجة عندهم، فلا يمنعه كفره من قبول شهادته عليهم إذا ارتضوه. وقد أباح الله معاملتهم، وأكل طعامهم، وحِلَّ نسائهم، وذلك يستلزم الرجوع إلى أخبارهم قطعاً، فإذا جاز لنا الاعتماد على خبرهم في أمر الحلال والحرام، فلأن نرجع إلى أخبارهم في معاملاتهم أولى وأحرى.\rوأما رفض قبول شهادة الحربي على الذمي أو على الحربي من دار أخرى، فلانقطاع الولاية بينهما.\r2 ً - وقال الجمهور غير الحنفية: لا تقبل شهادة غير المسلمين مطلقاً، سواء اختلفت مللهم أم اتفقت. ونقل ابن القيم عن مالك: أنه تجوز شهادة الطبيب الكافر حتى على المسلم للحاجة. واستدلوا بأوجه هي:\rالأول ـ اشترط الله تعالى العدالة لقبول الشهادة في قوله: {وأشهدوا ذوي عدل منكم} [الطلاق:2/65] وغير المسلم ليس بعدل، واشترط أن يكون الشهود من المسلمين، في قوله: { منكم} [الطلاق:2/65] وفي قوله: {ممن ترضون من الشهداء} [البقرة:282/2] وقوله: {واستشهدوا شهيدين من رجالكم} [البقرة:282/2] وآيات كثيرة أخرى. وغير المسلم ليس منا ولا من رجالنا ولا من المرضيين عندنا. الثاني ـ إن الله تعالى وصف الكفار بالكذب على الله وبالفسق، ولا شهادة لكاذب ولا فاسق، ومن كذب على الله ، فهوأولى أن يكذب على مثله من إخوانه وأقرب، كما قال الشافعي.\rالثالث ـ إن قبول شهادتهم يؤدي إلى إلزام القاضي بشهادتهم، ولا يجوز أن يلزم المسلم بشهادة الكافر.\rالرابع ـ إن في قبول شهادتهم إكراماً لهم، ورفعاً لمنزلتهم وقدرهم، ورذيلة الكفر تحول دون إكرامهم.\rوالراجح لدي رأي الحنفية لقوة أدلتهم، ولأن الله لم يمنع قبول قول الكفار على المسلمين للحاجة، بنص القرآن، ولم يمنع ولاية بعضهم على بعض، والقاضي ملزم بالقضاء الحق عند ظهور الحجة الصادقة، وأما وصفهم بالكذب والفسق فهو بسبب ذات العقيدة لا لمجرد المعاملة، ولا يعد قبول شهادتهم إكراماً لكفرهم، فهذا من جملة المصالح التي لا غنى عنها.","part":8,"page":197},{"id":5202,"text":"ثانياً ـ شهادة غير المسلمين على المسلمين :\rللفقهاء أيضاً رأيان في قبول شهادة غير المسلمين على المسلمين.\r1 ً - فقال الجمهور غير الحنابلة: لا تقبل شهادتهم على المسلمين؛ لأن الشهادة ولاية، ولا ولاية للكافر على المسلم، لقوله تعالى: {ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلاً} [النساء:141/4].\r2 ً - وأجازها الحنابلة في الوصية في السفر للضرورة إذا لم يوجد غيرهم، وكذا في كل ضرورة حضراً وسفراً، لقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدَكم الموتُ حين الوصية اثنان ذوا عدل منكم، أو آخران من غيركم، إن أنتم ضربتم في الأرض، فأصابتكم مصيبة الموت} [المائدة:106/5].\rوصح عن ابن عباس أنه قال في هذه الآية: «هذا لمن مات، وعنده المسلمون فأمر الله أن يشهد في وصيته عدلين من المسلمين» ثم قال تعالى: {أو آخران من غيركم إن أنتم ضربتم في الأرض} [المائدة:106/5] فهذا لمن مات، وليس عنده أحد من المسلمين، فأمر الله عز وجل أن يشهد رجلين من غير المسلمين. فإن ارتيب بشهادتهما، استحلفا بعد الصلاة بالله : لا نشتري بشهادتنا ثمناً، وقضى به ابن مسعود في زمن عثمان، وكذلك علي، وقضى به أبو موسى الأشعري في الكوفة وكثير من التابعين.\rوعن سعيد بن المسيب: {أو آخران من غيركم} [المائدة:106/5] قال: «من أهل الكتاب» وفي رواية صحيحة عنه: «من غير أهل ملتكم» .\rوصح عن شريح قال: «لا تجوز شهادة المشركين على المسلمين إلا في الوصية. ولا تجوز في الوصية إلا أن يكون مسافراً» .\rوصح عن الشعبي: {أو آخران من غيركم} [المائدة:106/5] قال: «من اليهود والنصارى» .\rوأما ادعاء نسخ هذه الآية ـ فيما روي عن زيد بن أسلم وغيره ـ فيرده ما صح عن عائشة ـ فيما يرويه جبير بن نفير ـ أنها قالت: هل تقرأ سورة المائدة؟ قلت: نعم، قالت: فإنها آخر سورة أنزلت، فما وجدتم فيها من حلال فأحلوه، وما وجدتم فيهامن حرام فحرموه. فالحق أن الآية محكمة، وأن حكمها شرع دائم، وأن شهادة غير المسلمين جائزة مقبولة في الوصية إذا كان المسلم على سفر، ولم يجد أحداً من المسلمين. وقال ابن القيم: قال شيخنا ابن تيمية رحمه الله : وقول الإمام أحمد في قبول شهادتهم في هذا الموضع: ( هو ضرورة ): يقتضي هذا التعليل ُقبولها في كل ضرورة حضراً وسفراً.","part":8,"page":198},{"id":5203,"text":"المبحث الثاني ـ اليمين :\rيتضمن مطالب سبعة هي:\rالأول ـ تعريف اليمين ومشروعيتها والمحلوف به.\rالثاني ـ صيغة اليمين القضائية وصفتها والنية فيها واليمين بالطلاق.\rالثالث ـ تغليظ اليمين باللفظ وبالزمان والمكان.\rالرابع ـ شروط اليمين.\rالخامس ـ أنواع اليمين.\rالسادس ـ حكم اليمين.\rالسابع ـ أنواع الحقوق التي تجوز فيها اليمين.\rالمطلب الأول ـ تعريف اليمين ومشروعيتها والمحلوف به :\rاليمين مؤنث، وهي لغة: الحَلف والقسم. واصطلاحاً بمعناها العام هي توكيد الشيء أو الحق أو الكلام إثباتاً أو نفياً بذكر اسم الله أو صفة من صفاته (1) .\rأما تعريف اليمين القضائية لإثبات الدعوى: فهي تأكيد ثبوت الحق أو نفيه أمام القاضي بذكر اسم الله أو بصفة من صفاته.\r-------------------------------\r(1) تبيين الحقائق: 107/3، الشرح الكبير مع الدسوقي: 126/2 وما بعدها، حاشية القليوبي على شرح المحلي للمنهاج: 270/4، كشاف القناع: 236/6.","part":8,"page":199},{"id":5204,"text":"واليمين مشروعة بآيات كثيرة في القرآن، منها قوله تعالى: {لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم، ولكن يؤاخذكم بما عقَّدتم الأيمان} [المائدة:89/5] وقد أمر الله تعالى نبيه أن يقسم على الحق في ثلاثة مواضع من القرآن، والله تعالى لا يشرع محرماً.\rومشروعة بأحاديث كثيرة أيضاً، منها قوله صلّى الله عليه وسلم : «لو يعطى الناس بدعواهم لادعى رجال دماء رجال وأموالهم، ولكن اليمين على المدعى عليه» وفي رواية البيهقي: «ولكن البينة على المدعي، واليمين على من أنكر» (1) .\rومنها حديث يحذر من الحلف الكاذب ليقتطع به مال أخيه، ويدل على ما فيه من إثم كبير، وهو من الكبائر، أخرج أصحاب الكتب الستة عن الأشعث بن قيس، قال: كان بيني وبين رجل ابن عم لي خصومة في بئر، فاختصمنا إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلم، فقال: «بيِّنتك أو يمينه» قلت:إذن يحلف ولا يبالي، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: «من حلف على يمين هو فيها فاجر، ليقتطع بها مال امرئ مسلم، لقي الله ، وهو عليه غضبان» فأنزل الله تصديق ذلك: {إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمناً قليلاً، أولئك لا خلاق لهم في الآخرة، ولا يكلمهم الله ، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم} [آل عمران:77/3]. وحلف عمر لأبي بن كعب على نخيل، ثم وهبه له، وقال: خفت إن لم أحلف أن يمتنع الناس من الحلف على حقوقهم، فتصير سنَّة.\r-------------------------------\r(1) حديث حسن رواه البيهقي عن ابن عباس، وبعضه في الصحيحين.","part":8,"page":200},{"id":5205,"text":"وأما المحلوف به: فقد اتفق الفقهاء على أن اليمين المنعقدة هي القسم بالله تعالى، أو بصفة من صفاته مثل: والله ، ورب العالمين، والحي الذي لا يموت، ومَن نفسي بيده، أو وعزة الله وعظمته، ولا يجوز الحلف بغير الله تعالى، لقوله صلّى الله عليه وسلم : «ألا إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم، من كان حالفاً، فليحلف بالله أو ليصمُت» قال عمر: «فوالله ما حلفت بها منذ سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلم نهى عنها ذاكراً ولا آثراً» (1) أي حاكياً. ولقوله عليه السلام أيضاً: «من حلف بغير الله فقد أشرك» وفي لفظ: «فقد كفر» (2) وقوله فيما رواه النسائي: «لا تحلفوا إلا بالله ، ولا تحلفوا إلا وأنتم صادقون» .\rواكتفى الجمهور غير المالكية بلفظ الجلالة فقط، لقوله تعالى: {يحلفون بالله لكم ِليُرضوكم} [التوبة:62/9] {يحلفون بالله : ما قالوا} [التوبة:74/9] ولا قتصاره صلّى الله عليه وسلم على ذلك في يمينه بغزو قريش قائلاً: «والله لأغزون قريشاً» (3) .\rوقال المالكية (4) : يضم إليه عبارة «لا إله إلا هو» لقوله صلّى الله عليه وسلم لرجل حلَّفه: «احلف بالله الذي لا إله إلا هو» (5) .\rواليمين تنعقد بمجرد النطق بها ولو هزلاً؛ لأنها من الأحوال التي يستوي فيها الجد والهزل، لا يقبل قول الحالف في القسم: لم أرد اليمين، لا في الظاهر، ولا فيما بينه وبين الله تعالى (6) .\r-------------------------------\r(1) أخرجه الجماعة إلا النسائي عن ابن عمر (نصب الراية: 295/3).\r(2) رواه أحمد وأبو داود والترمذي والحاكم.\r(3) رواه أبو داود عن ابن عباس (نيل الأوطار: 220/8).\r(4) المبسوط: 18/16، القوانين الفقهية: ص 306، المهذب: 322/2، كشاف القناع: 228/6، المغني: 226/9.\r(5) رواه أبو داود بسند صالح والنسائي.\r(6) المحلي على المنهاج: 270/4.","part":8,"page":201},{"id":5206,"text":"ولا تنعقد اليمين اتفاقاً إذا قال: إن شاء الله تعالى، بشرط كونه متصلاً باليمين من غير سكوت عادي؛ لأن الاستثناء يزيل حكم اليمين (1) ، لقوله صلّى الله عليه وسلم : «من حلف، فقال: إن شاء الله ، لم يحنث» (2) .\rولا تدخل النيابة في اليمين، ولا يحلف أحد عن غيره، فلو كان المدعى عليه صغيراً أو مجنوناً، لم يحلف عنه، ووقف الأمر حتى يبلغ الصبي، ويعقل المجنون، ولم يحلف عنه وليه (3) .\rالمطلب الثاني ـ صيغة اليمين القضائية وصفتها والنية فيها واليمين بالطلاق :\rصيغة اليمين: هي عند الجمهور أن يقول الحالف: والله ، أو بالله ، أو ورب العالمين، أو والحي الذي لا يموت، أو ومَن نفسي بيده، ونحو ذلك من كل اسم لله مختص به سبحانه وتعالى كالإله، والرحمن، وخالق الخلق، أو يحلف بصفة من صفات الله الذاتية مثل: وعظمة الله أو عزته أو كبريائه أو كلامه أو مشيئته أو علمه أو قدرته أو حقه،إلا أن يريد بالحق العبادات، وبالعلم والقدرة المقدور والمعلوم، وبالبقية ظهور آثارها، فلا تكون يميناً لاحتمال اللفظ. والحلف بكتاب الله أو بالقرآن أو بالمصحف يمين باتفاق المذاهب الأربعة (4) ، والحلف بالتوراة أو الإنجيل ونحوهما من كتب الله المنزلة كالزبور يمين في رأي الحنابلة؛ لأن إطلاق اليمين ينصرف إلى المنزَل من عند الله ، دون المبدَّل.\r-------------------------------\r(1) المغني: 237/9.\r(2) رواه أحمد والترمذي وابن ماجه عن أبي هريرة (نيل الأوطار: 219/8).\r(3) المغني: 234/9 وما بعدها، المهذب: 302/2.\r(4) بجيرمي الخطيب: 300/4 وما بعدها، كشاف القناع: 228/6 وما بعدها.","part":8,"page":202},{"id":5207,"text":"وقال المالكية: صيغة اليمين لكل حالف في جميع الحقوق على المشهور: هي «بالله الذي لا إله إلا هو» . وأما يمين الكافر: فاتفق أكثر الفقهاء (1) على أن الكافر يحلف بالله كالمسلم؛ لأن اليمين لا تنعقد بغير اسم الله ، للحديث المتقدم: «من حلف بغير الله فقد أشرك» ولما رواه البخاري: «من حلف بغير ملة الإسلام فهو كما قال» . وسيأتي الكلام في تغليظ اليمين عليه، فتغلظ عليه في رأي الحنابلة والشافعية.\rوأما صفة اليمين أو الحلف على البت ونفي العلم(2 ) : فقد اتفق الفقهاء (3) على أن الحالف يحلف على البت والقطع على فعل نفسه، سواء في حال الإثبات أم النفي، فيقول مثلاً: والله ما بعت أو ما اشتريت، أو لقد بعت أو اشتريت؛ لأن الإنسان أعلم بأحواله وأفعاله، فتكون يمينه حجة قاطعة. فالأيمان كلها على البت والقطع، إلا على نفي فعل الغير، فإنها على نفي العلم؛ لحديث ابن عباس المتقدم: «أن النبي صلّى الله عليه وسلم استحلف رجلاً، فقال له: قل: والله الذي لا إله إلا هو، ماله عليك حق» وروى الأشعث بن قيس: «أن رجلاً من كِنْدة ورجلاً من حضرموت اختصما إلى النبي صلّى الله عليه وسلم في أرض من اليمن، فقال الحضرمي: يا رسول الله ، إن أرضي اغتصبنيها أبو هذا، وهي في يده، قال: هل لك بيِّنة؟ قال: لا، ولكن أحلفه، والله العظيم ما يعلم أنها أرضي اغتصبنيها أبوه، فتهيأ الكندي لليمين» (4) .\r-------------------------------\r(1) البدائع: 227/6 وما بعدها، تبيين الحقائق: 109/4، القوانين الفقهية: ص 306، مغني المحتاج: 473/4، المهذب: 322/2، كشاف القناع: 228/6 وما بعدها.\r(2) الحلف على البت: أي الحلف على القطع والجزم. ونفي العلم: هو نفي اليقين أنه لا يعلم كذا، فيحلف بالله ما له علي شيء.\r(3) المغني: 230/9-234، المهذب: 322/2.\r(4) رواه أبو داود.","part":8,"page":203},{"id":5208,"text":"ففي حال الإثبات: يحلف على فعل نفسه أنه فعل كذا، وفي حال النفي: يحلف أنه ما فعل كذا. وأما ما يتعلق بفعل غيره، فإن كان إثباتاً، مثل أن يدعي أنه أقرض أو باع، ويقيم شاهداً بذلك، فإنه عند الجمهور غير الحنفية يحلف مع شاهده على البت والقطع،فيقول والله إنه باع؛ لأن حال الإثبات يستطيع الإنسان الاطلاع عليها. وإن كان على نفي العلم مثل أن يدعى عليه دين أو غصب أو جناية، فإنه يحلف على نفي العلم لا غير، فيقول: والله لا أعلم أنه مدين، أو لا أعلم أن له وارثاً غير فلان، بدليل قصة الحضرمي السابقة.\rوقال الحنفية والإمامية (1) : يحلف الشخص في فعل غيره على نفي علمه مطلقاً، سواء أكان إثباتاً أم نفياً، لما ثبت في الصحيح أن النبي صلّى الله عليه وسلم حلف اليهود في القسامة: «بالله ما قتلتم ولا علمتم له قاتلاً» ولأن الإنسان لا علم له بفعل غيره ولا يدرك حقيقةتصرفاته، فيحلف على نفي العلم.\rالنية في اليمين: اليمين غير القضائية التي يحلفها الحالف باختياره، أو يطلبها شخص منه دون أن يكون له عليه حق اليمين، تكون على نية الحالف في كل الأحوال، ويجوز للحالف التورية في يمينه، بأن يقصد فيها غير المعنى المتبادر من اللفظ أو ينوي فيها خلاف الظاهر، للحديث المشهور الذي رواه الجماعة إلا ابن ماجه عن عمر: «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى » وقد حكى القاضي عياض الإجماع على أن الحالف من غير استحلاف ومن غير تعلق حق بيمينه، له نيته ويقبل قوله.\r-------------------------------\r(1) البحر الرائق: 217/7، المختصر النافع في فقه الإمامية: ص 282.","part":8,"page":204},{"id":5209,"text":"أما اليمين القضائية الموجهة من القاضي أو نائبه لفصل الخصومة والنزاع، فتكون باتفاق الفقهاء (1) على نية المستحلف وهو القاضي، فلا يصح فيها التورية، ولا ينفع الاستثناء، لقوله صلّى الله عليه وسلم : «يمينك على ما يصدّقك به صاحبك» وفي لفظ: «اليمين على نية المستحلف» (2) . قال ابن تيمية في منتقى الأخبار: وهو محمول على المستحلف المظلوم. وقال النووي: أما إذا حلف بغير استحلاف، وورّى، فتنفعه التورية، ولا يحنث، سواء حلف ابتداء من غير تحليف، أو حلفه غير القاضي أو غير نائبه في ذلك، ولا اعتبار بنية المستحلف غير القاضي.\rواشترط الشافعية والحنابلة (3) شرطين في كون اليمين على نية المستحلف:\r1ً - ألا يحلفه القاضي بالطلاق أو العتاق.\r2ً - ألا يكون القاضي ظالماً أو جائراً في طلب اليمين.\rفإن حلفه بالطلاق أو علم منه نفسه أنه على الحق، جازت التورية؛ لأن اليمين تكون غير فاجرة.\rاليمين بالطلاق أمام القاضي: قال جمهور الفقهاء على المفتى به عند الحنفية: إن اليمين بالطلاق لإثبات الحقوق وإنهاء الخصومات أمام القاضي حرام؛ لأن اليمين لا تكون إلا بالله ، ولأن القسم لتعظيم المقسم به، ولا يجوز تعظيم غير الله. فإن طلبه الخصم، لم يجبه القاضي؛ لأنه حرام.\rوأجاز متأخرو الحنفية الحلف بالطلاق إذا طلبها الخصم وألح فيها، أو كان الحالف لا ينزجر إلا بها، لفساد الزمان، وقلة المبالاة بالحلف بالله تعالى.\rوأجاز بعض المالكية الحلف بالطلاق للتغليظ، عملاً بقول عمر بن عبد العزيز رحمه الله : «تحدث للناس أقضية بقدر ما أحدثوا من الفجور» ولأن الحاجة ماسة إليه. وأفتى الإمام مالك بعدم وقوع طلاق المكره حينما أراد أوائل الخلفاء العباسيين بأن يوثقوا بيعة الناس لهم بالأيمان والطلاق والعتاق، ويكرهون الناس على ذلك، وكان مالك يحدث بحديث: «ليس على مستكره طلاق» مما أغضب المنصور.\r-------------------------------\r(1) القوانين الفقهية: ص 306، مغني المحتاج: 475/4، كشاف القناع: 242/6.\r(2) اللفظ الأول رواه أحمد ومسلم وابن ماجه والترمذي. واللفظ الثاني رواه مسلم وابن ماجه، عن أبي هريرة (نيل الأوطار: 218/8).\r(3) مغني المحتاج: 475/4، كشاف القناع: 242/6.","part":8,"page":205},{"id":5210,"text":"المطلب الثالث ـ تغليظ اليمين باللفظ وبالزمان والمكان :\rأجاز الفقهاء من السنة والشيعة ما عدا الحنابلة والظاهرية (1) تغليظ اليمين باللفظ، والتغليظ عند المالكية يكون بقول الحالف: «بالله الذي لا إله إلا هو» وعند الجمهور: «بالله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة، الرحمن الرحيم، الذي يعلم من السر ما يعلم من العلانية» ونحوه، لحديث ابن عباس المتقدم وقول النبي صلّى الله عليه وسلم لرجل: «احلف بالله الذي لا إله إلا هو، ماله عندك شيء » وهذا هو الراجح لدي؛ لأن القصد باليمين الزجر عن الكذب، وهذه الألفاظ أبلغ في الزجر، وأمنع من الإقدام على الكذب.\rأما الظاهرية والحنابلة فلم يجيزوا تغليظ اليمين، ويكتفى بلفظ الجلالة فقط؛ لأنه يتضمن كل معاني الترغيب والترهيب، واقتصاراً على ما ورد في القرآن، مثل: {فيقسمان بالله } [المائدة:106/5] وما ورد في السنة: «من كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت» (2) .\r-------------------------------\r(1) البدائع: 227/6، القوانين الفقهية: ص 306 وما بعدها، المهذب: 322/2، مغني المحتاج: 472/4، المغني: 227/9 وما بعدها، الروضة البهية: 159/2، المحلى: 468/9 وما بعدها.\r(2) متفق عليه من حديث ابن عمر.","part":8,"page":206},{"id":5211,"text":"واستحب الشافعية تغليظ اليمين إذا كانت يمين المدعي وهي اليمين المردودة أو مع الشاهد واليمين، أو يمين المدعى عليه وإن لم يطلب الخصم تغليظها، وذلك فيما ليس بمال، ولا يقصد به المال، كنكاح وطلاق ولعان وقصاص، ووصاية ووكالة، وفي المال البالغ نصاب الزكاة، لا فيما دونه، لخطورته بدليل وجوب المواساة فيه، وعدم الاهتمام بما دونه.\rأما التغليظ بالزمان والمكان: فقد اختلف فيه الفقهاء على رأيين (1) :\r1 - فقال الحنابلة: إذا كان الحالف مسلماً، فيحلفه القاضي بالله تعالى من غير تغليظ، اكتفاء بما ورد في القرآن الكريم: {فآخران يقومان مقامهما، من الذين استحق عليهم الأوليان، فيقسمان بالله لشهادتنا أحق من شهادتهما} [المائدة:107/5] ولم يذكر مكاناً ولا زمناً، ولا زيادة في اللفظ.\rوقال الحنفية: إن شاء القاضي حلف الشخص من غير تغليظ، لما روي أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم حلف ركانة بن عبد يزيد بالله عز وجل: ما أردت البتة، ثلاثاً؟ وإن شاء غلظ؛ لأن الشرع ورد بتغليظ اليمين في الجملة؛ لأنه صلّى الله عليه وسلم حلف ابن صوريا الأعور، وغلظ.\rأما الكافر غير المسلم فتغلظ يمينه عند الحنابلة، وإن شاء القاضي عند الحنفية والشافعية وفي قول مرجوح عند المالكية، فإن كان الحالف يهودياً، أحلفه « بالله الذي أنزل التوراة على موسى» زاد الشافعية: «ونجاه من الغرق» وإن كان نصرانياً، أحلفه «بالله الذي أنزل الإنجيل على عيسى» وإن كان مجوسياً أو وثنياً أحلفه «بالله الذي خلقه وصوره» . وإن كان لهم مواضع يعظمونها ويتوقَّوْن أن يحلفوا فيها كاذبين، حلِّفوا فيها.\r-------------------------------\r(1) المراجع السابقة.","part":8,"page":207},{"id":5212,"text":"2 - وقال المالكية والشافعية: يجوز تغليظ اليمين بالزمان والمكان مطلقاً للمسلم وغير المسلم، ثم اختلفوا في التغليظ بالمكان، فقال الما لكية: تغلظ اليمين بالمكان في القسامة واللعان، ويحلف الحالف إن كان في المدينة على منبر رسول الله صلّى الله عليه وسلم ، وإن كان في غير المدينة يحلف في مساجد الجماعات، ولا يشترط الحلف على المنبر في سائر المساجد، ويحلف قائماً.\rوتغليظ اليمين بالزمان يكون باللعان والقسامة فقط دون غيرهما، فيكون بعد صلاة العصر.\rوقال الشافعية: يحلف المسلم في مكة بين الركن والمقام، وفي المدينة عند منبر رسول الله صلّى الله عليه وسلم ، وفي سائر البلدان في الجوامع عند المنبر ـ خلافاً للمالكية ـ وفي بيت المقدس عند الصخرة. وتغلظ في الزمان بالاستحلاف بعد العصر. وهذا هو الراجح لدي لقوة أدلتهم. ويندب عندهم تغليظ يمين المدعي (اليمين المردودة أو مع الشاهد واليمين) ويمين المدعى عليه وإن لم يطلب الخصم تغليظها فيما ليس بمال ولا يقصد به المال كنكاح وطلاق ولعان وقود وعتق وإيلاد ووصاية ووكالة، وتغلظ في مال يبلغ نصاب الزكاة.\rواستدلوا على جواز التغليظ بالكتاب والسنة والآثار والقياس. أما الكتاب: فقوله تعالى: {تحبسونهما من بعد الصلاة، فيقسمان بالله } [المائدة:106/5] والمراد من بعد صلاة العصر، كما قال ابن عباس وجماعة من التابعين. وأما السنة: فقوله صلّى الله عليه وسلم : «لا يحلف أحد على يمين آثمة عند منبري هذا، ولو على سواك أخضر، إلا تبوأ مقعدَه من النار، أو وجبت له النار» (1) .\r-------------------------------\r(1) رواه البيهقي ومالك وأحمد وأبو داود والنسائي عن جابر.","part":8,"page":208},{"id":5213,"text":"وما روى عبد الرحمن بن عوف: «أنه رأى قوماً يحلفون بين المقام والبيت، فقال: أعلى دم؟ فقالوا: لا، فقال: أفعلى عظيم من المال؟ قالوا: لا، قال: خشيت أن يتهاون الناس بهذا المقام» (1) .\rوأما الآثار فكثيرة منها: أن عمر رضي الله عنه استحلف رجلاً بين الركن والمقام، عندما قال لامرأته: حبلك على غار بك. ومنها أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه أحلف نفيس بن ملوِّح في قتل على المنبر خمسين يميناً.\rوأما القياس: فقد قاسوا التغليظ بالزمان والمكان على التغليظ باللفظ، والتغليظ في أيمان القسامة واللعان، بجامع الزجر في كلٍ، بل إن التغليظ بالزمان والمكان أشد زجراً، فجاز بالأولى.\rالمطلب الرابع ـ شروط اليمين :\rاشترط الفقهاء بالاتفاق (2) ستة شروط في اليمين القضائية، واختلفوا في شرطين. أما المتفق عليها فهي ما يأتي:\r1ً - أن يكون الحالف مكلفاً (بالغاً عاقلاً) مختاراً: فلا يحلف الصبي والمجنون، ولا تعتبر يمين النائم والمستكره.\r2ً - أن يكون المدعى عليه منكراً حق المدعي: فإن كان مقراً فلا حاجة للحلف.\r3ً - أن يطلب الخصم اليمين من القاضي وأن يوجهها القاضي إلى الحالف: لأن النبي صلّى الله عليه وسلم استحلف رُكانة بن عبد يزيد في الطلاق، فقال: «آلله ما أردت إلا واحدة» فقال ركانة: «الله ما أردت إلا واحدة» (3) .\r4ً - أن تكون اليمين شخصية: فلا تقبل اليمين النيابة، لصلتها بذمة الحالف ودينه، فلا يحلف الوكيل أو ولي القاصر، ويوقف الأمر حتى يبلغ.\r5ً - ألا تكون في الحقوق الخالصة لله تعالى كالحدود والقصاص.\r6ً - أن تكون في الحقوق التي يجوز الإقرار بها: للحديث المتقدم: «واليمين على من أنكر» فلا تجوز اليمين في الحقوق التي لا يجوز الإقرار بها، فلا يحلف الوكيل والوصي والقيم؛ لأنه لا يصح إقرارهم على الغير.\r-------------------------------\r(1) رواه الشافعي والبيهقي.\r(2) البحر الرائق: 202/7، البدائع: 226/6 وما بعدها، بداية المجتهد: 455/2 وما بعدها، الشرح الكبير مع الدسوقي: 145/4 وما بعدها، القوانين الفقهية: ص 306، ط فاس، مغني المحتاج: 475/4 وما بعدها، كشاف القناع: 232/6 وما بعدها، المغني: 234/9.\r(3) رواه البيهقي وأبو داود والترمذي.","part":8,"page":209},{"id":5214,"text":"واشترط أبو حنيفة أيضاً أن يكون المدعى به مما يحتمل البذل، فلا تصح اليمين في النسب والنكاح والرجعة والفيء في الإيلاء ونحوها.\rوأما المختلف فيه من الشروط فهو اثنان:\r1ً - العجز عن البينة أو فقدها عند الجمهور غير الشافعية: فإذا كانت البينة حاضرة في مجلس القضاء، فلا يصح تحليف المدعى عليه، وكذلك لا يصح التحليف عند أبي حنيفة إذا كانت البينة في بلد القاضي. وأجاز الصاحبان والحنابلة التحليف حينئذ. ودليلهم على هذا الشرط الحديث السابق: «بيِّنتك وإلا فيمينه» فإن حق المدعي في اليمين مرتب على عجزه عن إقامة البينة.\rولم يشترط الشافعية هذا الشرط، عملاً بحديث: «البينة على المدعي واليمين\rعلى من أنكر» فاليمين حق المدعي وواجبة على المدعى عليه، ولأنه يحتمل أن يقر المدعى عليه، فيستغني المدعي عن إقامة البينة.\r2ً - الخلطة بين المتخاصمين بالتعامل في رأي المالكية: حتى لا يتطاول السفلة على أصحاب المكانة والفضل، باستدعائهم إلى المحاكم، وطلب اليمين منهم أوالحكم عليهم بالنكول، وتثبت الخلطة بشهادة اثنين على التعامل مرتين أو ثلاثاً. واشترطوا في غير المال وجود شاهد واحد حتى يصح توجيه اليمين، كالطلاق والرجعة والخلع والوكالة والوصية والنسب والإسلام والردة.\rواستثنوا من اشتراط الخلطة أو وجود الشاهد لتوجه اليمين ثماني مسائل هي: صاحب الصنعة مع عماله، والمتهم بين الناس، والضيف في ادعائه أو الادعاء عليه، والمسافر مع رفقته في الوديعة وغيرها، وادعاء الإيداع عند شخص، وادعاء شيء معين كثوب بعينه، وادعاء مريض في مرض موته على غيره بدين، وادعاء بائع على شخص حاضر المزايدة أنه اشترى سلعته بكذا والحاضر ينكر الشراء، فتتوجه اليمين في هذه الحالات، ولو لم تثبت خلطة.\rولم يشترط هذا الشرط باقي المذاهب، وهو الراجح لدي، لحديث: «واليمين على من أنكر» .","part":8,"page":210},{"id":5215,"text":"المطلب الخامس ـ أنواع اليمين :\rالأصل العام في توزيع طرق إثبات الحق بين الخصمين المتنازعين أمام القضاء: أن يطالب المدعي بالبينة أو الشهادة، ويطالب المدعى عليه باليمين عند العجز عن البينة في رأي الجمهور غير الشافعية كما تقدم، فالبينة حجة المدعي، واليمين حجة المدعى عليه، واليمين تُشرع في حق كل مدعى عليه، سواء أكان مسلماً أم كافراً، عدلاً أم فاسقاً، امرأة أم رجلاً (1) ، لقول النبي صلّى الله عليه وسلم : «البينة على المدعي، واليمين على المدعى عليه» .\rواختلف الحنفية (2) في تحديد المدعي والمدعى عليه، فقال بعضهم: المدعي: من إذا ترك الخصومة لا يجبر عليها، والمدعى عليه: من إذا ترك الجواب يجبر عليه.\rوقال بعضهم: المدعي: من يلتمس قبل غيره لنفسه عيناً أو ديناً أو حقاً. والمدعى عليه: من يدفع ذلك عن نفسه.\rوقال بعضهم: ينظر إلى المتخاصمين، أيهما كان منكراً فالآخر يكون مدعياً.\rوقال بعضهم: المدعي: من يخبر عما في يد غيره لنفسه. والمدعى عليه: من يخبر عما في يد نفسه لنفسه.\rوالأظهر عند الشافعية (3) : أن المدعي من يخالف قوله الظاهر: وهو براءة الذمة، والمدعى عليه: من يوافق قوله الظاهر.\rواليمين بحسب الحالف أنواع ثلاثة: يمين الشاهد، ويمين المدعى عليه، ويمين المدعي.\r1 ً - يمين الشاهد: هي اليمين التي يحلفها الشاهد قبل أداء الشهادة للاطمئنان إلى صدقه،وهي التي يلجأ إلىها في عصرنا بدلاً من تزكية الشاهد. وقد\r-------------------------------\r(1) البدائع: 225/6، المغني: 227/9. (2) البدائع: 224/6.\r(3) مغني المحتاج: 464/4.","part":8,"page":211},{"id":5216,"text":"أجازها المالكية والزيدية والظاهرية وابن أبي ليلى وابن القيم، لفساد الزمان وضعف الوازع الديني، ومنعها الجمهور (1) .\r2 ً - يمين المدعى عليه: وتسمى اليمين الأصلية أو الواجبة أو الدافعة أو الرافعة. وهي التي يحلفها المدعى عليه بطلب القاضي بناء على طلب المدعي لتأكيد جوابه عن الدعوى. وهي حجة المدعى عليه للحديث المتقدم: «ولكن اليمين على المدعى عليه» (2) .\r3 ً - يمين المدعي: وهي عند الجمهور غير الحنفية اليمين التي يحلفها المدعي لدفع التهمة عنه، أو لإثبات حقه، أو لرد اليمين عليه. وهي ثلاثة أنواع (3) :\rالأول ـ اليمين الجالبة: وهي التي يحلفها المدعي لإثبات حقه، إما مع شهادة شاهد واحد، وهي اليمين مع الشاهد، وإما بسبب نكول المدعى عليه عن اليمين الأصلية وردها إلى المدعي ليحلف، وهي اليمين المردودة، وإما لإثبات تهمة الجناية على القاتل، وهي أيمان القسامة، وإما لنفي حد القذف عنه وهي أيمان اللعان، وإما لتأكيد الأمانة، فالقول قول الأمين بيمينه كالوديع والوكيل، إذا ادعى الرد على من ائتمنه، إلا المرتهن والمستأجر والمستعير، فلا يصدقون إلا بالبينة؛ لأن وجود الشيء في يدهم أو حيازتهم كان لمصلحة أنفسهم.\rالثاني ـ يمين التهمة: وهي التي توجه على المدعي بقصد رد دعوى غير محققة على المدعى عليه، قال بها المالكية والزيدية.\rالثالث ـ يمين الاستيثاق أو الاستظهار: وهي التي يحلفها المدعي بطلب القاضي لدفع التهمة عنه بعد تقديم الأدلة المطلوبة في الدعوى. فهي تكمل الأدلة كالشهادة، ويتثبت بها القاضي.\r-------------------------------\r(1) الأشباه والنظائر لابن نجيم: ص 92، ط 1322 هـ، فتح العلي المالك للشيخ عليش: 311/2، مخطوط الحاوي الكبير للماوردي: 13/ق 48 ب، 49 أ، الطرق الحكمية لابن قيم: ص 142 وما بعدها، البحر الزخار: 18/5، المحلى: 462/9، مغني المحتاج: 476/4.\r(2) البدائع: 225/6، تهذيب الفروق: 151/4، الفرق: 240، مغني المحتاج: 468/4، المغني: 224/9، الطرق الحكمية: ص 113، 143، 147، القوانين الفقهية: ص 306.\r(3) المراجع السابقة.","part":8,"page":212},{"id":5217,"text":"ويلجأ إليها القاضي عادة إذا كانت الدعوى بحق على غائب أو ميت، ويحتمل أن يكون المدعي قد استوفى دينه من الميت أو الغائب أو أبرأه عنه، أو أخذ رهناً مقابله، وليس للشاهدين علم بذلك. فيحلِّف القاضي المدعي؛ لأن البينة لا تفيد إلا غلبة الظن، فيستحق ما ادعاه بالبينة واليمين معاً، فهي يمين القضاء بعد ثبوت الحق على الغائب والمحجور، وقد أجيزت استحساناً بسبب احتمال الشبهة والشك عند غياب المدين.\rوقد أيدها ابن القيم قائلاً: وهذ القول ليس ببعيد من قواعد الشرع، ولا سيما مع احتمال التهمة. وكان علي يستحلف المدعي مع شهادة الشاهدين. وكان شريح يستحلف الرجل مع بينته، وقال الأوزاعي والحسن بن حَيّ: يستحلف مع بينته وهو قول النخعي والشعبي وابن أبي ليلى أيضاً (1) .\rأحوال يمين الاستظهار :\rأجاز الفقهاء هذه اليمين في أحوال استثنائية للضرورة أو الحاجة، فقال المالكية (2) : توجه هذه اليمين في نفقة الزوجة، وفي الدعوى على الغائب واليتيم والوقف والمساكين وفي كل وجوه البر، وعلى بيت المال، وعلى كل من استحق شيئاً من الحيوان وغيره. ويحلف المدعي أيضاً إذا شهد له اثنان على خط غريمه، وفي شهادة التسامع والاستفاضة، والبينة على الغريم المجهول الحال بكونه معدماً.\r-------------------------------\r(1) الطرق الحكمية: ص 145 وما بعدها، المبسوط: 118/16، تبصرة الحكام لابن فرحون بهامش فتح العلي المالك للشيخ عليش: 275/1 وما بعدها.\r(2) تبصرة الحكام، المكان السابق.","part":8,"page":213},{"id":5218,"text":"وقال الحنفية (1) : تجب يمين الاستظهار في الادعاء على الميت، ولو بدون طلب المدعى عليه، وفي خمس حالات أخرى عند أبي حنيفة ومحمد بطلب المدعى عليه، وبدون طلب عند أبي يوسف: وهي حالة الاستحقاق للمعقود عليه: فإذا أثبت المدعي استحقاق مال، حلف على عدم بيعه أو هبته أو تمليكه. وفي الشفعة: أنه طلبها بمجرد علمه بها ولم يبطلها بوجه ما، وفي نفقة الزوجة على زوجها الغائب أنه لم يطلقها ولم يترك لها نفقة. وفي رد المبيع بالعيب أنه لم يرض به، وفي خيار البلوغ للبكر أنها اختارت الفرقة مباشرة.\rوقال الشافعية (2) : توجه يمين الاستظهار بدون طلب الخصم في الدعوى على الميت والغائب والصغير والمحجور والسفيه والمجنون والمغلوب على عقله، ومع الشاهد واليمين.\rوأجاز الحنابلة في رواية عن أحمد هذه اليمين إذا قامت البينة على الغائب، أو المستتر في البلد، أو الميت، أو الصبي أو المجنون (3) .\rالقضاء بالنكول والقضاء بشاهد ويمين المدعي واليمين المردودة :\rاتفق الفقهاء على أن المدعي إذا قدم شاهدين على دعواه وقبلت شهادتهما، حكم له بما ادعى. وعلى أنه إذا عجز عن البينة وطلب تحليف المدعى عليه، وحلف، رفضت دعواه.\r-------------------------------\r(1) البحر الرائق: 207/7، الأشباه والنظائر لابن نجيم: ص 95، المجلة: م 1746، وقد نصت المجلة على أربع حالات ليمين الاستظهار بلا طلب: وهي ادعاء حق في التركة، الاستحقاق، رد المبيع بعيب، الشفعة.\r(2) مغني المحتاج: 407/4 وما بعدها، المهذب: 303/2 وما بعدها.\r(3) المحرر في الفقه الحنبلي لأبي البركات: 210/2، الإفصاح لابن هبيرة: ص 483.","part":8,"page":214},{"id":5219,"text":"واختلفوا بعدئذ على رأيين فيما إذا نكل المدعى عليه عن اليمين، هل يقضى للمدعي بنكول صاحبه عن اليمين، أم ترد اليمين إلى المدعي، فيقضى له بيمينه وشاهد واحد يقدمه للشهادة؟ قال الحنفية والحنابلة: يقضى بالنكول في الأموال، وقال الجمهور: لا يقضى بالنكول، وترد اليمين على المدعي.\rالرأي الأول ـ للحنفية والحنابلة في المشهور عندهم :\rقال الحنفية والحنابلة (1) : إذا نكل المدعى عليه عن اليمين، فإنه يقضى عليه بالمال، لكن ينبغي للقاضي أن يقول له: ( إني أعرض عليك اليمين ثلاث مرات، فإن حلفت وإلا قضيت عليك ) لاحتمال خشية القضاة ومهابة المجلس في المرة الأولى. ولا يقضى عند الحنفية بالشاهد واليمين ويقضى بها عند الحنابلة.\rودليلهم على القضاء بالنكول: أن القاضي شريح قضى على رجل بالنكول، فقال المدعى عليه: أنا أحلف، فقال شريح: مضى قضائي. وكانت لا تخفى قضاياه على أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلم ، ولم ينقل أنه أنكر عليه منكر، فيكون إجماعاً منهم على جواز القضاء بالنكول. وقضى عثمان على ابن عمر بالنكول. ورد عليه عبداً معيباً اشتراه منهم حينما نكل، ولأنه ظهر صدق المدعي في دعواه عند نكول المدعى عليه، فيقضى له، كما لو أقام البينة.\rواستدلوا على عدم مشروعية رد اليمين إلى المدعي بالحديث السابق: «البينة على المدعي واليمين على من أنكر» جعل جنس اليمين على المنكر، فتشمل كل مدعى عليه.\rواستدل الحنفية على عدم مشروعية القضاء بشاهد ويمين بما يأتي من الكتاب والسنة والمعقول.\r-------------------------------\r(1) البدائع: 225/6، 230، تكملة فتح القدير: 155/6، الطرق الحكمية: ص 116، المغني: 235/9.","part":8,"page":215},{"id":5220,"text":"1 ً - الكتاب: وهو قوله تعالى: {واستشهدوا شهيدين من رجالكم، فإن لم يكونا رجلين، فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء} [البقرة:282/2] وقوله سبحانه: {وأشهدوا ذوي عدل منكم} [الطلاق:2/65] الله سبحانه طلب إشهاد اثنين ولم يذكر الشاهد واليمين، فقبولهما زيادة على النص، والزيادة على النص نسخ، ونسخ القرآن لا يجوز إلا بمتواتر أو مشهور، ولا يجوز بخبر الواحد، وليس خبر رد اليمين متواتراً أو مشهوراً، وإنما هو خبر آحاد.\r2 ً - السنة: حديث مسلم وأحمد «ولكن اليمين على المدعى عليه» وحديث البيهقي «البينة على المدعي واليمين على من أنكر» وقوله صلّى الله عليه وسلم لمدعٍ في حديث الجماعة: «شاهداك أو يمينه» . الحديث الأول أوجب اليمين على المدعى عليه فقط، وجعل كل جنس اليمين على المنكر، فإذا قبلت يمين من المدعي، لم تكن جميع حالات اليمين على المنكرين. وكذلك الحديث الثاني جعل جميع أفراد البينة على المدعي، وجميع أفراد اليمين على المنكر، والقسمة والتوزيع تنافي اشتراك الخصمين فيما تمت فيه القسمة. والحديث الثالث خيَّر المدعي بين أمرين لا ثالث لهما إما البينة أو يمين المدعى عليه.\r3 ً - المعقول: إن اليمين تقوم مقام الشاهد الثاني، ولو جاز ذلك، لجاز تقديم اليمين كأحد الشاهدين على الآخر، ولكن لا يجوز تقديمه، فلا يصح أن يكون قائماً مقامه.","part":8,"page":216},{"id":5221,"text":"الرأي الثاني ـ للجمهور :\rقال الجمهور من أهل السنة والشيعة (1) وصوبه الإمام أحمد: لا يقضى بالنكول، ولكن ترد اليمين إلى المدعي فيحلف، فيأخذ حقه، ويقضى بالشاهد واليمين.\rوالنكول: أن يقول: أنا ناكل، أو يقول: لا أحلف.\rاستدلوا على عدم جواز القضاء بالنكول بالحديث المتقدم: «البينة على المدعي، واليمين على المدعى عليه» فإنه جعل البينة حجة المدعي، واليمين حجة المدعى عليه، ولم يذكر عليه الصلاة والسلام النكول، فلو كان حجة المدعي لذكره، ولأن النكول يحتمل لكونه كاذباً في الإنكار، ويحتمل لكونه صادقاً في الإنكار، تورعاً عن اليمين الصادقة، فلا يكون حجة القضاء مع الشك والاحتمال.\rواستدلوا على مشروعية القضاء برد اليمين: بما روى الدارقطني والبيهقي والحاكم من حديث نافع عن ابن عمر: «أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم رد اليمين على طالب الحق» وبقوله تعالى: {أو يخافوا أن ترد أيمان بعد أيمانهم} [المائدة:108/5] وثبت عن عمر وعثمان وعلي وغيرهم القول برد اليمين.\rواستدلوا مع الحنابلة على جواز القضاء بشاهد ويمين المدعي: بما روى ابن\r-------------------------------\r(1) القوانين الفقهية: ص 301، 306، بداية المجتهد: 456/2، 459، الشرح الكبير مع الدسوقي: 187/4، تهذيب الفروق: 151/4، مغني المحتاج: 468/4 وما بعدها، 477 وما بعدها، المهذب: 301/2، 318، المغني: 225/9، 235، الطرق الحكمية: ص 116، 132-142، المختصر النافع في فقه الإمامية: ص 283، البحر الزخار: 404/4، المحلى: 464/9.","part":8,"page":217},{"id":5222,"text":"عباس رضي الله عنهما: «أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم قضى باليمين مع الشاهد» (1) قال الشافعي: «وهذا الحديث ثابت لا يرده أحد من أهل العلم، لو لم يكن فيه غيره، مع أن معه غيره مما يشده» وقال الترمذي عنه: حسن غريب، وقال النسائي: إسناده جيد. وأجمع الصحابة على القضاء بالشاهد واليمين، منهم أبو بكر وعمر وعلي وأبي بن كعب.\rوهذا هو الرأي الراجح عندي لصحة الحديث وثبوته، وعده السيوطي متواتراً، ولأن الخلفاء الراشدين حكموا به، وهو لا يخالف الكتاب العزيز.\rمجال القضاء بشاهد ويمين والقضاء بالنكول :\rقال المالكية والشافعية وابن القيم (2) : المواضع التي يحكم فيها بالشاهد واليمين: المال، وما يقصد به المال، كالبيع والشراء وتوابعهما من اشتراط صفة في المبيع، أو نقد غير نقد البلد، والإجارة والجعالة، والمساقاة والمزارعة، والمضاربة والشركة والهبة، والوصية لمعين، أو الوقف عليه.\rومما يثبت بالشاهد واليمين أيضاً: الغصوب، والعواري، والوديعة، والصلح، والإقرار بالمال أو ما يوجب المال، والحوالة، والإبراء، والمطالبة بالشفعة وإسقاطها، والقرض، والصداق، وعوض الخلع، وتسمية المهر، والوكالة في المال والإيصاء به.\rوكذا يقضى بهما في الجنايات الموجبة للمال، كالخطأ، وما لا قصاص فيه كالهاشمة والمأمومة والجائفة، وقتل المسلم الكافرَ، والحرِّ العبد، والصبيِّ والمجنون.\r-------------------------------\r(1) رواه مسلم وأحمد والشافعي وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه. وذكر ابن الجوزي عدد رواة هذا الحديث بما يزيد على عشرين صحابياً. ورواه أيضاً أحمد والترمذي وابن ماجه عن جابر. ورواه أيضاً أحمد والدارقطني والبيهقي ومالك والشافعي عن علي رضي الله عنه، وأخرجه أبو داود والترمذي وابن ماجه والشافعي عن أبي هريرة رضي الله عنه. وأخرجه ابن ماجه عن سرَّق. وأخرجه أبو داود والبيهقي والطبراني عن الزبيب بن ثعلبة.\r(2) الطرق الحكمية: ص 141 وما بعدها، الشرح الكبير: 147/4، القوانين الفقهية: ص300 وما بعدها، حاشية الشرقاوي: 502/2، تبصرة الحكام: 270/1.","part":8,"page":218},{"id":5223,"text":"وأما مجال القضاء بالنكول: فهو عند الحنفية (1) والحنابلة في الأموال، وأما غير المال وما لا يقصد به المال كنكاح وطلاق ولعان وحد وقصاص، ووصاية، ووكالة، فلا يقضى فيه بالنكول، كما تبين سابقاً (2) ، لكن المفتى به عند الحنفية هو قول الصاحبين بأنه يقضى بالنكول إلا في الحدود والقصاص واللعان؛ لأنه في معنى الحد. ويقضى على السارق لأجل المال بالنكول، فيضمن المال المسروق، ولا تقطع يده.\rالمطلب السادس ـ حكم اليمين :\rحكم اليمين: هو الأثر المترتب على حلفها أمام القاضي، سواء أكانت من المدعي أم من المدعى عليه.\r1 - حكم يمين المدعي :\rيترتب على أداء اليمين من المدعي مع الشاهد عند الجمهور غير الحنفية ثبوت الحق المحلوف عليه، بناء على الشاهد واليمين معاً في الأصح عند الشافعية، وفي المعتمد عند المالكية؛ لأن الأحاديث علقت القضاء عليهما معاً، وبناء على الشاهد فقط ، وإنما اليمين للتأكيد والاستظهار والاحتياط في رأي الحنابلة؛ لأن الشاهد حجة الدعوى، واليمين من المدعي ليست بحجة على خصمه (3) .\r2 - حكم يمين المدعى عليه :\rيترتب على حلف اليمين من المدعى عليه باتفاق الفقهاء (4) : إنهاء النزاع بين المتداعيين وسقوط الدعوى، وكذا انقطاع الخصومة والمطالبة في الحال، لا مطلقاً، بل مؤقتاً إلى غاية إحضار البينة في رأي الجمهور غير المالكية، فلا تبرأ ذمة المدعى عليه من الحق، وتظل مشغولة به إلى أن يتمكن المدعي من إثبات دعواه بوسيلة أخرى من وسائل الإثبات.\rوقال المالكية: يترتب على يمين المدعى عليه سقوط الدعوى مطلقاً، فليس للمدعي أن يقيم البينة بعد الحكم باليمين، إلا لعذر كنسيان وعدم علم بالشهادة، ثم علمه بها، فتقبل منه، ويحلف يميناً على عذره.\r3 - حكم يمين الاستيثاق أو الاستظهار :\rليست هذه اليمين دليلاً في الإثبات، وإنما هي لزيادة التأكيد والاطمئنان وإقناع القاضي بصحة الأدلة المقدمة إليه؛ لأن القاضي يوجهها للاحتياط في الحكم.\r-------------------------------\r(1) الدر المختار: 442/4 وما بعدها، الكتاب مع اللباب : 30/4 وما بعدها.\r(2) انظر مجال القضاء بالنكول في بحث الدعوى والبينات. والنكول: الامتناع من حلف اليمين، سواء قال: لا أحلف، أو أصر على السكوت، بعد طلب القاضي منه اليمين.\r(3) الشرح الكبير مع الدسوقي: 146/4، 187، تبصرة الحكام بهامش فتح العلي المالك: 271/1، الوجيز للغزالي: 154/2، مغني المحتاج: 477/4، الطرق الحكمية: ص138-140.\r(4) البدائع: 229/6، المبسوط: 119/16، بداية المجتهد: 454/2، الشرح الكبير مع الدسوقي: 146/4 وما بعدها، حاشية الشرقاوي: 502/2، الطرق الحكمية: ص 112، مغني المحتاج: 478/4.","part":8,"page":219},{"id":5224,"text":"المطلب السابع ـ أنواع الحقوق التي يجوز فيها اليمين :\rهناك حقوق يجوز فيها اليمين بالاتفاق، وحقوق لا يجوز فيها اليمين اتفاقاً، وحقوق مختلف فيها على التفصيل التالي (1) :\r1ً - اتفق الفقهاء على عدم جواز التحليف في حقوق الله تعالى المحضة، سواء أكانت حدوداً كالزنا والسرقة وشرب المسكرات، أم عبادات كالصلاة والصوم والحج والنذر والكفارة، إلا إذا تعلق بها حق مالي لآدمي فيجوز؛ لأن الحدود تدرأ بالشبهات، ولا يقضى فيها بالنكول عند الحنفية والحنابلة؛ لأنه بذل عند أبي حنيفة، وإقرار فيه شبهة العدم عند أحمد والصاحبين، والحدود لا تحتمل البذل، ولا تثبت بدليل فيه شبهة؛ لأن النكول قائم مقام الإقرار، ولا يجوز إقامة الحد بما يقوم مقام غيره. ولأنه لو أقر، ثم رجع، قبل منه وخلي من غير يمين، فلأن لا يستحلف مع عدم الإقرار أولى، ولأنه يستحب ستره.\rوأما أن العبادات لا يستحلف فيها، فلأنها علاقة بين العبد وربه، فلا يتدخل فيها أحد، قال الإمام أحمد: «لا يحلف الناس على صدقاتهم» فإذا ادعى الساعي الزكاة على رب المال وأن الحول قد تم وكمل النصاب، فالقول عند أحمد قول رب المال من غير يمين. ونقل ابن قدامة عن الشافعي وأبي يوسف ومحمد أنه يستحلف؛ لأنها دعوى مسموعة، فتشبه حق الآدمي. أما إذا تعلق بالحدود وغيرها حق مالي للعباد كالمال في السرقة، فيجوز فيها الاستحلاف.\r-------------------------------\r(1) تبيين الحقائق: 297/4، تكملة فتح القدير: 162/6، 165، البدائع: 227/6، الشرح الكبير مع الدسوقي: 227/4، الوجيز للغزالي: 160/2، المهذب: 301/2 وما بعدها، الطرق الحكمية: ص 110 وما بعدها، 124، المغني: 237/9 ومابعدها، البحر الزخار: 404/4 و 133/5، شرائع الإسلام: 214/2، 223، شرح النيل: 583/6.","part":8,"page":220},{"id":5225,"text":"2ً - واتفق الفقهاء أيضاً على جواز اليمين في الأموال، وما يؤول إلى المال، فيحلَّف المدعى عليه إثباتاً ونفياً، لقوله تعالى: {إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمناً قليلاً، أولئك لا خلاق لهم في الآخرة، ولا يكلمهم الله ، ولا ينظر إليهم يوم القيامة، ولا يزكيهم، ولهم عذابٌ أليم } [آل عمران:77/3] وللحديث السابق عند الجماعة: «لو يعطى الناس بدعواهم، لادعى أناس دماء قوم وأموالهم، ولكن اليمين على المدعى عليه» .\r3ً - واتفق الفقهاء على جواز التحليف في الجنايات من قصاص وجروح وفي بعض مسائل الأحوال الشخصية. واختلفوا في بعض مسائل هذا النوع على أقوال ثلاثة:\rأ ـ فقال المالكية: إن التحليف غير جائز في النكاح فقط؛ لأنه يجب فيه الشهادة والإعلان، إذا لم يوجد الشهود لم يصح النكاح، فلا يقبل فيه اليمين لتحقق التهمة والكذب، ولأنه لو أقر بالنكاح لا يثبت ولا يلزم.","part":8,"page":221},{"id":5226,"text":"ب ـ وقال أبو حنيفة: يستثنى سبع مسائل لا يجوز فيها التحليف وهي النكاح والطلاق والنسب، والفيء في الإيلاء، والعتق، والولاء، والاستيلاد، وزاد الحنابلة القود؛ لأن القصد من توجيه اليمين هو النكول عن الحلف، والقضاء بناء عليه، والنكول بذل وإباحة وترك للمنازعة في رأي أبي حنيفة، صياغة عن الكذب الحرام، وهذه المسائل لا يجوز فيها البذل والإباحة، كما تقدم سابقاً، ولأن النكول في رأي أحمد والصاحبين وإن جرى مجرى الإقرار، فليس بإقرار صحيح صريح، لا يراق به الدم بمجرده، ولا مع يمين المدعي إلا في القسامة للَّوْث. والمفتى به عند الحنفية هو رأي الصاحبين كما تقدم، وهو أنه يجوز التحليف في هذه الأمور إلا في الحدود والقصاص واللعان. فإن كان المقصود من الدعوى في هذه المسائل المال، فيستحلف المدعى عليه، ويثبت المال دون النكاح والنسب والرجعة، كأن تدعي امرأة على رجل أنه لم يدفع لها نصف المهر قبل الدخول، أو نفقة العدة بعد الدخول، فيحلف.\rوعند الحنابلة روايتان أرجحهما أنه لا يستحلف المدعى عليه، ولا تعرض عليه اليمين فيما ليس بمال، ولا المقصود منه المال: وهوكل ما لا يثبت إلا بشاهدين كالقصاص وحد القذف والنكاح والطلاق والرجعة والعتق والنسب والاستيلاد والولاء والرق؛ لأن هذه الحالات لا تثبت إلا بشاهدين ذكرين، فلا تعرض فيها اليمين كالحدود.","part":8,"page":222},{"id":5227,"text":"جـ ـ وقال الشافعية والصاحبان وبرأيهما يفتى عند الحنفية، والشيعة الإمامية والزيدية والإباضية: يجوز التحليف في هذه المسائل، ويحلف المنكر في إثباتها أو نفيها، للحديث السابق عند الترمذي: «البينة على المدعي، واليمين على المدعى عليه» يتناول بعمومه كل مدعى عليه، فإذا لم تتوافر البينة، حلف المدعى عليه على إنكاره حق المدعي. وقد حلف النبي صلّى الله عليه وسلم رُكانة بن عبد يزيد على طلاق امرأته البتة فيما رواه البيهقي قائلاً له: والله ما أردتَ إلا واحدة؟ فقال ركانة: والله ما أردتُ إلا واحدة فردها عليه.\rوهذا الرأي هو الراجح لدي لعموم النصوص وقوة الأدلة التي اعتمدوا عليها.\rتحليف الشهود اليمين: لجأ القضاة في عصرنا الحاضر بسبب كثرة الناس بدلاً عن العمل بمبدأ تزكية الشهود اللجوء إلى تحليف الشاهد اليمين، ولا مانع من هذا في رأيي، بدليل تحليف النبي صلّى الله عليه وسلم رُكانة على ما يريد من تطليق امرأته طلقة واحدة أم أكثر. وقد أخذ بهذا الرأي ابن أبي ليلى ومحمد بن بشير قاضي قرطبة، ورجحه ابن نجيم المصري وهو رأي ابن القيم. وأخذت مجلة الأحكام العدلية بذلك، فنصت المادة (1727) على أنه:\r«إذا ألح المشهود عليه على الحاكم بتحليف الشهود بأنهم لم يكونوا في شهادتهم كاذبين، وكان هناك لزوم لتقوية الشهادة باليمين، فللحاكم أن يحلِّف الشهود، وله أن يقول لهم: إن حلفتم قبلت شهادتكم، وإلا فلا» .","part":8,"page":223},{"id":5228,"text":"المبحث الثالث ـ الإقرار\rيتضمن هذا المبحث المطالب الآتية:\rالمطلب الأول ـ تعريف الإقرار وحجيته وحكمه.\rالمطلب الثاني ـ ألفاظ الإقرار.\rالمطلب الثالث ـ شروط صحة الإقرار.\rالمطلب الرابع ـ أنواع المقر به بشكل عام.\rالمطلب الخامس ـ الإقرار بالأموال.\rالمطلب السادس ـ الإقرار في حال الصحة وفي حال المرض.\rالمطلب السابع ـ الإقرار بالنسب.\rالمطلب الأول ـ تعريف الإقرار وحجيته وحكمه :\rالإقرار لغة: الإثبات، مأخوذ من قولهم: قرَّ الشيء يقر قراراً: إذا ثبت، وشرعاً: هوإخبار عن ثبوت حق للغير على نفسه. وبما أن الإقرار إخبار متردد بين الصدق والكذب، فكان محتملاً لهذين الأمرين، إلا أنه جعل حجة بدليل معقول: وهو أنه ظهر رجحان الصدق على الكذب فيه؛ لأن الإنسان غير متهم فيما يقر به على نفسه، فإن المال محبوب المرء طبعاً، فلا يقر به لغيره كاذباً، فلم يكن في الإقرار تهمة وريبة.\rوأدلة حجيته من الكتاب والسنة والإجماع هي ما يلي:\rأما الكتاب: فقوله تعالى {أأقررتم، وأخذتم على ذلكم إصري؟ قالوا: أقررنا} [آل عمران:81/3] فالله سبحانه طلب منهم الإقرار، ولو لم يكن الإقرار حجة، لما طلبه. وقوله سبحانه: {كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم} [النساء:135/4] قال المفسرون: شهادة المرء على نفسه إقرار. وقوله عز وجل: {بل الإنسان على نفسه بصيرة} [القيامة:14/75] قال ابن عباس: أي شاهد بالحق.\rوأما السنة: فخبر الصحيحين في قصة العسيف: «واغدُ يا أنيس إلى امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها» فأثبت الرسول صلّى الله عليه وسلم الحد بالاعتراف.\rوأما الإجماع: فإن الأمة الإسلامية أجمعت على صحة الإقرار، وكونه حجة من لدن رسول الله صلّى الله عليه وسلم إلى يومنا هذا من غير نكير.\rوبالقياس ثبتت الحجية أيضاً: وهو أننا إذا قبلنا الشهادة على الإقرار، فلأن نقبل الإقرار أولى.\rوحكمة تشريع الإقرار: التوصل لإثبات الحقوق وإيصالها إلى أصحابها من أقرب الطرق وأيسرها، لأن الشرع يحرص على حفظ الأموال وصيانتها من الضياع، كما يحرص على أداء حقوق الله تعالى.\rوحكم الإقرار: ظهور ما أقر به المقر، لا ثبوت الحق وإنشاؤه من أول الأمر، ولذا لا يصح الإقرار بالطلاق مع الإكراه، مع أن الإنشاء يصح مع الإكراه عند الحنفية، فمن أقر لغيره بمال، والمقر له يعلم أنه كاذب في إقراره لا يحل له أخذه عن كره منه فيما بينه وبين الله تعالى.","part":8,"page":224},{"id":5229,"text":"والإقرار حجة قاصرة على المقر، لا يتعدى أثره إلى غيره، لقصور ولاية المقر على غيره، فيقتصر أثر الإقرار على المقر نفسه. والإقرار أيضاً سيد الأدلة؛ لانتفاء التهمة فيه (1) ، والإقرار يثبت الملك في المخبر به.\rوأما الشهادة فهي حجة مطلقة ثابتة في حق جميع الناس غير مقتصرة على المقضي عليه، لذا تسمى بالبينة لأنها مبينة يظهر بها الملك، وقال الحنفية: البينة أقوى من الإقرار.\rالمطلب الثاني ـ ألفاظ الإقرار :\rالإقرار إما أن يكون بلفظ صريح أو بلفظ ضمني أو دلالة (2) .\r1 - الإقرار بلفظ صريح: أن يقول إنسان: «لفلان علي ألف درهم» ؛ لأن كلمة (علي) كلمة تفيد الإيجاب والإلزام لغة وشرعاً، قال تعالى: {ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلاً } [آل عمران:97/3].\rأو يقول لرجل: ( لي عليك ألف درهم ) فقال الرجل: نعم، لأن كلمتي «نعم، وأجل» ونحوهما للتصديق، قال تعالى: { فهل وجدتم ما وعد ربكم حقاً؟ قالوا: نعم} [الأعراف:44/7].\rأو يقول: ( لفلان في ذمتي ألف درهم )؛ لأن ما في الذمة هو الدين، فيكون إقراراً بالدين.\r-------------------------------\r(1) راجع المبسوط: 184/17 ومابعدها، تكملة فتح القدير: 279/6 وما بعدها، الدر المختار: 203/4، 467، اللباب: 76/2، مغني المحتاج: 238/2، المهذب: 343/2، المغني: 137/5، مجمع الضمانات: ص 364).\r(2) المبسوط: 15/18، البدائع: 207/7 وما بعدها، المغني: 200/5، تكملة فتح القدير: 296/6. اللباب: 78/2.","part":8,"page":225},{"id":5230,"text":"أو يقول: ( لفلان قبلي ألف درهم ) فهو إقرار بالدين على الأرجح؛ لأن القبالة هي الكفالة، قال الله سبحانه: {والملائكة قبيلاً} [الإسراء:92/17] أي كفيلاً. والكفالة هي الضمان. قال الله عز وجل: {وكفلَها زكريا } [آل عمران:37/3] على قراءة التخفيف: أي ضمن القيام بأمرها، أو يقول: ( أليس لي عندك ألف درهم؟ ) قال: بلى، كان قراراً صحيحاً؛ لأن ( بلى) جواب للسؤال بحرف النفي، قال تعالى: {ألست بربكم؟ قالوا: بلى} [الأعراف:172/7].\rولو قال رجل لآخر: ( له في مالي ألف درهم ) فهو إقرار له به في ماله. وهل يكون مضموناً أو أمانةً؟ اختلف مشايخ الحنفية فيه: فقال الجصاص: إنه يكون إقراراً بالشركة بينه وبينه، فيكون القدر المقر به عنده أمانة؛ لأنه جعل ماله ظرفاً للمقر به، وهو الألف فيقتضي ذلك الخلط بين ماليهما، وهو معنى الشركة.\rوقال بعض مشايخ العراق: إن كان مال المقر محصوراً، أي محدداً في تجارة معينة، أو عمل معين، يكون إقراراً بالشركة، وإن لم يكن محصوراً يكون إقراراً بالدين.\rوالراجح كما في مختصر القدوري أنه يدل على الإقرار بالدين كيفما كان الأمر؛ لأن كلمة الظرف في مثل هذا تستعمل في الوجوب والالتزام، قال عليه الصلاة والسلام: «وفي الركاز الخمس» (1) .\rولو قال رجل لآخر: ( له من مالي ألف درهم ) لا يكون إقراراً، بل يكون هبة، وإذا كان هبة لا يملكها المخاطب إلا بالقبول والقبض؛ لأنه ليس في هذا القول ما يدل عى الالتزام في الذمة؛ لأن اللام في ( له ) للتمليك، والتمليك بغير عوض هبة.\rولو قال: (له عندي درهم ) فهو وديعة، لأن (عندي) لا تدل على التزام شيء في الذمة، بل هي كلمة تفيد الوجود، وليس لهذا المعنى دلالة على الالتزام.\r-------------------------------\r(1) أخرجه أصحاب الكتب الستة عن أبي هريرة (راجع نصب الراية: 380/2).","part":8,"page":226},{"id":5231,"text":"وكذلك لو قال: ( لفلان معي، أوفي منزلي، أو في بيتي، أو في صندوقي، أو في كيسي ألف درهم ) فهو وديعة؛ لأن هذه الألفاظ لا تدل إلا على قيام اليد أو الحيازة، وهذا المعنى لا يفيد الالتزام في الذمة، فلم يكن إقراراً بالدين، فكانت وديعة، لتعارف الناس ذلك.\rولو قال: (لفلان عندي ألف درهم عارية) فهو قرض؛ لأن (عندي) تستعمل في الأمانات، وقد فسرت بالعارية، والمعروف أن عارية الدراهم والدنانير تكون قرضاً؛ إذ لا يمكن الانتفاع بها إلا باستهلاكها، وإعارة ما لا يمكن الانتفاع به إلا باستهلاكه، يكون قرضاً في العرف.\rوكذلك كل ما يكال أو يوزن: يكون الإقرار بإعارته إقراراً بالقرض؛ إذ يتعذر الانتفاع به إلا باستهلاكه.\r2 - الإقرار الضمني أو الإقرار دلالة: قد يكون الإقرار بلفظ يدل على التزام الشيء ضمناً أو دلالة، مثل أن يقول شخص لغيره: (لي عليك ألف درهم) فيقول: قد قضيتها؛ لأن القضاء يدل على تسليم مثل الواجب الملتزم به في الذمة، فيقضي سبق الالتزام بهذا المبلغ، ولا يثبت الوفاء إلا بالبينة. وكذا لو قال رجل لآخر: (لي عليك ألف درهم ) فقال المخاطب: (أجلني بها)؛ لأن التأجيل إنما يكون في حق واجب، ولو لم يذكر الضمير في هذا وفيما قبله، لا يكون إقراراً، لعدم انصرافه إلى الكلام المذكور.\rوفي دعوى الإبراء بأن قال: (أبرأتني منها) مثل قوله: (قد قضيتها)؛ لأن الإبراء إسقاط، وهذا إنما يكون في مال واجب عليه.\rوكذلك دعوى الصدقة والهبة بأن قال: (تصدقت بها علي أو وهبتها لي) كان ذلك أيضاً إقراراً منه، مثل دعوى القضاء؛ لأن التمليك بالصدقة أو بالهبة يقتضي أسبقية الوجوب والالتزام.\rوكذلك لو قال: ( أجلتك بها على فلان ) يكون إقراراً أيضاً؛ لأنه يعني تحويل الدين من ذمة إلى ذمة، وهذا لا يكون بدون التزام.\rولو قال رجل لآخر:(لي عليك ألف درهم ) فقال: حقاً أو صدقاً، يكون إقراراً؛ لأن معناه تصديقه فيما يدعي عليه.","part":8,"page":227},{"id":5232,"text":"الإقرار بالدين المقترن بلفظ آخر: كل ما ذكر إذا كان لفظ الإقرار مطلقاً عن التقييد بشيء آخر، فإن اقترن بلفظ الإقرار لفظ آخر مخالف لمعنى اللفظ الأول ، بأن قال: (لفلان علي ألف درهم وديعة) يكون إقراراً بالوديعة بشرط اتصاله بالإقرار كالاستثناء؛ لأن قوله (وديعة) تغيير لحكم الإقرار من كون المال ديناً إلى كونه محفوظاً أمانة، وهذا بيان معتبر، فيصح بشرط كونه موصولاً بالكلام السابق لا منفصلاً، كما هو الشرط في الاستثناء.\rفإن كان البيان منفصلاً عن الكلام السابق، بأن سكت، ثم قال: عنيت به الوديعة، لا يصح بيانه، ولا يصدق، ويكون إقراراً بالدين؛ لأن بيانه المتأخر خلاف ظاهر الكلام السابق، فلا يصدق به على الغير. ولو قال: (علي ألف درهم وديعة قرضاً، أو وديعة ديناً، أو مضاربة قرضاً أو ديناً) فهو إقرار بالدين؛ لأن الجمع بين اللفظين في معناهما ممكن، بأن يكون الشيء في مبدأ الأمر أمانة، ثم يتغير حاله، فيصير مضموناً، إذ الضمان قد يطرأ على الأمانة كالوديعة إذا استهلكت ونحوها، والإنسان غير متهم على نفسه في الإقرار بالضمان.\rولو قال: (لفلان عندي أو معي ألف درهم قرضاً) فهو إقرار؛ لأنه بيان معتبر دال على أن وجود الألف عنده ليس أمانة، وإنما ديناً مضموناً.\rولو قال: (عندي كذا) وأعني به الإقرار: صُدِّق، وإن كان كلامه منفصلاً؛ لأن هذا إقرار على نفسه، فلا يتهم الإنسان فيه.\rولو قال: (له من مالي ألف درهم لا حق لي فيها) فهو إقرار بالدين؛ لأن الألف التي لا حق فيها تكون ديناً إذ لو كانت هبة لكان له فيها حق.","part":8,"page":228},{"id":5233,"text":"الإقرار المكتوب: لو ادعى رجل على آخر مالاً، وأخرج بذلك خطاً بخط يده على إقرار له بالمال، وأنكر المدعى عليه أنه خطه، فاستكتب، فكتب، فكان بين الخطين مشابهة ظاهرة دالة على أنهما خطا كاتب واحد، قال أئمة بخارى: إنه حجة يقضى بها، وقد نص محمد في المبسوط على أنه لا يكون حجة؛ لأنه لو قال: (هذا خطي وأنا كتبته غير أنه ليس علي هذا المال): لا يلزمه شيء، فهذا أولى.\rولو كتب بخطه صكاً فقيل له: تشهد به؟ فقال: نعم، فيكون إقراراً، ولو لم يقل شيئاً: لا يكون إقراراً. ويعمل بدفتر السمسار والصراف والبياع؛ لأن كل واحد من هؤلاء لا يكتب في دفتره إلا ماله وعليه (1) .\rوالخلاصة: يشترط في صيغة الإقرار لفظ صريح أو كناية يدل على الالتزام بالمقر به، وفي معنى اللفظ الصريح الكتابة مع النية، وإشارة الأخرس المفهمة.\rالمطلب الثالث ـ شروط صحة الإقرار :\rاتفق الفقهاء على صحة الإقرار بحق من الحر البالغ العاقل المختار غير المتهم في إقراره (2) . ويصح إقرار العبد بجريمة تقتضي حداً أو قصاصاً، كما يصح إقرار العبد المأذون في التجارة والمعاملة بثمن الأشياء، والأجرة، والغصوب، والودائع، ويصح إقرار المكاتب في الأموال، ويصح عند الحنفية إقرار العبد المحجور بالمال، لكن لا ينفذ على السيد في الحال، وإنما يطالب به العبد بعد العتق والحرية. ولا ينفذ عند الحنابلة إقرار العبد بالقصاص في النفس، وإنما يطالب به بعد العتق، ولكن يصح الإقرار منه بالقصاص فيما دون النفس عندهم. وبالاتفاق لا يصح إقرار الصبي والمجنون والمكرَه والمتهم في إقراره. وعلى هذا تكون شروط الإقرار ما يلي:\r1 - العقل والبلوغ: فلا يصح إقرار المجنون. ويعبر البلوغ شرطاً عند الجمهور لصحة الإقرار، فلا يصح إقرار الصبي غير البالغ أيضاً، لقوله عليه الصلاة والسلام: «رفع القلم عن ثلاثة: عن الصبي حتى يبلغ، وعن النائم حتى\r-------------------------------\r(1) مجمع الضمانات: ص 370 وما بعدها.\r(2) البدائع: 222/7، تكملة فتح القدير: 281/6، اللباب: 76/2، تبيين الحقائق: 3/5، الشرح الكبير للدردير: 397/3 وما بعدها، المهذب: 343/2، مغني المحتاج: 238/2، المغني: 138/5، مجمع الضمانات: ص 365 وما بعدها.","part":8,"page":229},{"id":5234,"text":"يستيقظ، وعن المجنون حتى يفيق» (1) ورفع القلم معناه رفع التكليف والمسؤولية. ولأن غير البالغ ممنوع من التصرفات.\rوليس البلوغ شرطاً لصحة الإقرار عند الحنفية، فيصح إقرار الصبي العاقل بالديون والأعيان؛ لأنه من ضرورات التجارة.\r2 - الطواعية أو الاختيار: فلا يصح إقرار المستكره، لقوله صلّى الله عليه وسلم : «رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه» وقد سبق تفصيل حكم إقرارات المستكره في بحث الإكراه.\r3 - عدم التهمة: يشترط ألا يكون المقر متهماً في إقراره، فإن اتهم بإقراره لملاطفة صديق ونحوه بطل الإقرار؛ لأن التهمة تخل برجحان الصدق على الكذب في إقراره، والإقرار يعتبر شهادة على النفس، والشهادة ترد بالتهمة، ودليل اعتباره شهادة قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا كونوا قوَّامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم} [النساء:135/4].\r4 - أن يكون المقر معلوماً: فلو قال رجلان: ( لفلان على واحد منا ألف درهم ) لا يصح الإقرار؛ لأن المقر إذا لم يكن معلوماً لا يتمكن المقر له من المطالبة بالدين، فلا يكون في هذا الإقرار فائدة، فلا يصح.\rفإذا أقر الحر البالغ العاقل لزمه إقراره عند الحنفية، سواء أكان المقر به مجهولاً أم معلوماً، ويقال له: بيِّن المجهول، فإذا لم يبين أجبره القاضي على البيان. والقول في البيان قول المقر مع يمينه، إن ادعى المقر له أكثر من الذي بينه، لإنكاره\r-------------------------------\r(1) سبق تخريجه، رواه الإمام أحمد وأصحاب السنن الأربعة إلا الترمذي عن السيدة عائشة، وصححه الحاكم، وأخرجه ابن حبان أيضاً.","part":8,"page":230},{"id":5235,"text":"الزائد، واليمين على من أنكر. فإن قال: ( له علي مال ) فالمرجع في بيانه إليه، ويقبل قوله في القليل والكثير (1) .\rويلاحظ أن الشافعية (2) : فرقوا بين أثر الحجر على السفيه وأثر الحجر على المفلس، فقالوا: لا يصح إقرار السفيه بدين في معاملة قبل الحجر أو بعده، وكذا بإتلاف مال في الأظهر، لأنه ممنوع من التصرف بماله. ويصح إقراره بالحد والقصاص؛ لعدم تعلقهما بالمال، ولبُعد التهمة، ويصح طلاقه وخلعه وظهاره ونفيه النسب بلعان، وحكمه في العبادة كالرشيد ، لكن لا يفرّق الزكاة بنفسه، وإذا أحرم بحج فرض وكّل الولي ثقة ينفق عليه في طريقه، وإ ن أحرم بتطوع، المذهب أنه كمحصر فيتحلل بالصوم.\rأما المفلس فيصح ويقبل إقراره بعين أو دين وجب قبل الحجر في الأصح في حق الغرماء، كما لو ثبت بالبينة، ولا يصح إقراره بدين أو حق وجب بعد الحجر بمعاملة أو مطلقاً بأن لم يقيده بمعاملة ولا غيرها، ولا يقبل في حق الغرماء. ويصح نكاحه وطلاقه وخلعه واقتصاصه وإسقاطه كالسفيه كما تقدم.\rالمطلب الرابع ـ أنواع المقر به :\rالمقر به عموماً نوعان: حقوق الله تعالى، وحقوق العباد (3) .\rأما حقوق الله تعالى :\rفنوعان عند الحنفية:\rأحدهما ـ أن يكون الحق خالصاً لله، أي للمجتمع، وهو حد الزنا والسرقة وشرب الخمر ونحوه من المسكرات، والإقرار به صحيح. ولو رجع المقر عن إقراره بموجب الحد قبل إقامة الحد، بطل الحد، لاحتمال صدقه في الرجوع، فأورث رجوعه شبهة، والحدود تدرأ بالشبهات.\r-------------------------------\r(1) مجمع الضمانات: ص 364-366، الكتاب مع اللباب: 76/2.\r(2) مغني المحتاج: 148/2، 172 وما بعدها.\r(3) راجع البدائع: 223/7.","part":8,"page":231},{"id":5236,"text":"ويكفي في الإقرار أن يكون مرة إلا في الزنا عند الحنفية، فإنه يشترط أن يكون أربع مرات، كما حدث في إقرار ماعز بين يدي الرسول صلّى الله عليه وسلم ، وذلك خلافاً للقياس، فيقتصر على مورد النص.\rوقال أبو يوسف وزفر: يشترط تعدد الإقرار بأن يكون مرتين بعدد الشهود. ولكن روي أن أبا يوسف رجع عن هذا الرأي، ويلاحظ أن التعدد في الإقرار بالقذف ليس بشرط باتفاق الحنفية.\rويحكم بموجب الإقرار في الحدود، سواء تقادم العهد على حدوث مقتضى الحد، أم لا، إلا في شرب الخمر، فإنه لا يعتبر الإقرار عند أبي حنيفة وأبي يوسف بعد ذهاب الرائحة وتقادم العهد؛ لأن ابن مسعود جلد رجلاً وجد منه رائحة الخمر، ولم يجلده حتى تحقق من الرائحة.\rوسبق ذكر الحديث وتفصيل هذا الموضوع في مبحث حد الشرب الذي عرفنا فيه أن محمداً رحمه الله قال: يحد شارب الخمر بالإقرار أو بالشهادة، ولو بعد ذهاب الرائحة.\rالثاني ـ أن يكون للعبد فيه حق: وهو حد القذف. وقد ذكرت في مبحث هذا الحد شروط صحة الإقرار بجريمة القذف والزنا وسائر الحدود.\rوأما حقوق العباد أي حقوق الأفراد، فأنواع :\rمنها: حق طلب واستيفاء القصاص أو الدية.\rومنها: الحق في الأموال النقدية، أو العينية.\rومنها: الحق في الطلاق وحق الشفعة والنسب ونحوها.\rولا يشترط لصحة الإقرار بهذه الحقوق الفردية مايشترط للإقرار بحقوق الله تعالى من التعدد، وكونه في مجلس القضاء، والنطق بعبارة صريحة، وإنما يصح الإقرار فيها من الأخرس؛ كما لا يشترط لصحة الإقرار بها الصحو، فيصح إقرار السكران بها. وهذه الحقوق تثبت مع الشبهات، بخلاف حقوق الله تعالى.","part":8,"page":232},{"id":5237,"text":"والشروط المختصة بالإقرار بحقوق العباد عند الحنفية هي ما يأتي (1) :\rأولاً ـ أن يكون المقر له معلوماً، سواء أكان موجوداً أم حملاً في البطن: فلو كان المقر له مجهولاً، بأن قال إنسان: ( لواحد من الناس علي ألف درهم ) لا يصح الإقرار؛ لأنه لا يملك أحد مطالبته بمقتضى إقراره.\rولو قال: (لحمل هند علي ألف درهم): فإن عزا إقراره لسبب مقبول، يصلح لثبوت الملك له، من طريق إرث أو وصية (2) ، كأن يقول: مات أبو الحمل، فورث الحمل هذا الألف، أو يقول: أوصى بالألف فلان لهذا الحمل، صح الإقرار، وكان المبلغ المقر به للحمل، أي الجنين بالاتفاق.\rوحينئذ إن جاءت هند هذه بالولد في مدة يعلم أنه كان قائماً وقت الإقرار، لزم المقر ما أقر به. وإن جاءت به ميتاً، فالمال للموصي والمورث؛ لأنه إقرار في الحقيقة لهما، وإنما ينتقل إلى الجنين بعد الولادة، ولم ينتقل في الواقع، فيقسم بين ورثة المورث. ولو جاءت بولدين حيين، فالمال بينهما.\rوإن بين المقر سبباً مستحيلاً في العادة لا يمكن حدوثه من الجنين، كأن قال: أقرضني أو باعني شيئاً، فالإقرار باطل لاغ اتفاقاً.\rوإن أبهم الإقرار، أي أطلقه، فلم يبين سبباً صالحاً يتصور لثبوت الملك للحمل كالإرث والوصية: لم يصح الإقرار عند أبي يوسف، قيل: وأبو حنيفة معه؛ لأنه لا يثبت للجنين شيء من الحقوق المالية، سواء أكان من جهة التجارة والمعاملة، أم من جهة الجناية، ومطلق الإقرار ينصرف إلى الإقرار بحق ثابت بسبب التجارة، فيعتبر كأن المقر صرح به، وهو غير مقبول منه.\r-------------------------------\r(1) المبسوط: 196/17 ومابعدها، البدائع: 223/7 وما بعدها، تكملة فتح القدير: 304/6، تبيين الحقائق: 11/5، الدر المختار: 474/4، اللباب: 83/2، مجمع الضمانات: ص 369.\r(2) إذ أن أهلية الجنين أهلية وجوب ناقصة فلا يتمكن من ثبوت الحقوق المالية له إلا ماكان من طريق الإرث، أو الوصية، أو الوقف، كما هو معلوم.","part":8,"page":233},{"id":5238,"text":"وقال محمد والشافعي في الأظهر ومالك وأحمد: يصح الإقرار للحمل إذا أطلقه المقر، أي لم يسنده إلى سبب كإرث أو وصية، ويحمل إقراره على سبب الملكية المتصور للحمل، بأن يحمل على أن هذا المبلغ أوصى به رجل، أو مات مورث الحمل وتركه ميراثاً له؛ لأن الإقرار حجة شرعية، فإذا صدر من أهله في محله، فيجب إعماله، وقد أمكن العمل به على النحو المذكور (1) .\rهذا هو حكم الإقرار للحمل. وأما الإقرار بالحمل فجائز اتفاقاً، كما إذا أقر بحمل شاة لرجل، صح إقراره والتزم المقر بما أقر به، سواء بيَّن سبباً صالحاً لثبوت الملك أو أبهم؛ لأن لإقراره وجهاً صحيحاً: وهو الوصية بالحمل من جهة غير المقر، بأن أوصى بالحمل مالك الشاة لرجل، ومات فأقر وارثه، وهو عالم بوصية مورثه بأن هذا الحمل لفلان (2) .\rثانياً ـ ألا يتعلق بالمقر به حق الغير؛ لأن حق ا لغير معصوم محترم، فلا يجوز إبطاله من غير رضاه، كإقرار المريض مرض الموت بدين لوارثه، لا يصح إقراره إلا بإجازة بقية الورثة؛ لأنه متهم في هذا الإقرار، إذ يجوز أنه آثر بعض الورثة على بعض. وسأفصل بحثه في مبحث لاحق.\rواشترط الشافعية شرطين في المقَرّ به:\r1 - ألا يكون الحق المقر به ملكاً للمقر حين يقرّ به، لأن الإقرار إخبار عن كون الشيء مملوكاً للمقرّ له.\r2 - أن يكون الحق المقرّ به في يد المقرّ، ليسلمه بالإقرار إلى المقرّ له، وإلا لم يتحقق مقتضى الإقرار.\r-------------------------------\r(1) تكملة فتح القدير: 306/6، الشرح الكبير وحاشية الدسوقي عليه: 398/3، المهذب: 344/2 وما بعدها، مغني المحتاج: 241/2 وما بعدها، المغني: 141/5 وما بعدها.\r(2) المراجع السابقة، تكملة فتح القدير: 308/6،البدائع: 224/7، تبيين الحقائق: 12/5، اللباب: 84/2.","part":8,"page":234},{"id":5239,"text":"المطلب الخامس ـ الإقرار بالأموال :\rيصح الإقرار بالأموال، سواء أكان المال عيناً من الأعيان، أم ديناً ثابتاً في الذمة، وسواء أكان المقر به معلوماً أم مجهولاً باتفاق العلماء؛ لأن جهالة المقر به لا تمنع صحة الإقرار؛ لأن الحق قد يلزم الإنسان مجهولاً بأن أتلف مالاً لا يدري قيمته، أو يطالب بتعويض جناية على أعضاء الإنسان لا يعلم مقداره، فلا تمنع الجهالة صحة الإقرار، والإقرار: إخبار عن ثبوت الحق، فيصح به. وحينئذ يصح أن يقول المقر: علي شيء أو حق، فيلزمه مجهولاً، ثم يطالب ببيان المجهول،\rليتمكن الغير من استيفائه، فإن لم يبين أجبره القاضي على البيان بالحبس ونحوه؛ لأن المقر لزمه تفريغ ذمته التي شغلها بصحيح إقراره، ويتم ببيان مقدار المقر به.\rوهذا بخلاف جهالة المقر له، فإن جهالته تفسد الإقرار؛ لأن المجهول لا يصلح مستحقاً، وبخلاف جهالة المقر، فإنها تفسد الإقرار أيضاً لجهالة المقضي عليه بوجوب دفع الحق إلى صاحبه، فلا يتمكن المقر له من المطالبة، فيصبح الإقرار عديم الفائدة (1) .\rوعلى هذا، إن جهالة المقر به لا تمنع صحة الإقرار، وجهالة المشهود به تمنع صحة الشهادة والقضاء؛ لأنه لا يمكن القضاء بمجهول، وأما في الإقرار فيطالب المقر ببيان الشيء أو الحق الذي أقر به، والقول قوله مع يمينه. ويظهر الحكم في المسائل الآتية التي تعتبر نموذج القبول عند القاضي لبيان ما يبينه المقر:\rفي الغصب :\r1ً - إذا أقر إنسان أنه «غصب من فلان مالاً» أو قال «لفلان علي شيء، أو حق» فالإقرار صحيح ويلزمه أن يبين شيئاً له قيمة، ولا يقبل منه أن يبين شيئاً لا قيمة له، لأنه في المثال الأول لا يرد الغصب إلا على ما هو مال، وفي المثال الثاني أخبر المقر عن التزامه شيئاً في ذمته، وما لا قيمة له لا يلزم في الذمة.\r-------------------------------\r(1) تبيين الحقائق: 4/5، تكملة فتح القدير، المرجع نفسه: ص282، اللباب: 76/2، الدر المختار: 469/4، مغني المحتاج: 247/2، المهذب: 348/2، المغني: 171/5.","part":8,"page":235},{"id":5240,"text":"2ً - وإذا قال: «غصبت منه شيئاً» ثم بين ما لا قيمة له شرعاً، بأن قال: (غصبت صبياً حراً صغيراً) أو (خمراً لمسلم) أو (جلد ميتة) يصدق؛ لأن هذا مما يغصب عادة.\r3ً - ولو قال: (غصبت شاة أو ثوباً): فيصدق في بيان كون ذلك سليماً أو معيباً، أو قال: (غصبت داراً) يصدق سواء أكانت الدار في بلدة قريبة أم بعيدة؛ لأن الغصب يقع على حسب ما يصادف الشخص عادة، سواء أكان سليماً أم معيباً، ويصدق في بيان مكان الدار؛ لأنه أبهم المكان، فكان القول قوله في بيان المكان، ويلزمه تسليم الدار إلى المغصوب منه إن قدر على التسليم (1) . وإن عجز عن التسليم، بأن خربت الدار، فالقول قول المقر عند أبي حنيفة وأبي يوسف، ولا يضمن العقار عندهما؛ لأنه غير مضمون القيمة بالغصب في رأيهما، وإنما هو مضمون الرد فقط؛ لأن معنى الغصب وهو إزالة يد المالك عن ماله بفعل في المال لم يوجد في العقار.\rوعند محمد: يضمن قية الدار؛ لأن العقار عنده مضمون الرد إن كان موجوداً، ومضمون القيمة أيضاً إن كان هالكاً؛ لأن الغصب إزالة يد المالك عن ماله، والفعل في المال ليس بشرط، وقد تحقق هذا المعنى بإبعاد يد المالك عن العقار (2) .\r-------------------------------\r(1) البدائع: 215/7 ومابعدها، تكملة فتح القدير: 286/6، المبسوط: 185/17، مجمع الضمانات: ص 117.\r(2) الخلاف بين أئمة الحنفية راجع إلى اختلافهم في ضمان العقار المغصوب بالهلاك، فقال أبو حنيفة وأبو يوسف: إذا غصب رجل عقاراً، فهلك في يده بآفة سماوية كغلبة سيل، لم يضمنه، لعدم تحقق الغصب بإزالة اليد؛ لأن العقار في محله بلا نقل، والتبعيد للمالك عنه فعل في المالك، لا في العقار، فكان الحال كما إذا بعد المالك عن المواشي. وقال محمد: يضمنه لتحقق إثبات اليد الغاصبة التي يترتب على ثبوتها زوال يد المالك لاستحالة اجتماع اليدين على محل واحد في حالة واحدة.\rفإذا انهدم البناء بفعل الغاصب ضمنه باتفاقهم جميعاً؛ لأن ما فعله إتلاف، والعقار يضمن بالإتلاف (راجع البدائع: 147/7، اللباب شرح مختصر الكتاب: 189/2) وراجع بحث الغصب.","part":8,"page":236},{"id":5241,"text":"المكيال والميزان :\r4ً- لو قال المقر: (علي مد حنطة أو رطل شعير) فيعتبر بيانه بحسب مد البلد أو رطل البلد الذي أقر فيه.\rالوزن أو العدد :\r5ً - لو قال: (علي ألف درهم) فهو على ما يتعارفه أهل البلد من اعتبار الوزن أو العدد. فإن لم يكن شيئاً متعارفاً، فيحمل على الوزن؛ لأن الدراهم في الأصل موزونة. ويلاحظ أن المعتبر في عرفنا اليوم هو العدد، فإذا أقر بألف ليرة ذهبية أو فضية، فينصرف إقراره إلى العدد، فيلزم بهذا المبلغ عدداً، لا وزناً؛ لأن الأوزان متحدة عند سك النقود.\rالمقصود بدريهم ونحوه :\r6ً - لو قال: ( لفلان علي دريهم أو دنينير ) فيلزم بدرهم تام ودينار كامل؛ لأن التصغير قد يذكر لصغر الحجم، وقد يذكر لاستحقار الدرهم، ونحوهما.\rالمقصود بدراهم ودنانير :\r7ً - لو قال: ( لفلان علي دراهم أو دنانير) فيصدق على ثلاثة فأكثر؛ لأن أقل الجمع الصحيح ثلاثة.","part":8,"page":237},{"id":5242,"text":"ولو قال: ( علي دراهم كثيرة ) يصدق في عشرة دراهم عند أبي حنيفة؛ لأنه جعل الكثرة صفة للدراهم، وأكثر ما يستعمل فيه اسم الدراهم هو العشرة، بدليل أنه إذا زاد على العشرة يقال: أحد عشر درهماً، واثنا عشر درهماً، ولا يقال: دراهم، فكانت العشرة أكثر ما يستعمل فيه اسم الدراهم، فلا تلزمه الزيادة عليها. وعند الصاحبين: لا يصدق في أقل من مئتي درهم؛ لأن المقر به دراهم كثيرة، وما دون المئتين في حد القلة، ولهذا لم يعتبر ما دونه نصاباً للزكاة.\rمفهوم المال العظيم أو الكبير :\r8ً ـ لو قال المقر: ( لفلان علي مال عظيم ) أو ( كثير ) أو ( كبير ) : فعليه مئتا درهم باتفاق الحنفية على المشهور عندهم؛ لأنه أقر بمال موصوف بوصف العظم، ونصاب الزكاة، أي المال الذي تجب فيه الزكاة: وهو المئتا درهم عظيم شرعاً وعرفاً، بدليل أنه اعتبر مالكه غنياً به، فأوجب عليه الشرع مواساة الفقراء، والغني عظيم عند الناس، حتى إنه يعد من الأغنياء عادة بملكه النصاب الشرعي.\rهذا إذا كان المقر به من الدراهم، فإن كان من غيرها فيقدر بأقل النصاب الشرعي الواجب فيه الزكاة فيها، فإذا قال: ( علي دنانير كثيرة ) فيلزمه عشرون، وفي الإبل خمس وعشرون، وفي الحنطة خمسة أوسق أي (653) كغ تقريباً.\rوإن قال: ( علي أموال عظام ) فعليه ست مئة درهم؛ لأن عظام جمع عظيم، وأقل الجمع الصحيح ثلاثة، وهذا على المشهور عند الحنفية (1) .\rوقال الشافعية: لو أقر بمال أو بمال عظيم أو كبير أو كثير: قبل في تفسيره قليل المال وكثيره، لأن ما من مال إلا وهو عظيم وكثير بالنسبة إلى ما هو دونه.\rوقال المالكية والشافعية والحنابلة: إن قال: ( له علي دراهم ) لزمه ثلاثة؛ لأنه جمع، وأقل الجمع ثلاثة، وكذلك يلزمه ثلاثة عند الشافعية والحنابلة إن قال:\r-------------------------------\r(1) راجع لما سبق: المبسوط: 4/18 وما بعدها، البدائع: 219/7 وما بعدها، تكملة فتح القدير: 288/6 وما بعدها، تبيين الحقائق: 5/5 وما بعدها، الدر المختار: 469/4 وما بعدها، اللباب: 77/3.","part":8,"page":238},{"id":5243,"text":"(له علي دراهم كثيرة)؛ لأن الكثرة والعظمة لا حد لهاشرعاً ولا لغة ولا عرفاً، وتختلف بحسب النسب والإضافة وأحوال الناس، فالثلاثة أكثر مما دونها، وأقل مما فوقها. وقال المالكية: يلزمه أربعة؛ لأن الرابع أول مبادئ كثرة الجمع (1) .\rالمقصود بنوع الدراهم: إذا قال المقر: (لفلان علي ألف درهم) ولم يبين سبب الالتزام من بيع أو قرض ونحوهما: ثم قال: (هي زيوف) فيصدق إذا كان البيان متصلاً بالكلام السابق، فإن كان منفصلاً لا يصدق، لأن اسم الدراهم اسم جنس يقع على الجياد والزيوف، فكان قوله (زيوف) بياناً للنوع، فيصح بشرط كونه متصلاً بما سبق، لا منفصلاً عنه.\rولو قال: ( لفلان عندي ألف درهم ) ثم قال: ( هي زيوف ): يصدق سواء أكان البيان متصلاً بما قبله أم منفصلاً؛ لأن هذا إقرار بالوديعة، والوديعة مال محفوظ عند الوديع، قد يكون جيداً، وقد يكون رديئاً. والغصب في هذا مثل الوديعة.\rفإن قال: ( لفلان علي ألف درهم ثمن مبيع ) أي بين سبب الالتزام، ثم قال: ( هي زيوف ) فلا يصدق، ويلزمه الجيد عند أبي حنيفة، سواء أكان البيان متصلاً أم منفصلاً؛ لأن البيع عقد معاوضة، فيتطلب سلامة العوضين عن العيوب؛ لأن كل عاقد لا يرضى إلا بالعوض السليم عن العيب، فكان إقراره بكون الدراهم ثمناً إقراراً بصفة السلامة عن العيوب، فيعتبر بيانه بعدئذ بالزيافة رجوعاً عن الإقرار، والرجوع عن الإقرار لا يصح، كما إذا قال: ( بعتك هذا الثوب على أنه معيب ) لا يصدق وإن كان بيانه متصلاً بما قبله، فكذا الحالة التي هنا.\r-------------------------------\r(1) انظر الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي: 407/3، المهذب: 347/2 وما بعدها، مغني المحتاج: 248/2، المغني: 160/5.","part":8,"page":239},{"id":5244,"text":"وقال الصاحبان: يصدق إن وصل كلامه بأصل الإقرار، وإن فصل لا يصدق؛ لأن اسم ( الدراهم ) كما يطلق على الجياد، يطلق على الزيوف؛ لأن «الدراهم » اسم جنس، والجيد والرديء نوعان منها، فإذا أطلق لفظ ( الدراهم ) انصرف إلى الجياد، فيصح بيان المقر إذا كان متصلاً بما قبله، لتعيينه بعض ما يحتمله اللفظ، ولا يصح منفصلاً، حتى لا يكون رجوعاً عن الإقرار.\rولو قال: ( لفلان علي ألف درهم قرضاً ) ثم قال: (هي زيوف) ففيه روايتان: رواية بالتفصيل مثل قول الصاحبين في البيع: إن وصل يصدق وإن فصل لا يصدق، ورواية تقرر أنه لا يصدق مثل قول أبي حنيفة في البيع؛ لأن القرض في الحقيقة مثل البيع: مبادلة مال بمال.\rالاختلاف بين المقر والمقر له في اقتضاء الدين أو صفة وجود الشيء عند المقر:\rلو قال: ( اقتضيت من فلان ألف درهم كانت لي عليه) أو قال: (استوفيت) أو(قبضت) أو (أخذت) وأنكر المقر له، فقال : (لم يكن لك علي شيء) وقال: (هو مالي قبضته مني) فالقول قول المقر له مع يمينه، ويؤمر المقر برد الألف إلى المقر له، لأن الإقرار بالاقتضاء إقرار بالقبض، والقبض موجب للضمان، فهو بادعائه القبض على أساس اقتضاء الألف ديناً له، يدعي براءته عن الضمان، والآخر ينكر فيكون القول قوله مع يمينه.\rوكذلك إذا أقر الشخص أنه قبض من آخر ألف درهم كانت وديعة عنده، وأنكر المقر له، قائلاً: (بل أخذتها غصباً) فالقول قول المقر له، لما بينت.","part":8,"page":240},{"id":5245,"text":"أما لو قال: (أودعني فلان ألف درهم) فقال فلان هذا: (لا، بل أخذتها غصباً): فالقول قول المقر مع يمينه؛ لأن المقر ما أقر بسبب الضمان وهو الأخذ أو القبض، بخلاف ما سبق (1) .\rالاستثناء في الإقرار: إن استثناء بعض ما دخل في المستثنى منه جائز بغير خلاف، فهو ثابت في لغة العرب، وورد في الكتاب والسنة، قال الله تعالى: {فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاماً} [العنكبوت:29/14] وقال: {فسجد الملائكة كلهم أجمعون إلا إبليس} [الحِجر:15/30] وقال النبي صلّى الله عليه وسلم في الشهيد: « يكفِّر عنه خطاياه كلها إلا الدين» (2) .\rفإذا أقر رجل بشيء واستثنى منه، كان مقراً بالباقي بعد الاستثناء، فإذا قال: (له علي مئة إلا عشرة) كان مقراً بتسعين، ولذا قال في تعريف الاستثناء: إنه تكلم بالباقي بعد الثُنْيا (3) .\rولا يصح الاستثناء إلا أن يكون متصلاً بالكلام السابق، بأن يتصل المستثنى بالمستثنى منه بحيث يعد معه كلاماً واحداً عرفاً، فلا يصح الفصل بسكوت طويل وكلام أجنبي؛ لأن الاستثناء مغاير لما قبله، ولايضر الفصل اليسير لعارض كسكتة تنفس أو عي أو تذكر أو انقطاع صوت أو سعال أو عطاس، ويصح استثناء القليل من الكثير اتفاقاً، كما يصح عند الحنفية فقط استثناء الكثير من القليل في ظاهر الرواية. ولايصح استثناء الكل من الكل بغير خلاف؛ لأن الاستثناء رفع بعض ما تناوله اللفظ، واستثناء الكل رفع الكل، فلو صح الاستثناء صار الكلام لغواً غير مفيد.\r-------------------------------\r(1) راجع البدائع: 217/7 وما بعدها، المبسوط: 126/18، مختصر الطحاوي: ص 115، مجمع الضمانات: ص 376.\r(2) هذا مأخوذ من مفهوم حديث طويل رواه مسلم والترمذي والنسائي عن أنس، وأخرج مسلم عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم قال: «القتل في سبيل الله يكفر كل شيء إلا الدين» (التاج الجامع للأصول: 297/4، الإلمام: ص 483).\r(3) بضم فسكون فألف مقصورة في آخره: اسم من الاستثناء.","part":8,"page":241},{"id":5246,"text":"ويجوز الاستثناء من الاستثناء، بالعطف أو بدونه مثل: «علي عشرة إلا ثلاثة وإلا درهمين» فيكون مستثنياً لخمسة مبقياً لخمسة، ومثل قوله تعالى: {قالوا: إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين، إلا آل لوط إنا لمنجوهم أجمعين، إلا امرأته قدرنا إنها لمن الغابرين} [الحِجر:58/15-60].\rويصح عند المالكية والشافعية الاستثناء في الإقرار من غير الجنس، ولا يصح ذلك عند الحنفية والحنابلة (1) . وتفصيله يعرف من التطبيقات الآتية:\rواشترط الفقهاء أيضاً شرطاً آخر: وهو ألا يستغرق المستثنى المستثنى منه، فيصح الإقرار إذا قال المقر: له علي خمسة إلا أربعة، ولا يصح إذا قال: له علي خمسة إلا خمسة، فاستثناؤه باطل، وتلزمه الخمسة كلها؛ لأنه أقرَّ بها.\r1 - استثناء القليل من الكثير :\rإذا قال المقر: (علي عشرة دراهم إلا ثلاثة دراهم) يلزمه سبعة دراهم، لأن الاستثناء تكلم بالباقي بعد الثنيا، كأنه قال: لفلان علي سبعة دراهم.\rوكذا إذا قال: (علي ثلاثة دراهم غير درهم) يلزمه درهمان؛ لأن كلمة (غير) بالنصب تفيد الاستثناء.\rولو قال: (لفلان علي ألف درهم سوى ثلاثة دراهم) يلزمه ما عدا المستثنى؛ لأن (سوى) من ألفاظ الاستثناء.\rوكذا إذا قال: (علي ثلاثة دراهم إلا درهماً) فعليه درهمان.\rولو قال: (علي عشرة إلا ثلاثة) يلزمه سبعة.\rولو قال: (إلا سبعة) يلزمه ثلاثة؛ لأن الاستثناء تكلم بالباقي بعد الاستثناء.\r-------------------------------\r(1) المبسوط: 191/17، البدائع: 209/7 وما بعدها، مجمع الضمانات: ص 371، تكملة فتح القدير: 390/6، تبيين الحقائق: 13/5، الدر المختار: 478/4، مختصر الطحاوي: ص 114، اللباب: 78/2، الشرح الكبير للدردير: 410/3 وما بعدها، مغني المحتاج: 257/2، المهذب: 349/2، المغني: 142/5 وما بعدها، 162.","part":8,"page":242},{"id":5247,"text":"ولو قال: (لفلان علي ألف إلا قليلاً) فعليه أكثر من نصف الألف، والقول قول المقر في الزيادة على النصف مع يمينه؛ لأن القليل من أسماء النسبة أو الإضافة، فيقتضي أن يكون ما يقابله أكثر منه، ليكون هو بالإضافة إليه قليلاً.\rوكذا إذا قال: (علي قريب من الألف) أو (زهاء ألف) أو (عُظْم الألف)، لأن هذا أكثر من النصف بيقين، وفي ا لزيادة: القول قوله.\r2 - استثناء الكثير من القليل :\rإذا قال المقر: (لفلان علي تسعة دراهم إلا عشرة) فيجوز الاستثناء في ظاهر الرواية عند الحنفية، ويلزمه العشرة؛ لأن الاستثناء تكلم بالباقي بعد الثنيا، وهذا المعنى متحقق في استثناء الكثير من القليل، إلا أنه مستقبح في كلام العرب؛ لأن الاستثناء لاستدراك الغلط، ومثل هذا الغلط مما يندر وقوعه غاية الندرة.\rوقال أبو يوسف وبقية علماء المذاهب: لا يجوز هذا الاستثناء؛ لأنه لم يرد في كلام العرب.\r3 - استثناء الكل من الكل :\rهو مثل أن يقول شخص: (لفلان علي عشرة دراهم إلا عشرة) يكون الاستثناء لاغياً بالاتفاق، ويلزمه جميع ما أقر به قبل الاستثناء وهو عشرة دراهم؛ لأن هذا ليس باستثناء، وإنما هو رجوع عما تكلم به، والرجوع عن الإقرار في حقوق الناس لا يصح، فبطل الرجوع، وبقي الإقرار.\r4 - الاستثناء من الاستثناء :\rالاستثناء من الاستثناء يكون استثناء المستثنى،أي من الكلام الذي يليه، لكونه أقرب المذكور إليه، ثم ينظر إلى الباقي من المستثنى، فيستثنى من المستثنى منه، أي ما قبل (إلا) أو غيرها من أدوات الاستثناء، مثل أن يقول: (علي عشرة دراهم إلا ثلاثة إلا درهماً) يكون إقرار بثمانية؛ لأننا صرفنا الاستثناء الأخير إلى ما يليه، فبقي درهمان يستثنيان من العشرة، فيبقى ثمانية.","part":8,"page":243},{"id":5248,"text":"ولو قال: (لفلان علي عشرة دراهم إلا خمسة إلا ثلاثة إلا درهماً) يكون إقرراً بسبعة؛ لأنا جعلنا الدرهم مستثنى مما يليه، وهي ثلاثة، فبقي درهمان استثناها المقر من خسمة، فبقي ثلاثة استثناها من أصل المستثنى منه فبقي سبعة. وهكذا.\r5 - الاستثناء من غير الجنس (أو الاستثناء المنقطع ) :\rقال أبو حنيفة وأبو يوسف: إذا كان الاستثناء من غير جنس المستثنى منه ينظر: إن كان المستثنى مما لا يثبت ديناً في الذمة مثل: (لفلان علي عشرة دراهم إلا ثوباً) لا يصح الاستثناء؛ لأن المستثنى منه وهو العشرة دراهم ثبت بالإقرار ديناً في الذمة، وأما المستنثى وهو الثوب: فهوعين من الأعيان لا يحتمل الثبوت والالتزام به في الذمة، فلا يكون من جنس المستثنى منه، إذ لا مجانسة بين الثياب والدراهم، لا في الاسم ولا في احتمال الالتزام به في الذمة، فلا يتحقق معنى الاستثناء أصلاً. ثم إنه لا يعرف قدر الثوب من الدراهم، فيكون المستثنى مجهولاً، وجهالة المستثنى توجب جهالة المستثنى منه، فلا يصح الاستثناء.\rوأما إن كان المستثنى مما يثبت ديناً في الذمة وهو المكيل والموزون والعددي المتقارب كالجوز والبيض، بأن قال: (لفلان علي مئة درهم إلا ديناراً أو إلا قفيز حنطة) صح الاستثناء عند الشيخين من الحنفية، ويلزمه مئة درهم إلا قدر قيمة ما استثناه من الدينار أو القفيز؛ لأن المجانسة بين المستثنى والمستثنى منه شرط عندهما، والمجانسة بين الدينار والدرهم متحققة إذ أن كلاً منهما من جنس الأثمان التي تقدر بها قيم الأشياء، والمجانسة بين الدراهم والمكيل والموزون ونحوها متحققة أيضاً؛ لأن كلاً منها يمكن أن يثبت ديناً في الذمة حالاً مؤجلاً، وذلك إذا وصف المكيل أو الموزون، ويكفي تحقق المجانسة بهذا المعنى.","part":8,"page":244},{"id":5249,"text":"وقال محمد وزفر والحنابلة، لا يصح الاستثناء في الإقرار من غير الجنس مطلقاً، سواء أكان المستثنى ثوباً أم مكيلاً أم موزوناً؛ لأن معنى الاستثناء ـ وهو (إخراج بعض ما تناوله المستثنى منه على معنى أنه لولا الاستثناء لكان داخلاً تحت اللفظ) ـ لا يتصور في خلاف الجنس، فغير الجنس المذكور ليس بداخل في الكلام، فلا يكون استثناء.\rوقال مالك والشافعي: يصح الاستثناء من غير جنس المستثنى منه، مثل (لفلان علي ألف من الدراهم إلا ثوباً) يعني إلا قدر قيمة ثوب؛ لأنه ورد في القرآن الكريم ولغة العرب، قال الله تعالى: {وإذ قلنا للملائكة: اسجدوا لآدم، فسجدوا إلا إبليس كان من الجن} [الكهف:18/50] وقال الله تعالى: {فإنهم عدو لي إلا رب العالمين} [الشعراء:77/26] وقال سبحانه: {ما لهم به من علم إلا اتباع الظن} [النساء:157/4] وقال الله عز وجل: {لا يسمعون فيها لغواً إلا سلاماً} [مريم:62/19] وقال الشاعر:\rوبلدةٍ ليس بها أنيس ..... ..... إلا اليعافير،وإلا العيس (1)\r6 - الاستثناء أو التعليق بمشيئة الله :\rاتفق الحنفية، والشافعية على المذهب على أن المقر إذا قال: (لفلان علي ألف إن شاء الله ) أو (إلا أن يشاء الله ) لم يلزمه شيء، سواء قدَّم الألف على المشيئة أم لا؛ لأنه لم يجزم الالتزام، بل علقه بالمشيئة، ومشيئة الله مغيبة عنا. وكذلك لا يلزمه شيء إذا قال: (لفلان علي ألف درهم إن شاء فلان) فالإقرار باطل؛ لأن مشيئة غير الله لا توجب شيئاً (2) .\r-------------------------------\r(1) أي رب بلدة، الواو بمعنى رب، واليعافير ـ جمع يعفور: وهو ولد الظبية، وولده البقرة الوحشية، والعيس: الإبل البيض واحدها أعيس، والأنثى عيساء، وهو استثناء منقطع، معناه: الذي يقوم مقام الأنيس: اليعافير والعيس.\r(2) تكملة فتح القدير مع العناية: 314/6، تبيين الحقائق: 15/5، اللباب: 79/2، مغني المحتاج: 255/2.","part":8,"page":245},{"id":5250,"text":"العطف في الإقرار :\rلو قال المقر: (علي درهم ودرهم) أو (درهم فدرهم) أو (درهم ثم درهم): لزمه درهمان عند الحنفية والحنابلة والمالكية؛ لأن حرف العطف يقتضي الجمع والتشريك بين المعطوف والمعطوف عليه.\rوقال الشافعية: إن أقر بدرهم في وقت، ثم أقر بدرهم في وقت آخر: لزمه درهم واحد، لأنه إخبار، فيجوز أن يكون قوله خبراً عما أخبر به أولاً، وهذا مذهب الحنابلة أيضاً خلافاً للحنفية. وإن قال: (علي درهم ودرهم) أو (درهم ثم درهم): لزمه درهمان؛ لأن الواو تقتضي أن يكون المعطوف غير المعطوف عليه. وإن قال: (درهم فدرهم) لزمه درهم واحد إذا لم يرد العطف؛ لأنه يحتمل الصفة\rأي فدرهم لازم لي أو أجود منه (1) .\rوقال الحنفية (2) : لو قال المقر: (علي ألف ونيِّف) فعليه الألف، والقول قوله في بيان النيف؛ لأنه عبارة عن الزيادة.\rولو قال: (لفلان علي بضع وخمسون درهماً) لا يصدق في بيان البضع في أقل من ثلاثة دراهم؛ لأن البضع في اللغة من الثلاثة إلى التسعة، فيحمل على أقل المتعارف؛ لأنه متيقن به.\rولو قال: (علي لفلان مئة درهم) فالمائة: دراهم. ولو قال: (مئة ودينار) فالمائة: دنانير، ويكون المعطوف عليه من جنس المعطوف، وهذا هو الحكم أيضاً في كل مكيل وموزون وعددي متقارب؛ لأنها تثبت ديناً في الذمة.\rأما في عروض السلع كالثياب والعددي المتفاوت كالبطيخ والرمان ونحوهما، بأن قال: (علي مئة وثوب) أو (عشرة ودابة) أو (ألف ورمانة) فيلزمه المعطوف المسمى وهو الثوب أو الدابة ونحوهما. والمرجع في بيان المعطوف عليه وهو المئة وغيرهما إليه، لعطفه مفسراً على مبهم، والعطف لم يوضع للبيان، فبقيت المئة مبهمة، فيرجع في البيان إليه؛ لأنه هو الذي أبهم الكلام.\r-------------------------------\r(1) المغني: 157/5، المهذب: 348/2، مغني المحتاج: 252/2 وما بعدها، الشرح الكبير للدردير: 407/3.\r(2) البدائع: 222/7، اللباب شرح الكتاب: 79/2، الدر المختار ورد المحتار: 473/4، تكملة فتح القدير: 299/6، مختصر الطحاوي: ص 113.","part":8,"page":246},{"id":5251,"text":"الاستدراك في الإقرار :\rالاستدراك إما أن يكون في الصفة أو في القدر، والاستدراك في القدر إما أن\rيكون في نفس الجنس، أو في غير الجنس، فهذه ثلاثة أنواع للاستدراك (1) .\r1 - الاستدراك في الصفة: بأن يقول: (علي قفيز حنطة جيدة، لا بل وسط) فيلزمه الأجود عند الحنفية؛ لأنه غير متَّهم في زيادة الصفة، متَّهم في نقصان الصفة، فكان مستدركاً في الجيد، راجعاً في الوسط، فيصح استدراكه، ولا يصح الرجوع عن الإقرار.\r2 - الاستدراك في القدر في نفس الجنس: بأن يقول: (علي ألف درهم، لا بل ألفان) أو قال: (علي دينار، لا بل ديناران) فيلزمه الأكثر في المذاهب الأربعة؛ لأن الإقرار إخبار، والمخبر عنه مما يجري الغلط في قدره أو صفته عادة، فيحتاج إلى استدراك الغلط فيه، فيقبل الاستدراك إذا لم يكن متهماً فيه؛ لأنه نفى الاقتصار على درهم واحد أو دينار واحد، وأثبت الزيادة عليه.\r3 - الاستدراك في القدر بخلاف الجنس: بأن يقول: (علي ألف درهم، لا بل مئة دينار) أو (علي قفيز حنطة، بل قفيز شعير): وحكمه أنه يلزمه جميع ما أقر به عند جمهور الفقهاء؛ لأن الغلط في خلاف الجنس لا يقع عادة، فلا يحتاج لاستدراكه، ولأن ما قبل الاستدراك لا يمكن أن يكون نفس ما بعده ولا بعضه، فكان مقراً بهما، ولا يقبل رجوعه عن شيء منهما.\rوقال المالكية: لو قال المقر: (علي درهم، لا بل ديناران) فإن الدرهم يسقط، ويلزمه الديناران؛ لأن (بل) نقلت حكم الأول للثاني، و (لا) للتأكيد على مذهب جمهور النحاة (2) .\r-------------------------------\r(1) البدائع: المرجع السابق: ص 212، المبسوط: 103/18 وما بعدها، مجمع الضمانات: ص 377.\r(2) راجع البدائع: 212/7، الشرح الكبير: 407/3، مغني المحتاج: 253/2، المهذب: 348/2، المغني: 158/5 وما بعدها.","part":8,"page":247},{"id":5252,"text":"المطلب السادس ـ الإقرار في حال الصحة وفي حال المرض :\rالمراد بالصحيح: من ليس في مرض الموت، سواء أكان غير مريض أصلاً أم مريضاً بغير مرض الموت.\rوالمراد بالمريض: من هو في مرض الموت (1) . فالمقصود من المرض والصحة هو المعنى الشرعي الذي تتبدل به الأحكام بحسب حالة كل منهما، وذلك في الطلاق والوصايا والإقرار وغيرهما، وليس المقصود بهما المعنى اللغوي.\rومرض الموت: هو المرض الذي يعجز صاحبه عن ممارسة أعماله المعتادة على أن يكون مما يخاف منه الهلاك غالباً، ويتصل به الموت فعلاً. فهذه ثلاث صفات لابد من تحقيقها كلها، بحيث لو لم تتحقق واحدة منهن لم يعتبر المرض مرض موت. فلو كان المرض يسيراً لا يمنع صاحبه من القيام بشؤون نفسه كما يعتاده الصحيح، أو كان مما تغلب النجاة منه عادة، ولو مات منه فعلاً، أو كان مما يخاف منه الهلاك غالباً، ولكنه لم يمت فعلاً، فإنه لا يعد مرض موت، وحينئذ يعتبر تصرف المريض فيه كتصرف الصحيح في الصحة والنفاذ (2) .\rوالإقرار في حال الصحة: يصح للوارث والأجنبي، وينفذ من جميع مال المقر، لعدم تعلق حق الورثة بماله في حال الصحة، بل يثبت الدين في الذمة، وإنما يتعلق الدين بالتركة حالة المرض، أي يتعين فيها وينتقل من الذمة إليها. وعلى هذا فلا يقدم الدين السابق على اللاحق، ويتساوى الغرماء أي (الدائنون) في أخذ حقوقهم إذا صار المدين مريضاً، فليس لأحد أفضلية على الآخرين، ولا يحق للمدين أن يؤثر في حال مرضه بعض الغرماء على بعض، بعكس حال الصحة، فإن له أن يؤثر البعض.\r-------------------------------\r(1) المدخل الفقهي العام للأستاذ الزرقاء: ص 795، الطبعة السادسة.\r(2) اللباب شرح الكتاب: 84/2، أصول الفقه للمؤلف: 173/1، ط دار الفكر.","part":8,"page":248},{"id":5253,"text":"والإقرار في المرض نوعان: إقرار باستيفاء الدين من غيره، وإقرار بالدين لغيره.\rأما إقرار المريض باستيفاء الدين من غيره: فيصح إذا كان الدين على أجنبي في حال الصحة، ولا يصح إذا كان الدين ناشئاً حال المرض لتعلق حق الغرماء بمال المريض. كذلك لا يصح إذا أقر باستيفاء دين وجب له على وارث؛ لأن إقراره بالاستيفاء إقرار بالدين، وإقرار المريض لوارثه باطل.\rوأما إقرار المريض بالدين لغيره: فإن كان إقراراً لأجنبي جاز عند أكثر العلماء؛ لأنه غير متهم به في حقه، قال عمر وابنه عبد الله : ( إذا أقر المريض بدين لأجنبي، جاز ذلك من جميع تركته).\rوإن كان إقراراً بالدين لوارث: لم يصح إقراره عند الحنفية والحنابلة إلا ببينة أو بموافقة بقية الورثة أو بمشاهدة القاضي؛ لأنه متهم في هذا الإقرار، لجواز أنه آثر بعض الورثة على بعض، ولأنه تعلق حق الورثة بماله في مرضه، ولهذا يمنع من التبرع على الوارث أصلاً.\rوقال عمر وابنه في الأثر السابق: (إذا أقر المريض لوارثه لم يجز) وروى الدراقطني في سننه عن جعفر بن محمد عن أبيه، قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم : (لاوصية لوارث، ولا إقرار له بالدين) (1) إلا أن هذه الزيادة في الحديث غير مشهورة، وإنما المشهور هو قول ابن عمر السابق. فإن صدق المقر بقية الورثة فيما أقر به لواحد منهم صح الإقرار؛ لأن المانع تعلُّق حقهم في التركة، فإذا صدقوه زال المانع (2) .\r-------------------------------\r(1) هذا حديث مرسل: وفيه نوح بن درَّاج ضعيف، وأسنده أبو نعيم الحافظ، ثم ذكر ما معناه أنه روي مرسلاً أيضاً، قال ابن القطان: وهو الصواب (نصب الراية: 111/4).\r(2) المبسوط: 24/18، 31، البدائع: 224/7، تكملة فتح القدير: 8/7 وما بعدها، الدر المختار: 481/4، المغني: 197/5، تبيين الحقائق: 25/5.","part":8,"page":249},{"id":5254,"text":"وهنا ذكر فقهاء الحنفية (1) مسائل، فقالوا: من أقر بدين لأجنبي عنه في مرض موته ثم قال: هو ابني، ثبت نسبه منه وبطل إقراره له؛ لأن دعوى النسب تستند إلى وقت العلوق (بدء الحمل) فتبين أنه أقر لابنه فلا يصح إقراره.\rولو أقر لأجنبية، ثم تزوجها، لم يبطل إقراره لها؛ لأن الزوجية طارئة يقتصر وجودها على زمان التزوج.\rومن طلق زوجته في مرض موته طلاقاً ثلاثاً أو أقل بطلب منها ثم أقر لها بدين ومات وهي في العدة، فلها الأقل من الدين الذي أقر به، ومن ميراثها منه؛ لأن الزوجين متهمان في ذلك، لجواز أن يكونا توصلا بالطلاق إلى تصحيح الإقرار، فيثبت أقل الأمرين. فإن تم الطلاق بغير طلب المرأة، كان الزوج فارَّاً بطلاقه لحرمانها من الميراث، فلها الميراث بالغاً ما بلغ ويبطل الإقرار. وإذا انقضت عدتها قبل موته، ثبت إقراره ولا ميراث لها.\rوقال الشافعية على المذهب: يصح إقرار المريض مرض الموت لوارث، كما يصح لأجنبي؛ لأن من صح إقراره له في الصحة، صح إقراره في المرض كالأجنبي؛ ولأن الظاهر أن المقر محق في إقراره؛ لأنه انتهى إلى حالة يصدق فيها الكاذب، ويتوب فيها الفاجر (2) .\rومنشأ الخلاف بين الحنفية والشافعية في الإقرار هو أن الشافعية قالوا: إن الفعل إذا وجد مطابقاً لظاهر الشرع حكم بصحته، ولا تعتبر التهمة في الأحكام؛ لأن الأحكام تتبع الأسباب الجلية دون المعاني الخفية. وقال أبو حنيفة رضي الله عنه:\r-------------------------------\r(1) الكتاب مع اللباب: 85/2 وما بعدها.\r(2) مغني المحتاج: 240/2، المهذب: 354/2.","part":8,"page":250},{"id":5255,"text":"كل فعل تمكنت التهمة فيه، حكم بفساده، لتعارض دليل الصحة والفساد (1) .\rوقال المالكية: يصح إقرار المريض مرض الموت إذا لم يتهم المقر في إقراره، ويبطل إن اتهم، كمن له بنت وابن عم، فأقر لابنته، لم يقبل، وإن أقر لابن عمه قبل، لأنه لا يتهم في أنه يمنع ابنته ويصل ابن عمه (2) .\rهل يفضل دين الصحة؟ لو أقر شخص في صحته بدين لإنسان، وأقر في مرضه لآخر: فقال الحنفية: دين الصحة وما لزمه في مرضه بسبب معروف، أي (ما ليس بتبرع) يقدم على ما أقر به في مرض موته، فإذا أقر رجل في مرض موته بديون، وكان عليه ديون لزمته حال صحته، سواء علم سببها أو ثبتت بإقراره، وعليه أيضاً ديون لزمته في مرضه، لكن علم سببها كبدل شيء تملكه أو أهلكه، أو مهر مثل امرأة تزوجها: فدين الصحة والدين الذي عرف سببه حال مرضه مقدم على ما أقر به في مرضه؛ لأن الإقرار لا يعتبر حجة إذا كان فيه إبطال حق الغير، وإقرار المريض يترتب عليه إبطال حق الغير؛ لأن حق غرماء الصحة تعلق بمال المريض بدلاً من ذمته كما أشرت، ولهذا منع المريض مرض الموت من التبرع ومحاباة أحد الغرماء مطلقاً إذا أحاطت الديون بماله، فإن لم يكن عليه دين يمنع من التبرع بما يزيد عن ثلث التركة.\rوإنما تقدم ديون المرض المعروفة السبب ببينة أو بمعاينة القاضي؛ لأنه لا تهمة في ثبوتها؛ لأن الشيء المعاين لا مرد له. ولا يجوز للمريض أن يحابي أحد الغرماء، فيقضي دين البعض دون البعض؛ لأن في إيثار البعض إبطال حق الباقين، إلا إذا قضى الدين الذي استقرضه في مرضه، أو نقد ثمن ما اشتراه أثناء مرضه.\rفإذا قضيت ديون الصحة والديون المعروفة الأسباب، وفضل شيء عنها، كان ذلك الفاضل مصروفاً فيما أقر به حال المرض؛ لأن الإقرار في ذاته صحيح، لكنه لم ينفذ في حق غرماء الصحة، فإذا لم يبق لهم حق ظهرت صحته.\r-------------------------------\r(1) تخريج الفروع على الأصول: ص 102.\r(2) المغني: 197/5، الشرح الكبير: 398/3.","part":8,"page":251},{"id":5256,"text":"وإن لم يكن على المريض ديون في صحته: جاز إقراره؛ لأنه لم يتضمن إبطال حق الغير، وكان المقر له أولى من الورثة؛ لأن قضاء الدين مقدم على حقوق الورثة. هذا هو مذهب الحنفية (1) .\rوقال جمهور الفقهاء: دين الصحة ودين المرض يتساويان، فلا يقدم دين الصحة على دين المرض؛ لأنهما حقان يجب قضاؤهما من رأس المال ولم يختص أحدهما برهن، فاستويا كما لو ثبتا ببينة، أي أنهما يستويان لاستواء سببهما وهو الإقرار الصادر عن كامل الأهلية، بل إن الباعث على صدق المقر حال المرض أقوى منه حال الصحة؛ لأن المرض سبب التورع عن المعاصي والتوبة عما جرى في الماضي (2) .\rومنشأ الخلاف بين الحنفية وغيرهم في دين الصحة والمرض هو القاعدة السابقة التي ذكرها الزنجاني، فعند الشافعي ومن وافقهم يتساوى إقرار الصحة وإقرار المرض في استحقاق الغرماء من التركة؛ إذ الإقرار مشروع في حالتي الصحة والمرض، ولا تعتبر التهمة في الأحكام. وقال الحنفية: إن الإقرار حال\r-------------------------------\r(1) راجع البدائع: 225/7، اللباب شرح مختصر القدوري: 84/2 وما بعدها، تكملة فتح القدير: 20/7 وما بعدها، تبيين الحقائق: 23/5 وما بعدها، الدر المختار: 482/4.\r(2) مغني المحتاج: 240/2، المغني: 197/5.","part":8,"page":252},{"id":5257,"text":"الصحة أقوى من حيث إنه صادف حالة إطلاق الحرية في التصرف. وإقرار المرض صادف حال الحجر والمنع من التبرعات، فهو متهم فيه من حيث إن الشرع قدرة التبرع، فلا يؤمن عدوله من التبرع إلى الإقرار (1) .\rالمطلب السابع ـ الإقرار بالنسب :\rيمكن الإقرار ببنوة طفل تصحيحاً لوضع سابق كزواج مكتوم، لا من زنى.\rوهذا الإقرار بالنسب ـ أي القرابة ـ نوعان:\rالأول: أن يلحق المقر النسب بنفسه.\rالثاني: أن يلحقه بغيره. وإلحاق النسب بالغير قد يثبت النسب، وقد يقتصر فقط على المشاركة بالإرث دون ثبوت النسب.\rوقد اشترط الفقهاء شروطاً أربعة لصحة إقرار الإنسان بنسب على نفسه، أي باستلحاق النسب من نفسه. وهي (2) :\r1ً - أن يكون المقر به مجهول النسب: فإن كان معروف النسب من غيره، لم يصح استلحاقه بالإقرار؛ لأن النسب الثابت من شخص لا ينتقل إلى غيره ولا يحتمل ثبوته له، ولأن المقر يقطع نسب المقر به الثابت من غيره. وقد لعن النبي صلّى الله عليه وسلم من انتسب إلى غير أبيه أو تولى غير مواليه (3) .\r2ً - أن يكون المقر به محتمل الثبوت من نسب المقر، فلا يكذبه الحس ظاهراً أو لا ينازعه فيه منازع، بأن يكون في سن يمكن أن يكون منه بحيث يولد مثله لمثله، فلو كان المقر به في سن لا يتصور كونه منه، أو كان المقر مقطوع الذكر والانثيين من زمن يتقدم على زمن بدء الحمل بالمقر به، لم يصح الإقرار بثبوت نسبه؛ لأن الحس يكذبه. وكذلك إذا نازع المقر منازع آخر غيره لم يثبت نسبه؛ لأنه إذا نازعه فيه غيره تعارض الإقراران، فلم يكن إلحاقه بأحدهما أولى من الآخر.\r-------------------------------\r(1) تخريج الفروع على الأصول للزنجاني: ص 102 وما بعدها.\r(2) راجع البدائع: 228/7، تكملة فتح القدير: 14/7، الدرالمختار: 485، تبيين الحقائق: 27/5، اللباب: 86/2، الشرح الكبير: 412/3-414، مغني المحتاج: 259/2، المغني: 184/5.\r(3) رواه أبو داود عن أنس بن مالك رضي الله عنه بلفظ (من ادعى إلى غير أبيه أو انتمى إلى غير مواليه، فعليه لعنة الله المتتابعة إلى يوم القيامة) ورواه الطبراني عن خارجة بن عمرو الجمحي، وفيه ضعيف، وأخرجه الشيخان أيضاً (الجامع الصغير: 162/2، وراجع مجمع الزوائد: 214/4، 285/6، مذكرة تفسير آيات الأحكام بالأزهر: 11/4).","part":8,"page":253},{"id":5258,"text":"3ً - أن يصدق المقر له في إقراره إن كان أهلاً للتصديق بأن يكون مكلفاً، أي بالغاً عاقلاً عند الجمهور، أو يستطيع أن يعبر عن نفسه، أي يكون مميزاً عند الحنفية؛ لأن الولد له حق في نسبه، وهو أعرف به من غيره. فإن كان الولد صغيراً لا يعبر عن نفسه ـ بحسب رأي الحنفية ـ لم يعتبر تصديقه، لأنه بمنزلة المتاع.\rوقال المالكية: ليس تصديق المقر به شرطاً لثبوت النسب من المقر؛ لأن النسب حق للولد على الأب، فيثبت بإقراره بدون توقف على تصديق من الولد إذا لم يقم دليلاً على تكذيب المقر.\r4ً - ألا يكون فيه حمل النسب على الغير، سواء كذبه المقر له أم صدَّقه؛ لأن إقرار الإنسان حجة قاصرة على نفسه، لا على غيره؛ لأنه على غيره شهادة أودعوى، وشهادة الفرد فيما يطلع عليه الرجال غير مقبولة، والدعوى المفردة ليست بحجة.\rوهذه الشروط تشترط أيضاً في الإقرار بنسب على الغير ما عدا الشرط الأخير بالطبع، فإنه لا يشترط عند الحنفية.\rوقال الشافعية والحنابلة: يثبت النسب بالإقرار على الغير بالشروط السابقة، وبشرط كون المقر جميع الورثة، وبشرط كون الملحق به النسب ميتاً، فلا يلحق بالحي ولو مجنوناً لاستحالة ثبوت نسب الشخص ـ مع وجوده حياً ـ بقول غيره.\rوعلى هذا يقول الحنفية في الإقرار بالنسب وفي حمل النسب على الغير ما يأتي:\r1 - الإقرار بالنسب: يجوز إقرار الرجل بالوالدين، والولد، والزوجة، سواء في حالة الصحة أو المرض، كهذا ابني أو أنا أبوه؛ لأنه إقرار على نفسه، وليس فيه حمل النسب على الغير، وذلك بالشروط المتقدمة، وبشرط أن تكون الزوجة خالية عن زوج وعن عدته، وأن يخلو المقر عن أخت الزوجة أوعمتها أو خالتها، وألا يكون في عصمته أربع سواها.","part":8,"page":254},{"id":5259,"text":"ويقبل إقرار المرأة بالوالدين والزوج لما تقدم، ولا يقبل إقرارها بالولد؛ لأن فيه حمل النسب على الغير، وهو نسب الولد على الزوج، قال الله تعالى: {ادعوهم لآبائهم} [الأحزاب:5/33] فلا يقبل إقرارها إلاإذا صدقها الزوج، أو تشهد امرأة قابلة أو غيرها على الولادة، بخلاف الرجل؛ فإنه يصح إقراره بالولد؛ لأن فيه حمل نسب الولد على نفسه.\rويلاحظ أن إقرار المرأة بالولد إنما لا يصح إذا كانت ذات زوج، أو معتدة منه، فإن لم تكن متزوجة ولا معتدة، فيصح إقرارها بالولد مطلقاً؛ لأن فيه إلزاماً على نفسها دون غيرها. وكذلك يقبل إقرارها بالولد إذا كانت متزوجة أو معتدة وادعت أن الولد من غير هذا الزوج.\rوإذا صح الإقرار بالنسب لإنسان، شارك الورثة في الميراث؛ لأنه لما ثبت نسبه من المقر صار كالوارث المعروف، فيشارك ورثة المقر. ولا يجوز الإقرار بالنسب بغير هؤلاء المذكورين من الوالدين والولد والزوج والزوجة، مثل الأخ والعم والجد وابن الابن، وإ ن صدَّقه المقر له؛ لأنه فيه حمل النسب على الغير، إلا إذا ثبت النسب ببرهان، كما سيأتي.\r2 - الإقرار بحمل النسب على الغير: الإقرار من الرجل بالنسب على الغير، كهذا أخي أو عمي:\rقد يثبت به النسب بإثباته بالبينة عند أبي حنيفة ومحمد، بواسطة إقرار رجلين أو رجل وامرأتين؛ لأن في الإقرار حمل النسب على غيره، فاعتبر بمثابة الشهادة، فلزم فيه العدد المذكور.\rوقال مالك: لا يثبت النسب إلا بإقرار اثنين؛ لأنه يحمل النسب على غيره، فاعتبر فيه العدد كالشهادة.\rوقال الشافعي وأحمد وأبو يوسف: إن أقر جميع الورثة بنسب من يشاركهم في الإرث، ثبت نسبه، وإن كان الوارث واحداً ذكراً أو أنثى؛ لأن النسب حق يثبت بالإقرار، فلم يطلب فيه","part":8,"page":255},{"id":5260,"text":"العدد كالدين، ولأن الإقرار قول لا تشترط فيه عدالة، فلم يصح قياسه على الشهادة (1) .\rوقد يقتصر الإقرار بالنسب على الغير ممن لا يصح إقراره، كالأخ والعم والجد وابن الابن على إثبات حق المشاركة في الإرث (2) ، إذا لم يكن للمقر وارث معروف.\rوعلى هذا: إن كان للمقر وارث معروف نسبه: قريب كأصحاب الفروض والعصبات، أو بعيد كذوي الأرحام، فالوارث المعروف أولى بالميراث من المقر له؛ لأنه لما لم يثبت نسبه منه، لم يزاحم الوارث المعروف النسب، فلو أقر شخص بأخ وله عمة أو خالة، فالإرث للعمة أو الخالة، ولا شيء للمقر له؛ لأنهما وارثان بيقين، فكان حقهما ثابتاً بيقين، فلا يجوز إبطاله بصرف الإرث إلى غيرهما.\rوإن لم يكن للمقر وارث معروف: استحق المقر له ميراثه؛ لأن له ولاية التصرف في مال مال نفسه عند عدم الوارث، فيستحق جميع المال، وإن لم يثبت نسبه منه، لما فيه من حمل النسب على الغير، ولا تعتبر هذه وصية في الحقيقة، حتى إنه يترتب ما يأتي:\rمن أقر بأخ، ثم أوصى لآخر بجميع ماله: كان للموصى له ثلث جميع ماله خاصة. فالوصية تنفذ من الثلث؛ لأن المقر له بالأخوة وارث في ظنه وزعمه، ولو كان موصى له لاشترك الاثنان في قسمة التركة نصفين، لكن يعتبر الإقرار المذكور يمنزلة الوصية، بدليل أنه يجوز للمقر أن يرجع عن الإقرار؛ لأن نسبه لم يثبت، فلا يلزمه الإقرار؛ لأنه وصية من وجه، فلو أقر شخص في مرضه بأخ، وصدقه المقر له، ثم أنكر المقر وراثته، ثم أوصى بماله كله لإنسان ومات ولا وارث له، كان ماله جميعاً للموصى له. فإن لم يوص لأحد كان ماله لبيت المال؛ لأن رجوعه عن الإقرار صحيح؛ لأن النسب لم يثبت، فبطل إقراره.\rوإذا مات إنسان وخلف ابناً واحداً، فأقر بأخ آخر: لم يثبت نسب أخيه؛ لأن فيه حمل النسب على الغير، والإقرار مقبول في حق نفسه غير مقبول في حق غيره، ويشارك المقر له بالأخوة المقر في الإرث من أبيه؛ لأن إقراره تضمن شيئين: حمل النسب على الغير، ولا ولاية له عليه، فلا يثبت النسب، والاشتراك في المال، وله فيه ولاية، فيثبت. ومن مات وترك ابنين، فأقر أحدهما بأخ ثالث: فإن صدقه أخوه المعروف في أخوته، اشترك المقر له مع الابنين في الميراث. وإن كذبه فيه، فإنه يقسم المال بين الأخوين المعروفي النسب نصفين، ثم يقسم النصف بين الأخ المقر له، والأخ المقر مناصفة أيضاً (3) .\r-------------------------------\r(1) المغني: 183/5، الشرح الكبير: 417/3، مغني المحتاج: 261/2 وما بعدها، البدائع: 229/7 وما بعدها.\r(2) ويلزم المقر في حق نفسه أيضاً بالنفقة والحضانة، كما يلزم بالإرث إذا تصادق المقر له والمقر على الإقرار؛ لأن إقرارهما حجة عليهما.\r(3) راجع البدائع: 230/7، تكملة فتح القدير: 19/7، تبيين الحقائق: 28/5، الدر المختار: 487/4، اللباب شرح الكتاب: 87/2، مغني المحتاج: 261/2، المغني: 186/5، الشرح الكبير للدردير: 415/3، 417.","part":8,"page":256},{"id":5261,"text":"المبحث الرابع ـ القضاء بالقرائن :\rأهمية القرائن: القضاء بالقرائن أصل من أصول الشرع، وذلك سواء في حال وجود البينة أو الإقرار، أم في حال فقد أي دليل من دلائل الإثبات. فقد تمنع القرينة سماع الدعوى كادعاء فقير معسر إقراض غني موسر، وقد ترد البينة أو الإقرار حال وجود التهمة، مثل قرابة الشاهد للمشهود له، أو كون الإقرار في مرض الموت، وقد تستخدم القرينة دليلاً مرجحاً أثناء تعارض البينات مثل وضع اليد ونحوه كما عرفنا، وقد تعتبر القرينة دليلاً وحيداً مستقلاً إذا لم يوجد دليل سواها، مثل رد دعوى الزوجة القاطنة مع زوجها بعدم الإنفاق عليها، في رأي المالكية والحنابلة. قال ابن القيم: ومن أهدر الأمارات والعلامات في الشرع بالكلية، فقد عطل كثيراً من الأحكام، ووضع كثيراً من الحقوق (1) .\rتعريف القرينة: القرينة لغة: هي العلامة الدالة على شيء مطلوب (2) . واصطلاحاً: هي كل أمارة ظاهرة تقارن شيئاً خفياً فتدل عليه. يفهم من هذا التعريف أنه لا بد في القرينة من أمرين:\r-------------------------------\r(1) الطرق الحكمية: ص 100.\r(2) التعريفات للجرجاني: ص 152.","part":8,"page":257},{"id":5262,"text":"1 - أن يوجد أمر ظاهر معروف يصلح أساساً للاعتماد عليه.\r2 - أن توجد صلة مؤشرة بين الأمر الظاهر والأمر الخفي.\rوبمقدار قوة هذه الصلة تنقسم القرائن قسمين: قرائن قوية، وقرائن ضعيفة. وللفقهاء والقضاة دور ملحوظ في استنباط نتائج معينة من القرائن. ومن القرائن الفقهية: اعتبار ما يصلح للرجال من متاع البيت عند اختلاف الزوجين في ملكيته هو للرجل، كالعمامة والسيف، وما يصلح للنساء فقط كالحلي للمرأة بشهادة الظاهر، وملاحظة العرف والعادة (1) .\rومن القرائن القضائية: الحكم بالشيء لمن كان في يده، باعتبار أن وضع اليد قرينة على الملك بحسب الظاهر.\rوإذا كانت القرينة قطعية تبلغ درجة اليقين، مثل الحكم على الشخص بأنه قاتل إذا رئي مدهوشاً ملطخاً بالدم، ومعه سكين بجوار مضرج بدمائه في مكان، فإنها تعد وحدها بينة نهائية كافية للقضاء.\rأما إذا كانت القرينة غير قطعية، ولكنها ظنية أغلبية، كالقرائن العرفية، أو المستنبطة من وقائع الدعوى وتصرفات الأطراف المتخاصمين، فإنها تعد دليلاً مرجحاً لجانب أحد الخصوم، متى اقتنع بها القاضي، ولم يوجد دليل سواها، أو لم يثبت خلافها بطريق أقوى.\rولا يحكم عند جمهور الفقهاء بهذه القرائن في الحدود؛ لأنها تدرأ بالشبهات ولا في القصاص إلا في القسامة، للاحتياط في موضوع الدماء وإزهاق النفوس. ويحكم بها في نطاق المعاملات المالية والأحوال الشخصية عند عدم وجود بينة في إثبات الحقوق الناشئة عنها.\r-------------------------------\r(1) الكتاب مع اللباب: 50/4.","part":8,"page":258},{"id":5263,"text":"إلا أن المالكية (1) : أثبتوا شرب الخمر بالرائحة، والزنا بالحمل، ووافقهم ابن القيم في إثبات الزنا بالحمل، وفصل الحنابلة (2) فقالوا: تحد الحامل بالزنا، وزوجها بعيد عنها إذا لم تدّع شبهة، ولا يثبت الزنا بحمل المرأة وهي خلية لا زوج لها.\rقال ابن القيم (3) : نظر جمهور الفقهاء كمالك وأحمد وأبي حنيفة إلى القرائن الظاهرة والظن الغالب الملتحق بالقطع في اختصاص كل واحد منها بما يصلح له، ورأوا أن الدعوى تترجح بما هو دون ذلك بكثير، كاليد والبراءة والنكول، واليمين المردودة، والشاهد واليمين، والرجل والمرأتين، فيثير ذلك ظناً تترجح به الدعوى. ومعلوم أن الظن الحاصل ههنا أقوى بمراتب كثيرة من الظن الحاصل بتلك الأشياء، وهذا مما لا يمكن جحده ودفعه.\rوقد نصب الله سبحانه على الحق الموجود والمشروع علامات وأمارات تدل عليه وتبينه. ونصب على الإيمان والنفاق علامات وأدلة. واعتبر النبي صلّى الله عليه وسلم وأصحابه من بعده العلامات في الأحكام، وجعلوها مبينة لها، كما اعتبر العلامات في اللقطة، وجعل صفة الواصف لها آية وعلامة على صدقه، وأنها له.\rوجعل الصحابة الحبل علامة وآية على الزنا، فحدوا به المرأة، وإن لم تقر، ولم يشهد عليها أربعة، بل جعلوا الحبل أصدق من الشهادة، وجعلوا رائحة الخمر وقيئه لها آية وعلامة على شربها، بمنزلة الإقرار والشاهدين.\rوجعل النبي صلّى الله عليه وسلم نحر كفار قريش يوم بدر عشر جزائر أوتسعاً، آية وعلامة\rعلى كونهم ما بين الألف والتسع مئة، واعتبر العلامة في السيف وظهور أثر الدم به في الحكم بالسلَب لأحد المتداعيين. ونزَّل الأثر منزلة بينة. واعتبر إنبات الشعر حول القبُل في البلوغ، وجعله آية وعلامة له. فكان يقتل من الأسرى يوم قريظة من وجدت فيه تلك العلامة، ويستبقي من لم تكن فيه، وجعل الحيض علامة على براءة الرحم من الحمل. واعتبر العلامة في الدم الذي تراه المرأة ويشتبه عليها: هل هو حيض أو استحاضة؟ واعتبر العلامة فيه بوقته ولونه، وحكم بكونه حيضاً بناء على ذلك.\rوفرق الحنابلة بين الركاز واللقطة بالعلامات: فقالوا: الركاز:ما دفنته الجاهلية، ويعرف برؤية علاماتهم عليه، كأسماء ملوكهم وصورهم وصلُبهم. وأما ما عليه علامات المسلمين كأسمائهم، أو كقرآن ونحوه فهو لقطة؛ لأنه ملك مسلم لم يعلم زواله عنه. وإن كان على بعضه علامة الإسلام، وعلى بعضه علامة الكفار هو لقطة؛ لأن الظاهر أنه صار لمسلم دفنه في الأرض. وما ليس عليه علامة فهو لقطة، تغليباً لحكم الإسلام.\r-------------------------------\r(1) القوانين الفقهية: ص 356.\r(2) مطالب أولي النهى: 193/6.\r(3) الطرق الحكمية في السياسة الشرعية: ص 97 وما بعدها، 214 وما بعدها.","part":8,"page":259},{"id":5264,"text":"البَابُ السَّادس: نِظَام الحُكْمِ في الإسلام\rوفيه الكلام عن فصول أربعة:\rالفصل الأول: السيادة ـ سلطة التشريع العليا في الحكم الإسلامي.\rالفصل الثاني: سلطة التنفيذ العليا ـ الإمامة.\rالفصل الثالث: السلطة القضائية في الإسلام.\rالفصل الرابع: الدولة الإسلامية.\rالفَصْلُ الأوّل: السِّيادة ـ سلطة التَّشريع العُليا في الحكم الإسلاميّ\rيشمل الفصل الأول أربعة مباحث وهي ما يأتي:\rالمبحث الأول ـ السيادة أو الحاكمية :\rلاخلاف بين المسلمين في أن مصدر جميع الأحكام التشريعية من أوامر ونواهٍ هو الله تعالى، لا يشاركه فيه أحد من الناس فيما وضع من مبادئ وأصول وتشريعات مفصلة محددة. وطريق التعرف عليها ما أنزل الله في قرآنه أو أوحى به إلى نبيه محمد صلّى الله عليه وسلم .","part":8,"page":260},{"id":5265,"text":"وفي ذلك ضمان وثيق لحرية الإنسان والحفاظ على كرامته ومصالحه، وعدم استبداد أحد به. أما إعطاء سلطة التشريع والأمر لأحد من الناس فهو إشراك في ربوبية الله ، وطريق يؤدي إلى الاستبداد والطغيان والظلم والعسف وإهدار حرية الإنسان والإضرار بمصالحه الخاصة التي لا تصطدم مع المصالح العامة.\rوقد تضافرت النصوص القرآنية الدالة على استقلال الله بهذه السلطة فيما شرع من أحكام، مثل قوله تعالى: {إنِ الحكم إلاّ لله } [يوسف:40/12] {إنَّ الأمر كله لله } [آل عمران:154/3] {فالحكم لله العلي الكبير} [غافر:12/40] {وهو خير الحاكمين} [الأعراف:87/7] {وأنزلنا إليك الكتاب، بالحق مصدقاً لما بين يديه من الكتاب ومهيمناً عليه، فاحكم بينهم بما أنزل الله ، ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق} [المائدة:48/5] {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون} [المائدة:45/5] أو {الكافرون} [المائدة:44/5] أو {الفاسقون} [المائدة:47/5].\rالمبحث الثاني ـ استخلاف الأمة في تنفيذ الشريعة\rالناس وكلاء عن الله في تبليغ وتقرير وتنفيذ أحكامه، ورعاية تطبيقها، وفهم مدلولاتها، عن طريق سلطة الاجتهاد فيما تدل عليه، أو تهدف إليه من غايات، أوتحد من حدود يلزم السير في نطاقها، وتنظم الحياة في محورها، والتوكيل مفهوم من قوله تعالى: {وإذ قال ربك للملائكة: إني جاعل في الأرض خليفة} [البقرة:30/2]. وإذا ورد النص القرآني دالاً على استخلاف بعض الرسل والأنبياء كأحسن مثال، فإن البشر أيضاً من بعدهم هم خلفاء الأرض: {إذ جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح} [الأعراف:69/7] {ثم جعلناكم خلائف في الأرض من بعدهم لننظر كيف تعملون} [يونس:14/10] {وهو الذي جعلكم خلائف الأرض...} [الأنعام:165/6].\rوما على الخليفة (1) أو الوكيل إلا أن ينفذ أوامر المستخلف له: {إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها، وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل} [النساء:58/4] {يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم} [النساء:59/4].\r-------------------------------\r(1) ليست الخلافة عن الله تعالى؛ لأنه ليس في البشر شيء من صفات الله العظمى الذي استخلفهم، وإنما هي خلافة الناس بعضهم عن بعض، فهم خلفاء الأرض.","part":8,"page":261},{"id":5266,"text":"وقد حددت هذه الآية الأخيرة مصادر التشريع في الإسلام التي تستقى في النهاية من مصدر واحد: وهو الوحي الإلهي، وهذه المصادر هي:\rأولاً ـ القرآن الكريم. وتطبيق ما جاء فيه محقق لطاعة الله تعالى.\rثانياً ـ السنة النبوية الصحيحة المبينة لما جاء من عند الله ، والعمل بها محقق طاعة الرسول صلّى الله عليه وسلم .\rثالثاً ـ الاجتهاد الجماعي أو إجماع ذي الفكر المختصين في النظر في شؤون الناس ومصالحهم العامة، وإدراك قضاياهم الدينية أو الدنيوية، من الحكام والأمراء والعلماء ورؤساء الجند وخبراء السياسة والاجتماع والاقتصاد (التجارة والصناعة والزراعة والحرف الفنية والمهنية) والإجماع الذي لا بد له من مستند شرعي نصي أو مصلحي، يمثل إرادة الأمة العامة، لا سيما إذا أخذنا بقول الغزالي الذي لا يقصر الإجماع على العلماء، وإنما يدخل العوام معهم لينعقد الإجماع.\rرابعاً ـ الاجتهاد الفردي من قبل العلماء المجتهدين: وهم المؤمنون بالله ورسوله، العارفون بمدارك الأحكام الشرعية وأقسامها وطرق إثباتها، ووجوه دلالتها على مدلولاتها. وتشمل طرق استنباط القواعد والأحكام والأنظمة لديهم عدة أصول، كالقياس والاستحسان والاستصلاح، والعرف والعادة، وسد الذرائع، وقول الصحابي، وشرع من قبلنا، والاستصحاب.","part":8,"page":262},{"id":5267,"text":"فإن برز اختلاف بين الناس أو بين المجتهدين أو العلماء المتخصصين، عرض الأمر على القواعد العامة والمبادئ التشريعية والأهداف الأساسية المعلومة من القرآن والسنة على ألا يتعارض الرأي المقول به مع النصوص المحكمة أو الأدلة القطعية، وأن يتفق الحكم المقرر مع روح الإسلام ومقاصد الشريعة الإسلامية، وهذا تطبيق لقوله تعالى: {فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر، ذلك خير وأحسن تأويلاً} [النساء:59/4].\rويتحدد الذين يفصلون في النزاع في صورة هيئة تحكيم أو محكمة دستورية عليا (1) ، يختارهم أولو الأمر بالنيابة عن الأمة من العلماء المختصين في موضوع النزاع، ممن اشتهروا بالعلم والمعرفة ورجاحة العقل والعدالة والتقوى والمروءة، كما حصل في تحكيم بعض أهل الشورى الذين اختارهم بعض الخلفاء الراشدين وهو عمر رضي الله عنه للترشيح لمنصب الخلافة، وإتمام البيعة للمرشح من سائر الناس.\rويؤخذ في التصويت برأي الأكثرية أو الأغلبية، عملاً برأي جماعة من الفقهاء القائلين بأن اتفاق أكثر المجتهدين حجة، وإن لم يكن إجماعاً؛ لأن الخلافة لا يشترط فيها الإجماع، ولقول النبي صلّى الله عليه وسلم : «يد الله مع الجماعة» «عليكم بالجماعة والعامة» «اتبعوا السواد الأعظم» (2) هذا ما لم يتبين للإمام الأعظم رجحان رأي الأقلين بدليل أوضح، أو لمصلحة أنسب، وإلا اتبع رأي أهل الشورى وهو معنى (العزم) في آية: {وشاورهم في الأمر} [آل عمران:159/3] أي ( مشاورة أهل الرأي ثم اتباعهم ) كما قال النبي صلّى الله عليه وسلم ، وقال لأبي بكر وعمر مستشاريه: «لو اجتمعتما في مشورة ما خالفتكما» (3) ، وكما أبان عمر للرهط الستة في كيفية\r-------------------------------\r(1) منهاج الإسلام في الحكم لمحمد أسد: ص 125 وما بعدها.\r(2) حديث «يد الله مع الجماعة» رواه الترمذي عن ابن عمر، ورواه النسائي والطبراني عن عرفجة، وحديث «فعليكم بالجماعة» رواه أحمد، ورفعه الطبراني في الكبير عن ابن عمر، وحديث «عليكم بالسواد الأعظم» رواه عبد بن حميد وابن ماجه عن أنس.\r(3) تفسير ابن كثير: 420/1، ط الحلبي.","part":8,"page":263},{"id":5268,"text":"اختيار الخليفة من بعده، من الفريق الذي في صفِّه عبد الله بن عمر في حالة تساوي الأصوات، وهي قصة الشورى أو بيعة عثمان (1) .\rالمبحث الثالث ـ سيادة التشريع وتعاون السلطات\rإن السلطات الثلاث: التشريعية (2) ممثلة بأولي الحل والعقد للاجتهاد في استنباط الأحكام من نصوص الشريعة، والتنفيذية ممثلة بالحاكم الأعلى ووزرائه، والقضائية ممثلة بالقضاة، ليس بينها مبدأ الفصل التام، ولا مبدأ الاندماج الوظيفي، فبالرغم من أن كل سلطة مستقلة في عملها عن الأخرى إلا أنها تساند وتعاون السلطات الأخرى، وهذه هي أحدث النظريات الديمقراطية التي سبق الإسلام إليها،باعتبار أن هذه السلطات تخضع كلها في دولة واحد لأصول شريعة سماوية تحترم مبدأ العدل والحرية والكرامة الإنسانية، وتحارب الظلم واستبداد الحكام وتدخلهم الذي يؤثر في سير مجرى العدالة وأعمال القضاء والتنفيذ، وإذا كان الإمام رئيساً للسلطتين التشريعية والتنفيذية فإنه مقيد بتعاليم الإسلام. وهو لا يملك التشريع وإنما له كغيره حق الاجتهاد إذا توافرت فيه شروط الاجتهاد.\rإن احترام أحكام الشريعة هو أساس عمل كل سلطة من هذه السلطات؛ لأن التشريع لله تعالى، وبذلك تتحقق سيادة التشريع الإسلامي فوق كل وضع شخصي أو مصلحي. وصلاحية التشريع مختصة بالكتاب والسنة أو إجماع الأمة، أو الاجتهاد، وهذه المصادر مستقلة عن الإمام، وهوملزم بها ومنفذ\r-------------------------------\r(1) تاريخ الإسلام السياسي للدكتور حسن إبراهيم: 254/1.\r(2) التشريع الحقيقي كما عرفنا هو لله عز وجل، وأما إطلاق صفة التشريع على المجتهدين فهو من قبيل المجاز بمعنى الكشف عن أحكام الله وإبانتها للناس، وتعريفهم بضوابطها وقيودها، وتوضيح غاياتها، وإفتائهم بما يستجد من القضايا.","part":8,"page":264},{"id":5269,"text":"لأحكامها، كما أن القضاء المستقل أو الكائن بيد الإمام ينفذ أحكام الشريعة، أي أوامر الله (1) ، ومن أهم مبادئ الإسلام في هذه المصادر هو الشورى التي لا تهادن الاستبداد في مختلف صوره وأشكاله، قال النبي صلّى الله عليه وسلم : «تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله وسنتي» (2) وهذا أوضح نص يبين سيادة التشريع الإسلامي، ومطالبة كل مسلم بالعمل بما جاء فيهما، وإن خالف إرادة الحاكم، إذ لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، وإنما الطاعة في معروف.. ويمكن توضيح ما سبق في تحديد العلاقة بين السلطات بما يأتي (3) :\rإن فصل السلطات الثلاث في الإسلام(التشريع بمعنى الاجتهاد والتنفيذ والقضاء) يقوم على أساس فصل الوظيفة التشريعية، أي الاجتهاد عن سائر الوظائف الأخرى، لا على أساس الفصل العضوي، أي الشخص القائم بكل سلطة. فالإمام أو القاضي حينما يجتهد إنما يفعل ذلك لا بوصفه خليفة أو قاضياً، وإنما بسبب كونه مجتهداً يستنبط الأحكام الشرعية من نصوص وأصول ومبادئ الشريعة. وكذلك فإن إدماج السلطتين القضائية والتنفيذية في شخص الإمام، أي من الناحية العضوية لم يكن يؤثر في استقلال القضاة في مباشرة وظائفهم، لالتزام الكل بالتشريع الإسلامي.\rوحينئذ فلا خطر من عدم وجود الفصل العضوي أو الشخصي بين السلطات، كما عليه الدول الحديثة؛ لأن الوازع الديني هو أساس عمل المسلم،\r-------------------------------\r(1) النظريات السياسية الإسلامية للدكتور ضياء الدين الريس: ص 335، ط الثالثة، منهاج الإسلام في الحكم لمحمد أسد: ص 101 وما بعدها، ط الأولى.\r(2) رواه الحاكم عن أبي هريرة رضي الله عنه.\r(3) راجع السلطات الثلاث لأستاذنا الدكتور سليمان الطماوي: ص 472-477، منهاج الحكم في الإسلام لمحمد أسد: ص 101-127.","part":8,"page":265},{"id":5270,"text":"حاكماً كان أو قاضياً أو فرداً عادياً. أما أساس الفصل الذي يرجع في الدول الحديثة لأهداف ثلاثة: وهي ضمان الحرية الفردية، وضمان شرعية الدولة، وتقسيم العمل، فلا مانع من الأخذ به وبمبدأ فصل السلطات فعلاً بين أشخاص القائمين بها بناء عليه، في المفهوم الإسلامي، لا سيما في وقتنا الحاضر حيث قل الوازع الديني وضعفت خشية الله تعالى، فوقع الظلم والتعسف والانحراف، كما وقع من بعض أمراء وحكام المسلمين في عهد بني أمية وبني العباس، مما استدعى وجود قضاء المظالم الذي يشبه مجلس الدولة الآن.\rيتبين لنا أن فصل السلطة التشريعية أي الاجتهاد، لا بمعنى الاستقلال في إنشاء وتشريع الأحكام عن سائر الوظائف الأخرى، كان هو المعروف في صدر الإسلام. وأما القضاء وإن لم يستقل عن التنفيذ في شخص الخليفة أو الوالي أحياناً، فهو بسبب كون القاضي مجتهداً. كذلك القاضي غير الخليفة أو الإمام مستقل في عمله عن السلطة التنفيذية، نظراً لأنه يستقي الأحكام المطبقة من المصدر الإلهي لا من السلطة التنفيذية.\rلكن بين هذه السلطات تعاون وتضامن في التنفيذ دون تدخل شخصي، فعلى السلطة التنفيذية أن تنفذ قرارات مجلس الشورى في الأمور الأساسية والقضايا المبدئية أو المهمة، ولكن لها الحرية في اختيار الوسائل الإدارية لتنفيذ القوانين.","part":8,"page":266},{"id":5271,"text":"قال الماوردي مبيناً هذه المعاني بالنسبة لأحد موظفي التنفيذ وهو الوالي أو الأمير صاحب الإمارة الخاصة: «وأما نظره في المظالم، فإن كان مما نفذت فيه الأحكام وأمضاه القضاة والحكام، جاز له النظر في استيفائه معونة للمحق على المبطل، وانتزاعاً للمحق من المعترف المماطل؛ لأنه موكول إلى المنع من التظالم والتغالب، ومندوب إلى الأخذ بالتعاطف والتناصف. فإن كانت المظالم مما تستأنف فيها الأحكام، ويبتدأ فيها القضاء، منع منه هذا الأمير؛ لأنه من الأحكام التي لم يتضمنها عقد إمارته، وردَّهم إلى حاكم بلده...» (1) .\rالمبحث الرابع ـ صاحب الحق في التشريع\rبناء على ما سبق يتبين أن لاحق لأحد سوى الله في التشريع بالمعنى الحقيقي، سواء أكان حاكماً أم طائفة معينة، أم الأمة نفسها؛ لأن إعطاء أحدهم صلاحية التشريع يجعله متأثراً بالمصالح والأهواء الخاصة، وترك مصلحة الأمة العليا. ويبدو لنا ذلك واضحاً بعد انفصال السياسة عن الدين، وجعل التشريع بيد المجالس النيابية، حتى لم نعد نشاهد نصراً حاسماً محرزاً، أو تقدماً إيجابياً صالحاً، أو نهضة حقيقية، بسبب إغفال أوامر الله تعالى، وعدم اجتناب نواهيه. ويؤكد القرآن الكريم على ترك الاختصاص التشريعي لله ولرسوله، قال الله تعالى: { وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخِيَرة من أمرهم} [الأحزاب:36/33] {فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكّموك فيما شجر بينهم، ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت، ويسلِّموا تسليماً} [النساء:4/65] {فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم} [النور:63/24].\rوالتزم الصحابة المهديون هذا الهدي بعد وفاة الرسول الأعظم صلّى الله عليه وسلم ، فكان أبو بكر الصديق رضي الله عنه إذا ورد عليه الخصوم أو عرض له قضاء عام أو خاص، نظر في كتاب الله ، فإن وجد فيه ما يقضي به قضى به، وإن لم يكن في\r-------------------------------\r(1) الأحكام السلطانية: ص 30.","part":8,"page":267},{"id":5272,"text":"الكتاب وعلم من سنة رسول الله في ذلك الأمر سنة قضى بها، فإن أعياه أن يجد في سنة رسول الله ، جمع رؤوس الناس وخيارهم فاستشارهم، فإن أجمع رأيهم على أمر قضى به.\rوكذلك كان يفعل عمر رضي الله عنه، وبقية الصحابة، وأقرهم على هذه الخطة المسلمون (1) . وقد بعث رسول الله صلّى الله عليه وسلم معاذ بن جبل رضي الله عنه قاضياً بالإسلام إلى اليمن، فقال له الرسول: كيف تقضي يا معاذ إذا عرض لك قضاء؟ قال: أقضي بكتاب الله ، قال: فإن لم تجد في كتاب الله ؟ قال: فبسنة رسول الله ، قال: فإن لم تجد في سنة رسول الله ؟ قال: أجتهد برأيي ولا آلو (أي لا أقصر في الاجتهاد) فضرب رسول الله صلّى الله عليه وسلم على صدره، وقال: الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يرضي الله ورسوله (2) . وروى مالك عن علي قال: قلت: يا رسول الله ، الأمر ينزل بنا لم ينزل فيه القرآن ولم تمض فيه منك سنة؟ فقال: اجمعوا العالمِين من المؤمنين، فاجعلوه شورى بينكم، ولا تقضوا فيه برأي واحد (3) .\rلكن الأمة بما لديها من خبرة واحتكاك بالمجتهدين فيها هي التي تختار أولي الحل والعقد حسبما تقتضي تطورات الظروف الاجتماعية والاقتصادية (4) ، فتكون إرادتها ممثلة بواسطة هؤلاء العلماء المتخصصين الذين اختارتهم، وقيدتهم بمبادئ الإسلام وأحكامه، وبالمصالح العامة فيما لا نص ولا إجماع فيه من الأمور الدنيوية والقضايا الاجتماعية المتجددة أو المتطورة.\r-------------------------------\r(1) أصول الفقه الإسلامي للمؤلف: 418/1، ط دار الفكر.\r(2) قال الشوكاني في إرشاد الفحول: ص 227: «وهو حديث مشهور له طرق متعددة ينتهض مجموعها للحجة، كما أوضحت ذلك في مجموع مستقل» وقد رواه أحمد وأبو داود والترمذي وابن عدي والطبراني والبيهقي، وهو حديث مرسل في الأصح.\r(3) أعلام الموقعين: 73/1.\r(4) مقاصد الشريعة الإسلامية ومكارمها للأستاذ علال الفاسي: ص 215.","part":8,"page":268},{"id":5273,"text":"وهذا يعني أن السيادة الأصلية لله تعالى، فيجب الرجوع إلى تشريعه أمراً ونهياً، وأما السيادة العملية فهي للأمة باعتبارها التي تعين أهل الحل والعقد. وحينئذ يجتمع هؤلاء في مكان مخصص لهم، بدلاً من الاجتماع في المسجد، كما يجتمع أعضاء مجلس الشعب أو مجلس الأمة في عصرنا لمناقشة شؤون المسلمين، بشرط مراعاة أحكام وأسس التشريع الإسلامي فيما يصدرون من قوانين.\rوإذا أصبح المجتهد الذي هو أحد هيئة أهل الحل والعقد خليفة أو وزيراً أو قاضياً، فله الأخذ باجتهاده فيما لم يصادم إجماع المجتهدين، ويكون رأيه حينئذ ملزماً بصفته صاحب سلطة.\rويمكن لكل إنسان بلوغ درجة الاجتهاد باستجماع شروطه المقررة أصولياً وأهمها معرفة اللغة العربية ـ لغة القرآن والسنة، وكيفية استنباط الحكم من مصادره التشريعة وفهم مقاصد الشريعة. ويتوصل إلى ذلك بالبحث والنظر والتحصيل والممارسة الفعلية للاجتهاد حتى تعرفه الأمة وترشحه لتمثيلها.\rومجال الاجتهاد محصور فيما ليس فيه نص قطعي الثبوت والدلالة أو الأحكام المعلومة من الدين بالضرورة كوجوب الصلوات الخمس، والصيام والزكاة والحج، وتحريم جرائم الزنى والسرقة والمحاربة وشرب المسكرات والقتل وتوقيع العقوبات المقررة لها من جلد وقصاص، وزواج المحارم ونحوها.\rوأما ما يصح الاجتهاد فيه: فهو الأحكام التي ورد فيها نص ظني الثبوت والدلالة أو ظني أحدهما، والأحكام التي لم يرد فيها نص ولا إجماع (1) . وعلى هذا فإن التشريعات الصادرة حديثاً التي لا تخالف الإسلام من قبل اللجان المشرِّعة، لا تخالف قواعد الاجتهاد في الفقه الإسلامي (2) .\rوالخلاصة: أن الاجتهاد في الشريعة مقصور على استمداد الأحكام الشرعية من مصدرها الإلهي، والحاكم هو الذي يجعل اجتهاد الفرد ملزماً، لا الأغلبية، أما السلطة التشريعية في الدول الحاضرة فإن لها إصدار ما تشاء من التشريعات من دون أي قيد، وتأخذ في ذلك بمبدأ الأغلبية.\r-------------------------------\r(1) راجع أصول الفقه الإسلامي للمؤلف: 1053/2، ط دار الفكر.\r(2) السلطات الثلاث، المرجع السابق: ص 241.","part":8,"page":269},{"id":5274,"text":"الفَصْلُ الثّاني: سُلطة التَّنفيذ العُليَا ـ الإمامَة\rويتضمن مباحث عشرة هي:\rالمبحث الأول ـ تعريف الإمامة :\rالإمامة العظمى أو الخلافة أو إمارة المؤمنين كلها تؤدي معنى واحداً، وتدل على وظيفة واحدة هي السلطة الحكومية العليا. وقد عرفها علماء الإسلام بتعاريف متقاربة في ألفاظها، متحدة في معانيها تقريباً، علماً بأنه لا تشترط صفة الخلافة، وإنما المهم وجود الدولة ممثلة بمن يتولى أمورها، ويدير شؤونها، ويدفع غائلة الأعداء عنها.\rقال الدهلوي: الخلافة: هي الرياسة العامة في التصدي لإقامة الدين بإحياء العلوم الدينية، وإقامة أركان الإسلام، والقيام بالجهاد، وما يتعلق به من ترتيب الجيوش والفروض للمقاتلة، وإعطائهم من الفيء، والقيام بالقضاء، وإقامة الحدود، ورفع المظالم، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر نيابة عن النبي صلّى الله عليه وسلم (1) .\r-------------------------------\r(1) إكليل الكرامة في تبيان مقاصد الإمامة لصديق حسن خان: ص 23.","part":8,"page":270},{"id":5275,"text":"وقال التفتازاني: الخلافة: رئاسة عامة في أمر الدين والدنيا، خلافة عن النبي صلّى الله عليه وسلم (1) .\rوقال الماوردي: الإمامة: موضوعة لخلافة النبوة في حراسة الدين وسياسة الدنيا (2) .\rوحدد ابن خلدون بطريقة أخرى وظيفة الإمامة فقال: هي حمل الكافة على مقتضى النظر الشرعي في مصالحهم الأخروية والدنيوية الراجعة إلىها؛ إذ أن أحوال الدنيا ترجع كلها عند الشارع إلى اعتبارها بمصالح الآخرة. فهي (أي الخلافة) في الحقيقة: خلافة عن صاحب الشرع في حراسة الدين وسياسة الدنيا به (3) .\rويتبين من هذه التعاريف أن سلطة الخليفة تتناول أمور الدين، وسياسة الدنيا على أساس شرائع الإسلام وتعاليمه؛ لأن هذه التعاليم يراد بها تحقيق مصالح الناس في عالمي الدنيا والآخرة، أي أن العنصر العقدي والإنساني أو الأخلاقي يسير جنباً إلى جنب مع العنصر المادي، ويتآزر العنصران لإقامة المجتمع الفاضل المستقر المرفه المتمكن في الأرض الذي يقيم العزة والسيادة الفعلية بين جناحيه. وتتعاضد فيه الهداية الإلهية مع الإرادة البشرية والقوى العقلية عن طريق الإجماع والقياس.\rوبهذا تغاير الخلافة أساساً السلطات السياسية الحالية التي تسير على هدي القوانين الوضعية التي تقتصر على تنظيم العلاقات الاجتماعية، وتقر واقع المجتمع ولو عارض الدين أو الفضيلة أحياناً.\r-------------------------------\r(1) شرح العقائد النسفية، الخلافة لرشيد رضا: ص 10.\r(2) الأحكام السلطاني: ص 3، ط صبيح.\r(3) المقدمة: ص 191، ط التجارية.","part":8,"page":271},{"id":5276,"text":"المبحث الثاني ـ حكم إقامة الدولة في الإسلام :\rبالرغم من أن إيجاد الدولة أمر يوجبه العقل، ويحتمه الواقع، وتفرضه طبائع الأحداث، فقد رأينا اختلافاً بسيطاً غير حاد ولا خطير في شأن حكم الإمامة وجوباً وجوازاً. قال ابن تيمية (1) : يجب أن يعرف أن ولاية أمر الناس من أعظم واجبات الدين، بل لا قيام للدين إلا بها، فإن بني آدم لا تتم مصلحتهم إلا بالاجتماع لحاجة بعضهم إلى بعض، ولا بد لهم عند الاجتماع من رأس، حتى قال النبي صلّى الله عليه وسلم : «إذا خرج ثلاثة في سفر فليؤمروا أحدهم» (2) .\rويمكن تصنيف مذاهب الفرق الإسلامية في ثلاثة: مذهب الإيجاب، ومذهب الجواز، ومذهب الوجوب على الله .\rأولاً ـ مذهب إيجاب الإمامة :\rترى الأكثرية الساحقة من علماء الإسلام (وهم أهل السنة والمرجئة والشيعة والمعتزلة إلا نفراً منهم، والخوارج ما عدا النجدات): أن الإمامة أمر واجب أو فرض محتم (3) . قال ابن حزم: اتفق جميع أهل السنة وجميع المرجئة وجميع الشيعة وجميع الخوارج على وجوب الإمامة، وأن الأمة واجب عليها الانقياد لإمام عادل يقيم فيهم أحكام الله ، ويسوسهم بأحكام الشريعة التي جاء بها رسول الله صلّى الله عليه وسلم، حاشا النجدات، فإنهم قالوا:لا يلزم الناس فرض الإمامة، وإنما عليهم\r-------------------------------\r(1) السياسة الشرعية لابن تيمية: ص 161.\r(2) رواه أبو داود من حديث أبي سعيد وأبي هريرة.\r(3) شرح العقائد النسفية للتفتازاني: ص 142 وما بعدها، مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين للأشعري: 133/2، حجة الله البالغة للدهلوي: 110/2، أصول الدين للبغدادي: ص 271 وما بعدها، ط استانبول، الأحكام السلطانية للماوردي: ص 3.","part":8,"page":272},{"id":5277,"text":"أن يتعاطوا الحق بينهم (1) . ونوع الفرضية هو الفرض الكفائي، قال الماوردي: فإذا ثبت وجوب الإمامة ففرضها على الكفاية كالجهاد وطلب العلم، فإذا قام بها من هو من أهلها سقط فرضها عن الكافة (2) .\rثم انقسم هؤلاء فرقاً ثلاثاً، فقال أكثر الأشعرية والمعتزلة والعترة: إنها تجب شرعاً؛ لأن الإمام يقوم بأمور شرعية.\rوقال الشيعة الإمامية: تجب الإمامة عقلاً فقط للحاجة إلى زعيم يمنع التظالم، ويفصل بين الناس في التنازع والتخاصم، ولولا الولاة لكان الأمر فوضى.\rوقال الجاحظ والبلخي (الكعبي) وأبو الحسين الخياط والحسن البصري: تجب الإمامة عقلاً وشرعاً.\rأدلة هذا المذهب :\rأورد أصحاب هذه النظرية عدة براهين شرعية وعقلية وضرورات وظيفية.\r1 ً - البرهان الشرعي :\rوهو الإجماع: أجمع الصحابة والتابعون على وجوب الإمامة، إذ بادر الصحابة فور وفاة النبي صلّى الله عليه وسلم وقبل تجهيزه وتشييعه إلى عقد اجتماع السقيفة ـ سقيفة بني ساعدة، وبعد تشاور كبار المهاجرين والأنصار بايعوا أبا بكر الصديق رضي الله عنه قياساً على تقديم الرسول صلّى الله عليه وسلم له لإمامة الناس في الصلاة أثناء مرضه الشريف، وأقر المسلمون هذه البيعة في المسجد في اليوم التالي، مما ينبئ أنهم مجمعون على ضرورة وجود إمام أو خليفة.\rقال الإيجي في المواقف وشارحه الجرجاني: «إنه تواتر إجماع المسلمين في الصدر الأول، بعد وفاة النبي صلّى الله عليه وسلم على امتناع خلو الوقت من إمام، حتى قال أبو بكر رضي الله عنه في خطبته المشهورة، حين وفاته عليه السلام: ألا إن محمداً قد مات، ولا بد لهذا الدين ممن يقوم به، فبادر الكل إلى قبوله، وتركوا له أهم الأشياء، وهو دفن رسول الله صلّى الله عليه وسلم ، ولم\r-------------------------------\r(1) الفِصَل في الملل والنحل: 87/4، المحلى: 438/9، مسألة 1768، مراتب الإجماع:ص 124.\r(2) الأحكام السلطانية: ص 3.","part":8,"page":273},{"id":5278,"text":"يزل الناس على ذلك، في كل عصر إلى زماننا هذا، من نصب إمام متبع في كل عصر» (1) وواضح من قول العلماء أن الإجماع منصب على ضرورة وجود الحاكم، وليس المهم شكل الحكم، من خلافة أو غيرها، مادام الشرع هو المطبق (2) .\rوالإجماع حجة قطعية يقينية على وجوب الإمامة بعد الرسول صلّى الله عليه وسلم وفي كل عصر، إذ لا يصلح الناس فوضى لا قادة ولا رؤساء لهم في كل زمان.\rويؤكد هذا الإجماع أو يعد مستنداً له إشارات في القرآن والحديث، قال الماوردي (3) : جاء الشرع بتفويض الأمور إلى ولي في الدين، قال الله عز وجل: {يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم} (4) ففرض علينا طاعة أولي الأمر فينا، وهم الأئمة المتأمرون علينا. وروى هشام بن عروة عن أبي صالح عن أبي هريرة أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم قال: «سيليكم بعدي ولاة، فيليكم البر ببره، والفاجر بفجوره، فاسمعوا لهم، وأطيعوا في كل ماوافق الحق، فإن أحسنوا فلكم ولهم، وإن أساءوا فلكم وعليهم» . وهناك آيات أخرى مثل قوله تعالى: {وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم} [المائدة:49/5] {وشاورهم في الأمر، فإذا عزمت فتوكل على الله } [آل عمران:159/3]. ومارس النبي عليه السلام سلطات سياسية لا تصدر من غير قائد دولة، كإقامة الحدود وعقد المعاهدات وتعبئة الجيوش\r-------------------------------\r(1) المواقف وشرحه: ص 603 وما بعدها، وانظر نهاية الإقدام للشهرستاني: ص 489.\r(2) شكك الأستاذ علي عبد الرزاق في دعوى الإجماع هذه في كتابه الشاذ: «الإسلام وأصول الحكم» : ص 21 وما بعدها، متعللاً بعدم وجود دراسات علمية موسعة للخلافة عند السابقين، وأن كل الحكومات الإسلامية قامت على القهر والغلبةما عدا الخلافة الراشدية، والحقيقية أنه بالرغم من أن تأليف هذا الكتاب كان لظروف معينة اقتضته وهي التنديد بالخلافة العثمانية فهو إن أنكر صورة الحكم، فلا يستطيع إنكار ما تفرضه البداهة وطبيعة الأشياء من ضرورة إقامة دولة، وهو ماتم عليه الإجماع بالذات، لا أن الإجماع أمر لا بد منه لنصب كل حاكم، فالأغلبية فيه تكفي.\r(3) الأحكا م السلطانية: ص 3.\r(4) أي أن طاعة أولي الأمر تقتضي وجوب نصبهم وإقامتهم. [النساء:59/4].","part":8,"page":274},{"id":5279,"text":"وتعيين الولاة وفصل الخصومات بين الناس في الشؤون المالية والجنائية ونحوها (1) .\r2 ً - البرهان العقلي ـ الشرعي :\rوهو توفير النظام ودرء الفوضى، أي أن الاجتماع والتمدن طبيعي في البشر،وكل اجتماع يؤدي إلى التنازع والتزاحم والاختلاف بسبب حب الذات والحرص على المصالح الذاتية، وتحقيق أكبر قدر من المصالح الشخصية، والتنازع يفضي غالباً إلى الخصام والصراع والهرج والفوضى المؤذنة بهلاك البشر وانقراض النوع الإنساني إذا لم تنظم الحقوق وتحدد الواجبات ويفرض النظام، ويقوم الوازع الرادع، ويتم ذلك بالسلطان.قال الماوردي (2) : تجب الإمامة عند طائفة عقلاً لما في طباع العقلاء من التسليم لزعيم يمنعهم من التظالم، ويفصل بينهم في التنازع والتخاصم، ولولا الولاة لكانوا فوضى مهملين، وهمجاً مضاعين، وقد قال الأفواه الأودي ـ وهو شاعر جاهلي:\rلا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم ..... ..... ولاسراة إذا جهالهم سادوا\rوهذا يعني أن ضرورات الحياة والحفاظ على حقوق الإنسان تقتضي وجوب الإمامة أو السلطة.\r3 ً - برهان الوظيفة :\rإن قيام الإنسان بوظيفته بكونه خليفة الدنيا في الأرض وحامل الأمانة: (الفروض والتكاليف الدينية) يتوقف على وجود السلطة السياسية التي تمكنه من أداء وظيفته على نحو أكمل.\rوهذه الواجبات لا تتحقق إلا في ظل وجود دولة، سواء أكانت عبادات محضة كالصلوات والحج والعمرة أم شعائر عامة كالأذان والجمعة والأعياد، أم معاملات اجتماعية كالعقود بأنواعها، أم تكاليف جماعية كالجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإقامة المجتمع الفاضل والتعاون في سبيل الخير، وقمع الشر، ومحاربة الأهواء.\rوجدير بالذكر أن كل رسالة إصلاحية وعلى رأسها الإسلام لا يمكن أن يقر قرارها أو تظهر فائدتها إلا في سياج منيع من القوة المانعة والسطوة الرادعة التي تلازم وجود الدولة.\r-------------------------------\r(1) راجع زاد المعاد لابن القيم: 124/2 وما بعدها.\r(2) الأحكام السلطانية، المكان السابق.","part":8,"page":275},{"id":5280,"text":"وغريب أن نجد فكرة سديدة تخالف هذا المنطق أو تتجافى مع هذا التصور. قال النسفي: «والمسلمون لا بد لهم من إمام يقوم بتنفيذ أحكامهم، وإقامة حدودهم،وسد ثغورهم، وتجهيز جيوشهم وأخذ صدقاتهم، وقهر المتغلبة والمتلصصة وقطاع الطريق، وإقامة الجمع والأعياد، وقطع المنازعات الواقعة بين العباد، وقبول الشهادات القائمة على الحقوق، وتزويج الصغار والصغيرات الذين لا أولياء لهم، وقسمة الغنائم (1) ، أي ونحو ذلك من الأمور المتطلبة لوجود الحاكم» .\rوقال الإيجي في المواقف (2) : «إن في نصب الإمام دفع ضرر مظنون، وإن دفع هذا الضرر واجب شرعاً. وبيان ذلك أننا نعلم علماً يقارب الضرورة أن مقصود الشارع، فيما شرع من المعاملات، والمناكحات، والجهاد، والحدود والمقاصات، وإظهار شعائر الشرع في الأعياد والجماعات، إنما هو مصالح عائدة إلى الخلق معاشاً ومعاداً، وذلك المقصود لا يتم إلا بإمام يكون من قبل الشارع يرجعون إليه فيما تعين لهم» .\rوهناك برهان آخر يستتبع القيام بالوظيفة المقدسة للبشر: وهو أن مرفق القضاء الذي تقوم به الدولة أمر ضروري لفض المنازعات الدائمة بين البشر، لا سيما بعد زوال النظام القبلي الذي يحكم فيه رئيس القبيلة بالعرف والهوى الشخصي، وعدم جدوى اللجوء إلى التحكيم إذا تعذر اتفاق المتخاصمين، فلم يبق إلا القضاء الذي يلجأ إلىه كل إنسان بمفرده.\rومهمة القضاء في الإسلام لا تقتصر على إقامة العدل بالمفهوم الإلهي، وفصل الخصومات، وتطبيق أحكام الشريعة، وإنما يشمل كل ما من شأنه رعاية الحرمات الدينية، واحترام الفضيلة، وإقرار المعروف، ومكافحة المنكرات والفواحش بمختلف ألوانها.\rفلولا القضاء لاستأصل البشر بعضهم، وهلكوا جميعاً، فكان وجوده رحمة، وتنظيمه فريضة، وقيام الدولة به ووجودها من أجله أمراً محتماً.\r-------------------------------\r(1) شرح العقائد النسفية للتفتازاني: ص 142 وما بعدها.\r(2) المرجع السابق.","part":8,"page":276},{"id":5281,"text":"وإذا لا حظنا أن مهمة الدولة في الإسلام حراسة شؤون الدين والدنيا، وتحقيق السعادة للبشر في الحياة الدنيا والآخرة، علمنا مدى الأهمية المنوطة بالدولة المستلزمة للسعي الفوري في إيجادها، ولولا ذلك لعمت الفوضى، وشاع الفساد، وانتشر الظلم بين العباد.\rوالخلاصة: إن تلازم وجود الدولة مع دعوة الإسلام ودين الإسلام أمر لا يمكن فصله في مفهوم إنسان، منذ أن قامت دولة المدينة باعتبارها أول نواة لوجود الدولة بالمعنى الحديث القائم على أركان ثلاثة: هي الشعب، والإقليم (الوطن) والسلطة السياسية أو السيادة (1) .\rثانياً ـ القائلون بمبدأ جواز الإمامة :\rقالت فئة قليلة بجواز الإمامة لا بوجوبها، وهم المحكِّمة الأولى والنجدات من الخوارج، وضرار، وأبو بكر الأصم المعتزلي، وهشام الفُوَطي، وعباد بن سليمان تلميذه من المعتزلة. قال الأصم ممثلاً هذا الرأي: لو تكافّ الناس عن التظالم لاستغنوا عن الإمام (2) .\rويظهر من أقوال هؤلاء كما أبان ابن خلدون (3) أنهم ينشدون إلى تحقيق المثل العليا، ويعارضون نظام الملك أو الخلافة المقرون بالظلم والقهر والتمتع باللذات، والاعتداء على الحقوق والاستبداد الغاشم.\r-------------------------------\r(1) انظر بحث الدولة الإسلامية المستفيض للموسوعة الفقهية في الكويت، للمؤلف والذي سيأتي طبعه هنا لأول مرة.\r(2) قال الشهرستاني مبيناً رأي هؤلاء: إن الإمامة غير واجبة في الشرع وجوباً لو امتنعت الأمة عن ذلك استحقوا اللوم والعقاب، بل هي مبنية على معاملات الناس، فإن تعادلوا وتعاونوا وتناصروا على البر والتقوى واشتغل كل واحد من المكلفين بواجبه وتكليفه استغنوا عن الإمام ومتابعته (نهاية الإقدام في علم الكلام: ص 482).\r(3) المقدمة، الفصل 26 ص 192.","part":8,"page":277},{"id":5282,"text":"فهم لم يتهاونوا في شأن الإمامة إذا كان يفهم منها تنفيذ أحكام الشريعة، بل قد أعلنوا وجوبها، فنقلوا الوجوب من الإمامة كهيئة متميزة منفصلة إلى تنفيذ القانون نفسه، أي أن على الجميع الاشتراك في تنفيذ أحكام التشريع بأنفسهم، دون حاجة إلى وجود قوة قاهرة مسيطرة. وهذه هي الديمقراطية المباشرة أو الجمهورية في أكمل صورها كما يحلم بها فلاسفة السياسة. ولكن تحقيق هذا أمر متعذر، فإن اقترن وجود الدولة ببعض المساوئ فلا يمكن الاستغناء عنها (1) .\rأدلتهم :\rاستدل هؤلاء المجوزون بأدلة جانبيةفحواها تعداد أضرار الحكومات فقالوا: إن وجود الحكومة يتنافى مع مبدأ الحرية الطبيعية وحق الاجتهاد بالرأي، ومبدأ المساواة، بسبب ضرورة توفير الطاعة للحاكم. وإذا لم يطع الناس وقعت الفتنة والاختلاف. مع أن الحاكم ليس معصوماً من الخطأ، والشروط المطلوبة فيه قلما توجد في كل زمان.\rلكن الحق يقال: إن المصالح التي تتوافر بوجود الحاكم أكثر بكثير من المضار التي تلحق الأفراد، ويتحمل أخف الضررين لدفع أشدهما، ولأن الحرية الحقيقية هي التي تكون في ظل النظام لتأمين حريات وحقوق الآخرين. ثم إن المفاسد التي تحدث من تنازع وتقاتل وهلاك وفوضى وتعرض للأخطار الخارجية من العدو تفوق بكثير ما يفقد الشخص من بعض الحقوق الخاصة، أو يقدمه من ولاء وطاعة أو يتحمله من تبعات ومغارم.\r-------------------------------\r(1) النظريات السياسية الإسلامية للدكتور ضياء الدين الريس: ص 141 وما بعدها.","part":8,"page":278},{"id":5283,"text":"ثالثاً - رأي الشيعة الإمامية والزيدية والإسماعيلية :\rاتفق الشيعة الإمامية والزيدية وأهل السنة والمعتزلة على وجوب الإمامة، لكن الإمامة والإسماعيلية قالوا بوجوبها عقلاً على الله ، لا على الأمة.\rوبما أن الشيعة يرون رأي المعتزلة في العقائد، فهذا الرأي مفرع على نظرية المعتزلة القائلة بوجوب فعل الصلاح والأصلح على الله تعالى، أو على ( فعل اللطف ) الإلهي عملاً بقوله تعالى: {كتب ربكم على نفسه الرحمة} [الأنعام:54/6]. واللطف كما قال الشريف المرتضى (1) : هو الأمر الذي علم الله تعالى من حال المكلف أنه متى وجد ذلك الأمر، كان حاله إلى قبول الطاعات والاحتراز عن المعاصي أقرب مما إذا لم يوجد ذلك الأمر، وبشرط ألا ينتهي إلى حد الإلجاء. وبعبارة أخرى: اللطف هو خلق القدرة للعبد وإكمال العقل ونصب الأدلة وتهيئة وسائل فعل الطاعة، وترك المعصية.\rأدلة الشيعة :\rاستدل الشيعة على مذهبهم بعد أن قدموا له بمقدمات معينة، فقالوا: إن في إقامة الإمام منافع كثيرة ودفع مضار متعددة، وبه يتم صلاح المعاش والمعاد، كما أوضحت في الأدلة العقلية السابقة.\rوإذا كان الله تعالى قد خلق في الإنسان القوى الشهوانية والغضبية والوهمية، ولم يجعل له قوة تعصمه من الزلل وتحمله على الخير، فقد وجب عليه أن ينصب إماماً يقرب الإنسان من الطاعات، ويبعده من القبائح.\r-------------------------------\r(1) الأربعين في أصول الدين للرازي: ص 429.","part":8,"page":279},{"id":5284,"text":"فنصب الإمام إذن لطف، وكل لطف واجب على الله تعالى، فنصب الإمام واجب على الله تعالى. أما أن الإمامة لطف من الله في حق عباده، فلأن وجوب إمام عادل يمنعهم من المحظورات، ويحثهم على الطاعات يجعلهم أقرب إلى الطاعة، وأبعد عن المعصية. ثم إن الإمامة من الله لطف لأنها خالية من المفاسد والقبائح (1) .\rفهم يقيسون ( الإمامة ) على ( النبوة ). وبما أن الإمام هو حجة الله على خلقه، أو حجة الله في الأرض، وبما أن إرسال الرسل هو حجة الله على عباده لقوله تعالى: {لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل} [النساء:165/4] فكذلك الأئمة حجة له، وتكون الحكمة من وجود الأئمة مشابهة لحكمة وجود الرسل.\rومعنى كون الإمام حجة أنه البرهان القائم على أن الله أراد أن يبلغ شرعه لعباده، وأنه يخاطبهم ويكلفهم باتباع أوامره واجتناب نواهيه، ولولا ذلك لكان للناس عذر في العصيان (2) .\rويخلصون من هذا إلى أن الإمامة ركن الدين وقاعدة الإسلام، ولا يجوز لنبي إغفاله ولا تفويضه إلى الأمة، بل يجب عليه تعيين الإمام لهم، ويكون معصوماً من الكبائر والصغائر (3) .\rوالأئمة الذين يعترفون بهم هم علي ومن بعده. ويستدلون بآيات وأحاديث على أن الشرع قد جاء بتعيين هؤلاء الأئمة، لكن الإمامية قالوا: جاء التعيين بالنص على علي. وقال الزيدية: كان التعيين بالوصف.\r-------------------------------\r(1) نطرية الإمامة لدى الشيعة الاثني عشرية، للدكتور أحمد محمود صبحي: ص 72 ومابعدها.\r(2) نهاية الإقدام للشهرستاني: ص 485.\r(3) مقدمة ابن خلدون: الفصل 27.","part":8,"page":280},{"id":5285,"text":"نقد ومناقشة :\rنوقش مذهب الشيعة في الإمامة فيما يتعلق بمبدأ اللطف في وجوب الإمام، وأدلتهم النقلية والعقلية.أما بالنسبة للّطف فكيف يتم قرب العبد من الطاعة وبعده عن المعصية بإمام غير ظاهر، فضلاً عن كونه غير متمكن ولا قادر.قال الرازي (1) : «الإمام الذي تقولون بوجوبه غير ظاهر قاهر سائس، فلا أثر له ولا خبر» إذ أنهم يقولون ( بالتقية ) وهي جواز اختفاء الإمام. وقال ابن تيمية (2) : الإمام الذي تصفونه مفقود غالباً ومعدوم لا حقيقة له عند سواكم، ومثله لا يحصل به شيء من مقاصد الإمامة، بل الإمام الذي يقوم وفيه جهل وظلم أنفع لمصالح الأمة ممن لا ينفعهم بوجه. وقال الإيجي (3) : إنما يحصل اللطف بإمام ظاهر قاهر وأنتم لا توجبونه، فالذي لا توجبونه ليس بلطف، والذي هو لطف لا توجبونه.\rوأما أدلتهم النقلية السمعية على تعيين الإمام فهي محل نظر، قال ابن حزم (4) : «وعمدة هذه الطوائف كلها في الاحتجاج أحاديث موضوعة مكذوبة» . ومن المستحيل على الصحابة العدول المبشر بعضهم بالجنة أن يكتموا خبراً عن الرسول صلّى الله عليه وسلم ، لا سيما في شأن الإمامة ذات الأثر الخطير والشهير. وهل يعقل أن يتم التعيين من النبي ولا يعلم المعين نفسه، وإذا عين، فلماذا لم يتمسك به ويخاصم عليه، ويقطع دابر الخلاف الذي حدث لاختيار الخليفة (5) ؟!\rوكذلك أدلتهم العقلية القائمة على مبدأ العصمة تحتاج إلى تأمل ودعم\r-------------------------------\r(1) الأربعين في أصول الدين: ص 439، ط حيدر آباد.\r(2) المنتقى من منهاج الاعتدال: ص 408.\r(3) المواقف: ص 387.\r(4) الفصل في الملل والنحل: 94/4.\r(5) مقدمة ابن خلدون، الفصل 27.","part":8,"page":281},{"id":5286,"text":"أقوى، إذ العصمة لم تثبت إلا لنبي، ولو كان علي كرم الله وجهه معصوماً لاستغنى بعصمته عن النبي في التعليم وغيره، كما قال الرازي (1) ، مع أنهم يسلمون بأنه كان محتاجاً للنبي ومؤتماً به، وإلا كان ذلك خروجاً عن الدين. وقال ابن حزم (2) : إن عمدة ما احتجت به الإمامية أن قالوا: لا بد من أن يكون إمام معصوم، عنده جميع علم الشريعة، فالجواب: أن ذلك هو النبي صلّى الله عليه وسلم نفسه في حياته وبعد مماته إلى يوم القيامة، فبلاغ رسول الله صلّى الله عليه وسلم قائم بعد موته إلى يوم القيامة.\rالمبحث الثالث ـ كيفية اختيار الإمام (أو الحاكم الأعلى ) :\rطرق التعيين :\rذكر فقهاء الإسلام طرقاً أربعة في كيفية تعيين الحاكم الأعلى للدولة وهي: النص، والبيعة، وولاية العهد، والقهر والغلبة. وسنتبين أن طريقة الإسلام الصحيحة عملاً بمبدأ الشورى ومبدأ الفروض الكفائية هي طريقة واحدة وهي بيعة أهل الحل والعقد، وانضمام رضا الأمة باختياره. وأما ما عدا ذلك فمستنده ضعيف بسبب التعسف في تأويل النصوص، أو الاعتماد على نصوص واهية وأهواء خاصة، أو إقرار لواقع قائم لم يجد المسلمون حكمة أو مصلحة في الثورة عليه، أو القضاء على وجوده حسماً للدماء ومنعاً للفوضى، ومراعاة لظروف خارجية، أو رهبة من ضراوة الممسك بالسلطة التي آلت إليه بطرق غير مشروعة كالوراثة ونحوها.\r-------------------------------\r(1) نهاية العقول: ص 435، مخطوط بدار الكتب المصرية.\r(2) الفصل في الملل والنحل: 95/4.","part":8,"page":282},{"id":5287,"text":"تعيين الإمام بالنص :\rقال الشيعة الإمامية (1) : إن نصب الإمام لا يكون إلا بالنص أو الاختيار من الأمة، ولكنهم حرصاً منهم على حصر الإمامة في علي بن أبي طالب رضي الله عنه نقدوا مبدأ الاختيار، وقالوا: يجب على الله لطفاً منه نصب إمام بنص صريح في آياته، وما على النبي إلا أن يبلغ ما أنزل إليه، وقد فعل، فنص على أن علياً هو الخليفة من بعده.\rوأطالوا في تأييد رأيهم بأدلة نقلية وعقلية وتاريخية (2) . أذكر بعضاً منها بإجمال وردّ أهل السنة عليها.\rالأدلة الواردة في القرآن والسنة :\rاستدلوا بالآيات القرآنية الدالة على وجوب التزام أوامر الله والرسول، مثل: {يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله} [الحجرات:1/49] {وربك يخلق ما يشاء ويختار ، ما كان لهم الخِيَرة} [القصص:68/28] {وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخِيَرة من أمرهم} [الأحزاب:36/33] فليس للناس اختيار أمام أمر الله ، فمن يختاره للنبوة والإمامة، وجبت طاعته، وبما أن الإمامة من الوظائف الدينية الموكول أمرها إلى الله ، فتكون مما قضى الله ورسوله فيها بالنص.\rلكن يلاحظ أن هذه الآيات ليست واردة في شأن الإمامة، وإنما تفيد النهي عن الاجتهاد بالرأي الشخصي حالة وجود نص على الحكم الشرعي في القرآن والسنة.\rكذلك استدلوا بآيات من القرآن تفيد في زعمهم النص على إمامة علي، مثل قوله تعالى: {قل: لا أسألكم عليه أجراً إلا المودة في القربى} [الشورى:23/42] وقرابته: أهل بيته وهم علي\r-------------------------------\r(1) ينكر الشيعة الزيدية ومعتزلة بغداد وغيرهم وجود نص من الرسول صلّى الله عليه وسلم على خلافة علي، وإن كانوا يفضلونه على غيره.\r(2) راجع نظرية الإمامة لدى الشيعة الاثني عشرية للدكتور أحمد محمود صبحي: ص 79 ومابعدها.","part":8,"page":283},{"id":5288,"text":"وفاطمة وابناهما (1) ، لكن ثقات العلماء يبينون أن هذه الآية نزلت قبل زواج علي بفاطمة.\rوبرهنوا على مذهبهم من السنة بأحاديث أهمها:\r1 - حديث غدير خم :\rوهو الذي أخرجه الطبراني والنسائي وأحمد والحاكم عن زيد بن أرقم في اليوم الثامن عشر من ذي الحجة، وفيه: «يا أيها الناس، إن الله مولاي، وأنا مولى المؤمنين، وأنا أولى بهم من أنفسهم، فمن كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه ، وعاد من عاداه، وانصر من نصره، واخذل من خذله» .\rوالواقع أن هذا الحديث غير صحيح، قال الإيجي: لا صحة للحديث، إذ لم ينقله أكثر أصحاب الحديث، بل إن علياً رضي الله عنه لم يكن يوم الغدير مع النبي صلّى الله عليه وسلم ، بل كان في اليمن، وإن سلِّم فرواته لم يرووا مقدمة الحديث (2) . وقال ابن تيمية: مع افتراض أن النبي قاله يوم الغدير فإنه لم يرد به الخلافة قطعاً، ولكن الشيعة يزكون الحديث، ويعتبرونه صحيحاً لأنه يوافق مبدأهم (3) . وقال الباقلاني: إن لكلمة (مولى) معاني كثيرة، فمنها المولى بمعنى الناصر، ومنها المولى بمعنى ابن العم، ومنها المولى بمعنى الموالي المحب، ومنها المولى بمعنى المكان والقرار، ومنها المولى بمعنى المعتِق المالك للولاء، ومنها المولى بمعنى المعتَق الذي مُلك ولاؤه، ومنها المولى بمعنى الجار، ومنها المولى بمعنى الصهر، ومنها المولى بمعنى الحلف. فهذا جميع ما يحتمله قوله مولى، وليس من معنى هذه اللفظة أن المولى إمام واجب الطاعة. والذي قصده النبي بهذه الكلمة ـ على فرض صحتها ـ يحتمل أمرين.\rأحدهما ـ من كنت ناصره على دينه وحامياً عنه بظاهري وباطني وسري وعلانيتي، فعلي ناصره على هذه السبيل.\rوالثاني ـ من كنت محبوباً عنده، وولياً له على ظاهري وباطني، فعلي مولاه، أي أن ولاءه ومحبته\r-------------------------------\r(1) المرجع السابق: ص 183 وما بعدها.\r(2) المواقف: ص 405.\r(3) المنتقى من منهاج الاعتدال: ص 423.","part":8,"page":284},{"id":5289,"text":"من ظاهره وباطنه واجب، كما أن ولائي ومحبتي على هذه السبيل واجب (1) .\r2 - حديث المنزلة :\rحينما خلف النبي صلّى الله عليه وسلم علياً رضي الله عنه على المدينة بعد خروجه لغزوة تبوك، قال المنافقون: إنما خلفه لأنه يبغضه، فبلغ ذلك علياً، فبكى واشتكى إلى النبي صلّى الله عليه وسلم قائلاً: «أتخلفني في النساء والصبيان؟!» فرد النبي: «أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى، إلا أنه لا نبي بعدي» وهذا حديث صحيح متواتر. فسَّره الشيعة بما يثبت خلافة علي؛ لأن تشبيه علي بهارون يثبت له كل منازل هارون فيما عدا النبوة. ومن منازله: الأخوة والوزارة، والخلافة، وولاية الأمر بعده لو عاش بعد موسى، وكونه شريكاً في أمره.\r-------------------------------\r(1) التمهيد: ص 164 وما بعدها، وانظر نهاية العقول للرازي: ص 263.","part":8,"page":285},{"id":5290,"text":"وقال أهل السنة: ليس الحديث حجة في الدلالة على إمامة علي، لكونه مخصوصاً بواقعة حال معينة: وهي الاستخلاف على المدينة، كما يستخلف كل قائد أحداً بعده في إدارة ولايته حال غيبته. ثم إن النبي صلّى الله عليه وسلم قد خلف علياً في أهله، وليست الخلافة في الأهل كالخلافة على البشر. والاستخلاف المقيد بالغيبة لا يكون باقياً بعد انقضائها، كما لم يبق في حق هارون (1) .\rوقد أجاب الباقلاني عنه بأنه لا يجب أن نفهم من هذا الحديث بأنه نص على خلافته بعده؛ لأن معناه أني أستخلفك على أهلي وعلى المدينة إذا توجهت إلى هذه الغزوة. وهذا واضح من سياق الحديث الذي رواه سعد بن أبي وقاص قال: إن علياً لحق بالنبي صلّى الله عليه وسلم بعد أن استخلفه، وقال له: أتتركني مع الأخلاف؟! فأجابه الرسول صلّى الله عليه وسلم بقوله: «أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى،إلا أنه لا نبي بعدي» .\r3 - حديث الراية يوم خيبر :\rقال النبي صلّى الله عليه وسلم محدداً أوصاف علي لقيادته معركة خيبر: «لأعطين الراية غداً إلى رجل يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله، كرَّار غير فرار، لا يرجع حتى يفتح الله على يده» وهو حديث صحيح رواه البخاري والترمذي والحاكم. هذه الصفات أصبحت خاصة بعلي رضي الله عنه، مما يدل على أفضليته وبالتالي أحقيته للإمامة؛ لأن الإمامة للأفضل. ورد أهل السنة على الاستدلال به بأنه لا ملازمة بين كونه محباً لله ولرسوله ومحبوباً منهما، وبين كونه إماماً، كما لا يلزم من إثباتهما له نفيهما عن غيره (2) ، فقد قال الله تعالى في حق أبي بكر: {يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي بقوم يحبهم ويحبونه} [المائدة:54/5] وقال في حق أهل بدر: {إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفاً كأنهم بنيان مرصوص} [الصف:4/61].\rالأدلة العقلية :\rاستدل الشيعة بأدلة عقلية كثيرة على وجوب النص على الإمام من قبل الله ، وهي في جملتها تتفق مع مبدئهم في عصمة الإمام، وتوجه النقد إلى طريقة تعيينه بالاختيار.\rمن هذه الأدلة قولهم (3) : لا يجوز إسناد أمر الإمامة إلى الناس؛ لأنها أهم أركان الدين، فالذي شرع الأحكام وجب عليه النص على من لا تتم الأحكام الشرعية إلا بنصبه لطفاً من الله ورحمة منه بعباده.\rولا يترك الاختيار للأمة؛ لأن الإمام خليفة الله أو لرسوله، وليس خليفة للأمة.\rثم إن ترك الإمامة لاختيار الناس يفضي إلى اختلاف الناس وانتشار الفتن وقيام التنازع والحروب والهرج والمرج، وكل ذلك فساد في الأرض، والله لا يحب الفساد.\r-------------------------------\r(1) نظرية الإمامة، صبحي: ص 225 وما بعدها.\r(2) المرجع السابق: ص 231 وما بعدها.\r(3) صبحي ، المرجع السابق: ص 89 وما بعدها.","part":8,"page":286},{"id":5291,"text":"وليس الاختيار مضمون النتائج، فقد يخطئ الناس في تعيين المستحق لهذا المنصب الخطير الذي هو نظير منصب النبوة لقيامه بحراسة شؤون الدين والدنيا؛ وذلك أن كل شخص سيختارحسب مصلحته الشخصية لا بمقتضى المصلحة الكلية والحكمة الإلهية، بل إنه لم يحدث أن قامت إمامة على الاختيار الحر والمشيئة المطلقة لجمهور المسلمين.\rيظهر من هذه الأدلة ونحوها أنها هي الانتقادات الموجهة للنظام الديمقراطي بوجه عام لقيامه على مبدأ سلطة الأمة وأحقيتها في اختيار الإمام. ولا شك أن ذلك صحيح، ولكن الفلاسقة السياسيين ما زالوا يحاولون إصلاح الخلل الواقع في النظام الديمقراطي، كما أن الفقهاء المسلمين وضعوا ضوابط وشروطاً دقيقة في المرشح للخلافة سأذكرها، وفيما الضمانة الغالبة من الوقوع في خطأ الاختيار.\rالأدلة التاريخية :\rإن اعتقاد الشيعة بضرورة النص على الإمام كان رد فعل لوقائع التاريخ التي صدمت أمانيهم (1) ، وأدت إلى نكبة آل البيت التي تستثير عاطفة كل مسلم صادق بعيد عن التأثرات السياسية.\rإنهم يفترضون أنه لا بد من أن يعين الرسول صلّى الله عليه وسلم خليفة من بعده، حتى لا تقع أمته في بحر من الفتن والاضطرابات والاختلافات التي أخبر عنها بقوله: «ستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة..» (2) ولو جاء التاريخ والأحاديث المدونة بغير ذلك، وجب أن نتشكك في وقائع التاريخ وصحة الأحاديث، ونتهمها بالكتمان وتشويه الحقيقة.\rوأما أهل الحل والعقد الذين يختارون الإمام فكانوا مرتع النزاع والخصام والخلاف، بسبب اعتقاد كل واحد أنه أحق بزعامة الأمة. والواقع ـ كما يرون ـ أنه لم تتم بيعة لإمام بالاختيار أو الشورى أو رضا الأمة، إذ عين عمر بالنص من أبي بكر، وعثمان بالشورى بين ستة حددهم عمر ثم صارت القضية بولاية العهد.\r-------------------------------\r(1) المرجع نفسه: ص 99 وما بعدها.\r(2) رواه الطبراني في الكبير والبزار ورجاله رجال الصحيح عن عوف بن مالك بلفظ «تفترق أمتي على بضع وسبعين فرقة..» .","part":8,"page":287},{"id":5292,"text":"ولكن يلاحظ أن التاريخ لا تتقرر أحكامه بالافتراض، والاحتمال المنطقي، وإنما يعتمد الخبر والرواية والنظر في مدى صحتها وصدقها وتمحيص الوثائق المنقولة. وما اعتمد عليه الشيعة من أخبار ناتج عن الفكرة المسيطرة على أذهانهم سابقاً بوجوب النص، واستخلاف علي رضي الله عنه بالذات.\rوالخلاصة: أنه لم يثبت يقيناً نص صريح قطعي يدل على إمامة علي أو غيره، ولم يصح في ذلك شيء عند أحد من أئمة النقل (1) .\rوحبذا لو طوينا هذا الخلاف السياسي القديم بين أهل السنة والشيعة، وأنهينا كل ما خلفه من عصبيات موروثة وخلافات جانبية، وأدركنا جميعاً ضرورة الحفاظ على الوحدة الإسلامية، وحدة الصف أمام العدو الخارجي فقط، وأن الكل مسلمون، يعملون للإسلام دون تفرقة بين الطوائف؛ لأن الخلاف بينها ليس في الأصول قطعاً، وإنما في جوانب هي أقل من الفروع والجزئيات، ولا يصح أن نتحمل آثار ومخلفات الماضي السياسية، ولا أن تبقى سبباً للخلاف؛ لأن الدين واحد، والعقيدة واحدة، والدستور واحد واضح في القرآن والسنة، وخلاف الرجال لا يصح أن يشتت وحدة الأمة.\rتعيين الإمام بولاية العهد أو الاستخلاف :\rولاية العهد: هي أن يعهد الإمام إلى شخص بعينه أو بواسطة تحديد صفات معينة فيه، ليخلفه بعد وفاته، سواء أكان قريباً أم غير قريب.\rرأى الفقهاء جواز انعقاد الإمامة بولاية العهد أو بالإيصاء إذا توافرت في ولي العهد شروط الخلافة، وتمت له البيعة من الأمة. فهي إذن بمثابة ترشيح\r-------------------------------\r(1) مقدمة ابن خلدون: ص 168.","part":8,"page":288},{"id":5293,"text":"واقتراح من الخليفة السابق. قال الماوردي (1) : وأما انعقاد الإمامة بعهد من قبله، فهو مما انعقد الإجماع على جوازه، ووقع الاتفاق على صحته لأمرين عمل المسلمون بهما ولم يتناكروهما:\rأحدهما ـ أن أبا بكر رضي الله عنه عهد بها إلى عمر رضي الله عنه، فأثبت المسلمون إمامته بعهده.\rوالثاني ـ أن عمر رضي الله عنه عهد بها إلى أهل الشورى فقبلت الجماعة دخولهم فيها، وهم أعيان العصر، اعتقاداً لصحة العهد بها.\rوأما ضرورة توافر شروط الإمام الشرعي في ولي العهد فهو أمر بدهي مفروغ منه، ككونه أميناً ورعاً ثقة مخلصاً لله ، ناصحاً للمسلمين. قال الماوردي (2) : وإذا عهد الإمام بالخلافة إلى من يصح العهد إليه على الشروط المعتبرة، كان العهد موقوفاً على قبول المولى. وتعتبر شروط الإمامة في المولى من وقت العهد إليه، فإن كان صغيراً أو فاسقاً وقت العهد لم تصح خلافته حتى يستأنف أهل الاختيار بيعته.\rويتضح ذلك من حادثتي تولية أبي بكر لعمر، وتولية عمر لأهل الشورى، فقد كان معيار الاختيار هو الحرص على رعاية مصالح الأمة، وانتقاء المستوفي لشروط الإمامة.\rوأما رضا الأمة بالمولَّى فهو أمر أساسي أيضاً كما سنعرف، وهو الرأي الذي قرره بعض علماء البصرة إذ قالوا: إن رضا أهل الاختيار لبيعته شرط في لزومها للأمة؛ لأنها حق يتعلق بهم، فلم تلزمهم إلا برضا أهل الاختيار منهم.\r-------------------------------\r(1) الأحكام السلطانية: ص 8.\r(2) الأحكام السلطانية: ص 9.","part":8,"page":289},{"id":5294,"text":"ولسنا مع الماوردي الذي صحح أن بيعته منعقدة وأن الرضا بها غير معتبر؛ لأن بيعة عمر رضي الله عنه لم تتوقف على رضا الصحابة (1) ، وذلك لأن الإمام أو أهل الشورى كانوا يمثلون في اختيارهم الأمة، وقد تمت فعلاً بيعة عمر وعثمان رضي الله عنهما برضا الأمة وموافقتها.\rيتضح من هذا أن الإمامة لا تورث، فإن جميع الفقهاء أجمعوا على أن الإمامة لا يصح أن تورث. قال ابن خلدون: «وأما أن يكون القصد بالعهد حفظ التراث على الأبناء، فليس من المقاصد الدينية، إذ هو أمر من الله يخص به من يشاء من عباده ينبغي أن تحسن فيه النية ما أمكن، خوفاً من العبث بالمناصب الدينية» (2) وقال ابن حزم: «ولا خلاف بين أحد من أهل الإسلام في أنه لا يجوز التوارث فيها» (3) .\rانعقاد الإمامة بالقهر والغلبة :\rرأى فقهاء المذاهب الأربعة وغيرهم أن الإمامة تنعقد بالتغلب والقهر، إذ يصير المتغلب إماماً دون مبايعة أو استخلاف من الإمام السابق وإنما بالاستيلاء، وقد يكون مع التغلب المبايعة أيضاً فيما بعد (4) .\rقال ابن المنذر (5) : والذي عليه أهل العلم أن للرجل أن يدفع عن دينه ودمه وماله وعرضه ومظلمته، إذا أريد ظلماً، بغير تفصيل، إلا أن كل من يحفظ عنه من علماء الحديث كالمجمعين على استثناء السلطان، للآثار الواردة بالأمر بالصبر على جوره، وترك القيام عليه.\r-------------------------------\r(1) المرجع السابق: ص 8.\r(2) المقدمة، الفصل 30.\r(3) الفصل في الملل والنحل: 167/4.\r(4) حجة الله البالغة للدهلوي: 111/2، حاشية ابن عابدين: 319/3 ومابعدها، مغني المحتاج: 130/4-132، الأحكام السلطانية لأبي يعلى: ص 6 وما بعدها، حاشية الدسوقي على الشرح الكبير: 298/4، غاية المنتهى: 348/3.\r(5) تلخيص الحبير: 15/4، المغني: 638/7 وما بعدها.","part":8,"page":290},{"id":5295,"text":"وعبارة الحنفية في هذا الشأن هي كما قال الدهلوي: تنعقد الخلافة باستيلاء رجل جامع للشروط على الناس، وتسلطه عليهم كسائر الخلفاء بعد النبوة. ثم إن استولى من لم يجمع الشروط (أي المطلوبة لتولي الإمامة) لا ينبغي أن يبادر إلى المخالفة؛ لأن خلعه لا يتصور غالباً إلا بحروب ومضايقات، وفيها من المفسدة أشد مما يرجى من المصلحة. « وسئل رسول الله صلّى الله عليه وسلم عنهم، فقيل: أفلا ننابذهم؟ قال: لا، ما أقاموا فيكم الصلاة، وقال: إلا أن تروا كفراً بَوَاحاً، عندكم من الله فيه برهان (1) » .\rيظهر من هذا الكلام أن القهر حالة استثنائية غير متفقة مع الأصل الموجب لكون السلطة قائمة بالاختيار، وإقرارها فيه مراعاة لحال واقعة للضرورة ومنعاً من سفك الدماء.\rوعبارة المالكية كما قال الدسوقي: اعلم أن الإمامة العظمى تثبت بأحد أمور ثلاثة:\rإما بإيصاء الخليفة الأول المتأهل لها؛ وإما بالتغلب على الناس؛ لأن من اشتدت وطأته بالتغلب، وجبت طاعته، ولا يراعى في هذا شروط الإمامة؛ إذ المدار على درء المفاسد، وارتكاب أخف الضررين؛ وإما ببيعة أهل الحل والعقد: وهم من اجتمع فيهم ثلاثة أمور: العلم بشروط الإمام، والعدالة، والرأي.\rوشروط الإمام: الحرية والعدالة والفطانة وكونه قرشياً، وكونه ذا نجدة وكفاية في المعضلات. وبيعة أهل الحل تكون بالحضور والمباشرة بصفقة اليد، وإشهاد الغائب منهم. ويكفي العامي اعتقاد أنه تحت أمره، فإن أضمر خلاف ذلك فسق، ودخل تحت قوله عليه الصلاة والسلام:\r-------------------------------\r(1) ورد ذلك في رواية للبخاري من حديث رواه البخاري ومسلم والموطأ والنسائي عن عبادة بن الصامت (جامع الأصول: 165/1-166).","part":8,"page":291},{"id":5296,"text":"«من مات وليس في عنقه بيعة، مات ميتة جاهلية» (1) .\rوقال ابن حجر (2) : أجمع الفقهاء على وجوب طاعة السلطان المتغلب والجهاد معه، وأن طاعته خير من الخروج عليه، لما في ذلك من حقن الدماء، وتسكين الدهماء، ولم يستثنوا من ذلك إلا إذا وقع من السلطان الكفر الصريح، فلا تجوز طاعته في ذلك، بل تجب مجاهدته لمن قدر عليه، لحديث البخاري عن عبادة: «إلا أن تروا كفراً بَواحاً عندكم من الله فيه برهان» .\rبيعة الخليفة :\rأولاً ـ طريقة بيعة الخليفة :\rلقد أجمع المسلمون ما عدا الشيعة الإمامية على أن تعيين الخليفة يتم بالبيعة، أي الاختيار والاتفاق بين الأمة وشخص الخليفة، فهي عقد حقيقي من العقود التي تتم بإرادتين على أساس الرضا.\rوهذه النظرية سبقت نظرية الفقيه الفرنسي جان جاك روسو الذي افترض أن أساس السلطة السياسية أو السيادة هو عقد اجتماعي بين الشعب والحاكم.\r-------------------------------\r(1) رواه مسلم في باب الإمارة.\r(2) فتح الباري: 112/16.","part":8,"page":292},{"id":5297,"text":"وسميت عملية التعاقد هذه (بيعة) تشبيهاً بفعل البائع والمشتري لأنهم كانوا إذا بايعوا الأمير وعقدوا عهده جعلوا أيديهم في يده تأكيداً للعهد (1) .\rقال الماوردي : فإذا اجتمع أهل العقد والحل للاختيار، تصفحوا أحوال أهل الإمامة الموجودة فيهم شروطها، فقدموا للبيعة منهم أكثرهم فضلاً، وأكملهم شروطاً، ومن يسرع الناس إلى طاعته، ولا يتوقفون عن بيعته (2) .\rوأهل الحل والعقد يمثلون الأمة في اختيارهم الخليفة (3) ، باعتبار أن نصب الإمام من الفروض الكفائية على الأمة بمجموعها، وأن لها الحق في عزله حال فسقه. قال الرازي والإيجي وغيرهما: إن الأمة هي صاحبة الرئاسة العامة (4) . وقال البغدادي: قال الجمهور الأعظم من أصحابنا (أي أهل السنة) ومن المعتزلة والخوارج والنجارية: إن طريق ثبوتها (أي الإمامة) الاختيار من الأمة (5) .\rوهذه يدلنا على أن الأمة هي مصدر السلطة التنفيذية؛ لأن حق التعيين والعزل ثابت لها.\rثانياً ـ من هم أهل الحل والعقد؟\rأ ـ أهل الحل والعقد :\rهم العلماء المختصون (أي المجتهدون) والرؤساء ووجوه الناس الذين يقومون باختيار الإمام نيابة عن الأمة. قال الماوردي: وإن لم يقم بها (أي الإمامة)\r-------------------------------\r(1) مقدمة ابن خلدون: ص 174، الفصل 29.\r(2) الأحكام السلطانية: ص 5، حجة الله البالغة للدهلوي: 111/2.\r(3) راجع النظريات السياسية للريس: ص 170.\r(4) المواقف: 345/8.\r(5) أصول الدين للبغدادي: ص 279.","part":8,"page":293},{"id":5298,"text":"أحد، خرج من الناس فريقان: أحدهما ـ أهل الاختيار، حتى يختاروا إماماً للأمة. والثاني ـ أهل الإمامة حتى ينتصب أحدهم للإمامة، وليس على من عدا هذين الفريقين من الأمة في تأخير الإمامة حرج ولا مأثم (1) .\rب ـ شروطهم :\rيتحدد أولو الحل والعقد بالصفات أو الشروط المطلوبة فيهم، وهي كما ذكر الماوردي ثلاثة هي (2) :\rأولاً ـ العدالة الجامعة لشروطها. والعدالة: هي ملكة تحمل صاحبها على ملازمة التقوى والمروءة، والمراد بالتقوى: امتثال المأمورات الشرعية، واجتناب المنهيات الشرعية.\rثانياً ـ العلم الذي يتوصل به إلى معرفة من يستحق الإمامة على الشروط المعتبرة فيها.\rثالثاً ـ الرأي والحكمة المؤديان إلى اختيار من هو للإمامة أصلح، وبتدبير المصالح أقوى وأعرف.\rوهذه الشروط يقرها المنطق وتمليها المصلحة، وتوجبها المدنية الحقة، ويفهم منها أن هذه الهيئة بمثابة مجلس الشيوخ في عرفنا الحاضر، على أن يكون أعضاؤه من ذوي الكفاءات العلمية، لا المالية المادية، أو الطبقية، أو كونهم من أهل المدينة لا الريف. لذا قال الماوردي: وليس لمن كان في بلد الإمام على غيره من أهل البلاد فضل مزية تقدم بها على غيره (3) . ويلاحظ أن أهل الحل والعقد في السياسة لا يقتصر على ( المجتهدين ) الذي يتولون مهمة استنباط الأحكام الشرعية من مصادرها، وإنما يشمل فئات أخرى لها ميزاتها في المجتمع.\rجـ ـ عددهم :\rلا نرى مجالاً صحيحاً للكلام في تحديد عدد أهل الحل والعقد؛ لأن المعول عليه هو ثقة الأمة بهم، وكونهم يمثلون الأمة فيما ترغب وتريد وتتوافرفيهم شروط معينة، فلا يمكن تحديدهم. لكن لمجرد العلم والاطلاع أذكر ما قاله الفقهاء في هذا الشأن، وقد استعرض الماوردي آراءهم، فقال (4) : اختلف العلماء في عدد من تنعقد به الإمامة منهم، على مذاهب شتى:\r1 - قالت طائفة: لا تنعقد إلا بجمهور أهل العقد والحل من كل بلد ليكون الرضاء به عاماً، والتسليم لإمامته إجماعاً، وهذا مذهب مدفوع ببيعة أبي بكر رضي الله عنه على الخلافة باختيار من حضرها، ولم ينتظر ببيعته قدوم غائب عنها.\r2 - وقالت طائفة أخرى: أقل من تنعقد به منهم الإمامة خمسة يجتمعون على عقدها، أو يعقدها أحدهم برضا الأربعة استدلالاً بأمرين:\rأحدهما ـ أن بيعة أبي بكر رضي الله عنه انعقدت بخمسة اجتمعوا عليها، ثم تابعهم الناس فيها، وهم عمر بن الخطاب وأبو عبيدة بن الجراح، وأسيد بن حضير، وبشر بن سعد، وسالم مولى أبي حذيفة رضي الله عنهم.\rوالثاني ـ أن عمر رضي الله عنه جعل الشورى في ستة ليعقد لأحدهم برضا الخمسة.\rوهذا قول أكثر الفقهاء والمتكلمين من أهل البصرة.\r3 - وقال آخرون من علماء الكوفة: تنعقد بثلاثة يتولاها أحدهم برضا الاثنين ليكونوا حاكماً وشاهدين، كما يصح عقد النكاح بولي وشاهدين.\r4 - وقالت طائفة أخرى: تنعقد بواحد؛ لأن العباس قال لعلي رضوان الله عليهما: امدد يدك أبايعك، فيقول الناس: عم رسول الله صلّى الله عليه وسلم بايع ابن عمه، فلا يختلف عليك اثنان؛ ولأنه (أي إىجاب العقد) حكم، وحكم واحد نافذ.\r-------------------------------\r(1) الأحكام السلطانية: ص 3 وما بعدها.\r(2) و (3) المرجع السابق: ص 4.\r(4) الأحكام السلطانية: ص 4 وما بعدها.","part":8,"page":294},{"id":5299,"text":"د ـ موافقة الأمة :\rالحقيقة أنه لا دليل من نص أو إجماع على ما قال هؤلاء جميعاً في تحديد العدد، والقضية مجرد اجتهاد، فيعتبر مذهب أهل ا لسنة هو أولى الآراء بالاتباع، وهوأن تحديد العدد فيه تعسف. وينبغي مراعاة مبدأ الاختيار والشورى من الأمة، ومثل هذه الأمور العامة لا تقاس على أحكام القضاة الخاصة في قضية معينة. فإذا عقد البيعة شخص واحد لا تنعقد حتى تتم موافقة الأمة ورضاها. قال الغزالي في بيعة أبي بكر رضي الله عنه: ولو لم يبايعه غيرعمر، وبقي كافة الخلق مخالفين أو انقسموا انقساماً متكافئاً لا يتميز فيه غالب عن مغلوب، لما انعقدت الإمامة (1) .\rوقال الإمام أحمد في تفسير: «من مات وليس له إمام مات ميتة جاهلية» : أتدري ما الإمام؟ الإمام الذي يجمع عليه المسلمون، كلهم يقول: هذا إمام، فهذا معناه (2) . وقال ابن تيمية في مبايعة أبي بكر: «لو قدر أن عمر وطائفة معه بايعوه، وامتنع سائر الصحابة عن البيعة، لم يصر إماماً بذلك، وإنما صار إماماً بمبايعة جمهور الصحابة الذين هم أهل القدرة والشوكة» (3) .\r-------------------------------\r(1) الرد على الباطنية: ص 64 وما بعدها.\r(2) منهاج السنة النبوية لابن تيمية: 142/1، ط بولاق.\r(3) المرجع السابق: 141/1.","part":8,"page":295},{"id":5300,"text":"هـ ـ وظيفة أهل الحل والعقد :\rيتبين مما ذكر أن مهمة هؤلاء مقصورة على الترشيح والترجيح على وفق المصلحة والعدل. وقد حدد الماوردي ضوابط الاختيار، فقال (1) : فإذا اجتمع أهل العقد والحل للاختيار، تصفحوا أحوال أهل الإمامة الموجودة فيهم شروطها، فقدموا للبيعة منهم أكثرهم فضلاً، وأكملهم شروطاً، ومن يسرع الناس إلى طاعته، ولا يتوقفون عن بيعته، فإذا تعين لهم من بين الجماعة من أداهم الاجتهاد إلى اختياره، عرضوها عليه، فإن أجاب إليها بايعوه عليها وانعقدت ببيعتهم له الإمامة، فلزم كافة الأمة الدخول في بيعته والانقياد لطاعته. وإن امتنع من الإمامة ولم يجب إليها لم يجبر عليها؛ لأنها عقد مراضاة واختيار، لا يدخله إكراه ولا إجبار، وعدل عنه إلى سواه من مستحقيها.\rثم بين الماوردي صعوبة مهمة أهل الاختيار عند تكافؤ المرشحين، فوضع لهم الضوابط التي يتمكنون بها من إنجاح مهمتهم، فقال: فلو تكافأ في شروط الإمامة اثنان قدم لها اختياراً أسنهما، وإن لم تكن زيادة السن مع كمال البلوغ شرطاً، فإن بويع أصغرهما سناً جاز. ولو كان أحدهما أعلم والآخر أشجع روعي في الاختيار ما يوجبه حكم الوقت. فإن كانت الحاجة إلى فضل الشجاعة أدعى لانتشار الثغور وظهور البغاة، كان الأشجع أحق. وإن كانت الحاجة إلى فضل العلم أدعى لسكون الدهماء، وظهور أهل البدع، كان الأعلم أحق.\r-------------------------------\r(1) الأحكام السلطانية: ص 5.","part":8,"page":296},{"id":5301,"text":"ثالثاً ـ طريقة اختيار الخلفاء الراشدين :\rأذكر بإيجاز طريقة اختيار الخلفاء الأربعة الراشدين لتوكيد أن البيعة من الأمة هي أساس التعيين، لا النص، ولا العهد، ولا الغلبة، ولا الوراثة ونحوها. علماً بأن النبي صلّى الله عليه وسلم لم يبين للناس كيفية اختيار الخليفة ولم ينص على خليفة معين، وفي ذلك حكمة بالغة، هي ترك المجال مفتوحاً لإرادة الأمة تفعل ما يحقق المصلحة دون تحديد لشكل الحكم وأساليب التعيين، وإنما تتصرف بكامل حريتها وفقاً لما يتناسب مع كل زمان ومكان؛ لأن المهم هو قيام الحاكم بواجباته أو وظائفه الدينية والدنيوية معاً في ظل من رقابة الأمة، حتى لا يعتقد أحد من الحكام باستمداد سلطانه من الله، أوأنه في مرتبة النبي الذي لا يعارض قوله أو فعله أو حكمه.\r1 - أبو بكر الصديق :\rلقد تم انتخاب أبي بكر الخليفة الأول بعد رسول الله صلّى الله عليه وسلم في أحدث صورة لمؤتمر سياسي جرى فيه نقاش حاد بين المهاجرين والأنصار في سقيفة بني ساعدة عقب وفاة الرسول صلّى الله عليه وسلم وقبل دفنه، وكان قصدهم من النقاش هو تحقيق مصلحة الإسلام وخير المسلمين. وكان عمر هو أول من رشح أبا بكر رضي الله عنه، ووافقه أهل العقد والحل، وبايعه المسلمون جميعاً، من وافق منهم أو خالف في أثناء النقاش (1) . حتى إن علياً كرم الله وجهه الذي انتابه مرض بسبب وفاة النبي صلّى الله عليه وسلم بايع أبا بكر بعد برئه.\r2 - عمر بن الخطاب :\rكان اختيار عمر رضي الله عنه بترشيح من أبي بكر في صورة عهد إلى المسلمين، بعد استشارة أهل الحل والعقد، ثم بايعه المسلمون ورضوا به. فعندما\r-------------------------------\r(1) انظر سجل الجلسة في تاريخ الطبري: 199/3، وفي طبقات ابن سعد: 179/3، وصحيح البخاري: 7/5.","part":8,"page":297},{"id":5302,"text":"أحس أبو بكر بدنو أجله، طلب من الناس أن يؤمّروا عليهم واحداً في حال حياته، حتى لا يختلفوا بعده، خشية على المسلمين من التفرق بعد أن بدؤوا الحرب مع فارس والروم، فردوا الأمر إليه في أن يختار لهم من يرى فيه الخير ولهم وللدين. فاستمهل ثم بدأ مشاوراته مع كبار الصحابة وأهل الرأي، سائلاً الواحد تلو الآخر في ترشيح عمر، وكان من أشهر من استدعاهم عثمان وعبد الرحمن بن عوف وسعيد بن زيد وأسيد بن الخضير وغيرهم من المهاجرين والأنصار، فأثنوا عليه خيراً، وتخوف بعضهم وهو ابن عوف من شدته (غلظته)، فأجابه أبو بكر بقوله: ذلك لأنه يراني رقيقاً، ولو أفضى الأمر إليه لترك كثيراً مما هو عليه. وبعد أن أتم أبو بكر مشاوراته، أملى على عثمان عهده إلى المسلمين، ثم أشرف على الناس وزوجته أسماء بنت عميس تمسكه، فقال: أترضون بمن استخلفت عليكم، فإني والله ما ألوت من جهد الرأي، ولا وليت ذا قرابة؟! وإني قد استخلفت عمر بن الخطاب، فاسمعوا له وأطيعوا، فقالوا: سمعنا وأطعنا.\rثم أمر أبو بكر عثمان بتبليغ الناس وأخذ البيعة، فذهب ومعه عمر وأسيد بن سعيد القرظي، فقال عثمان للناس: أتبايعون لمن في هذا الكتاب (أي لعمر)؟ فقالوا: نعم. وبعد تمام البيعة بايعه أبو بكر معلناً أنه لم يرد إلا صلاح المسلمين وإبعادهم عن الفتنة، وأوصاه بما هو خير (1) .\r3 - عثمان بن عفان :\rيبدو لنا في صورة اختيار عثمان مظهر الشورى بشكل أوضح، إذ أن عمر رضي الله عنه وهو صحيح حدد لجنة الشورى في ستة : وهم (2) علي والزبير بن\r-------------------------------\r(1) راجع طبقات ابن سعد: 122/3، 200، تاريخ الطبري: 51/4-54.\r(2) تاريخ الإسلام السياسي للدكتور حسن إبراهيم: 254/1 وما بعدها.","part":8,"page":298},{"id":5303,"text":"العوام، وعبد الرحمن بن عوف، وعثمان بن عفان، وطلحة بن عبيد الله ، وسعد ابن أبي وقاص. وعين لهم مدة ثلاثة أيام للاختيار، ورسم لهم خطة المشاورة، بالأخذ برأي الأكثرية، فإن تساووا يرجح الجانب الذي فيه عبد الله بن عمر، أي في حالة تساوي الأصوات، فإن لم يرضوا بحكم عبد الله بن عمر، فليكونوا مع الذين فيهم عبد الرحمن بن عوف. وأمر بضرب عنق من خالف بعدئذ. وخلف على أصحاب الشورى أبا طلحة في خمسين من قومه من الأنصار، في ألا يتركهم يمضي اليوم الثالث حتى يؤمروا أحدهم، وقال له عمر قبل موته بساعة: اللهم أنت خليفتي عليهم.\rوقام أهل الشورى هؤلاء بإجراء مشاورات طوال الأيام الثلاثة ليلاً نهاراً، وكان عبد الرحمن ـ الذي خلع نفسه من الخلافة ـ يلقى أصحاب رسول الله ، ومن وافى المدينة من أمراء الأجناد وأشراف الناس، يشاورهم، فوجد الناس يجمعون على أحد اثنين: عثمان أو علي. إلا أن أكثرية أهل الشورى والمسلمين رغبوا بعثمان لما عرفوا فيه من لين ورحمة وأفضال على الناس بتجهيز جيش العسرة من ماله وشراء بئر رومة وجعله سبيلاً للمسلمين يسقون منه. ثم جمع عبد الرحمن المسلمين في المسجد، واستوثق من عثمان وعلي بالعمل بكتاب الله وسنة رسوله وسيرة الخليفتين الراشدين من قبله بالعدل والإنصاف، ثم بايع (أي عبد الرحمن) عثمان رضي الله عنه وتابعه المسلمون بالمبايعة، وفيهم علي بن أبي طالب بعد أن تأخر عن المبايعة بسبب مرضه.\rولم تكن مبايعة عبد الرحمن محاباة ولا ظلماً كما قد ظن بعض الناس، وإنما كانت تعبيراً أميناً صادقاً عن آراء الأمة ومشاوراته الليالي والأيام مع أكابرها ومتقدميها. مع ما عرف من فضله ونبله وسابقته في الإسلام وعلمه وزهده في الخلافة وشدة خوفه وحذره وعظيم مناصحته للأمة، كما أبان الباقلاني (1) .\r-------------------------------\r(1) راجع التمهيد للباقلاني: ص 208 وما بعدها، صحيح البخاري: 78/9، تاريخ الطبري: 13/5، 34-41، طبقات ابن سعد: 61/3.","part":8,"page":299},{"id":5304,"text":"4 - علي بن أبي طالب :\rلقد ترتب على الفتنة الكبرى بمقتل عثمان رضي الله عنه ووقوع الفوضى بالمدينة أحداث خطيرة في تاريخ الإسلام أثَّرت في خلافة علي رضي الله عنه تأثيراً بالغاً منذ بداية عهده بها. فلم يتوافر له الاتفاق أو الإجماع الشامل الذي حظي به الخلفاء السابقون. فبايعه كبار المهاجرين والأنصار في المدينة وأهل الأمصار والمصريون، ولم يبايعه أهل الشام وبنو أمية بزعامة معاوية بن أبي سفيان، ونقل عن طلحة والزبير أنهما بايعاه مكرهين، ثم خرجا من المدينة إلى مكة ثم إلى البصرة مع عائشة مطالبين بدم عثمان رحمه الله ، فقاتلهما علي كرم الله وجهه يوم الجمل، وقتلا في هذه المعركة. ولكن بالرغم من أن سيدنا علي كرم الله وجهه قد استنكر قتل عثمان، ولزم بيته، أصرالمهاجرون والأنصار على بيعته حسماً للفتنة وصيانة لدار الهجرة، فطلب حينئذ منهم عقدها في المسجد علانية وعن رضا المسلمين، ورضي في ذلك بعد شدة، وبعد أن رآه مصلحة (1) .\rوالخلاصة: إن اختيار الخليفة يتم أساساً ببيعة أكثر المسلمين العامة،بعد ترشيح أولي النظر والرأي أو أهل الحل والعقد، عملاً بمبدأ الشورى قاعدة الحكم في الإسلام: {وأمرهم شورى بينهم} [الشورى:42/38]. وأما العهد السابق من الخليفة فلا يعدو أن يكون مجرد ترشيح لا أثر له إذا لم تنضم إليه البيعة\r-------------------------------\r(1) انظر التمهيد: ص 227 وما بعدها، ابن سعد: 31/3 وما بعدها، الطبري: 152/5 ومابعدها.","part":8,"page":300},{"id":5305,"text":"العامة (1) . وهذا ماكان يفعله الناس في عهد الراشدين ومن بعدهم من خلفاء الأمويين. لكن باستثناء خلافة عمر بن عبد العزيز (2) رحمه الله ، برزت صفة وراثة الحكم التي ابتكرها معاوية، واستمرت سنَّة متبعة دون مراعاة الشروط المطلوبة شرعاً في الخليفة أحياناً، وحرصاً على الحفاظ على وحدة المسلمين، واستمرار الفتوح، وبقاء الدولة قوية في وجه أعداء الإسلام.\rالمبحث الرابع ـ شروط الإمام :\rاشترط العلماء في المرشح للخلافة أو الوزراة وفي أثناء عمله شروطاً سبعة هي (3) :\rأولاً ـ أن يكون ذا ولاية تامة بأن يكون مسلماً، حراً ، ذكراً، بالغاً، عاقلاً.\rأما اشتراط الإسلام فلأنه يقوم بحراسة الدين والدنيا، وإذا كان الإسلام شرطاً في جواز الشهادة، فهو شرط في كل ولاية عامة، لقوله تعالى: {ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلاً} [النساء:141/4].\rوأما اشتراط الحرية فلأنه وصف كمال، فلا يعقل أن يكون صاحب الولاية\r-------------------------------\r(1) راجع نظام الحكم في الإسلام لأستاذنا الدكتور محمد يوسف موسى: ص 118 وما بعدها، النظريات السياسية الإسلامية للدكتور ضياء الدين الريس: ص 194.\r(2) خلع عمر نفسه بعد أن قرئ كتاب العهد له من سليمان بن عبد الملك على الناس، فصعد المنبر وقال: «إني والله ما استؤمرت في هذا الأمر، وأنتم بالخيار» وفي رواية أخرى: «أيها الناس، إني قد ابتليت بهذا الأمر من غير رأي مني ولا طلبة له ولا مشورة من المسلمين، وإني قد خلعت ما في أعناقكم من بيعتي، فاختاروا لأنفسكم» . ونظراً لهذا الموقف المشرف، وبسبب عدالته في الحكم كان خامس الخلفاء الراشدين.\r(3) حجة الله البالغة للدهلوي: 111/2، الأحكام السلطانية للماوردي: ص 4.","part":8,"page":301},{"id":5306,"text":"أدنى رتبة من المولى عليهم. قال الماوردي: تشترط الحرية؛ لأن نقص العبد عن ولاية نفسه يمنع من انعقاد ولايته على غيره، ولأن الرق لما منع من قبول الشهادة، كان أولى أن يمنع من نفوذ الحكم وانعقاد الولاية (1) .\rوأما الذكورة فلأن عبء المنصب يتطلب قدرة كبيرة لا تتحملها المرأة عادة، ولا تتحمل المسؤولية المترتبة على هذه الوظيفة في السلم والحرب والظروف الخطيرة، قال صلّى الله عليه وسلم : «لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة» (2) لذا أجمع الفقهاء على كون الإمام ذكراً.\rوأما البلوغ فأمر بدهي؛ لأن الصبي ليس كفئاً لمثل هذه المهام الكبرى، فهو غير مسؤول عن أفعاله، ولا يتعلق بفعله حكم معين (3) .\rوأما العقل فمطلوب لصحة كل تصرف خاص أوعام. ولا يكفي فيه الحد الأدنى للمطالبة بالتكاليف الشرعية من صلاة وصيام ونحوهما، بل لا بد فيه من رجحان الرأي، بأن يكون صاحبه صحيح التمييز، جيد الفطنة بعيداً عن السهو والغفلة، يتوصل بذكائه إلى إيضاح ما أشكل وفصل ما أعضل، كما قال الماوردي (4) .\rثانياً ـ العدالة: أي الديانة والأخلاق الفاضلة، وهي معتبرة في كل ولاية، وهي أن يكون صادق اللهجة، ظاهر الأمانة، عفيفاً عن المحارم، متوقياً المآثم، بعيداً من الريب، مأموناً في الرضا والغضب،مستعملاً لمروءة مثله في دينه ودنياه،\r-------------------------------\r(1) الأحكام السلطانية: ص 61.\r(2) رواه البخاري وأحمد والنسائي والترمذي وصححه عن أبي بكرة، وقد سبق تخريجه في بحث القضاء.\r(3) المرجع السابق: الفصل في الملل والنحل لابن حزم: 110/4.\r(4) المرجع السابق.","part":8,"page":302},{"id":5307,"text":"كما قال الماوردي (1) . وفي الجملة: هي التزام الواجبات الشرعية، والامتناع عن المنكرات والمعاصي المحرمة في الدين.\rثالثاً ـ الكفاية العلمية بأن يكون لديه من العلم ما يؤدي به إلى الاجتهاد فيما يطرأ من نوازل وأحداث، أو يستنبط من أحكام شرعية وغيرها من أحوال السياسة الشرعية. وهذا الشرط متفق عليه بين العلماء (2) . ولا يكون العالم مجتهداً إلا إذا علم الأحكام الشرعية وكيفية استنباطها من مصادرها الشرعية الأربعة: وهي القرآن والسنة والإجماع والقياس. وأن يعرف أحوال العصر وما طرأ عليه من تغيرات وتطورات سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية.\rرابعاً ـ حصافة الرأي في القضايا السياسية والحربية والإدارية، قال الماوردي: الرأي المفضي إلى سياسة الرعية وتدبير المصالح (3) ، وتابعه في هذا العلماء معبرين عن هذا الشرط بما يفيد الخبرة الكافية بشؤون الناس وأمور البلاد وحاجات الحكم والسياسة (4) .\rخامساً ـ صلابة الصفات الشخصية: بأن يتميز بالجرأة والشجاعة والنجدة المؤدية إلى حماية البيضة (الوطن) وجهاد العدو، وإقامة الحدود، وإنصاف المظلوم من الظالم، وتنفيذ الأحكام الإسلامية (5) .\r-------------------------------\r(1) المرجع السابق: ص 62.\r(2) المرجع السابق: ص 4، 62، الإرشاد إلى قواطع الأدلة في أصول الاعتقاد لإمام الحرمين: ص426، الرد على الباطنية للغزالي: ص 75.\r(3) الأحكام السلطانية: ص 4.\r(4) أصول الدين للبغدادي: ص 277، المواقف للإيجي: 349/8، مقدمة ابن خلدون: ص 161، الفصل 26، ط المهدي.\r(5) المراجع السابقة، العقائد النسفية: ص 145.","part":8,"page":303},{"id":5308,"text":"سادساً ـ الكفاية الجسدية: وهي سلامة الحواس من السمع والبصر واللسان ليصح معها مباشرة ما يدرك بها. وسلامة الأعضاء من نقص يمنع عن استيفاء الحركة وسرعة النهوض (1) .\rفإن طرأ نقص على بدن الإمام مما يخل بهذا الشرط، فقد بحث الماوردي ـ مؤسس القانون الدستوري والإداري في الإسلام أثر ذلك على استدامة الإمامة مما لا نجد له مثيلاً عند غيره، فقال: ينقسم النقص ثلاثة أقسام (2) :\rأحدها ـ نقص الحواس. والثاني ـ نقص الأعضاء. والثالث ـ نقص التصرف.\rأ ـ فأما نقص الحواس فينقسم ثلاثة أقسام: قسم يمنع من الإمامة، وقسم لا يمنع، وقسم مختلف فيه: فأما القسم المانع منها فشيئان: أحدهما ـ زوال العقل، والثاني ـ ذهاب البصر. وأما القسم الثاني من الحواس التي لا يؤثر فقدها في الإمامة فشيئان أحدهما ـ الخشم في الأنف الذي لا يدرك به شم الروائح. والثاني ـ فقد الذوق الذي يفرق به بين الطعوم، فلا يؤثر هذ في عقد الإمامة؛ لأنهما يؤثران في اللذة، ولا يؤثران في الرأي والعمل.\rوأما القسم الثالث من الحواس المختلف فيه فشيئان: الصمم والخرس: فيمنعان من ابتداء عقد الإمامة؛ لأن كمال الأوصاف بوجودهما مفقود. واختلف في الخروج بهما من الإمامة، فقالت طائفة: يخرج بهما منها، كما يخرج بذهاب البصر لتأثيرهما في التدبير والعمل، وهو أصح المذاهب.\rوقالت طائفة: لا يخرج بهما من الإمامة لقيام الإشارة مقامهما.\rوقال آخرون: إن كان يحسن الكتابة لم يخرج بهما من الإمامة، وإن كان لا يحسنها خرج من الإمامة بهما؛ لأن الكتابة مفهومة، والإشارة موهومة.\rب ـ وأما فقد الأعضاء فينقسم أربعة أقسام:\rأحدها ـ ما لا يؤثر على الترشيح للإمامة ولا على استدامتها: وهو ما لا يؤثر فقده في رأي ولا عمل ولا نهوض ولا يشين في المنظر، مثل قطع الذكر والأنثيين وقطع الأذنين.\rالثاني ـ ما يمنع من عقد الإمامة ومن استدامتها: وهو ما يمنع من العمل كذهاب اليدين، أو من النهوض كذهاب الرجلين.\r-------------------------------\r(1) المراجع السابقة.\r(2) انظر التفصيل في الأحكام السلطانية: ص 16-19، مقدمة ابن خلدون: الفصل 26، ص161.","part":8,"page":304},{"id":5309,"text":"الثالث ـ ما يمنع من عقد الإمامة، واختلف في أثره على استدامتها: وهو ما ذهب به بعض العمل أو فقد به بعض النهوض كذهاب إحدى اليدين أو إحدى الرِّجلين، فذلك يمنع الترشيح للإمامة. وأما استدامتها ففي إنهاء ولايته مذهبان: أحدهما: تنتهي إمامته، والثاني لا تنتهي.\rالرابع ـ ما لا يمنع من استدامة الإمامة، واختلف في أثره على صلاحية الترشيح، وهو ما يؤدي إلى تشويه الجسد، ولكن لا يؤثر في عمل ولا في نهضة كجدع الأنف وسمل إحدى العينين. فذلك لا يؤثر على بقائه في الإمامة. واختلف في منعه من الترشيح لها على مذهبين: أحدهما يمنع، والآخر لا يمنع.\rجـ ـ وأما نقص التصرف فنوعان: حجر وقهر.\rفأما الحجر: فهو أن يستولي عليه من أعوانه من يستبد بتنفيذ الأمور من غير تظاهر بمعصية ولا مجاهرة بمشاقة، فلا يمنع صحة ولايته، ولكن ينظر في أفعال المتسلط على أموره، فإن وافقت أحكام الشرع والعدل أقر عليها، وإن خالفت أحكام الدين ومقتضى العدل، لم يقر عليها ووجب تنحية المتسلط. وأما القهر: فهو أن يصير مأسوراً في يد عدو قاهر لا يقدر على الخلاص منه، فيمنع ذلك من ترشيحه للخلافة. فإن أسر بعد انعقاد الإمامة له، وجب على كافة الأمة استنقاذه من الأسر، ولا يخلع من الإمامة إلا إذ يئس المسلمون من استخلاصه من الأسر.\rسابعاً ـ النسب وهو أن يكون المرشح للخلافة من قريش، وهذا الشرط مختلف فيه (1) ، أما الشروط السابقة فمتفق عليها في الجملة.\rفقال أهل السنة: يجب كونه من قريش لقول النبي صلّى الله عليه وسلم : «الأئمة من قريش» «قدموا قريشاً ولاتقدموها» «لا يزال هذا الأمر في هذا الحي من قريش ما استقاموا» أو «ما أقاموا الدين» (2) .\rوقال الخوارج، والمعتزلة بعدهم: إن الإمامة حق لكل مسلم متى استكمل الشروط الأخرى.\r-------------------------------\r(1) الأحكام السلطانية للماوردي: ص 4، مقدمة ابن خلدون: ص 162، الفصل 26، الملل والنحل للشهرستاني: 199/1، أصول الدين للبغدادي: ص 275، المواقف: 392/8.\r(2) حديث «الأئمة من قريش» رواه أحمد وأبو يعلى والطبراني عن بكير بن وهب، وأخرج مسلم عن جابر: «الناس تبع لقريش في الخير والشر» وأخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة: «الناس تبع لقريش في هذا الشأن، مسلمهم لمسلمهم، وكافرهم لكافرهم» وروى الطبراني عن علي: «قدموا قريشاً ولا تقدموها» وروى الطبراني عن ثوبان «استقيموا لقريش ما استقاموا لكم...» (مجمع الزوائد: 228/5، الترغيب والترهيب: 170/3).","part":8,"page":305},{"id":5310,"text":"ولكن يلاحظ أن الفقهاء الشرعيين الذين نظروا إلى شرط النسب في الإمامة، وفي بعض الأحكام الخاصة كالكفاءة بين الزوجين في الزواج، لا يتنافى رأيهم مع مبدأ المساواة المقرر في الإسلام بين الناس؛ لأن المساواة مطلوبة فيما ثبت للأفراد من الحقوق أو كلفوا به من الواجبات. وقضية الإمامة والكفاءة روعي فيها\rعرف الناس وعاداتهم وتوفير المصلحة التي لا يعقبها نزاع، وكون الحق فيها مقصوراً على من حددهم الشرع لحكمة معينة (1) .\rوبما أن قريشاً كانت لها الصدارة بين العرب، وتألف شؤون المدنية والاجتماع ويتبعها أكثر الناس، وكلمتها نافذة بين القبائل منذ الجاهلية، فمن المصلحة إناطة الأمر العام والسياسة بها، فإذا تغير الأمر وأصبحت الغلبة لمن ترضى عنه أكثرية الناس بالانتخاب ونحوه، فلا مانع في تقديري من عقد الإمامة له، كالخلافة العثمانية ونحوها.\rومن هنا رأى ابن خلدون أن الحكمة في اختصاص قريش بهذه الميزة هي كونها صاحبة العصبية التي تكون بها الحماية والمطالبة، ويرتفع الخلاف والفرقة بوجودها لصاحب المنصب، فتسكن إلىه الملة وأهلها، وينتظم حبل الألفة فيها.\rوعقب الدكتور ضياء الدين الريس وغيره على ذلك بأن الإسلام لما لم يقر فكرة العصبية كغاية في التشريع أو كأساس في تكوين المجتمعات،فإن المعول عليه توفير القوة والطاعة، وبما أن ذلك لم يعد يعتمد على العصبية كما كان في الماضي، بل أصبح مستمداً من نظام الدولة وما تملك من جيوش، فإن هذا الشرط لم يعد ضرورياً، ويكفي أن يختار الخليفة بالطريقة المشروعة، وأن يحوز رضا المسلمين.\rويلزم من هذا أن يكون الشرط الآن هو أن القائم بأمور المسلمين يجب أن يكون متبوعاً من الكثرة الغالبة، ليكون مطاعاً مرضياً عنه، ذا قوة مستمدة من الإرادة العامة، فيترتب على وجوده حصول الوحدة، وتنتفى دواعي الخلاف (2) .\rولا يجوز تعدد الإمام في وقت واحد، لأن ذلك يؤدي لتفريق المسلمين في أقطارهم وبلدانهم، والواجب حفاظهم على وحدتهم الدولية، أما تعدد الدول الإسلامية الآن، فهو واقع اقتضته ظروف المجتمع الدولي الإقليمي، ويمكن تحقيق الوحدة بينهم في السياسة والاقتصاد والجيش والتمثيل الخارجي.\r-------------------------------\r(1) قارن النظريات السياسية الإسلامية للدكتور الريس: ص 254، حيث اعتبر شرط النسب منافياً لمبدأ المساواة المقرر في الآيات والأحاديث النبوية.\r(2) النظريات السياسية، المرجع السابق: ص 257، السلطات الثلاثة للدكتور سليمان الطماوي: ص259 وما بعدها.","part":8,"page":306},{"id":5311,"text":"المبحث الخامس ـ وظائف الإمام (أو واجباته واختصاصاته )\rحدد الفقهاء واجبات الإمام أو ظائفه بعشرة أمور أساسية، يمكن أن يتفرع عنها عدة اختصاصات أخرى بحسب تغير الظروف والأوضاع والتطورات الحادثة (1) ، ويمكن تصنيفها أو قسمتها إلى وظائف دينية ووظائف سياسية.\rالوظائف الدينية وهي أربعة :\rأولاً ـ حفظ الدين: أي المحافظة على أحكامه وحماية حدوده وعقاب مخالفيه. قال الماوردي: «حفظ الدين على أصوله المستقرة،وما أجمع عليه سلف الأمة. فإن نجم مبتدع، أو زاغ ذو شبهة عنه، أوضح له الحجة، وبين له الصواب، وأخذه بما يلزمه من الحقوق والحدود، ليكون الدين محروساً من خلل، والأمة ممنوعة من زلل» .\rثانياً ـ جهاد الأعداء: أي قتال من عاند الإسلام بعد الدعوة حتى يسلم، أو يدخل في الذمة، ليقام بحق الله تعالى في إظهاره على الدين كله. وهذا مشروط بوجود قوة للمسلمين ووجود عدوان على دعاة الإسلام أو بلاده، كما سيبين في بحث الإسلام والحرب.\r-------------------------------\r(1) الأحكام السلطانية للماوردي: ص 14، ولأبي يعلى: ص 11، حجة الله البالغة للدهلوي: 132/2، غاية المنتهى: 349/3.","part":8,"page":307},{"id":5312,"text":"ثالثاً ـ جباية الفيء والصدقات(1 ) . والمقصود بالفيء والغنائم: الأموال التي تصل إلى المسلمين من المشركين أو كانوا سبب وصولها. وأما الصدقات فهي الأموال الواجبة على المسلمين نصاً كالزكاة، واجتهاداً كالأموال المفروضة على الأغنياء إذا خلا بيت المال، واحتاجت الدولة لتجهيز الجيش ونحوه من المصالح العامة.\rرابعاً ـ القيام على شعائر الدين من أذان وإقامة صلاة الجمعة والجماعة والأعياد، وصيام، وحج، فبالنسبة للصلاة يعين الخليفة الإمام والمؤذن، ويصون المساجد ويرعاها، ويؤم الناس في الصلاة الجامعة إذا حضر، ويشرف على توقيت الصيام بدءاً ونهاية، ويعاقب من يعلن الإفطار دون عذر مقبول، وييسر أداء فريضة الحج بتعيين ولاة للسهر على أداء هذا الواجب، والولاية على الحج لتسيير الحجيج وإقامتهم (2) .\rالوظائف السياسية: بما أن الخليفة كان يجمع أحياناً بين السلطتين التنفيذية والقضائية، فإن وظائفه السياسية كانت تشمل التنفيذ والقضاء. أورد الماوردي ستة منها تعد في الحقيقة على سبيل المثال لا على سبيل الحصر، وهي (3) :\r-------------------------------\r(1) ذكر الماوردي: ص 121 في المرجع السابق فروقاً أربعة بين أموال الفيء والغنائم وبين الصدقات: أحدها ـ أن الصدقات مأخوذة من المسلمين تطهيراً لهم، والفيء والغنيمة مأخوذان من الكفار انتقاماً منهم. والثاني ـ أن مصرف الصدقات منصوص عليه في القرآن ليس فيه اجتهاد. والفيء والغنيمة يصرفان بحسب اجتهاد الأئمة. والثالث ـ أن أموال الصدقات يجوز أن ينفرد أصحابها بقسمتها في أهلها، ولا يجوز ذلك لأهل الفيء والغنيمة. والرابع ـ اختلاف المصرف: فالصدقات تصرف للأصناف الثمانية في القرآن. والأموال الأخرى تصرف في سبيل المصالح العامة. ويلاحظ أن الفيء: هو كل مال وصل من المشركين عفواً من غير قتال. والغنيمة: ما وصل إلينا من أموال المشركين عنوة وبقتال.\r(2) الأحكام السلطانية: ص 96، 103.\r(3) الأحكام السلطانية للماوردي: ص14، والسلطات الثلاث للطماوي: ص278 ومابعدها.","part":8,"page":308},{"id":5313,"text":"أولاً ـ المحافظة على الأمن والنظام العام في الدولة. عبر الماوردي عن ذلك بقوله: حماية البيضة (الوطن) والذب عن الحريم(الحرمات) ليتصرف الناس في المعايش، وينتشروا في الأسفار آمنين عن تغرير بنفس أو مال، وهذا ما يقوم به الشرطة الآن.\rثانياً ـ الدفاع عن الدولة في مواجهة الأعداء: وعبر عنه الماوردي بقوله: تحصين الثغور بالعدة المانعة والقوة الدافعة، حتى لا تظهر الأعداء بغرة ينتهكون فيها محرماً، أو يسفكون فيها لمسلم أو معاهد دماً.\rثالثاً ـ الإشراف على الأمور العامة بنفسه. قال الماوردي: أن يباشر بنفسه مشارفة الأمور وتصفح الأحوال، لينهض بسياسة الأمة وحراسة الملة، ولا يعول على التفويض تشاغلاً بلذة أو عبادة، فقد يخون الأمين ويغش الناصح.\rرابعاً ـ إقامة العدل بين الناس، وذلك على النحو التالي:\rأ ـ تنفيذ الأحكام بين المتشاجرين وقطع الخصام بين المتنازعين حتى تعم التصفية، فلا يتعدى ظالم ولا يضعف مظلوم.","part":8,"page":309},{"id":5314,"text":"ب ـ إقامة الحدود لتصان محارم الله تعالى عن الانتهاء، وتحفظ حقوق عباده من إتلاف واستهلاك.\rخامساً ـ إدارة المال: بتقدير العطايا وما يستحق في بيت المال من غير سرف ولا تقتير، ودفعه في وقت لا تقديم فيه ولا تأخير.\rسادساً ـ تعيين الموظفين: وعبر الماوردي عن الواجب بقوله: استكفاء الأمناء، وتقليد النصحاء فيما يفوضه إلىهم من الأعمال، ويكله إليهم من الأموال، لتكون الأعمال بالأكفاء مضبوطة، والأموال بالأمناء محفوظة. فإن طرأ طارئ اتخذ الخليفة من التدابير مايحقق سعادة الأمة بشرطين:\rالأول ـ ألا يخالف نصاً صريحاً ورد في القرآن أو السنة أو الإجماع.\rالثاني ـ أن تتفق التدابير مع روح الشريعة ومقاصدها العامة، على وفق ما بينه علماء أصول الفقه، بالحفاظ على الأصول الكلية الخمسة وتوابعها: وهي الدين والنفس والعقل والنسل والمال (1) .\rالمبحث السادس ـ انتهاء ولاية الحاكم :\rتنتهي ولاية الحاكم أو الخليفة بأحد أمور ثلاثة وهي (2) :\rأولاً ـ الموت: وهذا أمر طبيعي لزوال الولاية؛ لأن مدة استخلافه مؤقتة بمدة حياته. ولا يحق له توريث ولايته لأحد، وإنما الحق في التولية لأهل الاختيار، ويرى الدكتور السنهوري أن روح النظام الإسلامي لا تتنافى إطلاقاً مع توقيت الخلافة بمدة زمنية محدودة، إذا ما تضمن عقد الخلافة ذلك (3) .\rثانياً ـ خلع الخليفة نفسه: وهذا حق شخصي للخليفة، حتى لا يكون مكرهاً على البقاء في منصبه بالرغم من إرادته، قال الماوردي: وإذا خلع الخليفة نفسه انتقلت إلى ولي عهده، وقام خلعه مقام موته، أي أن الأمر يصبح منوطاً باختيار أهل الحل والعقد؛ لأن ولايته مستمدة من الأمة، وليست حقاً أصيلاً له.\rثالثاً ـ العزل لتغير حاله: والذي يتغير به حاله، فيخرج به عن الإمامة شيئان: جرح في عدالته، ونقص في بدنه.\r-------------------------------\r(1) راجع الموافقات للشاطبي: 10/2، ط التجارية، الإحكام للآمدي: 48/3، ط صبيح، المستصفى للغزالي: 140/1، ط التجارية.\r(2) الأحكام السلطانية للماوردي: ص 9 وما بعدها، 15-19، السلطات الثلاث: 270 ومابعدها.\r(3) الخلافة للسنهوري: ص 190 وما بعدها.","part":8,"page":310},{"id":5315,"text":"أما جرح العدالة فهو الفسق: وهو ارتكابه المحظورات، وإقدامه على المنكرات، وانقياده للأهواء والشهوات.\rوأما نقص البدن فهو كما ذكر سابقاً ثلاثة أقسام:\rأ ـ نقص الحواس، كزوال العقل وذهاب البصر والصمم والخرس.\rب ـ نقص الأعضاء كذهاب اليدين، أو ذهاب الرجلين.\rجـ ـ نقص التصرف: وهو يشتمل على نوعين: أولاً ـ الحجر بأن يستولي أحد أعوانه على السلطة ويجاهر بالمعصية أو يخالف أحكام الشرع. فإن لم يخالف حكماً شرعياً استنصرت الأمة أو الخليفة بمن يعمل على تنحيته.وثانياً ـ الأسر: بأن يقع الخليفة في أسر الأعداء وييأس المسلمون من فكاكه واستخلاصه من الأسر.\rوتقرير مبدأ العزل من الأمة دليل واضح على أن الخليفة يستمد سلطانه من الأمة، وليس له ادعاء أحقيته السلطة بتفويض من الإله كما كان يزعم ملوك أوربا في القرون الوسطى. كما أنه ليس معصوماً من الخطأ، ولا حق له في التشريع وإنما ينفذ أحكام الشريعة ويجتهد في نطاقها، وليس له سلطة روحية كما هو الحال بالنسبة للبابا رئيس الكنيسة الكاثوليكية في العالم، فلا يحل ولا يحرم ولا يغفر الذنوب ولا يطرد مذنباً.","part":8,"page":311},{"id":5316,"text":"المبحث السابع ـ حقوق الإمام الحاكم :\rحدد الماوردي واجبات المسلمين نحو الحاكم بأمرين وهما:\r1 - الطاعة في غير معصية.\r2 - النصرة ما لم يتغير حاله. فقال: «إذا قام الإمام بما ذكرناه من حقوق الأمة، فقد أدى حق الله تعالى فيما لهم وعليهم، ووجب له عليهم حقان: الطاعة والنصرة ما لم يتغير حاله» (1) .\r1 ـ حق الطاعة :\rإذا بايع أكثرية المسلمين إماماً وجبت طاعته من الكل، لقول الرسول صلّى الله عليه وسلم : «يد الله على الجماعة» «ومن شذ شذ في النار» «من فارق الجماعة شبراً، فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه» (2) .\rوبذل الطاعة مشروط بقيام الحاكم بواجباته التي ذكرت سابقاً، ومضمونها التزام أوامر الشريعة.\rوحينئذ تصبح القوانين والتكاليف التي تصدر عن الحاكم واجبة التنفيذ، كالإلزام بالتجنيد الإجباري وفرض الضرائب على الأغنياء بالإضافة إلى الزكاة كلما دعت حاجة البلاد إلى ذلك.\rومصدر الالتزام بالطاعة آيات وأحاديث، منها قوله تعالى: {يا أيها الذين أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم} [النساء:59/4] وأولو الأمر: الحكام والعلماء كما بين المفسرون والصحابة. ومنها قوله صلّى الله عليه وسلم : «عليك بالسمع والطاعة في عسرك ويسرك ومنشطك ومكرهك وأثرة عليك» (3) «على المرء المسلم\r-------------------------------\r(1) الأحكام السلطانية: ص 15.\r(2) حديث «يد الله مع الجماعة» أخرجه الترمذي عن ابن عمر، ورواه النسائي والطبراني عن عرفجة، وحديث «من شذ» رواه الترمذي عن ابن عمر: «يد الله على الجماعة، ومن شذ شذ في النار » وحديث «من فارق» رواه أحمد ورجاله ثقات بلفظ «من خرج من الجماعة قيد شبر، فقد خلع ربقة الإسلام من رأسه» .\r(3) رواه البزار عن سعد بن عبادة، وفيه حصين بن عمر، وهو ضعيف جداً (مجمع الزوائد، 227/5) وللبخاري ومسلم والموطأ والنسائي عن عبادة بن الصامت: «با يعنا رسول الله صلّى الله عليه وسلم على السمع والطاعة، في العسر واليسر والمنشط والمكره، وعلى أثرة علينا..» .","part":8,"page":312},{"id":5317,"text":"السمع والطاعة فيما أحب أو كره، إلا أن يؤمر بمعصية، فإن أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة» (1) .\rولا يجوز الخروج عن الطاعة بسبب أخطاء غير أساسية لا تصادم نصاً قطعياً، سواء أكانت باجتهاد، أم بغير اجتهاد، حفاظاً على وحدة الأمة وعدم تمزيق كيانها أو تفريق كلمتها، قال عليه الصلاة والسلام: «ستكون هَنَات وهنات ـ أي غرائب وفتن وأمور محدثات ـ فمن أراد أن يفرق أمر هذه الأمة وهي جميع، فاضربوه بالسيف كائناً من كان» وقال عليه السلام أيضاً: «من أتاكم وأمركم جميع على رجل واحد، يريد أن يشق عصاكم أو يفرق جماعتكم فاقتلوه» «أيما رجل خرج يفرق بين أمتي فاضربوا عنقه» (2) رواهما مسلم عن عرفجة.\rوبديهي أن الطاعة بقدر الاستطاعة لقوله تعالى: {لا يكلف الله نفساً إلا وسعها} [البقرة:286/2] وقال ابن عمر رضي الله عنه: «كنا إذا بايعنا رسول الله صلّى الله عليه وسلم على السمع والطاعة يقول لنا: فيما استطعتم» (3) .\rوإذا أخطأ الحاكم خطأ غير أساسي لا يمس أصول الشريعة وجب على الرعية تقديم النصح له باللين والحكمة والموعظة الحسنة، قال عليه الصلاة والسلام: «الدين النصيحة قلنا: لمن يا رسول الله ؟ قال: لله ولرسوله ولكتابه ولأئمة المسلمين وعامتهم» (4) وقد حض رسول الله صلّى الله عليه وسلم على إسداء النصح والمجاهرة بقول\r-------------------------------\r(1) رواه أحمد وأصحاب الكتب الستة عن ابن عمر، ويلاحظ أن أحاديث الطاعة في غير معصية رويت بألفاظ: منها ما رواه الشيخان وأبو داود والنسائي عن علي: «لا طاعة لأحد في معصية الله ، إنما الطاعة في المعروف» ومنها ما رواه أحمد والحاكم عن عمران والحكم بن عمرو الغفاري: «لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق» .\r(2) وانظر أحاديث لزوم الجماعة والنهي عن الخروج عن الأمة وقتالهم في مجمع الزوائد: 222/5 وما بعدها. وحديث «من أتاكم..» رواه مسلم عن عرفجة بن شريح (شرح مسلم: 242/2).\r(3) رواه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي عن ابن عمر (جامع الأصول: 168/1).\r(4) رواه مسلم عن أبي رقية تميم بن أوس الداري.","part":8,"page":313},{"id":5318,"text":"الحق، فقال: «أفضل الجهاد: كلمة حق عند سلطان جائر» (1) «من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان» (2) . فإن لم ينتصح وجب الصبر لقوله عليه السلام: «من رأى من أميره شيئاً، فكره فليصبر، فإنه ليس أحد يفارق الجماعة شبراً، فيموت إلا مات ميتة جاهلية» (3) .\rولكن لا تجب الطاعة عند ظهور معصية تتنافى مع تعاليم الإسلام القطعية الثابتة، لقوله عليه الصلاة والسلام: «لا طاعة لأحد في معصية الله ، إنما الطاعة في المعروف» «لا طاعة لمن لم يطع الله » (4) .\rوهل تعالج الأخطاء الجوهرية المصادمة لأصول الإسلام بالثورة المسلحة من قبل الشعب؟\rأذكر في الموضوع حديثين وأتبعهما بآراء الفقهاء وما يستنبط منهما.\rالحديث الأول الذي أخرجه مسلم عن عوف بن مالك الأشجعي عن رسول الله صلّى الله عليه وسلم قال: «خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم، وتصلون عليهم ويصلون عليكم. وشرار أئمتكم الذي تبغضونهم ويبغضونكم وتلعنونهم ويلعنونكم. قلنا: يا رسول الله، أفلا ننابذهم عند ذلك؟ قال: لا، ما أقاموا فيكم الصلاة، لا ، ما أقاموا فيكم الصلاة» .\r-------------------------------\r(1) رواه ابن ماجه عن أبي سعيد الخدري، ورواه أحمد وابن ماجه والطبراني والبيهقي عن أبي أمامة، ورواه أحمد والنسائي والبيهقي عن طارق بن شهاب.\r(2) رواه أحمد ومسلم وأصحاب السنن الأربعة عن أبي سعيد الخدري.\r(3) رواه الطبراني بلفظ آخر، وفيه متروك (مجمع الزوائد: 219/5).\r(4) سبق تخريجه قريباً.","part":8,"page":314},{"id":5319,"text":"والحديث الثاني الذي يرويه البخاري وغيره والذي ورد في بعض رواياته عن عبادة بن الصامت قال: «دعانا النبي صلّى الله عليه وسلم ، فبايعناه على السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا، وعسرنا ويسرنا وأثرة علينا، وألا ننازع الأمر أهله، إلا أن تروا كفراً بَوَاحاً (1) عندكم من الله فيه برهان» .\rوالمبدأ هو وحدة الإمامة أو الخلافة، لحديث: «إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما» (2) .\rوبناء عليه تجوز الثورة في حالة واحدة هي إعلان الكفر الصراح. قال الدهلوي: وبالجملة فإذا كفر الخليفة بإنكار ضروري من ضروريات الدين، حل قتله، بل وجب، وإلا لا؛ وذلك لأنه حينئذ فاتت مصلحة نصبه (إقامته حاكماً)، بل يخاف مفسدته على القوم، فصار قتاله من الجهاد في سبيل الله . قال صلّى الله عليه وسلم «: السمع والطاعة على المرء المسلم فيما أحب وكره ، ما لم يؤمر بمعصية، فإذا أمر بمعصية، فلا سمع ولا طاعة (3) .» .\rواستنبط بعض الكتاب المحدثين (4) من الحديثين السابقين مبادئ أربعة بين فيها حدود الطاعة وحالة جواز الثورة على الحكم. وهي:\rأولاً ـ إن للأمير الذي يمثل الحكومة الشرعية في الدولة حق الطاعة من المواطنين جميعاً، بغض النظر عن أن فريقاً أو فرداً منهم قد لا يحبه، أو لا يرضى أحياناً عن سياسته في إدارة شؤون الدولة.\rثانياً ـ إذا ما أقدمت الحكومة على إصدار قوانين أو أوامر تتضمن معصية صريحة بالمعنى الشرعي، فإنه لا سمع ولاطاعة على المواطنين بالنسبة لهذه القوانين والأوامر.\r-------------------------------\r(1) أي ظاهراً. والمراد به كما استظهر ابن حجر في شرح البخاري هو الكفر الظاهر على حقيقته الذي لايحتمل التأويل. فإن رأى المسلمون منكراً محققاً أنكروه عليهم وقالوا الحق، ولكن الخروج عليهم وقتالهم حينئذ حرام، وإن كانوا فسقة ظالمين منعاً من الفتن وإراقة الدماء. وقد سبق تخريج الحديث (جامع الأصول: 166/1).\r(2) رواه البزار والطبراني في الأوسط عن أبي هريرة (مجمع الزوائد: 198/5) ورواه أيضاً مسلم عن أبي سعيد الخدري (شرح مسلم للنووي: 242/12).\r(3) حجة الله البالغة للدهلوي: 112/2، والحديث رواه أحمد والشيخان وأصحاب السنن الأربعة عن ابن عمر.\r(4) منهاج الإسلام في الحكم لمحمد أسد: ص 144.","part":8,"page":315},{"id":5320,"text":"ثالثاً ـ إذا ما وقفت الحكومة موقفاً تتحدى به تحدياً صريحاً متعمداً نصوص القرآن، فإن هذا الموقف يعتبر ( كفراً بواحا ً) الأمر الذي يستوجب نزع السلطة من يدها وإسقاطها.\rرابعاً ـ إن نزع السلطة هذا من يد الحكومة في غير حالة إعلان الكفر صراحة يجب ألا يتم عن طريق ثورة مسلحة من جانب أقلية من المجتمع؛ لأن رسول الله صلّى الله عليه وسلم قد حذرنا من اللجوء لهذه الوسيلة، فقال: «من حمل علينا السلاح فليس منا» (1) وقال: «من سل علينا السيف فليس منا» (2) والمراد بذلك البغاة: وهم فئة من الناس خارجة عن طاعة الإمام.\rومن المقرر فقهاً أن السلطة التي تملك التعيين تملك حق العزل. وهذا يعني أن أهل الشورى يقترحون العزل ببراهين واضحة، ثم تقوم أكثرية الأمة بواسطة استفتاء مثلاً بالتصويت على عزل الإمام من منصبه.\rويرى بعض الكاتبين الجدد ضرورة عرض النزاع القائم بين أهل الشورى والإمام، على هيئة تحكيم عليا محايدة مختصة بشؤون الدستور، مكونة من نوابغ القضاة، وأقطاب القانون الإسلامي في الدولة، منعاً من تفاقم الأزمة التي لا تحل إلا بذلك.\r-------------------------------\r(1) رواه مالك وأحمد والشيخان والنسائي وابن ماجه عن ابن عمر.\r(2) رواه أحمد ومسلم عن سلمة بن الأكوع.","part":8,"page":316},{"id":5321,"text":"وتأمر هذه المحكمة بإجراء استفتاء عام على خلع الإمام لمخالفته قصداً نصوص الشريعة. فإن منع الإمام من اللجوء إلى الاستفتاء، كان لها الحق بإعلان عزله، وأن الأمة في حل من بيعته (1) ، عملاً بمبدأ «لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق» (2) .\rآراء الفقهاء القدامى في مبدأ الخروج على الحاكم :\rقال أهل الحديث والسنة بوجوب الصبر وعدم جواز الخروج على الحاكم مطلقاً، عملاً بالأحاديث الواردة عن النبي صلّى الله عليه وسلم الآمرة بالصبر مثل «كن عبد الله المقتول ولا تكن عبد الله القاتل» (3) . ورعاية لوحدة الأمة وعدم الفرقة واجتماع الكلمة واحتمال أخف الضررين، ولأن كثيراً من الصحابة والتابعين امتنعوا عن الخروج، بل اعتزلوا الفتنة ولم يساعدوا الخارجين، وبناء عليه لا يجوز الخروج على الحاكم إلا بإعلان الكفر صراحة، فإذا كفر بإنكار أمر من ضروريات أو بدهيات الدين،حل قتاله،بل وجب، منعاً من فساده وفوات مصلحة تعيينه، وإلا فلا، حفاظاً على وحدة الأمة، وعدم الفوضى. قال صلّى الله عليه وسلم : «السمع والطاعة على المرء المسلم فيما أحب وكره، ما لم يؤمر بمعصية، فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة» وسئل رسول الله صلّى الله عليه وسلم عن خلع الحكام، فقيل: أفلا ننابذهم؟ قال: لا، ما\r-------------------------------\r(1) محمد أسد، المرجع السابق: ص 123، 127، 145 وما بعدها.\r(2) رواه أحمد والحاكم عن عمران والحكم بن عمرو الغفاري.\r(3) أخرجه ابن أبي خيثمة والدارقطني عن عبد الله بن خباب بن الأرت.","part":8,"page":317},{"id":5322,"text":"أقاموا فيكم الصلاة. وقال: «إلا أن تروا كفراً بواحاً ـ أي ظاهراً ـ عندكم من الله فيه برهان» (1) .وقال المعتزلة والخوارج والزيدية وكثيرمن المرجئة: الخروج واجب إذا أمكننا أن نزيل بالسيف أهل البغي ونقيم الحق، عملاً بقوله تعالى: {وتعاونوا على البر والتقوى} [المائدة:2/5] وقوله: {فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله } [الحجرات:49/9] وقوله: {لا ينال عهدي الظالمين} [البقرة:124/2].\rوقال أبو بكر الأصم من المعتزلة: السيف واجب إذا اتفق على إمام عادل يخرجون معه لإزالة أهل البغي (2) .\rوقال ابن حزم بجواز الخروج؛ لأن الأحاديث المجيزة للخروج على الفاسق الظالم ناسخة في رأيه للأحاديث الآمرة بالصبر؛ لأن هذه الأحاديث وردت في مبدأ الإسلام، ولأن الدليل المحرم يقدم على المبيح عند تعارضهما، ولقوله تعالى: {وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما، فإن بغت إحداهما على الأخرى، فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله } [الحجرات:9/94] ولأنه يجب على المسلم إزالة المنكر، ولا طاعة في معصيته، ومن قتل دون ماله أو دينه أو مظلمته فهو شهيد (3) .\r-------------------------------\r(1) حجة الله البالغة للدهلوي: 112/2 والحديث باللفظ الأول رواه أ حمد ومسلم، والثاني رواه البخاري (نيل الأوطار: 172/6).\r(2) مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين للأشعري: 445/2 وما بعدها.\r(3) الفصل في الملل والنحل لابن حزم: 171/4 ومابعدها، والحديث رواه أحمد وابن حبان وأبو داود والترمذي والنسائي عن سعيد بن زيد بلفظ: «من قتل دون ماله فهو شهيد، ومن قتل دون دمه فهو شهيد، ومن قتل دون دينه فهو شهيد، ومن قتل دون أهله فهو شهيد» وروى النسائي والضياء عن سويد بن مقرن: «من قتل دون مظلمته فهو شهيد» .","part":8,"page":318},{"id":5323,"text":"ورجح الدكتور محمد يوسف موسى رأي ابن حزم؛ لأن الأمة الإسلامية موصوفة بأنها آمرة بالمعروف ناهية عن المنكر، ترفض الظلم، وتقيم شعائر الله ، ولكن بشرط واحد وهو أن يقدر تمام التقدير من يرى وجوب الخروج بالقوة على خليفة يستحق العزل شرعاً ضرورة صيانة وحدة الأمة التي ينبغي أن تحرص عليها الحرص كله، وضرورة تجنيبها الفتنة وإراقة الدماء بلا ضرورة (1) . وهذا الرأي قريب من رأي المعتزلة الذين يوجبون الخروج على السلطان عند القدرة والإمكان (2) .\r2 - مناصرة الإمام ومؤازرته :\rعلى المسلمين أن يتعاونوا مع الحاكم في كل ما يحقق التقدم والخير والازدهار في جميع المجالات الخارجية بالجهاد في المال والنفس، والداخلية، بزيادة العمران وتحقيق النهضة الصناعية والزراعية والأخلاقية والاجتماعية، وإقامة المجتمع الخيِّر، وتنفيذ القوانين والأحكام الشرعية والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، سواء فيما يمس المصلحة العامة أم المصلحة الخاصة (3) ، وتقديم النصيحة، وبذل الجهد بتقديم الآراء والأفكار الجديدة التي تؤدي إلى النهضة والتقدم، وتوعية الناس والدعوة لها في السلم والحرب.\rومن المعلوم أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أصول الإسلام الأساسية المقررة بالتضامن بين الحكومة والأفراد؛ لأن في ذلك إقامة أمر الله وهدم كل ما يخالف الإسلام، قال الله تعالى: {ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، وأولئك هم المفلحون} [آل عمران:104/3] {كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر، وتؤمنون بالله } [آل عمران:110/3] وقال تعالى في شأن اليهود بسبب عدم النهي عن المنكر: { لُعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مريم، ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون. كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه، لبئس ما كانوا يفعلون} [المائدة:78/5].\rوجعلت سمة المؤمنين الاجتماعية هي القيام بهذا الواجب في قوله سبحانه: {والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر} [التوبة:71/9].\r-------------------------------\r(1) نظام الحكم في الإسلام ليوسف موسى: ص 158 وما بعدها.\r(2) مقالات الإسلاميين: 466/2.\r(3) انظر الأحكام السلطانية للماوردي: ص 236-249 لتفصيل كيفية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في حقوق الله (المجتمع) وحقوق الأشخاص.","part":8,"page":319},{"id":5324,"text":"وورد في السنة النبوية أحاديث كثيرة بهذا المعنى، من أهمها المبدأ العام وهو قوله عليه الصلاة والسلام: «كلكم راع، وكلكم مسؤول عن رعيته، فالإمام راع وهو مسؤول عن رعيته، والرجل راع في أهله ومسؤول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها...» (1) الحديث. وقوله صلّى الله عليه وسلم : «والذي نفسي بيده لتأمرُنَّ بالمعروف، ولتنهُون عن المنكر، أو ليوشكن الله يبعث عليكم عقاباً منه، ثم تدعونه فلا يستجيب لكم» (2) وقال صلّى الله عليه وسلم : «يا أيها الناس مروا بالمعروف، وانهوا عن المنكر، قبل أن تدعو الله فلا يستجيب لكم، وقبل أن تستغفروه فلا يغفر لكم..» (3) .\r-------------------------------\r(1) رواه أحمد والشيخان (البخاري ومسلم) وأبو داود والترمذي عن ابن عمر.\r(2) رواه الترمذي، وقال: حديث حسن.\r(3) رواه الأصبهاني، عن ابن عمر (الترغيب والترهيب، 230/3).","part":8,"page":320},{"id":5325,"text":"المبحث الثامن ـ حدود سلطات الإمام وقواعد نظام الحكم في الإسلام :\rتتحدد سلطات الخليفة ضمن الإطار العام لدولة الإسلام، وهو أنها دولة ذات فكرة ومبادئ لإصلاح الحياة البشرية (1) ، وأساس فكرتها مبادئ وغايات واضحة محددة (2) ، تقوم على أساس الإيمان بالله تعالى، وتنظر إلى الكون والحياة والإنسان على هدي هذا الإيمان، وتنشد إصلاح الحياة البشرية قاطبة على وفق منهج العقيدة الإسلامية ومستلزماتها ونظمها التشريعية التي لا تتأثر بأهواء الواضعين، ولا بحدود إقليمية ضمن نطاق أرضي معين، إلا عند الضرورة، وسيراً على منهاج مرحلي تدريجي يوصل إلى الغاية الكبرى، وهو وحدة المسلمين.\rوما على الإنسان أو الخليفة إلا أن يعمل في ضوء كونه مستخلفاً في هذه الدنيا بأمانة الله على الأرض، لقوله تعالى: {وهو الذي جعلكم خلائف الأرض} [الأنعام:165/6].\rوبما أن نظر الإنسان محدود، لا يمكنه الإحاطة بطبائع الأشياء ومقتضيات التشريع العامة، كان عليه التزام التشريع الإلهي الشامل الكامل.\rوتشريع الإله لا يميز بين صاحب السلطة وأفراد الرعية، فكل منهم له الحق في الاستمتاع بحريته واحترام كرامته الإنسانية، وإنصافه من غيره، ومطالبته بإقامة العدل ومراعاة مبدأ المساواة.\rومن هنا تتحدد سلطات الخليفة أو الحاكم في الإسلام بالأسس ا لآتية (3) :\rأولاً ـ يخضع الخليفة للتشريع الإسلامي، ويطالب بتنفيذ أحكامه، وإصدار القوانين التنظيمية طبقاً لمبادئه وقواعده، وليس له أية حصانة في هذا الشأن من دون بقية المسلمين. قال أبو بكر وتبعه من بعده من الراشدين في أول خطبة سياسية له بعد تولي الخلافة: «أطيعوني ما أطعت الله ورسوله، فإن عصيت الله فلا طاعة لي عليكم...» .\rثانياً ـ ليس للحاكم التشريع؛ لأن التشريع في الإسلام كما بان سابقاً لله ورسوله. ودور الخليفة مع أولي الحل والعقد هو مجرد الاجتهاد في نطاق القرآن والسنة. فلا يستمد المجتهدون سلطتهم من الخليفة، وإنما من مؤهلاتهم الذاتية. وفي هذا أكبر ضمان لشرعية الدولة؛ إذ المسلَّم به أن النظم الاستبدادية تقوم على أساس أن إرادة الدولة هي القانون.\rثالثاً ـ يلتزم الحاكم وأعوانه بقواعد نظام الحكم الإسلامي ومبادئه العامة التي حددها القرآن والسنة، ولم يفصل في شأنها مراعاة لظروف ومقتضيات التطور، وضماناً لقدسية المبدأ بحيث لا يقبل التغير وهذه القواعد هي:\r1 - الشورى :\rإن نظام الحكم الإسلامي نظام شوري، لقوله تعالى: {وشاورهم في الأمر} [آل عمران:159/3] {وأمرهم شورى بينهم} [الشورى:38/42] وورد في السنة النبوية القولية والعملية ما يوجب المشاورة، مثل: «استعينوا على\r-------------------------------\r(1) نظرية الإسلام السياسية للمودودي: ص 47 وما بعدها.\r(2) المرجع السابق.\r(3) راجع السلطات الثلاث للطماوي: ص 281 وما بعدها، النظريات السياسية للريس: ص280 وما بعدها، بحث الدولة الإسلامية للموسوعة الفقهية للمؤلف والآتي بيانه.","part":8,"page":321},{"id":5326,"text":"أموركم بالمشاورة» (1) «ما تشاور قوم قط إلا هدوا لأرشد أمورهم» (2) «المستشار مؤتمن» (3) وقال أبو هريرة رضي الله عنه: « لم يكن أحد أكثر مشورة من رسول الله صلّى الله عليه وسلم » (4) وقد استشار النبي صلّى الله عليه وسلم أصحابه في وقائع كثيرة، تطييباً لنفوس أصحابه ولرفع أقدارهم، قائلاً: أشيروا علي أيها الناس. مثل استشارته قبيل معركة بدر لمعرفة مدى استعداد أصحابه للقتال، ونزوله على رأي الحُبَاب بن المنذر في اختيارالمكان الملائم لنزول الجيش وهو أدنى مقام من ماء بدر. وكذلك بعد المعركة استشار أصحابه في شأن قبول الفداء من أسرى بدر المشركين.\rوقبل موقعة أحد استشار الأصحاب في شأن الخروج من المدينة، وقبل رأي الكثرة الشباب التي أشارت بالخروج، وكانت العاقبة الهزيمة المعروفة.\rوقال صلّى الله عليه وسلم في قصة الإفك: «أشيروا علي معشر المسلمين في قوم...» .\rواستشار أيضاً أصحابه في رد سبي هوازن، وفي استطابة أنفسهم بذلك، دون تعويض عن حقهم.\rوشاور النبي صلّى الله عليه وسلم أصحابه يوم الخندق في مصالحة الأحزاب بثلث ثمار المدينة عامئذ، فأبى عليه السعدان: سعد بن عبادة وسعد بن معاذ، فترك ذلك (5) .\rوفي يوم الأحزاب تمت المشاورة عملاً برأي سعد بن معاذ وسعد بن عبادة على عدم مصالحة رؤساء غطفان لأخذ شطر ثمار المدينة. ونحو ذلك كثير (6) .\r-------------------------------\r(1) ذكره الماوردي في أدب الدنيا والدين: ص 494.\r(2) ورد مرفوعاً، وورد مرسلاً عن الحسن، أخرجه عبد بن حميد والبخاري في الأدب، وابن المنذر.\r(3) رواه أبو داود والترمذي وحسنه النسائي، ورواه ابن ماجه عن أبي هريرة.\r(4) رواه الترمذي.\r(5) انظر تفسير ابن كثير: 287/1 وما بعدها، 420 في الوقائع المذكورة، وانظر أدب الدنيا والدين للماوردي: ص 496.\r(6) راجع سيرة ابن هشام: 253/2 ومابعدها، أحكام القرآن للجصاص: 40/2، تفسير ابن كثير: 420/1، ط الحلبي.","part":8,"page":322},{"id":5327,"text":"وسار الخلفاء الراشدون على هذه السنة الحميدة، فكانوا يجمعون رؤساء الناس، فيستشيرونهم فيما لم يجدوا فيه نصاً من القرآن والسنة.\rمنها مشاورة أبي بكر في حروب الردة، وفي جمع القرآن. ومشاورة عمر في قضية قسمة سواد العراق بين الغانمين، وفرض الخراج، ونحوها. وأهل الشورى: هم أهل الآراء من الناس والمتدربون فيهم، إذ لا يعقل، ولا يمكن مشاورة كل واحد من الناس (1) ، ففي أمور الدين يجب أن يكون المستشار عالماً دينياً وقل ما يكون ذلك إلا في عاقل. وفي أمور الدنيا أن يكون عاقلاً مجرباً وادّاً في المستشير (2) .\rنطاقها: إن الأمر المطلق بالمشاورة الموجه للحكام يشمل كل القضايا الدينية والدنيوية: السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية التنظيمية، أي فيما لم يرد به نص تشريعي واضح الدلالة (3) ؛ لأن الأمر القرآني بالمشاورة غير مخصوص بأمر الدين. ولا يصح أن تكون نتيجة الشورى في الأمور الاجتهادية الدينية والدنيوية مخالفة نصوص الشريعة أو مقاصدها العامة ومبادئها التشريعية، لقوله تعالى: { وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخِيرَة من أمرهم، ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالاً مبينا ً} [الأحزاب:36/33].\rوهي مطلوبة سواء أكانت القضايا محل المشاورة عامة كاختيار الحاكم وإدارة الحكم، وسياسة البلاد، وتنظيم الإدارات ومحاسبة الولاة، وإعلان الحرب، أم خاصة كالنظر في أحكام المعاملات والجنايات وأحوال الأسرة ونحوها. وهذه\r-------------------------------\r(1) تفسير الألوسي: 107/4.\r(2) تفسير القرطبي: 250/4.\r(3) أحكام القرآن للجصاص: 41/2.","part":8,"page":323},{"id":5328,"text":"يجب على الإمام استشارة أهل العلم في شأنها، لقوله تعالى: {وشاورهم في الأمر} [آل عمران:159/3] وقوله سبحانه: واصفاً المؤمنين {وأمرهم شورى بينهم} [الشورى:38/42] وثبت في السنة أن النبي صلّى الله عليه وسلم استشار أصحابه في مختلف شؤون المسلمين، كما حدث في غزوات بدر وأحد والخندق وفي صلح الحديبية.\rهيئة الشورى: كان السائد لدى الخلفاء الراشدين أن الخليفة هو الذي يعين أهل المشورة، حسبما يرى من المصلحة، ويعرف الكفاءات العلمية المطلوبة للأمر.\rوفي عصرنا الحاضر يمكن الاتفاق بين الحاكم ورؤساء الأمة على وضع مبادئ الاختيار، كالتعيين بحسب الوظائف ذات الصفة التشريعية، أو الانتخاب على وفق ضوابط محددة تنطبق على ذوي الاختصاص والخبرة والمعرفة اللائقة.\rحكم الشورى: اختلف الفقهاء في حكم الشورى: هل هي ملزمة للحاكم، أو اختيارية، وهل نتيجتها ملزمة أو اختيارية أيضاً؟.\rقال جماعة: إن الشورى فيما لم ينزل فيه وحي في مكايد الحروب وعند لقاء العدو اختيارية، تطييباً للنفوس ورفعاً للأقدار، وتألفاً على الدين؛ لقوله تعالى: {فإذا عزمت فتوكل على الله } [آل عمران:159/3] والعزم من الحاكم قد يكون على رأيه أو رأي المستشارين، ولأن أبا بكر حينما استشار الناس بمحاربة المرتدين، لم ير غالبية المسلمين ومنهم عمر قتالهم، وأخذ أبو بكر برأيه الذي لم يفرق بين الصلاة والزكاة قائلاً: والله لو منعوني عقالاً كانوا يؤدونه لرسول الله لحاربتهم عليه.","part":8,"page":324},{"id":5329,"text":"وقال آخرون: إن الحاكم ملزم برأي أغلبية المستشارين من أهل الحل والعقد عملاً بالأوامر القرآنية، ويصبح الأمر عديم الأثر إذا لم يلزم الحاكم بنتيجتها. وقد عمل بها الرسول صلّى الله عليه وسلم وصحابته الراشدون من بعده (1) .\rورأيي هو القول بوجوب الشورى على كل حاكم وضرورتها له وإلزامه بنتيجتها كما قرر المفسرون (2) لتسير الأمور على وفق الحكمة والمصلحة، ومنعاً من الاستبداد بالرأي؛ لأن حكم الإسلام يقوم على أصل الشورى، وبه تميز، وعلى نهجه سار السلف الصالح، وذلك ما لم يستطع الحاكم إقناع أهل الشورى بأفضلية رأيه، كما فعل أبو بكر الذي ما فتئ يوضح رأيه للمسلمين في شأن حرب المرتدين وجمع القرآن، حتى شرح الله صدورهم له، كما قال عمر رضي الله عنه. وكما فعل أيضاً بإقناع مخالفيه في قسمة سواد العراق، حتى شرح صدورهم لرأيه ووافقوه على فعله، فكان الرأي مجمعاً عليه، كما ذكر أبو يوسف في كتاب الخراج وغيره من الفقهاء.\rأما رسول الله صلّى الله عليه وسلم فهو بحق لم يكن بحاجة للشورى لاعتماده على الوحي، ومع ذكل فإنه كان يشاور أصحابه تطييباً لقلوبهم وتعليماً لمن بعده (3) . قال الحسن رضي الله عنه: علم الله أنه ما به إليهم حاجة، ولكنه أراد أن يستن به من بعده. وهذا هو معنى قوله تعالى {فإذا عزمت فتوكل على الله } [آل عمران:159/3] أي فإذا قطعت الرأي على شيء بعد الشورى، فتوكل على الله في إمضاء أمرك\r-------------------------------\r(1) راجع تفسير الطبري: 343/7-346، والقرطبي: 249/4-253، وابن كثير: 420/1، 118/4 عند تفسير آية {وشاورهم في الأمر} آل عمران: 159، تفسير الزمخشري: 357/1 وما بعدها، تفسير الألوسي: 106/4 وما بعدها، 46/25، الجصاص، المرجع السابق، البيضاوي: 50/1، 145/4، ط التجارية.\r(2) راجع تفسير الطبري: 345/7، ط دار المعارف.\r(3) راجع الآراء الأربعة في تحديد المقصود من أمر النبي بالمشاورة في الأحكام السلطانية للماوردي:ص41.","part":8,"page":325},{"id":5330,"text":"على الأرشد الأصلح، فإن ما هو أصلح لك لا يعلمه إلا الله ، لا أنت ولا من تشاور، والله هو الذي يرشدك للأفضل بالوحي، روى البيهقي عن ابن عباس قال: «أما إن الله ورسوله لغنيان عنها، ولكن جعلها الله تعالى رحمة لأمتي، فمن استشار منهم لم يعدم رشداً، ومن تركها لم يعدم غياً» قال ابن عطية: والشورى من قواعد الشريعة وعزائم الأحكام، من لا يستشير أهل العلم والدين فعزله واجب، هذا ما لا خلاف فيه، وقد مدح الله المؤمنين بقوله: {وأمرهم شورى بينهم} [الشورى:38/42]. وقال ابن أبي خُوَيزمَنْداد: واجب على الولاة مشاورة العلماء فيما لا يعلمون، وما أشكل عليهم من أمور الدين، ووجوه الجيش فيما يتعلق بالحرب، ووجوه الناس فيما يتعلق بالمصالح، ووجوه الكتاب والوزراء والعمال فيما يتعلق بمصالح البلاد وعمارتها (1) .\rويلاحظ الفرق بين مجالس الشورى في الشريعة ومجالس الشورى في النظم الوضعية القانونية، فإن مجلس الشورى في الإسلام ليس بمشرِّع ، وإنما هو مجرد كاشف وباحث عن حكم الله تعالى، لذا يستوي فيه القلة والكثرة الغالبة. أما مجلس الشورى في الأنظمة الوضعية فهو مشرع، فيلزم الحاكم برأي الأكثرية.\r2 - العدل :\rالعدل بصفة عامة: هو تنفيذ حكم الله ، أي أن يحكم طبقاً لماجاءت به الشرائع السماوية الحقة، كما أوحى بها الله إلى أنبيائه ورسله، وهو واجب على كل حاكم حتى على الأنبياء بإجماع العلماء، وهو أساس نظام الحكم الإسلامي وغايته المقصودة، سواء بين المسلمين، أم بينهم وبين الأعداء؛ لأن العدل قوام\r-------------------------------\r(1) راجع تفسير القرطبي: 249/4 وما بعدها.","part":8,"page":326},{"id":5331,"text":"العالمين في الدنيا والآخرة، وبه قامت السموات والأرضون، وهو أساس الملك. وأما الظلم، فهو طريق خراب المدنيات وزوال السلطان (1) .\rوقد ورد في القرآن عدة آيات تحث عليه، وأكدت عليه أحاديث النبي صلّى الله عليه وسلم ، وطبقه الصحابة فعلاً بين الناس.\rفمن الآيات قوله تعالى: {إن الله يأمر بالعدل والإحسان} [النحل:90/16] {وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل} [النساء:58/4] {وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى} [الأنعام:152/6]. وجاء نص خاص يوجب العدل مع الأعداء وهو قوله تعالى: { يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله ، شهداء بالقسط، ولايجرمنكم شنآن (2) قوم على ألا تعدلوا، اعدلوا هو أقرب للتقوى} [المائدة:8/5].\rولم يقتصر القرآن على المطالبة بالعدل، وإنما حرم ما يقابله وهو الظلم تحريماً قطعياً صريحاً، قال الله تعالى: {ولا تحسبن الله غافلاً عما يعمل الظالمون، إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار} [إبراهيم:42/14].\rوكذلك الأحاديث النبوية الثابتة أوجبت العدل وحرمت الظلم، قال صلّى الله عليه وسلم : «لاتزال هذه الأمة بخيرما إذا قالت صدقت، وإذا حكمت عدلت، وإذا استُرحمت\r-------------------------------\r(1) انظر النظريات السياسية الإسلامية للريس: ص 280 وما بعدها، نظام الحكم في الإسلام ليوسف موسى: ص 191، بحث الدولة الإسلامية للمؤلف، مقدمة ابن خلدون: ص 319، الفصل 44.\r(2) المعنى لا يحملنكم بغضكم للمشركين على أن تتركوا العدل، فتعتدوا عليهم، بأن تنتصروا منهم، وتتشفوا بما في قلوبكم من الضغائن بارتكاب ما لا يحل لكم من مثلة أو قذف أو قتل أولاد أو نساء، أو نقض عهد، أو ما أشبه ذلك (الكشاف: 449/1).","part":8,"page":327},{"id":5332,"text":"رحمت» (1) «أحب الخلق إلى الله إمام عادل، وأبغضهم إليه إمام جائر» (2) «يا عبادي، إني حرمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا» (3) «اتقوا الظلم، فإن الظلم ظلمات يوم القيامة» (4) .\rومزية الإسلام في المطالبة به أنه عدل مطلق يشمل الحاكم والمحكومين والإنسانية جمعاء. فهو واجب في الحكم والإدارة وفرض الضرائب وجباية المال وصرفه في مصالح الناس، وفي توزيع الحقوق والواجبات وإقامة العدالة الاجتماعية، وفي الشهادة والقضاء والتنفيذ وإقامة الحدود والقصاص، وفي القول والكتابة، وفي القول والكتابة، وفي نطاق الأسرة مع الزوجة والأولاد، وفي التعليم والتملك، والرأي والفكر والتصرف.\rالعدل مع الأقليات الدينية والسياسية: أخصص هذا المطلب للرد على دعاوى القائلين بعدم إمكان الحكم بتشريع الإسلام حماية للأقليات، مع أن الإسلام في ضمانه حقوق هؤلاء واضح صريح متسامح أحياناً أكثر مما يجب واقعياً، فهم مع المسلمين سواء في الحقوق، ولا يلتزمون بكل الواجبات، ويتركون وما يدينون، ولهم حرية في ممارسة شعائر دينهم، ويمتنع إكراه أحد منهم على الإسلام، ولا يجوز الاعتداء على أشخاصهم وأموالهم وأعراضهم ومعابدهم. قال صلّى الله عليه وسلم : «ألا من ظلم معاهداً، أو نقصه حقه، أو كلفه فوق طاقته، أو أخذ منه شيئاً بغير طيب نفس، فأنا خصمه يوم القيامة» (5) «من آذى ذمياً فأنا خصمه، ومن كنت خصمه خصمته يوم القيامة» (6) .\r-------------------------------\r(1) رواه أحمد والبزار والطبراني عن أبي موسى بلفظ: «إن هذا الأمر في قريش، ما إذا استُرحموا رحموا، وإذا حكموا عدلوا، وإذا قسموا أقسطوا...» (الترغييب والترهيب: 171/3).\r(2) رواه الترمذي والطبراني في الأوسط عن أبي سعيد الخدري.\r(3) رواه مسلم عن أبي ذر الغفاري.\r(4) رواه مسلم وأحمد والبخاري في الأدب المفرد.\r(5) رواه أبو داود والبيهقي.\r(6) رواه الخطيب في تاريخه عن أنس، وهو حديث حسن.","part":8,"page":328},{"id":5333,"text":"3 ً - المساواة أمام القانون: العدل بمعناه الشامل يشمل هذا المبدأ الشائع الآن؛ لأن العدل كما تقدم يتطلب التسوية في المعاملة وفي القضاء وفي الحقوق وملكيات الأموال. عبر أبو بكر رضي الله عنه عن ذلك بقوله: «الضعيف فيكم قوي عندي حتى آخذ الحق له، والقوي فيكم ضعيف عندي حتى آخذ الحق الحق منه إن شاء الله » وفي رسالة عمر المشهورة لأبي موسى الأشعري: «آسِ بين الناس في وجهك وعدلك ومجلسك، حتى لا يطمع شريف في حيفك، ولا ييأس ضعيف من عدلك» .\rولقد حمل الرسول صلّى الله عليه وسلم على محاولات التمييز بين الناس أمام القضاء والشريعة، فقال فيما يرويه البخاري ومسلم عن عائشة رضي الله عنها: «إنما أهلك من كان قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، والذي نفس محمد بيده، لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها» .\r4 ً - حماية الكرامة الإنسانية :\rالكرامة حق طبيعي لكل إنسان، رعاها الإسلام، واعتبرها مبدأ الحكم وأساس المعاملة، فلا يجوز إهدار كرامة أحد، أو إباحة دمه وشرفه، سواء أكان محسناً أم مسيئاً، مسلماً أم غير مسلم؛ لأن العقاب إصلاح وزجر، لا تنكيل وإهانة، ولا يحل شرعاً السب والاستهزاء والشتم وقذف الأعراض، كما لا يجوز التمثيل بأحد حال الحياة أو بعد الموت، ولو من الأعداء أثناء الحرب أو بعد انتهائها. ويحرم التجويع والإظماء والنهب والسلب.\rوما أروع إعلان القرآن لمبدأ الكرامة الإنسانية في قوله تعالى: {ولقد كرمنا بني آدم} [الإسراء:70/17] وقال رسول الإسلام صلّى الله عليه وسلم : «إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم» (1) .\r-------------------------------\r(1) متفق عليه بين البخاري ومسلم عن أبي بكر (سبل السلام: 73/3).","part":8,"page":329},{"id":5334,"text":"5 ً - الحرية :\rالحرية ملازمة للكرامة الإنسانية، فهي حق طبيعي لكل إنسان، وهي أغلى وأثمن شيء يقدسه ويحرص عليه،قال عمر بن الخطاب لواليه عمرو بن العاص: «متى تعبَّدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً» وعلى الحاكم توفير الحريات بمختلف مظاهرها الدينية والفكرية والسياسية والمدنية في حدود النظام والشريعة. وأعلن القرآن حرية العقيدة وحرية الفكر وحرية القول.\rحرية العقيدة: من أجل حرية الاعتقاد أو الحرية الدينية منع القرآن الإكراه على الدين، فقال عز وجل: {لا إكراه في الدين، قد تبين الرشد من الغي} [البقرة:256/2] {أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين} [يونس:99/10]؛ لأن اعتناق الإسلام ينبغي أن يكون عن اقتناع قلبي واختيار حر، لا سلطان فيه للسيف أو الإكراه من أحد. وذلك حتى تظل العقيدة قائمة في القلب على الدوام، فإن فرضت بالإرغام والسطوة، سهل زوالها وضاعت الحكمة من قبولها، قال الله تعالى: {فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر} [الكهف:29/18].\rوتقرير حرية العقيدة يستتبع إقرار حرية ممارسة الشعائر الدينية؛ لأننا أمرنا بترك الذميين وما يدينون، ولا يعتدى على كنائسهم ومعابدهم، ولهم ما للمسلمين وعليهم ما على المسلمين، ولا يناقشون في عقائدهم إلا باللين والخطاب الحسن، قال الله تعالى: {ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن، إلا الذين\rظلموا منهم، وقولوا: آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم، وإلهنا وإلهكم واحد، ونحن له مسلمون} [العنكبوت:46/29].","part":8,"page":330},{"id":5335,"text":"حرية الفكر والقول: رغب الإسلام في التفكير والنظر الطليق والتأمل في أسرار الكون للتوصل بالعقل والمنطق إلى إثبات الصانع وإثبات النبوة وفهم ما جاء به الأنبياء والرسل والإفادة من كنوز الأرض، وجعل التفكير فريضة إسلامية، والآيات القرآنية المطالبة باستخدام الفكر كثيرة، منها قوله سبحانه: {قل: انظروا ماذا في السموات والأرض} [يونس:101/10] وتختتم آيات كثيرة بعد بيان النظم الإسلامية في العقيدة وغيرها بأنها لقوم يعلمون، يعقلون، يتفكرون، يتدبرون، لأولي الألباب، ونحوها.\rومن أجل تثبيت الدعوة إلى الفكر وإقرار أحكام العقل السديد، ندد الله سبحانه بالتقليد في أصول العقائد والشرائع لتكون العقيدة عن وعي وإدراك وإذعان، فقال سبحانه: {وإذا قيل لهم: اتبعوا ما أنزل الله ، قالوا: بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا، أو لو كان آباؤهم لا يعقلون شيئاً ولا يهتدون} [البقرة:170/2] {أفلم يسيروا في الأرض، فتكون لهم قلوب يعقلون بها، أو آذان يسمعون بها، فإنها لا تعمى الأبصار، ولكن تعمى القلوب التي في الصدور} [الحج:46/22].\rوحرية الفكر تستتبع حرية الرأي والنقد والقول، وذلك واضح من مبدأ الإسلام في تكوين الشخصية الذاتية، والحض على صراحة القول، والأمر بالمعروف، وعدم إقرار المنكر، والجهر بالحق دون خشية من أحد أو مخافة لومة لائم، فلا يكون النقد حقاً فقط، وإنما هو واجب ديني أحياناً في ضوء مفاهيم الإسلام، وضرورة الحفاظ على أحكامه، بدليل قوله صلّى الله عليه وسلم : «الدين النصيحة..» (1) الحديث السابق ذكره. وقوله: «لا تكونوا إمَّعة (أي مع الناس) تقولون: إن أحسن الناس أحسنا، وإن ظلموا ظلمنا، ولكن وطِّنوا أنفسكم: إن أحسن الناس أن تحسنوا، وإن أساؤوا فلا تظلموا» (2) «أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر» (3) .\r-------------------------------\r(1) رواه مسلم عن أبي رقيَّة تميم بن أوس الداري.\r(2) رواه الترمذي عن حذيفة بن اليمان.\r(3) رواه ابن ماجه عن أبي سعيد الخدري، ورواه أحمد وابن ماجه والطبراني عن أبي أمامة، ورواه غيرهم.","part":8,"page":331},{"id":5336,"text":"وسيرة الخلفاء الراشدين في احترام حق النقد وضرورته خير شاهد عملي على إبراز قيمته وأهميته في الإسلام، كما قال عمر رضي الله عنه: «أيها الناس، من رأى فيَّ اعوجاجاً فليقوِّمه» فيجيبه أعرابي: والله يا أمير المؤمنين لو وجدنا فيك اعوجاجاً لقومناه بسيوفنا هذه، فيقول أمير المؤمنين مغتبطاً: «الحمد لله الذي جعل في هذه الأمة من يقوِّم اعوجاج عمر بسيفه إذا اعوج» . وفي حادث آخر قال رجل لعمر: «اتق الله يا أمير المؤمنين، فرد عليه آخر: تقول لأمير المؤمنين: اتق الله ؟! فقال عمر: دعه فليقلها، فإنه لا خير فيكم إذا لم تقولوها، ولا خير فينا إذا لم نسمعها منكم» .\rوالحرية لا تتجزأ في مفهوم الإسلام، ولا ينفصل جانب الدين فيه عن السياسة والمدنية وغيرها، فإن حدث خطأ في تطبيق أحكام الدين، أو خلل في خط السياسة الإسلامية، أو مصادره للحقوق المدنية في المعاملات الحرة والتصرفات الشخصية، كان لأي مسلم توجيه النقد فيه للحاكم ورده إلى الصواب، كما حصل من المرأة التي عارضت سيدنا عمر عندما أراد وضع حد لغلاء المهور، وجواب عمر لها بقوله: «أصابت امرأة وأخطأ عمر» . وكما حدث\rمع الرسول نفسه حينما اعترض رجل بغير حق على قسمته الغنائم قائلاً: «إن هذه قسمة ما عدل فيها وما أريد بها وجه الله » فيجيب الرسول: «يرحم الله موسى، قد كان أوذي بأكثر من هذا فصبر» . ونحو ذلك كثيرفي السيرة.","part":8,"page":332},{"id":5337,"text":"6 ً - رقابة الأمة ومسؤولية الحاكم :\rيخضع الحاكم المسلم لرقابة الأمة التي ولته، فإن عدل ونفذ أحكام الشرع، وجبت طاعته، وإن جار وانحرف خلعته وولت غيره، كما تبين سابقاً. قال الإيجي (1) : «وللأمة خلع الإمام وعزله بسبب يوجبه» كأن يوجد ما يوجب اختلال أحوال المسلمين وانتكاس أمور الدين. وقال ابن حزم بعد أن ذكر واجبات الخليفة (2) : «فهو الإمام الواجب الطاعة ما قادنا بكتاب الله تعالى وسنة رسول الله صلّى الله عليه وسلم . فإن زاغ عن شيء منهما، منع من ذلك، وأقيم عليه الحد والحق، فإن لم يؤمن أذاه إلا بخلعه، خلع وولِّي غيره» .\rيظهر من هذا أن الحاكم مسؤول عن تصرفاته أمام رعيته. كما أنه يشعر بخطورة المسؤولية العظمى أمام الله في الدار الآخرة، قال الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم، وأنتم تعلمون} [الأنفال:27/8] ويقول النبي صلّى الله عليه وسلم : «كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته، الإمام راع ومسؤول عن رعيته...» (3) «ما من والٍ يلي رعية من المسلمين، فيموت وهو غاش لهم، إلا حرم الله عليه الجنة» (4) .\r-------------------------------\r(1) المواقف: 352/8.\r(2) الفصل في الملل والنحل: 102/4، وانظر النظريات السياسية الإسلامية: ص292-299.\r(3) رواه أحمد والشيخان وأبو داود والترمذي عن ابن عمر.\r(4) رواه مسلم عن معقل بن يسار.","part":8,"page":333},{"id":5338,"text":"ويشعر الخليفة بثقل هذه المسؤولية ويقدرها، كما يمثل لنا ذلك قول عمر رضي الله عنه: «لئن ضلت شاة على شاطئ الفرات، لخشيت أن يسألني الله عنها يوم القيامة» .\rوإذا عجزت الأمة عن خلع الحاكم، كما حدث في الماضي، فلا يعني عجزها التسليم بشرعية حكمه، وإنما يكون السكوت إقراراً للأمر الواقع، عملاً بمبدأ «الضرورات تبيح المحظورات» (1) .\rعلاقة الإمام الحاكم بالناس: تتحدد طبيعة هذه العلاقة بما يأتي:\r1 - الإمام مستخلف عن رسول الله صلّى الله عليه وسلم وعن خلفائه من بعده، فيتقيد بالكتاب والسنة.\r2 - الإمام صاحب ولاية عامة على جميع من في دار الإسلام من مسلمين وذميين، فتصرفاته مقيدة بالمصلحة العامة.\r3 - للإمام حق الإشراف والرقابة على جميع من دونه من الولاة والوزراء والقضاة فيما وكلَّهم فيه من خدمات.\r4 - علاقة الإمام بالأمة أو بالرعية علاقة خادم أمين بمخدومه، فعليه توفير السعادة ونشر الأمن والرخاء للجميع وعليه التحلي بخصال الرحمة والإخلاص، دون إكراه ولا إضرار.\r-------------------------------\r(1) السلطات الثلاث للدكتور سليمان الطماوي: ص 283.","part":8,"page":334},{"id":5339,"text":"المبحث التاسع ـ مصدر السيادة في الإسلام :\rالسيادة في القوانين الدستورية الحديثة يراد بها المصدر الذي يستمد منه القانون أو الحاكم حق الامتثال لأمره والعمل بما يصدر من تشريع أو يتخذه من تدبير. والسيادة أو السلطة السياسية من أركان قيام الدولة بالمعنى الحديث، وبموجبها تستطيع إصدار القوانين، وتقييد الحريات، وفرض الضرائب، وزجر الجناة، حتى يتوافر الاستقرار ويسود الأمن وتنعدم الفوضى.\rوقد اختلفت آراء السياسيين قديماً وحديثاً في تحديد مصدر السيادة، هل هي من الله ، أو من شخص الحاكم أو من الأمة.\rفنادت جماعة بنظرية الحق الإلهي المطلق لتأييد سلطان الملوك، وأنه حق طبيعي مقدس مستمد من تفويض إلهي، فالحاكم أو الملك وكيل في تنفيذ أوامر الله وخليفة في الأرض، مما جعله يحكم حكماً استبدادياً مطلقاً دون أن يكون لأحد الحق في نقده، وسادت هذه النظرية قديماً إلى نهاية القرون الوسطى، وهي فترة الحكم الثيوقراطي أو الأتوقراطية، أي الاستبدادي.\rوالإسلام لا يقر هذه النظرية التي تمنح الحاكم حق الاستبداد بالحكم؛ لأن الله تعالى يقول لرسوله: {فذكر إنما أنت مذكر، لست عليهم بمصيطر} [الغاشية:22/88] {وما أرسلناك عليهم حفيظاً} [الشورى:48/42] {وما أنت عليهم بجبار} [ق:45/50] ويقول الرسول صلّى الله عليه وسلم لأعرابي ارتعد منه: «لست بملك ولا جبار» (1) وقال عمر للناس: «والله ما أنا بملك فأستعبدكم بملك أو جبرية، وما أنا إلا أحدكم، منزلتي منكم كمنزلة والي اليتيم منه ومن ماله» .\rونادى آخرون مع ظهور نظرية العقد الاجتماعي لروسو بأن الأمة مصدر السلطات، أي هي التي لها حق التشريع، وهي التي تعين الحكام وتمنحهم السلطة والسيادة. ولكن هذه النظرية لم تمنع الاستبداد، وإن أخذت صفة الديمقراطية؛ لأن بعض الحكام استبدوا بالسلطة متذرعين بأنهم يمثلون إرادة الشعب المقدسة.\r-------------------------------\r(1) الحديث ورد عن أبي هريرة وأبي ذر بلفظ: «هوّن عليك، فلست بملك، وإنما أنا ابن امرأة من قريش تأكل القديد» (الإحياء للغزالي: 338/2). وأخرج أبو داود عن عبد الله بن بسر: «إن الله جعلني عبداً كريماً، ولم يجعلني جباراً عنيداً» .","part":8,"page":335},{"id":5340,"text":"والإسلام لا يقر جعل الأمة مصدر السلطة التشريعية؛ لأن التشريع لله وحده، والأمة وحدها صاحبة الخلافة في الأرض في تنفيذ أحكام الشريعة، والخليفة وأعوانه وقضاته وكلاء عن الأمة في أمور الدين وفي إدارة شؤونها بحسب شريعة الله ورسوله، ولها حق نصحه وتوجيهه وتقويمه إن أساء، وعزله إن انحرف، فهو يستمد سلطانه من الأمة بعقد البيعة أو الوكالة، ويكون مصدر السيادة حينئذ هو الأمة الموكل الأصلي، لا الوكيل النائب عنها. والأمة في المجتمع المسلم أو الديمقراطية الإسلامية ملتزمة بالقانون السماوي والأخلاقي ومقيدة بمبادئه، فالسيادة في الإسلام مبنية على حق إنساني ناشئ عن جعل شرعي. وبذلك تكون الأمة والشريعة معاً هما صاحبا ( السيادة ) في الدولة الإسلامية، بمعنى أن السيادة الأصلية لله تعالى، فيرجع إليه في الأمر والنهي، والسيادة العملية مستمدة من الشعب الذي يعين أهل الحل والعقد أصحاب الرأي والاجتهاد في ضوء مبادئ الشريعة (1) . قال المرحوم الأستاذ عبد الوهاب خلاف (2) : «وهذه الرياسة العليا مكانتها من الحكومة الإسلامية مكان الرياسة العليا من أية حكومة دستورية؛ لأن الخليفة يستمد سلطانه من الأمة الممثلة في أولي الحل والعقد، ويعتمد في بقاء هذا السلطان على ثقتهم به ونظره في مصالحهم، ولهذا قرر علماء المسلمين أن للأمة خلع الخليفة لسبب يوجبه، وإن أدى إلى الفتنة احتمل أدنى المضرتين » .\r-------------------------------\r(1) راجع النظريات السياسية الإسلامية للريس: ص 320-341، مقاصد الشريعة الإسلامية ومكارمها للأستاذ علال الفاسي: ص 209-215، منهاج الإسلام في الحكم لمحمد أسد: ص 77-86، نظام الحكم في الإسلام ليوسف موسى: ص 123-127.\r(2) السياسة الشرعية: ص 58.","part":8,"page":336},{"id":5341,"text":"المبحث العاشر ـ تنظيم الخليفة للدولة (إدارة الدولة )\rالمطلب الأول ـ الإدارة في عهد الخلفاء :\rالخليفة رئيس الدولة الأعلى، وصاحب مسؤوليات كبرى، يقود الأمة نحو أفضل الغايات، ويخطط لمسيرتها في ضوء أعدل الطرق وأصحها وأيسرها. وبما أنه فرد ذو قدرات محدودة، فهو يحتاج إلى أعوان وأنصار لتسيير الحكم في البلاد، قال الماوردي: «إن ما وكل إلى الإمام من تدبير الأمة لا يقدر على مباشرة جميعه إلا باستنابة» (1) ومن هؤلاء الأعوان تتكون السلطة التنفيذية في الإسلام.\rولقد نقل التاريخ أن الخلفاء المسلمين أبدوا نجاحاً باهراً في إدارة البلاد، وأن الإسلام ابتكر وأبدع في الحرب والإدارة والسياسة، كما اخترع وأبدع في العلم والتشريع وأسباب المدنية (2) .\rوبدأت نواة الإدارة في عهد الرسول صلّى الله عليه وسلم ببث الدعوة، وجهاد العدو، وأخذ الغنائم والصدقات والجزى والعشور، وقسمتها بين المجاهدين وأهل البلاد من المهاجرين والأنصار وفقراء المسلمين وتوزيع العمل بين عماله، ومعاملته لهم وللوفود والنساء (3) ، وإرسال القضاة والمعلمين إلى بعض البلدان كاليمن.\r-------------------------------\r(1) الأحكام السلطانية: ص 20، ط صبيح.\r(2) الإدارة الإسلامية في عز العرب للأستاذ محمد كرد علي: ص 5.\r(3) المرجع السابق: ص 22.","part":8,"page":337},{"id":5342,"text":"وسار أبو بكر بسيرة الرسول في الإدارة الإسلامية، واحتفظ بالعمال الذين استعملهم صاحب الشريعة، والأمراء الذين أمرهم. وقام أبو عبيدة بشؤون المال، وعمر بأمر القضاء. وكان الصديق يشاور أهل الرأي والفقه فيما يعرض له من القضايا. وقسمت جزيرة العرب إلى ولايات أو عمالات كمكة والمدينة والطائف وصنعاء...إلخ. وقسمت الحجاز إلى ثلاث ولايات، واليمن إلى ثمان، والبحرين وتوابعها ولاية. وكان أهم شاغل لأبي بكر في مدة خلافته الوجيزة هو قتال المرتدين وتوطيد دعائم الإسلام، وتثبيت أركان الدولة بإظهار قوة المسلمين لمن خالفهم. وكان أيضاً يهتم بمراقبة أحوال العمال (1) ، أي الموظفين الإداريين، وسموا عمالهم لبيان أن العامل ليس مطلق السلطة.\rووضحت صورة التنظيم الإداري في عهد عمر لاتساع رقعة الدولة الإسلامية، فعين العمال الأكفاء، وراقبهم مراقبة شديدة، وشاطرهم أموالهم، وأحصى القبائل وفرض لها الفروض وأعطاها العطايا، ودون الدواوين التي تشبه الوزارات اليوم، فوضع أول ديوان في الإسلام للخراج والأموال بدمشق والبصرة والكوفة على النحو الذي كان عليه قبل، وكان أول من استقضى القضاة، وأحدث التاريخ الهجري، وكان يرزق العامل بحسب حاجته وبلده، وحجر على أعلام قريش من المهاجرين الخروج من البلدان إلا بإذن وأجل، ونحو ذلك من التقسيمات والتنظيمات الإدارية السديدة (2) .\rوحافظ عثمان رضي الله عنه على الأوضاع التي وضعها عمر، وعلى العمال الذين عينهم عمر مع أناس من أهله وعشيرته في بدء ولايته. ثم ضعفت الإدارة\r-------------------------------\r(1) المرجع السابق: ص 23-27.\r(2) المرجع السابق: ص 27-53.","part":8,"page":338},{"id":5343,"text":"في النصف الأخير من عهد عثمان لشيخوخته، واشتغل بعض كبار العمال بأطماعهم في الولايات (1) .\rوكانت طريقة علي أيضاً في الإدارة طريقة من سبقوه إلى الإمامة.\rثم تبلورت النظم الإدارية في عهد الأمويين والعباسيين بسبب اتصالهم بالحضارات الأخرى، وظهور الطابع الدنيوي عليها (2) ، مما مكَّن فقهاء الإسلام من صياغة الأحكام الإدارية المناسبة.\rالمطلب الثاني ـ أقسام الولايات في رأي الماوردي :\rقسم الماوردي ولايات خلفاء الخليفة أربعة أقسام (3) :\rأولاً ـ أصحاب الولايات العامة في الأعمال العامة: وهم الوزراء؛ لأنهم يستنابون في جميع الأمور من غير تخصيص.\rثانياً ـ أصحاب الولاية العامة في أعمال خاصة: وهم أمراء الأقاليم والبلدان؛ لأن اختصاصهم عام في حدود الإقليم المنوط إدارته بهم.\rثالثاً ـ أهل الولاية الخاصة في الأعمال العامة: وهم قاضي القضاة ونقيب الجيوش وحامي الثغور ومستوفي الخراج وجابي الصدقات؛ لأن اختصاص كل واحد خاص في جميع أعماله.\rرابعاً ـ ذوو الولاية الخاصة في الأعمال الخاصة: وهم كقاضي بلد، أوإقليم أو مستوفي خراجه، أو الجابي صدقاته، أو الحامي ثغره، أو نقيب جنده؛ لأن كل واحد خاص النظر خاص العمل.\r-------------------------------\r(1) المرجع السابق: ص 55 ومابعدها.\r(2) المرجع نفسه: ص 65 وما بعدها.\r(3) الأحكام السلطانية: ص 19.","part":8,"page":339},{"id":5344,"text":"المطلب الثالث ـ وظائف الولاة :\rكانت وظائف هؤلاء الولاة على النحو التالي:\rأولاً ـ الوزارة. ثانياً ـ إمارة الأقاليم.\rأولاً ـ الوزارة :\rكان الصحابة أعوان الرسول صلّى الله عليه وسلم في شؤونه، واستمر بعضهم عوناً لبعض في عهد الخلفاء الراشدين والأمويين، دون معرفة هذا الاصطلاح. ثم استعير هذا اللفظ من الفرس في عهد العباسيين.\rوأبان الماوردي أحكام الوزارة، وقسمها نوعين:\r1 - وزارة تفويض.\r2 - وزارة تنفيذ (1) .\r1 - وزارة التفويض: هي أن يستوزر الإمام من يفوض إليه تدبير الأمور برأيه، وإمضاءها على اجتهاده. فهي تشبه رئاسة الوزارة اليوم.\rوهذا أخطر منصب بعد الخلافة، إذ يملك الوزير المفوض كل اختصاصات الخليفة كتعيين الحكام والنظر في المظالم وقيادة الجيش وتعيين القائد وتنفيذ الأمور التي يراها، والمبدأ: كل ما صح من الإمام صح من الوزير إلا ثلاثة أمور هي:\rأ ـ ولاية العهد: فإن للإمام أن يعهد إلى من يرى، وليس ذلك للوزير.\rب ـ للإمام أن يستعفي الأمة من الإمامة، وليس ذلك للوزير.\rجـ ـ للإمام أن يعزل من قلده الوزير، وليس للوزير أن يعزل من قلده الإمام (1) .\rوما عدا هذه الثلاثة تنفذ كل تصرفاته بمقتضى التفويض. فإن حدث اختلاف بينه وبين الإمام، يفضُّ على النحو التالي (2) :\rإن عارضه الإمام في رد ما أمضاه من أحكام قضائية نفذ على وجهه.\rوإن كان تصرفه متصلاً بتوزيع الأموال في حقوقها، لم يجز نقض تصرفه ولا استرجاع ماوزعه برأيه.\rوإن كان تصرفه في أمر عام كتقليد وال أو تجهيز جيش وتدبير حرب، جاز للإمام معارضته بعزل من ولاه، ورد الجيش إلى ثكناته، وتدبير الحرب بما هو أولى؛ لأن للإمام أن يستدرك ذلك من أفعال نفسه، فكان أولى أن يستدركه من أفعال وزيره.\rولو قلد الإمام والياً على عمل، وقلد الوزير غيره على ذاك العمل، ينفذ قرار الأسبق في التعيين.\rوأما كيفية تنسيق أو تحديد العلاقة بين الإمام ووزير التفويض، فهي مايأتي (3) :\rأ ـ يطالب وزير التفويض بمطالعة الإمام لما أمضاه من تدبير وأنفذه من ولاية وتقليد، لئلا يصبح باستبداده كالإمام.\rب ـ يتصفح الخليفة أفعال الوزير وتدبيره الأمور، ليقر منها ماوافق الصواب، ويستدرك ما خالفه؛ لأن تدبير الأمة موكول إليه، ومحمول على اجتهاده.\r-------------------------------\r(1) الأحكام السلطانية: ص 20.\r(2) المرجع السابق: ص 23.\r(3) المرجع والمكان نفسه.\r(4) المرجع السابق: ص 22-23.","part":8,"page":340},{"id":5345,"text":"وبما أن منصب هذه الوزارة له أهميته وخطورته، اشترط الفقهاء فيمن يقلدها شروط الإمامة نفسها، إلا النسب القرشي وحده؛ لأنه يمضي الآراء وينفذ الاجتهاد، فينبغي أن يكون مجتهداً. والسبب في استثناء شرط النسب هو اقتصار النصوص الواردة بشأنه على الإمامة وحدها، مما دعا أبا بكر أن يقول للأنصار: فنحن الأمراء وأنتم الوزراء.\rوزيد شرط آخر على شروط الإمامة: وهو أن يكون وزير التفويض من أهل الكفاية فيما وكل إليه من أمري الحرب والخراج خبرة بهما ومعرفة بتفصيلهما (1) .\rكذلك لا يكفي للتكليف بهذه الوزارة مجرد الإذن، بل لا بد من عقد معين صادر من الخليفة لمن يكلفه بها، والعقود لا تصح إلا بالقول الصريح (2) .\rوبما أن لهذا الوزير صلاحية عامة في الأعمال كالإمام فلا يجوز للخليفة تعيين وزيري تفويض في وقت واحد، كما لا يجوز تعيين إمامين،؛ لأنهما ربما تعارضا في العقد والحل والتقليد والعزل، لكن إن أشرك الخليفة اثنين في النظر المشترك في الأمور ، دون أن ينفرد أحدهما بتصرف، بل لا بد من اتفاقهما معاً، فيجوز (3) .\r2 - وزارة التنفيذ(4 ) : هي أقل مرتبة من وزارة التفويض؛ لأن الوزير فيها ينفذ رأي الإمام وتدبيره، وهو وسط بينه وبين الرعايا والولاة، يؤدي عنه أوامره، وينفذ آراءه، ويمضي أحكامه، ويبلغ من قلدهم الولاية أو تجهيز الجيوش، ويعرض عليه ما ورد منهم، وتجدد من أحداث طارئة. فليس له سلطة الاستقلال بالتوجيه والرأي والاجتهاد، وهو محدد الاختصاص بأمرين:\rأحدهما ـ أن يؤدي إلى الخليفة ما يبلغه من قضايا.\rالثاني ـ أن يؤدى إليه أوامر الخليفة لتنفيذها.\r-------------------------------\r(1) المرجع نفسه: ص 20.\r(2) المصدر نفسه: ص 21.\r(3) المصدر نفسه: ص 26.\r(4) المصدر نفسه: ص 24-26.","part":8,"page":341},{"id":5346,"text":"ويكفي في تعيينه مجرد الإذن، ولا يشترط إجراء عقد معه لتعيينه. ولا يطلب فيه الحرية، لأنه لا ينفرد بالولاية وتقليد الوظائف لغيره، ولا العلم، أي الاجتهاد لأنه لا يجوز له أن يحكم برأيه.\rشروطه: الشروط المطلوبة في وزير التنفيذ سبعة فقط تتعلق بالأخلاق الفاضلة والتجربة السياسية:\r1 - الأمانة: حتى لا يخون فيما قد اؤتمن عليه، ولا يغش فيما استنصح فيه.\r2 - صدق اللهجة: حتى يوثق بخبره فيما يؤديه ويعمل على قوله فيما ينهيه.\r3 - قلة الطمع: حتى لا يرتشي ولا ينخدع.\r4 - أن يكون مسالماً لا عداوة ولا شحناء بينه وبين الناس؛ لأن العداوة تصد عن التناصف وتمنع من التعاطف.\r5 - حاضر البديهة والذاكرة حتى يؤدي إلى الخليفة وعنه؛ لأنه شاهد له وعليه. 6 - الذكاء والفطنة حتى لا تدلس عليه الأمور، فتشتبه، ولا تموه عليه فتلتبس.\r7 - ألا يكون من أهل الأهواء، فيخرجه الهوى من الحق إلى الباطل.\rولا يقبل لهذا المنصب ولا لوزارة التفويض والخلافة امرأة لقول النبي صلّى الله عليه وسلم : «ما أفلح قوم ولوا أمرهم امرأة» (1) ولأن في هذه الوظائف من المهام الخطيرة التي تتطلب الرأي وثبات العزم ما تضعف عنه النساء. ويجوز أن يكون هذا الوزير من أهل الذمة، ولا يجوز لوزارة التفويض. ويجوز تعيين وزيري تنفيذ أو أكثر، على عكس وزارة التفويض. لكن يجوز للخليفة تعيين وزيرين في مهمة وزير تفويض ووزير تنفيذ، فيكون وزير التفويض مطلق التصرف، ووزير التنفيذ مقصوراً على تنفيذ أوامر الخليفة.\rالفرق بين الوزارتين: ذكر الماوردي فروقاً ثمانية بين الوزارتين، أربعة منها تتعلق بالشروط، والأربعة الأخرى بالصلاحيات.\rأما الفروق العائدة للشروط والمؤهلات فهي:\r1 - الحرية: مطلوبة في وزارة التفويض، وغير مطلوبة في وزارة التنفيذ.\r2 - الإسلام: مطلوب في وزارة التفويض، دون التنفيذ.\r3 - العلم بالأحكام الشرعية (الاجتهاد): مطلوب في وزارة التفويض لا التنفيذ .\r4 - المعرفة بشؤون الحرب والاقتصاد كالخراج: مطلوبة في وزارة التفويض لا التنفيذ.\r-------------------------------\r(1) رواه أحمد والبخاري والترمذي وصححه والنسائي عن أبي بكرة (نيل الأوطار: 263/8).","part":8,"page":342},{"id":5347,"text":"وأما الفروق المتعلقة بالاختصاص والصلاحيات فهي:\r1 - يجوز لوزير التفويض مباشرة الحكم والنظر في المظالم، وليس ذلك لوزير التنفيذ.\r2 - ويجوز لوزير التفويض أن ينفرد بتقليد وتعيين الولاة، وليس ذلك لوزير التنفيذ.\r3 - يجوز لوزير التفويض أن ينفرد بتسيير الجيوش وتدبير الحروب، وليس ذلك لوزير التنفيذ.\r4 - يجوز لوزير التفويض أن يتصرف في أموال بيت المال بالجباية والصرف، وليس ذلك لوزير التنفيذ.\rثانياً ـ إمارة الأقاليم أو البلاد :\rاتسعت الدولة الإسلامية في عهد عمر رضي الله عنه، فقسمت إلى أقسام إدارية كبيرة، فجعلت بلاد الشام قسمين، وبلاد فارس ثلاث ولايات،وأفريقيا ثلاث ولايات أيضاً. وكان على كل إقليم من هذه الأقسام عامل (أو وال أو أمير) يؤم الناس في الصلاة ويفصل في الخصومات، ويقود الجند في الحرب، ويجمع المال، وكان مع الوالي عامل خاص للخراج.\rوفي عهد بني أمية حيث بلغت أقصى اتساعها، قسمت إلى خمس ولايات كبرى هي الحجاز واليمن وتوابعها، ومصر بقسميها السفلي والعلوي، والعراقان: العربي (بلاد بابل وآشور القديمة) والعجمي (بلاد فارس)، وبلاد الجزيرة ويتبعها أرمينية وأذربيجان، وأفريقية الشمالية وبلاد الأندلس وجزر صقلِّية. وحافظ العرب على هذا النظام الإداري في البلاد التي فتحوها، مع إحداث تغيير جزئي فيها اقتضته الروح العربية، ولكن بتقدم الدولة، واتساع حدودها، تعقَّد النظام الإداري جزئياً، وتعددت الدواوين، ولا سيما في عهد العباسيين الذين تأثروا بالفرس","part":8,"page":343},{"id":5348,"text":"كثيراً في نظم الحكم والإدارة (1) .\rوأملى هذا التطور على الفقهاء ضرورة البحث في طبيعة هذه الولايات وما يلائمها من أحكام تمس سياسة الدولة.\rفقسموا، أي الفقهاء، الولاية أو الإمارة إلى قسمين: عامة وخاصة.\r1 - الإمارة العامة: وهي التي تختص بجميع الأمور المتعلقة بالإقليم سواء فيما يتعلق بالأمن وحاجات الدفاع، أم بالقضاء وشؤون المال. وهي نوعان: إمارة استكفاء وإمارة استيلاء.\r1 ً) ـ إمارة الاستكفاء(2 ) : وهي التي يعقدها الإمام لشخص كفء عن رضا واختيار. بأن يفوض إليه الخليفة إمارة بلد أوإقليم ولاية على جميع أهله، ونظراً في المعهود من سائر أعماله، فيصير عام النظر فيما كان محدوداً من عمل، ومعهوداً من نظر، أي أنه مفوض الصلاحية العامة في كل الأعمال المسندة إليه. وقد بقيت هذه الإمارة من عهد الراشدين بتعيين الولاة على أقاليم مصر أو اليمن أو الشام أو العراق، إلى عصر الأمويين والعهد الذهبي للدولة العباسية. ثم انتشرت إمارة الاستيلاء مند النصف الثاني من القرن الثالث الهجري، حيث وجدت الدويلات في المشرق والمغرب، كالدولة البويهية والسامانية والغزنوية والسلجوقية في الشرق، والطولونية والإخشيدية والأغلبية في الغرب (3) .\r-------------------------------\r(1) السلطات الثلاث: 296-299.\r(2) الأحكام السلطانية للماوردي: ص 27 وما بعدها.\r(3) النظريات السياسية للريس: ص 234.","part":8,"page":344},{"id":5349,"text":"وأما الأعمال التي كان يمارسها صاحب هذه الإمارة فهي سبعة (1) وهي:\r1 - النظر في تدبير الجيوش وترتيبهم في النواحي، وتقدير أرزاق الجند، إلا أن يكون الخليفة قدرها، فيعمل بما قرر.\r2 - النظر في الأحكام وتقليد القضاة والحكام.\r3 - جباية الخراج وقبض الصدقات وتقليد العمال لها، وتفريق ما استحق منها.\r4 - حماية الدين والذب، أي الدفاع، عن الحريم ومراعاة الدين من تغيير أو تبديل.\r5 - إقامة الحدود في حق الله وحقوق الآدميين.\r6 - الإمامة في صلاة الجمع والجماعات بنفسه أو بالاستخلاف عليها.\r7 - تسهيل أداء فريضة الحج كل عام.\rوهناك واجب ثامن على والي البلاد الساحلية أو المجاورة لحدود العدو (الثغور): وهو جهاد الأعداء وقسمة الغنائم على وفق أحكام الشرع.\rوالشروط المطلوبة فيمن يعين لهذه الإمامة: هي ذات الشروط المقررة في وزارة التفويض؛ لأن الفرق بينهما إقليمي بحت،فسلطة وزير التفويض عامة في كل أنحاء الدولة، وأما اختصاص أمير الإقليم فمقيد في نطاق إقليمه. وحينئذ يكون لوزير التفويض الحق في مراقبة أعمال ولاة الأقاليم، بل وله عزلهم أحياناً إذا كان هو الذي عينهم. فإن عينهم الخليفة أو بإذن الخليفة فلا بد من موافقة الخليفة على العزل (2) .\rويجوز لوالي الإقليم أن يستوزر لنفسه وزير تنفيذ بإذن الخليفة أو بغير إذن، ولكن لا يجوز له أن يستوزر وزير تفويض إلا بإذن الخليفة؛ لأن وزير التنفيذ معين، ووزير التفويض مستبد، أي مستقل الرأي (3) .\r2 ً) ـ إمارة الاستيلاء(4 ) : وهي التي تعقد عن اضطرار بأن يستولي شخص على السلطة، كما حدث في العصر العباسي الثاني ـ عصر الدويلات، فيقره الخليفة على إمارتها، ويفوض إليه تدبير أمورها وسياستها. ولكن يحتفظ الخليفة بما يتعلق بالدين، فيكون الأمير ـ كما قال الماوردي ـ باستيلائه مستبداً بالسياسة والتدبير، والخليفة بإذنه منفذاً لأحكام الدين، ليخرج من الفساد إلى الصحة ومن الحظر إلى الإباحة.\rوهذا اعتراف بالأمر الواقع أو بحكم الضرورة. أما أحكام الدين فلا يجوز التهاون بها، قال الماوردي بعد عبارته السابقة: «وهذا، وإن خرج عن عرف التقليد المطلق في شروطه وأحكامه، ففيه من حفظ القوانين الشرعية، وحراسة الأحكام الدينية ما لا يجوز أن يترك مختلاً مدخولاً، ولا فاسداً معلولاً» .\r-------------------------------\r(1) الماوردي: ص 28.\r(2) المرجع السابق: ص 28.\r(3) المصدر السابق: ص 29.\r(4) المصدر السابق: ص 31.","part":8,"page":345},{"id":5350,"text":"والمعنى أن الفقهاء إزاء تجزؤ الدولة والتطور الحادث أرادوا الحفاظ على مبدأ شرعية الدولة، وشعور الناس بالتالي بأنهم يعيشون في ظل الشرعية، عن طريق الارتباط الاسمي بالخلافة المركزية، فتبقى الوحدة وروح التعاون سائدة في القضايا العامة.\rإلا أن إقرار هذا النوع الاستثنائي أو الاعتراف بالأمر الواقع مقيد بسبعة شروط تلزم أغلبها الأمير المستولي، ويلزم بعضها الخليفة نفسه وهي:\r1 - حفظ منصب الإمامة في خلافة النبوة، وتدبير أمور الملة، لحفظ أحكام وحدود الشريعة وما تفرع عنها من حقوق.\r2 - ظهور الطاعة الدينية التي يزول معها حكم العناد والانشقاق.\r3 - اجتماع الكلمة على الألفة والتناصر، ليكون للمسلمين يد على من سواهم.\r4 - أن تكون عقود الولايات الدينية جائزة، والأحكام والأقضية نافذة.\r5 - أن يكون استيفاء الأموال الشرعية بحق تبرأ به ذمة مؤديها ويستبيحه آخذها.\r6 - أن تكون الحدود مستوفاة بحق، وقائمة على مستحق.\r7 - أن يكون الأمير في حفظ الدين ورعاً عن محارم الله ، يأمر بحقه إن أطيع، ويدعو إلى طاعته إن عصي.\rهذه هي شروط الاعتراف بالجزء المنفصل من قبل الخليفة تحفظ بها حقوق الإمامة.\r-------------------------------\r(1) المصدر السابق: ص 32 ومابعدها.","part":8,"page":346},{"id":5351,"text":"الفرق بين إمارتي الاستكفاء والاستيلاء :\rهناك أربعة فروق وهي (1) :\r1 - إن إمارة الاستكفاء تتم بعقد وتراضٍ واختيار بين الخليفة والمستكفي. أما إمارة الاستيلاء فتنعقد عن اضطرار.\r2 - إن إمارة الاستيلاء شاملة البلاد التي غلب عليها المستولي. وأما إمارة الاستكفاء فمقصورة على البلاد التي تضمنها عهد المستكفي.\r3 - إمارة الاستيلاء تشتمل على النظر في جميع الأمور: المعهودة والنادرة. وإمارة الاستكفاء خاصة بالمعهود لا النادر.\r4 - يجوز لأميرالاستيلاء تعيين وزير تفويض ووزير تنفيذ، ولا يجوز لأمير الاستكفاء تعيين وزير تفويض إلا بإذن الإمام، ولكن له أن يستوزر وزير تنفيذ.\r2 - الإمارة الخاصة :\rوهي التي تتحدد فيها سلطات الأمير بصلاحيات معينة. وخصصها الماوردي بشؤون الأمن والدفاع. فقال: وهي أن يكون الأمير مقصور الإمارة على تدبير الجيش وسياسة الرعية وحماية البيضة، أي إقليم الدولة، والذب عن الحريم. وليس له أن يتعرض للقضاء والأحكام ولجباية الخراج والصدقات.\rويلاحظ أن الإمارات كانت صدر الإسلام عامة، ثم بدأت تتخصص بتوسع الدولة وتعقد الجهاز الإداري. فكان عمرو بن العاص صاحب ولاية عامة على مصر. ثم عين الخليفة عمر شخصاً آخر لجباية الخراج هو عبد الله بن أبي سرح. ثم عين قاضياً في الخصومات هو كعب بن سور، فصارت سلطة الوالي مقصورة على قيادة الجيش وإمامة الصلاة (1) .\rانتهاء ولاية الإمام: تنتهي ولاية الإمام بأحد أسباب خمسة وهي ما يأتي (2) :\r1 ً - الموت: كما تنتهي الوكالة بالموت.\r2 ً - الكفر أو الردة: إذا صدر من الإمام ما يجعله كافراً سواء بصريح القول أو بأي فعل أو قول يستلزم الكفر، بطلت إمامته. ولكن لا ينعزل بالفسق، أي بارتكاب معصية أو مخالفة شرعية، منعاً من الفتنة.\r3 ً - زوال أهليته أو نقص في أعضائه أو حواسه بحيث يعجز عن القيام بواجبات الإمامة كالجنون المطبق (زوال العقل) وزوال البصر أو السمع وقطع اليدين أو الرجلين ونحو ذلك كما تقدم. واختلف الفقهاء في استمرار ولايته بقطع يد أو رجل فقط.\r4 ً - نقص في إمكان التصرف : وهو يكون بأحد أمرين:\rالأول ـ الحجر عليه: كأن يستولي عليه بعض أعوانه ممن يستبد بتنفيذ الأمور، فإن كان المستولي يحكم بأحكام الدين ومقتضى العدل، جاز إقراره منعاً من إلحاق الفساد بالأمة وتبقى إمامة الإمام الأصلي. وإن كانت أفعاله خارجة عن حكم الدين ومقتضى العدل، لم يجز إقراره، ووجب إزالة تغلبه.\rالثاني ـ القهر: وهوأن يصير مأسوراً في يد عدو قاهر لا يقدر على الخلاص منه، فيجب استنقاذه إن أمكن، وإن وقع الإياس من إنقاذه، زالت إمامته.\r5 ً - عزله من الأمة أو أن يعزل الإمام نفسه: بأن يستقيل وكان في الأمة من يقوم مقامه، ممن تنطبق عليه شروط الإمامة، فيعزل عن الحكم. وإن لم يوجد في الأمة من يسد مسده، لم تقبل استقالته، وللمسلمين حمله على البقاء في منصبه.\r-------------------------------\r(1) النظم الإسلامية للدكتور حسن إبراهيم: ص 201، السلطات الثلاث للطماوي: ص 302 وما بعدها.\r(2) الأحكام السلطانية للماوردي: ص 15-19.","part":8,"page":347},{"id":5352,"text":"الفَصْلُ الثَّالث: السُّلطة القضائيَّة في الإسلام\rالكلام في هذا الفصل المتعلق بتنظيم القضاء، لا بموضوعاته السابقة، يتناول:\rنشأة القضاء وتاريخه وحكمه، وأنواعه، القضاء العادي وتنظيمه، التحكيم، ولاية المظالم، نظام الحسبة، الدعوى، الإثبات، تنفيذ الأحكام.\rالمبحث الأول ـ نشأة القضاء وتاريخه وحكمه وأنواعه :\rالقضاء لغة: الحكم بين الناس. والقاضي: الحاكم، وشرعاً: فصل الخصومات وقطع المنازعات (1) . وهو أمر مطلوب في الإسلام لقوله تعالى مخاطباً رسوله: {وأن احكم بينهم بما أنزل الله } [المائدة:49/5] {فاحكم بينهم بالقسط} [المائدة:42/5] {إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله } [النساء:105/4]. ولقول النبي صلّى الله عليه وسلم : «إذا اجتهد الحاكم فأخطأ فله أجر، وإذا اجتهد فأصاب فله أجران» (2) «إذا جلس الحاكم للحكم بعث الله له ملكين يسددانه ويوفقانه، فإن عدل أقاما، وإن جار عرجا وتركاه» (3) .\r-------------------------------\r(1) الدر المختار: 309/4، الشرح الكبيرللدردير: 129/4.\r(2) أخرجه الشيخان من حديث عمرو بن العاص وأبي هريرة، ورواه الحاكم والدارقطني من حديث عقبة ابن عامر وأبي هريرة وعبد الله بن عمر بلفظ: «إذا اجتهد الحاكم فأخطأ فله أجر، وإن أصاب فله عشرة أجور» لكن في إسناده فرج بن فضالة، وهو ضعيف (نيل الأوطار: 262/8).\r(3) أخرجه البيهقي من حديث ابن عباس، وإسناده ضعيف (نيل الأوطار: 262/8).","part":8,"page":348},{"id":5353,"text":"وحكمه شرعاً أنه فريضة محكمة من فروض الكفايات باتفاق المذاهب، فيجب على الإمام تعيين قاض، لقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط} [النساء:135/4] قال بعضهم: «القضاء أمر من أمور الدين، ومصلحة من مصالح المسلمين، تجب العناية به؛ لأن بالناس إليه حاجة عظيمة (1) . وهو من أنواع القربات إلى الله عز وجل، ولذا تولاه الأنبياء عليهم السلام، قال ابن مسعود: «لأن أجلس قاضياً بين اثنين أحب إلي من عبادة سبعين سنة» .\rوحكمة تشريعه: حاجة الناس إليه لفض منازعاتهم، وتوفير مصالحهم، ورعاية حقوقهم، ومنع الظلم والتظالم، ومحاربة الأهواء .\rأهمية القضاء :\rالقضاء منصب عظيم وخطير، وله مكانة في الدين، وهو وظيفة الأنبياء والخلفاء والعلماء، قال الله تعالى لنبيه داود عليه السلام: {يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض، فاحكم بين الناس بالحق، ولا تتبع الهوى، فيضلك عن سبيل الله ، إن الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد بما نسوا يوم الحساب} [ص:26/38].\rوكان الرسول صلّى الله عليه وسلم في دولة المدينة يتولى بنفسه القضاء بين الناس، فلم يكن للمسلمين قاض سواه، يصدر عنه التشريع، ثم يشرف على تنفيذه، فكان يجمع بين التشريع والتنفيذ والقضاء، وكان قضاؤه اجتهاداً لا وحياً، معتمداً على ما قرره: «البينة على المدعي واليمين على من أنكر» ويقول: «أمرت أن أحكم بالظاهر والله يتولى السرائر» «إنما أنا بشر مثلكم، وإنكم تختصمون إلي، ولعل\r-------------------------------\r(1) اللباب شرح الكتاب للميداني: 77/4.","part":8,"page":349},{"id":5354,"text":"بعضكم أن يكون ألحن (1) بحجته من بعض» (2) وباتساع الدولة عهد الرسول صلّى الله عليه وسلم إلى بعض الصحابة بالقضاء، فبعث علياً كرم الله وجهه إلى اليمن للقضاء بين الناس، وبعث إليها أيضاً معاذ بن جبل رضي الله عنه. وولى عتَّاب بن أسيد أمر مكة وقضاءها بعد فتحها.\rوسار الخلفاء الراشدون على هذا المنهج، فتولى عمر القضاء في عهد أبي بكر فظل سنتين لا يأتيه متخاصمان، لما اشتهر عنه من الحزم والشدة. وتم في عهد عمر بأمره فصل القضاء عن الولاية الإدارية، وعين القضاة في أجزاء الدولة الإسلامية في المدينة ومكة والبصرة والكوفة ومصر (3) . فكان عمر هو أول من وضع أساس السلطة القضائية المتميزة، كماكان أول من وضع الدواوين كما عرفنا، وأول من وضع دستور القضاء في رسالته المشهورة إلى أبي موسى الأشعري (4) ، وأول من استحدث نظام السجون، وكان الحبس في الماضي هو ملازمة المتهم من قبل المدعي أو غيره في منزل أو مسجد، وكان قضاء القضاة المستقلين عن الخليفة محصوراً في المنازعات المدنية المالية (5) . أما الجنايات الموجبة للقصاص أو الحدود فبقيت في يد الخليفة، وولاة الأقاليم ذوي الولاية العامة. وأما ولاة الإمارة الخاصة، فلهم فقط حق استيفاء الحدود المتعلقة بحقوق الله تعالى المحضة كحد الزنى جلداً أو رجماً، أو المتعلقة بحقوق الأشخاص إن طلب طالب منهم ذلك (6) .\r-------------------------------\r(1) أي أفطن بها وأبصر.\r(2) الحديث الأول رواه البيهقي والثاني غير ثابت بهذا اللفظ، والحديث الثالث رواه الجماعة عن أم سلمة (نيل الأوطار: 278/8، كشف الخفا: ص 221 وما بعدها).\r(3) القضاء في الإسلام لعارف النكدي: ص 79.\r(4) أنظر أعلام الموقعين لابن قيم: 85/1 وما بعدها، الأحكام السلطانية للماوردي: ص68.\r(5) الإسلام والحضارة العربية للأستاذ محمد كرد علي: 154/2.\r(6) الماوردي، المصدر السابق: ص 30.","part":8,"page":350},{"id":5355,"text":"وكان عثمان رضي الله عنه أول من اتخذ داراً للقضاء، بعد أن كان القضاء في المسجد.\rوكان القضاء يقوم على أساسين:\rالأول : نظام القاضي الفرد.\rالثاني : عدم تدوين الأحكام في سجلات؛ لأنها تنفذ فوراً بإشراف القاضي (1) .\rوكان للقضاة أجور من بيت مال المسلمين منذ عهد عمر مقابل تفرغهم للقضاء.\rويتم إصدار الحكم باجتهاد القاضي وفراسته بالاعتماد على مصادر التشريع الأربعة: وهي القرآن والسنة والإجماع والقياس.\rثم تطور القضاء في عهد الأمويين والعباسيين باستقرار الدولة، فتحددت سلطات القاضي واختصاصاته وتنوع القضاء، وكان القضاة مستقلين في أعمالهم غالباً، وبدأ تسجيل أحكام القضاء في بدء العهد الأموي، واستحدث في عهد العباسيين منصب قاضي القضاة الذي كان أول من تولاه أبو يوسف تلميذ أبي حنيفة، وكان بمثابة وزير العدل يعين القضاة، ويعزلهم، ويراقب أعمالهم وأحكامهم، وظهر أيضاً قضاة المذاهب، فوجد في كل إقليم قاضٍ مذهبي، ففي العراق يعمل بالمذهب الحنفي، وفي الشام والمغرب على وفق المذهب المالكي، وفي مصر على وفق مذهب الشافعي.\r-------------------------------\r(1) السلطات الثلاث للطماوي: ص 306.","part":8,"page":351},{"id":5356,"text":"واتسع سلطان القاضي تدريجياً، فأصبح ينظر بالإضافة إلى المنازعات المدنية في أمور إدارية أخرى كالأوقاف وتنصيب الأوصياء. وقد يجمع القاضي بين القضاء والشرطة والمظالم والحسبة ودار الضرب وبيت المال (1) .\rوكان نظام التحكيم معمولاً به بجانب القضاء. وانفصل قضاء المظالم وولاية الحسبة عن القضاء.\rإلا أن القضاء العادي كان أسبق نشأة من غيره عندما تولاه الرسول صلّى الله عليه وسلم في المدينة وهو يفترض وجود اعتداء على حق شخصي وقيام خصومة بين شخصين. ثم ظهر نظام الحسبة في زمن المهدي للنظر في الاعتداءات الواقعة على المصالح العامة التي تمس أمن الجماعة وإن لم يوجد فيها مدعٍ شخصي لحماية حق خاص به. ثم وجد قضاء المظالم لحماية الحقوق والحريات من جور الولاة والحكام واستبداد الأقوياء حينما توسعت الدولة وضعف الوازع الديني وامتدت أطماع القواد إلى أموال الرعية. ومن أجل إقرار العدالة وإحقاق الحق لا بد من توافر الأسس التالية للقضاء في الإسلام :\rأولاً ـ اعتماده على العقيدة والأخلاق: لتربية الضمير والوجدان، وتهذيب النفس، وإعداد الوازع الديني والخلقي المهيمن على سير الدعوى. وهو مطلوب في اختيار القاضي، وعند رفع الدعوى، وفي معاملة الخصوم، وفي إصدار الأحكام وتنفيذها، وفي الإثبات الشرعي والتزام أحكام الشريعة ونحوها.\rثانياً ـ ضرورته في كل دولة: القضاء أمر لازم لكل دولة، كما اتضح من ممارسة الرسول صلّى الله عليه وسلم له، ومتابعة الخلفاء سنته واهتمامهم بتنظيمه. فهو إذن يحتل مركزاً مهماً في الدولة، ويعد أحد سلطاتها الضرورية لوجودها وبقائها: «العدل أساس الملك» بل ويستمد قوته من الدولة في التخاصم وإصدار الأحكام، واستيفاء الحقوق.\rثالثاً ـ استقلال السلطة القضائية والفصل بين السلطات: كان القضاء في عهد الرسول وخلافة أبي بكر وجزء من خلافة عمر يقوم به الولاة الإداريون، ثم أمر عمر بفصل أعمال القضاة عن أعمال الولاة، فعين القضاة في المدينة وسائر المدن الإسلامية، وجعل سلطة القضاء تابعة له مباشرة. وبه تحقق فصل السلطة القضائية عن بقية سلطات الدولة.\r-------------------------------\r(1) مقدمة ابن خلدون: ص 192 وما بعدها.","part":8,"page":352},{"id":5357,"text":"المبحث الثاني ـ القضاء العادي وتنظيمه :\rالكلام في هذا المبحث عن شروط القاضي وواجباته وأنواع القضاة وتنظيم القضاء.\rالمطلب الأول ـ شروط القاضي :\rالقضاء ولاية عامة مستمدة من الخليفة كغيره من ولايات الدولة كالوزارة ونحوها، فلا يصلح للتعيين فيه إلا من كان مستكملاً أوصافاً معينة مستلهمة من صنيع الخلفاء الراشدين الذين كانوا يتشددون في اختيار القضاة طبقاً لأهلية معينة (1) . وقد حدد الفقهاء هذه الشروط، فاتفقوا على أكثرها واختلفوا في بعضها (2) .\rأما الشروط المتفق عليها بين أئمة المذاهب فهي أن يكون القاضي عاقلاً بالغاً، حراً ، مسلماً، سميعاً بصيراً ناطقاً، عالماً بالأحكام الشرعية.\rأولاً ـ أهلية البلوغ والعقل: حتى تتحقق فيه المسؤولية عن أقواله وأفعاله، وليستطيع إصدار الحكم في الخصومات على غيره، قال الماوردي: «ولايكتفى فيه بالعقل الذي يتعلق به التكليف من علمه بالمدركات الضرورية، حتى يكون صحيح التمييز، جيد الفطنة، بعيداً عن السهو والغفلة، يتوصل بذكائه إلى إيضاح ما أشكل وفصل ما أعضل» .\rثانياً ـ الحرية: لأنه لاتصح ولاية العبد على الحر؛ لما فيه من نقص يمنع انعقاد ولايته على غيره. ولم يعد هذا الشرط ذا موضوع الآن.\rثالثاً - الإسلام: لأن القضاء ولاية، ولا ولاية لغير المسلم على المسلم، فلا تقبل شهادته عليه، لقوله تعالى: {ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلاً} [النساء:141/4]. وأجاز أبو حنيفة\r-------------------------------\r(1) الطرق الحكمية لابن قيم: ص 238.\r(2) الأحكام السلطانية للماوردي: ص 61 وما بعدها، البدائع: 2/7، فتح القدير: 453/5 ومابعدها، 485، الدر المختار: 312/4، 318، بداية المجتهد: 449/2، الشرح الكبير للدردير: 129/4 ومابعدها، تبصرة الحكام: 17/1، مغني المحتاج: 375/4 وما بعدها، المهذب: 290/2، المغني: 39/9 وما بعدها، أعلام الموقعين: 105/1.","part":8,"page":353},{"id":5358,"text":"تقليد غير المسلم القضاء بين أهل دينه (1) .\rرابعاً ـ سلامة الحواس من السمع والبصر والنطق ليتمكن من أداء وظيفته، فيميز بين المتخاصمين، ويعرف المحق من المبطل، ويجمع وسائل إثبات الحقوق،ليعرف الحق من الباطل.\rخامساً ـ العلم بالأحكام الشرعية: بأن يعلم بفروع الأحكام الشرعية ليتمكن من القضاء بموجبها.\rوأما الشروط المختلف فيها فهي ثلاثة: العدالة، والذكورة، والاجتهاد.\r-------------------------------\r(1) ما يجري عليه العمل الآن من تولية الذميين منصب القضاء حتى بين المسلمين مأخوذ مما قررته لجنة مجلة الأحكام العدلية عملاً بقبول شهادته على المسلم للضرورة.","part":8,"page":354},{"id":5359,"text":"أما العدالة (1) : فهي شرط عند المالكية والشافعية والحنابلة، فلا يجوز تولية الفاسق، ولا مرفوض الشهادة بسبب إقامة حد القذف عليه مثلاً، لعدم الوثوق بقولهما، قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوماً بجهالة، فتصبحوا على ما فعلتم نادمين} [الحجرات:6/49] فإذا لم تقبل الشهادة من امرئ فلأن لا يكون قاضياً أولى.\rوقال الحنفية: الفاسق أهل للقضاء، فلو عين قاضياً صح قضاؤه للحاجة، لكن ينبغي ألا يعين، كما في الشهادة ينبغي ألا يقبل القاضي شهادة فاسق، لكن لو قبل ذلك منه جاز، مع وقوعه في الإثم. وأما المحدود في القذف فلا يعين قاضياً ولا تقبل شهادته عندهم.\rوأما الذكورة: فهي شرط أيضاً عند المالكية والشافعية والحنابلة، فلا تولى امرأة القضاء؛ لأن القضاء ولاية، والله تعالى يقول: {الرجال قوامون على النساء} [النساء:34/4] وهو يحتاج إلى تكوين رأي سديد ناضج، والمرأة قد يفوتها شيء من الوقائع والأدلة بسبب نسيانها، فيكون حكمها جوراً، وهي لا تصلح للولاية العامة لقوله صلّى الله عليه وسلم : «لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة» (2) .\rوقال الحنفية: يجوز قضاء المرأة في الأموال، أي المنازعات المدنية؛ لأنه تجوز شهادتها فيها. وأما في الحدود والقصاص، أي في القضاء الجنائي، فلا تعين قاضياً؛ لأنه لا شهادة لها في الجنايات، وأهلية القضاء تلازم أهلية الشهادة.\r-------------------------------\r(1) العدالة كما قال الماوردي في الأحكام: ص 62: هي أن يكون صادق اللهجة، ظاهر الأمانة، عفيفاً عن المحارم،متوقياً المآثم، بعيداً عن الريب، مأموناً في الرضا والغصب، مستعملاً لمروءة مثله في دينه ودنياه» .\r(2) رواه أحمد والبخاري والترمذي والنسائي عن أبي بكرة.","part":8,"page":355},{"id":5360,"text":"وأجاز ابن جرير الطبري قضاء المرأة في كل شيء لجواز إفتائها (1) ورد عليه الماوردي بقوله: ولا اعتبار بقول يرده الإجماع مع قول الله تعالى: {الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض} [النساء:34/4] يعني في العقل والرأي، فلم يجز أن يقمن على الرجال (2) .\rوأما الاجتهاد (3) : فهو شرط عند المالكية والشافعية والحنابلة وبعض الحنفية، كالقدوري، فلا يولى الجاهل بالأحكام الشرعية ولا المقلِّد (4) ؛ لأن الله تعالى يقول: {وأن احكم بينهم بما أنزل الله } [المائدة:49/5] {لتحكم بين الناس بما أراك الله } [النساء:105/4] {فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول} [النساء:59/4] ولأن الاجتهاد يستطيع به المجتهد التمييز بين الحق والباطل، قال النبي صلّى الله عليه وسلم : «القضاة ثلاثة: واحد في الجنة واثنان في النار. فأما الذي في الجنة فرجل عرف الحق، فقضى به. ورجل عرف الحق وجار في الحكم فهو في النار، ورجل قضى للناس على جهل فهو في النار» (5) والعامي يقضي على جهل.\rوأّهلية الاجتهاد تتوافر بمعرفة ما يتعلق بالأحكام من القرآن والسنة وإجماع الأمة، واختلاف السلف، والقياس، ولسان العرب. ولا يشترط الإحاطة بكل القرآن والسنة أو الاجتهاد في كل القضايا، بل يكفي معرفة ما يتعلق بموضوع النزاع المطروح أمام القاضي أو المجتهد.\rوقال جمهور الحنفية: لا يشترط كون القاضي مجتهداً، والصحيح عندهم أن أهلية الاجتهاد شرط الأولوية والندب والاستحباب. فيجوز تقليد غير المجتهد للقضاء، ويحكم بفتوى غيره من المجتهدين؛ لأن الغرض من القضاء هو فصل الخصائم وإيصال الحق إلى مستحقه، وهو يتحقق بالتقليد والاستفتاء. لكن قالوا: لا ينبغي أن يقلد الجاهل بالأحكام، أي بأدلة الأحكام؛ لأن الجاهل يفسد أكثر مما يصلح، بل يقضي بالباطل من حيث لا يشعر به.\rوالواقع في زماننا عدم توافر المجتهدين بالمعنى المطلق، فيجوز تولية غير المجتهد، ويولى الأصلح فالأصلح من الموجودين في العلم والديانة والورع والعدالة والعفة والقوة. وهذا ما قاله الشافعية والإمام أحمد، وقال الدسوقي من المالكية: والأصح أن يصح تولية المقلد مع وجود المجتهد.\r-------------------------------\r(1) بداية المجتهد: 458/2.\r(2) الأحكام السلطانية: ص 61.\r(3) الاجتهاد: عملية استنباط الأحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية.\r(4) المقلد: هو من حفظ مذهب إمامه دون معرفة بأدلته.\r(5) رواه ابن ماجه وأبو داود عن بُرَيدة ( نيل الأوطار: 263/8 وما بعدها).","part":8,"page":356},{"id":5361,"text":"المطلب الثاني ـ واجبات القضاة :\rعرفنا سابقاً أنه يلتزم القضاة وجوباً بأمور، وندباً أو استحباباً بأمور أخرى. أما الواجبات المفروضة عليهم أساساً فهي (1) :\rأولاً ـ بالنسبة للقانون الواجب التطبيق: هو الالتزام بالأحكام الشرعية، فيجب على القاضي أن يقضي في كل حادثة بما يثبت عنده أنه حكم الله تعالى؛ إما بدليل قطعي: وهو النص المفسر الذي لا شبهة فيه من كتاب الله عز وجل، أو السنة المتواترة، أو المشهورة، أو الإجماع.\rوإما بدليل ظاهر للعمل كظواهر النصوص المذكورة في القرآن الكريم أو السنة المشرفة، أو الثابت بالقياس الشرعي، في المسائل الاجتهادية التي اختلف فيها الفقهاء.\rفإن لم يجد القاضي حكم الحادثة في المصادر الأربعة (الكتاب والسنة والإجماع والقياس) يجب عليه العمل بما أداه إليه اجتهاده إن كان مجتهداً. وإن لم يكن مجتهداً يختار قول الأفقه والأورع من المجتهدين بحسب اعتقاده.\rوالأفضل بسبب تعدد آراء الفقهاء وضع تقنين موحد للأحكام الشرعية، كمجلة الأحكام العدلية في المعاملات المدنية، وكمرشد الحيران والأحكام الشرعية في الأحوال الشخصية لقدري باشا.\rثانياً ـ في تكوين رأي القاضي واقتناعه: الالتزام بوسائل الإثبات الشرعية كالشهادة والإقرار والكتابة واليمين والقرائن القطعية والعرفية، حتى يكون حكمه ـ كما هو مقرر بداهة ـ مبنياً على دليل صحيح لا يتعرض للنقض والطعن والتهمة.\rثالثاً ـ منع التهمة: وهو ألا يقضي لخصم يتهم بمحاباته بأن يكون ممن تقبل شهادته للقاضي. فإن كان ممن لا تقبل شهادته له لا يجوز قضاء القاضي له؛ لأن القضاء له قضاء لنفسه من جهة، فلم يكن القضاء مجرداً، وإنما فيه تهمة، فلا يصح القضاء. وعلى هذا يجب على القاضي الامتناع والتنحي عن القضاء لنفسه أو لأحد أبويه أو أجداده، أو لزوجته أو لأولاده وأحفاده، أو لكل من لا تجوز شهادته لهم بسبب التهمة. وهو رأي أكثر الفقهاء (2) .\rوأما الواجبات المندوبة أو الكمالية للقاضي فهي كثيرة مستمدة في أغلبها من رسالة سيدنا عمر في القضاء والسياسة إلى أبي موسى الأشعري رضي الله عنهما، وهي تتوخى إقامة العدل المطلق في أكمل وأدق صوره. وبعض هذه الآداب مستمد أيضاً من كتاب علي كرم الله وجهه إلى الأشتر النخعي.\r-------------------------------\r(1) المبسوط: 68/16، البدائع: 5/7 وما بعدها، مختصر الطحاوي: ص 327.\r\r(2) بداية المجتهد: 460/2، فتح القدير: 477/5، مغني المحتاج: 393/4، المغني: 107/9.","part":8,"page":357},{"id":5362,"text":"وهذه الآداب نوعان: عامة وخاصة (1) .\rفالآداب العامة: كالمشاورة لجماعة من الفقهاء، والتسوية بين الخصمين في المجلس والإقبال، ورفض قبول الهدايا: «هدايا الأمراء غلول» (2) أي خيانة، والامتناع عن قبول الدعوات الخاصة، أو العامة إذا كان لصاحبها خصومة أو مصلحة.\rوالآداب الخاصة: كاتساع مكان القضاء (المحكمة)، وملاءمته المناخ أو الطقس في الحر والبرد، والاستعانة بالمساعدين القضائيين كالكتاب والحارس، والمزكي، والترجمان، والمحضر (الذي يحضر الخصوم ويبلغ الدعاوى)، ونائب القاضي حالة السفر أو المرض أو أداء فريضة الحج ونحوها، ووكلاء الخصومة (المحامين) . ومن هذه الآداب: ضرورة فهم كل ما يتعلق بالمنازعة أو الخصومة موضوع الدعوى، وصفاء القاضي نفسياً بألا يكون قلقاً مضطرباً وقت القضاء موضوع الدعوى، وصفاء القاضي نفسياً بألا يكون قلقاً ضجراً مضطرباً وقت القضاء بسبب الغضب ونحوه من كل ما يشغل النفس من الهم والنعاس والجوع المفرط والعطش المفرط، والتخمة، والخوف، والمرض وشدة الحزن والسرور، ومدافعة الأخبثين (البول والغائط). ومنها الاعتماد على مبدأ تزكية الشهود، والأخذ بمبدأ مصالحة الخصمين قبل الحكم لقوله تعالى: {والصلح خير} [النساء:128/4].\r-------------------------------\r(1) راجع البدائع: 9/7-13، المبسوط: 61/16-64، فتح القدير: 465/5-470. الدر المختار: 316/4-325،بداية المجتهد: 462/2، الشرح الكبير للدردير: 137/4، مغني المحتاج: 390/4 وما بعدها، المغني: 45/9، الأحكام للماوردي: ص 72.\r(2) رواه أحمد والبيهقي وابن عدي من حديث أبي حميد الساعدي، وإسناده ضعيف (نيل الأوطار: 297/7، 268/8).","part":8,"page":358},{"id":5363,"text":"وأما حقوق القضاة فمنها المادي ومنها المعنوي. فمن الحقوق المادية: توفير الكفاية المعيشية له ولأسرته بتخصيص مرتب كاف له، كيلا تمتد يده إلى أموال الناس، ولا يتطلع إلى الهدية أو الرشوة. وقد سار النبي وخلفاؤه على هذا النهج. ويضمن بيت المال الضرر الناشئ عن أحكام القضاة دون عمد ولا تقصير أوإهمال. ومن الحقوق المعنوية: توفير الاستقرار للقاضي وعدم عزله إلا بسبب شرعي، تحقيقاً للحصانة القضائية له. وعلى الدولة حماية القاضي من أي تعرض له بسبب حكمه، ومنع مخاصمته في الحكم، ومعاونته في تنفيذ أحكامه.\rالمطلب الثالث ـ أنواع القضاة واختصاصاتهم :\rقسم أقضى القضاة الماوردي قضاة زمانه بحسب عموم ولا يتهم وخصوصها إلى أنواع أربعة وهي:\rأولاً ـ القاضي ذو الولاية العامة: وهو القاضي الذي لا تتحدد ولايته بزمان ومكان معين، ولا بأشخاص معينين، وإنما له سلطة مطلقة بالنظر والتصرف فيما يختص بولايته. واختصاصه يشمل عشرة أمور، وهي (1) :\r1 - فصل المنازعات وقطع المشاجرة والخصومات، إما صلحاً عن تراض فيما يحل شرعاً، أو بحكم بات ملزم.\r2 - استيفاء الحقوق ممن مطل بها، وإيصالها إلى مستحقيها بعد ثبوت استحقاقها بالإقرار أو البينة ونحوهما من طرق الإثبات الشرعية.\r3 - ثبوت الولاية على عديم الأهلية بجنون أو صغر، والحجر على ناقص الأهلية بسبب السفه (التبذير) والإفلاس، حفظاً للأموال، وتصحيحاً للعقود.\r4 - النظر في الأوقاف، بحفظ أصولها، وتنمية فروعها، وصرف ريعها لمستحقيها.\r5 - تنفيذ الوصايا على شروط الموصي فيما أباحه الشرع.\r6 - تزويج الأيامى بالأكفاء إذا عدِمن الأولياء ودعين إلى النكاح، وهذا مقصور عند الحنفية على تزويج الصغار.\r-------------------------------\r(1) الأحكام السلطانية: ص 67 وما بعدها.","part":8,"page":359},{"id":5364,"text":"7 - إقامة الحدود على مستحقيها: فإن كان من حقوق الله تعالى تفرد باستيفائه من غير طالب. وإن كان من حقوق الآدميين كان موقوفاً على طلب مستحقه.\r8 - النظر في مصالح عمله من الكف عن التعدي في الطرقات والأفنية، وإخراج ما لا يستحق من الأجنحة والأبنية، وله أن ينفرد بالنظر فيها، وإن لم يحضره خصم. وقال أبو حنيفة: لا يجوز له النظر فيها إلا بدعوى من الخصم.\r9 - تصفح شهوده وأمنائه واختيار النائبين عنه من خلفائه في إقرارهم والتعويل عليهم.\r10 - التسوية في الحكم بين القوي والضعيف، والعدل في القضاء بين المشروف والشريف، ولا يتبع هواه في تقصير المحق، أو ممايلة المبطل.\rويلاحظ أن هذه الأمور تتضمن بعض التوجيهات العامة بالإضافة إلى تحديد الاختصاصات القضائية.\rثانياً ـ القاضي خاص الولاية: وهو الذي تقتصر ولايته على بعض الاختصاصات المتقدمة، أو تكون ولايته ذات اختصاص موضوعي أضيق، كالحكم بالإقرار دون البينة، أو في الديون، دون الأحوال الشخصية، أو في المقدرات الشرعية، فيتقيد بما خصص فيه، ولا يتعداه إلى غيره (1) .\rثالثاً ـ القاضي عام النظر خاص العمل (الاختصاص المكاني): وهو الذي يختص بالنظر في جميع اختصاصات النوع الأول، ولكن في بلدة معينة أو محلة معينة، فتنفذ أحكامه في هذا النطاق فقط (2) .\rرابعاً ـ القاضي المحدد الولاية: وهوالذي تقتصر ولايته بالحكم في قضية أشخاص معينين، أو في أيام محدودة، كيوم السبت وحده بالنسبة لجميع الدعاوى بين الخصوم، وتزول ولايته بعدئذ (3).\r-------------------------------\r(1) المصدر السابق: ص69.\r(2) المصدر والمكان السابق.\r(3) المصدر السابق: ص 70.","part":8,"page":360},{"id":5365,"text":"المطلب الرابع ـ تنظيم القضاء :\rالكلام عن تنظيم القضاء يتناول أموراً كثيرة أهمها:\rطرق تعيين القضاة وعزلهم، وتخصص القضاة، وأسلوب القضاء الفردي والجماعي ودرجات التقاضي أو المحاكم.\rوالتنظيم القضائي: هو مجموعة القواعد والأحكام التي تؤدي إلى حماية الحقوق وفصل الخصومات.\rطرق تعيين القضاة وعزلهم :\rالقضاء ولاية من الولايات المستمدة من الخليفة باعتباره ممثلاً الأمة، فلا بد\rللقاضي من تعيين صادر عن الحاكم الأعلى أو نائبه، سواء أكان عادلاً أم جائراً، ولا يصح أن يولي نفسه، أو يوليه جماعة من الرعية. وقد بيَّن الماوردي (1) صيغة قرار التعيين الصريح أو ما يقوم مقامه من الألفاظ الدالة على التقليد أو الاستخلاف أو النيابة، واشترط لتمام الولاية أربعة شروط مجملها:\rمعرفة المولي توافر الصفات اللازمة في المولَّى، ومعرفة المولَّى بصلاحية المولي للتعيين، وتحديد اختصاص القاضي، وتعيين البلد التي يقضي فيها.\rوللحاكم عزل القاضي متى شاء، والأولى ألا يعزله إلا بعذر، كما أن للقاضي عزل نفسه من القضاء إذا شاء، والأفضل ألا يعتزل منصبه إلا بعذر، لما في عمله من تحقيق مصلحة عامة للمسلمين، ولا ينعزل القاضي عند الحنفية بعزل الحاكم إلا بعلمه بذلك، وتظل أحكامه نافذة حتى يبلغه نبأ العزل.\rوتنتهي ولاية القاضي كما تنتهي الوكالة العادية بأسباب أخرى كالموت والجنون المطبق، وإنجاز المهمة الموكولة للشخص، إلا في أمر واحد: وهو أن الموكل العادي إذا مات أو خلع ينعزل الوكيل. أما ولي الأمر الحاكم إذا مات أو خلع فلا ينعزل قضاته وولاته؛ لأن الحاكم لا يعمل باسمه الشخصي، وإنما بالنيابة عن جماعة المسلمين، وولاية المسلمين تظل باقية بعد موت الإمام (2) .\rتخصص القضاة :\rيتخصص القضاة زماناً ومكاناً ونوعاً وموضوعاً.\r1 - التخصص الزماني: وهو أن يتخصص القاضي بالنظر في وقت معين، كأيام محددة في الأسبوع. وهو حالة من حالات اختصاص القاضي المحدد الولاية كما بيَّن الماوردي.\r-------------------------------\r(1) المصدر نفسه: ص 65 وما بعدها.\r(2) الأحكام السلطانية: ص 66، البدائع: 16/7، 37/6 وما بعدها.","part":8,"page":361},{"id":5366,"text":"2 - التخصص المكاني: وهو تقييد القاضي بالقضاء في بلدة معينة أو أكثر، أو ناحية من بلد معين، كما قلد النبي صلّى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب قضاء اليمن، وقلد معاذ بن جبل القضاء في ناحية منها. وهذا هو اختصاص النوع الثالث من أنواع القضاة الذين ذكرهم الماوردي.\r3 - التخصص النوعي: وهو تخصيص القاضي عند تعيينه أو بعده ببعض معين من القضايا، كما هو الحادث الآن في دوائر المنازعات المدنية، والأحوال الشخصية، والتجارية، والجنائية ونحوها. أو تخصيصه بقضايا لا تزيد فيها المبالغ المستحقة عن قدر معين. وقد سبق بيانه في النوع الثاني من أنواع القضاة.\r4 - التخصص الموضوعي: وهو الاقتصار على سماع دعاوى موضوعات معينة والمنع من سماع دعاوى أخرى، كدعوى الوقف أو الإرث، بسبب مضي المدة أو التقادم الطويل الأمد بلا عذر، وهو مدة ( 33 أو 36) سنة في الأوقاف وأموال بيت المال، أو 15 سنة في الحقوق الخاصة؛ لأن ترك الادعاء مع الإمكان يدل على عدم الحق ظاهراً.\rومنها عدم سماع دعوى الزوجية بسبب صغر السن، في الفتى دون 18 سنة، وفي الفتاة دون 16 سنة مثلاً.\rأسلوب القضاء الفردي والجماعي :\rإن أساس القضاء الذي كان سائداً في الإسلام هو الأخذ بنظام وحدة القاضي أو القاضي الفرد كما عرفنا: وهو أن يفصل في الخصومات قاض واحد يعينه الإمام أو نائبه في بلد معين. ولا مانع عند فقهاء الحنفية (1) وبعض الحنابلة والشافعية من الأخذ بنظام قضاء الجماعة: وهو اشتراك أكثر من قاض في نظر الدعاوى؛ لأن القاضي نائب أو وكيل عن الإمام، وللموكل أن يوكل عنه شخصاً أو أكثر، وحينئذ فلا بد من اشتراكهم جميعاً عند النظر في الدعاوى وإصدار الحكم فيها، على أساس الشورى.\rوأما غير الحنفية (2) الذين لم يجيزوا تعدد القضاة، فتعللوا بتعذر اتفاق القضاة في الرأي بالمجتهد فيه، مما يؤدي إلى تعذر الفصل في الخصومات. وهذا السبب يمكن التغلب عليه بالأخذ برأي الأكثرية، ولأن القضاة يستندون إلى الرأي الذي صوبه الإمام، كما قال بعض الشافعية.\r-------------------------------\r(1) الفتاوى الهندية: 317/3، التبصرة لابن فرحون: 37/1.\r(2) مغني المحتاج: 380/4، المغني: 105/9، حاشية الدسوقي: 134/4.","part":8,"page":362},{"id":5367,"text":"درجات التقاضي أو درجات المحاكم والطعن في الأحكام :\rالأصل في القضاء أن يكون على درجة واحدة حسماً للنزاع في أسرع وقت، ولكن ضماناً لسير العدالة وإحقاق الحق، وبسبب قلة الورع، ونقص العلم، جرى العمل حديثاً على تعدد المحاكم.\rولا مانع في الفقه الإسلامي من مبدأ التعدد، بدليل أن سيدنا علياً قضى بين خصمين في اليمن، وأجاز لهما إذا لم يرضيا أن يأتيا رسول الله صلّى الله عليه وسلم ، فأتياه فأقر قضاء علي. وقال عمر لأبي موسى الأشعري في رسالته المشهورة: «ولا يمنعنك قضاء قضيته بالأمس، ثم راجعت فيه نفسك، وهديت لرشدك أن ترجع إلى الحق؛ لأن الحق قديم، والرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل» .\rوقد فصل فقهاء المذاهب الأربعة هذا الموضوع في بحث الاجتهاد أو نقض الحكم على النحو التالي:\rإذا كان الحكم معتمداً على دليل قطعي من نص أو إجماع أوقياس جلي (1) فلا ينقض؛ لأن نقضه إهمال للدليل القطعي، وهو غير جائز أصلاً.\rوأما إذا خالف الحكم دليلاً قطعياً، فينقض بالاتفاق بين العلماء، سواء من قبل القاضي نفسه، أو من قاضٍ آخر، لمخالفته الدليل.\rفإن كان الحكم في غير الأمور القطعية، وإنما في مجال الاجتهادات أو الأدلة الظنية، فلا ينقض (أي بحسب نظام القضاة الفردي) حتى لا تضطرب الأحكام الشرعية أو تنعدم الثقة بأحكام القضاة، وتبقى الخصومات على حالها بدون فصل زماناً طويلاً.\r-------------------------------\r(1) وهو ما كانت العلة فيه منصوصة، أو قطع بنفي تأثير الفارق بين الأصل والفرع، كقياس الضرب على التأفف في الحرمة.","part":8,"page":363},{"id":5368,"text":"أما في أسلوب تعدد المحاكم، فإن الخصمين يعلمان سلفاً أن الحكم لم يكتسب الدرجة القطعية، وإنما يجوز استئنافه ونقضه، فلم تعد هناك خشية من اضطراب الأحكام؛ لأن الحكم لم يكتمل بعد. ويمكن تأييد ما ذكر بما قرر الفقهاء من جواز نقض الحكم إذا صدر سهواً، أو ظهر فيه خطأ (1) . فإن اكتسب الحكم الدرجة القطعية من محكمة النقض، فلا ينقض الحكم السابق في حادثة مشابهة عملاً بقاعدة: «الاجتهاد لا ينقض بمثله» وأصلها قول عمر: «تلك على ما قضينا وهذه على ما نقضي» .\rوالخلاصة: إن فقهاءنا عرفوا مبدأ الطعن في الأحكام، ولا يعد تنظيم المحاكم حديثاً مخالفاً لمبادئ الإسلام، وإنما يتمشى معها، عملاً بما قرره الفقهاء فيما يجوز نقضه من الأحكام أو الطعن في الحكم بسبب التهمة الموجهة للقاضي. وقد عرف القضاء في الأندلس فعلياً مبدأ القضاء بالرد.\r-------------------------------\r(1) راجع تبصرة الحكام: 55/1 وما بعدها، فتح القدير: 487/5، البدائع: 14/7، مغني المحتاج: 396/4، المغني: 56/9، العقد المنظم للحكام: 192/2، أصول الفقه للمؤلف 1114/2 ومابعدها.","part":8,"page":364},{"id":5369,"text":"صفة قضاء القاضي :\rيلاحظ أخيراً أن حكم القاضي عند جمهور العلماء يعتمد الظاهر في المال وغيره من الأحوال الشخصية، فلا يحل الحرام ولا يحرم الحلال، ولا ينشئ الحقوق وإنما يظهرها ويكشف عنها في الوقائع، عملاً بالحديثين السابقين: «نحن نحكم بالظاهر، والله يتولى السرائر» (1) «إنكم تختصمون إلي ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، فأقضي له بنحوٍ مما أسمع، فمن قضيت له بشيء من حق أخيه فلا يأخذه، فإنما أقطع له قطعة من نار» (2) .\rوقال أبو حنيفة: ينفذ حكم القاضي في العقود والفسوخ ظاهراً وباطناً؛ لأن مهمته القضاء بالحق. فلو ادعى رجل على امرأة أنه تزوجها، فأنكرت، فأقام على ادعائه شاهدي زور، فقضى القاضي بعقد الزواج بينهما، حل للرجل الاستمتاع بها. ولو قضى القاضي بالطلاق فرق بينهما، وإن كان الرجل منكراً. ونفاذ حكم القاضي على هذا النحو مقيد بشرطين: ألا يعلم بكون الشهود زوراً، وأن يكون من الأمور التي له فيها صلاحية الإنشاء.\rالمبحث الثالث ـ التحكيم\rالتحكيم: أن يحكم المتخاصمان شخصاً آخر لفض النزاع القائم بينهما على هدى حكم الشرع. وقد دل على جوازه قوله تعالى: { وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكماً من أهله وحكماً من أهلها إن يريدا إصلاحاً يوفق الله بينهما} [النساء:35/4] وعن أبي شريح قال: «يا رسول الله ، إن قومي إذا اختلفوا في شيء فأتوني فحكمت بينهم، فرضي عني الفريقان، فقال له الرسول صلّى الله عليه وسلم : ما أحسن هذا» وعمل الرسول بحكم سعد بن معاذ الذي اتفق مع يهود بني قريظة على تحكيمه فيهم. وأجمع الصحابة على جواز التحكيم.\rويشترط في المحكَّم أن يكون أهلاً للشهادة رجلاً كان أو امرأة، وأن تتوافر فيه هذه الأهلية وقت الحكم، وأن يكون الموضوع في غير الحدود والقصاص لاختصاص الإمام بالنظر فيها وفي استيفائها، فيصح التحكيم في القضايا المالية وفي الأحوال الشخصية من زواج وطلاق.\rويلتزم المتحاكمان بقرار المحكم عند الحنفية والحنبلية. ولكل واحد الرجوع عن التحكيم قبل إصدار الحكم عند الحنفية. والراجح عند المالكية ألا يشترط دوام رضائهما حتى صدور الحكم، فإن رجعا معاً ولم يرتضياه قبل الحكم، فلهما ذلك. وإن رجع أحدهما فله ذلك عند سحنون،\rوليس له حق الرجوع عند ابن الماجشون (3) .\r-------------------------------\r(1) لم يثبت بهذا اللفظ.\r(2) رواه الجماعة عن أم سلمة.\r(3) انظر فتح القدير: 498/5، المبسوط: 62/21، تبصرة الحكام: 43/1، حاشية الدسوقي: 140/4 ومابعدها.","part":8,"page":365},{"id":5370,"text":"المبحث الرابع ـ ولاية المظالم\rتعريفها ونشأتها، المختص بالنظر فيها، هيئة مجلسها، اختصاصاتها، الفرق بينها وبين القضاء العادي.\rأولاً ـ تعريف ولاية المظالم ونشأتها: ولاية المظالم تشبه إلى حد كبير نظام القضاء الإداري ومجلس الدولة حديثاً، فهي أصلاً للنظر في أعمال الولاة والحكام ورجال الدولة مما قد يعجز عنه القضاء العادي، وقد ينظر واليها في المنازعات التي عجز القضاء عن فصلها، أو في الأحكام التي لا يقتنع الخصوم بعدالتها. ويجتمع فيها القضاء والتنفيذ معاً (1) .\rوعرفها الماوردي بقوله (2) : «نظر المظالم: هو قود المتظالمين إلى التناصف بالرهبة، وزجر المتنازعين عن التجاحد بالهيبة، فكان من شروط الناظر فيها أن يكون جليل القدر نافذ الأمر، عظيم الهيبة، ظاهر العفة، قليل الطمع، كثيرالورع؛ لأنه يحتاج في نظره إلى سطوة الحماة، وثبت القضاة، فيحتاج إلى الجمع بين صفات الفريقين، وأن يكون بجلالة القدر نافذ الأمر في الجهتين» .\rنشأتها: كان الرسول صلّى الله عليه وسلم في صدر الإسلام أول من نظر المظالم بنفسه، فقضى في شِرْب بين الزبير بن العوام وأنصاري (3) ، وأرسل علياً لدفع دية القتلى الذين قتلهم خالد من قبيلة بني جذيمة بعد أن خضع أهلها وقال: «اللهم إني أبرأ إليك مما فعل خالد» .\rولم يُنتدب للمظالم من الخلفاء الأربعة أحد؛ لأن الناس كان يقودهم التناصف إلى الحق، ويزجرهم الوعظ عن الظلم.\rولكن عمر رضي الله عنه كان شديد الوطأة على الولاة، ودائم التحذير لهم، فأمر بالاقتصاص من عمرو بن العاص؛ لأنه قال لأعرابي في المسجد: يا منافق، إلا أن يعفو الأعرابي، واقتص من ابن عمرو لإهانته مصرياً قبطياً.\r-------------------------------\r(1) السلطات الثلاث: ص 313، الماوردي: ص 73.\r(2) الأحكام السلطانية: ص 73.\r(3) الماوردي: ص 73.","part":8,"page":366},{"id":5371,"text":"وحينما تأخرت إمامة علي واختلط الناس فيها وجاروا، احتاجوا إلى صرامة في السياسة، فكان علي رضي الله عنه أول من نظر في مظالم النا س، ولم يعين يوماً محدداً لها.\rوعندما تجاهر الناس بالظلم في عهد الدولة الأموية كان عبد الملك بن مروان أول من أفرد للظلامات يوماً يتصفح فيه قصص المتظلمين.\rثم زاد جور الولاة وظلم العتاة ولم يكفهم إلا أقوى الأيدي وأنفذ الأوامر، فكان عمر بن عبد العزيز رحمه الله أول من ندب نفسه للنظر في المظالم، فردها، وراعى السنن العادلة، ورد مظالم بني أمية على أهلها، فلما عوتب في شدته عليهم فيها قال: «كل يوم أتقيه وأخافه دون يوم القيامة لا وُقِيته» .\rثم جلس لها من خلفاء بني العباس جماعة، أولهم المهدي ثم الهادي ثم الرشيد ثم المأمون وكان آخرهم المهتدي، حتى عادت الأملاك إلى مستحقيها (1) .\rوهكذا نشأ نظام المظالم واستقل عن القضاء العادي.\rثانياً ـ صفة ناظر المظالم: كان الخليفة كما تقدم أول من نظر المظالم ومثله الوزراء والأمراء. ويصح النظر في المظالم بتقليد خاص من ولي الأمر لكل من توافرت فيه شروط ولاية العهد، أو وزارة التفويض، أو إمارة الأقاليم إذا كان نظره في المظالم عاماً.\rفإن اقتصرت مهمة المقلد للقضاء على تنفيذ ما عجز القضاة عن تنفيذه، وإمضاء ما قصرت يدهم عن إمضائه، جاز أن يكون ناظر المظالم دون مرتبة الوزير والأمير في القدر والخطر، بشرط ألا تأخذه في الحق لومة لائم.\r-------------------------------\r(1) المرجع السابق: ص 73 وما بعدها.","part":8,"page":367},{"id":5372,"text":"هيئة محكمة المظالم: لابد لتكوين مجلس نظر المظالم من خمسة أصناف لا يستغني عنهم ناظر المظالم ولا ينتظم نظره إلا بهم، وهم (1) :\r1 - الحماة والأعوان لجذب القوي، وتقويم الجريء.\r2 - القضاة والحكام لاستعلام ما ثبت عندهم من الحقوق، ومعرفة ما جرى في مجالسهم بين الخصوم.\r3 - الفقهاء ليرجع إليهم فيما أشكل، ويسألهم عما اشتبه وأعضل.\r4 - الكتّاب ليثبتوا ما جرى بين الخصوم وما توجه لهم أو عليهم من الحقوق.\r5 - الشهود: ليشهدهم على ما أوجبه من حق وأمضاه من حكم. فإذا استكمل مجلس المظالم بهؤلاء الأصناف شرع الناظر حينئذ في النظر فيها.\rثالثاً ـ اختصاصات ديوان المظالم :\rيختص ناظر المظالم باختصاصات متعددة بعضها استشاري يتعلق بمراقبة تطبيق أحكام الشرع، وبعضها إداري يتعلق بمراقبة أعمال الموظفين ولو بدون متظلم من الناس، كما يظهر من الاختصاصات الثلاثةالأولى، وبعضها قضائي يتعلق بفصل الخصومات بين الحكام والرعية، أو بين الرعية أنفسهم. وهذه الاختصاصات تفصيلاً هي ما يأتي (2) :\rأولاً ـ النظر في تعدي الولاة على الرعية وأخذهم بالعسف في السيرة.\rثانياً ـ النظر في جور العمال فيما يجبونه من الأموال، فيرجع فيه إلى القوانين العادلة في دواوين الأئمة، فيحمل الناس عليها، ويأخذ العمال بها، وينظر فيما استزادوه، فإن رفعوه إلى بيت المال أمر برده، وإن أخذوه لأنفسهم استرجعه لأربابه.\rثالثاً ـ تصفح أعمال كتاب الدواوين؛ لأنهم أمناء المسلمين على ثبوت أموالهم فيما يستوفونه لهم، ويوفونه منه.\rهذه الأقسام الثلاثة لا يحتاج والي المظالم في تصفحها إلى متظلم.\rرابعاً ـ النظر في تظلم المسترزقة (أي الموظفين والجنود) من نقص أرزاقهم أو تأخرهم عنهم.\rخامساً ـ رد الغصوب، أي الأموال المغتصبة بدون حق. وهي نوعان:\rأ ـ غصوب سلطانية: وهي التي يأخذها الحكام أو ولاة الجور من أصحابها بدون حق، إما بأخذها للدولة أو لأنفسهم ظلماً. وحكمها أن والي المظالم يأمر بردها إلى أصحابها إن علم بها عند ممارسة إشرافه على الولاة، ولو قبل التظلم إليه، فإذا لم يعلم بها توقف نظره فيها على تظلم أربابها. ويمكنه الاعتماد على ديوان السلطنة في إثبات حق صاحبها، دون حاجة لتقديم الأدلة من مستحقها.\rب ـ غصوب الأقوياء: وهي التي يتغلب عليها ذوو الأيدي القوية من الأفراد المتنفذين ذوي الوجاهة في الدولة، فيتصرفون فيها تصرف الملاك بالقهر والغلبة. وهذا النوع يتوقف النظر فيه على تظلم أربابه.\rولا ينتزع من يد غاصبه إلا بأحد أمور أربعة:و هي اعتراف الغاصب وإقراره أو علم والي المظالم بها، أو بينة تشهد بالغصب، أو تظاهر الأخبار، أي التسامع الذي ينفي عنها التواطؤ ولا يختلج فيها الشك.\r-------------------------------\r(1) المصدر السابق: ص 76.\r(2) المصدر السابق نفسه: ص76 ومابعدها.","part":8,"page":368},{"id":5373,"text":"سادساً ـ الإشراف على شؤون الأوقاف وهي نوعان:\rأ ـ أوقاف عامة على مصالح عامة كالمساجد والمدارس ونحوها. وهذه ينظر في شأنها، وإن لم يكن فيها متظلم، ليصرف ريعها في سبلها،وينفذ شروط واقفها إذا عرفها من أحد ثلاثة أوجه: إما من دواوين المندوبين لحراسةالأحكام، وإما من دواوين السلطنة، وإما من كتب فيها قديمة يترجح ظن صحتها، وإن لم يشهد الشهود بها.\rب ـ أوقاف خاصة: وهي الموقوفة على أشخاص معينين. فلا ينظر في منازعاتها إلا بتظلم مستحقيها، ولا يحكم بها إلا بطرق الإثبات العادية المقررة شرعاً.\rسابعاً ـ تنفيذ أحكام القضاة التي عجزوا عن تنفيذها، لتعزز المحكوم عليه وقوة يده، أو لعلو قدره وعظيم خطره.\rثامناً ـ النظر فيما عجز عنه ناظرو الحسبة في المصالح العامة كالمجاهرة بمنكر ضعف عن دفعه، والتعدي في طريق عجز عن منعه، والتحيف في حق لم يقدر على رده.\rتاسعاً ـ مراعاة العبادات الظاهرة كالجُمَع والأعياد والحج والجهاد، من تقصير فيها، وإخلال بشروطها، فإن حقوق الله أولى أن تستوفى، وفروضه أحق أن تؤدى.\rعاشراً ـ النظر بين المتشاجرين، والحكم بين المتنازعين، فلا يخرج في النظر بينهم عن موجب الحق ومقتضاه، ولا يسوغ أن يحكم بينهم إلا بما يحكم بها الحكام والقضاة.\rرابعاً ـ الفرق بين نظر المظالم ونظر القضاة :\rقد يثور التساؤل في تحديد جهة المحكمة المختصة بنظر النزاع، هل ديوان المظالم أو القضاء العادي، مما يدعو إلى توضيح الفروق بينهما وهي عشرة كما أبان الماوردي (1) :\r1 - لناظر المظالم من فضل الهيبة وقوة اليد ما ليس للقضاة في ردع الخصوم ومنع الظلمة من التسلط.\r2 - ناظر المظالم أفسح مجالاً وأوسع مقالاً.\r3 - سلطات ناظر المظالم أوسع في التحقيق والاستدلال وطرق الإثبات المعتمدة على القرائن والأمارات وشواهد الأحوال.\r4 - لناظر المظالم أن يقابل من ظهر ظلمه بالتأديب، ويأخذ من بان عدوانه بالتقويم والتهذيب.\r5 - له الحق في التأني والتأجيل عند الاشتباه والإبهام ما ليس للحكام إذا طلب منهم أحد الخصمين فصل الحكم وإصدار القرار.\r6 - له رد الخصوم لفصل التنازع صلحاً عن تراض، وليس للقاضي الرد إلا إذا رضي الخصمان.\r7 - له أن يفسح في ملازمة الخصمين إذا وضحت أمارات التجاحد، ويأذن بالكفالة فيما يسوغ فيه التكفل لينقاد الخصوم إلى التناصف ويعدلوا عن التجاحد والتكاذب.\r8 - له أن يسمع من شهادات المستورين ما يخرج عن عرف القضاة في شهادة المعدلين.\r9 - له إحلاف الشهود عند إرتيابه بهم، ويستكثر من عددهم ليزول عنه الشك ، وينفي عنه الارتياب، وليس ذلك للحاكم العادي.\r10 - له أن يبدأ باستدعاء الشهود، ويسألهم عما عندهم من تنازع الخصوم. وأما عادة القضاة فهي تكليف المدعي إحضار بينة، ولا يسمعونها إلا بعد مسألته وطلبه.\rوفيما عدا هذه الأمور العشرة هما متساويان.\r-------------------------------\r(1) الأحكام : ص79 وما بعدها.","part":8,"page":369},{"id":5374,"text":"المبحث الخامس ـ نظام الحسبة أو ولاية الحسبة في الإدارة الإسلامية :\rتمهيد في تاريخ الحسبة :\rظهر في العهود الإسلامية الأولى نظام الحسبة إلى جانب نظام القضاء العادي وولاية المظالم، وكان ذلك أحد أنظمة الإدارة الإسلامية الأصلية المنبثقة عن نظام الخلافة التي هي في الحقيقة نيابة عن صاحب الشرع في حفظ الدين وسياسة الدنيا.\rذكر ابن خلدون في مقدمته: أن الخطط الدينية الشرعية، من إمامة الصلاة، والفتيا، والقضاء، والجهاد والحسبة، كلها مندرجة تحت الإمامة الكبرى التي هي الخلافة، فكأنها الإمام الكبير، والأصل الجامع، وهذه كلها متفرعة عنها، وداخلة فيها لعموم نظر الخلافة، وتصرفها في سائر أحوال الملة الدينية والدنيوية، وتنفيذ أحكام الشرع فيها على العموم (1) .\rوهنا أفصل الكلام في ولاية الحسبة على النحو التالي:\r1 - حقيقة الحسبة:\rوهي تشمل تعريف الحسبة وأساسها وغايتها، وقاعدتها وأصلها، وواضعها والفرق بين المحتسب والمتطوع وشروطها وآدابها.\r2 - اختصاصات المحتسب.\r3 - مقارنة أوموازنة بين ولاية الحسبة ونظام القضاء وولاية المظالم أو نظر المظالم.\rأولاً ـ حقيقة الحسبة :\rتتبين حقيقة الحسبة في توضيح الأمور التالية:\r1 - تعريفها: الحسبة: هي أمر بالمعروف إذا ظهر تركه، ونهي عن المنكر إذا\r-------------------------------\r(1) مقدمة ابن خلدون: ص 195، ط دار الشعب بالقاهرة.","part":8,"page":370},{"id":5375,"text":"ظهر فعله (1) . أو هي وظيفة دينية، من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، الذي هو فرض على القائم بأمور المسلمين، يعيِّن لذلك من يراه أهلاً له، فيتعيَّن فرضه عليه، ويتخذ الأعوان على ذلك، ويبحث عن المنكرات، ويعزِّر، ويؤدِّب على قدرها، ويحمل الناس على المصالح العامة في المدينة، مثل المنع من المضايقة في الطرقات، ومنع الحمَّآلين وأهل السفن من الإكثار في الحمل، والحكم على أهل المباني المتداعية للسقوط بهدمها، وإزالة ما يتوقع من ضررها على السابلة (المارّة) (2) .\rقال ابن القيم في كتاب الطرق الحكمية: وأما الحكم بين الناس فيما لا يتوقف على الدعوى، فهو المسمى بالحسبة، والمتولي له والي الحسبة.\rوقد جرت العادة بإفراد هذا النوع بولاية خاصة، كما أفردت ولاية المظالم بولاية خاصة، والمتولي لها يسمى والي المظالم، وولاية المال قبضاً وصرفاً بولاية خاصة والمتولي لذلك يسمى وزيراً، وناظر البلد لإحصاء المال وضبطه تسمى ولايته: ولاية استيفاء، والمتولي لاستخراجه وتحصيله ممن هو عليه تسمى ولايته ولا ية السِّر، والمتولي لفصل الخصومات وإثبات الحقوق، والحكم في الفروج والأنكحة والطلاق والنفقات، وصحة العقود وبطلانها: هو المخصوص باسم الحاكم والقاضي. وبه يتبين أن ولاية الحسبة: خاصتها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فيما ليس من خصائص الولاة والقضاة (3) .\rيتبين من هذا أن الحسبة لا تتوقف على رفع الدعوى من أحد الخصوم، ويصح لأي واحد من الناس تبليغ المحتسب بوجود منكر في زمان أو مكان أو لدى شخص معين يقيم مثلاً علاقة غير مشروعة مع امرأة بسبب طلاقها، أو وجود رضاع مشترك بينه وبينها من أم واحدة، أو تعايش معها دون وجود عقد زواج صحيح يربط بينهما.\rكما أن للمحتسب أن يتصدى بنفسه لأمر بمعروف أو منع منكر واقع دون انتظار دعوى مرفوعة من شخص ما.\r-------------------------------\r(1) الأحكام السلطانية للماوردي: ص 240، ط البابي الحلبي بمصر.\r(2) مقدمة ابن خلدون: ص 201، ط دار الشعب، 576 ط التجارية بالقاهرة.\r(3) الطرق الحكمية في السياسة الشرعية: ص 344، 349، مطبعة المدني بالقاهرة.","part":8,"page":371},{"id":5376,"text":"وتكون الحسبة على هذا النحو متعلقة بالنظام العام والآداب، وقد تتعلق بالجنايات أحياناً مما يحتاج إلى سرعة في الفصل فيه، من أجل حماية القيم الإنسانية أو الدينية وتكوين المجتمع الفاضل، فهي إذن ضرورة اجتماعية لا بد منها تمثِّل المجتمع وقيمه، وهي أسبق إلى معرفة ما يسمى في العصر الحديث بنظرية الدفاع الاجتماعي ضد الجريمة، إذ لهاجانبان: إيجابي وسلبي، تقمع الجريمة وتطارد المجرمين من المجتمع دون حاجة لادعاء شخصي، وتقوم بدور الوقاية من الجرائم قبل وقوعها، بالترغيب في فعل المعروف، والترهيب من ارتكاب الفواحش والمنكرات التي تؤدي إلى الإخلال بأمن الجماعة واستقرارها، والحفاظ على الأعراض والحرمات.\rقال ابن خلدون: ولا يتوقف حكم المحتسب على تنازع أو استعداء (أي ادعاء) بل له النظر والحُكم فيما يصل إلى علمه من المنكرات ويرفع إليه، وليس له إمضاء الحكم في الدعاوى مطلقاً، بل فيما يتعلق بالغش والتدليس (إخفاء العيوب بحيلة) في المعايش وغيرها في المكاييل والموازين، وله أيضاً حمل المماطلين على الإنصاف، وأمثال ذلك مما ليس فيه سماع بيِّنة ولا إنفاذ حكم، وكأنها أحكام يُنزَّه القاضي عنها لعمومها وسهولة أغراضها، فتدفع إلى صاحب هذه الوظيفة ليقوم بها، فوضعها على ذلك أن تكون خادمة لمنصب القضاء. وقد كانت في كثير من الدول الإسلامية، مثل العبيديين بمصر، والمغرب، والأمويين بالأندلس داخلةً في عموم ولاية القاضي، يولّي فيها باختياره.","part":8,"page":372},{"id":5377,"text":"ثم لما انفردت وظيفة السلطان عن الخلافة، وصار نظره عاماً في أمور السياسة، اندرجت في وظائف الملك وأفردت بالولاية (1) .\r2 - أساسها: أساس الحسبة: قول الله تعالى: {ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، وأولئك هم المفلحون} [آل عمران:104/3] وقول النبي صلّى الله عليه وسلم : «من غشنا فليس منا» (2) فهي من قواعد الأمور الدينية، وهي ولاية دينية ناشئة من فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.\r3 - غايتها: غايتها أو مقصودها مثل مقصود جميع الولايات في الإسلام:\rأن يكون الدين كله لله ، وأن تكون كلمة الله هي العليا، بتحقيق العبودية لله، والقيام بواجب عبادة الله ، وعبادته تكون بطاعته وطاعة رسوله، وذلك هو الخير والبر والتقوى، والحسنات والقربات، والباقيات الصالحات، والعمل الصالح، وهذه مظاهر إيجابية المسلم، ليظل نقياً بنفسه، طاهراً مطهراً من شوائب الانحراف، وجميع الحسنات لا بد فيها من شيئين: أن يراد بها وجه الله ، وأن تكون موافقة للشريعة قولاً وعملاً، كلاماً طيباً وعملاً صالحاً.\rوالطاعة تتطلب أيضاً في شطرها الثاني: البعد عن المعاصي أو الجرائم والفواحش والمنكرات، لأن نقاوة المجتمع ونظافته لا تتوافر إلا بالإقلاع عن هذه الأمور، وذلك مظهر مدني وحضاري رفيع، كما أن للمعاصي انعكاسات سيئة على الفرد والجماعة، لأن الله تعالى أبان لنا بنحو واضح أن المعاصي سبب\r-------------------------------\r(1) مقدمة ابن خلدون، المرجع والمكان السابق.\r(2) حديث صحيح أخرجه الترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه.","part":8,"page":373},{"id":5378,"text":"المصائب، فالمصيبة والجزاء من سيئات الأعمال، والطاعة سبب النعمة، وإحسان العمل سبب لإحسان الله ، قال الله تعالى: {وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ، ويعفو عن كثير} [الشورى:30/42] وقال تعالى: {ما أصابك من حسنة فمن الله ، وما أصابك من سيئة فمن نفسك} [النساء:4/79] وأخبر سبحانه بما عاقب به في الدنيا أهل السيئات من الأمم، كقوم نوح وعاد وثمود، وقوم لوط وأصحاب مدين، وقوم فرعون، وأخبر أيضاً بما يعاقبهم به في الآخرة (1) .\rولهذا كانت الولاية لمن يتخذها ديناً يتقرب به إلى الله ، ويفعل فيها الواجب بحسب الإمكان: من أفضل الأعمال الصالحة، حتى قد روى الإمام أحمد في مسنده عن النبي صلّى الله عليه وسلم أنه قال: «إن أحب الخلق إلى الله إمام عادل، وأبغض الخلق إلى الله إمام جائر» (2) .\r4 - واضعها: واضع نظام الحسبة تنفيذاً لواجب أو مبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر المقرر في الإسلام وشرعه: هو عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فإنه كان يقوم بنفسه بمراقبة أحوال السوق لمنع الغش ويتعسس في الليل لتفقد أحوال المسلمين ومقاومة الظلمة والمنحرفين وتعقب المجرمين. ولكن عرفت التسمية في عهد الخليفة العباسي (3) :\r5 - قاعدتها: قاعدة الحسبة وأصلها: هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي بعث الله به رسله، وأنزل به كتبه، ووصف به هذه الأمة، وفضّلها لأجله\r-------------------------------\r(1) الحسبة لابن تيمية: ص 4، 75، 104، ط مكة.\r(2) المرجع السابق: ص 7.\r(3) تاريخ القضاء في الإسلام للقاضي محمود عرنوس: 107، مقدمة ابن خلدون: ص 576، ط التجارية بمصر .","part":8,"page":374},{"id":5379,"text":"على سائرالأمم التي أخرجت للناس، وهذا واجب على كل مسلم قادر، وهو فرض كفاية، ويصير فرض عين على القادر الذي لم يقم به غيره من ذوي الولاية والسلطان، فعليهم من الوجوب ما ليس على غيرهم، فإن مناط الوجوب: هو القدرة، فيجب على القادر ما لا يجب على العاجز، قال الله تعالى: {فاتقوا الله ما استطعتم} [التغابن:16/64] (1) .\r6 - الفرق بين المحتسب والمتطوع :\rالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإن كان واجباً عاماً على كل مسلم قادر، كما تقدم، غير أن هناك فرقاً بين المحتسب والمتطوع من تسعة أوجه ذكرها الماوردي (2) ، ويمكن إيجازها فيما يأتي:\rأحدها ـ الحسبة فرض عين على المحتسب بحكم ولايته أو وظيفته المأجورة، فلا يجوز أن يتشاغل عنه، وفرض كفاية على غيره من المسلمين، فهي من نوافل عمله الذي يجوز أن يتشاغل عنه.\rالثاني ـ المحتسب مخصص للادعاء فيما يجب إنكاره، وعليه إجابة المدعي المستعدي، وأما غيره فليس مخصصاً لهذا، ولا يلزمه إجابة المستعدي.\rالثالث ـ على المحتسب أن يبحث عن المنكرات الظاهرة لينكرها على فاعلها، ويفحص عما ترك من المعروف الظاهر ليأمر بإقامته، وليس على المتطوع بحث ولا فحص.\rالرابع ـ للمحتسب أن يتخذ أعواناً على إنكاره، وله أن يعزِّر في المنكرات الظاهرة وله رزق من بيت المال، وليس للمتطوع ذلك.\rالخامس ـ للمحتسب الاجتهاد فيما يتعلق بالعرف دون الشرع، كالقعود في الأسواق، وإخراج الأجنحة (القواعد البارزة) في الشوارع وليس هذا للمتطوع.\r-------------------------------\r(1) الطرق الحكمية لابن القيم: ص 345، ط المدني بالقاهرة.\r(2) الأحكام السلطانية: ص 240، ط: البابي الحلبي.","part":8,"page":375},{"id":5380,"text":"7 - شروطها وآدابها :\rيشترط في والي الحسبة: أن يكون حراً، عدلاً، ذا رأي وصراحة وخشونة في الدين، وعلم بالمنكرات الظاهرة، وهذه الضوابط توفر له الهيبة، وتعينه على قمع المنكر، وتجعله نافذ الكلمة، مسموع القول، لا مكان للجدال فيما يأمر به أو ينهى عنه، لأن المهم تحقيق الغاية من وجوده، وإظهار حرمة الشرع، وشيوع الفضيلة، واحترام الأخلاق والآداب العامة.\rواختلف الفقهاء وعلماء الأصول في اشتراط كونه من أهل الاجتهاد على قولين، فقال بعضهم وهو أبو سعيد الاصطخري: يشترط، وله بالتالي إلزام الناس برأيه واجتهاده، وقال الأكثرون: لا يشترط، فليس له إلزام الناس برأيه ومذهبه الاجتهادي فيما لا نص صريح فيه. وعلى هذا يجوز في الراجح أن يكون المحتسب من غير أهل الاجتهاد إذا كان عارفاً بالمنكرات المتفق على تحريمها.\rولابد للمحتسب من الرفق في أموره كلها، كما قال النبي صلّى الله عليه وسلم ـ فيما رواه عبد ابن حميد والضياء عن أنس ـ «ما كان الرفق في شيء إلا زانه، ولا نزع من شيء إلا شانه» ولا بد أيضاً أن يكون حليماً صبوراً على الأذى، فإن لم يحلم ويصبر، كان مفسداً أكثر مما يصلح، كما قال لقمان لابنه: {وأمر بالمعروف وانه عن المنكر، واصبر على ما أصابك، إن ذلك من عزم الأمور} [لقمان:17/31] ويضم المحتسب إلى أمره ونهيه الإحسان إلى الغير إحساناً يحصل به مقصوده من حصول المحبوب واندفاع المكروه، فإن النفوس لا تصبر على المرّ إلا بنوع من الحلو (1) .\r-------------------------------\r(1) الأحكام السلطانية للماوردي: ص 241، الحسبة لابن تيمية: ص 72 وما بعدها، 89، طبع مكة.","part":8,"page":376},{"id":5381,"text":"ثانياً ـ اختصاصات المحتسب :\rيتولى المحتسب وظائف لها صلة بالقضاء والمظالم والشرطة، فهو ينظر في المنازعات الظاهرة التي لاتحتاج إلى أدلة إثباتية، كدعاوى الغش والتدليس (إخفاء العيوب بحيلة) وتطفيف المكيال والميزان (بالزيادة له والنقص لغيره) فهو بهذا كالقاضي، ويؤدب مرتكبي المعاصي التي ترتكب جهراً أو تخل بآداب الإسلام، فهو بهذا كناظر المظالم. ويرعى النظام والآداب والأمن في الشوارع والأسواق مما لا تجوز مخالفته، فيكون بهذا كالشرطة أو النيابة العامة (1) .\rوتنحصر اختصاصات المحتسب في أمرين:\rأحدهما ـ الأمر بالمعروف.\rوالثاني ـ النهي عن المنكر (2) .\rوذلك مما ليس من خصائص الولاة والقضاة وأهل الديوان ونحوهم. وكل ما يتعلق بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ثلاثة أقسام:\rأحدها ـ حقوق الله تعالى: والمراد بحق الله تعالى: ما يتعلق به النفع العام للعالم من غير اختصاص بأحد، ويقابله الحق العام أو حق المجتمع في الاصطلاح القانوني الحديث، ويدخل فيه العبادات وحقوق الجماعة.\rوثانيها ـ حقوق العباد أو الآدميين: والمراد بحق العبد: ما يتعلق به مصلحة خاصة، كحق الملكية وحرمة مال الغير، ويقابله في عرفنا اليوم الحق الخاص.\rوثالثها ـ حقوق مشتركة بين الله والعباد: وهو ما اجتمع فيه حق الله وحق العبد، لكن يكون المراعى فيه إما مصالح العباد أو مصلحة المجتمع وإما مصلحة العبد، مثل حق القصاص في رأي الحنفية والمالكية، وحد القذف في رأي الحنفية، والغالب في القصاص حق العبد، والغالب في حد القذف حق الله تعالى، أي حق الجماعة.\rوأبيّن أقسام كل منهما لتتضح مهمة المحتسب.\r-------------------------------\r(1) السلطات الثلاث للدكتور سليمان الطماوي: ص 323، مدخل الفقه الإسلامي للأستاذ المرحوم محمد سلام مدكور: ص 407.\r(2) انظر الأحكام السلطانية للماوردي: ص 243-252، الحسبة لابن تيمية: 11-29، 31-37، 41-49، 52-57، ط مكة، الطرق الحكمية لابن القيم: ص 349-363، ط المدني بالقاهرة.","part":8,"page":377},{"id":5382,"text":"1 - الأمر بالمعروف :\rالمعروف: كل ما أمر به الشرع وارتضاه العقل السليم والأعراف الحميدة ويكون الأمر بالمعروف على النحو التالي:\rأ ـ ما يتعلق بحقوق الله الخالصة: وهو إما أن يخص الجماعة أو يخص الأفراد (أو الأشخاص).\rفأما ما يخص الجماعة: فيراقب المحتسب ترك الواجبات الدينية العامة، سواء أكانت من الشعائر، كإقامة الأذان للصلوات، وأداء صلاة الجمعة والجماعة في المساجد، أ م من غير الشعائر، كترك فريضة الصيام والصلاة، فيأمر المقصرين بها، ويعاقب من لم يصل أولم يصم بالضرب والحبس.\rويلاحظ أن اعتناء ولاة الأمور بإلزام الرعية بإقامة الصلاة: أهم من كل شيء فإنها عماد الدين، وأساسه وقاعدته، وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يكتب إلى عماله: «أن أهم أمركم عندي الصلاة، فمن حفظها وحافظ عليها، حفظ دينه، ومن ضيعها كان لماسواها أشد إضاعة» . وأما ما يخص الأشخاص أو الأفراد: فهو زجر من يؤخر الصلاة عن وقتها بلا عذر شرعي.\rب ـ ما يتعلق بحقوق العباد: وهو أيضاً نوعان: عام وخاص.\rفأما الحقوق العامة: فمثل تعطل مرافق البلد العامة من شِرْب وتهدم أسوار ومساجد، ومراعاة بني السبيل، فيأمر بتأمين هذه المرافق وإشباعها إما من بيت المال، أو من أغنياء المسلمين عند عجز بيت المال.\rوأما الحقوق الخاصة: فمثل المماطلة في أداء الحقوق والديون، وكفالة من تجب كفالته من الصغار، فيأمر المحتسب بأداء الحقوق عند القدرة واليسار، بشرط ادعاء المستحق لها عنده وإثبات حقه. وكذلك يأمر بالكفالة عند استيفاء شروطها.","part":8,"page":378},{"id":5383,"text":"جـ ـ ما يتعلق بالحقوق المشتركة: كمطالبة الأولياء بإنكاح الأيامى (غير المتزوجات) من أكفائهن إذا طلبن، وإلزام النساء أحكام العِدَد إذا فورقن، وللمحتسب تأديب من خالف في العدة من النساء، وليس له تأديب من امتنع من الأولياء من تزويج الأيامى. وتكليف أرباب البهائم بإطعامها، وألا يستعملوها فيما لا تطيق. وإلزام من التقط لقيطاً بحقوقه أو تسليمه لمن يقوم بها ويلتزمها، وتضمينه الضالة بالتقصير في رعايتها أو تسليمها إلى غيره، وعدم ضمان اللقيط إذا هلك أو سلمه لغيره.\r2 - النهي عن المنكر :\rأ ـ ما يتعلق بحقوق الله تعالى، وتقسم ثلاثة أقسام:\rالأول ـ العبادات: ينكر المحتسب الإخلال بشروط الصلاة وآدابها وطهارتها الشرعية، ويؤدب المعاند فيها. ويردع المفطرين في رمضان بغير عذر شرعي من سفر أو مرض، وينكر المجاهرة بالإفطار لئلا يعرض المفطر نفسه للتهمة، ولئلا يقتدي به من ذوي الجهالة ممن لا يقدر العذر.\rويجبي الزكاة جبراً من الممتنع عن أدائها من الأموال الظاهرة، ويعزره على الخيانة بغير عذر. وينكر على المقصر بأداء الزكاة عن الأموال الباطنة، ويؤدبه إن ثبت تقصيره.\rكذلك ينكر التسول (السؤال) من غير حاجة، ويؤدب الغني بمال أو عمل، وينكر أيضاً تصدي الجهلة لإفتاء الناس بعلم الشرع، ويمنعهم من ذلك منعاً من التغرير والفتنة والإيقاع في الضلالة.\rالثاني ـ المحظورات: وهي التي نهى عنها الله ورسوله. ووظيفة المحتسب: أن يمنع الناس من مواقف الريب ومظان التهمة، لقوله صلّى الله عليه وسلم : «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك» (1) فيقدم الإنكار ولا يعجل بالتأديب، مثل اختلاط النساء بالرجال في المساجد والطرقات والأماكن العامة. والمجاهرة بإظهار الخمر والمسكرات، أو الملاهي المحرمة، فيريق المسكرات على المسلم، ويؤدب الذمي على إظهارها، ويفك أدوات الملاهي حتى تصير خشباً، ويؤدب المجاهر بها، ولا يكسرها إن صلح خشبها للانتفاع به لغير الملاهي.\rوأما ما لم يظهر من المحظورات فليس للمحتسب أن يتجسس عنها، ولا أن يهتك الأستار حذراً من الاستتار بها، قال النبي صلّى الله عليه وسلم : «من أتى من هذه القاذورات شيئاً، فليستتر بستر الله ، فإن من يبد لنا صفحته، نقم حد الله تعالى عليه» (2) .\r-------------------------------\r(1) رواه الترمذي والنسائي عن الحسن بن علي رضي الله عنهما، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح.\r(2) ذكره الماوردي في الأحكام السلطانية: ص 252. وأخرج الترمذي وابن ماجه والحاكم عن علي رضي الله عنه عن النبي صلّى الله عليه وسلم قال: «من أصاب حداً فعُجِّل عقوبته في الدنيا فالله أعدل من أن يثنّي على عبده العقوبة في الآخرة، ومن أصاب حداً فستره الله عليه وعفا عنه، فالله أكرم من أن يعود في شيء قد عفا عنه» .","part":8,"page":379},{"id":5384,"text":"الثالث ـ المعاملات المنكرة: كالربا وعقود الميسر والبيوع الفاسدة وما منع الشرع منه، كالغش والتدليس في الصناعات والبياعات، وبخس الكيل والميزان، والخيانة. وعلى المحتسب إنكاره والمنع منه والزجر عليه والتأديب عليه بحسب الأحوال إذا كان متفقاً على حظره. وأما المختلف فيه بين الفقهاء بالحظر والإباحة، فلا دخل له في إنكاره.\rوتعد عقود الزواج المحرَّمة في معنى المعاملات الممنوعة.\rب ـ وأما حقوق الآدميين المحضة، كتعديات الجيران فيما بينهم، بتجاوز حد الجار أو حريم داره ، أو تركيب الجذوع على جداره، أو تدلي أغصان الشجرة على دار الجار، ونحو ذلك مما يسمى ( التعسف في استعمال الحق ) فليس للمحتسب النظر فيها إلا بادعاء شخصي من الجار.\rوأما أهل الصنائع: فيقر المحتسب المتقن لها، كالطبيب والمعلم أو الأمين كالصانع والحائك والقصار والصباغ، أو المجيد كالنجار والحذَّآء، وينكر على المقصر أو الخائن أو الرديء.","part":8,"page":380},{"id":5385,"text":"جـ ـ ما يتعلق بالحقوق المشتركة: كالمنع من الإشراف على منازل الناس، ومنع أئمة المساجد من إطالة الصلاة حتى يعجز عنها الضعفاء، وينقطع عنها ذوو الحاجات، وتنبيه القضاة الذين يحجبون المتخاصمين من التحاكم بلا عذر مشروع، ومنع أرباب المواشي من استعمالها فيما لا تطيق الدوام عليه، ومنع أصحاب السفن من حمل ما لا تسعه ويخاف من غرقها، ومن السير عند اشتداد الريح، ومن اختلاط الرجال بالنساء فيها، ووضع حائل (حاجز) بينهم.\rويراقب المحتسب الأسواق والطرقات العامة، فيمنع إقامة المباني فيها، ويأمر بهدم ما بني، ولو كان المبني مسجداً، لأن مرافق الطرق للسير لا للأبنية. ويمنع أيضاً وضع الأمتعة وآلات البناء فيها، كما يمنع إخراج الأجنحة والأسبطة ومجاري المياه والآبار الملحية ونحوها إذا أضرت بالناس.\rوله منع نقل الموتى من قبورهم حتى لا تنتهك حرماتهم، ويمنع من خصاء البهائم والآدميين ويؤدب عليه، ومن التكسب بالكهانة واللهو، ويؤدب عليه الآخذ والمعطي ونحوها من المنكرات.\rويمنع المحتسب سائر الحيل المحرمة على أكل الربا، وهي ثلاثة أنواع (1) :\rأحدها: ما يكون من واحد، كما إذا باعه سلعة بنسيئة، ثم اشتراها منه بأقل من ثمنها نقداً، حيلة على الربا.\rوثانيها: ما تكون ثنائية: وهي أن تكون من اثنين، مثل أن يجمع إلى القرض بيعاً أو إجارة أو مساقاة أو مزارعة ونحو ذلك، وقد ثبت عن النبي صلّى الله عليه وسلم أنه قال: «لا يحل سلف وبيع، ولا شرطان في بيع، ولا ربح ما لم يضمن، ولا بيع ما ليس عندك» قال الترمذي: حديث صحيح.\rوثالثها: ما تكون ثلاثية: وهي أن يدخلا بينهما محللاً للربا، فيشتري السلعة من آكل الربا، ثم يبيعها لمعطي الربا إلى أجل، ثم يعيدها إلى صاحبها بنقص دراهم يستعيدها المحلل.\rومن المنكرات: تلقي السلع قبل أن تجيء إلى السوق، فإن النبي صلّى الله عليه وسلم نهى عن ذلك، لما فيه من تغرير البائع، فإنه لا يعرف السعر، فيشتري منه المشتري، بدون القيمة، ولذلك أثبت له النبي صلّى الله عليه وسلم الخيار إذا دخل إلى السوق (2) . وفي الحديث: «غبن المسترسل ربا» (3) والمسترسل: هو الذي لا يعرف قيمة السلعة.\r-------------------------------\r(1) الطرق الحكمية: ص 351 ومابعدها.\r(2) الحسبة لابن تيمية: ص 42، الطرق الحكمية لابن القيم: ص 352.\r(3) رواه البيهقي عن أنس وعن جابر وعن علي رضي الله عنهم.","part":8,"page":381},{"id":5386,"text":"ويمنع المحتسب الاحتكار لما يحتاج إليه الناس، روى مسلم عن معمر بن عبد الله العدوي: أن النبي صلّى الله عليه وسلم قال: «لا يحتكر إلا خاطئ» فإن المحتكر الذي يعمد إلى شراء ما يحتاج إليه الناس من الطعام، فيحبسه عنهم، ويريد إغلاءه عليهم هو ظالم لعموم الناس.\rولهذا كان لولي الأمر أن يكره المحتكرين على بيع ما عندهم بقيمة المثل، عند ضرورة الناس إليه (1) .\rوأما التسعير: فمنه ما هو ظلم محرم، ومنه ما هو عدل جائز (2) .\rفإذا تضمن ظلم الناس وإكراههم بغير حق على البيع بثمن لا يرضونه، أو منعهم مما أباح الله لهم، فهو حرام. وإذا تضمن العدل بين الناس، مثل إكراههم على ما يجب عليهم من المعاوضة بثمن المثل، ومنعهم مما يحرم عليهم من أخذ الزيادة على عوض المثل، فهو جائز، بل واجب، لما فيه من إلزامهم بالعدل، ومنعهم من الظلم.\rوعلى ولي الأمر توزيع نسب الإنتاج بحسب المصلحة، من زراعة وصناعة وتجارة وبناء وغيرها، لأن توفير الحاجيات أمر مطلوب شرعاً، وتعلم الصناعات فرض على الكفاية، فلولي الأمر أن يلزم الناس بما يحقق الحاجة بأجرة المثل، فإنه لا تتم مصلحة الناس إلا بذلك.\rوالقاعدة العامة في هذا كما ذكر ابن تيمية في الحسبة: أنه إذا تعارضت المصالح والمفاسد والحسنات والسيئات، أو تزاحمت، فإنه يجب ترجيح الراجح منها. لكن اعتبار مقادير المصالح والمفاسد هو بميزان الشريعة، فمتى قدر الإنسان على اتباع النصوص لم يعدل عنها، وإلا اجتهد برأيه لمعرفة الأشباه والنظائر (3) .\r-------------------------------\r(1) الحسبة لابن تيمية: ص 29، 41، الطرق الحكمية: ص 354.\r(2) الحسبة، المرجع السابق: ص 17-18، 41-43، الطرق الحكمية: ص 355 وما بعدها، 368 ومابعدها.\r(3) الحسبة: ص 66 ومابعدها.","part":8,"page":382},{"id":5387,"text":"ثالثاً ـ مقارنة بين الحسبة والقضاء وولاية المظالم :\rتشترك هذه الوظائف العامة الثلاث في مهمة القضاء بالمعنى العام، لكن وظيفة المظالم أعلاها، ثم رتبة القضاء العادي، ثم ولاية الحسبة.\rأوضح الماوردي أوجه الشبه والاختلاف بين هذه الوظائف (1) .\r1 - المقارنة بين الحسبة والقضاء العادي :\rهناك أوجه شبه واختلاف بينهما.\rفأما أوجه الشبه فمحصورة في أمرين:\rالأول ـ جواز الاستعداء (الادعاء الشخصي) إلى المحتسب والقاضي، وسماع كل منهما دعوى المستعدي (المدعي) في حقوق الآدميين ضمن أنواع ثلاثة من الدعاوى فيها، وهي المتعلقة بالبخس والتطفيف في الكيل والوزن، أو بالغش والتدليس في المبيع أو الثمن، أوبالمطل والتأخير في الحقوق والديون مع القدرة. والسبب في انحصار اختصاصه بهذه الدعاوى الثلاث دون ما عداها: هو تعلقها بمنكر ظاهر يختص بإزالته، لأن موضوع الحسبة إلزام الحقوق والمعونة على استيفائها، وليس للناظر فيها أن يتجاوز ذلك إلى الحكم الناجز والفصل البات.\rوالثاني ـ للمحتسب كما للقاضي إلزام المدعى عليه بوفاء الحقوق التي يجوز له سماع الدعوى فيها، متى ثبت ذلك باعتراف وإقرار، وكان في وسعه الوفاء بها لتمكنه وإيساره، لأن في تأخير أدائها منكراً هو منصوب لإزالته.\rوأما أوجه الخلاف فهي أربعة:\r-------------------------------\r(1) الأحكام السلطانية: ص 241 وما بعدها.","part":8,"page":383},{"id":5388,"text":"الأول ـ ليس للمحتسب سماع الدعاوى الخارجة عن ظواهر المنكرات في العقود والمعاملات وسائر الحقوق والمطالبات، فهي من اختصاص القضاء.\rالثاني ـ تقتصر الدعاوى التي يسمعها المحتسب على الحقوق المعترف بها، فأما ما يتداخله التجاحد والتناكر، فلا يجوز له النظر فيه، لأن الحاكم فيها يحتاج إلى سماع بيِّنة وإحلاف يمين، ولا يجوز للمحتسب أن يسمع بيِّنة على إثبات الحق، ولا أن يحلف يميناً على نفي الحق.\rوهذان الوجهان يدلان على أن الحسبة أدنى رتبة من القضاء.\rالثالث ـ للمحتسب أن ينظر فيما يختص به دون حاجة إلى مدّعٍ متظلم. أما القاضي فلا يحق له النظر في نزاع من دون ادعاء أو شكوى.\rالرابع ـ عمل المحتسب يتسم بالشدة والسلاطة والقسوة، لأن الحسبة موضوعة للرهبة. وأما عمل القاضي فيتسم بالحلم والأناة والوقار، لأن القضاء موضوع للمناصفة.\rوهذان الوجهان يدلان على أن الحسبة تزيد رتبة عن القضاء.\r2 - المقارنة بين الحسبة وولاية المظالم :\rهناك أيضاً نواحي شبه واختلاف بين هذين النظامين.\rأما أوجه الشبه فهي: الأول ـ موضوعهما يعتمد على الرهبة وقوة الصرامة المختصة بالسلطنة.\rالثاني ـ للقائم بهما النظر في حدود اختصاصه من دون حاجة إلى متظلم. وأما أوجه الاختلاف فهي:\rالأول ـ النظر في المظالم موضوع لما عجز عنه القضاة، والنظر في الحسبة موضوع لما لاحاجة لعرضه على القضاء.\rالثاني ـ يجوز لوالي المظالم أن يحكم، ولا يجوز لوالي الحسبة أن يحكم.\rوهكذا يظهر أن المظالم والقضاء والحسبة يكمل بعضها بعضاً، وتؤدي غاية موحدة هي تحقيق العدل والإنصاف وحفظ الحقوق والأموال والدماء، وتطبيق أحكام الشرع المحققة لسعادة الناس في الدنيا والآخرة، وإقامة المجتمع الإنساني الفاضل.","part":8,"page":384},{"id":5389,"text":"وليس للمحتسب تطبيق العقوبات الشرعية على ترك المعروف والواجبات وفعل المنكر والمحرمات سواء أكان حداً أم تعزيراً، فإن ذلك من اختصاص ولي الأمر، وتكون إقامة الحدود والتعازير، أي العقوبات على فعل محرم، أو ترك واجب على ولاة الأمور فقط، لأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يتم إلا بالعقوبات الشرعية، فإن «الله يزَع بالسلطان ما يزَع بالقرآن» أي يردع، والتعزير أجناس، فمنه ما يكون بالتوبيخ والزجر بالكلام، ومنه ما يكون بالحبس، ومنه ما يكون بالنفي عن الوطن، ومنه ما يكون بالضرب.\rوالتعزير بالعقوبات المالية مشروع أيضاً في مواضع مخصوصة في مذهب مالك في المشهور عنه، ومذهب أحمد في مواضع، وأحد قولي الشافعي (1) .\rوالثواب والعقاب يكونان من جنس العمل في قدر الله وفي شرعه، فإن هذا من العدل الذي تقوم به السماء والأرض، كما قال الله تعالى:\r{إن تبدوا خيراً أو تخفوه أو تعفوا عن سوء، فإن الله كان عفواً قديراً} [النساء:4/149] (2) {وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به، ولئن صبرتم لهو خير للصابرين} [النحل:126/16] {فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم، واتقوا الله ، واعلموا أن الله مع المتقين} [البقرة:194/2].\r-------------------------------\r(1) الحسبة لابن تيمية: ص 46-57، الطرق الحكمية: ص 384-391.\r(2) الحسبة، المرجع السابق: ص 57 وما بعدها.","part":8,"page":385},{"id":5390,"text":"المبحث السادس ـ أصول التقاضي\rتتجلى الصورة العملية للتقاضي في مراحل ثلاث: وهي الدعوى، وطرق الإثبات، والحكم النهائي. فبها يمكن التوصل للحقوق وحسم النزاع واستقرار الأوضاع الحقوقية وإنهاء العدوان.\rالمرحلة الأولى ـ الدعوى: تعريفها، مشروعيتها، شرائطها، نوعاها، نطاقها، حكمها.\rالدعوى: هي إخبار بحق لإنسان على غيره عند الحاكم (1) . أو هي قول مقبول عند القاضي يقصد به صاحبه طلب حق له عند غيره، أو حمايته وإلزامه به. بأن يقول مثلاً: لي على فلان كذا، أو قضيت حق فلان، أو أبرأني عن حقه، ونحوها. وهي الوسيلة القضائية المشروعة لطلب الحق، إذ لا يجوز شرعاً للمحق ممارسة أي فعل يؤدي إلى الاعتداء على شخص المدعى عليه، منعاً للفوضى واستئصالاً للمنازعات، واستمرار التعديات، وإماتة الحقوق، ففي امتداد وجود الخصومة والمنازعة فساد كبير، والله تعالى لا يحب الفساد (2) . والأصل في مشروعيتها قول النبي صلّى الله عليه وسلم : «لو يعطى الناس بدعواهم لادعى رجال أموال قوم، ودماءهم، لكن البينة على المدعي، واليمين على من أنكر» (3) .\rواشترط فقهاء الحنفية لقبول الدعوى الشرائط الآتية (4) :\rأولاً ـ أهلية العقل أو التمييز: يشترط أن يكون المدعي والمدعى عليه عاقلين، فلا تصح دعوى المجنون والصبي غير المميز، كما لا تصح الدعوى عليهما، فلا يلزمان بالإجابة على دعوى الغير عليهما، ولا تسمع البينة عليهما. ويشترط توافر صفة البلوغ لممارسة أي حق عند غير الحنفية، أما القاصر فيمارس الدعوى عنه وليه.\rثانياً ـ أن تكون الدعوى في مجلس القضاء؛ لأن الدعوى لا تصح في غير هذا المجلس، أي المحكمة.\r-------------------------------\r(1) الدر المختار: 437/4، تكملة فتح القدير: 137/6، مغني المحتاج: 461/4، المغني: 271/9.\r(2) المبسوط: 28/17، المغني: 272/9، مغني المحتاج،المرجع السابق.\r(3) رواه البيهقي وغيره هكذا، وبعضه في الصحيحين عن ابن عباس.\r(4) المبسوط: 39/17، تكملة فتح القدير، المكان السابق، و 141 وما بعدها، البدائع: 222/6، 224، الدر المختار: 438/4.","part":8,"page":386},{"id":5391,"text":"ثالثاً ـ أن تكون دعوى المدعي على خصم حاضر لدى القاضي عند سماع الدعوى والبينة والقضاء، فلا تقبل الدعوى على غائب، كما لا يقضى على غائب عند الحنفية، سواء أكان غائباً وقت الشهادة أم بعدها، وسواء أكان غائباً في مجلس القضاء، أم عن البلد التي فيها القاضي، لقول النبي صلّى الله عليه وسلم : «فإنما أقضي له بحسب ما أسمع» (1) وقوله لعلي حين أرسله إلى اليمن: : «لا تقض لأحد الخصمين حتى تسمع من الآخر» (2) .\rوقال غير الحنفية: يجوز القضاء على الغائب إذا أقام المدعي البينة على صحة دعواه، وذلك في الحقوق المدنية، لا في الحدود الخالصة لله تعالى (3) لأنها مبنية على المسامحة والدرء والإسقاط، لاستغنائه تعالى، بخلاف حق الإنسان الخاص.\rرابعاً: أن يكون المدعى به شيئاً معلوماً: وذلك إما بالإشارة إليه عند القاضي إذا كان الشيء من المنقولات، أو ببيان حدوده إذا كان قابلاً للتحديد، كالأراضي والدور وسائر العقارات، أو بذكر رقم محضر السجل العقاري في التنظيم الحديث الذي يستغنى به عن الحدود والأوصاف في الماضي، أو بكشف يجريه القاضي أو من ينوب عنه إذا لم يكن المدعى به قابلاً للتحديد كحجر الرحى (الطاحونة)، أو ببيان جنسه ونوعه وقدره وصفته إذا كان المدعى به ديناً كالنقود والحبوب؛ لأن الدين لا يصير معلوماً إلا ببيان هذه الأمور.\r-------------------------------\r(1) من حديث أم سلمة الذي رواه الجماعة (نيل الأوطار: 287/8).\r(2) رواه أحمد وأبو داود والترمذي عن علي (نيل الأوطار: 274/8 وما بعدها).\r(3) البدائع: 222/6، 8/7، تكملة فتح القدير: المكان السابق، المبسوط، المكان السابق، بداية المجتهد: 460/2، المهذب: 3/2، المغني: 110/9.","part":8,"page":387},{"id":5392,"text":"والسبب في اشتراط هذا الشرط، أي العلم بالمدعى به: هو أن المدعى عليه لا يلزم بإجابة دعوى المدعي إلا بعد معرفة المدعى به، وكذلك الشهود لا يمكنهم الشهادة على مجهول، ثم إن القاضي لا يتمكن من إصدار الحكم أو القضاء بالدعوى إلا إذا كان المدعى به شيئاً معلوماً.\rخامساً : أن يكون موضوع الدعوى أمراً يمكن إلزام المدعى عليه به، أي أن يكون الطلب مشروعاً ملزماً في مفهومنا الحاضر. فإذا لم يكن بالإمكان إلزام المدعى عليه بشيء، فلا تقبل الدعوى، كأن يدعي إنسان أنه وكيل هذا الخصم الحاضر عند القاضي في أمر من أموره، أو يدعي على شخص بطلب صدقة، أو بتنفيذ مقتضى عقد باطل، فإن القاضي لا يسمع دعواه هذه إذا أنكر الخصم ذلك؛\rلأن الوكالة عقد غير لازم للموكل، فيمكنه عزل مدعي الوكالة في الحال. ولأن التبرع لا يلزم عليه الإنسان، وبطلان العقد لا يوجب على العاقد تنفيذ أي التزام ينشئه العقد الصحيح.\rسادساً: أن يكون المدعى به مما يحتمل الثبوت: لأن دعوى ما يستحيل وجوده حقيقة أو عادة، تكون دعوى كاذبة، فلو قال شخص لمن هو أكبر منه سناً: هذا ابني، لا تسمع دعواه؛ لاستحالة أن يكون الأكبر سناً ابناً لمن هو أصغر منه سناً. وكذا إذا قال لمعروف النسب من الغير: هذا ابني، لا تسمع دعواه.\rوبناء عليه تكون الدعوى نوعين: دعوى صحيحة مقبولة، ودعوى فاسدة مرفوضة.","part":8,"page":388},{"id":5393,"text":"فالدعوى المقبولة: هي التي استكملت شرائط الصحة المتقدمة، ويتعلق بها أحكامها المقصودة منها: وهي إلزام الخصم الحضور إلى ساحة المحكمة بواسطة أعوان القاضي، وإجابته دعوى المدعي، واليمين إذا أنكر المدعى به. ويثبت فيها حق المدعي بطرق الإثبات المشروعة، كالبينة (وهي الشهادة أي الإخبار في مجلس القضاء بحق شخصي على غيره)، ونحوها من اليمين والقرينة.\rوالدعوى المرفوضة أو الفاسدة الباطلة: هي التي لم يتوافر فيها شرط من شروط القبول المذكورة آنفاً، ولا تترتب عليها الأحكام السابقة المقصودة من الادعاء، كأن يكون المدعى به مجهولاً؛ لأن المجهول يتعذر إثباته بالشهادة، فلا يمكن للشهود أن يشهدوا به، ولا يتمكن القاضي من القضاء بالمجهول.\rواستحسن بعض شراح مجلة الأحكام العدلية قسمة الدعوى ثلاثة أقسام: صحيحة وفاسدة وباطلة (1) . الصحيحة: هي المستوفية جميع شرائطها وتتضمن طلباً مشروعاً، كطلب ثمن مبيع أو استرداد مغصوب. والفاسدة: هي المستوفية شرائطها الأساسية ولكن ينقصها بعض النواحي الفرعية كجهالة المدعى به، فلا يردها القاضي فوراً، وإنما يكلف المدعي أولاً تصحيحها بتحديد مدعاه. والدعوى الباطلة: هي غير المشروعة في أصلها كادعاء طلب صدقة من أحد، أو طلب تنفيذ عقد باطل، أو إيفاد دين؛ لأنه من جيران المدين. وهذه لا يترتب عليها حكم، بل يردها القاضي فوراً لعدم إمكان إصلاحها.\rوتحديد من هو المدعي والمدعى عليه أمر ضروري في الإسلام، لمعرفة المكلف بالبينة أو اليمين ونحوها. وقد عرِّف كل منهما بتعريفات شتى، منها أن المدعي: هو من لا يجبر على الخصومة إذا\r-------------------------------\r(1) المدخل الفقهي للأستاذ مصطفى الزرقا: ف/369.","part":8,"page":389},{"id":5394,"text":"تركها؛ لأنه طالب. والمدعى عليه: من يجبر على الخصومة؛ لأنه مطلوب. أو المدعي: من يلتمس بقوله أخذ شيء من يد غيره، أو إثبات حق في ذمته. والمدعى عليه: من ينكر ذلك (1) .\rوللدعوى أهمية كبرى بدليل اتفاق الفقهاء على أن استيفاء الحقوق وتوقيع العقوبات من قصاص وحدّ وتعزير لا يكون كقاعدة عامة إلا بواسطة الدعوى، ولا يستوفى الحق بغيرها وبغير القضاء إلا في أحوال استثنائية اضطرارية كالظفر بحق الدائن عند المدين المماطل.\rويتحدد نطاق الدعوى فيما اتفق عليه الفقهاء كما يأتي:\rأولاً ـ الحسبة والمظالم: لا يشترط فيهما الادعاء، وإنما للمحتسب ووالي المظالم التصدي للنظر في النزاع بمجرد اطلاعه عليه.\rثانياً ـ حقوق الله تعالى: وهي المتعلقة بمصلحة المجتمع كانتهاك الحرمات الدينية بالإفطار في نهار رمضان عمداً بغير عذر، والمجاهرة بالإلحاد، والإخلال بنظام الزواج شرعاً كزواج المسلمة بغير مسلم، والعقد على المحارم من النساء، والعشرة الزوجية بعد الطلاق البائن ثلاثاً، والعقد على المعتدة من طلاق أو وفاة. وارتكاب الجرائم الموجبة لحد يتعلق بحق الله المحض كالزنا وشرب الخمر ونحوهما. هذه الأمور يجوز للقاضي النظر في شأنها من تلقاء نفسه إذا علم بها، أو ادعى أي مسلم ولو لم يمسه الأمر شخصياً وإنما حسبة، كما تقدم في نظام الحسبة.\rثالثاً ـ حقوق العباد (أي الأفراد) الشخصية: وهي التي تمس مصلحة شخصية للإنسان. وهذه لا يختص القاضي بالنظر فيها بدون ادعاء صاحب الحق؛ لأن القضاء وسيلة إلى الحق، وحق الإنسان لا يستوفى إلا بطلبه. وتشمل هذه الحقوق ما يأتي:\rأ ـ المعاملات والتصرفات المدنية من بيع وإيجار وشركة ونحوها.\rب ـ أحكام الأسرة المالية كالنفقة والمهر والسكنى.\rوأما أحكام الأسرة غير المالية كادعاء النسب والبينونة والمحرمات والعشرة المحرمة، فلا يشترط فيها الدعوى.\rجـ ـ الجرائم والعقوبات التي فيها حق للعبد: كالقصاص والجروح وجرائم التعزير والقذف والسرقة والحرابة.\r-------------------------------\r(1) البدائع: 224/6، المغني لابن قدامة الحنبلي: 271/9.","part":8,"page":390},{"id":5395,"text":"وحكم الدعوى المقبولة: وجوب الجواب على المدعى عليه بقوله: لا، أو نعم. فلو سكت، كان ذلك منه إنكاراً، فتقبل بينة المدعي، ويحكم بها على المدعى عليه. فإذا أقر المدعى عليه بموضوع الدعوى، حكم القاضي عليه؛ لأنه غير متهم في إقراره على نفسه، ويؤمر بأداء الحق لصاحبه. وإن أنكر، طلب القاضي من المدعي إثبات حقه بالبينة، فإن أقام البينة قضى بها، لترجح جانب الصدق على الكذب بالبينة. وإن عجز المدعي عن تقدم البينة، وطلب يمين خصمه المدعى عليه، استحلفه القاضي (1) ، لقول النبي صلّى الله عليه وسلم في قصة خصمين: «ألك بينة؟ قال: لا، فقال النبي: فلك يمينه» أي يمين المدعى عليه (2) .\rالمرحلة الثانية ـ طرق إثبات الحق :\rإثبات الحق: هو إقامة الحجة أمام القضاء على الحق أو حدوث الواقعة. ولا يمكن للقاضي الفصل في أي خصومة أو قضية بمجرد الادعاء بدون إثبات بإحدى الوسائل الشرعية المتعددة وأهمها ما يأتي:\r1 ً - الشهادة: وهي شرعاً إخبار صادق لإثبات حق بلفظ الشهادة في مجلس القضاء. وهي حجة المدعي لقوله صلّى الله عليه وسلم : «البينة على المدعي» (3) وقوله أيضاً لمدعٍ: «شاهداك أو يمينه» (4) . ونظام الشهادة محدد صراحة في القرآن الكريم: {واستشهدوا شهيدين من رجالكم، فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء} [البقرة:282/2] {وأشهدوا ذوي عدل منكم} [الطلاق:2/65] {وأشهدوا إذا تبايعتم} [البقرة:282/2] {ولا يأب الشهداء\r-------------------------------\r(1) راجع الدر المختار: 438/4، اللباب شرح الكتاب: 29/4، تكملة فتح القدير: 151/6 وما بعدها.\r(2) رواه مسلم والترمذي وصححه عن وائل بن حُجْر، في قصة الخصومة بين رجل من حضرموت ورجل من كندة (نيل الأوطار: 303/8).\r(3) رواه البيهقي عن ابن عباس.\r(4) متفق عليه بين أحمد والشيخين عن الأشعث بن قيس (نيل الأوطار: 302/8).","part":8,"page":391},{"id":5396,"text":"إذا ما دعوا} [البقرة:282/2] {ولا تكتموا الشهادة، ومن يكتمها فإنه آثم قلبه} [البقرة:283/2] {وأقيموا الشهادة لله } [الطلاق:2/65]. والبحث في الشهادة يطول، أكتفي هنا بتعداد أهم شروطها؛ لأن الفقهاء اشترطوا شروطاً لتحمل الشهادة وأدائها.\rأما شروط تحمل الشهادة فهي ثلاثة عند الحنفية (1) .\rأولها ـ أن يكون الشاهد عاقلاً، أي مميزاً، فلا تصح شهادة المجنون والصبي غير المميز.\rثانيها ـ أن يكون بصيراً وقت التحمل، فلا يصح التحمل من الأعمى بسبب اختلاط الأصوات عليه وجواز اشتباهها عليه. وأجاز الحنابلة (2) شهادة الأعمى فيما يسمع كالبيع والإجارة وغيرهما إذا عرف القاضي المتعاقدين وتيقن أنه كلامهما.\rثالثها ـ معاينة المشهود به بنفسه، لا بغيره، إلا فيما تصح فيه الشهادة بالتسامع من الناس والاستفاضة، لقوله صلّى الله عليه وسلم للشاهد: «إذا علمت مثل الشمس فاشهد، وإلا فدع» (3) ولا يتم العلم مثل الشمس إلا بالمعاينة.\rوتصح الشهادة بالتسامع في النكاح، والنسب، والموت، ودخول الرجل على امرأته، وولاية القاضي، فللشاهد أن يشهد بهذه الأمور إذا أخبره بها من يثق به استحساناً؛ لأن هذه الأمور يختص بمعاينة أسبابها خواص الناس، ولو لم يقبل فيها الشهادة بالتسامع، لأدى الأمر إلى الحرج وتعطيل الأحكام. والتسامع: هو بأن يشتهر ذلك ويستفيض بين الناس، وتتواتر به الأخبار، بأن يخبر الشاهد رجلان عدلان أو رجل وامرأتان، ليحصل له نوع من العلم واليقين.\r-------------------------------\r(1) البدائع: 266/6، الدر المختار: 385/4.\r(2) المغني: 58/9 وما بعدها.\r(3) رواه الخلال في الجامع بإسناده عن ابن عباس.","part":8,"page":392},{"id":5397,"text":"وقال المالكية (1) : تجوز شهادة التسامع في عشرين حالة: منها عزل قاض أو وال أووكيل، وكفر، وسفه، ونكاح، ونسب، ورضاع، وبيع، وهبة، ووصية.\rوأما شروط أداء الشهادة: فكثيرة، منها في نفس الشهادة (2) : وهي أن تكون بلفظ الشهادة، وأن تكون موافقة للدعوى، ومنها في مكان الشهادة (3) : وهي أن تكون في مجلس القضاء، ومنها فيما يخص بعض الشهادات (4) : وهي التعدد، أي شهادة رجلين أو رجل وامرأتين في الحقوق المدنية والأموال كالبيع والإجارة ونحوهما. والاتفاق في الشهادة عند التعدد، فإن حدث اختلاف في جنس الشهادة كأن يشهد أحدهما بالبيع والآخر بالميراث أو في القدر كأن يشهد أحدهما بألفين، والآخر بألف، أو في الفعل كالقتل والغصب، رفضت الشهادة.\rومنها وأهمها ما يشترط في الشاهد وهو سبعة شروط كما تقدم (5) :\rأولها ـ أهلية العقل والبلوغ: فلا تقل شهادة المجنون والسكران والطفل.\rثانيها ـ الحرية: فلا تصح شهادة الرقيق على الحر.\rثالثها ـ الإسلام: فلا تقبل شهادة الكافر على مسلم؛ لأنه متهم في حقه، وأجاز الحنفية والحنبلية شهادة الكافر في الوصية في السفر، لقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية: اثنان ذوا عدل منكم، أو آخران من غيركم} [المائدة:106/5].\r-------------------------------\r(1) الشرح الكبير للدردير وحاشية الدسوقي عليه: 198/4 وما بعدها.\r(2) البدائع: 273/6، فتح القدير: 10/6.\r(3) المراجع السابقة: البدائع: ص 279.\r(4) المراجع السابقة: البدائع: 277/6 وما بعدها، فتح القدير: 52/6 وما بعدها، الدر المختار: 504/4 وما بعدها.\r(5) البدائع: 267/6 وما بعدها، بداية المجتهد: 451/2 وما بعدها، الدردير والدسوقي: 165/4، مغني المحتاج: 427/4، المغني: 164/9.","part":8,"page":393},{"id":5398,"text":"رابعها ـ البصر: فلا تقبل شهادة الأعمى عند أبي حنيفة ومحمد والشافعية، لأنه لا بد من معرفة المشهود له والإشارة إليه عند الشهادة، ولا يميز الأعمى ذلك إلا بنغمة الصوت، وفيها شبهة؛ لأن الأصوات تتشابه. وأجاز المالكية والحنابلة وأبو يوسف شهادة الأعمى إذا تيقن الصوت، لعموم الآيات الواردة في الشهادة، ولأن السمع أحد وسائط العلم.\rخامسها ـ النطق: فلا تقبل شهادة الأخرس عند الجمهور، وإن فهمت إشارته؛ لأن الشهادة تتطلب اليقين. وأجاز المالكية قبول شهادة الأخرس إذا فهمت إشارته؛ لأنها تقوم مقام نطقه في طلاقه ونكاحه.\rسادسها ـ العدالة: فلا تصح شهادة الفاسق باتفاق العلماء؛ لقوله تعالى: {وأشهدوا ذوي عدل منكم} [الطلاق:2/65].\rسابعها ـ عدم التهمة: فترد شهادة المتهم بإجماع الفقهاء. والتهمة: أن يجلب الشاهد إلى المشهود له نفعاً أو ضرراً بسبب القرابة أو الخصومة أو العداوة، فلا تقبل شهادة الأب لابنه، أو الأم لابنها، ولا الخصم لخصمه كالوكيل والموصى عليه وهو اليتيم، ولا العدو على عدوه، لقوله صلّى الله عليه وسلم : «لا تقبل شهادة خصم ولا ظنين» (1) «لا تجوز شهادة خائن ولا خائنة ولا ذي غِمْر ـ حقد ـ على أخيه، ولا تجوز شهادة القانع لأهل البيت» (2) والقانع: الذي ينفق على أهل البيت.\r-------------------------------\r(1) أخرجه مالك في الموطأ موقوفاً على عمر، وهو منقطع، ورواه آخرون مرسلاً (نيل الأوطار: 291/8).\r(2) رواه أحمد وأبو داود عن ابن عمر (128/4).","part":8,"page":394},{"id":5399,"text":"2 - الإقرار: وهو إخبار الشخص عن ثبوت حق للغير على نفسه. وهو إما أن يكون بلفظ صريح، مثل ( لفلان علي ألف درهم ) أو بلفظ ضمني، مثل: ( لي عليك ألف درهم ) فيقول المخاطب: ( قد قضيتها ) أو ( أجلني بها ) أو ( أبرأتني منها ). وقد اتفق الفقهاء (1) على صحة الإقرار بحق من الحر البالغ العاقل المختار غير المتهم في إقراره. وشروط الإقرار هي ما يأتي:\rأولها ـ أهلية العقل والبلوغ: فلا يصح إقرار المجنون والصبي غير البالغ، لقوله عليه الصلاة والسلام: «رفع القلم عن ثلاثة: عن الصبي حتى يبلغ، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن المجنون حتى يفيق» (2) .\rثانيها ـ الطواعية أو الاختيار: فلا يصح إقرار المستكره، لقوله عليه الصلاة والسلام: «إن الله تجاوز لي عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه» (3) .\rثالثها ـ عدم التهمة: فإن اتهم المقر بملاطفة صديق أو نحوه بطل الإقرار.\rرابعها ـ أن يكون المقر معلوماً: فلو قال رجلان: «لفلان على واحد منا ألف درهم» لا يصح الإقرار، إذ لا فائدة من هذا الإقرار.\rوالإقرار حجة قاصرة على المقر، لا يتعدى أثره إلى غيره، لقصور ولاية المقر على غيره، فيقتصر أثر الإقرار على المقر نفسه.\r-------------------------------\r(1) البدائع: 222/7، تبيين الحقائق للزيلعي: 3/5، الدردير: 397/3، المهذب: 343/2، مغني المحتاج: 238/2، المغني: 138/5.\r(2) رواه الإمام أحمد وأصحاب السنن الأربعة إلا الترمذي عن السيدة عائشة رضي الله عنها، وصححه الحاكم وأخرجه ابن حبان.\r(3) رواه ابن ماجه عن أبي ذر، ورواه البيهقي عن ابن عمر بلفظ: «وضع عن أمتي..» .","part":8,"page":395},{"id":5400,"text":"3 ً - اليمين: وهي الحلف بالله تعالى أمام القاضي لإثبات الحق أو الفعل، أو نفيهما. وهي حجة المدعى عليه، لقوله عليه الصلاة والسلام: «واليمين على المدعى عليه» (1) ، فإن حلف المدعى عليه، قضى القاضي بفصل الدعوى، وتنتهي الخصومة بين طرفي الدعوى إلى أن يتمكن المدعي من إقامة البينة.\rواتفق الفقهاء على أن اليمين في الدعاوى تكون بحسب نية المستحلف (2) ، لقوله صلّى الله عليه وسلم : «اليمين على نية المستحلف» «يمينك على ما يصدقك به صاحبك» (3) . كما أنهم اتفقوا على أن الشخص يحلف على البت (وهو القطع والجزم) في فعله إثباتاً كان أو نفياً؛ لأنه يعلم حال نفسه، ويطلع عليها، فيقول في البيع مثلاً حالة الإثبات: «والله لقد بعت بكذا» وفي حالة النفي: «والله ما بعت بكذا» .\r4 ً - الكتابة: وهي إثبات الحق بواسطة دليل كتابي معد مسبقاً. وهي حجة باتفاق الفقهاء، لقوله تعالى: { يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه} [البقرة:282/2] والكتابة من قبيل الإقرار. وقد نص فقهاء الحنفية على أنه يعمل بدفتر السمار والصراف والبياع؛ لأن كل واحد من هؤلاء لا يكتب في دفتره إلا ماله وعليه (4) .\r5 ً - القرائن: القرينة: هي كل أمارة ظاهرة تقارن شيئاً خفياً فتدل عليه. وهي تتفاوت في القوة والضعف، فقد تصل إلى درجة الدلالة القطعية، كالدخان فإنه قرينة قطعية على وجود النار. وقد تضعف حتى تصير مجرد احتمال. فإن كانت القرينة قطعية كانت بينة نهائية كافية للقضاء، كما لو رئي شخص خارجاً من دار وهو مرتبك وفي يده سكين ملوث بالدم، ووجد في الدار شخص مضرج بدمائه، فيعتبر الخارج هو القاتل.\r-------------------------------\r(1) متفق عليه بين أحمد والشيخين عن ابن عباس «أن النبي صلّى الله عليه وسلم قضى باليمين على المدعى عليه» (نيل الأوطار: 305/8).\r(2) البدائع: 20/3، بداية المجتهد: 403/1، مغني المحتاج: 321/4، المغني: 763/8.\r(3) اللفظ الأول رواه مسلم وابن ماجه عن أبي هريرة، والثاني رواه أحمد ومسلم وابن ماجه والترمذي.\r(4) مجمع الضمانات للبغدادي: ص 365 وما بعدها.","part":8,"page":396},{"id":5401,"text":"وإذا كانت القرينة غير قطعية الدلالة والبيان، ولكنها ظنية أغلبية كالقرائن العرفية، فإن الفقهاء يعتمدونها دليلاً أولياً مرجحاً حجة الخصم مع يمينه، حتى يثبت خلافها بالبينة المعارضة.\rوالقرائن تعتمد على ذكاء القاضي وفراسته واجتهاده بملاحظة الظروف المقارنة للواقعة، فلا يمكن حصرها وتحديدها. ومنها الفراسة والقيافة، ووضع اليد، ووصف اللقطة، واللوث في الدماء، ودلائل الأحوال (1) .\r6 ً - العلم الشخصي للقاضي نفسه: إذا اطلع القاضي على الحادثة، فهل له القضاء بعلم نفسه؟ اختلف الفقهاء فيه.\rقال متقدمو الحنفية: يقضي القاضي بعلم نفسه، بالمعاينة أو بسماع الإقرار أو بمشاهدة الأحوال على النحو الآتي (2) :\rله أن يقضي بعلم حدث له زمن القضاء وفي مكانه في الحقوق المدنية كالإقرار بمال لرجل، أو الحقوق الشخصية كطلاق رجل امرأته، أو في بعض الجرائم: وهي قذف رجل أو قتل إنسان. ولا يجوز قضاؤه بعلم نفسه في جرائم الحدود الخالصة لله عز وجل، إلا أن في السرقة يقضي بالمال، لا بحد القطع؛ لأن الحدود يحتاط في درئها، وليس من الاحتياط فيها الاكتفاء بعلم القاضي.\rفإن علم القاضي بالحادثة قبل أن يتسلم منصب القضاء، فلا يقضي به عند أبي حنيفة؛ لأن علمه حينئذ ليس في معنى البينة. ويقضي به في غير الحدود الخالصة لله عند الصاحبين، قياساً على جواز قضائه فيما علمه في زمن القضاء.\r-------------------------------\r(1) راجع الطرق الحكمية في السياسة الشرعية لابن قيم الجوزية: ص3، 7، 31،54،66، 108، 113، 214.\r(2) المبسوط: 93/16، البدائع: 7/7، مختصر الطحاوي: ص 332، الدر المختار ورد المحتار: 369/4.","part":8,"page":397},{"id":5402,"text":"وقال الشافعية (1) مثل الحنفية تقريباً: الأظهر أن القاضي يقضي بعلمه قبل ولايته أو في أثناء ولايته، أو في غير محل ولايته، سواء أكان في الواقعة بينة أم لا، إلا في حدود الله تعالى، فيقضي في الأموال، وفي القصاص وحد القذف، لأنه إذا حكم بما يفيد الظن وهو الشاهدان، فقضاؤه بعلمه أولى.\rوأما الحدود الخالصة لله كالزنا والسرقة والحرابة وشرب المسكر، فلا يقضي بعلمه فيها؛ لأنها تدرأ بالشبهات، ويندب سترها.\rوقال متأخرو الحنفية والشافعية: المفتى به عدم جواز قضاء القاضي بعلمه مطلقاً في زماننا لفساد قضاة الزمان.\rوقال المالكية والحنابلة (2) : لا يقضي الحاكم بعلم نفسه في حد ولا غيره، لا فيما علمه قبل الولاية ولابعدها. ولكن يجوز له أن يقضي بما علمه في مجلس القضاء، بأن أقر الشخص بين يديه طائعاً. ودليلهم قوله صلّى الله عليه وسلم في الحديث المتقدم: «إنما أنا بشر، وإنكم تختصمون إلي، ولعل بعضكم أن يكون ألحن ـ أي أفطن ـ بحجته من بعض، فأقضي بنحو مما أسمع، فمن قضيت له من حق أخيه شيئاً، فلا يأخذه، فإنما أقطع له قطعة من النار» فدل على أنه يقضي بما يسمع، لا بما يعلم. وقال النبي صلّى الله عليه وسلم في قضية الحضرمي والكندي السابقة: «شاهداك أو يمينه، ليس لك منه إلا ذاك» .\r-------------------------------\r(1) مغني المحتاج: 398/4.\r(2) الدردير والدسوقي: 154/4، بداية المجتهد: 458/2 وما بعدها، المغني: 53/9 ومابعدها.","part":8,"page":398},{"id":5403,"text":"7 ً - الخبرة والمعاينة: الخبرة: هي الاعتماد على رأي المختصين في حقيقة النزاع بطلب القاضي. والمعاينة: هي الاعتماد على ما يشاهده القاضي بنفسه أو بنائبه من محل النزاع الذي يختصم فيه الخصمان. وهذان يجوز الإثبات بهما باتفاق الفقهاء.\r8 ً - كتاب القاضي إلى غيره: اتفق الفقهاء على أن القاضي له أن يقضي بكتاب قاض آخر إليه فيما ثبت عنده في الحقوق المالية للحاجة إليه. فقد يكون لامرئ حق في غير بلده، ولا يمكنه إتيانه والمطالبة به إلا بكتاب القاضي، بشرط أن يشهد شاهدان عدلان على أن الكتاب المرسل هو كتاب قاض، وأن يشهدهم بثبوت الحكم عنده على نحو معين. وذلك في الحقوق المدنية كالديون، أو الشخصية كالنكاح (1) .\rوأجاز الإمام مالك أن يحكم القاضي بكتاب قاضٍ في الحدود والقصاص أيضاً (2) .\rهذه هي إجمالاً أهم وسائل الإثبات الشرعية التي يعتمد عليها القاضي لفصل النزاع، ويظهر منها أن البينة تظهر الحق باتفاق الفقهاء بشرط ثبوت عدالة الشهود عند القاضي، وكذلك الإقرار حجة مطلقة؛ لأن الإنسان غير متهم بالإقرار على نفسه كاذباً. واليمين تسقط بها دعوى المدعي الذي لا بان له. ويثبت بها عند الإمام مالك حق المدعي الذي أنكره عليه خصمه.\r-------------------------------\r(1) المبسوط: 95/16، فتح القدير: 477/5، المهذب: 304/2، المغني: 90/9، مغني المحتاج: 452/4.\r(2) بداية المجتهد: 458/2، الدردير: 159/4.","part":8,"page":399},{"id":5404,"text":"المرحلة الثالثة ـ الحكم القضائي :\rالحكم: هو فصل الخصومة وحسم النزاع بقول أو بفعل يصدر عن القاضي بطريق الإلزام. وهو يعتمد أساساً على حجية الإثبات التي تتوافر لدى القاضي. ويعتبر غاية القضاء ورمز العدالة. وينبغي ـ كما بان في آداب القاضي ـ مراعاة أمرين قبل إصداره.\rأولهما ـ مصالحة الخصمين: فلا بأس للقاضي أن يرد الخصوم إلى الصلح، إن تأمل منهما المصالحة لقوله تعالى: {والصلح خير} [النساء:128/4] فكان طلب الصلح طلباً للخير. وقال سيدنا عمر: «ردوا الخصوم حتى يصطلحوا، فإن فصل القضاء يورث بينهم الضغائن» .\rثانيهما ـ مشاورة الفقهاء: يندب للقاضي أن يجلس معه جماعة من الفقهاء يشاورهم ويستعين برأيهم فيما يجهله من الأحكام، أو يشكل عليه من القضايا. قال تعالى: {وشاورهم في الأمر} [آل عمران:159/3] وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: «ما رأيت أحداً بعد رسول الله صلّى الله عليه وسلم أكثر مشاورة لأصحابه منه» (1) .\rفإن اتفق رأي الفقهاء على أمر قضى به، كما فعل الراشدون، وإن اختلفوا أخذ بأحسن أقاويلهم وقضى بما رآه صواباً، إلا أن يكون غيره أفقه منه، فيجوز له الأخذ برأيه وترك رأيه الشخصي.\rوهناك أوصاف للحكم تراعى في الإسلام وهي:\rأولاً ـ المسارعة إلى إصدار الحكم بعد ثبوت الحق أمام القاضي، ولا يجوز تأخيره إلا في حالة الريبة، ورجاء الصلح بين الأقارب، وإمهال المدعى عليه فترة محدودة لرد الشهادة.\rثانياً ـ إصدار الحكم حضور ياً أمام الخصوم. إذ لا يجيز الحنفية كما تقدم القضاء على الغائب إلا لضرورة أو مصلحة. وأجاز غير الحنفية القضاء على الغائب وإصدار الحكم الغيابي على المدعى عليه.\rثالثاً ـ تعليل الأحكام: يفضل كون الحكم معللاً مبيناً في أسبابه التي بني عليها.\rرابعاً ـ تدوين الأحكام: جرى القضاة على تسجيل الأحكام في سجلات بدءاً من العهد الأموي، حفاظاً عليها، وحرصاً على تنفيذها.\rتنفيذ الأحكام: اتفق الفقهاء على أمرين خطيرين في التنفيذ وهما:\r1 - حق التنفيذ منوط بالحاكم، أي السلطة التنفيذية في الدولة.\r2 - منع الثأر والانتقام الشخصي أوعدم وجود أي سلطة شخصية لصاحب الحق على المسؤول.\rففي نطاق العقوبات الجنائية: الدولة هي المختصة بتطبيق العقاب الجزائي، سواء أكان مقدراً أم غير مقدر، حداً أو تعزيراً أو قصاصاً. وذلك حفظاً للنظام ومنع الفوضى ودرء الفساد وانتشار المنازعات بين الناس وإبطال عادة الأخذ بالثأر.\r-------------------------------\r(1) رواه الترمذي.","part":8,"page":400},{"id":5405,"text":"فلا يجوز لأي إنسان عادي القيام بتنفيذ العقوبة الجنائية، من قصاص وجلد وقطع وحبس وتوبيخ وتشهير أوتجريس، وإذا أراد ولي الدم وهو وارث القتيل ضرب رقبة القاتل، فيتم القصاص بإشراف الدولة، دون أن يكون له الحق في إثبات الجريمة، وإصدار حكم القصاص. وتمكين مستحق القصاص من استيفائه بإشراف الحاكم منوط بكونه يحسن القتل، ففيه شفاء لألم المصاب،دون ضرر بالجاني، وربما يكون ذلك أدعى لرحمة صاحب الحق وعفوه عن القاتل عندما يراه تحت سلطته، وعلى القاضي أن يتفقد آلة القتل منعاً للتعذيب (1) ، أي أن تدخل ولي الدم يقتصر على الدور الذي يقوم به الجلاد أو السياف، دون أن يكون له الحق في تسلم القاتل يفعل به كما يرى، كما تصور بعض الجاهلين.\rوفي نطاق القضايا المدنية: يقتصر حق الدائن على المطالبة بحقه بالتراضي، أو بواسطة رفع الدعوى إلى القضاء لاستصدار حكم يجبر المدين على إيفاء دينه في حال يساره وقدرته على الوفاء بالتزامه. وينتظر في حال إعساره وعجزه، لقوله تعالى: {وإن كان ذو عسرة فنظِرة إلى ميسرة} [البقرة:280/2].\rوللقاضي إجبار المدين على الوفاء بدينه بأحد الوسائل الآتية: الحبس، والحجر، والبيع الجبري.\rأما الحبس فمشروع إذا امتنع المدين الموسر عن الوفاء بدينه، لقوله صلّى الله عليه وسلم : « ليُّ الواجد يحل عرضه وعقوبته» (2) أي أن مماطلة الغني تجيز الطعن به ومعاقبته. ويؤيده حديث آخر: «مَطْل الغني ظلم» (3) .\rويظل المدين المماطل عند أبي حنيفة محبوساً حتى يوفي دينه. وقال صاحباه وبقية أئمة المذاهب: يحبس للتضييق عليه، فإذا لم يؤد الدين يحجر عليه ويباع ماله جبراً عنه، ويقسم بين الدائنين قسمة غرماء. وإذا ثبت إعساره يفرج عنه. ونظرة الميسرة والإفراج حال الإعسار دليل على أن الحبس مجرد وسيلة إكراه على الوفاء بالدين، وليس تنفيذاً على شخص المدين، كما هو الحال عند الرومان.\r-------------------------------\r(1) انظر نظرية الضمان للمؤلف: ص 299 وما بعدها.\r(2) رواه أبو داود والنسائي عن عمرو بن الشريد، وعلقه البخاري، وصححه ابن حبان، وأخرجه أحمد وابن ماجه والبيهقي (سبل السلام: 55/3).\r(3) رواه الجماعة: (أحمد وأصحاب الكتب الستة) عن أبي هريرة (نيل الأوطار: 236/5).","part":8,"page":401},{"id":5406,"text":"وأما الحجر على المدين (أي منعه من التصرف بماله تصرفاً يضر بمصلحة الدائنين) فأجازه صاحبا أبي حنيفة إذا كانت ديونه مستغرقة أمواله، أو كان يماطل في الوفاء بديونه. وأفتى به متأخرو الحنفية سداً للذرائع، أي حماية لمصلحة الدائنين من تصرفات المدين التي تضر بحقوقهم، وعملاً بقوله صلّى الله عليه وسلم : «لي الواجد يحل عرضه وعقوبته» .\rوأيد الحجر فقهاء المالكية والمتأخرون من فقهاء المذهب الحنبلي استحساناً. ووافق الإمام الشافعي على جواز الحجر على المدين إذا كانت ديونه مستغرقة. وأما في حالة مماطلته فلا يرى لزوماً له؛ لأن القاضي يستطيع الحكم عليه ببيع أمواله جبراً عنه، وإيفاء ديونه من ثمنها.\rولا حجر على المدين المعسر، كما لا حبس عليه كما سبق. وأما بيع مال المدين جبراً عنه فهو جائز عند الفقهاء الذين أجازوا الحجر عليه في الحالتين السابقتين.\rفقد أجاز صاحبا أبي حنيفة بيع أموال المدين إذا قرر القاضي الحجر عليه، ولم يجد مسوغاً لتأجيل البيع، أو متى طلب الدائنون ابتدءً ذلك، وأبدوا أسباباً معقولة لطلبهم. ويقسم الثمن بين الدائنين قسمة غرماء.\rووافق المالكية على رأي الصاحبين، وأجاز الشافعي والحنابلة بيع المال ابتداء للمدين الموسر دون حجر عليه.\rويتم البيع في جميع الأحوال بمعرفة القاضي وبحضور الدائنين والمدين وفي سوق السلعة، أو في غير سوقها بثمن المثل، وبالمزاد العلني للوصول إلى أعلى سعر ممكن.\rهذه هي أهم قواعد نظام القضاء في الإسلام، أوجزتها في بحث نظام الحكم في الإسلام، وقد كنت فصَّلت الكلام في القضاء وطرق إثبات الحق في الباب الخامس المتقدم.","part":8,"page":402},{"id":5407,"text":"الفَصْلُ الرَّابع: الدَّولة الإسلاميَّة\rنشأتها، وظائفها، علاقاتها الخارجية، حصاناتها، زوالها\rيشتمل هذا الفصل على مبحث تمهيدي وخمسة مباحث أصلية:\rالمبحث التمهيدي ـ مقدمات\rالمطلب الأول :\rأولاً ـ المنشأ التاريخي لمفهوم دار الإسلام ولمفهوم الدولة الحديث.\rثانياً ـ التمييز بين المفهومين.\rثالثاً ـ اتجاه تطور كل من المفهومين.\rالمطلب الثاني ـ نشأة مصطلح الدولة الإسلامية :\r1 - عن طريق من بحثوا في تطبيق مفهوم الدولة الحديث على مبادئ الإسلام السياسية والواقع التاريخي لسيادة هذه المبادئ.\r2 - وعن طريق من بحثوا أو حاولوا تقديم صورة حديثة لهذا المصطلح للتطبيق في هذا العصر. 3 - هل يوجب الإسلام إقامة دولة؟\rالمبحث الأول ـ أركان الدولة الإسلامية ونشأتها وشخصيتها :\rالمطلب الأول: أركان الدولة الإسلامية :\rالركن الأول ـ الشعب :\rأولاً ـ موقع هذا الركن مادياً، وأساسيته في مفهوم الدولة الإسلامية.\rثانياً ـ بيان اختلاف هذا الركن عن نظيره في المفهوم الحديث للدولة من حيث إن الإسلام يقرر «اللاعنصرية» .\rالركن الثاني ـ الإقليم :\rأولاً ـ موقع هذا الركن مادياً وبيان اختلافه عن نظيره في المفهوم الحديث للدولة من حيث إن الإسلام يقرر «اللا إقليمية» .\rثانياً ـ مشمول إقليم الدولة:\r1 - ما هو جزء أساسي من الأقليم:\rأ ـ الأرض.\rب ـ الأنهار الوطنية.\rجـ ـ المياه الساحلية ـ المنطقة الملاصقة ـ الامتداد القاري ـ المياه الداخلية (موانئ وخلجان وبحار داخلية).\r2 - ما هو امتداد أو ملحق بالإقليم اعتباراً: وسائل النقل الدولية: (السفن، القطارات، الطائرات).\r3 - ما يعتبر أصلاً جزءاً من إقليم الدولة، ولكن تترتب عليه حقوق ارتفاق لدولة أو لدول أخرى:","part":8,"page":403},{"id":5408,"text":"أ ـ الجزء الواقع في إقليم الدولة من الأنهار الدولية.\rب ـ طبقات الجو عمودياً وما تستتبعه من حقوق في الملاحة الجوية والمواصلات والإذاعات (اللاسلكية).\r4 - الأقاليم المشتركة بين عدة دول.\r5 - ما لا يعتبر جزءاً من الإقليم ولا تتناوله سيادة دولة ما، ويمكن اعتباره امتداداً مشتركاً مشاعاً لإقليم كل دولة، وتعتبر فيه حقوق مشاعة أو مرافق مشتركة يباح فيها مالا يضر بالآخرين دون ما يضر كتلويث مياه البحار والجو بالإشعاع النووي وغيره:\rأ ـ أعالي البحار.\rب ـ الفضاء الكوني.\rالركن الثالث ـ السيادة :\rتمهيد :\r1 - نظرية السيادة في المفهوم الحديث للدولة والنظريات البديلة كمعيار للدولة.\r2 - تمييز السيادة عما يشتبه بها كالسلطة الفعلية غير الأصلية، وكحق الملكية وحقوق الارتفاق.\rأولاً ـ موقع هذا الركن اعتبارياً في الدولة الإسلامية وبيان اختلافه عن نظيره في المفهوم الحديث للدولة من حيث إن الإسلام يقرر أن الحاكمية لله .\rثانياً ـ نصاب هذه الحاكمية أو حدها الأدنى في التحقق، والفرق بينه وبين الحد الأدنى في تطبيق أحكام الإسلام لتحقق مفهوم دار الإسلام.\rثالثاً ـ هل يشترط وحدة السلطة على كافة أجزاء دار الإسلام؟.\rالمطلب الثاني ـ نشأة الدولة الإسلامية :\rمبدأ نشوء الدولة بمجرد تكامل أركانها\rأولاً ـ طرق نشأة الدولة الإسلامية :\r1 - نشوء جديد كلية.\r2 - نشوء جديد من عناصر قديمة.\rثانياً ـ الاعتراف وأنواعه ونتائجها في المجال الدولي\rالنوع الأول ـ الاعتراف الكامل :\r1 - بالدولة.\r2 - بالحكومة واستلزامه الاعتراف بالدولة.\rالنوع الثاني ـ الاعتراف الناقص أو التمهيدي :\r1 - بالأمة.\r2 - بالثورة.\r3 - بالحكومة في الخارج (حكومة المنفى).\rالنوع الثالث ـ الاعتراف بحالة الحرب:\rثالثاً ـ شخصية الدولة الإسلامية :\rإيضاح الشخصية الاعتبارية للدولة، وبيان موقع الدولة في الذروة من أنواع الشخص الاعتباري.","part":8,"page":404},{"id":5409,"text":"المبحث الثاني: خصائص الدولة الإسلامية ومقارنتها بالدولة الحديثة :\rالمطلب الأول ـ خصائص الدولة الإسلامية :\rأولاً ـ كونها دولة فكرة ومبادئ لإصلاح الحياة البشرية.\rثانياً ـ كون غايتها أداء رسالة الإسلام وجوباً اعتقادياً.\rالمطلب الثاني ـ مقارنتها بالدولة الحديثة :\rأولاً ـ بيان مدى ارتباط الدول الحديثة بالمبادئ والأديان.\rثانياً ـ مقارنة بالدولة الشيوعية. المبحث الثالث - وظيفة دولة الإسلام: تمهيد :\rدراسة مختلف التعاريف التي وضعها العلماء في هذا الصدد.\rالوظيفة الأولى ـ وظيفتها في الداخل :\rأولاً ـ وظيفة تقوم على اعتبار ضرورات المجتمع.\r1 - المحافظة على الأمن والنظام.\r2 - تنظيم القضاء وإقامة العدل.\r3 - إدارة المرافق العامة.\r4 - الإعداد لحماية الدولة والدعوة لتدريب الشعب وتصنيع الأسلحة.\rثانياً ـ وظيفة تقوم على اعتبار خصائص الدولة الإسلامية وأهدافها:\r1 - تقوية وحدة الأمة وتعاونها وأخوة أبنائها.\r2 - تحقيق المصالح الأساسية التي تدور عليها الشريعة (وهي حفظ الدين والنفس والعقل والنسل والمال).\r3 - عمارة الأرض.\r4 - صيانة الآداب الإسلامية.\r5 - إقامة العدالة الاجتماعية.\r6 - تحقيق الحياة الطيبة للأفراد بالنظر الإسلامي.\r7 - تحقيق المجتمع الخيّر.\r8 - العمل باستمرار على تحقيق الأفضل والأصلح والأمثل في جميع نواحي الحياة الإنسانية.\r9 - إعداد الدعاة لنشر الدعوة في الداخل والخارج.\rالوظيفة الثانية ـ وظيفتها في الخارج :\rأولاً ـ وظيفة تقوم على اعتبار ضرورات الحياة الدولية:\r1 - الدفاع عن أراضي الإسلام وتحرير شعوبه، وحماية أقلياته.\r2 - دعم التعاون بين أقاليم الدولة الإسلامية، وتحقيق أقصى روابط الوحدة والتنسيق بينها في المجالات السياسية والعسكرية والاقتصادية والثقافية، وحل خلافاتها بصورة منظّمة.\r3 - دعم السلام العالمي.\r4 - دعم مبادئ كرامة الإنسان والعدالة والحرية والمساواة في العالم أجمع.","part":8,"page":405},{"id":5410,"text":"ثانياً ـ وظيفة تقوم على اعتبار خصائص الدولة الإسلامية وأهدافها:\r1 - التعاون مع المخلصين من غير المسلمين؛ سواء أكانوا من أهل الكتاب أم من غير أهل الكتاب.\r2 - الدعوة إلى الإسلام.\r3 - دفع شبهات الكنيسة والمستشرقين والملاحدة عموماً، والشيوعيين خاصة.\rالمبحث الرابع ـ حصانات الدولة وإعفاءاتها في الخارج\rـ شرح المراد بالحصانة وتاريخ هذا الاصطلاح\rالمطلب الأول ـ ما تشمله الحصانات والإعفاءات :\rشخصية الدولة ـ سفنها ـ وكالاتها ومؤسساتها ـ وحداتها السياسية ـ سفاراتها.\rالمطلب الثاني ـ أنواع الحصانات والإعفاءات :\rأولاً ـ الحصانة القضائية.\rثانياً ـ الحصانة المالية.\rثالثاً ـ الاستثناءات:\rأ ـ النشاط التجاري ـ الملكية الخاصة.\rب ـ حالة رضا الدولة.\rالمبحث الخامس ـ تغير حالة الدولة الإسلامية وزوالها وآثار ذلك\rالمطلب الأول ـ حالة الدولة الإسلامية :\rالنوع الأول : التغيير الكياني في التنظيم السياسي الداخلي:\r1 - بالانقلاب.\r2 - بحرب أهلية.\r3 - بالثورة ـ الفرق بين الانقلاب والثورة. النوع الثاني: التغيير في النطاق الإقليمي (إضافة وانتقاصاً).\rأولاً ـ بما لا يمس إقليم دولة أخرى:\r1 - بالإضافة.\r2 - بالاستيلاء على أرض غير خاضعة لدولة أخرى.\rثانياً ـ بما يمس إقليم دولة أخرى:\r1 - بطريق المعاهدة.\r2 - بطريق التقادم.\r3 - بالفتح عند قيام موجباته بالنظر الإسلامي (الجهاد).\rالمطلب الثاني ـ زوال الدولة الإسلامية :\rأولاً ـ الزوال الكلي بزوال واحد أو أكثر من أركان الدولة الإسلامية.\rثانياً ـ الزوال الجزئي بالتجزؤ وزوال وحدة السيادة.\rموقف السلطة العليا الأصلية في الحالات الآتية:\rأ ـ حالة إمكان إخضاع الجزء المنفصل.\rب ـ حالة العجز عن إخضاعه وما تحتها من احتمالات:\r1 - إذا كان الجزء المنفصل معترفاً بالسلطة العليا الأصلية وبارتباطه بها ولو اسماً.\r2 - إذا كان الجزء المنفصل غير معترف بالسلطة العليا، بل يدعي أنه هو صاحبها.\rالمطلب الثالث ـ أثر تغير حالة الدولة أو زوالها في خَلَفها (التعاقب )\rأولاً ـ أثره في المعاهدات.\rثانياً ـ أثره في ديون الدولة.\rثالثاً ـ أثره في أملاك الدولة.\rرابعاً ـ أثره في التشريع.\rخامساً ـ أثره في الأحكام القضائية.\rسادساً ـ أثره في جنسية الأفراد.","part":8,"page":406},{"id":5411,"text":"المبحث التمهيدي: مقدمات\rوفيه مطلبان:\rالمطلب الأول :\rأولاً ـ المنشأ التاريخي لمفهوم دار الإسلام ولمفهوم الدولة الحديث :\rفقرة 1 ـ كانت الهجرة النبوية إلى المدينة المنورة (يثرب) وما سبقها من بيعتي العقبة أساساً في نشأة أو تكوين الدولة الإسلامية، أو دار الإسلام في اصطلاح فقهائنا؛ إذ بذلك تميزت شخصية المسلمين عن المشركين، وتوطدت لهم في المدينة الدعائم الأولى للأمن والاستقرار، وبرزت السلطة السياسية للنبي، وهذه السلطة تعتبر الآن هي العنصر الجوهري في تكوين الدولة (1) .\rوكان من مظاهر ممارسة النبي عليه السلام لتلك السلطة أنه قام بموادعة اليهود في المدينة حينما كتب كتاباً بين المهاجرين والأنصار، وادع فيه يهود، وعاهدهم على دينهم وأموالهم، وشرط لهم، واشترط عليهم (2) .\rوبدأ التشريع القرآني ينظم أوضاع الجماعة الإسلامية لتدبير شؤونها وسياسة ملكها، وكان النبي صلّى الله عليه وسلم يمارس سلطانه السياسي في تنفيذ القوانين والأنظمة المشرعة، وتأديب العصاة، ومعاقبة الجناة، وعقد الاتفاقات أو المعاهدات ومحاربة الأعداء؛ إذ أنه بعد اثني عشر شهراً من مقدمه عليه السلام إلى المدينة\r-------------------------------\r(1) النظم السياسية للدكتو ثروت بدوي: 37/1.\r(2) سيرة ابن هشام: المجلد الأول/501، ط الحلبي. ولقد كان هذا الاتفاق على إنشاء (أمة) واحدة من أعجب الاتفاقات التي عرفها التاريخ من هذا النوع.","part":8,"page":407},{"id":5412,"text":"وقعت أول غزوة في الإسلام: وهي غزوة الأبواء التي خرج فيها الرسول صلّى الله عليه وسلم يريد قريشاً، فوادعته بنو ضمرة بودَّان (1) .\rالهجرة إذن كانت نقطة تحول في تاريخ الإسلام تمخص عنها ميلاد دولة جديدة لم يعرف لهامثال سابق بين العرب أطلق عليها الفقهاء اصطلاح (دار الإسلام)، لأن اصطلاح (الدولة) لم يكن معروفاً وقتذاك، ولأنه كان هناك تلازم بين مفهومي الدولة ودار الإسلام.\rويلاحظ أنه تميزت دولة دار الإسلام في بدء تكوينها بأنها دولة متحدة تجمع كل من استجاب لدعوة الإسلام، وآمن برسالة محمد صلّى الله عليه وسلم على أساس أن حكم الإسلام أو شرعه يسودها، وإن ولايته الشخصية تمتد إلى مختلف الأقاليم الإسلامية (2) .\rفقرة 2 ـ وأما مفهوم الدولة الحديث فقد ظهر في أوربا خلال القرنين السادس عشر والسابع عشر بعد أن تحطمت السلطة البابوية. وانهار النظام الإقطاعي، أو مبدأ الزعامات الإقطاعية الذي كان يقوم على الجمع بين ملكية الأرض وبعض الامتيازات كقيادة الجيش أو جمع الضرائب مثلاً، دون أن يكون للملك سلطة حقيقية إلا على أرضه التي اقتطعها لنفسه. وقد أدى تجمع سكان الإقطاعات إلى ما يدعى بالأمة كالأمة الإيطالية والأمة الفرنسية، ثم تولد عن ذلك ما يعرف بالدولة بوجود سلطة سياسيةفي المجتمع، لأن السلطة السياسية هي الصورة الحديثة للجماعة السياسية.\rوهكذا توالى ظهور الدول الحديثة ذات القومية الواحدة، وتوطدت أركانها الاقتصادية، كما حدث في إنجلترا وفرنسا وأسبانيا، والبرتغال والسويد والدانمرك والنرويج، والمجر وبولندة وروسيا، وأصبحت القاعدة أن تتمتع الدول بالسيادة ولا تخضع لسلطة عليا أخرى.\r-------------------------------\r(1) سيرة ابن هشام: 590/1.\r(2) أحكام القانون الدولي في الشريعة الإسلامية للدكتور حامد سلطان: ص 157.","part":8,"page":408},{"id":5413,"text":"وتحددت فكرة العائلة الدولية منذ مؤتمر وستفاليا سنة (1648) م، وكانت مقصورة في أول الأمر على دول غرب أوربا، ثم انضمت إليها سائر الدول المسيحية، غير الأوربية، ثم اتسعت في سنة 1856 م فشملت تركيا الدولة الإسلامية ودولاً أخرى غير مسيحية كاليابان والصين (1) .\rثانياً ـ التمييز بين مفهومي دار الإسلام والدولة الإسلامية :\r3 ـ على الرغم مما كان قائماً من وجود التلازم بين مفهومي دار الإسلام والدولة الإسلامية، فإن دار الإسلام تتميز بارتكازها على أساس العنصر المادي (أي الأرض أو الاقليم) (2) وأما الدولة الإسلامية فتتميز بما لها من صفة السيادة (أو الاستقلال) والشخصية المعنوية ذات الأهلية والذمة المالية المستقلة عن ذمة أشخاص رعاياها، فلها مالية مستقلة عن أموالهم تتمثل في بيت المال (3) . وكانت الدولة الإسلامية مستقلة لا تخضع لأي سلطة أخرى، كما كانت مستقلة\r-------------------------------\r(1) مبادئ القانون الدولي العام للدكتور حافظ غانم: ص 46 ومابعدها، النظم السياسية المرجع السابق: ص 23 وما بعدها، و 37.\r(2) يتضح ذلك من مفهوم دار الإسلام: وهي كما قال أبو منصور البغدادي: كل دار ظهرت فيه دعوة الإسلام من أهله بلا خفير ولا مجير ولا بذل جزية، ونفذ فيها حكم المسلمين على أهل الذمة إن كان فيهم ذمي ولم يقهر أهل البدعة فيها أهل السنة (ر: كتاب أصول الدين لأبي منصور عبد القاهر بن طاهر التميمي البغدادي المتوفى سنة 429هـ : ص 270، ور أيضاً: دار الإسلام ودار الحرب، بحث المؤلف).\r(3) ر: المدخل إلى نظرية الالتزام العامة في الفقه الإسلامي للأستاذ مصطفى الزرقاء: ف 187.","part":8,"page":409},{"id":5414,"text":"عن أشخاص الحكام فيها، وكان يعد الحاكم بمثابة أمين على السلطة ونائباً عن الأمة (1) . وهذا هو المعنى الذي يرمز إليه فقهاء القانون الوضعي القائلون بأن الدولة توجد حينما تجد السلطة السياسية سندها لا في إنسان، ولكن في شخص معنوي مجرد له طابع الدوام والاستقرار والاستقلال عن أشخاص الحكام أنفسهم (2) .\rثالثاً ـ اتجاه تطور مفهومي دار الإسلام والدولة الحديثة :\r4 - المبدأ أو الأصل الفقهي أن تكون دولة الإسلام أو دار الإسلام موحدة السياسة وشاملة لجميع الأقاليم الإسلامية، وذلك لتحقيق غاية الإسلام الأساسية: وهي قوة الإسلام والمسلمين بأن يكونوا جميعاً يداً واحدة، فيتجهون، اتجاهاً واحداً، وتسوسهم سياسة واحدة تحقق الخير والمصلحة للجميع. وقد ظلت الخلافة أو الدولة الإسلامية بناء على ذلك موحدة الصف طوال القرون الثلاثة الأولى الهجرية، ثم تجزأت دار الإسلام خلافاً للمبدأ السابق، فقامت دول إقليمية في عهد الدولة العباسية، وانقسمت الخلافة العباسية إلى دويلات: في العراق نفسها،وإيران والشام ومصر وشمالي إفريقية، ثم فيما بعد في الأندلس، فظهرت في أسبانيا الدولة الأموية الثانية ( 317-423 هـ )، وقامت الخلافة الفاطمية (297-567 هـ )، في المغرب، ثم انتقلت إلى مصر في عهد المعز لدين الله سنة (362 هـ).\r-------------------------------\r(1) ر: للتفصيل موضوع دار الإسلام ودار الحرب للمؤلف: ف/20.\r(2) ثروت بدوي، المرجع السابق: ص 24 وما بعدها. ومن المعلوم الآن أن من خصاص الدولة تمتعها بالشخصية المعنوية أو بالشخصية القانونية، ومن ثم فهي تلزم وتلتزم كالأشخاص الطبيعيين تماماً، ويترتب على الاعتراف للدولة بالشخصية القانونية، علاوة على أهلية التمتع بالحقوق وتحمل الالتزامات تأكيد الانفصال بين الحاكم والسلطة، أي أن الدولة وحدة قانونية مستقلة عن أشخاص الحكام الذين يمارسون السلطة، وأن هذه الوحدة لها طابع الدوام والاستقرار (ثروت بدوي: ص 52 وما بعدها) وهذه المعاني سبق إليها الإسلام كما تقدم.","part":8,"page":410},{"id":5415,"text":"وهكذا وجدت في وقت واحد ثلاث خلافات إسلامية: خليفة عباسي في العراق، وخليفة أموي في الأندلس، وخليفة فاطمي في إفريقية وجنوبي إيطاليا وصقلِّية، ثم مصر وقسم كبير من الشام (1) .\rوكان من أهم عوامل التجزئة وفصم عرى الوحدة الإسلامية هو الفتنة الأولى أو الكبرى التي انتهت بمصرع عثمان بن عفان رضي الله عنه، والفتنة الثانية التي انتهت بقتل الحسين بن علي وآل بيته رضي الله عنهم في كربلاء.\rوفي وسط هذا الاختلاف بين أهل السنة والشيعة وتشعب الآراء وتعدد الفرق وانقسام المسلمين إلى دويلات، انقض التتر والمغول على الخلافة العباسية في بغداد، فأزالوا معالمها ثم استولوا على دمشق. ثم جاءت الدولة العثمانية، فاستولت على البلاد الإسلامية وعاصرت انسلاخ الأندلس وطرد المسلمين منها ومن سائر أوربا بسبب ضعفهم أمام العدو، وطلبهم النصرة بل الحماية من العدو المشترك أيام (ملوك الطوائف).\rثم ضعفت الدولة العثمانية: فانقض المستعمرون الغربيون على الأقاليم الإسلامية يتقاسمونها بينهم بالحماية أو الانتداب أو الوصاية مستفيدين من النُّعَرة الوطنية (2) وظل الحال كذلك إلى أن استقل معظم البلاد في وحدات اقليمية أو دويلات متعددة بنحو خمسين دولة إسلامية في الوقت الحاضر.\rوالخلاصة: إن مفهوم دار الإسلام اتجه خلافاً للمبدأ الإسلامي نحو التجزؤ\r-------------------------------\r(1) مقدمة ابن خلدون: ص 292، ط مصطفى محمد، الشرع الدولي في الإسلام للدكتور نجيب الأرمنازي: ص 158، مقدمة كتاب السياسة لأبي القاسم المغربي: ص 28.\r(2) الكلام عن مآسي الاستعمار الغربي في هذا الصدد يتسع لمؤلف ضخم، وقد شاهد جيلنا الحاضر الكثير من ويلاته بتجزئة الإقليم الواحد إلى أوطان متعددة خاضعة تحت نفوده، وبذر بذور الفتن والتفرقة بين الإخوة عملاً بقاعدة (فرق تسد).","part":8,"page":411},{"id":5416,"text":"والانقسام في واقع الحياة الإسلامية مما أدى إلى ضعف دولة الإسلام. وبسط نفوذ المتسلطين عليها، ومعاناة مختلف أشكال الاستعمار القديم والجديد.\r5 - وأما الدول الحديثة فإنها بعد أن قامت على أساس الإقليمية الضيقة، دأبت على توفير أو استكمال خصائصها أوعناصرها: وهي النظام (1) والسيادة (2)\r-------------------------------\r(1) النظام: معناه ائتمار الجماعة بأمر فئة منها وخضوعها لقراراتها. أو بعبارة أخرى: وجود طبقة من الحكام وأخرى من المحكومين. وهذا في الحقيقة هو المظهر الداخلي لسيادة الدولة وسلطانها (راجع موجز القانون الدستوري للأستاذين عثمان خليل والطماوي: ص 14).\r(2) السيادة: وصف أو خاصية تنفرد بها السلطة السياسية في الدولة، ومقتضاها أن سلطة الدولة سلطة عليا لا يسمو عليها شيء، ولاتخضع لأحد، ولكن تسمو فوق الجميع، وتفرض نفسها على الجميع. ومقتضاها أيضاً أن سلطة الدولة سلطة أصيلة، أي لا تستمد أصلها من سلطة أخرى. وللسيادة وجهان: سيادة خارجية، وسيادة داخلية. الأولى خاصة بالعلاقات الخارجية بين الدول، ومقتضاها عدم خضوع الدولة صاحبة السيادة الخارجية لأية دولة أجنبية، والمساواة بين جميع الدول أصحاب السيادة، ومن ثم فالسيادة الخارجية مراد فة للاستقلال السياسي، وذلك يتوفر باعتراف الجماعة الدولية بها، فهي ذات دور سلبي محض. وأما السيادة الداخلية أوالنظام كما ذكرت فلها معنى إيجابي مضمونه أن الدولة تتمتع بسلطة عليا على جميع الأفراد والهيئات الموجودة على إقليمها، وأن إرادتها تسمو على إرادتهم جميعاً، أي أن سيادة الدولة الكاملة تعني استقلالها الخارجي، وسمو سلطانها في الداخل، وهذا يدل على أنه لا دولة بدون سيادة، وقد حل محل هذه الكلمة في العرف الحديث لفظة (استقلال الدولة) (راجع ثروت بدوي: 40/1-43، حافظ غانم: ص 13، المرجعان السابقان). ويمكن القول بوجود أساس لمبدأ السيادة الخارجية أو الاستقلال السياسي في القرآن الكريم في قوله تعالى: {ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلاً} [النساء:141/4] وقوله تعالى: {ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين} [المنافقون:8/63] والعزة: الأنفة. ومن أّهم مقوماتها الاستقلال الذي هو من مستلزمات التمكين في الأرض الذي وعد الله به المؤمنين الذي يعملون الصالحات.","part":8,"page":412},{"id":5417,"text":"والشخصية القانونية (1) .\r-------------------------------\r(1) الشخصية القانونية أو المعنوية: هي الخاصة الثانية للدولة، ومعناها أن الدولة وحدة قانونية مستقلة عن أشخاص الحكام الذين يمارسون السلطة، وأن هذه الوحدة لهاطابع الدوام والاستقرار لا تزول بزوال الأفراد الذين يباشرون الحكم، وإن السلطة التي تتمتع بها إنما تقوم من أجل خدمة أغراض الجماعة، لا من أجل تحقيق مآرب شخصية للحاكم. ويترتب على ذلك أن الشخص المعنوي يلزم غيره، ويلتزم في ذمته كالأشخاص الطبيعيين تماماً، أي أن له أهلية التمتع بالحقوق وتحمل الالتزامات، كما أشرت سابقاً (ثروت بدوي، المرجع السابق: ص 52 وما بعدها).","part":8,"page":413},{"id":5418,"text":"إلا أن نظريةالسيادة المطلقة تعرضت في العصر الحديث لانتقادات جوهرية، وهجرها الكثيرون على اعتبار أنها لا تتفق مع الظروف الحالية للمجتمع الدولي (1) ، وبرز اتجاه معاصر نحو إمكان الانتقاص من السيادة على الصعيدين: الإقليمي والدولي، ففي مجال التعاون الإقليمي نما الإدراك لدى بعض الشعوب والأمم بوجوب التجمع في صور تغاير صورة الدولة بعناصرها التكوينية الحالية، وبوجوب التعديل في عنصر السيادة الذاتية، وظهرت الاتحادات القارِّية كالاتحاد الأمريكي الذي نشأ في أواخر القرن الماضي، ثم تجدد تنظيمه بعد الحرب العالمية الثانية، وكالاتحاد الأوربي الذي برز إلى حيز التحقيق العملي بعد الحرب العالمية الأولى، ثم بدت أهم مظاهره بعد الحرب العالمية الثانية، فنشأ المجلس الأوربي سنة (1949م)، وعقدت اتفاقية السوق الأوربية المشتركة عام (1957 م)، وفي أعقاب الحرب العالمية الثانية وقعت روسيا والدول الشيوعية ميثاق وارسو سنة (1955م) (2) . وهكذا تتجه الدول الحديثة في النطاق الإقليمي نحو الوحدة أو الاتحاد لتقوية شأنها ودعم نفوذها.\r-------------------------------\r(1) حافظ غانم، المرجع السابق: ص 134.\r(2) أحكام القانون الدولي في الشريعة، حامد سلطان: ص 153، الحقوق الدولية العامة، فؤاد شباط: ص 258.","part":8,"page":414},{"id":5419,"text":"وعلى الصعيد الدولي طرأ على مفهوم السيادة قيد جديد، فأصبحت الدول من الناحية النظرية القانونية لا الواقعية الفعلية غير مطلقة التصرف في ميدان العلاقات الدولية لخضوعها للقانون الدولي العام المفروض على الدول بناء على اعتبارات تعلو على إرادتها، والذي هو يورد قيوداً على تصرفات الدول، ويحكم علاقاتها مع الدول الأخرى ومع الهيئات الدولية، فمثلاً: تضمَّن ميثاق الأمم المتحدة قيداً على مبدأ السيادة المطلقة في مظهرها الخارجي، فقضى على حق\rالدولة في إعلان الحرب متى شاءت، لأن الميثاق يقوم على فكرة نبذ الحروب ووجوب استتباب الأمن والسلم الدولي (1) .\rوالخلاصة: أن الاتجاه الحالي للدول نحو التجمع والاتحاد يتفق مع أصل الفكرة الشرعية الداعية إلى وحدة السلطة أو السيادة في جميع أقاليم دار الإسلام.\r-------------------------------\r(1) القانون الدولي العام للدكتور حامد سلطان: ص 752 وما بعدها، حافظ غانم، المرجع السابق: ص153.","part":8,"page":415},{"id":5420,"text":"المطلب الثاني ـ نشأة مصطلح الدولة الإسلامية :\r1 - السبب في إطلاق مصطلح الدولة الإسلامية على نظم الحكم الإسلامية :\r6 - لم يضع العلماء المجتهدون نظرية عامة للدولة تبين أسسها النظرية أو العملية، وإنما كانوا يضعون الحلول ويقدمون الآراء بمناسبة كل حالة طارئة، كما هو الشأن في أغلب أحكام الفقه الإسلامي، لكنهم مع ذلك يلاحظ أنهم يسيرون على هدى مبادئ ونظريات عامة ثابتة، وهكذا فإن الدولة الإسلامية قامت على دعائم جديدة مبتكرة تختلف تماماً عن الدعائم التي قامت عليها بيزنطة وفارس، ومنها أن الإسلام نبذ فكرة سيطرة الحاكم، وفكرة خضوع المحكومين في الشؤون الدينية والدنيوية معاً لغير مبادئ الإسلام، فالله وحده هو صاحب السلطان في شؤون الآخرة من ثواب أو عقاب، ويقوم نظام الحكم في الشؤون الدنيوية على القواعد الشرعية في حفظ المصالح ودرء المفاسد بحسب حال الزمان والمكان،\rوعلى أسس العدل والشورى والمساواة والمعاملة بالمثل والأخلاق، وعدم التمييز بين الناس في الجنس واللغة أو اللون أو الإقليم (1) .\r7 - ونلاحظ أن عناصر الدولة الحديثة نفسها التي تتكون منها الآن كانت متوافرة في تكوين الدولة الإسلامية في الماضي (2) : وهي الجماعة من الناس، والخضوع لنظام معين، والتسليم المحدد، والسلطان أو السيادة، والشخصية المعنوية.\rهذه العناصر والخصائص توافرت بذاتها في الحكومة النبوية التي أقامها الرسول صلّى الله عليه وسلم في المدينة، فالمسلمون الأولون من المهاجرين والأنصار هم شعب الدولة، والشريعة الإسلامية هي نظامها، والمدينة هي إقليمها، والنبي صاحب السلطان لا يشاركه فيه سلطة أخرى، والجماعة الإسلامية تمثل الشخصية المعنوية للدولة فيكون لها حقوق، وعليها التزامات، وتظل المعاهدات التي يعقدها الحاكم الأعلى نافذة المفعول لا تنتقض أو لا تنتهي بوفاته.\rوكانت بيعتا العقبة الأولى والثانية قبل الهجرة (3) على الإيمان بالله وبرسوله، وعلى السمع والطاعة للرسول عليه الصلاة والسلام، وحمايته ونصرته هما الركيزة الأولى في الاتفاق على تكوين دولة المدينة (4) .\r-------------------------------\r(1) تفسير ابن كثير: 217/4، السياسة الشرعية لابن تيمية: ص 157 وما بعدها، شرح أدب الدنيا والدين: ص 240، 488، تفسير المنار: 11/3 وما بعدها، و 199/4 وما بعدها، و 188/5 وما بعدها، أحكام القانون الدولي في الشريعة لحامد سلطان: ص 127 وما بعدها.\r(2) ر: للتفصيل دار الإسلام ودار الحرب للمؤلف.\r(3) حدثت البيعة الأولى قبل الهجرة بسنة وثلاثة أشهر، والثانية بعدها بعام واحد في موسم الحج: (سيرة ابن هشام: المجلد الأول/431، 418، ط الثانية للحلبي).\r(4) على الرغم مما كانت عليه هذه الدولة من بساطة، فإنها كانت دولة مستوفية جميع أركانها، كما كان شأن دولة مدينة روما، أو دولة مدينة أثينا في الأزمنة القديمة (انظر مبادئ نظام الحكم في الإسلام للدكتور عبد الحميد متولي: ص 451 و 488).","part":8,"page":416},{"id":5421,"text":"كانت إذن الحكومة النبوية في المدينة جديرة بإطلاق مصطلح الدولة الإسلامية عليها، ويؤكد ذلك ما قام به النبي صلّى الله عليه وسلم من إصلاحات اجتماعية وسياسية عقب الهجرة مباشرة، فجمع بين المهاجرين والأنصار وآخى بينهم، ووادع يهود المدينة، وكانت هذه المعاهدة بين المسلمين وغيرهم بمثابة الدستور الذي نظم شؤون المسلمين وعلاقاتهم بغيرهم داخل المدينة وخارجها (1) على نحو أشبه ما يسمى اليوم بالميثاق الوطني.\r-------------------------------\r(1) سيرة ابن هشام، المرجع السابق: ص 501 وما بعدها.","part":8,"page":417},{"id":5422,"text":"وكان النبي صلّى الله عليه وسلم يمارس شؤون السلطات الثلاث (التشريعية والقضائية والتنفيذية)، فكان عن طريق الوحي والاجتهاد الخاص يضع قواعد السلوك للناس في حياتهم الاجتماعية، ويحكم بين الخصوم، ويجبي الصدقات،ويوزع الغنائم، ويولي الأمراء على القبائل والمدن ويحدد لهم الاختصاصات، ويرسل القضاة إلى الأمصار، ويقود المعارك، ويعقد عقود الصلح أو الموادعة.\rأنشأ النبي صلّى الله عليه وسلم بهذه التصرفات تنظيماً أو جهازاً إدارياً بالتدريج توضحت معالمه واستكملت عناصر بنيانه قبل وفاته بسنتين، حيث أرسل الأمراء والعمال إلى البلاد التي آمنت برسالته، وكان في كل وقت شديد الحرص على مشاورة أصحابه، ويقوم أحد كتاب الوحي عنده بالكتابة إلى الملوك والأمراء، ويتخصص بعض الكتاب لحوائج الناس أو لمنازعاتهم، أو لعلاقات القبائل وتوزيع الحقوق فيما بينهما ونحو ذلك مما يثبت أن الرسول عليه الصلاة والسلام لم يكن رسولاً فحسب، وإنما كان كذلك حاكماً ورئيساً لدولة (1) .\r8 - واستمرت الخلافة الراشدية على الأسس نفسها التي قامت عليها الحكومة النبوية مع إضافة اصلاحات رائعة في عهد عمر بن الخطاب في نظام القضاء والإدارة بوضع الدواوين وتعيين القضاة وتحديد صلاحيات الولاة والعمال في الأمصار الإسلامية (2) .\rإلا أنه في عهد أبي بكر فصلت السلطة القضائية عن السلطة الإدارية بدليل قول أبي عبيدة لأبي بكر: أنا أكفيك المال، وقول عمر له: وأنا أكفيك القضاء.\rوكانت الخلافتان الأموية والعباسية رمز قوة الدولة وصاحبة الكلمة النافذة في العالم مع وضوح التقسيمات الإدارية للدولة وتعيين اختصاصات الولاة والأمراء.\rوكذلك كان شأن الدولة العثمانية عدة قرون.\rوهكذا ظلت الدولة الإسلامية طوال عشرة قرون مثالاً صحيحاً للدولة نظمت شؤونها على نحو سليم يتضمن كل ما تتطلبه مقومات الدولة الأساسية في الوقت الحاضر، مع ملاحظة فارق التطور والتقدم العلمي الحديث.\r-------------------------------\r(1) عبقرية الإسلام في أصول الحكم للدكتور منير العجلاني: ص 90-98، مبادئ نظام الحكم في الإسلام للدكتور عبد الحميد متولي: ص 451.\r(2) سيرة عمر بن الخطاب للأستاذين علي وناجي الطنطاوي: 224/1 و 263 و 548/2، ط الترقي بدمشق، تاريخ الحضارة العربية للأستاذ راتب الحسامي: ص 54 و 86.","part":8,"page":418},{"id":5423,"text":"2 - صلاحية نظام الحكم الإسلامي للتطبيق في الوقت الحاضر :\r9 - الخلافة (أو الإمامة أو إمارة المؤمنين) أو أي نظام شوري يجمع بين مصالح الدنيا والآخرة كلها ذات مدلول واحد ، لا يختلف عما هو متعارف الآن من أنظمة الحكم الدستورية النيابية إلا في أن الخلافة ذات صبغة دينية وسياسية أو\rرئاسة عامة في أمور الدين والدنيا ولجميع المسلمين في كل قطر (1) ، فهي تقوم على أساس الشورى أو الانتخاب، ويلتزم فيها تطبيق شريعة الإسلام، وتسود فيها مبادئ المساواة التامة في الحقوق والواجبات بين أفراد المجتمع، مهما اختلفت الأجناس والألوان، وتباينت الأقدار، وتتوخى تطبيق العدالة بحق، وتوفر لأبنائها الحرية الكافية في القول والرأي والنقد في ظل من القيم الخلقية الأصيلة (2) .\rوالحاكم ليس هو صاحب السيادة، وإنما الأمة والشريعة معاً هما صاحبا السيادة في الدولة الإسلامية (3) .\rوهذا كله من الناحيتين النظرية والعملية قابل للتطبيق في الوقت الحاضر كما طبق في عصر صدر الإسلام، بشرط أن يتوافر لدى الناس الاستعداد الكافي وحسن التفهم والإدراك العقلي والتجريبي، مع مراعاة وسائل التطبيق الزمنية، إذ أن من مبادئ الفقه الإسلامي المرونة ومراعاة المصالح، وقابلية التطور في الأحكام الفقهية الاجتهادية، ودفع الضرر، وإقامة العدل ومنع العدوان. وبالتزام هذه المبادئ يتيسر على الناس اختيار شكل الحكم الذي يحقق تلك الأهداف دون تقيد بتسمية معينة كنظام الخلافة، وذلك عملاً بمبدأ نفي الحرج في الإسلام.\r-------------------------------\r(1) ليس صحيحاً أن نظام الخلافة والإجماع الأصولي ضرباً من المحال كما توهم بعض رجال القانون وذلك بدليل وقوعهما بالفعل ( قارن الدكتور متولي: ص 548 ).\r(2) راجع نظام الحكم في الإسلام للدكتور عبد الله العربي: ص 48 وما بعدها.\r(3) النظريات السياسية الإسلامية للدكتور ضياء الدين الريس: ص 340.","part":8,"page":419},{"id":5424,"text":"3 - هل يوجب الإسلام إقامة دولة؟\r10 ـ الإسلام نظام ديني ومدني متكامل، ويتلازم وجود المسلمين مع قيام\rالدولة، ومن أهم أركان كل دولة كما أشرت سابقاً وجود سلطة عامة سياسية عليا يخضع لهاجميع الأفراد المكونين للجماعة (1) .\rلذلك نرى الأكثرية الساحقة من علماء الإسلام (وهم أهل السنة والمرجئة والشيعة والمعتزلة إلا قليلاً منهم، والخوارج ما عدا النجدات) تقرر وجوب إقامة حكومة عليا (أو إمارة أو دولة أو إمامة). والمراد بالوجوب هنا هو المعروف في علم أصول الفقه المرادف عند جمهور العلماء لمعنى الفرضية، وقد قال العلماء فعلاً: إن الإمامة فرض كفاية (2) .\r-------------------------------\r(1) النظم السياسية للدكتور ثروت بدوي: 33/1.\r(2) مغني المحتاج: 129/4، شرح المواقف للجرجاني: 346/8، شرح العقائد النسفية للتفتازاني: ص142 وما بعدها، مقالات ا لإسلاميين واختلاف المصلين للأشعري: 133/2، حجة الله البالغة للدهلوي: 110/2، أصول الدين للبغدادي: ص 271 وما بعدها، ط استانبول، الأحكام السلطانية للماوردي: ص 3، ولأبي يعلى: ص 3، نيل الأوطار: 256/8، مقدمة ابن خلدون: ص 191 وما بعدها، الحسبة لابن تيمية: ص 4-7، السياسة الشرعية لابن تيمية: ص 161، النظريات السياسية الإسلامية للريس: ص 144،إكليل الكرامة في مقاصد الإمامة لصديق حسن خان: ص 7 وما بعدها.","part":8,"page":420},{"id":5425,"text":"قال ابن تيمية: يجب أن يعرف أن ولاية أمر الناس من أعظم واجبات الدين بل لا قيام للدين إلا بها، فإن بني آدم لاتتم مصلحتهم إلا بالاجتماع لحاجة بعضهم إلى بعض، ولا بد لهم عند الاجتماع من رأس حتى قال النبي صلّى الله عليه وسلم : «إذا خرج ثلاثة في سفر فليؤمروا أحدهم» رواه أبو داود من حديث أبي سعيد وأبي هريرة (1) .\rوقال ابن حزم: (اتفق جميع أهل السنة وجميع المرجئة وجميع الشيعة وجميع الخوارج على وجوب الإمامة، وأن الأمة واجب عليها الانقياد لإمام عادل يقيم فيهم أحكام الله ، ويسوسهم بأحكام الشريعة التي جاء بها رسول الله صلّى الله عليه وسلم،حاشا النجدات، فإنهم قالوا: لا يلزم الناس فرض الإمامة وإنما عليهم أن يتعاطوا الحق بينهم (2) .إلا أن هؤلاء الموجبين للإمامة فريقان: قال أكثر الأشعرية، والمعتزلة، والعترة؛ إنها تجب شرعاً، لأن الإمام يقوم بأمور شرعية. وقال الشيعة الإمامية: تجب الإمامة عقلاً فقط للحاجة إلى زعيم يمنع التظالم ويفصل بين الناس في التنازع والتخاصم، ولولا الولاة لكان الأمر فوضى.\rوقال الجاحظ والبلخي والكعبي وأبو الحسن الخياط والحسن البصري: تجب الإمامة عقلاً وشرعاً.\rوشذ جماعة (وهم المُحكِّمة الأولى والنجدات من الخوارج، وضرار، وأبو بكر عبد الرحمن بن كيسان الأصم المعتزلي وهشام الفُوطَي) فقالوا بجواز الإمامة وأنها لا تجب، قال الأصم: لو تكافَّ الناس عن التظالم لاستغنوا عن الإمام.\rواستدل كل فريق على رأيه بأدلة مطولة لا مجال هنا لذكرها (3) .\r-------------------------------\r(1) السياسة الشرعية له، المكان السابق.\r(2) الفصل في الملل والنحل: 87/4، وانظر المحلى: 438/9، م/1768 ومراتب الإجماع: ص124.\r(3) ر: للتفصيل إمامة ـ الإمامة الكبرى. وقد سبق إيراد هذه الأدلة في فصل: نظام الحكم في الإسلام.","part":8,"page":421},{"id":5426,"text":"المبحث الأول ـ أركان الدولة الإسلامية ونشأتها وشخصيتها\rالمطلب الأول ـ أركان الدولة الإسلامية :\rتمهيد :\r11 - الدولة في العرف الحديث: مجموع كبير من الناس يقطن بصفة دائمة في إقليم جغرافي معين، ويخضع لسلطة عليا أو تنظيم سياسي معين.\rيظهر من هذا التعريف التقليدي للدولة أن عناصرها أو أركانها ثلاثة: هي الشعب أو مجموعة من الأفراد، والإقليم، والسلطة الحاكمة. ويربو عدد الدول الآن على (170) دولة.\rوتتصف الدولة بوصفين أو خاصتين: وهما السيادة والشخصية المعنوية أو القانونية، فالسيادة هي المعيار التقليدي للدولة، أي الذي يميزها عن غيرها من الجماعات (1) .\rوسأبحث هنا ركنين من أركان دولة الإسلام: وهما الشعب والإقليم (2) وأبحث أيضاً وصف (السيادة) الذي يعتبره بعض فقهاء القانون الدستوري ركناً من أركان الدولة (3) .\rفصارت مواضيع هذا المبحث ثلاثة: الشعب والإقليم والسيادة.\r-------------------------------\r(1) النظم السياسية، ثروت بدوي: ص 28 و 40، حافظ غانم، المرجع السابق: ص 124 و 128، أحكام القانون الدولي في الشريعة: ص 212.\r(2) من المعلوم أن الدولة الإسلامية سبقت ـ في مظهرها القانوني ـ نشوء الدول الأوربية من حيث اكتمال عنصر الإقليم وعنصر الشعب وعنصر الولاية الذاتية فيها، انظر ( أحكام القانون الدولي لحامد سلطان، المرجع السابق: ص 231).\r(3) موجز القانون الدستوري، عثمان خليل والطماوي: ص 10-14.","part":8,"page":422},{"id":5427,"text":"الركن الأول ـ الشعب :\rأولاً ـ موقع هذا الركن مادياً وأساسيته في مفهوم الدولة الإسلامية :\r12 ـ الشعب أو الأمة في المفهوم الحديث يقوم على عنصرين: عنصر مادي وهو الاستقرار على بقعة معينة من الأرض ، وعنصر معنوي: وهو الرغبة في الحياة المشتركة. ويعتبر أول عناصر الدولة هو العنصر الإنساني وهو الشعب، وتعد ضخامة عدد أفراد الدولة الحديثة من مميزاتها إذا قورنت بدولة (المدينة) السياسية القديمة.\rوالشعب في مفهوم تكوين الدولة الإسلامية هو شعب دار الإسلام الذي يتألف من المسلمين الذين يؤمنون برسالة الإسلام ديناً وشرعاً وعقيدة ونظاماً سياسياً ومن الذميين، أي غير المسلمين الذين يقيمون إقامة دائمة في دار الإسلام، فمن هؤلاء جميعاً يتكون شعب الدولة الإسلامية أو رعاياها الذين يرتبطون في المفهوم الحديث برابطة سياسية وقانونية هي رابطة الجنسية أو الرعوية.\rوتنحصر غاية المسلمين في توحيد الله والدعوة إليه وإلى تطبيق الدستور الإسلامي في الحياة عامة في كل مكان، دون تمييز بين الناس إلا على أساس العقيدة والفضيلة والكفاية والكفاح التي تجمعها كلمة (التقوى).\rولقد كان الهدف من تركيز هجرة المسلمين إلى المدينة وتلاقيهم مع الأنصار هو إيجاد ركيزة الشعب المكون للدولة الإسلامية الأولى، إذ لا يمكن لدولة أن تعيش في فراغ عن السكان، كما أن تنفيذ شريعة الإسلام أيضاً يتطلب وجود المكلفين المؤمنين بها. وقد يوجد مع شعب الدولة مؤقتاً مستأمنون أوأجانب بلغة العصر.","part":8,"page":423},{"id":5428,"text":"ثانياً ـ اختلاف هذا الركن عن نظيره في المفهوم الحديث للدولة :\r13 - يختلف مدلول الشعب في الدولة الإسلامية عن مدلوله في المفهوم الحديث للدولة، فالشعب أو الأمة في المفهوم الحديث شعب محصور في حدود جغرافية، يعيش في إقليم واحد، تجمع بين أفراده روابط من الدم أو الجنس أو اللون أو الأصل أو اللغة أو الدين أو العادات والمصالح المشتركة (1) أي أن الشعب يقوم في الغالب على أساس عنصري.\rأما الشعب في مفهوم الدولة الإسلامية فإنه يقوم على أساس مبادئ وغايات أساسها ما جاء به الإسلام من نظام صالح للحياة البشرية قائم على محاربة العنصرية أو القبلية أو العصبية الإقليمية أو القومية. والرابطة أصلاً هي الوحدة في العقيدة أي في الفكرة والوجدان، فكل من اعتنق الإسلام من أي جنس أو لون و وطن وكل من التزم أحكام الإسلام من غير المسلمين وأقام في دار الإسلام، فهو أحد مواطني دولة الإسلام، مما يدل على أن نظرة الإسلام إنسانية وأفقه عالمي، لأن أساس تجمع الأفراد المكونين للدولة الإسلامية ليس هو الأرض ولا اللون ولا اللغة ونحوها، وإنما أساس الارتباط بالدولة هو إما الإقرار بعقيدة الإسلام أو الولاء السياسي للدولة الإسلامية.\r14 - ومن هنا يتحدد مفهوم الأمة والقومية في الإسلام:\r-------------------------------\r(1) حافظ غانم، المرجع السابق، ص 125 وما بعدها، ثروت بدوي: ص 29، أحكام القانون الدولي في الشريعة لسلطان: ص 215.","part":8,"page":424},{"id":5429,"text":"أما الأمة في مفهوم الإسلام فليست هي التي تربط بين أفرادها وحدة الجنس أو اللون أو اللغة أووحدة المكان. وإنما هي التي تجمع بينها رابطة العقيدة والأخلاق.\rوأما القومية في نظر الإسلام فهي رابطة تنظيمية تؤلف بين جماعة تعيش في رقعة ذات حدود جغرافية متعاونة في تدبير شؤونها ومصالحها المشتركة، دون انعزال عن الأقوام الأخرى التي تقيم في رقعات أرضية أخرى، فهي دعوة للتعارف والتآلف بين القوميات المتعددة المنتشرة في بقاع العالم، وليست دعوة للانعزال أو التعصب (1) ، وبعبارة أخرى: هي أن القومية في كل صورها الحديثة تتنافى مع مبادئ الإسلام، لأن الإسلام يقرر مبدأ المساواة التامة بين الناس، ويقيم وحدة المسلمين على أساس الأخوة أو الاشتراك في عقيدة واحدة ونظرة أخلاقية واحدة تسمو فوق اعتبارات الجنس والنشأة واللغة، قال الله تعالى: {يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا. إن أكرمكم عند الله أتقاكم} [الحجرات:13/49]، وقال رسول الله صلّى الله عليه وسلم : «ليس لأحد فضل على أحد إلا بدين أو تقوى، الناس كلهم بنو آدم وآدم من تراب، لا فضل لعربي على عجمي، ولا لعجمي على عربي، ولا لأبيض على أسود، ولا لأسود على أبيض إلا بالتقوى» (2) ، وقال أيضاً: «يا معشر قريش، إن الله قد أذهب عنكم نخوة الجاهلية وتعظمها بالآباء، أيها الناس، كلكم من آدم، وآدم من تراب لا فخر للأنساب، لا فضل للعربي على العجمي، ولا للعجمي على العربي، إن أكرمكم\r-------------------------------\r(1) نظام الحكم في الإسلام للدكتور العربي: ص55، النظريات السياسية الإسلامية للريس: ص 339، نظرية الإسلام السياسية للمودودي: ص 47 و 52، العرب والإسلام لأبي الحسن الندوي: ص85. حامد سلطان ، المرجع السابق: ص 111و 141 و 155 و 183 و 217، نحو مجتمع إسلامي لسيد قطب: ص 92 وما بعدها، منهاج الإسلام في الحكم لمحمد أسد: ص 71، الإسلام عقيدة وشريعة للأستاذ محمود شلتوت: ص 362 وما بعدها، ط 1959.\r(2) رواه أحمد في مسنده (مجمع الزوائد: 266/3) قال الهيثمي: ورجاله رجال الصحيح.","part":8,"page":425},{"id":5430,"text":"عند الله أتقاكم» (1) ، وفي حديث آخر: « ليس منا من دعا إلى عصبية، وليس منا من قاتل على عصبية، وليس منا من مات على عصبية» (2) .\rوذلك يعني أن الإسلام هدم برج العصبية القاتلة، والعنصرية السقيمة البغيضة لأنها تفرق الجماعات، وتولد الأحقاد والشرور والمنازعات، وأحل محلها الإنسانية العالمية، لأنها سبيل الإخاء والمحبة والسلام (3) .\rالركن الثاني ـ الإقليم :\rأولاً ـ موقع هذا الركن مادياً واختلافه عن نظيره في المفهوم الحديث للدولة :\r15 - يشمل إقليم الدولة الإسلامية جميع البلاد الإسلامية، فهو يتحدد بحدود دار الإسلام مهما اتسعت رقعتها، ودار الإسلام: (اسم للموضع الذي يكون تحت يد المسلمين) (4) . وهذا يعني ضمناً أن حدود إقليم الدولة الإسلامية ليست ثابتة أو دائمة (5) ، إذ أنه يجب شرعاً تبليغ الدعوة الإسلامية إلى العالم،\r-------------------------------\r(1) رواه الترمذي وأبو داود عن أبي هريرة بلفظ مقارب لهذا (سنن أبي داود: 624/2، جمع الفوائد: 398/2، الترغيب والترهيب: 573/3، 614).\r(2) رواه أبو داود عن جبير بن مطعم (سنن أبي داود: 625/2).\r(3) إذا كان نظام الدولة الحديث يقوم على أساس فكرة الأمة التي يرتبط أفرادها بروابط الجنس واللغة والدين أو بالروابط الاقتصادية أو الجغرافية أو التاريخية، فإن مفهوم الأمة الذي يقوم عليه نظام الدولة المسلمة أوسع مدى، فهي تشمل كل من آمن بالإسلام أو التزم أحكام الإسلام، مهما كان جنسه أو لونه أو أصله أو لغته، لأن رابطة الأخوة الإسلامية فوق رابطة الجنسية ورابطة الإقليمية أو التوطن في بلد معين.\r(4) شرح السير الكبير: 81/3، وانظر للتفصيل دار الإسلام ودار الحرب للمؤلف.\r(5) كان ركن الإقليم في دولة المدينة في عهد الرسول صلّى الله عليه وسلم عبارة عن المدينة وضواحيها، ثم أخد إقليم الدولة يمتد في عهده، ثم في عهد خلفائه على النحو المعروف.","part":8,"page":426},{"id":5431,"text":"وعندئذ تنتقل الحدود بانتقال سلطان الإسلام إلى البلاد الأخرى، فكلما اتسع نطاق سلطان المسلمين اتسعت الأقاليم الإسلامية. ولا يراد بالوطن عند فقهاء الإسلام إلا مكان إقامة الشخص الدائمة، أي بلده التي يقيم فيها عادة، أو محل سكناه.\rفإذا وقف سلطان امتداد الإسلام تحدد الإقليم تحت وطأة الضرورة والظروف بالحدود التي وقف عندها، وأصبحت حدود دار الإسلام مقيدة من الناحية الواقعية بهذه الحدود (1) .\rإلا أن الإسلام حين يزيل الحواجز الجغرافية أو العنصرية التي تقوم عليها فكرة الوطن القومي، فإنه لا يلغي فكرة الوطن على الإطلاق، لأن تعلق الإنسان بوطنه أمر فطري، حتى إن حبه يملأ نفسه ومشاعره، لذا فهو أي الإسلام يبقي على المعنى الطيب وحده لهذه الفكرة: معنى التجمع والتآخي والتعاون والنظام والمشاركة في الأفراح والأحزان، والالتفاف مع الإخوان في الوطن حول الهدف الأعلى المشترك (2) ، وبالتالي فالوطن فكرة في الشعور لا رقعة من الأرض نعيش\r-------------------------------\r(1) أما من الناحية المثالية فإن إقليم الدولة الإسلامي غير محدود، شأنه شأن الخطاب التكليفي غير محدد إطلاقاً بإقليم محصور معين، ولا مقيد برابطة الجنسية أو الموطن، بل هو خطاب مطلق من كل قيد، وموجه إلى المسلمين والبشر جميعاً، بغض النظر عن الروابط الإقليمية، يعني أن الشريعة ليست ذات صبغة إقليمية وإنما هي ذات صبغة عامة أو عالمية. إلا أن سلطة الدولة الإسلامية مقيدة في الواقع بحدود دار الإسلام لعدم قدرتها على التنفيذ الجبري لأحكامها في خارج دار الإسلامي(قارن التشريع الجنائي الإسلامي: 278/1 وما بعدها والإسلام وأوضاعنا السياسية للأستاذ عبد القادر عودة: ص221 و ما بعدها، وأحكام القانون الدولي في الشريعة لحامد سلطان: ص 111و 184 و 231).\r(2) نحو مجتمع إسلامي لسيد قطب: ص 96، الإسلام والحياة للدكتور محمد يوسف موسى: ص189.","part":8,"page":427},{"id":5432,"text":"فيها، هذه الفكرة يجتمع في ظلها الناس من كل جنس ولون وأرض (1) . وكما أن ركن (الشعب) يختلف عن نظيره في المفهوم الحديث للدولة من حيث إن الإسلام يقرر (اللاعنصرية) فدولة الإسلام ليست دولة عنصرية محدودة بحدود أرض القوم والجنس والعنصر، وإنما هي دولة فكرية تمتد إلى المدى الذي تصل إليه عقيدتها، دون أن يكون هناك امتيازات تقوم على أساس الجنس أو اللون أو الإقليم (2) ، كذلك فإن ركن (الإقليم) يختلف عن نظيره في المفهوم الحديث للدولة من حيث إن الإسلام يقرر مبدأ (اللا إقليمية) (3) .\rثانياً ـ مشمول إقليم الدولة :\r16 - يظهر من تعاريف الفقهاء لدار الإسلام أن إقليم الدولة الإسلامية يشمل كل موضع أو جزء من البلاد خاضع لسلطان المسلمين (4) . وبناء عليه يكون مشمول إقليم الدولة ما يأتي:\r1 - ما هو جزء أساسي من الإقليم :\rيشمل إقليم الدولة كل ما يدخل في تكوينها الجغرافي أو الطبيعي، وهو مايأتي:\r-------------------------------\r(1) هذا ويلاحظ أن ارتباط الدولة بالإقليم في المفهوم الجديد رابطة حديثة النشأة يرجع وجودها إلى القرن التاسع عشر، وتوثقت في القرن العشرين، فالإقليم لم يكن عنصراً أساسياً من عناصر الدولة عند اليونان والرومان، وإنما بدأت الرابطة بين الدولة وبين الإقليم تظهر في الإدراك القانوني في أواخر القرون الوسطى (حامد سلطان، المرجع السابق: ص 228).\r(2) بحث الفرد والدولة في الشريعة للدكتور عبد الكريم زيدان: ص 14.\r(3) ر : للتفصيل دار الإسلام ودار الحرب للمؤلف.\r(4) ر : دار الإسلام ودار الحرب.","part":8,"page":428},{"id":5433,"text":"أ ـ الأرض: أي الجزء اليابس أو الرقعة التي يعيش عليها المسلمون وتخضع لسلطانهم أو ولايتهم، سواء أكانت مدينة أو قرية أو صحراء أوغابة أو جبل أو جزيرة (1) .\rوكذلك يعتبر ما في باطن الأرض من محتويات تابعاً للدولة بدليل إيجاب الخمس للمصالح العامة فيما يخرج من الأرض من المعادن والركاز (2) والباقي للمالك. وهذا يعني أن ملك الأرض يستتبع ملك ما تحتها وما فوقها عملاً بالقاعدة الشرعية: (من ملك شيئاً ملك ما هو من ضروراته).\rب ـ الأنهار الوطنية: وهي التي تمر من منبعها إلى مصبها في أراضي دار الإسلام كأنهار مصر والشام والعراق ونحوها.\rجـ ـ المياه الساحلية أو البحر الإقليمي: وهي قسم محدد من البحر ملاصق لأرض الدولة التي تنتهي حدودها إلى البحر.وتابعيتها لدار الإسلام بناء على مبدأ إحراز المباح، لأن من سبق إلى مالم يسبق إليه أحد من المباحات فهو له كما قال النبي صلّى الله عليه وسلم (3) .\rوفي حكم ذلك ما يعرف بالمنطقة المجاورة (أو الملاصقة أو التكميلية) (4) تعتبر\r-------------------------------\r(1) رد المحتار: 277/3، ط الحلبي.\r(2) ر : زكاة.\r(3) رواه أبو داود عن أسمر بن مضرِّس بلفظ: (أتيت النبي صلّى الله عليه وسلم فبايعته، فقال: من سبق إلى ما لم يسبق إليه مسلم فهو له) (نيل الأوطار: 302/5).\r(4) هذه المنطقة عبارة عن قسم من أعالي البحار يجاور مباشرة البحر الإقليمي تمارس الدولة الساحلية عليه بعض الاختصاصات المحددة في المسائل الاقتصادية والمالية والجمركية، وفي مسائل أمن الدولة والصحة العامة وفي الغنائم وفي الحياد (حافظ غانم، المرجع السابق: ص 402).","part":8,"page":429},{"id":5434,"text":"جزءاً من دار الإسلام. ومثلها أيضاً الامتداد القاري (1) .\rوأما المياه الداخلية القائمة في داخل أراضي دار الإسلام فهي جزء من إقليم الدولة المسلمة بلا نزاع، لأنها خاضعة لنفوذ المسلمين وتحت أيديهم.\r2 - ما هو امتداد أو ملحق بالإقليم اعتباراً :\r17 - تعتبر وسائل النقل الدولية من سفن وقطارات دولية تمر في أقاليم دولة أخرى، وطائرات، جزءاً ممتداً من إقليم دار الإسلام، فإن كانت هذه الوسائل حربية فتخضع لسيادة الدولة الإسلامية وتطبق عليها الشريعة باتفاق الحنفية وغيرهم قياساً على اعتبارهم أرض المعسكر الإسلامي جزءاً من دار الإسلام. فإن كانت هذه الوسائل تجارية أو مدنية:\rففي أصل المذهب الحنفي الذي يقرر أن لا ولاية للسلطة المسلمة على جرائم دار الحرب: إن كانت في مياه أو أراض أوأجواء تابعة لدار الحرب، فلا تخضع لسيادة الدولة الإسلامية. وإن كانت في مناطق تابعة لدار الإسلام، أو حرة غير تابعة لأحد، كما لو كانت في وسط البحر مثلاً، فتخضع لسيادة الدولة الإسلامية وتطبق عليها الشريعة. وبما أنه يمكن الآن ممارسة ولاية الدولة على هذه الوسائط في أراضي دولة أخرى، فإن هذه الوسائل في جميع الحالات تخضع لسيادة الدولة المسلمة، عملاً بقاعدة: (الحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً).\rوفي رأي غير الحنفية القائلين بمعاقبة رعايا الدولة الإسلامية على الجرائم التي\r-------------------------------\r(1) الامتداد القاري: أي الطبقات الأرضية المنحدرة الواقعة في قاع أعالي البحار بجوار مياه الدولة الإقليمية.واهتمام الدول بها مرجعه إلى رغبتها في استغلال الثروات الطبيعية كالبترول مثلاً الموجودة في قاع البحر الممتد أمام شواطئها خارج البحر الإقليمي (حافظـ غانم المرجع السابق: ص 392).","part":8,"page":430},{"id":5435,"text":"يرتكبونها في أي مكان عند عودتهم لدار الإسلام: تخضع هذه الوسائل لسيادة الدولة الإسلامية مطلقاً سواء أكانت في مناطق تابعة لدار الحرب أو لدار الإسلام أو حرة (1) .\r3 - ما هو جزء من إقليم الدولة، ولكن عليه حقوق ارتفاق لدولة أخرى :\r18 - يشمل هذا العنصر منطقتين تعتبران من إقليم الدولة الإسلامية لولايتها وسلطانها عليهما وهما:\rأ ـ الجزء الواقع في إقليم الدولة من الأنهار الدولية: إذ أن هذا الجزء خاضع لسيادة الدولة الإسلامية، وتمارس سلطانها عليه، وإن كان لا مانع عن طريق الاتفاق أو التبادل ونحوهما من انتفاع الدول الأخرى بالملاحة فيه ونحوها، كما هو الشأن في نطاق الملكية الخاصة بتقرير حقوق ارتفاق عليها بسبب الجوار ونحوه.\rب ـ طبقات الجو عمودياً: يشمل إقليم الدولة أعماق الأرض والطبقات الهوائية التي تعلو إقليمها الأرضي والمائي، وذلك يكسب الدولة الحق في مباشرة اختصاصها وحقوقها على الأجواء العليا، سواء في الملاحة الجوية أو المواصلات والإذاعات (اللاسلكية). والدليل الشرعي العمل بالقاعدة الفقهية السابقة: (من ملك شيئاً ملك ما هو من ضروراته) والملكية عامة كانت أو خاصة تستتبع ملك ما فوق الأرض من طبقات الجو، وما تحتها من الأعماق، فيبني المالك مثلاً ما شاء فيها من طباق (2) ويمارس عليها كل ما يكون له من حقوق بشرط عدم الإضرار بالآخرين، وتأمين مصالحهم الضرورية.\r-------------------------------\r(1) ر : دار الإسلام ودار الحرب: ف/43 و 111-113، التشريع الجنائي الإسلامي: 296/1.\r(2) المدخل الفقهي العام للأستاذ الزرقاء: ف/635.","part":8,"page":431},{"id":5436,"text":"4 - الأقاليم المشتركة بين عدة دول :\r19 - تمارس الدولة المسلمة سيادتها على الأجزاء المشتركة بينها وبين دول أخرى بحسب المعاهدة أو الاتفاق المعقود، كما هو الحال بالنسبة إلى نظام المضايق التركية التي تشرف تركيا بموجبه على مضايق البوسفور والدردنيل بمقتضى معاهدة مونتريه في (26) تموز (يوليو) سنة (1936م)، مع الحفاظ على مبدأ حرية الملاحة للسفن التجارية. وكما هو شأن مضيق جبل طارق وطنجة الموضوعة في حالة حياد دائم بموجب اتفاقية تدويلها سنة (1923م) وكذلك المنطقة المحايدة بين الكويت والسعودية في الشمال والجنوب الشرقي تحكمها الاتفاقيات المعقودة. وهذا كله يعني أن سيادة الدولة على الإقليم المشترك إما ناقصة أو معدومة فلا تتبع دولة ما بحكم الحياد.\r5 - ما لا يعتبر جزءاً من الإقليم ويمكن اعتباره امتداداً مشتركاً مشاعاً لإقليم كل دولة :\r20 - إن المناطق الحرة غير التابعة لدولة ما يمكن اعتبارها في الإسلام مشاعة لكل الدول على السواء؛ لأن الأصل في الأشياء الإباحة، ولأنها لا تخضع لحيازة أحد، فتنتفع بها كل الدول بشرط عدم الإضرار بالآخرين كتلويث مياه البحار والجو بالغبار الذري، لأن الضرر ممنوع شرعاً لقوله عليه الصلاة والسلام: «لا ضرر ولا ضرار» (1) . وتشتمل هذه المناطق ما يأتي:\r-------------------------------\r(1) رواه مالك في الموطأ وأحمد في مسنده، وابن ماجه والدارقطني في سننهما عن ابن عباس وعبادة (الفتح الكبير وغيره ).","part":8,"page":432},{"id":5437,"text":"أ ـ أعالي البحار (1) : الأصل في الشريعة أن البحار العامة ليست ملكاً لأحد (2) لعدم الحيازة لها ، سئل بعض فقهاء الحنفية عن البحر الملح أمن دار الإسلام أو دار الحرب؟ فأجاب بأنه ليس من أحد القبيلين، لأنه لا قهر لأحد عليه (3) . ويؤيد ذلك الاعتماد على بعض قواعد الإسلام لتقرير مبدأ حرية البحار مثل مبدأ العدالة ومبدأ المساواة وقاعدة الحيازة الفعلية أو الحيازة الحكمية وأن الأصل في الأشياء والأعيان الإباحة، فالعدالة والمساواة تقضيان بجعل البحار مشاعة لجميع الدول، إذ لا حيازة لإحدى الدول عليها فعلاً أو حكماً مما يوجب رفض القول بمبدأ ملكية البحار والسعي لتقرير مبدأ حريتها (4) .\rب ـ الفضاء الكوني (5) : يعتبر الفضاء الكوني أيضاً حراً يجوز لكل دولة الانتفاع به قياساً على مبدأ حرية البحار العامة السابق ذكره لعدم الاستيلاء أو حيازة دولة ما له، ولكن مع مراعاة الشرط السابق وهو عدم الإضرار بالآخرين.\r-------------------------------\r(1) المقصود بأعالي البحار في العرف الحاضر:كل أجزاء البحر التي لا تدخل في البحر الإقليمي أو في المياه الداخلية لدولة من الدول (حافظ غانم، المرجع السابق: ص 405). ويقصد بحرية البحار: أن يكون لكافة الدول أن تنتفع بها على قدم المساواة. ولا تخضع السفينة الموجودة في أعالي البحار إلا لاختصاص الدولة التي ترفع علمها.\r(2) التشريع الجنائي الإسلامي لعودة: 296/1.\r(3) رد المحتار على الدر المختار: 267/3 و 277، ط الحلبي، وانظر التفصيل في بحث دار الإسلام ودار الحرب للمؤلف.\r(4) بدأ رجال الكنيسة الكاثوليكية وعلى رأسهم البابا في العصر الوسيط بإدخال البحار في ملكية ملوك أوربا كي يتسنى لهم محاصرة الدولة الإسلامية عن طريق البحر المكتشف أو الذي سيعرف (ر : أحكام القانون الدولي في الشريعة لحامد سلطان: ص 243، نظم الحكم والإدارة في الشريعة والقوانين لعلي منصور: ص 312).\r(5) توصلت بعض الدول الكبرى في عصرنا الحاضر إلى الفضاء الكوني بقذائف صاروخية تحمل كواكب صناعية تدور حول الكواكب السماوية، وتشرف على الكرة الأرضية، وتصور أي جزء منها، وترسل معلومات فلكية عن الفضاء والأشعة الشمسية إلى الدولة التي أطلقتها.","part":8,"page":433},{"id":5438,"text":"الركن الثالث: السيادة :\rتمهيد :\r1 - نظرية السيادة في المفهوم الحديث للدولة والنظريات البديلة كمعيار للدولة :\r21 - السيادة فكرة حديثة نسبياً، فلم تكن معروفة حتى القرن السادس عشر، وهي تعني مجموعة من الاختصاصات تنفرد بها السلطة السياسية في الدولة، وتجعل منها سلطة آمرة عليا. ولعل أهم هذه الاختصاصات هو قدرتها على فرض إرادتها على غيرها من الهيئات والأفراد بأعمال من جانبها وحدها، تكون نافذة من تلقاء نفسها، دون أي توقف على قبول المحكومين لها.\rولا يصح الخلط بين السلطة السياسية والسيادة؛ إذ أن هناك فرقاً بين السلطة في ذاتها وأوصاف السلطة، فالسيادة في الواقع ليست إلا الصفة التي تتصف بها السلطة السياسية في الدولة، لأن السلطة ركن من أركان الجماعة، أما السيادة فهي وصف أو خاصية تنفرد بها السلطة السياسية في الدولة.\rوالمعيار التقليدي للدولة هو السيادة، فالذي يميز الدولة عن غيرها من الجماعات هو تمتعها بالسيادة.\rوللسيادة مظهران أو وجهان ذكرتهما سابقاً (1) ، وبينت أيضاً أن نظرية السيادة في المفهوم الحديث أصبحت نسبية؛ إذ أن سيادة الدولة صارت خاضعة داخلياً للخير العام القومي وخارجياً للخير المشترك الدولي.\rووجدت نظريات أخرى تحل محل نظرية السيادة المطلقة، منها نظرية\r-------------------------------\r(1) ر : حاشية ف/5.","part":8,"page":434},{"id":5439,"text":"(لاباند) وأساسها أن ما يميز الدولة هو ما تملكه من قوة للجبر والقهر تباشرها على أشخاص آخرين ، وهذه القوة هي حق خاص للدولة لم تستمده من سلطة أخرى.\rومنها نظرية (بلنيك) وهي تقول: أن ما يميز الدولة هو كونها تملك اختصاص إعطاء الاختصاص، فهي السلطة الوحيدة في الإقليم التي تملك حق وضع دستور ينظم الدولة، ويحدد اختصاص سائر الأشخاص والهيئات الموجودين على إقليمها.\rوقال بعض فقهاء القانون الدولي: يمكن وضع معيار آخر مزدوج للدولة يتلخص في أمرين:\r1 - عمومية اختصاص الدولة، أي أن الدولة تتمتع باختصاص عام في حدود إقليمها.\r2 - الخضوع المباشر للقانون الدولي العام، فتستمد منه حقوقها وواجباتها، وتخضع لما يقيد حريتها في التصرف (1) .\r2 - تمييز السيادة عما يشتبه بها :\r22 ـ يميز فقهاء القانون الدولي بين السيادة وبين بعض الأنظمة وبعض مظاهر نشاط الدولة التي قد تختلط أو تلتبس بها (2) .\rأ ـ التمييز بين السيادة والسلطة الفعلية :\rيجب التمييز بين السيادة كحق قانوني وبين مباشرة السلطة الفعلية إذ من الجائز أن تباشر دولة أو هيئة دولية سلطة فعلية في إقليم لا يخضع لسيادتها، ومثالها نظامان:\r1 - الإيجار: ومقتضاه أن تؤجر الدولة جزءاً من إقليمها لدولة أخرى، وتتولى الدولة المستأجرة إدارة الإقليم محل الإيجار، واستخدامه مقابل أجر معين تدفعه للدولة المؤجرة، كاستئجار أمريكا لمدة (90) عاماً بعض مناطق في نيوفوندلند وبرمودا من إنجلترا بموجب اتفاقية سنة (1941م).\r2 - الإدارة: ومقتضاه أن تتنازل دولة عن إدارة جزء من إقليمها إلى دولة أخرى، وتتولى الدولة المديرة إدارة الإقليم نيابة عن الدولة الأولى، ولمصلحة هذه الدولة، كنظام الوصاية الدولية تحت إشراف الأمم المتحدة.\r-------------------------------\r(1) حافظ غانم: ص 128-137، ثروت بدوي: ص 40 وما بعدها، حامد سلطان: ص 150، فؤاد شباط: ص 62، المراجع السابقة.\r(2) حافظ غانم، المرجع السابق: ص132 ومابعدها، الشريعة والقانون الدولي، علي منصور ص123.","part":8,"page":435},{"id":5440,"text":"ب ـ التمييز بين السيادة والملكية :\r23 ـ للسيادة في القانون الدولي مدلول قانوني مبناه اعتبار الدولة أعلى سلطة في داخل إقليمها، واعتبار هذا الإقليم النطاق الذي تباشر الدولة سلطتها فيه، ولا يمكن تشبيه سلطات الدولة واختصاصاتها بالملكية الخاصة لفرد من الأفراد. فالقانون الداخلي لكل دولة يختص بتنظيم ملكية الأفراد أو الملكية العامة بتأثير مبادئ ونظريات معينة، وملكية الدولة لبعض الأموال في داخل إقليمها أو في أقاليم دولة أخرى شيء مختلف عن السيادة الإقليمية.\rبعد هذا التمهيد أذكر أموراً ثلاثة:","part":8,"page":436},{"id":5441,"text":"أولاً ـ فكرة السيادة في الدولة الإسلامية :\r24 ـ تتمتع الدولة الإسلامية بصفة السيادة في النطاقين الداخلي والخارجي بدءاً من الحكومة النبوية في المدينة وما تلاها من عهود مستقلة. ففي النطاق الداخلي: للدولة الهيمنة التامة على جميع الأشخاص والهيئات القائمة في دار الإسلام. فتلتزم الرعية بالطاعة والسمع ضمن حدود الشرع. قال النبي صلّى الله عليه وسلم : (لا طاعة في معصية الله ، إنما الطاعة في المعروف) (1) . وقال الماوردي: بعد أن ذكر ما يلزم الإمام من الأمور العامة: (وإذا قام الإمام بما ذكرناه من حقوق الأمة، فقد أدى حق الله تعالى فيما لهم وعليهم، ووجب له عليهم حقان: (الطاعة والنصرة) ما لم يتغير حاله. والذي يتغير به حاله، فيخرج به عن الإمامة شيئان: أحدهما: جرح في عدالته. والثاني: نقص بدنه. فأما الجرح في عدالته وهو الفسق فهو على ضربين: أحدهما: ما تابع فيه الشهوة، والثاني: ما تعلق فيه بشبهة، فأما الأول منهما فمتعلق بأفعال الجوارح: وهو ارتكاب للمحظورات وإقدامه على المنكرات تحكيماً للشهوة وانقياداً للهوى، فهذا فسق يمنع من انعقاد الإمامة ومن استدامتها...الخ) (2) .\rوفي موضوع تقليد الإمارة على الجهاد، قال الماوردي أيضاً: وأما ما يلزمهم -أي الجيش في حق الأمير عليهم - فأربعة أشياء:\rـ أحدها: التزام طاعته والدخول في ولايته، لأن ولايته عليهم انعقدت وطاعته بالولاية وجبت.\rـ والثاني: أن يفوضوا الأمر إلى رأيه ويكلوه إلى تدبيره، حتى لاتختلف آراؤهم فتختلف كلمتهم، ويفترق جمعهم.\rـ والثالث: أن يسارعوا إلى امتثال الأمر والوقوف عند نهيه وزجره، لأنهما من لوازم طاعته.\r-------------------------------\r(1) رواه مسلم من حديث علي (شرح مسلم للنووي: 226/12 وما بعدها).\r(2) الأحكام السلطانية: ص 15، وانظر الأحكام السلطانية لأبي يعلى: ص 8، 30.","part":8,"page":437},{"id":5442,"text":"ـ والرابع: أن لا ينازعوه في الغنائم إذا قسمها ويرضوا منه...) (1) .\rوأما مظهر السيادة في المجال الدولي أو الخارجي فإن ذلك واضح مما قرره القرآن الكريم من مبدأ توفير العزة والاستقلال الكامل لدولة الإسلام دون السماح لأية سلطة أخرى بانتقاصه أو محاولة التسلط عليه، قال تعالى: {ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلاً} [النساء:141/4] . وقال سبحانه: {ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين} [المنافقون:63/8] . والعزة تقتضي ـ كما ذكر سابقاً ـ الاستقلال ومن مستلزمات ذلك أوجب الفقهاء على الإمام (تحصين الثغور والحدود بالعدة المانعة والقوة الدافعة حتى لا تظفر الأعداء بغرق ينتهكون بها محرماً، أو يسفكون فيها لمسلم أو معاهد دماً) (2) .\rثانياً ـ نصاب الحاكمية أو حدها الأدنى في التحقق، والفرق بينه وبين الحد الأدنى في تطبيق الأحكام لتحقق مفهوم دار الإسلام :\r25 ـ إن السيادة الثابتة للدولة الإسلامية بالمعنى السابق لا تتقيد إلا بقيود أو حدود الشرع أو بالتعبير الحديث (مبدأ سيادة القانون)، لأن من أولى واجبات الدولة الإسلامية (حفظ الدين على أصوله المستقرة وما أجمع عليه سلف الأمة) (3) ، والحد الأدنى المطلوب شرعاً لتحقيق سيادة الشرع أو كون الحاكمية لله تعالى يتوافر بما يأتي:\r1 - إقرار عقيدة التوحيد: إن أول مظهر للإسلام هو إعلان أصول عقيدته\r-------------------------------\r(1) المرجع السابق: ص 45.\r(2) الماوردي، المرجع السابق: ص 14، الأحكام السلطانية لأبي يعلى: ص 11.\r(3) الماوردي: ص 14، أبو يعلى: ص 11.","part":8,"page":438},{"id":5443,"text":"المعروفة: وهي الإيمان بالله تعالى وبملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وبالقدر خيره وشره حلوه ومره من الله تعالى (1) .\r2 - التزام الأحكام المعلومة من الدين بالضرورة أو التي ثبتت بدليل قطع الثبوت قطعي الدلالة، كوجوب الصلوات الخمس والصيام والزكاة والحج، وتحريم جرائم الحدود: وهي الزنا والقذف والسرقة وشرب الخمر والمحاربة (أوقطع الطريق) وإيجاب العقاب المقرر لها وللقتل العمد العدوان، وتحريم الربا، والميسر، وزواج المحارم، وزواج المسلمة بغير المسلم،وإيجاب الكفارات المقدرة للإيمان أو انتهاك حرمة بعض الأنظمة أوالفروض الدينية (2) .\r3 - إنفاذ الأحكام الشرعية المنصوص عليها صراحة في القرآن الكريم أو في السنة أو في الإجماع كنظام المواريث والأسرة ومبادئ التعامل من رضا واختيار ونحوهما. وطرق الإثبات والقضاء، ونظم السلم والحرب، ونحو ذلك مما يتصل بالتزام الأوامر واجتناب النواهي.\r4 - احترام مبادئ الإسلام السياسية والمدنية والاقتصادية: كمبدأ الشورى والعدل والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والوفاء بالعهود والعقود والالتزامات، والحفاظ على الحقوق، وتحقيق الأمن، ودفع الأذى والضرر ومنع الظلم وجهاد الأعداء، وسد الذرائع إلى الفساد، وحماية الأنفس والأموال\r-------------------------------\r(1) القدر: لا شر فيه بوجه من الوجوه، فإنه علم الله وقدرته وكتابته ومشيئه، وذلك خير محض وكمال من كل وجه، ليس إلى الرب تعالى بوجه من الوجوه، لا في ذاته ولا في أسمائه ولا في صفاته ولا في أفعاله، وإنما يدخل الشر الجزئي الإضافي في المقضي المقدر، ويكون شراً بالنسبة إلى محل وخيراً بالنسبة إلى محل آخر، وقد يكون خيراً بالنسبة إلى المحل القائم به من وجه، كما هو شر له من وجه، بل هذا هو الغالب. وهذ ما يحقق معنى التكامل في الحياة (راجع العقيدة الواسطية لابن تيمية).\r(2) انظر كتب أصول الفقه ـ باب الاجتهاد.","part":8,"page":439},{"id":5444,"text":"والأعراض، وإقرار المسؤولية الفردية وضمان الاعتداء أو الضرر، وتحريم الاحتكار والغش والتدليس والتطفيف في الكيل والميزان (1) ، وعدم إهدار حرمة الملكية الخاصة مع مراعاة كونها ذات وظيفة اجتماعية، وتقييد جمع المال وإنفاقه بالقيود المشروعة.\rوأما ما عدا ذلك من الأمور غير المنصوص عليها صراحة في الشريعة، فللعلماء المختصين الاجتهاد فيها، عملاً بأن الأصل في الأشياء النافعة هو الإباحة، وفي الأشياء الضارة هو الحظر أو المنع، ولقول الرسول عليه الصلاة والسلام: «أنتم أعلم بأمر دنياكم» (2) ، ولكن بشرط ألا يصادم الاجتهاد مبدأ أساسياً من مبادئ الإسلام أوأصلاً من أصول الشريعة، أي أنه لا بد لصحة الاجتهاد وسلامته من أن يكون متجاوباً مع روح الشريعة وأصولها ومقاصدها التشريعية، كما هو معروف في علم أصول الفقه.\rوالخلاصة: إن الحد الأدنى لحاكمية الله ، هو تطبيق الأحكام القطعية والمجمع عليها وإقامة الحدود، وأما بقية الأحكام الفرعية الثابتة فهي مكملة لهذه الحاكمية، إلا أن الإخلال بتطبيق الحد الأدنى لتلك الحاكمية لا يمكننا من الإسراع بالحكم بالتكفير وإزالة وصف الإسلام، لأن الحكم بالتكفير والتبري ليس بالهين ويحتاج إلى احتياط كما قرر الفقهاء، ولأن التكفير لا يكون إلا بالترك، اعتقاداً بعدم الصلاحية أو مجاهرة بإعلان الكفر صراحة.\r26 - ويلاحظ أن هذا الحد الأدنى للحاكمية القانونية يختلف عن الحد الأدنى المطلوب لتحقيق مفهوم دار الإسلام، إذ يكفي لتحقيق مدلول دار الإسلام\r-------------------------------\r(1) الحسبة لابن تيمية: ص 29 و 45 وما بعدها، السياسة الشرعية لابن تيمية: ص 63 وما بعدها و143 وما بعدها، 155 وما بعدها، المحلى لابن حزم: 440/9 م/1772.\r(2) أخرجه مسلم عن أنس وعائشة (شرح مسلم: 118/15).","part":8,"page":440},{"id":5445,"text":"لتتميز عن دارا لحرب: إقامة شعائر الدين أو غالبها فيها، أو التمكين من أدائها، مثل إقامة صلاة الجمعة والجماعة والأعياد وإعلان الأذان (1) .\rأما كون الحاكمية أو السيادة القانونية لله فمعناه تطبيق شريعته وإطاعة أوامره، واجتناب نواهيه، والتزام الأحكام الواضحة الصريحة في القرآن الكريم والسنة النبوية لقوله تعالى: {وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخِيَرة من أمرهم} [الأحزاب:36/33] {يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم} [النساء:59/4] ، إذ بذلك يتحقق المقصود من إنزال الشرائع السماوية وتوفير النظام الصالح للبشرية.\rثالثاً ـ هل يشترط وحدة السلطة على كافة أجزاء بلاد الإسلام؟\r27 - إن الأصل العام المقرر عند علماء الأشاعرة والمعتزلة والخوارج أن الإمامة والسلطة السياسية في دار الإسلام في المشرق والمغرب الإسلامي واحدة (2) لأن الإسلام دين الوحدة، ولأن المسلمين أمة واحدة، رائدها التعاون والتضامن، وعدوها التفرق والتنازع والتمزق، قال الله تعالى: {إن هذه أمتكم أمة واحدة} [الأنبياء:92/21] {إنما المؤمنون إخوة} [الحجرات:10/49] {واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا...} [آل عمران:103/3] {ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات، وأولئك لهم عذاب عظيم} [آل عمران:105/3].\rويؤكد الرسول صلّى الله عليه وسلم على مبدأ الوحدة هذا، فيقول: «المسلم أخو المسلم لا\r-------------------------------\r(1) ر : بحث دار الإسلام ودار الحرب للمؤلف: ف/48.\r(2) البحر الزخار: 386/5، أصول الدين للبغدادي: ص 274.","part":8,"page":441},{"id":5446,"text":"يظلمه ولا يخذُله ولا يكذِبه» (1) «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً» (2) «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى» (3) «إن المؤمن من أّهل الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد يألم لأهل الإيمان كما يألم الجسد لما في الرأس» (4) .\rوأجمع الصحابة يوم السقيفة لانتخاب خليفة بعد النبي صلّى الله عليه وسلم على أنه لا يجوز إمامان في وقت واحد، بدليل ما أجاب به عمر بن الخطاب الحُبَاب بن المنذر الأنصاري رضي الله عنهما حينما قال: (منا أمير ومنكم أمير يا معشر قريش): فقال: (سيفان في غمد إذن لا يصلحان).\rوقرر الفقهاء إنه لا يجوز إمامان في بلد واحد، حتى وإن كانت الجهات متباينة لقيام العمال مقام الإمام الآخر في المقصود ولفعل الصحابة (5) الذين امتثلوا أوامر الرسول صلّى الله عليه وسلم حيث قال: «إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما» (6) «من أتاكم وأمركم جميع على رجل واحد يريد أن يشق عصاكم أو يفرق جماعتكم فاقتلوه» (7) «إنه لا نبي بعدي، وسيكون بعدي خلفاء فيكثرون، قالوا: فما تأمرنا؟ قال: أوفوا ببيعة الأول، ثم أعطوهم حقهم، وسلوا الله الذي لكم، فإن الله\r-------------------------------\r(1) رواه مسلم عن أبي هريرة (الأربعين النووية).\r(2) رواه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي عن أبي موسى الأشعري (الفتح الكبير والجامع الصغير).\r(3) رواه مسلم وأحمد في مسنده عن النعمان بن بشير (المرجعان السابقان).\r(4) رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح (مجمع الزوائد: 87/8).\r(5) البحر الزخار، المكان السابق، مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين للأشعري: 133/2، ف/180، وانظر للتفصيل في الموسوعة الفقهية: إمامة.\r(6) أي أبطلوا البيعة الأخيرة، قال في النهاية: أي أبطلوا دعوته واجعلوه كمن مات، رواه مسلم عن أبي سعيد الخدري (شرح مسلم للنووي: 242/12).\r(7) رواه مسلم من حديث عرفجة بن شريح (شرح مسلم: 242/12).","part":8,"page":442},{"id":5447,"text":"سائلهم عما استرعاهم» (1) .\rقال الماوردي وتبعه أبو يعلى: (إذا عقدت الإمامة لإمامين في بلدين لم تنعقد إمامتهما، لأنه لا يجوز أن يكون للأمة إمامان في وقت واحد، وإن شذ قوم فجوزوه) (2) .\rوقال ابن حزم: (ولا يحل أن يكون في الدنيا إلا إمام واحد، والأمر للأول بيعة) (3) وأضاف أيضاً: (واتفقوا ـ أي الفقهاء ـ أنه لا يجوز على المسلمين في وقت واحد في جميع الدنيا إمامان، لا متفقان ولا مفترقان، ولا في مكانين، ولا في مكان واحد) (4) .\r28 - وأجاز قوم تعدد الأئمة عند تباعد الديار، وكمال الغرض المقصود بهم وهؤلاء القوم: هم (إمام الحرمين وصاحب المواقف وأبو منصور البغدادي، والكرَّامية وأبو الصباح السمرقندي وأصحابه، والإمامية والزيدية، والجاحظ، وعبَّاد الصيمري، والناصر، والإمام يحيى بن حمزة بن علي الحسيني، والمؤيد في قول له من آل البيت) (5) .\rوعباراتهم هي ما يأتي:\rقال إمام الحرمين:والذي عندي أن عقد الإمامة لشخصين في صقع (6)\r-------------------------------\r(1) رواه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة (شرح مسلم: 231/12 ، جامع الأصول: 443/4).\r(2) الأحكام السلطانية للماوردي: ص 7، ولأبي يعلى: ص 9.\r(3) المحلى: 439/9، ف/1770.\r(4) مراتب الإجماع: ص 124.\r(5) الإرشاد لإمام الحرمين: ص 425، ط الخانجي، المواقف وشرحها للإيجي والجرجاني: 353/8، أصول الدين للبغدادي، ص 274، الفصل في الملل والنحل: 88/4، الملل والنحل للشهرستاني: 113/1، البحر الزخار: 386/5.\r(6) الصقع: بضم الصاد: الناحية.","part":8,"page":443},{"id":5448,"text":"واحد متضايق الخطط والمخالف (1) غير جائز، وقد حصل الإجماع عليه، وأما إذا بعد المدى وتخلل بين الإمامين شسوع (2) النوى، فللاحتمال في ذلك مجال، وهو خارج عن القواطع (3) .\rوقال صاحب المواقف: (ولا يجوز العقد لإمامين في صقع متضايق الأقطار، أما في متسعها بحيث لا يسمع الواحد تدبيره فهو محل الاجتهاد).\rوقال البغدادي: (لا يجوز أن يكون في الوقت الواحد إمامان واجبا الطاعة... إلا أن يكون بين البلدين بحر مانع من وصول نصرة أهل كل واحد منهما إلى الآخر، فيجوز حينئذ لأهل كل واحد منهما عقد الإمامة لواحد من أهل ناحيته).\rوذكر الشهرستاني عن الكرامية: (إنهم جوزوا عقد البيعة لإمامين في قطرين، وغرضهم إثبات إمامة معاويةفي الشام باتفاق جماعة من أصحابه، وإثبات أمر المؤمنين علي بالمدينة والعراقين باتفاق جماعة من الصحابة...).\rوأبان ابن حزم في كتابه: (الفِصَل في الملل والنحل) والبغدادي أن (محمد ابن كرام السجستاني وأبا الصبح السمرقندي وأصحابهما أجازوا كون إمامين وأكثر في وقت واحد، واحتج هؤلاء بقول الأنصار، أو من قال منهم يوم السقيفة: «منا أمير ومنكم أمير» واحتجوا أيضاً بأمرعلي والحسين مع معاوية رضي الله عنهم.\rونقل المرتضى صاحب البحر الزخار رأي الباقين القائلين بجواز تعدد الأئمة مع تباعد الدار، ثم قال عن مذهب الزيدية: والأصح الجواز مع تباين الديار لكمال المصلحة (4) .\rوقال الأشعري في مقالات الإسلاميين: (وقال قائلون: يجوز أن يكون إمامان في وقت واحد، أحدهما صامت والآخر باطن، فإذا مات الباطن خلفه الصامت وهذا قول الرافضة. وجوز بعضهم ثلاثة أئمة في وقت واحد، أحدهم صامت، وأنكر أكثرهم ذلك).\rوسيأتي في بحث (زوال الدولة الإسلامية) أحكام الأجزاء المنفصلة عن السلطة الأصلية ليعرف مصيرها وصفتها: هل هي دولة إسلامية أو لا؟).\r-------------------------------\r(1) جمع مخلفة بوزن متربة: وهي الموضع.\r(2) الشسوع: البعيد.\r(3) أي الأدلة القاطعة التي تفيد اليقين بوجوب وحدة الأمة.\r\r(4) وانظر كتاب الشافعي ـ للأستاذ الشيخ محمد أبو زهرة: ص 99.","part":8,"page":444},{"id":5449,"text":"المطلب الثاني ـ نشأة الدولة الإسلامية :\rوفيه تمهيد وثلاثة فروع:\rتمهيد :\rمبدأ نشوء الدولة بمجرد تكامل أركانها :\r29 - تنشأ الدولة الحديثة باستكمال عناصر مادية مكونة لها وهي (الشعب والإقليم والسلطة السياسية الحاكمة) وباعتراف المجتمع الدولي بها.\rوالدولة هي الصورة الحديثة للجماعة السياسية، فالجماعات السياسية الأخرى لها نفس المقومات الأساسية التي للدولة الآن، فهي لا تختلف عنها في الطبيعة والكُنْه، وإنما الفروق التي بينها هي فروق كيفية لا تمس الجوهر، لذلك تقوم الدولة كغيرها من المجموعات السياسية على أساس وجود مجموعة كبيرة من الناس يقطنون في إقليم معين، ويخضعون لتنظيم سياسي معين (1) . فإذا وجدت هذه العناصر أو الأركان نشأت الدولة.\rوقد عرف التاريخ القديم دولاً بمعنى الكلمة كالدولة المصرية القديمة والدولة الفارسية والدولة الرومانية.\rوقامت على هذا النحو في الجزيرة العربية دولة إسلامية بزغ فجرها بعد هجرة النبي صلّى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة سنة (622م) (2) ، كان فيها الرسول صلّى الله عليه وسلم يباشر أعمال الحاكم في ضوء رسالة الإسلام، ثم تتابع على حكم هذه الدولة الخلفاء الراشدون، فالأمويون، ثم العباسيون...إلخ، أي أن نشأة الدولة الإسلامية في صدر الإسلام تمتد بطريقة تدريجية على أساس البيعة والعهد، لأن سيرة النبي صلّى الله عليه وسلم وتعاليمه الدينية أوجدت نظاماً اجتماعياً معيناً، وهذا النظام الاجتماعي هو الذي أوجد نظام الحكومة (3) .\r-------------------------------\r(1) ثروت بدوي: المرجع السابق: ص 28.\r(2) تاريخ الإسلام السياسي للدكتور حسن إبراهيم: 100/1.\r(3) بحث الدكتور محمد عزيز أحمد عن (مفهوم الدولة في الإسلام) المنشور في مجلة (المسلمون) ـ المجلد الرابع ـ العدد السادس ـ ص 59.","part":8,"page":445},{"id":5450,"text":"يبدو من ذلك أن الدولة الإسلامية (1) تنشأ كغيرها من الدول باجتماع العناصر المكونة لها عادة من إقليم وسكان وتنظيم سياسي، فالإقليم هو دار الإسلام والسكان هم المسلمون وأهل الذمة (2) ، والتنظيم السياسي: هو السلطة الإسلامية العليا (أو الخلافة أو الإمامة) أي أن للدولة المسلمة تنظيمها الحكومي الخاص.\rالفرع الأول ـ طرق نشأة الدولة الإسلامية :\r30 - إن نشأة الدولة الإسلامية بتوافر العناصر المادية السابقة يتم على إحدى صورتين كغيرها من الدول (3) .\rآ ـ نشوء جديد كلية: قد تنشأ الدولة من عناصر جديدة إما بامتلاكها عنوة أو سلماً أو بهجرة مجموعة من الناس واستقرارها على إقليم غير مأهول أو مسكون بقبائل متأخرة أو بشعب ضعيف، وتوفر الرغبة لديهم في تكوين تنظيم سياسي مستقل.\r-------------------------------\r(1) يلاحظ أن اصطلاحات الدين والدولة والعقيدة والسياسة ونحوها عند الغربيين يجمعها عندنا كلمة (الدين الإسلامي) الذي يشمل كل هذه المصطلحات متلازمة، غير منفصلة ولا متباعدة، فالعبادة والمعاملات التجارية والقضاء والإدارة والحكم والحرب والسلم كلهاتلتقي في ظل نظام واحد هو نظام الإسلام، وتنبع من عقيدة واحدة هي عقيدة الإسلام.\r(2) أهل الذمة: هم الطوائف الأخرى غير المسلمة التي تقيم في دار الإسلامي بموجب عقد الذمة.\r(3) حافظ غانم، المرجع السابق: ص 266 وما بعدها، الشريعة والقانون الدولي، علي منصور: ص159 وما بعدها.","part":8,"page":446},{"id":5451,"text":"وهذه ظاهرة تاريخية يمكن إرجاع نشوء أغلب الدول القديمة إليها، ومنها الدولة الإسلامية الأولى في المدينة وما جاورها، ثم امتدادها بطريق الفتح إلى أنحاء الجزيرة العربية والبلدان الإسلامية المفتوحة، فقد هاجر المسلمون إلى المدينة، ثم فتحوا بلدان الجزيرة العربية وغيرها، وكونوا لأنفسهم حكومة ونظاماً سياسياً خاصاً يعتمد على أسس جديدة من حراسة الدين وسياسة الدنيا.\rب ـ نشوء الدولة من عناصر قديمة: وهذا يكون إما بالانفصال أو بالاتحاد، وقد حدثت الحالة الأولى باستقلال الدول المنفصلة عن الخلافة العباسية، وتكوين دول مستقلة في الأندلس والمغرب ومصر وإيران. ويمكن حدوث الحالة الثانية باتحاد دولتين أو أكثر من دول العالم الإسلامي الحاضرة إما في شكل دولة واحدة كما كان عليه الوضع أثناء نظام الخلافة السابق، وإما في شكل اتحاد فعلي، أو دولة تعاهدية، ويتم التعاهد إما بالاتفاق الاختياري أو الصلح مع أهل بلد كبير على عقد الذمة مثلاً.\rالفرع الثاني ـ الاعتراف وأنواعه ونتائجها في المجال الدولي :\rماهية مبدأ الاعتراف ومسوغاته :\r31 - إن تنظيم المجتمع الدولي الحاضر تنظيم حديث لم يكن على هذا النحو وقت ظهور الإسلام وفي عصور دوله المتتابعة كما هو معروف، لذا كان مرجع تفصيل الأحكام الدولية إلى القانون الدولي العام، إلا أن المبادئ الأصلية والأخلاق الدولية السائدة مقررة بوضوح في الإسلام.\rفمن أنظمة القانون الدولي الحديث التي يشترطها لنشوء الدولة بعد استكمال عناصرها المادية المكونة لها هو إصدار اعتراف دولي بوجودها، والاعتراف بالدولة هو من جملة الأحكام السلمية في العلاقات الدولية.","part":8,"page":447},{"id":5452,"text":"وبما أن الإسلام ينشد في الحقيقة الوصول إلى سلم مستقرة في علاقاته مع الشعوب الأخرى على أساس أحد أمرين: إما الدخول في الإسلام، أو المعاهدة والأمان، فإن الاعتراف بوجود الدولة الأخرى غير المسلمة (دارا لحرب) أمر لا مانع منه استصلاحاً في مبدأ الإسلام وفقهه المتمثل في تقسيم العالم إلى دارين: دار إسلام ودار حرب، لأن دار الحرب تشمل كل الدول غير المسلمة التي كانت في الأصل غير مسالمة للمسلمين ولا متعاهدة معهم، فإذا تمت المعاهدة السلمية بين الدولة الإسلامية وغيرها من دول دار الحرب، أو التزمت هذه الدول كلها ميثاقاً واحداً ينص على احترام السلم والأمن الدوليين، وتحريم التدخل في شؤون الدول الأخرى كان ذلك اعترافاً ضمنياً من الدولة الإسلامية بغيرها، فضلاً عن أن الاعتراف يصدر في الغالب صراحة بإرادة حرة.\rوهذا موافق لقوله تعالى: {وإن جنحوا للسَّلم فاجنح لها وتوكل على الله ، إنه هو السميع العليم} [الأنفال:61/8] ، وموافق أيضاً لرأي الفقهاء القائلين بأن الأصل في علاقة المسلمين بغيرهم هو السلم (1) .\rوبناء عليه يجوز للدولة المسلمة الاعتراف بدولة غير مسلمة اعترافاً علنياً أو ضمنياً حقوقياً أو واقعياً بحسب الحال.\rوكون الدعوة الإسلامية ذات نزعة عالمية من طريق الحكمة والموعظة الحسنة، وبالتالي امتداد سلطان الدولة الإسلامية مع انتشارها في المعمورة: لا يعني تجاهل ظروف الإمكان وضرورات الواقع ومصلحة السلام التي تجعل من دولة الإسلام إحدى دول هذا العالم التي تتبادل بينها أمر الاعتراف لفض منازعاتها على أساس سلمي يتمشى مع منطق الإسلام ووحي رسالته.\rويؤكد هذه المسوغات للاعتراف أنه عند الفقهاء الدوليين الآن عمل حر تقر بمقتضاه دولة أو مجموعة من الدول وجود جماعة لها تنظيم سياسي في إقليم معين مستقلة عن كل دولة أخرى، وقادرة على الوفاء بالتزامات القانون الدولي العام وتظهر الدول بالاعتراف نيتها في اعتبار هذه الدولة عضواً في الجماعة الدولية (2) .\r-------------------------------\r(1) ر : جهاد أو حرب فيما سبق.\r(2) حافظ غانم، المرجع السابق: ص 268.","part":8,"page":448},{"id":5453,"text":"أنواع الاعتراف :\r32 ـ للاعتراف أنواع ثلاثة حسبما يقرر فقهاء القانون الدولي الحديث، وهي: الاعتراف الكامل، والاعتراف الناقص، والاعتراف بحالة الحرب (1) .\rأولاً - الاعتراف الكامل :\rلا يكفي لنشوء الدولة الجديدة ـ كما تقدم ـ توافر وقائع مادية فقط (وهي الشعب والإقليم والسلطة الحاكمة) وإنما لا بد من أن يصاحب هذا النشوء إجراء قانوني هو الاعتراف بالدولة، ومقتضاه التسليم من جانب الدول القائمة بوجود هذه الدول وقبولها كعضو في المجتمع الدولي، وذلك يتم بإحدى صورتين:\rأ ـ الاعتراف بالدولة: يوجد هذا الاعتراف عادة بظهور دولة جديدة مستقلة وهو يتضمن الاعتراف بكل حكومة شرعية تقوم فيها، ويتم إما صراحة أوعلناً بالنص عليه في معاهدة أو في وثيقة دبلوماسية، وإما ضمناً بطريق التعامل مع الدولة الجديدة كتبادل التمثيل السياسي أو القنصلي، أو إبرام معاهدات معها أو دعوتها لحضور المؤتمرات باعتبارها دولة مستقلة.\rب ـ الاعتراف بالحكومة: محل هذا الاعتراف هو حكومة جديدة وجدت في دولة قديمة نتيجة ثورة شعبية، أو انقلاب عسكري (2) يؤدي إلى تغيير نظام الحكم فيها، وإحلال حكومة جديدة محل الحكومة القديمة (3) .\r-------------------------------\r(1) لا مانع في الإسلام من اختيار الحاكم العمل بإحدى هذه الصور في ضوء تقديره للمصالح العامة ومقتضيات السياسة الشرعية مادام كون مبدأ الاعتراف مسلّماً به بحسب قواعد الإسلام كما تقدم.\r(2) تنعقد الإمامة عند فقهاء الإسلام بوجهين: أحدهما: باختيار أهل الحل والعقد (أي بالبيعة أو الانتخاب) والثاني: بعهد الإمام من قبل أو يجعل شورى بين قوم. وروي عن الإمام أحمد وغيره: أنها تثبت بالقهر والغلبة، ولا تفتقر إلى العقد، وعبارة الحنفية في ذلك: تنعقد الخلافة باستيلاء رجل جامع للشروط على الناس وتسلطه عليهم كسائر الخلفاء بعد النبوة. ثم إن استولى من لم يجمع الشروط لا ينبغي أن يبادر إلى المخالعة، لأن خلعه لا يتصور غالباً إلا بحروب ومضايقات وفيها من المفسدة أشد مما يرجى من المصلحة. وسئل رسول الله صلّى الله عليه وسلم عنهم، فقيل: أفلا ننابذهم؟ قال: لا، ما أقاموا فيكم الصلاة، وقال: إلا أن تروا كفراً بواحاً، وهذا من قبيل التسليم بالواقع اضطراراً منعاً للفوضى مع مخالفة مبدأ الشورى المقرر في الإسلام (راجع المنهاج ومغني المحتاج: 130/4 - 132، الأحكام السلطانية للماوردي: ص4 و 8-9، ولأبي يعلى: ص 6-7، حجة ال البالغة: 111/2، وانظر إمامة أو خلافة في الموسوعة الفقهية) وإقرار الفقهاء لحالات الإمامة الاستثنائية يدل على جواز إقرار حالات واقعية مماثلة.\r(3) حافظ غانم: ص 277، علي منصور: ص 162 و 166، المرجعان السابقان.","part":8,"page":449},{"id":5454,"text":"ثانياً ـ الاعتراف الناقص أو التمهيدي :\r33 - إذا لم تستكمل الدولة عناصرها، فمن الجائز إصدار اعتراف تمهيدي بالجماعة التي تسعى عن طريق ثورة أو حركة انفصالية (1) إلى إنشاء دولة مستقلة، ويتضمن هذا الاعتراف إقرار الحالة القائمة فعلاً بين جماعة الثورة والدولة الأصل.\rولهذا الاعتراف عند فقهاء القانون صور ثلاث (2) :\r-------------------------------\r(1) لا يجوز الاعتراف في الإسلام بالجماعة الثائرة في وجه الدولة الإسلامية، كما حدث عندما انفصلت الأندلس عن الشرق لم يعترف بها خلفاء بغداد مطلقاً، لأنهم جماعة بغاة ينبغي عدم الإعانة على انشقاقهم أو إنجاح ثورتهم، وعليه فلم يكن الأمويون في الأندلس والأدارسة في المغرب الأقصى إلا بغاة يجب إخضاعهم وردهم إلى التزام طاعة الخليفة أو الإمام.\r(2) حافظ غانم : ص 271 وما بعدها، علي منصور: ص 164 وما بعدها، الحقوق الدولية العامة، فؤاد شباط: ص 175-178.","part":8,"page":450},{"id":5455,"text":"أ ـ الاعتراف بالأمة: هذا النوع من الاعتراف خطوة في سبيل الاعتراف بالدولة، ويتم عادة من الدول أصحاب المصالح مع بعض الشعوب الموالية لها عن طريق الاعتراف بلجنة قومية تشكلت في الخارج، وتتعامل معها بعض الدول الأجنبية، كأنها تمثل (الأمة) التي تنتسب إليها، وذلك مثل اعتراف الدول العربية وبعض الدول الصديقة بمنظمة التحرير الفلسطينية لتمثيل الشعب الفلسطيني.\rب ـ الاعتراف بالثورة: وهو يحصل إذا ما نشبت ثورة في داخل دولة ما بقصد انفصال جزء من إقليمها عنها، ويقصد بالثورة: الهياج المسلح الذي لا يبلغ في الجسامة مبلغ الحرب الأهلية.\rجـ ـ الاعتراف بالحكومة في الخارج (حكومة المنفى ) : وهذا مثل الاعتراف بالأمة يتم باعتراف بعض الدول الأجنبية بحكومة تدعي أنها ذات الصفة الشرعية\rتتكون خارج إقليم الدولة نتيجة وقوع انقلاب عسكري يتسلم فيه زعيم الانقلاب مقاليد السلطة في داخل البلاد، وذلك تمهيداً لدخول تلك الحكومة إلى البلاد لطرد جماعة الانقلاب، وممارسة الحكم فيها بالسيطرة على الإقليم والشعب ومباشرة سائر الاختصاصات المتعلقة بالحكم.","part":8,"page":451},{"id":5456,"text":"ثالثاً ـ الاعتراف بحالة الحرب :\r34 - وهو يحصل إذا ما اتخذت الثورة شكل الحرب الأهلية، وأصبح للثوار حكومة منظمة تباشر سلطاتها على إقليم معين، وجيش يتبع قواعد الحرب، ويترتب على اعتبار حالة الحرب قائمة بما يتبعها من آثار فيما يتعلق باتباع قواعد الحرب الدولية، والتزام الدولة المعترفة بمراعاة جانب الحياد حتى يتقرر مصير الحرب الدائرة، وينتهي النضال لصالح الإقليم الثائر أو دولة الأصل (1) .\rوهذا الوضع يشبه في الفقه الإسلامي حالة البغاة أو دار البغي، فإذا تعذر على الحاكم الأصلي إخضاع البغاة، وظلوا مسيطرين على الأماكن التي أعلنوا فيها سلطانهم كان معنى ذلك إمكان صدور اعتراف بهم من الآخرين على أساس الأمر الواقع، مع تقدير أن الاعتراف يسيء إلى الدولة الأصل.\rالفرع الثالث ـ شخصية الدولة الإسلامية :\r35 - تتمتع الدولة الإسلامية بشخصية مستقلة تعرف حديثاً بالشخصية المعنوية أو الاعتبارية (2) وقد أقر فقهاء الإسلام مدلول هذا الاصطلاح بدليل ما قرروه من نتائج أو خصائص بالنسبة للدولة ونحوها وهي:\r-------------------------------\r(1) حافظ غانم، وعلي منصور، المرجعان السابقان.\r(2) عرف الفقه الدولي الغربي في منتصف القرن العشرين هذا الاصطلاح الذي فرضه لبعض الجهات أو المؤسسات العامة، واعتبر أن الدولة تتمتع بالشخصية المعنوية، ورتب عليها النتائج الآتية:\rأ ـ تعد الدولة وحدة قانونية مستقلة عن أشخاص الحكام.\rب ـ حقوق الدولة تظل قائمة مدة بقائها وإن تبدل ممثلوها، والتزاماتها التي تتعهد بها ومعاهداتها واتفاقاتها التي تبرمها تبقى نافذة فيها، وملتزمة بها بالرغم من تغير ممثليها، أو انقراض الأشخاص الذين تعاقدوا باسمها.\rجـ ـ تظل القوانين التي تصدرها الدولة قائمة ما دامت لم تلغ أو تعدل صراحة أو ضمناً (حافظ غانم : ص 140 وما بعدها، ثروت بدوي: ص 52 وما بعدها، موجز القانون الدستوري للدكتور عثمان خليل والدكتور سليمان الطحاوي: ص12 ومابعدها، حامد سلطان، المرجع السابق: ص 185، محاضرات في النظرية العامة للحق للدكتور شمس الدين وكيل: ص113).","part":8,"page":452},{"id":5457,"text":"أ ـ إنهم عرفوا فكرة الدولة مستلقة عن أشخاص الحكام، فكان الحاكم أو الخليفة يعد بمثابة أمين على السلطة يمارسها بصورة مؤقتة، ونيابة عن الأمة، كما يتضح من الخطب السياسية التي كان يلقيها الخلفاء الراشدون بمجرد انعقاد البيعة لهم (1) ، والتي يبدو منها أنهم كانوا يمارسون السلطة من أجل مصلحة الجماعة الإسلامية لا من أجل مصالحهم الشخصية، فالخليفة يعتبر نفسه وكيلاً عن الأمة في أمور الدين وفي إدارة شؤون الدولة بحسب شريعة الله ورسوله (2) ، وهو لهذا يستمد سلطانه من الأمة، ولها حق نصحه وعزله من منصبه إن وجد ما يوجب العزل (3) .\rوكان العمال أو الموظفون لا ينعزلون بموت السلطان الذي عينهم، وكذا نائب القاضي لا ينعزل بعزل القاضي ولا بموته؛ لأن القاضي الذي استناب غيره في\r-------------------------------\r(1) الإمامة والسياسة لابن قتيبة: ص 16و 50.\r(2) تاريخ الإسلام السياسي لحسن إبراهيم: 203/1 وما بعدها، وقال صلّى الله عليه وسلم واصفاً الإمارة: «إنها أمانة، وإنها يوم القيامة خزي وندامة، إلا من أخذها بحقها، وأدى الذي عليه فيها» رواه مسلم عن أبي ذر (شرح مسلم للنووي: 209/12).\r(3) الأحكام السلطانية للماوردي: ص 15 وما بعدها، حجة ال البالغة: 112/2، نظام الحكم في الإسلام، يوسف موسى: ص 124.","part":8,"page":453},{"id":5458,"text":"القضاء إنما يعمل بولاية الأمة وفي حقوقها، لا بولاية شخصية من السلطان ولا في حقه الخاص؛ لأن الخليفة أو السلطان بمنزلة رسول معبر عن الأمة (1) .\r1/35 ـ ب ـ وتظل حقوق الدولة الإسلامية ثابتة لها، وإن تغير حكامها بدليل أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أبقى الأراضي المفتوحة على ملكية أهلها، على أن يدفعوا خراجاً دائماً (2) . وأكد معظم الفقهاء هذا المعنى، فقرروا أنها وقف لجماعة المسلمين.\rفقال مالك: تصير الأراضي التي استولى عليها المسلمون عنوة وقفاً على المسلمين حيث غنت.\rوقال أبو حنيفة: الإمام فيها بالخيار بين قسمتها بين الغانمين، فتكون أرضاً عشرية، أو يعيدها إلى أيدي المشتركين بخراج يضربه عليها، فتكون أرض خراج ويكون المشركون فيها أهل ذمة، أو يقفها على جميع المسلمين.\rوقال الحنابلة في الأرجح عندهم: إن الإمام يفعل ما يراه الأصلح من قسمة هذه الأراضي، ووقفها مقابل خراج دائم يقرر عليها كالأجرة.\rوكذلك الأراضي المملوكة عفواً لانجلاء أهلها عنها خوفاً: تصير بالاستيلاء عليها وقفاً. وأيضاً الأراضي المستولى عليها صلحاً على أن ملك الأرض لنا، تصير بهذا الصلح وقفاً من دار الإسلام، ولايجوز بيعها ولا رهنها (3) .\r-------------------------------\r(1) البدائع: 16/7، و 37/6 وما بعدها، المدخل إلى نظرية الالتزام العامة في الفقه الإسلامي للأستاذ الزرقاء: ص 262، ف186/.\r(2) شرح السير الكبير: 254/3، الخراج لأبي يوسف: ص 24 و 27 و 35، القسطلاني شرح البخاري: 200/5، الأموال: ص 58، فتوح البلدان للبلاذري: ص 275.\r(3) الأحكام السلطانية للماوردي: ص 132 وما بعدها، ولأبي يعلى: ص 130 وما بعدها، وانظر للتفصيل بحث: أموال الحربيين للمؤلف: ف/84-88.","part":8,"page":454},{"id":5459,"text":"وقال الفقهاء أيضاً: (بيت المال وارث من لا وارث له) (1) أي أن هذا حق ثبت له، وبديهي أن بيت المال من أخص حقوق الدولة، بل ومن أهم مقومات وجودها. ومن الأحكام الفقهية: لبيت المال حق الأخذ بالشفعة بسبب الشركة في ملكية العقار المبيع إن وجد في ذلك المصلحة له (2) .\r2/35 - وأما بالنسبة لالتزامات الدولة، فقال عنها فقهاؤنا: تظل قائمة، ففي بحثهم المعاهدات مثلاً قالوا: تبقى المعاهدة نافذة يلزمنا الوفاء بها حتى تنقضي مدتها، أو ينقضها العدو، لقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود} (3) [ المائدة 1/5]، وقوله صلّى الله عليه وسلم : «المسلمون عند شروطهم ما وافق الحق من ذلك» (4) ، فلو مات الإمام الذي عقد الهدنة أو عزل لم ينتقض العهد، وعلى من بعده الوفاء به، لأن العقد السابق كان باجتهاد، فلم يجز نقضه باجتهاد آخر، كما لم يجز للحاكم نقض أحكام من قبله باجتهاد جديد، بدليل إتمام علي كرم الله وجهه ما عقده لأهل نجران (5) . وهذا يدل على أن الدولة شخص اعتباري يمثله الإمام ويتعاقد باسمه.\rويشير إلى ذلك أيضاً أن أمان الواحد من المسلمين رجلاً أو امرأة يسري على المسلمين جميعاً، لقوله صلّى الله عليه وسلم : «المسلمون تتكافأ دماؤهم، ويسعى بذمتهم أدناهم،\r-------------------------------\r(1) يترك مال من لا وارث له في بيت المال باتفاق المذاهب الأربعة، غير أن الحنفية والحنابلة يقولون: إن هذا ليس بطريق الإرث، وإنما هو من باب رعاية المصلحة على أنه مال ضائع فيصرف في سبيل المصالح العامة. وقال متأخرو المالكية، والراجح عند الشافعية: يكون بيت المال وارثاً بشرط كونه منتظماً (شرح السراجية: ص 11، نظام المواريث للشيخ عبد العظيم فياض: ص 20، ط الثانية).\r(2) أسنى المطالب: 265/2، منْح الجليل للشيخ عليش: 584/3.\r(3) المائدة: 1.\r(4) رواه الحاكم عن أنس وعائشة (الفتح الكبير) ورواه الترمذي عن عمرو بن عوف « المسلمون على شروطهم..» (نيل الأوطار: 254/5).\r(5) الدر المختار: 25/3، البدائع: 16/7، القوانين الفقهية: ص 155، مغني المحتاج: 261/4، المغني: 462/8، البحر الزخار: 450/5 و 455.","part":8,"page":455},{"id":5460,"text":"وهم يد على من سواهم» (1) ، هذا الحديث يدل على وجود شخصية اعتبارية لجماعة المسلمين يمثلها أحدهم ويعتبر الأمان الصادر منه ملزماً لهم.\rومن الأحكام الفقهية في هذا الشأن ما قاله فقهاؤنا: (إن على بيت المال نفقة من لا عائل له من الفقراء) (2) .\rوقالوا في نطاق المسؤولية المدنية والجنائية: إذا أتلف الحاكم شيئاً في غير حالة تطبيق العقوبات الشرعية أثناء قيامه بمصلحة من المصالح العامة، فضمان المتلفات على الدولة باعتبارها شخصية معنوية يمثلها الحاكم نياية عن جماعة المسلمين، قال عز الدين بن عبد السلام: «إن الإمام أو الحاكم إذا أتلف شيئاً من النفوس أوالأموال في تصرفهما للمصالح، فإنه يجب على بيت المال دون الحاكم والإمام، ودون عواقلها على قول الشافعي، لأنهما لما تصرفا للمسلمين، صار كأن المسلمين هم المتلفون، ولأن ذلك يكثر في حقهما، فيتضرران به، ويتضرر عواقلهما) (3) .\rوذكر فقهاء الحنفية: إذا أخطأ القاضي في حق من حقوق الله تعالى الخالصة له (أي من حقوق المجتمع) كأن قضى بحد زنا أو سرقة أو شرب خمر، واستوفى الحد، ثم ظهر أن الشهود ساقطو العدالة، كأن كانوا محدودين في قذف، فالضمان في بيت المال، لأن القاضي عمل في ذلك لعامة المسلمين لعود منفعتها إليهم: وهو الزجر، فكان خطؤه عليهم، فيؤدى (أي تدفع الدية) من بيت مالهم، ولا يضمن القاضي في ماله الخاص (4) .\rيظهر من كل ذلك أن الدولة لها أهلية وجوب كاملة وذمة مستقلة عن أفرادها المكونين لها (5) وهذا هو المراد بالشخصية الاعتبارية للدولة.\r-------------------------------\r(1) أخرجه أحمد وأبو داود وابن ماجه من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرفوعاً. وفي الصحيحين ومسند أحمد عن علي: (ذمة المسلمين واحدة يسعى بها أدناهم).. (نيل الأوطار: 27/7 وما بعدها).\r(2) السياسة الشرعية لابن تيمية: ص 51، الأحكام السلطانية للماوردي: ص 122، المهذب: 167/2.\r(3) قواعد الأحكام في مصالح الأنام: 165/2، ط الاستقامة. وانظر للتفصيل: نظرية الضمان للدكتور وهبة الزحيلي: ص 337.\r(4) البدائع: 16/7، رد المحتار: 355/4، ط الحلبي.\r(5) المدخل إلى نظرية الالتزام في الفقه للأستاذ الزرقاء: ص 263، المرجع السابق.","part":8,"page":456},{"id":5461,"text":"المبحث الثاني ـ خصائص الدولة الإسلامية ومقارنتها بالدولة الحديثة\rالمطلب الأول- خصائص الدولة الإسلامية :\rوفيه فرعان:\rأولاً ـ كونها دولة فكرة ومبادئ لإصلاح الحياة البشرية :\r36 - إن نظرية الدولة في الإسلام تقوم أساساً على أنها دولة فكرية (أي ذات منهج إلهي) مؤسسة على مبادئ وغايات محددة واضحة (1) تنشد إصلاح الحياة البشرية قاطبة على وفق منهج العقيدة الإسلامية ومستلزماتها ونظمها التشريعية التي لاتتأثر بأهواء الواضعين، ولا بحدود إقليمية ضمن نطاق أرضي معين.\rوإنما دستور الإسلام شامل لكل من آمن به من بني الإنسان دون اعتبار لميزات الجنس والعنصر والقوم والوطن بالمعنى الضيق، كما أن الدعوة إلى إقامة دولة في ظل الإسلام لا تعتمد على الروابط العنصرية والأواصر التاريخية التي تعتمد عليها الدول والقوميات في بنائها الحاضر.\r-------------------------------\r(1) نظرية الإسلام السياسية للمودودي: ص 47 وما بعدها، نظرية الإسلام وهديه في السياسة والقانون والدستور له أيضاً: ص 71 وما بعدها.","part":8,"page":457},{"id":5462,"text":"فدولة الإسلام إذن دولة ذات فكرة ومنهج موضوعي ورسالة دائمة مهمتها نشر العقيدة الإسلامية وتصحيح مفاهيم الناس نحو عالم الغيب وعالم الشهادة بتقديم الحلول السليمة ووضع المناهج السديدة للحياة الاجتماعية والاقتصادية والعمرانية على نمط يحقق الخير والرفاه والسعادة للفرد والجماعة.\rتتضح بذلك الغاية السامية للمسلمين أمام الشعوب: وهي أن الإسلام يريد لها النمو والازدهار والمحافظة على كرامتها والإبقاء على خيراتها ومقدراتها بأيدي أهلها الأصليين، على النقيض تماماً مما تفعله دول الاستعمار الحاضرة، إذ أن الرغبة في نشر فكرة الإسلام لا تنشئ شيئاً من الشر الذي تنشئه الرغبة في نشر نفوذ بقصد الاستغلال الذي يسمونه (الاستعمار) (1) ، فالفكرة إذن هي الإسلام، وفكرة الإسلام التي تقوم مقام فكرة الوطن في معناها الطيب لا ينشأ عنها حب استغلال أرض الآخرين، أو طائفة أخرى من الناس.\rثانياً ـ كون غاية الدولة أداء رسالة الإسلام وجوباً اعتقادياً :\r37 - إن الغاية الجوهرية للحكم الإسلامي هي أن تقوم الدولة بمختلف أجهزتها بنشر رسالة الإسلام، وحفظ الدين والدفاع عنه، حتى إن الفقهاء صرحوا بأن المقصود بالجهاد ليس قتل الناس أو إكراههم على الدين، وإنما هو الهداية وما سواها من الشهادة بالطريق الحسنى وبالاقتناع الحر (2) .\r-------------------------------\r(1) نحو مجتمع إسلامي للمرحوم الأستاذ سيد قطب: ص 97.\r(2) مغني المحتاج: 210/4، بجيرمي المنهج: 227/4.","part":8,"page":458},{"id":5463,"text":"قال الماوردي وأبو يعلى: إن أول الأمور التي تلزم الإمام هو (حفظ الدين على أصوله المستقرة، وما أجمع عليه سلف الأمة، فإن نجم مبتدع، أو زاغ ذو شبهة عنه، أوضح له الحجة، وبيَّن له الصواب، وأخذه بما يلزمه من الحقوق والحدود ليكون الدين محروساً من خلل، والأمة ممنوعة من زلل) (1) .\rوقال الدهلوي: (إن أمهات المقاصد أمور: منها: حفظ الملة بنصب الخطباء والأئمة والوعاظ والمدرسين) (2) .\rوقال ابن تيمية: (إن جميع الولايات في الإسلام مقصودها أن يكون الدين كله لله ، وأن تكون كلمة الله هي العليا، فإن الله سبحانه وتعالى إنما خلق الخلق لذلك، وبه أنزل الكتب، وبه أرسل الرسل، وعليه جاهد الرسول والمؤمنون، قال الله تعالى: {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون} [الذاريات:56/51] وقال تعالى: {وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون} [الأنبياء:25/21]. وقال: {ولقد بعثنا في كل أمة رسولاً أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت} (:3) [النحل:36/16].\rوقال ابن تيمية أيضاً: المقصود الواجب بالولايات: إصلاح دين الخلق الذي متى فاتهم خسروا خسراناً مبيناً، ولم ينفعهم ما نعموا به في الدنيا، وإصلاح ما لا يقوم الدين إلا به من أمر دنياهم، وهو نوعان: قسم المال بين مستحقيه، وعقوبات المعتدين، فمن لم يعتد أصلح له دينه ودنياه، ولهذا كان عمر بن الخطاب يقول: إنما بعثت عمالي إليكم ليعلموكم كتاب ربكم وسنة نبيكم، ويقيموا بينكم دينكم.\r-------------------------------\r(1) الأحكام السلطانية للماوردي: ص 14، ولأبي يعلى: ص 11.\r(2) حجة الله البالغة: 132/2.\r(3) الحسبة: ص 4، ط المدينة.","part":8,"page":459},{"id":5464,"text":"فلما تغيرت الرعية من وجه، والرعاة من وجه تناقضت الأمور، فإذا اجتهد الراعي في إصلاح دينهم ودنياهم بحسب الإمكان، كان من أفضل أهل زمانه، وكان من أفضل المجاهدين في سبيل الله ، فقد روي: يوم من إمام عادل أفضل من عبادة ستين سنة (1) .\rمن ذلك يتبين أن غاية الدولة الإسلامية إصلاح الدين والدنيا وإقامة العدل وإعلاء كلمة الله تعالى ، (أي تطبيق تعاليمه في القرآن والسنة) والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.\rوبهذا تحقق الحكومة الإسلامية المثل الأعلى الذي ينشده الإسلام للبشرية. وهو تنفيذ أحكام الشريعة، وتمكين المسلم من أن يحيا طبقاً لمتطلباتها؛ لأن الدين الإسلامي هو أساس كل التنظيمات في الحياة، فكلمة (دين) تشمل جميع نواحي النشاط الإنساني، سواء في مجال التنظيم السياسي للجنس البشري، أم في مضار الأخلاق والاقتصاد والاجتماع والسياسة والثقافة والتربية التي يتضمنها كلها القرآن الكريم (2) . وبكلمة إجمالية: إن مهمة الدولة الإسلامية هي نشر الحضارة ذات الطابع الإنساني الرفيع.\rالمطلب الثاني- مقارنة الدولة الإسلامية بالدولة الحديثة :\rوفيه فرعان:\rالفرع الأول ـ بيان مدى ارتباط الدولة الحديثة بالمبادئ والأديان :\r38 ـ لا نجد الآن تقسيماً للدول بحسب أديانها، ولا يهتم القانون الدولي\r-------------------------------\r(1) السياسية الشرعية: ص 24، ط دار الكتاب العربي بمصر.\r(2) بحث مفهوم الدولة في الإسلام، الدكتور محمد عزيز أحمد المنشور في مجلة (المسلمون) المجلد الرابع، العدد السادس: ص 59.","part":8,"page":460},{"id":5465,"text":"العام بشأن دين الدولة، وإنما يعترف بالدولة الموزعة في العالم على أساس إقليمي، لكن من المعروف أن الدول بحسب الدين أربع مجموعات رئيسية: (1)\rالمجموعة الأولى: الدول النصرانية.\rالمجموعة الثانية: الدول اللادينية (العلمانية) والدول الملحدة.\rالمجموعة الثالثة: الدول البوذية والهندوكية والبرهمية.\rالمجموعة الرابعة: الدول الإسلامية.\rأما المجموعة الأولى: فلا تكتفي بتعيين دينها، بل هي تصرح في دساتيرها بمذهبها أيضاً، فهناك دول بروتستانية، ودول كاثوليكية، ودول أرثوذكسية. وقد صرحت دساتير معظم الدول الحديثة ولا سيما دساتير أمم الغرب بأنها تعطي لدين الأكثرية وثقافتها مكاناً ممتازاً، وتعمل على حمايتهما وتطورهما (2) . ففي إنجلترا: نصت المادة (7) من وثيقة الحقوق على أنه يسمح لرعايا الكنيسة البروتستانية بحمل السلاح لحماية أرواحهم في حدود القانون. وفي المادة (8) من الوثيقة المذكورة لكاثوليكي أن يرث أو يعتلي العرش البريطاني. وفي المادة (3) من قانون التسوية: على كل شخص يتولى الملك أن يكون من رعايا كنيسة انجلترا ولا يسمح بتاتاً لغير المسيحيين ولا لغير البروتستانيين أن يكونوا أعضاء في مجلس اللوردات ويعتبر ملك بريطانيا حامياً للكنيسة البروتستانية في العالم.\rوفي اليونان: تنص المادة (1) من دستورها على أن المذهب الرسمي لأمة اليونان هو مذهب الكنيسة الأرثوذكسية الشرقية. وفي المادة (47) من الدستور: كل من يعتلي عرش اليونان يجب أن يكون من أتباع الكنيسة الأرثوذكسية الشرقية.\rوفي الدانمرك تنص المادة (2) البند (5) على أنه يجب أن يكون الملك من أتباع الكنيسة الانجيلية اللوثرية. وفي المادة (1) البند (3) : إن الكنيسة الإنجيلية اللوثرية هي الكنيسة المعترف بها في الدانمرك.\rوفي إيرلندة: ينص الدستور على أن الدولة تعطي مكاناً خاصاً للكنيسة الرسولية الكاثوليكية المقدسة.\r-------------------------------\r(1) انظر بحث (مكان الإسلام في مفهوم الدولة) للأستاذ عبد الرحمن خضر المنشور في مجلة (المسلمون) المجلد الخامس ـ العدد الأول ـ ص 67 وما بعدها.\r(2) راجع بحث (عنصر العقيدة في الدستور) للأستاذ ظفر أحمد الأنصاري المنشور في مجلة (المسلمون) المجلد الخامس ـ العدد السابع: ص 59-64.","part":8,"page":461},{"id":5466,"text":"وفي النرويج: ينص البند الثاني من المادة (12) على أنه ستظل الكنيسة الانجيلية اللوثرية هي الكنيسة الرسمية في الدولة، وفي الفقرة الثانية من البند الأول: يجب أن يكون الملك من أتباع الكنيسة المذكورة.\rوفي السويد: في البند الثاني من المادة ( 4 ): يجب أن يكون الملك من أتباع المذهب الإنجيلي الخالص، وفي المادة (4) من الدستور: يجب أن يكون أعضاء المجلس الوطني من أتباع المذهب الإنجيلي.\rوفي كولومبيا: تنص المادة (53) من الدستور على ضرورة تحسين العلاقات بين الحكومة والكنيسة الكاثوليكية.\rوفي جمهورية كوستاريكا: تنص المادة (66) من الدستور على أن المذهب الكاثوليكي هو المذهب الرسمي للدولة.\rوفي جمهورية السلفادور: تقرر المادة (12) من الدستور: أن الدولة تعترف بالشخصية القانونية للكنيسة الكاثوليكية التي يتبعها غالبية السكان. وفي إسبانيا: تنص المادة (9) على أنه يجب أن يكون رئيس الدولة من رعايا الكنيسة الكاثوليكية. وفي المادة (6) : على الدولة رسمياً حماية اعتناق وممارسة شعائر المذهب الكاثوليكي باعتباره المذهب الرسمي لها.\rوفي البرتغال: تقول المادة (24) البند (2) : لما كانت الجماعات البشرية البرتغالية التي ترعاها الكنيسة الكاثوليكية عبر البحار تعتبر أداة لنشر المدنية والنفوذ القومي ومراكز لتدريب الرجال للخدمة في تحقيق الغايات، فإن الدولة تعترف لها بالشخصية القانونية، وعليها حمايتها ومساعدتها باعتبارها مراكز ثقافية هامة.\rوفي جمهورية البارجوراي: تنص المادة (3) من الدستور على أن المذهب الرسمي للدولة: هومذهب الكنيسة الكاثوليكية الرسولية. ويجب أن يكون رئيس الجمهورية من أتباع الكنيسة المذكورة.\rوفي الأرجنتين: تنص المادة (2) على: أن على الحكومة الفدرالية أن تحمي الكنيسة الرسولية.\rوفي بورما: تنص المادة (1) من الدستور على أن الدولة تعترف بالمكانة الخاصة للديانة البوذية باعتبارها دين الأكثرية الساحقة.","part":8,"page":462},{"id":5467,"text":"وفي بلاد التايلاند: تنص المادة 7 من الدستور على أن الملك يعتنق الديانة البوذية ويقدس شعائرها (1) .\r1/38 - وأما المجموعة الثانية: الدول العلمانية، فهي قسمان :\rالقسم الأول: ما يكتفي دستورها بالقول بأنها (علمانية) لا دينية، أي تقول بلزوم فصل الدين عن الدولة، مثل فرنسا التي كانت أول من ابتدعت هذه البدعة أثر ثورة 1789 م، وتبعتها في ذلك تركيا على يد مصطفى كمال. ومن هذا القسم حكومة الهند.\rوالقسم الثاني: هو الدول الملحدة: وهي الدول التي لا يكتفي دستورها بالقول بأنها (علمانية) بل يمنع التبشير بالدين، ويجعل الدعاية ضد الأديان حقاً من الحقوق العامة. وأول من أقدم على ذلك اتحاد جمهوريات روسيا السوفياتية. وقد انهار في عام 1989م.\r2/38 - وأما المجموعة الثالثة: الدول البوذية والكونفوشية والهندوكية، فهي كاليابان وحكومة الصين القديمة. وأما الهند فهي خليط من الهندوس والمجوس وسائر الأديان ومختلف المذاهب. وبعد الاستقلال نص دستور الدولة الهندية على أن الدولة علمانية، ونص دستور الباكستان على أنها من الحكومات الإسلامية.\r-------------------------------\r(1) علق على هذه الظاهرة الأمير شكيب أرسلان، فقال في مجلة (المسلمون) المجلد الخامس العدد الثالث: ص51-54: (خرافة فصل الدين عن السياسة في أوربا التي لايزال يتشدق بها بعض المضللين في الشرق: ليس لها أصل إلا بالمعنى الإداري الذي هو جار أيضاً في بلاد الإسلام، فالحكومات الكاثوليكية بأجمعها مرتبطة أشد الارتباط بالدين الكاثوليكي إلا فرنسا، بل إن الدولة الإفرنسية التي يزعم بعضهم أنها حكومة لا دينية هي أشد الدول حماية للنصرانية عموماً وللكثلكة خصوصاً. وأما الدول البروتستانية فكلها تعلن أن ثقافتها مسيحية وأن مدنيتها إنجيلية، وأنها لاتحيد عن هذا الطريق.","part":8,"page":463},{"id":5468,"text":"3/38 - وأما المجموعة الرابعة فهي الدول الإسلامية: والملحوظ من هذه التسمية أن مبادئ الإسلام تحكمها، دون أن يكون هناك طبقة دينية لها اختصاصات معينة في الحكم، وإنما يشترك في إدارتها كل مسلم كفء للإدارة.\rالفرع الثاني - مقارنة الدولة الإسلامية بالدولة الشيوعية :\r39 - تلتقي الدولة الإسلامية والدولة الاشتراكية ـ الشيوعية في طبيعة واحدة هي أنهما تقومان على أساس فكرة ودعوة، لا على أساس مصالح مادية أو الارتباط بحدود جغرافية إقليمية، أورابطة قومية عنصرية. فكل من الدولتين تتوخى نشر فكرتها في أرجاء العالم، ولا مانع بالنسبة لمن يؤمن بتلك الفكرة أن يكون موالياً لدولة أخرى، أي أن هناك بالنسبة للشخص صاحب الفكرة ازدواجاً في الولاء.\rالمبحث الثالث ـ وظيفة دولة الإسلام(1)\rتمهيد: في تعريف وظيفة الدولة الإسلامية :\r40 - امتاز الإسلام عما كان سائداً في الجاهلية العربية بحمايته نوعين من المصالح اللذين بهما انتظام الملة والمدن، وقد بعث النبي صلّى الله عليه وسلم لأجلهما، والإمام نائبه، فهو مسؤول عنهما (2) .\rلذلك تختلف وظيفة الدولة الإسلامية عن سائر الدول الدستورية البرلمانية في أن مهمتها الحفاظ على أمور الدنيا والدين، وأنه لا فصل بين الدين والدولة كما فعل أتباع الدين المسيحي (3) ، وأن الخليفة أو الإمام كما أنه يلي سلطات التشريع والقضاء والتنفيذ وسائر الشؤون الدنيوية، فإن له أيضاً إمامة الصلاة وإمامة الحج والإذن بإقامة الشعائر في المساجد، والخطبة في الجمع والأعياد وغير هذا من الشؤون الدينية، باعتبار أن الغاية من إقامته أن يقوم بحراسة الدين وسياسة الدنيا (4) .\r-------------------------------\r(1) أكتفي هنا بذكر المبادئ العامة، وأحيل بالنسبة للتفاصيل على موضوعات في الموسوعة الفقهية: إمامة، حقوق الإنسان، الذميون، المستأمنون، ونحو ذلك من البحوث الدستورية والقضائية والاجتماعية.\r(2) حجة الله البالغة للدهلوي: 112/2، ط أولى.\r(3) قال السيد المسيح عليه السلام: (دع ما لقيصر لقيصر وما لله لله ).\r(4) الماوردي وابن خلدون، المرجعان الآتيان، السياسة الشرعية للأستاذ خلاف: ص 58 ومابعدها.","part":8,"page":464},{"id":5469,"text":"41 - ويعرف هذا الواجب من تعاريف العلماء للخلافة، ومنها ما يأتي (1) :\rقال الدهلوي: الخلافة هي الرياسة العامة في التصدي لإقامة الدين بإحياء العلوم الدينية، وإقامة أركان الإسلام، والقيام بالجهاد وما يتعلق به من ترتيب الجيوش والفروض للمقاتلة، وإعطائهم من الفيء، والقيام بالقضاء، وإقامة الحدود، ورفع المظالم، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر نيابة عن النبي صلّى الله عليه وسلم (2) .\rوقال في البحر الزخار: الإمامة: رياسة عامة لشخص مخصوص بحكم الشرع ليس فوقها يد (3) .\rوقال الماوردي: الإمامة موضوعة لخلافة النبوة في حراسة الدين وسياسة الدنيا (4) .\rوقال السعد التفتازاني في المقاصد: الإمامة: هي رياسة عامة في أمر الدين والدنيا خلافة عن النبي صلّى الله عليه وسلم (5) . وهذا فيما يبدو خير التعاريف.\rوزاد فخر الدين الرازي قيداً آخر في التعريف، فقال: هي رياسة عامة في الدين والدنيا لشخص واحد من الأشخاص، وقال: هو احتراز عن كل الأمة إذا عزلوا الإمام لفسقه (6) .\r-------------------------------\r(1) ر : للتفصيل في الموسوعة الفقهية إمامة ـ الإمامة الكبرى.\r(2) نقلاً عن ( إكليل الكرامة في تبيان مقاصد الإمامة) لصديق حسن خان ص 23.\r(3) ر : حـ 374/5.\r(4) الأحكام السلطانية: ص 3.\r(5) يلاحظ أن الخلافة والإمامة الكبرى وإمارة المؤمنين ألفاظ مترادفة بمعنى واحد (النظريات السياسية الإسلامية للدكتور ضياء الدين الريس: ص 92-103، ط الثانية).\r(6) المواقف: 345/8، ط المغربي سنة 1907، الخلافة لرشيد رضا: ص 10، السياسة الشرعية للشيخ محمد البنا: ص 14.","part":8,"page":465},{"id":5470,"text":"واعترض الإيجي على هذا التعريف بأنه قد ينطبق على مقام النبوة، فهي (رياسة عامة في هذه الأمور لشخص واحد) (1) وقال: الأولى أن يقال: (هي خلافة الرسول صلّى الله عليه وسلم في إقامة الدين وحفظ حوزة الملة، بحيث يجب اتباعه على كافة الأمة) (2) .\rوذكر ابن خلدون: أن الخلافة هي (حمل الكافة على مقتضى النظر الشرعي في مصالحهم الأخروية والدنيوية الراجعة إليها)، إذ أن أحوال الدنيا ترجع كلها عند الشارع إلى اعتبارها بمصالح الآخرة، فهي في الحقيقة: خلافة عن صاحب الشرع في حراسة الدين وسياسة الدنيا به (3) .\rوقال بعض العلماء المتأخرين: الخلافة هي الرياسة العظمى والولاية العامة الجامعة القائمة بحراسة الدين والدنيا (4) .\rوخلاصة المقال: إن وظيفة الدولة الإسلامية أو وظيفة الخليفة في الماضي أمران: إقامة الدين الإسلامي، وتنفيذ أحكامه، والقيام بسياسة الدولة في الحدود التي رسمها الإسلام. أو بعبارة أخرى: الوظيفة واحدة: هي إقامة الإسلام. والإسلام كما هو معروف دين ودولة في اصطلاح العصر.\r-------------------------------\r(1) المواقف، المكان السابق.\r(2) الفائدة في هذا التعريف أنه بعد بالإمامة عن الناحية الشخصية، وعاد إلى وجهه نظر الماوردي، وهو لم يختلف عنه إلا في أنه وضع كلمة (إقامة) بدل (حراسة) الدين وربما كانت كلمة (إقامة) أقوى، لأنها تدل على التنفيذ لا مجرد الحفظ، إلا أنه لم يفصح في مسألة سياسية الدنيا (النظريات السياسية الإسلامية، المرجع السابق: ص 116).\r(3) مقدمة ابن خلدون: ص 191، ط التجارية.\r(4) التراتيب الإدارية للأستاذ عبد الحي الكتاني: 2/1، ط الأهلية بالرباط.","part":8,"page":466},{"id":5471,"text":"تفصيل واجبات الحاكم أو وظائف الدولة :\r42 ـ أوضح الماوردي وأبو يعلى وظائف الدولة أو واجبات الإمام وحدداها بعشرة أمور وهي: (1)\r1 - حفظ الدين على الأصول التي أجمع عليها سلف الأمة، ليكون الدين محروساً من الخلل، والأمة ممنوعة من الزلل.\r2 - تنفيذ الأحكام بين المتشاجرين، وقطع الخصام بينهم، حتى تظهر النصفة فلا يتعدى ظالم ولا يضعف مظلوم.\r3 - حماية البيضة ( الكيان ) والذب عن الحوزة ليتصرف الناس في المعايش، وينتشروا في الأسفار آمنين.\r4 - إقامة الحدود لتصان محارم الله عن الانتهاك، وتحفظ حقوق عباده من إتلاف واستهلاك.\r5 - تحصين الثغور بالعدة المانعة، والقوة الدافعة، حتى لا يظفر الأعداء بغرَّة ينتهكون بها محرماً، ويسفكون فيها دماً لمسلم أو معاهد.\r6 - جهاد من عاند الإسلام بعد الدعوة حتى يسلم أو يدخل في الذمة.\r7 - جباية الفيء والصدقات على ما أوجبه الشرع نصاً واجتهاداً من غير عسف.\r8 - تقدير العطاء وما يستحق في بيت المال من غير سرف ولا تقصير فيه ودفعه في وقت لا تقديم فيه ولا تأخير.\r9 - استكفاء الأمناء وتقليد النصحاء فيما يفوضه إليهم من الأعمال، ويكله إليهم من الأمور لتكون الأعمال مضبوطة والأموال محفوظة.\r10 - أن يباشر مشارفة الأمور وتصفح الأحوال ليهتم بسياسة الأمة وحراسة الملة ، ولايعول على التفويض تشاغلاً بلذة أو عبادة، فقد يخون الأمين، ويغش الناصح، وقد قال الله تعالى: {يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى} [ص:26/38] فلم يقتصر سبحانه وتعالى على التفويض دون المباشرة.\r-------------------------------\r(1) الأحكام السلطانية للماردي: ص 14، ولأبي يعلى: ص 11، وانظر هذه الواجبات أيضاً في حجة الله البالغة للدهلوي: 132/2. وقد عبر الماوردي عن هذه الواجبات بعبارة أخرى وحصرها في سبعة أمور (راجع له أدب الدنيا والدين مع شرحه منهاج اليقين لخان زاده: ص234-236).","part":8,"page":467},{"id":5472,"text":"وقد قال النبي صلّى الله عليه وسلم «كلكم راع، وكلكم مسؤول عن رعيته» (1) .\rهذه هي أهم وظائف الدولة الإسلامية، فالأولى هي الوظيفة الدينية والثالثة والخامسة والسادسة هي الوظيفة الدفاعية، والثانية والرابعة هي الوظيفة القضائية، والسابعة والثامنة هي الوظيفة المالية، والتاسعة والعاشرة هي الوظيفة الإدارية.\rويمكن تصنيف هذه الوظائف على نحو آخر وتقسيمها إلى وظيفتين: داخلية وخارجية كما سيبين في البحثين التاليين:\rالوظيفة الأولى ـ وظيفة الدولة في الداخل\rهذه الوظيفة تقتضيها إما الضرورات الاجتماعية بتأمين المرافق العامة للمجتمع، وإما الغايات الأساسية التي تتوخاها الدولة صاحبة الرسالة.\rويبحث ذلك في المطلبين الآتيين:\rأولاً ـ تأمين مصالح المجتمع :\r43 - لا تختلف وظيفة الدولة الإسلامية عن وظائف الدولة الحديثة كما لاحظنا فيما يلزم الإمام من الأمور العشرة السابق ذكرها، والتي يهمنا منها هنا بكلمة إجمالية النظر في أمور الدنيا وتدبيرها، وهذه الوظائف تشبه حديثاً ما تختص به السلطتان التنفيذية والقضائية في الوقت الحاضر:\rومن المعروف أن للسلطة التنفيذية حقوقاً سياسية وإدارية وحربية وقضائية (2) .\rفالحقوق الإدارية (3) : هي المتعلقة بتنفيذ القوانين وإدارة الدولة ومختلف مرافقها العامة مع ما يتبع ذلك من حق تعيين وعزل الموظفين. وهذه الحقوق تعرّض فقهاؤنا لها فيما ذكره الماوردي من وظائف (الإمام) العشرة، ولا سيما الأخيرتان منها. قال الدهلوي: ( إن أمهات المقاصد أمور، منها: تدبير المدينة وسياستها من الحراسة والقضاء وإقامة الحدود والحسبة. ومنها: منافع مشتركة ككري الأنهار وبناء القناطر ونحو ذلك) (4) .\rوالحقوق القضائية كحق العفو الخاص والعام، وكحق التصديق على بعض الأحكام، وهذا من حيث المبدأ قد ذكره الماوردي في الوظيفة الثانية والرابعة، إلا\r-------------------------------\r(1) رواه مسلم عن ابن عمر (شرح مسلم للنووي: 213/12).\r(2) موجز القانون الدستوري للأستاذين الدكتورين عثمان خليل وسليمان الطماوي: ص 243 ط الرابعة.\r(3) المبحث هنا مخصص لوظائف الدولة الداخلية، لذا فإن الكلام عن الحقوق السياسية والحربية محله في المبحث الآخر المخصص لوظائف الدولة الخارجية.\r(4) حجة الله البالغة: 132/2.","part":8,"page":468},{"id":5473,"text":"أن الفقهاء فصلوا في الأمر، فقال الحنفية: لا يجوز شرعاً للحاكم بعد رفع الأمر إليه العفو عن العقوبات المقدرة (الحدود) ولا الشفاعة فيها (1) . أما العقوبات التعزيرية فيجوز للحاكم العفو عنها حسبما يرى من المصلحة في حال عفو صاحب الحق عنها، أو كون الحق فيها للجماعة. وبعبارة أخرى: يجوز للإمام ترك التعزير إذا لم يتعلق به حق لآدمي (2) ، لما روي أن النبي صلّى الله عليه وسلم قال: «أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم إلا في الحدود » (3) .\rوأما السلطة القضائية فهي التي تفسر القانون وتطبقه على الوقائع التي تعرض عليها في الخصومات. وهذه هي مهمة القاضي في الإسلام حيث إنه يقوم بتنفيذ أحكام الشريعة بكل دقة وأمانة، وقد بلغ تنظيم القضاء في عهد الإسلام شأواً رفيعاً لم يسبق إليه.\rوسأفصّل الكلام هنا في أهم وظائف الدولة الداخلية الإدارية والقضائية وهي ما يأتي:\r1 - المحافظة على الأمن والنظام، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر :\r44 - كان من اختصاص رجال الشرطة الإدارية في العهد الإسلامي أمور منها (4) :\r-------------------------------\r(1) المبسوط: 113/9، فتح القدير: 197/4، البدائع: 56/7، الدر المختار ورد المحتار: 189/4.\r(2) الدر المختار: 204/3.\r(3) رواه أحمد وأبو داود والنسائي وابن عدي والعقيلي من حديث عائشة رضي الله عنها، وقال العقيلي: له طريق وليس فيها شيء يثبت ( التلخيص الحبير: ص 361، جامع الأصول: 344/4، مجمع الزوائد: 282/6، نيل الأوطار: 135/7 ).\r(4) عبقرية الإسلام في أصول الحكم للدكتور منير العجلاني: ص 370، ط الثانية.","part":8,"page":469},{"id":5474,"text":"أ ـ حفظ النظام: وذلك بمنع الفوضى والتجمعات في الطرق والأماكن العامة، والسهر على المواكب، ومرافقة الأمير أو صاحب السلطان في تنقلاته لإظهار هيبته ودفع الناس عنه وتلقي أوامره.\rب ـ حفظ الأمن: وذلك بمراقبتهم الأشرار والدعار واللصوص، وطلبهم في مظانهم، وأخذهم على يد كل من يرتكب عدواناً على غيره، أو يقدم على عمل من شأنه إثارة الناس وتهييج الفتنة.\rقال الماوردي: القاعدة الرابعة من القواعد التي تصلح بها الدنيا: أمن عام تطمئن إليه النفوس، وتنتشر فيه الهمم، ويسكن إليه البريء، ويأنس به الضعيف، فليس لخائف راحة، ولا لحاذر طمأنينة، وقد قال بعض الحكماء: الأمن أهنأ عيش، والعدل أقوى جيش (1) .\r45 - ولكن لا يقتصر دور الدولة الإسلامية على مجرد توفير وضمان الأمن والطمأنينة للأفراد وصيانة حياتهم وأموالهم ودفع العدوان الداخلي والخارجي عنهم، والإشراف على إطاعة الأنظمة والأحكام، وإنما على الدولة والأفراد أن يخطوا خطوة إيجابية بالتضامن والتكافل معاً (2) نحو إيجاد باعث شخصي على احترام حقوق الآخرين، والإذعان للنظام المتبع، وذلك بالقيام بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ليتحقق المقصد الأساسي للشريعة: وهو إصلاح المجتمع، أي الحياة الاجتماعية إصلاحاً جذرياً على نحو يستقر فيه الأمن العام\r-------------------------------\r(1) أدب الدنيا والدين مع شرحه: ص 247، ط تركيا.\r(2) مثَّل الرسول صلّى الله عليه وسلم في حديث السفينة هذا الواجب التكافلي بين الفرد والجماعة بالنهي عن المنكر أروع تمثيل، فقال - فيما رواه البخاري والترمذي - عن النعمان بن بشير: «مثل القائم على حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا في سفينة، فأصاب بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها، فكان الذين في أسفلها إذا استقوا مروا على من فوقهم، فقالوا: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقاً ولم نؤذ من فوقنا فإن تركوهم وما أرادوا هلكوا، وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعاً» (جامع الأصول: 340/4، الترغيب والترهيب: 235/3).","part":8,"page":470},{"id":5475,"text":"والعدل بين الناس، وصيانة الحريات الأساسية بدافع ذاتي ومحبة خالصة لمصالح الآخرين. وكل فرد يعتبر مسؤولاً بنفسه عن الأمر بالمعروف، فإن قصر فهوآثم مخطئ، ويكفل هذا الأصل اليوم ما يسمى بحرية النقد، ويقال له في الاصطلاح الحديث حق الدفاع الشرعي العام (1) .\rلكن الإسلام اعتبر ذلك واجباً، وبين أن النقد له حدود تقيده في الإسلام حتى يكون نقداً بناء غير هدام. قال النووي في المنهاج: ( ومن فروض الكفاية: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) وعلق الشارح بقوله: يجب على الإمام أن ينصب محتسباً (2) يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر (3) . وقال الماوردي: أكد الله زواجره بإنكار المنكرين لها، فأوجب الأمر بالمعروف ـ الواجب ـ والنهي عن المنكر ـ الحرام (4) . هذا الحكم بالوجوب باتفاق الفقهاء، إلا أن جمهورهم قالوا: هو فرض كفاية كالجهاد. وقال بعضهم: هو فرض عين على المستطيع كالحج (5) .\r-------------------------------\r(1) التشريع الجنائي الإسلامي للأستاذ عبد القادر عودة: 86/1 و 491.\r(2) يميز بين الحسبة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بأن الثاني واجب ديني، وأما الحسبة فهي نظام واسطة بين أحكام القضاء وأحكام المظالم يقوم بالرقابة والضبط والردع، وله قواعد وأصول ثابتة في الإسلام غايته تحقيق واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ( ر : الأحكام السلطانية للماوردي: ص231 ومابعدها، ولأبي يعلى: ص 268 حيث قال كلاهما: الحسبة هي أمر بالمعروف إذا ظهر تركه، ونهي عن المنكر إذا ظهر فعله، الحسبة لابن تيمية: ص 8، إحياء علوم الدين: 274/2، ط العثمانية ـ عبقرية الإسلام في أصول الحكم: ص 335 وما بعدها).\r(3) المنهاج مع مغني المحتاج: 211/4، الحسبة لابن تيمية، المكان السابق.\r(4) أدب الدنيا والدين، المرجع السابق: ص 156.\r(5) المحلى: 440/9، تفسير الكشاف: 340/1، تفسير ابن كثير: 390/1، تفسير الرازي: 19/3، تفسير الألوسي: 21/4، إحياء علوم الدين: 869/2، أحكام الجصاص: 35/2 وما بعدها و 592، ط البهية المصرية، تفسير الطبري: 38/4، ط الثانية، الحلبي، تفسير القرطبي: 165/4 طبعة مصورة.","part":8,"page":471},{"id":5476,"text":"46 - والأمر بالمعروف: هو الترغيب في كل ما ينبغي قوله،أو فعله طبقاً لقواعد الإسلام. والنهي عن المنكر: هو الترغيب في ترك ما ينبغي تركه، أو تغيير ما ينبغي تغييره طبقاً لما رسمه الإسلام (1) .\rوالمعروف: هو كل قول أو فعل ينبغي قوله أوفعله طبقاً لنصوص الشريعة الإسلامية، ومبادئها العامة وروحها (2) ، كالتخلق بالأخلاق الفاضلة والعفو عند المقدرة، والإصلاح بين المتخاصمين وإيثار الآخرة على الدنيا، والإحسان إلى الفقراء والمساكين، وإقامة المعاهد والملاجئ والمستشفيات ونصرة المظلوم والتسوية بين الخصوم في الحكم، والدعوة إلى الشورى، والخضوع لرأي الجماعة وتنفيذ مشيئتها، وصرف الأموال العامة في مصارفها، إلى غير ذلك (3) .\r-------------------------------\r(1) الإسلام وأوضاعنا السياسية للاستاذ عودة: ص 71.\r(2) وبعبارة أخرى: المعروف: هو كل هذه الأصول الكلية التي فرضها الإسلام لصالح المجتمع الإسلامي، وكل ما يُبنى علىها مما تعرفه العقول الراجحة والفطر السليمة (ر : تفسير المنار: 27/4، التفسير الواضح: 30/9 و 61/10 و 58/14، نظام الحكم في الإسلام للدكتور عبد الله العربي: ص45 و 61).\r(3) التشريع الجنائي الإسلامي: 492/1.","part":8,"page":472},{"id":5477,"text":"والمنكر: هو كل معصية حرمتها الشريعة سواء أوقعت من مكلف أم غير مكلف (1) ، فمن رأى صبياً أو مجنوناً يشرب خمراً فعليه أن يمنعه ويريق خمره، ومن رأى مجنوناً يزني بمجنونة أو يأتي بهيمة، فعليه أن يمنع ذلك (2) ، وعرف الغزالي المنكر: بأنه كل محذور الوقوع في الشرع (3) .\r-------------------------------\r(1) وبعبارة أخرى: المنكر: هو كل مانهت عنه أصول الشرع الكلية، وكل ما يقاس عليها في إلحاق الأذى بالمجتمع مما تنكره العقول والفطر السليمة (الدكتور العربي، المكان السابق).\r(2) التشريع الجنائي، المكان السابق.\r(3) إحياء علوم الدين للغزالي: 285/2، ط العثمانية. قال الغزالي: وعدلنا عن لفظ المعصية إلى هذا (أي محذور الوقوع) لأن المنكر أعم من المعصية، إذ من رأى صبياً أو مجنوناً يشرب الخمر فعليه أن يريق خمره ويمنعه، وكذا إن رأى مجنوناً يزني بمجنونة أو بهيمة فعليه أن يمنعه منه.","part":8,"page":473},{"id":5478,"text":"47 - وقد أوجب الله على الحكومة والأفراد القيام بواجب الأمر والنهي، لأن في ذلك إقامة أمر الله وهدم كل ما يخالف الإسلام، ومن أهم واجبات الدولة ـ كما ذكر الماوردي وغيره ـ إقامة الإسلام بالقضاء على الشرك ومظاهره، والتمكين لدين الله الحنيف،قال الله تعالى: {ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، وأولئك هم المفلحون} [آل عمران:104/3] {الذين إن مكّناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر، ولله عاقبة الأمور} [سورةالحج:41/22] {كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله } [آل عمران:110/3] {لُعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون، كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون} [المائدة:78/5-79].\rوحرض القرآن الكريم أيضاً على ضرورة تعاون المؤمنين في القيام بهذا الواجب، فقال سبحانه: { والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر} [التوبة:71/9].\rوأيدت السنة النبوية ذلك المفهوم، فقال صلّى الله عليه وسلم : «كلكم راع، وكلكم مسؤول عن رعيته، فالإمام راع ومسؤول عن رعيته» (1) ، «من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان» (2) «إن\r-------------------------------\r(1) رواه أحمد والشيخان وأبو داود والترمذي عن ابن عمر (جامع الأصول: 444/4، الفتح الكبير، مجمع الزوائد: 207/5).\r(2) رواه مسلم وأبوداود والترمذي والنسائي وابن ماجه عن أبي سعيد الخدري (جامع الأصول: 228/1).","part":8,"page":474},{"id":5479,"text":"الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمّهم الله بعقاب» (1) ، «أفضل الجهاد كله حق عند سلطان وأمير جائر» (2) ، «والذي نفسي بيده لتأمرُن بالمعروف ولتنهون عن المنكر، أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقاباً منه، ثم تدعونه فلا يستجيب لكم» (3) .\rهذه الآيات القرآنية والأحاديث النبوية تدل على أن غاية الدولة الإسلامية ليست سلبية، وإنما لها غاية إيجابية أيضاً، أي ليس من مقاصدها المنع من العدوان، وحفظ حرية الناس فقط، بل إن هدفها الأسمى هو نظام العدالة الاجتماعية الذي جاء به كتاب الله ، وغايتها في ذلك النهي عن جميع أنواع المنكرات التي منعها الله تعالى. قال ابن تيمية: إن صلاح المعاش والمعاد في طاعة الله ورسوله، ولا يتم ذلك إلا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وبه صارت هذه الأمة خير أمة أخرجت للناس (4) .\r48 - ووسائل دفع المنكر كثيرة ،منها التعريف والبيان، والوعظ والإرشاد ، والدعوة والتبليغ، والتربية والتعليم، والتعنيف، والتغيير باليد، والتهديد بالضرب والقتل، والاستعانة بالغير، والقوة السياسية، والرأي العام والنفوذ\r-------------------------------\r(1) رواه الترمذي وأبو داود من حديث قيس بن أبي حازم عن أبي بكر (جامع الأصول: 233/1) وذكره ابن تيمية في السياسة الشرعية: ص 75 بلفظ ( إن الناس إذا رأوا المنكر فلم يغيروه أوشك أن يعمهم الله بعقاب منه).\r(2) رواه أبو داود والترمذي من حديث أبي سعيد الخدري واللفظ لأبي داود(جامع الأصول: 235/1).\r(3) رواه الترمذي عن حذيفة بن اليمان وقال: «حديث حسن غريب» ورواه ابن ماجه من حديث حديث عمرو بن أبي عمرو (جامع الأصول، المكان السابق، تخريج أحاديث إحياء علوم الدين للعراقي: 270/2 وما بعدها).\r(4) السياسة الشرعية: ص 73.","part":8,"page":475},{"id":5480,"text":"الاجتماعي بحسب الظروف والأحوال (1) .\rوعلى الدولة المساهمة البناءة في هذا المضمار، فتخصص لإزالة المنكر ما يعرف في الإسلام بالمحتسب، وهو المسلم المكلف (البالغ العاقل) القادر على الأمر بالمعروف ودفع المنكر ورفع الظلم مما ليس من خصائص الولاة والقضاة وأّهل الديوان ونحوهم (2) . قال ابن تيمية: (وجميع الولايات الإسلامية إنما مقصودها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، سواء في ذلك ولاية الحرب الكبرى مثل نيابة السلطنة، والصغرى مثل ولاية الشرطة وولاية الحكم، أو ولاية المال وهي ولاية الدواوين، وولاية الحسبة (3) ).\rوهناك مسألة فلسفية بحثها العلماء وهي أنه هل وجوب النهي عن المنكر بالعقل أو بالشرع(4).\r-------------------------------\r(1) إحياء علوم الدين: 277/2، ط العثمانية، مختصر منهاج القاصدين: ص 127 وما بعدها، ط الثانية، التشريع الجنائي الإسلامي: 505/1 وما بعدها، نظرية الإسلام السياسية للمودودي: ص 45 وما بعدها.\r(2) إحياء علوم الدين: 274/2، الأحكام السلطانية للماوردي وأبي يعلى ، المكان السابق، التراتيب الإدارية للكتاني: 284/1، منير العجلاني: ص 342.\r(3) الحسبة له: ص 8.\r(4) قال بعض المتكلمين: (وجب ذلك بالعقل وقال آخرون: وجب ذلك بالشرع دون العقل) (ر : للتفصيل أدب الدنيا والدين مع شرحه: ص 158 وما بعدها).","part":8,"page":476},{"id":5481,"text":"2 - تنظيم القضاء وإقامة العدل :\r49 - إن غاية الدولة الإسلامية هي تحقيق مصالح الناس ورفع الضرر عنهم، وذلك بإقامة التوازن والعدل فيما بينهم، ومنع تعدي بعضهم على بعض.\rوبما أن تنظيم القضاء ونصب القضاة مظهر من مظاهر إقامة العدل، كان من\rأعظم الواجبات التي اهتم بها فقهاء الإسلام وخلفاؤه، فأبانوا شروطه، ووضعوا خطته وحددوا طرق الفصل بين الناس تحديداً دقيقاً، وكان اختيار الخليفة للقاضي مثلاً فذاً من أمثلة الحفاظ على مصالح الناس (1) ، لأن غاية القضاء التي يمتاز بها في الإسلام هي إقامة العدل باعتبار أن العدل هوقوام العالمين، لا تصلح الدنيا والآخرة إلا به (2) ، فكان العدل هو شعار فض الخصومات والمنازعات بين الناس. ومن أهم ضوابط العدل هو تنفيذ أحكام شريعة الله دون تفرقة بين الحاكم والمحكومين، لأن الكل خاضعون لحكم الله .\rفمن تنظيمات القضاء الإسلامي أنه خصص للنظر في محاكمة أصحاب النفوذ والولاة وعمال الدولة ما يعرف المظالم (3) التي تشبه (مجلس الدولة) في بعض اختصاصاته الآن (4) . قال المرجاني في وفية الإسلام (5) : النظر في المظالم وظيفة أوسع من وظيفة القاضي ممتزجة من السطوة السلطانية، ونصفة القضاء، بعلو بيِّن، وعظيم رغبة تقمع الظالم من الخصمين، وتزجر المتعدي، ويمضي ما عجز القضاة ومن دونهم عن إمضائه، ويكون نظره في البينات والتقرير واعتماد القرائن والإمارات وتأخير الحكم إلى استجلاء الحق وحمل الخصم على الصلح، واستحلاف الشهود، وكان الخلفاء يباشرونها بأنفسهم إلى أيام المهتدي بالله ، وربما سلموها إلى قضاتهم. وعلق الأستاذ الكتاني على ذلك بقوله: هذه الوظيفة كان يليها المصطفى صلّى الله عليه وسلم بنفسه؛ لأنه كان ينتقد أحكام قضاته وعماله ويناقشهم (6) .\r-------------------------------\r(1) ر : السياسة الشرعية لابن تيمية: ص: 20 و 152، وباب القضاء في كتب الفقه.\r(2) المرجع السابق: ص 156.\r(3) قال الماوردي في الأحكام السلطانية: ص 73: نظر المظالم: هو قود المتظالمين إلى التناصف بالرهبة وزجر المتنازعين عن التجاحد بالهيبة.\r(4) التراتيب الإدارية للكتاني: 266/1، النظريات السياسية الإسلامية للدكتور الريس: ص 67.\r(5) ص: 366.\r(6) التراتيب الإدارية، المكان السابق.","part":8,"page":477},{"id":5482,"text":"وقال الماوردي: «والذي يختص بنظر المظالم يشتمل على عشرة أقسام، فالقسم الأول: النظر في تعدي الولاة على الرعية وأخذهم بالعسف في السيرة، فهذا من لوازم النظر في المظالم الذي لا يقف على ظلامة متظلم، فيكون لسيرة الولاة متصفحاً، وعن أحوالهم مستكشفاً ليقويهم إن أنصفوا، ويكفهم أن عسفوا، ويستبدل بهم إن لم ينصفوا» (1) .\r50 - إلا أنه لم يكن للقضاة في الإسلام غير النظر في المسائل المدنية (أو نظام الأموال) والأحوال الشخصية. أما القضاء الجزائي في الجرائم وإقامة الحدود والنظر في المظالم، فكان من اختصاص الخلفاء والأمراء إلا في عهد معاوية حيث تخلى عن حق النظر في بعض المسائل الجزائية المحدودة إلى قاض خاص.\rولا مانع شرعاً من وضع نظام للسلطة القضائية يحدد اختصاصاتها ويكفل تنفيذ الأحكام، ويضمن لرجالها حريتهم في إقامة العدل بين الناس (2) . وهو أمر ضروري في كل عصر يقل فيه الورع، وتكثر الأهواء وتزداد الخصومات، وتراعى فيه تطورات الزمن.\r51 - ومن المعلوم أن القرآن والسنة النبوية أكدا على ضرورة التزام العدل المطلق في كل الأحكام العامة والخاصة وفي مختلف أحوال الحكم والإدارة، لا في مجال القضاء فقط،قال الله عز وجل: {إن الله يأمر بالعدل} [النحل:90/16] {وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل} [النساء:58/4] {وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى} [الأنعام:152/6] {ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا، اعدلوا هوأقرب للتقوى} [المائدة:8/5].\r-------------------------------\r(1) الأحكام السلطانية: ص 76، ولأبي يعلى: ص 61.\r(2) السياسة الشرعية للأستاذ خلاف: ص 49 وما بعدها، عبقرية الإسلام في أصول الحكم لمنير العجلاني: ص 440 وما بعدها.","part":8,"page":478},{"id":5483,"text":"وقال النبي صلّى الله عليه وسلم : «أحب الناس إلى الله يوم القيامة وأدناهم منه مجلساً: إمام عادل، وأبغض الناس إلى الله تعالى، وأبعدهم منه مجلساً: إمام جائر» (1) ، وقال عليه الصلاة والسلام أيضاً: «لا تقدس أمة لا يقضى فيها بالحق، ولا يأخذ الضعيف حقه من القوي غير مُتَعْتَع» (2) «يوم من إمام عادل أفضل من عبادة ستين سنة» (3) .\rوقال الماوردي : اعلم أن ما به تصلح الدنيا حتى تصير جميع أحوالها منتظمة، وجملة أمورها ملتئمة ستة أشياء هي قواعدها وأصولها وإن تفرعت، وهي دين متبع، وسلطان قاهر، وعدل شامل، وأمن عام، وخصب دائم، وأمل فسيح (4) .\rوالخلاصة: أن العدل هو جِمَاع واجبات الدولة والغاية العامة للحكم الإسلامي، حتى مع الأعداء، قال الفخر الرازي: (اجمعوا على أن من كان حاكماً وجب عليه أن يحكم بالعدل) (5) ، واستشهد بالآيات المذكورة ونحوها، والعدل ـ كما أجمع العلماء ـ هو تنفيذ حكم الله .\r-------------------------------\r(1) رواه الترمذي والطبراني في الأوسط من حديث أبي سعيد الخدري (جامع الأصول: 447/4).\r(2) رواه الطبراني ورجاله ثقات من حديث معاوية بن أبي سفيان (مجمع الزوائد: 209/5).\r(3) رواه الطبراني في الكبير والأوسط من حديث ابن عباس، قال الهيثمي: وفيه سعد أبو غيلان الشيباني ولم أعرفه وبقية رجاله ثقات وله ألفاظ أخرى (ر: التلخيص الحبير: 183/4، مجمع الزوائد: ص 193/5).\r(4) أدب الدنيا والدين مع شرحه منهاج اليقين للعلامة أويس وفا الأرزنجاني العريف بخان زاده ص 226، وقال في الشرح المذكور: ص 240، العدل مصدر بمعنى العدالة: وهو الاعتدال والاستقامة والميل إلى الحق. وفي الشريعة عبارة عن الاستقامة على طريق الحق بالاجتناب عما هو محظور دينه، وفي اصطلاح الفقهاء: من اجتنب الكبائر ولم يصر على الصغائر وغلب ثوابه، واجتنب الأفعال الخسيسة كالأكل في الطريق والبول.\r(5) التفسير الكبير: 355/3.","part":8,"page":479},{"id":5484,"text":"3 - إدارة المرافق العامة :\r52 - إن طريقة إدارة المرافق العامة في الإسلام كالمساجد والمدارس والمشافي والجسور والبريد والدفاع والعشور (الجمارك) والري وتوريد المياه ونحوها: تلتقي مع الطريقة المتبعة الآن وهي طريقة الاستغلال المباشر. ومقتضاها أن تقوم الدولة نفسها (أو المديرية والمدينة الآن، أو الإمارة أو الولاية في الماضي) بإدارة المرافق العامة مستعينة بأموالها وموظفيها، ومستخدمة في ذلك وسائل القانون العام، وهذه هي الطريقة التي تدار بها جميع المرافق العامة الإدارية في الوقت الحاضر (1) .\rوالإدارة الإسلامية كانت في الماضي كما تقدم على طريقة جعل الوزارة قسمين: وزارة تفويض ووزارة تنفيذ (2) . والإمارة على البلاد نوعين: إمارة خاصة، وإمارة عامة (3) .\rأما وزارة التفويض: فهي أن يستوزر الإمام من يفوض إليه تدبير الأموربرأيه وإمضاءها على اجتهاده . وكان وزير التفويض يوجه سياسة الدولة ويولي الموظفين ويعزلهم ويجبي الأموال وينفقها، ويسير الجيوش ويجهزها، ويجلس للمظالم ويفصل فيها (4) .\rوأما وزارة التنفيذ أو بالمعنى الأدق (إدارة التنفيذ): فهي لتنفيذ ما يصدر عن الإمام لتدبير سياسة الدولة في الداخل والخارج، ويعتبر وزير التنفيذ وسيطاً بين السلطان وبين الرعايا والولاة يؤدي عنه ما أمر، وينفذ ما طلب، ويمضي ما حكم،\r-------------------------------\r(1) مبادئ القانون الإداري للدكتور سليمان الطماوي: ص 65، ط 1955م.\r(2) الأحكام السلطانية للماوردي: ص 20-26، ولأبي يعلى: ص 13-15.\r(3) الماوردي المرجع السابق: ص 27-30، وأبو يعلى: ص 17-21.\r(4) منير العجلاني، المرجع السابق: ص 226.","part":8,"page":480},{"id":5485,"text":"ويخبر بتقليد الولاة وتجهيز الجيوش والحماة، ويعرض عليه ماورد منهم وتجدد من حدث ملمّ ليعمل فيه بما يؤمر به:\rوأما الإمارة الخاصة: فهي لتدبير الجيوش وسياسة الرعية والدفاع عن كيان الدولة، وحماية حدود البلاد.\rوأما الإمارة العامة فهي نوعان: إمارة استكفاء، وإمارة استيلاء. فإمارة الاستكفاء تعقد برضا الخليفة واختياره، وصاحبها ينظر في سبعة أمور: هي النظر في تدبير الجيش والأحكام وتقليد القضاة والحكام، وجباية الخراج، وقبض الصدقات وتقليد العمال، وحمايةالحريم والدفاع عن البلاد ومراعاة الدين من تغيير أو تبديل، وإقامة الحدود في حق الله تعالى ، وحقوق الناس خاصة، والإمامة في الجمع والجماعات، وتسيير الحجيج.\rوتختص دواوين الدولة أو إدارة المصالح بقضاء مصالح الناس الذين يعيشون في ظل سلطان الدولة. وأول من وضع الديوان في الإسلام عمر بن الخطاب رضي الله عنه (1) .\r53 - ويلاحظ أن أهم ما يميز إدارة المرافق العامة في الإسلام ملازمتها للصبغة الدينية، فكان الوالي مسؤولاً عن رعاية أركان الإسلام، بل إن ولاية الأمراء كانت تسمى (إمارة الصلاة والخراج) أو(الإمارة على الصلاة) ولم يكن القصد من ذلك إمامة الناس في الصلوات فقط، وإنما كانت تعني الولاية عليهم في جميع الأمور، فعندما كان النبي صلّى الله عليه وسلم يرسل شخصاً إلى القبائل ليفقهها في أمور الدين ويعلمها القرآن، كان يعني بذلك إدارة مصالح القبيلة في كل شؤونها (2) .\r-------------------------------\r(1) الماوردي: ص 191-211، أبو يعلى: ص 221-241.\r(2) منير العجلاني، المرجع السابق: ص 282، النظم الإسلامية للدكتور صبحي الصالح: ص 308.","part":8,"page":481},{"id":5486,"text":"4 - الإعداد لحماية الدولة والدعوة لتدريب الشعب وتصنيع الأسلحة :\r54 - إن من أول واجبات الدولة ـ كما ذكرت (عند الماوردي وغيره) فيما عرضته ـ هو الدفاع عن كيان الدولة وتحصين الثغور، وحماية الرعية، وإعداد العدة الملائمة والقوة الضاربة وتدريب المقاتلة، وتعلم فنون الحرب وكيفية استخدام السلاح المناسب للزمان والمكان، فقد كان النبي صلّى الله عليه وسلم بوصفه القيادي أو كونه حاكماً بالإضافة إلى كونه رسولاً مبلغاً عن الله يقوم بإعداد المسلمين لخوض معارك القتال، مما مكنه من تحقيق النصر المؤزر على الأعداء في غالبية المعارك التي اشترك فيها أو أعد لها.\rوعني المسلمون الأوائل من أجل الجهاد بأسلحة الحرب وآلات القتال كالسيوف والرماح والنبال والدروع والمغافر ونحوها مما كان في الماضي تدرباً وتمرساً واقتناء وتعلماً.\rوكان الخلفاء يحضون الناس على التدرب على مختلف فنون الحرب وآلاتها، ويحصنون الثغور من أجل الحفاظ على الأمة ورد العدوان عنها، كما هومعروف من تاريخ الفتوحات الإسلامية.\rوالإسلام دستور المسلمين يفرض دائماً التزام الحذر من العدو، والاستعداد للقائه وإعداد الجنود والأسلحة الملائمة للإرهاب وخوض المعارك، قال الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا خذوا حذركم فانفروا ثُباتٍ أو انفروا جميعاً} [النساء:71/4] {وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم، وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم} [الأنفال:60/8].","part":8,"page":482},{"id":5487,"text":"فهذه الآية أمر إيجابي بالإعداد الملائم لكل القوى المادية والمعنوية التي يتحقق بها إرهاب العدو. وقد أمر الرسول صلّى الله عليه وسلم بالتدرب على فنون القتال واستعمال السلاح، قال سلمة بن الأكوع: «مرَّ رسول الله صلّى الله عليه وسلم على نفر من أسلم ينتضلون (1) بالسوق، فقال: ارموا يا بني إسماعيل، فإن أباكم كان رامياً، ارموا وأنا مع بني فلان...» (2) . وعن عقبة بن عامر قال: سمعت النبي صلّى الله عليه وسلم يقول: «وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة، ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي» وقال: «من علم الرمي ثم تركه، فليس منا» (3) .\r55 - وأمر عليه الصلاة والسلام أيضاً بصناعة السلاح وحث عليه، فقال: «إن الله يدخل بالسهم الواحد ثلاثة نفر الجنة: صانعه الذي يحتسب في صنعته الخير، والذي يجهز به في سبيل الله ، والذي يرمي به في سبيل الله .. » (4) .\rوشجع الرسول صلّى الله عليه وسلم كل أنواع السباق الحربي والرياضة الحربية فقال: «لاسَبْق إلا في خف أو نصل أوحافر» (5) .\rواتفق الفقهاء على جواز السباق على جُعْل من غير المتسابقين كالإمام يجعله للسابق، وقال جمهور الفقهاء: يجوز الجُعل أيضاً من إحدى المتسابقين (6) . واعتبر الفقهاء تعلم مختلف الحرف والصنائع، ولا سيما صناعة الأسلحة من\r-------------------------------\r(1) أي يترامون.\r(2) رواه أحمد والبخاري عن سلمة بن الأكوع (نيل الأوطار: 84/8).\r(3) رواهما أحمد ومسلم عن عقبة (نيل الأوطار: 85/8).\r(4) رواه أحمد وأصحاب السنن الأربعة عن عقبة بن عامر (نيل الأوطار، المكان السابق).\r(5) رواه أحمد وأصحاب السنن الأربعة عن أبي هريرة ولم يذكر فيه ابن ماجه: أو نصل (نيل الأوطار: 77/8).\r(6) البدائع: 206/6، مغني المحتاج: 313/4 وما بعدها، المهذب: 415/1 وما بعدها. المغني: 654/8 وما بعدها، نيل الأوطار: 78/8.","part":8,"page":483},{"id":5488,"text":"فروض الكفايات على جماعة المسلمين (1) . قال ابن تيمية: (ومع أنه يجوز تولية غير الأهل للضرورة إذا كان أصلح الموجود، فيجب مع ذلك السعي في إصلاح الأحوال حتى يكمل في الناس ما لا بد لهم من أمور الولايات والإمارات ونحوها، كما يجب على المعسر السعي في وفاء دينه، وإن كان في الحال لا يطلب منه إلا ما يقدر عليه؛ وكما يجب الاستعداد للجهاد بإعداد القوة ورباط الخيل في وقت سقوطه للعجز، فإن ما لايتم الواجب إلا به فهو واجب) (2) .\rفدل ذلك كله على أنه على المسلمين تعلم كل ما يؤدي إلى التقوية والتفوق العسكري بحسب متطلبات كل زمان ومكان من تسابق في آلات الحرب وإنتاجها، وتهيئة عُدَد القتال، وتمرن على استعمالها، وحمل الأسلحة بمختلف أنواعها، وإنشاء الصناعات الحربية، ومداومة على التدرب، ونحو ذلك من كل ما فيه إعداد يرهب الأعداء، ويوفر القوة الكافية للمسلمين، قال صلّى الله عليه وسلم : «المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف» (3) .\rثانياً ـ الالتزام بخصائص الدولة الإسلامية وتحقيق أهدافها :\rتمهيد :\r56 - عرفنا أن الدولة الإسلامية دولة فكرية ذات ارتباط وثيق بالعدل الإلهي، ويمكن إجمال خصائصها الأولية في ثلاثة (4) .\r-------------------------------\r(1) مغني المحتاج: 213/4، نهايةا لمحتاج: 194/7، رد المحتار على الدر المختار: 40/1، ط الأميرية، غاية المنتهى: 441/1، الطرق الحكمية لابن قيم ص: 247، ط أنصار السنة المحمدية، الشرح الكبير للدردير: 174/2.\r(2) السياسة الشرعية: ص 21.\r(3) رواه مسلم عن أبي هريرة (شرح مسلم: 215/16).\r(4) نظرية الإسلام السياسية للمودودي: ص 31 و 44 وما بعدها.","part":8,"page":484},{"id":5489,"text":"1 - الحاكم الحقيقي فيها هو الله عز وجل، والسلطة الحقيقية مختصة بالذات العلية، وليس لأحد من الناس نصيب من الحاكمية، وإنما الحاكم هم رعايا الله ينوبون عن الأمة في تنفيذ شريعة الإله التي ارتضاها للناس دستوراً دائماً وحكماً فصلاً كما قال تعالى: {إن الحكم إلا لله } [الأنعام:57/6] {ألا له الحكم وهو أسرع الحاسبين} [الأنعام:62/6].\r2 - ليس لأحد من دون الله وظيفة تشريعية بغير ما شرع الله للمسلمين لقوله سبحانه: {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} [المائدة:44/5].\r3 - وظيفة الدولة تقتصر على تنفيذ شريعة الله ، والحكم بما أنزل الله وتطبيق ما جاء به النبي من عند ربه، واستحقاقها الطاعة مرهون بذلك لقوله تعالى: { إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله } [النساء:105/4].\rوغاية الدولة الإسلامية وهدفها الأسمى هو تحقيق نظام العدالةالاجتماعية الذي أمر به الله تعالى، أي إقامة نظام الإنسانية العادل على أساس ما أنزل، وأبانه رسول الله ، قال عليه السلام: «تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله وسنة رسوله» (1) .\rومجمل القول: إن الدولة الإسلامية مقيدة بشريعة الله القائمة على العدل والخير والقوة والنظام والدعوة إلى الإقرار بعقيدة التوحيد، والإيمان بجميع الرسل والأنبياء. قال عليه السلام: «إن أحسن الحديث كتاب الله ، وأحسن الهدي هدي محمد صلّى الله عليه وسلم ، وشر الأمور محدثاتها...» (2) .\rوالدولة من أجل ذلك تلتزم بالواجبات الآتية:\r-------------------------------\r(1) أخرجه مالك في الموطأ بلاغاً (جامع الأصول: 186/1).\r(2) أخرجه البخاري عن ابن مسعود رضي الله عنه (جامع الأصول: 197/1).","part":8,"page":485},{"id":5490,"text":"1 - تقوية وحدة الأمة وتعاونها وأخوة أبنائها :\r57 - علمنا مما سبق أن المسلمين إخوة وأمة واحدة مهما نأت بهم الديار، ومقتضى ذلك أنه يجب عليهم جميعاً المشاركة في الآلام، والسعي لتحقيق الآمال الكبرى، والتعاون البناء في سبيل خير الجماعة، والحفاظ على وحدة الأمة، وتنمية الروابط المشتركة فيما بينها، وعلى الدولة التي تمثل المسلمين أن تسعى دائماً لشد أزر عُرَى التضامن الأخوي، ودعم وحدة الأمة وتعاون أفرادها في شتى الميادين السياسية والاجتماعية والاقتصادية والعسكرية تنفيذاً لقوله تعالى: {إن هذه أمتكم أمة واحدة} [الأنبياء:92/21] {واعتصموا بحبل الله جميعاً ولاتفرقوا واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم، فأصبحتم بنعمته إخواناً، وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها ، كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون} [آل عمران:103/3] {إنما المؤمنون إخوة} [الحجرات:10/49] {محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم} [الفتح:29/48].\rفبالوحدة تتوصل الدولة المسلمة إلى نهضة حيوية شاملة في جميع مرافق الحياة وتصبح عزيزة الجانب مرهوبة السلطان.\rولقد حذر الإسلام من التفرق والفتن والاختلاف، وذكَّر المسلمين في كل آونة بأنهم إخوة في السراء والضراء للحفاظ على الوحدة المنشودة، فقال: «المسلم أخو المسلم لايظلمه، ولايخذله، ولايكذبه، ولايحقره..» (1) « المؤمن للمؤمن\r-------------------------------\r(1) رواه مسلم وغيره عن أبي هريرة (الترغيب والترهيب: 609/3 ومابعدها، شرح مسلم: 139/6) وفي رواية أخرى لمسلم عن الزهري عن سالم عن أبيه: « المسلم أخو المسلم لايظلمه ولايُسلمه، من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرَّج عن مسلم كربة فرّج الله عنه بها كربة من كرب يوم القيامة، ومن ستر مسلماً ستره الله يوم القيامة » ( شرح مسلم: 134/16).","part":8,"page":486},{"id":5491,"text":"كالبنيان يشد بعضه بعضاً» (1) «انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً، قيل: كيف أنصره ظالماً؟ قال: تحجزه عن الظلم، فإن ذلك نصره» (2) .\rومن زاوية التاريخ نرى أنه قد انتصر الإسلام في جميع عهوده التي كان المسلمون فيها متحدين متآخين، فبدأ الرسول صلّى الله عليه وسلم بالمؤاخاة الفعلية بين المسلمين (3) ، ثم حقق لهم معنى الإخاء الأكبر الدائم فيما بينهم، وصار العرب بفضل الإسلام كتلة واحدة بعد أن كانوا في الجاهلية قبائل متفرقة تمزقهم العداوات والأحقاد والإحن القديمة: {وألَّف بين قلوبهم، لو أنفقت ما في الأرض جميعاً ما ألَّفت بين قلوبهم، ولكن الله ألَّف بينهم، إنه عزيز حكيم} [الأنفال:63/8].\rولم يتمكن المسلمون من القضاء على أعدائهم بعد النبي عليه السلام إلا بوحدة الصف وتوحيد الهدف، كما حصل مثلاً في وقعة اليرموك وفي حرب المغول والتتر وانتصار المسلمين في موقعة عين جالوت، وفي معركة حطين وطرد الصليبيين من بلاد المشرق وفتح بيت المقدس.\rومن مزايا الإخاء والاتحاد الإسلامي أنه يحقق للمسلمين تسامياً فوق الاعتبارات الإقليمية الضيقة. أما الدول الحاضرة مثلاً فإنها تسعى لتحقيق ما يعرف بالوحدة الوطنية المقيدة داخل نطاق أرضي معين، وتحت شعار قومية واحدة، مع وجود فجوات وحزازات داخلية متعددة.\r-------------------------------\r(1) رواه الشيخان والترمذي والنسائي عن أبي موسى الأشعري (الفتح الكبير).\r(2) رواه أحمد والبخاري والترمذي عن أنس (الفتح الكبير) وانظر شرح مسلم: 138/16.\r(3) مجمع الزوائد: 171/8.","part":8,"page":487},{"id":5492,"text":"2 - تحقيق المصالح الأساسية التي تدور عليها الشريعة :\r58 - إن من أول واجبات الدولة رعاية المصالح أو المقاصد التي تقوم عليها الشريعة وتستهدف تحقيقها: وهي المحافظة على الأصول الكلية الخمسة المعروفة بالضروريات، والتي لم تبح في ملة من الملل: وهي الدين والنفس والعقل والنسل والمال. وسميت بالضروريات لأنه يتوقف عليها حياة الناس الدينية والدنيوية بحيث إذا فقدت، اختل نظام الحياة في الدنيا وضاع النعيم، واستحق العقاب في الآخرة.\rوقد حافظت الشريعة على هذه الأصول من ناحيتين:\rالأولى: تحقيقها وإيجادها.\rالثانية: المحافظة على بقائها.\rفتحقيق مبدأ الدين مثلاً بالإتيان بأركان الإسلام الخمسة، والمحافظة عليه بمجاهدة من يريد إبطاله، وعقوبة المرتد عنه بالقتل إن لم يتب .\rوالنفس تتحقق وتوجد بالتزاوج الذي يؤدي إلى بقاء النوع الإنساني، والمحافظة على بقائها تكون بفرض العقوبة على قاتلها وهو القصاص. فقد شرع القصاص للحفاظ على النفوس والدماء، لأن القصاص مقررللحياة التي هي من أجلّ المنافع.\rوالعقل إذا وهبه الله للإنسان يحافظ عليه بإباحة كل ما يكفل سلامته، وتحريم ما يفسده أو يضعف قوته كشرب الخمر والمسكرات وتعاطي المخدرات، وإقامة الحد على الشارب وتعزير متناول الحشيشة والأفيون ونحوهما لغير حاجة طبية.\rوالنسل شرع لإقامته استحلال البُضْع (1) بطريق مشروع، وللمحافظة عليه شرع حد الزنى وحد القذف لصيانة الأعراض والكرامات.\r-------------------------------\r(1) البضع، بضم الباء جمعه إبضاع: يطلق على الفرج والجماع ويطلق على التزويج أيضاً كالنكاح يطلق على العقد والجماع (ر: المصباح المنير).","part":8,"page":488},{"id":5493,"text":"والمال شرع لإيجاده السعي في طلب الرزق والمعاملات بين الناس، وللمحافظة عليه شرع حد السرقة بقطع اليد، وتحريم الغش والربا وضمان المتلفات عند أخذ المال بالباطل (1) .\rقال الغزالي جامعاً المقاصد المذكورة ( إن مقصود الشرع من الخلق خمسة: وهو أن يحفظ عليهم دينهم ونفسهم وعقلهم ونسلهم ومالهم، فكل ما يتضمن حفظ هذه الأصول الخمسة فهي مصلحة، وكل ما يفوت هذه الأصول فهو مفسدة، ودفعها مصلحة)( 2) .\rوعلى هذا فإن المحافظة على هذه الحقوق الأساسية للأفراد تعتبر من الدعائم الأولى للحكم الإسلامي التي تتضمن قواعد تنظيم الحياة المدنية، قال الرسول صلّى الله عليه وسلم في خطبته بحجة الوداع: «أيها الناس، إن دماءكم وأموالكم، وأعراضكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا» (3) «كل المسلم على المسلم حرام: دمه وماله وعرضه» (4) .\r59 - وبالمناسبة أبيِّن أنه للدولة دور مهم في تحقيق التوازن بين المصالح الفردية والجماعية عند التعارض في سبيل الحصول على الحقوق المادية أو التوصل إلى المال، إذ أن الإسلام راعى مصلحة الفرد ومصلحة الجماعة، وأقام توازناً فعالاً بين المصلحتين على وجه يحقق التضامن والتكافل الاجتماعي، فلم يسمح الإسلام للفرد في الحالات العادية بالطغيان على حساب المجموع أو يتعدى حدوده، ولا للجماعة أن تسحق مصلحة الفرد لحساب المجتمع.\r-------------------------------\r(1) ر : الموافقات للشاطبي: 8/2 وما بعدها، فواتح الرحموت شرح مسلَّم الثبوت: 63/3 التقرير والتحبير: 144/3، شرح العضد على مختصر المنتهى: 240/2، روضة الناظر: 414/1، المدخل إلى مذهب أحمد: ص 137، شرح الإسنوي: 63/3، الإبهاج شرح المنهاج: 38/3.\r(2) المستصفى: 140/1، ط التجارية، وانظر مثل ذلك في الإحكام للآمدي: 54/3-55 أعلام الموقعين: 14/3.\r(3) رواه مسلم وأبو داود والنسائي من حديث جابر بن عبد الله ـ أطول الأحاديث (ر: شرح مسلم: 182/8، 167/11، مجمع الزوائد: 265/3 جمع الفوائد: 472/1 وما بعدها).\r(4) رواه مسلم وغيره عن أبي هريرة رضي الله عنه (شرح مسلم: 120/16، الترغيب والترهيب: 309/3 وما بعدها).","part":8,"page":489},{"id":5494,"text":"كذلك لا تضيع في نظام الإسلام شخصية الفرد، ولا تهدر مصلحة الجماعة، لأن غاية حياة الإنسان حقيقة في الإسلام هي غاية الجماعة بعينها، أي تنفيذ القانون الإلهي في الدنيا وابتغاء وجهه في الآخرة كما ذكرت. وبهذا يتحقق التوازن المطلوب إسلامياً بين الفردية والجماعية رعاية للمصلحتين معاً حتى يقوى الفرد ويدعم بالتالي الجماعة العامة.\rودليل ذلك أن الإسلام حرم كل ما يؤدي إلى الاستغلال والإخلال بتوازن الثروات مثل الربا والاحتكار والميسر والغش والرشوة والتغرير والغبن والتدليس (1) وإنقاص المكيال والميزان واكتناز الذهب والفضة ونحو ذلك.\rوألزم الأغنياء بالإنفاق على الفقراء، وأجاز للدولة في مال الأغنياء فرض ما يكفي من التكاليف المالية لتأمين حاجيات الدفاع عن البلاد.\rومنع تعدي المالك على الناس وإلحاق الضرر بهم، إذ لا ضرر ولا ضرار في الإسلام،وقال عليه الصلاة والسلام: «من ضارّ أضر الله به،ومن شاقَّ شاق الله عليه» (2) .\rوطلب من ولي الأمر الاهتمام بأمر الرعية كما كان يفعل سيدنا عمر بالتنقل\r-------------------------------\r(1) نيل الأوطار: 189/5، 212، 220، سنن أبي داود: 270/2 ط الحلبي.\r(2) رواه أبو داود عن أبي صِرْمة (سنن أبي داود: 283/2).","part":8,"page":490},{"id":5495,"text":"في الأمصار والطواف بالليل (1) ومشاطرة الولاة والعمال أموالهم التي جمعوها بدون حق (2) .\rوأجيز لولي الأمر التدخل في الملكيات الخاصة لدفع الضرر أو لجلب مصلحة عامة كما فعل الرسول صلّى الله عليه وسلم بأمر مالك النخل بقلع نخلة من بستان الأنصاري لإيذائه قائلاً له: «أنت مضار» (3) ، وكما فعل عمر بالسماح لرجل يقال له الضحاك بن خليفة بإمرار خليج من الماء في أرض محمد بن مسلمة قائلاً له: «والله ليمرن به ولو على بطنك» (4) .\r3 - عمارة الأرض :\r60 - إن الله سبحانه استخلف البشر في الأرض بقصد عمارة الكون وإنمائه واستغلال كنوزه وثرواته، والناس في ذلك شركاء، والمسلمون ينفذون أمر الله ومقاصده، قال الله تعالى {هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها} [هود:61/11] والاستعمار: معناه التمكين والتسلط، كما هو واضح من قوله سبحانه: {ولقد مكنَّاكم في الأرض، وجعلنا لكم فيها معايش قليلاً ما تشكرون} [الأعراف:10/7]. وقوله عز شأنه {هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعاً} [البقرة:29/2] {وسخَّر لكم ما في السموات وما في الأرض جميعاً منه} [الجاثية:13/45] {الذي جعل لكم الأرض فراشاً والسماء بناء} [البقرة:22/2]. {الذي جعل لكم الأرض مهداً، وسلك فيها سُبلاً،وأنزل من السماء ماء فأخرجنا به أزواجاً من نبات شتى} [طه:53/20] {هو الذي جعل لكم الأرض ذلولاً فامشوا في مناكبها، وكلوا من رزقه، وإليه النشور} [الملك:15/67].\rواللام في (لكم) تفيد الاختصاص على جهة الانتفاع للمخاطبين، أي أن ذلك مختص بكم، مما يدل على أن الانتفاع بجميع مخلوقات الأرض، وما فيها من خيرات مأذون فيه، بل مطلوب شرعاً.\r-------------------------------\r(1) سيرة عمر بن الخطاب للأستاذ علي الطنطاوي وأخيه: 201/1، 309، السياسة الشرعية لابن تيمية: ص 141.\r(2) التلخيص الحبير: ص 254، السياسة الشرعية لابن تيمية ص 45 وما بعدها.\r(3) رواه محمد الباقر عن أبيه علي زين العابدين، وأخرجه أبو داود عن سمرة بن جندب (سنن أبي داود: 283/2، الأحكام السلطانية لأبي يعلى: ص 285).\r(4) الموطأ: 218/2 وما بعدها.","part":8,"page":491},{"id":5496,"text":"واعتبر الفقهاء تعلم أصول الحراثة والزراعة ونحوها مما تتم به المعايش التي بها قوام الدين والدنيا من فروض الكفاية (1) ، لأن كل فرد من الأفراد عاجز عن القيام بكل ما يحتاج إليه (2) . وخصصوا باباً معيناً للكلام عن (إحياء الموات) أو بتعبيرنا (استصلاح الأراضي المتروكة) كما فصلوا في بحث (الزكاة) أحكام المعادن الجامدة والسائلة والركاز، ووضع الإمام أبو يوسف كتابه (الخراج) لهارون الرشيد أبان فيه كيفية استثمار الأرض وطرق الري من الأنهار الكبرى وموارد بيت المال من خراج ونحوه (3) .\r-------------------------------\r(1) رد المحتار: 40/1 الطرق الحكمية لابن قيم ص 247، غاية المنتهى: 441/1، الشرح الكبير للدردير: 174/2.\r(2) سمع النبي صلّى الله عليه وسلم علياً رضي الله عنه يقول: اللهم لا تحوجني إلى أحد من خلقك، فقال: لا تقل هكذا، ليس من أحد إلا وهو محتاج إلى الناس، قال: فكيف أقول؟ قال: قل: اللهم لاتحوجني إلى شرار خلقك. قلت : يا رسول الله ومن شر خلقه؟ قال: الذين إذا أعطوا أمنوا، وإذا منعوا عابوا. وسمع صلّى الله عليه وسلم أبا بكر رضي الله عنه يقول: اللهم إني أسألك الصبر. فقال: سألت الله البلاء، فسله العافية. وسمع الإمام أحمد بن حنبل رجلاً يقول: اللهم لاتحوجني إلى أحد من خلقك. فقال: هذا رجل تمنى الموت (مغني المحتاج: 213/4).\r(3) انظر فيه مثلاً: ص 91-102 و 109 وما بعدها.","part":8,"page":492},{"id":5497,"text":"وحض الإسلام عموماً على الضرب في الأرض (أي السفر التجاري) والسعي الحثيث في مناكبها، والتنقيب عن موارد الرزق في البر والبحر، والإنشاء والتعمير وتوفير أسباب المعيشة والتنافس المشروع في كسبها، والتسابق في الخيرات كلها دنيوية أم أخروية؛ لأن معنى استخلاف الله للبشر وخلافتهم عن الله في الأرض يتطلب إطاعة المستخلف إطاعة كاملة، ولأن السيطرة على الأرض بتمكين الله للبشرتقتضي استغلال كل أوجه الخير فيها من استنبات الزرع، وإحياء الضرع، وتشجير الأشجار، واستخراج المعادن والزيوت، واستثمار المناجم والمحاجر والمقالع وإقامة المساكن والمصانع والقرى والمدن حتى يعرف بكل ذلك ونحوه عظمة الله وقدرته لأنه هو مانح الحياة لكل الموجودات.\r61 - وذلك على النقيض تماماً من الاتجاه المادي القاتم الذي يوجه الناس نحو الشعور بألوهية الإنسان لسيطرته على الطبيعة ومواردها، ولتقدمه العلمي والتقني والفني، مما يؤدي إلى عبادة المادة ويورث الإنسانية كثيراً من القلاقل والاضطرابات، والعداوة والبغضاء والحروب المدمرة.\rلذا فإن عمارة الأرض واستغلالها يتقيدان في الإسلام بإطاعة الله والاهتداء بهديه والامتناع عما نهى عنه، والاعتقاد بأن الناس جميعاً شركاء في منتجات الطبيعة المباحة، فكان لا بد لهم من التراحم والتعاون في العمل والنتاج (العطاء) بدون تخصيص، أو تمييز البشر في الجنس أو اللون أو العنصر بل والدين أيضاً.\rومن ثم فليس في الإسلام مجال للحقد أو الاستئثار أو الاستعمار بالمعنى الشائع اليوم، أو حجر الآخرين عن الانتفاع الحر بالأرض، لأن البشر هم خلق الله، وأحب خلق الله إلى الله أنفعهم لعياله (1) . فلا معنى لاستغلال جنس من\r-------------------------------\r(1) قال عليه الصلاة والسلام «الخلق كلهم عيال الله ، فأحب خلقه إليه أنفعهم لعياله» رواه البزار والطبراني (مجمع الزوائد: 191/8، الفتح الكبير) وهو ضعيف.","part":8,"page":493},{"id":5498,"text":"الأجناس، أو بلد من البلدان لجنس آخر أو بلد آخر، قال تعالى: {ومن آياته أن خلقكم من تراب، ثم إذا أنتم بشر تنتشرون} [الروم:20/30] . {ألم أعهد إليكم يا بني آدم ألا تعبدوا الشيطان، إنه لكم عدو مبين} [يس:60/36].\rقال الماوردي: (القاعدة الخامسة من القواعد التي تصلح بها الدنيا: خصب دار تتسع النفوس به في الأحوال وتشترك فيه ذوو الإكثار والإقلال، لكون الأسعار رخيصة فيقل في الناس الحسد، وينتفي عنهم تباغض العدم، وتتسع النفوس في التوسع وتكثر المواساة والتواصل، وذلك من أقوى الدواعي لصلاح الدنيا، وانتظام أحوالها، ولأن الخصب يؤول إلى الغنى، والغنى يورث الأمانة والسخاء) (1) .\r4 - صيانة الآداب الإسلامية :\r62 - إن صيانة مقاصد الشريعة الأساسية السابق ذكرها تتطلب من الدولة حماية دائمة لها في المجتمع، لأن للأخلاق السائدة تأثيراً كبيراً على الأشخاص وانعكاساً مباشراً في السلوك والتصرفات، لذا كان الدين والخلق أمرين متلازمين في الإسلام، قال صلّى الله عليه وسلم «الخلق وعاء الدين» (2) وذلك حتى يتكاتف الدين والخلق في تكوين الشخصية المسلمة المستقيمة، وإلا فسدت الجماعة، وأصابها الوهن والانحلال، واختل الأمن واضطراب النظام.\rومن أصول الأخلاق الإسلامية: إباحة كل وسائل الفضيلة والمعروف، وتحريم كل ذرائع الفساد والشر. قال ابن تيمية: (إن المعاصي سبب لنقص الرزق والخوف من العدو، كما يدل عليه الكتاب والسنة..، والشر والمعصية ينبغي حسم\r-------------------------------\r(1) أدب الدنيا والدين مع شرحه: ص 249.\r(2) رواه الحكيم الترمذي عن أنس بن مالك (الفتح الكبير).","part":8,"page":494},{"id":5499,"text":"مادته، وسد ذريعته (1) ودفع ما يفضي إليه، إذا لم يكن فيه مصلحة راجحة.. (2) وقال القرافي: (إن الذريعة هي الوسيلة، فكما أن وسيلة المحرم محرمة، فوسيلة الواجب واجبة كالسعي للجمعة والحج (3) .\rوتلزم الدولة الإسلامية شرعاً بالحفاظ على الآداب وحماية الأخلاق، ومنع المعاصي وردع الفساق وقمع المنكرات وتأديب العصاة حتى تكون الحياة الإسلامية نظيفة من الشوائب بعيدة عن المكدرات وأسباب الفوضى والانحراف. قال الماوردي: (الذي يلزم الإمام إقامة الحدود لتصان محارم الله تعالى عن الانتهاك، وتحفظ حقوق عبادة من إتلاف واستهلاك) (4) ، وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: (لا بد للناس من إمارة برَّة كانت أو فاجرة، فقيل: يا أمير المؤمنين: هذه البرة قد عرفناها، فما بال الفاجرة؟ فقال: يقام بها الحدود، وتأمن بها السبل،ويجاهد بها العدو ويقسم بها الفيء) (5) .\r5 - إقامة العدالة الاجتماعية :\r63 - على الدولة أيضاً تحقيق التكافل الاجتماعي بين الناس، لأنها مسؤولة عن الرعية وعن ضرورة إقامة العدل ومنع الظلم وغيره، وتحقيق التعاون على البر والتقوى من استيفاء الحقوق وإعطاء المستحقين ونحوه (6) ، قال النبي صلّى الله عليه وسلم : «المؤمن\r-------------------------------\r(1) الذريعة: الوسيلة.\r(2) السياسة الشرعية: ص 68 و 140 وما بعدها.\r(3) الفروق: 33/2 وانظر أيضاً أعلام الموقعين لابن قيم: 147/3.\r(4) الأحكام السلطانية ص 14 وقد سبق ذكره.\r(5) السياسة الشرعية لابن تيمية: ص 63 وما بعدها.\r(6) المرجع السابق: ص 47.","part":8,"page":495},{"id":5500,"text":"للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً» (1) . «من ترك كَلاًّ أو ضَياعاً فأنا وليه» (2) «ليس المؤمن بالذي يشبع وجاره يجوع إلى جنبه» (3) «إن الله فرض على أغنياء المسلمين في أموالهم بقدر الذي يسع فقراءهم، ولن يجهد الفقراء إذا جاعوا أو عروا إلا بما يصنع أغنياؤهم، ألا وإن الله يحاسبهم حساباً شديداً، ويعذبهم عذاباً أليماً» (4) «أيما أهل عَرْصة ـ بقعة ـ أصبح فيهم امرؤ جائعاً فقد برئت منهم ذمة الله تبارك وتعالى» (5) .\r64 - ووسائل الدولة لتأمين معيشة رعاياها كثيرة أهمها: تهيئة سبل الكسب المشروع، ووسائل العمل الشريف مع تكافؤ الفرص، وتحقيق الحاجات الأساسية من مسكن ومأكل وملبس أولاً. ومن عجز عن العمل فنفقته على أقاربه الموسرين، فإن لم يوجدوا فعلى بيت المال، كما هو معروف عند الفقهاء.\rقال الماوردي: (القاعدة الثالثة مما يصلح به حال الإنسان في الدنيا: المادة الكافية؛ لأن حاجة الإنسان لازمة لا يعرى منها بشر، قال الله تعالى في الأنبياء:\r-------------------------------\r(1) سبق تخريجه.\r(2) رواه البخاري ومسلم ورواه أبو داود عن المقدام بن معد يكرب بلفظ «من ترك كلا فإلي» ورواه أحمد والبيهقي بلفظ «ومن ترك كلاً فإلى الله ورسوله» (صحيح البخاري: 273/8 جامع الأصول 384/10، شرح مسلم 61/11، الفتح الكبير).\rكلاً: أي ثقلاً فيشمل الدين والعيال. والضياع: اسم ما هو في معرض أن يضيع إن لم يتعهد كالذرية الصغار والزمنى الذين لا يقومون بحاجة أنفسهم.\r(3) رواه البيهقي عن ابن عباس وكذا رواه الطبراني وأبو يعلى عنه ورجاله ثقات (مجمع الزوائد: 167/8).\r(4) رواه الطبراني في الأوسط والصغير، وروي على علي بن أبي طالب رضي الله عنه وهو أشبه (الترغيب والترهيب: 538/1، مجمع الزوائد: 62/3).\r(5) رواه أحمد والحاكم وفي إسناده أصبغ بن زيد وكثير بن مرة، والأول مختلف فيه، والثاني قال عنه ابن حزم: إنه مجهول، وقال غيره: معروف ووثقه ابن سعد وروى عنه جماعة واحتج به النسائي (نيل الأوطار: 221/5).","part":8,"page":496},{"id":5501,"text":"{وما جعلناهم جسداً لا يأكلون الطعام وماكانوا خالدين } [الأنبياء:8/21]. فإذا عدم المادة التي هي قوام نفسه لم تدم له حياة، ولم تستقم له دنيا، وإذا تعذر شيء منها عليه لحقه من الوهن في نفسه والاختلال في دنياه بقدر ما تعذر من المادة عليه؛ لأن الشيء القائم بغيره يكمل بكماله، ويختل باختلاله) (1) .\rوقد أطلق القرآن للإنسان حرية الاستمتاع بالطيبات المباحة، قال تعالى: {كلوا من طيبات ما رزقناكم} [طه:81/20] {يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم} [المائدة:87/5].\rويعبر الفقهاء عن واجب الدولة بتأمين العاجزين عن العمل بدفع ضرر المسلمين إلى حد الكفاية، قال النووي: (من فروض الكفاية: دفع ضرر المسلمين ككسوة عار، وإطعام جائع إذا لم يندفع بزكاة وبيت مال) وتساءل شارح المنهاج (هل يكفي سد الضروة، أم يجب تمام الكفاية التي يقوم بها من تلزمه النفقة؟ قال: فيه وجهان: قيل: ما يسد الرمق ، والأوجه ما يحقق الكفاية) (2) . وقال ابن حزم: (فرض على الأغنياء من كل بلد أن يقوموا بفقرائها، ويجبرهم السلطان على ذلك إن لم تقم الزكوات بهم، ولا في سائر أموال المسلمين، فيقام لهم بما يأكلون من القوت الذي لا بد منه، ومن اللباس في الشتاء والصيف بمثل ذلك، وبمسكن يكنّهم من المطر والصيف والشمس وعيون المارة) (3) .\rفعلى الحاكم إذن تحقيق العدالة الاجتماعية بين الفقراء والأغنياء رعاية للمصلحة العامة، وله أن يتوصل لهذه الغاية بما يفرضه من تكاليف وضرائب على\r-------------------------------\r(1) أدب الدنيا والدين مع شرحه: ص 363.\r(2) المنهاج مع مغني المحتاج: 212/4.\r(3) المحلى: 452/6، م 725.","part":8,"page":497},{"id":5502,"text":"الأغنياء بحسب الحاجة بالإضافة إلى فريضة الزكاة (1) . لقوله صلّى الله عليه وسلم : «إن في المال حقاً سوى الزكاة» (2) وليس هنا مجال التفصيل (3) .\rوهذا المبدأ في الإسلام شامل لكل المواطنين، سواء أكانوا مسلمين أم ذميين كما أوضح الفقهاء (4) بدليل أن سيدنا عمر بن الخطاب أسقط الجزية عن شيخ من أهل الذمة، وفرض له من بيت المال ما يكفيه، وقال للخازن: (انظر هذا وضرباءه، فوالله ما أنصفناه أن أكلنا شبيبته، ثم نخذله عند الهرم) (5) . وجاء في كتاب خالد بن الوليد لأهل الحيرة: (وجعلت لهم أيما شيخ ضعف عن العمل، أو أصابته آفة من الآفات أو كان غنياً فافتقر، وصار أهل دينه يتصدقون عليه، طُرحت جزيته، وعيل من بيت مال المسلمين وعياله، ما أقام بدار الهجرة ودار الإسلام) (6) .\r-------------------------------\r(1) الاعتصام للشاطبي: 121/2، المستصفى للغزالي: 140/1-142 ط التجارية، تفسير القرطبي: 232/2.\r(2) رواه الترمذي عن فاطمة بنت قيس، وقال: إسناده ليس بذاك، وروى ابن حزم عن ابن عمر أنه قال: (في مالك حق سوى الزكاة) ثم قال: وصح عن الشعبي ومجاهد وطاوس وغيرهم كلهم يقول: في المال حق سوى الزكاة، ثم ذكر أنه لا خلاف في هذا إلا عن الضحاك بن مزاحم وهو ليس بحجة (التلخيص الحبير: ص 177، أحكام القرآن للجصاص: 153/1، سنن الترمذي باب الزكاة: 21/3 ط حمص).\r(3) ر : زكاة، ضريبة.\r(4) مغني المحتاج، المكان السابق، نهاية المحتاج: 194/7.\r(5) منتخب كنز العمال من مسند أحمد: 309/2 ، الخراج لأبي يوسف: ص 126.\r(6) الخراج: ص 144.","part":8,"page":498},{"id":5503,"text":"6 - تحقيق الحياة الطيبة للأفراد بالنظر الإسلامي :\r65 ـ إن من أهم أصول النظام الاجتماعي الإسلامي هو تحقيق الحياة الطيبة الكريمة للناس، الجامعة بين خيري الدنيا والآخرة، والقائمة على أساس العمل الصالح مادياً ومعنوياً ؛ إذ أن صلاح العمل يرتد أثره بالخير الكامل والسعادة والنعيم على الفرد والمجتمع، بدليل قوله تعالى: {من عمل صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن، فلنحيينه حياة طيبة، ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون} [النحل:97/16] . والمقصود بالحياة الطيبة: توفر السعادة والرخاء والقناعة والغنى عن الغير والاتجاه إلى ا لله سبحانه، والبعد عن الضنك والتعب، قال عبد الله التستري: (الحياة الطيبة: هي أن ينزع عن العبد تدبيره، ويرد تدبيره إلى الحق)وقيل: هي الاستغناء عن الخلق والافتقار إلى الحق.\rقال ابن كثير في تفسير الآية السابقة: (هذا وعد من الله تعالى لمن عمل صالحاً وهو العمل المتابع لكتاب الله تعالى، وسنة نبيه صلّى الله عليه وسلم من ذكر أو أنثى من بني آدم، وقلبه مؤمن بالله ورسوله، وأن هذا العمل المأمور به مشروع من عند الله بأن يحييه الله حياة طيبة في الدنيا وأن يجزيه بأحسن ما عمله في الدار الآخرة، والحياة الطيبة تشمل وجوه الراحة من أي جهة كانت (1) .\rعن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم : «إن الله لا يظلم المؤمن حسنة يعطى بها في الدنيا، ويثاب عليها في الآخرة. وأما الكافر فيطعم بحسناته في الدنيا، حتى إذا أفضى إلى الآخرة لم تكن له حسنة يعطى بها خيراً» (2) وقال صلّى الله عليه وسلم : «إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً» (3) .\r66 - وطريق تحقيق الحياة الطيبة في الدنيا يتجلى من خلال النظرة إلي المال والعمل. أما نظرة الإسلام إلى المال فهو أنه مال الله . وأما نظرته إلى العمل فهو\r-------------------------------\r(1) تفسير القرآن العظيم: 585/2.\r(2) رواه مسلم وأحمد (فيض القدير والفتح الكبير).\r(3) رواه مسلم وأحمد وابن عدي والترمذي عن أبي هريرة (كشف الخفا للعجلوني).","part":8,"page":499},{"id":5504,"text":"وسيلة القادر عليه لتحصيل الرزق، وقد حث القرآن عليه في قوله تعالى: {فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه وإليه النشور} [الملك:15/67] وطالبت السنة بإتقان الأعمال: «إن الله تعالى يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه» (1) وبضرورة الحفاظ على الكرامة الشخصية وعزة النفس، جاء في الأحاديث: «لأن يأخذ أحدكم حبله ثم يغدو إلى الجبل فيحتطب، فيبيع، فيأكل، ويتصدق خير له من أن يسأل الناس» (2) « اطلبوا الحوائج بعزة الأنفس، فإن الأمور تجري بالمقادير» (3) «اليد العليا خير من اليد السفلى» (4) «ليس الغنى عن كثرة العرض، ولكن الغنى غنى النفس» (5) «لا تحل الصدقة لغني ولا لذي مِرّة سوي» (6) .\rوأما المقصود من الزهد المرغب فيه في الإسلام، فمعناه العمل الإيجابي لنفع الآخرين ولو بترك السعادة الشخصية أو هو الاقتصار على السبل المشروعة المتميزة بالقناعة عند اصطدام المساعي وتنازع المصالح، قال شراح حديث: «ازهد في الدنيا يحبك الله ، وازهد فيما عند الناس يحبك الناس» (7) : الزهد: هو الإعراض عن الشيء لاستصغاره وارتفاع الهمة عنه لاحتقاره، لقوله تعالى: {قل متاع\r-------------------------------\r(1) رواه البيهقي في شعب الإيمان عن عائشة، قال السيوطي: حديث ضعيف (فيض القدير شرح الجامع الصغير).\r(2) رواه مالك والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي عن أبي هريرة (الترغيب والترهيب: 592/1).\r(3) ذكره تمام في فوائده وابن عساكر في تاريخه عن عبد الله بن بسر (فيض القدير شرح الجامع الصغير والفتح الكبير).\r(4) رواه مالك والبخاري ومسلم وأبو داود والنسائي عن ابن عمر: (شرح مسلم: 124/7، الترغيب والترهيب: 585/1).\r(5) رواه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي عن أبي هريرة (الترغيب المرجع السابق: 589/1).\r(6) رواه الطبراني في الكبير والبزار وفيه ابن لهيعة وفيه كلام (مجمع الزوائد: 91/3).\r(7) حديث حسن رواه ابن ماجه وغيره بأسانيد حسنة عن أبي العباس سهل بن سعد الساعدي (الأربعين النووية).","part":8,"page":500},{"id":5505,"text":"الدنيا قليل والآخرة خير لمن اتقى} [النساء:77/4] قيل للزهري: ما الزهد؟ قال أما إنه ليس تشعيث اللِّمة ولا قشف الهيئة، ولكنه صرف النفس عن الشهوة. وقال ابن السَّماك: الزاهد: هو الذي إذا أصاب الدنيا لم يفرح، وإذا أصابته لم يحزن، يضحك في الملا، ويبكي في الخلا، أي عند ذكر الله في الخلوة (1) .\r67 - ودور الدولة في تحقيق الحياة الطيبة يظهر في محاولتها توفير الرفاه والرخاء الاقتصادي بتشجيع وسائل الإنتاج من صناعة وتجارة وزراعة التي هي أفضل المكاسب في الإسلام، كما أنها تفتح مجالات الأمل والعمل لاستنزاف البطالة، وتوسع دائرة التعليم والتثقيف الديني ـ الأخلاقي، وتوفر للمواطنين الثقة والأمن والطمأنينة بردع العدو وتأديب العصاة، وتحد من سلطان الأطماع الطاغية وتحارب الوسائل غير المشروعة، وتزيل كل منافذ الفتنة والإغراء والانحراف، وتقمع كل طرق الشر والفساد، كما يتجلى ذلك في سيرة الخلفاء الراشدين وعهود القوة والازدهار في الدول الإسلامية المتتابعة.\r7 - تحقيق المجتمع الخير (Welfare state):\r68 - إن من أهم وظائف الدولة الخيرة الدعوة إلى الخير، والعمل الإيجابي على تحقيق مقتضيات الخير للمجتمع، وتحقيق الفلاح له في كل آفاق الحياة. وهذا ما يحاول الفقه السياسي في الغرب أن يصل إليه بما يسميه( دولة الفاهية ) قال تعالى: {ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير} [آل عمران:104/3] {فاستبقوا الخيرات} [البقرة:148/2] {ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويسارعون في الخيرات} [آل عمران:114/3] {إنهم كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا رغباً ورهباً وكانوا لنا\r-------------------------------\r(1) تذكرة الدعاة للبهي الخولي: ص 145.","part":8,"page":501},{"id":5506,"text":"خاشعين} [الأنبياء:90/21]. ونطاق العمل الإيجابي في سبيل خير الرعية لا حدود له، فهو يشمل مثلاً حماية الرعية من كل عدوان في الداخل والخارج، والعمل على بث العمران في أرجاء الدولة بكل ما يتطلبه من مرافق، وتنمية عناصر الثروة القومية في سبيل القضاء على الفقر الذي يبغضه الإسلام، وتأهيل الناس كافة للعمل والنتاج، تحقيقاً لتكافؤ الفرص في الكسب، ثم بعد ذلك كفالة كل عاجز عن الكسب صوناً لآدميته وكرامته الإنسانية، والعمل على بث مصادر الثروة في ثنايا المجتمع حتى لا تنحصر في أيدي فئة قليلة تتداولها فيما بينها ، كما جاء في التوجيه القرآني: {كيلا يكون دولة بين الأغنياء منكم} [الحشر:7/59]، وغير ذلك من كل ما دعا إليه القرآن من وجوه الخير التي تتناسب مع الاحتياجات المتطورة للبشرية (1) .\r8 - العمل المستمر على تحقيق الأفضل في جميع نواحي الحياة البشرية :\r69 - لا يقتصر دور الدولة المسلمة على إصلاح النواحي الاقتصادية أو الاهتمام بمطالب الحياة المادية فحسب كما تقول الشيوعية، وإنما مهمتها شاملة لكل جوانب الحياة الإنسانية الفكرية والنفسية والسياسية والخلقية، لأن الإسلام دين الفطرة (2) والفطرة البشرية تتطلب العناية بجميع هذه النواحي متضامنة مع بعضها كي تزدهر الحضارة، وتحفظ الحياة الكريمة ويزداد العمران وترتاح النفوس بتقوية العنصر الأخلاقي الذي يحمي القيم الاقتصادية وغيرها، لأن الحقائق والقيم الذاتية في تقدير الإسلام ليست أشياء منفصلة عن المظاهر المادية للحياة الإنسانية،\r-------------------------------\r(1) انظر في ذلك نظام الحكم في الإسلام للدكتور محمد عبد الله العربي: ص 60.\r(2) عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم : «ما من مولود إلا يولد على الفطرة، ثم يقول: اقرؤوا { فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ، ذلك الدين القيم} رواه مسلم والموطأ والترمذي وأبو داود (جامع الأصول: 178/1).","part":8,"page":502},{"id":5507,"text":"ولأن المقصد من رسالة الإسلام هوإيجاد المجتمع الصالح الذي لا يكتفي بتوفير وسائل العيش أورفع مستوى المعيشة فقط، وإنما لا بد للدولة من العمل على ترقية الوجدان والحياة الخلقية لتقويم سلوك الأفراد، وتسديد نشاطهم العملي الذي يبوئهم خيري الدنيا والآخرة مع الشعور بالارتياح والطمأنينة لا بالقهر والقسر.\rوعلى الدولة ـ باعتبارها حكومة القرآن ـ أن تسعى دائماً لتحقيق الأفضل والأصلح لمواطنيها في مختلف جوانب الحياة الإنسانية المادية والأدبية، فتقيم أركان الإسلام وتنشر الأمن وتدفع خطر الأعداء، وتسارع إلى إحراز التفوق في كل مجالات التقدم والمدنية والسبق العلمي وإشاعة الرخاء الاقتصادي، وتطوير الإنتاج والصناعة وأساليب الحياة الحديثة حتى يتحقق المجتمع الفاضل الذي يريد الإسلام إقامته من الناحيتين الدينية والدنيوية، قال الله عز وجل {وابتغ فيماآتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا، وأحسن كما أحسن الله إليك، ولا تبغ الفساد في الأرض، إن الله لا يحب المفسدين} [القصص:77/28].\rوجاء في الأثر: «اعمل لدنياك كأنك تعيش أبداً، واعمل لآخرتك كأنك تموت غداً» (1) .\r-------------------------------\r(1) فيض القدير: 12/2.","part":8,"page":503},{"id":5508,"text":"9 - إعداد الدعاة لنشر الدعوة في الداخل والخارج :\r70 - إن الغاية السامية التي تعمل من أجلها الدولة الفاضلة: هي توحيد الله عز وجل وجمع الناس على الإيمان به، وتطهير الأرض من كل رجس وشرك، حتى تكون كلمة الله هي العليا، ويكون الدين كله لله . ويجب على الدولة تحقيق ذلك بكل الوسائل وإقامة النظم ا لسياسية والتشريعية والعملية التي تكفل استقرار الناس في ظلال هذه الغاية (1) . والوصول إلى تلك الغاية بتنظيم الدولة طرق الدعوة إلى الإسلام، وإعداد الدعاة الأكفياء المزودين بالعلم والأخلاق قياماً بمهمة الأنبياء، واقتداء برسول الله صلّى الله عليه وسلم المبلغ عن ربه رسالة السماء، قال تعالى مبيناً تلك المهمة: {إنما أنت منذر، ولكل قوم هاد } [الرعد:7/13] {ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجاد لهم بالتي هي أحسن} [النحل:125/16] {يا أيها الرسول بلِّغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلَّغت رسالته، والله يعصمك من الناس} [المائدة:67/5].\rوالسبب في إيجاب القيام بالدعوة هوأن الإسلام رسالة اجتماعية إصلاحية ودعوة عالمية كبرى بعث بها رسول الله صلّى الله عليه وسلم لتكون نظام الإنسانية الكامل في حياتها الروحية والمادية، في كل زمان ومكان (2) . فالناس جميعاً مخاطبون بتعاليمها والاستجابة لنظامها (3) ، بدليل قوله تعالى: {وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيراً ونذيراً} [سبأ:28/34] {وما أرسلناك إلارحمة للعالمين} [الأنبياء:107/21] {قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعاً} [الأعراف:158/7].\rوقد ثبت في الصحيحين وغيرهما أن النبي صلّى الله عليه وسلم بعث كتبه يدعو بها إلى الله ملوك الآفاق وطوائف بني آدم من عربهم وعجمهم كتابيهم وأميهم، وكان بعد تفقيه أصحابه وتعليمهم يرسل الدعاة والمعلمين لشرع الله إلى مختلف القبائل التي تُسلم لإرشادها إلى قواعد الإسلام ولتفقيهها في أمور الدين. هذا.. بالإضافة إلى القضاة والفقهاء لتولي الولايات والبلدان الكبرى (4) .\r-------------------------------\r(1) تذكرة الدعاة للبهي الخولي: ص 42، ط دار الكتاب العربي: 1951.\r(2) تذكرة الدعاة للخولي: ص 14.\r(3) أعلام الموقعين: 211/2، تحقيق محي الدين عبد الحميد، تفسير المنار: 467/6.\r(4) تفسير ابن كثير: 254/2 وما بعدها، ط الحلبي، سيرة ابن هشام: المجلد: 590/2، ط الحلبي، التراتيب الإدارية للكتاني: 194/1 وما بعدها.","part":8,"page":504},{"id":5509,"text":"وفي آخر مراحل حياته عليه الصلاة والسلام أشهد ربه في حجة الوداع وغيرها على قيامه بواجب التبليغ، وأمر أن يبلِّغ الشاهد الغائب.\rوبما أن الرسول صلّى الله عليه وسلم هو الأسوة الحسنة، فكان لزاماً على المسلمين حكاماً ورعية القيام بتبليغ الدعوة الإسلامية وإعداد الدعاة لها سواء في داخل إقليم الدولة أم في خارجه، وذلك بتخصيص فئة متعلمة تدرس الشريعة، وتتمثلها، وتصبح القدوة الصالحة ثم تتعلم اللغات الأجنبية، ثم ترسل إلى سائر البلاد للدعوة في سبيل الله (1) مع دعمها بكتب ومنشورات مبسطة عن الإسلام في عقائده وعباداته، وأحواله المدنية والشخصية، وقانونه الجزائي والدولي، وهذا من فروض الكفاية على الأمة الإسلامية، كما أرشد القرآن إليه في قوله عز شأنه: {ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير، ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر} [آل عمران:104/3] والخير: هو الإسلام وشرائعه التي شرعها الله لعباده، {فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين، ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون} [التوبة:122/9].\rقال النووي: (ومن فروض الكفاية: القيام بإقامة الحجج وحل المشكلات في الدين، وبعلوم الشرع كتفسير وحديث، والفروع ـ الفقهية ـ بحيث يصلح للقضاء) (2) . فإذا لم تقم جماعة بهذا الواجب الكفائي أثم كل المسلمين كما هو معروف، لأن المخاطب بالآيات القرآنية السابقة هم كل المسلمين، فهم المكلفون أن يختاروا منهم طائفة تقوم بهذه الفريضة، فهنا فريضتان: إحداهما على جميع\r-------------------------------\r(1) سأتكلم عن واجب نشر الدعوة خارج الدولة في المبحث ا لثاني.\r(2) المنهاج مع مغني المحتاج: 210/4 وانظر مثل ذلك في غاية المنتهى عند الحنابلة: 441/1 والشرح الكبير للدردير عند المالكية: 174/2، تفسير القرطبي: 165/4، نسخة مصورة عن طبعة دار الكتب، تفسير الطبري: 38/4، ط الثانية الحلبي.","part":8,"page":505},{"id":5510,"text":"المسلمين الذين تمثلهم دولتهم، والثانية على الجماعة التي يختارونها للدعوة. وقال الماوردي ـ فيما سبق ذكره ـ: إن أول واجبات الخليفة حفظ الدين والدعوة إليه (1) . وقال الحنفية : (إن الجهاد الذي هو فرض كفاية هو الدعاء إلى الدين الحق والقتال مع من امتنع عن القبول) (2) .\r71 - والمقصود من الدعوة في العرف: هو حث الناس على الخير والهدى، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ليفوز بسعادة الدنيا والآخرة، وهي ثلاثة أنواع:\rالنوع الأول: دعوة الأمة المحمدية جميع الأمم إلى الإسلام وأن يشاركوهم فيما هم عليه من الهدى ودين الحق. وهذا واجب هذه الأمة بمقتضى جعلها خير أمة أخرجت للناس، وبحكم وصف المؤمنين الذين أذن لهم في القتال في قوله تعالى: {الذين إن مكَّناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر} [الحج:41/22].\rالنوع الثاني: دعوة المسلمين بعضهم بعضا إلى الخير، لقوله سبحانه: {فلولا نفَر من كل فرقة منهم طائفة..} [التوبة:122/9] الآية.\rالنوع الثالث: ما يكون بين الأفراد بعضهم مع بعض بالدلالة على الخير والترغيب فيه والنهي عن الشر والتحذير منه (3) ، لقوله عز وجل: {والعصر إن الإنسان لفي خسر، إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر} [العصر:1/103-3] {ومن أحسن قولاً ممن دعا إلى الله } [فصلت:33/41] أي إلى دين الله .\r-------------------------------\r(1) الأحكام السلطانية للماوردي ص 14 ولأبي يعلى ص 11.\r(2) العناية بهامش شرح فتح القدير: 279/4 وانظر أحكام القرآن للجصاص: 35/2، 592 ط البهية المصرية.\r(3) راجع تفسير المنار: 27/4 وما بعدها، هداية المرشدين للشيخ علي محفوظ: ص 17 ط العثمانية المصرية.","part":8,"page":506},{"id":5511,"text":"72 - وكيفية إعداد الدولة الدعاة تعرف مما ذكره العلماء عن أوصاف وآداب ووظائف المرشد المعلم والمحتسب الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر، وهي خمس عشرة صفة (1) .\r1 - العلم بالقرآن والسنة وسيرة الخلفاء الراشدين والسلف الصالح. وبالقدر الكافي من الأحكام الشرعية، وأسرار التشريع مع الصدق في نشرها.\r2 - العمل بعلمه، فلا يكذب فعله قوله، ولا يخالف ظاهره باطنه، بل لا يأمر بالشيء ما لم يكن هو أول عامل به.\r3 - الحلم وسعة الصدر، فكمال العلم بالحلم، ولين الكلام مفتاح القلوب.\r4 - الشجاعة، حتى لا يهاب أحد في الجهر بالحق، ولا تأخذه في نصرة الله لومة لائم .\r5 - العفة واليأس مما في أيدي الناس.\r6 - القناعة في الدنيا والرضا منها باليسير (2) .\r7 - قوة البيان وفصاحة اللسان وإلا كان النفع بعيداً.\r8 - الإلمام بالآتي:\r-------------------------------\r(1) تفسير الكشاف: 340/1 ، تفسير المنار: 26/4-48، الإحياء للغزالي: 49/1 وما بعدها و274/2 وما بعدها، أدب الدنيا والدين ص 108-119، منهاج القاصدين: ص15 وما بعدها و130 وما بعدها، هداية المرشدين للشيخ علي محفوظ: ص 12-104، تذكرة الدعاة للخولي: ص 35 وما بعدها و 249.\r(2) من الصعب في وقتنا تحقيق الزهد بالدنيا بالمعنى الشائع لأننا محاطون بزينة الدنيا ومغرياتها من المال والنساء والجاه والأبناء وغير ذلك، وقد قرر الرسول صلّى الله عليه وسلم هذه الحقيقة الواقعية فقال: «إن الدنيا حلوة خضرة، وإن الله مستخلفكم فيها، فينظر كيف تعملون فيها» (تذكرة الدعاة: ص 148).","part":8,"page":507},{"id":5512,"text":"العلم بحال من توجه إليهم الدعوة في شؤونهم واستعدادهم وطبائع بلادهم وأخلاقهم أو ما يعبر عنه في العرف بحالتهم الاجتماعية، ومعرفة التاريخ العام، وعلم النفس، وعلم تقويم البلدان، وعلم الأخلاق، ومعرفة الملل والنحل ومذاهب الأمم، والعلم بلغات الأمم التي تراد دعوتها وعلى الاجتماع الذي يبحث فيه عن أحوال الأمم في بداوتها وحضارتها وأسباب ضعفها وقوتها على نحو ما في مقدمة ابن خلدون.\r9 - قوة الثقة بالله في وعده وكمال الرجاء في حصول الفائدة، مهما طال به العلاج وعظمت المصاعب.\r10 - التواضع ومجانبة العجب.\r11 - أن لا يبخل بتعليم، ولا يمتنع من إفادة ما يعلم، فإن البخل به ظلم ولؤم، والمنع منه حسد وإثم.\r12 - الوقار والرزانة بالإمساك عن فضول الكلام، وعن كثرة الإشارة والحركة فيما يستغنى عن الحركة فيه، والإصغاء عند الاستفهام، والتوقف عند الجواب، وعدم التسرع والمبادرة في جميع الأمور.\r13 - أن يكون كبير الهمة عالي النفس يستصغر ما دون النهاية من معالي الأمور.\r14 - الصبر في مقام الدعوة إلى الله تعالى، فهو وصف الأنبياء والمرسلين صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.\r15 - التقوى والأمانة والتحرز بطاعة الله تعالى عن مساخطه،ويعبر عن ذلك في العرف: العدالة والقدوة الحسنة.","part":8,"page":508},{"id":5513,"text":"الوظيفة الثانية ـ وظيفة الدولة الخارجية :\rتمهيد :\r73 - إن اختصاص الدولة الإسلامية في نطاق العلاقات الخارجية يشبه في كثير من الوجوه اختصاص الدولة الحديثة، لأنها دولة ذات فكرة إنسانية سامية تنشد تحقيقها على صعيد مفتوح وفي ظل من الأمن والسلم، وعلى أساس من الاستقلال الداخلي والخارجي ضمن إطار التعاون الواجب مع الدول الأخرى في سبيل خير البشرية (1) .\rومنهج الإسلام في علاقاته الدولية يقوم على مبدأ التوفيق بين ضرورات الواقع وبين مثالية المبدأ والمسعى الذي يحقق الغاية المنشودة من رسالته، فهو لا يستطيع تجاهل ظروف وضرورات الحياة الدولية لما لها من ثقل تفرض به نفسها على الأحداث والمتطلبات الداخلية، ولا يمكنه أصلاً التخلي عن واجب التبليغ ونشر المبادئ والتضحية في سبيل المبدأ وإثبات الخصائص الذاتية التي يتمتع بها، وإعلام الناس بمحتواها، ومحاولة تنفيذها وتحقيق الأهداف المطلوبة بالسياسة والحكمة والأناة ، ومواتاة الفرصة المناسبة.\rوالبحث هنا يتناول وظيفتين أساسيتين للدولة الإسلامية وهما الوظيفة المتجاوبة مع ضرورات الحياة الدولية، والوظيفة الأصلية التي تحقق أهداف الدولة وخصائصها الذاتية، وذلك في مطلبين:\r-------------------------------\r(1) ر : جهاد.","part":8,"page":509},{"id":5514,"text":"المطلب الأول ـ وظيفة تقوم على اعتبار ضرورات الحياة الدولية :\r74 ـ لا تصادم بين الفكرة الإسلامية المتطلعة إلى الامتداد أو الانتشار وبين المبادئ الدولية القائمة الآن على أساس الاعتراف بحرية الدولة في تصرفاتها المشروعة، ومساواتها بين الدول في المبادئ الأخلاقية أو السلمية، وعدم خضوعها للقضاء الأجنبي والدفاع عن نفسها للحفاظ على وجودها وحماية أراضيها وشعبها من أي خطر يتهددها.\rوتتجلى وظائف الدولة المسلمة في هذا المضمار في النواحي الآتية:\r1 - الدفاع عن أراضي الإسلام وتحرير شعوبه وحماية أقلياته :\r75 - هذا حق طبيعي ومنطقي لكل دولة من أجل الحفاظ على وجودها وكيانها، لما لها من حق الحياة والبقاء كالأشخاص العاديين تماماً، ولما يفرضه الواجب من حماية الأتباع والرعايا ولو في خارج إقليم الدولة.\rووسيلة الإسلام في حماية وجوده وأهله هو الجهاد الذي يستخدم من أجل أغراض ضرورية تفرضها الأحداث وأهمها: (1) .\rأ ـ دفع العدوان عن الدين والنفس والعرض والمال أو الدولة وأراضي الوطن أي دار الإسلام، قال تعالى {وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم} [البقرة:190/2] ، {وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله ، فإن انتهوا فإن الله بما يعملون بصير} [الأنفال:39/8] {وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة، ويكون الدين لله، فإن انتهوا فلا عدوان إلا على الظالمين} [البقرة:193/2] ، { أذن للذين يقاتَلون بأنهم ظُلموا، وإن الله على نصرهم لقدير} [الحج:39/22].\rالجهاد حق وعدل وواجب مقدس، ومن تركه أو تخلف عن واجبه في الدفاع عن بلاده وأهله وإعلاء كلمة الله (أي كلمة الإسلام والمسلمين) فهو منافق\r-------------------------------\r(1) ر : للتفصيل والمقارنة في الموسوعة الفقهية: جهاد.","part":8,"page":510},{"id":5515,"text":"في شرعة القرآن، قال تعالى { وليعلم الذين نافقوا، وقيل لهم: تعالوا قاتلوا في سبيل الله، أو ادفعوا (1) ، قالوا: لو نعلم قتالاً لاتبعناكم، هم للكفر يومئذ أقرب منهم للإيمان، يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم والله أعلم بما يكتمون} [آل عمران:167/3].\rومن واجبات الدولة كما أبنت سابقاً الإعداد دائماً للجهاد وعدم التقاعس عنه إذا وجدت مقتضياته، وتهيأت إمكاناته، وقد ذكرت سابقاً عبارة الماوردي وغيره في هذا الشأن حيث جعل من واجبات الإمام تحصين الثغور وحماية البلاد، وجهاد الأعداء بعد الدعوة إلى الإسلام.\rب ـ نصرة المظلوم فردا أو جماعة من المؤمنين، أو إغاثة المستضعفين المسلمين، أو حماية الأقليات في بلاد أخرى من العسف وانتقاص الحقوق، وذلك عند القدرة والإمكان، قال الله عز وجل: {وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله ، والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها} [النساء:75/4] {وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر إلا على قوم بينكم وبينهم ميثاق} [الأنفال:8/72].\r2 - دعم التعاون بين أقاليم الدولة الإسلامية :\r76 - يتطلب الواجب السابق بالدفاع عن الإسلام والمسلمين ضرورة التعاون البنَّاء بين جميع بلاد الإسلام، كما كان عليه حال الأمة الإسلامية في عهد الرسول صلّى الله عليه وسلم وما تلاه من عهود موحدة ، وذلك في مختلف المجالات السياسية والعسكريةوالاقتصادية والاجتماعية والثقافية، إذ إن روابط الإخاء والوحدة في عقيدة الإيمان يتمخض عنها الحب والمساواة والتعاون على الخير في السراء والضراء.\rوبهذا وحده يتحقق للمسلمين العزة والمنعة والتفوق والسيادة، وترتد آثاره الحميدة على البلاد بالخير والسعادة وتحقيق الأماني والآمال المرجوة وتوفير سبل الحياة الحرة الكريمة لكل بلد. وبغير ذلك تسوء الأحوال وتؤول الأوضاع إلى الضياع والوهن والتخلف الذي نعاني الآن من ويلاته بسبب التقاطع والتدابر والتمزق والتفرق.\rومن المعروف أن الإسلام يدعو المسلمين إلى أن يكونوا كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضاً، وأن الأواصر القائمة بينهم أعظم حافز على التضامن والتكاتف، قال تعالى: {وتعاونوا على البر والتقوى، ولا تعاونوا على الإثم والعدوان} [المائدة:2/5] {واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا} [آل عمران:103/3] {ولاتنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم} [الأنفال:46/8] .\r-------------------------------\r(1) أي دافعو ا عن النفس والأهل والوطن (ر : التفاسير).","part":8,"page":511},{"id":5516,"text":"فبالتعاون يتمكن المسلمون في العالم من تجاوز الحدود والقيود الضيقة والعصبيات المغلقة المورثة للمنازعات والخلافات الجزئية؛ لأن رابطة الأخوة القائمة بينهم أقوى وأصلب من العلاقات الجنسية ( التجنس ) ومضايقات العنصرية، ولأن مصيرهم وأهدافهم في الحقيقة واحد.\r77 - وهذا في الدرجة الأولى من وظائف الدولة، لأن الأوامر السابقة في القرآن الموجبة للتعاون تخاطب ولاة الأمر والأفراد على حد سواء (1) ، وما يتحقق عن طريق الدولة أهم وألزم لتحصيل المقاصد وتأمين المصالح.\rومن صور التعاون في المجالات التي ذكرناها قيام أجزاء البلاد بتوحيد الجهد لإنشاء المشاريع الصناعية والإنتاجية والزراعية والمساهمة في تثقيف الجيل ومحو الجهل والأمية، وتنسيق الخطط الفنية والعلمية والسياسية إزاء مشكلة من المشكلات التي تمس مصالح المسلمين.\rوفي أوقات الشدة والمحن تتعاون البلاد في رد العدوان ودفع الأخطار، وتسوية المنازعات وترميم الأحداث والتغلب على الكوارث الطبيعية والاقتصادية ونحو ذلك، ففي ماضي المسلمين كان تجهيز الجيوش وإمداد المقاتلة، يتم بالتعاون بين أقطار الإسلام، كما كان توزيع الغنائم شاملاً للمسلمين.\r-------------------------------\r(1) هذا هو المفهوم من عموم الخطاب فيها، فآية المائدة مثلاً صدرت بقوله سبحانه: {ولا يجرمنكم شنآن قوم أن صدّوكم عن المسجد الحرام} [المائدة:2/5] وذلك موجه لرسول الله صلّى الله عليه وسلم القائد وللمؤمنين، ثم قال سبحانه: {وتعاونوا على البر...} [المائدة:2/5] أي أن الله يأمر المؤمنين ولاسيما أصحاب السلطة بالمعاونة على فعل الخيرات وهو البر، وترك المنكرات وهو التقوى، وينهاهم عن التناصر على الباطل والتعاون على المآثم والمحارم (تفسير ابن كثير: 6/2).","part":8,"page":512},{"id":5517,"text":"3 - دعم السلام العالمي :\r78 ـ استأصل الإسلام جذور الأحقاد والعداوات البشرية، فقضى على الفوارق الجنسية ( التجنس ) والعصبية وتناحر الطبقات، وأحل محلها روح المحبة والإنسانية والتعاون والتسامح، كما أنه انتزع من فكرة القومية تلك (الأنانية) الطاغية التي من شأنها أن تخلق منافسة بين القوميات المتباينة (1) ، وبالتالي نشوب حروب طاحنة بسبب التنازع على الاستئثار بخيرات الأرض. ثم دعا الإسلام بعدئذ، ليس إلى إقامة سلام عالمي فحسب، بل إلى تعايش ودي يدعم السلام، ويتجاوز حدود المسالمة إلى المودة والمصاهرة، والاشتراك في القرابات واختلاط الدماء، وإيجاد زمالة عالمية في ظل المبدأ الإنساني الرفيع: وهو اعتبار الجنس البشري من أب وأم واحدة، وأنهم أبناء أسرة واحدة ينبغي التراحم بين أفرادها، وشيوع الألفة والعدالة في أوساطها للعمل من أجل خير المجموع.\r79 - وهذا ما قرره القرآن الكريم بأجلى بيان في قوله سبحانه: {يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا، إن أكرمكم عند الله أتقاكم، إن الله عليم خبير } [الحجرات:13/49].\rوتتوارد الآيات القرآنية في الدعوة إلى السلم ونبذ العدوان كما في قوله عز وجل: {وإن جنحوا للسلم فاجنح لها،وتوكل على الله } [الأنفال:61/8] {يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة، ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدوٌ مبين} [البقرة:208/2]. {ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام: لست مؤمناً تبتغون عرض الحياة الدنيا} [النساء:94/4]. {فإن اعتزلوكم فلم يقاتلوكم وألقوا إليكم السَّلَم، فما جعل الله لكم عليهم سبيلاً} [النساء:4/90] {لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين، ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم، إن الله يحب المقسطين} [الممتحنة:8/60].\r-------------------------------\r(1) نظام الحكم في الإسلام للدكتور عبد الله العربي: ص 56.","part":8,"page":513},{"id":5518,"text":"ويؤكد القرآن أن هذه الحقائق في حال النزاع، فينهى عن العدوان في قوله تعالى: {وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم، ولاتعتدوا إن الله لا يحب المعتدين} [البقرة:190/2] وفي هذا إشارة إلى تحريم العدوان والاقتصار على حدود الضرورة بالدفاع عن النفس (1) .\rوفي السنة النبوية تحديد واضح لغاية القتال، ومطالبة بالحرص على السلام، قال النبي صلّى الله عليه وسلم : « أيها الناس، لا تتمنوا لقاء العدو، وسلوا الله العافية، فإذا لقيتموهم فاصبروا، واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف» (2) . «تألفوا الناس، وتأنوا بهم ولا تغيروا عليهم حتى تدعوهم، فما على الأرض من أهل بيت من مدر\r-------------------------------\r(1) ر : للتفصيل في الموسوعة الفقهية جهاد.\r(2) رواه البخاري ومسلم وأحمد (شرح مسلم: 46/12، جامع الأصول: 185/3، منتخب كنز العمال من مسند أحمد: 323/2).","part":8,"page":514},{"id":5519,"text":"ولا وبر إلا أن تأتوني بهم مسلمين أحب إلي من أن تأتوني بأبنائهم ونسائهم، وتقتلوا رجالهم» (1) «الخلق كلهم عيال الله ، فأحب خلقه إليه أنفعهم لعياله» (2) .\r80 - وعلى الدولة المسلمة التقيد بهذه التعاليم لحماية ودعم مبدأ السلام العالمي، سواء أكان التهديد قريباً من حدودها أم بعيداً عن أراضيها، لأن انفجار الحرب ـ لا سيما في عصرنا الحاضر ـ يعرِّض العالم كله إلى هزات عنيفة، ويبعد أن تكون دولة فيه بمأمن من لظاها وآثامها، ولأن الإسلام يكره إراقة الدماء في أي مكان وبالنسبة لكل إنسان إلا للضرورة كما يبين من كلام فقهائنا في الواجب الآتي عند بحث حماية الكرامة الإنسانية.\r4 - دعم مبادئ كرامة الإنسان والعدالة والحرية والمساواة في العالم أجمع :\r81 - الإسلام ـ كما هو معروف ـ نظام عام للبشرية في أصل رسالته السماوية حتى تتحقق به الحياة الطيبة، وتتوافر للناس سعادة الدنيا والآخرة، لذا فإنه يقيم نظامه الاجتماعي على أسس ثابتة أهمها ما يأتي:\rأ ـ حماية الكرامة الإنسانية: أعلن الإسلام مبدأ كرامة الإنسان، فهو أكرم مخلوق على الأرض، والكرامة حق طبيعي لكل إنسان، فلا يجوز إهدار كرامته، أو إباحة دمه وشرفه سواء أكان محسناً أم مسيئاً، مسلماً أم غيرمسلم، لأن العقاب إصلاح وزجر، لا تنكيل وإهانة، ولا يحل شرعاً السب والشتم والاستهزاء\r-------------------------------\r(1) شرح السير الكبير: 59/1.\r(2) رواه البزار والطبراني في الكبير والأوسط من حديث ابن مسعود (مجمع الزوائد 191/8) وقد سبق تخريجه وفيه عمير، وهو أبو هارون القرشي متروك.","part":8,"page":515},{"id":5520,"text":"وقذف الأعراض، كما لا يجوز التمثيل (1) بأحد ولو من الأعداء أثناء الحرب أو بعد انتهائها، ويحرم التجويع والإظماء والنهب والسلب، لقوله تعالى: {ولقد كرَّمنا بني آدم، وحملناهم في البر والبحر، ورزقناهم من الطيبات وفضَّلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلاً} [الإسراء:70/17].\rوقال الرسول صلّى الله عليه وسلم : «إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم» (2) «المؤمن أعظم حرمة من الكعبة» (3) «ما شيء أكرم على الله يوم القيامة من ابن آدم» (4) .\rولقد قرر فقهاؤنا أن الأصل في الناس حقن الدماء، فقال الحنفية: (الآدمي معصوم ليتمكن من حمل أعباء التكاليف وإباحة القتل عارض سمح به لدفع شره) وقال مالك: (لا ينبغي لمسلم أن يهريق دمه إلا في حق، ولا يهريق دماً إلا بحق) (5) . وقال الحنابلة: (إن الأصل في الدماء الحظر إلا بيقين الإباحة) (6) وقال الشافعية (7) : (قتل الآدمي عمداً بغير حق أكبر الكبائر بعد الكفر، وأما قتل الكفار فليس بمقصود حتى لو أمكن الهداية بإقامة الدليل بغير جهاد كان أولى من الجهاد).\r-------------------------------\r(1) قال عليه الصلاة والسلام «ولاتمثلوا» رواه مسلم وأبو داود والترمذي من حديث بريدة (جامع الأصول: 201/3).\r(2) سبق تخريجه (مجمع الزوائد: 284/6).\r(3) رواه ابن ماجه بسند لين عن ابن عمر، ولابن أبي شيبة عن ابن عباس أن النبي صلّى الله عليه وسلم نظر إلى الكعبة فقال: «ما أعظمك وأعظم حرمتك، والمسلم أعظم حرمة منك، قد حرم الله دمه وماله وعرضه، وأن يظن به ظن السوء» (كشف الخفا للعجلوني).\r(4) رواه الطبراني من حديث عبد الله بن عمرو، وهو حديث غريب جداً (تفسير ابن كثير: 52/3).\r(5) اختلاف الفقهاء للطبري ـ تحقيق شخت: ص 195.\r(6) القواعد لابن رجب: ص 338.\r(7) مغني المحتاج: 2/4 و 210 قال صلّى الله عليه وسلم : «لقتل مؤمن أعظم عند الله من زوال الدنيا وما فيها» رواه أبو داود بإسناد صحيح.","part":8,"page":516},{"id":5521,"text":"ب ـ مبدأ العدالة :\r82 - إن العدالة المطلقة في الإسلام مبدأ من مبادئ نظام الحكم الإسلامي، وأساس كل علاقة إنسانية سواء بين الأصدقاء أم الأعداء؛ لأن العدل قوام العالمين في الدنيا والآخرة، وبالعدل قامت السموات والأرض، والعدل أساس الملك، وأما الظلم فهو طريق خراب المدنيات وزوال السلطان، قال تعالى : {إن الله يأمر بالعدل والإحسان } [النحل:90/16] وقال صلّى الله عليه وسلم في الحديث القدسي عن رب العزة: «يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرماً، فلا تظالموا» (1) .\rومن أخص الحالات التي ينبغي فيها العدل: حالة الحكم والشهادة والقضاء بين الناس، وفي ميدان الحكم والإدارة وفرض الضرائب وجباية المال وصرفه في مصالح الناس (أي في الميدان الدستوري والإداري والمالي) وفي نطاق الأسرة والتربية والتعليم، وقال تعالى: {وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل} [النساء:58/4] {ولا يجرمنكم شنآن قوم على أن لا تعدلوا، اعدلوا هو أقرب للتقوى} [المائدة:8/5] {ياأيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين} [النساء:135/4].\rجـ ـ الحرية :\r83 - الحرية: هي أعلى ما يشعر به المرء في هذا الوجود، فهي ملازمة لكرامته الإنسانية، وقد أقر الإسلام مبدأ الحرية في أعدل مظاهرها، قال عمر بن الخطاب لواليه عمرو بن العاص: (متى تعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً) (2) وأعلن القرآن حرية العقيدة وحرية الفكر وحرية القول.\rفمن أجل تقرير حرية الاعتقاد منع الإكراه على الدين: {لا إكره في الدين، قد تبين الرشد من الغي} [البقرة:256/2] وجعل قبول اعتناق الإسلام منوطاً بالاختيار الحر والاقتناع الذاتي بعد استخدام الفكر والعقل السليم وتجنب التقليد ومحاكاة الآخرين بدون حجة، عملاً بقوله تعالى: {أولم يتفكروا في أنفسهم} [الروم:8/30] {قل: انظروا ما ذا في السموات والأرض } [يونس:101/10] {وما يذكّرُ إلا أولو الألباب} [آل عمران:3/7].\rوتحريضاً على التفكير والنظر الطليق ندد الله سبحانه بالتقليد في العقائد وتعطيل العقول فقال: {وإذا قيل لهم: اتبعوا ما أنزل الله ، قالوا: بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا، أولو كان أباؤهم لا يعقلون شيئاً ولا يهتدون} [البقرة:170/2] {أفلم يسيروا في الأرض، فتكون لهم قلوب يعقلون بها، أو آذان يسمعون بها، فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور} [الحج:46/22].\r-------------------------------\r(1) رواه مسلم والترمذي وابن ماجه عن أبي ذر الغفاري (الأربعين النووية).\r(2) سيرة عمر بن الخطاب للأستاذ الطنطاوي وأخيه: 240/1.","part":8,"page":517},{"id":5522,"text":"والنقد البناء ليس حقاً فقط، وإنما هو واجب ديني أحياناً لا سيما عند المساس بالمصالح العامة والأخلاق ، قال صلّى الله عليه وسلم : «الدين النصيحة. قلنا : لمن؟ قال:لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم» (1) واعتبر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أصول الإسلام كما تقدم، وأن الشورى أساس الحكم والإدارة السياسية والحربية، وأن الاجتهاد في أمور الدنيا حق مطلق، وأما في القضايا الدينية فهو مقيد في حدود القرآن والسنة الصحيحة، يعني أن للفرد الحرية في الأمور الدنيوية بإبداء ما شاء من الآراء فيها، وأما الأمور ذات الصبغة الدينية (أو الشرعية) فلكل مجتهد ـ في غير موضع النص ـ أن يجتهد برأيه في حدود أصول الدين الكلية.\r-------------------------------\r(1) رواه مسلم عن أبي رقية تميم بن أوس الداري ( الأربعين النووية ).","part":8,"page":518},{"id":5523,"text":"د ـ المساواة الكاملة بين الناس :\r84 - إن مبدأ المساواة في الإسلام عام شامل دون قيود ولا استثناءات، وأساس في نظام الحكم الإسلامي، وكان ذلك المبدأ جديداً بالنسبة للعرب، بل وكان يتعارض مع الشعور القبلي السائد (1) ، فقررت الشريعة المساواة التامة في الحقوق والواجبات وأمام القانون والقضاء وفي المسؤوليات العامة والحقوق السياسية بين الأفراد، والجماعات، والأجناس، وبين الحاكمين والمحكومين، لا فضل لرجل على آخر إلا بالتقوى والعمل الصالح ، ودون تفرقة بسبب الجنس أو اللون أو الطبقة (أي في الغنى والفقر) أو القوة والضعف، أو الحسب والنسب. الناس جميعاً في الشريعة متساوون على اختلاف شعوبهم وقبائلهم، كما هم متساوون في وحدة الأصل البشري (2) و بدليل قوله تعالى: {يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى، وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا، إن أكرمكم عند الله أتقاكم} [الحجرات:13/49] وهذا المفهوم أكده الرسول صلّى الله عليه وسلم في قوله: «الناس سواء كأسنان المُشط» (3) . «أيها الناس ، إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد،كلكم لآدم وآدم من تراب، إنَّ أكرمكم عند الله أتقاكم، وليس لعربي على أعجمي فضل إلا بالتقوى» (4) «كرم الرجل: دينه، ومروءته، وعقله وحسبه وخلقه» (5) .\r-------------------------------\r(1) مبادئ نظام الحكم في الإسلام للدكتور عبد الحميد متولي: ص 822. (2) تفسير ابن كثير: 218/4، تفسير الخازن: 190/6، التشريع الجنائي الإسلامي : 316/1، الديمقراطية الإسلامية للدكتور عثمان خليل ص 35، مبادئ نظام الحكم، المرجع السابق: ص 827.\r(3) أخرجه ابن لال والديلمي عن سهل بن سعد، والحسن بن سفيان وأبو بشر الدولابي والعسكري في الأمثال عن أنس (كشف الخفا للعجلوني وغيره).\r(4) رواه البيهقي عن جابر بن عبد الله وقال: في إسناده بعض من يجهل، ولأحمد عن أبي نضرة في معناه (الترغيب والترهيب: 612/3، مجمع الزوائد: 266/3-273).\r(5) رواه أحمد والطبراني في الأوسط عن أبي هريرة (مجمع الزوائد: 251/10).","part":8,"page":519},{"id":5524,"text":"وطبق الرسول عليه الصلاة والسلام المبدأ أولاً على نفسه، فأعد نفسه للقوَد (القصاص) ممن جلده أو شتمه أو أخذ منه ماله بغير حق (1) ، وكذلك فعل أبو بكر وعمر وبقية الخلفاء الراشدين، وكان الخليفة الراشدي يعلن مبدأ المساواة بصراحة في أول خطبة سياسية يلقيها بعد توليه الخلافة. وكان هذا المبدأ أهم المبادئ التي جذبت قديماً نحو الإسلام الكثير من الشعوب الأخرى، كما لاحظ بعض المستشرقين (2) .\rولا شك أن تحقيق ا لمساواة منوط باختصاص الحكومات لا باختصاص الأفراد، لاحتياج المبدأ إلى سلطان يقرره وقوة تحميه وتنفذ محتواه دون تحيز، ومع تجرد عن الأهواء والغايات الشخصية، قال عثمان بن عفان رضي الله عنه: (ما يزع السلطان أكثر مما يزعهم القرآن) (3) .\r85 - والخلاصة: أن الإسلام يحرص على حماية حقوق الإنسان سواء في دار الإسلام أم في دارالحرب، ويحترم في الواقع مفاهيم الكرامة الإنسانية والحرية والعدالة والإخاء والتعاون والمساواة بين كل الناس، فتتعاون الدولة الإسلامية مع غيرها عند الدخول في علاقات تجارية ونحوها مع البلدان الأخرى، أو أثناء الإقامة بدار الحرب، أو وقت الاحتكاك بالشعوب أثناء الفتوح، أو عند اجتياز الحربيين لبلادنا وتمتعهم بالأمان فيها.\rوهذا على عكس ما عليه الوضع الدولي الحاضر عند النظر إلى الواقع الملموس، فقد فقدت المبادئ المذكورة كثيراً من معانيها، وأصبحت معاييرها مضطربة، وصار وجودها في المواثيق والأذهان مقصوراً على الناحية النظرية والمزايدات الإعلامية أو الدعائية في هيئة الأمم وتوابعها. أما في الواقع فإن مصالح الدول الكبرى أو الطرف الأقوى دائماً هي القائمة فعلاً، بل إن بعض تلك الدول تمارس أبشع ألوان التمييز العنصري في داخل بلادها أو في مستعمراتها في إفريقية.\r-------------------------------\r(1) هذا معنى حديث رواه الفضل بن عباس (الكامل لابن الأثير: 154/2).\r(2) الدكتور عبد الحميد متولي، المرجع السابق: ص 823.\r(3) أخرجه رزين عن يحيى بن سعيد رحمه الله (جامع الأصول: 469/4) ويزع: يردع.","part":8,"page":520},{"id":5525,"text":"المطلب الثاني: وظيفة تقوم على اعتبار خصائص الدولة الإسلامية وأهدافها :\rتمهيد :\r86 - إن حفاظ الإسلام على السلم العالمي ودعمه، وحرصه على نشر دعوته السلمية، وفكرته عن وحدة البشرية تجعل منه نظاماً عالمياً صالحاً للاهتداء بتعاليمه في المجتمع، إذ إن نظرته الإنسانية للناس تتخطى حدود القوميات الضيقة، وعصبيات الجنس واللون والوطن، ولأن اعتقاده بوحدة الدين في أصل الرسالات السماوية يشيع جواً ودياً من التسامح.\rوأما تشريع الجهاد فيه فهو في حدود الضرورة أو الحاجة كالدفاع عن حرية العقيدة والدعوة والعبادة، أو دفع الظلم عن المستضعفين، أو إزالة الفتنة والفساد في الأرض، لذا فإن الإسلام يقاوم حروب العدوان أو حروب الاستعمار من أجل فتح مناطق النفوذ أو السيطرة على أسواق العالم.\rوعلى الدولة المسلمة أن تتعاون مع غيرها من الدول المخلصة في كل مجال يخدم سعادة الإنسان ويحقق الخير للبشرية.\rويتجلى ذلك من كلامنا عن وظائف الدولة الآتية في النطاق الخارجي:","part":8,"page":521},{"id":5526,"text":"1 - التعاون مع المخلصين من غير المسلمين :\r87 - لا حرج في الإسلام من قيام الدولة المسلمة بالتعاون مع المخلصين من غير المسلمين، سواء أكانوا من أهل الكتاب أم من غيرهم أتباع الديانات الأخرى، وذلك من أجل تحقيق الخير المشترك والدفاع عن المصالح العامة، والتعاون على إقامة العدل، ونشر الأمن وصيانة الدماء أن تسفك، وحماية الحرمات أن تنتهك، ولو على شروط يبدوفيها بعض الإجحاف، عملاً بالمثل الرائع الذ ي وضعه لنا الرسول صلّى الله عليه وسلم في صلح الحديبية: «والله لا تدعوني قريش إلى خُطة يسألوني فيها صلة الرحم ويعظمون فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها» (1) .\rوالدليل أن القرآن حدد لنا أسلوب الدعوة ومنهاجها، فجعلها دعوة بالحجة والبرهان في قوله تعالى : {ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة} [النحل:125/16] وطالبنا بحماية المشركين عبدة الأوثان ورعايتهم حين إقامتهم بدار الإسلام، وانتقالهم إلى مأمنهم في قوله سبحانه: {وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه} [التوبة:6/9] . وكذلك حدد القرآن علاقة المسلمين بغيرهم فجعلها مبادلة سلم بسلم قي قوله تعالى: {وإن جنحوا للسَّلْم فاجنح لها وتوكل على الله } [الأنفال:61/8]. {فإن اعتزلوكم فلم يقاتلوكم وألقوا إليكم السلَم فما جعل الله لكم عليهم سبيلاً} [النساء:90/4].\rبل ندب القرآن المسلمين إلى أن يكون موقفهم من غير المسلمين موقف بر ورحمة وعدل وقسط قي قوله عز وجل: {لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين} [الممتحنة:8/60].\r-------------------------------\r(1) نيل الأوطار: 34/8، سنن أبي داود: 113/3.","part":8,"page":522},{"id":5527,"text":"88 - ومما يلقي الضوء على أنه لا مانع شرعاً من التعاون مع غير المسلمين تحديد موقف الإسلام من الديانات الأخرى. وخلاصة القول: إن علاقته بالديانات السماوية إما علاقة تصديق وإقرار كلي في صورتها الأولى، أو علاقة تصديق في بعض أجزائها وتصحيح لما طرأ عليها في صورتها الحالية. وهذا هو شأنه أمام كل رأي وعقيدة، وكل شريعة وملة، حتى الديانات الوثنية تتحدد علاقة الإسلام بها بطابع الإنصاف والتبصر والمحاجة والإقناع والتحليل كما هو شأن القرآن معها (1) .\rإن أهل الكتاب (اليهود والنصارى) يلتقون مع المسلمين في وحدة المصدر الديني وأصول العقيدة كما جاء في قوله تعالى: {شرع لكم من الدين ما وصى به نوحاً، والذي أوحينا إليك، وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه...} [الشورى:13/42] قال الدهلوي: (اعلم أن أصل الدين واحد اتفق عليه الأنبياء عليهم السلام، وإنما الاختلاف في الشرائع والمناهج...الخ) (2) .\rوقال صلّى الله عليه وسلم : «مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل بنى بيتاً فأحسنه وأجمله إلا موضع لبنة، فجعل الناس يطوفون به ويعجبون له، ويقولون: هلا وضعت هذه اللبنة. فأنا اللبنة وأنا خاتم النبيين» (3) .\r-------------------------------\r(1) انظر بحث الدكتور محمد عبد الله دراز (موقف الإسلام من الأديان الأخرى وعلاقته بها) الذي قدمه إلى الندوة العالمية للإسلاميات في لاهور ـ باكستان في يناير (كانون الثاني) عام 1958 وهو منشور في مجلة (لواء الإسلام) العدد الحادي عشر. السنة الحادية عشرة.\r(2) حجة الله البالغة: 68/1.\r(3) رواه البخاري عن أبي هريرة (صحيح البخاري: 25/5).","part":8,"page":523},{"id":5528,"text":"وانطلاقاً من وحدة الأصل الديني سارع بعض أهل الكتاب إلى الإيمان كما حكى القرآن: {بلى من أسلم وجهه لله ، وهو محسن، فله أجره عند ربه، ولا خوف عليهم ولاهم يحزنون} [البقرة:112/2] . {إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحاً فلهم أجرهم عند ربهم، ولا خوف عليهم ولاهم يحزنون} (:1) .\rوبالرغم من أن الإسلام أو القرآن جاء {مصدقاً لما بين يديه من الكتاب ومهيمناً عليه} [المائدة:48/5] فإنه لا يكرَه أحد من أهل الكتاب وغيرهم على الإسلام لقوله تعالى: {قل: يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم: ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئاً، ولا يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله ، فإن تولوا فقولوا، اشهدوا بأنا مسلمون} (2) .\r89 - وأما غير أهل الكتاب فتحدد علاقة الإسلام بدياناتهم باستبقاء ما فيها من عناصر الحق والخير والسنة الصالحة. وتنحية ما فيها من عناصر الباطل والشر والبدعة.\rويمكن التعاون معهم سلمياً بدليل أن الرسول صلّى الله عليه وسلم قبل المعاهدة معهم وعاملهم معاملة أهل الكتاب، فقال عن المجوس: «سنوا بهم سنة أهل الكتاب» (3) واستعان الرسول صلّى الله عليه وسلم أثناء هجرته إلى المدينة بعبد الله بن أرقط (أو أريقط) وهو من المشركين، بأن استأجره ليرشده مع صاحبه أبي بكر على الطرق الخفية إلى المدينة بعد أن اطمأن إليه (4) . وكذلك طلب الرسول عليه الصلاة والسلام من سراقة بن\r-------------------------------\r(1) البقرة: 62 ـ ومثلها في في آل عمرن: 113-114.\r(2) [آل عمران:64/3] وآيات أخرى مثل: { لا إكراه في الدين } [البقرة:256/2].\r(3) رواه الشافعي عن عمر رضي الله عنه (نيل الأوطار: 56/8).\r(4) سيرة ابن هشام: المجلد الأول: 488.","part":8,"page":524},{"id":5529,"text":"مالك بن جُعْشم أن يعمي الخبر عنه وعن صاحبه لقاء الأمان الذي أمنه عليه، والاستغفار الذي سأله منه (1) .\rواستعار الرسول صلّى الله عليه وسلم أيضاً يوم حنين أدرعاً من من صفوان بن أمية وهو يومئذ مشرك (2) واستعان كذلك في هذه المعركة للاشتراك في الجهاد بجماعة من المشركين تألَّفهم من الغنائم (3) .\rوبناء عليه أجاز فقهاء الحنفية والشافعية والزيدية والهادوية الاستعانة بالكفار والمشركين في القتال (4) مستدلين باستعانته صلّى الله عليه وسلم بيهود بني قينقاع وأنه رضخ لهم (5) ، وباستعانته صلّى الله عليه وسلم بصفوان بن أمية يوم حنين، وبإخباره صلّى الله عليه وسلم أنه ستقع من المسلمين مصالحة الروم، ويغزون جميعاً عدواً وراء المسلمين.\rوأجمع الفقهاء على جواز الاستعانة بالمنافقين والفساق، لاستعانته صلّى الله عليه وسلم بعبد الله بن أبي وأصحابه (6) .\rوالخلاصة: إن الإسلام لا يتوانى لحظة واحدة عن سعيه لإقامة علاقات طيبة مع غير المسلمين لتحقيق التعاون البنَّآء في سبيل الخير والعدل والبر والأمن وحماية الحرمات ونحو ذلك.\r-------------------------------\r(1) المرجع السابق: ص 489.\r(2) المرجع السابق: 440/2.\r(3) سبل السلام: 50/4.\r(4) ر : للتفصيل / جهاد، علماً بأن السيادة والراية تكون للمسلمين لا لغيرهم.\r(5) أخرجه أبو داود في المراسيل وأخرجه الترمذي عن الزهري مرسلاً (نيل الأوطار: 223/7) والرضخ: العطية القليلة بشيء من الغنيمة.\r(6) نيل الأوطار: 223/7 وما بعدها، سبل السلام: 49/4، البدائع: 101/7، مغني المحتاج: 222/4، البحر الزخار: 389/5، الميزان للشعراني: 181/2، الإفصاح لابن هبيرة: ص 438.","part":8,"page":525},{"id":5530,"text":"2 - الدعوة إلى الإسلام :\r90 - ليس الإسلام فاتراً ولا منطوياً على نفسه، كما زعم بعض الكتاب الغربيين، وإنما الدعوة إلى الحق والخير وعقيدة التوحيد ركن أصيل من أركان الإسلام، والنشاط في هذه الدعوة فريضة مستمرة في كل زمان ومكان، فيأمر الله نبيه بتبليغ رسالته، كما تبين في وظيفة إعداد الدعاة (1) ، وبأن يبذل جهده في هذا التبليغ، فقال سبحانه: {وجاهدهم به جهاداً كبيراً} [الفرقان:52/25] وكان برسل الدعاة إلى الآفاق كما أوضحت، والقرآن يحرِّض المؤمنين على هذه الدعوة: {ومن أحسن قولاً ممن دعا إلى الله } [فصلت:33/41] بل يجعل الفلاح في الدار الآخرة وقفاً على هؤلاء الدعاة: {ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، وأولئك هم المفلحون} [آل عمران:104/3] {والعصر إن الإنسان لفي خسر، إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر} [العصر:1/103-3].\r91 - وواجب الدولة الإسلامية أصيل أيضاً في هذا المجال، باعتبار أن ولي الأمر يمثل جانب الخلافة عن الرسول عليه السلام في هذا الشأن، كما كان يفعل الخلفاء الراشدون ومن بعدهم. خطب عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال في خطبته: (إني لم أبعث عمالي ليضربوا أبشاركم، ولا ليأخذوا أموالكم، ولكن أبعثهم إليكم ليعلموكم دينكم وسنة نبيكم، فمن فعل به ذلك فليرفعه إلي، أقصه منه، فقال عمرو بن العاص: لو أن رجلاً أدَّب بعض رعيته، أتقصه منه؟ قال: إي والذي نفسي بيده إلا أقُصُّه، وقد رأيت رسول الله صلّى الله عليه وسلم أقص من نفسه) (2) .\r-------------------------------\r(1) ر : ف/70.\r(2) جامع الأصول: 467/4، سيرة عمر بن الخطاب: 226/1.","part":8,"page":526},{"id":5531,"text":"وقال ابن قيم: الدعوة إلى الله والتبليغ عن رسوله شعار حزبه المفلحين وأتباعه من العالمين، كما قال تعالى: {قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني، وسبحان الله وما أنا من المشركين} [يوسف:12/ 108] (1) .\rوهناك آية أخرى توضح واجب الدعوة على أتباع الرسول صلّى الله عليه وسلم من الحكام والأفراد لعموم الخطاب فيها، وهي قوله عز شأنه: {وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ} [الأنعام:19/6]. أي لأنذركم وأنذر كل من بلغه القرآن من العرب والعجم، فالإنذار مباشرة للسامع ولمن بلغه السامع، ويؤكده قول النبي صلّى الله عليه وسلم : «نضَّر الله امرءاً سمع مقالتي، فوعاها، فأداها إلى من لم يسمعها، فرب حامل فقه غير فقيه، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه» (2) فمهمة الفقيه الخطيرة تتمثل في الدعوة والتبليغ عن وعي وإدراك، لذا قال عليه الصلاة والسلام: «ما عُبد الله بشيء أفضل من الفقه في الدين، ولفقيه واحد أشد على الشيطان من ألف عابد، ولكل شيء عماد، وعماد الدين الفقه) (3) .\r3 - دفع شبهات أعداء الإسلام :\r92 - إن من أهم واجبات ولاة الأمور هو المحافظة على الدين وعقائده، وإيضاح الشبهات وحل المشكلات ورد المفتريات وتزييف البدع، كما ذكر الماوردي في واجبات الإمام التي بينتها سابقاً.\rوطريق ذلك إعداد العلماء المختصين وبث الدعاة في بلاد الإسلام قياماً بالواجب الكفائي. قال النووي في منهاجه: (ومن فروض الكفاية: القيام بإقامة الحجج العلمية (1) وحل المشكلات في الدين ودفع الشبهة) (2) وأضاف الشارح: وأما الآن وقد ثارت البدعة ولا سبيل إلى تركها تلتطم، فلا بد من إعداد مايدعى به إلى الملك الحق، وتحل به الشبهة، فصار الاشتغال بأدلة المعقول وحل الشبهة من فروض الكفايات .\r-------------------------------\r(1) أعلام الموقعين: 8/1، ط السعادة.\r(2) حديث متواتر رواه الترمذي وغيره من أصحاب السنن عن ابن مسعود رضي الله عنه وغيره (النظم المتناثر من الحديث المتواتر للعلامة جعفر الحسني الكتاني).\r(3) رواه الطبراني في الأوسط والبيهقي في شعب الإيمان عن أبي هريرة (الفتح الكبير).","part":8,"page":527},{"id":5532,"text":"المبحث الرابع ـ حصانات الدولة وإعفاءاتها في الخارج :\r93 - المراد بالحصانة: احترام شخصية الدولة وتوابعها وعدم الاعتداء على أحد ممثليها أوإخضاعها لولاية المحاكم في الدول الأخرى وإعفاؤها من الضرائب الشخصية المباشرة .\rومبنى الحصانة احترام سيادة الدول، وقد وجدت الحصانات من قديم قبل ظهور الدولة الحديثة، وكانت تستند إلى قواعد المجاملة، ثم أضحت اليوم تستند إلى قواعد القانون الدولي والأعراف الدولية.\rوالكلام عن هذا الفصل في مطلبين:\rالمطلب الأول - ما تشمله الحصانات والإعفاءات :\r94 - تشمل الحصانات والإعفاءات المقررة للدولة بحسب قواعد العرف والمجاملة والمبادئ والأخلاق الإسلامية ما يأتي:\r-------------------------------\r(1) وهي البراهين القاطعة الدالة على إثبات الصانع سبحانه وتعالى وما يجب له من الصفات وما يستحيل عليه منها وعلى إثبات النبوات وصدق الرسل، وما ورد به الشرع من الحساب والمعاد والميزان وغير ذلك.\r(2) مغني المحتاج: 210/4.","part":8,"page":528},{"id":5533,"text":"أ ـ شخصية الدولة: لا يتعرض لشؤون دولة أخرى غير مسلمة ما لم يوجد منها عدوان على المسلمين أو بلادهم ومصالحهم، إذ القتال لمن قاتلنا ولا عدوان إلا على الظالمين (1) ، قال تعالى: {وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين} [البقرة:190/2] والأصل في علاقات المسلمين بغيرهم هو السلم لا الحرب (2) .\rولا تخضع شخصية الدولة غير المسلمة في بلادها أو أحد ممثليها لقضاء إسلامي أو نظام ضريبي؛ إذ لا سلطان للدولة الإسلامية على دار الحرب.\rأما إذا كان رئيس الدولة الأجنبية (3) أو رجال حاشيته في بلاد الإسلام، فإن الشريعة الإسلامية تطبق عليه ويخضعون للقضاء الإسلامي، خلافاً لما يقضي به العرف الدولي الحاضر؛ لأن الشريعة لا تفرق بين الحاكم والمحكومين، و المستأمن في بلادنا قد التزم بدخوله دارنا أحكام الإسلام، ولا حرج من محاكمة غير المسلم الذي ارتكب جريمة في دار الإسلام؛ لأن العدل أساس الحكم في الشريعة حتى مع الأعداء، وأما الخوف من اتخاذ الاتهام ذريعة للضغط فهو خوف في غير محله، لوجود وسائل ضغط أخرى أسرع وأجدى من الاتهام (4) إلا أن أبا حنيفة لا يرى معاقبة المستأمن في دار الإسلام على جريمة تمس حقوق الجماعة، أما الجريمة التي تمس حق الأفراد فيعاقب عليها (5) ، فإن لم تقع جريمة في دار الإسلام من رئيس الدولة الأجنبية فهو في أمان لا يجوز التعرض لشخصه وماله وأسرته وأتباعه أو حاشيته.\r-------------------------------\r(1) رسالة القتال لابن تيمية: 1 ص 118، زاد المعاد لابن قيم: 58/2.\r(2) ر : جهاد.\r(3) الدولة الأجنبية: هي الدولة المحاربة التي تقوم في دار الحرب، أما الدول الإسلامية فلا تعتبر إحداها أجنبية بالنسبة للأخرى.\r(4) التشريع الجنائي الإسلامي: 323/1-325.\r(5) ر : للتفصيل في هذا المبحث: دار الإسلام ودار الحرب والتمثيل السياسي في الإسلام للمؤلف.","part":8,"page":529},{"id":5534,"text":"ب ـ السفن والطائرات: تتمتع السفن والطائرات الأجنبية بالأمان في دار الإسلام ما لم تقع حوادث مخالفة منها، فعندئذ تخضع للقضاء الإسلامي.\rجـ ـ الوكالات والمؤسسات: يطبق الحكم السابق على الوكالات والمؤسسات الأجنبية مثل مكاتب الطيران والمدارس والمشافي والبعثات التعليمية ومراكز البحوث العلمية وشركات الاستثمار ونحوها من المؤسسات ذات النفع العام بسبب الصفة الدينية أو العلمية أو الإنسانية أو الرياضية المقامة في بلد إسلامي.\rد ـ الوحدات السياسية: كالمكاتب والبعثات السياسية ووزير الخارجية والوفود التجارية وممثلي الإدارات والمصالح الأجنبية يعتبر لها من الحصانة الشخصية والمالية في حدود ما يقضي به الأمان على النحو السابق (1) .\rهـ ـ السفارات: إن مقر السفارة الأجنبية له نفس حصانة الرسل والسفراء بحكم الأمان (2) . أما السفارات الإسلامية وممثلوها فلا تعتبر في بلاد الإسلام مستأمنة بحال، وإنما يطبق عليها سائر الأحكام المطبقة على المسلمين المقيمين في دار الإسلام.\r-------------------------------\r(1) ر : أمان والموضوعين السابقين.\r(2) ر : التمثيل السياسي.","part":8,"page":530},{"id":5535,"text":"المطلب الثاني - أنواع الحصانات والإعفاءات :\r95 - تتمتع الدولة الأجنبية وممثلوها وتوابعها بالحصانات المقررة للرسل والسفراء وهي الحصانة الشخصية والمالية،فالأولى تقضي بحرمة التعرض للنفوس\rوالأسرة والحواشي والأتباع عملاً بالأمان. والثانية تقضي بعدم إخضاع الأموال المملوكة للدول الأجنبية والمخصصة لأغراض عامة والموجودة في دار الإسلام للنظام الضريبي؛ لأن فرض الضريبة خاضع لتقدير ولي الأمر فله أن يقرر شمول الضريبة أو حصرها في نطاق معين.\rأما الحصانة القضائية فهذه مما يختلف فيها الإسلام عن العرف الدولي القائم، فلا يعفى الأجانب المستأمنون من تطبيق الشريعة أو من الخضوع للقضاء المحلي (1) .\rثالثاً ـ الاستثناءات :\r96 - قد لا تطبق الحصانة المذكورة استثناء في بعض الأحوال وهي ما يأتي:\rأ - النشاط التجاري والملكية الخاصة: إذا قامت الدولة الأجنبية بنشاط خاص في مجال التجارة أو الصناعة، أو كان لها ملكيات خاصة في أراضي دار الإسلام، فيمكن إخضاع ذلك النشاط أو الملكية للنظام الضريبي المطبق على جميع المواطنين باعتبار أن الدولة غير ممثلة بشخصها المعنوي الذي يتطلب إعفاءات خاصة بقصد التعاون في الحقل الدولي، ولأن طرح الضريبة في الإسلام مرجعه تقدير ولي الأمر كما ذكرت، وأن الأصل هو عموم الحكم في التطبيق.\rب ـ حالة رضا الدولة: كذلك ترتفع الحصانة بداهة في حالة موافقة الدولة أو قبولها إخضاع أموالها وممتلكاتها وتصرفاتها للنظام الضريبي الإقليمي، باعتبار أن مبدأ الرضا الذي هو في الأصل شرط في كل التزام أمر قائم، وحيث وجد الرضا لم يبق نزاع.\r-------------------------------\r(1) ر : للتفصيل التمثيل السياسي.","part":8,"page":531},{"id":5536,"text":"المبحث الخامس ـ تغير حالة الدولة الإسلامية وزوالها وآثار ذلك :\r97 - قد تطرأ تغيرات على الدولة الإسلامية كغيرها من الدول في العادة، فتؤثر في تكوينها السياسي أو الإقليمي، مع بقاء كيانها الأصلي في سلطة المسلمين، وقد تزول الدولة من بعض أقاليمها زوالاً جزئياً أو كلياً باغتصاب العدو لقطعة من الأرض أو احتلالها عنوة.\rوهذا من ما يبحث في المطلبين التاليين:\rالمطلب الأول- تغير حالة الدولة الإسلامية :\rتغير حالة الدولة له نوعان:\r98 - النوع الأول ـ التغيير الكياني في التنظيم السياسي الداخلي :\rقد يحدث تغير في نظام الحكم الداخلي أو التكوين الدستوري للدولة الإسلامية مع بقاء شخصية الدولة واستمرار التزاماتها بالنسبة للدول الأخرى. ويتم ذلك بإحدى حالات ثلاث:\r1 - الانقلاب: هو استيلاء جماعة مسلحة ذات قوة ومنعة على سلطة الحكم وإبعاد الحكام السابقين. وقد أشرت في بحث الاعتراف بالدولة إلى أن الإمامة قد يتوصل لها استثناء بالقهر والغلبة، ومعناه ـ كما قال الدهلوي (1) : استيلاء رجل جامع لشروط الإمامة على الناس، وتسلطه عليهم كسائر الخلفاء بعد خلافة النبوة. ثم إن استولى من لم يجمع الشروط لا ينبغي أن يبادر إلى المخالعة؛ لأن خلعه لا يتصور غالباً إلا بحروب ومضايقات،وفيها من المفسدة أشد مما يجري من المصلحة، «سئل رسول الله صلّى الله عليه وسلم عنهم: فقيل: أفلا ننابذهم؟ قال: لا، ما أقاموا فيكم الصلاة وقال: إلا أن تروا كفراً بواحاً (2) عندكم من الله فيه برهان (3) .\r2- الحرب الأهلية: قد تتقاتل فئتان من المسلمين، فتتغلب إحداهما على الحكم، فينعقد لها بالقهر والغلبة أمر السلطة العليا، كما في حالة الانقلاب السابقة.\r3 - الثورة: الثورة تختلف عن الانقلاب، إذ الانقلاب وثبة من داخل القوة المسلحة أو الجيش غالباً، أما الثورة فنطاقها أوسع، إذ هي شعبية نابعة من سخط الجماعة على الحكام. وقد أجاز فقهاء الإسلام الخروج على الحكام في بعض الحالات (4) . قال الدهلوي مضيفاً إلى عبارته السابقة: (وبالجملة فإذا كفر الخليفة بإنكار ضروري من ضروريات الدين حل قتاله بل وجب،وإلا لا، وذلك لأنه حينئذ (5) فاتت مصلحة نصبه (6) ، بل يخاف مفسدته على القوم، فصار قتاله من الجهاد في سبيل الله ، قال صلّى الله عليه وسلم : «السمع والطاعة على المرء المسلم فيما أحب وكره مالم يؤمر بمعصية، فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة» (7) أي أن مبدأ الثورة هو\r-------------------------------\r(1) حجة الله البالغة: 111/2.\r(2) أي ظاهراً.\r(3) أي دليل من القرآن والسنة (ر : شرح مسلم: 243/12).\r(4) ويرى الإمام زيد الخروج على أئمة الجور للدعوة إلى نفس الإمام الخارج، كما فعل هو بالكوفة حيث خرج في أيام هشام بن عبد الملك (تاريخ الفقه الإسلامي للدكتور علي حسن عبد القادر: ص183).\r(5) أي عند كفره.\r(6) أي إقامته حاكماً.\r(7) حجة الله البالغة: 112/2.","part":8,"page":532},{"id":5537,"text":"ويلاحظ أنه قدم وأخر في عبارة الحديث الذي رواه البخاري والترمذي وأبو داود والنسائي عن عبد الله بن عمر بلفظ « على المرء المسلم السمع والطاعة فيما أحب أو كره، إلا أن يؤمر بمعصية فإن أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة» (جامع الأصول: 454/4، شرح مسلم: 226/12). قاعدة أو حديث «لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق» (1) .\rالنوع الثاني ـ التغيير في النطاق الإقليمي :\r99 - إن التغييرات التي تطرأ على إقليم الدولة، فتؤدي إلى اتساعه أو نقصه تحدث إما من أراض مباحة لا صلة لها بدولة أخرى، أو مما يمس إقليم دولة أخرى بالحرب ونحوها.\rأولاً ـ التغيير بما لا يمس إقليم دولة أخرى :\rقد يحدث التغيير في إقليم الدولة إما بالإضافة أو بالاستيلاء:\r1 - التغيير بالإضافة (2) : قد تكون طبيعية بظهور جزر جديدة في وسط البحر الإقليمي، أو النهر الكبير الإقليمي، أو بسبب تراكم الطمي في مصب نهر من الأنهار الكبرى عند شواطئ الدولة أو الدلتا التي تتكون عند مصب الأنهار، وقد تكون صناعية بردم الماء في منطقة نهرية أو بحرية إقليمية، كما لو بنت الدولة حاجزاً للأمواج في بحرها الإقليمي أو أقامت فيه منشآت لموانيها.\rإذا حدث مثل هذا في دار الإسلام كان جزءاً منها بالالتحاق، إذ أن له حكم المباح، وقد قرر ذلك أبو يوسف في كتابه (الخراج) حينما تكلم عن الجزائر التي تتكون في دجلة والفرات ينضب عنها الماء، وقال: هذا مثل الأرض الموات، ولمن\r-------------------------------\r(1) رواه أحمد والحاكم عن عمران بن حصين، ورواه أبو داود والنسائي عن علي بلفظ « طاعة لأحد في معصية الله ، إنما الطاعة في المعروف» ورواه أحمد عن أنس بلفظ «لا طاعة لمن لم يطع الله» (شرح مسلم: 227/12، فيض القدير، الفتح الكبير).\r(2) الإضافة في القانون الدولي: معناها اكتساب الدولة للملحقات الطبيعية لإقليمها دون حاجة إلى أن تقوم بعمل أو إجراء خاص لإدخالها في اختصاصها (ر : مبادئ القانون الدولي للدكتور حافظ غانم: ص 330).","part":8,"page":533},{"id":5538,"text":"جاورها أن يحصنها ويزرع فيها إذا كان ذلك لا يضر بأحد، وإن كان يضر أحداً منع من ذلك، ولم يترك يحصنها ولا يزرع فيها، ويحدث فيها حدثاً إلا بإذن الإمام (1) . ويرشد إليه قوله صلّى الله عليه وسلم : «من سبق إلى ما لم يسبقه إليه مسلم فهو له» (2) .\rوحكم ابن نجيم بإباحة النهر إذا لم يعرف حاله: هل هو مباح أو مملوك تطبيقاً لقاعدة (الأصل في الأشياء الإباحة) (3) .\r2 - التغيير الاستيلاء (4) : للدولة الإسلامية الاستيلاء الفعلي بواسطة عمالها وولاتها على أرض مباحة غير خاضعة لدولة أخرى، لأن من استولى على مال مباح غير مملوك لأحد يملكه كمن استولى على الحطب والحشيش والصيد (5) .\rثانياً ـ التغيير بما يمس إقليم دولة أخرى :\r100 - لهذا التغيير أحوال ثلاث هي:\r1- بطريق المعاهدة: إن الصلح أو الاتفاق الصريح أو الضمني مبدأ مقرر في الإسلام سواء في وقت السلم أم في وقت الحرب، وهو من خصائص الخليفة أو الإمام الأعظم، الذي ينوب عن الرسول صلّى الله عليه وسلم ، ويعتبر تصرف الرسول فيه بطريق الإمامة والسياسة لا بطريق التبليغ والفتوى (6) .\r-------------------------------\r(1) الخراج: ص 91 وما بعدها.\r(2) رواه أبو داود والضياء عن أم جنوب، وقد سبق تخريجه.\r(3) الأشباه والنظائر لابن نجيم: 97/1.\r(4) الاستيلاء في القانون الدولي: إدخال الدولة لبعض الأقاليم غير التابعة لدولة ما في حيازتها بغرض مباشرة اختصاصاتها الإقليمية عليها (حافظ غانم، المرجع السابق: ص323).\r(5) البدائع: 128/7.\r(6) الفروق للقرافي: 207/1.","part":8,"page":534},{"id":5539,"text":"وبالصلح يمكن تغيير وصف البلاد، فتنتقل من كونها بلاداً للحربيين إلى أن تصبح جزءاً من دار الإسلام إما بسبب اعتناق أهلها الإسلام أو بقبولهم عقد الذمة. ومن ذلك الأراضي التي يستولي عليها المسلمون صلحاً، وتتم المصالحة على أن ملك الأرض لنا فتصير بهذا الصلح وقفاً من دار الإسلام (1) . ويشمل هذا القسم أيضاً حالات التنازل (2) ومبادلة أرض بأخرى مقايضة، أو عن طريق صفقة بيع لقاء عوض معين، والاستفتاء الشعبي الناجم من حق الشعب في تقرير مصيره بنفسه أو بإرادته الحرة، إلا أن الاستفتاء نادر الوقوع لأن الشعب المسلم قد فوض الحاكم بانتخابه أن يفعل ما يراه محققاً للعدالة وللمصلحة العامة (3) .\r2 - بطريق التقادم (4) : لا يعتبر التقادم سبباً صحيحاً من أسباب كسب الملكية أو الحقوق عموماً، (إذ لا يجوز لأحد أن يأخذ مال أحد بلا سبب شرعي) وإنما هو فقط مانع للقاضي من سماع الدعوى بالحق، حماية لمبدأ الاستقرار في الأوضاع الحقوقية وتجنباً لإثارة المشكلات في الإثبات ونحوه، ومدة التقادم في الأموال العامة المانعة من سماع الدعوى به هي 36 سنة (5) ويمكن الأخذ بهذا المبدأ في العلاقات الدولية.\r-------------------------------\r(1) الأحكام السلطانية للماوردي: ص123 ولأبي يعلى: ص 132 وانظر أموال الحربيين للمؤلف.\r(2) التنازل أي تخلي الدولة عن جزء من إقليمها نتيجة لمعاهدة أو اتفاق دولي أو تصريح صادر من الدولة صاحبة الشأن.\r(3) قال الماوردي في الأحكام السلطانية: ص 45 (وأما ما يلزم الرعية في حق الأمير عليهم فأربعة أشياء، أحدها: التزام طاعته والدخول في ولايته، لأن ولايته عليهم انعقدت وطاعته بالولاية وجبت، والثاني: أن يفوضوا الأمر إلى رأيه ويكلوه إلى تدبيره حتى لاتختلف آراؤهم، فتختلف كلمتهم ويفترق جمعهم...).\r(4) التقادم في اصطلاح القانونيين: اكتساب الإقليم عن طريق مباشرة الاختصاص عليه على نحو مستمر وغير متنازع فيه خلال فترة من الزمن تكفي لتولد الشعور بأن الوضع القائم يتفق مع حكم القانون (حافظ غانم، المرجع السابق ص 332).\r(5) ر: الدر المختار ورد المحتار: 356/4 وما بعدها، مذكرة عن المعاملات للأستاذ زيد الأبياني: ص 17 وما بعدها، المدخل الفقهي العام للأستاذ الزرقاء: ف 102، المدخل إلى نظرية الالتزام العامة في الفقه الإسلامي للأستاذ الزرقاء: ف / 156.","part":8,"page":535},{"id":5540,"text":"3 - بالفتح عند قيام موجباته (الجهاد ) : الفتح هو الاستيلاء عنوة على إقليم تابع لدولة أخرى، والفتح مشروع في الإسلام عند قيام المسوغ الشرعي له، وهو دفع الاعتداء، لا من أجل الغلب والسيطرة أو للمخالفة في الدين، أو لاستغلال الشعوب واستعمارها بالمعنى الحاضر، أو لفرض أي شكل من أشكاله، أو بسبب التميز العنصري الممقوت القائم في بعض الدول الحديثة.","part":8,"page":536},{"id":5541,"text":"المطلب الثاني ـ زوال الدولة الإسلامية :\r101 - تفنى الدولة أو تزول بزوال أحد عناصرها الثلاثة السابق ذكرها وهي: السكان والإقليم والسلطة أو السيادة، إلا أن زوال السكان بالهجرة وبالكوارث الطبيعية، وزوال الإقليم بحادث طبيعي كزلزال أو طوفان شيء نادر الوقوع، والغالب هو زوال السيادة والاستقلال بالضم إلى دولة أخرى أو الحماية أو بالانتداب أو بالوصاية عليها. ويقابل هذا المعنى إجمالاً في الفقه الإسلامي بحث تحول أو تغير وصف الدار من دار إسلام إلى دار حرب، وفيه اختلف الفقهاء:\rفقال أبو حنيفة والزيدية، لا يتحقق اختلاف الدارين إلا بتوافر شروط ثلاثة هي:\r1 - ظهور أحكام الكفر ونفاذه فيها وحدها.\r2 - أن تكون متاخمة لدار الكفر أو الحرب.\r3 - ألا يبقى مسلم ولا ذمي آمناً بالأمان السابق قبل استيلاء الكفار، وإنما يصير تحقق الأمان والاستقرار منوطاً بسلطة غير إسلامية. وقال الصاحبان وجمهور الفقهاء: ينقلب وصف الدار أويتحول من دار إسلام إلى دار حرب بإجراء أحكام الشرك فقط (1) .\rوهذا يدل على أن زوال الدولة الإسلامية يحدث بزوال سيادة الأحكام والسلطة الإسلامية وهو الأمر الغالب كما أشرت.\rوللزوال أو التوارث أو الفناء حالتان :\rأولاً ـ الزوال الكلي :\r102 - قد تزول الدولة زوالاً تاماً أو كلياً بزوال أحد أركانها المشار إليها سابقاً، وذلك إما بالاختيار كاتفاق الدول الإسلامية المتجزئة على إقامة وحدة سياسية فيما بينها (بالاندماج أو الالتحاق أو الاتحاد) وإما بالإجبار كالانقسام أو الانفصال، كانفصال الدولة الأموية في الأندلس عن الخلافة العباسية في بغداد، أو الفتح أو الاستيلاء أو الاتحاد الجبري، ويترتب على هذا الزوال القضاء على شخصية الدولة.\rويلاحظ أنه بالرغم من زوال الدولة الإسلامية في قطر ما، فإنه قد يبقى الإقليم داراً إسلامية إذا كانت أحكام الإسلام ما زالت مطبقة فيها، كما حدث في بعض أجزاء الهند، وفلسطين لنفاذ أحكام الشريعة فيها، ولأن القاضي فيها مسلم بالرغم من تعيينه من قبل سلطة غير إسلامية.\r-------------------------------\r(1) البدائع: 130/7، وانظر التفصيل في دار الإسلام ودار الحرب للمؤلف: ف/34 وما بعدها.","part":8,"page":537},{"id":5542,"text":"ثانياً ـ الزوال الجزئي :\r103 - قد يحدث زوال جزئي يطرأ على بعض أنحاء الدولة نتيجة تجزئة السلطة وانفصال بعض أجزاء إقليم الدولة الأصلية وانضمامه إلى سلطة دولة أخرى، وذلك يصادم الأصل المقرر في الإسلام: وهو وحدة السلطة أو السيادة في جميع أقاليم دار الإسلام، كما بينت سابقاً في بحث ركن أو صفة السيادة. ولا يترتب على هذا الزوال القضاء على شخصية الدولة بعكس حالة الزوال الكلي، وإنما يقتصر الأمر على انتقال جزء من الإقليم لدولة أخرى.\rويتحدد موقف السلطة الأصلية (الإمامة أو الخلافة وما في معناهما) من الجزء المنفصل في ضوء الحالتين الآتيتين:\rأ ـ حالة إمكان إخضاع الجزء المنفصل.\r104 ـ إذا انفصل جزء من دار الإسلام وأراد جماعة فيه تكوين حكومة خاصة بهم، دعاهم الخليفة إلى التزام الطاعة والانضمام إلى دار العدل أو الرجوع إلى رأي الجماعة، فإن أبوا ذلك قاتلهم أهل العدل حتى يهزموهم أو يقتلوهم أو يردوهم قهراً إلى الطاعة، قال صلّى الله عليه وسلم : «إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما» (1) وقال أيضاً: «من أتاكم وأمركم جميع على رجل واحد يريد أن يشق عصاكم، أو يفرق جماعتكم فاقتلوه» (2) .\rفإن تم إخضاع الجزء المنفصل، كان هو المراد، وتحقق الحفاظ على مبدأ الوحدة الإسلامية.\rب ـ حالة العجز عن إخضاع الجزء المنفصل.\r105 - إذا تعذر على الحاكم الأصلي إخضاع الجزء المنفصل ، كما حدث بين الخلافة في بغداد وبين إمارة الأمويين في الأندلس، أصبح الواقع القائم في علاقات المسلمين ببعضهم هو الذي يفرض وجوده في ضوء الاحتمالات التالية:\r-------------------------------\r(1) أخرجه مسلم عن أبي سعيد الخدري (شرح مسلم: 242/12).\r(2) أخرجه مسلم عن عرفجة بن شريح (شرح مسلم: 242/12).","part":8,"page":538},{"id":5543,"text":"1 - إذا كان الجزء المنفصل معترفاً بالسلطة الأصلية ولو اسماً، ولكنه انفصل إدارياً، كما حدث في العصر العباسي الثاني ـ عصر نفوذ الأتراك، حيث ظهرت بعض الدويلات الصغيرة المتنافسة، كالسامانية والبويهية والحمدانية والغزنوية والسلجوقية (1) ، فإنه يظل معتبراً من دار الإسلام، ولا يعترف بالزوال الجزئي؛ إذ لا مانع فقهاً - كما ذكرت في بحث السيادة - من تعدد السلطات الإدارية لمصلحة أخذاً برأي بعض العلماء، وكانت الولايات الإسلامية في الغالب تشبه هذا الوضع تقريباً، ولكن مع الحفاظ على مبدأ تولية وعزل الوالي من قبل الخليفة، والإبقاء على روابط أوثق من ناحيتي الدفاع والوضع المالي.\r2 - إذا كان الجزء المنفصل غير معترف بالسلطة العليا، بل يدعي أنه هو صاحبها، فإن كان الجزء المنفصل أصغر من غيره في مقابل بقية البلاد الإسلامية الباقية تحت سلطة الحاكم الأصلي، فهوزوال جزئي لبعض أجزاء الدولة، وينتظر الوقت المناسب لإعادة إخضاعه إلى الأصل. وهذا كان حال بلاد فارس وما جاورها في العصر العباسي الثالث ـ عصر إمرة الأمراء ـ حيث قامت فيها عدة دول كالطاهرية والصفارية والسامانية والديالمة، ولكن لم يترتب على الانشقاق زوال الدولة العباسية إلا بعد سقوط بغداد بيد التتر والمغول سنة (656 هـ) (2) .\rوكذلك كان حال دور ملوك الطوائف (422-897 هـ) الذين توزعوا أجزاء الخلافة الأموية في الأندلس ، فانقسمت الدولة الإسلامية إلى دويلات عديدة، حتى كان لكل مدينة تقريباً أميرها المستقل، مما أدى إلى فقدان البلاد نهائياً وسقوطها بيد الإسبان.\r-------------------------------\r(1) تاريخ الإسلامي السياسي لحسن إبراهيم: 1/3.\r(2) المرجع السابق: 26/3.","part":8,"page":539},{"id":5544,"text":"وإن كان الجزء المنفصل أكبر من الأصل أو مساوياً له، فيمكن اعتباره (دولة إسلامية) (1) إذا توافرت جميع عناصر الدولة من شعب وإقليم وسلطة أو سيادة، ولكنها لا تمثل (الدولة الإسلامية) بمفهومها العام، لعدم وجود وحدة السيادة على جميع أنحاء البلاد، كما تقضي بذلك مبادئ الإسلام.\rوفي الماضي شهدت البلاد تجزئة سياسية من هذا النوع، لا سيما عند إحياء الخلافة الأموية في الأندلس سنة (300 هـ )، بعد أن كان أمراء بني أمية فيها يلقبون أنفسهم بلقب (الأمير) أو نحوه. وحينئذ أصبح في العالم الإسلامي في ذلك الوقت ثلاث خلافات: الخلافة العباسية في بغداد، والخلافة الفاطمية في المهدية بتونس، والخلافة الأموية في قرطبة.\r106 - والفقهاء وإن كانوا متبرمين بهذا الانقسام ويعتبرون الأمويين في الأندلس والأدارسة في المغرب الأقصى بغاة يحاربون، فإنهم في الواقع لم يحكموا بزوال الصفة الإسلامية عن الأجزاء المنفصلة، وإنما هي بلاد إسلام، لأن البغاة ليسوا كفاراً، وإنما يطبقون الأحكام الشرعية مع تأويل بعضها. وحينئذ يمكن وصف كل حكومة من الحكومات القائمة فيها بأنها (دولة إسلامية) ينقصها الانضمام مع بعضها وتكوين الوحدة المنشودة التي كانت قائمة في القرون الثلاثة الهجرية الأولى التي وصفها الرسول صلّى الله عليه وسلم بأنها (خير القرون).\rولكن الذي لا شك فيه أنه نجم عن هذا الانقسام السياسي ضعف الدولة الإسلامية وزوالها التدريجي لفقدانها قوة الوحدة وتعاون الجماعة.\r-------------------------------\r(1) بالتنكير الذي يدل على وحدات جزئية.","part":8,"page":540},{"id":5545,"text":"المطلب الثالث ـ أثر تغير حالة الدولة أو زوالها في خلفها (التعاقب )\r107 - لم يتعرض الفقهاء المسلمون عموماً لتفصيل الأحكام الناجمة عن زوال الدولة الإسلامية زوالاً كلياً أو جزئياً (1) أو بسب التعاقب بين سيادتين: سيادة الدولة القديمة وسيادة الدولة الجديدة التي حلت محل السيادة القديمة.\rوفي حال زوال الدولة غير الإسلامية لتحل محلها دولة إسلامية قرر الفقهاء أن بلاد تلك الدولة تصبح غنيمة تؤول ملكيتها للدولة المسلمة،وحينئذ إما أن توزع على المسلمين كالغنائم الحربية، أو تترك الأراضي بيد أهلها مقابل خراج يؤدونه عنها كما فعل عمر بن الخطاب في سواد العراق (2) .\rوعلى كل فيمكن بحث الآثار المترتبة على تحول الدولة وزوالها في النواحي التالية بالاهتداء بالأحكام العامة في الفقه الإسلامي على الوجه الآتي:\rأولاً - بالنسبة للمعاهدات :\r108 - أ ـ إذا كان زوال الدولة الإسلامية كلياً بضمها إلى دولة أخرى، فإن المعاهدات التي كانت قد أبرمتها تصبح منتهية ما لم تكن محققة لمصلحة أو لأغراض إنسانية وتحترمها الدولة الوارثة، كما أقر الرسول صلّى الله عليه وسلم حلف الفضول الإنساني الذي عقد في الجاهلية بحضوره لحماية الفضيلة ورعاية الجار وإكرام الضيف وعدم سفك الدماء ونصرة المظلوم (3) .\r-------------------------------\r(1) حسن إبراهيم، المرجع السابق: 253/3 وما بعدها.\r(2) كل ما ذكروه كما عرفنا هو بحث كيفية التحول أو التغير من دار إسلام إلى دار حرب وبحث إمكان تملك العدو بلاد الإسلام بالقهر والاستيلاء أو عدم إمكانه (ر: أموال الحربيين للمؤلف).\r(3) سيرة ابن هشام: مجلد 33/1 وما بعدها.","part":8,"page":541},{"id":5546,"text":"والسبب في انتهاء تلك المعاهدات هو انتهاء الشخصية المعنوية للدولة الزائلة عملاً بالحكم الفقهي المقرر في نطاق العقود المدنية الخاصة، وهوأن الوكالة مثلاً تنتهي بموت الموكل (1) . وبما أن عاقد المعاهدة نائب أو ممثل عن الدولة، فإن المعاهدة التي كان أبرمها تنتهي بزوال شخصيتها التي عقدت المعاهدة من أجلها.\rب ـ وأما في حال الزوال الجزئي، فإن المعاهدة تظل قائمة مع دولة الأصل لبقاء شخصيتها الدولية. وهذا شبيه بما قرره فقهاؤنا من بقاء عقد الصلح أو الموادعة بالرغم من موت العاقد أو عزله (2) .\rثانياً ـ بالنسبة للديون :\r109 - في حالة الزوال الكلي تتحمل مبدئياً الدولة الجديدة التزامات وديون الدولة القديمة تطبيقاً للقاعدة الإسلامية المعروفة وهي (الغرم بالغنم) ويستثنى من ذلك ما إذا كانت الديون السابقة مثلاً ثقيلة العبء، وموارد الدولة القديمة لا تكفي لتسديدها ،فلا يمكن مطالبة الدولة الجديدة بتحمل كل تلك الديون دفعاً للضرر عنها إذ لا ضرر ولا ضرار، ويستحسن تسوية الأمر باتفاقات مع الدائنين كما يحدث في حالة تصفية أموال المفلس مثلاً.\rب ـ وأما في حالة الزوال الجزئي، فإن الدولة الأصلية هي المسؤولة عن الديون لبقاء شخصيتها الدولية، ولأن ذمتها المالية ضمان عام لجميع الديون بغض النظر عن أوضاع جزء معين من أجزاء الدولة أو مواردها المالية من أية جهة كانت.\rلكن تقضي العدالة ـ في تقديري ـ أن تتحمل الدولة الوارثة جزءاً من هذه\r-------------------------------\r(1) البدائع: 38/6.\r(2) المغني: 462/8، مغني المحتاج: 261/4، البحر الزخار: 450/5 و 455. الديون إذا كان الجزء المنضم إليها كبيراً، أو كانت الديون من أجل هذا الجزء المضموم.","part":8,"page":542},{"id":5547,"text":"ثالثاً ـ بالنسبة لأملاك الدولة العامة :\r110 - أ ـ إذا زالت الدولة كلياً، انتقلت كل حقوقها المالية وأملاكها العامة والخاصة إلى الدولة الوارثة، لأن الذمة المالية الخاصة بالدولة تلازم شخصيتها، وتتبع المسؤول عنها.\rب ـ وأما إذا كان زوال الدولة جزئياً بانتقال جزء من اقليمها لدولة أخرى، فتنتقل الأملاك العامة والخاصة بذلك الجزء المنضم المملوكة له إلى الدولة الوارثة.\rرابعاً ـ بالنسبة للتشريع :\r111 - يسري تشريع الدولة الوارثة وأنظمتها السياسية والإدارية والقضائية والمالية لزوال سلطة الدولة المورثة؛ لأن القوانين النافذة فرع عن وجود السلطة، والسلطة تتبع الإقليم، وإذا زال الإقليم لم يبق مجال للسلطة، لكن يستثنى من ذلك عادة الأحكام الخاصة بالعقائدوالأوضاع الدينية والأحوال الشخصية، فهذه تظل القوانين السابقة فيها هي المطبقة منعاً من المشكلات ورعاية لمبدأ الحرية الدينية ما لم يتصادم ذلك مع النظام العام.\rخامساً ـ بالنسبة للأحكام القضائية :\r112 - إن إصدار وتنفيذ الأحكام القضائية مدنية أو جزائية مرهون بإرادة السلطة الضامة أو الوارثة، لعدم وجود سلطة للدولة المورثة، وقد قرر فقهاؤنا أن العقاب والجزاء والفصل في الخصومات منوط بولي الأمر الحاكم. هذا مع احترام المبادئ المسلم بها قانوناً كحماية الحقوق المكتسبة ورعاية مبادئ الحق والعدالة ، وعدم الإخلال بالأمن والنظام واحترام الأعراف الدولية في القضاء والتنفيذ.\rسادساً ـ بالنسبة لجنسية الأفراد :\r113 - يفقد أفراد الدولة الزائلة جنسيتهم القديمة بداهة بزوال دولتهم ويكتسبون جنسية الدولةالضامة باستثناء العناصر الخطرة، لأن الجنسية علاقة قانونية تنشئها الدولة بالتشريع، إلا أن التشريع لا يهمل إرادة الفرد دائماً، لذا فإنه قد يمكن تخيير الأفراد بين الاحتفاظ بجنسيتهم القديمة أو قبول الجنسية الجديدة.","part":8,"page":543},{"id":5548,"text":"أهم المراجع لهذا الفصل\rأ ـ تفسير القرآن الكريم، والحديث الشريف :\r1 - تفسير الكشاف للزمخشري، طبع البابي الحلبي.\r2 - أحكام القرآن لابن العربي، طبع البابي الحلبي.\r3 - تفسير ابن كثير ، ط الحلبي.\r4 - تفسير المنار لرشيد رضا، الطبعة الرابعة.\r5 - جامع الأصول لابن الأثير، مطبعة السنة المحمدية بمصر.\r6 - مجمع الزوائد لأبي بكر الهيثمي، مكتبة القدسي بالقاهرة.\r7 - نصب الراية في تخريج أحاديث الهداية للزيلعي، ط الأولى.\r8 - تلخيص الحبير لابن حجر، شركة الطباعة الفنية المتحدة بالقاهرة وأحياناً التلخيص الحبير، طبع الهند.\r9 - نيل الأوطار للشوكاني، المطبعة العثمانية المصرية.\r10 - سبل السلام للصنعاني، ط البابي الحلبي.\rب - الفقه الإسلامي :\r1 - الخراج لأبي يوسف، المطبعة السلفية بالقاهرة.\r2 - شرح السير الكبير للسرخسي، ط الأولى.\r3 - البدائع للكاساني، ط الأولى.\r4 - فتح القدير مع الهداية، ط مصطفى محمد بالقاهرة.\r5 - رد المحتار مع الدر المختار، ط البابي الحلبي.\r6 - حجة الله البالغة للدهلوي، ط الأولى.\r7 - الشرح الكبير للدردير مع حاشية الدسوقي، ط البابي الحلبي.\r8 - القوانين الفقهية لابن جُزَيْ، ط فاس.\r9 - مغني المحتاج للخطيب الشربيني، ط البابي الحلبي.\r10 - الأحكام السلطانية للماوردي، ط صبيح بمصر.\r11 - الأحكام السلطانية لأبي يعلى، ط البابي الحلبي.\r12 - القواعد لابن رجب، ط الصدق الخيرية بمصر.\r13 - المغني لابن قدامة الحنبلي، ط الثالثة بمصر.\r14 - الحسبة في الإسلام لابن تيمية، المكتبة العلمية بالمدينة.\r15 - السياسة الشرعية لابن تيمية، ط الثالثة بدار الكتاب العربي بمصر.\r16 - المحلى لابن حزم، ط الإمام بمصر.\r17 - البحر الزخار لابن المرتضى، ط الأولى.\r18 - الخلاف في الفقه للطوسي، ط الثانية.","part":8,"page":544},{"id":5549,"text":"جـ ـ المؤلفات الحديثة :\r1 - السياسة الشرعية للشيخ عبد الوهاب خلاف، ط السلفية بمصر.\r2 - النظريات السياسية الإسلامية د: ضياء الدين الريس، ط ثانية.\r3 - مبادئ القانون الدولي العام د: حافظ غانم، ط ثانية.\r4 - الشريعة الإسلامية والقانون الدولي العام، ونظم الحكم والإدارة في الإسلام والقوانين الوضعية للأستاذ علي منصور، طبع القاهرة.\r5 - أحكام القانون الدولي في الشريعة الإسلامية د: حامد سلطان، طبع النهضة العربية.\r6 - النظم السياسية د: ثروت بدوي، طبع دار النهضة العربية.\r7 - الخلافة والإمامة د: عبد الكريم الخطيب، دار الفكر العربي بمصر.\r8 - نظام الحكم في الإسلام د : محمد يوسف موسى، الطبعة الثانية.\r9 - السلطات الثلاث ، د سليمان محمد الطماوي، طبع معهد الدراسات العربية العالية بمصر.\r10 - نقض كتاب الإسلام وأصول الحكم، للشيخ محمد الخضر حسين، المطبعة السفلية بمصر.\r11 - نظام الحكم في الإسلام، د: محمد عبد الله العربي، دار الفكر بلبنان.\r12 - المدخل إلى القانون الدولي العام وقت السلم، د: محمد عزيز شكري، دار الكتاب بدمشق.\r13 - منهاج الإسلام في الحكم، محمد أسد، دار العلم للملايين.\r14 - الإسلام وأوضاعنا القانونية، الإسلام وأوضاعنا السياسية، عبد القادر عودة، الطبعة الثانية.\r15 - نظرية الإسلام وهديه في السياسةوالقانون والدستور لأبي الأعلى المودودي دار الفكر بدمشق.\r16 - نحو مجتمع إسلامي، سيد قطب، الطبعة الأولى.\r17 - موجز القانون الدستوري د: عثمان خليل وسليمان الطماوي، دار الفكر العربي، ط الرابعة.\r18 - عبقرية الإسلام في أصول الحكم، د: منير العجلاني، دار الكتاب الجديد.\r19 - النظم الإسلامية، د: صبحي الصالح، دار العلم للملايين.\r20 - الشرع الدولي في الإسلام د: نجيب الأرمنازي، مطبعة ابن زيدون بدمشق.\r21 - المجتمع الإنساني في ظل الإسلام، للشيخ محمد أبو زهرة، دار الفكر بلبنان.\r22 - مجموعة الوثائق السياسية د: محمد حميد الله ، ط الثانية.\r23 - مبادئ القانون الدولي العام في الإسلام، د: محمد عبد الله دراز، مطبعة الأزهر.\r24 - التشريع الجنائي الإسلامي، عبد القادر عودة، الطبعة الثانية بدار العروبة في مصر.\r25 - الإسلام وأصول الحكم ـ بحث الخلافة والحكومة في الإسلا م ـ للأستاذ علي عبد الرازق، الطبعة الأولى.\r26 - مبادئ نظام الحكم في الإسلام، د: عبد الحميد متولي ، طبع دار المعارف بمصر سنة 1966.","part":8,"page":545},{"id":5550,"text":"................................بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمنِ الرَّحيمِ................................\r...........................شرعة حقوق الإنسان في الإسلام (1).........................\rالحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله.\rوبعد، فإن الدول الأعضاء في منظمة المؤتمر الإسلامي إيماناً منها بالله رب العالمين، الذي خلق الإنسان في أحسن تقويم، وكرمه فجعله في الأرض خليفة ووكل إليه عمارتها وإصلاحها، وحمّله أمانة التكاليف الإلهية لخيره وتكريماً لإنسانيته، وسخر له ما في السموات وما في الأرض جميعاً.\rوتصديقاً برسالة محمد صلّى الله عليه وسلم الذي أرسله الله بالهدى والرحمة ودين الحق لتحرير الإنسان من الاستبداد والاستغلال والطغيان، وتحقيق المساواة بين البشر كافة فلا فضل لأحد على أحد إلا بالتقوى، وإلغاء الفوارق العنصرية واللونية والطبقية واستئصال كل ما يزرع الفرقة والحقد والكراهية بين الناس الذين خلقهم الله من نفس واحدة.\rوانطلاقاً من عقيدة التوحيد الخالص التي قام عليها بناء الإسلام والتي دعت البشر كافة أ لا يعبدوا إلاّ الله ولا يشركوا به شيئاً، ولا يتخذ بعضهم بعضاً أرباباً من دون الله، مما أدى إلى انتفاء عبودية الإنسان للإنسان وتعزيز حريّة البشر وضمان كرامتهم.\rوتأكيداً للدور الحضاري للأمة الإسلامية وتجديداً لتاريخها وتعزيزاً لكونها أمة وسطاً تدعو إلى عالم متوازن يصل الأرض بالسماء والدنيا بالآخرة والعلم بالإيمان.\rوإسهاماً بالتصدي لمشكلات الحضارة بتقديم أنجح الحلول لها مستمدة من مبادئ الشريعة الإسلامية.\rواستكمالاً للجهود البشرية المتعددة في رعاية حقوق الإنسان في العصور الحديثة وبخاصةما صدر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة من إعلان واتفاقيات هدفت إلى حماية الإنسان وتوفير حريته وضمان حقوقه.\r-------------------------------\r(1) أقر مؤتمر القمة الإسلامي هذا المشروع بعد إجراء تعديلات طفيفة عليه، وكنت المشارك في إعداده من الناحية الشرعية، مع أساتذة دكاترة آخرين؛ وهم عدنان الخطيب، وشكري فيصل ورفيق جويجاتي، بتكليف من وزارة الأوقاف السورية بدمشق عام 1401هـ / 1980م.","part":8,"page":546},{"id":5551,"text":"ويقيناً منا بأنّ البشرية على ما بلغت من شأوٍ بعيد في مدارج العلم المادي لاتزال في حاجة ماسة إلى سند إيماني لحضارتها ينمّي الوازع الذاتي ويقظة الضمير.\rنعلن ما يلي:\r1 - الحقوق الأساسية\rالمادة الأولى\rأ ـ البشر في كل أقطارهم أسرة واحدة، مخلوقون من نفس واحدة، متساوون في الكرامة الإنسانية وفي أصل التكليف والمسؤولية، وأكرمهم عند الله أتقاهم وأنفعهم لعباده. ب ـ لا تمييز بين الناس بسبب اختلاف العرق أو اللغة أو الديار أو الجنس أو العقيدة (1) أو الانتماء السياسي أو الوضع الإجتماعي.\rالمادة الثانية\rيولد الإنسان حراً، ولا عبودية لغير الله تعالى، وليس لمخلوق أن يستعبده، أو يذله أو يستغله.\rالمادة الثالثة\rأ ـ حق الحياة مكفول بالشريعة لكل إنسان، وعلى الأفراد والمجتمعات والدولة حماية هذا الحق من كل اعتداء.\rب ـ يُحرّم اللجوء إلى أية وسيلة تفضي لإفناء النوع البشري كلياً أو جزئياً.\rجـ ـ استمرار الحياة البشرية أحد أصول الإسلام لا يجوز تعطيله بمناهضة الزواج ولا الانتقاص منه بمنع الإنجاب، ولا إباحة الإجهاض لغير ضرورة شرعية.\rد ـ لكل إنسان الحق في أن يعيش آمناً على نفسه وأهله وسمعته الاجتماعية وماله متحرراً من كل أنواع الخوف.\rالمادة الرابعة\rأ ـ التدين حق لكل إنسان، ولا إكراه في الدين. فلا يجوز حرمانه منه، ولا ممارسة أي ضغط عليه للتخلي عنه.\rب ـ يتعين على المسلم ـ وقد اهتدى إلى الإسلام بالإيمان بوجود الله والاعتراف بوحدانيته ـ الثبات عليه.\r-------------------------------\r(1) أي في الحقوق الإنسانية، وأكرمهم عند الله أتقاهم.","part":8,"page":547},{"id":5552,"text":"2 - الحقوق السياسية\rالمادة الخامسة\rأ ـ حرية الرأي والتعبير عنه بالوسائل المشروعة مصونة، ولكل إنسان حق ممارستها في حدود مبادئ الشريعة وقيم الأخلاق.\rب ـ لكل إنسان الحق في الدعوة بالحكمة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وله أن يشترك مع غيره من الأفراد والجماعات في ممارسة هذا الحق والدفاع عنه لصالح المجتمع وخيره.\rالمادة السادسة\rلكل إنسان الحق في:\rأ ـ أن يشارك في اختيار حكامه ومراقبتهم ومحاسبتهم وتقويمهم وفقاً للأنظمة المقررة بمقتضى الشريعة.\rب ـ أن يشارك في إدارة الشؤون العامة لبلاده، بصورة مباشرة أو غير مباشرة.\rجـ ـ أن يتقلد الوظائف العامة وفق الضوابط المشروعة.\r3 - حقوق الأسرة\rالمادة السابعة\rأ ـ الأسرة عماد المجتمع المسلم، والزواج أساس وجودها، وهو واجب (1) على الرجال والنساء، يرغّب الإسلام في ممارسته ولا يحول دون التمتع به أي قيد منشؤه العرق أو اللون أو الجنسية إلا لضرورة تقتضيها أحكام الشريعة.\rب ـ على الدولة والمجتمع إزالة العوائق أمام الزواج، وتيسير وسائله.\rجـ ـ التراضي أساس في عقد الزواج، وإنهاؤه لا يكون إلا وفق أحكام الشريعة.\rالمادة الثامنة\rأ ـ المرأة شقيقة الرجل ومساوية له في الإنسانية، ولها من الحقوق مثل الذي عليها من الواجبات.\rب ـ الرجل قيِّم على الأسرة ومسؤول عنها، وللمرأة شخصيتها المدنية وذمتها المالية المستقلة وتحتفظ باسمها ونسبها.\rالمادة التاسعة\rأ ـ لكل طفل، منذ ولادته، حق على والديه ومجتمعه ودولته في الحضانة والتربية والرعاية المادية والأدبية.\rب ـ على المجتمع والدولة حماية الأمومة وتعهدها برعاية خاصة.\rجـ ـ من حق الأب أن يختار لطفله التربية الملائمة في ضوء القيم الأخلاقية والإسلامية.\r-------------------------------\r(1) أي وجوباً اجتماعياً عاماً في الجملة، وإن كان هو تفصيلاً مباحاً أو مندوباً أو واجباً بحسب الأحوال المبينة فقهاً.","part":8,"page":548},{"id":5553,"text":"4 - حق الانتماء والجنسية\rالمادة العاشرة\rحق الإنسان في الانتماء لأبيه وقومه غير قابل للإنكار أو الإسقاط.\rالمادة الحادية عشرة\rحق الإنسان في التمتع بجنسية بلده مصون، ولا يجوز حرمانه منه تعسفاً. وله حق تغيير الجنسية.\r5- حقوق التعليم والتربية\rالمادة الثانية عشرة\rأ ـ طلب العلم فريضة على كل إنسان.\rب ـ التعليم واجب على المجتمع والدولة، وعليهما تأمين سبله ووسائله وضمان تنوعه بما يحقق مصلحة الجماعة، ويتيح للإنسان معرفة دين الله تعالى، وحقائق الكون وتسخير الطبيعة لصالح البشرية وغيرها. وهو إلزامي في مراحله الأولى على الأقل.\rالمادة الثالثة عشرة\rعلى مؤسسات التربية والتوجيه المختلفة، من أسرة ومدرسة وجامعة وأجهزة إعلام وغيرها، أن تعمل على تربية الإنسان دينياً ودنيوياً تربية كاملة ومتوازنة بحيث تقوّي إيمانه بالله تعالى وتنمّي شخصيته، وتعزز احترامه للحقوق وقيامه بالواجبات.\r6 - حقوق العمل والضمان الاجتماعي\rالمادة الرابعة عشرة\rأ ـ العمل حق تكفله الدولة والمجتمع لكل قادر عليه، وللإنسان حرية اختيار العمل المشروع الذي يلائمه.\rب ـ على العامل إتقان عمله والإخلاص فيه، وله حقه في الأجر العادل الكافي مقابل عمله، وله الحق في كل الضمانات المتعلقة بالسلامة والأمن.\rجـ ـ إذا اختلف العمال وأرباب العمل فمن حقهم على الدولة والقضاء التدخل دون تمييز، لرفع الظلم وإقرار الحق.\rالمادة الخامسة عشرة\rلكل إنسان على مجتمعه ودولته حق الضمان الاجتماعي بأنواعه المختلفة، بما يمكن له من العيش الكريم في الغذاء والكساء والعلاج والتعليم.","part":8,"page":549},{"id":5554,"text":"7 - حقوق الكسب والانتفاع والملكية الأدبية\rالمادة السادسة عشرة\rلكل إنسان الحق في الكسب المشروع، على ألا يحتكر ولا يغشّ ولا يضرّ بفرد أو جماعة. المادة السابعة عشرة\rأ ـ لكل إنسان الحق في الانتفاع من ثمرات الإنتاج الإنساني في ميادين العلم النظرية والتطبيقية.\rب ـ ولكل إنسان الحق في الانتفاع بثمرات إنتاجه العلمي أو الأدبي أو الفني على ألا ينافي هذا الإنتاج مبادئ الشريعة وقيم الأخلاق.\rجـ ـ على الدولة حماية هذه الحقوق.\r8 - حقوق التقاضي\rالمادة الثامنة عشرة\rأ ـ حق اللجوء إلى القضاء مكفول للجميع.\rب ـ الناس سواسية أمام الشرع، يستوي في ذلك الحاكم والمحكوم.\rالمادة التاسعة عشرة\rالأصل في الإنسان البراءة، والمتهم بريء حتى تثبت إدانته بمحاكمة عادلة تتوافر له فيها كل ضمانات الدفاع، والشبهة تُفسّر لصالحه.\rالمادة العشرون\rـ مسؤولية الإنسان عن أفعاله في أساسها شخصية، ولا جريمة ولا عقوبة إلاّ بنص.\rب ـ لا يجوز، بغير موجب شرعي، القبض على إنسان أو تقييد حريته أو نفيه أو تعريضه للتعذيب البدني أو النفسي، أو لأي معاملة منافية للكرامة الإنسانية. وكل تدبير أو نص يجيز ذلك يُعد هدراً للحق الإنساني ومنافياً للشرع الإلهي.\rالمادة الحادية والعشرون\rأ ـ لكل إنسان الحق في الاعتراف له بشخصيته الشرعية من حيث أهليته للإلزام والتزام.\rب ـ لكل إنسان حقه في الاستقلال بحياته الخاصة وأسرته وماله واتصالاته الاجتماعية، ولا يجوز التجسس عليه أو الإساءة إلى سمعته. ويجب على الدولة حمايته من كل تدخل تعسفي.\r9 - حق التنقل واللجوء\rالمادة الثانية والعشرون\rأ ـ لكل إنسان حرية التنقل واختيار محل إقامته داخل بلاده أو خارجها مع مراعاة الضوابط المشروعة لذلك.\rب ـ للمضطهد حق اللجوء إلى دولة أخرى، وعلى الدولة التي لجأ إليها أن تجيره حتى يبلغ مأمنه.\r10 - حقوق وواجبات أثناء الحروب\rالمادة الثالثة والعشرون\rفي حالة الحرب لا يجوز قتل الأطفال والنساء والشيوخ والمنقطعين للعبادة وغيرهم ممن لا مشاركة لهم في القتال، ولا يقطع الشجر ولا تُنهب الأموال ولا تُخرب المنشآت المدنية ولا يُمثّل بالقتيل. وللجريح الحق في أن يداوى وللأسير أن يُطعم ويؤوى.\r11 - حرمة الميت\rالمادة الرابعة والعشرون\rحرمة الموت واجبة شرعاً، وعلى الدولة والمجتمع حماية جثمان الميت ودفنه وتنفيذ وصاياه وفقاً لأحكام دينه، ومنع التشهير به.","part":8,"page":550},{"id":5555,"text":"12 - حدود هذه الوثيقة الشرعية وتفسيرها\rالمادة الخامسة والعشرون.\rأ ـ كل الحقوق والحريات والواجبات المقررة في هذه الوثيقة مقيدة بأحكام الشريعة الإسلامية ومقاصدها.\rب - الشريعة الإسلامية بمصادرها الأساسية المعتمدة هي المرجع الوحيد لتفسير أو توضيح أي مادة من مواد هذه الوثيقة. ويرجع عند الاختلاف إلى أهل العلم المتخصصين.\rانتهى الجزء الثامن\rو يليه الجزء التاسع\rو أوله الأحوال الشخصية","part":8,"page":551},{"id":5556,"text":".....................................الفِقْهُ الإسلاميُّ وأدلَّتُهُ................................\r.........................................الجزء التاسع.....................................\rالقسْمُ السَّادسُ: الأحوال الشّخْصيَّة\rخطة البحث: يشتمل هذا القسم على ستة أبواب:\rالباب الأول ـ الزواج وآثاره.\rالباب الثاني ـ انحلال الزواج وآثاره، وفيه فصول أربعة عن الطلاق، والخلع، والتفريق القضائي، والعدة.\rالباب الثالث ـ حقوق الأولاد: من نسب، ورضاع، وحضانة، وولاية، ونفقات الزوجة والأولاد.\rالباب الرابع ـ الوصايا.\rالباب الخامس ـ الوقف.\rالباب السادس ـ الميراث أو الفرائض\rتمهيد\rالمقصود بالأحوال الشخصية: الأحوال الشخصية اصطلاح قانوني أجنبي يقابل الأحوال المدنية أو المعاملات المدنية، وقسم الجنايات. وقد اشتهر في الجامعات، وأصبح عنوان التأليف في أحكام الأسرة.\rويراد به الأحكام التي تتصل بعلاقة الإنسان بأسرته، بدءاً بالزواج، وانتهاء بتصفية التركات أو الميراث، وهي تشمل ما يأتي:\r1ً - أحكام الأهلية والولاية والوصاية على الصغير، وقد بحثت في النظريات الفقهية.\r2ً - أحكام الأسرة من خطبة وزواج وحقوق الزوجين من مهر ونفقة، وحقوق الأولاد من نسب ورضاع ونفقات، وانحلال الزواج بإرادة الزوج كالطلاق والخلع، أو بالتفريق القضائي كالإيلاء واللعان والظهار، والتفريق للعيب والغيبة والضرر وعدم الإنفاق.\r3ً - أحكام أموال الأسرة من ميراث، ويسمى فقهاً ( الفرائض )، ووصايا وأوقاف ونحوها مما يعد تصرفاً مضافاً لما بعد الموت.\rوقد حددت المادة (13) من قانون القضاء في مصر، رقم (147) لسنة (1949م) ما يعد من الأحوال الشخصية،وهي الفئات الثلاث السابقة، وصدرت قوانين الأحوال الشخصية في سورية وتونس والأردن والعراق والمغرب الأقصى متضمنة أحكام الزواج والأهلية والوصاية على الصغير والوصية، والإرث، إلا أن قانون العراق المشتمل على أحكام المذهبين السني والجعفري لم يتضمن كل أحكام الأحوال الشخصية، وهو فيما عدا المذهب الجعفري اختصار لكتاب الأحكام الشرعية في الأحوال الشخصية لقدري باشا على مذهب الحنفية. وصدر في مصر قوانين خاصة بالميراث عام (1943م)، والوقف عام ( 1946م )، والوصية عام (1946م)، وأخيراً صدر قانون في الأحوال الشخصية في أواخر السبعينات في عهد السادات.","part":9,"page":1},{"id":5557,"text":"البَاب الأوَّل: الزّواج وآثاره\rفيه فصول سبعة:\rالفصل الأول ـ مقدمات الزواج: النظر والخطبة.\rالفصل الثاني ـ تكوين الزواج ـ معناه وحكمه، وأركانه وشروطه، وأنواعه وحكم كل نوع، وما يستحب فيه.\rالفصل الثالث ـ المحرَّمات من النساء.\rالفصل الرابع ـ الأهلية والولاية والوكالة في الزواج.\rالفصل الخامس ـ الكفاءة في الزواج.\rالفصل السادس ـ آثار الزواج ـ المهر وأحكامه، الخلوة وأحكامها، المتعة المادية بعد الطلاق أو قبل الدخول.\rالفصل السابع ـ حقوق الزواج وواجباته.\rوأبحث هذه الفصول في المذاهب تباعاً.\rالفَصْلُ الأوَّل: مقدّمات الزّواج\rالخطبة: معناها، حكمتها، أنواعها، ما يترتب على الخطبة، الخطبة على الخطبة، مقومات المرأة المخطوبة، من تباح خطبتها، خطبة المعتدة، رؤية المخطوبة، مقدار ما يباح النظر إليه، وقت الرؤية وشرطها، تحريم الخلوة بالمخطوبة، العدول عن الخطبة وأثره.","part":9,"page":2},{"id":5558,"text":"أولاً ـ أنواع مقدمات الزواج: ذكر ابن رشد (1) أربع مقدمات للزواج هي حكم الزواج شرعاً، وحكم خُطْبة العقد،والخِطْبة على الخطبة، والنظر إلى المخطوبة قبل التزويج، وسأبحث الأمرين الأولين في بحث تكوين الزواج، وأما الأمران الآخران فمحل بحثهما هنا.\rوالسبب في عناية الشرع بهذه المقدمات: هوا لحرص على إقامة الزواج على أمتن الأسس، وأقوى المبادئ، لتتحقق الغاية الطيبة منه، وهي الدوام والبقاء، وسعادة الأسرة، والاستقرار ومنع التصدع الداخلي، وحماية هذه الرابطة من النزاع والخلاف، لينشأ الأولاد في جو من الحب والألفة والود والسكينة واطمئنان كل طرف إلى الآخر، قال الله تعالى: {ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها، وجعل بينكم مودة ورحمة، إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون} [الروم:21/30].\rثانياً ـ معنى الخِطْبة: الخطبة: هي إظهار الرغبة في الزواج بامرأة معينة، وإعلام المرأة وليها بذلك. وقد يتم هذا الإعلام مباشرة من الخاطب، أو بواسطة أهله.\rفإن وافقت المخطوبة أو أهلها، فقد تمت الخطبة بينهما، وترتبت عليها أحكامها وآثارها الشرعية التي سأذكرها.\rثالثاً ـ حكمة الخطبة: الخطبة كغيرها من مقدمات الزواج طريق لتعرُّف كل من الخاطبين على الآخر، إذ أنها السبيل إلى دراسة أخلاق الطرفين وطبائعهما وميولهما، ولكن بالقدر المسموح به شرعاً، وهو كاف جداً، فإذا وجد التلاقي والتجاوب أمكن الإقدام على الزواج الذي هو رابطة دائمة في الحياة، واطمأن الطرفان إلى أنه يمكن التعايش بينهما بسلام وأمان، وسعادة ووئام، وطمأنينة وحب، وهي غايات يحرص عليها كل الشبان والشابات والأهل من ورائهم.\r-------------------------------\r(1) بداية المجتهد: 2/2.","part":9,"page":3},{"id":5559,"text":"رابعاً ـ أنواع الخطبة: الخطبة إما أن تكون بإبداء الرغبة فيه صراحة، كأن يقول الخاطب: أريد الزواج من فلانة، وإما أن تكون مفهومة ضمنا أو بالتعريض والقرائن، بمخاطبة المرأة مباشرة، كأن يقول لها: إنك جديرة بالزواج، أو يسعد بك صاحب الحظ، أو أبحث عن فتاة لائقة مثلك، ونحوها.\rخامساً ـ ما يترتب على الخطبة: الخطبة مجرد وعد بالزواج، وليست زواجاً (1) ، فإن الزواج لا يتم إلا بانعقاد العقد المعروف، فيظل كل من الخاطبين أجنبياً عن الآخر، ولا يحل له الاطلاع إلا على المقدار المباح شرعاً وهو الوجه والكفان، كما سيأتي. نص قانون الأحوال الشخصية السوري (م2) على ما يلي: الخطبة والوعد بالزواج وقراءة الفاتحة وقبض المهر وقبول الهدية، لا تكون زواجاً.\rسادساً ـ الخطبة على الخطبة: يترتب على الخطبة أيضاً حرمة التقدم لخطبة المرأة ممن كان يعلم بتمام خطبتها لغيره، فقد أجمع العلماء على تحريم الخطبة الثانية على الخطبة الأولى إذا كان قد تم التصريح بالإجابة، ولم يأذن الخاطب الأول، ولم يترك الخطبة، فإن خطب الثاني وتزوج والحال هذه فقد عصى، باتفاق العلماء؛ لقوله صلّى الله عليه وسلم : «لا يبع أحدكم على بيع أخيه (2) ، ولا يخطب على خِطْبة أخيه، إلا أن يأذن له» (3) ، وفي رواية البخاري: «نهى أن يبيع الرجل على بيع أخيه، وأن يخطب الرجل على خطبة أخيه حتى يترك الخاطب قبله، أو يأذن له الخاطب» (4) .\rهذا النهي صريح في تحريم الخطبة الثانية بعد تمام الموافقة على الخطبة الأولى لخطيب آخر، لما فيها من إيذاء الخاطب الأول، وتوريث عداوته، وزرع الضغينة في نفسه، فإن عدل أحد الطرفين أو أذن لغيره بالتقدم للخطبة، جاز ذلك.\rأما إن لم تتم الخطبة الأولى، وكان الأمر في حال مشاورة أو تردد، فالأصح عدم التحريم، ولكن تكره عند الحنفية الخطبة، لإطلاق الأحاديث السابقة الواردة\r-------------------------------\r(1) إن ما يشيع بين الناس من أن قراءة الفاتحة تبيح كل شيء هو غلط محض، ومنكر قبيح وجهل بأحكام الدين، فذلك كله مجرد وعد لا عقد، والعقد وحده هو الذي يبيح ما كان محرماً قبله.\r(2) ولكن استثني من ذلك بيع المزايدة: وهو البيع ممن يزيد، فليس من المنهي عنه، وهذه حالة المزاد العلني اليوم (سبل السلام: 23/3).\r(3) رواه أحمد ومسلم عن ابن عمر (نيل الأوطار:167/5-168، سبل السلام: 22/3-23، 113).\r(4) ورواه أيضاً ابن خزيمة وابن الجارود والدارقطني.","part":9,"page":4},{"id":5560,"text":"في النهي عن الخطبة على خطبة الغير، والبيع على البيع أو السوم على السوم، أي بعد الاتفاق على البيع وقبل عقده.\rوأباح الجمهور الخطبة الثانية؛ لأن فاطمة بنت قيس خطبها ثلاثة: وهم معاوية، وأبو جهم بن حذافة، وأسامة بن زيد، بعد أن طلقها أبو عمرو بن حفص ابن المغيرة بعد انقضاء عدتها منه، فجاءت إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلم ، فأخبرته بذلك، فقال: «أما أبو جهم فلا يضع عصاه عن عاتقه، وأما معاوية فصعلوك لا مال له، أنكحي أسامة بن زيد» (1) فهذا يدل على جواز تقدم أكثر من خطيب إذا لم تقبل المرأة الخطبة، لكن يظهر أن ذلك إذا لم يعلم الخاطب أن غيره قد تقدم لخطبة تلك المرأة، مما يدل على رجحان الرأي الأول.\rوعلى كل حال فالأدب الإسلامي يقضي بالتريث إلى أن تنتهي فترة التردد والمفاوضات والمشاورات التي تحدث عادة، حفاظاً على صلة الود والمحبة بين الناس، وبعداً عن إيجاد العداوة وزرع الأحقاد في النفوس.\r-------------------------------\r(1) رواه مسلم عن فاطمة بنت قيس، وهي امرأة قرشية أخت الضحاك بن قيس، وهي من المهاجرات الأول، كانت ذات جمال وفضل وكمال (سبل السلام: 129/3).","part":9,"page":5},{"id":5561,"text":"سابعاً ـ مقومات المرأة المخطوبة :\rحرص الإسلام على ديمومة الزواج بالاعتماد على حسن الاختيار، وقوة الأساس الذي يحقق الصفاء والوئام، والسعادة والاطمئنان، وذلك بالدين والخلق، فالدين يقوى مع مضي العمر، والخلق يستقيم بمرور الزمن وتجارب الحياة، أما الغايات الأخرى التي يتأثر بها الناس من مال وجمال وحسب، فهي وقتية الأثر، ولا تحقق دوام الارتباط، وتكون غالباً مدعاة للتفاخر والتعالي، واجتذاب أو لفت أنظار الآخرين.\rلذا قال عليه الصلاة والسلام: «تنكح المرأة لأربع: لمالها، ولحسبها، ولجمالها، ولدينها، فاظفر بذات الدين، ترِبت يداك» (1) أي أن الذي يرغب في الزواج ويدعو الرجال إليه عادة أحد هذه الخصال الأربع، وآخرها عندهم ذات الدين، فأمرهم النبي صلّى الله عليه وسلم بأنه إذا وجدوا ذات الدين، فلا يعدلوا عنها، وإلا أصيب الرجل بالإفلاس والفقر.\rثم نهى صلّى الله عليه وسلم صراحة عن زواج المرأة لغير دينها، وحذر من عاقبة المال والجمال، فقال: «لا تنكحوا النساء لحسنهن، فلعله يرديهن، ولا لمالهن فلعله يطغيهن، وانكحوهن للدين، ولأمة سوداء خرقاء ذات دين أفضل» (2) .\rوورد في صفة خير النساء: «قيل: يا رسول الله ،أي النساء خير؟ قال: التي تسره إن نظر، وتطيعه إن أمر، ولا تخالفه في نفسها ومالها بما يكره» (3) وللبيئة تأثير كبير، فلا يغترن الشاب بجمال في بيئة ذات تربية وضيعة، روى الدارقطني والديلمي عن أبي سعيد مرفوعاً أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم قال: «إياكم وخضراء الدِّمَن، قالوا: وما خضراء الدمن يا رسول الله ؟ قال: المرأة الحسناء في المنبت السوء» لكن قال الدارقطني: لا يصح من وجه.\rوحسن اختيار المرأة ذو هدفين، إسعاد الرجل، وتنشئة الأولاد نشأة صالحة تتميز بالاستقامة وحسن الأخلاق، لذا قال عليه الصلاة والسلام: «تخيروا لنطفكم، فانكحوا الأكفاء، وانكحوا إليهم» (4) .\r-------------------------------\r(1) متفق عليه بين أصحاب الكتب السبعة (أحمد والكتب الستة) عن أبي هريرة. والحسب: هو الفعل الجميل للرجل وآبائه (سبل السلام: 111/3).\r(2) أخرجه ابن ماجه والبزار والبيهقي من حديث عبد الله بن عمرو مرفوعاً (المرجع السابق).\r(3) أخرجه النسائي وأحمد عن أبي هريرة رضي الله عنه (المرجع السابق).\r(4) حديث صححه الحاكم عن عائشة، ورواه الحاكم وابن ماجه والبيهقي والدارقطني، وقال عنه أبو حاتم الرازي: ليس له أصل، وقال ابن الصلاح: له أسانيد فيها مقال.","part":9,"page":6},{"id":5562,"text":"ويمكن تلخيص ضوابط مقومات المرأة المخطوبة على النحو الآتي كما أبان الشافعية والحنابلة وغيرهم (1) ، فقالوا:يستحب ما يلي:\r1ً - أن تكون المرأة ديِّنة، للحديث السابق: «فعليك بذات الدين» .\r2ً - أن تكون ولوداً، لحديث: «تزوجوا الودود الولود، فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة» (2) . ويعرف كون البكر ولوداً بكونها من نساء يعرفن بكثرة الأولاد.\r3ً - أن تكون بكراً، لقوله صلّى الله عليه وسلم لجابر: «فهلا بكراً تلاعبها وتلاعبك؟» (3) .\r4ً - وأن تكون من بيت معروف بالدين والقناعة؛ لأنه مظنّة دينها وقناعتها.\r5ً - وأن تكون حسيبة: وهي النسيبة، أي طيبة الأصل، ليكون ولدها نجيباً، فإنه ربما أشبه أهلها ونزع إليها، لحديث «ولحسبها» .\rولا ينبغي تزوج بنت زنا ولقيطة ومن لا يعرف أبوها، أي أن الزواج حينئذ مكروه. مباح غير حرام، وأما آية: { الزاني لاينكح إلا زانية..} [النور:3/24] فمنسوخة، أو شأنه ذلك.\r-------------------------------\r(1) كشاف القناع: 7/5-8، مغني المحتاج: 126/3 ومابعدها، الشرح الصغير: 341/2.\r(2) رواه سعيد بن منصور في سننه، وأبو داود والنسائي والحاكم وصحح إسناده عن معقل بن يسار.\r(3) متفق عليه.","part":9,"page":7},{"id":5563,"text":"6ً - وأن تكون جميلة؛ لأنها أسكن لنفسه، وأغض لبصره، وأكمل لمودته، ولذلك جاز النظر قبل الزواج، ولحديث أبي هريرة السابق: «قيل: يا رسول الله ، أي النساء خير؟...» لكن كره الشافعية خطبة المرأة الفائقة الجمال.\r7ً - وأن تكون أجنبية غير ذات قرابة قريبة؛ لأن ولدها يكون أنجب، وقد قيل: «إن الغرائب أنجب، وبنات العم أصبر» ولأنه لا يأمن الطلاق، فيفضي مع\rالقرابة إلى قطيعة الرحم المأمور بصلتها، واستدل الرافعي لذلك تبعاً للوسيط بحديث: «لا تنكحوا القرابة القريبة، فإن الولد يخلق ضاوياً» أي نحيفاً، وذلك لضعف الشهوة.\r8ً - ألا يزيد على واحدة إن حصل بها الإعفاف، لما فيه من التعرض للمحرم، قال الله تعالى: {ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم} [النساء:129/4] وقال صلّى الله عليه وسلم : «من كان له امرأتان، فمال إلى إحداهما، جاء يوم القيامة، وشقه مائل» (1) .فالأصل وحدة الزوجية لا التعدد.\rويكره الزواج بالزانية أي المشهورة بالزنا، وإن لم يثبت عليها الزنا.\rثامناً ـ من تباح خطبتها :\rالخطبة ـ كما هو واضح ـ مقدمة الزواج ووسيلته، فإذا كان الزواج بالمرأة ممنوعاً شرعاً، كانت خطبتها ممنوعة أيضاً، وإذا كان الزواج بها مباحاً شرعاً، كانت خطبتها مباحة أيضاً. وقد يوجد مانع شرعي مؤقت من الخطبة والزواج، لذا يشترط لإباحة الخطبة شرطان:\rالشرط الأول ـ ألا يحرم الزواج بها شرعاً(2 ) :\rبأن كانت من المحارم المحرمة تحريماً مؤبداً، كالأخت والعمة والخالة، أو تحريماً مؤقتاً، كأخت الزوجة، وزوجة الغير، لما في حالات المؤبد من الضرر بالأولاد والضرر الاجتماعي، ولما في المؤقت من النزاع والفساد.\r-------------------------------\r(1) رواه الخمسة (أحمد وأصحاب السنن الأربعة).\r(2) البدائع: 256/2، 268.","part":9,"page":8},{"id":5564,"text":"خطبة المعتدة: من حالات التحريم المؤقت: أن تكون معتدة، أي في أثناء العدة من زواج سابق (1) : فإنه يحرم باتفاق الفقهاء الخطبة الصريحة أوالمواعدة للمعتدة مطلقاً، سواء أكانت بسبب عدة الوفاة، أم عدة الطلاق الرجعي أم البائن، لمفهوم قوله تعالى: {ولا جناح عليكم فيما عرَّضتم به من خطبة النساء، أوأكننتم في أنفسكم، علم الله أنكم ستذكرونهن، ولكن لا تواعدوهن سراً، إلا أن تقولوا قولاً معروفاً} [البقرة:235/2].\rوالتصريح: ما يقطع بالرغبة في الزواج، مثل: أريد أن أتزوجك، وإذا انقضت عدتك تزوجتك.\rوسبب تحريم الخطبة بطريق التصريح: أنه ربما تكذب في انقضاء العدة، ولأن في خطبتها اعتداء على حق المُطلِّق، والاعتداء على حق الغير حرام شرعاً، لقوله تعالى: {ولا تعتدوا، إن الله لا يحب المعتدين} [البقرة:190/2].\rوأما الخطبة بطريق التعريض: وهو القول المفهم للمقصود وليس بنص فيه، ومنه الهدية، أو هو ما يحتمل الرغبة في الزواج وعدمها، كقوله لها: أنت جميلة، ورب راغب فيك، ومن يجد مثلك، ولست بمرغوب عنك، أو عسى أن ييسر الله لي أمرأة صالحة، أو نحو ذلك:\rأ ـ فإن كان سبب العدة وفاة الزوج، جازت الخطبة باتفاق الفقهاء؛ لانتهاء الزوجية بالوفاة، فلا يكون في خطبتها اعتداء على حق الزوج ولا إضرار به.\rب ـ وإن كان سبب العدة هو الطلاق:\r-------------------------------\r(1) الدر المختار: 380/2، 738، أحكام القرآن للجصاص: 422/1 وما بعدها، البدائع: 268/2 وما بعدها، مختصر الطحاوي: ص 178، الشرح الصغير: 343/2 وما بعدها، القوانين الفقهية: ص 205، المهذب: 47/2، مغني المحتاج: 135/3 وما بعدها، كشاف القناع: 17/5.","part":9,"page":9},{"id":5565,"text":"فإن كان الطلاق رجعياً، حرمت الخطبة باتفاق الفقهاء؛ لأن لمن طلَّقها الحق في مراجعتها أثناء العدة، فتكون خطبتها اعتداء على حقه، فهي زوجة أو في معنى الزوجة.\rوإن كان الطلاق بائناً بينونة صغرى أو كبرى، ففي خطبة المعتدة ممن طلّقها بالتعريض رأيان:\rرأي الحنفية: تحريم الخطبة؛ لأن لمُطلِّقها في حالة البينونة الصغرى أن يعقد عليها مرة أخرى قبل انقضاء العدة، كما بعدها، فلو أبيحت خطبتها، لكان في ذلك اعتداء على حقوقه، ومع له من العودة إلى زوجته مرة أخرى، كالمطلقة الرجعية. وأما في حالة البينونة الكبرى فتمنع الخطبة في العدة بطريق التعريض، كيلا تكذب المرأة في الإخبار بانتهاء عدتها، ولئلا يظن أن هذا الخاطب كان سبباً في تصدع العلاقة الزوجية السابقة. وأما آية {ولا جناح عليكم} [البقرة:235/2] فهي خاصة بالمعتدات للوفاة بدليل الآية التي قبلها: {والذين يتوفون} [البقرة:234/2].\rرأي الجمهور: جواز الخطبة، لعموم الآية السابقة: {ولا جناح عليكم فيما عرَّضتم به...} [البقرة:235/2] وقوله: {إلا أن تقولوا قولاً معروفاً} [البقرة:235/2] أي لا تواعدوهن إلا بالتعريض دون التصريح، ولانقطاع سلطنة الزوج عن البائن، فالطلاق البائن بنوعيه يقطع رابطة الزوجية، فلا يكون في خطبتها تعريضاً اعتداء على حق المُطلِّق، فتشبه المعتدة بسبب الوفاة.","part":9,"page":10},{"id":5566,"text":"وأرجح مذهب الجمهور في البينونة الكبرى إذ لا ضغينة في نفس الزوج وقد أكمل الطلاق، وأرجح مذهب الحنفية في البينونة الصغرى. وإذا عقد على المعتدة زواج في العدة، ودخل الزوج بها، فسخ الزواج بالاتفاق، لنهي الله عنه، وتأبد تحريمها عليه عند مالك وأحمد والشعبي، فلا يحل نكاحها أبداً، وبه قضى عمر؛ لأنه استحل ما لا يحل، فعوقب بحرمانه، كالقاتل يعاقب بحرمانه ميراث من قتله.\rوقال الحنفية والشافعية: يفسخ النكاح، فإذا انتهت العدة، جاز لهذا الزوج أن يخطبها مرة أخرى ويتزوجها، ولم يتأبد التحريم؛ لأن الأصل أنها لا تحرم إلا أن يقوم دليل على الحرمة من كتاب أو سنة أو إجماع، ولا دليل من هذا.\rالشرط الثاني ـ ألا تكون المخطوبة مخطوبة سابقاً لخاطب آخر: إذ لا تحل خطبة المخطوبة (1) ، للحديث السابق: «لا يخطب أحدكم على خطبة أخيه حتى يترك الخاطب قبله أو يأذن» . وقد فصّلت القول في البند السادس السابق في الخطبة على الخطبة،وظاهر النهي في هذا الحديث وغيره يدل على التحريم، ولأنه نهي عن الإضرار بالإنسان، فكان مقتضاه التحريم كالنهي عن أكل ماله، وسفك دمه.\rفإن فعل، فزواجه عند الجمهور صحيح وعليه الإثم، ولا يفرق بين الزوجين عند الجمهور، كالخطبة في العدة؛ لأن النهي ليس متوجهاً إلى نفس العقد، بل هو متوجه إلى أمر خارج عن حقيقته، فلا يقتضي بطلان العقد، كالتوضؤ بماء مغصوب.\rوروي عن مالك وداود: أنه لا يصح؛ لأنه نكاح منهي عنه، فكان باطلاً كنكاح الشغار. والمعتمد عند المالكية: أنه إذا رفعت الحادثة لحاكم، وثبت عنده العقد على المخطوبة ببينة أوإقرار، وجب عليه فسخه قبل الدخول بطلقة بائنة.\r-------------------------------\r(1) مختصر الطحاوي: ص 178، المهذب: 47/2، القوانين الفقهية: ص 205، الشرح الصغير: 342/2 وما بعدها، المغني: 607/6.","part":9,"page":11},{"id":5567,"text":"تاسعاً ـ رؤية المخطوبة :\rحرمة النظر إلى الأجنبية: يحرم نظر كبير بالغ، ولو شيخاً وعاجزاً عن الوطء، عاقل مختار، ولو لغير شهوة أوعند عدم الفتنة إلى عورة امرأة أجنبية (غير محرم)، والعورة: هي ما عدا الوجه والكفين (1) ؛ لأن النظر مظنة الفتنة، ومحرك للشهوة، ولقوله تعالى: {قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم، ويحفظوا فروجهم، ذلك أزكى لهم...} [النور:30/24] وقوله صلّى الله عليه وسلم لعلي بن أبي طالب: «يا علي لا تُتْبع النظرةَ النظرة، فإنما لك الأولى، وليست لك الآخِرة» (2) وقوله صلّى الله عليه وسلم «ما من مسلم ينظر إلى محاسن امرأة، ثم يغض بصره إلا أخلف الله له عبادة، يجد حلاوتها في قلبه» (3) وقوله أيضاً في الحديث القدسي: «النظرة سهم من سهام إبليس، من تركها من مخافتي، أبدلته إيماناً يجد حلاوته في قلبه» (4) .\rوالأصح عند الشافعية: أن المراهق وهو من قارب الحُلُمْ حكمه في نظره للأجنبية كالبالغ، فيلزم الاحتجاب منه، كالمجنون في ذلك لظهوره على العورات. ويحرم نظر أمرد (وهو الشاب الذي لم تنبت لحيته) بشهوة أو بغيرها في الأصح المنصوص عند الشافعية، وأجاز الحنابلة النظر إلى الغلام بغير شهوة؛ لأنه ذكر أشبه الملتحي، ما لم يخف ثوران الشهوة.\r-------------------------------\r(1) الكتاب مع اللباب: 162/4، القوانين الفقهية: ص 193-194، مغني المحتاج: 128/3 وما بعدها، كشاف القناع: 9/5-15، المغني: 552/6-563، أحكام القرآن لابن العربي: 1362/3، أحكام القرآن للجصاص: 318/3، الشرح الصغير: 288/1 وما بعدها.\r(2) رواه أحمد وأبو داود والترمذي عن بُريدة (نيل الأوطار: 111/6).\r(3) رواه أحمد.\r(4) رواه الطبراني والحاكم عن ابن مسعود (النفحات السلفية شرح الأحاديث القدسية: ص103).","part":9,"page":12},{"id":5568,"text":"واللائق بمحاسن الشريعة سد الباب والإعراض عن مواطن الشبهات من دخول الأقارب غير المحارم كالأخ وابن العم على بعضهم، والخلوة بالمرأة الأجنبية، لقول النبي صلّى الله عليه وسلم : «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فلا يخلون بامرأة ليس معها ذو مَحْرم منها، فإن ثالثهما الشيطان» (1) وقوله عليه الصلاة والسلام: «إياكم والدخول على النساء، فقال رجل من الأنصار: يا رسول الله ، أفرأيت الحَمْو؟ قال: الحمو: الموت» (2) ومعنى الحمو: يقال: هو أخو الزوج وما أشبه من أقارب الزوج كابن العم ونحوه.\rوصرح الشافعية أنه يحرم أيضاً النظر إلى الوجه والكفين من كل يد، من رؤوس الأصابع إلى المعصم عند خوف فتنة تدعو إلى الاختلاء بالمرأة لجما ع أو مقدماته بلا جماع، وكذا عند الأمن من الفتنة فيما يظهر له من نفسه من غير شهوة على الصحيح، لاتفاق المسلمين على منع النساء من الخروج سافرات الوجوه. ولو نظر إلى الوجه والكفين بشهوة: وهي قصد التلذذ بالنظر المجرد وأمن الفتنة، حرم قطعاً.\rمن يحل له النظر: يحل نظر الصبي غير البالغ والمجنون والمستكره، لعدم الشهوة، ولقوله تعالى في آية سورة النور [:31/24]: {أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء} .\rويحل النظر منها بعين غير أولي الإربة،لقوله تعالى في سورة النور[:31/24]: {ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن} ... {أو التابعين غير أولي الإربة} والمراد بالإربة هنا: الحاجة إلى النساء، والمراد بالتابعين: الذين يتبعون الناس لينالوا من فضل طعامهم، من غير أن تكون لهم لنساء، ولا ميل لهن.\r-------------------------------\r(1) رواه أحمد عن جابر، وفي معناه حديث متفق عليه عن ابن عباس (نيل الأوطار: 111/6).\r(2) رواه أحمد والبخاري والترمذي وصححه عن عقبة بن عامر (المرجع السابق).","part":9,"page":13},{"id":5569,"text":"واختلف السلف وأئمة المذاهب في تعيين المراد بغيرأولي الإربة من الرجال، فقال ابن عباس: هو المخنث: الذي لا يقوم عليه آلة. وقال مجاهد وقتادة: الذي لا أرب له في النساء.\rوذهب الشافعية إلى أن المخنث: وهو المتشبه بالنساء، والمجبوب: وهو مقطوع الذكر فقط، والخصي: وهو من بقي ذكره دون أنثييه، والخنثى المشكل، حكمهم حكم الرجل العادي.\rومذهب الحنفية كالشافعية في المخنث: لا يجوز له النظر، بدليل ما روته عائشة، قالت: كان يدخل على أزواج النبي صلّى الله عليه وسلم مخنث، فكانوا يعدونه من غير أولي الإربة، قالت: فدخل رسول الله صلّى الله عليه وسلم ذات يوم، وهو ينعت امرأة، قال: إذا أقبلت أقبلت بأربع، وإذا أدبرت أدبرت بثمان، فقال: أرى هذا يعرف ما ههنا، لا يدخل عليكن، فحجبوه (1) .\rهذا يدل على أن النبي حظر دخول المخنث على نسائه؛ لأنه وصف امرأة أجنبية بحضرة الرجال الأجانب، وقد نهى الرجل أن يصف امرأته لغيره (2) ، فكيف إذا وصفها غيرهُ من الرجال؟!.\r-------------------------------\r(1) أخرجه أحمد ومسلم وأبو داود والنسائي وغيرهم(نيل الأوطار: 115/6) والمراد بالأربع: طيات البطن من كثرة السمن، ولكل طية طرفان، فإذا رآهن الرائي من جهة البطن وجدهن أربعاً، وإذا رآهن من جهة الظهر وجدهن ثماني. والمقصود أنه وصفها بأنها مملوءة البدن بحيث يكون لبطنها طيات، وذلك لا يكون إلا للسمينة من النساء، وجرت عادة الرجال غالباً في الرغبة فيمن تكون بتلك الصفة.\rوالمخنث: هو الذي يلين في قوله، ويتكسر في مشيته، ويتثنى فيها كالنساء، وقد يكون خلقة ، وقد يكون تصنعاً من الفسقة، ومن كان ذلك فيه خلقة، فالغالب من حاله أنه لا أرب له في النساء.\r(2) روى البخاري ومسلم (الشيخان) عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: «لا تباشر المرأة ُالمرأةَ، فتصفها لزوجها، كأنه ينظر إليها» ( رياض الصالحين: ص 567 ).","part":9,"page":14},{"id":5570,"text":"وذهب المالكية والحنابلة إلى أن المجبوب والكبير والعنِّين من أولي الإربة، ومثلهم من ذهبت شهوته لمرض لا يرجى برؤه، ودليلهم نفس قصة المخنث السابقة التي يفهم منها أن الشريعة رخصت في ذلك للحاجة الماسة إليه، ولقصد نفي الحرج به.\rوالراجح أن المراد بغير أولي الإربة: كل من ليس له حاجة إلى النساء وأمنت من جهته الفتنة ونقل أوصاف النساء للأجانب، ويشمل الشيخ الذي فنيت شهوته، والأبله الذي لا يدري من أمر النساء شيئاً، والمجبوب، والخصي، والممسوح، والعنَّين، وخادم القوم للعيش، والمخنث الذي لا يصف المرأة لغيره، ولايتعين ذلك بنوع من هذه الأنواع. فإذا كان أحد هؤلاء أعرف بالنساء وأقدر على وصفهن، منع من النظر.\rويحل للرجل بغير شهوة النظر من محرمه الأنثى من نسب أورضاع أو مصاهرة ما عدا ما بين السرة والركبة، فيجوز النظر إلى السرة والركبة؛ لأنهما ليسا بعورة بالنسبة لنظر المَحْرَم، ويحرم نظر ما بين السرة والركبة منها إجماعاً، ويحتاط في قرابة الرضاع.\rويحل نظر رجل إلى رجل، وامرأة إلى امرأة إلا ما بين سرة وركبة.\rالنظر للمرأة لحاجة: يباح للضرورة أو للحاجة وبقدر الحاجة نظر الرجل للمرأة الأجنبية في أحوال الخطبة والمعاملة في بيع وإجارة وقرض ونحوها، والشهادة، والتعليم، والاستطباب، وخدمة مريض أو مريضة في وضوء واستنجاء وغيرهما، والتخليص من غرق وحرق ونحوهما، وكذا عند الحنابلة حلق عانة من لا يحسن حلق عانته، ونحوها؛ وذلك بقدر الحاجة؛ لأن ما جاز للضرورة يقدر بقدرها، فينظر عند الشافعية في المعاملة إلى الوجه فقط، وعند الحنابلة: إلى الوجه والكفين، ولا يزاد على النظرة الواحدة إلا أن يحتاج إلى ثانية للتحقق، فيجوز.","part":9,"page":15},{"id":5571,"text":"وليكن النظر في أحوال الحاجة هذه مع حضور محرم أو زوج؛ لأنه لا يأمن مع الخلوة مواقعة المحظور، ويستر منها ما عدا موضع الحاجة؛ لأنها على الأصل في التحريم.\rوالشرع أباح التعرف على المخطوبة من ناحيتين فقط:\rالأولى ـ عن طريق إرسال امرأة يثق الخاطب بها تنظر إليها، وتخبره بصفتها، روى أنس أنه صلّى الله عليه وسلم « بعث أم سُليم إلى امرأة، فقال: انظري إلى عُرْقوبها، وشَمّي معاطفها» (1) وفي رواية «شمي عوارضها» : وهي الأسنان التي في عرض الفم، وهي ما بين الثنايا والأضراس، والمراد اختبار رائحة النكهة. وأما المعاطف فهي ناحيتا العنق، والعرقوب: عصب غليظ فوق العقب، والنظر إلى العرقوب لمعرفة الدمامة والجمال في الرجلين.\rوللمرأة أن تفعل مثل ذلك بإرسال رجل، فلها أن تنظر إلى خاطبها، فإنه يعجبها منه ما يعجبه منها.\rالثانية ـ النظر مباشرة من الخاطب للمخطوبة للتعرف على حالة الجمال وخصوبة البدن، فينظر إلى الوجه والكفين والقامة، إذ يدل الوجه على الجمال، والكفان على الخصوبة والنحافة، والقامة على الطول والقصر.\r-------------------------------\r(1) أخرجه أحمد والطبراني والحاكم والبيهقي، وفيه كلام (سبل السلام: 113/3، نيل الأوطار: 110/6) استنكره أحمد، والمشهور أنه مرسل.","part":9,"page":16},{"id":5572,"text":"ودل الشرع على جواز رؤية من يريد الرجل خطبتها. روى جابر عن رسول الله صلّى الله عليه وسلم قال: «إذا خطب أحدكم المرأة، فإن استطاع أن ينظر منها إلى ما يدعوه إلى نكاحها، فليفعل» ، قال جابر: «فخطبت جارية، فكنت أتخبأ لها، حتى رأيت منها ما دعاني إلى نكاحها، فتزوجتها» (1) .\rوعن المغيرة بن شعبة أنه خطب امرأة، فقال النبي صلّى الله عليه وسلم : «انظر إليها، فإنه أحرى أن يؤدم بينكما» (2) أرشد النبي صلّى الله عليه وسلم المغيرة إلى رؤية خطيبته قبل الخطبة، لما في النظر من فائدة هي صلاح حال الزوجين وتحقيق الألفة والمودة بينهما.\rوعن أبي حُمَيد أو حميدة، قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم : «إذا خطب أحدكم امرأة فلا جناح عليه أن ينظر منها إذا كان إنما ينظر إليها لخِطْبة، وإن كانت لا تعلم» (3) .\rوعن محمد بن الحنفية عند عبد الرزاق وسعيد بن منصور: «أن عمر خطب إلى علي ابنته أم كلثوم، فذكر له صغرها، فقال: أبعث بها إليك، فإن رضيت فهي امرأتك، فأرسل بها إليه، فكشف عن ساقها، فقالت: لولا أنك أمير المؤمنين لصككت عينيك» . والظاهر أنها صارت امرأته بقول علي.\rعاشراً ـ مقدار ما يباح النظر إليه (4) :\rيرى أكثر الفقهاء أن للخاطب أن ينظر إلى من يريد خطبتها إلى الوجه والكفين فقط؛ لأن رؤيتهما تحقق المطلوب من الجمال وخصوبة الجسد وعدمهما، فيدل الوجه على الجمال أو ضده لأنه مجمع المحاسن، والكفان على خصوبة البدن أو عدمها.\rوأجاز أبو حنيفة النظر إلى قدميها.\rوأجاز الحنابلة النظر إلى ما يظهر عند القيام بالأعمال وهي ستة أعضاء: الوجه والرقبة واليد والقدم والرأس والساق؛ لأن الحاجة داعية إلى ذلك، ولإطلاق الأحاديث السابقة: «انظر إليها» ولفعل عمر السابق، وفعل جابر أيضاً، وهذا هو الرأي الراجح لدي ولكن لا أفتي به.\rوقال الأوزاعي: ينظر إلى مواضع اللحم.\rوقال داود الظاهري: يجوز النظر إلى جميع البدن، لظاهر حديث «انظر إليها» وهذا منكر وشذوذ، يؤدي إلى الفساد.\r-------------------------------\r(1) رواه أحمد وأبو داود ورجاله ثقات، وصححه الحاكم (سبل السلام: 112/3-113).\r(2) رواه الخمسة (أحمد وأصحاب السنن الأربعة) (نيل الأوطار: 109/6 وما بعدها، سبل السلام: 113/3) ويؤدم، يصلح ويؤلف. والمقصود أن تحصل الموافقة والملاءمة بينكما.\r(3) رواه أحمد عن موسى بن عبد الله عن أبي حميد (نيل الأوطار: 110/6).\r(4) المراجع السابقة في البند التاسع.","part":9,"page":17},{"id":5573,"text":"وللزوج النظر إلى جميع بدن زوجته في حال حياتها، ولها أيضاً النظر إلى جميع بدن زوجها، حتى نظر الفرج، لكن يكره لكل منهما نظر الفرج من الآخر.\rحادي عشر ـ وقت الرؤية وشرطها :\rقال الشافعية (1) : ينبغي أن يكون نظر الخاطب إلى المرأة قبل الخطبة، وأن تكون خفية بغير علم المرأة أو ذويها، مراعاة لكرامة المرأة وأسرتها، فإذا أعجبته تقدم لخطبتها من غير إيذاء لها وإحراج لأسرتها، وهذا هو المعقول، والراجح عملاً بظاهر الأحاديث التي تدل على أنه يجوز النظر إليها، سواء أكان ذلك بإذنها أم لا.\rوقال المالكية (2) : يجوز نظر وجه الزوجة وكفيها خاصة قبل العقد، ليعلم بذلك حقيقة أمرها بعلم منها أو وليها، ويكره استغفالها. والنظر يكون بنفسه أو وكيله إن لم يكن على وجه التلذذ بها، وإلا منع كما يمنع ما زاد على الوجه والكفين لأنه عورة.\rالثاني عشر ـ تحريم الخلوة بالمخطوبة :\rبينا أن الخطبة ليست زواجاً، وإنما هي مجرد وعد بالزواج، فلا يترتب عليها شيء من أحكام الزواج، ولا الخلوة بالمرأة أو معاشرتها بانفراد؛ لأنها ما تزال أجنبية عن الخاطب، وقد نهى الرسول صلّى الله عليه وسلم في الأحاديث السابقة عن الخلوة بالأجنبية وعن الجلوس معها إلا مع محرم كأبيها أو أخيها أوعمها، ومن تلك الأحاديث: «لا يخلون رجل بامرأة لا تحل له، فإن ثالثهما الشيطان، إلا مَحْرمٌ» (3) .\rوفي هذا القدر أمان وضمان وبُعْد عن التعرض لمخاطر الاحتمالات في المستقبل من فسخ الخطوبة وغيره، وبه يتحقق المطلوب بالجلوس والتحدث إلى المرأة عند وجود محرم لها، وهذا هو الموقف الحكيم المعتدل دون إفراط ولا تفريط.\rوأما المعاشرة قبل الزواج والذهاب معاً إلى الأماكن العامة وغيرها،فهو كله ممنوع شرعاً، بل إنه لا يحقق الغاية المرجوة، إذ كل منهما يظهر بغير حقيقته، كما قيل: (كل خاطب كاذب). ولأن الخاطب قد يتعجل الأمور، وقد يستجيب الإنسان لتلبية الغريزة، ويضعف عن مقاومتها في حال الانفراد بالمرأة، فيقع الضرر بها، وتتأثر سمعتها عند العدول عن الخطبة.\r-------------------------------\r(1) مغني المحتاج: 128/3.\r(2) الشرح الصغير: 340/2، القوانين الفقهية: ص 193-194، مواهب الجليل: 404/3.\r(3) رواه أحمد والشيخان عن عامر بن ربيعة (نيل الأوطار: 111/6).","part":9,"page":18},{"id":5574,"text":"الثالث عشر ـ العدول عن الخطبة وأثره :\rبما أن الخطبة ليست زواجاً، وإنما هي وعد بالزواج، فيجوز في رأي أكثر الفقهاء للخاطب أو المخطوبة العدول عن الخطبة (1) ؛ لأنه ما لم يوجد العقد فلا إلزام ولا التزام. ولكن يطلب أدبياً ألا ينقض أحدهما وعده إلا لضرورة أو حاجة شديدة، مراعاة لحرمة البيوت وكرامة الفتاة. وينبغي الحكم على المخطوبة بالموضوعية المجردة، لا بالهوى أو بدون مسوغ معقول، فلا يعدل الخاطب عن عزمه الذي شاءه؛ لأن عدوله هو نقض للعهد أو الوعد، ويستحسن شرعاً وعرفاً التعجيل في العدول إذا بدا سبب واضح يقتضي ذلك، قال الله تعالى: {وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسؤولاً} [الإسراء:34/17] وقال صلّى الله عليه وسلم : «اضمنوا لي ستاً من أنفسكم أضمن لكم الجنة: اصدقوا إذا حدثتم، وأوفوا إذا وعدتم، وأدّوا إذا ائتمنتم، واحفظوا فروجكم، وغضوا أبصاركم، وكفوا أيديكم» (2) .\rحكم انفساخ الخطبة أو أثره: لا يترتب على انفساخ الخطبة أي أثر ما دام لم يحصل عقد.\rوأما ما قدمه الخاطب من مهر: فله أن يسترده، سواء أكان قائماً أم هالكاً أم مستهلكاً، وفي حال الهلاك أو الاستهلاك يرجع بقيمته إن كان قيمياً، وبمثله إن كان مثلياً، أياً كان سبب العدول، من جانب الخاطب أو من جانب المخطوبة. وهذا متفق عليه فقهاً (3) .\rولكن فصّل القانون السوري (م4) بين حالة كون العدول من جهة الخاطب، وحالة كونه من جهة المخطوبة، أخذاً بعرف الناس اليوم. ففي الحالة الأولى: إذا اشترت المرأة جهازاً تخير بين إعادة مثل المهر أو تسليم الجهاز.\rوفي الحالة الثانية: يجب عليها إعادة المهر أو قيمته.\r-------------------------------\r(1) نصت المادة (3) من قانون الأحوال الشخصية السوري: «لكل من الخاطب والمخطوبة العدول عن الخطبة» .\r(2) رواه أحمد وابن حبان والحاكم والبيهقي عن عبادة بن الصامت، وهو صحيح.\r(3) نصت المادة الثامنة من قانون حقوق العائلة العثماني على مايلي: « إذا امتنع أحد الزوجين - أي الخاطبين - أو توفي بعد الرضا بالزواج، فإن كان ما أعطاه الخاطب من أصل المهر موجوداً، يجوز استرداده عيناً، وإن كان قد تلف يجوز استرداده بدلاً » .","part":9,"page":19},{"id":5575,"text":"هدايا الخطبة: أما رد الهدايا ففيه آراء فقهية:\r1 - قال الحنفية (1) : هدايا الخطبة هبة، وللواهب أن يرجع في هبته إلا إذا وجد مانع من موانع الرجوع بالهبة كهلاك الشيء أو استهلاكه أو وجود الزوجية. فإذا كان ما أهداه الخاطب موجوداً فله استرداده. وإذا كان قد هلك أو استهلك أو حدث فيه تغيير، كأن ضاع الخاتم، وأكل الطعام. وصنع القماش ثوباً، فلا يحق للخاطب استرداد بدله.\r2 - وذكر المالكية (2) : أن الهدايا قبل عقد الزواج أو فيه تتشطر بين المرأة والرجل، سواء اشترطت، أو لم تشترط؛ لأنها مشترطة حكماً.\r3 - وفصل الحنابلة (3) بين أن يكون العدول من جهة الخاطب أو من جهة المخطوبة، فإذا عدل الخاطب، فلا يرجع بشيء ولو كان موجوداً. وإذا عدلت المخطوبة، فللخاطب أن يسترد الهدايا، سواء أكانت قائمة أم هالكة، فإن هلكت أو استهلكت وجبت قيمتها. وهذا حق وعدل، لأنه وهب بشرط بقاء العقد، فإن زال العقد، فله الرجوع، فأشبه بذلك.\r4 - ورأى الشافعية (4) : أن للخاطب الرجوع بما أهداه؛ لأنه إنما أنفق لأجل تزوجها، فيرجع إن بقي، وببدله إن تلف.\r-------------------------------\r(1) رد المحتار: 599/2.\r(2) الشرح الصغير: 456/2.\r(3) منار السبيل: 198/2.\r(4) إعانة الطالبين، كتاب الهبة 156/3.","part":9,"page":20},{"id":5576,"text":"وأخذ القانون المغربي بمذهب المالكية، والقانون الأردني بمذهب الحنفية، فصرح أنه يجري على هدايا الخطبة حكم الهبة. وسكوت القانون السوري يتضمن العمل برأي الحنفية، إذ نص في المادة (305) على أن «كل ما لم يرد عليه نص في هذا القانون، يرجع فيه إلى القول الأرجح في المذهب الحنفي» . وجاء في (م/4ف3): تجري على الهدايا أحكام الهبة.\rوالراجح لدي أن المرأة تستحق جميع ما قدم لها قبل العقد من هدايا، بدليل ما رواه الخمسة إلا الترمذي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم قال: «أيما امرأة نكحت على صداق أو حِبَاء (عطاء) أو عِدَة قبل عصمة النكاح، فهو لها، وما كان بعد عصمة النكاح فهو لمن أعطيه» (1) وذهب إلى هذا عمر بن عبد العزيز والثوري وأبو عبيد ومالك، والهادوية من الزيدية.\rالتعويض عن الضرر: أما التعويض عن الأضرار المادية أو المعنويةالتي تترتب على فسخ الخطبة، كشراء بعض الأمتعة والألبسة، أو ترك وظيفة أو تفويت خاطب آخر، أو الإساءة لسمعتها بمجرد العدول عن خطبة طال أمدها كأربع سنوات مثلاً، فلم ينص عليه فقهاؤنا القدامى.\rويمكن إقراره في الفقه الحديث عملاً بقواعد الشريعة العامة، كقاعدة تحريم التغرير وإيجابه الضمان، وقاعدة ( لا ضرر ولا ضرار ) وما يترتب عليها من تطبيق نظرية التعسف في استعمال الحق التي أخذ بها المالكية والحنابلة، وراعاها أبو حنيفة في حقوق العلو والجوار.\rكما يمكن تأصيل التعويض عن ضرر العدول بمبدأ الالتزام في الفقه المالكي في مشهور الأقوال: وهو أنه في الوعد بشيء يقضى بتنفيذ الوعد إن كان مبنياً على سبب ودخل الموعود بالسبب، أي فيجب الوفاء بالوعد المعلق على سبب، وباشر\r-------------------------------\r(1) نيل الأوطار: 174/6 .","part":9,"page":21},{"id":5577,"text":"الموعود السبب ونفذه. مثل: اشتر سلعة أو تزوج امرأة، وأنا أسلفك، فإذا تزوج فعلاً وجب عليه إقراضه. أما مجرد الوعد فلا يلزم الوفاء به، بل الوفاء به من مكارم الأخلاق.\rوالذي استقر عليه القضاء المصري الآن: ما قررته محكمة النقض سنة (1939م ) وهو ما يلي:\r1 - الخطبة ليست بعقد ملزم.\r2 - مجرد العدول عن الخطبة لا يكون سبباً موجباً للتعويض.\r3 - إذا اقترن بالعدول عن الخطبة أفعال أخرى، ألحقت ضرراً بأحد الخطيبين، جاز الحكم بالتعويض على أساس المسؤولية التقصيرية، أي الخطأ الذي سبب ضرراً بالغير.\rوهذا يتفق مع قواعد الشريعة الإسلامية، وعلى هذا يفرق بين حالتين:\rالأولى ـ إذا كان للعادل دخل في الضرر الذي لحق الآخر بسبب عدوله، كأن يطلب الخاطب إعداد جهاز خاص، أو يطلب من المخطوبة ترك وظيفتها، فتتركها بناء على رغبته، أو تطلب المخطوبة إعداد الخاطب مسكناً خاصاً، فيجوز الحكم بالتعويض عن الضرر لعدوله عن الخطبة، لتسبب العادل في الضرر وتغريره الطرف الآخر.\rالثانية ـ ألا يكون للعادل دخل في الضرر الذي لحق الطرف الآخر بسبب العدول، فلا يحكم بالتعويض على العادل، إذ لم يوجد منه سبب الضمان من ضرر أو تغرير.","part":9,"page":22},{"id":5578,"text":"الفَصْلُ الثَّاني: تكوين الزّواج\rوفيه مباحث خمسة:\rالمبحث الأول ـ تعريف الزواج وحكمه في الشرع :\rتعريف الزواج(1) : النكاح لغة: الضم والجمع، أو عبارة عن الوطء والعقد جميعاً، وهو في الشرع: عقد التزويج، والزواج شرعاً: عقد يتضمن إباحة الاستمتاع بالمرأة، بالوطء والمباشرة والتقبيل والضم وغير ذلك، إذا كانت المرأة غير مَحْرم بنسب أو رضاع أو صهر. أوهو عقد وضعه الشارع ليفيد ملك استمتاع الرجل بالمرأة، وحل استمتاع المرأة بالرجل. أي أن أثر هذا العقد بالنسبة للرجل يفيد الملك الخاص به فلا يحل لأحد غيره، وأما أثره بالنسبة للمرأة فهو حل الاستمتاع لا الملك الخاص بها، وإنما يجوز أن تتعدد الزوجات فيصبح الملك حقاً مشتركاً بينهن، أي أن تعدد الأزواج ممنوع شرعاً، وتعدد الزوجات جائز شرعاً.\rوعرفه الحنفية بقولهم: عقد يفيد ملك المتعة قصداً، أي حل استمتاع الرجل من امرأة، لم يمنع من نكاحها مانع شرعي، بالقصد المباشر.\rخرج بكلمة ( المرأة ): الذكر والخنثى المشكل لجواز ذكورته، وخرج بقوله «ما لم يمنع من نكاحها ما نع شرعي» : المرأة الوثنية، والمحارم، والجنِّية، وإنسان الماء، لاختلاف الجنس؛ لأن قوله تعالى: {والله جعل لكم من أنفسكم أزواجاً} [النحل:72/16] أوضح المراد من قوله تعالى: {فانكحوا ما طاب لكم من النساء} [النساء:3/4] وهو الأنثى من بنات آدم، فلا يثبت حل غيرها بلا دليل، ولأن الجن يتشكّلون بصور شتى، فقد يكون ذكراً تشكَّل بشكل أنثى.\rوخرج بكلمة (قصداً) حل الاستمتاع ضمناً بواسطة شراء أمة للتسري. ووضع بعضهم كلمة (بطريق الأصالة) بدل كلمة (قصداً).\rوعرفه أيضاً بعض الحنفية بأنه عقد وضع لتمليك منافع البُضْع، أي الفرج.\r-------------------------------\r(1) فتح القدير مع العناية: 339/2 وما بعدها، تبيين الحقائق: 94/4 وما بعدها، اللباب: 3/3، الدر المختار: 355/2-357، الشرح الصغير: 332/2 وما بعدها، مغني المحتاج: 123/3، المغني: 445/6، كشاف القناع: 3/5.","part":9,"page":23},{"id":5579,"text":"هل يراد شرعاً بالنكاح الوطء أو العقد؟ النكاح عند أهل الأصول واللغة حقيقة في الوطء، مجاز في العقد، فحيث جاء في الكتاب أو السنة مجرداً عن القرائن يراد به الوطء، كما في قوله تعالى: {ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء} [النساء:22/4] فتحرم مزنية الأب على الابن، أي على فروعه، وتكون حرمتها على الفروع ثاتبة بالنص القرآني. وأما حرمة التي عقد عليها عقداً صحيحاً على الفروع فبالإجماع. ولو قال لزوجته: إن نكحتك فأنت طالق، تعلق الشرط بالوطء، وكذا لو أبانها قبل الوطء، ثم تزوجها، تطلق بالوطء، لا بالعقد. أما نكاح المرأة الأجنبية فيراد به العقد؛ لأن وطأها لما حرم عليه شرعاً، كانت الحقيقة مهجورة، فتعين المجاز. والنكاح عند الفقهاء ومنهم مشايخ المذاهب الأربعة: حقيقة في العقد، مجاز في الوطء؛ لأنه المشهور في القرآن والأخبار، وقد قال الزمخشري وهو من علماء الحنفية: ليس في الكتاب لفظ النكاح بمعنى الوطء إلا قوله تعالى: {حتى تنكح زوجاً غيره} [البقرة:230/2] لخبر الصحيحين: «حتى تذوقي عسيلته» فالمراد به العقد، والوطء مستفاد من هذا الخبر.\rالحكم الشرعي للزواج :\rالزواج مشروع بالكتاب والسنة والإجماع:\rأما الكتاب: فقوله الله تعالى: {فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع} [النساء:3/4] الآية، وقوله: {وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم} [النور:32/24].\rوأما السنة: فقول النبي صلّى الله عليه وسلم : «يا معشر الشباب، من استطاع منكم الباءة، فليتزوج، فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم، فإنه له وجاء» (1) والباءة: مؤن الزواج وواجباته. وآي قرآنية وأخبار سوى ذلك كثيرة.\rوأجمع المسلمون على أن الزواج مشروع.\r-------------------------------\r(1) متفق عليه بين البخاري ومسلم عن عبد الله بن مسعود (سبل السلام: 109/3).","part":9,"page":24},{"id":5580,"text":"وحكمة مشروعيته: إعفاف المرء نفسه وزوجه عن الوقوع في الحرام، وحفظ النوع الإنساني من الزوال والانقراض، بالإنجاب والتوالد، وبقاء النسل وحفظ النسب، وإقامة الأسرة التي بها يتم تنظيم المجتمع، وإيجاد التعاون بين أفرادها، فمن المعروف أن الزواج تعاون بين الزوجين لتحمل أعباء الحياة، وعقد\rمودة وتعاضد بين الجماعات، وتقوية روابط الأسر، وبه يتم الاستعانة على المصالح.\rوأما نوع أو صفة الزواج شرعاً بحسب طلب الشارع فعله أو تركه، فيعرف عند الفقهاء بحسب أحوال الناس (1) :\r1 - الفرضية: يكون الزواج عند عامة الفقهاء فرضاً إذا تيقن الإنسان الوقوع في الزنا لو لم يتزوج، وكان قادراً على نفقات الزواج من مهر ونفقة الزوجة، وحقوق الزواج الشرعية، ولم يستطع الاحتراز عن الوقوع في الفاحشة بالصوم ونحوه؛ لأنه يلزمه إعفاف نفسه وصونها عن الحرام، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، وطريقه الزواج.\rولا فرق بين الفرضية والوجوب عند الجمهور.\rورأى الحنفية: أن الزواج واجب إذا خاف المرء الوقوع في الفاحشة بعدم الزواج خوفاً دون اليقين، وكان قادراً على مؤن الزواج، من مهر ونفقة، ولايخاف ظلم المرأة ولا التقصير في حقها.\r2 - التحريم: يحرم الزواج إذا تيقن الشخص ظلم المرأة والإضرار بها إذا تزوج، بأن كان عاجزاً عن تكاليف الزواج، أو لا يعدل إن تزوج بزوجة أخرى؛ لأن ما أدى إلى الحرام فهو حرام.\rوإذا تعارض ما يجعل الزواج فرضاً وما يجعله حراماً بأن تيقن أنه سيقع في الزنا إن لم يتزوج، وتيقن أيضاً أنه سيظلم زوجته، كان الزواج حراماً؛ لأنه إذا\r-------------------------------\r(1) تبيين الحقائق: 95/2، فتح القدير: 342/2، الدر المختار: 358/2، البدائع: 228/2، الشرح الصغير: 330/2، القوانين الفقهية: ص 193، بداية المجتهد: 2/2، المهذب: 33/2 وما بعدها، مغني المحتاج: 125/3 وما بعدها، المغني: 446/6 وما بعدها، كشاف القناع: 4/5.","part":9,"page":25},{"id":5581,"text":"اجتمع الحلال والحرام، غلب الحرام الحلال، ولقوله تعالى: {وليستعفف الذين لايجدون نكاحاً حتى يغنيهم الله من فضله} [النور:33/24] ولحديث «يا معشر الشباب» السابق الذي يرشد إلى الصوم لعصمة النفس من الشهوات. وربما قيل: يفضل الزواج حينئذ؛ لأن الرجل بعد الزواج تلين طباعه، وترتقي معاملته، وتخف قسوته وتزول عُقَده، ولأن في عدم الزواج غلبة الظن في الوقوع بالزنا.\r3 - الكراهة: يكره الزواج إذا خاف الشخص الوقوع في الجور والضرر خوفاً لا يصل إلى مرتبة اليقين إن تزوج، لعجزه عن الإنفاق، أوإساءة العشرة، أو فتور الرغبة في النساء. وتكون الكراهة عند الحنفية تحريمية أو تنزيهية بحسب قوة الخوف وضعفه. ويكره عند الشافعية لمن به علة كهرم أو مرض دائم أو تعنين دائم، أو كان ممسوحاً، ويكره أيضاً عندهم نكاح بعد خطبة على خطبة غيره إن عُرِّض فيها بالإجابة، ونكاح المحلل إذا لم يشرط في العقد مايخل بمقصوده، ونكاح الغرور كأن غرر الزوج بإسلام امرأة أو بحريتها أو بنسب معين.\r4 - الاستحباب أو الندب في حال الاعتدال: يستحب عند الجمهور غير الشافعي الزواج إذا كان الشخص معتدل المزاج، بحيث لا يخشى الوقوع في الزنا إن لم يتزوج، ولا يخشى أن يظلم زوجته إن تزوج. وحالة الاعتدال هذه هي الغالبة عند أكثر الناس.","part":9,"page":26},{"id":5582,"text":"ودليل كون الزواج سنة الحديث السابق: «يا معشر الشباب» وحديث الرهط الثلاثة الذين عزموا على أمور، الأول ـ أن يصلي الليل أبداً، والثاني ـ أن يصوم الدهر أبداً، والثالث ـ أن يعتزل النساء فلا يتزوج أبداً، فقال النبي صلّى الله عليه وسلم : «أما والله ، إني لأخشاكم لله ، وأتقاكم له، ولكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي، فليس مني» (1) .\rويؤيده أن الرسول صلّى الله عليه وسلم تزوج وداوم عليه، وكذلك أصحابه تزوجوا وداوموا عليه، وتابعهم المسلمون في الزواج، والمداومة والمتابعة دليل السنية.\rوهذا الرأي هو المختار.\rوقال الشافعي: إن الزواج في هذه الحالة مباح، يجوز فعله وتركه، وإن التفرغ للعبادة أو الاشتغال بالعلم أفضل من الزواج؛ لأن الله تعالى مدح يحيى عليه السلام بقوله: {وسيداً وحصوراً} [آل عمران:39/3] والحصور: الذي لا يأتي النساء مع القدرة على إتيانهن، فلو كان الزواج أفضل لما مدح بتركه. ورد هذا بأنه شرع من قبلنا، وشريعتنا على خلافه.\rوقال الله تعالى: { زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين } [آل عمران:14/3] وهذا في معرض الذم.\rوإنما لم يجب لقوله تعالى: { فانكحوا ماطاب لكم من النساء } [النساء:3/4] إذ الواجب لايتعلق بالاستطابة، ولقوله تعالى: { مثنى وثلاث ورباع } [النساء:3/4] ولا يجب العدد بالإجماع، ولقوله: { أو ما ملكت أيمانكم } [النساء:3/4].\rورد السبكي التعليل الأول: بأنه ليس المراد بالآية المستطاب، وإنما المراد الحلال؛ لأن في النساء محرمات بآية { حرمت عليكم أمهاتكم...} [النساء:23/4] الآية.\r-------------------------------\r(1) أخرجه البخاري ومسلم والنسائي عن أنس بن مالك رضي الله عنه (جامع الأصول: 201/1).","part":9,"page":27},{"id":5583,"text":"إعفاف الوالد: تحقيقاً للترغيب الشرعي في الزواج قال الشافعية على المشهور (1) : يلزم الولد ذكراً كان أو أنثى إعفاف الأب والأجداد؛ لأنه من وجوه حاجاتهم المهمة كالنفقة والكسوة، ولئلا يعرضهم للزنا المفضي إلى الهلاك، وذلك لا يليق بحرمة الأبوة، وليس من المصاحبة بالمعروف المأمور بها شرعاً، والإعفاف: بأن يعطيه مهر امرأة حرة تعفه، أو يقول: تزوج وأعطيك المهر، أو يزوجه بإذنه ويدفع المهر.\rويجب تجديد الإعفاف إذا ماتت الزوجة، أو انفسخ النكاح برده منها، أو فسخ الزوج النكاح بعيب في الزوجة، وكذا إذ ا طلق بعذر في الأصح.\rوإنما يجب الإعفاف بشرطين:\rالأول ـ لمن كان فاقد المهر في الواقع. ولا يلزم الإعفاف إذا كان الأب قادراً على المهر بالكسب.\rالثاني ـ للمحتاج إلى الزواج: بأن تتوق نفسه إلى الوطء، وإن لم يخف الزنا، أو كان عنده من لا تعفه كصغيرة وعجوز شوهاء. ويحرم طلب الزواج ممن لم يضر به العزوبة، ولم يشق عليه الصبر.\rولو احتاج لعقد النكاح لا للتمتع، بل للخدمة لنحو مرض، وجب إعفافه إذا تعينت الحاجة إليه، لكن لا يسمى إعفافاً.\rهل الزواج عبادة؟ الزواج عند الشافعية من الأعمال الدنيوية كالبيع ونحوه، وهو ليس بعبادة، بدليل صحته من الكافر، ولو كان عبادة لما صح منه، والقصد منه قضاء شهوة النفس، والعمل بالعبادة عمل لله تعالى، والعمل لله تعالى أفضل من العمل للنفس.\rورد ذلك بأنه إنما صح من الكافر، وإن كان عبادة، لما فيه من عمارة الدنيا، كعمارة المساجد والجوامع، فإن هذه تصح من المسلم، وهي منه عبادة، ومن الكافر وليست منه عبادة، ويدل لكونه عبادة أمر النبي صلّى الله عليه وسلم ، والعبادة تتلقى من الشرع، فالزواج من قبيل\r-------------------------------\r(1) مغني المحتاج: 211/3-213.","part":9,"page":28},{"id":5584,"text":"العبادة، لما يشتمل عليه من المصالح الكثيرة التي منها تحصين النفس وإيجاد النسل، وقال عنه النبي صلّى الله عليه وسلم : «وفي بُضع أحدكم صدقة» (1) .\rونظراً لضعف هذه الأدلة التي ذكرت للشافعي، قال الإمام النووي: - وهو من العلماء العزاب - إن لم يتعبد فاقد الحاجة للنكاح، واجد الأهبة (وهي مؤن الزواج من مهر وكسوة ونفقة يومه)، فالنكاح له أفضل من تركه في الأصح، كيلا تفضي به البطالة والفراغ إلى الفواحش. وقال: النكاح مستحب لمحتاج إليه يجد أهبته، فإن فقدها استحب تركه، ويكسر شهوته بالصوم، فإن لم يحتج كره إن فقد الأهبة، وإلا فلا يكره له لقدرته عليه.\rوقال الظاهرية: إن الزواج في حالة الاعتدال هذه فرض، متى كان الإنسان قادراً عليه، وعلى مؤنه المطلوبة، بدليل ظواهر الآيات السابقة: {فانكحوا ما طاب...} [النساء:3/4] {وأنكحوا الأيامى منكم} [النور:32/24] والأحاديث المتقدمة: « من استطاع منكم الباءة فليتزوج » والأمر يفيد الوجوب، فيكون الزواج واجباً. ورد عليهم بأن هذا الوجوب مصروف إلى الندب والاستحباب بدليل قوله: {مثنى وثلاث ورباع} [النساء:3/4] وقوله: {أو ما ملكت أيمانكم} [النساء:3/4] ولأن النبي صلّى الله عليه وسلم لم يحتم الزواج على كل واحد.\rويؤيد هذا الرأي ما رواه أحمد وابن أبي شيبة وابن عبد البر عن عَكَّاف بن وَدَاعة: «أنه أتى النبي صلّى الله عليه وسلم ، فقال له: ألك زوجة يا عكاف؟ قال : لا، قال: ولا جارية؟ قال: لا، قال: وأنت صحيح موسر؟ قال: نعم، والحمد لله ، فقال: فأنت إذن من إخوان الشياطين: إن كنت من رهبان النصارى، فالحق بهم، وإن كنت منا فاصنع كما نصنع، فإن سنتنا النكاح، شراركم عزّابكم، وإن أرذل موتاكم عزابكم» (2) .\rورد بأن إيجاب الزواج على شخص لا يستلزم إيجابه على الناس جميعاً؛ لأن سبب وجوبه وجد في حقه، دون غيره من الناس.\r-------------------------------\r(1) من حديث أبي ذر عند مسلم، ومطلعه: ذهب أهل الدثور بالأجور.\r(2) قال الهيثمي: وفيه راوً لم يسم، وبقية رجاله ثقات.","part":9,"page":29},{"id":5585,"text":"المبحث الثاني ـ أركان الزواج :\rتمهيد: الركن عند الحنفية: ما يتوقف عليه وجود الشيء، ويكون جزءاً داخلاً في حقيقته. والشرط عندهم: ما يتوقف عليه وجود الشيء، ولم يكن جزءاً من حقيقته. والركن عند الجمهور: ما به قوام الشيء ووجوده، فلا يتحقق إلا به، أو ما لا بد منه، وبعبارتهم الشهيرة: هو ما لا توجد الماهية الشرعية إلا به، أو ما تتوقف عليه حقيقة الشيء، سواء أكان جزءاً منه أم خارجاً عنه.\rوالشرط عندهم: ما يتوقف عليه وجود الشيء، وليس جزءاً منه.\rفالإيجاب والقبول ركن بالاتفاق، لأن بهما يترتبط أحد العاقدين بالآخر، والرضا شرط.\rوركن الزواج عند الحنفية: الإيجاب والقبول فقط، وأركان الزواج عند الجمهور أربعة: صيغة (وهي الإيجاب والقبول) وزوجة، وزوج، وولي وهما العاقدان. وأما المعقود عليه فهو الاستمتاع الذي يقصده الزوجان من الزواج. وأما المهر فلا يتوقف عليه العقد، وإنما هو شرط كالشهود، بدليل جواز نكاح التفويض، وأما الشهود فشرط أيضاً. وجعل الشهود والمهر ركناً مجرد اصطلاح لبعض الفقهاء.\rوالإيجاب عند الحنفية: ما يصدر أولاً من أحد العاقدين، سواء أكان الزوج أم الزوجة. والقبول عندهم: ما يصدر ثانياً من الطرف الآخر.\rوالإيجاب عند الجمهور: هو اللفظ الصادر من قبل الولي أو من يقوم مقامه كوكيل؛ لأن القبول إنما يكون للإيجاب، فإذا وجد قبله لم يكن قبولاً لعدم معناه. والقبول: هو اللفظ الدال على الرضا بالزواج الصادر من الزوج.\rفإذا قال الرجل للمرأة: زوجيني نفسك، فقالت: قبلت، كان الأول عند الحنفية إيجاباً، والثاني قبولاً. وعند الجمهور بالعكس؛ لأن ولي المرأة هو الذي يملِّك الزوج حق الاستمتاع، فكلامه هو الإيجاب، والرجل يتملك ذلك، فكلامه هو القبول. وقد نص القانون السوري (م 5) على أنه: ينعقد الزواج بإيجاب من أحد العاقدين، وقبول من الآخر.","part":9,"page":30},{"id":5586,"text":"صيغة الزواج :\rأولاً ـ ألفاظ الزواج :\rالزواج عقد مدني لا شكليات فيه، والعقد: ربط أجزاء التصرف، أي الإيجاب والقبول شرعاً. والمراد بالعقد هنا هو المعنى المصدري وهو الارتباط، والشرع يحكم بأن الإيجاب والقبول موجودان حساً، يرتبطان ارتباطاً حكمياً.\rوكل من الإيجاب والقبول قد يكون لفظاً، وقد يكون كتابة أو إشارة، وألفاظ الإيجاب والقبول، منها ما هو متفق على انعقاد الزواج به، ومنها ما هو متفق على عدم انعقاد الزواج به، ومنها ما هو مختلف فيه (1) .\rأما الألفاظ التي اتفق الفقهاء على انعقاد الزواج بها: فهي لفظ: أنكحت وزوجت، لورودهما في نص القرآن في قوله تعالى: {زوجناكها} [الأحزاب:37/33] وقوله: {ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم} [النساء:22/4].\rوأما الألفاظ التي اتفق الفقهاء على عدم انعقاد الزواج بها: فهي التي لا تدل على تمليك العين في الحال ولا على بقاء الملك مدة الحياة، وهي: الإباحة والإعارة والإجارة والمتعة والوصية والرهن والوديعة ونحوها.\rوأما الألفاظ التي اختلفوا في انعقاد الزواج بها: فهي لفظ البيع، ولفظ الهبة، ولفظ الصدقة، أو العطية ونحوها مما يدل على تمليك العين في الحال، وبقاء الملك مدة الحياة:\r1 - قال الحنفية، والمالكية على الراجح: ينعقد الزواج بها بشرط نية أو قرينة تدل على الزواج، كبيان المهر وإحضار الناس، وفهم الشهود المقصود؛ لأن المطلوب التعرف على إرادة العاقدين، وليس للفظ اعتبار، وقد ورد في الشرع ما يدل على الزواج بلفظ الهبة والتمليك.\r-------------------------------\r(1) الدر المختار: 361/2-372، البدائع: 229/2 ومابعدها، اللباب: 3/3، مواهب الجليل: 419/3-423، الشرح الكبير: 221/2، الشرح الصغير: 334/2 ومابعدها، القوانين الفقهية: ص195، مغني المحتاج: 139/3، المهذب: 41/2، بداية المجتهد: 4/2، كشاف القناع: 36/5.","part":9,"page":31},{"id":5587,"text":"الأول ـ في قوله تعالى: {وامرأةً مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي، إن أراد النبي أن يستنكحها خالصة لك من دون المؤمنين} [الأحزاب:50/33] والخصوصية للنبي في صحة الزواج بدون مهر، لا باستعمال لفظ الهبة.\rوالثاني ـ قول الرسول صلّى الله عليه وسلم لرجل لم يملك مالاً يقدمه مهراً: «قد ملكتكها بما معك من القرآن» (1) . وهذا هو الراجح لدي؛ لأن العبرة في العقود للمعاني لا للألفاظ والمباني.\r2 - وقال الشافعية والحنابلة: لا ينعقد الزواج بها، ولا ينعقد إلا بلفظ النكاح أو التزويج، لورودهما في القرآن كما تقدم، فيلزم الاقتصار عليهما، ولا يصح أن ينعقد بغيرهما من الألفاظ؛ لأن الزواج عقد يعتبر فيه النية مع اللفظ الخاص به، وآية: {إن وهبت نفسها للنبي} [الأحزاب:50/33] من خصوصيات النبي صلّى الله عليه وسلم . وحديث «ملكتكها» إما وهم من الراوي، أو أن الراوي رواه بالمعنى، ظناً منه ترادف هذا اللفظ مع لفظ الزواج، وبتقدير صحة الرواية، فهي معارضة برواية الجمهور: «زوجتكها» .\rوخلاصة المذاهب ما يأتي:\rينعقد الزواج عند الحنفية (2) بكل لفظ يدل على تمليك الأعيان في الحال، كلفظ الهبة والتمليك والصدقة والعطية والقرض والسلَم والاستئجار (3) والصلح والصرف، والجعل والبيع والشراء، بشرط نية أو قرينة، وفهم الشهود المقصود. ولا ينعقد بقوله: تزوجت نصفك على الأصح احتياطاً، بل لا بد أن يضيفه إلى كلها أو ما يعبر به عن الكل، ومنه الظهر والبطن على الأشبه.\rوينعقد عند المالكية (4) بلفظ التزويج والتمليك، وما يجري مجراهما كالبيع والهبة والصدقة والعطية، ولا يشترط ذكر المهر، لانعقاد العقد، وإن كان لا بد منه، فيكون شرطاً لصحة العقد كالشهود، إلا إذا كان بلفظ الهبة، والألفاظ أربعة: الأول ـ ما ينعقد به الزواج مطلقاً سواء سمى العاقد صداقاً أم لا وهو\r-------------------------------\r(1) متفق عليه عن سهل بن سعد (نيل الأوطار: 170/6).\r(2) الدر المختار وحاشية ابن عابدين: 364/2-365، 369 وما بعدها.\r(3) بأن جعلت المرأة بدلاً، مثل: استأجرت دارك بنفسي أو ببنتي عند قصد النكاح، بخلاف الإجارة مثل: آجرتك نفسي بكذا.\r(4) شرح الرسالة: 26/2، الشرح الكبير: 221/2، الشرح الصغير: 350/2.","part":9,"page":32},{"id":5588,"text":"أنكحت وزوجت، والثاني ـ ماينعقد به إن سمى صداقاً وإلا فلا، وهو وهبت فقط، والثالث ـ ما فيه التردد، وهو كل لفظ يقتضي البقاء مدة الحياة، مثل: بعت لك ابنتي بصداق قدره كذا، أو ملكتك إياها أو أحللت أو أعطيت أو منحتك إياها. قيل: ينعقد به إن سمى صداقاً، وقيل: لاينعقد به مطلقاً. والرابع ـ ما لا ينعقد به اتفاقاً: وهو كل لفظ لا يقتضي البقاء مدة الحياة كالحبس والوقف والإجارة والإعارة والعمرى أي أعمرتك، وهوالراجح.\rوينعقد الزواج عند الشافعية والحنابلة (1) بلفظ التزويج والنكاح فقط، دون ماعداهما كالهبة والتمليك والإجارة، اقتصاراً على المذكور في القرآن.\rالمعاطاة: اتفق الفقهاء على عدم انعقاد الزواج بالتعاطي، احتراماً لأمر الفروج، وخطورتها وشدة حرمتها (2) ، فلا يصح العقد عليها إلا بلفظ صريح أو كناية عند الحنفية والمالكية، وبلفظ صريح عند الشافعية والحنابلة كما تقدم. ولا ينعقد الزواج على المختار عند الحنفية بالإقرار، أي أن الإقرار ليس من صيغ العقد، فلو قالت امرأة: أقر بأنك زوجي، ولم تكن قد حدثت زوجية بينها وبين الرجل، فإنه لا يصح، لأن الإقرار إظهار لما هو ثابت وليس بإنشاء.\rالألفاظ المصحفة (3) : لا ينعقد الزواج عند الحنفية بالألفاظ المصحفة، مثل (تجوزت) أو جوزت أوزوزت،بدل «تزوجت» لعدم القصد الصحيح، لكن لو اتفق قوم على النطق بهذه الغلطة، بحيث إنهم يطلبون بها الدلالة على حل الاستمتاع، وتصدر عن قصد واختيار منهم، فينعقد بها الزواج؛ لأنه والحالة هذه\r-------------------------------\r(1) المهذب: 41/2، مغني المحتاج: 139/3، كشاف القناع: 37/5، المغني: 532/6.\r(2) الدر المختار وابن عابدين: 372/2 وما بعدها.\r(3) التصحيف: هو تغيير اللفظ حتى يتغير المعنى المقصود من الوضع اللغوي.","part":9,"page":33},{"id":5589,"text":"يكون وضعاً جديداً منهم (1) ، أي أن اللفظ أصبح دالاً على الزواج عرفاً، فينعقد به الزواج، فلا يفهم العاقدان والشهود من تلك الألفاظ إلا أنها عبارة عن التزويج، ولا يقصد منها إلا ذلك المعنى بحسب العرف.\rوقال الشافعية: ينعقد الزواج بالألفاظ المحرفة مثل: جوزتك موكلتي.\rالألفاظ غير العربية: اتفق أكثر الفقهاء على أن الأجنبي غير العربي العاجز عن النطق بالعربية يصح انعقاد زواجه بلغته التي يفهمها ويتكلم بها؛ لأن العبرة في العقود للمعاني، ولأنه عاجز عن العربية، فسقط عنه النطق بالعربية كالأخرس. وعليه أن يأتي بمعنى التزويج أو الإنكاح بلسانه، بحيث يشتمل على معنى اللفظ العربي.\rأما إذا كان العاقد يحسن التكلم بالعربية: فيجوز عند الجمهور في الأصح عند الشافعية النطق بكل لغة يمكن التفاهم بها؛ لأن المقصود هو التعبير عن الإرادة، وذلك واقع في كل لغة، ولأنه أتى بلفظه الخاص، فانعقد به، كما ينعقد بلفظ العربية.\rوقال الحنابلة: لا يجوز الزواج إلا بالعربية لمن قدر عليها، فمن قدر على لفظ الزواج بالعربية، لم يصح بغيرها؛ لأنه عدل عن لفظي ( الإنكاح والتزويج ) مع القدرة عليهما، فلم يصح، كما لم يصح بألفاظ الهبة والبيع والإحلال (2) .\rوقد أخذ القانون السوري (م 6) برأي الجمهور، فنص على أنه: يكون الإيجاب والقبول في الزواج بالألفاظ التي تفيد معناه لغة أو عرفاً.\r-------------------------------\r(1) الدر المختار مع حاشية ابن عابدين: 370/2 وما بعدها.\r(2) ابن عابدين: 371/2، مغني المحتاج: 140/3، كشاف القناع: 38/5-39، المغني: 533/6 وما بعدها.","part":9,"page":34},{"id":5590,"text":"ثانياً ـ صيغة الفعل :\rقد تكون صيغة الإيجاب والقبول بلفظ الماضي أو بلفظ المضارع أو بلفظ الأمر، واتفق الفقهاء على انعقاد الزواج بصيغة الماضي، واختلفوا في المضارع والأمر (1) .\rأ ـ ينعقد الزواج بصيغة الفعل الماضي: كأن يقول ولي المرأة للرجل: زوجتك ابنتي فلانة على مهر كذا، فقال الزوج: قبلت أورضيت؛ لأن المقصود بهذه الصيغة إنشاء العقد في الحال، فينعقد بها العقد من غير توقف على نية أو قرينة.\rب ـ وأما العقد بصيغة المضارع: مثل أن يقول الرجل للمرأة في مجلس العقد: أتزوجك على مهر قدره كذا، فقالت: أقبل أو أرضى، صح العقد عند الحنفية والمالكية إذا كانت هناك قرينة تدل على إرادة إنشاء العقد في الحال، لا للوعد في المستقبل، كأن يكون المجلس مهيئاً لإجراء عقد الزواج، فوجود هذه الهيئة ينفي إرادة الوعد أو المساومة، ويدل على إرادة التنجيز؛ لأن الزواج بعكس البيع يكون مسبوقاً بالخطبة.\rفإن لم يكن المجلس مهيئاً لإنجاز العقد، ولم توجد قرينة دالة على قصد إنشاء الزواج في الحال، فلا ينعقد العقد.\rولا ينعقد الزواج عند الشافعية والحنابلة بصيغة المضارع، وإنما لا بد عندهم من لفظ بصيغة الماضي مشتق من النكاح أوالزواج، بأن يقول الزوج: تزوجت أو نكحت أو قبلت نكاحها أو تزويجها، ولا يصح بكناية: كأحللتك ابنتي، إذ لا اطلاع للشهود على النية. ولو قال ولي المرأة: زوجتك، فقال الزوج: قبلت، لم ينعقد الزواج لدى الشافعية على المذهب، وينعقد عند الجمهور غير الشافعية.\rجـ ـ ويصح العقد عند الحنفية والمالكية بصيغة الأمر: كأن يقول الرجل لامرأة: زوجيني نفسك، وقصد بذلك إنشاء الزواج، لا الخطوبة، فقالت المرأة: زوجتك نفسي، تم الزواج بينهما.\r-------------------------------\r(1) البدائع: 231/2، الدر المختار ورد المحتار: 378/2 وما بعدها، الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي: 220/2 وما بعدها، مغني المحتاج: 139/3-141، كشاف القناع: 37/5، المغني: 532/6-534.","part":9,"page":35},{"id":5591,"text":"وتوجيه ذلك عند الحنفية (1) : أن قول الرجل يتضمن توكيل المرأة في أن تزوجه بنفسها، فقولها: زوجتك نفسي، قام مقام الإيجاب والقبول. والتوجيه عند المالكية أن صيغة الأمر تعتبر إيجاباً للعقد عرفاً، ولا تعتبر توكيلاً ضمنياً. وهذا القول أوجه.وعبارة المالكية: ينعقد النكاح بالإيجاب والاستيجاب، أي طلب الإيجاب.\rد ـ أما انعقاد الزواج بلفظ الاستفهام مثل قول رجل لآخر: زوجتني ابنتك؟ فقال الآخر: زوجت، أو قال: نعم، فلا يكون عند الحنفية زواجاً، ما لم يقل الموجب بعدئذ: قبلت؛ لأن قوله: زوجتني؟ استفهام أو استخبار، وليس بعقد، بخلاف صيغة الأمر: زوجني، فإنه توكيل ضمني، كما عرفنا.\rوالخلاصة: لا ينعقد الزواج عند الشافعية إلا بصيغة الماضي، ومن مادة الزواج والنكاح، وينعقد عند المالكية والحنفية بالماضي والمضارع والأمر، إذا دلت القرينة أو دلالة الحال على أنه للإيجاب، لا للوعد.\rولا يشترط عند الجمهور غيرالحنابلة تقديم الإيجاب على القبول، بل يندب، بأن يقول الولي: زوجتك إياها أو أنكحتك. وقال الحنابلة: إذا تقدم القبول على الإيجاب، لم يصح، سواء أكان بلفظ الماضي: تزوجت، أم بلفظ الطلب: زوجني.\r-------------------------------\r(1) وهذا مقتضى الاستحسان عندهم الذي تركوا به القياس لما روي «أن بلالاً رضي الله عنه خطب إلى قوم من الأنصار، فأبوا أن يزوجوه، فقال: لولا أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم أمرني أن أخطب إليكم، لما خطبت، فقالوا له: ملكت» ولم ينقل أن بلالاً أعاد القول: ولو فعل لنقل.","part":9,"page":36},{"id":5592,"text":"ثالثاً ـ انعقاد الزواج بعاقد واحد :\rقال الحنفية (1) : ينعقد الزواج بعاقد واحد إذا كانت له ولاية من الجانبين، سواء أكانت ولايته أصلية كولاية القرابة، أم طارئة كولاية الوكالة:\r1ً - بأن كان العاقد ولياً من الجانبين كالجد إذا زوج ابن ابنه الصغير من بنت ابنه الصغيرة، والأخ إذا زوج بنت أخيه من ابن أخيه الصغير.\r2ً - أو كان أصيلاً وولياً كابن العم إذا تزوج بنت عمه من نفسه.\r3ً - أو كان وكيلاً من الجانبين.\r4ً - أو كان رسولاً من الجانبين.\r5ً - أو كان أصيلاً من جانب، ووكيلاً من جانب آخر، كأن توكل امرأة رجلاً ليزوجها من نفسه، أو وكل رجل امرأة لتزوج نفسها منه.\rوأجاز الشافعي انعقاد الزواج في الحالة الأولى ـ حالة الولي من الجانبين ـ كالجد يزوج بنت ابنه من ابن ابنه (2) .\rوأجاز المالكية (3) لابن العم ووكيل الولي والحاكم أن يزوج المرأة من نفسه.\rولا ينعقد الزواج بعاقد فضولي واحد، ولو بعبارتين؛ لأن تعدد العاقد شرط في كل العقود،سواء أكان التعدد حقيقة بأن يكون هناك شخصان يصدر منهما الإيجاب والقبول، أم حكماً بأن يكون هناك شخص واحد له صفة شرعية وولاية من الجانبين. وينعقد العقد فيما لو قال فضولي: زوجت فلانةمن فلان، وهما غائبان، فقبل فضولي آخر عن الزوج.\rوأدلة انعقاد الزواج بعاقد واحد استثناءً من مبدأ تعدد العاقد:\rأولاً ـ ما رواه البخاري عن عبد الرحمن بن عوف قال لأم حكيم: أتجعلين أمرك إليَّ؟ قالت: نعم، قال: فقد تزوجتك. فهذا دليل الحالة الأخيرة وهو أن يكون العاقد أصيلاً من جانب ووكيلاً من جانب.\rثانياً ـ ما رواه أبو داود عن عقبة بن عامر أن النبي قال لرجل: «أترضى أن أزوجك فلانة؟ قال: نعم، وقال للمرأة: أترضين أن أزوجك فلاناً؟ قالت: نعم فزوج أحدهما صاحبه» فهذا دليل الحالة الثالثة: وهوأن يكون وكيلاً من الجانبين.\rثالثاً: يقاس على المذكور في الحديثين السابقين بقية الحالات، لاشتراكها في المعنى، وهو أن للعاقد في الجميع صفة شرعية عند إجراء العقد، إما الولاية على الغير أو الوكالة عن الغير أو الأصالة عن النفس.\r-------------------------------\r(1) البدائع: 231/2، 233.\r(2) ولا يزوج ابن العم نفسه، بل يزوجه ابن عم في درجته، فإن فقد فالقاضي (مغني المحتاج: 163/3).\r(3) القوانين الفقهية: ص 200، الشرح الكبير: 233/2.","part":9,"page":37},{"id":5593,"text":"رابعاً ـ انعقاد الزواج بالكتابة والإشارة :\rينعقد الزواج أحياناً بالكتابة أو الإشارة على التفصيل الآتي (1) :\r1 ًَ - الناطق في حال الحضور: إن كان العاقدان حاضرين معاً في مجلس العقد وكانا قادرين على النطق: فلا يصح بالاتفاق الزواج بينهما بالكتابةأو الإشارة، ولو كانت الكتابة بينة واضحة، والإشارة مفهمة في الدلالة على إنشاء الزواج، للاستغناء عنها بالنطق، ولأن اللفظ هو الأصل في التعبير عن الإرادة، ولا يلجأ إليه إلا عند الضرورة، ولا ضرورة هنا، ولأنه لا يتيسر للشهود سماع كلام العاقدين في حال الكتابة.\r2 ً - الناطق في حال الغيبة: إذا كان أحد العاقدين غائباً عن مجلس العقد: ينعقد الزواج عند الحنفية بالكتابة أو إرسال رسول، إذا حضر شاهدان عند وصول الكتاب أو الرسول؛ لأن الكتاب من الغائب خطابه، قال الحنفية (2) : «الكتابة من الغائب بمنزلة الخطاب من الحاضر» .\rمثال الكتاب: أن يكتب رجل لخطيبته: تزوجتك أو زوجيني نفسك، فقالت المرأة في مجلس وصول الكتاب: قبلت الزواج، بحضور شاهدين، صح الزواج؛ لأن سماع الشاهدين شطري العقد (الإيجاب والقبول) شرط لصحة الزواج.\rومثال إرسال الرسول: أن يرسل الخاطب إلى خطيبته الغائبة عن المجلس شخصاً يبلغها الإيجاب مشافهة، فإذا قبلت في مجلس بلوغ الرسالة بحضور شاهدين، تم الزواج.\rوقال المالكية والشافعية والحنابلة: لا ينعقد الزواج بكتابة في غيبة أو حضور؛ لأن الكتابة كناية، فلو قال الولي لغائب: زوجتك ابنتي، أو قال: زوجتها من فلان، ثم كتب، فبلغه الكتاب، أي الخبر، فقال: قبلت، لم يصح العقد.\r-------------------------------\r(1) البدائع: 231/2، مغني المحتاج: 141/3، المحرر في الفقه الحنبلي: 15/2، كشاف القناع: 39/5، مواهب الجليل للحطاب: 228/4 وما بعدها، قال الدردير في الشرح الصغير: 350/2: ولا تكفي الإشارة ولا الكتابة إلا لضرورة خرس.\r(2) الفتاوى الخانية: 482/1.","part":9,"page":38},{"id":5594,"text":"3 ً - الأخرس: إذا كان أحد العاقدين أخرس أو معتقل اللسان:\rأ ـ فإن كان قادراً على الكتابة، انعقد الزواج بها كما ينعقد بالإشارة، بالاتفاق حتى عند الشافعية؛ لأنها ضرورة، لكن في الرواية الظاهرة عند الحنفية: لا ينعقد بالإشارة، وإنما ينعقد بالكتابة في حال القدرة عليها؛ لأن الكتابة أقوى في الدلالة على المراد، وأبعد عن الاحتمال من الإشارة. وعلى كل حال: الكتابة بالاتفاق أولى من الإشارة؛ لأنها بمنزلة الصريح في الطلاق والإقرار.\rب ـ وإن كان الأخرس أو نحوه عاجزاً عن الكتابة: انعقد الزواج بالإشارة المفهمة المعلومة بالاتفاق؛ لأنها حينئذ الوسيلة المتعينة للتعبير عن الإرادة.\rوالخلاصة: ينعقد نكاح الأخرس بكتابته أو إشارته عند الفقهاء وتتعين الكتابة عند الحنفية إذا قدر عليها.\rوقد نص القانون السوري (م 7) على أنه: يجوز أن يكون الإيجاب والقبول بالكتابةإذا كان أحد الطرفين غائباً عن المجلس.\rونصت المادة (10) على أنه: يصح الإيجاب أو القبول من العاجز عن النطق بالكتابة إذا كان يكتب، وإلا فبإشارته المفهمة.\rوجاء في المادة (128) من لائحة ترتيب المحاكم الشرعية بمصر: «إقرار الأخرس يكون بإشارته المعهودة، ولا يعبر إقراره بالإشارة إذا كان يمكنه الإقرار بالكتابة» .","part":9,"page":39},{"id":5595,"text":"المبحث الثالث ـ شروط الزواج :\rأنواع الشروط: بينت سابقاً أن الشرط: هو ما يتوقف عليه وجود الشيء، ويكون خارجاً عن حقيقته. وشروط كل عقد، ومنها الزواج، أربعة أنواع: شروط الانعقاد: وشروط الصحة، وشروط النفاذ، وشروط اللزوم.\rوشروط الانعقاد: هي التي يلزم توافرها في أركان العقد، أو في أسسه. وإذا تخلف شرط منها، كان العقد باطلاً بالاتفاق.\rوشروط الصحة: هي التي يلزم توافرها لترتب الأثر الشرعي على العقد. فإذا تخلف شرط منها، كان العقد عند الحنفية فاسداً، وعند الجمهور باطلاً.\rوشروط النفاذ: هي التي يتوقف عليها ترتب أثر العقد عليه بالفعل، بعد انعقاده وصحته. فإذا تخلف شرط منها، كان العقد عند الحنفية والمالكية موقوفاً.\rوشروط اللزوم: هي التي يتوقف عليها استمرار العقد وبقاؤه. فإذا تخلف شرط منها، كان العقد (جائزاً) أو (غير لازم): وهو الذي يجوز لأحد العاقدين أو لغيرهما فسخه.\rوالعقد الباطل: لا يترتب عليه أي أثر من آثار العقد الصحيح، فالزواج الباطل لا يترتب عليه شيء من آثار الزواج، ولو بعد الدخول، ويعتبر في منزلة العدم. فلا يثبت به النسب من الأب، ولا تجب بعده العدة على المرأة، مثل الزواج بإحدى المحارم كالأخت والبنت، والزواج بالمرأة المتزوجة برجل آخر.\rوالعقد الفاسد: يثبت له عند الحنفية بعض آثار العقد الصحيح، فالزواج الفاسد يثبت به آثار الدخول بالزوجة، فيثبت به النسب، وتجب بالتفريق أو المتاركة العدة على المرأة، مثل الزواج بغير شهود، والزواج المؤقت، والزواج بالأخت على أختها في عصمة الزوج، أو في أثناء العدة.","part":9,"page":40},{"id":5596,"text":"شروط انعقاد الزواج :\rيشترط لانعقاد الزواج شروط في العاقدين ـ الرجل والمرأة، وشروط في الصيغة ـ الإيجاب والقبول (1) .\rأولاً ـ شروط العاقدين :\rيشترط في عاقدي الزواج شرطان:\r1ً - أهلية التصرف: أن يكون العاقد لنفسه أو لغيره أهلاً لمباشرة العقد، وذلك بالتمييز فقط، فإذا كان غير مميز كصبي لم يبلغ السابعة ومجنون، لم ينعقد الزواج؛ ويكون باطلاً؛ لعدم توافر الإرادة والقصد الصحيح المعتبر شرعاً.\rولا يشترط البلوغ لانعقاد الزواج وصحته، وإنما هو شرط لنفاذ العقد عند الحنفية.\rوأجاز الشافعية للولي من أب أو جد تزويج صغير مميز ولو أكثر من واحدة إن رآه الولي مصلحة؛ لأن تزويجه بالمصلحة؛ وقد تقتضي ذلك (2) . وأجاز الحنابلة (3) أيضاً للأب خاصة تزويج ابنه الصغير أو المجنون ولو كان كبيراً، روى الأثرم: «أن ابن عمر زوج ابنه وهوصغير، فاختصموا إلى زيد فأجازاه جميعاً» وللأب أن يزوج الصغير بأكثر من واحدة إن رأى فيه مصلحة. وأجاز المالكية (4) للأب والوصي والحاكم تزويج المجنون والصغير لمصلحة كالخوف من الزنا أو الضرر، أو ممن تحفظ له ماله، والصداق على الأب.\r2ً - سماع كلام الآخر: أن يسمع كل من العاقدين لفظ الآخر، ولو حكماً كالكتاب إلى امرأة غائبة، ويفهم أن المقصود منه إنشاء الزواج، ليتحقق رضاهما به. والأدق أن يعتبر هذا شرطاً في صيغة العقد.ولا يشترط عند الحنفية توافر حقيقة الرضا، فيصح الزواج مع الإكراه والهزل.\rثانياً ـ شروط المرأة :\rيشترط في المرأة لأجل عقد الزواج شرطان:\r1ً - أن تكون أنثى محققة الأنوثة: فلا ينعقد الزواج على الرجل أو الخنثى المشكل: وهو الذي لا يستبين أمره، أهو رجل أم أنثى، ويكون الزواج على خنثى باطلاً.\r2ً - ألا تكون محرَّمة على الرجل تحريماً قاطعاً لا شبهة فيه: فلا ينعقد الزواج بالمحارم كالبنت والأخت والعمة والخالة، والمتزوجة بزوج آخر، والمعتدة، والمرأة المسلمة بغير المسلم، والزواج في كل هذه الحالات باطل.\r-------------------------------\r(1) البدائع: 232/2، الدر المختار ورد المحتار: 366/2، 367، 373.\r(2) مغني المحتاج: 169/3، المهذب: 40/2.\r(3) كشاف القناع: 43/5-44.\r(4) الشرح الصغير: 396/2.","part":9,"page":41},{"id":5597,"text":"ثالثاً ـ شروط صيغة العقد - الإيجاب والقبول :\rالصيغة: هي الإيجاب والقبول، ويشترط فيها بالاتفاق أربعة شروط هي ما يأتي:\r1 - اتحاد المجلس إذا كان العاقدان حاضرين: وهو أن يكون الإيجاب والقبول في مجلس واحد، بأن يتحد مجلس الإيجاب والقبول، لا مجلس المتعاقدين؛ لأن شرط الارتباط اتحاد الزمان، فجعل المجلس جامعاً لأطرافه تيسيراً على العاقدين. فإن اختلف المجلس، فلا ينعقد العقد، فإذا قالت المرأة: زوجتك نفسي، أو قال الولي: زوجتك ابنتي، فقام الآخر عن المجلس قبل القبول، أو اشتغل بعمل يفيد انصرافه عن المجلس، ثم قال: قبلت بعدئذ، فإنه لا ينعقد العقد عند الحنفية. وهذا يدل على أن مجرد الوقوف بعد القعود يغير المجلس. وكذلك إذا انصرف العاقد الأول عن المجلس بعد الإيجاب، فقبل الآخر وهو في المجلس في غيبة الأول أوبعد عودته، لم ينعقد العقد. ويتغير المجلس عند الحنفية بالسير حال المشي أو الركوب على دابة بأكثر من خطوتين، كما يعد نوم العاقدين مضطجعين، لا جالسين، دليل الإعراض عن القبول. لكن لا يشترط الفور في القبول؛ فينعقد العقد وإن طال المجلس. وينعقد إن كان العاقدان على سفينة سائرة؛ لأن السفينة في حكم مكان واحد.\rوالمعول عليه في الحقيقة في الحد الفاصل بين اتحاد المجلس واختلافه هوالعرف، فما يعتبر في العرف إعراضاً عن العقد أو فاصلاً بين الإيجاب والقبول يكون مغيراً لمجلس العقد، وما لا يعتبر فيه إعراضاً عن العقد أو فاصلاً بين الإيجاب والقبول لا يكون مغيراً للمجلس.\rوعند الجمهور (1) : يشترط الفور بألا يفصل بين الإيجاب والقبول فاصل كثير (2) ، وعبارة الشافعية: يشترط ألا يطول الفصل في لفظي العاقدين بين الإيجاب والقبول، فإن طال ضر؛ لأن طول الفصل يخرج القبول عن أن يكون جواباً عن الإيجاب. والفصل الطويل: هو ما أشعر بإعراضه عن القبول. ولا يضر الفصل اليسير لعدم إشعاره بالإعراض عن القبول. ويضر تخلل كلام أجنبي\r-------------------------------\r(1) مغني المحتاج: 5/2-6، كشاف القناع: 136/3، حاشية الصاوي على الشرح الصغير: 356/2.\r(2) استثنى المالكية من وجوب الفور بين الإيجاب والقبول مسألة: هي أن يقول الرجل في مرضه: إن مت فقد زوجت ابنتي فلانة من فلان، فهذا يصح، طال الأمر أو لا.","part":9,"page":42},{"id":5598,"text":"عن العقد، ولو يسيراً بين الإيجاب والقبول، وإن لم يتفرقا عن المجلس؛ لأن فيه إعراضاً عن القبول.\rوأما في حال غيبة أحد العاقدين عن الآخر، والتعاقد بطريق الكتابة أو الرسالة، فقال الحنفية: مجلس عقد الزواج: وهو مجلس قراءة الكتاب أمام الشهود، أو سماع رسالة الرسول بحضرة الشهود، فعندئذ يتحد المجلس؛ لأن الكتاب بمنزلة الخطاب من الكاتب، ولأن كلام الرسول كلام المرسل؛ لأنه ينقل عبارة المرسل، فكان قراءة الكتاب، وسماع قول الرسول، وكلام الكاتب معنى، وسماع قول المرسل معنى. فإن لم يقرأ الكتاب أو لم يسمع كلام الرسول لا ينعقد العقد عند أبي حنيفة ومحمد، لاشتراط الشهادة على شطري العقد.\rوإن قرأت المرأة الكتاب أو سمعت الرسالة أمام الشهود، ثم قامت من المجلس لقضاء مصلحة أخرى، أو اشتغلت بالحديث في شيء آخر أجنبي عن العقد، ثم قالت: زوجت نفسي من فلان، فلا ينعقد الزواج، لاختلاف المجلس.\rلكن لو أعادت المرأة قراءة الكتاب في مجلس آخر، فقبلت أمام الشهود، صح العقد، لبقاء الكتابة، أما لو أعاد الرسول الإيجاب في مجلس آخر، فقبلت، لم يصح؛ لأن رسالته انتهت أولاً بخلاف الكتابة لبقائها.\r2 - توافق القبول مع الإيجاب ومطابقته له: يتحقق التوافق باتحاد القبول والإيجاب في محل العقد وفي مقدار المهر،فإذا تخالفا فإن كانت المخالفة في محل العقد، مثل قول أبي الفتاة: زوجتك خديجة، فيقول الرجل: قبلت زواج فاطمة، فلا ينعقد الزواج؛ لأن القبول انصرف إلى غير من وجد الإيجاب فيه، فلم يصح، كما لو ساومه بثوب، وأوجب العقد في غيره بغير علم المشتري (1) . وإن كانت\r-------------------------------\r(1) المغني: 546/6 وما بعدها.","part":9,"page":43},{"id":5599,"text":"المخالفة في مقدار المهر، مثل: زوجتك ابنتي على ألف درهم، فقال الزوج: قبلت الزواج بثمانمائة، لا ينعقد العقد، إلا إذا كانت المخالفة لخير، بأن قال الزوج: قبلت بألف ومائة، فيصح العقد عند الحنفية.\rوسبب عدم انعقاد العقد في المخالفة بمقدار المهر، وإن لم يكن المهر ركناً من أركان العقد: هو أن المهر إذا ذكر في العقد، التحق بالإيجاب وصار جزءاً منه، فيلزم أن يأتي القبول على وفق الإيجاب، حتى ينعقد العقد.\rفإن لم يذكر المهر في العقد، أو صرح بأن لا مهر للمرأة، فلا يكون جزءاً من الإيجاب، ولكن يجب في هذه الحالة مهر المثل؛ لأن المهر في الزواج واجب بإيجاب الشرع، فلا يصح إخلاء الزواج منه.\r3 - بقاء الموجب على إيجابه: يشترط عدم رجوع الموجب عن الإيجاب قبل قبول العاقد الآخر، فإن رجع بطل الإيجاب، ولم يجد القبول شيئاً يوافقه.\rولا يلزم الموجب بالبقاء على إيجابه إلا إذا اتصل به القبول، كما في البيع، فلو وجد الإيجاب من أحد المتعاقدين، كان له أن يرجع قبل قبول الآخر؛ لأن كلاً من الإيجاب والقبول ركن واحد، فكان أحدهما بعض الركن، والمركب من شيئين لا وجود له بأحدهما.","part":9,"page":44},{"id":5600,"text":"4 - التنجيز في الحال: الزواج كالبيع يشترط فيه كونه في الحال، فلا يجوز في المذاهب الأربعة كونه مضافاً إلى المستقبل، كتزوجتك غداً، أو بعد غد، ولا معلقاً على شرط غير كائن، كتزوجتك إن قدم زيد، أو إن رضي أبي، أو إذا طلعت الشمس فقد زوجتك بنتي؛ لأن عقد الزواج من عقود التمليكات أو المعاوضات، وهي لا تقبل التعليق ولا الإضافة، ولأن الشارع وضع عقد الزواج ليفيد حكمه في الحال، والتعليق والإضافة يناقضان الحقيقة الشرعية (1) . لكن يصح التعليق بشرط ماض كائن لا محالة، فينعقد العقد في الحال، كأن خطب شخص بنتاً لابنه، فقال أبوها: زوجتها قبلك من فلان، فكذبه، فقال: إن لم أكن زوجتها لفلان، فقد زوجتها لابنك، فقبل، ثم علم كذبه، انعقد العقد، لتعليقه بموجود، وكذا إذا وجد المعلق عليه في المجلس. ومثل: تزوجتك إن كان عمرك عشرين، وكانت في الواقع كذلك. ومثل: تزوجتك إن رضي أبي، وكان أبوها في المجلس فرضي، صح العقد.\rوذكر الشافعية: أنه لو قال الولي: زوجتك إن شاء الله ، وقصد التعليق أو أطلق، لم يصح العقد، وإن قصد التبرك، أو أن كل شيء بمشيئة الله تعالى، صح. ولو قال: إن كان ما ولد لي من ولد أنثى فقد زوجتها، أو قال: إن كانت بنتي طلقت واعتدت، فقد زوجتها، فالمذهب بطلان الزواج في هذه الصور لوجود صورة التعليق.\rوالحاصل أنه لا يجوز تعليق الزواج بشرط باتفاق المذاهب، لكن قال ابن القيم: «ونص الإمام أحمد على جواز تعليق النكاح بالشرط» (2) والبيع أولى بالجواز. لكن ذكر ابن قدامة أن تعليق النكاح على شرط يبطله (3) . أما القانون فقد نص قانون الأحوال الشخصية السوري (م 13) على أنه: «لا ينعقد الزواج المضاف إلى المستقبل، ولا المعلق على شرط غير متحقق» .\r-------------------------------\r(1) الدر المختار ورد المحتار: 367/2، 379، 405، مغني المحتاج: 141/3.\r(2) أعلام الموقعين : 28/4، ط محي الدين عبد الحميد.\r(3) المغني: 551/6.","part":9,"page":45},{"id":5601,"text":"هل يثبت الخيار في عقد الزواج؟ لا يثبت في الزواج خيار باتفاق أكثر الفقهاء (1) ، سواء في ذلك خيار المجلس وخيار الشرط؛ لأن الحاجة غير داعية إليه، فإنه لا يقع في الغالب إلا بعد ترو وتفكر، ولأن الزواج ليس بمعاوضة محضة، ولأن ثبوت الخيار يؤدي إلى فسخ الزواج، وفي فسخه بعد العقد ضرر بالمرأة، لكن أثبت المالكية خيار المجلس في الزواج إذا اشتُرِط (2) .\rمذاهب الفقهاء في الشروط المشترطة في الزواج :\rالشروط في الزواج: هي ما يشترطه أحد الزوجين على الآخر مما له فيه غرض. ويراد بها الشروط المقترنة بالإيجاب أو القبول، أي أن الإيجاب يحصل ولكن يصاحبه شرط من الشروط. وللفقهاء تفصيلات فيها، نذكر رأي كل مذهب فيها على حدة. وهذا بخلاف حالة الإيجاب المعلق على شرط، فإن الإيجاب لا وجود له قبل وجود الشرط.\r1 - مذهب الحنفية (3) :\rأ ـ إن كان الشرط صحيحاً يلائم مقتضى العقد، ولايتنافى مع أحكام الشرع، وجب الوفاء به، كاشتراط المرأة أن يسكنها وحدها في منزل، لا مع أهله أو مع ضَرَّتها، أو ألا يسافر بها سفراً بعيداً إلا بإذن أهلها.\rأو تزوجا على مهر مسمى، وشرط لها شيئاً آخر، بأن تزوجها بألف على ألا يخرجها من بلدها، أو على ألا يتزوج عليها، فإن وفى بالشرط، فلها المهر المسمى؛ لأنه يصلح مهراً، وقد تم رضاها به،وإن لم يف بالشرط، بأن تزوج عليها، أو أخرجها، فلها مهر المثل؛ لأنه سمى لها شيئاً لها فيه نفع، فعند فواته يجب لها مهر المثل، لعدم رضاها به.\rومثله الشرط الذي تأمر به الشريعة، كاشتراطها عليه أن يحسن معاملتها أو لا يخرجها إلى النوادي والمراقص ونحوها.\r-------------------------------\r(1) المغني: 536/6، بداية المجتهد: 7/2 ومابعدها.\r(2) حاشية الصاوي على الشرح الصغير 351/2.\r(3) الدر المختار: 405/2، تبيين الحقائق: 148/2، فتح القدير: 107/3 ومابعدها.","part":9,"page":46},{"id":5602,"text":"قالوا: ومن الشروط الصحيحة عندهم: لو تزوجها على أن أمرها بيدها، صح. لكن لو قال: زوجني ابنتك على أن أمرك بيدك، لم يكن له الأمر؛ لأنه تفويض قبل النكاح.\rب ـ وأن كان الشرط فاسداً، أي لا يلائم مقتضى العقد، أو لا تجيزه أحكام الشرع، فالعقد صحيح، ويبطل الشرط وحده، مثل اشتراط الخيار لأحد الزوجين أو لكل منهما أن يعدل عن الزواج في مدة معينة، وهذا بخلاف القاعدة العامة: وهي أن الشرط الفاسد في المعاوضات المالية كالبيع يفسدها.\rفإن ورد النهي عن الشرط، كاشتراط طلاق ضرتها، كره الوفاء به، لحديث «لا يحل لامرأة تسأل طلاق ضَرتها» .\r2 - مذهب المالكية (1) :\rالشروط التي تقترن بعقد الزواج نوعان: شروط صحيحة، وشروط فاسدة.\rأما الشروط الصحيحة: فنوعان: مكروهة وغير مكروهة.\rفالشروط الصحيحة غير المكروهة: هي التي تتفق مع مقتضى العقد، كالإنفاق على المرأة أو حسن معاشرتها، أو أن تطيع الرجل أو ألا تخرج من البيت إلا بإذنه.\rومنها اشتراط كون المرأة سليمة من العيوب التي لا تجيز فسخ الزواج، مثل ألا تكون عمياء أو عوراء أو صماء أو خرساء أو أن تكون بكراً أو بيضاء، ونحوها.\rوالشروط الصحيحة المكروهة: هي التي لا تتعلق بالعقد، أو لا تنافي المقصود من العقد، وإنما فيها تضييق على الر جل، مثل شرط عدم إخراجها من بلدها، أو عدم السفر بها،أو عدم نقلها من مكان كذا، وشرط عدم التزوج عليها، ونحوها، ولا تلزم الزوج إلا أن يكون فيها يمين بعتق أو طلاق، فإن الشرط يلزمه.\r-------------------------------\r(1) القوانين الفقهية:ص218-220، الشرح الصغير: 384/2-386، 595، بداية المجتهد: 58/2.","part":9,"page":47},{"id":5603,"text":"وأما الشروط الفاسدة: فهي التي تنافي أو تناقض مقتضى العقد أو المقصود من الزواج، مثل شرط ألا يقسم بينها وبين ضَرَّتها في المبيت، أو أن يُؤْثر عليها ضَرّتها أسبوعاً أو أقل أو أكثر تستقل بها عنها. وشرط المرأة عند زواجها بمحجور عليه أن تكون نفقتها على وليه: أبيه أو سيده، أو على نفسها أو أبيها فإنه شرط مناقض لمقصود الزواج، لأن الأصل أن نفقة الزوجة على زوجها، فشرط خلافه مضر. ومثل اشتراط الخيار في الزواج (1) ، أو اشتراط ما يؤثر في جهالة المهر كأن يتزوجها على أن لها من النفقة كذا كل شهر؛ لأنه لا يدري إلى متى تستمر هذه النفقة.\rومثل أن تشترط المرأ ة على الرجل أن يكون أمرها بيدها، تطلق نفسها متى شاءت ، أو أن ينفق على ولدها من غيره، أو على أقاربها كأبيها أوأخيها، ونحوها. وحكم هذه الشروط: أنها تبطل العقد ويجب فسخه ما لم يدخل الرجل بالمرأة، فإن دخل بها مضى العقد، وألغي الشرط، وبطل المسمى، ووجب للمرأة مهر المثل. إلا أنه في مسألة جعل المرأة أمرها بيدها قالوا:\rأ ـ إن علق أمر الطلاق بيدها على سبب: فإن كان السبب فعلاً يفعله الزوج فهو جائز لازم للزوج، مثل أن يشرط لها أنه متى ضربها أو سافر عنها، فأمرها بيدها أو بيد أبيها أو غيره، ومثله إن كان الالتزام على يمين بطلاق أو عتق كأن حلف ألا يتزوج عليها، على أن يحدد نوع الطلاق المفوض لها، أهو رجعي أو بائن، أو ثلاث، أو أي طلاق شاءت، فحينئذ يلزم الزوج بالشرط.\rب ـ وإن كان سببه فعل غير الزوج لم ينفذ، ولم يلزم الزوج، والنكاح جائز.\r-------------------------------\r(1) اشتراط الخيار: هو أن يكون للزوجين أو لأحدهما حق العدول عن الزواج بعد مدة معينة.","part":9,"page":48},{"id":5604,"text":"3 - مذهب الشافعية (1) :\rالشروط نوعان: صحيحة وفاسدة.\rأ ـ الشروط الصحيحة الواقعة في الزواج: هي التي وافق الشرط فيها مقتضى عقد النكاح، كشرط النفقة والقسم بين الزوجات، أو لم يوافق مقتضى النكاح ولكنه لم يتعلق به غرض، كشرط ألا تأكل إلا كذا. وحكمها: أن الشرط يلغو، أي لا تأثير له في الصورتين لانتفاء فائدته، ويصح النكاح والمهر، كما هو الحكم في البيع.\rب ـ وأما الشروط الفاسدة: فهي التي تخالف مقتضى عقد النكاح ولم يخل بمقصوده الأصلي: وهو الوطء، كشرط ألا يتزوج عليها، أو ألا نفقة لها أو ألا يسافر بها، أوألا ينقلها من بلدها، وحكمها: أن الزواج يصح لعدم الإخلال بمقصوده وهو الوطء أو الاستمتاع، ويفسد الشرط لأنه يخالف مقتضى العقد، سواء أكان لها كالمثال الأول والثالث والرابع، أم عليها كالمثال الثاني، لقوله صلّى الله عليه وسلم : «كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل» (2) ، ويفسد المهر أيضاً؛ لأن الشرط إن كان لها، فلم ترض بالمسمى وحده، وإن كان عليها فلم يرض الزوج ببدل المسمى إلا عند سلامة ما شرطه.\rفإن أخل الشرط بمقصود الزواج الأصلي: كأن شرط ألا يطأها الزوج أصلاً، أوألا يطأها إلا مرة واحدة مثلاً في السنة، أو شرطت المرأة ألا يطأها إلا ليلاً فقط أو إلا نهاراً فقط، أوشرط أن يطلقها ولو بعد الوطء، بطل الزواج؛ لأنه شرط ينافي مقصود العقد فأبطله. فإن شرط الزوج ألا يطأها ليلاً لم يبطل العقد؛ لأن الزوج يملك الوطء ليلاً ونهاراً وله أن يترك، فإن شرط ألا يطأها فقد شرط ترك ما له تركه، وأما المرأة فيستحق عليها الوطء ليلاً ونهاراً،فإذا اشترطت ألا يطأها فقد شرطت منع الزوج من حقه، وهو ينافي مقصود العقد، فبطل.\rوكذا لو شرط الرجل أنها لا ترثه، أو أنه لا يرثها، أو أنهما لا يتوارثان، أو أن النفقة على غير الزوج، بطل الزواج أيضاً.\r-------------------------------\r(1) مغني المحتاج: 226/3 ومابعدها، المهذب: 47/2.\r(2) متفق عليه من حديث عائشة في قصة بريرة ( نيل الأوطار: 91/6 ).","part":9,"page":49},{"id":5605,"text":"4 - مذهب الحنابلة (1) :\rالشروط عندهم كالشافعية: إما صحيحة أو فاسدة، وهي ثلاثة أنواع:\rالنوع الأول ـ الشروط الصحيحة: وهي التي يقتضيها العقد أو لا يقتضيها العقد ولكن فيها منفعة لأحد العاقدين، ولم يرد في الشرع ما ينهى عنها ما دامت لا تخل بالمقصود من العقد، وحكمها: أنه يلزم الوفاء بها، لما فيها من منفعة وفائدة.\rمثل أن تشترط المرأة على الرجل أن ينفق عليها أو أن يحسن معاشرتها، أو ألا يتزوج عليها، أو ألا يخرجها من دارها أو بلدها، أو ألا يسافر بها.\rومثل أن يشترط الرجل في المرأة أن تكون بكراً أو جميلة أو متعلمة أو خالية من العيوب التي لا يثبت فيها الخيارفي فسخ الزواج كالعمى والخرس والعرج ونحوها.\rودليل لزوم الوفاء بهذه الشروط: قول النبي صلّى الله عليه وسلم : «إن أحق الشروط أن توفوا به ما استحللتم به الفروج» (2) وحديث «المسلمون على شروطهم» (3) ، وروى الأثرم بإسناده: «أن رجلاً تزوج امرأة، وشرط لها دارها، ثم أراد نقلها، فخاصموه إلى عمر، فقال: لها شرطها، فقال الرجل: إذن تطلقينا؟ فقال عمر: مقاطع الحقوق عند الشروط» ولأنه شرط لها فيه منفعة، ولا يمنع المقصود من الزواج، فكان لازماً، كما لو شرطت زيادة في المهر أو غير نقد البلد.\rوأما قوله عليه الصلاة والسلام: «كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل» أي ليس في حكم الله وشرعه، وهذا مشروع.\rوأما الشروط غير الصحيحة: فهي التي ورد عن الشرع نهي عنها أو التي تنافي مقتضى العقد، وتشمل النوعين الثاني والثالث.\rالنوع الثاني ـ ما يبطل الشرط ويصح العقد: مثل أن يشترط الرجل ألا مهر للمرأة، أو ألا ينفق عليها، أو إن أصدقها رجع عليها.\r-------------------------------\r(1) المغني: 548/6-552، كشاف القناع: 98/5 ومابعدها.\r(2) رواه الجماعة ( أحمد وأصحاب الكتب الستة ) وسعيد بن منصور عن عقبة بن عامر ( نيل الأوطار: 142/6 ).\r(3) رواه الترمذي وصححه عن عمرو بن عوف المزني ( سبل السلام: 59/3 ).","part":9,"page":50},{"id":5606,"text":"أو تشترط المرأة على الرجل ألا يطأها أو يعزل عنها أو يقسم لها أقل من قَسمْ صاحبتها أو أكثر، أو لا يكون عندها في الجمعة إلا ليلة، أو شرط لها النهار دون الليل، أو شرط على المرأة أن تنفق عليه أو تعطيه شيئاً.\rفهذه الشروط كلها باطلة في نفسها؛ لأنها تنافي مقتضى العقد، ولأنها تتضمن إسقاط حقوق تجب بالعقد قبل انعقاده، فلم يصح.\rومن هذا النوع: إن شرطت عليه أن يطلق ضرتها، لم يصح الشرط، لنهي الشرع عنه، لما روى أبو هريرة قال: «نهى النبي صلّى الله عليه وسلم أن تشترط المرأة طلاق أختها» (1) وفي لفظ: «لا تسأل المرأة لتنكح» أو «لتكفئ ما في صحفتها أو إنائها، فإنما رزقها على الله » والنهي يقتضي فساد المنهي عنه، ولأنها شرطت عليه فسخ عقده، وإبطال حقه وحق امرأته، فلم يصح، كما لو اشترطت عليه فسخ بيعه.\rالنوع الثالث ـ ما يبطل الزواج من أصله: مثل اشتراط تأقيت الزواج، وهو نكاح المتعة، أو أن يطلقها في وقت بعينه، أو يعلقه على الشرط، مثل أن يقول الولي: زوجتك إن رضيت أمها، أو فلان، أويشترط الخيار في الزواج لهما أو لأحدهما.\rهذه شروط باطلة في نفسها، ويبطل بها الزواج، ومنها أن يجعل صداقها تزويج امرأة أخرى، وهو نكاح الشغار. أما إن شرط الخيار في الصداق خاصة، فلا يفسد الزواج؛ لأن الزواج ينفرد عن ذكر الصداق.","part":9,"page":51},{"id":5607,"text":"والخلاصة: أن الفقهاء اتفقوا على صحة الشروط التي تلائم مقتضى العقد، وعلى بطلان الشروط التي تنافي المقصود من الزواج أو تخالف أحكام الشريعة. واتفق الحنفية والمالكية والحنابلة على صحة الشروط التي يكون فيهاتحقيق وصف مرغوب فيه، أو خلو المرأة من عيب لا يثبت الخيار في فسخ الزواج. واختلفوا في الشروط التي لا تكون من مقتضى العقد، ولكنها لا تنافي حكماً من أحكام الزواج، وفيها منفعة لأحد العاقدين، كاشتراط ألا يتزوج عليها أو ألا يسافر بها، أو ألا يخرجها من دارها أو بلدها ونحوها:\rفالحنابلة يقولون: إنها شروط صحيحة يلزم الوفاء بها.\rوالحنفية يقولون: إنها شروط ملغاة، والعقد صحيح.\rوالمالكية يقولون: إنها شروط مكروهة لا يلزم الوفاء بها، بل يستحب فقط.\rوالشافعية يقولون: إنها شروط باطلة، ويصح الزواج بدونها.\rورأي الحنابلة هو الراجح لدي، للأدلة السابقة التي ذكروها، لذا أخذ به القانون السوري.\rوأما تأثير الشرط الفاسد على العقد: فعند الحنفية: الشرط الفاسد لا يفسد العقد، وإنما يلغى الشرط وحده، ويصح العقد. والحنابلة يوافقون الحنفية فيما ذكر إلا في بعض الشروط فإنها تبطل العقد، منها توقيت العقد، واشتراط طلاق المرأة في وقت معين، واشتراط الخيار في فسخ الزواج في مدة معينة. وهذا هو النوع الثالث عندهم. وأما عند الشافعية: فإن الشرط الفاسد يفسد العقد إذا أخل بمقصود الزواج الأصلي، وإلا فسد الشرط وحده. لكن قال المالكية: يجب فسخ العقد ما دام الرجل لم يدخل بالمرأة، فإن دخل بها مضى العقد وألغي الشرط، وبطل المسمى، ووجب للمرأة مهر المثل.\r-------------------------------\r(1) متفق عليه عن أبي هريرة (نيل الأوطار: 142/6).","part":9,"page":52},{"id":5608,"text":"موقف القانون من شروط الانعقاد :\rنص القانون السوري (م 1/11) على أربعة شروط لانعقاد الزواج هي:\r1 - أن يتفق الإيجاب والقبول من كل وجه.\r2 - أن يتحد مجلس الإيجاب والقبول.\r3 - أن يسمع كل من المتعاقدين كلام الآخر ويفهمه، وقد ذكر في شروط العاقدين.\r4 - ألا يوجد من أحد الطرفين قبل القبول ما يبطل الإيجاب، بأن يرجع الموجب عن إيجابه قبل أن يقبل الطرف الآخر.\rونصت الفقرة الثانية من هذه المادة على أنه: يبطل الإيجاب قبل القبول بزوال أهلية الموجب، وبكل ما يفيد الإعراض من أحد الطرفين.\rوهناك شرطان آخران للانعقاد، ذكر أحدهما في الأهلية، وذكر الآخر ضمناً في أنواع الزواج، وهما:\r1 - أن يكون كل من العاقدين ممن تحققت فيه الأهلية الكاملة لعقد الزواج، وذلك بالعقل والبلوغ، فلا يصح عقد الزواج من مجنون، ولا صبي غير بالغ، وعدم صحة زواج المجنون متفق عليه بين الفقهاء، وأما غير البالغ فقد أخذ فيه القانون برأي ابن شبرمة وعثمان البتّي.\r2 - أن يكون الزوج مسلماً بالنسبة إلى المسلمة: فلا ينعقد زواج المسلمة بغير المسلم، بل هو عقد باطل، ولا يترتب عليه أي أثر.\rموقف القانون من شروط الزواج غير شروط الانعقاد :\rنص قانون الأحوال الشخصية السوري (م 14) على شروط الزوج مراعياً فيها ما اتفق عليه الفقهاء، ومذهب الحنابلة بصفة خاصة، فقسم الشروط ثلاثة أقسام:\r1 - شروط صحيحة يلزم الوفاء بها: وهي التي يكون فيها مصلحة مشروعة للزوجة، ولا تمس حقوق غيرها، ولا تقيد حرية الزوج في عمله الخاص المشروع، مثل ألا يسافر بها أو ألا ينقلها من بلدها أو دارها. ويحق للزوجة فسخ الزواج إن لم ينفذ الشرط، وهذا مأخوذ من مذهب الحنابلة.\r2 - شروط صحيحة لا يلزم الزوج تنفيذها قضاء، وهي ما يأتي من الحالات:\rأ ـ أن تشترط الزوجة ما يقيد حرية الزوج في عمله الخاص المشروع، كشرط ألا يسافر أو ألا يتوظف أو ألا يتزوج عليها.\rب ـ أن تشترط ما يمس حقوق غيرها: كاشتراطها أن يطلق زوجته الأخرى.","part":9,"page":53},{"id":5609,"text":"الشرط في هاتين الحالتين صحيح، لكن لا يلزم الزوج الوفاء به، فإن لم يف، كان للزوجة طلب فسخ الزواج. وهذا موافق لمذهب الحنابلة إلا في اشتراط تطليق الضرة، فالعقد صحيح والشرط باطل.\r3 - شروط باطلة لا يحق الوفاء بها، ويكون العقد معها صحيحاً: وهي أن يقيد الزواج بقيد ينافي في نظامه الشرعي، كاشتراط عدم المهر، أو إنفاق الزوجة على الزوج، أو ينافي مقاصده الشرعية، كاشتراط عدم الاستمتاع الزوجي، أو يكون الشرط محظوراً شرعاً، كاشتراط أن تسافر المرأة وحدها. وهذا موافق للمذاهب بالاتفاق.\rشروط صحة الزواج :\rيشترط لصحة الزواج عشرة شروط، بعضها متفق عليه، وبعضها مختلف فيه (1) .\rالأول ـ المحلية الفرعية، والثاني ـ التأبيد في صيغة العقد، والثالث ـ الشهادة، والرابع ـ الرضا والاختيار، والخامس ـ تعيين الزوجين، والسادس ـ عدم الإحرام بالحج أو العمرة، والسابع ـ أن يكون بصداق، والثامن ـ عدم التواطؤ على الكتمان، والتاسع ـ ألا يكون أحد الزوجين أو كلاهما في مرض مخوف، والعاشر ـ الولي.\rالشرط الأول ـ المحلية الفرعية: ألا تكون المرأة محرمة على الرجل تحريماً مؤقتاً، أو تحريماً فيه شبهة، أو خلاف بين الفقهاء، كتزويج المعتدة من طلاق بائن، وتزوج أخت المطلقة التي لا تزال في العدة، والجمع بين اثنتين كلتاهما محرم للأخرى، كتزوج العمة على ابنة أخيها، والخالة على ابنة أختها، فإذا لم تتحقق هذه المحلية الفرعية كان العقد فاسداً عند الحنفية.\rأما المحلية الأصلية: وهي ألا تكون المرأة محرمة على الرجل تحريماً مؤبداً، كالأخت والبنت والعمة والخالة، فهي شرط لانعقاد الزواج، فإذا لم تتحقق هذه المحلية، كان العقد باطلاً بالاتفاق، ولا يترتب عليه أي أثر من آثار الزواج.\r-------------------------------\r(1) الدر المختار ورد المحتار: 373/2-379، 835، البدائع: 351/2-357، 363 وما بعدها، 385 وما بعدها، تبيين الحقائق: 98/2 وما بعدها، الشرح الكبير: 236/2-240، الشرح الصغير: 335/2-340، 372-382، شرح الرسالة:26/2، مغني المحتاج: 144/3-147، المهذب: 40/2، المغني: 450/6-453، كشاف القناع: 41/5-74، القوانين الفقهية: ص 197-200.","part":9,"page":54},{"id":5610,"text":"وعلى هذا إذا كان التحريم قطعياً، كان سبباً من أسباب البطلان، وإذا كان التحريم ظنياً، كان سبباً من أسباب الفساد عند الحنفية.\rالزواج في حال انعدام المحلية الفرعية فاسد، يترتب عليه بالدخول بعض الآثار، لكن يحرم الدخول بالمرأة في حال فساد العقد، ويجب فيه التفريق بين الرجل والمرأة جبراً إن لم يتفرقا اختياراً.\rوإذا حصل دخول بعد هذا الزواج الفاسد بالرغم من تحريمه وكونه معصية، ووجوب التفريق، فتترتب عليه بعض الآثار، فيجب فيه للمرأة أقل الأمرين من المهر المسمى ومهر المثل، وتجب عليها العدة، ويثبت به نسب الولد إن حدث حمل، ولكن لا يثبت به حق التوارث بين الزوجين.\rالشرط الثاني ـ أن تكون صيغة الإيجاب والقبول مؤبدة غير مؤقتة: فإن أقِّت الزواج بمدة بطل، بأن يكون بصيغة التمتع مثل: تمتعت بك إلى شهر كذا، فتقول: قبلت، أو بالتأقيت إلى مدة معلومة أو مجهولة، مثل: تزوجتك إلى شهر أو سنة كذا، أو مدة إقامتي في هذا البلد. والنوع الأول يعرف بنكاح المتعة، والثاني يعرف بالنكاح المؤقت.\rلكن قال المالكية: نكاح المتعة أوالنكاح لأجل سواء عين الأجل أم لا، يعاقب فيه الزوجان، ولا يحدان على المذهب، ويفسخ بلا طلاق، والمضرّ بيان ذلك في العقد للمرأة أو وليها، وأما لو أضمر الزوج في نفسه أن يتزوجها ما دام في هذه البلدة أو مدة سنة ثم يفارقها، فلا يضر، ولو فهمت المرأة من حاله ذلك (1) .\rوقال الحنفية أيضاً: من تزوج امرأة بنية أن يطلقها إذا مضى سنة لا يكون متعة (2) .والمعتمد عند الحنابلة خلافاً لابن قدامة: أن نية الطلاق بعد مدة تبطل العقد كالتصريح بذلك.\r-------------------------------\r(1) الشرح الصغير: 387/2.\r(2) شرح المجلة للأتاسي: 415/2.","part":9,"page":55},{"id":5611,"text":"اتفقت المذاهب الأربعة وجماهير الصحابة على أن زواج المتعة ونحوه حرام باطل، وكونه باطلاً عند الحنفية بالرغم من أن هذا الشرط من شروط الصحة؛ لأنه منصوص على حكمه في السنة، إلا أن الإمام زفر اعتبر الزواج المؤقت صحيحاً وشرط التأقيت فاسداً أو باطلاً، أي لا عبرة بالتأقيت ويكون الزواج صحيحاً مؤبداً؛ لأن النكاح لا يبطل بالشروط الفاسدة. ورد عليه بأن العقد المؤقت في معنى المتعة، والعبرة في العقود للمعاني لا للألفاظ.\rوقال الشيعة الإمامية (1) : يجوز زواج المتعة أو النكاح المنقطع بالمرأة المسلمة أو الكتابية، ويكره بالزانية، بشرط ذكر المهر، وتحديد الأجل أي المدة، وينعقد بأحد الألفاظ الثلاثة: وهي زوجتك، وأنكحتك، ومتعتك. ولا يشترط الشهود ولا الولي لهذا العقد. وأحكامه هي:\r1 - الإخلال بذكر المهر مع ذكر الأجل يبطل العقد، وذكر المهر من دون الأجل يقلبه دائماً.\r2 - لا حكم للشروط قبل العقد، ويلزم لو ذكرت فيه.\r3 - يجوز اشتراط إتيانها ليلاً أو نهاراً وألا يطأها في الفرج، والعزل من دون إذنها، ويلحق الولد بالأب وإن عزل، لكن لو نفاه لم يحتج إلى اللعان.\r4 - لا يقع بالمتعة طلاق بإجماع الشيعة، ولا لعان على الأظهر، ويقع الظهار على تردد.\r5 - لا يثبت بالمتعة ميراث بين الزوجين، وأما الولد فإنه يرثهما ويرثانه من غير خلاف.\r-------------------------------\r(1) المختصر النافع في فقه الإمامية: ص 205-207، الروضة البهية: 103/2 وما بعدها.","part":9,"page":56},{"id":5612,"text":"6 - إذا انقضى الأجل المتفق عليه، فالعدة حيضتان على الأشهر. وعدة غير الحائض خمسة وأربعون يوماً، وعدة الوفاة لو مات عنها في أشبه الروايتين أربعة أشهر وعشرة أيام.\r7 - لا يصح تجديد العقد قبل انقضاء الأجل، ولو أراده وهبها ما بقي من المدة واستأنف.\rالأدلة :\rأدلة الإمامية: استدل الإمامية على مشروعية النكاح المنقطع أو المتعة بما يلي:\r1ً - بقول الله تعالى: {فما استمتعتم به منهن، فآتوهن أجورهن فريضة} [النساء:24/4] فإنه عبر بالاستمتاع دون الزواج، وبالأجور دون المهور، مما يدل على جواز المتعة، فالاستمتاع والتمتع بمعنى واحد، وإيتاء الأجر بعد الاستمتاع يكون في عقد الإجارة، والمتعة هو عقد الإجارة على منفعة البضع . أما المهر فإنه يجب بنفس عقد النكاح قبل الاستمتاع.\r2ً - ثبت في السنة جواز المتعة في بعض الغزوات منها عام أوطاس، وفي عمرة القضاء، وفي خيبر، وعام الفتح، وفي تبوك (1) ، قال ابن مسعود: «كنا نغزو مع رسول الله صلّى الله عليه وسلم ليس معنا نساء، فقلنا: ألا نختصي؟ فنهانا عن ذلك، ثم رخص لنا أن ننكح المرأة بالثوب إلى أجل، ثم قرأ عبد الله (أي ابن مسعود) : {يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم} [المائدة:87/5] (2) ، الآية.\r-------------------------------\r(1) نيل الأوطار: 136/6-137.\r(2) رواه البخاري ومسلم وأحمد ( نيل الأوطار: 133/6).","part":9,"page":57},{"id":5613,"text":"وفي صحيح مسلم عن جابر: «كنا نستمتع بالقبضة من التمر والدقيق على عهد رسول الله صلّى الله عليه وسلم ... وأبي بكر، حتى نهى عمر في شأن عمرو بن حريث» (1) .\rوكان يقول بجواز المتعة ابن عباس وجماعة من السلف، منهم بعض الصحابة (أسماء بنت أبي بكر، وجابر وابن مسعود ومعاوية وعمرو بن حريث، وأبو سعيد وسلمة ابنا أمية بن خلف) ومنهم بعض التابعين (طاوس وعطاء، وسعيد بن جبير، وسائر فقهاء مكة ومنهم ابن جريج).\rوأجاز المتعة الإمام المهدي، وحكاه عن الباقر والصادق والإمامية (2) . وأما الشيعة الزيدية فيقولون كالجمهور بتحريم نكاح المتعة، ويؤكدون أن ابن عباس رجع عن تحليله (3) .\rوأجيب عن هذه الأدلة بما يأتي (4) :\r1 - إن المراد بالاستمتاع في آية {فما استمتعتم} [النساء:24/4]: النكاح؛ لأنه هو المذكور في أول الآية وآخرها، حيث بدئت بقول تعالى: {ولا تنكحوا مانكح آباؤكم} [النساء:22/4] وختمت بقوله سبحانه: {ومن لم يستطع منكم طولاً أن ينكح المحصنات المؤمنات} [النساء:25/4] فدل على أن المراد بالاستمتاع هنا ما كان عن طريق النكاح، وليس المراد به المتعة المحرمة شرعاً.\rوأما التعبير بالأجر: فإن المهر في النكاح يسمى في اللغة أجراً، لقوله تعالى: {فانكحوهن بإذن أهلهن، وآتوهن أجورهن بالمعروف} [النساء:25/4] أي مهورهن، وقوله سبحانه: {يا أيها النبي إنا أحللنا لك أزواجك اللاتي آتيت أجورهن} [الأحزاب:50/33] أي مهورهن.\rوأما الأمر بإيتاء الأجر بعد الاستمتاع، والمهر يؤخذ قبل الاستمتاع، فهذا على طريقة في اللغة من تقديم وتأخير، والتقدير: فآتوهن أجورهن إذا استمتعتم بهن، أي إذا أردتم الاستمتاع بهن، مثل قوله تعالى: {إذا طلقتم النساء فطلقوهن} [الطلاق:1/65] أي إذا أردتم الطلاق، ومثل {إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا} [المائدة:6/5] أي إذا أردتم القيام إلى الصلاة.\r-------------------------------\r(1) نصب الراية: 181/3.\r(2) نيل الأوطار: 135/6 وما بعدها.\r(3) البحر الزخار: 22/3.\r(4) الأحوال الشخصية للدكتور مصطفى السباعي: 83/1 وما بعدها.","part":9,"page":58},{"id":5614,"text":"2 - وأما الإذن بالمتعة في السنة النبوية في بعض الغزوات، فكان للضرورة القاهرة في الحرب، وبسبب العُزْبة في حال السفر، ثم حرمها الرسول صلّى الله عليه وسلم تحريماً أبدياً إلى يوم القيامة، بدليل الأحاديث الكثيرة، منها:\rأ ـ «يا أيها الناس، إني كنت أذنت لكم في الاستمتاع من النساء، وإن الله قد حرم ذلك إلى يوم القيامة، فمن كان عنده منهن شيء، فليخل سبيله، ولا تأخذوا مما آتيتموهن شيئاً» (1) .\rب ـ قال سلمة بن الأكوع: «رخص لنا رسول الله صلّى الله عليه وسلم في متعة النساء عام أوطاس ثلاثة أيام، ثم نهى عنها» (2) .\rجـ ـ قال سَبْرة بن معبد: «إن رسول الله صلّى الله عليه وسلم في حجة الوداع نهى عن نكاح المتعة» (3) .\r-------------------------------\r(1) رواه مسلم وأحمد عن سَبْرة بن معبد الجهني.\r(2) رواه مسلم وأحمد.\r(3) رواه أحمد وأبو داود.","part":9,"page":59},{"id":5615,"text":"د ـ عن علي رضي الله عنه أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم نهى عن نكاح المتعة وعن لحوم الحُمر الأهلية زمن خيبر (1) .\rوأما ابن عباس: فكان يجيز المتعة للمضطر فقط، روى عنه سعيد بن جبير أنه قال: سبحان الله ، ما بهذا أفتيت، وإنما هي كالميتة لا تحل إلا للمضطر. وأما الشيعة فقد توسعوا فيها وجعلوا الحكم عاماً للمضطر وغيره، وللمقيم والمسافر.\rومع ذلك فقد أنكر عليه الصحابة، مما يجعل رأيه شاذاً تفرد به، فقد أنكر عليه علي رضي الله عنه قائلاً له: إنك امرؤ تائه (2) ؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلم نهى عن متعة النساء يوم خيبر وعن لحوم الحُمر الإنسية، وأنكر عليه عبد الله بن الزبير رضي الله عنه، روى مسلم عنه أنه قام بمكة فقال: «إن إناساً أعمى الله قلوبهم كما أعمى أبصارهم يفتون بالمتعة ـ يعرِّض برجل هو عبد الله بن العباس ـ فناداه ابن عباس، فقال له: إنك لجِلْف (3) جاف، فلعمري، لقد كانت المتعة تفعل في عهد أمير المتقين ـ أي رسول الله صلّى الله عليه وسلم ـ فقال له ابن الزبير: فجرب نفسك، فوالله لو فعلتها لأرجمنك بأحجارك» .\rثم نقل المحدثون عن ابن عباس أنه رجع عن قوله، روى الترمذي عنه أنه قال: «إنما كانت المتعة في أول الإسلام، كان الرجل يقدم البلدة ليس له فيها معرفة، فيتزوج المرأة بقدر مايرى أنه يقيم، فتحفظ له متاعه، وتصلح له شأنه، حتى نزلت هذه الآية: { إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم } [ المؤمنون: 6/23 ]، قال ابن عباس: فكل فرج سواهما حرام» .\r-------------------------------\r(1) رواه أحمد والشيخان (راجع نيل الأوطار: 134/6، نصب الراية: 177/3، في كل هذه الأحاديث).\r(2) أي حائر حائد عن الطريق المستقيم.\r(3) الجلف: الغليظ الطبع القليل الفهم.","part":9,"page":60},{"id":5616,"text":"وروى البيهقي أيضاً وأبو عوانة في صحيحه رجوع ابن عباس (1) .\rوالقول برجوعه هو الأصح لدى كثير من العلماء، ويؤكده إجماع الصحابة على التحريم المؤبد، ومن المستبعد أن يخالفهم، روى الحازمي في الناسخ والمنسوخ من حديث جابر بن عبد الله قال: «خرجنا مع رسول الله صلّى الله عليه وسلم إلى غزوة تبوك، حتى إذا كنا عند العقبة مما يلي الشام، جاءت نسوة، فذكرنا تمتعنا، وهن تطفن في رحالنا، فجاءنا رسول الله صلّى الله عليه وسلم ، فنظر إليهن، وقال: من هؤلاء النسوة؟ فقلنا: يارسول الله، نسوة تمتعنا منهن، قال: فغضب رسول الله صلّى الله عليه وسلم حتى احمرَّت وجنتاه، وتمعَّر وجهه، وقام فينا خطيباً، فحمد لله وأثنى عليه، ثم نهى عن المتعة، فتوادعنا يومئذ الرجال والنساء، ولم نعد، ولا نعود لها أبداً، فبها سميت يومئذ: ثنية الوداع» (2) .\rوروى أبو عوانة عن ابن جريج أنه قال في البصرة: اشهدوا أني قد رجعت عن المتعة، بعد أن حدثهم فيها ثمانية عشرة حديثاً أنه لا بأس بها (3) .\rكل هذا يدل على نسخ إباحة المتعة، ولعل ابن عباس ومن وافقه من الصحابة والتابعين لم يبلغه الدليل الناسخ. فإذا ثبت النسخ وجب المصير إليه، أو يقال: إن إباحة المتعة كانت في مرتبة العفو التي لم يتعلق بها الحكم كالخمر قبل تحريمها، ثم ورد النص القاطع بالتحريم.\r-------------------------------\r(1) نيل الأوطار: 135/6.\r(2) نصب الراية: 179/3.\r(3) نيل الأوطار: 136/6.","part":9,"page":61},{"id":5617,"text":"أدلة الجمهور :\rاستدل الجمهور على تحريم نكاح المتعة بالقرآن والسنة والإجماع والمعقول:\r1ً - أما القرآن: فقوله تعالى: {والذين هم لفروجهم حافظون، إلا على أزواجهم، أو ماملكت أيمانهم، فإنهم غير ملومين، فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون} [المؤمنون:5/23-6] هذه الآىة حرمت الاستمتاع بالنساء إلا من طريقين: الزواج وملك اليمين، وليست المتعة زواجاً صحيحاً، ولا ملك يمين، فتكون محرمة، ودليل أنها ليست زواجاً أنها ترتفع من غير طلاق، ولا نفقة فيها، ولا يثبت بها التوارث.\r2ً - وأما السنة: فالأحاديث الكثيرة السابقة المتفق عليها التي ذكرتها عن علي وسَبْرة الجهني وسلمة بن الأكوع وغيرهم رضي الله عنهم، والمتضمنة النهي الصريح عن نكاح المتعة عام خيبر، وبعد فتح مكة بخمسة عشر يوماً، وفي حجة الوداع.\r3ً - وأما الإجماع: فقد أجمعت الأمة إلا الإمامية على الامتناع عن زواج المتعة، ولو كان جائراً لأفتوا به. قال ابن المنذر: جاء عن الأوائل الرخصة فيها، أي في المتعة، ولا أعلم اليوم أحداً يجيزها، إلا بعض الرافضة، ولا معنى لقول يخالف كتاب الله وسنة رسوله. وقال القاضي عياض: ثم وقع الإجماع من جميع العلماء على تحريمها، إلا الروافض (1) .\r4ً - أما المعقول: فإن الزواج إنما شرع مؤبداً لأغراض ومقاصد اجتماعية، مثل سكن النفس وإنجاب الأولاد وتكوين الأسرة، وليس في المتعة إلا قضاء الشهوة بنحو مؤقت، فهو كالزنا تماماً، فلا معنى لتحريمه مع إباحة المتعة.\rوبه يتبين رجحان أدلة الجمهور والقول بتحريم المتعة وبطلان زواجها وبطلان الزواج المؤقت، وهذا ما يتقبله المنطق وروح الشريعة، ولا يمكن لأي إنسان متجرد محايد إلا إنكار المتعة والامتنا ع عنها نهائياً.\r-------------------------------\r(1) نيل الأوطار: 136/6.","part":9,"page":62},{"id":5618,"text":"الشرط الثالث ـ الشهادة :\rالكلام عن هذا الشرط في أربعة مواضع: آراء الفقهاء في اشتراط الشهادة على الزواج، وقت الشهادة، حكمتها، شروط الشهود.\rأولاً ـ آراء الفقهاء في اشتراط الشهادة :\rاتفقت المذاهب الأربعة (1) على أن الشهادة شرط في صحة الزواج، فلا يصح بلا شهادة اثنين غير الولي، لقوله صلّى الله عليه وسلم فيما روته عائشة: «لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل» (2) وروى الدارقطني حديثاً عن عائشة أيضاً: «لا بد في النكاح من أربعة: الولي، والزوج، والشاهدين» وروى الترمذي عن ابن عباس من قوله عليه الصلاة والسلام: «البغايا: اللاتي يَنْكحن أنفسهن بغير بينة» (3) .\rولأن في الشهادة حفاظاً على حقوق الزوجة والولد، لئلا يجحده أبوه، فيضيع نسبه، وفيها درء التهمة عن الزوجين، وبيان خطورة الزواج وأهميته.\rنكاح السر: تأكيداً لشرط الشهادة قال المالكية (4) : يفسخ نكاح السر (وهو الذي يوصي فيه الزوج الشهود بكتمه عن امرأته، أو عن جماعة ولو أهل منزل) بطلقة بائنة إن دخل الزوجان، كما يتعين فسخ النكاح بدخول الزوجين بلا إشهاد، ويحدان معاً حد الزنا جلداً أو رجماً إن حدث وطء وأقرَّا به، أو ثبت الوطء بأربعة شهود كالزنا، ولا يعذران بجهل.\rولكن لا يجب الحد عليهما إن فشا النكاح وظهر بنحو ضرب دُفّ أو وليمة، أو بشاهد واحد غير الولي ، أو بشاهدين فاسقين ونحو ذلك للشبهة، لقوله صلّى الله عليه وسلم : «ادرءوا الحدود بالشبهات» (5) .\rوقال الحنابلة: لا يبطل العقد بتواص بكتمانه، فلو كتمه ولي وشهود وزوجان، صح وكره (6) .\rوهناك قول شاذ لابن أبي ليلى وأبي ثور وأبي بكر الأصم: لا تشترط الشهادة في الزواج ولا تلزم؛ لأن الآيات الواردة في شأن الزواج لا تشترط الإشهاد، مثل {فانكحوا ما طاب لكم من النساء} [النساء:3/4] {وأنكحوا الأيامى منكم} [النور:32/24] فيعمل بها على إطلاقها، والأحاديث الواردة لا تصلح مقيدة.\rوهذا هو مذهب الشيعة الإمامية (7) ، فإنهم قالوا: يستحب الإعلان والإظهار في النكاح الدائم والإشهاد، وليس الإشهاد شرطاً في صحة العقد عند علمائنا أجمع.\rوهذا القول باطل لا يعول عليه؛ لأن أحاديث الإشهاد على الزواج مشهورة، فيصح أن يقيد بها مطلق الكتاب.\r-------------------------------\r(1) هذا هو المعتمد في مذهب المالكية، بخلاف ما تنقله بعض الكتب القديمة والحديثة من أنه لا يشترط الإشهاد عند مالك، بل يكفي الإعلان ولو بالدف. وهذا هو المشهور عن أحمد أنه لا ينعقد النكاح إلا بشاهدين.\r(2) رواه الدارقطني وابن حبان في صحيحه.\r(3) لم يرفعه غير عبد الأعلى وهو ثقة (نيل الأوطار: 125/6).\r(4) الشرح الكبير مع الدسوقي: 236/2، الشرح الصغير: 336/2 وما بعدها.\r(5) رواه ابن عدي في الكامل عن ابن عباس، ورواه أبو مسلم الكجي وابن السمعاني عن عمر بن عبد العزيز مرسلاً، ورواه مسدد في مسنده عن ابن مسعود موقوفاً (الجامع الصغير)..\r(6) غاية المنتهى: 27/3.\r(7) المختصر النافع في فقه الإمامية: ص 194.","part":9,"page":63},{"id":5619,"text":"ثانياً ـ وقت الشهادة :\rيرى الجمهور غير المالكية: أن الشهادة تلزم حين إجراء العقد، ليسمع الشهود الإيجاب والقبول عند صدورهما من المتعاقدين. فإن تم العقد بدون الشهادة وقع فاسداً، للحديث السابق: «لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل» وظاهره عند النكاح، وبه تتحقق حكمة الشهادة، ولأن الشهادة ـ كما قال الحنفية ـ شرط ركن العقد، فيشترط وجودها عند الركن.\rويرى المالكية: أن الشهادة شرط لصحة الزواج، سواء أكانت عند إبرام العقد، أم بعد العقد وقبل الدخول، ويستحب فقط كونها عند العقد، فإن لم تصح الشهادة وقت العقد أو قبل الدخول، كان العقد فاسداً، والدخول بالمرأة معصية، ويتعين فسخه كما بينت، فالشهادة عندهم شرط في جواز الدخول بالمرأة، لا في صحة العقد، وهذا محل الخلاف بين المالكية وغيرهم.\rثالثاً ـ حكمة الإشهاد :\rالحكمة من اشتراط الإشهاد على الزواج بيان خطورته وأهميته، وإظهار أمره بين الناس لدفع الظِّنة والتهمة عن الزوجين.","part":9,"page":64},{"id":5620,"text":"ولأن بالشهادة على الزواج التمييز بين الحلال والحرام، فشأن الحلال الإظهار، وشأن الحرام التستر عليه عادة. ويتحقق بالشهادة التوثق لأمر الزواج والاحتياط لإثباته عند الحاجة إليه. لهذا كله ندب الشرع إلى إعلان النكاح والدعوة إلى وليمته، فقال صلّى الله عليه وسلم : «أعلنوا النكاح» «أعلنوا النكاح واضربوا عليه بالغِربال» أي الدُّف، «أعلنوا هذا النكاح، واجعلوه في المساجد، واضربوا عليه بالدفوف، وليولم أحدكم ولو بشاة، فإذا خطب أحدكم امرأة وقد خَضِب بالسواد، فليُعْلمها لا يَغرُّها» (1) .\rرابعاً ـ شروط الشهود: ينبغي توافر أوصاف معينة في الشهود وهي أولاً ـ أن يكونوا أهلاً لتحمل الشهادة وذلك بالبلوغ والعقل، وثانياً ـ أن يتحقق بحضورهم معنى الإعلان، وثالثاً ـ أن يكونوا أهلاً لتكريم الزواج بحضورهم.\rأما الأهلية: فتشترط في الشهود على الزواج بالاتفاق الأهلية الكاملة، وسماع كلام العاقدين وفهم المراد منهم، وتكون شروط الشهود هي ما يأتي:\r1ً - العقل: فلا تصح شهادة المجنون على عقد الزواج، إذ لا تتحقق الغاية من الشهادة وهي الإعلان وإثبات الزواج في المستقبل عند الجحود والإنكار.\r2ً - البلوغ: فلا تصح شهادة الصبي ولو كان مميزاً، لأنه لا يتحقق بحضور الصبيان الإعلان والتكريم، ولا يتناسب حضورهم مع خطورة الزواج.\rوهذان الشرطان متفق عليهما بين الفقهاء، ويمكن جمعهما بشرط واحد وهو كون الشاهدين مكلفين، واختلفوا في شروط أخرى بحسب المقصود من الشهادة، أهو الإعلان فقط كما قال الحنفية، أم صيانة العقد من الجحود والإنكار كما قال الشافعية.\r-------------------------------\r(1) الحديث الأول رواه أحمد وصححه الحاكم عن عامر بن عبد الله بن الزبير، والثاني أخرجه الترمذي وابن ماجه والبيهقي عن عائشة، وفي رواته ضعيف، والثالث أخرجه الترمذي أيضاً من حديث عائشة، وقال: حسن غريب. قال الصنعاني: الأحاديث في إعلان النكاح واسعة وإن كان في كل منها مقال، إلا أنها يعضد بعضها بعضاً (سبل السلام: 116/3 ومابعدها).","part":9,"page":65},{"id":5621,"text":"3ً - التعدد: شرط باتفاق الفقهاء، فلا ينعقد النكاح بشاهد واحد، للحديث السابق: «لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل» .\rوذكر الحنفية (1) : أن من أمر رجلاً بأن يزوج ابنته الصغيرة فزوجها والأب حاضر بشهادة رجل واحد سواهما، جاز النكاح؛ لأن الأب يجعل مباشراً للعقد لاتحاد المجلس، ويكون الوكيل سفيراً ومعبراً، فيبقى المزوج شاهداً.\rوإن كان الأب غائباً لم يجز الزواج؛ لأن المجلس مختلف، فلا يمكن أن يجعل الأب مباشراً.\rوإذا زوج الأب ابنته البالغة بمحضر شاهد واحد: إن كانت حاضرة جاز، وإن كانت غائبة لم يجز.\r4ً - الذكورة: شرط عند الجمهور غير الحنفية، بأن يكون الشاهدان رجلين، فلا يصح الزواج بشهادة النساء وحدهن ولا بشهادة رجل وامرأتين، لخطورة الزواج وأهميته، بخلاف الشهادة في الأموال والمعاملات المالية، قال الزهري: «مضت السنّة ألا تجوز شهادة النساء في الحدود، ولا في النكاح، ولا في الطلاق» (2) ولأنه عقد ليس بمال، ولا يقصد منه المال، ويحضره الرجال في غالب الأحوال، فلا يثبت بشهادة النساء كالحدود.\rوقال الحنفية: تجوز شهادة رجل وامرأتين في عقد الزواج، كالشهادة في الأموال؛ لأن المرأة أهل لتحمل الشهادة وأدائها، وإنما لم تقبل شهادتها في الحدود والقصاص فللشبهة فيها بسبب احتمال النسيان والغفلة وعدم التثبت، والحدود تدرأ بالشبهات.\r-------------------------------\r(1) فتح القدير: 356/2.\r(2) رواه أبو عبيد في الأموال. والمقصود بالسنة: سنة النبي صلّى الله عليه وسلم .","part":9,"page":66},{"id":5622,"text":"5ً - الحرية: شرط عند الجمهور غير الحنابلة، بأن يكون الشاهدان حرين، فلا يصح الزواج بشهادة عبدين، لخطورة عقد الزواج، ولأن العبد لا ولاية له على نفسه، ولا شهادة له لعدم الولاية، فلا تكون له ولاية على غيره، والشهادة من قبيل الولايات.\rوقال الحنابلة: ينعقد الزواج بشهادة عبدين؛ لأن شهادة العبيد مقبولة عندهم في سائر الحقوق، ولم يثبت نفيها في كتاب أو سنة أو إجماع، قال أنس بن مالك: ما علمت أحداً رد شهادة العبد، والله يقبلها على الأمم يوم القيامة، فكيف لا تقبل هنا؟ وتقبل روايته في الحديث عن النبي صلّى الله عليه وسلم إذا كان عدلاً ثقة، فكيف لا تقبل فيما دون ذلك؟ والمعول عليه في الشهادة الثقة بخبر الشاهد،فإذا كان العبد ثقة عدلاً فتقبل شهادته.\r6ً - العدالة ولو ظاهرة: أي الاستقامة واتباع تعاليم الدين، ولو في الظاهر بأن يكون مستور الحال غير مجاهر بالفسق والانحراف. وهي شرط عند الجمهور في أرجح الروايتين عن أحمد، وفي الصحيح عند الشافعية، فلا يصح الزواج بشهادة الفاسق، للحديث السابق: «لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل» ولأن الشهادة من باب الكرامة لتكريم الزواج وإظهار شأنه، والفاسق من أهل الإهانة فلا يكرم العقد به، وهذا هو الراجح.\rوقال الحنفية: العدالة ليست بشرط في الشهود، فيصح العقد بشهادة العدول وغير العدول من الفساق؛ لأن هذه الشهادة تحمّل، فصحت من الفاسق كسائر التحملات، وهو من أهل الولاية فيكون من أهل الشهادة. وهذا رأي الشيعة الإمامية أيضاً؛ لأن الشهادة عندهم ليست شرطاً لصحة العقد، بل هي مندوب إليها (1) .\r-------------------------------\r(1) قالوا: لا يشترط حضور شاهدين ولا ولي إذا كانت الزوجة بالغة رشيدة على الأصح، وإنما يستحب الإشهاد والإعلان والإظهار في النكاح الدائم (المختصر النافع: ص 194).","part":9,"page":67},{"id":5623,"text":"7ً - الإسلام: شرط بالاتفاق، بأن يكون الشاهدان مسلمين يقيناً، ولا يكفي مستور الإسلام، واشتراطه إذا كان الزوجان مسلمين، واكتفى الحنفية بهذا الشرط إذا كانت الزوجة مسلمة. فإن تزوج مسلم ذمية بشهادة ذميين صح عندهم؛ لأن شهادة الكتابي على مثله جائزة، ولا يصح عند غيرهم؛ لأن الزوج مسلم، ولا بد من معرفة الزواج في أوساط المسلمين.\rوالسبب في اشتراط إسلام الشهود في نكاح المسلمين: أن لهذا العقد خطورة واعتباراً دينياً، فلا بد من أن يشهده مسلم، لينشر خبره بين المسلمين.\rوأما إن كان الزوجان غير مسلمين، فتقبل شهادة الكتابيين عند الحنفية.\r8ً - البصر: شرط عند الشافعية في الأصح، فلا تقبل شهادة الأعمى؛ لأن الأقوال لا تثبت إلا بالمعاينة كالسماع، وهو لا يقدر على التمييز بين المدعي والمدعى عليه.\rوليس البصر بشرط عند الجمهور، فتصح شهادة الأعمى إذا سمع كلام العاقدين وميز صوتهما على وجه لا يشك فيهما؛ لأنه أهل للشهادة، وهذه شهادة على قول، فتصح كما تصح في المعاملات.\r9ً - سماع الشهود كلام العاقدين وفهم المراد منه: شرط عند أكثر الفقهاء، فلا ينعقد بشهادة نائمين أو أصمين؛ لأن الغرض من الشهادة لا يتحقق بأمثالهما.\rكذلك لا يصح بشهادة السكران الذي لا يعي ما يسمع ولا يتذكره بعد الصحو.\rولا يصح أيضاً بشهادة غير عربي في عقد بالعربية إذا كان لا يعرف اللغة العربية؛ لأن القصد من الشهادة فهم كلام العاقدين، وأداء الشهادة عند اللزوم والاختلاف. وهذا هو المذهب الراجح عند الحنفية.\rولا يصح الزواج بشهادة الله ورسوله، بل قيل: إنه يكفر؛ لأنه اعتقد أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم عالم الغيب.","part":9,"page":68},{"id":5624,"text":"هذا ولا يشترط في الشهود أن يكونوا ممن لا ترد شهادتهم للزوجين في القضاء، فيصح الزواج بشهادة ابني الزوجين أوابني أحدهما إلا عند الحنابلة فلا يصح، وبشهادة عدويهما؛ لأن الولد والعدو من أهل الشهادة. ويصح بشهادة الحواشي والأعمام إذا كان الولي عند غير الحنفية غيرهم، فالولي عند الجمهور شرط كالشهود، والشهود غير الولي.\rوقد وضع الحنفية ضابطاً لمن تقبل شهادته في الزواج ومن لا تقبل، فقالوا: كل من صلح أن يكون ولياً في الزواج بولاية نفسه (1) ، صلح أن يكون شاهداً فيه.\rوكما يشترط الإشهاد على صحة الزواج، يستحب أيضاً عند الجمهور غير الحنفية على رضا المرأة بالزواج، بأن قالت: رضيت أو أذنت فيه، حيث يعتبر رضاها بأن كانت غير مجبرة، وذلك احتياطاً ليؤمن إنكارها.\r-------------------------------\r(1) هذا القيد لإخراج المكاتب، فإنه وإن ملك تزويج أمته، لكن لا بولاية نفسه، بل بما استفاده من المولى. قال ابن عابدين: وهذا يقتضي عدم انعقاده بالمحجور عليه، ولم أره.","part":9,"page":69},{"id":5625,"text":"موقف القانون من الشهادة: أخذ قانون الأحوال الشخصية السوري (م12) بمذهب الحنفية في الشهادة، فنص على أنه: «يشترط في صحة عقد الزواج حضور شاهدين رجلين، أو رجل وامرأتين، مسلمين عاقلين بالغين، سامعين الإيجاب والقبول، فاهمين المقصود بهما » ، أي أن هذا في الزواج بين مسلمين، أما بين كتابيين فيصح بشهادة شاهدين من أهل الكتاب، ولو كانا مخالفين لدين الزوجة، كشهادة نصرانيين على الزواج بيهودية.\rالشرط الرابع ـ الرضا والاختيار من العاقدين أو عدم الإكراه :\rهو شرط عند الجمهور غير الحنفية، فلا يصح الزواج بغير رضا العاقدين، فإن أكره أحدهما على الزواج بالقتل أو بالضرب الشديد أو بالحبس المديد، كان العقد فاسداً، لقوله صلّى الله عليه وسلم : «إن الله تجاوز لي عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه» (1) . وأخرج النسائي عن عائشة: «أن فتاة ـ هي الخنساء ابنة خِدَام الأنصارية ـ دخلت عليها، فقالت: إن أبي زوجني من ابن أخيه يرفع بي خسيسته (2) ، وأنا كارهة، قالت: اجلسي حتى يأتي رسول الله صلّى الله عليه وسلم ، فجاء رسول الله صلّى الله عليه وسلم فأخبرته، فأرسل إلى أبيها، فدعاه ، فجعل الأمر إليها، فقالت: يا رسول الله ، قد أجزت ما صنع أبي، ولكن أردت أن أعلم النساء أن ليس للآباء من الأمر شيء» (3) والمراد بنفي الأمر عن الآباء نفي التزويج. فدل الحديثان على أن الرضا شرط لصحة الزواج، والإكراه يعدم الرضا، فلا يصح معه الزواج. وهذا هو الراجح؛ لأن التراضي أصل في العقود، والعقد للزوجين، فاعتبر تراضيهما به كالبيع.\rوقال الحنفية: حقيقة الرضا ليس شرطاً لصحة النكاح، فيصح الزواج ومثله الطلاق مع الإكراه والهزل؛ لأن المستكره قاصد عقد الزواج، لكنه غير راض بالحكم الذي يترتب عليه، فهو مثل الهازل، والهزل لا يمنع صحة الزواج، لقول النبي صلّى الله عليه وسلم : «ثلاث جِدهن جد، وهَزْلهن جِد: النكاح، والطلاق، والرجعة» (4) . لكن هذا القياس يصادم الثابت في السنة.\r-------------------------------\r(1) حديث حسن رواه ابن ماجه والبيهقي وغيرهما عن ابن عباس.\r(2) الخسيس: الدنيء، يقال: رفعت خسيسته: إذا فعلت به فعلاً يكون فيه رفعته.\r(3) سبل السلام: 122/3 وما بعدها.\r(4) رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه عن أبي هريرة رضي الله عنه (كشف الخفا: 389/1).","part":9,"page":70},{"id":5626,"text":"الشرط الخامس ـ تعيين الزوجين :\rذكر الشافعية والحنابلة هذا الشرط، فلا يصح العقد إلا على زوجين معينين؛ لأن المقصود في النكاح أعيانهما أو التعيين، فلم يصح بدون تعيينهما، فلو قال الولي: زوجتك ابنتي، لم يصح حتى يعينها بالاسم أو بالصفة أو بالإشارة، فإن سماها باسم يخصها، أو وصفها بما تتميز به عن غيرها، بأن تكون الصفة لا يشركها فيها غيرها من أخواتها، كبنتي الكبرى أو الصغرى أو الوسطى أو البيضاء ونحوه، أوأشار إليها بأن قال: هذه، صح العقد، ولو سماها الولي في حال الإشارة، بغير اسمها، أو لم يكن له إلا بنت واحدة صح أيضاً؛ لأن مع التعيين بالإشارة لا حكم للاسم، فلو قال: زوجتك بنتي فاطمة هذه، وأشار إلى خديجة، فيصح العقد على خديجة؛ لأن الإشارة أقوى. وفي حال انفرادها عنده لا جهالة؛ لأن عدم التعيين إنما جاء من التعدد، ولا تعدد هنا. فإن حدث خطأ في الإيجاب والقبول بأن نوى الولي البنت الكبيرة، ونوى الزوج البنت الصغيرة، لم يصح العقد، كما تقدم؛ لأن الإيجاب في امرأة، والقبول في أخرى.\rالشرط السادس ـ عدم الإحرام بالحج أو العمرة من أحد الزوجين أو الولي :\rهو شرط عند الجمهور غير الحنفية، فلا يصح الزواج إذا كان أحد العاقدين محرماً بحج أو عمرة، ولايجوز نكاح المحرم ولا إنكاحه لقوله صلّى الله عليه وسلم فيما رواه عثمان: « لايَنْكح المُحْرِم،","part":9,"page":71},{"id":5627,"text":"ولايُنْكح » (1) وفي رواية لمسلم: « ولا يخطُب» أي لنفسه أو لغيره. فهذا نهي صريح للمحرم بحج أو عمرة أن يتزوج أو يزوج غيره، والنهي يدل على فساد المنهي عنه، ولأن الإحرام انقطاع للعبادة، والزواج سبيل إلى المتعة، فيتنافى مع الإحرام، فيمنع أثناءه.\rوأضاف المالكية أنه يفسخ وإن دخل الزوج وولدت، وفسخه بغير طلاق.\rوقال الحنفية: ليس هذا شرطاً لصحة الزواج، فيصح مع الإحرام، سواء أكان المحرم هو الزوج أم الزوجة أم الولي، أي يجوز نكاح المحرم وإنكاحه، بدليل أن النبي صلّى الله عليه وسلم فيما رواه ابن عباس تزوج ميمونة بنت الحارث، وهو محرم (2) .\rوالحق رجحان الرأي الأول، لورود رواية أخرى من طرق شتى عن ميمونة نفسها: «أن النبي صلّى الله عليه وسلم تزوجها وهو حلال» (3) فإذا تعارض الخبران رجحت رواية الكثرة، فيكون الوهم إلى الواحد أقرب منه إلى الجماعة، وحديث عثمان صحيح في منع المحرم، فهو المعتمد. وقد تؤول حديث ابن عباس بأن معنى (وهو محرم) أي داخل في الحرم، أو في الأشهر الحرم (4) .\r-------------------------------\r(1) رواه مسلم عن عثمان رضي الله عنه.\r(2) متفق عليه عن ابن عباس.\r(3) رواه مسلم عن ميمونة نفسها (انظر سبل السلام: 124/3) في الأحاديث الثلاثة.\r(4) سبل السلام: 14/3، وقد جزم بهذا التأويل ابن حبان في صحيحه، لكن قيل عنه: هو تأويل بعيد لا تساعد عليه ألفاظ الحديث.","part":9,"page":72},{"id":5628,"text":"الشرط السابع ـ أن يكون الزواج بصداق :\rهذا الشرط والشرطان الآتيان بعده مما اشترطه المالكية، وهو أن يكون الزواج بصداق (مهر)، فإن لم يذكر حال العقد، فلا بد من ذكره عند الدخول، أو يتقرر صداق المثل بالدخول.\rالشرط عندهم وجود الصداق، فلا يصح الزواج بدونه، لكن لا يشترط ذكره عند العقد، بل يستحب فقط، لما فيه من اطمئنان النفس، ودفع توهم الاختلاف في المستقبل. فإن لم يذكر المهر حين العقد صح الزواج، ويسمى الزواج حينئذ زواج التفويض.\rزواج التفويض: هو عقد بلا ذكر ـ أي تسمية ـ مهر ولا إسقاطه (1) ، وهو جائز عند المالكية، أما لو تزوج رجل امرأة، وتراضيا على الزواج بدون مهر، أو اشترطا عدم المهر أو سميا شيئاً لا يصلح مهراً كالخمر والخنزير، فلا يصح الزواج، ويجب فسخه قبل الدخول، وإن دخل الرجل بالمرأة ثبت العقد، ووجب للزوجة مهر المثل (2) ، أي إن حدث الدخول على إسقاط المهر، فليس من التفويض، بل هو نكاح فاسد.\rوقال الجمهور (3) : لا يفسد العقد بالزواج بدون مهر، أو باشتراط عدم المهر، أو بتسمية شيء لا يصلح مهراً؛ لأن المهر ليس ركناً في العقد ولا شرطاً له، بل هو حكم من أحكامه، فالخلل فيه لا تأثير له على العقد. وهذا هو الراجح، إذ\r-------------------------------\r(1) قال المالكية: جاز بلا خلاف نكاح التفويض، ونكاح التحكيم.\r(2) الشرح الكبير: 313/2، القوانين الفقهية: ص 203، الشرح الصغير: 449/2.\r(3) مغني المحتاج: 229/3، المهذب: 60/2، المغني: 716/6، كشاف القناع: 174/5، فتح القدير: 434/3، رد المحتار لابن عابدين: 461/2.","part":9,"page":73},{"id":5629,"text":"لو كان المهر شرطاً في العقد لوجب ذكره حين العقد، وهو لا يجب أن يذكر حين العقد لكن يجب مهر المثل.\rلهذا كان زواج التفويض (وهوإخلاء النكاح عن المهر) صحيحاً بالاتفاق (1) .\rالشرط الثامن ـ عدم تواطؤ الزوج مع الشهود على كتمان الزواج :\rهو شرط أيضاً عند المالكية، فإذا حدث التواطؤ بين الزوج والشهود على كتمان الزواج عن الناس أو عن جماعة، بطل الزواج. وهذا ما يعرف ـ كما تقدم ـ بنكاح السر: وهو ما أوصى فيه الزوج الشهود بكتمه عن زوجته أو عن جماعة، وأهل منزل، أو زوجة قديمة، إذا لم يكن الكتم خوفاً من ظالم أو نحوه. وحكمه: أنه يجب فسخه إلا إذا دخل بالمرأة.\rفإن كان الإيصاء للشهود بالكتمان من الولي فقط، أو الزوجة فقط، دون الزوج، أو اتفق الزوجان والولي على الكتم دون إيصاء الشهود، أو أوصى الزوج الولي والزوجة معاً، أو أحدهما على الكتم، لم يضر، ولم يبطل العقد (2) .\rوقال الجمهور: ليس هذا شرطاً لصحة العقد، فلو اتفق الزوج مع الشهود على كتمان الزواج عن كل الناس أو عن بعضهم، لم يفسد العقد؛ لأن إعلان الزواج يتحقق بمجرد حضور الشاهدين.\rالشرط التاسع ـ ألا يكون أحد الزوجين مريضاً مرضاً مخوفاً :\rهو شرط أيضاً عند المالكية، فلا يصح نكاح المريض والمريضة المخوف عليهما، على المشهور، والمرض المخوف: هو ما يتوقع منه الموت عادة، ويفسخ الزواج إن وقع ولو بعد الدخول، إلا إن صح المريض قبل الفسخ، فإن لم يدخل الزوج فليس للمرأة صداق، وإن دخل فلها الصداق المسمى. ولو مات أحدهما قبل الفسخ ولو بعد الدخول لا يرثه الآخر؛ لأن سبب فساده إدخال وارث في التركة لم يكن موجوداً قبل المرض. لكن إن مات الزوج قبل فسخ الزواج بعد الدخول، فللزوجة الأقل من ثلث التركة ومن المسمى ومن مهر المثل؛ لأن الزواج في المرض\r-------------------------------\r(1) مغني المحتاج: 229/3، المهذب: 60/2، المغني: 716/6، كشاف القناع: 174/5، فتح القدير: 434/3، رد المحتار لابن عابدين: 461/2.\r(2) الشرح الكبير مع الدسوقي: 236/2-237.","part":9,"page":74},{"id":5630,"text":"المخوف تبرع، وتبرع المريض مرض الموت لا ينفذ إلا من الثلث (1) .\rالشرط العاشر ـ حضور الولي :\rهو شرط عند الجمهور غير الحنفية، فلا يصح الزواج إلا بولي، لقوله تعالى: {فلا تعضُلوهن أن ينكحن أزواجهن} [البقرة:232/2] قال الشافعي: هي أصرح آية في اعتبار الولي، وإلا لما كان لعضله معنى. ولقوله صلّى الله عليه وسلم : «لا نكاح إلا بولي» (2) وهو لنفي الحقيقة الشرعية، بدليل حديث عائشة: «أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها، فنكاحها باطل، باطل، باطل، فإن دخل بها فلها المهر بما استحل من فرجها، فإن اشتجروا فالسلطان ولي من لا ولي له» (3) .\rولا يصح حمل الحديث الأول على نفي الكمال؛ لأن كلام الشارع محمول على الحقائق الشرعية، أي لا نكاح شرعي أو موجود في الشرع إلا بولي.\r-------------------------------\r(1) الشرح الكبير: 240/2، الشرح الصغير: 382/3.\r(2) رواه الخمسة (أحمد وأصحاب السنن) عن أبي موسى الأشعري، وصححه ابن المديني والترمذي وابن حبان وأعله بإرساله (سبل السلام: 117/3).\r(3) رواه أحمد والأربعة إلا النسائي، وصححه الترمذي وأبو عوانة، وابن حبان والحاكم، وابن معين وغيره من الحفاظ (سبل السلام: 127/3 وما بعدها).","part":9,"page":75},{"id":5631,"text":"ولا يفهم من الحديث الثاني صحة الزواج بإذن الولي؛ لأنه خرج مخرج الغالب، فلا مفهوم له؛ لأن الغالب أن المرأة إنما تزوج نفسها بغير إذن وليها.\rويؤكده حديث ثالث: «لا تزوج المرأة ُ المرأة َ، ولا تزوج المرأة نفسها» (1) فإنه يدل على أن المرأة ليس لها ولاية في الإنكاح لنفسها ولا لغيرها، فلا عبارة لها في النكاح إيجاباً ولا قبولاً، فلا تزوج نفسها بإذن الولي ولا غيرها، ولا تزوج غيرها بولاية ولا بوكالة، ولا تقبل النكاح بولاية ولا وكالة. والخلاصة: أن الجمهور يقولون: لا ينعقد النكاح بعبارة النساء أصلاً، فلو زوجت امرأة نفسها، أو غيرها، أو وكلت غير وليها في تزويجها ولو بإذن وليها، لم يصح نكاحها لعدم وجود شرطه وهو الولي.\rوقال الحنفية في ظاهر الرواية عن أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله : للمرأة العاقلة البالغة تزويج نفسها وابنتها الصغيرة، وتتوكل عن الغير، ولكن لو وضعت نفسها عند غير كفء، فلأوليائها الاعتراض. وعبارتهم: ينعقد نكاح الحرة العاقلة البالغة برضاها وإن لم يعقد عليها ولي، بكراً كانت أم ثيباً، عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله في ظاهر الرواية، والولاية مندوبة مستحبة فقط. وعند محمد: ينعقد موقوفاً (2) .\rودليلهم من القرآن: إسناد النكاح إلى المرأة في آيات ثلاث هي: {فإن طلقها فلا تحل له مِنْ بَعْدُ حتى تنكح زوجاً غيره} [البقرة:230/2]، {وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فلا تعضُلوهن أن ينكحن أزواجهن} [البقرة:232/2] فالخطاب للأزواج، لا للأولياء كما قال الجمهور، وآية: {فإذا بلغن أجلهن فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن بالمعروف} [البقرة:234/2] هذه الآيات صريحة في أن زواج المرأة يصدر عنها.\rودليلهم من السنة: حديث «الثيب أحق بنفسها من وليها، والبكر تستأمر، وإذنها سكوتها» (3) وفي رواية «لا تنكح الأيم ـ التي فارقت زوجها بطلاق أو موت ـ حتى تستأمر، ولا تنكح البكر حتى تستأذن، قالوا: يا رسول الله ، وكيف إذنها؟ قال: أن تسكت» (4) الحديث صريح في جعل الحق للمرأة الثيب في زواجها، والبكر مثلها، ولكن نظراً لغلبة حيائها اكتفى الشرع باستئذانها بما يدل على رضاها، وليس معناه سلب حق مباشرتها العقد، بما لها من الأهلية العامة.\rوهناك رأي وسط للفقيه أبي ثور من الشافعية (5) : وهو أنه لا بد في الزواج من رضا المرأة ووليها معاً، وليس لأحدهما أن يستقل بالزواج بدون إذن الآخر ورضاه، ومتى رضيا فلكل واحد إجراء العقد؛ لأن المرأة كاملة الأهلية في التصرفات.\r-------------------------------\r(1) رواه ابن ماجه والدارقطني ورجاله ثقات، عن أبي هريرة (سبل السلام: 129/3 وما بعدها).\r(2) فتح القدير: 391/2 وما بعدها، البدائع: 237/2-247.\r(3) رواه مسلم عن ابن عباس (سبل السلام: 119/3).\r(4) متفق عليه عن أبي هريرة (سبل السلام: 118/3).\r(5) المهذب: 35/2.","part":9,"page":76},{"id":5632,"text":"شروط النفاذ :\rاشترط الحنفية لنفاذ عقد الزواج وترتب آثاره عليه بالفعل بعد انعقاده صحيحاً الشروط الخمسة التالية (1) :\r1ً - أن يكون كل من الزوجين كامل الأهلية إذا تولى عقد الزواج بنفسه، أو بوكيل عنه، وكمال الأهلية بالعقل والبلوغ والحرية، فمتى كان كل من الزوجين عاقلاً بالغاً حراً، نفذ العقد وترتبت آثاره عليه، من حل الدخول ووجوب المهر وغيرهما، وقال محمد كما تقدم: إذا زوجت المرأة البالغة العاقلة نفسها بدون ولي، كان زواجها موقوفاً على إجازة الولي.\rأما إن باشر عقد الزواج صبي مميز أو عبد، فيتوقف العقد عند الحنفية والمالكية على إجازة الولي من أب ونحوه، أو سيد. وإن باشره مجنون أوغير مميز فلا ينعقد أصلاً.\rوعند الشافعية والحنابلة:لا تنعقد تصرفات العبد والصبي المميز وغير المميز أصلاً، بل هي باطلة.\r2ً - أن يكون الزوج رشيداً، إذا تولى الزواج بنفسه: هذا شرط عند المالكية، فإن كان سفيهاً غير رشيد: وهو الذي لا يحسن التصرف في ماله، وتزوج بدون إذن الولي، توقف عقد زواجه عند المالكية على إجازة وليه (2) .\rوقال الشافعية والحنابلة (3) : الرشد شرط لصحة الزواج، فلو تزوج السفيه بغير إذن وليه، كان الزواج باطلاً؛ لأنه تصرف يجب به مال، وفي الزواج ودفع المهر والنفقة إتلاف للمال أو مظنة إتلافه.\rوقال الحنفية (4) : ليس الرشد شرطاً لصحة الزواج ولا لنفاذه، فإن تزوج السفيه امرأة جاز زواجه؛ لأنه من حوائجه الأصلية وتصرفاته الشخصية، والحجر\r-------------------------------\r(1) البدائع: 233/2 وما بعدها، الدر المختار: 379/2، الشرح الصغير: 391/2، الشرح الكبير: 241/2.\r(2) الشرح الصغير: 387/3، الشرح الكبير والدسوقي: 231/3، 294-297، القوانين الفقهية: ص197.\r(3) مغني المحتاج: 171/2، كشاف القناع: 441/3.\r(4) الكتاب مع اللباب: 70/2.","part":9,"page":77},{"id":5633,"text":"إنما هو على التصرفات المالية المحضة. والقاعدة عندهم : أن كل ما لا يؤثر فيه الهزل كالعتق والنكاح، لا يؤثر فيه الحجر، لكن لا يثبت للمرأة أكثر من مهر المثل إذا كان السفيه هو الزوج، ويثبت فيه مهر المثل على الأقل إذا كانت الزوجة هي السفيهة.\r3ً - ألا يكون العاقد ولياً أبعد مع وجود الولي الأقرب المقدم عليه: شرط نفاذ عند الحنفية، فإن زوج الولي الأبعد مع وجود الأقرب منه، كان العقد موقوفاً على إجازة الولي الأقرب.\rوهو شرط صحة عند الشافعية والحنابلة (1) ، فلا يصح زواج الولي الأبعد مع وجود الأقرب إلا إذا كان هناك مانع كالجنون واختلال النظر بهرم أو خَبَل (فساد في العقل)، والصغر، والحجر بسفه، والعضل (أي المنع من الزواج بغير حق).\rوقال المالكية (2) : إن كان الولي الأقرب غير مجبر كالابن والأخ والجد والعم، كان العقد صحيحاً مكروهاً. وإن كان الأقرب ولياً مجبراً (وهو الأب) فسخ العقد أبداً، إلا إذا أجازه الولي الأقرب، وكان الذي تولاه مفوضاً إلىه الأمر بالبينة.\r4ً - ألا يخالف الوكيل موكله فيما وكله به: فإذا وكل شخص غيره ليزوجه فتاة معينة أو بمهر معين، فزوجه فتاة غيرها، أوزوجه بمهر أكثر، لم ينفذ العقد، وكان موقوفاً على إجازة الموكل. فلو لم يعلم حتى دخل بقي الخيار له بين إجازته وفسخه، ويكون للمرأة عند الحنفية الأقل من المسمى ومهر المثل؛ لأن الموقوف كالفاسد.\r5ً - ألا يكون العاقد فضولياً: والفضولي: هو من لا يكون له ولاية التزويج وقت العقد. وهو شرط نفاذ عند الحنفية والمالكية. فإذا زوج شخص امرأة لرجل وقبل عنه، دون ولاية ولا وكالة عنه وقت العقد، كان الزواج موقوفاً على إجازة الزوج عندهم.\rوأما عند الشافعية والحنابلة فتصرف الفضولي من بيع وزواج باطل.\r-------------------------------\r(1) مغني المحتاج: 154/3.\r(2) الشرح الصغير: 358/2، 363 وما بعدها.","part":9,"page":78},{"id":5634,"text":"شروط اللزوم :\rمعنى لزوم العقد: ألا يكون لأحد العاقدين أو لغيرهما حق فسخه بعد انعقاده، بأن يخلو العقد من الخيار. ويشترط للزوم الزواج أربعة شروط هي (1) :\r1ً - أن يكون الولي المزوج لفاقد الأهلية كالمجنون والمعتوه، أو ناقصها وهو الصغير والصغيرة: هو الأب أو الجد، وهو شرط عند أبي حنيفة ومحمد. فلو كان المزوج لهما غيرهما كالأخ والعم، كان لكل منهما حق فسخ العقد عند زوال المانع أي الإفاقة من الجنون أو العته، والبلوغ بعد الصغر، حتى ولو كان الزواج بالكفء وبمهر المثل (2) ؛ لأن قرابة غير الأصل والفرع قرابة حواشي، فلا يساوون الأصل والفرع بالشفقة، فيقدر زواجهم بالمصلحة الظاهرة، ويعطى المتزوج خيار الفسخ.\rودليل أبي حنيفة ومحمد: ما روي أن قدامة بن مظعون زوَّج بنت أخيه: عثمان بن مظعون، من عبد الله بن عمر رضي الله عنه، فخيرها رسول الله صلّى الله عليه وسلم بعد البلوغ، فاختارت نفسها، حتى روي أن ابن عمر قال: إنها انتزعت مني بعد ما ملكتها.\rوقال أبو يوسف: ليس هذا بشرط، ويلزم نكاح غير الأب والجد من الأولياء، فلا يثبت الخيار للمولى عليه؛ لأن هذا النكاح صدر من ولي، فيلزم، كما إذا صدر عن الأب والجد، لأن ولاية التزويج ولاية نظر في حق المولى عليه، وقد اجتهد الولي في تحقيق المصلحة، ونظر فيما هو الأولى والأصلح.\r-------------------------------\r(1) البدائع: 315/2-322، المهذب: 39/2، كشاف القناع: 71/5، القوانين الفقهية: ص 197، الشرح الصغير: 399/2 وما بعدها.\r(2) الكفء لغة: المساوي لغيره والمماثل له، واصطلاحاً: أن يساوي الرجل زوجته في أمور الدين والحرية والمال والحرفة. ومهر المثل: هو المهر الذي تتزوج به امرأة من أقارب أبي الزوجة، وتماثلها وقت العقد في صفات مخصوصة.","part":9,"page":79},{"id":5635,"text":"فإذا زوج الحاكم فاقد الأهلية أو ناقصها، فلا خيار للمولى عليه في رأي أبي حنيفة خلافاً لمحمد؛ لأن ولاية الحاكم أعم من ولاية الأخ والعم؛ لأنه يملك التصرف في النفس والمال، فكانت ولايته شبيهة بولاية الأب والجد، وولايتهما ملزمة، فتلزم ولاية الحاكم.\r2ً - أن يكون الزوج كفئاً للزوجة إذا زوجت المرأة الحرة البالغة العاقلة نفسها من غير رضا الأولياء بمهر مثلها، وكان لها ولي عاصب (1) لم يرض بهذا الزواج، فلهذا الولي طلب فسخ الزواج من القاضي. وهذا شرط عند الحنفية في ظاهر الرواية.\rوكذلك قال أئمة بقية المذاهب: الكفاءة في الزوج شرط للزوم الزواج، لا لصحته، فيصح النكاح مع فقدها، وهي حق للمرأة والأولياء كلهم القريب والبعيد، لتساويهم في لحوق العار بفقد الكفاءة، فلو زوجت المرأة بغير كفء، فلمن لم يرض بالنكاح الفسخ، فوراً أو تراخياً، سواء من المرأة أو الأولياء\r-------------------------------\r(1) الولي العاصب: هو القريب الذي لا تكون قرابته للمرأة بواسطة الأنثى وحدها، كالأب والجد وأبي الأب، والأخ والعم وابن العم.","part":9,"page":80},{"id":5636,"text":"جميعهم؛ لأنه خيار لنقص في المعقود عليه كخيار البيع، ويملكه الأبعد من الأولياء مع رضا الأقرب منهم به، ومع رضا الزوجة، دفعاً لما يلحقه من لحوق العار.\rوالدليل على أن الكفاءة شرط لزوم لا شرط صحة أنه صلّى الله عليه وسلم : «أمر فاطمة بنت قيس أن تنكح أسامة بن زيد مولاه، فنكحها بأمره» (1) وروت عائشة «أن أبا حذيفة ابن عقبة بن ربيعة تبنى سالماً، وأنكحه ابنة أخيه: الوليد بن عقبة، وهو مولى لامرأة من الأنصار» (2) وعن أبي حنظلة بن أبي سفيان الجمحي عن أمه قالت: «رأيت أخت عبد الرحمن بن عوف تحت بلال» (3) .\r3ً - أن يكون المهر بالغاً مهر المثل إذا زوجت الحرة العاقلة البالغة نفسها من غير كفء، بغير رضا الأولياء، وألا يقل عن مهر المثل إذا زوجت المرأة نفسها من كفء. وهذا عند أبي حنيفة، فللأولياء حق الاعتراض وطلب فسخ الزواج، إلا إذا قبل الزوج زيادة المهر إلى مهر المثل، فلا يكون للولي حينئذ حق الفسخ، وبناء عليه إما أن يزيد الزوج إلى مهر المثل أو يفرق بينهما.\rوعند أبي يوسف ومحمد: ليس هذا بشرط، ويلزم النكاح بدونه.\r4ً - خلو الزوج عن عيب الجب والعنة عند عدم الرضا من الزوجة بهما.\rهذه هي شروط الزواج الشرعية، أما الشروط القانونية الموضوعة لإجراء عقد الزواج رسمياً ولسماع دعوى الزوجية، لمنع الناس من تزويج الصغار، ومحاولة ادعاء الزوجية زوراً، فهي مجرد قيود قانونية.\r-------------------------------\r(1) متفق عليه.\r(2) رواه البخاري وأبو داود والنسائي.\r(3) رواه الدارقطني.","part":9,"page":81},{"id":5637,"text":"خلاصة شروط الزواج في كل مذهب على حدة :\rالحنفية: للزو اج شروط في الصيغة وفي العاقدين وفي الشهود:\rأما شروط الصيغة : (وهي الإيجاب والقبول) فهي:\r1 - أن تكون بألفاظ مخصوصة: وهي إما صريحة وإما كناية، فالصريحة: هي ما كانت بلفظ التزويج والإنكاح وما اشتق منهما، سواء بلفظ الماضي، أم بلفظ المضارع بقرينة تدل على الحال، لا طلب الوعد، أم بلفظ الأمر: زوجني. والكناية: هي التي تحتاج إلى نية وأن تقوم قرينة على هذه النية، وهي ألفاظ الهبة أو الصدقة أو التمليك أو الجعل، والبيع والشراء، مع نية معنى الزواج. ولا ينعقد بلفظ الإجارة والوصية، ولا بلفظ الإباحة والإحلال والإعارة والرهن والتمتع والإقالة والخلع.\r2 - أن يكون الإيجاب والقبول في مجلس واحد.\r3 - ألا يخالف القبول الإيجاب.\r4 - أن تكون الصيغة مسموعة للعاقدين.\r5 - ألا يكون اللفظ مؤقتاً بوقت كشهر، وهونكاح المتعة.\rوأما شروط العاقدين وهما الزوج والزوجة فهي:\r1 - العقل: وهو شرط في انعقاد الزواج، فلا ينعقد زواج المجنون والصبي غير المميز.\r2 - البلوغ والحرية وهما شرطان للنفاذ.\r3 - أن يضاف الزواج إلى المرأة أو إلى جزء يعبر به عن الكل كالرأس والرقبة. فلا ينعقد الزواج بقوله: زوجني نصفها أو يدها أو رجلها.\rوأما الشهادة: فهي شرط لصحة الزواج، وتكون بشهادة رجلين أو رجل وامرأتين، ولو كانا محرمين بالنسك، وشروط الشهود خمسة:\r1-3- العقل والبلوغ والحرية: فلا يصح بشهادة مجنون أو صبي أو عبد.\r4 - الإسلام في أنكحة المسلمين: فلا يصح زواج المسلمين بشهادة الذميين، إلا إذا كانت المرأة ذمية، والرجل مسلماً، فيصح زواجها بشهادة ذميين. وإذا كان الزوجان غير مسلمين صح الزواج بشهادة غير المسلمين، سواء أكان الشاهدان موافقين للزوجين في الملة أم مخالفين.\r5 - أن يسمع الشهود كلام العاقدين معاً، فلا يصح بشهادة نائمين. وتصح شهادة الأخرس وفاقد النطق إذا كان يسمع ويفهم، ولا يشترط فهم الشهود معنى اللفظ بخصوصه، وإنما يشترط أن يعلموا أن هذا اللفظ ينعقد به الزواج. فإذا تزوج عربي بحضرة أعجميين، صح الزواج إذا عرفا أن الإيجاب والقبول ينعقد بهما الزواج، وينعقد بحضرة السكارى إذا كانا يعرفان أن هذا ينعقد به الزواج.\rولا تشترط العدالة، فيصح الزواج بشهادة عدول أو غير عدول أو محدودين في القذف.\rولا يشترط في الزواج اختيار العاقدين، فلو أكره أحدهما على النكاح انعقد، ومثله الطلاق والعتق؛ لأن هذه الثلاثة تنعقد في حال الجد والهزل.\rالمالكية :\rيشترط في الصيغة ما يلي:\r1 - أن تكون بألفاظ مخصوصة: وهي أن يقول الولي: زوجت أو أنكحت، أو يقول الزوج: زوجني فلانة. ويكفي في القبول أن يقول: قبلت أو رضيت أو نفذت أو أتممت.\r2 - الفور: ألا يفصل بين الإيجاب والقبول فاصل طويل، ولا يضر الفاصل اليسير.\r3 ـ ألا يكون اللفظ مؤقتاً بوقت: وهذا هو نكاح المتعة.","part":9,"page":82},{"id":5638,"text":"4 - ألا يكون مشتملاً على الخيار، أو على شرط يناقض العقد، ويشترط في الزواج أن يكون بصداق، فإن لم يذكر حال العقد، فلا بد من ذكره عند الدخول. وأن يكون الصداق مما يملك شرعاً، فلا يصح بخمر أو خنزير أو ميتة، أو مما لا يصح بيعه كالكلب أو كان جزء ضحية.\rوتشترط الشهادة، ولكن لا يلزم أن يحضر الشهود عند العقد، بل يندب ذلك فقط.\rويشترط في الزوجين: الخلو من الموانع كالإحرام، وألا تكون المرأة زوجة للغير أو معتدة منه، وألا يكونا محرمين بنسب أو رضاع أو مصاهرة.\rويشترط في الزوج لصحة الزواج أربعة شروط وهي:\rالإسلام في نكاح مسلمة، والعقل، والتمييز، وتحقق الذكورة، تحرزاً من الخنثى المشكل فإنه لا يَنْكح ولا يُنكَح.\rويشترط في الزوج لاستقرار الزواج خمسة شروط وهي: الحرية، والبلوغ، والرشد، والصحة، والكفاءة. وإذا أكره أحد الزوجين على الزواج، لم يلزم، وليس للمكرَه أن يجيزه؛ لأنه غير منعقد (1) .\rالشافعية :\rاشترطوا شروطاً في الصيغة وفي الزوجين وفي الشهود:\rأما شروط الصيغة: فهي ثلاثة عشر شرطاً تشترط في العقود وهي ما يأتي:\r1 - الخطاب: بأن يخاطب كل من العاقدين صاحبه.\r2 - أن يكون الخطاب واقعاً على جملة المخاطب، فلا يصح على جزئه.\r3 - أن يذكر المبتدئ بأحد شرطي العقد العوض والمعوض عنه كالثمن والمثمن.\r4 - أن يقصد العاقد معنى اللفظ الذي ينطق به. فإن جرى على لسانه فلا يصح.\r5 - ألا يتخلل الإيجاب والقبول كلام أجنبي.\r6 - ألا يتخلل الإيجاب والقبول سكوت طويل: وهو ما أشعر بإعراضه عن القبول.\r7 - ألا يتغير كلام البادئ قبل قبول الآخر.\r8 - أن يكون كلام كل واحد من العاقدين مسموعاً لصاحبه ولمن يقرب منه من الحاضرين. فإن لم يسمعه من كان قريباً لا يكفي، وإن سمعه العاقد.\r9 - أن يتوافق القبول مع الإيجاب معنى.\r-------------------------------\r(1) القوانين الفقهية: ص 197 وما بعدها.","part":9,"page":83},{"id":5639,"text":"10 - ألا يعلق الصيغة بشيء لا يقتضيه العقد، مثل إن شاء فلان أو إن شاء الله .\r11 - ألا يؤقت كلامه بوقت.\r12 - أن يكون القبول ممن وجه له الخطاب لا غيره.\r13 - أن تستمر أهلية المتكلمين بالصيغة إلى أن يتم القبول، فلو جُنَّ أحدهما مثلاً قبل قبول الآخر بطل العقد.\rيظهر من هذه الشروط: أنه يشترط في الزواج عدم التعليق مثل: زوجتك ابنتي إن بعتني الأرض الفلانية. ويشترط فيه عدم التأقيت، مثل زوجيني نفسك مدة شهر، وهو نكاح المتعة.\rويضاف إلى هذه الشروط: أن صيغة الزواج مقيدة بلفظي التزويج والإنكاح دون غيرهما، في الإيجاب والقبول. ولا بد من أن تكون الصيغة بلفظ الماضي، ولا يصح بلفظ المضارع؛ لأنه يحتمل الوعد ما لم يقل: الآن. ويصح العقد بالألفاظ المحرفة مثل: جوزتك موكلتي، حتى ولو لم تكن لغته على المعتمد، ويصح بلفظ الأمر: زوجني ابنتك، فيقول له: زوجتك، كما يصح بقول الولي: تزوج بنتي، فيقول له: تزوجت.\rوأما شروط الزوج: فهي أن يكون غير مَحْرم للمرأة، كأخ أو خال، من نسب أو رضاع أو مصاهرة. وأن يكون مختاراً غير مكره، وأن يكون معيناً فلا يصح نكاح المجهول، وألا يكون جاهلاً حِلَّ المرأة له، فلا يجوز أن يتقدم لنكاح امرأة وهو جاهل بحلها. وأما شروط الزوجة: فهي ألا تكون محرماً للزوج، وأن تكون معينة، وأن تخلو من الموانع الشرعية كالمتزوجة والمعتدة.\rوأما شروط الشهود: فهي الحرية والذكورة والعدالة والسمع والبصر، وكون الشاهد غير ولي متعين في الزواج، فلا يصح الزواج بشهادة عبد أو امرأة أو فاسق أو أصم أو أعمى أو خنثى مشكل، أو ولي يباشر العقد، فلا يكون الولي شاهداً، كالزوج ووكيله، فلا تصح شهادته مع وجود وكيله. وينعقد النكاح بابني الزوجين وأبويهما وعدويهما لثبوت النكاح بهما، وبمستوري العدالة.\rوالشهود والولي ركنان في عقد الزواج.","part":9,"page":84},{"id":5640,"text":"الحنابلة :\rللزواج خمسة شروط:\r1ً - تعيين الزوجين؛ لأن النكاح عقد معاوضة، أشبه تعيين المبيع في البيع، ولأن المقصود في النكاح التعيين، فلم يصح بدونه. ويشترط في الصيغة أن تكون بلفظ النكاح أو التزويج، لكن يكفي في القبول، كما قال المالكية، وخلافاً للشافعية أن يقول: قبلت أو رضيت، ولا يشترط فيه أن يقول: قبلت زواجها أو نكاحها. ولا يصح أن يتقدم القبول على ا لإيجاب، ويشترط الفور، فإن تأخر القبول عن الإيجاب حتى تفرقا أو تشاغلا بما يقطعه عرفاً فإنه لا يصح. ولا يشترط أن يكون اللفظ عربياً، فيصح بغير العربية من العاجز عن النطق بالعربية بشرط أن يؤدي معنى الإيجاب والقبول بلفظ التزويج أو النكاح. ولا يصح النكاح بالكتابة ولا بالإشارة إلا من الأخرس، فيصح منه بإشارته المفهمة.\r2ً - الرضا والاختيار من الزوجين أو من يقوم مقامهما، فإن لم يرضيا لم يصح النكاح، فلا يصح زواج المكره.\r3ً - الولي: فلا يصح نكاح إلا بولي.\r4ً - الشهادة على النكاح: فلا يصح إلا بشهادة ذكرين بالغين عاقلين عدلين ولو كانت عدالتهما ظاهراً، ولو رقيقين. وأن يكونا متكلمين مسلمين سميعين، فلا تصح بشهادة الأصم والكافر، وتصح شهادة الأعمى، وشهادة عدوي الزوجين، ويشترط أن يكونا من غير أصل الزوجين وفرعيهما، فلا تصح شهادة أبي الزوجة أو الزوج أو أبنائهما؛ لأن شهادتهما لا تقبل.\r5ً - خلو الزوجين أوأحدهما من مانع المحرمية بنسب أو رضاع أو مصاهرة، أو مانع اختلاف الدين بأن يكون مسلماً وهي مجوسية ونحوه، أو كون المرأة في عدة ونحو ذلك، كأن يكون أحدهما محرماً بحج أو عمرة.","part":9,"page":85},{"id":5641,"text":"المبحث الرابع ـ أنواع الزواج وحكم كل نوع :\rيتنوع الزواج بحسب اختلاف المذاهب في شروط الزواج، فهو عند الحنفية خمسة أنواع :\rوهي الزواج الصحيح اللازم، والصحيح غير اللازم، والموقوف، والفاسد، والباطل. وعند المالكية أربعة أنواع: وهي الزواج اللازم، وغير اللازم، والموقوف، والفاسد أو الباطل.\rوعند الشافعية والحنابلة ثلاثة أنواع: وهي الزواج اللازم، وغير اللازم، والفاسد أو الباطل. وأما الزواج المكروه فهو بالاتفاق من أنواع الزواج الصحيح اللازم. والمقصود بالزواج اللازم: هو الذي استوفى أركانه وشروط صحته ونفاذه ولزومه.\rوالزواج غير اللازم: هو ما استوفى أركانه وشروط صحته ونفاذه وفقد شرطاً من شروط اللزوم.\rوالزواج الموقوف: هو الذي استكمل أركانه وشروط صحته، وفقد شرطاً من شروط النفاذ.\rوالزواج الباطل عند الجمهور: هو ما فقد ركناً من أركانه أو شرطاً من شروط صحته. وأما عند الحنفية: فهو ما فقد ركناًمن أركانه أوشرطاً من شروط انعقاده.\rوالزواج الفاسد عند الحنفية: هو ما استوفى أركانه وشروط انعقاده وتخلف فيه شرط من شروط الصحة.\rولا فرق عند الجمهور بين الفاسد والباطل.\rوالمقصود بحكم الزواج هنا: الأثر المترتب على العقد، تبعاً لاستيفاء أركانه وشرائطه الشرعية وعدم استيفائه، وأبين هنا حكم كل نوع من أنواع الزواج السابقة.\rأنواع الزواج وحكمها في القانون :\rنص قانون الأحوال الشخصية السوري على أنواع الزواج وحكم كل نوع منها. ففي المادة (47) نص على الزواج الصحيح: « إذا توافرت في عقد الزواج أركانه وسائر شرائط انعقاده، كان صحيحاً» . ونصت المادة (49) على آثار الزواج الصحيح وهي:\r«الزواج الصحيح النافذ تترتب علىه جميع آثاره من الحقوق الزوجية كالمهر ونفقة الزوجة ووجوب المتابعة وتوارث الزوجين، ومن حقوق الأسرة كنسب الأولاد وحرمة المصاهرة» أي أنه تثبت أحكام ستة بمجرد عقد الزواج الصحيح: وهي وجوب المهر، واستحقاق النفقة الزوجية، ومتابعة الزوجة لزوجها، واستحقاق الإرث، وثبوت نسب الأولاد من الأب، وحرمة المصاهرة.\rوفي المادة (50) نص على أثر الزواج الباطل:\r«الزواج الباطل لا يترتب عليه شيء من آثار الزواج الصحيح، ولو حصل فيه دخول» .\r«ونصت المادة 2/48 على أن : زواج المسلمة بغير المسلم باطل» .","part":9,"page":86},{"id":5642,"text":"ونصت الفقرة (1) من هذه المادة على الزواج الفاسد: « كل زواج تم ركنه بالإيجاب والقبول واختل بعض شرائطه، فهو فاسد » .\rونصت المادة (51) على آثار الزواج الفاسد:\r1 - الزواج الفاسد قبل الدخول في حكم الباطل.\r2 - ويترتب على الوطء فيه النتائج التالية:\rأ ـ المهر في الحد الأقل من مهر المثل والمسمى.\rب ـ نسب الأولاد بنتائجه المبينة في المادة (133) من هذا القانون.\rجـ ـ حرمة المصاهرة.\rد ـ عدة الفراق في حالتي المفارقة أو موت الزوج، ونفقة العدة دون التوارث بين الزوجين.\r3 - تستحق الزوجة النفقة الزوجية مادامت جاهلة فساد النكاح.\rونصت المادة (52) على حكم الزواج الموقوف قبل الإجازة:\rالزواج الموقوف حكمه قبل الإجازة كالفاسد.\rولم ينص هذا القانون على أحكام الزواج غير اللازم، إلا ما ذكر في بحث الكفاءة، حيث نصت المادة (27) على أن للولي حق الفسخ إذا زوجت الكبيرة نفسها من غير كفء.\rونصت المادة (30) على أن المرأة إذا حملت يسقط حق الفسخ لعدم الكفاءة.","part":9,"page":87},{"id":5643,"text":"أحكام الزواج عند الفقهاء :\rحكم الزواج الصحيح اللازم :\rللزواج اللازم أو التام الذي استوفى أركانه وشروطه كلها آثار هي (1) :\r1 - حل استمتاع كل من الزوجين بالآخر على النحو المأذون فيه شرعاً، ما لم يمنع منه مانع. والمأذون فيه شرعاً، ما لم يمنع منه مانع. والمأذون فيه ما يأتي:\rأ ـ حل الوطء في القبل لا الدبر: ولا يحل الوطء في حالة الحيض والنفاس، والإحرام، وفي الظهار قبل التكفير (إخراج الكفارة) لقوله سبحانه: {والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم، فإنهم غير ملومين} [المؤمنون:23/5-6] ولقوله تعالى: {ويسألونك عن المحيض قل: هو أذىً فاعتزلوا النساء في المحيض، ولا تقربوهن حتى يطهرن} [البقرة:222/2] والنفاس أخو الحيض. وقوله عز وجل: {نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم} [البقرة:223/2] أي في أي وقت وكيفية شئتم في المكان المعروف وهو القبُل (2) . وقول سبحانه: {والذين يظاهرون من نسائهم، ثم يعودون لما قالوا فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا} [المجادلة:58/3].\rوقوله صلّى الله عليه وسلم : «ملعون من أتى امرأة في دُبُرها» (3) «من أتى حائضاً أو امرأة في دبرها، أو كاهناً فصدَّقه، فقد كفر بما أنزل على محمد صلّى الله عليه وسلم » (4) وقوله أيضاً: «واتقوا الله في النساء، فإنهن عندكم عوانٍ (5) ، لا يملكن لأنفسهن شيئاً... وإنما أخذتموهن بأمانة الله ، واستحللتم فروجهن بكلمة الله عز وجل» (6) وكلمة الله المذكورة في كتابه العزيز: لفظة الإنكاح والتزويج.\rلكن لا تطلق المرأة بالوطء في دبرها، وإنما يحق لها طلب الطلاق من القاضي بسبب الأذى والضرر.\r-------------------------------\r(1) البدائع: 331/2-334.\r(2) يعني مقبلات ومدبرات ومستلقيات في موضع إنجاب الولد، جاء في رواية مسلم: « إن شاء مُجَبِّية ـ أي باركة ـ وإن شاء غير مجبِّية، غير أن ذلك في صِمام واحد » والتجبية: الانكباب على الوجه ( نيل الأوطار: 203/6-204 ).\r(3) رواه أحمد وابن ماجه عن أبي هريرة (نيل الأوطار: 200/6).\r(4) رواه أحمد والترمذي وأبو داود ، وقال: فقد برئ مما أنزل، من حديث أبي هريرة (المرجع السابق).\r(5) أي أسيرات، من عنا: إذا ذل وخضع.\r(6) رواه أحمد عن أبي حرة الرقاشي، وثقة أبو داود، وفيه علي بن زيد وفيه كلام (مجمع الزوائد: 265/3-266).","part":9,"page":88},{"id":5644,"text":"ما يقتضيه وطء الحائض في القبل: يلاحظ أن الوطء في الدبر حرام في أثناء الحيض وغيره، ويسن لمن وطئ الحائض أو النفساء في قبلها إذا كان عامدا عالماً بالتحريم بالحيض أن يتصدق بدينار إن وطئها في إقبال الدم، وبنصف دينار إن وطئها في إدباره (1) ، لخبر: «إذا واقع الرجل أهله، وهي حائض، إن كان دماً أحمر فليتصدق بدينار، وإن كان أصفر، فليتصدق بنصف دينار» (2) .\rب ـ حل النظر والمس من رأسها إلى قدميها في حال الحياة؛ لأن إحلال الوطء إحلال للمس والنظر من طريق الأولى. وأما بعد الموت فلا يحل له المس والنظر عند الحنفية، ويحل عند الجمهور.\rجـ ـ ملك المتعة: وهو اختصاص الزوج بمنافع بُضع الزوجة وسائر أعضائها استمتاعاً. وهو عوض عن المهر، والمهر على الرجل، فيكون هذا الحكم على الزوجة خاصاً بالزوج.\r2 - ملك الحبس والقيد: أي صيرورة المرأة ممنوعة عن الخروج إلا بإذن الزوج، لقوله تعالى: {أسكنوهن} [الطلاق:65/6] والأمر بالإسكان نهي عن الخروج، وقوله عز وجل: {وقَرْن في بيوتكن} [الأحزاب:33/33] وقوله سبحانه: {لا تخرجوهن من بيوتهن، ولا يخرجن } [الطلاق:56/1].\r3 - وجوب المهر المسمى على الزوج للزوجة: فهو حكم أصلي للزواج لا وجود له بدونه شرعاً؛ لأن المهر عوض عن ملك المتعة.\r4 - وجوب النفقة بأنواعها الثلاثة: وهي الطعام والكسوة والسكنى، مالم تمتنع الزوجة عن طاعة زوجها بغير حق، فإن امتنعت سقطت نفقتها. ودليل الإلزام بالنفقة قوله تعالى: {وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف} [البقرة:2/233] وقوله تعالى: {لينفق ذو سعة من سعته، ومن قُدر عليه رزقه، فلينفق مما آتاه الله } [الطلاق:7/65] وقوله عز وجل: {أسكنوهن من حيث سكنتم من وُجْدكم} [الطلاق:65/6] والأمر بالإسكان أمر بالإنفاق؛ لأنها لا تمكَّن من الخروج للكسب، لكونها عاجزة بأصل الخلقة لضعف بنيتها.\r-------------------------------\r(1) تحفة الطلاب بشرح متن تحرير تنقيح اللباب للشيخ زكريا الأنصاري: ص 227.\r(2) رواه أبو داود والحاكم وصححه.","part":9,"page":89},{"id":5645,"text":"5 - ثبوت حرمة المصاهرة: وهي حرمة الزوجة على أصول الزوج وفروعه، وحرمة أصول الزوجة وفروعها على الزوج، لكن تثبت الحرمة في بعض الحالات بنفس عقد الزواج، وفي بعضها يشترط الدخول.\r6 - ثبوت نسب الأولاد من الزوج: بمجرد وجود الزواج في الظاهر، لقوله صلّى الله عليه وسلم «الولد للفراش وللعاهر الحجر» (1) وفي لفظ للبخاري: «لصاحب الفراش» .\r7 - ثبوت حق الإرث بين الزوجين: إذا مات أحد الزوجين أثناء الزوجية أو في العدة من طلاق رجعي، بالاتفاق، أو من طلاق بائن في مرض الموت عند الجمهور غير الشافعية، حتى ولو بعد العدة عند المالكية والحنابلة. والدليل قوله تعالى: {ولكم نصف ما ترك أزواجكم..} [النساء:4/12] إلى قوله عز وجل: {ولهن الثمُن مما تركتم من بعد وصية توصون بها أو دين} [النساء:4/12].\r-------------------------------\r(1) رواه الجماعة إلا أبا داود عن أبي هريرة (نيل الأوطار: 279/6).","part":9,"page":90},{"id":5646,"text":"8 - وجوب العدل بين النساء في حقوقهن عند التعدد(1) :\rإذا كان للرجل أكثر من امرأة، فعليه عند الجمهور غير الشافعية العدل بينهن في حقوقهن من البيتوتة والنفقة (المشروب والملبوس) والكسوة والسكنى، أي التسوية بينهن فيما ذكر. فقد ندب سبحانه وتعالى إلى نكاح الواحدة عند خوف ترك العدل في الزيادة، فدل على أن العدل بينهن في القَسْم (وهو توزيع الزمان ليلاً ونهاراً إلا لحاجة على زوجاته إن كن اثنتين فأكثر) والنفقة واجبة، قال تعالى: {فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة} [النساء:3/4] أي إن خفتم ألا تعدلوا في القسم والنفقة في نكاح المثنى والثلاث والرباع، فواحدة، وقال تعالى: {ذلك أدنى ألا تعولوا} [النساء:3/4] أي تجوروا، والجور حرام، فكان العدل واجباً ضرورة.\rوقالت عائشة: «كان رسول الله صلّى الله عليه وسلم يقسم فيعدل ويقول: اللهم هذا قَسْمي فيما أملك، فلا تلُمني فيما تملك ولا أملك » (2) قال الترمذي: يعني به الحب والمودة، وأخرج البيهقي عن ابن عباس في قوله {ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم} [النساء:4 /129] قال: في الحب والجماع.\rوعن أبي هريرة عن النبي صلّى الله عليه وسلم قال: «من كانت له امرأتان، يميل لإحداهما على الأخرى، جاء يوم القيامة، يجرُّ أحد شقيه ساقطاً أو مائلاً» (3) .\rوالبداءة في القسم وفي مقدار الدور إلى الزوج، ويطوف إلى نسائه في منازلهم اقتداء برسول الله صلّى الله عليه وسلم ، ويمنع جمع المرأتين مع الرجل في فراش واحد، وإن بدون وطء، فلو كان عمل الزوج ليلاً كالحارس، ذكر الشافعية أنه يقسم نهاراً، قال الحنفية: وهو حسن.\r-------------------------------\r(1) البدائع: 332/2 وما بعدها، تبيين الحقائق: 179/2 وما بعدها، فتح القدير: 516/2-519، الدر المختار وحاشية ابن عابدين: 546/2-553، القوانين الفقهية: ص 212، الشرح الصغير: 505/2-511، المهذب: 67/2-69، مغني المحتاج: 251/3-256، كشاف القناع: 213/5-233.\r(2) رواه الخمسة إلا أحمد (نيل الأوطار: 217/6).\r(3) رواه الخمسة عن أبي هريرة (نيل الأوطار: 216/6).","part":9,"page":91},{"id":5647,"text":"حال المرض: والمريض في وجوب القسم عليه كالصحيح البالغ العاقل ولو مجبوباً ؛ لأن « رسول الله صلّى الله عليه وسلم كان يسأل في مرضه الذي مات فيه: أين أنا غداً؟ أين أنا غداً؟ يريد يوم عائشة، فأذن له أزواجه يكون حيث شاء، فكان في بيت عائشة حتى مات عندها» (1) .\rلكن قال المالكية: إن لم يقدر مريض على القسم لشدة مرضه، فعند من شاء منهن، بلا تعيين.\rنوع القسم: ولا يجب القسم في الوطء، وإنما في المبيت إلا إذا أراد إضرار امرأة، فيجب عليه ترك الضرر، فعماد القسم الليل، لقوله عز وجل: {وجعلنا الليل لباساً} [النبأ:78/10] قيل في التفسير: الإيواء إلى المساكن، ولأن النهار للمعيشة، والليل للسكون. لكن يستحب القسم في الاستمتاع؛ لأنه أكمل في العدل.\rالقسم في السفر: قال الحنفية: لا قسم على الزوج إذا سافر، ولا يجب عليه أن يبيت عند الأخرى مقابل أيام السفر؛ لأن مدة السفر ضائعة، لكن الأفضل أن يقرع بينهن، فيخرج بمن خرجت قرعتها تطييباً لقلوبهن دفعاً لتهمة الميل عن نفسه، قالت عائشة: «كان النبي صلّى الله عليه وسلم إذا أراد أن يخرج سفراً أقرع بين أزواجه، فأيتهن خرج سهمها، خرج بها معه» (2) .\rورأى المالكية كالحنفية أن الزوج إذا أراد سفراً اختار منهن للسفر معه من شاء، إلا إذا أراد السفر في قُرْبة أي عبادة كحج، فيُقرع بينهما أو بينهن. والحاصل أن الحنفية والمالكية لا يوجبون القرعة؛ لأنها من باب الخطر والقمار.\r-------------------------------\r(1) متفق عليه عن عائشة (المرجع السابق: ص 217).\r(2) متفق عليه عن عائشة (المرجع السابق).","part":9,"page":92},{"id":5648,"text":"لكن الحنابلة والشافعية قالوا: إنه لا يجوز للزوج اصطحاب إحداهن معه بغير قرعة، فإذا أراد السفر أقرع بينهن، فمن خرجت عليها القرعة، سافر بها؛ لأنه صلّى الله عليه وسلم : «كان إذا أراد سفراً أقرع بين نسائه، فمن خرج سهمها خرج بها معه» (1) .\rأثر سفر المرأة على القسم: إن سافرت المرأة بغير إذن الزوج، سقط حقها من القسم والنفقة؛ لأن القسم للأنس، والنفقة للتمكين من الاستمتاع، وقد منعت ذلك بالسفر. فإن سافرت بإذن الزوج، قال الشافعية في الجديد: إن كان لغرضه يقضي لها، وإن كان لغرضها لا يقضي.\rوكذلك قال الحنابلة: يسقط حق المرأة في القسم والنفقة إن سافرت بغير إذنه لحاجتها أوغيرها، أو امتنعت من المبيت عنده، أو سافرت بإذنه لحاجتها. ولا يسقط حقها من نفقة ولا قسم إن بعثها الزوج لحاجته، أو انتقلت من بلد إلى بلد بإذنه. وقالوا أيضاً: لو سافر الزوج عن المرأة لعذر وحاجة، سقط حقها من القسم والوطء، وإن طال سفره للعذر.\rهبة المرأة حقها: اتفق الفقهاء على أن للمرأة أن تهب حقها من القسم في جميع الزمان، وفي بعضه، لبعض ضرائرها، وعلى أنه إن رضيت بترك قسمها، جاز؛ لأنه حق ثبت لها، فلها أن تستوفي، ولها أن تترك، فقد ثبت أن سودة بنت زَمْعة وهبت يومها لعائشة، وكان النبي صلّى الله عليه وسلم يقسم لعائشة يومها ويوم سودة (2) .\rولكن لا تجوز الهبة بغير رضا الزوج، فإذا رضيت الواهبة ورضي الزوج، جاز بلا خلاف؛ لأن الحق لا يخرج عنهما. ولا يلزم الزوج الرضا بالهبة؛ لأنها لا تملك إسقاط حقه من الاستمتاع، فله أن يبيت عندها في ليلتها.\r-------------------------------\r(1) متفق عليه.\r(2) متفق عليه عن عائشة (المرجع السابق: ص 218).","part":9,"page":93},{"id":5649,"text":"وإذا أخذت الواهبة مالاً على ترك نوبتها، لم يجز أخذه، ويلزمها رده إلى من أخذته منه، وعلى الزوج أن يقضي لها زمن هبتها؛ لأنها تركته بشرط العوض، ولم يسلم العوض لها، فترجع بالمعوض؛ لأن هذا معاوضة القسم بالمال، فيكون في معنى البيع، ولا يجوز هذا البيع.\rحق البكر والثيب والجديدة والقديمة: قال الحنفية: البكر والثيب، والجديدة والقديمة، والمسلمة والكتابية سواء في القسم، لإطلاق الآيات، وهي قوله تعالى: {ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم، فلا تميلوا كل الميل} [النساء:129/4] أي لن تستطيعوا أن تعدلوا في المحبة، فلا تميلوا في القسم، كما قال ابن عباس. وقوله تعالى: {وعاشروهن بالمعروف} [النساء:19/4] وغايته القسم، وقوله تعالى: { فإن خفتم ألا تعدلوا } [النساء:3/4] ولإطلاق أحاديث النهي عن الميل وعدم القسم، ولأن القسم من حقوق الزواج، ولا تفاوت بين النساء في الحقوق.\rوأما ما روي من نحو: «للبكر سبع وللثيب ثلاث» فيحتمل أن المراد التفضيل في البداءة دون الزيادة، فوجب تقديم الدليل القطعي، وهو الآيات.\rوقال الجمهور: تختص وجوباً البكر الجديدة عند الزفاف بسبع ليال متوالية، بلا قضاء للباقيات. وتختص وجوباً الزوجة الثيب بثلاث ليال متوالية، بلا قضاء، ثم يقسم بعدئذ، لخبر ابن حبان في صحيحه: «سبع للبكر، وثلاث للثيب» (1) ،\r-------------------------------\r(1) ورواه الدارقطني أيضاً (نيل الأوطار: 214/6) بلفظ: «للبكر سبعة أيام، وللثيب ثلاث، ثم يعود إلى نسائه» .","part":9,"page":94},{"id":5650,"text":"وعن أبي قلابة عن أنس قال: «من السنة إذا تزوج البكر على الثيب، أقام عندها سبعاً، ثم قَسَم، وإذا تزوج الثيب أقام عندها ثلاثاً، ثم قسم» قال أبو قلابة: «ولو شئتُ لقلت: إن أنساً رفعه إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلم » (1) .\r9 - وجوب طاعة الزوجة لزوجها إذا دعاها إلى الفراش، لقوله تعالى: {ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف} [البقرة:228/2] قيل: لها المهر والنفقة وعليها أن تطيعه في نفسها، وتحفظ غيبته. وقد أمر الشرع في قوله تعالى: {فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن} [النساء:34/4] بتأديبهن بالهجر والضرب غير المبرح (غير المؤذي) عند عدم طاعتهن، ثم قال تعالى: {فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلاً} [النساء:34/4] فدل على لزوم إطاعتهن الأزواج.\r10 - ولاية التأديب للزوج إذا لم تطعه فيما يلزم طاعته: بأن نشزت، أو خرجت بلا إذن، أو تركت حقوق الله كالطهارة والصلاة، أوأغلقت الباب دونه، أو خانته في نفسها أو ماله. ويبدأ بالترتيب بما يلي:\rالوعظ والنصح بالرفق واللين: وهوذكر ما يقتضي رجوعها عما ارتكبته من الأمر والنهي برفق، ثم الهجر والاعتزال وترك الجماع والمضاجعة، ثم الضرب غير المبرح ولا الشائن: وهو الضرب بالسواك ونحوه فقط. والدليل قوله تعالى: {واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع، واضربوهن} [النساء:34/4] فظاهر الآية، وإن كان بحرف الواو الموضوعة للجمع المطلق، لكن المراد منه الجمع على سبيل الترتيب، والواو تحتمل الترتيب.\rفإن نفع الضرب، وإلا رفع الأمر، لبعث حكمين أحدهما من أهله، والآخر من أهلها، كما قال تعالى: {وإن خفتم شقاق بينهما، فابعثوا حكماً من أهله، وحكماً من أهلها، إن يريدا إصلاحاً يوفق الله بينهما} [النساء:35/4].\r-------------------------------\r(1) متفق عليه (المرجع السابق).","part":9,"page":95},{"id":5651,"text":"11 - المعاشرة بالمعروف من كف الأذى وإيفاء الحقوق وحسن المعاملة: وهو أمر مندوب إليه، لقوله تعالى: {وعاشروهن بالمعروف} [النساء:19/4] ولقوله صلّى الله عليه وسلم : «خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي» (1) وقوله: «استوصوا بالنساء خيراً» (2) والمرأة أيضاً مندوبة إلى المعاشرة الجميلة مع زوجها بالإحسان، واللطف في الكلام، والقول المعروف الذي يطيب به نفس الزوج.\rومن العشرة بالمعروف: بذل الحق من غير مطل، لقوله صلّى الله عليه وسلم : «مَطْل الغني ظلم» (3) .\rومن العشرة الطيبة: ألا يجمع بين امرأتين في مسكن إلا برضاهما؛ لأنه ليس من العشرة بالمعروف، ولأنه يؤدي إلى الخصومة. ومنها ألا يطأ إحداهما بحضرة الأخرى؛ لأنه دناءة وسوء عشرة. ومنها ألا يستمتع بها إلا بالمعروف، فإن كانت نِضْو الخلق (هزيلة) ولم تحتمل الوطء، لم يجز وطؤها لما فيه من الإضرار.\r-------------------------------\r(1) رواه الترمذي عن عائشة، وابن ماجه عن ابن عباس، والطبراني عن معاوية، وهو حديث صحيح (نيل الأوطار: 206/6).\r(2) متفق عليه عن أبي هريرة (نيل الأوطار: 205/6).\r(3) رواه الجماعة (أحمد وأصحاب الكتب الستة) وابن أبي شيبة والطبراني في الأوسط عن أبي هريرة (نصب الراية: 59/4).","part":9,"page":96},{"id":5652,"text":"حكم الاستمتاع أو هل الوطء واجب؟\rقال الحنفية (1) : للزوجة أن تطالب زوجها بالوطء؛ لأن حله لها حقها، كما أن حلها له حقه، وإذا طالبته يجب على الزوج.\rوقال المالكية (2) : الجماع واجب على الرجل للمرأة إذا انتفى العذر.\rوقال الشافعية (3) : ولا يجب عليه الاستمتاع إلا مرة؛ لأنه حق له، فجاز له تركه كسكنى الدار المستأجرة، ولأن الداعي إلى الاستمتاع الشهوة والمحبة، فلا يمكن إيجابه، والمستحب ألا يعطلها، لقول رسول الله صلّى الله عليه وسلم لعبد الله بن عمرو بن العاص: «أتصوم النهار؟ قلت: نعم، قال: وتقوم الليل؟ قلت: نعم، قال: لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأنام، وأمسّ النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني» (4) ولأنه إذا عطلها لم يأمن الفساد ووقع الشقاق.\rوقال الحنابلة (5) : يجب على الزوج أن يطأ الزوجة في كل أربعة أشهر مرة إن لم يكن عذر؛ لأنه لو لم يكن واجباً لم يصر باليمين (أي يمين الإيلاء) على تركه واجباً كسائر ما لا يجب، ولأن النكاح شرع لمصلحة الزوجين، ودفع الضرر عنهما، وهو مفض إلى دفع ضرر الشهوة من المرأة، كإفضائه إلى دفعه عن الرجل، فيكون الوطء حقاً لهما جميعاً، ولأنه لو لم يكن لها فيه حق لما وجب استئذانها في العزل. فإن أبى الرجل الوطء بعد انقضاء الأربعة الأشهر، أو أبى البيتوتة في ليلة من أربع ليال للحرة، حتى مضت الأربعة الأشهر بلا عذر لأحدهما، فرِّق بينهما بطلبهما، كمن حلف يمين الإيلاء، وكما لو منع النفقة وتعذرت عليها من قبله، ولو كان ذلك قبل الدخول بالمرأة.\rوالخلاصة: أن الجمهور يوجبون الوطء على الرجل وإعفاف المرأة، والشافعية لا يوجبونه إلا مرة واحدة، والرأي الأول أرجح.\r-------------------------------\r(1) البدائع: 331/2.\r(2) القوانين الفقهية: ص 211.\r(3) المهذب: 66/2، تكملة المجموع: 568/15.\r(4) رواه أبو داود الطيالسي عن ابن عمرو، والبزار عن ابن عباس، وفيه ضعيف، ووثقه بعضهم.\r(5) كشاف القناع: 214/5.","part":9,"page":97},{"id":5653,"text":"العزل: وهو الإنزال خارج الفرج بعد النزع منه، لا مطلقاً. ومن المعاشرة الطيبة: ألا يعزل عن امرأته الحرة بغير إذنها، فيكره العزل بالاتفاق بغير رضاها؛ لأن الوطء عن إنزال سبب لحصول الولد، ولها في الولد حق، وبالعزل يفوت الولد (1) .\rودليل جواز العزل قول جابر: «كنا نعزل على عهد رسول الله صلّى الله عليه وسلم والقرآن ينزل» (2) ولمسلم: «كنا نعزل على عهد رسول الله صلّى الله عليه وسلم ، فبلغه ذلك، فلم ينهنا» .\rودليل كراهية العزل: حديث جُذَامة بنت وهب الأسدية بلفظ: «حضرت رسول الله صلّى الله عليه وسلم في أناس، وهو يقول: لقد هممت أن أنهى عن الغيلة، فنظرت في الروم وفارس، فإذا هم يغيلون أولادهم، فلا يضر أولادهم شيئاً، ثم سألوه عن العزل، فقال: ذلك الوأد الخفي، وهي: وإذا الموءودة سئلت» (3) .\r-------------------------------\r(1) البدائع: 234/2، الدر المختار: 521/2 وما بعدها، القوانين الفقهية: ص 212، المهذب: 66/2، تكملة المجموع: 578/15، كشاف القناع، المكان السابق.\r(2) متفق عليه عن جابر (نيل الأوطار: 195/6).\r(3) رواه أحمد ومسلم، والمراد بالغيلة: أن يجامع امرأته وهي مرضع، وقال ابن السكّيت: هي أن ترضع المرأة وهي حامل، وذلك لما يحصل للرضيع من الضرر بالحمل حال إرضاعه ( نيل الأوطار: 196/6).","part":9,"page":98},{"id":5654,"text":"وقال متأخرو الحنفية (1) : يجوز العزل بغير إذن المرأة لعذر، كأن يكون في سفر بعيد، أو في دار الحرب، فخاف على الولد، أو كانت الزوجة سيئة الخلق ويريد فراقها، فخاف أن تحبل.\rالإسقاط: وقالوا أيضاً: يباح إسقاط الولد قبل أربعة أشهر، ولو بلا إذن الزوج.\rوقال المالكية (2) : إذا قبض الرحم المني لم يجز التعرض له، وأشد من ذلك إذا تخلق، وأشد من ذلك إذا نفخ فيه الروح، فإنه قتل نفس إجماعاً.\rهذا... وقد نصت المادة (49) من القانون السوري على أحكام الزواج الصحيح: «الزواج الصحيح النافذ تترتب عليه جميع آثاره من الحقوق الزوجية كالمهر ونفقة الزوجة ووجوب المتابعة وتوارث الزوجين، ومن حقوق الأسرة كنسب الأولاد وحرمة المصاهرة» .\rحكم الزواج غير اللازم :\rحكم الزواج غير اللازم مثل حكم الزواج اللازم إلا أنه يثبت فيه الحق للزوج أو الزوجة بالفسخ، ويكون الزواج قابلاً للفسخ.\rحكم الزواج الموقوف :\rالزواج الموقوف مع كونه صحيحاً لا يترتب عليه أي أثر من آثار الزواج قبل إجازته ممن له حق الإجازة، فلا يحل فيه الدخول بالزوجة، ولا تجب فيه نفقة ولا طاعة، ولا يثبت به حق التوارث بموت أحد الزوجين. فإن أجيز صار نافذاً وترتبت عليه أحكام الزواج اللازم، عملاً بالقاعدة الفقهية: ( الإجازة اللاحقة كالوكالة السابقة ). ومثاله نكاح الفضولي: الذي يعقد لغيره من غير ولاية تامة عليه ولا وكالة عنه. ومثل تزوج الصغير والصغيرة المميزين بدون إذن الولي. وقال محمد: تزوج العاقلة بنفسها أو بوكيلها من غير إذن وليها يكون موقوفاً.\rوإن حصل دخول قبل الإجازة، كان معصية، ولكن تترتب عليه عند الحنفية آثار الزواج الفاسد الآتية، فيسقط الحد ويثبت النسب، ويجب الأقل من المسمى ومهر المثل، لكن لا عدة في زواج موقوف قبل الإجازة، ولا في باطل. وقد نص القانون السوري (م 52) على أحكام هذا النوع: «الزواج الموقوف حكمه قبل الإجازة كالفاسد» .\r-------------------------------\r(1) الدر المختار ورد المختار: 522/2.\r(2) القوانين الفقهية: ص 212.","part":9,"page":99},{"id":5655,"text":"حكم الزواج الفاسد وأنواعه عند الحنفية(1) :\rالزواج الفاسد عند الحنفية: هو مافقد شرطاً من شروط الصحة، وأنواعه: هي الزواج بغير شهود، والزواج المؤقت، وجمع خمس في عقد، والجمع بين المرأة وأختها أو عمتها أو خالتها، وزواج امرأة الغير بلا علم بأنها متزوجة، ونكاح المحارم مع العلم بعدم الحل: فاسد عند أبي حنيفة، وباطل عند الصاحبين، وهو الراجح.\rوليس للزواج الفاسد حكم قبل الدخول، فلا يترتب عليه شيء من آثار الزوجية، فلا يحل فيه الدخول بالمرأة، ولا يجب فيه للمرأة مهر ولا نفقة، ولا تجب فيه العدة، ولا تثبت به حرمة المصاهرة، ولا يثبت به النسب، ولا التوارث.\rويجب على الزوجين أن يتفرقا بأنفسهما، وإلا رفع الأمر إلى القاضي ليحكم بالتفريق بينهما، ويجوز فيه دعوى الحسبة لإزالة المنكر من غير أن يكون للمدعي مصلحة شخصية، ويثبت لكل واحد منهما فسخه، ولو بغير حضور صاحبه، دخل بها أو لا في الأصح، خروجاً عن المعصية، وهذا لا ينافي وجوب التفريق بينهما من قبل القاضي.\rوإذا حصل دخول بالمرأة، كان الدخول معصية، ووجب التفريق بينهما، ولكن لا يقام عليهما حد الزنا، وإنما يعزرهما القاضي بمايراه زاجراً لهما، لوجود شبهة العقد، والحدود تدرأ بالشبهات. لكن يجب الحد في الدخول بالمحارم عند الصاحبين، ورأيهما هو الراجح؛ لأن التزوج في كل وطء حرام على التأبيد لايوجب شبهة، وما ليس بحرام على التأبيد كالمحرم بالصهرية كالأخت والعمة والنكاح بغير شهود، يكون العقد فيه شبهة. ولكن لو وطئها بعد التفريق يلزمه الحد، ولو دخلته شبهة.\r-------------------------------\r(1) البدائع:335/2، الدر المختار ورد المحتار: 481/2-484، 835، مختصر الطحاوي: ص174.","part":9,"page":100},{"id":5656,"text":"وكذلك يجب الحد بالدخول في نكاح منكوحة الغير ومعتدته، مع العلم بالحرمة، لكونه زنا.\rوبالرغم من كون الدخول في الزواج الفاسد معصية، فإنه عند الحنفية تترتب عليه ـ أي بالوطء في القبل لا بغيره كالخلوة (1) ـ الأحكام التالية:\r1 - وجوب المهر: يجب فيه ولو تكرر الوطء عند جمهور الحنفية ما عدا زفرالأقل من مهر المثل ومن المسمى، فإن لم يكن المهر مسمى في العقد، وجب مهر المثل مهما بلغ، لفساد التسمية. ووجوب المهر في الزواج الفاسد وإن كان في الأصل لا يجب لأنه ليس بنكاح حقيقة، إلا أنه قد وجب بسبب الدخول، والقاعدة الفقهية: ( كل وطء (وقاع) في دار الإسلام، لا يخلو عن عَقْر أي حد، أوعُقْر أي مهر ) وبما أن الحد قد انتفى لشبهة العقد، فيكون الواجب هو المهر.وكون المهر لا يزيد عن المسمى فلأن المرأة رضيت بذلك القدر، والعاقدان لم يقوِّما المنافع بأكثر من المسمى، فلا تتقوم بأكثر من المسمى. وكون الواجب هو الأقل من المهرين فلأن الأصل وجوب مهر المثل بسبب فساد العقد، ويجب فيه عند زفر مهر المثل بالغاً ما بلغ.\r2 - ثبوت نسب الولد من الرجل إن وجد، احتياطاً لإحياء الولد وعدم ضياعه.\r3 - وجوب العدة على المرأة من حين التفريق بينهما عند جمهور الحنفية وهو الصواب في المذهب؛ لأن النكاح الفاسد بعد الوطء منعقد في حق الفراش، والفراش لا يزول قبل التفريق. وعليه تجب العدة بعد الوطء لا الخلوة، للطلاق لا للموت من وقت التفريق أو متاركة الزوج وإن لم تعلم الزوجة بالمتاركة في الأصح.\rوقال زفر: يبدأ وقت وجوب العدة من آخر وطء وطئها؛ لأن العدة تجب بالوطء، وتطلب لمعرفة استبراء الرحم، والحمل يكون بالوطء. ولا عدة في نكاح المحارم ومنكوحة الغير ومعتدته، إن علم أنها للغير؛ لأنه لم يقل أحد بجوازه، فلم ينعقد أصلاً، كما أن نكاح المحارم باطل على الأظهر.\r-------------------------------\r(1) عبارة مشايخ الحنفية: الخلوة الصحيحة في النكاح الفاسد كالخلوة الفاسدة في النكاح الصحيح.","part":9,"page":101},{"id":5657,"text":"4 - ثبوت حرمة المصاهرة: فيحرم على الرجل الزواج بأصول المرأة وفروعها، وتحرم المرأة على أصول الرجل وفروعه. ولا تترتب على الزواج الفاسد أحكام أخرى، فلا تجب به نفقة ولا طاعة، ولا يثبت به حق التوارث بين الرجل والمرأة.\rوقد نص القانون السوري (م 51) على أحكام الزواج الفاسد:\r1 - الزواج الفاسد قبل الدخول في حكم الباطل.\r2 - ويترتب على الوطء فيه النتائج التالية: أ ـ المهر في الحد الأقل من مهر المثل والمسمى. ب ـ نسب الأولاد بنتائجه المبينة في المادة (133) من هذا القانون. جـ ـ حرمة المصاهرة. د ـ عدة الفراق في حالتي المفارقة أو موت الزوج، ونفقة العدة دون التوارث بين الزوجين.\r3 - تستحق الزوجة النفقة الزوجية ما دامت جاهلة فساد النكاح.\rحكم الزواج الباطل وأنواعه :\r1 - حكم الزواج الباطل عند الحنفية :\rالزواج الباطل عند الحنفية: هو ـ كما تقدم ـ الذي حصل خلل في ركنه أو في شرط من شروط انعقاده، كزواج الصبي غير المميز والزواج بصيغة تدل على المستقبل، والزواج بالمحارم كالأخت والعمة على الرأي الراجح، والمرأة المتزوجة برجل آخر مع العلم بأنها متزوجة، وزواج المسلمة بغير المسلم، وزواج المسلم بغير الكتابية كالمجوسية والوثنية، ونحوها.\rوحكم الزواج الباطل: أنه لا يترتب عليه شيء من آثار الزواج الصحيح، فلا يحل فيه الدخول بالمرأة، ولا يجب به مهر ولا نفقة ولا طاعة، ولا يثبت به توارث ولا مصاهرة، ويجب عدم التمكين من الدخول بينهما، فإن دخلا فرَّق القاضي بينهما جبراً، ولا عدة فيه بعد التفريق كالموقوف قبل إجازته. وقد نص القانون السوري (م 2/48) علي ما يلي: زواج المسلمة بغير المسلم باطل، ونصت المادة (50) على أحكام الزواج الباطل: الزواج الباطل لا يترتب علىه شيء من آثار الزواج الصحيح، ولو حصل فيه دخول.","part":9,"page":102},{"id":5658,"text":"2 - حكم الزواج الباطل وأنواعه عند المالكية :\rالباطل والفاسد بمعنى واحد عند الجمهور غير الحنفية، فالزواج الباطل أو الفاسد عند المالكية: هو ما حصل خلل في ركن من أركانه أو شرط من شروط صحته، وهو ينقسم إلى نوعين:\rأ ـ زواج اتفق الفقهاء على فساده: كالزواج بإحدى المحارم من نسب أو رضاع أو مصاهرة.\rب ـ وزواج اختلف الفقهاء في فساده: وهوما يكون فاسداً عند المالكية وصحيحاً عند بعض الفقهاء بشرط أن يكون الخلاف قوياً، كزواج المريض فإنه لا يجوز، على المشهور عند مالك.\rفإن كان الخلاف ضعيفاً كزواج المتعة، وزواج المرأة الخامسة، كان من المجمع على فساده.\rوللزواج الفاسد أو الباطل أحكام هي ما يأتي (1) :\r1 - التحريم ووجوب فسخه في الحال: رفعاً للمعصية ، فإن تم الفسخ فليس للمرأة شيء، سواء أكان العقد متفقاً على فساده أم مختلفاً في فساده؛ لأن القاعدة الكلية تقول: «كل نكاح فسخ قبل الدخول، فلا شيء فيه، كان متفقاً على فساده أو مختلفاً فيه، كان الفساد لعقده أو لصداقة أو لهما» فليس الفسخ قبل الدخول مثل الطلاق قبل الدخول في الزواج الصحيح. فلا شيء من الصداق بالفسخ قبل الدخول، إلا في نكاح الدرهمين، أو ما قل عن الصداق الشرعي إذا امتنع الزوج من إتمامه، ففسخ قبل الدخول، ففيه نصفهما على قول، وإلا في حال ادعاء الزوج الرضاع مع المرأة، ولم يدخل بها، ففسخ لإقراره بالرضاع، فيلزمه نصف المسمى، لاتهامه أنه قصد فراقها بلا شيء.\rفإن دخل الرجل بالمرأة فهل يفسخ العقد أو لا؟ العقد الفاسد بالنسبة لاستحقاق الفسخ بعد الدخول ثلاثة أنواع:\r-------------------------------\r(1) القوانين الفقهية: ص 204-211، بداية المجتهد: 31/2-49، 57-59، الشرح الكبير: 236/2-241، الشرح الصغير: 382/2-391.","part":9,"page":103},{"id":5659,"text":"أ ـ نوع يجب فسخه أبداً وإن طال الزمان بعد الدخول: وهو ما يكون الفساد فيه لخلل في الصيغة أو في العاقدين أو في محل العقد، كالزواج بإحدى المحارم من نسب أو رضاع أو مصاهرة، وزواج المتعة، والزواج بأكثر من أربع زوجات، والزواج بغير ولي أو بغير شهود، وزواج مريض الموت، فنكاح المريض لا يجوز في المشهور عن مالك، ويفسخ وإن صح.\rب ـ ونوع لا يجب فسخه بل يبقى: وهو ما كان الفساد فيه بسبب فساد الصداق، كالزواج بدون صداق، أو بصداق مجهول، أو كان الفساد بسبب اقتران العقد بشرط يناقض المقصود من الزواج، مثل الزواج بشرط ألا يعاشرها ليلاً أو نهاراً، أو ألا ينفق عليها، أو ألا يقسم لها مع زوجته الثانية.\rجـ ـ ونوع يجب فسخه إن لم يطل الزمان بعد الدخول، ولا يفسخ إن طال الزمن، وهو محصور في ثلاثة عقود هي:\rزواج الصغيرة اليتيمة إذا زوّجت مع فقد شرط من شروطها، وزواج الشريفة بالولاية العامة مع وجود الولي الخاص، وزواج السر (1) ، لكن الطول في اليتيمة والشريفة يكون بمرور ثلاث سنوات فأكثر أو ولادة ولدين في بطنين، والطول في زواج السر يكون بحسب العرف: وهو ما يحصل فيه الاشتهار والظهور بين الخاص والعام عادة.\rوالفسخ قبل الدخول أو بعده طلاق، فإن أعاد العقد بعده صحيحاً بقي له طلقتان فقط، وإن أعاده صحيحاً قبله، استمر على ما هو عليه.\r2 - وجوب المهر بالدخول، لا بمجرد الخلوة: سواء أكان متفقاً على فساده، أم مختلفاً في فساده.\rوالمهر المستحق: هو المسمى إن كان مسمى، أو مهر المثل إن لم يسم تسمية صحيحة، أو كان الفساد بسبب شرط يناقض المقصود من الزواج.\r3 - ثبوت النسب للولد بأبيه إن كان العقد مختلفاً في فساده، وكذا إن كان متفقاً على فساده، ولم يعتبر الوطء زنا، إذا لم يكن الرجل عالماً بالحرمة. فإن كان عالماً بالحرمة اعتبر زنا ووجب الحد، ولا يثبت النسب.\r-------------------------------\r(1) وهو ما أوصى فيه الزوج الشهود بكتمه عن زوجته أو عن جماعة، ولو أهل منزل، إذا لم يكن الكتم خوفاً من ظالم أو نحوه.","part":9,"page":104},{"id":5660,"text":"وعليه يندرئ الحد عن الواطئ في نكاح المعتدة، وذات الرحم المحرم والرضاع إن كان غير عالم بالحرمة، فإن علم بأنها ذات محرم أو ذات رضاع أو أنها معتدة أو أنها خامسة، حَدَّ، إلا المعتدة أي العالم بأنها معتدة، ففي حده قولان.\rولا حد في الوطء بناء على عقد اختلف فيه العلماء، كنكاح المحرم بحج أو عمرة، والشغار، وتزويج المرأة نفسها بدون ولي.\r4 - ثبوت الإرث بين الرجل والمرأة في حال الفساد المختلف فيه: فلو مات أحدهما قبل فسخ العقد ورثه الآخر، دخل الرجل بالمرأة أو لم يدخل، وذلك إلا زواج المريض مرض الموت، فإنه لا يجوز عند المالكية خلافاً للجمهور فإنه صحيح؛ لأن سبب فساده هو إدخال وارث في التركة لم يكن موجوداً عند المرض، فلو ثبت به الإرث، لفات الغرض الذي من أجله حكم بفساد العقد.\rولا يثبت حق التوارث في حالة الفساد المتفق عليه؛ لأنه زواج غير منعقد أصلاً.\r5 - ثبوت حرمة المصاهرة (1) بالدخول (الوطء) (2) أو مقدماته، إذا كان العقد مختلفاً في فساده. وكذلك تثبت بهما إذا كان العقد متفقاً على فساده، بشرط ألا يعتبر الوطء زنا موجباً للحد، فإن اعتبر زنا موجباً للحد لا تثبت به حرمة المصاهرة به على المعتمد.\rوكذلك مجرد العقد الفاسد المختلف فيه يحرِّم المرأة على أصول الرجل وفروعه، ويحِّرم على الرجل أصولها؛ لأن العقد على البنات يحرم الأمهات، ولا يحرم عليه فروعها؛ لأن العقد على الأمهات لا يحرم البنات، فإذا دخل بالأم حرمت البنت أيضاً.\r6 - وجوب العدة إذا دخل الرجل بالمرأة أو اختلى بها خلوة يتمكن فيها من الاتصال الجنسي، ثم فسخ العقد، سواء أكان العقد متفقاً على فساده أم مختلفاً فيه، وتبدأ العدة من وقت الفرقة بينهما بعد الفسخ.\r-------------------------------\r(1) وهي تحريم المرأة على أصول الرجل وفروعه، وتحريم أصول المرأة وفروعها على الرجل.\r(2) المراد بالوطء: ما يشمل إرخاء الستور، ولو تقارروا على عدم الوطء، ومثل الوطء مقدماته.","part":9,"page":105},{"id":5661,"text":"أنواع الأنكحة الفاسدة المختلف فيها :\rهناك أنكحة فاسدة أربعة، ورد النهي فيها صراحة، وهي نكاح الشغار، ونكاح المتعة، والخطبة على خطبة أخيه، ونكاح المحلِّل (1) .\rأما نكاح الشغار: فهو أن يُنكح موليته: بنته أوأخته، على أن ينكحه الآخر موليته، ،ولا صداق بينهما إلا بُضْع هذه ببضع الأخرى. اتفق العلمآء على معناه هذا، وعلى أنه نكاح غير جائز لثبوت النهي عنه، لخلوه عن المهر. واختلفوا إذا وقع، هل يصحح بمهر المثل أو لا؟\rفقال مالك والشافعي وأحمد: لا يصحح ويفسخ أبداً قبل الدخول وبعده، لما روى ابن عمر: «أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم نهى عن الشغار» (2) ، والشغار: أن يزوج الرجل ابنته على أن يزوجه ابنته، وليس بينهما صداق.\rوقال أبو حنيفة: يصح نكاح الشغار بفرض صداق المثل. أما النهي عنه في السنة فمحمول على الكراهة، والكراهة لا توجب فساد العقد، فيكون الشرع أوجب فيه أمرين: الكراهة ومهر المثل.\rومنشأ الخلاف: هل النهي عن الشغار معلل بعدم العوض أو غير معلل؟ فإن قلنا: غير معلل، لزم الفسخ على الإطلاق. وإن قلنا: العلة عدم الصداق، صح بفرض صداق المثل، مثل العقد على خمر أو خنزير.\rوالخلاصة: أن نكاح الشغار باطل عند الجمهور، صحيح مكروه تحريماً عند\r-------------------------------\r(1) بداية المجتهد: 57/2 وما بعدها، الدر المختار: 457/2 وما بعدها، الشرح الكبير: 239/2، الشرح الصغير: 388/2، 446، القوانين الفقهية: ص 204، المهذب: 46/2، مغني المحتاج: 142/3، المغني: 641/6-648، اللباب: 20/3، مختصر الطحاوي: ص 181.\r(2) رواه الجماعة عن نافع عن ابن عمر (نيل الأوطار: 140/6).","part":9,"page":106},{"id":5662,"text":"الحنفية، فإن وقع فسخ النكاح عند الجمهور قبل الدخول وبعده، على المشهور عند المالكية، ويدفع الرجل لمن دخل بها مهر المثل، وتقع به حرمة المصاهرة، والوراثة، وإن وقع جاز عند الحنفية بمهر المثل.\rوأما نكاح المتعة ( وهو أن يقول لامرأة: أتمتع بك لمدة كذا) والنكاح المؤقت (وهو أن يتزوج امرأة عشرة أيام مثلاً) فهو باطل، أما الأول فبالإجماع ما عدا الشيعة عملاً عندهم برأي ابن عباس وجماعة من الصحابة والتابعين، وأما الثاني فبطلانه عند الجمهور؛ لأنه أتى بمعنى المتعة، والعبرة في العقود للمعاني، وأجازه زفر والشيعة، وقول زفر: هو أنه صحيح لازم؛ لأن النكاح لا يبطل بالشروط الفاسدة. وقد سبق تفصيل الكلام فيه.\rوأما الخطبة على خطبة الغير: فعند الجمهور يعد الزواج حينئذ صحيحاً، ولا يفرق بين الزوجين؛ لأن النهي ليس متوجهاً إلى نفس العقد، بل إلى أمر خارج عن حقيقته، فلا يقتضي بطلان العقد، كالتوضؤ بماء مغصوب، وعند مالك على المعتمد، يجب الفسخ قبل الدخول بطلقة بائنة.\rوأما نكاح المحلِّل: ( وهو الذي يقصد بنكاحه تحليل المطلقة ثلاثاً لزوجها الذي طلقها) فهو حرام باطل مفسوخ، لقوله صلّى الله عليه وسلم : «لعن الله المحلِّل والمحلَّل له» (1) . وهو نكاح صحيح وإن كان موجباً للإثم عند أبي حنيفة والشافعية؛ لأن العقد في الظاهر قد استكمل أركانه وشروطه الشرعية.\rوسبب اختلافهم: اختلافهم في مفهوم الحديث السابق «لعن الله المحلل» فمن فهم من اللعن: التأثيم فقط، قال: النكاح صحيح. ومن فهم من التأثيم فساد العقد، تشبيهاً بالنهي الذي يدل على فساد المنهي عنه، قال: النكاح فاسد.\r-------------------------------\r(1) رواه أبو داود وابن ماجه والترمذي، وقال: حديث حسن صحيح.","part":9,"page":107},{"id":5663,"text":"3 - أنواع الأنكحة الباطلة عند الشافعية :\rالباطل: ما اختل ركنه، والفاسد: ما اختل شرطه، وطرأ له الفساد بعد انعقاده، وحكمهما عند الشافعية واحد غالباً، وهو أنه لا يترتب على واحد منهما أي أثر من آثار الزواج الصحيح، فلا مهر ولا نفقة ولا حرمة مصاهرة ولا نسب ولا عدة. والأنكحة الباطلة للنهي عنها كثيرة، أهمها تسعة (1) :\r1 ً - نكاح الشغار: كأن يقول: زوجتك بنتي على أن تزوجني بنتك، وبُضْع (2) كلٍ منهما صداق الأخرى، وإن سميا مع ذلك مهراً في الأصح لوجود التشريك المذكور، فإن لم يجعلا البضع مهراً بأن سكتا عنه، صح في الأصح لعدم التشريك المذكور، ولكل واحدة مهر المثل. وبطلانه للنهي عنه في حديث ابن عمر السابق وغيره، مثل «لا شغار في الإسلام» (3) والنهي يقتضي فساد المنهي عنه.\r2 ً - نكاح المتعة: وهو النكاح إلى أجل. وإن تزوج بشرط الخيار بطل العقد؛ لأنه عقد يبطله التوقيت، فبطل بالخيار كالبيع.\r3 ً - نكاح المُحْرم: فلا يصح النكاح في إحرام أحد العاقدين أو الزوجة، بحج أو عمرة، أو بهما، أو مطلقاً صحيحاً أو فاسداً، وإن عقده الإمام، أو كان بين التحللين، للخبر السابق: «لا يَنكح المحرم ولا يُنكح» .\rلكن يجوز في الإحرام الرجعة والشهادة على الزواج؛ لأن الرجعة استدامة لا ابتداء عقد، ولأن ارتباط النكاح بالشهادة ارتباط توثق، وارتباطه بغيرها من الولاية، وكونه عاقداً أو معقوداً عليه ارتباط مباشرة.\r-------------------------------\r(1) حاشية الشرقاوي على تحفة الطلاب لزكريا الأنصاري: 233/2-248، مغني المحتاج: 142/3، المهذب: 46/2-47.\r(2) البضع يطلق على عقد النكاح والجماع معاً، وعلى الفرج (النهاية لابن الأثير: 133/1).\r(3) رواه مسلم عن ابن عمر، وروى أحمد ومسلم حديثاً آخر عن أبي هريرة «نهى رسول الله صلّى الله عليه وسلم عن الشغار (نيل الأوطار: 140/6).","part":9,"page":108},{"id":5664,"text":"4 ً - تعدد الأزواج: وهو إنكاح وليين امرأة زوجين، ولم يعرف سبق أحدهما معيناً. فإن دخل بها أحدهما لزمه مهر مثلها، وإن دخلا بها فلها على كل منهما مهر مثلها. فإن عرف عين السابق فهو الصحيح.\r5 ً - نكاح المعتدة والمستبرأة من غيره ولو من وطء شبهة، فإن دخل بها حُدّ حَد الزنا، إلا إن ادعى الجهل بحرمة النكاح في العدة والاستبراء من غيره، فلا حد عليه. ويعذر الجاهل إن كان قريب عهد بالإسلام أو نشأ بعيداً عن العلماء .\r6 ً - نكاح المرتابة بالحمل قبل انقضاء عدتها: يحرم نكاحها حتى تزول الريبة، وإن انقضت الأقراء (الأطهار)، للتردد في انقضاء عدتها. فلو نكحها رجل أو من ظنها معتدة أو مستبرأة، أو مُحْرمة بحج أو عمرة، أو مَحْرماً، ثم بان خلافه، فالنكاح باطل، للتردد في الحل.\r7 - نكاح المسلم كافرة غير كتابية أصلاً كوثنية ومجوسية وعابدة شمس أو قمر، ومرتدة، أوغير كتابية خالصة كمتولدة بين كتابي ومجوسية وعكسه، لقوله تعالى: {ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن} [البقرة:221/2] وتغليباً للتحريم في المتولدة بين كتابي ومجوسية.\rأما الكتابية: فإن كانت إسرائيلية، حل زواجها إن لم تدخل أصولها في اليهودية بعد نسخها، أو شك في ذلك.\rوإن كانت غير إسرائيلية وهي النصرانية، حل زواجها إن علم دخول أصولها في دين النصرانية قبل نسخه، ولو بعد تبديله إن تجنبوا المبدَّل. ودليل إباحة الزواج باليهودية والنصرانية بالشرط المذكور قوله تعالى: {والمحصَنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم} [المائدة:5/5] أي حِلّ لكم، والمراد من الكتاب: التوراة والإنجيل دون سائر الكتب قبلهما كصحف شيث وإدريس وإبراهيم عليهم الصلاة والسلام.","part":9,"page":109},{"id":5665,"text":"8 - المنتقلة من دين إلى آخر: لا يحل نكاحها، ولا يقبل منها إلا الإسلام.\r9 - زواج المسلمة بكافر، وزواج المرتدة: فلا تحل مسلمة لكافر بالإجماع، لقوله تعالى: {ولا تُنكحوا المشركين} [البقرة:221/2] ولا تحل مرتدة لأحد، لا لمسلم؛ لأنها كافرة لا تقر على ردتها، ولا لكافر لبقاء تعلق الإسلام بها.\rوإن ارتد أحد الزوجين أو كلاهما قبل الدخول، بطل النكاح، وإن كان بعد الدخول ينتظر: فإن جمعهما الإسلام في العدة دام النكاح، وإن لم يجمعهما الإسلام في العدة، فلا يدوم النكاح.\rهذا وهناك أنكحة مكروهة مثل النكاح بعد الخطبة على الخطبة، ونكاح المحلل بنية التحليل دون الاشتراط في العقد، فإن تزوجها بشرط أنه إذا وطئها طلقها، بطل النكاح، ومثل نكاح المغرر بحرية المرأة أو نسبها.\r4 - أنواع النكاح الفاسد عند الحنابلة :\rالزواج الفاسد نوعان (1) :\rالنوع الأول ـ يبطل النكاح من أصله، وهو أربعة عقود:\r1 - نكاح الشغار: وهو أن يزوجه وليَّته، على أن يزوجه الآخر وليته، ولا مهر بينهما، أو يجعل بُضْع كل واحدة مع دراهم معلومة مهراً للأخرى. فإن سموا مهراً مستقلاً ولو قل صح، وإن سمي لأحدهما صح نكاحها فقط.\r2 - نكاح المحلل: وهو أن يتزوجها على أنه إذا أحلها طلقها، أو فلا نكاح بينهما، أو ينويه الزوج، أو يتفقا عليه قبله، فيحرم النكاح، ولا يصح ولا تحل لزوجها الأول.\r3 - نكاح المتعة: وهو أن يتزوجها إلى مدة، أو يشترط طلاقها فيه بوقت، أو ينويه بقلبه، أو يتزوج الغريب بنية طلاقها إذا خرج، أو يقول: أمتعيني نفسك، فتقول:أمتعتك بلا ولي ولا شهود. فمن تعاطى ماذكر، عزر ولحقه النسب.\r4 - النكاح المعلَّق: كزوجتك إذا جاء رأس الشهر، أو إن رضيت أمها، أو إن وضعت زوجتي بنتاً فقد زوجتكها، ويصح بقوله: زوجتكها إن كانت بنتي، أو كنت وليها، أو إن انقضت عدتها، وهما يعلمان ذلك، أو شئت، فقال: شئت، وقبلت مثل زوجت، وقبلت إن شاء الله تعالى.\r-------------------------------\r(1) غاية المنتهى: 42/3، المغني: 455/6 وما بعدها.","part":9,"page":110},{"id":5666,"text":"ومن الأنكحة الباطلة: نكاح المرأة المتزوجة أو المعتدة، أو شبهه، فإذا علم الزوجان التحريم، فهما زانيان، وعليهما الحد، ولا يلحق النسب به.\rوأما الزواج الفاسد المختلف في إباحته كالنكاح بغير شهود أو بغير ولي، فلا يجب به الحد، سواء اعتقد حله أم حرمته؛ لأنه مختلف في إباحته، ولأن الحد يدرأ بالشبهات، والاختلاف فيه أقوى الشبهات.\rالنوع الثاني ـ يصح النكاح دون الشرط :\rكما إذا شرط ألا مهر أو لا نفقة، أو أن يقسم لها أكثر من ضرتها أو أقل، أو إن شرط كلاهما أو أحدهما عدم وطء أو دواعيه، أو أن تعطيه شيئاً أو أن تنفق عليه، أوإن فارق رجع بما أنفق، أو شرط كلاهما أو أحدهما خياراً في عقد أو مهر، أو إن جاء بالمهر في وقت كذا، وإلافلا نكاح بينهما، أوأن يسافر بها، أو أن تستدعيه لوطء عند إرادتها، أو ألا تسلم نفسها إلى مدة كذا، أو لا يكون عندها في الجمعة إلا ليلة، أو يعزل عنها، أو يسكن بها حيث شاءت أو شاء أبوها ونحوه.\rوإن شرطها مسلمة، فبانت كتابية، أو شرط بكراً أو جميلة أو نسيبة، أو شرط نفي عيب لا يفسخ به النكاح، فبانت بخلافه، فله الخيار، ويرجع بعد الدخول على من غرّه (الغار).\rوإن شرط صفة، فبانت أعلى ككتابية، فبانت مسلمة، فلا خيار.","part":9,"page":111},{"id":5667,"text":"المبحث الخامس ـ مندوبات عقد الزواج أو ما يستحب له :\rيستحب للزواج ما يأتي (1) :\r1 - أن يخطب الزوج قبل العقد عند التماس التزويج خُطبة (2) مبدوءة بالحمد لله والشهادتين، والصلاة على رسول الله صلّى الله عليه وسلم ، مشتملة على آية فيها أمر بالتقوى وذكر المقصود، عملاً بخطبة ابن مسعود، قال: «علَّمنا رسول الله صلّى الله عليه وسلم التشهد في الصلاة، وخطبة الحاجة: الحمد لله نحمده، ونستعينه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله ، وأن محمداً عبده ورسوله» ويقرأ ثلاث آيات، فسرها سفيان الثوري: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته، ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون} [آل عمران:102/3].\r{يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة، وخلق منها زوجها، وبث منهما رجالاً كثيراً ونساء، واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام، إن الله كان عليكم رقيباً } [النساء:1/4].\r{يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ، وقولوا قولاً سديداً، يصلح لكم أعمالكم...} الآية (3) [الأحزاب:70/33-71].\rثم يقول: وبعد: فإن الله أمر بالنكاح، ونهى عن السفاح، فقال مخبراً وآمراً: { وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم..} [النور:32/24] لآية.\rويجزئ عن ذلك أن يحمد الله ، ويتشهد ويصلي على النبي صلّى الله عليه وسلم ، لما روي عن ابن عمر أنه كان إذا دعي ليزوج قال: الحمد لله ، وصلى الله على سيدنا محمد، إن فلاناً يخطب إليكم فلانة، فإن أنكحتموه فالحمد لله ، وإن رددتموه فسبحان الله .\rوالمستحب خطبة واحدة، لما تقدم، لا خطبتان اثنتان: إحداهما من العاقد، والأخرى من الزوج قبل قبوله؛ لأن المنقول عنه صلّى الله عليه وسلم وعن السلف خطبة واحدة، وهوأولى ما اتبع.\rويبين الزوج قصده بنحو: قد قصدنا الانضمام إليكم ومصاهرتكم والدخول في خدمتكم ونحوه، ويقول الولي: قد قبلناك ورضينا أن تكون منا وفينا، وما في معناه.\r-------------------------------\r(1) الشرح الصغير: 338/2 وما بعدها، 499-503، مغني المحتاج: 137/3، المهذب: 41/2، 63-65، المغني: 536/6 وما بعدها، كشاف القناع: 30/5 وما بعدها، تكملة المجموع: 548/15-559، غاية المنتهى: 76/3.\r(2) الخُطبة: هي الكلام المفتتح بحمد الله والصلاة على رسول الله صلّى الله عليه وسلم المختتم بالوصية والدعاء، لخبر أبي داود عن أبي هريرة رضي الله عنه: «كل كلام لا يبدأ فيه بحمد الله فهو أجذم» .\r(3) رواه الترمذي وصححه وأبو داود والنسائي والحاكم والبيهقي.","part":9,"page":112},{"id":5668,"text":"فإن عقد الزواج من غير خطبة جاز،فالخطبة مستحبة غير واجبة، لما روى سهل بن سعد الساعدي أن النبي صلّى الله عليه وسلم قال للذي خطب الواهبة نفسها للنبي صلّى الله عليه وسلم : «زوجتكها بما معك من القرآن» (1) ولم يذكر خطبة، وروى أبو داود بإسناده عن رجل من بني سليم قال: «خطبت إلى النبي صلّى الله عليه وسلم أمامة بنت عبد المطلب، فأنكحني من غير أن يتشهد» ولأن الزواج عقد معاوضة، فلم تجب فيه خطبة كالبيع.\r2 - أن يدعى للزوجين بعد العقد، لما روى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلّى الله عليه وسلم كان إذا رفأ الإنسان إذا تزوج قال: بارك الله لك، وبارك عليك، وجمع بينكما في خير (2) . وأن يهنَّأ الزوجان بنحو: مبارك إن شاء الله ، ويوم مبارك ونحو ذلك.\r3 - أن يعقد النكاح يوم الجمعة مساء، لحديث أبي هريرة مرفوعاً: «أمسوا بالمِلاَك، فإنه أعظم بركة» (3) ، ولأن الجمعة يوم شريف ويوم عيد، والبركة في النكاح مطلوبة، فاستحب له أشرف الأيام طلباً للبركة، والإمساء به؛ لأن في آخر النهار من يوم الجمعة ساعة الإجابة .\r4 - إعلان الزواج والضرب فيه بالدف، لقوله صلّى الله عليه وسلم : «أعلنوا النكاح» (4) وفي رواية الترمذي عن عائشة: «أعلنوا النكاح، واضربوا عليه بالغِرْبال» أي بالدف، وعند النسائي: «فصل ما بين الحلال والحرام: الصوت والدف في النكاح» .\r-------------------------------\r(1) متفق عليه بين أحمد والشيخين: البخاري ومسلم.\r(2) رواه أبو داود والترمذي وصححه وحسنه وابن ماجه.\r(3) رواه أبو حفص. والأصح لغة: الإملاك أي التزويج، وليس المِلاَك: يقال: أملكنا فلاناً فلانة، أي زوجناه إياها.\r(4) رواه أحمد وصححه الحاكم عن عامر بن عبد الله بن الزبير. وأما حديث عائشة عن الترمذي ففيه ضعيف (سبل السلام: 116/3).","part":9,"page":113},{"id":5669,"text":"ولا بأس بالغناء المباح أو الغزل البريء غير المخصص بشخص ما، في العرس، لما روى ابن ماجه عن عائشة: أنها زوجت يتيمة رجلاً من الأنصار، وكانت عائشة فيمن أهداها إلى زوجها، قالت، فلما رجعنا، قال لنا رسول الله صلّى الله عليه وسلم : «ما قلتم يا عائشة؟ قالت: سلّمنا ودعونا بالبركة، ثم انصرفنا، فقال: إن الأنصار قوم فيهم غَزَل، ألا قلتم يا عائشة: أتيناكم أتيناكم، فحيَّانا وحيَّاكم؟» .\rوالمالكية الذين لم يشترطوا الإشهاد عند العقد، قالوا: يندب الإشهاد عند العقد، للخروج من الخلاف، إذ كثير من الأئمة لا يرى صحته إلا بالشهادة حال العقد، وهم يرون وقوعه صحيحاً في نفسه، وإن لم تحصل الشهادة حال العقد كالبيع، ولكن لا تتقرر صحته، ولا تترتب ثمرته من حل التمتع إلا بحصولها قبل البناء، فجاز أن يعقد فيهما سراً، ثم يخبرا به عدلين، كأن يقولا لهما: قد حل منا العقد، فلان على فلانة. أو أن الولي يخبر عدلين، والزوج يخبر عدلين غيرهما، ولا يكفي أن يخبر أحدهما عدلاً، والثاني عدلاً غيره؛ لأنهما حينئذ بمنزلة الواحد.\r5 - ذكر الصداق أي تسميته عند العقد، لما فيه من اطمئنان النفس، ودفع توهم الاختلاف في المستقبل، وندب أيضاً كون المهر حالاً، بلا تأجيل لبعضه.\r6 - الوليمة ( وهي طعام العرس أو كل طعام صنع لدعوة وغيرها) : وهي سنة مستحبة مؤكدة عند جماهير العلماء وهو مشهور مذهبي المالكية والحنابلة، ورأي بعض الشافعية؛ لأنه طعام لحادث سرور، فلم تجب كسائر الولائم.\rوفي قول مالك، والمنصوص في الأم للشافعي ورأي الظاهرية: أن الوليمة واجبة، لقوله صلّى الله عليه وسلم لعبد الرحمن بن عوف: «أولم ولو بشاة» (1) وظاهر الأمر الوجوب.\r-------------------------------\r(1) متفق عليه عن أنس (نيل الأوطار: 175/6).","part":9,"page":114},{"id":5670,"text":"وقد اختلف السلف في وقت الوليمة، هل هو عند العقد، أوعقبه، أوعند الدخول أو عقبه أو من ابتداء العقد إلى انتهاء الدخول؟\rقال النووي: اختلفوا، فحكى القاضي عياض أن الأصح عند المالكية استحبابها بعد الدخول، وعن جماعة منهم: عند العقد، وعند ابن جندب: عند العقد وبعد الدخول. قال السبكي: والمنقول من فعل النبي صلّى الله عليه وسلم أنها بعد الدخول. وفي حديث أنس عند البخاري وغيره التصريح بأنها بعد الدخول لقوله: أصبح عروساً بزينب، فدعا القوم (1) . وهذا هو المعتمد عند المالكية. وقال الحنابلة: تسن بعقد، وجرت العادة بفعلها قبل الدخول بيسير.\rوأما النُثار (ما ينثر من السكر واللوز والجوز في النكاح أو غيره) فيكره عند الشافعي والمالكية؛ لأن التقاطه دناءة وسخف، ولأنه يأخذه قوم دون قوم، وتركه أحب.\rوأما الإجابة: فتسن عند الحنفية إجابة الدعوة.\rوقال الجمهور: الإجابة إلى الوليمة واجبة وجوباً عينياً عند المالكية والشافعية على المذهب، والحنابلة، حيث لا عذر من نحو برد وحر وشغل، لحديث «من دعي إلى وليمة ولم يجب، فقد عصى أبا القاسم» (2) وحديث «إذا دعي أحدكم إلى وليمة عرس فليأتها» (3) .\rوالإجابة واجبة حتى على الصائم، لكن لا يلزمه الأكل، لما رواه أحمد\r-------------------------------\r(1) نيل الأوطار: 176/6.\r(2) نص الحديث عند مسلم عن أبي هريرة: «شر الطعام طعام الوليمة يمنعها من يأتيها، ويدعى عليها من يأباها، ومن لم يجب الدعوة فقد عصى الله ورسوله» .\r(3) رواه مسلم وأحمد.","part":9,"page":115},{"id":5671,"text":"ومسلم وأبو داود عن أبي هريرة: «إذا دعي أحدكم فليجب، فإن كان صائماً فليصل، وإن كان مفطراً فليطعم» .\rأما الأعذار: فقال الشافعية: إن دعي الشخص إلى موضع فيه منكر من زمر أو طبل أو خمر: فإن قدر على إزالته لزمه أن يحضر لوجوب الإجابة، ولإزالته المنكر، وإن لم يقدر على إزالته، لم يحضر، لما روي « أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم نهى أن يجلس على مائدة تدار فيها الخمر» (1) .\rوقال الحنابلة: تكره إجابة من في ماله حرام كأكله منه، ومعاملته وقبوله هديته وهبته وصدقته، وتقوى الكراهة وتضعف بحسب كثرة الحرام وقلّته. ويستحب بالاتفاق أكله ولو صائماً صوماً غير واجب؛ لأنه يدخل السرور على من دعاه. ومن دعاه أكثر من واحد، أجاب الكل إن أمكنه، وإلا أجاب الأسبق قولاً، فالأدين فالأقرب رحماً، فجواراً، ثم أقرع، أي لجأ إلى القرعة.\rوقال المالكية: تجب الإجابة على من عيّن للوليمة بالشخص، إن لم يكن في المجلس من يُتأذى منه لأمر ديني، كمن شأنه الخوض في أعراض الناس، أو من يؤذيه، أو كان في المجلس منكر كفرش حرير يجلس عليه، وآنية ذهب أو فضة لأكل أو شرب أو تبخير أو نحوها، أو كان هناك سماع غانية ورقص نساء وآلة لهو غير دف وزمارة وبوق، وصور حيوان كاملة لها ظل، لا منقوشة بحائط أو فرش؛ لأن تصاوير الحيوانات تحرم إجماعاً إن كانت كاملة لها ظل مما يطول استمراره، بخلاف ناقص عضو لا يعيش به لو كان حيواناً، وبخلاف ما لا ظل له، كنقش في ورق أو جدار. والنظر إلى الحرام حرام، وتصوير غير الحيوان كالسفن والأشجار لا حرمة فيه.\rومن الأعذار المسقطة لوجوب الإجابة: كثرة زحام، أو إغلاق باب دونه إذا قدم، وإن لمشاورة.\rومنها: العذر الذي يبيح التخلف عن الجمعة: من كثرة مطر، أو وحل أو خوف على مال أو مرض أو تمريض قريب ونحوها.\r-------------------------------\r(1) رواه أبو داود عن ابن عمر بلفظ «نهى رسول الله صلّى الله عليه وسلم عن الجلوس على مائدة عليها الخمر..» .","part":9,"page":116},{"id":5672,"text":"حكم آلات اللهو عند المالكية: قالوا: تكره الزُّمارة والبوق إذا لم يكثر جداً حتى يلهي كل اللهو، وإلا حرم كآلات الملاهي وذوات الأوتار، والغناء المشتمل على فحش القول، أو الهذيان.\rولايكره الغربال أو الدُّف إذا لم يكن فيه صراصير، وإلا حرم، ولا يكره الكُبَر أي الطبل الكبير المدور، المغش من الجهتين.\rقال العز بن عبد السلام: أما العود والآلات المعروفة ذوات الأوتار كالربابة والقانون، فالمشهور من المذاهب الأربعة أن الضرب به وسماعه حرام، والأصح أنه من الصغائر. وذهبت طائفة من الصحابة والتابعين ومن الأئمة المجتهدين إلى جوازه. قال الغزالي (1) : وقد دل النص والقياس جميعاً على إباحة سماع الغناء والآلات كالقضيب والطبل والدف وغيره، ولا يستثنى من هذه إلا الملاهي والأوتار والمزامير التي ورد الشرع بالمنع منها (2) لا للذتها، إذ لو كان للذة لقيس عليها كل ما يلتذ به الإنسان.\rوأما الرقص: فاختلف فيه الفقهاء: فذهبت طائفة إلى الكراهة، وطائفة إلى الإباحة، وطائفة إلى التفريق بين أرباب الأحوال وغيرهم، فيجوز لأرباب الأحوال ويكره لغيرهم، قال العز بن عبد السلام: وهذا القول هو المرتضى، وعليه أكثر الفقهاء المسوغين لسماع الغناء. وقد أبنت سابقاً أنه حرام مع التثني والتكسر.\r7 - أن يقول الزوج إذ ا زفت إليه عروسه ما ثبت في السنة وهو ما يأتي:\rأ ـ روى صالح بن أحمد عن أبي سعيد مولى أبي أسيد، قال: «تزوج، فحضر عبد الله بن مسعود وأبو ذر وحذيفة وغيرهم من أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلم ، فحضرت الصلاة، فقدموه، وهو مملوك، فصلى بهم، ثم قالوا له: إذا دخلت على أهلك، فصل ركعتين، ثم خذ برأس أهلك فقل: اللهم بارك لي في أهلي، وبارك لأهلي في، وارزقهم مني، وارزقني منهم، ثم شأنك وشأن أهلك» .\rب ـ وروى أبو داود عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلّى الله عليه وسلم أنه قال: «إذا تزوج أحدكم امرأة، أواشترى خادماً، فليقل: اللهم إني أسألك خيرها، وخير ما جبلت عليه، وأعوذ بك من شرها وشر ما جبلتها عليه، وإذا اشترى بعيراً فليأخذ بذروة سنامه، وليقل مثل ذلك» ، وهذا يقال عند شراء السيارة والدار ونحوهما.\r-------------------------------\r(1) الإحياء: 238/2 وما بعدها، 109/3.\r(2) روى البخاري تعليقاً عن أبي عامر أو أبي مالك الأشعري: «ليكونن في أمتي أقوام يستحلون الخز والحرير والمعازف» والمعازف: الملاهي.","part":9,"page":117},{"id":5673,"text":"الفَصْلُ الثَّالث: المحرَّمات من النِّساء أو الأنكحة المحرَّمة\rعرفنا في شروط الزواج: أنه يشترط ألا تكون المرأة محرمة على الرجل الذي يريد الزواج بها، بأن تكون محلاً لورود العقد عليها، والمحلية نوعان عند الحنفية: أصلية وفرعية، والنوع الأول: شرط في انعقاد الزواج فإذا لم يتوافر بطل العقد؛ لأن التحريم قطعي، والنوع الثاني: شرط في صحة الزواج، فإذا فات فسد العقد؛ لأن التحريم ظني.\rومحل عقد الزواج: كل امرأة تحل في الشرع، بوجهين: إما بنكاح أو بملك يمين.\rوالمحرمات من النساء نوعان: نوع يحرم حرمة مؤبدة، ونوع يحرم حرمة مؤقتة. والتحريم المؤبد إما من جهة النسب، أو من جهة المصاهرة، أو من جهة الرضاع (1) .\r-------------------------------\r(1) البدائع: 256/2-272، 2/4-5، تبيين الحقائق: 101/2-105، فتح القدير: 357/2-390، غاية المنتهى: 30/3-38، الدر المختار: 380/2-405، بداية المجتهد: 31/2-34، 39-49، 57-59، القوانين الفقهية: ص 204-210، مغني المحتاج: 174/3-190، المهذب: 42/2، المغني: 543/6، 567 -650، كشاف القناع: 74/5-97.","part":9,"page":118},{"id":5674,"text":"والنساء المحرمات عند المالكية (48) امرأة، خمس وعشرون مؤبدات: سبع من النسب: الأم والبنت والخالة والأخت والعمة وبنت الأخ وبنت الأخت، ومثلهن من الرضاع. وأربع بالصهر: أم الزوجة وبنتها، وزوجة الأب والابن، ومثلهن من الرضاع. ونساء النبي صلّى الله عليه وسلم ، والملاعنة، والمنكوحة في العدة.\rوغير المؤبدات: ثلاث وعشرون: المرتدة، وغير الكتابية، والخامسة، والمتزوجة، والمعتدة، والمستبرأة، والحامل، والمبتوتة، والأمة المشتركة (1) ، والأمة الكافرة، والأمة المسلمة لواجد الطَّوْل ( المهر )، وأمة الابن وأمة نفسه، وسيدته، وأم سيده، والمحرمة بالحج، والمريضة، وأخت زوجته، وخالتها، وعمتها، فلا يجوز الجمع بينهما. والمنكوحة يوم الجمعة عند الزوال، والمخطوبة بعد الركون للغير، واليتيمة غير البالغ.\rالنوع الأول ـ المحرمات المؤبدة: هي التي تحرم على الرجل أبداً، لسبب دائم فيها، كالبنوة والأمومة والأخوة، وتنحصر في ثلاثة أسباب: القرابة، المصاهرة، الرضاع.\r1 - حرمة القرابة أو المحرمات بسبب النسب :\rالمحرمات بسبب النسب على التأبيد: هن اللاتي تحرم على الشخص بالقرابة النسبية، وهن أربعة أنواع:\rأ ـ أصول الإنسان وإن علون: وهي الأم، والجدة: أم الأم، وأم الأب، لقوله تعالى: {حرِّمت عليكم أمهاتكم} [النساء:23/4]. والأم لغة: الأصل، فتشمل الأم والجدة.\r-------------------------------\r(1) لا يجوز للرجل أن يتزوج بجاريته التي يملكها ولا بجارية مشتركة بينه وبين غيره، وكذلك لا يجوز للمرأة أن تتزوج عبدها ولا العبد المشترك بينها وبين غيرها.","part":9,"page":119},{"id":5675,"text":"ب ـ فروع الإنسان وإن نزلن: وهي البنت وبنت البنت، وبنت الابن وإن نزل، لقوله تعالى: {حرمِّت عليكم أمهاتكم وبناتكم} [النساء:23/4].\rجـ ـ فروع الأبوين أو أحدهما وإن بعدت درجتهن: وهي الأخوات الشقيقات أو لأب أو لأم، وبناتهن، وبنات أولاد الإخوة والأخوات وإن نزلن، لقوله تعالى: {وبنات الأخ وبنات الأخت} [النساء:23/4].\rد ـ الطبقة الأولى أو المباشرة من فروع الأجداد والجدات: وهن العمات والخالات، سواء كن عمات للشخص نفسه وخالات له، أم كن عمات وخالات لأبيه أو أمه، أوأحد أجداده وجداته، لقوله تعالى: {حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم وعماتكم وخالاتكم} [النساء:23/4].\rأما الطبقة الثانية أو غير المباشرة من هذه الفروع فلا تحرم، كبنات العمات والأعمام، وبنات الخال أو الخالة، لدخولهن في مضمون قوله تعالى: {وأحل لكم ما وراء ذلكم} [النساء:24/4] ولقوله سبحانه: {يا أيها النبي إنا أحللنا لك أزواجك اللاتي آتيت أجورهن وما ملكت يمينك مما أفاء الله عليك، وبنات عمك، وبنات عماتك، وبنات خالك وبنات خالاتك اللاتي هاجرن معك} [الأحزاب:50/33].\rونصت المادة (33) من القانون السوري على هذه المحرمات: «يحرم على الشخص أصوله وفروعه، وفروع أبويه، والطبقة الأولى من فروع أجداده» . وتكون المحرمات بالقرابة سبع فرق: الأمهات، والبنات، والأخوات، والعمات، والخالات، وبنات الأخ، وبنات الأخت.","part":9,"page":120},{"id":5676,"text":"وحكمة تحريم الزواج بهؤلاء: إقامة نظام الأسرة على أساس من الود والحب الخالص الذي لا تشوبه مصلحة، فبالتحريم تنقطع الأطماع، ويتم الاجتماع والاختلاط البريء. وفي الزواج بإحدى هؤلاء إفضاء إلى قطع الرحم بسبب ما يحدث عادة بين الزوجين من نزاع وتخاصم، وقطع الرحم حرام، والمفضي إلى الحرام حرام، كما قال الكاساني (1) .\rهذا فضلاً عما يؤدي إليه الزواج بالقريبات من ضعف النسل والمرض، بعكس الزواج بالأباعد يأتي بنسل قوي، كما ثبت طباً وشرعاً. وفي الأثر: «اغتربوا لا تَضْووا» أي تزوجوا البعيدة لئلا يأتي النسل ضاوياً، أي هزيلاً ضعيفاً.\r2 - حرمة المصاهرة: المحرمات بسبب المصاهرة على التأبيد أربعة أنواع أيضاً:\rأ ـ زوجة الأصول وإن علوا، عصبة كانوا أم ذوي أرحام، سواء دخل بها الأصل أم عقد عليها ولم يدخل، كزوجة الأب،والجد أبي الأب أو أبي الأم، لقوله تعالى: {ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء، إلا ما قد سلف، إنه كان فاحشة ومقتاً وساء سبيلاً} [النساء:22/4] والمراد بالنكاح في ( نكح ): العقد، فهو سبب للتحريم سواء دخل بها أم لم يدخل. والأب يطلق لغة على الجد وإن علا.\rوالمحرم بهذه الآية هو زوجة الأب فقط، أما بنتها أو أمها فلا تحرم على الابن، فيجوز أن يتزوج الرجل امرأة، ويتزوج ابنه بنتها أو أمها.\rوسبب التحريم: تكريم واحترام الأصول وتحقق صلاح الأسر ومنع الفساد، من تطلع الابن لزوجة أصله، في حالة الاختلاط التي تحدث عادة بين الأب وابنه وسكناهما غالباً في مسكن واحد.\r-------------------------------\r(1) البدائع: 257/2.","part":9,"page":121},{"id":5677,"text":"ب ـ زوجة فروعه وإن نزلوا، سواء كن عصبات أم ذوي رحم، وسواء دخل بها الفرع أم لم يدخل ولو بعد أن فارقها بالطلاق أو الوفاة، كزوجة الابن أوابن الابن أو البنت وإن نزلوا، لقوله تعالى: {وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم} [النساء:23/4] ويكون العقد عليها باطلاً لا يترتب عليه أي أثر، فإنهم قالوا: تثبت الحرمة بنفس العقد في منكوحة الأب وحليلة الابن.والحليلة : هي الزوجة، ويتحقق هذا الوصف بمجرد العقد الصحيح.\rوألحق الحنفية بتحريم زوجة الأصل والفروع: موطوءة الأصل أو الفرع بالزنا أو الزواج الفاسد؛ لأن مجرد الوطء كاف عندهم في التحريم على الرجل.\rولا فرق بين أن يكون الابن من النسب أو الرضاع، فزوجة الابن أو ابن البنت من الرضاع تحرم على أبيه وجدِّه تحريماً مؤبداً، كما تحرم زوجة الابن من النسب؛ لأنه «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب» (1) ولقوله تعالى: {وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم} [النساء:23/4].\rجـ ـ أصول الزوجة وإن علون، سواء دخل بزوجته أم لم يدخل، كأم الزوجة وجدتها، وسواء أكانت الجدة من جهة الأب أم من جهة الأم، فمجرد العقد على الزوجة يحرِّم أصولها على الرجل، ويكون العقد عليها ولو بعد الطلاق أو الموت باطلاً، لقوله تعالى: {وأمهات نسائكم} [النساء:23/4] وهو في آية المحرمات في سورة النساء (23) شروع في بيان المحرمات من جهة المصاهرة إثر بيان المحرمات من جهة الرضاعة التي لها لحمة كلحمة النسب.\r-------------------------------\r(1) رواه الجماعة عن عائشة، وهذا لفظ ابن ماجه (نيل الأوطار: 317/6).","part":9,"page":122},{"id":5678,"text":"د ـ فروع الزوجة وإن نزلن أي الربائب، إذا دخل الرجل بالزوجة، فإن لم يدخل بها، ثم فارقها بالطلاق أو الوفاة، فلا تحرم البنت ولا واحدة من فروعها على الزوج. لقوله تعالى: {وربائبكم (1) اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن، فإن لم تكونوا دخلتم بهن، فلا جناح عليكم} [النساء:4/23] سواء أكانت بنت الزوجة ساكنة في بيت زوج أمها أم لا، وأما القيد المذكور في الآية {في حجوركم} [النساء:4/23] فهو مستمد من الشأن الغالب في الربيبة، وهو أن تكون مع أمها، وسبب التحريم كون نكاحها مفضياً إلى قطيعة الرحم، سواء أكانت في حجره أم لم تكن.\rويلحق بتحريم أصول الزوجة وفروعها عند الحنفية: أصول الموطوءة وفروعها في وطء حرام أو فيه شبهة.\rويلاحظ مما سبق في حرمة المصاهرة أن العقد وحده على المرأة يحرم ما عدا فروع الزوجة، وقد قرر الفقهاء فيه قاعدة مشهورة هي: ( العقد على البنات يحرِّم الأمهات، والدخول بالأمهات يحرّم البنات ) وسبب التفرقة أن الإنسان يحب ابنه أو بنته كنفسه بعكس حب الأصل، فلا تتألم الأم لو عقد على بنتها بعد العقد عليها.\rوحكمة التحريم بالمصاهرة كما أبان الدهلوي (2) : منع التنازع والتصارع الذي قد يحدث بين الأقارب من هذا النوع إما بفك ارتباط زوجة بزوجها أو بالتنازع على زوج.\r-------------------------------\r(1) الربائب جمع ربيبة: وهي بنت المرأة من رجل آخر، وسميت بذلك لأن زوج الأم يربها أي يقوم بأمرها ويرعى شؤونها. فالربائب: هن بنات زوجة دخل بها.\r(2) حجة الله البالغة: 97/2.","part":9,"page":123},{"id":5679,"text":"ما يلحق بحرمة المصاهرة: ألحق الحنفية كما تقدم بالعقد الصحيح أو بالدخول:\r1ً - حالة الدخول بالمرأة بعقد فاسد كالزواج بغير شهود.\r2ً - وحالة الدخول بالمرأة بناء على شبهة، كمن زفت إليه امرأة أخرى غير التي عقد عليها، وقيل له: إنها زوجته، فدخل بها، بناء عليه، ثم تبين أنها ليست زوجته التي عقد عليها ولم يكن قد رآها، وهي التي تسمى بالمرأة المزفوفة.\r3ً - وكذلك ألحقوا مع الحنابلة (1) الزنا، ومثله عند الحنفية مقدمات الزنا من تقبيل ومس بشهوة، فقالوا: تثبت حرمة المصاهرة بالزنا والمس والنظر بدون النكاح والملك وشبهته؛ لأن المس والنظر سبب داع إلى الوطء فيقام مقامه احتياطاً، وألحق الحنابلة اللواط بالزنا، فقالوا: الحرام المحض وهو الزنا يثبت به التحريم، ولا فرق بين الزنا في القبل والدبر؛ لأنه يتعلق به التحريم فيما إذا وجد في الزوجة والأمة. وإن تلوط بغلام يتعلق به التحريم أيضاً، فيحرم على اللائط أمُّ الغلام وابنته، وعلى الغلام أم اللائط وابنته؛ لأنه وطء في الفرج، فنشر الحرمة كوطء المرأة، ولأنها بنت من وطئه وأمه، فحرمتا عليه، كما لو كانت الموطوءة أنثى.\rويترتب على هذا الرأي: أنه يحرم على الرجل نكاح بنته من الزنا وأخته، وبنت ابنه وبنت بنته وبنت أخيه وأخته من الزنا، وتحرم أمها وجدتها، فمن زنى بامرأة حرمت عليه بنتها وأمها. ولو زنى الزوج بأم زوجته أو ببنتها، حرمت عليه زوجته على التأييد.\rواستدلوا بدليلين:\rالأول ـ ما روي أن رجلاً قال: يا رسول الله ، إني قد زنيت بامرأة في الجاهلية، أفأنكح ابنتها؟ قال: «لا أرى ذلك، ولا يصلح أن تنكح امرأة تطّلع من ابنتها على ما تطلع عليه منها» . ولكن هذا الحديث مرسل ومنقطع كما قال ابن الهمام في فتح القدير.\r-------------------------------\r(1) البدائع: 260/2، المغني: 577/6 ومابعدها، فتح القدير: 365/2 وما بعدها.","part":9,"page":124},{"id":5680,"text":"الثاني ـ إن الزنا سبب للولد، فيثبت به التحريم قياساً على غير الزنا، وكون الزنا حراماً لا يؤثر، بدليل أن الدخول بالمرأة بناء على عقد فاسد تثبت به حرمة المصاهرة بالاتفاق، وإن كان الدخول حراماً. ورد عليه بأنه قياس مع الفارق؛ لأن الزنا يجب به الحد ولا يثبت به النسب، بخلاف الوطء في الزواج، لذا قال الشافعي لمحمد بن الحسن: «إن الزواج أمر حمدت عليه، والزنا فعل رجمت عليه، فكيف يشتبهان؟!» .\rوقال المالكية على المشهور والشافعية (1) : إن الزنا والنظر والمس لا تثبت به حرمةالمصاهرة، فمن زنى بامرأة لم يحرم عليه نكاحها، ولا الزواج بأمها أو ببنتها، ولا تحرم المزني بها على أصول الزاني وفروعه، ولو زنى الرجل بأم زوجته أو ببنتها لا تحرم عليه زوجته. وإن لاط بغلام لم تحرم عليه أمه وابنته، ولكن يكره ذلك كله.\rواستدلوا بأدلة أربعة هي:\rالأول ـ أن النبي صلّى الله عليه وسلم سئل عن رجل زنى بامرأة، فأراد أن يتزوجها أو يتزوج ابنتها، فقال: «لا يحرم الحرام الحلال، إنما يحرم ما كان بنكاح» (2) فهذا كما قال الدميري: يدل لمذهب الشافعي أن الزنا لا يثبت حرمة المصاهرة، حتى يجوز للزاني أن ينكح أم المزني بها.\r-------------------------------\r(1) الشرح الصغير: 347/2، مغني المحتاج: 175/3، 419.\r(2) أخرجه البيهقي عن عائشة وضعفه، وأخرجه ابن ماجه عن ابن عمر.","part":9,"page":125},{"id":5681,"text":"ويؤيده أحاديث أخرى منها: « الزاني المجلود لا ينكح إلا مثله» (1) وقرأ النبي صلّى الله عليه وسلم على رجل يريد أن يتزوج بزانية: {الزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك} (:2) [النور:3/24].\rالثاني ـ المصاهرة نعمة؛ لأنها تلحق الأجانب بالأقارب، وفي الحديث: «المصاهرة لحمة كلحمة النسب» (3) ، وأما الزنا فمحظور شرعاً، فلا يكون سبباً للنعمة.\rالثالث ـ القصد من إثبات حرمة المصاهرة قطع الأطماع بين الرجل والمرأة، لتحقيق الألفة والمودة، والاجتماع البريء من غير ريبة، أما المزني بها فهي أجنبية عن الرجل ولا تنسب إليه شرعاً، ولا يجري بينهما التوارث، ولا تلزمه نفقتها، ولا سبيل للقاء معها، فهي كسائر الأجانب، فلا وجه لإثبات الحرمة بالزنا.\rالرابع ـ قوله تعالى: {وأحل لكم ما وراء ذلكم} [النساء:24/4] يفيد صراحة حل ما عدا المذكورات قبلها، وليس المزني بها منهن، فتدخل في عموم الحل.\rوبالنظر في أدلة الفريقين، وبمعرفة ضعف أدلة الفريق الأول، يتبين لنا ترجيح رأي الفريق الثاني، تمييزاً بين الحلال المشروع والحرام المحظور.\rونصت المادة (34) من القانون السوري على المحرمات بسبب المصاهرة ونصها: يحرم على الرجل:\r1 - زوجة أصله أو فرعه أو موطوءة أحدهما.\r2 - أصل موطوءته أو فرعها، وأصل زوجته.\rوقد اقتصر النص على أصل الزوجة دون فرعها؛ لأنه إن دخل الزوج بالزوجة، فيشمل فرع الزوجة قوله: «أصل موطوءته وفرعها» وإن لم يدخل بها، فلا يحرم عليه فرعها وهي الربيبة.\r-------------------------------\r(1) رواه أحمد وأبو داود ، وقال في الفتح: رجاله ثقات.\r(2) رواه أحمد والطبراني في الكبير والأوسط، قال الهيثمى: ورجال أحمد ثقات. والمرأة يقال لها أم مهزول.\r(3) المعروف حديث البخاري عن ابن عباس: «حَرُم من النسب سبع، ومن الصِّهْر سبع» (جامع الأصول: 144/12).","part":9,"page":126},{"id":5682,"text":"3 - حرمة الرضاع :\rالمحرمات بسبب الرضاع هن المحرمات بسبب النسب، وهو أربعة أنواع من جهة النسب، وأربعةأنواع من جهة المصاهرة، فصار المجموع ثمانية. ودليل التحريم: قوله تعالى: {وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم، وأخواتكم من الرضاعة} [النساء:23/4] وقوله صلّى الله عليه وسلم : «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب» (1) وكما تحرم القريبات من الرضاع، تحرم الأصهار من الرضاع أيضاً، قياساً على النسب، وأخذاً من مفهوم الآية والحديث المتقدمين، فأصبحت القاعدة: يحرم بسبب الرضاع ما يحرم بسبب النسب وسبب المصاهرة إلا في حالتين سأذكرهما يختلف فيهما حكم النسب والرضاع.\rوأنواع المحرمات بالرضاع الثمانية هي ما يأتي:\rالأول ـ أصول الإنسان من الرضاع مهما علون: وهي الأم من الرضاعة والجدة أو الجدات، أي أم المرضعة وأم زوج المرضعة.\rالثاني ـ الفروع من الرضاع مهما نزلن: وهي البنت رضاعاً وبنتها، وبنت الابن رضاعاً وبنتها وإن نزلت؛ لأنهن بنات إخوته وأخواته.\rالثالث ـ فروع الأبوين من الرضاع: وهي الأخوات من الرضاعة، وبنات الإخوة والأخوات مهما نزلن؛ لأنهن بنات الأخ والأخت.\rالرابع ـ الفروع المباشرة للجد والجدة من الرضاع: وهي العمات والخالات رضاعاً. والعمة من الرضاعة: هي أخت زوج المرضعة، والخالة من الرضاعة: هي أخت المرضعة. ولا تحرم بنات العمات والأعمام وبنات الخالات والأخوال من الرضاعة، كما لا تحرم من النسب.\rالخامس ـ أم الزوجة وجداتها من الرضاعة مهما علون، سواء أكان هناك دخول بالزوجة أم لم يكن.\rالسادس ـ زوجة الأب والجد من الرضاع، وإن علا، سواء دخل الأب والجد بها أم لم يدخل، كما يحرم عليه زوجة أبيه من النسب.\r-------------------------------\r(1) رواه الجماعة عن عائشة، وهذا لفظ ابن ماجه، ولفظ الآخرين «من الولادة» بدل «من النسب» وروى أحمد والشيخان اللفظ الأول أيضاً عن ابن عباس، وفي لفظ «من الرحم» (جامع الأصول: 146/12، نيل الأوطار: 317/6).","part":9,"page":127},{"id":5683,"text":"السابع ـ زوجة الابن وابن ابن البنت من الرضاع، وإن نزلوا، سواء دخل الابن ونحوه بالزوجة أم لم يدخل، كما يحرم عليه زوجة أولاده من النسب.\rالثامن ـ بنت الزوجة من الرضاعة. وبنات أولادها مهما نزلن، إذا كانت الزوجة مدخولاً بها، فإن لم يكن دخول بها، فلا تحرم فروعها من الرضاع على الزوج، كما في النسب.\rما يختلف فيه حكم الرضاع عن حكم النسب :\rاستثنى الحنفية (1) حالتين من التحريم بالنسب، لا تحريم فيهما من جهة الرضاع، وهما:\r1ً - أم الأخ أو الأخت من الرضاع: فإنه يجوز الزواج بها، ولا يجوز الزواج بأم الأخ أو الأخت من النسب لأبيه، كأن ترضع امرأة طفلاً، وكان لها ابن من النسب، فيجوز لهذا الابن أن يتزوج بأم هذا الطفل، وهي أم أخيه من الرضاع.\rوذلك لأن أم الأخ أو الأخت من النسب إما أن تكون أمه إن كانا شقيقين أو أخوين لأم، أو زوجة أبيه إن كانا أخوين لأب، وهذا لم يوجد في الرضاع.\r2ً - أخت الابن أو البنت من الرضاع: فإنه يحل للأب أن يتزوج بها، ولا يحل له أن يتزوج بأخت ابنه أو بنته من النسب، كأن ترضع امرأة طفلاً، فلزوج هذه المرأة أن يتزوج بأخت هذا الطفل، ولأبي هذا الطفل أن يتزوج بنت هذه المرضعة.\rوحرمة أخت الابن أو البنت من النسب؛ لأنها إما أن تكون بنته أو بنت زوجته المدخول بها، وكلتاهما يحرم الزواج بها، وهذا لم يوجد في الرضاع.\rأخت الأخ وأم الرضيع والمرضعة :\rذكر الحنفية أيضاً أنه يجوز للرجل الزواج بأخت الأخ من الرضاع، وأخت الأخ من النسب، وأم الرضيع من النسب، وبالمرضعة. أما أخت الأخ من الرضاع فكأن يرضع طفل من امرأة، فيجوز لأخي هذا الطفل الذي لم يرضع أن يتزوج بنت هذه المرأة، وهي أخت أخيه من الرضاع، وهذا معنى قول العوام: افلت رضيعاً وخذ أخاه. ومثلها أخت أخته من الرضاع.\r-------------------------------\r(1) البدائع: 4/3-5، اللباب: 33/3.","part":9,"page":128},{"id":5684,"text":"وأما صورة أخت أخيه من النسب: فكأن يوجد أخوان لأب، ولأحدهما أخت من أمه، فيحل لأخيه الآخر أن يتزوج بها، وهي أخت أخيه من النسب، إذ لا صلة بين هذه الأخت وبين الرجل، لا بنسب ولا رضاع، وإنما هي بنت زوجة أبيه. وكذلك لو كان هناك أخوان لأم، ولأحدهما أخت نسبية من الأب، فإنها تحل لأخيه من الأم.\rويجوز لزوج المرضعة أن يتزوج أم الرضيع من النسب؛ لأن الرضيع ابنه، كما يجوز أن يتزوج أم ابنه من النسب.\rولأب الرضيع من النسب أن يتزوج المرضعة؛ لأنها أم ابنه من الرضاع، فهي كأم ابنه من النسب.\rموقف القانون من الرضاع :\rنصت المادة (1/35) من القانون السوري على أصناف المحرمات بالرضاع وهي: «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب إلا ما قرر فقهاء الحنفية استثناءه» .\rونصت الفقرة (2) من هذه المادة على شروط الرضاع المحرم: «يشترط في الرضاع للتحريم أن يكون في العامين الأولين، وأن يبلغ خمس رضعات متفرقات، يكتفي الرضيع في كل منها، قل مقدارها أو كثر» .\rوهذا يعني أن شروط الرضاع المحرِّم هي ما يأتي:\r1 - أن يقع الرضاع خلال العامين الأولين من حياة الرضيع، فلو رضع بعدهما لا تثبت به الحرمة. وهذا رأي الجمهور لقوله صلّى الله عليه وسلم : «لا رضاع إلا ما كان في الحولين» (1) ، وضم الإمام مالك لمدة العامين مدة أقصاها شهران؛ لأن الطفل قد يحتاج لهذه المدة للتدرج في تحويل غذائه من اللبن إلى الطعام، وذلك إذا لم يفطم عن الرضاع قبل هذه المدة، فإن فطم وأكل الطعام ثم رضع فلا يكون الرضاع محرِّماً.\rوقدر الإمام أبو حنيفة مدة الرضاع بسنتين ونصف، ليتدرج الطفل في نصف العام على تحويل غذائه من اللبن إلى غيره.\r-------------------------------\r(1) رواه الدارقطني عن ابن عباس ( نيل الأوطار: 315/6).","part":9,"page":129},{"id":5685,"text":"2 - أن يرضع الطفل خمس رضعات متفرقات بحسب العادة، بحيث يترك الثدي باختياره من غير عارض كتنفس أو استراحة يسيرة أو شيء يلهيه عن الرضاع فجأة ولا يشترط كونها مشبعات. وهذا مذهب الشافعية والحنابلة في الراجح عندهم.\rآراء العلماء في رضاع الكبير والصغير :\rورد عن السيدة عائشة قالت: جاءت سهلة بنت سهيل إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله إن سالماً مولى أبي حذيفة معنا في بيتنا وقد بلغ ما يبلغ الرجال «فقال: أرضعيه تحرمي عليه» . رواه مسلم (1) .\rوفي سنن أبي داود «فأرضعيه خمس رضعات» فكان بمنزلة ولدها من الرضاعة وهو معارض لذلك.\rوهو يدل على أن رضاع الكبير يحرم مع أنه ليس داخلاً تحت الرضاعة من المجاعة، وبيان القصة أن أبا حذيفة كان قد تبنى سالماً وزوجه، وكان سالم مولى لامرأة من الأنصار فلما أنزل الله {ادعوهم لآبائهم} [الأحزاب:5/33] الآية. كان من له أب معروف نسب إلى أبيه، ومن لا أب له معروفاً، كان مولى وأخاً في الدين، فعند ذلك جاءت سهلة تذكر ما نصه الحديث.\rوقد اختلف السلف في هذا الحكم :\r1 - ذهبت السيدة عائشة رضي الله عنها، وروي هذا عن علي وعروة وداود الظاهري: إلى ثبوت حكم التحريم وإن كان الراضع بالغاً عاقلاً بل لقد ورد أن السيدة عائشة كانت تأمر أختها أم كلثوم وبنات أخيها يرضعن من أحبت أن يدخل عليها من الرجال ـ رواه مالك .\rوأما حجتهم فهي :\rأ ـ حديث سهلة هذا وهو حديث صحيح لا شك فيه.\rب ـ قوله تعالى: { وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة} [النساء:23/4] فإنه مطلق غير مقيد بوقت.\r2 - وقال الجمهور من الصحابة والتابعين والفقهاء: لا يحرم من الرضاع إلا ما كان في الصغر مع اختلافهم في تحديد الصغر.\r-------------------------------\r(1) رواه مسلم في الرضاع، باب: رضاع البالغ،رقم (1453).","part":9,"page":130},{"id":5686,"text":"1ً - الجمهور قالوا: مهما كان في الحولين فإن رضاعه يحرم، ولا يحرم ما كان بعدهما، مستدلين بقوله تعالى : {حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة} [البقرة:233/2].\r2ً - وحديث «إنما الرضاعة من المجاعة» ولا يصدق ذلك إلا على من يشبعه اللبن، ويكون غذاءه لا غير، فلا يدخل الكبير لاسيما وقد ورد بصيغة الحصر.\r3 - قال جماعة: الرضاع المحرم ما كان قبل الفطام ولم يقدروه بزمان.\r4 - وقال الأوزاعي: إن فطم وله عام واحد واستمر فطامه ثم رضع في الحولين، لم يحرم هذا الرضاع شيئاً وإن تمادى رضاعه ولم يفطم فما يرضع وهو في الحولين حرّم ، وما كان بعدهما لا يحرم وإن تمادى إرضاعه.\r5 - وهناك أقوال أخرى عارية عن الاستدلال.\rوأجاب الجمهور عن حديث سالم بأنه خاص بقصة سهلة كما يدل له قول أم سلمة للسيدة عائشة: «لا نرى هذا إلا خاصاً بسالم» . ولا ندري لعله رخصه لسالم أو أنه منسوخ.\rـ وأجاب القائلون بتحريم رضاع الكبير بأن الآية وحديث «إنما الرضاعة من المجاعة» واردان لبيان الرضاعة الموجبة لنفقة المرضعة، والتي يجبر عليها الأبوان كما يرشد إلى ذلك آخر الآية: { وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف} [البقرة:233/2].\rوعائشة هي الراوية لحديث «إنما الرضاعة من المجاعة» وهي التي قالت برضاع الكبير وأنه يحرم، فدل على أنها فهمت ما ذكرناه في معنى الآية والحديث. قالوا: ولو كان حديث سالم خاصاً به لذكر ذلك رسول الله صلّى الله عليه وسلم كما بين اختصاص أبي بردة بالتضحية بالجذعة من المعز.\rوأما القول بأنه منسوخ فيدفعه أن قصة سهلة متأخرة عن نزول آية الحولين فإن سهلة قالت لرسول الله صلّى الله عليه وسلم : كيف أرضعه وهو رجل كبير؟ فإن هذا السؤال منها استنكار لرضاع الكبير دال على أن التحليل بعد اعتقاد التحريم. وقد دفع ابن تيمية التعارض فقال:","part":9,"page":131},{"id":5687,"text":"«إنه يعتبر الصغر في الرضاعة إلا إذا دعت إليه الحاجة كرضاع الكبير الذي لا يُستغنى عن دخوله على المرأة وشق احتجابها عنه كحال سالم مع امرأة أبي حذيفة، فمثل هذا الكبير الذي أرضعته للحاجة أثَّر رضاعه، وأما من عداه فلا بد من الصغر» . وهو جمع بين الأحاديث حسن وإعمال لها من غير مخالفة لظاهرها بالاختصاص ولا نسخ ولا إلغاء لما اعتبرته اللغة ودلت له الأحاديث (1) .\rلبن الفحل: الفحل:الرجل المتزوج بالمرأة المرضعة إذا كان لبنها منه. والحكم المقرر لدى جمهور الصحابة والتابعين وأئمة الاجتهاد: أن اللبن للفحل فهو الذي يتعلق به التحريم، أي أنه حق الرجل، وقد حدث بسببه، ولا تنقطع نسبة اللبن عن زوج مات أو طلق، فبه يصبح زوج المرضع أباً للرضيع، وتصبح المرضع به أيضاً أماً للرضيع، ويحرم الطفل على الرجل وأقاربه، كما يحرم ولده من النسب، ويصير أولاد الزوج كلهم إخوة الرضيع، سواء أكانوا من تلك الزوجة المرضع، أم من زوجة أخرى غيرها (2) ، أخرج الأئمة الستة عن عائشة، قالت: «دخل عليّ أفلح بن أبي القعيس، فاستترت منه، فقال: تستترين مني وأنا عمك؟ قالت: من أين؟ قال: أرضعتك امرأة أخي، قالت: إنما أرضعتني المرأة، ولم يرضعني الرجل، فدخل علي رسول الله صلّى الله عليه وسلم فحدثته، فقال: إنه عمك، فليلج عليك» .\rحكمة التحريم بالرضاع :\rيحدث التحريم بالرضاع بسبب تكوّن أجزاء البنية الإنسانية من اللبن، فلبن المرأة ينبت لحم الرضيع، وينشز عظمه أي يكبر حجمه، كما جاء في الحديث: «لا رضاع إلا ما أنشز العظم، وأنبت اللحم» (3) فإن إنشاز العظم، وإنبات اللحم، إنما يكون لمن كان غذاؤه اللبن، وبه تصبح المرضع أما ً للرضيع؛ لأنه جزء منها حقيقة.\rوسأذكر إن شاء الله في بحث الرضاع شروط الرضاع المحرم عند الفقهاء وطرق إثبات الرضاع.\r-------------------------------\r(1) سبل السلام: 213/3-216.\r(2) المغني: 572/6، اللباب: 32/3، القوانين الفقهية: ص 206، مغني المحتاج: 418/3، المقدمات الممهدات لابن رشد: 492/1 .\r(3) نيل الأوطار: 316/6.","part":9,"page":132},{"id":5688,"text":"النوع الثاني ـ المحرمات المؤقتة :\rوهن اللاتي يحرم الزواج بهن حرمة مؤقتة لسبب معين، فإذا زال السبب زالت الحرمة، وتلك خمسة أنواع هي:\rالمطلقة ثلاثاً، المشغولة بحق زوج آخر بزواج أوعدة، التي لا تدين بدين سماوي، أخت الزوجة ومن في حكمها، الخامسة لمتزوج بأربع.\rواقتصر القانون السوري على أربعة أصناف، ولم يذكر المرأة التي لا تدين بدين سماوي، فنص في المواد (36-39 ) على ذلك:\rم( 36 - 1) - لا يجوز أن يتزوج رجل امرأة طلقها ثلاث مرات إلا بعد انقضاء عدتها من زوج آخر، دخل بها فعلاً.\r2 - زواج المطلقة من آخر يهدم طلقات الزوج السابق، ولو كانت دون الثلاث، فإذا عادت إليه يملك عليها ثلاثاً جديدة.\r(م 37) - لا يجوز أن يتزوج الرجل خامسة حتى يطلّق إحدى زوجاته الأربع، وتنقضي عدتها.\r(م 38) - لا يجوز التزوج بزوجة آخر ولا بمعتدته.\r(م 39) - لا يجوز الجمع بين امرأتين، لو فرضت كل منهما ذكراً حرمت عليه الأخرى، فإن ثبت الحل على أحد الفرضين، جاز الجمع بينهما.\rوأضاف الحنفية المرأة الملاعنة: وهي التي قذفها زوجها بالفجور، أو نفي نسب ولدها إليه، فترافعا إلى القاضي، وتلاعنا أمامه، ففرق بينهما. فتصبح المرأة حراماً على الرجل، فإن أكذب نفسه وبرأها مما نسبه إليها، جاز زواجه بها عند أبي حنيفة ومحمد. وقال الجمهور: التحريم مؤبد،","part":9,"page":133},{"id":5689,"text":"لما صح في السنة أن المتلاعنين لا يجتمعان أبداً (1) .\rوأبيّن هنا تباعاً هذه الأنواع ما عدا الملاعنة فمحل بحثها في اللعان.\r1 ً - المطلقة ثلاثاً ( المبتوتة أو البائن بينونة كبرى) بالنسبة لمن طلقها: فمن طلق زوجته ثلاث طلقات، فلا يحل له أن يعقد عليها مرة أخرى، إلا إذا تزوجت بزوج آخر ودخل بها، وانقضت عدتها منه، بأن طلقها باختياره أو مات عنها، فتعود إلى الزوج الأول بزوجية جديدة، ويملك عليها ثلاث طلقات جديدة (2) ، بعد أن اختبرت المرأة زوجاً آخر، وقامت بتجربة أخرى، وأحس الزوج بصعوبة الفراق، فيعودان إلى الحياة المشتركة بروح وصفحة جديدة، وتسارع المرأة في إرضاء زوجها، وتجنب أسباب تصدع الزوجية السابقة. قال تعالى مبيناً طريق حل المبتوتة: {الطلاق مرتان فإمساك بمعروف، أو تسريح بإحسان} [البقرة:229/2].. إلى أن قال سبحانه: {فإن طلقها، فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجاً غيره، فإن طلقها فلا جناح عليهما أن يتراجعا إن ظنا أن يقيما حدود الله } [البقرة:230/2].\rوالدليل على اشتراط دخول الزوج الثاني بالمرأة المطلقة ثلاثاً: حديث العسيلة، قالت عائشة: جاءت امرأة رفاعة القُرَظي إلى النبي صلّى الله عليه وسلم فقالت: كنت\r-------------------------------\r(1) رواه أبو داود عن سهل بن سعد، وروى الدارقطني ذلك عن سهل بن سعد وابن عباس وعلي وابن مسعود (نيل الأوطار: 271/6).\r(2) المحرر في الفقه الحنبلي لابن تيمية: 85/2، المغني: 261/7 وما بعدها، 274 وما بعدها.","part":9,"page":134},{"id":5690,"text":"عند رفاعة، فطلقني، فبتَّ طلاقي، فتزوجت بعده عبد الرحمن بن الزبير، وإنما معه مثل هَدْبة الثوب (1) ، فقال: أتريدين أن ترجعي إلفاعة، لا، حتى تذوقي عسيلته، ويذوق عسيلتك (2) فيه دليل على أن وطء الزوج الثاني لا يكون محللاً ارتجاع الزوج الأول للمرأة، إلا أن كان حال وطئه منتشراً، فلو لم يكن كذلك، أوكان عنيناً أو طفلاً، لم يكف في الأصح من قولي أهل العلم.\rشروط حل المطلقة ثلاثاً لزوجها الأول :\rيشترط لحل المطلقة ثلاثاً للزوج الأول ثلاثة شروط (3) :\rأحدها: أن تنكح زوجاً غيره، لقوله تعالى: { حتى تنكح زوجاً غيره} [البقرة:230/2].\rالثاني ـ أن يكون النكاح صحيحاً: فإن كان فاسداً لم يحلها الوطء فيه، باتفاق المذاهب الأربعة، لقوله تعالى: {حتى تنكح زوجاً غيره} [البقرة:230/2] وإطلاق النكاح يقتضي الصحيح.\rالثالث ـ أن يطأها في الفرج: فلو وطئها دونه أو في الدبر، لم يحلها؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلم علق الحل ـ في الحديث المتقدم ـ على ذوق العسيلة منهما، ولا يحصل ذلك إلا بالوطء في الفرج. وأدناه تغييب الحشفة في الفرج؛ لأن أحكام الوطء تتعلق به. ولو أولج الحشفة من غير انتشار، لم تحل له؛ لأن الحكم يتعلق بذوق العسيلة، ولا تحصل من غير انتشار. ويجزئ قدر الحشفة من مقطوع الذكر، وتحل بوطء الخصي؛ لأنه يطأ كالفحل، ولم يفقد إلا الإنزال، وهوغير معتبر في الإحلال. وذكر الحنفية أنها لو تزوجت بمجبوب (مقطوع الذكر كله) فإنها لا تحل حتى تحبل لوجود الدخول حكماً، حتى إنه يثبتُ النسب من الثاني.\rواشترط الحنابلة والمالكية شرطاً رابعاً: وهو أن يكون الوطء حلالاً، فإن وطئها في حيض أو نفاس أو إحرام من أحدهما أو منهما، أو وأحدهما صائم فرضاً، لم تحل؛ لأنه وطء حرام لحق الله تعالى، لم يحصل به الإحلال، كوطء المرتدة، لا يحلها سواء وطئها في حال ردتهما، أو ردتها.\r-------------------------------\r(1) أي طرف الثوب الذي لم ينسج، وأرادت أن ذكره يشبه الهدبة في الاسترخاء وعدم الانتشار.\r(2) رواه الجماعة عن عائشة (نيل الأوطار: 253/6) وتصغير العسيلة إشارة إلى أن القدر القليل كاف في تحصيل المطلوب، بأن يقع تغييب الحشفة في الفرج.\r(3) المغني: 275/7 وما بعدها.","part":9,"page":135},{"id":5691,"text":"ولم يشترط الحنفية والشافعية هذا الشرط، قال ابن قدامة الحنبلي: وهذا أصح إن شاء الله تعالى، لظاهر قوله تعالى: {حتى تنكح زوجاً غيره} [البقرة:230/2] وهذه قد نكحت زوجاً غيره، وأيضاً قوله عليه الصلاة والسلام: «حتى تذوقي عسيلته، ويذوق عسيلتك» وهذا قد وجد، ولأنه وطء في نكاح صحيح في محل الوطء على سبيل التمام، فأحلها كالوطء الحلال، وكما لو وطئها وقد ضاق وقت الصلاة، أو وطئها مريضة يضرها الوطء.\rوهل نكاح التحليل المؤقت (1) يحل المطلقة ثلاثاً :\rقال الحنفية والشافعية (2) : تحل المطلقة ثلاثاً لزوجها الأول بنكاح التحليل، لكن يكره عند الحنفية تحريماً التزوج الثاني إن كان بشرط التحليل، مثل: تزوجتك\r-------------------------------\r(1) نكاح المحلل ـ كما ذكر الحنابلة ـ هو أن يتزوج الرجل المطلقة ثلاثاً على أنه إذا أحلها طلقها، أو فلا نكاح بينهما، أو ينويه الزوج، أو يتفقا عليه قبله (غاية المنتهى: 40/3).\r(2) الدر المختار: 738/2-749، المهذب: 46/2، تكملة المجموع: 405/15-411.","part":9,"page":136},{"id":5692,"text":"على أن أحلك. لحديث: «لعن رسول الله صلّى الله عليه وسلم المحلِّل والمحلَّل له» (1) ، ويصح الزواج، ويبطل الشرط، فلا يجبر الثاني على الطلاق. فإن أضمر الزوج الأول والثاني التحليل، أو كان الثاني مأجوراً لقصد الإصلاح، لا مجرد قضاء الشهوة ونحوها، لا يكره.\rوذكر الشافعية أن نكاح المحلل باطل إن نكحها على أنها إذا وطئها فلا نكاح بينهما، أو أن يتزوجها على أن يحلل للزوج الأول، لما روى هزيل عن عبد الله قال: «لعن رسول الله صلّى الله عليه وسلم الواصلة والموصولة، والواشمة والموشومة، والمحلِّل والمحلَّل له، وآكل الربا ومطعمه» (2) ولأنه نكاح شرط انقطاعه، دون غايته، فأشبه نكاح المتعة. وأما إن تزوجها واعتقد أنه يطلقها إذا وطئها، فيكره ذلك، لما روى الحاكم والطبراني في الأوسط عن عمر: أنه جاء إليه رجل، فسأله عن رجل طلق امرأته ثلاثاً، فتزوجها أخ له عن غير مؤامرة ليحلها لأخيه، هل تحل للأول؟ قال: لا، إلا بنكاح رغبة وروى أبو مرزوق التجيبي مثله عن عثمان، أي إن تزوج على نية التحليل بدون شرط صح النكاح؛ لأن العقد إنما يبطل بما شرط، لا بما قصد.\rوالخلاصة: إن زواج المحلل بلا شرط، أي بدون شرط صريح في العقد على التطليق، وإنما بالنية والقصد الباطن صحيح مكروه عند الشافعية؛ لأن العقد استوفى أركانه وشروطه في الظاهر، ولا يتأثر العقد بالباعث الداخلي أي أنهم لا يقولون بمبدأ سد الذرائع بالقصد الداخلي.\rوقال المالكية والحنابلة (3) : إن نكاح المحلل أونكاح التيس المستعار ولو بلا شرط: وهو الذي يتزوجها ليحلها لزوجها حرام باطل مفسوخ، لا يصح ولا تحل لزوجها الأول، والمعتبر نية المحلل لا نية المرأة، ولا نية المحلل له.\r-------------------------------\r(1) رواه أحمد والنسائي والترمذي وصححه عن ابن مسعود، ورواه الخمسة إلا النسائي من حديث علي مثله (نيل الأوطار: 138/6).\r(2) أخرجه النسائي والترمذي وصححه.\r(3) القوانين الفقهية: ص 209، غاية المنتهى: 40/3.","part":9,"page":137},{"id":5693,"text":"ودليلهم الحديث السابق عن ابن مسعود: «لعن رسول الله صلّى الله عليه وسلم المحلِّل والمحلل له» وحديث عقبة بن عامر: «ألا أخبركم بالتيس المستعار؟ قالوا: بلى، يارسول الله ، قال: هو المحلِّل، لعن الله المحلل والمحلل له» (1) . فهذا يدل على تحريم التحليل؛ لأن اللعن إنما يكون على ذنب كبير. وهذا يتفق مع مبدئهم بسد الذرائع، وهو الراجح لدي. وخص الفريق الأول التحريم والإبطال بما إذا شرط الزوج أنه إذا نكحها الثاني بانت منه، أو شرط أنه يطلقها أو نحوذ لك.\r2 ً - المشغولة بحق زوج آخر: وهي التي تعلق بها حق الغير بزواج أو عدة، وهذا يشمل ما يأتي:\r1 ً) ـ المرأة المتزوجة: فلا يحل لأحد أن يعقد عليها ما دامت متزوجة لتعلق حق الغير بها، سواء أكان الزوج مسلماً أم غير مسلم؛ لقوله تعالى: {والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم} [النساء:24/4] أي المتزوجات، واستثنى النص المملوكات بملك اليمين: وهن المسبيات في حرب مشروعة، فإذا سبيت المرأة، وقعت الفرقة بينها وبين زوجها بسبب اختلاف الدار، فيحل الزواج بها. وهذا هو مانع الزوجية من أربعة عشر مانعاً عند المالكية سأذكرها.\rوحكمة تحريم المتزوجة واضحة وهي منع الاعتداء على حق الغير، وحفظ الأنساب من الاختلاط.\r-------------------------------\r(1) الحديث الأول رواه أحمد والنسائي والترمذي وصححه، والثاني رواه ابن ماجه والحاكم وأعله أبو زرعة وأبو حاتم بالإرسال (نيل الأوطار: 138/6 وما بعدها)","part":9,"page":138},{"id":5694,"text":"2 ً) ـ المرأة المعتدة: وهي التي تكون في أثناء العدة من زواج سابق، سواء عدة طلاق أو وفاة. فلا يحل لأحد غير زوجها الأول التزوج بها حتى تنقضي عدتها، ويشمل ذلك عدة الزواج الفاسد أوبشبهة، لثبوت نسب الولد. لقوله تعالى: {ولا تعزموا عقدة النكاح حتى يبلغ الكتاب أجله} [البقرة:235/2] أي لا تعقدوا الزواج على المعتدة من وفاة حتى تنتهي عدتها. ولقوله سبحانه: {والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء} [البقرة:228/2] أي أطهار أو حيضات على رأيين في التفسير والفقه، أي يجب على المرأة المطلقة الانتظار ثلاثة أطهار أو حيضات، فلا يحل الزواج بها، وقال علي وابن عباس وعَبيدة السلماني: «ما أجمعت الصحابة على شيء كإجماعهم على أربع قبل الظهر، وألا تنكح امرأة في عدة أختها»\rوحكمة تحريم المعتدة بقاء آثار الزواج السابق، ورعاية حقوق الزوج القديم، ومنع اختلاط الأنساب.\rوهل يترتب على الدخول بالمعتدة تحريمها على الرجل تحريماً مؤبداً؟\rاختلف الفقهاء على رأيين (1) ، فقال الجمهور: إن الدخول بالمعتدة لا يحرمها عليه، بل إذا انقضت عدتها حل له الزواج بها؛ لأن الرجل لو زنى بامرأة لا يحرم عليه الزواج بها بالاتفاق، فكذلك لو دخل بها وهي في العدة أو بعدها، لا يحرم عليه الزواج بها بعد انتهاء العدة، ولأن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: يفرق بينهما، ثم يخطبها بعد العدة إن شاء. وروي مثله عن ابن مسعود رضي الله عنه.\rوقال المالكية: الدخول بالمعتدة يحرمها على الرجل تحريماً مؤبداً، فيفرق\r-------------------------------\r(1) بداية المجتهد: 46/2 وما بعدها.","part":9,"page":139},{"id":5695,"text":"بينهما ولاتحل له أبداً، بدليل ما روى مالك عن سعيد بن المسيب وسليمان بن يسار: أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه فرق بين طليحة الأسدية وبين زوجها راشد الثقفي لما تزوَّجها في العدة من زوج ثان، وقال: أيما امرأة نكحت في عدتها، فإن كان زوجها الذي تزوجها لم يدخل بها، فرق بينهما ثم اعتدت بقية عدتها من الأول، ثم كان الآخر خاطباً من الخطاب، وإن كان دخل بها فرق بينهما، ثم اعتدت بقية عدتها من الأول، ثم اعتدت من الآخر، ثم لا يجتمعان أبداً. قال ابن المسيب: ولها مهرها بما استحل منها. وهذا هو مانع العدة عند المالكية من أربعة عشر مانعاً.\r3 ً) - المرأة الحامل من الزنا عند الحنفية، ومانع الزنا عند المالكية (1) :\rيحل بالاتفاق للزاني أن يتزوج بالزانية التي زنى بها، فإن جاءت بولد بعد مضي ستة أشهر من وقت العقد عليها، ثبت نسبه منه، وإن جاءت به لأقل من ستة أشهر من وقت العقد لا يثبت نسبه منه، إلا إذا قال: إن الولد منه، ولم يصرح بأنه من الزنا. إن هذا الإقرار بالولد يثبت به نسبه منه لاحتمال عقد سابق أو دخول بشبهة، حملاً لحال المسلم على الصلاح وستراً على الأعراض.\rأما زواج غير الزاني بالمزني بها، فقال قوم كالحسن البصري: إن الزنا يفسخ النكاح. وقال الجمهور: يجوز الزواج بالمزني بها. ومنشأ الخلاف آية: {والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك، وحرِّم ذلك على المؤمنين} [النور:3/24] الفريق الأول يأخذ بظاهر الآية، والكلام خرج مخرج التحريم. والفريق الثاني (الجمهور) حملوا الآية على الذم، لا على التحريم، لما روى أبوداود والنسائي عن ابن عباس قال: «جاء رجل إلى النبي صلّى الله عليه وسلم ، فقال: إن امرأتي لا تمنع يد لامس ـ\r-------------------------------\r(1) بداية المجتهد: 39/2 وما بعدها، البدائع: 269/2، المهذب: 43/2، المغني: 601/6-604.","part":9,"page":140},{"id":5696,"text":"كناية عن عدم العفة عن الزنا ـ قال: غرِّبها ـ أي أبعدها ـ قال: أخاف أن تتبعها نفسي، قال: فاستمتع بها» (1) ولما أخرجه ابن ماجه عن ابن عمر والبيهقي عن عائشة: «لا يحرم الحرام الحلال» .\rثم اختلف الجمهور في التفصيل، فقال الحنفية: إذا كانت المزني بها غير حامل، صح العقد عليها من غير الزاني، وكذلك إن كانت حاملاً يجوز الزواج بها عند أبي حنيفة ومحمد، ولكن لا يطؤها، أي لا يدخل بها حتى تضع الحمل، للأدلة الآتية:\rأولاً ـ لم تذكر المزني بها في المحرمات، فتكون مباحة، لقوله تعالى: {وأحل لكم ما وراء ذلكم} [النساء:24/4].\rثانياً ـ لا حرمة لماء الزنا، بدليل أنه لا يثبت به النسب، للحديث السابق: «الولد للفراش، وللعاهر الحجر» (2) ، وإذا لم يكن للزنا حرمة، فلا يكون مانعاً من جواز النكاح.\rوإنما امتنع الدخول بالحامل من الزنا حتى تضع الحمل، فلقوله صلّى الله عليه وسلم : «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فلا يسقين ماءه زرع غيره» (3) يعني وطء الحوامل من غيره،\rوقال أبو يوسف وزفر: لا يجوز العقد على الحامل من الزنا؛ لأن هذا الحمل يمنع الوطء، فيمنع العقد أيضاً، كما يمنع الحمل الثابت النسب، أي كما لا يصح العقد على الحامل من غير الزنا، لا يصح العقد على الحامل من الزنا.\r-------------------------------\r(1) نيل الأوطار: 145/6، وإسناده صحيح، قال المنذري: ورجال إسناده يحتج بهم في الصحيحين.\r(2) رواه الجماعة إلا أبا داود عن أبي هريرة (نيل الأوطار: 279/6).\r(3) رواه الترمذي عن رويفع، وهو حسن، ولكن بلفظ: «ولد غيره» بدل: «زرع غيره» ورواه أبو داود أيضاً بلفظ: «زرع غيره» .","part":9,"page":141},{"id":5697,"text":"وقال المالكية: لا يجوز العقد على الزانية قبل استبرائها من الزنا بحيضات ثلاث أو بمضي ثلاثة أشهر، فإن عقد عليها قبل الاستبراء، كان العقد فاسداً، ووجب فسخه، سواء ظهر بها حمل أم لا، أما الأول (ظهور الحمل) فللحديث السابق: «فلا يسقين ماءه زرع غيره» وأما الثاني فللخوف من اختلاط الأنساب.\rوقال الشافعية: إن زنى بامرأة، لم يحرم عليه نكاحها، لقوله تعالى: {وأحل لكم ما وراء ذلكم} [النساء:24/4] ولحديث عائشة السابق: «لا يحرم الحرام الحلال» .\rوقال الحنابلة: إذا زنت المرأة، لم يحل لمن يعلم ذلك نكاحها إلا بشرطين:\rأحدهما ـ انقضاء عدتها، فإن حملت من الزنا، فقضاء عدتها بوضعه، ولا يحل نكاحها قبل وضعه، للحديث السابق: «فلا يسقي ماءه زرع غيره» والحديث الصحيح: «لا توطأ حامل حتى تضع» وهذا رأي مالك.\rوالثاني ـ أن تتوب من الزنا، للآية السابقة: {وحرِّم ذلك على المؤمنين} [النور:3/24] وهي قبل التوبة في حكم الزنا، فإذا تابت زال التحريم لقول النبي صلّى الله عليه وسلم : «التائب من الذنب كمن لا ذنب له» (1) . ولم يشترط باقي الأئمة هذا الشرط.\r-------------------------------\r(1) المغني: 603/6 وما بعدها.","part":9,"page":142},{"id":5698,"text":"زنا أحد الزوجين: اتفق عامة أهل العلم على أنه إن زنت امرأة رجل، أوزنى زوجها، لم ينفسخ النكاح، سواء أكان قبل الدخول أم بعده؛ لأن دعواه الزنا عليها لا يُبينها، ولو كان الزواج ينفسخ به، لانفسخ بمجرد دعواه كالرضا، ولأنها معصية لا تخرج عن الإسلام فأشبهت السرقة. أما اللعان فإنه يقتضي الفسخ بدون الزنا بدليل أنها إذا لاعنته فقد قابلته، فلم يثبت زناها، وقد أوجب النبي صلّى الله عليه وسلم الحد على من قذفها، والفسخ واقع باللعان.\rولكن استحب الإمام أحمد للرجل مفارقة امرأته إذا زنت، وقال: «لا أرى أن يمسك مثل هذه، وذلك أنه لا يؤمن أن تفسد فراشه، وتلحق به ولداً ليس منه» وقال أحمد أيضاً: ولا يطؤها الزوج حتى يستبرئها بثلاث حيضات، للحديث السابق: «فلا يسقى ماءه زرع غيره» يعني إتيان الحبالى، ولأنها ربما تأتي بولد من الزنا، فينسب إليه. قال ابن قدامة: والأولى أنه يكفي استبراؤها بالحيضة الواحدة؛ لأنها تكفي في استبراء الإماء (1) .\r3 ً - المرأة التي لا تدين بدين سماوي (2) :\rلا يحل للمسلم الزواج بالمرأة المشركة أو الوثنية: وهي التي تعبد مع الله إلهاً غيره، كالأصنام أو الكواكب أو النار أوا لحيوان، ومثلها المرأة الملحدة أو المادية: وهي التي تؤمن بالمادة إلهاً، وتنكر وجود الله ، ولا تعترف بالأديان السماوية، مثل الشيوعية والوجودية، والبهائية والقاديانية والبوذية.\rوذلك لقوله تعالى: {ولا تَنْكحوا المشركات، حتى يؤمنَّ، ولأمة مؤمنة خير من مشركة ولو أعجبتكم} [البقرة:221/2].\rوألحق الحنفية والشافعية وغيرهم المرأة المرتدة بالمشركة، فلا يجوز لأحد أصلاً مسلم أو كافر أن يتزوجها؛ لأنها تركت ملة الإسلام، ولا تقر على الردة، فإما أن تموت أوتسلم، فكانت الردة في معنى الموت، لكونها سبباً مفضياً إليه، والميت لا يكون محلاً للزواج.\rوالخلاصة: لا يحل بالاتفاق نكاح من لا كتاب لها كوثنية (وهي عابدة الوثن أو الصنم) ومجوسية (وهي عابدة النار) إذ لا كتاب بأيدي أهلها الآن، ولم نتيقنه من قبل فنحتاط.\r-------------------------------\r(1) المغني: 603/6 وما بعدها.\r(2) الدين السماوي: الدين الذي له كتاب منزل ونبي مرسل.","part":9,"page":143},{"id":5699,"text":"والسبب في تحريم الزواج بالمشركة ونحوها: عدم تحقق الانسجام والاطمئنان والتعاون بين الزوجين؛ لأن تباين العقيدة يسبِّب القلق والاضطراب والتنافر بين الزوجين، فلا تستقيم الحياة الزوجية القائمة على دعائم المودة والرحمة والمحبة، وغايتها الهدوء والاستقرار. ثم إن عدم الإيمان بدين يسهل على المرأة الخيانة الزوجية والفساد والشر، ويرفع عنها الأمانة والاستقامة والخير؛ لأنها تؤمن بالخرافات والأوهام، وتتأثر بالأهواء والطبائع الذاتية غير المهذبة، فلا دين يردعها، ولا رادع لها من إيمان بالله وباليوم الآخر وبالحساب والبعث.\rزواج المسلمة بالكافر: يحرم بالإجماع زواج المسلمة بالكافر، لقوله تعالى: {ولا تُنْكحوا المشركين حتى يؤمنوا } [البقرة:221/2] وقوله تعالى: {فإن علمتموهن مؤمنات، فلا ترجعوهن إلى الكفار، لا هن حل لهم، ولا هم يحلون لهن} [الممتحنة:10/60] ولأن في هذا الزواج خوف وقوع المؤمنة في الكفر؛ لأن الزوج يدعوها عادة إلى دينه، والنساء في العادة يتبعن الرجال فيما يؤثرون من الأفعال، ويقلدونهم في الدين، بدليل الإشارة إليه في آخر الآية: {أولئك يَدْعون إلى النار} [البقرة:221/2] أي يدعون المؤمنات إلى الكفر، والدعاء إلى الكفر دعاء إلى النار؛ لأن الكفر يوجب النار، فكان زواج الكافر المسلمة سبباً داعياً إلى الحرام، فكان حراماً باطلاً. والنص وإن ورد في المشركين، لكن العلة وهي الدعاء إلى النار يعم الكفرة أجمع، فيتعمم الحكم بعموم العلة.\rوعليه لا يجوز زواج الكتابي بالمسلمة، كما لا يجوز زواج الوثني والمجوسي بالمسلمة أيضاً؛ لأن الشرع قطع ولاية الكافرين عن المؤمنين بقوله تعالى: {ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلاً} [النساء:141/4] فلو جاز تزويج الكافر المؤمنة لثبت له عليها سبيل، وهذا لا يجوز.","part":9,"page":144},{"id":5700,"text":"الزواج بالكتابيات: الكتابية: هي التي تؤمن بدين سماوي، كاليهودية والنصرانية. وأهل الكتاب: هم أهل التوراة والإنجيل، لقوله تعالى: {أن تقولوا إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا} [الأنعام:156/6].\rوقد أجمع العلماء على إباحة الزواج بالكتابيات، لقوله تعالى: {اليوم أحل لكم الطيبات، وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم،وطعامكم حل لهم، والمحصنات من المؤمنات، والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم} [المائدة:5/5] والمراد بالمحصنات في الآية: العفائف، ويقصد بها حمل الناس على التزوج بالعفائف، لما فيه من تحقيق الود والألفة بين الزوجين، وإشاعة السكون والاطمئنان.\rولأن الصحابة رضي الله عنهم تزوجوا من أهل الذمة، فتزوج عثمان رضي الله عنه نائلة بنت الفرافصة الكلبية وهي نصرانية، وأسلمت عنده، وتزوج حذيفة رضي الله عنه بيهودية من أهل المدائن. وسئل جابر رضي الله عنه عن نكاح المسلم اليهودية والنصرانية، فقال: تزوجنا بهن زمان الفتح بالكوفة مع سعد بن أبي وقاص.\rوالسبب في إباحة الزواج بالكتابية بعكس المشركة: هو أنها تلتقي مع المسلم في الإيمان ببعض المبادئ الأساسية، من الاعتراف بإله، والإيمان بالرسل وباليوم الآخر، وما فيه من حساب وعقاب. فوجود نواحي الالتقاء وجسور الاتصال على هذه الأسس يضمن توفير حياة زوجية مستقيمة غالباً، ويرجى إسلامها؛ لأنها تؤمن بكتب الأنبياء والرسل في الجملة. والحكمة في أن المسلم يتزوج باليهودية والنصرانية، دون العكس: هي أن المسلم يؤمن بكل الرسل، وبالأديان في أصولها الصحيحة الأولى، فلا خطر منه على الزوجة في عقيدتها أو مشاعرها، أما غير المسلم فلا يؤمن بالإسلام فيكون هناك خطر محقق بحمل زوجته على التأثر بدينه، والمرأة عادة سريعة التأثر والانقياد، وفي زواجها إيذاء لشعورها وعقيدتها.","part":9,"page":145},{"id":5701,"text":"كراهة الزواج بالكتابيات: يكره ـ عند الحنفية والشافعية، وعند المالكية في رأي ـ للمسلم الزواج بالكتابية الذمية، وقال الحنابلة: زواجه بها خلاف الأولى؛ لأن عمر قال للذين تزوجوا من نساء أهل الكتاب: «طِّلقوهن» فطلقوهن إلا حذيفة، فقال له عمر: «طلقها» قال: تشهد أنها حرام؟ قال: هي خمرة، طلقها، قال: تشهد أنها حرام؟ قال: هي خمرة، قال: قد علمت أنها خمرة، ولكنها لي حلال. فلما كان بعد، طلقها، فقيل له: ألا طلقتها حين أمرك عمر؟ قال: كرهت أن يرى الناس أني ركبت أمراً لا ينبغي لي. ولأنه ربما مال إليها قلبه ففتنته، وربما كان بينهما ولد، فيميل إليها.\rأما الحربية: فيحرم تزوجها عند الحنفية إذا كانت في دار الحرب؛ لأن تزوجها فتح لباب الفتنة، وتكره عند الشافعية، وعند المالكية، والزواج بها خلاف الأولى عند الحنابلة.\rوالواقع، في الزواج بالكتابيات وبالأولى الحربيات: مضار اجتماعية ووطنية ودينية، فقد ينقلن لبلادهن أخبار المسلمين، وقد يرغبن الأولاد في عقائد وعادات غير المسلمين، وقد يؤدي الزواج بهن إلى إلحاق ضرر بالمسلمات بالإعراض عنهن، وقد تكون الكتابية منحرفة السلوك، بدليل ما يأتي:\rروى الجصاص في تفسيره: أن حذيفة بن اليمان تزوج بيهودية، فكتب إليه عمر: أن خل سبيلها، فكتب إليه حذيفة: أحرام هي؟ فكتب إليه عمر: لا، ولكني أخاف أن تواقعوا المومسات منهن، يعني العواهر.وروى الإمام محمد هذا الأثر في كتابه «الآثار» على النحو الآتي:\rإن حذيفة تزوج بيهودية بالمدائن، فكتب إليه عمر: أن خلِّ سبيلها، فكتب إليه: أحرام يا أمير المؤمنين؟ فكتب إليه عمر: أعزم عليك ألا تضع كتابي هذا، حتى تخلي سبيلها، فإني أخاف أن يقتدي بك المسلمون، فيختارون نساء أهل الذمة لجمالهن، وكنَّ بذلك فتنة لنساء المسلمين.","part":9,"page":146},{"id":5702,"text":"يتبين من ذلك أن عمر رضي الله عنه منع حذيفة من الزواج بالكتابية، لما فيه من الضرر، وهو إما الوقوع في زواج المومسات منهن، أو تتابع المسلمين في زواج الكتابيات، وترك المسلمات بلا زواج.\rرأي الشافعية في زواج الكتابية: هذا هو حكم الزواج بالكتابيات، يجوز عند الجمهور بلا شرط، لكن قيد الشافعية الزواج بالكتابية بقيد، فقالوا (1) :\rتحل كتابية، لكن تكره حربية، وكذا ذمية على الصحيح، لما في الميل إليها من خوف الفتنة، والكتابية: يهودية أو نصرانية، لا متمسكة بالزبور وغيره كصحف شيث وإدريس وإبراهيم عليه السلام.\rفإن كانت الكتابية إسرائيلية: فيحل الزواج بها إذا لم يعلم دخول أول من تدين من آبائها في دين اليهودية بعد نسخه وتحريفه، أو شك فيها، لتمسكهم بذلك الدين حين كان حقاً، وإلا فلا تحل لسقوط فضيلة ذلك الدين.\rوإن كانت النصرانية: فالأظهر حلها للمسلم إن علم دخول قومها، أي آبائها أي أول من تدين منهم في ذلك الدين ـ أي دين عيسى عليه السلام، قبل نسخه وتحريفه، لتمسكهم بذلك الدين حين كان حقاً. فإن دخلوافيه بعد التحريف فالأصح المنع، وإن تمسكوا بغير المحرف فتحل في الأظهر.\rوالراجح لدي هو قول الجمهور، لإطلاق الأدلة القاضية بجواز الزواج بالكتابيات، دون تقييد بشيء.\r-------------------------------\r(1) مغني المحتاج: 187/3 وما بعدها، المهذب: 44/2.","part":9,"page":147},{"id":5703,"text":"الزواج بالمجوسيات: قال أكثر الفقهاء (1) : ليس المجوس أهل كتاب، للآية المتقدمة {أن تقولوا: إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا} [الأنعام:156/6] فأخبر تعالى: أن أهل الكتاب طائفتان، فلو كان المجوس أهل كتاب لكانوا ثلاث طوائف.\rوأيضاً إن المجوس لا ينتحلون شيئاً في كتب الله المنزلة على أنبيائه وإنما يقرؤون كتاب زرادشت، وكان متنبياً كذاباً، فليسوا إذن أهل كتاب.\rويدل له: أن عمر ذكر المجوس بالنسبة لأخذ الجزية منهم، فقال: ما أدري كيف أصنع في أمرهم؟ فقال له عبد الرحمن بن عوف: أشهد لسمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلم يقول: «سنوا بهم سنة أهل الكتاب» رواه الشافعي، وهو دليل على أنهم ليسوا من أهل الكتاب (2) .\rالسامرة والصابئة: السامرة: طائفة من اليهود، والصابئة: طائفة من النصارى.\rقال أبو حنيفة والحنابلة: إنهم أهل كتاب، فيجوز للمسلم الزواج بالصابئات؛ لأن الصابئة قوم يؤمنون بكتاب، فإنهم يقرؤون الزبور، ولا يعبدون الكواكب، ولكن يعظمونها كتعظيم المسلمين الكعبة في الاستقبال إليها، ولكنهم يخالفون غيرهم من أهل الكتاب في بعض دياناتهم، وهذا لا يمنع الزواج كاليهود مع النصارى.\rوقال الصاحبان: لا يجوز الزواج بهن؛ لأن الصابئة قوم يعبدون الكواكب، وعابد الكواكب كعابد الوثن، فلا يجوز للمسلمين مناكحتهم.\rوقيل: ليس هذا باختلاف في الحقيقة، وإنما الاختلاف لاشتباه مذهبهم. لذا من اعتبر الصابئة من عبدة الأوثان: وهم الذين يعبدون الكواكب، حرم مناكحتهم. ومن فهم أن منا كحتهم حلال، فهم أن لهم كتاباً يؤمنون به.\r-------------------------------\r(1) أحكام القرآن للجصاص: 327/2، المغني: 591/6، البدائع: 271/2.\r(2) نيل الأوطار: 56/8، وروى سفيان عن الحسن بن محمد، قال: كتب النبي صلّى الله عليه وسلم إلى مجوس هَجَر يدعوهم إلى الإسلام، قال: فإن أسلمتم فلكم ما لنا، وعليكم ما علينا، ومن أبى فعليه الجزية غير أكل ذبائحهم ولا نكاح نسائهم.","part":9,"page":148},{"id":5704,"text":"وهذا هو الحق ويتفق مع رأي الشافعية القائلين: إن خالفت السامرة اليهود، والصابئون النصارى في أصل دينهم، حَرُمن، وإلا فلا، أي إن وافقت السامرة اليهود، والصابئة النصارى في أصل دينهم حلت. وهذا هو ما قرره القدوري في الكتاب، وهو حجة لدى الحنفية، فقال: يجوز تزوج الصابئيات إذا كانوا يؤمنون بنبي ويقرون بكتاب، وإن كانوا يعبدون الكواكب، ولا كتاب لهم، لم تجز مناكحتهم (1) .\rالمتولد من وثني وكتابية: إذا كان أحد أبوي الكافرة كتابياً والآخر وثنياً، لم يحل نكاحها؛ لأنها ليست كتابية خالصة، ولأنها مولودة بين من يحل وبين من لا يحل، فلم تحل، تغليباً للتحريم؛ لأنه إذا اجتمع الحلال والحرام، غلب الحرام الحلال (2) .\r-------------------------------\r(1) اللباب: 7/3.\r(2) مغني المحتاج: 189/3، المغني: 592/6، المهذب: 44/2.","part":9,"page":149},{"id":5705,"text":"تغيير الكتابي دينه إلى دين آخر: إذا انتقل الكتابي أو المجوسي إلى دين آخر غير دين أهل الكتاب كالوثنية، أي توثن، لم يقر عليه، ويقتل في أحد الرأيين إن لم يرجع، لعموم الحديث: «من بدل دينه فاقتلوه» (1) وفي رأي آخر: لا يقتل، بل يكره على العودة إلى دينه السابق بالضرب والحبس.\rوإذا انتقلت امرأة المسلم الذمية إلى دين غير دين أهل الكتاب، فهي كالمرتدة، ينفسخ نكاحها مع المسلم إن لم تعد إلى دينها في أثناء العدة عند الشافعية والحنابلة.\rوأما إذا انتقل الكتابي إلى دين كتابي آخر، كأن تهود النصراني أو تنصر اليهودي، لم يقر بالجزية ولا يقبل منه إلا الإسلام في الأظهر عند الشافعية، وفي رواية عن أحمد، لقوله تعالى: {ومن يبتغ غير الإسلام ديناً، فلن يقبل منه} [آل عمران:85/3] وقد أحدث ديناً باطلاً بعد اعترافه ببطلانه، فلا يقر عليه، كما لو ارتد المسلم.\rويقر عليه في قول أبي حنيفة ومالك، وفي الراجح من الروايتين عند الحنابلة؛ لأنه لم يخرج عن دين أهل الكتاب، فلا نتعرض له. وأما حديث «من بدل دينه فاقتلوه» فهو محمول على دين الإسلام، إذ هو الدين المعتبر شرعاً.\rولو تهود وثني أو تنصر، لم يقر عند الشافعية، ويتعين الإسلام في حقه، كمسلم ارتد، فإنه يتعين في حقه الإسلام. ويقر عند أبي حنيفة ومالك والحنابلة في الراجح (2) ، لأن الكفر كله ملة واحدة. إذ هو تكذيب الرب تعالى فيما أنزل على رسله عليهم السلام.\rارتداد الزوجين أوأحدهما: قال الشافعية، والحنابلة والمالكية: لو ارتد الزوجان أو أحدهما قبل الدخول تنجزت الفُرْقة، أي انفسخ النكاح في الحال. وإن كانت الردة بعد الدخول، توقفت الفرقة أو الفسخ على انقضاء العدة، فإن جمعهما الإسلام في العدة، دام النكاح، وإن لم يجمعهما في العدة انفسخ النكاح من وقت الردة، لكن لو وطئ الزوج لا حد عليه للشبهة، وهي بقاء أحكام النكاح، وتجب العدة منه. وإذا أسلمت المرأة قبل الرجل فأسلم في عدتها، أو أسلما معاً، فتتقرر الزوجية بينهما، وإن أسلم أحدهما ولم يتبعه الآخر في العدة، انفسخ زواجهما. وكذلك\r-------------------------------\r(1) رواه الجماعة إلا مسلماً عن ابن عباس (نيل الأوطار: 190/7).\r(2) البدائع: 271/2-272، اللباب: 26/3-28، العناية على فتح القدير: 396/4، الشرح الصغير: 422/2، الشرح الكبير: 301/4، مغني المحتاج: 189/3-191، المغني: 189/3-191، المغني: 593/6 وما بعدها، 130/8، المهذب: 52/2.","part":9,"page":150},{"id":5706,"text":"قال الحنفية: تقع الفرقة بين الزوجين إذا حكم بصحة الارتداد (1) ، وقد صح أن رجلاً من بني تغلب وكانوا من النصارى، أسلمت زوجته، وأبى هو، ففرق عمر بينهما، وقال ابن عباس: «إذا أسلمت النصرانية قبل زوجها، فهي أملك لنفسها» .\rأنكحة الكفار غير المرتدين: هل عقود زواج غير المسلمين بعضهم مع بعض صحيحة أو فاسدة؟\rللفقهاء رأيان: فقال المالكية (2) : أنكحة غير المسلمين فاسدة؛ لأن للزواج في الإسلام شرائط لا يراعونها، فلا يحكم بصحة أنكحتهم.\rوقال الجمهور (3) : أنكحة الكفار غير المرتدين صحيحة يقرون عليها، إذا أسلموا، أو تحاكموا إلينا إذا كانت المرأة عند الشافعية والحنابلة ممن يجوز ابتداء الزواج بها، بأن لم تكن من المحارم، فنقرهم على ما نقرهم عليه لو أسلموا، ونبطل ما لا نقر، والأصح عند الحنفية أن كل نكاح حرم لحرمة المحل كمحارم، يقع جائزاً. واتفق هؤلاء الجمهور على أنه لا يعتبر فيه صفة عقدهم وكيفيته، ولا يعتبر له شروط أنكحة المسلمين من الولي والشهود وصيغة الإيجاب والقبول، وأشباه ذلك، فيجوز في حقهم ما اعتقدوه، ويقرون عليه بعد الإسلام.\rوينبني على رأي الجمهور أن تثبت أحكام الزواج المقررة كالمسلمين من وجوب النفقة ووقوع الطلاق ونحوهما من عدة ونسب وتوارث بزواج صحيح، وحرمة مطلقة ثلاثاً. ويجوز نكاح أهل الذمة بعضهم لبعض وإن اختلفت شرائعهم؛ لأن الكفر كله ملة واحدة.\rودليلهم قوله عز وجل: {وقالت امرأة فرعون} [القصص:9/28] وقوله سبحانه: {وامرأته حمَّالة الحطب} [المسد:4/111] ولو كانت أنكحتهم فاسدة، لم تكن امرأته حقيقة، ولأن النكاح سنة آدم عليه السلام، فهم على شريعته، وقال النبي عليه الصلاة والسلام: «ولدت من\r-------------------------------\r(1) المراجع السابقة.\r(2) الشرح الصغير: 422/2.\r(3) البدائع: 272/2، الدر المختار: 506/2، 530 وما بعدها، مغني المحتاج: 193/3-195، المغني: 613/6.","part":9,"page":151},{"id":5707,"text":"نكاح، لا من سفاح» (1) أي لا من زنا، والمراد به نفي ما كانت عليه الجاهلية من أن المرأة تسافح رجلاً مدة ثم يتزوجها، فإنه صلّى الله عليه وسلم سمى ما وجد قبل الإسلام من أنكحة الجاهلية نكاحاً، ولو قلنا بفساد أنكحتهم لأدى إلى أمر قبيح هو الطعن في نسب كثر من الأنبياء.\rولحديث غيلان الثقفي وغيره ممن أسلم وتحته عشر نسوة في الجاهلية، فأسلمن معه، فأمره صلّى الله عليه وسلم باختيار أربع منهن، ومفارقة الباقي (2) ، ولم يسأل عن شرائط النكاح، فلا يجب البحث عن شرائط أنكحتهم، فإنه صلّى الله عليه وسلم أقرهم عليها، وهو لا يقر أحداً على باطل.\r4 ً - أخت الزوجة ومحارمها ( الجمع بين الأخت وعمتها أو خالتها أوغيرها من المحارم) (3) : يحرم على الرجل أن يجمع بين الأختين، أو بين المرأة وعمتها أو خالتها أو كل من كان مَحْرماً لها: وهي كل امرأة لو فرضت ذكراً حرمت عليها الأخرى. وذلك سواء أكانت المحرم شقيقة، أم لأب، أم لأم.\rلقوله تعالى في بيان محرَّمات النساء: {وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف} [النساء:23/4] ولأن الجمع بين ذوات الأرحام يفضي إلى قطيعة الرحم، بسبب ما يكون عادة بين الضرتين من غَيْرة موجبة للتحاسد والتباغض والعداوة، وقطيعة الرحم حرام، فما أدى إليه فهو حرام.\rوالجمع بين المرأة وابنتها حرام أيضاً، كالجمع بين الأختين، بل هوأولى؛ لأن قرابة الولادة أقوى من قرابة الأخوة، فالنص الوارد في الجمع بين الأختين وارد هنا من طريق أولى.\r-------------------------------\r(1) رواه الطبراني في الأوسط وأبو نعيم وابن عساكر عن علي بلفظ «خرجت من النكاح، ولم أخرج من سفاح، من لدن آدم إلى أن ولدني أبي وأمي» تكلم في راو من رواته وبقية رجاله ثقات ( مجمع الزوائد: 214/8).\r(2) رواه أحمد وابن ماجه والترمذي عن ابن عمر (نيل الأوطار: 159/6 وما بعدها).\r(3) الجمع بين الزوجات نوعان: جمع بين ذوات الأرحام، وجمع بين الأجنبيات بأكثر من أربع.","part":9,"page":152},{"id":5708,"text":"وكذلك الجمع بين المرأة وعمتها أوخالتها حرام أيضاً كالجمع بين الأختين؛ لأن العمة بمنزلة الأم لبنت أخيها، والخالة بمنزلة الأم لبنت أختها. وصرحت السنة بتحريم الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها، عن أبي هريرة قال: «نهى النبي صلّى الله عليه وسلم أن تنكح المرأة على عمتها أو خالتها» (1) وفي رواية الترمذي وغيره: «لا تنكح المرأة على عمتها، ولا العمة على بنت أخيها، ولا المرأة على خالتها، ولا الخالة على بنت أختها، لا الكبرى على الصغرى، ولا الصغرى على الكبرى» ولا يخفى أن هذا الحديث خصص عموم قوله تعالى:\r-------------------------------\r(1) رواه الجماعة (سبل السلام: 124/3، نيل الأوطار: 146/6)..","part":9,"page":153},{"id":5709,"text":"{وأحل لكم ما وراء ذلكم} [النساء: 24/4] (1) ، ولأن الجمع بين ذواتي محرم في النكاح سبب لقطيعة الرحم؛ لأن الضرتين يتنازعان ولا يختلفان ولا يأتلفان عرفاً وعادة، وهو يفضي إلى قطع الرحم، وإنه حرام، والنكاح سبب لذاك فيحرم، حتى لا يؤدي إليه. وقد أشار النبي صلّى الله عليه وسلم إلى علة النهي في رواية ابن حبان وغيره: «إنكم إذا فعلتم ذلك قطعتم أرحامكم» .\rقاعدة الجمع بين المحارم: استنبط الفقهاء من النصين: القرآني والنبوي قاعدة لتحريم الجمع بين المحارم هي: «يحرم الجمع بين امرأتين لو كانت إحداهما رجلاً ، لا يجوز له نكاح الأخرى من الجانبين جميعاً» أو «يحرم الجمع بين كل امرأتين أيتهما قدِّرت ذكراً، حرمت عليه الأخرى» (2)\rلا يحل الجمع بين الأختين؛ لأننا لو فرضنا كل واحدة منهما رجلاً، لم يجز له التزوج بالأخرى؛ لأنها أخته. ولا يحل الجمع بين المرأة وعمتها؛ لأن كل واحدة لو فرضت رجلاً، كان عماً للأخرى، ولا يجوز للرجل أن يتزوج بعمته. وكذلك يحرم الجمع بين المرأة وخالتها، إذ لو فرضنا كل واحدة منهما رجلاً كان خالاً للأخرى، ولا يصح للرجل أن يتزوج بنت أخته.\rفإن فرض كون كل منهما رجلاً، وجاز له أن يتزوج بالأخرى كالمرأة وابنة عمها، جاز الجمع بينهما، لأنها تكون ابنة عمه، وللرجل أن يتزوج بابنة عمه.\rوإن كان تحريم الزوج على فرض واحد من أحد الجانبين دون الآخر، فلا يحرم الجمع بينهما، كالمرأة وابنة زوج كان لها من قبل من غيرها، وكالمرأة وزوجة كانت لأبيها؛ لأنه لا رحم بينهما، فلم يوجد الجمع بين ذواتي رحم، إذ لو فرضنا في المثال الأول البنت رجلاً، لم يجز له أن يتزوج بهذه المرأة؛ لأنها زوجة أبيه، أما عند فرض المرأة: زوجة الأب رجلاً، فتزول عنه صفة زوجة الأب، فيجوز له الزواج بالبنت، إذ هي أجنبية عنه. وقد جمع عبد الله بن جعفر بن أبي طالب بين زوجة عمه علي، وهي ليلى بنت مسعود النهشلية، وبين ابنته من غيرها وهي أم كلثوم بنت السيدة فاطمة رضي الله عنها، ولم ينكر عليه أحد من الصحابة.\r-------------------------------\r(1) قيل: ويلزم الحنفية أن يجوزوا الجمع بين من ذكر؛ لأن أصولهم تقديم عموم الكتاب على أخبار الآحاد، إلا أنه أجاب صاحب الهداية بأنه حديث مشهور، والمشهور له حكم القطعي سيما مع الإجماع من الأمة، وعدم الاعتداد بالمخالف. ووصفه صاحب البدائع بأنه حديث مشهور.\r(2) البدائع: 262/2، الدر المختار: 391/2، مغني المحتاج: 180/3، اللباب: 6/3، المهذب: 43/2، بداية المجتهد: 40/2-42، المغني: 574/6، كشاف القناع: 80/5.","part":9,"page":154},{"id":5710,"text":"ويجوز الجمع بين ابنتي العم وابنتي الخال أو الخالة من عمين أو خالين أو خالتين بالاتفاق، لعدم النص فيهما بالتحريم، ودخولهما في عموم قوله تعالى: {وأحل لكم ماوراء ذلكم} [النساء:24/4] ولأن إحداهما تحل لها الأخرى لو كانت ذكراً. وفي كراهة زواجهما رأيان: رأي بالكراهة خوف قطيعة الرحم، وهو مروي عن ابن مسعود والحسن البصري، وأحمد في رواية عنه، ورأي بعدم الكراهة؛ إذ ليست بينهما قرابة تحرم الجمع، وهو منقول عن الشافعي والأوزاعي.\rحكم العقد الواحد أو العقدين على الأختين ونحوهما :\rإذا تزوج رجل امرأتين بينهما محرمية كالأختين وكالبنت وخالتها، والبنت وعمتها، ففي حكم الزواج تفصيل (1) :\rأ ـ إن تزوجهما معاً في عقد واحد، فسد زواجهما معاً ولم يبطل؛ لأن إحداهما ليست أولى بفساد الزواج من الأخرى، فيفرق بينه وبينهما، ثم إنه إن كان التفريق قبل الدخول فلا شيء لهما، أي لا مهر لهما، لا عدة فيهما؛ لأن الزواج الفاسد لا حكم له قبل الدخول، وكذلك بعد الخلوة.\rوإن كان قد دخل بهما، فلكل واحدة منهما عند الحنفية مهر المثل على ألا يزيد عن المسمى، لرضاها به، كما هو حكم الزواج الفاسد، وعليهما العدة؛ لأن هذا هو حكم الدخول في الزواج الفاسد.\rب ـ وإن تزوج كلاً منهما بعقد مستقل، الواحدة بعد الأخرى، صح زواج الأولى وفسد زواج الثانية؛ لأن الجمع حصل بزواج الثانية، فاقتصر الفساد عليه، ويفرق بينه وبين الثانية. فإن تم التفريق قبل الدخول فلا شيء لها ولا عدة عليها، وإن تم التفرق بعد الدخول، وجب لها مهر المثل على ألا يزيد عن المسمى لرضاها به؛ لأن «الوطء في دار الإسلام لا يخلو عن عَقْر ـ أي حد زاجر ـ أو عُقْر ـ أي مهر جابر» وقد سقط الحد بشبهة العقد، فيجب مهر المثل دون زيادة على المسمى. وعليها العدة.\r-------------------------------\r(1) البدائع: 263/2، اللباب مع الكتاب: 22/3.","part":9,"page":155},{"id":5711,"text":"ويحرم على الزوج أن يطأ الأولى، أي قربان زوجته الأولى حتى تنقضي عدة الثانية، لئلا يكون جامعاً بينهما، والجمع بين المحارم حرام.\rجـ ـ وإن تزوج كلاً منهما بعقدين لا يدري أيهما الأول، يفرق بينه وبينهما؛ لأن زواج إحداهما فاسد بيقين، وهي مجهولة، ولا يتصور حصول مقاصد الزواج من المجهولة، فلا بد من التفريق. فإن ادعت كل واحدة منهما أنها هي الأولى ولا بينة لها، يقضى لها بنصف المهر؛ لأن الزواج الصحيح أحدهما، وقد حصلت الفرقة قبل الدخول، لا بسبب المرأة، فكان الواجب نصف المهر، ويكون بينهما لعدم الترجيح، إذ ليست إحداهما بأولى من الأخرى. وقال الجمهور: إن جمع بين الأختين ونحوهما من رضاع أو نسب بعقد واحد بطل نكاحهما، وإن كان مرتباً بطل الثاني، ولمن دخل بها مهر المثل عند الشافعية والحنابلة. وصداقها المسمى عند المالكية (1) .\rالجمع بين الأختين ونحوهما في العدة (2) :\rاتفق الفقهاء على أنه يجوز الجمع بين المرأة ومحارمها بعد الفرقة بسب وفاة إحداهما، فلو ماتت زوجة رجل، جاز له أن يتزوج بأختها أو عمتها مثلاً من غير انتظار مدة بعد الوفاة.\rواتفقوا أيضاً على عدم جواز الجمع بين المرأة ومحارمها في أثناء العدة من طلاق رجعي، فلو طلق زوجته طلاقاً رجعياً، لم يجز له الزواج بواحدة من قريباتها المحارم إلا بعد انقضاء العدة؛ لأنها باقية في حكم الزواج السابق.\r-------------------------------\r(1) مغني المحتاج: 180/3، القوانين الفقهية: ص 209، كشاف القناع: 81/5، المقدمات الممهدات: 458/1.\r(2) الدر المختار: 390/2، اللباب: 6/3، القوانين الفقهية: ص 209، المهذب: 43/2، كشاف القناع: 81/5-82.","part":9,"page":156},{"id":5712,"text":"واختلفوا في الجمع بين المحارم إذا كانت إحداهن معتدة من طلاق بائن. فقال الحنفية والحنابلة: يحرم الجمع بين الأختين ومن في حكمهما إذا كانت واحدة منهما في أثناء العدة من طلاق بائن بينونة صغرى أو كبرى؛ لقوله صلّى الله عليه وسلم : «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فلا يجمع ماءه في رحم أختين» (1) ، ولأن البائن ممنوعة من الزواج في العدة لحق الزوج، فأشبهت الرجعية، ولأن الزواج بالأخت ونحوها من المحارم في العدة يؤدي إلى قطيعة الرحم، التي أمر الله بوصلها. وهذا الرأي هو الراجح.\rوقال المالكية والشافعية: يصح الزواج بأخت المطلقة ومن في حكمها من المحارم في أثناء العدة من طلاق بائن بينونة صغرى أو كبرى، لانقطاع أثر الزواج السابق، فلا تحل لمن طلقها إلا بعقد جديد، وحينئذ لا تجتمع المرأتان في حكم فراش واحد.\rوذكر الحنابلة (2) : أنه لو أسلم زوج المجوسية أو الوثنية، أو انفسخ النكاح بين الزوجين بخلع أو رضاع، أو فسخ بعيب أو إعسار أو غيره، لم يكن له أن يتزوج أحداً ممن يحرم الجمع بينه وبين زوجته، حتى تنقضي عدتها.\rوإن أسلمت زوجته، فتزوج أختها في عدتها، ثم أسلما في عدة الأولى، اختار منهما واحدة، كما لو تزوجهما معاً. وإن أسلم الرجل بعد انقضاء عدة الأولى، بانت منه، وثبت نكاح الثانية.\rوإن زنى الرجل بامرأة، فليس له أن يتزوج بأختها، حتى تنقضي عدتها. وحكم العدة من الزنا، والعدة من وطء الشبهة، كحكم العدة من النكاح.\rفإن زنى بأخت امرأته، فقال أحمد: يمسك عن وطء امرأته حتى تحيض المزني بها ثلاث حيضات. وقد ذكر عن أحمد في المزني بها: أنها تستبرأ بحيضة واحدة؛ لأنه وطء من غير نكاح، ولا أحكامه أحكام النكاح.\rوإذا ادعى الزوج أن امرأته أخبرته بانقضاء عدتها في مدة يجوز انقضاؤها فيها، وكذبته، أبيح له نكاح أختها، وأربع سواها في الظاهر. أما في الباطن فيبني على صدقه في ذلك؛ لأنه حق فيما بينه وبين الله تعالى، فيقبل قوله فيه.\r-------------------------------\r(1) كشاف القناع: 81/5.\r(2) المغني: 544/6 وما بعدها.","part":9,"page":157},{"id":5713,"text":"5ً - المرأة الخامسة لمتزوج بأربع سواها (الجمع بين الأجنبيات ) :\rلا يجوز للرجل في مذهب أهل السنة أن يتزوج أكثر من أربع زوجات في عصمته في وقت واحد ولو في عدة مطلقة، فإن أراد أن يتزوج بخامسة، فعليه أن يطلق إحدى زوجاته الأربع، وينتظر حتى تنقضي عدتها، ثم يتزوج بمن أراد؛ لأن النص القرآني لا يبيح للرجل أن يجمع بين أكثر من أربع في وقت واحد، وهو قوله تعالى:\r{وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى، فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع، فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدةً، أو ما ملكت أيمانكم، ذلك أدنى ألا تعولوا} [لنساء:3/4] والمعنى: إن علمتم الوقوع في ظلم اليتامى، فلم تعدلوا في مهورهن أو في نكاحهن، أو تحرجتم من الولاية عليهم، فخافوا أيضاً من ظلم النساء عامة، وقللوا عدد الزوجات، واقتصروا على أربع منهن، وإن خفتم الجور في الزيادة على الواحدة، فاقتصروا على زوجة واح، ويلاحظ أن لفظ «مثنى» معدول به عن اثنين اثنين، تقول: جاءني القوم مثنى أي اثنين اثنين. وهكذا ثلاث ورباع، بياناً لأنواع الزيجات وفئات الناس وما يباح لهم أثناء تعدد الزوجات، فالعطف بالواو للتخيير لا للجمع.\rويوضح مدلول الآية حديث ابن عمر، قال: «أسلم غيلان الثقفي وتحته عشر نسوة في الجاهلية، فأسلمن معه، فأمره النبي صلّى الله عليه وسلم أن يختار منهن أربعاً» (1) .\rوروى أبو داود وابن ماجه عن قيس بن الحارث قال: أسلمت وعندي ثمانُ نسوة، فأتيت النبي صلّى الله عليه وسلم ، فذكرت ذلك له، فقال: اختر منهن أربعاً.\r-------------------------------\r(1) رواه أحمد وابن ماجه والترمذي عن ابن عمر ( نيل الأوطار: 159/6 ومابعدها ).","part":9,"page":158},{"id":5714,"text":"وروى الشافعي عن نوفل بن معاوية أنه أسلم وتحته خمس نسوة، فقال له النبي صلّى الله عليه وسلم : أمسك أربعاً، وفارق الأخرى (1) .\rولم ينقل عن أحد من السلف في عهد الصحابة والتابعين أنه جمع في عصمته أكثر من أربع، فدل العمل على وفق السنة على أنه لا يجوز الزواج بأكثر من أربع نسوة، ولأحاديث في مجموعها لا تقتصر عن رتبة الحسن لغيره، فتنتهض بمجموعها للاحتجاج، وإن كان كل واحد منها لا يخلو عن مقال، كما ذكر الشوكاني.\rوذهب بعض المتأولين الشذاذ إلى أنه يجوز للرجل أن يتزوج تسعاً، أخذاً بظاهر الآية: {مثنى وثلاث ورباع} [النساء:3/4] لأن الواو للجمع لا للتخيير، أي يكون المجموع تسعاً. وأجيب عن ذلك بأن الآية محمولة على عادة العرب في خطاب الناس على طريق المجموعات، وأريد بها التخيير بين الزواج باثنتين وثلاث وأربع، كما في قوله تعالى: {جاعل الملائكة رسلاً أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع} [فاطر:1/35] أي أنهم فئات، فمنهم ذو الجناحين، ومنهم ذو الثلاثة أجنحة، ومنه ذو الأربعة أجنحة؛ لأن المثنى ليس عبارة عن الاثنين، بل أدنى ما يراد بالمثنى مرتان من هذا العدد، وأدنى ما يراد بالثلاث ثلاث مرات من العدد، وكذا الرباع.\rالسبب في الاقتصار على أربع: إن إباحة الزواج بأربع فقط قد يتفق في رأينا مع مبدأ تحقيق أقصى قدرات وغايات بعض الرجال، وتلبية رغباتهم وتطلعاتهم مع مرور كل شهر، بسبب طروء دورة العادة الشهرية بمقدار أسبوع لكل واحدة\r-------------------------------\r(1) راجع الحديثين في نيل الأوطار: 149/6، لكن في حديث قيس ضعيف. وفي إسناد حديث نوفل رجل مجهول.","part":9,"page":159},{"id":5715,"text":"منهن، ففي المشروع غنى وكفاية، وسد للباب أمام الانحرافات، أوما قد يتخذه بعض الرجال من عشيقات أو خدينات أو وصيفات، ثم إن في الزيادة على الأربع خوف الجور عليهن بالعجز عن القيام بحقوقهن؛ لأن الظاهر أن الرجل لايقدر على الوفاء بحقوقهن، وإلى هذا أشار القرآن الكريم بقوله عز وجل: { فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة} [النساء:3/4] أي لا تعدلوا في القَسْم والجماع والنفقة في زواج المثنى، والثلاث، والرباع، فواحدة، فهوأقرب إلى عدم الوقوع في الظلم (1) .\rوهكذا فإن الاقتصار على أربع عدل وتوسط، وحماية للنساء من ظلم يقع بهن من جراء الزيادة، وهو بخلاف ما كان عليه العرب في الجاهلية والشعوب القديمة حيث لا حد لعدد الزوجات وإهمال بعضهن.\rوهذه الإباحة أضحت أمراً استثنائياً نادراً، فلا تعني أن كل مسلم يتزوج أكثر من واحدة، بل أصبح مبدأ وحدة الزوجة هو الغالب الأعظم.\rقيود إباحة التعدد :\rاشترطت الشريعة لإباحة التعدد شرطين جوهريين هما:\r1 - توفير العدل بين الزوجات: أي العدل الذي يستطيعه الإنسان، ويقدر عليه، وهو التسوية بين الزوجات في النواحي المادية من نفقة وحسن معاشرة ومبيت، لقوله تعالى: {فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة، أو ما ملكت أيمانكم، ذلك أدنى ألا تعولوا} [النساء:3/4] فإنه تعالى أمر بالاقتصار على واحدة إذا خاف الإنسان الجور ومجافاة العدل بين الزوجات.\rوليس المراد بالعدل ـ كما بان في أحكام الزواج الصحيح ـ هو التسوية في العاطفة والمحبة والميل القلبي، فهوغير مراد؛ لأنه غير مستطاع ولا مقدور لأحد، والشرع إنما يكلف بما هو مقدور للإنسان، فلا تكليف بالأمور الجبلِّية الفطرية التي لا تخضع للإرادة مثل الحب والبغض.\r-------------------------------\r(1) البدائع: 266/2.","part":9,"page":160},{"id":5716,"text":"ولكن خشية سيطرة الحب على القلب أمر متوقع ،لذا حذر منه الشرع في الآية الكريمة: {ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء، ولو حرصتم، فلا تميلوا كل الميل، فتذروها كالمعلقة} [النساء:129/4] وهو كله لتأكيد شرط العدل، وعدم الوقوع في جور النساء، بترك الواحدة كالمعلقة، فلا هي زوجة تتمتع بحقوق الزوجية، ولا هي مطلقة. والعاقل: من قدَّر الأمور قبل وقوعها، وحسب للاحتمالات والظروف حسابها، والآية تنبيه على خطر البواعث والعواطف الداخلية، وليست كما زعم بعضهم لتقرير أن العدل غير مستطاع، فلا يجوز التعدد، لاستحالة تحقق شرط إباحته.\r2 - القدرة على الإنفاق: لا يحل شرعاً الإقدام على الزواج، سواء من واحدة أو من أكثر إلا بتوافر القدرة على مؤن الزواج وتكاليفه، والاستمرار في أداء النفقة الواجبة للزوجة على الزوج، لقوله صلّى الله عليه وسلم : «يا معشر الشباب، من استطاع منكم الباءة فليتزوج...» والباءة: مؤنة النكاح.\rحكمة تعدد الزوجات :\rإن نظام وحدة الزوجة هو الأفضل وهو الغالب وهو الأصل شرعاً، وأما تعدد الزوجات فهو أمر نادر استثنائي وخلاف الأصل، لا يلجأ إليه إلا عند الحاجة الملحة، ولم توجبه الشريعة على أحد، بل ولم ترغب فيه، وإنما أباحته الشريعة لأسباب عامة وخاصة.\rأما الأسباب العامة: فمنها معالجة حالة قلة الرجال وكثرة النساء، سواء في الأحوال العادية بزيادة نسبة النساء، كشمال أوربا، أم في أعقاب الحروب، كما حد ث في ألمانيا بعد الحرب العالمية الأولى، إذ أصبحت نسبة النساء للرجال واحداً إلى أربعة أو إلى ستة، فقامت النساء الألمانيات بمظاهرات يطالبن بالأخذ بنظام تعدد الزوجات، بعد أن قتلت الحرب معظم رجال ألمانيا، وبعد أن كثر اللقطاء في الشوارع والحدائق العامة.","part":9,"page":161},{"id":5717,"text":"وحينئذ يصبح نظام التعدد ضرورة اجتماعية وأخلاقية، تقتضيها المصلحة والرحمة، وصيانة النساء عن التبذل والانحراف، والإصابة بالأمراض الخطيرة مثل مرض فقد المناعة ( الإيدز)، والإيواء في ظل بيت الزوجية الذي تجد فيه المرأة الراحة والطمأنينة،بدلاً من البحث عن الأصحاب الوقتيين، أو حمل لافتات في مواطن إشارات المرور يعلن فيها عن الرغبة في الاتصال الجنسي، أو العرض الرخيص في واجهات بعض المحلات في الشوارع العامة كما في ألمانيا وغيرها.\rومن هذه الأسباب: احتياج الأمة أحياناً إلى زيادة النسل، لخوض الحروب والمعارك ضد الأعداء، أو للمعونة في أعمال الزراعة والصناعة وغيرها.\rوقد أباحت اليهودية تعدد الزوجات، ولم يرد في المسيحية نص يمنع التعدد، وأذنت به الكنيسة في عصرنا للأفارقة المسيحيين.\rومن هذه الأسباب: الحاجة الاجتماعية إلى إيجاد قرابات ومصاهرات لنشر الدعوة الإسلامية كما حدث للنبي صلّى الله عليه وسلم ، فإنه عدد زوجاته التسع في سن الرابعة والخمسين من أجل نشر دعوته وكسب الأنصار لدين الله الجديد. وبقي إلى هذه السن على زوجة واحدة هي السيدة خديجة رضي الله عنها.\rوأما الأسباب الخاصة فكثيرة منها:\r1 - عقم المرأة أو مرضها، أو عدم توافق طباعها مع طباع الزوج :\rقد تكون المرأة عقيماً لا تلد، أو أن بها مرضاً منفراً يحول بينها وبين تحقيق رغبات الزوج، أو أن طبعها لم ينسجم مع طبع الزوج، فيكون من الأفضل والأرحم ومن المروءة أن تظل هذه الزوجة في رباط الزوجية؛ لأنه أكرم لها وأحب إلى نفسها، وتعطى الفرصة للرجل بالزواج من ثانية تحقق له السعادة بإنجاب الأولاد، وإرواء غريزة حب الأولاد. وقد يزول مرض المرأة، وتتحسن طبائعها وأخلاقها مع مرور الزمن ونضوج العقل، فتجد في زوجها الأمل، وتنأى به عن الحرمان واليأس والعُقَد النفسية، وذلك في حدود أربع نسوة تتناسب مع طاقة الرجل وقدرته في عيشه على تحمل أعباء الحياة الزوجية.","part":9,"page":162},{"id":5718,"text":"وقد بينت أن سبب الاقتصار على أربع هو كونه أقرب إلى تحقيق العدل والرحمة بالمرأة التي ينقطع عنها زوجها ثلاث ليال ثم يعود إليها.\rأما ما قد يؤدي إليه التعدد من فساد الأسرة بسبب التحاسد والتنافر بين الضرائر، أوتشرد الأولاد، فهو ناشئ غالباً من ضعف شخصية الرجل، وعدم التزامه بقواعد الشرع وما يوجبه عليه من عدل وقَسْم في المبيت، وعناية بالأولاد، وإحساس كبير بمطالب الحياة الزوجية، فإذا عدل الرجل بين زوجاته، وسوّى بين أولاده في التربية والتعليم والنفقة، ووضع حداً لكل زوجة لا تتجاوزه، فإنه يساهم إلى حد كبير في استئصال كل بذور الفتنة والسوء، والضغينة والبغضاء بين أفراد أسرته، وهو خير كبير له، فيريح فكره من الهموم وحل المشكلات، ويتفرغ لواجباته المعيشية وأعماله خارج المنزل.\rفإن بقي بعدئذ شيء في نفس المرأة والأولاد من الغيرة الطبيعية الذاتية، فهو شيء عادي لا تخلو عنه كل المجتمعات الصغيرة، ويمكن التغلب على آثاره بالحكمة والعدل وعدم الإصغاء لتدخلات الجيران والمعارف.\rأما منع تعدد الأزواج: ففيه توفير مصلحة المرأة نفسها، إذ تكون عادة مبعث نزاع حاد بين الرجال، وتنافس وتزاحم بين الشركاء يلحق بها ضرراً ومتاعب، وفي هذا التعدد ضرر اجتماعي، وفساد كبير، بسبب ضياع الأنساب، واختلاط أصول الأولاد، وضياعهم في نهاية الأمر، إذ قد يتخلى كل هؤلاء الرجال عن إعالتهم، بحجة أنهم أبناء الآخرين.\r2 - اشتداد كراهية الرجل للمرأة في بعض الأوقات: قد ينشأ نزاع عائلي بين الزوج وأقارب زوجته، أو بينه وبين زوجته، وتستعصي الحلول، وتتأزم المواقف، ويتصلب الطرفان، فإما فراق نهائي يأكل كبد المرأة للأبد، وإما صبر وقتي من الرجل، تتطلبه الأخلاق والوفاء، والحكمة والعقل، ولا شك أن اتخاذ الموقف الثاني بإبقاء الزوجة في عصمة زوجها مع زوجة أخرى أهون بكثير من الطلاق : «أبغض الحلال إلى الله » .","part":9,"page":163},{"id":5719,"text":"3 - ازدياد القدرة الجنسية لبعض الرجال: قد يكون بعض الناس ذا طاقة جنسية كبيرة، تجعله غير مكتفٍ بزوجة واحدة، إما لكبر سنها، أو لكراهيتها الاتصال الجنسي، أو لطول عادتها الشهرية ومدة نفاسها، فيكون الحل لمثل هذه الظروف ومقتضى الدين الذي يتطلب التمسك بالعفة والشرف هو تعدد الزوجات، بدلاً من البحث عن اتصالات غير مشروعة، بما فيها من سخط الله عز وجل، وضرر شخصي واجتماعي عام مؤكد الحصول بشيوع الفاحشة أو الزنا.\rوالخلاصة: أن إباحة تعدد الزوجات مقيد بحالة الضرورة أو الحاجة أو العذر، أو المصلحة المقبولة شرعاً.\rالدعوة إلى جعل تعدد الزوجات بإذن القاضي :\rظهرت دعوات جديدة في عصرنا تمنع تعدد الزوجات إلا بإذن القاضي، ليتأكد من تحقق ما شرطه الشرع لإباحة التعدد، وهو العدل بين الزوجات والقدرة على الإنفاق؛ لأن الناس وخصوصاً الجهلة أساؤوا استعمال رخصة التعدد المأذون بها شرعاً لغايات إنسانية كريمة. لكن تولى المخلصون دحض مثل هذه الدعوات لأسباب معقولة هي ما يأتي (1) :\r1 - إن الله سبحانه وتعالى أناط بالراغب في الزواج وحده تحقيق شرطي التعدد، فهو الذي يقدر الخوف من عدم العدل، لقوله تعالى: {فإن خفتم ألا تعدلوا، فواحدة} [النساء:3/4] فإن الخطاب فيه لنفس الراغب في الزواج، لا لأحد سواه، من قاض أوغيره، فيكون تقدير مثل هذا الخوف من قبل غير الزوج مخالفاً لهذا النص. وكذلك البحث في توافر القدرة على الإنفاق، فإنه منوط بالراغب في الزواج، لقوله صلّى الله عليه وسلم : «يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج..» فهو خطاب للأزواج، لا لغيرهم.\r-------------------------------\r(1) الأحكام الشرعية للأحوال الشخصية، للأستاذ الشيخ زكي الدين شعبان: ص 196 وما بعدها.","part":9,"page":164},{"id":5720,"text":"2 - إن إشراف القاضي على الأمور الشخصية أمر عبث، إذ قد لا يطلع على السبب الحقيقي، ويخفي الناس عادة عنه ذلك السبب، فإن اطلع على الحقائق، كان اطلاعه فضحاً لأسرار الحياة الزوجية، وتدخلاً في حريات الناس، وإهداراً لإرادة الإنسان، وخوضاً في قضايا ينبغي توفير وقت القضاة لغيرها، ومنعاً وأمراً في غير محله، فالزواج أمر شخصي بحت، يتفق فيه الزوجان مع أولياء المرأة، لا يستطيع أحد تغيير وجهته، وتبديل قيمه. وإن أسرار البيت المغلقة لا يعلم بها أحد غير الزوجين.\r3 - إن تعدد الزوجات ليس بهذه الكثرة المخيفة، وإنما هو على العكس محدود ونادر لا يتجاوز نسبة 4% في مصر وليبيا في الخمسينات، وفي سورية بنسبة 1%، ومثل هذه النسب لا تستوجب إصدارقوانين خاصة بها، بل إنه إذا صدرت القوانين فلن يتغير من الأمر شيء؛ لأن هذه القضايا تحتاج لضوابط وكوابح داخلية هي الدين والوجدان والأخلاق.\r4 - ليس تعدد الزوجات هو السبب في تشرد الأطفال، كما يزعمون، وإنما السبب يكمن في إهمال الأب تربية النشء، وإدمان الخمر، وتعاطي المخدرات، والانصراف في إرواء اللذات طيشاً وعبثاً، وفعل الميسر وارتياد المقاهي، وإهمال شأن الأسرة، وغيرها من الأسباب. وكانت نسبة المتشردين بسبب تعدد الزوجات لا تزيد في مصر في الخمسينات عن ( 3% )، ويرجع التشرد في الحقيقة إلى الفقر في الدرجة الأولى. وعلاج مساوئ التعدد يكون بأمرين:\rأولاً ـ تربية الجيل تربية دينية وخلقية حصينة، بحيث يدرك الزوجان خطورة رابطة الزوجية المقدسة، وارتكازها على أساس الود والرحمة، كما قال تعالى: {ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها، وجعل بينكم مودة ورحمة} [الروم:21/30].","part":9,"page":165},{"id":5721,"text":"ثانياً ـ معاقبة من يظلم زوجته، أو يقصر في حقوقها، أو يهمل تربية أحد أولاده، فمن فرط في واجبه يؤاخذ في الدنيا والآخرة.\rخلاصة موانع الزواج الشرعية كما ذكرها المالكية :\rيحسن تلخيص الموانع الشرعية للزواج في فقه المالكية، لتصنيفها البديع لديهم، فإنهم قسموا كغيرهم هذه الموانع إلى موانع مؤبدة وموانع غير مؤبدة.\rوالموانع المؤبدة تنقسم إلى متفق عليها، ومختلف فيها، فالمتفق عليها ثلاثة: نسب وصهر ورضاع. والمختلف فيها: الزنا واللعان.\rوغير مؤبدة تنقسم إلى تسعة:\rأحدها: مانع العدد، والثاني: مانع الجمع، والثالث: مانع الرق، والرابع: مانع الكفر، والخامس: مانع الإحرام، والسادس: مانع المرض، والسابع: مانع العدة، على اختلاف في عدم تأبيده، والثامن: مانع التطليق ثلاثاً للمطلق. والتاسع: مانع الزوجية. وتكون الموانع الشرعية أربعة عشر مانعاً (1) .\r1 - أما مانع النسب: فاتفق الفقهاء على أن النساء المحرمات من قبل النسل: السبع المذكورات في القرآن، وهن الأمهات والبنات والأخوات والعمات والخالات وبنات الأخ، وبنات الأخت. والأم: كل أنثى لها عليك ولادة، من جهة الأم أو من جهة الأب. والبنت: كل أنثى لك عليها ولادة من قبل الابن أو من قبل البنت أو مباشرة. والأخت: كل أنثى شاركتك في أحد أصليك، أو في مجموعهما أي الأب أو الأم، أو في كليهما. والعمة: كل أنثى هي أخت لأبيك أو لكل ذكر له عليك ولادة. والخالة: أخت أمك، أوأخت كل أنثى لها عليك ولادة. وبنات الأخ: كل أنثى لأخيك عليها ولادة من قبل أمها أو من قبل أبيها أو مباشرة. وبنات الأخت: كل أنثى لأختك عليها ولادة مباشرة، أو من قبل أمها أو من قبل أبيها.\r2 - وأما مانع المصاهرة: فيحرم أربع بالمصاهرة: زوجات الآباء، وزوجات الأبناء، وأمهات النساء، وبنات الزوجات (الربائب)، واتفقوا على أن اثنين منهن يحرمن بنفس العقد: وهو تحريم زوجات الآباء والأبناء، وواحدة تحرم بالدخول وهي ابنة الزوجة، وأما أم الزوجة فتحرم عند الجمهور بالعقد على البنت، دخل بها أو لم يدخل. وفي رأي ضعيف أم الأم إلا بالدخول على البنت، كالحال في البنت، وهو مروي عن علي وابن عباس رضي الله عنهما من طرق ضعيفة.\r-------------------------------\r(1) بداية المجتهد: 31/2-49، القوانين الفقهية: ص 204-210، الشرح الصغير: 402/2-428.","part":9,"page":166},{"id":5722,"text":"3 - وأما مانع الرضاع: فاتفقوا على أنه يحرم بالرضاع ما يحرم بالنسب، أي أن المرضعة تنزَّل منزل الأم، فتحرم على المرضع هي وكل من يحرم على الابن من قبل أم النسب.\rواتفق أئمة المذاهب الأربعة على أن لبن الفحل يحرِّم، أي يصير الرجل الذي له اللبن، وهو زوج المرأة أباً للمرضع، فيحرم بينهما ومن جهتها ما يحرم من الآباء والأبناء الذين من النسب.\r4 - وأما مانع الزنا أي زواج الزانية: فأجازه الجمهور، ومنعه قوم، ومنشأ اختلافهم: اختلافهم في مفهوم قوله تعالى: {والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك، وحرم ذلك على المؤمنين} [النور:3/24] هل خرج مخرج الذم أو مخرج التحريم؟\r5 - وأما مانع العدد: فاتفق المسلمون على جواز نكاح أربعة من النساء، ورأى الجمهور أنه لا تجوز الخامسة، لقوله تعالى: {فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع} [النساء:3/4] ولقوله عليه الصلاة والسلام لغيلان لما أسلم وتحته عشر نسوة: «أمسك أربعاً، وفارق سائرهن» وقال الشيعة والظاهرية: يجوز تسع، ومذهبهم مذهب الجمع، أي جمع الأعداد في قوله تعالى: {مثنى وثلاث ورباع} [النساء:3/4].\r6 - وأما مانع الجمع: فاتفقوا على أنه لا يجمع بين الأختين بعقد زواج، لقوله تعالى: {وأن تجمعوا بين الأختين} [النساء:23/4] واتفقوا أيضاً على أنه يحرم الجمع بين المرأة وعمتها، وبين المرأة وخالتها، لحديث أبي هريرة المتواتر كما قال ابن رشد، أو المشهور كما قال الحنفية: «لا يجمع بين المرأة وعمتها، ولا بين المرأة وخالتها» .\rوالعمة: هي كل أنثى هي أخت لذكر له عليك ولادة، إما بنفسك، وأما بواسطة ذكر آخر. والخالة: هي كل أنثى هي أخت لكل أنثى لها عليك ولادة، إما بنفسها، وإما بتوسط أنثى غيرها، وهن المحرمات من قبل الأم.","part":9,"page":167},{"id":5723,"text":"7 - وأما مانع الرق: فاتفقوا على أنه يجوز للعبد أن ينكح الأمة، وللحرة أن تنكح العبد إذا رضيت به هي وأولياؤها. ولا يجوز نكاح الحر الأمة إلا بشرطين عند الجمهور غير ابن القاسم المالكي: وهما الخوف على نفسه العَنت أي الزنا، والعجز عن طَوْل الحرة أو الكتابية، أي المهر الذي يتزوجها به من عين أو عرض، لقوله تعالى: {ومن لم يستطع منكم طولاً أن ينكح المحصنات المؤمنات فمن ما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات} ... {ذلك لمن خشي العَنت منكم} [النساء:4/25]. وهذا هو الراجح كما في شروح خليل، ولكن قال ابن رشد: رأي ابن القاسم هو المشهور من مذهب مالك وهو أنه يجوز زواج الحر من الأمة بإطلاق.\r8 - وأما مانع الكفر: فاتفقوا على أنه لا يجوز للمسلم أن ينكح الوثنية، لقوله تعالى: {ولا تمسكوا بعصم الكوافر} [الممتحنة:10/60]، واتفقوا على أنه يجوز أن ينكح الكتابيةالحرة إلا ما روي في ذلك عن ابن عمر. وقال الشيعة الإمامية (1) في الأظهر من القولين: لا يجوز نكاح الكتابية غبطة، ويجوز متعة.\r9 - وأما مانع الإحرام: فلا يجوز عند الجمهور نكاح المحرم، فلا يَنْكح المحرم ولا يُنكح، فإن فعل فالنكاح باطل. وقال أبو حنيفة: لا بأس بذلك، لتعارض حديثين: حديث ابن عباس أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم نكح ميمونة وهو محرم، وحديث ميمونة أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم تزوجها وهو حلال. وإذا قلنا: تعارض الفعل فسقط الاستدلال به، فيرجح القول،وهو حديث «لا ينكح المحرم ولا ينكح» .\r-------------------------------\r(1) المختصر النافع: ص 203.","part":9,"page":168},{"id":5724,"text":"10 ـ وأما مانع المرض: فقال مالك في المشهور عنه: لا يجوز نكاح المريض مرض الموت، وقال الجمهور: إنه يجوز، وسبب اختلافهم تردد النكاح بين البيع وبين الهبة؛ لأنه لا تجوز هبة المريض إلا من الثلث، ويجوز بيعه. ولاختلافهم أيضاً سبب آخر: وهل هو يتهم في إضرار الورثة بإدخال وارث زائد، أو لا يتهم؟\r11 - وأما مانع العدة: فاتفقوا على أن النكاح لا يجوز في العدة، سواء أكانت عدة حيض أم عدة حمل، أم عدة أشهر، وسواء من نكاح أم شبهة نكاح. واختلفوا فيمن تزوج امرأة في عدتها ودخل بها، فقال مالك والأوزاعي والليث: يفرق بينهما، ولا تحل له أبداً، وقال أبو حنيفة والشافعي والثوري وأحمد: يفرق بينهما، وإذا انقضت العدة، فلا بأس في تزوجه إياها مرة ثانية. وسبب اختلافهم اختلاف أقوال الصحابة، فالفريق الأول أخذ بقول عمر رضي الله عنه حينما فرق بين طليحة الأسدية وبين زوجها راشد الثقفي، لما تزوجها في العدة من زوج ثان، وقال: «أيما امرأة نكحت في عدتها، فإن كان زوجها الذي تزوجها لم يدخل بها فرِّق بينهما، ثم اعتدت بقية عدتها من الأول، ثم كان الآخر خاطباً من الخطاب، وإن كان دخل بها، فرِّق بينهما ثم اعتدت بقية عدتها من الأول، ثم اعتدت من الآخر، ثم لا يجتمعان أبداً» .\rواحتج الفريق الثاني بقول علي وابن مسعود رضي الله عنهما، خلافاً لرأي عمر رضي الله عنه، فلم يقضيا بتحريمها عليه.\r12 - وأما مانع الزوجية: فإنهم اتفقوا على أن الزوجية بين المسلمين مانعة، وكذا بين الذميين، لقوله تعالى: {والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم} [النساء:24/4].\r13 - وأما مانع اللعان: فتقع به عند الجمهور غير الحنفية الفرقة المؤبدة، فلا تحل له أبداً، وإن أكذب نفسه. والفرقة عند أبي حنيفة تنتهي إذا أكذب نفسه.","part":9,"page":169},{"id":5725,"text":"14 - وأما مانع التطليق ثلاثاً للمطلق: فاتفقوا على أنه لا يجوز للمطلق أن يعقد عليها مرة أخرى حتى تتزوج زواجاً طبيعياً بزوج آخر، ثم يطلقها بنحو طبيعي، ثم تنقضي عدتها من الثاني، لقوله تعالى: {فإن طلقها، فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجاً غيره} [البقرة:230/2].\rالمحارم من النساء في القانون السوري :\rأ ـ الحرمات المؤبدة:\rالمادة ( 33 ) - يحرم على الشخص أصوله وفروعه وفروع أبويه والطبقة الأولى من فروع أجداده.\rالمادة ( 34) - يحرم على الرجل:\r1 - زوجة أصله أو فرعه وموطوءة أحدهما.\r2 - أصل موطوءته وفرعها وأصل زوجته.\rالمادة ( 35 ) - «1 يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب إلا ما قرر فقهاء الحنفية استثناءه. 2 - يشترط في الرضاع للتحريم أن يكون في العامين الأولين، وأن يبلغ خمس رضعات متفرقات، يكتفي الرضيع في كل منها، قل مقدارها أو كثر» .\rب ـ الحرمات المؤقتة:\rالمادة ( 36 ) - «1 - لا يجوز أن يتزوج الرجل امرأة طلقها ثلاث مرات إلا بعد انقضاء عدتها من زوج آخر دخل بها فعلاً.\r2 - زواج المطلقة من آخر يهدم طلقات الزوج السابق، ولو كانت دون الثلاث، فإذا عادت إليه يملك عليها ثلاثاً جديدة» .\rالمادة ( 37 ) - لا يجوز أن يتزوج الرجل خامسة حتى يطلق إحدى زوجاته الأربع، وتنقضي عدتها.\rالمادة ( 38 ) - لا يجوز التزوج بزوجة آخر ولا بمعتدته.\rالمادة ( 39 ) - لا يجوز الجمع بين امرأتين لو فرضت كل منهما ذكراً، حرمت عليه الأخرى، فإن ثبت الحل على أحد الفرضين جاز الجمع بينهما.","part":9,"page":170},{"id":5726,"text":"الفَصْلُ الرّابع: الأهليَّة والولاية والوكالة في الزّواج\rفيه مباحث ثلاثة:\rالمبحث الأول ـ أهلية الزوجين :\rيرى ابن شبرمة وأبو بكر الأصم وعثمان البتي رحمهم الله أنه لا يزوج الصغير والصغيرة حتى يبلغا، لقوله تعالى: {حتى إذا بلغوا النكاح} [النساء:6/4] فلو جاز التزويج قبل البلوغ، لم يكن لهذا فائدة، ولأنه لا حاجة بهما إلى النكاح. ورأى ابن حزم أنه يجوز تزويج الصغيرة عملاً بالآثار المروية في ذلك. أما تزويج الصغير فباطل حتى يبلغ، وإذا وقع فهو مفسوخ (1) .\rولم يشترط جمهور الفقهاء لانعقاد الزواج: البلوغ والعقل، وقالوا بصحة زواج الصغير والمجنون.\rالصغر: أما الصغر فقال الجمهور منهم أئمة المذاهب الأربعة، بل ادعى ابن المنذر الإجماع على جواز تزويج الصغيرة من كفء، واستدلوا عليه بما يأتي (2) :\r1 - بيان عدة الصغيرة ـ وهي ثلاثة أشهر ـ في قوله تعالى: {واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم، فعدتهن ثلاثة أشهر واللائي لم يحضن} [الطلاق:4/65] فإنه تعالى حدد عدة الصغيرة التي لم تحض بثلاثة أشهر كاليائسة، ولا تكون العدة إلا بعد زواج وفراق، فدل النص على أنها تزوج وتطلق ولا إذن لها.\r2 - الأمر بنكاح الإناث في قوله تعالى: {وأنكحوا الأيامى منكم} [النور:32/24] والأيم: الأنثى التي لا زوج لها، صغيرة كانت أو كبيرة .\r-------------------------------\r(1) المحلى: 560/9، 565.\r(2) المغني: 487/6، المبسوط للسرخسي: 212/4، البدائع: 240/2، 246، القوانين الفقهية: ص198، مغني المحتاج: 168/3 ومابعدها.","part":9,"page":171},{"id":5727,"text":"3 - زواج النبي بعائشة وهي صغيرة، فإنها قالت: «تزوجني النبي وأنا ابنة ستٍ، وبنى بي وأنا ابنة تسع» (1) وقد زوجها أبوها أبو بكر رضي الله عنهما. وزوج النبي صلّى الله عليه وسلم أيضاً ابنة عمه حمزة من ابن أبي سلمة، وهما صغيران.\r4 - آثار عن الصحابة: زوَّج (أي عقد) علي ابنته أم كلثوم، وهي صغيرة من عروة بن الزبير، وزوج عروة بن الزبير بنت أخيه من ابن أخيه وهما صغيران. ووهب رجل بنته الصغيرة لعبد الله بن الحسن بن علي، فأجاز ذلك علي رضي الله عنهما، وزوجت امرأة بنتاً لها صغيرة لابن المسيب بن نخبة، فأجاز ذلك زوجها عبد الله ابن مسعود رضي الله عنه.\r5 - قد تكون هناك مصلحة بتزويج الصغار، ويجد الأبُ الكفءَ، فلا يفوت إلى وقت البلوغ.\rوهناك رواية: معقولة: وهي بنت ثلاث عشرة.\r-------------------------------\r(1) متفق عليه بين البخاري ومسلم وأحمد (نيل الأوطار: 120/6) وفي رواية عند البخاري ومسلم: تزوجها وهي بنت سبع سنين، وزفت إليه وهي بنت تسع سنين.","part":9,"page":172},{"id":5728,"text":"من الذي يزوج الصغار؟\rاختلف الجمهور القائلون بجواز تزويج الصغار فيمن يزوجهم.\rفقال المالكية والحنابلة (1) : ليس لغير الأب أو وصيه أو الحاكم تزويج الصغار، لتوافر شقفة الأب وصدق رغبته في تحقيق مصلحة ولده، والحاكم ووصي الأب كالأب، لأنه لا نظر لغير هؤلاء في مال الصغار ومصالحهم المتعلقة بهم، ولقوله صلّى الله عليه وسلم : «تستأمر اليتيمة في نفسها، وإن سكتت فهو إذنها، وإن أبت فلا جواز عليها» (2) وفي رواية أحمد: «.. لم تكره» وروي عن ابن عمر أن قدامة ابن مظعون زوج ابن عمر ابنة أخيه عثمان، فرفع ذلك إلى النبي صلّى الله عليه وسلم فقال: «إنها يتيمة ولا تُنكح إلا بإذنها» (3) واليتيمة: هي الصغيرة التي مات أبوها، لحديث: «لا يُتْم بعد احتلام» (4) دل الحديث على أن الأب وحده هو الذي يملك تزويج الصغار.\rوقال الحنفية (5) : يجوز للأب والجد ولغيرهما من العصبات تزويج الصغير والصغيرة، لقوله تعالى: {وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى} [النساء:4/3] أي في نكاح اليتامى، بإلحاق الظلم بهم، فالآية تأمر الأولياء بتزويج اليتامى، وأجاز أبو حنيفة في رواية عنه خلافاً للصاحبين لغير العصبات من قرابة الرحم كالأم والأخت والخالة تزويج الصغار إن لم يكن ثمة عصبة، ودليله عموم قوله تعالى: {وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين} [النور:32/24] من غير تفرقة بين العصبات وغيرهم.\r-------------------------------\r(1) القوانين الفقهية: ص 199، الشرح الصغير: 353/2، 356 وما بعدها، المغني: 489/6 وما بعدها، كشاف القناع: 43/5-47.\r(2) رواه الخمسة إلا ابن ماجه عن أبي هريرة ( نيل الأوطار: 121/6 ).\r(3) رواه أحمد والدارقطني عن ابن عمر (نيل الأوطار: 121/6 وما بعدها).\r(4) رواه أبو داود وحسنه النووي.\r(5) البدائع: 240/2، المبسوط: 213/4 وما بعدها.","part":9,"page":173},{"id":5729,"text":"وقال الشافعية (1) : ليس لغير الأب والجد تزويج الصغير والصغيرة، لخبر الدارقطني: «الثيب أحق بنفسها من وليها، والبكر يزوجها أبوها» ورواية مسلم: «والبكر يستأمرها أبوها» والجد كالأب عند عدمه؛ لأن له ولاية وعصوبة كالأب.\rوالخلاصة :\rالمالكية قالوا: القياس ألا يجوز تزويج الصغار إلا أنا تركنا ذلك في حق الأب للآثار المروية فيه، فبقي ما سواه على أصل القياس. والحنابلة رأوا أن الأحاديث مقصورة على الأب. والشافعية استدلوا بالأحاديث، لكنهم قاسوا الجد على الأب، والحنفية أخذوا بعموم الآيات القرآنية التي تأمر الأولياء بتزوج اليتامى أو بتزويجهن من غيرهم.\rواشترط أبو يوسف ومحمد في تزويج الصغار الكفاءة ومهر المثل؛ لأن الولاية للمصلحة، ولا مصلحة في التزويج من غير كفء ولا مهر مثل.\rوكذلك اشترط الشافعية في تزويج الصغير وجود المصلحة، وفي تزويج الأب الصغيرة أو الكبيرة بغير إذنها شروطاً سبعة هي:\rالأول ـ ألا يكون بينه وبينها عداوة ظاهرة.\rالثاني - أن يزوجها من كفء.\rالثالث ـ أن يزوجها بمهر مثلها.\rالرابع ـ أن يكون من نقد البلد.\rالخامس ـ ألا يكون الزوج معسراً بالمهر.\rالسادس ـ ألا يزوجها بمن تتضرر بمعاشرته كأعمى وشيخ هرم.\rالسابع ـ ألا يكون قد وجب عليها الحج، فإن الزوج قد يمنعها لكون الحج على التراخي، ولها غرض في تعجيل براءتها، ويجوز أن يزوج الصغير أكثر من واحدة.\rوأجاز المالكية للأب تزويج البكر الصغيرة، ولو بدون صداق المثل، ولو لأقل حال منها، أو لقبيح منظر، وتزوج البالغ ( أو البالغة ) بإذنها، إلا اليتيمة الصغيرة التي بلغت عشر سنين، فتزوج بعد استشارة القاضي على أن يكون الزواج بكفء وبمهر المثل.\rورأى الحنابلة: أن يزوج الأب ابنه الصغير والمجنون بمهر المثل وغيره، ولو كرهاً؛ لأن للأب تزويج ابنته البكر بدون صداق مثلها، وهذا مثله، فإنه قد يرى المصلحة في تزويجه، فجاز له بذل المال فيه كمداواته فهذا أولى. وإذا زوج الأب ابنه الصغير، فيزوجه بامرأة واحدة لحصول الغرض بها، وله تزويجه بأكثر من واحدة إن رأى فيه مصلحة، وضعَّف بعض الحنابلة هذا، إذ ليس فيه مصلحة، بل مفسدة، وصوِّب أنه لا يزوجه أكثر من واحدة. أما الوصي فلا يزوجه أكثر بلا خلاف؛ لأنه تزويج لحاجة، والكفاية تحصل به، إلا أن تكون غائبة أو صغيرة أو طفلة، وبه حاجة، فيجوز أن يزوجه ثانية. ولسائر الأولياء تزويج بنت تسع سنين فأكثر بإذنها، لما روى أحمد عن عائشة: «إذا بلغت الجارية تسع سنين فهي امرأة» أي في حكم المرأة.\r-------------------------------\r(1) مغني المحتاج: 149/3، 169.","part":9,"page":174},{"id":5730,"text":"العقل: وأما العقل فليس شرطاً بالاتفاق، فيجوز للولي أباً أو غيره عند الحنفية (1) أن يزوج المجنون أوالمجنونة أو المعتوه أو المعتوهة (2) صغيراً أم كبيراً، بكراً أم ثيباً.\rوللأب عند المالكية (3) تزويج المجنون أو المجنونة ونحوهما، في حال الصغر أو الكبر، ولو ثيباً، لعدم التمييز، ولا كلام لولدهما معه إن كان لهما ولد رشيد، إلا من يفيق أو تفيق من جنونها أحياناً، فتنتظر إفاقتها لتستأذن ولا تجبر، وذلك إذا لم يلزم على تزويج المجنونة ضرر عادة، كتزويجها من خصي أو ذي عاهة، كجنون وبرص وجذام، مما يردّ الزوج به شرعاً.\rورأى الشافعية (4) : أنه لا يزوَّج مجنون صغير أو كبير، إلا لحاجة للزواج، ويزوجه امرأة واحدة فقط الأب، ثم الجد، ثم السلطان، دون سائر العصبات كولاية المال. ويزوج الأب أو الجد لوفور شفقتهما المجنونة الصغيرة أو الكبيرة إن ظهرت مصلحة في تزويجها، ولا تشترط الحاجة قطعاً، فإن لم يكن أب أو جد لم تزوج في صغرها، فإن بلغت زوجها السلطان في الأصح للحاجة للزواج، لا لمصلحة في الأصح، كتوفر المؤن.\rوقال الحنابلة (5) : لسائر الأولياء تزويج المجنونة إذا ظهر منها الميل إلى الرجال؛ لأن لها حاجة إلى الزواج لدفع ضرر الشهوة عنها، وصيانتها عن الفجور. ويعرف ميلها إلى الرجال من كلامها وتتبعها الرجال وميلها إليهم ونحوه من قرائن الأحوال، وكذا إن قال الأطباء (ثقة أو اثنان): إن علتها تزول بتزويجها. فإن لم يكن لها ولي إلا الحاكم زوَّجها.\rوإن احتاج المجنون البالغ أو الصغير العاقل إلى الزواج أو لغيره كالخدمة، زوجهما الحاكم عند عدم الأب والوصي، وليس لغير الأب ووصيه والحاكم التزويج، ولا يجوز التزويج إن لم يحتج المجنون والصغير إليه؛ لأنه إضرار بهما بلا منفعة.\r-------------------------------\r(1) البدائع: 241/2 .\r(2) العته: ضعف في العقل ينشأ عنه ضعف في الوعي والإدراك. أما الجنون فهو اختلال في العقل ينشأ عنه اضطراب أو هيجان.\r(3) الشرح الصغير: 355/2.\r(4) مغني المحتاج: 168/3 ومابعدها.\r(5) كشاف القناع: 46/5 وما بعدها.","part":9,"page":175},{"id":5731,"text":"موقف القانون السوري من زواج الصغير والمجنون :\rأخذ القانون السوري بما يخالف رأي الجمهور في زواج الصغار والمجانين بالاعتماد على مبدأ الاستصلاح، فأخذ برأي ابن شبرمة ومن وافقه في عدم صحة زواج الصغار، مراعاة لأوضاع المجتمع، وتقديراً لمخاطر مسؤوليات الزواج. ولم يصحح القانون زواج المجنون أو المعتوه مطلقاً، إلا إذا ثبت طبياً أن زواجه يفيد في شفائه، فللقاضي الإذن بالزواج.\rوهذا ما نصت عليه المادة (15):\r1 - يشترط في أهلية الزواج العقل والبلوغ.\r2 - للقاضي الإذن بزواج المجنون والمعتوه إذا ثبت بتقرير هيئة من أطباء الأمراض العقلية أن زواجه يفيد في شفائه.\rسن البلوغ: كذلك أخذ القانون السوري بما يخالف رأي جمهور الفقهاء في تحديد سن البلوغ، ففي الأحوال المدنية أو الشؤون المالية نص القانون المدني (م 2/46) على أهلية الشخص الطبيعي، وهي بلوغ سن الثامنة عشرة، للذكر والأنثى على السواء عملاً بمبدأ الاستصلاح. ونص المادة هو\r:1 - كل شخص بلغ سن الرشد متمتعاً بقواه العقلية، ولم يحجر عليه، يكون كامل الأهلية لمباشرة حقوقه المدنية.\r2 - وسن الرشد: هي ثماني عشرة سنة ميلادية كاملة. أما في الأحوال الشخصية أو الزواج: فقد نص قانون الأحوال الشخصية على أن أهلية الفتى ثمانية عشر عاماً، والفتاة سبعة عشر عاماً. وذلك في المادة (16) وهي:\rتكمل أهلية الزوج في الفتى بتمام الثامنة عشرة، وفي الفتاة بتمام السابعة عشرة من العمر.\rلكن أجاز هذا القانون أيضاً للقاضي: أن يأذن بزواج الفتى بعد إكماله سن الخامسة عشرة، والفتاة بعد إكمالها سن الثالثة عشرة، إذا طلبا الزواج، وادعيا البلوغ، وتبين له صدقهما في ادعاء البلوغ. وهذا مراعاة لمصلحة الشباب في التبكير بالزواج، صوناً لهم عن الانحراف.\rونص القانون (م 18) ما يأتي:\r1 - إذا ادعى المراهق البلوغ بعد إكماله الخامسة عشرة، أو المراهقة بعد إكمالها الثالثة عشرة، وطلبا الزواج، يأذن به القاضي إذا تبين له صدق دعواهما واحتمال جسميهما.\r2 - إذا كان الولي هو الأب أو الجد، اشترطت موافقته.\rأما رأي فقهائنا في سن الزواج: فإنهم اتفقوا على عدم انعقاد زواج الصغير غير المميز، أما الصبي المميز فينعقد زواجه موقوفاً عند الحنفية على إجازة وليه، ويبطل زواجه كسائر عقوده عند الجمهور، وإنما يزوجه وليه، فإذا بلغ خمسة عشر عاماً تزوج بنفسه، وعند أبي حنيفة إذا بلغ سن الثامنة عشرة.","part":9,"page":176},{"id":5732,"text":"المبحث الثاني ـ الولاية في الزواج :\rاتفق الفقهاء على أنه يشترط لصحة الزواج أن يكون لمن يتولاه ولاية إنشائه، إما بالنفس وإما بالغير، فإذا وجدت هذه الولاية، صح العقد ونفذ، وإن فقدت بطل العقد عند الجمهور، وكان موقوفاً عند الحنفية.\rفإن تم العقد من الرجل بالأصالة عن النفس صح العقد بالاتفاق، وإن تم بإنابة من الشارع، صح أيضاً بصفة الولاية، وإن وجد الزواج بالنيابة عن الشخص، صح بصفة الوكالة.\rونبحث في الولاية: معناها، أنواعها، اشتراطها في زواج المرأة، شروط الولي، من له الولاية، المولى عليه، ترتيب الأولياء، كيفية إذن المرأة بالزواج، عضل الولي، غيبة الولي وأسره أو فقده.\rأولاً ـ معنى الولاية وسببها :\rالولاية لغة إما بمعنى المحبة والنصرة، كما في قوله تعالى: {ومن يتول الله ورسوله، والذين آمنوا، فإن حزب الله هم الغالبون} [المائدة:5/56] وقول سبحانه: {والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض} [التوبة:71/9].\rوإما بمعنى السلطة والقدرة، يقال: ( الولي ) أي صاحب السلطة.\rوفي اصطلاح الفقهاء: القدرة على مباشرة التصرف من غيرتوقف على إجازة أحد. ويسمى متولي العقد ( الولي ) ومنه قوله تعالى: {فليملل وليه بالعدل} [البقرة:282/2].\rوسبب مشروعية ولاية تزويج القصر والمجانين (ولاية الإجبار): هو رعاية مصالح هؤلاء، وحفظ حقوقهم بسبب عجزهم وضعفهم حتى لا تضيع وتهدر.","part":9,"page":177},{"id":5733,"text":"ثانياً ـ أقسام الولاية :\rقسم الحنفية الولاية ثلاثة أقسام: ولاية على النفس، وولاية على المال، وولاية على النفس والمال معاً.\rوالولاية على النفس: هي الإشراف على شؤون القاصر الشخصية، كالتزويج والتعليم والتطبيب والتشغيل، وهي تثبت للأب والجد وسائر الأولياء.\rوالولاية على المال: هي تدبيرشؤون القاصر المالية من استثمار وتصرف وحفظ وإنفاق. وتثبت للأب والجد ووصيهما، ووصي القاضي.\rوالولاية على النفس والمال: تشمل الشؤون الشخصية والمالية، ولا تكون إلا للأب والجد فقط.\rومحل البحث في الزواج هو الولاية على النفس.\rنوعا ولاية النفس: تنقسم ولاية النفس إلى نوعين: ولاية إجبار، وولاية اختيار، أو ولاية حتم وإيجاب، وولاية ندب واستحباب (1) .\r1 - ولاية الإجبار: هي تنفيذ القول على الغير. وهي بهذا المعنى العام تثبت بأربعة أسباب: القرابة والملك، والولاء، والإمامة.\rولاية القرابة: تثبت لصاحبها بسبب قرابته من المولى عليه، إما بقرابة قريبة كالأب والجد والابن، أو بقرابة بعيدة كابن الخال وابن العم.\rوولاية المِلْك: هي الولاية التي تثبت للسيد على مملوكه، فله تزويج عبده أو أمته جبراً عنهما، ويتوقف نفاذ زواجهما على إذنه.\rوشرط ثبوت هذه الولاية للسيد: أن يكون عاقلاً بالغاً، فلا ولاية للمجنون والمعتوه ولا للصبي قبل البلوغ على تزويج العبد أو الأمة.\rوولاية الولاء نوعان: ولاء عتاقة، وولاء موالاة.\rوولاء العتاقة: هو الحق الشرعي الذي يثبت للمعتق على عتيقه، حتى إنه يرثه به، وله أن يزوجه إذا كان العتيق صغيراً أو كبيراً مجنوناً أو معتوهاً. وشرط ثبوت هذه الولاية أن يكون المعتق عاقلاً بالغاً.\rوولاء الموالاة: هو الذي يثبت بناء على عقد بين اثنين على أن يناصره، ويغرم عنه إذا جنى، ويرثه إذا مات. وتثبت بهذا العقد ولاية تزويجه. ويشترط لثبوت هذه الولاية أن يكون الولي عاقلاً بالغاً حراً، وألا يكون للمولى عليه أحد يرثه من النسب أو العصبة السببية.\r-------------------------------\r(1) البدائع: 241/2-247، الدر المختار: 406/2 وما بعدها.","part":9,"page":178},{"id":5734,"text":"وولاية الإمامة: هي ولاية الإمام العادل ونائبه، كالسلطان والقاضي، فلكل منهما تزويج عديم الأهلية أو ناقصها بشرط ألا يكون له ولي قريب، للحديث السابق: «السلطان ولي من لا ولي له» (1) . وولاية الإجبار بالمعنى الخاص: هي حق الولي في أن يزوج غيره بمن شاء.\rوتثبت ولاية الإجبار بهذا المعنى عند الحنفية: على الصغيرة ولو كانت ثيباً، وعلى المعتوه والمجنونة والأمة المرقوقة. ويقال لصاحبها: ولي مُجْبر.\r2 - وأما ولاية الاختيار: فهي حق الولي في تزويج المولى عليه بناء على اختياره ورضاه، ويقال لصاحبها: ولي مُخَيِّر. وهي مستحبة عند أبي حنيفة وزفر في تزويج المرأة الحرة البالغة العاقلة، سواء أكانت بكراً أم ثيباً، رعاية لمحاسن العادات والآداب التي يراعيها الإسلام، إذ للمرأة عندهم أن تتولى تزويج نفسها باختيارها وإرادتها، لكن يستحب لها أن تولي أمر العقد لوليها. وشرط ثبوت هذه الولاية هو رضا المولى عليه لا غير.\rوالخلاصة: أنه لا ولي عند الحنفية إلا الولي المجبر، فليس عندهم ولي غير مجبر يتوقف عليه العقد، وكل ولي: مجبر.\rأنواع الولاية عند المالكية :\rالولاية عند المالكية قسمان: خاصة وعامة (2) :\r1 - الولاية الخاصة: هي التي تثبت لأناس معينين، وهم ستة أصناف: الأب، ووصيه، والقريب العصبة، والمولى، والكافل، والسلطان. وأسباب هذه الولاية ستة هي:\rالأبوة، والإيصاء، والعصوبة، والملك، والكفالة، والسلطنة. أما الولاية بالكفالة: فهي أن يكفل رجل امرأة فقدت والدها. وغاب عنها أهلها، فقام بتربيتها مدة خاصة، فيكون له عليها حق الولاية في تزويجها، ويشترط لثبوت هذه الولاية شرطان.\r-------------------------------\r(1) أخرجه الأربعة إلا النسائي عن عائشة، وصححه أبو عوانة وابن حبان والحاكم (سبل السلام: 118/3).\r(2) القوانين الفقهية: ص 198 وما بعدها، الشرح الصغير: 351/2-363، الشرح الكبير: 221/2-232، 241 وما بعدها.","part":9,"page":179},{"id":5735,"text":"أحدهما: أن تمكث عنده زمناً يوجب حنانه وشفقته عليها عادة وبالفعل، فلا حاجة لتقدير زمن معين كأربع سنوات أو عشر على الأظهر.\rوالثاني: ألا تكون شريفة، والشريفة: هي ذات الجمال أو المال، فإن كانت ذات جمال فقط أو ذات مال فقط، زوجها الحاكم. ورجح بعض المالكية أن ولاية الكفيل عامة تشمل الشريفة والدنيئة.\r2 - والولاية العامة: تثبت بسبب واحد هو الإسلام، فهي تكون لكل مسلم، على أن يقوم بها واحد منهم، بأن توكل امرأة أحد المسلمين ليباشر عقد زواجها، بشرط ألا يكون لها أب أو وصيه، وبشرط أن تكون دنيئة لا شريفة. والدنيئة: هي الخالية من الجمال والمال والحسب والنسب. والخالية من النسب: بنت الزنا أو الشبهة أو المعتوقة من الجواري. والحسب: هو الأخلاق الكريمة كالعلم والتدبير والكرم ونحوها من محاسن الأخلاق.\rيصح الزواج بالولاية العامة في امرأة دنيئة، مع وجود ولي خاص غير مجبر، كأب وابن عم، كما يصح زواج شريفة بالولاية العامة مع وجود ولي خاص غير مجبر إن دخل الزوج بها، وطال الدخول مدة هي أن يمضي زمن تلد فيه الأولاد كثلاث سنين، كطول مدة زواج الصغيرة التي لا أب لها إذا زوجت مع فقد الشروط أو بعضها. وتجوز الولاية العامةإذا تعذرت الولاية الخاصة.\rوتثبت ولاية الإجبار عند المالكية بأحد سببين: البكارة، والصغر فيقع، الإجبار للبكر وإن كانت بالغاً، وللصغيرة وإن كانت ثيباً، ويستحب استئمارها.\rوالولي المجبر عندهم أحد ثلاثة: مالك الأمة أو العبد، فالأب، فوصي الأب عند عدم الأب. والولي غير المجبر: يشمل العصبة، ثم المولى (من أعتق المرأة ثم عصبته) ثم الكافل، ثم الحاكم.\rوقرابة العصبة كالابن والأخ والجد وابن العم، لا يزوجون إلا البالغة بإذنها، وتأذن الثيب بالكلام، والبكر بالصمت.\rوالولي غير المجبر يزوج البالغ لا الصغيرة بإذنها ورضاها، سواء أكانت البالغ بكراً أم ثيباً.","part":9,"page":180},{"id":5736,"text":"أنواع الولاية عند الشافعية :\rالولي عن المرأة مطلقاً شرط عند الشافعية (1) لصحة أي عقد من عقود الزواج، فلا تزوِّج امرأة نفسها بإذن وليها، ولا غيرها بوكالة، ولا تقبل زواجاً لأحد.\rوالولاية نوعان: ولاية إجبارية وولاية اختيارية:\rأما ولاية الإجبار: فتثبت للأب، وللجد عند عدمه، فللأب تزويج البكر صغيرة أو كبيرة بغير إذنها، ويستحب استئذانها، ويكفي في البكر البالغة العاقلة إذا استؤذنت في تزويجها سكوتها في الأصح. ودليلهم خبر الدارقطني: «الثيب أحق بنفسها من وليها، والبكر يزوجها أبوها» ورواية مسلم: «والبكر يستأمرها أبوها، وإذنها سكوتها» وقد حملت رواية مسلم على الندب، ولأن البكر شديدة الحياء إذ لم تمارس الرجال بالوطء.\rوأما ولاية الاختيار: فتثبت لكل الأولىاء العصبات في تزويج المرأة الثيب،\r-------------------------------\r(1) مغني المحتاج: 147/3-150، المهذب: 35/2.","part":9,"page":181},{"id":5737,"text":"فليس للولي تزويج الثيب إلا بإذنها، فإن كانت الثيب صغيرة لم تزوَّج حتى تبلغ؛ لأن إذن الصغيرة غير معتبر، فامتنع تزويجها إلى البلوغ، وتزوج الثيب البالغة بصريح الإذن، ولا يكفي سكوتها. بدليل خبر الدارقطني السابق،وخبر «لا تنكحوا الأيامى حتى تستأمروهن» (1) ولأنها عرفت مقصود الزواج، فلا تجبر بخلاف البكر. ودليل صراحة الإذن: حديث : «ليس للولي مع الثيب أمر» (2) ولو أذنت بلفظ التوكيل جاز؛ لأن المعنى فيهما واحد.\rوالحاصل: أن الفرق بين البكر والثيب هوفي حكم الإذن ونوعه، فالبكر يستحب استئذانها، وإذنها صماتها، والثيب يجب استئذانها، بصريح الإذن.\rوأما المجنونة فيزوجها الأب، والجد عند عدمه قبل بلوغها للمصلحة.\rأنواع الولاية عند الحنابلة :\rلا يصح نكاح المرأة إلا بولي عند الحنابلة (3) كالشافعية والمالكية، فلو زوَّجت امرأة نفسها، أو زوَّجت غيرَها كبنتها وأختها، أو وكلت امرأة غير وليها في تزويجها ولو بإذن وليها في الصور الثلاث، لم يصح النكاح لعدم وجود شرطه، ولأنها غير مأمونة على البُضْع لنقص عقلها، وسرعة انخداعها، فلم يجز تفويضه إليها، كالمبذر في المال، فلا يصح أن توكل فيه، ولا أن تتوكل فيه، فإن حكم بصحته حاكم أو كان المتولي العقد حاكماً يراه، لم ينقض كسائر الأنكحة الفاسدة، إذا حكم بها من يراها، لم ينقض؛ لأنه يسوغ فيها الاجتهاد، فلم يجز نقض الحكم بها.\rوولاية الإجبار: تثبت لأب، ووصيه، ثم الحاكم، كما قال المالكية، ولا تثبت للجد وسائر الأولىاء، وذلك عند تزويج الصغيرة فقط.\rوولاية الاختيار: تثبت لسائر الأولياء عند تزويج امرأة حرة مكلفة (كبيرة بالغة) ثيباً كانت أو بكراً بإذنها، وإذن البكر: الصمت، وإذن الثيب: الكلام، بدليل حديث أبي هريرة مرفوعاً: «لا تنكح الأيم حتى تستأمر، ولا تنكح البكر حتى تستأذن، قالوا: يا رسول الله ، وكيف إذنها؟ قال:\r-------------------------------\r(1) رواه الترمذي، وقال: حسن صحيح.\r(2) رواه أبو داود والنسائي ( نيل الأوطار: 120/6).\r(3) المغني: 456/6، كشاف القناع: 46/5 وما بعدها.","part":9,"page":182},{"id":5738,"text":"أن تسكت» (1) وحديث «الثيب تعرب عن نفسها، والبكر رضاها صمتها» (2) .\rولسائر الأولياء تزويج بنت تسع سنين فأكثر بإذنها، ولهاإذن صحيح معتبر، لحديث عائشة: «إذا بلغت الجارية تسع سنين، فهي امرأة» (3) وروي مرفوعاً عن ابن عمر. ومعناه: في حكم المرأة، ولأنها تصلح بذلك للنكاح وتحتاج إليه، فأشبهت البالغة.\rوالخلاصة: يزوج الرجل البالغ العاقل نفسه بالاتفاق بالأصالة عن نفسه، ويزوج الولي الصغار والمجانين والمعتوهين بالاتفاق بالولاية عن الشارع.\rواختلف الفقهاء في زواج المرأة البالغة العاقلة، فقال الحنفية: لها أن تتزوج بنفسها، وقال الجمهور: يزوجها وليها، لكن عند الحنابلة بإذنها سواء أكانت بكراً أم ثيباً، وعند المالكية والشافعية: بإذنها إذا كانت ثيباً، وبغير إذنها إذا كانت بكراً صغيرة أم كبيرة.\rوكل ولي مجبر عند الحنفية، والمجبر عند المالكية والحنابلة: الأب ووصيه والحاكم، والمجبر عند الشافعية: الأب، والجد فقط عند عدم الأب.\rويستحب استئذان البنت البكر عند المالكية والشافعية، ولا إذن للصغيرة بحال عند الحنابلة، وليس عندهم للحاكم ولسائر الأولياء تزويج بنت دون تسع سنين.\r-------------------------------\r(1) متفق عليه.\r(2) رواه الأثرم وابن ماجه.\r(3) رواه أحمد بسنده.","part":9,"page":183},{"id":5739,"text":"ثالثاً ـ اشتراط الولاية في زواج المرأة :\rللفقهاء كما عرفنا رأيان في انعقاد الزواج بعبارة النساء، رأي الحنفية: أنه يصحح العقد بعبارتها، بدون ولي، ورأي الجمهور: أنه يبطل العقد بدون ولي (1) .\rأما الرأي الأول ـ فقال أبو حنيفة وأبو يوسف في ظاهر الرواية: ينفذ نكاح حرة مكلفة (بالغة عاقلة) بلا رضا ولي، فللمرأة البالغة العاقلة أن تتولى عقد زواجها، وزواج غيرها، لكن إذا تولت عقد زواجها، وكان لها ولي عاصب، اشترط لصحة زواجها ولزومه أن يكون الزوج كفئاً، وألا يقل المهر عن مهر المثل. فإذا تزوجت بغير كفء، فلوليها حق الاعتراض على الزواج ويفسخه القاضي، إلا أنه إذا سكت حتى ولدت أو حملت حملاً ظاهراً، سقط حق الولي في الاعتراض على الزواج ويفسخه القاضي، إلا أنه إذا سكت حتى ولدت أو حملت حملاً ظاهراً، سقط حق الولي في الاعتراض وطلب التفريق، حفاظاً على تربية الولد، ولئلا يضيع بالتفريق بين أبويه، فإن بقاءهما مجتمعين على تربيته أحفظ له بلا شبهة.\rوالمفتى به أن المرأة إذا تزوجت بغير كفء، وقع العقد فاسداً، فلو رضي الولي بعد العقد لا ينقلب صحيحاً.\rودليله كما سبق: أولاً ـ حديث «الأيم أحق بنفسها من وليها، والبكر تستأمر في نفسها، وإذنها صماتها» والأيم: التي لا زوج لها، بكراً كانت أو ثيباً، فدل على أن للمرأة الحق في تولي العقد.\rثانياً ـ للمرأة أهلية كاملة في ممارسة جميع التصرفات المالية من بيع وإيجار ورهن وغيرها، فتكون أهلاً لمباشرة زواجها بنفسها؛ لأن التصرف حق خالص لها.\rوأما الرأي الثاني ـ رأي الجمهور: فهو أن النكاح لا يصح إلا بولي، ولا تملك المرأة تزويج نفسها ولا غيرها، ولا توكيل غير وليها في تزويجها، فإن فعلت ولو كانت بالغة عاقلة رشيدة، لم يصح النكاح، وهو رأي كثير من الصحابة كابن عمر وعلي وابن مسعود وابن عباس وأبي هريرة وعائشة رضي الله عنهم. وإليه ذهب سعيد بن المسيب والحسن وعمر بن عبد العزيز وجابر بن زيد والثوري وابن أبي ليلى وابن شبرمة وابن المبارك، وعبيد الله العنبري وإسحاق وأبو عبيدة رحمهم الله تعالى.\rوأدلتهم: أولاً ـ حديث عائشة وأبي موسى وابن عباس: «لا نكاح إلا بولي» (2) وحديث عائشة: «أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها، فنكاحها باطل باطل باطل، فإن دخل بها فلها المهر بما استحل من فرجها، فإن اشتجروا فالسلطان ولي من لا ولي له» (3) . وحديث أبي هريرة: «لا تزوج المرأة نفسها، فإن الزانية هي التي تزوج نفسها» (4) .\rثانياً ـ إن الزواج عقد خطير دائم ذو مقاصد متعددة من تكوين أسرة، وتحقيق طمأنينة واستقرار وغيرها، والرجل بما لديه من خبرة واسعة في شؤون الحياة أقدر على مراعاة هذه المقاصد، أما المرأة فخبرتها محدودة، وتتأثر بظروف وقتية، فمن المصلحة لها تفويض العقد لوليها دونها.\r-------------------------------\r(1) فتح القدير: 391/2 وما بعدها، تبيين الحقائق: 98/2 وما بعدها، الدر المختار: 407/2 وما بعدها، الشرح الصغير: 353/2، القوانين الفقهية: ص 198، المهذب: 35/2، مغني المحتاج: 147/3 وما بعدها، كشاف القناع: 49/5 وما بعدها، المغني: 449/6.\r\r(2) رواه أحمد وأصحاب السنن الأربعة (نصب الراية: 183/3، سبل السلام: 117/3).\r(3) أخرجه أحمد والأربعة إلا النسائي، وصححه أبو عوانة وابن حبان والحاكم وابن معين وغيره من الحفاظ (نصب الراية: 184/3، سبل السلام: 118/3).\r(4) أخرجه الدارقطني، وفي إسناده كلام (نصب الراية: 188/3).","part":9,"page":184},{"id":5740,"text":"رابعاً ـ شروط الولي :\rيشترط في الولي شروط متفق عليها بين الفقهاء وهي (1) :\r1ً - كمال الأهلية: بالبلوغ والعقل والحرية، فلا ولاية للصبي والمجنون والمعتوه (ضعيف العقل) والسكران، وكذا مختل النظر بهرَم، (وهو كبر السن) أو خبَل (وهو فساد في العقل)، والرقيق؛ لأنه لا ولاية لأحد من هؤلاء على نفسه، لقصور إدراكه وعجزه في غير الرقيق فلا تكون له ولاية على غيره؛ لأن الولاية تتطلب كمال الحال. وأما الرقيق فلأنه مشغول بخدمة مولاه، فلا يتفرغ للنظر في شؤون غيره.\r2ً - اتفاق دين الولي والمولى عليه: فلا ولاية لغيرا لمسلم على المسلم، ولا للمسلم على غير المسلم، أي لا يزوج عند الحنابلة والحنفية كافر مسلمة ولا عكسه، وقال الشافعية وغيرهم: يزوج الكافر الكافرة، سواء أكان زوج الكافرة كافراً أم مسلماً، وقال المالكية: يزوج الكافرة الكتابية مسلم. ولا ولاية للمرتد على أحد مسلم أو كافر، لقوله تعالى: {والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض} [التوبة:71/9] وقوله سبحانه: {والذين كفروا بعضهم أولياء بعض} [الأنفال:73/8] وقوله تعالى: {ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلاً}\r-------------------------------\r(1) البدائع: 239/2، الشرح الصغير: 369/2 وما بعدها، مغني المحتاج: 154/3 وما بعدها، كشاف القناع: 55/5 وما بعدها، المهذب: 2/36.","part":9,"page":185},{"id":5741,"text":"[النساء:141/4] ولحديث «الإسلام يعلو ولا يعلى» (1) ، والسبب في اشتراط اتحاد الدين: هو اتحاد وجهة النظر في تحقيق المصلحة، ولأن إثبات الولاية للكافر على المسلم تشعر بإذلال المسلم من جهة الكافر.\rويستثنى من ذلك الإمام أو نائبه؛ لأن له الولاية العامة على جميع المسلمين. وقد اقتصر القانون السوري (م 22) على شرط كمال الأهلية: «يشترط أن يكون الولي عاقلاً بالغاً» ولم يشترط اتحاد الدين بين الولي والمولى عليه.\rوهناك شروط أخرى في الولي مختلف في اشتراطها وهي:\r3 - الذكورة: شرط عند الجمهور غير الحنفية، فلا تثبت ولاية الزواج للأنثى؛ لأن المرأة لا يثبت لها ولاية على نفسها، فعلى غيرها أولى.\rوقال الحنفية: ليست الذكورة شرطاً في ثبوت الولاية، فللمرأة البالغة العاقلة ولاية التزويج عنده بالنيابة عن الغير، بطريق الولاية أو الوكالة.\rوهذا الخلاف مفرع على اختلافهم في مسألة انعقاد الزواج بعبارة النساء.\r4 - العدالة: وهي استقامة الدين، بأداء الواجبات الدينية، والامتناع عن الكبائر كالزنا والخمر وعقوق الوالدين ونحوها، وعدم الإصرار على الصغائر. وهي شرط عند الشافعية على المذهب وعند الحنابلة، فلا ولاية لغير العدل وهو الفاسق، لما روي عن ابن عباس: «لا نكاح إلا بشاهدي عدل، وولي مرشد» (2) لأنها ولاية تحتاج إلى النظر وتقدير المصلحة، فلا يستبد بها الفاسق كولاية المال.\r-------------------------------\r(1) رواه الدارقطني في سننه والروياني في مسنده عن عايذ بن عمرو المزني مرفوعاً، ورواه الطبراني في الأوسط والبيهقي في الدلائل عن عمر وأسلم به سهل في تاريخ واسط عن معاذ مرفوعاً، وعلقه البخاري في صحيحه (المقاصد الحسنة: ص 58).\r(2) قال الإمام أحمد: أصح شيء في هذا قول ابن عباس مرفوعاً: «لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل، وأيما امرأة نكحها ولي مسخوط عليه، فنكاحها باطل» وروى البرقاني بإسناده عن جابر مرفوعاً : «لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل» .","part":9,"page":186},{"id":5742,"text":"ويكفي العدالة الظاهرة، فيكفي مستور الحال؛ لأن اشتراط العدالة ظاهراً وباطناً حرج ومشقة، ويفضي إلى بطلان غالب الأنكحة.\rويستثنى من هذا الشرط: السلطان، يزوج من لا ولي لها، فلا تشترط عدالته للحاجة، والسيد يزوج أمته، فلا تشترط عدالته؛ لأنه تصرف في أمته، كإيجارها ونحوه.\rوذهب الحنفية والمالكية إلى أن العدالة ليست شرطاً في ثبوت الولاية، فللولي عدلاً كان أو فاسقاً تزويج ابنته أو ابنة أخيه مثلاً؛ لأن فسقه لا يمنع وجود الشفقة لديه ورعاية المصلحة لقريبه، ولأن حق الولاية عام، ولم ينقل أن ولياً في عهد الرسول صلّى الله عليه وسلم ومن بعده منع من التزويج بسبب فسقه. وهذا الرأي هو الراجح؛ لأن حديث ابن عباس ضعيف، ولأن (المرشد) ليس معناه العدل، بل الذي يرشد غيره إلى وجوه المصلحة، والفاسق أهل لذاك.\r5 - الرشد: ومعناه هنا عند الحنابلة: معرفة الكفء ومصالح النكاح، لا حفظ المال؛ لأن رشد كل مقام بحسبه. ومعناه عند الشافعية: هو عدم تبذير المال.\rوالرشد شرط عند الشافعية على المذهب والحنابلة في ثبوت الولاية؛ لأن المحجور عليه بسفه لا يلي أمر نفسه في الزواج، فلا يلي أمر غيره، فإن لم يكن السفيه محجوراً عليه جاز له تزويج غيره على المعتمد عند الشافعية.","part":9,"page":187},{"id":5743,"text":"وقال الحنفية والمالكية: ليس الرشد بمعنى حسن التصرف في المال شرطاً في ثبوت الولاية، فيصح للسفيه ولو محجوراً عليه أن يتولى تزويج غيره. لكن يستحب عند المالكية أن يكون التزويج من السفيه ذي الرأي بإذن موليته، وبإذن وليه، فإن زوج ابنته مثلاً بغير إذن وليه، ندب أن ينظر الولي لما فيه المصلحة، فإن كان صواباً أبقاه وإلا رده، فإن لم ينظر فهو ماض. وأضاف المالكية شرطين آخرين هما:\rخلو الولي من الإحرام بحج أو عمرة، فالمحرم بأحدهما لا يصح منه تولي عقد النكاح. وعدم الإكراه: فلا يصح الزواج من مكره، لكن هذا الشرط لا يختص بولي عقد النكاح، بل هو عام في جميع العقود الشرعية. وبه تصبح شروط الولي عندهم سبعة: هي الذكورة والحرية والبلوغ والعقل، والإسلام في المرأة المسلمة والخلو من الإحرام وعدم الإكراه. وليست العدالة والرشد شرطين.\rوهي أيضاً عند الحنابلة والشافعية سبعة: الحرية والذكورة واتحاد الدين بين الولي والمولى عليها، والبلوغ، والعقل، والعدالة، والرشد: وهو عند الحنابلة معرفة الكفء ومصالح النكاح، وليس حفظ المال؛ لأن رشد كل مقام بحسبه. وعند الشافعية: عدم تبذير المال.\rوعند الحنفية أربعة هي: العقل والبلوغ والحرية واتحاد الدين، وليست العدالة والرشد شرطين.\rخامساً ـ من له الولاية وترتيب الأولياء :\rقال الحنفية (1) : الولاية هي ولاية الإجبار فقط، وتثبت للأقارب العصبات (2) ، الأقرب فالأقرب؛ لأن «النكاح إلى العصبات» كما روي عن علي رضي الله عنه، وذلك على الترتيب الآتي: البنوة، ثم الأبوة، ثم الأخوة، ثم العمومة، ثم المعتق، ثم الإمام والحاكم، أي بالترتيب التالي:\r1 - الابن وابنه وإن نزل.\r2 - الأب والجد العصبي (الصحيح) وإن علا.\r-------------------------------\r(1) البدائع: 240/2 وما بعدها، فتح القدير: 405/2، 413-416، الدر المختار: 429/2-431.\r(2) وهم الذكور الذين لا ينتسبون لقريبهم بواسطة الأنثى وحدها.","part":9,"page":188},{"id":5744,"text":"3 - الأخ الشقيق والأخ لأب وأبناؤهما وإن نزلوا.\r4 - العم الشقيق والعم لأب وأبناؤهما وإن نزلوا.\rثم يأتي بعد هؤلاء المعتق ثم عصبته النسبية.\rثم السلطان أو نائبه وهو القاضي؛ لأنه نائب عن جماعة المسلمين، للحديث المتقدم: «السلطان ولي من لا ولي له» وبهذا نطقت المادة (24) من القانون السوري: «القاضي ولي من لا ولي له» .\rوليس للوصي تزويج الصغير أو الصغيرة، ولو كان الأب قد أوصى إليه بذلك، على المعتمد.\rوليس للقاضي تزويج الصغيرة من نفسه، ولا ممن لا تقبل شهادته له، وهذا ما نصت عليه المادة ( 25 ) من القانون السوري.\rوإذا زوج الولي من مرتبة مع وجود من هو أقرب منه، كان العقد موقوفاً على إجازة الأقرب، إلا أن يكون هذا الأقرب صغيراً أو مجنوناً، فينفذ عقد الولي الأبعد. وقد نص القانون السوري (م 1/22) على أنه: «إذا استوى وليان في القرب، فأيهما تولى الزواج بشرائطه، جاز» .\rوترتيب الأولياء على هذا النحو هو رأي الصاحبين، وقال أبو حنيفة: لغير العصبات من الأقارب ولاية التزويج عند عدم العصبات، أي تثبت الولاية لذوي الأرحام، الأقرب فالأقرب، فإن لم يكن عصبة فالولاية للأم، ثم أم الأب، ثم أم الأم، فإن لم يوجد أحد من الأصول انتقلت الولاية للفروع، على أن تقدم البنت على بنت الابن لقربها، وتقدم بنت الابن على بنت البنت لقوة قرابتها. ثم الجد الرحمي (غير الصحيح): وهو أبو الأم، وأبو أم الأب.ثم الأخوال ثم الخالات وأولادهم.\rفإن لم يوجد أحد من ذوي الأرحام، انتقلت الولاية إلى الحاكم: وهو القاضي الآن.\rوإذا اجتمع في المجنونة أبوها وابنها، فالولي في نكاحها ابنها في قول أبي حنيفة وأبي يوسف؛ لأن الابن هو المقدم في العصوبة ولا عبرة بزيادة الشفقة. وقال محمد: الولي أبوها؛ لأنه أوفر شفقة من الابن.","part":9,"page":189},{"id":5745,"text":"وبه يظهر أن الحنفية يخالفون غيرهم في ثبوت الولاية للأقارب غير الأب والجد، لإثبات الولاية لابن العم في القرآن في قوله تعالى: {ويستفتونك في النساء، قل: الله يفتيكم فيهن، وما يتلى عليكم في الكتاب في يتامى النساء اللاتي لا تؤتونهن ما كتب لهن، وترغبون أن تنكحوهن} [النساء:127/4] فإن هذه الآية نزلت ـ كما قالت السيدة عائشة ـ في اليتيمة تكون في حجر وليها، فيرغب في زواجها، ولا يقسط في صداقها. وهذا الولي المتصور هو ابن العم، فتثبت لمن هو أقرب منه كالأخ والعم بالأولى. ولعموم قول علي رضي الله عنه: «النكاح إلى العصبات» والعصبات لفظ عام يشمل الأب وغيره.\rويخالف الحنفية غيرهم أيضاً في عدم ثبوت ولاية التزويج للوصي، لقول علي السابق: «النكاح إلى العصبات» والوصي ليس من الأقارب العصبة، فلا تثبت له الولاية.\rوأخذ القانون السوري (م21) برأي الجمهور في قصر الولاية على العصبات، ونص المادة: «الولي في الزواج: هو العصبة بنفسه على ترتيب الإرث، بشرط أن يكون محرماً» ويلاحظ أنه قصر الولاية على العصبات المحارم ليمنع ابن العم من التحكم في زواج بنت عمه.\rمذهب المالكية في ترتيب الأولياء :\rقال المالكية (1) : هنا ك ولي مجبر، وولي غير مجبر. فولاية الإجبار تثبت لأحد ثلاثة بالترتيب الآتي:\r1ً - السيد المالك ولو أنثى: فله أن يجبر أمته أو عبده على الزواج بشرط عدم الإضرار بهما، كالتزويج من ذي عاهة كالجذام أو البرص، فلا جبر للمالك، ويفسخ وإن طال، والسيد مقدم على الأب.\r2ً - الأب: رشيداً كان أو سفيهاً ذا رأي، فله تزويج البكر ولو عانساً: بلغت من العمر ستين سنة فأكثر، فله تزويج البنت البكر جبراً عنها، ولو بدون مهر المثل، أو من غير كفء، كأن يكون أقل حالاً منها، أو قبيح منظر.\r-------------------------------\r(1) الشرح الصغير: 353/2-364، القوانين الفقهية: ص 199-200، الشرح الكبير: 221/2-227، شرح الرسالة: 31/2-32.","part":9,"page":190},{"id":5746,"text":"وليس للأب جبر ابنته إذا رشَّدها، أي جعلها رشيدة، أو أطلق الحجر عنها، لصيرورتها حسنة التصرف، أو أقامت سنة فأكثر في بيت زوج بعد أن دخل بها، ثم تأيمت وهي بكر، فلا جبر للأب عليها؛ تنزيلاً لإقامتها ببيت الزوج سنة منزلة الثيوبة.\rوكذلك ليس للأب الجبر إن زالت بكارة البنت بنكاح فاسد يدرأ (يمنع) الحد عنها لشبهة، فإن لم يدرأ الحد عنها فله جبرها.\rوللأب جبر البنت الثيب الصغيرة، بأن تأيمت بعد أن أزال الزوج بكارتها، إذ لا عبرة لثيوبتها في هذه الحالة مع صغرها.\rوله جبرها إن زالت بكارتها بزنا ولو تكرر، أو ولدت من الزنا، أوزالت بكارتها بعارض كوثبة أو ضربة أو بعود ونحوها.\rوللأب جبر المجنونة جنوناً مطبقاً ولو كانت ثيباً أو ولدت أولاداً، أما التي تفيق فتنتظر إفاقتها إن كانت ثيباً، فتزوج برضاها، وأما البكر فيجبرها ولا تنتظر إفاقتها.\r3ً - وصي الأب عند عدم الأب بشروط ثلاثة هي:\rأ ـ أن يعين الأب للوصي الزوج، بأن يقول له: زوجها من فلان، أو يأمره بجبرها صراحة، مثل: اجبرها على الزواج، أو ضمناً، مثل: زوجها قبل البلوغ وبعده، أو على أي حالة شئت.\rأو أن يأمره بالزواج دون أن يعين له الزوج ولا الإجبار، كأن يقول له: زوجها أو أنكحها، أوزوجها ممن أحببت، أو لمن ترضاه.\rأو أن يقول له: أنت وصيي على بنتي، أو بناتي، أو على بعضها أو بعضهن، فله الجبر على الأرجح. أما لو قال: أنت وصيي على مالي فلا جبر بالاتفاق.\rب ـ ألا يقل المهر عن مهرا لمثل.\rجـ ـ ألا يكون الزوج فاسقاً.","part":9,"page":191},{"id":5747,"text":"والخلاصة: إن الذي يجبر في عصرنا: هو الأب ووصيه، ولا جبر لغير السيد والأب ووصيه من الأولياء في تزويج البكر والصغيرة والمجنونة، أو أي أنثى صغيرة أو كبيرة، إلا في مسألة واحدة هي البكر الصغيرة اليتيمة، للولي غيرا لمجبر تزويجها بمشورة القاضي إذا خيف عليها الفساد في دينها، بأن يتردد عليها أهل الشر والفسق، أو لعدم وجود من ينفق عليها، أو لخوف ضياع ما لها، بشرط بلوغها عشر سنوات؛ لأنها صارت في سن من توطأ، وبشرط خلوها من الموانع الشرعية، ككونها زوجة أو في عدة من زوج آخر، وبشرط رضاها بالزوج، وكونه كفئاً لها في الدين والحرية والمال، وأن المهر مهر مثلها.\rفإذا فقد شرط من هذه الشروط المذكورة، بأن لم يخف عليها فساداً ولا ضياعاً أو لم تبلغ عشر سنوات، فسخ زواجها إلا إذا دخل الزوج بها، وطال الزمن بعد الدخول والبلوغ. وطول الزمن: بمضي ثلاث سنين بعد الدخول والبلوغ، أو بولادة أولاد كاثنين في بطنين.\rودليل المالكية على إثبات ولاية الإجبار للأب دون غيره من الأولياء: هو الإجماع على أن للأب أن يزوج ابنته البكر الصغيرة، بدليل تزويج أبي بكر ابنته عائشة، وهي بنت ست أو سبع، للنبي صلّى الله عليه وسلم ، وقوله صلّى الله عليه وسلم «والبكر يستأمرها أبوها» فقصر الاستئمار على الأب.\rودليلهم على أن وصي الأب كالأب: هو أنه نائب عن الأب، فكما يجوز للأب توكيل غيره في حال الحياة، يجوز له أن يوصي عنه لنائبه عنه بعد الوفاة.\rوأما الولي غير المجبر أو ولاية الاختيار :\rفتثبت للبنوة ثم الأبوة المباشرة، ثم الأخوة ثم الجدودة ثم العمومة على النحو التالي:\rـ الابن فابنه وإن نزل.\rـ ثم الأب. ـ ثم الأخ الشقيق ثم الأخ لأب، ثم ابن الأخ الشقيق، ثم ابن الأخ لأب.\rـ ثم الجد (أبو الأب). ويلاحظ أنه جعل في المرتبة الرابعة، أما عند الحنفية فهو في المرتبة الثانية بعد الأب.\rـ ثم العم ثم ابن العم، على أن يقدم الشقيق على غيره.","part":9,"page":192},{"id":5748,"text":"ـ ثم أب الجد، ثم العم لأب فابنه، ثم عم الجد فابنه.\rـ ويقدم الأفضل عند التساوي في الرتبة، فإن تساوى اثنان في الرتبة والفضل كإخوة كلهم علماء، قدم الحاكم إن وجد من يراه، فإن لم يكن حاكم أقرع بينهم.\rـ ثم المولى الأعلى: وهو من أعتق المرأة، ثم عصبته.\rـ ثم الكافل للمرأة غير العاصب: وهو من قام بتربية الفتاة وهي صغيرة حتى بلغت عنده، أو بلغت عشراً، بشرطين:\rأولهما ـ أن يكفلها مدة توجب الحنان والشفقة عليها عادة، دون تحديد زمن معين على الأظهر.\rثانيهما ـ أن تكون الفتاة وضيعة (دنيئة) لا شريفة: وهي التي لا مال لها ولا جمال ولا نسب ولا حسب ( الأخلاق الكريمة كالعلم والحلم والتدبير والكرم ونحوها)،كما تقدم. فإن كانت شريفة زوجها القاضي.\rـ ثم الحاكم أو القاضي الشرعي اليوم.\rـ ثم كل مسلم بالولاية العامة إن لم يوجد أحد من الأولياء السابقين، ومنهم الخال، والجد من جهة الأم، والأخ لأم، فلكل مسلم تزويج المرأة الشريفة أو الوضيعة بإذنها ورضاها. لقوله تعالى: {والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض} [التوبة:71/9]. وإذا زوج الأبعد مع وجود الأقرب (1) نفذ الزواج.\rويجوز لابن العم، والمولى، ووكيل الولي، والحاكم أن يزوج المرأة من نفسه، ويتولى طرفي العقد. وليشهد كل واحد منهم على رضاها خوفاً من منازعتها وإنكارها.\rوالحاصل: أن المالكية يخالفون غيرهم في جعل الجد في المرتبة الرابعة بعد الإخوة، وليس بعد الأب، وأن الولي المجبر هو الأب فقط لا الجد، ويخالفونهم أيضاً في ثبوت الولاية بالإيصاء والكفالة، وبالولاية العامة بسبب الإسلام. ويتفق الفقهاء في إثبات الولاية بسبب الملك، والأبوة والعصوبة غير الأبناء، والسلطنة.\r-------------------------------\r(1) المراد بالأبعد: المؤخر في الرتبة، وبالأقرب: المتقدم فيها، ولو كانت جهتهما متحدة، فيشمل ذلك تزويج الأخ لأب مع وجود الشقيق.","part":9,"page":193},{"id":5749,"text":"ترتيب الأولياء عند الشافعية :\rالولي عند الشافعية: إما مجبرأو غير مجبر (1) :\rفالولي المجبر أحد ثلاثة: الأب، والجد وإن علا، والسيد.\rفللأب تزويج البكر صغيرة أو كبيرة بغير إذنها، ويستحب استئذانها، وليس له تزويج ثيب إلا بإذنها، فإن كانت الثيب صغيرة لم تزوَّج حتى تبلغ.\rوالجد كالأب عند عدمه.\rوللسيد تزويج أمته، سواء أكانت بكراً أم ثيباً، صغيرة أم كبيرة، عاقلة كانت أم مجنونة؛ لأن الزواج عقد يملكه عليها بحكم الملك، فكان إلى المولى، كالإجارة.\rوالولي غير المجبر: هو الأب والجد وباقي العصبات.\rوترتيب الأولياء على النحو التالي: الأبوة، الأخوة، العمومة، ثم المعتق ثم السلطان، أي الأب، ثم الجد أبو الأب، ثم أبوه وإن علا، ثم الأخ الشقيق ثم الأخ لأب، ثم ابن الأخ الشقيق ثم ابن الأخ لأب وإن سفل، ثم العم، ثم سائر العصبة من القرابة كالإرث.\rثم المعتق، ثم عصبته بترتيب الإرث. ويزوج عتيقة المرأة من يزوج المعتقة مادامت حية، ولا يعتبر إذن المعتقة في الأصح، فإن ماتت فلمن له الولاء.\rثم السلطان، لخبر: «السلطان ولي من لا ولي له» (2) .\rولا تثبت الولاية للأبناء، فلا يزوج ابن أمه وإن علت ببنوة محضة، خلافاً للأئمة الثلاثة والمزني تلميذ الشافعي؛ لأنه لا مشاركة بينه وبينها في النسب، إذ انتسابها إلى أبيها، وانتساب الابن إلى أبيه.\rواستدل الجمهور بقوله صلّى الله عليه وسلم : «لما أراد أن يتزوج أم سلمة، قال لابنها عمر: قم فزوج رسول الله صلّى الله عليه وسلم » (3) ورد الشافعية بأجوبة: أحدها أن نكاحه صلّى الله عليه وسلم لا يحتاج إلى ولي، وإنما قال له ذلك استطابة لخاطره.\rثانيها ـ أن عمر بن أبي سلمة ولد في أرض الحبشة في السنة الثانية من الهجرة، وزواجه صلّى الله عليه وسلم بأم سلمة كان في السنة الرابعة.\rثالثها ـ بتقدير صحة أنه زوج وهو بالغ، فيكون ببنوة العم. فإن كان الابن ابن عم أو معتقاً أوقاضياً، زوَّج بالبنوة، لأنها غير مقتضية لا مانعة، فإذا وجد معها سبب آخر يقتضي الولاية لم تمنعه.\rوالحاصل : أن الابن ليس ولياً عند الشافعية، خلافاً للجمهور.\r-------------------------------\r(1) مغني المحتاج: 149/3-152، المهذب: 37/2 وما بعدها.\r(2) رواه الخمسة (أحمد وأصحاب السنن الأربعة) عن عائشة (نيل الأوطار: 118/6).\r(3) رواه أحمد والنسائي عن أم سلمة، وأعل بأن عمر المذكور كان عند تزوجه صلّى الله عليه وسلم بأمه صغيراً، له من العمر سنتان؛ لأنه ولد في الحبشة في السنة الثانية من الهجرة، وتزوجه عليه الصلاة والسلام بأمه كان في السنة الرابعة (نيل الأوطار: 124/6).","part":9,"page":194},{"id":5750,"text":"ترتيب الأولياء عند الحنابلة :\rالولي عند الحنابلة إما مجبر أوغير مجبر (1) .\rوالولي المجبر: هو الأب، ثم وصي الأب بعد موته، ثم الحاكم عند الحاجة.\rوالولي غير المجبر: بقية الأقارب العصبات، الأقرب فالأقرب كالإرث.\rوترتيب الأولياء: الأبوة، ثم البنوة، ثم الأخوة، ثم العمومة، ثم المعتق، ثم عصبته، ثم السلطان، على النحو التالي:\r1 - الأب: فهو أحق الناس بتزويج المرأة الحرة؛ لأنه أكمل نظراً وأشد شفقة.\r2 - ثم الجد أبو الأب وإن علا، فهو أحق بالولاية من الابن وسائر الأولياء؛ لأن الجد له إيلاد وتعصيب، فيقدم على الابن كالأب.\r3 - ثم الابن وابنه وإن سفل: فهو أولى بتزويج أمه، لحديث أم سلمة السابق.\r4 - ثم الأخ الشقيق: لكونه أقرب العصبات بعد الأب والابن.\r5 - ثم الأخ لأب مثل الشقيق.\r6 - ثم أولاد الإخوة وإن سفلوا.\r7 - ثم العمومة ثم أولادهم وإن سفلوا، ثم عمومة الأب.\r8 - ثم المعتق، ثم أقرب عصبته منه.\r9 - ثم السلطان، فلا خلاف بين أهل العلم في أن للسلطان ولاية تزويج المرأة عند عدم أوليائها، أو عضلهم، لحديث عائشة المتقدم: «السلطان ولي من لا ولي له» والسلطان هنا: هو الإمام أو الحاكم أو من فوض إليه الولاية.\rوالخلاصة : إن البنوة تقدم على الأبوة عند الحنفية والمالكية، وتقدم الأبوة على البنوة عند الحنابلة، وليس للأبناء ولاية عند الشافعية.\r-------------------------------\r(1) كشاف القناع: 52/5 وما بعدها، المغني: 456/6-460.","part":9,"page":195},{"id":5751,"text":"سادساً ـ المولى عليه أو من تثبت عليه الولاية :\rالولاية عند الجمهور غيرالحنفية تنقسم إلى ولاية إجبار وولاية اختيار كما تقدم، ولكل منهما أصناف تثبت عليها.\rمن تثبت عليه ولاية الإجبار: تثبت ولاية الإجبار على من يأتي (1) :\r1ً - عديم الأهلية أو ناقصها بسبب الصغر أو الجنون أو العته: تثبت ولاية الإجبار عند الجمهور غير الحنفية على الصغار والمجانين والمعتوهين من غير فرق بين ذكر وأنثى، وبين بكر وثيب، إلا أن المالكية استثنوا صاحبة الجنون المتقطع، فتنتظر إفاقتها لتستأذن، فإن أفاقت زوَّجها الولي برضاها، فعلِّة ولاية الإجبار عند المالكية: إما البكارة أو الصغر.\rواستثنى الشافعية الثيب الصغيرة، فلا إجبار عليها؛ لأن علة ثبوت ولاية الإجبار عندهم هي البكارة فقط، وهذه العلة لا تتحقق في الثيب الصغيرة، وحكمها: أنها لا تزوج حتى تبلغ، وتأذن لوليها في زواجها، للحديث السابق: «الثيب أحق بنفسها من وليها، والبكر تستأذن في نفسها، وإذنها سكوتها» ورد عليهم بأن المراد من الثيب هنا البالغة فقط.\r-------------------------------\r(1) البدائع: 241/2، الشرح الصغير: 351/2-357، مغني المحتاج: 149/3 وما بعدها، كشاف القناع: 43/5-49، الشرح الكبير: 221/2-224، الدر المختار: 407/2-415.","part":9,"page":196},{"id":5752,"text":"وقال الحنابلة مثل المالكية: علة ولاية الإجبار إما البكارة أو الصغر، فللأب تزويج بناته الأبكار ولو بعد البلوغ، بغير إذنهم؛ لحديث ابن عباس مرفوعاً عند أبي داود: «الأيم أحق بنفسها من وليها، والبكر تستأمر، وإذنها صماتها» فلما قسم النساء قسمين، وأثبت الحق لأحدهما، دل على نفيه عن الآخر وهي البكر، فيكون وليها أحق منها بالولاية.\rوللأب أيضاً تزويج ثيب دون تسع سنين؛ لأنه لا إذن لها.\rوليس ذلك للجد ولا لسائر الأولياء، كما أنه ليس لسائر الأولياء غير الأب تزويج حرة كبيرة بالغة ثيباً كانت أوبكراً إلا بإذنها، لحديث أبي هريرة مرفوعاً: «لا تنكح الأيم حتى تستأمر، ولا تنكح البكر حتى تستأذن...» إلا المجنونة فلسائر الأولياء تزويجها إذا ظهر منها الميل إلى الرجال، بسبب الحاجة ودفع ضرر الشهوة عنها وصيانتها عن الفجور.\rويتفق الحنفية مع المالكية والحنابلة في ثبوت الولاية على الصغير والصغيرة، والمجنون الكبير والمجنونة الكبيرة، سواء أكانت الصغيرة بكراً أم ثيباً، فلا تثبت هذه الولاية على البالغ العاقل، ولا على العاقلة البالغة؛ لأن علة ولاية الإجبار عندهم هي الصغر وما في معناه، وهذه العلة متحققة في الصغار والمجانين دون غيرهم.\r2ً - البكر البالغة العاقلة: تثبت عليها عند الجمهور غير الحنفية ولاية الإجبار: لأن العلة هي البكارة، للمفهوم من حديث: «الثيب أحق بنفسها من وليها، والبكر تستأمر في نفسها» فقد جعلت الثيب أحق بنفسها من وليها، ولم يجعل البكر أحق بنفسها من وليها كالثيب، وهذا هو الإجبار بعينه.","part":9,"page":197},{"id":5753,"text":"ولا تثبت عليها هذه الولاية عند الحنفية، لحديث: «والبكر تستأمر في نفسها» وفي رواية: «والبكر يستأمرها أبوها» والاستئمار: معناه طلب الأمر منها وهو الإذن، فيكون استئذانها أمراً ضرورياً، ولا يصح أن تزوج إلا برضاها. وقد أخرج النسائي وغيره عن عائشة : «أن فتاة دخلت عليها فقالت: إن أبي زوجني من ابن أخيه، يرفع بي خسيسته، وأنا كارهة، قال: اجلسي حتى يأتي رسول الله صلّى الله عليه وسلم ، فجاء رسول الله صلّى الله عليه وسلم ، فأخبرته، فأرسل إلى أبيها،فدعاه، فجعل الأمر إليها، فقالت: يا رسول الله ، قد أجزت ما صنع أبي، ولكن أردت أن أعلم النساء أن ليس للآباء من الأمر شيء» (1) والظاهر أنها بكر (2) . وهو يدل على أن البكر البالغة العاقلة لا تزوج إلا برضاها.\r3ً - الثيب البالغة العاقلة التي زالت بكارتها بأمر عارض كالضرب والوثب والعود ونحوها، أو زالت بكارتها بالزنا أوالغصب على المشهور عند المالكية: يزوجها الولي المجبر (الأب ووصيه) ولو عانساً بلغت ستين سنة أو أكثر؛ لأن ثبوت الولاية إنما هو للجهل بأمور الزواج ومصالحه، ومن زالت بكارتها بغير الزواج الصحيح، أو الفاسد الذي يدرأ الحد لشبهة لاتزال جاهلة بهذه الأمور، فتبقى الولاية عليها كالبكر البالغة.\r-------------------------------\r(1) سبل السلام: 122/3 وما بعدها، نيل الأوطار: 127/6.\r(2) ولعلها البكر التي في حديث ابن عباس، وقد زوجها أبوها كفؤاً ابن أخيه، ونصه: «أن جارية بكراً أتت النبي صلّى الله عليه وسلم فذكرت أن أباها زوجها وهي كارهة، فخيرها رسول الله صلّى الله عليه وسلم » رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه، وأعل بالإرسال.","part":9,"page":198},{"id":5754,"text":"والجمهور لا يقولون بثبوت ولاية الإجبار على الثيب البالغة، مهما كان سبب الثيوبة غير السقطة ونحوها. قال الحنفية: من زالت بكارتها بوثبة أي نطة أو درور حيض أو حصول جراحة أوتعنيس أي كبر: بكر حقيقة، وتعد بكراً بالتفريق بجب أو عُنة أو طلاق أو موت بعد خلوة قبل وطء. وتعد الموطوءة بشبهة أو نكاح فاسد ثيباً. ومن زنت مرة فقط ولم تحد بالزنا بكر حكماً فيكتفى بسكوتها.\rوقال الحنابلة: الثيب: من وطئت في القبل لا في الدبر، بآلة الرجال، لا بآلة غيرها، ولو كانت وطئت بزنا. وقال الشافعية: الثيب: من زالت بكارتها، سواء زالت البكارة بوطء حلال كالنكاح، أو حرام كالزنا، أو بشبهة في نوم أو يقظة، ولا أثر لزوالها بلا وطء في القبل كسقطة وحدة طمث، وطول تعنيس وهو الكبر، أو بأصبع ونحوه في الأصح، فحكمها حينئذ حكم الأبكار.\rمن تثبت عليه ولاية الاختيار :\rتثبت ولاية الاختيار عند المالكية على أصناف أربعة، هي ما يأتي بمقارنتها مع المذاهب الأخرى (1) :\r1ً - الثيب البالغة التي زالت بكارتها بزواج صحيح، أو فاسد ولو مجمع على فساده إن درأ الحد لشبهة: فهذه لا تزوج بالاتفاق إلا برضاها وإذنها، لصريح الحديث المتقدم: «الثيب أحق بنفسها من وليها» وفي رواية «والثيب تشاور» فإنه يدل على أن الثيب البالغة لا تزوج إلا برضاها.\r2ً - البكر البالغة التي رشَّدها أبوها أو وصيه: بأن جعلها رشيدة، أو رفع الحجر عنها، لما قام بها من حسن التصرف. ويتفق الحنفية مع المالكية في الولاية\r-------------------------------\r(1) الشرح الصغير: 353/2-357، الشرح الكبير: /223 وما بعدها، القوانين الفقهية: ص 198 وما بعدها، البدائع: 247/2، مغني المحتاج: 149/3، كشاف القناع: 46/5 وما بعدها.","part":9,"page":199},{"id":5755,"text":"عليها؛ لأن البالغة العاقلة عند أبي حنيفة وزفر لا تزوج إلا برضاها، بكراً كانت أو ثيباً، لكن الولاية عليها في رأي الحنفية هي ولاية ندب واستحباب.\rويخالف الشافعية والحنابلة في صفة الولاية فيجعلون الولاية عليها ولاية جبر.\r3ً - البكر البالغة التي أقامت مع الزوج سنة، ثم تأيمت وهي بكر: لأن إقامة المرأة في بيت الزوج سنة تنزل منزلة الثيوبة في تكميل المهر، فتنزل كذلك في الرضا بالزواج. والحنفية مع المالكية في هذا كالحالة السابقة،ويخالفهم الشافعية والحنابلة، فيجعلون الولاية عليها ولاية جبر.\r4ً - اليتيمة (1) الصغيرة التي خيف عليها، إما لفساد يلحقها في دينها، بأن كان يتردد عليها أهل الفسوق، أو كانت تتردد هي عليهم، أو لفساد في دنياها كضياع مالها، أو فقرها وقلة الإنفاق عليها، فللولي غير الأب ووصيه أن يزوجها إذا بلغت عشر سنين، بعد مشاورة القاضي، ليثبت عنده سنها، ويتأكد أنها خلية من زوج وعدة وغيرهما من الموانع الشرعية، ورضاها بالزوج، وأنه كفئها في الدين والحرية والحال، وأن المهر مهر مثلها، فيأذن لوليها في العقد، ولا يتولى العقد بنفسه مع وجود غيره من الأولياء.\rسابعاً ـ كيفية إذن المرأة بالزواج :\rاتفق الفقهاء على كيفية صدور الإذن والرضا من المرأة بالزواج بحسب حالها بكراً أو ثيباً (2) ، عملاً بالأحاديث الكثيرة، منها: «الثيب تعرب عن نفسها، والبكر\r-------------------------------\r(1) غير المجبرة متى كانت صغيرة كانت يتيمة، إذ لو كان لها أب، لكان مجبراً لها.\r(2) البدائع: 242/2، الدر المختار: 411/2-414، الشرح الصغير: 366/2 وما بعدها، مغني المحتاج: 150/3، كشاف القناع: 47/5-48.","part":9,"page":200},{"id":5756,"text":"رضاها صمتها» (1) ، ومنها «الثيب أحق بنفسها من وليها، والبكر تستأذن في نفسها، وإذنها صماتها» (2) وفي رواية لهذا الحديث لأبي داود والنسائي: «ليس للولي مع الثيب أمر، واليتيمة تستأمر، وصمتها إقرارها» سواء أكان الإذن واجباً بالنسبة للولي غير المجبر أم مستحباً بالنسبة للولي المجبر.\rوبناء عليه، إذا كانت المرأة بكراً: فرضاها يكون بالسكوت (3) ؛ لأن البكر تستحي عادة من إظهار الرضا بالزواج صراحة، فيكتفى منها بالسكوت، محافظة على حيائها. ويندب عند المالكية إعلامها بأن سكوتها رضا وإذن منها، فلا تزوج إن منعت، بأن قالت: لا أرضى أو لا أتزوج، أو ما في معناه.\rومثل السكوت: كل مايدل على الرضا كالضحك بغير استهزاء، والتبسم، والبكاء بلا صوت أو صياح أو ضرب خد، فإن كان التبسم أو الضحك للاستهزاء، وكان البكاء بصياح أو ضرب خد، لم يكف ولم يعد إذناً ولا رداً؛ لأنه يشعر بعدم الرضا، فلو رضيت صراحة بعده، انعقد العقد.\rأما إن كانت المرأة ثيباً: فرضاها لا يكون إلا بالقول الصريح، للحديث السابق: «الثيب تعرب عن نفسها» أي تفصح عن رأيها وعما في ضميرها من رضا أو منع، ولا يكتفى منها بالصمت؛ لأن الأصل ألا ينسب إلى ساكت قول، وألا يكون السكوت رضا، لكونه محتملاً في نفسه، وإنما اكتفي به في البكر للضرورة؛ لأنها تستحي عادة من التصريح عن رغبتها في الزواج، والثابت بالضرورة يتقدر\r-------------------------------\r(1) رواه الأثرم وابن ماجه.\r(2) رواه الجماعة إلا البخاري عن ابن عباس (نيل الأوطار: 120/6).\r(3) قال الحنفية: إن زنت المرأة مرة ولم يتكرر زناها، ولم تحد به، فهي بكر حكماً أي يكتفى بسكوتها كيلا تتعطل مصالحها عليها، وقد ندب الشارع إلى ستر الزنا، فكانت بكراً شرعاً. بخلاف ما إذا اشتهر زناها.","part":9,"page":201},{"id":5757,"text":"بقدرها، ولاضرورة في حق الثيب ؛ لاعتيادها معاشرة الرجال، فلا تستحي عادة من إعلان رضاها أو رفضها، فلا يكتفى بسكوتها عند الاستئذان.\rوقال المالكية: يشارك الثيب أبكار ستة، لا يكتفى منهن بالصمت، بل لا بد من الإذن بالقول الصريح كالثيب وهن:\r1ً - البكر التي رشدها أبوها أو وصيه: بأن أطلق الحجر عنها في التصرف المالي، وهي بالغ، فلا بد من إذنها بالقول، وقد تقدم أنه لا جبر لأبيها عليها.\r2ً - البكر التي عُضِلت: أي منعها وليها من الزواج بدون مسوغ، ورفعت أمرها إلى القاضي، فتولى تزويجها، فلا بد من إذنها بالقول.\r3ً - البكر المُهْمَلة التي لا أب لها ولا وصي: إذا زوجت بشيء من العروض (الأمتعة)، وهي من قوم لا يزوجون بالعروض، سواء أكان كل الصداق أم بعضه، أو يتزوج قومها بعَرَض معين، فزوجها وليها بغيره، فلا بد من نطقها بأن تقول: رضيت بذلك المهر العرض.\r4ً - البكر ولو كانت مُجْبَرة إذا زوجت برقيق، فلا بد من إذنها بالقول؛ لأن العبد ليس بكفء للحرة.\r5ً - البكر، ولو كانت مجبَرة إذا زوجت برجل فيه عيب يوجب لها الخيار كجذام وبرص وجنون وخصاء، فلا بد من نطقها بأن تقول: رضيت به.\r6ً - البكر غيرالمجبرة التي افتات (1) (تعدى) عليها وليها غير المجبر، فعقد\r-------------------------------\r(1) يصح الافتيات (عدم الاستئذان) على المرأة مطلقاً بكراً أو ثيباً، وعلى الزوج أيضاً بشروط ستة:\rالأول ـ أن يقرب الرضا من العقد: كأن يكون العقد بالمسجد أو بالسوق مثلاً، ويبلغها الخبر من وقته، قبل مضي اليوم.\rالثالث ـ ألا يرد الزواج قبل الرضا ممن افتيت عليه منهما، فإن رده الزوج فلا يصح منه الرضا بعدئذ.وإذا وقع من المرأة رد قبل الرضا، فلا عبرة برضاها بعده.\rالرابع ـ أن يكون من افتيت عليها بالبلد حال الافتيات والرضا، فإن كان في بلد آخر، لم يصح.\rالخامس ـ ألا يقر الولي بالافتيات حال العقد: بأن سكت أو ادعى أنه مأذون، فإن أقرّ به لم يصح.\rالسادس ـ ألا يكون الافتيات على الزوجين معاً: فإن كان عليهما معاً لم يصح، ولا بد من فسخه (الشرح الصغير: 368/2 وما بعدها، الدسوقي: 228/2).","part":9,"page":202},{"id":5758,"text":"الثاني ـ أن يكون الرضا بالقول، أي بالنطق: فلا يكفي الصمت. = عليها بغير إذنها، ثم بلغها خبر زواجها، فرضيت، ويصح الزواج، ولا بد من رضاها بالقول صراحة، حتى ولو كانت قد رضيت به بالخطبة، فلا بد على كل حال من استئذانها في العقد؛ لأن الخطبة غير لازمة، فلا تغني عن استئذانها في العقد وتعيين الصداق.\rويتفق الحنابلة مع المالكية في هذا فإنهم قالوا: إذا زوجت التي يعتبر إذنها بغير إذنها، وقلنا: يقف على إجازتها، فإجازتها بالنطق أو ما يدل على الرضا من التمكين من الوطء أو المطالبة بالمهر والنفقة (1) .\rثامناً ـ عضل الولي وحكمه :\rالعضل: هو منع الولي المرأة العاقلة البالغة من الزواج بكفئها إذا طلبت ذلك، ورغب كل واحد منهما في صاحبه. وهو ممنوع شرعاً ويحتاج لبيان حكمه عند الفقهاء (2) .\rأما المنع الشرعي عنه: فقد نهى الله تعالى جميع الأولياء عن العضل بقوله: {وإذا طلقتم النساء، فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن} [البقرة:232/2] قال معقل بن يسار: «زوجت أختاً لي من رجل فطلّقها، حتى إذا\r-------------------------------\r(1) المغني: 476/6.\r(2) البدائع: 248/2، الشرح الكبير مع الدسوقي: 232/2، مغني المحتاج: 153/3 وما بعدها، كشاف القناع: 50/5، 57.","part":9,"page":203},{"id":5759,"text":"انقضت عدتها، جاء يخطبها، فقلت له: زوجتك وأفرشتك وأكرمتك، فطلقتها، ثم جئت تخطبها،لا والله لا تعود إليك أبداً، وكان رجلاً لا بأس به، وكانت المرأة تريد أن ترجع إليه، فأنزل الله تعالى هذه الآية: {ولا تعضلوهن} [البقرة:232/2] فقلت: الآن أفعل يا رسول الله ، قال: فزوجها إياه» (1) . ولكن النهي في رأي الفقهاء ليس مطلقاً.\rوليس للولي العضل عند الشافعية والحنابلةوأبي يوسف ومحمد، لنقصان المهر، أو لكونه من غير نقد البلد إذا رضيت به، فسواء طلبت التزويج بمهر مثلها أم دونه، لم يجز العضل؛ لأن المهر محض حقها، وعوض يختص بها، فلم يكن للأولياء الاعتراض عليها فيه؛ ولأنها لو أسقطته بعد وجوبه سقط كله، فبعضه أولى.\rوقال أبو حنيفة: للأولياء منع المرأة من التزويج بدون مهر مثلها؛ لأن عليهم فيه عاراً، وفيه ضرراً على نسائها لنقص مهر مثلهن.\rويرى المالكية أن العضل يتحقق في مسألتين: الأولى: إذاطلبها كفء ورضيت به، طلبت التزويج به أو لا، والثانية: إذا دعت لكفء، ودعا وليها لكفء آخر.\rوحصر الشافعية في الأصح والحنابلة العضل في المسألة الأولى، فقالوا: لو عينت المرأة كفئاً، وأراد الأب غيره، فله ذلك.\rوأضاف الحنابلة صورة أخرى للعضل وهي: إذا امتنع الخُطاب لشدة الولي، لكن الظاهرأنه لا حرمة على الولي هنا؛ لأنه ليس له فعل ذلك المنع.\r-------------------------------\r(1) رواه البخاري.","part":9,"page":204},{"id":5760,"text":"ممن يكون العضل؟\rأ ـ إن كان الولي أباً مجبراً وامتنع من تزويج ابنته المجبرة، فلا يعد عاضلاً إلا إذا تحقق منه الإضرار بها، وظهر الضرر بالفعل، كأن يمنعها من الزواج لتقوم بخدمته، أو ليستثمرها بأن يستولي على مرتبها الوظيفي، ويخشى أن تقطعه عنه لو تزوجت.\rأما مجرد رد خاطب كفء رضيت به ابنته المجبرة، فلا يعد عضلاً، بل لا يعد عاضلاً لمجبرته برده لكفئها رداً متكرراً، سواء أكان الخاطب واحداً أم أكثر؛ لأن ما جبل عليه الأب من الحنان والشفقة على بنته، مع جهل البنت بمصالح نفسها، يجعله لا يرد الخاطب إلا إذا علم من حالها أو من حاله ما لا يوافق، أو ما يدعو إلى الرد، وقد روي أن الإمام مالك منع بناته من الزواج، وقد رغب فيهن خيار الرجال، وفعل مثله العلماء قبله كابن المسيب وبعده، ولم يكن قصدهم الضرر ببناتهم، فلم يعد واحداً منهم عاضلاً.\rويعد كالأب عند المالكية: وصي الأب المجبر،لا يكون عاضلاً بمجرد رد الخاطب الكفء الذي رضيت به المرأة، إلا إذا تحقق منه الإضرار بالمرأة. وقيل : إن الوصي المجبر يعد عاضلاً برد أول كفء.\rب ـ أما إن كان الولي غير مجبر، سواء أكان أباً أم غيره، فإنه يعد عاضلاً في المسألتين السابقتين اللتين ذكرهما المالكية، وفي المسألة الأولى عند الشافعية والحنابلة.\rحكم العضل :\rيفسق الولي بالعضل إن تكرر منه؛ لأنه معصية صغيرة. وإذا عضل الولي تنتقل الولاية عند الإمام أحمد إلى الأبعد؛ لأنه تعذر التزويج من جهة الأقرب، فملكه الأبعد، كما لو جن، ولأنه يفسق بالعضل ـ كما سبق ـ فتنتقل الولاية عنه، كما لو شرب الخمر. فإن عضل الأولياء كلهم، زوج الحاكم.وقال الحنفية والمالكية والشافعية، وفي رواية عن أحمد: إذا عضل الولي ولو كان مجبراً، تنتقل الولاية للسلطان، أي القاضي الآن، ولا تنتقل للأبعد، للحديث السابق: «فإذا اشتجروا، فالسلطان ولي من لا ولي له» ، ولأنه بالعضل خرج من أن يكون ولياً، ويصبح ظالماً، ورفع الظلم موكول للقاضي.","part":9,"page":205},{"id":5761,"text":"تاسعاً ـ غيبة الولي وأسره أو فقده :\rللفقهاء آراء ثلاثة في غيبة الولي: رأي الحنفية والحنابلة، ورأي المالكية، ورأي الشافعية (1) : أما رأي الحنفية والحنابلة: فهو إن غاب الولي غيبة منقطعة، ولم يوكل من يزوج، تنتقل الولاية لمن هو أبعد منه من العصبات، فلوغاب الأب فللجد تزويج المرأة، دون الحاكم، للحديث المتقدم: «السلطان ولي من لا ولي له» وهذه المرأة لها ولي، ولأن هذه ولاية تحتاج إلى نظر وتقدير مصلحة، وليس من النظر التفويض إلى من لا ينتفع برأيه، ففوض النظر إلى الأبعد، وهو مقدم على السلطان، كما إذا مات الأقرب.\rوأخذ القانون السوري (م 23) بهذا الرأي، فنص على أنه: إذا غاب الولي الأقرب، ورأى القاضي أن في انتظار رأيه فوات مصلحة في الزواج، انتقلت الولاية إلى من يليه.\rوالغيبة المنقطعة في رأي الحنفية: أن يكون في بلد لا تصل إليها القوافل في السنة، إلا مرة واحدة، وهو اختيار القدوري، وقيل: أدنى مدة السفر، أي مسافة القصر(89 كم)؛ لأنه لا نهاية لأقصاه، وهو اختيار بعض المتأخرين.\rويتفق الحنابلة مع الرأي الثاني، فتكون الغيبة المنقطعة فوق مسافة القصر؛ لأن من دونها في حكم الحاضر.\rوأما رأي الشافعية: فهو إن غاب الولي الأقرب نسباً، إلى مرحلتين، أي مسافة القصر، ولا وكيل له حاضر في البلد، زوج السلطان أونائبه أي سلطان بلدها لا سلطان غير بلدها، ولا الأبعد على الأصح؛ لأن الغائب ولي، والتزويج حق له، فإذا تعذر استيفاؤه منه ناب عنه الحاكم. فإن غاب دون مسافة القصر لا يزوج إلا بإذنه في الأصح، لقصر المسافة، فيراجع فيحضر، أو يوكل كما لو كان مقيماً.\rوأما رأي المالكية ففيه تفصيل: بحسب غيبة الولي المجبر، وغيبة الولي غير المجبر.\r-------------------------------\r(1) فتح القدير: 415/2 ومابعدها، الشرح الكبير: 229/2 وما بعدها، مغني المحتاج: 157/3، المغني: 478/6 وما بعدها، كشاف القناع: 57/5، القوانين الفقهية: ص200.","part":9,"page":206},{"id":5762,"text":"أ ـ فإن كان الغائب هو الولي المجبر وهو الأب ووصيه: فإما أن تكون الغيبة قريبة أو بعيدة. فإن كانت الغيبة قريبة كعشرة أيام ذهاباً، فلا تزوج المرأة التي في ولايته حتى يعود، إذا كانت النفقة جارية عليها أي تجد النفقة الكافية، ولم يخش عليها الفساد، وكانت الطريق مأمونة، وإلا زوجها القاضي.\rوإن كانت الغيبة بعيدة كثلاثة أشهر فأكثر، كالسفر في الماضي إلى أفريقية: فإن كان يرجى قدومه، كمن خرج لتجارة أو حاجة، فلا تزوج المرأة حتى يعود. وإن كان لا يرجى قدومه، فللقاضي دون غيره من الأولياء أن يتولى تزويجها إذا كانت بالغاً، ولو دامت نفقتها على الراجح، وإذنها صمتها على الصواب. فإن لم تكن بالغاً، لا يزوجها ما لم يخف عليها الفساد، فإن خيف فسادها، زوجها ولو جبراً على المعتمد، سواء أكانت بالغة أم غير بالغة، ولو كانت غيبة الولي قريبة.\rب ـ وإن كان الغائب هو الولي غير المجبر كالأخ والجد:\rفإن كانت الغيبة قريبة كثلاثة أيام من بلد المرأة ونحوها، ودعت إلى الزواج بكفء، وأثبتت ما تدعيه من الغيبة والمسافة والكفاءة، زوجها الحاكم دون الولي الأبعد؛ لأن الحاكم وكيل الغائب.\rوإن كانت الغيبة دون الثلاث، أرسل إليه الحاكم، فإن حضر أو وكل أحداً عنه، تم المطلوب، وإلا زوجها الولي الأبعد دون القاضي.\rوإن كانت الغيبة بعيدة كأكثر من ثلاثة أيام، فللقاضي أن يزوجها؛ لأنه وكيل الغائب، ولو زوجها الولي الأبعد صح مع الكراهة. وهذا إذا لم يكن للغائب وكيل مفوض، فإن كان له وكيل مفوض تولى الزواج؛ لأنه مقدم على غيره إذ هو بمثابة الأصيل.\rالغيبة بسبب الأسر أو الفقد :\rالمشهور من مذهب المالكية: أنه إذا كانت الغيبة بسبب أسر الولي الأقرب أو فقده، ولم يعلم مكانه، ولم يعرف خبره، زوج الولي الأبعد، ولا تنتقل إلى القاضي، من غير فرق بين الولي المجبر وغير المجبر؛ لأن الأسر أو الفقد بمنزلة الموت.\rوكذلك قال الحنابلة: إن كان الولي القريب محبوساً أو أسيراً في مسافة قريبة لا تمكن مراجعته، فهو كالبعيد، فتنتقل الولاية للأبعد.","part":9,"page":207},{"id":5763,"text":"المبحث الثالث ـ الوكالة في الزواج :\rيستمد الوكيل سلطته من الموكل، فينفذ تصرفه عليه، فتكون الوكالة نوعاً من الولاية، لنفاذ تصرف الوكيل على الموكل كنفاذ تصرف الولي على المولى عليه. وأبحث هنا الأمور التالية: حكم التوكيل بالزواج، مدى صلاحية الوكيل، حقوق العقد في الوكالة بالزواج، انعقاد الزواج بعاقد واحد (1) .\rأولاً ـ حكم التوكيل بالزواج :\rيرى الحنفية: أنه يصح التوكيل بعقد الزواج من الرجل والمرأة إذا كان كل منهما كامل الأهلية أي بالغاً عاقلاً حراً؛ لأن للمرأة عندهم أن تزوج نفسها، فلها أن توكل غيرها في العقد؛ عملاً بالقاعدة الفقهية القائلة: كل ما جاز للإنسان أن يباشره من التصرفات بنفسه، جاز له أن يوكل غيره فيه، إذا كان التصرف يقبل النيابة.\rويصح التوكيل بالعبارة أو الكتابة، ولا يشترط بالاتفاق الإشهاد عند صدور التوكيل، وإن كان يستحسن للوكيل أن يشهد على التوكيل، للاحتياط خوفاً من الإنكار عند النزاع.\rويرى الجمهور غيرالحنفية: أنه لا يصح للمرأة توكيل غير وليها في الزواج؛ لأنها لا تملك إبرام العقد بنفسها، فلا تملك توكيل غيرها فيه. لكن يجوز لولي المرأة المجبر التوكيل في التزويج بغير إذنها، كما يزوجها بغير إذنها. ولا يشترط تعيين الزوج، فيجوز التوكيل مطلقاً ومقيداً، فالمقيد: التوكيل في تزويج رجل بعينه. والمطلق: التوكيل في تزويج من يرضاه أو من يشاء.\rويوكل الولي مثله في الذكورة والبلوغ والحرية والإسلام وعدم الإحرام بحج أو عمرة، وعدم العَتَه (ضعف العقل).\r-------------------------------\r(1) فتح القدير: 427/2-433، تبيين الحقائق: 132/2-135، الشرح الصغير: 372/2، الشرح الكبير: 231/2-232، مغني المحتاج: 157/3 وما بعدها، المغني: 462/6 وما بعدها، المهذب: 38/2.","part":9,"page":208},{"id":5764,"text":"وأباح المالكية للزوج أن يوكل من قام به مانع من موانع الولاية غير مانع الإحرام بحج أو عمرة، والعَتَه (ضعف العقل) فيجوز له أن يوكل نصرانياً أو عبداً أو امرأة أوصبياً مميزاً على عقد نكاحه.\rوأما الولي غير المجبر: فلا يجوز له التوكيل عند الشافعية إلا بإذن المرأة، فإن قالت له: وكِّلُ وكَّلَ، وإن نهته فلا يوكل. وإن قالت له: زوجني، فله التوكيل في الأصح؛ لأنه بالإذن متصرف بالولاية، فأشبه الوصي والقيم، وهما يتمكنان من التوكيل بغير إذن. ولو وكل الولي غير المجبر قبل استئذان المرأة في النكاح، لم يصح في الصحيح، لأنه لا يملك التزويج بنفسه حينئذ، فكيف يوكل غيره؟\rوقال الحنابلة: لا يعتبر في صحة الوكالة إذن المرأة في التوكيل، ولا حضور شاهدين، سواء أكان الموكل أباً أم غيره؛ لأنه إذن من الولي في التزويج، فلم يفتقر إلى إذن المرأة، ولا إلى إشهاد، كإذن الحاكم، لكن يثبت للوكيل ما يثبت للموكل، فإن كان الولي مجبراً لم يحتج لاستئذان المرأة، وإن كان غير مجبر احتاج إلى إذنها ومراجعتها؛ لأنه نائب.\rوعبارة وكيل الولي في عقد الزواج كما أوضح الشافعية: هي أن يقول: زوجتُك بنت فلان. ويقول الولي لوكيل الزوج: زوجت بنتي فلاناً، فيقول وكيله: قبلت نكاحها له.\rثانياً ـ مدى صلاحية الوكيل :\rالوكيل في الزواج كالوكيل في سائر العقود، فلا يجوز له عند الحنفية أن يوكل غيره؛ لأن الموكل رضي برأيه لا برأي غيره، إلا إن أذن له الموكل، بأن يوكل عنه من شاء، أو فوض إليه أمر زواجه، فله حينئذ أن يوكل عنه.\rوتتحدد صلاحيات الوكيل عند الحنفية بحسب نوع الوكالة مطلقة أو مقيدة؛ لأن الوكيل يستمد سلطته من الموكل، فلا يملك إلا ما وكله، وينفذ عليه تصرفه فيما وكله فيه، ويكون فضولياً فيما عداه، فيتوقف نفاذ التصرف على إجازة الموكل، والإجازة اللاحقة كالوكالة السابقة.","part":9,"page":209},{"id":5765,"text":"1 - الوكالة المقيدة: بأن يقيد الموكل الوكيل في التزويج بأوصاف معينة. فيتقيد فيها الوكيل بما قيده به الموكل، وليس له أن يخالفه فيما قيده به، إلا إذا كانت المخالفة لخير الموكل، فحينئذ ينفذ العقد على الموكل. وإن تقيد بالقيد نفذ العقد أيضاً، وإن خالف القيد توقف عند الحنفية والمالكية نفاذ العقد على إجازة الموكل، حتى ولو حصل دخول بالمرأة دون أن يعلم الموكل بالمخالفة.\rوعلى هذا إن قيده بامرأة معينة بالاسم، أو من الأسرة الفلانية، فإن زوجه بها نفذ العقد عليه، وإن خالف فزوجه غيرها كان مخالفاً، وتوقف نفاذ العقد على إجازة الموكل، فإن أجازه نفذ، وإن لم يجزه بطل؛ لأن الوكيل يصبح بالمخالفة فضولياً، وعقد الفضولي عند الحنفية والمالكية موقوف على إجازة صاحب الشأن فيه.\rوإن قيده بمهر معين، فزوجه به، كان العقد نافذا على الموكل، وإن خالف كان العقد موقوفاً على إجازة الموكل، إلا إذا كانت المخالفة إلى خير الموكل، فيصح العقد وينفذ ، كأن قال: زوجني بألف فزوجه بأقل من ألف، نفذ العقد من غير إجازة الموكل. ومن أمر رجلاً أن يزوجه امرأة، فزوجه ا ثنتين في عقد واحد، لم تلزمه واحدة منهما؛ لأنه لا وجه إلى تنفيذهما للمخالفة، ولا إلى التنفيذ في إحداهما لا على التعيين، للجهالة، ولا إلى تعيين واحدة منهما، لعدم الأولوية، فتعين التفريق.","part":9,"page":210},{"id":5766,"text":"2 - الوكالة المطلقة: بأن لم يعين الموكل امرأة معينة ولا وصفاً معيناً ولا مهراً. اختلف أئمة الحنفية فيها:\rرأى أبو حنيفة: أن للوكيل أن يزوجه بأية امرأة ولو غير كفء له، وبأي مهر، إلا إذا كان التصرف موضع تهمة؛ لأن القاعدة فيه عنده أن المطلق يجري على إطلاقه، فيرجع إلى إطلاق اللفظ وعدم التهمة، فله أن يزوجه بمقدار مهر المثل أو أكثر، أو يزوجه عمياء أو شلاء أو شوهاء، وإذا كان الموكل هو المرأة فينفذ العقد عليها متى كان الزوج كفئاً (1) سواء أكان الزواج بمهر المثل أم أقل، وسواء أكان الزوج صحيحاً أم مشوهاً، عملاً بالإطلاق، فأبو حنيفة يراعي عبارة الموكل ولفظه.\rورأى الصاحبان وباقي المذاهب: أنه يتقيد الوكيل بالمتعارف استحساناً؛ لأن الإطلاق مقيد عرفاً وعادة بالكفء وبالمهر المألوف، والمعروف عرفاً كالمشروط شرطاً، فإذا زوجه امرأة كفئاً ملائمة له، وهي السليمة من العيوب وبمهر لا غبن فيه، كان الزواج نافذاً على الموكل، وإن زوجه بعمياء أو مقطوعة اليدين أو مفلوجة أو مجنونة أو رتقاء، أو بمهر مصحوب بغبن فاحش، توقف العقد عند الصاحبين والمالكية على إجازة الموكل، لمخالفته المعروف بين الناس في الوكالات. ولم يصح العقد عند الشافعية والحنابلة.\rوهذا هو الرأي الراجح، وينبغي أن تكون عليه الفتوى عند الحنفية، وهو المعمول به في محاكم مصر. وبه يتبين أن الصاحبين يحكمان العرف والعادة.\rولكن هناك مسائل اتفق عليها أبو حنيفة مع صاحبيه وهي:\rأ ـ إذا كانت المرأة هي الموكلة فعلى الوكيل أن يزوجها بكفء؛ لأن المرأة لا ترغب عادة إلا في الكفء، لمصلحة نفسها، ولئلا يعترض عليها أولياؤها.\rب ـ إذا وكل رجل غيره أن يزوجه امرأة عمياء، فزوجه مبصرة، فإن العقد ينفذ عليه؛ لأنها مخالفة إلى خير مما عين الموكل.\r-------------------------------\r(1) الفرق بين الرجل والمرأة: أن المرأة تعير بغير الكفء، فيتقيد إطلاقها به، بخلاف الرجل فإنه لا يعيره أحد بعدم كفاءتها له: لأنه مستفرش واطئ لا يغيظه دناءة الفراش.","part":9,"page":211},{"id":5767,"text":"جـ ـ إذا وكل الرجل آخر أن يزوجه، فزوجه صغيرة لا يجامع مثلها، جاز اتفاقاً . فإن كانت الصغيرة بنتاً له أو بنت أخيه التي في ولايته، لم ينفذ العقد على الموكل لتحقق التهمة المانعة من نفاذ العقد، وهي العمل لمصلحته.\rوإن كانت بنتاً له كبيرة برضاها لم ينفذ العقد عند أبي حنيفة لتحقق التهمة، وينفذ عند الصاحبين؛ لأنه ليس له عليها ولاية إجبار.\rأما إن زوجه الوكيل أختاً له كبيرة برضاها، نفذ العقد بالاتفاق، لانتفاء التهمة.\rد ـ إذا وكله أن يزوجه فلانة أو فلانة، فزوجه إحداهما، نفذ العقد؛ لوجود التخيير في التوكيل.\rهـ ـ إذا وكلت امرأة رجلاً في تزويجها، فزوجها من نفسه، لم ينفذ العقد عليها إلا بالإجازة. وكذا إذا وكل الرجل امرأة أن تزوجه فزوجته من نفسها، لم ينفذ العقد عليه إلا بإجازته، لتحقق التهمة في الحالتين. وكذا لا ينفذ العقد عند أبي حنيفة إن زوج الوكيل موكلته من أبيه أو ابنه لتحقق التهمة بسبب البنوة. وينفذ العقد عند الصاحبين؛ لأن البنوة ليست من التهمة عندهما. وتلافى المالكية بعض هذه الخلافات فقالوا: إذا وكلت وليها غير المجبر أن يزوجها ممن أحب، وجب عليه أن يعين لها الزوج قبل العقد، لاختلاف أغراض النساء في أعيان الرجال. فإن لم يعين الزوج لها، كان العقد موقوفاً على إجازتها، سواء زوجها من نفسه كابن العم والكافل والحاكم، أو زوجها من غيره، لاختلاف أغراض النساء من الرجال.","part":9,"page":212},{"id":5768,"text":"ثالثاً ـ حقوق العقد في الوكالة بالزواج :\rحقوق العقد: هي الأعمال التي لا بد منها لتنفيذ مقتضى العقد، كالتسليم والتسلم والإيفاء والاستيفاء. ومن المتفق عليه أن حقوق عقد الزواج ترجع إلى الأصيل، وأما الوكيل فهو مجرد سفير ومعبر عن الموكل، فلا ترجع إليه حقوق العقد، فلا يطالب بإزفاف المرأة إلى زوجها، ولا بأداء المهر ولا غيره من الواجبات كالنفقة إلا أن يكون كفيلاً بما ذكر، وهذا بخلاف البيع أو الشراء، فإن حقوق العقد ترجع عند الجمهور غير الحنابلة إلى الوكيل لا إلى الموكل.\rوحكم الرسول في الزواج كالوكيل.\rوبناء عليه، تطالب الزوجة بزفافها إلى زوجها، ويطالب الزوج نفسه بأداء المهر إلى زوجته، وتقبض المرأة مهرها، وليس لوكيلها قبضه إلا بإذن منها صراحة أو دلالة، وإذا قبضه الأب أو الجد ولم تطالب به المرأة، كان سكوتها عند الحنفية إذناً دلالة للأب أوالجد بالقبض، فيصح قبضه وتبرأ ذمة الزوج من المهر، عملاً بما هو المعتاد بين الناس أن يقبض الآباء مهور بناتهم. وإذا كانت الزوجة ثيباً، فلا بد من الإذن الصريح بالقبض إذا كان الوكيل غيرا لأب أو الجد، ولا يعد سكوتها رضا بالقبض. وفصل المالكية بين المرأة المجبرة وغير المجبرة، فإذا كانت مجبرة، فلوليها المجبر قبض مهرها بدون توكيل منها، وإذا كانت رشيدة غير مجبرة، فليس لوليها قبض المهر إلا بتوكيل صريح منها بالقبض.","part":9,"page":213},{"id":5769,"text":"رابعاً ـ انعقاد الزواج أحياناً بعاقد واحد :\rالأصل في العقود تعدد العاقدين، لكن أجاز جمهور الحنفية غير زفر انعقاد الزواج أحياناً بعاقد واحد، وهو كما بان سابقاً في أحوال خمسة هي (1) :\rالأولى ـ أن يكون متولي العقد أصيلاً عن نفسه وولياً من الجانب الآخر: فيجوز لابن العم أن يزوج بنت عمه من نفسه؛ لأن الوكيل في النكاح سفير ومعبر عن الأصيل، ولا يرجع إلىه شيء من حقوق العقد.\rالثانية ـ أن يكون العاقد أصيلاً عن نفسه ووكيلاً عن الطرف الآخر: كما لو وكلته امرأة أن يزوجها من نفسه، فقال أمام الشهود: قد وكلتني فلانة بنت فلان أن أزوجها من نفسي، فاشهدوا أني تزوجتها.\rوهذا بخلاف ما لو وكلته بتزويجها من رجل، فزوجها من نفسه، أو من أبيه أو ابنه عند أبي حنيفة، لم يصح زواجها؛ لأنها نصبته مزوجاً لا متزوجاً. وكذا لو وكلته في أن يتصرف في أمرها أو قالت له: زوج نفسي ممن شئت، لم يصح تزويجها من نفسه.\rالثالثة ـ أن يكون ولياً للجانبين: كأن يزوج الجد بنت ابنه ابن ابنه الآخر، وكأن يزوج بنته الصغيرة لابن أخيه الصغير الذي هو في ولايته.\rالرابعة ـ أن يكون وكيلاً للجانبين: كأن يوكله رجل وامرأة في زواجهما، فيقول: زوجت فلانة من فلان.\rالخامسة ـ أن يكون ولياً من جانب ووكيلاً من الجانب الآخر: كأن يوكله رجل أن يزوجه بنته الصغيرة، فيزوجه إياها.\rأما الفضولي فلا يصح عند أبي حنيفة ومحمد أن يتولى العقد من الجانبين ولو تكلم بكلامين، أي بإيجاب وقبول، في أحوال أربعة: هي أن يكون فضولياً من الجانبين، أو فضولياً من جانب وأصيلاً من جانب آخر، أو فضولياً من جانب وولياً من جانب آخر، أو فضولياً من جانب ووكيلاً من جانب آخر، فمن قال مثلاً: اشهدوا أني تزوجت فلانة، فبلغها الخبر فأجازت، فهو باطل. وإن قال آخر: اشهدوا أني قد زوجتها منه فبلغها الخبر جاز.\rإذ أنه ليس في مسائل الفضولي الأربع قرينة تدل على أنه قام مقام الأصيل، وأنه يملك التعبير عنه، فعبارته لا تقوم مقام عبارتين، ولم يحدث بعبارته إلا الإيجاب وحده، وهو شطر العقد، وشطر العقد لا يتوقف على ما وراء المجلس، فيحدث القبول من الغائب دون أن يجد إيجاباً يلتقي معه؛ لأنه أصبح هدراً.\r-------------------------------\r(1) الدر المختار ورد المحتار: 446/2-452.","part":9,"page":214},{"id":5770,"text":"أما في المسائل الأولى في حال الولاية أو الوكالة، فقد دلت مقارنة على أن العاقد قام مقام الأصيل، وأنه معبر عنه، فتقوم عبارته مقام عبارة الأصيل، وتصبح عبارته مفيدة معنى الإيجاب والقبول.\rوأجاز أبو يوسف انعقاد الزواج بعاقد واحد في هذه المسائل كلها، فإذا زوجت المرأة نفسها غائباً فبلغه الخبر، فأجاز، جاز عنده؛ لأنه لا مانع أن تقوم عبارة العاقد الواحد مقام عبارتين،كالمقرر بحكم الوكالة أو الولاية الثابتتين حال العقد، ويكون العقد فيما وراء المجلس موقوفاً على إجازة صاحب الشأن، ولا محذور؛ لأن حقوق عقد الزواج ترجع إلى الأصيل. وإذا جرى العقد بين فضوليين أو بين فضولي وأصيل، جاز باتفاق الحنفية، ويكون موقوفاً على إجازة الغائب؛ لأن عبارة كل واحد منهما تقوم مقام عبارة الأصيل، لتعدد العاقد حقيقة، فيكون ما جرى بين الفضوليين عقداً تاماً لوجود الإىجاب والقبول، والعقد الكامل يتوقف على ما وراء مجلس العقد. هذا والفضولي قبل الإجازة لا يملك نقض النكاح، بخلاف البيع؛ لأنه في البيع ترجع إليه حقوق العقد، أما في النكاح فترجع الحقوق إلى المعقود له.\rوقرر زفر والشافعي والجمهور: أنه لا يجوز الزواج بعاقد واحد؛ لأن الشخص الواحد لا يتصور أن يكون مُملِّكاً ومتملكاً، لكن استثنى الشافعي مسألة الولي كالجد يزوج بنت ابنه من ابن ابنه الآخر، فيجوز للضرورة، ولا ضرورة في حق الوكيل وغيره من الأحوال الأخرى.\rوأجاز المالكية لابن العم والمولى ووكيل الولي والحاكم أن يزوج المرأة من نفسه، ويتولى طرفي العقد، وليشهد كل واحد منهم على رضاها خوفاً من منازعتها، بشرط أن يعين لها أنه الزوج، فرضيت بالقول إن كانت ثيباً ومن في حكمها من الأبكار الستة المتقدمة، أو بالصمت إن كانت بكراً ليست من الستة المتقدمة، ويتم الزواج بقوله: تزوجتك بكذا من المهر، وترضى به، ولا بد من الإشهاد على رضاها بالعقد ولو بعد عقده لنفسه بعد أن كانت مقرة بالعقد، ولا يحتاج لقوله: قبلت نكاحك بنفسي بعدئذ؛ لأن قوله «تزوجتك» فيه قبول.","part":9,"page":215},{"id":5771,"text":"الفَصْلُ الخامس: الكفاءة في الزَّواج\rمعناها وآراء الفقهاء في اشتراطها، نوع شرط الكفاءة، صاحب الحق في الكفاءة، من تطلب في جانبه الكفاءة، ما تكون فيه الكفاءة أو أوصاف الكفاءة، وتبحث في مباحث خمسة:\rالمبحث الأول ـ معنى الكفاءة وآراء الفقهاء في اشتراطها :\rالكفاءة لغة: المماثلة والمساواة، يقال: فلان كفء لفلان أي مساو له. ومنه قوله صلّى الله عليه وسلم : «المسلمون تتكافأ دماؤهم» (1) أي تتساوى، فيكون دم الوضيع منهم كدم الرفيع. ومنه قوله تعالى: {ولم يكن له كُفُواً أحد} [الإخلاص:4/112] أي لا مثيل له.\rوفي اصطلاح الفقهاء: المماثلة بين الزوجين دفعاً للعار في أمور مخصوصة، وهي عند المالكية: الدين، والحال (أي السلامة من العيوب التي توجب لها الخيار). وعند الجمهور: الدين، والنسب، والحرية، والحرفة (أو الصناع)، وزاد الحنفية والحنابلة: اليسار (أو المال) (2) .\rويراد منها تحقيق المساواة في أمور اجتماعية من أجل توفير استقرار الحياة الزوجية، وتحقيق السعادة بين الزوجين، بحيث لا تعير المرأة أو أولياؤها بالزوج بحسب العرف.\r-------------------------------\r(1) رواه أحمد والنسائي وأبو داود عن علي كرم الله وجهه.\r(2) الدسوقي: 248/2، كشاف القناع: 72/5، مغني المحتاج: 164/3، اللباب: 12/3، حاشية ابن عابدين: 436/2.","part":9,"page":216},{"id":5772,"text":"وأما آراء الفقهاء في اشتراط الكفاءة، فلهم رأيان (1) :\rالرأي الأولي ـ رأى بعضهم كالثوري، والحسن البصري، والكرخي من الحنفية: أن الكفاءة ليست شرطاً أصلاً، لا شرط صحة للزواج ولا شرط لزوم، فيصح الزواج ويلزم سواء أكان الزوج كفئاً للزوجة أم غير كفء، واستدلوا بما يأتي:\r1ً - قوله صلّى الله عليه وسلم : «الناس سواسية كأسنان المشط، لا فضل لعربي على عجمي، إنما الفضل بالتقوى» (2) فهو يدل على المساواة المطلقة، وعلى عدم اشتراط الكفاءة، ويدل له قوله تعالى: {إن أكرمكم عند الله أتقاكم} [الحجرات:13/49] وقوله تعالى: {وهو الذي خلق من الماء بشراً} [الفرقان:54/25] وحديث: «ليس لعربي على عجمي فضل إلا بالتقوى» (3).\rورد عليه بأن معناه أن الناس متساوون في الحقوق والواجبات، وأنهم لا يتفاضلون إلا بالتقوى، أما فيما عداها من الاعتبارات الشخصية التي تقوم على أعراف الناس وعاداتهم، فلا شك في أن الناس يتفاوتون فيها، فهناك تفاضل في الرزق والثروة: {والله فضل بعضكم على بعض في الرزق} [النحل:71/16] وهناك تفاضل في العلم يقتضي التكريم: {يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات} [المجادلة:11/58] وما يزال الناس يتفاوتون في منازلهم الاجتماعية ومراكزهم الأدبية، وهو مقتضى الفطرة الإنسانية، والشريعة لا تصادم الفطرة والأعراف والعادات التي لا تخالف أصول الدين ومبادئه.\r-------------------------------\r(1) فتح القدير: 417/2 وما بعدها، البدائع: 317/2، تبيين الحقائق: 128/2، الدسوقي مع الشرح الكبير: 248/2 وما بعدها، مغني المحتاج: 164/3، المهذب: 38/2، كشاف القناع: 71/5 وما بعدها، المغني: 480/6 وما بعدها.\r(2) أخرجه ابن لال بلفظ قريب عن سهل بن سعد «الناس كأسنان المشط، لا فضل لأحد على أحد إلا بالتقوى» (سبل السلام: 129/3).\r(3) رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح عن أبي نضرة ( مجمع الزوائد: 266/3).","part":9,"page":217},{"id":5773,"text":"2ً - الحديث المتقدم: وهو أن بلالاً رضي الله عنه خطب إلى قوم من الأنصار، فأبوا أن يزوجوه، فقال له رسول الله صلّى الله عليه وسلم : «قل لهم: إن رسول الله صلّى الله عليه وسلم يأمركم أن تزوجوني» أمرهم النبي صلّى الله عليه وسلم بالتزويج عند عدم الكفاءة،ولو كانت معتبرة لما أمر؛ لأن التزويج من غير كفء غير مأمور به.\rويؤكده أن سالم مولى امرأة من الأنصار زوجه أبو حذيفة من ابنة أخيه: هند بنت الوليد بن عتبة بن ربيعة (1) . وكذلك أمر النبي صلّى الله عليه وسلم امرأة قرشية هي فاطمة أخت الضحاك بن قيس، وهي من المهاجرات الأول أن تتزوج أسامة قائلاً لها: «انكحي أسامة» (2) ، وروى الدارقطني أن أخت عبد الرحمن بن عوف كانت تحت بلال.\rويدل له: «أن أبا هند حجم النبي صلّى الله عليه وسلم في اليافوخ، فقال النبي صلّى الله عليه وسلم : يا بني بياضة، أنكحوا أبا هند، وانكحوا إليه» (3) . ورد على الأحاديث بمعارضتها بأحاديث أخرى تتطلب الكفاءة فتكون محمولة على الندب والأفضل، وبأن التسوية بين العرب وغيرهم إنما هو في أحكام الآخرة، أما في الدنيا فقد ظهر فضل العربي على العجمي في كثير من أحكام الدنيا.\r3ً - الدماء متساوية في الجنايات، فيقتل الشريف بالوضيع، والعالم بالجاهل، فيقاس عليها عدم الكفاءة في الزواج، فإن كانت الكفاءة غير معتبرة في الجنايات، فلا تكون معتبرة في الزواج بالأولى.\rورد عليه بأنه قياس مع الفارق؛ لأن التساوي في القصاص في مسائل الجنايات، إنما طلب لمصلحة الناس وحفظ حق الحياة، حتى لا يتجرأ ذو الجاه أو النسب على قتل من دونه ممن لا يكافئه. أما الكفاءة في الزواج فلتحقيق مصالح الزوجين من دوام العشرة مع المودة والألفة بينهما، ولا تتحقق تلك المصالح إلا باشتراط الكفاءة.\r-------------------------------\r(1) رواه البخاري والنسائي وأبو داود عن عائشة (نيل الأوطار: 128/6).\r(2) رواه مسلم عن فاطمة بنت قيس (سبل السلام: 129/3).\r(3) رواه أبو داود عن أبي هريرة (نيل الأوطار: 128/6).","part":9,"page":218},{"id":5774,"text":"الرأي الثاني - رأى جمهور الفقهاء (منهم المذاهب الأربعة): أن الكفاءة شرط في لزوم الزواج، لا شرط صحة فيه، عملاً بالأدلة التالية من السنة والمعقول:\r1ً - السنة: حديث علي أن النبي صلّى الله عليه وسلم قال له: «ثلاث لا تؤخر: الصلاة إذا أتت، والجنازة إذا حضرت، والأيم إذا وجدت لها كفئاً» (1) .\rوحديث جابر: «لا تنُكحوا النساء إلا الأكفاء، ولا يزوجوهن إلا الأولىاء، ولا مهردون عشرة دراهم» (2) .\rوحديث عائشة: «تخيروا لنطفكم، وأنكحوا الأكفاء» (3)\r-------------------------------\r(1) رواه الترمذي والحاكم عن علي (نيل الأوطار: 128/6).\r(2) رواه الدارقطني عن جابر بن عبد الله ، وفيه مبشر بن عبد الله متروك الحديث (نصب الراية: 196/3).\r(3) روي من حديث عائشة، ومن حديث أنس، ومن حديث عمر بن الخطاب، من طرق عديدة كلها ضعيفة (نصب الراية: 197/3).","part":9,"page":219},{"id":5775,"text":"وحديث ابن عمر: «العرب بعضهم أكفاء لبعض، قبيلة بقبيلة، ورجل برجل، والموالي بعضهم أكفاء لبعض، قبيلة بقبيلة، ورجل برجل إلا حائك أو حجام» (1) .وحديث عائشة وعمر: «لأمنعن تزوّج ذوات الأحساب إلا من الأكفاء» (2) .\rوحديث أبي حاتم المزني: «إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه، فأنكحوه، إلا تفعلوه، تكن فتنة في الأرض وفساد كبير» (3) وفيه دليل على اعتبار الكفاءة.\rوحديث بريدة المتقدم الذي جعل فيه النبي صلّى الله عليه وسلم الخيار لفتاة زوجها أبوها ابن أخيه ليرفع بها خسيسته (4) .\rوحديث «العلماء ورثة الأنبياء» (5) وحديث «الناس معادن كمعادن الذهب والفضة، خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام، إذا فقُهوا» (6) .\rقال الشافعي: أصل الكفاءة في النكاح حديث بريرة، فقد خيرها النبي صلّى الله عليه وسلم ، لما لم يكن زوجها كفئاً لها بعد أن تحررت، وكان زوجها عبداً.\rوقال الكمال بن الهمام (7) : هذه الأحاديث الضعيفة من طرق عديدة يقوي بعضها بعضاً، فتصبح حجة بالتضافر والشواهد، وترتفع إلى مرتبة الحسن، لحصول الظن بصحة المعنى، وثبوته عنه صلّى الله عليه وسلم ، وفي هذا كفاية.\r2 - المعقول: وهو أن انتظام المصالح بين الزوجين لا يكون عادة إلا إذا كان هناك تكافؤ بينهما؛ لأن الشريفة تأبى العيش مع الخسيس، فلا بد من اعتبار الكفاءة من جانب الرجل، لا من جانب المرأة؛ لأن الزوج لا يتأثر بعدم الكفاءة عادة، وللعادة والعرف سلطان أقوى وتأثير أكبر على الزوجة، فإذا لم يكن زوجها كفئاً لها، لم تستمر الرابطة الزوجية، وتتفكك عُرى المودة بينهما، ولم يكن للزوج صاحب القوامة تقدير واحترام. وكذلك أولىاء المرأة يأنفون من مصاهرة من لا يناسبهم في دينهم وجاههم ونسبهم، ويعيرون به، فتختل روابط المصاهرة أو تضعف، ولم تتحقق أهداف الزواج الاجتماعية، ولا الثمرات المقصودة من الزوجية.\rوهذا الرأي هو المعمول به في أغلب البلاد الإسلامية كمصر وسورية وليبيا. والذي يظهر لي رجحان مذهب الإمام مالك في هذا الشأن، وهو اعتبار الكفاءة فقط في الدين والحال، أي السلامة من العيوب التي توجب للمرأة الخيار في الزواج، وليس الحال بمعنى الحسب والنسب وإنما يندب ذلك فقط، والسبب هو ضعف أحاديث الجمهور، ولأن الدليل الأقوى للجمهور وهو المعقول يعتمد على العرف، فإذا كان العرف بين الناس كمافي عصرنا الحاضر هو عدم النظر إلى الكفاءة، وأصبح مبدأ المساواة هو الأساس في التعامل، وزالت المعاني القبلية والتمييز الطبقي بين الناس، فلم يعد هناك مسوغ للكفاءة.\r-------------------------------\r(1) رواه الحاكم عن عبد الله بن عمر، وهو حديث منقطع (نصب الراية، نيل الأوطار، المكان السابق).\r(2) رواه الدارقطني (نيل الأوطار: 127/6).\r(3) رواه الترمذي، وقال: هذا حديث حسن غريب، وعده أبو داود في المراسيل (نيل الأوطار: 127/6).\r(4) رواه ابن ماجه وأحمد والنسائي من حديث ابن بريدة (نيل الأوطار: 127/6).\r(5) أخرجه أحمد وأبو داود والترمذي وابن حبان من حديث أبي الدرداء، وضعفه الدارقطني في العلل (نيل الأوطار: 128/6).\r(6) متفق عليه (رياض الصالحين: ص 164).\r(7) فتح القدير: 417/2 وما بعدها).","part":9,"page":220},{"id":5776,"text":"المبحث الثاني ـ نوع شرط الكفاءة :\rهل الكفاءة شرط صحة أو شرط لزوم؟\rاتفق فقهاء المذاهب الأربعة في الراجح عند الحنابلة والمعتمد عند المالكية والأظهر عند الشافعية (1) على أن الكفاءة شرط لزوم في الزواج، وليست شرطاً في صحة النكاح، فإذا تزوجت المرأة غير كفء، كان العقد صحيحاً، وكان لأوليائها حق الاعتراض عليه وطلب فسخه، دفعاً لضرر العار عن أنفسهم، إلا أن يسقطوا حقهم في الاعتراض فيلزم، ولو كانت الكفاءة شرط صحة لما صح، حتى ولو أسقط الأولياء حقهم في الاعتراض؛ لأن شرط الصحة لا يسقط بالإسقاط.\rوأخذ القانون السوري (م 26) باعتبار كون الكفاءة شرط لزوم، ونص هذه المادة: «يشترط في لزوم الزواج أن يكون الرجل كفئاً للمرأة» ونصت المادة (27) على أنه: «إذا زوجت الكبيرة نفسها من غير موافقة الولي، فإن كان الزوج كفئاً، لزم العقد، وإلا فللولي طلب فسخ النكاح» وهذا هو المختار لدى واضعي قانون الأحوال الشخصية في مصر.\rتفصيل رأي الحنفية في شرط الكفاءة :\rالكفاءة عند الحنفية في الجملة تعد شرط لزوم (2) ، لكن المفتى به عند المتأخرين أن الكفاءة شرط لصحة الزواج في بعض الحالات، وشرط لنفاذه في بعض الحالات، وشرط للزومه في حالات أخرى.\r-------------------------------\r(1) البدائع: 317/2، الدسوقي: 249/2، مغني المحتاج: 164/3، المهذب: 38/2، كشاف القناع: 71/2، المغني: 480/6، فتح القدير: 419/2، اللباب: 12/3.\r(2) الدر المختار: 437/2.","part":9,"page":221},{"id":5777,"text":"أما الحالات التي تكون الكفاءة فيها شرطاً لصحة الزواج، فهي ما يأتي (1) :\r1ً - إذا زوجت المرأة البالغة العاقلة نفسها من غير كفء أوبغبن فاحش، وكان لهاولي عاصب لم يرض بهذا الزواج قبل العقد، لم يصح الزواج أصلاً، لا لازماً ولا موقوفاً على الرضا بعد البلوغ.\r2ً - إذا زوج غير الأصل (الأب والجد) أو الفرع (الابن) عديم الأهلية أو ناقصها، أي المجنون والمجنونة أو الصغير والصغيرة من غير كفء، فإن الزواج فاسد؛ لأن ولاية هؤلاء منوطة بالمصلحة، ولا مصلحة في التزويج بغير الكفء.\r3ً - إذا زوج الأب أو الابن المعروف بسوء الاختيار (2) عديم الأهلية أو ناقصها، من غير كفء أو بغبن فاحش،لم يصح النكاح اتفاقاً. وكذا لو كان سكران، فزوج المرأة من فاسق أو شرير أو فقير أو ذي حرفة دنيئة، لظهور سوء اختياره، وانعدام المصلحة في هذا الزواج.\rويلزم النكاح ولو بغبن فاحش بنقص مهرها وزيادة مهره، أو زوجها بغير كفء إن كان الولي المزوج أباً أو جداً أو ابن المجنونة إذا لم يعرف منهما سوء الاختيار.\rوتكون الكفاءة شرطاً لنفاذ الزواج :\rإذا وكلت المرأة البالغة العاقلة شخصاً في زواجها، سواء أكان ولياً أم أجنبياً عنها، فزوَّجها بغير كفء، كان العقد موقوفاً على إجازتها؛ لأن الكفاءة حق للمرأة ولأوليائها، فإذا لم يكن الزوج كفئاً لها، لا ينفذ العقد إلا برضاها (3) .\r-------------------------------\r(1) الدر المختار ورد المحتار: 418/2-420، 436.\r(2) سوء الاختيار والرأي: أن يكون الشخص فاسقاً أوماجناً لا يبالي بما يصنع، أو يكون سفيهاً طماعاً (رد المحتار لابن عابدين: 418/2).\r(3) الدر المختار ورد المحتار: 436/2.","part":9,"page":222},{"id":5778,"text":"وتكون الكفاءة شرطاً للزوم الزواج في ظاهر الرواية:\rإذا زوجت البالغة العاقلة نفسها من كفء، كان الزواج لازماً، وليس لوليها حق الاعتراض وطلب الفسخ، فإن زوجت نفسها من غير كفء، كان لوليها العاصب حق الاعتراض (1) .\rيتبين من هذا أن الكفاءة تشبه عند الحنفية ولاية الزواج، ففي حالات قد تكون الولاية شرطاً في صحة الزواج، وقد تكون شرطاً في نفاذه، وقد تكون شرطاً في لزومه.\rومن المعلوم أن شروط لزوم الزواج عند الحنفية أربعة هي باختصار:\r1ً - أن يكون الولي في تزويج الصغير والصغيرة هو الأب أو الجد. أما غيرهما كالأخ والعم إذا زوج الصغار، فلا يلزم الزواج في رأي أبي حنيفة ومحمد، ويكون لهم الخيار بعد البلوغ. وقال أبو يوسف: يلزم نكاح غير الأب والجد من الأولياء، فلا يثبت للصغار الخيار بعد البلوغ (2) .\r2ً - أن يكون الزوج خالياً من العيوب الجنسية، كما يتبين في بحث الطلاق.\r3ً - أن تزوج المرأة نفسها بمهر المثل، فإذا زوجت نفسها بغبن فاحش، لم يلزم العقد، وكان للأولىاء عند أبي حنيفة حق الاعتراض، حتى يتم لها مهر مثلها أو يفارقها؛ لأن الأولياء يفتخرون بغلاء المهور ويتعيرون بنقصانه، فأشبه الكفاءة. وقال الصاحبان: ليس لهم ذلك؛ لأن ما زاد على العشرة دراهم حقها، ومن أسقط حقه لا يعترض عليه (3) .\r4ً - أن يكون الزوج كفئاً للمرأة، فإن زوجت المرأة نفسها من غير كفء لها، كان للأولياء حق الاعتراض، ويفسخ القاضي العقد إن ثبت له عدم كفاءة الزوج دفعاً للعار. وهذا متفق عليه بين المذاهب كما تقدم.\r-------------------------------\r(1) المرجع السابق، البدائع: 317/2 وما بعدها.\r(2) البدائع: 315/2.\r(3) فتح القدير: 424/2، البدائع: 322/2، الدر المختار: 445/2-446.","part":9,"page":223},{"id":5779,"text":"المبحث الثالث ـ صاحب الحق في الكفاءة :\rاتفق الفقهاء (1) على أن الكفاءة حق لكل من المرأة وأوليائها، فإذا تزوجت المرأة بغير كفء، كان لأوليائها حق طلب الفسخ، وإذا زوجها الولي بغير كفء، كان لها أيضاً الفسخ؛ لأنه خيار لنقص في المعقود عليه، فأشبه خيار البيع، ولما روي: أن فتاة جاءت إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلم ، فقالت: إن أبي زوجني ابنَ أخيه ليرفع بي خسيسته، قال: فجعل الأمر إليها، فقالت: قد أجزت ما صنع أبي، ولكن أردت أن أعلم النساء أن ليس إلى الآباء من الأمر شيء (2) . والحاصل: أن المرأة إن تركت الكفاءة فحق الولي باق، وبالعكس.\rترتيب الحق بين الأولياء ووقت سقوط حق الاعتراض :\rيثبت هذا الحق عند الحنفية للأقرب من الأولياء العصبة فالأقرب، فإذا لم يرضوا فلهم أن يفرقوا بين المرأة وزوجها، ما لم تلد، أو تحمل حملاً ظاهراً في ظاهر الرواية، وإذا زوجها الولي بغير كفء برضاها، لزم النكاح، وإذا رضي الأولياء فقد أسقطوا حق أنفسهم بالاعتراض والفسخ.\rوقال المالكية: للأولياء الفسخ ما لم يدخل الزوج بالمرأة، فإن دخل فلا فسخ. والاعتراض حق مشترك لكل الأولياء، فلو زوجها أحد الأولياء من غير كفء برضاها من غير رضا الباقين، لم يلزم النكاح، وهذا خلافاً للحنفية والشافعية.\r-------------------------------\r(1) البدائع: 318/2، الدر المختار ورد المحتار: 436/2، 443، 424/2، اللباب: 12/3، الشرح الكبير: 249/2، المهذب: 38/2، كشاف القناع: 72/5، المغني: 481/6، مغني المحتاج: 164/3.\r(2) رواه ابن ماجه وأحمد والنسائي من حديث عبد الله بن بريدة عن أبيه (نيل الأوطار: 127/6).","part":9,"page":224},{"id":5780,"text":"وقال الشافعية: لو زوجها الولي الأقرب برضاها، فليس للأبعد اعتراض؛ إذ لا حق له الآن في التزويج. وإذا تساوى الأولياء في الدرجة، فزوجها أحدهم برضاها دون رضاهم، لم يصح الزواج؛ لأن لهم حقاً في الكفاءة، فاعتبر رضاهم كرضا المرأة. ولو زوجها الولي غير كفء برضاها، أو زوجها بعض الأولياء المستوين في الدرجة برضاها ورضا الباقين، صح الزواج.\rوقال الحنابلة: يملك الاعتراض والفسخ الأبعد من الأولياء مع رضا الأقرب منهم بالزوج، ومع رضا الزوجة أيضاً دفعاً لما يلحقه من العار؛ لأن الكفاءة عندهم كما جاء في كشاف القناع حق للمرأة والأولياء جميعهم، فلو زوج الأب بنته بغير كفء برضاها، فللإخوة الفسخ؛ لأن العار في تزويج من ليس بكفء عليهم أجمعين.\rولو زالت الكفاءة بعد العقد، فللزوجة عندهم الفسخ فقط دون أوليائها؛ لأن حق الأولياء في ابتداء العقد لا في استدامته، وهذا بخلاف رأي المذاهب الأخرى، فإن الكفاءة تعتبر عند الجمهور عند ابتداء العقد، فلا يضر زوالها بعده، فلو كان وقت العقد كفئاً، ثم صار غير كفء، لم يفسخ العقد.\rرضا بعض الأولياء المستوين في الدرجة دون البعض :\rإن تعدد الأولياء الأقارب كالإخوة الأشقاء، ورضي بعضهم بالزواج، ولم يرض الآخرون، كان رضا البعض عند أبي حنيفة ومحمد مسقطاً لحق الآخرين؛ لأن هذا حق واحد لا يتجزأ؛ لأن سببه وهو القرابة لا يقبل التجزئة، والقاعدة المقررة أن إسقاط بعض مالا يتجزأ إسقاط لكله، فإذا أسقط أحد الأولياء حقه، سقط حق الباقين، قياساً على حق القصاص الثابت لجماعة، فإنه حق لا يقبل التجزئة، فإذا عفا بعضهم سقط حق الباقين. وأجيب عنه بأن القصاص لا يثبت لكل واحد كاملاً، فإذا سقط بعضه تعذر استيفاؤه.\rوقال الجمهور (وهم المالكية والشافعية والحنابلة وأبو يوسف وزفر): إن رضي بعض الأولياء المتساوين، لم يسقط حق الآخرين في الاعتراض؛ لأن الكفاءة حق مشترك ثبت للكل، وإذا أسقط أحد الشريكين حق نفسه، لا يسقط حق صاحبه، كالدين المشترك.\rوأجيب عنه: بأن قياس الكفاءة على الدين المشترك قياس مع الفارق؛ لأن الدين حق يقبل التجزئة، وحق الكفاءة لا يقبل التجزئة.\rولا فرق عند الحنابلة بين أن يكون الأولياء متساوين في الدرجة أم متفاوتين؛ لأن الكفاءة عندهم حق الكل.","part":9,"page":225},{"id":5781,"text":"المبحث الرابع : من تطلب الكفاءة في جانبه :\rيرى جمهور الفقهاء أن الكفاءة تطلب للنساء لا للرجال، بمعنى أن الكفاءة تعد في جانب الرجال للنساء، فهو حق في صالح المرأة لا في صالح الرجل، فيشترط أن يكون الرجل مماثلاً أو مقارباً لها في أمور الكفاءة. ولا يشترط في المرأة أن تكون مساوية للرجل أو مقاربة له، بل يصح أن تكون أقل منه في أمور الكفاءة؛ لأن الرجل لا يعير بزوجة أدنى حالاً منه، أما المرأة وأقاربها فيعيرون بزوج أقل منها منزلة (1) . لكن يستثنى من هذا الأصل مسألتان تشترط فيهما الكفاءة من جانب المرأة، ذكرتا سابقاً وهما:\rالأولى ـ أن يزوج غير الأب أو الجد عديم الأهلية أو ناقصها، أويزوجه الأب أو الجد الذي عرف قبل العقد بسوء الاختيار، فإنه يشترط لصحة هذا الزواج أن تكون الزوجة مكافئة له، احتياطاً لمصلحة الزواج، وإلا لم يصح الزواج.\rالثانية ـ أن يوكل الرجل غيره في تزويجه وكالة مطلقة، فإنه يشترط لنفاذ العقد على الموكل في رأي المالكية وأبي يوسف ومحمد أن تكون الزوجة كفئاً له.\rالمبحث الخامس ـ ما تكون فيه الكفاءة، أو أوصاف الكفاءة :\rاختلف الفقهاء في خصال الكفاءة، فهي عند المالكية اثنان: وهما الدين والحال، أي السلامة من العيوب المثبتة للخيار، لا الحال بمعنى الحسب والنسب.\rوعند الحنفية ستة: هي الدين والإسلام والحرية والنسب والمال والحرفة (2) .\r-------------------------------\r(1) البدائع: 320/2، الدسوقي: 249/2، مغني المحتاج: 164/3، كشاف القناع: 72/5.\r(2) نظم العلامة الحموي ما تعتبر فيه الكفاءة، فقال:\rإن الكفاءة في النكاح تكون في ..... ..... ست لها بيت بديع قد ضبط\rنسب وإسلام كذلك حرفة ..... ...... حرية وديانة مال فقط","part":9,"page":226},{"id":5782,"text":"ولا تكون الكفاءة عندهم في السلامة من العيوب التي يفسخ بها البيع كالجذام والجنون والبرص، والبخَر والدفَر إلا عند محمد في الثلاثة الأولى.\rوعند الشافعية خمسة: هي الدين أو العفة، والحرية، والنسب، والسلامة من العيوب المثبتة للخيار، والحرفة.\rوعند الحنابلة خمسة أيضاً: هي الدين، والحرية، والنسب، واليسار (المال)، والصناعة أي الحرفة (1) .\rفهم متفقون على الكفاءة في الدين، واتفق غير المالكية على الكفاءة في الحرية والنسب والحرفة، واتفق المالكية والشافعية على خصلة السلامة من العيوب المثبتة للخيار، واتفق الحنفية في ظاهر الرواية والحنابلة على خصلة المال، وانفرد الحنفية بخصلة إسلام الأصول.\r-------------------------------\r(1) البدائع: 318/2-320، الدر المختار ورد المحتار: 437/2-445، فتح القدير: 419/2-424، اللباب: 13/3، الشرح الكبير: 249/2 وما بعدها، المهذب: 39/2، مغني المحتاج: 165/3-167، كشاف القناع: 72/5 وما بعدها، المغني: 482/6-486.","part":9,"page":227},{"id":5783,"text":"1 - الديانة، أو العفة أو التقوى: المراد بها الصلاح والاستقامة على أحكام الدين، فليس الفاجر والفاسق كفئاً لعفيفة أو صالحة بنت صالح، أو مستقيمة، لها ولأهلها تدين وخلق حميد، سواء أكان معلناً فسقه، أم غير معلن أي لا يجهر بالفسق لكن يشهد عليه أنه فعل كذا من المفسقات؛ لأن الفاسق مردود الشهادة والرواية، وهو نقص في إنسانيته، ولأن المرأة تعير بفسق الزوج أكثر ما تعير بضعة نسبه، فلا يكون كفئاً لامرأة عدل، بالاتفاق ما عدا محمد بن الحسن، لقوله تعالى: {أفمن كان مؤمناً كمن كان فاسقاً، لا يستوون} [السجدة:18/32] وقوله سبحانه: {الزاني لا ينكح إلا زانية} [النور:3/24] ونوقش الاستدلال بالآيتين، أما الأولى فهي في حق المؤمن والكافر، وأما الثانية فهي منسوخة، والأصح الاستدلال بحديث أبي حاتم المزني المتقدم: « إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فأنكحوه، إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد عريض» .\rوقال محمد: إن الفسق لا يمنع الكفاءة، إلا إذا كان صاحبه متهتكاً يصفع ويسخر منه،أو يخرج إلى الأسواق سكران؛ لأن الفسق من أحكام الآخرة، فلا تبتنى عليه أحكام الدنيا.\rوهل يكون الفاسق كفئاً لفاسقة بنت صالح، قال بعض الحنفية: لا يكون الفاسق كفئاً لها، وقال ابن عابدين: إن المفهوم من كلامهم اعتبار صلاح الكل أي الفتاة والأب، وإن من اقتصر على صالحة أو صلاح آبائها نظر إلى الغالب من أن صلاح الولد والوالد متلازمان، فعلى هذا لا يكون الفاسق كفئاً لصالحة بنت صالح، بل يكون كفئاً لفاسقة بنت فاسق، وكذا لفاسقة بنت صالح، لأن ما يلحقه من العار ببنته أكثر من العار بصهره. وإذا كانت صالحة بنت فاسق، فزوجت نفسها من فاسق، فليس لأبيها حق الاعتراض؛ لأنه مثله، وهي قد رضيت به.","part":9,"page":228},{"id":5784,"text":"2 - الإسلام: شرط انفرد به الحنفية بالنسبة لغير العرب، خلافاً للجمهور، والمراد به إسلام الأصول أي الآباء، فمن له أبوان مسلمان كفء لمن كان له آباء في الإسلام، ومن له أب واحد في الإسلام لا يكون كفئاً لمن له أبوان في الإسلام؛ لأن تمام النسب بالأب والجد. وألحق أبو يوسف الواحد بالمثنى.\rومن أسلم بنفسه لا يكون كفئاً لمن له أب واحد في الإسلام؛ لأن التفاخر فيما بين الموالي (غير العرب) بالإسلام.\rودليل الحنفية على هذه الخصلة: أن تعريف الشخص يكون كاملاً بالأب والجد، فإذا كان الأب والجد مسلماً، كان نسبه إلى الإسلام كاملاً.\rولا تعتبر هذه الخصلة إلا في غير العرب؛ لأنهم بعد إسلامهم صار فخرهم بالإسلام، وهو شرفهم الذي قام مقام النسب. أما العرب فلا يعتبر فيهم التكافؤ في إسلام الآباء؛ لأن العرب يتفاخرون بأنسابهم، ولا يتفاخرون بإسلام أصولهم، فالعربي المسلم الذي ليس له أب مسلم كفء للعربية المسلمة التى لها أب وأجداد مسلمون.","part":9,"page":229},{"id":5785,"text":"3 - الحرية: شرط في الكفاءة عند الجمهور (الحنفية والشافعية والحنابلة) فلا يكون العبد ولو مبعضاً كفئاً لحرة ولو كانت عتيقة؛ لأنه منقوص بالرق، ممنوع من التصرف في كسبه، غير مالك له، ولأن الأحرار بمصاهرة الأرقاء كما يعيرون بمصاهرة من دونهم في النسب والحسب.\rواشترط الحنفية والشافعية أيضاً حرية الأصل، فمن كان أحد آبائه رقيقاً ليس كفئاً لحر الأصل، أو لمن كان أبوها رقيقاً ثم أعتق، ومن كان له أبوان في الحرية ليس كفئاً لمن كان له أب واحد في الحرية.\rوأضاف الحنفية والشافعية أن العتيق ليس كفئاً لحرة أصلية؛ لأن الأحرار يعيرون بمصاهرة العتقاء، كما يعيرون بمصاهرة الأرقاء.\rوقال الحنابلة: العتيق كله كفء للحرة.\rوأما المالكية فلم يشترطوا الحرية في الكفاءة، وقالوا: في كفاءة العبد للحرة، وعدم كفاءته لها على الأرجح تأويلان: المذهب أنه ليس بكفء، والراجح أنه كفء، وهو الأحسن؛ لأنه قول ابن القاسم.\rوقال الدسوقي: والظاهر التفصيل: فما كان من جنس الأبيض فهو كفء؛ لأن الرغبة فيه أكثر من الأحرار، وبه الشرف في عرف مصرنا، وما كان من جنس الأسود فليس بكفء؛ لأن النفوس ـ على حد تعبيره ـ تنفر منه، ويقع به الذم للزوجة. وهذا حكاية لعرف الناس في عصره، وليس أمراً مقرراً في الشرع.\rلذا أرى أن هذا الرأي خاص بالدسوقي، فإن مبادئ الشريعة تناقض هذا القول إذ لا تفرقة في أحكامها بين الناس بسبب اللون، وما اعتمده من عرف مصر هو عرف فاسد، لمصادمته مبادئ الشريعة، أو أنه مجرد أهواء نفسية وميول خاصة لا يقرها الشرع؛ لأن الناس سواء في دين الله تعالى.","part":9,"page":230},{"id":5786,"text":"4 - النسب: وسماه الحنابلة: المنصب.\rالمراد بالنسب: صلة الإنسان بأصوله من الآباء والأجداد. أما الحسب: فهو الصفات الحميدة التي يتصف بها الأصول أو مفاخر الآباء، كالعلم والشجاعة والجود والتقوى. ووجود النسب لا يستلزم الحسب، ولكن وجود الحسب يستلزم النسب.والمقصود من النسب أن يكون الولد معلوم الأب، لا لقيطاً أو مولى إذ لا نسب له معلوم. ولم يعتبر المالكية الكفاءة في النسب، أما الجمهور (الحنفية والشافعية والحنابلة وبعض الزيدية) فقد اعتبروا النسب في الكفاءة، لكن خصص الحنفية النسب في الزواج من العرب؛ لأنهم الذين عنوا بحفظ أنسابهم، وتفاخروا بها، وحدث التعيير بينهم فيها.\rأما العجم فلم يعنوا بأنسابهم ولم يفتخروا بها، ولذا اعتبر فيهم الحرية والإسلام. والأصح عند الحنفية أن العجمي لا يكون كفئاً للعربية ولو كان عالماً أو سلطاناً.\rوبناء على هذا الرأي: لا يكون العجمي كفئاً للعربية، لقول عمر: «لأمنعن أن تزوج ذات الأحساب إلا من الأكفاء» (1) ، ولأن الله اصطفى العرب على غيرهم، ولأن العرب فضلت الأمم برسول الله صلّى الله عليه وسلم .\rوقريش عند الحنفية وفي رواية عن أحمد بعضهم أكفاء بعض، وبقية العرب بعضهم أكفاء بعض، واستثنى بعضهم بني باهلة لخستهم. ودليلهم قول ابن عباس: قريش بعضهم أكفاء بعض.\rويرى الشافعية وفي رواية أخرى عن أحمد: أن غير الهاشمي والمطلبي ليس\r-------------------------------\r(1) رواه الخلال والدارقطني.","part":9,"page":231},{"id":5787,"text":"كفئاً لباقي قريش كبني عبد شمس ونوفل، وإن كانا أخوين لهاشم، لخبر: «إن الله اصطفى من العرب كنانة، واصطفى من كنانة قريشاً، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم» (1) .\rويتفق الجمهور على أن قريشاً وهم أولاد النضر بن كنانة أفضل نسباً من سائر العرب، فالقرشية لا يكافئها إلا قرشي مثلها، والقرشي كفء لكل عربية. وأن المرأة العربية غير القرشية يكافئها أي عربي من أي قبيلة كانت، ولكن لا يكافئها غير العربي أي العجمي.\rودليل الجمهور حديث: «العرب بعضهم أكفاء لبعض، قبيلة بقبيلة، ورجل برجل، والموالي بعضهم أكفاء لبعض، قبيلة بقبيلة، ورجل برجل، إلا حائك أو حجام» (2) .\rوالحق أن اعتبار النسب في الكفاءة ليس صحيحاً، والصحيح قول المالكية؛ لأن مزية الإسلام الجوهرية هي الدعوة إلى المساواة، ومحاربة التمييز العرقي أو العنصري، ودعوات الجاهلية القبلية والنسبية، ولأن انتشار الإسلام بين الناس غير العرب إنما كان أساساً لهذه المزية، وإعلان حجة الوداع واضح وهو أن الناس جميعاً أبناء آدم، وليس لعربي على عجمي فضل إلا بالتقوى.\rأما الحديث الذي اعتمد عليه الجمهور فهو ضعيف، لذا فإن تفضيل قريش على سائر العرب، ثم تفضيل العرب على العجم، لم يدل عليه شيء من السنة، بل ورد في السنة خلافه؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلم زوج ابنتيه عثمان، وزوج أبا العاص بن\r-------------------------------\r(1) رواه الترمذي عن واثلة، وهو صحيح.\r(2) رواه الحاكم والبيهقي عن عبد الله بن عمر، ولكنه حديث منقطع (نصب الراية: 197/3، سبل السلام: 128/3).","part":9,"page":232},{"id":5788,"text":"ربيع زينب، وهما من بني عبد شمس، وزوج علي عمر ابنته أم كلثوم، وزوج النبي بنت عمته زينب وهي قرشية زيد بن حارثة، وهو من الموالي، وتزوج أسامة ابن زيد فاطمة بنت قيس وهي من قريش، بعد أن طلقها زوجها: أبو عمر بن حفص بن المغيرة، فأخبرته أن معاوية وأبا جهم خطباها، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلم : «أما أبو جهم فلا يضع عصاه عن عاتقه، وأما معاوية فصعلوك لا مال له، انكحي أسامة بن زيد» (1) .\rوتزوج عبد الله بن عمرو بن عثمان فاطمة بنت الحسين بن علي، وتزوج المصعب بن الزبير أختها سكينة، وتزوجها أيضاً عبد الله بن عثمان بن حكيم بن حزام، وتزوج المقداد بن الأسود ضباعة بنة الزبير بن عبد المطلب ابنة عم رسول الله صلّى الله عليه وسلم . وزوج أبو بكر أخته أم فروة الأشعث بن قيس، وهما كنديان (2) .\rولأن العجم والموالي بعضهم لبعض أكفاء، وإن تفاضلوا، وشرف بعضهم على بعض، وكذلك العرب.\rوإذا حرص العرب على أنسابهم وتفاخروا بها، فإن غير العرب قد حرصوا على أنسابهم، وتتعير المرأة منهم إذا تزوجت من لا يساويها في الحسب والنسب.\r5 - المال أو اليسار: المراد به القدرة على المهر والنفقة على الزوجة، لا الغنى والثراء، فلا يكون المعسر كفئاً لموسرة. وحدد بعض الحنفية هذه القدرة على نفقة شهر، وصحح بعضهم الاكتفاء بالقدرة عليها بالكسب.\rواشترط اليسار في الكفاءة الحنفية والحنابلة؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلم قال في الحديث السابق لفاطمة بنت قيس: «أما معاوية فصعلوك لا مال له» ، ولأن الناس\r-------------------------------\r(1) رواه مسلم عن فاطمة بنت قيس (سبل السلام: 129/3).\r(2) المغني: 483/6 وما بعدها.","part":9,"page":233},{"id":5789,"text":"يتفاخرون بالمال أكثر من التفاخر بالنسب، ولأن الموسرة تتضرر في إعسار زوجها لإخلاله بنفقتها ومؤنة أولاده، ولهذا ملكت الفسخ بإعساره بالنفقة، ولأن عدم اليسار نقص في عرف الناس يتفاضلون فيه كتفاضلهم في النسب.\rوقال الشافعية في الأصح والمالكية: لا يعد اليسار في خصال الكفاءة؛ لأن المال ظل زائل، وحال حائل، ومال مائل، ولا يفتخر به أهل المروءات والبصائر.\rوالراجح لدي هو هذا الرأي؛ لأن الغنى لا دوام له، والمال غاد ورائح، والرزق مقسوم منوط بالكسب، والفقر شرف في الدين، وقد قال النبي صلّى الله عليه وسلم : «اللهم أحيني مسكيناً وأمتني مسكيناً» (1) .\r6 - المهنة أو الحرفة أو الصناعة :\rوالمراد بها العمل الذي يمارسه الإنسان لكسب رزقه وعيشه، ومنه الوظيفة في الحكومة.\rوذكر الجمهور غير المالكية الحرفة في خصال الكفاءة، بأن تكون حرفة الزوج أو أهله مساوية أو مقاربة لحرفة الزوجة أو أهلها. فلا يكون صاحب حرفة دنيئة كالحجام والحائك والكسَّاح والزبال والحارس والراعي والفقَّاط كفئآً لبنت صاحب صناعة جليلة أو رفيعة كالتاجر والبزاز، أي الذي يتجر في البَزّ وهو القماش، والخياط، ولا تكون بنت التاجر والبزاز كفئاً لبنت العالم والقاضي نظراً للعرف فيه. وأما أتباع الظلمة فأخسّ من الكل. وأهل الكفر بعضهم أكفاء لبعض؛ لأن اعتبار الكفاءة لدفع النقيصة، ولا نقيصة أعظم من الكفر.\rوالمعول عليه في تصنيف الحرف هو العرف، وهذا يختلف باختلاف الأزمان والأمكنة، فقد تكون الحرفة دنيئة في زمن، ثم تصبح شريفة في زمن آخر. وقد تكون الحرفة وضيعة في بلد، وتكون رفيعة في بلد آخر.\rولم يذكر المالكية الحرفة من خصال الكفاءة؛ لأنها ليست بنقص في الدين، ولا هي وصف لازم، كالمال، فأشبه كل منهما الضعف والمرض والعافية والصحة. وهذا هو الراجح لدي.\r-------------------------------\r(1) رواه الترمذي من حديث أنس، وابن ماجه والحاكم وصححه من حديث أبي سعيد الخدري (تخريج أحاديث الإحياء للعراقي: 167/4).","part":9,"page":234},{"id":5790,"text":"7 - السلامة من العيوب المثبتة للخيار في النكاح: كالجنون والجذام والبرص. اعتبرها المالكية والشافعية من خصال الكفاءة، فمن كان به عيب منها رجلاً أو امرأة ليس كفئاً للسليم من العيوب؛ لأن النفس تعاف صحبة من به بعضها، ويختل بها مقصود النكاح.\rولم يعتبر الحنفية والحنابلة السلامة من العيوب من شروط الكفاءة، ولكنها تثبت الخيار للمرأة دون أوليائها؛ لأن الضرر مختص بها، ولوليها منعها من نكاح المجذوم والأبرص والمجنون. وهذا الرأي هو الأولى؛ لأن خصال الكفاءة حق لكل من المرأة والأولياء.\rهذه هي خصال الكفاءة، أما ما عداها كالجمال والسن والثقافة والبلد والعيوب الأخرى غير المثبتة للخيار في الزواج كالعمى والقطع وتشوه الصورة، فليست معتبرة، فالقبيح كفء للجميل، والكبير كفء للصغير، والجاهل كفء للمثقف أو المتعلم، والقروي كفء للمدني، والمريض كفء للسليم.\rلكن الأولى مراعاة التقارب بين هذه الأوصاف، وبخاصة السن والثقافة؛ لأن وجودهما أدعى لتحقيق الوفاق والوئام بين الزوجين، وعدمهما يحدث بلبلة واختلافاً مستعصياً، لاختلاف وجهات النظر، وتقديرات الأمور، وتحقيق هدف الزواج، وإسعاد الطرفين.\rالكفاءة في القانون : إن خصال الكفاءة المطلوبة عند الفقهاء روعي فيها عرف المجتمعات الماضية ، فكل ما أدى إلى الإضرار بسمعة المرأة و أوليائها ، كانت الكفاءة فيه شرطاً لازوم العقد .\rواليوم ينبغي أن يعتبر العرف الحاضر أيضاً، فإنه زال اعتبار كفاءة النسب والمال ونحوهما. لذا نص القانون السوري على ما يلي:\r(م 26) : يشترط في لزوم الزواج أن يكون الرجل كفئاً للمرأة.\r(م 27): إذا تزوجت الكبيرة نفسها من غير موافقة الولي، فإن كان الزوج كفئاً لزم العقد، وإلا فللولي طلب فسخ النكاح.","part":9,"page":235},{"id":5791,"text":"(م 28): العبرة في الكفاءة لعرف البلد.\r(م 29): الكفاءة حق خاص للمرأة وللولي.\r(م 30): يسقط حق الكفاءة لعدم الكفاءة إذا حملت المرأة.\r(م 31): تراعى الكفاءة عند العقد، فلا يؤثر زوالها بعده.\r(م 32): إذا اشترطت الكفاءة حين العقد، أوأخبر الزوج أنه كفء، ثم تبين أنه غير كفء كان لكل من الولي والزوجة طلب فسخ العقد.\rويلاحظ أن هذه الأحكام يتفق أغلبها مع مذهب الحنفية، فالمادة الأولى في أن الكفاءة من جانب الرجل لا من جانب المرأة، أو من الجانبين، والثانية لتقرير أن الكفاءة شرط لزوم، لا شرط صحة، والثالثة مراعاة مبنى الكفاءة في الأصل وهو العرف، والرابعة كون الكفاءة حقاً لكل من المرأة والولي، والخامسة تحديد وقت سقوط حق الكفاءة عملاً بمشهور مذهب الحنفية، والسادسة وقت مراعاة الكفاءة وهو عند العقد، لا بعده، والسابعة التغرير بالكفاءة عند الاشتراط أو الإخبار بها.","part":9,"page":236},{"id":5792,"text":"الفَصْلُ السّادس: آثار الزّواج\rوفيه مباحث ثلاثة: في المهر، والخلوة، والمتعة.\rالمبحث الأول ـ المهر وأحكامه :\rتمهيد: الزواج ككل عقد ينشأ عنه حقوق وواجبات متبادلة يلزم بها كل من الزوج والزوجة، وقد نص القرآن الكريم على هذا المبدأ، فقال تعالى: {ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف} [البقرة:228/2] أي أن للنساء من الحقوق على الرجال مثل ما للرجال عليهن من واجبات، وأن أساس تقرير هذه الحقوق والواجبات هو العرف المستند إلى فطرة كل من الرجل والمرأة.\rونص قانون الأحوال الشخصية السوري على جميع الحقوق المالية التي تستحقها الزوجة على زوجها: وهي المهر والنفقة والسكن. أما الحقوق غير المالية أو الأدبية كالعدل والإحسان في المعاملة، والمعاشرة بالمعروف، وطاعة الزوجة لزوجها بالمعروف، وحماية الزوجة من ألوان الأذى والمهانة، فلم يتعرض لها هذا القانون؛ لأنها مبادئ أخلاقية، وإنما نص القرآن الكريم على بعضها، ونصت السنة النبوية على بعضها الآخر.\rوأتكلم هنا عن المهر: تعريفه وحكمه وحكمته وسبب إلزام الرجل به، ومقداره، وشروطه أو ما يصلح أن يكون مهراً وما لا يصلح، أنواعه وحالات وجوب كل نوع، صاحب الحق في المهر، وقبضه وما يترتب على القبض، تعجيله وتأجيله، الزيادة والحط من المهر، متى يجب المهر ومتى يتأكد وجوبه، ومتى يتنصف، ومتى يسقط، تبعة ضمان المهر وحكم هلاكه واستهلاكه وتعييبه وزيادته، الاختلاف في المهر، الملزم بالجهاز والاختلاف فيه، ميراث الصداق وهبته.\rأولاً ـ تعريف المهر وحكمه وحكمته وسبب إلزام الرجل به :\rالمهر: هو المال الذي تستحقه الزوجة على زوجها بالعقد عليها أو بالدخول بها حقيقة. وعرفه صاحب العناية على هامش الفتح: هو المال الذي يجب في عقد النكاح على الزوج في مقابلة البُضْع إما بالتسمية أو بالعقد. وعرفه بعض الحنفية: بأنه ما تستحقه المرأة بعقد النكاح أو الوطء.\rوعرفه المالكية: بأنه ما يجعل للزوجة في نظير الاستمتاع بها.\rوعرفه الشافعية: بأنه ما وجب بنكاح أو وطء أو تفويت بُضْع قهراً، كرضاع ورجوع شهود. وعرفه الحنابلة: بأنه العوض في النكاح، سواء سمي في العقد أو فرض بعده بتراضي الطرفين أو الحاكم، أو العوض في نحو النكاح كوطء الشبهة ووطء المكرهة (1) .\rوله أسماء عشرة: مهر، وصداق أو صدقة، ونِحْلة، وأجر، وفريضة، وحِبَاء، وعُقْر، وعلائق، وطَوْل، ونكاح، لقوله تعالى: {ومن لم يستطع منكم طَوْلاً} [النساء:225/4] وقوله سبحانه: {وليستعفف الذين لا يجدون نكاحاً} [النور:33/24] نظم بعضهم ثمانية منها في بيت:\rصداق، ومهر، نحلة، وفريضة\r-------------------------------\r(1) العناية بهامش فتح القدير: 434/2، الدر المختار ورد المحتار: 452/2، الشرح الصغير: 428/2، مغني المحتاج: 220/3، كشاف القناع: 142/5.","part":9,"page":237},{"id":5793,"text":"وحكمه: أنه واجب على الرجل دون المرأة، ويجب كما دلت التعاريف بأحد أمرين؛ إذ الوطء في دار الإسلام لا يخلو عن عَقْر (حد) أو عُقْر (مهر)، احتراماً لإنسانية المرأة:\rالأول ـ مجرد العقد الصحيح: وقد يسقط كله أو نصفه ما لم يتأكد بالدخول أو بالموت، أو بالخلوة عند الحنفية والحنابلة.\rالثاني ـ الدخول الحقيقي: كما في حالة الوطء بشبهة، أو في الزواج الفاسد. ولا يسقط حينئذ إلا بالأداء أو بالإبراء.\rو نص القانون السوري (م 53) على أنه: يجب للزوجة المهر بمجرد العقد الصحيح، سواء أسمي عند العقد أم لم يسم أم نفي أصلاً.\rوأدلة وجوب المهر: ما يأتي (1) :\r1 ً - القرآن: قال تعالى: {وآتوا النساء صدقاتهن نحلة} [النساء:4/4] أي عطية من الله مبتدأة أو هدية. والمخاطب به الأزواج عند الأكثرين، وقيل: الأولىاء؛ لأنهم كانوا في الجاهلية يأخذونه، ويسمونه نحلة، وهو دليل على أن المهر رمز لإكرام المرأة، والرغبة في الاقتران.\rوقال سبحانه: {فما استمتعتم به منهن، فآتوهن أجورهن فريضة} [النساء: 24/4] وقال تعالى: {وآتوهن أجورهن} [النساء:25/4] {وأحل لكم ما وراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم محصنين غير مسافحين} [النساء:24/4].\r2 ً - السنة: قال صلّى الله عليه وسلم لمريد التزوج: «التمس ولو خاتماً من حديد» (1) ، وثبت عنه عليه الصلاة والسلام أنه لم يخل زواجاً من مهر.\rوتسن تسمية المهر في العقد؛ لأنه صلّى الله عليه وسلم لم يخل نكاحاً عنه، ولأنه أدفع للخصومة، ولئلا يشبه نكاح الواهبة نفسها للنبي صلّى الله عليه وسلم .\r3 ً - وأجمع المسلمون على مشروعية الصداق في النكاح :\r-------------------------------\r(1) المغني: 679/6، المهذب: 55/2.","part":9,"page":238},{"id":5794,"text":"والحكمة من وجوب المهر: هو إظهار خطر هذا العقد ومكانته، وإعزاز المرأة وإكرامها، وتقديم الدليل على بناء حياة زوجية كريمة معها، وتوفير حسن النية على قصد معاشرتها بالمعروف، ودوام الزواج. وفيه تمكين المرأة من التهيؤ للزواج بما يلزم لها من لباس ونفقة.\rوكون المهر واجباً على الرجل دون المرأة: ينسجم مع المبدأ التشريعي في أن المرأة لا تكلف بشيء من واجبات النفقة، سواء أكانت أماً أم بنتاً أم زوجة، وإنما يكلف الرجل بالإنفاق، سواء المهر أم نفقة المعيشة وغيرها؛ لأن الرجل أقدر على الكسب والسعي للرزق، وأما المرأة فوظيفتها إعداد المنزل وتربية الأولاد وإنجاب الذرية، وهو عبء ليس بالهيِّن ولا باليسير، فإذا كلفت بتقديم المهر، وألزمت السعي في تحصيله اضطرت إلى تحمل أعباء جديدة، وقد تمتهن كرامتها في هذا السبيل.\rووضع القرآن مبدأ توزيع المسؤوليات المالية بين الرجل والمرأة، فقال سبحانه: {الرجال قوَّامون على النساء، بما فضل الله بعضهم على بعض، وبما أنفقوا من أموالهم} [النساء:34/4].\r-------------------------------\r(1) متفق عليه بين أحمد والشيخين عن سهل بن سعد (نيل الأوطار: 170/6).","part":9,"page":239},{"id":5795,"text":"المهر ليس ركناً ولا شرطاً في الزواج :\rأوضحت في شروط الزواج أن المهر ـ وإن كان واجباً في العقد ـ إلا أنه ليس ركناً ولا شرطاً من شروط الزواج (1) ، وإنما هو أثر من آثاره المترتبة عليه، لذا اغتفر فيه الجهل اليسير والغرر الذي يرجى زواله؛ لأن القصد من النكاح الوصلة والاستمتاع، فإذا تم العقد بدون مهر صح، ووجب للزوجة المهر اتفاقاً.\rوالدليل قوله تعالى: {لاجناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة} [البقرة:236/2] فإنه أباح الطلاق قبل الدخول وقبل فرض المهر، مما يدل على أن المهر ليس ركناً ولا شرطاً.\rوثبت في السنة عن علقمة قال: « أتي عبد الله ـ أي ابن مسعود ـ في امرأة تزوجها رجل، ثم مات عنها، ولم يفرض لها صداقاً ولم يكن دخل بها، قال: فاختلفوا إليه، فقال: أرى لها مثل مهر نسائها، ولها الميراث، وعليها العِدّة، فشهد مَعْقِل بن سنان الأشجعي أن النبي صلّى الله عليه وسلم قضى في بَرْدَع بنة واشق بمثل ما قضى» (2) .\rويؤكده حديث عقبة بن عامر، قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم لرجل: «إني أزوجك فلانة؟ قال: نعم، قال للمرأة: أترضين أن أزوجك فلاناً؟ قالت: نعم،\r-------------------------------\r(1) البدائع: 274/2، كشاف القناع: 144/5، 174، المهذب: 55/2، 60، مغني المحتاج: 229/3، بداية المجتهد: 25/2، الشرح الصغير: 449/2.\r(2) رواه الخمسة ( أحمد وأصحاب السنن ) وصححه الترمذي، وأخرجه أيضاً الحاكم والبيهقي وابن حبان وصححه أيضاً ابن مهدي (نيل الأوطار: 172/6).","part":9,"page":240},{"id":5796,"text":"فزوج أحدهما من صاحبه، فدخل عليها ولم يُفرض لها به صداق؛ فلما حضرته الوفاة قال: إن رسول الله صلّى الله عليه وسلم زوجني فلانة، ولم أفرض لها صداقاً، ولم أعطها شيئاً، وإني قد أعطيتها عن صداقي سهمي بخيبر، فأخذت سهمه، فباعته بمائة ألف» (1) .\rوبناء عليه: لو اتفق الزوجان بدون مهر، أو سميا ما لا يملك شرعاً كالخمر والخنزير والنجس كروث دواب، صح العقد عند الجمهور غير المالكية، ووجب للمرأة مهر المثل، بالدخول أو الموت. وقال المالكية: إن اتفق الزوجان على إسقاط المهر فهو نكاح فاسد.\rنكاح التفويض: قال ابن رشد وغيره (2) : أجمع الفقهاء على أن نكاح التفويض جائز: وهو أن يعقد النكاح دون صداق، لقوله تعالى: {لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن، أو تفرضوا لهن فريضة} [البقرة:236/2]. لكن نكاح التفويض يشمل عند الجمهور حالة الاتفاق على عدم المهر، وعدم تسمية المهر، وأما عند المالكية فيقتصر على الحالة الثانية، وأما الاتفاق على إسقاط المهر فيفسد الزواج.\rثانياً ـ مقدار المهر ـ التغالي في المهور :\rليس للمهر حد أقصى بالاتفاق (3) ؛ لأنه لم يرد في الشرع ما يدل على تحديده بحد أعلى، لقوله تعالى: {...وآتيتم إحداهن قنطاراً، فلا تأخذوا منه شيئاً} [النساء:20/4].\rتنبهت امرأة إلى هذه الآية، حينما أراد عمر بن الخطاب رضي الله عنه تحديد المهور، فنهى أن يزاد في الصداق على أربع مئة درهم، وخطب الناس فيه، فقال (4) : لا تُغْلوا في صداق النساء، فإنها لو كانت مكرمة في الدنيا أو تقوى في الآخرة، كان أولاكم بها رسول الله صلّى الله عليه وسلم ، ما أصدق قط امرأة من نسائه ولا بناته فوق اثنتي عشر أوقية ـ أي من الفضة (5) ـ فمن زاد على أربعمائة شيئاً، جعلت الزيادة في بيت المال، فقالت له امرأة من قريش بعد نزوله من على المنبر: ليس ذلك إليك يا عمر، فقال: ولم؟ قالت: لأن الله تعالى يقول: {وآتيتم إحداهن قنطاراً فلا تأخذوا منه شيئاً، أتأخذونه بهتاناً وإثماً مبيناً } [النساء:20/4] فقال عمر: امرأة أصابت، ورجل أخطأ. ورواه أبو يعلى في الكبير: فقال: اللهم غفراً، كل الناس أفقه من عمر، ثم رجع فركب المنبر فقال: أيها الناس، إني كنت نهيتكم أن تزيدوا النساء في صدقاتهن على أربعمائة درهم، فمن شاء أن يعطي من ماله ما أحب (6) .\rولكن يسن تخفيف الصداق وعدم المغالاة في المهور، لقوله صلّى الله عليه وسلم : «إن أعظم النكاح بركة أيسره مؤونة» (7) وفي رواية «إن أعظم النساء بركة أيسرهن صداقاً» وروى أبو داود وصححه الحاكم عن عقبة بن عامر حديث: «خير الصداق أيسره» .\r-------------------------------\r(1) أخرجه أبو داود والحاكم.\r(2) بداية المجتهد: 25/2، القوانين الفقهية: ص 203، البدائع: 274/2، الدر المختار: 460/2، مغني المحتاج: 228/3.\r(3) البدائع: 286/2، الدر المختار: 452/2 وما بعدها، القوانين الفقهية: ص 202، المهذب: 55/2، كشاف القناع: 142/5.\r(4) رواه أبو داود والترمذي والنسائي وصححه وأحمد وابن ماجه (الخمسة) عن أبي العجفاء (نيل الأوطار: 168/6).\r(5) الأوقية: أربعون درهماً.\r(6) مجمع الزوائد: 283/4 وما بعدها، سيرة عمر بن الخطاب للطنطاويين نقلاً عن سيرة عمر لابن الجوزي: 321/1، تكملة المجموع: 482/15.\r(7) رواه أحمد عن عائشة، وفيه ضعيف (نيل الأوطار: 168/6).","part":9,"page":241},{"id":5797,"text":"والحكمة من منع المغالاة في المهور واضحة وهي تيسير الزواج للشباب، حتى لا ينصرفوا عنه، فتقع مفاسد خلقية واجتماعية متعددة، وقد ورد في خطاب عمر السابق: «وإن الرجل ليغلي بصدقة امرأته حتى يكون لها عداوة في قلبه» .\rأقل المهر: أما الحد الأدنى للمهر فمختلف فيه على آراء ثلاثة: قال الحنفية (1) : أقل المهر عشرة دراهم، لحديث: «لا مهر أقل من عشرة دراهم» (2) وقياساً على نصاب السرقة: وهو ما تقطع به يد السارق فإنه عندهم دينار أو عشرة دراهم، إظهاراً لمكانة المرأة، فيقدر المهر بما له أهمية. وأما حديث «التمس ولو خاتماً من حديد» فحملوه على المهر المعجل؛ لأن العادة عندهم تعجيل بعض المهر قبل الدخول، وقد منع صلّى الله عليه وسلم علياً أن يدخل بفاطمة رضي الله عنها حتى يعطيها شيئاً، فقال: يا رسول الله ، ليس لي شيء، فقال: أعطها درعك، فأعطاها درعه (3) .\rوقال المالكية (4) : أقل المهر ربع دينار، أو ثلاثة دراهم فضة خالصة من الغش، أو ما يساويها مما يقوم بها من عروض أو من كل طاهر لا نجس، متمول شرعاً من عرض أو حيوان أو عقار، منتفع به شرعاً، أي يحل الانتفاع به لا كآلة لهو، مقدور على تسليمه للزوجة، معلوم قدراً وصنفاً وأجلاً، ودليلهم أن المهر وجب في الزواج إظهاراً لكرامة المرأة ومكانتها، فلا يقل عن هذا المقدار الذي هو نصاب السرقة عندهم، مما يدل على خطره، فلو تزوج رجل امرأة بأقل من هذا المقدار، وجب لها إن دخل بها، وإن لم يدخل بها قيل له: إما أن تتم المهر أو تفسخ العقد.\r-------------------------------\r(1) الدر المختار: 452/2، البدائع: 275/2.\r(2) رواه البيهقي بسند ضعيف، ورواه ابن أبي حاتم، وقال الحافظ ابن حجر: إنه بهذا الإسناد حسن.\r(3) رواه أبو داود والنسائي.\r(4) الشرح الصغير: 428/2.","part":9,"page":242},{"id":5798,"text":"وقال الشافعية والحنابلة (1) : لا حد لأقل المهر، ولا تتقدر صحة الصداق بشيء، فصح كون المهر مالاً قليلاً أو كثيراً، وضابطه: كل ما صح كونه مبيعاً أي له قيمة صح كونه صداقاً، وما لا فلا، ما لم ينته إلى حد لا يتمول، فإن عقد بما لا يتمول ولا يقابل بما يتمول كالنواة والحصاة، فسدت التسمية ووجب مهر المثل. ودليلهم:\rأ ـ قوله تعالى: {وأحل لكم ما وراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم} [النساء:24/4] فلم يقدره الشرع بشيء، فيعمل به على إطلاقه.\rب ـ الحديث المتقدم: «التمس ولو خاتماً من حديد» فيدل على أن المهر يصح بكل ما يطلق عليه اسم المال.\rجـ ـ روى عامر بن ربيعة أن امرأة من فزارة تزوجت على نعلين، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلم : «رضيتِ من مالك ونفسك بنعلين؟ قالت: نعم، فأجازه» (2) وأخرج أبو داود عن جابر موقوفاً: «لو أن رجلاً أعطى امرأة صداقاً ملء يده طعاماً، كانت له حلالاً» .\rد ـ إن المهر حق المرأة، شرعه الله إظهاراً لمكانتها، فيكون تقديره برضا الطرفين، ولأن المهر بدل الاستمتاع بالمرأة، فكان تقدير العوض إليها كأجرة منافعها.\rوهذا هو الرأي الراجح لقوة دليله من القرآن والسنة، وقال أصحاب هذا الرأي: يسن أن يكون المهر من أربع مئة درهم إلى خمس مئة درهم،وألا يزيد على\r-------------------------------\r(1) المهذب: 55/2، مغني المحتاج: 220/3، كشاف القناع: 142/5 وما بعدها، المغني: 680/6 وما بعدها، و 739.\r(2) رواه أحمد وابن ماجه والترمذي وصححه.","part":9,"page":243},{"id":5799,"text":"ذلك، لما روت أم حبيبة «أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم تزوجها وهي بأرض الحبشة... ولم يبعث لها رسول الله صلّى الله عليه وسلم بشيء، وكان مهر نسائه أربعمائة درهم» (1) ، وروت عائشة: «أن صداق النبي صلّى الله عليه وسلم على أزواجه خمسمائة درهم» (2) والمستحب الاقتداء به عليه السلام، والتبرك بمتابعته.\rوإن زاد الصداق على خمسمائة درهم فلا بأس، لما روت أم حبيبة في الحديث المتقدم: «أن النبي صلّى الله عليه وسلم تزوجها، وهي بأرض الحبشة، زوَّجها النجاشي، وأمهرها أربعة آلاف وجهزها من عنده، وبعث بها مع شرحبيل بن حَسَنة، فلم يبعث لها رسول الله صلّى الله عليه وسلم بشيء» ولو كره ذلك لأنكره.\rويكره ترك تسمية المهر في العقد؛ لأنه قد يؤدي إلى التنازع في فرضه.\rويستحب ألا ينقص عن عشرة دراهم، خروجاً من خلاف من قدر أقله بذلك.\rمهر السر ومهر العلانية: إن تزوجها على صداقين: صداق في السر، وصداق في العلانية، فالواجب عند الشافعية والمالكية والحنفية، ما عقد به العقد؛ لأن الصداق يجب بالعقد، فوجب ما عقد به؛ ولأن إظهار العلانية ليس بعقد، ولا يتعلق به وجوب شيء.\rويؤخذ بالعلانية عند الحنابلة، وإن كان صداق السر قد انعقد به النكاح؛ لأنه إذا عقد في الظاهر عقد بعد عقد السر، فقد وجد منه بذل الزائد، على مهر السر، فيجب الزائد عليه، كما لو زادها على صداقها.\rاختلاف القبول عن الإيجاب: إن قال الولي: زوجتك ابنتي بألف، وقال الزوج: قبلت نكاحها بخمسمائة، وجب مهر المثل عند الشافعية؛ لأن الزوج لم يقبل بألف، والولي لم يوجب بخمسمائة، فسقط الجميع، ووجب مهر المثل.\rو أخذ القانون السوري (م 54) برأي الشافعية والحنابلة.\rونص المادة: 1 - لا حد لأقل المهر ولا لأكثره. 2 - كل ما صلح التزامه شرعاً صلح أن يكون مهراً.\r-------------------------------\r(1) رواه أحمد والنسائي (نيل الأوطار: 169/6).\r(2) رواه مسلم.","part":9,"page":244},{"id":5800,"text":"ثالثاً ـ شروط المهر أو ما يصلح أن يكون مهراً وما لا يصلح :\rيشترط في الصداق شروط ثلاثة (1) :\rالأول ـ أن يكون مما يجوز تملكه وبيعه من العين (الذهب) والعروض ونحوها، فلا يجوز بخمر وخنزير وغيرهما مما لا يتملك.\rالثاني ـ أن يكون معلوماً: لأن الصداق عوض في حق معاوضة، فأشبه الثمن، فلايجوز بمجهول إلا في نكاح التفويض: وهو أن يسكت العاقدان عن تعيين الصداق حين العقد، ويفوض التعيين إلى أحدهما أو إلى غيرهما. ولا يجب عند المالكية والحنفية خلافاً للشافعي وأحمد وصف العروض. وإن وقع على غير وصف فلها الوسط.\rالثالث ـ أن يسلم من الغرر: فلا يجوز فيه عبد آبق ولا بعير شارد وشبههما.\rوزاد الحنفية شرطاً رابعاً: وهو أن يكون النكاح صحيحاً، فلا تصح التسمية في النكاح الفاسد، فلا يلزم المسمى؛ لأن الفاسد ليس بنكاح، ويجب مهر المثل بالوطء.\rوبناء عليه وضع الفقهاء ضوابط لما يصلح أن يكون مهراً وما لا يصلح:\rفقال الحنفية (2) : المهر: هو كل مال متقوم معلوم مقدور على تسليمه. فيصح كون المهر ذهباً أو فضاً، مضروبة أو سبيكة، أي نقداً أو حلياً ونحوه، ديناً أوعيناً، ويصح كونه فلوساً أو أوراقاً نقدية، مكيلاً أو موزوناً، حيواناً أوعقاراً، أو عروضاً تجارية كالثياب وغيرها.\rـ ويصح أيضاً كونه منفعة شخص أو عين يستحق في مقابلها المال، كسكنى الدار، وزراعة الأرض، وركوب السيارة ونحوها.\r-------------------------------\r(1) البدائع: 277/2-287، الشرح الكبير: 294/2، القوانين الفقهية: ص 201، كشاف القناع: 147/5، مغني المحتاج: 220/3 وما بعدها.\r(2) البدائع، المكان السابق، الدر المختار: 253/2، 458-461، أحكام القرآن للجصاص: 143/2.","part":9,"page":245},{"id":5801,"text":"ـ أما الزواج على أن يعلمها القرآن أو بعضه أو بعض أحكام الدين من حلال وحرام، فلا يصح عند متقدمي الحنفية، لقوله تعالى: {أن تبتغوا بأموالكم} [النساء:24/4] ولأن المسمى ليس بمال؛ لأن تعليم القرآن ونحوه من الطاعات قربة إلى الله تعالى، لا يصح الاستئجار عليها عند أئمة الحنفية الثلاثة، ولايصح أن يقابل التعليم بالمال، وحينئذ لا تصح التسمية، ويجب مهر المثل؛ لأنها منفعة لا تقابل بمال.\rوأفتى متأخرو الحنفية بجواز أخذ الأجرة على تعليم القران وأحكام الدين، للحاجة إليه بسبب تغير الأحوال واشتغال الناس بشؤون المعيشة، فلا يتفرغ المعلم من غير أجر. وعليه يجوز جعل المهر تعليم القرآن أو أحكام الدين، ويدل له حديث سهل بن سعد، الذي جاء فيه أن النبي صلّى الله عليه وسلم زوج رجلاً بما معه من القرآن، فقال: «قد زوجتُكها بما معك من القرآن» (1) وفي رواية متفق عليها: «قد ملكتكها بما معك من القرآن» .\rـ ولا يصح كون المهر ما ليس مالاً متقوماً كأن يتزوج مسلم مسلمة على التراب أو الدم أو الخمر أو الخنزير؛ لأن الميتة والدم ليسا بمال في حق أحد، والخمر والخنزير ليسا بمال متقوم في حق المسلم، ولا يصح زواج امرأة على طلاق امرأة أخرى أو على العفو عن القصاص؛ لأن الطلاق ليس بمال، وكذا القصاص.\r-------------------------------\r(1) متفق عليه بين أحمد والشيخين (نيل الأوطار: 170/6).","part":9,"page":246},{"id":5802,"text":"ـ ولا يصح نكاح الشغار: وهو أن يزوج الرجل أخته لآخر، على أن يزوجه الآخر أخته، أو يزوجه ابنته، هذه التسمية فاسدة؛ لأن كل واحد منهما جعل بُضْع كل واحدة منهما مهر الأخرى، والبضع ليس بمال، ففسدت التسمية، ووجب لكل واحدة منهما مهر المثل، والنكاح صحيح عندهم. وعند الجمهور: فاسد أو باطل؛ لما روي أنه صلّى الله عليه وسلم نهى عن نكاح الشغار. والنهي يوجب فساد المنهي عنه. ووجهة الحنفية: أن هذا الزواج مؤبد، أدخل فيه شرط فاسد، حيث شرط فيه أن يكون بُضْع كل واحدة منهما مهر الأخرى، والبضع لا يصلح مهراً، والنكاح لا تبطله الشروط الفاسدة، كما إذا تزوج امرأة على أن يطلقها، وعلى أن ينقلها من منزلها ونحوه. أما النهي عن نكاح الشغار فهو الخالي عن العوض، وعندهم هو نكاح بعوض وهو مهر المثل، فلا يكون شغاراً.\rـ ولو تزوج حر امرأة على أن يخدمها سنة، كرعي غنمها سنة، فالتسمية فاسدة، ولها مهر مثلها في قول أبي حنيفة وأبي يوسف؛ لأن المنافع ليست بأموال متقومة عندهما، فلم تكن عندهما مضمونة بالغصب والإتلاف، وإنما يثبت لها التقوم إذا ورد العقد عليها، للضرورة، دفعاً للحاجة بها.\rوعند الشافعي وباقي الأئمة: التسمية صحيحة، وللمرأة خدمة سنة؛ لأن المبدأ عندهم: كل ما يجوز أخذ العوض عنه، يصح تسميته مهراً، ومنافع الحر يجوز أخذ العوض عنها؛ لأن إجارة الحر جائزة بلا خلاف فصح تسميتها، والمنافع عندهم أموال متقومة.\rـ ويصح أن يتزوج الرجل امرأة على منافع الأعيان مدة معلومة، كما تقدم، مثل سكنى داره، وركوب دابته والحمل عليها، وزراعة أرضه ونحوها؛ لأن هذه المنافع أموال، أو التحقت بالأموال شرعاً في سائر العقود للحاجة.","part":9,"page":247},{"id":5803,"text":"ـ ويصح الزواج على متقوم مجهول جهالة يسيرة؛ لأن المال غير مقصود في الزواج، فيتسامح فيه بما لا يتسامح في المعاوضات المالية، ولا يصح الزواج على ما هو مجهول جهالة فاحشة؛ لأنه يفضي إلى النزاع، وكل ما يفضي إلى المنازعة يفسد العقد.\rوالفرق بين نوعي الجهالتين: أن الجهالة الفاحشة: ما كان الجنس أو النوع أو المقدار فيها مجهولاً، كأن يتزوج امرأة على حيوان أو دابة أو ثوب؛ لأن كل واحد منها جنس يدخل تحته أنواع مختلفة. أو يتزوج على قطن دون بيان نوعه، أو على دار دون بيان حجمها؛ لأن للقطن أنواعاً مختلفة، وتختلف الدارفي الصغر والكبر، والبلد والموقع، والهيئة والطريق.\rوأما الجهالة اليسيرة: ما كان المسمى معلوم الجنس والنوع، مجهول الصفة كطن حنطة أو قنطار قطن، دون بيان الوصف، فجهالة الوصف عند الحنفية والمالكية لا تضر؛ لأنها يسيرة، ويجب الوسط من النوع المعين أو قيمته من غير إجحاف بالزوجة أو الزوج؛ لأنه هو العدل لما فيه من مراعاة الجانبين. وقال الشافعية والحنابلة: جهالة الوصف تضر؛ لأنها تفضي إلى المنازعة كجهالة الجنس.\rضابط ما يصلح مهراً عند المالكية :\rقال المالكية (1) : المهر: هو كل متموَّل شرعاً من عَرَض أو حيوان أو عقار، طاهر لا نجس إذ لا يقع به تقويم شرعاً، منتفع به شرعاً، إذ غير المنتفع به كآلة اللهو لا يقع به تقويم، مقدور على تسليمه للزوجة، معلوم قدراً وصنفاً وأجلاً.\rفلا يصح كون المهر غير متمول: كقصاص وجب للزوج على زوجته، فتزوجها على تركه، فيفسخ قبل الدخول، فإن دخل وجب صداق المثل، ويرجع للدية. ومثل سمسرة كأن يتزوجها سمساراً في بيع سلعة لها.\rولا يصح على ما لا يملك شرعاً كخمر وخنزير ونجس كروث دابة.\rولا على غير مقدور على تسليمه كآبق، وما فيه غرر كجنين وثمرة لم يبد صلاحها على أن تبقى حتى تطيب. فإن شرط أخذها من هذا الوقت بالجداد (صِرَام النخل) جاز.\r-------------------------------\r(1) الشرح الصغير: 429/2-432، وانظر أيضاً ص 385، القوانين الفقهية: ص 201، بداية المجتهد: 20/2، 27.","part":9,"page":248},{"id":5804,"text":"ولا على مجهول كشيء أو ثوب لم يعين نوعه، أو دنانير لم يبين قدرها، أو شيء لم يبين أجل تسليمه، أو فرس من أفراسه يختاره هو لا هي؛ لاحتمال اختياره الأدنى أوالأعلى. أما إذا كان الاختيار لها، على أنها لا تختار إلا الأحسن فيجوز، إذ لا غرر.\rوجاز المهر الذي فيه جهالة يسيرة أو غرر يسير، لبناء الزواج على المكارمة والتسامح، كأن يتزوجها على مهر مثلها، أو على جهاز البيت المعلوم بينهم وهو ما يسمى: شَوْرة:أي متاع البيت، ويقع على الوسط، أي وسط ما يتناكح به الناس.\rوجاز المهر على عدد معلوم كعشرة من إبل وغنم، ويقع على الوسط، ويعتبر الوسط في السن وفي الجودة والرداءة.\rولا يجوز المهر على منفعة لا يستحق في مقابلها المال، فلا تصح مهراً، كأن يتزوجها ويجعل مهرها طلاق ضَرتها، أوألا يتزوج عليها، أو ألا يخرجها من بلدها، فإن كل منفعة من هذه المنافع لا تصلح أن تكون مهراً؛ لأنها لا تقابل بمال، ولا يجوز في المشهور عندهم كالحنفية النكاح على الإجارة كالخدمة وتعليم القرآن، وقيل: يجوز وفاقاً للشافعي وابن حنبل.","part":9,"page":249},{"id":5805,"text":"ضابط ما يصلح مهراً عند الشافعية والحنابلة (1) :\rقالوا: كل ما صح مبيعاً صح صداقاً، أو كل ما صح ثمناً أو أجرة، صح مهراً وإن قل، وهو كل متمول سواء أكان عيناً أم ديناً، معجلاً ومؤجلاً، عملاً ومنفعة معلومة، كرعاية غنمها مدة معلومة، وخياطة ثوبها، ورد آبقها من موضع معين، وخدمة مدة معينة، وتعليم القرآن أو شيء من الشعر المباح أو الأدب، أو تعليم كتابة أو صنعة وغيرها من المنافع المباحة، لقوله تعالى حكاية عن شعيب مع موسى عليهما السلام: { إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين، على أن تأجرني ثماني حِجَج} [القصص:27/28] ولأن الزواج عقد على المنفعة فجاز بما ذكر كالإجارة، ولأن منفعة الحر يجوز أخذ العوض عنها في الإجارة، فجازت صداقاً، وللحديث المتقدم: «قد زوجتكها بما معك من القرآن» .\rفإن طلقها قبل الدخول وقبل استيفاء المنفعة، فعليه نصف أجرة النفع الذي جعله صداقاً لها.\rوالحاصل: أن المهر على أن يخدم الرجل المرأة بنفسه في البيت أو غيره لا يجوز عند الحنفية، ويجوز عند الشافعية، ويجوز عند الحنابلة لمدة معينة.ويصح أن يتزوج الرجل امرأة على عمل معلوم، كخياطة ثوب معين منه ومن غيره، فإن تلف الثوب قبل خياطته، فعليه أجرة المثل.\rولا يجوز أن يكون المهر شيئاً محرَّماً والزوجان مسلمان أو المرأة كتابية، مثل الخمر والخنزير والمغصوب، وتعليم التوراة أو الإنجيل أو شيء منهما، فإن تزوج الرجل بمحرَّم، صح النكاح ووجب مهر المثل لفساد التسمية، بانتفاء كون الخمر والخنزير مالاً، وانتفاء كون المغصوب ملكاً للزوج، ولأن المذكور من التوراة أو الإنجيل منسوخ مبدل محرم، فهو كما لو أصدقها محرماً.\r-------------------------------\r(1) مغني المحتاج: 220/3، 225، المهذب: 56/2، كشاف القناع: 143/5-147، المغني: 687/6، 694-698.","part":9,"page":250},{"id":5806,"text":"ولا يصح كون المهر فيه غرر كالمعدوم والمجهول، ولا ما لا يتم تملكه له كالمبيع قبل القبض، ولا ما لا يقدر على تسليمه كالعبد الآبق والبعير الشارد والطير الطائر؛ لأنه عوض في عقد، فلا يجوز به كالعوض في البيع والإجارة. فإن تزوج على شيء منه لم يبطل النكاح؛ لأن فساده ليس بأكثر من عدمه أي عدم المهر، فإذا صح النكاح مع عدمه صح مع فساده، ويجب مهر المثل؛ لأنها لم ترض من غير بدل، ولم يسلم لها البدل، وتعذر رد المعوض، فوجب رد بدله،كما لو باع سلعة بمحرم وتلفت في يد المشتري.\rوتضر الجهالة الفاحشة بأن كانت هناك جهالة في الجنس أو النوع أو المقدار أو الصفة،فإن أصدقها داراً غير معينة، أو دابة مبهمة، أو شيئاً لم يعينه ولم يصفه، أو أصدقها مجهولاً كمتاع بيته، وما يحكم به أحد الزوجين أو ما يحكم به زيد، أو ما يثمر شجره ونحوه، لم يصح. وإن أصدقها ما لا منفعة فيه كالحشرات، أو أصدقها ما لا يقدر على تسليمه كالطير في الهواء والسمك في الماء، أو ما لا يتمول عادة كقشرة جوزة وحبة حنطة، لم يصح الإصداق للجهالة أو الغرر أو عدم التمول.\rوجوب مهر المثل عند فساد المهر: يتبين مما سبق أن المهر إذا فسدت تسميته يجب مهر المثل باتفاق الفقهاء، ويفسد العقد أيضاً عند المالكية ويجب فسخ الزواج إلا إذا دخل الرجل بالمرأة، فإن دخل بها وجب مهر المثل. وقال الجمهور: إذا فسد المهر لا يفسد العقد، بل يكون صحيحاً، فإن حصلت الفرقة قبل الدخول، كان لها المتعة، وإن حصلت الفرقة بعد الدخول كان لها مهر المثل؛ لأن فساد المهر ـ كما تقدم ـ لا يزيد على عدم تسميته عند العقد، فإذا صح العقد مع عدم المهر، صح بفساد المهر؛ لأن ذكره كالعدم.","part":9,"page":251},{"id":5807,"text":"رابعاً ـ أنواع المهر وحالات وجوب كل نوع :\rالمهر عند الفقهاء نوعان: مهر مسمى ومهر المثل (1) :\rأما المهر المسمى: فهو ما سمي في العقد أو بعده بالتراضي، بأن اتفق عليه صراحة في العقد، أو فرض للزوجة بعده بالتراضي، أو فرضه الحاكم، لعموم قوله تعالى: {وقد فرضتم لهن فريضة، فنصف ما فرضتم} [البقرة:237/2].\rويعد من المهر المسمى في العقد: ما يقدمه الزوج عرفاً لزوجته قبل الزفاف أو بعده، كثياب الزفاف أو هدية الدخول أو بعده؛ لأن المعروف بين الناس كالمشروط في العقد لفظاً، ويجب إلحاقه بالعقد، ويلزم الزوج به إلا إذا شرط نفيه وقت العقد.\rونص المالكية (2) على أن ما يهدى للمرأة قبل العقد أو حال العقد، يعد من المهر، ولو لم يشترط، وكذا ما أهدي إلى وليها قبل العقد، فلو طلقت قبل الدخول، كان للزوج أن يرجع بنصف ما أهداه، أما ما أهدي إلى الولي بعد العقد فيختص به، وليس للزوجة ولا للزوج أخذه منه.\r-------------------------------\r(1) البدائع: 274/2، 277، 280، 287، الدر المختار: 460/2، 487 وما بعدها، الكتاب مع اللباب: 22/3 وما بعدها، الشرح الكبير: 300/2، 313، الشرح الصغير: 449/2، 452 وما بعدها، مغني المحتاج: 227/3-239 وما بعدها، كشاف القناع: 174/5، 178، المغني: 712/6-716، المهذب: 60/2.\r(2) الشرح الصغير: 255/2 وما بعدها.","part":9,"page":252},{"id":5808,"text":"وأما مهر المثل :\rفقد حدده الحنفية: بأنه مهر امرأة تماثل الزوجة وقت العقد من جهة أبيها، لا أمها إن لم تكن من قوم أبيها، كأختها وعمتها وبنت عمها، في بلدها وعصرها. وتكون المماثلة في الصفات المرغوبة عادة: وهي المال والجمال والسن والعقل والدين؛ لأن الصداق يختلف باختلاف البلدان، وباختلاف المال والجمال والسن والعقل والدين، فيزداد مهر المرأة لزيادة مالها وجمالها وعقلها ودينها وحداثة سنها، فلا بد من المماثلة بين المرأتين في هذه الصفات، ليكون الواجب لها مهر مثل نسائها. فإن لم يوجد من تماثلها من جهة أبيها، اعتبر مهر المثل لامرأة تماثل أسرة أبيها في المنزلة الاجتماعية. فإن لم يوجد فالقول للزوج بيمينه؛ لأنه منكر للزيادة التي تدعيها المرأة.\rويشترط لثبوت مهر المثل: إخبار رجلين، وامرأتين، ولفظ الشهادة، فإن لم يوجد شهود عدول، فالقول للزوج بيمينه، لما ذكر.\rوحدد الحنابلة مهر المثل: بأنه معتبر بمن يساويها من جميع أقاربها، من جهة أبيها وأمها، كأختها وعمتها، وبنت عمتها، وأمها، وخالتها وغيرهن القربى\rفالقربى، لحديث ابن مسعود السابق في المرأة المفوضة (1) : «لها مهر نسائها» ولأن مطلق القرابة له أثر في الجملة، فإن لم يكن أقارب اعتبر شبهها بنساء بلدها، فإن عدمن اعتبر أقرب النساء شبهاً بهاً من أقرب البلاد إليها.\rوحدد المالكية والشافعية مهر المثل: بأنه ما يرغب به مثله ـ أي الزوج ـ في مثلها ـ أي الزوجة ـ عادة.\r-------------------------------\r(1) المفوضة بكسر الواو وفتحها، من التفويض وهو الرد أو التصيير إليه، وهو نوعان عند الحنابلة: تفويض البضع: وهو أن يزوج الأب ابنته المجبرة بغير صداق، أو تأذن المرأة لوليها أن يزوجها بغير صداق. وتفويض المهر: وهو أن يتزوجها الرجل على ماشاءت أو على ما شاء الزوج أو الولي أو على ما شاء أجنبي غير الزوجين (كشاف القناع: 174/5 وما بعدها).","part":9,"page":253},{"id":5809,"text":"ويعتبر مهر المثل عند الشافعية بمهر نساء العصبات، لحديث علقمة: قال: «أتي عبد الله ـ أي ابن مسعود ـ في امرأة تزوجها رجل، ثم مات عنها، ولم يفرض لها صداقاً، ولم يكن دخل بها، قال: فاختلفوا إليه، فقال: أرى لها مثل مهر نسائها، ولها الميراث، وعليها العدة، فشهد مَعْقِل بن سنان الأشجعي أن النبي صلّى الله عليه وسلم قضى في بردع بنة واشق بمثلما قضى» (1) ، وتعتبر بالأقرب فالأقرب منهن، وأقربهن الأخوات وبنات الإخوة والعمات وبنات الأعمام، فإن لم يكن لها نساء عصبات، اعتبر بأقرب النساء إليها من الأمهات والخالات؛ لأنهن أقرب إليها، فإن لم يكن لها أقارب، اعتبر بنساء بلدها، ثم بأقرب النساء شبهاً بها.\rويعتبر مهر المثل عند المالكية (2) بأقارب الزوجة وحالها في حسبها ومالها وجمالها، مثل مهر الأخت الشقيقة أو لأب، لا الأم ولا العمة لأم أي أخت أبيها من أمه، فلا يعتبر صداق المثل بالنسبة إليهما؛ لأنهما قد يكونان من قوم آخرين.\rوتعتبر المساواة باتفاق المذاهب كما ذكر عند الحنفية: في التدين والمال والجمال والعقل والأدب والسن والبكارة والثيوبة والبلد والنسب والحسب: وهو ما يعد من مفاخر الآباء من كرم وعلم وحلم ونجدة وصلاح وإمارة ونحوها من كل ما يختلف لأجله الصداق.\r-------------------------------\r(1) رواه الخمسة (أحمد وأصحاب السنن) وصححه الترمذي، وأخرجه أيضاً الحاكم والبيهقي وابن حبان، وصححه أيضاً ابن مهدي (نيل الأوطار: 172/6).\r(2) الشرح الكبير: 316/2-317، القوانين الفقهية: ص 204.","part":9,"page":254},{"id":5810,"text":"وتلاحظ هذه الأوصاف في النكاح الصحيح يوم العقد، وفي النكاح الفاسد يوم الوطء؛ لأنه الوقت الذي يتقرر به صداق المثل، كوطء الشبهة، فإنه يجب صداق المثل فيه بحسب الأوصاف يوم الوطء.\rقال الحنابلة: وإن كانت عادة أقاربها تخفيف المهر، لوحظ التخفيف، وإن كانت عادتهم تسمية مهر كثير لا يستوفونه قط، فوجوده كعدمه. وإن كانت عادتهم التأجيل فرض مؤجلاً؛ لأنه مهر نسائها، وإن لم يكن عادتهم التأجيل فرض حالاً؛ لأنه بدل متلف، فوجب أن يكون حالاً كقيم المتلفات. فإن اختلفت عادتهن في الحلول والتأجيل، أو اختلفت مهورهن قلة وكثرة، أخذ بالوسط منها؛ لأنه العدل، وأخذ بنقد البلد الحالي، فإن تعدد فمن غالبه؛ لأنه بدل متلف، فأشبه قيمة المتلفات.\rحالات وجوب مهر المثل: يجب مهر المثل للزوجة في الأحوال التالية:\r1 - نكاح التفويض: أن يكون العقد صحيحاً، ولكن بدون تسمية المهر، وتسمى المرأة مفوَّضة بكسر الواو أو فتحها، ففي حالة الكسر: ينسب التفويض إلى المرأة، أي فهي التي فوضت تقدير المهر إلى الزوج، وفي حالة الفتح: ينسب الفعل إلى الولي، فتكون المرأة قد فوض أمرها إلى الزوج، ويسمى العقد عقد تفويض.\rوالتفويض عند الحنفية (1) : أن يتزوج رجل امرأة دون أن يسمي لها مهراً،فالمفوضة: هي من فوضت أمرها لوليها وزوجها بلا مهر، أو هي من فوضها وليها إلى الزوج بلا مهر، كأن يقول الرجل لولي المرأة: زوجني فلانة، فيقول: قبلت، ولا يذكران مهراً، فإن دخل بها أو مات قبل تسمية المهر وجب لها مهر المثل، وإن طلقت قبل الدخول فلا شيء لها من المهر، وإنما يجب لها المتعة اتفاقاً.\r-------------------------------\r(1) البدائع: 274/2، الدر المختار ورد المحتار: 460/2 وما بعدها.","part":9,"page":255},{"id":5811,"text":"والتفويض عند المالكية (1) : عقد بلا تسمية مهر، ولا دخول على إسقاطه، ولا تفويض الصداق لحكم أحد، فإن دخل الزوجان مع الاتفاق على إسقاطه، فليس من التفويض، بل نكاح فاسد. أو هو بعبارة أخرى: أن يسكت الطرفان عن تعيين الصداق حين العقد، ويفوض التعيين إلى أحدهما، أو إلى غيرهما، ثم لا يدخل بها حتى يتعين. فإن فرضه أحدهما بعد تفويض الآخر، لزمه، ويلزم المرأة إن فرض لها صداق المثل أو أكثر، أما إن فرض لها الأقل فلا تلزم به إلا برضاها.\rوإن لم يرض الزوج، كان مخيراً بين أمور ثلاثة: إما أن يبذل صداق المثل، أو يرضى بفرضها، أو يطلق. فإن مات قبل الدخول وقبل الفرض، فلا صداق لها، ولها الميراث اتفاقاً. وإن طلقها قبل الدخول فلا نصف لها إلا إن كان قد فرض لها، فإن فرض لها صداق المثل أو ما رضيت به قبل الدخول تشطر المهر أي تنصف. وإن فوض الصداق لحكم أحد جاز أيضاً ويسمى نكاح تحكيم، وهو كنكاح التفويض: عقد زواج بلا تسمية مهر ولا دخول على إسقاطه.\rوالتفويض عند الشافعية (2) : هو كما عند الحنفية تفويض البُضْع، وهو الذي ينصرف الإطلاق إليه، وهو أن يزوج الأب ابنته المجبرة بغير صداق، أو تأذن\r-------------------------------\r(1) القوانين الفقهية: ص 203، الشرح الكبير: 313/2-317، الشرح الصغير: 449/2.\r(2) المهذب: 60/2، مغني المحتاج: 228/3-231.","part":9,"page":256},{"id":5812,"text":"المرأة لوليها أن يزوجها بغير صداق،سواء سكت عن المهر أوشرط نفيه، ولايصح تفويض غير رشيدة، وحكمه على الصحيح عنده أنه لا يجب لها المهر بالعقد؛ لأنه لو وجب لها المهر بالعقد، لتنصف بالطلاق، ويفرض لها ما يتفقان عليه، ومتى فرض لها المهر، صار المفروض كالمسمى في الاستقرار بالدخول والموت، والتنصف بالطلاق؛ لأنه مهر مفروض، فصار كالمفروض في العقد. وللمرأة قبل الدخول مطالبة الزوج بأن يفرض لها مهر، ويشترط رضاها بما يفرضه الزوج، ويجوز فرض مؤجل في الأصح، وفوق مهر المثل، ولو امتنع من الفرض أوتنازعا فيه فرض القاضي مهر المثل. فإن لم يفرض لها مهر حتى طلقها، لم يجب لها شيء من المهر، كما قال المالكية، لقوله عز وجل: {وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن، وقد فرضتم لهن فريضة، فنصف ما فرضتم} [البقرة:237/2] فدل على أنه إذا لم يفرض المهر لم يجب النصف.\rوإن لم يفرض لها حتى وطئها استقر لها مهر المثل.\rوإن مات الزوجان أو أحدهما قبل الفرض، وجب مهر المثل في الأظهر كما رجح النووي؛ لأن الموت كالوطء في تقرير المسمى، ولأن بَرْوَع بنت واشق نكحت بلا مهر، فمات زوجها قبل أن يفرض لها ، فقضى لها رسول الله صلّى الله عليه وسلم بمهر نسائها وبالميراث (1) .\rوالحاصل: أنه بالتفويض لا يجب شيء بنفس العقد، وإنما يجب مهر المثل بالوطء، ويتقرر مهر المثل بحال العقد في الأصح، ويشترط رضاها بما يفرضه الزوج، ولا يصح فرض أجنبي من ماله في الأصح؛ لأنه خلاف ما يقتضيه العقد، وإن طلق قبل فرض ووطء فلا شطر، أي لا تأخذ نصف المهر، لمفهوم الآية، والأظهر وجوب مهر المثل بالموت قبل فرض مهر.\r-------------------------------\r(1) رواه أبو داود وغيره، وقال الترمذي: حسن صحيح.","part":9,"page":257},{"id":5813,"text":"والتفويض عند الحنابلة نوعان (1) كما يقول المالكية:\r1 - تفويض البضع (2) : وهو الذي ينصرف الإطلاق إليه، وهو أن يزوج الأب ابنته المجبرة بغير صداق، أو تأذن المرأة لوليها أن يزوجها بغير صداق، سواء سكت عند الصداق أم شرط نفيه، فيصح العقد، ويجب لها مهر المثل، لقوله تعالى: {لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة} [البقرة:237/2] ولقضائه صلّى الله عليه وسلم في بروع بنت واشق، كما تقدم.\r2 - تفويض المهر: وهو أن يتزوجها على ما شاءت، أو على ماشاء الزوج أو الولي، أو على ما شاء أجنبي غير الزوجين، أو يقول الولي: زوجتكها على ما شئنا أو على حكمنا ونحوه، فالنكاح صحيح في جميع هذه الصور، ويجب مهر المثل؛ لأنها لم تأذن في تزويجها إلا على صداق، لكنه مجهول فقط.\rووجب مهر المثل في النوعين بالعقد؛ لأنها تملك المطالبة به، فكان واجباً كالمسمى، ولأنه لو لم يجب بالعقد لما استقر بالموت أو يجب بعد دخوله بها، فإن دخل الزوج بالمفوضة قبل الفرض استقر به مهر المثل.\rفإن تراضى الزوجان المكلفان الرشيدان على فرض المهر، لزم ما اتفق عليه، وصار حكمه حكم المسمى في العقد، قليلاً كان أو كثيراً. وإن لم يتراضيا على شيء، فرض الحاكم بقدر مهر المثل، كما قال الشافعية.\rوصار المفروض بالاتفاق أو بالقضاء كالمسمى في العقد، يتنصف بالطلاق قبل الدخول، ولا تجب المتعة معه، لعموم آية {وقد فرضتم لهن فريضة، فنصف ما فرضتم} [البقرة:237/2].\rوإن مات أحد الزوجين قبل الدخول وقبل الفرض، ورثه صاحبه، وكان للمفوضة مهر المثل. وإن فارق الزوج المفوضة قبل الدخول بطلاق أو غيره لم يكن لها إلا المتعة، لعموم قوله تعالى: {ومتعوهن على الموسع قَدَره، وعلى المقتر قَدره} [البقرة:236/2] والأمر يقتضي الوجوب.\rوالخلاصة: إن نكاح التفويض يوجب مهر المثل بالاتفاق، والمتعة فقط، قبل الدخول ما لم يفرض مهر، ويستقر مهر المثل بالدخول، ويجب مهر المثل بالموت قبل الدخول وقبل فرض المهر في رأي الجمهور، وخالف المالكية فيه، فقالوا: لا يجب لها مهر بالموت.\r-------------------------------\r(1) كشاف القناع: 174/5-177، المغني: 712/6 وما بعدها.\r(2) سمي بذلك لأن المرأة فوضت بضع (أي زواج) نفسها، بأن أذنت لوليها أن يزوجها بلا مهر.","part":9,"page":258},{"id":5814,"text":"2 - الاتفاق على عدم المهر: كأن يتزوج رجل امرأة على ألا مهر لها، فتقبل، فيجب لها مهر المثل بالدخول أو بالموت عند الجمهور غير المالكية كما تقدم؛ لأن هذا الاتفاق باطل، واشتراط نفي المهر فاسد، والشرط الفاسد لا يفسد الزواج عند الحنفية، ونفي المهر لا يفسده أيضاً عند الشافعية والحنابلة.\rوقال المالكية: إذا اتفق الزوجان على إسقاط المهر، فسد العقد، لكن يجب لها بالدخول مهر المثل. ولا يجب لها شيء بالطلاق أو موت أحدهما قبل الدخول.\r3 - التسمية غير الصحيحة للمهر: بأن يكون المسمى غير مال أصلاً كالميتة وحبة القمح وقطرة الماء ونحوها مما لا ينتفع به أصلاً، أو ينتفع به على نحو لا يعتد به. أو يكون المسمى مالاً غير متقوم أو مشتملاً على غرر كالخمر والخنزير بالنسبة للمسلم ولو كانت الزوجة كتابية، أو على شيء معجوز التسليم، كالطير في الهواء والمعادن في باطن الأرض. أو يكون المسمى مجهولاً جهالة فاحشة: وهي التي تفضي إلى النزاع، وهي عند الحنفية كما تقدم: جهالة الجنس أو النوع. يجب في هذه الحالات عند الجمهور مهر بالدخول أو بالموت قبل الدخول.\rوقال المالكية (1) : إذا سمي ما لا يصح مهراً، فسد العقد، ولا تستحق المرأة مهر المثل إلا بالدخول، أما إن فارقها قبل الدخول بالموت أو الطلاق، فلا يجب لها شيء كما ذكرت.\r-------------------------------\r(1) الشرح الصغير: 440/2-441.","part":9,"page":259},{"id":5815,"text":"حالة وجوب المهر المسمى، وماذا يجب في الزواج الفاسد :\rيجب المهر المسمى إذا كانت التسمية صحيحة، وكان العقد صحيحاً أيضاً، سواء أتمت التسمية في العقد أم بعده بالتراضي.\rفإن كان الزواج فاسداً بسبب آخر غير فساد تسمية المهر كالزواج بلا شهود وكزواج المحلل والزواج المؤقت، وجب المهر بالدخول الحقيقي، لقوله صلّى الله عليه وسلم عن عائشة: «أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها، فنكاحها باطل، فنكاحها باطل، فنكاحها باطل، فإن دخل بها، فلها المهر بما استحل من فرجها..» (1) .\rلكن ما هذا المهر الواجب؟ اختلفت الآراء الفقهية في تحديده (2) :\rقال أبو حنيفة: للمرأة مهر المثل بالغاً ما بلغ؛ لأنه لا تلاحظ التسمية في حقها، فالتحقت التسمية بالعدم.\rوقال الصاحبان (أبو يوسف ومحمد): لها مهر مثلها لا يجاوز حصتها من المسمى، لرضاها بالمسمى.\rواتفق الحنفية على أن الواجب للمرأة في الوطء بشبهة أو في نكاح المتعة هو مهر المثل على ألا يزاد على المسمى، وكذا في نكاح الشغار: الواجب هو مهر المثل؛ لأن الزواج صحيح، فحكمه حكم أي زواج فسدت تسمية المهر فيه كما تقدم. والخلوة عندهم في الزواج الفاسد لا توجب الصداق.\rوقال المالكية: الواجب في نكاح الشغار لمن دخل بها الأكثر من المسمى وصداق المثل، ويجب صداق المثل في كل زواج فسدت تسمية المهر فيه. أما إذا فسد العقد بسب آخر غير تسمية الصداق كزواج المحلل مثلاً، فيجب للمرأة المهر المسمى بالدخول، أما الوطء بشبهة فيوجب مهر المثل.ويجب الصداق المسمى لكل واحدة من الأختين إذا دخل بهما حال الجمع بينهما.\r-------------------------------\r(1) رواه أحمد وأصحاب السنن إلا النسائي عن عائشة (نيل الأوطار: 118/6).\r(2) البدائع: 286/2، الدر المختار: 457/2، اللباب: 22/3، الشرح الصغير وحاشية الصاوي: 413/2، 446 ومابعدها، القوانين الفقهية: ص 204، مغني المحتاج: 228/3، كشاف القناع: 179/5، المغني: 750/6.","part":9,"page":260},{"id":5816,"text":"وقال الشافعية: المهر الواجب بالوطء هو مهر المثل، مهما بلغ؛ لأن الشرع جعل المهر للمرأة في الزواج الباطل بسبب الوطء، لا بسبب العقد، والوطء يوجب مهر المثل، ولأنه إذا فسدت التسمية لا يلتفت إليها، ويرجع إلى مهر المثل.\rوقال الحنابلة: المهر الواجب في النكاح الفاسد بالدخول أو بالخلوة: هو المهر المسمى، لما وقع في بعض ألفاظ حديث عائشة المتقدم: «ولها الذي أعطاها بما أصاب منها» (1) ، ولأن النكاح مع فساده ينعقد ويترتب عليه أكثر أحكام الصحيح، من وقوع الطلاق ولزوم عدة الوفاة بعد الموت ونحوهما، فلزم المسمى فيه كالصحيح. أما الوطء بشبهة فيوجب مهر المثل.\rوالخلاصة: يجب المهر للمنكوحة نكاحاً صحيحاً والموطوءة في نكاح فاسد، والموطوءة بشبهة، بغير خلاف، ويجب للمكرهة على الزنا، إلا أن الواجب في فساد الزواج عند المالكية والحنابلة: هو المسمى، وعند أبي حنيفة والشافعية هو مهر المثل، وعند الصاحبين: الأقل من المسمى ومهر المثل، واتفق الفقهاء على أن الوطء بشبهة يوجب مهر المثل؛ لأن الوطء في دار الإسلام لا يخلو عن حد أو مهر.\rوقال الحنفية (2) : الوطء في دار الإسلام لا يخلو عن حد أو مهر إلا في مسألتين:\rالأولى ـ الصبي المراهق إذا تزوج امرأة بلا إذن وليه، ودخل بها، فرد أبوه نكاحها، فلا يجب على الصبي حد ولا عُقْر (مهر)، أما الحد فلأنه في حال الصبا، وأما المهر (العُقْر) فلأنها إنما زوجت نفسها منه مع علمها أن نكاحه لا ينفذ، فقد رضيت ببطلان حقها.\rالثانية: من باع أمته، ووطئها قبل التسليم إلى المشتري، فلا حد عليه ولا مهر؛ لأنه من شبهة المحل، لكونها في ضمانه ويده، إذ لو هلكت عادت إلى ملكه، والخراج بالضمان (الغنم بالغرم) فلو وجب عليه المهر استحقه.\r-------------------------------\r(1) رواه أبو بكر البرقاني وأبو محمد الخلال بإسنادهما.\r(2) الدر المختار ورد المحتار: 507/2 وما بعدها، اللباب: 22/3.","part":9,"page":261},{"id":5817,"text":"خامساً ـ صاحب الحق في المهر :\rهناك حقوق ثلاثة في حالة الابتداء تتعلق بالمهر، وحق واحد يتعلق بالمهر حالة البقاء. والمقصود بالابتداء: ابتداء عقد الزواج، وبالبقاء: بقاء أو استمرار الزواج.\rأما الحقوق المتعلقة بالمهر حالة الابتداء: فهي حق الله وحق الزوجة وحق الأولياء.\rأما حق الله تعالى: فهو وجوب المهر أثراً للعقد، بحيث لا يخلو عنه، ولا يقل عن عشرة دراهم عند الحنفية، وربع دينار أو ثلاثة دراهم عند المالكية، ولا حد لأقله عند الشافعية والحنابلة، فلو انعقد الزواج بدون مهر وجب مهر المثل بحكم الشرع بالدخول. وإن لم يدخل بها، كان مخيراً عند المالكية بين إتمام المهر وبين الفسخ، فإن فسخ وجب للمرأة نصف المسمى.\rوأما حق الزوجة: فهو ثبوت ملكها للمهر بالقبض، وألا يقل عن مهر مثلها، فلو زوجها بأقل من مهر مثلها وكانت رشيدة عند الحنفية، وغير مجبرة عند المالكية، فلها حق الاعتراض على هذا الزواج ويبطل تزويج الأب البنت البكر بدون مهر المثل. أما المجبرة أو عديمة الأهلية أو ناقصتها كالصغيرة والمجنونة: فإن كان المزوج لها الأب فليس لها الاعتراض عند المالكية والحنابلة؛ لأن للأب تزويج ابنته البكر بدون صداق مثلها وإن كان المزوج لها غير الأب من الأولياء، فلا يزوجها إلا بمهر المثل. وأثبت الشافعية للمرأة مطلقاً حق الاعتراض إن زوجها وليها بأقل من مهر المثل (1) .\rوأما حق الأولياء: فهو عند أبي حنيفة ألا يقل المهر عن مهر المثل، فلو زوجت البكر البالغة العاقلة نفسها بأقل من مهر مثلها، كان لوليها العاصب عنده أن يعترض على هذا العقد ويطلب فسخه؛ لأن الأولياء يعيرون بأقل من مهر المثل، ورضا المرأة بإسقاط حقها لا يسقط حق وليها، فإن أتم الزوج مهر مثلها، لزم العقد وسقط حق الفسخ.\r-------------------------------\r(1) الدر المختار: 419/2 وما بعدها، الشرح الصغير: 353/2، مغني المحتاج: 149/3، 227، كشاف القناع: 43/5، القوانين الفقهية: ص 203.","part":9,"page":262},{"id":5818,"text":"وأما ما يتعلق بالمهر حالة البقاء: فهو حق المرأة، فيكون ملكاً خالصاً لها لا يشاركها فيه أحد، فلها أن تتصرف فيه، كما تتصرف في سائر أموالها متى كانت أهلاً للتصرف، فلها حق إبراء الزوج منه أو هبته له.\rاشتراط الولي شيئاً من المهر لنفسه: بناء عليه، قال الشافعية (1) : لو نكح رجل امرأة بألف، على أن لأبيها ألفاً أو أن يعطيه الزوج ألفاً، فالمذهب فساد الصداق في الصورتين؛ لأنه جعل بعض ما التزمه في مقابل البضع لغير الزوجة، ووجوب مهر المثل فيهما لفساد المسمى.\rولكن الحنابلة (2) قالوا: يجوز لأبي المرأة الذي يصح تملكه دون سواه أن يشترط شيئاً من صداق ابنته لنفسه؛ لأن شعيباً زوَّج موسى على نبينا وعليهما الصلاة والسلام ابنته على رعاية غنمه، واشتراط ذلك لنفسه، ولأن للوالد الأخذ من مال ولده، لقوله صلّى الله عليه وسلم : «أنت ومالك لأبيك» ولقوله صلّى الله عليه وسلم : «إن أطيب ماأكلتم من كسبكم، وإن أولادكم من كسبكم» (3) . ويكون الأخذ أخذاً من مالها، فإذا تزوجها على ألف لها وألف لأبيها صح الاتفاق، وكان الكل مهرها، ولا يملكه الأب إلا بالقبض مع النية لتملكه، كسائر مالها، وشرطه ألا يجحف بمال البنت. فإن طلقها قبل الدخول رجع عليها بنصف الألفين، ولم يكن على الأب شيء مما أخذه من مال إن قبضه بنية التملك؛ لأنه أخذه من مال ابنته، فلا رجوع عليه بشيء منه كسائر مالها. وإن طلقها الزوج قبل قبض الصداق المسمى، سقط عن الزوج نصف المسمى، ويبقى النصف للزوجة، يأخذ الأب من النصف الباقي لها ما شاء بشرط ألا يجحف بمال البنت.\rوإن فعل ذلك أي اشتراط الصداق أو بعضه غير الأب كالجد والأخ والأب الذي لا يصح تملكه، صحت التسمية ولغا الشرط، والكل لها؛ لأن جميع ما اشترطه عوض في تزويجها، فيكون صداقاً لها، كما لو جعله لها.\r-------------------------------\r(1) مغني المحتاج: 226/3.\r(2) كشاف القناع: 151/5 وما بعدها، المغني: 696/6 وما بعدها.\r(3) هذا الحديث واحد، الكلام الثاني منه معطوف على الأول،رواه أحمد وأبو داود والترمذي وقال: حديث حسن (نيل الأوطار: 12/6).","part":9,"page":263},{"id":5819,"text":"سادساً ـ تعجيل المهر وتأجيله :\rأجاز الفقهاء تأجيل المهر، فقال الحنفية (1) : يصح كون المهر معجلاً أو مؤجلاً كله أو بعضه إلى أجل قريب أو بعيد أو أقرب الأجلين: الطلاق أو الوفاة، عملاً بالعرف والعادة في كل البلدان الإسلامية، ولكن بشرط ألا يشتمل التأجيل على جهالة فاحشة، بأن قال: تزوجتك على ألف إلى وقت الميسرة، أو هبوب الرياح، أوإلى أن تمطر السماء، فلا يصح التأجيل، لتفاحش الجهالة.\rوإذا اتفق صراحة على تقسيط المهر، عمل به؛ لأن الاتفاق من قبيل الصريح، والعرف من قبيل الدلالة، والصريح أقوى من الدلالة.\rوإذا لم يتفق على تعجيل المهر أو تأجيله، عمل بعرف البلد؛ لأن المعروف عرفاً كالمشروط شرطاً.\rوإذا لم يكن هناك عرف بالتعجيل أو التأجيل، استحق المهر حالاً؛ لأن حكم المسكوت حكم المعجل؛ لأن الأصل أن المهر يجب بتمام العقد، لأنه أثر من آثاره، فإذا لم يؤجل صراحة أو عرفاً عمل بالأصل؛ لأن هذا عقد معاوضة، فيقتضي المساواة من الجانبين.\rوأجاز الشافعية والحنابلة (2) تأجيل المهر كله أو بعضه لأجل معلوم؛ لأنه عوض في معاوضة. فإن أطلق ذكره اقتضى الحلول، وإن أجل لأجل مجهول كقدوم زيد ومجيء المطر ونحوه لم يصح؛ لأنه مجهول،وإن أجل ولم يذكر الأجل، فالمهر عند الحنابلة صحيح ومحله الفرقة أو الموت، وعند الشافعية: المهر فاسد ولها مهر المثل.\rوفصّل المالكية (3) في حكم التأجيل فقالوا: إن كان المهر معينا حاضراً في البلد كالدار والثوب والحيوان، وجب تسليمه للمرأة أو وليها يوم العقد، ولا يجوز تأخيره في العقد، ولو رضيت بالتأخير، فإن اشترط التأجيل في العقد، فسد العقد، إلا إذا كان الأجل قريباً كاليومين والخمسة. ويجوز للمرأة التأجيل من غير شرط، ويكون تعجيله من حقها.\rوإن كان المهر العين غائباً عن بلد العقد، صح النكاح إن أجل قبضه بأجل قريب بحيث لا يتغير فيه غالباً، وإلا فسد النكاح.\rوإن كان المهر غير معين كالنقود والمكيل والموزون غير المعين، فيجوز تأجيله كله أو بعضه، ويجوز التأجيل إلى الدخول إن علم وقته كالحصاد أو الصيف أو قطاف الثمر، والتأجيل إلى الميسرة إذا كان الزوج غنياً، بأن كان له سلعة ينتظر قبض ثمنها، أو له أجر في وظيفة، فإن كان فقيراً لم يصح العقد، ويجوز التأجيل إلى أن تطلبه المرأة منه، فهو كتأجيله للميسرة.\rوعليه يشترط لجوزا التأجيل شرطان:\rالأول - أن يكون الأجل معلوماً: فإن كان مجهولاً كالتأجيل للموت أو الفراق فسد العقد، ووجب فسخه، إلا إذا دخل الرجل بالمرأة، فيجب حينئذٍ مهر المثل.\rالثاني - ألا يكون الأجل بعيداً جداً كخمسين سنة فأكثر ، لأنه مظنة إسقاط الصداق ، والدخول على إسقاط الصداق مفسد للزواج .\rوأخذ القانون السوري بمذهب الحنفية، فنص على ما يلي:\r(م 55): يجوز تعجيل المهر أو تأجيله كلاً أو بعضاً، وعند عدم النص يتبع العرف.\r(م 56): التأجيل في المهر ينصرف إلى حين البينونة أو الوفاة، ما لم ينص في العقد على أجل آخر.\r-------------------------------\r(1) البدائع: 288/2، الدر المختار: 493/2.\r(2) مغني المحتاج: 222/3، كشاف القناع: 178/5، المغني: 693/6.\r(3) الدسوقي مع الشرح الكبير: 2/297، الشرح الصغير: 2/432-433.","part":9,"page":264},{"id":5820,"text":"حكم إعسار الزوج بالمهر :\rإذا عجز الزوج عن دفع معجل المهر، لم يكن للزوجة عند الحنفية وفي الأصح عند الحنابلة (1) الحق في طلب فسخ الزواج بأي حال، سواء أكان ذلك قبل الدخول أم بعده، وإنما لها الحق في منع نفسها من الزوج، وعدم التقيد بإذنه في الخروج لزيارة أهلها، والسفر معه، ونحوهما.\rوقال المالكية والشافعية (2) : للزوجة الحق في طلب الفسخ حينئذ، والصحيح عند الشافعية أن لها فسخ الزواج قبل الدخول وبعده، وعند المالكية قبل الدخول لا بعده.\rوذكر الحنفية (3) أنه إن اشترط تأجيل المهر كله مدة معينة كسنة، فإن اشترط الزوج الدخول\r-------------------------------\r(1) الدر المختار: 492/2 وما بعدها، كشاف القناع: 183/5.\r(2) الشرح الصغير: 434/2، المهذب: 61/2، بداية المجتهد: 51/2.\r(3) الدر المختار: 493/2، فتح القدير: 472/2.","part":9,"page":265},{"id":5821,"text":"قبل حلول الأجل، فليس للزوجة الحق في الامتناع، وإن لم يشترط الدخول، فليس لها الامتناع أيضاً عند أبي حنيفة؛ لأنها لما رضيت بتأجيل المهر كله، كان ذلك رضا منها بإسقاط حقها في تعجيل المهر.\rوقال أيو بوسف: للزوجة أن تمنع نفسها حتى يحل أجل تسليم المهر؛ لأن الزوج رضي بإسقاط حقه بالاستمتاع. والفتوى استحساناً على هذا القول.\rضمان الولي المهر:\rيرى الحنفية (1) أنه إذا ضمن ولي الزوجة أو وكيلها المهر لها، صح ضمانه؛ لأنه من أهل الالتزام، والولي والوكيل في النكاح سفير ومعبر، ولذا ترجع حقوق العقد إلى الأصيل، وللمرأة الخيار في مطالبة زوجها أو وليها، كسائر الكفالات. ويرج الولي إذا أدى على الزوج إن كان الضمان بأمره، كما هو المقرر في الكفالة.\rسابعاً ـ قبض المهر وما يترتب عليه :\rقبض المهر حق خالص للزوجة كما بينا، فلها أن تمنع نفسها حتى تقبض مهرها المعجل كله، على الخلاف والتفصل الآتي:\rقال الحنفية (2) : للمرأة قبل دخول الزوج بها أن تمنع الزوج عن الدخول أو عن الانتقال إلى بيته حتى يعطيها جميع المهر المعجل بأن تزوجها على صداق عاجل، أو كان مسكوتاً عن التعجيل والتأجيل؛ لأن حكم المسكوت حكم المعجل، ثم تسلم نفسها إلى زوجها، وإن كانت قد انتقلت إلى بيت زوجها؛ لأن المهر عوض عن بُضْعها، كالثمن عوض عن المبيع، وللبائع حق حبس المبيع\rلاستيفاء الثمن، فكان للمرأة حق حبس نفسها لاستيفاء المهر. وإن استوفت معجل المهر بتمامه سقط حقها في منع نفسها منه.\r-------------------------------\r(1) الكتاب مع اللباب: 22/3، الدر المختار: 490/2، فتح القدير: 471/2 وما بعدها.\r(2) البدائع: 2 288/-289.","part":9,"page":266},{"id":5822,"text":"أما إذا دخل الزوج بها أو خلا بها، برضاها، وهي مكلفة (بالغة عاقلة) فلها أيضاً في رأي أبي حنيفة أن تمنع نفسها من الاستمتاع بها حتى تأخذ المهر، ولها أن تمنعه أن يخرجها من بلدها؛ لأن المهر مقابل بجميع ما يستوفى من منافع البُضْع في جميع أنواع الاستمتاع التي توجد في هذا الملك.\rويكون رضاها بالدخول أو بالخلوة قبل قبض معجل مهرها إسقاطاً لحقها في منع نفسها في الماضي، وليس لحقها في المستقبل. وهذا هو الراجح عند الحنفية، فللمرأة منع نفسها من الوطء ودواعيه، ومن السفر بها، ولو بعد وطء وخلوة رضيتهما؛ لأن كل وطأة معقود عليها، فتسليم البعض لا يوجب تسليم الباقي.\rوفي رأي الصاحبين: ليس لها أن تمنع نفسها، لأنها بالوطء مرة واحدة أو بالخلوة الصحيحة، سلمت جميع المعقود عليه برضاها، وهي من أهل التسليم، فبطل حقها في المنع،كالبائع إذا سلم المبيع، فرضاها بالوطء إسقاط لحقها في طلب المهر قبل الدخول، فيسقط حقها في الامتناع، فإذا امتنعت كانت ناشزة، فيسقط حقها في النفقة.\rووافق المالكية (1) الصاحبين، فقالوا: للمرأة ولو كانت معيبة بعيب رضي به منع نفسها من الدخول ومن الاختلاء بها ومن السفر مع زوجها قبل الدخول حتى يسلم لها زوجها المهر المعين أو الصداق المعجل، أو المؤجل الذي حل أجل تسليمه. أما إن سلمت نفسها له قبل القبض بعد الوطء أو التمكين منه، فليس لها منع نفسها بعدئذ من وطء ولا سفر معه، سواء أكان موسراً أم معسراً، وإنما لها المطالبة به فقط ورفعه للحاكم كالمدين.\r-------------------------------\r(1) الشرح الصغير: 434/2، القوانين الفقهية: ص 434، الشرح الكبير: 297/2 وما بعدها.","part":9,"page":267},{"id":5823,"text":"ووافق الحنابلة والشافعية (1) أيضاً رأي الصاحبين، أما الحنابلة فوافقوا في الدخول والخلوة، وأما الشافعية فوافقوا في الدخول.\rقال الشافعية: للمرأة ولو كانت مفوضة حبس نفسها لتقبض المهر المعين والحالّ، لا المؤجل (2) ، فلو حل الأجل قبل تسليم نفسها للزوج، فلا حبس في الأصح، لوجوب تسليمها نفسها قبل الحلول، فلا يرتفع الوجوب لحلول الحق. ولو بادرت الزوجة فمكنت الزوج من نفسها، طالبته بالمهر؛ لأنها بذلت ما في وسعها، فإن لم يطأ، أي ولو خلا بها، جاز لها الامتناع من تمكينه حتى يسلم المهر؛ لأن القبض في النكاح بالوطء دون التسليم. وإن وطئها بتمكينها منه مختارة مكلفة، ولو في الدبر، فلا يحق لها الامتناع، كما لو تبرع البائع بتسليم المبيع، ليس له استرداده ليحبسه. أما إذا وطئت مكرهة أو غير مكلفة لصغر أو جنون فلها الامتناع، لعدم الاعتداد بتسليمها.\rوإن بادر الزوج، فسلَّم المهر، وجب على الزوجة تسليم نفسها، فإن امتنعت الزوجة من تمكين زوجها بلا عذر منها، لم يسترد المهر منها على الراجح؛ لأنه تبرع بالمبادرة، فكان كتعجيل الدين المؤجل، لا يسترد.\rوعبارة الحنابلة: للمرأة منع نفسها قبل الدخول حتى تقبض مهرها الحالّ كله أو الحالّ منه، ولها المطالبة بحالّ مهرها ولو لم تصلح للاستمتاع لصغر أو نحوه.\rفإن وطئها الزوج مكرهة قبل دفع الحالّ من صداقها، لم يسقط به حقها من الامتناع، كما قال الشافعية؛ لأن وطأها مكرهة كعدمه.\rوإذا جاز لها منع نفسها فلها السفر بغير إذنه، ولها النفقة زمن المنع إن صلحت للاستمتاع، ولو كان معسراً بالصداق؛ لأن الحبس من قبله.\r-------------------------------\r(1) مغني المحتاج: 222/3 وما بعدها، كشاف القناع: 181/5-183.\r(2) واستدلوا بحديث: «أول ما يسأل عنه المؤمن من ديونه صداق زوجته» وحديث «من ظلم زوجته في صداقها، لقي الله تعالى يوم القيامة، وهو زانٍ» .","part":9,"page":268},{"id":5824,"text":"وإن كان الصداق مؤجلاً، لم تملك منع نفسها حتى تقبضه؛ لأنها لا تملك الطلب به. ولو حلّ المهر قبل الدخول، فليس لها منع نفسها، كما قال الشافعية؛ لأن التسليم قد وجب عليها، فاستقر قبل قبضه، فلم يكن لها أن تمتنع منه.\rوإن تبرعت الزوجة بتسليم نفسها، ثم أرادت الامتناع بعد دخول أو خلوة، لم تملكه؛ لأن التسليم استقر به العوض برضا المسلِّم. فإن امتنعت بعد أن سلمت نفسها، فلا نفقة لها؛ لأنها ناشز.\rوبحث الشافعية والحنابلة مسألة مهمة: هي أنه لو أبى كل من الزوجين التسليم الواجب عليه، فقال كل منهما: لا أسلم حتى تسلِّم، فالأظهر عند الشافعية أنهما يجبران، فيؤمر الزوج بوضع المهر عند عدل ـ شخص ثالث محايد ـ وتؤمر الزوجة بالتمكين، فإذا سلمت أعطاها العدل المهر، لمافيه من فصل الخصومة. وقال الحنابلة: يجبر الزوج على تسليم الصداق، ثم تجبر الزوجة على تسليم نفسها؛ لأن في إجبارها على تسليم نفسها أولاً خطر إتلاف البضع ( محل المتعة ).\rوالخلاصة: اتفق الفقهاء على أحقية المرأة بمنع نفسها قبل الدخول حتى تقبض مهرها المعجل، وليس لها الحق بالنسبة للمؤجل. واختلفوا على رأيين في منع نفسها بعد الدخول، فقال أبو حنيفة: لها الحق بالمنع، وقال الجمهور: ليس لها الحق. والخلوة أو التمكين من الوطء كالوطء عند غير الشافعية.\rقابض المهر: المرأة الرشيدة هي التي تقبض المهر وتتصرف فيه، لكن أقرت الشريعة عملاً بالعرف والعادة للولي إذا كان أباً أو جداً قبل المهر، ويكون قبضه نافذاً عليها، إلا إذا منعته من القبض. ونص القانون السوري ( م 60) عليه:\rينفذ على البكر ولو كانت كاملة الأهلية قبض وليها لمهرها إن كان أباً أو جداً عصبياً، ما لم تنه الزوج عن الدفع إليه. ثم عدلت هذه المادة سنة (1975) على النحو التالي: المهر حق للزوجة ولا تبرأ ذمة الزوج منه إلا بدفعه إليها بالذات، إن كانت كاملة الأهلية، ما لم توكل في وثيقة العقد وكيلاً خاصاً بقبضه.","part":9,"page":269},{"id":5825,"text":"فإن كانت المرأة غير رشيدة كالصغيرة والمحجور عليها لسفه أو جنون أو غفلة، فولي مالها يتولى قبض المهر، وولي المال عند الحنفية أحد الستة: الأب ثم وصيه، ثم الجد ثم وصيه، ثم القاضي ثم وصيه.\rوقال المالكية (1) : ولي الزوجة المجبر (وهو الأب ووصيه): هو الذي يتولى قبض المهر، فإن لم يكن لها ولي مجبر وكانت رشيدة، فهي التي تتولى قبض مهرها، أو يقبضه لها بتوكيل منها. وإن كانت سفيهة تولى ولي مالها قبض مهرها، فإن لم يكن لها ولي فالقاضي أو نائبه يقبض مهرها.\rوالظاهر عند الشافعية والحنابلة: أن المرأة الرشيدة هي التي تقبض مهرها؛ فإن كانت غير رشيدة قبض وليها المهر بالنيابة عنها.\rالتصرف في المهر: اتفق الفقهاء على أن للمرأة الرشيدة أن تتصرف في مهرها بما تشاء بيعاً أو هبة ونحوهما، وتصرفها نافذ؛ لأن المهر ملكها فتتصرف فيه كما تتصرف في سائر أملاكها.\r-------------------------------\r(1) الشرح الصغير: 463/2.","part":9,"page":270},{"id":5826,"text":"ثامناً ـ الزيادة أو الحط من المهر :\rقد تحدث زيادة في المهر أو حط منه بعد العقد، والمقصود بالزيادة في المهر: أن يضاف إليه شيء بعد تمام العقد. وأما النقص أوالحط من المهر: فهو إنقاص جزء من المهر أو إسقاط كله بعد تمام العقد.\rأما الزيادة في المهر :\rفقال الحنفية (1) : إذا زاد الزوج الرشيد أو ولي الصغير (الأب أو الجد) على المهر المسمى شيئاً بعد تمام العقد وتراضي الطرفين على المهر، لزمت الزيادة بالوطء أو بالموت عن الزوجة، وتصبح جزءاً من أصل المهر، وتتأكد بالدخول أو الموت، وتتنصف عند الجمهور غير الحنفية بالطلاق قبل الدخول كأصل المهر، وتبطل بموت الزوج أو تفليسه قبل قبضها عند المالكية؛ لأنها كالهبة، والهبة تبطل بالموت والإفلاس قبل القبض.\rولا تلزم هذه الزيادة إلا بالشروط الآتية التي أبانها الحنفية وهي أربعة:\r1ً - أن يكون الزوج رشيداً: لأن الزيادة على المسمى تبرع، فلا تصح إلا من أهل التبرع.\r2ً - أن تكون الزيادة معلومة : فلو كانت مجهولة بأن قال: زدت، في مهرك، ولم يعين شيئاً، لم تصح الزيادة للجهالة.\r3ً - أن تأتي الزيادة في حال بقاء الزوجية حقيقة أي أثناء الزواج، أوحكماً أي أثناء العدة من الطلاق الرجعي. وتصح الزيادة أيضاً في رواية عن أبي حنيفة بعد موت الزوجة، أو بعد الطلاق البائن وانقضاء العدة في الطلاق الرجعي، والظاهر عدم صحة هذه الزيادة.\r4ً - قبول الزوجة أو قبول ولي الصغيرة أو المجنونة في المجلس الذي حدثت فيه؛ لأن هذه الزيادة هبة، فلا بد لها من القبول في مجلس الإيجاب.\rويتفق رأي الحنابلة مع رأي الحنفية في أن الزيادة في الصداق بعد العقد تلحق به. وقال الشافعي: لا تلحق الزيادة بالعقد، فإن زادها فهي هبة تفتقر إلى شروط الهبة، وإن طلقها بعد هبتها لم يرجع بشيء من الزيادة؛ لأن الزوج ملك البضع بالمسمى في العقد، فلم يحصل بالزيادة شيء من المعقود عليه، فلا تكون عوضاً في النكاح، كما لو وهبها شيئاً (2) .\rواستدل الحنابلة بقوله تعالى: {ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به من بعد الفريضة} [النساء:24/4] ولأن ما بعد العقد زمن لفرض المهر، فكان حالة الزيادة كحالة العقد، وبهذا فارق الزواج البيع والإجارة.\rوأما الحط من المهر والإبراء عنه :\rفرأي الحنفية (3) : أنه يصح للزوجة الرشيدة غير المريضة مرض الموت دون أبيها الحط من المهر كله أوبعضه عن الزوج بعد تمام العقد، سواء قبل أم لا، لكنه يرتد بالرد. أما أبوها فلا يصح الحط منه إذا كانت صغيرة، ويتوقف الحط على إجازتها إن كانت كبيرة، ولا بد من رضاها.\rلكن فرق الحنفية بين الإبراء والهبة في الحط من المهر، فقالوا: الإبراء لا\r-------------------------------\r(1) الدر المختار وحاشية ابن عابدين: 463/2 وما بعدها.\r(2) المغني: 744/6.\r(3) الدر المختار وابن عابدين: 464/2 وما بعدها، 474.","part":9,"page":271},{"id":5827,"text":"يكون إلا في دين ثابت في الذمة كالنقود، والمكيلات والموزونات غير المتعينة؛ لأن الديون تتعلق بالذمة، والتنازل عنها يكون بالإبراء. ولا يشترط لصحته قبول الزواج، وإنما يكفي عدم الرد كهبة الدين ممن عليه الدين، فقد يردُّ الإبراء دفعاً للمنة؛ لأن الحط من المهر ليس تمليكاً على وجه الهبة الصريحة، وإنما هو إسقاط وإبراء للزوج. أما إذا ورد الإبراء على عين، فلا يسقط شيء من المهر، بل يصير أمانة في يد الزوج، ويسقط عنه الضمان إذا هلك؛ لأن الإبراء ليس من الألفاظ الصريحة في تمليك الأعيان، فيحمل على نفي الضمان.\rلكن إذا قصدت الزوجة بالإبراء إعفاء الزوج مما عليه كله أو بعضه، ففي الوقت الحاضر الذي لا يميز فيه الناس بين المصطلحات الفقهية يمكن جعل الإبراء تمليكاً، ويكون حكمه حكم الهبة.\rوأما الهبة: فتصح سواء أكان المهر ديناً،أم عيناً كالدار المعينة والحيوان أو الثوب المعين، وسواء قبل القبض أم بعده. ولا بد حينئذ من قبول الزوج في المجلس، ولا يكتفى بسكوته عن القبول أو الرد.\rورأى المالكية (1) : أنه إذا وهبت المرأة لزوجها جميع صداقها قبل الدخول لم يرجع عليها بشيء.\rوذهب الشافعية (2) إلى أنه ليس للولي عفو عن صداق موليته، على الجديد، كسائر ديونها، إذ لم يبق للولي بعد العقد عُقدة، أي كلام. وإذا أبرأت المرأة زوجها من المهر، ثم طلقها قبل الدخول، لم يرجع عليها بشيء على المذهب، كما قال الشافعية في الهبة؛ لأنها لم تأخذ منه مالاً، ولم تتحصل منه على شيء، وهو بخلاف هبة العين، فإنها لو وهبت زوجها المهر المعين كدار معينة أو حيوان معين، رجع عليها بنصف الصداق إذا طلقها قبل الدخول.\r-------------------------------\r(1) القوانين الفقهية: ص 203، بداية المجتهد: 25/2.\r(2) مغني المحتاج: 240/3.","part":9,"page":272},{"id":5828,"text":"وقرر الحنابلة (1) : أنه لا عفو لأب وغيره عن مهر محجورة؛ لأن الذي بيده عقدة النكاح هو الزوج. وإذا عفت المرأة لصاحبها عن مهرها، وهي جائزة التصرف، برئ منه، سواء بلفظ عفو أو بلفظ إسقاط، وصدقة، وترك، وإبراء لمن العين في يده.\rولو أبرأت مفوضة زوجها،ثم طلقت قبل الدخول، رجع بنصف مهر المثل.\rوأخذ القانون السوري بمذهب الحنفية في جواز الزيادة والنقصان من المهر، إذا حدثت الزيادة من الزوج والحط من الزوجة إذا كان كل منهما كامل الأهلية، ويعد ذلك برضا الطرفين ملحقاً بأصل العقد. نصت المادة ( 57) على ما ذكر بقولها: «للزوج الزيادة في المهر بعد العقد، وللمرأة الحط منه إذا كانا كاملي أهلية التصرف، ويلحق ذلك بأصل العقد إذا قبل الآخر» .\rثم عدلت هذه المادة سنة ( 1975) على النحو التالي:\r«لا يعتد بأي زيادة أو إنقاص من المهر، أو إبراء منه إذا وقعت أثناء قيام الزوجية، أوفي عدة الطلاق، وتعتبر باطلة ما لم تجر أمام القاضي، ويلتحق أي من هذه التصرفات الجارية أمام القاضي بأصل العقد إذا قبل به الزوج الآخر» .\rتاسعاً ـ أحوال وجوب المهر وتأكده وتنصيفه وسقوطه :\rوجوب المهر: اتفق الفقهاء (2) على أن المهر يجب بنفس العقد إن كان الزواج صحيحاً، والواجب هو المسمى إن كانت التسمية صحيحة، ومهر المثل إن لم تكن هناك تسمية، أو كانت التسمية فاسدة، أو كان هناك اتفاق على نفي المهر.\rوعبر الجمهور غير الحنفية عنه بقولهم: تملك المرأة المسمى بالعقد إن كان صحيحاً، إلا أن المالكية رأوا أنه على المذهب تملك النصف بالعقد.\r-------------------------------\r(1) غاية المنتهى: 67/3.\r(2) البدائع: 287/2 وما بعدها، الشرح الكبير: 300/2 وما بعدها، القوانين الفقهية: ص 202، المهذب: 57/2، كشاف القناع: 156/5، الشرح الصغير: 440/2 وما بعدها.","part":9,"page":273},{"id":5829,"text":"وإذا كان عقد الزواج فاسداً، أو الوطء بشبهة كالمزفوفة إليه امرأة غير زوجته، وقال له النساء: إنها زوجتك، وجب المهر أي مهر المثل بالدخول الحقيقي أي الوطء، وجوباً مؤكداً لا يسقط إلا بالأداء أو الإبراء.\rتأكد المهر :\rاتفق الفقهاء على أنه يتأكد وجوب المهر في العقد الصحيح بالدخول أو الموت، سواء أكان المهر مسمى أم مهر المثل، حتى لا يسقط شيء بعدئذ إلا بالإبراء من صاحب الحق.\rواختلفوا في تأكده بأمرين: الخلوة الصحيحة، وإقامة الزوجة سنة بعد الزفاف بلا وطء.\rقال الحنفية والحنابلة: يتأكد المهر أيضاً بالخلوة الصحيحة، وخالفهم المالكية والشافعية فيه.\rوقال المالكية خلافاً لغيرهم وهم الجمهور: يتقرر أي يثبت ويتحقق المهر بإقامة الزوجة سنة بعد الزفاف بلا وطء.\rوأضاف الحنابلة أن المهر يتأكد أيضاً بطلاق الفرار قبل الدخول في مرض الموت (1) .\rوتوضيح الكلام في كل واحد من هذه الأسباب فيما يأتي:\r1 ً - الدخول الحقيقي: هو الوطء أو الاتصال الجنسي ولو كان حراماً في القبل أو في الدبر بتغييب حشفة أو قدرها من مقطوعها، أو في حالة الحيض أو النفاس أو الإحرام أو الصوم أو الاعتكاف. يتأكد به وجوب المهر أو يستقر على الزوج، لاستيفاء مقابله، فإن الزوج استوفى حقه بالدخول، فيتقرر حق الزوجة في المهر جميعه، سواء أكان مسمى في العقد، أم فرض بعده بالتراضي أو بقضاء القاضي، ولقوله عز وجل: {وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعض} [النساء:21/4] وفسر الإفضاء بالجماع.\rويترتب على استقرار المهر بالدخول: أنه لا يسقط شيء منه بعدئذ إلا بالأداء لصاحبه، أو بالإبراء من صاحب الحق.\r-------------------------------\r(1) البدائع: 291/2-295، الدسوقي مع الشرح الكبير: 300/2 ومابعدها، الشرح الصغير: 437/2، المهذب: 57/2-60، كشاف القناع: 161/5، 168 ومابعدها، 174، مغني المحتاج: 224/3 ومابعدها: 229-231، المغني: 716/6، الشرح الصغير: 449/2.","part":9,"page":274},{"id":5830,"text":"2 ً - موت أحد الزوجين قبل الدخول في نكاح صحيح بالاتفاق، وقبل الخلوة الصحيحة عند الحنفية والحنابلة. فإذا مات أحد الزوجين قبل الوطء في نكاح صحيح، استحقت المرأة المهر كله باتفاق الفقهاء إذا كان النكاح نكاح تسمية، أي كان المهر مسمى في العقد؛ لأن العقد لا ينفسخ بالموت، وإنما ينتهي به، لانتهاء أمده وهو العمر، فتتقرر جميع أحكامه بانتهائه، ومنها المهر. ولإجماع الصحابة على استقرار المهر بالموت.\rأما في نكاح التفويض، أي النكاح الذي لم يسم فيه المهر، ومات بعده أحد الزوجين فلا شيء فيه عند المالكية، قياساً للموت على الطلاق، والطلاق قبل الدخول والخلوة وقبل تسمية المهر، لا شيء فيه، فمثله الموت.\rوقال الجمهور في الأظهر عند الشافعية: يجب فيه مهر المثل، للحديث السابق وهو أن ابن مسعود قضى في امرأة لم يفرض لها زوجها صداقاً، ولم يدخل بها حتى مات، فقال: لها صداق مثلها، ولا وَكْس ولا شطط، وعليها العدة ولها الميراث، فقال مَعْقِل بن سنان: «قضى رسول الله صلّى الله عليه وسلم في بَرْوع بنت واشق مثل ماقضيت» (1) ، ولأنه عقد مدته العمر، فبموت أحدهما ينتهي، فيستقر به العوض، كانتهاء الإجارة، ومتى استقر لم يسقط منه شيء بانفساخ النكاح ولا غيره. ولأن الموت يكمل به المهر المسمى، فيكمل به مهر المثل للمفوضة كالدخول.\rوهذا الرأي هو الراجح، لقوة أدلته، وعلق الشافعي في الأم القول به على صحة الحديث. وفرق بين الموت والطلاق؛ لأن الموت ينتهي به عقد الزواج، أما الطلاق فيقطع الزواج قبل إتمامه، لذا وجبت العدة بالموت قبل الدخول، ولم تجب بالطلاق، وكمل المسمى بالموت، ولم يكمل بالطلاق.\r-------------------------------\r(1) رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه والترمذي، وقال: حديث حسن صحيح.","part":9,"page":275},{"id":5831,"text":"وهل القتل مثل الموت؟\rإذا حدث القتل من أجنبي لأحد الزوجين، أو قتل أحد الزوجين الآخر، أو قتل أحدهما نفسه، فهو كالموت، يستقر به المهر؛ لأن النكاح قد بلغ غايته، فقام الموت مقام استيفاء المنفعة.\rوخالف الشافعي وزفر من الحنفية فيما إذا قتلت الزوجة نفسها عمداً، فقالا: لا تستحق شيئاً من المهر؛ لأن قتلها نفسها يشبه ارتدادها عن الإسلام، وبالردة يسقط حقها من المهر.\rوأجيب عنه من قبل الجمهور بأن قياس الانتحار على الردة غير صحيح؛ لأن المهر في حال الردة لا يتعلق به حق لغير الزوجة، فيجوز أن يسقط بفعلها، أما في حالة القتل، فإن المهر يتعلق به حق الورثة، فلا يجوز أن يسقط بفعل من جانبها.\rوهل تستحق الزوجة المهر بقتل زوجها عمداً قبل الدخول والخلوة أو يسقط؟\rللفقهاء رأيان: قال الحنابلة والحنفية ما عدا زفر: لا يسقط حقها في المهر، بل يتأكد بالقتل كل المهر؛ لأن جزاء القتل العمد شرعاً هو القصاص، ولم يرد دليل بسقوط المهر بهذا القتل.\rوقال المالكية والشافعية وزفر: يسقط مهرها بالقتل؛ لأن قتل زوجها جناية، والجنايات لا تؤكد الحقوق،ولأنها بهذه الجناية أنهت الزواج بمعصية، وإنهاء الزواج بمعصية من الزوجة قبل الدخول يسقط المهر كله، كإسقاطه بالردة، ولم يتعلق بالمهر حق لأحد، وهذا هو الراجح لقوة دليله.\r3 ً - الخلوة الصحيحة: احتراز عن الخلوة الفاسدة، والصحيحة هي: أن يجتمع الزوجان بعد العقد الصحيح في مكان يتمكنان فيه من التمتع الكامل، بحيث يأمنان دخول أحد عليهما، وليس بأحدهما مانع طبيعي أو حسي أو شرعي يمنع من الاستمتاع (1) عملاً بما روي عن الخلفاء الراشدين وزيد وابن عمر، روى أحمد والأثرم بإسنادهما عن زرارة بن أوفى قال: « قضى الخلفاء الراشدون المهديون أن من أغلق باباً أو أرخى ستراً، فقد أوجب المهر، ووجبت العدة» .\rوالمانع الطبيعي: وجود شخص ثالث عاقل صغير أو كبير، والمانع الحسي: وجود مرض بأحدهما يمنع الوطء، ومنه الرتق (التلاحم)، والقَرَن (العظم) والعَفَل (غدة).\r-------------------------------\r(1) الدر المختار ورد المحتار: 465/2، كشاف القناع: 168/5.","part":9,"page":276},{"id":5832,"text":"والمانع الشرعي: كأن يكون أحدهما صائماً في رمضان، أو محرماً بحج أو عمرة فرض أو نفل.\rويتأكد المهر كله للزوجة عند الحنفية والحنابلة: بالخلوة الصحيحة بشروطها المذكورة، فلو طلق الرجل زوجته، وجب لها بالخلوة ولو لم يحصل وطء المسمى كاملاً إن كانت التسمية صحيحة، ومهر المثل كاملاً إن لم تكن هناك تسمية أو كانت التسمية فاسدة.\rوقال المالكية، والشافعية في الجديد: لا يتأكد وجوب المهر بالخلوة وحدها، بدون وطء، فلو خلا الزوج بزوجته خلوة صحيحة، ثم طلقها قبل الدخول بها، وجب نصف المسمى، والمتعة إن لم يكن المهر مسمى.\rوسأذكر في المطلب التالي أدلة الرأيين بمشيئة الله تعالى.\r4 ً - إقامة الزوجة سنة في بيت الزوج بعد الزفاف بلا وطء: يتقرر المهر أيضاً عند المالكية إذا تزوج رجل امرأة، وزفت إليه، وأقامت عنده سنة، بلا وطء، بشرط إطاقتها، وبلوغه، واتفاقهما على عدم الوطء؛ لأن الإقامة المذكورة تقوم مقام الوقاع أو الوطء.\rولا يتأكد المهر بها عند الشافعية. ويتقرر المهر بمجرد الخلوة الصحيحة كما تقدم عند الحنفية والحنابلة.\r5 ً - طلاق الفرار في مرض الموت قبل الدخول: يتقرر المهر كاملاً أيضاً عند الحنابلة بطلاق المرأة في مرض موت الزوج المخوف قبل دخوله بها إذا طلقها فراراً من ميراثها، ثم مات، فيتقرر عليه الصداق كاملاً بالموت، لوجوب عدة الوفاة عليها في هذه الحالة، ما لم تتزوج أو ترتد.\rوالخلاصة: يتأكد المهر عند الحنفية بأحد أسباب ثلاثة: الدخول والخلوة الصحيحة، وموت أحد الزوجين. وعند المالكية بأحد أسباب ثلاثة: هي الدخول، أي الوطء لمطيقة من بالغ وإن حرم، وموت أحد الزوجين، وإقامة سنة بعد الدخول بلا وطء بشرط بلوغه وإطاقتها. وعند الشافعية: يستقر المهر بأحد أمرين: الوطء وإن حرم، وموت أحد الزوجين،، لا بخلوة في الجديد. وعند الحنابلة: يتقرر المهر بأحد أمور أربعة: الدخول، والخلوة والموت أو القتل، والطلاق في مرض موت الزوج قبل الدخول بالزوجة.","part":9,"page":277},{"id":5833,"text":"تنصيف المهر :\rاتفق الفقهاء (1) على وجوب نصف المهر للزوجة بالفرقة قبل الدخول، سواء عند الشافعية والحنابلة أكانت الفرقة طلاقاً أم فسخاً، إذا كان المهر مسمى حين العقد، وكانت التسمية صحيحة والفرقة جاءت من قبل الزوج. من أمثلة الفسخ: الفرقة بسبب الإيلاء أو اللعان، أو بسبب ردة الزوج، أو إباء الزوج اعتناق الإسلام بعد إسلام زوجته.\rودليلهم قوله تعالى: {وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن، وقد فرضتم لهن فريضة، فنصف ما فرضتم} [البقرة:237/2] وهذا في الطلاق، وباقي أنواع الفرق مقيس عليه؛ لأنه في معناه.\rفإن لم يسم المهر في العقد أصلاً كالمفوضة، أو اتفق الزوجان على الزواج بدون مهر، أو كانت التسمية غير صحيحة، وحصلت الفرقة بتراضي الزوجين أو بحكم القاضي وكانت الفرقة قبل الدخول، وقبل الخلوة عند الحنفية والحنابلة، لم يجب للزوجة شيء من المهر، وإنما تجب لها المتعة؛ لأن النص القرآني السابق إنما\r-------------------------------\r(1) البدائع: 296/2، الدر المختار: 463/2-464، الشرح الصغير: 454/2 وما بعدها، بداية المجتهد: 23/2، القوانين الفقهية: ص 202 وما بعدها، مغني المحتاج: 231/3، 234، المهذب: 59/2، كشاف القناع: 165/5، 171، 176.","part":9,"page":278},{"id":5834,"text":"ورد بتنصيف أو تشطير المسمى، ووجوب المتعة لقوله تعالى: {لا جناح عليكم إن طلقتم النساء، ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة، ومتعوهن} [البقرة:236/2] وباقي الفرق مقيس على الطلاق؛ لأنه في معناه.\rوقال المالكية: إن فسخ النكاح أو رده الزوج بعيب في الزوجة قبل الدخول، لم يجب لها شيء. واختلف هل يجب إذا ردته هي بعيب في الزوج. وقال الحنفية: الفرقة بغير طلاق قبل الدخول والخلوة تسقط المهر كما سأبين.\rواختلف الفقهاء في مسألتين حول التنصيف قبل الدخول: مسألة تنصيف المفروض بعد العقد، ومسألة الزيادة في المهر بعد العقد.\rأما المسألة الأولى ـ وهي إذا لم يذكر المهر حين العقد، وإنما فرض بعده بالتراضي أو بقضاء القاضي.\rفقال الحنفية: لا يتنصف المفروض من المهر بعد العقد، لاختصاص التنصيف بالمفروض في العقد بالنص القرآني المتقدم، بل تجب المتعة فقط للمرأة، فلو حدثت الفرقة قبل الدخول والخلوة، وجب لها المتعة فقط.\rوقال الجمهور: يتنصف المفروض بعد العقد كالمسمى في العقد، فلو حصلت الفرقة قبل الدخول. وقبل الخلوة عند الحنابلة، كان للمرأة نصف المفروض لا المتعة.\rوأما المسألة الثانية ـ وهي الزيادة الحادثة من الزوج بعد العقد على المهر المسمى.\rفقال الحنفية: تسقط هذه الزيادة عن الزوج، ولا تتنصف قبل الدخول والخلوة. وقال الجمهور: لا تسقط هذه الزيادة عن الزوج وتتنصف كالمسمى في العقد.والحاصل: أن الذي يتنصف عند الحنفية هوالمسمى في العقد، لا المفروض بعده ولا مازيد على المفروض بعد العقد، والجمهور على خلافهم في المسألتين. ومنشأ الاختلاف: تفسير المراد من قوله تعالى: {فنصف ما فرضتم} [البقرة:237/2] : فرأى الحنفية: أن المقصود منه المفروض وقت العقد، لا غير، عملاً بالمتعارف بين الناس: وهو إطلاق المفروض على المسمى وقت العقد. ورأى الجمهور: أن المقصود منه المفروض مطلقاً، عملاً بمقتضى اللغة؛ لأن الفرض هو التقدير، وهو يشمل كل ما قدر، سواء أكان وقت العقد أم بعده. وهذا هو الراجح؛ لأن كلاً من المفروض وقت العقد أو بعده يسمى مفروضاً في العرف، كما هو مقتضى اللغة.","part":9,"page":279},{"id":5835,"text":"سقوط المهر كله :\rذكر الحنفية أنه يسقط المهر كله عن الزوج بأحد أربعة أسباب (1) :\r1ً - الفرقة بغير طلاق قبل الدخول بالمرأة وقبل الخلوة بها: كل فرقة حصلت بغير طلاق قبل الدخول وقبل الخلوة: تسقط جميع المهر، سواء أكان من قبل المرأة أم من قبل الزوج، كأن ارتدت المرأة عن الإسلام، أو أبت الإسلام وأسلم زوجها، أو اختارت فسخ الزواج لعيب في الزوج. ومثله إذا فسخ ولي المرأة الزواج لعدم كفاءة الزوج، ففي هذه الأحوال التي يتم بها فسخ الزواج قبل الدخول يسقط جميع المهر؛ لأن الفرقة بغير طلاق تكون فسخاً للعقد، وفسخ العقد قبل الدخول يوجب سقوط كل المهر؛ لأن فسخ العقد رفعه من الأصل، وجعله كأنه يكن.\r\r-------------------------------\r(1) البدائع: 295/2-296.","part":9,"page":280},{"id":5836,"text":"وقال المالكية (1) : إن فسخ الزوج النكاح أو رده بعيب في الزوجة قبل الدخول، لم يجب لها شيء، فهم يوافقون الحنفية به، ولا شيء لها أيضاً في نكاح التفويض عنده إذا مات الزوج أو طلق قبل الدخول.\rوفصَّل الشافعية والحنابلة (2) بين ما إذا كانت الفرقة بسبب من الزوجة، وبين ما إذا كانت بسبب من غيرها، فقالوا: الفرقة الحاصلة من جهة الزوجة قبل الدخول بها تسقط المهر المسمى والمفروض ومهر المثل، كإسلامها بنفسها، أو بالتبعية كإسلام أحد أبويها، أو فسخ الزوج بعيب في الزوجة، أوردتها أوإرضاعها زوجة للزوج صغيرة.\rوأما الفرقة الحاصلة قبل الدخول لا بسبب الزوجة كطلاق وخلع ولو باختيارها كأن فوض الطلاق إليها فطلقت نفسها، أو علق الطلاق بفعلها ففعلت، أو أسلم الزوج أو ارتد أو لاعن أو أرضعت أمه زوجته أو أرضعت أمها له وهو صغير، فلا تسقط المهر، وإنما تشطره، فيثبت لها نصف المهر. أما في حالة الطلاق فلآية: {وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن} [البقرة:237/2] وأما الباقي فبالقياس عليه.\r2ً - الخلع على المهر قبل الدخول أو بعده: إذا خالع الرجل امرأته على مهرها، سقط المهر كله، فإن كان المهر غير مقبوض، سقط عن الزوج، وإن كان مقبوضاً ردته على الزوج. وإن خالعها على مال سوى المهر يلزمها المال، ويبرأ الزوج عن كل حق وجب لها عليه بالعقد كالمهر والنفقة الماضية في قول أبي حنيفة؛ لأن في الخلع ـ وإن كان طلاقاً بعوض ـ معنى البراءة.\r3ً - الإبراء عن كل المهر قبل الدخول أو بعده: يسقط به المهر إذا كانت المرأة من أهل التبرع، وكان المهر ديناً في الذمة: وهو النقود وجميع المكيلات والموزونات إذا لم تكن متعينة مقصودة لذاتها؛ لأن الإبراء إسقاط، والإسقاط ممن هو أهل له في محل قابل له يوجب السقوط.\r4ً - هبة الزوجة كل المهر للزوج: متى كانت أهلاً للتبرع، وقبل الزوج الهبة في المجلس، سواء أكانت الهبة قبل القبض أم بعده.\r-------------------------------\r(1) القوانين الفقهية: ص 203، الشرح الصغير: 437/2.\r(2) مغني المحتاج: 234/3، كشاف القناع: 165/5-167.","part":9,"page":281},{"id":5837,"text":"وتختلف الهبة عن الإبراء: في أنها ترد على الدين والعين، أي الثابت في الذمة كالنقود، أو الذي يتعين بالتعيين كثوب أو حيوان معين. أما الإبراء فلا يرد إلا على الدين.\rوكذلك يسقط المهر بالهبة عند المالكية، لكنهم قالوا: إذا وهبت المرأة لزوجها جميع صداقها، ثم طلقها قبل الدخول، لم يرجع عليها بشيء. فإن أراد الدخول بها، وجب لها أقل المهر وهو ربع دينار أو قيمته، أما إن وهبته بعد الدخول فلا يلزمه شيء؛ لأن حقها في المهر قد تقرر بالدخول ثم أسقطته بالهبة (1) .\rوقال الشافعية على الصحيح: إن كان المهر عيناً كفرس معينة، ثم وهبته من الزوج، ثم طلقها قبل الدخول، فيرجع عليها بالنصف؛ لأنه عاد إليه بغير الطلاق، فلم يسقط حقه من النصف بالطلاق، كما لو وهبته لأجنبي، ثم وهبه الأجنبي منه (2) .\rوقال الحنابلة (3) : إذا أبرأت المرأة الزوج من صداقها، أو وهبته له، ثم طلقها قبل الدخول، رجع الزوج عليها بنصفه؛ لأن عود نصف الصداق إلى الزوج بالطلاق، وهو غير الجهة المستحق بها الصداق أولاً، فهو كما لو أبرأ إنساناً من دين عليه، ثم استحق عليه مثل ما أبرأه منه بوجه آخر، فلا يتساقطان بذلك.\rوإن أبرأته من نصف الصداق، أو وهبته نصف الصداق، ثم طلقها الزوج قبل الدخول، رجع في النصف الباقي؛ لأنه وجد نصف ما أصدقها بعينه، فأشبه ما لو لم تهبه له.\rوإن قبضت المرأة صداقها، ثم طلقها الزوج قبل الدخول، رجع بنصف عينه إن كان باقياً بحاله، لقوله تعالى: {وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن، وقد فرضتم لهن فريضة، فنصف ما فرضتم} [البقرة:237/2].\rولو جعل الزوج الخيار لامرأته منه، فاختارت نفسها قبل الدخول، فلا مهر لها؛ لأن الفرقة تمت بفعلها، وإن جعل لها بغير سؤالها وطلبها، لم يسقط الصداق باختيارها نفسها قبل الدخول، بل يتنصف ؛ لأنها نائبة عنه، ففعلها كفعله.\rسقوط نصف المهر :\rقال الحنفية (4) : ما يسقط به نصف المهر نوعان:\rالنوع الأول ـ الطلاق قبل الدخول في نكاح فيه تسمية المهر، والمهر دين لم يقبض بعد، للآية المتقدمة: {فنصف ما فرضتم} [البقرة:237/2] أوجب سبحانه وتعالى نصف المفروض.\rالنوع الثاني ـ ما يسقط به نصف المهر معنى، والكل صورة: وهو كل طلاق تجب فيه المتعة: وهو كل فرقة جاءت من جهة الزوج قبل الدخول في نكاح لا تسمية فيه. كما سأبين في بحث المتعة.\r-------------------------------\r(1) القوانين الفقهية: ص 203.\r(2) المهذب: 59/2.\r(3) كشاف القناع: 157/5، 163، 167.\r(4) البدائع: 296/2-303.","part":9,"page":282},{"id":5838,"text":"عاشراً ـ تبعة ضمان المهر وحكم هلاكه واستهلاكه واستحقاقه وتعييبه وزيادته :\rاتفق الفقهاء على أن تبعة ضمان المهر إذا هلك تكون على من بيده المهر، فإذا هلك قبل القبض ضمنه الزوج، وإذا هلك بعد القبض أو استهلكته المرأة، ضمنته هي:\rفإن هلك المهر في يد الزوج، بآفة سماوية، ضمن الزوج عند الحنفية والمالكية مثله أو قيمته.\rوإن هلك بفعل الزوجة وهو في يد زوجها، أو بآفة سماوية بعد القبض، أصبحت مستوفية له بهذا الهلاك.\rوإذا هلك بفعل أجنبي، فالمرأة بالخيار بين تضمين الأجنبي وبين تضمين الزوج، ثم يرجع الزوج على الأجنبي بما ضمن.\rوإن استحق المهر بأن تبين أنه ليس ملكاً للزوج، فالزوج ضامن له؛ لأنه بالاستحقاق تبين أنه ملك غيره، فترجع بمثله إن كان مثلياً، وبقيمته إن كان قيمياً يوم عقد النكاح.\rوإن اطلعت الزوجة على عيب قديم فيه، كان لها الخيار بين إمساكه أو رده والرجوع بمثله في المثلي، وبقيمته في القيمي يوم الزواج.\rوذكر الحنفية (1) : أن المرأة إذا قبضت المهر، فإن كان دراهم أو دنانير معينة أو غير معينة، أو كان مكيلاً أو موزوناً في الذمة، ثم طلقها قبل الدخول بها، فعليها رد نصف المقبوض، وليس عليها رد عين ما قبضت؛ لأن عين المقبوض لم يكن واجباً بالعقد، فلا يكون واجباً بالفسخ.\r-------------------------------\r(1) البدائع: 298/2، 301.","part":9,"page":283},{"id":5839,"text":"وإن حدث تعيب أو نقصان فاحش في المهر:\rأ ـ فإن كان بفعل أجنبي قبل القبض، فالمرأة بالخيار إن شاءت أخذت الشيء الناقص، واتبعت الجاني بالأرش (التعويض عنه) وإن شاءت تركت وأخذت من الزوج قيمة الشيء يوم العقد، ثم يرجع الزوج على الأجنبي بضمان النقصان وهو الأرش.\rب ـ وإن كان النقصان بآفة سماوية: فالمرأة بالخيار إن شاءت أخذته ناقصاً ولا شيء لها غيره، وإن شاءت تركته وأخذت قيمته يوم العقد؛ لأن المهر مضمون على الزوج بالعقد، والأوصاف لا تضمن بالعقد لعدم ورود العقد عليها موصوفاً، فلا تضمن في حقها، وإنما يضمن الأصل لورود العقد عليه.\rوإنما ثبت لها الخيار لتغير المعقود عليه وهو المهر عما كان عليه.\rجـ ـ وإن كان النقصان بفعل الزوج: ففي ظاهر الرواية إن شاءت أخذته ناقصاً، وأخذت معه أرش النقصان، وإن شاءت أخذت قيمته يوم العقد.\rد ـ وإن كان النقصان بفعل المرأة: فقد صارت قابضة بالجناية على الشيء، فجعل كأن النقصان حصل في يدها، كالمشتري إذا جنى على المبيع في يد البائع، إنه يصير قابضاً له.\rهذا في النقصان الفاحش، وأما في النقصان اليسير فلا خيار لها.\rوذكر المالكية (1) : أنه إن تلف الصداق، وكان مما يُغَاب عليه (أي يمكن إخفاؤه ويتطلب الحراسة) ولم تقم على هلاكه بينة، فيضمنه الذي بيده، فيغرم نصفه لصاحبه إن حدث طلاق قبل الدخول.\rوإن لم تقم بينة على هلاكه، فتلف وكان مما لا يُغاب عليه (لا يمكن إخفاؤه) كالبساتين والزرع والحيوان، وطلق الرجل قبل الدخول، فلا رجوع لكل منهما على الآخر، ويحلف من هو بيده أنه ما فرط إن اتهم.\rوكذا إن هلك الصداق بعد العقد، كأن مات أو حرق أو سرق أو تلف من غير تفريط أحد من الزوجين، وثبت هلاكه ببينة أو بإقرارهما عليه، سواء أكان مما يغاب عليه أم لا، وسواء أكان بيد الزوج أم الزوجة أم غيرهما، لا رجوع لأحدهما على الآخر.\r-------------------------------\r(1) الشرح الكبير مع الدسوقي: 295/2، الشرح الصغير: 457/2، القوانين الفقهية: ص203.","part":9,"page":284},{"id":5840,"text":"والحاصل: أن الصداق إن تلف في يد أحد الزوجين: فإن كان مما لا يغاب عليه فخسارته على الزوجين، وأما ما يغاب عليه فخسارته على من هو في يده إن لم تقم بينة على هلاكه. فإن قامت بينة على هلاكه، فخسارته عليهما.\rوإن استحق المهر من يد الزوجة: فترجع بمثل المثلي، وقيمة القيمي، يوم عقد النكاح.\rوإن اطلعت على عيب قديم في المهر، فلها الخيار بين إمساكه أو رده والرجوع بمثله أو قيمته.\rوإن استحق بعض المهر أو تعيب بعضه: فإن كان فيه ضرر بأن كان أزيد من الثلث، كان لها أن ترد الباقي وتأخذ من الزوج قيمته، أو تحسب ما بقي، وترجع بقيمة ما استحق. وأما إن كان المستحق منه الثلث أو الشيء التافه الذي لا ضرر فهي، فترجع بقيمة ما استحق فقط.\rوفصّل الشافعية القول (1) : إن كان الصداق عيناً كدار معينة أو ثوب أو حيوان معين فتلف في يد الزوج قبل القبض، ضمنه ضمان عقد لا ضمان يد؛ لأنه مملوك بعقد معاوضة، فأشبه المبيع في يد البائع، والفرق بين ضماني العقد واليد في الصداق: أنه على الأول يضمن بمهر المثل، وعلى الثاني يضمن بالبدل الشرعي: وهو المثل إن كان مثلياً، والقيمة إن كان قيمياً.\rوعلى الأول: ليس للمرأة بيعه قبل قبضه كالمبيع، وعلى الثاني يجوز بيعه. وتصح الإقالة على الأول دون الثاني.\rلهذا.. لو تلف الشيء المعين في يد الزوج بآفة سماوية، وجب مهر المثل على الأول لانفساخ عقد الصداق، ولا ينفسخ على الثاني.\rوإن أتلفت الزوجة المهر، فتعد قابضة إذا كانت أهلاً؛ لأنه أتلفت حقها، وإن كانت غير رشيدة فلا تعد قابضة؛ لأن قبضها غير معتدّ به.\rوإن أتلفه أجنبي، تخيرت الزوجة على المذهب بين فسخ الصداق وإبقائه، فإن فسخت الصداق أخذت من الزوج مهر المثل، وإن لم تفسخه غَرَّمت المتلف المثل أوا لقيمة.\r-------------------------------\r(1) مغني المحتاج: 221/3 وما بعدها، 235 وما بعدها، المهذب: 57/2.","part":9,"page":285},{"id":5841,"text":"وإن أتلفه الزوج فهو كتلفه بآفة سماوية، يوجب مهر المثل.\rوإن تعيَّب الصداق المعين قبل قبضه بآفة سماوية كالعمى أو قطع يد، تخيرت الزوجة على المذهب بين فسخ الصداق وإبقائه، كما تقدم.\rوإن قبضت المرأة الصداق، فوجدت به عيباً، فردته، أو خرج مستحقاً، رجعت على الزوج في المذهب الجديد بمهر المثل.\rوإن كان الصداق تعليم الزوج لها سورة من القرآن، فتعلمت من غيره، أو لم تتعلم لسوء حفظها، فهو كالصداق المعين إذا تلف، فترجع إلى مهر المثل على الجديد.\rوالمنافع الفائتة في يد الزوج لا يضمنها، وكذا المنافع التي استوفاها بركوب الدابة التي أصدقها، ولبس الثوب الذي أصدقه، لا يضمنها على المذهب .\rوإن طلبت الزوجة من الزوج تسليم المهر، فامتنع منه، ضمن ضمان العقد.\rوإن طلق الرجل والمهر تالف بعد قبضه، فعليها نصف بدله له من مثل أو قيمة. وإن تعيب في يدها، فإن قنِع بالنصف معيباً، فلا أرش له، كما لو تعيب المبيع في يد البائع، وإن لم يقنع به: فإن كان قيمياً فعليها نصف قيمته، وإن كان مثلياً فعليها مثل نصفه؛ لأنه لا يلزمه الرضا بالمعيب، فله العدول إلى بدله. وإن تعيب بآفة سماوية قبل قبضها له، وقنعت به، فله نصفه ناقصاً بلا أرش ولا خيار. وإن تعيب بفعل أجنبي ضمنت جنايته وأخذت أرشها، والأصح أن له نصف الأرش مع نصف عين المهر.\rوقرر الحنابلة (1) : أنه إن أخذت المرأة الصداق، فوجدته معيباً، فلها منع نفسها من الزفاف حتى يبدله، أو يعطيها أرشه؛ لأن صداقها صحيح.\rوإن سلمت نفسه ثم بان الصداق معيباً، كان لها أيضاً منع نفسها عن الاستمتاع حتى تقبض بدله أو أرشه؛ لأنها إنما سلمت نفسها ظناً منها أنها قبضت صداقها، فتبين عدمه.\rوإن كان الصداق مكيلاً أو موزوناً، فنقص في يد الزوج قبل تسليمه إليها، أو كان غير المكيل والموزون، فمنعها أن تتسلمه فالنقص عليه؛ لأنه من ضمانه.\r-------------------------------\r(1) البدائع: 299/2 وما بعدها.","part":9,"page":286},{"id":5842,"text":"وأما زيادة المهر :\rففيها تفصيل عند الفقهاء، أما رأي الحنفية (1) فهو ما يأتي:\r1ً - إن كانت الزيادة متولدة من الأصل كالولد والصوف والثمر والزرع، أو في حكم المتولد كالأرش (عوض الجراحة) فهي مهر، سواء أكانت متصلة بالأصل كالسمن والكبر والجمال، أم منفصلة عنه كالولد ونحوه.\rفلو طلقها قبل الدخول بها يتنصف الأصل والزيادة جميعاً بالاتفاق؛ لأن الزيادة تابعة للأصل، لكونها نماء الأصل، والأرش بدل جزء هو مهر، فيقوم مقامه.\r2ً - وأما إن كانت الزيادة غير متولدة من الأصل: فإن كانت متصلة بالأصل كالثوب إذا صبغ، والأرض إذا بني فيها بناء، فإنها تمنع التنصيف، وعليها نصف قيمة الأصل؛ لأن هذه الزيادة ليست بمهر؛ لأنها لم تتولد من المهر، فلا تكون مهراً، فلا تتنصف، ولا يمكن تنصيف الأصل بدون تنصيف الزيادة.\rوإن كانت منفصلة عن الأصل كالهبة والكسب، فالزيادة ليست بمهر وهي كلها للمرأة في قول أبي حنيفة ولا تتنصف، ويتنصف الأصل؛ لأن هذه الزيادة ليست بمهر، وإنما هي مال المرأة، فأشبهت سائر أموالها.\rوعند الصاحبين: هي مهر، فتتنصف مع الأصل؛ لأن هذه الزيادة تملك بملك الأصل، فكانت تابعة للأصل، فتتنصف مع الأصل، كالزيادة المتولدة من الأصل كالسمن والولد.\rهذا إذا كان المهر في يد الزوج، فحدثت فيه الزيادة.\r-------------------------------\r(1) البدائع: 299/2 وما بعدها.","part":9,"page":287},{"id":5843,"text":"أما إذا كان المهر في يد المرأة قبل الفرقة: فإن كانت الزيادة متصلة متولدة من الأصل، فإنها تمنع التنصيف في قول أبي حنيفة وأبي يوسف، وللزوج عليها نصف القيمة يوم سلمه إليها؛ لأن هذه الزيادة لم تكن موجودة عند العقد، ولا عند القبض؛ فلا يكون لها حكم المهر، فلا يمكن فسخ العقد عليها بالطلاق قبل الدخول؛ لأن الفسخ إنما يرد على ما ورد عليه العقد. وقال محمد: لا تمنع التنصيف، ويتنصف الأصل مع الزيادة، لظاهر آية {فنصف ما فرضتم} [البقرة:237/2] وليس نصف قيمة المفروض.\rوإن كانت الزيادة منفصلة متولدة من الأصل، فإنها تمنع التنصيف باتفاق أئمة الحنفية الثلاثة، وعليها نصف قيمة الأصل إلى الزوج.\rوإن كانت الزيادة منفصلة غير متولدة من الأصل، فهي للمرأة خاصة، والأصل بينهما نصفان اتفاقاً.\rوإن حدثت الزيادة بعد الطلاق قبل القبض: فالأصل والزيادة بينهما نصفان.\rوإن حدثت بعد القبض وبعد القضاء بالنصف للزوج: فكالحالة السابقة هما بينهما نصفان. وإن كانت الزيادة قبل القضاء بالنصف للزوج: فالمهر في يدها كالمقبوض بعقد فاسد، تكون الزيادة لها؛ لأن الملك كان لها، وقد فسخ ملكها في النصف بالطلاق.\rوقال المالكية (1) : ما حدث في الصداق من زيادة ونقصان قبل الدخول: فالزيادة للزوجين، والنقصان عليهما، وهما شريكان في ذلك. ومعنى هذا أن الزيادة بعد الدخول للمرأة.\rورأى الشافعية (2) : أن للمرأة زيادة منفصلة حدثت بعد الإصداق، كثمرة وولد وأجرة؛ لأنها حدثت في ملكها.\rولها الخيار في زيادة متصلة، كسِمَن وتعلم حرفة، فإن لم تسمح بها، فعليها نصف قيمة المهر، بأن يقوَّم بغير زيادة، ويعطى الزوج نصفه، وإن سمحت بها لزمه قبول الزيادة، وليس له طلب بدل النصف؛ لأن حقه مع زيادة لا تتميز، ولا تفرد بالتصرف، بل هي تابعة، فلا تعظم فيها المنة.\r-------------------------------\r(1) القوانين الفقهية: ص 203.\r(2) مغني المحتاج: 236/3.","part":9,"page":288},{"id":5844,"text":"وإن زاد المهر ونقص: كطول نخلة بحيث يؤدّي إلى هرمها وقلة ثمرها: فإن اتفق الزوجان على الرجوع بنصف العين، فذاك؛ لأن الحق لا يعدوهما، وإلا فنصف قيمة العين خالية عن الزيادة والنقص؛ لأنه العدل، ولا تجبر هي على دفع نصف العين، للزيادة، ولا هو على قبوله للنقص.\rوذهب الحنابلة (1) : إلى أنه يدخل المهر في ملك المرأة بمجرد العقد، فإن زاد فالزيادة لها، وإن نقص فعليها. وإذا كان المهر غنماً فولدت، فالأولاد زيادة منفصلة، تكون لها؛ لأنه نماء ملكها، ويرجع قبل الدخول في نصف الأمهات، إن لم تكن نقصت ولا زادت زيادة متصلة؛ لأنه نصف ما فرض لها، وقد قال تعالى: {وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن، وقد فرضتم لهن فريضة، فنصف ما فرضتم} [البقرة:237/2].\rوإن نقصت الأغنام بالولادة أوبغيرها، فله الخيار بين أخذ نصفها ناقصاً؛ لأنه راض بدون حقه، وبين أخذ نصف قيمتها وقت ما أصدقها؛ لأن ضمان النقص عليها. وهذا موافق للشافعي.\rوقال أبو حنيفة كما تقدم: لا يرجع في نصف الأصل، وإنما يرجع في نصف القيمة؛ لأنه لا يجوز فسخ العقد في الأصل دون النماء؛ لأنه موجب العقد، فلم يجز رجوعه في الأصل بدونه.\rواستدل الحنابلة: بأن هذا نماء منفصل عن الصداق، فلم يمنع رجوع الزوج، كما لو انفصل قبل القبض. وردوا على دليل أبي حنيفة بأن الطلاق ليس برفع للعقد، ولا النماء من موجبات العقد، إنما هو من موجبات الملك، فلا فرق بين كون الولادة قبل تسليم المهر إلى الزوجة أو بعده، إلا أن يكون قد منعها قبضه، فيكون النقص من ضمانه، والزيادة لها، فتنفرد بالأولاد.\rوإن نقصت الأمهات خيِّرت المرأة بين أخذ نصفها ناقصة، وبين أخذ نصف قيمتها أكثر ما كانت من يوم أصدقها إلى يوم طلقها. وإن أراد الزوج أخذ نصف قيمة الأمهات من المرأة، لم يكن له الأخذ.\r-------------------------------\r(1) المغني: 746/6-749.","part":9,"page":289},{"id":5845,"text":"وإن كان الصداق بهيمة غير حامل (حائلاً)، فحملت، فالحمل فيها زيادة متصلة، إن بذلتها له بزيادتها لزمه قبولها، وليس الحمل معدوداً نقصاً، فلا يرد به المبيع. وإن اتفقا على تنصيفها جاز. وإن أصدقها حاملاً، فولدت فقد أصدقها شيئين: الأم وولدها، وزاد الولد في ملكها، فإن طلقها فرضيت ببذل النصف من الأم والولد جميعاً، أجبر على قبولهما؛ لأنها زيادة غير متميزة، وإن لم تبذله، لم يجز له الرجوع في نصف الولد لزيادته، ولا في نصف الأم لما فيه من التفرقة بين الأم وبين ولدها، ويرجع بنصف قيمة الأم. وفي نصف الولد وجهان: أحدهما ـ لا يستحق نصف قيمته، والثاني ـ له نصف قيمته.\rوإذا أصدقها أرضاً، فبنتها داراً، أو ثوباً فصبغته، ثم طلقها قبل الدخول، رجع بنصف قيمته وقت ما أصدقها إلا أن يشاء أن يعطيها نصف قيمة البناء أو الصبغ، فيكون له النصف، أو تشاء هي أن تعطيه زائداً فلا يكون له غيره.\rوإذا أصدقها نخلاً غير مثمر، فأثمرت في يده، فالثمرة لها؛ لأنها نماء ملكها.\rحادي عشر ـ الاختلاف في المهر :\rالاختلاف في المهر له أحوال ثلاثة: اختلاف في تسمية المهر، واختلاف في مقدار المهر أو جنسه أو نوعه أو صفته، واختلاف في قبض المهر (1) .\r-------------------------------\r(1) البدائع: 304/2-308، فتح القدير: 475/2-479، الدر المختار: 496/2-499، الشرح الصغير: 491/2-496، القوانين الفقهية: ص 204، بداية المجتهد: 29/2-31، المهذب: 61/2-62، مغني المحتاج: 242/3-244، كشاف القناع: 171/5-173، المغني: 707/6-711.","part":9,"page":290},{"id":5846,"text":"الحالة الأولى ـ الاختلاف في تسمية المهر وعدم تسميته :\rاختلفت آراء الفقهاء في كيفية فصل النزاع في هذا الموضوع، بأن ادعى أحد الزوجين أو الورثة تسمية المهر، وأنكر الآخر، فقال الأول: سُمي المهر، وقال الآخر: لم نسم مهراً.\rقال الحنفية: إذا كان الاختلاف في حال حياة الزوجين، حلف منكر التسمية، عملاً بالقاعدة المقررة: (البينة على من ادعى، واليمين على من أنكر). فإن نكل عن اليمين ثبتت التسمية، وإن حلف يجب مهر المثل باتفاق أئمة الحنفية، فإن كان الاختلاف بعد الطلاق قبل الدخول تجب المتعة باتفاقهم أيضاً.\rوكذلك إن وقع الاختلاف بعد موت أحد الزوجين، فهو كالاختلاف في حال حياة الزوجين، فمن كان القول له لو كان حياً يكون القول لورثته، فيحكم بالمسمى إن ثبت، وبمهر المثل إن لم يثبت.\rوقال المالكية: إن أقام المدعي البينة على ما يدعيه قضي له بما ادعى، وإن لم يقم البينة، كان القول قول من يشهد له العرف في التسمية وعدمها مع يمينه، فإن ادعى الزوج أنه تزوج المرأة تفويضاً بدون تسمية عند معتادي التفويض، وادعت هي التسمية، فالقول له بيمينه، ولو بعد الدخول أو الموت أو الطلاق، فيلزمه أن يفرض لها صداق المثل بعد الدخول، ولا شيء عليه في الطلاق أو الموت قبل الدخول. فإن كان المعتاد هو التسمية فالقول قول المرأة بيمينها، وثبت النكاح.\rوقال الحنابلة: إن اختلف الزوجان أو ورثتهما أو أحدهما وولي الآخر أو وارثه في تسمية المهر فقال: لم نسم مهراً، وقالت: سمي لي مهر المثل، فالقول قول الزوج بيمينه في أصوب الروايتين؛ لأنه يدعي ما يوافق الأصل، ولها مهر المثل بالدخول أوالموت، فإن طلق ولم يدخل بها، فلها المتعة؛ لأن القول قوله في عدم التسمية، فهي مفوضة.\rأما الشافعية فقالوا: لو ادعت المرأة تسميته،فأنكر زوجها قائلاً: لم تقع تسمية، ولم يدّع تفويضاً، تحالفا في الأصح؛ لأن حاصله الاختلاف في قدر المهر؛ لأن الزوج يقول: الواجب مهر المثل، وهي تدعي زيادة عليه.وبالتحالف: ينتفي بيمين كل واحد منهما دعوى صاحبه، فيبقى العقد بلا تسمية، فيجب حينئذ مهر المثل.","part":9,"page":291},{"id":5847,"text":"الحالة الثانية ـ الاختلاف في مقدار المهر المسمى :\rإذا اختلف الزوجان في مقدار المهر المسمى، فقال الزوج: ألف، وقالت الزوجة: ألفان، والخلاف في حال قيام النكاح:\rفقال أبو حنيفة ومحمد: القول لمن شهد له مهر المثل بيمينه، وأيهما أقام البينة تقبل، فإن أقام الاثنان البينة، قدمت بينتها إن كان مهر المثل شاهداً للزوج؛ لأنها تثبت الزيادة، وتقدم بينته إن كان مهر المثل شاهداً للمرأة؛ لأنها تثبت الحط، والأصل في هذا أن البينة تثبت خلاف الظاهر أي ما ليس بثابت ظاهر. وإن كان مهر المثل بينهما تحالفا، فإن حلفا أو برهنا قضي به، وإن برهن أحدهما قبل برهانه، لأنه أوضح دعواه بإقامة برهانه. والحاصل: أن أبا حنيفة ومحمداً يحكّمان مهر المثل. لكن إذا كان الاختلاف في جنس المهر أو نوعه أو صفته من الجودة والرداءة، فيقضى بقدر قيمته.\rوقال أبو يوسف ـ والعمل جار على رأيه في مصر ـ : تعتبر الزوجة مدعية؛ لأنها تدعي الزيادة على الزوج، والزوج منكر، فتطبق القاعدة: «البينة على من ادعى، واليمين على من أنكر» فتطالب الزوجة بإقامة البينة على ما تدعيه، فإن أقامت البينة على ما ادعت قضي لها به، وإن عجزت عن إقامة البينة وطلبت تحليف الزوج اليمين، وجهت إليه اليمين. فإن امتنع عن الحلف قضي لها بما ادعت، وإن حلف قضي بقدر ما ذكره، إلا أن يأتي بشيء قليل أي ما لا يتعارف مهراً لها، فيقضى حينئذ بمهر المثل. والحاصل: أن أبا يوسف لا يحكِّم مهر المثل، بل يجعل القول قول الزوج مع يمينه إلا أن يأتي بشيء مستنكر، أي غير متعارف.","part":9,"page":292},{"id":5848,"text":"وقال المالكية: إذا تنازع الزوجان في مقدار الصداق: فإن كان قبل الدخول تحالفا وتفاسخا، وبدئت هي باليمين، ويقضى لمن كان قوله أشبه بالمتعارف المعتاد بين أهل بلديهما، ومن نكل منهما عن اليمين قضي عليه مع يمين صاحبه أي حلف الآخر، وقضي له بما ادعاه، ولا يفرق بينهما. وإن لم يكن قول أحدهما يشبه المتعارف تحالفا، فيحلف كل منهما على ما ادعى، ونفي ما ادعاه الآخر؛ لأن كلاً منهما يعتبر مدعى ومدعى عليه، فإن حلفا أو امتنعا عن اليمين، فرّق القاضي بينهما بطلقة.\rوإن كان الخلاف بعد الدخول، فالقول قول الزوج مع يمينه.\rوقرر الشافعية: أنه إن اختلف الزوجان في قدرالمهر أو صفته أو أجله، تحالفا، ويتحالف وارثاهما، أو و ارث أحدهما والآخر، ثم يفسخ المهر، ويجب مهر المثل، ولم ينفسخ النكاح.\rورأى الحنابلة : أنه إن اختلف الزوجان في قدر المهر بعد العقد، ولا بيِّنة لأحدهما على مقداره، فالقول قول من يدعي مهر المثل منهما، فإن ادعت المرأة مهر مثلها أو أقل، فالقول قولها، وإن ادعى الزوج مهر المثل أو أكثر، فالقول قوله. وهذا موافق لرأي أبي حنيفة ومحمد.","part":9,"page":293},{"id":5849,"text":"الحالة الثالثة ـ الاختلاف في قبض المهر المعجل :\rإذا اختلف الزوجان في قبض المعجل من المهر، بأن ادعى الزوج أنه وافاها كل المعجل، وقالت الزوجة: لم تقبض شيئاً منه، أو قبضت بعضه. فقال الحنفية: إن كان الخلاف بينهما قبل الدخول، كان القول للزوجة بيمينها، وعلى الزوج أن يثبت ما يدعيه بالبينة. وإن كان الخلاف بينهما بعد الدخول؛ فإن لم يكن هناك عرف بتقديم شيء، فالقول قول الزوجة بيمينها، وإن كان هناك عرف فيحكم العرف في النزاع على أصل القبض، بأن قالت الزوجة: لم تقبض شيئاً، فإن جرى العرف بتقديم النصف أو الثلثين، قضي عليها به، ويكون العرف مكذباً للزوجة في ادعائها عدم قبض شيء من المهر قبل الزفاف. وقد أفتى متأخرو الحنفية (1) بعدم تصديق المرأة بعد الدخول بها بأنها لم تقبض المشروط تعجيله من المهر، مع أنها منكرة للقبض؛ لأن العرف جرى بأن المرأة تقبض المعجل قبل الزفاف.وإن كان النزاع في قبض بعض المعجل، بأن قالت الزوجة: إنها قبضت بعض مهرها، وادعى الزوج أنه سلمها كامل المهر، فالقول قول الزوجة بيمينها؛ لأن الناس يتساهلون عادة في المطالبة بتسليم كل المهر بعد قبض بعضه، ويتم الزفاف قبل قبضه.\rووافق المالكية الحنفية في حالة الخلاف في قبض المعجل قبل الدخول أي القول قولها، وأما بعد الدخول: فالقول قوله بعد الدخول بيمينه، إلا إذا كان هناك عرف فيرجع إليه.\rووافق الشافعية والحنابلة الحنفية بدون تفرقة بين ما قبل الدخول وبعده، فقالوا: إن اختلف الزوجان في قبض المهر، فادعاه الزوج، وأنكرت المرأة، فالقول قولها؛ لأن الأصل عدم القبض، وبقاء المهر.\rوإن كان الصداق تعليم سورة، فادعاه الزوج، وأنكرت المرأة، فإن كانت لا تحفظ السورة، فالقول قولها؛ لأن الأصل عدم التعليم. وإن كانت تحفظها ففيه وجهان: أحدهما ـ أن القول قولها؛ لأن الأصل أنه لم يعلمها. والثاني ـ أن القول قوله؛ لأن الظاهر أنه لم يعلمها غيره.\r-------------------------------\r(1) رسائل ابن عابدين: 126/2.","part":9,"page":294},{"id":5850,"text":"والخلاصة: إن اختلف الزوجان في القبض، فقالت الزوجة: لم أقبض، وقال الزوج: قد قبضت، فقال الجمهور(الشافعي وأحمد والثوري وأبو ثور) القول قول المرأة. وقال مالك: القول قولها قبل الدخول، والقول قوله بعد الدخول. وقال بعض أصحابه: إنما قال ذلك مالك؛ لأن العرف بالمدينة كان عندهم ألا يدخل الزوج حتى يدفع الصداق. فإن كان بلد ليس فيه هذا العرف، كان القول قولها أبداً، والقول بأن القول قولها أبداً أحسن؛ لأنها مدعى عليها. ولكن مالك راعى قوة الشبهة التي له إذا دخل بها الزوج.\rوإن اختلف الزوجان فيما يرسله الرجل إلى زوجته، فادعى أنه المهر، وادعت المرأة أنه هدية، فالقول قوله بيمينه، والبينة لها عند الحنفية والشافعية.\rثاني عشر ـ الملزم بالجهاز والاختلاف فيه :\rالجهاز: هو أثاث المنزل وفراشه وأدوات بيت الزوجية، وهناك رأيان للفقهاء في الملزم بالجهاز:\rقال المالكية (1) : الجهاز واجب على الزوجة بمقدار ما تقبضه من المهر، فإن لم تقبض شيئاً فلا تلزم بشيء إلا إذا اشترط الزوج التجهيز عليها، أو كان العرف يلزمها به. ودليلهم أن العرف جرى على أن الزوجة هي التي تعد بيت الزوجية وتجهزه بما يحتاج إليه، وإن الزوج إنما يدفع المهر لهذا الغرض. ويلزمها أن تتجهز بالمهر على العادة من حضر أو بدو، ولا يلزمها أن تتجهز بأزيد منه إلا لشرط أو عرف.\r-------------------------------\r(1) الشرح الصغير وحاشية الصاوي: 458/2 وما بعدها.","part":9,"page":295},{"id":5851,"text":"وخالفهم الحنفية (1) : فرأوا أن الجهاز واجب على الزوج، كما يجب عليه النفقة وكسوة المرأة، والمهر المدفوع ليس في مقابلة الجهاز، وإنما هو عطاء ونحلة كما سماه الله في كتابه، أو هو في مقابلة حل التمتع بها، فهو حق على الزوج لزوجته.\rلكن إن دفع الزوج مقداراً من المال في مقابلة الجهاز:\rفإن كان المال زائداً على المهر مستقلاً عنه، فتلزم الزوجة بإعداد الجهاز لأنه كالهبة بشرط العوض.\rوأما إن كان المال غير مستقل عن المهر، بأن سمى مهراً زائداً على مهر المثل، فالصحيح كما قال ابن عابدين أن الزوجة لا يلزمها شيء من الجهاز؛ لأن الزيادة متى جعلت من ضمن المهر، التحقت به، وصار كله حقاً خالصاً للزوجة، فلا تطالب بإنفاق شيء منه في الجهاز جبراً عنها.\rوأما الاختلاف في الجهاز أو متاع البيت: وهو المفروشات والأواني وغيرها، فالمقرر فيه لدى المالكية (2) :\rإذا اختلف الزوجان في متاع البيت، فادعى كل واحد منهما أنه له، ولا بينة لهما ولا لأحدهما، فما كان من متاع النساء كالحلي والغزل وثياب النساءوخمرهن، حكم به للمرأة مع يمينها. وما كان من متاع الرجال كالسلاح والكتب وثياب الرجال، حكم به للرجل مع يمينه، وما كان يصلح لهما جميعاً كالدنانير والدراهم، فهو للرجل مع يمينه. وقال سحنون: مايعرف لأحدهما فهوله بغير يمين.\rووافق أبو حنيفة ومحمد (3) المالكية فقالا: ما كان يصلح للرجال كالعمامة والقلنسوة والسلاح وغيرها، فالقول فيه قول الزوج مع يمينه؛ لأن الظاهر شاهد له؛ وما يصلح للنساء مثل الخمار والملحفة والمغزل ونحوها، فالقول فيه قول الزوجة مع يمينها؛ لأن الظاهر شاهد لها. وما يصلح لهما جميعاً كالدراهم والدنانير والعروض والبسط والحبوب ونحوها، فالقول فيه قول الزوج مع يمينه؛ لأن يد الزوج على ما في البيت أقوى من يد المرأة؛ لأن يده يد تصرف في المتاع، وأما يد المرأة فهي للحفظ فقط، ويد التصرف أقوى من يد الحفظ.\r-------------------------------\r(1) حاشية ابن عابدين: 505/2 ومابعدها، و 889.\r(2) القوانين الفقهية: ص 213، الشرح الصغير: 496/2-498.\r(3) البدائع: 308/2 وما بعدها، الدر المختار ورد المحتار: 504/2.","part":9,"page":296},{"id":5852,"text":"وقال أبو يوسف: يكون القول قول الزوجة مع يمينها في مقدار ما يجهز به مثلها عادة، والقول قول الزوج في الباقي؛ لأن الغالب ألا تزف الزوجة إلى زوجها إلا بجهاز يليق بمثلها، فيكون الظاهر شاهداً للمرأة في مقدار جهاز مثلها، فيكون القول قولها في هذا المقدار، وما زاد عنه، يكون القول فيه للزوج مع يمينه؛ لأن الظاهر يشهد له فيه.\rوهذا الرأي يتفق مع عرف البلاد التي تجهز فيه الزوجة بيت الزوجية.\rونقل الكاساني عن مالك والشافعي: أن كل المتاع بين الزوجين نصفان.\rوإذا مات الزوجان، فاختلف ورثتهما، فالحكم حينئذ كالحكم عند اختلاف الزوجين، ففي قول أبي حنيفة ومحمد: القول قول ورثة الزوج. وفي قول\rأبي يوسف: القول قول ورثة المرأة في مقدار جهاز مثلها، وقول ورثة الزوج في الباقي؛ لأن الوارث يقوم مقام المورث، فصار كأن المورثين اختلفا بأنفسهما وهم حيان.\rوإن مات أحد الزوجين، واختلف الآخر الحي وورثة الميت، فالحكم لا يختلف في رأي أبي يوسف ومحمد ومالك، ففي رأي أبي يوسف: القول للزوجة إن كانت موجودة، ولورثتها إن كانت ميتة، بقدر جهاز مثلها، والزائد عنه يكون القول فيه للزوج أو لورثته. وفي رأي مالك ومحمد: يكون القول للزوج بيمينه إن كان موجوداً، ولورثته بعد موته.\rوأما رأي أبي حنيفة: فهو أن القول يكون للحي من الزوجين مع يمينه، فإن كان الزوج كان القول قوله مع يمينه؛ لأن يده على ما في البيت أقوى من يد المرأة. وإن كانت الزوجة فالقول لها مع يمينها؛ لأن يدها كانت ضعيفة حال حياة الزوج، وصارت قوية بعد موت الزوج، فكان الظاهر شاهداً لها.","part":9,"page":297},{"id":5853,"text":"ثالث عشر ـ ميراث الصداق وهبته :\rقال المالكية (1) : المهر حق خالص للمرأة، فلها أن تهبه لزوجها أو لأجنبي، ويرثه عنها ورثتها. وتفصيله ما يأتي:\rإن طلقت المرأة قبل الدخول بها حسب ما أنفقته على نفسها من المهر مما يخصها من النصف.\rولو ادعى الأب أو غيره أن بعض الجهاز له، وخالفته البنت أو الزوج، قُبلت دعوى الأب أو وصيه فقط في إعارته لها إن كانت دعواه في السنة التي حدث فيها الدخول من يوم الدخول، وكانت البنت بكراً، أو ثيباً هي في ولايته، أما الثيب التي ليست في ولايته، فلا تقبل دعواه في إعارته بعض الجهاز لها.\rوأما إن ادعى الأب ذلك بعد مضي سنة من الدخول، فلا تقبل دعواه إلا أن يشهد على أن الشيء عارية عند ابنته عند الدخول أو في وقت قريب منه.\rولو جهز رجل ابنته بشيء زائد عن صداقها، ومات قبل الدخول أو بعده، اختصت به البنت عن بقية الورثة إن نقل الجهاز لبيتها أو أشهد لها الأب بذلك قبل موته، أو اشتراه الأب لها ووضعه عند غيره كأمها أو عندها هي.\rوإن وهبت امرأة رشيدة صداقها للزوج قبل قبضه منه، جبر الزوج على دفع أقل المهر لها وهو ربع دينار أو ثلاثة دراهم أو بقدر قيمتها، لئلا يخلو النكاح من صداق.\rويجوز للمرأة الرشيدة أن تهب للزوج جميع الصداق الذي تقرر به النكاح؛ لأنها ملكته، وتقرر بالوطء، سواء قبضته منه أم لم تقبضه، لقوله تعالى: {فإن طبن لكم عن شيء منه نفساً، فكلوه هنيئاً مريئاً} [النساء:4/4].\rوإن وهبت المرأة الرشيدة الصداق لزوجها، أو أعطته مالاً من عندها بقصد دوام العِشْرة واستمرارها معه، ففسخ النكاح لفساده، أو طلقها قبل تمام سنتين، رجعت عليه بما وهبته من الصداق، وبما أعطته من مالها، لعدم تمام غرضها.\rوإن أعطت سفيهة غير رشيدة مالاً لرجل ليتزوجها به، صح الزواج ولم يفسخ، وعليه أن يعطيها من ماله مثل ما أعطته، إن كان مثل مهرها فأكثر، فإن كان أقل من مهر مثلها، أعطاها من ماله قدر مهر مثلها.\r-------------------------------\r(1) الشرح الصغير: 459/2-463.","part":9,"page":298},{"id":5854,"text":"المبحث الثاني ـ المتعة :\rمعناها، حكمها، مقدارها (1) .\rمعنى المتعة: المتعة مشتقة من المتاع: وهو ما يستمتع به، وتطلق على أربعة معان:\rأحدهما ـ متعة الحج، وقد ذكرت في الحج.\rالثاني ـ النكاح إلى أجل.\rالثالث ـ متعة المطلقات، وهي محل البحث هنا.\rالرابع ـ إمتاع المرأة زوجها في مالها على ما جرت به العادة في بعض البلاد، قال المالكية: فإن كان شرطاً في العقد لم يجز، وإن كان تطوعاً بعد تمام العقد جاز.\rوالمتعة المرادة هنا: هي الكسوة أو المال الذي يعطيه الزوج للمطلقة زيادة على الصداق أو بدلاً عنه كما في المفوضة، لتطيب نفسها، ويعوضها عن ألم الفراق. وعرفها الشافعية: بأنها مال يجب على الزوج دفعه لامرأته المفارقة في الحياة بطلاق وما في معناه، بشروط تأتي.\rوعرفها المالكية: بأنها الإحسان إلى المطلقات حين الطلاق بما يقدر عليه المطلق بحسب ماله في القلة والكثرة.\r-------------------------------\r(1) البدائع: 302/2-304، الدر المختار: 461/2-462، اللباب: 17/3، فتح القدير: 448/2، الشرح الصغير: 616/2، القوانين الفقهية: ص 210، 239، 240، مغني المحتاج: 241/3 وما بعدها، المهذب: 63/2، كشاف القناع: 176/5 وما بعدها، المغني: 712/6-717، غاية المنتهى: 73/3.","part":9,"page":299},{"id":5855,"text":"حكم المتعة :\rللفقهاء آراء في حكم المتعة.\rأما الحنفية فقالوا: قد تكون المتعة واجبة، وقد تكون مستحبة. فتجب المتعة في نوعين من الطلاق.\r1ً - طلاق المفوضة قبل الدخول، أو المسمى لها مهراً تسمية فاسدة: أي الطلاق الذي يكون قبل الدخول والخلوة في نكاح لا تسمية فيه، ولا فرض بعده، أو كانت التسمية فيه فاسدة، وهذا متفق عليه عند الجمهور غيرا لمالكية، لقوله تعالى: {لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن، أو تفرضوا لهن فريضة، ومتعوهن} [البقرة:236/2] أمر بالمتعة، والأمر يقتضي الوجوب، وتأكد في آخر الآية بقوله: {حقاً على المحسنين} [البقرة:236/2] ولأن المتعة في هذه الحالة بدلاً عن نصف المهر، ونصف المهر واجب، وبدل الواجب واجب؛ لأنه يقوم مقامه، كالتيمم بدلاً عن الوضوء.\r2ً - الطلاق الذي يكون قبل الدخول في نكاح لم يسم فيه المهر، وإنما فرض بعده، في رأي أبي حنيفة ومحمد، لقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ، ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن، فما لكم عليهن من عدة تعتدونها، فمتعوهن} [الأحزاب:49/33] والآية السابقة {ومتعوهن} [البقرة:236/2] فالآية الأولى أوجبت المتعة في كل المطلقات قبل الدخول، ثم خص منها من سمي لها مهر، فبقيت المطلقة التي لم يسم لها مهر، والآية الثانية أوجبت المتعة لمن لم يفرض لها فريضة، وهو منصرف إلى الفرض في العقد.\rورأى أبو يوسف والشافعي وأحمد: أنه يجب للمطلقة قبل الدخول التي فرض لهامهر نصف مهر،سواء أكان الفرض في العقد أم بعده؛ لأن الفرض بعد العقد كالفرض في العقد،وبما أن المفروض في العقد يتنصف فكذا المفروض بعده.\rوتستحب المتعة عند الحنفية في حالة الطلاق بعد الدخول، والطلاق قبل الدخول في نكاح فيه تسمية؛ لأن المتعة إنما وجبت بدلاً عن نصف المهر، فإذا استحقت المسمى أو مهر المثل بعد الدخول، فلا داعي للمتعة.\rوأوجب الشافعية المتعة في الطلاق بعد الدخول، لقوله تعالى: {وللمطلقات متاع بالمعروف حقاً على المتقين} [البقرة:2/241].","part":9,"page":300},{"id":5856,"text":"والخلاصة: تستحب المتعة عند الحنفية لكل مطلقة إلا لمفوضة فتجب: وهي من زوجت بلا مهر، وطلقت قبل الدخول، أو من سمي لها مهر تسمية فاسدة أو سمي بعد العقد.\rومذهب المالكية: أن المتعة مستحبة لكل مطلقة، لقوله تعالى: {حقاً على المتقين} [البقرة:2/241] وقوله: {حقاً على المحسنين} [البقرة:2/236] فإنه سبحانه قيد الأمر بها بالتقوى والإحسان، والواجبات لا تتقيد بهما.\rوقالوا: المطلقات ثلاثة أقسام: مطلقة قبل الدخول وقبل التسمية (المفوضة) فلها المتعة وليس لها شيء من الصداق. ومطلقة قبل الدخول وبعد التسمية، فلا متعة لها. ومطلَّقة بعد الدخول، سواء أكانت قبل التسمية أم بعدها، فلها المتعة. ولا متعة في كل فراق تختاره المرأة، كامرأة المجنون والمجذوم والعنين. ولا في الفراق بالفسخ، ولا المختلعة، ولا الملاعنة.\rومذهب الشافعية عكس المالكية تماماً: المتعة واجبة لكل مطلقة، سواء أكان الطلاق قبل الدخول أم بعده، إلا لمطلقة قبل الدخول سمي لها مهر فإنه يكتفى لها بنصف المهر، فتجب لمطلقة قبل دخول إن لم يجب شطر مهر، وتجب أيضاً في الأظهر لمدخول بها، ولكل فُرْقة لا بسبب الزوجة كطلاق، بأن كانت الفرقة بسبب الزوج كردته ولعانه وإسلامه. أما من وجب لها شطر مهر فلها ذلك، وأما المفوضة ولم يفرض لها شيء فلها المتعة. وعبارتهم بإيجاز (1) : لكل مفارقة متعة إلا التي فرض لها مهر، وفورقت قبل الدخول، أو كانت الفرقة بسببها، أو بملكه لها، أو بموت، وفرقة اللعان بسببه، والعنة بسببها.","part":9,"page":301},{"id":5857,"text":"ودليلهم قوله تعالى: {ومتعوهن} [البقرة:236/2] وقوله {وللمطلقات متاع بالمعروف} [البقرة:241/2] فإنه أوجب المتعة لكل مطلقة، سواء أكانت مدخولاً بها أم لا، سمي لها مهر أم لا. ويؤكده تمتيع زوجات النبي صلّى الله عليه وسلم وكن مدخولاً بهن، في قوله تعالى: {قل لأزواجك: إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها، فتعالين أمتعكن وأسرحكن سراحاً جميلاً} [الأحزاب:28/33]. أما إذا فرض للمرأة في التفويض شيء فلا متعة لها؛ لأن الزوج لم يستوف منفعة بُضعها، فيكفي شطر مهرها لما لحقها بالطلاق من الاستيحاش والابتذال.\rومذهب الحنابلة موافق لمذهب الحنفية في الجملة: المتعة تجب على كل زوج حر وعبد، مسلم وذمي، لكل زوجة مفوضة، طلقت قبل الدخول، وقبل أن يفرض لها مهر، للآية المتقدمة {ومتعوهن } [البقرة:236/2] ولا يعارضه قوله {حقاً على المحسنين} [البقرة:236/2] لأن أداء الواجب من الإحسان، فليس للمفوضة إلا المتعة.\rوتستحب المتعة عندهم لكل مطلقة غير المفوضة التي لم يفرض لها مهر، لقوله تعالى: {وللمطلقات متاع بالمعروف} [البقرة:241/2] ولم تجب؛ لأنه تعالى قسم المطلقات قسمين، وأوجب المتعة لغير المفروض لهن، ونصف المسمى للمفروض لهن، وهو يدل على اختصاص كل قسم بحكمه.\rولا متعة للمتوفى عنها؛ لأن النص لم يتناولها، وإنما تناول المطلقات.\rوتسقط المتعة في كل موضع يسقط فيه كل المهر، كردتها وإرضاعها من ينفسخ به نكاحها ونحوه؛ لأنها أقيمت مقام نصف المسمى، فسقطت في كل موضع يسقط فيه.\rوتجب المتعة للمفوضة في كل موضع يتنصف فيه المسمى، كردته قياساً على الطلاق، ولا تجب المتعة فيما يسقط به المسمى من الفرق كاختلاف الدين والفسخ بالرضاع ونحوه إذا جاء من قبل المرأة؛ لأن المتعة أقيمت مقام نصف المسمى، فسقطت في موضع يسقط.\r-------------------------------\r(1) تحفة الطلاب للأنصاري: ص 231.","part":9,"page":302},{"id":5858,"text":"ومن وجب لها نصف المهر، لم تجب لها متعة، سواء أكانت ممن سمي لها صداق، أم لم يسم لها، لكن فرض بعد العقد. وهذا موافق للجمهور غير أبي حنيفة ومحمد، كما تقدم.\rولا متعة للمسمى لها مهراً بعد الدخول أو المفوضة أو المفوض لها بعد الدخول، لكن يستحب لها المتعة، وتستحب أيضاً لمن سمي لها صداق فاسد كالخمر والمجهول وطلقت قبل الدخول.\rوالخلاصة: أوجب الشافعية المتعة إلا للمطلقة قبل الدخول، التي سُمي لها المهر، والجمهور استحبوا المتعة، لكن المالكية استحبوها لكل مطلقة، والحنفية والحنابلة استحبوها لكل مطلقة إلا المفوضة التي زوجت بلا مهر فتجب لها المتعة. والظاهر رجحان مذهب الشافعية لقوة أدلتهم، ولتطييب خاطر المرأة، وتخفيف ألم الفراق، ولإيجاد باعث على العودة إلى الزوجية إن لم تكن البينونة كبرى.\rمقدار المتعة ونوعها :\rلم يرد نص في تقدير المتعة ونوعها، فاجتهد الفقهاء في مقدارها.\rقرر الحنفية: أنها ثلاثة أثواب: دِرْع (ما تلسبه المرأة فوق القميص) وخمار (ما تغطي به المرأة رأسها) ومِلْحفة (ما تلتحف به المرأة من رأسها إلى قدمها) لقوله تعالى: {متاعاًبالمعروف حقاً على المحسنين} [البقرة:236/2] والمتاع: اسم للعروض في العرف، ولأن لإيجاب الأثواب نظيراً في أصول الشرع وهو الكسوة التي تجب لها حال قيام الزوجية وأثناء العدة، وأدنى ما تكتسي به المرأة وتستتر به عند الخروج: ثلاثة أثواب.\rولا تزيد هذه الأثواب عن نصف مهر المثل لو كان الزوج غنياً، لأنها بدل عنه، ولا تنقص عن خمسة دراهم لو كان الزوج فقيراً. والمفتى به أن المتعة تعتبر بحال الزوجين كالنفقة، فإن كانا غنيين فلها الأعلى من الثياب، وإن كانا فقيرين فالأدنى، وإن كانا مختلفين فالوسط.","part":9,"page":303},{"id":5859,"text":"وقال الشافعية: يستحب ألا تنقص المتعة عن ثلاثين درهماً أو ما قيمته ذلك، وهذا أدنى المستحب، وأعلاه خادم، وأوسطه ثوب. ويسن ألا تبلغ نصف مهر المثل، فإن بلغته أو جاوزته جاز لإطلاق الآية: {ومتعوهن} [البقرة:236/2].\rفإن تنازع الزوجان في قدرها، قدَّرها القاضي باجتهاده بحسب ما يليق بالحال، معتبراً حال الزوجين كما قال الحنفية، من يسار وإعسار ونسب وصفات، لقوله تعالى: { ومتعوهن، على الموسع قدره، وعلى المقتر قدره} [البقرة:236/2] {وللمطلقات متاع بالمعروف} [البقرة:241/2].\rوذهب المالكية والحنابلة: إلى أن المتعة معتبرة بحال الزوج يساراً أوإعساراً، على الموسع قدره، وعلى المقتر قدره، للآية السابقة المصرحة بكون المتعة على حسب حال الزوج، فأعلاها خادم أي قيمة خادم في زمنهم إذا كان موسراً، وأدناها إذا كان فقيراً: كسوة كاملة تجزيها في صلاتها أي أقل الكسوة، وهي درع وخمار، أو نحو ذلك، أقلها ثلاثة أثواب عند الحنفية: درع (قميص) وخمار يستر رأسها، وملاءة. لقول ابن عباس: «أعلى المتعة خادم، ثم دون ذلك النفقة، ثم دون ذلك الكسوة» . والظاهر رجحان هذا القول.\rونص القانون السوري على بعض أحكام المتعة في المادة (2/61): «إذا وقع الطلاق قبل الدخول والخلوة الصحيحة، فعندئذ تجب المتعة» وفي المادة (62): «المتعة: هي كسوة مثل كسوة المرأة عند الخروج من بيتها، ويعتبر فيها حال الزوج على ألا تزيد على نصف مهر المثل» .","part":9,"page":304},{"id":5860,"text":"المبحث الثالث ـ الخلوة الصحيحة وأحكامها :\rمعناها، آراء الفقهاء فيها، أحكامها (1) :\rمعنى الخلوة: الخلوة الصحيحة: هي أن يجتمع الزوجان بعد عقد الزواج الصحيح في مكان يأمنان فيه من اطلاع الناس عليهما كدار أو بيت مغلق الباب. فإن كان الاجتماع في شارع أو طريق أو مسجد أو حمام عام أو سطح لا ساتر له أو في بيت مفتوح الباب والنوافذ أو في بستان لا باب له، فلا تتحقق الخلوة الصحيحة. ويشترط فيها ألا يكون بأحد الزوجين مانع طبعي أو حسي أو شرعي يمنع من الوطء أو الاتصال الجنسي.\rوالمانع الحسي: مثل مرض بأحد الزوجين يمنع الوطء من رتَق (تلاحم)، وقرَن (عظم)، وعفَل (غدة)، أما خلوة الخصي (مسلوب الخصية) والعنين (العاجز عن الجماع) فهي صحيحة، وأما خلوة المجبوب فهي صحيحة عند أبي حنيفة خلافاً للصاحبين.\rوالمانع الطبيعي: ما يمنع النفس بطبيعتها عن الجماع، مثل وجود شخص ثالث عاقل، ولو كان أعمى أو نائماً أو صبياً مميزاً أو زوجة أخرى. فإن كان هناك غير مميز أو مجنون أو مغمى عليه، فالخلوة صحيحة.\rوالمانع الشرعي: أن يكون هناك ما يحرم الوطء شرعاً كالصوم في رمضان، والإحرام بحج أو عمرة، والاعتكاف، والحيض والنفاس، والدخول في صلاة الفريضة، والخلوة في المسجد؛ لأن الجماع في المسجد حرام.\rوأما عدم معرفة الرجل للمرأة فقال فيه ابن عابدين: إن هذا المانع بيده إزالته، بأن يخبرها أنه زوجها، فلما جاء التقصير من جهته، يحكم بصحة الخلوة، فيلزم المهر.\rفإن لم تتوافر هذه الشروط فالخلوة فاسدة، بأن يكون الزواج فاسداً، أو الخلوة في مكان يمكن لأحد الناس الدخول عليهما (عدم صلاحية المكان) أو وجود مانع من الجماع. وبه يكون معنى الخلوة الفاسدة: هي كل خلوة وجد فيها مانع من الموانع الثلاثة السابقة، أو وجود شخص ثالث عاقل مع الزوجين، أو عدم صلاحية المكان، أو فساد الزواج.\r-------------------------------\r(1) البدائع: 291/2-294، الدر المختار: 454/2، 465-473، الشرح الكبير: 301/2، القوانين الفقهية: ص 202، مغني المحتاج: 225/3، كشاف القناع: 155/5، 179، المغني: 455/6 وما بعدها، غاية المنتهى: 69/3.","part":9,"page":305},{"id":5861,"text":"آراء الفقهاء في أحكام الخلوة :\rللفقهاء رأيان في الخلوة، فمذهب المالكية والشافعية في الجديد: الخلوة وحدها بدون جماع وإرخاء الستور لا تؤكد المهر للزوجة، فلو خلا الزوج بزوجته خلوة صحيحة، ثم طلقها قبل الدخول بها، وجب فقط نصف المهر المسمى، أوالمتعة إن لم يكن المهر مسمى، علماً بأن المتعة عند المالكية مستحبة لا واجبة.\rودليلهم قوله تعالى: {وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن، وقد فرضتم لهن فريضة، فنصف ما فرضتم} [البقرة:237/2] والمس: كناية عن الاتصال الجنسي، وفسروا آية {وقد أفضى بعضكم إلى بعض} [النساء:21/4] بأن الإفضاء معناه الجماع.\rولأن النبي صلّى الله عليه وسلم جعل المهر للمرأة بما استحل من فرجها أي أصابها.\rلكن قال المالكية: للخلوة الصحيحة حكمان:\rالأول ـ وجوب العدة على المرأة، حتى ولو اتفق الزوجان على عدم وقوع الوطء فيها؛ لأن العدة حق الله تعالى، فلا تسقط باتفاق الزوجين على نفي الوطء، مع اعترافهما بالخلوة.\rالثاني ـ صيرورتها قرينة على الوطء عند اختلاف الزوجين في حدوثه: فإذا اختلى الرجل بزوجته خلوة اهتداء، وهي المعروفة عندهم بإرخاء الستور: وهي أن يسكن كل واحد من الزوجين للآخر، ويطمئن إليه. ثم يطلقها، ويختلفان في حصول الوطء، صدقت الزوجة بيمينها فيما تدعيه. فإن امتنعت عن اليمين حلف الزوج، ولزمه نصف الصداق. وإن نكل عن اليمين، لزمه جميع الصداق؛ لأن الخلوة بمنزلة شاهد، والنكول عن اليمين بمنزلة شاهد آخر.","part":9,"page":306},{"id":5862,"text":"ومذهب الحنفية والحنابلة: الخلوة كالوطء في تكميل مهر، ولزوم عدة، وثبوت نسب، وتحريم أخت، وأربع سواها حتى تنقضي عدتها. ويعد اللمس والتقبيل بشهوة عند الحنابلة كالدخول أيضاً. وعليه يكون الطلاق بعد الخلوة الصحيحة طلاقاً بائناً، تترتب عليه الأحكام التالية:\r1 - ثبوت كامل المهر: فلو طلقها بعد الخلوة الصحيحة، استحقت كل المهر المسمى، ومهر المثل إن لم تكن التسمية صحيحة.\r2 - ثبوت النسب: فلو طلقها بعد الخلوة الصحيحة، وجاءت بولد ثبت نسبه منه إن جاءت به لأكثر من ستة أشهر بعد الخلوة.\r3 - وجوب العدة: فإن طلقها بعد الخلوة ولو كانت فاسدة عند الحنفية، وجب عليهاالعدة المقررة بعد الدخول والفرقة.\r4 - لزوم نفقة العدة على الزوج المطلق: وهي الطعام والسكنى والكسوة.\r5 - حرمة التزوج بامرأة محرم لها أو بأربع سواها ما دامت في العدة، أو التزوج بخامسة في عدتها إذا كانت رابعة، كما يحرم الزواج خلال العدة من طلاق بعد الدخول.\r6 - تطليقها في الطهر: إذا أراد الزوج طلاق الزوجة بعد الخلوة الصحيحة، لزمه مراعاة وقت الطلاق، وهو كونه في طهر، كالمقرر في الطلاق السني بعد الدخول.\rوالخلاصة: أن ثبوت المهر والعدة من أحكام الخلوة المحضة، وأما ثبوت النسب فهو عند الحنفية من أحكام العقد مطلقاً، وأما بقية الأحكام فهي من آثار العدة.\rولا تكون الخلوة كالوطء أو الدخول فيما يأتي:\r1 - الإحصان: فالخلوة الصحيحة لا تجعل الزوجين محصنين لإقامة حد الرجم، وإنما لا بد من الدخول.\r2 - الغسل: لا يجب الغسل على أحد الزوجين بمجرد الخلوة، بخلاف الوطء.\r3 - حرمة البنت: الخلوة لا تحرم البنت على الزوج، وله أن يتزوجها بعد طلاق أمها، وإنما لا بد من الدخول الحقيقي بالأم لتحريم ابنتها على الزوج.\r4 - التحليل: الخلوة الصحيحة مع الزوج الثاني لا تحل المرأة لزوجها الأول، وإنما لا بد من الدخول الحقيقي (ذوق العسيلة) ثم طلاقها.","part":9,"page":307},{"id":5863,"text":"5 - حصول الرجعة: الخلوة بالمطلقة لا تكون رجعة، فمن طلق امرأته طلاقاً رجعياً ثم اختلى بها من غير أن يرجع بالقول، أو بالفعل كوطء وتقبيل، لا يكون بالخلوة مراجعاً لها، أما الدخول فإنه يحقق المراجعة.\r6 - العودة للزوجية بدون عقد جديد: الطلاق بعد الخلوة يكون بائناً، فلا تعاد إلى المطلق إلا بعقد ومهر جديدين. أما الطلاق بعد الدخول فيقع رجعياً إذا لم يكمل الثلاث، فيمكن للرجل مراجعة امرأته من غير عقد جديد.\r7 - الميراث: يقع الطلاق بائناً بعد الخلوة، فإذا مات أحد الزوجين في أثناء العدة من هذا الطلاق فلا يرثه الآخر، إذ لا ميراث في الموت في عدة الطلاق البائن. إذا طلق الرجل امرأته طلاقاً غير مكمل للثلاث، ومات أحدهما في عدة هذا الطلاق، فإن الآخر يرثه؛ لأن الطلاق حينئذ رجعي، والموت في عدة الطلاق الرجعي كالموت حال قيام الزوجية. 8 - تزوجها كالأبكار على المختار عند الحنفية: فمن طلق امرأته بعد الخلوة، فحكمها في الزواج كحكم الأبكار؛ لأنها بكر في الحقيقة. أما المدخول بها حقيقة فيكون تزوجها بغير الزوج الأول بعد الفراق كتزوج الثيبات.ويلاحظ ما يأتي:\rأ ـ إن أحكام الخلوة المذكورة لا تثبت إلا إذا كان عقد الزواج صحيحاً، فإن كان فاسداً فلا يثبت للخلوة بعده شيء من تلك الأحكام.\rب ـ والعدة في المعتمد في المذهب الحنفي قد تجب في بعض حالات الخلوة الفاسدة: وهي التي يكون فسادها لمانع طبيعي أو شرعي؛ لأن الوطء ممكن في ذاته، بخلاف حالة المانع الحسي.\rجـ ـ تجب العدة في الخلوة في القضاء فقط، لا في الديانة، أما العدة بعد الدخول الحقيقي فتجب قضاء وديانة.","part":9,"page":308},{"id":5864,"text":"أدلة الحنفية والحنابلة:\rاستدل هؤلاء على جعل الخلوة بمثابة الدخول بما يأتي:\r1ً - قوله تعالى: {وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج، وآتيتم إحداهن قنطاراً، فلا تأخذوا منه شيئاً، أتأخذونه بهتاناً وإثماً مبيناً * وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعض، وأخذن منكم ميثاقاً غليظاً} [النساء:20/4-21] نهى الشرع عن أخذ شيء من المهر بعد الإفضاء، والإفضاء ـ كما قال الفراء ـ هو الخلوة، سواء دخل بها أم لم يدخل.\r2ً - الحديث النبوي: «من كشف خمار امرأته، ونظر إليها فقد وجب الصداق، دخل بها أو لم يدخل» (1) وهو ظاهر الدلالة على المطلوب.\r3ً - الآثار: قال زرارة بن أبي أوفى: قضى الخلفاء الراشدون المهديون أنه إذا أرخى الستور، وأغلق الباب، فلها الصداق كاملاً، وعليها العدة، دخل بها أو لم يدخل بها (2) .\r4ً - المعقول: أن الزوجة بتمكينها من الخلوة مع عدم المانع من الجماع، قد سلمت المبدل وهو مقابل المهر، فيجب على زوجها تسليمها البدل وهو المهر، كما في البيع والإجارة، وتقصير الزوج في استيفاء حقه لا تؤاخذ هي به، كما أن تقصير المستأجر والمشتري في الاستلام بعد التخلية ورفع الموانع، لا يمنع من حصول التسليم.\r-------------------------------\r(1) رواه الدارقطني. (2) رواه أحمد والأثرم بإسنادهما.","part":9,"page":309},{"id":5865,"text":"الفَصْلُ السّابع: حقوق الزّواج وواجباته\rعرفنا أن الزواج كغيره من العقود ينشئ بين العاقدين الزوجين حقوقاً وواجبات متبادلة، عملاً بمبدأ التوازن والتكافؤ وتساوي أطراف التعاقد الذي يقوم عليه كل عقد. وقد أشار القرآن الكريم لهذا المبدأ وثبوت هذه الحقوق والواجبات، فقال تعالى: {ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف} [البقرة:228/2] أي أن للنساء من الحقوق على الرجال مثل ما للرجال على النساء من واجبات، وأساس توزيع تلك الحقوق والواجبات هو العرف والفطرة، ومبدأ: كل حق يقابله واجب.\rوفي هذا الفصل مباحث ثلاثة:\rالأول ـ حقوق الزوجة.\rالثاني ـ حقوق الزوج.\rالثالث ـ الحقوق المشتركة بين الزوجين.\rالمبحث الأول ـ حقوق الزوجة :\rللزوجة حقوق مالية وهي المهر والنفقة، وحقوق غير مالية: وهي إحسان العشرة والمعاملة الطيبة، والعدل. أما المهر: فقد تكلمت عنه تفصيلاً، وعُلم أنه حق خاص للمرأة بالقرآن والسنة، لقوله تعالى: {وآتوا النساء صدُقاتهن نحلة} [النساء:4/4]، وثبت في السنة أنه صلّى الله عليه وسلم لم يخل زواجاً من مهر.\rوأما النفقة : فيخصص لها مبحث خاص بها، وهي أمر مقرر في القرآن والسنة أيضاً، لقوله تعالى: {وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف} [البقرة:233/2] وعن معاوية القشيري: «أن النبي صلّى الله عليه وسلم سأله رجل: ما حق المرأة على الزوج؟ قال: تُطعمها إذا طعِمت، وتكسوها إذا اكتسيت، ولا تضرب الوجه، ولا تقبِّح، ولا تهجر إلا في البيت» (1) أي لا تقل لامرأتك: قبحها الله ، والهجر يكون في المضجع، لا أن يتحول الرجل عن المرأة إلى دار أخرى، أو يحولها إليها.\rوالمراد من العشرة: ما يكون بين الزوجين من الألفة والاجتماع، ويلزم كل واحد من الزوجين معاشرة الآخر بالمعروف من الصحبة الجميلة، وكف الأذى، وألا يمطله حقه مع قدرته، ولا يظهر الكراهة فيما يبذله له، بل يعامله ببشر وطلاقة، ولا يتبع عمله مِنَّة ولا أذى (2) ؛ لأن هذا من المعروف، لقوله تعالى: {وعاشروهن بالمعروف} [النساء:19/4] وقوله سبحانه: {ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف} [البقرة:228/2] قال أبو زيد: «تتقون الله فيهن كما عليهن أن يتقين الله فيكم» وقال ابن عباس: «إني لأحب أن أتزين للمرأة، كما أحب أن تتزين لي» ؛ لأن الله تعالى يقول: {ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف} [البقرة:228/2].\r-------------------------------\r(1) رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه (نيل الأوطار: 211/6).\r(2) كشاف القناع: 205/5.","part":9,"page":310},{"id":5866,"text":"وثبت في السنة الأمر بمعاملة النساء خيراً، وورد فيها بيان حقوق وواجبات كل من الزوجين، قال صلّى الله عليه وسلم : «استوصوا بالنساء خيراً، فإنما هن عندكم عوانٍ (1) ليس تملكون منهن شيئاً غير ذلك، إلا أن يأتين بفاحشة مُبَيِّنة، فإن فَعلْنَ فاهجروهن في المضاجع، واضربوهن ضرباً غير مبرِّح (2) ، فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلاً» .\r«إن لكم على نسائكم حقاً، ولنسائكم عليكم حقاً.\rفأما حقكم على نسائكم ، فلا يوطئن فرشكم من تكرهون، ولا يأذنَّ في بيوتكم لمن تكرهون.\rألا وحقهن عليكم أن تحسنوا إليهن في كسوتهن وطعامهن» (3) .\rوقال عليه الصلاة والسلام أيضاً: «خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي» (4) . «أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً، وخياركم خياركم لنسائهم» (5) .\rومن أهم حقوق الزوجة بإيجاز لما سبق بيانه في هذا الشأن (6) :\r1ً - إعفاف الزوجة أو الاستمتاع: قال المالكية: الجماع واجب على الرجل للمرأة إذا انتفى العذر. وقال الشافعي: لايجب إلا مرة؛ لأنه حق له، فجاز له تركه كسكنى الدار المستأجرة، ولأن الداعي إلى الاستمتاع الشهوة والمحبة، فلا يمكن إيجابه، والمستحب ألا يعطلها، ليأمن الفساد.\r-------------------------------\r(1) عوان: جمع عانية، والعاني: الأسير.\r(2) أي غير شديد ولا موجع.\r(3) رواه ابن ماجه والترمذي وصححه عن عمرو بن الأحوص (نيل الأوطار: 210/6).\r(4) رواه الترمذي وصححه عن عائشة (نيل الأوطار: 206/6).\r(5) رواه أحمد والترمذي وصححه عن أبي هريرة (المرجع السابق).\r(6) البدائع: 334/2، الدر المختار: 521/2، 546-553، القوانين الفقهية: ص 211 وما بعدها، المهذب: 65/2-69، كشاف القناع: 205/5-228.","part":9,"page":311},{"id":5867,"text":"وقال الحنابلة: يجب على الزوج أن يطأ الزوجة في كل أربعة أشهر مرة، إن لم يكن عذر؛ لأنه لو لم يكن واجباً لم يصر باليمين (الإيلاء) على تركه واجباً، كسائر ما لا يجب، ولأن النكاح شرع لمصلحة الزوجين، ودفع الضرر عنهما، وهو مفض إلى دفع ضرر الشهوة من المرأة كإفضائه إلى دفعه عن الرجل، فيكون الوطء حقاً لهما جميعاً، فإن أبى الوطء بعد انقضاء الأربعة الأشهر، أو أبى البيتوتة في ليلة من أربع ليال للمرأة الحرة، بلا عذر لأحد الزوجين، فرِّق بينهما كما يفرق بسبب الإيلاء، وكما لو منع النفقة، ولو قبل الدخول، أي يفرق بينهما إن لم يطأ بعد الزفاف لمدة أربعة أشهر، وكما لو ظاهر من زوجته، ولم يكفر عن الظهار، بل إن الفسخ لتعذر الوطء أولى من الفسخ لتعذر النفقة.\rلكن إن سافر الزوج عن المرأة لعذر وحاجة، سقط حقها من القسم والوطء وإن طال سفره للعذر. وإن لم يكن للمسافر عذر مانع من الرجوع وغاب أكثر من ستة أشهر، فطلبت قدومه، لزمه القدوم، لما روى أبو حفص بإسناده عن يزيد بن أسلم قال: بينا عمر بن الخطاب يحرس المدينة، فمرَّ بامرأة وهي تقول:\rتطاول هذا الليل واسودَّ جانبه ..... ..... وطال علي أن لا خليل ألاعبه\rفو الله لولا خشية الله والحيا ..... ..... لحرك من هذا السرير جوانبُه","part":9,"page":312},{"id":5868,"text":"فسأل عنها، فقيل له: زوجها غائب في سبيل الله ، فأرسل إليها امرأة تكون معها، وبعث إلى زوجها، فأقفله، ثم دخل على حفصة فقال: بُنَيَّة، كم تصبر المرأة عن زوجها؟ فقالت: سبحان الله ، مثلك يسأل مثلي عن هذا؟ فقال: لولا أني أريد النظر للمسلمين، ما سألتك، فقالت: خمسة أشهر، ستة أشهر، فوقَّت للناس في مغازيهم ستة أشهر، يسيرون شهراً، ويقيمون أربعة أشهر، ويرجعون في شهر. ولزوم قدوم الزوج: إن لم يكن له عذر في سفره كطلب علم أو كان في جهاد أو حج واجبين أو في طلب رزق يحتاج إليه، فإن وجد عذر لم يلزمه القدوم؛ لأن صاحب العذر يعذر من أجل عذره.\rويكتب الحاكم للزوج الغائب ليقدم، فإن أبى أن يقدم من غير عذر، بعد مراسلة الحاكم إليه، فسخ الحاكم نكاحه؛ لأنه ترك حقاً عليه يتضرر به.\r2 - يحرم الوطء في الدبر، لقوله صلّى الله عليه وسلم : «إن الله لا يستحي من الحق، لا تأتوا النساء في أدبارهن» «لا ينظر الله إلى رجل جامع امرأته في دبرها» (1) وعن أبي هريرة مرفوعاً: «من أتى حائضاً أو امرأة في دبرها، أو أتى عرافاً فصدقه، فقد كفر بما أنزل على محمد» (2) وفي حديث آخر: «ملعون من أتى امرأة في دبرها» (3) .\rويحرم وطء الحائض، ويسن لمن وطئ الحائض أن يتصدق بدينار إن وطئها في مقتبل الدم، وبنصف دينار في إدباره، لما روى أبو داود والحاكم وصححه: «إذا واقع الرجل أهله وهي حائض، إن كان دماً أحمر فليتصدق بدينار، وإن كان أصفر، فليتصدق بنصف دينار» .\rويجوز الاستمتاع بها فيما بين الأليتين، لقوله تعالى: {والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم، فإنهم غير ملومين} [المؤمنون:5/23-6].\r-------------------------------\r(1) رواهما ابن ماجه وأحمد (نيل الأوطار: 200/6).\r(2) رواه الأثرم وأحمد والترمذي. ورواه أبو داود بلفظ «فقد برئ مما أنزل» (المرجع السابق).\r(3) أخرجه أحمد وابن ماجه وأبو داود، وأخرجه الشافعي بنحوه عن خزيمة بن ثابت، وفي إسناده مجهول (المرجع السابق).","part":9,"page":313},{"id":5869,"text":"ويجوز وطؤها في الفرج مدبرة، لما روى جابر قال: «كان اليهود يقولون: إذا جامع الرجل امرأته في فرجها من ورائها، جاء الولد أحول» فأنزل الله تعالى: {نساؤكم حرث لكم، فأتوا حرثكم أنى شئتم} [البقرة:223/2] من بين يديها ومن خلفها، غير ألا يأتيها إلا في المأتى وفي لفظ: «يأتيها من حيث شاء مقبلة أو مدبرة إذا كان ذلك في الفرج» (1) .\rفإن أتاها في الدبر عزر إن علم تحريمه، لارتكابه معصية لا حد فيها ولا كفارة.\rقال الحنابلة: وإن تطاوع الزوجان على الوطء في الدبر، فُرِّق بينهما. وكذا إن أكره الرجل زوجته على الوطء في الدبر، ونهي عنه فلم ينته، فرَّق بينهما، كما يفرق بين الرجل الفاجر وبين من يفجر به من رقيقه.\r3 - العزل (إلقاء مني الرجل خارج الفرج) قال الشافعية: يكره العزل، لما روت جُذَامة بنت وهب، قالت: «حضرت رسول الله صلّى الله عليه وسلم، فسألوه عن العزل، فقال: ذلك الوأد الخفي، وهو: {وإذا الموءودة سئلت} [التكوير:8/81] (2) .\rوقال الغزالي: يجوز العزل، وهو المصحح عند المتأخرين لقول جابر: «كنا نعزل على عهد رسول الله صلّى الله عليه وسلم، والقرآن ينزل» (3) والقول بجواز العزل متفق عليه بين المذاهب الأربعة، لحديث أبي سعيد الخدري مرفوعاً عند أحمد: «إنا نأتي النساء ونحب إتيانهن، فما ترى في العزل؟ فقال صلّى الله عليه وسلم : «اصنعوا ما بدا لكم، فما قضى الله تعالى فهو كائن، وليس من كل الماء يكون الولد» .\r-------------------------------\r(1) متفق عليه.\r(2) أخرجه أحمد ومسلم (نيل الأوطار: 196/6).\r(3) رواه أحمد والبخاري ومسلم (متفق عليه) (نيل الأوطار: 195/6).","part":9,"page":314},{"id":5870,"text":"ويكره العزل عن المرأة الحرة إلا بإذنها، لما روي عن عمر قال: «نهى رسول الله صلّى الله عليه وسلم أن يعزل عن الحرة إلا بإذنها» (1) .\r4 - المعاشرة بالمعروف: يجب على الزوج معاشرة الزوجة بالمعروف، لقوله تعالى: {وعاشروهن بالمعروف} [النساء:19/4]. ويجب عليه بذل ما يجب من حقها من غير مطل، للآية السابقة، ومن العشرة بالمعروف: بذل الحق من غير مطل، ولقوله صلّى الله عليه وسلم : «مَطل الغني ظلم» (2) .\r5 - العدل بين النسوة في المبيت والنفقة كما تقدم: فمن كان له امرأتان أو أكثر، فيجب عليه عند الجمهور غير الشافعية العدل بينهن، والقسم لهن، فيجعل لكل واحدة يوماً وليلة، سواء أكان الرجل صحيحاً أم مريضاً أم مجبوباً، وسواء أكانت المرأة صحيحة أم مريضة أم حائضاً أم نفساء أم محرمة بإحرام أم كتابية لقصد الأنس، ولأن النبي صلّى الله عليه وسلم قسم لنسائه، وكان يقسم في مرضه، مع أن القسم لم يكن واجباً عليه.\rقالت عائشة: كان رسول الله صلّى الله عليه وسلم يقسم لكل امرأة يومها وليلتها (3) ، وقالت عائشة أيضاً: «كان رسول الله صلّى الله عليه وسلم يقسم بيننا فيعدل، ويقول: اللهم إن هذا قسمي فيما أملك، فلا تلمني فيما لا أملك» (4) . فإن شق على المريض القسم، استأذن أزواجه أن يكون عند إحداهن، لما روت عائشة: «أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم بعث إلى\r-------------------------------\r(1) رواه أحمد وابن ماجه.\r(2) رواه أصحاب السنن إلا الترمذي، ورواه البيهقي، كلهم عن عمرو بن الشريد عن أبيه بلفظ: « ليُّ الواجد ظلم يحل عرضه وعقوبته» ورواه أحمد وأصحاب الكتب الستة وابن أبي شيبة والطبراني في معجمه الوسط عن أبي هريرة باللفظ المذكور في الأصل.\r(3) أخرجه أحمد والبخاري ومسلم.\r(4) رواه أبو داود.","part":9,"page":315},{"id":5871,"text":"نسائه فاجتمعن، فقال: إني لا أستطيع أن أدور بينكن، فإن رأيتن أن تأذنَّ لي، فأكون عند عائشة، فعلت، فأذنَّ له» (1) فإن لم يأذنَّ له أن يقيم عند إحداهن أقام عند إحداهن بقرعة أو اعتزلهن جميعاً إن أحب ذلك تعديلاً بينهن.\rوقال الشافعية: لا يجب ابتداء القسم على الرجل؛ لأن القسم لحقه، فجاز له تركه، فإذا بات عند واحدة، لزمه المبيت للأخريات، ولو عنيناً أو مريضاً، اقتداءً بفعل النبي.\rوالبدء بالقسم يكون بالقرعة، فلا يجوز للرجل أن يبدأ بواحدة من نسائه من غير رضا البواقي إلا بقرعة، لحديث أبي هريرة المتقدم عند أبي داود: «من كانت له امرأتان يميل إلى إحداهما على الأخرى، جاء يوم القيامة، وأحد شقيه ساقط» ولأن البداءة بإحداهما من غير قرعة تدعو إلى النفور.\rوإذا قسم لواحدة، لزمه القضاء للبواقي؛ لأنه إذا لم يقض، مال، فدخل في الوعيد.\rوالقسم مطلوب عند الشافعية والحنابلة حتى في السفر، فلا يسافر مع واحدة إلا بقرعة، كما ذكر سابقاً، ولم يوجب الحنفية والمالكية القسم في السفر، واستثنى المالكية سفر القربة، فيقرع الرجل بين نسائه.\rوإن سافرت المرأة بغير إذن الزوج، سقط حقها من القسْم والنفقة؛ لأن القسْم للأنس، والنفقة للتمكين من الاستمتاع، وقد منعت المرأة ذلك بالسفر.\rوعماد القسم الليل؛ لأنه يأوي فيه الإنسان إلى منزله، ويسكن إلى أهله، وينام على فراشه مع زوجته عادة، والنهار للمعاش، قال الله تعالى: {وجعلنا الليل لباساً، وجعلنا النهار معاشاً} [النبأ:10/78-11].\rولإحدى الزوجات أن تهب حقها لبعض ضرائرها مؤقتاً أو دائماً، لقول عائشة السابق: «غير أن سودة وهبت ليلتها لعائشة تبتغي بذلك رضا رسول الله صلّى الله عليه وسلم» .\rوقد ذكرت أن الزوجة الجديدة لها عند الجمهور غير الحنفية سبع ليال إذا كانت بكراً، وثلاث ليال إذا كانت ثيباً. وسوى الحنفية بين الجديدة والقديمة، فلا تختص واحدة منهما بشيء.\rأما واجب الزوجة: فلا يجب عليها خدمة زوجها في الخبز والطحن والطبخ والغسل وغيرها من الخدمات، وعليه أن يأتيها بطعام مهيأ إن كانت ممن لا تخدم نفسها؛ لأن المعقود عليه من جهتها هو الاستمتاع فلا يلزمها ما سواه، لكن لا يجوز لمن تخدم نفسها وتقدر على الخدمة أخذ الأجرة على عمل البيت، لوجوبه عليها ديانة، حتى ولو كانت شريفة؛ لأنه عليه الصلاة والسلام قسم الأعمال بين علي وفاطمة رضي الله عنهما، فجعل أعمال الخارج على علي، والداخل على فاطمة مع أنها سيدة نساء العالمين.\r-------------------------------\r(1) رواه أبو داود.","part":9,"page":316},{"id":5872,"text":"المبحث الثاني ـ حقوق الزوج :\rإن أهم حقوق الزوج ما يأتي (1) :\r1 ً - طاعة الزوجة لزوجها في الاستمتاع والخروج من المنزل: فإذا تزوج رجل امرأة، وكانت أهلاً للجماع وجب تسليمها نفسها بالعقد إذا طلب، ويجب عليه تسلمها إذا عرضت عليه؛ لأنه بالعقد يستحق الزوج تسليم العوض، وهو أن يسلمها مهرها المعجل. وقد نص الإمام أحمد على أن التي يمكن الاستمتاع بها هي بنت تسع سنين فأكثر؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلم «بنى بعائشة وهي بنت تسع سنين» .\rوتمهل الزوجة مدة بحسب العادة لإصلاح أمرها كاليومين والثلاثة؛ لأنه من حاجتها، فإذا منع الرجل منه كان تعسيراً، فوجب إمهالها طلباً لليسر والسهولة، والمرجع فيه إلى العرف بين الناس؛ لأنه لا تقدير فيه، فوجب الرجوع فيه إلى العرف. ولا تمهل لعمل جهاز ونحوه.\r-------------------------------\r(1) المراجع السابقة في بدء المطلب السابق.","part":9,"page":317},{"id":5873,"text":"وعلى الزوجة طاعة زوجها إذا دعاها إلى الفراش، ولو كانت على التنور أو على ظهر قتَب، كما رواه أحمد وغيره، ما لم يشغلها عن الفرائض، أو يضرها؛ لأن الضرر ونحوه ليس من المعاشرة بالمعروف. ووجوب طاعتها له لقوله تعالى: {ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف} [البقرة:228/2]، وقوله صلّى الله عليه وسلم : «لو كنت آمراً أحداً أن يسجد لأحد، لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها» (1) وقوله «أيما امرأة ماتت، وزوجها راض عنها، دخلت الجنة» (2) وقوله: «إذا دعا الرجل امرأته إلى فراشه، فأبت أن تجيء، فبات غضبان عليها، لعنتها الملائكة، حتى تصبح» (3) . ومن الطاعة: القرار في البيت متى قبضت معجل مهرها وهو تفرغها لشؤون الزوجية والبيت ورعاية الأولاد في الصغر والكبر، فليس للزوجة الخروج من المنزل ولو إلى الحج إلا بإذن زوجها، فله منعها من الخروج إلى المساجد وغيرها، لما روى ابن عمر رضي الله عنه قال: رأيت امرأة أتت إلى النبي صلّى الله عليه وسلم ، وقالت: «يارسول الله ، ما حق الزوج على زوجته؟ قال: حقه عليها ألا تخرج من بيتها إلا بإذنه، فإن فعلت، لعنها الله وملائكة الرحمة، وملائكة الغضب حتى تتوب أو ترجع، قالت: يا رسول الله ، وإن كان لها ظالماً؟ قال: وإن كان\r-------------------------------\r(1) رواه الترمذي، وقال: حديث حسن ، عن أبي هريرة.\r(2) رواه ابن ماجه والترمذي، وقال: حديث حسن غريب، عن أم سَلَمة.\r(3) متفق عليه بين الشيخين عن أبي هريرة (نيل الأوطار: 207/6، رياض الصالحين: ص 134 وما بعدها) لمراجعة هذه الأحاديث.","part":9,"page":318},{"id":5874,"text":"لها ظالماً» (1) ولأن حق الزوج واجب، فلا يجوز تركه بما ليس بواجب.\rلكن يكره ـ كما ذكر الشافعية ـ منعها من عيادة أبيها إذا أثقل في مرضه، وحضور مواراته إذا مات؛ لأن منعها مما ذكر يؤدي إلى النفور ويغريها بالعقوق، وأجاز الحنفية للمرأة الخروج بغير إذن زوجها إذا مرض أحد أبويها.\rويجب على المرأة في حال الخروج التزام الستر الشرعي، لا تظهر شيئاً من جسدها غير الوجه والكفين؛ لأن في كشف شيء مما أوجب الله ستره تعريضاً للفتنة والتطلع إليها، قال تعالى: {ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى} [الأحزاب:33/33]. ومن التبرج: المشي بتكسر وحركات مثيرة، ومن التبرج أيضاً أن تلبس المرأة ثوباً رقيقاً يصف ما تحته، قال صلّى الله عليه وسلم : «صنفان من أهل النار لم أرهما بعد: نساء كاسيات عاريات، مائلات مميلات (2) ، على رؤوسهن أمثال أسنمة البخت المائلة (3) ، لا يدخلن الجنة، ولا يجدن ريحها، وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا. ورجال معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس» (4) وقال عليه الصلاة والسلام أيضاً : «أيما امرأة استعطرت، فخرجت فمرت على قوم ليجدوا ريحها، فهي زانية» (5) .\r-------------------------------\r(1) رواه أبو داود الطيالسي عن ابن عمر.\r(2) المراد بالكاسيات العاريات: اللاتي يلبسن الثياب الرقيقة التي لا تستر ما تحتها. والمراد بالمائلات المميلات: اللاتي يتمايلن ويتبخترن في مشيهن للافتتان بهن.\r(3) البخت: نوع من الإبل المشهورة بكبر سنامها، والمراد أن النساء يعتنين بشعورهن وبعظمنّ ذلك، بلف عمامة أو عصابة أو نفش الشعر ونحوه.\r(4) رواه مسلم في صحيحه عن أبي هريرة.\r(5) رواه الحاكم عن أبي موسى.","part":9,"page":319},{"id":5875,"text":"والتزام المرأة البيت لا بمعنى حبسها فيه أو التضييق عليها هو خير شيء للمرأة، قال عليه الصلاة والسلام: «إن المرأة عورة، فإذا خرجت استشرفها الشيطان، وأقرب ما تكون من رحمة ربها، وهي في قعر بيتها» (1) وهو يدل على وجوب الستر وعدم إظهار المرأة شيئاً من بدنها، وأن في الخروج العمل على إغواء الشياطين لها وإغراء الرجال بها حتى تقع الفتنة.\rوليس للزوجة صوم نفل أو تطوع إلا بإذن الزوج، لقوله صلّى الله عليه وسلم : «لا يحل لامرأة أن تصوم، وزوجها شاهد إلا بإذنه، ولا تأذن في بيته إلا بإذنه» (2) وروى البزار عن ابن عباس: «أن امرأة من خثعم أتت رسول الله صلّى الله عليه وسلم ، فقالت: يا رسول الله ، أخبرني ما حق الزوج على الزوجة، فإني امرأة أيّم، فإن استطعت وإلا جلست أيَّماًَ؟ قال: فإن حق الزوج على زوجته إن سألها نفسها، وهي على ظهر قتب ألا تمنعه، وألا تصوم تطوعاً إلا بإذنه، فإن فعلت جاعت وعطشت ولا تقبل منها، ولا تخرج من بيتها إلا بإذنه، فإن فعلت لعنتها ملائكة السماء وملائكة الرحمة وملائكة العذاب، قالت: لا جرم، لا أتزوج أبداً» (3) .\rومنشأ حق الطاعة بالمعروف: إثبات الله درجة القوامة للرجال على النساء في قوله تعالى: { الرجال قوامون على النساء بما فضّل الله بعضهم على بعض، وبما أنفقوا من أموالهم } [النساء:34/4] أي إنما استحقوا هذه المزية لتميزهم برجاحة العقل وقوة الجسد، وبما يلزمون به من الإنفاق على النساء من أموالهم بتقديم المهر والنفقة الزوجية الدائمة.\r-------------------------------\r(1) رواه الترمذي عن ابن مسعود.\r(2) متفق عليه عن أبي هريرة (رياض الصالحين، المكان السابق، نيل الأوطار: 211/6).\r(3) رواه البزار، وفيه حسين بن قيس المعروف بحنش، وهو ضعيف، وقد وثقه حصين بن نمير، وبقية رجاله ثقات ولا جرم، أي حقاً.","part":9,"page":320},{"id":5876,"text":"2 ً - الأمانة: على الزوجة أن تحفظ غيبة زوجها في نفسها وبيته وماله وولده، لحديث ابن الأحوص السابق: «أما حقكم على نسائكم، فلا يوطئن فرشكم من تكرهون، ولا يأذنَّ في بيوتكم لمن تكرهون» وقوله صلّى الله عليه وسلم : «نساء قريش خير نساء ركبن الإبل، أحناه على طفل في صغره، وأرعاه على زوج في ذات يده» وفي لفظ : «خير نساء ركبن الإبل صالح نساء قريش» (1) ويؤكده الحديث المعروف: «كلكم راع، وكلكم مسؤول عن رعيته، والأمير راع، والرجل راع على أهل بيته، والمرأة راعية على بيت زوجها وولده، فكلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته» (2) فعليها أن تحسن تربية أولادها على الدين والفضيلة والقيام بالواجب.\r3 ً - المعاشرة بالمعروف: يجب على المرأة معاشرة الزوج بالمعروف من كف الأذى وغيره، كما عليه معاشرتها بالمعروف، لقوله عليه الصلاة والسلام: «لا تؤذي امرأة زوجها في الدنيا إلا قالت زوجته من الحور العين: لا تؤذيه، قاتلكِ الله، فإنما هو عندكِ دخيل، يوشك أن يفارقك إلينا» (3) وقال صلّى الله عليه وسلم : «ما تركت بعدي فتنة هي أضر على الرجال من النساء» (4) .\r4 ً - حق التأديب (5) : للزوج الحق في تأديب زوجته عند نشوزها أو عصيانها أمره بالمعروف لا في المعصية؛ لأن الله عز وجل أمر بتأديب النساء بالهجر والضرب عند عدم طاعتهن، فإن تحققت الطاعة وجب الكف عن التأديب لقوله\r-------------------------------\r(1) رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة (جامع الأصول: 134/10).\r(2) متفق عليه بين الشيخين عن ابن عمر (رياض الصالحين: ص 135).\r(3) رواه الترمذي عن معاذ بن جبل، وقال: حديث حسن (رياض الصالحين: ص 135).\r(4) متفق عليه بين البخاري ومسلم عن أسامة بن زيد (المرجع السابق).\r(5) البدائع: 334/2، القوانين الفقهية: ص 212 ومابعدها، مغني المحتاج: 257/3-261، المهذب: 69/2 وما بعدها، كشاف القناع: 233/5-236.","part":9,"page":321},{"id":5877,"text":"عز وجل: {فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلاً} [النساء:34/4] ولا تحتاج المرأة الصالحة لتأديب لقوله تعالى: {فالصالحات قانتات حافظات للغيب بما حفظ الله } [النساء:34/4] وأما غير الصالحة وهي التي تخل بحقوق الزوجية وتعصي الزوج فهي التي تكون بحاجة إلى التأديب.\rإن ولاية التأديب للزوج تكون إذا لم تطعه زوجته فيما يلزم طاعته، بأن كانت ناشزة، والنشوز: معصيتها إياه فيما يجب عليها، وكراهة كل من الزوجين صاحبه، والخروج من المنزل بغير إذن الزوج، لا إلى القاضي لطلب الحق منه. وأمارات النشوز: إما بالفعل كالإعراض والعبوس والتثاقل إذا دعاها بعد لطف وطلاقة وجه، وإما بالقول، كأن تجيبه بكلام خشن بعد أن كان بلين.\rويبدأ الزوج بالتأديب عند ظهور أمارات النشوز بالترتيب التالي:\rأولاً ـ الوعظ والإرشاد: بأن يتكلم معها بكلام رقيق لين، بأن يقول لها: كوني من الصالحات القانتات الحافظات للغيب، ولا تكوني من كذا وكذا، أو: اتقي الله في الحق الواجب لي عليك، واحذري العقوبة، لقوله تعالى: {واللاتي تخافون نشوزهن، فعظوهن} [النساء:34/4] وذلك بلا هجر ولا ضرب، ويبين لها أن النشوز يسقط النفقة والقسم مع ضرائرها، فلعلها تبدي عذراً، أو تتوب عما وقع منها بغير عذر. والخوف هنا بمعنى العلم، والأولى بقاؤه على ظاهره، فمن ظهر له أمارة نشوز أو تحققه، وعظها.\rثانياً ـ الهجر في المضجع والإعراض: إن تحقق النشوز بأن عصيته وامتنعت من إطاعته، أو خرجت من بيته بغير إذنه ونحوه، هجرها في المضجع ما شاء، لقوله تعالى: {واهجروهن في المضاجع} [النساء:34/4] قال ابن عباس: «لا تضاجعها في فراشك» و «قد هجر النبي صلّى الله عليه وسلم نساءه، فلم يدخل عليهن شهراً» (1) .\r-------------------------------\r(1) متفق عليه.","part":9,"page":322},{"id":5878,"text":"وهجرها في الكلام ثلاثة أيام، لا فوقها، لحديث أبي هريرة: «لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاثة أيام» (1) والهجر: ضد الوصل، والتهاجر: التقاطع.\rولا يضربها عند الجمهور، وقال النووي: الأظهر يضرب، لقوله تعالى: {فاهجروهن في المضاجع واضربوهن} [النساء:34/4] والمراد: واهجروهن إن نشزن، واضربوهن إن أصررن على النشوز، أي إن لم يتكرر نشوز الزوجة وعظها الزوج وهجرها في المضجع وضربها في رأي الشافعية.\rثالثاً ـ الضرب غير المخوف: إن أصرت على النشوز ضربها عندئذ ضرباً غير مبرح ـ أي غير شديد ـ ولا شائن، للآية السابقة {واضربوهن} [النساء:34/4] فظاهر الآية وإن كان بحرف الواو الموضوعة للجمع المطلق، لكن المراد منه الجمع على سبيل الترتيب، والواو يحتمل ذلك.\rويجتنب في أثناء الضرب: الوجه تكرمة له، ويجتنب البطن والمواضع المخوفة خوف القتل، ويجتنب المواضع المستحسنة لئلا يشوهها، ويكون الضرب ـ كما أبان الحنفية ـ عشرة أسواط فأقل، لقوله صلّى الله عليه وسلم : «لا يجلد أحدكم فوق عشرة أسواط إلا في حد من حدود الله » (2) وقوله: «لا يجلد أحدكم امرأته جلد العبد، ثم يضاجعها في آخر اليوم» (3) . فإن تلفت من الجلد فلا ضمان عليه عند الحنابلة والمالكية؛ لأن الضرب مأذون فيه شرعاً. وقال أبو حنيفة والشافعي: إنه يضمن؛ لأن استيفاء الحق مقيد بشرط السلامة للآخرين.\rويكون الضرب أيضاً بيد على الكتف مثلاً، أو بعصا خفيفة أو بسواك ونحوه\r-------------------------------\r(1) رواه أبو داود والنسائي بإسناد على شرط البخاري ومسلم ( الترغيب والترهيب: 455/3 ).\r(2) متفق عليه بين أحمد والشيخين وأصحاب السنن الأربعة عن أبي بردة بن نيار، وهوصحيح.\r(3) متفق عليه في الصحيحين (نيل الأوطار: 212/6).","part":9,"page":323},{"id":5879,"text":"إن رأى الزوج هذا. والأولى الاكتفاء بالتهديد وعدم الضرب، لما قالت عائشة: «ما ضرب رسول الله صلّى الله عليه وسلم امرأة له ولا خادماً، ولا ضرب بيده شيئاً قط إلا في سبيل الله، أو تنتهك محارم الله ، فينتقم لله» (1) .\rرابعاً ـ طلب إرسال الحكمين: إن نفع الضرب لبعض النساء الشاذات، فبها ونعمت، وإن لم ينفع وادعى كل من الزوجين ظلم صاحبه ولا بينة لهما، رفع الأمر إلى القاضي لتوجيه حكمين إليهما، حكماً من أهله وحكماً من أهلها، للإصلاح أو التفريق، لقوله تعالى: {وإن خفتم شقاق بينهما، فابعثوا حَكَماً من أهله، وحَكَماً من أهلها، إن يريدا إصلاحاً يوفق الله بينهما} [النساء:35/4].\rوالحكمان: حران مسلمان ذكران عدلان مكلفان فقيهان عالمان بالجمع والتفريق؛ لأن التحكيم يفتقر إلى الرأي والنظر، ويجوز أن يكونا من غير أهلهما؛ والأولى أن يكونا من غير أهلهما؛ لأن القرابة ليست شرطاً في الحكم ولا الوكالة. وينبغي لهما أن ينويا الإصلاح لقوله تعالى: {إن يريدا إصلاحاً يوفق الله بينهما} [النساء:35/4]، وأن يلطفا القول،وأن ينصفا، ويرغبا ويخوفا، ولا يخصا بذلك أحد الزوجين دون الآخر، ليكون أقرب للتوفيق بينهما.\rوينفذ عند المالكية تصرف الحكمين في أمر الزوجين بما رأياه من تطليق أو خلع، من غيرإذن الزوج ولا موافقة الحاكم، بعد أن يعجز عن الإصلاح بينهما، وإذا حكما بالفراق فهي طلقة بائنة.\rوقال الشافعية والحنابلة: الحكمان وكيلان عن الزوجين، فلا يملكان تفريقاً إلا بإذن الزوجين، فيأذن الرجل لوكيله فيما يراه من طلاق أوإصلاح، وتأذن المرأة لوكيلها في الخلع والصلح على ما يراه.\r-------------------------------\r(1) رواه النسائي (نيل الأوطار: 211/6).","part":9,"page":324},{"id":5880,"text":"وقال الحنفية: يرفع الحكمان ما يريدانه إلى القاضي، والقاضي هو الذي يوقع الطلاق، وهو طلاق بائن، بناء على تقريرهما، فليس للحكمين التفريق إلا أن يفوضا فيه.\r5 ً - الاغتسال من الحيض والنفاس والجنابة: قال الشافعية والحنابلة: للزوج إجبار الزوجة، ولو كانت ذمية على الغسل من الحيض والنفاس؛ لأنه يمنع الاستمتاع الذي هو حق له، فيملك إجبارها على إزالة ما يمنع حقه. وله إجبار الزوجة المسلمة البالغة على غسل جنابة؛ لأن الصلاة واجبة عليها، ولا تتمكن منها إلا بالغسل؛ ولأن النفس تعاف من وطء الجنب، ولا يجبر الزوجة الذمية على غسل الجنابة كالمسلمة التي دون البلوغ؛ لأن الاستمتاع لا يتوقف عليه، لإباحته بدونه.\rوأضاف الحنابلة: أن للزوج إجبار الزوجة على غسل نجاسة؛ لأنه واجب عليها، وله أيضاً إجبارها على اجتناب محرَّم لوجوبه عليها، وله إجبارها عى أخذ شعر وظفر تعافه النفس، وإزالة وسخ؛ لأن المذكور يمنع كمال الاستمتاع.\rوذكر الشافعية في التنظيف والاستحداد (حلق العانة) وغسل الجنابة وجهين: وجه يملك إجبارها عليه؛ لأن كمال الاستمتاع يقف عليه. والثاني: لا يملك إجبارها عليه؛ لأن الوطء لا يقف عليه.\r6 ً - السفر بالزوجة: عرفنا أن للزوج بعد أداء كل المهر المعجل أن يسافر بزوجته إذا كان مأموناً عليها (1) .\r-------------------------------\r(1) الدر المختار: 495/2.","part":9,"page":325},{"id":5881,"text":"المبحث الثالث ـ الحقوق المشتركة بين الزوجين :\rأغلب الحقوق السابقة خصوصاً حق الاستمتاع وما يتبعه هي حقوق مشتركة بين الزوجين، لكن حق الزوج على زوجته أعظم من حقها عليه، لقوله تعالى: {وللرجال عليهن درجة} [البقرة:228/2] وللحديث السابق عند أبي داود: «لو كنت آمراً أحداً أن يسجد لأحد، لأمرت النساء أن يسجدن لأزواجهن، لما جعل الله لهم عليهن من الحق» .\rويسن لكل من الزوجين تحسين الخُلُق لصاحبه والرفق به واحتمال أذاه وسوء طباعه، لقوله تعالى: {والصاحب بالجنب} [النساء:36/4] أي الإحسان له، وللحديث المتقدم: «استوصوا بالنساء خيراً» وحديث «خياركم خياركم لنسائه» (1) .\rوليكن الزوج غيوراً من غير إفراط، لئلا ترمى بالشر من أجله.\rوينبغي إمساك المرأة مع الكراهة لها، لقوله تعالى: {فإن كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئاً، ويجعل الله فيه خيراً كثيراًَ} [النساء:19/4] قال ابن عباس: «ربما رزق منها ولداً، فجعل الله فيه خيراً كثيرا» . وأخرج مسلم عن جابر بن عبد الله ، أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم قال : «لا يَفْرَك مؤمن مؤمنة، إن كره منها خلقاً، رضي منها خلقاً آخر» أي لايبغضها.\rولا ينبغي للرجل أن يعلم امرأته قدر ماله، ولا يفشي إليها سراً يخاف إذاعته؛ لأنها تفشيه. ولا يكثر من الهبة لها، فإنه متى عودها شيئاً لم تصبر عنه (2) .\r-------------------------------\r(1) رواه ابن ماجه.\r(2) كشاف القناع: 206/5.","part":9,"page":326},{"id":5882,"text":"البَابُ الثَّاني: انحلال الزَّواج وآثاره\rفيه أربعة فصول:\rالأول ـ في الطلاق.\rالثاني ـ في الخلع.\rالثالث ـ في التفريق القضائي.\rالرابع ـ في العِدَّة والاستبراء.\rالفَصْلُ الأوَّل: الطَّلاق\rويشتمل على تمهيد وستة مباحث وملحق:\rالأول ـ معنى الطلاق ومشروعيته وحكمه وركنه وحكمته وسبب جعله بيد الرجل.\rالثاني ـ شروط الطلاق، أو مالك الطلاق وقدره ومحله (من يقع عليه) وما يقع به (صيغته).\rالثالث ـ قيود إيقاع الطلاق شرعاً.\rالرابع ـ التوكيل في الطلاق وتفويضه.\rالخامس ـ أنواع الطلاق وحكم كل نوع.\rالسادس ـ الشك في الطلاق وإثباته.\rملحق ـ عن زواج التحليل والرجعة.\rتمهيد ـ في معنى انحلال الزواج وأنواع الفُرَق الزوجية :\rانحلال الزواج: هو إنهاؤه باختيار الزوج، أو بحكم القاضي، والفُرْقة لغة بمعنى الافتراق، وجمعها فرق، واصطلاحاً: هي انحلال رابطة الزواج، وانقطاع العلاقة بين الزوجين بسبب من الأسباب. والفرقة نوعان: فرقة فسخ وفرقة طلاق. والفسخ إما أن يكون بتراضي الزوجين وهو المخالعة، أو بواسطة القاضي.\rوذكر المالكية (1) أن الفراق بين الزوجين يقع على خمسة عشر وجهاً: وهي الطلاق على اختلاف أنواعه، والإيلاء إن لم يفئ الزوج عن يمينه، واللعان، والردة، وملك أحد الزوجين الآخر، والإضرار بالزوجة، وتفريق الحَكَمين بين الزوجين، واختلاف الزوجين في الصداق قبل الدخول، وحدوث الجنون أو الجذام أو البرص في الزوج، ووجود العيوب في أحد الزوجين، والإعسار بالنفقة، أو الصداق، والتغرير، والفقد، وعتق الأمة زوجة العبد، وتزوج أمة على الحرة.\rالفرق بين الفسخ والطلاق :\rيفترق الفسخ عن الطلاق من ثلاثة أوجه:\rالأول ـ حقيقة كل منهما: الفسخ: نقض للعقد من أساسه وإزالة للحل الذي يترتب عليه، أما الطلاق: فهو إنهاء للعقد ولا يزول الحل إلا بعد البينونة الكبرى (الطلاق الثلاث).\rالثاني ـ أسباب كل منهما: الفسخ يكون إما بسبب حالات طارئة على العقد تنافي الزواج، أو حالات مقارنة للعقد تقتضي عدم لزومه من الأصل. فمن أمثلة الحالات الطارئة: ردة الزوجة أو إباؤها الإسلام، أو الاتصال الجنسي بين الزوج وأم زوجته أو بنتها، أو بين الزوجة وأبي زوجها أو ابنه مما يحرم المصاهرة،وذلك ينافي الزواج، ومن أمثلة الحالات المقارنة: أحوال خيار البلوغ لأحد الزوجين، وخيار أولياء المرأة التي تزوجت من غير كفء أو بأقل من مهر المثل عند الحنفية، ففيها كان العقد غير لازم.\rأما الطلاق: فلا يكون إلا بناء على عقد صحيح لازم، وهو من حقوق الزوج، فليس فيه ما يتنافى مع عقد الزواج أو يكون بسبب عدم لزومه.\r-------------------------------\r(1) القوانين الفقهية: ص 227.","part":9,"page":327},{"id":5883,"text":"الثالث ـ أثر كل منهما: الفسخ لا ينقص عدد الطلقات التي يملكها الرجل، أما الطلاق فينقص به عدد الطلقات.\rوكذلك فرقة الفسخ لا يقع في عدتها طلاق، إلا إذا كانت بسبب الردة أو الإباء عن الإسلام، فيقع فيهما عند الحنفية طلاق زجراً وعقوبة. أما عدة الطلاق فيقع فيها طلاق آخر، ويستمر فيها كثير من أحكام الزواج. ثم إن الفسخ قبل الدخول لا يوجب للمرأة شيئاً من المهر، أما الطلاق قبل الدخول فيوجب نصف المهر المسمى، فإن لم يكن المهر مسمى استحقت المتعة.\rمتى تكون الفرقة فسخاً ومتى تكون طلاقاً؟\rللفقهاء آراء في بيان أحوال الفسخ وأحوال الطلاق.\rيرى الحنفية (1) : أن الفرقة تكون فسخاً فيما يأتي:\r1ً - تفريق القاضي بين الزوجين بسبب إباء الزوجة الإسلام بعدما أسلم زوجها المشرك أو المجوسي؛ لأن المشركة لا تصلح لنكاح المسلم، والفرقة جاءت من قبلها، والفرقة من قبل المرأة لا تصلح طلاقاً؛ لأنها لا تتولى الطلاق، فيجعل فسخاً.\rأما إن كان الإباء من الزوج، فتكون الفرقة طلاقاً في قول أبي حنيفة ومحمد، وفسخاً في قول أبي يوسف.\r2ً - ردة أحد الزوجين.\r3ً - تباين الدارين حقيقة وحكماً: بأن خرج أحد الزوجين إلى دار الإسلام مسلماً أو ذمياً، وترك الآخر كافراً في دار الحرب قياساً على الردة لعدم التمكين من الانتفاع عادة. أما إن خرج أحدهما مستأمناً وبقي الآخر كافراً في دار الحرب فلا تقع الفرقة. وقال غير الحنفية: لا تقع الفرقة باختلاف الدارين.\r4ً - خيار بلوغ الصغير أو الصغيرة. هذه الفرقة لا تقع إلا بتفريق القاضي. فإن كانت الفرقة بسبب اختيار المرأة نفسها لعيب الجب والعنة والخصاء والخنوثة، فهي فرقة بطلاق من طريق القاضي.\r-------------------------------\r(1) فتح القدير: 21/3، البدائع: 336/2-340، رد المحتار لابن عابدين: 571/2.","part":9,"page":328},{"id":5884,"text":"5ً - خيار العتق: بأن تعتق الأمة ويبقى زوجها عبداً،فلها الخيار بالبقاء أو إنهاء الزواج، وتثبت الفرقة بنفس الاختيار؛ لأن الفرقة وقعت بسبب وجد منها وهو اختيارها نفسها، واختيارها نفسها لا يجوز أن يكون طلاقاً؛ لأنها لا تملك الطلاق، إلا إذا مُلِّكت كالمخيَّرة.\r6ً - التفريق لعدم الكفاءة أو لنقصان المهر: تكون الفرقة فسخاً؛ لأنها فرقة حصلت لا من جهة الزوج، فلا يمكن أن يجعل ذلك طلاقاً؛ لأنه ليس لغير الزوج ولاية الطلاق، فيجعل فسخاً، ولا تكون هذه الفرقة إلا عند القاضي كالفسخ بخيار البلوغ.\rوما عداها من أنواع الفرق التي تكون من قبل الزوج أو بسبب منه يكون طلاقاً، ومنه المخالعة. وعليه فإن ضابط ما يتميز به الفسخ عن الطلاق عند أبي حنيفة ومحمد: هو أن كل فرقة بسبب من جانب المرأة تكون فسخاً، وكل فرقة من جانب الرجل أو بسبب منه مختص بالزواج فهي طلاق، إلا أن أبا حنيفة خلافاً لمحمد يعتبر الفرقة بسبب ردة الزوج فسخاً؛ لأنه يرى أن الردة كالموت من حيث إن صاحبها مهدر الدم، فتشبه الفرقة بالموت، والفرقة بالموت لا يمكن جعلها طلاقاً. وبه يظهر أن الغالب كون الفرقة طلاقاً.\rوقال المالكية (1) : إما أن تكون الفرقة من زواج صحيح أو زواج فاسد.\rأولاً ـ إن كات الفرقة من زواج صحيح: فإنها تكون طلاقاً إلا إذا كانت بسبب أمر طارئ يوجب التحريم المؤبد، سواء من أحد الزوجين أو من القاضي.\rثانياً ـ وإن كانت الفرقة من زواج فاسد:\rفإن كان مجمعاً على فساده: فإن الفرقة فيه تكون فسخاً، لا طلاقاً، كالفرقة من زواج المتعة، والزواج بإحدى المحارم، والزواج بالمعتدة، ونحوها.\r-------------------------------\r(1) بداية المجتهد: 70/2، الشرح الكبير مع الدسوقي: 364/2.","part":9,"page":329},{"id":5885,"text":"وإن كان مختلفاً في فساده: وهو ما يكون فاسداً عند المالكية صحيحاً عند غيرهم، كزواج المرأة بدون ولي فهو فاسد عندهم صحيح عند الحنفية،فإن الفرقة فيه تكون طلاقاً لا فسخاً. ومنه زواج السر (وهو الذي يوصي الزوج الشهود بكتمان العقد عن الناس أو عن بعضهم) فهو فاسد عندهم صحيح عند باقي الأئمة.\rوعلى هذا تكون الفرقة فسخاً فيما يأتي:\r1 - إذا وقع العقد غير صحيح، كالزواج بالأخت أو إحدى المحارم، والزواج بزوجة الغير أو معتدته.\r2 - إذا طرأ على الزواج ما يوجب الحرمة المؤبدة كالاتصال الجنسي بشبهة من أحد الزوجين بأصول الآخر أو فروعه، مما يوجب حرمة المصاهرة.\r3 - الفرقة بسبب اللعان: لأنه تترتب عليه الحرمة المؤبدة، لحديث «المتلاعنان لا يجتمعان أبداً» (1) .\r4 - الفرقة بسبب إباء الزوج الإسلام بعد أن أسلمت زوجته، أو إباء الزوجة غير الكتابية الإسلام بعد إسلام زوجها؛ لأن ذلك في معنى طروء مفسد على الزواج.\rوتكون الفرقة طلاقاً فيما يأتي:\r1ً - إذا استعمل لفظ الطلاق في الزواج الصحيح، أوالمختلف في فساده.\r2ً - إذا حدثت الفرقة بالخلع في الزواج أوالمختلف في فساده.\r3ً - الفرقة بسبب الإيلاء: وهو أن يحلف الزوج ألا يقرب زوجته أكثر من أربعة أشهر. فإن لم يعد عن يمينه بعد أمر القاضي له عقب ادعاء الزوجة فرّق بينهما، وكانت الفرقة طلاقاً.\r4ً - الفرقة لعدم كفاءة الزوج، سواء أكانت من الزوجة أم من وليها.\r5ً - الفرقة لعدم الإنفاق أو للغيبة، أو للضرر وسوء العشرة.\r6ً - الفرقة بسبب ردة أحد الزوجين عن الإسلام: فإنها طلاق في مشهور المذهب؛ لأنها فرقة بسبب أمر طارئ يوجب التحريم غير المؤبد الذي ينتهي بالرجوع عن الإسلام. وبه يظهر أن أغلب الفُرق تكون طلاقاً.\r-------------------------------\r(1) رواه الدارقطني عن ابن عباس، وفي معناه أحاديث كثيرة (نيل الأوطار: 271/6).","part":9,"page":330},{"id":5886,"text":"ومذهب الشافعية (1) : هو أن فرقة النكاح طلاق وفسخ:\rوالطلاق أنواع: الطلاق المعهود صراحة أو كناية، والخلع، وفرقة الإيلاء، والحَكَمين. والفسخ أنواع سبعة عشر: فرقة إعسار مهر، وإعسار نفقة أو كسوة أو مسكن بعد إمهال الزوج ثلاثة أيام، وفرقة لعان، وفرقة خيار عَتيقة (2) ، وفرقة عيوب (3) بعد رفع الأمر إلى الحاكم، وثبوت العيب، والفسخ به فوري إلا العُنَّة فتؤجل سنة من يوم ثبوتها، وفرقة غرور (4) ، ووطء شبهة كوطء أم زوجته أو ابنتها، وسبْي للزوجين أو أحدهما قبل الدخول أو بعده؛ لأن الرق إذا حدث أزال الملك عن النفس، فيكون عن العصمة أولى، وفرقة إسلام أحد الزوجين، أو ردته، وإسلام الزوج على أختين أو أكثر من أربع، أو أمتين، وملك أحد الزوجين الآخر، وعدم الكفاءة بأن أطلقت المرأة الإذن فبان الرجل غير كفء، وانتقال من دين إلى آخر كالانتقال من اليهودية إلى النصرانية، وفرقة رضاع بشرط كونه خمس رضعات متفرقات قبل مضي حولين.\r-------------------------------\r(1) تحفة الطلاب: ص 236، حاشية الشرقاوي: 294/2 - 296.\r(2) خيار العتيقة: هو أن تعتق الأمة زوجة الرقيق، فيثبت لها الخيار فوراً بدون رفع الأمر إلى الحاكم إلا إذا كان عتقها قبل الوطء في مرض الموت، وكان ثلث ماله لايتحمل سقوط المهر مع قيمتها.\r(3) العيوب المثبتة للخيار في الزواج: هي جنون وجذام وبرص بأحد الزوجين، ورتق وقرن بالزوجة، وجب وعنة بالزوج.\r(4) من الأنكحة المكروهة: نكاح المغرور بحرية امرأة أو نسبها أو إسلامها وهو يجيز الفسخ والرجوع بالغرامة على من غرّه لا بالمهر؛ لأنه الموقع له في الغرامة، فلو شرط رجل حرية امرأة في العقد، فبان رقمها، وهو ممن لا يحل له نكاح الأمة فهو باطل، وإلا فصحيح، وللحر الخيار. وإن بان نسب المرأة دون المشروط صح، وإن بان دون نسبه فللرجل الخيار ( تحفة الطلاب: ص 220 ).","part":9,"page":331},{"id":5887,"text":"وقال الحنابلة (1) : يكون الفسخ في حالات، منها ما يأتي:\r1 - الخلع إذا كان بغير لفظ الطلاق، أو بغير نيةا لطلاق.\r2 - ردة أحد الزوجين.\r3 - الفرقة لعيب مشترك وهو الجنون والصرع، أو مختص بالمرأة كالرتق والقرن والبخر والقروح السيالة، وانخراق ما بين السبيلين، أو مختص بالرجل كالجب والعنة. ولا يفسخ الزواج إلا حاكم.\r4 - إسلام أحد الزوجين.\r5 - الفرقة بسبب الإيلاء بواسطة القاضي، إن انقضت المدة وهي أربعة أشهر، ولم يطأ الزوج زوجته، ولم يطلق بعد أن يأمره الحاكم بالطلاق.\r6 - الفرقة بسبب اللعان: لأن اللعان يوجب التحريم بين الزوجين على التأبيد، ولو لم يحكم به القاضي.\rوأما الفرقة بسبب الطلاق: فهي ما كانت بألفاظ الطلاق صريحاً أو كناية.\rالفُرَق التي تتوقف على القضاء والتي لا تتوقف على القضاء :\rقد تحتاج الفرقة سواء أكانت طلاقاً أم فسخاً إلى قضاء القاضي، وقد لا تحتاج، ويظهر أثر التوقف على القضاء وعدمه في بعض الأحكام، كالإرث، فإن وجد سبب الفرقة، ثم مات أحد الزوجين قبل صدور حكم قضائي، فإن احتاجت الفرقة إلى القضاء، فإن الآخر يرثه، وإن لم تحتج إلى قضاء فلا يرثه الآخر، لانتهاء الزوجية بمجرد وجود سبب الفرقة.\rأما الفُرَق التي تتوقف على القضاء فهي نوعان: فرق الطلاق وفرق الفسخ.\rوفرق الطلاق المتوقفة على القضاء هي عند الحنفية ما يأتي:\r-------------------------------\r(1) المغني: 56/7 ومابعدها، غاية المنتهى: 46/3، 56 ومابعدها، 103.","part":9,"page":332},{"id":5888,"text":"1ً - الفرقة بسبب اللعان. وقال المالكية في المشهور: لا تتوقف هذه الفرقة على القضاء.\r2ً - الفرقة بسبب عيوب الزوج وهي الجب والعنة والخصاء، ويفسخ العقد عند الجمهور بسبب هذه العيوب أو عيب الرتق والقرن ونحوهما في الزوجة، بعد رفع الأمر للحاكم.\r3ً - الفرقة بسبب إباء الزوج الإسلام في رأي أبي حنيفة ومحمد. وزيد في مصر وسورية التفريق لغيبة الزوج أو حبسه، ولعدم الإنفاق على زوجته، وللشقاق بين الزوجين أو الإضرار بالزوجة.\rوفُرَق الطلاق غير المتوقفة على القضاء هي:\r1 - الفرقة بلفظ الطلاق، ومنه تفويض أمر الطلاق إلى الزوجة بالاتفاق.\r2 - الفرقة بسبب الإيلاء عند الحنفية والمالكية.\r3 - الفرقة بالخلع عند الجمهور غير الحنابلة.\rوأما فرق الفسخ المتوقفة على القضاء فهي:\r1 - الفرقة بسبب عدم الكفاءة.\r2 - الفرقة بسبب نقصان المهر عن مهر المثل.\r3 - الفرقة بسبب إباء أحد الزوجين الإسلام إذا أسلم الآخر، لكن الفرقة بسبب إباء الزوجة متفق عليه، وبسبب إباء الزوج متفق عليه في غير رأي أبي حنيفة ومحمد. وأما في رأي أبي يوسف فهي فسخ.\r4 - الفرقة بسبب خيار البلوغ لأحد الزوجين عند الحنفية إذا زوَّجهما في الصغر غير الأب والجد.\r5 - الفرقة بسبب خيار الإفاقة من الجنون عند الحنفية إذا زوَّج أحد الزوجين في الصغر غير الأب والجد والابن.\rوأما فُرَق الفسخ غير المتوقفة على القضاء فهي:\r1 - الفسخ بسبب فساد العقد في أصله كالزواج بغير شهود، والزواج بالأخت.\r2 - الفسخ بسبب اتصال أحد الزوجين بأصول الآخر أوفروعه اتصالاً يوجب حرمة المصاهرة.\r3 - الفسخ بسبب ردة الزوج في رأي أبي حنيفة وأبي يوسف،فإن ارتد الزوجان فلا يفرق بينهما بمجرد الردة في الراجح عند الحنفية.\r4 - الفسخ بسبب خيار العتق للزوجة.\r5 - الفسخ بسبب ملك أحد الزوجين للآخر.\rهذا ويلاحظ أمران:\rالأول ـ أن الفرقة بسبب الاتصال الذي يوجب حرمة المصاهرة توجب حرمة مؤبدة، والفرقة بسبب خيار البلوغ أو الردة أو الإباء عن الإسلام أو ملك أحد الزوجين الآخر توجب حرمة مؤقتة. وأما فرقة اللعان فتوجب حرمة مؤبدة عند الحنابلة وأبي يوسف والشافعية والمالكية، وتوجب حرمة مؤقتة عند أبي حنيفة ومحمد إذا خرج أحد الزوجين عن أهلية اللعان، أو كذب الرجل نفسه فيما قذف به المرأة. الثاني ـ كل فرقة من جهة الزوجة تسقط المهر عند الحنفية إلا إذا تأكد العقد بالدخول أو الخلوة، فإن كانت الفرقة من الزوج أو بسببه، فلا تسقط شيئاً للزوجة حالة الدخول وعدمه.","part":9,"page":333},{"id":5889,"text":"المبحث الأول ـ معنى الطلاق ومشروعيته، وحكمه، وركنه، وحكمته، وسبب جعله بيد الرجل :\rمعنى الطلاق: الطلاق لغة، حل القيد والإطلاق، ومنه ناقة طالق، أي مرسلة بلا قيد، وأسير مطلق، أي حل قيده وخلي عنه، لكن العرف خص الطلاق بحل القيد المعنوي، وهو في المرأة، والإطلاق في حل القيد الحسي في غير المرأة.\rوشرعاً: حل قيد النكاح، أو حل عقْد النكاح بلفظ الطلاق ونحوه. أو رفع قيد النكاح في الحال أو المآل بلفظ مخصوص (1) . فحل رابطة الزواج في الحال يكون بالطلاق البائن، وفي المآل أي بعد العدة يكون بالطلاق الرجعي. واللفظ المخصوص: هو الصريح كلفظ الطلاق، والكناية كلفظ البائن والحرام والإطلاق ونحوها. ويقوم مقام اللفظ: الكتابة والإشارة المفهمة، ويلحق بلفظ الطلاق لفظ «الخلع» وقول القاضي: «فرقت» في التفريق للغيبة أو الحبس، أو لعدم الإنفاق أو لسوء العشرة. وقد أخرج باللفظ المخصوص: الفسخ، فإنه يحل رابطة الزواج في الحال، لكن بغير لفظ الطلاق ونحوه، والفسخ كخيار البلوغ، وعدم الكفاءة، ونقصان المهر، والردة.\rولا يصح الرجوع في الطلاق أو العدول عنه كسائر الأيمان، لقوله صلّى الله عليه وسلم : «لا قيلولة في الطلاق» (2) .\r-------------------------------\r(1) الدر المختار: 570/2، مغني المحتاج: 279/3، المغني: 66/7، كشاف القناع: 261/5.\r(2) أخرجه العقيلي من حديث صفوان بن عمران الطائي (نيل الأوطار: 238/6).","part":9,"page":334},{"id":5890,"text":"مشروعيته: الطلاق مشروع بالكتاب والسنة والإجماع:\rأما الكتاب: فقول الله تعالى: {الطلاق مرتان، فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان} [البقرة:229/2] وقوله تعالى: {يا أيها النبي إذا طلَّقتم النساء، فطلقوهن لعدتهن} [الطَّلاق:1/65].\rوأما السنة: فقوله صلّى الله عليه وسلم : «إنما الطلاق لمن أخذ بالساق» (1) وقوله عليه الصلاة والسلام: «أبغض الحلال إلى الله : الطلاق» (2) . وقال عمر: «طلق النبي صلّى الله عليه وسلم حفصة، ثم راجعها» (3) .\rوأجمع الناس على جواز الطلاق، والمعقول يؤيده، فإنه ربما فسدت الحال بين الزوجين، فيصير بقاء الزواج مفسدة محضة، وضرراً مجرداً، بإلزام الزوج والنفقة والسكنى، وحبس المرأة مع سوء العشرة، والخصومة الدائمة من غير فائدة، فاقتضى ذلك شرع ما يزيل الزواج، لتزول المفسدة الحاصلة منه.\rحكمة تشريع الطلاق: تظهر حكمة تشريع الطلاق من المعقول السابق، وهو الحاجة إلى الخلاص من تباين الأخلاق، وطروء البغضاء الموجبة عدم إقامة حدود الله تعالى، فكان تشريعه رحمة منه سبحانه وتعالى (4) . أي أن الطلاق علاج حاسم، وحل نهائي أخيراً لما استعصى حله على الزوجين وأهل الخير والحكمين، بسبب تباين الأخلاق، وتنافر الطباع، وتعقد مسيرة الحياة المشتركة بين\r-------------------------------\r(1) رواه ابن ماجه والدارقطني عن ابن عباس (نيل الأوطار: 238/6).\r(2) رواه أبو داود وابن ماجه بإسناد صحيح، والحاكم وصححه، عن ابن عمر (المرجع السابق: ص 220).\r(3) رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه عن عمر رضي الله عنه، وهو لأحمد من حديث عاصم بن عمر (المرجع السابق: ص 219).\r(4) فتح القدير: 21/3.","part":9,"page":335},{"id":5891,"text":"الزوجين، أو بسبب الإصابة بمرض لا يحتمل، أو عُقْم لا علاج له، مما يؤدي إلى ذهاب المحبة والمودة، وتوليد الكراهية والبغضاء، فيكون الطلاق منفذاً متعيناً للخلاص من المفاسد والشرور الحادثة.\rالطلاق إذن ضرورة لحل مشكلات الأسرة، ومشروع للحاجة ويكره عند عدم الحاجة، للحديث السابق: «ليس شيء من الحلال أبغض إلى الله من الطلاق» وحديث: «أيما امرأة سألت زوجها الطلاق في غير ما بأس، فحرام عليها رائحة الجنة» (1) . ومن أسبابه المبيحة له طاعة الوالدين فيه، قال ابن عمر: «كانت تحتي امرأة أحبها، وكان أبي يكرهها، فأمرني أن أطلِّقها فأبيتُ، فذُكر ذلك للنبي صلّى الله عليه وسلم ، فقال: يا عبد الله بن عمر: طلِّق امرأتك» (2) وصرح الحنابلة (3) : أنه لا يجب على الرجل طاعة أبويه ولو عدلين في طلاق أو منع من تزويج.\rوما قد يترتب على الطلاق من أضرار، وبخاصة الأولاد، يحتمل في سبيل دفع ضرر أشد وأكبر، عملاً بالقاعدة: «يختار أهون الشرين» .\rلكن رغب الشرع الأزواج في الصبر وتحمل خلق الزوجة، فقال تعالى: {وعاشروهن بالمعروف، فإن كرهتموهن، فعسى أن تكرهوا شيئاً، ويجعل الله فيه خيراً كثيرا} [النساء:19/4] وقوله صلّى الله عليه وسلم : «لا يفرَكْ مؤمن مؤمنة، إن كره منها خلُقاً، رضي منها آخر» (4) .\rوشرع الشرع طرقاً ودية لحل ما يثور من نزاع بين الزوجين، من وعظ\r-------------------------------\r(1) رواه الخمسة إلا النسائي عن ثوبان (المرجع السابق: ص 220).\r(2) رواه الخمسة (أحمد وأصحاب السنن) إلا النسائي، وصححه الترمذي (المرجع السابق: ص 220).\r(3) غاية المنتهى: 112/3.\r(4) رواه مسلم عن أبي هريرة.","part":9,"page":336},{"id":5892,"text":"وإرشاد، وهجر في المضجع وإعراض، وضرب، وإرسال حكمين من قبل القاضي إذا عجز الزوجان عن الإصلاح وإزالة الشقاق الذي بينها، وقد بينت ذلك في بحث حقوق الزوجين، وهي كلها مأخوذة من آيات ثلاث هي: {وإن امرأة خافت من بعلها نشوزاً أو إعراضاً، فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحاً، والصلح خير، وأحضرت الأنفس الشح، وإن تحسنوا وتتقوا، فإن الله كان بما تعملون خبيراً} [النساء:128/4] {وإن خفتم شقاق بينهما، فابعثوا حكماً من أهله، وحكماً من أهلها، إن يريدا إصلاحاً يوفق الله بينهما، إن الله كان عليماً خبيراً} [النساء:35/4] {واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن، واهجروهن في المضاجع، واضربوهن، فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلاً، إن الله كان علياً كبيراً} [النساء:34/4].ولا يلجأ إلى الطلاق لأول وهلة ولأهون الأسباب، كما يفعل بعض الجهلة الذين يقدمون عليه لطيش بيِّن، أو حماقة، أو غضب موقوت، أو شهوة جارفة أو هوى مستبد، فهو كله خروج عن تعاليم الإسلام وآدابه، وموجب للإثم والمعصية والتأديب والتعزير، وإنما الطلاق تشريع استثنائي للضرورة بعد أن يسلك الزوج المراحل الآتية:\rوهي المعاشرة بالمعروف والصبر وتحمل الأذى، ثم الوعظ والهجر والضرب اليسير، ثم إرسال الحكمين.","part":9,"page":337},{"id":5893,"text":"فإن وقع الطلاق فيمكن العودة إلى الزواج بالرجعة بغير شهود ما دامت المرأة في العدة، أو بعقد جديد بعد انتهاء العدة، وذلك لمرتين بعد الطلقة الأولى، وبعد الطلقة الثانية، فتلك فترتان متكررتان لمراجعة الحساب، وتقدير الظروف، ومحاكمة الأمور، وتعقل النتائج والآثار،وهذا يحدث غالباً، فكل من الزوجين يندم ويتنازل عن أمور، ويقلع عن أخلاق، ويرضى بالعيش في ظل حياة زوجية لا توفر له كل ما يرغب بالمقارنة مع حياة العزلة والانفراد، والاتكال على الأهل الذين يضايقهم عادة تحمل أعباء جديدة من النفقة والخدمة وغيرها، هذا فضلاً عما في الفراق من تعريض سمعة المرأة للطعن والنقد، إذ لو كانت حسنة الأخلاق، لما طلقت، وبه يكون إحصاء عدد الرجعات بعد الطلاق مما ينقص كثيراً من إحصائيات الطلاق.\rالسبب في جعل الطلاق بيد الرجل :\rجعل الطلاق بيد الزوج لا بيد الزوجة بالرغم من أنها شريكة في العقد حفاظاً على الزواج، وتقديراً لمخاطر إنهائه بنحو سريع غير متئد؛ لأن الرجل الذي دفع المهر وأنفق على الزوجة والبيت يكون عادة أكثر تقديراً لعواقب الأمور، وأبعد عن الطيش في تصرف يلحق به ضرراً كبيراً، فهو أولى من المرأة بإعطائه حق التطليق لأمرين:\rالأول ـ إن المرأة غالباً أشد تأثراً بالعاطفة من الرجل، فإذا ملكت التطليق، فربما أوقعت الطلاق لأسباب بسيطة لا تستحق هدم الحياة الزوجية.\rالثاني ـ يستتبع الطلاق أموراً مالية من دفع مؤجل المهر، ونفقة العدة، والمتعة، وهذه التكاليف المالية من شأنها حمل الرجل على التروي في إيقاع الطلاق، فيكون من الخير والمصلحة جعله في يد من هو أحرص على الزوجية. وأما المرأة فلا تتضرر مالياً بالطلاق، فلا تتروى في إيقاعه بسبب سرعة تأثرها وانفعالها.","part":9,"page":338},{"id":5894,"text":"ثم إن المرأة قبلت الزواج على أن الطلاق بيد الرجل، وتستطيع أن تشرطه لنفسها إن رضي الرجل منذ بداية العقد، ولها أيضاً إن تضررت بالزوج أن تنهي الزواج بواسطة بذل شيء من مالها عن طريق الخلع، أو عن طريق فسخ القاضي الزواج بسبب مرض منفر،أو لسوء العشرة والإضرار، أو لغيبة الزوج أو حبسه، أو لعد م الإنفاق.\rوليست الدعوة المعاصرة إلى جعل الطلاق بيد القاضي ذات فائدة؛ لمصادمة المقرر شرعاً، ولأن الرجل يعتقد ديانة أن الحق له، فإذا أوقع الطلاق، حدثت الحرمة دون انتظار حكم القاضي. وليس ذلك في مصلحة المرأة نفسها؛ لأن الطلاق قد يكون لأسباب سرية ليس من الخير إعلانها، فإذا أصبح الطلاق بيد القاضي انكشفت أسرار الحياة الزوجية بنشر الحكم، وتسجيل أسبابه في سجلات القضاء، وقد يعسر إثبات الأسباب لنفور طبيعي وتباين أخلاقي.\rركن الطلاق: قال الحنفية (1) : ركن الطلاق: هو اللفظ الذي جعل دلالة على معنى الطلاق لغة: وهو التخلية والإرسال، ورفع القيد في الصريح، وقطع الوصلة ونحوه في الكناية، أو شرعاً: وهو إزالة الحل؛أو ما يقوم مقام اللفظ من الإشارة.\rوقال غير الحنفية (2) : للطلاق أركان، علماً بأن كلمة «ركن الطلاق» مفرد مضاف، فيعم، فيصح الإخبار عنه بالمتعدد، فيقال: أركانه أربعة مثلاً. والمراد بالركن عند الجمهور: ما تتحقق به الماهية، ولو لم يكن داخلاً فيها.\rأما المالكية فقالوا: أركان الطلاق أربعة: أهل له: أي موقعه من زوج أو نائبه أو وليه إن كان صغيراً، وقصد: أي قصد النطق باللفظ الصريح والكناية الظاهرة، ولو لم يقصد حل العصمة بدليل صحة طلاق الهازل. ومحل: أي عصمة مملوكة، ولفظ صريح أو كناية. وعدها ابن جزي ثلاثة: هي المطلِّق، والمطلَّقة، والصيغة: وهي اللفظ وما في معناه.\r-------------------------------\r(1) البدائع: 98/3.\r(2) الشرح الكبير: 365/2، الشرح الصغير: 279/2، القوانين الفقهية: ص 227، غاية المنتهى: 112/3.","part":9,"page":339},{"id":5895,"text":"وأما الشافعية والحنابلة فقالوا: أركان الطلاق خمسة: مطلِّق، وصيغة، ومحل، وولاية، وقصد، فلا طلاق لفقيه يكرره، وحاكٍ ولو عن نفسه. ويلاحظ أن الولاية أدخلها المالكية في الركن الأول وهو الأهلية. وزاد الشافعية والحنابلة على المالكية ركن المحل.\rحكم الطلاق: ذهب الحنفية على المذهب (1) : إلى أن إيقاع الطلاق مباح لإطلاق الآيات، مثل قوله تعالى: {فطلقوهن لعدتهن} [الطلاق:1/65] {لا جناح عليكم إن طلقتم النساء} [البقرة:236/2] ولأنه صلّى الله عليه وسلم طلق حفصة، لا لريبة (أي ظن الفاحشة) ولا كبر، وكذا فعله الصحابة، والحسن بن علي رضي الله عنهما استكثر النكاح والطلاق. وأما حديث «أبغض الحلال إلى الله الطلاق» فالمراد بالحلال: ما ليس فعله بلازم، ويشمل المباح والمندوب والواجب والمكروه، وقال ابن عابدين: إن كونه مبغوضاً لا ينافي كونه حلالاً، فإن الحلال بهذا المعنى يشمل المكروه، وهو مبغوض.\rوقال الكمال بن الهمام: الأصح حظر الطلاق أي منعه، إلا لحاجة كريبة وكبر. ورجح ابن عابدين هذا الرأي، وليست الحاجة مختصة بالكبر والريبة، بل هي أعم.\rوذكر الجمهور (المالكية والشافعية والحنابلة) (2) : أن الطلاق من حيث هو جائز، والأولى عدم ارتكابه، لما فيه من قطع الأ لُفة إلا لعارض، وتعتريه الأحكام الأربعة من حرمة، وكراهة، ووجوب، وندب، والأصل أنه خلاف الأولى.\rفيكون حراماً: كما لو علم أنه إن طلق زوجته وقع في الزنا لتعلقه بها، أو لعدم قدرته على زواج غيرها، ويحرم الطلاق البدعي وهو الواقع في الحيض ونحوه كالنفاس وطهر وطئ فيه.\r-------------------------------\r(1) الدر المختار وحاشية ابن عابدين: 571/2-572، فتح القدير: 21/3-22.\r(2) الشرح الكبير مع الدسوقي: 361/2، الشرح الصغير: 533/2 وما بعدها، المهذب: 78/2، كشاف القناع: 261/5، المغني: 97/7 وما بعدها.","part":9,"page":340},{"id":5896,"text":"ويكون مكروهاً: كما لو كان له رغبة في الزواج، أو يرجو به نسلاً ولم يقطعه بقاء الزوجة عن عبادة واجبة، ولم يخش زناً إذا فارقها. ويكره الطلاق من غير حاجة إليه، للحديث السابق عن ابن عمر: «أبغض الحلال إلى الله تعالى الطلاق» .\rويكون واجباً: كما لو علم أن بقاء الزوجة يوقعه في محرم من نفقة أو غيرها. ويجب طلاق المولي (حالف يمين الإيلاء) بعد انتظار أربعة أشهر من حلفه إذا لم يفئ ، أي يطأ.\rويكون مندوباً أو مستحباً: إذا كانت المرأة بذيِّة اللسان يخاف منها الوقوع في الحرام لو استمرت عنده. ويستحب الطلاق في الجملة لتفريط الزوجة في حقوق الله الواجبة، مثل الصلاة ونحوها، ولا يمكنه إجبارها على تلك الحقوق، ويستحب الطلاق أيضاً في حال مخالفة المرأة من شقاق وغيره ليزيل الضرر، أوإذا كانت غير عفيفة، فلا ينبغي له إمساكها؛ لأن فيه نقصاً لدينه، ولا يأمن إفسادها فراشه، وإلحاقها به ولداً من غيره.\rويستحب الطلاق أيضاً لتضرر الزوجة ببقاء النكاح لبغض أو غيره، ويستحب كون الطلاق طلقة واحدة؛ لأنه يمكنه تلافيها، وإن أراد الطلاق الثلاث، فَّرق الطلقات في كل طهر طلقة ليخرج من الخلاف، فإن عند أبي حنيفة لا يجوز جمعها، ولأنه يسلم من الندم. والخلاصة: أن الطلاق البدعي إما حرام أو مكروه، والطلاق السني إما واجب أو مندوب أو خلاف الأولى. وسيأتي بيان البدعي والسني.\rلزوم الطلاق: الطلاق كاليمين متى توافر ركنه وشروطه، لزم المطلِّق في زوجته، ولا رجوع عنه بوقوعه، ويحسب عليه إن طلقها ثم تزوجها ثانية، وكذلك في المرة الثالثة حتى تكون ثلاث تطليقات (1) .\r-------------------------------\r(1) القوانين الفقهية: ص 219.","part":9,"page":341},{"id":5897,"text":"المبحث الثاني ـ شروط الطلاق وقدره ومحله وصيغته :\rيشترط في كل ركن من أركان الطلاق ـ في اصطلاح غيرا لحنفية ـ شروط:\rشروط الركن الأول وهو المطلِّق: يشترط أن يكون زوجاً مكلفاً (بالغاً عاقلاً) مختاراً بالاتفاق، وأن يكون عند المالكية مسلماً، وأن يعقل الطلاق عند الحنابلة (1) .\rفلا يصح الطلاق من غير زوج، ولا من صبي مميز أو غير مميز، وأجاز الحنابلة طلاق مميز يعقل الطلاق ولو كان دون عشر سنين، بأن يعلم أن زوجته تبين منه وتحرم عليه إذا طلقها، ويصح توكيل المميز في الطلاق وتوكله فيه؛ لأن من صح منه مباشرة شيء، صح أن يوكل وأن يتوكل فيه. ولا يصح عند الفقهاء أن يطلِّق الولي على الصبي أو المجنون بلا عوض، لأن الطلاق ضرر.\r-------------------------------\r(1) فتح القدير: 21/3، 38-40، البدائع: 99/3، الشرح الكبير: 365/2، بداية المجتهد: 81/2-83، الشرح الصغير: 526/2-542 وما بعدها، المهذب: 77/2، مغني المحتاج: 279/3-289، كشاف القناع: 262/5-265، القوانين الفقهية: ص 227 ومابعدها، المغني: 113/7-124.","part":9,"page":342},{"id":5898,"text":"طلاق المجنون والمدهوش: ولا يصح طلاق المجنون، ومثله المغمى عليه، والمدهوش: وهو الذي اعترته حال انفعال لا يدري فيها ما يقول أو يفعل، أو يصل به الانفعال إلى درجة يغلب معها الخلل في أقواله وأفعاله، بسبب فرط الخوف أو الحزن أو الغضب، لقوله صلّى الله عليه وسلم : «لا طلاق في إغلاق» (1) والإغلاق: كل ما يسد باب الإدراك والقصد والوعي، لجنون أو شدة غضب أو شدة حزن ونحوها.\rودليل اشتراط البلوغ والعقل: حديث «كل طلاق جائز إلا طلاق الصبي والمجنون» (2) وحديث «رفع القلم عن ثلاثة: عن الصبي حتى يحتلم وعن النائم حتى يستيقظ ، وعن المجنون حتى يُفيق» (3) ، ولأن الطلاق تصرف يحتاج إلى إدراك كامل وعقل وافر، وهذا لا يتوافر في الصبي والمجنون، ولأن الطلاق تصرف ضار، فلا يملكه الصبي ولو كان مميزاً أو أجازه الولي.\rلكن الحنابلة أنفذوا طلاق المميز ولو دون عشر، لعموم الحديث المتقدم: «إن الطلاق لمن أخذ بالساق» وحديث «كل الطلاق جائز إلا طلاق المعتوه، والمغلوب على عقله» وعن علي: «اكتموا الصبيان النكاح» فيفهم منه أن فائدته ألا يطلقوا، ولأنه طلاق من عاقل صادف محل الطلاق، فوقع كطلاق البالغ.\rطلاق الغضبان: يفهم مما ذكر أن طلاق الغضبان لا يقع إذا اشتد الغضب، بأن وصل إلى درجة لا يدري فيها ما يقول ويفعل ولا يقصده. أو وصل به الغضب إلى درجة يغلب عليه فيها الخلل والاضطراب في أقواله وأفعاله، وهذه حالة نادرة. فإن ظل الشخص في حالة وعي وإدراك لما يقول فيقع طلاقه، وهذا هو الغالب في كل طلاق يصدر عن الرجل؛ لأن الغضبان مكلف في حال غضبه بما يصدر منه من كفر وقتل نفس وأخذ مال بغير حق وطلاق وغيرها.\rطلاق غير الزوج: لا يصح طلاق غير الزوج، لحديث «لا طلاق قبل النكاح، ولا عتق قبل\r-------------------------------\r(1) رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه عن عائشة (نيل الأوطار: 235/6، نصب الراية: 223/3).\r(2) قال عنه الزيلعي: حديث غريب، وأخرج الترمذي عن أبي هريرة: «كل طلاق جائز إلا طلاق المعتوه المغلوب على عقله» وفيه ضعيف، وروى ابن أبي شيبة عن علي قال: «كل طلاق جائز إلا طلاق المعتوه» (نصب الراية: 221/3-222).\r(3) رواه أحمد وأبو داود والحاكم عن علي وعمر، ورواه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه والحاكم عن عائشة بلفظ آخر (الجامع الصغير: 24/2).","part":9,"page":343},{"id":5899,"text":"ملك» (1) .\rطلاق السكران: السكران الذي وصل إلى درجة الهذيان وخلط الكلام، ولا يعي بعد إفاقته ما صدر منه حال سكره، لا يقع طلاقه باتفاق المذاهب إن سكر سكراً غير حرام ـ وهو نادر ـ كشرب مسكر للضرورة، أو للإكراه، أو لأكل بنج ونحوه ولو لغير حاجة عند الحنابلة؛ لأنه لا لذة فيه، فيعذر لعدم الإدراك والوعي لديه، فهو كالنائم.\rأما السكران بطريق محرَّم ـ وهو الغالب ـ بأن شرب الخمر عالماً به، مختاراً لشربه، أو تناول المخدر من غير حاجة أو ضرورة عند الجمهور غيرا لحنابلة، فيقع طلاقه في الراجح في المذاهب الأربعة، عقوبة وزجراً عن ارتكاب المعصية، ولأنه تناوله باختياره من غير ضرورة.\rوقال زفر والطحاوي من الحنفية، وأحمد في رواية عنه، والمزني من الشافعية وعثمان وعمر بن عبد العزيز (2) : لا يقع طلاق السكران، لعدم توافر القصد والوعي والإرادة الصحيحة لديه، فهوزائل العقل كالمجنون، والنائم فاقد الإرادة كالمكره، فتصبح عبارته ملغاة لا قيمة لها، وللسكر عقوبة أخرى هي الحد، فلا مسوغ لضم عقوبة أخرى عليه، قال عثمان رضي الله عنه: ليس لمجنون ولا لسكران طلاق، وقال ابن عباس: طلاق السكران والمستكره ليس بجائز، وقال علي: كل الطلاق جائز إلا طلاق المعتوه (3) .\rوأخذ القانون في سورية ومصر بهذا الرأي، نص قانون رقم ( 25 ) لسنة (1929) في مصر على أنه «لا يقع طلاق السكران» ونص القانون السوري م (89) على ما يلي:\r«1 - لا يقع طلاق السكران ولا المدهوش ولا المكره.\r2 - المدهوش: هو الذي فقد تمييزه من غضب أو غيره، فلا يدري ما يقول» .\rطلاق غير المسلم: يقع طلاق غير المسلم كالمسلم عند الجمهور؛ لأنه عند غير الحنفية مكلف بفروع الشريعة. وقال المالكية: لا يصح الطلاق من كافر، ويشترط الإسلام لنفاذ طلاق المطلِّق.\rطلاق المرتد: طلاق المرتد بعد الدخول موقوف، فإن أسلم في العدة تبينا وقوعه، وإن لم يسلم حتى انقضت العدة أو ارتد قبل الدخول فطلاقه باطل؛ لانفساخ النكاح قبله، باختلاف الدين.\r-------------------------------\r(1) رواه ابن ماجه عن مسور بن مَخْرمة، وأخرجه الحاكم عن جابر مرفوعاً بلفظ «لا طلاق إلا بعد نكاح، ولا عتق إلا بعد ملك» (نيل الأوطار: 240/6).\r(2) وهو مذهب سعيد بن المسيب وعطاء وبعض التابعين أيضاً، وروي عن علي ومعاوية رضي الله عنهما.\r(3) ذكرهن البخاري في صحيحه (نيل الأوطار: 235/6).","part":9,"page":344},{"id":5900,"text":"طلاق السفيه: ينفذ طلاق السفيه المحجور إذا كان بالغاً باتفاق المذاهب ولو بغير إذن وليه؛ لأن موضع الحجر هو التصرفات المالية، والطلاق وأثره ليس من التصرفات المالية، والرشد ليس شرطاً لوقوع الطلاق.\rوالسفيه: هو خفيف العقل الذي يتصرف في ماله على خلاف مقتضى العقل السليم. وقال الشيعة الإمامية وعطاء: يتوقف طلاق السفيه على إذن الولي؛ لأنه تصرف ضار ضرراً محضاً.\rطلاق المكره: لا يقع عند الجمهور طلاق المكره؛ لأنه غير قاصد للطلاق، وإنما قصد دفع الأذى عن نفسه، ولقوله صلّى الله عليه وسلم : «إن الله تجاوز لي عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه» (1) وقوله عليه الصلاة والسلام: «لا طلاق في إغلاق» (2) معناه في إكراه. وهذا هو الراجح لقوة دليله.\rورأى الحنفية: أن طلاق المكره واقع؛ لأنه قصد إيقاع الطلاق وإن لم يرض بالأثر المترتب عليه، كالهازل، فإن طلاقه يقع لحديث: «ثلاث جِدّهن جِدّ، وهزلهن جد : النكاح والطلاق والرجعة» (3) .\rمالك الطلاق: يتبين مما سبق أن الذي يملك الطلاق إنما هو الزوج متى كان بالغاً عاقلاً، ولا تملكه الزوجة إلا بتوكيل من الزوج أو تفويض منه. ولا يملكه القاضي إلا في أحوال خاصة للضرورة.\rويلاحظ أن القانون المصري جعل الأهلية في سنة الحادية والعشرين، والقانون السوري في سن الثامنة عشرة، وبناء عليه تكون أهلية الطلاق قانوناً في تلك السن المقررة، إلا إذا سمح القاضي لمن هودون هذه السن إذا كان بالغاً بإيقاع الطلاق. ونص القانون السوري (م 85) على الأهلية:\r«1 ـ يكون الرجل متمتعاً بالأهلية الكاملة للطلاق في تمام الثامنة عشرة من عمره.\r2 - يجوز للقاضي أن يأذن بالتطليق، أو يجيز الطلاق الواقع من البالغ المتزوج قبل الثامنة عشرة إذا وجدت المصلحة في ذلك» .\r-------------------------------\r(1) حديث حسن رواه ابن ماجه والبيهقي وغيرهما عن ابن عباس.\r(2) رواه أبو داود والأثرم عن عائشة، وقد سبق تخريجه ومعناه.\r(3) رواه الخمسة (أحمد وأصحاب السنن) إلا النسائي عن أبي هريرة، وقال الترمذي: حديث حسن غريب، وأخرجه الحاكم وصححه والدارقطني، وفي إسناده ابن أزدك، وهو مختلف فيه (نيل الأوطار: 234/6 وما بعدها، نصب الراية في الهامش: 223/3).","part":9,"page":345},{"id":5901,"text":"ما يشترط في الركن الثاني للطلاق وهو القصد :\rيشترط بالاتفاق القصد في الطلاق (1) : وهو إرادة التلفظ به، ولو لم ينوه، أي إرادة لفظ الطلاق لمعناه، بألا يقصد بلفظ الطلاق غير المعنى الذي وضع له، ولايشترط في هذا الركن إلا تحقيق المراد به، فلا يقع طلاق فقيه يكرره، ولا طلاق حاكٍ عن نفسه أو غيره؛ لأنه لم يقصد معناه، بل قصد التعليم والحكاية، ولا طلاق أعجمي لُقِّن لفظ الطلاق بلا فهم منه لمعناه. ولا يقع طلاق مرَّ بلسان نائم أو من زال عقله بسبب لم يعص به، ويلغو، وإن قال بعد إفاقته أو استيقاظه: أجزته أو أوقعته للحديث المتقدم: «رفع القلم عن ثلاث، ومنها: النائم حتى يستيقظ» ولانتفاء القصد.\rولا تشترط عند الحنابلة النية للطلاق في حال الخصومة أو في حال الغضب.\rطلاق الهازل: الهازل هو من قصد اللفظ دون معناه، واللاعب: هو من لم يقصد شيئاً (2) ، كأن تقول الزوجة في معرض دلال أو ملاعبة أواستهزاء: طلقني،\r-------------------------------\r(1) فتح القدير: 39/3، الدر المختار: 584/2، الشرح الصغير مع حاشية الصاوي: 543/2 ومابعدها، 567، القوانين الفقهية: ص 230، مغني المحتاج: 287/3 ومابعدها، كشاف القناع: 263/5، 277-278،المغني: 135/7.\r(2) اللعب والهزل في اصطلاح الفقهاء كما أبان الشافعية متغايران، وأما في اللغة فهما مترادفان.","part":9,"page":346},{"id":5902,"text":"فيقول لها لاعباً أو مستهزئاً: طلقتك، ومثله من خاطبها بطلاق وهو يظنها أجنبية عنه وليست زوجته، بسبب ظلمة أو من وراء حجاب. والحكم أن يقع طلاق هؤلاء جميعاً؛ لأن كلاً من الهازل واللاعب أتى باللفظ عن قصد واختيار، وإن لم يرض بوقوعه، فعدم رضاه بوقوعه، لظنه أنه لا يقع: لا أثر له لخطأ ظنه. والدليل كما ذكر الحنابلة وغيرهم هو الحديث المتقدم: «ثلاث جدهن جد، وهزلهن جد: النكاح، والطلاق، والرجعة» وفي رواية «والعتاق» وفي رواية: «واليمين» ، وقال علي كرم الله وجهه: «ثلاثة لا لعب فيهن: الطلاق والعتاق والنكاح» ولأن الهازل أتى بالسبب، وهو لفظ الطلاق، وترتيب الأحكام على أسبابها إنما هو للشارع لا للعاقد.\rطلاق المخطئ أو من سبق لسانه: وهو الذي يريد أن يتكلم بغير الطلاق، فزلَّ لسانه، ونطق بالطلاق من غير قصد أصلاً، بأن أراد أن يقول: طاهر أو أنت طالبة، فقال خطأ: أنت طالق.\rوحكمه: لا يقع طلاقه عند الشافعية، لعدم القصد.\rوقال الحنفية والمالكية والحنابلة: لا يقع طلاقه في الفتوى والديانة، أي فيما بينه وبين الله تعالى، ويقع في القضاء. لكن قيد المالكية وقوعه قضاء بأن لم يثبت سبق لسانه بالبينة، وإلا فلا يلزمه في فتوى ولا في قضاء.\rوسبب التفرقة بين الهازل والمخطئ: أن الهازل قصد اللفظ، فاستحق العقوبة والزجر عن اللعب بأحكام الدين، وأما المخطئ فلا قصد له أصلاً، فلم يستحق العقوبة والزجر، حتى يحكم بوقوع طلاقه.","part":9,"page":347},{"id":5903,"text":"ما يشترطه في الركن الثالث ـ محل الطلاق أو من يقع عليه الطلاق :\rالمرأة هي التي يقع عليها الطلاق، إذا كانت في حال زواج صحيح قائم فعلاً، ولو قبل الدخول، أو في أثناء العدة من طلاق رجعي؛ لأن الطلاق الرجعي لا تزول به رابطة الزوجية إلا بعد انتهاء العدة.\rفإن كانت المرأة معتدة من طلاق بائن بينونة كبرى، فلا يلحقها طلاق آخر في أثناء العدة، لاستنفاد حق الزوج في الطلاق. لأنه لا يملك أكثر من ثلاث طلقات، فلا تكون هناك فائدة من الطلاق.\rوإن كانت معتدة من طلاق بائن بينونة صغرى. فلا يلحقها أيضاً طلاق آخر عند الجمهور غير الحنفية، لانتهاء رابطة الزوجية بالطلاق البائن، فلا تكون محلاً للطلاق. ويلحقها طلاق آخر في رأي الحنفية في أثناء العدة، لبقاء بعض أحكام الزواج من وجوب النفقة، والسكنى في بيت الزوجية، وعدم حل زواجها برجل آخر في العدة، فتكون محلاً للطلاق إذ هي زوجة حكماً. وعبارة الحنفية فيه: «الصريح يلحق الصريح، ويلحق البائن بشرط العدة، والبائن يلحق الصريح» .\rفإن كان الزواج فاسداً، أو انتهت عدة المرأة مطلقاً، فلا يقع عليها طلاق آخر، حتى ولو كان معلقاً بانتهاء العدة، كأن يقول لها: إذا انتهيت من عدتك، فأنت طالق، فلا يقع به طلاق.\rونص القانون السوري ( م 86) على محل الطلاق فيما يأتي: «محل الطلاق: المرأة التي في نكاح صحيح، أو المعتدة من طلاق رجعي، ولا يصح على غيرهما الطلاق، ولو كان معلقاً» .\rوإذا طلقت المرأة قبل الدخول والخلوة، فلا عدة عليها، لقوله تعالى: { إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن، فما لكم عليهن من عدة تعتدونها} [الأحزاب:49/33] ويكون الطلاق بائناً. ويرى الحنفية (1) : أنه لا يلحقها طلاق آخر، فلو قال الرجل لزوجته التي لم يدخل ولم يختل بها: «أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق» لا تقع إلا طلقة واحدة؛ لأنها بالطلاق الأول، صارت بائنة من زوجها، وأصبحت أجنبية، فلا يلحقها آخر. وهذا رأي الشافعية أيضاً، فإنهم قالوا: إذا قال ذلك لغير المدخول بها فتقع طلقة واحدة بكل حال؛ لأنها تبين بالأولى فلا يقع ما بعدها (2) .\rوقال المالكية والحنابلة (3) : يقع بهذه الألفاظ المتتابعة ثلاث طلقات؛ لأنه نسق أي غير مفترق؛ لأن الواو تقتضي الجمع ولا ترتيب فيها، فيكون الرجل موقعاً للثلاث جميعاً، فيقعن عليها، كقوله: أنت طالق ثلاثاً، أو طلقة معها طلقتان، إلا أنه إذا قصد بالثانية والثالثة تأكيد ما قبلها، فيصدق عند المالكية قضاءً بيمين، وديانةً بغير يمين.\r-------------------------------\r(1) الدر المختار: 624/2 وما بعدها، 645.\r(2) مغني المحتاج: 297/3.\r(3) المغني: 233/7، القوانين الفقهية: ص 229.","part":9,"page":348},{"id":5904,"text":"إضافة الطلاق إلى بعض أجزاء المرأة أو جزء الطلقة :\rإذا أضاف الرجل الطلاق للزوجة بأن قال: أنت طالق، أو طلقتك، وقع الطلاق اتفاقاً.\rويقع الطلاق أيضاً في الجملة إذا أضاف الطلاق إلى بعض أجزاء المرأة على التفصيل التالي:\rقال الحنفية (1) : يقع الطلاق أيضاً إذا أضافه الرجل إلى ما يعبر به عن كل المرأة أو ذاتها، كالرقبة والعنق والروح والبدن والجسد، والأطراف جميعاً (وهي اليدان والرجلان) والفرج (القُبُل) والوجه والرأس والأست (العجز)، أو أضافه إلى جزء شائع من المرأة كنصفها وثلثها إلى عشرها؛ لأن الطلاق لا يتجزأ.\rولا يقع الطلاق إذا أضافه إلى البُضْع (الفرج) والدبر، إذ لا يعبر بهما عن الكل، بخلاف الأست والفرج، فإنه يعبر بهما عن الكل.\rولا يقع لو أضافه إلى اليد إلا بنية المجاز، أي إطلاق البعض على الكل إذا لم يكن مشتهراً، فلو اشتهر لا حاجة إلى نية المجاز، وكاليد: الرجل والشعر والأنف والساق والفخذ والظهر والبطن واللسان والأذن والفم والصدر والذقن والسن والريق والعرق والثدي والدم؛ لأنه لا يعبر به عن الجملة. فلا يقع الطلاق لو قال: يدك طالق أو رجلك طالق، ونحوهما.\rويقع الطلاق بإضافته إلى جزء الطلقة كالسدس والربع والنصف، ولو من ألف جزء، بأن يقول: أنت طالق جزءاً من ألف طلقة؛ لأن الطلاق لا يتجزأ.\rومذهب المالكية (2) : لو أضاف الطلاق إلى نصف المرأة أو سدسها، أو ثلثها، أو عضو من أعضائها، نفذ، ولو قال: نصف طلقة أو ربع طلقة كملت عليه، فهم كالحنفية. واختلف المالكية على رأيين في إضافته إلى شعر المرأة وكلامها وروحها وحياتها، والراجح أنه يلزم الطلاق إذا أضيف لما يعد من محاسن المرأة، مثل شعرك أو كلامك أو ريقك طالق، ولا يلزم بما لا يعد من المحاسن، نحو بُصاق ودمع وسعال.\r-------------------------------\r(1) الدر المختار وابن عابدين: 598/2-601، فتح القدير: 52/3 وما بعدها.\r(2) القوانين الفقهية: ص 228، الشرح الصغير: 572/2.","part":9,"page":349},{"id":5905,"text":"ورأى الشافعية (1) أنه يقع الطلاق إن طلق جزءاً من المرأة، كقوله: يدك أو رجلك طالق أو نحو ذلك من أعضائها المتصلة بها، ولو من غير نية المجاز خلافاً للحنفية، وكقوله: ربعُك أو بعضُك أو جزؤك أو شعرك أو ظفرك طالق، وكذا دمُك على المذهب؛ لأن الطلاق لا يتبعض، ولا يقع إن أضافه إلى فضلة كريق وعَرَق وبول، وكذا لا يقع إن أضافه إلى مني ولبن في الأصح؛ لأنها غير متصلة بها اتصال خلقة.\rولو قال لمقطوعة يمين: يمينك طالق، لم يقع على المذهب، لفقدان الذي يسري منه الطلاق إلى الباقي. ولو قال: أنت طالق بعض طلقة، وقعت طلقة؛ لأن الطلاق لا يتبعض.\rوأضاف الشافعية أن الرجل في خطاب المرأة لو حذف المفعول كأن قال: «طلقت» أو حذف المبتدأ: «أنتِ» أو حذف حرف النداء «يا» فلم يقل: «يا طالق» لم يقع الطلاق، كما هو ظاهر كلامهم.\rوالحنابلة قالوا (2) : تطلق إن أضاف الطلاق إلى جزء من المرأة مثل قوله: يدك أو دمك أو أصبعك أو رأسك طالق؛ لأنه أضافه إلى جزء ثابت استباحه بعقد النكاح، فأشبه الإضافة إلى الجزء الشائع مثل نصفك وثلثك. أما لو قال: لعديمة الإصبع أو اليد: أصبعك طالق، أو يدك طالق، لم تطلق.\r-------------------------------\r(1) مغني المحتاج: 280/3، 291، المهذب: 80/2-85.\r(2) كشاف القناع: 298/5-301، المغني: 242/7-246.","part":9,"page":350},{"id":5906,"text":"ولا تطلق لو قال لها: شعرك أو ظفرك أو سنك أو لبنك أو منيك طالق؛ لأن تلك الأجزاء تنفصل عنها مع السلامة، فلا تطلق بإضافة الطلاق إليها كالحمل، فهم خالفوا الشافعية في غير اللبن والمني.\rولا تطلق أيضاً إن قال: سوادك أو بياضك طالق؛ لأنه أمر عارض. ولا إن قال: ريقك أو دمعك أو عرقك طالق؛ لأن المذكور ليس جزءاً منها، ولا إن قال: روحك طالق؛ لأن الروح ليست عضواً ولا شيئاً يستمتع به، فأشبهت السواد والبياض. ولا إن قال: حملك طالق؛ لأنه عرض كالبياض والسواد.\rوأما لو قال: حياتك طالق، فتطلق؛ لأنه لا بقاء لها بدونها، فأشبه ما لو قال: رأسك طالق.\rوجزء الطلقة كالطلقة، فإذا قال: أنت طالق نصف طلقة أو ثلثها ونحوه، طلقت طلقة؛ لأن الطلاق لا يتبعض.\rوالخلاصة: اتفق الفقهاء على أن جزء الطلقة طلقة، واختلفوا في إضافة الطلاق إلى بعض أجزاء المرأة. ولا يقع الطلاق عند جمهور الحنفية فيما لا يعبر به عن جملة المرأة كاليد والرجل والإصبع والدبر، ويقع بها عند زفر ومالك والشافعي وأحمد.\rإضافة الطلاق إلى نفس الزوج :\rقال الحنفية والحنابلة (1) : من قال لامرأته: «أنا منك طالق» فليس بشيء، وإن نوى طلاقاً. ولو قال: أنا منك بائن، أو أنا عليك حرام، ناوياً الطلاق فهي طالق عند الحنفية وفي أحد الوجهين عند الحنابلة؛ لأن الطلاق لإزالة القيد، والقيد في المرأة دون الزوج، فلا تطلق في الحالة الأولى، لأنه أضاف الطلاق إلى غير محله، فيلغو. أما الإبانة فهي لإزالة الوصلة، والتحريم لإزالة الحل، وهما مشتركان بين الزوجين، فصح إضافتهما إلى الزوجين، ولايصح إضافة الطلاق إلا إليها.\r-------------------------------\r(1) فتح القدير: 70/3 وما بعدها، المغني: 133/7 وما بعدها، الدر المختار: 613/2.","part":9,"page":351},{"id":5907,"text":"وقال المالكية والشافعية (1) : لو قال الرجل: أنا منك طالق، تطلق إن نوى تطليقها؛ لأن المرأة مقيدة والزوج كالقيد عليها، والحَلّ يضاف إلى القيد، كما يضاف إلى المقيد، فيقال: حلّ فلان المقيّد، وحل القيد عنه. وإن لم ينو طلاقاً فلا تطلق؛ لأن اللفظ خرج عن الصراحة بإضافته إلى غير محله، فشرط فيه ما شرط في الكناية من قصد الإيقاع.\rوكذا لو قال: أنا منك بائن، اشترط نية الطلاق، كسائر الكنايات. وعليه، فإن الطلاق المنسوب إلى الزوج يقع ـ على هذا الرأي ـ بالنية، سواء بلفظ الطلاق أم بالإبانة.\rما يشترط في الركن الرابع عند الشافعية والحنابلة ـ الولاية على محل الطلاق :\rمحل الطلاق كما عرفنا هو الزوجة، وكأن هذا الركن الذي ذكره الشافعية فرع عن الركن السابق وهو محل الطلاق، والمقصود منه بيان حكم طلاق الأجنبية. فإن طلاقها قبل زواجها مختلف في وقوعه بعد تزوجها، كما يتبين من عبارات الفقهاء وهو موضوع تعليق الطلاق على الملك.\rتعليق الطلاق على الملك أو على النكاح. فيه ثلاثة آراء للفقهاء:\rقال الحنفية (2) : إذا أضاف رجل الطلاق إلى النكاح، وقع عقيب النكاح، مثل أن يقول لامرأة: «إن تزوجتك فأنت طالق» أو «كل امرأة أتزوجها فهي طالق» ؛ لأن هذا الطلاق معلق على شرط، فلا يشترط لصحته وجود الملك في حال الطلاق، وإنما يكفي وجوده عند تحقق الشرط، والملك متيقن حينئذ أي عند\r-------------------------------\r(1) القوانين الفقهية: ص 228، المهذب: 80/2، مغني المحتاج: 292/3.\r(2) فتح القدير: 127/3-131.","part":9,"page":352},{"id":5908,"text":"وجود الشرط، وإذا كان الملك متيقناً عنده، وقع الطلاق؛ لأن المعلق بالشرط كالملفوظ لدى الشرط، فهو كما لو أضاف الطلاق في حال الزواج إلى شرط، فإنه يقع عقيب الشرط، مثل أن يقول لامرأته: إن دخلت الدار فأنت طالق؛ لأن الملك قائم في الحال، والظاهر بقاؤه إلى وقت الشرط؛ لأن الأصل بقاء الشيء على ما كان، وهو استصحاب الحال.وأما حديث: «لا طلاق قبل النكاح» (1) الذي رواه الشافعي، فمحمول على نفي التنجيز في الحال، لا نفي الطلاق المعلق.\rوعلى هذا، فلا تصح إضافة الطلاق إلى امرأة إلا أن يكون الحالف مالكاً، أويضيفه إلى ملك، فإن قال لامرأة أجنبية: إن دخلت الدار فأنت طالق، ثم تزوجها، فدخلت الدار، لم تطلق؛ لأن الحالف ليس مالكاً، ولم يضف الطلاق إلى الملك أو سبب الملك وهو التزوج، ولا بد من واحد منها.\rوالحاصل: أن الطلاق عند الحنفية يتعلق بشرط التزويج، سواء عمم المطلِّق جميع النساء أو خصص.\rوقال المالكية (2) : إن عمَّ المطلق جميع النساء لم يلزمه، وإن خصص لزمه، فمن قال: (كل امرأة أتزوجها من بني فلان، أو من بلد كذا، فهي طالق) أو قال (في وقت كذا) ، فإن هؤلاء يطلقن عند مالك إذا تزوجهن الرجل المطلق. أما لو قال: (كل امرأة أتزوجها، فهي طالق) فلا تطلق امرأة تزوَّجها. وسبب الفرق بين التعميم والتخصيص: استحسان مبني على المصلحة؛ لأنه إذا عمم فأوجبنا عليه\r-------------------------------\r(1) رواه ابن ماجه والترمذي وصححه عن المسور بن مخرمة بلفظ: «لا طلاق قبل النكاح، ولا عتق قبل ملك» وفيه أحاديث كثيرة بمعناه (نصب الراية: 230/3 وما بعدها).\r(2) بداية المجتهد: 83/2 وما بعدها، القوانين الفقهية: ص 232.","part":9,"page":353},{"id":5909,"text":"التعميم، لم يجد سبيلاً إلى النكاح الحلال، فكان ذلك عنتاً به وحرجاً، وكأنه من باب نذر المعصية. وأما إذا خصص فليس الأمر كذلك إذا ألزمناه الطلاق، وليس من شرط الطلاق إلا وجود الملك فقط، ولا يشترط وجود الملك المتقدم بالزمان على الطلاق.\rوقال الشافعية والحنابلة والظاهرية (1) : خطاب الأجنبية بطلاق مثل «أنت طالق» ومثل «كل امرأة أتزوجها فهي طالق» وتعليق الطلاق بنكاح، مثل ( إن تزوجتك فأنت طالق ) ، أو بغير نكاح، مثل ( إن دخلت الدار فأنت طالق ) لغو، ويحكم بإبطال اليمين، فلا تطلق على من يتزوجها، أما الطلاق المنجز على الأجنبية فلا يقع بالاتفاق، وأما المعلق على الزواج فلانتفاء الولاية من القائل على محل الطلاق، وقد قال صلّى الله عليه وسلم : «لا طلاق إلا بعد نكاح» .\rوعليه، فإن الطلاق لا يتعلق بأجنبية أصلاً، سواء عم المطلِّق أو خص. وهو قول علي ومعاذ وجابر بن عبد الله وابن عباس وعائشة، وهو الراجح لدي عملاً بهذا الحديث الصحيح، ولا عبرة بما طعن به بعضهم بعد تحسين الترمذي. وبناء عليه إن قال رجل لزوجته ولأجنبية: إحداكما طالق، أو كانت له زوجة اسمها زينب، وجارة اسمها زينب، فقال: زينب طالق، وقال: أردت الأجنبية، لم يقبل قوله، وتطلق زوجته في الحالتين؛ لأنه لا يمكن طلاق غيرها.\rالأدلة إجمالاً (2) :\rاستدل الحنفية بما يأتي:\r-------------------------------\r(1) مغني المحتاج: 292/3 وما بعدها، المهذب: 98/2، المغني: 135/7 وما بعدها، بداية المجتهد: 83/2 وما بعدها.\r(2) فتح القدير: 44/3 وما بعدها، 87 وما بعدها، البدائع: 101/3-112، بداية المجتهد: 73/2 وما بعدها، القوانين الفقهية: ص 228 وما بعدها، الشرح الصغير: 559/2 وما بعدها، مغني المحتاج: 279/3 وما بعدها، المهذب: 80/2-83، المغني: 121/7-138، كشاف القناع: 276/5-782، غاية المنتهى: 120/3-122، حاشية ابن عابدين: 590/2-594، 635-637، المحلى: 226/10.","part":9,"page":354},{"id":5910,"text":"1 - الإجماع على صحة تعليق الظهار بالملك، والطلاق مثله، إذ لا قائل بالفرق.\r2 - آثار عن التابعين: أخرج ابن أبي شيبة عن سالم والقاسم بن محمد والنخعي والزهري ومكحول الشامي وغيرهم أنهم قالوا في رجل قال: كل امرأة أتزوجها فهي طالق: هو كما قال.\r3 - تعليق الطلاق لازم كتعليق العتق والوكالة والإبراء، فلا يشترط لصحته قيام الملك في الحال.\rواستدل المالكية على التفصيل بالاستحسان وبناء الحكم على المصلحة، فقالوا: إذاعمم فأوجبنا عليه التعميم، لم يجد سبيلاً إلى النكاح الحلال، فكان ذلك عنتاً وحرجاً، فكأنه نذر المعصية، وقد عرف من الشرع: «إذا ضاق الأمر اتسع» . أما إذا خص فهو بسبيل من زواج غير من خصها بالتعليق، فلا موجب لإلغاء كلامه.\rواستدل الشافعية والحنابلة بما يأتي:\r1ً - حديث «لا طلاق قبل نكاح» المروي من طرق مختلفة، وقال عنه الترمذي: حديث حسن. وبلغ ابن عباس أن ابن مسعود يقول: إن طلق ما لم ينكح فهو جائز، فقال ابن عباس: أخطأ في هذا، فإن الله يقول: نكحتم المؤمنات، ثم طلقتموهن، ولم يقل: إذا طلقتم المؤمنات ثم نكحتموهن.\r2ً - المعقول: وهو أن التعليق طلاق، والطلاق حل القيد وإبطال الملك، ولا قيد ولا ملك في الأجنبية حتى يصح حله وإبطاله، فكان لغواً. أما أن التعليق طلاق،فلأن الطلاق عند وجود الشرط يقع به إذا لم يوجد كلام آخر سواه، فلو لم يكن التعليق تطليقاً، لم يقع الطلاق عند الشرط. ثم إن هذا التعليق إنشاء تصرف في محل في حال لا ولاية له عليه فيلغو، كتعليق الصبي، وتعليق البالغ طلاق الأجنبية حاصل بغير الملك. وقد رجحت هذا الرأي عملاً بالحديث الثابت.","part":9,"page":355},{"id":5911,"text":"شرط الركن الخامس ـ الصيغة أو ما يقع به الطلاق :\rاتفق الفقهاء على أن الزواج ينتهي بالطلاق بالعربية أو بغيرها، سواء باللفظ أم بالكتابة أم بالإشارة (1) .\rواللفظ إما صريح أو كناية:\rالطلاق الصريح: هو اللفظ الذي ظهر المراد منه وغلب استعماله عرفاً في الطلاق، كالألفاظ المشتقة من كلمة ( الطلاق ) مثل: أنت طالق، ومطلقة، وطلقتك وعلي الطلاق. ومنه قول الرجل: «أنت علي حرام أو حرمتك أو محرمة» ؛ لأنه وإن كان في الأصل كناية، فقد غلب استعماله بين الناس في الطلاق، فصار من الألفاظ الصريحة فيه. هذا مذهب الحنفية.وصريح الطلاق عند الحنابلة: لفظ الطلاق وماتصرف منه، لاغير، أما لفظ الفراق والسراح فهو كناية.\rوقال المالكية: الكناية الظاهرة لها حكم الصريح، وهي التي جرت العادة أن يطلق بها في الشرع أو في اللغة كلفظ التسريح والفراق، وكقوله: أنت بائن أو بتة أو بتلة وما أشبه ذلك.\rوقال الشافعية والظاهرية: إن صريح الطلاق ثلاثة ألفاظ: الطلاق والفراق والسرح، لورودها في القرآن، قال تعالى: {الطلاق مرتان، فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان} [البقرة:229/2] وقال: {فأمسكوهن بمعروف}\r-------------------------------\r(1) مقارنة المذاهب للأستاذين شلتوت والسايس: ص 104-108.","part":9,"page":356},{"id":5912,"text":"[البقرة:231/2] وقال: {وإن يتفرقا يغن الله كلاً من سعته} [النساء:130/4] وقال سبحانه: {فتعالين أمتعكن وأسرحكن سراحاً جميلاً} [الأحزاب:28/33] ولو اشتهر لفظ للطلاق مثل الحلال أو حلال الله علي حرام، فالأصح كما قال النووي أنه كناية، ثم أصبح قول الرجل ( علي حرام ) من باب الطلاق الصريح كما أفتى به ابن حجر وغيره. وقال الحنابلة: لو قال: عليَّ الحرام، أو يلزمني الحرام، أو الحرام يلزمني، فهو لغو، لا شيء فيه: لأنه يقتضي تحريم شيء مباح بعينه، فإن اقترن معه نية تحريم الزوجة أو دلت قرينة على إرادة ذلك، فهو ظهار؛ لأنه يحتمله.\rأما لفظة الإطلاق مثل أطلقتك وأنت مُطْلَقة، فليست صريحة في الطلاق باتفاق المذاهب الأربعة وإنما هي كناية تحتاج إلى نية؛ لأنها لم يثبت لها عرف الشرع ولا الاستعمال، فأشبهت سائر كناياته.\rيفهم مما ذكر أنه يشترط لإيقاع الطلاق ما يأتي:\r1 - استعمال لفظ يفيد معنى الطلاق لغة أو عرفاً، أو بالكتابة أو الإشارة المفهمة.\r2 - أن يكون المطِّلق فاهماً معناه، ولو بلغة أعجمية، فإذا استعمل الأعجمي صريح الطلاق، وقع الطلاق منه بغير نية، وإن كانت كناية احتاج إلى نية. ولو لُقِّن رجل صيغة الطلاق بلغة لا يعرفها، فتلفظ بها، وهو لا يدري معناها، فلا يقع عليه شيء.\r3 - إضافة الطلاق إلى الزوجة، أي إسناده إليها لغة، بأن يعينها بأحد طرق التعيين، كالوصف، أو الاسم المسماة به، أو الإشارة والضمير، فيقول: امرأتي طالق، أو فلانة طالق، أو يشير إليها بقوله: هذه طالق، أو أنت طالق،أو يقول: هي طالق، في أثناء حديث عنها؛ أو إسناده إليها عرفاً مثل: علي الطلاق أو الحرام إن أفعل كذا، أو الطلاق يلزمني إن لم أفعل كذا، فالطلاق هنا مضاف إلى المرأة في المعنى، وإن لم يضف إليها في اللفظ، وذلك خلافاً للحنابلة.","part":9,"page":357},{"id":5913,"text":"4 - ألا يكون مشكوكاً في عدد الطلاق أو في لفظه. ويقع الطلاق الصريح ولو بالألفاظ المصحفة، نحو طلاغ، وتلاغ، وطلاك، وتلاك، أو بأحرف الهجاء: ط، ا، ل، ق.\rحكم الطلاق الصريح :\rيقع الطلاق باللفظ الصريح بدون حاجة إلى نية أو دالة حال، فلو قال الرجل لزوجته: أنت طالق، وقع الطلاق، ولا يلتفت لادعائه أنه لا يريد الطلاق.\rطلاق الكناية :\rهو كل لفظ يحتمل الطلاق وغيره، ولم يتعارفه الناس في إرادة الطلاق. مثل قول الرجل لزوجته: الحقي بأهلك، اذهبي، اخرجي، أنت بائن، أنت بتّة، أنت خلية، برية، اعتدي، استبرئي رحمك، أمرك بيدك، حبلك على غاربك (1) أي خليت سبيلك كما يخلى البعير في الصحراء، وزمامه على غاربه، ونحوها من الألفاظ التي لم توضع للطلاق، وإنما يفهم الطلاق منها بالقرينة أو دلالة الحال: وهي حالة مذاكرة الطلاق، أو الغضب.\rومن الكناية في أصل المذهب عند الشافعية والحنابلة: أنت علي حرام أو حرَّمتك،فإن نوى طلاقاً أو ظهاراً حصل، وإن نواهما تخير وثبت ما اختاره. لكن -كما أفتى ابن حجر - أصبح لفظ ( علي الحرام ) من الطلاق الصريح في العرف والعادة الجارية. وقد حصر المالكية الكناية بالكناية المحتملة مثل: الحقي بأهلك واذهبي وابعدي عني وما أشبه ذلك، أما الكناية الظاهرة فلها حكم الصريح، كما بينا مثل لفظ التسريح والفراق، وأنت بائن أو بتة أو بتلة وما أشبهها.\r-------------------------------\r(1) الغارب: ما بين السنام إلى العنق.","part":9,"page":358},{"id":5914,"text":"حكم الطلاق بالكناية :\rقال الحنفية والحنابلة: لا يقع قضاء الطلاق بالكناية إلا بالنية، أو دلالة الحال على إرادة الطلاق، كأن يكون الطلاق في حالة الغضب، أو في حالة المذاكرة بالطلاق.\rوفصَّل الحنفية في وقوع الطلاق قضاء بألفاظ الكنايات، فقالوا: في حالة الرضا المجرد عن مذاكرة الطلاق وطلبه لا يحكم بوقوع الطلاق بأي لفظ كنائي إلا بالنية، وفي حالة الرضا ومذاكرة الطلاق وطلبه: يقع الطلاق من غير توقف على نية في لفظ (اعتدي) وألفاظ (بائن، بتة، خلية، برية) وأما ألفاظ (اذهبي، اخرجي، قومي، اغربي، تقنعي) فتحتاج إلى نية. وأما في حالة الغضب فيقع الطلاق بلفظ (اعتدي) من غير نية، وأما الألفاظ الأخرى فتحتاج إلى نية.\rورأى المالكية والشافعية: أن الكناية لا يقع بها الطلاق إلا بالنية، ولا عبرة بدلالة الحال، فلا يلزمه الطلاق إلا إن نواه، فإن قال: إنه لم ينو الطلاق، قبل قوله في ذلك بيمينه، فإن حلف أنه ما أراد باللفظ الطلاق، لم يقع، وإن امتنع عن اليمين حكم عليه بالطلاق.\rواشترط الشافعية في نية الكناية اقترانها بكل اللفظ، فلو قارنت أوله، وغابت عنه قبل آخره، لم يقع طلاق. وقسم المالكية والحنابلة (1) الكناية إلى نوعين:\rكناية ظاهرة: وهي ما شأنها أن تستعمل في الطلاق وحل العصمة، مثل قوله: أنت بتة، وحبلك على غاربك، ويقع بهما ثلاث طلقات، دخل بها أم لا، ولها حكم الصريح.\rوكناية خفية: وهي ما شأنها أن تستعمل في غير الطلاق وحل العصمة، مثل اعتدي، ويقع بها طلقة واحدة إلا إذا نوى أكثر من ذلك في المدخول بها، بل لايقع بها طلاق إلا إذا نواه.\rومن الكناية الظاهرة التي يقع بها ثلاث طلقات في المدخول بها إن لم ينو أقل: ألفاظ: بائنة، وميتة، وخلية، وبرية، ووهبتك لأهلك، وأنت حرام، وخليت سبيلك، ووجهي من وجهك حرام أو على وجهك حرام.\rولو قال الزوج: «أنت طلاق» أو «أنت الطلاق» أو «أنت طالق طلاقاً» فيقع بها عند الحنفية والمالكية والحنابلة (2) طلقة واحدة رجعية إن لم ينو شيئاً، فإن نوى ثلاثاً فهي ثلاث، وهذه عندهم من الألفاظ الصريحة، لأنه صرح بالمصدر، والمصدر يقع على القليل والكثير، وإنه نوى بلفظه ما يحتمله.\rوعند الشافعية (3) في الأصح: ليس قوله: أنت طلاق أو الطلاق، من الألفاظ الصريحة، بل هما كنايتان؛ لأن المصادر إنما تستعمل في الأعيان توسعاً.\rما عدا الصريح والكناية: ذكر المالكية (4) أن ما عدا التصريح والكناية من الألفاظ التي لا تدل على الطلاق، كقوله: اسقني ماء أو ما أشبه ذلك: فإن أراد به الطلاق، لزمه على المشهور، وإن لم يرده لم يلزمه.\r-------------------------------\r(1) الشرح الصغير: 559/2-567، منار السبيل:217/2.\r(2) الدر المختار:594/2، اللباب: 41/3، المغني: 237/7، الشرح الصغير: 559/2.\r(3) مغني المحتاج: 280/3.\r(4) القوانين الفقهية: ص 229.","part":9,"page":359},{"id":5915,"text":"الطلاق بالكتابة إلى الغائب :\rاتفق الفقهاء على وقوع الطلاق بالكتابة على التفصيل التالي:\rعبارة الحنفية (1) : الكتابة إما مستبينة أو غير مستبينة، والكتابة المستبينة: هي الكتابة الظاهرة التي يبقى لها أثر كالكتابة على الورق والحائط والأرض. والكتابة غير المستبينة: هي التي لا يبقى لها أثر، كالكتابة على الهواء أو على الماء،وكل شيء لا يمكن فهمه وقراءته، وحكمها: أنه لا يقع بها طلاق وإن نوى.\rأما الكتابة المستبينة فهي نوعان: كتابة مرسومة: وهي التي تكتب مصدَّرة ومعنونة باسم الزوجة وتوجه إليها كالرسائل المعهودة، كأن يكتب الرجل إلى زوجته قائلاً: إلى زوجتي فلانة، أما بعد فأنت طالق، وحكمها: حكم الصريح إذا كان اللفظ صريحاً، فيقع الطلاق ولو من غير نية.\rوأما الكتابة غير المرسومة: فهي التي لا تكتب إلى عنوان الزوجة أو باسمها ولا توجه إليها كالرسائل المعروفة، كأن يكتب الرجل في ورقة: «زوجتي فلانة طالق» . وحكمها حكم الكناية ولو كان اللفظ صريحاً، لا يقع بها الطلاق إلا بالنية.\rوالطلاق بالرسالة، أي بإرسال رسول: هي أن يبعث الزوج طلاق امرأته الغائبة على يد إنسان، فيذهب الرسول إليها ويبلغها الرسالة على النحو المكلف\r-------------------------------\r(1) الدر المختار ورد المحتار: 589/2.","part":9,"page":360},{"id":5916,"text":"به، وحكمها: حكم الطلاق الصريح باللفظ، يقع عليها الطلاق؛ لأن الرسول ينقل كلام المرسل، فكان كلامه ككلامه (1) .\rوعبارة المالكية (2) : من كتب الطلاق عازماً عليه، لزمه إذا لم يكن متردداً فيه، فإن كتب الطلاق عازماً عليه أو لم يكن له نية، لزمه بمجرد كتابة (طالق) وإن لم يكن عازماً الطلاق حال الكتابة، بل كان متردداً أو مستشيراً، فلا يقع ما لم يخرج الكتاب من يده، ويعطيه لمن يوصله، فيصل إليها أو لوليها، فإن أخرجه من يده عازماً الطلاق، فيقع بمجرد إنفاذه، ولو لم يصل. وإن أخرجه غير عازم ولم يصل، فالأرجح عدم اللزوم.\rويلزم الطلاق بمجرد إرساله مع رسول ولو لم يصل، فمتى قال للرسول: أخبرها بأني طلقتها، لزمه الطلاق.\rوالخلاصة: أن العبرة عندهم في كتاب الطلاق النية.\rوقال الشافعية (3) مثل المالكية: إذا كتب رجل طلاق امرأته بلفظ صريح ولم ينوه، فهو لغو لم يقع به الطلاق؛ لأنه الكتابة تحتمل إيقاع الطلاق وتحتمل امتحان الخط، فلم يقع الطلاق بمجردها. وإن نوى الطلاق فالأظهر وقوعه، ولا يقع الطلاق بالكتابة إلا في حق الغائب.\rوإن كتب شخص في كتاب طلاق زوجته صريحاً أو كناية، ونوى الطلاق، ولكنه علق الطلاق ببلوغ الكتاب، كقوله: ( إذا بلغك كتابي، فأنت طالق ). فإنما تطلق ببلوغه لها، مكتوباً كله، مراعاة للشرط. فإن انمحى كله قبل وصوله، لم تطلق، كما لوضاع.\rوإن كتب الرجل: إذا قرأت كتابي فأنت طالق، وكانت تقرأ، فقرأته طلقت، لوجود المعلَّق عليه. وإن قرئ عليها فلا تطلق في الأصح، لعدم قراءتها مع إمكان القراءة. وإن لم تكن قارئة، فقرئ عليها، طلقت؛ لأن القراءة في حق الأمي محمولة على الاطلاع على ما في الكتاب، وقد وجد، بخلاف القارئة.\r-------------------------------\r(1) البدائع: 126/3.\r(2) القوانين الفقهية: ص 230، الشرح الصغير: 568/2.\r(3) المهذب: 83/2، مغني المحتاج: 284/3 وما بعدها.","part":9,"page":361},{"id":5917,"text":"وكذلك قال الحنابلة (1) مثل الشافعية والمالكية: إذا كتب الرجل الطلاق، فإن نواه طلقت زوجته؛ لأن الكتابة حروف يفهم منها الطلاق، فإذا أتى فيها بالطلاق، وفهم منها المراد، ونواه، وقع كالطلاق باللفظ، ولأن الكتابة تقوم مقام الكاتب، بدليل أن النبي صلّى الله عليه وسلم كان مأموراً بتبليغ رسالته، فحصل المقصود في حق البعض بالقول، وفي حق آخرين بالكتابة إلى ملوك الأطراف، ولأن كتاب القاضي يقوم مقام لفظه في إثبات الديون والحقوق.\rوإن كتب الطلاق من غير نية، قيل: يقع، وقيل: لا يقع إلا بنية، وهو الظاهر.\rوإن كتب بشيء لا يبين مثل: أن يكتب الطلاق بأصبعه على وسادة أو في الهواء، فظاهر كلام أحمد أنه لا يقع.\rورأيهم كالشافعية تماماً في اشتراط وصول الكتاب دون أن ينمحي ذكر الطلاق، إذا علق الطلاق ببلوغه، وفي تعليقه بالقراءة.\rوالخلاصة: يقع الطلاق عند الجمهور بالكتابة مع النية، ويقع عند الحنفية في الكتابة المرسومة كالصريح، وفي غير المرسومة كالكناية تحتاج إلى نية. ولا يقع الطلاق بالكتابة على الماء أو الهواء ونحوه بالاتفاق.\rومن طلق في قلبه لم يقع، وإن تلفظ به أو حرك لسانه، وقع ولو لم يسمعه.\rالطلاق بالإشارة :\rاتفق الفقهاء (2) على وقوع الطلاق بالإشارة المفهمة بيد أو رأس، المعهودة عند العجز عن النطق، كالأخرس ونحوه، دفعاً للحاجة، فإذا طلق الأخرس بالإشارة طلقت زوجته.\rلكن قال الحنفية: إذا كان الأخرس يحسن الكتابة، لا تجوز إشارته.\rأما الناطق القادر على الكلام، فلا يصح عند الجمهور طلاقه بالإشارة، كما لا يصح نكاحه بها، فلا يقع الطلاق بالإشارة إلا في حق الأخرس، وقال المالكية: إشارة القادر على الكلام كالكناية تحتاج إلى نية، ويصح بها حينئذ الطلاق.\r-------------------------------\r(1) المغني: 239/7 وما بعدها، غاية المنتهى: 158/3.\r(2) الدر المختار ورد المحتار: 584/2، القوانين الفقهية: ص 230، الشرح الصغير: 568/2، مغني المحتاج: 284/3، المهذب: 83/2، المغني: 238/7 وما بعدها.","part":9,"page":362},{"id":5918,"text":"صيغة الطلاق في القانون السوري :\rنصت المادة (1/87) من هذا القانون على ما يلي: يقع الطلاق باللفظ وبالكتابة ويقع من العاجز عنها بإشارته المعلومة.\rومعناها: أن الطلاق يقع بنفس الأسلوب الذي ينعقد به الزواج:\r1 - يقع بالألفاظ الصريحة بوضع اللغة أو الموضوعة عرفاً للدلالة على الطلاق.\r2 - ويقع بالكتابة، كأن يكتب لزوجته كتاباً يخبرها فيه بطلاقه لها.\r3 - ويقع من الأخرس أو معتقل اللسان بالإشارة الواضحة التي تدل على إيقاع الطلاق في إشارات الخرس، إذا كان عاجزاً عن الكتابة.\rوأخذ القانون السوري برأي الحنفية في أن الطلاق يقع بلفظ صريح يدل عليه لغة، كقوله: أنت طالق، أو عرفاً كقوله: أنت علي حرام، وبألفاظ الكناية مع النية، ونصت المادة (93) على ذلك: «يقع الطلاق بالألفاظ الصريحة فيه عرفاً دون حاجة إلى نية، ويقع بالألفاظ الكنائية التي تحتمل معنى الطلاق وغيره بالنية» .\rقدر الطلاق :\rعدد الطلاق (1) : هو طلقة واحدة واثنتان وثلاث، فإن صدر الطلاق مطلقاً، أي بالصيغة فقط، كأن قال الرجل: طلقتك أو أنت طالق، وقعت طلقة واحدة، عملاً بمقتضى الصيغة عند الحنفية، ويقع ما نواه عند الجمهور. وإن نوى بكلامه عدداً معيناً كواحدة أو اثنتين، أو صرح بعدد قرن بالطلاق، وقع ما نواه أو ما صرح به من العدد، فلو ماتت المرأة قبل تمام العدد، لغا الطلاق عند الحنفية؛ لأن الوقوع بالعدد، ولو مات الزوج أو أخذ أحد فمه قبل ذكر العدد، وقع الطلاق واحدة عملاً بالصيغة؛ لأن الوقوع بلفظه لا بقصده. وقال الشافعية أيضاً: لو ماتت المرأة قبل تمام كلمة ( طالق ) لم يقع شيء.\r-------------------------------\r(1) الدر المختار: 588/2، 627، القوانين الفقهية: ص 226، مغني المحتاج: 294/3، المغني: 229/7، 278، 280، غاية المنتهى: 127/3.","part":9,"page":363},{"id":5919,"text":"وتنفذ الطلقات الثلاث بالاتفاق، سواء طلق الرجل المرأة واحدة بعد واحدة، أم جمع الثلاث في كلمة واحدة بأن قال: أنت طالق ثلاثاً، عند الجمهور خلافاً للظاهرية.\rوالمعول عليه عند الحنفية اعتبار عدد الطلاق بالنساء، فطلاق الحرة ثلاث، وطلاق الأمة ثنتان، لقوله صلّى الله عليه وسلم : «طلاق الأمة ثنتان، وعدتها حيضتان» (1) .\rوعند الجمهور: المعتبر هو الرجال، فللعبد طلقتان، وللحر ثلاث طلقات، لما روى الدارقطني مرفوعاً: «طلاق العبد اثنتان» وروي عن عثمان وزيد بن ثابت، ولا مخالف لهما من الصحابة، كما روى الشافعي.\rوالإسلام في أمر الزواج والطلاق التزم الحق والاعتدال، وصحح أخطاء الجاهلية، فقد كان النكاح في الجاهلية أربعة أنحاء (2) : النكاح المعروف بعقد بعد خطبة، ونكاح الاستبضاع أي طلب الزوجة المباضعة وهو الجماع من رجل آخر بطلب زوجها، ونكاح الرهط دون العشرة، ثم تلحق المرأة الولد بمن أحبت منهم، ونكاح البغايا، ثم إلحاق الولد بواحد من الزناة بالقافة (3) .\rوأما الطلاق، فلم يكن مقيداً بعدد في الجاهلية، قالت عائشة رضي الله عنها: كان الرجل يطلق امرأته ما شاء أن يطلق، وهي امرأته، إذا راجعها، وهي في العدة، وإن طلقها مئة أو أكثر، حتى قال رجل لامرأته: والله لا أطلقك، فتبينين مني، ولا آويك أبداً، قالت:وكيف ذلك؟ قال: أطلق حتى إذا دنا أجلك، راجعتك،فأتت رسول الله صلّى الله عليه وسلم ، فذكرت ذلك له، فأنزل الله عز وجل: {الطلاق مرتان، فإمساك بمعروف، أو تسريح بإحسان} (:4) [البقرة:229/2]. دلّت الآية على أن عدد الطلقات ثلاث، وجعلت للزوج حق مراجعة زوجته بعد الطلقة\r-------------------------------\r(1) رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه والدارقطني عن عائشة مرفوعاً، وقال الترمذي: حديث غريب، والعمل عليه عند أهل العلم من أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلم وغيرهم.\r(2) رواه البخاري وأبو داود عن عروة عن عائشة (نيل الأوطار: 158/6).\r(3) القافة جمع قائف: وهو الذي يعرف شبه الولد بالوالد بالآثار الخفية.\r(4) تفسير ابن كثير: 271/1.","part":9,"page":364},{"id":5920,"text":"الأولى والثانية، وبه حمى الإسلام المرأة من الضرر الذي كان يلحق بها، وراعى مصلحة الرجل حيث جعل للزوج حق الطلاق ثلاث مرات، وحرص الشرع على إبقاء العشرة بين الزوجين من طريق المراجعة مرتين فقط، لتحقق الكفاية فيهما لتدارك ما فرط، فقد يطلق الرجل لغضب سريع ثم يندم، وقد يطلق لسبب ثم يزول السبب، وقد يطلق لسوء عشرة المرأة، فتتألم من الفراق، وقد يكون لها أولاد، فتحرم من رؤيتهم، أو تتضايق من تربيتهم.\rواشتراط التحليل، أي الزواج برجل آخر، لحل رجوع المرأة إلى المطلِّق بعد الطلقة الثالثة، يحمل الزوج على الإمساك عن إيقاع الطلقة الثالثة، ويدفعه إلى الحرص على إبقاء الزوجية؛ لأن الرجل بحكم الغَيرة والحمية يأنف من مثل هذا الفعل، فكأنه في حكم الباب المسدود، وكأنه إحالة على شيء عسير الحصول بعيد التحقق.\rماالذي تعود به المرأة بعد التحليل؟\rمن طلق طلقة واحدة أو اثنتين، فنكحها زوج غيره، ودخل بها، ثم نكحها الأول، بنى الأول عند المالكية والشافعية والحنابلة (1) على ما كان من عدد الطلقات، أي فتعود إليه بما بقي له من الطلاق، فلو طلقها ثلاثاً ثم نكحها بعد زوج غيره، استأنف عدد الطلقات كنكاح جديد، أي فتعود له بطلقات ثلاث: لأن الزواج الثاني لا يهدم ما دون الثلاث، ويهدم الثلاث؛ لأن وطء الثاني لا يحتاج إليه في الإحلال للزوج الأول فيما دون الثلاث، فلا يغير حكم الطلاق، ولأنه تزويج قبل استيفاء الثلاث، فأشبه ما لو رجعت إليه قبل وطء الثاني. وهذا رأي محمد أيضاً؛ لأنه لا إنهاء للحرمة قبل الثبوت.\r-------------------------------\r(1) القوانين الفقهية: ص 226، مغني المحتاج: 293/3، المغني: 261/7.","part":9,"page":365},{"id":5921,"text":"وقال أبو حنيفة وأبو يوسف (1) : الزواج الثاني يهدم مطلقاً، فتعود بطلقات ثلاث للزوج الأول، سواء أكان زواجها بزوج ثان بعد الطلقتين أم بعد الثلاث؛ لأن وطء الزوج الثاني مثبت للحل، فيثبت حلاً يتسع لثلاث تطليقات كما يتسع لما دون الثلاث؛ لأن الوطء الثاني يهدم الطلقات الثلاث، فأولى أن يهدم ما دونها، وقد سمى النبي صلّى الله عليه وسلم الزوج الثاني محلِّلاً، وهو المثبت للحل، في حديث: «لعن الله المحلل والمحلل له» (2) .\rعدد الطلاق في بعض الألفاظ :\rاتفق الفقهاء على أن الطلاق لا يقع بالنية من غير لفظ، واللفظ الصادر عن المطلِّق متنوع، يتحدد عدد الطلاق فيه إما بالنية أو بالصيغة أو بالعدد المقترن به صراحة. وهذه نماذج يعرف بها عدد الطلاق بالإضافة لما سبق بيانه.\r1 ً - اللفظ المُطْلَق: إذا خاطب الرجل امرأته بقوله: أنت طالق أو بائن أو بتة: ففي رأي المالكية والشافعية والحنابلة (3) : يقع ما نواه، فإن نوى طلقتين أو ثلاثاً، وقع، لما روي أنه رُكانَة بن عبد يزيد طلق امرأته سُهَيْمة البتة، فأخبر النبيَّ صلّى الله عليه وسلم بذلك، فقال: والله ما أردتُ إلا واحدةً، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلم : والله ما أردتَ إلا واحدة؟ قال ركانة: والله ما أردتُ إلا واحدة، فردها إليه رسول الله صلّى الله عليه وسلم ، وطلقها الثانية في زمان عمر بن الخطاب، والثالثة في زمن عثمان (4) .\r-------------------------------\r(1) فتح القدير: 178/3.\r(2) روي من حديث ابن مسعود عند الترمذي والنسائي، وحديث علي عند أبي داود والترمذي وابن ماجه، وحديث جابر عند الترمذي، وحديث عقبة بن عامر عند ابن ماجه، وحديث أبي هريرة عند أحمد والبزار ، وحديث ابن عباس عند ابن ماجه، كلها بلفظ «لعن رسول الله صلّى الله عليه وسلم المحلل والمحلل له» إلا حديث عقبة فهو بلفظ: «لعن الله المحلل والمحلل له» (نصب الراية: 238/3-240).\r(3) المهذب: 84/2، غاية المنتهى: 127/3، الشرح الصغير: 560/2.\r(4) رواه الشافعي وأبو داود والترمذي، وقال أبو داود: هذا حديث حسن صحيح، وصححه أيضاً ابن حبان والحاكم (نيل الأوطار: 226/6).","part":9,"page":366},{"id":5922,"text":"وفي رأي الحنفية (1) : يقع الطلاق عند عدم العدد بالصيغة، وقول الرجل: أنت طالق البتة، من كنايات الطلاق التي يقع بها الطلاق عندهم بائناًً؛ لأنه اقترن بوصف الشدة أو القوة أو بما يفيد البينونة.\r2 - تحديد المقصود بالإشارة: إن قال الرجل لامرأته: أنت طالق هكذا، وأشار بثلاث أصابع، وقع الثلاث عند الشافعية والمالكية والحنابلة (2) ؛ لأن الإشارة بالأصابع مع قوله (هكذا) بمنزلة النية في بيان العدد. وإن قال: أردت بعدد الأصبعين المقبوضتين، قبل قوله؛ لأنه يحتمل ما يدعيه. ولوقال: أنت طالق وأشار بالأصابع، ولم يقل (هكذا) وقال: أردت واحدة ولم أرد العدد فهي واحدة، أي يقبل قوله؛ لأنه يحتمل ما يدعيه.\rوكذلك يقع ثلاثاً بالإشارة عند الحنفية (3) ؛ لأن الطلاق الثلاث يقع عندهم إذا كان مقروناً بعدد الثلاثة نصاً أو إشارة، أو موصوفاً بصفة تنبئ عن البينونة أو ما يدل عليها.\r-------------------------------\r(1) الدر المختار: 617/2، 627.\r(2) المهذب: 84/2، غاية المنتهى: 128/3.\r(3) رد المحتار: 592/2، 615.","part":9,"page":367},{"id":5923,"text":"3 - واحدة في اثنتين: قرر الشافعية عملاً بمبدئهم في تحكيم النية (1) : إن قال الرجل: أنت طالق واحدة في اثنتين، فإن نوى طلقة واحدة مع اثنتين، وقعت ثلاث؛ لأن (في) تستعمل بمعنى (مع) لقوله عز وجل: {فادخلي في عبادي وادخلي جنتي} [الفجر:29/89-30] أي مع عبادي. فإن لم يكن له نية: فإن لم يعرف الحساب ولا نوى مقتضاه في الحساب، طلقت طلقة واحدة بقوله: (أنت طالق) ولا يقع بقوله: (في اثنتين) شيء؛ لأنه لا يعرف مقتضاه، فلم يلزمه حكمه كالأعجمي إذا طلق بالعربية وهو لا يعرف معناه. وإن نوى مقتضاه في الحساب وهو غير عالم به، فالمذهب أنه لا يقع إلا طلقة واحدة؛ لأنه إذا لم يعلم مقتضاه، لم يلزمه حكمه كالأعجمي إذا طلق بالعربية، وهولا يعلم وقال: أردت مقتضاه في العربية.فإن كان عالماً بالحساب: فإن نوى موجبه في الحساب، طلقت طلقتين لأنه موجبه في الحساب طلقتان. وإن لم يكن له نية، فالمنصوص أنها تطلق طلقة؛ لأن هذا اللفظ غير متعارف عند الناس، ويحتمل طلقة في طلقتين واقعتين، ويحتمل طلقة في طلقتين باقيتين، فلا يجوز أن يوقع بالشك.\rومذهب الحنفية (2) : يقع بقوله: (واحدة في ثنتين) طلقة واحدة إن لم ينو أو نوى الضرب؛ لأنه يكثر الأجزاء لا الأفراد، وإن نوى واحدة وثنتين فيقع ثلاثاً في المدخول بها، وواحدة في غير المدخول بها.\r4 - طالق طلقة بل طلقتان: رأى الشافعية (3) : أنه إن قال: أنت طالق طلقة، بل طلقتان، ففيه وجهان: أحدهما ـ يقع طلقتان، كما إذا قال: له علي درهم، بل درهمان، لزمه درهمان. والوجه الثاني ـ يقع الثلاث؛ لأن الطلاق إيقاع، فلا يجوز أن يوقع الطلاق الواحد مرتين، فحمل على طلاق مستأنف.\r5 - اقتران الطلاق بلفظ الثلاث، وتكراره :\rاتفق فقهاء المذاهب الأربعة والظاهرية (4) على أنه إذا قال الرجل لغير المدخول بها:\r-------------------------------\r(1) المهذب: 84/2.\r(2) الدر المختار: 603/2.\r(3) المرجع السابق.\r(4) المهذب: 84/2، اللباب: 49/3، الدر المختار: 632/2، القوانين الفقهية: ص 229، مغني المحتاج: 297/3، المغني: 233/7-235، المحلى: 213/10، مسألة 1951، و1952.","part":9,"page":368},{"id":5924,"text":"«أنت طالق ثلاثا» وقع الثلاث؛ لأن الجميع صادف الزوجية، فوقع الجميع، كما لو قال ذلك للمدخول بها.\rواتفقوا أيضاً على أنه إن قال الزوج لامرأته: «أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق» وتخلل فصل (1) بينها، وقعت الثلاث، سواء أقصد التأكيد أم لا؛ لأنه خلاف الظاهر. وإن قال: قصدت التأكيد صدق ديانة، لا قضاء.\rوإن لم يتخلل فصل: فإن قصد تأكيد الطلقة الأولى بالأخيرتين، فتقع واحدة؛ لأن التأكيد في الكلام معهود لغة وشرعاً. وإن قصد استئنافاً أو أطلق (بأن لم يقصد تأكداً ولا استئنافاً) تقع الثلاث، عملاً بظاهر اللفظ.\rوكذا تطلق ثلاثاً إن قالت: أنت طالق، ثم طالق، ثم طالق، أو عطف بالواو أو بالفاء.\r6 - تطليق الجماعة: لو قال الرجل لنسائه الأربع: أوقعت عليكن أو بينكن طلقة، فمذهب الحنفية والشافعية (2) : طلقت كل واحدة منهن طلقة؛ لأنه يخص كل واحدة منهن ربع طلقة، وتكمل بالسراية. وكذا إن قال: بينكن تطليقتان أو ثلاث أو أربع، وقع على كل واحدة طلقة، إلا أن ينوي قسمة كل واحدة منهن، بأن قال: أردت أن يقع على كل واحدة من الطلقتين، وقع على كل واحدة طلقتان، وإن قال: أردت أن يقع على كل واحدة من الثلاث الطلقات، فتطلق كل واحدة ثلاثاً؛ لأنه مقر على نفسه بما فيه تغليظ، واللفظ محتمل له.\rوإن قال: بينكن خمس طلقات، وقع على كل واحدة طلقتان، وهكذا إلى\r-------------------------------\r(1) المراد بالفصل: أن يسكت فوق سكتة النفَس.\r(2) الدر المختار: 630/2 وما بعدها، المهذب: 85/2.","part":9,"page":369},{"id":5925,"text":"ثمان تطليقات. فإن زاد عليها، بأن قال: أوقعت عليكن تسعاً، طلقت كل واحدة ثلاثاً.\rوإن قال: أوقعت بينكن نصف طلقة، وثلث طلقة، وسدس طلقة، طلقت كل واحدة ثلاثاً؛ لأنه لما عطف وجب أن يقسم كل جزء من ذلك بينهن، ثم يكمل.\rأما إن قال الرجل لنسائه: إحداكن طالق أو قال لإحدى امرأتيه: إحداكما طالق، طلقت واحدة، ويرجع إلي تعيينه اتفاقاً (1) .\r7 - الطلاق ملء الدنيا أوأشد الطلاق: مذهب الشافعية والحنابلة (2) : إن قال الرجل لامرأته: أنت طالق ملء الدنيا، أو أنت طالق أطول الطلاق أو أعرضه، وقعت طلقة؛ لأن شيئاً مما ذكر لا يقتضي العدد، وقد تنصف الطلقة الواحدة بالمذكور كله.\rوإن قال: أنت طالق أشد الطلاق وأغلظه، وقعت طلقة؛ لأنه قد تكون الطلقة أشد وأغلظ عليه، لتعجلها أو لحبه لها أو لحبها له، فلم يقع ما زاد بالشك. ومذهب الحنفية: تقع طلقة واحدة بائنة.\rوإن قال: أنت طالق كل الطلاق أو أكثره، وقع الثلاث؛ لأنه كل الطلاق وأكثره، وهذا متفق عليه.\rوإن قال: أنت طالق على مذهب السنة والشيعة واليهود والنصارى، أو على سائر المذاهب، أو أنت طالق لا يردك عالم ولا قاض، وقعت واحدة رجعية. وهذا باتفاق المذاهب (3) .\r-------------------------------\r(1) المغني: 340/6.\r(2) غاية المنتهى: 129/3، المهذب: 85/2.\r(3) الدر المختار: 618/2، 631، 633.","part":9,"page":370},{"id":5926,"text":"8 - طلقة قبل طلقة أو بعدها طلقة :\rيرى الشافعية (1) : أنه لو قال: ( طلقة قبل طلقة ) أو (بعدها طلقة) أو (طلقة بعد طلقة) أو (قبلها طلقة) فتقع طلقتان في المدخول بها، وطلقة في غير المدخول بها، إذ مقتضاه في المدخول بها إيقاع طلقتين: إحداهما في الحال، وتعقبها الأخرى، أما في غير المدخول بها فتبين في الطلقة الأولى، فلم تصادف الثانية محلاً وهوالنكاح.\rولو قال: (طلقة في طلقة) وأراد (مع) فيقع طلقتان كما في قوله تعالى: {ادخلوا في أمم} [الأعراف:38/7]، وإن أراد الظرف أو الحساب، أو أطلق، فتقع طلقة واحدة في الجميع، إذ مقتضى الظرف والحساب واحدة.\rولو قال: (أنت طالق نصف طلقة) فتقع طلقة بكل حال من إرادة المعية أو الظروف أو الحساب أو عدم إرادة شيء؛ لأن الطلاق لا يتجزأ.\rولو قال: ( أنت طالق طلقة في طلقتين ) وقصد بـ (في) معية، فتقع ثلاث، وإن قصد ظرفاً فواحدة، أو حساباً وعرفه، فثنتان. وإن جهله وقصد معناه فطلقة.\rويتفق الحنابلة (2) مع الشافعية في قول الرجل: (أنت طالق طلقة قبلها طلقة) ونحوه، يقع طلقتان في المدخول بها، وطلقة في غير المدخول بها. وإن قالت: (أنت طالق طلقة بعدها طلقة) وقال: أردت أني أوقع بعضها طلقة، يصدق ديانة، وهل يصدق قضاءً؟ خلاف، الصحيح أنه إن وجد له طلاق في نكاح آخر، أو من زوج قبله، صدق، وإن لم يوجد لا يقبل قوله؛ لأنه لا يحتمل ما قاله.\r-------------------------------\r(1) مغني المحتاج: 297/3 وما بعدها، المهذب: 86/2.\r(2) المغني: 231/7 وما بعدها.","part":9,"page":371},{"id":5927,"text":"ووافق الحنفية (1) الشافعية أيضاً في قول الرجل: ( أنت طالق واحدة قبلهاواحدة ) أو قال: ( واحدة بعد واحدة ) أو ( مع واحدة أو معها واحدة ) تقع طلقتان؛ لأن في المثال الأول الملفوظ به أولاً موقع آخراً؛ لأنه أوقع واحدة، وأخبر أن قبلها واحدة سابقة، فوقعتا معاً؛ لأن الإيقاع في الماضي إيقاع في الحال.وفي المثال الثاني أوقع في الحالة الأولى طلقة واحدة وأخبر أنها بعد واحدة سابقة، وأما في الحالتين الأخيرتين؛ فلأن (مع) للمقارنة، فكأنه قرن بينهما، فوقعتا.\rأما لو قال:( أنت طالق واحدة قبل واحدة ) فتقع واحدة؛ لأن الملفوظ به أولاً موقع أولاً، فتقع الأولى لا غير؛ لأنه أوقع واحدة، وأخبر أنها قبل أخرى ستقع، وقد بانت بهذه، فلغت الثانية. وكذا إن قال: ( واحدة بعدها واحدة ) وقعت واحدة أيضاً؛ لأن الملفوظ به أولاً موقع أولاً، فتقع الأولى لا غير، لأنه أوقع واحدة، وأخبر أن بعدها أخرى ستقع.\rوإن قال لها: (إن دخلت الدار فأنت طالق واحدة وواحدة) أو (فواحدة) فدخلت الدار، وقعت عليها واحدة عند أبي حنيفة؛ لأن المعلق بالدخول كالمنجز، في حالة تقديم الشرط. فإن أخر الشرط يقع ثنتان؛ لأن الشرط إذا تأخر بغير صدر الكلام، فيتوقف عليه، فيقعن جملة، أما إن تقدم الشرط فتقع طلقة واحدة، لتعلقها بالشرط دفعة واحدة.\rوإذا قال لها: أنت طالق بمكة، فهي طالق في الحال في كل البلاد، وكذلك إن قال: أنت طالق في الدار، تطلق في الحال؛ لأن الطلاق لا يتخصص بمكان دون مكان، كما أبان الحنفية. وإن عنى به ( إذا أتيت مكة) يصدق ديانة لا قضاء؛ لأنه نوى الإضمار، وهو خلاف الظاهر.\rوإن قال لها: أنت طالق إذا دخلت مكة، لم تطلق حتى تدخل مكة؛ لأنه علقه بالدخول.\rوإن قال لها: أنت طالق غداً، وقع الطلاق عليها بطلوع الفجر؛ لأنه وصفها بالطلاق في جميع الغد، فيقع في أول جزء منه. ولو نوى آخر النهار، صدق ديانة لا قضاء؛ لأنه نوى التخصيص في العموم، وهويحتمله مخالفاً لظاهر الكلام.\r-------------------------------\r(1) اللباب مع الكتاب: 49/3 وما بعدها،الدرالمختار: 628/2.","part":9,"page":372},{"id":5928,"text":"9 - الطلاق غير المعين: قال الحنفية (1) : لو قال: امرأتي طالق، وله امرأتان أو ثلاث، تطلق واحدة منهن، وله خيار التعيين.\rولو قال : ( نساء الدنيا طوالق ) لم تطلق امرأته. أما لو قال: نساء المحلة والدار والبيت، فتطلق امرأته، ولو قال: نسائي طوالق، ولا نية له، طلقن كلهن بغير خلاف؛ لأن لفظه عام.\rولو قالت امرأة لزوجها: طلقني، فقال: فعلت أي طلقت بقرينة الطلب، طلقت واحدة. فإن قالت: زدني، فقال: فعلت، طلقت أخرى. ولو قالت: طلقني، طلقني، طلقني، فتقع واحدة إن لم ينو الثلاث. ولو عطفت بالواو، فثلاث؛ لأنه قرينة التكرار، فيطابقه الجواب.\rولو قالت: طلقت نفسي، فأجاز، طلقت؛ لأنه يملك إنشاء الطلاق عليها، فيملك الإجازة التي هي أضعف، بالأولى. وكذا لو قالت: أبنت نفسي، فأجاز، طلقت إن نوى ولو ثلاثاً. أما لو قالت المرأة: اخترت نفسي منك، فقال الزوج: أجزت، ونوى الطلاق، لا يقع شيء؛ لأن قولها ( اخترت ) لم يوضع للطلاق، لا صريحاً ولا كناية.\r10 - عدد الطلاق في ألفاظ الكناية عند المالكية :\rالكناية عند المالكية ظاهرة ومحتملة (2) :\rأما الكناية المحتملة أو الخفية: فهي كقول الرجل لامرأته: الحقي بأهلك، واذهبي، وابعدي عني وما أشبه ذلك. فهذا لا يلزمه الطلاق إلا إن نواه. فإن قال: إنه لم ينو الطلاق، قبل قوله فيه.\rوأما الكناية الظاهرة: فهي التي جرت العادة أن يطلق بها في الشرع أو في اللغة، كلفظ التسريح والفراق، وكقوله: أنت بائن، أو بتة، أو بتلة، وما أشبه ذلك. وحكمها حكم الصريح. وهي سبعة أنواع:\rالأول: ما يلزم فيه طلقة واحدة، إلا إن نوى أكثر في المرأة المدخول بها، وهو: ( اعتدّي ) وأما غير المدخول بها فلا عدة عليها، فإن قال لها: اعتدي، فهو من الكناية الخفية أو المحتملة، لا يقع إلا بنية.\rالثاني: ما يلزم فيه الثلاث مطلقاً وهو: بتة، و: حبلك على غاربك.\rالثالث: ما يلزم فيه الثلاث في المدخول بها، وواحدة في غيرها إن لم ينو أكثر، فإن نوى ثلاثاً لزمه، أو أقل لزمه ما نواه، وهوأنت طالق واحدة بائنة.\r-------------------------------\r(1) الدر المختار: 629/2-633 وما بعدها، المغني: 169/7-170.\r(2) القوانين الفقهية: ص 229، الشرح الصغير: 560/2-565.","part":9,"page":373},{"id":5929,"text":"الرابع: مايلزم فيه الثلاث في المدخول بها، وغيرها إن لم ينو أقل، وهي وهبتك لأهلك، أو رددتُك أولا عصمة لي عليك، وأنت حرام، أو خلية لأهلك أي من الزوج، أو ميتة أو كالدم أو كلحم الخنزير، أو بريّة، أو خالصة، أي مني لا عصمة لي عليك، أوبائنة، أو أنا بائن منك، أو خلي أوبري أو خالص، فإن نوى الأقل لزمه ما نواه، وحلف إن أراد نكاحها أنه ما أراد إلا الأقل، لا إن لم يرده.\rالخامس: ما يلزم فيه الثلاث مطلقاً، ما لم ينو أقل، وهو: خليت سبيلك.\rالسادس: ما يلزم فيه الثلاث في المدخول بها، وينوي في غيرها، وهو (وجهي من وجهك حرام) أو (وجهي على وجهك حرام) فلا فرق بين (من) و(على) ومثله: لا نكاح بيني وبينك، أولا ملك لي عليك، أولا سبيل لي عليك، فيلزمه الثلاث في المدخول بها فقط، إلا إن كان الكلام لعتاب، فلا شيء عليه.\rالسابع: ما يلزم فيه واحدة مطلقاً سواء دخل أم لا إلا لنية أكثر، وهو: فارقتك، يقع بها طلقة رجعية في المدخول بها.\rوكل ذلك ما لم تدل القرائن على عدم إرادة الطلاق، فيصدق الرجل في نفي الطلاق إن دلت القرينة على النفي في جميع الكنايات الظاهرة. والحاصل: أن لفظي ( اعتدي وفارقتك ) يقع بهما طلقة واحدة، وبقية ألفاظ الكناية الظاهرة المذكورة يقع بها الثلاث.","part":9,"page":374},{"id":5930,"text":"11 - الطلاق المقيد بالاستثناء :\rذهب علماء المذاهب الأربعة (1) : إلى أنه إذا استثنى المطلِّق بلسانه صح، ولم يقع ما استثناه. فإذا قال الرجل لامرأته: ( أنت طالق ثلاثاً إلا واحدة) تطلق طلقتين. وإذا قال: (أنت طالق ثلاثاً إلا اثنتين) طُلِّقت واحدة.\rوإذا قال: ( أنت طالق البتة إلا ثنتين إلا واحدة ) يلزمه اثنتان؛ لأن (البتة) ثلاث، والاستثناء من الإثبات نفي، ومن النفي إثبات، فأخرج من (البتة) اثنتين، ثم أخرج منهما واحدة، تضم للواحدة الأولى، واشترط الفقهاء لصحة الاستثناء الاتصال في الكلام، أي اتصال لفظ المستثنى بالمستثنى منه عرفاً بحيث يعد كلاماً واحداً، ولا يضر فصل يسير كتنفس ونحوه كسعال وعطاس.\rواشترطوا أيضاً عدم استغراق المستثنى منه، فلو قال: «أنت طالق ثلاثاً إلا ثلاثاً» لم يصح الاستثناء، وطلقت ثلاثاً بلا خلاف؛ لأن الاستثناء تكلم بالباقي بعد الثُنيا، ومعناه أنه تكلم بالمستثنى منه.\rواشترط الشافعية في الأصح والحنابلة، أن ينوي الاستثناء قبل فراغ اليمين أي قبل تمام المستثنى منه؛ لأن اليمين إنما تعتبر بتمامها. واشترطوا أيضاً في التلفظ بالاستثناء إسماع نفسه عند اعتدال سمعه، فلا يكفي أن ينويه بقلبه من غير أن يسمع نفسه.\rوبناء عليه يكون للاستثناء أحوال ثلاثة:\rأ ـ استثناء القليل من الكثير: يصح بالاتفاق، مثل أن يقول: أنت طالق ثلاثاً إلا واحدة، وتقع ثنتان، ومن قال: أنت طالق أربعاً إلا اثنتين، لزمه اثنتان.\rب ـ استثناء العدد بعينه: مثل أن يقول: أنت طالق ثلاثاً إلا ثلاثاً، أو أنت طالق اثنتين إلا اثنتين، طلقت ثلاثاً في الأول، واثنتين في الثاني، وكذا لو قال: أنت طالق ثلاثاً إلا طلقة وطلقة وطلقة، يقع ثلاثاً؛ لأنه استثناء الكل من الكل.\rولو قال: أنت طالق ثلاثاً إلا ثنتين وواحدة، وقعت واحدة، ويلغو ما حصل به الاستغراق. ولو قال أنت طالق ثلاثاً إلا نصف طلقة، وقعت الثلاث.\rجـ ـ استثناء الأكثر من الأقل: مثل أنت طالق ثلاثاً إلا اثنتين، صح الاستثناء عند الجمهور وتقع طلقة واحدة. وقال أحمد في الأصح: الاستثناء لا يصح؛ لأن الاثنتين أكثر الثلاث.\rويصح الاستثناء من الاستثناء مثل: أنت طالق ثلاثاً إلا اثنتين إلا واحدة، ويقع به طلقتان؛ لأن الاستثناء في الأصح ينصرف إلى الملفوظ به؛ لأنه لفظ فيتبع به موجب اللفظ.\r-------------------------------\r(1) الأحوال الشخصية للأستاذ زكي الدين شعبان: ص 378.","part":9,"page":375},{"id":5931,"text":"المبحث الثالث ـ قيود إيقاع الطلاق شرعاً :\rقيد الشرع الطلاق بقيود شرعية منعاً للشطط والتسرع، وحفظاً على الرابطة الزوجية؛ لأن هذا الرباط مقدس، يختلف عن كل العقود الأخرى، ولأن الطلاق يؤثر تأثيراً بالغاً في حياة المرأة، فإن جوهر ما تملكه أصبح هدراً، وربما عاشت أيِّما لا تتزوج أبداً، وفي التأيم غالباً مفاسد كثيرة أو تعريض للفساد والشر والمعصية.\rفإن توافرت هذه القيود كان الطلاق موافقاً للشرع لا إثم فيه، وإن فقد واحد منها، كان إيقاعه موجباً للإثم والسخط الإلهي.\rوالقيود ثلاثة (1) :\r1ً - أن يكون الطلاق لحاجة مقبولة.\r2ً - أن يكون في طهر لم يجامعها فيه.\r3ً - أن يكون مفرّقاً ليس بأكثر من واحدة.\rوأبحث هذه القيود وأثر مخالفتها عند فقهائنا:\rأولاً ـ أن يكون الطلاق لحاجة مقبولة شرعاً وعرفاً :\rيرى الحنفية في أصل المذهب (2) كما تبين سابقاً: أن الأصل في الطلاق هو الإباحة، لإطلاق الآيات القرآنية الواردة فيه، مثل قوله تعالى: {لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة} [البقرة:236/2] وقوله: { فطلقوهن لعدتهن } [الطلاق:1/65] ولأن الرسول صلّى الله عليه وسلم طلق حفصة، وفعله الصحابة، ولو كان الطلاق محظوراً لما أقدموا عليه.\r-------------------------------\r(1) فتح القدير: 147/3، اللباب: 53/3، بداية المجتهد: 80/2، الشرح الصغير: 576/2 ومابعدها، مغني المحتاج: 300/3 ومابعدها، المهذب: 86/2 ومابعدها، كشاف القناع: 305/5-309، المغني: 160/7-164.\r(2) الدر المختار: 571/2 وما بعدها، فتح القدير: 21/3-22.","part":9,"page":376},{"id":5932,"text":"ونوقشت هذه الأدلة، أما الآية الأولى فهي لبيان إباحة الطلاق قبل الدخول وقبل تسمية المهر، وأما الآية الثانية فبيان وقت الطلاق المفضل شرعاً وهو وقت ابتداء أو استقبال العدة. وأما طلاق حفصة وطلاق بعض الصحابة، فلم يثبت أنه كان لغير حاجة أو سبب يدعو إليه. والظاهر هو أنه لحاجة؛ لأن الطلاق لغير حاجة كفر بنعمة الزواج، وإيذاء محض بالزوجة وأهلها وأولادها.\rويرى الجمهور غير الحنفية منهم الكمال بن الهمام وابن عابدين (1) : أن الأصل في الطلاق هو الحظر والمنع وخلاف الأولى، والأولى أن يكون لحاجة كسوء سلوك الزوجة أوإيذائها أحداً، لما فيه من قطع الألفة، وهدم سنة الاجتماع، والتعريض للفساد، ولقوله تعالى: {فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلاً} [النساء:34/4] وللحديث السابق: «أبغض الحلال إلى الله الطلاق» وحديث: «أيما امرأة سألت زوجها الطلاق في غير ما بأس، فحرام عليها رائحة الجنة» (2) ففيه دليل على أن سؤال المرأة الطلاق من زوجها محرم عليها تحريماً شديداً؛ لأن من لم يرح رائحة الجنة غير داخل إليها أبداً، وكفى بذنب يبلغ بصاحبه إلى ذلك المبلغ مشيراً إلى خطورته وشدته، كما قال الشوكاني (3) .\rوهذا هو الراجح لاتفاقه مع مقاصد الشريعة، ولمخاطر الطلاق المتعددة، قال ابن عابدين: الأصل في الطلاق الحظر، بمعنى أنه محظور إلا لعارض يبيحه، والإباحة للحاجة إلى الخلاص، فإذا كان بلا سبب أصلاً لم يكن فيه حاجة إلى الخلاص، بل يكون حمقاً، وسفاهة رأي، ومجرد كفران النعمة، وإخلاص الإىذاء بها وبأهلها وأولاده.\r-------------------------------\r(1) الدسوقي: 361/2، المهذب: 78/2، كشاف القناع: 261/5، المغني: 97/7 وما بعدها.\r(2) وفي حديث آخر رواه الطبراني عن أبي موسى: «لا تطلقوا النساء إلا من ريبة، فإن الله لايحب الذواقين ولا الذواقات» لكنه ضعيف.\r(3) نيل الأوطار: 221/6.","part":9,"page":377},{"id":5933,"text":"وإذا وجدت الحاجة المبيحة وهي أعم من الكبَر والريبة، أبيح الطلاق، وعليها يحمل ما وقع منه صلّى الله عليه وسلم ومن أصحابه وغيرهم من الأئمة، صوناً لهم من العبث والإيذاء بلا سبب.\rأثر مخالفة هذا القيد: إذا حدث الطلاق من غير حاجة أو سبب يدعو إليه، فإنه يقع بالاتفاق، ولكن المطلِّق يأثم؛ لأن الحاجة قد تكون تقديرية، أو نفسية خفية لا تخضع للإثبات الظاهر في القضاء، وقد تكون مما يجب ستره، حفظاً لسمعة المرأة ومنعاً من التشهير بها. لهذا كان الأصح ألا يحكم على الرجل بتعويض مادي للمطلقة، بسبب كون الطلاق تعسفاً، ويكتفى بما يقرره الشرع بدفع مؤخر الصداق، ونفقة العدة، والمتعة التي هي تعويض عن الضرر الناجم عن الطلاق.\rثانياً ـ أن يكون الطلاق في طهر لم يجامعها فيه :\rهذا القيد متفق عليه بين الفقهاء (1) ، فإذا أوقع الزوج الطلاق في حال الحيض أو النفاس، أو في طهر جامعها فيه، كان الطلاق عند الجمهور حراماَ شرعاً وعند الحنفية مكروهاً تحريمياً، وهو المسمى طلاقاً بدعياً، واقتصر المالكية على القول بتحريم الطلاق في الحيض أو النفاس، ويكره في غيرهما. ودليل هذا القيد: أن ابن عمر طلق امرأته، وهي حائض، فذكر ذلك عمر للنبي صلّى الله عليه وسلم ، فقال: «مُرْه،\r-------------------------------\r(1) فتح القدير: 28/3-34، الشرح الصغير: 537/2، مغني المحتاج: 307/3 ومابعدها، المغني: 98/7-103.","part":9,"page":378},{"id":5934,"text":"فليراجعها أو ليطلّقْها طاهراً أو حاملاً» (1) . وفي رواية عنه: «أنه طلق امرأة له وهي حائض، فذكر ذلك عمر للنبي صلّى الله عليه وسلم ، فتغيَّظ فيه رسول الله صلّى الله عليه وسلم ثم قال: ليراجعْها، ثم يمسكْها حتى تطهُر، ثم تحيض فتطهر، فإن بدا له أن يطلّقها، فليطلقها قبل أن يمسها، فتلك العدة كما أمر الله تعالى» . وفي لفظ: «فتلك العدة التي أمر الله أن يُطلَّق لها النساء» فهو يدل على أن الطلاق جائز حال الطهر الذي لم يجامع فيه.\rوهذا متفق مع الآية القرآنية: {يا أيها النبي إذا طلقتم النساء، فطلقوهن لعدتهن} [الطلاق:1/65] أي مستقبلات عدتهن.\rوالسبب هو عدم إطالة العدة على المرأة، ففي الطلاق في أثناء الحيض أو في طهر جامعها فيه ضرر بالمرأة بتطويل العدة عليها؛ لأن الحيضة التي وقع فيها الطلاق لا تحتسب من العدة، وزمان الحيض زمان النفرة، وبالجماع مرة في الطهر تفتر الرغبة.\rوبه يتبين أن الطلاق البدعي يكون للمرأة التي دخل بها زوجها، وكانت ممن تحيض، أما التي لم يدخل بها الزوج أو كانت حاملاً أو لا تحيض، فلا يكون طلاقها بدعياً قبيحاً شرعاً، قال ابن عباس: الطلاق على أربعة أوجه: وجهان حلال، ووجهان حرام، فأما اللذان هما حلال: فأن يطلق الرجل امرأته طاهراً من غير جماع، أو يطلقها حاملاً مستبيناً حملها، وأما اللذان هما حرام: فأن يطلقها حائضاً أو يطلقها عند الجماع، لا يدري، اشتمل الرحم على ولد أم لا (2) .\r-------------------------------\r(1) رواه الجماعة إلا البخاري عن ابن عمر (نيل الأوطار: 221/6).\r(2) رواه الدارقطني (المرجع السابق: ص 222).","part":9,"page":379},{"id":5935,"text":"أثر مخالفة هذا القيد: يقع الطلاق باتفاق المذاهب الأربعة في حال الحيض أو في حال الطهر الذي جامع الرجل امرأته فيه؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلم أمر ابن عمر بمراجعة امرأته التي طلقها، وهي حائض، والمراجعة لا تكون إلا بعد وقوع الطلاق، ويؤيده رواية: «وكان عبد الله طلَّق تطليقة، فحسبت من طلاقها» .\rوقال الشيعة الإمامية والظاهرية وابن تيمية وابن القيم (1) : يحرم الطلاق في أثناء الحيض أو النفاس أو في طهر وطئ الرجل زوجته فيه، ولا ينفذ هذا الطلاق البدعي، بدليل ما يأتي:\r1ً - ما أخرجه أحمد وأبو داود والنسائي عن ابن عمر بلفظ: «طلق عبد الله ابن عمر امرأته وهي حائض، قال عبد الله : فردها علي رسول الله صلّى الله عليه وسلم ولم يرها شيئاً» . وهذا الحديث صحيح كما صرح به ابن القيم وغيره.\rونوقش بأنه قد أعل هذا الحديث بمخالفة أبي الزبير لسائر الحفاظ، وقال ابن عبد البر: قوله «ولم يرها شيئاً» : منكر لم يقله غير أبي الزبير، وليس بحجة فيما خالفه فيه مثله، فكيف إذا خالفه من هو أوثق منه، ولو صح فمعناه عندي ـ والله أعلم ـ ولم يرها شيئاً مستقيماً، لكونها لم تكن على السنة.\rوقال الخطابي: وقد يحتمل أن يكون معناه: ولم يرها شيئاً تحرم معه المراجعة، أو لم يرها شيئاً جائزاً في السنة.\r2ً - حديث: «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد» (2) والطلاق في حال الحيض مخالف لأمر الشارع، فيكون مردوداً لا أثر له. ونوقش بأن المردود هو بسبب مخالفة ركن أو شرط من أركان أو شروط العمل. وأما المخالفة بسبب تطويل العدة أو عدم وجود الحاجة إلى الطلاق، فليس أحدهما ركناً أو شرطاً للطلاق، فلا تستوجب الرد وعدم وقوع الطلاق.\r3ً - هذا الطلاق منهي عنه شرعاً غير مأذون فيه، فلا يكون مملوكاً للزوج كالوكيل بالطلاق إذا خالف أمر الموكل، فإن طلاقه لا يقع، والمنهي عنه لذاته أو لجزئه أو لوصفه اللازم يقتضي الفساد، والفاسد لا يثبت حكمه.\r-------------------------------\r(1) المختصر النافع في فقه الإمامية: ص 221، نيل الأوطار: 226/6، المحلى: 197/10، مسألة 1949، 1953.\r(2) رواه مسلم وأحمد عن عائشة، وهو صحيح شامل لكل مسألة مخالفة لما عليه أمر الرسول صلّى الله عليه وسلم .","part":9,"page":380},{"id":5936,"text":"وأجيب بأن النهي عن الطلاق في الحيض ونحوه ليس راجعاً إلى نفس الطلاق، ولا إلى صفة من صفاته، وإنما هو راجع إلى أمر خارج عن المنهي عنه، وهو عدم الحاجة إلى الطلاق، أو ما يترتب عليه من إيذاء الزوجة بإطالة العدة، والنهي لأمر خارج عن المنهي عنه لا يدل على فساده إذا وقع، كالبيع وقت النداء لصلاة الجمعة. والقياس على الوكيل قياس مع الفارق؛ لأن الوكيل في الطلاق مجرد سفير ومعبر عن الموكل، فلا يملك غير ما فوض إليه، أما الزوج فلا يوقع الطلاق نيابة عن غيره ولا عن الله عز وجل، وإنما يوقعه عن نفسه.\r4ً - هناك مرجحات لهذا الرأي بعدم الوقوع من القرآن، منها قوله تعالى: {فطلقوهن لعدتهن} [الطلاق:1/65] والمطلق في حال الحيض أو الطهر الذي وطئ فيه، لم يطلق لتلك العدة التي أمر الله بتطليق النساء لها، وقد تقرر في الأصول أن الأمر بالشيء نهي عن ضده.\rومنها قوله تعالى: {الطلاق مرتان} [البقرة:229/2] ولم يرد إلا المأذون، فدل على أن ما عداه ليس بطلاق، لما في هذا التركيب من الصيغة الصالحة للحصر أي تعريف المسند إليه باللام الجنسية.\rومنها قوله تعالى: {فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان} [البقرة:231/2] ولا أقبح من التسريح الذي حرمه الله .","part":9,"page":381},{"id":5937,"text":"وأقول: إن هذه إرشادات لما هو الأفضل،وليس فيها دلالة على عدم وقوع الطلاق، بل المقرر في السنة وقوع الطلاق، مع مخالفة هذه الإرشادات. وفي تقديري أن رأي الجمهور أرجح، لضعف أدلة الفريق الثاني، وقد اتفق الجمهور على أن الزوج يؤمر بمراجعة الزوجة إن طلق في الحيض أو في طهر جامعها فيه، وهذه المراجعة واجبة عند المالكية، وفي الأصح عند الحنفية، وإذا امتنع الزوج عن المراجعة أجبره الحاكم في رأي المالكية عليها بالحبس أو بالضرب حتى يراجع، فإن لم يراجعها ارتجعها الحاكم عليه. ولا يقول الحنفية بصحة الرجعة من الحاكم، وإنما للحاكم معاقبة الزوج إن لم يرتجع بما يراه زاجراً؛ لأن كل معصية لا حد ولا كفارة فيها، فالواجب فيها التعزير.وتستحب المراجعة عند الشافعية والحنابلة، ولا تجب؛ لأن الزوج بالرجعة يزيل المعنى الذي حرم الطلاق، ولأنه طلاق لا يرتفع بالرجعة، فلم تجب عليه الرجعة فيه.\rثالثاً ـ أن يكون الطلاق مفرقاً ليس بأكثر من واحدة :\rاتفق الفقهاء (1) على أن الطلاق السني المشروع هو الواقع بالترتيب مفرقاً، الواحد بعد الآخر، لا بإيقاع الثلاث دفعة واحدة، لظاهر قوله تعالى: {الطلاق مرتان} [البقرة:229/2] أي أن الطلاق المباح ما كان مرة بعد مرة، فإذا جمع الرجل الطلقات الثلاث بكلمة واحدة، أو بألفاظ متفرقة في طهر واحد، يكون بدعياً محظوراً في قول الحنفية والمالكية وابن تيمية وابن القيم. ولا يحرم ولا يكره عند الشافعية والحنابلة في الراجح من الروايات، وكذا عند أبي ثور وداود الظاهري، وإنما يكون تاركاً للاختيار والفضيلة.\r-------------------------------\r(1) فتح القدير: 35/3، بداية المجتهد: 60/2 ومابعدها، المهذب: 78/2، مغني المحتاج: 311/3 ومابعدها، المغني: 104/7.","part":9,"page":382},{"id":5938,"text":"ويؤيد الرأي الأول ما رواه النسائي عن محمود بن لبيد قال: أخبر رسول الله صلّى الله عليه وسلم عن رجل طلَّق امرأته ثلاث تطليقات جميعاً، فقام غضبان، ثم قال: «أيلعب بكتاب الله ، وأنا بين أظهركم، حتى قام رجل، فقال: يا رسول الله ، ألا أقتله» (1) ويؤكده ما سبق معرفته عند جمهور الفقهاء أن الأصل في الطلاق الحظر، ولكنه أبيح للحاجة الاستثنائية لتنافر الطباع وتباين الأخلاق أو لغيرها من الأسباب، وتتحقق الحاجة بالطلقة الواحدة، ويتمكن بعدها من مراجعة زوجته عند الندم، وهو الغالب.\rأثر مخالفة هذا القيد :\rإذا طلق الرجل امرأته ثلاثاً بكلمة واحدة أو بكلمات في طهر واحد، يكون آثماً مستحقاً لعقوبة يراها القاضي، لكن الطلاق يقع ثلاثاً في المذاهب الأربعة.\rأقوال الفقهاء في الطلاق الثلاث بلفظ واحد :\rللفقهاء آراء ثلاثة في جمع الطلاق الثلاث بكلمة واحدة وهي (2) :\rالأول ـ قول الجمهور منهم أئمة المذاهب الأربعة والظاهرية: يقع به ثلاث طلقات، وهو منقول عن أكثر الصحابة ومنهم الخلفاء الراشدون غير أبي بكر، والعبادلة الأربعة (ابن عمر، وابن عمرو، وابن عباس، وابن مسعود) وأبو هريرة وغيرهم، ومنقول عن أكثر التابعين، لكن لا يسن أن يطلق الرجل أكثر من واحدة عند الحنفية والمالكية كما تقدم؛ لأن طلاق السنة: هو أن يطلقها واحدة ثم يتركها حتى تنقضي عدتها.\rالثاني ـ قول الشيعة الإمامية: لا يقع به شيء.\r-------------------------------\r(1) قال ابن كثير: إسناده جيد، وقال الحافظ ابن حجر في بلوغ المرام: رواته موثوقون (نيل الأوطار: 227/6).\r(2) المراجع السابقة، المختصر النافع: ص 222، المحلى: 204/10، مسألة 1949. أعلام الموقعين: 41/3-52.","part":9,"page":383},{"id":5939,"text":"الثالث ـ قول الزيدية وبعض الظاهرية وابن إسحاق وابن تيمية وابن القيم: يقع به واحدة، ولا تأثير للفظ فيه.\rوأخذ القانون في مصر وسورية بهذ الرأي، نص القانون السوري على ما يلي:\r(م 91) - يملك الزوج على زوجته ثلاث طلقات.\r(م 92) - الطلاق المقترن بعدد لفظاً أو إشارة لا يقع إلا واحداً.\rوقد عدلت لجنة الإفتاء بالرياض عن هذا القول واختارت بالأكثرية القول بوقوع الطلاق الثلاث بلفظ واحد ثلاثاً (1) .\rأدلة هذه الأقوال :\rأما أدلة الإمامية القائلين بأنه لا يقع شيء: فهي الأدلة نفسها التي استدلوا بها على عدم وقوع الطلاق في الحيض، لأن كلاً منهما غير مشروع.\rوكذلك قوله تعالى: {فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان} [البقرة:231/2] يدل على أن شرط وقوع الطلقة الثالثة أن تكون في حال يصح من الزوج فيها الإمساك. وإذا لم يصح الإمساك إلا بعد المراجعة، لم تصح الثالثة إلا بعدها لما ذكر، وإذا لزم في الثالثة لزم في الثانية.\rوأما أدلة الزيدية وابن تيمية وابن القيم القائلين بوقوع طلاق واحد، فهي ما يأتي:\r1ً - آية {الطلاق مرتان} [البقرة:229/2] إلى قوله تعالى في الطلقة الثالثة: {فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجاً غيره} [البقرة:230/2] أي أن المشروع تفريق الطلاق مرة بعد مرة، لأنه تعالى قال: {مرتان} [البقرة:229/2] ولم يقل «طلقتان» .\rوليس مشروعاً كون الطلاق كله دفعة واحدة، فإذا جمع الطلاق الثلاث في لفظ واحد، لا يقع إلا واحدة، والمطلّق بلفظ الثلاث مطلق بواحدة، لا مطلق ثلاث.\rويرد عليه بأن الآية ترشد إلى الطلاق المشرو ع أو المباح، وليس فيها دلالة على وقوع الطلاق وعدم وقوعه إذا لم يكن مفرقاً، فيكون المرجع إلى السنة، والسنة بينت أن الطلاق الثلاث يقع ثلاثاً.\r-------------------------------\r(1) مجلة البحوث الإسلامية ـ المجلد الأول ـ العدد الثالث، عام 1397 هـ ، ص 165 وما بعدها.","part":9,"page":384},{"id":5940,"text":"ومما جاء في السنة في قصة ابن عمر الذي طلق امرأته في أثناء الحيض: أنه قال: «يا رسول الله ، أرأيت لو طلقتُها ثلاثاً، أكان يحل لي أن أراجعها؟ قال: لا، كانت تبين منك، وتكون معصية» (1) .\r2ً - حديث ابن عباس قال: «كان الطلاق على عهد رسول الله صلّى الله عليه وسلم وأبي بكر وسنتين من خلافة عمر، طلاقُ الثلاث واحدة، فقال عمر بن الخطاب: إن الناس قد استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة، فلو أمضيناه عليه، فأمضاه عليهم» (2) فهو واضح الدلالة على جعل الطلاق الثلاث بلفظ واحد طلقة واحدة، وعلى أنه لم ينسخ لاستمرار العمل به في عهد أبي بكر وسنتين من خلافة عمر، ولأن عمر أمضاه من باب المصلحة والسياسة الشرعية.\rوأجيب عنه بأنه محمول على صورة تكرير لفظ الطلاق ثلاث مرات، بأن يقول: (أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق) فإنه يلزمه واحدة إذا قصد التوكيد، وثلاث إذا قصد تكرير الإيقاع، فكان الناس على عهد رسول الله صلّى الله عليه وسلم وأبي بكر على صدقهم وسلامتهم وقصدهم في الغالب الفضيلة والاختيار، لم يظهر فيهم خب ولا خداع، وكانوا يصدقون في إرادة التوكيد، فلما رأى عمر في زمانه أموراً ظهرت، وأحوالاً تغيرت، وفشا إيقاع الثلاث جملة بلفظ لا يحتمل التأويل، ألزمهم الثلاث في صورة التكرير، إذ صار الغالب عليهم قصدها، وقد أشار إليه بقوله: «إن الناس قد استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة» .\rثم إن هذا الحكم إنما هو في القضاء، أما في الديانة فإن كل واحد يعامل فيها بنيته. ومخالفة عمر لما مضى لا شيء فيها؛ لأنها ترجع إلى تغير الحكم بسبب تغير العرف وحال الناس. والحق أن في هذا الحديث نظراً.\r-------------------------------\r(1) رواه الدارقطني عن الحسن عن ابن عمر، لكن في إسناده ضعيف (نيل الأوطار: 227/6-228).\r(2) رواه أحمد ومسلم عن طاوس عن ابن عباس (نيل الأوطار: 230/6).","part":9,"page":385},{"id":5941,"text":"3ً - حديث ابن عباس عن رُكانة: «أنه طلق امرأته ثلاثاً في مجلس واحد، فحزن عليها حزناً شديداً، فسأله النبي صلّى الله عليه وسلم ، كيف طلقتها؟ فقال: ثلاثاً في مجلس واحد، فقال له صلّى الله عليه وسلم : إنما تلك واحدة فارتجعها» (1) .\rوأجيب عنه بأجوبة:\rمنها ـ أن في إسناده محمد بن إسحاق، ورد بأنهم قد احتجوا في غير واحد من الأحكام مثل هذا الإسناد.\rومنها ـ معارضته لفتوى ابن عباس، فإنه كان يفتي من سأله عن حكم الطلاق بلفظ الثلاث بأنه يقع ثلاثاً. ورد بأن المعتبر روايته لا رأيه.\rومنها ـ أن أبا داود رجح أن ركانة إنما طلق امرأته البتة، كما تقدم لدينا. ويمكن أن يكون من روى «ثلاثاً» حمل «البتة» على معنى الثلاث، وفيه مخالفة للظاهر، والحديث نص في محل النزاع.\rأدلة الجمهور القائلين بوقوع ثلاث طلقات :\rاستدل فقهاء المذاهب الأربعة وموافقوهم على وقوع ثلاث طلقات بما يأتي من الكتاب والسنة والإجماع والآثار والقياس:\r1ً - الكتاب: منه قوله تعالى: {الطلاق مرتان، فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان} [البقرة:229/2] فهو يدل على وقوع الثلاث معاً مع كونه منهياً عنه؛ لأن قوله تعالى: {الطلاق مرتان} [البقرة:229/2] تنبيه إلى الحكمة من التفريق، ليتمكن من المراجعة، فإذا خالف الرجل الحكمة، وطلق اثنتين معاً، صح وقوعهما إذ لا تفريق بينهما، ثم إن قوله تعالى: {فلا تحل له من بعْدُ حتى تنكح زوجاً غيره} [البقرة:230/2] يدل على تحريمها عليه بالثالثة بعد الاثنتين ، ولم يفرق بين إيقاعهما في طهر واحد أو في أطهار.\r-------------------------------\r(1) أخرجه أحمد وأبو يعلى وصححه (نيل الأوطار: 232/6).","part":9,"page":386},{"id":5942,"text":"ومنه {فطلقوهن لعدتهن} [الطلاق:1/65] إلى قوله تعالى: {وتلك حدود الله ، ومن يتعدّ حدود الله فقد ظلم نفسه } [الطلاق:1/65] والطلاق المشروع ما يعقبه عدة، وهو منتف في إيقاع الثلاث في العدة، وفيها دلالة على وقوع الطلاق لغير العدة، إذ لو لم يقع لم يكن ظالماً لنفسه بإيقاعه لغير العدة، ومن لم يطلق للعدة بأن طلق ثلاثاً مثلاً، فقد ظلم نفسه. ومنه آية {وللمطلقات متاع بالمعروف} [البقرة:241/2] وغيرها من آيات الطلاق. تدل ظواهر هذه الآيات على ألا فرق بين إيقاع الطلقة الواحدة والثنتين والثلاث.\rوأجيب: بأن هذه عمومات مخصصة، وإطلاقات مقيدة بما ثبت من الأدلة الدالة على المنع من وقوع ما فوق الطلقة الواحدة.\r2ً - السنة: منها حديث سهل بن سعد في الصحيحين في قصة لعان عويمر العجلاني، وفيه: «فلما فرغا قال عويمر: كذبتُ عليها يا رسول الله ، إن أمسكتها، فطلَّقها ثلاثاً قبل أن يأمره رسول الله صلّى الله عليه وسلم » ولم ينقل إنكار النبي صلّى الله عليه وسلم . وأجيب: إنما لم ينكره عليه؛ لأنه لم يصادف محلاً مملوكاً له ولا نفوذاً.\rومنها ـ حديث محمود بن لبيد عند النسائي السابق، وفيه أن النبي صلّى الله عليه وسلم غضب من إيقاع الثلاث دفعة في غير اللعان، وقال: «أيلعب بكتاب الله ، وأنا بين أظهركم؟» هذا يدل على أن الطلاق الثلاث بلفظ واحد يكون ثلاثاً، ويلزم المطلّق بها، وإن كان عاصياً في إيقاع الطلاق بدليل غضب النبي عليه الصلاة والسلام.\rوأجيب بأنه حديث مرسل؛ لأن محمود بن لبيد لم يثبت له سماع من رسول الله صلّى الله عليه وسلم ، وإن كانت ولادته في عهده عليه السلام. وهذا مردود؛ لأن مرسل الصحابي مقبول.","part":9,"page":387},{"id":5943,"text":"ومنها ـ حديث ركانة بن عبد يزيد المتقدم أنه طلق امرأته سهيمة البتة، فأخبر النبي صلّى الله عليه وسلم ، وقال: والله ما أردتُ إلا واحدة، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلم : «والله ما أردتَ إلا واحدة ؟» قال ركانة: والله ما أردتُ إلا واحدة، فردها إليه رسول الله صلّى الله عليه وسلم (1) .\rوهو من أصرح الأدلة وأوضحها على وقوع الطلاق الثلاث بلفظ واحد،لقول ركانة واستحلاف النبي له على أنه لم يرد بلفظ ( البتة) إلا واحدة، فهو يدل على أنه لو أراد الثلاث لوقعت.\rونوقش الحديث بأنه حديث ضعَّف الإمام أحمد جميع طرقه، كما ذكر المنذري، وكذلك ضعفه البخاري، وأن قصة ركانة أنه طلقها البتة لا ثلاثاً.\rومنها ـ ما أخرجه عبد الرزاق في مصنفه من حديث عبادة بن الصامت قال: «طلَّق جدي امرأة له ألف تطليقة، فانطلق إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلم ، فذكر له ذلك، فقال النبي صلّى الله عليه وسلم : ما اتقى الله جدك، أما ثلاث فله، وأما تسعمائة وسبع وتسعون، فعدوان وظلم، إن شاء الله عذبه، وإن شاء غفر له» وأجيب بأن راويه ضعيف، وبأن والد عبادة بن الصامت لم يدرك الإسلام، فكيف بجدِّه؟\r3ً - الإجماع : أجمع السلف على وقوع الطلاق الثلاث بلفظ واحد ثلاثاً. وممن حكى الإجماع على لزوم الثلاث في الطلاق بكلمة واحدة: أبو بكر الرازي والباجي وابن العربي وابن رجب.\rوأجيب بأنه لم يثبت الإجماع، فقد روى أبو داود عن ابن عباس أنه يجعل الثلاث واحدة، وبأن طاوساً وعطاء قالا: «إذا طلق الرجل امرأته ثلاثاً قبل أن يدخل بها، فهي واحدة» .\r-------------------------------\r(1) رواه الشافعي وأبو داود والترمذي وابن ماجه وابن حبان والحاكم.","part":9,"page":388},{"id":5944,"text":"4ً -الآثار: نقل عن كثير من الصحابة رضي الله عنهم أنهم أوقعوا الطلاق الثلاث ثلاثاً، منها ما روى أبو داود عن مجاهد، قال: «كنت عند ابن عباس، فجاءه رجل، فقال: إنه طلق امرأته ثلاثاً، فسكت حتى ظننت أنه ردها إليه، ثم قال: ينطلق أحدكم فيركب الحموقة، ثم يقول: يا ابن عباس، وإن الله قال: {ومن يتق الله يجعل له مخرجاً} [الطلاق:2/65] ، وإنك لم تتق الله ، فلم أجد لك مخرجاً، عصيت ربك، وبانت منك امرأتك» . ومنها ـ ما روى مالك في الموطأ أن رجلاً جاء إلى ابن مسعود، فقال: إني طلقت امرأتي ثماني تطليقات، فقال: ما قيل لك؟ فقال: قيل لي: بانت منك، قال: هو مثل ما يقولون.\rومنها ـ ما أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه: «أن رجلاً جاء إلى عثمان بن عفان، فقال: إني طلقت امرأتي مئة، فقال: ثلاث تحرمها عليك، وسبع وتسعون عدوان» .\rوروى أيضاً: «أن رجلاً جاء إلى علي بن أبي طالب فقال: إني طلقت امرأتي ألفاً، فقال: بانت منك بثلاث» .\rوثبت مثله عن صحابة آخرين، وعن التابعين ومن بعدهم.\r5ً - القياس: قال ابن قدامة (1) : إن النكاح ملك يصح إزالته متفرقاً، فصح مجتمعاً كسائر الأملاك. وناقشه ابن القيم بأن المُطلّق إذا جمع ما أمر بتفريقه، فقد تعدى حدود الله وخالف ما شرعه.\rوقال القرطبي (2) : وحجة الجمهور من جهة اللزوم ظاهرة جداً: وهو أن المطلقة ثلاثاً لا تحل للمطلق حتى تنكح زوجاً غيره، ولا فرق بين مجموعها ومفرقها لغة وشرعاً. ونوقش بأن من قال: (أحلف بالله ثلاثاً) لا يعد حلفه إلا يميناً واحدة، فليكن المطلق مثله. ورد عليه باختلاف الصيغتين، فإن عدد الطلاق ثلاث، وأما الحلف فلا أمد لعدد أيمانه، فافترقا.\rوالذي يظهر لي رجحان رأي الجمهور: وهو وقوع الطلاق ثلاثاً إذا طلق الرجل امرأته دفعة واحدة، لكن إذا رجح الحاكم رأياً ضعيفاً صار هو الحكم الأقوى، فإن صدر قانون، كما هو الشأن في بعض البلاد العربية بجعل هذا الطلاق واحدة، فلا مانع من اعتماده والإفتاء به، تيسيراً على الناس، وصوناً للرابطة الزوجية، وحماية لمصلحة الأولاد، خصوصاً ونحن في وقت قل فيه الورع والاحتياط، وتهاون الناس في التلفظ بهذه الصيغة من الطلاق، وهم يقصدون غالباً التهديد والزجر، ويعلمون أن في الفقه منفذاً للحل، ومراجعة الزوجة.\r-------------------------------\r(1) المغني: 105/7.\r(2) فتح الباري: 365/9.","part":9,"page":389},{"id":5945,"text":"المبحث الرابع ـ التوكيل في الطلاق وتفويضه :\rيرتبط هذا البحث بنوعي الطلاق: الصريح والكناية؛ لأن تفويض الطلاق للزوجة أو غيرها إما أن يكون صريحاً وهو قول الرجل: طلقي نفسك، أو كناية وهو قوله: اختاري نفسك أو أمرك بيدك (1) .\rوالرجل كما يملك الطلاق بنفسه يملك إنابة غيره فيه، ويجوز تفويض الطلاق للزوجة بالإجماع؛ لأنه صلّى الله عليه وسلم خيَّر نساءه بين المقام معه وبين مفارقته، لما نزل قوله تعالى: {يا أيها النبي قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها، فتعالين أمتعكن وأسرحكن سراحاً جميلاً} [الأحزاب:28/33] فلو لم يكن لاختيارهن الفرقة أثر، لم يكن لتخييرهن معنى.\r-------------------------------\r(1) حاشية ابن عابدين: 653/2.","part":9,"page":390},{"id":5946,"text":"النيابة في الطلاق في المذاهب :\rلفقهاء المذاهب اصطلاحات في إنابة الزوج غيره في الطلاق وهي ما يأتي:\rمذهب الحنفية (1) : إيقاع الطلاق من غير الزوج بإذنه:إما تفويض أو توكيل أو رسالة.\rوالتوكيل: إنابة الزوج عنه غير الزوجة بتطليق امرأته، كأن يقول له: وكلتك في طلاق زوجتي، فإذا قبل الوكيل الوكالة ثم قال لزوجة موكله: أنت طالق، وقع الطلاق.\rوالتفويض: جعل الأمر باليد أو تمليك الطلاق لزوجته بطلاق نفسها منه، أو تعليق الطلاق على مشيئة شخص أجنبي، كأن يقول له: طلق زوجتي إن شئت.\rوالرسالة: نقل كلام المرسل، كأن يقول الزوج لرجل: اذهب إلى فلانة، وقل لها: إن زوجك يقول لك: اختاري (2) . أو أن يبعث الزوج طلاق امرأته الغائبة على يد إنسان، فيذهب الرسول إليها، ويبلغها الرسالة على وجهها، فيقع عليها الطلاق. فالرسول معبر وسفير وناقل كلام المرسل لا غير.\rوألفاظ التفويض ثلاثة: أمر بيد، وتخيير، ومشيئة، وكل منها يفيد تمليك الطلاق من المرأة وتخييرها بين أن تختار نفسها أو زوجها.\rوالأمر باليد: أن يقول لها: أمرك بيدك، فيصير الأمر بيدها في الطلاق؛ لأنه جعل الأمر بيدها في الطلاق، وهو أهل لذاك، والمحل قابل للجعل. ويصير الأمر بيدها بشرطين:\rأحدهما ـ نية الزوج الطلاق؛ لأنه من كنايات الطلاق، فلا يصح من غير نية الطلاق.\rوالثاني ـ علم المرأة بجعل الأمر بيدها، فلا يصير الأمر بيدها ما لم تسمع أو يبلغها الخبر؛ لأن معنى هذا التفويض ثبوت الخيار لها بين الطلاق أو الزوج.\rوالتخيير: أن يقول الزوج لامرأته: اختاري، وهو لا يختلف عن الأمر باليد إلا في شيئين:\rأحدهما ـ أن الزوج إذا نوى الطلاق الثلاث في قوله ( أمرك بيدك ) يصح، وأما في قوله ( اختاري ) فلا يصح نية الثلاثة.\r-------------------------------\r(1) الدر المختار ورد المحتار: 653/2، البدائع: 113/3، 118، 121-122.\r(2) هذا يمنح المرأة حق الاختيار بين الطلاق الرجعي وغيره، وهو يفيد التمليك، ويتم بإرادة المملك وحده.","part":9,"page":391},{"id":5947,"text":"والثاني ـ أن في قوله ( اختاري ) لا بد من ذكر النفس إما في كلام الزوج أو في جواب المرأة، بأن يقول لها: اختاري نفسك، فتقول: اخترت، أو يقول لها: اختاري، فتقول: اخترت نفسي. أو ذكر الطلاق في كلام الزوج أو في كلام المرأة، بأن يقول لها: اختاري، فتقول: اخترت الطلاق. أو ذكر ما يدل على الطلاق: وهو تكرار التخيير من الزوج، بأن يقول لها: اختاري اختاري. أو ذكر (الاختيارة) في كلام الزوج أو في كلام المرأة، بأن يقول لها الزوج: اختاري اختيارة، فتقول المرأة: اخترت اختيارة.\rوالمشيئة: أن يقول الرجل: أنت طالق إن شئت، وهو مثل قول: اختاري؛ لأن كل واحد منهما تمليك الطلاق، إلا أن الطلاق ههنا رجعي، وهناك بائن؛ لأن المفوَّض ههنا صريح، وهناك كناية.\rوأما قوله ( طلقي نفسك ) فهو تمليك عندهم، سواء قيده بالمشيئة أم لا، ويقتصر أثره على المجلس، كقوله: أنت طالق إن شئت.\rوذهب المالكية (1) إلى أن التفويض (وهو إنابة الزوج غيره في الطلاق) يتنوع إلى ثلاثة أنواع: توكيل وتخيير وتمليك. والتوكيل: هو جعل الزوج حق إنشاء الطلاق لغيره: زوجة أو غيرها، مع بقاء الحق له في منع الوكيل من إيقاع الطلاق. فإذا وكل الرجل المرأة على طلاقها، فلها أن تفعل ما وكلها عليه من طلقة واحدة، أو أكثر، وله أن يعزلها ما لم تفعل الموكل فيه إلا لتعلق حقها بالوكالة كما سأبين قريباً. وهو بخلاف التمليك والتخيير، ليس له عزلها؛ لأن فيهما قد جعل لها ما كان يملكه ملكاً لها، أما التوكيل فإنه جعلها نائبة عنه في إيقاع الطلاق.\rوالتمليك: هو أن يملِّك الرجل المرأة أمر نفسها، كأن يقول لها: جعلت أمرك أو طلاقك بيدك، وليس له أن يعزلها عنه. ولها أن تفعل ما جعل بيدها من طلقة واحدة أو أكثر. ويظهر قبولها للتمليك بالقول أو بالفعل. أما القول: فهو أن توقع الطلاق بلفظها. وأما الفعل: فهو أن تفعل ما يدل على الفراق، مثل نقل أثاثها أو غيره.","part":9,"page":392},{"id":5948,"text":"وكل من التمليك والتخيير لا يتقيد في المجلس الذي صدر فيه، وفي كل منها لا يملك الرجل الرجوع عما منح المرأة.\rوالتخيير: هو أن يخيرها بين البقاء معه أو الفراق، بأن يقول لها: اختاريني أو اختاري نفسك. فلها أن تفعل من الأمرين ما أحبت. فإن اختارت الفراق، كان طلاقها بالثلاث. وإن أرادت طلقة أو اثنتين لم يكن لها، إلا أن يخيرها في طلقة واحدة أو طلقتين معاً، فتوقعها، وليس له عزلها. ويصح التفويض بأنواعه الثلاثة لغير الزوجة بشرط كونه حاضراً في البلد أو قريب الغيبة كاليومين وإلا انتقل التفويض للزوجة على الراجح، وإن فوض الزوج لأكثر من واحد، لم تطلق إلا باجتماعهما أي الاثنين أو باجتماعهم إن زادوا على اثنين.\rوالفرق بين التمليك والتخيير: أن المرأة في التمليك يكون لها القضاء بما قضت إلا أن ينكر عليها الزوج، فيقول: لم أرد إلا طلقة واحدة، فيحلف على ذلك.\rوأما في التخيير فلا يكون الطلاق إلا ثلاثاً في المدخول بها؛ لأنه خيَّرها بين البقاء معه في العصمة أو الخروج عنها، فإن اختارت أقل من ذلك لم يقع شيء.\rأما غير المدخول بها فهي كالمملَّكة، لها أن تطلق نفسها بما دون الثلاث؛ لأنها تبين منه بذلك.\r-------------------------------\r(1) القوانين الفقهية: ص 233، الشرح الصغير: 593/2-603، المقدمات الممهدات: 587/1 ومابعدها.","part":9,"page":393},{"id":5949,"text":"ورأى الشافعية (1) : أن تفويض الطلاق تمليك له في المذهب الجديد، فيشترط لوقوعه تطليقها نفسهاعلى الفور، وإذا ملكت المرأة نفسها، فلا رجعة عليها. والتفويض: إما صريح مثل طلقي نفسك، أو كناية مثل: أبيني نفسك، اختاري نفسك، ونوى، فقالت: طلقت، وقع الطلاق؛ لأنها فوضت الطلاق، وقد فعلته في الحالين.\rولو قال لها: طلقي نفسك ونوى ثلاثاً، فقالت: طلقت ونوتهن، وقد علمت نيته أو وقع العلم بنيته صدفة، فتقع الثلاث؛ لأن اللفظ يحتمل العدد، فإن لم ينوياه فتقع واحدة في الأصح؛ لأن صريح الطلاق كناية في العدد.\rولو قال: طلقي نفسك ثلاثاً، فوحدت أي طلقت نفسها واحدة، أو عكسه، كقوله: طلقي نفسك واحدة، فثلثت أي طلقت نفسها ثلاثاً، تقع واحدة.\rوقال الحنابلة (2) : من صح طلاقه صح توكيله، فإن وكل الزوج المرأة في الطلاق، صح توكيلها، وطلاقها لنفسها؛ لأنه يصح توكيلها في طلاق غيرها، فكذا في طلاق نفسها. وللوكيل أن يطلق متى شاء، إلا أن يحد له الموكل حداً كاليوم أو نحوه، فلا يملك الطلاق في غيره. ولا يطلق الوكيل أكثر من واحدة؛ إلا أن يجعل الموكل إليه أن يطلق أكثر من واحدة بلفظة أو نية، فلو وكله في ثلاث، فطلق واحدة، وقعت. ولو وكله في طلقة واحدة، فطلق ثلاثاً، طلقت واحدة، عملاً بالمأذون فيه.\rوإن خير الموكل الوكيل بأن قال له: طلق ما شئت من ثلاث، ملك اثنتين فأقل؛ لأن لفظه يقتضي ذلك؛ لأن (من) للتبعيض، وكذا لو خيَّر زوجته، فقال لها: اختاري من ثلاث ما شئت، لم يكن لها أن تختار أكثر من اثنتين.\rوإن قال لامرأته: طلقي نفسك، فلها الطلاق كالوكيل. وإن قال لها: ( أنت طالق إن شئت ) ونحوها من أدوات الشرط، لم تطلق حتى تشاء، وتنطق بالمشيئة بلسانها، فتقول: قد شئت؛ لأن ما في القلب لا يعلم حتى يعبر عنه اللسان، فتعلق الحكم بما يتعلق به دون ما في القلب، فلو شاءت بقلبها دون نطقها، لم يقع طلاق.\rوكذلك إن علق الطلاق بمشيئة غيرها، فمتى وجدت المشيئة باللسان، وقع الطلاق، سواء أكان على الفور أم على التراخي. وذلك خلافاً للشافعية الذين اشترطوا إعلان المشيئة في الحال؛ لأن هذا تمليك للطلاق، فكان على الفور كقوله (اختاري) ، كما تقدم. ورد الحنابلة بأن هذا تعليق للطلاق على شرط، فكان على التراخي كسائر التعليق، ولأنه إزالة ملك معلق على المشيئة، فكان على التراخي كالعتق. وهو بخلاف كلمة (اختاري) فإنه ليس بشرط، إنما هو تخيير، فتقيد بالمجلس كخيار المجلس.\r-------------------------------\r(1) مغني المحتاج: 285/3-287، المهذب: 80/2.\r(2) كشاف القناع: 268/5 وما بعدها، 354 وما بعدها، المغني: 212/7.","part":9,"page":394},{"id":5950,"text":"حكم الوكيل بالطلاق :\rقرر الحنفية أن الوكيل بالطلاق مقيد بالعمل برأي الموكل، فإذا تجاوزه لم ينفذ تصرفه إلا بإجازة الموكل. وللوكيل أن يطلق متى شاء ما لم يقيده الموكل بزمن معين، وللموكل أن يعزل الوكيل متى شاء.\rلكن الوكيل بالطلاق مجرد سفير ومعبر عن الموكل كالوكيل في الزواج، فلا يطالب بشيء من حقوق الطلاق، كدفع مؤخر المهر أو المتعة أو نفقة العدة، وإنما يطالب بها الزوج نفسه.\rويرى المالكية (1) : أن الموكل لا يملك عزل الوكيل بالطلاق إذا تعلق حق الزوجة بتلك الوكالة، كماإذا قال الرجل لزوجته: إن تزوجت عليك فأمرك بيدك، فليس له عزلها عن الوكالة لتعلق حقها بالتوكيل؛ لأن رفع الضرر عنها قد تعلق بالتوكيل، فليس له عزلها عنه.\rصفة حكم التفويض بالطلاق للزوجة أو غيرها :\rيرى الحنفية (2) : أن التفويض لازم من جانب الزوج، فلا يملك الرجوع عنه ولا منع المرأة مما جعل إليها، ولا فسخه؛ لأنه ملَّكها الطلاق، ومن ملَّك غيره شيئاً، فقد زالت ولايته من الملك، فلا يملك إبطاله بالرجوع والمنع والفسخ، ولأن التفويض تعليق للطلاق من جانب الزوج على مشيئة الزوجة أو غيرها، والتعليق يمين، والأيمان بعد صدورها لا يمكن الرجوع فيها كما ذكرت سابقاً.\rوأما التفويض من جانب المرأة: فهو غير لازم في حق المرأة، فتملك رده صراحة أو دلالة؛ لأن جعل الأمر بيدها تخيير لها بين أن تختار نفسها وبين أن تختار زوجها، والتخيير ينافي اللزوم.\r-------------------------------\r(1) الشرح الصغير: 595/2.\r(2) البدائع: 113/3-116، فتح القدير: 115/3.","part":9,"page":395},{"id":5951,"text":"لكن ليس لها أن تختار إلا مرة واحدة؛ لأن قول الرجل لها: (أمرك بيدك) لا يقتضي التكرار إلا إذا قرن به ما يقتضي التكرار، بأن قال: أمرك بيدك كلما شئت، فيصير الأمر بيدها فيما ذكر وغيره، ولها أن تطلق نفسها في كل مجلس تطليقة واحدة، حتى تبين بثلاث؛ لأن كلمة (كلما) تقتضي تكرار الأفعال، فيقتضي تكرار التمليك عند تكرار المشيئة، إلا أنها لا تملك أن تطلق نفسها في كل مجلس إلا تطليقة واحدة؛ لأن تفويضه الطلاق لها يقتضي حصره في كل مجلس مرة.\rزمن التفويض بالنسبة للمرأة :\rأضاف الحنفية (1) : إما أن يكون التفويض مطلقاً عن التقييد بزمن معين، مثل: اختاري نفسك أو طلقي نفسك، أو يكون مقيداً بزمن معين، مثل: اختاري نفسك أو أمرك بيدك مدة شهر أو يكون مفيداً التكرار في جميع الأزمان، مثل طلقي نفسك متى شئت.\rخيار المخيَّرة: أ ـ إن كان التفويض مطلقاً: فحق الطلاق مقيد في مجلس علم المرأة بالتفويض، فما دامت في مجلسها، فالأمر بيدها؛ لأن جعل الأمر بيدها تمليك الطلاق منها، وجواب التمليك مقيد بالمجلس، فإن تغير المجلس أو ظهر ما يدل على الإعراض عن مقتضى التفويض، سقط حقها. وقد اتفق الشافعية والحنابلة كما تقدم مع الحنفية في هذا؛ لأن الصحابة رضي الله عنهم جعلوا للمخيَّرة الخيار ما دامت في المجلس. ولا يتغير المجلس بالقيام أو القعود، والقعود في البيت والركوب في السفينة لا يغير حكم المجلس أثناء المشي، لكن السير على الدابة يغير حكم المجلس؛ لأن السفينة لا يستطيع الراكب إيقافها، أما الدابة فيستطيع إيقافها، فإن سارت بطل خيارها.\r-------------------------------\r(1) البدائع: 113/3-116، فتح القدير: 115/3.","part":9,"page":396},{"id":5952,"text":"وذهب المالكية (1) : إلى أنه يثبت الخيار للزوجة أبداً إلى أن يعلم أنها أسقطته، بتمكين الزوج من نفسها، فإن لم تجب بشيء رفع الزوج الأمر إلى القاضي ليأمرها بإيقاع الطلاق أو إسقاط التمليك، فإن أبت أسقطه القاضي، ولا يمهلها وإن رضي الزوج بالإمهال لحق الله تعالى، لما فيه من البقاء على عصمة مشكوكة.\rب ـ وإن كان التفويض مقيداً بزمن معين كيوم أو شهر أو سنة: ثبت حق الطلاق للمفوض إليه في الوقت المخصص إلى نهايته؛ لأنه فوض الأمر إلى زوجته مثلاً في جميع الوقت المذكور، فيبقى ما بقي الوقت.\rولو اختارت نفسها في الوقت المحدد مرة، ليس لها أن تختار مرة أخرى؛ لأن اللفظ يقتضي التحديد بالوقت، ولا يقتضي التكرار.\rوإن أضيف التفويض إلى وقت في المستقبل بأن قال: أمرك بيدك غداً، أو رأس شهر كذا، فلا يصير الأمر بيدها إلا بمجيء الوقت المخصص. وإن علَّق التفويض بشرط، بأن قال: إذا قدم فلان، فأمرك بيدك، فلا يصير الأمر بيدها إلا بقدومه، فإن قدم فالأمر بيدها إذا علمت في مجلسها الذي يقدم فيه فلان؛ لأن المعلق بشرط كالمنجز عند الشرط، فيصير قائلاً عند القدوم: أمرك بيدك، وتملك الطلاق في مجلس علمها بالقدوم. فلو لم تعلم بقدومه حتى مضى الوقت المخصص، ثم علمت، فلا خيار لها بهذا التفويض أبداً؛ لأنها مقيدة بمدة، وقد انتهت، فلا خيار لها بعد فوات زمنه.\rجـ ـ وإن كان التفويض بما يقتضي التكرار، بأن قال لها: أمرك بيدك كلما شئت، أو طلقي نفسك متى شئت، فلها أن تطلق نفسها في أي وقت تشاء، سواء في مجلس التخيير أو بعده، لكنها في قوله: ( إذا ، ومتى ) لا تملك أن تختار إلا مرة واحدة، فإذا طلقت نفسهامرة انتهى التفويض؛ لأن ( إذا ومتى ) لا تفيد التكرار. أما إن قال ( كلما ) فلها أن تطلق نفسها أكثر من مرة إلى ثلاث؛ لأن (كلما ) تقتضي تكرار الأفعال، فيتكرر التفويض عند تكرار المشيئة.\r-------------------------------\r(1) الشرح الصغير: 595/2 ومابعدها، القوانين الفقهية: ص 233.","part":9,"page":397},{"id":5953,"text":"عدد الطلاق الواقع بألفاظ التفويض ونوعه :\rذهب الحنفية (1) : إلى أنه لا تملك المرأة إيقاع الطلاق الثلاث دفعة واحدة بقوله لها: طلقي نفسك، أو كلما شئت؛ لأنه فوض إليها الصريح حيث نص عليه، وكلمة (كلما) تقتضي تكرار الأفعال، وهي هنا المشيئة، وإيقاع الثلاث دفعة واحدة لا تكرار فيه، فلا يقع بها شيء في قوله (كلما) عند أبي حنيفة، وتقع طلقة واحدة عند الصاحبين.\rولو قال الزوج للمرأة: أمرك بيدك، ونوى الثلاث، فطلقت نفسها ثلاثاً، كان ثلاثاً؛ لأنه جعل أمرها بيدها مطلقاً، فيحتمل الواحد ويحتمل الثلاث، فإن نوى الثلاث، فقد نوى ما يحتمله مطلق الأمر، فصحت نيته. وإن نوى اثنتين، فهي واحدة عند أئمة الحنفية ما عدا زفر.\rوأما نوع الطلاق الواقع: فإن كان التفويض بصريح الطلاق، كان الطلاق رجعياً، فلو قال لها: طلقي نفسك، فقال: طلقت نفسي، وقع الطلاق رجعياً. وكذا لو قال: أمرك بيدك في تطليقة أو اختاري تطليقة، فاختارت نفسها، طلقت واحدة رجعية؛ لتفويضه إليها بالصريح، والمفيد للبينونة إذا قرن بالتصريح، صار رجعياً.\r-------------------------------\r(1) البدائع: 117/3-118، فتح القدير: 114/3 وما بعدها، اللباب: 51/3، الدر المختار: 660/2 وما بعدها.","part":9,"page":398},{"id":5954,"text":"وإن كان التفويض بلفظة الاختيار أو الأمر باليد، كان الطلاق بائناً، فلو قال لها: اختاري أو أمرك بيدك، ناوياً الطلاق، ولم ينو الثلاث، فقالت: اخترت نفسي أو طلقت نفسي؛ وقع الطلاق بائناً، وكان طلاقاً واحداً؛ لأن المرأة لا يتم لها الاختيار أو الأمر باليد إلا بالطلاق البائن، فلا تصير مالكة نفسها إلا بالبائن، أما بالطلاق الرجعي فيتمكن الزوج من رجعتها بدون رضاها.\rويرى المالكية (1) كما تقدم أن الطلاق الواقع بالتفويض عند اختيار الزوجة أو تطليقها نفسها هو الطلاق الثلاث إذا كان التفويض بالتخيير. أما إذا كان التفويض بالتمليك فإن الواقع هو الطلاق الثلاث، ولكنه يحتمل الواحدة والاثنتين. والفرق أن حالة التخيير تقتضي ألا يكون للزوج سبيل على المرأة إذا اختارت نفسها، وهذا لا يتحقق إلا بوقوع الطلاق الثلاث. وأما في حالة التمليك فقد ملكها ما يملكه، فإذا أوقعت طلقة واحدة أو اثنتين أو الثلاث، كانت عاملة بمقتضى اللفظ.\rونظراً لهذا الفرق، قال المالكية: إذا كان التفويض تخييراً، فليس للزوج أن ينازع زوجته (أو يناكرها) إذا أوقعت الثلاث، وأما إذا كان التفويض تمليكاً، فللزوج أن ينازع زوجته، ويدعي أنه أراد واحدة، عندما تطلق نفسها ثلاثاً. ويكون القول قوله مع يمينه.\r-------------------------------\r(1) الشرح الصغير: 597/2.","part":9,"page":399},{"id":5955,"text":"بدء التفويض :\rيصح التفويض عند الحنفية مقارناً لإنشاء عقد الزواج أو بعده أثناء الزوجية، واشترطوا لصحة التفويض المقارن للعقد: أن يكون الإيجاب صادراً من الزوجة أو وكيلها، كأن تقول للرجل: تزوجتك على أن الطلاق بيدي، أو متى شئت أو كلما شئت، ويقبل الرجل التفويض.\rفإن بدأ الرجل بالإيجاب، فقال للمرأة: تزوجتك على أن أمرك بيدك أو تطلقين نفسك متى شئت، وقبلت المرأة الإيجاب، يصح الزواج، ولا يصح التفويض؛ لأن الزوج في هذه الحالة قد ملّكها تطليق نفسها قبل أن يتم عقد الزواج، ولا يملك الزوج الطلاق قبل تمام الزواج، وليس للشخص أن يملك غيره شيئاً لايملكه هو.\rوإذا صح التفويض بإيجاب المرأة وقبول الرجل، حين العقد، وكان مطلقاً عن التقييد بزمن معين، كأن تقول له: «تزوجتكَ على أن طلاقي بيدي» فيقول: قبلت، تقيد ملكها الطلاق بمجلس إنشاء العقد، فإذا انتهى مجلس العقد، لم يكن لها الحق في طلاق نفسها بعدئذ.\rحق الزوج في الطلاق مع التفويض :\rالتفويض بالرغم من أنه تمليك عند الحنفية، فهو يشبه التوكيل، فيبقى للزوج حق إيقاع الطلاق، بعد أن يفوض الطلاق إلى زوجته، كما يحق للموكل التصرف في الأمر الموكل فيه بعد التوكيل. الفرق بين التوكيل والتفويض :\rالتوكيل والتفويض وإن كان كل منهما عند الحنفية لا يسلب الزوج حقه في إيقاع الطلاق، إلا أنهم يفرقون بينهما من وجوه (1) :\r1 - إن التفويض بعد صدوره لا يملك الزوج الرجوع عنه، أما التوكيل فيملك الموكل الرجوع عنه،ما دام الوكيل لم ينفذ ما وكل به.\r2 - يعمل المفوض إليه في التفويض العمل باختياره وبمشيئة نفسه؛ لأن الزوج ملكه هذا الحق، أما في التوكيل فيعمل الوكيل بمشيئة غيره وعلى وفق هذه المشيئة؛ لأن الوكيل يعد ممثلاً الموكل ونائباً عنه، لا مالكاً الحق الموكل فيه.\r3 - يتقيد التفويض المطلق بالمجلس، أما التوكيل فللوكيل بالطلاق أن يطلق في مجلس التوكيل وما بعده إذا كانت الوكالة مطلقة.\r4 - لا يبطل التفويض بجنون الزوج؛ لأنه في معنى التعليق. أما التوكيل فيبطل بجنون الزوج؛ لأن الجنون يخرجه عن الأهلية، وخروج الموكل أو الوكيل عن الأهلية يبطل الوكالة.","part":9,"page":400},{"id":5956,"text":"المبحث الخامس ـ أنواع الطلاق وحكم كل نوع :\rينقسم الطلاق عدة تقسيمات باعتبارات متنوعة:\rفهو من حيث الصيغة ينقسم إلى صريح وكناية، وقد بينت ذلك.\rومن حيث الرجعة وعدمها ينقسم كل من الصريح والكناية إلى رجعي وبائن.\rومن حيث الموافقة للسنة ومخالفتها ينقسم إلى سني وبدعي.\rومن حيث الزمن المرتبط به ينقسم إلى منجز أو معجل، ومعلق، ومضاف إلى المستقبل. ويلحق بهذا المطلب حكم طلاق المريض مرض الموت.\rتقسيم الطلاق من حيث السنة والبدعة :\rينقسم الطلاق من حيث موافقته السنة ومعارضتها، أي البدعة: إلى سني وبدعي، والسنة: ما أذن الشارع فيه، والبدعة: ما نهى الشرع عنه. وأصل البدعة: الحدث في الشيء بعد الإكمال.\rوالأصل في التقسيم قوله تعالى: { يا أيها النبي إذا طلقتم النساء، فطلقوهن لعدتهن} [الطلاق:1/65] قال ابن مسعود وابن عباس: طاهرات من غير جماع.\rوحديث ابن عمر المتقدم لما طلق امرأته وهي حائض، فقال النبي صلّى الله عليه وسلم لعمر: «مره فليراجعها، ثم ليمسكها حتى تطهر، ثم تحيض فتطهر، ثم إن شاء طلقها طاهراً قبل أن يمسّ » .\rوللفقهاء ـ مع اتفاقهم على التقسيم ـ آراء في تحديد الطلاق السني والبدعي، ونوع الحكم في البدعي.\rفذهب الحنفية (2) إلى أن التقسيم ثلاثي، أي أن الطلاق ثلاثة أنواع: أحسن الطلاق، والطلاق الحسن، والطلاق البدعي.\rأحسن الطلاق: أن يطلق الرجل امرأته تطليقة واحدة، في طهر لم يجامعها فيه، ويتركها حتى تنقضي عدتها؛ لأن الصحابة رضي الله عنهم كانوا يستحبون ألا يزيد الطلاق على واحدة حتى تنقضي العدة، فإن هذا أفضل عندهم من أن يطلقها الرجل ثلاثاً عند كل طهر واحدة، ولأنه أبعد من الندامة، لتمكنه من التدارك، وأقل ضرراً بالمرأة.\r-------------------------------\r(1) العناية بهامش فتح القدير: 100/3، رد المحتار: 653/2.\r(2) البدائع: 91/3-96، الكتاب: 37/3-40، فتح القدير: 22/3-37، الدر المختار: 574/2-578.","part":9,"page":401},{"id":5957,"text":"والطلاق الحسن: هو طلاق السنة: وهوأن يطلق المدخول بها ثلاثاً في ثلاثة أطهار، في كل طهر تطليقة، يستقبل الطهر استقبالاً، عملاً بأمره صلّى الله عليه وسلم في حديث ابن عمر المتقدم.\rوطلاق البدعة: أن يطلقها ثلاثاً أواثنتين بكلمة واحدة، أو يطلقها ثلاثاً في طهر واحد؛ لأن الأصل في الطلاق الحظر، لما فيه من قطع الزواج الذي تعلقت به المصالح الدينية والدنيوية، والإباحة إنما هي للحاجة إلى الخلاص، ولا حاجة إلى الجمع في الثلاث، أو في طهر واحد؛ لأن الحاجة تندفع بالواحدة، وتمام الخلاص في المفرق على الأطهار، والزيادة إسراف، فكان بدعة. فإذا فعل ذلك وقع الطلاق، وبانت المرأة منه، وكان آثماً عاصياً، والطلاق مكروه تحريماً؛ لأن الحظر أو النهي لمعنى في غير الطلاق وهو فوات مصالح الدين والدنيا، مثل البيع وقت النداء لصلاة الجمعة صحيح مكروه لمعنى في غيره، والصلاة في الأرض المغصوبة صحيحة مكروهة لمعنى في غيرها، وكذا إيقاع أكثر من طلقة، إذ لا حاجة إليه. لذا تجب رجعة المطلقة في الحيض أو النفاس، على الأصح رفعاً للمعصية وللأمر السابق: «مره فليراجعها» فإذا طهرت طلقها إن شاء، أوأمسكها.\rوطلاق السنة: إما من ناحية الوقت أو من ناحية العدد. فالسنة في العدد يستوي فيها المدخول بها وغير المدخول بها. والسنة في الوقت: تثبت في المدخول بهاخاصة، وهو: أن يطلقها في طهر لم يجامعها فيه. وأما غير المدخول بها، فيطلقها في حال الطهر أو الحيض، على حد سواء.\rوإذا كانت المرأة لا تحيض من صغر أو كبر، فأراد أن يطلقها طلاق السنة، طلقهاواحدة، فإذا مضى شهر طلقها أخرى، فإذا مضى شهر طلقها طلقة أخرى، فتصير ثلاث طلقات في ثلاثة أشهر؛ لأن الشهر في حقها قائم مقام الحيض. ويحسب الشهر بالأهلة إن كان الطلاق في أول الشهر، وبالأيام إن كان في وسط الشهر، كما هو المقرر في العدة.\rويجوز طلاق الحامل عقيب الجماع؛ لأنه لا يؤدي إلى اشتباه وجه العدة؛ لأن عدتها تنتهي حتماً بوضع الحمل. وطلاق السنة الثلاث للحامل كالتي لا تحيض، يكون في ثلاثة أشهر، يفصل بين كل تطليقتين بشهر عند أبي حنيفة وأبي يوسف؛ لأن الإباحة لعلة الحاجة، والشهر دليل الحاجة كالمقرر في حق الآيسة والصغيرة.","part":9,"page":402},{"id":5958,"text":"ألفاظ طلاق السنة والبدعة: إن من ألفاظ طلاق السنة التي هي نص فيه القول: أنت طالق للسنة، فلو قال رجل لامرأته المدخول بها التي تحيض: أنت طالق ثلاثاً أو ثنتين للسنة، وقع عند كل طهر طلقة، وتقع أولاها في طهر لا جماع فيه. أما لو كانت المرأة غير مدخول بها أو لا تحيض، فتقع طلقة واحدة في الحال، ثم إن غير المدخول بها تبين منه بلا عدة؛ لأنه طلاق قبل الدخول، ولا تقع طلقةغيرها ما لم يتزوجها، وأما التي لا تحيض فتقع طلقة أخرى عند مضي شهر.\rوإن نوى أن تقع الثلاث في الحال، أو عند رأس كل شهر واحدة، صحت نيته؛ لأن ذلك يحتمله كلامه.\rومن ألفاظ طلاق البدعة: أن يقول الرجل: أنت طالق للبدعة أو طلاق الجور أو طلاق المعصية أو طلاق الشيطان، فإن نوى ثلاثاً فهو ثلاث؛ لأن إيقاع الثلاث في طهر واحد لا جماع فيه بدعة، وإيقاع الطلقة الواحدة في طهر جامعها فيه بدعة، والطلاق في حال الحيض بدعة، فإذا نوى به الثلاث، فقد نوى ما يحتمله كلامه، فصحت نيته.\rوذهب المالكية (1) : إلى أن الطلاق السني ما توافرت فيه أربعة شروط: وهي أن تكون المرأة طاهراً من الحيض والنفاس حين الطلاق، وأن يكون زوجها لم يمسها في ذلك الطهر، وأن تكون الطلقة واحدة، وألا يُتبعها الزوج طلاقاً آخر حتى تنقضي عدتها، فإن أتبعها كان بدعة؛ لأن الأصل في الطلاق هو الحظر.\rوالشرطان الأولان متفق عليهما، والثالث يخالف فيه الشافعية فيباح عندهم جمع الطلقات الثلاث، والرابع يخالف فيه الحنفية فيما يترتب عليه، فإنهم قالوا: يجوز تطليق المدخول بها ثلاثاً في ثلاثة أطهار، كما تقدم.","part":9,"page":403},{"id":5959,"text":"والطلاق البدعي: ما نقص منه أحد هذه الشروط أو كلها. والطلاق البدعي إما حرام وإما مكروه، فيحرم الطلاق في الحيض أو النفاس، ويكره وقوعه بغير حيض ونفاس، لو أوقع ثلاثاً أو في طهرجامعها فيه. ويقع الطلاق في الحيض ونحوه، ويمنع وإن طلبته المرأة من زوجها في حيضها أو نفاسها.\rومن طلق زوجته وهي حائض أجبر على أن يراجعها إن كان الطلاق رجعياً، حتى تطهر ثم تحيض حيضة أخرى، ثم تطهر منها، فإذا دخلت في الطهر الثاني، فإن شاء أمسكها، وإن شاء طلقها. فإن أبى الرجعة هدد بالسجن، فإن أبى سجن فعلاً، فإن أبى هدد بالضرب، فإن أبى ضرب بالفعل، يفعل ذلك كله في مجلس واحد. فإن أبى الارتجاع، ارتجع الحاكم، بأن يقول: ارتجعتها لك.\rولا يجبراتفاقاً على الرجعة فيما إذا طلق في طهر مسها فيه أو بعد الحيض قبل الاغتسال منه. والمرأة مصدقة في دعوى الحيض للتمكين من الرجعة.\rوجاز طلاق الحامل في الحيض أي إن حاضت؛ لأن عدتها وضع حملها، فلا تطويل فيها.\rوجاز طلاق غيرالمدخول بها في الحيض، لعدم العدة من أصلها.\r-------------------------------\r(1) القوانين الفقهية: ص 225، الشرح الصغير: 537/2-541.","part":9,"page":404},{"id":5960,"text":"ورأى الشافعية (1) : أن الطلاق سني وبدعي، ولا سني ولا بدعي. أما القسم الثالث: فهو طلاق الصغيرة، والآيسة، والمختلعة، والتي استبان حملها من الزوج، وغير المدخول بها. فهذا لا سنة فيه ولا بدعة؛ لأنه لا يوجد تطويل العدة.\rوأما الطلاق السني: فهوالمستحب شرعاً، وهو أن يطلق الرجل امرأته طلقة واحدة، وإن أراد الثلاث فرقها في كل طهر طلقة، ليخرج من الخلاف، وإن جمع الطلقات الثلاث في طهر واحد جاز ولا يحرم، لأن عويمراً العجلاني، لما لاعن امرأته عند رسول الله صلّى الله عليه وسلم ، طلقها ثلاثاً قبل أن يخبره صلّى الله عليه وسلم أنها تبين باللعان (2) ، فلو كان إيقاع الثلاث حراماً، لنهاه عن ذلك ليعلمه هو ومن حضره؛ ولأن فاطمة بنت قيس شكت للنبي صلّى الله عليه وسلم أن زوجها طلقها البتة، قال الشافعي رضي الله عنه: يعني والله أعلم: ثلاثاً، ولم نعلم أن النبي صلّى الله عليه وسلم نهى عن ذلك؛ وقد فعله جمع من الصحابة، وأفتى به آخرون.\rلكن يسن الاقتصار على طلقة في القُرْء لذات الأقراء، وفي ظهر لذات الأشهر ليتمكن من الرجعة أو التجديد إن ندم، فإن لم يقتصر على طلقة، فليفرق الطلقات على الأيام، ويفرق الطلاق على الحامل بطلقة في الحال ويراجع، وأخرى بعد النفاس، والثالثة بعد الطهر من الحيض.\rولو قال الرجل لزوجته: أنت طالق ثلاثاً أو قال: أنت طالق ثلاثاً للسنة، وفسر الثلاث في الصورتين بتفريقها على أقراء، لم يقبل قوله ظاهراً على الصحيح المنصوص، والأصح أنه يقبل قوله ديانة بينه وبين الله تعالى.\rوالحاصل: أن طلاق الثلاث طلاق سني عند الشافعية والحنابلة، بدعي حرام عند المالكية والحنفية.\rوأما الطلاق البدعي: فهو اثنان: أحدهما ـ طلاق المدخول بها في حال الحيض من غير حمل، لقوله تعالى: {فطلقوهن لعدتهن} [الطلاق:1/65] أي في الوقت الذي يشرعن فيه في العدة، وزمن الحيض لا يحسب من العدة، وسبب الحرمة: تضررها بطول العدة، فإن بقية الحيض لا تحسب منها. والنفاس كالحيض. ويؤيده حديث أمر ابن عمر بمراجعة امرأته التي طلقها في الحيض.\r-------------------------------\r(1) المهذب: 79/2، 89، مغني المحتاج: 307/3-312.\r(2) متفق عليه.","part":9,"page":405},{"id":5961,"text":"والثاني ـ طلاق من يجوز أن تحبل في الطهر الذي جامعها فيه قبل أن يستبين الحمل؛ لأنه إذا طلقها في الطهر الذي جامعها فيه قبل أن يستبين الحمل،لم يأمن أن تكون حاملاً، فيندم على مفارقتها مع الولد، ولأنه لا يعلم هل علقت بالوطء، فتكون عدتها بالحمل، أو لم تعلق، فتكون عدتها بالأقراء (الأطهار).\rويسن خلافاً للمالكية والحنفية مراجعة المرأة المطلقة بدعياً، ثم إن شاء طلق بعد طهر.\rولو قال لحائض: أنت طالق للبدعة، وقع الطلاق في الحال. وإن قال لها: أنت طالق للسنة، فيقع الطلاق حين تطهر من الحيض أو النفاس، بأن تشرع في الطهر، ولا يتوقف على الاغتسال، لوجود الصفة قبله.\rولو قال لمن في طهر لم تجامع فيه وهي مدخول بها: أنت طالق للسنة، وقع في الحال لوجود الصفة. وإن جومعت فيه ولم يظهر حملها، فيقع الطلاق حين تطهر بعد حيض، لشروعها حينئذ في العدة.\rولو قال لمن في طهر: أنت طالق للبدعة، فيقع الطلاق في الحال إن جومعت فيه أو في حيض قبله ولم يظهر حملها، لوجود صفة البدعة، فإن لم تجامع على النحو المذكور فيقع الطلاق حين تحيض.\rولو قال: أنت طالق طلقة حسنة أو أحسن الطلاق أو أجمله أو نحوها، فهو كقوله: أنت طالق للسنة، فإن كانت في حيض لم يقع حتى تطهر، أو في طهر لم تجامع فيه، وقع في الحال، أو جومعت فيه، وقع حين تطهر بعد حيض.\rوإن وصف الطلاق بصفة ذم، كأنت طالق طلقة قبيحة أو أقبح الطلاق أو أفظعه أو أشرّه أو أفحشه أو نحوها، فهو كقوله: أنت طالق للبدعة، فإن كانت في حيض أو في طهر جامعها فيه، وقع في الحال، وإلا فحين تحيض. ولو نوى بالطلاق طلاق السنة لحسن خلقها، وكانت في زمن البدعة، دُيِّن، ولم يقبل قوله ظاهراً، أي يقبل قوله ديانة لا قضاء.","part":9,"page":406},{"id":5962,"text":"وإن قال: أنت طالق ثلاثاً، في كل قرء طلقة، فإن كانت طاهراً طلقت طلقة؛ لأن ما بقي من الطهر قرء، وإن كانت حائضاً لم تطلق حتى تطهر، ثم يقع في كل طهر طلقة. وإن كانت من القسم الثالث ممن لا سنة لها ولا بدعة: فإن كانت حاملاً طلقت في الحال طلقة؛ لأن الحمل قرء يعتد به، وإن كانت تحيض على الحمل، لم تطلق في أطهارها؛ لأنها ليست بأقراء، فإن راجعها قبل الوضع، وطهرت في النفاس، وقعت طلقة أخرى، فإن حاضت وطهرت، وقعت الطلقة الثالثة. وإن كانت غير مدخول بها وقعت عليها طلقة وبانت، فإن كانت صغيرة مدخولاً بها طلقت في الحال طلقة، فإن لم يراجعها حتى مضت ثلاثة أشهر بانت، وإن راجعها لم تطلق في الطهر بعد الرجعة؛ لأنه هو الطهر الذي وقع فيه الطلاق.\rووافق الحنابلة (1) الشافعية في رأيهم بتحديد الطلاق السني والبدعي وألفاظهما وحكمهما، واستحباب مراجعة المطلقة في حيض، ووجوب إمساكها حتى تطهر، ثم استحباب إمساكها حتى تحيض حيضة أخرى ثم تطهر، على ما أمر به النبي صلّى الله عليه وسلم في حديث عمر المتقدم.\rتقسيم الطلاق إلى رجعي وبائن :\rينقسم كل من الطلاق الصريح والكناية من حيث إمكان الارتجاع وعدمه إلى رجعي وبائن.\rأما الطلاق الرجعي: فهو الذي يملك الزوج بعده إعادة المطلقة إلى الزوجية من غير حاجة إلى عقد جديد ما دامت في العدة، ولو لم ترض. وذلك بعد الطلاق الأول والثاني غير البائن إذا تمت المراجعة قبل انقضاء العدة، فإذا انتهت العدة انقلب الطلاق الرجعي بائناً، فلا يملك الزوج إرجاع زوجته المطلقة إلا بعقد جديد.\rوأما الطلاق البائن: فهونوعان: بائن بينونة صغرى، وبائن بينونة كبرى.\rوالبائن بينونة صغرى: هو الذي لا يستطيع الرجل بعده أن يعيد المطلقة إلى الزوجية إلا بعقد جديد ومهر. وهو الطلاق قبل الدخول أوعلى مال أو بالكناية عند الحنفية أو الذي يوقعه القاضي لا لعدم الإنفاق أو بسبب الإيلاء.\r-------------------------------\r(1) المغني: 98/7-113، كشاف القناع: 269/5-276.","part":9,"page":407},{"id":5963,"text":"والبائن بينونة كبرى: هو الذي لا يستطيع الرجل بعده أن يعيد المطلقة إلى الزوجية إلا بعد أن تتزوج بزوج آخر زواجاً صحيحاً، ويدخل بها دخولاً حقيقياً، ثم يفارقها أو يموت عنها، وتنقضي عدتها منه. وذلك بعد الطلاق الثلاث حيث لا يملك الزوج أن يعيد زوجته إليه إلا إذا تزوجت بزوج آخر.\rضابط الطلاق الرجعي والبائن :\rللفقهاء آراء في تحديد حالات الطلاق الرجعي والبائن:\rرأي الحنفية (1) : كل طلاق رجعي إلا الطلاق قبل الدخول، والطلاق على مال، والطلاق بالكناية المقترن بلفظ ينبئ عن الشدة أو القوة أو البينونة أو الحرمة، والطلاق المكمل للثلاث.\rوعليه، يكون الطلاق رجعياً فيما يأتي:\r1 - الطلاق الصريح بعد الدخول الحقيقي: بلفظ من مادة الطلاق أو التطليق غير مقترن بعوض، ولا بعدد الثلاث، ولا موصوف بوصف الشدة أو القوة أو البينونة أو نحوها. فمن قال: أنت طالق، أو مطلقة، أو طلقتك، يقع به الطلاق الرجعي، ولا يقع به إلا واحدة، وإن نوى أكثر من ذلك، ولا يفتقر إلى النية.\rأما لو قال: أنت طالق، أوأنت طالق الطلاق، أو أنت طالق طلاقاً، فإن لم تكن له نية، فهي طلقة واحدة رجعية، وإن نوى به ثلاثاً كان ثلاثاً. ولو قال: أنت طالق على المذاهب الأربعة، أو أنت طالق لا يرد ك عالم ولا قاض، يقع به طلقة رجعية.\rومن ألفاظ الطلاق التي هي في حكم الصريح عرفاً قول الرجل: علي الطلاق، وعلي الحرام، والطلاق يلزمني، والحرام يلزمني، فإنه يقع بلا نية للعرف، وبه أصبح لفظ: حرام وخالص، من قسم الصريح.\r2 - الطلاق الكنائي بعد الدخول الذي لايفيد معنى الشدة والبينونة مثل قوله: اعتدي، أو استبرئي رحمك، أو أنت واحدة، يقع بهذه الألفاظ طلقة واحدة رجعية، إذا نوى الزوج بها الطلاق.\r-------------------------------\r(1) الدر المختار ورد المحتار: 592/2، 617-621، اللباب: 41/3-44، البدائع: 109/3-112.","part":9,"page":408},{"id":5964,"text":"3 - الطلاق الذي يوقعه القاضي لعدم الإنفاق، أو بسبب الإيلاء، فإن الأول يكون رجعياً؛ لأن قدرة الزوج على الإنفاق متوقعة في أي وقت، والثاني يكون رجعياً أيضاً؛ لتمكين الزوج من العودة إلى معاشرة الزوجة.\rوالدليل على أن الأصل العام في كون الطلاق رجعياً آيتان: {الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان} [البقرة:229/2] {والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء} ... {وبعولتهن أحق بردهن في ذلك إن أرادوا إصلاحاً} [البقرة:2/228] فكلتا الآيتين تدلان على إمكان الرجعة ما دامت المرأة في العدة، إلا ما دل الدليل على استثنائه: وهو الطلاق الثلاث، والطلاق قبل الدخول، والطلاق على مال، والطلاق لرفع الضرر عن الزوجة، والطلاق بلفظ ينبئ عن الشدة والانفصال التام.\rويكون الطلاق بائناً فيما يأتي:\rأولاًـ البائن بينونة صغرى :\r1 - الطلاق قبل الدخول الحقيقي أو بعد الخلوة الصحيحة المجردة، فالأول يكون بائناً، لأنه لا تجب به العدة ولا يقبل الرجعة، بدليل: {يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن، فما لكم عليهن من عدة تعتدونها} [الأحزاب:49/33] وإذا لم تجب العدة فلا تمكن المراجعة؛ لأن الرجعة لا تكون إلا في العدة، فيكون الطلاق بائناً غير رجعي.\rوأما بعد الخلوة الصحيحة التي لم يحدث فيها اتصال جنسي، فيقع الطلاق بائناً، وإن وجبت العدة؛ لأن وجوب العدة إنما هو للاحتياط لثبوت النسب، والحكم بصحة الرجعة ليس فيه احتياط، بل الاحتياط يقتضي الحكم بعدم صحة الرجعة.","part":9,"page":409},{"id":5965,"text":"2ً - الطلاق الكنائي المقترن بما ينبئ عن الشدة أو القوة أو البينونة: أي أن كل طلاق بالكناية إذا نوى به الطلاق، ما عدا الألفاظ الثلاثة المتقدمة (اعتدي، استبرئي رحمك، أنت واحدة) يكون طلقة واحدة بائنة، وإن نوى به اثنتين، إذ لا دلالة للفظ على عدد الثنتين، فيثبت الأدنى وهو الواحدة، فإن نوى به الثلاث كان ثلاثاً؛ لأن البينونة نوعان: مغلظة وهي الثلاث، ومخففة وهي الواحدة، فأيهما نوى وقعت لاحتمال اللفظ.\rوهذه الألفاظ مثل قوله: أنت طالق طلقة شديدة أو قوية أو طويلة أو عريضة؛ لأن المراد بالطول والعرض والشدة والقوة.\rومثل: أنت بائن، وبتة، وبتلة، وخلية، برية، حرة، وحبلك على غاربك، والحقي بأهلك، وسرحتك وفارقتك، وتقنعي، وتخمري واستتري، واعزُبي واغرُبي (1) ، وابتغي الأزواج، ونحو ذلك.\rوقد أصبح: أنت خالصة، وأنت حرام، أو علي الحرام من الطلاق الصريح عرفاً، ويقع به طلقة رجعية.\rوالحقي بأهلك ، وسرحتك وفارقتك ، وتقنعيى، وتخمري واستتري ، واعزُبي واغرُبي ، وابتغي الأزواج ، ونحو ذلك .\rوقد أصبح : أنت خالصة ، وأنت حرام ، أو علي الحرام من الطلاق الصريح عرفاً ، ويقع به طلقة رجعية .\r3ً - الطلاق على مال: وذلك إذا خالع الرجل امرأته أو طلقها على مال؛ لأن الخلع بعوض طلاق على مال عندهم، وكان طلاقاً بائناً؛ لأن المقصود أن تملك المرأة أمرها، وتمنع الزوج من مراجعتها، ولا يتحقق هدفها إلا بالطلاق البائن.\r4ً - الطلاق الذي يوقعه القاضي لا لعدم الإنفاق أو بسبب الإيلاء، وإنما بسبب عيب في الزوج أو للشقاق بين الزوجين، أو لتضرر الزوجة من غيبة الزوج أو حبسه؛ لأن التجاء الزوجة إلى القضاء لا يكون إلا لدفع الضرر عنها وحسم الزواج، ولا يتحقق المقصود إلا بالطلاق البائن.\r-------------------------------\r(1) اعزبي من العزوبة: وهي عدم الزواج، واغربي من الغربة: وهي البعد.","part":9,"page":410},{"id":5966,"text":"ثانياً ـ البائن بينونة كبرى :\rأن يكون طلاقاً ثالثاً، سواء أكان مكملاً للثلاث تفريقاً، بأن يطلق الرجل زوجته كل مرة طلقة، أم مقترناً بالثلاث لفظاً أو إشارة، مثل أنت طالق ثلاثاً، أو أنت طالق ويشير بأصابعه الثلاث، أم مكرراً ثلاث مرات في مجلس واحد أو في مجالس متعددة، بأن يقول لها: أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق، فيقع ثلاثاً إلا إذا قصد تأكيد الطلقة الأولى السابقة، فلا يقع إلا طلقة واحدة.\rوالإشارة لها حكم العبارة، فإن أشار بأصبع واحدة فهي واحدة رجعية، وإن أشار باثنتين فهي اثنتان، وإن أشار بثلاث فهي ثلاث؛ لأن الإشارة متى تعلقت بها العبارة نزِّلت منزلة الكلام، لحصول ما وضع له الكلام بها وهو الإعلام، بدليل العرف والشرع، أما العرف فواضح، وأما الشرع، فقول النبي صلّى الله عليه وسلم : «الشهر هكذا وهكذا، وأشار صلّى الله عليه وسلم بأصابع يده كلها، فكان بياناً أن الشهر يكون ثلاثين يوماً، ثم قال صلّى الله عليه وسلم : الشهر هكذا وهكذا، وحبس إبهامه في المرة الثالثة، فكان بياناً أن الشهر يكون تسعة وعشرين يوماً (1) .\r-------------------------------\r(1) رواه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي عن عبد الله بن عمر (جامع الأصول: 182/7 وما بعدها، نصب الراية : 228/3).","part":9,"page":411},{"id":5967,"text":"رأي المالكية (1) : البائن يكون في أربعة مواضع:\rوهي طلاق غير المدخول بها، وطلاق الخلع، والطلاق بالثلاث، والمبارأة: وهي التي يملِّك الناس بها أمر نفسها، ويجعلونها واحدة بائنة من غير خلع. والثلاثة الأولى متفق عليها.\rوالرجعي: هو ما عدا هذه المواضع.\rرأي الشافعية والحنابلة (2) : يتفق مع رأي المالكية فيما عدا المبارأة. فيقولون: كل طلاق يقع رجعياً إلا إذا كان قبل الدخول، أو كان على مال كما في الخلع، أو كان مكملاً للثلاث أو مقترناً بعدد الثلاث.\rوعلى هذا لا يقع عند الجمهور غير الحنفية بطلاق الكنايات إلا الطلاق الرجعي، ولو نوى بها البائن؛ لأن الصريح لا يقع به إلا الطلاق الرجعي، فالكناية التي هي أضعف من التصريح لاحتمالها الطلاق وغيره، يكون الطلاق الواقع بها رجعياً بالأولى، ولأن الطلاق وضع شرعي لا يتأثر بالنية، فقصد البينونة بالكناية يكون تغييراً للوضع الشرعي.\rموقف القانون: أخذ القانون في مصر وسورية برأي الجمهور في بيان الطلاق الرجعي والبائن، فنصت المادة (94) من القانون السوري على ما يلي «كل طلاق يقع رجعياً إلا المكمل للثلاث، والطلاق قبل الدخول، والطلاق على بدل، وما نص على كونه بائناً في هذا القانون» والذي نص هذا القانون على كونه بائناً هو التفريق القضائي للعيب أو العلة، والتفريق للشقاق بين الزوجين. فالقول بأن كل طلاق يقع رجعياً مخالف لمذهب الحنفية؛ لأن كنايات الطلاق عندهم كما تقدم يقع بها الطلاق بائناً ما عدا ألفاظاً ثلاثة.ونصت المادة (93) من القانون السوري كما ذ ُكر على أن النية هي مدار طلاق الكناية: «يقع الطلاق بالألفاظ الصريحة فيه عرفاً دون الحاجة إلى نية، ويقع بالألفاظ الكنائية التي تحتمل معنى الطلاق وغيره بالنية» وهذا عمل برأي المالكية والشافعية الذين يوقعون طلاق الكناية بالنية لا بدلالةالحال، خلافاً للحنفية والحنابلة الذين يوقعون بالنية أو القرائن ودلالات الحال.\rوهذا هو المعمول به نفسه في القانون المصري، فقد نصت المادة الرابعة من قانون رقم (25) لسنة (1929) على ما يلي: «كنايات الطلاق: وهي ما تحتمل الطلاق وغيره، لا يقع بها الطلاق إلا بالنية» .\r-------------------------------\r(1) القوانين الفقهية: ص 226، الشرح الصغير: 526/2.\r(2) مغني المحتاج: 337/3، المغني: 274/7، 278.","part":9,"page":412},{"id":5968,"text":"ونصت المادة الخامسة على ما يأتي: «كل طلاق يقع رجعياً إلا المكمل للثلاث، والطلاق قبل الدخول، والطلاق على مال، وما نص على كونه بائناً في هذا القانون والقانون رقم (25 ) لسنة 1920» .\rوما نص على كونه بائناً في قانون (1929): هو التفريق الذي يكون من القاضي بسبب ضرر الزوجة، والشقاق بينها وبين زوجها، وبسبب غيبة الزوج أو حبسه مدة طويلة.\rوما نص على كونه بائناً في قانون (1920): هو تفريق القاضي أيضاً بسبب عيوب الرجل من مثل الجنون والجذام والبرص وغيرها من العيوب في الراجح عند الحنفية، وهي عيوب الجب والعنة والخصاء.\rوالقانون متفق مع الفقه، ولكن كل من القانون المصري والسوري قد خالف المذاهب ا لأربعة في الطلاق الثلاث المقترن بعدد الثلاث، يقع ثلاثاً في المذاهب، وواحدة في القانون، فنصت المادة الثالثة من قانون عام (1929) في مصر، والمادة (92) من القانون السوري على أن «الطلاق المقترن بعدد لفظاً أو إشارة لا يقع إلا واحداً» .\rحكم الطلاق الرجعي والبائن :\rيشترك الطلاق الرجعي والبائن في أحكام، منها:\rوجوب نفقة العدة للمطلقة، وثبوت نسب ولدها الذي تلده للمطلق، ويهدم الزوج الثاني إذا تزوجت المطلقة بزوج آخر ما كان من الطلاق في الزواج الأول، سواء عند أبي حنيفة وأبي يوسف أكان الطلاق ثلاثاً أم أقل، وقال باقي الفقهاء: إنه يهدم الثلاث لا غير، فتعود إلى الأول بزوجية جديدة يملك فيها ثلاث طلقات. وينفرد الطلاق الرجعي عن البائن بأحكام.\rحكم الطلاق الرجعي :\rاتفق الفقهاء على أن الطلاق الرجعي له آثار هي (1) :\r1ً ـ نقص عدد الطلقات: يترتب على الطلاق أنه ينقص عدد الطلقات التي يملكها الزوج، فإذا طلق الرجل زوجته طلاقاً رجعياً بقي له طلقتان، وإذا طلق طلاقاً آخر بقي له طلقة واحدة.\r2ً - انتهاء رابطة الزوجية بانتهاء العدة: إذا طلق الرجل طلاقاً رجعياً وانقضت العدة من غير مراجعة بانت منه بانقضاء العدة، وحينئذ يحل مؤخر الصداق.\r-------------------------------\r(1) الدر المختار: 645/2، 738، القوانين الفقهية: ص 226، 234، مغني المحتاج: 340/3، المغني: 279/7، غاية المنتهى: 180/3، الشرح الصغير: 606/2.","part":9,"page":413},{"id":5969,"text":"3ً - إمكان المراجعة في العدة: يملك المطلّق مراجعة مطلقته بالقول اتفاقاً، وكذا بالفعل عند الحنفية والحنابلة والمالكية، ما دامت في العدة، فإذا انقضت العدة بانت منه، فلم يملك رجعتها إلا بإذنها.\r4ً - المرأة الرجعية زوجة يلحقها طلاق الرجل وظهاره وإيلاؤه ولعانه، ويرث أحدهما صاحبه بالاتفاق. وإن خالعها صح خلعه عند الحنابلة والحنفية؛ لأنها زوجة صح طلاقها، فصح خلعها كما قبل الطلاق، وليس مقصود الخلع التحريم، بل الخلاص من مضرة الزوج ونكاحه الذي هو سببها، والنكاح باق، ولا نأمن رجعته.\rوقال الشافعي في الأظهر: يصح خلع المرأة الرجعية في أثناء العدة؛لأنها في حكم الزوجات في كثير من الأحكام (1) .\r5 - حرمة الاستمتاع عند الشافعية: قال الشافعية، والمالكية في المشهور: يحرم الاستمتاع بالمرأة المطلقة طلاقاً رجعياً بوطء وغيره حتى بالنظر ولو بلا شهوة؛ لأنها مفارقة كالبائن، ولأن النكاح يبيح الاستمتاع فيحرمه الطلاق؛ لأنه ضده، فإن وطئ الزوج المطلقة فلا حد ، ولا يعزر إلا معتقد تحريمه. وهذا هو الحق عندي.\rوقال الحنفية والحنابلة: الطلاق الرجعي لا يحرم الوطء، فيجوز الاستمتاع بالرجعية ولو وطئها لاحد عليه؛ لأنه مباح، لكن تكره الخلوة بها تنزيهاً. ومن عبارات الحنفية فيه: الطلاق الرجعي لا يزيل الملك ولا الحل ما دامت في العدة. والمقصود بالملك: حل الاستمتاع وسائر حقوق الزواج، والمقصود بالحل: بقاء المطلقة حلالاً لمن طلقها ولا تحرم عليه بسبب من أسباب التحريم.\r-------------------------------\r(1) مغني المحتاج: 265/3.","part":9,"page":414},{"id":5970,"text":"حكم الطلاق البائن :\rأولاً ـ البائن بينونة صغرى: يظهر أثر الطلاق البائن بينونة صغرى فيما يأتي بالاتفاق.\rاً - زوال الملك لا الحل بمجرد الطلاق: يحرم الاستمتاع مطلقاً والخلوة بعده ساعة الطلاق، ولا يحق مراجعة المرأة إلا بعقد جديد، ولكن يبقى الحل، سواء في العدة أم بعدها بعقد جديد.\r2ً - نقص عدد الطلقات التي يملكها الزوج كالطلاق الرجعي.\r3ً - يحل بمجرد الطلاق الصداق المؤجل إلى أحد الأجلين: الموت أو الطلاق.\r4ً - منع التوارث بين الزوجين: إذا مات أحدهما أثناء العدة لا يرثه الآخر؛ لأن الطلاق البائن ينهي الزوجية بمجرد صدوره، إلا إذا كان الطلاق في مرض الموت وقامت قرينة على أن الزوج يقصد حرمان الزوجة من الميراث، فإنها عند الجمهور غير الشافعية ترثه إن مات في العدة، وكذا بعد العدة عند المالكية، معاملة له بنقيض مقصوده، وهذا هو طلاق الفرار.\r5ً - يلحق الطلاق الصريح عند الحنفية الطلاق البائن في أثناء العدة، ويلحق البائن الصريح أيضاً بشرط العدة إلا إذا كان الطلاق الثاني بائناً بلفظ الكناية يحتمل الإخبار عن البينونة الأولى.\rثانياً ـ البائن بينونة كبرى :\rهذا يزيل الملك والحل معاً، ولا يبقى للزوجية أثر سوى العدة وما يتبعها، فيحل به الصداق المؤجل إلى الطلاق أو الوفاة، ويمنع التوارث بين الزوجين إلا إذا كان طلاق فرار عند غير الشافعية كالبائن بينونة صغرى، فيعامل بنقيض مقصوده وتحرم به المطلقة على الزوج تحريماً مؤقتاً، ولا تحل له حتى تتزوج بزوج آخر، ويدخل بها دخولاً حقيقياً، ثم يطلقها أو يموت عنها، وتنقضي عدتها منه.\rالبينونة الكبرى كالصغرى إلا في أمرين:\rالأول ـ أن البينونة الكبرى لا محل بعدها بالاتفاق لوقوع طلاق آخر.\rالثانية ـ أن المرأة في البينونة الكبرى لا يمكن أن ترجع إلى زوجها الأول حتى تتزوج بزوج آخر غيره.","part":9,"page":415},{"id":5971,"text":"حكم الطلاق الرجعي والبائن في القانون السوري :\rنصت المادة ( 118 ) من هذا القانون على حكم الطلاق الرجعي، وانقلابه بائناً بانتهاء العدة وهي:\r1 - الطلاق الرجعي لا يزيل الزوجية، وللزوج أن يراجع مطلقته أثناء العدة بالقول أو الفعل، ولا يسقط هذا الحق بالإسقاط.\r2 - تبين المرأة وتنقطع الرجعة بانقضاء عدة الطلاق الرجعي. ونص هذا القانون أيضاً على آثار الطلاق البائن، فنصت المادة (119) على ما يلي:\rالطلاق البائن دون الثلاث يزيل الزوجية حالاً، ولا يمنع من تجديد عقد الزواج.\rونصت المادة (120) على الطلاق البائن بينونة كبرى:\rالطلاق المكمل للثلاث يزيل الزوجية حالاً، ويمنع من تجديد العقد ما لم تتوافر الشرائط المبينة في المادة (36) من هذا القانون. ونص المادة (36) هو ما يلي:\r1 - لا يجوز أن يتزوج الرجل امرأة طلقها ثلاث مرات إلا بعد انقضاء عدتها من زوج آخر دخل بها فعلاً.\r2 - زواج المطلقة من آخر يهدم طلقات الزوج السابق، ولو كانت دون الثلاث، فإذا عادت إليه يملك عليها ثلاثاً جديدة.\rتقسيم الطلاق إلى منجز ومعلق ومضاف للمستقبل :\rينقسم الطلاق بالنظر إلى الصيغة من حيث اشتمالها على التعليق على أمر مستقبل أو الإضافة إلى زمن في المستقبل وعدم اشتمالها على التعليق إلى ثلاثة أنواع: منجز، ومعلق، ومضاف (1) .\rأولاً ـ الطلاق المنجز أو المعجل: هو ما قصد به الحال، كأن يقول رجل لامرأته: أنت طالق، أو مطلقة، أو طلقتك. وحكمه: وقوعه في الحال وترتب آثاره عليه بمجرد صدوره، متى كان الزوج أهلاً لإيقاع الطلاق، والزوجة محلاً لوقوعه.\rثانياً ـ الطلاق المضاف: هو ما أضيف حصوله إلى وقت في المستقبل، كأن يقول الرجل لزوجته: أنت طالق غداً، أو أول الشهر الفلاني أو أول سنة كذا.\rوحكمه: وقوع الطلاق عند مجيء أول جزء من أجزاء الزمن الذي أضيف\r-------------------------------\r(1) فتح القدير: 22/3، 61، 143، البدائع: 157/3، الدر المختار: 606/2-609، 677-690، اللباب: 46/3، 53، القوانين الفقهية: ص231 ومابعدها، الشرح الصغير: 576/2-583، مغني المحتاج: 302/3، 313-334، و718/8، المهذب: 86/2-96، غاية المنتهى: 147/3-165، المغني: 164/7-171، 193-228، كشاف القناع: 333/5-358، بداية المجتهد: 78/2، المحلى: 264/10، مسألة 1973.","part":9,"page":416},{"id":5972,"text":"إليه، إذا كانت المرأة محلاً لوقوع الطلاق عليها عند ذلك الوقت، وكان الرجل أهلاً لإيقاعه؛ لأنه قصد إيقاعه بعد زمن، لا في الحال.\rفقوله: أنت طالق غداً، يقع بأول جزء منه وهو عند طلوع الفجر، وقوله: أنت طالق ليلاً إذا مضى يوم، فيقع عند غروب شمس غده، إذ به يتحقق مضي اليوم. وإن قال: نهاراً، ففي مثل وقته من غده تطلق لأن اليوم حقيقة في جميعه، وإن قال لزوجته: أنت طالق في شهر كذا كرمضان، وقع الطلاق في أول جزء من الليلة الأولى منه، وهو حين تغرب الشمس من آخر يوم من الشهر الذي قبله وهو شهر شعبان.\rوإن قال: أنت طالق أمس أو أنت طالق قبل أن أتزوجك، وقصد أن يقع في الحال مستنداً إلى الأمس، وقع في الحال عند الحنفية،والشافعية على الصحيح والحنابلة، ولغا قصد الاستناد إلى أمس لاستحالته؛ لأن الإنشاء في الماضي في الحال.\rوظاهر كلام أحمد: أن الطلاق لا يقع إذا لم يكن له نية. وإن أراد الإخبار بأنه كان قد طلقها هو، أو زوجٌ قبله في الزمان المذكور، وكان قد وجد الطلاق، قبل منه. وإن لم يوجد وقع طلاقه.\rوإن قال: أنت طالق قبل أن أخلق أو قبل أن تخلقي، أو طلقتك وأنا صبي أو نائم، أو مجنون ، كان لغواً؛ لأن حاصله إنكار الطلاق.","part":9,"page":417},{"id":5973,"text":"كذلك رأى الحنفية والشافعية والحنابلة: إن قال: أنت طالق قبل موتي بشهرين أو أكثر، فمات قبل مضي شهرين، لم تطلق لانتفاء الشرط، ولأن الطلاق لا يقع في الماضي. وإن مضى شهران ثم مات بعدهما ولو بساعة طلقت مستنداً لأول المدة لا عند الموت، وفائدة الطلاق: أنه لا ميراث لها؛ لأن العدة قد تنتهي بشهرين، بثلاث حيضات عند الحنفية ومن وافقهم.\rوإن قال: أنت طالق قبل موتي، ولم يزد شيئاً، طلقت في الحال؛ لأن ما قبل موته من عقد صفة الطلاق، محل للطلاق، فوقع في أوله.\rوإن قال لزوجته: أنت طالق قبل قدوم زيد بشهر، فقدم بعد شهر وجزء يقع الطلاق فيه، وقع مستنداً ( أي بأثر رجعي ) قبل الشهر عند الشافعية والحنابلة؛ لأن قوله يراد به إيقاع الطلاق بعد عقده، لأنه أوقع الطلاق في زمن على صفة، فإذا حصلت الصفة وقع فيه، كما لو قال: أنت طالق قبل رمضان بشهر أو قبل موتك بشهر.\rوقال الحنفية ما عدا زفر: يقع الطلاق مقتصراً ( أي من غير أثر رجعي ) عند قدوم زيد؛ لأنه جعل الشهر شرطاً لوقوع الطلاق، فلا يسبق الطلاق شرطه.\rثالثاً ـ الطلاق المعلق :\rهو ما رتب وقوعه على حصول أمر في المستقبل، بأداة من أدوات الشرط أي التعليق، مثل إن، وإذا ، ومتى، ولو ونحوها، كأن يقول الرجل لزوجته: إن دخلت دار فلان فأنت طالق، أو إذا سافرت إلى بلدك فأنت طالق، أو إن خرجت من المنزل بغير إذني فأنتي طالق، أو متى كلمت فلاناً فأنت طالق.\rويسمى يميناً مجازاً؛ لأن التعليق في الحقيقة إنما هو شرط وجزاء، فإطلاق اليمين عليه مجاز، لما فيه من معنى السببية، ولمشاركته الحلف في المعنى المشهور وهو الحث أو المنع أو تأكيد الخبر. والتعليق إما لفظي: وهو الذي تذكر فيه أداة الشرط صراحة، مثل إن وإذا.","part":9,"page":418},{"id":5974,"text":"وإما معنوي: وهو الذي لا تذكر فيه أداة الشرط صراحة، بل تكون موجودة من حيث المعنى، كقول الزوج: علي الطلاق لأفعلن كذا، أو لا أفعل كذا، أو الطلاق يلزمني لا أفعل كذا. فالمقصود منها بحسب العرف: لزوم الطلاق إن حصل المحلوف عليه، أم لم يحصل.\rأنواع الشرط المعلق عليه :\rالشرط الذي يعلق الطلاق عليه إما أن يكون أمراً اختيارياً يمكن فعله والامتناع عنه، أو أمراً غير اختياري.\rفإن كان الشرط أمراً اختيارياً يمكن أن يكون ويمكن ألا يكون: فإما أن يكون فعلاً من أفعال الزوج، مثل إن دخلت دار فلان أو كلمت فلاناً فامرأتي طالق، أو إن لم أدفع حق فلان غداً فزوجتي طالق، ففي المثال الأول يكون التعليق لحمل نفسه على الامتناع من الدخول، وفي المثال الثاني يكون التعليق لحمل نفسه على دفع الدين أو الحق في الغد.\rأو يكون فعلاً من أفعال الزوجة، مثل إن سافرت أو دخلت دار فلان فأنت طالق. ومثل: أنت طالق إن شئت، لم تطلق حتى تسافر أو تدخل الدار أو تشاء. أو يكون فعلاً لغير الزوجين، مثل: إن سافر أخوك فأنت طالق. وإن كان الشرط أمراً غير اختياري للإنسان فهو كالتعليق بمشيئة الله تعالى، وطلوع الشمس وموت فلان، ودخول الشهر، وولادة فلانة ونحوها.\rشروط التعليق :\rيشترط لصحة التعليق ما يأتي:\r1ً - أن يكون الشرط المعلق عليه الطلاق معدوماً على خطر الوجود، أي يحتمل أن يكون وألا يكون. فلو كان موجوداً كان طلاقها منجزاً، مثل إن خرجت أمس فأنت طالق، وقد خرجت فعلاً فتطلق في الحال. وإن كان المعلق عليه أمراً مستحيلاً عادة كالطيران وصعود السماء، مثل إن صعدت السماء فأنت طالق، ومنه التعليق بمشيئة الله تعالى، كأن يقول: أنت طالق إن شاء الله تعالى، فلا يقع عند الحنفية؛ لأن التعليق لا يصح، واليمين لغو، ووافقهم بقية المذاهب في التعليق بمستحيل عادة.","part":9,"page":419},{"id":5975,"text":"ووافقهم أيضاً المالكية والشافعية والظاهرية في التعليق بمشيئة الله ، لا يقع الطلاق عندهم إن قصد التعليق، وقال الحنابلة: يقع الطلاق،لأن ما لا يمكن الاطلاع عليه يكون منجزاً ويقع في الحال، وسقط حكم تعليقه، قال ابن عباس: «إذا قال الرجل لامرأته: أنت طالق إن شاء الله ، فهي طالق» وقال ابن عمرو وأبو سعيد: «كنا معشر النبي صلّى الله عليه وسلم نرى الاستثناء جائزاً في كل شيء إلا في الطلاق والعتاق» وذكر الشافعية: أنه لو قال: يا طالق إن شاء الله ، وقع في الأصح نظراً لصورة النداء المشعر بحصول الطلاق حالته، والحاصل لا يعلق، بخلاف أنت طالق إن شاء الله وقصد التعليق فإنه لم يقع.\rورأي غير الحنابلة أصح لدي لحديث ابن عمر: «من حلف على يمين، فقال: إن شاء الله ، فلا حنث عليه» (1) وحديث ابن عباس: «من قال لامرأته: أنت طالق إن شاء الله ، أو لغلامه: أنت حر، أو قال: عليَّ المشي إلى بيت الله إن شاء الله ، فلا شيء عليه» (2) .\r2ً - أن يحصل المعلق عليه والمرأة محل لوقوع الطلاق عليها: بأن تكون في حال الزوجية فعلاً، أو حكماً في أثناء العدة باتفاق الفقهاء، أو في أثناء العدة من الطلاق البائن بينونة صغرى عند الحنفية، خلافاً لباقي المذاهب، فلو قال الرجل لامرأة أجنبية: إن كلمت فلاناً فأنت طالق، فكلمته، لم يقع الطلاق وكذا لو تزوجها ثم كلمت فلاناً، لا تطلق؛ لأنها وقت التعليق لم تكن محلاً لإيقاع الطلاق.\rولو قال لامرأته المطلقة طلاقاً رجعياً في أثناء العدة: إن كلمت فلاناً، فأنت طالق، فكلمته في العدة، وقع الطلاق عليها باتفاق الفقهاء، وكذا تطلق لو كانت عند الحنفية في عدة طلاق بائن بينونة صغرى، ولا تطلق حينئذ في المذاهب الأخرى.\rولا يشترط عند حصول المعلق عليه أن يكون الزوج أهلاً لإيقاع الطلاق، فلو طلق طلاقاً معلقاً ثم جن أو عته، ووجد المعلق عليه، وقع الطلاق؛ لأن الصيغة صدرت من أهلها مستوفية شروطها، فيترتب عليها أثرها.\r-------------------------------\r(1) رواه أصحاب السنن الأربعة، وقال الترمذي: حديث حسن ( نصب الراية: 234/3 ).\r(2) أخرجه ابن عدي، وهو معلول بإسحاق الكعبي ( نصب الراية: 235/3 ).","part":9,"page":420},{"id":5976,"text":"حكم الطلاق المعلق أو اليمين بالطلاق :\rاختلف الفقهاء في اليمين بالطلاق أو الطلاق المعلق على ثلاثة أقوال (1) ، كأن يعلق طلاق زوجته على أمر المستقبل، ويوجد المعلق عليه، مثل: إن دخلت الدارفأنت طالق، أو كلمت زيداً، أو إن قدم فلان من سفره، فأنت طالق. أو يقول لها في العرف الشائع اليوم: علي الطلاق إن ذهبت لبيت أهلك، أو سافرت، أو ولدت أنثى، أو علي الطلاق إن لم أتزوج زوجة أخرى ونحوه.\r1 - فقال أئمة المذاهب الأربعة: يقع الطلاق المعلق متى وجد المعلق عليه، سواء أكان فعلاً لأحد الزوجين، أم كان أمراً سماوياً، وسواء أكان التعليق قسمياً: وهو الحث على فعل شيء أو تركه أو تأكيد الخبر، أم شرطياً يقصد به حصول الجزاء عند حصول الشرط.\r2 - وقال الظاهرية والشيعة الإمامية: اليمين بالطلاق أو الطلاق المعلق إذا وجد المعلق عليه لا يقع أصلاً، سواء أكان على وجه اليمين: وهو ما قصد به الحث على فعل شيء أو تركه أو تأكيد الخبر، أم لم يكن على وجه اليمين: وهو ما قصد به وقوع الطلاق عند حصول المعلق عليه.\r-------------------------------\r(1) فتح القدير: 76/4 ومابعدها، القوانين الفقهية: ص231، مغني المحتاج: 314/3 ومابعدها، المغني: 178/7 ومابعدها، المحلى: 258/10 ومابعدها، مسألة 1969، المختصر النافع من فقه الإمامية: ص222، أعلام الموقعين: 66/3 ومابعدها، مقارنة المذاهب للأستاذين شلتوت والسايس: ص108 ومابعدها.","part":9,"page":421},{"id":5977,"text":"3 - وقال ابن تيمية وابن القيم بالتفصيل: إن كان التعليق قسمياً أو على وجه اليمين ووجد المعلق عليه، لا يقع، ويجزيه عند ابن تيمية كفارة يمين إن حنث في يمينه، ولا كفارة عليه عند ابن القيم، وأما إن كان التعليق شرطياً أو على غير وجه اليمين، فيقع الطلاق عند حصول الشرط.\rأدلة الأقوال :\rأدلة القول الأول: استدل أئمة المذاهب الأربعة بالكتاب والسنة والمعقول:\r1 - الكتاب: استدلوا بإطلاق الآيات الدالة على مشروعية الطلاق وتفويض الأمر فيه إلى الزوج، مثل قوله تعالى: {الطلاق مرتان} [البقرة:229/2]، فهي لم تفرق بين منجز ومعلق، ولم تقيد وقوعه بشيء، والمطلق يعمل به على إطلاقه، فيكون للزوج إيقاع الطلاق حسبما يشاء منجزاً أو مضافاً أو معلقاً على وجه اليمين أو غيره.\r2 - السنة: استدلوا بقوله صلّى الله عليه وسلم : «المسلمون عند شروطهم» وبوقائع كثيرة حدثت في عصر النبي والصحابة، منها: ما أخرجه البخاري عن ابن عمر قال: «طلق رجل امرأته البتة إن خرجت» فقال ابن عمر: إن خرجت فقد بانت منه، وإن لم تخرج فليس بشيء.\rومنها: ما رواه البيهقي عن ابن مسعود في رجل قال لامرأته: إن فعلتْ كذا وكذا، فهي طالق، ففعلته: فقال: هي واحدة، وهو أحق بها .\rومنها: ما صح عن أبي ذر الغفاري أن امرأته لما ألحت عليه في السؤال عن الساعة التي يستجيب الله فيها الدعاء يوم الجمعة قال لها: «إن عدت سألتِني فأنت طالق» .\rومنها: ما أسنده ابن عبد البر عن عائشة رضي الله عنها قالت: «كل يمين وإن عظمت، ففيها الكفارة إلا العتق والطلاق» .\rومنها: ما رواه البيهقي عن ابن عباس في رجل قال لامرأته: هي طالق إلى سنة، قال: يستمتع بها إلى سنة. وهذا الأثر في التعليق الشرطي، وكل ما سبق قبله في التعليق القسمي.","part":9,"page":422},{"id":5978,"text":"وعن الحسن البصري فيمن قال لامرأته: أنت طالق إن لم أضرب غلامي فأبق الغلام (هرب)، قال: هي امرأه يستمتع بها، ويتوارثان، حتى يفعل ما قال. فإن مات الغلام قبل أن يفعل ما قاله، فقد ذهبت منه امرأته.\rوروى البيهقي عن أبي الزناد عن فقهاء أهل المدينة أنهم كانوا يقولون: أيما رجل قال لامرأته: أنت طالق إن خرجت حتى الليل، فخرجت امرأته قبل الليل بغير علمه، طلقت امرأته. فكل هذه الآثار تدل على وقوع الطلاق المعلق عند حدوث الشرط المعلق عليه.\r3 - المعقول: قد تدعو الحاجة إلى تعليق الطلاق كما تدعو إلى تنجيزه، زجراً للمرأة، فإن خالفت كانت هي الجانية على نفسها. ويقاس الطلاق القسمي على المداينة إلى أجل والعتق إلى أجل.\rأدلة القول الثاني :\rاستدل الظاهرية والإمامية على قولهم بأن تعليق الطلاق يمين، واليمين بغير الله تعالى لا تجوز، بقوله صلّى الله عليه وسلم : «من كان حالفاً فلا يحلف إلا بالله » (1) ثم قالوا: ولا طلاق إلا ما أمر الله عز وجل، ولا يمين إلا كما أمر الله عز وجل على لسان رسول الله صلّى الله عليه وسلم ، واليمين بالطلاق ليس مما سماه الله تعالى يميناً، والله تعالى يقول: {ومن يتعدَّ حدود الله فقد ظلم نفسه} [الطلاق:1/65] ولم يأت قرآن ولا سنة بوقوع الطلاق المعلق.\rورد هذا: بأن تسمية الطلاق المعلق يميناً إنما هو على سبيل المجاز، من حيث إنه يفيد ما يفيده اليمين بالله تعالى: وهو الحث على الفعل، أو المنع منه، أو تأكيد الخبر، فلا يكون الحديث المذكور متناولاً الطلاق المعلق. ثم إن السنة وردت بوقوع الطلاق المعلق.\rواستدلوا أيضاً بما رواه ابن حزم وابن القيم عن علي وشريح أنهم كانوا يقولون: «الحلف بالطلاق ليس بشيء» ورد عليه بأن المروي عن علي في حال الاضطهاد، والمروي عن شريح في حالة عدم وقوع الأمر المعلق عليه، والمروي عن طاوس مؤوّل بأنه ليس شيئاً مستقيماً في السنة بمعنى لا ينبغي أن يحصل.\r-------------------------------\r(1) رواه أبو عبيد عن ابن عمر.","part":9,"page":423},{"id":5979,"text":"واستدلوا كذلك بأن كل طلاق لا يقع حين إيقاعه دون تقييد بشرط أو صفة لا يقع بعدئذ. ورد هذا بأن المعلِّق ليس موقعاً للطلاق حين التلفظ، وإنما عند تحقق الشرط.\rوقاسوا الطلاق على النكاح، فكما لا يصح تعليق النكاح لا يصح تعليق الطلاق. ورد عليه بأنه قياس مع الفارق؛ لأن تعليق النكاح مناف للمقصود منه، أما الطلاق فإنه لا ينافيه.\rأدلة القول الثالث :\rاستدل ابن تيمية وابن القيم على رأيهم التفصيلي:\r1ً - بأن الطلاق المعلق القسمي إذا كان المقصود منه الحث على الفعل أو المنع منه أو تأكيد الخبر، كان في معنى اليمين، فيكون داخلاً في أحكام اليمين في قوله تعالى: {قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم} [التحريم:2/66] وقوله سبحانه: {ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم} [المائدة:89/5]. وإن لم تكن يميناً شرعية كانت لغواً.\rورد عليهما بأن الطلاق المعلق لا يسمى يميناً لا شرعاً ولا لغة، وإنما هو يمين على سبيل المجاز، لمشابهة اليمين الشرعية في إفادة الحث على الفعل أو المنع منه أو تأكيد الخبر، فلا يكون له حكم اليمين الحقيقي: وهو الحلف بالله تعالى أو صفة من صفاته، بل له حكم آخر: وهو وقوع الطلاق عند حصول المعلق عليه.\r2 - وبأن عائشة وحفصة وأم سلمة وابن عباس أفتوا ليلى بنت العجماء بأن تكفِّر عن يمينها حينما حلفت بالعتق فقالت: كل مملوك لها محرر، وكل مال لها هدي، وهي يهودية وهي نصرانية إن لم يطلق مولاها أبو رافع امرأته، أو يفرق بينه وبينها، فيكون الحلف بالطلاق مثله وهو أولى. ورد عليهما بأن الآثار المروية عن الصحابة في الاعتداد بالتعليق أقوى من هذا؛ لأن رواتها من رجال الصحيح.\r3 - وبما رواه البخاري عن ابن عباس رضي الله عنه: «الطلاق عن وَطَر والعتق: ما ابتغي به وجه الله » أي أن الطلاق إنما يقع ممن غرضه إيقاعه، لا ممن يكره وقوعه كالحالف المكره.\rوأجيب بأن معنى الوطر ليس هو كما ذكرتم، بل معناه: لا ينبغي للرجل أن يطلق امرأته إلا عند الحاجة كالنشوز.\rوفي تقديري أن القول الأول هو الأصح دليلاً، لكن يلاحظ أن الشبان غالباً يستخدمون اليمين بالطلاق للتهديد لا بقصد الإيقاع، وهذا يجعلني أميل إلى القول الثالث، لا سيما وقد أخذ به القانون في مصر رقم ( 25 لسنة 1929)، وفي سورية، نصت المادة الثانية من القانون المصري والمادة (90) من القانون السوري على الأخذ برأي ابن تيمية وابن القيم:\r«لا يقع الطلاق غير المنجز إذا لم يقصد به إلا الحث على فعل شيء، أو المنع منه، أو استعمل استعمال القسم لتأكيد الإخبار لا غير» .","part":9,"page":424},{"id":5980,"text":"ملحق ـ حكم طلاق المريض مرض الموت :\rأبحث هنا حكم طلاق المريض مرض الموت ونحوه، وشروط ثبوت ميراث زوجته منه، وبعض الأحكام الفرعية في مرض الموت (1) .\rالمقصود بمريض الموت : كل من غالب حاله الهلاك بمرض أو غيهر له حكم مرض الموت ، ويسمى طلاقه طلاق الفارّ أو الفرار ، لفراره من إرث زوجته ، فيرد عليه قصده إلى تمام عدتها عند الحنفية ، ولو بعد انقضاء العدة عند المالكية ، وما لم تتزوج في المشهور عند الحنابلة .\rومريض الموت كما قال الحنفية: هو من أضناه مرض عجز به عن إقامة مصالحه المعتادة خارج البيت، كعجز العالم الفقيه عن الإتيان إلى المسجد وعجز التاجر عن الإتيان إلى دكانه. وأما المرأة المريضة: فهي التي عجزت عن مصالحها المعتادة داخل البيت كطبخ ونحوه. واستمر المرض في حدود السنة دون تزايد، وأعقبه الموت، فالمراد من مرض الموت: هو الذي يتحقق فيه أمران:\r-------------------------------\r(1) فتح القدير: 150/3 ومابعدها، الدر المختار: 715/2-723، اللباب: 52/3، القوانين الفقهية: ص228، مغني المحتاج: 294/3، المغني: 329/6-339، المختصر النافع في فقه الإمامية: ص 223، المحلى: 266/10، مسألة 1976.","part":9,"page":425},{"id":5981,"text":"الأول ـ أن يكون الغالب فيه الهلاك عادة، الثاني ـ أن يتصل به الموت.ويلحق به من يترقب الموت كالمحكوم عليه بالإعدام، والمشرف على الغرق في سفينة.\rحكمه: له أحكام، منها: أنه لا يصح تبرعه إلا من ثلث التركة، ومنها نفاذ طلاقه وإرث امرأته منه إذا مات وهي في العدة عند الحنفية، وتفصيل حكم طلاقه ما يأتي:\rاتفق الفقهاء على أن الرجل المريض إذا طلق امرأته، فطلاقه نافذ كالصحيح، فإن مات من ذلك المرض ورثته المطلقة ما دامت في العدة من طلاق رجعي، كما ترثه فيها في طلاقها في حال الصحة؛ لأن الرجعية زوجة يلحقها طلاق الزوج وظهاره وإيلاؤه، ويملك إمساكها بالرجعة ولو بغير رضاها، ولا ولي ولا شهود ولاصداق جديد.\rأما إن طلقها في حال الصحة طلاقاً بائناً أو رجعياً، فبانت منه بانقضاء عدتها، فلم يتوارثا إجماعاً. واتفق الفقهاء أيضاً على أن الرجل إذا طلق امرأته في مرض الموت ثم ماتت، لم يرثها وإن ماتت في العدة.\rواختلفوا في إرث الزوجة المطلقة طلاقاً بائناً إذا مات الزوج في أثناء العدة من هذا الطلاق. وهذا محل البحث هنا، وهو حكم طلاق الفرار.\rفقال الجمهور (الحنفية والمالكية والحنابلة والإمامية): إنها ترثه، وقال الشافعي في الجديد: لا ترثه. وقال الظاهرية: طلاق المريض كطلاق الصحيح ولا فرق، فإذا مات أو ماتت فلا توارث بينهما بعد الطلاق الثلاث، ولا بعد تمام العدة في الطلاق الرجعي.\rالأدلة :\rاستدل الشافعي على أن المرأة المطلقة في عدة طلاق بائن لا ترث من زوجها الذي طلقها: بانقطاع آثار الزوجية بالطلاق البائن، والميراث لا يثبت بعد زوال سببه، بخلاف المطلقة في عدة طلاق رجعي، فإنها ترث بالاتفاق لبقاء آثار الزوجية، كلحوق الطلاق لها والإيلاء منها ونحوهما.\rواستدل الجمهور بالأثر والمعقول:","part":9,"page":426},{"id":5982,"text":"أما الأثر: فإن عثمان رضي الله عنه ورَّث تماضر بنت الأصبغ الكلبية من عبد الرحمن بن عوف، الذي كان قد طلقها في مرضه، فبتَّها، وكان ذلك بمحضر من الصحابة، فلم ينكر عليه أحد، فكان إجماعاً منهم.\rوأما المعقول: فهو أن تطليقها ضرار محض، وهو يدل على قصده حرمانها من الإرث، فيعاقب بنقيض قصده، كما يرد قصد القاتل إذا قتل مورثه بحرمانه من الإرث، فترث المرأة حينئذ بسبب الزوجية دفعاً للضرر عنها.\rوقت الإرث: لكن اختلف الجمهور في وقت الإرث، فقال الحنفية: إنها ترث إذا مات وهي في العدة من هذا الطلاق البائن، لبقاء بعض أحكام الزواج فيبقى حق إرثها منه، فإن مات بعد انقضاء العدة، فلا ميراث لها؛ لأنه لم يبق بينهما علاقة، وصارت كالأجنبية، ففي أثناء العدة: ترث بسبب الإمكان وهو بقاء بعض أحكام الزوجية، وبعد انقضاء العدة: لا ترث لعدم الإمكان وانقطاع آثار الزوجية السابقة.\rوقال المالكية: إنها ترث وإن انقضت عدتها وتزوجت، لما روى أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف «أن أباه طلق أمه، وهو مريض، فمات، فورثته بعد انقضاء العدة» ولأن سبب توريثها فراره من ميراثها، وهذا المعنى لا يزول بعد انقضاء العدة.\rوعند الإمامية، والمشهور عند أحمد: أنها ترثه في العدة وبعدها ما لم تتزوج، لما روي عن الحسن البصري، ولأن هذه المطلقة وارثة من زوج، فلا ترث زوجاً سواه كسائر الزوجات، فلو ورثت بعد الزواج بغيره لأدى ذلك إلى توريثها من زوجين في بعض الأحوال، والمرأة لا تكون زوجة لاثنين شرعاً، والتوارث من حكم النكاح فلا يجوز اجتماعه مع نكاح آخر، ولأنها فعلت باختيارها ما ينافي نكاح الزوج الأول لها، فأشبه ما لو كان فسخ النكاح من قبلها.","part":9,"page":427},{"id":5983,"text":"شروط ثبوت الميراث: يشترط لثبوت ميراث المرأة في طلاق الفرار مايأتي:\r1ً - ألا يصح الزوج من ذلك المرض، وإن مات منه بعد مدة.\r2ً - أن يكون المرض مخوفاً يحجر عليه فيه.\r3ً - أن يكون الطلاق البائن بعد الدخول الحقيقي: فلو كان الطلاق قبل الدخول ولو بعد الخلوة الصحيحةلا يعتبر المطلِّق فارّاً ولا تستحق الزوجة الميراث؛ لأن العدة لا تجب بهذا الطلاق. ووجوب العدة بعد الخلوة عندا لحنفية ومن وافقهم للاحتياط محافظة على الأنساب، والميراث حق مالي لا يثبت للاحتياط.\r4ً - أن يكون الطلاق بدون رضا الزوجة: أي منه لا منها ولا بسببها، فلو كان برضاها لا يثبت لها الميراث، ولا يوصف المطلِّق بالفرار. وعليه لو كان الطلاق بالتمليك والتخيير بأن قال لها: اختاري، والخلع بأن اختلعت منه على مال دفعته له في سبيل تطليقها، والتفريق القضائي لعيب في الزوج، ثم مات وهي في العدة، لم ترثه، لتحقق رضاها بإبطال حقها في الميراث.\r5ً - أن تكون الزوجة أهلاً للميراث من زوجها وقت الطلاق، وأن تستمر هذه الأهلية إلى وقت الموت. فإذا لم تكن أهلاً للميراث وقت الطلاق، بأن كانت كتابية وهو مسلم، فلا يثبت لها الميراث، لعدم تحقق صفة الفرار. ولو كانت مسلمة وقت الطلاق، ثم خرجت عن هذه الأهلية قبل الموت فارتدت، فإنها لا ترث؛ لأنها بالردة سقط حقها في الميراث، ولا يعود لها عند الجمهور غير المالكية هذا الحق بالإسلام؛ لأن الساقط لا يعود.\rوقال مالك: لو عادت إلى الإسلام بعد أن ارتدت ثم مات الزوج في عدتها، فإنها ترثه؛ لأنها مطلَّقة في المرض، فأشبه ما لو لم ترتد.","part":9,"page":428},{"id":5984,"text":"الفرقة من جهة الزوجة المريضة مرض الموت: إذا حدثت الفرقة من جهة الزوجة وهي مريضة مرض الموت ونحوه مما يغلب فيه الهلاك، فإنها تعد فارَّة من ميراث زوجها، فتعامل بنقيض مقصودها، ويرثها الزوج إذا ماتت وهي في العدة، ولا ترث هي منه إذا مات ولو كانت في العدة. وإذا قصدت الزوجة بالفرقة إبطال حق الزوج، رد عليها قصدها وثبت له الميراث، كأن يكون لهاخيار الفسخ، أو ترتكب مع أحد أصول الزوج أو فروعه في مرض موتها ما يوجب حرمة المصاهرة، أو ترتد عن الإسلام وهي في مرض موتها، فإنها تعتبر فارَّة من الميراث، فيرثها زوجها إذا ماتت قبل انقضاء عدتها؛ لأن الفرقة جاءت بسبب من جهتها.\rومما يوجب حرمة المصاهرة عند الحنفية والحنابلة: أن يستكره الابن امرأة أبيه على ما ينفسخ به نكاحها من وطء أو غيره في مرض أبيه، فمات أبوه من مرضه المذكور، ورثته ولم يرثها إن ماتت. فإن طاوعته على الحرام، لم ترث؛ لأنها مشاركة فيما ينفسخ به نكاحها، فأشبه ما لو خالعته.\rوكذلك الحكم فيما إذا وطئ المريض من ينفسخ نكاحه بوطئها، كأم امرأته أو ابنتها، فإن امرأته تبين منه وترثه إذا مات في مرضه، ولا يرثها، سواء طاوعته الموطوءة أو أكرهها، فإن مطاوعتها ليس للمرأة فيه فعل، فيسقط به ميراثها.\rولا يرى الشافعي فسخ النكاح بالوطء الحرام.\rوإن فعلت المريضة ما ينفسخ نكاحها، كرضاع امرأة صغيرة لزوجها، أو رضاع زوجها الصغير، أو ارتدت أو نحوها، فماتت في مرضها، ورثها الزوج ولم ترثه عند الحنفية والحنابلة والمالكية، وقال الشافعي: لا يرثها.\rزواج المريض المطلِّق بأخرى: إذا طلق المريض امرأته، ثم نكح أخرى ومات من مرضه في عدة المطلقة، ورثتاه عند الحنفية والحنابلة، وقال مالك: الميراث كله للمطلقة؛ لأن نكاح المريض عنده غير صحيح.","part":9,"page":429},{"id":5985,"text":"المبحث السادس ـ الشك في الطلاق وإثبات الطلاق :\rالشك في الطلاق: الشك لغة ضد اليقين، واصطلاحاً: تردد على السواء، والمراد هنا مطلق التردد، سواء أكان على السواء بين الاحتمالين أم ترجح أحد الاحتمالين. وحكمه باتفاق الفقهاء (1) : أن اليقين لا يزول بالشك، وعدم الشك من الزوج في الطلاق هو شرط الحكم بوقوع الطلاق، فلو شك فيه لا يحكم بوقوعه، ولا يعتزل امرأته.\rـ فمن شك في طلاقه، هل طلق أو لا، لم تطلق امرأته؛ لأن النكاح كان ثابتاً بيقين، ووقع الشك في زواله بالطلاق، فلا يحكم بزواله بالشك، كحياة المفقود، إنها لما كانت ثابتة، ووقع الشك في زوالها، لا يحكم بزوالها بالشك، والحاصل: أن النكاح ثابت بيقين فلا يزول بشك.\rـ ومن شك في صفة الطلاق: أنه طلقها رجعية أو بائنة، يحكم بالرجعية؛ لأنها أضعف الطلاقين، فكانت متيقناً بها.\rـ ومن شك في عدد الطلاق بنى على اليقين، وهو الأقل، فمن شك في طلاق ثلاث، فيحكم عند الجمهور غير المالكية بوقوع طلقة واحدة حتى يستيقن؛ لأن ما زاد على القدر الذي تيقنه طلاق مشكوك فيه، فلم يلزمه، كما لو شك في أصل الطلاق، وتبقى أحكام المطلق دون الثلاث من إباحة الرجعة، وإذا راجع، وجبت النفقة وحقوق الزوجية.\rوقال المالكية: إن تيقن الطلاق، وشك في العدد، لم تحل له حتى تنكح زوجاً غيره؛ لأنها تحتمل طلاقاً ثلاثاً.\rـ وإن حلف بالطلاق ثم شك: هل حنث أو لا، أمر عند المالكية بالفراق.\rـ وإن شك في وجود الشرط الذي علق عليه الطلاق، مثل: أنت طالق إن فعلت كذا، أو أنت طالق إن لم أفعل كذا اليوم، فمضى اليوم وشك في فعله، لم تطلق؛ لأن النكاح ثابت بيقين، فلا يزول بالشك.\r-------------------------------\r(1) البدائع: 126/3، القوانين الفقهية: ص 230، المهذب: 100/2، مغني المحتاج: 303/3 وما بعدها، كشاف القناع: 381/5 وما بعدها، المغني: 247/7.","part":9,"page":430},{"id":5986,"text":"ـ ومن طلق إحدى امرأتيه بذاتها، ثم نسيها أو خفيت عليه ذاتها، بأن طلقها في ظلمة أو من وراء حجاب، رجع إليه عند الشافعية في تعيينها، ولا تحل له واحدة منهما قبل أن يعين، والوطء ليس بياناً ولا تعييناً، ولو ماتت المرأتان أو إحداهما يطالب بالتعيين لبيان الإرث، ولو مات فالأظهر قبول بيان وارثه لا تعيينه، وقال الحنابلة: تعين إحداهما بقرعة.\rوإن طلق إحدى امرأتيه، ولم ينو معينة، لزمه التعيين عند الشافعية. وأخرجت المطلقة بالقرعة عند الحنابلة، خلافاً لما ذهب إليه أكثر العلماء، عملاً بما روي عن علي وابن عباس، ولأنه إزالة ملك بني على التغليب والسراية، فتدخله القرعة كالعتق، ولأن الحق لواحد غير معين، فوجب تعيينه بقرعة كإعتاق عبيده في مرضه، وكالسفر بإحدى نسائه، وكالمنسية، ولا يملك إخراج امرأة بتعيينه بغير القرعة، ويجوز له وطء الباقي من نسائه بعد القرعة لبقاء نكاحهن، ولا يجوز وطء إحداهن قبل القرعة إن كان الطلاق بائناً، لاحتمال أن تكون هي التي تقع عليها القرعة، وإن كان الطلاق رجعياً جاز وطء الكل، وبه تحصل الرجعة.\rـ ولو قال: إن كان الطائر غراباً فأنت طالق، وشك هل كان غراباً أو لا، فلا نحكم بوقوعه. ولو قال شخص آخر: إن لم يكن هذا الطائر غراباً فامرأتي طالق، وجهل حال الطائر، لم يحكم بطلاق المرأة، لجواز أنه غير غراب، والأصل بقاء النكاح، فتعليق الطلاق لا يغير حكمه. وقال الحنابلة: من قال عن طائر: إن كان هذا الطائر غراباً ففلانة طالق، وإن لم يكن غراباً ففلانة طالق، وجهل أي المرأتين طلق، فالمطلقة منهما كالمنسية، يقرع بينهما؛ لأنه لا سبيل إلى معرفة المطلقة منهما عيناً أو بالذات، فهما سواء، والقرعة طريق شرعي لإخراج المجهول.","part":9,"page":431},{"id":5987,"text":"الورع التزام الطلاق: لكن يلاحظ أن الشافعية والحنابلة نبهوا على أن الورع في حال الشك هو التزام الطلاق والأخذ بالأسوأ لقوله صلّى الله عليه وسلم : «فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه» (1) وقوله: «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك» (2) . فمن شك في الطلاق، يراجع إن كان له الرجعة، وإلا فيجدد نكاحها إن كان له فيها رغبة، وإلا فلينجز طلاقها لتحل لغيره يقيناً. ومن شك في عدد الطلاق في أنه طلق ثلاثاً أم ثنتين، لم ينكحها حتى تنكح زوجاً غيره. ولو شك: هل طلق ثلاثاً أو لم يطلق شيئاً، طلقها ثلاثاً لتحل لغيره يقيناً.\rأدلة العمل بالمتيقن: والأصل في طرح الشك والعمل بالمتيقن حديث عبد الله ابن زيد عن النبي صلّى الله عليه وسلم : «أنه سئل عن الرجل يخيل إليه أنه يجد الشيء في الصلاة، فقال: لا ينصرف حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاًَ» (3) فأمره بالبناء على اليقين واطراح الشك، ولأنه شك طرأ على يقين، فوجب اطراحه، كما لو شك المتطهر في الحدث، أو شك المحدث في الطهارة.\rوبناء عليه قرر الفقهاء ما سبق وخلاصته: إن وقع الشك في أصل الطلاق: لا يحكم بوقوعه؛ لأن النكاح كان ثابتاً بيقين، إن وقع في قدر الطلاق أو عدده، يحكم بالأقل عند الجمهور غير المالكية؛ لأنه متيقن به، وفي الزيادة شك. وإن وقع الشك في وصف الطلاق أنه طلقها رجعية أو بائنة، يحكم بالرجعية؛ لأنها أضعف الطلاقين، فكانت متيقناً بها.\r-------------------------------\r(1) رواه البخاري ومسلم عن النعمان بن بشير.\r(2) رواه الترمذي وصححه.\r(3) متفق عليه.","part":9,"page":432},{"id":5988,"text":"إثبات الطلاق :\rإذا ادعت المرأة أن زوجها طلقها، وأنكر هو، فمذهب المالكية (1) : أنه إن أتت بشاهدين عدلين نفذ الطلاق، وإن أتت بشاهد واحد،حلّف الزوج وبرئ، وإن لم يحلف سجن حتى يقر ويحلف.\rوإن لم تأت بشاهد فلا شيء على الزوج، وعليها منع نفسها منه بقدر جهدها.\rوإن حلف بالطلاق وادعت أنه حنث، فالقول قول الزوج بيمينه.\rوذكر الحنابلة (2) : إذا ادعت المرأة أن زوجها طلقها، فالقول قول الزوج بيمينه؛ لأن الأصل بقاء النكاح وعدم الطلاق، إلا أن يكون لها بما ادعته بينة، ولا يقبل فيه إلا عدلان؛ لأن الطلاق ليس بمال، ولا المقصود منه المال، ويطلع عليه الرجال في غالب الأحوال كالحدود والقصاص. فإن لم تكن بينة يستحلف الرجل على الصحيح لحديث: «اليمين على من أنكر» .\r-------------------------------\r(1) القوانين الفقهية: ص 231.\r(2) المغني: 259/7.","part":9,"page":433},{"id":5989,"text":"ملحق ببحث الطلاق ـ الرجعة وزواج التحليل :\rالرجعة :\rأولاً ـ تعريف الرجعة ومشروعيتها وحكمها وركنها ونوعاها وأحكام الرجعية (1) :\rتعريفها: الرجعة لغة: المرة من الرجوع، واصطلاحاً عند الحنفية: هي استدامة الملك القائم بلا عوض ما دامت في العدة، أي استدامة الزواج في أثناء عدة الطلاق الرجعي. والطلاق الرجعي كما تقدم: تطليق المدخول بها ما دون الثلاث بلا مال، بصريح الطلاق غير المقترن بعدد الثلاث، أو بعض الكنايات المخصوصة (وهي اعتدي واستبرئي رحمك وأنت واحدة) . وهذا يعني أن الرجعة تدل على بقاء الزواج بعد الطلاق الرجعي وأنها استدامة له، وليست إنشاء لعقد جديد، ولا إعادة للزواج السابق بعد زواله، وهذا يتفق مع مبدأ بقاء أحكام الزواج بعد الطلاق الرجعي، بدليل قوله تعالى: {وبعولتهن أحق بردهن} [البقرة:228/2] سماه بعلاً، وهذا يقتضي بقاء الزوجية بينهما.\rوعرفها الجمهور غير الحنفية بأنها: إعادة المطلَّقة طلاقاً غير بائن إلى الزواج في العدة بغير عقد. وهذا يعني أن الزواج ينتهي بالطلاق الرجعي، وأن الرجعة تعيده بعد زواله. وهو الراجح لدي، لاتفاقه مع مقتضى الطلاق الذي يحرم المرأة لغة وعرفاً.\rمشروعيتها: الرجعة مشروعة لقوله تعالى: {وبعولتهن أحق بردهن في ذلك} [البقرة:228/2] أي في العدة، {إن أرادوا إصلاحاً} [البقرة:228/2] أي رجعة، كما قال الشافعي والعلماء. ولقوله تعالى: {الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان} [البقرة:229/2] {فأمسكوهن بمعروف} [البقرة:231/2] والرد والإمساك مفسران بالرجعة.\rولقوله صلّى الله عليه وسلم : «أتاني جبريل فقال: راجع حفصة، فإنها صوامة قوَّامة، وإنها زوجتك في الجنة» (1) وقوله صلّى الله عليه وسلم لعمر: «مره فليراجعها» كما سبق.\rوأجمع العلماء على أن الرجل إذا طلق دون الثلاث له الرجعة في العدة.\rوبناء عليه: إذا طلق الرجل امرأته المدخول بها تطليقة رجعية أو تطليقتين، فله أن يراجعها في عدتها، سواء رضيت بذلك أم لم ترض؛ لأنها عند الحنفية باقية على الزوجية، بدليل جواز الظهار عليها، والإيلاء واللعان والتوارث، وإيقاع الطلاق الآخر ما دامت في العدة بالإجماع.\rحكمتها: حكمة العدة تمكين النادم على الطلاق من إعادة الزوجة، وإصلاح سبب الخلاف، في فترة قريبة وهي العدة، فتكون العدة لإعطاء فرصة للزوج للنظر في أمر الزوجة، والتفكير في مصيرها، فهل من الخير والمصلحة عودة الحياة الزوجية، فيراجعها قبل انقضاء عدتها، أم أن الخير في الطلاق، فيتركها حتى تنتهي عدتها وتبين منه.\rوركن الرجعة عند الحنفية: الصيغة أو الفعل فقط، وعند الجمهور: أركانها ثلاثة: مرتجع، وزوجة، وصيغة فقط عند الشافعية وكذا وطء عند الحنابلة، أو فعل أو نية عند المالكية.\r-------------------------------\r(1) الدر المختار: 727/2-738، فتح القدير: 160/3، اللباب: 53/3، القوانين الفقهية: ص 234، الشرح الصغير: 604/2، 614، الشرح الكبير: 415/2، مغني المحتاج: 335/3، 340، المهذب: 102/2، كشاف القناع: 392/5-395، المغني: 273/7 ومابعدها، 279.\r(2) رواه أبو داود وغيره بإسناد حسن.","part":9,"page":434},{"id":5990,"text":"نوعاها: الرجعة نوعان: رجعة من طلاق رجعي، ورجعة من طلاق بائن. أما الرجعة من الطلاق الرجعي فتكون بالقول اتفاقاً، وتكون بالفعل: وهوأن يستمتع بها بالوطء فما دونه. ولا يجب في الارتجاع من الطلاق الرجعي صداق ولا ولي ولا يتوقف على إذن المرأة ولا غيرها.\rفإذا انقضت عدتها، صارت رجعتها كالرجعة من الطلاق البائن، ويحتاج في ذلك مايحتاج في إنشاء الزواج من إذن المرأة وبذل صداق لها وعقد وليها عند الجمهور المشترطين وجود الولي خلافاً للحنفية. ويجوز بالاتفاق عقد زواج جديد على المطلقة طلاقاً بائناً سواء في العدة أم بعدها.\rأحكام المرأة الرجعية: تعود المرأة الرجعية بالرجعة إلى الزواج بكل ماله وما عليه، ويكون لها حكم الزوجات، وتخالفها في أشياء، ومما تخالف الزوجة مايأتي:\rتحريم الاستمتاع بها عند الشافعية والمالكية: فيحرم الاستمتاع بالرجعية قبل المراجعة بوطء أم غيره حتى بالنظر ولو بلا شهوة؛ لأنها مفارقة كالبائن، ولأن النكاح يبيح الاستمتاع، فيحرمه الطلاق، لأنه ضده. وهذا هو الحق، وإلا لم يكن للطلاق أثر في التحريم.\rفإن وطئ الزوج الرجعية فلا حد عليه، وإن كان عالماً بالتحريم، لاختلاف العلماء في إباحته. ولا يعزر إلا معتقد تحريمه إذا كان عالماً بالتحريم، لإقدامه على معصية عنده، بخلاف معتقد حله، والجاهل بتحريمه لعذر. ومثله المرأة. ويعد كالوطء في استحقاق التعزير سائر التمتعات.\rويجب عند الشافعية بوطء الرجعية مهر المثل إن لم يراجع، وكذا إن راجع على المذهب. ورأى المالكية: أنه ـ بالرغم من تحريم وطء الرجعية على المشهور ـ لا صداق ولا حد في الوطء الخالي عن نية الرجعة؛ لأنها زوجة ما دامت في العدة.","part":9,"page":435},{"id":5991,"text":"وذهب الحنفية، والحنابلة في ظاهر المذهب إلى أنه لا يحرم الاستمتاع بالرجعية، فيباح لزوجها وطؤها، ويباح له عند الحنابلة الخلوة بها والسفر بها، ولها أن تتزين له، وتسرف في الزينة؛ لأنها في حكم الزوجات، كما قبل الطلاق، لكن لا قسم لها عندهم، والسبب في إباحة الاستمتاع بها تسمية الزوج بعلاً في آية: {وبعولتهن أحق بردهن} [البقرة:228/2] وأن له أن يطلِّق.\rوأثبت الحنفية للرجعية القسم إن كان من قصده المراجعة، وإن لم يقصدها فلا قسم لها، لكن يندب عدم دخول الزوج عليها بلا إعلامها لتتأهب وإن قصد مراجعتها، وتكره الخلوة بها كراهة تنزيهية إن لم يكن من قصده الرجعة، وإلا فلا تكره.\rوالمرأة الرجعية مثل الزوجة اتفاقاً في لزوم النفقة والكسوة والسكنى، وفي صحة الإيلاء منها والظهار والطلاق واللعان والتوارث، فيرث كل منهما الآخر.\rومرض الموت والإحرام بحج أو عمرة لا يمنعان من الرجعة للمطلقة الرجعية، ويمنعان من رجعة البائن، كما يمنعان من إنشاء النكاح في رأي الجمهور غير الحنفية، الذين لايجيزون الزواج في أثناء الإحرام.\rثانياً ـ من له حق الرجعة وعدم قبول إسقاطه :\rالرجعة حق الزوج ما دامت المطلقة في العدة، سواء رضيت بذلك أم لم ترض، لقوله تعالى: {وبعولتهن أحق بردهن في ذلك إن أرادوا إصلاحاً} [البقرة:228/2] وهذا الحق للمرتجع أثبته الشرع له، فلا يقبل الإسقاط ولا التنازل عنه، فلو قال الزوج: طلقتك ولا رجعة لي عليك، أو أسقطت حقي في الرجعة، فإن حقه في الرجعة لا يسقط؛ لأن إسقاطه يعد تغييراً لما شرعه الله ، ولا يملك أحد أن يغير ما شرعه الله ، والله سبحانه رتب حق الرجعة على الطلاق الرجعي في آية: {الطلاق مرتان، فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان} [البقرة:229/2].","part":9,"page":436},{"id":5992,"text":"ثالثاً ـ شروط صحة الرجعة :\rيشترط في الرجعة ما يأتي (1) :\rشرط المرتجع: يشترط في المرتجع أهلية الزواج بنفسه، بأن يكون عند الشافعية والمالكية والحنابلة بالغاً عاقلاً مختاراً غير مرتد؛ لأن الرجعة كإنشاء النكاح، فلا تصح الرجعة في الردة والصبا والجنون والسكر، ولا من مكرَه، كما لا يصح الزواج فيها، ولأن طلاق الصبي غير لازم أو غير واقع. وأجاز الحنفية الرجعة للصبي لأن نكاحه صحيح يتوقف على إجازة وليه. وأجاز الحنابلة والشافعية الرجعة لولي المجنون؛ لأنها حق للمجنون يخشى فواته بانقضاء العدة، وأجاز الحنفية للمجنون والمعتوه والمكره الرجعة.\rولا يشترط في المرتجع بالاتفاق عدم الإحرام بحج أو عمرة، وعدم المرض؛ لأن كلاً من المحرم والمريض فيه أهلية النكاح، غير أنه طرأ عليهما ما يمنع من صحته، فيجوز لخمسة الرجعة ولا يجوز نكاحهم: وهم المحرم والمريض والسفيه والمفلس والعبد.\rشرط ما تحصل به الرجعة: تحصل الرجعة من ناطق عند الشافعية بالقول فقط سواء أكان صريحاً أم كناية، أما الصريح فمثل: راجعتك ورجعتك وارتجعتك ورددتك وأمسكتك، وبمعنى هذه الألفاظ ونحوها من سائر اللغات، سواء أعرف العربية أم لا، وسواء أضاف الرجعة إليه أو إلى نكاحه، كقوله: إليّ أو إلى نكاحي أم لا، لكن يستحب ذلك. ولا بد من إضافة الرجعة إلى ظاهر كراجعت فلانة، أو مضمر كراجعتك، أو مشار إليه كراجعت هذه.\rوأما الكناية في الأصح: فمثل قول المرتجع: تزوجتك أو نكحتك، ولا بد من أن يقول المرتجع في الكناية: رددتها إليّ أو إلى نكاحي، حتى يكون صريحاً، وهذا القول شرط.\r-------------------------------\r(1) البدائع: 183/3-186، الدر المختار: 728/2-732، الشرح الصغير: 605/2-608، الشرح الكبير: 615/2-618، القوانين الفقهية: ص 234، مغني المحتاج: 271/3، 335-337، المهذب: 102/2 وما بعدها، المغني: 274/7، 278، 280-285، 290، كشاف القناع: 393/5-396.","part":9,"page":437},{"id":5993,"text":"وأما الفعل كوطء وغيره فلا تحصل به الرجعة عندهم؛ لأنه حرام، والحرام لاتصح الرجعة به، فلو وطئ الزوج رجعيته واستأنفت الأقراء من وقت الوطء، راجع فيما كان بقي من عدة الطلاق.\rوتحصل الرجعة عند الجمهور بالقول أو بالفعل ومنه الخلوة، أما القول عند الحنفية: فهو إما صريح ولو من غير نية: وهو اللفظ الذي لا يحتمل معنى آخر غير الرجعة وإبقاء الزوجية، مثل راجعت زوجتي، أو رجعتك أو رددتك أو أمسكتك. وإما كناية بالنية أو دلالة الحال: وهو ما يحتمل الرجعة وغيرها، كقوله: أنت امرأتي أو أنت عندي الآن كما كنت. فالصريح لا حاجة فيه إلى النية، ولفظ الكناية يحتاج إلى النية أو دلالة الحال. ويشترط في (رددتك) الإضافة إليه أو إلى نكاحه فيقول: إلي أوإلى نكاحي، أو إلى عصمتي.\rوأما الفعل، ولكن مع الكراهة التنزيهية: فهو كل ما يوجب حرمة المصاهرة كمس بشهوة ووطء ولو في الدبر على المعتمد، مع أنه حرام، وتقبيل بشهوة على أي موضع، ولو اختلاساً أو نائماً أو مكرهاً أو مجنوناً أو معتوهاً، سواء نوى المطلق الرجعة أم لا؛ لأن حصول هذا الفعل يدل بوضوح على رغبته في إمساك زوجته، ولأن الزوجية عند الحنفية باقية؛ لأن الله سمى المطلِّق بعلاً، والبعل هو الزوج.\rوتحصل الرجعة بصدور أحد هذه الأفعال من الزوجة كالتقبيل بشهوة إن صدقها الزوج ، أو ورثته بعد موته في وجود الشهوة، فإن أنكر لا تثبت الرجعة.\rوتحصل الرجعة عند المالكية بالقول أو الفعل أو النية، وأما القول فهو إما صريح، كرجعت وارتجعت زوجتي، وراجعت، ورددتها لعصمتي أو نكاحي، أو غير صريح مثل مسَّكتها أو أمسكتها، إذ يحتمل: أمسكتها تعذيباً.\rوأما الفعل فهو كوطء ومقدماته.\rوأما النية: فهي حديث النفس بأن يقول في نفسه: راجعتها، لكن إذا حدث مجرد قصد أن يراجعها، فلا يكون رجعة اتفاقاً.","part":9,"page":438},{"id":5994,"text":"ولا بد من أن ينوي الارتجاع مع القول، أو مع الفعل، خلافاً للحنفية كما تقدم؛ لأن تصرف الزوج يحتاج إلى دلالة قوية على رغبته في إعادة المطلقة، وهو يكون بالنية. وتحصل الرجعة بالقول الصريح ولو هزلاً؛ لأن الرجعة هزلها جد، لكن الرجعة في الهزل رجعة في الظاهر لعدم النية، فيلزمه الحاكم بالنفقة وسائر الحقوق، فلا يحل الاستمتاع بها، حتى ينوي الرجعة.\rولا صداق ولا حد في الوطء الخالي عن نية الرجعة، وإن كان الوطء حراماً؛ لأنها في حكم الزوجة ما دامت في العدة.\rوتحصل الرجعة عند الحنابلة والأوزاعي بالقول الصريح، وبالوطء، سواء نوى به الرجعة أم لم ينو به الرجعة؛ لأن الطلاق سبب زوال الملك، والوطء من المالك يمنع زواله، كوطء البائع أمته المبيعة في مدة الخيار. ولا تحصل الرجعة بتقبيل المرأة، أو لمسها بشهوة، أو كشف فرجها والنظر إليه بشهوة أو غير شهوة، ولا بالخلوة بها والحديث معها؛ لأن المذكور كله ليس باستمتاع، أي ليس في معنى الوطء؛ إذ الوطء يدل على ارتجاعها دلالة ظاهرة؛ بخلاف ما ذكر، وهذا هو الراجح عندهم، ولا تحصل الرجعة أيضاً بإنكار الطلاق إذ لا يدل على الرجعة، ولا تحصل الرجعة بالكناية مثل تزوجتك أو نكحتك؛ لأن الرجعة استباحة بُضع (فرج) مقصود، فلا تحل بالكناية. وقال بعض الحنابلة: الخلوة في إثبات الرجعة كالوطء؛ لأن حكمها حكم الدخول في جميع أمورها عندهم.\rوالخلاصة: تحصل الرجعة بالقول الصريح اتفاقاً، أو بالكناية بشرط النية عند غير الحنابلة، واشترط المالكية النية في القول والفعل، وتحصل أيضاً عند غير الشافعية بالوطء، وكذا بكل ما يوجب حرمة المصاهرة عند الحنفية والمالكية، ولا تحصل بغير الوطء ولا بالكناية عند الحنابلة، ولا بأي فعل عند الشافعية. والراجح لدي قول المالكية لتوسطه وقوة حجته.","part":9,"page":439},{"id":5995,"text":"شرط الزوجة المرتجعة (محل الرجعة) والطلاق الحاصل والعدة :\rيشترط في الرجعة كون المرأة مدخولاً بها، لا بمجرد الخلوة، وأن تكون مطلَّقة طلاقاً رجعياً من نكاح صحيح؛ لأن النكاح الفاسد يفسخ سواء بعد الدخول أم قبله، ولأن المفسوخ نكاحها لا رجعة فيها؛ لأن الله تعالى أناطها بالطلاق فاختصت به، ولأن الطلاق البائن يزيل الزوجية في الحال بمجرد صدوره، فتملك المطلقة أمرها، وأن يكون الطلاق بلا عوض؛ لأن المطلقة بعوض قد ملكت نفسها، وأن تكون ممن لم يستوف عدد طلاقها؛ لأنه إذا استوفى عدد الطلاق وهو ثلاث، فلا سلطنة له عليها، وأن تكون قابلة للحل للمراجع، لا مرتدة، فلا تصح مراجعة المرتدة؛ لعدم حلها، ولا يصح مراجعة الكافرة التي أسلمت، واستمر زوجها في الكفر لعدم الحل.ويشترط أيضاً أن تكون باقية في العدة: فلا تصح الرجعة بعد انقضاء العدة؛ لأن العدة إذا انقضت أصبح الطلاق بائناً، فتمتنع الرجعة.\rشرط زمن الرجعة: يشترط أن تكون الرجعة منجزة، فلا يصح تعليقها بشرط مستقبل، مثل: راجعتك إن شئت، فقالت: شئت، أو راجعتك إن قدم أبوك، أو راجعتك إن عاد أبي من السفر، ولا يصح أيضاً إضافتها إلى زمن مستقبل، مثل: راجعتك غداً أو أول الشهر القادم؛ لأن الرجعة عند الحنفية شبيهة بالزواج من حيث إنها استدامة له، فيشترط فيها التنجيز كالزواج، ولأنها عند الجمهور استباحة بضع مقصود، فلم يصح تعليقه على شرط كالنكاح. ويشترط ألا تكون مؤقتة بوقت، فإذا قال لها: راجعتك شهراً، لم تحصل الرجعة. ويصح تعليق الرجعة على أمر قد مضى، مثل: إن كنت فعلت كذا فإني أراجعك، وكان الفعل قد وقع فعلاً، أو على أمر متحقق الوجود في الحال، مثل: إن رضي أبي فقد راجعتك، وكان أبوه حاضراً في المجلس، فقال: رضيت. وإنما جاز التعليق في هاتين الحالتين؛ لأنه تنجيز في صورة التعليق.\rوالخلاصة: يشترط في الرجعة ما يلي:\r1 - أهلية المرتجع عند المالكية والشافعية والحنابلة، أي بالبلوغ والعقل.\r2 - أن يكون الطلاق رجعياً لا بائناً ولا بعوض.","part":9,"page":440},{"id":5996,"text":"3 - أن تقع الرجعة في العدة، لا بعد انقضائها.\r4 - أن تكون المرأة زوجة مطلقة معينة غير مبهمة، مدخولاً بها في نكاح صحيح قابلة للحل، فلا تصح رجعة غير مدخول بها ولا مفسوخ نكاحها ولا مرتدة ونحوها.\r5 - أن تكون الرجعة منجزة غير مؤقتة بوقت، وغير معلقة بشرط ولا مضافة لزمن مستقبل.\rما لا يشترط في الرجعة: لا يشترط في الرجعة أمور أهمها ما يأتي (1) :\r1 ً - رضا المرأة ونحوه من الشروط: لا يشترط بالاتفاق رضا المرأة في الرجعة، لقول الله تعالى: {وبعولتهن أحق بردهن في ذلك إن أرادوا إصلاحاً} [البقرة:228/2] فجعل الحق لهم، وقال سبحانه: {فأمسكوهن بمعروف} [البقرة:231/2] فخاطب الأزواج بالأمر، ولم يجعل لهن اختياراً، ولأن الرجعة إمساك للمرأة بحكم الزوجية، فلم يعتبر رضاها في الرجعة، كالتي في عصمته تماماً.\rولا يشترط في الرجعة ولي ولا صداق؛ لأن الرجعية في حكم الزوجة، والرجعة إمساك لها، واستبقاء لزواجها.\r2 ً - إعلام المرأة بالرجعة: ولا يشترط أيضاً إعلام المرأة بالرجعة، فتصح الرجعة ولو لم تعلم بها الزوجة؛ لأن الرجعة حق خالص للزوج لا يتوقف على رضا المرأة كالطلاق، لكن يندب إعلام الزوجة بها، حتى لا تتزوج غيره بعد انقضاء العدة، وحتى لا تقع المنازعة بين الزوجين، إذا أثبت الزوج الرجعة بالبينة، حتى إنه إذا تزوجت بزوج آخر وأثبت زوجها الأول مراجعتها صحت الرجعة، وفسخ الزواج الثاني.\r-------------------------------\r(1) الدر المختار: 730/2 وما بعدها، تبيين الحقائق: 252/2، القوانين الفقهية: ص 234، الشرح الصغير: 616/2، مغني المحتاج: 336/3، المهذب: 102/2-103، المغني: 278/7، 282، كشاف القناع: 394/5، غاية المنتهى: 179/3، المختصر النافع في فقه الإمامية: ص 223، المحلى: 266/10، مسألة 1975.","part":9,"page":441},{"id":5997,"text":"3 - الإشهاد على الرجعة: ليس الإشهاد على الرجعة شرطاً لصحتها عند الجمهور وهم الحنفية، والمالكية في مشهور المذهب، والشافعية في الجديد، والحنابلة في أصح الروايتين عن أحمد، ولكن الإشهاد عليها مستحب احتياطاً، خوفاً من إنكار الزوجة لها بعد انقضاء العدة، وقطعاً للشك في حصولها، وابتعاداً عن الاتهام في العودة إلى معاشرة الزوجة، فيقول الزوج للشاهدين: اشهدا على أني راجعت امرأتي إلى نكاحي أو زوجيتي، أوراجعتها لما وقع عليها من طلاقي ونحوه. فإن لم يُشهد على رجعتها، صحت الرجعة.\rوقال الظاهرية: يجب الإشهاد على الرجعة وإلا لم تصح، لقوله تعالى: {فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف، وأشهدوا ذوي عدل منكم} [الطلاق:2/65] والأمر للوجوب، ولأن الشهادة شرط في إنشاء الزواج بالاتفاق ، فتكون شرطاً في استدامته بالرجعة.\rوحمل الجمهور الأمر في هذه الآية على الندب والاستحباب، لأن قوله تعالى: {وأشهدوا ذوي عدل منكم} [الطلاق:2/65] وارد عقب قوله: {فأمسكوهن بمعروف} [الطلاق:2/65] وأجمع العلماء على عدم وجوب الإشهاد على الطلاق، فتكون الرجعة مثله، ولأن النصوص القرآنية مطْلَقة كقوله تعالى: {فأمسكوهن} [البقرة:231/2] {وبعولتهن أحق بردهن} [البقرة:228/2].\rوروي أن ابن عمر طلَّق امرأته وهي حائض، فأمره النبي صلّى الله عليه وسلم بمراجعتها، ولم يأمره بالإشهاد على الرجعة، ولو كان شرطاً لأمره به. وسئل عمران بن حصين عن الرجل يطلِّق امرأته، ثم يقع بها، ولم يشهد على طلاقها ولا على رجعتها، فقال: طلَّقت لغير سنة، وراجعت لغير سنة، أشهد على طلاقها وعلى رجعتها، ولا تعُدْ (1) .\rولم يؤثر عن الصحابة اشتراط الشهادة لصحة الرجعة مع كثرة وقوعها منهم.\rولأن الرجعة حق للزوج لا يتوقف على رضا المرأة، فلا يحتاج إلى الإشهاد عليه كسائر حقوق الزوج.\rولأن الشهادة شرط لابتداء الزواج لخطورته، وليست شرطاً لبقائه، والرجعة إبقاء للزواج واستدامة له، فلا تكون شرطاً لصحتها.\r-------------------------------\r(1) رواه أبو داود ، وابن ماجه ولم يقل: «ولا تعد» (نيل الأوطار: 253/6).","part":9,"page":442},{"id":5998,"text":"رابعاً ـ اختلاف الزوجين في الرجعة :\rإذا توافق الزوجان على الرجعة في أثناء العدة، ثبتت وترتب عليها أثرها، وإن اختلف الزوجان: فإما أن يكون الخلاف في حصول الرجعة أو في صحتها (1) :\r1 - إن اختلف الزوجان في حصول الرجعة: بأن ادعاها الزوج فقال: راجعتك وأنكرت المرأة، فإن كان ذلك قبل انقضاء العدة، فالقول قول الزوج اتفاقاً؛ لأنه يملك الرجعة، فقبل إقراره فيها كما يقبل قوله في طلاقها حين ملك الطلاق.\rوإن كان بعد انقضاء العدة: فإن أثبت الرجل دعواه بالبينة، أو صدقته المرأة في قوله: «قد كنت راجعتك في العدة» ثبتت الرجعة.\rوإن عجز الرجل عن الإثبات، أو كذبته المرأة، فالقول قولها بيمينها، في رأي الأكثرين، على المفتى به عند الحنفية من قول الصاحبين، فإذا نكل المنكر حبس عندهما حتى يُقرّ أو يحلف؛ لأن النكول عن اليمين يعتبر عندهما إقراراً بالحق المدعى، والرجعة يصح الإقرار بها عندهما.\rوفي رأي أبي حنيفة: لا يمين عليها.\rويقبل قولها لأن الأصل عدم الرجعة ووقوع البينونة.\rوإن اختلفا في الإصابة (الوطء) فقال الزوج: أصبتك، وأنكرت المرأة، فالقول أيضاً قولها بيمينها؛ لأن الأصل عدم الإصابة ووقوع الفرقة، فهي منكرة واليمين على من أنكر.\r-------------------------------\r(1) الدر المختار: 731/2-737، اللباب: 55/3-57، القوانين الفقهية: ص 234، الشرح الصغير: 611/2-613، مغني المحتاج: 338/3-342، المهذب: 103/2، المغني: 280/7، 285-291.","part":9,"page":443},{"id":5999,"text":"2 - وإن اختلف الزوجان في صحة الرجعة: بأن قال الزوج: (قد راجعتك في العدة) فالرجعة صحيحة، فقالت الزوجة: الرجعة باطلة، لوقوعها بعد انقضاء العدة، أو قالت مجيبة له: (قد انقضت عدتي) وكانت العدة بالأقراء، فالقول قولها ما ادعت من ذلك ممكناً.\rفإن كانت المدة بين الطلاق وبين الوقت الذي تدعي المرأة انقضاء العدة عنده كافية لانقضاء العدة، قبل قولها بيمينها حتى عند أبي حنيفة؛ لأن انقضاء العدة بالحيض لا يعرف إلا من جهتها.\rوإن كانت المدة التي مضت لا تكفي لانقضاء العدة، بأن كانت أقل من أقل مدة تنتهي فيها العدة شرعاً، فلا يعتبر قولها، وتصح الرجعة، لظهور قرينة تكذب دعواها.\rوأقل مدة تنقضي بها العدة بالحيضات وهي الأقراء عند الحنفية: ستون يوماً عند أبي حنيفة؛ لأن كل حيضة عشرة أيام في الأكثر، والحيضات ثلاث، فهي ثلاثون يوماً، يتخللها طهران وهما ثلاثون يوماً أيضاً؛ لأن أقل الطهر بين الحيضتين خمسة عشر يوماً، فيكون مجموع ذلك ستين يوماً، وهذا هو الراجح وهو الغالب بين النساء. وأقل مدة عند الحنابلة على أن الأقراء هي الحيضات: تسعة وعشرون يوماً ولحظة، وذلك بأن يطلقها مع آخر الطهر، ثم تحيض بعده يوماً وليلة، ثم تطهر ثلاثة عشر يوماً، ثم تحيض يوماً وليلة، ثم تطهر ثلاثة عشر يوماً، ثم تحيض يوماً وليلة، ثم تطهر لحظة ليعرف بها انقطاع الحيض.","part":9,"page":444},{"id":6000,"text":"وأقل مدة عند المالكية تنقضي بها العدة بالأقراء، أي الأطهار عندهم: شهر: ثلاثون يوماً، بأن يطلقها زوجها في أول ليلة من الشهر، وهي طاهرة، ثم تحيض وينقطع عنها الحيض قبل الفجر؛ لأن أقل الحيض عندهم يوم، أو بعض يوم بشرط أن يقول النساء: إنه حيض، ثم تطهر خمسة عشر يوماً، ثم تحيض في ليلة السادس عشر، وينقطع قبل الفجر أيضاً، ثم تحيض عقيب غروب آخر يوم من الشهر، فتكون قد طهرت ثلاثة أطهار: الطهر الذي طلقها فيه، ثم الطهر الثاني في النصف الأول من الشهر، ثم الثالث في النصف الثاني من الشهر،فيحدث تمام الشهر ثلاثين يوماً.\rوأقل مدة تنقضي بها العدة عند الشافعية: اثنان وثلاثون يوماً ولحظتان، ولا يقبل أقل من ذلك بحال؛ لأنه لا يتصور عندهم أقل من ذلك، بأن تطلق وقد بقي لحظة من الطهر، وهي قرء عندهم، ثم تحيض يوماً وليلة أقل الحيض عندهم، ثم تطهر خمسة عشر يوماً أقل الطهر، وذلك قرء ثان، ثم تحيض يوماً وليلة ثم تطهر خمسة عشر، وذلك قرء ثالث، ثم تحيض، وهذه الحيضة ليست من العدة، بل لاستيقان انقضائها، فذلك اثنان وثلاثون يوماً ولحظتان.\rمدة الاغتسال: ينتهي وقت الرجعة عند الحنفية إذا طهرت المرأة من الحيض الأخير لعشرة أيام، وإن لم تغتسل؛ لأن الحيض لا مزيد له على العشرة. أما إن كان الحيض أقل من عشرة أيام، فلا تنقطع الرجعة حتى تغتسل؛ لأن عود الدم محتمل، أو يمضي عليها وقت صلاة فتصير ديناً في ذمتها، أو تتيمم للعذر وتصلي في الوقت ولو نفلاً استحساناً عند أبي حنيفة وأبي يوسف.\rويرى أكثر الحنابلة أنه لا بد من وقت يمكن الغسل فيه بعد انقطاع الحيض، للقول بانقضاء العدة.\rهذا هو القسم الأول وهو أن تدعي المرأة انقضاء عدتها بالقروء.","part":9,"page":445},{"id":6001,"text":"القسم الثاني ـ أن تدعي انقضاء عدتها بوضع الحمل :\rإذا ادعت المرأة المطلَّقة انقضاء عدتها بوضع الحمل، فلا يقبل قولها في أقل من ستة أشهر من حين إمكان الوطء بعد عقد الزوج؛ لأن أقل مدة الحمل هي ست أشهر، وأقل من ستة أشهر من وقت الطلاق.\rالقسم الثالث ـ أن تدعي انقضاء عدتها بالشهور :\rإذا كانت المرأة صغيرة آيسة فعدتها بالأشهر الثلاثة، إذا ادعت انقضاء عدتها بالشهور، فلا يقبل قولها فيه، وإنما القول قول الزوج؛ لأن المعول على قوله في وقت الطلاق، فيكون القول قوله فيما ينبني عليه، إلا أن يدعي انقضاء عدتها ليسقط عن نفسه نفقتها، فيكون القول حينئذ قولها؛ لأنه يدعي ما يسقط النفقة، والأصل وجوبها، فلا يقبل قوله إلا ببينة. الرجعة في القانون: أخذ القانون السوري بمذهب الحنفية في أن الطلاق الرجعي لا يزيل الزوجية، وبجواز الرجعة بالقول أو الفعل، وانقطاع الرجعة بانقضاء عدة الطلاق، فنصت المادة (118) على ما يلي:\r1 - الطلاق الرجعي لا يزيل الزوجية، وللزوج أن يراجع مطلقته أثناء العدة بالقول أو الفعل، ولا يسقط هذا الحق بالإسقاط.\r2 - تبين المرأة وتنقطع الرجعة بانقضاء عدة الطلاق الرجعي.","part":9,"page":446},{"id":6002,"text":"زواج التحليل :\rبينا أن حكم الطلاق الثلاث هو زوال الملك والحل زوالاً مؤقتاً، فتحرم المرأة على من طلقها تحريماً مؤقتاً، ولا يجوز له زواجها قبل التزوج بزوج آخر لقوله تعالى: {فإن طلقها، فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجاً غيره} [البقرة:230/2] سواء طلقها ثلاثاً متفرقات، أو جملة واحدة.\rالتحليل بزواج دائم: تنتهي الحرمة باتفاق الفقهاء إذا كان الزواج الثاني مؤبداً طبيعياً، قصد به دوام الزوجية والعشرة، وهو المقصود في القرآن الكريم: {حتى تنكح زوجاً غيره} [البقرة:230/2] وذلك بشروط ثلاثة هي (1) :\rالشرط الأول ـ أن تنكح زوجاً غيره، لقوله تعالى: {حتى تنكح زوجاً غيره} [البقرة:230/2] نفى الحل إلى غاية التزوج بزوج آخر. فلو وطئها إنسان بالزنا أو بشبهة، لم تبح؛ لأنه ليس بزوج.\rالشرط الثاني ـ أن يكون النكاح الثاني صحيحاً: فإن كان فاسداً ودخل بها، لا تحل للأول؛ لأن النكاح الفاسد ليس بنكاح حقيقة، ولقوله تعالى: {حتى تنكح زوجاً غيره} [البقرة:230/2] وإطلاق النكاح يقتضي الصحيح.\rالشرط الثالث ـ أن يطأها الزوج الثاني في الفرج، فلو وطئها دونه أو في الدبر، لم يحلها لزوجها الأول؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلم علَّق الحل على ذوق العسيلة منهما، فقال لامرأة رفاعة القرظي: «أتريدين أن ترجعي إلى رفاعة؟ لا، حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك» (2) . ولا يحصل هذا إلا بالوطء في الفرج، وأدناه تغييب الحشفة في الفرج؛ لأن أحكام الوطء تتعلق به، وذلك بشرط الانتشار؛ لأن الحكم يتعلق بذوق العسيلة، ولا تحصل من غير انتشار، وبشرط أن يكون الزوج الثاني ممن يمكن جماعه، لا طفلاً لا يتأتى منه الجماع.\rفشرط الوطء: التقاء الختانين ولو من غير إنزال في رأي جماهير العلماء إلا الحسن البصري، فقال: لا تحل إلا بوطء بإنزال.\rوجمهور العلماء على أن الوطء الذي يوجب الحد، ويفسد الصوم، والحج، ويحل المطلقة، ويحصن الزوجة، ويوجب الصداق: هو التقاء الختانين.\rوقال أبو حنيفة والشافعي والثوري والأوزاعي، يُحل الوطء المرأة، وإن وقع في وقت غير مباح كحيض أو نفاس، سواء أكان الواطئ بالغاً عاقلاً أم صبياً مراهقاً (3) أم مجنوناً؛ لأن وطء الصبي والمجنون يتعلق به أحكام النكاح من المهر والتحريم كوطء البالغ العاقل. وكذلك الصغيرة التي يجامع مثلها إذا طلقها زوجها ثلاثاً، ودخل بها الزوج الثاني، حلت للأول، لإطلاق قوله تعالى: {فإن طلقها فلا\r-------------------------------\r(1) البدائع: 187/3-189، اللباب: 58/3، بداية المجتهد: 86/2 وما بعدها، المهذب: 46/2 وما بعدها، مغني المحتاج: 182/3 وما بعدها، المغني: 645/6-648، 275/7 ومابعدها، المحلى: 220/10، مسألة 1955، المختصر النافع في فقه الإمامية: ص 223.\r(2) رواه الجماعة عن عائشة (نيل الأوطار: 253/6).\r(3) الصبي المراهق: هو الذي تتحرك آلته وتشتهي، وقدره بعض الحنفية بعشر سنين.","part":9,"page":447},{"id":6003,"text":"تحل له من بعد حتى تنكح زوجاً غيره} [البقرة:230/2] ولأن وطأها يتعلق به أحكام الوطء من المهر والتحريم، فصار كوطء البالغة.\rواشترط المالكية والحنابلة شرطاً رابعاً: هوأن يكون الوطء حلالاً (مباحاً) وأن يكون الواطئ عند المالكية بالغاً، وعند الحنابلة: أون له اثنا عشر سنة؛ لأن الوطء غير المباح حرام لحق الله تعالى، فلم يحصل به الإحلال كوطء المرتدة، ولأن من دون البلوغ أو من دون سن الثانية عشرة لا يمكنه المجامعة.\rفلا يحل المطلقة إلا الوطء المباح الذي يكون في العقد الصحيح في غير صوم أو حج أو حيض أو اعتكاف، ولا يحل الذمية عند مالك وابن القاسم وطء زوج ذمي لمسلم. ونص أحمد على أنه إذا كانت الزوجة ذمية، فوطئها زوجها الذمي، أحلها لمطلِّقها المسلم لأنه وطء من زوج في نكاح صحيح تام، فأشبه وطء المسلم. وهذا رأي الشافعية والمالكية أيضاً. وأجاز الحنابلة للمجنون إحلال المطلقة ثلاثاً كما قال الحنفية؛ لظاهر الآية: {حتى تنكح زوجاً غيره} [البقرة:230/2] ولأنه وطء مباح من زوج في نكاح صحيح تام، فأشبه وطء العاقل.\rالزواج بشرط التحليل (نكاح المحلِّل ) : اتفق الفقهاء (1) أيضاً على أن الزواج بالمطلقة ثلاثاً بشرط صريح لعقد على أن يحلها الزوج الثاني لزوجها الأول لا يجوز، وهو حرام عند الجمهور، مكروه تحريماً عند الحنفية، لقول ابن مسعود: «لعن رسول الله صلّى الله عليه وسلم المحلِّل والمحلَّل له» (2) ولقوله صلّى الله عليه وسلم : «ألا أخبركم بالتيس المستعار؟ قالوا: بلى يا رسول الله ، قال: هو المحلل، لعن الله المحلل والمحلل\r-------------------------------\r(1) المراجع السابقة.\r(2) رواه أحمد والنسائي والترمذي وصححه عن ابن مسعود، ورواه الخمسة إلا النسائي عن علي (نيل الأوطار: 138/6).","part":9,"page":448},{"id":6004,"text":"له» (1) والنهي يدل على فساد المنهي عنه، ولا يطلق الزواج الشرعي على الزواج المنهي عنه.\rوهذا هو نكاح المحلل: وهو أن يتزوج الرجل امرأة على أنه إذا وطئها فلا نكاح بينهما، وأن يتزوجها ليحلها للزوج الأول.\rهذا النكاح فاسد عند الجمهور (المالكية والشافعية والحنابلة والظاهرية وأبي يوسف)؛ للحديث السابق، ولأن النكاح بشرط الإحلال في معنى النكاح المؤقت، وشرط التوقيت في النكاح يفسده، والنكاح الفاسد لا يقع به التحليل، فهو نكاح إلى مدة أو فيه شرط يمنع بقاءه فأشبه نكاح المتعة. قال في المهذب: «لأنه نكاح شرط انقطاعه دون غايته، فشابه نكاح المتعة» ويؤيده قول عمر: والله لا أوتى بمحلل ومحلل له إلا رجمتهما (2) .\rوقال أبو حنيفة وزفر: هذا النكاح صحيح مكروه تحريماً، فإن وطئها الزوج الثاني حلت للأول بعد أن يطلقها وتنقضي عدتها، لأن شرط التحليل شرط فاسد، والزواج لا يفسد بالشروط الفاسدة، فيلغو الشرط، ويصح العقد؛ لإطلاق آية: {حتى تنكح زوجاً غيره} [البقرة:230/2] دون تفرقة بين ما إذا شرط الإحلال أم لا، إلا أنه مكروه تحريماً؛ لأنه شرط ينافي المقصود من النكاح وهو السكن والتوالد والتعفف، وهو يتوقف على البقاء والدوام في الزوجية.\rوقال محمد: النكاح الثاني صحيح، ولا تحل المطلقة للأول؛ لأن النكاح عقد مؤبد، فكان شرط الإحلال استعجال ما أخره الله تعالى لغرض الحل، فيبطل الشرط ويبقى النكاح صحيحاً، لكن لا يحصل به الغرض، كمن قتل مورثه فإنه يحرم الميراث. وهذا قول للشافعية فيمن تزوج امرأة على أنه إذا وطئها طلقها.\rوأجاز الإمامية نكاح المحلل مطلقاً بشرط الوطء، وكون الزوج بالغاً، وكون العقد صحيحاً دائماً.\r-------------------------------\r(1) رواه ابن ماجه عن عقبة بن عامر (المرجع السابق).\r(2) رواه الأثرم عن قبيصة بن جابر.","part":9,"page":449},{"id":6005,"text":"الزواج بقصد التحليل دون شرط :\rذهب المالكية والحنابلة (1) إلى أن الزواج بقصد التحليل بدون شرط في العقد باطل، بأن تواطأ العاقدان على شيء مما ذكر قبل العقد، ثم عقد الزواج بذلك القصد، بأن نواه الزوج في العقد، أو نوى التحليل من غير شرط، فيبطل العقد، ولا تحل به المرأة لزوجها الأول، عملاً بمبدأ سد الذرائع إلى الحرام، وبالحديث السابق: «لعن الله المحلل والمحلل له» .\rوذهب الحنفية والشافعية والظاهرية والإمامية (2) : إلى أن الزواج بقصد التحليل من غير شرط في العقد صحيح، وتحل المرأة بوطء الزوج الثاني للزوج الأول؛ لأن مجرد النية في المعاملات غير معتبر، فوقع الزواج صحيحاً، لتوافر شرائط الصحة في العقد، وتحل للأول، كما لو نويا التوقيت وسائر المعاني الفاسدة.\rوأرجح الرأي الأول، لقوة أدلة قائليه، ولأن هذا الفعل أشبه بالسفاح، بدليل ما روى الحاكم والطبراني في الأوسط عن عمر: «أنه جاء إليه رجل، فسأله عن رجل طلق امرأته ثلاثاً، فتزوجها أخ له عن غير مؤامرة، ليحلها لأخيه، هل تحل للأول؟ قال: لا، إلا بنكاح رغبة، كنا نعد هذا سفاحاً على عهد رسول الله صلّى الله عليه وسلم » (3) لكن خصص ابن حزم هذا في نكاح التحليل بشرط (4) .\r-------------------------------\r(1) بداية المجتهد: 87/2، المغني: 646/6 وما بعدها.\r(2) البدائع: 187/3، مغني المحتاج: 183/3، المحلى: 220/10، مختصر فقه الإمامية: ص 223.\r(3) نيل الأوطار: 139/6.\r(4) المحلى: 223/10 وما بعدها.","part":9,"page":450},{"id":6006,"text":"هدم الزواج الثاني طلاق الزوج السابق :\rسبق الكلام في هذا الموضوع وأعيده هنا بتفصيل آخر (1) :\rأ ـ اتفق الفقهاء على أن المطلقة الرجعية إذا راجعها زوجها، والبائن بينونة صغرى إذا عقد عليها زوجها عقداً جديداً قبل أن تتزوج بزوج آخر، تعود إليه بما بقي له من الطلقات الثلاث، واحدة أو اثنتين.\rب ـ واتفقوا أيضاً على أن الزواج الثاني بعد الطلاق الثلاث، يهدم طلاق الزوج السابق، وتعود إليه بعد العقد الجديد بطلقات ثلاث؛ لأن الوطء الثاني يهدم الطلقات الثلاث؛ لأنه مثبت لحل جديد كامل، ويزول الحل الأول بالطلاق الثلاث.\rجـ ـ واختلف الفقهاء في أنه: هل يهدم الزواج الثاني ما دون الثلاث على رأيين:\rقال المالكية والشافعية والحنابلة ومحمد وزفر من الحنفية: لا يهدم، يعني إذا تزوجت المطلقة قبل الطلقة الثالثة غير الزوج الأول، ثم أعادها الزوج الأول بنكاح جديد، فتعود ببقية الثلاث، لما روي عن كبار الصحابة: عمر وعلي ومعاذ وعمران بن حصين وأبي هريرة، ولأن الوطء الثاني لا يحتاج إليه في الإحلال للزوج الأول، فلا يغير حكم الطلاق، ولأنه تزويج قبل استيفاء الطلقات الثلاث، فأشبه ما لو رجعت إليه قبل وطء الثاني.\rوقال أبو حنيفة وأبو يوسف، والإمامية في أشهر الروايتين: إنه يهدم، فتعود إلى الزوج الأول بطلاق ثلاث، كما يهدم ما دون الثلاث؛ لأنه إذا هدم الطلقة الثالثة، فهو أحرى أن يهدم ما دونها؛ لأن وطء الزوج الثاني مثبت للحل، فيثبت حلاً يتسع لثلاث تطليقات، فيتسع لما دونها بالأولى.\r-------------------------------\r(1) فتح القدير: 178/3، بداية المجتهد: 87/2 ومابعدها، الدر المختار: 746/2، القوانين الفقهية: ص226، مغني المحتاج: 293/3، المهذب: 105/2، المغني: 261/7، مختصر فقه الإمامية: ص 223.","part":9,"page":451},{"id":6007,"text":"الفَصْلُ الثَّاني: الخُلْع\rفيه خمسة مباحث:\rالمبحث الأول ـ معنى الخلع ومشروعيته وألفاظه وحكمه ووقته وأركانه :\rالخُلْع لغة: النزع والإزالة، وعرفاً بضم الخاء: إزالة الزوجية. وفقهاً له تعاريف في اصطلاح كل مذهب، فعند الحنفية (1) : هو إزالة ملك النكاح المتوقفةُ على قبولها، بلفظ الخلع أو ما في معناه. فخرج بكلمة ( ملك النكاح ): الخلع في النكاح الفاسد وبعد البينونة والردة، فإنه لغو، وخرج بكلمة (المتوقفة على قبولها) أي المرأة : ما إذا قال: خلعتك ولم يذكر المال، ناوياً به الطلاق، فإنه يقع بائناً غير مسقط للحق، لعدم توقفه على قبول المرأة، فدل القبول على أن الخلع يكون ببدل، ومتى كان على بدل مالي لزم قبولها. وخرج بقوله (بلفظ الخلع) الطلاق على مال، فإنه غير مسقط للحقوق. وأما قوله (أو ما في معناه) فيدخل فيه لفظ (المبارأة) ولفظ (البيع والشراء) فإنه مسقط للحقوق ومنها المهر. والخلاصة: أن التعريف خاص بالخلع المسقط للحقوق، والواقع عادة في مقابل مال تفتدي به المرأة نفسها، فإن خالعها وقع الطلاق تطليقة بائنة، ولزمها المال.\r-------------------------------\r(1) الدر المختار ورد المحتار: 766/2 وما بعدها، فتح القدير: 199/3، اللباب: 64/3.","part":9,"page":452},{"id":6008,"text":"والخلع عند المالكية (1) : الطلاق بعوض، سواء أكان من الزوجة أم من غيرها من ولي أو غيره، أو هو بلفظ الخلع. وهو يدل على أن الخلع نوعان:\rالأول ـ وهو الغالب ما كان في نظير عوض.\rالثاني ـ ما وقع بلفظ الخلع، ولو لم يكن في نظير شيء، كأن يقول لها: خالعتك أو أنت مخالعة.\rوبعبارة أخرى هو: أن تبذل المرأة أو غيرها للرجل مالاً على أن يطلقها، أو تسقط عنه حقاً لها عليه، فتقع به طلقة بائنة.\rأي أنه عند المالكية يشمل الفرقة بعوض أو بدون عوض.\rوالخلع عند الشافعية (2) : هو فُرْقة بين الزوجين بعوض بلفظ طلاق أو خلع، كقول الرجل للمرأة: طلقتك أو خالعتك على كذا، فتقبل.\rوهذا أنسب التعاريف لاتفاقه مع المقصود بالخلع هنا وفي مفاهيم الناس ومع القانون النافذ في مصر وسورية.\rوالحنابلة (3) قالوا: الخلع: فراق الزوج امرأته بعوض يأخذه منها أو من غيرها، بألفاظ مخصوصة. وفائدته: تخليصها من الزوج على وجه لا رجعة له عليها إلا برضاها. ويصح الخلع عندهم في رواية على غير عوض، ولا شيء للزوج، كما قال المالكية، والراجح عند الحنابلة أن العوض ركن في الخلع فلا يصح تركه كالثمن في البيع، فإن خالعها بغير عوض لم يقع خلع ولا طلاق إلا إذا كان بلفظ الطلاق أو نيته، فيقع طلاقاً رجعياً.\rمشروعيته: الخلع جائز لا بأس به عند أكثر العلماء (4) ، لحاجة الناس إليه بوقوع الشقاق والنزاع وعدم الوفاق بين الزوجين، فقد تبغض المرأة زوجها وتكره العيش معه لأسباب جسدية خَلْقية، أو خلُقية أو دينية، أو صحية لكبر أو ضعف أو نحو ذلك، وتخشى ألا تؤدي حق الله في طاعته، فشرع لها الإسلام في موازاة الطلاق الخاص بالرجل طريقاً للخلاص من الزوجية، لدفع الحرج عنها ورفع الضرر عنها، ببذل شيء من المال تفتدي به نفسها وتتخلص من الزواج، وتعوض الزوج ما أنفقه في سبيل الزواج بها. وقد حصر جمهور العلماء أخذ الفدية من مال الزوجة مقابل الطلاق في حال النشوز وفساد العشرة من قبل الزوجة.\rودل الكتاب والسنة على مشروعيته، أما الكتاب فقوله تعالى: {فلا جناح عليهما فيما افتدت به} [البقرة:229/2] وقوله سبحانه: {فإن طبن لكم عن شيء منه نفساً، فكلوه هنيئاً مريئاً} [النساء:4/4] وقوله: {فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحاً} [النساء:128/4].\r-------------------------------\r(1) الشرح الصغير: 517/2 وما بعدها، القوانين الفقهية: ص 232.\r(2) مغني المحتاج: 262/3.\r(3) كشاف القناع: 237/5، 244، المغني: 67/7.\r(4) بداية المجتهد: 66/2، الدر المختار: 767/2، مغني المحتاج: 262/3، المغني: 51/7.","part":9,"page":453},{"id":6009,"text":"وأما السنة: فحديث ابن عباس: «أن امرأة ثابت بن قيس جاءت إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلم ، فقالت: يا رسول الله ، إني ما أعيب عليه في خلُق ولا دين، ولكني أكره الكفر في الإسلام، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلم : أتردّين عليه حديقته؟ قالت: نعم، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلم : اقبل الحديقة، وطلِّقها تطليقة» (1) فهي لا تريد مفارقته لسوء خلقه ولا لنقصان دينه، وإنما كرهت كفران العشير، والتقصير فيما يجب له بسبب شدة البغض له، فأمرها النبي صلّى الله عليه وسلم أمر إرشاد وإصلاح لا إيجاب برد بستانه الذي أمهرها إياه، وهو أول خلع وقع في الإسلام، وفيه معنى المعاوضة.\rوشذ أبو بكر بن عبد الله المزيني عن الجمهور، فقال: لا يحل للزوج أن يأخذ من زوجته شيئاً، زاعماً أن قوله تعالى: {فلا جناح عليهما فيما افتدت به} [البقرة:228/2] منسوخ بقوله تعالى: {وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج، وآتيتم إحداهن قنطاراً، فلا تأخذوا منه شيئاً} [النساء:20/4] وهذا معناه عند الجمهور الأخذ بغير رضاها، وأما برضاها فجائز.\rألفاظ الخلع: للخلع عند الحنفية (2) ألفاظ خمسة: الخلع، والمبارأة، والطلاق، والمفارقة، والبيع والشراء، كأن يقول الرجل: خالعتك بكذا، أو بارأتك، أو فارقتك، أو طلقي نفسك على ألف، أو بعت نفسك أو طلاقك على كذا، وتقبل المرأة.\rوذكر المالكية (3) له ألفاظاً أربعة: الخلع والمبارأة والصلح والفدية أو المفاداة، وكلها تؤول إلى معنى واحد وهو بذل المرأة العوض على طلاقها، إلا أن اسم الخلع يختص عادة ببذلها له جميع ما أعطاها، والصلح ببعضه، والفدية بأكثره، والمبارأة بإسقاطها عنه حقاً لها عليه.\rوذكر الشافعية والحنابلة (4) أن الخلع يصح بلفظ الطلاق الصريح أو الكناية مع النية، وباللغة\r-------------------------------\r(1) رواه البخاري والنسائي، ورواه ابن ماجه أيضاً (نيل الأوطار: 246/6).\r(2) الدر المختار: 770/2.\r(3) بداية المجتهد: /66.\r(4) مغني المحتاج: 262/3، 268، 269، المغني: 57/7 وما بعدها، غاية المنتهى: 103/3.","part":9,"page":454},{"id":6010,"text":"غير العربية، ومن الكناية قوله: بعتك نفسك بكذا، فقالت: اشتريت، والصريح عند الشافعية لفظ الخلع والمفاداة، وعند الحنابلة لفظ الخلع والمفاداة والفسخ، والكناية عند الشافعية مثل لفظ الفسخ في الأصح، وكل كنايات الطلاق، والكناية عند الحنابلة: مثل بارأتك وأبرأتك وأبنتك.\rحكمه الشرعي : يسن عند الحنابلة للرجل إجابة المرأة للخلع إن طلبته (1) ، لقصة امرأة ثابت ابن قيس المتقدمة ، إلا أن يكون للزوج ميل ومحبة لها ، فيستحب صبرها ، وعدم افتدائها . ويكره الخلع للمرأة مع استقامة الحال , لحديث ثوبان : أن النبي صلّى الله عليه وسلم قال : « أيما امرأة سألت زوجها الطلاق من غير بأس , فحرام عليها رائحة الجنة (2) » ولأنه عبث , فيكون مكروهاً . لكن يقع الخلع مع الكراهة للآية السابقة : { فإن طبن لكم عن شيء منه نفساً فكلوه هنيئاً مريئاً } [النساء :4/4].\rوذكر الحنفية: أنه إن كان النشوز (النفرة والجفاء) من قبل الزوج، كره له أن يأخذ منها عوضاً؛ لأنه أوحشها بالاستبدال، فلا يزيد في وحشتها بأخذ المال. وإن كان النشوز من قبل الزوجة، كره له أن يأخذ منها عوضاً أكثر مما أعطاها من المهر، فإن فعل ذلك بأن أخذ أكثر مما أعطاها، جاز في القضاء؛ لإطلاق قوله تعالى: { فلا جناح عليهما فيما افتدت به} [البقرة:228/2].\rوذكر الحنابلة (3) أن الخلع باطل والعوض مردود والزوجية بحالها في حالة العضل أو الإكراه\r-------------------------------\r(1) كشاف القناع: 237/5.\r(2) رواه الخمسة إلا النسائي.\r(3) كشاف القناع: 238/5، المغني: 53/7 وما بعدها.","part":9,"page":455},{"id":6011,"text":"على الخلع، بأن ضارَّها بالضرب والتضييق عليها، أو منعها حقوقها من الق والنفقة ونحو ذلك، كما لو نقصها شيئاً من حقوقها ظلماً، لتفتدي نفسها، لقوله تعالى: {ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن} [النساء:4/19]، ولأن ما أكرهت على بذله من العوض مأخوذ بغير حق، فلم يستحق أخذه منها للنهي عنه، والنهي يقتضي الفساد، وذلك باسء لفظ الطلاق أونيته، فيقع رجعياً، ولم تبِن المرأة من زوجها لفساد العوض.\rوكذلك قال الشافعية (1) : يجوز الخلع لما فيه من دفع الضرر عن المرأة غالباً، ولكنه مكروه لما فيه من قطع النكاح الذي هو مطلوب الشرع، لقوله صلّى الله عليه وسلم : «أبغض الحلال إلى الله الطلاق» وذلك إلا في حالتين:\rالأولى ـ أن يخافا أو يخاف أحدهما ألا يقيما حدود الله ،أي ما افترض الله في النكاح.\rوالثانية ـ أن يحلف بالطلاق الثلاث على فعل شيء لا بد له منه، أي كالأكل والشرب وقضاء الحاجة، فيخلعها، ثم يفعل الأمر المحلوف عليه، ثم يتزوجها فلا يحنث لانحلال اليمين بالفعلة الأولى، إذ لا يتناول إلا الفعلة الأولى، وقد حصلت.\rوالخلع عند المالكية على المشهور جائز مستوي الطرفين، وقيل: يكره، وهو قول ابن القصَّار، واشترطوا أن يكون خلع المرأة اختياراً منها وحباً في فراق الزوج من غير إكراه ولا ضرر منه، فإن انخرم أحد هذين الشرطين، نفذ الطلاق، ولم ينفذ الخلع (2) .\rومنع قوم الخلع مطلقاً. وقال الحسن البصري: لا يجوز حتى يراها تزني.\rوقال داود الظاهري: لا يجوز إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله .\r-------------------------------\r(1) مغني المحتاج: 262/3.\r(2) القوانين الفقهية: ص 232، بداية المجتهد: 68/2، حاشية الصاوي على الشرح الصغير: 517/2.","part":9,"page":456},{"id":6012,"text":"هل يحتاج الخلع إلى قاضٍ؟ لا يفتقر الخلع إلى حاكم، كما أبان الحنابلة (1) ، وهو رأي باقي الفقهاء، لقول عمر وعثمان رضي الله عنهما، ولأنه معاوضة، فلم يفتقر إلى القاضي كالبيع والنكاح، ولأنه قطع عقد بالتراضي، فأشبه الإقالة.\rوقت الخلع: لا بأس بالخلع في الحيض، والطهر الذي أصابها فيه (2) ؛ لأن المنع من الطلاق في الحيض من أجل دفع الضرر الذي يلحق المرأة بطول العدة، والخلع لإزالة الضرر الذي يلحقها بسوء العشرة والمقام مع من تكرهه وتبغضه، وهو أعظم من ضرر طول العدة، فجاز دفع أعلاهما بأدناهما، وهي قد رضيت به، مما يدل على رجحان مصلحتها، ولذا لم يسأل النبي صلّى الله عليه وسلم المختلعة عن حالها.\rأركان الخلع: أركانه عند الجمهور غير الحنفية خمسة (3) : القابل، والموجب، والعوض، والمعوض، والصيغة. فالقابل: الملتزم بالعوض، والموجب: الزوج أو وليه أو وكيله، والعوض: الشيء المخالع به، والمعوض: بُضْع الزوجة، أي الاستمتاع بها، والصيغة: مثل خالعتك أو خلعتك على كذا.\rوحقيقة الخلع أو تحقق معناه هو المتضمن لتلك الأركان، فلا بد له من هذه الأمور الخمسة (4) :\rالأول ـ أن يصدر الإيجاب من الزوج أو وكيله أو وليه إن كان صغيراً أو سفيهاً غير رشيد.\rالثاني ـ أن يكون ملك المتعة قائماً حتى يمكن إزالته، وذلك بقيام الزوجية حقيقة، أو حكماً كما هو حال المطلقة رجعياً ولا تزال في العدة. فإن لم تكن الزوجية قائمة حقيقة أو حكماً، لم يتحقق الخلع، فلا خلع في النكاح الفاسد؛ لأن الفاسد لا يفيد ملك المتعة، ولا خلع بعد الطلاق البائن أو انتهاء عدة الطلاق الرجعي.\r-------------------------------\r(1) المغني: 52/7.\r(2) المرجع السابق، المهذب: 71/2.\r(3) حاشية الصاوي على الشرح الصغير: 517/2، مغني المحتاج: 363/3، المغني: 67/7، كشاف القناع: 244/5.\r(4) الأحوال الشخصية للأستاذ الشيخ عبد الرحمن تاج: ص 344.","part":9,"page":457},{"id":6013,"text":"الثالث ـ البدل من جانب الزوجة أو غيرها: وهو كل ما يصلح أن يكون مهراً من مال أو منفعة تقوم بالمال، غير أنه ليس لبدل الخلع حد أدنى بخلاف المهر، فيتحقق الخلع بأي بدل كثير أو قليل. ويستحب ألا يأخذ الرجل أكثر مما أعطى المرأة من الصداق عند أكثر العلماء (1) .\rولا يلزم التصريح بالبدل، كما لا يلزم ذكر المهر في عقد الزواج، فالبدل في ذاته كالمهر لازم في الخلع على كل حال عند الحنفية والشافعية، فإذا قال الرجل: خالعتك، أو قال للمرأة: اختلعي مني، فقال: خالعتك، ولم يذكر أحدهما بدلاً، صح الخلع ولزم العوض. وقال المالكية وفي رواية عند الحنابلة: يقع الخلع بغير عوض. والراجح عند الحنابلة: أن العوض ركن في الخلع، فإن خالعها بغير عوض لم يقع خلع ولا طلاق إلا إذا كان بلفظ طلاق، فيكون طلاقاً رجعياً.\rفإن استعمل الرجل أو المرأة لفظ المخالعة من غير قصد إلى الخلع بعوض، بل بقصد الطلاق المجرد، فيقع طلاق بائن، ولا يجب فيه مال على المرأة.\rالرابع ـ الصيغة: وهي لفظ الخلع أو ما في معناه مما ذكر كالإبراء والمبارأة والفداء والافتداء، سواء أكان صريحاً أم كناية، فلا بد من صيغة معينة ومن لفظ الزوج، ولا يحصل بمجرد بذل المال؛ لأن الخلع الشرعي له آثار تختلف عن آثار الطلاق على مال. ولأنه تصرف في البضع (الاستمتاع بالمرأة) بعوض، فلم يصح بدون اللفظ كالنكاح والطلاق.\rالخامس ـ قبول الزوجة: لأن الخلع من جانبها معاوضة، وكل معاوضة يلزم فيها قبول دافع العوض، ويلزم تحقق القبول في مجلس الإيجاب أو مجلس العلم به، فإذا قامت الزوجة من المجلس بعد سماع كلمةالمخالعة، أو بعد ما علمت بها من طريق الكتابة، فلا يصح قبولها بعدئذ.\rويشترط توافق القبول والإيجاب، فإن قال الزوج: طلقتك بألف، فقالت: بثمانمائة، أو قال: طلقتك ثلاثاً بألف، فقبلت طلقة واحدة بثلت ألف، لم ينعقد الخلع ويعد لغواً، وكذا يعد لغواً عند الشافعية (2) : إن قال: طلقتك بألف، فقالت: قبلت بألفين؛ لأنه يشترط عنده التطابق أو التوافق التام بين الإيجاب والقبول.\rوهذا وقد اعتبر الحنفية ركن الخلع هو الإيجاب والقبول؛ لأنه عقد على الطلاق بعوض، فلا تقع الفرقة ولا يستحق العوض بدون القبول (3) .\r-------------------------------\r(1) المغني: المكان السابق.\r(2) مغني المحتاج: 269/3.\r(3) البدائع: 145/3.","part":9,"page":458},{"id":6014,"text":"المبحث الثاني ـ صفة الخلع وما يترتب عليها :\rالخلع في رأي المالكية والشافعية والحنابلة (1) معاوضة، فلا يحتاج لصحته قبض العوض، فلو تم من قبل الزوج، فماتت المرأة أو فلَّست، أخذ العوض من تركتها وأتبعت به، ويجوز رد العوض فيه بالعيب؛ لأن إطلاق العقد يقتضي السلامة من العيب، فثبت فيه الرد بالعيب كالمبيع والمهر، ويصح الخلع منجزاً بلفظ المعاوضة، لما فيه من معنى المعاوضة، ويصح معلقاً على شرط لما فيه من معنى الطلاق، ويملك العوض بالعقد، ويضمن بالقبض، لكن فصل الحنابلة في الضمان، فقالوا: العوض في الخلع كالعوض في الصداق والبيع: إن كان مكيلاً أو موزوناً، لم يدخل في ضمان الزوج، ولم يملك التصرف فيه إلا بقبضه، وإن كان غيرهما دخل في ضمانه بمجرد الخلع وصح تصرفه فيه.\rإلا أن الشافعية قالوا: الخلع معاوضة فيها شَوْب تعليق، لتوقف وقوع الطلاق فيه على قبول دفع المال من الزوجة.\r-------------------------------\r(1) الشرح الصغير مع حاشية الصاوي: 518/2، 531، مغني المحتاج: 269/3، المهذب: 72/2-73، المغني: 58/7، 66.","part":9,"page":459},{"id":6015,"text":"وذهب أبو حنيفة (1) إلى أن الخلع قبل قبول المرأة يمين من جانب الزوج فلا يصح الرجوع عنه؛ لأنه علق طلاقه على قبول المال، والتعليق يمين اصطلاحاً. ويعتبر معاوضة بمال من جانب الزوجة؛ لأنها التزمت بالمال في مقابل افتداء نفسها وخلاصها من الزوج، لكنها عند أبي حنيفة ليست معاوضة محضة، بل فيها شبه بالتبرعات؛ لأن بديل العوض ليس مالاً شرعاً، وإنما هو افتداء المرأة نفسها، فلا يكون الخلع معاوضة محضة. وقال الصاحبان: الخلع يمين بالنظر إلى الزوجين جميعاً.\rويترتب على اعتبار الخلع يميناً من جانب الزوج الآثار التالية:\r1ً - لا يصح رجوع الزوج عنه قبل قبول المرأة.\r2ً - لا يقتصر إيجاب الزوج على مجلسه، فلو قام من المجلس قبل قبول الزوجة لا يبطل إيجابه بهذا القيام.\r3ً - لا يصح للزوج أن يشترط الخيار لنفسه في مدة معلومة؛ لأنه لا يملك الرجوع عن الخلع، لأنه يمين من جانبه، فإذا اشترط الخيار كان الشرط باطلاً، ولكن لا يبطل الخلع به.\r4ً - يجوز للزوج أن يعلق الخلع بشرط، وأن يضيفه إلى زمن مستقبل، مثل: إذا قدم فلان فقد خالعتك على كذا، أو خالعتك على كذا غداً أورأس الشهر القادم، والقبول للزوجة عند تحقق الشرط، أو حلول الوقت المضاف إليه.\r-------------------------------\r(1) الدر المختار ورد المحتار: 768/2-769، البدائع: 145/3.","part":9,"page":460},{"id":6016,"text":"ومذهب الحنابلة (1) : لا يصح تعليق الخلع على شرط، ومذهب المالكية والشافعية: يجوز تعليق الخلع كأن يقول: متى ما أعطيتني فأنت طالق.\rويترتب على اعتبار الخلع معاوضة لها شبه بالتبرعات من جانب الزوجة ما يأتي:\r1ً - يصح للزوجة رجوعها عن الإيجاب إذا ابتدأت الخلع قبل قبول الزوج.\r2ً - يقتصر قبول الزوجة في المجلس إن كانت حاضرة فيه، وفي مجلس علمها بالخلع إن كانت غائبة عن مجلس الإيجاب كالبيع. ولا يشترط حضور المرأة في المجلس، بل يتوقف الإيجاب على ما وراء المجلس بعكس عقد الزواج، فلو كانت غائبة فبلغها الخبر، فلها القبول في مجلس علمها به؛ لأنه في جانبها معاوضة.\r3ً- يجوز للزوجة أن تشترط الخيار لنفسها في مدة معلومة يكون لها فيها الحق في القبول أو الرد، إذا ابتدأت الخلع، كأن تقول لزوجها: خالعتك على ألف على أن لي الخيار ثلاثة أيام، فإذا قبل الزوج صح الشرط، ولها أن تقبل أو ترفض؛ لأن الخلع من جانبها معاوضة، والمعاوضات يصح فيها اشتراط الخيار.\rوقال الصاحبان والحنابلة (2) : لا يصح اشتراط الخيار للزوجة؛ لأن الفرقة عند الحنابلة وقعت بالتلفظ بالخلع، وما وقع لا سبيل إلى رفعه، ولأن الخلع يمين الصاحبين بالنظر إلى الزوجين جميعاً، وليس معاوضة من جانب الزوجة، وإذا اشترط صح الخلع وبطل الشرط؛ لأنه لا يفسد بالعوض الفاسد، فلا يفسد بالشرط الفاسد كالنكاح.\r4ً - لا يصح للزوجة تعليق الخلع ولا إضافته إلى زمن مستقبل؛ لأن الخلع من جانبها معاوضة وتمليك، والتمليكات لا تقبل التعليق ولا الإضافة.\r5ً - لا تلزم الزوجة ببدل الخلع إلاإذا كانت أهلاً للتبرع، بأن كانت بالغة عاقلة رشيدة؛ لأن الخلع وإن اعتبر معاوضة من جانب الزوجة، ففيه شبه بالتبرعات.\rوأخذ القانون السوري برأي المالكية والشافعية، فأجاز لكل من الزوجين الرجوع عن الإيجاب في المخالعة قبل قبول الآخر، نصت المادة (96) على أنه: «لكل من الطرفين الرجوع عن إيجابه في المخالعة قبل قبول الآخر» .\r-------------------------------\r(1) كشاف القناع: 243/5.\r(2) المرجع السابق، المغني: 60/7.","part":9,"page":461},{"id":6017,"text":"المبحث الثالث ـ شروط الخلع :\rيشترط في الخلع ما يأتي (1) :\r1ً - أهلية الزوج لإيقاع الطلاق: بأن يكون بالغاً عاقلاً في رأي الجمهور، وأجاز الحنابلة أن يكون مميزاً يعقله، فكل من لا يصح طلاقه لا يصح خلعه كالصبي والمجنون والمعتوه ومن اختل عقله لمرض أو كبر سن.\rخلع السفيه: يصح الطلاق من كل مكلف (بالغ عاقل)، رشيد (2) أو سفيه، حر أو عبد؛ لأن كل واحد منهم يصح طلاقه، فيصح خلعه، ولأنه إذا ملك الطلاق بغير عوض، فبالعوض أولى. ولا يصح من غير الزوج أو وكيله.\rخلع الولي: يصح الخلع من الحاكم ولي غير المكلف من صبي أو مجنون إذا كان في الخلع مصلحة.\rولم يجز أبو حنيفة والشافعي وأحمد للأب خلع زوجة ابنه الصغير والمجنون ولا طلاقها، وهكذا كل من لا يجوز له أن يطلِّق على الصغير والمجنون لا يجوز أن يخالع عليهما، لقوله صلّى الله عليه وسلم : «إنما الطلاق لمن أخذ بالساق» والخلع في معنى الطلاق.\rوقال مالك: يخالع الأب على ابنه الصغير وابنته الصغيرة؛ لأنه عنده يطلِّق على الابن، ويزوج الصغيرة.\r-------------------------------\r(1) البدائع: 147/3-149، الدر المختار ورد المحتار: 772/2-774، و 782-785، فتح القدير: 205/3-208، 218، اللباب: 65/3، الشرح الصغير: 519/2، 520، 524، 526-530، بداية المجتهد: 67/2-69، القوانين الفقهية: ص 232، مغني المحتاج: 263/3-267، غاية المنتهى: 103/3-105، كشاف القناع: 238/5-239، 244-251، المغني: 52/7-53، 61-66، 73، 83-89، الشرح الكبير مع الدسوقي: 348/2-350، المهذب: 71/2-74.\r(2) الرشد عند الحنفية: كون الشخص مصلحاً في ماله، ولو كان فاسقاً، والحجر بالسفه يفتقر عند أبي يوسف إلى القضاء كالحجر بالدين.","part":9,"page":462},{"id":6018,"text":"خلع المريض: يصح خلع المريض مرض الموت؛ لأنه لو طلق بغير عوض لصح، فلأن يصح بعوض أولى، ولأن الورثة لا يفوتهم بخلعه شيء. وعبر المالكية عن ذلك بقولهم: ونفذ خلع المريض مرضاً مخوفاً، إشارة إلى أنه لا يحرم ابتداء لما فيه من إخراج وارث. وترثه على المشهور زوجته المخالعة في مرضه إن مات منه ككل مطلَّقة بمرض موت مخوف، حتى ولو انتهت عدتها وتزوجت بغيره، ولا يرثها هو إن ماتت في مرضه قبله، ولو كانت مريضة حال الخلع أيضاً؛ لأنه هو الذي أسقط ما كان يستحقه.\rالتوكيل في الخلع: يصح لكل من الزوجين أو من أحدهما التوكيل في الخلع، وكل من صح خلعه لنفسه جاز توكيله ووكالته، حراً كان أو عبداً، ذكراً أو أنثى، مسلما ًأو كافراً، محجوراً عليه لسفه أو رشيداً؛ لأن كل واحد منهم يجوز أن يوجب الخلع، فصح أن يكون وكيلاً وموكِّلاً فيه كالحر الرشيد، ولأن الخلع عقد معاوضة كالبيع. وإذا نقص الوكيل عما عينه له الموكل، كأن قال له: وكلتك على أن تخالعها بعشرة، فخالعها بخمسة، أو نقص الوكيل عن خلع المثل إن أطلق الموكل ولم يعين له شيئاً، لم يلزم الموكل بالخلع.\rوإذا وكلت الزوجة وكيلاً ليخالعها، وعينت له شيئاً، أو أطلقت العبارة، وزاد وكيلها على ما عينت، أو على خلع المثل أن أطلقت، فعليه الزيادة. ولا يطالب الوكيل بالخلع بالبدل إلا إذا ضمنه، ويرجع به على المرأة.\rخلع الفضولي: أجاز الحنفية والحنابلة الخلع من الفضولي، فإذا خاطب الفضولي الزوج بالخلع، فإن أضاف البدل إلى نفسه على وجه يفيد ضمانه له أو ملكه إياه، كاخلعها بألف علي، أو على أني ضامن، أو على ألفي هذه، ففعل، صح، والبدل عليه، فإن استحق البدل لزم الفضولي قيمته، ولا يتوقف الخلع حينئذ علي قبول المرأة.\rوإن لم يضمن الفضولي البدل وأرسل الكلام، فقال: على ألف، فإن قبلت المرأة، لزمها تسليمه، أو قيمته إن عجزت.\rوإن أضاف الفضولي البدل إلى غيره كفرس فلان، اعتبر قبول فلان هذا.","part":9,"page":463},{"id":6019,"text":"2ً - كون الزوجة محل الخلع وقابلته ممن عقد عليها عقد زواج صحيح، سواء أكانت مدخولاً بها، أم لا، ولو كانت مطلقة رجعياً ما دامت في العدة، وأن تكون ممن يصح تبرعها أو يطلق تصرفها في المال، بكونها مكلفة (بالغة عاقلة) غير محجور عليها، وأسباب الحجر خمسة: الرق والسفه والمرض والصبا والجنون، فلا يصح خلع الأمة إلا بإذن سيدها،ولا السفيهة اتفاقاً، ولا المريضة عند الشافعية والحنابلة لعدم صحة تصرفهما بالمال، ولا الصغيرة والمجنونة لانتفاء أهلية القبول. ولو اختلعت الأمة من زوجها على عوض بغير إذن سيدها، وقع الطلاق بائناً، ولا شيء عليها عند الحنفية والحنابلة والمالكية حتى تعتق.\rوكذا عند الشافعية يطالبها بالعوض بعد العتق، لكن يستقر للزوج في ذمتها مهر المثل. وإذا كان الخلع بإذن السيد تعلق العوض في ذمته، كما لو أذن لعبده في الاستدانة.\rوليس للأب وغيره من الأولياء خلع ابنته الصغيرة أو المجنونة أو السفيهة بشيء من مالها، ولا طلاقها بشيء من مالها؛ لأنه إنما يملك التصرف بما لها فيه حظ ومصلحة، وليس في هذا مصلحة، بل فيه إسقاط حقها الواجب لها.\rوعلى هذا لا يصح خلع المحجور عليه لسفه أو صغر أو جنون لا بنفسها ولا بوليها ولا بإذنه، لأن الخلع تصرف في المال، وليست هي من أّهله، ولأنه ليس للولي الإذن في التبرعات، وهذا كالتبرع.\rفإن خالع الزوج المحجور عليها بلفظ يكون طلاقاً، فهو طلاق رجعي، ولا يستحق عوضاً.\rوقال الحنفية: يصح خلع المريضة، ولو اختلعت في مرضها فهو من الثلث؛ لأنها متبرعة في قبول المال،فيعتبر من الثلث، فإن ماتت في العدة، فله الأقل من بدل الخلع ومن ميراثه منها.","part":9,"page":464},{"id":6020,"text":"وقال المالكية: يحرم اختلاع المريضة مرض الموت، فيحرم عليها أن تخالع، كما يحرم الخلع على الزوج لإعانته لها على الحرام. لكن ينفذ الطلاق، ولا توارث بينهما إن كان الزوج صحيحاً، ولو ماتت في عدتها. أما لو كان الزوج مريضاً وخالع زوجته،ومات في مرضه ، فترثه زوجته المخالعة، حتى ولو انقضت عدتها وتزوجت بغيره. ولا يرثها هو إن ماتت في مرضه قبله، حتى ولو كانت مريضة حال الخلع؛ لأنه هو الذي أسقط ما كان يستحقه، ككل مطلقة بمرض موت مخوف، فإنها ترثه إن مات من ذلك المرض، دون أن يرثها.\rوقال الشافعية: إن خالعت الزوجة في مرض موتها وماتت: فإن لم يزد العوض على مهر المثل اعتبر من رأس المال،أي من جميع التركة، وإن زاد على مهر المثل، اعتبرت الزيادة من الثلث.\rويصح بالاتفاق خلع المحجور عليها لفلس، وبذلها للعوض صحيح؛ لأن لها ذمة يصح تصرفها، ويرجع عليها بالعوض إذا أيسرت وفك الحجر عنها، وليس للزوج مطالبتها في حال حجرها، كما لو استدانت منه أو باعها شيئاً في ذمتها.\r3ً - أن يكون بدل الخلع مما يصلح أن يكون مهراً.\rوهو عند الحنفية: أن يكون مالاً متقوماً موجوداً وقت الخلع معلوماً أو مجهولاً أو منفعة تقوم بالمال، فلا يصح خلع المسلمة على خمر أو خنزير أو ميتة أو دم، ويبطل العوض، ولا شيء للزوج، وتكون الفرقة طلاقاً بائناً؛ لأنه لما بطل العوض بقي لفظ الخلع، وهو كناية، وتقع الفرقة بالكنايات بينونة، أما لو كان الطلاق على مال، وبطل العوض كان طلاقاً رجعياً، لأنه بقي لفظ الطلاق، وهو صريح، والصريح طلاق رجعي.","part":9,"page":465},{"id":6021,"text":"والبدل عند الجمهور: كل ما يصح تملكه، سواء أكان مالاً عيناً، أم ديناً، أم منفعة، تحرزاً من الخمر والخنزير وما أشبه ذلك. فإن خالعها بمحرم كخمر أو خنزير أو مغصوب أو مسروق، فلا شيء له عليها وبانت منه عند المالكية والحنابلة كما قرر الحنفية، ويكون كالخلع بلا عوض، لأنه قد رضي بالإسقاط بغير عوض، فلا يستحق عليها شيئاً. وذكر الشافعية: أنه لو خالع بمجهول أو حرام، بانت منه بمهر المثل؛ لأنه المراد عند فساد العوض. ولو خالع بما ليس بمال كالدم، وقع الطلاق رجعياً؛ لأنه لم يطمع في شيء. وأما خلع الكفار بعوض غير مال فهو صحيح كما في أنكحتهم.\rالخلع بمعدوم أو بمجهول: يصح الخلع عند الجمهور غير الشافعية إذا كان عوض الخلع مشتملاً على غرر أو معدوم ينتظر وجوده كجنين في بطن حيوان تملكه الزوجة، أو كان مجهولاً كأحد فرسين، أو غيرموصوف من عرض أو حيوان وثمرة لم يبد صلاحها، وعبد آبق، وبعير شارد، أو مضافاً لأجل مجهول، خلافاً لمهر النكاح، فليس كل ما يصلح عوضاً في الخلع، يصلح عوضاً في النكاح؛ لأن الخلع مبني على التوسع والتسامح، فيتحمل جهالة ونحوها لا يتحملها النكاح، ويصح الخلع على ما لا يصح مهراً بجهالة أو غرر.\rوفرَّع الحنفية على قولهم بجواز جهالة عوض الخلع ولو جهالة فاحشة ما يأتي:\rأ ـ إن قالت الزوجة لزوجها: ( خالعني على ما في يدي ) ولم يكن في يدها شيء، فخالعها، فلا شيء له عليها؛ لأنها لم تغرَّه بتسمية المال.","part":9,"page":466},{"id":6022,"text":"ب ـ وإن قالت له: ( خالعني على ما في يدي من مال ) ولم يكن في يدها شيء، فخالعها، ردت عليه مهرها؛ لأنها سمت مالاً لم يكن الزوج راضياً بالزوال إلا بالعوض، ولا وجه لإيجاب ما سمته المرأة من المال في يدها لجهالته، ولا لإيجاب مهر المثل؛ لأن البضع الذي يجب مهر المثل من أجله غير متقوم حالة الخروج من الملك بالخلع ونحوه، أما في حالة الدخول بعقد النكاح فهو متقوم، فتعين إيجاب ماقام به البضع على الزوج وهو المهر دفعاً للضرر عنه. جـ ـ وإن قالت له ( خالعني على ما في يدي من دراهم ) ولم يكن في يدها شيء، فخالعها، فعليها ثلاثة دراهم؛ لأنها سمت جمعاً من الدراهم، وأقل الجمع ثلاثة، ووافقهم الحنابلة (1) فيه.\rد ـ وإن قالت له: (طلقني ثلاثاً بألف) فطلقها واحدة،فعليها ثلث الألف؛ لأن حرف الباء يَصْحَب الأعواض، والعوض ينقسم على المعوض، فهي لما طلبت الثلاث بألف، فقد طلبت كل واحدة بثلث الألف. والطلاق بائن لوجوب المال.\rأما لو قالت: ( طلقني ثلاثاً على ألف ) فطلقها واحدة، فلا شيء عليها عند أبي حنيفة، وتقع طلقة رجعية؛ لأن كلمة (على) للشرط، والمشروط لا يتوزع على أجزاء الشرط، بخلاف الباء، لأنه للعوض، وهذا هو الصحيح عند الحنفية. وقال الصاحبان والشافعية (2) : عليها ثلث الألف، وتقع طلقة بائنة؛ لأن كلمة (على) بمنزلة الباء في المعاوضات.\rولو قال الزوج لزوجته: ( طلقي نفسك ثلاثاً بألف، أو على ألف ) فطلقت نفسها واحدة، لم يقع عليها شيء؛ لأن الزوج مارضي بالبينونة إلا لتسلم له الألف كلها. وذلك بخلاف الحالة السابقة: ( طلقني ثلاثاً بألف )؛ لأنها لما رضيت بالبينونة بألف، كانت ببعضها أرضى.\rوأما الشافعية فقالوا: يشترط في عوض الخلع شروط الثمن من كونه متمولاً، معلوماً، مقدوراً على تسليمه، فلو خالع بمجهول أو خمر معلومة، أو نحوها، مما لا يتملك، بانت بمهر المثل؛ لأنه المراد عند فساد العقد، كما تقدم.\r-------------------------------\r(1) المغني: 61/7.\r(2) المهذب: 75/2.","part":9,"page":467},{"id":6023,"text":"مجمل شروط الخلع في بعض المذاهب: ذهب المالكية (1) إلى أنه لا يجوز الخلع إلا بثلاثة شروط:\rالأول ـ أن يكون المبذول للرجل مما يصح تملكه وبيعه تحرزاً من الخمر والخنزير ونحوهما. ويصح عندهم بالمجهول والغرر، كما أوضحت.\rالثاني ـ ألا يجر إلى ما لا يجوز كالخلع على السلف أو التأخير بدين أو الوضع على التعجيل، وشبه ذلك من أنواع الربا المذكورة في بحث الربا، فلا يصح الخلع مقابل التأخير في وفاء دين عليه، وقد حل أجله؛ فإنه لا شيء له عليها؛ لأن تأخير الحالّ سلف (2) ، وقد جر لها نفعاً، وهو خلاص عصمتها منه، وتأخذ الدين منه حاّلاً.\rولا يصح أيضاً الخلع مقابل تعجيل دين مؤجل لها من بيع، ويبقى إلى أجله، وبانت منه؛ لأن التعجيل مقابل حل العصمة. فإن كان الدين من قرض، وجب عليها قبول التعجيل قبل الأجل، مثل الشيء المعين (العين) لأن الأجل في العين حق لمن هي عليه.\rالثالث ـ أن يكون خلع المرأة اختياراً منها وحباً في فراق الزوج من غير إكراه ولا ضرر منه بها. فإن انخرم أحد هذين الشرطين نفذ الطلاق ولم ينفذ الخلع.\rومذهب الحنابلة (3) أن شروط الخلع تسع:\r1 - بذل عوض. 2 - ممن يصح تبرعه، وزوج يصح طلاقه. 3 - غير هازلين. 4 - عدم عضلها إن بذلته. 5 - وقوعه بصيغته الصريحة أوالكناية، والأولى: خلعت وفسخت وفاديت، والثانية: بارأتك، وأبرأتك، وأبنتك. 6 - عدم نيته طلاقاً. 7 - تنجيز. 8 - وقوعه على جميع الزوجة. 9 - عدم الحيلة، فيحرم الخلع حيلة لإسقاط يمين الطلاق أو تعليقه ولا يصح.\rشروط الخلع في القانون السوري :\rنصت المادة (95) من هذا القانون على أن يكون الزوج أهلاً لإيقاع الطلاق والزوجة محلاً للطلاق:\r«1ً - يشترط لصحة المخالعة أن يكون الزوج أهلاً لإيقاع الطلاق والمرأة محلاً له.\r2ً - المرأة التي لم تبلغ سن الرشد إذا خولعت لا تلتزم ببدل الخلع إلا بموافقة ولي المال» . وهذه الفقرة الثانية هي من مذهب المالكية.\rونصت المادة (96) على صفة الخلع أخذاً بمذهبي المالكية والشافعية في كون الخلع معاوضة:\r«لكل من الطرفين الرجوع عن إيجابه في المخالعة قبل قبول الآخر» ونصت المادة (97) على بدل الخلع: وهو كل ما جاز أن يكون مهراً بالاتفاق:\r«كل ما صح التزامه شرعاً، صلح أن يكون بدلاً في الخلع» .\rونصت المادة (100) على حالة الخلع من غير بدل أخذاً بمذهبي المالكية والحنابلة:\r«إذا صرح المتخالعان بنفي البدل، كانت المخالعة في حكم الطلاق المحض، وقع بها طلقة رجعية» .\r-------------------------------\r(1) القوانين الفقهية: ص 232، الشرح الصغير: 524/2.\r(2) أي لأن من أخر ما عجل يعد سلفاً.\r(3) غاية المنتهى: 103/3 وما بعدها، 110.","part":9,"page":468},{"id":6024,"text":"المبحث الرابع ـ حكم أخذ بدل الخلع، والخلع في مقابل بعض المنافع والحقوق، والفرق بين الخلع والطلاق على مال :\rيتبع بحث اشتراط بدل الخلع الكلام في مواضع ثلاثة: حكم أخذ بدل الخلع، والخلع في مقابل منفعة أو حق، والفرق بين الخلع والطلاق على مال.\rحكم أخذ بدل الخلع :\rبحث الفقهاء مبدأ مشروعية أخذ البدل في مقابل الخلع أو الطلاق على التفصيل التالي (1) :\r1ً - إن كانت الزوجة كارهة زوجها لقبح منظر أو سوء عشرة، وخافت ألا تؤدي حقه، جاز للزوج مخالعتها وأخذ عوض في نظير طلاقها، لكن يكره عند الحنفية أن يأخذ منها أكثر مما أعطاها، لقصة امرأة ثابت بن قيس المتقدمة: «قال النبي صلّى الله عليه وسلم : أتردين إليه حديقته؟ فقالت: نعم وزيادة، فقال صلّى الله عليه وسلم : أما الزيادة فلا» (2) . وهذا قول عطاء وطاوس والزهري وعمرو بن شعيب.\rوأجاز الجمهور أن يأخذ منها أكثر مما أعطاها ما دام النشوز من جهتها، لكن لا يستحب له ذلك، لقوله تعالى: {ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئاً إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله ، فإن خفتم ألا يقيما حدود الله ، فلا جناح عليهما\r-------------------------------\r(1) البدائع: 150/3 وما بعدها، فتح القدير: 203/3 وما بعدها، القوانين الفقهية: ص 232، المهذب: 70/2 وما بعدها، المغني: 52/7-55، بداية المجتهد: 68/2.\r(2) رواه أبو داود مرسلاً عن عطاء، وأخرجه الدارقطني عن أبي الزبير، وفي رواية ابن ماجه عن ابن عباس: «فأمر رسول الله صلّى الله عليه وسلم أن يأخذ منها حديقته ولا يزداد» (نصب الراية 244/3، نيل الأوطار: 246/6).","part":9,"page":469},{"id":6025,"text":"فيما افتدت به} [البقرة:229/2] فإنه تعالى نفى الإثم في أخذ الرجل من الزوجة مقابل طلاقها، قليلاً كان أو كثيراً.والنهي عن الزيادة في حديث ثابت محمول على خلاف الأولى.\rويروى عن ابن عباس وابن عمر أنهما قالا: «لو اختلعت امرأة من زوجها بميراثها وعقاص (1) رأسها، كان ذلك جائزاً» وقالت الرُبيِّع بنت مُعَوِّذ: اختلعت من زوجي بما دون عقاص رأسي، فأجاز ذلك عثمان بن عفان رضي الله عنه (2) . ولم يخالفه أحد من الصحابة، واشتهر هذا، فلم ينكر، فيكون إجماعاً، ولم يصح عن علي رضي الله عنه خلافه.\r2ً - إن كان النفور والإعراض من جانب الزوج، يكره باتفاق العلماء، لقوله تعالى: {وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج، وآتيتم إحداهن قنطاراً فلا تأخذوا منه شيئاً، أتأخذونه بهتاناً وإثماً مبيناً} [النساء:20/4].\rومثل هذا: لو أكره الزوج الزوجة أو اضطرها إلى طلب الخلع، فضيق عليها، وعاشرها معاشرة سيئة ليحملها على الطلاق، فلا يحل له أخذ شيء منها عند الحنفية والحنابلة والشافعية لقوله تعالى: {ولا تمسكوهن ضراراً لتعتدوا} [البقرة:231/2] وقوله سبحانه: {ولا تعضُلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن} [النساء:4/19] هذا يدل على تحريم المخالعة لغير حاجة، ولأنه إضرار بها، والضرر حرام، لقوله عليه الصلاة والسلام: «لا ضرر ولا ضرار» .\rوكذلك قال المالكية: لا يحل له أخذ شيء من الزوجة في حالة الإضرار، ولو أخذ شيئاً وجب عليه أن يرده إليها.\r-------------------------------\r(1) العقاص: هو الخيط الذي تربط به المرأة أطراف شعرها.\r(2) أخرجه ابن سعد.","part":9,"page":470},{"id":6026,"text":"3ً - وإن كان الكره من الجانبين، وخشيا التقصير أو التفريط في حقوق الزوجية، جاز الخلع وجاز أخذ البدل اتفاقاً، لقوله تعالى: {فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به} [البقرة:229/2].\rالخلع في مقابل بعض المنافع والحقوق :\rيصح أن يكون بدل الخلع من النقود، أو من المنافع المقومة بمال، كسكنى الدار وزراعة الأرض زمناً معلوماً، وكإرضاع ولدها أو حضانته أو الإنفاق عليه، أو من الحقوق كإسقاط نفقة العدة.\rالخلع على الرضاع :\rيصح الخلع على أن ترضع ولدها مدة الرضاع الواجب وهو سنتان؛ لأن الرضاع مما تصح المعاوضة عنه في غير الخلع، ففي الخلع أولى.\rويصح الخلع أيضاً عند الحنابلة (1) على إرضاع ولده مطلقاً دون تحديد مدة، وينصرف إلى ما بقي من الحولين؛ لأن الله تعالى قيَّد الرضاع بالحولين، فقال تعالى: {والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين} [البقرة:233/2] وقال النبي صلّى الله عليه وسلم : «لا رضاع بعد فصال» (2) .\rفإن ماتت المرضعة أو جف لبنها، فعليها أجر المثل لما بقي من المدة. وكذا عند الحنابلة إن مات الولد، وينفسخ الاتفاق بتلفه، وقال الشافعي: لا ينفسخ الاتفاق، ويأتيها بصبي ترضعه مكانه؛ لأن الصبي مستوفى به، لا معقوداً عليه.\r-------------------------------\r(1) المغني: 64/7.\r(2) رواه أبو داود الطيالسي في مسنده عن جابر، وتتمته: «ولا يُتْم بعد احتلام» (نيل الأوطار: 315/6).","part":9,"page":471},{"id":6027,"text":"الخلع على الحضانة أو كفالة الولد مدة معلومة :\rيصح الخلع أيضاً على أن تحضن ولده مدة معلومة بلا أجر، وقال الشافعي: لا يصح الاتفاق حتى يذكر مدة الرضاع وقدر الطعام وجنسه، وقدر الإدام وجنسه ويكون المبلغ معلوماً مضبوطاً بالصفة كالمسلم فيه (1) .\rومبنى الخلاف مسألة استئجار الأجير بطعامه وكسوته، الشافعية يوجبون تعيين الأجرة، لما روي عن أبي سعيد الخدري قال: «نهى رسول الله صلّى الله عليه وسلم عن استئجار الأجير حتى يُبيِّن له أجره» (2) .\rولم يوجب الجمهور تعيين الأجر للعرف واستحسان المسلمين، ولقوله صلّى الله عليه وسلم : «إن موسى أجَر نفسه ثمانَ سنين أو عشر سنين على عِفَّة فرجه، وطعام بطنه» (3) .\rفلو تركت المرأة الولد وهربت أو مات الولد أو ماتت هي، وجب عليها أجر المثل عن المدة الباقية.\rالخلع على بقاء الولد إلى البلوغ: إذا خالعت المرأة زوجها على أن يبقى ابنه عندها إلى البلوغ صح الخلع ولم يصح الشرط عند الحنفية؛ لأن الحق في الابن بعد انتهاء مدة الحضانة للأب، لا للأم. أما إن خالعت على إبقاء ابنتها منه إلى البلوغ، فيصح الخلع والشرط، والفرق بين الحالتين: أن الابن أحوج لأبيه بعد الحضانة وأقدر على تربيته من الأم، والبنت أحوج إلى تدريب أمهاوتعليمها وأقدر على ذلك من الأب.\rوأجاز المالكية اشتراط بقاء الابن مع الأم إلى البلوغ؛ لأن مدة حضانة الابن عندهم إلى البلوغ، والبنت إلى أن تتزوج ويدخل الزوج بها.\rالخلع على إسقاط الحضانة: أما الخلع على إسقاط حق الحضانة: فيصح عند الحنفية، ولا يسقط حق الأم في الحضانة؛ لأن هذا الحق للولد، فلا تملك الأم التنازل عنه.\rوأجاز المالكية في مشهور المذهب إسقاط الحضانة بالخلع وانتقالها إلى الأب بشرطين:\rالأول ـ ألا يلحق الولد ضرر من مفارقة أمه.\rالثاني ـ أن يكون الأب قادراً على حضانة الولد.\rلكن المفتى به عند المالكية: أن الحضانه لا تنتقل بإسقاط الأم إلى الأب، ولكنها تنتقل إلى من يلي\r-------------------------------\r(1) المغني: 65/7.\r(2) رواه أحمد (نيل الأوطار: 292/5).\r(3) رواه أحمد وابن ماجه عن عُتْبة بن النُّدَّر ( نيل الأوطار: 292/5 ).","part":9,"page":472},{"id":6028,"text":"الأم في حق الحضانة (1) .\rالخلع على نفقة الصغير :\rيرى الحنفية والمالكية (2) أنه لو خالع الزوج امرأته على أن تنفق على ابنه الصغير مدة معلومة، صح الخلع: ولزمها الإنفاق في تلك المدة، فإن امتنعت، أو ماتت، أو مات الولد قبل انتهاء المدة، وجب عليها نفقة المثل في باقي المدة، وتؤخذ من تركتها في موتها.\rوإن أعسرت أنفق الزوج عليها، ويرجع بالنفقة إن أيسرت. لكن قال المالكية: إن خالعها على أن تتحمل نفقة نفسهامدة حملها، لا تسقط في الأصح نفقة الحمل.\rالخلع مقابل الإبراء من نفقة العدة :\rيصح الخلع في مقابل إبراء المرأة زوجها من نفقة العدة، ويبرأ الزوج منها (3) ، وإن كان الساقط مجهولاً.\rويصح الخلع في مقابل إسقاط حق السكنى مدة العدة، ولا يسقط حقها؛ لأن سكنى المعتدة في بيت الزوجية واجب شرعي، لا تملك الزوجة إسقاطه، ولا تملك الزوجة أن تعفيه منه لقوله تعالى: {لا تخرجوهن من بيوتهن، ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة} [الطلاق:1/65]، لكن إذا التزمت المرأة أن تدفع أجرة البيت من مالها، فيصح لها أن تعفي الزوج من هذه الأجرة.\rموقف القانون السوري من الخلع على المنافع أو الحقوق :\rنصت المادة (102) على إعفاء الزوج من أجرة الرضاع كما بينت عند الفقهاء:\r1 - إذا اشترط في المخالعة إعفاء الزوج من أجرة رضاع الولد، أو اشترط إمساكها له مدة معلومة، وإنفاقها عليه، فتزوجت أو تركت الولد أو ماتت أو مات الولد، يرجع الزوج بما يعادل أجرة رضاع الولد أو نفقته عن المدة الباقية.\r2 - إذا كانت الأم معسرة وقت المخالعة، أوأعسرت فيما بعد، يجبر الأب على نفقة الولد، وتكون ديناً له على الأم.\rونصت المادة (103) على عدم سقوط حق الحضانة بالخلع عملاً بمذهب الحنفية:\r-------------------------------\r(1) الدسوقي على الشرح الكبير: 349/2، الشرح الصغير: 522/2.\r(2) الشرح الصغير: 521/2.\r(3) البدائع: 152/3.","part":9,"page":473},{"id":6029,"text":"إذا اشترط الرجل في المخالعة إمساك الولد عنده مدة الحضانة، صحت المخالعة، وبطل الشرط، وكان لحاضنته الشرعية أخذه منه، ويلزم أبوه بنفقته وأجرة حضانته إن كان فقيراً.\rونصت المادة (101) على عدم إسقاط نفقة العدة إلا بالنص الصريح في الخلع:\rنفقة العدة لا تسقط، ولا يبرأ الز وج المخالع منها إلا إذا نص عليها صراحة في عقد الخالعة.\rونصت المادة (104) على عدم التقاص بين نفقة الولد ودين الأب:\rلا يجري التقاص بين نفقة الولد المستحقة على أبيه ودين الأب على حاضنته.\rالفرق بين الخلع والطلاق على المال عند الحنفية :\rالخلع والطلاق على مال وإن زال بكل منهما ملك الزواج، وعلى الرغم من أن كل واحد طلاق بعوض، يختلفان من وجوه ثلاثة هي (1) :\rالأول ـ لو كان الخلع على عوض باطل شرعاً، بأن وقع على ما ليس بمال متقوم، كخلع المسلمة على خمر أو خنزير أو ميتة، فلا شيء للزوج، ويقع الطلاق بائناً.\rأما إذا بطل العوض في الطلاق على مال، بأن سميا ما ليس بمال متقوم، فإن الطلاق يقع رجعياً.\rوذلك لأن الخلع كناية عند الحنفية، والكنايات توقع الفرقة بائنة. وأما الطلاق على مال فهو صريح، ويقع بائناً إذا صح العوض شرعاً، فإذا لم يصح فكأنه لم يكن، فبقي صريح الطلاق، فيكون رجعياً، وحينئذ يعمل كل من لفظي الخلع والطلاق المجردين عمله، فلفظ الخلع يكون كناية عن الطلاق، ولفظ الطلاق من أنواع الصريح الذي يقع به طلاق رجعي.\rالثاني ـ يسقط بالخلع في رأي أبي حنيفة كل الحقوق الواجبة بسبب الزواج لأحد الزوجين على الآخر، كالمهر والنفقة الماضية المتجمدة أثناء الزواج، لكن لا تسقط نفقة العدة؛ لأنها لم تكن واجبة قبل الخلع، فلا يتصور إسقاطها بالخلع.\r-------------------------------\r(1) البدائع: 151/3-152، فتح القدير: 205/3، الكتاب مع اللباب: 65/3، 67، الفتاوى الهندية: 450/1.","part":9,"page":474},{"id":6030,"text":"أما الطلاق على مال: فلا يسقط به شيء من حقوق الزوجين، ويجب به فقط المال المتفق عليه.\rالثالث ـ الخلع مختلف في كونه طلاقاً بائناً أم فسخاً بين الفقهاء، فهو عند الجمهور (الحنفيةوالمالكية، والشافعية في أظهر القولين، وفي رواية عن أحمد) طلاق بائن يحتسب من عدد الطلقات. وفي رواية أخرى عن أحمد: أنه فسخ، فلا ينقص من عدد الطلقات. والمعتمد عند الحنابلة: أن الخلع فسخ بائن، لا ينقص به عدد الطلاق، ولو لم ينو خلعاً (1) .\rأما الطلاق على مال: فلا خلاف في كونه طلاقاً بائناً ينقص به عدد الطلقات.\r-------------------------------\r(1) المعتمد في فقه الإمام أحمد: 248/2 .","part":9,"page":475},{"id":6031,"text":"المبحث الخامس ـ آثار الخلع ( أحكامه ) :\rيترتب على الخلع الآثار التالية (1) :\r1 - يقع به طلقة بائنة، ولو بدون عوض أو نية في رأي الحنفية والمالكية، والشافعية في الراجح، وأحمد في رواية عنه لقوله تعالى: {فلا جناح عليهما فيما افتدت به} [البقرة:229/2] وإنما يكون فداء إذا خرجت المرأة من سلطان الرجل، ولو لم يكن بائناً لملك الرجل الرجعة، وكانت تحت حكمه وقبضته، ولأن القصد إزالة الضرر عن المرأة، فلو جازت الرجعة لعاد الضرر.\rوفي رواية أخرى عن أحمد هي الراجحة في المذهب أن الخلع فسخ، وهو رأي ابن عباس وطاوس، وعكرمة وإسحاق وأبي ثور؛ لأن الله تعالى قال: {الطلاق مرتان} [البقرة:229/2] ثم قال: {فلا جناح عليهما فيما افتدت به} [البقرة:229/2] ثم قال: {فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجاً غيره} [البقرة:230/2] فذكر الحق تعالى تطليقتين، والخلع، وتطليقة بعدها، فلو كان الخلع طلاقاً لكان الطلاق أربعاً بأن يكون الطلاق الذي لا تحل فيه المرأة المطلقة إلا بعد زوج هو الطلاق الرابع، ولأنها فرقة خلت عن صريح الطلاق ونيته، فكانت فسخاً كسائر الفسوخ.\rوالمعتمد لدى الحنابلة هو التفصيل: وهو أن الخلع طلاق بائن، إن وقع بلفظ الخلع والمفاداة ونحوهما أو بكنايات الطلاق، ونوى به الطلاق؛ لأنه كناية نوى بها الطلاق، فكانت طلاقاً.\rوالخلع فسخ لا ينقص به عدد الطلاق حيث وقع بصيغته (2) ، ولم ينو به طلاقاً، بأن وقع بلفظ الخلع أو الفسخ أوالمفاداة، ولا ينوي به الطلاق، فيكون فسخاً لا ينقص به عدد الطلاق.\rوالمبارأة: مثل أن يقول الرجل لزوجته: برئت من نكاحك على ألف، فقبلت، وهي كناية يقع بها الخلع بالنية عند الحنابلة، وأما عند الحنفية فهي كالخلع يقع بها الطلاق البائن بلا نية.\rفإن طلق الرجل زوجته وأعطى لها مالاً من عنده، فليس بخلع، بل هو رجعي على المعتمد لدى المالكية؛ لأنه بمنزلة من طلق، وأعطى لزوجته المتعة.\r2 ً - لا يتوقف الخلع على قضاء القاضي، كما هو حكم كل طلاق يكون من الزوج.\r3 ً - لا يبطل الخلع بالشروط الفاسدة: إذا خالع الزوج على شرط إبقاء الطفل عنده قبل انتهاء مدة الحضانة، أو خالعت الزوجة زوجها على شرط ترك ابنها عندها بعد انتهاء زمن الحضانة، أو أن يكون لها حضانة الطفل ولو تزوجت بغير قريب محرم من الطفل، فالشرط باطل في كل ما ذكر، وينفذ الخلع.\r4 ً - يلزم الزوجة أداء بدل الخلع المتفق عليه، سواء أكان هو المهر أم بعضه أم شيئاً آخر سواه؛ لأن الزوج علق طلاقها على قبول البدل، وقد رضيت به، فيكون لازماً في ذمتها باتفاق الفقهاء.\r5 ً - يسقط بالخلع في رأي أبي حنيفة كل الحقوق والديون التي تكون لكل\r-------------------------------\r(1) البدائع: 144/3، 151، فتح القدير: 215/3، الدر المختار: 778/2، اللباب: 66/3، الشرح الصغير: 518/2، 526، 532، بداية المجتهد: 69/2، مغني المحتاج: 268/3، 271، 277، المهذب: 72/2، المغني: 56/7-59، غاية المنتهى: 101/3، كشاف القناع: 241/5.\r(2) صيغة الخلع عندهم نوعان: صريحة: وهي لفظ خلعت وفسخت وفاديت، وكناية: وهي لفظ بارأتك وأبرأتك وأبنتك.","part":9,"page":476},{"id":6032,"text":"واحد من الزوجين في ذمة الآخر والتي تتعلق بالزواج الذي وقع الخلع منه كالمهر والنفقة الماضية المتجمدة؛ لأن المقصود منه قطع الخصومة والمنازعة بين الزوجين.\rأما الديون أو الحقوق التي لأحد الزوجين على الآخر، والتي لا تتعلق بموضوع الزواج، كالقرض والوديعة والرهن وثمن المبيع ونحوها، فلا تسقط بالاتفاق. وكذا لا تسقط نفقةالعدة إلا بالنص على إسقاطها؛ لأنها تجب عند الخلع.\rوقال الجمهور (بقية المذاهب) ومحمد: لا يسقط بالخلع شيء من حقوق الزوجية إلا إذا نص على إسقاطه، سواء بلفظ الخلع أوا لمبارأة، فهو تماماً كالطلاق على مال، يقع به الطلاق بائناً، ويجب فقط البدل المتفق عليه؛ لأن الحقوق لا تسقط إلا بما يدل على سقوطها قطعاً، وليس في الخلع دلالة على إسقاط الحقوق الثابتة؛ لأنه معاوضة من جانب الزوجة، والمعاوضات لا أثر لها في غير ما تراضى عليه الطرفان. وهذا هو الراجح المتفق مع العدالة؛ لأن الحق لا يسقط إلا بالإسقاط صراحة أو دلالة.\r6 ً - هل يرتدف على المختلعة طلاق؟ قال أبو حنيفة: يرتدف، سواء أكان على الفور أم على التراخي. وفي رأي الجمهور: لا يرتدف، إلا أن الإمام مالك قال: لا يرتدف، إلا إذا كان الكلام متصلاً. وقال الشافعي وأحمد: لا يرتدف، وإن كان الكلام متصلاً، فالمختلعة لا يلحقها طلاق بحال.\rاستدل أبو حنيفة بأثر: «المختلعة يلحقها الطلاق ما دامت في العدة» .\rواستدل الجمهور بقول ابن عباس وابن الزبير: إن المختلعة لا يلحقها طلاق، ولأنها لا تحل للزوج إلا بنكاح جديد، فلم يلحقها طلاقه كالمطلقة قبل الدخول أو المنقضية عدتها. وسبب الخلاف بين الرأيين أن العدة عند أبي حنيفة من أحكام النكاح، ولذا لا يجوز عنده أن ينكح مع المبتوتة أختها، فيرتدف الطلاق عنده. وعند الجمهور: من أحكام الطلاق، فلا يرتدف.","part":9,"page":477},{"id":6033,"text":"7 ً - لا رجعة في رأي أكثر العلماء على المختلعة في العدة، سواء أكان الخلع فسخاً أم طلاقاً، لقوله تعالى: {فيما افتدت به} [البقرة:229/2] وإنما يكون فداء إذا خرجت به عن قبضة الرجل وسلطانه، وإذا كانت له الرجعة فهي تحت حكمه، ولأن القصد إزالة الضرر عن المرأة، فلو جاز ارتجاعها لعاد الضرر.\rوحكي عن الزهري وسعيد بن المسيب أنهما قالا: الزوج بالخيار بين إمساك العوض ولا رجعة له، وبين رده وله الرجعة.\rوأجمع أكثر العلماء على أن للرجل أن يتزوج المختلعة برضاها في عدتها. وقال بعض المتأخرين: لا يتزوجها هو ولا غيره في العدة.\r8 ً - الاختلاف في الخلع أو عوضه: إذا ادعت الزوجة خلعاً، فأنكره الزوج ولا بيِّنة له، صدّق بيمينه، إذ الأصل بقاء النكاح وعدم الخلع، والبينة عند الشافعية: شهادة رجلين.\rوإن قال الزوج: طلقتك بكذا كألف، فقالت: بل طلقتني مجاناً أو لم تطلقني، بانت بقوله ولا عوض للزوج عليها إن حلفت على نفيه، أما البينونة فلإقراره، وأما عدم العوض فلأن الأصل براءة ذمتها، لكن لها النفقة والكسوة والسكنى في العدة.\rوإن اختلف الزوجان في جنس العوض، هل هو دراهم أو دنانير أو في صفته كصحاح أو مكسرة، أو في قدر العوض، كأن قال: بألف،فقالت: بل بخمسمائة، أو في عدد الطلاق الذي وقع به الخلع، كقولها: سألتك ثلاث طلقات بألف، فقال: بل واحدة بألف، ولا بينة لواحد منهما: فقال مالك: القول قول الزوجة إن لم يكن هناك بيِّنة؛ لأنها مدعى عليها وهو مدع، وهو موافق لمذهب الحنفية، عملاً بالقاعدة الشرعية: « البينة على من ادعى واليمين على من أنكر » .\rوقال الشافعي: يتحالفان كما في البيع، ويكون على الزوجة مهر المثل؛ لأنه المردّ عند الاختلاف، لأن اختلافهما يشبه اختلاف المتبايعين.\rآثار الخلع في القانون: أخذ القانون السوري بمذهب أبي حنيفة في أن الخلع يسقط حقوق كل من الزوج والزوجة تجاه الآخر من مهر ونفقة زوجية، حتى ولو لم يتفق الزوجان على بدل، وذلك في المادتين التاليتين:\r(م 98) - إذا كانت المخالعة على مال غير المهر، لزم أداؤه، وبرئت ذمة المتخالعين من كل حق بالمهر والنفقة الزوجية.\r(م 99) - إذا لم يسم المتخالعان شيئاً وقت المخالعة، برئ كل منهما من حقوق الآخر بالمهر والنفقة الزوجية.","part":9,"page":478},{"id":6034,"text":"الفَصْلُ الثَّالث: التَّفريق القضائيّ\rويشتمل على عشرة مباحث:\rالأول ـ التفريق لعدم الإنفاق.\rالثاني ـ للعيب أو العلل الجنسية.\rالثالث ـ للضرر وسوء العشرة أو للشقاق بين الزوجين.\rالرابع ـ طلاق التعسف.\rالخامس ـ للغيبة.\rالسادس ـ للحبس.\rالسابع ـ التفريق بسبب الإيلاء.\rالثامن ـ التفريق بسبب اللعان.\rالتاسع ـ التفريق بسبب الظهار.\rالعاشر ـ التفريق بسب الردة أو إسلام أحد الزوجين.\rويلاحظ أن التفريق يختلف عن الطلاق بأن الطلاق يقع باختيار الزوج وإرادته، أما التفريق فيقع بحكم القاضي، لتمكين المرأة من إنهاء الرابطة الزوجية جبراً عن الزوج، إذا لم تفلح الوسائل الاختيارية من طلاق أو خلع. وأخذ القانون في مصر وسورية أحكام أربع حالات للتفريق في الأكثر من مذهبي المالكية والحنابلة.\rوالتفريق القضائي قد يكون طلاقاً: وهو التفريق بسبب عدم الإنفاق أو الإيلاء أو للعلل أو للشقاق بين الزوجين أو للغيبة أو للحبس أو للتعسف، وقد يكون فسخاً للعقد من أصله كما هو حال التفريق في العقد الفاسد،كالتفريق بسبب الردة وإسلام أحد الزوجين.\rوالفرق بين الطلاق والفسخ في رأي الحنفية:\rأن الطلاق: هو إنهاء الزواج وتقرير الحقوق السابقة من المهر ونحوه، ويحتسب من الطلقات الثلاث التي يملكها الرجل على امرأته، وهو لا يكون إلا في العقد الصحيح.\rوأما الفسخ: فهو نقض العقد من أصله أو منع استمراره، ولا يحتسب من عدد الطلاق، ويكون غالباً في العقد الفاسد أو غير اللازم.\rوللإمام مالك (1) قولان في الفرق بين الفسخ والطلاق:\rالقول الأول ـ الفرقة طلاق لا فسخ في النكاح المختلف فيه بين المذاهب والخلاف مشهور، مثل الحكم بتزويج المرأة نفسها، ونكاح المحرم بحج أو عمرة.\rالقول الثاني ـ الاعتبار في ذلك بالسبب الموجب للتفريق، فإن كان من الشرع، لا برغبة الزوجين، كان فسخاً، مثل نكاح المحرمة بالرضاع أو النكاح في العدة. وإن كان السبب هورغبة الزوجين، مثل الرد بالعيب، كان طلاقاً.\r-------------------------------\r(1) بداية المجتهد: 70/2.","part":9,"page":479},{"id":6035,"text":"المبحث الأول ـ التفريق لعدم الإنفاق :\rأخذ القانون في مصر وسورية بجواز التفريق القضائي بين الزوجين، عملاً بمذهب الجمهور غير الحنفية، فنصت المادة الرابعة من القانون المصري رقم (25) لسنة (1920) على حق التفريق بين الزوجة وزوجها، لعدم إنفاقه عليها، إذا طلبت الزوجة التفريق بالضرورة، سواء أكان عدم الإنفاق عليها بسبب إعساره، أم كان تعنتاً منه وظلماً. ويطلقها القاضي عليه وهو حاضر في البلد غير غائب، متى امتنع من تطليقها بنفسه، ولم يكن له مال ظاهر يمكن أن تفرض فيه نفقتها.\rونص القانون السوري على أحكام التفريق لعدم الإنفاق فيما يلي:\r(م 110) - «1 - يجوز للزوجة طلب التفريق إذا امتنع الزوج الحاضر عن الإنفاق على زوجته، ولم يكن له مال ظاهر، ولم يثبت عجزه عن النفقة.\r2 - إن ثبت عجزه أو كان غائباً، أمهله القاضي مدة مناسبة لا تتجاوز ثلاثة أشهر، فإن لم ينفق، فرق القاضي بينهما».\r(م 111): تفريق القاضي لعدم الإنفاق يقع رجعياً، وللزوج أن يراجع زوجته في العدة بشرط أن يثبت يساره، ويستعد للإنفاق.\rالتفريق لعدم الإنفاق في هذين القانونين طلاق رجعي إذا كان بعد الدخول، فللزوج أن يراجع زوجته إذا أثبت يساره وقدرته على الإنفاق.","part":9,"page":480},{"id":6036,"text":"وخلاصة الأحكام الواردة في القانونين بالنسبة لعدم الإنفاق ما يلي: أ ـ إن كان للزوج مال ظاهر، نفذ الحكم عليه بالنفقة في ماله، من غير حاجة إلى التفريق.\rب ـ وإن لم يكن له مال ظاهر: فإن كان حاضراً ولم يثبت عجزه عن الإنفاق وأصر على الامتناع، فرق القاضي بينهما في الحال.\rوإن أثبت عجزه عن الإنفاق، أمهله القاضي مدة لا تتجاوز ثلاثة أشهر في القانون السوري، وشهراً في القانون المصري، فإن مضت المدة ولم ينفق، فرق القاضي بينهما.\rوأما إن كان غائباً وليس له مال ظاهر، فيجب إعذاره وإمهاله إلى مدة لا تتجاوز ثلاثة أشهر، فإن مضت المدة ولم ينفق على الزوجة فرق القاضي بينهما.\rوهذه الأحكام مأخوذة من الفقه المالكي.\rأراء الفقهاء في التفريق لعدم الإنفاق:\rللفقهاء رأيان: رأي الحنفية، ورأي الجمهور (1) :\rأولاً ـ رأي الحنفية: لا يجوز في مذهب الحنفية والإمامية التفريق لعدم الإنفاق؛ لأن الزوج إما معسر أو موسر. فإن كان معسراً فلا ظلم منه بعدم الإنفاق، والله تعالى يقول: {لينفق ذو سعة من سعته، ومَنْ قُدر عليه رزقه، فلينفق مما آتاه الله ، لا يكلف الله نفساً إلا ما آتاها، سيجعل الله بعد عسر يسراً } [الطلاق:7/65] وإذا لم يكن ظالماً فلا نظلمه بإيقاع الطلاق عليه.\rوإن كان موسراً فهو ظالم بعدم الإنفاق، ولكن دفع ظلمه لا يتعين بالتفريق، بل بوسائل أخرى كبيع ماله جبراً عنه للإنفاق على زوجته، وحبسه لإرغامه على الإنفاق. ويجاب بأنه قد يتعين التفريق لعدم الإنفاق لدفع الضرر عن الزوجة.\r-------------------------------\r(1) الدر المختار: 903/2، الشرح الصغير: 745/2 وما بعدها، مغني المحتاج: 442/3-446، المغني: 573/7-577، بداية المجتهد: 51/2، القوانين الفقهية: ص 215، مختصر فقه الإمامية: ص 204، الدسوقي مع الشرح الكبير: 418/2.","part":9,"page":481},{"id":6037,"text":"ويؤكده أنه لم يؤثر عن النبي صلّى الله عليه وسلم أنه مكن امرأة قط من الفسخ بسبب إعسار زوجها، ولا أعلمها بأن الفسخ حق لها. ويجاب بأن التفريق بسبب الإعسار مرهون بطلب المرأة، ولم تطلب الصحابيات التفريق.\rثانياً ـ رأي الجمهور: أجاز الأئمة الثلاثة التفريق لعدم الإنفاق لما يأتي:\r1ً - قوله تعالى: {ولا تمسكوهن ضراراً لتعتدوا} [البقرة:231/2] وإمساك المرأة بدون إنفاق عليها إضرار بها. وقوله تعالى: {فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان} [البقرة:229/2] وليس من الإمساك بالمعروف أن يمتنع عن الإنفاق عليها.\r2 - قال أبو الزناد: سألت سعيد بن المسيب عن الرجل لا يجد ماينفق على امرأته، أيفرق بينهما؟ قال: نعم، قلت له: سنَّة؟ قال: سنَّة. وقول سعيد: سنَّة، يعني سنة رسول الله صلّى الله عليه وسلم .\r3 - كتب عمر رضي الله عنه إلى أمراء الأجناد، في رجال غابوا عن نسائهم، يأمرهم أن يأخذوهم أن ينفقوا أو يطلقوا، فإن طلقوا بعثوا بنفقة ما مضى.\r4 - إن عدم الإنفاق أشد ضرراً على المرأة من سبب العجز عن الاتصال الجنسي، فيكون لها الحق في طلب التفريق بسبب الإعسار أو العجز عن الإنفاق من باب أولى. والراجح لدي رأي الجمهور لقوة أدلتهم، ودفعاً للضرر عن المرأة، ولا ضرر ولا ضرار في الإسلام.\rنوع الفرقة بسبب العجز عن النفقة :\rالفرقة عند المالكية: طلاق رجعي، وللزوج رجعة المرأة إن أيسر في عدتها؛ لأنه تفريق لامتناعه عن الواجب عليه لها، فأشبه تفريقه بين المولي في الإيلاء وامرأته إذا امتنع من الفيئة والطلاق.\rوذكر الشافعية والحنابلة أن الفرقة لأجل النفقة لا تجوز إلا بحكم الحاكم؛ لأنه فسخ مختلف فيه، فافتقر إلى الحاكم كالفسخ بالعُنَّة، ولا يجوز له التفريق إلا بطلب المرأة ذلك؛ لأنه لحقِّها، فلم يجز من غير طلبها كالفسخ للعنة، فإذا فرق الحاكم بينهما فهو فسخ لا رجعة للزوج فيه.","part":9,"page":482},{"id":6038,"text":"المبحث الثاني - التفريق بالعيوب أو بالعلل :\rأولاً ـ أنواع العيوب :\rتنقسم العيوب من حيث المنع من الدخول وعدمه إلى قسمين:\r1 - عيوب جنسية تمنع من الدخول كالجَبّ والعُنَّة والخصاء في الرجل، والرتَق والقَرَن في المرأة.\r2 - عيوب لا تمنع من الدخول، ولكنها أمراض منفرة بحيث لا يمكن المقام معها إلا بضرر كالجذام والجنون والبرص والسل والزهري.\rوتنقسم العيوب بين الزوجين إلى أقسام ثلاثة: 1 - ما يختص بالرجل من داء الفرج: وهو الجب (قطع الذكر) والعنة (العجز عن الجماع بسبب صغر الذكر ونحوه) والخصاء (استئصال أو قطع الخصيتين) والاعتراض: وهو حالة الرجل الذي لا يقدر على الوطء لعارض كمرض أو كبر.\r2 - ما يختص بالمرأة من داء الفرج: وهو الرَّتَق (كون الفرج مسدوداً ملتصقاً بلحم من أصل الخلقة لا مسلك للذكر فيه)، والقَرَن (عظم أو غدة تمنع ولوج الذكر) والعفَل (رغوة تمنع لذة الوطء) وبخر الفرج (رائحة منتنة تثور في الوطء) والإفضاء أو انخراق ما بين السبيلين (أي القبل والدبر) من المرأة، وانخراق ما بين مخرج بول ومني وهو الفتق؛ لأنه يمنع لذة الوطء وفائدته، ونحوها.\r3 - ما يشترك فيه الرجال والنساء: وهو الجنون والجذام والبرص، واستطلاق بول، واستطلاق غائط، وباسور (نتوء ظاهر في المقعدة كالعدس أو الحمص) وناسور (نتوء داخل المقعدة أو قروح غائرة في المقعدة يسيل منها صديد) ومن هذه العيوب كون أحد الزوجين خنثى غير مشكل، أما الخنثى المشكل فلا يصح نكاحه حتى يتضح، ونحوها.\rفهذه العيوب: منها ما يخشى تعدي أذاه، ومنها ما فيه تنفير ونقص، ومنها ما تتعدى نجاسته.","part":9,"page":483},{"id":6039,"text":"ثانياً ـ التفريق بسبب العيوب في القانون :\rنص القانون المصري رقم ( 25 لسنة 1920 ) في المواد (9 ، 10، 11) على جواز التفريق بسبب عيوب الزوج: وهي الجب والعنة والخصاء، وهي العيوب الثلاثة المتفق على التفريق بها، والجنون والجذام والبرص، ونحوها من كل (عيب مستحكم لا يمكن البرء منه، أو يمكن بعد زمن طويل) سواء أكان ذلك العيب بالزوج قبل العقد ولم تعلم به، أم حدث بعد العقد ولم ترض به.\rوالفرقة بالعيب طلاق بائن، ويستعان بأهل الخبرة في العيوب التي يطلب الفسخ من أجلها.\rونص القانون السوري على التفريق للعلل الجنسية فقط دون العلل المنفرة أو الضارة أخذاً برأي أبي حنيفة وأبي يوسف، مع إضافة عيب الجنون، خلافاً لجمهور العلماء، وذلك فيما يأتي:\r(م 105) ـ للزوجة طلب التفريق بينهما وبين زوجها في الحالتين التاليتين:\r1ً - إذا كان فيه إحدى العلل المانعة من الدخول، بشرط سلامتها هي منها.\r2ً - إذا جن الزوج بعد العقد.\r(م 106) -1 - يسقط حق المرأة في طلب التفريق بسبب العلل المبينة في المادة السابقة إذا علمت بها قبل العقد أو رضيت بها بعده.\r2 - على أن حق التفريق بسبب العنة لا يسقط بحال.\r(م 107) - إذا كانت العلل المذكورة في المادة 105 غير قابلة للزوال يفرق القاضي بين الزوجين في الحال، وإن كان زوالها ممكناً يؤجل الدعوى مدة مناسبة لا تتجاوز السنة، فإذا لم تزل العلة فرق بينهما.\r(م 108) - التفريق للعلة طلاق بائن.","part":9,"page":484},{"id":6040,"text":"ثالثاً ـ آراء الفقهاء في التفريق للعيب :\rللفقهاء رأيان في جواز التفريق للعيب: رأي الظاهرية، ورأي أكثر العلماء: أما الظاهرية (1) : فقالوا: لا يجوز التفريق بأي عيب كان، سواء أكان في الزوج أم في الزوجة، ولا مانع من تطليق الزوج للزوجة إن شاء، إذ لم يصح في الفسخ للعيب دليل في القرآن أو السنة أو الأثر عن الصحابة أو القياس والمعقول.\rوأما أكثر الفقهاء (2) فأجازوا التفريق بسبب العيب، لكنهم اختلفوا في موضعين: هل يثبت الحق لكل من الزوجين أو للزوجة فقط، وما هي العيوب التي يثبت بها حق طلب التفريق.\rالأول ـ ثبوت حق التفريق بالعيب للزوجين أو للزوجة فقط :\rيثبت حق التفريق بالعيب عند الحنفية للزوجة فقط، لا للزوج؛ لأن الزوج يمكنه دفع الضرر عن نفسه بالطلاق، أما الزوجة فلا يمكنها دفع الضرر عن نفسها إلا بإعطائها الحق في طلب التفريق؛ لأنها لا تملك الطلاق.\rوأجاز الأئمة الثلاثة طلب التفريق بالعيب لكل من الزوجين؛ لأن كلاً منهما يتضرر بهذه العيوب، أما اللجوء إلى الطلاق فيؤدي إلى الإلزام بكل المهر بعد الدخول وبنصفه قبل الدخول. وفي التفريق بسبب العيب يعفى الرجل من نصف المهر قبل الدخول، وبعد الدخول لها المسمى بالاتفاق، لكن يرجع الزوج عند المالكية والحنابلة والشافعية بالمهر بعد الدخول على ولي الزوجة كالأب والأخ لتدليسه بكتمان العيب، ولا سكنى لها ولا نفقة.\rالثاني ـ العيوب التي تجيز التفريق :\rاتفق أئمة المذاهب الأربعة والإمامية على التفريق بعيبين: وهما الجب والعنة، واختلفوا في عيوب أخرى على آراء أربعة:\rالأول ـ رأي أبي حنيفة وأبي يوسف: لا فسخ إلا بالعيوب الثلاثة التناسيلة وهي (الجب والعنة والخصاء) إن كانت في الرجل؛ لأنها عيوب غير قابلة للزوال، فالضرر فيها دائم، ولا يتحقق معها المقصود الأصلي من الزواج وهو التوالد والتناسل والإعفاف عن المعاصي، فكان لابد من التفريق.\r-------------------------------\r(1) المحلى: 72/10، مسألة 1899.\r(2) فتح القدير: 262/3-268، مختصر الطحاوي: ص 182، البحر الرائق: 135/3،اللباب: 24/3-26، القوانين الفقهية: ص 214 وما بعدها، بداية المجتهد: 50/2، الشرح الصغير: 467/2-478، مغني المحتاج: 202/3-209، كشاف القناع: 115/5-124، المغني: 650/6-657، 667-678، المختصر النافع في فقه الإمامية: ص 210.","part":9,"page":485},{"id":6041,"text":"أما العيوب الأخرى من جنون أو جذام أو برص أو رتق أو قرن، فلا فسخ للزواج بسببها إن كان بالزوجة، ولا إن كانت بالزوج، ولا خيار للآخر بها. وهذا هو الصحيح عند الحنفية.\rوقال محمد: للزوجة الخيار أو الفسخ إن كانت هذه العيوب بالزوج، ولاخيار للزوج إن كانت بالزوجة، وبه يتفق الحنفية على أنه لا خيار للزوج في فسخ الزواج بسبب عيوب الزوجة مطلقاً، واختلفوا في الخيار بعيوب الزوج.\rالثاني ـ رأي مالك والشافعي: يفسخ النكاح من أي واحد من الزوجين إذا وجد في الآخر عيباً من العيوب التناسلية (الجنسية) أو العيوب المنفرة من جنون أو جذام أو برص.\rوالعيوب عند الشافعية سبعة وهي: الجب والعنة، والجنون والجذام والبرص، والرتَق والقَرَن، ويمكن أن يكون في كل من الزوجين خمسة، الأولان في الرجل والأخيران في المرأة، والثلاثة الوسطى مشتركة بينهما. ولا فسخ بالبخر، والصنان، والاستحاضة (1) ، والقروح السيالة، والعمى، والزمانة، والبله، والخصاء، والإفضاء، ولا بكونه يتغوط عند الجماع؛ لأن هذه الأمور لا تفوِّت مقصود النكاح.\rوالعيوب عند المالكية ثلاثة عشر عيباً:\rأربعة مشتركة بين الرجل والمرأة: الجنون والجذام والبرص والعَذيْطَة (خروج الغائط أو البول عند الجماع) ويقال للمرأة عِذيوطة، وللرجل عِذْيوط.\rوأربعة تختص بالرجل: وهي الخصاء، والجَبّ، والعُنَّة، والاعتراض (عدم القدرة على الاتصال الجنسي لمرض أو نحوه).\rوخمسة تختص بالمرأة: وهي الرتق، والقرن، والبخر (نتن الفرج) والعَفَل (غدة تمنع ولوج الذكر أو رغوة تمنع لذة الوطء) والإفضاء (اختلاط القُبُل أي مسلك الذكر بمجرى البول أو الغائط).\rوليس من العيوب: القرع ولا السواد، ولا إن وجدها مفتضة من الزنا على المشهور، وليس منها العمى، والعور، والعرج، والزمانة، ولا نحوها من العاهات، إلا إن اشترط السلامة منها.\rوالعيوب عند الإمامية أحد عشر: أربعة في الرجل: وهي الجنون والخصاء والعنة والجب، وسبعة في المرأة: وهي الجنون والجذام والبرص والقرن والإفضاء والعمى والإقعاد.\r-------------------------------\r(1) الاستحاضة: استمرار نزول الدم على المرأة بدون انقطاع، ويسمى بالنزيف الدموي.","part":9,"page":486},{"id":6042,"text":"الثالث ـ رأي أحمد: يفسخ النكاح بالعيوب التناسلية (أو الجنسية) أو العيوب المنفرة، أو العيوب المستعصية كالسل والسيلان أو الزهري ونحوها مما يعرف عن طريق أهل الخبرة.\rوالعيوب عندهم ثمانية:\rثلاثة يشترك فيها الزوجان: وهي الجنون والجذام والبرص.\rواثنان يختص بهما الرجل: وهما الجب والعنة.\rوثلاثة تختص بالمرأة: وهي الفتق (اختلاط مجرى البول والمني) والقرن والعفل.\rوالقاضي أبو يعلى جعل القرن والعفل شيئاً واحداً فتكون العيوب سبعة.\rقال أبو الخطاب: ويتخرج على ذلك من به الباسور والناسور والقروح السيالة في الفرج؛ لأنها تثير نفرة، وتتعدى نجاستها. ورجح الحنابلة أنه يثبت الخيار للرجل بقروح سيالة في فرج المرأة وبباسور وناسور ونحوهما.\rوليس من العيوب المجوزة للفسخ: القرع والعمى والعرج وقطع اليدين والرجلين؛ لأنه لا يمنع الاستمتاع، ولا يخشى تعديه.\rالرابع ـ رأي الزهري وشريح وأبي ثور، واختاره ابن القيم (1) : يجوز طلب التفريق من كل عيب منفر بأحد الزوجين، سواء أكان مستحكماً، أم لم يكن كالعقم والخرس والعرج والطرش وقطع اليدين أو الرجلين أوإحداهما؛ لأن العقد قد تم على أساس السلامة من العيوب، فإذا انتفت السلامة فقد ثبت الخيار. ولما روى أبو عبيد عن سليمان بن يسار: «أن ابن سندر تزوج امرأة وهو خصي، فقال له عمر: أعلمتها؟ قال: لا، قال: أعلمها، ثم خيرها» .\rوالراجح لدي رأي الحنابلة؛ لعدم تحديد العيوب، ولأنهم قصروا جواز الفسخ على العيب الذي لا تتم معه مقاصد الزواج على وجه الكمال، وهذا هو المتفق مع مقتضى عقد الزواج.\r-------------------------------\r(1) زاد المعاد: 30/4 وما بعدها.","part":9,"page":487},{"id":6043,"text":"قيود الفرقة بالعيب :\rاتفق الفقهاء على أن الفرقة بالعيب تحتاج إلى حكم القاضي وادعاء صاحب المصلحة؛ لأن التفريق بالعيب أمر مجتهد فيه ومختلف فيه بين الفقهاء، فيحتاج إلى قضاء القاضي لرفع الخلاف، ولأن الزوجين يختلفان في ادعاء وجود العيب وعدم وجوده، وفي أنه يجوز التفريق به أو لا يجوز، وقضاء الحاكم يقطع دابر الخلاف. والقول قول منكر العلم بالعيب مع يمينه في عدم علمه بالعيب؛ لأنه الأصل.\rوإذا تبين أن الزوج مجبوب، فرَّق القاضي بين الزوجين في الحال ولم يؤجله؛ لعدم الفائدة في التأجيل. أما العنِّين والخصي فيؤجله الحاكم سنة من تاريخ الخصومة، أي الدعوى والترافع عند الحنفية والحنابلة، لاحتمال أن تثبت قدرته على الجماع في أثناء السنة على مرور الفصول، والتأجيل سنة مروي عن عمر وعلي وابن مسعود. وتبدأ السنة عند الشافعية والمالكية من وقت القضاء بالتأجيل، عملاً بقضاء عمر الذي رواه الشافعي والبيهقي.\rفإذا ادعى الزوج أثناء السنة حدوث الجماع:\rففي رأي الحنفية والحنابلة: إن كانت المرأة ثيباً، فالقول قول الزوج بيمينه؛ لأن الظاهر يشهد له؛ لأن الأصل السلامة من العيوب، والقول لمن يشهد له الظاهر بيمينه. فإن حلف رفضت دعوى الزوجة، وإن امتنع عن الحلف، خيرها القاضي بين البقاء معه على هذه الحال وبين الفرقة، فإن اختارت الفرقة فرق بينهما. وإن كانت بكراً عذراء نظر إليها النساء، ويقبل قول امرأة واحدة والأولى عندالحنفية إراءتها لامرأتين، فإذا قالتا: هي بكر، بقي التأجيل لنهاية السنة لظهور كذبه، وإن قالتا: هي ثيب، حلّف الزوج فإن حلف لاحق لها، وإن نكل بقي التأجيل سنة، فإن شهدت النساء، وإلا فالقول قولها.","part":9,"page":488},{"id":6044,"text":"وقال المالكية: إن ادعى الوطء في مدة السنة، صدق الزوج بيمينه، وإن نكل عن اليمين حَلَفت الزوجة: إنه لم يطأ، وفرق بينهما قبل تمام السنة إن شاءت.\rأما إن كان العيب غير الجب أو العنة أو الخصاء، ففي رأي المالكية: إن كان العي لا يرجى زواله بالعلاج، فرق القاضي بين الزوجين في الحال. وإن كان يرجى زواله بالعلاج، أجل القاضي التفريق لمدة سنة إن كان العيب من العيوب المشتركة بين الرجل والمرأة كالجنون والجذام والبرص.\rوإن كان من العيوب الخاصة بالمرأة فيؤجل التفريق بالاجتهاد حسبما تقتضي حالة العلاج من العيب. وإن ادعت المرأة أنها برئت من عيبها صدقت بيمينها.\rوتثبت العُنَّة عند الشافعية بإقرار الزوج عند الحاكم، أو ببينة تقام عند الحاكم على إقراره، أو بيمين المرأة المردودة عليها بعد إنكار الزوج العنة ونكوله عن اليمين في الأصح. وإذا ثبتت العنة ضرب القاضي له سنة كما فعل عمر رضي الله عنه، بطلب الزوجة؛ لأن الحق لها، فإذا مضت السنة رفعته إلى القاضي، فإن قال: وطِئت حُلِّف، فإن نكل عن اليمين حُلِّفت، فإن حَلَفت أو أقر هو بذلك، استقلت بالفسخ، كما يستقل بالفسخ من وجد بالمبيع عيباً.\rشروط التفريق بالعيب :\rاشترط الفقهاء شرطين لثبوت الحق في طلب التفريق بالعيب وهما:\r1ً - ألا يكون طالب التفريق عالماً بالعيب وقت العقد أو قبله: فإن علم به في العقد، وعقد الزواج، لم يحق له طلب التفريق؛ لأن قبوله التعاقد مع علمه بالعيب رضا منه بالعيب.\r2ً - ألا يرضى بالعيب بعد العقد حال اطلاعه عليه: فإن كان طالب التفريق جاهلاً بالعيب، ثم علم به بعد إبرام العقد ورضي به، سقط حقه في طلب التفريق.","part":9,"page":489},{"id":6045,"text":"وإن لم يرض بالعيب، فخيار العيب ثابت عند الشافعية على الفور، وعند الحنابلة على التراخي، فلا يسقط ما لم يوجد منه ما يدل على الرضا به إما صراحة، كأن يقول: رضيت، أو دلالة كالاستمتاع من الزوج والتمكين من المرأة؛ لأنه خيار لطالب التفريق لدفع ضرر متحقق، فكان على التراخي كخيار القصاص، وخيار العيب في المبيع. ومتى زال العيب قبل التفريق فلا فرقة، لزوال سببها، كالمبيع يزول عيبه.\rواشترط القانون السوري كما لاحظنا في المواد السابقة شروطاً ثلاثة أخرى من مذهب الحنفية:\r1 - أن تطلب الزوجة التفريق فيما يحق لها، وإلا لم يفرق بينهما.\r2- أن تكون الزوجة خالية من العلل الجنسية كالرتق والقرن.\r3 - أن يكون الزوج صحيحاً: فإن كان مريضاً ينتظر شفاؤه، ثم يمهل سنة في العنين والخصي.\rالعيب الحادث بعد الزواج :\rإذا كان العيب قديماً موجوداً قبل الزواج، فلا خلاف بين أئمة المذاهب الأربعة في جواز التفريق به، بالشروط السابقة. أما إذا حدث العيب بأحد الزوجين، فاختلف الفقهاء في جواز التفريق:\rقال الحنفية: إذا جُنَّ الرجل أو أصبح عنيناً بعد الزواج، وكان قد دخل بالمرأة، ولو مرة واحدة، لا يحق لها طلب الفسخ، لسقوط حقها بالمرة الواحدة قضاء، وما زاد عليه فهو مستحق ديانة لا قضاء.\rوفرق المالكية بين عيب الزوج وبين عيب الزوجة، فقالوا: إن كان العيب بالزوجة فليس للزوج الخيار أو طلب التفريق بهذا العيب، لأنه مصيبة نزلت به، وعيب حدث بالمعقود عليه بعد لزوم العقد، فأشبه العيب الحادثة بالمبيع. وإن كان العيب الحادث بالزوج، فللزوجة الحق في طلب التفريق إن كان العيب جنوناً أو جذاماً أو برصاً، لشدة التأذي بها، وعدم الصبر عليها، وليس لها الحق في طلب التفريق بالعيوب التناسلية الأخرى من جب أو عنة أو خصاء.","part":9,"page":490},{"id":6046,"text":"وأطلق الشافعية والحنابلة القول بجواز التفريق بالعيب الحادث بعد الزواج كالعيب القائم قبله، لحصول الضرر به كالعيب المقارن للعقد، ولأنه لا خلاص للمرأة إلا بطلب التفريق بخلاف الرجل.\rلكن استثنى الشافعية طروء العنة بعد الدخول، فإنها لا تجيز طلب الفسخ، لحصول مقصود النكاح، واستيفائها حقها منه بمرة واحدة.\rنوع الفرقة بسبب العيب :\rللفقهاء رأيان: قال الحنفية والمالكية: هذه الفرقة طلاق بائن ينقص عدد الطلاق؛ لأن فعل القاضي يضاف إلى الزوج، فكأنه طلقها بنفسه، ولأنها فرقة بعد زواج صحيح، والفرقة بعد الزواج الصحيح عند المالكية تكون طلاقاً لا فسخاً. وإنما جعل الطلاق بائناً فلرفع الضرر عن المرأة، إذ لو جاز للزوج مراجعتها قبل انقضاء العدة، عاد الضرر ثانياً.\rوقال الشافعية والحنابلة: الفرقة بالعيب فسخ لا طلاق، والفسخ لا ينقص عدد الطلاق، وللزوج إعادة الزوجة بنكاح جديد بولي وشاهدي عدل ومهر؛ لأنها فرقة من جهة الزوجة إما بطلبها التفريق أو بسبب عيب فيها، والفرقة إذا كانت من جهة الزوجة تكون فسخاً لا طلاقاً.\rأثر التفريق بالعيب على المهر :\rعرفنا أن الحنفية لا يجيزون التفريق إلا بالعيوب التناسلية في الرجل، فإن كان التفريق قبل الدخول والخلوة، فللزوجة نصف المهر؛ لأن الفرقة بسبب الزوج، وإن كان التفريق بعد الدخول أو بعد الخلوة، فتجب العدة على المرأة إذا أقر الزوج أنه لم يصل إليها، ويجب لها المهر كله إن دخل بها أو خلا بها خلوة صحيحة؛ لأن خلوة العنين صحيحة تجب بها العدة (1) . وإن تزوجها بعدئذ أو تزوجته وهي تعلم أنه عنين فلا خيار لها. وإن كان عنيناً، وهي رتقاء لم يكن لها خيار كما تقدم في شروط التفريق.","part":9,"page":491},{"id":6047,"text":"وقال المالكية: إن كانت التفريق قبل الدخول ولو وقع بلفظ طلاق، فلا شيء للمرأة من المهر؛ لأن العيب إن كان بالرجل، فقد اختارت فراقه قبل قضاء مأربها، وكانت راضية بسقوط حقها في المهر، وإن كان العيب بالمرأة فتكون غارّة للرجل مدلسة عليه.\rوإن كان التفريق بعد الدخول، استحقت المهر المسمى كله، إن كان العيب في الزوج؛ لأنه يكون غارّاً للزوجة ومدلساً عليها، ثم إنه قد دخل بها، والدخول بالمرأة يوجب المهر كله. وإن كان العيب في الزوجة استحقت المهر كله بسبب الدخول، لكن يرجع الزوج بالمهر على وليها كأب وأخ وابن لتدليسه بالكتمان إن كان قريباً لا يخفى عليه حالها، وكان العيب ظاهراً كالجذام والبرص. أما إن كان الولي بعيداً كالعم والقاضي، أو كان العيب خفياً، فيرجع الزوج على الزوجة لا على الولي؛ لأن التغرير والتدليس منها وحدها.\rوقال الشافعية: الفسخ بالعيب قبل الدخول يسقط المهر، وإن كان بعد الدخول ، وكان العيب مقارناً للعقد أو حادثاً بين العقد والوطء، وجهله الواطئ، فلها في الأصح مهر المثل. وإن حدث العيب بعد العقد والوطء، فلها في الأصح المهر المسمى كله.\rولا يرجع الزوج بالمهر الذي غرمه على من غره من ولي أو زوجة بالعيب المقارن في المذهب الجديد (2) ، لاستيفائه منفعة البضع المتقوم عليه بالعقد. أما العيب الحادث بعد العقد إذا فسخ به، فلا يرجع بالمهر جزماً لانتفاء التدليس.\rوقال الحنابلة: إن حدث الفسخ قبل الدخول فلا مهر للمرأة على الرجل، سواء أكان من جهة الزوج أم من جهة الزوجة، كما قال الشافعية وغيرهم.\rوإن حدث الفسخ بعد الدخول وجهل العيب، فلها المهر المسمى، لوجوبه بالعقد واستقراره بالدخول، ثم يرجع بالمهر على من غرَّه من امرأة عاقلة وولي ووكيل. لقول عمر رضي الله عنه : «أيما رجل تزوج بامرأة بها جنون أو جذام أو برص، فلها صداقها، وذلك لزوجها غرم على وليها» ولأنه غرَّه في النكاح بما يثبت به الخيار فكان المهر عليه، كما لو غره بحرية أمة.\r-------------------------------\r(1) وقال الصاحبان: لها نصف المهر في حال الخلوة كأنه لم يخل بها.\r(2) وهو رأي أبي حنيفة رحمه الله أيضاً.","part":9,"page":492},{"id":6048,"text":"ملحق بهذا البحث ـ خيار الغرور أو خيار فوات الوصف المرغوب :\rإذا غرر الزوج بصفة في زوجته، مثل كونها بكراً أو مسلمة أو حرة أو ذات نسب ونحو ذلك، فبان خلافه، فهل له فسخ الزواج؟! وهذا ما يعرف بخيار الغرور أو خيار فوات الوصف المرغوب.\rاختلف الفقهاء فيه على آراء (1) ، الغالب فيها ثبوت الخيار وهو رأي الجمهور غير الحنفية:\rذهب الحنفية والجعفرية والزيدية إلى أنه إذا اشترط أحد الزوجين في صاحبه صفة مرغوباً فيها، فبان على خلافه، لم يكن له الخيار في الفرقة، فإذا كان قد سمى لها مهراً أكثر من مهر مثلها بسبب هذا الشرط، كأن يشترط بكارتها أو تحصيلها شهادة معينة، فلم يتحقق ذلك، لم يلزم الزوج بأكثر من مهر مثلها. قال ابن الهمام في فتح القدير: «وفي النكاح لو شرط وصفاً مرغوباً فيه كالعُذْرة والجمال والرشاقة وصغر السن، فظهرت ثيباً عجوزاً شمطاء ذات شق مائل، ولعاب سائل، وأنف هائل، وعقل زائل، لا خيار له في فسخ النكاح به» .\rوخالفهم المالكية فقرروا أن العاقد إذا قال للرجل: زوجتك هذه مسلمة فإذا هي كتابية، أو هذه حرة فإذا هي أمة، أو هذه بكر فإذا هي ثيب، أو اشترط أحد الزوجين وصفاً مرغوباً في الآخر كصغر السن والجمال، فبان خلافه، انعقد الزواج، وله الخيار بين الرضا والرد.\rوفصل الشافعية فقالوا: لو تزوج رجل امرأة وشُرط في العقد إسلام\r-------------------------------\r(1) المهذب: 70/2، غاية المنتهى: 99/3-100.","part":9,"page":493},{"id":6049,"text":"الزوجة، أو شرط في أحد الزوجين نسب أو حرية أوغيرهما مما لا يمنع عدم توافره صحة الزواج من صفات الكمال، كبكارة وشباب، أو من صفات النقص كضد ذلك، أو ما يتوسط بين صفتي الكمال كطول وبياض وسمرة، فبان خلافه، فالأظهر صحة النكاح؛ لأن الخُلْف في الشرط لا يوجب فساد البيع مع تأثره بالشروط الفاسدة، فالنكاح أولى بعدم الفساد.\rثم إن بان الموصوف بالشرط خيراً مما شُرط فيه فلا خيار، وإن بان دونه، فلمن شرط له: الخيار، للخُلْف.\rأما لو ظن الرجل، بلا شرط، أن المرأة مسلمة، فبانت كتابية، أو حرة فبانت أمة، وهي تحل له، فلا خيار له فيهما في الأظهر؛ لأن الظن لا يثبت الخيار لتقصيره بترك البحث أو الاشتراط. وكذا لو أذنت المرأة لوليها في تزويجها بمن ظنته كفئاً لها، فبان فسقه أو دناءة نسبه أو حرفته، فلا خيار لها ولا لوليها؛ لأن التقصير منها ومنه، حيث لم يبحثا ولم يشرطا، لكن لو بان الزوج معيباً أو عبداً وهي حرة فلها الخيار.\rوفصل الحنابلة تفصيلاً آخر فقالوا: إن غرَّ الرجل المرأة بما يخل بأمر الكفاءة كالحرية أو النسب الأدنى، فلها الخيار بين الفسخ والإمضاء، فإن اختارت الإمضاء فلأوليائها الاعتراض لعدم الكفاءة. وإن لم يعتبر الوصف في الكفاءة كالفقه والجمال ونحوهما، فلا خيار لها؛ لأن ذلك مما لا يعتبر في الكفاءة، فلا يؤثر اشتراطه.\rأما إن شرط الرجل كون المرأة مسلمة فبانت كافرة، فله الخيار، لأنه نقص وضرر يتعدى إلى الولد. وإن شرط الرجل كونها بكراً فبانت ثيباً فعن أحمد كلام يحتمل أمرين: أحدهما ـ لا خيار له، والثاني ـ له الخيار، لأنه شرط صفة مقصودة. وإذا تزوج امرأة يظنها حرة أو مسلمة، فبان خلافه، ثبت له الخيار.","part":9,"page":494},{"id":6050,"text":"المبحث الثالث ـ التفريق للشقاق أو للضرر وسوء العشرة :\rالمقصود بالشقاق والضرر: الشقاق هو النزاع الشديد بسبب الطعن في الكرامة. والضرر: هو إيذاء الزوج لزوجته بالقول أو بالفعل، كالشتم المقذع والتقبيح المخل بالكرامة، والضرب المبرِّح، والحمل على فعل ما حرم الله ، والإعراض والهجر من غير سبب يبيحه، ونحوه.\rرأي الفقهاء في التفريق للشقاق:\rلم يجز الحنفية والشافعية والحنابلة (1) التفريق للشقاق أو للضرر مهما كان شديداً؛ لأن دفع الضرر عن الزوجة يمكن بغير الطلاق، عن طريق رفع الأمر إلى القاضي، والحكم على الرجل بالتأديب حتى يرجع عن الإضرار بها.\rوأجاز المالكية (2) التفريق للشقاق أو للضرر، منعاً للنزاع، وحتى لا تصبح الحياة الزوجية جحيماً وبلاء، ولقوله عليه الصلاة والسلام: «لا ضرر ولا ضرار» . وبناء عليه ترفع المرأة أمرها للقاضي، فإن أثبتت الضرر أو صحة دعواها، طلقها منه، وإن عجزت عن إثبات الضرر رفضت دعواها، فإن كررت الادعاء بعث القاضي حكمين: حكماً من أهلها وحكماً من أهل الزوج، لفعل الأصلح من جمع وصلح أو تفريق بعوض أو دونه، لقوله تعالى: {وإن خفتم شقاق بينهما، فابعثوا حكماً من أهله وحكماً من أهلها} [النساء:35/4].\rواتفق الفقهاء على أن الحكمين إذا اختلفا لم ينفذ قولهما، واتفقوا على أن قولهما في الجمع بين الزوجين نافذ بغير توكيل من الزوجين.\r-------------------------------\r(1) بداية المجتهد: 97/2 وما بعدها.\r(2) الشرح الكبير والدسوقي: 281/2، 285، القوانين الفقهية: ص 215، مغني المحتاج: 207/2-209، المغني: 524/6-527، بداية المجتهد: 50/2.","part":9,"page":495},{"id":6051,"text":"واختلف الفقهاء في تفريق الحكمين بين الزوجين إذا اتفقا عليه، هل يحتاج إلى إذن من الزوج أو لا يحتاج إليه؟ فقال الجمهور؛ يعمل الحكم بتوكيل من الزوج، فليس للحكمين أن يفرقا بين الزوجين إلا أن يجعل الزوج إليهما التفريق؛ لأن الأصل أن الطلاق ليس بيد أحد سوى الزوج أو من يوكله الزوج. لأن الطلاق إلى الزوج شرعاً، وبذل المال إلى الزوجة، فلا يجوز إلا بإذنهما.\rوقال المالكية: ينفذ قول الحكمين في الفرقة والاجتماع بغير توكيل الزوجين ولا إذن منهما فيهما، بدليل ما رواه مالك عن علي بن أبي طالب أنه قا ل في الحكمين: «إليهما التفرقة بين الزوجين والجمع» فالإمام مالك يشبّه الحكمين بالسلطان، والسلطان يُطلِّق في رأيه بالضرر إذا تبين، وقد سماهما الله حكمين في قوله تعالى: {فابعثوا حكماً من أهله وحكماً من أهلها} [النساء:35/4] ولم يعتبر رضا الزوجين.\rشروط الحكمين :\rيشترط في الحكمين: أن يكونا رجلين عدلين خبيرين بما يطلب منهما في هذه المهمة، ويستحب أن يكونا من أهل الزوجين، حكماً من أهله وحكماً من أهلها بنص الآية السابقة، فإن لم يكونا من أهلهما بعث القاضي رجلين أجنبيين، ويستحسن أن يكونا من جيران الزوجين ممن لهما خبرة بحال الزوجين، وقدرة على الإصلاح بينهما.\rنوع الفرقة للشقاق :\rالطلاق الذي يوقعه القاضي للشقاق طلاق بائن؛ لأن الضرر لا يزول إلا به؛ لأنه إذا كان الطلاق رجعياً تمكن الزوج من مراجعة المرأة في العدة، والعودة إلى الضرر.\rموقف القانون: أخذ القانونان في مصر وسورية بمذهب المالكية فأجاز كلاهما التفريق للشقاق والضرر.","part":9,"page":496},{"id":6052,"text":"ونص القانون المصري رقم (25) لسنة (1929) في المواد (6-11) والقانون السوري في المواد (112-115) على أحكام التفريق للشقاق، وهي أحكام متفق عليها في القانونين، إلا أن القانون المصري لم يذهب إلى التفريق بسبب إساءة الزوجة، وأخذ القانون السوري بمذهب المالكية في أن التفريق يكون بسبب الضرر من أحد الزوجين. وعدَّل القانون السوري سنة (1975) المادة (3/112)، فلم يحكم بالتفريق في الحال، وإنما يؤجل القاضي المحاكمة مدة لا تقل عن شهر إذا لم يثبُت الضرر أملاً بالمصالحة.\rوأذكر بإيجاز مضمون مواد القانون السوري:\rإذا ادعى أحد الزوجين إضرار الآخر به، جاز له طلب التفريق من القاضي (1/112)، وإذا ثبت الإضرار، وعجز القاضي عن الإصلاح فرق بينهما، وذلك بطلقة بائنة (م 2/112) وإذا لم يثبت الضرر يؤجل القاضي المحاكمة مدة لا تقل عن شهر. فإن أصر المدعي على الشكوى بعث القاضي حكمين من أهل الزوجين، وإلا ممن يرى القاضي فيه قدرة على الإصلاح بينهما، وحلفهما يميناً على أن يقوما بمهمتهما بعدل وأمانة (م 3/112). وعلى الحكمين أن يتعرفا أسباب الشقاق بين الزوجين، ثم يجمعانهما في مجلس تحت إشراف القاضي (م 1/113)، ولا يؤثر في التحكيم تخلف أحد الزوجين عن الحضور بعد تبليغه (م 2/113).وعمل الحكمين أولاً هو محاولة الإصلاح بين الزوجين، فإذا عجزا عنه وكانت الإساءة أو أكثرها من الزوج قررا التفريق بطلقة بائنة (م 1/114). وإذا كانت الإساءة من الزوجة أو مشتركة بين الزوجين قررا التفريق على تمام المهر أو على جزء منه بحسب مدى الإساءة (م 2/114).\rوللحكمين تقرير التفريق مع عدم الإساءة من أحد الزوجين على براءة ذمة الزوج من بعض حقوق الزوجة إذا رضيت بذلك، واستحكم الشقاق بينهما (م 3/114).\rوإذا اختلف الحكمان حكَّم القاضي غيرهما، أو ضم إليهما ثالثاً مرجحاً، وحلفه اليمين، كمايحلف الحكمان على أداء مهمتهما بعدل وأمانة (م 4/114).\rولا يملك الحكمان التفريق، وإنما يرفعان تقريرهما إلى القاضي ولو كان غير معلل، ويفوض الأمر إلى القاضي بالحكم بمقتضاه أو رفض التقرير،وتعيين حكمين آخرين للمرة الأخيرة (م 115).\rويلاحظ أن مهمة الحكمين هي الإصلاح أولاً، ثم رفع تقرير إلى القاضي بالتفريق، احتياطاً في أمر الطلاق. لكن المقرر في المذهب المالكي كما تقدم أن الحكمين يوقعان الطلاق بناء على التفويض الكامل من القاضي. فإذا قيد القاضي صلاحية الحكمين برفع تقرير كما ذهب القانون، لم يكن في الأمر مخالفة للمالكية.","part":9,"page":497},{"id":6053,"text":"المبحث الرابع ـ طلاق التعسف :\rالتعسف: هو إساءة استعمال الحق بحيث يؤدي إلى ضرر بالغير، وذكر القانون السوري (م 116، 117) حالتين للتعسف في استعمال الطلاق وهما: الطلاق في مرض الموت أي طلاق الفارّ، والطلاق بغير سبب معقول (1) .\rأولاً ـ الطلاق في مرض الموت أو طلاق الفرار :\rتبين سابقاً أنه إذا طلق الزوج زوجته طلاقاً بائناً في مرض موته، أو ما في حكمه كإشراف سفينة على الغرق، فينفذ الطلاق باتفاق الفقهاء، ولا ترث المرأة عند الشافعية، ولو أراد الفرار من توريثها ومات الزوج في أثناء العدة؛ لأن الطلاق البائن يقطع الزوجية.\rوأخذ القانون السوري والمصري برأي الجمهور (غير الشافعية) في توريث المرأة في طلاق الفارّ إذا مات الزوج وهي في العدة. وترث أيضاً عند الحنابلة ولو مات بعد انقضاء العدة ما لم تتزوج، وترث عند المالكية ولو تزوجت بآخر.\rونص القانون السوري على ما سبق في المادة (116) الآتية:\rمن باشر سبباً من أسباب البينونة في مرض موته أو في حالة يغلب في مثلها الهلاك طائعاً، بلا رضا زوجته، ومات في ذلك المرض أو في تلك الحالة، والمرأة في العدة، فإنها ترث منه بشرط أن تستمر أهليتها للإرث من وقت الإبانة إلى الموت.\r-------------------------------\r(1) طلاق التعسف وإن وقع بإرادة الزوج، لا بالتفريق القضائي، فللقاضي دور الإشراف والرقابة والتحقق من كونه تعسفاً.","part":9,"page":498},{"id":6054,"text":"والسبب في تقرير الإرث على الرغم من الطلاق: هو معاملة الزوج بنقيض مقصوده، فإنه أراد إبطال حق الزوجة في الميراث، فيرد عليه قصده، ما دامت العدة باقية، لبقاء آثار الزوجية.\rفإن دلت القرائن على أنه لم يرد حرمانها من الإرث، كأن يكون الطلاق بطلبها أو عن طريق المخالعة، فلا ترث في عدة الطلاق البائن، وترث في عدة الطلاق الرجعي.\rويشترط لإرث المرأة في طلاق الفارّ: أن تكون مستحقة للإرث منذ الطلاق حتى وفاة الزوج، فإن كانت غير مستحقة للإرث وقت الطلاق كأن كانت كتابية، أو غير مستحقة للإرث وقت وفاة الزوج، كأن كانت مسلمة عند الطلاق، ثم ارتدت عند الوفاة، فلا ترث.\rثانياً ـ الطلاق بغير سبب معقول :\rنص القانون السوري (م 117 معدلة) على ما يلي:\rإذا طلق الرجل زوجته، وتبين للقاضي أن الزوج متعسف في طلاقها دون ما سبب معقول، وأن الزوجة سيصيبها بذلك بؤس وفاقة، جاز للقاضي أن يحكم لها على مطلقها بحسب حاله ودرجة تعسفه بتعويض لا يتجاوز مبلغ نفقة ثلاث سنوات لأمثالها فوق نفقة العدة، وللقاضي أن يجعل دفع هذا التعويض جملة أو شهرياً بحسب مقتضى الحال.\rوقد تضمن هذا التعديل عام ( 1975) أمرين: الأول ـ عدم تقييد الزوجة بكونها فقيرة. والثاني ـ جعل التعويض مقدراً بنفقة ثلاث سنوات، بدلاً من سنة في الماضي. ومستند هذا الحكم الجديد: هو العمل بمبدأ السياسة الشرعية العادلة التي تمنع ظلم المرأة وتعريضها للفاقة والحرمان بسبب تعنت الزوج.\rوربما يستند هذا الحكم إلى المتعة المعطاة للمطلقة والتي أوجبها بعض الفقهاء، واستحبها بعضهم، ورغب فيها القرآن وجعلها بالمعروف، فيترك تقديرها للقاضي بحسب العرف.","part":9,"page":499},{"id":6055,"text":"المبحث الخامس ـ التفريق للغيبة :\rأولاً ـ آراء الفقهاء :\rللفقهاء رأيان في التفريق بين الزوجين إذا غاب الزوج عن زوجته، وتضررت من غيبته، وخشيت على نفسها الفتنة:\rقال الحنفية والشافعية (1) : ليس للزوجة الحق في طلب التفريق بسبب غيبة الزوج عنها، وإن طالت غيبته، لعدم قيام الدليل الشرعي على حق التفريق، ولأن سبب التفريق لم يتحقق. فإن كان موضعه معلوماً بعث الحاكم لحاكم بلده، فيلزم بدفع النفقة.\rورأى المالكية والحنابلة (2) جواز التفريق للغيبة إذا طالت، وتضررت الزوجة بها، ولو ترك لها الزوج مالاً تنفق منه أثناء الغياب؛ لأن الزوجة تتضرر من الغيبة ضرراً بالغاً، والضرر يدفع بقدر الإمكان، لقوله صلّى الله عليه وسلم : «لا ضرر ولا ضرار» ولأن عمر رضي الله عنه كتب في رجال غابوا عن نسائهم، فأمرهم أن ينفقوا أو يطلقوا.\r. لكن اختلف هؤلاء في نوع الغيبة ومدتها وفي التفريق حالاً، وفي نوع الفرقة:\rففي رأي المالكية: لا فرق في نوع الغيبة بين أن تكون بعذر كطلب العلم والتجارة أم بغير عذر. وجعلوا حد الغيبة الطويلة سنة فأكثر على المعتمد، وفي قول: ثلاث سنوات. ويفرق القاضي في الحال بمجرد طلب الزوجة إن كان مكان الزوج مجهولاً، وينذره إما بالحضور أو الطلاق أو إرسال النفقة، ويحدد له مدة بحسب ما يرى إن كان مكان الزوج معلوماً. ويكون الطلاق بائناً؛ لأن كل فرقة يوقعها القاضي تكون طلاقاً بائناً إلا الفرقة بسبب الإيلاء وعدم الإنفاق.\rوفي رأي الحنابلة: تجوز الفرقة للغيبة إلاإذا كانت لعذر، وحد الغيبة ستة أشهر فأكثر، عملاً بتوقيت عمر رضي الله عنه للناس في مغازيهم، ويفرق القاضي في الحال متى أثبتت الزوجة ما تدعيه. والفرقة تكون فسخاً لا طلاقاً، فلا تنقص عدد الطلقات؛ لأنها فرقة من جهة الزوجة، والفرقة من جهة الزوجة تكون عندهم فسخاً.\rولا تكون هذه الفرقة إلا بحكم القاضي، ولا يجوز له التفريق إلا بطلب المرأة؛ لأنه لحقها، فلم يجز من غير طلبها كالفسخ للعنة.\r-------------------------------\r(1) الدر المختار: 903/2، مغني المحتاج: 442/3.\r(2) القوانين الفقهية: ص 216، الشرح الصغير وحاشية الصاوي عليه: 746/2، كشاف القناع: 124/5، المغني: 588/7 وما بعدها، 576 وما بعدها","part":9,"page":500},{"id":6056,"text":"ثانياً ـ موقف القانون من التفريق للغيبة :\rنص القانون المصري لعام 1929 (م 12، 13) على جواز التفريق للغيبة لمدة سنة فأكثر بلا عذر مقبول، بعد إنذار الزوجة بتطليقها عليه إن لم يحضر أو ينقلها إليه، أو يطلقها، وتكون الفرقة طلاقاً بائناً، أخذاً برأي المالكية.\rونص القانون السوري على التفريق للغيبة في المادة (109) التالية: 1 - إذا غاب الزوج بلا عذر مقبول، أو حكم بعقوبة السجن أكثر من ثلاث سنوات جاز لزوجته بعد سنة من الغياب أو السجن أن تطلب إلى القاضي التفريق ولو كان له مال تستطيع الإنفاق منه.\r2 - هذا التفريق طلاق رجعي، فإذا رجع الغائب، أو أطلق السجين، والمرأة في العدة، حق له مراجعتها.\rدل النص على أنه يشترط للتفريق ما يلي:\r1ً - أن تمضي سنة فأكثر على الغياب.\r2ً - أن يكون الغياب لغير عذر مقبول. فإن كان لعذر مقبول لم يحق لها طلب التفريق، كالغياب في الجهاد أو الجندية الإجبارية أو لطلب العلم.\rوالتفريق للغيبة بطلب الزوجة يكون في الحال إن كان مكان الزوج غير معلوم. أما إن كان مكانه معلوماً، فيطلب القاضي منه أن يحضر لأخذ زوجته إليه، ويحدد له أجلاً معيناً، فإن لم يفعل فرق القاضي بينهما. والتفريق طلاق رجعي، وهذا مخالف لمذهب المالكية في أنه طلاق بائن، ولمذهب الحنابلة في أنه فسخ.","part":9,"page":501},{"id":6057,"text":"المبحث السادس ـ التفريق للحبس :\rلم يجز جمهور الفقهاء غيرالمالكية التفريق لحبس الزوج أو أسره أو اعتقاله، لعدم وجود دليل شرعي بذلك. ولاتعد غيبة المسجون ونحوه عند الحنابلة غيبة بعذر. أما المالكية (1) فأجازوا طلب التفريق للغيبة سنة فأكثر، سواء أكانت بعذر أم بدون عذر، كما تقدم. فإذا كانت مدةا لحبس سنة فأكثر جاز لزوجته طلب التفريق، ويفرق القاضي بينهما، بدون كتابة إلى الزوج أو إنظار. وتكون الفرقة طلاقاً بائناً.\rونص القانون المصري لسنة 1929 (م 14) على حق المرأة في طلب التفريق بعد مضي سنة من حبس زوجها الذي صدر في حقه عقوبة حبس مدة ثلاث سنين فأكثر، والطلاق بائن، كما هو رأي المالكية.\rأما القانون السوري فذكر في المادة (109) السابقة هذا الحق كالتفريق للغيبة على السواء.\rالمبحث السابع ـ التفريق بالإيلاء :\rلم يتعرض قانون الأحوال الشخصية السوري لحالتين من حالات انحلال الزواج وهما الإيلاء والظهار، كما لم يتعرض للعان.\rأولاً ـ تاريخ الإيلاء ومعناه وألفاظه :\rالإيلاء لغة: الحلف، وهو يمين، وكان هو والظهار طلاقاً في الجاهلية، وكان يستخدمه العرب بقصد الإضرار بالزوجة، عن طريق الحلف بترك قربانها السنة فأكثر، ثم يكرر الحلف بانتهاءالمدة، ثم جاء الشرع فغيَّر حكمه، وجعله يميناً ينتهي بمدة أقصاها أربعة أشهر، فإن عاد حنث في يمينه، ولزمته كفارة اليمين إن حلف بالله تعالى أو بصفة من صفاته التي يحلف بها. قال ابن عباس (2) «كان إيلاء أهل الجاهلية السنة والسنتين وأكثر من ذلك، فوقَّته الله أربعة أشهر» فمن كان إيلاؤه أقل من أربعة أشهر، فليس بإيلاء، أي أن الشرع أقره طلاقاً وزاد فيه الأجل.\r-------------------------------\r(1) الشرح الكبير للدردير: 519/2.\r(2) البدائع: 171/2 وما بعدها.","part":9,"page":502},{"id":6058,"text":"والأصل في تنظيم يمين الإيلاء وحكمه قوله تعالى: {للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر، فإن فاؤوا فإن الله غفور رحيم، وإن عزموا الطلاق، فإن الله سميع عليم} [البقرة:226/2-227].\rوعدِّي الإيلاء في الآية بمن، والأصل أن يعدى بعلى، لأن كلمة (يؤلون) ضُمِّنت معنى: يعتزلون أو معنى البعد، كأنه قال: يؤلون مبعدين أنفسهم من نسائهم. والفيء: الرجوع لغة، والمراد به فقهاً: الجماع، بالاتفاق.\rوالإيلاء: حرام عند الجمهور للإيذاء، ولأنه يمين على ترك واجب، مكروه تحريماً عند الحنفية.\rوالإيلاء شرعاً: الحلف ـ بالله تعالى أو بصفة من صفاته أو بنذر أو تعليق طلاق ـ على ترك قربان زوجته مدة مخصوصة. وهذا تعريف الحنفية (1) فلا يصح إيلاء الصبي والمجنون، ويصح عندهم إيلاء الكافر؛ لأنه من أهل الطلاق. وعرفه المالكية (2) بأنه حلف زوج مسلم مكلف ممكن الوطء بما يدل على ترك وطء زوجته غير المرضع أكثر من أربعة أشهر، سواء أكان الحلف بالله أم بصفة من صفاته، أم بالطلاق، أم بمشي إلى مكة، أم بالتزام قربة.\rيتبين من التعريف أن الإيلاء يختص عند المالكية بالزوج المسلم لا الكافر، وبالمكلف (البالغ العاقل) لا الصبي والمجنون، وبالممكن وطؤه ولو سكراناً، لا المجبوب والخصي، والشيخ الفاني، فلا ينعقد لهم إيلاء، كما لا إيلاء من المرضع، لما في ترك وطئها من إصلاح الولد، ولا إيلاء فيما دون الأربعة أشهر.\r-------------------------------\r(1) الدر المختار: 749/2، اللباب: 59/3، البدائع: 161/3.\r(2) الشرح الصغير: 619/2 وما بعدها، الشرح الكبير: 426/2 وما بعدها، القوانين الفقهية: ص241.","part":9,"page":503},{"id":6059,"text":"وعرفه الشافعية (1) : بأنه حلف زوج يصح طلاقه على الامتناع من وطء زوجته مطلقاً، أو فوق أربعة أشهر، سواء في المذهب الجديد أكان حلفاً بالله أم بصفة من صفاته، أم باليمين بالطلاق مثل: إن وطئتك فأنت أو ضَرتك طالق؛ لأنه يمين يلزمه بالحنث فيها حق، فصح به الإيلاء، كاليمين بالله عز وجل، أم بنذر مثل: إن وطئتك فلله علي صلاة أو صوم أو حج. وذلك وفاقاً للمالكية. فلا يصح إيلاء من الصبي والمجنون والمكره لعدم صحة طلاقهم، ولا يصح أيضاً إيلاء عنِّين ومجبوب؛ لأنه وإن صح طلاقهما لا يصح إيلاؤهما؛ لأنه لا يتحقق منها قصد الإيذاء بالامتناع عن الجماع.\rوعرفه الحنابلة (2) : بأنه حلف زوج يمكنه الجماع، بالله تعالى أو بصفة من صفاته، على ترك وطء امرأته الممكن جماعها، ولو كان الحلف قبل الدخول، مطلقاً أو أكثر من أربعة أشهر أو ينويها. فلا يصح إيلاء عنين ومجبوب لعدم إمكان الجماع، ولا الحلف بالطلاق ونحوه ولا بنذر، ولا إيلاء من رتقاء ونحوها.\rوعلى هذا يصح الإيلاء من الكافر في مذهبي الشافعية والحنابلة كالحنفية.\rألفاظ الإيلاء :\rالإيلاء إما بلفظ صريح وإما بلفظ كناية يدل على الامتناع من الجماع (3) .\r-------------------------------\r(1) مغني المحتاج: 343/3-344، المهذب: 105/2.\r(2) كشاف القناع: 406/5.\r(3) الدر المختار: 752/2-760، البدائع: 162/3، اللباب: 62/3، 63، الشرح الصغير: 620/2-623، الشرح الكبير: 428/2 وما بعدها، مغني المحتاج: 345/3 وما بعدها، المغني: 315/7 ومابعدها، كشاف القناع: 408/5 وما بعدها.","part":9,"page":504},{"id":6060,"text":"من الألفاظ الصريحة عند الحنفية والمالكية: قول الزوج لزوجته: والله لا أقربك أو لا أجامعك أو لا أطؤك أو لا أغتسل منك من جنابة، ونحوه من كل ما ينعقد به اليمين، أو قوله: (والله لا أقربك أربعة أشهر) حتى ولو كان الكلام موجهاً لحائض، لتعيين المدة. أو قوله عند الجمهور غير الحنابلة: إن قربتك فعلي حج أو نحوه مما يشق فعله، أما ما لا يشق فعله مثل: ( فعلي صلاة ركعتين ) فليس بمولٍ عند الحنفية لعدم مشقتهما، بخلاف قوله: فعلي مئة ركعة، فإنه يكون مولياً. أو قوله عند غير الحنابلة: إن قربتك فأنت طالق. وعلى هذا فالصريح عند الحنفية لفظان: الجماع وما في معناه من التعبير بالنون والكاف (1) ، وما يجري مجرى الصريح ألفاظ ثلاثة: القربان والمباضعة والوطء.\rوصريح الإيلاء عند الشافعية: الحلف على ترك الوطء أو الجماع أو افتضاض البكر ونحو ذلك، والصريح عند الحنابلة: ثلاثة ألفاظ وهي قوله: والله لا آتيك، ولا أدخل ولا أغيب أو أولج ذكري في فرجك، ولا افتضضتك للبكر خاصة. وعندهم ألفاظ عشرة صريحة في الحكم أو القضاء، ويدين فيها ما نواه عندهم فيما بينه وبين الله تعالى: وهي لا وطئتك، ولا جامعتك، ولا أصبتك، ولا باشرتك، ولا مسستك، ولا قربتك، ولا أتيتك، ولا باضعتك، ولا باعلتك، ولا اغتسلت منك، فهذه صريحة قضاء لأنها تستعمل عرفاً في الوطء.\rوالجديد عند الشافعية: أن الحلف بألفاظ الملامسة والمباضعة والمباشرة والإتيان والغشيان والقِرْبان والإفضاء والمس والدخول ونحوها كنايات تفتقر لنية الوطء؛ لأن لها حقائق غيرالوطء، ولم تشتهر اشتهار ألفاظ الوطء والجماع والإيلاج وافتضاض البكر.\r-------------------------------\r(1) لا حياء في الدين أي في بيان أحكامه للناس فيما يصدر عنهم عادة.","part":9,"page":505},{"id":6061,"text":"وأصل حكم الإيلاء: قوله تعالى: {للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر فإن فاؤوا فإن الله غفور رحيم. وإن عزموا الطلاق، فإن الله سميع عليم} [البقرة:226/2-227].\rومن ألفاظ الكناية التي تحتاج إلى نية عند الحنفية: أن يحلف بقوله: لا أمسك، لا آتيك، لا أغشاك؛ لا أقرب فراشك، لا أدخل عليك. ولو قال: «أنت علي حرام» فهو إيلاء إن نوى التحريم، أو لم ينو شيئاً، وظهار إن نواه، فإن نوى الكذب فهو إيلاء قضاء؛ لأن تحريم الحلال يمين، وهدر باطل ديانة.\rوألفاظ الكناية التي لا تكون إيلاء إلا بالنية عند الحنابلة هي ما عدا الألفاظ السابقة الصريحة في حكم الصريح، كقول الزوج: والله لا يجمع رأسي ورأسك شيء، لا قربت فراشك، لا آويت معك، لا نمت عندك، لأسوأنك، لأغيظنك، لتطولن غيبتي عنك، لا مسّ جلدي جلدك ونحوها، فإن أراد بها الجماع واعترف بذلك، كان مولياً، وإلا فلا؛ لأن هذه الألفاظ ليست ظاهرة في الجماع كظهور التي قبلها، ولم يرد النص باستعمالها فيه، إلا أن هذه الألفاظ نوعان: نوع منها يفتقر إلى نية الجماع والمدة معاً: وهي لأسوأنك، ولأغيظنك، ولتطولن غيبتي عنك، فلا يكون مولياً حتى ينوي ترك الجماع في مدة تزيد على أربعة أشهر. وباقي الألفاظ يكون مولياً بنية ترك الجماع فقط.\rلغة الإيلاء: يصح الإيلاء بكل لغة عربية وعجمية (1) ، سواء أكان المولي ممن يحسن العربية أم ممن لا يحسنها، فيصح من عجمي بالعربية، ومن عربي بالعجمية إن عرف المعنى كما في الطلاق وغيره؛ لأن اليمين تنعقد بغير العربية، وتجب بها الكفارة، والمولي: هو الحالف بالله على ترك وطء زوجته، الممتنع من ذلك بيمينه.\r-------------------------------\r(1) المغني: 317/7، مغني المحتاج: 343/3.","part":9,"page":506},{"id":6062,"text":"ثانياً ـ أركان الإيلاء وشروطه :\rركن الإيلاء عند الحنفية: هو الحلف على ترك قربان امرأته مدة، ولو ذمياً، أو هو الصيغة التي ينعقد بها، من الألفاظ الصريحة أو الكناية المتقدمة، وما عداها فهو من شروط الإيلاء، وينعقد الإيلاء ككل الأيمان سواء في حالة الرضا أو الغضب.\rوأما عند الجمهور فللإيلاء أركان أربعة: هي الحالف، والمحلوف به، والمحلوف عليه، والمدة (1) .\r1 - الحالف: هو المولي وهو عند المالكية: كل زوج مسلم عاقل بالغ يتصور منه الوقاع، حراً كان أو عبداً، صحيحاً كان أو مريضاً، فلا يصح إيلاء الذمي.\rوهو عند الحنفية: كل زوج له أهلية الطلاق، وهو كل عاقل بالغ، مالك النكاح، وأضافه إلى الملك، أو هو الذي لا يمكنه قربان امرأته إلا بشيء شاق يلزمه. فلا يصح إيلاء الصبي والمجنون؛ لأنهما ليسا من أهل الطلاق، ويصح إيلاء الذمي الكافر؛ لأن الكافر من أهل الطلاق، ويصح إيلاء العبد بما لا يتعلق بالمال، مثل إن قربتك فعلي صوم أو حج أو عمرة، أو امرأتي طالق، أو والله لا أقربك، فإن حنث لزمه الكفارة بالصوم. أما ما يتعلق بالمال مثل إن قربتك فعلي عتق رقبة، أو أن أتصدق بكذا، فلا يصح؛ لأنه ليس من أهل ملك المال. ولا يصح الإيلاء لو قال لامرأة أجنبية، أو لمن أبانها بثلاث أو بطلاق بائن: «والله لا أقربك» لأنه غير مالك النكاح، لكن إن أضاف ذلك إلى الملك بأن قال للأجنبية أو المبانة منه: إن تزوجتك فوالله لا أقربك، كان مولياً.\r-------------------------------\r(1) القوانين الفقهية: ص 241، مغني المحتاج: 343/3، المهذب: 105/2، الشرح الكبير: 426/2، المغني: 298/7، 314، كشاف القناع: 406/5 ومابعدها، غاية المنتهى: 188/3، الدر المختار: 750/2-752، البدائع: 171/3-175.","part":9,"page":507},{"id":6063,"text":"والمولي عند الشافعية: كل زوج يصح طلاقه أو هو كل زوج بالغ عاقل قادر على الوطء. فلا يصح إيلاء الصبي والمجنون والمكره، والمجبوب والأشل، ولا يصح الإيلاء على المذهب من رتقاء أو قرناء؛ لأنه لا يتحقق منه قصد الإيذاء والإضرار، لامتناع الأمر في نفسه.\rويصح إيلاء المريض والمحبوس والحر والعبد، والمسلم والكافر والخصي والسكران المتعدي بسكره؛ لأنه يصح طلاقه في الجملة.\rوالحالف المولي عند الحنابلة: هو كل زوج يمكنه الجماع، يحلف بالله تعالى أو بصفة من صفاته على ترك وطء امرأته الممكن جماعها أكثر من أربعة أشهر. فلا يصح إيلاء عاجز عن وطء مثل عنِّين ومجبوب وأشل، ولا بنذر أو طلاق ونحوه، ولا من امرأة رتقاء ونحوها، ولا يصح من صبي مميز أو مجنون أو مغمى عليه، ويصح الإيلاء من كافر وعبد وغضبان وسكران ومريض مرجو برؤه، ومن لم يدخل بزوجته.\rوبه يتبين أن الجمهور يجيزون إيلاء الكافر، والمالكية لا يجيزونه.\r2 - المحلوف به: هو الله تعالى وصفاته بالاتفاق، وكذا عند الجمهور غير الحنابلة: كل يمين يلزم عنها حكم كالطلاق والعتق والنذر لصيام أو صلاة أو حج وغير ذلك. وخص الحنابلة المحلوف به بالله تعالى أو صفة من صفاته، لا بطلاق أو نذر ونحوهما.\rورأى المالكية والحنابلة: أن من ترك الوطء بغير يمين، لزمه حكم الإيلاء إذا قصد الإضرار، فيحدد له مدة أربعة أشهر ، ثم يحكم له بحكم الإيلاء؛ لأنه تارك لوطئها ضرراً بها، فأشبه المولي. وكذلك من ظاهر من زوجته، ولم يكفِّر كفارة الظهار، تضرب له مدة الإيلاء ضرراً بها، فأشبه المولي، ويثبت له حكمه، لقصده الإضرار بها أيضاً.","part":9,"page":508},{"id":6064,"text":"3 - المحلوف عليه: هو الجماع، بكل لفظ يقتضي ذلك، مثل: لا جامعتك ولا اغتسلت منك، ولا دنوت منك، وشبه ذلك من الألفاظ الصريحة والكناية المتقدمة.\r4 - المدة: وهي في رأي الجمهور غير الحنفية أن يحلف الزوج ألا يطأ زوجته أكثر من أربعة أشهر. وفي رأي الحنفية: أقل المدة أربعة أشهر فأكثر. فلو حلف على ثلاثة أشهر أوأربعة لم يكن مولياً عند الجمهور، ويكون مولياً عند الحنفية في أربعة أشهر، وليس مولياً في أقل من أربعة أشهر.\rوسبب اختلافهم يرجع إلى اختلافهم في الفيء: وهو الرجوع إلى قربان الزوجة، هل يكون قبل مضي الأربعة أشهر أو يكون بعد مضيها؟ فالحنفية قالوا: يكون الفيء قبل مضيها، فتكون مدة الإيلاء أربعة أشهر، والجمهور قالوا: الفيء بعد مضيها، فتكون مدة الإيلاء أزيد من أربعة أشهر.\rشروط الإيلاء :\rشروط الإيلاء عند الحنفية (1) ستة وهي ما يأتي:\r1ً - محلية المرأة بكونها زوجة، ولو حكماً كالمعتدة من طلاق رجعي، وقت تنجيز الإيلاء، فإن كانت المرأة بائنة من زوجها بثلاث أو بلفظ بائن لم يصح الإيلاء منها.\r2ً - وأهلية الزوج للطلاق: فصح إيلاء الذمي بغير ما هو قربة محضة من نحو حج وصوم. وفائدة تصحيح إيلاء الذمي، وإن لم تلزمه الكفارة بالحنث: هي وقوع الطلاق بترك قربان المرأة في مدة الإيلاء.\r3ً - ألا يقيد بمكان: لأنه يمكن قربان المرأة في غيره.\r4ً - ألا يجمع بين الزوجة وغيرها كأجنبية؛ لأنه يمكنه قربان امرأته وحدها بلا لزوم شيء.\r5ً - أن يكون المنع من القربان فقط.\r-------------------------------\r(1) الدر المختار ورد المحتار: 750/2 وما بعدها، البدائع: 170/3-173.","part":9,"page":509},{"id":6065,"text":"6ً - ترك الفيء أي الجماع في المدة المقررة وهي أربعة أشهر؛ لأن الله تعالى جعل عزم الطلاق شرطاً لوقوعه بقوله: {فإن عزموا الطلاق، فإن الله سميع عليم} [البقرة:227/2] وكلمة ( إن ) للشرط، وعزم الطلاق: ترك الفيء في المدة. ودليلهم على أن المدة هي أربعة أشهر: أن الفيئة تكون في مدة الأربعة أشهر، لا بعدها.\rوذكر الحنابلة وبقية المذاهب أربعة شروط للإيلاء هي ما يأتي (1) :\r1ً - أن يحلف الزوج بالله عز وجل أو بصفة من صفاته كالرحمن ورب العالمين ألا يطأ زوجته أكثر من أربعة أشهر أو يحلف عند المالكية والشافعية والحنفية على ترك الوطء بطلاق أو عتاق أو نذر صدقة المال أو الحج أو الظهار، لما قال ابن عباس: «كل يمين منعت جماعها فهي إيلاء» ولأنها يمين منعت جماعها فكانت إيلاء كالحلف بالله ، ولأن تعليق الطلاق والعتاق على وطئها حلف، فيكون مولياً لتحقق المنع باليمين، وهو ذكر الشرط والجزاء.\rولا يكون الحلف بالطلاق والعتاق إيلاء على الرواية المشهورة عند الحنابلة؛ لأن الإيلاء المطلق إنما هو القسم، بدليل قراءة أبيّ وابن عباس: «للذين يقسمون» مكان (يؤلون) وفسر ابن عباس: (يؤلون) بقوله: ( يحلفون بالله ) والتعليق بشرط ليس بقسم، فلا يكون إيلاء، وإنما يسمى حلفاً تجوزاً لمشاركته القسم في المعنى المشهور في القسم: وهو الحث على الفعل أو المنع منه أو توكيد الخبر، ويحمل الكلام عند إطلاقه على الحقيقة لا على المجاز.\r-------------------------------\r(1) الشرح الصغير: 619/2-625، القوانين الفقهية: ص 241، المهذب: 105/2 ومابعدها، المغني: 298/7، 300، 311-315، كشاف القناع: 407/5-410، 416، بداية المجتهد: 100/2، اللباب: 61/3، الدر المختار: 757/2، البدائع: 171/3، مغني المحتاج: 344/3.","part":9,"page":510},{"id":6066,"text":"وإن قال: ( إن وطئتك فلله علي صوم أو حج أو عمرة ) يكون إيلاء عند الجمهور، وقيده الحنفية بفعل فيه مشقة، لا بصلاة نحو ركعتين، فليس بمولٍ لعدم مشقتهما. والتزام صلاة مئة ركعة يجعله مولياً.\rولا إيلاء أيضاً عند الحنابلة إن حلف على ترك الوطء بنذر أو صدقة مال أو حج أو ظهار أو تحريم مباح ونحوه، فلا يكون الزوج مولياً؛ لأنه لم يحلف بالله تعالى، فأشبه ما لو حلف بالكعبة.\r2ً - أن يحلف على ترك الوطء أكثر من أربعة أشهر؛ لأن الله تعالى جعل للحالف تربص أو انتظار أربعة أشهر، فإذا حلف على أربعة أشهر أو ما دونها فلا معنى للتربص؛ لأن مدة الإيلاء تنقضي قبل ذلك أو مع انقضائه، فدل على أنه لايصير بما دون تلك المدة مولياً، ولأن الضرر لا يتحقق بترك الوطء فيما دون أربعة أشهر، بدليل ما روي عن عمر رضي الله عنه أنه سأل: «كم تصبر المرأة عن الزوج؟ فقيل: شهرين وفي الثالث: يقل الصبر، وفي الرابع: ينفذ الصبر» فإذا نفذ صبرها طالبت، فلا بد من الزيادة على ذلك، ويكفي زيادة لحظة.\r3ً - أن يحلف الزوج على ترك الوطء في القُبُل (أو الفرج): فإن ترك الوطء بغير يمين ولا قصد إضرار، لم يكن مولياً لظاهر الآية: {للذين يؤلون...} [البقرة:226/2] وإن قال: لا وطئتك في الدبر، لم يكن مولياً؛ لأنه لم يترك الوطء الواجب عليه، ولا تتضرر المرأة بتركه، وإنما هو وطء محرم، وقد أكد منع نفسه منه بيمينه.\rوكذا إن قال: (والله ، لا وطئتك دون الفرج) لم يكن مولياً؛ لأنه لم يحلف على الوطء الذي يطالب في الفيئة، ولا ضرر على المرأة في تركه.\r4ً - أن يكون المحلوف عليها امرأته، لقوله تعالى: { للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر } [البقرة:226/2] ولأن غير الزوجة لا حق لها في وطئه، فلا يكون مولياً منها، كالأجنبية. وإن حلف على ترك وطء أجنبية ثم نكحها، لم يكن مولياً؛ لأنه إذا كانت اليمين قبل النكاح لم يكن قاصداً الإضرار، فأشبه الممتنع بغير يمين.","part":9,"page":511},{"id":6067,"text":"ويصح الإيلاء بالاتفاق من المطلقة الرجعية في العدة؛ لأنها في حكم الزوجة يلحقها الطلاق، فيلحقها الإيلاء.\rولا يصح من المطلقة البائنة، لانقطاع الزوجية.\rويصح الإيلاء من كل زوجة، مسلمة كانت أو ذمية، حرة كانت أو أمة، لعموم قوله سبحانه: {للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر} [البقرة:226/2] ولأن كل واحدة منهن زوجة، فصح الإيلاء منها كالحرة المسلمة. ويصح الإيلاء قبل الدخول وبعده، لعموم الآية، ولتوافر المعنى؛ لأنه ممتنع من جماع زوجته بيمينه، فأشبه ما بعد الدخول.ويصح الإيلاء من المجنونة والصغيرة، إلا أنه لا يطالب بالفيئة في الصغر والجنون؛ لأنهما ليسا من أهل المطالبة.\rولا يصح الإيلاء من الرتقاء والقرناء؛ لأن الوطء متعذر دائماً، فلم تنعقد اليمين على تركه، كما لو حلف عى ألا يصعد السماء.\rأما الحالف فقد عرفنا شرطه: فهو أن يكون زوجاً عاقلاً بالغاً قادراً على الوطء، ومسلماً عند المالكية. فلا يصح إيلاء غير الزوج، ولا إيلاء الصبي والمجنون؛ لأن القلم مرفوع عنهما وليسا مكلفين، ولا إيلاء المجبوب والأشل، للعجز عن الوطء وتعذره منه قبل اليمين، ولا تتضرر المرأة بيمينه، ويصح عند الحنفية والشافعية والحنابلة إيلاء المسلم والكافر والحر والعبد، والسليم والخصي، والمريض الذي يرجى برؤه، والمحبوس والسكران، لقدرتهم على الوطء، فصح من كل منهم الامتناع عنه ولعموم آية الإيلاء، ولا يصح الإيلاء عند المالكية من الكافر؛ لأنه ليس أهلاً للكفارة عن اليمين، ولأنه ليس أهلاً للمغفرة والرحمة بالفيئة المصرح عنها في الآية: {فإن فاؤوا فإن الله غفور رحيم} [البقرة:226/2] فإن الكافر لا تحصل له مغفرة ولا رحمة بالفيئة.\rويصح الإيلاء في حال الرضا والغضب، فلا يشترط في الإيلاء كونه في حال الغضب، ولا قصد الإضرار، لعموم آية الإيلاء، ولأن الإيلاء كالطلاق والظهار وسائر الأيمان، سواء في الغضب والرضا، ولأن حكم اليمين في الكفارة وغيرها سواء في الغضب والرضا، فكذلك في الإيلاء.","part":9,"page":512},{"id":6068,"text":"ثالثاً ـ حكم الإيلاء :\rليمين الإيلاء عند الحنفية حكم أخروي، وحكم دنيوي (1) :\rأما الحكم الأخروي: فهو الإثم إن لم يفئ إليها، لقوله تعالى: {فإن فاؤوا فإن الله غفور رحيم} [البقرة:226/2] لأن الإيلاء مكروه تحريماً عندهم.\rوأما الحكم الدنيوي: فيتعلق بالإيلاء حكمان: حكم الحنث، وحكم البر.\rأما حكم الحنث: فهو لزوم الكفارة أو الجزاء المعلق إن حنث في يمينه، فإن وطئها في مدة الأربعة الأشهر، حنث في يمينه، لفعله المحلوف عليه، ويختلف حكم الحنث باختلاف المحلوف به: فإن كان الحلف بالله تعالى أو بصفة من صفاته مثل: (والله لا أقربك)، فتجب عليه كفارة اليمين كسائر الأيمان، وهي إطعام عشرة مساكين يوماً واحداً، أو كسوتهم أو تحرير رقبة، بالنسبة للموسر، فإن لم يجد شيئاً من ذلك، بأن كان معسراً، وجب عليه صيام ثلاثة أيام متتابعات. وإذا لزمته الكفارة سقط الإيلاء.\rوإن كان الحلف بالشرط والجزاء مثل: (إن قربتك فعلي حج، أو أنت طالق) فيلزمه الجزاء المعلَّق إن حنث، أي يلزمه المحلوف به كسائر الأيمان المعلقة بالشرط والجزاء.\rوأما حكم البر: بأن لم يطأ الزوجة المحلوف عليها أو لم يقربها، فهو وقوع طلقة بائنة، بدون حاجة لرفع الأمر إلى القاضي، بمجرد مضي المدة من غير فيء، أي لم يرجع إلى ما حلف عليه، جزاء على ظلمه، ورحمة على المرأة ونظراً لمصلحتها بتخليصها منه، لتتوصل إلى إيفاء حقها من زوج آخر.\r-------------------------------\r(1) البدائع: 175/3-177، الدر المختار ورد المحتار: 749/2-750، اللباب: 60/3.","part":9,"page":513},{"id":6069,"text":"ودليلهم على كونه طلاقاً بائناً: هو العمل برأي جماعة من الصحابة وهم عثمان وعلي والعبادلة الثلاثة (ابن مسعود وابن عباس وابن عمر) وزيد بن ثابت فإنهم قالوا: إذا مضت أربعة أشهر فهي تطليقة بائنة، ولأن دفع الظلم عن المرأة لا يكون إلا بالبائن، لتتخلص منه، فتتمكن من الزواج بآخر.\rوقدر هذا الطلاق عند الحنفية ما عدا زفر (1) : أن الطلاق يتبع المدة، لا اليمين فيكون واحداً باتحاد المدة، ويتعدد بتعددها. وعلى هذا: إذا قال الرجل لامرأته: «والله لا أقربك، أو لا أقربك أربعة أشهر» فإن كان حلف على مدة الإيلاء فقط أربعة أشهر، فقد سقطت اليمين؛ لأنها كانت مؤقتة بوقت، فترتفع بمضيه.\rوإن كان حلف على الأبد، فاليمين باقية بعد البينونة لعدم الحنث، فإن عاد إليها فتزوجها ثانياً، عاد الإيلاء؛ لأن زوال الملك بعد اليمين لا يبطلها، فإن وطئها حنث في يمينه ولزمته الكفارة، وسقط الإيلاء؛ لأنه يرتفع بالحنث، وإن لم يطأها وقعت بمضي أربعة أشهر أخرى تطليقة أخرى؛ لأن بالتزوج ثبت حقها، فيتحقق الظلم، فيعتبر ابتداء هذا الإيلاء من وقت التزوج. فإن عاد إليها وتزوجها ثالثاً عاد الإيلاء ووقع بمضي أربعة أشهر أخرى تطليقة أخرى لبقاء طلاق ذلك الملك ببقاء المحلية. فإن عاد إليها وتزوجها رابعاً بعد حلها بتزوج زوج آخر، لم يقع بالإيلاء طلاق، لزوال طلاق ذلك الملك بزوال المحلية، ولكن اليمين باقية لعدم الحنث، فإن وطئها كفَّر عن يمينه لوجود الحنث.\rودليل جمهور الحنفية: أن سبب اعتبار الإيلاء يميناً هو منع حق المرأة في الجماع في المدة، والمنع يتحد باتحاد المدة فيتحد الظلم فيتحد الطلاق، ويتعدد بتعدد المدة فيتعدد الظلم، فيتعدد الطلاق، وأما الكفارة فتجب لهتك حرمة اسم الله عز وجل، والهتك يتحد ويتعدد بحسب اتحاد الاسم وتعدده.\r-------------------------------\r(1) رأي زفر: أن الطلاق يتبع اليمين، فيتعدد بتعدد اليمين، ويتحد باتحادها؛ لأن وقوع الطلاق ولزوم الكفارة حكم الإيلاء، والإيلاء يمين، فيدور الحكم مع اليمين، فيتحد باتحادها، ويتعدد بتعددها؛ لأن الحكم يدور مع سببه.","part":9,"page":514},{"id":6070,"text":"والفيء عند الحنفية (1) : نوعان: فعل وقول:\rأما الفعل: فهو الجماع في الفرج، فلو جامعها فيما دون الفرج، أو قبَّلها بشهوة، أو لمسها بشهوة، أو نظر إلى فرجها بشهوة، لم يكن ذلك فيئاً؛ لأن حقها في الجماع في الفرج، فصار ظالماً بمنعه، فلا يندفع الظلم إلا به.\rوأما القول: فصورته أن يقول لها: فئت إليك، أو راجعتك، أو ما أشبه ذلك.\rويشترط لصحته شروط ثلاثة:\rأحدها ـ العجز عن الجماع: فلا يصح الفيء بالقول مع القدرة على الجماع؛ لأن القول بدل عن الجماع، كالتيمم مع الوضوء.\rوالعجز نوعان: حقيقي وحكمي، أما الحقيقي: فنحو أن يكون أحد الزوجين مريضاً مرضاً يتعذر معه الجماع، أو كانت المرأة صغيرة لا يجامع مثلها، أو رتقاء، أو يكون الزوج مجبوباً، أو يكون بينهما مسافة لا يقدر على قطعها مدة الإيلاء، أو تكون ناشزة محتجبة في مكان لا يعرفه، أو يكون محبوساً لا يقدر أن يدخل بها.\rوأما الحكمي أو الشرعي: فمثل أن يكون محرماً وقت الإيلاء، وبينه وبين الحج أربعة أشهر.\rوالثاني ـ دوام العجز عن الجماع إلى أن تمضي مدة الإيلاء: فلو قدر على الجماع في أثناء المدة، بطل الفيء بالقول، وانتقل إلى الفيء بالجماع. وكذا إن صح من مرضه في المدة بطل الفيء باللسان وصار فيئه بالجماع؛ لأنه قدر على الأصل قبل حصول المقصود، فيبطل الخلف، كالمتيمم إذا قدر على الماء في الصلاة.\r-------------------------------\r(1) البدائع: 173/3 وما بعدها.","part":9,"page":515},{"id":6071,"text":"الثالث ـ قيام ملك النكاح وقت الفيء بالقول: وهو أن تكون المرأة في حال الفي إليها زوجته غير بائنة منه، فإن كانت بائنة منه، ففاء بلسانه، لم يكن ذلك فيئاً، ويبقى الإيلاء. وهذا بخلاف الفيء بالجماع، فإنه يصح بعد زوال الملك وثبوت البينونة، فلا يبقى الإيلاء ويبطل؛ لأنه حنث بالوطء، فانحلت اليمين وبطلت.\rشرط الفيء بنوعيه: يشترط أن يكون الفيء قبل مضي الأربعة الأشهر، فإن فاء في المدة حنث بيمينه، ولزمته الكفارة، وسقط الإيلاء، وإن لم يفيء حتى مضت أربعة أشهر، بانت منه بتطليقة (1) .\rالاختلاف في الفيء: إذا اختلف الزوج والمرأة في الفيء مع بقاء المدة، بأن ادعى الزوج الفيء، وأنكرت المرأة، فالقول قول الزوج؛ لأن المدة إذا كانت باقية، فالزوج يملك الفيء فيها، وقد ادعى الفيء في وقت يملك إنشاءه فيه، فكان الظاهر شاهداً له، فكان القول قوله.\rوإن اختلفا بعد مضي المدة، فالقول قول المرأة؛ لأن الزوج يدعي الفيء في وقت لا يملك إنشاء الفيء فيه، فكان الظاهر شاهداً عليه للمرأة، فكان القول قولها (2) .\r-------------------------------\r(1) الكتاب مع اللباب: 60/3.\r(2) البدائع: 173/3.","part":9,"page":516},{"id":6072,"text":"حكم الفيء عند الجمهور غير الحنفية (1) :\rالكلام فيه يشمل أمرين:\rالأول ـ مدة الإمهال بلا قاض: إذا آلى الزوج من زوجته، لم يطالب بشيء من وطء وغيره قبل أربعة أشهر، لقوله عز وجل: {للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر} [البقرة:226/2].\rوابتداء المدة من حين اليمين؛ لأنها ثبتت بالنص والإجماع، فلم تفتقر إلى تحديد كمدة العنة التي يحددها القاضي.\rفإن وطئها فقد أوفاها حقها قبل انتهاء المدة، وخرج من الإيلاء، وإن وطئها بعد المدة قبل مطالبة المرأة أو بعدها، خرج من الإيلاء أيضاً؛ لأنه فعل ما حلف عليه.\rوإن لم يطأ، رفعت الزوجة الأمر إلى القاضي إن شاءت، وحينئذ يأمره القاضي بالفيئة إلى الوطء، فإن أبى، طلق القاضي عليه، ويقع الطلاق رجعياً.\rأي أن الطلاق الواجب على المولي عند الجمهور رجعي، سواء أوقعه بنفسه أو طلق الحاكم عليه؛ لأنه طلاق لامرأة مدخول بها من غير عوض، ولا استيفاء عدد، فكان رجعياً كالطلاق في غير الإيلاء، بخلاف فرقة العنة فإنها فسخ لعيب، ولأن الأصل أن كل طلاق وقع بالشرع فيحمل على أنه رجعي إلى أن يدل الدليل على أنه بائن.\rوأما عند الحنفية فقد تقدم أنه طلاق بائن؛ لأنها فرقة لرفع الضرر، فكان بائناً كفرقة العنة.\rوالفيئة: الجماع المعروف أو الوطء باتفاق العلماء، وأدنى الوطء تغييب الحشفة في الفرج إن كانت ثيباً، وافتضاض البكارة إن كانت بكراً.\rفلو وطئ دون الفرج لم يكن فيئة؛ لأنه ليس بمحلوف على تركه، ولا يزول الضرر على المرأة بفعله. ولا بد من أن يكون الواطئ عالماً عامداً عاقلاً مختاراً، فإن وطئ ناسياً أو مكرهاً أو مجنوناً لم يحنث وبقي الإيلاء، وإن وطئها وطئاً حراماً مثل إن وطئها حائضاً أو نفساء أو محرمة أو صائمة صوم فرض أو كان محرماً أو صائماً أو مظاهراً، حنث وخرج من الإيلاء عند الشافعية والحنابلة، بل حتى لو كان الوطء في الدبر عند الشافعية لحصول المقصود. وقال المالكية والحنفية: إن شرط الوطء الكافي أن يكون حلالاً، فلا يكفي الحرام كما في الحيض والإحرام، ويطالب بالفيئة بعد زوال المانع، وإن حنث بالحرام فيلزمه الكفارة ولا تنحل يمين الإيلاء.\r-------------------------------\r(1) القوانين الفقهية: ص 241 وما بعدها، بداية المجتهد: 99/2-103، الشرح الصغير: 629/2-631، مغني المحتاج: 348/3-351، المهذب: 108/2-111، المغني: 318/7-337.","part":9,"page":517},{"id":6073,"text":"وإذا فاء لزمته الكفارة ـ كفارة اليمين ـ لقوله تعالى: {ولكن يؤاخذكم بما عقَّدتم الأيمان، فكفارته إطعام عشَرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة، فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام...} [المائدة:89/5] وإن كان الإيلاء بتعليق طلاق، وقع بنفس الوطء؛ لأنه معلق بصفة وقد وجدت. وإن كان على نذر صدقة أو صوم أو صلاة أو حج أو غير ذلك من الطاعات أو المباحات، فيلزمه الوفاء به بالوطء، ويخير عند الشافعية والحنابلة بين الوفاء به وبين كفارة يمين؛ لأنه نذر لجاج وغضب.\rالثاني ـ الفيئة حالة العجز عن الجماع :\rأ ـ إن كان المانع من جهة المرأة يمنع الوطء منعاً شرعياً كحيض ونفاس، أو حسياً كمرض لا يمكن معه الوطء، فلا يطالب الزوج بالفيئة؛ لأن الوطء متعذر من جهتها، فكيف تطلبه أو تطلب ما يقوم مقامه وهو الطلاق، ولأن المطالبة تكون بالمستحق، وهي لاتستحق الوطء حينئذ.\rب ـ وإن كان المانع من الوطء من جهة الزوج مانعاً طبيعياً وهو حبس أو مرض يمنع الوطء، أو يخاف منه زيادة العلة أو بطء البرء، أو مانعاً شرعياً كإحرام بحج أو عمرة، أو كان مغلوباً على عقله بجنون أو إغماء، لم يطالب بالوطء، لأن المجنون والمغمى عليه لا يصلح للخطاب ولا يصح منه الجواب، وتتأخر المطالبة إلى حال القدرة وزوال العذر، ثم يطالب حينئذ. وكذا لا يطالب المحبوس والمريض والمحرم بالوطء بالفعل لتعذره، إنما يطالب بالفيء بالقول، أي بالوعد بالوطء إذا زال مانع المرض أو السجن أو الإحرام أو نحوها، أو بالطلاق إن لم يفئ، بأن يقول: إذا قدرت فئت، أو طلقت؛ لأن بهذا القول يندفع الأذى الموجه للمرأة الذي حصل باللسان.\rلكن المذهب عند الشافعية أنه إذا كان في الزوج مانع شرعي كإحرام وظهار قبل التفكير، وصوم واجب، فيطالب بالطلاق؛ لأنه هو الذي يمكنه، ولا يطالب بالفيئة لحرمة الوطء، ويحرم عليها تمكينه.","part":9,"page":518},{"id":6074,"text":"وإذا انقضت مدة الأربعة أشهر، فادعى أنه عاجز عن الوطء: فإن كان قد وطئها مرة، لم تسمع دعواه العنة، كما لا تسمع دعواها عليه، ويطالب بالفيئة أو بالطلاق كغيره. وإن لم يكن وطئها ولم تكن حاله معروفة، تسمع دعواه ويقبل قوله؛ لأن التعيين من العيوب التي لا يقف عليها غيره، فيقبل قوله مع اليمين. وللمرأة أن تطالب الحاكم بأن يضرب له مدة العنة وهي سنة، بشرط أن يفيء فيئة أهل الأعذار وهو الوعد بالوطءعند القدرة على الجماع، فيقول: متى قدرت جامعتها. يتبين من هذا أن الجمهور يتفقون مع الحنفية في أن الفيء يكون بالجماع أو بالقول عند العجز عن الجماع.\rاختلاف الزوجين في الإيلاء أو في انقضاء مدته أو في حدوث الفيئة :\rإذا اختلف الزوجان في الإيلاء أو في انقضاء مدته: بأنه ادعته عليه، فأنكر فالقول قول الزوج؛ لأن الأصل عدمه، والأصل عدم انقضاء المدة.\rوإن اختلفا في الفيئة، فقال الزوج: قد أصبتها، وأنكرت الزوجة:\rفإن كانت ثيباً، كان القول قوله مع يمينه؛ لأن الأصل بقاء النكاح، والمرأة تدعي رفعه بما يلزم به الزوج، وهو يدعي ما يوافق الأصل ويبقيه، فكان القول قوله، كما لو ادعى الوطء في العنة كما سبق.\rفإن نكل عن اليمين، حلفت الزوجة أنه لم يفء، وبقيت على حقها من الطلب بأن يفيء أو يطلق، فإن لم تحلف بقيت زوجة كما لو حلف.\rوأما إن كانت بكراً، واختلفا في الإصابة، أريت النساء الثقات، فإن شهدن بثيوبتها، فالقول قول الزوج بيمينه، وإن شهدن ببكارتها فالقول قولها بيمينها؛ لأنه لو وطئها زالت بكارتها.\rوهذا متفق عليه بين الجمهور والحنفية.","part":9,"page":519},{"id":6075,"text":"الطلاق في مدة الإيلاء: إن طلق المولي، فقد سقط حكم الإيلاء، وبقيت اليمين. فإن عاد فتزوجها عاد عند الجمهور غير الحنفية حكم الإيلاء من حين تزوجها، واستؤنفت المدة حينئذ، أي تحسب مدة الإيلاء من وقت الرجعة، فإن كان الباقي من مدة يمينه أربعة أشهر فما دون، عمل بها، وإن كان أكثر من أربعة أشهر، تربص أربعة أشهر، ثم قيل له عند انقضائها: إما أن يفيء أو يطلِّق، فإن لم يطلق طلّق الحاكم عليه تطليقة، وتكون رجعية.\rوقد بينت أن الإيلاء يعود عند الحنفية إن كان الطلاق أقل من ثلاث، وإن استوفى عدد الطلاق لم يعد الإيلاء.\rولا يطلق الحاكم عليه سوى تطليقة عند المالكية والشافعية؛ لأن إيفاء الحق يحصل بها، فلم يملك زيادة عليها، كما لم يملك الزيادة على وفاء الدين في حق الممتنع عن إيفائه.\rوأجاز الحنابلة للقاضي أن يطلق على الزوج ثلاثاً؛ لأن المولي إذا امتنع من الفيئة والطلاق معاً، قام القاضي مقامه، فإنه يملك من الطلاق ما يملكه المولي، ويكون الأمروالخبرة إليه، إن شاء طلق واحدة، وإن شاء اثنتين، وإن شاء ثلاثاً، وإن شاء فسخ؛ لأن القاضي قام مقام المولي، فملك من الطلاق ما يملكه المولي، كما لو وكله في الطلاق، وليس ذلك زيادة على حقها، فإن حقها الفرقة، غير أنها تتنوع.\rوالراجح هو الرأي الأول؛ لأن الحاجة كالضرورة تقدر بقدرها، وتتحقق حاجة المرأة بالطلقة الواحدة.\rالعدة بعد الإيلاء: اتفقت المذاهب الأربعة على أن الزوجة المولى منها تلزمها العدة بعد الفرقة؛ لأنها مطلقة، فوجب أن تعتد كسائر المطلَّقات. وقال جابر بن زيد وهو مروي عن ابن عباس: لا تلزمها عدة إذا كانت قد حاضت في مدة الأربعة الأشهر ثلاث حيضات؛ لأن العدة إنما وضعت لبراءة الرحم، وهذه قد حصلت لها البراءة. وسبب الخلاف: أن العدة اشتملت على مصلحة وجانب تعبدي، فمن لحظ المصلحة لم ير عليها عدة،، ومن لحظ جانب التعبد، أوجب عليها العدة.","part":9,"page":520},{"id":6076,"text":"خلاصة الخلاف بين الحنفية والجمهور في حكم الإيلاء :\rاختلف الجمهور مع الحنفية في أمرين:\rالأول ـ أن الفيء عند الجمهور يكون قبل مضي المدة، ويكون بعدها. وعند الحنفية: الفيء يكون قبل مضي المدة. وعليه إن حصل الفيء قبل مضي المدة، زال الإيلاء ولزم الحانث كفارة اليمين بالاتفاق. وإن لم يحصل الفيء بعد مضي المدة، رفعت الزوجة الأمر للقاضي، والقاضي يخير الزوج بين أمرين: الفيء أو الطلاق، فإن فعل، وإلا طلق عليه القاضي، ويكون الطلاق رجعياً لا بائناً، وعند الحنفية: الطلاق بائن.\rويجري العمل في مصر وسورية على رأي الجمهور.\rالثاني ـ أن الطلاق عند الجمهور لا يقع بمجرد مضي المدة، وإنما يقع بتطليق الزوج، أو القاضي إذا رفعت الزوجة الأمر إليه.\rويرى الحنفية: أنه بمجردمضي مدة الأربعة الأشهر، تطلق الزوجة طلقة بائنة.\rوسبب الخلاف: تفسير المقصود من قوله تعالى: {فإن فاؤوا فإن الله غفور رحيم، وإن عزموا الطلاق فإن الله سميع عليم} [البقرة:226/2-227] المعنى عند الحنفية: فإن فاؤوا في هذه الأشهر، فإن الله غفور رحيم لما أقدموا عليه من الحلف على الإضرار بالزوجة، وإن لم يفيئوا في هذه الأشهر، واستمروا في أيمانهم، كان ذلك عزماً منهم على الطلاق، ويقع الطلاق بحكم الشرع. فتكون النتيجة: إذا مضت الأربعة أشهر بدون فيئة، وقع الطلاق.\rوالمعنى عند الجمهور: للذين يحلفون يمين الإيلاء انتظار أربعة أشهر، فإن فاؤوا بعد مضي المدة، فإن الله غفور رحيم لما حدث منهم من اليمين وعزم الظلم للمرأة، وإن عزموا الطلاق بعد انقضاء المدة، فإن الله سميع لطلاقهم، عليم بما يصدر عنهم من خير أو شر، فيجازيهم عليه. والنتيجة: أن مضي الأجل لا يقع به طلاق، وإنما يعرض الأمر على الحاكم، فإما فاء وإما طلق.\rالحنفية نظروا لقوله تعالى: {وإن عزموا الطلاق} [البقرة:227/2] بترك الفيئة، والجمهور نظروا لقوله تعالى: {فإن فاؤوا} [البقرة:226/2] بعد انقضاء المدة، والراجح لدي رأي الجمهور إذ لو وقع الطلاق بانقضاء المدة، لما كان هناك حاجة إلى العزم عليه بعد وقوعه، ولأن في إعطاء المهلة للرجل لمراجعة نفسه، وإدراك خطئه، خيراً من إيقاع الطلاق وإنهاء الزواج.","part":9,"page":521},{"id":6077,"text":"المبحث الثامن ـ التفريق باللعان :\rفيه ثمانية مطالب هي ما يأتي:\rتعريف اللعان وسببه، ومشروعيته، أركانه وشروطه، وشروط المتلاعنين، كيفيته ودور القاضي في اللعان، ما يجب عند نكول أحد الزوجين أو رجوعه، هل اللعان شهادات أو أيمان؟، آثار اللعان، ما يسقط اللعان بعد وجوبه وما يبطل به، حكم اللعان قبل التفريق.\rالمطلب الأول ـ تعريف اللعان وسببه :\rتعريف اللعان: اللعان لغة: مصدر لاعن كقاتل، من اللعن: وهو الطرد والإبعاد من رحمة الله تعالى، وسمي به ما يحصل بين الزوجين؛ لأن كل واحد من الزوجين يلعن نفسه في الخامسة إن كان كاذباً، أو لأن الرجل هو الذي يلعن نفسه، وأطلق في جانب المرأة من مجاز التغليب، فسمي لعاناً لأنه قول الرجل وهو الذي بدئ به في الآية.\rوعرفه الحنفية والحنابلة (1) بأنه: شهادات مؤكدات بالأيمان مقرونة باللعن من جهة الزوج وبالغضب من جهة الزوجة، قائمة مقام حد القذف في حق الزوج، ومقام حد الزنا في حق الزوجة. لكن يصح اللعان في النكاح الفاسد في رأي الحنابلة،ولا يصح في رأي الحنفية، كما سيأتي.\r-------------------------------\r(1) الدر المختار: 805/2، اللباب: 74/3، كشاف القناع: 450/5.","part":9,"page":522},{"id":6078,"text":"وعرفه المالكية (1) بأنه: حلف زوج مسلم مكلف على رؤية زنا زوجته، أو على نفي حملها منه، وحلف زوجة على تكذيبه أربعة أيمان، بصيغة: «أشهد بالله لرأيتها تزني ونحوه» وبحضور حاكم، سواء صح النكاح أو فسد. فلا يصح حلف غير زوج كأجنبي، ولا كافر، ولا صبي أو مجنون، ويكون الحلف بإشراف حاكم يشهد التلاعن، ويحكم بالتفريق، أو يحد من نكل، سواء صح الزواج بين الزوجين، أوفسد لثبوت النسب بالزواج الفاسد.\rوعرفه الشافعية (2) بأنه: كلمات معلومة، جعلت حجة للمضطر إلى قذف من لطخ فراشه وألحق العار به، أو إلى نفي ولد.\rوسبب اللعان أمران (3) :\rأحدهما ـ قذف الرجل زوجته قذفاً يوجب حد الزنا لو قذف أجنبية. وهو عند المالكية: ادعاء رؤية الزنى بشرط ألا يطأها بعد الرؤية، فإن ادعى الزنى دون الرؤية، حد للقذف، ولم يجز اللعان على المشهور عندهم خلافاً لغيرهم.\rوالثاني ـ نفي الحمل أو الولد، ولو من وطء شبهة أو نكاح فاسد.\rواشترط المالكية لنفي الحمل: أن يدعي الزوج أنه لم يطأ زوجته لأمد يلحق به الولد، وأن يدعي الاستبراء (4) بحيضة واحدة، وأن ينفيه قبل وضعه، فإن سكت حتى وضعته حد، ولم يلاعن.\rأما القذف: فعلى النحو الذي بان في حد القذف يكون إما باللفظ الصريح بالزنا، كقول الشخص: يا زاني أو يا زانية، أو بما يجري مجرى الصريح وهو نفي النسب عن إنسان من أبيه المعروف، كأن يقول: ( لست بابن فلان ).\rأو بلفظ كناية عند الشافعية، كأن يقول: (زنأت في الجبل أو السلَّم أو نحوه)؛ لأن الزنأ في الجبل ونحوه هو الصعود فيه، فإن نوى به القذف كان قذفاً. وهذا من الألفاظ الصريحة عند الحنفية.\r-------------------------------\r(1) الشرح الصغير: 657/2 وما بعدها، المقدمات الممهدات: 633/1.\r(2) مغني المحتاج: 367/3.\r(3) القوانين الفقهية: ص 244، البدائع: 239/3، مغني المحتاج: 367/3، 382، المغني: 392/7، 423.\r(4) الاستبراء: طلب براءة الرحم، وله أسباب، منها الزنا أو سوء الظن، ففي الزنا تستبرأ المرأة بثلاث حيضات، وفي سوء الظن إن كانت المستبرأة في سن الحيض: فاستبراؤها بحيضة، وإن كانت حاملاً فبوضع الحمل، وإن كانت صغيرة أو يائسة فتستبرأ عند الشافعي بشهر، وعند المالكية بثلاثة أشهر.","part":9,"page":523},{"id":6079,"text":"أو بالتعريض، مثل: يا حلال ابن الحلال، وأما أنا فلست بزانٍ، وهو قذف إن نوى به القذف عند الشافعية، وإن أفهم تعريضه القذف بالزنا عند المالكية، وليس بقذف عند الحنفية وفي الظاهر عند الحنابلة.\rويثبت القذف كما هو مبين في حد القذف إما بالبينة، أو الإقرار.\rوأما نفي الولد: فهو أن يحضر الرجل عند الحاكم، ويذكر أن هذا الولد أو الحمل الموجود ليس مني. واختلف الفقهاء في وقت النفي وفي نفي الحمل:\rقال أبو حنيفة (1) : إذا نفى الرجل ولد امرأته عقيب الولادة، أو في المدة التي تقبل فيها التهنئة وهي سبعة أيام عادة، أو التي تشترى فيها آلة الولادة، صح نفيه، ولاعن به؛ لأنه بالنفي صار قاذفاً. أما إن نفاه بعدئذ فلا ينتفي ويثبت نسب الولد، لوجود الاعتراف منه دلالة: وهو السكوت وقبول التهنئة، والسكوت يعتبر هنا رضا. وهذا هو الصحيح عند الحنفية.\rوقال الصاحبان: يصح نفي الولد في مدةالنفاس؛ لأنه أثر الولادة.\rواشترط المالكية (2) شرطين لصحة اللعان ولنفي الولد، وهما كما تقدم:\r1ً - أن يدعي الزوج أنه لم يطأ زوجته لأمد يلتحق به الولد، أو أنه وطئها واستبرأها بحيضة واحدة بعد الوطء.\r2ً - أن ينفي الولد قبل وضعه؛ فإن سكت ولو يوماً بلا عذر حتى وضعته، حد ولم يلاعن، أي أنه يشترط لصحة اللعان التعجيل بعد العلم بالحمل أو الولد، فلو أخر بلا عذر لم يصح.\rوأجاز الشافعية (3) نفي حمل، وانتظار وضعه، أما نفي الحمل: فلما ثبت في الصحيحين: «أن هلال بن أمية لاعن عن الحمل» ، وأما انتظار الوضع فلكي يلاعن عن يقين.\r-------------------------------\r(1) فتح القدير: 260/3 وما بعدها، الكتاب مع اللباب: 79/3.\r(2) القوانين الفقهية: ص 244، الشرح الصغير: 660/2-663.\r(3) مغني المحتاج: 380/3، المهذب: 122/2.","part":9,"page":524},{"id":6080,"text":"والنفي لنسب ولد يكون على الفور في الأظهر الجديد؛ لأنه شرع لدفع ضرر محقق، فكان على الفور مثل الرد بالعيب وخيار الشفعة، لكن إن سكت عن النفي لعذر كأن بلغه الخبر ليلاً فأخر حتى يصبح أو كان جائعاًً فأكل، أو عارياً فلبس، صح تأخيره النفي للعذر.\rولم يجز الحنابلة (1) كالحنفية نفي الحمل قبل الوضع، ولا ينتفي حتى يلاعنها بعد الوضع وينتفي الولد فيه؛ لأن الحمل غير متيقن، يجوز أن يكون انتفاخاً أو ريحاً. واشترطوا كالشافعية أن يكون النفي عقب الولادة، فإذا ولدت المرأة ولداً فسكت عن نفيه مع إمكانه، لزمه نسبه، ولم يكن له نفيه بعدئذ.\rوالحاصل أن للفقهاء رأيين في نفي الحمل: رأي الحنفية والحنابلة بعدم الجواز لاحتمال كونه غير حمل، ورأي المالكية والشافعية بالجواز، محتجين بحديث هلال بن أمية وأنه نفى حملها، فنفاه عنه النبي صلّى الله عليه وسلم ، وألحقه بالأول، ولا خفاء بأنه كان حملاً، لقول النبي عليه الصلاة والسلام: «انظروها، فإن جاءت به كذا وكذا» ولأن الحمل مظنون بأمارات تدل عليه، ولأنه يصح استلحاق الحمل، فكان نفيه كنفي الولد بعد وضعه. قال ابن قدامة: وهذا القول هو الصحيح لموافقته ظواهر الأحاديث، وما خالف الحديث لا يعبأ به كائناً ما كان.\rوشرط اللعان: التعجيل عند الجمهور بعد علم الزوج بالحمل أو الولد، وأجاز أبو حنيفة اللعان عقب الولادة أو بعدها بسبعة أيام.\r-------------------------------\r(1) المغني: 423/7-424.","part":9,"page":525},{"id":6081,"text":"المطلب الثاني ـ مشروعية اللعان :\rشرع اللعان بين الزوجين بقوله تعالى: {والذين يرمون أزواجهم، ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسُهم، فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله ، إنه لمن الصادقين،\rوالخامسةُ أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين. ويدرأ عنها العذاب أن تشهد أربع شهادات بالله ، إنه لمن الكاذبين، والخامسةَ أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين} [النور:6/24-8].\rوسبب نزولها: ما أخرجه الجماعة إلا مسلماً والنسائي عن ابن عباس: «أن هلال بن أمية (1) قذف زوجته عند النبي صلّى الله عليه وسلم بشَرِيك بن سَحْماء، فقال له النبي صلّى الله عليه وسلم: البينة أو حد في ظهرك !فقال: يا نبي الله ، إذا رأى أحدنا على امرأته رجلاً ينطلق، يلتمس البينة، فجعل النبي صلّى الله عليه وسلم يكرّر ذلك، فقال هلال: والذي بعثك بالحق نبياً،إني لصادق، ولينزلن الله ما يبرئ ظهري من الحد، فنزلت الآيات» (2) .\rفكان أول لعان في الإسلام: ما حدث بين هلال بين أمية وزوجته، وهذا رأي الجمهور، وقد حكى الماوردي عن أكثر العلماء أن قصة هلال أسبق من قصة عويمر. وروى الجماعة إلا الترمذي عن سهل بن سعد أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم قال لعويمر العجلاني: «قد نزل فيك وفي صاحبتك، فاذهب فأت بها، فتلاعنا عند رسول الله صلّى الله عليه وسلم » (3) . وهذا رأي النووي في شرح مسلم أن السبب في نزول آية اللعان: قصة عويمر العجلاني.\rيختلف بهذا حكم الزوجين عن الأجانب في حال القذف، فإن قذف إنسان غيره، أو اتهم رجل امرأة ليست زوجة له بالزنا، وكانت عفيفة، ولم يأت بأربعة يشهدون بصحة اتهامه، فإنه يحد حد القذف وهو ثمانون جلدة، زجراً له ولأمثاله عن ارتكاب هذه المعصية، ودفعاً للعار عن المقذوف.\r-------------------------------\r(1) هو أحد الثلاثة الذين تاب الله عليهم، كما جاء في رواية ابن عباس عند أبي داود.\r(2) رواه الجماعة إلا مسلماً والنسائي عن ابن عباس (نيل الأوطار: 272/6).\r(3) نيل الأوطار: 268/6.","part":9,"page":526},{"id":6082,"text":"أما إن اتهم الزوج زوجته بالزنا أو نفى نسب ولدها منه، ولم يأت بأربعة يشهدون على ادعائه، فلا يحد حد القذف، وإنما يشرع في حقه اللعان.هذا.. وقد اتفقت الروايات في بيان أسباب نزول آيات اللعان على أمور ثلاثة (1) :\rأولها ـ أن آيات اللعان نزلت بعد آية قذف المحصنات بتراخ عنها وأنها منفصلة عنها.\rوالثاني ـ أنهم كانوا قبل نزول آيات اللعان يفهمون من قوله تعالى: {والذين يرمون المحصنات..} [النور:4/24] وهي آية القذف: أن حكم من رمى المرأة الأجنبية وحكم من رمى زوجته سواء.\rوالثالث ـ أن آيات اللعان نزلت تخفيفاً على الزوج وبياناً للمخرج مما وقع فيه مضطراً.\rومقتضى مشروعية اللعان: جواز الدعاء باللعن على كاذب معين، كجواز الدعاء باللعن على الظالم لقوله تعالى: {ألا لعنة الله على الظالمين} [هود:18/11].\r-------------------------------\r(1) مذكرة آيات الأحكام بالأزهر الشريف: 135/3.","part":9,"page":527},{"id":6083,"text":"المطلب الثالث ـ أركان اللعان وشروطه وشروط المتلاعنين :\rركن اللعان عند الحنفية (1) واحد وهو اللفظ، وهو: شهادات مؤكدات باليمين واللعن من كلا الزوجين.\rوقال الجمهور (2) : أركان اللعان أربعة: وهي الملاعن، والملاعنة، وسببه، ولفظه.\rشروط اللعان: وأما شروطه فنوعان: شروط وجوب اللعان، وشروط صحة إجراء اللعان.\rأولاً ـ شروط وجوب اللعان: هي عند الحنفية ثلاثة (3) :\r1ً - قيام الزوجية مع امرأة ولو غير مدخول بها، وكذا ولوفي أثناء العدة من طلاق رجعي، لقوله تعالى: {والذين يرمون أزواجهم} [النور:6/24] فلا لعان بين غير الزوجين أو بقذف امرأة أجنبية، فإن قذفها ثم تزوجها فعليه حد القذف ولا يلاعن؛ لأنه وجب في حال كونها أجنبية ، ولا لعان بقذف زوجة صارت ميتة؛ لأن الميتة لم تبق زوجة، ولأنه لا يتأتى اللعان منها، ولا لعان بقذف المرأة المبانة، ويحد زوجها الأصلي كالأجنبي. وهذا شرط متفق عليه فإنه عند الجمهور يصح اللعان منها، وبه يصح اللعان عند الجمهور من غير زوج في حالتين: البائن لنفي الولد، والموطوءة بنكاح فاسد أو شبهة. ولو ارتد زوج بعد وطء فقذف وأسلم في العدة، لاعن. ولو لاعن ثم أسلم في العدة صح لعانه، لتبين وقوعه في صلب النكاح.\r2ً - كون النكاح صحيحاً لافاسداً: فلا لعان بقذف المنكوحة بنكاح فاسد؛ لأنها أجنبية. وخالفهم بقية الأئمة (4) ، أجازوا اللعان من امرأة نكحها نكاحاً فاسداً لثبوت النسب به، كالزواج بلا ولي أو بدون شهود، ثم قذفها، لكن جواز اللعان في هذه الحالة مقيد بما إذا وجد بينهما ولد يريد الزوج نفيه، فإن لم يكن بينهما ولد، حد الزوج ولا لعان بينهما.\r-------------------------------\r(1) الدر المختار: 806/2.\r(2) القوانين الفقهية: ص 243 وما بعدها.\r(3) الدر المختار وحاشية ابن عابدين: 805/2 وما بعدها، البدائع: 241/3، فتح القدير: 259/3، اللباب: 75/3، 78.\r(4) الشرح الصغير: 658/2، مغني المحتاج: 378/3 وما بعدها، غاية المنتهى: 201/3، المغني: 398/7، 400....","part":9,"page":528},{"id":6084,"text":"3ً - كون الزوج أهلاً للشهادة على المسلم، بأن يكون طرفا اللعان زوجين حرين عاقلين بالغين مسلمين ناطقين غير محدودين في قذف، فلا لعان بين كافرين ولا من أحدهما عبد أو صبي أو مجنون أو محدود في قذف أو كافر، أو أخرس للشبهة. ويصح بين الأعميين والفاسقين؛ لأنهما أهل لأداء الشهادة، لكن لا تقبل شهادتهما للفسق ولعدم قدرة الأعمى على التمييز، والحاصل أن الحنفية اشترطوا أهلية الشهادة في الزوج؛ لأن كلمات اللعان شهادات، واشترطوا أيضاً أن تكون الزوجة ممن يحد قاذفها؛ لأن اللعان بدل عن حد القذف في الأجنبية. ولم يشترط الجمهور هذين الشرطين.\rلكن اشترط المالكية (1) الإسلام في الزوج فقط لا في الزوجة، فإن الذمية تلاعن لرفع العار عنها، وقالوا: يشترط في المتلاعنين كونهما بالغين عاقلين، سواء أكانا حرين أم مملوكين، عدلين أم فاسقين. ويقع اللعان في حال العصمة اتفاقاً، وفي العدة من الطلاق الرجعي والبائن خلافاً للحنفية، وبعد العدة في نفي الحمل إلى أقصى مدة الحمل. ويقع اللعان من الزوجين في النكاح الصحيح والفاسد.\rولم يشترط الشافعية والحنابلة (2) الإسلام في المتلاعنين، وقالوا: يصح اللعان من كل زوج يصح طلاقه، بأن يكون الزوجان مكلفين أي بالغين عاقلين، سواء أكانا مسلمين أم كافرين أم عدلين أم فاسقين أم محدودين في قذف أم كان أحدهما كذلك. ويصح اللعان أيضاً من الحر والعبد والرشيد والسفيه والسكران ومن الناطق والأخرس والخرساء المعلومي الإشارة عند الشافعية، ومن المطلّق رجعياً، ويصح من الزوج للمطلقة بائناً لنفي الولد، وكذا عند الحنابلة إذا لم يكن هناك ولد.\rويصح عندهم لعان الموطوءة بنكاح فاسد أو شبهة كأن ظنها زوجته ثم قذفها، ولاعن لنفي النسب، كما تقدم .\r-------------------------------\r(1) القوانين الفقهية: ص 243، بداية المجتهد: 117/2.\r(2) مغني المحتاج: 378/3 ومابعدها، المهذب: 124/2، المغني: 394/7-402","part":9,"page":529},{"id":6085,"text":"ولا يصح اللعان بالاتفاق من صبي ومجنون، فإن كان أحد الزوجين غير مكلف فلا لعان بينهما؛ لأن اللعان قول تحصل به الفرقة، ولا يصح من غير مكلف كالطلاق أو اليمين. ولا لعان بين غير الزوجين، فإذا قذف الشخص أجنبية محصنة (عفيفة) حُدّ حد القذف ولم يلاعن.\rولا فرق بين كون الزوجة مدخولاً بها أو غير مدخول بها في أنه يلاعنها بالاتفاق، لقوله تعالى: {والذين يرمون أزواجهم} [النور:6/24] فإن كانت غير مدخول بها، فلها نصف الصداق؛ لأنها فرقة من جهة الزوج. ويلاعن الأخرس أو معتقل اللسان عند الحنابلة، ولا تلاعن الخرساء عند الحنابلة؛ لأنه لا تعلم مطالبتها، واتفقوا على أنه لا يصح اللعان من الأخرس والخرساء غير معلومي الإشارة والكتابة.\rوالخلاصة: أن الحنفية اشترطوا في المتلاعنين الإسلام والنطق والحرية والعدالة، وكون اللعان في حال قيام الزوجية حقيقة أو حكماً كالرجعية لا البائنة، وخالفهم الجمهور فيما شرطوه، إلا أن المالكية شرطوا إسلام الزوج فقط، واتفقوا على اشتراط التكليف: البلوغ والعقل. ويصح اللعان من الأخرس عند الجمهور غير الحنفية. وذكر الحنابلة والشافعية شروطاً ثلاثة للعان هي (1) :\r1ً - كونه بين زوجين، ولو قبل دخول، كما تقدم.\r2ً - سبق قذف الزوجة بزنا، ولو في دبر: مثل قوله: زنيت أو يا زانية أو رأيتك تزنين. وهذا متفق عليه كما تقدم في سبب اللعان. وللرجل قذف زوجته إن علم زناها، أو ظنه ظناً مؤكداً كشيوع زناها بفلان مع قرينة بأن رآهما في خلوة.\r3ً - أن تكذبه ويستمر التكذيب إلى انقضاء اللعان، فإن صدقته ولو مرة، أو عفت الزوجة عن الحد أو التعزير، أو سكتت، أو ثبت زناها بأربعة سواه، فلا لعان ويلحقه النسب. وكذا لا لعان عند الحنابلة من الخرساء\rلغة اللعان: يصح اللعان عند الجمهور غير الحنابلة بالعربية وبالعجمية (هي ما عدا العربية من اللغات)؛ لأن اللعان يمين أو شهادة، وهما في اللغات سواء، ويراعي الأعجمي الملاعن ترجمة الشهادة واللعن والغضب (2) .\rوقال الحنابلة (3) إذا كان الزوجان يعرفان العربية، لم يجز أن يلتعنا بغيرها؛ لأن اللعان ورد في القرآن بلفظ العربية.\r-------------------------------\r(1) غاية المنتهى: 201/3-202، مغني المحتاج: 367/3، 373، المهذب: 119/2، كشاف القناع: 456/5-463.\r(2) مغني المحتاج: 376/3، المهذب: 124/2.\r(3) المغني: 438/7.","part":9,"page":530},{"id":6086,"text":"ثانياً ـ شروط صحة إجراء اللعان في ذاته :\rذكر الحنابلة شروطاً ستة في إجراء اللعان، بعضها متفق عليه وبعضها مختلف فيه، وهي ما يأتي (1) :\r1ً - أن يكون بحضور القاضي أو نائبه، وهذا متفق عليه؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلم «أمر هلال بن أمية أن يستدعي زوجته إليه ولاعن بينهما» ولأنه يمين في دعوى، فلم يصح إلا بأمر الحاكم كاليمين في سائر الدعاوى. وهذا يتطلب رفع الأمر إلى الحاكم من أحد الزوجين،فإن تراضى الزوجان بغير الحاكم بإجراء اللعان بينهما لم يصح ذلك؛ لأن اللعان مبني على التغليظ والتأكيد، فلم يجز بغير الحاكم كالحد.\r2ً - أن يكون بعد طلب القاضي: بأن يأتي كل واحد منهما باللعان بعد إلقائه عليه، فإن بادر به قبل أن يلقيه القاضي عليه، لم يصح، كما لو حلف قبل أن يحلفه القاضي. وهذا متفق عليه أيضاً.\r3ً - استكمال لفظات اللعان الخمسة: فإن نقص منها لفظة، لم يصح. وهذا متفق عليه.\r-------------------------------\r(1) المغني: 434/7-438، المهذب: 125/2-126، مغني المحتاج: 376/3-378، الشرح الصغير: 658/2، 663-665، الدر المختار: 807/2 وما بعدها، البدائع: 237/3.","part":9,"page":531},{"id":6087,"text":"4ً - أن يأتي كل من الزوجين بصورة اللعان، كما حددها القرآن. واختلف الفقهاء في إبدال لفظة بمعناها، كأن يبدل بقوله: إني لمن الصادقين قوله: ( لقد زنت)، أو يقول بدل {إنه لمن الكاذبين} [النور:8/24]: ( لقد كذب)، والظاهر عند الحنابلة أنه يجوز هذا الإبدال؛ لأن معناهما واحد.\rأما إن أبدل بلفظة (أشهد) لفظا من ألفاظ اليمين، فقال: أحلف أو أقسم أو أولي، فلا يعتد به عند الشافعية والحنابلة على الصحيح؛ لأن ما اعتبر فيه لفظ الشهادة، لم يقم غيره مقامه، كالشهادات في الحقوق، ولأن اللعان يقصد فيه التغليظ، واعتبار لفظ الشهادات أبلغ في التغليظ، فلم يجز تركه، ولهذا لم يجز أن يقسم بالله من غير كلمة تقوم مقام:أشهد. والظاهر أن هذا رأي المالكية والحنفية أيضاً.\r5ً - الترتيب بين ألفاظ اللعان، وأن يبدأ الرجل بالحلف على المرأة، ثم تحلف المرأة، فإن قدم لفظة اللعنة على شيء من الألفاظ الأربعة، أو قدمت المرأة لعانها على لعان الرجل، لم يعتد به. وهذا متفق عليه؛ لأن اللعان على رأي الحنفية شهادة، والمرأة بشهادتها تقدح في شهادة الزوج، فلا يصح قبل وجود شهادته.\r6ً - الإشارة من كل واحد منهما إلى صاحبه إن كان حاضراً، وتسميته ونسبته إن كان غائباً. وهذا متفق عليه بين الفقهاء، ولا يشترط عند الشافعية والحنابلة: حضور الزوجين معاً، بل لو كان أحدهما غائباً عن صاحبه جاز، كأن يلاعن الرجل في المسجد، والمرأة على باب المسجد، لعدم إمكان دخولها.","part":9,"page":532},{"id":6088,"text":"هذا وقد اشترط المالكية حضور جماعة للعان، أقلها أربعة عدول. وقال الشافعية والحنابلة: يستحب أن يكون اللعان بمحضر جماعة من المسلمين؛ لأن ابن عباس وابن عمر وسهل بن سعد حضروه على حداثة منهم، فدل على أنه حضره جمع كثير من الناس؛ لأن الصبيان إنما يحضرون المجالس تبعاً للرجال، ولأن اللعان بني على التغليظ، مبالغة في الردع به والزجر، وفعله في الجماعة أبلغ في الردع. ويستحب ألا ينقصوا عن أربعة؛ لأن بينة الزنا الذي شرع اللعان من أجل الرمي به أربعة.\rواشترط المالكية أيضاً لصحة اللعان: عدم وطء الزوجة مطلقاً بعد رؤيتها تزني، أو بعد علمه بحمل من غيره، أو وضع، فإن وطئ المرأة الملاعنة بعد علمه بحمل من غيره أو وضع، أو رؤية لها تزني، امتنع اللعان لها ولا يمكَّن منه.\rواشترطوا أيضاً تعجيل اللعان بعد علمه بالحمل أو الولد: فإن أخر لعانها ولو يوماً بلا عذر بعد علمه بالحمل أو الوضع أو رؤية الزنا، امتنع لعانه لها ولا يمكَّن منه أيضاً. واشترطوا أيضاً لفظ (أشهد) في الأربع مرات منه أو منها، واللعن منه في الخامسة، والغضب منها في الخامسة، كما ورد في النص القرآني في أيمان اللعان.\rويلاعن الزوج إن رأى زوجته يقيناً تزني، والرؤية من البصير كرؤية المِرْوَد في المُكحلة، وأما الأعمى فيعتمد على حِس أو جَسّ أو إخبار يفيده المطلوب ولو من امرأة.\rشروط نفي الولد :\rاشترط الحنفية (1) ستة شروط لنفي الولد وعدم لحوق النسب وهي ما يأتي:\r1ً - حكم القاضي بالتفريق بين الزوجين: لأن الزواج قبل التفريق قائم، فلا يجب النفي.\r2ً - أن يكون نفي الولد في رأي أبي حنيفة بعد الولادة مباشرة أو بعدها بيوم أو يومين أو نحوهما إلى سبعة أيام مدة التهنئة بالمولود عادة، فإن نفاه بعدئذ لا ينتفي.\rوقال الصاحبان: يتقدر نفي الولد بأكثر مدة النفاس وهي أربعون يوماً.\rوشرط الجمهور الفور في النفي،فإن أخر بلا عذر، لم يصح النفي، كما تقدم.\r-------------------------------\r(1) البدائع: 246/3-248، حاشية ابن عابدين: 811/2، اللباب: 79/3.","part":9,"page":533},{"id":6089,"text":"3ً - ألا يتقدم منه إقرار بالولد ولو دلالة أو ضمناً، كقبوله التهنئة بالمولود مع عدم الرد.\r4ً - توافر حياة الولد وقت التفريق القضائي، أي أن يكون الولد حياً وقت التفريق.\r5ً - ألا تلد بعد التفريق ولداً آخر من بطن واحد: فلو ولدت المرأة ولداً، فنفاه عنه، ولاعن الحاكم بينهما، وفرق، وألزم الولد أمه، أو لزمها بنفس التفريق، ثم ولدت ولداً آخر من الغد، لزمه الولدان جميعاً، لثبوت نسب الولد الثاني الذي لم يشمله اللعان؛ لأن حكم اللعان قد بطل بالفرقة، فيثبت نسب الولد الثاني، ثم يثبت نسب الولد الأول.\r6ً - ألا يكون محكوماً بثبوت نسب الولد شرعاً: كأن ولدت المرأة ولداً، فانقلب على رضيع، فمات الرضيع، وقضي بديته على عاقلة (عصبة) الأب، ثم نفى الأب نسبه، فيلاعن القاضي بينهما، ولا يقطع نسب الولد؛ لأن القضاء بالدية على عاقلة قضاء بكون الولد منه، ولا ينقطع النسب بعده.\rوقد سبق إيراد شرطين لنفي الحمل عند المالكية (1) وهما تفصيلاً مايأتي:\r1ً - أن يدعي أنه لم يطأ الزوجة أصلاً بعد العقد، أو لأمد يلحق به، أو أنه وطئها ولكنه استبرأها بحيضة واحدة؛ فإن لم يطأها أصلاً بعد العقد، أو وطئها وأتت بالولد بعد الوطء في مدة لا يلتحق الولد فيها بالزوج، إما لقصر المدة كأن تلد ولداً كاملاً بعد شهر أو شهرين أو خمسة بعد الدخول أو الوطء؛ لأن أقل الحمل شرعاً ستة أشهر، وإما لطول المدة كخمس سنين؛ لأن أقصى مدة الحمل أربع سنين بعد الوطء، ففي هاتين الحالتين يعتمد على ذلك، ويعلم أن الولد ليس من الزوج قطعاً ويلاعن لنفيه.\r-------------------------------\r(1) الشرح الصغير: 660/2-664، القوانين الفقهية: ص 244.","part":9,"page":534},{"id":6090,"text":"وكذلك يلاعن لنفي الولد لو وطئها واستبرأها بحيضة واحدة بعد الوطء، ثم أتت بولد بعد ستة أشهر من يوم الاستبراء بالحيضة، إذ هو ليس منه قطعاً.\r2ً - أن ينفي الولد قبل وضعه: فإن سكت ولو يوماً بلا عذر حتى وضعته، حدّ الزوج ولم يلاعن.\rأما الشافعية (1) فأجازوا نفي الولد أثناء الحمل أو بعد الولادة مباشرة، فإن أخر بلا عذر أو قبل التهنئة بالمولود، سقط حقه في النفي؛ لأن التأخر يتضمن الإقرار به. فإن ادعى أنه لم يعلم بالولادة، فإن كان في موضع قريب منها كدار أو محلة لم يقبل قوله؛ لأنه يدعي خلاف الظاهر، وإن كان في موضع يجوز أن يخفي عليه كالبلد الكبير، فالقول قوله مع يمينه؛ لأن ما يدعيه ظاهر.\rوقالوا: لا يصح نفي أحد توأمين، فإن أتت المرأة بولدين توأمين، فنفى أحدهما وأقر بالآخر، أو ترك نفيه من غير عذر، لحقه الولدان؛ لأنهما حمل واحد؛ لأن الله تعالى لم يجر العادة بأن يجتمع في الرحم ولدان من ماء رجلين، فإذا اشتمل الرحم على المني، انسد فمه، فلا يتأتى منه قبول مني آخر، فلا يجوز أن يلحق أحد الولدين دون الآخر.\rويلزم الزوج نفي ولد أتت به زوجته وعلم أنه ليس منه، بأن وطئها وولدته لدون ستة أشهر من الدخول، أو فوق أربع سنين، فلو ولدته فيما بين ستة أشهر من الدخول وأربع سنين منه، ولم يستبرئها بعد الدخول بحيضة، حرم نفي الولد باللعان رعاية للزوجية (2) ، وإن ولدته بعد ستة أشهر من الاستبراء بحيضة، ولستة أشهر فأكثر من الزنا، حل نفي الولد باللعان في الأصح، ولكن الأولى ألا ينفيه ؛ لأن الحامل قد ترى الدم.\r-------------------------------\r(1) مغني المحتاج: 373/3، 381، 383، المهذب: 122/2-123.\r(2) لما رواه أبو داود والنسائي وغيرهما عن أبي هريرة أنه صلّى الله عليه وسلم قال: «أيما رجل جحد ولده وهو ينظر إليه، احتجب الله منه يوم القيامة، وفضحه على رؤوس الخلائق» .","part":9,"page":535},{"id":6091,"text":"وقال الحنابلة (1) : يشترط لنفي الولد باللعان ما يأتي:\r1ً - ألا يتقدمه إقرار به، أو بتوأمه، أو ما يدل عليه، كما لو نفى أحد التوأمين وسكت عن الآخر. وهذا موافق للشافعية.\r2ً - أن يعجل نفي الولد بعد الولادة: فإن هنئ به فسكت أو أمَّن على الدعاء، أو أخر نفيه مع إمكانه، رجاء موته، بلا عذر، نحو جوع وعطش ونوم، سقط حقه في النفي.\rفإن قال: لم أعلم بالولد، أو أخر النفي لعذر كحبس ومرض وغيبة وحفظ مال، لم يسقط نفيه. وهذا موافق للشافعية أيضاً.\r3ً - أن يذكر نفي الولد في لعان كل من الزوجين؛ لأنهما متحالفان على شيء فاشترط ذكره في تحالفهما كالمختلفين في اليمين، فإن لم يذكر الولد في اللعان لم ينتف عن الزوج.\rويكفي عند الشافعية ذكر الولد في لعان الرجل، ولا تحتاج المرأة إلى ذكره؛ لأنها لا تنفيه.\rوذكْر الولد في ظاهر كلام الخرقي وهو الراجح لدى الحنابلة: أن يقول الزوج في لعانه: (وما هذا الولد ولدي) وتقول المرأة: (وهذا الولد ولده). وقال القاضي أبو يعلى والشافعية: يشترط أن يقول الزوج: (هذا الولد من زنا، وليس هو مني)؛ لأنه قد يريد بقوله: (ليس هو مني) يعني خُلقاً وخَلْقاً، فكان لا بد من ذكره للتأكيد.\r4ً - أن يوجد اللعان من كلا الزوجين. وهذا قول أكثر العلماء. وقال الشافعي: ينتفي الولد بلعان الزوج وحده؛ لأن نفي الولد إنما كان بيمينه والتعانه، لا بيمين المرأة على تكذيبه، ولا معنى ليمين المرأة في نفي النسب وهي تثبته وتكذب قول من ينفيه، وإنما لعانها لدرء الحد عنها. ورد الجمهور بأن النبي صلّى الله عليه وسلم إنما نفى الولد عنه بعد تلاعنهما.\r5ً - أن تكمل ألفاظ اللعان منهما جميعاً.\r6ً - أن يبدأ بلعان الزوج قبل لعان المرأة، وقال المالكية والحنفية: إن فعل العكس أخطأ السنة، والفرقة جائزة، وينتفي الولد عنه.\r-------------------------------\r(1) المغني: 416/7-417، 439، غاية المنتهى: 304/3.","part":9,"page":536},{"id":6092,"text":"المطلب الرابع ـ كيفية اللعان ودور القاضي فيه :\rكيفية اللعان أو صفته أو ألفاظه: اتفق الفقهاء (1) على كيفية اللعان أو صفته (أي ماهيته) على النحو التالي:\rإذا قذف الزوج زوجته بالزنا أو نفى نسب ولدها منه، ولم تكن له بينة، ولم تصدقه الزوجة، وطلبت إقامة حد القذف عليه، أمره القاضي باللعان، بأن يبتدئ القاضي بالزوج، فيقول أمامه أربع مرات: (أشهد بالله ، إني لمن الصادقين فيما رميتها به من الزنا أو نفي الولد) بأن يحدد المقصود بالإشارة إليها إن كانت حاضرة، أو بالتسمية بأن يقول: (فيما رميت به فلانة زوجتي من الزنا)، ثم يقول في الخامسة: (لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين فيما رماها به من الزنا أو نفي الولد) ويشير الزوج إليها في جميع ما ذكر.\r-------------------------------\r(1) اللباب: 76/3، رد المحتار: 810/2، الشرح الصغير: 664/2، القوانين الفقهية: ص 244، بداية المجتهد: 118/2، مغني المحتاج: 374/3 وما بعدها، المهذب: 126/2، غاية المنتهى: 199/3، المغني: 436/7.","part":9,"page":537},{"id":6093,"text":"ثم تقول المرأة أربع مرات أيضاً: ( أشهد بالله ، إنه لمن الكاذبين فيما رماني به من الزنا أو نفي الولد ) وتقول في الخامسة: ( أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين فيما رماني به من الزنا أو نفي الولد ) وإنما خص الغضب وهو أشد من اللعن (1) في جانب المرأة؛ لأن النساء يتجاسرن باللعن، فإنهن يستعملن اللعن في كلامهن كثيراً، كما ورد في الحديث، فاختير الغضب لتتقي ولا تقدم عليه، ولأن جريمتها وهي الزنا أعظم من جريمة الرجل وهي القذف. وإنما وجب البدء بالرجل في اللعان؛ لأنه المدعي، وفي الدعاوى يبدأ بالمدعي.\rودليل هذه الكيفية قوله تعالى: {والذين يرمون أزواجهم، ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم، فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله ، إنه لمن الصادقين، والخامسة ُ أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين. ويدرأ عنها العذاب أن تشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين، والخامسةَ أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين} [النور:6/24-9].\rوثبت في السنة النبوية الصحيحة تأكيد هذه الكيفية بأحاديث، منها حديث ابن عمر: قال: يا رسول الله ، أرأيت لو وجد أحدنا امرأته على فاحشة، كيف يصنع؟ إن تكلم، تكلم بأمر عظيم، وإن سكت سكت على مثل ذلك، قال: فسكت النبي صلّى الله عليه وسلم فلم يُجبْه، فلما كان بعد ذلك، أتاه، فقال: إن الذي سألتك عنه ابتليتُ به، فأنزل الله عز وجل هؤلاء الآيات في سورة النور: {والذين يرمون أزواجهم} [النور:6/24] فتلاهن عليه، ووعظه وذكره، وأخبره أن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة، فقال: لا والذي بعثك بالحق، ما كذبتُ عليها، ثم دعاها فوعظها وأخبرها أن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة، فقالت: لا والذي بعثك بالحق إنه لكاذب.\r-------------------------------\r(1) الغضب: هو السخط وإنزال العذاب بالمغضوب عليه.","part":9,"page":538},{"id":6094,"text":"وأما اللعن فهو الطرد من الرحمة، ولا يلزم منه التعذيب. بدأ الرجل، فشهد أربع شهادات بالله ، إنه لمن الصادقين، والخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين، ثم ثنى بالمرأة، فشهدت أربع شهادات بالله ، إنه لمن الكاذبين، والخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين، ثم فرق بينهما (1) .\rوبداءة الزوج باللعان هو رأي الجمهور، وقال أبو حنيفة: يجزئ أن تبدأ المرأة باللعان، وقال الكاساني في البدائع: ينبغي أن تعيد، لأن اللعان شهادة المرأة، وشهادتها تقدح في شهادة الزوج، فلا تصح إلا بعد وجود شهادته.\rمندوبات اللعان ودور القاضي فيه: يسن للقاضي ما يأتي (2) :\r1ً - أن يعظ المتلاعنين قبل اللعان، ويخوفهما بعذاب الله في الآخرة، كما فعل النبي صلّى الله عليه وسلم مع ابن عمر وزوجته في الحديث السابق، وقال عليه الصلاة والسلام لهلال: «اتق الله فإن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة» ويقرأ عليهما: {إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمناً قليلاً} الآية[آل عمران:3/77] ويقول لهما: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم للمتلاعنين: «حسابكما على الله ، يعلم أن أحدكما كاذب، فهل منكما من تاب» .\r2ً - لا يحكم القاضي في اللعان حتى يثبت عنده نكاح الزوجين.\r3ً - أن يتلاعن الزوجان قائمين، ليراهما الناس، ويشتهر أمرهما، فيقوم الرجل عند لعانه، والمرأة جالسة، ثم تقوم عند لعانها، ويقعد الرجل، ويتكلم المتلاعنان بألفاظ اللعان، وهي أربع شهادات.\r4ً - أن يحضر جماعة من المسلمين اللعان، وأقلها أربعة عدول، وأوجبه المالكية.\r5ً - أن يغلظ اللعان في الزمان والمكان في رأي المالكية والشافعية، والحنابلة على الراجح، بأن يكون بعد صلاة، لما فيه من الردع والرهبة، أو بعد صلاة العصر؛ لأنها الصلاة الوسطى على الراجح، أو بعد صلاة عصر الجمعة؛ لأن ساعة الإجابة فيه، كما رواه أبو داود والنسائي\r-------------------------------\r(1) حديث متفق عليه بين أحمد والبخاري ومسلم عن سعيد بن جبير عن ابن عمر (نيل الأوطار: 267/6).\r(2) القوانين الفقهية: ص 244 وما بعدها، الشرح الصغير: 665/2-667، مغني المحتاج: 376/3-378، المغني: 434/7-437، غاية المنتهى: 300/3، كشاف القناع: 454/5-455.","part":9,"page":539},{"id":6095,"text":"وصححه (1) ، ولأن اليمين الفاجرة بعد العصر أغلظ عقوبة، لقوله صلّى الله عليه وسلم : «ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا يزكّيهم، ولهم عذاب أليم، وعدَّ منهم رجلاً حلف يميناً كاذبة بعد العصر، يقتطع بها مال امرئ مسلم» (2) .\rويكون لعان المسلم في المسجد؛ لأنه أشرف الأماكن، وأوجبه المالكية فيه؛ لأن فيه تأثيراً في الزجر عن اليمين الفاجرة.\rوأشرف الأماكن هو في مكة: بين الركن الذي فيه الحجر الأسود وبين مقام إبراهيم صلّى الله عليه وسلم ، ويسمى ما بينهما بالحطيم، وفي المدينة: عند المنبر مما يلي القبر الشريف، لقوله صلّى الله عليه وسلم : «من حلف على منبري هذا يميناً آثمة، تبوأ مقعده من النار» (3) وقوله: «لا يحلف عند هذا المنبر عبد ولا أمة يميناً آثمة ولو على سواك رطب إلا وجبت له النار» (4) .\rواللعان في بيت المقدس في المسجد عند الصخرة المشرفة؛ لأنها أشرف بِقاعه؛ لأنها قبلة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وعند ابن حبان: «أنها من الجنة» .\rواللعان في غير المساجد الثلاثة يكون عند منبر الجامع؛ لأنه المعظم منه.\rوتلاعن امرأة حائض أو نفساء أو متحيرة مسلمة عند باب المسجد الجامع.\rويلاعن ذمي أو كتابي في بِيعة (وهي معبد النصارى) وفي كنيسة (وهي معبد اليهود) (5) ؛ لأن معابدهم كالمساجد عندنا، ويلاعن مجوسي في بيت نار، لأنهم يعظمونه، والمقصود الزجر عن الكذب، فيحضره القاضي رعاية لاعتقادهم لشبهة الكتاب التي يدعونها. ولا يلاعن في بيت أصنام وثني؛ لأنه لا حرمة له، واعتقادهم فيه غير شرعي.\rولا يغلظ اللعان في رأي القاضي أبي يعلى من الحنابلة، والحنفية بمكان ولا زمان؛ لأن الله تعالى أطلق الأمر به، ولم يقيده بزمن ولا مكان، فلا يجوز تقييده إلا بدليل، ولأن النبي صلّى الله عليه وسلم أمر الرجل بإحضار امرأته، ولم يخصه بزمن، ولو خصه به لنقل ولم يهمل.\r-------------------------------\r(1) وروى مسلم: أنها من مجلس الإمام على المنبر إلى أن تنقضي الصلاة، وصوبه النووي.\r(2) متفق عليه بين البخاري ومسلم عن أبي هريرة.\r(3) رواه النسائي، وصححه ابن حبان.\r(4) رواه ابن ماجه، وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين.\r(5) وتسمى البيعة أيضاَ كنيسة، بل هو العرف اليوم.","part":9,"page":540},{"id":6096,"text":"المطلب الخامس ـ ما يجب عند نكول أحد الزوجين عن اللعان أو رجوعه عنه :\rقد يمتنع أحد الزوجين عن اللعان بعد طلبه من القاضي، وقد يرجع عنه ويُكذب نفسه، فماذا يفعل القاضي؟\rأما في حال نكول أحد الزوجين عن اللعان بعد طلبه منه، فقد اختلف الفقهاء في حكمه على رأيين (1) :\rأ ـ ذهب الحنفية: إلى أنه إن امتنع الزوج عن اللعان حبس حتى يلاعن أو يكذب نفسه، فيحد حد القذف. وإن امتنعت الزوجة عن اللعان حبست حتى تلاعن أو تصدق الزوج فيما ادعاه عليها، فإن صدقته خلي سبيلها من غير حد؛ لأن قوله: {ويدرأ عنها العذاب} [النور:8/24] أ ي الحبس عندهم وعند الحنابلة.\rب ـ وذهب الجمهور غير الحنفية: إلى أنه إن امتنع الزوج عن اللعان أو امتنعت الزوجة حُدّ حد القذف؛ لأن اللعان بدل عن حد الزنا، لقوله تعالى: {ويدرأ عنها العذاب} [النور:8/24] أي العذاب الدنيوي وهو الحد عندهم، فلا يندرئ الحد عن الزوجة مثلاً إلا بلعانها.\rإلا أن الحنابلة وافقوا الحنفية فيما إذا امتنعت الزوجة عن اللعان أخذاً بمدلول الآية السابقة: {ويدرأ عنها العذاب} [النور:8/24] فإن لم تلاعن وجب ألا يدرأ عنها العذاب، فتحبس حتى تقر بالزنا أربع مرات أو تلاعن.\rومنشأ الخلاف بين الحنفية والجمهور في حال امتناع الزوج عن اللعان: هو اختلافهم في الموجَب الأصلي لقذف الزوجة، أهو اللعان أم الحد؟ قرر الحنفية بأن الموجب الأصلي هو اللعان، واللعان واجب، لقوله تعالى: {والذين يرمون أزواجهم، ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم، فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله }\r-------------------------------\r(1) الدر المختار: 808/2، اللباب: 75/3، البدائع: 238/3، بداية المجتهد: 119/2، القوانين الفقهية: ص 245، مغني المحتاج: 371/3، 382، المهذب: 119/2، المغني: 392/7، 397، 404، غاية المنتهى: 202/3، كشاف القناع: 463/5.","part":9,"page":541},{"id":6097,"text":"[النور:6/24] أي فليشهد أحدهم أربع شهادات بالله ، فإنه تعالى جعل موجب قذف الزوجات هو اللعان، فمن أوجب الحد فقد خالف النص، فصارت آية حد القذف بالنسبة للزوجات منسوخة في حق الأزواج، وأصبح الواجب بقذف الزوجة هو اللعان، فإذا امتنع عنه حبس حتى يلاعن، كالمدين إذا امتنع عن إيفاء دينه، فإنه يحبس حتى يوفي ما عليه.\rوقرر الجمهور: أن الموجب الأصلي هو حد القذف، واللعان مسقط له، لعموم قوله تعالى: {والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء، فاجلدوهم ثمانين جلدة} [النور:4/24] فإنه عام في الأجنبي والزوج، ويجب الحد على كل قاذف، سواء أكان زوجاً أم غيره، ثم جعل الالتعان للزوج مقام الشهود الأربعة الذين يثبت بشهادتهم الزنا، فوجب عليه إذا امتنع عن اللعان الموجب الأصلي وهو حد القذف.\rولأن النبي صلّى الله عليه وسلم قال لهلال بن أمية لما قذف زوجته بالزنا: «البينة أو حد في ظهرك» .\rورأي الجمهور أرجح لقوة أدلتهم من القرآن والسنة. وبناء عليه إذا قذف الزوج زوجته المحصنة (العفيفة) وجب عليه حد القذف، وحكم بفسقه، ورد شهادته، إلا أن يأتي ببينة أو يلاعن، فإن لم يأت بأربعة شهداء، أو امتنع عن اللعان، لزمه ذلك كله.","part":9,"page":542},{"id":6098,"text":"وقد يجب على الزوج في حال امتناعه عن اللعان التعزير فقط، كما في حال قذف غير المحصنة كالمرأة الكتابية، والأمَة، والمجنونة، والطفلة، فإنه يجب عليه التعزير به، لإلحاقه العار بها بالقذف، ولا يحد لهن حداً كاملاً لنقصانهن بما ذكر، ولا يتعلق به فسق، ولا رد شهادة؛ لأن القذف لهؤلاء لا يوجب الحد. وله أن يلاعن لدرء التعزير عنه؛ لأنه تعزير قذف. وبه تكون القاعدة: كل موضع لا لعان فيه، فالنسب لاحق بالزوج، ويجب بالقذف موجبه من الحد أو التعزير، إلا أن يكون القاذف صغيراً أو مجنوناً، فلا تعزير أو ضرب فيه، ولا لعان بالاتفاق.\rرجوع الزوج عن اللعان: إذا أكذب الزوج نفسه بعد اللعان، فاتفق أئمة المذاهب الأربعة (1) على أنه يحد حد القذف، ويكون للزوجة الحق في مطالبة القاضي بالحد، سواء كذَّب نفسه قبل لعانها أو بعده؛ لأن اللعان أقيم مقام البينة في حق الزوج، فإذا أكذب نفسه، بأن قال: كذبتُ عليها، فقد زاد في هتك حرمتها، وكرر قذفها، فلا أقل من أن يجب عليه الحد الذي كان واجباً بالقذف المجرد.\rفإن عاد عن إكذاب نفسه، وقال: لي بينة أقيمها بزناها أو أراد إسقاط الحد عنه باللعان، لم يسمع منه؛ لأن البينة واللعان لتحقيق ما قاله، وقد أقر بكذب نفسه، فلا يسمع منه خلافه.\rوهذا كله فيما إذا كانت المقذوفة محصنة (عفيفة) فإن كانت غير محصنة، فعليه التعزير.\rوإن أكذب الملاعن نفسه قبل لعان المرأة، حد حد القذف، وبقيت الزوجية، فتبقى له زوجة، لكن لا تبقى زوجة بعد لعانها.\rومتى أكذب نافي الولد نفسه بعد نفيه الولد، وبعد اللعان، لحقه نسب الولد، حياً كان الولد، أو ميتاً، غنياً كان الولد أو فقيراً؛ لأن اللعان يمين أو شهادة (بيّنة) فإذا أقر بما يخالفها أخذ بإقراره، وسقط حكم اللعان، ثم إن النسب يحتاط لثبوته قدر الإمكان، ويتم التوارث بين الأب والولد؛ لأن الإرث تابع للنسب، وقد ثبت فتبعه الإرث.\r-------------------------------\r(1) الدر المختار: 812/2، الكتاب مع اللباب: 75/3، بداية المجتهد: 120/2، القوانين الفقهية: ص245، مغني المحتاج: 380/3، غاية المنتهى: 202/3، 204، كشاف القناع: 468/5.","part":9,"page":543},{"id":6099,"text":"المطلب السادس ـ هل ألفاظ اللعان شهادات أو أيمان؟\rتبين في بحث شروط المتلاعنين أن الحنفية قالوا: إنما يجوز اللعان لمن كان من أهل الشهادة، فلا لعان إلا بين مسلمين حرين عدلين، وتشترط في المتلاعنين: الحرية والعقل والبلوغ والإسلام والنطق وعدم الحد في القذف.\rوقال الجمهور: يصح اللعان من كل زوجين مكلفين، سواء أكانا مسلمين أم كافرين أم عدلين أم فاسقين أم محدودين في قذف أم كان أحدهما بتلك الصفة، أم كان من الأخرس.\rومنشأ الخلاف في محدود القذف والأخرس والكافر هو: هل ألفاظ اللعان شهادات أو أيمان؟\rرأى الحنفية (1) : أن اللعان شهادات مؤكدة بالأيمان مقرونة باللعن وبالغضب، وإنه في جانب الزوج قائم مقام حد القذف، وفي جانب الزوجة قائم مقام حد الزنا. ودليلهم آية اللعان: {والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم، فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله } [النور:6/24] سمى الأزواج شهداء، وسمى اللعان شهادة في النص: {فشهادة أحدهم} [النور:6/24] وجعل عددها كعدد شهادات الزنا. وإذا كان اللعان شهادة، فيشترط فيها ما يشترط في الشهادة على المسلم.\rوقال الجمهور (2) : سميت ألفاظ اللعان شهادات، وهي في الحقيقة أيمان، واللعان يمين، وإن كان يسمى شهادة، لقوله صلّى الله عليه وسلم في قصة لعان هلال بن أمية: «\r-------------------------------\r(1) البدائع: 241/3 وما بعدها، اللباب: 75/3، 78.\r(2) بداية المجتهد: 118/2، مغني المحتاج: 374/3، المغني: 392/7 وما بعدها.","part":9,"page":544},{"id":6100,"text":"لولا الأيمان لكان لي ولها شأن» (1) ولأنه لا بد في اللعان من ذكر اسم الله تعالى وذكر جواب القسم، ولو كان شهادة لما احتاج إليه، ولأنه يستوي فيه الرجل والمرأة، ولو كان شهادة لكانت المرأة على النصف من الرجل فيه، ولأنه يجب تكراره أربعاً، والمعهود في الشهادة عدم التكرار، أما اليمين فتتكرر كما في أيمان القسامة، ولأن اللعان يكون من الطرفين، والشهادة لا تكون إلا من طرف واحد وهو المدعي.\rأما تسمية اللعان شهادة، فلقول الملاعن في يمينه: ( أشهد بالله ) فسمي اللعان شهادة وإن كان يميناً، فقد يعبر عن الشهادة باليمين كما في قوله تعالى: {إذا جاءك المنافقون قالوا: نشهد} [المنافقون:1/63] ثم قال: {اتخذوا أيمانهم جُنَّة} [المنافقون:2/63] وأجمعوا على جواز لعان الأعمى، ولو كان شهادة لما جاز لعانه.\rوإذا كان اللعان يميناً، فلا يشترط فيه ما يشترط في الشهادة، وتفرع عن الخلاف اختلافهم في الأخرس، فقال الجمهور: يلاعن الأخرس إذا فهم عنه. وقال الحنفية: لا يلاعن؛ لأنه ليس من أهل الشهادة.\rوالراجح لدي رأي الجمهور لقوة أدلتهم من السنة والمعقول، ولأن اللعان شرع للحاجة، والحاجة تتسع لأناس ولو لم يكونوا أهلاً للشهادة. وهذا هو أيضاً رأي العترة (آل البيت).\r-------------------------------\r(1) رواه الجماعة إلا مسلماً والنسائي عن ابن عباس (نيل الأوطار: 274/6).","part":9,"page":545},{"id":6101,"text":"المطلب السابع ـ أحكام أوآثار اللعان :\rيترتب على اللعان بين الزوجين أمام القاضي الآثار التالية (1) :\r1ً - سقوط حد القذف أو التعزير عن الزوج، وسقوط حد الزنا عن الزوجة. فإن لم يلاعن الرجل وجب عليه عند غيرالحنفية حد القذف إن كانت الزوجة الملاعنة محصنة، والتعزير إن كانت غير محصنة، وإن لم تلاعن المرأة وجب عليها عند الشافعية والمالكية حد الزنا من جلد البكر ورجم المحصنة (المتزوجة).\r2ً - تحريم الوطء والاستمتاع بعد التلاعن من كلا الزوجين، ولو قبل تفريق القاضي، لحديث: «المتلاعنان لا يجتمعان أبداً» (2) .\r3ً - وجوب التفريق بينهما: لا تتم الفرقة عند الحنفية إلا بتفريق القاضي، لقول ابن عباس في قصة هلال بن أمية: «ففرَّق النبي صلّى الله عليه وسلم بينهما» (3) وهذا يقتضي أن الفرقة لم تحصل قبله، فلو مات أحدهما قبل التفريق ورثه الآخر، ولو طلقها الزوج وقع طلاقه.\rوقال المالكية، والحنابلة في الراجح من الروايتين عن أحمد: تقع الفرقة باللعان دون حكم حاكم؛ لأن سبب الفرقة وهو اللعان قد وجد، فتقع الفرقة به من غير حاجة إلى تفريق القاضي، ولقول عمر رضي الله عنه: «المتلاعنان يفرق بينهما، ولا يجتمعان أبداً» .\rوقال الشافعي رحمه الله : تحصل الفرقة بلعان الزوج وحده، وإن لم تلاعن المرأة؛ لأنها فرقة حاصلة بالقول، فتحصل بقول الزوج وحده كالطلاق. قال ابن قدامة في المغني: ولا نعلم أحداً وافق الشافعي على هذا القول.\r4ً - هذه الفرقة طلاق بائن عند أبي حنيفة ومحمد؛ لأنها بتفريق القاضي كما في التفريق بسبب العنة، وكل فرقة من القاضي تكون طلاقاً بائناً، لكن لا تعود المرأة إلى الزوجية إلا في حالتين:\r-------------------------------\r(1) البدائع: 244/3-248، فتح القدير: 253/3 وما بعدها، الدر المختار: 806/2 ومابعدها، اللباب: 77/3-78، القوانين الفقهية: ص 244 وما بعدها، بداية المجتهد: 120/2 وما بعدها، الشرح الصغير: 668/2 وما بعدها، المقدمات الممهدات: 637/1 وما بعدها، مغني المحتاج: 376/3، 380، المهذب: 127/2، المغني: 410/7-416، غاية المنتهى: 203/3.\r(2) رواه الدارقطني عن ابن عباس، ورواه أبو داود عن سهل بن سعد (نيل الأوطار: 271/6).\r(3) رواه أحمد وأبو داود ( نيل الأوطار: 274/6 ).","part":9,"page":546},{"id":6102,"text":"أ ـ أن يكذِّب الرجل نفسه، ولو دلالة كأن مات الولد المنفي، فادعى الزوج نسبه؛ لأن هذا يعتبر رجوعاً عن الشهادة، والشهادة لا حكم لها بعد الرجوع عنها، ويحد حينئذ حد القذف، ويثبت نسب الولد منه إن كان. وكذلك تعود المرأة إلى الزوجية إن صدقته، أي المرأة.\rب ـ أن يخرج أحد الزوجين عن أهلية الشهادة؛ إذ به ينتفي سبب التفريق، فلو زنت المرأة أو قذفت غيرها، فحدت، جاز لزوجها أن يتزوجها، لانتفاء أهلية اللعان من جانبها.\rوإذا كان الطلاق بائناً وجب للمرأة النفقة والسكنى في عدتها، ويثبت نسب ولدها إلى سنتين إن كانت معتدة، وإن لم تكن معتدة فإلى ستة أشهر.\rوقال الجمهور وأبو يوسف: فرقة اللعان فسخ كفرقة الرضاع، وتوجب تحريماً مؤبداً، فلا يعود المتلاعنان إلى الزوجية بعدها أبداً؛ لقوله صلّى الله عليه وسلم : «المتلاعنان لا يجتمعان أبداً» ، ولأن اللعان ليس طلاقاً، فكان فسخاً كسائر ما ينفسخ به الزواج، ولأن اللعان قد وجب وهو سبب التفريق، وأما تكذيب الرجل نفسه أو خروج أحد المتلاعنين عن أهلية الشهادة، فلا ينفي وجود سبب التفريق، بل هو باق، فيبقى حكمه. ورأى الشافعي: أن الفرقة تحصل بلعان الزوج، وإن لم تلاعن الزوجة. فإن كان كاذباً، أو أكذب نفسه، فلا يفيده ذلك عود النكاح، ولا رفع تأبيد الحرمة؛ لأنهما حق له وقد بطلا باللعان، فلا يتمكن من عودهما، بخلاف الحد ولحوق النسب،فإنهما يعودان لأنهما حق عليه.\r5ً - انتفاء نسب الولد عن الرجل، وإلحاقه بأمه إذا كان اللعان لنفي النسب. ويترتب على نفي النسب عدم التوارث، وعدم إلزام النفقة، سواء نفقة الآباء على الأبناء أو نفقة الأبناء على الآباء.\rوتظل بعض الأحكام بالنسبة للولد: وهي عدم جواز شهادة الولد لأصله الملاعن أو الأصل لفرعه، وعدم القصاص من الرجل بقتل الولد المنفي، وعدم صحة إلحاق نسب الولد المنفي بالغير، لاحتمال أن يكذب الرجل نفسه فيعود نسبه منه، وبقاء المحرمية، فلا يجوز أن يزوج الرجل بنته لمن نفى نسبه منه؛ لأنه يحتمل كونه ابناً له.","part":9,"page":547},{"id":6103,"text":"المطلب الثامن ـ ما يسقط اللعان بعد وجوبه وما يبطل به حكم اللعان قبل التفريق :\rأولاً ـ ما يسقط اللعان بعد وجوبه: قرر الحنفية (1) : أن اللعان يسقط بما يأتي:\r1ً - طروء عدم أهلية اللعان أو ما يمنع وجوب اللعان من أصله: كل ما يمنع وجوب اللعان إذا طرأ بعد وجوبه يسقط، مثل الجنون أو الردة، أو الخرس، أوقذف إنسان آخر فحد حد القذف، أو وطء المرأة وطئاً حراماً كالزنا والوطء بشبهة. ففي هذه الحالات لا يجب الحد، وإذا وجب سقط بهذه العوارض لانتفاء أهلية اللعان؛ لأن اللعان شهادة، ولا بد من بقاء صفة الشهادة إلى إصدار الحكم.\r2ً - البينونة بالطلاق أو الفسخ أو الموت: إذا طلق الزوج امرأته بعد القذف، أو فسخ الزواج بسبب فاسخ، أو مات أحد الزوجين، سقط اللعان والحد، أما سقوط اللعان فلزوال الزوجية، وقيام الزوجية شرط إ جراء اللعان كما تقدم، وأما عدم وجوب الحد، فلأن القذف أوجب اللعان، فلم يوجب الحد.\rأما لو طلَّق الرجل امرأته طلاقاً رجعياً، فلا يسقط اللعان؛ لأن الطلاق الرجعي لا يبطل الزوجية.\r3ً - موت شاهد القذف أو غيبته: يسقط اللعان بموت شاهد القذف وغيبته، إذ لو مات أو غاب لا يقضى بشهادته.\r4ً - تكذيب الزوج نفسه أو تصديقها الزوج في القذف: لو أكذب الزوج نفسه سقط اللعان، لتعذر الإتيان به، إذ من المحال أن يؤمر أن يشهد بالله إنه لمن الصادقين، وهو يقول: إنه كاذب، ويجب عليه حد القذف،لأن القذف صحيح.\r-------------------------------\r(1) البدائع: 243/3 وما بعدها، الدر المختار: 809/2.","part":9,"page":548},{"id":6104,"text":"ولو صدقت المرأة الزوج في القذف يسقط اللعان أيضاً لتعذر الإتيان به؛ لأنها أكذبت نفسها في الإنكار، لكن لا حد عليها؛ لأن اللعان لو وجب لا يثبت الزنا عليها، فلا تزول عفتها باللعان، فلا تحد حد الزنا هنا بالأولى لسقوط اللعان.\rوذكر الحنابلة (1) ثلاث حالات لسقوط اللعان:\r1ً - طروء عارض من عوارض الأهلية: كالجنون، والزنا، وخرس المرأة.\r2ً - تصديق المرأة زوجها في القذف أو عفوها، أو سكوتها. وسبب هاتين الحالتين اشتراطهم: أن تكذبه ويستمر التكذيب إلى انقضاء اللعان.\r3ً - موت الزوج قبل اللعان أو قبل إتمام اللعان، فإذا قذف الزوج امرأته ثم مات قبل لعانهما أو قبل إتمام لعانه، سقط اللعان، ولحقه الولد، وورثته المرأة بالاتفاق؛ لأن اللعان لم يوجد فلم يثبت حكمه. وكذلك يسقط اللعان عندهم إن مات الزوج بعد أن أكمل لعانه وقبل لعانها.\rوقال الشافعي: تبين المرأة بلعان الزوج، وإن لم تلاعن الزوجة أو كان كاذباً، ويسقط التوارث، وينتفي الولد، ويلزم المرأة الحد إلا أن تلاعن.\rثانياً ـ ما يبطل به حكم اللعان بعد وجوده قبل التفريق :\rرأى الحنفية (2) : أن كل ما يسقط اللعان بعد وجوبه، يبطل به حكم اللعان (أي أثره ) بعد وجوده، قبل التفريق مثل جنون أحد الزوجين أو كليهما بعد اللعان قبل التفريق، أو خرسه أو خرسهما، أو ردته أو ردتهما، أو صيرورة أحدهما محدوداً في قذف، أو صيرورة المرأة موطوءة وطئاً حراماً، وإكذاب أحدهما نفسه حتى لا يفرق الحاكم بينهما ويبقيان على زواجهما.\rوذلك لأن الأصل عندهم أن بقاء الزوجين على حال اللعان من الأهلية، شرط بقاء حكم اللعان؛ لأن اللعان عندهم شهادة، ولا بد من بقاء الشاهد على صفة الشهادة إلى وقت إصدار الحكم القضائي، فإذا زالت صفة الشهادة بهذه العوارض، فلا يجوز للقاضي التفريق.\r-------------------------------\r(1) غاية المنتهى: 202/3، كشاف القناع: 451/5، المغني: 406/7.\r(2) البدائع: 248/3 وما بعدها، الدر المختار: 812/2.","part":9,"page":549},{"id":6105,"text":"المبحث التاسع ـ التفريق بسبب الظهار :\rفيه خمسة مطالب:\rالأول ـ تعريف الظهار وحكمه الشرعي وأحواله تنجيزاً وإضافة وتعليقاً وتأقيتاً.\rالثاني ـ ركن الظهار وشروطه.\rالثالث ـ أثر الظهار أو ما يحرم على المظاهر.\rالرابع ـ كفارة الظهار.\rالخامس ـ انتهاء حكم الظهار.\rالمطلب الأول ـ تعريف الظهار وحكمه الشرعي وأحواله تنجيزاً وإضافة وتعليقاً وتأقيتاً :\rالظهار شبيه بالإيلاء في أن كلاً منها يمين تمنع الوطء، ويرفع منعه الكفارة، وهو شبيه أيضاً باللعان على رأي الجمهور في أنه يمين لا شهادة. وكان الأولى ذكر الظهار عقب الإيلاء كما فعل فقهاؤنا، لكني أخرته إلى ما بعد اللعان لتوقف اللعان على التفريق القضائي الذي هو عنوان الفصل، وأما الظهار فيأتي التفريق فيه فقط إذا امتنع الزوج عن التكفير.\rوالظهار لغة: مصدر مأخوذ من الظهر، مشتق من قول الرجل إذا ظاهر امرأته: ( أنت علي كظهر أمي )، وكان طلاقاً في الجاهلية، ويقال: كانوا في الجاهلية إذا كره أحدهم امرأته، ولم يرد أن تتزوج بغيره، آلى منها أو ظاهر، فتبقى لا ذات زوج ولا خلية عن الأزواج تستطيع أن تنكح غير زوجها الأول، فغيَّر الشارع حكمه إلى تحريم الزوجة بعد العود (العزم على الوطء) ولزوم الكفارة. والظهار شرعاً: هو أن يشبه الرجل زوجته بامرأة محرمة عليه على التأبيد، أو بجزء منها يحرم عليه النظر إلىه كالظهر والبطن والفخذ، كأن يقول لها: أنت علي كظهر أمي أو أختي، أو بحذف كلمة ( علي ).","part":9,"page":550},{"id":6106,"text":"وتعريفات فقهاء المذاهب متقاربة، وهي ما يأتي، عرفه الحنفية بقولهم (1) : تشبيه المسلم زوجته، أو ما يعبر به عنها من أعضائها، أو جزءاً شائعاً منها، بمحرَّمة عليه تأبيداً. فلا ظهار لذمي عندهم، ويشمل الظهار الزوجة الكتابية والصغيرة والمجنونة، ويمكن تشبيه الزوجة، أو ما يعبر به عنها كالرأس والرقبة، أو تشبيهه جزءاً شائعاً من الزوجة كقوله: نصفك ونحوه، والمشبه به إما جملة القريبة المحرم مثل: أنت علي كأمي، أو عضو يحرم النظر إليه من أعضاء محرمة عليه نسباً أو مصاهرة أو رضاعاً كالظهر وغيره. وإنما خص هذا اليمين باسم الظهار تغليباً للظهر؛ لأنه كان الأصل في استعمالهم.\rفلو شبه زوجته بمن تحرم عليه مؤقتاً، لم يكن ظهاراً، مثل: أنت علي كظهر أختك أو عمتك، فإن الأخت والعمة تحرمان حرمة مؤقتة، أو قال: كمطلقتي ثلاثاً، فإنها تحرم حتى تنكح زوجاً غيره، أو كالمجوسية لجواز إسلامها، وكذا لو شبهها بجزء لا يحرم النظر إليه كالوجه والرأس، لا يكون ظهاراً.\rولو شبهها بشيء يحرم عليه من غير النساء كالخمر والخنزير، لم يكن ظهاراً، ويرجع فيه إلى نيته، فإن قصد به طلاقاً، كان طلاقاً بائناً، وإن قصد التحريم أو لم يقصد شيئاً كان إيلاء.\rولو شبهها بفرج أبيه أو قريبه كان مظاهراً. لكن لو قالت: أنت علي كظهر أبي أو ابني، لا يصح؛ لأن المظاهر به ليس من جنس النساء.\r-------------------------------\r(1) الدر المختار: 790/2، فتح القدير: 225/3، اللباب: 67/3، البدائع: 233/3.","part":9,"page":551},{"id":6107,"text":"وعرفه المالكية (1) بقولهم: الظهار: تشبيه المسلم المكلف من تحل من زوجة أو أمة أو جزأها بمحرَّمة عليه أو بظهر أجنبية، وإن تعليقاً أو مقيداً بوقت. فلا ظهار لكافر، ولا لصبي ومجنون ومكره، ويتحقق الظهار بتشبيه الزوجة، مثل أنت أمي، أو جزء منها كيدها ورجلها، ولا ظهار في قوله: أنت علي كظهر زوجتي النفساء أوالمُحْرِمة بحج؛ لأن التحريم لها عليه ليس أصالة، فالظهار: تشبيه الزوجة بالمحرمة عليه أصالة، أو المحرمة عليه وقت اليمين مثل ظهر أجنبية. وبه يتفق الحنفية والمالكية في عدم صحة ظهار الكافر، ويختلفون في تشبيه الزوجة بظهر امرأة أجنبية. فلا ينعقد عند الحنفية؛ لأن التحريم مؤقت، وينعقد بنية الظهار عند المالكية، لأن التحريم الحالي أصيل.\rوالظهار المعلق بشرط عندهم مثل: إن دخلت الدار فأنت علي كظهر أمي، وإن تزوجتك فأنت علي كظهر أمي. أما إن علقه بأمر محقق نحو: إن جاء رمضان فأنت علي كظهر أمي أو فلانة الأجنبية، أو إن طلعت الشمس في غد فأنت علي كظهر أمي، تنجز من الآن، ومنع منها حتى يكفِّر.\rوإن قيد الظهار بوقت، مثل: أنت علي كظهر أمي في هذا اليوم أوالشهر، انعقد مؤبداً، ولا ينحل إلا بالكفارة.\rوعرفه الشافعية (2) بأنه: تشبيه الزوجة غير البائن بأنثى لم تكن حلالاً على التأبيد. فلا يصح من صبي ومجنون ومغمى عليه ولا من مكره، ويصح من ذمي لعموم آية الظهار، ولا يصح تشبيه الزوجة بغير محرَّمة على التأبيد، ولو شبهها بأجنبية ومطلقة، وأخت زوجة، وأب للمظاهر، وملاعنة له ومجوسية ومرتدة،\r-------------------------------\r(1) الشرح الصغير: 634/2 وما بعدها، المقدمات الممهدات: 599/1.\r(2) مغني المحتاج: 352/3-354.","part":9,"page":552},{"id":6108,"text":"فكلامه لغو؛ لأن الثلاثة الأولى لا يشبهن الأم في التحريم المؤبد، ولأن الأب أو غيره من الرجال كالابن والغلام ليس محلاً للاستمتاع، وأما الملاعنة أو المجوسية أو المرتدة وإن كان تحريمها مؤبداً، فليس التحريم بسبب القرابة المحرمية، فهم كالحنفية في التشبيه بالمحرمة تأبيداً. والأظهر أن قوله: كيدها أو بطنها أو صدرها ظهار، وكذا كعينها إن قصد ظهاراً، وإن قصد كرامة فلا يعد ظهاراً، وكذلك قوله: رأسك أو ظهرك أو يد ك علي كظهر أمي: ظهار في الأظهر. ومثله الرجل أو الجلد أو البدن أو الشعر ونحو ذلك.\rوعرفه الحنابلة (1) بقولهم: أن يشبه الزوج امرأته أو عضواً منها بظهر من تحرم عليه على التأبيد، كأمه وأخته من نسب أو رضاع، أو حماته، أو يشبهها بظهر من تحرم عليه تحريماً مؤقتاً كأخت امرأ ته وعمتها وخالتها، أو يشبهها برجل كأبيه أو زيد، أو بعضو منه كظهره أو رأسه، ولو بغير عربية، أو اعتقد الحل، أي حل المشبه بها من أم وأخت كمجوسي قال لزوجته: أنت علي كظهر أختي، وهو يعتقد حل أخته، فلا أثر لاعتقاده ذلك، ويكون مظاهر.\rفهم كالشافعية يجيزون ظهار الكافر، ولكن يخالفونهم في جواز تشبيه الزوجة بالمحرمة تحريماً مؤقتاً، أو بمن لا يحل الاستمتاع به، وأجازوا كالمالكية الظهار من الأجنبية.\rحكمه الشرعي: الظهار محرَّم (2) ، لقول الله تعالى: {وإنهم ليقولون منكراً من القول وزوراً} [المجادلة:2/58] ومعناه أن الزوجة ليست كالأم في التحريم، قال تعالى: {ما هن أمهاتهم} [المجادلة:2/58] وقال تعالى: {وما جعل أزواجكم اللائي تظاهرون منهن أمهاتكم} [الأحزاب:4/33].\r-------------------------------\r(1) كشاف القناع: 425/5، غاية المنتهى: 190/3.\r(2) المقدمات الممهدات: 600/1، المهذب: 111/2 وما بعدها، المغني: 337/7، البدائع: 229/3.","part":9,"page":553},{"id":6109,"text":"أحوال الظهار في العادة: يصح الظهار بالاتفاق منجزاً، كقوله: أنت علي كظهر أمي، ويكون الظهار عند أكثر الفقهاء من الزوج لا من الزوجة (1) ، فلو ظاهرت المرأة من زوجها كان ظهارها عند الحنفية لغواً، فلا حرمة عليها ولا كفارة. وكذلك قال بقية المذاهب: ليس ذلك بظهار، لقوله تعالى: {والذين يظاهرون منكم من نسائهم} [المجادلة:2/58] فخص الأزواج بالظهار، ولأنه قول يوجب تحريماً على الزوجة يملك الزوج رفعه، فاختص به الرجل كالطلاق، ولأن حل الاستمتاع بالمرأة حق للرجل، فلم تملك المرأة إزالته كسائر حقوقه.\rلكن أوجب عليها الإمام أحمد في رواية راجحة عنه كفارة الظهار؛ لأنها قد أتت بالمنكر من القول والزور، وفي رواية عنه: عليها كفارة اليمين، قال ابن قدامة: وهذا أقيس على مذهب أحمد وأشبه بأصوله؛ لأنه ليس بظهار، ومجرد القول من المنكر والزور لا يوجب كفارة الظهار بدليل سائر الكذب. وفي رواية ثالثة: ليس عليها كفارة، وهو قول بقية الأئمة، لأنه قول منكر وزور، وليس بظهار، فلم يوجب كفارة كالسب والقذف.\rالظهار المعلق: أجاز الحنفية (2) إضافة الظهار إلى ملك أو سبب الملك، مثال الأول: أن يقول لأجنبية: إن صرت زوجة لي فأنت علي كظهر أمي.\rومثال الثاني: إن تزوجتك فأنت علي كظهر أمي، وأجازوا إضافته إلى وقت مثل: أنت علي كظهر أمي في رأس شهر كذا، لقيام الملك، وتعليقه أثناء الزواج مثل: إن دخلت الدار أو إن كلمت فلاناً، فأنت علي كظهر أمي لوجود الملك وقت اليمين. لكن تعليق الظهار بمشيئة الله تبطله.\r-------------------------------\r(1) الدر المختار: 791/2، المغني: 384/7 وما بعدها، بداية المجتهد: 108/2.\r(2) الدر المختار ورد المحتار: 791/2، البدائع: 232/3.","part":9,"page":554},{"id":6110,"text":"وكذلك أجاز الحنابلة (1) تعليق الظهار على الزواج أو الظهار من الأجنبية، سواء قال ذلك لامرأة بعينها أو قال: كل النساء علي كظهر أمي، وسواء أوقعه مطلقاً أم علقه على التزويج، فقال: كل امرأة أتزوجها، فهي علي كظهر أمي، ومتى تزوج التي ظاهر منها، لم يطأها حتى يكفِّر. وأجازوا أيضاً تعليق الظهار بشرط، مثل إن دخلت الدار ، فأنت علي كظهر أمي، أو إن شاء زيدّ فأنت علي كظهر أمي، فمتى دخلت الدار أو متى شاء زيد، صار مظاهراً، وإلا فلا.\rودليلهم ما روى الإمام أحمد عن عمر بن الخطاب: أنه قال في رجل قال: إن تزوجت فلانة، فهي علي كظهر أمي، فتزوجها، قال: «عليه كفارة الظهار» ولأنها يمين مكفرة، فصح انعقادها قبل النكاح، كاليمين بالله تعالى.\rوقد بان سابقاً أن المالكية (2) أجازوا تعليق الظهار، نحو: إن دخلت الدار فأنت علي كظهر أمي، وإن تزوجتك فأنت علي كظهر أمي، أو قال: كل امرأة أتزوجها فهي مني كظهر أمي.\rوأجاز الشافعية (3) أيضاً تعليق الظهار بشرط وبمشيئة زيد مثلاً؛ لأنه يتعلق به التحريم كالطلاق والكفارة، وكل منهما يجوز تعليقه. وتعليق الظهار مثل: إذا جاء زيد، أو إذا طلعت الشمس فأنت علي كظهر أمي. فإذا وجد الشرط صار مظاهراً لوجود المعلق عليه. ومن أمثلته أن يقول: «إن ظاهرت من زوجتي الأخرى، فأنت علي كظهر أمي» وهما في عصمته، فظاهر من الأخرى، صار مظاهراً منهما، عملاً بموجب التنجيز والتعليق.\rوالخلاصة: اتفق فقهاء المذاهب الأربعة على جواز تعليق الظهار على شرط، وقرر الجمهور غير الشافعية أنه يجوز تعليق الظهار على التزوج بامرأة معينة، وكذا عند الحنفية والمالكية والحنابلة: لو قال: «كل النساء علي كظهر أمي» لأنه عقد على شرط الملك، فأشبه ذا ملك، والمؤمنون عند شروطهم. ولا يجوز عند الشافعية تعليق الظهار على ملك الزواج، لحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده فيما يرويه أبو داود والترمذي: «لا طلاق إلا فيما يملك، ولا عتق إلا فيما يملك، ولا بيع إلا فيما يملك، ولا وفاء بنذر إلا فيما يملك» والظهار شبيه بالطلاق.\r-------------------------------\r(1) المغني: 350/7، 354.\r(2) الشرح الصغير: 635/2، بداية المجتهد: 107/2.\r(3) مغني المحتاج: 354/3 .","part":9,"page":555},{"id":6111,"text":"الظهار المؤقت: ذكر فقهاء المذاهب الأربعة (1) : أنه يصح الظهار مؤقتاً، مثل أن يقول: أنت علي كظهر أمي شهراً أو يوماً، أو حتى ينسلخ شهر رمضان، لكن يصح مؤبداً عند المالكية وفي قول عند الشافعية، فلا ينحل إلا بالكفارة، أي فيسقط التأقيت ويكون ظهاراً؛ لأن هذا لفظ يوجب تحريم الزوجة، فإذا وقَّته لم يتوقت كالطلاق. وقال الحنفية والشافعية والحنابلة: إذا مضى الوقت، زال الظهار، وحلت المرأة بلا كفارة، فإن وطئها في المدة لزمته الكفارة، لحديث سَلَمة ابن صَخْر، وقوله: «تظاهرت من امرأتي حتى ينسلخ شهر ر مضان، وأخبر النبي صلّى الله عليه وسلم أنه أصابها في الشهر، فأمره بالكفارة» (2) ولأنه منع نفسه منها بيمين لها كفارة، فصح مؤقتاً بالإيلاء. ويختلف الظهار عن الطلاق في أن الظهار يزيل الملك، ويوقع تحريماً يرفعه التكفير، فجاز تأقيته.\rوعبارة الحنفية: لو قيد الظهار بوقت سقط بمضيه، لكن لو أراد قربانها داخل الوقت لايجوز بلا كفارة.\r-------------------------------\r(1) الدر المختار: 793/2، البدائع: 235/3، الشرح الصغير: 636/2، المهذب: 113/2-114، المغني: 349/7، مغني المحتاج: 357/3.\r(2) رواه أحمد وأبو داود والترمذي، وقال: حديث حسن، عن سلمة بن صخر (نيل الأوطار: 258/6).","part":9,"page":556},{"id":6112,"text":"المطلب الثاني ـ ركن الظهر وشروطه :\rركن الظهار عند الحنفية (1) : هو اللفظ الدال على الظهار، والأصل فيه قول الرجل لامرأته: أنت علي كظهر أمي، ويلحق به قوله: أنت علي كبطن أمي، أو فخذ أمي، أو فرج أمي.\rوقال الجمهور غير الحنفية (2) : للظهار أركان أربعة: وهي المظاهر، والمظاهر منها، واللفظ أو الصيغة، والمشبه به.\rوالمظاهر: هو الزوج.\rوالمظاهر منه: هو الزوجة، مسلمة كانت أو كتابية.\rواللفظ أو الصيغة: ما يصدر عن الزوج من ألفاظ صريحة أو كناية. والصريح: ما تضمن ذكر الظهر، كقوله: أنت علي كظهر أمي، والكناية: ما لم تتضمن ذكر الظهر، كقوله: أنت علي كأمي أو كفخذها أو بعض أعضائها، ويصدق في الكناية ديانة أنه أراد به الطلاق، دون الصريح. وينوي في الكناية ما يريد.\rوالمشبه به: هو من حرم وطؤه وهو الأم ويلحق بها كل محرمة على التأبيد بنسب أو رضاع أو مصاهرة.\r-------------------------------\r(1) البدائع: 229/3. (2) القوانين الفقهية: ص 242، الشرح الكبير: 440/2، المقدمات الممهدات: 599/1 وما بعدها، الشرح الصغير: 637/2، مغني المحتاج: 352/3. المغني: 338/7 ومابعدها.","part":9,"page":557},{"id":6113,"text":"شروط المظاهر: المظاهر عند الحنفية والمالكية: هو كل زوج مسلم عاقل بالغ، فلا يلزم ظهار الذمي.\rوعند الشافعية والحنابلة: هو كل زوج صح طلاقه، وهو البالغ العاقل سواء أكان مسلماً أم كافراً، حراً أم عبداً.\rوظهار السكران صحيح كطلاقه بالاتفاق. ولا يصح ظهار المكره عند الجمهور غير الحنفية. وبه تكون شروط المظاهر (1) :\r1ً - أن يكون عاقلاً: فلا يصح ظهار المجنون والصبي غير المميز، والمعتوه والمدهوش والمغمى عليه والنائم، كما لا يصح طلاقهم؛ لأنه يترتب عليه التحريم، وهؤلاء ليسوا أهلاً لخطاب التحريم.\r2ً - أن يكون بالغاً: فلا يصح ظهار الصبي وإن كان عاقلاً مميزاً؛ لأن الظهار من التصرفات الضارة المحضة، فلا يملكه الصبي، كما لا يملك الطلاق وغيره مما يضر بمصلحته.\r3ً - أن يكون مسلماً في رأي الحنفية والمالكية: فلا يصح ظهار الذمي عندهم؛ لأن حكم الظهار تحريم مؤقت يزول بالكفارة، والكافر ليس أهلاً للكفارة التي هي قربة إلى الله تعالى، فلا يكون من أهل الظهار.\rولا يشترط كونه مسلماً في رأي الشافعية والحنابلة، لعموم آية الظهار: {والذين يظاهرون من نسائهم} [المجادلة:3/58] من غير تفريق بين مسلم وكافر، ولأن الكافر مخاطب بفروع الشريعة، وأّهل للكفارة بغير الصوم من إطعام وإعتاق رقبة، ولأنه أهل للطلاق، فيكون أهلاً للظهار، فإن كان المظاهر كافراً، كفر بالعتق أو الطعام؛ لأنه يصح منه ما ذكر في غير الكفارة، فصح منه في الكفارة، ولا يكفر بالصوم، لعدم صحته منه.\rوالخلاصة: يشترط عند الفريق الأول شرطان في المظاهر وهما الإسلام والتكليف، وشرط واحد عند الفريق الثاني وهو التكليف.\rوأما الاختيار أو الطواعية فهو شرط عند الجمهور غير الحنفية، ويدخل عندهم شرط التكليف، فلا يصح ظهار المكره، وليس شرطاً عند الحنفية، فيصح ظهار المكره والمخطئ، كما يصح طلاقهما.\r-------------------------------\r(1) البدائع: 230/3 وما بعدها، القوانين الفقهية: ص 242، الشرح الصغير: 637/2، مغني المحتاج: 352/3 وما بعدها، المغني: 338/7 وما بعدها، 382، كشاف القناع: 429/5، المهذب: 118/2.","part":9,"page":558},{"id":6114,"text":"شروط المظاهر منها: المظاهر منها: هي امرأة المظاهر، مسلمة أو كتابية، كبيرة أو صغيرة، وشروطها ما يلي (1) :\r1ً - أن تكون زوجته: وهي أن تكون مملوكة له بملك النكاح، فلا يصح الظهار من الأجنبية، لعدم الملك، لقوله تعالى: {من نسائهم} [المجادلة:3/58].\rلكن يصح الظهار عند الجمهور غير الشافعية معلقاً بالملك، كأن يقول لامرأة: إن تزوجتك فأنت علي كظهر أمي، أو يقول: كل امرأة أتزوجها، فهي علي كظهر أمي.\rظهار المرأة: لم يجز أكثر العلماء ظهار المرأة من الرجل تشبيهاً للظهار بالطلاق، ويكون لغواً لا كفارة فيه، ولكن أوجب عليها الإمام أحمد في رواية راجحة عنه كفارة الظهار؛ لأنها أتت بالمنكر من القول والزور، وفي رواية: كفارة اليمين، وهذا أقيس على مذهبه، كما تقدم.\rالظهار من الجماعة: لو قال الزوج بلفظ واحد لأربع من نسائه: ( أنتن علي كظهر أمي) كان مظاهراً من جماعتهن، وعليه عند الحنفية والشافعية في الجديد لكل امرأة كفارة؛ لأنه وجد الظهار والعود (العزم على الوطء) في حق كل امرأة منهن، فوجب عليه عن كل واحدة كفارة، كما لو أفردها به.\rوقال المالكية والحنابلة: ليس عليه إلا كفارة واحدة، عملاً بقول عمر وعلي رضي الله عنهما، ولأن الظهاركلمة تجب بمخالفتها الكفارة، فإذا وجدت في جماعة أوجبت كفارة واحدة كاليمين بالله تعالى.\r2ً - قيام ملك النكاح من كل وجه: فيصح الظهار من الزوجة ولو كانت في أثناء العدة من طلاق رجعي، ولا يصح الظهار من المطلقة ثلاثاً، ولا المبانة ولا المختلعة وإن كانت في العدة، بخلاف الطلاق؛ لأن المختلعة والمبانة يلحقها عند الحنفية صريح الطلاق؛ لأن الظهار تحريم، وقد ثبتت الحرمة بالإبانة والخلع، وتحريم المحرَّم محال، ولأنه لا يفيد إلا ما أفاده سابقه، فيكون عبثاً.\r-------------------------------\r(1) البدائع: 232/3-234، فتح القدير: 232/3، اللباب: 69/3، الدر المختار: 791/2، 795، بداية المجتهد: 107/2 وما بعدها، 112، القوانين الفقهية: ص 242، الشرح الصغير: 637/2، المهذب: 113/2 وما بعدها، مغنى المحتاج: 354/3، 358، المغني: 339/7، 354، 357، 384.","part":9,"page":559},{"id":6115,"text":"3ً - أن يكون الظهار عند الحنفية مضافاً إلى بدن الزوجة، أو عضو منها يعبر به عن جميع البدن، أو جزء شائع منها، فلو أضافه إليها مثل: أنت علي كظهر أمي، أو إلى عضو يعبر به عن الجميع مثل: رأسك أو وجهك أو رقبتك أو فرجك علي كظهر أمي، أو إلى جزء شائع مثل: ثلثك أو ربعك أو نصفك ونحو ذلك كظهر أمي، كان مظاهراً.\rأما لو قال: يدك أو رجلك أو أصبعك، لا يصير مظاهراً عندهم. ويصير مظاهراً عند بقية المذاهب؛ لأنه عضو يحرم التلذذ به، فكان كالظهر.\rشروط المشبه به: المشبه به: هي الأم، ويلحق به كل محرمة على التأبيد بنسب أو رضاع أو مصاهرة. وقد اختلفت الآراء الفقهية سعة وضيقاً في تحديد المشبه به. فقال الحنفية (1) : يشترط في المظاهر به أو المشبه به ما يأتي:\r1ً - أن يكون امرأة يحرم نكاحها عليه على التأبيد، سواء أكان التحريم بالنسب كالأم والبنت والأخت والعمة والخالة، أم بالرضاع، أم بالمصاهرة كامرأة أبيه، أو زوجة ابنه، وأم امرأته (حماته).\r2ً - أن يكون عضواً لا يحل له النظر إليه، كالظهر والبطن والفخذ والفرج، فلو شبهها برأس أمه أو بوجهها أو يدها أو رِجْلها، لا يصير مظاهراً؛ لأن هذه الأعضاء من أمه يحل له النظر إليها.\r3ً - أن يكون من جنس النساء: فلو قال الزوج لامرأته: أنت علي كظهر أبي أو ابني، لا يصح؛ لأن الشرع إنما ورد فيما إذا كان المظاهر به امرأة. وعليه، لا يصح الظهار إذا شبه الرجل امرأته بامرأة محرمة عليه في الحال، وتحل له في حال أخرى، كأخت امرأته أو امرأة لها زوج، أو مجوسية، أو مرتدة؛ لأنها غير محرمة عليه أو على التأبيد.\rوذهب المالكية (2) إلى أن المشبه به: هو من حرم وطؤه أصالة من آدمي (ذكر أو أنثى) أو غيره أي كالبهيمة.\r-------------------------------\r(1) البدائع: 233/3-234.\r(2) الدسوقي مع الشرح الكبير: 439/2 وما بعدها، حاشية الصاوي على الشرح الصغير: 637/2، بداية المجتهد: 104/2، القوانين الفقهية: ص 244.","part":9,"page":560},{"id":6116,"text":"فيصح الظهار بتشبيه الزوجة أو جزئها ولو حكماً كالشعر والريق بالأم، وما يلحق بها من كل محرم على التأبيد بنسب أو رضاع أو مصاهرة. وخرج بقوله (أصالة) من يحرم وطؤها لعارض كالحيض أو النفاس، فلا ينعقد الظهار بقوله لإحدى زوجتيه: (أنت علي كظهر زوجتي النفساء أو الحائض أو المُحْرِمة بحج أوالمطلقة طلاقاً رجعياً ).\rويصح الظهار أيضاً بتشبيه الزوجة أيضاً بتشبيه الزوجة بجزء المحرَّمة على التأبيد، مثل: أنت علي كيد أمي أو يد خالتي.\rوكذا يصح الظهار عندهم إذا شبه زوجته بأجنبية لا تحرم عليه على التأبيد.\rورأى الشافعية (1) أن المشبه به فقط: كل من حرم وطؤه على التأبيد بنسب أو رضاع أو مصاهرة إلا مرضعة المظاهر وزوجة الابن؛ لأنهما كانتا حلالاً له في وقت،فيحتمل إرادته.\rوأوسع المذاهب في صحة الظهار بالمشبه به هم الحنابلة (2) ، فإنه يشمل ما يأتي من الأصناف، سواء أكان التشبيه بكل المشبه به أم بعضو منه كاليد والوجه والأذن.\r1ً - كل محرَّم من النساء على التأبيد بنسب أو رضاع أو مصاهرة، كالأمهات والجدات والعمات والخالات والأخوات، وهذا متفق عليه، والأمهات المرضعات والأخوات من الرضاعة، وحلائل الأبناء والآباء وأمهات النساء، والربائب اللاتي دخل بأمهن.\r2ً - كل محرَّم من النساء تحريماً مؤقتاً كأخت امرأته وعمتها، أو الأجنبية، لأنه شبه زوجته بمحرمة، فأشبه ما لو شبهها بالأم.\r3ً - كل محرَّم من الرجال، أو البهائم، أو الأموات ونحوهم، فيصح الظهار لو شبه زوجته بظهر أبيه، أو بظهر غيره من الرجال، أو قال: أنت علي كظهر البهيمة، أو أنت علي كالميتة والدم، عملاً بما روي عن جابر بن زيد.\rوخالفهم فيما ذكر أكثر العلماء، فلا يكون التشبيه بمن ذكر ظهاراً؛ لأنه تشبيه بما ليس بمحل للاستمتاع، كما لو قال: أنتِ علي مثل مال زيد.\rهذا ويكره أن يدعو الزوج زوجته بذي رحم، مثل يا أخت أو يا أم ونحوهما، لنهي النبي صلّى الله عليه وسلم عنه فيما رواه أبو داود.\r-------------------------------\r(1) مغني المحتاج: /3 353-354.\r(2) المغني: 340/7 ومابعدها، كشاف القناع: 425/5-428، غاية المنتهى: 190/3 ومابعدها.","part":9,"page":561},{"id":6117,"text":"شروط الصيغة: الصيغة التي ينعقد الظهار بها إما لفظ صريح لا يحتاج إلى نية، أو كناية يحتاج إلى نية. واختلف الفقهاء في بيان الألفاظ الصريحة والكناية.\rقال الحنفية (1) : الصريح: هو ما كان بلفظ لا يحتمل معنى آخر غير الظهار، بأن يقول الرجل لزوجته، ( أنت علي كظهر أمي ) أو ( بطنك أو فخذك أو فرجك...إلخ ) أو ( نصفك ونحوه من الجزء الشائع كظهر أمي ) يكون مظاهراً ولو بلا نية، لأنه صريح. ومثله: ( أنت علي حرام كظهر أمي ) ثبت الظهار لا غير لأنه صريح.\rوالكناية: ما كان بلفظ يحتمل الظهار وغيره، ويكون ظهاراً بالنية، مثل (أنت علي مثل أمي) يرجع إلى نيته، فإن قال: أردت الكرامة، فهو كما قال، وإن قال: أردت الظهار، فهو ظهار، وإن قال: أردت الطلاق، فهو طلاق بائن، وإن لم يكن له نية فليس بشيء عند أبي حنيفة وأبي يوسف، لاحتمال إرادة الكرامة.\rومثل: (أنت علي حرام كأمي) يعتبر ما نواه من ظهر أو طلاق. ولا يقبل منه إرادة الكرامة، لوجود لفظ التحريم، وإن لم ينو شيئاً ثبت الأدنى وهو الظهار في الأصح، لعدم إزالته ملك النكاح وإن طال.\r-------------------------------\r(1) فتح القدير: 228/3-231، البدائع: 231/3-232، الدر المختار: 792/2-794، اللباب: 68/3 وما بعدها.","part":9,"page":562},{"id":6118,"text":"وصريح الظهار عند المالكية (1) : هو ما تضمن ذكر الظهر في مؤبد التحريم، أو هو اللفظ الدال على الظهار بالوضع الشرعي بلا احتمال غيره بلفظ (ظهر) امرأة مؤبدة التحريم بنسب أو رضاع أو مصاهرة، فلا بد في الصريح من الأمرين: ذِكْر الظهر، وذِكْر مؤبدة التحريم، مثل: ( أنت علي كظهر أمي أو أختي من الرضاع، أو كظهر أمك ) .\rولا ينصرف صريح الظهار للطلاق إن نواه به؛ لأن صريح كل نوع لا ينصرف لغيره، ولا يعتبر منه الطلاق إن نوى بالظهار طلاقاً، لا في الفتوى ولا القضاء على المشهور من المذهب.\rوالكناية عندهم: هي ما سقط منه أحد اللفظين: لفظ الظهر: ولفظ مؤبد التحريم، مثال الأول: ( أنت كأمي ) أو ( أنت أمي ) بحذف أداة التشبيه، ومثال الثاني: ( أنت كظهر رجل: خالد أو بكر أو كظهر أبي أو ابني، أو أجنبية (2) يحل وطؤها في المستقبل بزواج ) مثل: أنت علي كظهر فلانة، وليست محرماً ولا زوجة له.\rومن الكناية: أن يعبر بجزء من الزوجة أو من المشبه به، مثل: يدك أو رأسك أو شعرك كأمي، أو كيد أمي أو رأسها أو شعرها. وينوي الظهار في النوعين.\rفإن نوى الظهار في نوعي الكناية الظاهرة، وهما إسقاط لفظ الظهر، أو إسقاط مؤبدة التحريم، انعقد ظهاراً. وإن نوى الطلاق وقع به البينونة الكبرى: وهي الطلاق الثلاث، سواء في الزوجة المدخول بها وغيرها، لكن إن نوى الأقل من الثلاث في غير المدخول بها، لزمه فيها ما نواه، بخلاف المدخول بها، فإنه يلزمه فيها البينونة الكبرى، ولا يقبل منه نية الأقل.\r-------------------------------\r(1) القوانين الفقهية: ص 242، الشرح الصغير: 637/2-640، الشرح الكبير: 442/2، بداية المجتهد: 104/2، المقدمات الممهدات: 599/1.\r(2) المراد بالأجنبية: غير القريبة المحرم، وغير الزوجة.","part":9,"page":563},{"id":6119,"text":"ومذهب الشافعية (1) : أن الصريح: ما تضمن ذكر الظهر أو عضو لا يذكر في معرض التكريم، كأن يقول الرجل لزوجته: ( أنت علي أو مني أو معي أو عندي كظهر أمي ) وكذا إن قال: ( أنت كظهر أمي ) بحذف الصلة أي (علي) ونحوه، يكون صريحاً على الصحيح، ومن الصريح قوله: (جسمك أو بدنك أو نفسك كبدن أمي أو جسمها أو جملتها) لتضمنه الظهر. ومنه: ( أنت علي كيد أمي أو بطنها أو صدرها، ونحوها ) من الأعضاء التي لا تذكر في معرض الكرامة والإعزاز مما سوى الظهر؛ لأنه عضو يحرم التلذذ به، فكان كالظهر.\rومن الصريح: ذكر جزء شائع مثل نصفك أو ربعك، ومنه ذكر أحد الأعضاء مثل: رأسك أو ظهرك أو يدك أو رجلك، أو بدنك أو جلدك أو شعرك أو نحو ذلك.\rوالكناية: أن يذكر عضواً يحتمل الكرامة، مثل أنت علي كعين أو رأس أمي ونحوه. أو أنت كأمي أو روحها أو وجهها، فإن قصد ظهاراً، أي نوى أنها كظهر أمه في التحريم فهو ظهار، وإن قصد كرامة ولم يقصد شيئاً، فلا يكون ظهاراً؛ لأن هذه الألفاظ تستعمل في الكرامة والإعزاز.\rولا يكون الظهار بلفظ الطلاق، ولا الطلاق بلفظ الظهار، فإن قال الرجل لامرأته: ( أنت طالق ) ونوى به الظهار، لم يكن ظهاراً. وإن قال: أنت علي كظهر أمي» ونوى به الطلاق، لم يكن طلاقاً؛ لأن كل واحد منهما صريح في موجبه في الزوجية، فلا ينصرف عن موجبه بالنية، كما تقدم عند المالكية.\rولو قال: ( أنت طالق كظهر أمي ) ولم ينو شيئاً، وقع الطلاق، بقوله: (أنت طالق) ويلغى قوله: (كظهر أمي).\rوإن قال: (أنت علي حرام كظهر أمي) ولم ينو شيئاً، فهو ظهار؛ لأنه أتى بصريحه، وأكده بلفظ التحريم. فإن نوى به الطلاق كان طلاقاً في الصحيح.\r-------------------------------\r(1) مغني المحتاج: 353/3، المهذب: 112/2.","part":9,"page":564},{"id":6120,"text":"والصريح عند الحنابلة (1) : ما تضمن ذكر الظهر أو الحرمة، فإذا قال الزوج لزوجته: أنت علي كظهر أمي أو كظهر امرأة أجنبية، أو أنت علي حرام، أو حرم عضواً من أعضائها، كان مظاهراً.\rفإن شبَّه زوجته بمن تحرم عليه على التأبيد، فقال: أنت علي كظهر أمي أو أختي أوغيرهما، فهذا ظهار إجماعاً.\rوكذا إن شبهها بمن تحرم عليه من ذوي رحمه كجدته وعمته وخالته وأخته، كان ظهاراً في المذاهب الأربعة وأكثر العلماء.\rأو شبهها بالأقارب المحرمات من جهة الرضاع أو من جهة المصاهرة كالأمهات المرضعات وحلائل الآباء والأبناء، كان ظهاراً في رأي الأكثرين.\rوأما الكناية عند الحنابلة فهو استعمال ألفاظ الكرامة والتوقير، كما قال الشافعية، فإن قال: أنت علي كأمي أو مثل أمي، فإن نوى به الظهار فهو ظهار، وهو رأي الأكثرين، وإن نوى به الكرامة والتوقير أو أنها مثله في الكبر أو الصفة، فليس بظهار، والقول قوله في تحديد نيته. وإن لم ينو شيئاً وأطلق فالأظهر عندهم أنه ليس بظهار حتى ينويه، وهو موافق لقول أبي حنيفة والشافعي؛ لأن هذا اللفظ يستعمل في الكرامة أكثر مما يستعمل في التحريم، فلم ينصرف إليه بغير نية ككنايات الطلاق.\rوإن قال: ( أنت علي حرام ) فإن نوى به الظهار، فهو ظهار، وهذا موافق لقول أبي حنيفة والشافعي. ولو قال: ( أنت حرام إن شاء الله ) فلا ظهار.\rوإن قال: ( أنت علي كظهر أمي حرام ) فهو صريح في الظهار لا ينصرف إلى غيره، سواء نوى الطلاق أو لم ينوه، وهذا متفق عليه؛ لأنه صرّح بالظهار، وبينه بقوله: ( حرام ).\r-------------------------------\r(1) المغني: 340/7-346، كشاف القناع: 426/5-428.","part":9,"page":565},{"id":6121,"text":"ولو قال: ( أنت طالق كظهر أمي ) طلقت كما قال الشافعية، وسقط قوله: (كظهر أمي) لأنه أتى بصريح الطلاق أولاً، وجعل قوله «كظهر أمي» صفة له. فإن نوى بقوله (كظهر أمي) تأكيد الطلاق لم يكن ظهاراً، كما لو أطلق. وإن نوى به الظهار، وكان الطلاق بائناً، فهو كالظهار من الأجنبية؛ لأنه أتى به بعد بينونتها بالطلاق، وإن كان رجعياً كان ظهاراً صحيحاً، كما قال الشافعية.\rوإن قال: ( أنت علي حرام ) ونوى الطلاق والظهار معاً، كان ظهاراً ولم يكن طلاقاً؛ لأن اللفظ الواحد لا يكون ظهاراً وطلاقاً، والظهار أولى بهذا اللفظ، فينصرف إليه.\rوإن قال: ( الحل علي حرام ) أو ( ما أحل الله علي حرام ) أو ( ما انقلب إليه حرام ) وله امرأة، فهو مظاهر في الصور الثلاث، لأن لفظه يقتضي العموم، فيتناول المرأة بعمومه. وإن صرح بتحريم المرأة أو نواها، فهو آكد.\rولا يكون مظاهراً إن قال: كشعر أمي أو سنها أوظفرها؛ لأنها ليست من أعضاء الأم الثابتة. أو قال: ( أنا مظاهر، أو علي الظهار، أو علي الحرام، أو الحرام لازم لي ) ولا نية له؛ لأنه ليس بصريح في الظهار ولا نوى به الظهار. وإن نوى به الظهار، أو اقترنت به قرينة تدل على إرادته الظهار، مثل أن يعلقه على شرط، فيقول: ( علي الحرام إن كلمتك ) احتمل أن يكون ظهاراً، كما يصح طلاق الكناية بالنية، ويحتمل ألا يثبت به الظهار؛ لأن الشرع إنما ورد به بصريح لفظه وهو المظاهرة، وهذا ليس بصريح فيه، ولأنه يمين موجبة للكفارة، فلم يثبت حكمه بغير الصريح كاليمين بالله تعالى.","part":9,"page":566},{"id":6122,"text":"المطلب الثالث ـ أثر الظهار أو أحكامه، أو ما يحرم على المظاهر :\rيترتب على الظهار الأحكام التالية (1) :\r1ً - تحريم الوطء بالاتفاق قبل التكفير، وكذا عند الجمهور غير الشافعية: تحريم جميع أنواع الاستمتاع غير الجماع كاللمس والتقبيل والنظر بلذة ما عدا وجهها وكفيها ويديها لسائر بدنها ومحاسنها، والمباشرة فيما دون الفرج، لقوله تعالى: {والذين يظاهرون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا، فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا} [المجادلة:3/58] أي فليحرروا رقبة، كما في آية {والوالدات يرضعن أولادهن} [البقرة:233/2] أي ليرضعن، وآية {والمطلقات يتربصن بأنفسهن} [البقرة:228/2] أي ليتربصن، ولأن القول الذي حرم ا لوطء، حرم مقدماته ودواعيه كيلا يقع فيه كالطلاق والإحرام. ويستمر التحريم إلى أن يكفر كفارة الظهار؛ لأن ظهاره جناية؛ لأنه منكر من القول وزور، فيناسب مجازاة الجناية بالحرمة، وارتفاعها بالكفارة.\rفإن وطئ الرجل المظاهر امرأ ته قبل أن يكفر، استغفر الله تعالى من ارتكاب هذا المأثم، ولا شيء عليه غيرالكفارة الأولى، ولا يعود إلى الاستمتاع بالمظاهر\r-------------------------------\r(1) البدائع: 234/3 وما بعدها، فتح القدير: 226/3 وما بعدها، الدر المختار: 792/2 وما بعدها، اللباب: 67/3 وما بعدها، القوانين الفقهية: ص 242، بداية المجتهد: 108/2، الشرح الصغير: 641/2، المهذب: 114/2، المغني: 347/7 وما بعدها، 383، كشاف القناع: 431/5 وما بعدها.","part":9,"page":567},{"id":6123,"text":"منها حتى يكفر، لقوله صلّى الله عليه وسلم للذي واقع في ظهاره قبل الكفارة: «فلا تقربها حتى تفعل ما أمرك الله » وفي رواية «فاعتزلها حتى تكفر» (1) وعن سَلَمة بن صخر عن النبي صلّى الله عليه وسلم في المظاهريُواقع قبل أن يكفِّر، قال: «كفارة واحدة» (2) .\rوالعَوْد الذي تجب به الكفارة في قوله تعالى: {ثم يعودون لما قالوا} [المجادلة:3/58]: أن يعزم المظاهر على وطئها، أي المظاهر منها، أي أن الكفارة تجب عليه إذا قصد وطأها بعد الظهار. فإن رضي أن تكون محرَّمة عليه، ولم يعزم على وطئها لا تجب الكفارة عليه، ويجبر على التكفير دفعاً للضرر عنها.\rومذهب الشافعية: يحرم بالظهار الوطء فقط دون مقدماته ودواعيه حتى يكفِّر المظاهر؛ لأنه وطء يتعلق بتحريم مال، فلم يتجاوزه التحريم كوطء الحائض.\r2ً - للمرأة أن تطالب المظاهر بالوطء، لتعلق حقها به، وعليها أن تمنعه من الاستمتاع حتى يكفّر عن الظهار، وعلى القاضي إلزامه بالتكفير، دفعاً للضرر عنها، والإلزام يكون بحبس أو ضرب إلى أن يكفر أو يطلّق.\rفإن ادعى أنه كفَّر عن ظهاره، صدِّق في دعواه ما لم يكون معروفاً بالكذب.\rهل يعود الظهار بعد الطلاق بالعودة إلى الزوجية؟\rإذا طلَّق الرجل امرأته بعد الظهار قبل أن يكفِّر عن ظهاره، ثم راجعها هل يعود عليها الظهار، فلا يحل له المسيس (الوطء وتوابعه) حتى يكفِّر؟\rذكر ابن رشد (3) خلافاً في المسألة، فعند مالك: إن طلقها دون الثلاث ثم راجعها في العدة أو بعدها، فعليه الكفارة.\rوقال أبو حنيفة وصاحباه والشافعي وأحمد: الظهار راجع عليها، سواء نكحها بعد الثلاث أو بعد طلقة واحدة.\rوهذه المسألة شبيهة بمن يحلف بالطلاق، ثم يطلق، ثم يراجع، هل تبقى تلك اليمين عليه أم لا؟\rوسبب الخلاف: هل الطلاق يرفع جميع أحكام الزوجية ويهدمها أو لا يهدمها؟ فمنهم من رأى أن الطلاق البائن الذي هو الثلاث يهدم، وأن ما دون الثلاث لا يهدم. ومنهم من رأى أن الطلاق كله غير هادم.\r-------------------------------\r(1) أخرجه أصحاب السنن الأربعة عن ابن عباس (نصب الراية: 246/3، نيل الأوطار: 271/6).\r(2) رواه ابن ماجه والترمذي عن سلمة (نيل الأوطار: 261/6).\r(3) بداية المجتهد: 109/2، المغني: 351/7 وما بعدها، مغني المحتاج: 357/3، البدائع: 235/3.","part":9,"page":568},{"id":6124,"text":"هل يدخل الإيلاء على الظهار؟\rذكر ابن رشد (1) أيضاً خلافاً في هذه المسألة على ثلاثة آراء: فقال الجمهور غير مالك: لا يتداخل حكم الإيلاء مع حكم الظهار، سواء أكان الزوج مضاراً أم لم يكن، أي لا يدخل عليه.\rوقال مالك: يدخل الإيلاء على الظهار بشرط أن يكون مضاراً.\rوقال سفيان الثوري: يدخل الإيلاء على الظهار مطلقاً، وتبين منه بانقضاء الأربعة الأشهر، ولو من غير مضارة.\rوسبب الخلاف: مراعاة المعنى أو اعتبار الظاهر، فمن اعتبر الظاهر قال: لا يتداخلان. ومن اعتبر المعنى قال: يتداخلان إذا كان القصد الضرر.\r-------------------------------\r(1) بداية المجتهد: 109/2.","part":9,"page":569},{"id":6125,"text":"المطلب الرابع ـ كفارة الظهار :\rيتناول الكلام عن كفارة الظهار المسائل الآتية:\rأولاً ـ مشروعية الكفارة: شرعت كفارة الظهار بالكتاب والسنة (1) :\rأما الكتاب: فقول تعالى: {والذين يظاهرون من نسائهم، ثم يعودون لما قالوا فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا، ذلكم توعظون به، والله بما تعملون خبير. فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين من قبل أن يتماسا، فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكيناً...} [المجادلة:3/58-4].\rوأما السنة: فروى أبو داود بإسناده عن خولة بنت مالك بن ثعلبة قالت: ظاهر مني أوس بن الصامت، فجئت رسول الله صلّى الله عليه وسلم أشكو إليه، ورسول الله صلّى الله عليه وسلم يجادلني فيه، ويقول: اتقي الله ، فإنه ابنُ عمك، فما برح حتى نزل القرآن: {قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها} [المجادلة:1/58] إلى الفرض (2) ، فقال: يعتق رقبة، قالت: لا يجد، قال: فيصوم شهرين متتابعين، قالت يا رسول الله ، إنه شيخ كبير، ما به من صيام، قال: فليطعم ستين مسكيناً، قالت: ما عنده من شيء يتصدَّق به، قال: فأُتي بعَرَق من تمر، قالت: يا رسول الله ، فإني سأعينه بعَرَق آخر، قال: قد أحسَنت، اذهبي فأطعمي بهما عنه ستين مسكيناً، وارجعي إلى ابن عمك. والعَرَق: ستون صاعاً (3) .\rثانياً ـ متى تجب كفارة الظهار؟\rيرى أكثر الفقهاء أن كفارة الظهار لا تجب قبل العود، فلو مات أحد المظاهرين أو فارق المظاهر زوجته قبل العود، فلا كفارة عليه، لقوله تعالى: {والذين يظاهرون من نسائهم، ثم يعودون لما قالوا، فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا} [المجادلة:3/58] وهو نص في وجوب تعلق الكفارة بالعود. ومن طريق القياس: إن الظهار يشبه كفارة اليمين، فكما أن الكفارة إنما تلزم بالمخالفة أو بإرادة المخالفة، كذلك الأمر في الظهار، والكفارة في الظهار كفارة يمين، فلا يحنث بغير الحنث\r-------------------------------\r(1) بداية المجتهد: 103/2، المغني: 109/7 .\r(2) الفرض : يقصد به آيتي الظهار 3 و 4 من سورة المجادلة.\r(3) رواه أبو داود، ولأحمد معناه،لكنه لم يذكر قدر العَرَق (نيل الأوطار: 262/6).","part":9,"page":570},{"id":6126,"text":"كسائر الأيمان، والحنث فيها هو العود.\rواختلفوا في تفسير العود على آراء ثلاثة (1) :\rقال الحنفية: والمالكية على المشهور: العود: العزم على الوطء أو إرادة الوطء.\rورأى الحنابلة أن العود: هو الوطء في الفرج، لقوله تعالى: {ثم يعودون لما قالوا، فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا} [المجادلة:3/58] أوجب الكفارة عقب العود، وهو يقتضي تعلقها به، ولا تجب قبله، إلا أن الكفارة شرط لحل الوطء، فيؤمر بها من أراده ليستحله بها، كما يؤمر بعقد النكاح من أراد حلها، ولأن العود في القول هو فعل ضد ما قال، كما أن العود في الهبة: هو استرجاع ما وهب. والعود هنا هو فعل ما حلف على تركه وهو الجماع.\rوذهب الشافعية إلى أن العود في الظهار: هو إمساكها بعد ظهاره زمناً يمكنه طلاقها فيه؛ لأن ظهاره منها يقتضي إبانتها، فإمساكها عود فيما قال، ولأن تشبيهها بالأم يقتضي ألا يمسكها زوجة، فإذا أمسكها زوجة فقد عاد فيما قال؛ لأن العود للقول مخالفته، يقال: قال فلان قولاً ثم عاد له، وعاد فيه: أي خالفه ونقضه، وهو قريب من قولهم: عاد في هبته.\rوهذا في الظهار المؤبد أو المطلق، وفي غير الرجعية؛ لأنه في الظهار المؤقت إنما يصير عائداً بالوطء في المدة، لا بالإمساك. والعود في الرجعية: إنما هو بالرجعة.ومحل العود بالإمساك بعد ظهاره زمن إمكان فرقة: هو إذا لم يتصل بالظهار فرقة بسبب من الأسباب، فلو اتصل بالظهار فُرْقة بموت منهما أو من أحدهما، أو فسخ للنكاح، أو فُرْقة بسب طلاق بائن، أو رجعي ولم يراجع، أو جُن الزوج عقب ظهاره، فلا عود ولا كفارة في جميع ذلك، لتعذر الفراق في حالتي الطلاق والجنون، وفوات الإمساك في الموت، وانتفائه في الفسخ.\r-------------------------------\r(1) البدائع: 235/3، اللباب: 68/3، بداية المجتهد: 104/2 وما بعدها، القوانين الفقهية: ص243، الشرح الصغير: 643/2، مغني المحتاج: 355/3-357، المهذب: 113/2، المغني: 351/7 وما بعدها، كشاف القناع: 432/5 وما بعدها.","part":9,"page":571},{"id":6127,"text":"ثالثاً ـ تعدد الكفارة بتعدد المظاهر منهن أو بتعدد الظهار :\rإذا ظاهر الرجل من أربع نسوة له، فعليه عند الحنفية والشافعية في الجديد (1) كما تقدم أربع كفارات، سواء ظاهر منهن بأقوال مختلفة، أو بقول واحد؛ لأن الظهار وإن كان بكلمة واحدة، فإنه يتناول كل واحدة من النساء وحدها، فصار مظاهراً من كل واحدة منهن، وبما أن الظهار تحريم لا يرتفع إلا بالكفارة، فإذا تعدد التحريم تتعدد الكفارة.\rوليس عليه أكثر من كفارة واحدة، أو يجزئ واحدة إذا كان مظاهراً بكلمة واحدة عند المالكية والحنابلة (2) ؛ لأن الظهار كالإيلاء في التحريم، وفي الإيلاء لا يجب إلا كفارة واحدة، ولأنه كاليمين بالله تعالى، والحنث باليمين على أمر متعدد لا يوجب إلا كفارة واحدة، ولأن الكفارة تمحو إثم الحنث، والكفارة الواحدة تحقق المراد. أما إن ظاهر من نسائه بكلمات فقال لكل واحدة: أنت علي كظهر أمي، فإن كل كلمة تقضي كفارة ترفعها وتكفر إثمها، فتتعدد الكفارة بتعدد الظهار من كل امرأة؛ لأنها أيمان متكررة على أعيان متفرقة، فكان لكل واحدة كفارة، كما لو كفر ثم ظاهر.\rوالراجح لدي هو الرأي الأول؛ لأن محل الظهار تعدد،فتتعدد الكفارة.\rوأما تعدد الكفارة بتعدد الظهار، كأن ظاهر من زوجته مراراً، فاختلف فيه الفقهاء أيضاً (3) :\rفرأى الحنفية: إن كرر الظهار في مجلس واحد، فكفارته واحدة، وإن كان في مجالس فكفارات، كبقية الأيمان، ولأنه قول يوجب تحريم الزوجة، فإذا نوى الاستئناف، تعلق بكل مرة حكم حالها كالطلاق.\rورأى المالكية والحنابلة في ظاهر المذهب والأوزاعي: إذا ظاهرالرجل من زوجته مراراً فلم يكفر، فكفارة واحدة؛ لأن المرأة قد حرمت بالقول الأول، فلم يزد القول الثاني في تحريمها، ولأن الظهار لفظ يتعلق به كفارة، فإذا كرره كفاه كفارة واحدة كاليمين بالله تعالى.\rوذهب الشافعي في الجديد: إلى أن من حلف أيماناً كثيرة، فإن أراد تأكيد اليمين، فكفارة واحدة، وإن نوى الاستئناف فكفارتان في الأظهر.\r-------------------------------\r(1) البدائع: 234/3، مغني المحتاج: 358/3.\r(2) بداية المجتهد: 112/2 وما بعدها، المغني: 357/7.\r(3) بداية المجتهد:113/2، المغني: 386/7، مغني المحتاج: 358/3.","part":9,"page":572},{"id":6128,"text":"رابعاً ـ أنواع الكفارة وترتيبها :\rالكفارة كما دل القرآن والسنة النبوية فيما سبق أنواع ثلاثة:\r1ً - عتق رقبة سالمة من العيوب، صغيرة أم كبيرة، ذكر أم أنثى.\r2ً - صيام شهرين متتابعين.\r3ً - إطعام ستين مسكيناً، يوماً واحداً، غداء وعشاء عند الحنفية.\rوهي واجبة على الترتيب، فالإعتاق أولاً، فإن لم يكن بأن عجز عنه فالصيام، فإن لم يكن بسبب العجز عنه فالإطعام، والمعتبر في العجز عند الجمهور: وقت الأداء. وعند الحنابلة وقت الحنث.\rأما إعتاق الرقبة (1) : فهي الواجب الأول على المظاهر القادر على الإعتاق لا يجزئه غيره بالاتفاق، لقوله تعالى: {والذين يظاهرون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا: فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا} [المجادلة:3/58] ولقول النبي صلّى الله عليه وسلم لأوس بن الصامت حين ظاهر من امرأته في الحديث المتقدم: «يعتق رقبة، قلت: لا يجد، قال: فيصوم» وقوله لسلمة بن صخر مثل ذلك. فمن وجد رقبة يستغني عنها، أو وجد ثمنها فاضلاً عن حاجته، ووجدها به، لم يجزئه إلا الإعتاق.\rواتفق الفقهاء أيضاً على أنه لا يجزئه رقبة سالمة من العيوب الضارة بالعمل ضرراً بيِّناً؛ لأن المقصود تمليك العبد منافع نفسه، وتمكينه من التصرف لنفسه، ولا يحصل هذا مع ما يضر بالعمل ضرراً واضحاً، فلا يجزئ الأعمى، ولا المقعد، ولا المقطوع اليدين أو الرجلين، لفوات جنس المنفعة، فيكون المعتق هالكاً حكماً، إذ لا يتهيأ له كثير من العمل مع تلف هذه الأعضاء. ولا يجزئ المجنون جنوناً مطبقاً؛ لأنه وجد فيه المعنيان: ذهاب منفعة الجنس، وحصول الضرر بالعمل.\r-------------------------------\r(1) الدر المختار: 796/2 وما بعدها، فتح القدير: 233/3-236، اللباب: 70/3، الشرح الصغير: 645/2-649، بداية المجتهد: 110/2 ومابعدها، القوانين الفقهية: ص 243، مغني المحتاج: 360/3 وما بعدها، المهذب: 114/2 وما بعدها، المغني: 359/7-362، كشاف القناع: 438/5-442.","part":9,"page":573},{"id":6129,"text":"ويجزئ عند الحنفية: المقطوع إحدى اليدين والرجلين، والمقطوع الأذنين والأنف، والأصم إن سمع الصياح، والأعور والأعمش والخصي والمجبوب، لأنه ليس بفائت جنس المنفعة ، وإنما يخل بكمالها وهو لا يمنع الانتفاع به. ولا يجوز مقطوع إبهام اليدين؛ لأن قوة البطش بهما، ولايجزئ عندهم الأخرس، والأصم الذي لا يسمع الصياح؛ لزوال جنس المنفعة، فأشبه زائل العقل.\rولا يجزئ عند الجمهور غير الحنفية المقطوع إحدى اليدين أو الرجلين، إلا أن الشافعية أجازوا فاقد إحدى اليدين، لا فاقد رِجْل.\rولا يجزئ عند المالكية مقطوع أصبع فأكثر، أو أذن، ولا الأعمى، ويجزئ الأعور، ولا يجزئ الأبكم (الأخرس) ولا الأصم، ولا المجنون، ولا المريض المشرف على الهلاك بسبب جذام وبرص وعرج وهرم شديدين.\rولا يجزئ عند الشافعية المريض الزمِن، وفاقد رجل، أو خِنصر وبِنصر من يد، أو أنملتين من غيرهما؛ لأن فقدهما مضر، وأنملة إبهام، لأن فقدهما يضر، لتعطل منفعتها فأشبه قطعها، ولا يجزئ هَرِم عاجز، ومن أكثر وقته مجنون ومريض لا يرجى برء علته. ويجزئ عندهم صغير، وأقرع، وأعرج يمكنه متابعة المشي، وأعور، وأصم، وأخرس، وأخشم (فاقد الشم) وفاقد أنفه وأذنيه وأصابع رجليه، ولا يجزئ عتق عبد مغصوب؛ لأنه ممنوع من التصرف في نفسه، فهو كالمريض الزمِن.","part":9,"page":574},{"id":6130,"text":"ولا يجزئ عند الحنابلة مقطوع اليد أو الرجل، ولا أشلها، ولا مقطوع إبهام اليد أو سبابتها أو الوسطى؛ لأن نفع اليد يذهب بذهاب هؤلاء. ولا يجزئ مقطوع الخنصر والبنصر من يد واحدة؛ لأن نفع اليدين يزول أكثره بقطعهما. وإن قطعت كل واحدة من يد، جاز؛ لأن نفع الكفين باق. وقطع أنملة الإبهام كقطع جميعها، فهم كالشافعية فيما عدا مقطوع اليد. ويجزئ عندهم الأعور اتفاقاً مع غيرهم، ويجزئ مقطوع الأنف والأصم إذا فهم الإشارة، ويجزئ الأخرس إذا فهمت إشارته وفهم بالإشارة. ويجزئ المريض بمرض يرجى برؤه، ولا يجزئ غير مرجو البرء، ولا يجزئ عتق المغصوب؛ لأنه لا يقدر على تمكينه من منافعه، ولا يجزئ غائب غيبة منقطعة لا يعلم خبره؛ لأنه لا يعلم حياته، فلا يعلم صحة عتقه.\rواختلف الفقهاء في اشتراط الإيمان في الرقبة على قولين:\rيرى الحنفية: أنه لا يشترط إيمان الرقبة في كفارة الظهار وكذا في كفارة اليمين، فيصح إعتاق الكافر أو مباح الدم، عملاً بإطلاق النص القرآني: {فتحرير رقبة} [المجادلة:3/58].\rويرى الجمهور: أنه يشترط إيمان الرقبة في هذه الكفارة وفي كفارة اليمين، فيجب أن تكون مسلمة، ولا يجزئ الكافر؛ لأنه تكفير بعتق، فلم يجز إلا مؤمنة مثل كفارة القتل، والمطلق يحمل على المقيد قياساً إذا وجد المعنى فيه، ولأنه إذا كان لا يجوز إلا رقبة سليمة من العيوب المضرة بالعمل ضرراً بيناً، وقيدنا النص القرآني بهذا القيد،، فالتقييد بالسلامة من الكفر أولى.\rوسبب الخلاف: قضية حمل المطلق على المقيد، فإن القرآن قيد الرقبة بالإيمان في كفارة القتل، وأطلقها في كفارة الظهار، فيجب عند الجمهور صرف المطلق إلى المقيد. ولا يجب عند ا لحنفية، ويعمل بكل نص على حدة، حتى لا يزاد على النص ما ليس منه.","part":9,"page":575},{"id":6131,"text":"وأما صيام شهرين متتابعين :\rفقد أجمع أهل العلم (1) على أن المظاهر إذا لم يجد رقبة بأن عجز عن ثمنها، أو وجدها بأكثر من ثمن المثل، وقدر على الصوم: أن فرضه صيام شهرين متتابعين، ولو ثمانية وخمسين يوماً بالهلال، وإلا فستين يوماً، لقول الله تعالى: {فمن لم يجد، فصيام شهرين متتابعين من قبل أن يتماسا} [المجادلة:4/58].\rولحديث أوس بن الصامت وسلمة بن صخر، قال فيه النبي صلّى الله عليه وسلم لمن واقع امرأته بعد الظهار وعجز عن الإعتاق: «فصم شهرين متتابعين» .\rورأى الحنفية والمالكية: أنه متى وجد رقبة، لزمه إعتاقها، ولم يجز له الانتقال إلى الصيام، وإن كان محتاجاً إليها لخدمة، أو محتاجاً إلى ثمنها لقضاء دين؛ لأنه واجد حقيقة.\rوخالفهم الشافعية والحنابلة: فأجازوا له الانتقال إلى الصيام إن كان محتاجاً للرقبة لخدمة أو قضاء دين أو نفقة أو أثاث لا بد منه، أو لم يجد رقبة يشتريها؛ لأن ما استغرقته حاجة الإنسان فهو كالمعدوم في جواز الانتقال إلى البدل، كمن وجد ماء يحتاج إليه للعطش يجوز له الانتقال إلى التيمم. ويعتبر اليسار الذي يلزم به الإعتاق في أظهر الأقوال عند الشافعيةوالمالكية: هو وقت الأداء والإخراج، لأنها عبادة لها بدل من غير جنسها، فاعتبر حال أدائها كالصوم والتيمم والقيام والقعود في الصلاة. والمعتبر عند الحنابلة: وقت وجوب الكفارة.\rالتتابع في الصوم: أجمع أهل العلم أيضاً على وجوب التتابع في صيام كفارة الظهار، للنص القرآني، وأجمعوا على أن من صام بعض الشهر، ثم قطعه لغير عذر وأفطر: أن عليه استئناف الشهرين، لورود لفظ الكتاب والسنة به.\r-------------------------------\r(1) الدر المختار: 801/2-804، اللباب: 73/3 وما بعدها، القوانين الفقهية: ص 243، الشرح الصغير:654/2وما بعدها،بداية المجتهد: 112/2، مغني المحتاج: 366/3، المهذب: 117/2، المغني: 362/7-368-377، غاية المنتهى: 197/3 وما بعدها، كشاف القناع: 445/5-448.","part":9,"page":576},{"id":6132,"text":"ومعنى التتابع: الموالاة بين صيام أيام الشهرين، فلا يفطر فيها، ولا يصوم عن غير الكفارة، ولا يحتاج التتابع عند الجمهور إلى نية، ويكفي فعله؛ لأنه شرط، وشرائط العبادات لا تحتاج إلى نية، وإنما تجب النية لأفعال العبادة. وقال المالكية: لابد من نية التتابع ونية الكفارة.\rفإن بدأ الصيام في أثناء شهر، حسب الشهر الذي بعده عند الشافعية والمالكية والحنابلة بالأهلّة. وأما عند الحنفية: إن لم يكن صومه في أول الشهر برؤية الهلال بأن غم أو صام في أثناء شهر، فإنه يصوم ستين يوماً.\rولتحقيق التتابع قال الحنفية: ويختار صوم شهرين متتابعين ليس فيهما شهر رمضان، ولا يوم الفطر، ولا يوم النحر، ولا أيام التشريق.\rفإن جامع الرجل المرأة التي ظاهر منها في خلال الشهرين ليلاً عامداً، أو نهاراً ناسياً، استأنف الصوم عند أبي حنيفة ومحمد؛ لأن الشرط في الصوم أن يكون قبل التماسّ، وهذا الشرط يزول بالجماع، في خلال الصوم، فيستأنف. ولا يستأنف في الإطعام إن وطئها في خلاله، لإطلاق النص في الإطعام، وتقييده بكونه {من قبل أن يتماسا} [المجادلة:3/58] في تحرير الرقبة والصيام.\rواتفق الحنفية على أن المظاهر إن أفطر يوماً من الشهرين بعذر إلا الحيض، كسفر ومرض ونفاس، بخلاف الحيض لتعذر الخلو عنه، أو بغير عذر، استأنف فبدأ الصوم من جديد أيضاً، لفوات التتابع وهو قادر عليه.\rومذهب المالكية قريب من رأي الحنفية: إن قطع التتابع ولو في اليوم الأخير من الشهر، وجب الاستئناف. وينقطع تتابع الصوم بوطء المظاهر امرأته المظاهر منها ليلاً أو نهاراً، ناسياً أو عامداً، كما يبطل الإطعام بوطء المظاهر منها في أثنائه، ولو لم يبق عليه إلا مدّ واحد، فإنه يبطل ويبتدئه، وهذا بخلاف رأي الحنفية.","part":9,"page":577},{"id":6133,"text":"وينقطع التتابع بالفطرفي السفر من غير ضرورة، وبمجيء العيد في أثناء الشهرين إن علم أنه يأتي في أثناء صومه، أما إن جهل إتيان العيد في أثناء صومه، فلا يبطل التتابع، وصام بعد العيد بيومين، بناء على المعتمد عندهم: أن المسلم لا يصوم يوم العيد وما بعده فقط، وكذا لا ينقطع التتابع إذا جهل وقت مجيء رمضان.\rولا ينقطع التتابع بالمرض، وبالفطر سهواً، وبالإكراه على الفطر، وبظن غروب شمس أو ببقاء ليل فأكل أو شرب، وبحيض أو نفاس.\rوينقطع التتابع لدى الشافعيةمثل المالكية بإفطار يوم بلا عذر، أوبعذر كمرض مسوغ للفطر في المذهب الجديد، ولا ينقطع التتابع في الصوم بحيض، أو نفاس على الصحيح، أو جنون على المذهب. ويلاحظ أن طروّ الحيض والنفاس إنما يتصور في كفارة قتل لا ظهار، إذ لا يجب على النساء. وإن جامع المظاهر بالليل قبل أن يكفر أثم؛ لأنه جامع قبل التكفير، ولا يبطل التتابع بالجماع؛ لأن جماعه لم يؤثر في صوم رمضان، فلم يقطع التتابع كالأكل بالليل.\rوأيسر المذاهب وأولاها مذهب الحنابلة القائلين: إن أفطر في الشهرين بعذر بنى على ما مضى، وإن أفطر من غير عذر ابتدأ من جديد.\rفينقطع التتابع بفطر بلا عذر، أو لجهل، أو لأنه نسي وجوب التتابع، أو ظن أنه أتم الشهر، فبان بخلافه، أو صام أثناء الشهرين تطوعاً، أو قضاء عن رمضان، أو صام عن نذر أو كفارة أخرى؛ لأنه قطعه بشيء يمكنه التحرز منه، فأشبه ما لو أفطر من غير عذر. وينقطع التتابع أيضاً إذا وطئ المظاهر منها ليلاً أو نهاراً عامداً أو ناسياً، فيفسد ما مضى من صيامه، وابتدأ صوم الشهرين، لكن لو وطئ في أثناء الإطعام لم تلزمه إعادة ما مضى منه، كما قال الحنفية والشافعية.","part":9,"page":578},{"id":6134,"text":"ولا ينقطع التتابع بصوم رمضان، أو فطر واجب كعيد وحيض ونفاس وجنون، ومرض مخوف، وحامل ومرضع أفطرتا خوفاً على أنفسهما، أو فطر لعذر يبيحه كمرض وسفر غير مخوف، وحامل ومرضع لضرر ولدها، ومكره ومخطئ، كمن ظن أن الفجر لم يطلع أو الشمس لم تغرب، فبان بخلافه.\rوالخلاصة: أنه ينقطع التتابع بوطء المظاهر امرأته قبل إتمام الصيام ناسياً في النهار أو متعمداً في الليل في رأي الحنفية والمالكية؛ لأن الشرط في الصوم أن يكون قبل المسيس، وأن يكون خالياً عنه بالضرورة بالنص القرآني؛ ولا ينقطع التتابع بالوطء نهاراً ناسياً، أو عمداً في الليل في رأي الشافعية والحنابلة، فلا يوجب الاستئناف، بسبب العذر.\rوإما إطعام ستين مسكيناً :\rفقد أجمع أهل العلم (1) على أن المظاهر إذا لم يجد الرقبة، ولم يستطع الصيام: أن فرضه إطعام ستين مسكيناً، على ما أمر الله تعالى في كتابه، وجاء في سنة نبيه صلّى الله عليه وسلم ، سواء عجز عن الصيام لهرم أو مرض يخاف بالصوم تباطؤه أو الزيادة فيه أو لحوق مشقة شديدة، أو لشبق فلا يصبر فيه عن الجماع، فإن أوس بن الصامت لما أمره رسول الله صلّى الله عليه وسلم بالصيام قالت امرأته: «يا رسول الله،إنه شيخ كبير،\r-------------------------------\r(1) الدر المختار: 801/2-804،اللباب: 73/3 ومابعدها، القوانين الفقهية: ص 243، الشرح الصغير:654/2ومابعدها، بداية المجتهد: 112/2، مغني المحتاج: 366/3، المهذب: 117/2، المغني: 368/7-376، غاية المنتهى: 197/3 ومابعدها، كشاف القناع: 445/5-448.","part":9,"page":579},{"id":6135,"text":"ما به من صيام، قال: فليطعم ستين مسكيناً» ولما أمَر سلمة بن صخر بالصيام قال: « وهل أصبت الذي أصبت إلا من الصيام؟ قال: فأطعم» فنقله إلى الإطعام لما أخبر أن به من الشبق والشهوة ما يمنعه من الصيام، وقيس على هذين ما يشبههما في معناهما. ولا يجوز أن ينتقل عن الصوم لأجل السفر؛ لأن السفر لا يعجزه عن الصيام، وله نهاية ينتهي إليها، وهو من أفعاله الاختيارية.\rوالمرض الذي يبيح الانتقال عن الصيام إلى الإطعام: هو عند الجمهور الذي لا يرجى برؤه. وعند الحنابلة: هو الذي لا يرجى برؤه أو مرجو الزوال، لدخوله في قوله تعالى: {فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكيناً} [المجادة:4/58] ولأنه لا يعلم أن له نهاية، فأشبه الشبق.\rما يتعلق بالإطعام: قدر الطعام، وكيفيته، وجنس الطعام، ومستحقه :\rقدر الطعام :\rللفقهاء آراء ثلاثة في مقدار الطعام في الكفارات كلها وهي ما يأتي:\r1 ً - رأي الحنفية: يعطى لكل مسكين مدان، أي نصف صاع من القمح، وصاع من تمر أو شعير، كالفطرة قدراً ومصرفاً، لقول النبي صلّى الله عليه وسلم في حديث سَلَمَة ابن صخر: «فأطعم وَسْقاً من تمر» (1) وفي رواية «فأطعم عَرَقاً من تمر ستين مسكيناً} والعَرَق والوسق: ستون صاعاً، كما في رواية أبي داود: «والعَرَق: ستون صاعاً» والصاع (2751 غم).\r2 ً - رأي المالكية: يملِّك المكفِّر ستين مسكيناً، لكل واحد مد وثلثان بمده صلّى الله عليه وسلم، من القمح إن اقتاتوه، فلا يجزئ غيره من شعير أو ذرة أو غيرهما، فإن\r-------------------------------\r(1) رواه أحمد وأبو داود وغيرهما.","part":9,"page":580},{"id":6136,"text":"اقتاتوا غير القمح فما يعدله شبعاً لا كيلاً، ولا يجزئ الغداء والعشاء إلا أن يتحقق بلوغهما مداً وثلثين.\r3 ً - رأي الشافعية والحنابلة: إن قدر الطعام في الكفارات كلها وفي فدية الصوم والفطرة مُدّ من قمح لكل مسكين، أو نصف صاع من تمر أو شعير، لما روى أبو داود بإسناده عن أوس بن الصامت: «أن النبي صلّى الله عليه وسلم أعطاه ـ يعني المظاهر ـ خمسة عشر صاعاً من شعير: إطعامَ ستين مسكيناً» لكنه حديث مرسل عن عطاء عن أوس. أما المد: فهو (675) غم.\rكيفية الإطعام :\rللفقهاء رأيان:\r1 ً - مذهب الحنفية: الضابط عندهم أن ما شرع بلفظ ( إطعام وطعام) جاز فيه الإباحة، وما شرع بلفظ ( إيتاء وأداء ) شرع فيه التمليك. وبناء عليه يكون الإطعام في الكفارات إما بالتمليك، أو بالإباحة غداء وعشاء، أو غداء وقيمة عشاء أو بالعكس بشرط إدام مع خبز شعير وذرة، لا مع خبز قمح، فيجوز الجمع بين الإباحة والتمليك؛لأنه جمع بين شيئين جائزين على الانفراد، سواء أكلوا قليلاً أو كثيراً. فإن أعطى مسكيناً واحداً ستين يوماً أجزاه، وإن أعطاه في يوم واحد، لم يُجْزه إلا عن يومه.\rويجوز عندهم (1) دفع القيمة في الزكاة، والعُشْر، والخَراج، والفِطْرة، والنَّذْر، والكفارة غير الإعتاق. وتعتبر القيمة يوم الوجوب عند الإمام أبي حنيفة، وقال الصاحبان: يوم الأداء. وفي السوائم: يوم الأداء باتفاقهم، ويقوَّم في البلد الذي فيه المال، أما في المفازة فيقومَّ في أقرب الأمصار إليه.\rوسبب جواز دفع القيمة: أن المقصود سد الخلَّة ودفع الحاجة، ويوجد ذلك في القيمة.\r-------------------------------\r(1) الكتاب مع اللباب: 147/1، 73/3 .","part":9,"page":581},{"id":6137,"text":"2 ً - مذهب الجمهور: الواجب تمليك كل إنسان من المساكين القدر الواجب له من الكفارة، ولا يجزئ الغداء والعشاء بالقدر الواجب أو أقل أو أكثر، إلا أن المالكية قالوا: يجزئ الغداء والعشاء إن تحقق بلوغهما مداً وثلثين، كما تقدم.\rودليلهم أن المنقول عن الصحابة إعطاء المساكين، وقال النبي صلّى الله عليه وسلم لكعب في فدية الأذى بالحج: ( أطعم ثلاثة آصع من تمر ستة مساكين ) ولأنه مال وجب للفقراء شرعاً، فوجب تمليكهم إياه كالزكاة.\rويشترط العدد عند الفقهاء لآية الظهار، فلو أطعم ثلاثين مسكيناً طعام ستين لم يجزه. وقال الشافعية والحنابلة: لو أعطى مسكيناً مدين من كفارتين في يوم واحد أجزأه؛ لأنه دفع القدر الواجب إلى العدد الواجب، فأجزأ، كما لو دفع إليه المدّين في يومين. واشترط الحنفية أن يكون الإعطاء متكرراً، فلو أطعم ستين مسكيناً كل واحد صاعاً من قمح بدفعة واحدة عن ظهارين، صح عن ظهار واحد، فإن كان بدفعات جاز عن الظهارين؛ لأنه في المرة الثانية كمسكين آخر.\rولا تجزئ القيمة عندهم (أي الجمهور) في الكفارة، عملاً بالنصوص الآمرة بالإطعام.\rوقد عرفنا أنه لا يجب التتابع في الإطعام عند الحنفية والشافعية والحنابلة، فلو وطئ في أثناء الإطعام، لم تلزمه إعادة ما مضى منه؛ لأنه وطئ في أثناء مالا يشترط التتابع فيه، فلم يوجب الاستئناف كوطء غير المظاهر منها، أو كالوطء في كفارة اليمين، فيختلف الإطعام عن الصيام. وسوَّى المالكية بين الإطعام والصيام، فاشترطوا التتابع فيهما، فلو وطئ في أثناء كفارة الظهار بهما، وجب الاستئناف فيهما.","part":9,"page":582},{"id":6138,"text":"جنس الطعام :\rالمجزئ في الإطعام عند الجمهور غير المالكية: ما يجزئ في الفطرة: وهو البُرّ والشعير ودقيقهما والتمر والزبيب، سواء أكان قوت المظاهر أم لم يكن، ولا يجزئ عند الحنابلة في الراجح غير ما ذكر، ولو كان قوت بلده، إلا إذا عدمت تلك الأقوات فيجوز إخراج نحو ذرة ودخن، ولا يجزئ أن يغدي المساكين و يعيشهم أو يدفع لهم القيمة؛ لأن الخبر ورد بإخراج هذه الأصناف على ما جاء في الأحاديث السابقة، فلم يجز غيرها، كما لو لم يكن قوت بلده.\rويجب عند الشافعية على المذهب الإطعام من الحبوب والثمار التي تجب فيها الزكاة؛ لأن الأبدان بها تقوم، ويجب من غالب قوت بلد المظاهر، لأن المعتبر في الزكاة بماله، ولقوله تعالى: {فكفارته إطعام عشَرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم} [المائدة:89/5] والأوسط: الأعدل، وأعدل ما يطعم أهله: قوت البلد.\rوأوجب المالكية الإطعام من القمح إن اقتاتوه، فلا يجزئ غيره من شعير أوذرة أو غيرهما. فإن اقتاتوا غير البُرّ (القمح) فما يعدله شبعاً لا كيلاً. ولا يجزئ الغداء والعشاء إلا أن يتحقق بلوغهما مداً وثلثين.\rوالواجب عند الحنفية ما يجب في الفطرة: وهو البر أو التمر أو الشعير، ودقيق كل واحد كأصله كيلاً، أي نصف صاع في دقيق الحنطة، وصاع في دقيق الشعير، وقيل: المعتبر في الدقيق القيمة لا الكيل. ويجوز إخراج القيمة من غير هذه الأصناف، كما تقدم.\rمستحق الإطعام :\rمستحق الكفارة: هو مستحق الزكاة عند الجمهور من المساكين والفقراء، لقوله تعالى: {فإطعام ستين مسكيناً} [المجادلة:4/58] فلا يجوز دفعها لكافر، وإنما يشترط أن يكون مسلماً، كالزكاة، ويجوز صرفها إلى الصغير والكبير ولو لم يأكل الطعام عند الحنابلة؛ لأنه مسلم محتاج أشبه الكبير، لكن يقبضها ولي الصغير؛ لأن الصغير لا يصح منه القبض.\rومستحق كفارة الظهار في رأي الحنفية: هو مستحق الفطرة، فلا يجوز إطعام أصله وفرعه وأحد الزوجين، ويجوز إطعام الذمي، لا الحربي ولو مستأمناً.","part":9,"page":583},{"id":6139,"text":"خامساً ـ شرط الكفارة :\rاتفق فقهاء المذاهب (1) على أن النية شرط لصحة الكفارة، بأن ينوي العتق أو الصوم أو الإطعام الواجب عليه عن الكفارة، أي بنية مقارنة للتكفير أو قبله بيسير، لأن الكفارة حق مالي يجب تطهيراً، كالزكاة، والأعمال بالنيات.\rسادساً ـ من وطئ قبل أن يكفر :\rاتفق الفقهاء على أن من وطئ قبل أن يكفر عصى ربه وأثم، لمخالفة أمره تعالى، وتستقر الكفارة في ذمته، فلا تسقط بعدئذ بموت ولا طلاق ولا غيره، إلا بعد الطلاق الثلاث عند المالكية كما سبق، ويظل تحريم زوجته عليه باقياً حتى يكفر. لكن اختلفوا في تأثير الوطء أثناء التكفير، فأطلق المالكية (2) القول في أنواع الكفارة، فمن وطئ قبل أن يكفر عن ظهاره، سواء بالعتق أو بالصوم أو بالإطعام، وسواء أكان الوطء ليلاً أم نهاراً، عامداً أم ناسياً، ولو في أثناء الإطعام، ولو لم يبق عليه إلا مد واحد، فإنه يحرم ويبطل ويبتدئ الكفارة من جديد. وأما وطء الزوجة غير المظاهر منها فلا يضر في صيام إن وقع ليلاً، ولا في إطعام وعتق.\rورأى الشافعية (3) أن المظاهر إن جامع أثناء الصيام ليلاً قبل أن يكفر أثم؛ لأنه جامع قبل التكفير، ولا يبطل تتابع الصيام؛ لأن جماعه لم يؤثر في الصوم المفروض، فلم يقطع التتابع، كالأكل بالليل. وكذا إن جامع أثناء الإطعام، لا يبطل ما مضى.\rوفصل الحنفية والحنابلة (4) في الأمر، فقالوا: إن وطئ المظاهر امرأته المظاهر منها في أثناء الصوم، أفسد ما مضى من صيامه، واستأنف الصوم، أي ابتدأ صيام الشهرين من جديد. أما إن وطئ أثناء الإطعام، فلا تلزمه إعادة مامضى، وسبب التفرقة بين الصوم والإطعام: إطلاق النص القرآني في الإطعام: {فإطعام ستين مسكيناً} [المجادلة:4/58] دون تقييده بكونه قبل التماس، وتقييده في تحرير الرقبة والصيام بكونهما قبل التماس في قوله سبحانه في الحالتين: {من قبل أن يتماسا} [المجادلة:4/58].\r-------------------------------\r(1) الدر المختار ورد المحتار: 796/2، الشرح الصغير: 650/2، مغني المحتاج: 359/3، المهذب: 118/2، المغني: 387/7.\r(2) الشرح الصغير: 651/2 وما بعدها، القوانين الفقهية: ص 242.\r(3) المهذب: 117/2.\r(4) الدر المختار ورد المحتار: 800/2 وما بعدها، المغني: 367/7، 383.","part":9,"page":584},{"id":6140,"text":"المطلب الخامس ـ انتهاء حكم الظهار :\rالظهار إما مؤقت أو مطلق مؤبد، ويختلف حكم انتهاء أحدهما عن الآخر (1) :\rأ ـ إن كان الظهار مؤقتاً، كأن يقول الرجل لزوجته: ( أنت علي كظهر أمي يوماً أو شهراً أو سنة ) ينتهي بانتهاء الوقت بدون كفارة عند الجمهور؛ لأن الظهار كاليمين يتوقت، وينتهي بانتهاء أجله، بعكس الطلاق لا يحله شيء فلا يتوقت. وقال المالكية: يبطل التأقيت ويتأبد الظهار، ولا ينحل إلا بالكفارة، قياساً على الطلاق، وإذا كان تحريم الطلاق لا يحتمل التأقيت، فكذا تحريم الظهار مثله.\rب ـ وإن كان الظهار مؤبداً أو مطلقاً: فينتهي حكم الظهار أو يبطل بالاتفاق بموت أحد الزوجين، لزوال محل حكم الظهار، ولا يتصور بقاء الشيء في غير محله.\rولا يبطل حكم الظهار عند الجمهور غير المالكية بالطلاق الرجعي أو البائن أو الثلاث، ولا بالردة عن الإسلام في قول أبي حنيفة، حتى لو تزوجت بزوج آخر، ثم عادت إلى الأول، فلا يحل له وطؤها بدون تقديم الكفارة؛ لأن الظهار قد انعقد موجباً حكمه وهو الحرمة، فيبقى على ما انعقد عليه، وهو ثبوت حرمة لا ترتفع إلا بالكفارة.\rأما عدم المطالبة بالكفارة فيتم بالموت أو بالفراق عند الجمهور غير الشافعية (2) ، فلو مات أحد المظاهرين، أو فارق الزوج زوجته قبل العود، فلا كفارة عليه، لقوله تعالى: {والذين يظاهرون من نسائهم، ثم يعودون لما قالوا، فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا} [المجادلة:3/58] فأوجب الكفارة بأمرين: ظهار وعود، فلا تثبت بأحدهما، ولأن الكفارة في الظهار كفارة يمين، فلا تجب الكفارة قبل الحنث كسائر الأيمان، والحنث فيها هو العود (أي العزم على الوطء).\rوقال الشافعي: متى أمسك الرجل المظاهر منها بعد ظهاره زمناً يمكنه طلاقها فيه، فلم يطلقها، فعليه الكفارة؛ لأن ذلك هو العود عنده.\r-------------------------------\r(1) البدائع: 235/3.\r(2) المغني: 351/7 وما بعدها.","part":9,"page":585},{"id":6141,"text":"المبحث العاشر ـ التفريق بسبب الردة أو إسلام أحد الزوجين :\rأثر الارتداد :\r1ًـ إذا ارتد أحد الزوجين عن الإسلام، وقعت الفرقة بينهما بغير طلاق، عند أبي حنيفة وأبي يوسف ، ولا حاجة لتفريق القاضي، وإنما ينفسخ الزواج بينهما فسخاً، والمشهور عند المالكية وعلى الراجح عندهم أن فرقة الردة طلاق.\rوقال الشافعية والحنابلة: يتوقف فسخ النكاح على انقضاء العدة، فإن أسلم المرتدقبل انقضائها فهما على النكاح، وإن لم يسلم حتى انقضت بانت المرأة منذ اختلف الدينان. ورأى الجعفرية أن الردة من أحد الزوجين قبل الدخول تفسخ الزواج في الحال. وتتوقف على انقضاء العدة بعد الدخول.\rفإن كان الزوج هو المرتد، وكان قد دخل بزوجته، فلها كمال المهر؛ لأنه قد استقر بالدخول. وإن كان لم يدخل بها بعدُ، فلها نصف ا لمهر؛ لأنها فرقة حصلت من الزوج قبل الدخول، وهي فُرقة تنصِّف المهر.","part":9,"page":586},{"id":6142,"text":"وإن كانت المرأة هي المرتدة، وكانت الردة قبل الدخول، فلا مهر لها؛ لأنها منعت المعقود عليه بالارتداد، فصارت كالبائع إذا أتلف المبيع قبل القبض. وإن كانت الردة بعد الدخول بها، فلها المهر كاملاً؛ لأن الدخول في دار الإسلام لا يخلو عن عَقْر (حد) أو عُقر (مهر).\r2ً ـ وإن ارتد الزوجان معاً، أو لم يعلم سبق أحدهما، ثم عادا إلى الإسلام معاًً، فهما على نكاحهما استحساناً، لعدم اختلاف دينهما (1) .\r3ً ـ ولا يجوز أن يتزوج المرتد مسلمة ولا كافرة ولا مرتدة؛ لأنه مستحق للقتل. وكذلك المرتدة لا يجوز أن يتزوجها مسلم ولا كافر ولا مرتد لأنها عند الحنفية محبوسة للتأمل (2) .\rأثر الإسلام :\r1ً ـ إذا أسلمت المرأة، وزوجها كافر، عَرَض عليه القاضي الإسلام، فإن أسلم فهي امرأته، لعدم طروء ما ينافي بقاء الزواج. وإن أبى عن الإسلام، فرَّق القاضي بينهما، لعدم جواز بقاء المسلمة عند الكافر. وكان التفريق طلاقاً بائناً عند أبي حنيفة ومحمد. وقال أبو يوسف: هي فُرْقة بغير طلاق (3) .\r2ً ـ وإن أسلم الزوج المتزوج مجوسية، عرض عليها الإسلام، فإن أسلمت فهي امرأته، وإن أبت عن الإسلام فرَّق القاضي بينهما، لأن نكاح المجوسية حرام مطلقاً، ولم تكن هذه الفرقة طلاقاً؛ لأن الفرقة بسبب من قبلها، والمرأة ليست بأهل للطلاق.\r-------------------------------\r(1) الكتاب مع اللباب: 28/3، المغني: 639/6، القوانين الفقهية: ص 196، شرح الرسالة: 46/2-47، المختصر النافع في فقه الإمامية: ص 203.\r(2) الكتاب، المرجع السابق: 29/3، فتح القدير: 505/2.\r(3) الكتاب مع اللباب: 26/3، فتح القدير: 507/2 وما بعدها، القوانين الفقهية: ص 196، شرح الرسالة: 46/2-47.","part":9,"page":587},{"id":6143,"text":"فإن كان الزوج قد دخل بها، فلها المهر المسمى، لتأكده بالدخول، فلا يسقط بعد الفرقة، وإن لم يكن دخل بها، فلا مهر لها؛ لأن الفرقة جاءت من قبلها قبل الدخول بها (1) .\r3ً ـ وإذا أسلمت المرأة في دار الحرب، لم تقع الفُرْقة عليها حتى تنقضي عدتها بأن تحيض ثلاث حيضات إن كانت من ذوات الحيض، أو تمضي ثلاثة أشهر إن كانت من ذوات الأشهر، أو تضع حملها إن كانت حاملاً، وتلك عدتها؛ لأن إسلام زوجها مرجو، والعرض عليه متعذر، فنزِّل منزلة الطلاق الرجعي، فإذا انقضت عدتها، بانت من زوجها (2) .\rأما إذا خرج أحد الزوجين إلى دار الإسلام من دار الحرب مسلماً، فتقع الفرقة بينهما عند الحنفية (3) ، لاختلاف الدارين حقيقة وحكماً، وتباين الدارين ينافي انتظام المصالح الزوجية، كما تتنافى بسبب قيام القرابة المَحْرمية.\rوخالفهم الجمهور، فلم يحكموا بوقوع الفرقة لتباين الدارين؛ لأن أثر التباين في انقطاع الولاية (أي سقوط مالكيته عن نفسه وماله) لا في إحداث الفرقة كالحربي المستأمن الذي دخل دارنا بأمان، والمسلم المستأمن إذا دخل دار الحرب بأمان، لا تقع فرقة في زواجهما.\r4ً ـ وإذا أسلم زوج الكتابية، فهما على نكاحهما؛ لأنه يصح الزواج بينهما ابتداء من الأصل، فيكون بقاء الزواج بينهما أولى.\r-------------------------------\r(1) اللباب: 26/3. (2) اللباب، المرجع السابق: 27/3، فتح القدير: 508/2 وما بعدها.\r(3) المبسوط: 50/5، البحر الرائق: 313/3.","part":9,"page":588},{"id":6144,"text":"الفَصْلٌ الرّابع: العِدَّة والاستبراء\rالعدة: يشتمل بحث العدة على المباحث الخمسة التالية:\rالأول ـ تعريف العدة وحكمها الشرعي، وحكمتها، وسبب وجوبها، وركنها.\rالثاني ـ أنواع العدة ومقاديرها.\rالثالث ـ تحول العدة أو انتقالها وتغيرها.\rالرابع ـ وقت ابتداء العدة، وما يعرف به انقضاؤها.\rالخامس ـ أحكام العِدَد أو حقوق المعتدة وواجباتها.\rالمبحث الأول ـ تعريف العدة، وحكمها الشرعي، وحكمتها، وسبب وجوبها، وركنها :\rمعنى العدة: العِدَّة بكسر العين جمع عِدَد، وهي لغة: الإحصاء، مأخوذة من العَدَد لاشتمالها على عدد الأقراء أو الأشهر غالباً، يقال: عددت الشيء عِدَّة: أحصيته إحصاء. وتطلق أيضاً على المعدود، يقال: عدة المرأة: أيام أقرائها. واصطلاحاً في رأي الحنفية (1) : مدة محددة شرعاً لانقضاء ما بقي من آثار الزواج. وبعبارة أخرى: تربص (أي انتظار) يلزم المرأة عند زوال النكاح أو شبهته. وبنوا على تعريفهم القول بتداخل العدتين سواء أكانتا من جنس واحد أم من جنسين ولو من رجلين، ومثال الجنس الواحد: إذا تزوجت المطلقة في عدتها، فوطئها الزوج، ثم تفرقا حتى وجبت عليها عدة أخرى، فإن العدتين يتداخلان. ومثال الجنسين: المتوفى عنها زوجها إذا وطئت بشبهة، تداخلت العدتان، وتعتد المرأة بثلاث حيضات من عدة الوطء.\rوفي رأي الجمهور (2) : العدة: مدة تتربص فيها المرأة، لمعرفة براءة رحمها، أو للتعبد، أو لتفجعها على زوجها. فهي نفس التربص، فلا تتداخل العدتان من شخصين، وتمضي المرأة في العدة الأولى حتى نهايتها، ثم تبدأ بالعدة الأخرى، وتتداخل العدتان من شخص واحد ولو من جنسين.\rويمكن تعريف العدة بتعريف أوضح: هي مدة حددها الشارع بعد الفرقة، يجب على المرأة الانتظار فيها بدون زواج حتى تنقضي المدة.\rفلا عدة على المزني بها في رأي الحنفية والشافعية خلافاً للمالكية والحنابلة.\rولا عدة على المرأة قبل الدخول اتفاقاً، لقوله تعالى: {فما لكم عليهن من عدة تعتدونها} [الأحزاب:49/33]. وعلى المدخول بها عدة إجماعاً، سواء أكان سبب الفرقة طلاقاً أم فسخاً أم وفاة، وسواء أكان الدخول بعد عقد فاسد أم صحيح أم بشبهة، وتجب أيضاً عند الجمهور غير الشافعية إذا طلق الرجل المرأة بعد الخلوة بها.\rوتكون القاعدة: كل طلاق أو فسخ وجب فيه جميع الصداق وجبت العدة، وحيث سقط الصداق كله أو لم يجب إلا نصفه، سقطت العدة. ومن أمثلة الفسخ: الفسخ بسبب الرضاع أو العيب أو العتق أو اللعان أو اختلاف الدين.\r-------------------------------\r(1) البدائع: 190/3، الدر المختار: 823/2، اللباب: 80/3.\r(2) الشرح الصغير: 671/2، القوانين الفقهية: ص 235، مغني المحتاج: 384/3، كشاف القناع: 476/5، غاية المنتهى: 209/3، بداية المجتهد: 88/2.","part":9,"page":589},{"id":6145,"text":"حكمها الشرعي: العدة واجبة شرعاً على المرأة بالكتاب والسنة والإجماع (1) :\rأما الكتاب: فقوله تعالى عدة الطلاق: {والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء} [البقرة:228/2] وفي عدة الوفاة: {والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشراً} [البقرة:234/2] وفي عدة الصغيرة والآيسة والحامل: {واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم، فعدتهن ثلاثة أشهر، واللائي لم يحضن، وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن} [الطلاق:4/65] وآي أخرى.\rوأما السنة: فقول النبي صلّى الله عليه وسلم : «لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر، تحدُّ على ميت فوق ثلاث إلا على زوج أربعة أشهر وعشراً» (2) ، وأمر النبي صلّى الله عليه وسلم فاطمة بنت قيس أن تعتد عند ابن أم مكتوم (3) . وأحاديث أخرى.\rوأما الإجماع: فقد أجمعت الأمة على وجوب العدة، في الجملة، وإنما اختلفوا في أنواع منها.\r-------------------------------\r(1) المغني: 448/7.\r(2) رواه البخاري ومسلم عن أم سلمة، وفي لفظ آخر عندهما: «لا يحل لامرأة مسلمة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحدّ فوق ثلاثة أيام إلا على زوجها أربعة أشهر وعشراً» (نيل الأوطار: 292/6) والإحداد: منع المعتدة نفسها الزينة وبدنها الطيب، ومنع الخطَّاب خطبتها.\r(3) رواه أحمد وأبو داود والنسائي، ومسلم بمعناه عن عبيد الله بن عبد الله بن عُتْبة (نيل الأوطار: 302/6).","part":9,"page":590},{"id":6146,"text":"هل على الرجل عدة؟ ليس على الرجل عدة بالمعنى الاصطلاحي، فيجوز له بعد الفرقة مباشرة أن يتزوج بزوجة أخرى، مالم يوجد مانع شرعي، كالتزوج بمن لا يحل له الجمع بين زوجته الأولى وبين قريباتها المحارم كالأخت، والعمة، والخالة، وبنت الأخ، وبنت الأخت ولو من زواج فاسد أو في شبهة عقد. وتزوج امرأة خامسة في أثناء عدة المرأة الرابعة التي فارقها حتى تنقضي عدتها، ونكاح المطلقة ثلاثاً قبل التحليل (1) .\rعدة المرأة غير المسلمة: اختلف الفقهاء في وجوب العدة على غير المسلمة على رأيين:\rقال أبو حنيفة: لا تجب العدة على المرأة غير المسلمة ذمية كانت أو حربية إذا كان معتقد أهل دينها أنه لا عدة عليها إلا إذا كانت كتابية زوجة لمسلم، فتجب عليها العدة بالفراق، رعاية لحق الزوج؛ لأن العدة تجب حقاً لله تعالى، ولحق الزوج، والكتابية مخاطبة بحقوق العباد، فتجب عليها العدة، وتجبر عليها لأجل حق الزوج والولد، منعاً من اختلاط الأنساب.\rوإن جاء الزوج مسلماً، وترك امرأته في دار الحرب، فلا عدة عليها باتفاق الحنفية؛ إذ لا حق لأحد الزوجين على الآخر في حال اختلاف الدارين، ولأن أحكام الإسلام تطبق على أهل الذمة، لا على الحربيين.\rوقال الجمهور ومنهم الصاحبان: تجب العدة على الذمية، سواء أكانت زوجة لمسلم أم لذمي، لعموم الآيات الآمرة بالعدة.\r-------------------------------\r(1) رد المحتار: 823/2-824.","part":9,"page":591},{"id":6147,"text":"وحكمة العدة: إما التعرف على براءة الرحم، أو التعبد، أو التفجع على الزوج، أو إعطاء الفرصة الكافية للزوج بعد الطلاق ليعود لزوجته المطلقة. ففي الطلاق البائن، والتفريق لفساد الزواج أو الوطء بشبهة يقصد من العدة استبراء رحم المرأة للتأكد من عدم وجود حمل من الرجل، منعاً من اختلاط الأنساب، وصون النسب. فإذا كان الحمل موجوداً تنتهي العدة بوضع الحمل لتحقق الهدف المقصود من العدة. وإذا لم يتأكد من الحمل بعد الدخول بالمرأة، وجب الانتظار للتعرف على براءة الرحم، حتى بعد الوفاة. ومن المقاصد أيضاً: إظهار الأسف على نعمة الزواج، وصون سمعة المرأة وكرامتها حتى لا تكون محلاً للتحدث عنها بخروجها من البيت غادية رائحة بمجرد الفراق، وإن أمكن معرفة براءة الرحم بمجرد الحيضة الأولى.\rوفي الطلاق الرجعي: يقصد بالعدة تمكين الرجل من العود إلى مطلقته خلال العدة، بعد زوال عاصفة الغضب، وهدوء النفس، والتفكير بمتاعب ومخاطر ووحشات الفراق. وذلك حرصاً من الإسلام على إبقاء الرابطة الزوجية، وتنويهاً بتعظيم شأن الزواج، فكما أنه لا ينعقد إلا بالشهود، لا ينحل إلا بانتظار طويل الأمد.\rوفي فرقة الوفاة: يراد من العدة تذكر نعمة الزواج، ورعاية حق الزوج وأقاربه، وإظهار التأثر لفقده، وإبداء وفاء الزوجة لزوجها، وصون سمعتها وحفظ كرامتها، حتى لا يتحدث الناس بأمرها، ونقد تهاونها، والتحدث عن خروجها وزينتها، خصوصاً من أقارب زوجها. قال الشافعية والحنابلة (1) : المقصود الأعظم من العدة حفظ حق الزوج دون معرفة البراءة، ولهذا اعتبرت عدة الوفاة بالأشهر، ووجبت العدة على المتوفى عنها زوجها التي لم يدخل بها تعبداً، مراعاة لحق الزوج.\rوهذه المعاني تنطبق على المرأة، حتى ولو كانت كبيرة السن لا ترجو زواجاً آخر، بالإضافة لتحقيق معنى التعبد في العدة.\r-------------------------------\r(1) مغني المحتاج: 395/3، كشاف القناع: 476/5.","part":9,"page":592},{"id":6148,"text":"سبب وجوب العدة :\rتجب العدة في الجملة بأحد أمرين: طلاق أو موت. والفسخ كالطلاق (1) . وذلك بعد الدخول (الوطء) من زواج صحيح أو فاسد أو شبهة بالاتفاق، أو بعد استدخال ذكر زائد، أو أشل، أو إدخال مني الزوج؛ لأنه أقرب إلى العلوق من مجرد الإيلاج ولاحتياجها لتعرف براءة الرحم، أو بعد خلوة صحيحة عند الجمهور غير الشافعية. وتجب العدة أيضاً عند المالكية والحنابلة بعد الزنا كالموطوءة بشبهة. وبناء عليه تجب العدة بأحد الأسباب التالية:\r1ً - تجب العدة بالفرقة بعد الدخول من زواج صحيح أو فاسد، أو بعد الخلوة الصحيحة في رأي الجمهور غير الشافعية، سواء أكانت الفرقة في حال الحياة بسبب طلاق أو فسخ، أم بسبب الوفاة.\rفإن كان الزواج فاسداً كزواج الخامسة أو المعتدة، فلا تجب العدة إلا بالدخول الحقيقي، ولا تجب عند الجمهور بالخلوة. وأوجب المالكية العدة بالخلوة بعد زواج فاسد، كما تجب بالدخول الحقيقي؛ لأن الخلوة مظنّة الوقاع.\rودليل الجمهور على وجوب العدة بالخلوة: ما رواه أحمد والأثرم عن زرارة ابن أوفى قال: «قضى الخلفاء الراشدون أن من أغلق باباً أو أرخى ستراً، فقد وجب المهر، ووجبت العدة» .\rولا تجب العدة بالخلوة المجردة عن الوطء عند الشافعية في الجديد، لمفهوم الآية السابقة: {ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن، فما لكم عليهن من عدة تعتدونها} [الأحزاب:49/33].\r-------------------------------\r(1) البدائع: 191/3-192، الدر المختار: 824/2 وما بعدها، 846، الشرح الصغير: 671/2 وما بعدها، القوانين الفقهية: ص 235، مغني المحتاج: 384/3، 395، المهذب: 142/2، 145، المغني: 449/7 وما بعدها، كشاف القناع: 476/5 ومابعدها.","part":9,"page":593},{"id":6149,"text":"2 - وتجب العدة أيضاً بالاتفاق بالتفريق للوطء بشبهة، كالموطوءة في زواج فاسد؛ لأن وطء الشبهة والزواج الفاسد كالوطء في الزواج الصحيح في شغل الرحم ولحوق النسب بالواطئ، فكان مثله فيما تحصل به براءة الرحم، كيلا تختلط الأنساب والمياه. ومثال الوطء بشبهة: أن تزف امرأة إلى غير زوجها، وتقول النساء للرجل: إنها زوجتك، فيدخل بها بناء على قولهن، ثم يتبين أنها ليست زوجته.\rولا فرق في وجوب العدة بأحد السببين السابقين بين أن تكون الفرقة بسبب طلاق أو فسخ، فكل فرقة بين زوجين عدتها عدة الطلاق، سواء أكانت بخلع أم لعان أم رضاع أم فسخ بعيب أم إعسار أم اعتاق أم اختلاف دين أم غيره عند أكثر العلماء.\rولا فرق أيضاً بين أن يكون الوطء حلالاً، أم حراماً كوطء حائض ومحرمة بحج أو عمرة، ولا بين أن يكون الوطء في قُبل، أو دبر على الأصح لدى الشافعية، والحكم واحد سواء أكان الواطئ عاقلاً أم لا، مختاراً أم لا، لفَّ على ذكره خرقة أو كيساً أم لا، بالغاً أم صبياً.\rولا عدة قبل الدخول بنص القرآن كما أوضحت.\r3 - وتجب العدة كذلك بالاتفاق بعد وفاة الزوج في العقد الصحيح، ولو قبل الدخول أو الوطء أو كانت الزوجة صغيرة، أو زوجة صبي ولو رضيعاً أو زوجة ممسوح، لإطلاق الآيات القرآنية مثل: {والذين يتوفون منكم، ويذرون أزواجاً يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشراً} [البقرة:234/2].\r4 - وأوجب المالكية والحنابلة خلافاً لغيرهم العدة على المزني بها كالموطوءة بشبهة؛ لأنه وطء يقتضي شغل الرحم، فوجبت العدة منه كوطء الشبهة.\rولم يوجبها غير هؤلاء؛ لأن العدة لحفظ النسب، ولا يلحق الزاني نسب بالزنا.\rركن العدة: أوضح الحنفية (1) ركن العدة بأنه التزام المرأة بحرمات ثابتة بسبب العدة يحرم عليها مخالفتها، كحرمة التزوج بزوج آخر، وحرمة الخروج من بيت الزوجية الذي طلِّقت فيه، وصحة الطلاق في العدة، وحرمة التزوج بأخت المطلقة ونحوها.\r-------------------------------\r(1) الدر المختار: 825/2.","part":9,"page":594},{"id":6150,"text":"المبحث الثاني ـ أنواع العدة ومقاديرها :\rالعدة ثلاثة أنواع (1) : عدة بالأقراء، وعدة بالأشهر، وعدة بوضع الحمل. والمعتدات ستة أنواع (2) :\rالحامل، والمتوفى عنها زوجها، وذات الأقراء المفارقة في الحياة، ومن لم تحض لصغر أو إياس وكانت المفارقة في الحياة، ومن ارتفع حيضها ولم تدر سببه، وامرأة المفقود. وعدة الطلاق ثلاثة أنواع (3) :\rثلاثة قروء لمن تحيض، وضع حمل الحامل، ثلاثة أشهر لليائس والصغيرة.\rالمقصود بالقروء: القرء لغة مشترك بين الطهر والحيض، ويجمع على أقرء وقروء وأقرء، وللفقهاء رأيان في تفسير القروء (4) :\rيرى الحنفية والحنابلة: أن المراد بالقرء: الحيض؛ لأن الحيض مُعَرِّف لبراءة الرحم، وهو المقصود من العدة، فالذي يدل على براءة الرحم إنما هو الحيض لا الطهر، ولقوله تعالى: {واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم، فعدتهن ثلاثة أشهر، واللائي لم يحضن} [الطلاق:4/65] فنقلهن عند عدم الحيض إلى الاعتداد بالأشهر، فدل على أن الأصل الحيض، كما قال تعالى: {فلم تجدوا ما ء فتيمموا صعيداً طيباً} [المائدة:6/5].\rولأن المعهود في الشرع استعمال القرء بمعنى الحيض، قال النبي صلّى الله عليه وسلم للمستحاضة: «دعي الصلاة أيام أقرائك» (5) وهوعليه الصلاة والسلام المعبر عن الله ، وبلغة قومه نزل القرآن، وقال عليه الصلاة والسلام لفاطمة بنت أبي حبيش: «انظري، فإذا أتى قرؤك فلا تصلي، وإذا مرَّ قرؤك فتطهري، ثم صلي ما بين القرء إلى القرء» (6) .\rوقال صلّى الله عليه وسلم : «طلاق الأمة تطليقتان، وعدتها حيضتان» (7) ، فإذا اعتبرت عدة الأمة بالحيض، كانت عدة الحرة كذلك.\r-------------------------------\r(1) البدائع: 191/3 وما بعدها.\r(2) كشاف القناع: 478/5-487، غاية المنتهى: 209/3-212.\r(3) القوانين الفقهية: ص 235.\r(4) الكتاب للقدوري مع اللباب: 80/3، القوانين الفقهية: ص 235، مغني المحتاج: 385/3، المغني: 452/7 ومابعدها.\r(5) رواه أبو داود والنسائي وروى ابن ماجه عن عائشة قالت: «أمرت بريرة أن تعتد بثلاث حيض» وقال عليه الصلاة والسلام: «تجلس أيام أقرائها» (انظر نيل الأوطار: 290/6 ومابعدها).\r(6) رواه النسائي، وفيه منكر الحديث، ورواه أيضاً ابن ماجه وأبو بكر الخلال في جامعه.\r(7) رواه أبو داود وغيره.","part":9,"page":595},{"id":6151,"text":"ولأن ظاهر قوله تعالى: {يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء} [البقرة:228/2] وجوب التربص ثلاثة كاملة، ومن جعل القروء الأطهار، لم يوجب ثلاثة، لأنه\rيكتفي بطهرين وبعض الثالث، فيخالف ظاهر النص. ومن جعله الحيض أوجب ثلاثة كاملة، فيوافق ظاهر النص، فيكون أولى من مخالفته.\rولأن العدة استبراء، فكانت بالحيض، كاستبراء الأمة، لأن الاستبراء لمعرفة براءة الرحم من الحمل، والذي يدل عليه هو الحيض، فوجب أن يكون الاستبراء به.\rويرى المالكية والشافعية: أن القرء هو الطهر؛ لأنه تعالى أثبت التاء في العدد «ثلاثة» ، فدل على أن المعدود مذكر، وهو الطهر، لا الحيضة. ولأن قوله تعالى: {فطلقوهن لعدتهن} [الطلاق:1/65] أي في وقت عدتهن، لكن الطلاق في الحيض محرَّم كما تقدم في بحث الطلاق البدعي، فيصرف الإذن إلى زمن الطهر. وأجيب بأن معنى الآية مستقبلات لعدتهن.\rولأن القرء مشتق من الجمع، فأصل القرء الاجتماع، وفي وقت الطهر يجتمع الدم في الرحم، وأما الحيض فيخرج من الرحم. وما وافق الاشتقاق كان اعتباره أولى من مخالفته.\rوفائدة الخلاف: أنه إذا طلقها في طهر، انتهت عدتها في رأي الفريق الثاني بمجيء الحيضة الثالثة؛ لأنها يحتسب لها الطهر الذي طلقت فيه، ولا تخرج من عدتها إلا بانقضاء الحيضة الثالثة في رأي الفريق الأول، وقد روي عن عمر وعلي أنهما قالا: «يحل لزوجها الرجعة إليها، حتى تغتسل من الحيضة الثالثة» مما يؤيد رأي الفريق الأول.\rوالراجح لدي هو الرأي الأول، لاتفاقه مع الواقع والمقصود من العدة، فالنساء تنتظر عادة مجيء الحيض ثلاث مرات، فيتقرر انقضاء العدة، ولا تعرف براءة الرحم إلا بالحيض، فإذا حاضت المرأة تبين أنها غير حامل، وإذا استمر الطهر تبين غالباً وجود الحمل. وقد روى النيسابوري عن الإمام أحمد: «كنت أقول: إنه الأطهار، وأنا أذهب اليوم إلى أن الأقراء الحيض» ورجوعه عن رأي سابق يكون عادة لمسوغات أو مرجحات أقوى.","part":9,"page":596},{"id":6152,"text":"أسباب وشروط كل نوع من أنواع العدة (1) :\rعرفنا أن العدة أنواع ثلاثة: عدة الأقراء، وعدة الأشهر، وعدة الحبل.\rأولاً ـ عدة الأقراء: لها أسباب أهمها ثلاثة:\r1ً - الفرقة في الزواج الصحيح، سواء أكانت بطلاق أم بغير طلاق. وتجب هذه العدة لاستبراء الرحم، وتعرف براءته من الشغل بالولد.\rوشرط وجوبها: الدخول بالمرأة أو ما يجري مجرى الدخول وهو الخلوة الصحيحة عند غير الشافعية في الزواج الصحيح دون الفاسد عند الحنفية والحنابلة، وفي الفاسد أيضاً عند المالكية، فلا تجب هذه العدة بدون الدخول والخلوة الصحيحة.\r2ً - الفرقة في الزواج الفاسد بتفريق القاضي، أو بالمتاركة. وشرطها الدخول عند الجمهور غير المالكية، وتجب العدة أيضاً عند المالكية بالخلوة بعد زواج فاسد.\r3ً - الوطء بشبهة العقد: بأن زفت إلى الرجل غير امرأته، فوطئها؛ لأن الشبهة تقوم مقام الحقيقة في حال الاحتياط، وإيجاب العدة من باب الاحتياط.\rثانياً ـ عدة الأشهر: نوعان: نوع يجب بدلاً عن الحيض، ونوع يجب أصلاً بنفسه. أما العدة التي تجب بدلاً عن الحيض بالأشهر: فهي عدة الصغيرة، والآيسة، والمرأة التي لم تحض أصلاً، بعد الطلاق. وسبب وجوبها: الطلاق لمعرفة أثر الدخول، وهو سبب وجوب عدة الأقراء المتقدمة.\rوشرط وجوبها شيئان:\rأحدهما ـ الصغر أو الكبر أو فقد الحيض أصلاً.\rوالثاني ـ الدخول، أو الخلوة الصحيحة عند غير الشافعية، في النكاح الصحيح، وكذا في النكاح الفاسد عند المالكية.\rوأما عدة الأشهر الأصلية بنفسها: فهي عدة الوفاة. وسبب وجوبها الوفاة، إظهاراً للحزن بفوات نعمة الزواج، وشرط وجوبها: الزواج الصحيح فقط، فتجب هذه العدة على المتوفى عنها زوجها، سواء أكانت مدخولاً بها أم غير مدخول بها، وسواء أكانت ممن تحيض أم ممن لا تحيض.\r-------------------------------\r(1) البدائع: 191/3-193، مغني المحتاج: 388/3.","part":9,"page":597},{"id":6153,"text":"ثالثاً ـ عدة الحبل: هي مدة الحمل، وسبب وجوبها: الفرقة أو الوفاة، حتى لا تختلط الأنساب وتشتبه المياه، فلا يسقي رجل ماءه زرع غيره.\rوشرط وجوبها: أن يكون الحمل من الزواج الصحيح أو الفاسد؛ لأن الوطء في النكاح الفاسد يوجب العدة. ولا تجب هذه العدة عند الحنفية والشافعية على الحامل بالزنا؛ لأن الزنا لا يوجب العدة، إلا أنه إذا تزوج رجل امرأة، وهي حامل من الزنا، جاز النكاح عند أبي حنيفة ومحمد، لكن لا يجوز له أن يطأها ما لم تضع، لئلا يصير ساقياً ماءه زرع غيره.\rوأجاز الشافعية نكاح الحامل من زنا ووطأها، إذ لا حرمة له.\rمقادير عِدَد المعتدات :\r1 ً - عدة الحامل: تجب بسبب الموت أو الطلاق، وتنتهي بوضع الحمل اتفاقاً (1) ؛ لقوله تعالى: {وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن} [الطلاق:4/65] أي انقضاء أجلهن أن يضعن حملهن؛ ولأن براءة الرحم لا تحصل في الحامل ـ كما هو واضح ـ إلا بوضع الحمل. فإذا كانت المرأة حاملاً، ثم طلقت أو مات عنها زوجها انتهت عدتها بوضع الحمل، ولو بعد الوفاة بزمن قليل، بدليل أن «سبيعة بنت الحارث توفي عنها زوجها وهي حبلى، فوضعت بعد نحو عشر ليال من وفاة زوجها، ثم جاءت النبي صلّى الله عليه وسلم فقال: انكحي. وفي رواية: فأفتاني بأني قد حللت حين وضعت حملي، وأمرني بالتزويج إن بدا لي» (2) .\r-------------------------------\r(1) البدائع: 192/3، الدر المختار ورد المحتار: 831/2 وما بعدها، فتح القدير: 273/3 وما بعدها، 281 وما بعدها، اللباب: 80/3-83، الشرح الصغير: 671/2 وما بعدها، 381-383، القوانين الفقهية: ص 236، 238، مغني المحتاج: 388/3 وما بعدها، 396، المهذب: 142/2، كشاف القناع: 478/5-480، المغني: 468/7، 473-478، غاية المنتهى: 209/3 وما بعدها، بداية المجتهد: 96/2.\r(2) رواه الجماعة إلا أبا داود وابن ماجه عن أم سلمة (نيل الأوطار: 286/6-287).","part":9,"page":598},{"id":6154,"text":"وعلى هذا تكون عدة الحامل المتوفى عنها زوجها بوضع الحمل، لقوله تعالى: {وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن} [الطلاق:4/65] قال ابن مسعود: «من شاء باهلته ـ لاعنته ـ أن سورة النساء القصرى نزلت بعد الآية التي في سورة البقرة» (3) وفي رواية البزار: «من شاء حالفته أن: {وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن} [الطلاق:4/65] نزلت بعد آية المتوفى، فإذا وضعت المتوفى عنها حملها، فقد حلت. وقرأ: {والذين يتوفون منكم ويذر ون أزواجاً} [البقرة:234/2] » .\rوانتهاء العدة بوضع الحمل له شرطان:\r-------------------------------\r(1) رواه البخاري. وأخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجه بلفظ: «من شاء لاعنته، لأنزلت سورة النساء القصرى بعد الأربعة أشهر وعشر» وسورة النساء القصرى هي سورة الطلاق وفيها آية عدة الحامل، وسورة النساء الطولى هي سورة البقرة وفيها آية عدة الوفاة (نصب الراية: 256/3).","part":9,"page":599},{"id":6155,"text":"الأول ـ عند الجمهور غير الحنفية: وضع جميع حملها، أو انفصاله كله، فلا تنقضي بوضع أحد التوأمين ولا بانفصال بعض الولد. وتنقضي عند المالكية ولو وضعت علقة وهو دم متجمع، ولا بد عند الحنابلة والشافعية من أن يكون الحمل الذي تنقضي به العدة: هو ما يتبين فيه شيء من خلق الإنسان من الرأس واليد والرجل، أو يكون مضغة شهد ثقات من القوابل أن فيه صورة خفية لخلقة آدمي أو أصل آدمي، لعموم قوله تعالى: {وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن} [الطلاق:4/65].\rوقال الحنفية: الحمل: اسم لجميع ما في البطن، فلو ولدت وفي بطنها آخر تنقضي العدة بالآخر، كما قرر الجمهور، لكن خالفوهم فقالوا: يكفي خروج أكثر الولد، وإذا أسقطت المرأة سِقْطاً، واستبان بعض خلقه، انقضت به العدة؛ لأنه ولد، وإلا فلا.\rالثاني ـ أن يكون الحمل منسوباً إلى صاحب العدة، ولو احتمالاً كمنفي بلعان؛ لأنه لا ينافي إمكان كونه منه، بدليل أنه لو استلحقه به لحقه، فإن لم يمكن نسبته إلى صاحب العدة، كولد الزنا المنفي قطعاً، فلا تنقضي به العدة.\rوأقل مدة الحمل بالاتفاق: ستة أشهر، وغالبها تسعة، وأكثرها عند الحنفية سنتان، وعند الشافعية والحنابلة: أربع سنين، وعند المالكية في المشهور: خمس سنين. ودليلهم على أقل مدة الحمل: المفهوم من مجموع آيتين وهما قوله تعالى: {والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين} [البقرة:233/2] وقوله سبحانه: {وحمله وفصاله ثلاثون شهراً} [الأحقاف:15/46].\rوأما غالب مدة الحمل، فلأن غالب النساء يحملن كذلك، وهذا أمر معروف بين الناس.","part":9,"page":600},{"id":6156,"text":"وأما أكثر مدة الحمل فيعتمد فيها الاستقراء وتتبع أحوال النساء؛ لأن ما لا نص فيه يرجع فيه إلى الموجود، وقال الشافعية والحنابلة: وقد وجد أربع سنين، روى الدارقطني عن الوليد بن مسلم، قلت لمالك بن أنس عن حديث عائشة قالت: «لا تزيد المرأة في حملها على سنتين، فقال: سبحان الله ، من يقول هذا؟ هذه جارتنا امرأة محمد بن عجلان امرأة صدقٍ، وزوجها رجل صدق، حملت ثلاثة أبطن في اثني عشر سنة» وقال الشافعي: «بقي محمد بن عجلان في بطن أمه أربع سنين» وقال أحمد: «نساء بني عجلان تحمل أربع سنين» فلو طلقها الرجل أو مات عنها، فلم تتزوج حتى أتت بولد بعد طلاقه أو موته بأربع سنين، لحقه الولد، وانقضت عدتها به.\rوأقل ما يتبين به خلق الولد: (81) واحد وثمانون يوماً في رأي الشافعية والحنابلة، لحديث ابن مسعود عند الشيخين: «إن أحدكم يُجمع خَلْقه في بطن أمه أربعين يوماً نطفة، ثم يكون علَقة مثلَ ذلك،ثم يكون مُضْغة مثلَ ذلك» فالعدة في رأي الشافعية والحنابلة: لا تنقضي بما دون المضغة، فوجب أن تكون بعد الثمانين.\rو نصت المادة (124) من القانون السوري على هذه العدة: «عدة الحامل تستمر إلى وضع حملها أو إسقاطه مستبيناً بعض الأعضاء» .\rالتحول لعدة الحمل: لو ظهر في أثناء عدة الأقراء أو الأشهر حمل للزوج، اعتدت المرأة بوضعه.\rالمرتابة بالحمل: إذا ارتابت المعتدة من طلاق أو وفاة بأن ترى أمارات الحمل من حركة أو نفخة ونحوهما، وشكَّت: هل هو حمل أو لا، أو ارتابت بعد انقضاء العدة بالأقراء أو الأشهر، تربصت (أي مكثت) إلى منتهى أمد الحمل عند المالكية، فلا يحل لها أن تتزوج قبله. وعليها أن تصبر عند الشافعية والحنابلة عن الزواج حتى تزول الريبة، للاحتياط، ولخبر: «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك» .","part":9,"page":601},{"id":6157,"text":"ولا تحل للأزواج عند المالكية حتى يمضي أقصى أمد الحمل، وإن تزوجت بعد انقضاء العدة بزوج آخر قبل زوال الريبة. والمذهب لدى الشافعية عدم إبطال النكاح في الحال؛ لأنا حكمنا بانقضاء العدة ظاهراً، فلا نبطله بالشك، فإن علم ما يقتضي البطلان بأن ولدت لدون ستة أشهر من وقت النكاح الثاني، حكمنا ببطلانه، لتبين فساده. ولدى الحنابلة في إبطال هذا النكاح وجهان: أحدهما ـ كالشافعية، والثاني ـ يحل لها النكاح ويصح؛ لأننا حكمنا بانقضاء العدة، وحل النكاح، وسقوط النفقة والسكنى، فلا يجوز زوال ماحكم به بالشك الطارئ، ولهذا لا ينقض الحاكم ما حكم به بتغير اجتهاده ورجوع الشهود.\rعدة زوجة الصغير بعد وفاته: إذا مات الصغير الذي لا يتأتى منه الإحبال، عن امرأته، وبها حبل محقق بأن تضع لدون ستة أشهر من موته، فعدتها عند أبي حنيفة ومحمد أن تضع حملها، لإطلاق قوله تعالى: {وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن} [الطلاق:4/65] وإن حدث الحَبَل بعد الموت، فعدتها أربعة أشهر وعشر؛ لأن هذه عدتها التي وجبت عليها عند الموت، فلا تتغير بعده. ولكن لايثبت نسب الولد في هاتين الحالتين؛ لأن الصبي لا ماء له، فلا يتصور منه العلوق. وقال الشافعية وأبو يوسف: عدتها بالأشهر أي أربعة أشهر وعشر، لا بوضع الحمل؛ لأن الولد منفي عنه يقيناً لعدم إنزاله. ومثله ممسوح إذ لا يلحقه على المذهب لدى الشافعية (1) .\r-------------------------------\r(1) البدائع: 192/3، الدر المختار وحاشية ابن عابدين: 830/2، اللباب: 81/3، القوانين الفقهية: ص 238، الشرح الصغير: 682/2، مغني المحتاج: 395/3، المهذب: 145/2، كشاف القناع: 480/5، غاية المنتهى: 210/3، المغني: 470/7.","part":9,"page":602},{"id":6158,"text":"2 ً - عدة المتوفى عنها زوجها: عرفنا أن المتوفى عنها زوجها إذا كانت حاملاً، تنتهي عدتها بوضع الحمل، ولو كانت الولادة بعد الوفاة بزمن قريب أو بعيد.\rفإن كانت حائلاً غير حامل، كانت عدتها بالاتفاق أربعة أشهر قمرية وعشرة أيام بلياليها من تاريخ الوفاة، لقوله تعالى: {والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً، يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشراً} [البقرة:234/2] حزناً على نعمة الزواج كما بينت، سواء أكان الزوج قد دخل بها، أم لم يدخل، وسواء أكانت صغيرة أم كبيرة، أم في سن من تحيض، لإطلاق الآية، ولم تخصص بالمدخول بها؛ لأن النص القرآني استثنى غير المدخول بها إذا كانت مطلَّقة في قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن، فما لكم عليهن من عدة تعتدونها} [الأحزاب:49/33].\rونصت المادة (123) من القانون السوري على هذه العدة: «عدة المتوفى عنها زوجها أربعةأشهر وعشرة أيام» .\rلكن شرط وجوب العدة بالأشهر الأربعة والعشر للمتوفى عنها: النكاح الصحيح فقط، وبقاء النكاح صحيحاً إلى الموت مطلقاً، سواء وطئت أم لا، وسواء أكانت صغيرة أم كتابية تحت مسلم.\rفإذا كان الزواج فاسداً، فإن عدتها عند الحنفية والحنابلة ثلاث حيضات إن كانت من ذوات الحيض، وثلاثة أطهار عند المالكية والشافعية؛ لأن القصد من إطالة مدة العدة وهو إظهار الأسف على نعمة الزواج، لايتحقق إلا إذا كان الزواج صحيحاً.\rفإن لم تكن من ذوات الحيض وهي مطلَّقة، فإنها تعتد بثلاثة أشهر، كما سأبين.","part":9,"page":603},{"id":6159,"text":"3 ً - عدة المطلَّقة :\rإن كانت المرأة حاملاً، فإن عدتها تكون بوضع الحمل، كما سبق بيانه.\rوإن لم تكن حاملاً فعدتها بالاتفاق إن كانت من ذوات الحيض سواء من طلاق أو فسخ: ثلاثة قروء (1) (حيضات عند الحنفية والحنابلة، وأطهار عند المالكية والشافعية) لقوله تعالى: {والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء} [البقرة:228/2] فإنه أوجب على المطلَّقة الانتظار مدة ثلاثة قروء.\rوالقروء عند الحنفية والحنابلة: ثلاث حيضات كوامل، لعدم تجزؤ الحيضة، وإذا طلق الرجل امرأته لم تعتد بالحيضة التي وقع فيها الطلاق، ولا تحل لغيره إذا انقطع دم الحيضة الأخيرة حتى تغتسل في رأي الحنابلة.\rوأما عند المالكية والشافعية فقد لا تكون القروء ثلاثة كاملة، فإذا طلقت المرأة في طهر، كانت بقية الطهر قرءاً كاملاً، ولو كانت لحظة، فتعتد به، ثم بقرءين بعده، فذلك ثلاثة قروء، فمن طلقت طاهراً انقضت عدتها ببدء الحيضة الثالثة، ومن طلقت حائضاً، انتهت عدتها بدخول الحيضة الرابعة بعد الحيضة التي طلقت فيها.\rوالأظهر لدى الشافعية عدم احتساب طهر من لم تحض قرءاً إذا طلقت فيه، فمن طلقت في طهر وكانت لم تحض أصلاً، ثم حاضت في أثناء عدتها بالأشهر، فلا يحتسب ذلك الطهر الذي طلقت فيه.\rوإن لم تكن المرأة من ذوات الحيض لصغر أو كبر سن بأن بلغت سن اليأس، أو لكونها لا تحيض أصلاً بعد بلوغها خمس عشرة سنة، فإن عدتها تكون بثلاثة أشهر لقوله تعالى: {واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم، فعدتهن ثلاثة أشهر، واللائي لم يحضن} [الطلاق:4/65].\r-------------------------------\r(1) البدائع: 191/3 ومابعدها، الدر المختار: 825/2-828، فتح القدير: 269/3-272، اللباب: 80/3، 83، الشرح الصغير: 672/2-674، القوانين الفقهية: ص 235، بداية المجتهد: 88/2 وما بعدها، 96، المهذب: 143/2 وما بعدها، مغني المحتاج: 384/3 وما بعدها، 387، كشاف القناع: 482/5-485، المغني: 449/7، 456-462، 467-468، غاية المنتهى: 211/3 وما بعدها.","part":9,"page":604},{"id":6160,"text":"4 ً - عدة من لم تحض لصغر أو كبر سن بسبب بلوغ سن اليأس، ومن لم تحض أصلاً، وبعبارة أخرى: عدة الصغيرة والآيسة، والمرأة التي لم تحض: ثلاثة أشهر (1) ، للآية السابقة: {واللائي يئسن من المحيض...} [الطلاق:4/65].\rسن اليأس: أما تحديد سن اليأس: وهي السن التي إذا بلغتها المرأة لا تحيض فيها، فمختلف في تقديره بين الفقهاء (2) .\rيرى الحنابلة: أن حد الإياس خمسون سنة، لقول عائشة: «لن ترى في بطنها ولداً بعد خمسين سنة» .\rورأي الحنفية في المفتى به: أن الإياس يكون بخمس وخمسين.\rوقال الشافعية: إن أقصى سن اليأس اثنان وستون سنة.\rوذهب المالكية إلى أن سن اليأس تقدر بسبعين سنة، فما تراه المرأة بعد هذه السن لا يعتبر حيضاً قطعاً.\rسن الحيض: وأقل سن تحيض فيه المرأة تسع سنين؛ لأن المرجع فيه إلى الموجود، وقد وجد من تحيض لتسع.\rسن البلوغ: وسن البلوغ في الغالب إذا لم تحض المرأة باتفاق المذاهب خمس عشرة سنة.\rموقف القانون من النوعين الأخيرين ومن ممتدة الطهر: نص القانون السوري م (121) على ما يأتي: عدة المرأة غير الحامل للطلاق أو الفسخ كما يلي:\r1 - ثلاث حيضات كاملات لمن تحيض، ولا تسمع دعوى المرأة بانقضائها قبل مضي ثلاثة أشهر على الطلاق أو الفسخ.\r2 - سنة كاملة لممتدة الطهر التي لم يجئها الحيض، أو جاءها ثم انقطع ولم تبلغ سن اليأس.\r3 - ثلاثة أشهر للآيسة.\rونصت المادة (122) على العدة في الزواج الفاسد: العدة في الزواج الفاسد بعد الدخول تجري عليها أحكام المادة السابقة.\r-------------------------------\r(1) المراجع السابقة.\r(2) كشاف القناع: 484/5، الدر المختار: 835/2، الشرح الصغير: 672/2، مغني المحتاج: 387/3، المغني: 460/7.","part":9,"page":605},{"id":6161,"text":"5 ً - عدة المرتابة (ممتدة الطهر) والمستحاضة :\rالنساء في سن الحيض ثلاثة أصناف: معتادة، ومرتابة، ومستحاضة (1) :\rفأما المعتادة: فتعتد بثلاثة قروء على حسب عادتها، كما تبين في النوع الثالث.\rوأما المرتابة بالحيض أو ممتدة الطهر: وهي التي ارتفع حيضها، ولم تدر سببه من حمل أو رضاع أو مرض. فحكمها عند الحنفية والشافعية: أنها تبقى أبداً حتى تحيض أو تبلغ سن من لا تحيض، ثم تعتد بثلاثة أشهر؛ لأنها لما رأت الحيض، صارت من ذوات الحيض، فلا تعتد بغيره، ولما روى البيهقي عن عثمان أنه حكم بذلك في المرضع.\rوعند المالكية والحنابلة: عدتها سنة بعد انقطاع الحيض، بأن تمكث تسعة أشهر، وهي مدة الحمل غالباً، ثم تعتد بثلاثة أشهر، فيكمل لها سنة، ثم تحل، وذلك إذا انقطع الحيض عند المالكية بسبب المرض أو بسبب غير معروف. لما روي عن عمر رضي الله عنه: أنه قال في رجل طلق امرأته، فحاضت حيضة أو حيضتين، فارتفع حيضها، لا تدري ما رفعه؟ تجلس تسعة أشهر، فإذا لم يستبن بها حمل، فتعتد بثلاثة أشهر فذلك سنة (2) ؛ ولأن المقصود من العدة معرفة براءة الرحم وخلوه من الحمل، وتتحقق هذه المعرفة بمضي هذه المدة، فيكتفى بها.\rفإن انقطع الحيض بسبب الرضاع، فإن عدتها عند المالكية تنقضي بمضي سنة بعد انتهاء زمن الرضاع وهو سنتان. فإن رأت الحيض ولو في آخر يوم من السنة انتظرت الحيضة الثالثة.\r-------------------------------\r(1) الدر المختار: 828/2 ومابعدها، القوانين الفقهية: ص 235-236، الشرح الصغير: 675/2 ومابعدها، 681، المغني: 766/7-768، كشاف القناع: 485/5 ومابعدها، غاية المنتهى: 212/3، مغني المحتاج: 385/3، 387.\r(2) رواه الشافعي بإسناد جيد من حديث سعيد بن المسيب عن عمر، قال الشافعي: «هذا قضاء عمر بين المهاجرين والأنصار، لا ينكره منكر، علمناه» .","part":9,"page":606},{"id":6162,"text":"ورأي الحنابلة والمالكية هو الراجح، وأخذ به القانون السوري في المادة السابقة (121) لما فيه من الرفق بالناس، وعدم تطويل العدة على المرأة. أما القانون المصري رقم (25) لعام (1929) فلم يتعرض لانتهاء عدة ممتدة الطهر ولا لبقائها، ولا لحل تزوجها برجل آخر أو عدم حله، وإنما نص على أنه: «لا تسمع الدعوى بنفقة عدة لمدة تزيد على سنة من تاريخ الطلاق» وحدد السنة بـ (365) يوماً.\rوأما المستحاضة أو ممتدة الدم: وهي المتحيرة التي نسيت عادتها فالمفتى به عند الحنفية: أنها تنقضي عدتها بسبعة أشهر، بأن يقدر طهرها بشهرين، فتكون أطهارها ستة أشهر، وتقدر ثلاث حيضات بشهر احتياطاً. وقيل: تنقضي عدتها بثلاثة أشهر. وأما إذا استمر بها الدم، وكانت تعلم عادتها، فإنها ترد إلى عادتها.\rورأى الحنابلة والشافعية: أن عدة المستحاضة الناسية لوقت حيض والمبتدأة كالآيسة: ثلاثة أشهر؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلم أمر حَمْنة بنت جحش أن تجلس في كل شهر ستة أيام أو سبعة، فجعل لها حيضة من كل شهر، بدليل أنها تترك فيها الصلاة ونحوها. فإن كانت لها عادة أو تمييز عملت به، كما تعمل به في الصلاة والصوم.\rوذهب المالكية إلى أن المستحاضة غير المميزة بين دم الحيض والاستحاضة كالمرتابة، تمكث سنة كاملة، تقيم تسعة أشهر استبراء لزوال الريبة؛ لأنها مدة الحمل غالباً، وثلاثة أشهر عدة، وتحل للأزواج، فتكون عدة المستحاضة غير المميزة، ومن تأخر عنها الحيض، لا لعلة، أو لعلة غير رضاع: سنة كاملة. أما المميزة المستحاضة ومن تأخر حيضها لرضاع فتعتد بالأقراء.","part":9,"page":607},{"id":6163,"text":"6 ً - عدة المفقود زوجها :\rالمفقود: هو الغائب الذي لم يُدْر: أحي هو فيتوقع قدومه، أم ميت أودع القبر، كالذي يفقد من بين أهله ليلاً أو نهاراً، أو يخرج إلى الصلاة فلا يرجع، أو يفقد في مفازة أي مهلكة، أو يفقد بسبب حرب أو غرق مركبة ونحوه. وحكم عدة زوجته بحسب حكم حاله عند الفقهاء (1) .\rقال الحنفية: هو حي في حق نفسه، فلا يورث ماله، ولا تبين منه امرأته، فلا تعتد زوجته حتى يتحقق موته، استصحاباً لحال الحياة السابق. أما المنعي إليها زوجها أو التي أخبرها ثقة أن زوجها الغائب مات، أو طلقها ثلاثاً أو أتاها منه كتاب على يد ثقة بالطلاق، فلا بأس أن تعتد وتتزوج.\rوقال الشافعية في الجديد الصحيح مثل الحنفية: ليس لامرأته أن تفسخ النكاح، لأنه إذا لم يجز الحكم بموته في قسمة ماله، لم يجز الحكم بموته في نكاح زوجته. فلا تعتد زوجته ولا تتزوج حتى يتحقق موته أو طلاقه، عملاً بمبدأ الاستصحاب، وبقول علي رضي الله عنه: «تصبر حتى يعلم موته» .\rوقال المالكية والحنابلة: تنتظر امرأة المفقود أربع سنين، ثم تعتد عدة الوفاة: أربعة أشهر وعشرة أيام، لما روي عن عمررضي الله عنه: «أن رجلاً غاب عن امرأته، وفقد، فجاءت امرأته إلى عمر، فذكرت ذلك له، فقال: تربصي أربع سنين ففعلت، ثم أتته، فقال: تربصي أربعة أشهر وعشراً، ففعلت، ثم أتته فقال: أين ولي هذا الرجل؟ فجاؤوا به فقال: طلقها، ففعل، فقال عمر: تزوجي من شئت» (2) .\r-------------------------------\r(1) الشرح الصغير: 693/2 وما بعدها، بداية المجتهد: 52/2، المهذب: 146/2، كشاف القناع: 487/5 وما بعدها، غاية المنتهى: 212/3، المغني: 488/7-496، الدر المختار: 160/3، وانظر: 847/2، مغني المحتاج: 397/3.\r(2) رواه الأثرم والجوزجاني والدارقطني.","part":9,"page":608},{"id":6164,"text":"المبحث الثالث ـ تحول العدة أو انتقالها وتغيرها :\rقد يطرأ على المعتدة بالأشهر أو بالأقراء ما يوجب تغير نوع العدة، فيجب عليها الاعتداد بمقتضى الأمر الطارئ، وهذه هي الحالات التي تقتضي تحول العدة (1) :\rأولاً ـ تحول العدة من الأشهر إلى الأقراء :\rإذا طلقت الصغيرة أو من بلغت سن اليأس، فشرعت في العدة بالشهور، ثم حاضت قبل انتهاء العدة، لزمها الانتقال إلى الأقراء، وبطل ما مضى من عدتها، ولا تنتهي عدتها إلا بثلاث حيضات كوامل عند الحنفية والحنابلة، وبثلاثة أطهار عند المالكية والشافعية؛ لأن الشهور بدل عن الأقراء، فلا يجوز الاعتداد بها مع وجود أصلها، كالقدرة على الوضوء في حق المتيمم ونحوها. والآيسة لما رأت الدم تبين أنها أخطأت الظن.\rفإن انقضت عدتها بالشهور، ثم حاضت، لم يلزمها استئناف العدة بالأقراء؛ لأن هذا معنى حدث بعد انقضاء العدة، وقد حصل المقصود بالبدل، فلا يبطل حكمه بالقدرة على الأصل، كمن صلى بالتيمم، ثم قدر على الماء بعد انتهاء وقت الصلاة، فلا يجب عليه الوضوء وإعادة الصلاة.\rثانياً ـ تحول العدة من الأقراء إلى الأشهر أو وضع الحمل :\rإذا شرعت المطلقة في العدة بالأقراء، ثم ظهر بها حمل من الزوج، بناء على رأي المالكية والشافعية بأن الحامل قد ترى الدم، سقط حكم الأقراء، وتعتد بوضع الحمل؛ لأن الأقراء دليل على براءة الرحم في الظاهر، والحمل دليل على شغل الرحم قطعاً، فيسقط الظاهر بالقطع.\rوإذا طلقت المرأة التي كانت تحيض، فحاضت مرة أو مرتين، ثم أيست، انتقلت عدتها من الحيض إلى الأشهر، ولا تعتد بالأشهر عند الحنفية إلا بعد بلوغها سن اليأس (وهو 55 سنة)، فإذا بلغت سن اليأس، استأنفت العدة بالأشهر الثلاثة التي هي عدة الآيسة.\r-------------------------------\r(1) البدائع: 200/3 وما بعدها، الدر المختار: 826/2، 832-834، فتح القدير: 275/3، 277، 279، اللباب: 81/3، الشرح الصغير: 682/2، 714 وما بعدها، المهذب: 143/2 وما بعدها، كشاف القناع: 480/5، مغني المحتاج: 389/3، 396 وما بعدها، المغني: 463/7-467، 471 وما بعدها، القوانين الفقهية: ص 237.","part":9,"page":609},{"id":6165,"text":"وقال المالكية والحنابلة: تعتد سنة، تسعة أشهر منها من وقت الطلاق تنتظر فيها لتعلم براءة رحمها؛ لأن هذه المدة هي غالب مدة الحمل، ثم تعتد بعد ذلك عدة الآيسات: ثلاثة أشهر، عملاً بقول عمر رضي الله عنه.وهذا هو المعقول، دفعاً للحرج والمشقة.\rوقال الشافعية في الجديد كالحنفية: تكون في عدة أبداً حتى تحيض أو تبلغ سن الإياس، فتعتد حينئذ بثلاثة أشهر؛ لأن الاعتداد بالأشهر جعل بعد الإياس، فلم يجز قبله، وهذه ليست آيسة، ولأنها ترجو عود الدم، فلم تعتد بالشهور، كما لو تباعد حيضها لعارض.\rثالثاً ـ الانتقال إلى عدة وفاة :\rإذا مات الرجل في أثناء عدة زوجته التي طلقها طلاقاً رجعياً، انتقلت بالإجماع من عدتها بالأقراء أو الأشهر إلى عدة وفاة: وهي أربعة أشهر وعشرة أيام، سواء أكان الطلاق في حال الصحة أم في حال مرض الموت؛ لأن المطلقة رجعياً تعد زوجة ما دامت في العدة، وموت الزوج يوجب على زوجته عدة الوفاة، فتلغو أحكام الرجعة، وسقطت بقية عدة الطلاق، فتسقط نفقتها، وتثبت أحكام عدة الوفاة من إحداد وغيره. ونصت المادة (1/127) من القانون السوري على هذا: «إذا توفي الزوج، وكانت المرأة في عدة الطلاق الرجعي، تنتقل إلى عدة الوفاة، ولا يحسب ما مضى» .\rأما إن مات الرجل في أثناء عدة زوجته من طلاق بائن، فلا تنتقل إلى عدة الوفاة، بل تتم عدة الطلاق البائن؛ لأنها ليست بزوجة، فتكمل عدة الطلاق، ولا حداد عليها، ولها النفقة إن كانت حاملاً.","part":9,"page":610},{"id":6166,"text":"رابعاً ـ العدة بأبعد الأجلين ـ عدة طلاق الفارّ :\rللفقهاء مذهبان:\rمذهب أبي حنيفة ومحمد وأحمد: إن كان الطلاق فراراً من إرث الزوجة بأن طلق في مرض الموت بقصد حرمانها من الميراث، ثم مات وهي في العدة، فإنها تنتقل من عدة الطلاق، إلى العدة بأبعد الأجلين من عدة الوفاة وعدة الطلاق احتياطاً، بأن تتربص أربعة أشهر وعشراً من وقت الموت، فإن لم تر فيها حيضاً تعتد بعدها بثلاث حيضات في رأي الحنفية والحنابلة. وإن امتد طهرها تبقى عدتها حتى تبلغ سن اليأس؛ لأن المرأة لما ورثت من زوجها، اعتبر الزواج قائماً حكماً وقت الوفاة، فتجب عليها عدة الوفاة، وبما أن الطلاق بائن فلا تعد زوجيتها قائمة، ولا تجب عليها عدة الوفاة، وإنما عدة الطلاق، فمراعاة لهذين الاعتبارين تتداخل العدتان، وتعتد بهما معاً.\rوأخذ القانون السوري (م 2/127) بهذا الرأي: «إذا توفي وهي في عدة البينونة، تعتد بأبعد الأجلين من عدة الوفاة أو البينونة» لكن كان ينبغي تقييد لفظ البينونة بكونها في حالة طلاق الفرار. أما في غير تلك الحالة فلا تنتقل العدة؛ لأن الزوجية غير قائمة بعد طلاق بائن. ومذهب مالك والشافعي وأبي يوسف: أن زوجة الفارّ لا تعتد بأطول الأجلين من عدة الوفاة أو ثلاثة قروء، وإنما تكمل عدة الطلاق؛ لأن زوجها مات وليست زوجة له؛ لأنها بائن من النكاح، فلا تكون منكوحة. واعتبار الزواج قائماً وقت الوفاة في رأي مالك إنما هو في حق الإرث فقط، لا في حق العدة؛ لأن ما ثبت على خلاف الأصل لا يتوسع فيه.وهذا عندي هو الراجح.\rويتصور اعتداد المرأة بأبعد الأجلين لدى الشافعية فيما لو طلق الرجل إحدى امرأتيه طلاقاً بائناً، ومات قبل بيان أو تعيين المطلَّقة، فإن كل واحدة تعتد بالأكثر من عدة وفاة وثلاثة من أقرائها؛ لأن كل واحدة وجب عليها عدة بالطلاق، واشتبهت عليها بعدة أخرى بالوفاة، فوجب أن تأتي بأبعد الأجلين لتخرج عما عليها بيقين، كمن أشكلت عليه صلاة من صلاتين، يلزمه أن يأتي بهما.\rوتعتد المرأة بأقصى الأجلين عند المالكية كما بان في حالة الانتقال إلى عدة وفاة، كأن يموت زوج الرجعية في عدتها.","part":9,"page":611},{"id":6167,"text":"المبحث الرابع ـ وقت ابتداء العدة وما يعرف به انقضاؤها :\rابتداء العدة: فصَّل الحنفية مبدأ العدة على النحو التالي (1) :\r1 ـ إن كان الزواج صحيحاً: فمبدأ العدة بعد الطلاق أو الفسخ أو الموت، فابتداء العدة في الطلاق ونحوه عقيب الطلاق، وفي الوفاة عقيب الوفاة بالاتفاق بين الفقهاء، وتنقضي العدة وإن جهلت المرأة بالطلاق أو الوفاة؛ لأنها أجل، فلا يشترط العلم بمضي الأجل، سواء اعترف الرجل بالطلاق أو أنكر، فلو طلق الرجل امرأته ثم أنكره، وأقيمت عليه بيِّنة وقضى القاضي بالفرقة، كأن ادعته عليه في شوال، وقضى به القاضي في المحرَّم، فالعدة من وقت الطلاق، لا من وقت القضاء.\rوتنقضي العدة، وإن لم تعلم المرأة بالطلاق أو الوفاة، فلو طلق الرجل امرأته الحامل أو مات عنها، ولم يبلغها الخبر حتى وضعت، انقضت عدتها بالاتفاق.\r2 ـ وإن كان الزواج فاسداً: فمبدأ العدة بعد أو عقيب التفريق من القاضي بين الزوجين، أو بعد المتاركة وإظهار عزم الواطئ على ترك وطئها، بأن يقول بلسانه: تركت وطأها، أو تركتها، أو خليت سبيلها، ونحوه، ومنه الطلاق وإنكار الزواج إذا كان بحضرتها، وإلا فلا يعد الإنكار متاركة.\rونص القانون السوري (م 125) على ابتداء العدة في الزواج الصحيح والفاسد: «تبدأ العدة من تاريخ الطلاق أو الوفاة أو الفسخ، أو التفريق القضائي أو المفارقة في النكاح الفاسد» .\r-------------------------------\r(1) الدر المختار ورد المحتار: 839/2-842، البدائع: 190/3، فتح القدير: 286/3، الكتاب وشرحه اللباب: 84/3، مغني المحتاج: 390/3، 395، القوانين الفقهية: ص 235، 238، غاية المنتهى: 210/3 وما بعدها.","part":9,"page":612},{"id":6168,"text":"3 - وإن كان الوطء بشبهة: فقال ابن عابدين (1) :لم أر من صرح بمبدأ العدة في الوطء بشبهة بلا عقد، وينبغي أن يكون من آخر الوطآت عند زوال الشبهة، بأن علم أنها غير زوجته، وأنها لا تحل؛ إذ لا عقد هنا، فلم يبق سبب للعدة سوى الوطء المذكور.\rوهذا الرأي حق، فإن بدء العدة ببدء السبب الذي أدى إليها، والوقاع في حالة الوطء بشبهة هو سبب هذه العدة، فتبتدئ منه.\rتداخل العدتين: إذا تجدد سبب العدة في أثناء عدة سابقة، فهل تتداخل العدتان أم تكمل العدة السابقة، وتستأنف بعدئذ عدة أخرى؟\rيرى الحنفية (2) : أنه إذا وجبت عدتان تداخلتا، سواء أكانتا من جنس واحد، أم من جنسين، ومن رجل واحد أم من رجلين، مثال الجنس الواحد ومن رجل واحد: إذا تزوجت المطلقة في عدتها، فوطئها الزوج، ثم تتاركا، حتى وجبت عليها عدة أخرى، فإن العدتين تتداخلان. ومثال الجنسين ومن رجلين: المتوفى عنها زوجها إذا وطئت بشبهة، فعليها عدة أخرى، وتتداخل العدتان.\rوذلك لأن العدة عندهم هي أجل حدد لانقضاء ما بقي من آثار الزواج، بخلاف الجمهور الذي يجعلون العدة هي فعل التربص.\rويرى أبو حنيفة وأبو يوسف أنه إذا طلق الرجل زوجته التي دخل بها طلاقاً بائناً بينونة صغرى، ثم تزوجها قبل انقضاء عدتها، وطلقها قبل أن يدخل بها، وجب عليها أن تبدأ عدة جديدة، ولا تبني على ما سبق من العدة الأولى؛ لأنها بالعقد عادت إلى حالها الأول، وهي كانت مدخولاً بها، فإذا طلقها كان طلاقاً بعد الدخول حكماً، فيجب عليها عدة مستقلة، ولها مهر كامل. ولم يوجب مالك ومحمد عليها عدة جديدة، بل تكمل عدتها الأولى، ويجب لها نصف المهر المسمى.\rوقال الجمهور (3) : إذا كانت العدتان لشخص واحد ومن جنس واحد، تداخلتا، كأن طلق رجل زوجته، ثم يطؤها في عدة أقراء أو أشهر، جاهلاً كون\r-------------------------------\r(1) رد المحتار: 841/2.\r(2) البدائع: 190/2، الدر المختار: 837/2 وما بعدها، فتح القدير والعناية: 283/3، 286.\r(3) القوانين الفقهية: ص 237، الشرح الصغير: 715/2، مغني المحتاج: 391/3-393، المهذب: 151/2، المغني: 481/7، 486، غاية المنتهى: 215/3، كشاف القناع: 492/5.","part":9,"page":613},{"id":6169,"text":"الطلاق بائناً، أو عالماً أنها رجعية، تداخلت العدتان، فتبتدئ عدة بأقراء أو أشهر من فراغ الوطء، ويدخل فيها بقية عدة الطلاق؛ لأن مقصود عدة الطلاق والوطء واحد، فلا معنى للتعدد، وتكون تلك البقية واقعة عن الجهتين.\rوكذلك تتداخل العدتان إن لم تتفقا وكانتا من جنسين، بأن كانت إحداهما حَمْلاً، والأخرى أقراء، بأن طلقها وهي حامل، ثم وطئها قبل وضع الحمل، أو طلقها وهي غير حامل ثم وطئها في أثناء الأقراء، فأحبلها، فتنقضي العدتان بوضع الحمل على الجهتين، سواء رأت الدم مع الحمل أو لا. وللزوج في عدة طلاق رجعي أن يراجع قبل وضع الحمل.\rأما إن كانت العدتان من شخصين: بأن كانت في عدة زوج أو في عدة وطء شبهة، ثم وطئت بشبهة أو نكاح فاسد ، والواطئ غير صاحب العدة الأولى، أو كانت زوجة معتدة عن شبهة، فطلقت بعد وطء الشبهة، فلا تداخل، عملاً بأثر عن عمر وعلي رواه الشافعي رضي الله عنهم أجمعين. فإن وجد حمل اعتدت بوضعه أولاً، وإن لم يكن حمل، أتمت عدة الطلاق ولو كان الوطء بشبهة سابقاً للطلاق، لقوة عدة الطلاق بسبب استنادها إلى عقد جائز وسبب مسوغ، ثم تستأنف العدة الأخرى.\rولو تزوجت المطلَّقة في عدتها من الطلاق، فدخل بها الثاني، ثم فرق بينهما لبطلان الزواج، اعتدت بقية عدتها من الأول، ثم اعتدت من الثاني.\rأما عند الحنفية فتعتد من الثاني بعد مفارقته، وتكون عدة الأقراء من الثاني عن بقية عدة الأول وعدة الثاني؛ لأن القصد معرفة براءة الرحم، وهذا تحصل به براءة الرحم منهما جميعاً.\rوإن كانت حاملاً فوضع الحمل يجزي عن العدتين اتفاقاً كما تقدم.","part":9,"page":614},{"id":6170,"text":"ما يعرف به انقضاء العدة :\rإذا حدث اختلاف في انقضاء العدة مع زوج المرأة الذي طلقها، فمن الذي يصدق، المرأة أم الزوج؟\rيعرف انقضاء العدة إما بالقول وإما بالفعل (1) :\rأما الفعل: فنحو أن تتزوج بزوج آخر، بعد ما مضت مدة تنقضي في مثلها العدة، فلو قالت المرأة بعد الزواج: لم تنقض عدتي، لم تصدق، لا في حق الزوج الأول، ولا في حق الزوج الثاني، ويكون زواج الزوج الثاني جائزاً؛ لأن إقدامها على التزوج بعد مضي مدة يحتمل انقضاء العدة في مثلها دليل الانقضاء.\rوأما القول: فهو إخبار المعتدة بانقضاء العدة في مدة يحتمل الانقضاء في مثلها، فإن قالت: مضت عدتي، والمدة تحتمله، وكذبها الزوج، قبل قولها بيمينها، وإن لم تحتمله المدة، لا يقبل قولها؛ لأن الأمين إنما يصدق فيما لا يخالف الظاهر.\rوإذا قال الزوج: أخبرتني امرأة سابقاً أن عدتها قد انقضت، فإن كانت في مدة لا تنقضي في مثلها، لا يقبل قوله ولا قولها، إلا إذا تبين ما هو محتمل من إسقاط سِقْط مستبين الخلق، فحينئذ يقبل قولها. وإن كانت في مدة تحتمل الانقضاء فكذبته المرأة، يعمل بخبرها بقدر الإمكان، فيعمل بخبره في حقه وحق الشرع، فله أن يتزوج بأختها؛ لأنه أمر ديني قبل قوله فيه، ويعمل بخبرها في حقها، فتستحق النفقة والسكنى.\rوأما أقل المدة التي تصدق فيها المعتدة لانقضاء عدتها، فعلى التفصيل التالي في رأي الحنفية:\r-------------------------------\r(1) البدائع: 198/3-200، الدر المختار ورد المحتار: 842/2، 848، غاية المنتهى: 223/3.","part":9,"page":615},{"id":6171,"text":"أ ـ إن كانت من ذوات الأشهر: فإنها لا تصدق في أقل من ثلاثة أشهر في عدة الطلاق. وفي عدة الوفاة لا تصدق في أقل من أربعة أشهر وعشر.\rب ـ وإن كانت من ذوات الأقراء (الحيضات): فإن كانت معتدة من وفاة، فلا تصدق في أقل من أربعة أشهر وعشر. وإن كانت معتدة من طلاق: فإن أخبرت بانقضاء عدتها في مدة تنقضي في مثلها العدة، يقبل قولها. وإن أخبرت في مدة لا تنقضي في مثلها العدة، لا يقبل قولها، إلا إذا فسرت ذلك، بأن قالت: أسقطت سقطاً مستبين الخلق أو بعضه، فيقبل قولها؛ لأنها أمينة في إخبارها عن انقضاء عدتها، فإن الله تعالى ائتمنها في ذلك بقوله عز وجل: {ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن} [البقرة:228/2] قيل في التفسير: إنه الحيض والحبل. والقول قول الأمين بيمينه.\rفإذا أخبرت بانقضاء العدة في مدة تنقضي في مثلها، يقبل قولها، ولا يقبل إذا كانت المدة مما لا تنقضي العدة في مثلها؛ لأن قول الأمين إنما يقبل فيما لا يكذبه الظاهر، والظاهر هنا يكذبها.\rوأما أقل ما تصدق فيه المعتدة بالأقراء:\rفقال أبو حنيفة: أقل ما تصدق فيه الحرة ستون يوماً، عملاً بالوسط في مدة الحيض وهو خمسة أيام، فتكون الحيضات الثلاث خمسة عشر يوماً، والأطهار خمسة وأربعين يوماً على أن يبدأ بالطهر، فيكون المجموع ستين يوماً.\rوقال الصاحبان: تسعة وثلاثون يوماً، عملاً بأقل الحيض وهو ثلاثة أيام، فتكون الحيضات تسعة أيام على أن يبدأ بالحيض ثلاثة أيام، ثم بالطهر خمسة عشر يوماً، ثم بالحيض ثلاثة أيام، ثم بالطهر خمسة عشر يوماً، ثم بالحيض ثلاثة أيام، فذلك تسعة وثلاثون يوماً. وقد بينت سابقاً آراء المذاهب الأخرى في مبحث اختلاف الزوجين في الرجعة.","part":9,"page":616},{"id":6172,"text":"المبحث الخامس ـ أحكام العِدَد أو حقوق المعتدة وواجباتها :\rيتعلق بالمعتدة الأحكام التالية (1) :\rأولاً ـ تحريم الخطبة: لا يجوز للأجنبي خطبة المعتدة صراحة، سواء أكانت مطلقة أم متوفى عنها زوجها؛ لأن المطلقة طلاقاً رجعياً في حكم الزوجة، فلا يجوز خطبتها، ولبقاء بعض آثار الزواج في المطلقة ثلاثاً أو بائناً أو متوفى عنها زوجها.\rولا يجوز أيضاً التعريض بالخطبة في عدة الطلاق، ويجوز في عدة الوفاة؛ لقوله تعالى: {ولا جناح عليكم فيما عرَّضتم به من خطبة النساء} [البقرة:235/2] إلى أن قال: {ولكن لا تواعدوهن سراً، إلا أن تقولوا قولاً معروفاً} [البقرة:235/2] ولأنه في عدة الطلاق لايجوز للمعتدة الخروج من منزلها أصلاً ليلاً ولا نهاراً، ويجوز للمتوفى عنها عند الحنفية الخروج نهاراً، ولأن إثارة العداوة بالتعريض لزوجها الأول يتصور في المطلقة لا المتوفى عنها. وقد ذكرت الحكم تفصيلاً في بحث الخطبة.\rثانياً ـ تحريم الزواج :\rلا يجوز للأجنبي إجماعاً نكاح المعتدة ، لقوله تعالى : {ولا تعزموا عقدة النكاح حتى يبلغ الكتاب أجله } [البقرة :2/235] أي لا تعقدوا عقد النكاح حتى تنقضي العدة التي كتبها الله على المعتدة ، ولبقاء الزوجية في الطلاق الرجعي ، وبعض آثار الزواج في الطلاق الثالث والبائن .وإذا تزوجت فالنكاح باطل، لأنها ممنوعة من الزواج لحق الزوج الأول، فكان نكاحاً باطلاً كما لو تزوجت وهي في نكاحه، ويجب أن يفرق بينه وبينها.\rويجوز لصاحب العدة أن يتزوج المعتدة؛ لأن الإلزام بالعدة إنما شرع مراعاة لحق الزوج، فلا يجوز أن يمنع حقه، فالعدة لحفظ مائه وصيانة نسبه، ولا يصان ماؤه عن بعضه، ولا يحفظ نسبه عنه، فإذا انقضت العدة جاز لأي شخص أن يتزوجها.\r-------------------------------\r(1) البدائع: 204/3-220، البحر الرائق: 162/4، اللباب: 85/3-89، الدر المختار ورد المحتار: 840/2، 848-856، فتح القدير: 291/3-299، 339، 342، القوانين الفقهية: ص 238 وما بعدها، الشرح الصغير: 679/2-687، 740 وما بعدها، مغني المحتاج: 390/3-407، 440، 441، المهذب: 146/2-149، 164، المغني: 480/7-483، 517 وما بعدها، 522-530، 606-608، غاية المنتهى: 217/3-219، كشاف القناع: 496/5، بداية المجتهد: 94/2 وما بعدها.","part":9,"page":617},{"id":6173,"text":"والقاعدة عند المالكية: كل نكاح فسخ بعد الدخول اضطراراً، فلا يجوز للزوج أن يتزوج المرأة في عدتها منه، وكل نكاح فسخ اختياراً من أحد الزوجين، حيث لهما الخيار، جاز أن يتزوجها في عدتها منه (1) .\rثالثاً ـ حرمة الخروج من البيت :\rللفقهاء آراء متقاربة في مسألة خروج المعتدة من البيت، الحنفية: فرقوا بين المطلقة والمتوفى عنها، فقالوا: يحرم على المطلقة البالغة العاقلة الحرة المسلمة المعتدة من زواج صحيح الخروج ليلاً ونهاراً، سواء أكان الطلاق بائناً أم ثلاثاً أم رجعياً، لقوله تعالى في الطلاق الرجعي: {لا تخرجوهن من بيوتهن، ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة} [الطلاق:1/65] بأن تزني فتخرج لإقامة الحد\rعليها، ويرى أبو حنيفة أن الفاحشة هي نفس الخروج، وقوله تعالى: {أسكنوهن من حيث سكنتم} [الطلاق:6/65] والأمر بالإسكان نهي عن الإخراج والخروج. وأما في الطلاق الثلاث أو البائن، فلعموم النهي عن الخروج، ومساس الحاجة إلى الحفاظ على الأنساب وعدم اختلاط المياه.\rوأما المتوفى عنها: فلا تخرج ليلاً، ولا بأس أن تخرج نهاراً في حوائجها؛ لأنها تحتاج إلى الخروج بالنهار لاكتساب ما تنفقه؛ لأنه لا نفقة لها من الزوج المتوفى، بل نفقتها عليها، فتحتاج إلى الخروج لتحصيل النفقة، ولا تخرج بالليل، لعدم الحاجة إلى الخروج بالليل، بخلاف المطلَّقة، فإن نفقتها على الزوج، فلا تحتاج إلى الخروج.\rوليس للمعتدة من طلاق ثلاث أو بائن أو رجعي أن تخرج من منزلها الذي تعتد فيه إلى سفر ولو إلى حج فريضة إذا كانت معتدة من نكاح صحيح. ولا يجوز للزوج أن يسافر بها لقوله تعالى: {لا تخرجوهن من بيوتهن، ولا يخرجن} [الطلاق:1/65] والمذهب أن للزوج ضرب المرأة المفارقة على الخروج من منزله بلا إذن، إلا إن احتاجت إلى الاستفتاء في حادثة، ولم يرض الزوج أن يستفتي لها، وهو غير عالم.\r-------------------------------\r(1) القوانين الفقهية: ص 211.","part":9,"page":618},{"id":6174,"text":"ويجوز للمعتدة من نكاح فاسد أن تخرج؛ لأن أحكام العدة مرتبة على أحكام النكاح الصحيح. ويجوز أيضاً للصغيرة والمجنونة أن تخرج من منزلها إذا لم يكن في الفرقة رجعة، سواء أذن الزوج لها أم لم يأذن؛ إذ أن حق الله في العدة لا يجب عل الصغير والمجنون، ولأنه لا ولد من الصغيرة، فلم يبق للزوج حق. ولكن يجوز للزوج منع المجنونة من الخروج حفاظاً على مائه وتحصينه من الاختلاط. وإن كانت الفرقة رجعية فلا يجوز للصغيرة الخروج بغير إذن الزوج؛ لأنها زوجته. هذا كله في حال الاختيار، أما في حال الضرورة فلكل معتدة الخروج، فإن اضطرت إلى الخروج من بيتها، بأن خافت سقوط منزلها، أو خافت على متاعها، أو لا تجد أجرة البيت الذي تستأجره في عدة الوفاة، فلا بأس عندئذ أن تخرج. وتنتقل المعتدة المطلقة في البادية مع أهل الكلأ في محفة أو خيمة مع زوجها إن تضررت في المكان الذي طلقها فيه، وإن لم تتضرر فلا تنتقل من مكانها.\rوأجاز المالكية والحنابلة للمعتدة الخروج لضرورة أو عذر، كأن خافت هدماً أو غرقاً أوعدواً أو لصوصاً أو غلاء كرائها أو نحوه، كما قرر الحنفية، وأجازوا أيضاً للمعتدة مطلقاً الخروج في حوائجها نهاراً، سواء أكانت مطلَّقة أم متوفى عنها، لما روى جابر قال: «طُلِّقت خالتي ثلاثاً، فخرجت تجذّ نخلها، فلقيها رجل، فنهاها، فذكرت ذلك للنبي صلّى الله عليه وسلم ، فقال: اخرجي فجذي نخلك، لعلك أن تتصدقي منه، أو تفعلي خيراً» (1) ، وروى مجاهد قال: «استشهد رجال يوم أحد، فجاء نساؤهم رسول الله صلّى الله عليه وسلم ، وقلن: يا رسول الله ، نستوحش بالليل، أفنبيت عند إحدانا، فإذا أصبحنا بادرنا إلى بيوتنا؟ فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلم : تحدثن عند إحداكن، حتى إذا أردتن النوم، فلتؤب كل واحدة إلى بيتها» .\r-------------------------------\r(1) رواه النسائي وأبو داود.","part":9,"page":619},{"id":6175,"text":"وليس للمعتدة المبيت في غير بيتها، ولا الخروج ليلاً إلا لضرورة؛ ولا تبيت إلا في دارها؛ لأن الليل مظنة الفساد، بخلاف النهار، فإنه مظنة قضاء الحوائج والمعاش، وشراء ما يحتاج إليه.\rوإن وجب عليها حق لا يمكن استيفاؤه إلا بها كاليمين والحد، وكانت ذات خِدْر (أي ستر) بعث إليها الحاكم من يستوفي الحق منها في منزلها. وإن كانت بَرْزَة (هي الظاهرة غير المستترة) جاز إحضارها لاستيفائه، فإذا فرغت رجعت إلى منزلها.\rولم يجز الشافعية للمعتدة مطلقاً، سواء أكانت رجعية أم مبتوتة أم متوفى عنها زوجها، الخروج من موضع العدة إلا لعذر، لقوله تعالى: {لا تخرجوهن من بيوتهن، ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة} [الطلاق:1/65] وعن فُرَيعة بنت مالك قالت: «قلت لرسول الله صلّى الله عليه وسلم : إني في دار وحشة، أفأنتقل إلى دار أهلي، فأعتد عندهم؟ فقال: امكثي في بيتك الذي أتاك فيه نعي زوجك، حتى يبلغ الكتاب أجله» قالت: «فاعتددت فيه أربعة أشهر وعشراً» (1) .\rورأي الشافعية والحنابلة أن منزل البدوية وبيتها من شعر كمنزل حضرية في لزوم الموضع الذي مات زوجها وهي فيه، فلو ارتحل في أثنائها كل الحي انتقلت معهم للضرورة. وإن ارتحل بعض الحي، بقيت مع الباقين إن كان فيهم قوة، لكن لو ارتحل أهلها لها أن ترتحل معهم؛ لأن مفارقة الأهل عسرة موحشة.\r-------------------------------\r(1) رواه الخمسة (أحمد وأصحاب السنن الأربعة) وصححه الترمذي عن فريعة (نيل الأوطار: 298/6) والدار الوحشة: أصله المكان القفر من الأنيس، وأوحش النزل: خلا من السكَّان.","part":9,"page":620},{"id":6176,"text":"رابعاً ـ السكنى في بيت الزوجية والنفقة :\rهذا حق للمرأة واجب على الزوج، أما سكنى المعتدة أي معتدة في بيت الزوجية، فواجبة لقوله تعالى: {يا أيها النبي إذا طلقتم النساء، فطلقوهن لعدتهن، وأحصوا العدة، واتقوا الله ربكم، لا تخرجوهن من بيوتهن، ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة} [الطلاق:1/65] والبيت المضاف للمرأة هو البيت الذي تسكنه عند الفرقة، سواء أكانت مطلقة أم متوفى عنها. لكن قال الحنفية: يجوز بقاء المطلقة رجعياً مع الزوج في دار واحدة، وله إن قصد مراجعتها أن يستمتع بها بعد الطلاق؛ لأن الطلاق الرجعي لا يحرم عندهم على الراجح المطلقة على من طلقها، ويكون استمتاعه بها رجعة، وله حينئذ إذا قصد مراجعتها أن يدخل عليها بلا إذنها.\rأما في الطلاق البائن أو الثلاث: فلا بد من ساتر حاجز بين الرجل والمطلقة، فإن كان المسكن متسعاً استقلت المرأة بحجرة فيه، ولا يجوز للمطلق أن ينظر إليها ولا أن يقيم معها في تلك الحجرة. وإن كان المسكن ضيقاً ليس فيه إلا حجرة واحدة، وجب على الرجل المطلِّق أن يخرج من المسكن، وتبقى المطلقة فيه حتى تنقضي العدة؛ لأن بقاء المرأة في منزل الزوجية الذي كانت تسكن فيه وقت الطلاق واجب شرعاً، ولئلا تقع الخلوة بالأجنبية.\rولا عبرة بالعرف القائم الآن من خروج المطلقة من بيت الزوجية فهو عرف مصادم للنص القرآني السابق: {لا تخرجوهن من بيوتهن} [الطلاق:1/65].\rولكن يعد ضيق المنزل وفسق الزوج عذراً يجيز في رأي الحنفية للمطلقة أو المتوفى عنها الخروج من البيت، وتعيين الموضع الذي تنتقل إليه في عدة الطلاق إلى الزوج، وأما في عدة الوفاة فإن التعيين يكون إليها؛ لأنها هي صاحبة الرأي المطلق في أمر السكنى، حتى إن أجرة المنزل إن كان بأجر تكون عليها.","part":9,"page":621},{"id":6177,"text":"وكذلك يعد إيذاؤها الجيران عذراً عند الحنابلة يبيح انتقالها لدار أخرى.\rولا تخرج المعتدة إلى صحن الدار التي فيها منازل الأجانب عنها، لأنه كالخروج إلى الشارع. فإن لم يكن في الدار منازل للأجانب، بل بيوت أو غرف، جاز لها الخروج إلى صحن الدار، ولا تصير به خارجة عن الدار، ولها أن تبيت في أي غرفة شاءت منها.\rوذكر الشافعية (1) : أن الرجل إذا عاشر المعتدة كزوج، بخلوة ولو بدخول دار هي فيها، ونوم ولو في الليل فقط وأكل ونحو ذلك، بلا وطء لها، في عدة أقراء أو أشهر، فالأصح أنها إن كانت بائناً انقضت عدتها بما ذكر؛ لأن مخالطتها محرَّمة ووطؤها زنا لا حرمة له، ولا أثر للحرام في الحكم الشرعي، كالمزني بها لا يترتب على الزنا حكم شرعي من أحكام الزواج، وأما إن كانت رجعية، فلا تنقضي عدتها؛ لأن الشبهة قائمة؛ لأن العدة لبراءة الرحم وهي مشغولة. لكن لا يضر دخول دار هي فيها بلا خلوة.\rوأما نفقة المعتدة: فواجبة على الزوج حسب التفصيل الآتي:\r1ً - إن كانت المعتدة مطلقة طلاقاً رجعياً: وجبت لها النفقة بأنواعها المختلفة من طعام وكسوة وسكنى، بالاتفاق؛ لأن المعتدة تعد زوجة ما دامت في العدة.\r2ً - وإن كانت معتدة من طلاق بائن:\rفإن كانت حاملاً،وجبت لها النفقة بأنواعها المختلفة بالاتفاق، لقوله تعالى: {وإن كن أولات حمل، فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن} [الطلاق:6/65].\rوإن كانت غير حامل: وجبت لها النفقة بأنواعها أيضاً عند الحنفية، بسب احتباسها في العدة لحق الزوج.\r\r-------------------------------\r(1) مغني المحتاج: 393/3 وما بعدها.","part":9,"page":622},{"id":6178,"text":"ولا تجب لها النفقة في رأي الحنابلة؛ لأن فاطمة بنت قيس طلَّقها زوجها البتة، فلم يجعل لها رسول الله صلّى الله عليه وسلم نفقة ولا سكنى، وإنما قال: «إنما النفقة والسكنى للمرأة إذا كان لزوجها عليها الرجعة» (1) .\rوتجب لها السكنى فقط في رأي المالكية والشافعية، لقوله تعالى: {أسكنوهن من حيث سكنتم من وُجدكم} [الطلاق:6/65] فإنه أوجب لها السكنى مطلقاً، سواء أكانت حاملاً أم غير حامل. ولا تجب لها نفقة الطعام والكسوة لمفهوم قوله تعالى: {وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن} [الطلاق:6/65] فدل بمفهومه على عدم وجوب النفقة لغير الحامل.\r3ً - وإن كانت معتدة من وفاة: فلا نفقة لها بالاتفاق، لانتهاء الزوجية بالموت، لكن أوجب لها المالكية السكنى مدة العدة إذا كان المسكن مملوكاً للزوج، أو مستأجَراً ودفع أجرته قبل الوفاة، وإلا فلا.\r4ً - وإن كانت معتدة من زواج فاسد أو شبهة: فلا نفقة لها عند الجمهور، إذ لا نفقة لها في الزواج الفاسد، فلا نفقة لها في أثناء العدة منه.\rوأوجب المالكية لها إن كانت حاملاً النفقة على الواطئ؛ لأنها محتبسة بسببه، فإن كانت غير حامل أو فسخ نكاحها بلعان، فيجب لها السكنى فقط في المحل الذي كانت فيه.\r-------------------------------\r(1) رواه أحمد والنسائي (نيل الأوطار: 305/6).","part":9,"page":623},{"id":6179,"text":"خامساً ـ الإحداد أو الحداد :\rالإحداد أو الحداد في اللغة: الامتناع من الزينة، واصطلاحاً: ترك الطيب والزينة والكحل والدهن المطيب وغير المطيب. وهو خاص بالبدن، فلا مانع من تجميل فراش وبساط وستور، وأثاث بيت وجلوس امرأة على حرير.\rويباح للمرأة الحداد على قريب كأب وأم وأخ ثلاثة أيام فقط، ويحرم إحداد فوق ثلاث على ميت غير زوج، للحديث الصحيح المتقدم: «لا يحل لامرأة مسلمة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد فوق ثلاث، إلا على زوجها أربعة أشهر وعشراً» (1) وللزوج منع زوجته من الحداد على الأقرباء؛ لأن الزينة حقه.\rومدة الحداد على الزوج أربعة أشهر وعشرة أيام.\rوالإحداد على الزوج خاص في رأي الحنفية بالمرأة البالغة المسلمة ولو أمة، فلا إحداد على صغيرة وذمية؛ لأنهما غير مكلفين. ولا إحداد على أم الولد؛ لأنها ليست زوجة.\rويشمل الحداد عند الجمهور كل زوجة بنكاح صحيح، صغيرة أو كبيرة، أو مجنونة ، مسلمة أو كتابية، وكذا الأمة الزوجة في رأي الحنابلة، ولا يجب الإحداد على الإماء في رأي المالكية والشافعية؛ لأنهن لسن زوجات، وأما الصغيرة والذمية فلأن غير المكلفة تساوي المكلفة في اجتناب المحرمات كالخمر والزنا، وإنما يفترقان في الإثم، فكذلك الإحداد، ولأن حقوق الذمية في النكاح كحقوق المسلمة، فكذلك فيما عليها.\rولا إحداد على غير الزوجات كأم الولد إذا مات سيدها، والأمة التي يطؤها سيدها، والموطوءة بشبهة والمزني بها والمنكوحة نكاحاً فاسداً؛ لأن نص الحديث السابق خص الحداد بالزواج، ولأن ذات النكاح الفاسد ليست زوجة على الحقيقة.\rوالإحداد واجب شرعاً على الزوجات. واتفق الفقهاء على عدم وجوب الحداد على الرجعية؛ لأنها في حكم الزوجة، لها أن تتزين لزوجها، وتستشرف له ليرغب فيها ويعيدها إلى ما كانت عليه من الزوجية.\rواتفقوا أيضاً على وجوب الحداد على المتوفى عنها زوجها، للحديث السابق: « أن أم حبيبة رضي الله عنها لما بلغها موت أبيها أبي سفيان،انتظرت ثلاثة أيام، ثم دعت بطيب، وقالت: والله ما لي بالطيب من حاجة، غير أني سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلم يقول على المنبر:لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر،أن تحدّ على ميت فوق ثلاث إلا على زوج أربعة أشهر وعشراً» .\rوأوجب الحنفية الحداد أيضاً على المبتوتة أو المطلقة طلاقاً بائناً؛ لأنه حق الشرع، وإظهاراً للتأسف على فوات نعمة الزواج، كالمتوفى عنها.\r-------------------------------\r(1) رواه البخاري ومسلم عن أم سلمة (نيل الأوطار: 292/6).","part":9,"page":624},{"id":6180,"text":"ولم يوجبه الجمهور عليها، وإنما يستحب فقط؛ لأن الزوج آذاها بالطلاق البائن، فلا تلزم بإظهار الحزن والأسف على فراقه، ولأنها معتدة من طلاق كالرجعية، وإنما يستحب لها الحداد لئلا تدعو الزينة إلى الفساد.\rويكون الإحداد بترك التجميل، وهو أن تجتنب ما يلي:\r1ً - الزينة بحلي ولو خاتم من ذهب أو فضة، أو حرير مطلقاً ولو كان أسود. وأجاز بعض الشافعية كابن حجر التحلي بالذهب والفضة، وأجاز الحنابلة لبس الحرير الأبيض؛ لأنه مألوف.\r2ً - الطيب في البدن والامتشاط، لا في الثياب، لما فيه من الترفه واجتذاب الأنظار، ومنعها المالكية من الاتجار في الطيب وعمله.\r3ً - الدهن المطيب وغير المطيب؛ لأن فيه زينة الشعر، ولا يخلو الدهن عن نوع طيب.\r4ً - الكحل، لما فيه من زينة العين. وأجاز فقهاء المذاهب كلهم الكحل لضرورة أو حاجة ليلاً لا نهاراً.\r5ً - الحناء وكل أنواع الخضاب والصباغ، لما روت أم سلمة أن النبي صلّى الله عليه وسلم نهى المعتدة أن تختضب، كما سيأتي.\r6ً - لبس الثوب المطيب والمصبوغ بالأحمر أو الأصفر.\rودليل ذلك حديث أم سَلَمة عن النبي صلّى الله عليه وسلم قال: «المتوفى عنها زوجها: لا تَلْبَس المُعَصْفر من الثياب، ولا الممشَّقة (1) ، ولا الحُلِي، ولا تختضب، ولا تكتحل» (2) وفي رواية أخرى: «ولا تمتشطي بالطيب ولا بالحناء، فإنه خضاب» وعن أم عطية قالت: «كنا نُنهى أن نحدَّ على ميت فوق ثلاث إلا على زوج أربعة أشهروعشراً، ولا نكتحل، ولا نتطيب، ولا نلْبَس ثوباً مصبوغاً إلا ثوب عَصْب» (3) .\rويجوز للمرأة فعل شيء مما سبق للضرورة؛ لأن الضرورات تبيح المحظورات.\rويباح لها لبس الأسود في المذاهب الأربعة. ولم يجز الظاهرية (4) الكحل ولو لضروة، ولا الأسود؛ لأنه كالأحمر والأصفر، ولم يجز المالكية لبس الأسود إذا كان يتزين به في قوم.\r-------------------------------\r(1) الممشقة: المصبوغة بالمَشْق وهو المَغْرة أي الطين الأحمر يصبغ به.\r(2) رواه أحمد وأبو داود والنسائي عن أم سلمة (نيل الأوطار: 296/6).\r(3) رواه البخاري ومسلم عن أم عطية (نيل الأوطار: 295/6) وثوب العصب: نوع من برود اليمين يعصب غزله أي يجمع، ثم يشد، ثم يصبغ معصوباً، فيصبح موشى لبقاء ما عصب منه أبيض لم ينصبغ، وإنما ينصبغ السَدى دون اللُّحمة، والسدى: ما مُدّ من خيوط الثوب، وضده اللحمة: وهو ما نسج عرضاً.\r(4) المحلى: 335/10، مسألة 2000.","part":9,"page":625},{"id":6181,"text":"ويباح لها عند الجمهور دخول الحمام المنزلي وغسل الرأس بالصابون ونحوه، ولم يجز المالكية لها دخول الحمام إلا لضرورة.\rولها قص الأظافر ونتف إبط وحلق عانة (استحداد) وإتباع دم الحيض بطيب.\rفإن تركت المتوفى عنها الحداد عصت الله تعالى إن علمت حرمة الترك، ويعصي ولي الصغيرة والمجنونة في رأي غير الحنفية إن لم يمنعها، وتنقضي عدتها بمضي الزمان مع العصيان، كما لو فارقت المنزل.\rسادساً ـ ثبوت نسب الولد المولود في العدة :\rيثبت نسب ولد المطلَّقة الرجعية من الزوج في رأي الحنفية إذا جاءت بالولد لسنتين أو أكثر، ولو طالت المدة، لاحتمال امتداد طهرها، وعلوقها في العدة، ما لم تقر بانقضاء عدتها، وكانت المدة تحتمله.\rويثبت نسب ولد المبتوتة بلا دعوى، ما لم تقر بانقضاء العدة إذا جاءت به لأقل من سنتين؛ لأنه يحتمل أن يكون الولد قائماً وقت الطلاق، والحمل عندهم لا يبقى أكثر من سنتين. فإن جاءت به لتمام سنتين من يوم الفرقة، لم يثبت نسبه من الزوج؛ لأنه حادث بعد الطلاق، فلا يكون منه؛ لأن وطأها حرام، إلا أن يدعيه الزوج؛ لأنه التزمه، وله وجه بأن وطئها بشبهة في العدة.\rويثبت نسب الولد المتوفى عنها زوجها، ولو غير مدخول بها، إذا لم تقر بانقضاء عدتها، ما بين الوفاة وبين سنتين.\rوإذا اعترفت المعتدة مطلقاً (أي معتدة) بانقضاء عدتها، ثم جاءت بولد لأقل من ستة أشهر من وقت الإقرار، ثبت نسبه، لظهور كذبها بيقين، فبطل الإقرار. وإن جاءت به لستة أشهر فأكثر، لم يثبت نسبه؛ لأنه علم بالإقرار أنه حدث بعده؛ لأنها أمينة في الإخبار، وقول الأمين مقبول إلا إذا تحقق كذبه.\rوتنطبق هذه الأحكام في المذاهب الأخرى، بملاحظة أن أقصى مدة الحمل عند الشافعية والحنابلة أربع سنين، وعند المالكية: خمس سنين.","part":9,"page":626},{"id":6182,"text":"سابعاً ـ ثبوت الإرث في العدة :\rإذا مات أحد الزوجين قبل انقضاء عدة المطلقة طلاقاً رجعياً، ورثه الآخر لا خلاف، سواء أكان الطلاق في حال المرض أم في حال الصحة؛ لبقاء الزوجية حكماً، فتكون سبباً لاستحقاق الإرث من الجانبين.\rفإن كان الطلاق بائناً أو ثلاثاً في حال الصحة، فمات أحد الزوجين في العدة لم يرثه الآخر.\rوإن كان الطلاق بائناً أو ثلاثاً في حال المرض، فإن كان برضاها لا ترث بالإجماع، وإن كان بغير رضاها فإنها ترث من زوجها عند الجمهور عملاً بما روي عن جماعة من الصحابة مثل عمر وعثمان وعلي وعائشة وأبي بن كعب، ومعاملة للمطلّق بنقيض مقصوده، وهذا هو طلاق الفرار، وقد تقدم بيانه. ولا ترث عند الشافعية، لزوال النكاح بالإبانة أو الثلاث، فلا يثبت الإرث.\rثامناً ـ لحوق الطلاق في العدة :\rإن طلق الرجل زوجته طلقة فقط، فاعتدت منه، ثم طلقها طلقة ثانية وثالثة، فيلحقها الطلاق إلى انقضاء العدة. وقد سبق بيانه في بحث الطلاق الرجعي والبائن.","part":9,"page":627},{"id":6183,"text":"الاستبراء :\rمعناه: لغة طلب البراءة. وشرعاً: تربص الأمَة الرقيقة مدة بسبب ملك اليمين حدوثاً أو زوالاً أو بشبهة، أو تربص المزني بها، لمعرفة براءة الرحم، أو للتعبد (1) .\rحكمه: يجب الاستبراء بالاتفاق، منعاً من اختلاط المياه واشتباه الأنساب، حتى لو أنكره شخص، كفر في رأي بعضهم للإجماع على وجوبه (2) ، ولقوله صلّى الله عليه وسلم في سبي أوطاس (3) : «لا توطأ حامل حتى تضع، ولا غيرُ حامل حتى تحيض حيضة» (4) وقوله عليه السلام: «لا يقعن رجل على امرأة، وحملُها لغيره» (5) وقوله أيضاً: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فلا يسقي ماءَه ولدَ غيره» (6) وزاد أبو داود في روايته: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فلا يقعن على امرأة من السبي حتى يستبرئها» .\rأسبابه: ذكر الفقهاء أسباباً للاستبراء هي ما يأتي:\rرأي الحنفية (7) : يجب الاستبراء بملك الاستمتاع بالأمة ملك اليمين، بأي نوع من أنواع الملك كشراء، وإرث، وسبي، ودفع بدل جناية، وفسخ بيع بعد القبض ونحوها كهبة ورجوع عنها، وصدقة، ووصية، وبدل خلع أو صلح أو كتابة أو عتق أو إجارة.\rولا بأس بحيلة إسقاط الاستبراء إذا علم أن البائع لم يقربها في طهرها بأن يعقد عليها عقد زواج ويقبضها ثم يشتريها، فتحل له للحال.\rوذكر الشافعية (8) سببين للاستبراء: وهما - كما قرر الحنفية - ملك وزوال ملك، ثم قالوا: قد يجب بسبب آخر، كأن يطأ رجل أمة غيره ظاناً أنها أمته، أي الوطء بشبهة.\r-------------------------------\r(1) الدر المختار: 264/5 ومابعدها، مغني المحتاج: 408/3، الشرح الصغير: 677/2، 701، كشاف القناع: 503/5 ومابعدها.\r(2) حاشية ابن عابدين: 264/5 .\r(3) أوطاس: واد في ديار هوازن، قال ابن حجر: والراجح أن وادي أوطاس غير وادي حنين.\r(4) رواه أحمد وأبو داود عن أبي سعيد الخدري (نيل الأوطار: 305/6).\r(5) رواه أحمد عن أبي هريرة.\r(6) رواه أحمد والترمذي وأبو داود عن رويفع بن ثابت (انظر الحديثين في نيل الأوطار: 306/6).\r(7) الدر المختار وحاشية ابن عابدين: 265/5، 267.\r(8) مغني المحتاج: 408/3-410، المهذب: 153/2.","part":9,"page":628},{"id":6184,"text":"أما الملك: فهو ملك أمة بشراء، أو هبة، أو سبي بعد القسمة، أو رد بعيب، أو تحالف أو إقالة، أو قبول وصية أو غيرها كفسخ بفلس ورجوع في هبة. ويجب استبراء مكاتبة لم تستطع أداء أقساط الكتابة، لعود ملك التمتع بعد زواله، واستبراء مرتدة في الأصح، لزوال ملك الاستمتاع ثم إعادته، ويجب استبراؤها ولو منتقلة من ملك صبي أو امرأة.\rوأما زوال الملك: فهو زوال الاستمتاع عن الأمة الموطوءة أو المستولدة، بعتق أو موت السيد.\rوإن ملك شخص أمة مجوسية أو مرتدة أو معتدة أو ذات زوج، لم يصح استبراؤها في هذه الأحوال؛ لأن الاستبراء يراد للاستباحة، ولا توجد الاستباحة في هذه الأحوال. فإن زالت الزوجية أو العدة أو الردة، وجب الاستبراء في الأظهر.\rوأما الحنابلة (1) فذكروا ثلاثة أسباب للاستبراء: هي ملك وإزالة ملك وعتق، وإيضاحها فيما يأتي:\r1ً - إذا ملك ولو طفلة أمة ببيع أو هبة أو إرث أو سبي أو وصية أو غنيمة أو غيرها مما ذكر في المذهبين السابقين، فلا يحل له وطؤها ولا الاستمتاع بها إلا بالاستبراء بحيضة إذا كانت تحيض، أو بوضع الحمل إذا كانت حاملاً.\r2ً - إن وطئ أمته ثم أراد تزويجها أو بيعها، لم يجز له ذلك حتى يستبرئها كما سبق في الحالة الأولى.\r3ً - إذا أعتق أم ولده أو أعتق أمته التي كان يصيبها قبل استبرائها أو مات عنها، لزمها استبراء نفسها؛ لأنها موطوءة له وطأ له حرمة، فلزمها استعلام براءة رحمها، كالموطوءة بشبهة.\r-------------------------------\r(1) كشاف القناع: 507/5-509.","part":9,"page":629},{"id":6185,"text":"وأما مذهب المالكية (1) فقد حدد أربعة أسباب للاستبراء وهي:\r1ً- حصول ملك الأمة بشراء أو إرث أو هبة أو غنيمة أو غيرها، ولو من صبي أو امرأة، كما سبق في المذاهب الأخرى. ويجب الاستبراء على كل من المتملك الذي صارت إليه، وعلى البائع، وإن اتفقا على استبراء واحد، جاز. ورأى بقية الأئمة أن الاستبراء على المشتري خاصة. وهذا سبب متفق عليه.\rويجب الاستبراء بشروط أربعة في رأي المالكية وهي:\rأولاً ـ إن لم تعلم براءتها: فإن علمت براءتها من الحمل كمودعة عنده أو مرهونة أو مبيعة بالخيار تحت يده، وحاضت زمن ذلك، ولم تخرج ولم يدخل عليها سيدها، ثم اشتراها فلا استبراء عليها.\rثانياً ـ ولم تكن مباحة الوطء حال حصول الملك، كزوجته التي يشتريها مثلاً، فلا استبراء عليه، وهذا متفق عليه بين المذاهب.\rثالثاً ـ ولم يحرم وطؤها في المستقبل، كعمته وخالته من نسب أو رضاع، وكأم زوجته، فلا استبراء عليها لعدم حل وطئها.\rرابعاً ـ وأطاقت الوطء: فلا استبراء لصغيرة كبنت خمس سنين، لعدم إمكانه عادة.\r2ً - زوال الملك بعتق أو بموت السيد أو بغيرهما. وهذا متفق عليه.\r3ً - الزنى: إذا زنت الحرة طائعة أو مكرهة، استبرئت عند المالكية والحنابلة بثلاث حيضات، والأمة بحيضة، والحامل منها بوضع حملها.\r4ً - سوء الظن: من تطرق إليها سوء الظن من خروج في الطرقات وغيرها، وجب استبراؤها في المشهور. فإن كانت في سن الحيض فاستبراؤها بحيضة، وإن لم تحض فتسعة أشهر، وإن كانت صغيرة أو يائسة فثلاثة أشهر، وهو المشهور عن أحمد، وقال أبو حنيفة والشافعي: شهر، وإن كانت حاملاً فوضع الحمل.\r-------------------------------\r(1) القوانين الفقهية: ص 240، الشرح الصغير: 701/2-704.","part":9,"page":630},{"id":6186,"text":"نوع الاستبراء ومدته :\rلا يجوز في الاستبراء (1) الوطء ولا غيره من الاستمتاع كتقبيل ونظر بشهوة. وأجاز الشافعية الاستمتاع بغير الوطء في المسبية التي وقعت في سهمه من الغنيمة، لمفهوم الخبر السابق: «ألا لا توطأ حامل حتى تضع، ولا غير ذات حمل حتى تحيض حيضة» .\rواتفق الفقهاء عملاً بهذا الحديث على أن استبراء من تحيض بحيضة، والحامل بوضع الحمل. واختلفوا فيمن لا تحيض وهي صغيرة وآيسة ومنقطعة حيض (2) :\rمذهب الحنفية والشافعية: تستبرأ بشهر؛ لأن الشهر قائم مقام القرء في حق الحرة والأمة المطلَّقة، فكذلك في الاستبراء.\rومذهب المالكية، والحنابلة في المشهور عن أحمد كما في المغني: تستبرأ الصغيرة والآيسة بثلاثة أشهر؛ لأن كل شهر قائم مقام قرء، وتستبرأ الآيسة الحرة بثلاثة أشهر مكان ثلاثة قروء. وجاء في كشاف القناع أن من لا تحيض تستبرأ بشهر.\rأما من تأخر حيضها عن عادتها ولو لرضاع أو مرض أو استحيضت ولم تميز الحيض من غيره، فتستبرأ بثلاثة أشهر أيضاً في رأي المالكية، وبعشرة أشهر في رأي الحنابلة: تسعة أشهر للحمل وشهر مكان الحيضة إن ارتفع حيضها ولم تدر ما رفعه. وإن علمت سبب رفع الحيض من مرض أو رضاع أو نفاس، ولم تزل في الاستبراء حتى يعود الحيض، فتستبرئ نفسها بحيضة، إلا أن تصير آيسة فتستبرئ نفسها استبراء الآيسات بثلاثة أشهر. وإن ارتابت الأمة المستبرأة بنفسها فهي كالحرة المستريبة، تستبرأ بسنة كاملة.\rوهل هناك عدة بسبب الزنا أو بعد زواج باطل؟\rإذا زنت الزوجة أو تزوج رجل امرأة زواجاً متفقاً على بطلانه كأن يتزوج محرمة أو معتدة يعلم حالها أو زوجة يعلم أنها زوجة غيره ثم دخل بها.\rفإن حملت المرأة في هذه الحالة، فلا يحل لزوجها أن يقربها حتى تضع الحمل باتفاق المذاهب.\rوأما إن لم يكن هناك حمل: فلا تجب العدة عند الحنفية والشافعية في الزنا ولا في الزواج الباطل؛ لأنه في حكم الزنا، واستحسن الإمام محمد بن الحسن استبراءها بحيضة.\r-------------------------------\r(1) الدر المختار: 265/5، القوانين الفقهية: ص 240، مغني المحتاج: 412/3، كشاف القناع: 504/5.\r(2) الرد المختار: 265/5، القوانين الفقهية: ص 240، الشرح الصغير: 705/2 ومابعدها، مغني المحتاج: 411/3، كشاف القناع: 511/5، المغني: 499/7، 502-504، المهذب: 154/2.","part":9,"page":631},{"id":6187,"text":"ويجب عند المالكية والحنابلة استبراؤها بثلاث حيضات منذ وطئها الرجل، سواء فارقها أو مات عنها، ويحرم على زوجها أن يقربها في مدة الاستبراء.\rأما إذا تزوجها الرجل، وهو لا يعلم بأنها زوجة غيره، ودخل بها، ثم فرق بينهما، وجب عليها العدة بالاتفاق؛ لأن العقد يكون فاسداً، والعقد الفاسد تجب العدة فيه بالدخول اتفاقاً.\rانتهى الجزء التاسع\rويتبعه الجزء العاشر\rتتمة الأحوال الشخصية (الحقوق المالية - الوصايا والوقف والمواريث)","part":9,"page":632},{"id":6188,"text":"......................................الفِقْهُ الإسلاميُّ وأدلَّتُهُ...............................\r..........................................الجزء العاشر....................................\rالبَابُ الثَّالث: حقوق الأولاد\rيشتمل على خمسة فصول:\rالأول ـ النسب.\rالثاني ـ الرضاع.\rالثالث ـ الحضانة.\rالرابع ـ الولاية.\rالخامس ـ النفقات ـ نفقة الأولاد والزوجة وغيرهم.\rوالكلام فيها لأن بناء الأسرة بناء قوياً لا يتم إلا بثبوت نسب الأولاد من آبائهم ، حتى يحفظوا من الضياع، وبإرضاعهم؛ لأن الرضاع أول مقومات الحياة الأولى، وبحضانتهم لحاجتهم الشديدة إلى رعايتهم في سن الضعف والطفولة، وبالولاية عليهم في النفس والمال إن كان لهم مال، لاحتياجهم إلى من يرعى شؤونهم في التربية والتعليم، وحفظ أموالهم واستثمارها، وبالإنفاق عليهم قبل البلوغ بسبب عجزهم.\rوأبحث هذه الفصول تباعاً فيما يأتي:\rالفَصْلُ الأوَّل: النَّسَب\rيشتمل على تمهيد ومبحثين:\rالأول ـ في أسباب ثبوت النسب، والثاني ـ في طرق إثبات النسب:\rتمهيد ـ عناية الشرع بالنسب وتحريم التبني والإلحاق من طريق غير مشروع :\rالنسب أقوى الدعائم التي تقوم عليها الأسرة، ويرتبط به أفرادها برباط دائم من الصلة تقوم على أساس وحدة الدم والجزئية والبغيضة، فالولد جزء من أبيه، والأب بعض من ولده. ورابطة النسب هي نسيج الأسرة الذي لا تنفصم عراه، وهو نعمة عظمى أنعمها الله على الإنسان، إذ لولاها لتفككت أواصر الأسرة، وذابت الصلات بينها، ولما بقي أثر من حنان وعطف ورحمة بين أفرادها، لذا أمتن الله عز وجل على الإنسان بالنسب، فقال سبحانه: {وهو الذي خلق من الماء بشراً، فجعله نسباً وصهراً، وكان ربك قديراً} .[الفرقان:54/25]. ورعاية النسب أحد مقاصد الشريعة الخمسة.\rومنع الشرع الآباء من إنكار نسب الأولاد، وحرم على النساء نسبة ولد إلى غير أبيه الحقيقي، فقال صلّى الله عليه وسلم : «أيما امرأة أدخلت على قوم من ليس منهم (1) ،\r-------------------------------\r(1) أي أنها أتت بولد زنا.","part":10,"page":1},{"id":6189,"text":"فليست من الله في شيء، ولن يدخلها الله جنته، وأيما رجل جحد ولده وهو ينظر إليه، احتجب الله تعالى منه، وفضحه على رؤوس الأولين والآخرين يوم القيامة» (1) .\rومنع الشرع أيضاً الأبناء من انتسابهم إلى غير آبائهم، فقال صلّى الله عليه وسلم : «من ادعى إلي غير أبيه وهو يعلم، فالجنة عليه حرام (2) » وقال أيضاً: «من ادعى إلى غير أبيه، أو انتمى إلى غير مواليه، فعليه لعنة الله المتتابعة إلى يوم القيامة» (3) .\rوحرمت الشريعة نظام التبني وأبطلته بعد أن كان في الجاهلية وصدر الإسلام، وقد تبنى النبي صلّى الله عليه وسلم زيد بن حارثة قبل النبوة، وكان يدعى «زيد بن محمد» إلى أن نزل قوله تعالى: {وما جعل أدعياءكم أبناءكم، ذلكم قولكم بأفواهكم، والله يقول الحق، وهو يهدي السبيل. ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله ، فإن لم تعلموا آباءهم، فإخوانكم في الدين ومواليكم } (4) .ذكرالقرطبي في تفسيره:أنه أجمع أهل التفسيرعلىأن ههذه الآية ننزلت في زيد بن حارثة.وروىالأئمةأن ابن عمرقال: «ماكنا ندعو زيد بن حارثة إلا زيد بن محمد، حتى نزلت: { ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله } » [الأحزاب:5/33]أي أعدل وأحق عند الله .\rفالعدل يقضي والحق يوجب نسبة الابن إلى أبيه الحقيقي، لا لأبيه المزور، والإسلام دين الحق والعدل، والعنصر الغريب عن الأسرة ذكراً أو أنثى لا ينسجم معها قطعاً في خلق ولا دين، وقد تقع مفاسد ومنكرات عليه أو منه، لإحساسه\r-------------------------------\r(1) رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه وابن حبان والحاكم عن أبي هريرة، وهو صحيح.\r(2) رواه أحمد والبخاري ومسلم وأبو داود وابن ماجه عن سعد بن أبي وقاص وأبي بكرة،وهو صحيح.\r(3) رواه أبو داود عن أنس.\r(4) الأحزاب : 5،4.","part":10,"page":2},{"id":6190,"text":"بأنه أجنبي، فمن تبنى لقيطاً أو مجهول النسب دون أن يدعي أنه ولده، لم يكن ولده حقيقة، فلا يثبت التوارث بينهما، ولا تجري عليه أحكام التحريم بالقرابة. ومن كان له أب معروف نسب إلى أبيه، ومن جهل أبوه دعي مولىً وأخاً في الدين، منعاً من تغيير الحقائق، وحفظاً لحقوق الآباء والأولاد من الضياع أو الانتقاص، وتوفيراً لوحدة الانسجام في الأسرة، فكثيراً ما أساء الولد المتبنى للزوجين وأقاربهما في العرض والمال.\rلكن لم يمنع الإسلام تربية ولد لقيط وتعليمه، ثم حجبه عن الأسرة بعد البلوغ أو قبله بقليل، وإنما فتح باب الإحسان إليه على أوسع نطاق، وعدّ ذلك اتفاقاً للنفس من الهلاك، وإحياء لنفس بشرية، ومن أحيا نفساً فكأنما أحيا الناس جميعاً.\rونسب الولد من أمه ثابت في كل حالات الولادة شرعية أو غيرشرعية، أم نسب الولد من أبيه، فلا يثبت إلا من طريق الزواج الصحيح أو الفاسد، أو الوطء بشبهة، أو الإقرار بالنسب، وأبطل الإسلام ما كان في الجاهلية من إلحاق الأولاد عن طريق الزنا، فقال صلّى الله عليه وسلم : «الولد للفراش، وللعاهر الحجر» (1) ومعناه أن الولد يلحق الأب الذي له زوجية صحيحة، علماً بأن الفراش هو المرأة في رأي الأكثر، وقد يعبر به عن حالة الافتراش، وأما الزنا فلا يصلح سبباً لإثبات النسب، وإنما يستحق الزاني العاهر الرجم أو الطرد بالحجارة.\rوقد دل ظاهر الحديث على أن الولد إنما يلحق بالأب بعد ثبوت الفراش، وهو لا يثبت إلا بعد إمكان الوطء في الزواج الصحيح أو الفاسد. وهو رأي الجمهور. وروي عن أبي حنيفة أنه يثبت بمجرد العقد؛ لأن مجرد المظنة كافية. ورد بمنع حصولها بمجرد العقد، بل لا بد من إمكان الوطء (2) .\r-------------------------------\r(1) رواه الجماعة إلا الترمذي، والجماعة: أحمد وأصحاب الكتب الستة (نيل الأوطار: 279/6).\r(2) نيل الأوطار: 279/6 وما بعدها، بداية المجتهد: 352/2، البدائع: 212/3، فتح القدير: 300/3.","part":10,"page":3},{"id":6191,"text":"المبحث الأول ـ أسباب ثبوت النسب :\rلا بد قبل بيان أسباب ثبوت النسب من توضيح أمور ثلاثة:\rالأول ـ مدة الحمل.\rالثاني ـ الخلاف في الولادة وتعيين المولود.\rالثالث ـ إثبات نسب الولد بالقيافة.\rمدة الحمل :\rلا يثبت نسب الحمل بصفة عامة إلا إذا أتى في فترة واقعة بين أقل الحمل وأكثرها، كما أبنا سابقاً في بحث العدة وغيرها.\rأما أقل الحمل: فقد اتفق الفقهاء (1) على أن أقل مدة الحمل ستة أشهر من وقت الدخول وإمكان الوطء في رأي الجمهور، ومن وقت عقد الزواج في رأي أبي حنيفة، لأن المرأة هي فراش للزوج ويلحقه الولد لعموم الحديث المتقدم «الولد للفراش» . ودليل الجمهور: أن المرأة ليست بفراش إلا بإمكان الوطء، وهو مع الدخول.\rودليل إجماع العلماء على أقل مدة الحمل: العمل بمجموع آيتين في القرآن الكريم هما: {وحمله وفصاله ثلاثون شهراً} [الأحقاف:15/46] { وفصاله في عامين} [لقمان:14/31] فالآية الأولى حددت الحمل والفصال، أي الفطام بثلاثين شهراً، وحددت الآية الثانية الفصال بعامين، فبإسقاط مدة العامين للفصال تكون مدة الحمل ستة أشهر، والواقع والطب يؤيدان ذلك.\rوروي أن رجلاً تزوج، فولدت امرأته لستة أشهر من وقت الزواج، فرفع الأمر إلى عثمان رضي الله عنه، فهمَّ برجمها، فقال ابن عباس: «أما إنها لو خاصمتكم إلى كتاب الله لخصمتكم ـ أي غلبتكم ـ قال الله تعالى: {وحمله وفصاله ثلاثون شهراً} وقال: {وفصاله في عامين} ، فلم يبق\r-------------------------------\r\r(2) بداية المجتهد: 352/2.","part":10,"page":4},{"id":6192,"text":"للحمل إلا ستة أشهر، فأخذ عثمان بقوله، ودرأ عنها الحد (1) .\rوأما أكثر مدة الحمل: ففيه للعلماء أقوال (2) أشهرها ما يأتي:\r1ً - سنتان وهو رأي الحنفية، لقول عائشة رضي الله عنها: «لا يبقى الولد في رحم أمه أكثر من سنتين، ولو بفلكة مغزل» (3) فإن ولد الحمل لسنتين من يوم موت الزوج أو طلاقه، ثبت نسبه من أبيه المطلّق أو الميت.\r2ً - أربع سنين، وهو رأي الشافعية والحنابلة؛ لأن ما لا نص فيه يرجع فيه إلى الوجود، وقد وجد الحمل لأربع سنين؛ لأن نساء بني عجلان يحملن أربع سنين، كما قال الإمامان أحمد والشافعي، وكما ذكر سابقاً.\rفإذا ولدت المرأة لأربع سنين فما دون من يوم موت الزوج أو طلاقه، ولم تكن تزوجت، ولا وطئت، ولا انقضت عدتها بالقروء ولا بوضع الحمل، فإن الولد لا حق بالزوج، وعدتها منقضية بوضعه.\rوإن أتت بالولد لأربع سنين منذ مات أو بانت منه بطلاق أو فسخ، أو انقضاء عدتها إن كانت رجعية، لم يلحقه ولدها؛ لأننا نعلم أنها علقت به بعد زوال النكاح، والبينونة منه.\r3ً - خمس سنين: وهو المشهور عن المالكية والليث بن سعد وعباد بن العوام، قال مالك: بلغني عن امرأة حملت سبع سنين.\r4ً - سنة قمرية: هو رأي محمد بن عبد الحكم من المالكية.\r5ً - تسعة أشهر قمرية: وهو رأي ابن حزم الظاهري، وعمر بن الخطاب رضي الله عنه. ويظهر أن الأقوال الثلاثة الأولى روعي فيها إخبار بعض النساء، اللاتي ترين أن انتفاخ البطن علامة الحمل. لذا قال ابن رشد: «وهذه المسألة مرجوع فيها إلى العادة والتجربة، وقول ابن عبد الحكم والظاهرية هو أقرب إلى المعتاد، والحكم إنما يجب بالمعتاد، لا بالنادر، ولعله أن يكون مستحيلاً» .\r-------------------------------\r(1) البدائع: 211/3.\r(2) الدر المختار: 857/2، فتح القدير: 310/3، الكتاب مع اللباب: 87/3، بداية المجتهد: 352/2، مغني المحتاج: 390/3، المغني: 477/7 وما بعدها، المحلى: 385/10، مسألة: 2011.\r(3) رواه الدارقطني والبيهقي في سننيهما.","part":10,"page":5},{"id":6193,"text":"وقد رئي في القوانين المعمول بها الاعتماد على رأي الأطباء، فاعتبر أقصى مدة الحمل سنة شمسية (365 يوماً) ليشمل كل الحالات النادرة. نصت المادة (128) من القانون السوري على أن: «أقل مدة الحمل مائة وثمانون يوماً، وأكثرها سنة شمسية» وكو أقل الحمل (180) يوماً هو رأي الجمهور، وخالفهم المالكية فقد روها بـ (175) يوماً؛ لأن الأشهر الهلالية قد يتوالى منها ثلاثة أشهر بمقدار (29) يوماً، ويجوز أن يليهما شهران ناقصان أيضاً، فتكون أيام الأشهر الستة (175) يوماً. ونصت المادة (15) من القانون المصري رقم (25 لسنة 1929) على أنه: «لا تسمع عند الإنكار دعوى النسب لولد زوجة ثبت عدم التلاقي بينهما وبين زوجها من حين العقد، ولا لولد زوجة به بعد سنة من غيبتة الزوج عنها، ولا لولد المطلَّقة والمتوفى عنها زوجها إذا أتت به لأكثر من سنة من وقت الطلاق أو الوفاة» .\rوأخذ بهذا التقرير في كل من تونس والمغرب وغيرهما.\rالخلاف في الولادة وتعيين المولود :\rقد يقع اختلاف بين الزوجين في ولادة المعتدة أو في تعيين المولود أثناء المدة التي يثبت فيها النسب (1) .\rأما الخلاف في ولادة المعتدة: فهو أن تدعي المعتدة ولادة ولد خلال المدة التي يثبت فيها النسب، وينكر الزوج قائلاً: إنها لم تلد، وهذا الولد لقيط، فلا يثبت نسبه منه عند أبي حنيفة إلا إذا شهد بولادتها رجلان، أو رجل وامرأتان؛ لأن عدتها انقضت بإقرارها بوضع الحمل، فاحتيج إلى إثبات النسب، بنحو مستقل في القضاء، ولا يثبت إلا بحجة كاملة.\r-------------------------------\r(1) فتح القدير: 306/3-309.","part":10,"page":6},{"id":6194,"text":"وقال الصاحبان: يثبت النسب بشهادة امرأة واحدة، لأن الفراش: وهو تعين المرأة لماء الزوج، بحيث يثبت منه نسب كل ولد تلده، قائم بقيام العدة، وقيام الفواش ملزم للنسب، فلا حاجة لإثباته، وإنما الحاجة إلى تعيين الولد، وهو يحصل بشهادة امرأة واحدة، كما في حال قيام الزواج أو ظهور الحبل أو إقرار الزوج به. وهذا هو المعمول به في محاكم مصر؛ لأن المرأة ما دامت في العدة فإن سبب ثبوت النسب قائم.\rواتفق الإمام أبو حنيفة وصاحباه على أنه إذا كان هناك حبل ظاهر، أو اعتراف من الزوج بالولد أو الحبل، أو كان الزوج قائماً، فيثبت النسب من الزوج بلا شهادة، والقول قول المرأة في الولادة بيمينها.\rوأما الاختلاف بين الزوجين في تعيين المولود: فهو أن يعترف الزوج بالولادة، ولكنه ينكر شخص المولود، بأن يقول: إنها ولدت بنتاً، وهذا الولد غلام. فيتعين المولود بشهادة امرأة واحدة باتفاق الحنفية وهو رأي الحنابلة أيضاً، لما رواه الدارقطني عن حذيفة «أن النبي صلّى الله عليه وسلم أجازشهادة القابلة» ، ولما رواه ابن أبي شيبة وعد الرزاق عن الزهري قال: «مضت السنة أن تجوز شهادة النساء فيما لا يطلع عليه غيرهن من ولادات النساء وعيوبهن» (1) .\rوقال المالكية: تعيين المولود كالولادة لا يثبت إلا بشهادة امرأتين.\rورأى الشافعية: أن أمور النساء لا يكفي فيها أقل من أربع نسوة، لأن الله عز وجل جعل مكان الرجل الواحد شهادة امرأتين.\r-------------------------------\r(1) نصب الراية: 264/3.","part":10,"page":7},{"id":6195,"text":"إثبات نسب الولد بالقيافة :\rإذا تزوجت المعتدة بزوج آخر في أثناء عدتها من زوج سابق، وأت بولد يمكن أن يكون منهما، فمن الذي يلحق به؟\rوإذا ادعى رجلان أو ثلاثة لقيطاً، فمن الذي يحكم له به؟ هل يمكن إثبات نسب الولد في هاتين الحالتين بالقيافة أو بالقافة؟ والقيافة: تتبع الأثر، والقافة عند العرب: هم قوم كانت عندهم معرفة بفصول تشابه الناس.\rاختلف الفقهاء على رأيين في الاعتماد على القافة (1) :\rفرأى الحنفية: أن الأصل ألا يحكم لأحد المتنازعين في الولد، إلا أن يكون هناك فراش (2) ، لقوله عليه الصلاة والسلام: «الولد للفراش» فإن عدم الفراش أو اشتركا في الفراش، كان الولد بينهما، ولا يعمل بقول القائف، بل يحكم بالولد الذي ادعاه اثنان لهما جميعاً.\rورأي الجمهور وهم (مالك والشافعي وأحمد وأبو ثور والأوزاعي): أنه يحكم بالقيافة، بدليل قول عائشة: «إن رسول الله صلّى الله عليه وسلم دخل عليَّ مسروراً، تبرُق أسارير وجهه، فقال: ألم تري أن مُجَزِّزاً (3) نظر إلى زيد بن حارثة وأسامة بن زيد، فقال: إن هذه الأقدام بعضها من بعض» (4) ففيه دليل على ثبوت العمل بالقافة.\rوأثبت عمر بن الخطاب وابن عباس وأنس بن مالك الحكم بالقافة، فكان عمر يليط (5) أولاد الجاهلية بمن استلاطهم ـ أي بمن ادعاهم في الإسلام ـ فأتى رجلان كلاهما يدعي ولد امرأة، فدعا قائفاً، فنظر إليه، فقال القائف: لقد اشتركا فيها، فضربه عمر بالدِّرة، ثم دعا المرأة، فقال: أخبريني بخبرك، فقالت: كان هذا لأحد الرجلين، يأتي في إبل لأهلها، فلا يفارقها حتى يُظن، ونظن أنه قد استمر\r-------------------------------\r(1) بداية المجتهد: 352/2 وما بعدها، المغني: 483/7، نيل الأوطار: 282/6 وما بعدها.\r(2) اختلف في معنى الفراش، فذهب الأكثر إلى أنه اسم للمرأة، وقد يعبر به عن حالة الافتراش، وقيل: إنه اسم للزوج، وفي القاموس: إن الفراش زوجة الرجل.\r(3) تبرق أسارير وجهه: أطلق على ما يظهر على وجه من سره، وسمي هذ الرجل القائف مجززاً لأنه جزّ نواصي قوم، وهو مُجَزز المدلجي.\r(4) رواه الجماعة عن عائشة (نيل الأوطار: 282/6).\r(5) ألاط فلاناً بفلان: ألحقه به.","part":10,"page":8},{"id":6196,"text":"بها حمل، ثم انصرف عنها، فأهريقت عليه دماً، ثم خلف هذا عليها، تعني الآخر، فلا أدري أيهما هو، فكبر القائف، فقال عمر للغلام: والِ أيهما شئت (1) قالوا: فقضاء عمر بمحضر من الصحابة بالقافة من غير إنكار من واحد منهم هو كالإجماع.\rأسباب ثبوت النسب من الأب :\rسبب ثبوت نسب الولد من أمه: هو الولادة، شرعية كانت أم غير شرعية، كما قدمنا، وأما أسباب ثبوت النسب من الأب فهي:\r1 - الزواج الصحيح.\r2 - الزواج الفاسد:\r3 - الوطء بشبهة.\rونبين كل سبب على حدة فيما يأتي:\rأولاً ـ الزواج الصحيح :\rاتفق الفقهاء على أن الولد الذي تأتي به المرأة المتزوجة زواجاً صحيحاً ينسب إلى زوجها، للحديث المتقدم: «الولد للفراش» ، والمراد بالفراش: المرأة التي يستفرشها الرجل ويستمتع بها. وذلك بالشروط الآتية (2) :\rالشرط الأول ـ أن يكون الزوج ممن يتصور منه الحمل عادة، بأن يكون بالغاً في رأي المالكية والشافعية، ومثله في رأي الحنفية والحنابلة المراهق: وهو عند الحنفية من بلغ اثنتي عشرة سنة، وعند الحنابلة: من بلغ عشر سنوات، فلا يثبت النسب من الصغير غير البالغ، حتى ولو ولدته أمه لأكثر من ستة أشهر من تاريخ عقد الزواج. ولا يثبت النسب في رأي المالكية من المجبوب الممسوح: وهو الذي قطع عضوه التناسلي وأنثياه. أما الخصي: وهو من قطعت أنثياه أو اليسرى فقط، فيرجع في شأنه للأطباء المختصين، فإن قالوا: يولد له، ثبت النسب منه، وإن قالوا: لا يولد له لا يثبت النسب منه.\r-------------------------------\r(1) رواه مالك عن سليمان بن يسار.\r(2) البدائع: 211/3 وما بعدها، الدر المختار: 857/2 وما بعدها، فتح القدير: 301/3، المغني: 428/7 وما بعدها.","part":10,"page":9},{"id":6197,"text":"ويثبت النسب في رأي الشافعية والحنابلة (1) من المجبوب الذي بقي أنثياه فقط، ومن الخصي الذي سُلَّت خصيتاه وبقي ذكره، ولا يثبت من الممسوح المقطوع جميع ذكره وأنثييه.\rالشرط الثاني ـ أن يلد الولد بعد ستة أشهر من وقت الزواج في رأي الحنفية، ومن إمكان الوطء بعد الزواج في رأي الجمهور، فإن ولد لأقل من الحد الأدنى لمدة الحمل وهي ستة أشهر، لا يثبت نسبه من الزوج اتفاقاً، وكان دليلاً على أن الحمل به حدث قبل الزواج، إلا إذا ادعاه الزوج، ويحمل ادعاؤه على أن المرأة حملت به قبل العقد عليها، إما بناء على عقد آخر، وإما بناء على عقد فاسد أو وطء بشبهة، مراعاة لمصلحة الولد، وستراً للأعراض بقدر الإمكان.\rالشرط الثالث ـ إمكان تلاقي الزوجين بعد العقد: وهذا شرط متفق عليه، وإنما الخلاف في المراد به أهو الإمكان والتصور العقلي، أو الإمكان الفعلي والعادي؟\rقال الحنفية: الحق أن التصور والإمكان العقلي شرط، فمتى أمكن التقاء الزوجين عقلاً ثبت نسب الولد من الزوج إن ولدته الزوجة لستة أشهر من تاريخ العقد، حتى ولو لم يثبت التلاقي حساً. فلو تزوج مشرقي مغربية، ولم يلتقيا في الظاهر مدة سنة، فولدت ولداً لستة أشهر من تاريخ الزواج، ثبت النسب، لاحتمال تلاقيهما من باب الكرامة، وكرامات الأولياء حق، فتظهر الكرامة بقطع المسافة البعيدة في المدة القليلة، ويكون الزوج من أهل الخطوة الذين تطوى لهم المسافات البعيدة. وفي رأيي أن هذا التعليل غير مقبول عادة، والصحيح أن الحنفية يثبتون النسب من تاريخ العقد، عملاً بحديث «الولد للفراش» وإن لم يتحقق إمكان الوطء أو الدخول. وفي هذا احتياط للولد وعدم ضياعه وستر على العِرْض، ومنع من وقوع مشكلة اللقطاء، فألحق الولد بمن له زوجية صحيحة. فإن تيقين الزوج أن الولد ليس منه فله أن ينفيه باللعان.\r-------------------------------\r(1) مغني المحتاج: 396/3، المغني: 430/7.","part":10,"page":10},{"id":6198,"text":"ورفض الأئمة الثلاثة هذا المنطق، وقالوا: يشترط إمكان التلاقي بالفعل أو الحس والعادة، وإمكان الوطء والدخول، لأن الإمكان العقلي نادر ولا يصح أن يكون له دور في نطاق العقود الظاهرة، والأحكام إنما تنبني على الكثير الغالب والظاهر المشاهد، لا القليل النادر، أو الخفي غير المحتمل عادة، فلو تأكد عدم اللقاء بين الزوجين فعلاً، لم يثبت نسب الولد من الزوج، كما لو كان أحد الزوجين سجيناً أو غائباً في بلد بعيد غيبة امتدت إلى أكثر من أقصى مدة الحمل، لذا أخذت القوانين بهذا الرأي، وهو الصحيح لاتفاقه مع قواعد الشريعة والعقل.\rوفائدة الخلاف: أن الولد لا ينتفي نسبه في رأي الحنفية إلا باللعان، وينتفي بدون لعان في رأي الجمهور، لعدم إمكان التلاقي بين الزوجين عادة.\rموقف القانون من هذا السبب: نص القانون السوري م(129) على مايلي:\r1 - ولد كل زوجة في النكاح الصحيح ينسب إلى زوجها بالشرطين التاليين:\rأ ـ أن يمضي على عقد الزواج أقل مدة الحمل.\rب ـ ألا يثبت عدم التلاقي بين الزوجين بصورة محسوسة، كما لو كان أحد الزوجين سجيناً أو غائباً في بلد بعيد أكثر من مدة الحمل.\r2 - إذا انتفى أحد هذين الشرطين لا يثبت نسب الولد من الزوج إلا إذا أقر به أوادعاه.\r3 - إذا توافر هذان الشرطان لا ينفى نسب المولود عن الزوج إلا باللعان.\rوقضى القانون المصري رقم (25) لسنة 1929 في المادة (15) بمنع القضاة من سماع دعوى نسب الولد في حالة الإنكار إذا ثبت عدم التلاقي بين الزوجين وزوجته من حين العقد إلى الولادة، كما قضى بمنعهم من سماع مثل هذه الدعوى إذا أتت الزوجة بالولد بعد سنة من غيبة الزوج عنها.","part":10,"page":11},{"id":6199,"text":"وقت ثبوت النسب بعد الفرقة من زواج صحيح :\rالفرقة إما أن تكون قبل الدخول أو بعد الدخول:\rأ ـ إذا طلق الرجل زوجته قبل الدخول والخلوة، ثم ولدت ولداً بعد الطلاق، فإن أتت به قبل مضي ستة أشهر من تاريخ الطلاق، ثبت نسبه من الزوج، للتيقن بأنها حملت به قبل الفرقة.\rوإن أتت به بعد مضي ستة أشهر أو أكثر من تاريخ الطلاق، فلا يثبت نسبه من الزوج، إذ لا نتيقن بحدوث الحمل قبل حصول الفرقة. ب ـ وإذا طلق الرجل زوجته بعد الدخول أو الخلوة، سواء كان الطلاق رجعياً أو بائناً، أو مات عنها:\rفإن أتت المرأة بولد بعد الطلاق أو الوفاة، ثبت نسبه من الزوج، إذا ولدته قبل مضي أقصى مدة الحمل من يوم الطلاق أو الوفاة. وأقصى مدة الحمل هي كما تقدم أربع سنين في رأي الشافعية والحنابلة، وسنتان في رأي الحنفية، وخمس سنوات في المشهور لدى المالكية.\rأما إن ولدته بعد مضي أقصى مدة الحمل من يوم الطلاق أو الوفاة فلا يثبت نسبه من الزوج المطلق أو المتوفى. وهذا رأي الجمهور.\rوفصَّل الحنفية بين الطلاق الرجعي والطلاق البائن، فقالوا:\rأ ـ إن كان الطلاق رجعياً، ولم تقر المرأة بانقضاء عدتها، ثبت نسب الولد من الزوج، سواء أتت به قبل مضي سنتين من تاريخ الطلاق أو بعد مضي سنتين أو أكثر؛ لأن الطلاق الرجعي لا يحرم المرأة على زوجها، فيجوز له الاستمتاع بها، ويكون ذلك رجعة.\rفإن أقرت بانقضاء العدة، وكانت المدة تحتمل انقضاءها، بأن كانت ستين يوماً في رأي أبي حنيفة، وتسعة وثلاثين يوماً في رأي الصاحبين، فلا يثبت نسب الولد من الزوج إلا إذا كانت المدة بين الإقرار والولادة أقل من ستة أشهر لتبين كذبها أو خطئها في إقرارها. فإن كانت ستة أشهر فأكثر، فلا يثبت نسبه من الزوج إلا إذا ادعاه.","part":10,"page":12},{"id":6200,"text":"ب ـ وإن كان الطلاق بائناً أو كانت الفرقة بسبب وفاة الزوج، ولم تقر بانقضاء العدة، فلا يثبت نسب الولد إلا إذا أتت به قبل مضي سنتين من تاريخ الطلاق أو الوفاة؛ لأن أقصى مدة الحمل عندهم سنتان. فإن أتت به في هذه المدة، وكان هناك احتمال بأنها حملت به بعد مضي هذه المدة، لم يكن هناك احتمال بأنها حملت به قبل الطلاق أو الوفاة.\rأما إن أقرت بانقضاء العدة، والمدة تحتمل انتهاء العدة فيها، فلا يثبت نسب الولد من الزوج إلا إذا جاء به قبل مضي ستة أشهر من وقت الإقرار، وكانت المدة بين الطلاق والولادة أقل من سنتين.\rموقف القانون: أخذ القانون السوري بهذا التفصيل من حيث المبدأ في المادتين (130، 131) لبيان نسب الولد بعد الفرقة أو وفاة الزوج. فقرر أنه إذا ولدت المطلقة من طلاق رجعي أو بائن أو المتوفى عنها زوجها، فإما أن تكون أقرت بانقضاء عدتها أو لم تقر.\rأ ـ فإذا كانت قد أقرت بانقضاء عدتها، ثم جاءت بولد، يثبت نسبه من الزوج إذا ولد لأقل من ستة أشهر، أي (180) يوماً من وقت الإقرار بانقضاء العدة، وأقل من سنة شمسية من وقت الطلاق أو الموت، لتبين كذبها في الإقرار بانقضاء العدة (م131).\rب ـ وإن لم تكن أقرت بانقضاء العدة، ثبت نسب ولدها من زوجها إذا ولدته خلال سنة من تاريخ الطلاق أو الوفاة. ولا يثبت إذا ولدته لأكثر من سنة إلا إذا ادعاه زوج المطلَّقة، أو ادعاه ورثة المتوفى ( م130).\rوهذا هو نفس المقرر في القانون المصري رقم (25) لسنة 1929.\r-------------------------------\r(1) الدر المختار: 857/2.","part":10,"page":13},{"id":6201,"text":"ثانياً ـ الزواج الفاسد :\rالزواج الفاسد في إثبات النسب كالزواج الصحيح (1) ؛ لأن النسب يحتاط في إثباته إحياء للولد ومحافظة عليه. ويشترط لثبوت النسب بالزواج الفاسد ثلاثة شروط:\r1ً - أن يكون الرجل ممن يتصور منه الحمل: بأن يكون بالغاً عند المالكية والشافعية، أو بالغاً أو مراهقاً عند الحنفية والحنابلة.\r2ً - تحقق الدخول بالمرأة أو الخلوة بها في رأي المالكية: فإن لم يحصل الدخول أو الخلوة بعد زواج فاسد، لم يثبت نسب الولد، والخلوة في الزواج الفاسد كالخلوة في الزواج الصحيح، لإمكان الوطء في كل منهما.\rواشترط الحنفية حصول الدخول فقط، أما الخلوة فلا تكفي في ثبوت النسب بالزواج الفاسد؛ لأنه لا يحل فيها الوطء بين الرجل والمرأة.\r3ً - أن تلد المرأة بعد ستة أشهر أو أكثر من تاريخ الدخول أو الخلوة عند المالكية، ومن تاريخ الدخول عند الحنفية. فلو ولدت المرأة ولداً قبل مضي ستة أشهر من الدخول والخلوة عند الأولين لا يثبت نسبه من الرجل؛ لأنه يدل على وجوده قبل ذلك وأنه من رجل آخر. وإذا ولدته المرأة بعد ستة أشهر أو أكثر من تاريخ الدخول أو الخلوة، ثبت نسبه من الرجل.\rولا ينتفي نسبه عن الرجل إلا باللعان في رأي المالكية والشافعية والحنابلة (1) . ولا ينتفي نسبه ولو باللعان في رأي الحنفية؛ لأن اللعان لا يصح عند الحنفية إلا بعد زواج صحيح، والزواج هنا فاسد.\rوالمقرر عند المالكية: أن كل نكاح يدرأ فيه الحد، فالولد لاحق بالواطئ، وحيث وجب الحد لا يلحق النسب (2) .\rوقت ثبوت النسب بعد الفرقة من زواج فاسد :\rإذا حدثت الفرقة بعد زواج فاسد بالمتاركة أو تفريق القاضي بعد الدخول، أو الخلوة في رأي المالكية، ثم ولدت المرأة قبل مضي أقصى مدة الحمل من تاريخ الفرقة، ثبت نسبه من الرجل. وإن ولدته بعد مضي أقصى مدة الحمل، لا يثبت نسبه منه. وأقصى مدة الحمل كما سبق هي أربع سنين في رأي الشافعية والحنابلة، وخمس سنين في رأي المالكية، وسنتان في رأي الحنفية، وسنة شمسية لدى القانونيين والأطباء.\rموقف القانون: نص القانون السوري على ثبوت النسب في الزواج الفاسد في المادة (132) التالية، أخذاً بالمذهب الحنفي:\r1 - المولود من زواج فاسد بعد الدخول إذا ولد لمئة وثمانين يوماً فأكثر من تاريخ الدخول، ثبت نسبه من الزوج.\r2 - إذا كانت ولادته بعد متاركة أو تفريق، لا يثبت نسبه إلا إذا جاءت به خلال سنة من تاريخ المتاركة أو التفريق.\r-------------------------------\r(1) المغني: 400/7.\r(2) القوانين الفقهية: ص 211.","part":10,"page":14},{"id":6202,"text":"ثالثاً ـ الوطء بشبهة :\rالوطء بشبهة: هو الاتصال الجنسي غير الزنا، وليس بناء على عقد زواج صحيح أو فاسد، مثل المرأة المزفوفة إلى بيت زوجها دون رؤية سابقة، وقيل: إنها زوجته، فيدخل بها. ومثل وطء امرأة يجدها الرجل على فراشه، فيظنها زوجته. ومثل وطء المطلقة طلاقاً ثلاثاً أثناء العدة، على اعتقاد أنها تحل له.\rفإن أتت المرأة بولد بعد مضي ستة أشهر أو أكثر من وقت الوطء، ثبت نسبه من الواطئ لتأكد أن الحمل منه. وإن أتت به قبل مضي ستة أشهر لا يثبت النسب منه، لتأكد أن الحمل حدث قبل ذلك، إلا أنه إذا ادعاه ثبت نسبه منه، إذ قد يكون وطئها قبل ذلك بشبهة أخرى (1) .\rوإذا ترك الرجل الموطوءة عن شبهة، ثبت النسب من الواطئ، كما يثبت بعد الفرقة من زواج فاسد.\rأما إن حدث الوطء بغير شبهة وإنما بالزنا، فلا يثبت نسب الولد من الزاني، للحديث المتقدم، « الولد للفراش وللعاهر الحجر» ولأن الزنا محظور شرعاً، فلا يكون سبباً لنعمة النسب.\rموقف القانون: نص القانون السوري على ثبوت النسب بالدخول بشبهة في المادة (133) التالية:\r1 ـ الموطوءة بشبهة إذا جاءت بولد ما بين أقل مدة الحمل وأكثرها، يثبت نسبه من الواطئ.\r2 - متى ثبت النسب ولو بنكاح فاسد أو بشبهة، ترتب عليه جميع نتائج القرابة، فيمنع النكاح في الدرجات الممنوعة، وتستحق به نفقة القرابة والإرث.\rآثار النسب: أوضحت الفقرة الثانية من هذه المادة آثار ثبوت النسب، فإذا ثبت النسب، ولو من نكاح فاسد أو وطء بشبهة، ترتب عليه جميع نتائج القرابة، فيمنع الزواج في الدرجات الممنوعة، وتستحق به نفقة القرابة، ويستحق به الإرث. وكان ينبغي إفراد هذه الفقرة بمادة مستقلة، لشمولها جميع أسباب ثبوت النسب من زواج صحيح أو فاسد أو بشبهة.\r-------------------------------\r(1) المغني: 431/7 وما بعدها.","part":10,"page":15},{"id":6203,"text":"المبحث الثاني ـ طرق إثبات النسب :\rيثبت النسب بأحد طرق ثلاثة وهي (1) :\r1ً - الزواج الصحيح أو الفاسد.\r2ً - الإقرار بالنسب.\r3ً - البينة.\rالطريق الأول ـ الزواج الصحيح أو الفاسد :\rالزواج الصحيح أو الفاسد سبب لإثبات النسب، وطريق لثبوته في الواقع، متى ثبت الزواج ولو كان فاسداً، أو كان زواجاً عرفياً، أي منعقداً بطريق عقد خاص دون تسجيل في سجلات الزواج الرسمية، يثبت به نسب كل ما تأتي به المرأة من أولاد.\rالطريق الثاني ـ الإقرار بالنسب أوادعاء الولد :\rالإقرار بالنسب نوعان: إقرار على نفس المقر، وإقرار محمول على غير المقر.\rأما الإقرار بالنسب على نفس المقر: فهو أن الأب بالولد أو الابن بالوالد، كأن يقول: هذا ابني، أو هذا أبي، أو هذه أمي. ويصح هذا الإقرار من الرجل ولو في مرض الموت، بشروط أربعة متفق على أغلبها بين المذاهب، وهي ما يأتي، وقد ذكرتها في بحث الإقرار، وأعيدها هنا:\r-------------------------------\r(1) البدائع: 215/3-218، 228/7، الشرح الكبير معد الدسوقي: 412/3-414، الخرشي: 316/4، مغني المحتاج: 259/2، المغني: 184/5.","part":10,"page":16},{"id":6204,"text":"1 ً - أن يكون المقر به مجهول النسب: بأن لا يكون معروف النسب من أب آخر، فإن كان ثابت النسب من أب معروف غير المقر، كان هذا الإقرار باطلاً؛ لأن الشرع قاض بثبوت النسب من ذلك الأب، ومتى تأكد ثبوت النسب من شخص، لا يقبل الانتقال منه إلى غيره، فقد لعن النبي صلّى الله عليه وسلم من انتسب إلى غير أبيه أو تولى غير مواليه.\rومجهول النسب عند بعض الحنفية: هو الذي لا يعلم له أب في البلد الذي ولد فيه. وهذا هو الظاهر الآن مع سهولة المواصلات والبحث عن بلد الميلاد.\rواستثنى العلماء من هذا الشرط ولد اللعان، فإنه لا يصح ادعاؤه بالنسب وإلحاقه بغير الأب الملاعن، لاحتمال أن يرجع الملاعن ويكذب نفسه فيما ادعاه من أن الولد ليس منه.\r2ً - أن يصدقه الحس: بأن يكون المقر به محتمل الثبوت من نسب المقر، بأن يكون ممن يولد مثل المقر به لمثل المقر، وذلك في سن تسمح بأن يكون ابناً للمقر. فلو كان المقر ببنوته أكبر من المقر أو مساوياً له في السن أو مقارباً، بحيث لا يمكن أن يكون ابناً للمقر عادة، لم يصح إقراره؛ لأن الحس أو الواقع يكذبه في هذا الإقرار، فمن قال لغلام: هذا ابني، وكان سن الغلام عشر سنوات، وسن المقر عشرين سنة، لم يعتبر هذا الإقرار عند الحنفية؛ لأن الغلام لا يولد له في رأيهم قبل بلوغ سن الثانية عشرة.\rوكذلك إذا نازع المقر منازع آخر غيره، لم يثبت نسبه؛ لأنه إذا نازعه فيه غيره تعارض الإقراران، فلم يكن إلحاقه بأحدهما أولى من الآخر.","part":10,"page":17},{"id":6205,"text":"3ً - أن يصدقه المقر له في إقراره إن كان أهلاً للتصديق، بأن يكون بالغاً عاقلاً عند الجمهور، ومميزاً عند الحنفية؛ لأن الإقرار حجة قاصرة على المقر، فلا تتعداه إلى غيره إلا ببينة، أو تصديق من الغير. فإن كان المقر به صغيراً أو مجنوناً، فلا يشترط تصديقهما؛ لأنهما ليسا بأهل للإقرار أو التصديق.\rوقال المالكية: ليس تصديق المقر به شرطاً لثبوت النسب من المقر؛ لأن النسب حق للولد على الأب، فيثبت بإقراره بدون توقف على تصديق منه، إذا لم يقم دليل على كذب المقر.\r4ً - ألا يكون فيه حمل النسب على الغير: سواء كذبه المقر له أو صدقه؛ لأن إقرار الإنسان حجة قاصرة على نفسه، لا على غيره؛ لأنه على غيره شهادة أو دعوى، وشهادة الفرد فيما لا يطلع عليه الرجال غير مقبولة، والدعوى المفردة ليست بحجة.\rوبناء عليه إذا كان المقر ببنوة الغلام زوجة أو معتدة، فيشترط مع ما ذكر أن يوافق زوجها على الاعتراف ببنوته له أيضاً، أوأن تثبت ولادتها له من ذلك الزوج؛ لأن فيه تحميل النسب على الغير، فلا يقبل إلا بتصديقه أو ببينة.\rويبطل الإقرار إن صرح المقر في إقراره بأن الولد ابنه من الزنا؛ لأن الزنا لا يصلح سبباً لإثبات النسب، إذ النسب نعمة فلا تنال بالمحظور.\rفإذا استوفى الإقرار بالبنوة أو الأبوة هذه الشروط، صح وثبت به نسب المقر له من المقر، وترتب عليه الإرث الشرعي. وإذا صح الإقرار لا يملك المقر الرجوع فيه بعدئذ؛ لأن النسب إذا ثبت لا يبطل بالرجوع.","part":10,"page":18},{"id":6206,"text":"وقد اشترط الحنفية لصحة الإقرار بالنسب أيضاً حياة الولد، فلو أقر شخص بأن فلاناً ابنه، وكان المقر له بالبنوة ميتاً، لم يصح هذا الإقرار، ولا يثبت به النسب؛ إذ لا حاجة بعد الوفاة لإثبات النسب؛ لأنه لا يحتاج الميت إلى تكريم ولا تشريف. لكن استثنى الحنفية منه ما إذا كان للابن المتوفى أولاد، فإن الإقرار بنسبه بعد وفاته، يكون صحيحاً، رعاية لمصلحة هؤلاء الأولاد؛ لأنه يحتاجون إلى ثبوت نسب أبيهم، وفي ثبوت نسبه شرف لهم وتكريم.\rولم يشترط المالكية حياة الولد المقر به؛ لأن النسب حق للولد على أبيه، فلا يتوقف إثباته على حياة الولد، كما لا يتوقف على تصديقه، إلا أن الأب لا يرث الابن الذي استلحقه إلا إذا كان له ولد، أو كان المال قليلاً، حتى لا يتهم الأب بأن إقراره لأجل أخذ المال الكثير.\rوالشروط السابقة تشترط أيضاً في الإقرار بنسب على الغير، ما عدا الشرط الأخير.\rوقال الشافعية والحنابلة: يثبت النسب بالإقرار على الغير بالشروط السابقة، وبشرط كون المقر جميع الورثة، وبشرط كون الملحق به النسب ميتاً، فلا يلحق بالحي ولو كان مجنوناً، لاستحالة ثبوت نسب الشخص ـ مع وجوده حياً ـ بقول غيره.","part":10,"page":19},{"id":6207,"text":"وأما الإقرار بنسب محمول على الغير :\rفهو الإقرار بما يتفرع عن أصل النسب، كأن يقر إنسان فيقول: هذا أخي، أوهذا عمي، أو هذا جدي، أو هذا ابن ابني.\rويصح بالشروط السابقة، ويزاد عليها شرط آخر، وهو تصديق الغير، فإذا قال إنسان: هذا أخي، يشترط لثبوت نسبه عندا لحنفية أن يصدقه أبوه فيه، أو تقوم البينة على صحة الإقرار، أو يصدقه اثنان من الورثة إن كان الغير ميتاً؛ لأن الإقرار حجة قاصرة على المقر، لولايته على نفسه دون غيره. فإن لم يصدقه الغير أو لم يصدقه اثنان من الورثة، أو لم تقم بينة على صحة الإقرار، يعامل المقر بمقتضى إقراره في حق نفسه، فتجب عليه نفقة المقر له إن كان عاجزاً فقيراً، وكان المقر موسراً، ويشارك المقر له المقر في حصته التي يرثها من تركة أبيه. هذا رأي الحنفية.\rوقال المالكية: يأخذ المقر له بالأخوة المقدار الذي نقص من حصة المقر بسبب إقراره.\rفإذا أقر ولد بأخوة آخر، وأنكره الولد الآخر، أخذ المنكر نصف التركة، وشارك المقر له في النصف الآخر عند الحنفية. وأما عند المالكية فيأخذ المنكر نصيبه كاملاً، ويأخذ المقر له ما نقص من نصيب المقر على فرض أن التركة توزع على ثلاثة.\rفلو كانت التركة (12) ديناراً مثلاً، أخذ المقر له على رأي الحنفية (3) دنانير كنصيب المقر، وعلى رأي المالكية أخذ دينارين ويكون للمنكر (6) ، وللمقر (4) لأن التركة توزع على ثلاثة، ففي حال عدم وجود المقر له يكون للمقر (6) ، وفي حال وجوده يكون له (4) ، فما نقص من نصيبه وهو (2) يأخذه المقر له.\rوإذا صح الإقرار بالنسب لإنسان، شارك الورثة في الميراث. وإن لم يصدقه الغير، ومات المقر، ورث منه المقر له، كباقي ورثته.\rموقف القانون: نص القانون السوري على الإقرار بالنسب.\rنصت المادة (1/134) على شرط كون المقر به مجهول النسب وشرط تصديق الحس ، ونصها: الإقرار بالبنوة ولو في مرض الموت لمجهول النسب، يثبت به النسب من المقر إذا كان فرق السن بينهما يحتمل هذه البنوة.\rوالفقرة الثانية من هذه المادة نصت على حالة إقرار الزوجة:\r2 - إذا كان المقر امرأة متزوجة أو معتدة، لا يثبت نسب الولد من زوجها إلا بمصادقته أو بالبينة.\rونصت المادة (135) على شرط تصديق الغير وشرط تصديق الحس أيضاً: إقرار مجهول النسب بالأبوة أو بالأمومة يثبت به النسب إذا صادقه المقر له، وكان فرق السن بينهما يحتمل ذلك.\rونصت المادة (136) على حالة الإقرار بنسب محمول على الغير: الإقرار بالنسب في غير البنوة والأبوة والأمومة لا يسري على غير المقر إلا بتصديقه.","part":10,"page":20},{"id":6208,"text":"نوع البينة في إثبات النسب على الغير :\rإثبات النسب على الغير كهذا أخي أو عمي قد يكون بالبينة، وهي عند أبي حنيفة ومحمد: إقرار رجلين أو رجل وامرأتين، كالشهادة.\rويرى مالك: أنه لا يثبت النسب على الغير إلا بإقرار اثنين؛ لأنه يحمل النسب على غيره، فاعتبر فيه العدد كالشهادة.\rوقال الشافعي وأحمد وأبو يوسف: إن أقر جميع الورثة بنسب من يشاركهم في الإرث، ثبت نسبه، حتى ولو كان الوارث واحداً ذكراً أو أنثى؛ لأن النسب حق يثبت بالإقرار، فلم يطلب فيه العدد كالدين، ولأن الإقرار قول لا تشترط فيه عدالة، فلم يصح قياسه على الشهادة. الفرق بين الإقرار بالنسب وبين التبني :\rليس الإقرار بالنسب هو التبني المعروف؛ لأن الإقرار لا ينشئ النسب وإنما هو طريق لإثباته وظهوره. أما التبني فهو تصرف منشئ لنسب. ولأن البنوة التي تثبت بالتبني تتحقق ولو كان للمتبنى أب معروف، أما البنوة التي تثبت بالإقرار فلا تتحقق إلا إذا لم يكن للولد أب معروف.","part":10,"page":21},{"id":6209,"text":"الطريق الثالث ـ البينة :\rالبينة حجة متعدية لا يقتصر أثرها على المدعى عليه، بل يثبت في حقه وحق غيره، أما الإقرار فهو كما عرفنا حجة قاصرة على المقر لاتتعداه إلى غيره. وثبوت النسب بالبينة أقوى من الإقرار؛ لأن البينة أقوى الأدلة اليوم؛ لأن النسب وإن ظهر بالإقرار لكنه غير مؤكد، فاحتمل البطلان بالبينة.\rونوع البينة التي يثبت بها النسب كما سبق: هي شهادة رجلين أو رجل وامرأتين عند أبي حنيفة ومحمد. وشهادة رجلين فقط عند المالكية، وجميع الورثة عند الشافعية والحنابلة وأبي يوسف.\rوالشهادة تكون بمعاينة المشهود به أو سماعه، فإذا رأى الشاهد أو سمعه بنفسه، جاز له أن يشهد، وإذا لم يره أو يسمعه بنفسه، لا يحل له أن يشهد، لقوله صلّى الله عليه وسلم لشاهد: «ترى الشمس؟ قال: نعم، فقال: على مثلها فاشهد أو دع» (1) .\rالشهادة بالتسامع لإثبات النسب :\rالتسامع: استفاضة الخبر واشتهاره بين الناس، وقد اتفق فقهاء المذاهب الأربعة على جواز إثبات النسب بشهادة السماع، كما هو الشأن في الزواج أو الزفاف والدخول بالزوجة، والرضاع والولادة والوفاة (2) .\rودليلهم: أن هذه الأمور لا يطلع عليها إلا خواص الناس، فإذا لم تجز فيها الشهادة بالسماع، أدى إلى الحرج، وتعطيل الأحكام المترتبة عليها كالإرث وحرمة الزواج.\rلكن اختلف الفقهاء في بيان المراد من التسامع، فقال أبو حنيفة: هو أن تتواتر به الأخبار ليحصل للسامع نوع من اليقين.\rوقال الصاحبان: هو أن يخبر الشاهد رجلان عدلان أو عدل وامرأتان واختار قولهما بعض الفقهاء، بدليل أن القاضي يحكم بشهادة شاهدين، ولو لم ير المشهود به، أو يسمعه بنفسه. ويكفي الشاهد أن يقول: أشهد بكذا، ولا يقول: سمعت.\rوتوسط المالكية فقالوا: أن يكون المنقول عنه غير معين ولا محصور، بأن ينتشر المسموع به بين الناس العدول وغيرهم. واشترطوا أن يقول الشهود: سمعنا كذا، ونحوه.\rوقال الشافعية في الأرجح، والحنابلة في الأصح مثل قول أبي حنيفة: شرط التسامع سماع المشهود به من جمع كثير يؤمن تواطؤهم (أي توافقهم) على الكذب، بحيث يحصل به العلم (أي اليقين) أو الظن القوي بخبرهم. ولا يكفي الشاهد بالاستفاضة أن يقول: سمعت الناس يقولون كذا، وإن كانت شهادته مبنية عليها، بل يقول: أشهد أنه له، أو أنه ابنه مثلاً؛ لأنه قد يعلم خلاف ما سمع من الناس.\r-------------------------------\r(1) رواه البيهقي والحاكم وصحح إسناده، وتعقبه الذهبي فقال: بل هو حديث واهٍ (سبل السلام: 130/4).\r(2) المبسوط: 111/16، البدائع: 266/6، الدسوقي: 198/4 وما بعدها، مغني المحتاج: 448/4 ومابعدها، المغني: 161/9 ومابعدها.","part":10,"page":22},{"id":6210,"text":"الفَصْلُ الثَّاني: الرّضاع\rآثرت هنا بحث كل ما يتعلق بالرضاع من أحكام؛ لأن الباحث يرتاح له، فأوضحت حق الولد في الرضاع وما يستتبعه من أحكام، وهذا ما يتعلق بهذا الباب المخصص لحقوق الأولاد، ثم بحثت تأثير الرضاع في تحريم الزواج بسبب القرابة الناشئة عنه، وما يستلزمه من طرق إثبات الرضاع. فكان هذا الفصل مشتملاً على مباحث ثلاثة:\rالأول ـ حق الولد الصغير في الرضاع.\rالثاني ـ شروط الرضاع المحرِّم للزواج.\rالثالث ـ ما يثبت به الرضاع.\rعلماً بأن أركان الرضاع في اصطلاح الجمهور غير الحنفية ثلاثة: وهي مرضع، ولبن، ورضيع.\rالمبحث الأول ـ حق الولد الصغير في الرضاع :\rفيه مطالب أربعة عن وجوب الإرضاع على الأم، واستحقاق أجرة الرضاع، وتقديم الأم على المتبرعة بالرضاع، والمكلف بأجرة الرضاع ومقدار الأجرة.\rالمطلب الأول ـ هل يجب الإرضاع على الأم؟\rاتفق فقهاء الإسلام على أن الرضاع واجب على الأم ديانة تسأل عنه أمام الله تعالى حفاظاً على حياة الولد، سواء أكانت متزوجة بأبي الرضيع، أم مطلَّقة منه وانتهت عدتها. واختلفوا في وجوبه عليها قضاء، أيستطيع القاضي إجبارها عليه أم لا؟","part":10,"page":23},{"id":6211,"text":"قال المالكية بالوجوب قضاء، فتجبر عليه، وقال الجمهور بأنه مندوب لا تجبر عليه، ولها أن تمتنع إلا عند الضرورة (1) ، ورضاع الولد على الأب وحده، وليس له إجبار أمه على رضاعه، سواء كانت من مرتبة أدنى أو شريفة، وسواء أكانت في حال الزوجية أم مطلقة. وجاء في المقدمات الممهدات لابن رشد المالكي: ويستحب للأم أن ترضع ولدها.\rومنشأ الخلاف: كيفية فهم المراد من قوله تعالى: {والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين، لمن أراد أن يتم الرضاعة...} إلىقوله: {وإن أردتم أن تسترضعوا أولادكم فلا جناح عليكم إذا سلَّمتم ما آتيتم بالمعروف} [سورة البقرة: 233/2].\rذهب المالكية: إلى أنه يجب على الأم إذا كانت زوجة أو معتدة من طلاق رجعي إرضاع ولدها، فلو امتنعت من إرضاعه بدون عذر، أجبرها القاضي، إلا المرأة الشريفة لثراء أو حسب فلا يجب عليها الإرضاع إن قبل الولد الرضاع من غيرها، فهم فهموا من الآية أنها أمر لكل والدة زوجة أو غيرها بالرضاع، وهو حق عليها، واستثنوا الشريفة بالعرف القائم على المصلحة. ولا يجب الإرضاع أيضاً على المطلقة طلاقاً بائناً، لقوله تعالى: {فإن أرضعن لكم، فآتوهن أجورهن} [الطلاق:6/65] فإن هذه الآية واردة في المطلقات طلاقاً بائناً.\r-------------------------------\r(1) أحكام القرآن لابن العربي: 204/1-206، 1828/4، أحكام القرآن للجصاص: 403/1 ومابعدها، الدر المختار وحاشية ابن عابدين: 929/2 ومابعدها، تفسير القرآن لابن كثير: 283/1، فتح القدير: 345/3، المغني: 627/7، البدائع: 40/4، القوانين الفقهية: ص 222، بداية المجتهد: 56/2، الشرح الصغير: 754/2، مغني المحتاج: 449/3.","part":10,"page":24},{"id":6212,"text":"وقالوا: إن معنى قوله تعالى: {لاتضارّ والدة بولدها، ولا مولود له بولده} [البقرة:233/2] أن الأم لا تأبى أن ترضعه إضراراً بأبيه، ولا يحل للأب أن يمنع الأم من إرضاعه. وذلك كله عند الطلاق؛ لأن ذكر النهي عن الضرر جاء عند ذكر الطلاق، ولأن النفقة واجبة للمطلقة الرجعية لأجل بقاء النكاح في العدة، ولا تستوجب الأم زيادة على النفقة لأجل رضاعه. أما البائن فيجب لها أجر الرضاع بنص الآية السابقة.\rوورد في صحيح البخاري عن النبي صلّى الله عليه وسلم : «تقول لك المرأة: أنفق عليَّ وإلا طلقني، ويقول لك العبد: أطعمني واستعملني، ويقول لك ابنك: أنفق علي، إلى من تكلني؟!» .\rوذهب الجمهور إلى أن الآية أمر ندب وإرشاد من الله تعالى للوالدات أن يرضعن أولادهن، إلا إذا لم يقبل الولد ثدي غير الأم، بدليل قوله تعالى: {وإن تعاسرتم فسترضع له أخرى} [الطلاق:6/65] وإنما ندب للأم إرضاع ولدها، لأن لبن الأم أصلح للطفل، وشفقة الأم عليه أكثر، ولأن الرضاع حق للأم، كما هو حق للوليد، ولا يجبر أحد على استيفاء حقه، إلا إذا وجد ما يستدعي الإجبار.\rويفهم منه أن الفقهاء اتفقوا على وجوب الإرضاع على الأم في ثلاث حالات وهي:\r1ً - ألا يقبل الطفل الرضاع إلا من ثدي أمه، فيجب عندئذ إرضاعه إنقاذاً له من الهلاك، لتعين الأم، كما تجبر المرضعة على استدامة الإجارة بعد مضي مدتها، إذا لم يقبل ثدي غيرها.\r2ً - ألا توجد مرضعة أخرى سواها، فيلزمها الإرضاع حفاظاً على حياته.\r3ً - إذا عدم الأب لاختصاصها به، أو لم يوجد لأبيه ولا للولد مال لاستئجار مرضعة، فيجب عليها إرضاعه، لئلا يموت.\rوأوجب الشافعية على الأم إرضاع اللَّبَأ: وهو اللبن النازل أول الولادة؛ لأن الولد لا يعيش بدونه غالباً، وغيرها لا يغني.","part":10,"page":25},{"id":6213,"text":"استئجار المرضع: إذا امتنعت الأم عن الإرضاع في غير هذه الحالات، وجب على الأب أن يستأجر مرضعة وتسمى ( ظئراً ) لإرضاعه، محافظة على حياة الولد، وعلى الظئر المستأجرة أن ترضعه عند أمه؛ لأن الحضانة حق لها، وامتناعها عن الإرضاع لا يسقط حقها في الحضانة، لأن كلاً منهما حق مستقل عن الآخر.\rفإن لم يستأجر الأب مرضعة، كان للأم أن تطالبه قضاء بدفع أجرة الرضاع، لتستأجر هي من ترضعه.\rولا يستأجر الأب ولو من مال الصغير أم الرضيع في حال الزوجية أو العدة من طلاق رجعي، ويجوز استئجارها إذا كانت بائناً في الأصح لدى الحنفية؛ لأن الأب في حال الزوجية والعدة قائم بنفقة الزوجة، ولا يجتمع عليه واجبان، وفي أخذها الأجرة من مال الصغير أخذ للأجرة على الواجب عليها ديانة، وهو الرضاع، أما بعد البينونة فلا تجبر الأم على إرضاع الولد قضاء، فساغ لها أخذ الأجرة على الرضاع في رواية صحيحة عند الحنفية وهي المعتمدة كما ذكر ابن عابدين، وفي رواية أخرى رجحها صاحب الهداية: لا أجرة لها؛ لأن لها النفقة في العدة.\rالمطلب الثاني ـ حالة استحقاق الأم أجرة الرضاع، ومدة الاستحقاق وبدء الاستحقاق :\rأولاً ـ حالة استحقاق الأم أجرة الرضاع :\rإذا أرضعت الأم ولدها بنفسها أو بإجبارها على الرضاع قضاء، فهل تستحق أجرة على الرضاع؟ في الأمر تفصيل وهو ما يأتي (1) :\r1 - لا تستحق الأم أجرة الرضاع عند الحنفية والشافعية والحنابلة في حال الزوجية أو أثناء العدة من الطلاق الرجعي؛ لأن الزوج مكلف بالإنفاق عليها، فلا تستحق نفقة أخرى مقابل الرضاع، حتى لا يجتمع عليه واجبان: النفقة والأجرة في آن واحد، وهو غير جائز لكفاية النفقة الواجبة على الزوج.\rووافق المالكية على هذا الرأي إذا كان الرضاع واجباً على الأم، وهو الحالة الغالبة، أما إن كان الرضاع غير واجب على الأم كالشريفة القدر، فإنها تستحق الأجرة على الرضاع.\r-------------------------------\r(1) الدر المختار ورد المحتار: 929/2 وما بعدها، أحكام القرآن لابن العربي: 1828/4 ومابعدها، أحكام القرآن للجصاص: 463/3، فتح القدير: 345/3، بداية المجتهد: 56/2.","part":10,"page":26},{"id":6214,"text":"2 - تستحق الأم الأجرة على الرضاع بالاتفاق بعد انتهاء الزوجية والعدة، أو في عدة الوفاة، لقوله تعالى: {فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن} [الطلاق:6/65] فهي واردة في المطلَّقات،ولأنه لا نفقة للأم بعد الزوجية وفي عدة الوفاة.\r3 - تستحق الأم الأجرة على الرضاع في عدة الطلاق البائن في الأصح عند بعض الحنفية، لأنها كالأجنبية، وكذا عند المالكية، لقوله تعالى: {فإن أرضعن\rلكم، فآتوهن أجورهن} [الطلاق:6/65] فقد أوجب تعالى للمطلقات بائناً الأجرة على الرضاع، حتى لو كانت حاملاً ولها النفقة؛ لأن كلاً من النفقة وأجرة الرضاع وجب بدليل خاص به، فوجوب أحدهما لا يمنع وجوب الآخر. وهذا هو المقرر في القانون السوري كما سأبين.\rوذكر بعض الحنفية أن المفتى به عدم الفرق بين عدة الرجعي والبائن، فلا تستحق الأم أجرة الرضاع في الحالتين لوجوب النفقة لها مطلقاً، وهذا هو المعمول به في محاكم مصر.\rوالحاصل: أن المدار في استحقاق الأم أجرة الرضاع وعدم استحقاقها على وجوب الرضاع وعدم وجوبه عليها في رأي المالكية، وعلى وجوب النفقة للأم وعدم وجوبها لها في رأي الحنفية.\rثانياً ـ مدة الاستحقاق :\rاتفق الفقهاء على أن مدة استحقاق الأجرة على الرضاع هي سنتان فقط، فمتى أتم الطفل حولين كاملين، لم يكن للمرضع الأم الحق في المطالبة بأجرة الرضاع (1) ، لقوله تعالى: {والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة} [البقرة:233/2] د لت الآية على أن الأب يلزم بنفقة الرضاع في مدة سنتين فقط.\r-------------------------------\r(1) حاشية ابن عابدين: 931/2، أحكام القرآن للجصاص: 404/1.","part":10,"page":27},{"id":6215,"text":"ثالثاً ـ بدء الاستحقاق :\rتستحق المرضع غير الأم المسماة ظئراً وكذا الأم بعد انتهاء الزوجية الأجرة على الرضاع من تاريخ العقد؛ لأنها مستأجرة للرضاع، فلا تستحق الأجرة إلا من يوم العقد.\rوأما الأم المرضع في حال قيام الزوجية أو أثناء العدة من طلاق رجعي، فتستحق الأجرة بالإرضاع في المدة مطلقاً بلا عقد إجارة، في رأي المالكية، وأما في رأي الحنفية على الراجح فمن تاريخ قيامها بالإرضاع. وقيل عند الحنفية: من وقت طلبها الأجر. ولا تسقط الأجرة بموت الأب، بل تكون دائنة له أسوة بغرمائه، فليست الأجرة نفقة وإنما هي دين يستحق في التركة، إذ لو كانت نفقة لسقطت بموته، كما تسقط بالموت نفقة الزوجة والقريب ولو بعدا لقضاء، ما لم تكن مستدانة بأمر القاضي (1) . وإذا لم يكن للرضيع أب وجبت الأجرة على من يلي الأب في الإنفاق عليه.\rالمطلب الثالث ـ التفضيل بين الأم والمتبرعة بالرضاع :\rاتفق الفقهاء على أن الأم تقدم في الإرضاع إذا أرضعت ولدها بدون أجر، أو لم تطلب زيادة على ما تأخذه الأجنبية ولو دون أجر المثل، أو لم توجد مرضعة إلا بأجر، رعاية لمصلحة الصغير بسبب كون الأم أكثر حناناً وشفقة عليه من غيرها، ولأن في منع الأم من إرضاع ولدها إضراراً بها، وهو لا يجوز، لقوله تعالى: {لا تضار والدة بولدها} [البقرة:233/2] وقوله سبحانه: {والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين} [البقرة:233/2] دل النص على أن الأم أحق برضاع ولدها في الحولين (2) .\rفإن وجدت متبرعة بالإرضاع، وطلبت الأم الأجر، أو وجدت مرضعة بأجر أقل مما تأخذه الأم، كانت الأم عند المالكية والحنابلة هي الأحق من غيرها بأجر المثل، لإطلاق الآية السابقة: {لا تضارّ والدة بولدها} [البقرة:233/2] وآية:\r-------------------------------\r(1) ابن عابدين، المكان السابق.\r(2) الجصاص، المكان السابق.","part":10,"page":28},{"id":6216,"text":"{والوالدات يرضعن أولادهن} [البقرة:233/2] ولأنها أحنى وأشفق على الولد من الأجنبية، ولبنها أمرأ من لبن غيرها.\rوتقدم الأجنبية في رأي الحنفية والشافعية في الأظهر (1) حينئذ، سواء أكان الأب موسراً أم معسراً؛ رفقاً بالأب ودفعاً للضرر عنه، لقوله تعالى: {لا تضار والدة بولدها، ولا مولود له بولده} [البقرة:233/2] أ ي بإلزامه لها أكثر من أجرة الأجنبية، وقوله تعالى: {وإن أردتم أن تسترضعوا أولادكم فلا جناح عليكم} [البقرة:233/2].\rويقال للأم حينئذ: إما أن ترضعيه متبرعة، أو بمثل الأجرة التي تطالب بها غيرك، وإما أن تسلميه لها.\rوإذا سلمته الأم لأجنبية بقي لها حق الحضانة، فإما أن ترضعه المرضعة عند الأم، وإما أن ترضعه في بيتها، ثم ترده إلى الأم.\rالمطلب الرابع ـ المكلف بأجرة الرضاع ومقدار الأجرة :\rالأب: هو المكلف بأجرة الرضاع؛ لأنه هو الملزم بالنفقة على الولد، وتكون أجرة الرضاع على من تجب عليه النفقة، لقوله تعالى: {والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة، وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف} [البقرة:233/2] وقوله سبحانه: {فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن} [الطلاق:6/65].\rوعلى الأب خمس نفقات للولد الصغير: أجرة الرضاع، وأجرة الحضانة، ونفقة المعيشة من صابون ودهن وفرش وغطاء، وأجرة مسكن الحضانة الذي تحضنه فيه الأم، وأجرة خادم له إن احتاج إليه.\rوتلزم الأب نفقة الصغير وإن خالفه في دينه، كما تجب نفقة الزوجة على الزوج، وإن خالفته في دينه، للآيات السابقة، وكما سأبين.\r-------------------------------\r(1) الدر المختار وحاشية ابن عابدين: 930/2، فتح القدير: 345/3 وما بعدها، مغني المحتاج: 450/3، المغني: 627/7 وما بعدها.","part":10,"page":29},{"id":6217,"text":"لكن إلزام الأب بالنفقة بأنواعها إذا لم يكن للصغير مال، فإن كان له مال، فالأصل أن نفقة الإنسان في مال نفسه، صغيراً كان أو كبيراً (1) . فإن كان الأب فقيراً ولم يكن للصغير مال أجبرت الأم في رأي الحنفية على إرضاعه، وتكون الأجرة ديناً على الأب يطالب بها عند يساره. وتجبر الأم على الرضاع في رأي المالكية وليس لها الرجوع بالأجرة على الأب إذا أيسر.\rواجب المرضع: وأما المرضع فلا تكلف بشيء سوى الإرضاع، وما يوجبه عليها العرف كإصلاح طعام الولد وحفظه وغسله وغسل ثيابه؛ لأن خدمة الصغير واجب عليها؛ لأن العرف معتبر فيما لا نص فيه. فإن أرضعته بلبن شاة فلا أجر لها؛ لأنها لم تأت بالعمل الواجب عليها، وهو الإرضاع، وهذا العقد إيجار، وليس بإرضاع، وهو غير ما وقع عليه عقد الإجارة (2) .\rمقدار الأجرة: الأجرة التي تستحقها الأم هي أجرة المثل: وهي التي تقبل امرأة أخرى أن ترضع الولد في مقابلها. وتقديرها متروك للقاضي، فلو طلبت الأم أكثر من أجر المثل لا تجاب إلى طلبها.\rموقف القانون السوري من أجرة الرضاع :\rنصت المادة (1/152) على المكلف بأجرة الرضاع، ولكن في سن الرضاع، لا بعد الفطام:\r1 - أجرة رضاع الولد، سواء أكان الرضاع طبيعياً أم اصطناعياً على المكلف بنفقته، ويعتبر ذلك في مقابل غذائه.\rونصت الفقرة الثانية من هذه المادة على حالة عدم استحقاق الأم أجرة الرضاع:\r2 - لا تستحق الأم أجرة الرضاع حال قيام الزوجية، أو في عدة الطلاق الرجعي.\rوالمعنى بالمفهوم أنها تستحق أجرة الرضاع بعد انتهاء الزوجية وانقضاء العدة مطلقاً، وفي عدة الطلاق البائن، وفي عدة الوفاة.\r-------------------------------\r(1) فتح القدير: 346/3، حاشية ابن عابدين: 931/2.\r(2) تبيين الحقائق: 129/5، البدائع: 41/4.\rونصت المادة (153) على الأخذ برأي الحنفية، ولكن في حالة إعسار الأب فقط بتقديم المتبرعة بالرضاع على الأم، وهو المعقول، ونص المادة هو : «المتبرعة أحق بالإرضاع إن طلبت الأم أجرة، وكان الأب معسراً، على أن يكون الإرضاع في بيت الأم» .\rولكن في الحضانة تقدم الأم إذا كان الأب موسراً، ولو طلبت أجراً أكثر، وسبب التفريق بين الحضانة والرضاع: أن الرضاع أمر مادي يقصد به التغذية ونمو الجسد، أما الحضانة فتتطلب حناناً وشفقة، والأم أحن وأشفق من غيرها.","part":10,"page":30},{"id":6218,"text":"المبحث الثاني ـ شروط الرضاع المحرِّم للزواج عند الفقهاء :\rاشترط الفقهاء للتحريم بالرضاع الشروط الستة الآتية (1) :\r1ً - أن يكون لبن امرأة آدمية، سواء أكانت عند الجمهور بكراً أم متزوجة أم بغير زوج: فلا تحريم بتناول غير اللبن كامتصاص ماء أصفر أو دم أو قيح، ولا بلبن الرجل أو الخنثى المشكل أو البهيمة، فلو رضع صغيران من شاة مثلاً، لم يثبت بينهما أخوة، فيحل زواجهما؛ لأن الأخوة فرع الأمومة، فإذا لم يثبت الأصل لم يثبت الفرع. واشترط الحنابلة أن يكون بلبن امرأة ثار لها لبن من الحمل، فلو طلق رجل زوجته وهي ترضع من لبن ولده، فتزوجت بصبي رضيع، فأرضعته، حرمت عليه؛ لأن الرضيع يصير ابناً للرجل الذي ثار اللبن بوطئه.\rواشترط الشافعية في المرأة أن تكون حيَّة حياة مستقرة حال انفصال اللبن منها، بلغت تسع سنين قمرية تقريباً، وإن لم يحكم ببلوغها بذلك، فلا تحريم برضاع المرأة الميتة والصغيرة، أي أن لبن الميتة والصغيرة لا يحرم. لكن لو حلبت المرأة لبنها قبل موتها، وشربه الطفل بعد موتها، حرم في الأصح، لانفصاله منها، وهو حلال محترم.\rولم يشترط الجمهور هذا الشرط، فلبن الميتة، والصغيرة التي لم تطق الوطء، إن قدر أن بها لبناً، يحرِّم؛ لأنه ينبت اللحم، ولأن اللبن لا يموت.\r-------------------------------\r(1) البدائع: 5/4-13، القوانين الفقهية: ص 206 وما بعدها، مغني المحتاج: 414/3-419، كشاف القناع: 515/5 ومابعدها، الشرح الصغير: 719/2-721، المغني: 537/7-547، بداية المجتهد: 34/2-39.","part":10,"page":31},{"id":6219,"text":"2- أن يتحقق من وصول اللبن إلى معدة الرضيع، سواء بالامتصاص من الثدي، أم بشربه من الإناء أو الزجاجة. وهذا شرط عند الحنفية، فإن لم يتحقق\rمن الوصول إلى المعدة بأن التقم الثدي، ولم يعلم أرضع أم لا، فلا يثبت التحريم، للشك في وجود سبب التحريم وهو الرضاع، والأحكام لا تثبت بالشك.\rواكتفى المالكية باشتراط وصول اللبن تحقيقاً أو ظناً أو شكاً إلى الجوف من الفم برضاع الصغير، فيثبت التحريم ولو مع الشك، عملاً بالاحتياط، ولا يثبت التحريم على المشهور بمجرد الوصول إلى الحلق فقط. واشترط الشافعية والحنابلة وجود خمس رضعات متفرقات، والمرجع في معرفة الرضعة إلى العرف،ولايشترط كونها مشبعة، ولا بد من وصول اللبن إلى الجوف.\r3 - أن يحصل الإرضاع بطريق الفم أو الأنف: فقد اتفق أئمة المذاهب على أن التحريم يحصل بالوجور (وهو صب اللبن في الحلق) لحصول التغذية به كالارتضاع، وبالسَّعُوط (وهو صب اللبن في الأنف ليصل الدماغ) لحصول التغذي به؛ لأن الدماغ جوف له كالمعدة، بل لا يشترط التغذي بما وصل من منفذ عال، بل مجرد وصوله للجوف كاف في التحريم.\rولا يحصل التحريم عند الحنفية، والشافعية في الأظهر، والحنابلة في منصوص أحمد بالحقنة، أو بتقطير اللبن في العين أو الأذن أو الجرح في الجسم؛ لأن هذا ليس برضاع ولا في معناه، فلم يجز إثبات حكمه فيه، ولانتفاء التغذي.\rوقال المالكية: يحصل التحريم بحقنة تغذي أي تكون غذاء، لا مجرد وصول اللبن للجوف عن طريق الحقنة. وحينئذ يختلف ما وصل من منفذ عال، فلا يشترط فيه الغذاء، وما وصل من منفذ سفلي ونحوه فيشترط فيه التغذي.","part":10,"page":32},{"id":6220,"text":"4ً - ألا يخلط اللبن بغيره: وهذا شرط عند الحنفية والمالكية. فإن خلط بمائع آخر، فالعبرة عند الحنفية والمالكية للغالب، فإن غلب اللبن حرَّم، وإن غلب غير اللبن عليه، حتى لم يبق له عند المالكية طعم ولا أثر مع الطعام ونحوه، فلا يحرم؛ لأن الحكم للأغلب، ولأنه بالخلط يزول الاسم والمعنى المراد به، وهو التغذي، فلا يثبت به الحرمة. ولافرق عند المالكية بين الخلط بالمائع أو بالطعام.\rواعتبر الشافعية في الأظهر والحنابلة في الراجح اللبن المشوب (المختلط بغيره) كاللبن الخالص الذي لا يخالطه سواه، سواء شيب بطعام أوشراب أو غيره، لوصول اللبن إلى الجوف، وحصوله في بطنه.\rورأى أبو حنيفة خلافاً للصاحبين أن اللبن المخلوط بالطعام لا يحرم عنده بحال سواء أكان غالباً أم مغلوباً؛ لأن الطعام وإن كان أقل من اللبن، فإنه يسلب قوة اللبن ويضعفه، فلا تقع الكفاية به في تغذية الصبي، فكان اللبن مغلوباً معنى، وإن كان غالباً صورة.\rوإذا خلط لبن امرأة بلبن امرأة أخرى: فالحكم للغالب عند أبي حنيفة وأبي يوسف، فإن تساويا ثبت التحريم من المرأتين جميعاً للاختلاط.\rوقال المالكية ومحمد وزفر: يثبت التحريم من المرأتين جميعاً، سواء تساوى مقدار اللبنين أوغلب أحدهما الآخر، وهذا هو الراجح لدي؛ لأن اللبنين من جنس واحد، والجنس لا يغلب الجنس.\r5 - أن يكون الرضاع في حال الصغر باتفاق المذاهب الأربعة: فلا يحرم رضاع الكبير: وهو من تجاوز السنتين.\rوقال داود الظاهري: إن رضاع الكبير يحرم، وكانت عائشة ترى أن رضاعة الكبير تحرم، لما روي أن سهلة بنت سهيل قالت: «يا رسول الله ، إنا كنا نرى سالماً ولداً، فكان يأوي معي، ومع أبي حذيفة في بيت واحد، ويراني فُضْلى (1) ، وقد\r-------------------------------\r(1) فضْلى وفضلاً: أي متبذلة في ثياب مهنتي.","part":10,"page":33},{"id":6221,"text":"أنزل الله فيهم ما قد علمت، فكيف ترى فيه؟ فقال لها النبي صلّى الله عليه وسلم : أرضعيه حتى يدخل عليه» (1) ، فأرضعته خمس رضعات فكان بمنزلة ولدها، وبناء عليه كانت عائشة تأمر بنات أخواتها وبنات إخوتها يرضعن من أحبت عائشة أن يراها، ويدخل عليها، وإن كان كبيراً خمس رضعات (2) .\rواستدل الجمهور على اشتراط كون الرضاع في حال الصغر بما يأتي:\rأولاً ـ بقوله تعالى: { والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة} [البقرة:233/2] فإنه تعالى جعل تمام الرضاعة في الحولين، فأفهم أن الحكم بعد الحولين بخلافه. وقال تعالى: {وفصاله في عامين} [لقمان:14/31] أي فطامه، فدل على أن أكثر مدة الرضاع المعتبرة شرعاً سنتان.\rثانياً ـ بخبر: «لا رضاع إلا ماكان في الحولين» (3) وخبر: «لا يحرِّم من الرضاع إلا ما فتق الأمعاء في الثدي، وكان قبل الفطام» (4) وخبر «لا رضاع بعد فصال، ولا يُتْم بعد احتلام» (5) . وقال الشافعي رضي الله عنه عن حديث سهلة: إنه رخصة خاصة بسالم، وكذلك قال الحنابلة وغيرهم، جمعاً بين الأدلة.\rثبت عن عائشة أنها قالت: «دخل علي رسول الله صلّى الله عليه وسلم وعندي رجل، فقال: من هذا؟ قلت: أخي من الرضاعة، قال: يا عائشة، انظُرن من إخوانكُنّ، فإنما\r-------------------------------\r(1) رواه أحمد ومسلم عن زينب بنت أم سلمة (نيل الأوطار: 313/6).\r(2) قيل: إن هذا رخصة لسهلة، وما روي عن عائشة لا يتفق مع نزاهتها ومكانتها الدينية التي تأبى عليها أساليب الاحتيال،أو أنها تحلب الحليب من ثديها ثم تعطيه له.\r(3) رواه الدارقطني عن ابن عباس (نيل الأوطار: 315/6).\r(4) رواه الترمذي وصححه عن أم سلمة (المرجع السابق).\r(5) رواه أبو داود الطيالسي في مسنده عن جابر (المرجع السابق).","part":10,"page":34},{"id":6222,"text":"الرضاعة من المجاعة» (1) وعن ابن مسعود: «لا رضاع إلا ما أنشز العظم، وأنبت اللحم»(2) .\rوالتزم الشافعية والحنابلة وأبو يوسف ومحمد بظاهر هذه الأدلة، فشرطوا أن يكون الرضاع في مدة الحولين الأولين من العمر، بالأشهر القمرية، ولو بعد الفطام؛ لأن حديث «فإنما الرضاعة من المجاعة» يراد به الرضاع الذي يكون في سن المجاعة، كيفما كان الطفل، وهو سن الرضاع، فلو ارتضع الطفل بعدهما بلحظة، ولو بعد فطامه، لم يثبت التحريم؛ لأن شرطه وهو كونه في الحولين لم يوجد، وإن حصل الرضاع في أثناء الحولين، ولو بعد الفطام، ثبت به التحريم؛ لأن الرضاع في وقته عرف محرِّماً في الشرع. ويكون انتهاء الحولين من تمام انفصال الرضيع، فإن ارتضع قبل تمامه لم يؤثر. هذا الرأي هو الراجح لقوة الأدلة التي استندوا إليها.\rوأضاف الإمام مالك مدة شهرين على الحولين؛ لأن الطفل قد يحتاج إلى هذه المدة لتحويل غذائه إلى الطعام. لكن إن فطم الولد عن اللبن، واستغنى بالطعام استغناء بيِّناً ولو في الحولين، أو لم يوجد له مرضع في الحولين، فاستغنى بالطعام أكثر من يومين وما أشبههما، فأرضعته امرأة، فلا يحرم، لأن مفهوم الحديث: «فإنما الرضاعة من المجاعة» يدل على أن الطفل غير مفطوم، فإن فطم في بعض الحولين، لم يكن رضاعاً من المجاعة.\rوأضاف الإمام أبو حنيفة أيضاً مدة نصف سنة على الحولين، فتكون مدة الرضاعة عنده ثلاثين شهراً، لاحتياج الطفل إلى هذه المدة للتدرج من اللبن إلى الطعام المعتاد، لكن إن استغنى بالفطام عن اللبن استغناء تاماً، لم يكن ذلك\r-------------------------------\r(1) رواه الجماعة إلا الترمذي عن عائشة (المرجع السابق: ص 316).\r(2) نيل الأوطار: 316/6، سبل السلام: 214/3.","part":10,"page":35},{"id":6223,"text":"رضاعاً؛ لأنه لا رضاع بعد الفطام، وإن فطم الطفل فأكل أكلاً ضعيفاً لا يستغنى به عن الرضاع، ثم عاد فأرضع، كما يرضع أولاً في الثلاثين شهراً، فهو رضاع محرم، كما يحرم رضاع الصغير الذي لم يفطم، ويحمل الحديث السابق: «لا رضاع بعد فصال» على الفصال المعتاد المتعارف. واستدل للإمامين مالك وأبي حنيفة بقوله تعالى: {والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين، لمن أراد أن يتم الرضاعة} .. {فإن أرادا فصالاً عن تراض منهما وتشاور، فلا جناح عليهما} [البقرة:2 /233] فالآية في نهايتها تدل على أن للوالدين الخيار في فطم الطفل عند تمام الحولين. والتحديد بالحولين في مقدم الآية إنما هو لبيان المدة التي يجوز فيها للأم المطلَّقة أن تأخذ فيها أجراً على الرضاع.\rوأجيب عنه بأن الفطام الذي يحتاج إلى المشاورة والتراضي بين الوالدين هو الذي يكون قبل تمام الحولين، فإن استمر الرضاع بعد الحولين لضعف الطفل، فلا مانع منه للحاجة، ولكن لا يترتب عليه أحكامه من التحريم وأخذ الأم المطلقة أجراً عليه.","part":10,"page":36},{"id":6224,"text":"6 - أن يكون الرضاع خمس رضعات متفرقات فصاعداً: وهذا شرط عند الشافعية والحنابلة، والمعتبر في الرضعة العرف، فلو انقطع الطفل عن الرضاع إعراضاً عن الثدي تعدد الرضاع، عملاً بالعرف، ولو انقطع للتنفس أو الاستراحة أو الملل أو الانتقال من ثدي إلى آخر أو من امرأة إلى أخرى أو اللهو أو النومة الخفيفة أو ازدراء ما جمعه من اللبن في فمه، وعاد في الحال، فلا تعدد، بل الكل رضعة واحدة. وإن رضع أقل من خمس رضعات فلا تحريم، وإن شك في عدد الرضعات بني على اليقين؛ لأن الأصل عدم وجود الرضاع المحرم، لكن في حالة الشك الترك أولى، لأنه من الشبهات. واستدلوا بأدلة ثلاثة: أولها ـ ما روى مسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت: «كان فيما أنزل الله من القرآن عشر رضعات معلومات يحرّمن، فنسخن بخمس معلومات، فتوفي رسول الله صلّى الله عليه وسلم وهن فيما يقرأ من القرآن» (1) أي يتلى حكمهن أو يقرؤهن من لم يبلغه النسخ لقربه. لكن قيل عنه: إنه مضطرب.\rثانيها ـ إن علة التحريم بالرضاع هي شبهة الجزئية التي تحدث باللبن الذي ينبت اللحم وينشز العظم، أي ينميه ويزيده، وهذا لا يتحقق إلا برضاع يوم كامل على الأقل، وهو خمس رضعات متفرقات.\rثالثها ـ حديث «لا تحرم المصة والمصتان» وفي رواية «لا تحرم المصة والمصتان، ولا الإملاجة والإملاجتان» (2) .\rوقال المالكية والحنفية: الرضاع المحرم يكون بالقليل والكثير، ولو بالمصة الواحدة، للأدلة الثلاثة التالية:\rأولها ـ عموم قوله تعالى: {وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم} [النساء:23/4] فإنه علَّق التحريم بالإرضاع من غير تقدير بقدر معين، فيعمل به على إطلاقه.\rثانيها ـ حديث «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب» (3) فإنه ربط التحريم بمجرد الرضاع، ويؤكده آثار عن بعض الصحابة، روي عن علي وابن مسعود وابن عباس أنهم قالوا: قليل الرضاع وكثيره سواء.\rثالثها ـ إن الرضاع فعل يتعلق به التحريم، فيستوي قليله وكثيره؛ لأن شأن الشارع إناطة الحكم بالحقيقة مجردة عن شرط التكرار والكثرة، وتتحقق جزئية الرضيع من المرضعة بالقليل والكثير.\rويعمل بهذا الرأي في مصر وليبيا، ويعمل في سورية بالرأي الأول، وهو الراجح، لما فيه من توسعة وتيسير على الناس.\r-------------------------------\r(1) نصب الراية: 218/3.\r(2) روى مسلم الحديث الأول، وروى ابن حبان في صحيحه الحديث الثاني عن عائشة (نصب الراية: 317/3). سبل السلام: 213/3).\r(3) أخرجه البخاري ومسلم من حديث ابن عباس ومن حديث عائشة، ورواه أحمد والترمذي وصححه عن الإمام علي رضي الله عنه بلفظ «إن الله حرَّم من الرضاع ما حَرَّم من النسب» (نصب الراية: 218/3، نيل الأوطار: 217/6-218).","part":10,"page":37},{"id":6225,"text":"المبحث الثالث ـ ما يثبت به الرضاع :\rيثبت الإرضاع بأحد أمرين: الإقرار والبينة (1) .\r1 - أما الإقرار: فهو عند الحنفية اعتراف الرجل والمرأة معاً أو أحدهما بوجود الرضاع المحرم بينهما.\rفإذا أقر الرجل والمرأة بالرضاع قبل الزواج، بأن اعترفا بأنهما أخوان من الرضاع، فلا يحل لهما الإقدام على الزواج، وإن تزوجا كان العقد فاسداً، ولم يجب للمرأة شيء من المهر.\rوإن كان الإقرار بعد الزواج وجب عليهما الافتراق، فإن لم يفترقا اختياراً، فرق القاضي بينهما جبراً؛ لأنه تبين فساد العقد، ويجب للمرأة الأقل من المسمى ومهر المثل.\rب ـ وإذا كان الإقرار من جانب الرجل وحده، كأن يقول: هي أختي أو أمي أو بنتي في الرضاع: فإن كان الإقرار قبل الزواج، فلا يحل له التزوج بها. وإن كان بعد الزواج، وجب عليه أن يفارق المرأة، فإن لم يفارقها اختياراً، وجب على\r-------------------------------\r(1) البدائع: 14/4، القوانين الفقهية: ص 207، مغني المحتاج: 423/3-425، المغني: 558/7-562، الشرح الصغير: 725/2-727.","part":10,"page":38},{"id":6226,"text":"القاضي أن يفرق بينهما جبراً، ويكون للمرأة في التفريق قبل الدخول نصف المهر المسمى، وبعد الدخول يكون لها جميع المهر المسمى، ولها النفقة والسكنى في العدة؛ لأن الإقرار حجة قاصرة على المقر لايتعداه إلى غيره إلا إذا صدقه الغير، أو ثبتت بالبينة صحة الإقرار، ولكن لا يبطل حقها بالمهر والنفقة والسكنى.\rجـ ـ وإذا كان الإقرار من جانب المرأة وحدها: فإن كان قبل الزواج، فلا يحل لها أن تتزوجه، ولكن يحل له أن يتزوجها إذا وقع في قلبه كذبها على المفتى به؛ لأن الطلاق له لا لها، والإقرار حجة قاصرة على المقر، ويحتمل أن يكون إقرارها لغرض خفي في نفسها.\rوإن كان الإقرار منها بعد الزواج، فلا يؤثر الإقرار على صحة الزواج إلا إذا صدقها الزوج فيه.\rويجوز للمقر الرجوع عن إقراره مالم يشهد على إقراره، سواء قبل الزوج أم بعده، بأن يقول: كنت واهماً أو ناسياً، لاحتمال أنه أقر بناء على إخبار غيره، ثم تبين له كذبه. فإن أشهد على إقراره، لم يقبل منه الرجوع بعدئذ، لوجود التناقض بين إقراره ورجوعه.\rويثبت الرضاع عند المالكية بإقرار الزوجين معاً، أو باعتراف أبويهما، أوباعتراف الزوج المكلف وحده ولو بعد العقد؛ لأن المكلف يؤخذ بإقراره، أو باعتراف الزوجة فقط إذا كانت بالغاً قبل العقد عليها، لا إن أقرت بعده، ويفسخ الزواج بينهما في كل هذه الأحوال.\rفإن حصل الفسخ قبل الدخول بها فلا شيء لها، إلا أن يقر الزوج فقط بعد العقد، فأنكرت، فلها نصف المهر (1) .\r-------------------------------\r(1) هذه إحدى المسائل الثلاث المستثنيات من قاعدة، كل عقد فسخ قبل الدخول، لا شيء فيه إلا نكاح الدرهمين، وفرقة المتلاعنين، وفسخ المتراضعين.","part":10,"page":39},{"id":6227,"text":"وإن حدث الفسخ بعد الدخول بها، فلها المهر المسمى جميعه، إلا إذا علمت المرأة بالرضاع قبل الدخول، ولم يعلم هو، فلها ربع دينار بالدخول. وليس لها نفقة ولا سكن .\rويقبل إقرار أحد أبوي صغير، بأن أقر أبوه أو أمه بالرضاع قبل العقد عليه فقط، فلا يصح العقد بعد الإقرار.\rولا يصح الرجوع عن الإقرار، سواء أصر المقر على إقراره أم لم يصر.\rويشترط لصحة الإقرار عند الشافعية رجلان، فلا يثبت بإقرار غيرهما، لاطلاع الرجال عليه غالباً.\rولو قال الرجل: هند بنتي أو أختي برضاع، أو قالت المرأة: هو أخي، حرم تناكحهما، لأنه يؤاخذ كل منهما بإقراره.\rولو قال زوجان: بيننا رضاع محرِّم، فرِّق بينهما، وسقط المهر المسمى، ووجب مهر المثل إن حدث الوطء.\rوإن ادعى الزوج رضاعاً محرِّماً، فأنكرت زوجته ذلك؛ انفسخ النكاح وفرق بينهما، ولها إن وطئ المهر المسمى إن كان صحيحاً، وإلا فمهر المثل، لاستقراره بالدخول. فإن لم يطأ فلها نصف المهر، لورود الفرقة منه، ولا يقبل قوله عليها، وله تحليفها قبل الدخول، وكذا بعد الدخول إن كان المسمى أكثر من مهر المثل. وإن نكلت عن اليمين حلف الزوج ولزمه مهر المثل فقط بعد الوطء، ولا شيء لها عليه قبله.\rوإن ادعت الزوجة الرضاع، فأنكر الزوج ذلك، صدق بيمينه إن زوِّجت برضاها، وإلا بأن زوجت بغيررضاها، فالأصح تصديقها بيمينها. ولها في الحالين مهر مثلها إن وطئت جاهلة بالرضاع. وقال الحنابلة: إن أقر الزوج قبل الدخول بالرضاع المحرِّم، بأن قال: هي أختي من الرضاعة، انفسخ النكاح، كما قال الشافعية. فإن صدقته المرأة فلا مهر لها، وإن كذبته فلها نصف المهر.\rوإن أقرت المرأة بأن زوجها أخوها من الرضاع، فكذبها، لم يقبل قولها في فسخ النكاح؛ لأنه حق عليها، فإن كان قبل الدخول فلا مهر لها؛ لأنها تقر بأنها لاتستحقه.\rوإن كان بعد الدخول، فأقرت بعلمها بالرضاع وبتحريمها عليه، فلا مهر لها أيضاً، لإقرارها بأنها زانية مطاوعة.\rوإن أنكرت شيئاً من ذلك، فلها المهر؛ لأنه وطء بشبهة، وهي زوجته في ظاهر الحكم؛ لأن قولها عليه غير مقبول.","part":10,"page":40},{"id":6228,"text":"2 - وأما البينة: فهي الشهادة، وهي الإخبار في مجلس القضاء بحق الشخص على الغير.\rوقد اتفق فقهاء المذاهب الأربعة على ثبوت الرضاع بشهادة رجلين أو رجل وامرأتين من أهل العدالة.\rواختلفوا في ثبوت الرضاع بشهادة رجل واحد، أو امرأة واحدة، أو أربع من النساء.\rفقال الحنفية: لا تقبل هذه الشهادات، لما روي عن عمر رضي الله عنه أنه قال: «لا يقبل على الرضاع أقل من شاهدين» وكان قوله بمحضر من الصحابة، ولم ينكر أحد، فكان هذا إجماعاً، ولأن الرضاع مما يطلع عليه الرجال، فلا يقبل فيه شهادة النساء على الانفراد، كالشهادة في الدخول. وقال المالكية: لا يثبت الرضاع قبل العقد بشهادة امرأة فقط ولو فشا منها أومن غيرها الرضاع، إلا أم الصغير، فتقبل شهادتها، مع الفشو، ولا يصح العقد معه.\rويثبت الرضاع بشهادة رجل وامرأة أو بشهادة امرأتين إن فشا الرضاع منهما أو من غيرهما بين الناس، قبل العقد. ولا تشترط مع الفشو عدالة على الأرجح. وإنما اشترط لقبول هذه الشهادة: الإظهار قبل الزواج، لإبعاد التهمة عن الشاهد بهذه الشهادة.\rوقال الشافعية: يثبت الرضاع بشهادة أربع نسوة، لاختصاص النساء بالاطلاع عليه غالباً كالولادة، ولا يثبت بدون أربع نسوة، إذ كل امرأتين بمثابة رجل.\rوتقبل شهادة المرضعة مع غيرها، إن لم تطلب أجرة عن رضاعها، ولا ذكرت فعلها، بل شهدت أن بينهما رضاعاً محرِّماً؛ لأنها لا تريد بهذه الشهادة نفعاً ولا تدفع ضرراً. أما إذا طلبت الأجرة فلا تقبل شهادتها؛ لأنها متهمة.\rوتقبل شهادة أم الزوجة وبنتها مع غيرهما حسبة بلا تقدم دعوى، ومن المتفق عليه أن الرضاع مما تقبل فيه شهادة الحسبة، فلا تتوقف على الدعوى، لأنه يتضمن الحرمة، وهي من حقوق الله تعالى، كما تقبل الشهادة على الطلاق حسبة دون تقدم دعوى.","part":10,"page":41},{"id":6229,"text":"الفَصْلُ الثَّالث: الحَضانة أو كَفالة الطّفل\rيتضمن ستة مباحث هي:\rالأول ـ معنى الحضانة وحكمها وصاحب الحق فيها.\rالثاني ـ ترتيب درجات الحواضن أو مستحقي الحضانة من النساء والرجال.\rالثالث ـ شروط استحقاق الحضانة أو شروط المحضون والحاضنة.\rالرابع ـ أجرة الحضانة وتوابعها من السكنى والخدمة.\rالخامس ـ مكان الحضانة والانتقال بالصغير إلى بلد آخر، وحق غير الحاضنة بزيارته.\rالسادس ـ مدة الحضانة، وما يترتب على انتهائها من ضم الولد لأبيه.\rوبحثها يأتي تباعاً على الترتيب المذكور.\rالمبحث الأول ـ معنى الحضانة وحكمها وصاحب الحق فيها :\rمعنى الحضانة: الحضانة لغة مأخوذة من الحِِضن: وهو الجنب، وهي الضم إلى الجنب. وشرعاً: هي تربية الولد لمن له حق الحضانة. أو هي تربية وحفظ من لا يستقل بأمور نفسه عما يؤذيه لعدم تمييزه، كطفل وكبير مجنون. وذلك برعاية شؤونه وتدبير طعامه وملبسه ونومه، وتنظيفه","part":10,"page":42},{"id":6230,"text":"وغسله وغسل ثيابه في سن معينة ونحوها (1) .\rوالحضانة نوع ولاية وسلطنة، لكن الإناث أليق بها؛ لأنهن أشفق وأهدى إلى التربية، وأصبر على القيام بها، وأشد ملازمة للأطفال. فإذا بلغ الطفل سناً معينة، كان الحق في تربيته للرجل؛ لأنه أقدر على حمايته وصيانته وتربيته من النساء.\rوحكمها: أنها واجبة؛ لأن المحضون يهلك بتركها، فوجب حفظه من الهلاك، كما يجب الإنفاق عليه وإنجاؤه من المهالك (2) .\rوتتطلب الحضانة الحكمة واليقظة والانتباه والصبر والخلق الجم، حتى إنه يكره للإنسان أن يدعو على ولد أثناء تربيته، كما يكره أن يدعو على نفسه وخادمه وماله (3) ، لقوله صلّى الله عليه وسلم : «لا تدعوا على أنفسكم، ولا تدعوا على أولادكم، ولا تدعوا على خدمكم، ولا تدعوا على أموالكم، لا توافقوا من الله ساعة يسأل فيها عطاء، فيستجيب له» (4) ، وروى أبو موسى عن ابن عباس: «أن أوس بن عبادة الأنصاري دخل على النبي صلّى الله عليه وسلم ، فقال: يا رسول الله ، إن لي بنات، وأنا أدعو عليهن بالموت، فقال: يا ابن ساعدة، لا تدعو عليهن، فإن البركة في البنات، هن المجملات عند النعمة، والمعينات عند المصيبة، والممرضات عند الشدة، ثقلهن على الأرض، ورزقهن على الله » (5) .\r-------------------------------\r(1) البدائع: 40/4، الشرح الصغير: 756/2، مغني المحتاج: 452/3، كشاف القناع: 576/5. (2) المغني: 612/7، غاية المنتهى: 249/3، كشاف القناع: 576/5.\r(3) مغني المحتاج: 464/3.\r(4) رواه مسلم في كتابه، وأبو داود عن جابر بن عبد الله .\r(5) ذكره في مغني المحتاج: 464/3.","part":10,"page":43},{"id":6231,"text":"وأما صاحب الحق في الحضانة: فمختلف فيه بين الفقهاء (1) ، فقيل: إن الحضانة حق للحاضن، وهو رأي الحنفية، والمالكية على المشهور وغيرهم؛ لأن له أن يسقط حقه ولو بغير عوض، ولو كانت الحضانة حقاً لغيره لما سقطت بإسقاطه.\rوقيل: إنها حق للمحضون، فلو أسقطها هو سقطت.\rوالظاهر لدى العلماء المحققين أن الحضانة تتعلق بها ثلاثة حقوق معاً: حق الحاضنة، وحق المحضون، وحق الأب أو من يقوم مقامه، فإن أمكن التوفيق بين هذه الحقوق وجب المصير إليه، وإن تعارضت، قدم حق المحضون على غيره. وتفرع عن ذلك الأحكام الآتية (2) :\r1ً - تجبر الحاضنة على الحضانة إذا تعينت عليها، بأن لم يوجد غيرها.\r2ً - لا تجبر الحاضنة على الحضانة إذا لم تتعين عليها؛ لأن الحضانة حقها، ولا ضرر على الصغير لوجود غيرها من المحارم.\r3ً - إذا اختلعت المرأة من زوجها على أن تترك ولدها عند الزوج، فالخلع عند الحنفية صحيح والشرط باطل؛ لأن هذا حق الولد، أن يكون عند أمه ما دام محتاجاً إليها.\r4ً - لا يصح للأب أن يأخذ الطفل من صاحبة الحق في الحضانة، ويعطيه لغيرها إلا لمسوغ شرعي.\r5ً - إذا كانت المرضعة غير الحاضنة للولد، فعليها إرضاعه عندها كما تقدم؛ حتى لا يفوت حقها في الحضانة.\rالمبحث الثاني ـ ترتيب درجات الحواضن أو مستحقي الحضانة :\rقدم الفقهاء الحواضن بعضهن على بعض بحسب مصلحة المحضون، فجعلوا الإناث أليق بالحضانة؛ لأنهن أشفق، وأهدى إلى التربية، وأصبر على القيام بها، وأشد ملازمة للأطفال، كما تقدم، ثم قدموا في الجنس الواحد من كان أشفق وأقرب، ثم الرجال العصبات المحارم، واختلفوا أحياناً في ترتيب الدرجات بحسب ملاحظة المصلحة، على النحو التالي علماً بأن مستحقي الحضانة إما إناث فقط، وإما ذكور فقط، وإما الفريقان، وذلك في سن معينة، فإذا انتهت تلك السن، كان الرجال أقدر على تربية الطفل من النساء (3) .\rأولاً ـ من النساء :\r1 - الأم أحق بحضانة الولد بعد الفرقة بطلاق أو وفاة بالإجماع لوفور شفقتها، إلا أن تكون مرتدة أو فاجرة فجوراً يضيع الولد به كزنا وغناء وسرقة ونياحة، أو غير مأمونة، بأن تخرج كل وقت، وتترك الولد ضائعاً.\rودليل تقديم الأم من السنة: ما روي أن امرأة جاءت إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلم ، فقالت له: يا رسول الله ، إن ابني هذا كان بطني له وعاءً، وثديي له سقاءً،\r-------------------------------\r(1) الدر المختار ورد المحتار: 871/2، 875، القوانين الفقهية: ص 225، الشرح الصغير: 763/2.\r(2) الأحوال الشخصية للأستاذ الشيخ عبد الرحمن تاج: ص 457، وللأستاذ الشيخ زكي الدين شعبان: ص 614.\r(3) البدائع: 41/4-44، الدر المختار: 871/2 وما بعدها، 877 وما بعدها، فتح القدير: 313/3-318، الكتاب مع اللباب: 101/3-103، القوانين الفقهية: ص 224، الشرح الصغير: 756/2 وما بعدها، المهذب: 169/2-171، مغني المحتاج: 452/3-454، كشاف القناع: 576/5 وما بعدها، غاية المنتهى: 249/3، المغني: 613/7، 619-624.","part":10,"page":44},{"id":6232,"text":"وحِجري له حواء (1) ، وإن أباه طلّقني وأراد أن ينتزعه مني، فقال: «أنت أحق به ما لم تنكحي» (2) وقال صلّى الله عليه وسلم : «من فرَّق بين والدة وولدها، فرق الله بينه وبين أحبته يوم القيامة» (3) .\rوروي أن عمر بن الخطاب طلَّق زوجته أم عاصم، ثم أتى عليها وفي حِجرها عاصم، فأراد أن يأخذه منها، فتجاذباه بينهما حتى بكى الغلام، فانطلق إلى أبي بكر رضي الله عنهم، فقال له أبو بكر: «مسحها وحجرها وريحها خير له منك، حتى يشب الصبي فيختار لنفسه» (4) .\r2 - ثم أم الأم (الجدة الأم) لمشاركتها الأم في الإرث والولادة، ثم عند الحنفية، والشافعية في الجديد: أم الأب، لمشاركتها أم الأم في المعنى السابق، ثم أم أبي الأب، ثم أم أبي الجد للمعنى نفسه. وأخَّر المالكية أم الأب بعد الخالة وعمة الأم.\rوقدم الحنابلة الأب ثم أمهاته بعد الجدة لأم، ثم الجد، ثم أمهاته.\r3 - ثم الأخت عند الحنفية والشافعية والحنابلة ـ أخت المحضون الشقيقة، ثم عند الحنفية والحنابلة والمالكية الأخت لأم؛ لأن الحق من قبلها، ثم الأخت لأب، وعكس الشافعية فقدموا في الأصح الأخت لأب على الأخت لأم، لاشتراكها مع المحضون في النسب، ولقوة إرثها، فإنها قد تصير عصبة، ثم بنات الأخت الشقيقة، ثم لأم.\r-------------------------------\r(1) الحواء: المكان الذي يضم الشيء ويجمعه.\r(2) رواه أبو داود والبيهقي والحاكم وصحح إسناده.\r(3) رواه أحمد والترمذي والحاكم عن أبي أيوب وهو صحيح.\r(4) رواه ابن أبي شيبة.","part":10,"page":45},{"id":6233,"text":"والسبب في تقديم الأخوات عند الجمهور هؤلاء على الخالات والعمات: أنهن أقرب، وأنهن أولاد الأبوين، لذا قدمن في الميراث.\rوقدم المالكية الخالة، ثم الجدة لأب وإن علت، ثم أبو المحضون على الأخت ـ أخت المحضون.\r4 - ثم الخالة عند الحنفية والشافعية والحنابلة ـ خالة المحضون الشقيقة، ثم عند الحنفية والحنابلة والمالكية خالة لأم، ثم خالة لأب؛ لأن الشأن أن من كان من جهة الأم أشفق ممن كان من جهة الأب فقط. والأصح عند الشافعية تقديم خالة لأب، وعمة لأب على من كان من جهة الأم، لقوة الجهة كالأخت.\rوقدم المالكية كما سبق الخالة ثم الجدة لأب وإن علت على الأخت.\r5 - ثم بنات الأخت، ثم بنات الأخ في رأي الحنفية والشافعية، فالصحيح عندهم أن الخالة أولى من بنات الأخت أو الأخ؛ لأن بنت الأخ تدلي بقرابة الذكر، والخالة تدلي بقرابة الأم، فكانت الخالة أولى. وبنت الأخ أولى من العمة؛ لأن بنت الأخ أقرب، لأنها ولد الأب، والعمة ولد الجد، فكانت بنت الأخ أقرب، فكانت أولى، وذلك كما يقدم ابن الأخ في الميراث على العم.\rورأى المالكية والحنابلة أن العمة مقدمة على ابنة الأخ.\r6 - ثم العمة اتفاقاً ـ عمةالمحضون، ثم عمة أبيه وهي أخت جد المحضون.\rوالحاصل أن ترتيب الحواضن من النساء في المذاهب كما يأتي:\rأ ـ الحنفية: الأم، ثم أم الأم ثم أم الأب، ثم الأخوات، ثم الخالات، ثم بنات الأخت ثم بنات الأخ، ثم العمات، ثم العصبات بترتيب الإرث. ب ـ المالكية: الأم، ثم الجدة لأم، ثم الخالة، ثم الجدة لأب وإن علت، ثم الأخت، ثم العمة، ثم ابنة الأخ، ثم للوصي، ثم للأفضل من العصبة كما سيأتي:\rجـ ـ الشافعية: الأم، ثم أم الأم، ثم أم الأب، ثم الأخوات، ثم الخالات ثم بنات الأخ وبنات الأخت، ثم العمات، ثم لكل ذي محرم وارث من العصبات على ترتيب الإرث، فهم كالحنفية.","part":10,"page":46},{"id":6234,"text":"د ـ الحنابلة: الأم، ثم أم الأم، ثم أم الأب، ثم الجد ثم أمهاته، ثم أخت لأبوين، ثم لأم، ثم لأب، ثم خالة لأبوين ثم لأم ثم لأب، ثم عمة، ثم خالة أم، ثم خالة أب، ثم عمته، ثم بنت أخ، ثم بنت عم أب، ثم باقي العصبة الأقرب فالأقرب.\rموقف القانون: أخذ القانون السوري (م 1/139) برأي الحنفية:\r1 - حق الحضانة للأم فلأمها وإن علت، فلأم الأب وإن علت، فللأخت الشقيقة، فللأخت لأم، فللأخت لأب، فلبنت الشقيقة، فبنت الأخت لأم، فبنت الأخت لأب، فللخالات، فللعمات بهذا الترتيب، ثم للعصبات من الذكور على ترتيب الإرث.\rثانياً ـ من الرجال :\rإن لم يكن للمحضون أحد من النساء المذكورات، انتقلت الحضانة إلى الرجال على ترتيب العصبات الوارثين المحارم: الآباء والأجداد وإن علوا، ثم الإخوة وأبناؤهم وإن نزلوا، فالأعمام ثم بنوهم عند الحنفية وغيرهم على الصحيح عند الشافعية. ولكن لا تسلم مشتهاة لذكر وارث غير محرم للمحضون كابن العم، فلا حق له في حضانة البنت المشتهاة اتفاقاً تحرزاً من الفتنة، وله حضانة الطفل.\rثم إذا لم يكن للصغير عصبة من الرجال، انتقلت الحضانة عند الحنفية لذوي أرحام، فتكون للأخ لأم، ثم لابنه، ثم للعم لأم، ثم للخال الشقيق ثم لأم؛ لأن لهؤلاء ولاية في النكاح، فيكون لهم حق الحضانة. لكن لم يأخذ قانوننا السوري بهذا الرأي، واقتصر على العصبات دون ذوي الأرحام.\rورأى الحنفية أنه إذا اجتمع اثنان في درجة واحدة من القرابة كعمين، قدم الأورع، ثم الأسن غير الفاسق والمعتوه وابن عم لفتاة مشتهاة وهو غير مأمون.\rوقال المالكية: إن لم يكن واحد من الإناث السابقات تنتقل الحضانة للوصي، ثم للأخ الشقيق أو لأم أو لأب، ثم للجد لأب الأقرب فالأقرب ثم ابن الأخ المحضون، ثم العم فابنه. ولا حضانة لجد لأم ولا خال، ثم المولى الأعلى: وهو من أعتق المحضون، فعصبته نسباً، فمواليه، فالأسفل: وهو من أعتقه والد المحضون.","part":10,"page":47},{"id":6235,"text":"ويقدم في المتساوين درجة كأختين وخالتين وعمتين بالصيانة والشفقة، فإن تساويا فالأسن.\rوقال الشافعية: إن استوى اثنان في القرابة والإدلاء كالأخوين أو الأختين أو الخالتين أوا لعمتين، أقرع بينهما؛ لأنه لا يمكن اجتماعهما على الحضانة، ولا مزية لإحداهما على الأخرى، فوجب التقديم بالقرعة.\rوالأصح أنه إن عدم أهل الحضانة من العصبات والنساء، وللمحضون أقارب من رجال ذوي الأرحام ومن يدلي بهم، كالخال وأبي أم، فلا حضانة لهم، لفقد الإرث والمحرمية، أو لضعف القرابة، فلا حضانة لمن لا يرث من الرجال من ذوي الأرحام وهم ابن البنت وابن الأخت وابن الأخ من الأم وأبو الأم، والخال، والعم من الأم؛ لأن الحضانة لمن له قوة قرابة بالميراث من الرجال، وهذا لا يوجد في ذوي الأرحام من الرجال.\rورأى الحنابلة كالحنفية أن الحضانة عند فقد العصبات تثبت لذوي الأرحام الذكور والإناث، وأولاهم أبو أم، فأمهاته، فأخ لأم، فخال، ثم الحاكم يسلم المحضون لثقة يختاره.\rتعدد أصحاب الحق: تبين مما اتفقت عليه المذاهب أنه إذا تعدد مستحقو الحضانة من درجة واحدة كإخوة أو أعمام، كان أولاهم بها أصلحهم للحضانة قدرة وخلقاً، فإن تساووا قدّم أكبرهم سناً، وقد نصت المادة (140) من القانون السوري على أنه: إذا تعدد أصحاب حق الحضانة، فللقاضي حق اختيار الأصلح.\rمهمة الحاضنة والأب: على الأب رعاية المحضون وتأديبه وتعليمه العلم أو الحرفة، أما الأنثى فلا تؤجر في عمل أو خدمة؛ لأن المستأجر يخلو بها، وذلك سيء في الشرع (1) .\rوللحاضنة أماً أو غيرها قبض نفقة المحضون وكسوته وما يحتاج إليه من أبيه في أوقات منتظمة يومياً أوأسبوعياً أو شهرياً، بحسب اجتهاد الحاكم ومراعاة حال الأب. وليس للأب أن يقول للحاضنة: ابعثيه ليأكل عندي، ثم يعود لكِ، لما فيه من الضرر بالطفل، والإخلال بصيانته، وليس لها موافقته على طلبه (2) .\r-------------------------------\r(1) الدر المختار وحاشية ابن عابدين: 883/2.\r(2) الشرح الصغير: 764/2.","part":10,"page":48},{"id":6236,"text":"المبحث الثالث ـ شروط استحقاق الحضانة، أو شروط المحضون والحاضنة :\rشروط المحضون: المحضون: هو من لا يستقل بأمور نفسه عما يؤذيه لعدم تمييزه كطفل، وكبير مجنون أو معتوه، فلا تثبت الحضانة إلا على الطفل أو المعتوه. أما البالغ الرشيد فلا حضانة عليه، وهو الذي يختار الإقامة عند من شاء من أبويه. فإن كان البالغ رجلاً، فله الانفراد بنفسه لاستغنائه عن أبويه، ويستحب ألا ينفرد عنهما، ولا يقطع بره عنهما. وإن كان أنثى لم يكن لها الانفراد، ولأبيها منعها منه؛ لأنه لا يؤمن أن يدخل عليها من يؤذيها ويلحق العار بها وبأهلها، وإن لم يكن لها أب، فلوليها وأهلها منعها من الانفراد (1) .\rشروط الحواضن: أنواع ثلاثة: شروط عامة في النساء والرجال، وشروط خاصة بالنساء، وشروط خاصة بالرجال، وبعضها متفق عليه كالحرية والعقل والبلوغ والقدرة والأمانة وعدم كون الأنثى متزوجة بأجنبي عن الصغير، وكون الحاضن ذات رحم من الصغير، وبعضها مختلف فيه كالرشد والإسلام (2) .\rالنوع الأول ـ الشروط العامة في النساء والرجال :\rيشترط في الحاضن من النساء والرجال ما يأتي:\r1ً - البلوغ: فلا حضانة للصغير ولو كان مميزاً؛ لأنه عاجز عن رعاية شؤون نفسه.\r2ً - العقل: فلا حضانة للمجنون والمعتوه؛ لأنهما في حاجة إلى من يرعى شؤونهما، فلا يحسن الواحد منهما القيام بمصالحه، فضلاً عن غيره.\r-------------------------------\r(1) القوانين الفقهية: ص 225، المهذب: 169/2، مغني المحتاج: 452/3، كشاف القناع: 576/5، 581، المغني: 614/7.\r(2) البدائع: 41/4-42، الدر المختار وابن عابدين: 871/2-874، 879، 880، الشرح الصغير: 758/2-762، مغني المحتاج: 454/3-456، 259، غاية المنتهى: 249/3 وما بعدها، كشاف القناع: 579/5 وما بعدها، المهذب: 169/2، بداية المجتهد: 56/2.","part":10,"page":49},{"id":6237,"text":"واشترط المالكية الرشد، فلا حضانة لسفيه مبذر، لئلا يتلف مال المحضون أو ينفق عليه منه ما لا يليق.\rوشرطوا أيضاً مع الحنابلة عدم المرض المنفر كالجذام والبرص، فلا حضانة لمن به شيء من المنفرات.\r3ً - القدرة على تربية المحضون: وهي الاستطاعة على صون الصغير في خلقه وصحته، فلا حضانة للعاجز لكبر سن أو مرض أو شغل. فالمرأة المحترفة أو العاملة إن كان عملها يمنعها من تربية الصغير والعناية بأمره، لا تكون أهلاً للحضانة. وإن كان عملها لا يحول دون رعاية الصغير وتدبير شؤونه، لا يسقط حقها في الحضانة. وقد جرى العمل في مصر على أن الطبيبات والمعلمات ونحوهن، لا يسقط حقهن في الحضانة؛ لأن الواحدة منهن تستطيع إدارة أمر الطفل بنفسها وبالتعاون مع قريبتها أو النائبة عنها.\rوقد نصت المادة (137) من القانون السوري على الشروط السابقة: يشترط لأهلية الحضانة البلوغ والعقل والقدرة على صيانة الولد صحة وخلقاً.\rونص القانون السوري (م 2/139) على أنه: لا يسقط حق الحاضنة بحضانة أولادها بسبب عملها إذا كانت تؤمن رعايتهم والعناية بهم بطريقة مقبولة.\rويعد الأعمى عاجزاً عن الحضانة لعدم تحقق المقصود به.\r4ً - الأمانة على الأخلاق: فلا حضانة لغير أمين على تربية الولد وتقويم أخلاقه، كالفاسق رجلاً أو امرأة من سكير أو مشتهر بالزنا أو اللهو الحرام. لكن قيد ابن عابدين الفسق المانع من حضانة الأم بكونه فسقاً يضيع به الولد، فيكون لها حق الحضانة ولو كانت معروفة بالفجور، ما لم يصبح الولد في سن يعقل فيها فجور أمه، فينتزع منها، صوناً لأخلاقه من الفساد؛ لأنها غير أمينة. أما الرجل الفاسق العصبة فلا حضانة له.\rواشترط المالكية أمن المكان: فلا حضانة لمن بيته مأوى للفساق، أو بجوارهم بحيث يخاف على البنت المشتهاة منهم الفساد، أوسرقة مال المحضون أو غصبه.","part":10,"page":50},{"id":6238,"text":"5ً - الإسلام شرط عند الشافعية والحنابلة: فلا حضانة لكافر على مسلم؛ إذ لا ولاية له عليه، ولأنه ربما فتنه عن دينه. ولم يشترط الحنفية والمالكية إسلام الحاضنة، فيصح كون الحاضنة كتابية أو غير كتابية، سواء أكانت أماً أم غيرها؛ لأنه صلّى الله عليه وسلم خيَّر غلاماً بين أبيه المسلم وأمه المشركة، فمال إلى الأم، فقال النبي صلّى الله عليه وسلم : «اللهم اهده، فعدل إلى أبيه» (1) ، ولأن مناط الحضانة الشفقة وهي لا تختلف باختلاف الدين.\rلكن اختلف هؤلاء في مدة بقاء المحضون عند الحاضنة غير المسلمة:\rفقال الحنفية: إنه يبقى عندها إلى أن يعقل الأديان، ببلوغه سن السابعة، أو يتضح أن في بقائه معها خطراً على دينه، بأن بدأت تعلمه أمور دينها أو تذهب به إلى معابدها، أو تعودِّه على شرب الخمر، وأكل لحم الخنزير. وهذا هو المعمول به في محاكم مصر.\rوقال المالكية: إنه يبقى مع الحاضنة إلى انتهاء مدة الحضانة شرعاً، ولكنها تمنع من تغذيته بالخمر ولحم الخنزير، فإن خشينا أن تفعل الحرام أعطي حق الرقابة إلى أحد المسلمين، ليحفظ الولد من الفساد.\rواختلفوا أيضاً في إسلام الحاضن:\rرأى الحنفية: أنه يشترط إسلام الحاضن واتحاد الدين، بخلاف الحاضنة؛ لأن الحضانة نوع من الولاية على النفس، ولا ولاية مع اختلاف الدين، ولأن حق الحضانة عندهم مبني على الميراث، ولا ميراث بالتعصيب للرجال مع اختلاف الدين، فلو كان الطفل مسيحياً أو يهودياً، وله أخوان، أحدهما مسلم والآخر غير مسلم، كان حق الحضانة لغير المسلم.\rورأى المالكية: أنه لا يشترط إسلام الحاضن أيضاً كالحاضنة؛ لأن حق الحضانة للرجل لا يثبت عندهم إلا إذا كان عنده من النساء من يصلح للحضانة كزوجة أو أم أو خالة أو عمة، فالحضانة في الحقيقة حق للمرأة.\r-------------------------------\r(1) رواه أبو داود وغيره، وأجيب عنه من قبل الفريق الأول بأنه منسوخ أو محمول على أنه صلّى الله عليه وسلم عرف أنه يستجاب دعاؤه، وأنه يختار الأب المسلم. وقصده بتخييره استمالة قلب أمه.","part":10,"page":51},{"id":6239,"text":"النوع الثاني ـ شروط أخرى في النساء :\rيشترط في المرأة أيضاً ما يأتي:\r1ً - ألا تكون متزوجة بأجنبي عن الصغير أو بقريب غير محرم منه: وهو متفق عليه للحديث السابق: «أنت أحق به ما لم تنكحي» ولأنه يعامل الصغير بقسوة وكراهية، ولأنها مشغولة عنه بحق الزوج.\rفإن كانت متزوجة بقريب محرم للمحضون كعمه وابن عمه وابن أخيه، فلا يسقط حقها في الحضانة، لأن من تزوجته له حق في الحضانة، وشفقته تحمله على رعايته، فيتعاونان على كفالته. وقد نصت المادة (138) من القانون السوري على ذلك: زواج الحاضنة بغير قريب محرم من المحضون يسقط حضانتها.\r2ً - أن تكون ذات رحم محرم من الصغير كأمه وأخته وجدته: فلا حضانة لبنات العم أوالعمة، ولا لبنات الخال أو الخالة بالنسبة إلى الصبي، لعدم المحرمية، ولهن عند الحنفية الحق في حضانة الأنثى.\r3ً - ألا تكون قد امتنعت من حضانته مجاناً والأب معسر لا يستطيع دفع أجرة الحضانة. فإن كان الأب معسراً وقبلت قريبة أخرى تربيته مجاناً، سقط حق الأولى في الحضانة. وهذا شرط عند الحنفية.\r4ً - ألا تقيم الحاضنة بالصغير في بيت يبغضه ويكرهه، ولو كان قريباً له؛ لأن سكناها مع المبغض يعرضه للأذى والضياع. فلا حضانة للجدة إذا سكنت مع بنتها أم الطفل إذا تزوجت، إلا إذا انفردت بالسكنى عنها. وهذا شرط عند المالكية، واشترطوا أيضاً ألا يسافر ولي المحضون أو الحاضنة ستة برُد فأكثر، فإن أراد أحدهما السفر أخذ المحضون من حاضنته، كما سيأتي، إلا أن تسافر معه.\rوشرط الشافعية والحنابلة أنه إذا كان المحضون رضيعاً: أن ترضعه الحاضنة، فإن لم يكن لها لبن، أو امتنعت من الإرضاع، فلا حضانة لها؛ لأن في تكليف الأب استئجار مرضعة تترك منزلها، وتنتقل إلى مسكن الحاضنة عسراً عليه، فلا يكلف ذلك.","part":10,"page":52},{"id":6240,"text":"النوع الثالث - شروط خاصة بالرجال :\rيشترط في الرجل الحاضن أيضاً مايأتي:\r1ً - أن يكون مَحْرماً للمحضون إذا كان أنثى مشتهاة: وهي التي حدد الحنابلة والحنفية سنها بسبع، حذراً من الخلوة بها، لانتفاء المحرمية بينهما، وإن لم تبلغ حد الشهوة أعطيت له بالاتفاق؛ لأنه لا فتنة. فلا يكون لابن العم حضانة ابنة عمه المشتهاة. وأجاز الحنفية إذا لم يكن للبنت عصبة غير ابن عمها إبقاءها عنده بأمر القاضي إذا كان مأموناً عليها، ولا يخشى عليها الفتنة منه.\rوكذلك أجاز الحنابلة تسليمها لغير محرم ثقة إذا تعذر غيره. وأجاز الشافعية تسليمها لغير محرم إن رافقته بنته أو نحوها كأخته الثقة، وتسلم لها لا له، إن لم تكن في رحله، كما لو كان في الحضر، أما لو كانت بنته أو نحوها في رحله، فإنها تسلم إليه، فتؤمن الخلوة.\r2ً - أن يكون عند الحاضن من أب أو غيره من يصلح للحضانة من النساء كزوجة أو أم أو خالة أو عمة؛ إذ لا قدرة ولا صبر للرجال على أحوال الأطفال كما للنساء. فإن لم يكن عند الرجل من يحضن من النساء فلا حق له في الحضانة. وهذا شرط عند المالكية.\rواشترط المالكية أيضاً ألا يسافر عن المحضون ولي المحضون أو تسافر الحاضنة سفر نُقْلة، ستة بُرُد (1) فأكثر، فإن أراد الولي أو الحاضنة السفر المذكور، كان له أخذ المحضون من حاضنته إلا أن تسافر معه، بشرط كون السفر لموضع مأمون وأمن الطريق، وهو شرط يقيد شروط الحضانة للنساء.\r-------------------------------\r(1) البريد العربي: 12 ميلاً أو أربعة فراسخ، وتساوي 22176 م، والميل 1848 م، والستة برد 133 كم.","part":10,"page":53},{"id":6241,"text":"ما يتبع شروط الحضانة من أمور :\rأولاً ـ سقوط الحضانة: تسقط الحضانة بأربعة أسباب عند المالكية، وافقهم في أغلبها غيرهم.\r1ً - سفر الحاضن سفر نقلة وانقطاع إلى مكان بعيد، وهو مقدار ستة بُرُد فأكثر، كما تقدم، فلو سافر ولي المحضون أو سافرت الحاضنة ستة برد فأكثر لا أقل منها، فللولي أخذ المحضون، وتسقط حضانة الحاضنة إلا أن تسافر معه. وقال الحنفية: يسقط الحق في الحضانة إذا سافرت الأم المطلقة إلى بلد بعيد لا يستطيع فيه الأب زيارة ولده في نهار يرجع فيه إلى بيته ويبيت فيه، وأما غير الأم فتسقط حضانتها بمجرد الانتقال. وقال الشافعية: يسقط الحق بالحضانة بالسفر لمكان مخوف أو بقصد النقلة، سواء أكان طويلاً أم قصيراً. وقال الحنابلة: يسقط الحق بالحضانة بالسفر لبلد يبعد بمقدار مسافة القصر فأكثر.\r2ً - ضرر في بدن الحاضن كالجنون والجذام والبرص. وافقهم فيه الحنابلة.\r3ً - الفسق أو قلة دينه من الحضانة، بأن كان غير مأمون على الولد؛ لعدم تحقق المصلحة المقصودة من الحضانة، وهذا متفق عليه. وقد نصت المادة (3/147) على أنه: «إذا ثبت أن الولي ـ ولو أباً ـ غير مأمون على الصغير أو الصغيرة، يسلمان إلى من يليه في الولاية، وذلك دون إخلال بحكم الفقرة الأولى من هذه المادة» .\rوأما نص الفقرة الأولى من هذه المادة فهو: «إذا كان الولي غير الأب، فللقاضي وضع الولد ذكراً أو أنثى عند الأصلح من الأم أو الولي أو من يقوم مقامهما، حتى تتزوج البنت أو تبلغ أو يبلغ الصبي سن الرشد» .\r4ً - تزوج الحاضنة ودخولها، إلا أن تكون جدة الطفل زوجاً لجده أو تتزوج الأم عماً له، فلا تسقط؛ لأن الجد أو العم مَحْرم للصغير. وهذا متفق عليه، كما تقدم. وكذا تسقط الحضانة عند الشافعية والحنابلة بالكفر، كما تسقط بالاتفاق بالجنون أو العته (1) .\rثانياً ـ عودة الحق في الحضانة :\rإذا سقطت الحضانة لمانع من الموانع، ثم زال المانع، فهل تعود الحضانة؟ للفقهاء رأيان (2) :\r-------------------------------\r(1) القوانين الفقهية: ص 224، الشرح الصغير: 759/2 وما بعدها، المقدمات الممهدات: 569/1 وما بعدها، الدر المختار ورد المحتار: 880/2، 884، مغني المحتاج: 456/3-458، كشاف القناع: 579/5 وما بعدها، المغني: 618/7.\r(2) الدر المختار: 880/2، الشرح الصغير: 763/2 وما بعدها، مغني المحتاج: 456/3، كشاف القناع: 580/5.","part":10,"page":54},{"id":6242,"text":"قال المالكية في المشهور: إذا سقطت حضانة الحاضنة لعذر كمرض وخوف مكان، وسفر ولي بالمحضون سفر نقلة، وسفرها لأداء فريضة الحج، ثم زال العذر بشفائها من المرض، وتحقق الأمن، والعودة من السفر الاضطراري، عادت الحضانة إليها؛ لأن المانع من الحضانة هو العذر الاضطراري، وقد زال، وإذا زال المانع عاد الممنوع.\rأما إن تزوجت الحاضنة بأجنبي غير محرم ودخل بها، أو سافرت باختيارها لا لعذر، ثم تأيمت بأن فارقها الزوج بطلاق أو فسخ نكاح أو وفاة، أو عادت من السفر الاختياري، فلا تعود إليها الحضانة بعد زوال المانع؛ لأن سقوط الحضانة كان باختيارها، فلا تعذر.\rوقال الجمهور (الحنفية والشافعية والحنابلة): إذا سقطت الحضانة لمانع، ثم زال المانع، عادت الحضانة إلى صاحبها، سواء أكان اضطرارياً كالمرض، أم\rاختيارياً كالزواج والسفر والفسق، لزوال المانع. لكن ذلك عند الحنفية في الحال بالنسبة للبائن ولو قبل انقضاء العدة، أما الرجعية فلا بد من انقضاء العدة فيها.\rوذكر الشافعية أن المطلَّقة تستحق الحضانة في الحال قبل انقضاء العدة على المذهب، بشرط رضا الزوج بدخول المحضون بيته إن كان له، فإن لم يرض لم تستحق.\rوقرر الحنابلة استحقاق المطلقة الحضانة، ولو كان الطلاق رجعياً، ولو لم تنقض العدة.\rوقد نصت المادة (141) من القانون السوري على أنه: «يعود حق الحضانة إذا زال سبب سقوطه» .","part":10,"page":55},{"id":6243,"text":"ثالثاً ـ هل تجبر الأم على الحضانة؟\rهذا بحث مفرع عن الحضانة، هل هي حق الحاضنة أو حق الولد (1) ؟\rالمفتى به عند الحنفية أن الأم وغيرها لا تجبر على الحضانة إذا امتنعت، كما لا تجبر على الإرضاع، إلا إذا تعينت لهما، بأن لم يأخذ ثدي غيرها أو لم يكن للأب ولا للصغير مال، أو لم يوجد غيرها للحضانة. وهذا قول الشافعية والحنابلة، والمالكية أيضاً على المشهور عندهم، وبناء عليه: للأم إسقاط حقها في الحضانة، وإذا أرادت العود لا حق لها عند المالكية.\rوتجبر الأم إذا لم يكن للصغير ذو رحم محرم، كيلا يضيع الولد.\rوقيل: إنها تجبر على الحضانة مطلقاً، ولهذا لاتملك إسقاطها بالخلع، فلو خالعت الزوج على أن تترك له حق الحضانة، أو اشترط الزوج ترك الولد عنده، فالخلع صحيح عند الحنفية والشرط باطل، ولحاضنته أخذها منه، وهذا ما نصت عليه المادة (103) من القانون السوري، كما تقدم في بحث الخلع.\rرابعاً ـ سكوت صاحب الحق في الحضانة عن طلبها :\rقال المالكية (2) : إذا سكت صاحب الحق في الحضانة عن طلبها، يسقط حقه بالشروط الآتية:\r1ً - أن يعلم بحقه في الحضانة: فإن كان لا يعلم بحقه وسكت عن طلب الحضانة لا يسقط حقه، مهما طالت مدة سكوته.\r2ً - أن يعلم أن سكوته يسقط حقه في الحضانة: فإن كان يجهل ذلك فلا يبطل حقه فيها بالسكوت؛ لأن هذا أمر فرعي يعذر الناس بجهله.\r3ً - أن تمضي سنة من تاريخ علمه باستحقاقه الحضانة: فلو مضى على علمه أقل من سنة وهو ساكت، ثم طلبها قبل مضي العام، قضي له باستحقاقها.\rفإذا تزوجت الحاضنة بأجنبي ودخل بها، ولم يعلم بالزواج من انتقلت الحضانة له حتى فارقها زوجها بطلاق أو وفاة، استمرت الحضانة لها. وكذا إن علم بزواجها وسكت عن أخذ الولد عاماً، حتى فارقها زوجها، لم ينزعه منها، وبقي معها؛ لأن سكوته حتى مضت سنة، يسقط حقه بطلب الحضانة.\r-------------------------------\r(1) الدر المختار وحاشية ابن عابدين: 875/2، الشرح الصغير: 763/2، مغني المحتاج: 456/3، المغني: 615/7 وما بعدها.\r(2) الشرح الصغير وحاشية الصاوي: 763/2 وما بعدها.","part":10,"page":56},{"id":6244,"text":"المبحث الرابع ـ أجرة الحضانة وتوابعها من السكنى والخدمة :\rهل تجب الأجرة على الحضانة؟ للفقهاء رأيان (1) :\rليس للحاضن أجرة على الحضانة في رأي الجمهور غير الحنفية، سواء أكانت الحاضن أماً أم غيرها؛ لأن الأم تستحق النفقة إن كانت زوجة، وغير الأم نفقتها على غيرها وهو الأب. لكن إن احتاج المحضون إلى خدمة كطبخ طعامه وغسل ثيابه، فللحاضن الأجرة.\rوقال الحنفية: لا تستحق الحاضنة أجرة على الحضانة إذا كانت زوجة أو معتدة لأبي المحضون في أثناء العدة، سواء عدة الطلاق الرجعي أو البائن في الأوجه، كما لا تستحق أجراً على الإرضاع، لوجوبهما عليها ديانة، ولأنها تستحق النفقة في أثناء الزوجية والعدة، وتلك النفقة كافية للحضانة.\rأما بعد انقضاء العدة فتستحق أجرة الحضانة؛ لأنها أجرة على عمل.\rوتستحق الحاضنة غير الزوجة أجرة الحضانة، مقابل قيامها بعمل من الأعمال، وتلك الأجرة غير أجرة الرضاع، ونفقة الولد، فهي ثلاثة واجبات.\rوقد أخذ القانون السوري (م 143) برأي الحنفية، ونص هذه المادة: لا تستحق الأم أجرة للحضانة في حال قيام الزوجية أو في عدة الطلاق.\rالتفضيل بين الأم والمتبرعة بالحضانة :\rيرى الحنفية (2) : أن المتبرعة بالرضاع تقدم على الأم، إذا لم ترض بالإرضاع بلا أجر، أما المتبرعة بالحضانة: فإن كانت غير محرم للصغير، فلا تقدم على صاحبة الحق في الحضانة، وإن كانت محرماً للصغير فتقدم المتبرعة إذا كانت الأجرة في مال الصغير أو كان الأب معسراً، ولا تقدم في غير هاتين الحالتين.\r-------------------------------\r(1) الدر المختار ورد المحتار: 876/2، الشرح الصغير: 765/2، الفتاوى الهندية: 484/1.\r(2) الدر المختار: 873/2.","part":10,"page":57},{"id":6245,"text":"وسبب التفرقة: أن المقصود من الرضاع التغذية، وهي تتحقق من غير المحارم كالمحارم، أما الحضانة فيقصد بها تربية الصغير وتعهده بالرعاية والعناية، وهذه أمور تحتاج إلى الشفقة والحنان، وتكون القريبة أشفق من البعيدة.\rوإذا لم يوجد أحد يرضى بالحضانة مجاناً وكان الأب معسراً، ولم يكن للصغير مال، فإن الأم ومن يليها في استحقاق الحضانة تجبر على الحضانة، وتكون أجرتها ديناً على الأب إلى وقت اليسار، ولا يسقط هذا الدين إلا بالأداء أو بالإبراء.\rأجرة مسكن الحضانة وأجرة الخادم :\rاتفق الحنفية على المختار، والمالكية على المشهور (1) على وجوب أجرة مسكن الحضانة للحاضن والمحضون إذا لم يكن لهما مسكن؛ لأن أجرة المسكن من النفقة الواجبة للصغير، فتجب على من تجب عليه نفقته، باجتهاد القاضي أو غيره بحسب حال الأب.\rوكذلك اتفقوا على وجوب أجرة للخادم إذا احتاج الصغير إلى خادم؛ لأنه من لوازم المعيشة. والظاهر أن المذاهب الأخرى متفقة مع هذا الرأي.\r-------------------------------\r(1) الدر المختار ورد المحتار: 877/2، الشرح الصغير: 764/2، القوانين الفقهية: ص 225، مغني المحتاج: 452/3، كشاف القناع: 576/5، الشرح الكبير مع الدسوقي: 533/2.","part":10,"page":58},{"id":6246,"text":"المكلف بنفقة الحضانة: يرى جمهور الفقهاء أن مؤنة (نفقة) الحضانة تكون في مال المحضون، فإن لم يكن له مال، فعلى الأب أو من تلزمه نفقته؛ لأنها من أسباب الكفاية والحفظ والإنجاء من المهالك. وإذا وجبت أجرة الحضانة فتكون ديناً لا يسقط بمضي المدة ولا بموت المكلف بها، أو موت المحضون، أو موت الحاضنة.\rوالمشهور عند المالكية: أن كراء المسكن للحاضنة والمحضونين على والدهم (1) .\rموقف القانون: نصت المادة (142) على المكلف بنفقة الحضانة: «أجرة الحضانة على المكلف بنفقة الصغير، وتقدر بحسب حال المكلف بها» . ونصت المادة (44) على حالة إعسار المكلف بالنفقة وتبرع أحد المحارم بالحضانة: «إذا كان المكلف بأجرة الحضانة معسراً عاجزاً عنها وتبرع بحضانة الصغير أحد محارمه، خيرت الحاضنة بين إمساكه بلا أجرة، أو تسليمه لمن تبرع» .\rبدء استحقاق نفقات الحضانة :\rيبدأ استحقاق نفقة الحضانة من أجرة ومسكن وخادم في رأي الحنفية كما يبدأ استحقاق أجرة الرضاع وقياساً عليها (2) ، فإن كان هناك اتفاق على الحضانة بأجر معين، أو حكم قضائي بالأجر، استحقت الحاضنة الأجر من تاريخ الاتفاق أو الحكم.\rوإذا لم يوجد اتفاق على الأجر، ولا حكم به، فإن كانت الحاضنة غير الأم، فلا تستحق أجرة على الحضانة إلا من تاريخ الاتفاق أو الحكم.\rوإن كانت الحاضنة هي الأم، استحقت الأجرة من وقت قيامها بالحضانة بعد انقضاء العدة من غير توقف على تراض أو قضاء. وقيل: من يوم الاتفاق أو الحكم. وقد أخذ القضاء المصري بالتفرقة بين الأم وبين غيرها في الإرضاع والحضانة.\r-------------------------------\r(1) المراجع السابقة.\r(2) حاشية ابن عابدين: 931/2.","part":10,"page":59},{"id":6247,"text":"المبحث الخامس ـ مكان الحضانة والانتقال بالصغير إلى بلد آخر، وحق زيارته :\rمكان الحضانة: هو مكان الزوجين إذا كانت الزوجية بينهما قائمة. وللفقهاء آراء متقاربة في تحديد مواطن الحضانة وما يترتب عليه (1) . أما الحنفية ففصلوا القول كما يأتي:\rأ ـ إذا كانت الأم هي الحاضنة في حال قيام الزوجية، أو أثناء العدة من طلاق أو وفاة، فمكان الحضانة: هو المكان الذي تقيم فيه مع الزوج، ولا يجوز لها الانتقال به إلا بإذن الزوج؛ لأن الزوجة ملزمة بمتابعة زوجها والإقامة معه حيث يقيم، والمعتدة يلزمها البقاء في مسكن الزوجية، سواء مع الولد أو بدونه، لقوله تعالى: {لا تخرجوهن من بيوتهن، ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة} [الطلاق:1/65].\rب ـ أما الأم المطلَّقة بعد انتهاء العدة: فمكان حضانتها هو أيضاً مكان إقامة الزوج، ولا يجوز لها الخروج من بلدة إلى أخرى بينهما تفاوت بحيث لا يمكن الوالد أن يبصر ولده، ثم يرجع في نهاره، إلا إذا انتقلت به إلى وطنها، وكان قد تزوجها (أي عقد عليها عقد الزواج) فيه. فإذا توافر هذان الشرطان: الوطن وكونه مكان العقد، جاز للأم الانتقال بالمحضون إليه، وإلا لم يجز، ويسقط حقها في الحضانة.\rجـ ـ وأما الحاضنة الأخرى غير الأم كالجدة أو الأخت أو الخالة أو العمة، فلا يجوز لها الانتقال بالمحضون إلى غير بلد أبيه إلا بإذنه ورضاه، حتى لا يتضرر الولد، فلو انتقلت إلى بلد آخر بغير إذن الأب، سقط حقها في الحضانة.\rوقال المالكية: مكان الحضانة للمطلقة بعد انقضاء العدة هو مكان إقامة والد المحضون. فليس لها السفر سفر نُقْلة وانقطاع من بلد إلى بلد ستة بُرُد (133 كم) فأكثر، فإن سافرت إلى مكان يبعد هذه المسافة عن بلد إقامة الأب، سقط حقها في الحضانة لاحتياج المحضون إلى رعاية الولي. ولا يسقط حقها في الحضانة بسفر التجارة والزيارة والحج ونحوه.\r-------------------------------\r(1) الفتاوى الهندية: 484/1، الدر المختار: 884/2، الكتاب مع اللباب: 104/3، فتح القدير: 319/3 وما بعدها، القوانين الفقهية: ص 224، الشرح الصغير: 762/2، المهذب: 172/2، مغني المحتاج: 458/3 وما بعدها، غاية المنتهى: 250/3، المغني: 618/7، كشاف القناع: 581/5 وما بعدها.","part":10,"page":60},{"id":6248,"text":"وذهب الشافعية إلى أنه إن كان السفر من أحد الزوجين المفترقين بالطلاق سفر حاجة كتجارة وحج، كان الولد المميز وغيره مع المقيم حتى يعود. وإن كان السفر من أحد الزوجين سفر نُقْلة، كان الأب أولى من الأم بالحضانة، بشرط أمن الطريق وأمن البلد المقصود بالسفر، حفظاً للنسب، فإنه يحفظه الآباء، أو رعاية لمصلحة التأديب والتعليم وسهولة الإنفاق.\rفإن كان السفر مخوفاً، أو البلد الذي يسافر إليه مخوفاً، فالمقيم أحق بالحضانة للولد.\rوقرر الحنابلة أنه متى أراد أحد الأبوين الانتقال بالمحضون إلى بلد آمن، مسافة القصر فأكثر، ليسكنه، فتسقط حضانة الحاضنة، ويكون الأب أحق، ما لم يرد بنقلته مضارتها، فإن أراد بنقلته مضارة الأم، لم يسقط حقها في الحضانة.\rانتقال الأب أو من يقوم مقامه إلى بلد آخر :\rرأى الحنفية (1) : أنه ليس للأب أو الولي مطلقاً إخراج المحضون من بلد أمه بلا رضاها ما بقيت حضانتها، فلو انتقل إلى بلد آخر غير بلد الحاضنة فليس له أخذ الولد معه ما دامت حضانتها قائمة، ولا يسقط حقها في الحضانة بانتقاله، سواء أكان البلد قريباً أم بعيداً، وسواء أكان السفر بقصد الإقامة أم التجارة أم الزيارة؛ لأن الحضانة حق الحاضنة، ولا يملك الولي إسقاط هذا الحق.\rوسوّى المالكية (2) بين الحاضنة والولي في إسقاط حضانتها إذا سافر أحدهما إلى بلد آخر مسافة ستة بُرُد فأكثر بقصد الإقامة، فإذا سافر الولي، سواء أكان ولي مال كالأب والوصي أم ولي عصوبة كالعم، على المحضون ولو رضيعاً، سفراً بقصد التوطن والإقامة، لمسافة تبعد عن بلد الحاضنة ستة برد فأكثر، كان له أخذ الولد من حاضنته، بشرط أمن الطريق وأمن المكان المقصود، ويسقط حقها في الحضانة، إلا إذا سافرت مع الولي، فلا تسقط حينئذ حضانتها بانتقاله.\rودليلهم: أن حق الولي في الحضانة أقوى من حق الحاضنة؛ لأن التربية الروحية مقدمة على التربية البدنية، والولي أقدر من الحاضنة على تلك التربية.\rوفرق الشافعية (3) بين سفر الحاجة وبين سفر النقلة، فإن أراد الولي أو الحاضنة سفر حاجة،\r-------------------------------\r(1) الدر المختار: 885/2.\r(2) الشرح الصغير: 761/2 وما بعدها.\r(3) مغني المحتاج: 458/3 وما بعدها.","part":10,"page":61},{"id":6249,"text":"كان الولد المميز وغيره مع المقيم حتى يعود المسافر منهما، لما في السفر من الخطر والضرر.\rوإن أراد أحدهما سفر نُقْلة، فالأب أولى، بشرط أمن طريقه وأمن البلد المقصود له، كما قرر المالكية، وإن يكن هناك أمن، فيقرّ عند أمه، وليس لوليه أن يخرجه إلى دار الحرب.\rوالحنابلة (1) كالشافعية: فإنهم قالوا كما تقدم: متى أراد أحد الأبوين النقلة إلى بلد مسافة قصر فأكثر، وكان البلد والطريق آمناً، والقصد هو السكنى، فالأب أحق بالحضانة، سواء أكان المقيم هو الأب، أم المنتقل؛ لأن الأب في العادة هو الذي يقوم بتأديب الصغير وحفظ نسبه، فإذا لم يكن الولد في بلد الأب، ضاع.\rوالخلاصة: أن سفر الولي لا يسقط حق الحضانة للحاضنة في رأي الحنفية، ويسقطها في رأي الجمهور.\rزيارة الولد :\rحق الرؤية أو الزيارة لأحد الأبوين غير الحاضن مقرر شرعاً باتفاق الفقهاء، لصلةالرحم، ولكنهم ذكروا آراء مختلفة نسبياً، بحسب تقدير المصلحة لكل من الولد والوالد الذي يكون ولده في حضانة غيره.\rقال الحنفية (2) : إذا كان الولد عند الحاضنة، فلأبيه حق رؤيته، بأن تخرج الصغير إلى مكان يمكن الأب أن يراه فيه كل يوم. وإذا كان الولد عند أبيه لسقوط حق الأم في الحضانة، أو لانتهاء مدة الحضانة، فلأمه رؤيته، بأن يخرجه إلى مكان يمكنها أن تبصر ولدها، كل يوم. والحد الأقصى كل أسبوع مرة كحق المرأة في زيارة أبويها، والخالة مثل الأم، ولكن كما جرى القضاء في مصر، تكون زيارتها كل شهر مرة.\r-------------------------------\r(1) كشاف القناع: 581/5.\r(2) الدر المختار ورد المحتار: 885/2.","part":10,"page":62},{"id":6250,"text":"وقال المالكية (1) : للأم أن ترى أولادها الصغار كل يوم مرة، وأولادها الكبار كل أسبوع مرة. والأب مثل الأم في الرؤية قبل بلوغ سن التعليم، وأما بعد بلوغ سن التربية والتعليم، فله مطالعة ولده من آن لآخر، أي الاطلاع عليه.\rويرى الشافعية (2) : أن المميز إن اختار أباه بعد تخييره في سن التمييز، لم يمنعه زيارة أمه. ويمنع الأب الأنثى من زيارة أمها إذا اختارته لتألف الصيانة وعدم البروز للناس. والأم أولى منها بالخروج لزيارتها لسنها وخبرتها.\rولا يمنع الأب أم المحضون من زيارته، ذكراً أو أنثى؛ لأن في المنع قطعاً للرحم، لكن لا تطيل المكث، ويمكنها من الدخول، فإن بخل بدخولها إلى منزله، أخرجه إليها.\rوالزيارة مرة في أيام، أي في يومين فأكثر، لا في كل يوم، إلا إذا كان منزلها قريباً، فلا بأس بدخولها منزل الأب كل يوم.\rفإن مرض المحضون، فالأم أولى بتمريضه، ذكراً أو أنثى؛ لأنها أهدى إليه، وأصبر عليه من الأب ونحوه. والتمريض يكون في بيت الأب إن رضي به، وإن لم يرض يكون التمريض في بيتها. ويجب الاحتراز في الحالين من الخلوة بها.\rوالحنابلة (3) كالشافعية قالوا: إن اختار المميز أباه، كان عنده ليلاً ونهاراً، ولا يمنع من زيارة أمه، ولا تمنع هي من تمريضه. وإن اختارها كان عندها ليلاً، وعند أبيه نهاراً ليؤدبه ويعلمه.\rوأما البنت فتكون عند أبيها بعد إتمام سن السابعة إلى الزفاف، ولا يمنع أحد الأبوين من زيارتها عند الآخر؛ لأن فيه حملاً على قطيعة الرحم، ولكن من غير أن يخلو الزوج بالأم، ولا يطيل المقام؛ لأن الأم صارت بالبينونة أجنبية منه، والورع إذا زارت ابنتها: تحري أوقات خروج أبيها إلى معاشه، لئلا يسمع كلامها، والكلام وإن كان غير عورة، لكن يحرم التلذذ بسماعه.\rوإن مرضت البنت، فالأم أحق بتمريضها في بيت الأب، لحاجتها إليه.\rوالأم تزور ابنتها، والغلام يزور أمه على ما جرت به العادة، كاليوم في الأسبوع.\r-------------------------------\r(1) الشرح الكبير والدسوقي: 512/2، الشرح الصغير: 737/2.\r(2) مغني المحتاج: 257/3.\r(3) غاية المنتهى: 251/3-252، كشاف القناع: 583/5 وما بعدها، المغني: 617/7.","part":10,"page":63},{"id":6251,"text":"المبحث السادس ـ مدة الحضانة وما يترتب على انتهائها من ضم الولد لأبيه :\rاتفق الفقهاء على أن الحضانة تبدأ منذ ولادة الطفل إلى سن التمييز، واختلفوا في بقائها بعد سن التمييز.\rقال الحنفية (1) : الحاضنة أماً أوغيرها أحق بالغلام حتى يستغني عن خدمة النساء، ويستقل بنفسه في الأكل والشرب واللبس والاستنجاء، وقدِّر زمن استقلاله بسبع سنين؛ لأنه الغالب، لقوله صلّى الله عليه وسلم : «مروا أولادكم بالصلاة لسبع» والأمر بها لا يكون إلا بعد القدرة على الطهارة. وقيل: بتسع سنين.\rوالأم والجدة أحق بالفتاة الصغيرة حتى تبلغ بالحيض أو الإنزال أو السن؛ لأنها بعد الاستغناء تحتاج إلى معرفة آداب النساء، والمرأة على ذلك أقدر، وأما بعد البلوغ فتحتاج إلى التحصين والحفظ، والأب فيه أقوى وأهدى. وبلوغ الصغيرة إما بتسع سنين أو بإحدى عشرة سنة.\r-------------------------------\r(1) البدائع: 42/4-44، الدر المختار: 881/2.","part":10,"page":64},{"id":6252,"text":"والسبب في اختلاف الغلام والفتاة: هو أن القياس أو الأصل أن تتوقت الحضانة بالبلوغ فيهما جميعاً، لكن ترك القياس أو الأصل في الغلام بإجماع الصحابة؛ لما روي أن أبا بكر رضي الله عنه قضى بعاصم بن عمر لأمه ما لم يشبّ عاصم، أو تتزوج أمه. فبقي الحكم في الفتاة على أصل القياس؛ ولأن الغلام إذا استنغنى يحتاج إلى التأديب والتخلق بأخلاق الرجال واكتساب العلوم، والأب على ذلك أقدر وأقوم. والفتاة أحوج إلى تعلم آداب النساء والتخلق بأخلاقهن وخدمة البيت، والأم أقدر على ذلك بعدما تبلغ أو تحيض، فإذا بلغت احتاجت إلى الحماية والصيانة والحفظ عمن يطمع بها، والرجال على ما ذكر أقدر.\rوقال المالكية (1) : تستمر الحضانة في الغلام إلى البلوغ، على المشهور، ولو مجنوناً أو مريضاً، وفي الأنثى إلى الزواج ودخول الزوج بها، ولو كانت الأم كافرة. وهذا في الأم المطلقة أو من مات زوجها. وأما من في عصمة زوجها فهي حق للزوجين جميعاً.\rولا يخير الولد في رأي الحنفية والمالكية؛ لأنه لا قول له، ولا يعرف حظه، وقد يختار من يلعب عنده.\rوقال الشافعية (2) : إن افترق الزوجان ولهما ولد مميز (3) ذكر أو أنثى، وله سبع أو ثمان سنين، وصلح الزوجان للحضانة، حتى لو فضَل أحدهما الآخر ديناً أو مالاً أو محبة، وتنازعا في الحضانة، خيِّر بينهما، وكان عند من اختار منهما؛ «لأنه صلّى الله عليه وسلم خيَّر غلاماً بين أبيه\r-------------------------------\r(1) الشرح الصغير: 755/2 وما بعدها، القوانين الفقهية: ص 224 وما بعدها.\r(2) المهذب: 171/2، مغني المحتاج: 456/3.\r(3) سن التمييز غالباً سبع سنين أو ثمان تقريباً، وقد يتقدم على السبع وقد يتأخر عن الثمان، والحكم مداره عليه لا على السن","part":10,"page":65},{"id":6253,"text":"وأمه» (1) والغلامة كالغلام في الانتساب، ولأن القصد من الحضانة حفظ الولد، والمميز أعرف بحظه ومصلحته، فيرجع إليه.\rوالولد يتخير، ولو أسقط أحد الزوجين حقه قبل التخيير.\rولو اختار الولد أحد الأبوين، فامتنع من كفالته، كفله الآخر، فإن رجع الممتنع أعيد التخيير. وإن امتنع الأبوان وبعدهما مستحقان للحضانة كجد وجدة خيْر بينهما، وإلا أجبر بالحضانة من تلزمه نفقته؛ لأنها من جملة الكفالة. وإن صلح أحد الأبوين للحضانة دون الآخر بسبب جنون أو كفر أو رق أو فسق، أو زواج الأنثى أجنبياً،فالحق للآخر فقط، ولا تخيير لوجود المانع. فإن عاد صلاح الآخر عاد التخيير.\rويخير الولد أيضاً بين أم وجد، وكذا أخ أو عم أو أب مع أخت أو خالة في الأصح، فإن اختار أحدهما، ثم اختار الآخر، حوّل إليه؛ لأنه قد يظهر له الأمر، بخلاف ما ظنه، أويتغير حال من اختاره أولاً، ولأن الولد قد يقصد مراعاة الجانبين.\rوقال الحنابلة (2) : إذا بلغ الغلام غير المعتوه سبع سنين، خير بين أبويه، إذا تنازعا فيه، كما قال الشافعية، فكان مع من اختار منهما. ومتى اختار أحدهما، فسلم إليه، ثم اختار الآخر، رد إليه. ويخير الغلام بين أمه وعصبته؛ لأن علياً رضي الله عنه خيّر عمارة الجرمي بين أمه وعمه، ولأنه عصبة، فأشبه الأب.\rوإنما يخير الغلام بشرطين:\r\rأحدهما ـ أن يكون الأبوان وغيرهما من أهل ا لحضانة: فإن كان أحدهما من غير أهل الحضانة، كان كالمعدوم، ويتعين الآخر.\rالثاني ـ ألا يكون الغلام معتوهاً: فإن كان معتوهاً كان عندالأم، ولم يخير؛ لأن المعتوه بمنزلة الطفل، وإن كان كبيراً، لذا كانت الأم أحق بكفالة ولدها المعتوه بعد بلوغه.\rأما الفتاة إذا بلغت سبع سنين، فالأب أحق بها، ولا تخير عندهم خلافاً للشافعية؛ لأن غرض الحضانة الحظ والمصلحة، والحظ للفتاة بعد السبع في الوجود عند أبيها؛ لأنها تحتاج إلى حفظ، والأب أولى به، فإن الأم تحتاج إلى من يحفظها ويصونها .\rلكن إذا كانت البنت عند الأم أو عند الأب، فإنها تكون عنده ليلاً ونهاراً؛ لأن تأديبها وتخريجها في جوف البيت، كتعليمها الغزل والطبخ وغيرهما.\r-------------------------------\r(1) رواه الترمذي وحسنه عن أبي هريرة.\r(2) المغني: 614/7-617، غاية المنتهى: 251/3 وما بعدها، كشاف القناع: 582/5 وما بعدها.","part":10,"page":66},{"id":6254,"text":"موقف القانون: قرر القانون المصري رقم (25) لسنة (1929) أن حق الحضانة ينتهي عند بلوغ الصغير سبع سنين، وبلوغ الصغيرة تسعاً. وكان هذا هو المقرر في القانون السوري، ثم عدل الحكم سنة (1975)، فنصت المادة (146) على أنه: تنتهي مدة الحضانة بإكمال الغلام التاسعة من عمره، والبنت الحادية عشرة.\rمايترتب على انتهاء مدة الحضانة من ضم الولد لأبيه أو جده :\rإذا انتهت مرحلةالحضانة، ضم الولد إلى الولي على النفس من أب أوجد، لا لغيرهما. ويظل للأب الحق في إمساك الصبي حتى يبلغ، فيخير بين أن ينفرد بالسكنى أو يسكن مع أي أبويه شاء، إلا إذا بلغ سفيهاً غير مأمون على نفسه، فيضمه الأب إليه، لدفع فتنة أو عار، ولتأديبه إذا وقع منه شيء. ولا يلزم الأب بالنفقة على الولد بعد البلوغ إلا أن يتبرع. فإن بلغ معتوهاً، كان عند الأم، سواء أكان ابناً أم بنتاً.\rوأما الفتاة: فيضمها الأب أو الجد إذا كانت بكراً، وكذا إذا كانت ثيباً يخشى عليه الفتنة. فإن كان لا يخشى عليها، وكانت ذا خلق مستقيم وعقل سليم، وصارت مسنة بلغت سن الأربعين، فلها أن تنفرد بالسكنى حيث شاءت. ولا يلزم الأب بالإنفاق على الفتاة إذا رفضت السكنى معه أو متابعته بغير حق (1) .\rوالخلاصة: إذا بلغ الولد أو البنت بكراً أو ثيباً، وكانا غير مأمونين، فلا خيار لهم بالانفراد بالسكنى، بل يضمهم الأب إليه.\r-------------------------------\r(1) الدر المختار ورد المحتار: 882/2 وما بعدها.","part":10,"page":67},{"id":6255,"text":"الفَصْل الرّابع: الولاية\rالولاية:هي تدبير الكبير الراشد شؤون القاصر الشخصية والمالية. والقاصر: من لم يستكمل أهلية الأداء، سواء أكان فاقداً لها كغير المميز أم ناقصها كالمميز.\rوعرفها الحنفية بأنها: تنفيذ القول على الغير شاء أو أبى (1) .\rوقد عرفنا في بحث الزواج أن الولي ركن من أركان العقد عند غير الحنفية، وهو شرط صحة نكاح صغير ومجنون ورقيق في مذهب الحنفية.\rوعرفنا في بحث النظريات الفقهية أن الولاية نوعان: ولاية على النفس وولاية على المال. والولاية على النفس: هي الإشراف على شؤون القاصر الشخصية من صيانة وحفظ وتأديب وتعليم وتطبيب وتزويج ونحو ذلك.\rوالولاية على المال: هي الإشراف على شؤون القاصر المالية من استثمار وتصرفات كالبيع والإجارة والرهن وغيرها.\rوينقسم هذا الفصل إلى مبحثين بحسب نوع هاتين الولايتين أذكرهما بإجمال.\r-------------------------------\r(1) الدر المختار: 406/2.","part":10,"page":68},{"id":6256,"text":"المبحث الأول ـ الولاية على النفس :\rأولاً ـ الولي على النفس وصلاحياته :\rالولي على النفس في مذهب الحنفية (1) : هو الابن ثم الأب ثم الجد أبو الأب، ثم الأخ، ثم العم، أي أن الولاية على النفس تثبت عندهم على القاصر للعصبات بحسب ترتيب الإرث: البنوة، فالأبوة، فالأخوة، فالعمومة. ويقدم الشقيق على من كان لأب فقط. فإن لم يوجد أحد من العصبات انتقلت ولاية النفس إلى الأم ثم باقي ذوي الأرحام.\rوأما في مذهب المالكية فتثبت هذه الولاية على الترتيب التالي (2) : البنوة، ثم الأبوة ثم الوصاية ثم الأخوة ثم الجدودة ثم العمومة. فالولي على النفس عندهم: هو الابن وابنه، ثم الأب ثم وصيه، ثم الأخ الشقيق وابنه، ثم الأخ لأب وابنه، ثم الجد أبو الأب، ثم العم وابنه. ويقدم الشقيق منهما على غير الشقيق، ثم القاضي في عصرنا.\rويجبر الولي على أخذ القاصر بعد انتهاء الحضانة؛ لأن الولاية على النفس حق من حقوق المولى عليه.\rوصلاحيات ولي النفس: هي التأديب والتهذيب، ورعاية الصحة، والنمو الجسمي، والتعليم والتثقيف في المدارس، والإشراف على الزواج. وإذا كان القاصر أنثى وجب حمايتها وصيانتها، ولا يجوز للولي تسليمها إلى من يعلِّمها صناعة أو حرفة تختلط فيها بالرجال.\rثانياً ـ شروط الولي على النفس :\rيشترط في الولي على النفس (3) : البلوغ والعقل (التكليف ) والقدرة على تربية الولد، والأمانة على أخلاقه، والإسلام في حق المولى عليه المسلم أو المسلمة.\rفلا ولاية لغير بالغ، ولا لغير عاقل، ولا لسفيه مبذر؛ لأن هؤلاء في حاجة إلى من يتولى شؤونهم، ولا ولاية لفاسق ماجن لا يبالي بما يفعل لأنه يضر بأخلاق القاصر وبماله. ولا ولاية لمهمل للولد كأن يتركه مريضاً، دون أن يحاول علاجه مع قدرته عليه، أو كأن يحرمه التعليم مع صلاحية الولد؛ لأن ذلك ضار بمصلحة القاصر.\rوتنتقل الولاية حينئذ إلى الأصلح على وفق الترتيب المتقدم.\rموقف القانون: نصت المادة (170) من القانون السوري على ولاية الأب والجد ولاية نفس ومال، وعلى صلاحيات الولي، وعلى ما يسقط ولايته:\r1 - للأب ثم للجد العصبي ولاية على نفس القاصر وماله، وهما ملتزمان بالقيام عليه.\r2 - لغيرهما من الأقارب بحسب الترتيب المبين في المادة (21) ولاية على نفسه دون ماله.\rوأما نص المادة (21) فهو: الولي في الزواج هو العصبة بنفسه على ترتيب الإرث، بشرط أن يكون مَحْرماً.\rونصت المادة (1/22) على أنه: يشترط أن يكون الولي عاقلاً بالغاً.\r3 - يدخل في الولاية النفسية: سلطة التأديب والتطبيب والتعليم والتوجيه إلى حرفة اكتسابية، والموافقة على التزويج، وسائر أمور العناية بشخص القاصر.\r4 - يعتبر امتناع الولي عن إتمام تعليم الصغير حتى نهاية المرحلة الإلزامية سبباً لإسقاط ولايته، وتعتبر معارضة الحاضنة أو تقصيرها في تنفيذ ذلك سبباً مسقطاً لحضانتها.\r-------------------------------\r(1) الدر المختار: 427/2 وما بعدها.\r(2) القوانين الفقهية: ص 198، شرح الرسالة: 31/2-32 ويلاحظ أن الولاية الإجبارية في عقد الزواج يقدم فيها الأب على الابن عند المالكية، أما الولاية الاختيارية فيقدم فيها الابن على الأب.\r(3) الدر المختار: 406/2، 428 وما بعدها.","part":10,"page":69},{"id":6257,"text":"ثالثاً ـ انتهاء الولاية على النفس :\rتنتهي الولاية على النفس في رأي الحنفية في حق الغلام ببلوغه خمس عشرة سنة، أو بظهور علامة من علامات البلوغ الطبيعية، وكان عاقلاً مأموناً على نفسه. وإلا بقي في ولاية الولي.\rوأما في حق الأنثى، فتنتهي هذه المرحلة بزواجها، فإن تزوجت صار حق إمساكها لزوجها، وإن لم تتزوج بقيت في ولاية غيرها إلى أن تصير مسنّة مأمونة على نفسها، فحينئذ يجوز لها أن تنفرد بالسكنى، أو تقيم مع أمها. ولم يحدد الحنفية هذه السن، والظاهر من كلامهم أن تصير عجوزاً لا يرغب فيها الرجال.\rولكن القضاء في مصر وسورية أجاز للأنثى إذا بلغت سن الرشد (21 سنة في مصر، و18 سنة في سورية) أن تنفرد بالسكنى عن ولي النفس، إذا كانت مأمونة على نفسها، ولا يخشى عليها الفتنة.\rوأما في مذهب المالكية: فتنتهي الولاية على النفس بزوال سببها، وسببها الصغر وما في معناه: وهو الجنون والعته والمرض. وأما الأنثى فلا تنتهي الولاية النفسية عليها إلا بدخول الزوج بها، كما بان في بحث الحضانة.","part":10,"page":70},{"id":6258,"text":"المبحث الثاني ـ الولاية على المال :\rأولاً ـ الولي على المال :\rإذا كان للقاصر مال، كان للأب الولاية على ماله حفظاً واستثماراً باتفاق المذاهب الأربعة، ثم اختلفوا فيمن تثبت له الولاية على مال القاصر بعد موت أبيه.\rقال الحنفية: تثبت هذه الولاية للأب ثم لوصيه، ثم للجد أبي الأب ثم لوصيه، ثم للقاضي فوصيه.\rوقال المالكية والحنابلة: تثبت هذه الولاية للأب ثم لوصيه، ثم للقاضي أو من يقيمه، ثم لجماعة المسلمين إن لم يوجد قاضٍ.\rوقال الشافعية: تثبت هذه الولاية للأب، ثم للجد، ثم لوصي الباقي منهما، ثم للقاضي أو من يقيمه. وبه يتبين أنهم خالفوا المذاهب الأخرى في تقديم الجد على وصي الأب؛ لأن الجد كالأب عند عدمه، لوفور شفقته مثل الأب، ولذا تثبت له ولاية التزويج.\rولا تثبت ولاية المال لغير هؤلاء كالأخ والعم والأم إلا بوصاية من قبل الأب أو القاضي.\rوتستمر هذه الولاية حتى يبلغ القاصر سن الرشد. فإذا بلغ رشيداً، ثم طرأ عليه الجنون أو العته مثلاً، فهل تعود الولاية عليه؟\rقال المالكية والحنابلة: لا تعود الولاية لمن كانت له، وإنما تكون للقاضي؛ لأن الولاية سقطت بالبلوغ عاقلاً، والساقط لا يعود. وقال الحنفية والشافعية في الأرجح عندهم: تعود الولاية لمن كانت له قبل البلوغ؛ لأن الحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً، فإذا وجدت علة الولاية وجدت الولاية.\rفإن كان الطارئ هو السفه: فإن الولاية على السفيه تكون في رأي الجمهور للقاضي أو من يعينه؛ لأن المقصود هو المحافظة على ماله، والنظر في مصالح الناس من صلاحيات القاضي.\rحكم القانون: أخذ القانون المصري (م 1) رقم (119) لسنة (1952) والقانون السوري برأي الحنفية في ترتيب درجات الأولياء على المال، فنصت المادة (1/172) من القانون السوري على أنه: للأب والجد العصبي عند عدمه دون غيرهما ولاية على مال القاصر حفظاً وتصرفاً واستثماراً. وهذا يوافق المادة الأولى من القانون المصري.\rونصت المادة (176) من هذا القانون على تنصيب الأوصياء:\r1 - يجوز للأب وللجد عند فقدان الأب أن يقيم وصياً مختاراً لولده القاصر أو الحمل، وله أن يرجع عن إيصائه.\r2 - وتعرض الوصاية بعد الوفاة على المحكمة لتثبيتها.\r3 - إن الوصاية في أموال القاصرين بعد وفاة الأب هي للوصي الذي اختاره الأب، وإن لم يكن قريباً لهم، على أن تعرض الوصاية على القاضي لتثبيتها فيما إذا كانت مستوفية لشروطها الشرعية. وهذا يوافق المادة (28) من القانون المصري.\rونصت المادة (177) منه على وصي المحكمة: إذا لم يكن للقاصر أو الحمل وصي مختار، تعين المحكمة وصياً. وهي تطابق المادة (29) من القانون المصري.","part":10,"page":71},{"id":6259,"text":"ثانياً ـ شروط الولي على المال :\rيشترط لثبوت الولاية على المال ما يشترط لثبوت الولاية على النفس وهو ما يأتي (1) :\r1ً - أن يكون الولي كامل الأهلية، وذلك بالبلوغ والعقل والحرية؛ لأن فاقد الأهلية أو ناقصها ليس أهلاً للولاية على مال نفسه، فلا يكون أهلاً للولاية على مال غيره.\r2ً - ألا يكون سفيهاً مبذراً محجوراً عليه: لأنه لا يلي أمور نفسه، فلا يلي أمور غيره.\r3ً - أن يكون متحد الدين مع القاصر، فلو كان الأب غير مسلم فلا يلي أمور ابنه المسلم.\rثالثاً ـ تصرفات الولي على المال :\rتصرف الولي في مال القاصر مقيد بالمصلحة للمولى عليه، فلا يجوز له مباشرة التصرفات الضارة ضرراً محضاً كهبة شيء من مال المولى عليه أو التصدق به أو البيع والشراء بغبن فاحش، ويكون تصرفه باطلاً. وله مباشرة التصرفات النافعة نفعاً محضاً كقبول الهبة والصدقة والوصية، وكذا التصرفات المترددة بين الضرر والنفع كالبيع والشراء والإجارة والاستئجار والشركة والقسمة. ودليل هذا المبدأ قوله تعالى: {ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشدّه} [الإسراء:34/17].\rتصرفات الأب: الأب المبذر ليس له ولاية على مال القاصر، وعليه تسليم المال إلى وصي يختاره. فإن كان غير مبذر، فله الولاية على مال القاصر، وله في رأي الحنفية والمالكية بيع مال القاصر والشراء له، سواء أكان المال منقولاً أم عقاراً، ما دام العقد بمثل الثمن أو بغبن يسير: وهو ما يتغابن فيه الناس عادة. ولا ينفذ على القاصر البيع أوالشراء بغبن فاحش: وهو ما لا يتغابن فيه الناس عادة. لكن المفتى به لدى الحنفية أن الشراء ينفذ على الولي، لإمكان نفاذه عليه، بعكس البيع فلا ينفذ؛ لأن فيه ضرراً ظاهراً على المولى عليه.\r-------------------------------\r(1) الدر المختار: 406/2، 428 وما بعدها.","part":10,"page":72},{"id":6260,"text":"وله أن يبيع مال نفسه لولده الصغير ونحوه، وأن يشتري مال ولده لنفسه بمثل الثمن أو بغبن يسير، ويتولى الأب طرفي العقد، وتكون عبارته قائمة مقام الإيجاب والقبول، استثناء من مبدأ تعدد العاقد في العقود المالية، نظراً لوفور شفقة الأب على ولده.\rوليس للأب أن يتبرع بشيء من مال الصغير ونحوه؛ لأن التبرع تصرف ضار ضرراً محضاً، فلا يملكه الولي ولو كان أباً.\rوليس له أيضاً أن يقرض مال الصغير للغير، ولا أن يقترض لنفسه؛ لما في إقراضه من تعطيل استثمار المال.\rويجوز للأب في رأي أبي حنيفة ومحمد أن يرهن شيئاً من مال ولده في دين نفسه، قياساً على ما له من إيداع مال ولده. ولا يجوز هذا الرهن في رأي أبي يوسف وزفر؛ لأن في الرهن تعطيلاً لمنفعة المال، إذ يبقى محبوساً إلى سداد الدين.\rحكم القانون: منع القانون المصري رقم (119) لسنة (1952) في المادة الخامسة منه تبرع الولي بشيء من مال القاصر، إلا لأداء واجب إنساني أو عائلي بإذن المحكمة. وهذا الاستثناء مخالف لرأي الفقهاء. ومنعت المادة السادسة منه التصرف في عقار القاصر ببيع أو إجارة لنفسه أو لزوجه أو لأقاربه أو لأقاربها إلى الدرجة الرابعة إلا إذا أذنت المحكمة بذلك، رعاية لمصلحة الصغير. ومنعت هذه المادة أيضاً أخذاً برأي أبي يوسف وزفر رهن مال الصغير في دين على الولي نفسه؛ لأن الرهن يفضي غالباً إلى استيفاء الدين من مال المرهون.\rومنعت المادة السابعة الأب من التصرف في عقار القاصر أو محله التجاري أو أوراقه المالية إذا زادت قيمتها على ثلاثمائة جنيه إلا بإذن المحكمة، رعاية لمصالح المولى عليه.","part":10,"page":73},{"id":6261,"text":"ومنعت المادة التاسعة الولي من إقراض مال القاصر واقتراضه إلا بإذن المحكمة، كما منعته المادة العاشرة من إيجار عقار القاصر لمدة تتجاوز بلوغه سن الرشد إلا بإذن المحكمة. وكذلك منعته المادة الحادية عشرة من الاستمرار في تجارة آلت للقاصر إلا بإذن المحكمة وفي حدود هذا الإذن. وهذا من قبيل الاحتياط لمصلحة القاصر.\rوأجازت المادة الرابعة عشرة للأب وحده أن يتعاقد مع نفسه بالنيابة عن القاصر، سواء أكان ذلك لحسابه هو أم لحساب شخص آخر إلا إذا نص القانون على غير ذلك.\rونصت المادة الثالثة على أنه «لا يدخل في الولاية مايؤول للقاصر من مال بطريق التبرع إذا اشترط المتبرع ذلك» .\rوتتفق هذه الأحكام غالباً مع المقرر في القانون السوري، فنصت المادة (2/172) على أنه: «لا ينزع مال القاصر من يد الأب أو الجد العصبي ما لم تثبت خيانته أو سوء تصرفاته فيه، وليس لأحدهما التبرع بمال القاصر أو بمنافعه أصلاً، ولا يبيع عقاره أو رهنه إلا بإذن القاضي بعد تحقق المسوغ» وهذا من قبيل الاحتياط في صيانة مال القاصر؛ لأن الضرر في بيع عقاره أكثر من الضرر في بيع ماله المنقول غالباً.\rونصت المادة (171) على مضمون المادة الثالثة في القانون المصري: «إذا اشترط المتبرع بمال للقاصر عدم تصرف وليه به، تعين المحكمة وصياً خاصاً على هذا المال» .\rونصت المادة (173) على أحوال نزع الولاية المالية من الأب والجد أو الحد منها: «إذا أصبحت أموال القاصر في خطر بسبب سوء تصرف الولي أو لأي سبب آخر، و خيف عليها منه، فللمحكمة أن تنزع ولايته أو تحد منها، ويجوز للقاضي أن يعهد إلى حاضنة القاصر ببعض أعمال الولي الشرعي المالية إذا تحقق له أن مصلحة القصار تقضي بذلك، وبعد سماع أقوال الولي» .\rوخصصت المادة (174) لأحوال إيقاف الولاية: «تقف الولاية إذا اعتبر الولي مفقوداً، أو حجر عليه أو اعتقل، وتعرضت باعتقاله مصلحة القاصر للضياع، ويعين للقاصر وصي مؤقت إذا لم يكن له ولي آخر» .\rالولي الخاص: ونصت المادة (175) على حالة تعيين ولي خاص: «تعين المحكمة ولياً خاصاً عند تعارض مصلحة القاصر مع مصلحة وليه، أو عند تعارض مصالح القاصرين بعضها مع بعض» .","part":10,"page":74},{"id":6262,"text":"رابعاً ـ شروط الوصي المختار ـ وصي الأب وتصرفاته :\rالوصي نوعان:\r1ً - الوصي المختار: هو الذي يعينه الأب أو الجد للإشراف على أموال أولاده أو أحفاده.\r2ً - وصي القاضي: هو الذي يعينه القاضي للإشراف على التركة والأولاد.\rوشروط الوصي أربعة:\r1ً - البلوغ: وهو شرط في سائر التصرفات، فلا تثبت الولاية للصبي؛ لأنه قاصر النظر لا يهتدي إلى وجوه المصلحة أو المنفعة.\r2ً - العقل: وهو شرط أيضاً في سائر التصرفات، فلا تثبت الولاية للمجنون ونحوه؛ لأنه لا يهتدي إلى حسن التصرف في حق نفسه، فلا يلي شؤون غيره.\rأما اشتراط الفقهاء الحرية فلم يعد له معنى اليوم لإلغاء الرق.\r3ً - الإسلام في حق المولى عليه المسلم: فلا ولاية لكافر على مسلم؛ لأن الإيصاء كالولاية، ولاولاية لغير المسلم على المسلم.\r4ً - العدالة: فلا ولاية لفاسق؛ لأن الإشراف على مصالح الغير يتطلب استقامة ونزاهة وورعاً. والعدالة: اجتناب المعاصي الكبائر كالزنا والقذف وشرب الخمر والسرقة، وعدم الإصرار على الصغائر كإدمان التلصص على النساء. فإذا فقد شرط من هذه الشروط، صح الإيصاء عند الحنفية على المعتمد، ويعزله القاضي ويعين غيره.","part":10,"page":75},{"id":6263,"text":"ويصح الإيصاء للمرأة في رأي أكثرية العلماء؛ لأن عمر رضي الله عنه أوصى إلى ابنته حفصة أم المؤمنين، ولأنه تصح شهادتها وتصرفاتها المالية كالرجل، فتجوز وصايتها. ويصح الإيصاء للأعمى في رأي الجمهور؛ لأنه خبير يحسن التصرف كالمبصر، ولأنه تصح شهادته وولايته في الزواج وعلى أولاده الصغار، فصح الإيصاء إليه.\rحكم القانون: نصت المادة (27) من القانون المصري رقم (119) لسنة 1952 على شروط الوصي ومن ليس أهلاً للوصاية، وهو نص المادة (178) من القانون السوري الآتية:\r1 - يجب أن يكون الوصي عدلاً،قادراً على القيام بالوصاية، ذا أهلية كاملة، وأن يكون من ملةالقاصر.\r2 - لا يجوز أن يكون وصياً:\rأ ـ المحكوم عليه في جريمة سرقة أو إساءة الائتمان أو تزوير أو في جريمة من الجرائم المخلة بالأخلاق والآداب العامة.\rب ـ المحكوم بإفلاسه إلى أن يعاد إليه اعتباره.\rجـ ـ من قرر الأب أو الجد عند عدمه حرمانه من التعيين قبل وفاته إذا ثبت ذلك ببينة خطية.\rد ـ من كان بينه هو أو أحد أصوله أو فروعه أو زوجه وبين القاصر نزاع قضائي أو خلاف عائلي يخشى منه على مصلحة القاصر.\rوهذ تفصيل مترتب على ما اشترطه الفقهاء.\rالوصي المؤقت: نصت المادة (179) على حالة تعيين وصي مؤقت تشبه حالة تعيين ولي خاص في المادة (175) السابقة، ونصها هو ما يأتي: ينصب القاصي وصياً خاصاً مؤقتاً عند تعارض مصلحة القاصر مع مصلحة الوصي أو زوجه أو أحد أصوله أو فروعه، أو من يمثلهم الوصي، إن لم يبلغ هذا التعارض النزاع المنصوص عليه في المادة السابقة (أي المادة 178).\rونصت المادة (188) على حالة أخرى لتعيين وصي مؤقت:\r1 - إذا رأت المحكمة كفَّ يد الوصي، عينت وصياً مؤقتاً لإدارة أموال القاصر إلى حين زوال سبب الكف أو تعيين وصي جديد.\r2 - تسري على الوصي المؤقت أحكام الوصاية الواردة في هذا القانون.","part":10,"page":76},{"id":6264,"text":"وأما تصرفات الوصي المختار، فهي ما يأتي :\rيملك وصي الأب أو الجد ما يملكه الأب إلا فيما يأتي بسبب عدم توافر الشفقة الكائنة عند الأب:\r1ً - بيع العقار: لا يملك الوصي المختار بيع عقار القاصر إلا إذا كان هناك مسوغ شرعي، كأن يكون بيع العقار خيراً للصغير، وذلك فيما يأتي:\rأ ـ بيع العقار بضعف قيمته فأكثر، فيستطيع الوصي شراء عقار أنفع مما باعه.\rب ـ أن تزيد ضريبة العقار ومصاريفه على غلاته.\rجـ ـ أن يتعين بيع العقار لصرف ثمنه في نفقة القاصر.\r2ً - بيع الوصي مال نفسه لليتيم أو شراء ماله لنفسه: لا يجوز للوصي المختار بيع ماله للقاصر أو شراء مال القاصر لنفسه إلا إذا كان في البيع والشراء منفعة ظاهرة. وتتحقق هذه المنفعة في رأي أبي حنيفة بأن يبيع العقار للقاصر بنصف القيمة، ويشتري منه العقار بضعف قيمته. وفي غير العقار: أن يبيع له ما يساوي (15 بعشرة)، ويشتري ما يساوي عشرة بخمسة عشر.\rوقال الصاحبان والأئمة الآخرون: لا يجوز للوصي أن يبيع أو يشتري من مال الصغير مطلقاً.\rوأما في القانون: فقد نصت المادة (38) من القانون المصري رقم (119) لسنة 1952 على منع الوصي من التبرع بمال القاصر إلا لأداء واجب إنساني أوعائلي وبإذن المحكمة. وهذا نفس المقرر بالنسبة للأب. ونصت المادة (180) سوري على أن: تبرع الوصي من مال القاصر باطل. ومنعت المادة (39) مصري و (182) سوري من طائفة من التصرفات إلا بإذن المحكمة وهي ما يأتي على الترتيب في القانون السوري:\rأ ـ التصرف في أموال القاصر بالبيع أو الشراء أو المقايضة أو الشركة أو الإقراض أو الرهن أو أي نوع آخر من أنواع التصرفت الناقلة للملكية أو المترتبة لحق عيني.\rب ـ تحويل الديون التي تكون للقاصر وقبول الحوالة عليه.\rجـ ـ استثمار الأموال وتصفيتها واقتراض المال للقاصر.\rد ـ إيجار عقار القاصر لمدة أكثر من ثلاث سنوات في الأراضي الزراعية أو أكثر من سنة في المباني.\rهـ ـ إيجار عقار القاصر لمدة تمتد إلى سنة بعد بلوغه سن الرشد.","part":10,"page":77},{"id":6265,"text":"و ـ قبول التبرعات المقيدة بشرط أو رفضها. ز ـ الإنفاق من مال القاصر على من تجب عليه نفقتهم إلا إذا كانت النفقة محكوماً بها حكماً مبرماً.\rح ـ الصلح والتحكيم.\rط ـ الوفاء بالالتزامات التي تكون على التركة أو القاصر ما لم يكن قد صدر بها حكم مبرم.\rي ـ رفع الدعاوى إلا ما يكون في تأخيره ضرر للقاصر أو ضياع حق له.\rك ـ التنازع عن الدعاوى وإسقاط حقه في طرق المراجعة القانونية.\rل ـ التعاقد مع المحامين للخصومة عن القاصر.\rم ـ تبديل التأمينات أو تعديلها.\rن ـ استئجار أموال القاصر أو إيجارها لنفسه أو لزوجه أو لأحد أقاربه أو أصهاره حتى الدرجة الرابعة أو لمن يكون الوصي نائباً عنه.\rس ـ ما يصرف في تزويج القاصر.\rع ـ إصلاح عقار القاصر وترميمه وتبديل معالمه أوإنشاء بناء عليه أو هدمه أو غرس أغراس ونحو ذلك، ويتضمن الإذن في هذه الحالة تحديد مدى التصرف وخطة العمل.\rونصت المادة (181) على أن إجراء القسمة بالتراضي مع باقي الشركاء لا ينفذ إلا بتصديق القاضي.\rوهذه القيود لا مانع منها شرعاً؛ لأن المقصود منها رعاية مصلحة القاصر والمحافظة على ماله، وهو مايريده الفقهاء.","part":10,"page":78},{"id":6266,"text":"خامساًً ـ القاضي ووصيه وتصرفاته :\rإذا لم يوجد أب ولا جد ولا وصيهما، انتقلت الولاية للقاضي، لما له من الولاية العامة، فله أن يتصرف بنفسه في أموال القاصر بما فيه المصلحة. لكن العمل جرى على أن القاضي لا يشرف بنفسه على أموال الصغار، بل يعين وصياً من قبله يسمى ( وصي القاضي ) أو ( الوصي المعين ).\rويتصرف وصي القاضي كما يتصرف الوصي المختار، يتصرف في كل ما كان نافعاً للقاصر، ويعمل على حفظ ماله وتنميته، ويختلف عن الوصي المختار في حالات (1) :\r1 - ليس لوصي القاضي أن يشتري شيئاً لنفسه من مال القاصر ولا أن يبيع شيئاً. أما الوصي المختار فله ذلك إذا كان في تصرفه منفعة ظاهرة للقاصر، كما تقدم.\r2 - وصي القاضي يقبل التخصيص، أما الوصي المختار فلا يقبل التخصيص على رأي أبي حنيفة.\r3 - ليس لوصي القاضي أن يبيع مال القاصر لمن لا تقبل شهادته للوصي كأبيه أو ابنه، ولا أن يشتري منه شيئاً للقاصر، أما الوصي المختار فله أن يفعل ذلك.\r4 - للقاضي سؤال وصيه عن مقدار التركة، وليس للوصي المختار ذلك.\r5 - إذا أوصى وصي القاضي لآخر على تركته، لم يكن وصياً على التركتين، بخلاف الوصي المختار.\rليس لوصي القاضي الموكل بالخصومة في عقار القاصر قبضه إلا بإذن من القاضي، أو بتوكيل سابق فيه. أما الوصي المختار فيملك القبض من غير إذن.\r7 - ليس لوصي القاضي إيجار القاصر، أما الوصي المختار فله ذلك.\rحكم القانون : لم يفرق القانون المصري والسوري بين الوصي المختار وبين وصي القاضي في كل الحالات. وأخضع تصرفات الوصي لإشراف المحكمة، كما تقدم.\rسادساً ـ انتهاء الولاية والوصاية :\rتنتهي الولاية على المال بزوال سببها وهو الصغر وبلوغه سن الرشد المالي. ويعرف الرشد عن طريق الاختبار والتجربة، فإذا تبين بالتجربة رشده، سلِّمت إليه أمواله وزالت الولاية عنه.\rأما القانون المصري والسوري فقد حددا للرشد سناً معينة، وهي (21) سنة في مصر، و (18) سنة في سورية. نصت المادة (18) من قانون الولاية على المال في مصر على أنه تزول الولاية أو الوصاية على الصغير ببلوغه إحدى وعشرين سنة إلا إذا حكمت المحكمة قبل هذه السن باستمرار الولاية.\rونصت المادة (47) على انتهاء الوصاية بأحد الأمور الآتية:\r1 - بلوغ القاصر إحدى وعشرين سنة إلا إذا تقرر استمرار الوصاية عليه.\r2 - عودة الولاية للولي، وذلك إذا سلبت المحكمة الولاية من الولي وعينت وصياً على القاصر، ثم زال سبب سلب الولاية، فأمرت المحكمة بإعادتها.\r-------------------------------\r(1) شرح قانون الأحوال الشخصية للأستاذ مصطفى السباعي: 62/2 ومابعدها.","part":10,"page":79},{"id":6267,"text":"3 - عزل القاضي أو قبول استقالته. 4 - فقد الوصي أهليته، أو ثبوت غيبته أو موته أو موت القاصر، وذلك إذا صدر قرار من المحكمة بذلك إلا في حالة العته أو الجنون، فإنه تسري أحكام القانون المدني.\rوعلى الوصي إذا انتهت الوصاية أن يسلم خلال ثلاثين يوماً بعد انتهائها جميع أموال القاصر التي في عهدته.\rوحددت المادة (46) من القانون المدني السوري لسنة (1949) سن الرشد بتمام ثماني عشرة سنة شمسية كاملة.\rونصت المادة (189) من قانون الأحوال الشخصية السوري على ما يلي: تنتهي مهمة الوصي في الأحوال التالية:\rأ ـ بموت القاصر.\rب ـ ببلوغه ثماني عشرة سنة إلا إذا قررت المحكمة قبل بلوغه هذه السن استمرار الوصاية عليه، أو بلغها معتوهاً أو مجنوناً.\rجـ ـ بعودة الولاية للأب أو للجد.\rد ـ بانتهاء العمل الذي أقيم الوصي الخاص لمباشرته أو انقضاء المدة التي حدد بها تعيين الوصي المؤقت.\rهـ ـ بقبول استقالته.\rو ـ بزوال أهليته.\rز ـ بفقده.\rح ـ بعزله. ونصت المادة (191) على ما يلي كما هو المقرر في القانون المصري:\r1 - على الوصي الذي انتهت وصايته أن يسلم في خلال ثلاثين يوماً من انتهائها الأموال التي في عهدته، ويقدم عنها حساباً مؤيداً بالمستندات إلى من يخلفه، أو إلى القاصر الذي بلغ سن الرشد، أو إلى ورثته إن توفي. وعليه أيضاً أن يقدم صورة عن الحساب إلى المحكمة، وإلى الناظر إن وجد.\r2 - إذا توفي الوصي أو حجر عليه أوفقد، فعلى ورثته أو من يمثله تسليم أموال القاصر وتقديم الحساب.\r3 - يباشر مدير الأيتام صلاحية الوصي بما يحقق مصلحة القاصر، إلى أن يعين الوصي الخلف للوصي الذي انتهت وصايته لأي سبب كان.","part":10,"page":80},{"id":6268,"text":"الفَصْلُ الخامِس: النَّفَقَات\r................................نفقة الزوجة والأقارب..................................\rأوضحت في هذا الفصل نفقة الزوجة مع نفقة الأقارب، جمعاً لمسائل البحث، وتسهيلاً على الباحث. وقد تضمن تمهيداً يشمل مبادئ عامة عن النفقات، وأربعة مباحث:\rالأول ـ نفقة الزوجة.\rالثاني ـ نفقة الأولاد أو الفروع.\rالثالث ـ نفقة الأصول، أو الآباء والأجداد والأمهات.\rالرابع ـ نفقة الأقارب: الحواشي وذوي الأرحام.\rعلماً بأن واجب الإنفاق يشمل أيضاً كل ما يتبع الإنسان من الرقيق، والحيوان والنبات والزرع، والدور والأراضي، منعاً من الضياع والتلف، وإضاعة المال حرام. لكن كره الجمهور ترك الزرع والشجر بدون سقي وتعهد، والدور والأراضي بدون إصلاح وتعمير، إلا إذا كان ذلك وقفاً أو لقاصر أو مشتركاً فيجب الإنفاق عليه.\rأما نفقة الحيوان: فيجب على المالك إطعام بهائمه ولو مرضت، وسقيها وريها، لقوله صلّى الله عليه وسلم : «عُذّبت امرأة في هرة حبستها حتى ماتت جوعاً، لا هي أطعمتها، ولا هي أرسلتها تأكل حشاش الأرض» (1) . ويحرم عليه أن يحملها ما لا تطيق؛ لأن الشارع منع تكليف العبد ما لا يطيق، فوجب أن تكون البهيمة مثله، ولأن فيه تعذيباً للحيوان الذي له حرمة في نفسه، وإضراراً به (2) .\rويحرم أن يحلب من لبنها ما يضر بولدها؛ لأنه غذاء للولد، فلا يجوز منعه، ولأن كفايته واجبة على مالكه. ويسن أن يقلم أظفاره لئلا يؤذيها عند الحلب. كما يجب إبقاء شيء من العسل في الخلية بقدر حاجة النحل إذا لم يكفه غيره.\rوإن امتنع المالك من الإنفاق على بهيمة، أجبر عليه عند الجمهور قضاء وديانة، كما يجبر على نفقة زوجته. وإن لم يكن له مال أكري عليه إن أمكن كراؤه، فإن لم يمكن بيع عليه. وقال الحنفية: لا يجبر قضاء على نفقة البهائم، في ظاهر الرواية، ولكنه يفتى فيما بينه وبين الله تعالى أي ديانة أن ينفق عليها. ولا يجبر أيضاً على نفقة الجمادات كالدور والعقار ولا يفتى أيضاً بالوجوب، لكن يكره له تحريماً تضييع المال.\r-------------------------------\r(1) متفق عليه عن ابن عمر مرفوعاً.\r(2) المهذب: 168/2 وما بعدها، كشاف القناع: 573/5 وما بعدها، البدائع: 40/4، القوانين الفقهية: ص 223.","part":10,"page":81},{"id":6269,"text":"ويحرم وسم في الوجه وضرب عليه؛ لأنه صلّى الله عليه وسلم لعن من وسم أو ضرب الوجه، ونهى عنه، كما يحرم ضرب وجه الآدمي، بل الحرمة أشد؛ لأنه أعظم حرمة. ويحرم على المالك التحريش بين الديكة أو الثيران أو غيرها، لما فيه من تعذيبها. ويحرم عليه ـ كما تقدم ـ تكليف الدابة ما لا تطيق من ثقل الحمل أو إدامة السير أو نحوهما.\rويحرم لعن الدابة، لما روى أحمد ومسلم عن عمران: «أنه صلّى الله عليه وسلم كان في سفر، فلعنت امرأة ناقة، فقال: خذوا ما عليها، ودعوها مكانها ملعونة، فكأني أراها الآن تمشي في الناس، ما يَعرِض لها حد» ، ولهما من حديث أبي بَرْزة: «لا تصاحبنا ناقة عليها لعنة» وكذلك يحرم لعن الإنسان.\rولا يجوز قتل البهيمة ولا ذبحها للإراحة؛ لأنها مال ما دامت حية، وذبحها إتلاف لها، وقد نهي عن إتلاف المال، وكذلك يحرم قتل الآدمي المتألم بالأمراض الصعبة أو المصلوب بنحو حديد؛ لأنه معصوم ما دام حياً. ويحسن قتل ما يباح قتله من الحيوانات المؤذية كالكلب العضوض.","part":10,"page":82},{"id":6270,"text":"مبادئ عامة في النفقات :\r1 - معنى النفقة وأسبابها: النفقة مشتقة من الإنفاق: وهو الإخراج، ولا يستعمل إلا في الخير. وجمعها نفقات. وهي لغة: ما ينفقه الإنسان على عياله. وهي في الأصل: الدراهم من الأموال. وشرعاً: هي كفاية من يمونه من الطعام والكسوة والسكنى (1) . وعرفاً هي الطعام. والطعام: يشمل الخبز والأُدم والشرب. والكسوة: السترة والغطاء. والسكنى: تشمل البيت ومتاعه ومرافقه من ثمن الماء ودهن المصباح وآلة التنظيف والخدمة ونحوها بحسب العرف.\rوالنفقة قسمان (2) :\r1ً - نفقة تجب للإنسان على نفسه إذا قدر عليها، وعليه أن يقدمها على نفقة غيره، لقوله صلّى الله عليه وسلم : «ابدأ بنفسك، ثم بمن تعول» (3) أي بمن تجب عليك نفقته.\r2ً - ونفقة تجب على الإنسان لغيره. وأسباب وجوبه ثلاثة: الزوجية، والقرابة الخاصة، والمِلْك (4) .\r2 - الحقوق الواجبة بالزوجية: وهي سبعة (5) :\rالطعام، والإدام، والكسوة، وآلة التنظيف، ومتاع البيت، والسكنى، وخادم إن كانت الزوجة ممن تخدم. وسأبين في المبحث الأول كل واجب من هذه الواجبات.\r3 - القرابة الموجبة للنفقة :\rللمذاهب آراء أربعة تتفاوت فيما بينها ضيقاً واتساعاً في تحديد مدى القرابة الموجبة للنفقة، فأضيقها مذهب المالكية، ثم الشافعية، ثم الحنفية، ثم الحنابلة (6) .\rأ ـ مذهب المالكية: أن النفقة الواجبة هي للأبوين والأبناء مباشرة فحسب دون غيرهم، فتجب النفقة للأب والأم، وللولد ذكراً أو أنثى، ولا تجب للجد والجدة، ولا لولد الولد، لقوله تعالى: {وبالوالدين إحساناً} [الإسراء:23/17]\r-------------------------------\r(1) الدر المختار: 886/2.\r(2) مغني المحتاج: 425/3.\r(3) هذا مركب من حديثين، فالشق الأول رواه أحمد ومسلم وأبو داود والنسائي عن جابر بلفظ أن النبي صلّى الله عليه وسلم قال لرجل: «ابدأ بنفسك فتصدق عليها..» والشق الثاني أخرجه البخاري عن أبي هريرة بلفظ «أفضل الصدقة ما كان عن ظهر غنى، واليد العليا خير من اليد السفلى، وابدأ بمن تعول» (نيل الأوطار: 321/6، 324).\r(4) الدر المختار، ومغني المحتاج: المكان السابق.\r(5) مغني المحتاج: 426/3، القوانين الفقهية: ص 221 وما بعدها.\r(6) القوانين الفقهية: ص 222، المهذب: 156/2، اللباب: 105/3، المغني: 582/7-586، فتح القدير: 350/3.","part":10,"page":83},{"id":6271,"text":"وقوله سبحانه: {وصاحبهما في الدنيا معروفاً} [لقمان:15/31] وقوله صلّى الله عليه وسلم لمن جاء يشكو أباه الذي يريد أن يجتاح (1) ماله: «أنت ومالك لوالدك، إن أطيب ما أكلتم من كسبكم، وإن أولادكم من كسبكم، فكلوه هنيئاً » (2) .\rودليل وجوب نفقة الولد مادام صغيراً لم يبلغ على أبيه: قوله تعالى: {وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف} [البقرة:233/2] وقوله سبحانه: {فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن} [الطلاق:6/65] وقوله صلّى الله عليه وسلم لهند زوجة أبي سفيان: «خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف» (3) . فالنفقة واجبة للوالد والولد فقط.\rب ـ مذهب الشافعية: أن القرابة التي تستحق بها النفقة قرابة الوالدين وإن علوا، وقرابة الأولاد وإن سفلوا، للآيات والأحاديث السابقة؛ لأن اسم الوالدين يقع على الأجداد والجدات مع الآباء، لقوله تعالى: {ملة أبيكم إبراهيم} [الحج:78/22] فسمى الله تعالى إبراهيم أباً وهو جد، ولأن الجد كالأب، والجدة كالأم في أحكام الولادة من رد الشهادة وإيجاب النفقة وغيرهما. واسم الولد يقع على ولد الولد، لقوله عز وجل: {يا بني آدم} [الأعراف:31/7].\rولا تجب نفقة من عدا الوالدين والمولودين من الأقارب كالإخوة والأعمام وغيرهما؛ لأن الشرع ورد بإيجاب نفقة الوالدين والمولودين، وأما من سواهم فلا يلحق بهم في الولادة وأحكام الولادة، فلم يلحق بهم في وجوب النفقة. فالنفقة واجبة للأصول والفروع فقط.\r-------------------------------\r(1) الاجتياح: الاستئصال، ومنه الجائحة للشدة المجتاحة للمال.\r(2) رواه أحمد وأبو داود عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، ورواه أحمد عن عائشة ورواه الخمسة وعائشة بدون الشق الأول، ورواه ابن ماجه عن جابر بلفظ: «أنت ومالك لأبيك» قال ابن رسلان: اللام للإباحة، لا للتمليك، فإن مال الولد له، وزكاته عليه، وهو موروث عنه (نيل الأوطار: 11/6-12).\r(3) رواه الجماعة (أحمد وأصحاب الكتب الستة) إلا الترمذي عن عائشة (نيل الأوطار: 323/6).","part":10,"page":84},{"id":6272,"text":"جـ ـ مذهب الحنفية: تجب النفقة للقرابة المحرمة للزواج، أي لكل ذي رحم محرم، ولا تجب لقريب غير محرم من الإنسان، لقوله تعالى: {واعبدوا الله ، ولا تشركوا به شيئاً، وبالوالدين إحساناً، وبذي القربى} [النساء:36/4] وقوله تعالى: {وآت ذا القربى حقه} [الإسراء:26/17] وما روي عن بَهْز بن حكيم عن أبيه عن جده، قال: قلت: يا رسول الله ، من أبرُّ؟ قال: أمَّك، قال: قلت: ثم من؟ قال: أمَّك، قال: «قلت: يا رسول الله ، ثم من؟ قال: أمَّك، قال: قلت: ثم من؟ قال: أباك، ثم الأقرب فالأقرب» (1) العبارة الأخيرة دليل على وجوب نفقة الأقارب على الأقارب، سواء أكانوا وارثين أم لا.\rلكن قيد الحنفية القرابة بالمحرمية في قوله تعالى: {وعلى الوارث مثل ذلك} [البقرة:233/2]عملاً بما جاء في قراءة ابن مسعود: (وعلى الوارث ذي الرحم المحرم مثل ذلك) ولأن صلة القرابة القريبة واجبة دون البعيدة. فالنفقة واجبة للأصول والفروع والحواشي ذوي الأرحام.\rد ـ مذهب الحنابلة: تجب النفقة لكل قريب وارث بالفرض أو التعصيب من الأصول والفروع والحواشي كالإخوة والأعمام وأبنائهم، وكذا من ذوي الأرحام إذا كانوا من عمود النسب كأب الأم. وابن البنت، سواء أكانوا وارثين أم محجوبين. أما من كان من غير عمود النسب كالخالة والعمة، فلا نفقة له على قريبه؛ لأن قرابتهم ضعيفة، وإنما يأخذون المال عند عدم الوارث كسائر المسلمين.\rفهم لم يشترطوا المحرمية كما اشترطها الحنفية، فيستحق ابن العم النفقة على ابن عمه؛ لأنه وارث، ولا يستحقها عند الحنفية؛ لأنه غير محرم.\r-------------------------------\r(1) رواه أحمد وأبو داود والترمذي (نيل الأوطار: 327/6).","part":10,"page":85},{"id":6273,"text":"ودليلهم قوله تعالى: {وعلى الوارث مثل ذلك} [البقرة:233/2] ولأن بين المتوارثين قرابة تقتضي كون الوارث أحق بمال المورث من سائر الناس، فينبغي أن يختص بوجوب صلته بالنفقة دونهم، فإن لم يكن وارثاً لعدم القرابة، لم تجب عليه النفقة لذلك.\rيظهر من هذه المذاهب أن الفقهاء أجمعوا على وجوب النفقة للآباء والأمهات والأولاد والزوجات في حالة العجز والإعسار، وكان المنفق موسراً. فإن كان الأب معسراً والأم موسرة، تؤمر بالإنفاق، وتكون النفقة ديناً على الأب (1) .\rوقال ابن حزم الظاهري (2) : إن عجز الزوج عن نفقة نفسه، وامرأته غنية، كلفت النفقة عليه، ولا ترجع عليه بشيء مما أنفقته إن أيسر، لقوله تعالى: {وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف، لا تكلف نفس إلا وسعها، لا تضارّ والدة بولدها، ولا مولود له بولده، وعلى الوارث مثل ذلك} [البقرة:233/2] قال علي رضي الله عنه: الزوجة وارثة، فعليها نفقته بنص القرآن.\r4 - مبدأ كفاية النفقة للقريب والزوجة :\rاتفق الفقهاء (3) على أن نفقة الأقارب والزوجات تجب بقدر الكفاية من الخبز والأدم والكسوة والسكن على حسب حال المنفق وبقدر العادة أو عوائد البلاد؛ لأنها وجبت للحاجة، والحاجة تندفع بالكفاية، كنفقة الزوجة، وقد قال النبي صلّى الله عليه وسلم لهند: «خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف» فقدر نفقتها ونفقة ولدها بالكفاية. فإن احتاج القريب أو الزوجة إلى خادم فعلى المنفق إخدامه؛ لأنه من تمام كفايته.\r-------------------------------\r(1) الدر المختار: 925/2.\r(2) المحلى: 114/10، مسألة 1930.\r(3) البدائع: 36/4، 38، حاشية ابن عابدين: 924/2، القوانين الفقهية: ص 223، المهذب: 167/2، مغني المحتاج: 448/3، المغني: 595/7.","part":10,"page":86},{"id":6274,"text":"5 - شروط وجوب النفقة :\rيشترط لوجوب الإنفاق على القريب ثلاثة شروط (1) :\rأولاً ـ أن يكون القريب فقيراً لا مال له ولا قدرة له على الكسب لعدم البلوغ أو الكبر أو الجنون أو الزمانة المرضية، ويستثنى الأبوان فتجب لهما النفقة ولو مع القدرة على الكسب بالصحة والقوة. فإن كان القريب موسراً بمال أو كسب يستغني به غير الوالدين، فلا نفقة له؛ لأنها تجب على سبيل المواساة، والموسر مستغن عن المواساة. والراجح عند المالكية أن النفقة للوالدين على الولد لا تجب إذا قدر على الكسب وتركاه.\rثانياً ـ أن يكون الملزم بالنفقة موسراً مالكاً نفقة فاضلة عن نفسه إما من ماله وإما من كسبه، فيلزم القادر على التكسب أن يعمل للإنفاق على قريبه الفقير. ويستثنى الأب، فنفقة أولاد ه واجبة عليه ولو كان معسراً. وكذلك الزوج، فنفقة زوجته واجبة عليه ولو كان معسراً. وقال المالكية: لا يجب على الولد المعسر تكسب لينفق على والديه ولو قدر على التكسب.\rودليل اشتراط هذا الشرط حديث: «ابدأ بنفسك ثم بمن تعول» وحديث جابر المتقدم: «إذا كان أحدكم فقيراً فليبدأ بنفسه، فإن فضل فعلى عياله، فإن كان فضل فعلى قرابته» وحديث أبي هريرة عند أبي داود وغيره: «أن رجلاً جاء إلى النبي صلّى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله ، عندي دينار؟ قال: تصدق به على نفسك، قال: عندي دينار آخر؟ قال: تصدق به على زوجتك، قال: عندي دينار آخر؟ قال: تصدق به على ولدك، قال: عندي دينار آخر؟ قال:\r-------------------------------\r(1) فتح القدير: 347/3، الدر المختار: 923/2-925، القوانين الفقهية: ص 222، المهذب: 166/2، المغني: 584/7، 586، 589، مغني المحتاج: 446/3-448، كشاف القناع: 558/5-660، الشرح الصغير: 750/2 وما بعدها.","part":10,"page":87},{"id":6275,"text":"تصدق به على خادمك، قال: عندي دينار آخر؟ قال: أنت أبصر به» (1) .\rثالثاً ـ أن يكون المنفق قريباً للمنفق عليه ذا رحم محرم منه، مستحقاً للإرث منه في مذهب الحنفية. أما في رأي الحنابلة فيشترط أن يكون المنفق وارثاً لقوله تعالى: {وعلى الوارث مثل ذلك} [البقرة:233/2]. وأما عند المالكية فأن يكون أباً أو ابناً، وعند الشافعية أن يكون من الأصول أو الفروع، كما أبنت في بحث المبدأ الثالث. وينفق الأب على ولده مادام يتعلم، ولو بعد البلوغ، كما سيأتي.\rشرط اتحاد الدين :\rاتفق الفقهاء على وجوب النفقة للزوجة مع اختلاف الدين ما لم تكن ناشزة أو مرتدة، واختلفوا في شرط اتحاد الدين للإنفاق على القريب (2) :\rفلم يشترط المالكية والشافعية اتفاق الدين في وجوب النفقة، بل ينفق المسلم على الكافر، والكافر على المسلم، لعموم الأدلة الموجبة للنفقة، وقياساً على نفقة الزوجة، ولوجود الموجب وهو البعضية، أي كون القريب بعضاً من قريبه. وللحنابلة روايتان:\rإحداهما ـ تجب النفقة مع اختلاف الدين كالرأي المتقدم.\rوالثانية وهي المعتمدة ـ لا تجب النفقة مع اختلاف الدين؛ لأنها مواساة على البر والصلة ولعدم الإرث، وتفارق نفقة الزوجات؛ لأنها عوض يجب مع الإعسار، فلم يمنعها اختلاف الدين كالصداق والأجرة.\rولم يشترط الحنفية اتحاد الدين في نفقة الأصول (وهم الآباء والأجداد وإن علوا) ونفقة الفروع (وهم الأولاد وأولاد الأولاد وإن نزلوا) ونفقة الزوجة، واشترطوا اتحاد الدين في غير هذه الفئات الثلاث، لعدم أهلية الإرث بين المسلم وغير المسلم.\r-------------------------------\r(1) انظر الأحاديث في نيل الأوطار: 321/6.\r(2) البدائع: 36/4، الكتاب مع اللباب: 104/3 وما بعدها، فتح القدير: 347/3 وما بعدها، 352، القوانين الفقهية: ص 223، مغني المحتاج: 447/3، المهذب: 160/2 وما بعدها، المغني: 585/7.","part":10,"page":88},{"id":6276,"text":"فعلى الرجل أن ينفق على أبويه وأجداده وجداته إذا كانوا فقراء، وإن خالفوه في دينه، أما الأبوان فلقوله تعالى: {وصاحبهما في الدنيا معروفاً} [لقمان:15/31] وليس من المعروف أن يعيش الولد في نعم الله تعالى، ويترك والديه يموتان جوعاً. وأما الأجداد والجدات، فلأنهم من الآباء والأمهات، فيقوم الجد مقام الأب عند عدمه.\rولا تجب النفقة مع اختلاف الدين إلا للزوجة والأبوين والأجداد والجدات، والولد وولد الولد؛ لأن نفقة الزوجة واجبة في مقابل الاحتباس، وأما غيرها من نفقة الأصول والفروع فلثبوت الجزئية بين المنفق والمنفق عليه، وجزء المرء في معنى نفسه. فكما لا تمتنع نفقة نفسه بكفر لا تمتنع نفقة جزئه، إلا أنهم إذا كانوا حربيين لا تجب نفقتهم على المسلم، ولو كانوا مستأمنين؛ لأنا نهينا عن برّ من يقاتلنا في الدين. والخلاصة: أن مذهب الحنفية المعتدل أوجب النفقة للأصول والفروع دون غيرهم من الأقرباء بسبب الجزئية وهي لا تختلف باختلاف الدين. ولا تجب لغيرهم مع اختلاف الدين، لعدم وجود الإرث بين الأقارب حينئذ.\rحد اليسار والإعسار :\rتجب النفقة على الموسر لقريبه، واليسار عند الحنفية على الأرجح المفتى به (1) : هو يسار الفطرة: وهو أن يملك ما يحرم عليه به أخذ الزكاة وهو نصاب ولو غير نام، فاضل عن حوائجه الأصلية. ونصاب الزكاة هو عشرون مثقالاً أو ديناراً من الذهب، أو مئتا درهم من الفضة. فمن وجبت عليه الزكاة بملك نصابها وجب عليه الإنفاق على قريبه بشرط أن يكون المال فاضلاً عن نفقته ونفقة عائلته وحوائجه الضرورية.\r-------------------------------\r(1) الدر المختار وحاشية ابن عابدين: 931/2، البدائع: 35/4.","part":10,"page":89},{"id":6277,"text":"وأطلق الجمهور (1) غير الحنفية القول بأنه يجب الإنفاق على القريب بفاضل عن قوته وقوت عياله في يومه وليلته التي تليه، سواء فَضََل ذلك بكسب أم لا. وهذا هو قول محمد بن الحسن واختاره الكمال بن الهمام وغيره من الحنفية، وهو الأولى مراعاة لدخل الموظفين والحرفيين، فمن اكتسب شيئاً في يومه، وأنفق منه ما يحتاجه في يومه، وزاد عنه شيء، وجب أن يدفعه للقريب المعسر.\rوأما حد الإعسار أوا لمعسر الذي يستحق النفقة، فقيه رأيان (2) :\rالأول ـ هو الذي يحل له أخذ الصدقة ولاتجب عليه الزكاة.\rوالثاني ـ إنه هو المحتاج. والمعسر في عبارة غير الحنفية: هو الفقير الذي لا مال له، والرأيان متقاربان.\rواختلف الحنفية (3) فيمن يملك منزلاً أو له خادم، هل يستحق النفقة على قريبه الموسر على روايتين:\rالأولى ـ إنه لا يستحق النفقة على قريبه الموسر؛ لأن النفقة لا تجب لغير المحتاج، ومثل هؤلاء غير محتاجين؛ لأنه يمكنه بيع بعض المنزل أو كله، ويكتري منزلاً، فيسكن بالكراء، أو يبيع الخادم إذا كان رقيقاً كما كان في الماضي.\rوالثانية ـ إنه يستحق؛ لأن بيع المنزل لا يقع إلا نادراً، ولا يمكن لكل أحد السكنى بالكراء أو بالمنزل المشترك. قال الكاساني: وهذا هو الصواب.\rالعجز عن الكسب والقدرة عليه :\rاتفق الفقهاء (4) على وجوب النفقة لقريب فقير عاجز عن الكسب، والعجز عن الكسب: ألا يستطيع الإنسان اكتساب معيشته بالوسائل المشروعة المعتادة اللائقة به، وله صفات هي:\rأن يكون أنثى مطلقاً أو مريضاً زَمِناً (5) ، أو صغيراً، أو مجنوناً أو معتوهاً، أو مصاباً بآفة تحول دون العمل كالعمى والشلل، أو عاطلاً عن العمل فلا يجد عملاً بسب انتشار البطالة.\r-------------------------------\r(1) حاشية الصاوي على الشرح الصغير: 750/2، مغني المحتاج: 447/3، المغني: 584/7.\r(2) البدائع: 34/4، القوانين الفقهية: ص 222، مغني المحتاج: 448/3، كشاف القناع: 559/5.\r(3) البدائع: 34/4.\r(4) الدر المختار: 923/2-925، 938 وما بعدها، فتح القدير: 347/3 ومابعدها، اللباب: 104/3، الشرح الصغير: 751/2، القوانين الفقهية: ص 222 وما بعدها، مغني المحتاج: 443/3، 448، المغني: 584/7، 586، كشا ف القناع: 559/5، بجيرمي الخطيب: 67/4.\r(5) الزمن: هو المريض بمرض يدوم زماناً طويلاً.","part":10,"page":90},{"id":6278,"text":"فإن كان قادراً على الكسب، فلا نفقة له بالاتفاق ؛ لأن القدرة على الكسب غنى، لكن باستثناء الأبوين، فتجب لهما النفقة في رأي الحنفية والشافعية مع القدرة على الكسب؛ لأن الفرع مأمور بمعاشرة أصله بالمعروف، وليس منها تكليفه الكسب مع كبر السن، كما يجب له الإعفاف (تزويج الأب) ويمتنع القصاص منه. والراجح لدى المالكية والحنابلة أن النفقة لا تجب على الولد لوالديه إذا قدرا على الكسب وتركاه.\rويجب في رأي الجمهور على الزوج لزوجته، وعلى الإنسان لقريبه التكسب ليؤدي النفقة الواجبة عليه؛ لأن القدرة على الكسب كالقدرة على المال، إذا وجد عملاً مباحاً يليق به، ولخبر: «كفى بالمرء إثماً أن يضيع من يقوت» (1) ، وينبني عليه أنه يحرم عليه الزكاة إذا كان قادراً على الكسب، ولأنه يلزمه إحياء نفسه بالكسب، فكذا يلزمه إحياء بعضه وهو القريب.\rوقال المالكية: لا يجب على الولد المعسر تكسب لينفق على والديه، ولو قدر على التكسب. ويجبر الوالدان على الكسب إذا قدرا عليه، على الأرجح.\r-------------------------------\r(1) رواه أحمد وأبو داود والحاكم والبيهقي عن عبد الله بن عمرو، وهو صحيح.","part":10,"page":91},{"id":6279,"text":"واستثنى الحنفية والشافعية أيضاً: طلبة العلم الذين لايتفرغون للكسب، فتجب نفقتهم ولو مع القدرة على الكسب؛ لأن طلب العلم فريضة كفائية، والتفرغ له شرط، فلو ألزم طلبة العلم بالاكتساب لتعطلت مصالح الأمة. واستثنى الحنفية الأخرق: وهو الذي لا يحسن الكسب، وهو في الحقيقة ملحق بالعاجز عن العمل.\rواستثنى الحنفية كذلك أبناء الكرام الذين يلحقهم العار بالتكسب، أو لا\rيستأجرهم الناس عادة، فهم عاجزون، فتجب نفقتهم ولو مع القدرة على الكسب.\rوالخلاصة: أن النفقة لا تجب لذي مال إلا للزوجة، ولا للقادر على الكسب الذي يكفيه ما عدا الأب.\r6 - النفقة بسبب الحاجة :\rلا تجب النفقة على الغير إلا بسب الحاجة، فمن كان ذا مال فنفقته في ماله، سواء أكان صغيراً أم كبيراً، إلا الزوجة فإن نفقتها تجب على الزوج ولو كانت موسرة؛ لأن نفقتها لم تجب للحاجة، وإنما بسبب احتباسها لحق الزوج.\r7 - استقلال الأب بنفقة أولاده :\rلا يشارك الأبَ أحد في الإنفاق على أولاده، كما لا يشاركه أحد في نفقة الزوجة؛ لأنهم جزء منه، وإحياؤهم واجب كإحياء نفسه، ولأن نسبهم لاحق به، فيكون عليه غرم النفقة، ولقوله تعالى: {وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن} [البقرة:233/2] وقوله سبحانه: {فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن} [الطلاق:6/65] وقال النبي صلّى الله عليه وسلم لهند «خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف» فجعل النفقة على أبيهم دونها (1) .\r8 - استقلال الولد بنفقة أبويه :\rلا يشارك الولد في نفقة أبويه أحد؛ لأنه أقرب الناس إليهما (2) . فإن تعدد الأولاد الموسرون، وزعت النفقة في رأي المالكية على الراجح بقدر اليسار حيث\r-------------------------------\r(1) المغني: 587/7، الدر المختار: 926/2.\r(2) اللباب: 105/3، فتح القدير: 343/3 وما بعدها، حاشية ابن عابدين: 927/2.","part":10,"page":92},{"id":6280,"text":"تفاوتوا فيه. وقيل: توزع على حسب الرؤوس فالذكر كالأنثى، وقيل: توزع بحسب قواعد الميراث للذكر مثل حظ الأنثيين.\rوقال الحنفية والشافعية والحنابلة: توزع النفقة على قدر الميراث، فلو كان الرجل مريضاً زمناً وله أولاد، فعليهم نفقة أبيهم على قدر ميراثهم، لقوله تعالى: {وعلى الوارث مثل ذلك} [البقرة:233/2] وترتيب الحكم على مشتق وهو اسم الفاعل هنا، يدل علِى أن المشتق منه علة الحكم، فيثبت الحكم بقدر علته (1) . ونص الحنابلة على أن الحجب عن الميراث في عمودي النسب لا يسقط النفقة عنه.\r9 - هل الإعفاف أو التزويج من النفقة الواجبة؟\rيرى جمهور الفقهاء وفي رواية عند الحنفية (2) : أن الولد يلزمه تزويج أو إعفاف أبيه المعسر ولو كان كافراً معصوماً، وكذا على المشهور عند الشافعية. وعند الحنابلة وبعض الحنفية إعفاف الأجداد من الجهتين جهة الأب وجهة الأم؛ لأنه من وجوه حاجاتهم المهمة كالنفقة والسكنى، ولئلا يعرضهم للزنا المفضي إلى الهلاك، وهو لا يليق بحرمة الأبوة، وليس من المصاحبة بالمعروف المأمور بها، فالزواج مما تدعو الحاجة إليه ويتضرر الأب بفقده، فلزم ابنه تزويجه كالنفقة. والرواية الراجحة عند الحنفية عدم وجوب إعفاف الأب؛ لأنه من الكماليات.\rوإذا اجتمع أب وجد أو جدان، ولم يمكن الولد إلا إعفاف أحدهما قدم الأقرب، ويقدم الجد من جهة الأب على الجد من جهة الأم؛ لأن الأول عصبة، والشرع قد اعتبر جهته في التوريث والتعصيب، فيقدم في الإنفاق والاستحقاق.\r-------------------------------\r(1) الشرح الصغير: 752/2، القوانين الفقهية: ص 223، فتح القدير: 348/3 وما بعدها، 351، مغني المحتاج: 211/3، المغني: 589/7، 592.\r(2) الشرح الصغير: 752/2، مغني المحتاج: 211/3، المهذب: 167/2، غاية المنتهى: 244/3، المغني: 587/7-589، الدر المختار: 927/2.","part":10,"page":93},{"id":6281,"text":"ولا يلزم الأب في المذهبين الحنفي والشافعي في تزويج ابنه الفقير. وأوجب الحنابلة على الأب إعفاف ابنه إذا كانت عليه نفقته وكان محتاجاً إلى إعفافه؛ لأنه تلزمه نفقته، فيلزمه إعفافه عند حاجته إليه، كما يلزم الولد إعفاف أبيه. وكل من لزمه إعفافه، لزمته نفقة زوجته؛ لأنه لايتمكن من الإعفاف إلا بها.\rوالإعفاف: يكون بإعطاء مهر المثل، ويكون تعيين الزوجة إلى الزوج، ولا يجوز للولد أن يزوج أباه قبيحة ولا عجوزاً؛ لأن الإعفاف لا يحصل بواحدة منهما.\rوذكر الحنابلة أن الابن يلزمه إعفاف أمّ بتزويجها كالأب.\rنفقة زوجة الأب :\rيلزم الابن أيضاً نفقة زوجة أبيه في رأي الحنابلة والشافعية والمالكية وفي رواية عند الحنفية، فكل من لزمه إعفافه، لزمته نفقة زوجته، كما تقدم.\rوأما الرواية الأخرى عند الحنفية فلا تجب نفقة زوجة الأب إلا إذا كان الأب مريضاً أو به زمانة (أي مرض مزمن)، قال في الذخيرة: المذهب عدم وجوب نفقة امرأة الأب (1) ، وهو المعمول به في مصر.\rولا يلزم الابن عند الحنفية في الرواية الأولى نفقة أكثر من زوجة واحدة للأب، وهو مذهب المالكية والحنابلة إن حصل الإعفاف بها وإلا تعدّت النفقة لمن يعف.\r-------------------------------\r(1) الشرح الصغير: 752/2، المغني: 587/7-589، الدر المختار وحاشية ابن عابدين: 927/2، القوانين الفقهية: ص 223.","part":10,"page":94},{"id":6282,"text":"نفقة زوجة الابن :\rالمذهب عند الحنفية (1) : عدم وجوب النفقة على الأب لزوجة الابن، ولو كان صغيراً أو كبيراً غائباً، إلا إذا ضمنها، ويستدين الأب على ابنه، ثم يرجع عليه إذا أيسر.\rوقال الحنابلة والشافعية كما تقدم: كل من لزمه إعفافه، لزمته نفقة زوجته؛ لأنه لا يتمكن من الإعفاف إلا بها.\rوأما المالكية فقالوا: إذا كان الزوج معسراً سقطت نفقة الزوجة عنه ما دام معسراً.\r10 - هل تتوقف النفقة على القضاء؟\rقال الحنفية (2) : تجب نفقة الأصول والفروع من غير حاجة إلى قضاء القاضي، إلا أنه إذا كان للصغير مال غائب وأراد الأب أن يرجع عليه، فليس له الرجوع إلا بالقضاء أو بالإشهاد بأن يشهد أنه أنفق ليرجع عليه بعد أن نوى بقلبه، فلو أنفق بغير إذن القاضي وبغير إشهاد فليس له الرجوع قضاء، وله أن يرجع ديانة فيما بينه وبين الله تعالى.\rوأما نفقة غير الأصول والفروع، فلا تثبت إلا بالقضاء أو بالتراضي، وسبب التفرقة بين الحالتين: أن نفقة الأصول والفروع تجب باتفاق الفقهاء، فلا تحتاج في وجوبها إلى قضاء القاضي. أما نفقة الأقارب الآخرين، فمختلف في وجوبها بين الفقهاء، فتحتاج إلى ما يقويها وهو قضاء القاضي.\r11 - سقوط النفقة :\rالنفقة إما للزوجة وإما للأقارب، فمتى تسقط كل واحدة منها؟\rسقوط نفقة الزوجة: تسقط نفقة الزوجة في الحالات التالية (3) :\r1) ـ مضي الزمان من غير فرض القاضي أو التراضي: فتسقط عند الحنفية بمضي المدة بعد الوجوب قبل صيرورتها ديناً في الذمة، ولا تسقط بمضي المدة بعد القضاء به، وتصير ديناً. والحالات الأخرى تسقط فيها النفقة بعد صيرورتها ديناً في الذمة. وقال المالكية وباقي المذاهب: لا تسقط النفقة بمضي الزمان، وترجع الزوجة على زوجها بالنفقة المتجمدة، وهذا بخلاف نفقة الأقارب، فإنها تسقط بمضي المدة؛ لأنه إذا مضى زمنها استغني عنها.\r-------------------------------\r(1) الدر المختار وحاشية ابن عابدين: 887/2، 927 وما بعدها.\r(2) فتح القدير: 338/3، البدائع: 22/4، 35، الدر المختار: 906/2.\r(3) البدائع: 22/4، 29 وما بعدها، فتح القدير: 332/3 وما بعدها، 342، الدر المختار: 889/2-892، 899، القوانين الفقهية: ص 223، الشرح الصغير: 740/2، بداية المجتهد: 54/2، مغني المحتاج: 436/3-438، المهذب: 160/2، المغني: 578/7، 604، 611 و ما بعدها، غاية المنتهى: 238/3 وما بعدها، كشاف القناع: 548/5-551، الشرح الكبير والدسوقي: 517/2.","part":10,"page":95},{"id":6283,"text":"2) ـ الإبراء من النفقة الماضية: تسقط النفقة الماضية بالإبراء أو الهبة ويكون الإبراء إسقاطاً لدين واجب. ولكن قال الحنفية: لا يصح الإبراء أو الهبة عن النفقة المستقبلة؛ لأن نفقة الزوجة تجب شيئاً فشيئاً على حسب حدوث الزمان، فكان الإبراء منها إسقاطاً لواجب قبل الوجوب، وقبل وجود سبب الوجوب أيضاً، وهو حق الاحتباس.\r3) ـ موت أحد الزوجين: لو مات الرجل قبل إعطاء النفقة، لم يكن للمرأة أن تأخذها من ماله. ولو ماتت المرأة لم يكن لورثتها أن يأخذوا نفقتها. فإن كان\rالزوج أسلفها نفقتها وكسوتها، ثم مات قبل مضي الوقت الذي أسلفها عنه، لم ترجع ورثته عليها بشيء في رأي أبي حنيفة وأبي يوسف. وكذا لو ماتت هي لم يرجع الزوج في تركتها في رأيهما.\r4) ـ النشوز: هو معصية المرأة لزوجها فيما له عليها مما أوجبه له عقد الزواج. والنفقة تسقط بنشوز المرأة، ولو بمنع لمس بلا عذر بها، إلحاقاً لمقدمات الوطء بالوطء؛ لأن النفقة هي في مقابلة الاستمتاع، فإذا امتنعت فلا نفقة للناشز. وقال الحنفية: النفقة التي تسقط بالنشوز أو الموت هي النفقة المفروضة، لا المستدانة في الأصح.\rفإن وجد عذر لوجود قروح قرب فرجها، أو التهابات حادة، فلا تسقط نفقتها. ومن الأعذار: مرض يضر معه الوطء، وعَبَالة زوج، أي كبر آلته بحيث لا تحتملها الزوجة.","part":10,"page":96},{"id":6284,"text":"أما خروج المرأة من بيت الزوج بلا إذنه، أو سفرها بلا إذنه، أو إحرامها بالحج بغير إذنه، فهو نشوز، إلا للضرورة أو العذر، كأن يشرف البيت على انهدام، أو تخرج لبيت أبيها لزيارة أو عيادة، فيعد خروجها عذراً، وليس نشوزاً.\rوأما سفر المرأة بإذن الزوج: فقد فصل فيه الشافعية فقالوا: إن كان السفر مع الزوج أو لحاجته، فلا تسقط نفقتها به، وإن كان لحاجتها فتسقط في الأظهر.\rولا يعد نشوزاً عرفاً في رأي الشافعية خروج المرأة في غيبة زوجها لزيارة أقاربها أو جيرانها أو عيادتهم أو تعزيتهم، فلا تسقط نفقتها؛ لأن خروجها لا على وجه النشوز.\rوكذا قال الحنابلة: لا نفقة لمن سافرت بلا إذن زوج لحاجتها، أو لنزهة، أولزيارة ولو بإذن الزوج، أو لتغريب في حد أو تعزير، أو لحبس ولو ظلماً، أو صامت للكفارة أو قضاء رمضان ووقته متسع، أو صامت أو حجت نفلاً أو نذراً معيناً في وقته بلا إذنه. ولا تسقط عندهم وعند المالكية لو أحرمت بحج فرض.\rووافق الحنفية الحنابلة في أن حبس المرأة ولو ظلماً يسقط النفقة، إلا إذا حبسها الزوج بدين له، فلها النفقة في الأصح. ووافق الحنفية الشافعية في أن الحج مع غير الزوج ولو فرضاً، يسقط النفقة، لفوات الاحتباس.\rوقال المالكية: إن حبست ظلماً فلا يسقط حقها في النفقة؛ لأن منعه من الاستمتاع ليس من جهتها.\rوإن منعت المرأة نفسها عن الزوج بالصوم، فإن كان بصوم تطوع، فالصحيح لدى الشافعية أن نفقتها تسقط؛ لأنها منعت التمكين التام بما ليس بواجب، فسقطت نفقتها كالناشزة، وإن منعت نفسها بصوم رمضان أو بقضائه وقد ضاق وقته، لم تسقط نفقتها؛ لأن ما استحق بالشرع لا حقَّ للزوج في زمانه.","part":10,"page":97},{"id":6285,"text":"وإن منعت نفسها بصوم القضاء قبل أن يضيق وقته، أو بصوم كفارة أو نذر في الذمة، سقطت نفقتها؛ لأنها منعت حقه، وهو على ا لفور بما هو ليس فورياً. وكذا تسقط نفقتها بنذر معين بعد الزواج إن كان بغير إذن الزوج. والاعتكاف مثل الصوم: إن كان باعتكاف تطوع أو نذر في الذمة، سقطت نفقتها.\rوإن منعت المرأة نفسها بالصلاة: فإن كانت بالصلوات الخمس، أو السنن الراتبة، لم تسقط نفقتها؛ لأن ما ترتب بالشرع لا حق للزوج في زمانه. وإن كان بقضاء فوائت، سقطت نفقتها؛ لأنها على التراخي، وحقه على الفور.\rوإذا سقطت نفقة المرأة بنشوزها، ثم أطاعت وعدلت عن النشوز، والزوج حاضر، عادت نفقتها، لزوال المسقط لها، ووجود التمكين المقتضي لها. وإن كان الزوج غائباً، لم تعد نفقتها في رأي الشافعية والحنابلة، لعدم تحقق التسليم والتسلم، إذ لا يحصلان مع الغيبة. وقال الحنفية: تعود نفقتها بعد عدولها عن النشوز ولو في غيبة الزوج.\r5) ـ الردة: إذا ارتدت المرأة، سقطت نفقتها، لخروجها عن الإسلام، وامتناع الاستمتاع بسبب الردة. فإذا عادت إلى الإسلام، عادت نفقتها بمجرد عودها عند الشافعية والحنابلة. والفرق بين النشوز والردة: أن المرتدة سقطت نفقتها بالردة، وقد زالت بالإسلام، والناشزة سقطت نفقتها بالمنع من التمكين، وهو لا يزول بالعود إلى الطاعة، وإنما بالتمكين الفعلي، ولا يحصل المقصود في غيبة الزوج.\r6) ـ كل فُرْقة جاءت من قبل المرأة بمعصية، مثل ردتها أو إبائها الإسلام إذا أسلم الزوج وظلت وثنية أو مجوسية، أو تمكينها ابن الزوج من نفسها، ففي هذه الحالات تسقط نفقتها؛ لأنها منعت الاستمتاع بمعصية، فصارت كالناشزة، ويظل لها حق السكنى في بيت الزوجية؛ لأن القرار فيه حق عليها، فلا يسقط بمعصيتها.\rفإن حدثت الفرقة بغير معصية كخيار البلوغ وعدم الكفاءة ووطء ابن الزوج لها مكرهة، فلا تسقط نفقتها؛ لأنها حسبت نفسها بحق لها أو بعذر عذرت شرعاً فيه.","part":10,"page":98},{"id":6286,"text":"ولا تسقط نفقتها بفرقة جاءت من قبل الزوج مطلقاً، سواء أكانت بغير معصية، مثل الفرقة بطلاقه أو لعانه أو عنّته أو جبه، بعد الخلوة في رأي الحنفية، أو بمعصية مثل الفرقة بتقبيله بنت زوجته أوإيلائه مع عدم فيئه حتى مضت أربعة أشهر، أو إبائه الإسلام إذا أسلمت هي، أو ارتد هو، فعرض عليه الإسلام، فلم يسلم؛ لأن بمعصيته لا تُحرم زوجته النفقة.\rوالخلاصة: أن الحنفية قالوا: لا نفقة لإحدى عشرة امرأة (1) : وهي مرتدة، ومقبِّلة ابن الزوج، ومعتدة موت، ومنكوحة بنكاح فاسد أو في أثناء العدة منه، وموطوءة بشبهة، وصغيرة لا توطأ، وخارجة من بيت الزوج بغير حق وهي الناشزة، ومحبوسة ولو ظلماً، ومريضة لم تزف إلى بيت زوجها أي لا يمكنها الانتقال معه أصلاً وإن لم تمنع نفسها، لعدم التسليم تقديراً، ومغصوبة كرهاً وهي من أخذها رجل وذهب بها، وحاجَّة ولو فرضاً وحدها ولو مع محرم لا مع الزوج لفوات الاحتباس. فإن حجت مع الزوج وخرج معها لأجلها، فعليه نفقة الحضر فقط، لا نفقة السفر وأجوره، أما لو أخرجها معه فيلزمه جميع نفقات السفر.\rوإذا فرضت النفقة على الزوج قضاء أو رضاء أصبحت ديناً صحيحاً ثابتاً في ذمته لا يسقط إلا بالأداء أو الإبراء، وهذا ما نصت عليه المادة (79) من القانون السوري: «النفقة المفروضة قضاء أو رضاء لا تسقط إلا بالأداء أو الإبراء» .\rسقوط نفقة الأقارب :\rتسقط نفقة الأقارب للولد والوالدين وذي الأرحام في رأي الحنفية والشافعية والحنابلة (2) ، بمضي المدة، فإذا قضى القاضي بالنفقة للأقارب، فمضت مدة شهر فأكثر، فلم يقبض القريب ولا استدان عليه حتى مضت المدة، سقطت في رأي الحنفية. فمضي المدة يسقط النفقة إلا أن يأذن القاضي بالاستدانة على المنفق عليه؛\r-------------------------------\r(1) الدر المختار وحاشية ابن عابدين: 889/2-892 .\r(2) البدائع: 38/4، فتح القدير: 354/3، الكتاب مع اللباب: 109/3، الدر المختار: 925/2، 943 وما بعدها، المهذب: 167/2.","part":10,"page":99},{"id":6287,"text":"لأن نفقة الأقرباء تجب سداً للحاجة، فلا تجب للموسرين، فإذا مضت المدة ولم يقبضها المستحق، دل على أنه غير محتاج إليها، بخلاف نفقة الزوجة فإنها لا تسقط بمضي المدة بعد القضاء بها؛ لأنها تجب جزاء الاحتباس، لا للحاجة، وتجب ولو كانت الزوجة موسرة. فإن أذن القاضي بالاستدانة على المفروض عليه، لا تسقط؛ لأنها تصير ديناً في ذمته، فلا يسقط بمضي المدة.\rواستثنى الزيلعي نفقة الصغير كالزوجة، فإنها لا تسقط بمضي المدة، وتكون ديناً في ذمة المحكوم عليه، نظراً لعجز الصغير والرأفة به.\rوقال المالكية (1) : تسقط نفقة الأبوين أو الأولاد بمرور الزمن إلا أن يفرضها القاضي، فحينئذ تثبت.\rويلاحظ أن القريب المنفق عليه إذا اكتسب لم تعد النفقة واجبة على قريبة، إلا إذا لم يكتسب ما يكفيه، فحينئذ تكمل له النفقة.\rوالخلاصة: أن نفقة القريب فيما دون شهر، ونفقة الزوجة، والصغير لا تسقط بمضي الزمان، وإنما تصير ديناً بالقضاء. وكذا لا تسقط نفقة القريب غير الزوجة إذا استدان بأمر القاضي.\r12 - جزاء الامتناع عن النفقة :\rذكر الحنفية (2) : أنه إذا امتنع القريب من الإنفاق على قريبة المستحق، وأصر على الامتناع مع قدرته ويساره، فإنه يحبس ولو كان أباً، للضرورة؛ لأن في الامتناع عن النفقة إهلاكاً للقريب، وفي الحبس حمل على الإنفاق لحفظ حياة الإنسان، وهو أمر واجب شرعاً، ويتحمل الأب وغيره من باب أولى هذا القدر من الأذى لهذه الضرورة.\r-------------------------------\r(1) القوانين الفقهية: ص 223.\r(2) البدائع: 38/4، الدر المختار وحاشية ابن عابدين: 945/2.","part":10,"page":100},{"id":6288,"text":"13 - تعدد مستحقي النفقة :\rإذا تعدد مستحقو النفقة ولم يكن لهم إلا قريب واحد، فإن استطاع أن ينفق عليهم جميعاً وجب عليه الإنفاق، وإن لم يستطع بدأ بنفسه ثم بولده الصغير أو الأنثى أو العاجز، ثم بزوجته ـ وقال الحنابلة: تقدم الزوجة على الولد ، ويقدَّم الأب على الأم لفضيلته، وانفراده بالولاية، واستحقاق الأخذ من ماله. وقال ابن قدامة. الأولى التسوية بينهما. وقيل عند الشافعية: يقدم الأب، وقيل: الأم والأب سواء (1) .\rودليل هذا الترتيب: الأحاديث المتقدمة، حديث جابر: «أن النبي صلّى الله عليه وسلم قال لرجل: ابدأ بنفسك فتصدق عليها، فإن فضل شيء فلأهلك، فإن فضل عن أهلك شيء فلذي قرابتك، فإن فضل عن ذي قرابتك شيء فهكذا وهكذا» (2) ، أي وزعه في الناس كيف شئت.\rوحديث أبي هريرة: «أن رجلاً جاء إلى النبي صلّى الله عليه وسلم ، فقال: يا رسول الله ، عندي دينار؟ قال: تصدق به على نفسك، قال: عندي دينار آخر؟ قال: تصدق به على زوجتك، قال: عندي دينار آخر؟ قال: تصدق به على ولدك، قال: عندي دينار آخر؟ قال: تصدق به على خادمك، قال: عندي دينار آخر؟ قال: أنت أبصر به» (3) .\r-------------------------------\r(1) الدر المختار: 927/2، القوانين الفقهية: ص 223، المهذب: 166/2-167، المغني: 593/7، كشاف القناع: 561/5.\r(2) رواه أحمد ومسلم وأبو داود والنسائي (نيل الأوطار: 321/6).\r(3) رواه أحمد والنسائي (المرجع السابق).","part":10,"page":101},{"id":6289,"text":"وحديث أبي هريرة أيضاً: «قال رجل: يا رسول الله ، أي الناس أحق مني بحسن الصحبة؟ قال: أمك، قال ثم من؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: أبوك» (1) ، وفي رواية لمسلم : «من أبر» .\r14 - متى تجب النفقة على بيت المال أو الدولة؟\rإذا لم يكن للقريب المعسر أحد من الأقارب الموسرين، كانت نفقته في بيت المال «خزينة الدولة» ولا يطالب بتكفف الناس؛ لأن من وظائف بيت المال في الإسلام أن يتحمل حاجة المحتاجين وينفق عليهم بقدر حاجاتهم. قال الكاساني (2) في بيان ما يوضع في بيت المال من الأموال وبيان مصارفها: يوضع في بيت المال أربعة أنواع: أحدها ـ زكاة السوائم والعشور وما أخذه العشار من تجار المسلمين إذا مروا عليهم. والثاني ـ خمس الغنائم والمعادن والركاز. والثالث ـ خراج الأراضي وجزية الرؤوس.. وما أخذه العشار من تجار أهل الذمة والمستأمنين من أهل الحرب. والرابع ـ ما أخذ من تركة الميت الذي مات ولم يترك وارثاً أصلاً، أو ترك زوجاً أو زوجة.\rوأما النوع الرابع: فيصرف إلى دواء الفقراء والمرضى وعلاجهم، وإلى أكفان الموتى الذين لا مال لهم، وإلى نفقة اللقيط وعقل جنايته (أي دفع غرامة جنايته) وإلى نفقة من هو عاجز عن الكسب وليس له من تجب عليه نفقته، ونحوهم، وعلى ا لإمام صرف هذه الحقوق إلى مستحقيها.\rهذه مبادئ النفقة، وأذكر عقبها ما يترتب عليها من تفريعات وتفصيلات في المباحث الأربعة التالية:\r-------------------------------\r(1) رواه أحمد والبخاري ومسلم.\r(2) البدائع: 68/2 وما بعدها.","part":10,"page":102},{"id":6290,"text":"المبحث الأول ـ نفقة الزوجة :\rنفقة الزوجة حق أصيل من حقوقها الواجبة على زوجها بسبب عقد الزواج، والكلام عنها في مطالب أربعة هي:\rالأول ـ معنى النفقة وأنواعها ووجوبها ومن تجب عليه وسبب وجوبها.\rالثاني ـ شروط وجوبها.\rالثالث ـ كيفية تقدير النفقة بأنواعها، والحكم القضائي بها.\rالرابع ـ أحكام النفقة (الامتناع عن الإنفاق، وإعسار الزوج، نفقة زوجة الغائب، متى تعتبر النفقة ديناً على الزوج؟ نفقة المعتدة، تعجيل النفقة، الإبراء عنها، المقاصة بدين النفقة، الكفالة بالنفقة أو ضمانها، الصلح عن النفقة).\rالمطلب الأول ـ معنى النفقة وأنواعها، ووجوبها، ومن تجب عليه، وسبب وجوبها :\rمعنى النفقة: بيّنت سابقاً أن النفقة لغة: هي ما ينفقه الإنسان على عياله. وهي شرعاً: الطعام والكسوة والسكنى، وعرفاً في إطلاق الفقهاء: هي الطعام فقط، ولذا يعطفون عليه الكسوة والسكنى، والعطف يقتضي المغايرة (1) .\rوجوبها: اتفق الفقهاء (2) على وجوب النفقة للزوجة مسلمة كانت أو كافرة بنكاح صحيح، فإذا تبين فساد الزواج وبطلانه رجع الزوج على المرأة بما أخذته من النفقة، وثبت وجوبها بالقرآن والسنة والإجماع والمعقول.\r-------------------------------\r(1) الدر المختار وحاشية ابن عابدين: 886/2.\r(2) المرجع السابق، البدائع: 15/4، فتح القدير: 321/3، بداية المجتهد: 53/2 وما بعدها، مغني المحتاج: 426/3، المغني: 563/7.","part":10,"page":103},{"id":6291,"text":"أما القرآن: فقول الله تعالى: {لينفق ذو سعة من سعته، ومن قُدِرَ عليه رزقه (1) ، فلينفق مما آتاه الله ، لا يكلف الله نفساً إلا ما آتاها} [الطلاق:7/65] وقوله تعالى: {وعلى المولود له: رزقهن وكسوتهن بالمعروف} [البقرة:233/2] وقوله سبحانه: {أسكنوهن من حيث سكنتم من وُجْدكم} [الطلاق:6/65] أي على قدر ما يجده أحدكم من السعة والمقدرة. والأمر بالإسكان أمر بالإنفاق؛ لأن المرأة لا تحصل النفقة إلا بالخروج والاكتساب.\rوأما السنة: فقوله صلّى الله عليه وسلم في حديث حجة الوداع عن جابر: «اتقوا الله في النساء، فإنهن عوان (2) عندكم، أخذتموهن بأمانة الله ، واستحللتم فروجهن بكلمة الله ، ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف» (3) ورواه الترمذي بإسناده عن عمرو بن الأحوص قال: «ألا إن لكم على نسائكم حقاً، ولنسائكم عليكم حقاً، فأما حقكم على نسائكم فلا يوطئن فرشكم من تكرهون، ولا يأذن في بيوتكم لمن تكرهون. ألا وحقهن عليكم أن تحسنوا إليهن في كسوتهن وطعامهن» (4) .\rوجاءت هند إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلم ، فقالت: «يا رسول الله ، إن أبا سفيان رجل شحيح، وليس يعطيني ما يكفيني وولدي، فقال: خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف» (5) وفيه دلالة على وجوب النفقة الزوجية، وأنها مقدرة بكفايتها كما بينا، وأن نفقة ولده عليه دونها وهي مقدرة بكفايتهم، وأن النفقة بالمعروف، وأن لها أن تأخذ نفقتها بنفسها من غير علمه إذا لم يعطها إياه.\rوأما الإجماع: فاتفق العلماء على وجوب نفقات الزوجات على أزواجهن إذا كانوا بالغين، إلا الناشز منهن. ولا نفقة عند الحنفية للصغيرة التي لا يستمتع بها؛ لأن امتناع الاستمتاع لمعنى فيها.\rوأما المعقول: فهو أن المرأة محبوسة على الزوج بمقتضى عقد الزواج، ممنوعة من التصرف والاكتساب لتفرغها لحقه، فكان عليه أن ينفق عليها، وعليه كفايتها، لأن الغرم بالغنم والخراج بالضمان، فالنفقة جزاء الاحتباس، فمن احتبس لمنفعة غيره كالموظف والجندي، وجبت نفقته في مال الغير.\r-------------------------------\r(1) أي من ضيق عليه.\r(2) أي كأسيرات.\r(3) رواه مسلم وأبو داود ومالك في الموطأ وغيرهم عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه (نصب الراية: 48/3-50).\r(4) قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.\r(5) رواه الجماعة إلا الترمذي عن عائشة ( نيل الأوطار: 323/6).","part":10,"page":104},{"id":6292,"text":"من تجب عليه: اتفق الفقهاء (1) أيضاً على أن النفقة تجب على الزوج الحر الحاضر، فإذا سلمت المرأة نفسها إلى الزوج على النحو الواجب عليها، فلها عليه جميع ما تحتاجه من مأكول ومشروب وملبوس ومسكن.\rسبب وجوبها: للعلماء رأيان (2) فيه، فقال الحنفية: سبب وجوبها استحقاق الحبس الثابت بالنكاح للزوج عليها، ورتبوا عليه ألا نفقة على مسلم في نكاح فاسد، لانعدام سبب الوجوب وهو حق الحبس الثابت للزوج عليها بسبب الزواج؛ لأن حق الحبس لا يثبت في الزواج الفاسد.\rوعلى الزوج النفقة في أثناء عدة المرأة بسبب الفرقة الحاصلة بطلاق أو بغير طلاق رجعي أو بائن، حامل أو غير حامل، من قبل الزوج أو من قبل المرأة إلا إذا كانت الفرقة من قبلها بسبب محظور استحساناً، لقيام حق الحبس بعد زواج صحيح.\rوقال الجمهور غير الحنفية: سبب وجوب النفقة: هو الزوجية وهو كونها زوجة للرجل، ورتبوا عليه أنه تجب النفقة للمطلقة طلاقاً رجعياً، أو بائناً وهي حامل، لبقاء حق الزوج، أما المبتوتة إذا كانت حاملاً، فلها عند المالكية والشافعية السكنى، ولا نفقة لها لزوال النكاح بالإبانة، وكان ينبغي ألا نفقة للمبتوتة ولا سكنى لها، لكن ترك القياس بالنص القرآني: {أسكنوهن من حيث سكنتم من وُجْدكم} [الطلاق:6/65] والتزم الحنابلة بالقياس وبحديث فاطمة بنت قيس في أنه لا نفقة لها ولا سكنى.\r-------------------------------\r(1) بداية المجتهد: 55/2، المغني: 564/7.\r(2) البدائع: 16/4، فتح القدير: 321/3، الشرح الصغير: 729/2، مغني المحتاج: 425/3، المغني: 564/7.","part":10,"page":105},{"id":6293,"text":"المطلب الثاني ـ شروط وجوب النفقة :\rأذكر هنا شروط وجوب النفقة عند الجمهور ثم عند المالكية. أما شروطها عند الجمهور (1) ، فهي أربعة:\r1ً - أن تمكِّن المرأة نفسها لزوجها تمكيناً تاماً: إما بتسليم نفسها أوبإظهار استعدادها لتسليم نفسها إلى الزوج بحيث لا تمتنع عند الطلب، سواء دخل الزوج بها بالفعل أم لم يدخل، دعته الزوجة أو وليها إلى الدخول بها أم لم تدعه. واشترط المالكية لوجوب النفقة قبل الدخول دعوة المرأة أو وليها المجبر الزوج إلى الدخول.\rفإن ظلت في بيت أهلها برضاه واختياره وجبت نفقتها عليه.\rوإن منعت المرأة نفسها أو منعت وليها، أو تساكتا بعد العقد، فلم تبذل ولم يطلب، فلا نفقة لها، وإن أقاما زمناً، فإن النبي صلّى الله عليه وسلم تزوج عائشة ودخلت عليه بعد سنتين، ولم ينفق إلا بعد دخوله.\rوإن كان الامتناع من تسليم نفسها بحق، فلها النفقة، كالامتناع لتسليم المهر المعجل أو الحالّ، أو لتهيئة مسكن لائق شرعاً. وأضاف الشافعية: أن يريد الزوج سفراً طويلاً.\r2ً - أن تكون الزوجة كبيرة يمكن وطؤها: فإن كانت صغيرة لا تحتمل الوطء فلا نفقة لها؛ لأن النفقة تجب بالتمكين من الاستمتاع، ولا يتصور الوجوب مع تعذر الاستمتاع، فلم تجب نفقتها. ويوافق المالكية رأي الجمهور في هذا الشرط.\r3ً - أن يكون الزواج صحيحاً: فإن كان الزواج فاسداً، فلا نفقة على الزوج؛ لأن العقد الفاسد يجب فسخه، ولا يمكن اعتبار الزوجة محبوسة لحق الزوج، ولأن التمكين لا يصح مع فساد النكاح، ولا يستحق ما في مقابلته، وهذا متفق عليه.\r4ً - ألا يفوت حق الزوج في احتباس الزوجة بدون مسوغ شرعي، أو بسبب ليس من جهته: فإن فات حقه بغير مسوغ شرعي كالنشوز، أو بسبب من جهته، فإن الزوجة تستحق النفقة. وهذا متفق عليه أيضاً، إلا أن المالكية يقولون بوجوب النفقة إذا كان فوات الاحتباس بأمر لا دخل لها فيه.\rوقد بان سابقاً أن نفقة الزوجة واجبة ولو مع اختلاف الدين.\rحكم القانون: أخذ القانون السوري بهذه الأحكام، فنص على ما يلي:\r(م 72 ـ 1) ـ تجب النفقة للزوجة على الزوج ولو مع اختلاف الدين من حين العقد الصحيح، ولو كانت مقيمة في بيت أهلها إلا إذا طالبها الزوج بالنقلة وامتنعت بغير حق.\r2 - يعتبر امتناعها بحق ما دام الزوج لم يدفع معجل المهر أو لم يهيء المسكن الشرعي.\r(م 73) - يسقط حق الزوجة في النفقة إذا عملت خارج البيت دون إذن زوجها.\r-------------------------------\r(1) البدائع: 18/4 ومابعدها، فتح القدير: 324/3، الدر المختار: 886/2 ومابعدها، مغني المحتاج: 435/3 ومابعدها، المهذب: 159/2 ومابعدها، المغني: 601/7-603، كشاف القناع: 545/5، 548.","part":10,"page":106},{"id":6294,"text":"(م 74) - إذا نشزت المرأة، فلا نفقة لها مدة النشوز.\r(م 75) - الناشز: هي التي تترك دار الزوجية بلا مسوغ شرعي، أو تمنع زوجها من الدخول إلى بيتها قبل طلبها النقل إلى بيت آخر.\rشروط وجوب النفقة عند المالكية :\rاشترط المالكية (1) لوجوب النفقة شروطاً قبل الدخول، وشروطاً بعد الدخول.\rأما شروط وجوب النفقة الزوجية قبل الدخول، فهي أربعة :\r1ً - التمكين من الدخول: بأن تدعو المرأة زوجها بعد العقد إلى الدخول بها، أو يدعوه وليها المجبر أو وكيلها، فإن لم تحصل هذه الدعوة، أو امتنعت من الدخول لغير عذر، فلا نفقة لها.\r2ً - أن تكون الزوجة مطيقة الوطء: فإن كانت الزوجة صغيرة لا تصلح للدخول بها فلا نفقة لها، فإن دخل بها وكان بالغاً، لزمته النفقة. وإن كان بها مانع كرتق فلا نفقة لها إلا أن يتلذذ بها عالماً العيب.\r3ً - أن يكون الزوج بالغاً: فلو كان الزوج صغيراً ولم يدخل، فلا نفقه لها، وإن دخل فلها النفقة.وأوجب الجمهور النفقة على الصبي لامرأته الكبيرة؛ لأنها سلمت نفسها تسليماً صحيحاً، كما لو كان الزوج كبيراً.\r4ً - ألا يكون أحد الزوجين مشرفاً على الموت عند الدعوة إلى الدخول: فإن كان في حالة النزع، فلا نفقة للزوجة، لعدم القدرة على الاستمتاع بها. فإن دخل ولو حال الإشراف على الهلاك فعليه النفقة.\rوأما شروط وجوب النفقة بعد الدخول، فهي اثنان:\r1ً - أن يكون الزوج موسراً: وهو الذي يقدر على النفقة بماله أو كسبه، فلو كان معسراً لا نفقة عليه مدة إعساره، لقوله تعالى: {لا يكلف الله نفساً إلا ما آتاها} [الطلاق:7/65] فالمعسر لا يكلف إذن بالإنفاق.\r2ً - ألا تفوِّت الزوجة على زوجها حق الاحتباس بدون مسوغ شرعي: فلو فوتت ذلك بالنشوز، أي الخروج عن طاعة الزوج، فلا نفقة لها.\rوالخلاصة: أن المدخول بها تجب لها النفقة مطلقاً، وإن لم تكن الزوجة مطيقة الوطء، ولا الزوج بالغاً. وأما قبل الدخول فلا نفقة لغير ممكِّنة من نفسها، أو لم يحصل منها أو من وليها دعوة للدخول، أو حصل قبل مضي زمن يتجهز فيه كل منهما للدخول، ولا لغير مطيقة الوطء، ولا مطيقة بها ما نع كرتق إلا أن يتلذذ بها بغير الوطء حالة كونه عالماً بالمانع منه.\r-------------------------------\r(1) الشرح الصغير: 729/2 وما بعدها، القوانين الفقهية: ص 221 وما بعدها، الشرح الكبير والدسوقي: 508/2 وما بعدها.","part":10,"page":107},{"id":6295,"text":"مايترتب على شروط وجوب النفقة من مسائل\rالمسألة الأولى ـ الزوجة الناشزة (1) :\rعرفنا سابقاً أن النشوز يسقط النفقة؛ لأن احتباس الزوجة في بيت الزوجية واجب، فإذا خرجت الزوجة من بيت زوجها بغير مسوغ شرعي، سقطت نفقتها. والمسوغ الشرعي مثل عدم دفع المهر المعجل لها أ و عدم تهيئة المسكن الشرعي الصالح عادة للسكنى.\rوتكون ناشزة أيضاً إذا منعت زوجها من الدخول إلى بيتها، ولم تكن قد طلبت نقلها إلى بيت آخر. وقد أخذ القانون السوري بهذه الأحكام كما تقدم.\rالمسألة الثانية ـ الزوجة العاملة أو الموظفة :\rإذا عملت الزوجة نهاراً أو ليلاً خارج المنزل كالطبيبة والمعلمة والمحامية والممرضة والصانعة، فالمقرر في القانونين المصري والسوري أنه إذا رضي الزوج بخروجها ولم يمنعها من العمل، وجبت لها النفقة؛ لأن احتباس الزوجة حق للزوج، فله أن يتنازل عنه.\rوإن لم يرض بعملها، ونهاها عن العمل، فخرجت من أجله، سقط حقها في النفقة؛ لأن الاحتباس في هذه الحالة ناقص غير كامل، فلو سلمت المرأة نفسها بالليل دون النهار أو عكسه؛ فلا نفقة لنقص التسليم (2) .\rنصت المادة (73) من القانون السوري على ذلك: يسقط حق الزوجة في النفقة إذا عملت خارج البيت دون إذن زوجها.\r-------------------------------\r(1) الناشزة في اللغة: هي العاصية على الزوج المبغضة له، وفي الشرع: هي الخارجة من بيت الزوج بغير حق.\r(2) الدر المختار: 891/2.","part":10,"page":108},{"id":6296,"text":"فإن رضي الزوج بعمل الزوجة أولاً ثم منعها من الخروج، سقط حقها في النفقة أيضاً؛ لأن خروجها نشوز مسقط للنفقة. لكن جرى العمل في القضاء المصري على استحقاقها النفقة؛ لأن إقدام الزوج على الزواج بها وهو يعلم أن لهاعملاً خارجياً، ولم يشترط عليها ترك العمل، يعد رضا منه بسقوط حقه في الاحتباس الكامل.\rأما لو اشترطت الزوجة حين العقد البقاء في عملها، فهذا الشرط فاسد ملغي عند الحنفية، والعقد صحيح، وللزوج أن يمنعها من العمل، فإن استمرت فيه، سقط حقها في النفقة.\rوصحح المالكية هذا الشرط ولكنه مكروه لا يلزم الوفاء به، ولكن يستحب، فله أن يمنع الزوجة من العمل، فإن رفضت الاستجابة لمطلبه كانت ناشزة، يسقط حقها في النفقة.\rوصحح الحنابلة أيضاً هذا الشرط وأوجبوا الوفاء به، فلا يكون للزوج أن يمنع المرأة من العمل، ولو منعها لا تكون ناشزة.\rوقواعد الشافعية تأبى مثل هذا الشرط؛ لأن المذهب الجديد أن النفقة الزوجية تجب بالتمكين التام، لا العقد، وأن الخروج من بيت الزوج بلا إذن منه، نشوز منها، سواء أكان الخروج لعبادة كحج أم لا، ويسقط النشوز نفقتها لمخالفتها الواجب عليها، وأنها لو مكنت من الوطء ومنعت بقية الاستمتاعات، كان ذلك نشوزاً. هذا .. وللزوجة أن تعمل في البيت عملاً لا يضعفها ولا ينقص جمالها، وللزوج أن يمنعها مما يضرها، ولكن لا تسقط نفقتها إذا خالفته، بل له أن يؤدبها، لعصيانها أمره.","part":10,"page":109},{"id":6297,"text":"المسألة الثالثة ـ الزوجة المريضة :\rتجب النفقة اتفاقاً (1) للزوجة المريضة، سواء مرضت عنده بعد الزفاف، أم كانت مريضة حين الزفاف، لتحقق شرط النفقة وهو التسليم أو التمكين التام، ولأن الاستمتاع بها ممكن وإنما نقص بالمرض، ولأن المرض أمر طارئ لا دخل للزوجة فيه، فهو كالحيض والنفاس، وليس من حسن العشرة أن يكون هذا الأمر الطارئ مسقطاً للنفقة.\rولا تسقط نفقتها حتى وإن كانت تمرَّض في بيت أهلها، إلا إذا طلب الزوج منها أن تعود إلى بيته، وكانت تستطيع العودة ولو محمولة، فامتنعت؛ لأنها بامتناعها تصبح ناشزة، أي خارجة عن طاعة الزوج بغير حق.\rنفقات العلاج: قرر فقهاء المذاهب الأربعة (2) أن الزوج لا يجب عليه أجور التداوي للمرأة المريضة من أجرة طبيب وحاجم وفاصد وثمن دواء، وإنما تكون النفقة في مالها إن كان لها مال، وإن لم يكن لها مال، وجبت النفقة على من تلزمه نفقتها؛ لأن التداوي لحفظ أصل الجسم، فلا يجب على مستحق المنفعة، كعمارة الدار المستأجرة، تجب على المالك لا على المستأجر، وكما لا تجب الفاكهة لغير أدم.\rويظهر لدي أن المداواة لم تكن في الماضي حاجة أساسية، فلا يحتاج الإنسان غالباً إلى العلاج؛ لأنه يلتزم قواعد الصحة والوقاية، فاجتهاد الفقهاء مبني على عرف قائم في عصرهم. أما الآن فقد أصبحت الحاجة إلى العلاج كالحاجة إلى الطعام والغذاء، بل أهم؛ لأن المريض يفضل غالباً ما يتداوى به على كل شيء، وهل يمكنه تناول الطعام وهو يشكو ويتوجع من الآلام والأوجاع التي تبرح به وتجهده وتهدده بالموت؟! لذا فإني أرى وجوب نفقة الدواء على الزوج كغيرها من النفقات الضرورية، ومثل وجوب نفقة الدواء اللازم للولد على الوالد بالإجماع، وهل من حسن العشرة أن يستمتع الزوج بزوجته حال الصحة، ثم يردها إلى أهلها لمعالجتها حال المرض؟!.وأخذ القانون المصري (م100) لسنة 1985م برأي في الفقه المالكي أن النفقة الواجبة للزوجة تشمل الغذاء والكسوة والمسكن ومصاريف العلاج وغير ذلك بمايقضي به الشرع وأخذت المحاكم بهذا.\r-------------------------------\r(1) الدر المختار ورد المحتار: 889/2، المغني: 601/7، تكملة المجموع: 81/17.\r(2) الدر المختار ورد المحتار: 889/2، الشرح الكبير والدسوقي: 511/2، مغني المحتاج: 431/3، كشاف القناع: 536/5، الشرح الصغير: 732/2.","part":10,"page":110},{"id":6298,"text":"المسألة الرابعة ـ الامتناع من الدخول أو الانتقال لبيت الزوج لعذر :\rإذا امتنعت الزوجة من الدخول بها ، أو الانتقال إلى دار الزوج لعذر فلها النفقة (1) ،كأن تمتنع حتى تقبض معجل مهرها، أو لعدم صلاحية المسكن للسكنى بسبب خلل فيه أو لنقص المرافق الضرورية له، أو للتأذي فيه من جار أو شيء مخيف، أو وجود أهل لا تحب مساكنتهم أو ضَرة تخشى شرها، أو لأن الزوج غير أمين عليها.\rأما إن امتنعت الزوجة من الانتقال إلى بيت الزوج بغير عذر، أو منعت الزوج من الدخول في بيتها الذي يقيمان فيه من غير طلب سابق بالانتقال إلى منزل آخر، فلا نفقة لها؛ لأنها تعد بامتناعها ناشزة، أي خارجة عن طاعة الزوج بغير حق، والناشزة لا تستحق النفقة مدة نشوزها، فإن عادت وجبت نفقتها من حين العودة.\rالمسألة الخامسة ـ حبس الزوجة :\rاتفق فقهاء المذاهب الأربعة على أنه إذا حبست الزوجة، سقطت نفقتها؛ لأن فوات حق الاحتباس للزوج كان بسبب منها. أما إن حبست ظلماً أو خطفت بواسطة رجل، فتسقط نفقتها أيضاً عند الحنفية والحنابلة، لفوات حق الاحتباس بسبب لا دخل للزوج فيه. وقال المالكية (2) : لا تسقط نفقتها بالحبس ظلماً وبخطفها من رجل؛ لأن فوات حق الاحتباس ليس من جهتها، ولا دخل لها فيه.\rالمسألة السادسة ـ سفر الزوجة :\rاتفق الفقهاء (3) على أنه إذا سافرت الزوجةمع غير زوجها لحج أو غيره قبل الدخول، فلا نفقة لها، لفوات الاحتباس في بيت الزوج. وكذا إن سافرت وحدها بدون محرم بعد الدخول، لا نفقة لها، لفوات الاحتباس بسبب من جهتها، ولعصيانها بهذا السفر بدون محرم.\rأما إن سافرت مع مَحْرم لأداء فريضة الحج، فلا يسقط حقها في النفقة ولو بغير إذنه عند المالكية والحنابلة وأبي يوسف؛ لأنه سفر لأداء فريضة دينية، فيكون\r-------------------------------\r(1) الدر المختار: 888/2.\r(2) الشرح الكبير مع الدسوقي: 517/2.\r(3) الدر المختار: 892/2، مغني المحتاج: 437/3-439، كشاف القناع: 550/5، الشرح الكبير مع الدسوقي: 517/2.","part":10,"page":111},{"id":6299,"text":"فوات الاحتباس بمسوغ شرعي، لكن النفقة الواجبة عند أبي يوسف والحنابلة هي نفقة الإقامة لا السفر، وعند المالكية: يجب لها الأقل من نفقتي الإقامة والسفر.\rوتسقط نفقتها ولو بإذن الزوج عند جمهور الحنفية، والشافعية في الأظهر، لمخالفتها الواجب عليها وانتفاء التمكين، وفوات الاحتباس من جهتها، سواء سافرت لحج الفريضة أم لعمل آخر، كطلب العلم أم لحاجتها.\rوإن سافرت لحج النفل سقطت نفقتها عند الحنفية والشافعية والحنابلة. وقال المالكية: إن سافرت بإذن الزوج، فلا يسقط حقها في النفقة؛ لأنها لا تعد ناشزة، وإن سافرت بدون إذنه، سقط حقها في النفقة؛ لأنها تعد ناشزة.\rالمسألة السابعة ـ انتقال الزوج إلى بلد آخر :\rقال الحنفية (1) : للزوج السفر بزوجته إلى بلد آخر لغرض صحيح، كالتوظف في بلد غير بلده أو استثمار ماله، إذا أوفاها مهرها كله معجله ومؤجله، وكان مأموناً عليها، ولم يقصد الإضرار بها، فإن امتنعت من السفر معه حينئذ، سقط حقها في النفقة واعتبرت ناشزة. فإن لم يؤدها مهرها، أو لم يكن مأموناً عليها أو قصد إضرارها، فلها الحق في الامتناع من السفر معه، ولا تعد ناشزة، لقوله تعالى: {ولا تضارّوهن لتضيقوا عليهن} [الطلاق:6/65] وقوله عليه الصلاة والسلام: «لا ضرر ولا ضرار» .\rوقال المالكية (2) : للزوج الانتقال بزوجته إذا أوفاها عاجل مهرها، وإن لم يكن دخل بها بالشروط التالية:\r1ً - أن يكون الزوج مأموناً.\r2ً - وأن يكون الطريق إلى البلد مأموناً.\r3ً - وأن يكون البلد قريباً بحيث لا ينقطع خبر أهلها عنها ولا خبرها عن أهلها.\r-------------------------------\r(1) الدر المختار: 495/2.\r(2) الشرح الصغير وحاشية الصاوي: 761/2 وما بعدها.","part":10,"page":112},{"id":6300,"text":"المسألة الثامنة ـ حبس الزوج أو مرضه :\rتستحق الزوجة النفقة بالاتفاق إذا حبس زوجها بجريمة اقترفها أو بدين لزوجته، أو ظلماً، أو مرض مرضاً مانعاً من الجماع، أو كان به عيب يحول دون الاستمتاع كالجب (قطع العضو) والعُنَّة (العجز الجنسي) والخصاء (نزع الخصيتين)؛ لأن فوات الاحتباس بسبب من جهته لا من جهة الزوجة.\rوكذلك تستحق النفقة عند المالكية (1) إذا علم الزوج في زوجته بعيب يمنع الوطء كالرتَق (التحام محل الوطء) والقرَن (غدة تمنع الجماع)، واستمتع بها بغير الوطء.\rالمطلب الثالث ـ كيفية تقدير النفقة بأنواعها والحكم القضائي بها :\rتشمل النفقة الزوجية ما يأتي:\r1ً - الطعام والشراب والإدام.\r2ً - الكسوة.\r3ً - المسكن.\r4ً - الخدمة إن لزمتها أو كانت ممن تخدم.\r5ً - آلة التنظيف ومتاع البيت.\rوقد نصت المادة (71 ) من القانون السوري على أنواع النفقة وتقديرها آخذة بوجوب نفقات التطبيب والعلاج:\r1 - النفقة الزوجية تشمل الطعام والكسوة والسكنى والتطبيب بالقدر المعروف، وخدمة الزوجة التي يكون لأمثالها خادم.\r2 - يلزم الزوج بدفع النفقة إلى زوجته إذا امتنع عن الإنفاق عليها أو ثبت تقصيره.\rالواجب الأول ـ الطعام وتوابعه :\rقرر الفقهاء (2) أنه يجب للزوجة الطعام والشراب والإدام، وما يتبعها من ماء وخل وزيت ودهن للأكل وحطب ووقود ونحوها، ولا تجب الفاكهة.\rما تقدر به نفقة الطعام: قال الجمهور غير الشافعية: تقدر بالكفاية، أي بما يكفي الزوجة من الطعام كنفقة الأقارب، لقول النبي صلّى الله عليه وسلم لهند: «خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف» فأمرها بأخذ ما يكفيها من غير تقدير، وإنما باجتهادها في التقدير، ولأن الله تعالى قال: {وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف} [البقرة:233/2] وقال النبي صلّى الله عليه وسلم في خطبة حجة الوداع: «ولهن عليكم رزقهن\r-------------------------------\r(1) الشرح الكبير والدسوقي: 508/2.\r(2) البدائع: 23/4-25، فتح القدير: 322/3 وما بعدها، الدر المختار: 886/2، 894-899، 905، القوانين الفقهية: ص 221 وما بعدها، الشرح الصغير: 731/2 وما بعدها، 739 ، بداية المجتهد: 54/2، مغني المحتاج: 426/3-429، المهذب: 161/2-162، المغني: 564/7-567، 571، كشاف القناع: 533/5 ومابعدها.","part":10,"page":113},{"id":6301,"text":"وكسوتهن بالمعروف» وإيجاب أقل من الكفاية من الرزق ترك للمعروف، وكل هذه الأدلة صريحة في إيجاب قدر الكفاية. ولا يصح تقدير النفقة بالكفارة؛ لأن الكفارة لا تختلف باليسار والإعسار، وإنما اعتبر الشرع الكفارة بالنفقة في الجنس دون القدر، بدليل عدم وجوب الأدم فيها.\rوإذا قام الزوج بتولي الإنفاق على الزوجة، فليس لها أن تطلب منه تقديراً معيناً لتنفق هي بنفسها، فإن ثبت تقصيره، رفع الأمر إلى القاضي ليفرض عليه النفقة، ويرجع في تقدير الواجب إليه إن لم يتراض الزوجان على شيء.\rولا يشترط فيها الحَب، وإنما يصح أن تكون أصنافاً من الطعام بحسب العرب كالخبز والإدام.\rويجب في النفقة تسليم الطعام، وتضمن النفقة المقدرة باليوم أو الشهر أو غيرهما بالقبض من الزوجة، وأجاز الحنفية والمالكية دفع الثمن أو النقود عنه، لتنفق على نفسها، وهو ما يجري عليه القضاء الآن، لأنه أضبط وأيسر. وقال الحنابلة: لا يملك الحاكم فرض غير واجب القوت الغالب في البلد كدراهم مثلاً إلا باتفاق الزوجين.\rوتقدر نفقة الطعام بحسب الأعراف والعادات في كل بلد، أو بحسب اختلاف الأمكنة والأزمنة والأحوال، من رخص وغلاء، وشباب وهرم، وشتاء وصيف.\rوإذا قدر القاضي النفقة، ثم تغير حال الزوج يساراً أو إعساراً، زاد القاضي نفقة اليسار في المستقبل، أو نقصها.","part":10,"page":114},{"id":6302,"text":"وقال الشافعية: تقدر نفقة الطعام من الحب بمقادير معينة بحسب حال الزوج يساراً أو إعساراً؛ لأن أقل ما يدفع في الكفارة إلى الشخص الواحد مدّ (1) من الحبوب، والله سبحانه اعتبر الكفارة بالنفقة على الأهل، فقال تعالى: {من أوسط ما تطعمون أهليكم} [المائدة:89/5] فاعتبروا النفقة بالكفارة بجامع أن كلاً منهما مال يجب بالشرع، ويستقر في الذمة.\rفعلى الزوج الموسر لزوجته كل يوم مدان من الطعام، وعلى المعسر مُدّ، وعلى المتوسط مدّ ونصف، واحتجوا لهذا التفاوت بقوله تعالى: {لينفق ذو سعة من سعته} [الطلاق:7/65] وأكثر ما وجب في الكفارة لكل مسكين مدان، وهو في كفارة الأذى من إزالة شعر أوظفر في الحج، وأقل ما وجب له مُدّ في نحو كفارة الظهار، فأوجبوا على الموسر الأكثر وهو مدّان؛ لأنه قدر الموسع، وعلى المعسر الأقل وهو مد؛ لأن المد الواحد يكتفي به الزهيد، ويتقنع به الرغيب، وعلى المتوسط ما بينهما دفعاً للضرر عنه.\rوالراجح لدي هو رأي الجمهور، بدليل ما قال الأذرعي الشافعي: لا أعرف لإمامنا رضي الله عنه سلفاً في التقدير بالأمداد، ولولا الأدب لقلت: الصواب أنها بالمعروف تأسياً واتباعاً.\rوأما الأدم عند الشافعية فيجب أدم غالب كزيت وسمن وجبن وتمر وخل، وفاكهة لمن اعتادتها، ولحم بحسب يسار الزوج وإعساره كعادة البلد وتقدير القاضي.\r-------------------------------\r(1) الأصح أن المد بتقدير الشافعية ( 171 و 7/3 درهم) مئة وواحد وسبعون درهماً وثلاثة أسباع الدرهم، والمد يساوي 675 غراماً، والدرهم العربي ( 975.2) غم.","part":10,"page":115},{"id":6303,"text":"حال من تقدر به نفقة الطعام: للفقهاء رأيان في كيفية تقدير نفقة الطعام.\rأ ـ ذهب المالكية والحنابلة: إلى أنه تقدر بحسب حال الزوجين يساراً وإعساراً، ومراعاة منصب المرأة وحال البلاد، لقوله تعالى: {لينفق ذو سعة من سعته، ومن قُدِر عليه رزقه، فلينفق مما آتاه الله } [الطلاق:7/65] وللحديث السابق: «خذي ما يكفيك» وذلك عند الحنابلة وقت عقد الزواج، واعتبار حال الزوجين للجمع بين الأدلة، ورعاية لكل من الجانبين، وهو الأولى؛ لأن الآية راعت حال الزوج، والحديث راعى كفاية الزوجة بالمعروف. فإن كانا موسرين فالواجب نفقة اليسار، وإن كانا معسرين فالواجب نفقة الإعسار، وإن تفاوت حالهما فالواجب نفقة الوسط بين الموسرين والمعسرين.\rقال المالكية: والوسط من النفقة بالأندلس: رطل ونصف في اليوم من قمح أو شعير أو ذرة أو قطنية على حسب الحال.\rب ـ وذهب الحنفية والشافعية: إلى أنه تقدر نفقة الطعام والكسوة بحسب حال الزوج يساراً وإعساراً، للآية السابقة: {لينفق ذو سعة من سعته، ومن قُدِرَ عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله ، لا يكلف الله نفساً إلا ما آتاها} [الطلاق:7/65] ولقوله صلّى الله عليه وسلم : «أطعموهن مما تأكلون، واكسوهن مما تكتسون، ولا تضربوهن ولا تقبِّحوهن» (1) ، ولأن النفقة واجبة على الزوج، وقد رضيت الزوجة بحاله، ويقصد من كلمة «المعروف» في حديث هند تحديد الواجب على الزوج.\rوهذا القول هو الراجح لدي، عملاً بما نصت عليه الآية صراحة، وهو ما أخذت به القوانين في سورية ومصر، وفيه مرونة وعدالة؛ لأن القاضي له تعديل النفقة إذا تغيرت أحوال الزوج من الإعسار إلى اليسار وبالعكس.\r-------------------------------\r(1) رواه أبو داود عن معاوية القشيري (نيل الأوطار: 322/6).","part":10,"page":116},{"id":6304,"text":"المدة التي تقدر بها نفقة الطعام: تقدر نفقة الطعام في رأي الحنفية والمالكية (1) بحسب ما يناسب الزوج من الأصلح والأيسرفي الدفع يومياً أو أسبوعياً أو شهرياً أو سنوياً، فالعامل المحترف تقدر نفقته باليومية أو بالأسبوع، والموظف بالشهر، والأغنياء أصحاب الثروة بالسنة، وتدفع النفقة مساء كل يوم لليوم التالي، أو في نهاية الأسبوع كالصناع الذين لا يقبضون أجرهم إلا في آخر الأسبوع، أو في بدء الشهر أو آخره بحسب قبض الرواتب الوظيفية، أو سنة بسنة للأثرياء.\rوقال الشافعية والحنابلة: تدفع النفقة بطلوع شمس كل يوم؛ لأنه أول وقت الحاجة، فإن اتفق الزوجان على التعجيل أو التأجيل جاز.\rالواجب الثاني ـ الكسوة :\rأجمع العلماء (2) على أنه تجب على الزوج لزوجته كسوتها؛ لأنها لا بد منها على الدوام، ولقوله عز وجل: {وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف} [البقرة:233/2] وقول النبي صلّى الله عليه وسلم : «ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف» وقوله عليه الصلاة والسلام لهند: «خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف» والكسوة بالمعروف: هي الكسوة التي جرت عادة أمثالها بلبسه.\rوهي مقدرة بالاتفاق حتى عند الشافعية بكفاية الزوجة؛ للإجماع على أنه لا يكفي ما ينطلق عليه الاسم، وليست مقدرة بالشرع، وتقدر باجتهاد الحاكم،\r-------------------------------\r(1) الدر المختار وابن عابدين: 894/2، الشرح الصغير: 738/2.\r(2) البدائع: 23/4 وما بعدها، الدر المختار: 893/2 وما بعدها، القوانين الفقهية: ص 222، مغني المحتاج: 429/3، 433 وما بعدها، المغني: 568/7، الشرح الصغير: 738/2، المهذب: 162/2، كشاف القناع: 534/5، المغني: 572/7.","part":10,"page":117},{"id":6305,"text":"فيفرض لها على قدر كفايتها، على قدر يسرهما وعسرهما، وما جرت عادة أمثالهما به من الكسوة، فللموسرة ثياب رفيعة من حرير وكتان جيد، وللمعسرة ثياب غليظة من قطن وكتان، وللمتوسطة ما بينهما.\rوأقل ما يجب من الكسوة قميص (ثوب مخيط يستر جميع البدن) وسراويل (وهو ثوب مخيط يستر أسفل البدن ويصون العورة) وخمار أو مقنعة (وهو ما يغطى به الرأس) ومداس أو مِكْعَب (وهو مداس الرجل من نعل أو غيره).\rويجب لها الكسوة في كل سنة مرتين: صيفية وشتوية، لتجدد الحاجة في الحر والبرد، وتكون كسوة الشتاء والصيف بما يناسبها بالاتفاق من غِطاء ووطاء في الشتاء بما يناسب، والصيف بما يناسبه بحسب العرف والعادة.\rوتدفع الكسوة عند المالكية والحنابلة أول كل عام، وتملك بالقبض، فلا بدل لما سرق أو بلي.\rوقال الشافعية والحنفية: تدفع الكسوة في كل ستة أشهر؛ لأن العرف في الكسوة أن تبدَّل في هذه المدة. فإن بليت الكسوة قبل هذه المدة، لم يجب عليه بدلها، كما لا يجب عليه بدل الطعام إذا نفد قبل انقضاء اليوم.","part":10,"page":118},{"id":6306,"text":"الواجب الثالث ـ المسكن :\rيجب للزوجة أيضاً مسكن لائق بها (1) إما بملك أو كراء أوإعارة أووقف، لقوله تعالى: {أسكنوهن من حيث سكنتم من وُجْدكم} [الطلاق:6/65] أي بحسب سعتكم وقدرتكم المالية، وقوله سبحانه: {وعاشروهن بالمعروف} [النساء:19/4] ومن المعروف أن يسكنها في مسكن، ولأنها لا تستغني عن المسكن للاستتار عن العيون وحفظ المتاع. وذكر الشافعية أن الواجب في المسكن هو الإمتاع أي الانتفاع لا التمليك، أما المستهلك كطعام فيجب فيه التمليك.\rويكون المسكن كالطعام والكسوة على قدر يسار الزوجين وإعسارهما، لقوله تعالى: {من وجدكم} [الطلاق:6/65]، وبناء عليه يجب أن تتوافر في المسكن الأوصاف الآتية:\r1ً - أن يكون ملائماً حالة الزوج المالية، للآية السابقة: {من وُجْدكم} [الطلاق:6/65].\r2ً - أن يكون مستقلاً بها ليس فيه أحد من أهله إلا أن تختار ذلك، وهذا عند الحنفية؛ لأن السكنى من كفايتها، فتجب لها كالنفقة، وقد أوجبه الله تعالى مقروناً بالنفقة، وإذا وجب حقاً لها ليس له أن يشرك غيرها فيه؛ لأنها تتضرر به؛ لأن السكن المشترك يمنعها معاشرة زوجها والاستمتاع بها، ولأنها لا تأمن على متاعها. والحد الأدنى للمسكن عند المالكية وغيرهم حجرة واحدة مستقلة بمرافقها، بشرط قرره المالكية وبعض الحنفية: وهو ألا يكون في حجرة أخرى في نفس الشقة (الطابق) زوجة ثانية؛ لأن سكنى المرأة مع ضرتها يؤدي إلى الإضرار بها.\rفإن كان للرجل أقارب فله عند الحنفية أن يسكن زوجته معهم إلا إذا ثبت أن الأقارب يؤذونها بقول أو فعل.\r-------------------------------\r(1) فتح القدير: 334/3 وما بعدها، الدر المختار: 912/2، 914، الشرح الصغير: 737/2، القوانين الفقهية: ص 222، مغني المحتاج: 430/3، 432، المهذب: 162/2، المغني: 569/7.","part":10,"page":119},{"id":6307,"text":"وفرق المالكية بين الزوجة الشريفة والوضيعة، فإذا كانت الزوجة شريفة (وهي ذات القدر) فلها الامتناع من السكنى مع أقاربه، ولو الأبوين في دار واحدة، لما فيه من الضرر عليها باطلاعهم على حالها وشؤونها الخاصة، إلا إذا شرط الزوج عليها عند العقد أن تسكن معهم، فليس لها الامتناع من السكنى معهم إلا إذا حصل منهم الضرر من سكناها معهم أو الاطلاع على شؤونها وعوراتها.\rوأما إن كانت الزوجة وضيعة (وهي التي لا قدر لها)، فللزوج أن يسكنها مع أقاربه في دار واحدة، إلا إذا اشترطت حين العقد ألا يسكن معها أحد من أقارب الزوج، أو حصل لها ضرر منهم.\rوليس للزوجة عند الحنفية أن يسكن معها أحد من غير الزوج، ولو كان صغيراً غير مميز إلا إذا رضي الزوج بالسكنى. وأجاز المالكية أن يسكن معها ولد صغير من غير الزوج إذا لم يكن له حاضنة غيرها، وكان الزوج يعلم به عند الزواج، أو لم يعلم به ولم يكن له حاضنة غيرها. وإذا كان المسكن في مكان منقطع موحش أو كانت الدار كبيرة خالية من السكان ومرتفعة الجدران، فيلزم الزوج مؤنسة تؤنس الزوجة على ما اختاره الحنفية والحنابلة.\r3ً - أن يكون المسكن مؤثثاً مفروشاً في رأي الجمهور غير المالكية: بأن يشتمل على مفروشات النوم من فراش ولحاف ووسادة، وأدوات المطبخ من آلات الأكل والشرب والطبخ من قِدْر (آلة الطبخ) وقَصْعة (آلة أكل) وكوز (إبريق) وجَرَّة (آلة شرب) ونحوها بحسب العادة مما لا غنى لها عنه كمغرفة،وما تغسل فيه ثيابها وأدوات الإضاءة؛ لأن المعيشة لا تتم بدون المذكور، فكان من المعاشرة بالمعروف.\rوقال المالكية الذين يوجبون على الزوجة الجهاز المتعارف في حدود المهر المقبوض قبل الدخول: لا يكلف الزوج بتأثيث المنزل، بل المكلف هو الزوجة.\rواتفق الفقهاء على اشتراط كون المسكن مشتملاً على المرافق الضرورية اللازمة للسكنى من دورة مياه ومطبخ ومنشر، وأن تكون تلك المرافق خاصة بالسكن إلا إذا كان الزوج فقيراً ممن يسكن في غرفة في دار كبيرة متعددة الغرف والسكان، بشرط كون الجيران صالحين.","part":10,"page":120},{"id":6308,"text":"الواجب الرابع ـ نفقة الخادم إن كانت ممن تخدم :\rاتفق الفقهاء (1) على أنه يلزم للزوجة نفقة الخادم إذا كان الزوج موسراً، وكانت المرأة ممن تُخدم في بيت أبيها مثلاً، ولا تخدم نفسها لكونها من ذوي الأقدار أو مريضة؛ لأنه من المعاشرة بالمعروف، ولأن كفايتها واجبة عليه، وقال تعالى: {وعاشروهن بالمعروف} [النساء:19/4]. والأولى للموسر إخدام زوجته التي تخدم نفسها لأنه معاشرة بالمعروف.\rولا يجب لها في رأي الجمهور (أبي حنيفة ومحمد والشافعي وأحمد) أكثر من خادم واحد؛ لأن الخادم الواحد يكفيها لنفسها، فتتحقق الكفاية بواحد، ولا ضرورة إلى اثنين، والزيادة من باب الترف الذي لا يلزم الزوج به.\rوقال أبو يوسف وأبو ثور: تفرض النفقة لخادمين؛ لأنها تحتاج إلى أحدهما لمصالح الداخل، والآخر لمصالح الخارج.\rوكذلك قال المالكية في المشهور: يلزم الزوج أكثر من خادم إذا كانت الزوجة أهلاً لذلك، وقضي لها عند التنازع مع الزوج بخادمها؛ لأنه أطيب لنفسها، إلا لريبة في خادمها تضر بالزوج في الدين أو الدنيا.\r-------------------------------\r(1) البدائع: 24/4، فتح القدير: 327/3-329، الدر المختار: 901/2، بداية المجتهد: 54/2، الشرح الصغير: 734/2، مغني المحتاج: 432/3 وما بعدها، المهذب: 162/2، المغني: 569/7 وما بعدها، غاية المنتهى: 234/3، كشاف القناع: 537/5 ومابعدها.","part":10,"page":121},{"id":6309,"text":"والخادم: هو من يحل له النظر إلى المرأة، بأن يكون امرأة أو ذا رحم محرم؛ لأن الخادم يلزم المخدوم في أغلب أحواله، فلا يسلم من النظر. ويجوز في الصحيح عند الحنابلة: أن يكون الخادم من أهل الكتاب؛ لأن استخدامهم مباح، ولأن الصحيح عندهم إباحة النظر لهم.\rونفقة الخادم ومؤنته من الكسوة والطعام، مثل نفقة امرأة المعسر في رأي الحنابلة، إلا أنه لا يجب لها المشط والدهن لرأسها والسدر؛ لأن ما ذكر يراد للزينة والتنظيف؛ ولايراد من الخادم.\rومذهب الشافعية: تلزم نفقة الخادمة كالزوجة، وجنس طعامها جنس طعام الزوجة: وهو مُدّ على معسر وكذا متوسط على الصحيح، ومد وثلث على موسر، ولها كسوة تليق بحالها، ولها أدم على الصحيح، لكن ليس لها آلة تنظيف، إلا إن كثر وسخ وتأذت بقمَّل، فيجب لها ما يزيله.\rأما إن كان الزوج معسراً فلا يجب عليه إحضار خادم لزوجته ولا نفقته؛ لأن الخادم ليس ضرورياً، وعلى الزوجة أن تخدم نفسها مااستطاعت.","part":10,"page":122},{"id":6310,"text":"الواجب الخامس ـ آلة التنظيف ومتاع البيت :\rاتفق الفقهاء (1) على وجوب أجرة القابلة وآلات التنظيف، واختلفوا في أدوات التجميل ومتاع البيت. فقال الحنفية: يجب على الزوج آلة طحن وخبز وآنية شراب وطبخ ككوز وجرة وقِدْر ومغرفة، وكذا سائر أدوات البيت كحصر ولِبْد وطنفسة (بساط صوف) وما تنتظف به وتزيل الوسخ كمشط وأشنان وصابون وسِدْر ودهن وخِطْمي على عادة أهل البلد، ويجب عليه مداس رجلها وما تغسل به ثيابها وبدنها، وينقل لها ماء الغسل من الجنابة، ويجب لها ماء الوضوء. وأما أجرة القابلة فعلى من استأجرها من زوجة وزوج، فإن جاءت القابلة بلا استئجار، قيل: تجب عليه، لأنه مؤنة الجماع، وقيل: تجب عليها كأجرة الطبيب. وأما الطيب فيجب عليه ما يوضع بعد الحيض والرائحة الكريهة، أما الخضاب والكحل فلا يلزمه، بل هو على اختياره، ولا تجب لها الفاكهة والقهوة والدخان.\rوقال المالكية: تجب على الزوج آلة التنظيف على حسب الحال والمنصب وعوائد البلاد، فيفرض لها ماء الشرب والغسل وغسل الثوب والإناء واليد والوضوء، وزيت الأكل والادِّهان، والوقود من حطب أو غيره على حسب العادة، وما يصلح الطعام من ملح وبصل وغيرهما، واللحم في كل أسبوع مرة من غير الفقير، لا كل يوم، أما الفقير فعلى حسب قدرته.\rوتجب عليه أجرة القابلة؛ لأنها من متعلَّقات الولد، والغطاء والوطاء في الشتاء والصيف بما يناسبهما بحسب العرف والعادة، وحصير الفرش، وليس لها بيع جهازها إلا بعد مضي أربع سنين، ولا يلزم الزوج ببدل الجهاز إذا بلي إلا الغطاء والفراش، فإنه يلزم به؛ لأنه ضروري.\r-------------------------------\r(1) الدر المختار: 893/2، الشرح الصغير: 733/2 وما بعدها، 738، القوانين الفقهية: ص 222، المهذب: 161/2، مغني المحتاج: 427/3، 430-432، المغني: 567/7 وما بعدها، كشاف القناع: 534/5-546، غاية المنتهى: 233/3.","part":10,"page":123},{"id":6311,"text":"وتجب عليه أيضاً أدوات الزينة التي تتضرر المرأة بتركها ككحل ودُهْن من زيت أوغيره كحناء إذا كانا معتادين، لا غير معتادين، ولا يجب عليه مالا تتضرر المرأة بتركه، كما لا يجب لها المُشْط والمُكْحلة وباقي أثاث البيت، لأنها ملزمة بأثاث المنزل وحاجاته بعد قبض صداقها. والمقرر لدى الشافعية: أنه يجب آلة تنظيف كمُشْط ودُهْن وما تكنس به الدار، وما تغسل به الرأس والبدن، وأجرة حمام بحسب العادة، وثمن ماء غسل جماع ونفاس، لا حيض واحتلام في الأصح، ولها آلات الأكل والشرب والطبخ، وعلى الزوج الطحن والعجن والخبز في الأصح، ولها مفروشات النوم من فراش ومخدة ولحاف، وما تقعد عليه من لبْد وحصير ونحوهما. ولا يجب لها الكحل والخضاب وما تزين به إلا إذا طلبه الزوج. وأما الطيب فيلزمه إن كان لقطع السهوكة (الرائحة الكريهة).\rوقرر الحنابلة: أنه يجب للمرأة ما تحتاج إليه من المشط ودهن الرأس والسدر وصابون ونحوهما مما تغسل به رأسها وتنظف بدنها وبيتها، وثمن ماء شرب ووضوء وغسل من حيض أو نفاس وجنابة ونجاسة وغسل ثياب. ويجب عليه الخضاب والحناء إن طلبه منها للزينة، ولا يجب عليه إن لم يطلبه؛ لأنه يراد للزينة، وعليه الطيب لقطع أثر الحيض والعرق والرائحة الكريهة، ولا يلزمه ما يراد للتلذذ والاستمتاع أو التجمل والزينة.\rويجب كل ما تحتاجه للنوم من فراش ولحاف ومِخدَّة مع حشوها بالقطن بحسب عرف البلد، وما تحتاجه للجلوس من بساط صوف وهو الطنفسه، وما لا بد منه للطبخ كماعون الدار ونحوه، الموسر على حسب إيساره والمعسر على قدر إعساره على حسب العوائد.","part":10,"page":124},{"id":6312,"text":"الحكم القضائي بالنفقة وتعديلها :\rتجب نفقة الزوجة ديانة مهما امتد الزمن، لكن منع القانون السوري الحكم بالنفقة أكثر من أربعة أشهر سابقة للادعاء تيسيراً على الزوج ومنع إرهاقه، وقد نص هذا القانون على ذلك في المادة (78):\r1 -يحكم للزوجة بالنفقة من تاريخ امتناع الزوج عن الإنفاق الواجب عليه.\r2 - لا يحكم بأكثر من نفقة أربعة أشهر سابقة للادعاء.\rوالمقرر لدى الحنفية (1) أنه لا تستحق الزوجة النفقة عن مدة ماضية إلا بفرض القاضي أو بالتراضي؛ لأن النفقة عندهم صلة وليست بعوض، فلا يتأكد وجوبها إلا بالقضاء، كالهبة لا توجب الملك إلا بمؤكد وهو القبض، والصلح بمنزلة القضاء.\rويجوز تعديل النفقة المقدرة قضاء في حالتين (2) :\rالأولى ـ تبدل حال الزوج من عسر إلى يسر؛ لأن النفقة تختلف بحسب اليسار والإعسار.\rوالثانية ـ تبدل أسعار الحاجيات تبدلاً ملحوظاً، من رخص إلى غلاء وبالعكس، في أحوال الظروف الطارئة كالحرب والقحط والكوارث العامة. فإذا لم تحدث طوارئ عامة لا تقبل دعوى التعديل زيادة أو نقصاً قبل مضي ستة أشهر على فرض النفقة، اعتماداً على الغالب في أن الأسعار لا يظهر أثر تبدلها في أقل من تلك المدة.\rوهذا ما نصت عليه المادة (77) من القانون السوري:\r1 - تجوز زيادة النفقة ونقصها بتبدل حال الزوج وأسعار البلد.\rلا تقبل دعوى الزيادة أو النقص في النفقة المفروضة قبل مضي ستة أشهر على فرضها إلا في الطوارئ الاستثنائية.\rكيف يقدر القاضي النفقة؟ يقدر القاضي النفقة بالاستناد لمعرفة حاجات الزوجة وتكاليف المعيشة وأسعار السلع، مستعيناً بآراء أهل الخبرة فيها. وهذا ما نصت عليه المادة (81) من القانون السوري.\rيقدر القاضي النفقة، ويجب أن يكون تقديره مستنداً إلى أسباب ثابتة، وله الاستئناس برأي الخبراء.\rالاستدانة أثناء الدعوى: للقاضي أثناء النظر في دعوى النفقة أن يأمر الزوج بإسلاف زوجته مبلغاً من المال، لا يزيد عن نفقة شهر واحد، ويمكن تجديد الأمر، وقد نصت على هذا الأمر المادة (82) من القانون السوري:\r1 - للقاضي أثناء النظر بدعوى النفقة، وبعد تقديرها: أن يأمر الزوج عند اللزوم بإسلاف زوجته مبلغاً على حساب النفقة لا يزيد عن نفقة شهر واحد، ويمكن تجديد الإسلاف بعده.\r2 - ينفذ هذا الأمر فوراً كالأحكام القطعية.\r-------------------------------\r(1) فتح القدير: 332/3، الدر المختار: 906/2.\r(2) فتح القدير: 331/3، الدر المختار: 905/2 وما بعدها.","part":10,"page":125},{"id":6313,"text":"المطلب الرابع ـ أحكام النفقة الزوجية :\rهناك أحكام متنوعة لنفقة الزوجة أهمها ما يأتي:\rأولاً ـ حكم الامتناع عن الإنفاق :\rإذا امتنع الزوج عن الإنفاق على زوجته بعدما فرضه على نفسه أو بعد فرض القاضي، ففيه تفصيل عند الحنفية:\rأ ـ إن كان الزوج موسراً وله مال ظاهر، باع القاضي من ماله جبراً عليه، وأعطى الثمن لزوجته للنفقة. وإن لم يكن له مال ظاهر وكان موسراً، حبسه القاضي إذا طلبت الزوجة (1) ، لقول النبي صلّى الله عليه وسلم : «مَطْل الغني ظلم، يحل عرضه وعقوبته» ويظل محبوساً حتى يدفع النفقة، فإن لم يدفع وثبت للقاضي عجزه عن الإنفاق، ترك إلى الميسرة، لقوله تعالى: {وإن كان ذو عسرة، فنظِرة إلى ميسرة} [البقرة:280/2].\rب ـ وأما إن كان الزوج معسراً: فلا يحبس؛ إذ أنه ليس ظالماً بامتناعه عن الإنفاق، ولأنه لا فائدة من حبسه.\rثانياً ـ إعسار الزوج بالنفقة :\rللفقهاء آراء في إعسار الزوج، وهي ما يأتي (2) :\rقال الجمهور غير المالكية: لا تسقط النفقة المفروضة على الزوج بإعساره، بل تصبح ديناً عليه إلى وقت اليسار، لقوله تعالى: {وإن كان ذو عسرة فنظِرة إلى ميسرة} [البقرة:280/2].\rوحينئذ يأذن القاضي في رأي الحنفية للزوجة بالاستدانة، وإن أبى الزوج، وفائدة الإذن بالاستدانة: أن يتمكن الدائن من أخذ دينه من الزوج أو الزوجة، وأن النفقة المستدانة لا تسقط بموت أحد الزوجين. ويجب إقراض الزوجة على من تجب عليه نفقتها، فإن امتنع فللقاضي أن يحكم بحبسه بعد إنذاره.\rولا يفرق عند الحنفية بين الزوجين بسبب الإعسار؛ لأن النفقة تصير ديناً بفرض القاضي، فيستوفى في المستقبل، ويتحمل أدنى الضررين لدفع الأعلى.\r-------------------------------\r(1) البدائع: 38/4.\r(2) الدر المختار: 903/2 وما بعدها، فتح القدير: 329/3 وما بعدها، الشرح الكبير مع الدسوقي: 517/2، المهذب وتكملة المجموع: 108/17، كشاف القناع: 552/5، المغني: 573/7 وما بعدها.","part":10,"page":126},{"id":6314,"text":"أما عند الشافعية والحنابلة: فللزوجة أن تفسخ أذا أعسر الزوج بنفقة المعسر كلها أو بعضها، ولا تفسخ إذا أعسر بما زاد عن نفقة المعسر؛ لأن الزيادة تسقط بإعساره. ودليلهم على جواز الفسخ حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلّى الله عليه وسلم قال في الرجل لا يجد ما ينفق على امرأته؟ قال: «يفرق بينهما» (1) وحديث أبي هريرة أيضاً عند النسائي الذي ورد فيه: «وابدأ بمن تعول، فقيل: من أعول يا رسول الله ؟ قال: امرأتك تقول: أطعمني، وإلا فارقني» ولأنه عجز عن الإمساك بالمعروف، فينوب القاضي منابة في التفريق كما في الجب والعنة، بل أولى؛ لأن الحاجة إلى النفقة أولى، فإنه إذا ثبت للزوجة الفسخ بالعجز عن الوطء ـ والضرر فيه أقل ـ فلأن يثبت بالعجز عن النفقة ـ والضرر فيه أكثر ـ أولى.\rوقال المالكية: تسقط النفقة عن الزوج بالإعسار مدة إعساره، أي لا تلزمه، ولا تكون ديناً عليه، فلا ترجع عليه الزوجة إذا أيسر، لقوله تعالى: {لا يكلف الله نفساً إلا ما آتاها} [الطلاق:7/65] والمعسر عاجز عن الإنفاق، وتكون متبرعة فيما تنفقه على نفسها في زمن الإعسار. فإن أيسر وجبت عليه النفقة.\rأما الحكم القانوني: ففي مصر نصت المادة (213 إجراءات شرعية) على أنه إذا امتنع المحكوم عليه عن النفقة المحكوم بها، حكمت المحكمة بحبسه، ولا يجوز أن تزيد مدة الحبس على عشرين يوماً، ويخلى سبيله إذا أدى ما عليه أو أحضر كفيلاً مقتدراً. ونصت المادة (80) من القانون السوري على ما يلي:\r1- إذا حكم للزوجة بنفقة على الزوج، وتعذر تحصيلها منه، يلزم من يكلف بنفقتها فيما لو فرضت غير ذات زوج، أن ينفق عليها بالقدر المفروض، ويكون له حق الرجوع على الزوج.\r2 - إذا أذن لها بالاستدانة ممن ليس مكلفاً بنفقتها، فله الخيار بين الرجوع على الزوج أو الرجوع عليها، وهي ترجع على زوجها.\rومعنى هذه المادة التفريق بين حالتين: الأولى ـ إذا كان المأمور بالإنفاق على المرأة هو قريبها من أب أو جد أو أخ، فله إذا دفع النفقة أن يرجع على الزوج عند اليسار. والثانية ـ إذا كان المستدان منه النفقة هو غير المكلف بالإنفاق على المرأة، فله الخيار بين الرجوع على الزوج أو الزوجة.\r-------------------------------\r(1) أخرجه الدارقطني والبيهقي، وأعله أبو حاتم، ولكن للحديث شواهد عن سعيد بن المسيب عند سعيد ابن منصور والشافعي وعبد الرزاق في الرجل لا يجد ما ينفق على أهله، قال: «يفرق بينهما» قال: أبو الزناد: «قلت لسعيد: سنة؟ قال: سنة» وهذا مرسل قوي.","part":10,"page":127},{"id":6315,"text":"ثالثاً ـ نفقة زوجة الغائب :\rالغائب: هو من تعذر إحضاره إلى المحكمة لسؤاله عن دعوى النفقة، سواء أكان بعيداً أم قريباً. وقد اختلف الفقهاء في كيفية إيجاب النفقة عليه (1) .\rفذهب الجمهور إلى وجوب النفقة عليه عن الماضي ولو لم يفرضها حاكم، وتكون ديناً في ذمته. وقال أبو حنيفة: لا تجب إلا بإيجاب الحاكم.\rودليل الجمهور أن عمر رضي الله عنه كتب في رجال غابوا عن نسائهم، فأمرهم أن ينفقوا، أو يطلّقوا. وهذا إجبار على الطلاق عند الامتناع عن الإنفاق، ولأن الإنفاق عليها من ماله يتعذر، فكان لها الخيار كحال الإعسار، بل هذا أولى بالفسخ، فإنه إذا جاز الفسخ على المعذور، فعلى غيره أولى، ولأن في الصبر ضرراً أمكن إزالته بالفسخ، فوجب إزالته.\r-------------------------------\r(1) فتح القدير: 336/3-338، الدر المختار: 916/2، بداية المجتهد: 55/2، الشرح الصغير: 745/2 وما بعدها، المهذب: 163/2، مغني المحتاج: 436/3، المغني: 576/7-578، غاية المنتهى: 236/3، كشاف القناع: 556/5.","part":10,"page":128},{"id":6316,"text":"واستدل أبو حنيفة بأن نفقة الزوجة تجب يوماً فيوماً، فتسقط بتأخيرها إذا لم يفرضها الحاكم كنفقة الأقارب، ولأن نفقة الماضي قد استغني عنها بمضي وقتها، فتسقط كنفقة الأقارب.\rورأى الحنفية: أنه لا يقضى بنفقة في مال شخص غائب إلا لزوجة الغائب وأولاده الصغار ووالديه. أما غيرهم من المحارم كالإخوة والأخوات والأعمام والعمات، فلا يقضى بنفقتهم فيه.\rفإذا غاب الزوج، وطلبت زوجته من القاضي فرض نفقة لها: فإن كان له مال ظاهر يمكن أخذ النفقة منه، قضى لها القاضي بالنفقة من ماله، بعد أن يحلفها بالله: أن زوجها ما أعطاها النفقة، رعاية لمصلحة الغائب، ويأخذ في رأي الحنفية والشافعية كفيلاً منها بالنفقة رعاية لمصلحة الغائب؛ لأنه ربما استوفت النفقة أو طلقها الزوج وانقضت عدتها.\rوكذلك يحلفها في رأي المالكية بأنها تستحق النفقة على زوجها الغائب وأنه لم يترك لها مالاً تنفق منه، ولا وكل وكيلاً لها ينفق عليها. وتسمى هذه اليمين يمين الاستيثاق.\rوإن لم يكن للزوج مال ظاهر: فليس للقاضي في رأي الحنفية تطليق الزوجة بإعساره؛ لأن إعساره لا يسوغ التطليق سواء أكان الزوج حاضراً أم غائباً.","part":10,"page":129},{"id":6317,"text":"ورأى الجمهور غير الحنفية: أن للقاضي تطليق الزوجة بإعسار الزوج مطلقاً حاضراً أم غائباً، إلا أن المالكية قالوا: إن كان الزوج قريب الغيبة فيرسل له: إما أن يأتي أو يرسل النفقة، أو يطلّق عليه، وإن كان بعيد الغيبة كعشرة أيام، فللقاضي التطليق إن لم يترك لها شيئاً ولا وكل وكيلاً بالنفقة ولا أسقطت عنه النفقة حال غيبته، وتحلف على ما ذكر. واتفق الفقهاء (1) على أنه إذا أنفقت المرأة على نفسها من مال زوجها الغائب، ثم بان أنه قد مات قبل إنفاقها، حسب ما عليها ما أنفقته من ميراثها سواء أنفقته بنفسها أو بأمر الحاكم.\rرابعاً ـ متى تعتبر النفقة ديناً على الزوج؟\rعرفنا أن النفقة الزوجية تجب باتفاق الفقهاء من حين العقد مع تمكين الزوجة من نفسها، واشترط المالكية لوجوب النفقة قبل الدخول دعوة المرأة أو وليها المجبر الزوج إلى الدخول.\rولكنهم اختلفوا في وقت اعتبار النفقة ديناً في ذمة الزوج وفي مدى قوة هذا الدين على رأيين (2) :\r1 - قال الحنفية: لا تصير النفقة ديناً في ذمة الزوج إلا بالقضاء أو التراضي، فما لم يحكم بها القاضي، أو لم يتراض الزوجان عليها، لا تكون ديناً، فلو أنفقت المرأة على نفسها من مالها بعد العقد، أو بطريق الاستدانة، لا تكون ديناً على الزوج، بل تسقط بمضي المدة، إلا لأقل من شهر فلا تسقط.\rوإذا تم القضاء بها أو التراضي عليها، لا يصبح المتجمد منها ديناً قوياً بحيث لا يسقط إلا بالأداء أو بالإبراء، وإنما يكون ديناً ضعيفاً يسقط بما يسقط به الدين القوي بالأداء أو الإبراء، ويسقط أيضاً بنشوز الزوجة، وبموت أحد الزوجين. ولا تصير ديناً قوياً إلا إذا أذن الزوج أو القاضي للزوجة بالاستدانة واستدانتها بالفعل.\r-------------------------------\r(1) المغني: 579/7.\r(2) الدر المختار: 906/2، فتح القدير والعناية: 332/3، الشرح الصغير : 743/2، مغني المحتاج: 442/3، المغني: 578/7.","part":10,"page":130},{"id":6318,"text":"وحجتهم أن النفقة الزوجية هي صلة (أي عطاء من غير عوض) من وجه، وعوض من وجه آخر، أما كونها صلة فلأن منافع الاحتباس تعود على الزوجين جميعاً لا على الزوج وحده، وأما كونها عوضاً فلأنها جزاء احتباس الزوجة لحق زوجها، فنظراً لشبهها بالصلة تسقط بمضي المدة من غير قضاء ولا تراض من الزوجين كنفقة الأقارب، ولشبهها بالعوض تصير ديناً بالقضاء بها أو التراضي عليها.\r2 - وقال الجمهور: إنها تصير ديناً قوياً بمجرد وجوبها وامتناع الزوج عن أدائها إلى الزوجة، فلا يسقط إلا بالأداء أو الإبراء كسائر الديون، ولا يسقط بمضي المدة بدون إنفاق، ولا يسقط المتجمد منها في الماضي بنشوز الزوجة ولا بالطلاق ولا بالموت.\rوحجتهم أن النفقة عوض، وليست صلة أي عطاء من غير عوض، وقد أوجبها الشارع بمقتضى العقد في مقابل احتباس الزوجة لشؤون الزوجية. وإذا كانت عوضاً محضاً فهي دين كسائر الديون، تجب من وقت استحقاقها ككل عوض أو أجرة.\rوقد أخذ القانون السوري برأي الحنفية، فنصت المادة (79) على ما يلي: النفقة المفروضة قضاء أو رضاء لا تسقط إلا بالأداء أو بالإبراء. والراجح لدي رأي الجمهور، وقد أخذت به المحاكم الشرعية في مصر من سنة (1920).","part":10,"page":131},{"id":6319,"text":"خامساً ـ نفقة المعتدة :\rتقدم بيان الحكم في حقوق الزوجة، وخلاصته ما يأتي: تجب بالاتفاق نفقة الرجعية؛ لأنها في حكم الزوجة، ونفقة الحامل، لقوله تعالى: {وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن} [الطلاق:6/65].\rولا تجب بالاتفاق نفقة المعتدة من وفاة أو من زواج فاسد أو شبهة، إلا أن المالكية أوجبوا لمعتدة الوفاة السكنى مدةالعدة إذا كان المسكن مملوكاً للزوج، أو مستأجراً ودفع أجرته قبل الوفاة.\rواختلفوا في المعتدة من طلاق بائن: فأوجب الحنفية (1) لها النفقة بأنواعها الثلاثة لاحتباسها لحق الزوج. ولم يوجب لها الحنابلة (2) أي نفقة؛ لأن رسول الله صلّى الله عليه وسلم لم يجعل لفاطمة بنت قيس التي طلقت البتة نفقة ولا سكنى. وتوسط المالكية والشافعية (3) فأوجبوا لها السكنى فقط، لقوله تعالى: {أسكنوهن من حيث سكنتم من وُجْدكم} [الطلاق:6/65].\rنفقة الحمل: أوجب المالكية (4) نفقة الحمل على أبيه، بشرط حرية الحمل وحرية أبيه ولحوق الحمل بأبيه، فلا نفقة لحمل رقيق ولا لمن أبوه عبد، ولا نفقة لحمل ملاعَنة محبوسة بسببه.\rوهناك رأيان عند الشافعية والحنابلة في سبب نفقة الحامل (5) :\rأحدهما: أنها تجب للحمل؛ لأنها تجب بوجوده، وتسقط عند انفصاله، فدل على أنها له.\rوالثاني ـ تجب للحامل من أجل الحمل، لأنها تجب مع اليسار والإعسار، فكانت له، كنفقة الزوجات، ولأنها في رأي غير الحنفية لا تسقط بمضي الزمان، فأشبهت نفقة الأم في حال حياة الحمل.\rحكم القانون السوري بنفقة العدة :\rنصت المادتان (83، 84) على نفقة العدة.\r(م 83 ) - تجب على الرجل نفقة معتدته من طلاق أو تفريق أو فسخ.\r(م 84) - نفقة العدة كنفقة الزوجية، ويحكم بها من تاريخ وجوب العدة، ولا يقضى بها عن مدة أكثر من تسعة أشهر.\rفالمادة الأولى تقرر وجوب نفقة المعتدة أياً كان سبب الفراق.\rوالمادة الثانية تقرر بداية الواجب وهو من تاريخ وجوب العدة، ولا يقضى بها عن مدة أكثر من تسعة أشهر، دفعاً لإرهاق الزوج، مع العلم بأن عدة ممتدة الطهر سنة كاملة، كما جاء في الفقرة (2) من المادة (121)، فكان ينبغي جعل أقصى المدة سنة، لا تسعة أشهر.\r-------------------------------\r(1) الدر المختار: 921/2 وما بعدها، 16/4.\r(2) غاية المنتهى: 236/3 ومابعدها، المغني: 606/7-611، كشاف القناع: 538/5.\r(3) الشرح الصغير: 740/2 وما بعدها، المهذب وتكملة المجموع: 117/17 وما بعدها، حاشية الباجوري: 178/2.\r(4) الشرح الصغير: 743/2.\r(5) المغني: 608/7 وما بعدها.","part":10,"page":132},{"id":6320,"text":"سادساً ـ تعجيل النفقة :\rإذا عجل الزوج نفقة زوجته، ثم طرأ ما يوجب سقوط النفقة كنشوز الزوجة أو موت أحد الزوجين، فليس للزوج أو لورثته في رأي أبي حنيفة وأبي يوسف (1) أن يسترد شيئاً منها؛ لأن النفقة صلة أو هبة، والزوجية من موانع الرجوع في الهبة.\rوقال محمد وباقي الأئمة: للزوج أن يسترد نفقة المدة الباقية، فإن كانت قائمة أخذها، وإن كانت مستهلكة أخذ مثلها إن كانت مثلية، وقيمتها إن كانت قيمية؛ لأن النفقة عوض وجزاء احتباس الزوجة في المدة، فإن فات الاحتباس في بعض المدة فلا تستحق في مقابلها شيئاً من النفقة، فيلزمها أن ترد ما يقابل نفقة تلك المدة. وهذا هو الراجح لدي؛ لأن الراجح أن النفقة عوض وليست صلة أو هبة.\rسابعاً ـ الإبراء من النفقة :\rالإبراء إما أن يكون عن نفقة ماضية أو مستقبلة (2) .\rأ ـ فإن كان عن نفقة ماضية: صح إبراء الزوجة عند الحنفية إن كانت النفقة مفروضة بقضاء القاضي أو بتراضي الزوجين؛ لأنها صارت ديناً ثابتاً في ذمة الزوج، والإبراء يكون مما هو ثابت في الذمة. ولا يصح الإبراء عن نفقة مفروضة بقضاء أو تراض؛ لأنها لم تثبت ديناً في الذمة، ولا يكون الإبراء إلا عما هو ثابت في الذمة.\rوقال الجمهور: يصح الإبراء عنها؛ لأنها تصير ديناً في ذمة الزوج بمجرد الامتناع عن الإنفاق، سواء أكانت مقررة بالقضاء أم بالتراضي أم غير مقررة.\rب ـ وأما الإبراء عن نفقة مستقبلة: فلا يصح اتفاقاً؛ لأن النفقة لم تجب بعد، فلا تقبل الإبراء.\rلكن أجاز الحنفية الإبراء عن نفقة مستقبلة في حالتين:\rالأولى ـ الإبراء عن مدة بدأت بالفعل: كنفقة شهر بدأ، وسنة دخلت، لا عن أكثر من سنة، ولا عن سنة لم تدخل، لتحقق وجوبها، إذ يجب تنجيزها أول المدة.\rالثانية ـ الإبراء من نفقةالعدة في مقابل الخلع أو الطلاق: لأن الإبراء عن النفقة في نظير عوض وهو ملك الزوجة نفسها. ولا يصح الإبراء في غير الخلع والطلاق؛ لأنه إسقاط للشيء قبل وجوبه.\r-------------------------------\r(1) البدائع: 38/4، فتح القدير: 333/3.\r(2) البدائع: 16/4، الدر المختار وحاشية ابن عابدين: 899/2، المغني: 610/7، الأحوال الشخصية للأستاذ زكي الدين شعبان: ص 339.","part":10,"page":133},{"id":6321,"text":"ثامناً ـ المقاصة بدين النفقة :\rإذا كان للزوج دين على زوجته لثمن مبيع أو قرض، فهل يسقط بالمقاصة مع دين النفقة؟.\rيرى الحنفية أنه إذا كان دين النفقة قوياً (وهو الذي فرضه القاضي أو تقرر بالتراضي) جاز لأحد الزوجين أن يطلب المقاصة، وليس للآخر الامتناع من المقاصة لتساوي الدينين في القوة. وأما إذا لم يكن دين النفقة مستداناً بأمر القاضي أو برضا الزوج، فيكون ديناً ضعيفاً، وتصح المقاصة به إذا طلبها الزوج؛ لأن دينه أقوى من دين الزوجة. وليس للزوجة الامتناع من المقاصة. ولا تمكن المقاصة بطلب الزوجة حينئذ إلا إذا رضي الزوج بها؛ لأن دينها أضعف من دينه (1) .\rويرى الجمهور: أن دين النفقة دين صحيح لا يسقط إلا بالأداء أو بالإبراء، سواء فرضه القاضي أو استدين بالتراضي أم لا، فتصح المقاصة به مطلقاً، لتساوي الدينين في القوة. ولكن قرر المالكية والحنابلة أن الزوجة إذا كانت فقيرة، وطلب الزوج المقاصة، لا يجاب إلى طلبه إلا إذا رضيت بها، منعاً للضرر بها؛ لأن إحياء النفس مقدم على وفاء الدين.\r-------------------------------\r(1) شعبان، المرجع السابق: ص 340.","part":10,"page":134},{"id":6322,"text":"تاسعاً ـ الكفالة بالنفقة :\rلا تصح الكفالة بالنفقة في رأي الحنفية قبل القضاء بها أو التراضي عليها؛ لأن المكفول به يشترط أن يكون ديناً صحيحاً، ولا تصبح النفقة ديناً في ذمة الزوج إلا بعد القضاء بها أو التراضي عليها، لكنهم أجازوا استحساناً الكفالة بالنفقة بعد القضاء أو التراضي قبل الاستدانة، رفقاً بالناس، وإعانة للزوجة على الوصول إلى حقها في النفقة.\rوتصح الكفالة بالنفقة في رأي الجمهور؛ لأنها تجب للزوجة من تاريخ العقد بشرط التمكين، وتعتبر ديناً صحيحاً في ذمة الزوج من غير توقف على القضاء أو التراضي. وهذا هو المعمول به في محاكم مصر من سنة (1920).\rالكفالة بالنفقة بسبب السفر: المفتى به عند الحنفية (1) هو رأي أبي يوسف في جواز أخذ المرأة كفيلاً بالنفقة إذا أراد الزوج السفر، وتعطى كفيلاً بنفقة شهر إذا لم تعلم المرأة مدة الغيبة؛ لأن إعطاء كفيل أقل الواجب. فإن علمت أنه سيغيب أكثر من شهر، فتعطى كفيلاً بقدرة المدة التي يتوقع غيابه فيها.\rوقال المالكية: تعطى الزوجة كفيلاً بالنفقة في مدة غياب زوجها ليدفع لها النفقة بحسب المعتاد يومياً أو شهرياً.\rكفالة النفقة الماضية والمستقبلة: أجاز الحنابلة ضمان النفقة الماضية والمستقبلة، واكتفى الشافعية بتجويز ضمان النفقة الماضية، ولم يجيزوا ضمان النفقة المستقبلة؛ لأنه ضمان ما لم يجب، بناء على أن المذهب الجديد للشافعي هو القول بأن النفقة تجب بالتمكين لا بالعقد، وهو الصحيح؛ لأنها لو وجبت بالعقد لملكت الزوجة المطالبة بها كالمهر، والعقد يوجب المهر، ولا يوجب عوضين مختلفين، ولأن النفقة مجهولة، والعقد لا يوجب مالاً مجهولاً (2) .\rعاشراً ـ الصلح عن النفقة :\rقال الحنفية (3) : قد يكون الصلح عن النفقة تقديراً للنفقة، كالصلح على مبلغ مالي قبل تقدير النفقة بالقضاء أو الرضا أوبعده، وحينئذ تجوز الزيادة عليه أو النقصان بسبب الغلاء أو الرخص، فلو قال الزوج: لا أطيق ذلك، فهو لا زم له، ولا التفات لقوله بكل حال، لأنه ألزمه باختياره، إلا إذا تغير سعر الطعام، وعلم القاضي أن ما دون المبلغ المصالح عليه يكفيها، فحينئذ يفرض لها كفايتها.\rوقد يكون الصلح معاوضة كالصلح على متاع أو عقار، إن كان بعد تقدير النفقة بالقضاء أو الرضا، وحينئذ لا تجوز الزيادة ولا النقصان ولو قبل التقدير المذكور.\r-------------------------------\r\r(1) الدر المختار وحاشية ابن عابدين: 895/2.\r(2) المغني: 578/7، المهذب: 164/2، مغني المحتاج: 435/3.\r(3) الدر المختار وحاشية ابن عابدين: 905/2 وما بعدها.","part":10,"page":135},{"id":6323,"text":"المبحث الثاني ـ نفقة الأولاد أو الفروع :\rيشتمل على أربعة مطالب:\rالأول ـ وجوب الإنفاق على الفروع وتعيينهم.\rالثاني ـ شروط الوجوب.\rالثالث ـ من تجب عليه نفقة الفروع.\rالرابع ـ مقدار نفقة الفروع وصيرورتها ديناً وسقوطها وتعجيلها.\rالمطلب الأول ـ وجوب الإنفاق على الفروع وتعيينهم :\rتجب نفقة الأولاد لقوله تعالى: {وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف} [البقرة:233/2] أي أن على الأب المولود له نفقة أولاده، بسبب الولادة، كما تجب عليه نفقة الزوجة بسبب الولد أيضاً، ولقوله صلّى الله عليه وسلم لهند: «خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف» أي أن نفقة الولد والزوجة واجبة على الأب، وللحديث السابق في ترتيب النفقة: على النفس، ثم على الولد الصغير، ثم على الأهل، ثم على الولد غير الصغير، ثم على الخادم.\rوالأولاد الواجب نفقتهم في رأي جمهور العلماء (1) : هم الأولاد مباشرة، وأولاد الأولاد، أي الفروع وإن نزلوا، فعلى الجد نفقة أحفاده، من أي جهة كانوا؛ لأن الولد يشمل الولد المباشر وما تفرع منه. وهو الصحيح، فهذه النفقة تجب بالجزئية دون الإرث.\r-------------------------------\r(1) الكتاب مع اللباب: 106/3 وما بعدها، فتح القدير: 346/3، المهذب: 156/2 وما بعدها، المغني: 586/7 وما بعدها.","part":10,"page":136},{"id":6324,"text":"ورأى الإمام مالك (1) : أنه تجب نفقة الأولاد المباشرين فقط، دون أولاد الأولاد، لظاهر النص القرآني السابق: {وعلى المولود له...} [البقرة:2/233] فالنفقة عنده تجب بسبب الإرث لا بمطلق الجزئية.\rالمطلب الثاني ـ شروط وجوب النفقة على الأولاد :\rيشترط لوجوب نفقة الأولاد ثلاثة شروط (2) :\r1 ً - أن يكون الأصل قادراً على الإنفاق بيسار أو قدرة على الكسب: فإذا كان الأصل غنياً أو قادراً على الكسب، وجبت عليه نفقة أولاده، فينفق عليهم من ماله، وإن لم يكن له مال وقدر على الكسب وجب عليه الاكتساب، في رأي الجمهور، فإن امتنع حبسه القاضي. أما إن كان معسراً بحيث تجب نفقته على غيره من الأصول أو الفروع، وكان عاجزاً عن الكسب، فلا نفقة عليه؛ لأنه لا يعقل إيجاب النفقة عليه وهو يأخذ نفقته من غيره، إذ أن فاقد الشيء لا يعطيه، وهذا هو الصحيح.\rوقال المالكية: لا يلزم الأب الكسب لأجل نفقة أولاده. فإذا كان معسراً، وكان قادراً على الكسب بصنعة أو غيرها، لم يجب عليه التكسب، لينفق على أولاده المعسرين.\r2 ً - أن يكون الولد فقيراً معسراً لا مال له، ولا قدرة له على الاكتساب: فإذا كان له مال يكفيه، وجبت نفقته فيه لا على غيره، وإذا كان مكتسباً وجب عليه الاكتساب، فالصغير المكتسب نفقته في كسبه، لا على أبيه. وعليه فإن الولد\r-------------------------------\r(1) الشرح الصغير: 753/2، القوانين الفقهية: ص 223.\r(2) الدر المختار: 923/2-925، الشرح الصغير والقوانين الفقهية: المكان السابق، المهذب: 166/2، مغني المحتاج: 446/3 ومابعدها، المغني: 584/7-587، كشاف القناع: 559/5.","part":10,"page":137},{"id":6325,"text":"الموسر بمال أو كسب يستغني به، لا نفقة له؛ لأن نفقة القرابة تجب على سبيل المواساة والبر، والموسر مستغن عن المواساة والبر والصلة.ومن له مسكن يسكنه يكون فقيراً محتاجاً للنفقة؛ لأن الإيواء فيه ضرورة حياتية، فلا يباع عليه عقاره، أما إن كان له مسكن آخر زائد عن سكناه، فلا يعد محتاجاً، ولا يستحق النفقة على من سواه من الأصل أو الفرع، فيباع عليه؛ لأن فيه فضلاً عن حاجته.\rوالعجز عن الكسب يكون بإحدى الصفات التالية:\r1 ً) ـ الصغر: أي الصغير الذي لم يبلغ به صاحبه حد الكسب، فإن بلغ الغلام لا الأنثى حد الكسب، كان للأب أن يؤجره أو يدفعه إلى حرفة ليكتسب منها، وينفق عليه من كسبه. أما الأنثى فلاتؤجر للخدمة، لما فيها من مخاطر الخلوة بها وهو لا يجوز شرعاً، لكن يجوز تعليمها عند امرأة حرفة معينة مناسبة لها كخياطة أو تطريز أو غزل ونحوها، فإن استغنت بنحوه، وجبت نفقتها في كسبها، ولا تجب نفقتها على الأب إلا إذا كان دخلها لا يكفيها، فتجب كفايتها بدفع القدر المعجوز عنه.\rوأما الولد الكبير: فلا تجب نفقته على الأب إلا إذا كان عاجزاً عن الكسب لآفة في عقله كالجنون والعته، أو آفة في جسمه كالعمى والشلل وقطع اليدين والرجلين، أو بسبب طلبه العلم، أو بسبب انتشار البطالة وعدم تيسر الكسب له، أو بسبب المرض المانع له من الاكتساب.","part":10,"page":138},{"id":6326,"text":"وأوجب الحنابلة خلافاً للجمهور النفقة للولد الكبير الفقير، ولو كان صحيحاً، كما أوجبوها للوالد الفقير ولو كان صحيحاً؛ لأنه ولد أو والد فقير محتاج، فاستحق النفقة على والده أو ولده الغني، كما لو كان مريضاً بمرض مزمن، أو مكفوفاً. ويكون المبدأ عند الحنابلة هو وجوب نفقة المولودين والوالدين دون اشتراط نقص الخِلْقة أو نقص الأحكام المكلف بها، في ظاهر المذهب.\r2 ً) ـ الأنوثة: تجب نفقة البنت الفقيرة على أبيها مهما بلغت حتى تتزوج، وعندئذ تصبح نفقتها على الزوج، فإذا طلقت عادت نفقتها على الأب، ولا يجوز للأب أن يجبرها على الاكتساب. فإن اكتسبت من مهنة شريفة لا تعرضها للفتنة كخياطة وتعليم وتطبيب، سقطت نفقتها عن الأب، إلا إذا كان كسبها لا يكفيها، فعلى الأب إكمال النفقة التي تحتاجها.\r3 ً) ـ المرض المانع من العمل: كالعمى والشلل والجنون والعته ونحوها.\r4 ً) ـ طلب العلم الذي يشغل عن التكسب: فالطالب المتعلم حتى ولو كان قادراً على العمل والتكسب، تجب نفقته على أبيه؛ لأن طلب العلم فرض كفاية، فلو ألزم طلبة العلم التكسب، تعطلت مصالح الأمة. وهذا بشرط كون الطالب مجداً ناجحاً، فإن كان مخفقاً في دراسته، فلا جدوى في تعليمه، وعليه الانصراف إلى تعلم مهنة حرة تكفيه.","part":10,"page":139},{"id":6327,"text":"وأضاف بعض الحنفية: من يلحقه العار بالتكسب بسبب وجاهته وكونه من أبناء الأشراف، فإنه يستحق النفقة على أبيه. وانتقد ذلك بأن الاكتساب لتوفير مؤونته ومؤونة عياله فرض، فكيف يكون عاراً؟! وقالوا: الأولى بأن الولد إذا كان من أبناء الكرام، ولا يستأجره الناس، فهو عاجز يستحق النفقة. والحق أنه لا امتياز في الإسلام لبعض الناس على بعض، وأن كبار الصحابة منهم أبو بكر وعلي كانوا يتجرون ويعملون، وليس في العمل أي عار، فلا وجه لتمييز بعض الأولاد على عامة الناس.\r3 - ألا يختلف الدين في رأي الحنابلة وحدهم: فلا تجب النفقة في عمودي النسب مع اختلاف الدين، في الرواية المعتمدة لديهم؛ لأنها مواساة على البر والصلة، فلم تجب مع اختلاف الدين كنفقة غير عمودي النسب، ولأنهما غير متوارثين، فلم يجب لأحدهما على الآخر نفقته بالقرابة، ومن الشروط عندهم أن يكون المنفق وارثاً، لقوله تعالى: {وعلى الوارث مثل ذلك} [البقرة:233/2]، فيجب أن تختص النفقة بمن تجب صلته وبمن كان وارثاً، فإن لم يكن وارثاً فلا نفقة له، لعدم القرابة.\rولم يشترط الجمهور غيرا لحنابلة اتحاد الدين لنفقة الأولاد، لقوله تعالى: {وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن} [البقرة:233/2] وهو يدل على أن الولادة سبب لإيجاب نفقة الأولاد على أبيهم، والولادة ثابتة، سواء مع اتحاد الدين أواختلافه، ولأن النفقة وسيلة الحياة، والحياة مطلوبة ولو مع الكفر؛ لأن المال لا أهمية له في الحقيقة، والله تعالى يرزق المؤمن والكافر على السواء.","part":10,"page":140},{"id":6328,"text":"المطلب الثالث ـ من تجب عليه نفقة الأولاد :\rاتفق الفقهاء (1) على أنه إذا كان الأب موجوداً وموسراً أو قادراً على الكسب في رأي الجمهور، فعليه وحده نفقة أولاده، لا يشاركه فيها أحد، لقوله تعالى: {وعلى المولود له..} [البقرة:233/2] الذي يفيد حصر النفقة فيه، ولأنهم جزء منه، فنفقتهم وإحياؤهم كنفقة نفسه.\rأما إذا لم يكن الأب موجوداً، أو كان فقيراً عاجزاً عن الكسب لمرض أو كبر سن أو نحو ذلك، كانت نفقتهم في رأي الحنفية على الموجود من الأصول ذكراً كان أو أنثى إذا كان موسراً، فتجب على الجد وحده إذا كان موسراً، أو على الأم وحدها إذا كانت موسرة. وللجد أو الأم إذا كان الأب موجوداً معسراً غير مريض مرضاً مزمناً الرجوع على الأب في حال يساره، ويكون ما أنفقه ديناً على والدهم. كما يجوز الرجوع عليه إذا أمر القاضي بالإنفاق.\rوإذا وجد الجد مع الأم فعليهما النفقة بنسبة ميراثهما، فيكون على الأم الثلث وعلى الجد الثلثان. وإذا كان الجد مع الجدتين: أم الأم وأم الأب، فعلى الجدتين السدس مناصفة بينهما، وعلى الجد الباقي، بمقدار ميراثهما.\rوإن كان أقارب الولد غير وارثين، بأن كانوا من ذوي الأرحام، فالنفقة على أقربهم درجة. وإن اتحدت درجتهم، كانت النفقة عليهم بالسوية.\rوإن كان بعض الأقارب وارثاً، والآخر غير وارث، كانت النفقة على الأقرب، وإن لم يكن وارثاً، فإن تساووا في درجة القرابة، وجبت النفقة على الوارث دون غيره.\rورأى المالكية: أنه تجب النفقة على الأب وحده دون غيره؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلم قال لرجل سأله، عندي دينار؟ قال: «أنفقه على نفسك، قال: عندي آخر؟ قال: أنفقه على أهلك، قال: عندي آخر؟ قال: أنفقه على ولدك، قال: عندي آخر؟ قال: أنفقه على خادمك، قال: عندي آخر؟ قال: أنت أعلم به» ولم يأمره بإنفاقه على غير هؤلاء.\r-------------------------------\r(1) فتح القدير: 346/3، حاشية ابن عابدين على الدر المختار: 926/2، 935، الشرح الصغير: 753/2، القوانين الفقهية: ص 223، المهذب: 166/2، المغني: 589/7-592، المغني: 589/7-592، مغني المحتاج: 450/3 وما بعدها.","part":10,"page":141},{"id":6329,"text":"وذهب الشافعية: إلى أنه إذا لم يوجد الأب أو كان عاجزاً، وجبت النفقة على الأم، لقوله تعالى: {لا تضارّ والدة بولدها} [البقرة:233/2] ولأنه إذا وجبت النفقة على الأب وولادته من جهة الظاهر، فلأن تجب على الأم، وولادتها مقطوع بها، أولى. وتجب عليها نفقة ولد الولد؛ لأن الجدة كالأم، والجد كالأب في أحكام الولادة.\rوإذا استوت درجة القرابة واستحقاق الإرث وجبت النفقة على المتساوين؛ لأن علة إيجاب النفقة تشملهما. وإن تفاوتت درجة القرابة فالأصح أن أقربهما تجب النفقة عليه، وارثاً كان أو غيره، وإن استوى قربهما، يقدم الوارث في الأصح. فإن كان هناك أم وجد أبو أب، فالنفقة كلها على الجد في الأصح، لأنه ينفرد بالتعصيب، فأشبه الأب. وإن كان للفرع أجداد وجدات يدلي بعضهم ببعض فالنفقة على الأقرب منهم. وإن لم يُدْل بعضهم ببعض فتلزم النفقة بالقرب.\rوقال الحنابلة في ظاهر المذهب: إذا لم يكن للولد الصغير أب، وجبت نفقته على كل وارث على قدر ميراثه، لقوله تعالى: {وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف} [البقرة:233/2] ثم قال: {وعلى الوارث مثل ذلك} [البقرة:233/2] فأوجب على الأب نفقة الرضاع، ثم عطف الوارث عليه، فأوجب على الوارث مثل ما أوجب على الوالد. وسأل رجل النبي صلّى الله عليه وسلم قال: «من أبر؟ قال: أمك وأباك وأختك وأخاك» وفي لفظ: «ومولاك الذي هو أدناك حقاً واجباً، ورحماً موصولاً» (1) وهذا نص في المطلوب؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلم ألزمه الصلة والبر، وكون النفقة من الصلة جعلها حقاً واجباً. فإن كان للولد وارثان فالنفقة عليهما على قدر إرثهما منه، وإن كانوا ثلاثة أو أكثر، فالنفقة بينهم على قدر إرثهم منه:\r-------------------------------\r(1) رواه أبو داود عن كُلَيب بن مَنْفعة عن جده بلفظ «...ومولاك الذي يلي ذاك، حق واجب، ورحم موصولة» (نيل الأوطار: 327/6).","part":10,"page":142},{"id":6330,"text":"فإن كان للولد الصغير أم وجد، فعلى الأم ثلث النفقة، وعلى الجد ثلثا النفقة؛ لأنهما يرثانه، والله تعالى قال: {وعلى الوارث مثل ذلك} [البقرة:233/2] والأم وارثة، فكان عليها بالنص.\rوإن كانت جدة وأخ، فعلى الجدة سدس النفقة، والباقي على الأخ، وعلى هذا يكون ترتيب النفقات على ترتيب الميراث، فكما أن للجدة ههنا سدس الميراث، فعليها سدس النفقة، وكما أن الباقي للأخ، فكذلك الباقي من النفقة عليه.\rوإن اجتمع أبوا أم، فالنفقة على أم الأم؛ لأنها الوارثة. وإن اجتمع أبوا أب، فعلى أم الأب السدس، والباقي على الجد. وإن اجتمع جد وأخ، فهما سواء. وإن اجتمعت أم وأخ وجد، فالنفقة بينهم أثلاثاً. وقال الشافعي: النفقة على الجد في هذه المسائل كلها إلا المسألة الأولى، فالنفقة عليهما بالسوية.\rالمطلب الرابع ـ مقدار نفقة الأولاد وصيرورتها ديناً وسقوطها وتعجيلها :\rاتفق الفقهاء (1) على أن نفقة القريب من ولد وولد ولد مقدرة بقدر الكفاية من الخبز والأدم والمشرب والكسوة والسكنى والرضاع إن كان رضيعاً على قدر حال المنفق وعوائد البلاد؛ لأنها وجبت للحاجة، فتقدر بقدر الحاجة، وقد قال النبي صلّى الله عليه وسلم لهند: «خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف» فقدر نفقتها ونفقة ولدها بالكفاية.\rوإن احتاج الولد المنفق عليه إلى خادم يخدمه، فعلى الوالد إخدامه؛ لأنه من تمام كفايته.\rوإن كانت له زوجة، وجبت نفقة زوجته عند الشافعية والحنابلة؛ لأنها من تمام الكفاية. ولا تجب نفقة زوجة الابن على المذهب عند الحنفية. وتسقط نفقة الزوجة عند المالكية في حال إعسار الزوج.\rولا تصير هذه النفقة عند الحنفية ديناً في الذمة أصلاً، سواء فرضها القاضي أم لا، بخلاف نفقة الزوجات، فإنها تصير ديناً في الذمة بفرض القاضي أو التراضي.\rوقال الشافعية: لا تصير نفقة الولد ديناً على الوالد إلا بفرض قاضٍ أو إذنه في اقتراض بسبب غيبة أو امتناع عن الإنفاق.\rوتسقط نفقة الولد عند الفقهاء بمضي الزمن من غير قبض ولا استدانة؛ لأنها وجبت على الوالد لدفع الحاجة، وقد زالت الحاجة لما مضى، فسقطت، بخلاف نفقة الزوجة لا تسقط بمضي الزمان عند غير الحنفية، ولا تسقط عند الحنفية بعد القضاء بها أو التراضي عليها، وإنما تسقط بمضي الزمان قبل القضاء أو التراضي. واستثنى المالكية حالة قضاء الحاكم بنفقة الأقارب، فإنها تصبح متجمدة في الماضي فلا تسقط بمضي الزمن.\rوذكر الحنفية: أنه إذا عجل الشخص نفقة مدة في الأقارب، فمات المنفق عليه قبل تمام المدة، لا يسترد شيئاً منها، بلا خلاف.\r-------------------------------\r(1) البدائع: 38/4، القوانين الفقهية: ص 223، المهذب: 167/2، المغني: 595/7، مغني المحتاج: 449/3، الشرح الصغير: 753/2-754.","part":10,"page":143},{"id":6331,"text":"المبحث الثالث ـ نفقة الأصول ـ أو الآباء والأمهات :\rيتضمن أربعة مطالب:\rالأول ـ وجوب نفقة الأصول وتعيينهم.\rالثاني ـ شروط وجوبها.\rالثالث ـ من تجب عليه.\rالرابع ـ مقدار هذه النفقة .\rالمطلب الأول ـ وجوب نفقة الأصول وتعيينهم :\rتجب نفقة الوالدين وإن علوا عند الجمهور (1) ، لقوله تعالى: {وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحساناً} [الإسراء:23/17] ومن الإحسان أن ينفق عليهما عند الحاجة، وقوله عز وجل: {وصاحبهما في الدنيا معروفاً} [لقمان:15/31] ومن المعروف الإنفاق عليهما ولو كانا مخالفين في الدين، فإنها نزلت في الأبوين الكافرين، وليس من المعروف أن يعيش إنسان في نعم الله تعالى ويترك أبويه يموتان جوعاً.\rوقال صلّى الله عليه وسلم : «إن أطيب ما أكلتم من كسبكم، وإن أولادكم من كسبكم، فكلوه هنيئاً مريئاً» (2) وقال أيضاً لرجل سأله: من أبر؟ قال: «أمك، ثم أمك، ثم أمك، ثم أباك، ثم الأقرب فالأقرب» (3) .\r-------------------------------\r(1) فتح القدير: 347/3، البدائع: 30/4، الشرح الصغير: 752/2، القوانين الفقهية: ص 223، المهذب: 65/2 وما بعدها، مغني المحتاج: 446/3، المغني: 583/7.\r(2) رواه أصحاب السنن الأربعة عن عائشة رضي الله عنها.\r(3) رواه أبو داود.","part":10,"page":144},{"id":6332,"text":"والأصول الذين تجب نفقتهم عند الجمهور: هم الآباء والأجداد، والأمهات\rوالجدات، وإن علوا؛ لأن «الأب» يطلق على الجد وكل من كان سبباً في الولادة، كذلك «الأم» تطلق على الجدة مهما علت، فقد أطلق القرآن كلمة «الأبوين» على آدم وحواء، وقال تعالى: {ملة أبيكم إبراهيم} [الحج:78/22]، ولأن بين الولد وأصله قرابة توجب رد الشهادة، فأشبه الجد والجدة والوالدين القريبين، ويكون الأجداد والجدات من الآباء والأمهات، فيقوم الجد مقام الأب عند عدمه، وأجمع العلماء على أن الجدة تحرم على الإنسان، كما تحرم عليه أمه في الزواج، لقوله تعالى: {حرمت عليكم أمهاتكم} [النساء:23/4].\rوقال الإمام مالك: الأصول الذين تجب نفقتهم: هم الآباء والأمهات المباشرون، لا الأجداد والجدات مطلقاً، سواء من جهة الأب أو الأم. فلا تجب نفقة على جد أو جدة، كما لا تجب على ولد ابن. والصحيح هو قول الجمهور.","part":10,"page":145},{"id":6333,"text":"المطلب الثاني ـ شروط وجوب النفقة للأصول :\rيشترط لوجوب الإنفاق على الأصول ما يأتي (1) :\r1ً - أن يكون الأصل فقيراً، أوعاجزاً عن الكسب: فإن كان قادراً على الكسب فتجب أيضاً نفقته عند الحنفية، والشافعية في الأظهر؛ لأن الله تعالى أمر بالإحسان إلى الوالدين، وفي إلزام الآباء بالاكتساب مع غنى الأبناء ترك للإحسان إليهم وإيذاء لهم، وهو لايجوز، ويقبح بالإنسان أن يكلف قريبه الكسب مع اتساع ماله. وهذا بعكس الابن فإنه لا نفقة له إذا كان قادراً على الكسب، فيلزمه التكسب؛ لأن الله تعالى نهى الولد عن إلحاق أدنى الأذى بالوالدين وهو التأفيف في قوله تعالى: {ولا تقل لهما أف} [الإسراء:23/17] ولم يوجد النهي في الابن.\rوقال المالكية والحنابلة: لا يلزم الفرع بنفقة الأصل إذا كان قادراً على الكسب، فيجبر على كسب يستغني به، ولا نفقة له؛ لأنها تجب على سبيل المواساة والبر والصلة، والكاسب كالموسر مستغن عن المواساة.\r2ً - أن يكون الفرع موسراً بمال، أو قادراً على التكسب في رأي الجمهور، وقال المالكية: لا يجب على الولد المعسر تكسب لينفق على والديه.\rوعلى رأي الجمهور: يشترط أن يكون مال الفرع أو مردود كسبه فاضلاً عن نفقة نفسه إما من ماله وإما من كسبه، فأما من لا يفضل عنه شيء، فليس عليه شيء، لحديث جابر المتقدم: «إذا كان أحدكم فقيراً فليبدأ بنفسه، فإن فضل فعلى عياله، فإن كان فضل فعلى قرابته» وفي لفظ: « ابدأ بنفسك ثم بمن تعول» ولحديث أبي هريرة السابق في ترتيب النفقة على النفس، ثم على الزوج، ثم على الولد، ثم على الخادم.\r3ً - أن يكون المنفق وارثاً في رأي الحنابلة، فلا نفقة مع اختلاف الدين لقوله تعالى: {وعلى الوارث مثل ذلك} [البقرة:233/2] ولأن التوارث بسبب القرابة يجعل الوارث أحق بمال المورث، فينبغي أن يختص بوجوب صلة قريبة بالنفقة دون غير الوارث، ولأن هذه النفقة مواساة على البر والصلة، فلم تجب مع اختلاف الدين كنفقة غير عمودي النسب.\r-------------------------------\r(1) فتح القدير: 347/3، البدائع: 34/4 وما بعدها، القوانين الفقهية: ص 223، الشرح الصغير: 752/2 وما بعدها، المهذب: 166/2، مغني المحتاج: 448/3، المغني: 584/7.","part":10,"page":146},{"id":6334,"text":"وقال الحنفية: يشترط أن يكون المنفق قريباً مستحقاً للإرث من قريبه، إلا أنهم مع المالكية والشافعية يقولون: اتحاد الدين ليس شرطاً لوجوب نفقة الأصل على الفرع، فتجب النفقة عليه وإن اختلف الدين؛ لأنه تعالى قال في حق الوالدين الكافرين: {وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم، فلا تطعهما، وصاحبهما في الدنيا معروفاً} [لقمان:15/31] وليس من المعروف ترك الإنفاق عليهما مع القدرة، وهذا هو الصحيح.\rالمطلب الثالث ـ من تجب عليه نفقة الأصول :\rتجب نفقة الأصول على الولد لا يشاركه في نفقة أبويه أحد (1) ؛ لأنه أقرب الناس إليهما، فكان أولى باستحقاق نفقتهما عليه. وهي عند الحنفية على الذكور والإناث بالسوية؛ لأن المعنى يشملهما.\rوتجب أيضاً في رأي الجمهور على ولد الولد، ولا تجب في رأي المالكية على ولد الابن.\rتعدد الفروع: إن لم يوجد غير ولد واحد تجب عليه نفقة الأصل كما تقدم، فإن تعدد الفروع: فقال الحنفية (2) : إن اتحدت درجة قرابتهم كابنين أو بنتين أو ابن وبنت، وجبت النفقة بالتساوي بينهم، سواء أكانوا وارثين أم بعضهم وارثاً والآخر غير وارث، للتساوي في القرب والجزئية، ولا ينظر إلى أن الابن يأخذ ضعف البنت في الميراث.\rوإن اختلفت درجة قرابتهم كبنت وابن ابن، وجبت نفقة الأصل على الأقرب.\rيلاحظ أن الحنفية في حال تعدد الفروع اعتبروا درجة القرابة، وفي حال تعدد الأصول اعتبروا الإرث أحياناً، وأهملوه أحياناً أخرى. وكان ينبغي التسوية بين الفروع والأصول، لتساويهم في علة وجوب النفقة وهي الجزئية.\rوقال المالكية (3) : إن تعدد الأولاد وزعت النفقة على الأولاد الموسرين بقدر اليسار إذا تفاوتوا فيه.\r-------------------------------\r(1) فتح القدير: 348/3 وما بعدها، الشرح الصغير: 752/2 وما بعدها، المهذب: 165/2 وما بعدها، المغني: 583/7 وما بعدها.\r(2) حاشية ابن عابدين: 934/2 وما بعدها.\r(3) الشرح الصغير: 752/2.","part":10,"page":147},{"id":6335,"text":"وقرر الشافعية (1) : أنه إن اتحدت درجة قرابة الفروع كابنين أو بنتين، أنفقا بالتساوي وإن تفاوتا في قدر اليسار، أو أيسر أحدهما بالمال، والآخر بالكسب؛ لأن علة إيجاب النفقة تشملهما.\rوإن اختلفت درجة قرابة الفروع كابن وابن بنت، فالأصح أن النفقة على أقربهما وهو الابن هنا، سواء أكان وارثاً أم غيره، ذكراً كان أم أنثى؛ لأن القرب أولى بالاعتبار. فإن استوى قربهما فتجب في الأصح النفقة بالإرث، لقوته.\rوإذا تساوى الفرعان في الإرث، فكانا وارثين كابن وبنت، فهناك وجهان: قيل: يستويان في قدر الإنفاق، أي كما قال الحنفية، وقيل: يوزع الإنفاق عليهما بحسب الإرث، والوجه الأول أوجه.\rورأى الحنابلة (2) : أنه إن اتحدت درجة قرابة الفروع كابن وبنت، فالنفقة بينهما أثلاثاً كالميراث، كالوجه الثاني لدى الشافعية، لقوله تعالى: {وعلى الوارث مثل ذلك} [البقرة:233/2] فإنه رتب النفقة على الإرث، فيجب أن تترتب في المقدار عليه. وإن اختلفت درجة القرابة كبنت وابن ابن، فالنفقة بينهما نصفين كالميراث.\rالمطلب الرابع ـ مقدار نفقة الأصول :\rنفقة القرابة في الجملة (3) تجب بقدر الكفاية كما تقدم؛ لأنها تجب للحاجة، فقدرت بالكفاية.\rوعلى الولد في رأي الجمهور نفقة زوجة الأب وإعفافه بالتزويج بزوجة واحدة، وكذا عند المالكية والحنابلة بأكثر من زوجة إن لم يحصل الإعفاف بواحدة؛ لأنه معنى يحتاج إليه، ويلحقه الضرر بفقده، فوجب كالنفقة. والراجح عند الحنفية عدم وجوب نفقة زوجة الأب؛ لأن الزوجة من أعظم الملاذ، فلم تجب للأب كالحلواء لاتجب له.\r-------------------------------\r(1) مغني المحتاج: 450/3 وما بعدها.\r(2) المغني: 591/7.\r(3) المغني: 595/7، مغني المحتاج: 448/3، المهذب: 167/2.","part":10,"page":148},{"id":6336,"text":"المبحث الرابع ـ نفقة الحواشي وذوي الأرحام :\rيشتمل على مطالب ثلاثة:\rالأول ـ وجوب نفقة الأقرباء من غير الأصول والفروع.\rالثاني ـ شروط وجوب نفقة الحواشي وذوي الأرحام.\rالثالث ـ تعدد من تجب عليهم نفقة الأقارب.\rالمطلب الأول ـ وجوب نفقة الأقرباء من غير الأصول والفروع :\rتجب نفقة الأقارب من الحواشي وذوي الأرحام كالإخوة والأخوال والأعمام وأبناء الإخوة والعمات والخالات (1) لقوله تعالى: {وآتِ ذا القربى حقه} [الإسراء:26/17] وقوله سبحانه: {واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً، وبالوالدين إحساناً، وبذي القربى} [النساء:36/4] وقوله صلّى الله عليه وسلم : «يد المعطي العليا، وابدأ\r-------------------------------\r(1) فتح القدير: 350/3، الدر المختار ورد المحتار: 937/2 وما بعدها، القوانين الفقهية: ص221-223، المهذب: 166/2، المغني: 585/7 وما بعدها.","part":10,"page":149},{"id":6337,"text":"بمن تعول، أمَّك وأباك، وأختك وأخاك، ثم أدناك أدناك» (1) وقال رجل: يارسول الله ، من أبر؟ قال: «أمَّك وأباك، وأختك، وأخاك، ومولاك الذي يلي ذاك، حق واجب، ورحم موصولة» (2) .\rفهذه الآيات والأحاديث تدل على وجوب الإنفاق على القريب العاجز. وللعلماء آراء ثلاثة:\rالأول ـ مذهب الحنفية: أن النفقة تجب لكل ذي رحم محرم كالعم والأخ وابن الأخ والعمة والخالة والخال، ولا تجب لغير ذي رحم محرم كابن العم وبنت العم، ولا لمحرم غير ذي رحم كالأخ رضاعاً.\rالثاني ـ مذهب الحنابلة: أن النفقة تجب لكل قريب وارث، بفرض أو تعصيب كالأخ الشقيق أو لأب أو لأم، والعم، وابن العم، ولا تجب لذوي الأرحام كبنت العم والخال والخالة والعمة ونحوهم ممن لا يرث بفرض ولا تعصيب؛ لأن قرابتهم ضعيفة، وإنما يأخذون مال المتوفى القريب عند عدم الوارث، فهم كسائر المسلمين.\rورأى ابن تيمية وابن القيم وغيرهما من بعض الحنابلة: أن النفقة تجب لكل قريب من غير الأصول والفروع (غير عمودي النسب) إذا كان وارثاً، فتجب النفقة لذوي الأرحام كالعمة والخالة والخال، لقوله تعالى: {وعلى الوارث مثل ذلك} [البقرة:233/2] فقد جعل النفقة على المولود له لمن يستحق الإرث من الأقرباء.\rالثالث ـ مذهب المالكية والشافعية: ألا تجب نفقة من عدا الوالدين والمولودين من الأقارب كالإخوة والأعمام وغيرهم؛ لأن الشرع ورد بإيجاب نفقة الوالدين والمولودين، وأما من سواهم فلا يلحق بهم في الولادة وأحكامها، فلم يلحق بهم في وجوب النفقة.\r-------------------------------\r(1) رواه النسائي عن طارق المحاربي، وأخرجه أيضاً ابن حبان والدارقطني وصححاه (نيل الأوطار: 327/6).\r(2) رواه أبو داود، والبغوي وابن قانع والطبراني في الكبير والبيهقي عن كليب بن منفعة عن جده (المرجع السابق).","part":10,"page":150},{"id":6338,"text":"المطلب الثاني ـ شروط وجوب نفقة الحواشي وذوي الأرحام :\rلا يثبت وجوب نفقة هؤلاء الأقرباء عند الحنفية (1) إلا بالقضاء أو الرضا، حتى لو ظفر أحدهم بجنس حقه قبل القضاء أو الرضا، ليس له الأخذ، بخلاف الزوجة والولد والأبوين، فإن لهم الأخذ قبل ذلك. وتسقط هذه النفقة بمضي المدة، بعد قضاء القاضي بها، لأنها تجب كفاية للحاجة، فلا تجب مع اليسار، إلا إن أذن القاضي بالاستدانة على القريب.\rويشترط لوجوب نفقة هؤلاء الأقرباء في رأي الحنفية ما يلي (2) :\r1 ً - أن يكون القريب ذا رحم محرم فقيراً، عاجزاً عن الكسب: لصغر أو أنوثة أو مرض أو عمى، أي فلا تقتصر هذه النفقة على الصغير أو الأنثى، وإنما تشمل الكبير العاجز عن الكسب بنحو مرض مزمن أو عمى؛ لأن الصلة في القرابة القريبة واجبة دون البعيدة. والفاصل بينهما أن يكون ذا رحم محرم، وقد قال تعالى: {وعلى الوارث مثل ذلك} [البقرة:233/2] وقرأ ابن مسعود: «وعلى الوارث ذي الرحم المحرم مثل ذلك» .\rولا بد من تحقق وصف الحاجة أو الصغر، أو الأنوثة، أو الزمانة، أو العمى أمارة الحاجة، لتحقق العجز. فإن كان القريب قادراً على الكسب فلا نفقة له على قريبه؛ لأنه غني بكسبه، فلا تجب نفقته على أحد، بخلاف الأبوين؛ لأنه يلحقهما تعب الكسب، والولد مأمور بدفع الضرر عنهما، فتجب نفقتهما مع قدرتهما على الكسب.\r2 ً - اتحاد الدين مع القريب المنفق: فلا نفقة على القريب مع اختلاف الدين، كما لا توارث مع اختلاف الدين، ووجوب النفقة على القريب مبني على استحقاق الإرث.\rوذلك بخلاف الزوجة والأصول والفروع علواً أو نزولاً؛ لأن نفقة الزوجة تجب بمقابلة الاحتباس، وأما غيرها فلثبوت الجزئية، وجزء المرء في معنى نفسه، فكما لا تمتنع نفقة نفسه بكفر، لا تمتنع نفقة جزئه، إلا أن هؤلاء إذا كانوا حربيين لاتجب نفقتهم على المسلم، ولو كانوا مستأمنين؛ لأنا نهينا عن بر من يقاتلنا في الدين.\r3 ً - أن يكون المنفق موسراً: فلو كان القريب المحرم معسراً، لا تجب عليه النفقة لقريبه المحتاج، ولو كان قادراً على الكسب؛ لأن وجوب هذه النفقة بطريق الصلة،والصلة تجب على الغني لا على الفقير.\rواختلف الصاحبان في حد اليسار الذي يتعلق به وجوب هذه النفقة (3) :\rفقال أبو يوسف: الموسر: هو الذي يملك نصاب الزكاة وهو عشرون مثقالاً أو ديناراً من الذهب (4) أو مائتا درهم فضة؛ لأن الغني في الشرع هو مالك النصاب الذي تستحق فيه الزكاة، ونفقة ذي الرحم صلة، والصلات إنما تجب على الأغنياء كالصدقة.\rوقال محمد: الموسر: هو من له نفقة شهر، وعنده مال فاضل عن نفقة شهر لنفسه ولعياله؛ لأن ما زاد على كفاية شهر، فهو غني عنه في الحال، والشهر يتسع للاكتساب، فكان عليه صرف الزيادة إلى أقاربه، قال الكاساني: وما قاله محمد أوفق، وهوأنه إذا كان له كسب دائم، وهو غير محتاج إلى جميعه، فما زاد كفايته، يجب صرفه إلى أقاربه كفضل ماله إذا كان له مال. ولا يعتبر النصاب؛ لأن النصاب إنما يعتبر في وجوب حقوق الله تعالى المالية، والنفقة حق العبد الآدمي، فلا معنى لاعتبار النصاب فيها، وإنما يعتبر فيها إمكان الأداء.\r-------------------------------\r(1) حاشية ابن عابدين: 937/2، فتح القدير: 354/3.\r(2) فتح القدير: 350/3-354، الدر المختار ورد المحتار: 938/2-941، اللباب: 105/3-108.\r(3) البدائع: 35/4.\r(4) تساوي العشرون مثقالاً ذهبياً 96 غم بالمثقال العجمي و 100 غم بالمثقال العراقي.","part":10,"page":151},{"id":6339,"text":"المطلب الثالث ـ من تجب عليهم نفقة الأقارب :\rعرفنا أنه إذا لم يكن لمستحق النفقة إلا قريب واحد موسر: فإن كان القريب من أصوله أوفروعه، وجبت نفقته عليه، ولو لم يكن وارثاً له، كجد لأم أوابن بنت. وذلك باتفاق الجمهور غير المالكية.\rوإن كان القريب من الحواشي، وجبت نفقته عليه في رأي الحنفية إن كان ذا رحم محرم كالأخ والعم والعمة، وفي رأي الحنابلة إن كان وارثاً بفرض أو تعصيب كالأخ لأم وابن العم.\rأما إن تعدد من تجب عليهم نفقة الأقارب، فقد اختلف الحنفية مع المذاهب الأخرى في توزيع النفقة عليهم.\rمذهب الحنفية :\rتوزع النفقة على الأقارب في رأي الحنفية (1) بحسب أصنافهم في الحالات الأربع التالية وهي:\rالأولى: أن يكون لمستحق النفقة أصول وفروع.\r-------------------------------\r(1) حاشية ابن عابدين: 934/2-936، الأحوال الشخصية، زكي الدين شعبان: ص702-708.","part":10,"page":152},{"id":6340,"text":"الثانية : أن يكون له أصول وحواشي (1) .الثالثة: أن يكون له فروع وحواشي.\rالرابعة: أن يكون له خليط من الأصول والفروع والحواشي.\rوأبين حكم كل حالة فيما يأتي:\rالحالة الأولى ـ أن يكون لمستحق النفقة أصول وفروع :\rإذا كان لمستحق النفقة أصول وفروع: فإن تفاوتا في درجة القرابة وجبت النفقة على الأقرب، سواء أكان وارثاً أم غير وارث. مثل أب وابن ابن أو بنت بنت، ومثل أم وابن ابن، تجب النفقة على الأب في المثال الأول، وعلى الأم في المثال الثاني؛ لأن الأب والأم أقرب درجة. ولكن يلاحظ أن النفقة تجب حينئذٍ على غير الوارث.\rوإن تساووا في درجة القرابة: وجبت النفقة بنسبة ميراثهم، إلا إذا كان فيهم ابن أو بنت، فالنفقة على الابن أو البنت، ففي أب وابن تجب النفقة على الابن لترجحه بقول صلّى الله عليه وسلم : «أنت ومالك لأبيك» وفي جد (أبي أب) وبنت بنت، تكون النفقة على الجد؛ لأنه الوارث، وأما بنت البنت فهي من ذوي الأرحام، لا ترث مع الجد.\rالحالة الثانية ـ أن يكون لمستحق النفقة أصول وحواشي :\rإذا كان لمستحق النفقة أصول وحواشي، كأم وأخ شقيق أو لأب: فإن كان كل من الصنفين وارثاً، وجبت النفقة عليهم بنسبة الإرث. وإن كان أحد الصنفين وارثاً، والآخر غير وارث، فالنفقة على الأصول وحدهم، ولو كانوا غير وارثين، ترجيحاً لاعتبار الجزئية على غيرها.\rمثال كون الأصل وارثاً: جد لأب وأخ شقيق، تكون النفقة على الجد.\rومثال كون الأصل غير وارث: جد لأم وعم، تكون النفقة على الجد أيضاً، لترجحه في المثالين بالجزئية.\rومثال كون كلا الصنفين وارثاً: أم وأخ، أو ابن أخ أو عم، يكون على الأم ثلث النفقة، وعلى العصبة الثلثان.\rالحالة الثالثة ـ أن يكون لمستحق النفقة فروع وحواشي :\rإذا كان لمستحق النفقة فروع وحواشي، فالنفقة تجب على الفروع، ولا شيء على الحواشي ولو كانوا وارثين، لترجح قرابة الجزئية على غيرها.\rففي بنت وأخت شقيقة، تكون النفقة على البنت فقط، ولا شيء على الأخت، وإن ورثت النصف.\rوفي ابن نصراني، وأخ مسلم، تكون النفقة على الابن فقط، وإن كان الوارث هو الأخ.\r-------------------------------\r(1) الحواشي: من ليس من عمود النسب، أي ليس أصلاً ولا فرعاً.","part":10,"page":153},{"id":6341,"text":"الحالة الرابعة ـ أن يكون لمستحق النفقة خليط من الأصول والفروع والحواشي :\rإذا كان لمستحق النفقة أقارب من الأصول والفروع والحواشي، فالحكم كالحالة الأولى، تكون النفقة على الأصول والفروع على النحو المبين في الحالة الأولى، لقوة قرابة الجزئية بالنسبة لغيرها، ويسقط الحواشي بالفروع، فكأنه لم يوجد سوى الفروع والأصول.\rوإن وجد الأصول وحدهم وكان معهم أب، فالنفقة عليه فقط ولا يشارك الأب في نفقة ولده أحد، وإن وجد الحواشي فقط، وزعت النفقة بمقدار الميراث مع كون الواحد ذا رحم محرم.\rمذهب الحنابلة :\rأولاً ـ تجب النفقة في رأي الحنابلة (1) على الأقارب بحسب الإرث، فمن له أم وجد، فعلى الأم ثلث النفقة، وعلى الجد ثلثا النفقة. ومن له ابن وبنت، فالنفقة بينهما أثلاثاً كالميراث، ومن له جدة وأخ، فعلى الجدة سدس النفقة والباقي على الأخ. ومن له بنت وأخت، فعلى البنت النصف، وعلى الأخت النصف. ومن له أبو أم، فالنفقة على أم الأم؛ لأنها الوارثة. ومن له أبو أب، فعلى أم الأب السدس، والباقي على الجد، وإن اجتمع جد وأخ، فهما سواء. وإن اجتمعت أم وأخ وجد، فالنفقة بينهم أثلاثاً.\rواستثنوا من قاعدتهم ما إذا كان للمستحق أب، فعليه النفقة وحده، ولم تجب على من سواه، لقوله تعالى: {وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن} [البقرة:233/2] وهذا بخلاف الحنفية حيث يجعلون النفقة على الابن وحده إن وجد.\rثانياً ـ إذا اجتمع أصل وفرع وارثان، وكان أقربهما معسراً والأبعد موسراً، وجبت النفقة على الموسر الأبعد، فمن له أم فقيرة، وجدة موسرة، فالنفقة على الجدة فقط.\r-------------------------------\r(1) المغني: 587/7-593.","part":10,"page":154},{"id":6342,"text":"ثالثاً ـ إذا اجتمع قريبان موسران، وأحدهما محجوب عن الميراث بقريب فقير، فإذا كان المحجوب من عمودي النسب (الأصول والفروع) لا تسقط عنه النفقة، وإن كان من غيرهما، فلا نفقة عليه. فمن كان له أبوان وجد، والأب معسر، فالأب كالمعدوم، وتكون النفقة أثلاثاً، على الأم الثلث، وعلى الجد الباقي. ومن له أبوان وأخوان وجد، والأب معسر، فلا شيء على الأخوين؛ لأنهما محجوبان، وليسا من عمودي النسب، وتكون النفقة على الأم الثلث، والباقي على الجد، كالمسألة السابقة.\rرابعاً ـ إذا لم يكن لمستحق النفقة إلا واحد موسر من ورثته، لزمته النفقة بقدر ميراثه فقط، على الصحيح من المذهب.\rوتقدم الزوجة على باقي الأقارب، عملاً بحديث جابر المتقدم: «إذا كان أحدكم فقيراً، فليبدأ بنفسه، فإن كان له فضل فعلى عياله، فإن كان له فضل فعلى قرابته» .\rوقد أخذ القانون السوري بمذهب الحنابلة لعدالته، واتفاقه مع قاعدة «الغرم بالغنم» فتوزع النفقات بحسب الإرث، ولا يتقيد إيجاب النفقة للأقرباء بالمحرمية. أما المذهب الحنفي فقد يوجب النفقة أحياناً على قريب لا يرث، ولا يوجبها على القريب الوارث. وأما بقية أحكام النفقات فمأخوذة من الفقه الحنفي.\rمذهب الشافعية :\rتوزع النفقة في رأي الشافعية (1) على الوالدين والمولودين على النحو التالي:\rمن استوى فرعاه في القرب والإرث أو عدمهما كابنين أو بنتين، أو ابن وبنت، فعليهما النفقة بالسوية، لا بحسب الميراث، وإن تفاوتا في قدر اليسار، أو أيسر أحدهما بالمال والآخر بالكسب.\rوإن كان أحدهما أقرب والآخر وارثاً، وجبت النفقة على الأقرب دون الوارث في الأصح.\rوإن استويا في استحقاق الإرث، كبنت وبنت ابن، كانت النفقة عليهما.\rوإن تساويا في القرب، فيقدم الوارث في الأصح لقوته، كابن وابن بنت، تجب النفقة على الأول دون الثاني.\r-------------------------------\r(1) مغني المحتاج: 450/3-451، المهذب: 166/2.","part":10,"page":155},{"id":6343,"text":"وإن تساويا في الإرث كابن وبنت، فهناك وجهان: قيل: يستويان، وقيل: توزع النفقة بحسب الإرث، والأول أوجه.\rوالقاعدة في الأصول قريبة من قاعدة الفروع، فمن له أبوان، فالنفقة على الأب، ومن له أجداد وجدات فعلى الأقرب إن أدلى بعضهم ببعض، أما إن لم يُدْل بعضهم ببعض، فيقدم بالقرب.\rومن له أصل وفر ع: فالنفقة في الأصح على الفرع، وإن بعُد، كأب وابن ابن؛ لأن عصوبته أقوى.\rوتقدم الزوجة عندهم على باقي الأقارب، كما قال الحنابلة؛ لأن نفقتها آكد؛ لأنها لا تسقط بمضي الزمان.\rمذهب المالكية :\rتوزع النفقة في رأي المالكية الراجح (1) على الأولاد الموسرين بقدر اليسار إذا تفاوتوا فيه. وقيل: توزع بحسب الرؤوس، بغض النظر عن الذكورة والأنوثة.\rوقيل: توزع بحسب الإرث، فعلى الذكر مثل حظ الأنثيين.\rنفقة الأقارب في القانون السوري :\rأخذ القانون السوري بمذهب الحنفية في نفقة الأقرباء ما عدا توزيع النفقات عند تعدد من تجب عليه النفقة، وإيجابها بها لهم بدون تقييد بالمحرمية، فإنه أخذ ذلك من المذهب الحنبلي. وها هي نصوص القانون:\r(م 154) ـ نفقة كل إنسان في ماله، إلا الزوجة فنفقتها على زوجها.\r(م 155) ـ\r1 - إذا لم يكن للولد مال، فنفقته على أبيه، ما لم يكن فقيراً عاجزاً عن النفقة والكسب لآفة بدنية أو عقلية.\r2 - تستمر نفقة الأولاد إلى أن تتزوج الأنثى، ويصل الغلام إلى الحد الذي يكتسب فيه أمثاله.\r(م 156) -\r1 - إذا كان الأب عاجزاً عن النفقة، غير عاجز عن الكسب، يكلف بنفقة الولد من تجب عليه عند عدم الأب.\r2 - تكون هذه النفقة ديناً للمنفق على الأب يرجع عليه بها إذا أيسر.\r(م 157) -\r1 - لا يكلف الأب بنفقة زوجة ابنه إلا إذا تكفل بها.\r2 - يكون إنفاق الأ ب في هذه الحالة ديناً على الولد، إلى أن يوسر. (م 158) - يجب على الولد الموسر ذكراً كان أو أنثى، كبيراً كان أو صغيراً نفقة والديه الفقراء، ولوكانا قادرين على الكسب، ما لم يظهر تعنت الأب في اختيار البطالة على عمل أمثاله كسلاً أو عناداً.\r(م 159) ـ تجب نفقة كل فقير عاجز عن الكسب لآفة بدنية أو عقلية، على من يرثه من أقاربه الموسرين بحسب حصصهم الإرثية.\r(م 160) ـ لا نفقة مع اختلاف الدين إلا للأصول والفروع.\r(م 161) - يقضى بنفقة الأقارب من تاريخ الادعاء، ويجوز للقاضي أن يحكم بنفقة الأولاد على أبيهم عن مدة سابقة للادعاء، على ألا تتجاوز أربعة أشهر.\r-------------------------------\r(1) الشرح الصغير وحاشية الصاوي: 752/2 وما بعدها.","part":10,"page":156},{"id":6344,"text":"البَابُ الرَّابع: الوَصايا (1)\rيتضمن بحث الوصايا (1) ثلاثة فصول:\rالأول ـ في الوصية، والثاني ـ في تصرف مريض الموت، والثالث ـ في الوصاية.\rأما الفصل الأول فيشتمل على سبعة مباحث:\rالمبحث الأول ـ معنى الوصية ومشروعيتها وركنها وكيفية انعقادها.\rالمبحث الثاني ـ شروط الوصية.\rالمبحث الثالث ـ أحكام الوصية (صفتها من حيث اللزوم وعدمه، أثرها في التمليك، أحكام الوصي، أحكام الموصى له، أحكام الموصى به، مقدار الوصية، الوصية للوارث، الوصية بمثل نصيب وارث، الوصية بالأجزاء ، تنفيذ الوصية) .\rالمبحث الرابع ـ مبطلات الوصية.\rالمبحث الخامس ـ تزاحم الوصايا.\rالمبحث السادس ـ الوصية الواجبة قانوناً.\rالمبحث السابع ـ إثبات الوصية.\r-------------------------------\r(1) المراد بالوصايا: ما يعم الوصية والإيصاء، يقال: «أوصى إلى فلان» أي جعله وصياً، والاسم منه الوصاية.","part":10,"page":157},{"id":6345,"text":"الفَصْلُ الأوّل: الوصيّة\rيشتمل على تمهيد وسبعة مباحث:\rتمهيد :\rتاريخ الوصية: الوصية نظام قديم، لكنه اقترن في بعض العهود بالظلم والإجحاف، فعند الرومان: كان لرب العائلة حق التصرف بطريق الوصية تصرفاً غير مقيد بشيء، فقد يوصي لأجنبي، ويَحْرِم أولاده من حق الميراث. ثم انتهى الأمر إلى وجوب الاحتفاظ للأولاد بربع ميراث أبيهم، بشرط ألا يكونوا قد أتوا في سلوكهم مع مورثهم ما يوغر صدره إيغاراً شديداً.\rوعند العرب في الجاهلية:كانوا يوصون للأجانب تفاخراً ومباهاة، ويتركون الأقارب في الفقر والحاجة (1) .\rوجاء الإسلام فصحح وجهة الوصية على أساس الحق والعدل، فألزم الناس أصحاب الأموال قبل تشريع الميراث بالوصية للوالدين والأقربين، فكانت الوصية في مبدأ ا لإسلام واجبة بكل المال للوالدين والأقربين بقوله تعالى: {كتب عليكم إذا حضر أحدَكم الموتُ إن ترك خيراً الوصية للوالدين والأقربين بالمعروف، حقاً على المتقين} [البقرة:180/2].\r-------------------------------\r(1) الوصية في الشريعة الإسلامية لأستاذنا المرحوم عيسوي أحمد عيسوي: ص 9.","part":10,"page":158},{"id":6346,"text":"وحينما نزلت آيات سورة النساء بتشريع المواريث تفصيلاً، قيدت الوصية المشروعة في الإسلام بقيدين:\rالأول ـ عدم نفاذ للوارث إلا بإجازة الورثة، لقوله صلّى الله عليه وسلم في خطبة عام حجة الوداع: «إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه، فلا وصية لوارث» (1) أما الوالدان فصار لهما نصيب مفروض من التركة، وصارت الوصية مندوبة لغير الوارثين.\rالثاني ـ تحديد مقدارها بالثلث: لقوله صلّى الله عليه وسلم لسعد بن أبي وقاص الذي أراد الإيصاء بثلثي ماله أو بشطره، إذ لا يرثه إلا ابنة له: «الثلث، والثلث كثير، إنك أن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس» (2) .\rأما الزائد عن الثلث فهو من حق الورثة، لا ينفذ تصرف المورث فيه إلا بموافقتهم ورضاهم.\rالمبحث الأول ـ معنى الوصية ومشروعيتها وركنها وكيفية انعقادها وأثره(3) :\rأولاً ـ معنى الوصية ونوعاها: الوصية هي الإيصاء، وتطلق لغة بمعنى العهد إلى الغير في القيام بفعل أمر، حال حياته أو بعد وفاته، يقال: أوصيت له أو إليه: جعلته وصياً يقوم على من بعده. وهذا المعنى اشتهر فيه لفظ: الوصاية.\rوتطلق أيضاً على جعل المال للغير، يقال: وصيت بكذا أو أوصيت، أي جعلته له. والوصايا جمع وصية تعم الوصية بالمال، والإيصاء أو الوصاية والوصية في اصطلاح الفقهاء: تمليك مضاف إلى ما بعد الموت بطريق التبرع، سواء أكان المُملَّك عيناً أم منفعة. وبه تميزت عن التمليكات المنجزة لعين كالبيع والهبة، ولمنفعة كالإجارة، والإضافة لغير الموت كالإجارة المضافة لوقت في المستقبل كأول الشهر المقبل. وتميزت عن الهبة التي هي تبرع أو تمليك بغير عوض بكونها بعد الموت، والهبة حال الحياة. وشمل التعريف الإبراء عن الدين؛ لأن الإبراء تمليك الدين لمن عليه الدين.\r-------------------------------\r(1) حديث متواتر رواه اثنا عشر صحابياً، وأرسله خمسة من التابعين، فمن الصحابة رواه أبو أمامة عند أبي داود والترمذي وابن ماجه وأحمد والبيهقي وعبد بن حميد في مسنده، باللفظ المذكور (نصب الراية: 403/4-405). وقرر الشافعي في الأم أن متن هذا الحديث متواتر (نيل الأوطار: 40/6).\r(2) رواه الجماعة (أحمد والأئمة الستة) عن سعد بن أبي وقاص (نصب الراية: 401/4، نيل الأوطار: 37/6).\r(3) البدائع: 330/7-334، تكملة فتح القدير: 417/8-419، 511، القوانين الفقهية ورد المحتار: 457/5-459، 465، اللباب: 168/4، الشرح الصغير: 579/4-585، 601، القوانين الفقهية: ص 405، بداية المجتهد: 328/2 وما بعدها، مغني المحتاج: 38/3-40، 52، 73، المهذب: 449/1، 452، المغني: 51/6، 25، كشاف القناع: 371/4-375، 383، غاية المنتهى: 348/2، 351-352.","part":10,"page":159},{"id":6347,"text":"هذا ما أريده هنا وهو كون الوصية عقداً أو تصرفاً في المال، وقد عرفها بعض الفقهاء بما هوأعم مما ذكر، فقال: هي الأمر بالتصرف بعد الموت، وبالتبرع بمال بعد الموت. فشمل الوصية لإنسان بتزويج بناته أو غسله أو الصلاة عليه إماماً.\rنوعاها: تصح الوصية مطلقة ومقيدة، فالمطلقة: أن يقول: أوصيت لفلان بكذا. والمقيدة أو المعلَّقة: أن يقول: إن مت من مرضي هذا أو في هذه البلدة، أو في هذه السفرة، فلفلان كذا. فإن تحقق الشرط صحت، وإلا بأن برئ من مرضه، أو لم يمت في تلك البلدة أو السفرة، بطلت، لعدم وجود الشرط المعلَّق عليه.\rوعرَّف الوصيةَ قانون الأحوال الشخصية السوري وقانون الوصية المصري بأنها «تصرف في التركة مضاف إلى ما بعد الموت» .\rجاء في المذكرة التفسيرية للقانون المصري: وقد عدل عن لفظ «تمليك» الوارد في تعريف الحنفية إلى لفظ «تصرف» (1) ليشمل جميع مسائل الوصية.\rفهو يشمل ما إذا كان الموصى به مالاً أو منفعة، والموصى له من أهل التملك، كالوصية لمعين بالاسم أو بالوصف، وهو ممن يحصون، أو معيناً بالوصف ممن لا يحصون كالوصية للفقراء، وما إذا كان الموصى له جهة من جهات البر كالملاجئ والمدارس.\rويشمل ما إذا كان الموصى به إسقاطاً فيه معنى التمليك كالوصية بالإبراء من الدين، وما إذا كان الموصى به إسقاطاً محضاً بإبراء الكفيل من الكفالة، وما إذا كان الموصى به حقاً من الحقوق التي ليست مالاً ولا منفعة ولا إسقاطاً، ولكنه مالي لتعلقه بالمال، كالوصية بتأجيل الدين الحالّ، والوصية بأن يباع عقاره مثلاً من فلان.\rوالمراد بالتركة: كل ما يخلف فيه الوارث المورث، مالاً كان أو منفعة، أو حقاً من الحقوق الأخرى المتعلقة بالمال التي تنتقل بالموت من المورث إلى الوارث.\r-------------------------------\r(1) التصرف أعم من كلمة «العقد» لأن العقد هو مجموع الإيجاب والقبول، وأما التصرف فيشمل كل ما يلتزمه الإنسان ويترتب عليه حكم شرعي، سواء صدر من طرف واحد أو من طرفين، وكل ما كان غير التزام. وبما أن الوصية تنشأ في الراجح لدى الحنفية بإرادة واحدة هي إرادة الموصي، فهي من قبيل التصرفات، على هذا الرأي.","part":10,"page":160},{"id":6348,"text":"ثانياً ـ مشروعية الوصية: هذا يشمل أدلة المشروعية وسببها أو حكمتها، ونوع حكمها الشرعي.\rأما أدلة المشروعية: فهي الكتاب والسنة والإجماع والمعقول.\rأما الكتاب: فقوله تعالى: {كتب عليكم إذا حضر أحدَكم الموتُ، إن ترك\rخيراً، الوصيةُ للوالدين والأقربين بالمعروف، حقاً على المتقين} [البقرة:180/2] وقوله سبحانه: {من بعد وصية يوصى بها أو دين} [النساء:11/4]. {من بعد وصية توصون بها أو دين} [النساء:12/4]. فالآية الأولى دلت على مشروعية الوصية للأقارب، والآيتان الأخريان جعلت الميراث حقاً مؤخراً عن تنفيذ الوصية وأداء الدين، لكن الدين مقدم على الوصية، لقول علي رضي الله عنه: «إنكم تقرؤون هذه الآية: {من بعد وصية يوصى بها أو دين} [النساء:11/4]، وأن النبي صلّى الله عليه وسلم قضى أن الدين قبل الوصية» (1) .\rوأما السنة: فحديث سعد بن أبي وقاص السابق: «الثلث والثلث كثير» ، وحديث «إن الله تصدق عليكم عند وفاتكم، بثلث أموالكم، زيادة لكم في أعمالكم» (2) ، وحديث «ما حق امرئ مسلم يبيت ليلتين، وله شيء يريد أن يوصي فيه، إلا ووصيته مكتوبة عند رأسه» (3) ، وخبر ابن ماجه: «المحروم: من حرم الوصية، من مات على وصية، مات على سبيل وسنة، وتقى وشهادة، ومات مغفوراً له» .\rوأما الإجماع: فقد أجمع العلماء على جواز الوصية.\rوأما المعقول: فهو حاجة الناس إلى الوصية زيادة في القربات والحسنات، وتداركاً لما فرط به الإنسان في حياته من أعمال الخير.\r-------------------------------\r(1) رواه الترمذي.\r(2) رواه خمسة من الصحابة وهم: أبو هريرة، وأبو الدرداء، ومعاذ، وأبو بكر الصديق، وخالد بن عبيد، وحديث أبي هريرة باللفظ المذكور رواه ابن ماجه والبزار (نصب الراية: 399/4-400).\r(3) رواه الجماعة عن ابن عمر، واحتج به من يعمل بالخط إذا عرف (نيل الأوطار: 33/6) ومعناه: ليس من الرأي السديد أن يمر على الإنسان زمن يملك فيه مالاً، يوصي به، ولا يكتب وصيته، ففيه الحث على المبادرة بكتابة الوصية.","part":10,"page":161},{"id":6349,"text":"وسبب المشروعية أو حكمتها: هو سبب كل التبرعات، وهو تحصيل فائدة الخير في الدنيا، ونوال الثواب في الآخرة. لذا شرعها الشارع تمكيناً من العمل الصالح، ومكافأة من أسدى للمرء معروفاً، وصلة للرحم والأقارب غير الوارثين، وسد خلة المحتاجين، وتخفيف الكرب عن الضعفاء والبؤساء والمساكين. وذلك بشرط التزام المعروف أو العدل، وتجنب الإضرار في الوصية، لقوله تعالى: {من بعد وصية يوصى بها أو دين، غير مضار} [النساء:12/4]. ولحديث ابن عباس رضي الله عنهما: « الإضرار في الوصية من الكبائر» (1) ، والعدل المطلوب: قصرها على مقدار ثلث التركة المحدد شرعاً. أما عدم نفاذ الوصية لوارث إلا بإجازة الورثة الآخرين، فهو لمنع التباغض والتحاسد وقطيعة الرحم.\rونوع حكم الوصية الشرعي: هو الندب أو الاستحباب، فهي مندوبة ولو لصحيح غير مريض؛ لأن الموت يأتي فجأة، فلا تجب الوصية على أحد بجزء من المال، إلا على من عليه دين أو عنده وديعة أو عليه واجب يوصي بالخروج منه، فإن الله تعالى فرض أداء الأمانات، وطريقه الوصية.\r-------------------------------\r(1) الإضرار في الوصية: أن يوصي بأكثر من الثلث، والإضرار في الدين: أن يبيع بأقل من ثمن المثل، ويشتري بأكثر منه. والحديث رواه الدارقطني في سننه.","part":10,"page":162},{"id":6350,"text":"والدليل على عدم وجوب الوصية: أن أكثر الصحابة لم ينقل عنهم وصية، ولأنها تبرع أو عطية لا تجب في حال الحياة، فلا تجب بعد الممات، كعطية الفقراء الأجانب غير الأقارب. أما الآية السابقة: {كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيراً الوصية للوالدين والأقربين ..} [البقرة:180/2] فمنسوخة بقوله تعالى: {للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون} [النساء:7/4] كما قال ابن عباس. وقال ابن عمر: نسختها آية الميراث.\rوبعد نسخ وجوب الوصية يبقى الاستحباب في حق من لا يرث، للأحاديث السابقة، التي منها: «إن الله تصدق عليكم عند وفاتكم بثلث أموالكم» .\rوالأفضل أن يجعل وصيته لأقاربه الذي لا يرثون إذا كانوا فقراء، باتفاق أهل العلم، لقوله تعالى: {وآت ذا القربى حقه} [الإسراء:26/17] وقوله سبحانه: {وآتى المال على حبه ذوي القربى} [البقرة:177/2] فبدأ بهم، ولقوله تعالى: {وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله ، من المؤمنين والمهاجرين، إلا أن تفعلوا إلى أوليائكم معروفاً} [الأحزاب:6/33] وفسر بالوصية.\rولأن الصدقة عليهم في الحياة أفضل، فكذلك بعد الموت. فإن أوصى لغيرهم، وتركهم، صحت وصيته في قول أكثر العلماء.\rوقد تصبح الوصية مكروهة أو حراماً.","part":10,"page":163},{"id":6351,"text":"وبه يتبين أن الوصية أربعة أنواع بحسب صفة حكمها الشرعي:\r1 - واجبة: كالوصية برد الودائع والديون المجهولة التي لا مستند لها، وبالواجبات التي شغلت بها الذمة كالزكاة، والحج والكفارات، وفدية الصيام والصلاة ونحوها. وهذا متفق عليه. قال الشافعية: يسن الإيصاء بقضاء الحقوق من الدين ورد الودائع والعواري وغيرها، وتنفيذ الوصايا إن كانت، والنظر في أمر الأطفال ونحوهم كالمجانين ومن بلغ سفيهاً. وتجب الوصية بحق الآدميين كوديعة ومغصوب إذا جهل ولم يعلم.\r2 - مستحبة: كالوصية للأقارب غير الوارثين، ولجهات البر والخير والمحتاجين، وتسن لمن ترك خيراً (وهو المال الكثير عرفاً) بأن يجعل خُمسه لفقير قريب، وإلا فلمسكين وعالم وديِّن. 3 - مباحة: كالوصية للأغنياء من الأجانب والأقارب، فهذه الوصية جائزة.\r4 - مكروهة تحريماً عند الحنفية: كالوصية لأهل الفسوق والمعصية. وتكره بالاتفاق لفقير له ورثة، إلا مع غناهم فتباح.\rوقد تكون حراماً غير صحيحة اتفاقاً كالوصية بمعصية، كبناء كنيسة أو ترميمها، وكتابة التوراة والإنجيل وقراءتهما، وكتابة كتب الضلال والفلسفة وسائر العلوم المحرمة، والوصية بخمر أو الإنفاق على مشروعات ضارة بالأخلاق العامة، وتحرم أيضاً بزائد على الثلث لأجنبي، ولوارث بشيء مطلقاً، والصحيح من المذهب عند الحنابلة أن الوصية بالزائد عن الثلث مكروهة، أو لوارث حرام.\rوالأفضل تعجيل الوصايا لجهات البر في الحياة، وعدم تأخيرها لما بعد الوفاة؛ لأنه لا يأمن إذا أوصى أن يفرط به بعد موته، ولما روى أبو هريرة رضي الله عنه، قال: «سئل رسول الله صلّى الله عليه وسلم : أي الصدقة أفضل؟ قال: أن تتصدق وأنت صحيح شحيح، تأمل الغنى، وتخشى الفقر، ولا تمهل، حتى إذا بلغت الروح الحلقوم، قلت: لفلان كذا، ولفلان كذا، وقد كان لفلان» (1) .\rوعلى هذا تكون الصدقة في حال الحياة أفضل من الوصية؛ لأن المتصدق يجد ثواب عمله أمامه، ولصريح حديث أبي هريرة المتقدم.\r-------------------------------\r(1) رواه الشيخان، وأصحاب السنن إلا الترمذي، ورواه أحمد في مسنده.\rومعنى قوله «صحيح شحيح» أي أن الإنسان في حال القوة يكون غالباً بخيلاً، لما يأمله من البقاء، وحذر الفقر، فتكون الصدقة أعظم للأجر. ومعنى «إذابلغت الحلقوم» أي قاربت بلوغه.","part":10,"page":164},{"id":6352,"text":"ثالثاً ـ أركان الوصية :\rقال صاحب الدر المختار من الحنفية: ركن الوصية: الإيجاب فقط من\rالموصي، بأن يقول: أوصيت لفلان بكذا، ونحوه من الألفاظ. وأما القبول من الموصى له فهو شرط، لا ركن؛ أي أنه شرط في لزوم الوصية وثبوت ملك الموصى به.\rوهذا قول زفر، وهو الراجح لدى الحنفية؛ لأن ملك الموصى له بمنزلة ملك الوارث؛ لأن كل واحد من الملكين ينتقل بالموت، ولا يحتاج ملك الوارث إلى قبول، فيقاس عليه ملك الموصى له. وهذا هو الذي أخذ به قانون الأحوال الشخصية السوري (م 207)، والمصري (م 1) وبه تكون الوصية تصرفاً ينشأ بإرادة منفردة.\rوقال الكاساني في البدائع: ركن الوصية عند أئمة الحنفية الثلاثة: الإيجاب والقبول، كسائر العقود مثل الهبة والبيع، إذ لا يثبت ملك إنسان باختياره من غير قبوله وسعيه، ولأن إثبات الملك له من غير قبوله يؤدي إلى الإضرار به، بخلاف الميراث، فإن الملك فيه ثبت جبراً من الشارع، فلا يشترط فيه القبول.\rوالمراد بالقبول: ما يكون صريحاً مثل قبلت، أو دلالة كموت الموصى له بعد موت الموصي بلا قبول ولا رد. ولا يصح قبول الوصية إلا بعد موت الموصي، فإن قبل الموصى له بعد موت الموصي، ثبت له ملك الموصى به، سواء قبضه أو لم يقبضه. فإن مات بعد موت الموصي قبل القبول أو الرد، انتقل الموصى به إلى ملك ورثته (1) . وإن قبلها الموصى له في حال الحياة أو ردها، بطلت. هذا ما ذكره الكاساني والقدوري، والراجح لدى الحنفية أن الوصية تنشأ بإرادة الموصي.\rونص القانون المصري (م 20-24) على أحكام من مذهب الحنفية وغيره، مفادها: أن الوصية تلزم بقبولها من الموصى له بعد وفاة الموصي، وهو رأي\r-------------------------------\r(1) م 93 من مرشد الحيران لقدري باشا.","part":10,"page":165},{"id":6353,"text":"الحنفية. ويقبل عن الجنين والصغير والمحجور عليه من له الولاية على مالهم، أخذاً من مذهب الشافعية في الجنين، ومن مذهب المالكية في المحجور عليه.\rويقبل عن جهات البر كالمؤسسات العلمية والدينية والملاجئ والمشافي ونحوها من يمثلها شرعاً أو قانوناً. ولا يعتبر القبول من الموصى لهم كطلبة المدرسة والموجودين بالملجأ أو المستشفى، أخذاً من مذهب الشافعية والإمامية.\rونصت المادة (20) على أنه إذا لم يكن لجهات البر من يمثلها كالفقراء والحج ونحوهما، فإن الوصية تلزم بلا قبول. ولا خلاف فيه بين المذاهب.\rوفي المادة (21) يقوم الوارث مقام الموصى له إذا مات قبل القبول أو الرد، أخذاً من مذهب الشافعية.\rويصح القبول قبل الموت ويصح متراخياً، عملاً بمذهب الحنفية. أما رد الموصى له الوصية كلها أو بعضها قبل الموت فهو باطل.\rونصت المادة (23) على أن مطابقة القبول للإيجاب ليست شرطاً في لزوم الوصية. وتلزم الوصية فيما قبل، وتبطل فيما رد، وهو مذهب الحنفية.\rوقال الجمهور: للوصية أركان أربعة: موص، وموصى له، وموصى به، وصيغة. والصيغة تنعقد بالإيجاب من الموصي كقوله: أوصيت له بكذا أو ادفعوا إليه أو أعطوه بعد موتي، والقبول من الموصى له المعين، ولا يصح قبول ولا رد في حياة الموصي، ولا يشترط الفور في القبول بعد الموت. وإن كانت الوصية لجهة عامة كمسجد أو لغير معين كالفقراء، فإنها تلزم بالموت بلا قبول. نص قانون الأحوال الشخصية السوري في المادة (225) على أن : «الوصية لغير معين لا تحتاج إلى قبول ولا ترتد برد أحد» .","part":10,"page":166},{"id":6354,"text":"رابعاً ـ كيفية انعقاد الوصية أو طرق إنشائها وأثر العقد :\rتنعقد الوصية شرعاً بأحد طرق ثلاثة: العبارة، أو الكتابة، أو الإشارة المفهمة، ونصت القوانين عليها (1) .\rأما العبارة: فلا خلاف بين الفقهاء في انعقاد الوصية باللفظ الصريح مثل: أوصيت لفلان بكذا، وغير الصريح الذي يفهم منه الوصية بالقرينة، مثل جعلت له بعد موتي كذا، أو اشهدوا أني أوصيت لفلان بكذا.\rوالقبول كما عرفنا يكون عند الجمهور غير الحنفية بعد الموت، فلا عبرة به في حياة الموصي. وإذا مات الموصى له، قام وارثه مقامه بالقبول. ويصح عند الحنفية قبل الموت.\rويكون القبول من الموصى له إذا كان بالغاً رشيداً، فإن لم يكن كذلك، قبل وليه عنه. وإذا كان الموصى له غير معين كالوصية للمسجد أو للفقراء والمساكين، لزمت الوصية بمجرد موت الموصي، بدون قبول، لتعذره في هذه الحالة. ولناقص الأهلية كالمميز والمحجور عليه لسفه أو غفلة قبول الوصية عند الحنفية.\rوأما الكتابة: فلا خلاف أيضاً في أن الوصية تنعقد بها إذا صدرت من عاجز عن النطق، كالأخرس، ومثله عند الحنفية والحنابلة معتقل اللسان إذا امتدت عقلته، أو صار ميؤوساً من قدرته على النطق.\rأما عند الشافعية فتصح وصية معتقل اللسان مطلقاً كالأخرس بالكتابة أو الإشارة كالبيع، وهذا هو المأخوذ به قانوناً.\rوتنعقد الوصية بالكتابة من قادر على النطق (2) إذا ثبت أنه خط الموصي بإقرار وارث، أو بيِّنة تشهد أنه خطه، وإن طال الزمن.\rهذا هو الراجح لدى الحنابلة، وقال الحنفية والمالكية: إذا كتب الشخص وصيته بيده، ثم أشهد، فقال: اشهدوا على ما في هذا الكتاب، جاز.\rوقال الشافعية: الكتابة كناية، أي تنعقد الوصية بها مع النية، كالبيع، واشترطوا لإثبات الكتابة بالشهادة أن يُطْلع الموصي الشهود على ما في كتابه، فإن لم يطلعهم على ما في كتابه، لم تنعقد وصيته.\r-------------------------------\r(1) الفقرة الأولى من المادة الثانية من قانون الوصية المصري، والمادة (208) من قانون الأحوال الشخصية السوري.\r(2) يستحب أن يكتب في صدر وصيته: بسم الله الرحمن الرحيم. هذا ما أوصى به فلان، أنه يشهد أن لا إله إلا الله ، وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله، وأن الجنة حق، وأن النار حق، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور. وأوصي من تركت من أهلي أن يتقوا الله ، ويصلحوا ذات بينهم، ويطيعوا الله ورسوله إن كانوا مؤمنين، وأوصيهم بما أوصى به إبراهيم بنيه ويعقوب: {يا بني، إن الله اصطفى لكم الدين، فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون} [البقرة:132/2]. وتجب على من عليه حق بلا بينة، فيوصي بالخروج منه (غاية المنتهى: 348/2 وما بعدها).","part":10,"page":167},{"id":6355,"text":"والدليل على جواز الاكتفاء بالكتابة: أن الكتابة لا تقل في بيان المراد عن العبارة، بل هي أقوى منها عند الحاجة إلى الإثبات.\rوأما الإشارة المفهمة: فتنعقد بها الوصية من الأخرس أو معتقل اللسان، بشرط أن يصير معتقل اللسان عند الحنفية والحنابلة ميؤوساً من نطقه،بأن يموت كذلك. وإذا كان العاجز عن النطق عالماً بالكتابة، فلا تنعقد وصيته إلا بالكتابة؛ لأن دلالتها على المقصود أدق وأحكم، وهذا هو المأخوذ به قانوناً.\rوتنعقد الوصية بالإشارة المفهمة أيضاً ولو من قادر على النطق عند المالكية.\rوالخلاصة: أن الناطق تنعقد وصيته بالعبارة (اللفظ) وبالكتابة، وكذا بالإشارة المفهمة عند المالكية، والأخرس ونحوه تنعقد وصيته بالعبارة، أو الكتابة، أو الإشارة إذا كان عاجزاً عن الكتابة، فإن كان عالماً بالكتابة فلا تنعقد وصيته إلا بالكتابة في رأي الأكثرين. أما القانون فقرر أنه لا تنعقد وصية الناطق إلا بالعبارة أو الكتابة ولا تنعقد بإشارته، وهو مذهب الحنفية. وأما الأخرس ومعتقل اللسان والمريض الذي لا يستطيع النطق، فإن كان عالماً بالكتابة فلا تنعقد وصيته إلا بها، وأما إذا كان لا يعرف الكتابة، فإن وصيته تنعقد بإشارته.","part":10,"page":168},{"id":6356,"text":"القبول المطلوب: للفقهاء رأيان فيه:\rالأول ـ للحنفية: وهو أن القبول المطلوب: هو عدم الرد، فيكفي إما القبول الصريح، مثل قبلت الوصية أو رضيت بها، أو القبول دلالة، بأن يتصرف في الموصى به تصرف الملاك، كالبيع والهبة والإجارة.\rويملك الموصى له الموصى به بالقبول إلا في مسألة: وهي أن يموت الموصي، ثم يموت الموصى له قبل القبول، فيدخل الموصى به في ملك ورثته؛ لأن الوصية قد تمت من جانب الموصي بموته تماماً لا يلحقه الفسخ من جهته، وإنما توقف لحق الموصى له، فإذا مات دخل في ملكه، كما لو مات المشتري في أثناء الخيار الممنوح له قبل إجارة البيع. وقد أخذ القانون السوري (م/226) برأي الحنفية في الاكتفاء بعدم الرد.\rالثاني ـ للجمهور: لا بد من القبول بالقول أو ما يقوم مقامه من التصرفات الدالة على الرضا، ولا يكتفى بعدم الرد؛ لأنه غير القبول المطلوب. وقد أخذ قانون الوصية المصري بهذا الرأي في المادة (20).\rهل تشترط الفورية في القبول؟\rاتفق الفقهاء على أنه لا يشترط كون القبول في مدة معينة، ولا تشترط الفورية في القبول أو الرد، بل هو على التراخي، فيجوز بعد الوفاة، ولو إلى مدة طويلة؛ لأن الفور إنما يشترط في العقود المنجزة التي يرتبط القبول فيها بالإيجاب كالبيع، وليست الوصية منها، لكن رأى الشافعية أن للوارث الحق في مطالبة الموصى له بالقبول أو الرد، فإن امتنع بعدالمطالبة، كان امتناعه رداً للوصية، وهذا معقول؛ لأن فيه دفع الضرر عن الورثة. وقال الحنابلة: إن امتنع من قبول ورد، حكم عليه بالرد وسقط حقه.\rورعاية لدفع هذا الضرر اشترط القانون السوري (ف1/م227) أن يكون رد الوصية خلال ثلاثين يوماً من وفاة الموصي، أو من حين علم الموصى له بالوصية إن لم يكن عالماً حين الوفاة. وهذا من قبيل السياسة الشرعية، منعاً للإضرار بالورثة أو بالتركة.","part":10,"page":169},{"id":6357,"text":"وجعل القانون المصري (م 22) الحق لمن له تنفيذ الوصية طلب القبول أو الرد بإعلان رسمي، وحدد مدة الإجابة بثلاثين يوماً، فإن لم يجب بالقبول أو الرد، اعتبر ذلك منه رداً، فتبطل الوصية، ما لم يكن له عذر مقبول. وهو مأخوذ من مذهب الشافعية والحنابلة.\rتجزؤ الرد ورد البعض دون البعض :\rقد يتجزأ الرد، فيقبل الموصى له بعض الموصى به ويرد البعض الآخر كما إذا أوصي له بدار وأرض زراعية، فقبل الدار ورد الأرض الزراعية أو بالعكس، نفذت الوصية فيما قبله، وبطلت فيما رده؛ لأنه أدرى بمصلحته، ولا ضرر على غيره في التجزئة، فيقبل ما يطيب له، ويرد ما لا يرغب فيه، أي أنه لا يلزم مطابقة القبول للإيجاب. وإذا كانت الوصية لجماعة، فقبل بعضهم، ورد الآخرون، لزمت الوصية لمن قبل، وبطلت لمن رد؛ لأن بطلانها في نصيب من رد لا يؤثر في صحتها في نصيب من قبل.\rلكن إذا شرط الموصي عدم التجزئة، وجب العمل بالشرط، لأن شرط الموصي محترم ما لم يخالف الشريعة.\rوقد نصت القوانين على هذه الأحكام (1) .\rالرجوع عن الرد أو القبول :\rإذا حصل الرد أو القبول، لم يجز بعدئذ الرجوع عن الرد إلى القبول، أو عن القبول إلى الرد، إلا إذا أجاز الورثة ذلك، فإن قبل الورثة جميعاً أو قبل أحدهم الرد، فسخت الوصية، وعاد الموصى به إلى التركة، وإذا أبى الورثة الرد، فلا عبرة به، وتبقى الوصية نافذة. هذا ما قرره القانون (2) عملاً بالمذهب الحنفي الذي يجيز الرد بعد القبول، وتفسخ الوصية بشرط أن يقبل الورثة منه الرد، كلهم أو بعضهم، ولو كان واحداً.\rوقال الشافعية والحنابلة (3) : لا يصح الرد بعد القبول والقبض؛ لأن الملك قد ثبت بالقبول، واستقر بالقبض، فلا يصح الرد؛ لأن ملكه قد استقر عليه، فأشبه رده لسائر ملكه، إلا أن يرضى الورثة بالرد، فيكون منه لهم هبة مبتدأة، تفتقر إلى شروط الهبة.\r-------------------------------\r(1) المادة 23 من قانون الوصية المصري لسنة 1946، والمادة 228 بفقرتيها من القانون السوري.\r(2) المادة 24 من قانون الوصية المصري، والمادة 229 من قانون السوري.\r(3) المهذب: 452/1 وما بعدها، كشاف القناع: 381/4 وما بعدها، المغني: 22/6-26.","part":10,"page":170},{"id":6358,"text":"أما إن حصل الرد بعد القبول وقبل القبض، ففيه عند الشافعية وجهان: المنصوص عليه أنه يصح الرد؛ لأنه تمليك من جهة الآدمي من غير بدل، فصح رده قبل القبض كالوقف. ويصح الرد عند الحنابلة إن كان الموصى به مكيلاً أو موزوناً؛ لأنه لا يستقر ملكه عليه قبل قبضه، فأشبه رده قبل القبول. وإن كان غير ذلك لم يصح الرد؛ لأن ملكه قد استقر عليه، فهو كالمقبوض.\rوفي كل موضع صح الرد فيه، فإن الوصية تبطل بالرد، وترجع إلى التركة، فتكون للورثة جميعهم؛ لأن الأصل ثبوت الحكم لهم.\rوالراجح رأي الشافعية والحنابلة بعدم صحة الرد بعد القبول وإن لم يوجد قبض، إلا على أنه تبرع مبتدأ، فيأخذ حكم التبرعات المنشأة، لثبوت ملك الموصى له بالتلقي عن الموصي، لا عن الورثة، وإن أخذ القانون برأي الحنفية.\rويحصل الرد بقوله: رددت الوصية أو لا أقبلها وما في معناه.\rمن يملك القبول والرد :\rأ ـ اتفق الفقهاء على أن الموصى له المعين يملك بنفسه القبول والرد إذا كان كامل الأهلية رشيداً؛ لأنه صاحب الولاية على نفسه.\rب ـ واتفقوا أيضاً على أن الموصى له إذا كان فاقد الأهلية وهو المجنون والمعتوه والصبي غير المميز، ليس له القبول والرد؛ لأن عبارته ملغاة، وإنما يقبل وليه عنه أويرد .\rجـ ـ واتفقوا أيضاً على أن الموصى له غير المعين لا يحتاج إلى قبول ولا رد، وإنما تلزم الوصية بمجرد إيجاب الموصي. وقد أخذ به القانون السوري (م 225)، أما القانون المصري (م 20)، فجعل حق القبول والرد عن المؤسسات والجهات والمنشآت لمن يمثلها قانوناً، فإن لم يكن لها من يمثلها قانوناً، لزمت الوصية من غير حاجة إلى قبول.","part":10,"page":171},{"id":6359,"text":"د ـ واختلف الفقهاء في ناقص الأهلية وهو الصبي غير المميز، والمحجور عليه بسبب السفه أو الغفلة:\rفقال الحنفية: له القبول؛ لأن الوصية نفع محض له كالهبة والاستحقاق في الوقف، وليس له ولا لوليه الرد؛ لأنه ضرر محض، فلا يملكونه.\rوقال الجمهور: أمر القبول والرد عن ناقص الأهلية لوليه، يفعل ما فيه الحظ والمصلحة.\rموت الموصى له بلا قبول ولا رد :\rإذا مات الموصى له بعد موت الموصي، بلا قبول ولا رد، فتصح الوصية عند الحنفية (1) استحساناً؛ لأن موته يعتبر قبولاً دلالة، ولأن الشرط عدم الرد، فتتم الوصية، ويدخل الموصى به في ملك ورثة الموصى له.\rوينتقل حق القبول والرد إلى ورثة الموصى له عند الجمهور (2) ، بعد موت الموصي، فمن قبل منهم أورد، فله حكمه؛ لأنه حق ثبت للمورث، فثبت للوارث بعد موته، لقوله عليه الصلاة والسلام: «من ترك حقاً أو مالاً فلورثته» .\rوقت ثبوت ملكية الموصى به للموصى له :\rحكم الوصية بمعنى الأثر المترتب على الشيء: هو انتقال ملكية الموصى به إلى الموصى له ملكاً جديداً بقبول الموصى له بعد وفاة الموصي، وبه تلزم الوصية بالاتفاق.\rواتفق الفقهاء على أن الموصي إذا حدد موعداً للملكية كابتداء شهر كذا، تبدأ به؛ لأن شرط الموصي يراعى ما لم يخالف مقاصد الشرع. أما إذا لم يعين الموصي وقتاً لابتداء الملكية، فإن قبل الموصى له عقب الوفاة، ثبت له الملك بالوفاة مباشرة، أما إذا تراخى القبول عن الوفاة فقد اختلفوا في وقت ثبوت الملكية على رأيين: رأي الحنفية والشافعية، ومشهور مذهب المالكية: بالقبول مستنداً إلى موت الموصي، أي أن له أثراً رجعياً، ورأي بعض المالكية والحنابلة: بالقبول وحده.\r-------------------------------\r(1) الكتاب مع اللباب: 170/4 .\r(2) الشرح الكبير مع الدسوقي: 424/4، مغني المحتاج: 54/3، المغني: 23/6 وما بعدها، غاية المنتهى: 252/2.","part":10,"page":172},{"id":6360,"text":"قال الحنفية (1) : القبول ليس بشرط لصحة الوصية، وإنما هوشرط ثبوت الملك للموصى له، فقبول الموصى له شرط لإفادة الملك للموصى له، حتى لا يملك قبل القبول إلا في مسألة واحدة هي كما عرفنا: حال موت الموصي ثم موت الموصى له قبل القبول.\rومتى قبل الموصى له ثبتت ملكيته من تاريخ وفاة الموصي إذا كان قدر الثلث، فإن لم يقبل بعد الموت، كانت الوصية موقوفة على قبوله: ليست في ملك الوارث، ولا في ملك الموصى له، حتى يقبل أو يموت بلا قبول ولا رد.\rوكذلك قال الشافعية (2) : الأظهر أن ملك الموصى له موقوف، فإن قبل بان أنه ملكه بالموت، وإن لم يقبله بان أنه للوارث، أي أنهم كالحنفية تبتدئ الملكية عندهم من وقت وفاة الموصي، ولكن لا تثبت إلا بالقبول. والمشهور عند المالكية (3) مراعاة الأمرين وهو أن الملك يثبت من وقت القبول ووقت الموت معاً، فبالقبول تبين أنه ملك الموصى به من حين الموت.\rورأى بعض المالكية والحنابلة (4) على الصحيح: أن الموصى له لا يملك الموصى به إلا بالقبول، إذا كانت الوصية لمعين، كما يملك الشيء المعقود عليه في سائر العقود، ولأن القبول من تمام السبب، والحكم لا يتقدم سببه. فتثبت الملكية بالقبول، ولا يستند وجودها إلى ما قبله.\rوالراجح لدي هو الرأي الأول، فيثبت الملك مستنداً إلى وقت الوفاة؛ لأن ذلك هو الذي قصده الموصي بوصيته، وهذا ما أخذ به القانون السوري (5) .\r-------------------------------\r(1) البدائع: 332/7، 385، الدر المختار ورد المحتار: 460/5، 465، تكملة فتح القدير مع حاشية العناية: 430/8، حاشية الشلبي على الزيلعي: 184/6، الكتاب مع اللباب: 170/4.\r(2) مغني المحتاج: 54/3.\r(3) الشرح الصغير: 582/4 وما بعدها، الشرح الكبير مع الدسوقي: 424/4.\r(4) المغني: 25/6، 158، كشاف القناع: 381/4.\r(5) الفقرة الثانية من المادة 25 من القانون المصري، والفقرة الأولى من المادة (254) من القانون السوري.","part":10,"page":173},{"id":6361,"text":"وتظهر ثمرة الخلاف في ملك زوائد الموصى به وغلته الحادثة في المدة ما بين الموت والقبول، كنسل الحيوان وثمرة البستان وأجرة الدار وصوف الغنم ونحوها من الزوائد المنفصلة. أما الزوائد المتصلة كالسمن، فهي بالاتفاق للموصى له إذا احتملها الثلث.\rفعلى الرأي الأول: تكون الزوائد بعد الموت وقبل القبول ملكاً لورثة الموصي، وعليهم نفقتها. لكن اختلف الحنفية مع الشافعية أصحاب الرأي الأول في اعتبار الزوائد من الثلث، فقال الحنفية: تعتبر من أصل الموصى به، فيشترط ألا تزيد مع الأصل عن الثلث.\rوقال الشافعية: يعتبر ذلك نماءً زائداً عن أصل الموصى به، فلا تدخل في حساب الثلث، فتكون للموصى له. وهذا هو الأرجح؛ لأن هذا الزائد حدث على ملك الموصى له، فيسلم له، وبه أخذ القانون.\rتعليق الوصية على شرط :\rلا تكون الوصية منجزة حال الحياة؛ لأنها بطبيعتها عقد مضاف إلى ما بعد الموت، فكل العقود تقبل التنجيز إلا الوصية والإيصاء، لكون مفهومهما الإضافة إلى المستقبل.\rوقد نص القانون المصري والسوري (1) على صحة إضافة الوصية إلى المستقبل، وتعليقها بالشرط، وتقييدها به إذا كان الشرط صحيحاً.\rأما إضافة الوصية إلى المستقبل: فهذا صحيح، كأن يوصي بسكنى داره لفلان اعتباراً من بدء السنة التالية لوفاته، أو من بدء الشهر الفلاني بعد الوفاة. والوصية والإيصاء لا يكونان إلا مضافين إلى المستقبل.\r-------------------------------\r(1) المادة 4 من الأول، والمادة 210 ف 1 من الثاني.","part":10,"page":174},{"id":6362,"text":"وأما تقييد الوصية بشرط صحيح: فهو جائز أيضاً على أن يتقيد تنفيذ الوصية بهذا الشرط المقترن بها. والشرط الصحيح بحسب رأي ابن تيمية وابن القيم الذي أخذ به القانون: هو كل ما كان فيه مصلحة مشروعة للموصي، أو للموصى له، أو لغيرهما، ولم يكن منهياً عنه، ولا مخالفاً لمقاصد الشريعة (1) . وهو متفق مع مذهب الحنفية، مع تقييد الشرط الصحيح بقيدين: أولهما ـ أن يكون الشرط مشتملاً على مصلحة. والثاني ـ ألا يكون منهياً عنه ولا منافياً لمقاصد الشريعة، وكأن القانون جعل من مجموع رأي الحنفية وهذين الإمامين رأياً ثالثاً مقبولاً في ذاته.\rمثال المصلحة للموصي: أن يوصي لفلان بكذا على أن يدفع ضرائب الدولة المستحقة، أو على أن يقوم بالإشراف على أولاده الصغار، أو على أن يبدأ في تنفيذ الوصايا بحقوق الله من فدية صيام وصلاة ونحوها.\rومثال المصلحة للموصى له: أن يوصي لفلان بأرضه أو داره على أن تكون نفقات إصلاحها أو ترميمها في تركة الموصي، أو على أن تكون رسوم التسجيل في السجل العقاري من تركة الموصي.\rومثال المصلحة لأجنبي غير الموصي والموصى له: أن يوصي لفلان بداره على أن يسقي من مائها حديقة جاره، أو أن يوصي بمنفعة دار لجهة خيرية على أن يكون حق السكنى لمن لم يجد مأوى من ذريته.\rفإن كان الشرط غير صحيح شرعاً، لغا الشرط وصحت الوصية، كأن يوصي لفلان بمبلغ من المال على ألا يتزوج، تصح الوصية وله أن يتزوج. فهذا شرط مصادم لمقاصد الشريعة. وكذلك يلغو الشرط من باب أولى إن كان ممنوعاً شرعاً، كأن يوصي لفلان بمبلغ كذا على أن ينفق بعضه في حفلة مشروب مسكر أو لذة حرام.\rوأما تعليق الوصية على شرط (2) : فيجوز تعليقها بشرط في الحياة كالطلاق ونحوه، وبشرط بعد الموت؛ لأن ما بعد الموت في الوصية كحال الحياة، فإذا جاز تعليقها على شرط في الحياة، جاز بعد الموت (3) . وبه عرف أن الوصية من العقود التي تقبل التعليق على الشرط بالاتفاق.\r-------------------------------\r(1) المادة 4 من قانون الوصية المصري، والفقرة الثانية من المادة 210 من قانون الأحوال الشخصية السوري.\r(2) التعليق : ترتيب وجود العقد على وجود الشرط، أما الاقتران : فهو تقييد تنفيذ العقد بشروط معينة.\r(3) المهذب: 452/1، غاية المنتهى: 348/2، المغني: 28/6، رد المحتار: 471/5.","part":10,"page":175},{"id":6363,"text":"المبحث الثاني ـ شروط الوصية :\rللوصية شروط صحة يتوقف عليها صحة الوصية، وشروط نفاذ يتوقف\rعليها نفاذ الوصية وترتب آثارها، وتلك الشروط إما في الموصي أو في الموصى له، أو في الموصى به، أبحثها في مطالب ثلاثة:\rالمطلب الأول ـ شروط الموصي :\rيشترط في الموصي شروط صحة وشرط نفاذ:\rأما شروط الصحة في الموصي فهي ما يأتي (1) :\r1ً - أن يكون أهلاً للتبرع: وهو المكلف (البالغ العاقل) ، الحر، رجلاً كان أو امرأة، مسلماً أو كافراً.\rوقد اتفق على اشتراط العقل، فلا تصح وصية المجنون والمعتوه والمغمى عليه؛ لأن عبارتهم ملغاة لا يتعلق بها حكم. واتفقوا على اشتراط الحرية، فلا تصح وصية العبد؛ لأنها تبرع، وهو ليس من أهل التبرع، ولأنه لا يملك شيئاً حتى يملّكه لغيره.\rواتفق الحنفية، والشافعية في أرجح القولين عندهم على اشتراط البلوغ، فلا تصح وصية الصبي المميز وغير المميز، ولو كان مميزاً مأذوناً له في التجارة؛ لأن الوصية من التصرفات الضارة ضرراً محضاً، إذ هي تبرع، كما أنها ليست من أعمال التجارة.\rوأجاز المالكية والحنابلة وصية المميز وهو ابن عشر سنين فأقل مما يقاربها، دون غير المميز، إذ ا عقل المميز القربة؛ لأنها تصرف تمحض نفعاً له، فصح منه\r-------------------------------\r(1) البدائع: 334/7 ومابعدها، تبيين الحقائق: 185/6، تكملة فتح القدير: 429/8، 432، الدر المختار: 459/5، 463، القوانين الفقهية: ص 405، الشرح الصغير: 580/4، شرح الرسالة: 169/2، مغني المحتاج: 39/3، كشاف القناع: 371/4 وما بعدها، بداية المجتهد: 328/2.","part":10,"page":176},{"id":6364,"text":"كالإسلام والصلاة، كما أن الحنفية أجازوا وصية المميز (وهو من أتم السابعة) إذا كانت لتجهيزه وتكفينه ودفنه؛ لأن عمر رضي الله عنه أجاز وصية صبي من غسان له عشر سنين أوصى لأخواله، ولأنه لا ضرر على الصبي في جواز وصيته؛ لأن المال سيبقى على ملكه مدة حياته، وله الرجوع عن وصيته؛ كما سأبين.\rوتجوز وصية المحجور عليه لسفه بالاتفاق، فقال الحنفية: تصح وصية المحجور عليه (1) إذا كانت بالقُرَب وأبواب الخير، من ثلث ماله؛ إذ ليس في تلك الوصية إضرار به، بل هي مفيدة له، لما يترتب عليها من الثواب. أما الوصية في غير القُرَب كالوصية لغني غير فاسق، فإنها لا تجوز.\rوكذلك قال المالكية: تصح وصية المحجور عليه السفيه والصغير؛ لأن الحجر عليهما لحق أنفسهما، فلو منعا من الوصية، لكان الحجر عليهما لحق غيرهما.\rوالمذهب لدى الشافعية جواز وصية المحجور عليه بسفه، لصحة عبارته. وأما وصية المحجور عليه لفلس فموقوفة على إجازة الغرماء، فإن أمضوها جازت، وإن ردوها بطلت.\rوقال الحنابلة: تصح وصية المحجور عليه لسفه بمال؛ لأنها تمحضت نفعاً له من غير ضرر، فصحت منه كعباداته، ولأنه كما قال الحنفية والمالكية إنما حجر عليه لحفظ ماله، وليس في الوصية إضاعة له؛ لأنه إن عاش، كان ماله له، وإن مات كان ثوابه له، وهو أحوج إليه من غيره. ولا تصح الوصية من المحجور عليه لسفه على أولاده؛ لأنه لا يملك أن يتصرف عليهم بنفسه، فوصيته أولى.\rوتصح الوصية من المحجور عليه لفلس؛ لأن الحجر عليه لحظ الغرماء، ولا ضرر عليهم؛ لأنه إنما تنفذ وصيته في ثلث ماله بعد وفاء ديونه.\r-------------------------------\r(1) الحجر على السفيه رأي الصاحبين، وبه يفتى، ولم يجز أبو حنيفة الحجر عليه.","part":10,"page":177},{"id":6365,"text":"أما السكران: فلا تصح وصيته عند الجمهور، لعدم العقل فهو كالمجنون. وأجاز الشافعية وصية السكران المتعدي بسكره وهو من عصى بسكره، ولا تصح وصية غير المتعدي بسكره.\rوتصح بالاتفاق وصية الكافر ولو حربياً، فليس الإسلام شرطاً لصحة الوصية، إلا أن يوصي بخمر أو خنزير لمسلم.\rوغني عن البيان أنه يشترط في الموصي كونه مالكاً، فهذا داخل في اشتراط أهلية التبرع، فكل من ملك التصرف في ماله بالبيع والهبة، ملك الوصية بثلثه في وجوه البر، لحديث سعد بن أبي وقاص السابق (1) .\r2ً - أن يكون راضياً مختاراً: لأن الوصية إيجاب ملك، فلا بد فيه من الرضا، كإيجاب الملك بسائر الأشياء والتصرفات من بيع وهبة ونحوهما، فلا تصح وصية الهازل والمكره والمخطئ؛ لأن هذه العوارض تفوِّت الرضا، والرضا لابد منه في عقود التمليكات.\rشرط نفاذ الوصية في الموصي :\rيشترط في الموصي لنفاذ الوصية: ألا يكون مديناً بدين مستغرق لجميع تركته؛ لأن إيفاء الدين مقدم على تنفيذ الوصية بالإجماع كما بان سابقاً، وقد تعلق بالمال حق للغير وهو الدائن، فتكون الوصية في هذه الحالة موقوفة على إجازة أصحاب الحق، فإذا أجازوها نفذت، وإلا بطلت.\rوقد اتفق القانون (2) مع الفقه في شرط نفاذ الوصية، وفي شرط كون الموصي أهلاً للتبرع قانوناً، فلا تصح وصية المجنون ولا المعتوه، ولا الصبي ولو كان مميزاً، أخذاً برأي الحنفية، والشافعية في الأرجح.\rأما وصية المحجور عليه لسفه أو غفلة، فهي جائزة بإذن القاضي، فإذا أذن نفذت، وإلا بطلت، سواء أكانت الوصية في وجوه الخير أم لا.\r-------------------------------\r(1) المهذب: 449/1.\r(2) المادة 5 و 38 من قانون الوصية المصري، والمادة 211 من قانون الأحوال الشخصية السوري.","part":10,"page":178},{"id":6366,"text":"المطلب الثاني ـ شروط الموصى له :\rيشترط في الموصى له شروط صحة وشروط نفاذ (1) .\rأما شروط الصحة فهي ما يأتي: في الجهة العامة أو الشخص المعنوي ألا تكون جهة معصية، وفي الشخص الطبيعي أو الإنسان: 1 - أن يكون موجوداً. 2 ـ معلوماً. 3 - أهلاً للتملك والاستحقاق. 4 - غير حربي عند المالكية، وغير حربي في دار الحرب عند الحنفية، وألا يوصى بالسلاح لأهل الحرب عند الشافعية، فصارت شروط الموصى له ستة.\rالوصية لجهة معصية: ألا يكون الموصى له جهة معصية إذا كان الموصي مسلماً. فإذا كان الموصى له جهة معصية بطلت الوصية باتفاق الفقهاء، كالوصية لأندية القمار والمراقص، وإقامة القباب على المقابر، أو النياحة على الموتى، وعمارة كنيسة أو ترميمها، وكتابة التوراة والإنجيل وقراءتهما، وكتابة كتب السحر والضلال والفلسفة الممنوعة وسائر العلوم المحرمة؛ وبالسلاح لأهل الحرب، وبآلات اللهو والطرب؛ لأن الوصية شرعت صلة أو قربة، فلا يصح أن تكون في معصية، فإذا وقعت كذلك كانت باطلة اتفاقاً، لأنها وصية بمحرم شرعاً.\rفإن كانت الوصية في ذاتها مباحة شرعاً، لكن الباعث عليها محرم، كالوصية لأهل الفسق ليستعينوا بها على فسقهم، ففيها رأيان: بحسب الخلاف في مبدأ سد الذرائع:\rيرى الحنفية والشافعية: أن الوصية صحيحة، عملاً بظاهر العقد، فلم يشتمل لفظ الوصية على محرم، ويترك أمر النية والقصد لله تعالى.\r-------------------------------\r(1) البدائع: 335/7-352، الدر المختار: 459/5، 462، 469، 470، تبيين الحقائق: 182/6-186، الشرح الصغير مع حاشية الصاوي: 581/4 وما بعدها، الشرح الكبير: 423/4، 426، القوانين الفقهية: ص 405، بداية المجتهد: 328/2 وما بعدها، مغني المحتاج: 40/3-44، المهذب: 451/1 وما بعدها، 458، غاية المنتهى: 356/2-358، كشاف القناع: 390/4-407، المغني: 5/6، 21، 56، 60، 104، تكملة فتح القدير: 434/8، شرح الرسالة: 170/2.","part":10,"page":179},{"id":6367,"text":"ويرى المالكية والحنابلة ومنهم ابن تيمية وابن القيم: أن مثل هذه الوصايا تكون باطلة؛ لأن العبرة في العقود بالقصد والنية، والباعث حينئذ مناف لمقاصد الشريعة، فتكون باطلة. وهذا ما أخذ به القانون (1) .\rالوصية للمعدوم (2) : أن يكون الموصى له موجوداً وقت الوصية تحقيقاً أو تقديراً: فإن لم يكن موجوداً، لا تصح الوصية؛ لأن الوصية للمعدوم لا تصح؛ لأنها تمليك، والتمليك لا يجوز للمعدوم. فلا تجوز الوصية عند الجمهور لميت، وقال مالك: إن علم أنه ميت فهي جائزة، وهي لورثته بعد قضاء ديونه وتنفيذ وصاياه. ووجود الموصى له إما حقيقة كإنسان موجود حي، أو تقديراً كالحمل. ويعرف وجود الحمل إذا ولدته أمه حياً لأقل من ستة أشهر (وهي أقل مدة الحمل) حين الإيصاء.\rالوصية للحمل وبالحمل: تصح الوصية بالحمل وللحمل إذا أتت به لأقل من ستة أشهر منذ التكلم بالوصية.\rأما الوصية بالحمل: فتصح إذا كان مملوكاً، بأن يكون حمل بهيمة مملوكة للموصي؛ لأن الغرر والخطر لا يمنع صحة الوصية، فإذا انفصل ميتاً بطلت الوصية، وإن انفصل حياً وعلمنا وجوده حال الوصية أو حكما بوجوده، صحت الوصية، وإن لم يكن كذلك لم تصح لجواز حدوثه.\r-------------------------------\r(1) نصت الفقرة الأولى من المادة الثالثة في قانون الوصية المصري: «يشترط في صحة الوصية ألا تكون بمعصية، وألا يكون الباعث عليها منافياً لمقاصد الشارع» . ونصت المادة 209 من القانون السوري: «تشترط في صحة الوصية ألا تكون بما نهي عنه شرعاً» .\r(2) المراد بالمعدوم: من لم يوجد، لا من كان موجوداً ثم انعدم، والمراد بالموجود: ما يعم الموجود بالذات وبالوصف.","part":10,"page":180},{"id":6368,"text":"وأما الوصية للحمل فصحيحة أيضاً بلا خلاف؛ لأن الوصية كالميراث، والحمل يرث، فتصح الوصية له، فإذا ورث الحمل، فالوصية له أولى، فإن انفصل الحمل ميتاً، بطلت الوصية؛ لأنه لا يرث. وإن وضعته حياً، صحت الوصية له. ويحسن إيراد عبارات الفقهاء في شأن الوصية للحمل وبالحمل.\rقال الزيلعي والشلبي وصاحب الدر والهداية من الحنفية: تصح الوصية للحمل وبالحمل إن ولدته أمه حياً لأقل مدة الحمل وهي ستة أشهر من وقت الوصية (1) ، إذا كان زوج الحامل حياً، أي في حال الوصية للحمل، فإذا كان ميتاً، فالشرط أن تأتي به حياً لأقل من سنتين من وقت الموت. أما إن أتت به ميتاً، فلا تجوز الوصية.\rوإن كانت المرأة معتدة من طلاق بائن فالشرط أيضاً أن تأتي به لأقل من سنتين من تاريخ الطلاق. ومثله: لو أقر الموصي بأنها حامل، فتثبت الوصية له إن وضعته ما بين سنتين من يوم أوصى، لثبوت الحمل بإقرار الموصي.\rوقال الشافعية: تصح الوصية لحمل وتنفذ إن انفصل حياً، وعلم وجوده عند الوصية، بأن انفصل لدون ستة أشهر إن كانت ذات زوج؛ لأن الظاهر وجوده عند الوصية. وتصح الوصية بما تحمله البهيمة أو الشجرة وبما لا يقدر على تسليمه كالطير الطائر، واللبن في الضرع، والصوف على ظهر الغنم؛ لأن المعدوم يجوز أن يملك بالسلم والمساقاة، فجاز أن يملك بالوصية، ولأن الموصى له كالوارث، والوارث يخلف الميت في هذه الأشياء.\rوقال الحنابلة: تصح الوصية بالحمل إذا كان مملوكاً، وتصح الوصية للحمل إن أتت به حياً لأقل من ستة أشهر، حال الوصية، أي كما قال الشافعية.\r-------------------------------\r(1) وقال في البدائع: يعتبر ذلك من وقت موت الموصي في ظاهر الرواية، وعند الطحاوي رحمه الله: من وقت وجود الوصية. وقال في النهاية: تجوز الوصية للحمل وبالحمل إذا وضع لأقل من ستة أشهر، أي من وقت موت الموصي، لا من وقت الوصية.","part":10,"page":181},{"id":6369,"text":"وكذلك اتفق الشافعية والحنابلة على أن المرأة إن كانت بائناً غير ذات زوج (أي ليست فراشاً لزوج فأتت به لأكثر من أربع سنين من حين الفرقة، وأكثر من ستة أشهر من حين الوصية، لم تصح الوصية له. وإن أتت به لأقل من ذلك، صحت الوصية له؛ لأن الولد يعلم وجوده إذا كان لستة أشهر، ويحكم بوجوده إذا أتت به لأقل من أربع سنين من حين الفرقة.\rوقال المالكية : تصح الوصية للموصى له، سواء أكان موجوداً حين الوصية، أم منتظر الوجود كالحمل، وتصح لمن سيكون من حمل موجود أو سيوجد إن استهل صارخاً ونحوه، مما يدل على تحقق حياته، لكن في قول لا يستحق شيئاً من غلة الموصى به؛ لأنه لا يملك إلا بعد وضعه حياً، فتكون الغلة لوارث الموصي. وفي القول الآخر: توقف وتدفع للموصى له إذا استهل كالموصى به. ويوزع الشيء الموصى به لمن سيكون إن ولدت أكثر من واحد، بحسب العدد أي الذكر كالأنثى عند الإطلاق، فإن نص الموصي على تفضيل، عمل به. مثال الوصية لمن سيوجد: «أوصيت لمن سيكون من ولد فلان» . فيكون لمن يولد له، سواء أكان موجوداً، بأن كان حملاً حين الوصية، أم غير موجود أصلاً ، فيؤخر الموصى به للوضع على كل حال.\rوتصح الوصية عندهم لميت علم الموصي بموته حين الوصية، ويصرف الشيء الموصى به في وفاء دين الميت إن كان عليه دين، وإن لم يكن عليه دين فلوارثه، فإن لم يكن عليه دين، ولا وارث له، بطلت الوصية، ولا يأخذها بيت المال. وإن أوصى لميت وهو يظنه حياً، بطلت الوصية اتفاقاً.\rوالخلاصة: أن الجمهور يشترطون وجود الموصى له حين الوصية، وتصح الوصية للحمل إن ولد حياً لأقل من ستة أشهر من تاريخ إنشاء الوصية.","part":10,"page":182},{"id":6370,"text":"أما المالكية فلا يشترطون هذا الشرط، ويجيزون أيضاً الوصية للحمل الذي سيوجد، وإن لم يكن موجوداً عند الوصية، فلا يشترط عندهم إذن وجود الموصى له حين الوصية، ولا عند موت الموصي. وأرجح رأي الجمهور لأن تمليك غير الموجود لا معنى له، ولما يترتب على جواز هذه الوصية من حبس المال مدة طويلة انتظاراً لمن سيوجد في المستقبل.\rأما القانون: فقانون الوصية المصري (م 6) اشترط أن يكون الموصى له موجوداً إذا كان معيناً، وهذا متفق مع رأي الجمهور، فإن لم يكن معيناً كطلبة العلم، لايشترط أن يكون موجوداً عند الوصية، ولا وقت موت الموصي، وهو مأخوذ من مذهب الإمام مالك، كما قالت المذكرة التفسيرية. وكذلك أخذ هذا القانون في الفقرة الأولِى المادة (26) من مذهب مالك جواز الوصية بالأعيان للمعدوم، ولما يشمل الموجود والمعدوم ممن يحصون. وتبطل الوصية إذا تعذر وجود الموصى له في المستقبل. ونصت المادة الثامنة على جواز الوصية لجهة معينة من جهات البر ستوجد مستقبلاً، كالوصية للملجأ الذي سيبنى في الحي الفلاني.\rوالقانون السوري (م 212، ف/ب) اشترط أن يكون الموصى له موجوداً عند الوصية وحين موت الموصي، إن كان معيناً. وفي المادة (236) الموافقة للمادة (35) من القانون المصري نص على ما يلي:\r1 - تصح الوصية للحمل المعين وفقاً لما يلي:\rأ ـ إذا أقر الموصي بوجود الحمل حين الإيصاء، يشترط أن يولد حياً لسنة (أي شمسية) فأقل من ذلك الحين.\rب ـ إذا كانت الحامل معتدة من وفاة أو فرقة بائنة، يشترط أن يولد حياً لسنة أيضاً من حين وجوب العدة.\rجـ ـ إذا لم يكن الموصي مقراً ولا الحامل معتدة، يشترط أن يولد حياً لتسعة أشهر فأقل من حين الوصية.\rد ـ إذا كانت الوصية لحمل من شخص معين، يشترط مع ما تقدم أن يثبت نسب الولد من ذلك الشخص.","part":10,"page":183},{"id":6371,"text":"2 - توقف غلة الموصى به منذ وفاة الموصي إلى أن ينفصل الحمل، فتكون له. ونصت المادة (214) على أنه: تصح الوصية لجهة معينة من جهات البر ستوجد في المستقبل، فإن تعذر وجودها صرفت الوصية إلى أقرب مجانس لتلك الجهة.\rالوصية للمجهول: أن يكون الموصى له معلوماً غير مجهول: أي ألا يكون مجهولاً جهالة لا يمكن رفعها وإزالتها؛ لأن هذه الجهالة تمنع من تسليم الموصى به إلى الموصى له، فلا تفيد الوصية، ولأن الوصية تمليك عند الموت ـ في رأي الجمهور غير الحنابلة ـ فلا بد من أن يكون الموصى له معلوماً في ذلك الوقت، حتى يقع الملك له، ويمكن تسليم الموصى به إليه.\rفلو أوصى إنسان لمحمد أو خالد بالثلث، أو لجماعة لا يحصون من المسلمين (1) كثلث ماله للمسلمين، ولم يوصفوا بما يشعر بالحاجة كفقراء المسلمين، كانت الوصية باطلة عند الحنفية، لجهالة الموصى له جهالة تمنع من تسليم الموصى به إليه. وكذلك لو أوصى لأحد رجلين، لا تصح عند أبي حنيفة والشافعية وباقي المذاهب، لعدم تعيين الموصى له (2) .\rأما لو أوصى لجماعة بلفظ ينبئ عن حاجتهم، فتصح الوصية عند الحنفية؛ لأنها وصية بالصدقة، وهي إخراج المال إلى الله تعالى، وهو واحد معلوم، فيقع الموصى به لله ، ثم يتملكها المحتاجون بتمليك الله لهم. جاء في رد المحتار أن معنى كون الموصى له معلوماً: أن يكون معيناً شخصاً كزيد، أو نوعاً كالمساكين والفقراء.\rوقد أخذ القانون المصري والسوري (3) بهذا الشرط، وهو كون الموصى له\r-------------------------------\r(1) اختلف الفقهاء في الحد الفاصل بين من يحصون ومن لا يحصون، فقال محمد: إن كانوا أكثر من مئة فهم لا يحصون. وبه يفتى وقد أخذت به المحاكم الشرعية في مصر، وقال الشافعية: هم من لا يمكن استيعابهم إلا بمشقة.\r(2) وتصح هذه الوصية عند الصاحبين، وتكون الوصية عند أبي يوسف لهما جميعاً، وعند محمد: لأحدهما، وخيار التعيين إلى الورثة، يعطون أيهما شاؤوا (البدائع: 236/7).\r(3) انظر الفقرة الأولى من المادة 6 من القانون المصري، والفقرة الأولى من المادة 212 من القانون السوري.","part":10,"page":184},{"id":6372,"text":"معلوماً، إلا أنه أجاز الوصية لمن لا يحصى كأهل دمشق أو القاهرة خلافاً لمذهب الحنفية، وأخذاً بمذهب المالكية والحنابلة، سواء اشتملت الوصية على ما ينبئ عن الحاجة أو لا. أما الشافعية فهم كالحنفية لأنه يجب عندهم أن يكون الموصى له معيناً إن كان غير جهة.\rوقد نصت المادة (213) من القانون السوري على ما يلي:\r1 - الوصية لله تعالى ولأعمال البر بدون تعيين جهة، تصرف في وجوه الخير.\r2 - الوصية لأماكن العبادة والمؤسسات الخيرية والعلمية وسائر المصالح العامة، تصرف على عمارتها ومصالحها وفقرائها، وغير ذلك من شؤونها، ما لم يتعين المصرف بعرف أو قرينة. وهذا قريب من نص المادة السابعة من القانون المصري.\rوالراجح لدي ما أخذ به القانون؛ لأن معنى القربة موجود في مثل هذه الوصية على كل حال، سواء صرح الموصي بقصده أم سكت.","part":10,"page":185},{"id":6373,"text":"الوصية للدابة: يشترط أن يكون الموصى له أهلاً للتمليك والاستحقاق: وهذا شرط متفق عليه. فلا تصح الوصية لما ليس أهلاً للملك، كأن أوصى لدابة أو فرس غيره، وقصد تمليكها، أو أطلق، فهي باطلة عند الحنفية والشافعية والمالكية؛ لأن مطلق اللفظ للتمليك، والدابة لا تملك، أما لو قال: لعلف هذه الدابة، صح، مراعاة لظاهر لفظ الموصي، لا إلى قصده. ولا يشترط عند الحنفية القبول في هذه الحالة، لأنها حينئذ كالميراث، فلا يشترط فيها القبول لتعذره كالوقف على الفقراء والمساكين. وقال الشافعية: يشترط قبول مالك الدابة. أما الحنابلة فقالوا: لو قصد الموصي الإنفاق على فرس زيد أو دابته، ولو لم يقبل الموصى له، تصح الوصية؛ لأن العبرة في العقود للمعاني والمقاصد. ويصرف الموصى به في علف الدابة، فإن مات الفرس قبل الإنفاق عليه، كان الباقي لورثة الموصي، ويتولى الوصي أو القاضي عند الحنابلة، لا صاحب الفرس الإنفاق عليه.\rوبناء على هذا الشرط، قال أبو حنيفة: لو قال: أوصيت بثلث مالي لله تعالى، فالوصية باطلة. وقال محمد: جائزة، وعليه الفتوى، ويصرف في وجوه البر.\rولو أوصى للمسجد أو للمسجد الحرام أو للمدرسة ونحوها من جهات الوقف بشيء، لم يجز عند الحنفية ، إلا أن يقول: ينفق على المسجد إنشاء وترميماً؛ لأنه قربة. وعند محمد والشافعية: يصح مطلقاً، سواء قال: ينفق أم لا، ويصرف على مصالحه، كالمثال السابق، تصحيحاً لكلامه.\rوقال المالكية والحنابلة: تصح الوصية لمسجد ونحوه كرباط وثغر وسور على البلد، وتصرف في مصالحه ونفقاته التي يحتاجها من إضاءة وحصر وسجاد، وما زاد على ذلك، فيصرف على خدمته من إمام ومؤذن ونحوهما.","part":10,"page":186},{"id":6374,"text":"الوصية للقاتل: ألا يكون الموصى له قاتلاً الموصي في رأي الحنفية والحنابلة: فإن قتله بأن أصابه بجرح فأوصى له، ثم مات، كانت الوصية باطلة. وإن أوصى له أولاً، ثم حدث القتل، كان مانعاً من استحقاق الوصية. فالقتل يمنع صحة الوصية ابتداء واستمراراً؛ لأن القتل يمنع الميراث، فيمنع الوصية، معاملة له بنقيض مقصوده، ولخبر «ليس لقاتل وصية» (1) . والقتل مانع من صحة الوصية لحق الشرع، سواء أجاز الورثة أم لا، وهذا رأي أبي يوسف، وبه أخذ القانون. وقال أبو حنيفة ومحمد: إذا أجاز الورثة الوصية، أو لم يكن للموصي ورثة، كانت الوصية جائزة نافذة؛ لأن المنع لحق الورثة. والرأي الأول أرجح.\rلكن اختلف الحنفية والحنابلة في نوع القتل المانع من الوصية والميراث: فقال الحنابلة في الأصح: القتل بغير حق، سواء أكان عمداً أم خطأ، مباشرة أم تسبباً، يمنع الميراث ويبطل الوصية، لأن الميراث آكد من الوصية، فتكون الوصية أولى.\rوقال الحنفية: القتل المانع من الإرث والوصية: هو الصادر من البالغ العاقل، عدواناً بغير حق أو عذر شرعي، إذا كان مباشرة لا تسبباً، سواء أكان عمداً أم خطأ، فالقتل من المجنون والصبي، والقتل بحق كالقتل قصاصاً أو حداً أو بسبب البغي، أو بعذر كالدفاع عن النفس والعرض، والقتل بالتسبب، كما لو دل الموصى له الشخص القاتل على مكان الموصي ولم يشترك معه في القتل، كل ذلك لا يمنع الإرث والوصية. فالقتل بالتسبب عندهم لا يمنع إرثاً ولا وصية.\rأما الشافعية فقالوا: الأظهر أن الوصية تصح للقاتل ولو تعدياً، فلو قتل الموصى له الموصي ولو تعدياً، استحق الموصى به؛ لأن الوصية تمليك بعقد، فأشبهت الهبة، وخالفت الإرث.\r-------------------------------\r(1) أخرجه الدارقطني والبيهقي عن علي رضي الله عنه، لكن فيه راو متروك يضع الحديث (نصب الراية: 402/4).","part":10,"page":187},{"id":6375,"text":"وأما المالكية: فعندهم تفصيل وهو أن الوصية تصح لقاتل، سواء أكان القتل عمداً أم خطأ إذا علم الموصي بمن قتله، ولم يغير وصيته، أو أوصى بعد الضرب، مع علمه بأن الموصى له هو الضارب؛ لأن المانع من صحة الوصية: هو استعجال الموصى له الشيء قبل أوانه، فيعاقب بالحرمان، لا يتحقق إلا إذا كان القتل لاحقاً للوصية. وإذا كان الموصي عالماً بالضرب، ثم أوصى له، دل على أنه عفا عنه وقصد الإحسان إليه. وبه يتبين أنه لا يشترط عند المالكية ألا يكون الموصى له قاتلاً، بشرط أن تقع الوصية بعد الضربة وأن يعرف المقتول قاتله. فإن ضرب شخص غيره ضربة قاتلة عمداً أو خطأ، ثم أوصى له بعد الضربة بشيء، صحت الوصية. أما إذا أوصى له قبل أن يضربه، ثم ضربه فأماته، فإن الوصية تبطل، سواء عرف القاتل ولم يغير الوصية، أم لم يعرفه، على الراجح؛ لأن فيها شبهة استعجال الوصية كالميراث.\rففي هذه الحال الأخيرة يتفق مذهبهم مع الحنفية والحنابلة، وفي الحال الأولى أي وقوع الوصية بعد الضربة يكون مذهبهم كالشافعية، ويكون لدينا رأيان: رأي الحنفية والحنابلة: أن القتل يبطل الوصية، ورأي الشافعية والمالكية: أن القتل لا يبطل الوصية.","part":10,"page":188},{"id":6376,"text":"أما القانون المصري في المادة (17) والسوري في المادة (223) فقد أخذا برأي الحنفية والحنابلة في أن القتل مانع من استحقاق الوصية، وأخذاً برأي المالكية في تحديد نوع القتل المانع من الإرث والوصية وهو القتل قصداً أوعمداً (1) ، سواء أكان القاتل فاعلاً أصلياً أم شريكاً، أم شاهد زور أدت شهادته إلى الحكم بالإعدام على الموصي ونفذ الحكم، إذا كان القتل بلا حق ولا عذر، وكان القاتل عاقلاً بالغاً من العمر خمس عشرة سنة عند الجمهور، واثنتي عشرة سنة عند الحنفية. وهذا يشمل القتل مباشرة وتسبباً عملاً بمذهب الشافعية، ويكون القاتل مستحقاً الوصية إذا كان مجنوناً أو معتوهاً ونحوهما، أو ولداً دون الخامسة عشرة، أو قاتلاً بحق أو بعذر كالقاتل دفاعاً عن النفس أو الشرف، والقاضي الذي يصدر حكم الإعدام، والجلاد الذي ينفذ الحكم.\r-------------------------------\r(1) وتصح قانوناً الوصية للقاتل خطأ، عملاً بمذهب الإمام مالك.","part":10,"page":189},{"id":6377,"text":"الوصية لأهل الحرب: يشترط في الموصى له في المعتمد عند المالكية ألا يكون حربياً، وعند الحنفية ألا يكون حربياً في دار الحرب (1) ، سواء أكانت الوصية من مسلم أم ذمي وإن أجاز الورثة؛ لأنها تقوية وإعزاز له، وإعانة على حرب المسلمين، وتصبح في النهاية ميراثاً لا صدقة، وفيها ضرر عام بالمسلمين.\rوأجاز الحنفية عملاً بكتاب الأصل لمحمد الوصية للحربي المستأمن في دار الإسلام؛ لأنه في عهدنا، فأشبه الذمي الذي هو في عهدنا، قال تعالى: {لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين، ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم، إن الله يحب المقسطين. إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين، وأخرجوكم من دياركم، وظاهروا على إخراجكم أن تولوهم، ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون} [الممتحنة:8/60-9]. وروي عن أبي حنيفة: أنه لاتجوز الوصية للحربي المستأمن، كما لا يجوز صرف الكفارة والنذر وصدقة الفطر والأضحية إلى الحربي المستأمن، لما فيه من الإعانة على الحراب. ولا تجوز عند الحنفية الوصية للمرتد من المسلم.\rوأجاز الشافعية في الأصح والحنابلة الوصية للمرتد، والحربي المعين، لالعامة الحربيين، سواء أكان بدارنا أم لا، وذلك بما له تملكه، لا كسيف ورمح أي بغير السلاح مطلقاً، قياساً على جواز الهبة له والصدقة عليه. وقال الحارثي من الحنابلة: الصحيح من القول: أنه ـ أي الكافر مرتداً أو حربياً ـ إذا لم يتصف بالقتال أو المظاهرة علينا، صحت الوصية، وإلا لم تصح. ويؤكذ هذا الرأي أن أسماء\r-------------------------------\r(1) دار الحرب: هي البلاد التي ليس للمسلمين عليها ولاية وسلطان، ولا تقام فيها أكثر شعائر الإسلام. والحربي: هو من بيننا وبين بلاده عداوة وحرب. والمستأمن: من دخل دار الإسلام بأمان مؤقت لمدة معلومة. والذمي: المقيم في دار الإسلام بصفة دائمة.","part":10,"page":190},{"id":6378,"text":"بنت أبي بكر أذن لها النبي صلّى الله عليه وسلم في صلة أمها (1) ، وأذن لعمر أيضاً في كسوة أخ مشرك له بمكة (2) .\rاتحاد الدين: لا يشترط اتحاد الدين بين الموصي والموصى له لصحة الوصية، فتجوز وصية المسلم لغير المسلم، وتجوز وصية غير المسلم لأهل ملته ولغير أهل ملته، كاليهودي للمسيحي وبالعكس، والمسلم لليهودي أو المسيحي وبالعكس؛ لأن غير المسلمين في دار الإسلام لهم ما للمسلمين ، وعليهم ما على المسلمين.\rونص القانون المصري (م 9) والقانون السوري (م 215) على أنه:\r1ً - تصح الوصية للأشخاص مع اختلاف الدين والملة بينهم وبين الموصي.\r2ً - إذا كان الموصى له أجنبياً تشترط المعاملة بالمثل.\rأي أن اختلاف الدين لا يمنع صحة الوصية، وكذا اختلاف الدارين إذا كانت بلاد الموصى له لا تمنع الوصية لمثل الموصي، عملاً بمبدأ المساواة والمعاملة بالمثل، فتجوز الوصية إذا كانت دولة الموصي تجيز مثلها، وتمنع إن لم تجز مثلها.\rوصايا غير المسلمين ـ أهل الذمة :\rعرفنا أنه تصح وصية الذمي للمسلم وبالعكس اتفاقاً؛ لأن غير المسلمين بعقد الذمة ساووا المسلمين في المعاملات، في الحياة وبعد الممات. فإذا أوصى ذمي غير مسلم بوصية، فلها ثلاث حالات ذكرها الحنفية (3) :\r1 - إذا كان الموصى به أمراً هو قربة في شريعتنا وشريعته، كالصدقة على فقراء المسلمين أو فقراء الذميين أو بعمارة المسجد الأقصى، أو ببناء مدرسة أو مشفى ونحو ذلك، جازت الوصية اتفاقاً؛ لأن هذا مما يتقرب به المسلمون وأهل الذمة على حد سواء.\r2 - إذا كان الموصى به شيئاً هو قربة عندنا، وليس بقربة عنده، كأن أوصى ببناء مسجد للمسلمين أو بأن يحج عنه، فهذه وصية باطلة باتفاق الحنفية؛ لأنه لا يعتقد حقاً بكون الموصى به قربة إلى الله تعالى.\r-------------------------------\r(1) رواه البخاري ومسلم (نيل الأوطار: 3/6).\r(2) رواه البخاري وغيره عن ابن عمر (نيل الأوطار: 4/6).\r(3) البدائع: 341/7.","part":10,"page":191},{"id":6379,"text":"3 - إذا كان الموصى به قربة عنده، لا عندنا، كأن أوصى ببناء كنيسة أو معبد، أو بالذبح لعيد في ملته، فالوصية صحيحة عند أبي حنيفة؛ لأن المعتبر في وصيته ما هو قربة عنده في عقيدته، لذا بطلت وصيته لبناء مسجد؛ لأنها ليست قربة عنده. وهذا هو الراجح.\rوقال الصاحبان: هي وصية باطلة؛ لأنها وصية في شريعتنا بما هو معصية، والوصية بالمعاصي لا تصح.\rوقال الأئمة الآخرون (1) بقول الصاحبين: تبطل الوصية بمعصية (وهي ما ليس بقربة) ولو من ذمي؛ لأنها إعانة على المعصية.\rشرط نفاذ الوصية في الموصى له :\rالوصية للوارث: يشترط لنفاذ الوصية ألا يكون الموصى له وارثاً للموصي عند موت الموصي، إذا كان هناك وارث آخر لم يجز الوصية. فإن أجاز بقية الورثة الوصية لوارث، نفذت الوصية، فتكون الوصية للوارث موقوفة على إجازة بقية الورثة، لقوله صلّى الله عليه وسلم : «إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه، فلا وصية لوارث» (1) وقوله أيضاً: «لا تجوز وصية لوارث، إلا أن يشاء الورثة» «لا وصية لوارث إلا أن يجيز الورثة» (2) ، ولأن في إيثار بعض الورثة من غير رضا الآخرين ما يؤدي إلى الشقاق والنزاع، وقطع الرحم وإثارة البغضاء والحسد بين الورثة.\rومعنى الأحاديث أن الوصية للوارث لا تنفذ مطلقاً، مهما كان مقدار الموصى به، إلا بإجازة الورثة، فإن أجازوها نفذت، وإلا بطلت، وإن أجازها بعضهم دون بعض، جازت في حصة المجيز، وبطلت في حق من لم يجز، لولاية المجيز على نفسه دون غيره.وهذا شرط لنفاذ الوصية عند الجمهور، فإنهم قرروا أن الوصية صحيحة لكن لا تجوز الوصية لوارث ولا تنفذ إذا لم يجزها الورثة. وقال المالكية: الوصية باطلة لحديث «لا وصية لوارث» فإن أجاز الورثة ما أوصي به للوارث أو الزائد على الثلث، فعطية مبتدأة منهم، لا تنفيذ لوصية الموصي.\r-------------------------------\r(1) مغني المحتاج: 40/3، الشرح الكبير: 427/4، كشاف القناع: 404/4.","part":10,"page":192},{"id":6380,"text":"ويشترط لصحة الإجازة شرطان :\rالأول ـ أن يكون المجيز من أهل التبرع عالماً بالموصى به: بأن يكون بالغاً عاقلاً غير محجور عليه لسفه أو عته أو مرض موت، وأن يكون عالماً بالموصى به، فلا تجوز إجازة صغير ومجنون ومريض مرض موت، ولا تصح إجازة وارث لم يعلم بما أوصى به الموصي. وقال الحنابلة: لو أجاز مريض فمن ثلثه (3) .\rالثاني ـ أن تكون الإجازة بعد موت الموصي: فلا عبرة بإجازة الورثة حال حياة الموصي، فلو أجازوها حال حياته، ثم ردوها بعد وفاته، صح الرد وبطلت الوصية، سواء أكانت الوصية للوارث، أم لأجنبي بما زاد عن ثلث التركة.\rوهذا رأي الحنفية والشافعية والحنابلة. وكذلك قال المالكية.\rوفي الجملة كما ذكر ابن جزي: إذا أجاز الورثة الوصية بالثلث لوارث أو بأكثر من الثلث، بعد موت الموصي، لزمهم، فإن أجازوها في صحته لم تلزمهم، وإن أجازوها في مرضه، لزمت من لم يكن في عياله، دون من كان تحت نفقته. وهناك قول آخر رجحه الحطاب أن الإجازة تلزم.\rمن الوارث الذي يجيز؟ العبرة بتحديد كونه وارثاً باتفاق المذاهب هو وقت موت الموصي، لا وقت إنشاء الوصية، فلو كان غير وارث عند الوصية، ثم صار وارثاً بأمر حادث وقت الموت، صارت الوصية موقوفة، ولو كان وارثاً عند إنشاء الوصية، ثم أصبح عند الموت غير وارث، بسبب حجبه مثلاً، كانت الوصية نافذة؛ لأن العبرة في الإرث وعدمه هو وقت وفاة الموصي؛ ولأن هذا الوقت هو أوان ثبوت حكم الوصية الذي هو ثبوت ملك الموصى به.\r-------------------------------\r(1) رواه الخمسة (أحمد وأصحاب السنن) إلا أبا داود عن عمرو بن خارجة، وصححه الترمذي، ورواه الخمسة إلا النسائي أيضاً عن أبي أمامة (نيل الأوطار: 39/6-40).\r(2) رواهما الدارقطني، الأول عن ابن عباس، والثاني عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده (نيل الأوطار: 40/6).\r(3) القوانين الفقهية: ص 406، فتح العلي المالك: 322/1 وما بعدها.","part":10,"page":193},{"id":6381,"text":"القائلون بمشروعية الوصية للوارث :\rرأى الشيعة الزيدية، والشيعة الإمامية، والإسماعيلية (1) : أن الوصية للوارث جائزة بدون توقف على إجازة الورثة، لظاهر قوله تعالى: {كتب عليكم إذا حضر أحدَكم الموتُ ـ إن ترك خيراً ـ الوصية للوالدين والأقربين بالمعروف، حقاً على المتقين} [البقرة:180/2] ونسخ الوجوب لا يستلزم نسخ الجواز. ورد عليهم بأن حديث ابن عباس صرح بنفي الجواز إلا إذا أجازت الورثة، وبأن الآية المذكورة منسوخة بالسنة، أو بآية الفرائض.\rو أخذ قانون الوصية المصري لسنة 1946 (م 37) بهذا الرأي مخالفاً رأي جمهور الفقهاء. فأجاز الوصية للوارث في حدود الثلث من غير إجازة الورثة. والتزم القانون السوري (م 2/238) برأي الجمهور وهو أن الوصية للوارث لا تنفذ إلا إذا أجازها الورثة.\rمانعو الوصية للوارث مطلقاً: قال المزني والظاهرية (2) : لا تصح الوصية للوارث، ولو أجازها الورثة؛ لأن الله منع من ذلك، فليس للورثة أن يجيزوا ما أبطل الله على لسان رسوله، فإذا أجازوها، كان هبة مبتدأ منهم، لا وصية من الموصي؛ لأن المال حينئذ صار للورثة، فحكم الموصي فيما استحقوه بالميراث باطل، لقول رسول الله صلّى الله عليه وسلم : «إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام» (3) فليس لهم إجازة الباطل، لكن إن أحبوا أن ينفذوا الوصية من مالهم باختيارهم، فلهم التنفيذ، ولهم حينئذ أن يجعلوا الأجر لمن شاؤوا.\r-------------------------------\r(1) نيل الأوطار: 41/6، المختصر النافع في فقه الإمامية: ص 187، الفقه المقارن للأستاذ حسن أحمد الخطيب: ص 188.\r(2) بداية المجتهد: 329/2، المحلى: 387/9، ف 1753.\r(3) حديث متواتر متفق عليه عن أبي بكرة (سبل السلام: 71/3، 73).","part":10,"page":194},{"id":6382,"text":"المطلب الثالث ـ شروط الموصى به :\rللموصى به شروط صحة وشرطا نفاذ.\rأما شروط الصحة فهي ما يأتي (1) :\r1 - أن يكون مالاً.\r2 - متقوماً.\r3 - قابلاً للتمليك.\r4 - مملوكاً للموصي إذا كان معيناً.\r5 - ألا يكون بمعصية.\rوتفصيلها فيما يلي:\r1ً - أن يكون الموصى به مالاً قابلاً للتوارث: لأن الوصية تمليك، ولا يملك غير المال.\rوالمال الموصى به يشمل الأموال النقدية من دراهم ودنانير، والعينية من عقارات ودور وأشجار وعروض تجارية وحيوان ولباس وأثاث ونحوها، والديون التي فيها ذمة الغير والحقوق المستحقة في الغنيمة، والحقوق المقدرة بمال وهي حقوق الارتفاق من مرور وشِرب ومسيل، والمنافع كسكنى الدار وزراعة الأرض وغلة البستان التي ستحدث في المستقبل وركوب الدابة أو السيارة ونحوها مما يصح بيعه وهبته.\rوالمنافع حتى عند الحنفية وإن كانت لا تورث عندهم، فإنه يصح التعاقد عليها حال الحياة، فيصح الإيصاء بها؛ لأن المقصود تمليك المنفعة بعد الموت.\rوأما غير الحنفية فقالوا: تصح الوصية بالمنافع؛ لأنها كالأعيان في الملك بالعقد والإرث، فكانت كالأعيان في الوصية.\rوإذا لم يكن الموصى به مالاً كالدم والميتة وجلدها قبل الدباغ بطلت الوصية؛ لأنه ليس محلاً للملك. وأجاز الشافعية الوصية بجلد ميتة قابل للدباغ وميتة تصلح طعماً للجوارح.\r-------------------------------\r(1) البدائع: 352/7-356، تبيين الحقائق: 183/6، الدر المختار ورد المحتار: 459/5، الشرح الصغير: 580/4-581، المغني: 59/6، 64، الشرح الكبير: 423/4، القوانين الفقهية: ص 405، بداية المجتهد: 329/2 ومابعدها، مغني المحتاج: 44/3-46، المهذب: 452/1، كشاف القناع: 407/4-418، غاية المنتهى: 313/2.","part":10,"page":195},{"id":6383,"text":"2ً - أن يكون المال الموصى به متقوماً في عرف الشرع: أي يباح الانتفاع به شرعاً. فلا تصح الوصية من مسلم ولا لمسلم بمال غير متقوم، أي لا يجوز شرعاً الانتفاع به كالخمر والخنزير والكلب والسباع التي لا تصلح للصيد، لعدم نفعها وتقومها في نظر الإسلام. وتصح الوصية بها من مسيحي لمثله لتقومها في اعتقاده. ولا تجوز الوصية بما لا يقبل النقل كالقصاص وحد القذف وحق الشفعة.\rولا تصح الوصية لنائحة على ميت، ولا الوصية بلهو أو إعطاء مال على مالا يحل كقتل نفس، ولا الوصية لمن يصوم عنه أو يصلي عنه، وتصح الوصية مع الخلاف على قراءة القرآن على الميت.\rوتجوز الوصية عند الحنفية بالكلب المعلم والسباع التي تصلح للصيد، لتقومها عندهم، ولأنها مضمونة بالإتلاف، ويجوز بيعها وهبتها.\rوكذلك تصح الوصية عند الشافعية والحنابلة بما فيه نفع مباح من غير المال، ككلب صيد وكلب ماشية وكلب زرع وحرث ونحوها من السباع الصالحة للصيد؛ لأن فيها نفعاً مباحاً، وتقر اليد عليها، والوصية تبرع، فصحت في غير المال كالمال. وتصح الوصية بزيت متنجس لغير مسجد؛ لأن فيه نفعاً مباحاً، وهو الاستصباح به، ولا تصح الوصية به لمسجد؛ لأنه لا يجوز الاستصباح به فيه. وتصح الوصية عند الشافعية بنحو زبل ينتفع به كسماد، وبخمر محترمة: وهي ما عصرت بقصد الخلية لا بقصد الخمرية. وتصح أيضاً بطبل يحل الانتفاع به كطبل حرب: وهو ما يضرب به للتهويل، وطبل حجيج: وهو ما يضرب به للإعلام بنزول وارتحال. وتصح الوصية بإناء ذهب أو فضة؛ لأنها مال يباح الانتفاع به في غير حال الاستعمال بجعله حلياً للنساء أو ببيعه ونحوهما.\r3ً - أن يكون قابلاً للتمليك وإن كان معدوماً وقت الوصية: أي أن يكون الموصى به مما يصح تملكه بعقد من العقود شرعاً أو بالإرث؛ لأن الوصية تمليك، وما لا يقبل التمليك لا يصح الإيصاء به.","part":10,"page":196},{"id":6384,"text":"فتصح الوصية بعين ماله نقداً أو سلعة؛ لأنه يملك بالهبة أو بالبيع، وبمنفعة ماله كسكنى الدار وركوب الدابة؛ لأنها تملك بالإجارة. وبدينه الذي على فلان؛ لأن هذه في الحقيقة وصية بالعين، أي بالدراهم التي في ذمة المدين.\rوتصح الوصية بما تثمر نخيله أبداً؛ لأن شراء المنتجات الزراعية قبل وجودها جائز شرعاً من طريق عقد السلم.\rوتجوز الوصية بما في بطن بقرته أوغنمه؛ لأنه مما يملك بالإرث.\rلكن لو أوصى بما ستلد أغنامه لا يجوز عند الحنفية؛ لأنه لا يقبل التمليك بعقد من العقود في الشريعة، فالذي يجيزه الحنفية إذن هو المعدوم المحتمل وجوده، ولا يشترط وجود الموصى به في الحال.\rوقال الجمهور: تصح الوصية بالمعدوم مطلقاً؛ لأنه يقبل التمليك في حال حياة الموصي بعقد المساقاة، فتصح الوصية به.\rوالذي أجازه الحنفية من الوصية بما يقبل التمليك، يشترط وجوده في المستقبل، لكن وقت وجوده يختلف عندهم بحسب نوع المال:\rفإن كان المال معيناً بالذات كدار معينة ومزرعة معينة، فيشترط وجوده عند الوصية. وإن كان شائعاً في كل المال، كالوصية بثلث ماله أو ربعه، فالشرط وجوده عند موت الموصي؛ لأنه وقت تنفيذ الوصية.\rوإن كان شائعاً في بعض المال، كالوصية بثلث غنمه، فإن كان له غنم وقت الوصية، اشترط وجوده وقت الوصية، كالنوع الأول، وإن لم يكن له غنم أصلاً وقت ا لوصية، فهو كالشائع في كل المال، يعتبر فيه الموجود عند الموت؛ لأنه ليس شيئاً معيناً حتى تتقيد به الوصية.\rوالشرط عند الجمهور (غير الحنفية) بصفة عامة: وجود الموصى به وقت موت الموصي. أما دليل الجمهور القائلين بأنه تصح الوصية بالمعدوم مطلقاً كثمر البستان مدة معينة أو دائماً، وبما تحمل دوابه وأغنامه، فهو أن المعدوم يجوز أن يملك بعقد السلم والمساقاة، فجاز أن يملك بالوصية. وأما الحنفية الذين لم يجيزوا استحساناً الوصية بما ستلد أغنامه؛ فلأنه لا يقبل التمليك حال حياة الموصي بعقد من العقود.","part":10,"page":197},{"id":6385,"text":"واتفق الكل على أنه تجوز الوصية بالمجهول وبما لا يقدر على تسليمه كالطير الطائر؛ لأن الموصى له يخلف الميت في ثلثه، كما يخلفه الوارث في ثلثه، فلما جاز أن يخلف الوارث الميت في هذه الأشياء، جاز أن يخلفه الموصى له.\rواتفقوا على أنه تجوز الوصية بالمشاع والمقسوم؛ لأن الإيصاء تمليك جزء من ماله، فجاز في المشاع والمقسوم كالبيع.\rوهذا كله يدل على أن الوصية أوسع العقود كما قال الفقهاء.\r4ً - أن يكون الموصى به مملوكاً للموصي عند إنشاء الوصية إذا كان معيناً بالذات؛ لأن الوصية بمعين إيجاب للملك في المعين، فلا بد من أن يكون مملوكاً له وقت الوصية، فالوصية بملك الغير لا تصح. فمن قال: وصيت بمال زيد، فلا تصح الوصية عند الجمهور، ولو ملك الموصي مال زيد بعد الوصية، لفساد الصيغة بإضافة المال إلى غيره.\rأما القانون بالنسبة لشروط الموصى به السابقة: فقد نصت المادة العاشرة من قانون الوصية المصري على ما يلي:\r1ً - أن يكون الموصى به مما يجري فيه الإرث أو يصح أن يكون محلاً للتعاقد حال حياة الموصي.\r2ً - أن يكون متقوماً إذا كان مالاً.\r3ً - أن يكون موجوداً عند الوصية في ملك الموصي إن كان معيناً بالذات.\rونص القانون السوري (م 216 ) على أنه يشترط في الموصى به:\rأ ـ أن يكون قابلاً للتمليك بعد موت الموصي، ومتقوماً في شريعته.\rب ـ أن يكون موجوداً عند الوصية في ملك الموصي إن كان معيناً بالذات.\rونصت المادة (217) على أنه: تصح الوصية بالحقوق التي تنتقل بالإرث، ومنها حق المنفعة بالعين المستأجرة بعد وفاة المستأجر.\rونصت المادة (218) على أنه: تصح الوصية بإقراض الموصى له قدراً معلوماً من المال، ولا تنفذ فيما زاد من هذا المقدار على ثلث التركة، إلا بإجازة الورثة.","part":10,"page":198},{"id":6386,"text":"5ً - ألا يكون الموصى به معصية أو محرماً شرعاً: لأن القصد من الوصية تدارك ما فات في حال الحياة من الإحسان، فلا يجوز أن تكون معصية، وللمعصية أمثلة من كل مذهب: فمن أمثلة الحنفية (1) : الوصية بطعام تجتمع له النائحات بعد موته، أو بتطيين القبر، أو ضرب قبة أو تشييد بناء عليه، أو دفنه في داره، أو المغالاة في كفنه والوصية بقراءة على القبور أو في المنازل، فكل تلك الوصايا باطلة، لعدم جواز الاستئجار على قراءة القرآن. أما ما أفتى به المتأخرون، فهو ليس جواز الاستئجار على جميع الطاعات، وإنما جواز الاستئجار على ما تقضي به الضرورة وخشية الضياع، كالاستئجار لتعليم القرآن أو الفقه أو الأذان أو الإمامة خشية التعطل لقلة رغبة الناس في الخير، ولا ضرورة في استئجار شخص يقرأ على القبر أو غيره. ولو جاز الاستئجار على كل طاعة، لجاز على الصوم والصلاة والحج، مع أنه باطل بالإجماع ـ كما قال ابن عابدين.\rوكل ما ذكر لا يمنع من التطوع بقراءة القرآن على القبور، فلو زار إنسان قبر صديق أو قريب له، وقرأ عنده شيئاً من القرآن، فهو حسن، أما الوصية بالقراءة فلا معنى لها.\rلكن بطلان الوصية لتطيين القبر والقراءة مبني على القول بكراهة ذلك. والمختار عندهم عدم الكراهة.\rهذا حكم الوصية بنفس المعصية وهو البطلان لعدم توافر كل من الوصية للصلة أو القرابة، أما الوصية لأهل الفسوق والمعصية فهي مكروهة، لبقاء معنى الصلة في الوصية.\rووصية المسلم لبِيعة أو كنيسة باطلة؛ لأنها معصية، ولو أوصى الذمي للبيعة أو للكنيسة أن ينفق عليها في إصلاحها، أو أوصى ليذبح لعيدهم جازت الوصية\r-------------------------------\r(1) الدر المختار ورد المحتار: 458/5، 471، 488 وما بعدها، البدائع: 341/7.","part":10,"page":199},{"id":6387,"text":"عند أبي حنيفة؛ لأن المعتبر في وصيتهم ما هو قربة عندهم لا ما هو قربة حقيقية؛ لأنهم ليسوا من أهل القربة الحقيقية، وقال الصاحبان: الوصية بما ذكر باطلة؛ لأن الوصية بهذه الأشياء وصية بما هو معصية، والوصية بالمعاصي لا تصح. والوصية بالمصاحف لتوقف في المسجد باطلة عند أبي حنيفة، صحيحة عند محمد. وإذا أوصى بفرش فراش تحته في قبره، فقيل: تصح كالزيادة في الكفن، وقيل: لا تصح لأنه ضياع مال من غير جدوى. وإذا أوصى بطلاء قبره بالجبس ونحوه، فقيل: إن كان لتقوية القبر وإخفاء الرائحة فيجوز، وإلا فلا. وإذا أوصى باتخاذ طعام في المآتم، فيصح بشرط أن يأكل منه المسافرون والبعيدون عن جهة المتوفى.\rومن أمثلة المعصية عند المالكية (1) : الإيصاء بمال يُشترى به خمر لمن يشربها، أو يُدفع لمن يقتل نفساً بغير حق، والإيصاء ببناء مسجد أو مدرسة في أرض موقوفة مقبرة، والإيصاء لمن يصلي عنه أو يصوم عنه، والإيصاء باتخاذ قنديل من ذهب أو فضة ليعلق في قبر نبي أو ولي ونحوه، فإنه من ضياع الأموال في غير ما أمر به الشارع، وللورثة أن يفعلوا به ما شاؤوا.\rوالوصية بنياحة عليه بعد موته، أو بلهو محرم في عرس أو بإعطاء مال على مالا يحل كقتل نفس، والوصية بضرب قبة على قبر، مباهاة، فكل ما ذكر تبطل الوصية به، ولا ينفذ، ويرجع ميراثاً.\rوالوصية ببناء قبة عليه، وهو ليس من أهلها، أو يوصي بإقامة مولد على الوجه الذي يقع في هذه الأزمنة من اختلاط النساء بالرجال، والنظر للمحرم ونحوه من المنكر. وكأن يوصي بكتابة جواب سؤال القبر وجعله معه في كفنه أو قبره.\r-------------------------------\r(1) الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي: 427/4، شرح الرصاع التونسي على حدود ابن عرفة: ص531.","part":10,"page":200},{"id":6388,"text":"لكن أجاز المالكية الوصية لمن يقرأ على قبره، فإنها نافذة، كالوصية بالحج عنه، وتصح الوصية بالكفن والحمل والدفن والغسل ونحوها مما تصح الإجارة عليه، وتجوز الوصية للمسجد وينفق على مصالحه.\rومن أمثلة المعصية أو ما لا قربة فيه عند الشافعية (1) : الوصية للكنيسة، والوصية بالسلاح لأهل الحرب، أو ببناء موضع لبعض المعاصي كالخمارة، أو لمشاغب مفسد لإفساد التركة، فكل تلك الوصايا باطلة، لمنافاتها مقتضى ما شرعت له الوصية من البر وتدارك الحسنات.\rومن الوصايا الباطلة عند الشافعية والحنابلة (2) : الوصية بطبل لهو لا يحل الانتفاع به في حال الحرب ونحوها، أو بمزمار وطنبور وعود لهو، وكذا آلات اللهو كلها، ولو لم يكن فيها أوتار؛ لأنها مهيأة لفعل المعصية. والوصية بكتب السحر والتنجيم والتعزيم وكتب البدع المضلة؛ لأنها إعانة على معصية.\rوتصح الوصية بعمارة المسجد ومصالحه، بشرط أن يقبل الناظر، وتصح الوصية بقراءة القرآن على القبر؛ لأن ثواب القراءة يصل إلى الميت إذا وجد واحد من ثلاثة أمور: القراءة عند قبره، أو الدعاء له عقب القراءة، أو نية حصول الثواب للميت.\rومن أمثلة المعصية أو الفعل المحرم سواء أكان الموصي مسلماً أم ذمياً عند الحنابلة: الوصية بما نهي عنه مما يعمل على القبور من بناء غير مأذون فيه، وهو ما زاد على شبر، والوصية ببناء كنيسة أو بيت نار للمجوس أو عمارتها أو الإنفاق عليهما. وتكون الوصية باطلة. لكن تصح الوصية للمسجد على أن تصرف في مصالحه، وتصح بكتابة العلم والقرآن؛ لأنه قربة نافعة.\r-------------------------------\r(1) المهذب: 451/1، مغني المحتاج: 40/3، حاشية الباجوري: 90/2.\r(2) كشاف القناع: 407/4-413، غاية المنتهى: 363/2-365، المغني: 105/6.","part":10,"page":201},{"id":6389,"text":"ما يشترط في الموصى به لنفاذ الوصية:\rيشترط لنفاذ الوصية في الموصى به شرطان :\rالحجر بسبب الدين المستغرق :\r1ً - ألا يكون مستغرقاً بالدين: لأن الديون ـ كما تقدم ـ مقدمة في وجوب الوفاء لها على الوصية، بعد تجهيز الميت وتكفينه.\rوتقديم الوصية في القرآن في آية: {من بعد وصية توصون بها أو دين} [النساء:12/4] لا يدل على تقدمها في الرتبة عليه، وإنما هو للتنبيه إلى أهمية الوصية ووجوب تنفيذها من الورثة. فإن أجاز الغرماء (الدائنون) وصية المدين، نفذت، وإلا بطلت.\rالوصية بالزائد عن الثلث :\r2ً - ألا يكون الموصى به زائداً على ثلث التركة إذا كان للموصي وارث: لإجماع العلماء على وجوب الاقتصار في الوصية على الثلث، بمقتضى الثابت في السنة في حديث سعد بن أبي وقاص المتقدم وغيره: «الثلث والثلث كثير» .\rوتكون الزيادة عن الثلث موقوفة على الإجازة، فإن أجاز الورثة الزائد عن الثلث لأجنبي، نفذت الوصية، وإن ردوا الزيادة بطلت.\rولا تعتبر الإجازة إلا بالشرطين السابقين في الوصية للوارث: أن تكون بعد وفاة الموصي، وأن يكون المجيز من أهل التبرع عالماً بالموصى به. وإن أجاز بعضهم دون بعض نفذت في حصة المجيز فقط، وبطلت في حصة غيره.\rأما إذا لم يكن للموصي وارث، فإن الوصية بأكثر من الثلث تكون عند الحنفية صحيحة نافذة، ولو كان الموصى به جميع المال؛ لأن المانع من نفاذ الوصية في الزائد عن الثلث إنما هو تعلق حق الورثة بتلك الزيادة، فلا تنفذ إلابرضاهم. فإذا لم يكن هناك ورثة لم يبق حق لأحد.\rوقال المالكية والشافعية : إذا أوصى بما زاد عن الثلث، فإن لم يكن له وارث، بطلت الوصية فيما زاد على الثلث؛ لأن ماله ميراث للمسلمين، ولا مجيز له منهم، فبطلت. وإن كان له وارث، كانت الوصية عند الشافعية والحنابلة (1) والحنفية موقوفة على إجازته ورده، فإن ردها رجعت الوصية إلى الثلث، وإن أجازها صحت، وتكون الوصية بالزائد عن الثلث باطلة عند المالكية.\rاستحباب الوصية بما دون الثلث: الأولى ألا يستوعب الإنسان الثلث بالوصية، ويستحب أن يوصي بدون الثلث، سواء أكان الورثة أغنياء أم فقراء (2) ؛ لقول النبي صلّى الله عليه وسلم : «الثلث والثلث كثير» ولأن في التنقيص صلة القريب بترك ماله عليهم، بخلاف استكمال الثلث؛ لأنه استيفاء تمام حقه، فلا صلح ولا مِنَّة، وترك الوصية عند فقر الورثة وعدم استغنائهم بحصصهم أحبّ، كما بان في حكم الوصية شرعاً.\r-------------------------------\r(1) المهذب: 450/1، تكملة المجموع: 46/15 وما بعدها، الشرح الصغير: 586/4، المغني: 4/6-7، 12-15.\r(2) المغني: 4/6، الكتاب مع اللباب: 169/4.","part":10,"page":202},{"id":6390,"text":"المبحث الثالث ـ أحكام الوصية :\rللحكم إطلاقات ثلاثة: يطلق الحكم، ويراد به إما الحكم التكليفي المتعلق بالفعل وجوباً وإباحة وغيرهما، أو حكم الشرع على الشيء بعد وجوده، أي الصفة الشرعية له صحة وبطلاناً، ونفاذاً ولزوماً وغيره، أو الأثر الشرعي المترتب على الشيء من حيث نقل الملكية وغيره. وقد بحثت حكم الوصية بالمعنى الأول، وأبحث هنا أحكامها بالمعنيين الأخيرين.\rالمطلب الأول ـ صفة الوصية شرعاً والرجوع عنها :\rتكون الوصية صحيحة إذا استوفت شروط صحتها، وباطلة إذا تخلف منها شرط، كالوصية من عديم الأهلية مثل المجنون والمعتوه، والوصية لجهة معصية، والوصية بخمر أو خنزير لمسلم، وتكون نافذة إذا توافر فيها شروط النفاذ، وموقوفة على إجازة صاحب الحق، كالوصية لوارث أو بزائد عن الثلث لأجنبي.\rواتفق الفقهاء (1) على أن الوصية عقد غير لازم، وأنه يجوز للموصي في حال حياته الرجوع عنها كلها أو بعضها، سواء وقع منه الإيصاء في حال صحته أو مرضه؛ لقول عمر رضي الله عنه: «يغير الرجل ما شاء في وصيته» (2) ولأنها عطية أو تبرع لم يتم، ينجز بالموت، فجاز الرجوع عنها قبل تنجيزها، ولأن القبول يتوقف على الموت، والإيجاب يصح إبطاله قبل القبول كما في البيع.\r-------------------------------\r(1) اللباب: 178/4 وما بعدها، تكملة فتح القدير: 438/8-441، الدر المختار: 465/5 وما بعدها، القوانين الفقهية: ص 406، الشرح الصغير: 587/4، مغني المحتاج: 71/3-72، المغني: 67/6-68، المهذب: 461/1 وما بعدها، كشاف القناع: 386/4-389، تبيين الحقائق مع حاشية الشلبي على الزيلعي: 186/6 وما بعدها.\r(2) رواه البيهقي.","part":10,"page":203},{"id":6391,"text":"واتفقوا أيضاً على أن الرجوع عن الوصية يكون إما بالقول الصريح، أو بالدلالة أو ما يجري مجرى الصريح قولاً أو فعلاً.\rومن أمثلة الرجوع الصريح: أن يقول الموصي: نقضت الوصية أو أبطلتها أو رجعت فيه، أو فسختها أو أزلتها، ونحوها من الصرائح.\rومن أمثلة مايجري مجرى الصريح أن يقول: هو حرام على الموصى له، أو هذا لوارثي. أو يقوم بتصرف في الموصى به يدل على رجوعه كالبيع والإصداق، والهبةوالرهن مع قبض أم لا، واستهلاك الشيء كذبح الشاة الموصى بها أو كلها، وخلط الموصى به بغيره خلطاً يعسر تمييزه، وطحن حنطة وعجن دقيق وغزل قطن ونسج غزل، وقطع ثوب قميصاً، وصوغ معدن من ذهب أو فضة، وبناء وغراس في ساحة..\rإلا أن المالكية لا يعتبرون الفعل أو التصرف رجوعاً إلا إذا ذهب بجوهر الموصى به وحقيقته أو كان استهلاكاً له، أو دل دليل على أن الموصي قصد به الرجوع عن الوصية، فهم يوافقون الجمهور في الرجوع بصريح القول، وبالفعل الاستهلاكي من أكل وذبح وإحراق، ولكنهم لا يعتبرون رجوعاً: خلط الشيء بغيره خلطاً يعسر تمييزه، وزيادة الموصى به زيادة متصلة،وحصد الزرع الموصى به ودرسه بدون تذرية على المعتمد؛ لأنه لم يزل عنه اسم الزرع. فالخلط المذكور وزيادة الموصى به لا تعد رجوعاً عند المالكية خلافاً لغيرهم.","part":10,"page":204},{"id":6392,"text":"ويعتبر عند الحنفية رجوعاً في الأصح المفتى به كما في الذخيرة والمبسوط وهو قول أبي يوسف: جحود الوصية أي إنكارها بأن قال الموصي: لم أوص؛ لأن إنكاره الوصية دليل على عدم رضاه عنها، وهو ينبئ عن قصده الرجوع فيها. ولا يعد الجحود عند محمد (1) والشافعية والحنابلة رجوعاً عن الوصية؛ لأنها عقد، فلا تبطل بالجحود كسائر العقود.\rويعد التوكيل في البيع والعرض على البيع أو الرهن أو الهبة، وبناء وغرس الأرض الموصى بها وانهدام الدار كلها أو بعضها رجوعاً عند الشافعية والحنابلة، ولا يعد رجوعاً عندهم زرع الأرض بما لا تبقى أصوله كلبس الثوب، كما لا يعتبر رجوعاً بالاتفاق خلط الموصى به بحيث لا يعسر تمييزه عن بعضه كخلط الحنطة بالفاصولياء، ولبس الثوب الموصى به وغسله، والسكنى في المكان الموصى به، وإجارته أو إعارته، وتحسينه كالتجصيص وإعادة بناء السقف.\rالرجوع عن الوصية في القانون :\rفرق القانون بين الوصية الاختيارية والوصية الواجبة، فاعتبر الوصية الواجبة لازمة بمجرد إنشائها، بل ولو لم ينشئها، أما الوصية الاختيارية فلا تلزم إلا بموت الموصي.\rونص قانون الوصية المصري ( م 18، 19 ) وقانون الأحوال الشخصية السوري (فقرة د/م220، و/م221، 222) على مبدأ الرجوع عن الوصية وحالاته.\rوافق هذا القانون اتفاق الفقهاء على جواز الرجوع عن الوصية صراحة أو دلالة، كما وافق اتفاقهم على حالات الرجوع الصريح، وعلى ما يعتبر رجوعاً عن الوصية من كل فعل أو تصرف يدل بقرينة أو عرف على الرجوع عنها، ما لم يصرح بأنه لم يقصد الرجوع. ويعد من الرجوع دلالة: كل تصرف يزيل ملك الموصي عن الموصى به، واستهلاك الموصى به كأكل أو ذبح.\rوأخذ القانون بالمذهب المالكي في عدم اعتبار خلط الشيء بغيره خلطاً يعسر تمييزه، وزيادة الموصى به زيادة لا يمكن تسليمه إلا بها كزيادة غرفة أو حمام أو مطبخ إلا بدلالة قرينة أو عرف على الرجوع، وأخذ برأي الجمهور (غير الحنفية) بعدم اعتبار الجحود (أي إنكار الوصية) رجوعاً. وليس من الرجوع قانوناً الفعل الذي يزيل اسم الموصى به أو يغير معظم صفاته إلا إذا دلت قرينة أو عرف على أن الموصي يقصد به الرجوع عن الوصية.\r-------------------------------\r(1) وهو مختار صاحب الهداية، وهو ما أخذ به القانون.","part":10,"page":205},{"id":6393,"text":"المطلب الثاني ـ الأثر المترتب على الوصية :\rعرفنا في بحث صيغة الوصية أنه يترتب على الوصية ثبوت الملك للموصى له في الموصى به، من الوقت الذي حدده الموصي لابتداء الملكية إن حدد ميعاداً، أما إن لم يحدد ميعاداً: فإن كانت الوصية لجهة عامة ترتب الأثر بالفعل من وقت وفاة الموصي.\rوإن كانت الوصية لشخص معين ترتب الأثر بالفعل عند الجمهور غير الحنابلة من وقت القبول بعد وفاة الموصي مستنداً إلى تاريخ الوفاة، ومن وقت القبول فقط عند الحنابلة كما تقدم. فإن لم يقبل الموصى له، لم يتملك الموصى به، وعاد إلى ملك الورثة. ونص القانون السوري (م/230) والمصري ( م/25) على استحقاق الموصى به من حين الموت، ما لم يحدد نص الوصية ثبوت الاستحقاق في وقت معين. وتكون زوائد الموصى به حين الموت ملكاً للموصى له، وعلى الموصى له نفقة الموصى به منذ استحقاقه له.","part":10,"page":206},{"id":6394,"text":"المطلب الثالث ـ أحكام الموصي :\rبناء على ما ذكر في شروط الوصية، أفضل الكلام في حكم وصية المدين وغير المسلم.\rوصية المدين :\rتنشأ وصية المدين صحيحة، ولو كان الدين مستغرقاً لجميع ماله؛ لأن تعلق الدين بالتركة إنما يكون عند الوفاة، وعند الوفاة يظهر أثر الدين في الوصية (1) .\rأ ـ فإن كانت التركة مدينة بدين مستغرق: كان تنفيذ الوصية موقوفاً على براءة ذمة الموصي من كل الدين أو من بعضه، سواء أكانت براءته بسبب إسقاط الدائنين لحقوقهم أم إجازتهم الوصية، أم بتبرع شخص آخر بأداء الدين عن المدين.\rوإذا برئت ذمة المدين من كل الدين، كانت الوصية نافذة في ثلث جميع التركة، وإذا برئت من بعض الدين دون البعض، كانت الوصية نافذة في ثلث ما أبرئ منه، وغير نافذة في الباقي.\rب ـ وإن كانت التركة مدينة بدين غير مستغرق: فإن الوصية تكون نافذة بدون توقف على إجازة أحد في الثلث الخالي من الدين؛ لأنه لم يتعلق به حق لأحد.\rووافق القانون المصري (م 38، 39) والسوري (م 3/238، 4) على هذه الأحكام المأخوذة من الفقه الحنفي وغيره، فلا تنفذ وصية المدين المستغرق ماله بالدين إلا بإجازة الدائن كامل الأهلية أوبسقوط الدين. وتنفذ وصية من لا دين عليه ولا وارث له، بكل ماله من غير توقف على إجازة أحد.\rوصية غير المسلم :\rتصح الوصية من المسلم وغيره؛ لأنها نوع من البر، وهو مرغوب فيه في كل الأديان. وتجوز كما تقدم وصية المسلم للكافر، والكافر للمسلم، فليس الإسلام شرطاً لصحة الوصية، فتصح وصية الذمي بمال للمسلم وللذمي، وبالعكس (2) ، للمبدأ الشرعي المعروف: «فإذا قبلوا عقد الذمة، فأعلمهم أن لهم ما للمسلمين، وعليهم ما على المسلمين» (3) . ونص القانون السوري ( م1/215) والمصري (م2/3) على أنه تصح الوصية للأشخاص مع اختلاف الدين والملة بينهم وبين الموصي.\rوغير المسلم يشمل الذمي والحربي والمرتد.\r1 - وصية الذمي (4) :\rاتفق الفقهاء على جواز وصيته: لأنه من أهل التمليك، ويملك التصرف بماله كما يشاء بالبيع والهبة والوصية ونحوها.\rوتكون وصيته كالمسلم جائزة نافذة في حدود ثلث التركة، ولا تنفذ في الزائد عن الثلث، مراعاة لحق الورثة.\r-------------------------------\r(1) الوصية للأستاذ الشيخ عيسوي: ص 63، ط الأولى.\r(2) الدر المختار: 463/5، 492، الكتاب مع اللباب: 151/4، 169، البدائع: 136/7، 335، 341، الشرح الصغير: 581/4 وما بعدها، تبيين الحقائق: 184/6، تكملة الفتح: 430/8، المغني: 104/6، مغني المحتاج: 43/3، كشاف القناع: 390/4.\r(3) حديث صحيح رواه مسلم وغيره عن بريدة.\r(4) الذمي: هو غير المسلم المواطن في دار الإسلام بصفة دائمة.","part":10,"page":207},{"id":6395,"text":"وله أن يوصي لذمي مثله، أو مستأمن، أو مسلم، وليس له عند الحنفية أن يوصي لحربي في دار الحرب، لما في الوصية من إعانة وتقوية للأعداء.\rوتصح وصيته عند الحنفية لكل جهة هي قربة في اعتقاده، إلا إذا كانت محرَّمة في شريعته وشريعة الإسلام، أو كانت قربة في شريعة الإسلام دون شريعته.\rوالذي هو قربة في الشريعتين: الوصية للفقراء وعمارة بيت المقدس وبناء مسجد لمسلمين معينين.\rوما هو قربة في شريعته دون شريعة المسلمين: الوصية ببناء كنيسة، أوبإطعام خنزير لفقراء ملته.\rوما هو قربة في شريعة المسلمين دون شريعته: الوصية ببناء مسجد لمسلمين غير معينين.\rوما هو محرم في الشريعتين: الوصية باتخاذ أندية للقمار أو المراقص.\rوتصح الوصية عند أبي حنيفة في الحالتين الأوليين؛ لأن المعتبر ما هو قربة عنده لا ما هو قربة حقيقة؛ لأنهم ليسوا من أهل القربة الحقيقية، ولا تصح في الحالتين الأخريين.\rوأخذ القانون المصري والسوري بهذه الأحكام ما عدا الوصية بما هو قربة في شريعة المسلمين، كبناء مسجد لمسلمين غير معينين، فقد جوزها القانون أخذاً بمذهب الشافعية.","part":10,"page":208},{"id":6396,"text":"2 - وصية الحربي (1) :\rتصح الوصية للحربي ومن الحربي مستأمناً كان أو في دار الحرب عند الشافعية والحنابلة، ولا تصح له حال كونه في دار الحرب وتصح له إذا كان مستأمناً عند الحنفية، ولا تصح له مطلقاً عند المالكية.\rوأجاز القانون أخذاً برأي الشافعية والحنابلة الوصية للحربي، إذا كانت دولته تبيح الوصية للموصي، عملاً بمبدأ المعاملة بالمثل. ويصح من وصاياه ما تجيزه قوانين بلاده، ويبطل ما لا تجيزه.\rأما المستأمن: فحكمه عند الحنفية حكم الذمي، فتصح الوصية له، ومنه لمسلم أو ذمي. فإن كان ورثته معه في دار الإسلام، فلا تنفذ وصيته بأكثر من الثلث إلا بإجازتهم في الزائد. وإن كان ورثته في دار الحرب فتنفذ وصيته في المال كله، إذ لا حق للورثة في ماله بسبب اختلاف الدارين، واختلاف الدارين يمنع التوارث.\rأما القانون: فأجاز التوارث مع اختلاف الدارين بشرط المعاملة بالمثل، فيجوز إن أجازت دولته التوارث، ولا يجوز إن منعت دولته التوارث. وعليه لا تنفذ وصاياه في الزائد على الثلث إلا بإجازة الورثة.\r3 - وصية المرتد (2) :\rتصح وصية المرتد في غير محرَّم شرعاً عند المالكية والشافعية والحنابلة؛ لأن وصية الكافر للمسلم صحيحة، والمرتد كافر. والمحرم شرعاً كانتفاع المسلم بالخمر والخنزير. لكنهم قالوا: تكون موقوفة؛ كبقية تصرفاته من معاوضات وتبرعات؛ لأنه مال تعلق به حق الغير، فإن عاد إلى الإسلام نفذت، وإن مات أو قتل لردته بطلت، تغليظاً عليه بقطع ثوابه، بخلاف وصية المريض.\rوفرق الحنفية بين المرأة والرجل، فقالوا: تصح وصايا المرأة، وتكون نافذة، كما تصح جميع تصرفاتها؛ لأنها لا تقتل عندهم بسبب الردة.\rأما الرجل المرتد: فوصيته موقوفة، فإن عاد إلى الإسلام ومات عليه نفذت وصاياه كجميع تصرفاته، وإن مات على الردة بطلت وصاياه وتصرفاته جميعها.\rوأخذ القانون بمذهب الجمهور.\r-------------------------------\r(1) الحربي: هو غير المسلم التابع لدولة غير إسلامية، والمستأمن: هو غير المسلم الداخل دار الإسلام بأمان مؤقت. أما المسلم سواء في بلاد الإسلام أم في غيرها فلا يعتبر حربياً، ولا مستأمناً؛ لأن بلاد الإسلام كلها وطن واحد.\r(2) المرتد: من ترك دين الإسلام إلى دين آخر أو إلى غير دين. وحكمه أنه يستتاب فإن تاب وإلا قتل، ولا تقتل المرتدة عند الحنفية.","part":10,"page":209},{"id":6397,"text":"المطلب الرابع ـ أحكام الموصى له :\rالموصى له إما أن يكون متحقق الوجود عند الوصية، أو مرجح الوجود عندها كالحمل، أو أن يكون معدوماً. والموجود إما شخص طبيعي أو جهة عامة.\rوأبحث هنا حكم الوصية للجهات العامة، وللحمل، وللمعدوم، ولجماعة محصورين أو غير محصورين.\r1 - حكم الوصية للجهات العامة :\rاتفق الفقهاء (1) على صحة الوصية لجهة عامة كالمساجد ومدارس العلم والمشافي والمكتبات والملاجئ ونحوها، سواء أكان الموصى به عيناً كمكتبة، أم منفعة كأجرة دار أو محل تجاري، بنحو دائم أو مؤقت (2) .\rويصرف الموصى به بحسب شرط الموصي إذا لم يصادم مقاصد الشريعة، فإن لم يوجد شرط من الموصي يصرف على إصلاح وعمارة الجهة الموصى لها إنشاء\r-------------------------------\r(1) البدائع: 341/7، الدر المختار: 470/5 وما بعدها، 492، الشرح الصغير: 581/4، مغني المحتاج: 42/3، كشاف القناع: 398/4، غاية المنتهى: 358/2-359.\r(2) أصل المذهب الحنفي: أن الوصية بشيء للمسجد لا تجوز؛ لأنه لا يملك، لكن جوزها الإمام محمد ابن الحسن، وبقوله يفتى (الدر المختار: 492/5).","part":10,"page":210},{"id":6398,"text":"وترميماً وخدمة من إمام ومؤذن في المسجد، وشؤون المتعلمين في دور العلم؛ لأن العرف يحمله على ذلك، ويصرفه القيِّم في أهم مصالح الجهة باجتهاده؛ لأن قصد المسلم من هذه الوصية التقرب إلى الله سبحانه وتعالى، بإخراج ماله إلى الله تعالى، لا التمليك إلى أحد، ولا تصرف في الأصح لفقراء المسجد.\rوكذلك تصح الوصية لأعمال البر (1) مطلقاً من غير تحديد جهة معينة، وتصرف في أي جهة خيرية، كعمارة الوقف وسراج المسجد،دون تزيينه لأنه إسراف.\rوتصح الوصية في سبيل الله ، وتصرف للجهاد ومتطلباته، ويجوز صرفها لحاج منقطع.\rولو قال: أوصي بثلث مالي لله تعالى، صح عند محمد وهو المفتى به عند الحنفية، وتصرف لوجوه البر؛ لأنه وإن كان كل شيء لله تعالى، لكن المراد التصدق لوجهه تعالى، تصحيحاً لكلامه بقرينة الحال.\rونص القانون المصري ( م 7 ، 8) والقانون السوري ( م 213 ، 214) على وفق المقرر لدى الفقهاء من الأحكام المذكورة:\r(م 213): 1 - الوصية لله تعالى ولأعمال البر بدون تعيين جهة: تصرف في وجوه الخير.\r2 - الوصية لأماكن العبادة والمؤسسات الخيرية والعلمية وسائر المصالح العامة: تصرف على عمارتها ومصالحها وفقرائها وغير ذلك من شؤونها، ما لم يتعين المصرف بعرف أو قرينة.\r(م 214) - تصح الوصية لجهة معينة من جهات البر ستوجد في المستقبل، فإن تعذر وجودها، صرفت الوصية إلى أقرب مجانس لتلك الجهة.\r-------------------------------\r(1) قال في الفتاوى الظهيرية: كل ما ليس فيه تمليك فهو من أعمال البر.","part":10,"page":211},{"id":6399,"text":"الوصية بالحج: تصح الوصية بالحج اتفاقاً؛ لأنه من أعمال البر.\rقال الحنفية (1) : إذا أوصى بحجة الإسلام، أحج عنه رجلاً راكباً من بلده إن كفته النفقة، وإلا فمن حيث تكفي؛ لأن المستطيع لا يلزم أن يحج ماشياً، فوجب عليه الإحجاج على الوجه الذي لزمه وهو من بلده، ولذا يعتبر فيه من المال ما يكفيه من بلده. ولو قال رجل: أنا أحج عنه ماشياً لا يجزي المحجوج عنه. ولو كان في المال المدفوع وفاء بنفقات الركوب، فمشى النائب، واستبقى النفقة لنفسه، فهو مخالف ضامن للنفقة؛ لأنه لم يحصل ثوابها له.\rوإن مات حاج في طريقه، وأوصى بالحج عنه، يُحَج من بلده راكباً، وهو المعتمد، ومن حيث مات استحساناً إن كفته نفقته، وإلا فمن حيث تكفي.\rومن لا وطن له يحج عنه من حيث مات إجماعاً.\rوتصح الوصية بحج التطوع: ومن قال: أحجوا عني بثلث مالي أو بألف، وهو يكفي حججاً، فإن صرح بحجة واحدة اتبع التصريح، ورد الفضل الزائد إلى الورثة، وإن لم يصرح، حج عنه حججاً بأشخاص في سنة واحدة، وهو الأفضل، أو في كل سنة. وآخر القولين لأبي حنيفة: أن حج النفل أفضل من الصدقة.\rوقال الشافعية (2) : حجة الإسلام وإن لم يوص بها، تحسب على المشهور من رأس المال، كسائر الديون وأولى، فإن أوصى بها من رأس المال، أو من الثلث، عمل به، ويكمل الواجب من رأس المال، كما لو قال: اقضوا ديني من الثلث، فلم يف الثلث به. وإن أطلق الوصية بحجة الإسلام، بأن لم يقيدها برأس مال ولا ثلث، فمن رأس المال. ويحج عنه من الميقات المخصص لبلده؛ لأنه لو كان حياً، لم يلزمه سواه، ولا يخرج من مال المحجوج عنه إلا ما كان مستحقاً عليه. فإن أوصى أن يحج عنه من دويرة أهله امتُثل. وإن أوصى بالحج من الثلث، وعجز عنه، فمن حيث أمكن.\r-------------------------------\r(1) الدر المختار ورد المحتار: 469/5، الكتاب مع اللباب: 177/4.\r(2) مغني المحتاج: 67/3، المهذب: 454/1.","part":10,"page":212},{"id":6400,"text":"وللأجنبي أن يحج عن الميت بغير إذنه في الأصح، سواء حجة الإسلام وعمرته، أو حجة النذر وعمرته، من مال نفسه، وإن لم تجب على الميت حجة الإسلام وعمرته قبل موته لعدم استطاعته.\rوتصح الوصية في الأظهر بحج تطوع أو عمرة تطوع، لجواز النيابة فيه؛ لأنها عبادة تدخلها النيابة في فرضها، فتدخل النيابة في نفلها، كأداة الزكاة. ويُحَج عن الميت من بلده أو الميقات، إن وسعه الثلث، وإلا فمن حيث أمكن، وإن لم يقيد الموصي بل أطلق الوصية بالحج عنه، يحج عنه من الميقات في الأصح، حملاً على أقل الدرجات.\rوقال الحنابلة (1) : تخرج حجة الفريضة من رأس المال، ولو لم يوص بها، كما قال الشافعية، وإن أوصى من لا حج عليه أن يحج عنه تطوعاً بألف، صرف من الثلث مؤنة حجة بعد أخرى لمن يحج عنه راكباً أو راجلاً، يدفع الوصي لكل واحد قدر ما يحج به من النفقة حتى نهاية الألف؛ لأن الميت وصى بجميعه في جهة قربة، فوجب صرفه فيها، كما لو وصى به في سبيل الله . ولا يجوز أن يدفع\rإلى واحد أكثر من نفقة المثل؛ لأنه أطلق التصرف في المعاوضة، فاقتضى عوض المثل، كالتعويض في البيع والشراء.\rفلو لم تكف الألف للحج، حج به من حيث يبلغ؛ لأن الموصي قد عين صرفه ذلك في الحج، فصرف فيه بقدر الإمكان.\rولا يصح للوصي أن يحج بالألف؛ لأنه منفِّذ، كالتوكيل في التصدق، لا يصح للمأمور أن يأخذ منه شيئاً.\rولا يصح أيضاً للوارث أن يحج بالألف؛ لأن ظاهر كلام الموصي جعله لغيره. فإن عين الموصي أن يحج عنه الوارث بالنفقة، جاز.\rويجزئ الحج عن الموصي في هذه الحالة من الميقات عملاً بأدنى الحالات، والأصل عدم وجوب الزائد.\rوإن قال: حجوا عني بألف، ولم يقل: واحدة، لم يحج عنه إلا حجة واحدة، وما فضل للورثة.\r-------------------------------\r(1) كشاف القناع: 399/4-402، غاية المنتهى: 359/2.","part":10,"page":213},{"id":6401,"text":"وإن قال: حجوا عني بألف، دفع الألف إلى من يحج عنه حجة واحدة عملاً بمقتضى وصيته، وتنفيذاً لها. فإن عين الموصي أحداً في الوصية، فقال: يحج عني فلان حجة بألف، فهو وصية له، فإن حج أعطي الألف قبل التوجه، وإن أبى الحج بطلت في حقه، ويحج عنه بأقل ما يمكن من النفقة، والبقية للورثة في فرض ونفل. ولا يعطى المال إلا أيام الحج احتياطاً للمال، ولأنه معونة في الحج، فليس مأذوناً فيه قبل وقته.\rوللنائب الموصى به تأخير الحج لعذر كمرض ونحوه. ولو قال الشخص: حجوا عني حجاً، ولم يذكر قدراً من المال، دفع إلى من يحج قدر نفقة المثل فقط؛ لأن الإطلاق لا يقتضي الزيادة عليه.\rولو وصى بثلاث حجج إلى ثلاثة، صح صرفها في عام واحد.\rفإن تلف المال في الطريق بيد النائب، فهو من مال الموصي غير مضمون على النائب؛ لأنه مؤتمن كالوديع، وليس على النائب في حال تلف المال إتمام الحج.\rوالوصية بالصدقة بمال أفضل من الوصية بحج التطوع، بعكس الحنفية؛ لأن صدقة التطوع أفضل من الحجة.\r2 - الوصية للحمل :\rبينت في بحث الشروط أن الوصية تصح بالحمل وللحمل إذا تحقق وجوده وقت الوصية (1) ، فالوصية بالحمل: كما إذا أوصى ـ في الماضي ـ بما في بطن جاريته، ولم يكن منه، لكن بشرط أن يعلم أنه موجود في البطن وقت الوصية، بأن جاءت به لأقل من ستة أشهر من وقت الوصية. ومثاله اليوم: الوصية بما في بطن الفرس أو الشاة أو الناقة.\rوالوصية للحمل: مثل أن يقول: أوصيت بثلث مالي لما في بطن فلانة، بشرط علمه بوجوده وقت الوصية على النحو السابق.\rاتفق الفقهاء على صحة الوصية للحمل بعين أو بمنفعة؛ لأن الوصية كالميراث ينتقل الملك فيها بالخلَفية، والحمل يرث، فيصح أن يوصي له.\r-------------------------------\r(1) الدر المختار ورد المحتار: 462/5، تكملة فتح القدير: 434/8، الشرح الصغير: 581/4، مغني المحتاج: 40/3 وما بعدها، المهذب: 451/1 وما بعدها، المغني: 56/6 وما بعدها، الكتاب مع اللباب: 182/4، الوصية للمرحوم عيسوي: ص 77.","part":10,"page":214},{"id":6402,"text":"ويشترط في صحة الوصية للحمل عند الجمهور غير المالكية ما يأتي:\r1ً - أن يثبت وجوده في بطن أمه عند إنشاء الوصية: فإن لم يثبت وجوده، كانت الوصية باطلة. ولم يشترط المالكية هذا الشرط؛ لأنه تصح الوصية عندهم لمن سيكون من حمل موجود أو سيوجد.\rوالتحقق من وجود الحمل وقت إنشاء الوصية يكون عند الحنفية بما يأتي:\rأ ـ إذا أقر الموصي بوجود الحمل وقت الوصية، وجاءت به أمه لأقل من سنتين من وقت الوصية، سواء أكانت زوجة أم معتدة من طلاق أو وفاة.\rب ـ فإذا لم يوجد إقرار بالحمل: اشترط أن يولد حياً لأقل من ستة أشهر من تاريخ الوصية إذا كانت الأم زوجة أو معتدة من طلاق رجعي، أي بأن كان زوجها حياً؛ لأن هذه المدة أقل مدة الحمل شرعاً، فإن جاءت به لستة أشهر فأكثر، فلا تصح الوصية.\rوإن كان زوجها ميتاً اشترط أن يولد حياً لأقل من سنتين من يوم الوفاة، أو الفرقة إذا كانت معتدة من وفاة أو فرقة بائنة، بدليل ثبوت نسبه، أي إذا جاءت به في تلك المدة ثبت نسبه من أبيه.","part":10,"page":215},{"id":6403,"text":"أما الشافعية والحنابلة: فوافقوا الحنفية في الحالة الأولى، فصححوا الوصية للحمل وبالحمل إذا أتت به أمه لأقل من ستة أشهر منذ التكلم بالوصية، إذا كانت ذات زوج. وخالفوا الحنفية في الحالة الثانية فيما إذا لم تكن الأم ذات زوج، فصححوا الوصية للحمل إذا انفصل حياً لأربع سنين من تاريخ الوصية، فإذا ولد لأكثر من أربع سنين من حين الفرقة، وأكثر من ستة أشهر من حين الوصية، لم تصح الوصية له، لاحتمال حدوثه بعد الوصية. والحاصل أنه يحكم بوجود الحمل باتفاق المذاهب الثلاثة إذا ولد لستة أشهر من تاريخ الوصية، ويحكم بوجوده عند الحنفية لسنتين من حين الفرقة، وفي المذهبين الآخرين لأربع سنين من تاريخ الفرقة.\r2ً - أن يولد حياً حياة مستقرة بظهور علامات الحياة من بكاء وصراخ وشهيق ونحوها من الخبرة الطبية باتفاق المالكية والشافعية والحنابلة، وهوما أخذ به القانون المصري (م 35) والسوري (م 236) وعند الحنفية أن يولد أكثره حياً. وتوقف غلة الموصى به منذ وفاة الموصي إلى أن ينفصل الحمل حياً، فتكون له (1) .\r3ً - أن يوجد على الصفة التي عينها الموصي: فإذا كانت الوصية لحمل من شخص معين، اشترط لصحة الوصية أن يثبت نسب الحمل شرعاً من الشخص المعين. وهو مذهب الشافعية الذي أخذ به القانون.\rتعدد الحَمْل :\rإذا ولدت المرأة أكثر من ولد في وقت واحد، أو في وقتين بينهما أقل من ستة أشهر، كانت الوصية لهم جميعاً إذا ولدوا أحياء، ويقسم الموصى به بينهم بالتساوي. وإن ولد أحدهما حياً والآخر ميتاً، كانت الوصية للحي دون الميت. وإن مات أحدهما بعد ولادته حياً، كان نصيبه لورثته إذا كان الموصى به عيناً كدار، لأنه ملكها ملكاً تاماً،وإن كان منفعة عادت إلى ورثة الموصي؛ لأن الوصية بالمنافع تنتهي بالموت، مالم يوجد شرط آخر، فيعمل به (2) .\rأما القانون (المصري م 35، والسوري م 236) فإنه عدل عن المقرر فقهاً في كيفية التحقق من الحمل:\r-------------------------------\r(1) م 2/236، م 2/35 مصري.\r(2) م 237 سوري، م 36 مصري.","part":10,"page":216},{"id":6404,"text":"ففي حالة إقرار الموصي بوجود الحمل: أن يولد لسنة شمسية (365 يوماً) فأقل من تاريخ الإيصاء، عملاً برأي محمد بن عبد الحكم المالكي، فإنه جعل أقصى مدة الحمل سنة قمرية، وبما قرره الأطباء من أن الحمل لا يمكث أكثر من سنة شمسية.\rوإذا لم يوجد إقرار بالحمل: اشترط أن يولد حياً لـ (270) يوماً في القانون المصري، ولتسعة أشهر فأقل في القانون السوري من حين الوصية، إذا كانت الحامل زوجة أو معتدة من طلاق رجعي. وهذا أخذ بالغالب في مدة الحمل شرعاً.\rواشترط أن يولد حياً لسنة شمسية (365 يوماً) فأقل من حين وجوب العدة، إذا كانت المرأة معتدة لوفاة أو فرقة بائنة.\r3 - الوصية للمعدوم :\rيرى الجمهور (1) غير المالكية أن الوصية للمعدوم: (وهو من لم يكن موجوداً حين الوصية، وسيوجد بعد وفاة الموصي) باطلة؛ لأن من شرائط الموصى له كونه موجوداً وقت الوصية إذا كان معيناً بالاسم أو بالإشارة مثل: أوصيت لخالد، أو لهذا، فلا تصح الوصية لمن سيكون أو لميت؛ لأن الوصية تمليك، فلا تصح للمعدوم، بخلاف الموصى به؛ فإنه يملك فلم يعتبر وجوده؛ ولأن الوصية كالميراث، ولا يرث المتوفى إلا من كان موجوداً، فكذلك الوصية.\rفإن كان الموصى له معرَّفاً بالوصف كطلبة العلم، اشترط وجوده وقت وفاة الموصي.\r-------------------------------\r(1) الدر المختار ورد المحتار: 459/5، 462، مغني المحتاج: 40/3، المغني: 58/6.","part":10,"page":217},{"id":6405,"text":"أما المالكية (1) : فأجازوا الوصية للمعدوم وهو أن يوصى لميت علم الموصي بموته حين الوصية، وتصرف في وفاء ديونه ووصاياه، ثم لوارثه إن لم يكن عليه دين، فإن لم يكن وارث بطلت الوصية، ولاتعطى لبيت المال. وأخذ القانون المصري والسوري (2) بهذا الرأي، تعميماً للانتفاع بالوصية وتحقيقاً لرغبات الموصين في إيصال الخير وبر الناس.\rأحكام الوصية للمعدوم في القانون :\rتصح الوصية قانوناً للمعدوم، كقوله: أوصيت لمن سيولد لخالد، ولما يشمل الموجود والمعدوم كقوله: أوصيت لأولاد خالد، أي الموجود منهم أو من سيوجد.\rوتكون الوصية للمعدوم إما بالأعيان أو بالمنافع، ولكلٍ أحكام في تنفيذ الوصية.\r1 ًً) ـ الوصية بالأعيان للمعدوم ممن يحصون :\rإذا كانت الوصية بالأعيان كدار أو أرض لقوم يحصون: وهم مئة فأقل، كانت غلة الموصى به ملكاً لمن وجد من الموصى لهم عند وفاة الموصي، إلى أن يوجد غيرهم، فإذا وجد غيرهم شاركهم فيما سيكون من غلة تلك العين.\rومتى صارت الرقبة والغلة ملكاً للموصى لهم، فإنها تقسم على الأحياء منهم والأموات، ويكون نصيب من مات منهم لورثته من بعده، يقسم بينهم قسمة الميراث (3) .\rوإن لم يوجد أحد من المستحقين عند وفاة الموصي، تكون غلة الموصى به لورثة الموصي. وعند اليأس من وجود أحد من المستحقين ـ كأن يموت خالد الموصى لأولاده دون أن يترك ولداً ـ تكون العين الموصى بها ملكاً لورثة الموصي (4) .\r2 ً) ـ الوصية بالمنفعة للمعدوم ممن يحصون :\rأما إن كانت الوصية بالمنفعة لهؤلاء، فإن ملكية الرقبة تكون لورثة الموصي في كل حال، وليس للموصى لهم سوى المنفعة.\rفإذا وجد واحد من الموصى لهم عند وفاة الموصي أو بعده استحق جميع الغلة، وإن وجد آخر اشترك معه فيما سيكون من الغلة، وهكذا حكم من سيوجد.\rوإن لم يوجد أحد من الموصى لهم تكون الغلة ملكاً لورثة الموصي (5) .\rوإذا انقرض بعض الموصى لهم وبقي البعض الآخر، تكون الغلة لمن بقي منهم، ما لم يكن في الوصية ما يفيد غير ذلك، كأن يصرح الموصي بعودة نصيب الميت إلى ورثة الموصي (6) .\r-------------------------------\r(1) الشرح الكبير: 426/4، القوانين الفقهية: ص 405، المهذب: 451/1.\r(2) م 26-28 مصري، م 231 سوري.\r(3) الفقرة 2 من المادة 231 سوري.\r(4) الفقرة 1 من المادة 231 سوري.\r(5) الفقرة 3 من المادة 231 سوري.\r(6) م 38 مصري.","part":10,"page":218},{"id":6406,"text":"3 ً) ـ الوصية بالمنفعة للطبقات :\rأجاز القانون المصري (م 29) الوصية بالمنفعة للطبقتين الأوليين فقط من ذرية الموصى له، وتبطل فيما زاد عليهما. واعتمد القانون في حالة الجواز على مذهب\rالمالكية، وفي حالة البطلان على رأي ابن أبي ليلى الذي يمنع الوصية بالمنافع مطلقاً.\rوحصر القانون السوري (م 1/232) الوصية للذرية لطبقة واحدة، كيلا تنقلب الوصية إلى وقف ذُرِّي (أهلي) وهذا ملغى قانوناً، فإذا انقرضت الطبقة الأولى من أولاد فلان الموصى لذريته، عادت العين تركة للموصي، إلا إذا كان قد أوصى بها أو ببعضها لغيرهم (1) .\rوالسبب في نفرة القانون من استمرار الوصية للطبقات: هو ضعف الأنصبة عند تكاثر الذرية، وهذا يؤدي إلى الإهمال والنزاع بين المستحقين وخراب الأعيان الموصى بمنفعتها.\rونص القانون المصري في المادة نفسها على أنه إذا كانت الوصية مرتبة الطبقات، كالوصية لأولاد عامر، ثم من بعدهم لأولادهم، فتصرف الغلة لأهل الطبقة الأولى بحسب نص الموصي، وإلا فعلى عدد الرؤوس. وعند انقراضها تصرف للطبقة الثانية.\rوإذا كانت الوصية غير مرتبة الطبقات، فإن الغلة توزع على من يوجد من الطبقتين على حسب نص الموصي، فإن لم يوجد نص، فعلى عدد الرؤوس، فإن انقرضوا جميعاً، عادت المنفعة إلى ورثة الموصي.\r4 - الوصية لجماعة محصورين :\rاتفق الفقهاء على صحة الوصية لقوم محصورين: إما بالاسم، مثل أحمد وخالد وعلي، أو بالإشارة كالوصية لهؤلاء، أو بالوصف مثل طلاب العلم من أولاد فلان، أو المرضى من عائلته، أو بالجنس كبني فلان وهم يحصون.\r-------------------------------\r(1) الوصية لعيسوي: ص 74-76، الوصية للدكتور مصطفى السباعي: ص 117.","part":10,"page":219},{"id":6407,"text":"أولاً ـ فإن كانت الوصية لمعينين بأسمائهم، قسمت عليهم بحسب نص الموصي، فإن لم يوجد نص، قسمت على عدد الرؤوس بالتساوي (1) . ومن مات منهم بعد الاستحقاق، كان نصيبه لورثته إن كان الموصى به عيناً، ولباقي الموصى لهم إن كان الموصى به منفعة؛ لأن المنافع عند الحنفية لا تورث.\rوإذا بطلت الوصية لبعض المعينين بموته مثلاً: فالمقرر لدى الحنفية أن من دخل في الوصية ثم خرج منها لفقدان شرط أو لزوال أهلية، رجع نصيبه إلى ورثة الموصي.\rوإن كان لم يدخل في الوصية أصلاً قسم نصيبه على من بقي من الموصى لهم.\rويتحدد وقت الدخول في الوصية عند إنشاء الوصية إن كان الموصى له معيناً بالاسم أو الإشارة، ووقت وفاة الموصي إن كان معرفاً بالوصف أو بالجنس.\rلكن القانون المصري (م 33) أخذ بمذهب الشافعية في حال بطلان الوصية، فقضى في الوصية لمعينين: أن يعود إلى تركة الموصي ما أوصى به لمن كان غير أهل للوصية حين وفاة الموصي، سواء أكان قد صح الإيجاب له ثم مات قبل الموصي، أم لم يصح الإيجاب له من أول الأمر.\rثانياً ـ وإن كانت الوصية لمحصورين معروفين بالوصف أو الجنس: فيقسم الموصي به لهم على حسب نص الموصي، وإلا فعلى عدد الرؤوس، كما في الحالة الأولى.\rوإن مات واحد منهم بعد استحقاق الوصية، كان الموصى به تركة لورثته إن كان عيناً. فإن كان منفعة كان نصيبه عند الحنفية لباقي الموصى لهم؛ لأن المنافع لا تورث عندهم، كما ذكر في الحالة الأولى.\rوإذا بطلت الوصية لبعض الموصى لهم كموته موت الموصي، أو رده الوصية بعد موته، وزع الموصى به على الباقين، وهذا هو المقرر في القانونين المصري (م31) والسوري( م 234).\r-------------------------------\r(1) الوصية للأستاذ عيسوي: ص 83.","part":10,"page":220},{"id":6408,"text":"كيفية توزيع الوصية المشتركة :\rالوصية المشتركة: هي أن يكون الموصى له مجموعاً مشتركاً من معين وجماعة محصورة، وجماعة غير محصورة، وجهة بر، كالوصية بثلث ماله لخالد، ولأولاده الأربعة، وللفقراء، وللمستشفى.\rنص القانون المصري ( م 32) والسوري (م 235) على كيفية توزيع الثلث الموصى به، بأن تقسم الوصية في هذا المثال سبعة أسهم، ويعتبر لكل معين ولكل فرد من أفراد الجماعة المحصورين ولكل جماعة غير محصورة ولكل جهة برّ سهم، فيعطى لخالد سهم، ولكل ولد من أولاده، سهم، وللفقراء سهم، وللمستشفى سهم. وبه اعتبر لفظ «الفقراء» كشخص واحد، أخذاً برأي الإمامين أبي حنيفة وأبي يوسف (1) .\rوقال الشافعية (2) : لو أوصى لزيد والفقراء، فالمذهب أنه كأحدهم في جواز إعطائه أقل شيء متموَّل.\r-------------------------------\r(1) وقال محمد: لهم سهمان (الدر المختار: 477/5، البدائع: 343/7) ومنشأ الخلاف: هل يصدق اللفظ بواحد أو لا يصدق إلا باثنين.\r(2) مغني المحتاج: 62/3.","part":10,"page":221},{"id":6409,"text":"وقال الحنابلة (1) : لو أوصى لزيد وللفقراء، قسم بين زيد والفقراء نصفين، نصف له ونصف للفقراء.\rهذا إذا كان أولاد خالد حين وفاة الموصي أربعة، فإن ولد له بعدئذ خامس، أخذ قانوناً بمبدأ الوصية لما يشمل الموجود والمعدوم ( م 231 سوري) وهو المستمد من مذهب المالكية، فيوزع الموصى به ثمانية أسهم، وهكذا يزداد عدد الأصل الموزع منه، حتى اليأس من وجود أولاد آخرين، فيعطى لخالد سهم، ولكل ولد من أولاده سهم، وللفقراء سهم، وللمستشفى سهم.\r5 - الوصية لجماعة غير محصورين :\rأذكر رأي المذاهب هنا ببيان كل مذهب على حدة:\rيرى الحنفية (2) : أنه يشترط أن يكون الموصى له معلوماً، فتكون الوصية لمجهول باطلة؛ لأن الوصية تمليك عند الموت، فلا بد من أن يكون الموصى له معلوماً في ذلك الوقت حتى يقع الملك له، ويمكن تسليم الموصى به إليه.\rوبناء عليه: لا تصح الوصية مثلاً بثلث ماله للمسلمين؛ لأن المسلمين لا يحصون، إلا إذا كان في لفظ الوصية ما ينبئ عن حاجة الموصى لهم، كأن يوصي للفقراء والمساكين واليتامى والمحاربين ومشوهي الحرب؛ لأن الوصية حينئذ تكون صدقة وقربة إلى الله تعالى، والله سبحانه واحد معلوم، فيقع المال لله عز وجل، ثم يتملك الفقراء بتمليك الله تعالى لهم، وإن كانوا لا يحصون.\rومن لا يحصى أو غير المحصورين في رأي محمد من الحنفية المفتى به والمعمول به في المحاكمة الشرعية: هم الأكثر من مائة، فإن كانوا مائة فأقل، فهم يحصون.\rومصرف الوصية في غير المحصورين: هم أهل الحاجة منهم، ولا يلزم الصرف إلى جميعهم، ولا تعميم المحتاجين جميعاً، ولا التسوية بينهم في العطاء، بل تقسم بحسب اجتهاد منفذ الوصية.\rوإذا كانت الوصية لمن لا يحصون بالأموال، فإنها توزع على المحتاجين، وتثبت لهم ملكيتها بالقبض.\rوإن كانت بالمنافع تصير وقفاً، وتوزع غلتها على من اتصف بصفة الوصية.\rورأى المالكية (3) : أنه تصح الوصية لقوم غير معينين كالفقراء، ويدخل معهم المساكين (4) وبالعكس، عملاً بالعرف، أي أن الفقير والمسكين إذا افترقا اجتمعا في الحكم، وإذا اجتمعا افترقا، فهما لفظان غير مترادفين. وهذا أيضاً مذهب الأئمة الآخرين.\rوذهب الشافعية والحنابلة (5) : إلى أنه تصح الوصية لغير معين: بأن أوصى لجهة عامة كالفقراء، أو لمعين غير محصور كالهاشمية والمطلبية. ويجوز عند الشافعية الاقتصار في التوزيع على ثلاثة منهم، ولا تجب التسوية بينهم، ويجوز عند الحنابلة الاقتصار على واحد.\rواتفق الكل على أن الوصية لغير معين، تلزم بدون حاجة إلى القبول.\r-------------------------------\r(1) كشاف القناع: 406/4.\r(2) البدائع: 343/7.\r(3) الشرح الكبير: 432/4، الشرح الصغير: 591/4.\r(4) المسكين عندهم: من لا يملك شيئاً، والفقير: من يملك شيئاً لا يكفيه قوت عامه.\r(5) مغني المحتاج: 53/3، 61-62.","part":10,"page":222},{"id":6410,"text":"والخلاصة: أن الحنفية أجازوا الوصية لقوم غير محصورين إذا كان في لفظ الوصية ما ينبئ عن حاجة الموصى لهم. والجمهور أجازوا ذلك مطلقاً.\rوقد عدل القانون المصري (م 30) والسوري (م 1/233) عن مذهب الحنفية في الوصية لمن لا يحصى، فأجازها، وإن لم يذكر في لفظ الوصية مايفيد الاحتياج؛ لأن معنى القربة موجود في الوصية على كل حال، سواء صرح الموصي بذلك أم لا. وأخذ بما اتفقوا عليه في نهاية المادة إذ نص على أنه: يترك أمر توزيعها بينهم لاجتهاد من له تنفيذ الوصية دون التقيد بالتعميم أو المساواة.\rالمقصود ببعض ألفاظ الموصى لهم في الوصية لقوم مخصوصين :\rأورد الفقهاء بعض العبارات التي ترد في الوصايا وتتعلق بالموصى لهم، فما المراد بها عندهم (1) .\rالجيران: من أوصى لجيرانه: فهم الملاصقون له عند أبي حنيفة؛ لأن الجوار عبارة عن القرب، وحقيقة ذلك في الملاصق، وما بعده بعيد بالنسبة إليه. وقال الصاحبان استحساناً: هم الملاصقون وغيرهم ممن يسكن محلة الموصي، ويجمعهم مسجد المحلة. وقول الإمام هو الصحيح عند الحنفية.\rوقال المالكية: تشمل الوصية جيرانه الملاصقين له من الجهات الست (الأربع والعلو والسفل) والجيران المقابلين له إذا كان بينهما شارع صغير.\rوقال الشافعية والحنابلة: هم أربعون داراً من كل جانب من جوانب الدار الأربعة، لقوله صلّى الله عليه وسلم : «الجار: أربعون داراً هكذا وهكذا وهكذا» (2) . وتقسم الوصية على عدد الدور لا على عدد السكان. ولا يدخل في الوصية عند الحنابلة إلا من كان موجوداً عندها، فمن يتجدد من الجيران بين الوصية والموت لا يدخل فيها، وكذلك لا يستحق من يتجدد عن تنفيذ الوصية.\r-------------------------------\r(1) الكتاب مع اللباب: 179/4-180، الشرح الصغير: 591/4-592، مغني المحتاج: 58/3-64، كشاف القناع: 398/4-404، المهذب: 455/1 وما بعدها.\r(2) رواه أحمد.","part":10,"page":223},{"id":6411,"text":"وجيران المسجد عند الحنابلة وفي قول عند الشافعية: من يسمع النداء، لحديث «لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد» (1) ، مع قوله صلّى الله عليه وسلم للأعمى لما سأله أن يرخص له في الصلاة في بيته: «هل تسمع النداء؟ قال: نعم، قال : فأجب» (2) والراجح عند الشافعية أن جيران المسجد كجيران الدار فيما لو أوصى لجيرانه.\rالأصهار والأختان: من أوصى لأصهاره: فالوصية في عرف المتقدمين لكل ذي رحم محرم من امرأته، كآبائها وأعمامها وأخوالها وأخواتها. وأما في عرفنا فيختص بأبويها. وجزم بعضهم بالأول، والمعول في تقديري على العرف.\rومن أوصى لأختانه: فالختن: زوج كل ذات رحم محرم منه، كأزواج بناته وأخواته وعماته وخالاته.\rوكان المشهور في ديارنا الشامية: أن يختص الصهر بأبي الزوجة، والختن: بزوج البنت، أما اليوم فيطلق على زوج البنت، وهو مرادف لكلمة الختن.\rالأقارب والأرحام: من أوصى لأقربائه أو لأرحامه: فالوصية عند أبي حنيفة للأقرب فالأقرب من كل ذي رحم محرم منه سواء الكافر والمسلم والصغير والكبير، ولا يدخل فيهم الوالدان والولد؛ لأنهم لا يسمون أقارب، ومن سمى والده قريباً كان منه عقوقاً؛ لأن القريب من تقرب بوسيلة غيره، وتقرب الوالد والولد بنفسه لا بغيره. وتكون الوصية للاثنين فصاعداً؛ لأنه ذكر بلفظ الجمع، وأقل الجمع في الوصية اثنان، كما في الميراث.\rوالخلاصة: يراد بالأقرب من توافرت فيه شروط أربعة: هي أن يكون المستحق مثنى (اثنين فأكثر)، وأن يكون المستحق أقرب إلى الموصي بحيث لا يوجد من يحجبه، وأن يكون ذا رحم محرم من الموصي، وألا يكون وارثاً من الموصي.\r-------------------------------\r(1) حديث ضعيف رواه الدارقطني عن جابر وأبي هريرة.\r(2) رواه مسلم.","part":10,"page":224},{"id":6412,"text":"وقال المالكية: يختص في الوصية للأهل والأرحام من الموصي أقارب أبيه غير الورثة، إن كان له ذلك، لشبه الوصية بالإرث من حيث تقدم العصبة على ذوي الأرحام. وإن لم يكن للموصي أقارب لأب غير ورثة، دخل في الوصية أقارب لأمه كأبيها وعمها لأبيها أو لأمها وأخيها وابن عمتها. ويقدم الأحوج فالأحوج منهم، فإن استووا في الحاجة سوي بينهم في الإعطاء.\rوإن قال: أوصيت لأقارب فلان، شمل الوارث منهم لفلان وغير الوارث.\rوقال الشافعية: إن وصى لأقارب زيد، دخل كل قرابة له، وإن بعد، عملاً بعموم اللفظ مسلماً كان أو كافراً، غنياً أو فقيراً، إلا الأصل (أي الأب والأم فقط) والفرع (أولاد الصلب فقط) فلا يدخلان في الأصح، ـ كما قال الحنفية ـ إذ لا يسمون أقارب عرفاً، أما الأجداد والأحفاد فيدخلون لشمول الاسم لهم.\rولا تدخل قرابة أم في الوصية للأقارب في وصية العرب في الأصح، إذا كان الموصي عربياً، فإنهم لا يفتخرون بها ولا يعدّونها قرابة. والمعتمد أن هذه القرابة تدخل، كما قال الحنفية.\rوالأصح تقديم ابن على أب، وأخٍ على جد؛ لأنه أقوى إرثاً وتعصيباً. ولا يرجح بذكورة ووراثة، بل يستوي الأب والأم والابن والبنت. ويقدم ابن البنت على ابن ا بن الابن. ولو أوصى لأقارب نفسه، لم تدخل ورثته في الأصح، كما ذكر المالكية، لأن الوارث لا يوصى له غالباً عملاً بعرف الشرع، فيختص بالباقين.\rومذهب الحنابلة كالشافعية إلا أنهم قالوا: لا يدخل في الوصية للقرابة أو أهل القرابة الكفار، فهي للمسلمين خاصة، ولا شيء للكفار، لقوله تعالى: {يوصيكم الله في أولادكم، للذكر مثل حظ الأنثيين} [النساء:11/4] فلم يدخل فيه الكفار إذا كان الميت مسلماً، وإذا لم يدخلوا في وصية الله تعالى مع عموم اللفظ، فكذلك في وصية المسلم، ولأن ظاهر حاله أنه لا يريد الكفار، لما بينه من عداوة الدين، وعدم الوصلة المانع من الميراث ووجوب النفقة على فقيرهم.","part":10,"page":225},{"id":6413,"text":"الأهل: إذا أوصى لأهله، فأبو حنيفة يخص الأهل بالزوجة؛ لأن الأهل حقيقة في الزوجة، قال تعالى: {وسار بأهله} [القصص:29/28] {فقال لأهله: امكثوا} [طه:10/20] ويؤيده العرف. وقال الصاحبان: يشمل الأهل كل من في نفقته ما عدا خدمه؛ لأن اللغة تستعمل الأهل في أقارب الرجل وعشيرته، قال تعالى: {فأنجيناه وأهله إلا امرأته} [النمل:57/27]. والأولى الاعتماد على العرف.\rآل بيته: إذا أوصى بكذا لآل بيته، شمل قبيلته؛ لأن الآل هو القبيلة التي ينسب إليها، ويدخل فيها كل آبائه الذين لايرثون إلى أقصى أب له في الإسلام إلا الأب الأول ـ الأصل، فليس من أهل بيته. ولا يدخل فيها أولاد البنات وأولاد الأخوات وقرابة الأم؛ لأن الولد ينسب لأبيه، لا لأمه.\rأهل جنسه: إذا أوصى لأهل جنسه، شمل أهل بيت أبيه؛ لأن المراد بالجنس في مثله النسب، والنسب إلى الآباء.\rالعلويون: إذا أوصى للعلويين وهم أولاد علي: فلا تصح الوصية عند الحنفية؛ لأن العلويين لا يمكن حصرهم، وليس فيه ما يشعر بالحاجة.\rوقال الشافعية: تصح الوصية وتنفذ بقسمة الموصى به على ثلاثة منهم فأكثر، كالوصية على الفقراء والمساكين. وهكذا تنفذ الوصية في كل جمع معين غير منحصر، تقسم بين ثلاثة منهم.\rوقال الحنابلة: يستحب تعميم من أمكن منهم.\rفي سبيل الله: المشهور في الوصية في سبيل الله اختصاصها بالغزاة المجاهدين وحجاج بيت ا لله الحرام.\rالعلماء: قال الشافعية: العلماء في الوصية لهم: أصحاب علوم الشرع من تفسير وحديث وفقه وأصول فقه ونحوهم، ولا يدخل في علماء الشرع: المقرئ والأديب والمعبر للرؤيا والطبيب والمهندس والحاسب ونحوهم، وكذا علماء الكلام عند الأكثرين؛ لأن أهل العرف لا يعدونهم منهم. ويكفي عند الشافعية لتنفيذ الوصية أن تصرف لثلاثة من أهل كل علم.\rوقال الحنابلة: إذا أوصى لأهل العلم شملت الوصية من اتصف به، وأهل القرآن: حفظته.\rمراحل الإنسان: يراد بالمراهق: هو الطفل الذي قارب البلوغ، جاء في القاموس، راهق الغلام: قارب الحلم. ويراد بالطفل: من لم يميز.\rوالصبي والغلام واليافع: من لم يبلغ. وكذا اليتيم، فمن أوصى لأيتام بني فلان بكذا، دخل في الوصية اليتيم الذي مات أبوه قبل بلوغ الحلم، سواء أكان غنياً أم فقيراً ذكراً أم أنثى، بشرط أن يحصى عددهم عند الحنفية. والشاب والفتى: من البلوغ إلى الثلاثين.\rوالكهل: من الثلاثين إلى الخمسين.\rوالشيخ: من الخمسين إلى السبعين. ثم الهرم إلى آخر العمر.","part":10,"page":226},{"id":6414,"text":"المطلب الخامس ـ أحكام الموصى به :\rعرفنا في شروط الموصى به: أنه يشترط أن يكون مالاً أو متعلقاً بالمال؛ لأن الوصية إيجاب الملك أو إيجاب ما يتعلق بالملك من البيع والهبة والصدقة.\rويخصص البحث هنا لبيان حكم الوصية بمعين أو بجزء شائع، الوصية بالمعدوم أو معجوز التسليم، الوصية بالمجهول، الوصية بالمنافع، الوصية بالتصرف في عين، الوصية بالحقوق، الوصية بتقسيم التركة، الوصية بالمرتبات، الزيادة في الموصى به.\r1 - الوصية بمعين أو بجزء شائع وحكم هلاك الموصى به :\rتجوز الوصية بالمشاع وبالمقسوم المعين؛ لأنها تمليك جزء من ماله، فجاز في المشاع والمقسوم كالبيع (1) . والمعين إما عين بذاتها أو نوع من المال.\rوورد في القانون المصري (م 47-49) والقانون السوري (م 243-245) بيان أحكام الوصية بمعين أو بمشاع، وماذا يترتب على هلاك الموصى به أو استحقاقه، أخذاً من مذهب الحنفية في الغالب (2) .\rأ ـ فإذا كانت الوصية بعين بذاتها: كأن يوصي بداره في بلد كذا، تعلقت الوصية بهذه العين، فإذا هلكت أو استحقت أو خرجت عن ملك الموصي في حياته، بطلت الوصية، لفوات محلها.\r-------------------------------\r(1) المهذب: 452/1.\r(2) الوصية لعيسوي: ص 88-1، الوصية للسباعي: ص 123.","part":10,"page":227},{"id":6415,"text":"وإن مات الموصي وهي في ملكه، كانت جميعها للموصى له، إن خرجت من ثلث المال، فإن لم تخرج من الثلث كان له منها مايخرج من الثلث.\rوإن تعلق بها حق خاص ـ كحق المرتهن ـ واستوفى دينه منها، كان للموصى له أن يرجع بقيمتها من التركة.\rب ـ إذا كانت الوصية بنوع من أمواله: كغنمه أو أفراسه أو دوره، فهلكت أو استحقت، بطلت الوصية أيضاً؛ لأن الوصية تعلقت بنوع معين من المال وقت الإيصاء، وقد زال من الوجود، فبطلت لفوات محل الوصية.\rجـ ـ إذا كانت الوصية بجزء شائع في شيء معين بذاته: كالوصية بنصف دار معينة، تعلقت الوصية بهذا الجزء من تلك العين، فإذا هلكت جميعها، أو استحقت، بطلت الوصية، لفوات محلها. وإن هلك بعضها أو استحق، أخذ الباقي إن كان يخرج من الثلث، وإلا أخذ منه مقدار مايخرج من الثلث.\rد ـ إذا كانت الوصية بجزء شائع في نوع معين من أمواله: كأن يوصي بربع أغنامه أو بنصف دوره، تعلقت الوصية بالموجود عند إنشاء الوصية، فإن هلك جميعه أو استحق، أخذ نصف الباقي حال الوصية بالنصف إذا كان يخرج من الثلث، وإلا أخذ منه بمقدار الثلث.\rوتكون الوصية قانوناً بعدد شائع كخمس من أفراسه، كالوصية بحصة شائعة فيه، فإذا هلك بعضها، كان له خمس الباقي، وهو أخذ برأي ابن الماجشون من المالكية. أما الحنفية فقالوا: لو لم يبق إلا الخمس أي القدر المسمى، فإنه يأخذه، إذا كان يخرج من الثلث.","part":10,"page":228},{"id":6416,"text":"2 - الوصية بالمعدوم أو بمعجوز التسليم (1) :\rتصح الوصية عند الجمهور غير الحنفية بالمعدوم كأن يوصي بما تحمله الجارية أو الشجرة؛ لأن المعدوم يجوز أن يملك بعقد السلم أو المساقاة، فجاز أن يملك بالوصية، ولأن الوصية احتمل فيها وجوه من الغرر، رفقاً بالناس وتوسعة، فتصح بالمعدوم كما تصح بالمجهول، وتصح بما يعجز عن تسليمه كآبق وشارد وطير بهواء ولبن بضرع.\rوقال الحنفية: إن كان الموصى به معدوماً، فلا بد من أن يكون قابلاً للتمليك بعقد من العقود، فلا تجوز الوصية استحساناً بما تلد أغنامه؛ لأنه لا يقبل التمليك حال حياة الموصي بعقد المساقاة. وتصح الوصية بما تثمر نخيله هذا العام أو أبداً، وإن كان الموصى به معدوماً؛ لأنه يقبل التمليك حال حياة الموصي بعقد المساقاة (المعاملة) فالوصية بالمعدوم جائزة اتفاقاً، وإن اختلفوا في بعض الأمثلة.\rوتجوز الوصية اتفاقاً بما لا يقدر على تسليمه كالطير الطائر والعبد الآبق؛ لأن الموصى له يخلف الميت في ثلثه، كما يخلفه الوارث في ثلثه، فلما جاز أن يخلف الوارث الميت في هذه الأشياء، جاز أن يخلفه الموصى له. لكن قال الحنفية: لا تصح الوصية بما في البطن والضرع، وبما على الظهر من الصوف، وبما سيحدث من اللبن والولد؛ لأنه يشترط وجود الموصى به عند موت الموصي، فلو مات الموصي ولم يكن الموصى به موجوداً وقت موته، بطلت الوصية. أما في الوصية بالثمرة فليس وجودها عند موت الموصي بشرط استحساناً؛ لأن اسم الثمرة يقع على الموجود، والحادث، والحادث منها يحتمل دخوله تحت عقد المعاملة والوقف. أما الولد والصوف ونحوهما فلا تدخل تحت عقد من العقود ولا يجري فيه الإرث، فلا يدخل تحت الوصية، لأن الوصية إنما تجوز فيما يجري فيه الإرث أو فيما يدخل تحت عقد من العقود في حال الحياة، والحادث من الولد وأمثاله لا يجري فيه الإرث، ولا يدخل تحت عقد من العقود، فلا يدخل تحت الوصية.\rوالخلاصة: أن الحنفية لا يجيزون الوصية بما سيحدث، وأجازها الجهمور.\r-------------------------------\r(1) الدر المختار ورد المحتار: 459/5، 462، 491، البدائع: 354/7، الشرح الصغير: 581/4، المهذب: 452/1، المغني: 59/6، كشاف القناع: 407/4 وما بعدها، غاية المنتهى: 363/2.","part":10,"page":229},{"id":6417,"text":"3 - الوصية بالمجهول :\rاتفق الفقهاء على اشتراط كون الموصى له معلوماً، أي معيناً، إما بالشخص كزيد، أو بالنوع كالمساكين، فلو قال: أوصيت بالثلث لفلان أو فلان، بطلت للجهالة.\rواتفقوا أيضاً على عدم اشتراط كون الموصى به معلوماً، فتجوز الوصية بالمجهول (1) ، كالوصية بجزء أو سهم من ماله؛ لأن الوصية تبرع محض، فلا تضر فيها الجهالة بالمتبرع به. ومثل الشافعية والحنابلة للوصية بالمجهول: بالحمل في البطن واللبن في الضرع وخادم أو عبد من عبيده. وقد عرفنا أن الحنفية لا يجيزون الوصية بما في البطن أو باللبن في الضرع.\rفإن بيَّن الموصي في حال حياته مراده من هذه الألفاظ، عمل به.\rوإن مات قبل أن يبين، بيَّن الورثة عند أبي حنيفة والشافعية والحنابلة، وأعطوا الموصى له ما شاؤوا، في الوصية بجزء؛ لأن الورثة قائمون مقام الموصي، فإليهم البيان. أما في الوصية بسهم من ماله: فيعطى الموصى له أقل سهام الورثة زائداً على الفريضة بحيث لا يزيد على السدس، فله في الحد الأدنى السدس.\rوقال المالكية: يعطى الموصى له المجهول سهماً واحداً من سهام التركة، ثم يقسم الباقي على الورثة، فيدخل الضرر على الجميع.\r-------------------------------\r(1) الكتاب مع اللباب: 176/4-177، تكملة الفتح: 443/8-446، الدر المختار: 474/5، البدائع: 356/7 وما بعدها، القوانين الفقهية: ص 406، المهذب: 452/1، غاية المنتهى: 363/2-364، 372، كشاف القناع: 407/4، مغني المحتاج: 44/3-45، 58، الشرح الصغير: 599/4.","part":10,"page":230},{"id":6418,"text":"4 - الوصية بالمنافع :\rيثير هذا البحث معرفة أمور عديدة: هي المقصود بالمنافع، وهل تعتبر المنافع أموالاً، وحكم الوصية بالمنافع، وتقدير المنفعة، وطريق الانتفاع بالمنفعة، وكيفية استيفاء المنفعة المشتركة، وانتهاء الوصية بالمنفعة، وملكية العين الموصى بمنفعتها والتصرف فيها، ونفقة العين الموصى بمنفعتها (1) .\rأ ـ المقصود بالمنافع :\rتطلق المنفعة في رأي الحنفية على الخدمة وسكنى الدار وغلتها، وعلى غلة الأرض والبستان وثمرته، والغلة: هي كل ما يحصل من ريع الأرض وكرائها (2) وأجرة الغلام ونحوها.\rوفرق الحنفية بين الوصية بالغلة والوصية بالثمرة، فقالوا: يدخل في تعبير الغلة ما كان موجوداً عند وفاة الموصي وما سيحدث منها مدة حياة الموصى له.\rأما الثمرة: فتشمل فقط الموجود عند وفاة الموصي. ويظهر أن سبب التفرقة بينهما هو العرف.\rأما غير الحنفية: فلم يفرقوا بين الغلة والثمرة، وأن كلاً منهما يشمل الموجود عند وفاة الموصي وما يحدث بعدئذ.\rأما القانون المصري (م55) والسوري (249) فإنه اختار مذهب الجمهور، فجعل الوصية بالثمرة كالوصية بالغلة، تشمل الموجود وقت موت الموصي وما سيحدث، ما لم تدل قرينة على خلاف ذلك.\rووسع القانون ـ كما جاء في مذكرته التفسيرية ـ معنى المنافع، فأراد بالمنافع ما ذكره الحنفية، وهو أنها تشمل المنافع المحضة للعين كسكنى الدار وزرع الأرض، وبدلها كأجرة الدار والأرض، وما يخرج منها كثمرة البستان والشجر.\rوتشمل الوصية بالمنافع كل ما ذكر، وتشمل أيضاً قانوناً الوصية بالتصرف في عين، والوصية بالإقراض، والوصية بالحقوق، والوصية بتقسيم التركة، والوصية بالمرتبات.\r-------------------------------\r(1) انظر البدائع: 352/7 وما بعدها، 386، الدر المختار ورد المحتار: 489/5-491، تكملة الفتح: 480/8-485، تبيين الحقائق: 105/5، 121، 234، الشرح الكبير: 445/4، مغني المحتاج: 64/3-65، المهذب: 452/1، 455، المغني: 59/6-61، غاية المنتهى: 366/2.\r(2) الكراء: الأجرة.","part":10,"page":231},{"id":6419,"text":"ب ـ هل تعد المنافع أموالاً ذات قيمة؟\rللفقهاء رأيان في الحكم:\rمذهب الحنفية: ليست المنافع أموالاً متقومة بنفسها، وإنما تصير استحساناً مالاً متقوماً بالعقد عليها كالإجارة والوصية؛ لأن المال عندهم ما يقبل الإحراز والادخار لوقت الحاجة، والمنافع أعراض متجددة، تكسب زمناً فزمناً، وبعد اكتسابها لا يبقى لها وجود، فلا يمكن إحرازها. وتتقوم بالعقود لورود النص وجريان العرف به. وإذا لم تعتبر المنفعة مالاً فهي ملك؛ لأن الملك ما يتصرف فيه بوصف الاختصاص. ومذهب الجمهور: المنافع أموال متقومة مضمونة كالأعيان؛ لأن الغرض الأظهر من جميع الأموال هو منفعتها.\rوالقانون أخذ برأي الجمهور، وأفتى متأخرو الحنفية باعتبار المنافع أموالاً متقومة، وإن لم يرد عليها عقد في ثلاثة أنواع:\rالمال المعدّ للاستغلال (1) ، والأوقاف، وأموال الأيتام، وقد بحثت هذا الموضوع في الإجارة والغصب والضمان.\rحـ ـ حكم الوصية بالمنافع من حيث الجواز وعدمه :\rاتفق أئمة المذاهب الأربعة على جواز الوصية بالمنافع؛ لأنها كالأعيان في تمليكها بعقد المعاوضة والإرث، فصحت الوصية بها كالأعيان، حتى إن الحنفية الذين لايعتبرون المنافع أموالاً أجازوا ا لإيصاء بها؛ لأنه يصح تمليكها في حال الحياة ببدل، ويكون العقد إجارة، وبغير بدل ويكون العقد إعارةً، فكذا بعد الممات بالوصية، كما في الأعيان.\rوتخرج من ثلث المال، فإن لم تخرج من الثلث أجيز منها بقدر الثلث.\rد ـ تقدير المنفعة :\rعرفنا أن الوصية تنفذ من ثلث التركة، فإذا كانت بالأعيان قدرت الأعيان بنفسها وخرجت من الثلث. وأما إن كانت بالمنافع، فكيف تقدر المنفعة؟ للفقهاء رأيان:\rالأول ـ للحنفية والمالكية: هو النظر إلى الأعيان التي أوصي بمنفعتها أياً\r-------------------------------\r(1) هو ما اشترى أو بني للاستغلال أو توالت إجارته ثلاث سنين فأكثر.","part":10,"page":232},{"id":6420,"text":"كانت مدة الانتفاع، فإن كانت رقابها (ذواتها) تخرج من الثلث، جازت ونفذت، وإن لم تخرج من الثلث، نفذ منها بقدر الثلث فقط، وتوقف الزائد على إجازة الورثة. فالمعتبر عندهم قيمة العين الموصى بمنفعتها، لا قيمة المنفعة مستقلة. فإذا أوصى شخص بمنفعة داره، وكان لا يخرج من ثلث التركة إلا نصف هذه الدار، كان للموصى له منافع نصف الدار فقط.\rوالدليل على رأيهم: أن الوصية بالمنافع يترتب عليها منع العين الموصى بمنفعتها عن الوارث، وتفويت ا لمقصود منها، وهو الانتفاع بها، والمقصود من الأعيان منفعتها، فإذا بقيت العين على ملك الوارث، صارت بمنزلة العين التي لا منفعة لها، فوجب أن يخرج الممنوع منفعته ـ وهو العين ـ من ثلث المال.\rوالثاني ـ للشافعية والحنابلة (1) : أن الوصية بالمنفعة تقدر بقيمة المنفعة الموصى بها في مدة الوصية؛ لأنها هي الموصى بها.\rإلا أن الحنابلة قالوا: إن كانت الوصية مقيدة بمدة معلومة، قدرت بقيمة المنفعة نفسها في تلك المدة. وإن كانت الوصية مطلقة في الزمان كله، ففيها قولان في المذهب:\rأحدهما ـ كما في المذهب الحنفي والمالكي: تقوَّم الرقبة (الذات) بمنفعتها، وتخرج من الثلث.\rوالثاني ـ تقوم الرقبة على الورثة، والمنفعة على الموصى له، فإذا كانت قيمة الشيء كله مائة، وقيمة الرقبة وحدها عشرة، علمنا أن قيمة المنفعة تسعون.\r-------------------------------\r(1) انظر المذكرة التفسيرية للقانون المصري في بيان المادة 62، 63، فقالت: الفقرة الأولى من المادة 62 مأخوذة من مذهب الحنفية، وباقي المادة مأخوذ من مذهب الشافعي.","part":10,"page":233},{"id":6421,"text":"أما القانون ا لمصري ( م62) والسوري (م253) فقد أخذ برأي تفصيلي من مجموع الرأيين وهو قريب الشبه بمذهب الحنابلة، فقضى بأن المنفعة إن كانت مؤبدة أو مطلقة، أو لمدة حياة الموصى له، أو لمدة تزيد على عشر سنين، فإنها تقدر بقيمة العين الموصى بكل منافعها أو ببعضها. وهذا موافق للرأي الأول وللقول الأول عند الحنابلة في الوصية المطلقة؛ لأن أمل الورثة في الانتفاع بالعين معدوم أو بعيد التحقق.\rوإن كانت الوصية بالمنافع لمدة لا تزيد على عشر سنين، فإنها تقدر بقيمةالمنفعة الموصى بها في هذه المدة. وهذا موافق لرأي الشافعية، ولرأي الحنابلة في الوصية المقيدة؛ لأن الأمل في عودة العين إلى الورثة قريب التحقق.\rوإن كانت الوصية بحق من الحقوق كحق الشِرْب أو حق المرور أو حق التعلي، قدر المنفعة (في المادة 63 مصري) بالفرق بين قيمة العين محملة بالحق الموصى به، وبين قيمتها بدونه، والفرق بين القيمتين هو الوصية. وهذا موافق للقول الثاني في الوصية المطلقة لدى الحنابلة، وهو مذهب الشافعية.\rهـ ـ طريق الانتفاع بالمنفعة :\rللانتفاع طريقان:\rأحدهما ـ الاستغلال المشروع: بأن يؤجر مالك منفعة العين الموصى له بمنفعتها لغيره في مقابل أجرة يأخذها منه لنفسه.\rوالثاني ـ الاستعمال الشخصي: بأن يستوفي هو المنافع بنفسه. وطريق الانتفاع بالمنفعة الموصى بها يختلف بحسب نص الوصية: فإن لم تكن الوصية مقيدة بنوع خاص من الانتفاع، كان للموصى له باتفاق الفقهاء أن ينتفع على الوجه الذي يختاره، إما بالاستعمال الشخصي بأن يسكن الدار أو يزرع الأرض بنفسه، وإما بالاستغلال: بأن يؤجر الدار والأرض لغيره، وينتفع بالأجرة.\rأما إذا قيد الموصي الموصى له بنوع من أنواع الانتفاع، فهناك رأيان:","part":10,"page":234},{"id":6422,"text":"يرى الحنفية: أن الموصى له يتقيد بالقيد المنصوص عليه في حال الاستعمال الشخصي، فمن أوصي له بالسكنى مثلاً، لا يملك الاستغلال بلا خلاف؛ لأنه ملك المنفعة بغير عوض، فليس له أن يملِّكها غيره بعوض.\rأما العكس وهو من أوصي له بالاستغلال، فالراجح أن له السكنى؛ لأن من ملَّك غيره السكنى، ملكها بنفسه من باب أولى. وقيل: ليس له السكنى، إذ قد يكون في سكناه بنفسه ضرر بالميت، والحق هو القول الأول، لما في هذه الحجة من تكلف واحتمال بعيد.\rويرى الشافعية والحنابلة: أن الموصى له يملك الانتفاع على أي وجه شاء، سواء بالاستعمال الشخصي أم بالاستغلال، ولو نص على العكس؛ لأن الموصى له ملك المنفعة بعقد الوصية، ومن ملك المنفعة ساغ له الانتفاع بها على أي نحو شاء، كما لو ملك حق المنفعة بالإجارة.\rوهذا الرأي هو الراجح، وهو الذي أخذ به القانون المصري (م54) والسوري (م248) لأن غرض الموصي إنما هو نفع الموصى له، ودفع حاجته، وهذا أدرى بمصلحته.\rو ـ كيفية استيفاء المنفعة المشتركة :\rإذا كانت المنفعة مشتركة بين الموصى له وبين ورثة الموصي، كالوصية بنصف منفعة داره، أو مشتركة بين عدد من الموصى لهم كالوصية بمنفعة دار لثلاثة أشخاص، فتستوفى المنفعة من طريق القسمة بإحدى وسائل ثلاث (1) :\rالأولى ـ أن تقسم غلة المنفعة بين المشتركين: فتؤجر الدار أو تزرع الأرض مثلاً، وتقسم الغلة بنسبة حصة كل واحد منهم.\rالثانية ـ أن تقسم العين بنفسها بينهم، فيأخذ كل واحد منهم سهمه في المنفعة، بشرط كون تلك العين قابلة للقسمة، وألا يترتب على قسمتها ضرر للورثة، ولو مع بقاء المنفعة الأصلية.\rالثالثة ـ أن تقسم العين الموصى بها قسمة مهايأة زمانية أو مكانية:\rالزمانية: أن تعطى لأحد الشركاء كل العين مدة من الزمان، ينتفع بها، ثم يأخذها الشريك الآخر بقدر تلك المدة، فينتفع بها.\rوالمكانية: أن يأخذ كل شريك جزءاً من العين في وقت واحد ينتفع بها، ثم يتبادل الشريكان كل جزء مرة أخرى، فيحل كل واحد محل الآخر فيما كان ينتفع به.\rوإذا كانت الوصية بحق لا يمكن قسمته ولا المهايأة فيه، أو حدث اختلاف، اجتهد القاضي في كيفية توزيع المنفعة بحسب قواعد الشريعة العامة.\rونص القانون المصري ( م57)والسوري ( م250) على هذه الطرق الثلاث المذكورة.\r-------------------------------\r(1) الوصية لعيسوي: ص 130، الوصية للسباعي: ص 126.","part":10,"page":235},{"id":6423,"text":"ز ـ انتهاء الوصية بالمنفعة :\rنص القانون السوري ( م252) على أن الوصية بالمنفعة تبطل أو تسقط في الحالات التالية:\rأ ـ بوفاة الموصى له قبل استيفاء المنفعة الموصى بها كلها أو بعضها؛ لأن المنافع في الوصية لا تورث.\rب ـ بتملك الموصى له العين التي أوصي له بمنفعتها.\rجـ ـ بتنازله عن حقه فيها لورثة الموصي، بعوض أو بغير عوض، أما التنازل بعوض فهو من قبيل المصالحة على ترك نظير المال، وأما التنازل بغير عوض فهو من قبيل إبراء الورثة منها.\rد ـ باستحقاق العين؛ لأنه تبين أن العين الموصى بمنفعتها لم تكن مملوكة للموصي.\rونص القانون المصري (م59) على بطلان الوصية بالمنفعة قبل تمامها بما يأتي:\rأ ـ بمضي المدة المعينة للانتفاع قبل وفاة الموصي، أو بموت الموصى له المعين قبل بدء المدة.\rب ـ بإسقاط الموصى له حقه في المنفعة لورثة الموصي، بعوض أو بغير عوض.\rجـ ـ باستحقاق العين الموصى بمنفعتها، أو بشرائها من الموصى له.","part":10,"page":236},{"id":6424,"text":"متى يستحق الموصى له المنفعة الموصى بها؟\rنص القانون المصري (م50) والسوري ( م246) على أحوال استحقاق الموصى له المنفعة بحسب المدة.\rفإذا كانت الوصية بالمنفعة مقيدة بمدة محددة البدء والنهاية، كسنتين من أول عام كذا إلى نهاية عام كذا، استحق الموصى له المنفعة في هذه المدة فقط، فإذا انقضت المدة المذكورة قبل وفاة الموصي بطلت الوصية. وإذا انقضى بعضها استحق الموصى له المنفعة في باقيها. وهذا موافق لمذهب الحنفية.\rوإذا كانت الوصية بمنفعة مقدرة بمدة معينة كسنة دون تحديد بدء الانتفاع، استحق الموصى له المنفعة منذ وفاة الموصي. وهذا موافق لمذهب الشافعية. أما الحنفية فيقولون: تبدأ المدة من وقت القسمة؛ لأنه وقت تنفيذ الوصية واستقرار الملك.\rمنع الموصى له من الانتفاع :\rنص القانون المصري ( م51) والسوري ( م247) على أحوال ثلاث قد يحدث فيها منع الموصى له من الانتفاع بالعين الموصى له بمنفعتها، وذلك إما بسبب من جهة أحد ورثة الموصي، أو جميعهم، أو من جهة الموصي نفسه، أو لعذر قاهر للموصى له.\rالصورة الأولى ـ إذا كان المنع من بعض الورثة: ضمن للموصى له بدل المنفعة في تلك المدة.\rالصورة الثانية ـ إذا كان المنع من جميع الورثة: كان للموصى له الخيار بين الانتفاع بالعين مدة أخرى، وبين أن يضمنهم بدل المنفعة عن تلك المدة. الصورة الثالثة ـ إذا كان المنع من جهة الموصي: كأن يكون الموصي قد أجر الدار الموصى بمنفعتها لمدة معينة، ثم مات قبل أن تنتهي مدة الإجارة، أو كان المنع لعذر قاهر حال بين الموصى له وبين الانتفاع كأن يكون سجيناً أوغائباً، أو كانت الدار مغصوبة، استحق الموصى له المنفعة بالعين مدة أخرى.\rوهذه الأحكام مستمدة من مذهب الشافعية.\rأما الحنفية فقالوا: إن كان المنع من أحد الورثة، ضمن للموصى له بدل المنفعة؛ لأنه متعدٍ في هذه الحالة، فيضمن نتيجة تعديه.\rوإن كان المنع من جميع الورثة ضمنوا له بدل المنفعة أيضاً، لوجود التعدي منهم جميعاً. وليس للموصى له في الحالتين أن يطالب بمدة أخرى للانتفاع، بعد فوات المدة المحددة.\rوإذا كان المنع بسبب آخر، لا من قبل الورثة، وفاتت مدة الانتفاع المحددة، فلا شيء عليهم، لعدم وجود تعدٍ منهم؛ لأن الموصى به أمانة في يدهم، والأمانة لاتضمن إلا بالتعدي.","part":10,"page":237},{"id":6425,"text":"ح ـ ملكية العين الموصى بمنفعتها والتصرف فيها :\rأما ملكية العين: فتكون بحسب مدة الوصية: فإن كانت الوصية مؤبدة أو مطلقة من غير ذكر مدة، وكانت لجهة لا يظن انقطاعها، أصبحت رقبة العين وقفاً، وتكون الغلة للموصى لهم على التأبيد.\rوأما إن كانت الوصية بالمنفعة لمدة محددة، أو لمعين أو لمحصورين أو لجهة يظن انقطاعها، فإن العين تبقى ملكاً لورثة الموصي، وأما الغلة فهي للموصى لهم إلى انقراضهم، أو إلى انتهاء المدة المحددة في الوصية، ثم تعود المنافع إلى ملك الورثة، تبعاً للعين.\rوأما حق التصرف بالعين الموصى بمنفعتها ففيه رأيان:\rرأي الحنفية: أنه ليس لمالك العين حق التصرف بها من بيع ونحوه، ويكون التصرف موقوفاً على إجازة الموصى له، لتعلق حقه بها، فإن أذن أسقط حقه.\rورأي الجمهور: أنه يجوز لمالك الرقبة حق التصرف بها، بالبيع ونحوه، ولكن يبقى للموصى له حق الانتفاع بالعين، ويستوفيه على ملك المشتري؛ بدليل أن العين تورث عن مالكها، مع بقاء الوصية، ولا ضرر على الموصى له بانتقال ملكية العين؛ لأن حقه في المنفعة وهي لا تختلف باختلاف المالكين، وفي إباحة التصرف بالعين لمالكها رعاية لحقه.\rوأخذ القانون المصري (م60) والسوري ( م2/251) برأي الجمهور.","part":10,"page":238},{"id":6426,"text":"ط ـ نفقة العين الموصى بمنفعتها :\rللفقهاء رأيان في نفقة العين:\rرأي الحنفية، وفي الأصح عند الحنابلة: أن ما تحتاج إليه العين الموصى بمنفعتها من نفقات، ومايفرض عليها من ضرائب، تكون على صاحب المنفعة ولو لم تثمر العين أو لم تغل في سنة ما؛ لأنه صاحب الفائدة منها، كالزوج، إذ الغرم بالغنم أوالخراج بالضمان، فله نفعه، فكان عليه ضره وغرمه.\rوإذا أهمل صاحب المنفعة القيام بما يلزم لبقاء العين صالحة للانتفاع بها، أو لم يدفع ما عليها من ضرائب، فأداها صاحب الرقبة، كان ما دفعه حقاً له في غلة العين، يستوفيه منها قبل الموصى له. أما إذا كانت العين غير صالحة للانتفاع بها، كأرض بور، فإن نفقة إصلاحها وضرائبها على صاحب الرقبة.ورأي الشافعية في الأصح: أن النفقة والضريبة على مالك الرقبة، كالمأجور تكون نفقاته وضرائبه على المالك.\rوأخذ القانون المصري (م58) والسوري ( م1/250) بالرأي الأول.\r5 - الوصية بالتصرف في عين (3) :\rقد يوصي الإنسان ببيع بعض أمواله من التركة، أو بإجارة بعض عقاراته، فإذا كان الثمن المسمى أو بدل الإيجار بقدر ثمن المثل أو أجر المثل، أو كان بأقل من المثل بمقدار يخرج من الثلث، أو يزيد عن ثلث التركة زيادة يسيرة يتغابن الناس فيها، نفذت الوصية من غير توقف على إجازة الورثة، إذ لا ضرر عليهم في الوصية، ويعتبر هذا النقص وصية في حدود الثلث، فلا يحتاج إلى إجازة الورثة.\rأما إذا كان النقص يزيد على ثلث التركة زيادة كبير ـ وهو ما يعبر عنه بالغبن الفاحش ـ فيتوقف تنفيذ الوصية على إجازة الورثة، ما لم يقبل الموصى له بدفع القدر الزائد على الثلث، فإن أجاز الورثة أو دفع الموصى له للورثة القدر الزائد على الثلث، نفذت الوصية، وإلا بطلت.\rوأخذ القانون المصري ( م56) والسوري ( م240) بهذه الأحكام المتفق عليها بين الفقهاء.\r-------------------------------\r(1) اعتبر هذا النوع قانوناً وما يليه من الأنواع من ا لوصية بالمنافع كما ذكر سابقاً (الفقه المقارن للأستاذ حسن الخطيب: ص 253 وما بعدها).","part":10,"page":239},{"id":6427,"text":"6 - الوصية بالإقراض :\rقد يوصي الإنسان بإقراض شخص مقداراً معلوماً من المال مدة معلومة، من غير ربا. فيطبق مبدأ النفاذ من الثلث، وهو ما نصت عليه المادة (12) من قانون الوصية المصري، والمادة (218) من القانون السوري.\rفإن كان المال الموصى بإقراضه يخرج من ثلث التركة، نفذت الوصية من غير توقف على الإجازة. وإن كان أكثر من الثلث، نفذت في حدود الثلث، وكانت موقوفة في الزائد على إجازة الورثة.\rوليس للورثة مطالبة المستقرض بالدين قبل حلول الأجل الذي عينه الموصي؛ لأن الأجل في القرض ، وإن كان لا يلزم به المقرض عند الحنفية (1) ، وأن له أن يطالب المقترض بالقرض في أي وقت شاء، فإنهم قالوا بلزوم أجل القرض في أربع حالات:\rالأولى ـ مالو أوصى شخص بإقراض آخر مبلغاً من المال إلى سنة مثلاً، فيلزم الأجل.\rالثانية ـ ما لو كان القرض مجحوداً، فأجله صاحبه، فإن الأجل يكون لازماً.\rالثالثة ـ ما لو حكم القاضي بلزومه، بالاعتماد على مذهب مالك وابن أبي ليلى فإنه يلزم أيضاً.\rالرابعة ـ في الحوالة: ما لو أحال المدين الدائن على آخر فأجله المقرض، أوأحاله على مديون مؤجل دينه؛ لأن الحوالة مبرئة، أي تبرأ بها ذمة المحيل، ويثبت بها للمحال أي المقرض دين على المحال عليه بحكم الحوالة، فهو في الحقيقة تأجيل دين، لا قرض.\r-------------------------------\r(1) الدر المختار ورد المحتار: 177/4-178.","part":10,"page":240},{"id":6428,"text":"7 - الوصية بالحقوق :\rتصح الوصية بالاتفاق بحقوق الارتفاق التي تنتقل بالإرث، كحق الشِّرب، والمسيل والمجرى والتعلي (1) ونحوها، غير أن الوصية بحق الشرب والمجرى والمسيل لا تجوز قانوناً إلا تبعاً للأرض الموصى بها أو لمالك أرض ينتفع بها.\rوأجاز القانون المصري ( م 11) الوصية بحق المنفعة التي يملكها المستأجر، أخذاً من مذهب الشافعية والجمهور غير الحنفية، كأن يستأجر شخص أرضاً لمدة عشر سنوات، ثم يوصي بما بقي من مدة الإجارة؛ لأن الإجارة عند الجمهور لا تنفسخ بموت أحد العاقدين. أما الحنفية فلا يجيزون هذه الوصية؛ لأن الإجارة عندهم تبطل بموت أحد العاقدين.\rوأجاز هذا القانون أيضاً أخذاً من مذهب المالكية الوصية بحق الخلو: وهو حق الأولوية في استئجار عقار موقوف، ومثاله أن يحتاج الوقف إلى عمارة، وليس له مال يعمر به، فيتقدم من يقوم بعمارته، مقابل أن يكون له الأولوية في استئجاره، فلو أوصى هذا الشخص بما ثبت له من هذا الحق، صحت الوصية.\r8 - الوصية بقسمة التركة :\rقد يوصي الإنسان بوصية تتضمن تقسيم التركة بين الورثة، بمقدار نصيب كل واحد منهم في التركة، ليضمن بالقسمة عدم وقوع خلاف أو نزاع بينهم، وليحقق لكل واحد نصيبه بدون استغلال أو محاباة. فهل تعدّ هذه الوصية ملزمة؟\rيرى جمهور الفقهاء: أن هذا التقسيم لا يلزم الورثة، فلهم أن يقبلوه أو يرفضوه؛ لأن القيمة المالية لأعيان التركة قد تكون متساوية، لكن المصلحة فيها متفاوتة متغايرة، فكما لا يجوز إبطال حق الوارث في قدر حقه، لا يجوز إبطاله في عين هذا الحق أيضاً.\rويرى بعض فقهاء الشافعية والحنابلة (2) ـ وإن كان الأصح في المذهب هو الرأي السابق ـ أن هذا التقسيم من المورث جائز، ويلزم به الورثة، ما دامت القسمة عادلة، فخصص لكل وارث ما يساوي قيمة نصيبه، وبقدر حصته، ولا يفتقر التقسيم إلى إجازة الورثة؛ لأن حق كل وارث إنما هو في القيمة، لا في عين معينة من أعيان التركة، بدليل أن المورث لو باع في مرض موته التركة كلها بثمن المثل، صح بيعه ونفذ.\rوأخذ القانون المصري ( م13) والسوري ( م219) بالرأي الثاني، فأجاز تقسيم التركة، وألزم الورثة بالتقسيم بوفاة الموصي. لكن القانون المصري خلافاً لجمهور الفقهاء أجاز المفاضلة بين الورثة إذا كانت الزيادة تخرج من ثلث التركة، بناء على الحكم الذي أخذ به: وهو جواز الوصية للوارث في حدود الثلث من غير حاجة لإجازة الورثة.\rونص القانونان في نفس المادة السابقة على أنه إذا زادت حصة بعض الورثة عن استحقاقه في التركة، كانت الزيادة وصية، وجرى على الزيادة حكم الوصية للوارث.\r-------------------------------\r(1) هو حق البناء على سفل مملوك للغير.\r(2) مغني المحتاج: 44/3، المغني: 7/6، وهذا هو أيضاً أحد قولين عن شيوخ الحنفية، وأفتى به بعضهم (رد المحتار على الدر المختار: 464/5).","part":10,"page":241},{"id":6429,"text":"9 - الوصية بالمرتبات :\rأجاز فقهاء المالكية والحنفية والشافعية بالمرتب من رأس مال التركة، وهي من قبيل الوصية بالأعيان: لأنها وصية بمقدار معلوم من المال يقسط سنوياً أو شهرياً أو يومياً، ولا يختلف عن الوصية بمقدار من المال إلا في التقسيط.\rوكذلك تجوز الوصية بالمرتب من غلة التركة، وهي من قبيل الوصية بالمنافع؛ لأنها وصية بجزء من غلات بعض الأعيان.\rوتقدر الوصية أولاً لتعرف نسبتها إلى التركة، فإن خرجت من الثلث نفذت، وإن زادت على الثلث توقفت على إجازة الورثة.\rويختلف تنفيذ هذه الوصية بحسب كون الوصية في مدة معينة أم مدى الحياة.\rأ ـ فإن كانت الوصية بمرتب في مدة معينة، سواء أكانت من رأس مال التركة أم من غلة التركة، فيحبس عند جمهور الحنفية والمالكية ثلث التركة، ليؤخذ منه ومن غلاته كل شهر المقدار الذي سماه الموصي، ولو كان الثلث أكثر من الوصية.\rوقال أبو يوسف: يحبس من الثلث ما يغل المرتب في المدة المعلومة، وما زاد على ذلك لا يحبس؛ لأن المطلوب ضمان تنفيذ الوصية.\rوأخذ القانون المصري ( م64) برأي قريب من رأي أبي يوسف، فنص على أنه يوقف من مال الموصي ما يضمن تنفيذ الوصية على وجه لا يضر بالورثة.\rب ـ أما إن كانت الوصية بمرتب مدى الحياة: فهي أيضاً كالوصية في مدة معينة من حيث التقدير والتنفيذ. وتقدر مدة حياة الموصى له عند مالك وأبي يوسف بالسن الغالبة لأهل زمانه، فيحبس من الثلث ما يكفي لنفقة تلك المدة.\rوجعل القانون المصري ( م 66) أمر تقدير مدة الحياة لأهل الخبرة من الأطباء.","part":10,"page":242},{"id":6430,"text":"فإذا مات الموصى له قبل انتهاء المدة التي قدرها له الأطباء، انتهت الوصية. وإذا عاش بعد انتهاء المدة المحددة، كان له عند أكثر الفقهاء الرجوع بالمرتب على الورثة.\rوقال ابن القاسم المالكي: لا يحق له أن يرجع على الورثة بشيء في المدة الزائدة. وأخذ القانون بهذا الرأي.\rجـ ـ الوصية بمرتب لجهة بر دائمة: إن كانت الوصية لجهة بر دائمة مدة معينة: فإن تقدير الوصية وتنفيذها يكون على الوجه الذي سبق في الوصية لمعين لمدة معلومة.\rوإن كانت الوصية مطلقة أو مؤبدة: فإنه يوقف من أعيان التركة ما يغل المرتب في حدود ثلث التركة، ويتوقف الزائد على إجازة الورثة. فإذا فاضت غلات العين عن المرتب المقدر كان الفائض للجهة الموصى لها، وإذا نقصت الغلة عن المرتب فليس لها الرجوع على ورثة الموصي.\rوهذا كله ما نصت عليه المادة 68 من القانون المصري.\rد ـ الوصية بمرتب للطبقات: إذا كانت الوصية بمرتب لفلان ثم من بعده لأولاده فتصح بشرطين في القانون المصري ( م70): أحدهما ـ ألا تتجاوز الوصية طبقتين، فإن زادت كانت باطلة في حق الزائد.\rالثاني ـ وجود جميع أفراد الموصى لهم عند وفاة الموصي. فإن أوصى لفلان ثم لأولاده من بعده، ولم يكن له أولاد عند وفاة الموصي، ثم ولد له، فلا يستحق الأولاد الجدد شيئاً.\rوإذا كانت الوصية بمرتب للطبقات مدى الحياة، قدرت حياة الموجودين بمعرفة الأطباء. وإن كان فيهم جنين قدرت حياته بستين سنة.\rوتقدر مدة الوصية بأطولهم عمراً، فلو قدرت حياة أحد الأولاد وقت وفاة الموصي بعشرين سنة، وحياة آخر بخمسين، اعتبرت مدة الوصية خمسين سنة. وإذا مات الأب بعد مضي (63) سنة شمسية من وقت وفاة الموصي، لم يستحق أولاده شيئاً في الوصية.","part":10,"page":243},{"id":6431,"text":"10 - حكم الزيادة في الموصى به :\rإذا طرأت زيادة في الموصى به من قبل الموصي بعد الإيصاء، فلايعد ذلك رجوعاً عن الوصية في المذهب المالكي، وأخذ القانون المصري بهذا الحكم وقررأحوال الزيادة في المواد (71-75) وأحكامها، وتابعه القانون السوري في المواد (254-256) وأبين هنا هذه الأحوال والأحكام وهي أربعة:\rالحال الأولى ـ الزيادة غير المستقلة بنفسها :\rإذا زاد الموصي في العين الموصى بها شيئاً لا يستقل بنفسه كترميم الدار وتجصيصها، فيلتحق بالموصى به، وتكون العين كلها وصية، وليس للورثة أي حق فيها؛ لأن هذه الزيادة ليست لها قيمة مالية منفصلة عن العين. ويلحق بها: الزيادة البسيطة التي يتسامح فيها عادة، كزيادة حمام أو غرفة صغيرة في البناء تكون العين مع الزيادة وصية. كما يلحق بها الزيادة المستقلة بنفسها إذا قصد الموصي إلحاقها بالوصية بقرينة من القرائن.\rالحال الثانية ـ الزيادة المستقلة بنفسها :\rإذا زاد الموصي في العين شيئاً يستقل بنفسه كغرس الأرض والبناء عليها، أو كانت الزيادة غير المستقلة مما لا يتسامح فيها عادة، أصبح الورثة شركاء مع الموصى له في كل العين الموصى بها مع زوائدها، وتكون حصة الورثة بمقدار قيمة الزيادة قائمة، أي قيمة الغراس والبناء قائماً بدون الأرض.\rالحال الثالثة ـ الزيادة بالهدم والبناء الجديد :\rإذا هدم الموصي العقار الموصى به، وأعاد بناءه مع تغيير معالمه، كأن يكون الموصى به داراً، فأعاد بناءها بنمط آخر أو بمواد أخرى، كانت الدار بحالتها الجديدة وصية بدل الأولى، لا حق للورثة في شيء منها.\rأما إن أعاد بناء الدار على نحو آخر لا يعده العرف تجديداً للأول،كأن كانت من طابق واحد، فجعلها عمارة ذات طبقات، كانت العمارة كلها شركة بين الموصى له والورثة، ويكون نصيب الموصى له فيها بقيمة أرضه، ونصيب الورثة بقيمة البناء قائماً.\rوكذلك إن ضم إلى الأرض القديمة أرضاً أخرى، كانت العمارة الجديدة شركة أيضاً، وتكون حصة الوصية هي قيمة الأرض الموصى بها؛ لأنه بإزالة البناء قد انحصرت الوصية في الأرض. وتكون حصة الورثة هي قيمة البناء قائماً وقيمة الأرض غير الموصى بها.\rالحال الرابعة ـ إدماج البناءين :\rإذا جعل الموصي البناء الموصى به مع بناء آخر وحدة سكنية واحدة، لا يمكن معها تسليم العين الموصى بها منفردة، كأن كانتا دارين أوصى بإحداهما، ثم جعلهما داراً واحدة، اشترك الموصى له مع الورثة، بقدر قيمة الدار الموصى بها قبل هذا التغيير والضم.","part":10,"page":244},{"id":6432,"text":"المطلب السادس ـ مقدار الوصية :\rعلمنا في بحث شروط الوصية أن حق الإنسان في الإيصاء مقيد بحدود ثلث التركة، بنص الحديث النبوي: «الثلث والثلث كثير» فمقدار الوصية هو الثلث:\rأ ـ فإذا كان للموصي وارث: فيرى جمهور الفقهاء غير الظاهرية والمالكية: أن الوصية لا تنفذ في الزائد عن الثلث إلا بإجازة الورثة. فإن أ جازوها نفذت، وإلا بطلت؛ لأن الله أعطى الموصي حق التصرف في الثلث فقط، حماية لحق الورثة، فإذا أسقطوا حقهم زال المانع من نفاذ الوصية، بدليل: «إنك أن تذر ورثتك أغنياء» .\rوإذا أجازها البعض دون البعض نفذت في حق المجيز، وبطلت في حق غيره. وتقسم التركة حينئذ على فرض الإجازة وعلى فرض عدم الإجازة، فمن أجاز أخذ نصيبه على التقسيم الأول،ومن لم يجز أخذ نصيبه على التقسيم الثاني.\rويرى المالكية والظاهرية: أن الوصية لاتنفذ في الزائد عن الثلث، وإن أجازها الورثة، عملاً بظاهر حديث سعد: «الثلث والثلث كثير» .\rب ـ وإذا لم يكن للموصي وارث: نفذت الوصية في رأي الحنفية بالزائد، ولو كان الموصى به جميع المال؛ لأن المنع كان لحق الورثة، وحيث لا وارث، لم يتعلق بالزائد حق لأحد، فتنفذ الوصية فيه.\rوقال الجمهور ـ كما بان سابقاً ـ لا تجوز الوصية بأكثر من الثلث مطلقاً؛ لأن الزائد حق المسلمين، ولا مجيز عنهم، فلا تنفذ الوصية.\rوأخذ القانون المصري (م2/37) والسوري ( م4/238) بالرأي الأول، فتنفذ وصية من لا دين عليه ولا وارث له بكل ماله من غير توقف على إجازة أحد.","part":10,"page":245},{"id":6433,"text":"إجازة الورثة للزائد عن الثلث :\rلا تنفذ الوصية فيما زاد عن الثلث إلا بإجازة الورثة، وأوضح هنا أموراً في الإجازة (1) .\rأولاً ـ وقت الإجازة :\rيرى أئمة المذاهب الأربعة أن الإجازة لا تكون مقبولة وملزمة إلا بعد موت الموصي، فلو حدثت الإجازة أو الرد في حياة الموصي لم يعتبر ذلك؛ لأن ملك التركة لا يثبت للورثة إلا بعد موت المورث، فتعتبر إجازتهم وردهم بعد ثبوت الملك لهم. لكن قال المالكية: إذا أجاز الوارث حال مرض الموصي مرضاً مخوفاً قائماً بالموصي، ولم يصح صحة بيّنة بعده، أي بعد المرض الذي أجاز فيه الوارث، لزمته الإجازة إلا لعذر بجهل، وهو أنه يجهل لزوم الإجازة في المرض.\rثانياً ـ من يملك الإجازة والرد :\rيشترط فيمن يجيز أو يرد شرطان سبق ذكرهما وهما:\rالأول ـ أن يكون المجيز من أهل التبرع: بأن يكون عاقلاً بالغاً رشيداً، فلا تصح إجازة الصبي والمجنون والمعتوه والمحجور عليه لسفه أوعته أوغفلة؛ لأن الإجازة إسقاط لحق، فتكون تبرعاً، فلا يملكها إلا من يملك التبرعات.\rوليس للولي أيضاً أن يجيز الوصية؛ لأن تصرفه منوط بالمصلحة، والتبرع بالمال ليس بمصلحة.\rالثاني ـ أن يكون المجيز عالماً بمايجيزه: فلا تلزم إجازة الوارث إذا لم يكن عالماً بما أوصى به الموصي، فإن علم بالوصية وأجازها نفذت.\r-------------------------------\r(1) الدر المختار: 464/5، الشرح الصغير: 586/4، 595، مغني المحتاج: 43/3-47، المغني: 5/6 وما بعدها، القوانين الفقهية: ص 406-408، كشاف القناع: 378/4.","part":10,"page":246},{"id":6434,"text":"ثالثاً ـ جهة تلقي الملك بعد الإجازة :\rللفقهاء رأيان في بيان جهة تلقي الموصى له الملك بعد إجازة الورثة:\rيرى الجمهور على الراجح عند الشافعية: أن الموصى له يتملك الزائد عن الثلث من قبل الموصي، لا من قبل المجيز، وتكون إجازة الورثة تنفيذاً أي إمضاء لتصرف الموصي بالزائد، لا عطية مبتدأة، لأن الوصية تصرف من الموصي في ملكه، وإنما توقف نفاذها لتعلق حق الورثة بتلك الزيادة، وهذا التعلق لا يمنع كون الموصي قد تصرف في ملكه.\rوقال المالكية، وفي قول ضعيف للشافعي: يتملك الموصى له الجزء الزائد عن الثلث من قبل المجيز بطريق الهبة المبتدأة، لتعلق حقه بهذه الزيادة، فتكون إجازته عطية مبتدأة، ويكون التمليك من جهته. وكذلك الوصية للوارث هي عطية مبتدأة.\rوتظهر ثمرة الخلاف: في وجوب تسليم الموصى به، فعلى الرأي الأول: يجبر الوارث على تسليم العين الموصى بها، وعلى الرأي الثاني: لا يجبر على تسليم الموصى به، لأن الإجازة هبة، والموهوب لا يملك إلا بالقبض، وقبله يكون في ملك الواهب، ولا يجبر الإنسان على تسليم ملكه.\rوقت تقدير الثلث :\rاختلف الفقهاء على رأيين في وقت تقدير ثلث التركة، أهو عند الوفاة أم عند القسمة؟\rمذهب الجمهور (الحنفية والمالكية والحنابلة): يكون تقدير الثلث يوم قسمة التركة وفرز الأنصباء؛ لأنه وقت استقرار الملك وتنفيذ الوصية وإعطاء كل ذي حق حقه. ويترتب عليه أن ما يحدث قبل القسمة من نقص في قيمة التركة أو هلاك في الأعيان يكون من حصص الجميع.\rومذهب الشافعية: يكون تقدير الثلث وقت الوفاة؛ لأنه وقت ثبوت الملك للموصى له. فكل زيادة في الموصى به المعين بعد الوفاة من ولد وثمرة وأجرة تكون ملكاً خالصاً للموصى له، ولا تحتسب من الثلث؛ لأنها نماء ملكه.\rوالمفهوم من القانون المصري ( م25) هو الأخذ بالرأي الثاني؛ لأن المادة نصت صراحة على فحوى مذهب الشافعيةوهو أن الملك يثبت للموصى له بالقبول من حين الموت، وأن زوائد الموصى به تكون ملكاً للموصى له، ولا تدخل في تقدير الثلث؛ لأنها نماء ملكه.","part":10,"page":247},{"id":6435,"text":"المطلب السابع ـ الوصية للوارث :\rبحثت هذا الموضوع في شرط نفاذ الوصية المتعلق بالموصى له، وبينت رأي الأكثرين بعدم صحة ونفاذ الوصية للوارث إلا بإجازة الورثة. وأما قانون الوصية المصري في المادة (37) فأجاز الوصية لوارث من غير توقف على إجازة الورثة أخذاً برأي الشيعة الإمامية. ونص المادة هو:\r«تصح الوصية بالثلث للوارث وغيره، وتنفذ من غير إجازة الورثة، وتصح بما زاد على الثلث، ولا تنفذ في الزيادة إلا إذا أجازها الورثة بعد وفاة الموصي، وكانوا من أهل التبرع، عالمين بما يجيزونه.\rوتنفذ وصية من لا دين عليه ولا وارث له بكل ماله، أو بعضه، من غير توقف على إجازة الخزانة العامة» .\rجاء في المذكرة التفسيرية: صحة الوصية للوارث بما لا يزيد على الثلث مذهب جمهور الفقهاء (1) ، ونفاذها يؤخذ من الآية الكريمة: {كتب عليكم إذا حضر} [البقرة:180/2] وهو رأي فريق من المفسرين ومنهم أبو مسلم الأصفهاني.\rالمطلب الثامن ـ الوصية بمثل نصيب وارث :\rهذا نوع من الوصية بالمجهول، والفقهاء اتفقوا (2) على أن الوصية تصح بمثل نصيب وارث، من غير تعيين، أو بمثل نصيب وارث معين، كالوصية بمثل نصيب ابنه أو بنته أو أخته. أو بمثل نصيب وارث معدوم، كالوصية لفلان بمثل نصيب ابن لو كان؛ لأن ذلك وصية بمثل نصيب المذكور، ومثل الشيء غيره.\rفإن كان الورثة يتساوون في الميراث كالبنين، فله مثل نصيب أحدهم، ويجعل كواحد منهم، زاد عليهم.\rوإن كانوا يتفاضلون فله عند الجمهور (غير المالكية) مثل نصيب أقلهم ميراثاً؛ لأنه نصيب أحدهم، فهو اليقين، وما زاد فمشكوك فيه.\r-------------------------------\r(1) الواقع أنه رأي بعض العلماء، وليس هو رأي الجمهور.\r(2) الكتاب مع اللباب: 175/4، تكملة الفتح: 443/8، الشرح الصغير: 597/4-599، القوانين الفقهية: ص 406، المهذب: 457/1، المغني: 32/6-36، غاية المنتهى: 370/2 وما بعدها.","part":10,"page":248},{"id":6436,"text":"وقال المالكية وابن أبي ليلى وزفر وداود الظاهري: يعطى مثل نصيب أحدهم إذا كانوا يتساوون: من أصل المال، ويقسم الباقي بين الورثة؛ لأن نصيب الوارث قبل الوصية من أصل المال، فلو أوصى بمثل نصيب ابنه، وله ابن واحد، فالوصية بجميع المال إن أجاز الابن الوصية، وإلا فللموصى له ثلث التركة فقط، وإن كان له ابنان فالوصية بالنصف، وإن كانوا ثلاثة فالوصية بالثلث.\rواختلف الفقهاء في الوصية بنصيب وارث معين عند الوفاة: كأن يوصي بنصيب ابن أو بنت عند موته.\rالذي رآه أئمة الحنفية الثلاثة، والشافعية في الراجح: أن الوصية باطلة؛ لأنها وصية بمال الغير، لأن نصيب الابن ما يصيبه بعد الموت، بخلاف الوصية بمثل نصيب ابنه؛ لأن مثل الشيء غيره.\rورأى زفر والمالكية والحنابلة: أن الوصية صحيحة، ويكون ذلك كالوصية بمثل نصيبه؛ لأن الغرض من ذكر نصيب الابن هو التقدير به، وليس الغرض منه الوصية بما سيكون للابن بعد الموت، حتى يكون موصياً بمال الغير، وهذا سائغ لغة وعرفاً، وأخذ به القانون المصري ( م40).\rمقدار ما يستحقه الموصى له في هذه الوصايا :\rالطريق الموصل إلى معرفة المقدار الموصى به يختلف بحسب كل حالة.\rالحالة الأولى ـ أن تكون الوصية بمثل نصيب وارث معين موجود عند وفاة الموصي :\rتقسم التركة بين الورثة، ثم يزاد على أصل المسألة نصيب الموصى له. فلو أوصى إنسان بمثل نصيب ابن ومات عن ثلاثة أبناء، فيكون أصل الفريضة من ثلاثة أسهم، لكل ابن سهم، ثم يزاد على أصل الفريضة سهم رابع هو سهم الموصى له، فتصبح المسألة من أربعة. ولا حاجة إلى إجازة الورثة؛ لأن نصيب الموصى له أقل من الثلث.","part":10,"page":249},{"id":6437,"text":"ولو أوصى إنسان آخر بمثل نصيب ابنه، ومات عن ابن وبنت، كانت الفريضة من ثلاثة أسهم، للابن سهمان، وللبنت سهم واحد، ثم يزاد على أصل الفريضة للموصى له سهمان مثل نصيب الابن، فتصير خمسة أسهم، للموصى له منها سهمان. وبما أن نصيبه أكثر من الثلث، فيتوقف نفاذ الوصية في الجزء الزائد على الإجازة.\rالحالة الثانية ـ أن تكون الوصية بمثل نصيب وارث غير معين :\rإما أن يكون الورثة متساوين في السهام أو متفاوتين فيها، ففي حال التساوي: يزاد على أصل الفريضة مثل سهام أحدهم.\rوفي حال التفاوت: يزاد عند الجمهور (غير المالكية) كما تقدم مثل سهام أقلهم نصيباً.\rمثال الحال الأولى: أن يترك الموصي بنتين وأختاً شقيقة، فتكون المسألة من ثلاثة، للأخت سهم، ولكل من البنتين سهم، ثم يزاد سهم رابع، فيصبح مجموع السهام أربعة.\rومثال الحال الثانية: أن يترك الموصي بنتين وأختاً شقيقة وزوجة، فيكون أصل المسألة من (24)، للبنتين الثلثان (16) سهماً، وللزوجة الثمن (3) أسهم، وللأخت الباقي (5) أسهم، ثم يزاد على أصل الفريضة مثل نصيب أقلهم سهاماً للموصى له، وهو (3 ) أسهم نصيب الزوجة، فتصير السهام (27).\rالحالة الثالثة ـ أن تكون الوصية بمثل نصيب وارث معدوم :\rمثل: أوصيت لفلان بنصيب ابن لو كان أو بمثل نصيب ابن لو كان. إذ لا فرق عند غير الحنفية والشافعية كما تقدم.\rفتقسم التركة على الموجودين من الورثة بالفعل، ثم يزاد عليها مثل نصيب الابن المعدوم، فيكون للموصى له إن كان في حدود الثلث، أو أجيز الزائد من قبل الورثة، كما ذكر في الحالة الأولى.","part":10,"page":250},{"id":6438,"text":"الحالة الرابعة ـ أن تكون الوصية بمثل نصيب أحد الورثة ولآخر بسهم معلوم شائع :\rكالوصية بمثل نصيب ابنه لشخص، وبربع التركة لشخص آخر.\rالطريق لاستخراج الوصيتين في الصحيح عند الحنفية والحنابلة: أن تقدر الوصية بمثل نصيب الوارث بما تساويه من سهام التركة، كأنه لا وصية غيرها، ثم يقسم ثلث التركة بين الوصيتين، بالمحاصة إن لم يسعهما ولم يجز الورثة.\rفلو أوصى رجل بمثل نصيب ابنه لشخص، وبربع ماله لشخص آخر، ومات وترك ابنين، كانت الفريضة من اثنين، يزاد عليهما سهم للموصى له بمثل النصيب، فيكون له الثلث، ويكون هنا وصيتان: إحداهما بثلث المال، والآخر بربعه، فاحتجنا إلى حساب له ثلث وربع، وأقل ذلك اثنا عشر، ثلثه للموصى له بمثل النصيب وهو أربعة أسهم، وربعه للموصى له بالربع وهو ثلاثة، والباقي للابنين بالتساوي.\rولما كان مجموع الوصيتين هنا أكثر من ثلث التركة، توقف نفاذها على إجازة الورثة، فإن لم يجيزوا، قسم الثلث بين الموصى لهما أسباعاً، أربعة سهام لصاحب الثلث وثلاثة لصاحب الربع.\rوأخذ القانون المصري (م40-42) بهذه الأحكام.\rالمطلب التاسع ـ الوصية بالأجزاء :\rبينت في بحث الوصية بالمجهول: أن من أوصي له بجزء أو حظ أو نصيب أو قسط أو شيء، فلورثة الموصي عند الجمهور أن يعطوه ما شاؤوا من متمول.\rويعطى عند المالكية سهماً واحداً من سهام التركة، ثم يقسم الباقي على الورثة.\rالمطلب العاشر ـ تنفيذ الوصية :\rإذا كانت موجودات التركة كلها مالاً حاضراً، لا غائب منها ولا دين لها على أحد، تنفذ الوصية من جميع المال، سواء أكان الموصى به نقوداً مرسلة، أي مبلغاً غير معين كألف دينار مثلاً، أم شيئاً معيناً كدار معينة، أم سهماً شائعاً كربع التركة أو ثلثها، فتقدر التركة جميعها، ويأخذ الموصى له سهمه من كل المال.\rأما إذا كان بعض مال التركة حاضراً، وبعضها ديوناً، أو مالاً غائباً، فإن تنفيذ الوصية يختلف بحسب الأحوال، إذ قد يكون في التركة دين على أجنبي، أو دين على وارث (1) .\r-------------------------------\r(1) الوصية لعيسوي: ص 109-116، الوصية للسباعي: ص 120-122.","part":10,"page":251},{"id":6439,"text":"أولاً ـ أن يكون في التركة دين على أجنبي، أو مال غائب :\rلها أربعة أحوال:\rالحال الأولى ـ أن يكون الموصى به مالاً مرسلاً كألف دينار مثلاً: فإن كان الموصى به يخرج من ثلث المال الحاضر من التركة، أخذه الموصى له، إذ لا ضرر في أخذه على الورثة، حيث يبقى لهم ثلثا المال الحاضر.\rوإن كان لا يخرج من الثلث، استوفى الموصى له منه بقدر ثلث الموجود، وكان الباقي للورثة، وكلما حضر شيء، استوفى الموصى له ثلثه حتى يكمل حقه. وهذا رأي الحنفية.\rالحال الثانية ـ أن يكون الموصى به عيناً معينة كدار معينة أو نقود معينة كهذه النقود أو النقود الوديعة عند فلان.\rالحكم في هذه الحال كالحكم في المسألة السابقة، وهو رأي المالكية؛ لأن بقاء العين موقوفة يؤخر القسمة، وقد يضر التأخر بالورثة، وفي تملكهم الباقي من العين نفي الضرر عنهم، ولا ضرر فيه على الموصى له لأنه يستعيض عن باقي حصته بقيمته. فإذا كانت الدار تساوي ألفاً، والموجود من التركة الحاضرة ألف وخمس مئة، وهناك ألف وخمس مئة غائبة، استحق الموصى له نصف الدار وهو ما يساوي ثلث الحاضر، ويكون النصف الباقي للورثة، وكلما حضر شيء من المال الغائب أخذ الموصى له ثلثه حتى يستوفي قيمة النصف الذي استولى عليه الورثة.\rأخذ القانون المصري ( م43) والسوري (م241) بالمقرر في هاتين الحالتين، الأولى من مذهب الحنفية، والثانية من مذهب المالكية لأنه أيسر وأسهل.","part":10,"page":252},{"id":6440,"text":"ويرى الحنفية في الحال الثانية: أن الموصى له يأخذ من العين المعينة بمقدار ثلث المال الحاضر، ويكون الباقي من تلك العين موقوفاً، فإذا حضر شيء من المال الغائب، أخذ الموصى له من باقي العين ما يساوي ثلث الذي حضر،حتى يستوفي العين كلها، فإن هلك المال الغائب كان باقي العين ملكاً للورثة؛ لأن الوصية تعلقت بهذه العين، فتنفذ فيها الوصية ما دام التنفيذ ممكناً، تنفيذاً لإرادة الموصي، ويظل باقي العين موقوفاً إلى أن يتبين أمر المال الغائب، فإذا حضر نفذت الوصية في العين كلها، وإن لم يحضر كان الباقي للورثة.\rوعليه يكون النصف الباقي في المثال السابق موقوفاً، فإذا حضر شيء من المال الغائب، أخذ الموصي من باقي الدار مايساوي ثلث المال الذي حضر.\rالحال الثالثة ـ أن تكون الوصية بسهم شائع في التركة كالربع أو الثلث:\rففي هذه الحال يكون الموصى له شريكاً للورثة في جميع المال حاضره وغائبه، دينه وعينه، فيستوفي سهمه من المال الحاضر، أي ربعه مثلاً، وكلما حضر شيء من المال الغائب، استوفى سهمه منه، وهو الربع في هذا المثال.\rوهذا متفق عليه فقهاً، وقد أخذ به القانون المصري (م 44) والسوري (م242).\rالحال الرابعة: أن تكون الوصية بسهم شائع في نوع من المال كربع منازله في الجهة الفلانية، أو ربع أمواله التجارية أو ديونه على التجار.\rأ ـ فإن كان النوع الموصى بسهم فيه حاضراً: أخذ الموصى له سهمه منه إن خرج من الثلث، فإن لم يخرج أخذ منه بمقدار الثلث، وكان الباقي للورثة. وكلما حضر شيء من الدين أو المال الغائب أخذ الموصى له من ذلك النوع ما يساوي ثلث الذي حضر، إلى أن يستوفي سهمه منه.","part":10,"page":253},{"id":6441,"text":"فإن تصرف الورثة في الجزء الباقي من النوع الموصى بسهم فيه، أو أحدثوا فيه تحسيناً، وكان في رده للموصى له ضرر بهم، كان لهم الحق في إعطاء الموصى له قيمة الباقي من الوصية. ب ـ وإن كان النوع الموصى بسهم فيه غائباً، أو بعضه حاضراً والآخر غائباً: فقال الحنابلة وزفر: يأخذ الموصى له في هذه الحال نسبة سهمه في الجزء الحاضر من ذلك النوع فقط، وكلما حضر شيء من المال الغائب، أخذ بنسبة سهمه منه، ويكون الباقي للورثة.\rوقال الحنفية ما عدا زفر: يأخذ الموصى له كل ما يحضر من المال الغائب أو الدين، إلى أن يستوفي حقه كله، ولا يشاركه أحد من الورثة في شيء منه ما دام يخرج من ثلث الحاضر من التركة.\rأخذ القانون المصري ( م45) بالرأي الأول.\rثانياً ـ أن يكون في التركة دين على وارث: لها أحوال ثلاث :\rالحال الأولى ـ أن يكون الدين مؤجلاً:\rحكمه حكم الدين الذي على الأجنبي في جميع الأحوال السابقة، فلا يأخذ الموصى له إلا حصته في المال الحاضر وفي حدود الثلث، فإذا حل أجل الدين كمل له مقدار الوصية.\rالحال الثانية ـ أن يكون الدين قد حل أداؤه عند الوفاة أو عند القسمة، وكان أقل من نصيب الوارث المدين في التركة أو مساوياً.\rفتقع المقاصة بين الدين وسهام المدين إن كان الدين من جنس الحاضر من التركة، ويعتبر الدين بهذه المقاصة مالاً حاضراً.\rفلو أوصى بألف وترك ولدين أحدهما مدين بألف، وترك ثلاثة آلاف، تقسم التركة ثلاثة أسهم، لكل من الولدين سهم، وللموصى له سهم، ويعتبر الدين حاضراً، فيأخذ الموصى له ألفاً، ويأخذ الولد غير المدين ألفاً، ولا يأخذ الولد المدين شيئاً، إذ تقع المقاصة بين نصيبه من التركة وبين ما عليه من الدين، وسقط سهمه من التركة.","part":10,"page":254},{"id":6442,"text":"وإذا كان الدين من غير جنس الحاضر من التركة، لا تقع المقاصة، ولكن يعتبر نصيب الوارث المدين من التركة محجوزاً كالرهن لاستيفاء الدين، فإذا أدى ما عليه تسلم نصيبه، وإن لم يؤده باع القاضي نصيبه، ووفى الدين المستحق للتركة من ثمنه.\rالحال الثالثة ـ أن يكون الدين مستحق الأداء، أي قد حل وقت أدائه عند قسمة التركة، ونصيب الوارث لا يفي به:\rفي هذه الحال يكون الزائد عن النصيب كالدين على أجنبي، أي يعد مالاً غائباً، والذي يقابل مقدار نصيبه يعد مالاً حاضراً، فيأخذ الموصى له من الوصية بمقدار ثلث الحاضر كله. ثم يأخذ ثلث ما يستوفى من القدر الزائد من الدين، حتى يستوفي وصيته.\rهذه الأحكام مأخوذة من مذهب الحنفية، وأخذ بها القانون المصري (م46) والسوري ( م 2/242-3) وأضاف كل منهما أن أنواع النقد وأوراقه تعتبر جنساً واحداً في المقاصة.","part":10,"page":255},{"id":6443,"text":"المبحث الرابع ـ مبطلات الوصية :\rتبطل الوصية بأسباب: إما من الموصي كرجوعه عن الوصية أو زوال أهليته، أو ردته، وإما من الموصى له وهو رد الوصية أو موته، أو قتل الموصي، وإما من الموصى به وهو هلاك العين الموصى بها أو استحقاقها. وهذه الأسباب مايلي (1) :\r1 ً - زوال أهلية الموصي بالجنون المطبق ونحوه :\rتبطل الوصية عند الحنفية بالجنون المطبق ونحوه كالعته، سواء اتصل بالموت أو لم يتصل بأن أفاق قبل الموت؛ لأن الوصية عقد غير لازم كالوكالة، فيكون لبقائه حكم ابتدائه، ولما كان المجنون غير أهل لإنشاء الوصية في الابتداء؛ لأن قوله غير ملزم، كان طروء الجنون المطبق مبطلاً له.\rوالجنون المطبق: ما دام شهراً فأكثر، وهو رأي أبي يوسف الذي أخذ به القانون. وعند محمد: هو ما امتد سنة. والعته مثل الجنون. فإن لم يطبق الجنون لا تبطل الوصية؛ لأنه في هذه الحالة يشبه الإغماء، وغير مبطل للعقد؛ لأنه غير مزيل للعقل، كما لا تبطل بالحجر على الموصي للسفه أو الغفلة.\rأخذ القانون المصري (م 14، 16) والسوري (م 220/أ) بتلك الأحكام، لكنه اعتبر الجنون المطبق مبطلاً إذا اتصل بالموت.\rأما الجمهور غير الحنفية: فلم يبطلوا الوصية بالجنون، سواء أكان مطبقاً أم لا، وسواء اتصل بالموت أو لم يتصل، متى كان كامل الأهلية (بالغاً عاقلاً) وقت إنشائها؛ لأن العقود والتصرفات تعتمد في صحتها على تحقق الأهلية وقت إنشائها فقط، ولا يؤثر زوالها بعدئذ في صحة العقد أو التصرف، بدليل أن البيع والإجارة والوقف وغيرها لا تبطل بالجنون الطارئ. وهذا هو الراجح لدي؛ لأن كمال الأهلية يطلب عند الانعقاد. أما احتمال رجوع الموصي عن الوصية لولا جنونه فهو احتمال ضعيف.\r\r2 ً - ردة الموصي: عند الحنفية والشافعية، وكذا ردة الموصى له عند المالكية إذا مات مرتداً ولم يرجع إلى الإسلام؛ لأن ملكه موقوف على الأصح، ولم يتعرض القانون للردة، لقلة وقوعها، وعملاً بمذهب الحنابلة القائلين بصحة وصية المرتد.\r3 ً - تعليق الوصية على شرط لم يحصل: كأن قال: إن مت من مرضي هذا، أو من سفري هذا، فلفلان كذا، فلم يمت، فتبطل الوصية؛ لأنه علقها على الموت في المرض والسفر، ولم يحصل. وقد صرح المالكية والحنفية والحنابلة به.\r4 ً - الرجوع عن الوصية: تبطل به بالاتفاق؛ لأنها عقد غير لازم، فيجوز للموصي الرجوع فيها متى شاء؛ لأن الذي وجد منه الإيجاب فقط، ولأنها عقد لا يثبت حكمه إلا بعد موت الموصي، فلا يترتب على الإيجاب أي حق للموصى له قبل ذلك، فيكون بالخيار بين الإمضاء والرجوع.\rوالرجوع إما أن يكون صريحاً أو دلالة:\r-------------------------------\r(1) البدائع: 394/7، الدر المختار: 469/5-471، الشرح الصغير: 584/4-587، الشرح الكبير: 426/4-428، مغني المحتاج: 39/3، 71 ومابعدها، المهذب: 461/1 ومابعدها، غاية المنتهى: 353/2 ومابعدها، كشاف القناع: 418/4.","part":10,"page":256},{"id":6444,"text":"الرجوع الصريح: ما كان بلفظ هو نص في الرجوع، مثل قول الموصي: رجعت عن وصيتي لفلان، أو تركتها، أو أبطلتها، أو نقضتها، أو ما أوصيت به لفلان هو لورثتي، ونحوه. وهذا متفق عليه فقهاً وقانوناً؛ لأنه صريح في عدول الموصي عن وصيته، وهو يملك العدول متى شاء.\rولا يعد رجوعاً: (ندمت على الوصية التي أوصيت بها لفلان) أو (تعجلت) أو (أخرت الوصية) لأن التأخير لا يستلزم السقوط كتأخير الدين عن المدين، وكذلك (كل وصية أوصيت بها لفلان فهي حرام) لا يدل على الرجوع، أو تغيير الموصى له من زيد لخالد مثلاً، بل يكون الموصى به مشتركاً. ولا يكون جحود الوصية رجوعاً في رأي محمد، وهو ما أخذ به القانون، ويعد رجوعاً عند أبي يوسف والمالكية، كما أبنت في بحث صفة الوصية.\rوالرجوع دلالة: كل تصرف أو فعل في الموصى به يفيد رجوعه عن الوصية. وهو يشمل ما يأتي:\rأولاً ـ كل تصرف قولي يخرج العين عن ملك الوصي: كأن يبيع الشيء الموصى به، أويهبه، أويتصدق به أو يجعله مهراً أو وقفاً. وهذا متفق عليه فقهاً وقانوناً.\rلكن هل تعود الوصية بعودة الملك إلى الموصي؟ رأيان:\rمذهب الجمهور: متى بطلت الوصية لخروج الموصى به عن ملك الموصي، فلا تعود بعدئذ بعودة الملك؛ لأن الإقدام على التصرف قرينة قاطعة في ذاته على الرجوع.\rومذهب المالكية: إذا عاد الموصى به إلى ملك الموصي، عادت الوصية من غير حاجة إلى إيصاء جديد. والظاهر رجحان الرأي الأول، الذي أخذ به القانون، لفوات المحل المعقود عليه، بزوال ملكيته عنه.\rثانياً ـ كل فعل في العين الموصى بها يدل على الرجوع عن الوصية، وهوأنواع ثلاثة: نوع يدل على الرجوع بالاتفاق: وهو استهلاك العين الموصى بها في المعنى، كذبح الشاة الموصى بها، وغزل القطن الموصى به، ونسج الغزل، ونحوه مما يغير حقيقة الشيء، ويصبح شيئاً آخر غير الموصى به، ويلحق به ما لو تغير الشيء بنفسه تغيراً أزال اسمه كصيرورة العنب زبيباً والبيض فراخاً ونحوه.","part":10,"page":257},{"id":6445,"text":"وكذلك لو تغير الشيء بفعل الموصي تغيراً أزال اسمه كنسج الغزل وصوغ المعدن وطحن الحنطة وتفصيل البفتة (1) وتذرية الحب يعد رجوعاً حتى عند المالكية.\rونوع لا يدل على الرجوع بالاتفاق؛ وهو كل فعل تابع للعين أو في صفة من صفاتها بحيث لا يحدث تغييراً في حقيقة العين ولا يزيل اسماً عنها، مثل جزّ الصوف، وحلب اللبن، وسقي الزرع أو الشجر، وتشذيب الأشجار، وتجصيص الدار وزخرفتها وترميمها؛ لأن هذه الأفعال تعلقت بأمر خارج عن عين الموصى به، فلا تدل على الرجوع. فهذه الأفعال والتصرف في الموصى به بحيث لا يخرجه عن ملك الموصي كالإجارة والإعارة لا تعد رجوعاً.\rونوع مختلف فيه بين الفقهاء: وهو إحداث زيادة في الموصى به لا يمكن تسليم العين بدونها، كصبغ الثوب، وبناء الأرض وزرعها شجراً، ولتّ الطحين بالسمن.\rوخلط الموصى به بما لا يمكن تمييزه إلا بمشقة، كخلط الدقيق بالسكر، وخلط القمح الموصى به بقمح آخر أو بشعير.\rعند الجمهور: يعتبر المذكور من قبيل الرجوع دلالة. وعند المالكية: لا يعتبر ما ذكر رجوعاً إلا بقرينة أخرى تدل على إرادة الرجوع.\rوالقانون أخذ بمذهب المالكية فيما يعتبر من الأفعال رجوعاً وما لا يعتبر، على النحو الذي أبنته في صفة الوصية. ولقد حققت مذهب المالكية في أن تغيير اسم الشيء كتذرية الحب ونسج الغزل وصوغ المعدن وتفصيل البفتة (2) وحشو القطن الموصى به إذا كان لا يخرج منه بعد الحشو يعد رجوعاً. لكن القانون لم يعتبر رجوعاً الفعل الذي يزيل اسم الموصى به أو يغير معظم صفاته إلا إذا دلت قرينة أو عرف على أن الموصي يقصد به الرجوع عن الوصية.\r-------------------------------\r(1) أما لو قال: أوصيت بالثوب ثم فصله، فلا تبطل الوصية به، لعدم زوال اسم الثوب بالتفصيل.\r(2) أما لو قال: أوصيت بالثوب أو بالقميص ثم فصله فلا تبطل به الوصية، لعدم زوال اسم الثوب بالتفصيل. فالمهم عند المالكية زوال الاسم وعدم زواله (حاشية الدسوقي: 428/4).","part":10,"page":258},{"id":6446,"text":"5 - رد الوصية: تبطل الوصية إذا ردها الموصى له بعد وفاة الموصي، كما أوضحت في بحث صيغة العقد.\r6 - موت الموصى له المعين قبل موت الموصي: تبطل به الوصية باتفاق المذاهب الأربعة؛ لأن الوصية عطية، وقد صادفت المعطى ميتاً، فلا تصح كالهبة للميت، ولأن الوصية لا تلزم إلا بوفاة الموصي وقبول الموصى له.\rوكذلك تبطل الوصية عند الجمهور غير الحنفية إذا مات الموصى له بعد موت الموصي قبل القبول. وعند الحنفية: لا تبطل لأن القبول معناه عندهم عدم الرد. وتبطل الوصية عند الجمهور بموت الموصى له، سواء علم الموصي بموته أم لم يعلم. وللمالكية تفصيل سبق ذكره.\r7 - قتل الموصى له الموصي: تبطل الوصية عند الحنفية والحنابلة للقاتل، سواء أكان القتل قبل وصية أم بعدها، حتى لو أجاز الورثة الوصية، وأجازها الموصي بعد القتل وقبل الموت. وقد فصلت الكلام فيه وبينت رأي الفقهاء الآخرين في بحث شروط الموصى له.","part":10,"page":259},{"id":6447,"text":"8 - هلاك الموصى به المعين أو استحقاقه: تبطل الوصية إذا كان الموصى به معيناً بالذات، وهلك قبل قبول الموصى له؛ لفوات محل حكم الوصية، ويستحيل ثبوت حكم التصرف أو بقاؤه بدون وجود محله أو بقائه، كما لو أوصى بهذه الشاة، فهلكت، تبطل الوصية؛ لأن الوصية تعلقت بعين قائمة وقت الإيصاء، وقد فاتت بعدئذ، ففات محل الوصية. وكذلك تبطل الوصية إذا كانت بجزء شائع في شيء معين بذاته أو من نوع معين من أمواله، كأن يوصي بنصف هذه الدار، أو يوصي بفرس من أفراسه العشرة المعلومة، فهلكت، أو بنصف دوره، فهدمت، فلا شيء للموصى له، لفوات محل الوصية.\rوتبطل الوصية أيضاً باستحقاق العين الموصى بها، سواء أكان الاستحقاق قبل موت الموصي أم بعده؛ لأن بالاستحقاق تبين أن الوصية كانت في غير ملكه، فتبطل.\rوأخذ القانون المصري (م15) والسوري (م 244، 245) بهذه الأحكام، فقررا بطلان الوصية بهلاك الموصى به المعين أو باستحقاقه.\r9 - تبطل الوصية لوارث عند المالكية ولو أجازها الورثة، لحديث «لا وصية لوارث» .","part":10,"page":260},{"id":6448,"text":"المبحث الخامس ـ تزاحم الوصايا :\rتزاحم الوصايا: أن تتعدد، ويضيق الثلث عنها ولم يجز الورثة، أو يجيزوا ولا تتسع التركة لتنفيذ كل الوصايا.\rولا يخلو حال تعدد الوصايا من أحد أمور ثلاثة:\r1 - إما أن تكون كلها للعباد، كخالد وبكر وعمرو.\r2 - وإما أن تكون كلها لله تعالى كالإيصاء بفدية صيام وصدقة تطوع وعمارة مسجد ونحوها.\r3 - وإما أن تكون مشتركة من النوعين السابقين، بأن يكون بعضها لله ، والبعض الآخر للعباد. فكيف تنفذ الوصايا؟ للفقهاء آراء (1) :\rفصل الحنفية في هذا الموضوع: فأبانوا قواعد حل التزاحم بين الوصايا.\r1 - قاعدة التزاحم في الوصايا بين العباد :\rإذا أوصى شخص بعدة وصايا لأشخاص معينين، وزادت الوصايا في مجموعها عن الثلث، ولم تجز الورثة الزائد، أو أجازوا ولم تتسع التركة لتنفيذ الوصايا، فيكون لها حالتان:\rالأولى ـ أن تكون كل وصية من الوصايا لا تتجاوز الثلث: كسدس المال لشخص، والربع لآخر، والثلث لثالث. يضرب كل سهم في الثلث، أي يأخذ كل واحد من الوصية بنسبة وصيته من الثلث، ويقسم ثلث التركة على تسعة، فيعطى الأول اثنين من السهام، والثاني ثلاثة، والثالث أربعة. وهذا متفق عليه بين أبي حنيفة وصاحبيه، وبه أخذ القانون.\rالثانية: أن تكون إحدى الوصايا زائدة على الثلث: كثلث لواحد ونصف لآخر:\rقال أبو حنيفة: يقسم الثلث بينهما مناصفة؛ لأن الوصية إذا زادت عن الثلث ولم تجز الورثة، تكون باطلة في القدر الزائد، فيكون هناك وصيتان كلتاهما بالثلث تتزاحمان فيه، فيكون ثلث التركة بين الموصى لهما نصفين. وهذا هو المفتى به عند الحنفية.\rوقال الصاحبان وبقية الأئمة وبه أخذ القانون المصري (م80) والسوري (م258): يقسم الثلث بينهما بنسبة أنصبائهم في الوصية، كالحالة الأولى، ولا يلغى الزائد على الثلث ـ كما قال أبو حنيفة ـ لأنه يلزم مراعاة رغبة الموصي بقدر الإمكان، في تفضيل بعض الموصى لهم على بعض.\rواستثنى أبو حنيفة ثلاث حالات: هي المحاباة، والدراهم المرسلة، والسعاية، وافق فيها الصاحبين\r-------------------------------\r(1) الدر المختار ورد المحتار: 468/5، تكملة الفتح: 467/8-469، الكتاب مع اللباب: 177/4، بداية المجتهد: 332/2، المهذب: 454/1، حاشية الباجوري: 86/2-88، المغني: 50/6.","part":10,"page":261},{"id":6449,"text":"في القسمة بحسب السهام، وليس مناصفة (1) ، أوضح هنا الحالتين الأوليين، أما الثالثة فلا حاجة لبيانها بالعبيد، فهي غير واقعية الآن.\rأما المحاباة: فهي محاباة بعض الناس في ثمن البيع، كأن يوصي شخص بأن تباع سيارته التي تساوي قيمتها ثلاثة آلاف بألف والسيارة التي تعادل قيمتها ستة آلاف بألفين، علماً بأنه لا مال له سواهما، فهو يريد الوصية بفرق السعرين، فيقسم الثلث وهو الثلاثة الآلاف بينهما أثلاثاً، ثلثه للأول، وثلثاه للثاني.\rوأما الدراهم المرسلة (2) : فهي أن يوصي لشخص بأربع مئة دينار، ولآخر بثمان مئة، وتركته كلها ألف ومائتا دينار، ولم تجز الورثة، فكأنه أوصى لواحد بالثلث، ولآخر بالثلثين. فيقسم الثلث بينهما أثلاثاً، للأول ثلثه، وللآخر ثلثاه.\rوسبب الاستثناء في رأي أبي حنيفة: أن الموصي لم يصرح في وصيته بما يبطلها وهو الزيادة على الثلث، وإنما جاء البطلان من الواقع بطريق المزاحمة وضيق التركة وعدم وفاء ثلثها بالوصيتين، ومن الممكن أن يظهر له مال فوق هذا المقدار، فلا تبطل الوصية.\r2 - التزاحم بين الوصايا في حقوق الله تعالى :\rإذا أوصى بوصايا تزيد عن الثلث، وكلها من حقوق الله تعالى، فإما أن تكون متحدة الرتبة، أو متفاوتة الرتبة، أو مختلطة.\rفإذا كانت متحدة الرتبة بأن كانت كلها فرائض كالحج والزكاة أو كلها واجبات أو كلها مندوبات: يقدم فيها في رأي أبي حنيفة وصاحبيه ما بدأ به الميت أولاً، فإذا أوصى بحج وزكاة، قدم الحج. وإذا أوصى بكفارة يمين وكفارة ظهار، قدمت الوصية الأولى، فإن فضل شيء من الثلث فللثانية.\rوإذا كانت متفاوتة الرتبة: كأن كان بعض الوصايا بالفرائض، وبعضها بالواجبات كصدقة الفطر عند الحنفية. وبعضها بالمندوبات كحج التطوع، قدم الفرض ثم الواجب ثم المندوب.\r3 - التزاحم بين وصايا حق الله وحق العباد :\rيحدث ذلك كما إذا أوصى للحج والزكاة والكفارة من الناس، فإنه يقسم الثلث بينهما أرباعاً، ويعطى لكل جهة الربع، فيكون للحج ربع الثلث، وللزكاة ربع الثلث، وللكفارة ربع الثلث، ولخالد ربع الثلث.\rوعند استواء القربات في القوة يقدم منها ما بدأ به الموصي، أو الأقوى عبادة أو تقسم على الجميع بالتساوي، على حسب ما ذكرته من الآراء.\r-------------------------------\r(1) الهداية مع تكملة الفتح وحاشية العناية: 442/8.\r(2) المرسلة: أي المطلقة غير المقيدة بثلث أو ربع أونحوهما.","part":10,"page":262},{"id":6450,"text":"نص القانون المصري (م80) والسوري (م 258، 259) على الأحكام السابقة في تزاحم الوصايا عدولاً عن رأي أبي حنيفة إلى رأي الصاحبين.\rأما المذاهب الأخرى: فمتفقة مع رأي الصاحبين: فإذا كانت الوصايا التي يضيق عنها الثلث مستوية تتحاص في الثلث، أي يقسَّط الثلث على الجميع بنسبة كل منها. فمن أوصى لاثنين: لأحدهما بنصف ماله، وللآخر بثلث ماله، ورد الورثة الزائد،فإنهما يقتسمان الثلث بينهما أخماساً.\rوإذا أجاز الورثة الوصية، كأن أوصى بنصف ماله لشخص، ولآخر بجميع ماله، قسم المال بينهما أثلاثاً: يأخذ الموصى له بالنصف ثلثه، والباقي يأخذه الموصى له بالكل.\rوإذا كان بعض الوصايا أهم من بعض، قدم الأهم على الأضعف.\rوعلم سابقاً أن الوصية بالزائد عن الثلث تبطل عند المالكية على المشهور، ولو أجازها الورثة، وعند الإجازة يعتبر الزائد على الثلث عطاء جديداً من الورثة، لاتنفيذاً لوصية الميت، فيشترط فيه أن يكون الوارث المجيز أهلاً للتبرع، ولا بد فيه من القبول، ولا بد من حيازة الموصى له قبل حصول مانع للمجيز.","part":10,"page":263},{"id":6451,"text":"المبحث السادس ـ الوصية الواجبة قانوناً :\rمستندها الفقهي ومسوغاتها، من تجب له، شروط وجوبها، مقدار الوصية الواجبة، طريقة استخراجها من التركة (1) .\rالمستند الفقهي للوصية الواجبة ومسوغاتها: بينت أن الوصية للأقارب مستحبة عند الجمهور منهم أئمة المذاهب الأربعة، ولا تجب على الشخص إلا بحق لله أو للعباد.\rويرى بعض الفقهاء كابن حزم الظاهري والطبري وأبي بكر بن عبد العزيز من الحنابلة: أن الوصية واجبة ديانة وقضاء للوالدين والأقربين الذين لا يرثون، لحجبهم عن الميراث، أو لمانع يمنعهم من الإرث كاختلاف الدين، فإذا لم يوص الميت للأقارب بشيء وجب على ورثته أو على الوصي إخراج شيء غير محدد المقدار من مال الميت وإعطاؤه للوالدين غير الوارثين.\rأخذ القانون المصري ( م76-79) والسوري (م 257) بالرأي الثاني، فأوجب الوصية لبعض المحرومين من الإرث وهم الأحفاد الذين يموت آباؤهم في حياة أبيهم أو أمهم، أو يموتون معهم ولو حكماً كالغرقى والحرقى.\rففي نظام الإرث الإسلامي لا يستحق هؤلاء الحفدة شيئاً من ميراث الجد أو الجدة، لوجود أعمامهم أو عماتهم على قيد الحياة.\rلكن قد يكون هؤلاء الحفدة في فقر وحاجة، ويكون أعمامهم أو عماتهم في غنى وثروة.\rفاستحدث القانون نظام الوصية الواجبة لمعالجة هذه المشكلة تمشياً مع روح التشريع الإسلامي في توزيع الثروة على أساس من العدل والمنطق، إذ ما ذنب ولد المتوفى (ابن المحروم) في الحرمان من نصيب والده الذي توفي مبكراً قبل والده، ويكون قد ساهم في تكوين ثروة الجد بنصيب ملحوظ، فيجتمع عليهم الحاجة وفقد الوالد. وبما أن الأحفاد غير ورثة في حال موت أبيهم، فلولي الأمر قصر صفة غير الوارث عليهم للمصلحة، ولأنهم أولى الناس بمال الجد.\rفإذا لم يوص الجد أو الجدة لهؤلاء الحفدة بمثل نصيب أصلهم، تجب لهم الوصية بإيجاب الله تعالى بمثل هذا النصيب على ألا يزيد على الثلث، لقوله تعالى: {كتب عليكم إذا حضر أحدَكم الموتُ إن ترك خيراً الوصية للوالدين والأقربين بالمعروف، حقاً على المتقين} [البقرة:180/2].\r-------------------------------\r(1) الفقه المقارن للأستاذ حسن أحمد الخطيب: ص 221-231، الوصية للأستاذ عيسوي: ص163-174، الوصية للأستاذ مصطفى السباعي: ص 131-137.","part":10,"page":264},{"id":6452,"text":"وبما أن هذه الوصية لا تتوافر لها مقومات الوصية الاختيارية لعدم الإيجاب من الموصي والقبول من الموصى له، فهي أشبه بالميراث، فيسلك فيها مسلك الميراث، فيجعل للذكر مثل حظ الأنثيين، ويحجب الأصل فرعه، ويأخذ كل فرع نصيب أصله فقط.\rمن تجب له هذه الوصية: أوجب القانون المصري هذه الوصية لأولاد الابن مهما نزلوا، وللطبقة الأولى فقط من أولاد البنت.\rوأوجبها أيضاً لفروع من مات مع أبيه أو أمه في حادث واحد، ولا يدرى أيهم سبقت إليه المنية، كالغرقى والهدمى والحرقى، ونحوهم؛ لأن من جهل وقت وفاتهم لا يرث فقهاً أحدهم الآخر، فلا يرث الفرع أصله في تلك الحالة، فتجب الوصية لذرية ذلك الفرع قانوناً.\rوكما تجب للأحفاد الذين مات أبوهم أو أمهم حقيقة، تجب أيضاً لمن حكم بموت أبيه أوأمه، كالمفقود الذي غاب أربع سنين فأكثر في مظنة هلاك، كالحرب ونحوها.\rأما القانون السوري فإنه قصر هذه الوصية على أولاد الابن فقط، ذكوراً وإناثاً، دون أولاد البنت؛ لأن هؤلاء لا يحرمون من الميراث في هذه الحالة لوجود أخوالهم أو خالاتهم، وإنما هم من ذوي الأرحام الذين يرثون في رأي الحنفية عند عدم ذوي الفروض والعصبات.\rوالأولى الأخذ بما ذهب إلىه القانون المصري تسوية بين فئتين من جنس واحد، سواء لطبقة واحدة أم لأكثر.\rشروط وجوب هذه الوصية: اشترط القانون المصري والسوري لوجوب هذه الوصية شرطين:\rالأول ـ أن يكون فرع الولد غير وارث من المتوفى: فإن ورث منه، ولو ميراثاً قليلاً، لم يستحق هذه الوصية.\rالثاني ـ ألا يكون المتوفى قد أعطاه ما يساوي الوصية الواجبة، بغير عوض عن طريق آخر كالهبة أو الوصية. فإن أعطاه ما يستحقه بهذه الوصية فلا تجب له. وإن أعطاه أقل منها، وجب له ما يكمل مقدار الوصية الواجبة. وإذا أعطى بعض المستحقين دون البعض الآخر، وجب للمحروم وصية بقدر نصيبه.","part":10,"page":265},{"id":6453,"text":"مقدار الوصية الواجبة :\rيستحق الأحفاد حصة أبيهم المتوفى في القانون المصري لو أن أصله مات في حياته، على ألا يزيد النصيب عن الثلث، فإن زاد عنه كان الزائد موقوفاً على إجازة الورثة. هذا هو مقدار الوصية الواجبة في القانون. أما الفقهاء القائلون بوجوب الوصية للوالدين والأقربين غيرالوارثين فلم يحددوا مقدار هذه الوصية. وبناء على ما حدده القانون، إن مات شخص عن ابن وبنتين وأولاد ابن متوفى في حياة أبيه، فيستحق هؤلاء الأحفاد ما كان يستحقه أبوهم لو كان حياً، وهو هنا ثلث التركة. وفي السوري: يستحقون حصتهم مما يرث أبوهم.\rوإن توفي عن ابن وبنت وأولاد بنت توفيت في حياة أبيها، فيأخذ أولاد البنت ـ في القانون المصري، لا السوري ـ نصيب أمهم وهو هنا ربع التركة.\rوإن مات عن ابن وبنت وأولاد ابن مات في حياة أبيه، فإن ماكان يستحقه الابن المتوفى وهو خمسا التركة، هو أكثر من الثلث، فلا يأخذ أولاده إلا الثلث.\rتقديم هذه الوصية: نص القانون على أن الوصية الواجبة مقدمة على غيرها من الوصايا الاختيارية الأخرى في الاستيفاء من ثلث التركة. والوصية الاختيارية: هي ما أنشأه الموصي باختياره قبل وفاته من وصايا، ولو كانت واجبة ديانة كالوصية بفدية الصوم والصلاة؛ لأنها آكد منها، إذ أن لها مطالباً من جهة العباد.\rفإن استوعب الثلث جميع الوصايا ـ الواجبة والاختيارية ـ نفذت كلها، وإن لم يستوعبها نفذت الوصية الواجبة أولاً، ثم بقية الوصايا بحسب أحكام تزاحم الوصايا.\rالفرق بين القانون السوري والقانون المصري في مقدار الوصية الواجبة :\rنصت المادة ( 257) ـ الفقرة (أ) من قانون الأحوال الشخصية السوري على ما يلي:\rأ ـ الوصية الواجبة لهؤلاء الأحفاد تكون بمقدار حصتهم مما يرثه أبوهم عن أصله المتوفى على فرض موت أبيهم إثر وفاة أصله المذكور، على أن لا يتجاوز ذلك ثلث التركة.","part":10,"page":266},{"id":6454,"text":"وهذا النص واضح في أن حصة الحفيد: هي ما يأخذه من أبيه المتوفى فيما لو فرض وظل على قيد الحياة. أما نص المادة ( 76) من قانون الوصية المصري المأخوذ منه أحكام المادة ( 257) من قانون الأحوال الشخصية السوري، فيقتضى إعطاء الحفيد كامل حصة أبيه المتوفى، من ثلث التركة، مقدماً حق الوصية الواجبة على بقية الوصايا الاختيارية، وليس هو ما يأخذه من حصة أبيه.\rويتضح الفرق بالمثالين التاليين: المثال الأول على الطريقة السورية :\rيلاحظ أن ما أخذه الحفيد وهو (1632) أقل من ثلث التركة؛ لأن للبنات الثلثين من حصة والدهن، والمسألة الجامعة (6912) مكبرة إلى ستة أضعاف. صورة 7568 المثال الثاني على الطريقة المصرية :\rيلاحظ أنه لم يعط في هذه المسألة لبنات الابن الـ 3 (الحفدة) كامل نصيب أبيهن لتجاوزه ثلث التركة، بل اقتصر على ثلث التركة وهو (384) من أصل (1152) أي (2304) من أصل (6912)، وهذا التصحيح أيسر من الطريقة السورية، ولكن التزام النص القانوني في سورية هو الذي أوجب العمل بما ذكر في المثال الأول. أما في مصر فيعطى الأحفاد نصيب الوالد في حدود الثلث، لا النسبة الإرثية من الأب، وهذا الثلث أو كامل نصيب الوالد إذا كان أقل من الثلث يوزع بين الأولاد للذكر مثل حظ الأنثيين. صورة 7569\rطريقة استخراج الوصية الواجبة :\rلم ينص القانون على طريقة استخراج الوصية الواجبة، ولكنه أرشد إلى ضرورة مراعاة الأمور التالية:\r1 - ألا يزيد المقدار المستخرج عن ثلث التركة.\r2 - أن يكون بمقدار نصيب الأب المتوفى في حياة أبيه.\r3 - أن يكون التنفيذ على اعتبار أن الخارج وصية، لا ميراث، فيخرج من جميع التركة، لا من الثلث فقط.\rوالطريقة: هي أن يفرض المتوفى في حياة والده حياً،،ويعطى نصيبه، ثم يخرج ذلك النصيب من التركة، بشرط ألا يزيد على الثلث، ويعطى للأحفاد. ثم يقسم باقي التركة بين الورثة، من غير نظر إلى الولد المتوفى الذي فرض حياً.\rكأن يتوفى شخص ويترك ثلاثة أبناء وبنت ابن متوفى، وأباً وأماً. يفرض أولاً وجود الابن الذي توفي في حياة أبيه، فيكون للأب السدس، ولكل واحد من الأبناء الأربعة السدس، ثم يخرج نصيب الابن المتوفى من أصل التركة، فيعطى لبنته وصية واجبة. ثم يقسم باقي التركة على الورثة الموجودين بالفعل بحسب الفريضة الشرعية، فيكون للأب سدس الباقي، وللأم مثل ذلك ، ويوزع ما بقي بين الأبناء الثلاثة أثلاثاً.","part":10,"page":267},{"id":6455,"text":"المبحث السابع ـ إثبات الوصية :\rيندب بالاتفاق كتابة الوصية، وبدؤها بالبسملة والثناء على الله بالحمد ونحوه والصلاة على النبي صلّى الله عليه وسلم ، ثم إعلان الشهادتين كتابة أو نطقاً بعد البسملة والحمدلة والصلولة، ثم الإشهاد على الوصية لأجل صحتها ونفوذها. وقد بينت في المبحث الأول أن الوصية تنعقد بالعبارة وبالكتابة، وكذا بالإشارة المفهمة عند المالكية. ونص القانون المصري (م2/أ) والسوري ( 208) على طرق إنشاء الوصية، وذكر أنها تنعقد بالعبارة أو الكتابة لمن قدر عليهما. فإن لم يكن قادراً عليهما انعقدت الوصية بالإشارة المفهمة الدالة على ذلك، وأخذ القانون بمذهب الشافعية، فسوى في حالة العجز عن الكتابة أو العبارة بين العجز الأصلي كالخرس، والعجز بسبب طارئ كالمرض. واعتبرت الإشارة حجة للحاجة إليها في إثبات حقوق العباد.\rوتثبت الوصية بطرق الإثبات الشرعية كالشهادة والكتابة. أما الكتابة: فمعتبرة عند الحنفية (1) إذا كانت مستبينة مرسومة أي مسطرة على ورق ونحوه، ومعنونة أي مصدَّرة بالعنوان: وهو أن يكتب في صدر الكتاب من فلان إلى فلان، فإن لم تكن مستبينة كالكتابة على الهواء والرَّقْم على الماء فلا تعتبر، وإن كانت مستبينة غير مرسومة كالكتابة على الجدران وأوراق الأشجار، فهي كناية لابد فيها من النية. ولكن لايقضى بالخط المجرد عندهم إلا في مسائل: كتاب أهل الحرب بطلب الأمان إلى الإمام، ودفتر السمسار والصراف والبياع.\r-------------------------------\r(1) تكملة الفتح والعناية: 511/8 ومابعدها، الفتاوى الهندية: 347/2، رد المحتار: 443/3.\r(2) مغني المحتاج: 53/3 ، 399/4 .","part":10,"page":268},{"id":6456,"text":"وأما الشهادة على كتاب الوصية: فتكون عند الحنفية والشافعية (2) بعد قراءته على الشهود، فيسمع الشهود من الموصي مضمونه، أو تقرأ عليه فيقر بما فيها؛ لأن الحكم لايجوز برؤية خط الشاهد بالشهادة بالإجماع. لكن تنعقد الوصية عند الشافعية بالكتابة بأن نوى بالمكتوب الوصية، وأعرب بالنية نطقاً، أو أقرَّ بها ورثته بعد موته. ولاتثبت الوصية بالخط المجرد عند الحنفية والشافعية لإمكان التزوير وتشابه الخطوط.\rومذهب المالكية (1) : تثبت الوصية إن كانت بخط الموصي، مع الإشهاد عليها، وإن لم يقرأها على الشهود، ولم يفتح كتاب الوصية، وتنفذ الوصية حيث أشهد بقوله للشهود: اشهدوا بما في هذه ، ولم يوجد فيها محو، حتى ولو بقي كتاب الوصية عند الموصي ولم يخرجه حتى مات.\rفإن ثبت لدى القاضي أن ما اشتملت عليه الورقة بخط الموصي، أو قرأها على الشهود لكنه لم يشهد الموصي على الوصية في الصورتين، بأن لم يقل: اشهدوا على وصيتي، أو لم يقل: نفذوها، لم تنفذ بعد موته، لاحتمال رجوعه عنها. فإن قال الموصي للشهود: اشهدوا، أو قال: أنفذوها، نفذت.\rومذهب الحنابلة في الأرجح (2) : من كتب وصيةً، ولم يشهد عليها، حكم بها ما لم يعلم رجوعه عنها، فتثبت الوصية ويقبل ما فيها بالخط الثابت أنه خط الموصي،بإقرار ورثته، أو ببينة تعرف خطه تشهد أنه خطه، وإن طال الزمن أو تغير حال الموصي، أو بأن عرف خطه وكان مشهور الخط، لقوله صلّى الله عليه وسلم : «ما حق امرئ مسلم يبيت ليلتين، إلا ووصيته مكتوبة عنده» ولم يذكر أمراً زائداً على الكتابة، فدل على الاكتفاء بها، ولأنه صلّى الله عليه وسلم «كتب إلى عماله وغيرهم» ملزماً العمل بتلك الكتابة، وكذلك فعل الخلفاء الراشدون من بعده، ولأن الكتابة تنبئ عن المقصود فهي كاللفظ.\r-------------------------------\r(1) الشرح الصغير: 601/4.\r(2) المغني: 69/6 وما بعدها، كشاف القناع: 373/4، غاية المنتهى: 348/2.","part":10,"page":269},{"id":6457,"text":"وإن كتب وصيته، وقال: اشهدوا علي بما في هذه الورقة، أو قال: هذه وصيتي فاشهدوا علي بها: لا تثبت حتى يسمعوا منه ما فيه، أو يقرأ عليه فيقر بما فيه. وهذا موافق لقول الحنفية والشافعية.\rوالخلاصة: أنه لا بد عند الجمهور لإثبات الوصية من سماع الشهود مضمونها، أو قراءتها على الموصي فيقر بما فيها. ويكفي عند المالكية الإشهاد عليها، وإن لم تقرأ على الشهود، أو لم يفتح كتاب الوصية.\rوتثبت الوصية لدى الحنابلة بالكتابة وحدها إذا كان الموصي مشهور الخط وعرف خطه. وأخذ القانون بهذا الرأي.\rوخالف القانون المصري (م 2/2) آراء الفقهاء في سماع الدعوى، فلم يعتبر الوصية بالشهادة المقررة في رأي الفقهاء عند إنكار دعوى الوصية أو الرجوع القولي عنها بعد وفاة الموصي، وإنما اشترط لسماع الدعوى بعد وفاة الموصي عند الإنكار أن تكون الوصية ثابتة بورقة رسمية، أو بورقة عرفية كتبت جميعها بخط المتوفى وعليها توقيعه، أو كانت بإمضاء مصدق عليه. وهذا احتياط من القانون نظراً لفساد الزمان، وعدم التعويل على كثير من الشهادات بسبب انتشار شهادة الزور.\rجاء في المذكرة التفسيرية: الحكم هنا مأخوذ مما ذكره علي بن عبد السلام التسولي المالكي من أن الإشهاد على عقود التبرعات شرط في صحتها، ومن القاعدة الشرعية: وهي أن لولي الأمر أن يأمر بالمباح، لما يراه من المصلحة العامة، ومتى أمر به وجبت طاعته، وفي رأي بعض الفقهاء: أمره ينشئ حكماً شرعياً. فعقد الوصية، وهو من عقود التبرعات، يجوز أن يكون بإشهاد كتابي، ويجوز أن يكون بإشهاد شفوي، وإذا رأى ولي الأمر أن يكون بإشهاد كتابي على الوجه المبين في المادة، يجب على الكافة أن يعملوا به.","part":10,"page":270},{"id":6458,"text":"الفَصْلُ الثَّاني: حكم تبرّعات المريض مرض الموت\rهل تعتبر تبرعات المريض مرض الموت في حكم الوصية؟\rمريض الموت: في رأي الشافعية والحنابلة (1) هو من تحقق فيه شرطان:\rأحدهما ـ أن يتصل بمرضه الموت. فلو صح في مرضه الذي تبرع فيه ثم مات بعد ذلك، فحكم عطيته حكم عطية الصحيح؛ لأنه ليس بمرض الموت.\rالثاني ـ أن يكون مخوفاً، والمرض المخوف: هو ما ألزم صاحبه الفراش، كالجذام والطاعون والفالج النصفي أو الكلي في انتهائه ولم تطل مدته، والحمى المؤقتة يوماً أو يومين، وإسهال يوم أو يومين. فهذا حكم صاحبه حكم الصحيح؛ لأنه لا يخاف منه في العادة.\rوقد أوضحت شروط مريض الموت في بحث النظريات الفقهية في المذاهب الأخرى، وتبين أن الحنفية حددوا مدة مرض الموت بسنة إذا لم يتزايد، فإن كان يتزايد فهو مرض موت ولو استمر سنين كثيرة.\rأما تبرعات مريض الموت: فهي إما منجزة وإما مضافة لما بعد الموت (2) .\r-------------------------------\r(1) المهذب: 453/1، المغني: 84/6 وما بعدها.\r(2) الدر المختار ورد المحتار: 467/5، 469، 481، البدائع: 370/7، الشرح الكبير: 444/4، بداية المجتهد: 322/2، المهذب: 453/1، المغني: 71/6-95.","part":10,"page":271},{"id":6459,"text":"1 ً - التبرعات المنجزة: مثل المحاباة (1) والهبة المقبوضة والصدقة والعتق والوقف والإبراء من الدين والعفو عن الجناية الموجبة للمال. وحكمها: أنه لا خلاف بين العلماء في أنها إن صدرت في حال الصحة من غير محجور عليه، فهي من رأس المال.\rوإن صدرت في مرض مخوف اتصل به ا لموت، فهي من ثلث المال في قول الجمهور، للحديث السابق: «إن الله تصدق عليكم عند وفاتكم بثلث أموالكم، زيادة لكم في أعمالكم» ، ولأن الظاهر من هذه الحال الموت، فكانت عطيته فيها في حق ورثته كالوصية، فلا تتجاوز الثلث.\rوحكي عن أهل الظاهر في الهبة المقبوضة أنها من رأس المال.\r2 ً - أما التبرعات أو العطايا المضافة لما بعد الموت: فلها حكم الوصية، يتوقف نفاذها على الثلث، أو على إجازة الورثة إن زادت على الثلث، بالاتفاق، لما روى أحمد عن أبي زيد الأنصاري: «أن رجلاً أعتق ستة أعبد عند موته، ليس له مال غيرهم، فأقرع بينهم رسول الله صلّى الله عليه وسلم ، فأعتق اثنين، وأرقّ أربعة» (2) .\rأما القانون المدني المصري (م 916) والسوري (م 877) فقد جعلا التبرعات المنجزة من المريض مرض الموت في حكم الوصية، بسبب ظهور قصد التبرعات منها، ولما يحيط بها من دلائل وقرائن أحوال تدل على ذلك، وهذا يكفي لجعل التصرف القانوني مضافاً إلى ما بعد الموت، وتسري عليه أحكام الوصية من كل وجه.\r-------------------------------\r(1) المحاباة في المرض: هي أن يعاوض بماله، ويسمح لمن عاوضه ببعض عوضه ( المغني: 92/6).\r(2) رواه أحمد، وأبو داود بمعناه، وقال فيه: «لو شهدته قبل أن يدفن، لم يدفن في مقابر المسلمين» وأخرجه أيضاً النسائي، ورجال إسناده رجال الصحيح (نيل الأوطار: 41/6 ومابعدها).","part":10,"page":272},{"id":6460,"text":"الفَصْلُ الثّالث: الوصاية\rالمبحث الأول ـ أنواع الأوصياء (1) :\rالوصي في الجملة أنواع ثلاثة: وصي الخليفة، ووصي القاضي، والوصي المختار.\rأما وصي الخليفة: فهو من يوصي له الخليفة بالبيعة إذا كان صالحاً للخلافة. ويجوز الاستخلاف شرعاً، قال في المهذب (2) : من تثبت له الخلافة على الأمة، جاز له أن يوصي بها إلى من يصلح لها؛ لأن أبا بكر رضي الله عنه وصى إلى عمر، ووصى عمر رضي الله عنه إلى أهل الشورى رضي الله عنهم، ورضيت الصحابة رضي الله عنهم بذلك.\rيفهم منه أنه لا بد من بيعة الوصي من قبل الأمة.\rوأما وصي القاضي أو الحاكم: فهو الذي يعينه القاضي للإشراف على شؤون القصَّر المالية.\rوأما الوصي المختار: فهو الذي يختاره الشخص في حياته قبل موته للنظر في تدبير شؤون القاصر المالية. والاسم الوصاية. ويلاحظ أن قبول الوصاية للقوي عليها قربة؛ لأنه تعاون على البر والتقوى، ولقوله تعالى: {ويسألونك عن اليتامى، قل إصلاح لهم خير} [البقرة:220/2]. وقال الحنفية والحنابلة: وترك ذلك أولى لمافيه من الخطر.\rوالكلام هنا في أحكام الوصي المختار وشروطه فيما يمس شؤون القاصرين، وهو المأمور بالتصرف بعد الموت، ويُعنون له عادة في كتب الفقه بالموصى إليه. وقد بحثت في الحجر أهم أحكامه.\rالمبحث الثاني ـ أركان الوصاية :\rالوصاية لها جوانب أو أركان أربعة بتعبير غير الحنفية: هي موص، ووصي، وموصى فيه، وصيغة. وسأذكر بالترتيب أحكام هذه الأركان (3) .\r1 - الموصي: تنفذ الوصية بالاتفاق من كل حر مكلف (بالغ عاقل) مختار. ويصح في رأي الشافعية إيصاء السكران، وكذا يشترط كون الموصي رشيداً، فالأب المحجور عليه لا وصية له على ولده بسبب الصغر أو السفه. ويصح عند المالكية والحنابلةإيصاء المميز.\rويشترط عند الشافعية في الموصي أيضاً في أمر الأ طفال: أن تكون له ولاية عليهم من جهة الشرع، وهو الأب والجد وإن علا، فلا يصح الإيصاء عليهم من الأخ والعم والوصي والقيم، وكذا الأم على المذهب. ولا يجوز للأب على الصحيح نصب وصي على الأطفال ونحوهم، والجد حي حاضر، بصفة الولاية عليهم؛ لأن ولايته ثابتة شرعاً، فليس له نقل الولاية عنه، كولاية التزويج.\rوقال الشافعية والحنابلة: ليس للوصي إيصاء لغيره إلا أن يؤذن له فيه، فإن أذن له به، جاز له في الأظهر عند الشافعية.\r-------------------------------\r(1) الكلام عن الأوصياء يناسب عنوان هذا الباب وهو الوصايا.\r(2) 449/1، وانظر أيضاً غاية المنتهى: 379/2.\r(3) الدر المختار: 494/5-513، الشرح الصغير: 604/4-612، الشرح الكبير: 452/4 وما بعدها، مغني المحتاج: 74/3-78، المهذب: 463/1-464، كشاف القناع: 436/4-445، غاية المنتهى: 378/2 وما بعدها، الهداية مع تكملة فتح القدير: 49/8-503.","part":10,"page":273},{"id":6461,"text":"وأجاز المالكية للأم الإيصاء على أولادها بشروط: هي أن يكون المال قليلاً قلة نسبية كستين ديناراً، وأن يورث المال عنها بأن كان المال لها وماتت، وألا يكون للموصى عليه ولي من أب أو وصي أب أو وصي قاضٍ. فإن كثر المال، فليس لها الإيصاء، ولو كان المال للولد من غير الأم كأبيه أو من هبة، فليس لها الإيصاء، بل ترفع الأمر للحاكم. وإن كان للولد ولي آخر من أب أو وصي، فلا وصية لها على أولادها.\r2 - الوصي: شرط الوصي تكليف (بلوغ وعقل) وحرية، وعدالة ولو ظاهرة، وخبرة بشؤون التصرف في الموصى به (وهو الرشد المالي) وأمانة وإسلام.\rفلا يصح الإيصاء إلى صبي ومجنون؛ لأنه في ولاية الغير، فكيف يلي أمر غيره.\rولا إلى عبد ولو بإذن سيده عند الحنفية والشافعية، لأن الرقيق لا يتصرف في مال أبيه، فكيف يصلح وصياً لغيره، وأجاز المالكية والحنابلة وصاية العبد بإذن سيده، لأنه أهل للرعاية على المال، لقوله صلّى الله عليه وسلم : «والخادم راع في مال سيده، وهو مسؤول عنه» (1) .\rولا إلى فاسق أو خائن؛ لأن الوصاية، ولاية وائتمان. وإذا كان الوصي عدلاً، ثم طرأ عليه الفسق، فإنه يعزل، فإن تصرف فتصرفه مردود.\rولا يصح إلى غير رشيد لا يهتدي إلى التصرف الحسن في الموصى به لسفه أو مرض أو هرم أو تغفل، إذ لا مصلحة في تولية أمثال هؤلاء.\rولا يصح إلى غير أمين، فلو ثبتت خيانته وجب عزله عن الوصية، ولا إلى كافر من مسلم، إذ لا ولاية لكافر على مسلم، ولأنه متهم، قال تعالى: {ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلاً} [النساء:141/4] وقال سبحانه: {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم، لا يألونكم خبالاً، ودوا ما عنتم} [آل عمران:118/3].\r-------------------------------\r(1) أخرجه أحمد والشيخان وأبو داود والترمذي عن ابن عمر.","part":10,"page":274},{"id":6462,"text":"لكن تجوز وصية الذمي إلى ذمي أو إلى مسلم فيما يتعلق بأولاد الكفار، بشرط كون الذمي عدلاً في دينه، كما يجوز أن يكون ولياً لهم، وكذلك بشرط كون المسلم عدلاً.\rوإذا كان العدل ضعيفاً أو عاجزاً يضم إليه قوي أمين.\rولم يشترط الحنابلة لصحة الإيصاء القدرة على العمل، فيصح الإيصاء إلى ضعيف.\rوأجاز الحنابلة وصية المنتظر: وهو من تنتظر أهليته بأن يجعله وصياً بعد بلوغه، أو بعد حضوره من غيبته ونحوه كالإفاقة من الجنون وزوال الفسق والسفه، والإسلام.\rولا تشترط الذكورة ولا البصر، فيصح كون المرأة وصياً؛ لأنها من أهل الشهادة، ولأن سيدنا عمر رضي الله عنه أوصى إلى ابنته حفصة رضي الله عنها (1) ، وأم الأطفال أولى من غيرها من النساء، عند توافر الشروط السابقة، لوفور شفقتها. ويصح كون الأعمى وصياً، لأنه من أهل الشهادة، فجازت الوصية إليه كالبصير، ولأنه متمكن من التوكيل لغيره فيما لا يتمكن من مباشرته بنفسه.\rتعدد الأوصياء: يجوز تعدد الأوصياء، فيمكن أن يوصى لاثنين بلفظ واحد، مثل جعلتكما وصيين، أو بلفظين في زمن أوزمنين، لما روي أن فاطمة بنت رسول الله صلّى الله عليه وسلم جعلت النظر في وقفها إلى علي كرم الله وجهه، فإن حدث به حدث رفعه إلى ابنيها، فيليانها.\r-------------------------------\r(1) رواه أبو داود.","part":10,"page":275},{"id":6463,"text":"وليس لأحدهما الانفراد بالتصرف، سواء أكان التعيين بعقد واحد أم بعقدين في رأي الحنفية والمالكية (1) إلا بتصريح الموصي بجواز الانفراد، وإلا عند الحنفيةإذا أجاز أحدهما تصرف صاحبه، وعليهما التعاون في التصرفات، فلا يستقل أحدهما ببيع أو اشتراء أو نكاح أو غيرها إلا بتوكيل. فإن مات أحدهما أو اختلفا في أمر كبيع أوشراء أو تزويج نظر الحاكم عند المالكية فيما فيه الأصلح من استقلال الحي في الوصاية أو جعل غيره معه، أو رد فعل أحدهما حال الاختلاف أو إمضائه. وليس لأحد الوصيين إيصاء لغيره في حياته بلا إذن من صاحبه، فإن أذن له جاز. وليس لهما قَسْم المال الذي أوصاهما عليه. وقال الحنفية: إن أوصى الموصي في حال الموت أوالجنون أو ما يوجب العزل إلى آخر أو إلى الحي من الوصيين عمل بإيصائه، وإن لم يوص ضم القاضي إليه غيره.\rوكذلك قرر الشافعي والحنابلة (2) : ليس لأحد الوصيين الانفراد بالتصرف إلا بتصريح الموصي بالانفراد؛ لأن الموصي لم يرض إلا بتصرفهما، وانفراد أحدهما يخالف ذلك. فإن أجاز الموصي لأحدهما الانفراد بالتصرف جاز، لرضا الموصي به، فإن ضعف أحدهما أو فسق أو مات، في حال رضا الموصي بالانفراد، جاز للآخر أن يتصرف، ولا يقام مقام الآخر غيره؛ لأن الموصي رضي بنظر كل واحد منهما وحده.\rأما في حال الإيصاء لهما فإن ضعف أحدهما ضم إليه من يعينه، وإن فسق أحدهما أو مات، أقام الحاكم من يقوم مقامه؛ لأن الموصي لم يرض بنظر أحدهما منفرداً، ولا يجوز للحاكم أن يفوض جميع التصرف إلى الثاني؛ لأن الموصي لم يرض باجتهاده وحده، فهم في ذلك كالحنفية.\r-------------------------------\r(1) الدر المختار ورد المحتار: 496/5-499، الشرح الصغير: 608/4.\r(2) المهذب: 463/1، كشاف القناع: 438/4 وما بعدها، مغني المحتاج: 77/3 ومابعدها.","part":10,"page":276},{"id":6464,"text":"وهذا في الوصايا غير المعينة، أما رد الأعيان المستحقة كالمغصوبات والودائع والأعيان الموصى بها وقضاء دين يوجد جنسه في التركة، فلأحد الوصيين الاستقلال به.\rواستثنى الحنفية من مبدأ بطلان انفراد أحد الوصيين عشر حالات للضرورة؛ هي شراء كفن الموصي، وتجهيزه، والخصومة في حقوقه؛ لأنهما لا يجتمعان عليه عادة، ولو اجتمعا لم يتكلم إلا أحدهما غالباً.\rوشراء حاجة الطفل مما لا بد منه كالطعام والكسوة؛ لأن في تأخيره لحوق ضرر به.\rوقبول الهبة للطفل؛ لأن في تأخيره خشية الفوات.\rوإعتاق عبد معين، لعدم الاحتياج فيه إلى الرأي، بخلاف إعتاق ما ليس بمعين، فإنه محتاج إليه.\rورد وديعة وتنفيذ وصية معينتين، إذ لا حاجة إلى التشاور. وبيع ما يخاف تلفه، وجمع أموال ضائعة.\rوزاد بعض الحنفية سبعة أخرى: وهي رد المغصوب، والمشترى شراء فاسداً، وقسمة كيلي أو وزني مع شريك الموصي، وطلب دين، وقضاء دين بجنس حقه، وحفظ مال اليتيم؛ إذ كل من وقع في يده وجب عليه حفظه، ورد ثمن المبيع ببيع من الموصي، وإجارة نفس اليتيم في أعمال حرة.\rواتفق الحنفية والشافعية على أنه إذا اختلف الوصيان في حفظ المال، فإنه يقسم بينهما نصفين إن كان قابلاً للقسمة، وإلا فيتهايآن زماناً أو يودعانه عند آخر؛ لأن لهما ولاية الإيداع.\rوقال الحنابلة: لا يقسم المال بينهما؛ لأنهما شريكان في الحفظ الملازم للشركة في التصرف، وإنما يجعل المال في مكان تحت أيديهما، فإن تعذر ذلك ختما عليه، ودفع إلى أمين القاضي.","part":10,"page":277},{"id":6465,"text":"3 - الموصى فيه :\rلا يصح الإيصاء إلا في تصرف معلوم يملك الموصي فعله، ليعلم الوصي ما أوصي به إليه، ليحفظه ويتصرف فيه؛ ولأن الإيصاء كالوكالة، والوصي يتصرف بالإذن، فلم يجز إلا في معلوم يملكه الموصي، مثل الإيصاء في قضاء الدين، وتوزيع الوصية والنظر في أمر غير رشيد من طفل ومجنون وسفيه، ورد الودائع إلى أهلها، واستردادها ممن هي عنده، ورد مغصوب، وإيصاء إمام بخلافة، وإقامة حد قذف، وهذا الأخير عند الحنابلة والشافعية (1) ، ويستوفيه الوصي للموصي نفسه، لا إلى الموصى إليه.\rويصح عند الحنابلة الإيصاء بتزويج بنت ولو صغيرة دون تسع، ولوصي الأب إجبارها إذا كانت بكراً، أو ثيباً دون تسع، كالأب؛ لأنه نائبه كوكيله.ولا يصح عند الشافعية الإيصاء بتزويج طفل وبنت مع وجود الجد؛ لأن الصغير والصغيرة لا يزوجهما غير الأب والجد ، ولحديث: «السلطان ولي من لا ولي له» (2) لكن إن بلغ الصبي، واستمر نظر الوصي عليه لسفه، اعتبر إذنه في نكاحه.\rومتى خصّ وصايته بحفظ أو نحوه أو عمَّ اتبع قوله، وإن أطلق الإيصاء في أمر الأطفال، ولم يذكر التصرف، كان له التصرف في المال وحفظه اعتماداً على العرف.\r4 - الصيغة :\rتنعقد الوصاية بالإيجاب والقبول بالاتفاق، كأن يقول الموصي: أوصيت إليك أو فوضت إليك ونحوهما، كأقمتك مقامي في أمر أولادي بعد موتي، أوجعلتك وصياً. وتكفي إشارة الأخرس وكتابته، ومثله عند الشافعية الناطق معتقل اللسان؛ بأن أشار بالوصية برأسه أو بقوله: نعم بعد قراءة كتاب الوصية عليه؛ لأنه عاجز كالأخرس.\rويشترط في الإيصاء القبول؛ لأنه عقد تصرف، فأشبه الوكالة، ويكون القبول على التراخي في الأصح عند الشافعية (3) ، وهو موافق لمذهب الحنفية.\r-------------------------------\r(1) كشاف القناع: 441/4، مغني المحتاج: 75/3-77.\r(2) أخرجه أحمد والترمذي وأبو داود وابن ماجه عن عائشة ( نيل الأوطار: 118/6).\r(3) مغني المحتاج: 77/3.","part":10,"page":278},{"id":6466,"text":"وذكر الحنفية (1) : أن الوصي إذا رد الوصاية بعلم الموصي صح الرد، فإن لم يعلم لا يصح الرد بغيبته، لئلا يصير مغروراً من جهته. وإن سكت الموصى إليه، فمات الموصي فله الرد والقبول، إذ لا تغرير هنا. وإن سكت الموصى إليه ثم رد بعد موت الموصي، ثم قبل، صح الإيصاء، إلا إذا نفذ قاض رده، فلا يصح قبوله بعدئذ. ويلزم عقد الوصية ببيع شيء من التركة وإن جهل الشخص كونه وصياً، فإن علم الوصي بالوصاية ليس بشرط في صحة تصرفه.\rويصح عند الحنفية والحنابلة قبول الوصي الإيصاء إليه في حياة الموصي؛ لأنه إذن في التصرف، فصح قبوله بعد العقد كالوكالة. بخلاف الوصية بالمال، فإنها تمليك في وقت، فلم يصح القبول قبله. ويصح القبول أيضاً بعد موت الموصي؛ لأنها نوع وصية، فيصح قبولها حينئذ كوصية المال، ومتى قبل صار وصياً. ويقوم فعل التصرف مقام اللفظ، كما في الوكالة، بالاتفاق، ولا يشترط القبول لفظاً.\rولا يصح في الأصح عند الشافعية قبول الوصي ورده في حياة الموصي؛ لأنه لم يدخل وقت التصرف كالوصية له بالمال، فلو قبل في حياته، ثم رد بعد وفاته لفات العقد، أما لو رد في حياته ثم قبل بعد وفاته صح العقد.\rويجوز في الإيصاء التوقيت والتعليق (2) ، مثال الأول: أوصيت إليك سنة أو إلى بلوغ ابني أو إلى قدوم زيد. ومثال الثاني: إذا مت فقد أوصيت إليك؛ لأن الوصاية تحتمل الجهالات والأخطار، فكذا التوقيت والتعليق، ولأن الإيصاء كالإمارة، وقد أمَّر النبي صلّى الله عليه وسلم زيد بن حارثة على سرية في غزوة مؤتة، وقال: «إن أصيب زيد، فجعفر، وإن أصيب جعفر، فعبد الله بن رواحة» (3) .\r-------------------------------\r(1) الدر المختار: 495/5.\r(2) مغني المحتاج: 77/3.\r(3) رواه البخاري.","part":10,"page":279},{"id":6467,"text":"المبحث الثالث ـ أحكام تصرفات الوصي :\r1) ـ البيع والشراء :\rقال الحنفية (1) : يصح بيع الوصي وشراؤه من أجنبي بما يتغابن فيه الناس عادة، وهو الغبن اليسير؛ لأنه لا يمكن التحرز عنه، لا بما لا يتغابن فيه عادة وهو الغبن الفاحش (2) ؛ لأن ولايته مقيدة بالمصلحة، فليس للوصي بيع شيء من مال اليتيم بغبن فاحش، ويصح له البيع بالغبن اليسير.\rوإن باع الوصي، أو اشترى مال اليتيم لنفسه: فإن كان وصي القاضي لا يجوز مطلقاً؛ لأنه وكيله. وإن كان وصي الأب، جاز عند أبي حنيفة بشرط توافر منفعة ظاهرة للصغير: وهي قدر النصف زيادة أو نقصاً. ولم يجز مطلقاً عند الصاحبين.\rويجوز للأب بيع مال صغير من نفسه بمثل القيمة، وبما يتغابن فيه عادة، وهو الغبن اليسير، وإلا فلا يجوز.\rوهذا كله في المنقول. ويجوز للوصي البيع على الكبير الغائب في غير العقار، ويجوز له مطلقاً بيع العقار لوفاء دين، أو لخوف هلاك العقار. فإن كان الموصى عليه الكبير حاضراً، فليس للوصي التصرف في التركة أصلاً، إلا إذا كان على الميت دين، أو أوصى بوصية، ولم تقض الورثة الديون، ولم ينفذوا الوصية من مالهم، فإنه يبيع التركة كلها إن كان الدين محيطاً بها، وبمقدار الدين إن لم يحط بها، وله بيع ما زاد على الدين أيضاً عند أبي حنيفة خلافاً للصاحبين، وبقولهما يفتى. وينفِّذ الوصية بمقدار الثلث، ولو باع لتنفيذها شيئاً من التركة جاز بمقدارها باتفاق الحنفية.\r-------------------------------\r(1) الدر المختار: 500/5-503، 512-513.\r(2) الصحيح في تفسير الغبن الفاحش عند الحنفية: أنه مالا يدخل تحت تقويم المقومين.","part":10,"page":280},{"id":6468,"text":"ويجوز للوصي بيع عقار صغير من أجنبي، لا من نفسه، بضعف قيمته، أو لنفقة الصغير، أو أداء دين الميت، أو لتنفيذ وصية مرسلة (1) لانفاذ لها إلا منه، أو لكون غلاته لا تزيد على مؤنته (تكاليفه) أو لخوف خرابه، أو نقصانه، أو كونه في يد متغلب، كأن استرده منه الوصي، ولا بينة له، وخاف أن يأخذه المتغلب منه بعدئذ، تمسكاً بما كان له من اليد، فللوصي بيعه، وإن لم يكن لليتيم حاجة إلى ثمنه.\rهذا إذا كان الوصي لا من قبل أم أو أخ ونحوهما من الأقارب غير الأب والجد والقاضي، فإن المعين من قبل أم أوأخ ونحوهما لا يملك بيع العقار مطلقاً، ولا شراء غير طعام وكسوة.\rأما الأب المحمود عند الناس أو مستور الحال، فله في الأصح بيع عقار ولده الصغير بدون المسوغات المذكورة، لتوافر الشفقة الكاملة عنده على ولده.\rوللأب أو الجد بيع مال الصغير من الأجنبي بمثل قيمته إذا لم يكن فاسد الرأي. فإن كان فاسد الرأي، لم يجز بيعه العقار؛ وللصغير نقض البيع بعد بلوغه، إلا إذا باعه بضعف القيمة. وكذلك لا يجوز له في الرواية المفتى بها بيع المنقول إلا بضعف القيمة.\rويملك الأب والجد بيع مال أحد طفليه للآخر، ولا يجوز ذلك للوصي.\rوليس للوصي أن يتجر في مال اليتيم لنفسه، فإن فعل تصدق بالربح في رأي أبي حنيفة ومحمد، ويجوز له أن يتجر في مال اليتيم لليتيم ، ولا يجبر على تنمية مال اليتيم.\rوأجاز الجمهور غير الحنفية للوصي التصرف في مال الصغير بحسب المصلحة للصغير أو للحاجة.\r-------------------------------\r(1) الوصية المرسلة: هي التي لم تقيد بنسبة كثلث أو ربع مثلاً، كما إذا أوصى بمئة مثلاً.","part":10,"page":281},{"id":6469,"text":"أما الموصى عليه الكبير فقال المالكية (1) : ليس لوصي الميت في حال الحضر أن يبيع التركة أوشيئاً منها لقضاء دين أو تنفيذ وصية إلا بحضرة الكبير (2) الموصى عليه، إذ لا تصرف للوصي في مال الكبير، فإن غاب الكبير أوأبى من البيع نظر الحاكم في شأن البيع، فإما أن يأمر الوصي بالبيع أو يأمر من يبيع معه للغائب، أو يقسم ما ينقسم. فإن لم يرفع الأمر للحاكم، وباع الوصي رد بيعه إن كان المبيع قائماً، فإن فات بيد المشتري بهبة أو صبغ ثوب، أو نسج غزل، أو أكل طعام، وكان قد أصاب وجه البيع، فالمستحسن إمضاء البيع.\rأما في حال السفر، فلو مات شخص فلوصيه بيع متاعه. وعروضه؛ لأنه يثقل حمله.\rوقال الحنابلة (3) : إن دعت الحاجة لبيع بعض العقار، لحاجة صغار، وفي بيع بعضه ضرر، مثل أن ينقص الثمن على الصغار، باع الوصي العقار كله على الصغار، وعلى الكبار إن أبوا البيع، أو كانوا غائبين؛ لأن الوصي قائم مقام الأب، وللأب بيع الكل، فالوصي كذلك، ولأنه وصي يملك بيع البعض، فملك بيع الكل، كما لو كان الكل صغاراً، أو الدين مستغرقاً، ولأن الدين متعلق بكل جزء من التركة.\r-------------------------------\r(1) الشرح الكبير: 453/4، الشرح الصغير: 607/4.\r(2) المراد بالكبير: البالغ.\r(3) كشاف القناع: 444/4، غاية المنتهى: 381/2.","part":10,"page":282},{"id":6470,"text":"2) ـ التوكيل والإيصاء للغير :\rأجاز الحنفية والمالكية (1) إيصاء الوصي لغيره، ووصي الوصي سواء أوصي إليه في مال الوصي أو في مال موصيه، هو وصي في التركتين.\rولم يجز الشافعية والحنابلة (2) للوصي الإيصاء لغيره إلا بإذن الموصي؛ لأن الوصي يتصرف بالإذن، فلم يملك الوصية، كالوكيل.\rوكذلك لا يجوز عند هذا الفريق الثاني للوصي توكيل غيره إلا فيما لم تجر به العادة أن يتولاه بنفسه، كما هو الشأن في الوكيل، كأن كان ما عهد إليه بالوصية فيه كثير الجوانب، متعدد الجهات، بحيث يحتاج الوصي إلى من يعينه على أدائه، وكذلك لو كان العمل شاقاً لا يقدر مثله على القيام به، ويحتاج إلى شخص قوي يؤديه، أو كان العمل يفتقر إلى مهارة كالهندسة ونحوها، فيجوز له توكيل غيره ممن يقوم بمثل هذه الأمور (3) .\r3) ـ المضاربة بمال الموصى عليه، واقتضاء الدين، والإنفاق بالمعروف والختان، وإخراج زكاة الفطر، وضمان القرض :\rقال المالكية (4) : للوصي دفع مال الموصى عليه للغير يعمل فيه قراضاً (مضاربة) بجزء من الربح، أو إبضاعاً: أي بدفع دراهم لمن يشتري بها سلعة، كمتاع من بلد المنشأ من غير ربح، لاشتماله على نفع للصبي، وللوصي ألا يدفع؛ إذ لا يجب عليه تنمية مال اليتيم، كما تبين عند الحنفية في الاتجار.\rوللوصي اقتضاء الدين ممن هو عليه، بل يجب عليه ذلك.\rوللوصي تأخير الدين إذا كان حالاً لمصلحة في التأخير.\rوللوصي الإنفاق على الطفل الذي في وصايته بالمعروف، بحسب حال الطفل والمال من قلة أو كثرة، وله الإنفاق عليه في ختانه وعُرْسه. وله دفع نفقة لموصى عليه، إن قلَّت مما لا يخاف عليه إتلافه، كجمعة أو شهر، فإن خاف إتلافه دفع له مياومة أي يوماً فيوماً. وهذا متفق عليه. وأضاف الحنفية: وللوصي الإنفاق على اليتيم في تعلم القرآن والأدب إن تأهل لذلك، وإلا فلينفق عليه بقدر ما يتعلم القراءة الواجبة في الصلاة.\r-------------------------------\r(1) الدر المختار ورد المحتار: 499/5، الشرح الصغير: 611/4.\r(2) كشاف القناع: 440/4، المهذب: 464/1، غاية المنتهى: 379/2.\r(3) المهذب: 464/1، تكملة المجموع: 152/15.\r(4) الشرح الصغير: 609/4-610.","part":10,"page":283},{"id":6471,"text":"وللوصي إخراج زكاة فطر الموصى عليه عنه وعمن تلزمه نفقته من مال اليتيم كأمه الفقيرة. وله إخراج زكاته من حرث وماشية ونقد وعروض تجارية.\rوقال الحنفية (1) : لا يملك الوصي ومثله الأب إقراض مال اليتيم، فإن أقرض ضمن، ويملك القاضي ذلك. ولو أخذ الوصي المال قرضاَ لنفسه، لا يجوز ويكون ديناً عليه.\r4) ـ القسمة عن الموصى له :\rقال الحنفية (2) : تصح قسمة الوصي حال كونه نائباً عن ورثة كبار غيَّب أو صغار، مع الموصى له بالثلث، ولا رجوع للورثة على الموصى له إن ضاع قسطهم مع الوصي، لصحة قسمته حينئذ.\rوأما قسمته عن الموصى له الغائب، أو الحاضر بلا إذنه، مع الورثة ولو صغاراً فلا تصح، وحينئذ فيرجع الموصى له بثلث ما بقي من المال إذا ضاع قسطه؛ لأنه كالشريك مع الوصي، ولا يضمن الوصي؛ لأنه أمين.\rوصح قسمة القاضي، وأخذه قسط الموصى له، إن غاب الموصى له، وهذا في المكيل والموزون؛ لأن القسمة فيهما إفراز. أما في غيرهما فلا تجوز القسمة لأنها مبادلة كالبيع، وبيع مال الغير لا يجوز، فكذا القسمة.\rويملك الأب لا الجد قسمة مال مشترك بينه وبين الصغير، بخلاف الوصي.\rوقال المالكية (3) كالحنفية: لا يقسم الوصي على غائب من الورثة، بلا حاكم، فإن قسم بدون حاكم نقضت القسمة، والمشترون للتركة أو بعضها التي باعها الوصي من غير حضور الكبير أو وكيله، ومن غير رفع الأمر للحاكم، العالمون بالأمر، حكمهم حكم الغاصب لا غلة لهم، ويضمنون ما يتلف حتى بسبب سماوي.\rوكذلك قال الحنابلة (4) : مقاسمة الوصي للموصى له نافذة على الورثة؛ لأنه نائب عنهم، ففعله كفعلهم، ومقاسمة الوصي للورثة على الموصى له لا تنفذ؛ لأنه ليس نائباً عنه، كتصرف الفضولي.\r-------------------------------\r(1) الدر المختار ورد المحتار: 503/5.\r(2) المرجع السابق: ص 499 وما بعدها، 512.\r(3) الشرح الصغير: 607/4، الشرح الكبير: 453/4.\r(4) كشاف القناع: 441/4.","part":10,"page":284},{"id":6472,"text":"5) ـ إقرار الوصي بدين على الميت، وهل الوصي أولى بالولاية أو الجد؟\rقال الحنفية (1) : لا يجوز للوصي الإقرار بدين على الميت، ولا بشيء من تركته أنه لفلان؛ لأنه إقرار على الغير إلا أن يكون المقر وارثاً، فيصح في حصته.\rولو أقر الوصي بعين لآخر، ثم ادعى أنه للصغير لا يسمع إقراره.\rووصي الأب أحق عند الحنفية بمال الطفل من جده، فإن لم يكن للأب وصي، فالجد، ويكون ترتيب الولاية في مال الصغير على النحو التالي: للأب ثم وصيه، ثم وصي وصيه ولو بعُد، فلو مات الأب ولم يوص فالولاية لأبي الأب ثم وصيه، ثم وصي وصيه، فإن لم يكن فللقاضي ومنصوبه. وقد سبق بيان ترتيب الأولياء عند غير الحنفية.\r6) ـ دفع المال للمحجور وترشيد المحجور :\rقال الحنفية (2) : لو دفع الوصي المال إلى اليتيم قبل ظهور رشده (3) بعد البلوغ والإدراك، فضاع المال، ضمن الوصي عند الصاحبين؛ لأنه دفعه إلى من ليس له أن يدفع إليه. وظهور الرشد يكون بالبينة. أما إذا ظهر رشده ولو قبل الإدراك، فدفع إليه فلا يضمن.\rوقال أبو حنيفة بعدم الضمان إذا دفعه إليه بعد خمس وعشرين سنة؛ لأن له حينئذ ولاية الدفع إليه.\rوكذلك قال المالكية (4) : مثل الصاحبين: لا يقبل قول الوصي في الدفع لمال المحجور بعد الرشد إلا ببينة، ولو طال الزمن بعد الرشد، قال تعالى: {فإذا دفعتم إليهم أموالهم، فأشهدوا عليهم، وكفى بالله حسيباً} [النساء:6/4].\rوقال الحنفية: الأصل أن كل شيء كان الوصي مسلطاً عليه، فإنه يصدق فيه، ومالا فلا، فيقبل قول الوصي فيما يدعيه من الإنفاق بلا بينة إلا في مسائل أهمها ما يأتي:\r-------------------------------\r(1) الدر المختار: 504/5.\r(2) المرجع السابق: ص 501.\r(3) الرشد: هو كونه مصلحاً في ماله.\r(4) الشرح الصغير: 612/4.","part":10,"page":285},{"id":6473,"text":"إذا ادعى قضاء دين الميت من ماله بعد بيع التركة، قبل قبض ثمنها. أو أن اليتيم استهلك في صغره مال شخص آخر، فدفع ضمانه، أو أذن له بتجارة، فلحقته ديون، فقضاها عنه، أو ادعى أداء خراج أرضه وكان ادعاؤه في وقت الادعاء أي يوم الخصومة لا يصلح للزراعة، أوأنفق على محرمه الذي مات.\rأو أنفق على اليتيم في ذمته، أو من مال نفسه حال غيبة ماله، وأراد الرجوع.\rأو أنه زوَّج اليتيم امرأة، ودفع مهرها من ماله، وهي الآن ميتة، ولم يقر اليتيم بالزواج. فإن أقر اليتيم بالتزويج، فللوصي الرجوع بالمهر، سواء أكانت المرأة حية أم ميتة.\rأو اتجر الوصي وربح، ثم ادعى أنه كان مضارباً.\rففي هذه الأحوال يكون القول لليتيم، والوصي ضامن، إلا أن يبرهن بالبينة.\rويرى الحنابلة (1) : أن الوصي لا يقبل قوله إلا ببينة كمدعي الدين، إلا في حال الضرورة كنفقات التجهيز والتكفين في السفر.\r7) ـ شهادة الأوصياء :\rقال أبو حنيفة (2) : تبطل شهادة الوصيين لوارث صغير بمال مطلقاً (3) ، ولوارث كبير بمال الميت، وتصح شهادتهما بغير مال الميت لانقطاع ولايتهما عنه، فلا تهمة حينئذ؛ لأن الميت أقام الوصي مقام نفسه في تركته لا في غيرها.\rأما بطلان الشهادة للوارث الصغير، فلأن للوصي ولاية التصرف في ماله، فتكون شهادة الوصيين مظهرة ولاية التصرف لأنفسهما في المشهود به، وأما بطلان الشهادة للوارث الكبير، فلأن للوصي ولاية الحفظ وولاية بيع المنقول عند غيبة الوارث، فتحققت التهمة. وهذا هو الراجح لدى الحنفية.\r-------------------------------\r(1) كشاف القناع: 441/4.\r(2) الدر المختار: 505/5، الهداية مع تكملة الفتح: 503/8.\r(3) أي سواء انتقل إليه من الميت أم لا؛ لأن التصرف في مال الصغير للوصي، سواء أكان من التركة أم لا.","part":10,"page":286},{"id":6474,"text":"وقال الصاحبان: إن شهد الوصيان لوارث كبير، جازت الشهادة في الوجهين، أي سواء بمال الميت أو بغير مال الميت؛ لأنه لا يثبت لهما ولاية التصرف في التركة إذا كانت الورثة كباراً، فعريت الشهادة عن التهمة.\r8) ـ رجوع الوصي على مال اليتيم :\rقال الحنفية (1) : يرجع الوصي في مال الطفل إذا باع ما أصابه من التركة، وهلك ثمنه معه، فاستحق المال المبيع، ثم يرجع الطفل على الورثة بحصته، لانتقاض القسمة باستحقاق ما أصابه.\r9) ـ فض النزاع بين الوصي والموصى عليه :\rالوصي أمين في رأي جمهور الفقهاء (2) ، فلا يضمن هلاك مال الموصى عليه، ويقبل قوله بيمينه إذا بلغ الصبي واختلف هو والوصي في النفقة أو مقدارها.\rوبناء عليه قال الشافعية: فلو قال الوصي: أنفقت عليك، وقال الصبي: لم تنفق علي، فالقول قول الوصي؛ لأنه أمين، وتتعذر عليه إقامة البينة على النفقة.\rوإن اختلفا في قدر النفقة، فقال الوصي: أنفقت عليك في كل سنة مائة دينار، وقال الصبي: بل أنفقت علي خمسين ديناراً، فإن كان ما يدعيه الوصي من النفقة بالمعروف، فالقول قوله؛ لأنه أمين، وإن كان أكثر من النفقة بالمعروف، فعليه الضمان؛ لأنه فرط في الزيادة.\rوإن اختلفا في المدة: فقال الوصي: أنفقت عشر سنين، وقال الصبي: خمس سنين، ففيه وجهان، قال أكثر الشافعية: إن القول قول الصبي؛ لأنه اختلاف في مدة، الأصل عدمها. وقال الاصطخري: إن القول قول الوصي، كما لو اختلفا في قدر النفقة.\rوإن اختلفا في دفع المال إلى الولد بعد البلوغ والرشد، صدق الولد بيمينه على الصحيح، لمفهوم آية: {فأشهدوا عليهم} [النساء:6/4].\r-------------------------------\r(1) الدر المختار: 500/5.\r(2) الدر المختار: 500/5، 508، الشرح الصغير: 611/4، المهذب: 464/1، مغني المحتاج: 78/3.","part":10,"page":287},{"id":6475,"text":"10) ـ جُعْل الوصي وانتفاعه بمال الموصى عليه :\rقال الحنفية (1) : الصحيح أنه لا أجر لوصي الميت، لكن له استحساناً الأكل من مال اليتيم إذا كان محتاجاً لما يأتي، وإذا امتنع عن القيام بالوصية إلا بأجر لا يجبر على العمل؛ لأنه متبرع، ولا جبر على المتبرع. فإذا رأي القاضي أن يجعل له أجرة المثل فلا مانع منه.\rوله الأكل من مال اليتيم وركوب دوابه بقدر الحاجة، لقوله تعالى: {ومن كان فقيراً، فليأكل بالمعروف } [النساء:6/4].\rأما وصي القاضي فإن نصبه بأجر مثله، جاز.\rوذكر الحنابلة (2) أنه يجوز أن يجعل الموصي أو الحاكم للوصي جُعْلاً معلوماً كالوكالة.\r11) ـ عزل الوصي :\rاتفق الفقهاء على أن الوصي ينعزل بالحالات التالية (3) :\rأولاً ـ بإرادة الموصي أو الوصي أو القاضي: للموصي عزل الوصي متى شاء، وللوصي عزل نفسه في حياة الموصي وبعد موته، كالوكالة؛ لأن العقد غير لازم، وينعزل الوصي بعزل الموصي وإن لم يبلغه العزل بخلاف الوكيل عند أبي حنيفة. وينعزل أيضاً بعزل القاضي وإن جار القاضي في العزل، ولكنه يأثم. وجواز عزل الوصي نفسه مقيد بما إذا لم تتعين عليه الوصية، ولم يغلب على ظنه تلف المال باستيلاء ظالم من قاض وغيره، فحينئذ ليس له عزل نفسه.\rثانياً ـ بالعجز التام أو الخيانة: لو ظهر للقاضي عجز الوصي أصلاً، استبدل به غيره ويجب عزل الوصي بالخيانة.\rثالثاً ـ بالموت أو الجنون أو الفسق، لاستحالة التصرف بالموت. وعدم المصلحة في الجنون والفسق.\rرابعاً ـ بانتهاء الغاية من الوصاية أو انتهاء مدتها: فمن أوصي له في شيء معين، لم يصر وصياً في غيره، وتنتهي الوصاية بانتهاء الغاية منها، وبانتهاء المدة المقررة لها؛ لأن الوصي يتصرف بالإذن، فكان تصرفه على حسب الإذن.\r-------------------------------\r(1) الدر المختار ورد المحتار: 503/5 وما بعدها، 512.\r(2) كشاف القناع: 441/4. والجعل: ما جعل للإنسان من شيء على فعل.\r(3) الدرالمختار ورد المحتار: 495/5 ومابعدها، الشرح الصغير: 606/4، 609، الشرح الكبير: 453/4، المهذب: 463/1، مغني المحتاج: 75/3، كشاف القناع: 440/4، 442، غاية المنتهى: 378/2-380.","part":10,"page":288},{"id":6476,"text":"12) ـ الإنفاق للضرورة :\rقال الحنابلة (1) : إن مات إنسان لا وصي له، ولا حاكم ببلده الذي مات فيه، أو مات في صحراء ونحوها كجزيرة لا عمران بها، جاز لمسلم حضره حيازة تركته، وتولي أمر تجهيزه، ويفعل الأصلح في التركة من بيع وحفظ وحمل للورثة؛ لأنه موضع ضرورة لحفظ مال المسلم عليه. ويكفنه من تركته إن كان له تركة، وإن لم يكن له تركة جهزه من عنده، ورجع بما جهزة بالمعروف على تركته حيث كانت، أو على من يلزمه كفنه إن لم يترك شيئاً، لأنه قام عنه بواجب. وذلك إن نوى الرجوع أو استأذن حاكماً في تجهيزه. فإن نوى التبرع فلا رجوع له، كما لا رجوع له إن لم ينو تبرعاً ولا رجوعاً.\r-------------------------------\r(1) كشاف القناع: 445/4.","part":10,"page":289},{"id":6477,"text":"البَابُ الخامس: الوَقْف\rفيه عشرة فصول:\rالأول ـ تعريف الوقف ومشروعيته وصفته وركنه.\rالثاني ـ أنواع الوقف ومحله.\rالثالث ـ حكم الوقف ومتى يزول ملك الواقف؟.\rالرابع ـ شروط الوقف.\rالخامس ـ إثبات الوقف شرعاً وقانوناً.\rالسادس ـ مبطلات الوقف،\rالسابع ـ نفقات الوقف.\rالثامن ـ استبدال الوقف وبيعه حالة الخراب.\rالتاسع ـ الوقف في مرض الموت.\rالعاشر ـ ناظر الوقف (تعيينه، وشروطه، ووظيفته، وعزله).\rوأبدأ ببيانها مستعيناً بالله تعالى.\rالفَصْلُ الأوّل : تعريف الوقف ومشروعيَّته وصفته وركنه :\rأولاً ـ تعريف الوقف :\rالوقف والتحبيس والتسبيل بمعنى واحد، وهو لغة: الحبس عن التصرف. يقال: وقفت كذا: أي حبسته، ولا يقال: أوقفته إلا في لغة تميمية، وهي رديئة، وعليها العامة. ويقال: أحبس لا حبَس، عكس وقف، فالأولى فصيحة، والثانية رديئة. ومنه: الموقف لحبس الناس فيه للحساب. ثم اشتهر إطلاق كلمة الوقف على اسم المفعول وهوا لموقوف. ويعبر عن الوقف بالحبس، ويقال في المغرب: وزير الأحباس.\rوالوقف شرعاً له في المذاهب تعاريف ثلاثة:\rالتعريف الأول ـ لأبي حنيفة (1) : وهو حبس العين على حكم ملك الواقف، والتصدُّق بالمنفعة على جهة الخير. وبناء عليه لا يلزم زوال الموقوف عن ملك الواقف ويصح له الرجوع عنه، ويجوز بيعه؛ لأن الأصح عند أبي حنيفة أن الوقف جائز غير لازم كالعارية، فلا يلزم إلا بأحد أمور ثلاثة (2) :\r1ً - أن يحكم به الحاكم المولى لا المحكَّم، بأن يختصم الواقف مع الناظر، لأنه يريد أن يرجع بعلة عدم اللزوم، فيقضي الحاكم باللزوم، فيلزم؛ لأنه أمر مجتهد فيه، وحكم الحاكم يرفع الخلاف.\r2ً - أو أن يعلقه الحاكم بموته: فيقول: إذا مت فقد وقفت داري مثلاً على كذا، فيلزم كالوصية من الثلث بالموت، لا قبله.\r-------------------------------\r(1) فتح القدير: 37/5-40، 62، اللباب: 180/2، الدر المختار: 391/3.\r(2) ولكن الأصح المفتى به كما سيأتي هو قول الصاحبين.","part":10,"page":290},{"id":6478,"text":"3ً - أن يجعله وقفاً لمسجد، ويفرزه عن ملكه، ويأذن بالصلاة فيه: فإذا صلى فيه واحد، زال ملكه عن الواقف عند أبي حنيفة. أما الإفراز فلأنه لا يخلص لله تعالى إلا به، وأما الصلاة فيه، فلأنه لا بد من التسليم عنده وعند محمد، وتسليم الشيء بحسب نوعه، وهو في المسجد بالصلاة فيه.\rوقد استدل أبو حنيفة على رأيه بدليلين:\r1ً - قوله عليه الصلاة والسلام: «لا حبس عن فرائض الله » (1) فلو كان الوقف يخرج المال الموقوف عن ملك الواقف، لكان حبساً عن فرائض الله ؛ لأنه يحول بين الورثة وبين أخذ نصيبهم المفروض.\rلكن لا يدل هذا الحديث مع ضعفه على مقصود الإمام، لأن المراد به إبطال عادة الجاهلية بقصر الإرث على الذكور الكبار، دون الإناث والصغار.\r2ً - ما روي عن القاضي شريح أنه قال: « جاء محمد صلّى الله عليه وسلم ببيع الحبس» فإذا جاء الرسول صلّى الله عليه وسلم بذلك، فليس لنا أن نستحدث حبساً آخر، إذ الوقف تحبيس العين، فهو غير مشروع.\rولكن لا دلالة أيضاً في هذا القول على مطلوب الإمام؛ لأن الحبس الممنوع هو ماكان يحبس للأصنام والأوثان، وقد جاء الرسول صلّى الله عليه وسلم ببيعه وإبطاله قضاء على الوثنية. أما الوقف فهو نظام إسلامي محض. قال الإمام الشافعي: «لم يحبس أهل الجاهلية فيما علمت، إنما حبس أهل الإسلام» .\rالتعريف الثاني ـ للجمهور وهم الصاحبان وبرأيهما يفتى عند الحنفية، والشافعية والحنابلة في الأصح (2) : وهو حبس مال يمكن الانتفاع به، مع بقاء عينه، بقطع التصرف في رقبته من الواقف وغيره، على مصرف مباح موجود ـ أو بصرف ريعه على جهة بر وخير ـ تقرباً إلى الله تعالى. وعليه يخرج المال عن ملك الواقف، ويصير حبيساً على حكم ملك الله تعالى (3) ، ويمتنع على الواقف تصرفه فيه، ويلزم التبرع بريعه على جهة الوقف.واستدلوا لرأيهم بدليلين:\r1ً - حديث ابن عمر: «أن عمر أصاب أرضاً من أرض خيبر، فقال: يا رسول الله ، أصبتُ أرضاً بخيبر، لم أُصب مالاً قط أنفسَ عندي منه، فما تأمرني؟ فقال: إن شئت حبَّست أصلها وتصدقت بها، فتصدَّق بها عمر، على ألا تباع ولا توهب ولا تورث، في الفقراء وذوي القربى والرّقاب والضيف وابن السبيل، لا جناح على من وليها أن يأكل منها بالمعروف، ويُطْعِم غير متموِّل» (4) أي غير متخذ منها مالاً أي ملكاً. قال ابن حجر في الفتح: «وحديث عمر هذا أصل في مشروعية الوقف» .\r-------------------------------\r(1) رواه الدارقطني عن ابن عباس، وفيه ابن لهيعة أخوه عيسى ضعيفان.\r(2) مراجع الحنفية السابقة، مغني المحتاج: 376/2، كشاف القناع: 267/4، غاية المنتهى: 299/2.\r(3) المراد أنه لم يبق على ملك الواقف، ولا انتقل إلى ملك غيره، بل صار على حكم ملك الله تعالى الذي لا ملك فيه لأحد سواه، هذا هو المراد وإلا فالكل ملك لله تعالى.\r(4) رواه الجماعة (نيل الأوطار: 20/6).","part":10,"page":291},{"id":6479,"text":"وهو يدل على منع التصرف في الموقوف؛ لأن الحبس معناه المنع، أي منع العين عن أن تكون ملكاً، وعن أن تكون محلاً لتصرف تمليكي. لكن يلاحظ أن هذا الحديث لا يدل على خروج المال الموقوف عن ملك الواقف.\r2ً - استمر عمل الأمة منذ صدر الإسلام إلى الآن على وقف الأموال على وجوه الخير، ومنع التصرف فيها من الواقف وغيره.\rالتعريف الثالث ـ للمالكية (1) : وهو جعل المالك منفعة مملوكة، ولو كان مملوكاً بأجرة، أو جعل غلته كدراهم، لمستحق، بصيغة، مدة ما يراه المحبِّس. أي إن المالك يحبس العين عن أي تصرف تمليكي، ويتبرع بريعها لجهة خيرية، تبرعاً لازماً، مع بقاء العين على ملك الواقف، مدة معينة من الزمان، فلا يشترط فيه التأبيد. ومثال المملوك بأجرة: أن يستأجر داراً مملوكة أو أرضاً مدة معلومة، ثم يقف منفعتها لمستحق آخر غيره في تلك المدة. وبه يكون المراد من «المملوك» إما ملك الذات أو ملك المنفعة.\rالوقف عند المالكية لايقطع حق الملكية في العين الموقوفة، وإنما يقطع حق التصرف فيها. واستدلوا على بقاء الملك في العين الموقوفة بحديث عمر المتقدم، حيث قال له الرسول عليه الصلاة والسلام: «إن شئت حبَّست أصلها، وتصدقت بها» ففيه إشارة للتصدق بالغلة، مع بقاء ملكية الموقوف على ذمة الواقف، ومنع أي تصرف تمليكي فيه للغير، بدليل فهم عمر: «على ألا تباع، ولا توهب، ولاتورث» .\rوهذا يشبه ملك المحجور عليه لسفه أي تبذير، فإن ملكه باق في ماله، ولكنه ممنوع من بيعه وهبته. وهذا الرأي أدق دليلاً، ولكن التعريف الثاني أشهر عند الناس.\rواتفق العلماء في وقف المساجد أنها من باب الإسقاط والعتق، لا ملك لأحد فيها، وأن المساجد لله تعالى.\r-------------------------------\r(1) الشرح الكبير: 76/4، الشرح الصغير: 97/4-98، الفروق: 111/2.","part":10,"page":292},{"id":6480,"text":"ثانياً ـ مشروعية الوقف وحكمته أو سببه: الوقف عند الجمهور غير الحنفية سنة مندوب إليها، فهو من التبرعات المندوبة، لقوله تعالى: {لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون} [آل عمران:92/3] وقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم، ومما أخرجنا لكم من الأرض} [البقرة:267/2] فهو بعمومه يفيد الإنفاق في وجوه الخير والبر، والوقف: إنفاق المال في جهات البر.\rولقوله صلّى الله عليه وسلم في حديث عمر المتقدم: «إن شئت حبَّست أصلها، وتصدقت بها» وقوله عليه الصلاة والسلام: «إذا مات ابن آدم، انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به من بعده، أو ولد صالح يدعو له» (1) والولد الصالح: هو القائم بحقوق الله تعالى وحقوق العباد.\rوأكثر أهل العلم من السلف ومن بعدهم على القول بصحة الوقف، وكان وقف عمر مئة سهم من خيبر أول وقف في الإسلام على المشهور. وقال جابر رضي الله عنه: ما بقي أحد من أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلم له مقدرة إلا وقف.\rوالوقف من خصائص الإسلام، قال النووي: وهو مما اختص به المسلمون، قال الشافعي: لم يحبس أهل الجاهلية داراً ولا أرضاً فيما علمت.\rويلاحظ أن القليل من أحكام الوقف ثابت بالسنة، ومعظم أحكامه ثابت باجتهاد الفقهاء بالاعتماد على الاستحسان والاستصلاح والعرف.\rوحكمة الوقف أو سببه: في الدنيا بر الأحباب، وفي الآخرة تحصيل الثواب، بنية من أهله (2) .\r-------------------------------\r(1) قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.\r(2) الدر المختار ورد المحتار: 392/3، 399-401.","part":10,"page":293},{"id":6481,"text":"وقال الحنفية: الوقف مباح بدليل صحته من الكافر، وقد يصبح واجباً بالنذر، فيتصدق بالعين الموقوفة أو بثمنها. ولو وقفها على من لا تجوز له الزكاة كالأصول والفروع، جاز في الحكم، أي صح الوقف في حكم الشرع لصدوره من أهله في محله، لكن لا يسقط به النذر؛ لأن الصدقة الواجبة لا بد من أن تكون لله تعالى على الخلوص، وصرفها إلى من لا تجوز شهادته له: فيه نفع له، فلم تخلص لله تعالى، كما لو صرف إليه الكفارة أو الزكاة، وقعت صدقة، وبقيت في ذمته (1) .\rثالثاً ـ صفة الوقف :\rالوقف عند أبي حنيفة جائز غير لازم، يجوز الرجوع عنه، فهو تبرع غير لازم، إلا فيما استثناه سابقاً، وهو بمنزلة الإعارة غير اللازمة، فله أن يرجع فيه متى شاء، ويبطل بموته، ويورث عنه، كما هو المقرر في حكم الإعارة (2) .\rوهو عند محمد بن الحسن والشافعية والحنابلة (3) : إذا صح صار لازماً لاينفسخ بإقالة ولا غيرها، وينقطع تصرف الواقف فيه، ولا يملك الرجوع عنه، ويزول ملكه عن العين الموقوفة، لحديث عمر المتقدم: «إن شئت حبَّست أصلها، وتصدقت بها، لاتباع ولا توهب ولا تورث» وهو بمنزلة الهبة والصدقة. فلا بد فيه لترتيب آثاره الشرعية من تسليمه إلى الجهة الموقوف عليها، كسائر التبرعات. ولا يجوز عند محمد وقف مشاع قابل للقسمة.\rورأى أبو يوسف: أن الوقف إسقاط ملك، كالطلاق والإعتاق فإنه إسقاط للملك عن الزوجة والعبد، فيتم بمجرد التلفظ، ولا يشترط فيه التسليم، ويصح وقف المشاع القابل للقسمة من غير إفراز، وهذا هو المفتى به عند الحنفية؛ لأنه أحوط وأسهل.\r-------------------------------\r(1) المرجع والمكان السابق.\r(2) المرجع السابق: ص 394.\r(3) فتح القدير: 45/5، المهذب: 442/1، كشاف القناع: 278/4، غاية المنتهى: 325/2.","part":10,"page":294},{"id":6482,"text":"والوقف عند المالكية (1) : إن صح لزم، ولا يتوقف على حكم الحاكم، حتى لو لم يحز (يقبض) وحتى لو قال الواقف: ولي الخيار، فإن أراد الواقف الرجوع فيه، لا يمكَّن، وإذا لم يُحَز أجبر على إخراجه من تحت يده للموقوف عليه. وهو في حال الحياة من قبيل الإعارة اللازمة، وبعد الوفاة من قبيل الوصية بالمنفعة، وعليه ليس للواقف في حال الصحة الرجوع عن الوقف قبل حصول المانع، ويجبر على القبض (التحويز) إلاإذا شرط لنفسه الرجوع، فله ذلك، أما الواقف في حال المرض، فله الرجوع فيه؛ لأنه كالوصية.\rرابعاً ـ ركن الوقف :\rقال الحنفية (2) : ركن الوقف هي الصيغة، وهي الألفاظ الدالة على معنى الوقف، مثل أرضي هذه موقوفة مؤبدة على المساكين ونحوه من الألفاظ، مثل: موقوفة لله تعالى، أو على وجه الخير، أو البر، أو موقوفة فقط، عملاً بقول أبي يوسف، وبه يفتى للعرف. وقد يثبت الوقف بالضرورة مثل: أن يوصي بغلة هذه الدار للمساكين أبداً، أو لفلان وبعده للمساكين أبداً، فتصير الدار وقفاً بالضرورة، إذ كلامه يشبه القول: إذا مت فقد وقفت داري على كذا.\rركن الوقف عندهم: هو الإيجاب الصادر من الواقف الدال على إنشاء الوقف. وهذا على أن معنى الركن: هو جزء الشيء الذي لا يتحقق إلا به. ويكون الوقف بناء عليه كالوصية تصرفاً يتم بإرادة واحدة هي إرادة الواقف نفسه، وهي التي يعبر عنها بإيجاب الواقف.\r-------------------------------\r(1) الشرح الكبير: 75/4، الشرح الصغير: 107/4.\r(2) الدر المختار : 393/3، فتح القدير: 39/5-40.","part":10,"page":295},{"id":6483,"text":"وقال الجمهور (1) : للوقف أركان أربعة: هي الواقف، والموقوف، والموقوف عليه، والصيغة: باعتبار أن الركن: ما لا يتم الشيء إلا به، سواء أكان جزءاً منه أم لا.\rأما القبول من الموقوف عليه: فليس ركناً في الوقف عند الحنفية على المفتى به، والحنابلة كما ذكر القاضي أبو يعلى، ولا شرطاً لصحة الوقف ولا للاستحقاق فيه، سواء أكان الموقوف عليه معيناً أم غير معين، فلو سكت الموقوف عليه، فإنه يستحق من ريع الوقف، فيصير الشيء وقفاً بمجرد القول؛ لأنه إزالة ملك يمنع البيع والهبة والميراث، فلم يطلب فيه القبول، كالعتق، لكن إذا كان الموقوف عليه معيناً، كالوقف على خالد أو محمد، ورد الوقف، فلا يستحق شيئاً من ريع الوقف وإنما ينتقل إلى من يليه ممن عينه الواقف بعده متى وجد، فإن لم يوجد عاد الموقوف للواقف أو لورثته إن وجدوا وإلا فلخزانة الدولة، ولكن لا يبطل الوقف برده، ويكون رده وقبولهما وعدمهما واحداً كالعتق؛ لأن ركن الوقف وهو إيجاب الواقف قد تحقق. أخذ القانون المصري (م 9) رقم (48) لسنة (1946) بهذا الرأي، حيث لم يجعل القبول شرطاً للاستحقاق، والمادة (17) بينت انتهاء الوقف. ولكن قال الحنفية: لو وقف لشخص بعينه، ثم للفقراء، اشترط قبوله في حقه، فإن قبله فالغلة له، وإن رده فللفقراء. ومن قبل فليس له الرد بعده، ومن رده أول الأمر ليس له القبول بعده.\rويعد القبول عند المالكية والشافعية وبعض الحنابلة ركناً إذا كان الوقف على معين إن كان أهلاً للقبول، وإلا فيشترط قبول وليه كالهبة والوصية.\rواشترطت المادة التاسعة المذكورة قبول الممثل القانوني إذا كان الوقف على جهة لها من يمثلها قانوناً كالأزهر أوالجامعة. وهذا من قبيل سد الذرائع أمام تدخل الواقفين بشؤون هذه الجهة، أو محاولة السيطرة عليها لأغراض معينة بقصد العبث والفساد. فإن لم يقبل من يمثل الجهة، انتقل الاستحقاق لمن يليها متى وجد، وإن لم يوجد أصلاً، أخذ الموقوف حكم الوقف المنتهي المبين في المادة 17.\r-------------------------------\r(1) رد المحتار: 395/3، القوانين الفقهية: ص 369 ومابعدها، الشرح الصغير: 101/4 ومابعدها، مغني المحتاج: 376/2، 383، غاية المنتهى: 299/2، المغني: 547/5، كشاف القناع: 279/4، الفروق: 111/2.","part":10,"page":296},{"id":6484,"text":"الفَصْلُ الثَّاني : أنواع الوقف ومحلّه :\rينقسم الوقف بحسب الجهة الأولى التي وقف عليها في الابتداء على نوعين: خيري، وأهلي أو ذُرّي (1) .\rأما الوقف الخيري: فهو الذي يوقف في أول الأمر على جهة خيرية، ولو لمدة معينة، يكون بعدها وقفاً على شخص معين أو أشخاص معينين. كأن يقف أرضه على مستشفى أو مدرسة، ثم من بعد ذلك على نفسه وأولاده.\rوأما الوقف الأهلي أو الذُّرِّي: فهو الذي يوقف في ا بتداء الأمر على نفس الواقف أو أي شخص أو أشخاص معينين، ولو جعل آخره لجهة خيرية، كأن يقف على نفسه، ثم على أولاده، ثم من بعدهم على جهة خيرية.\rو نص القانون المصري م (180) لسنة 1952م، والقانون السوري لسنة (1949) على انتهاء أو إلغاء الوقف الأهلي لتصفية مشكلاته المعقدة. وبقي الوقف الخيري جائزاً.\r-------------------------------\r(1) الوقف للأستاذ الشيخ عيسوي: ص 21.","part":10,"page":297},{"id":6485,"text":"وأما محل الوقف: فهو المال الموجود المتقوم (1) من عقار: أرض أو دار بالإجماع، أو منقول ككتب وثياب وحيوان وسلاح، لقوله : «وأما خالد، فإنكم تظلمون خالداً، فإنه احتبس أدرعه وأعتده في سبيل الله » (2) ، واتفقت الأمة على وقف الحصر والقناديل في المساجد من غير نكير.\rويصح وقف الحلي للبس والإعارة؛ لأنه عين الانتفاع بها دائماً، فصح وقفها كالعقار، ولما روى الخلال بإسناده عن نافع قال: ابتاعت حفصة حلياً بعشرين ألفاً، فحبسته على نساء آل الخطاب، فكانت لا تخرج زكاته.\rوشرط الحنفية في الوقف المنقول: أن يكون تابعاً للعقار، أو جرى به التعامل عرفاً، كوقف الكتب وأدوات الجنازة.\rويصح وقف المشاع من عقار أو منقول؛ لأن عمر رضي الله عنه وقف مئة سهم في خيبر مشاعاً (3) .\rوقد وضع الحنابلة وغيرهم ضابطاً لما يجوز وقفه، وما لا يجوز، فقالوا: الذي يجوز وقفه هو كل ما جاز بيعه، وجاز الانتفاع به، مع بقاء عينه، وكان أصلاً يبقى بقاء متصلاً كالعقار والحيوانات والسلاح والأثاث وأشباه ذلك.\rوما لا ينتفع به إلا بالإتلاف مثل الدنانير والدراهم (النقود) وما ليس بحلي، والمأكول والمشروب والشمع وأشباهه، لا يصح وقفه في قول جماعة من الفقهاء؛ لأن الوقف تحبيس الأصل، وتسبيل الثمرة، وما لا ينتفع به إلا بالإتلاف لا يصح فيه الوقف؛ لأنه لا يمكن الانتفاع به على الدوام. إلا أن متقدمي الحنفية أجازوا وقف الدنانير والدراهم والمكيل والموزون، لكن الظاهر أنه لا يجوز الآن لعدم التعامل به كما سيأتي.\rولا يصح وقف الحمل؛ لأنه تمليك منجز، فلم يصح في الحمل وحده، كالبيع.\rقال ابن جزي المالكي: يجوز تحبيس العقار كالأرضين والديار والحوانيت والجنات، والمساجد، والآبار، والقناطر والمقابر، والطرق وغير ذلك. ولا يجوز تحبيس الطعام لأن منفعته في استهلاكه، ولكن نص الإمام مالك وتبعه الشيخ خليل على جواز وقف الطعام والنقد، وهو المذهب وينزل رد بدله منزلة بقاء عينه.\r-------------------------------\r(1) الدر المختار ورد المحتار: 393/3، الشرح الصغير: 101/4 ومابعدها، المهذب: 440/1، مغني المحتاج: 377/2، المغني: 583/5-585، تكملة المجموع: 577/14.\r(2) رواه الشيخان من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. وأعتده ـ وهو الصواب ـ جمع عتاد: وهو كل ما أعده من السلاح والدواب.\r(3) رواه الشافعي.","part":10,"page":298},{"id":6486,"text":"وبيان الرأي الفقهي في بعض أنواع المال الموقوف:\r1 ً - وقف العقار: يصح وقف العقار (1) من أرض ودور وحوانيت وبساتين ونحوها بالاتفاق (2) ؛ لأن جماعة من الصحابة رضوان الله عليهم وقفوه، مثلما تقدم من وقف عمر رضي الله عنه أرضه في خيبر، ولأن العقار متأبد يبقى على الدوام.\rلكن بين الحنفية أنه لا يشترط لصحة الوقف تحديد العقار؛ لأن الشرط كونه معلوماً، أو إذا كانت الدار مشهورة معروفة، صح وقفها كما قال ابن الهمام في الفتح، وإن لم تحدد، استغناء بشهرتها عن تحديدها. وأفتى متأخرو الحنفية استثناء من قولهم بعدم تقوم المنافع بضمان غصب عقار الوقف وغصب منافعه أو إتلافها، كما إذا سكن فيه شخص بلا إذن أو أسكنه ناظر الوقف بلا أجر، وعليه أجر المثل، ولو كان غير معد للاستغلال، صيانة للوقف، كما أنه يفتى بضمان مال اليتيم والمال المعد للاستغلال، وبكل ما هو أنفع للوقف فيما اختلف العلماء فيه.\r-------------------------------\r(1) هو الأرض مبنية أو غير مبنية.\r(2) الدر المختار: 408/3، 439، فتح القدير: 48/5 وما بعدها، الكتاب مع اللباب: 182/2، الشرح الكبير: 76/4، القوانين الفقهية: ص 369، مغني المحتاج: 377/2، المهذب: 440/1، المغني: 585/5.","part":10,"page":299},{"id":6487,"text":"2 ً - وقف المنقول: اتفق الجمهور (1) غير الحنفية على جواز وقف المنقول مطلقاً، كآلات المسجد كالقنديل والحصير، وأنواع السلاح والثياب والأثاث، سواء أكان الموقوف مستقلاً بذاته، ورد به النص أو جرى به العرف، أم تبعاً لغيره من العقار، إذ لم يشترطوا التأبيد لصحة الوقف، فيصح كونه مؤبداً أو مؤقتاً، خيرياً أو أهلياً.\rوأخذ القانون المصري (م 8) بهذا الرأي، فأجاز وقف العقار والمنقول.\rولم يجز الحنفية (2) وقف المنقول ومنه عندهم البناء والغراس إلا إذا كان تبعاً للعقار، أو ورد به النص كالسلاح والخيل، أو جرى به العرف كوقف الكتب والمصاحف والفأس والقدوم والقدور (الأواني) وأدوات الجنازة وثيابها، والدنانير والدراهم، والمكيل والموزون، والسفينة بالمتاع، لتعامل الناس به، والتعامل ـ وهو الأكثر استعمالاً ـ يترك به القياس، لخبر ابن مسعود: «ما رآه المسلمون حسناً، فهو عند الله حسن» ولأن الثابت بالعرف ثابت بالنص، هذا مع العلم أن وقف البناء صار متعارفاً، بخلاف ما لا تعامل فيه كثياب ومتاع، وهذا قول محمد، المفتى به. ويباع المكيل والموزون ويدفع ثمنه مضاربة أو مباضعة، كما يفعل في وقف النقود، وما خرج من الربح يتصدق به في جهة الوقف.\rلكن قال ابن عابدين (3) : وقف الدراهم متعارف في بلاد الروم دون بلادنا، ووقف الفأس والقدوم كان متعارفاً في زمن المتقدمين، ولم نسمع به في زماننا، فالظاهر أنه لا يصح الآن، ولئن وجدنا قليلاً لا يعتبر، لأن التعامل هو الأكثر استعمالاً.\rوالسبب في عدم جواز وقف المنقول عندهم: أن من شرط الوقف التأبيد، والمنقول لا يدوم.\r-------------------------------\r(1) المراجع السابقة.\r(2) الدر المختار ورد المحتار: 409/3 ومابعدها، 427 وما بعدها.\r(3) رد المحتار: 410/3.","part":10,"page":300},{"id":6488,"text":"3 ً - وقف المشاع :\rيجوز عند الجمهور غير المالكية وقف المشاع الذي لا يحتمل القسمة، مع الشيوع، كحصة سيارة؛ لأن الوقف كالهبة، وهبة المشاع غير القابل للقسمة جائزة.\rولم يجز المالكية وقف الحصة الشائعة فيما لا يقبل القسمة؛ لأنه يشترط الحوز عنده لصحة الوقف، وهذا أحد قولين مرجحين في المذهب.\rأما المشاع القابل للقسمة: فقال أبو يوسف ويفتى بقوله: يجوز وقفه؛ لأن القسمة من تمام القبض، والقبض عنده ليس بشرط لتمام الوقف، فكذا تتمته، وهذا موافق لرأي المالكية والشافعية والحنابلة.\rوقال محمد، وأكثر المشايخ أخذوا بقوله: لا يجوز وقف المشاع؛ لأن أصل القبض عنده شرط لتمام الوقف، فكذا ما يتم به، والقبض لا يصح في المشاع.\rقال القاضي أبو عاصم: قول أبي يوسف من حيث المعنى أقوى، إلا أن قول\rمحمد أقرب إلى موافقة الآثار. ولما كثر المصحح من الطرفين، وكان قول أبي يوسف فيه ترغيب للناس في الوقف وهو جهة بر، أطبق المتأخرون من أهل المذهب، على أن القاضي الحنفي والمقلد يخير بين أن يحكم بصحته وبطلانه، وإذا كان الأكثر على ترجيح قول محمد، وبأيها حكم صح حكمه ونفذ، فلا يسوغ له ولا لقاض غيره أن يحكم بخلافه، كما صرح به غير واحد. وقال في البحر: وصح وقف المشاع إذا قضي بصحته؛ لأنه قضاء في مجتهد فيه (1) . وهذا هو المعتمد الذي جرى عليه صاحب الدر المختار، وهو يتمشى مع قوله: ولا يتم الوقف حتى يقبض الموقوف؛ لأن تسليم كل شيء بما يليق به، في المسجد بالإفراز، وفي غيره بنصب المتولي وبتسليمه إياه، وحتى يفرز، فلا يجوز وقف مشاع يقسم، خلافاً لأبي يوسف.\rأما غير الحنفية (2) فقال المالكية: يصح وقف المشترك الشائع فيما يقبل القسمة، ولا يصح فيما لا يقبل القسمة.\rوقال الشافعية والحنابلة: يصح وقف المشاع ولو لم يقبل القسمة، ويجبر عليها الواقف إن أرادها الشريك، ويجبر الواقف على البيع إن أراد شريكه، ويجعل ثمنه في مثل وقفه، بدليل أن عمر وقف مئة سهم من خيبر بإذن رسول الله صلّى الله عليه وسلم ، وهذا صفة المشاع؛ لأن القصد حبس الأصل، وتسبيل المنفعة، والمشاع كالمقسوم في ذلك.\rأما القانون فإنه أخذ في المادة (8) بالرأي الأول، ونص على أنه لا يجوز وقف الحصة الشائعة في عقار غير قابل للقسمة إلا إذا كان الباقي منه موقوفاً، واتحدت الجهة الموقوفة عليها، أو كانت الحصص مخصصة لمنفعة عين موقوفة.\r-------------------------------\r(1) فتح القدير: 45/5، اللباب: 181/2، الدر المختار: 399/3، 409.\r(2) الشرح الكبير: 76/4، المهذب: 441/1، المغني: 586/5، مغني المحتاج: 377/2، غاية المنتهى: 300/2.","part":10,"page":301},{"id":6489,"text":"4 ً - وقف حق الارتفاق :\rقال الشافعية والحنابلة (1) : يجوز وقف علو الدار دون سفلها، وسفلها دون علو؛ لأنهما عينان يجوز وقفهما، فجاز وقف أحدهما دون الآخر، ولأنه يصح بيع العلو أو السفل، ولأنه تصرف يزيل الملك إلى من يثبت له حق الاستقرار والتصرف، فجاز كالبيع.\rوقال الحنفية: لا يصح وقف الحقوق المالية، مثل حق التعلي وباقي حقوق الارتفاق؛ لأن الحق ليس بمال عندهم.\r5 ً - وقف الإقطاعات :\rالإقطاعات: هي أرض مملوكة للدولة، أعطتها لبعض المواطنين ليستغلها ويؤدي الضريبة المفروضة عليها، مع بقاء ملكيتها للدولة.\rفإذا وقف المقطع له هذه الأرض لا يصح وقفه، لأنه ليس مالكاً لها. وكذلك لا يجوز للحكام والولاة والأمراء وقف شيء من هذه الإقطاعات إلا إذا كانت الأرض مواتاً، أو ملكها الإمام، فأقطعها رجلاً. ويجوز لمن أحيا الأرض الموات من الأفراد وقفها؛ لأنه ملكها بالإحياء، ووقف ما يملك (2) .\rقال في الدر المختار: وأغلب أوقاف الأمراء بمصر، إنما هوإقطاعات يجعلونها مشتراة صورة من وكيل بيت المال.\rولو وقف السلطان من بيت المال، لمصلحة عمت، يجوز ويؤجر.\r-------------------------------\r(1) المهذب: 441/1، المغني: 553/5.\r(2) الدر المختار ورد المحتار: 430/3 وما بعدها.","part":10,"page":302},{"id":6490,"text":"ويجوز للسلطان أن يأذن بوقف أرض على مسجد من أراضي البلاد المفتوحة عنوة التي لم تقسم بين الغانمين، إذ لو قسمت صارت ملكاً لهم حقيقة؛ لأنها تصير ملكاً للغانمين بالفتح والقسمة، فيجوز أمر السلطان فيها. أما الأراضي المفتوحة صلحاً فلا ينفذ أمر السلطان بوقفها؛ لأنها تبقى ملكاً لملاكها الأصليين (1) .\rوكذا قال الشافعية (2) : لو وقف الإمام شيئاً من أرض بيت المال، صح.\r6 ً - وقف أراضي الحوز :\rأرض الحوز: هي أرض مملوكة لبعض الأفراد، ولكنهم عجزوا عن استغلالها، فوضعت الحكومة يدها عليها لتستغلها وتستوفي منها ضرائبها. فلا يصح وقفها؛ لأنها ليست مالكة لها، وإنما ما تزال ملكاً لأصحابها.\r7 ً - وقف الإرصاد :\rالإرصاد: أن يقف أحد الحكام أرضاً مملوكة للدولة لمصلحة عامة كمدرسة أو مستشفى. وقد عرف أن هذا جائز بحكم الولاية العامة، ولكن يسمى هذا إرصاداً لا وقفاً حقيقة.\r-------------------------------\r(1) المرجع السابق.\r(2) مغني المحتاج: 377/2.","part":10,"page":303},{"id":6491,"text":"8 ً - وقف المرهون :\rقال الحنفية (1) : يصح للراهن وقف المرهون؛ لأنه يملكه، لكن يبقى حق المرتهن متعلقاً بالمرهون، فإن وفى الدين تطهرت وخلصت العين المرهونة من تعلق حق المرتهن بها، وإلا فله أن يطلب إبطال الوقف وبيع المرهون. وبناء عليه: يجبر القاضي الراهن على دفع ما عليه إن كان موسراً، أما إن كان معسراً فيبطل الوقف ويبيع العين المرهونة فيما عليه من الدين. وكذا لو مات، فإن كان له ما يوفي الدين، ظل الشيء موقوفاً، وإلا بيع وبطل الوقف.\rوقال الجمهور غير الحنفية (2) : لا يصح وقف المرهون.\r9 ً - وقف العين المؤجرة :\rقال الحنفية والحنابلة (3) : لا يملك المستأجر وقف منفعة العين المستأجرة، لأنه يشترط لديهم التأبيد، والإجارة مؤقتة غير مؤبدة. وكذلك قال الشافعية (4) : مالك المنفعة دون الرقبة كالمستأجر والموصى له بالمنفعة لا يصح وقفه إياها، لكن لو وقف المستأجر بناء أو غراساً في أرض مستأجرة له، فالأصح جوازه، ويكفي دوام الوقف إلى قيام مالك الأرض بالقلع بعد مدة الإجارة. والمستعير والموصى له بالمنفعة مثل المستأجر في الحكم. ويصح عندهم للمؤجر وقف الأرض المؤجرة.\rوقال المالكية (5) : للمستأجر وقف منفعة المأجور مدة الإجارة المقررة له، إذ لايشترط لديهم تأبيد الوقف، وإنما يصح لمدة معينة. ولا يصح للمؤجر وقف المأجور.\rوأجاز الحنفية والحنابلة للمؤجر وقف العين المؤجرة؛ لأنه وقف ما يملك، ويبقى للمستأجر الحق في الانتفاع بالعين المستأجرة إلى انتهاء مدة الإجارة، أو تراضيه مع المؤجر على فسخ الإجارة قبل انتهاء مدتها.\rوالخلاصة: يصح عند الجمهور للمؤجر وقف العين المؤجرة، ولا يصح وقفها عند المالكية، ويصح عند المالكية للمستأجر وقف منفعة المأجور، ولا يصح وقفها عند الجمهور.\r-------------------------------\r(1) الدر، المرجع السابق: ص 432 ومابعدها.\r(2) كشاف القناع: 271/4، الشرح الكبير: 77/4.\r(3) الدر المختار: 400/3، 437 وما بعدها، كشاف القناع: 371/4.\r(4) المحلي على المنهاج مع حاشية قليوبي وعميرة: 99/3، مغني المحتاج: 377/2 ومابعدها.\r(5) الشرح الصغير: 98/4، الشرح الكبير: 77/4.","part":10,"page":304},{"id":6492,"text":"الفَصْلُ الثَّالث : حكم الوقف، ومتى يزول ملك الواقف؟\rحكم الوقف: أي الأثر المترتب على حدوث الوقف من الواقف. ويختلف الأثر المترتب باختلاف الآراء الفقهية (1) :\rفعند أبي حنيفة: أثر الوقف هو التبرع بالريع غير لازم، وتظل العين الموقوفة على ملك الواقف، فيجوز له التصرف بها كما يشاء، وإذا تصرف بها اعتبر راجعاً عن الوقف، وإذا مات الواقف ورثها ورثته، ويجوز له الرجوع في وقفه متى شاء، كما يجوز له أن يغير في مصارفه وشروطه كيفما يشاء، وسأخصص بعد بيان المذاهب في حكم الوقف بحثاً عن الرجوع في وقف المسجد وغيره بناء على هذا الرأي.\rوعند الصاحبين وبرأيهما يفتى: إذا صح الوقف خرج عن ملك الواقف، وصار حبيساً على حكم ملك الله تعالى، ولم يدخل في ملك الموقوف عليه، بدليل انتقاله عنه بشرط الواقف (المالك الأول) كسائر أملاكه.\rوإذا صح الوقف لم يجز بيعه ولا تمليكه ولا قسمته، إلا أن يكون الوقف مشاعاً فللشريك بناء على جوازه عند أبي يوسف أن يطلب فيه القسمة، فتصح مقاسمته؛ لأن القسمة تمييز وإفراز، ويغلب في الوقف معنى الإفراز في غير المكيل والموزون الذي يغلب فيه معنى المبادلة، نظراً وملاحظة لمصلحة الوقف. والمفتى به وهو قول الصاحبين جواز قسمة المشاع إذا كانت القسمة بين الواقف وشريكه المالك، أو الواقف الآخر أو ناظره إن اختلفت جهة وقفهما.\rويرى المالكية: أن الموقوف يظل مملوكاً للواقف، لكن تكون المنفعة ملكاً لازماً للموقوف له، فهم كأبي حنيفة، ودليل قول النبي صلّى الله عليه وسلم : «حبّس الأصل، وسبِّل الثمرة» .\r-------------------------------\r(1) الدرا لمختار: 399/3، 402 ومابعدها، البدائع: 220/6 ومابعده، اللباب: 180/2-184، فتح القدير: 45/5، 52، الشرح الصغير: 97/4، القوانين الفقهية: ص 370، الفروق: 111/2، المهذب: 443/1، مغني المحتاج: 389/2، المغني: 546/5، غاية المنتهى: 306/2.","part":10,"page":305},{"id":6493,"text":"والأظهر في مذهب الشافعية: أن الملك في رقبة الموقوف ينتقل إلى الله تعالى، أي ينفك عن اختصاص الآدمي، فلا يكون للواقف ولا للموقوف عليه، ومنافعه ملك للموقوف عليه، يستوفيها بنفسه وبغيره بإعارة وإجارة، ويملك الأجرة وفوائده كثمرة وصوف ولبن، وكذا الولد في الأصح، فهم كالصاحبين.\rوقال الحنابلة في الصحيح من المذهب: إذا صح الوقف زال به ملك الواقف؛ لأنه سبب يزيل التصرف في الرقبة والمنفعة، فأزال الملك كالعتق. وأما خبر «حبّس الأصل وسبل الثمرة» فالمراد به أن يكون محبوساً لا يباع ولا يوهب ولا يورث. وينتقل الملك عندهم في الوقف إلى الله تعالى إن كان الوقف على مسجد ونحوه كمدرسة ورباط وقنطرة وفقراء وغزاة وما أشبه ذلك، وينتقل الملك في العين الموقوفة إلى الموقوف عليه إن كان آدمياً معيناً كزيد وعمرو، أو كان جمعاً محصوراً كأولاده أو أولاد زيد؛ لأن الوقف سبب يزيل التصرف في الرقبة، فملكه المنتقل إليه كالهبة.\rمتى يزول الملك عن الوقف؟\rيزول الملك عن الموقوف في رأي أبي حنيفة (1) بأحد أربعة أسباب:\r1ً - بإفراز مسجد.\r2ً - أو بقضاء القاضي؛ لأنه مجتهد فيه أي يسوغ فيه الاجتهاد والاختلاف بين الأئمة، فيكون الحكم فيه رافعاً للخلاف.\r3ً - أو بالموت إذا علق به، مثل إذا مت فقد وقفت داري على كذا، فالصحيح أنه كوصية تلزم من الثلث بالموت، لا قبله.\r4ً - أو بقوله: وقفتها في حياتي، وبعد وفاتي مؤبداً، وهو جائز عند أئمة الحنفية الثلاثة، لكن عند الإمام ما دام حياً هو نذر بالتصدق بالغلة، فعليه الوفاء، وله الرجوع، فإن لم يرجع حتى مات، نفذ الوقف من الثلث.\rوفي الأمرين الأولين: يزول الملك ويلزم الوقف في حياة الواقف بلا توقف على موته، فاللزوم حالي، كما يلزم أيضاً بالموت.\rأما في الأمرين الآخرين: فيزول الملك ويلزم الوقف بموت الواقف، لكن في\r-------------------------------\r(1) الدر المختار: 395/3-399.","part":10,"page":306},{"id":6494,"text":"حال الحياة يجوز للواقف الرجوع عن الوقف ما دام حياً، غنياً أو فقيراً، بأمر قاض أو غيره.\rولا يتم الوقف بناء على القول بلزومه وبناء على رأي محمد حتى يقبض ويفرز؛ لأنه كالصدقة، ولأن تسليم كل شيء بما يليق به، ففي المسجد بالإفراز، وفي غيره بنصب الناظر (المتولي) بتسليمه إياه، ولا يجوز وقف مشاع يقسم عند محمد، ويجوز عند أبي يوسف، كما تقدم؛ لأن التسليم عنده ليس بشرط، بسبب كون الوقف عنده كالإعتاق.\rواشترط المالكية (1) لصحة الوقف: القبض كالهبة، فإن مات الواقف أو مرض مرض موت أو أفلس قبل القبض (الحوز) بطل الوقف.\rوقال الشافعية (2) : الوقف عقد (3) يقتضي نقل الملك في الحال، علماً بأن الوقف على معين يشترط فيه عندهم القبول متصلاً بالإيجاب إن كان من أهل القبول، وإلا فقبول وليه كالهبة والوصية، أما الوقف على جهة عامة كالفقراء أو على مسجد أو نحوه، فلا يشترط فيه القبول جزماً لتعذره.\rوكذلك قال الحنابلة (4) كالشافعية: يزول الملك ويلزم الوقف بمجرد التلفظ به؛ لأن الوقف يحصل به، لحديث عمر المتقدم: « إن شئت حبَّست أصلها، وتصدقت بها» ولأنه تبرع يمنع البيع والهبة والميراث، فلزم بمجرده كالعتق.\r-------------------------------\r(1) القوانين الفقهية: ص 370.\r(2) مغني المحتاج: 383/2، 385.\r(3) قد يطلق العقد في اصطلاح الفقهاء على الالتزام الذي ينشأ عنه حكم شرعي، سواء أكان صادراً من طرف واحد كالنذر واليمين، أم صادراً من طرفين كالبيع والإجارة، كما يطلق على مجموع الإيجاب والقبول، أو كلام أحد طرفي العقد.\r(4) المغني: 546/5، 587.","part":10,"page":307},{"id":6495,"text":"ويصح في رأي الحنابلة قسمة الوقف عن غيره، باعتبار أن القسمة إفراز على الصحيح على التفصيل الآتي: تجوز القسمة إن لم يكن فيها رد، وكذا إن كان فيها رد من جانب أصحاب الوقف؛ لأن الرد شراء شيء من غير الوقف، أما إن كان فيها رد من غير أصحاب الوقف، فلا تجوز؛ لأنه شراء بعض الوقف، وبيعه غير جائز.\rويطبق التفصيل السابق إن كان المشاع وقفاً على جهتين، فأراد أهله قسمته، فلا تجوز إن كان فيها رد بأي حال.\rومتى جازت القسمة في الوقف، وطلبها أحد الشريكين أو ولي الوقف، أجبر الآخر؛ لأن كل قسمة جازت من غير رد ولا ضرر، فهي واجبة.\rموقف القانون من الرجوع في وقف المسجد وغير المسجد (1) :\rأما الرجوع في وقف المسجد: فقد نص القانون المصري رقم (48 لسنة 1946) ( م 11) على أنه: «لا يجوز الرجوع ولا التغيير في وقف المسجد، ولا فيما وقف عليه» .\rوالمراد بما وقف على المسجد: ما وقف عليه ابتداء من أول الأمر، لا ما وقف عليه انتهاء، بأن وقف على جهة ما أولاً، ثم من بعدها يكون وقفاً على المسجد، تطبيقاً للقانون رقم (78 لسنة 1947) .\rوأخذ القانون هذا الحكم بعدم جواز الرجوع مما اتفق عليه الفقهاء، حتى أبو حنيفة، فإنه وافق الصاحبين على أنه لا يجوز الرجوع في وقف المسجد، ويعد تصرف الواقف لازماً، فلا يجوز للواقف ولا لورثته الرجوع والتغيير فيه؛ لأن وقف المسجد حين يتم يصير خالصاً لله تعالى، وأن المساجد لله ، وخلوصه لله تعالى يقتضي عدم جواز الرجوع فيه.\rأما الرجوع في وقف غير المسجد: فقد أخذ القانون بمذهب أبي حنيفة في حياة الواقف، وبمذهب الصاحبين وباقي الأئمة بعد وفاة الواقف.\r-------------------------------\r(1) راجع الوقف للأستاذ عيسوي: ص 17 ومابعدها.","part":10,"page":308},{"id":6496,"text":"ففي حياة الواقف: نصت المادة (11) من القانون المصري على أنه: «للواقف أن يرجع في وقفه كله أو بعضه، كما يجوز له أن يغير في مصارفه وشروطه، ولو حرم نفسه من ذلك، على ألا ينفذ التغيير إلا في حدود هذا القانون» فهذا يدل على جواز الرجوع عن الوقف والتغيير فيه، ولم يقل بذلك إلا أبو حنيفة.\rوأما بعد وفاة الواقف: فسكت عنه القانون، وما سكت عنه يعمل فيه بالراجح من مذهب أبي حنيفة، والراجح فيه مذهب الصاحبين: وهو أن الوقف تبرع لازم، لا يجوز الرجوع فيه.\rأما الرجوع عن الأوقاف قبل العمل بهذا القانون: فقد نصت المادة (11) على أنه « لا يجوز له الرجوع ولا التغيير فيما وقفه قبل العمل بهذا القانون، وجعل استحقاقه لغيره، إذا كان قد حرم نفسه وذريته من هذا الاستحقاق، ومن الشروط العشرة بالنسبة له، أو ثبت أن هذا الاستحقاق كان بعوض مالي أو لضمان حقوق ثابتة قِبَل الواقف» .\rففي حالة حرمان نفسه وذريته من الاستحقاق: يعتبر عمل الواقف قرينة قاطعة على أنه تصرف هذا التصرف في مقابل يمنعه من الرجوع، ولا حاجة حينئذ إلى تحقيق أو إثبات. وفي حالة كون الاستحقاق بعوض مالي: مثل أن يقف المدين على الدائن وأولاده، ويحرم الواقف نفسه وأولاده من ذلك، يكون الوقف في مقابل عوض.\rوفي حالة كون الاستحقاق لضمان حقوق ثابتة قِبَل الواقف: مثل بيع شخص لقريبه عقاراً بيعاً صورياً، ثم وقف القريب هذا العقار على قريبه الذي باعه له، يترتب على الرجوع إضرار بالناس، وتضييع لحق أصحاب الحقوق، ويكون إثبات ذلك بجميع الأدلة القانونية، ومنها القرائن.","part":10,"page":309},{"id":6497,"text":"الشروط العشرة :\rأباحت المادة الثانية عشرة من قانون الوقف المصري رقم (48 لسنة 1946) للواقف أن يشترط لنفسه الشروط العشرة في وقفه، وأن يشترط تكرارها، واعتبرتها صحيحة، ونصها:\r«للواقف أن يشترط لنفسه لا لغيره الشروط العشرة أو ما يشاء منها وتكرارها، على ألا تنفذ إلا في حدود هذا القانون» أما اشتراط الواقف الشروط العشرة لغيره فهو شرط باطل عملاً بهذه المادة.\rوكلمة الشروط العشرة محدثة الاستعمال في المعنى المراد هنا، ولم ترد في كلام الفقهاء، ولكنها استعملت في هذا المعنى من أمد بعيد في كتب الواقفين وفي فتاوى بعض المتأخرين وفي لغة المحاكم، حتى أصبح مدلولها محدوداً ومنضبطاً، وصارت كلمة اصطلاحية.\rوالشروط العشرة في هذا الاصطلاح: هي الإعطاء، والحرمان، والإدخال، والإخراج، والزيادة، والنقصان، والتغيير، والإبدال، والاستبدال، والبدل أو التبادل أو التبديل (1) .\r\rوالإعطاء: معناه إدخال من يشاء في الوقف كمصرف استثنائي، ويلزم من استعماله حرمان المصرف الأصلي من الغلة أو بعضها في المدة التي يستحقها من أدخله في الوقف.\rوالإدخال: معناه إدخال غير موقوف عليه، وجعله من أهل الوقف ليكون مستحقاً من وقت الإدخال أو بعد ذلك. وقد يصاحب هذا الشرط مصرف استثنائي وقد لا يصاحبه.\rوالإخراج: هو جعل الموقوف عليه من غير أهل الوقف أبداً أو لمدة معينة يكون بعدها من أهله. ومفهومه مغاير لمفهوم الحرمان، وقد يجتمع المفهومان، فالإخراج إلى الأبد حرمان، والحرمان إلى الأبد إخراج.\rوالزيادة: تفضيل بعض الموقوف عليهم على الباقين بشيء يميزه به حين توزيع الغلة، أو أن يجعل في نصيبه فضلاً على بقية الأنصباء على الدوام.\rوالنقصان: هو إعطاء بعض الموقوف عليهم أقل مما أعطى الآخرين عند التوزيع، حيث لم تكن هناك أنصبة معينة أو تخفيض ما سبق أن عينه له.\rوالتغيير: هذا الشرط أعم من الشروط السابقة ويتناولها جميعها، وذكره بعدها يكون بمثابة إجمال بعد تفصيل، فلو لم يذكر سواه، لملك من شرط له كل ما تفيده الشروط الستة السابقة مجتمعة. وإذا أردف التغيير بالتبديل اعتبره المتأخرون توكيداً لمعناه، إلا إذا أمكن صرفه لمعنى آخر لم يذكر، كالاستبدال فإنه يصرف إليه، فإن التأسيس خير من التأكيد.\rوالاستبدال: أطلق الفقهاء كلمة الاستبدال، وأرادوا بها بيع الموقوف عقاراً كان أو منقولاً بالنقد، وشراء عين بمال البدل لتكون موقوفة مكان العين التي بيعت، والمقايضة على عين الوقف بعين أخرى. ولكن طرأ عرف آخر للمؤلفين من زمن بعيد، فأطلقوا الاستبدال على شراء عين بمال البدل لتكون وقفاً، والإبدال على بيع الموقوف بالنقد، والتبادل أو البدل على المقايضة.\r-------------------------------\r(1) قانون الوقف للأستاذ الشيخ فرج السنهوري: ص 208-213، 217.","part":10,"page":310},{"id":6498,"text":"الفصل الرابع ـ شروط الوقف :\rيشترط لصحة الوقف شروط في الواقف، وفي الموقوف، وفي الموقوف عليه، وفي صيغة الوقف.\rالمبحث الأول ـ شروط الواقف :\rيشترط في الواقف لصحة الوقف ونفاذه ما يأتي (1) :\rوهو أهلية التبرع كباقي التبرعات من هبة وصدقة وغيرها؛ لأن الوقف تبرع، ويمكن تحليل هذا الشرط إلى أربعة شروط هي:\r1 ً - أن يكون الواقف حراً مالكاً: فلا يصح وقف العبد؛ لأنه لا ملك له، ولا يصح وقف مال الغير ولا يصح وقف الغاصب المغصوب؛ إذ لا بد في الواقف من أن يكون مالكاً الموقوف وقت الوقف ملكاً باتاً، أو بسبب فاسد كالمشترى شراء فاسداً والموهوب بهبة فاسدة بعد القبض في رأي الحنفية، وألا يكون محجوراً عن التصرف، وينقض وقف استحق بملك أو شفعة وإن جعله مسجداً، ووقف مريض أحاط دينه بماله، ووقف محجور عليه لسفه أو دين. ولو أجاز المالك وقف فضولي، جاز.\r-------------------------------\r(1) البدائع: 219/6، الدر المختار ورد المحتار: 394/3 ومابعدها، 434، القوانين الفقهية: ص369، مغني المحتاج: 376/2 ومابعدها، كشاف القناع: 279/4، الشرح الكبير: 77/4، 88، الشرح الصغير: 101/4، 118، غاية المنتهى: 300/2 ومابعدها.","part":10,"page":311},{"id":6499,"text":"2 ً - أن يكون عاقلاً: فلا يصح وقف المجنون؛ لأنه فاقد العقل، ولا وقف المعتوه؛ لأنه ناقص العقل، ولا وقف مختل العقل بسبب مرض أو كبر؛ لأنه غير سليم العقل؛ لأن كل تصرف يتطلب توافر العقل والتمييز.\r3 ً - أن يكون بالغاً: فلا يصح وقف الصبي، سواء أكان مميزاً أم غير مميز؛ لأن البلوغ مظنة كمال العقل، ولخطورة التبرع.\rويعرف البلوغ كما تقدم في مبحث النظريات الفقهية: إما بظهور العلامات الطبيعية كالاحتلام والعادة الشهرية، وإما ببلوغ سن الخامسة عشرة في رأي الأكثرين، أو سبع عشرة في رأي أبي حنيفة.\rويشترط القانون لصحة التبرع بلوغ سن الرشد: وهو إتمام (21) سنة في القانون المصري، وإتمام (18) سنة في القانون السوري.\r4 ً - أن يكون رشيداً غير محجور عليه بسفه أو فلس أو غفلة ولو بالولي، كسائر التصرفات المالية. فلا يصح الوقف من السفيه والمفلس أو المغفل عند الجمهور، وقال الحنفية: لا ينفذ وقف المدين المفلس إلا بإجازة الدائنين، فعدم الحجر عليه شرط نفاذ عندهم، لا شرط صحة.","part":10,"page":312},{"id":6500,"text":"رأي الحنفية في وقف المدين: فصَّل الحنفية في وقف المدين على النحو الآتي:\rأ ـ إذا كان الدين غير مستغرق لماله، ووقف ما زاد على ما يفي دينه، فوقفه صحيح نافذ، لعدم مصادمة حق الدائنين.\rب ـ إذا كان الدين مستغرقاً لماله: توقف نفاذ وقفه على إجازة الدائنين، سواء حجر عليه أم لم يحجر عليه، وسواء في حال مرض الموت، أم في حال الصحة، وهذا في الحالة الأخيرة بحسب رأي متأخري الحنفية حماية لمصالح الدائنين، فإن أجازوه نفذ الوقف، وإن لم يجيزوه بطل. لكن الإجازة في حال مرض الموت لاتكون إلا بعد الموت، إذ لا يعرف كونه في مرض الموت إلا بعد الموت. وهذا موافق لما نص عليه القانون المدني المصري (م2/238) والقانون المدني السوري (م2/239) من أن تصرف المدين إذا كان تبرعاً، لا ينفذ في حق الدائن.\rوقف المريض مرض الموت: تبين لدينا في بحث الحجر على المريض أن المذاهب متفقة على حجر المريض لحق الورثة في تبرعاته فقط فيما يزيد عن ثلث تركته، حيث لا دين عليه، فلا تصح تبرعاته من وقف وصدقة وهبة ووصية فيما زاد على ثلث ماله رعاية لحق الورثة في التركة، أما في حدود الثلث فما دونه، فيجوز تبرعه ومنه وقفه رعاية لمصلحته، في تحقيق الأجر والثواب له، بدليل ما رواه البخاري ومسلم عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال: «كان رسول الله صلّى الله عليه وسلم يعودني عام حَجّة الوداع، من وجع اشتد بي، فقلت: إني قد بلغ بي من الوجع، وأنا ذو مال، ولا يرثني إلا ابنة، أفأتصدق بثلثي مالي؟ قال: لا، فقلت: بالشطر؟ فقال: لا، ثم قال: الثلث، والثلث كبير أو كثير، إنك أن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس» . وسيأتي تفصيل آراء الفقهاء في الموضوع.","part":10,"page":313},{"id":6501,"text":"وقف المرتد: قال الحنفية (1) : هناك حالتان:\rالأولى ـ لو وقف ا لمرتد في حال ردته، فوقفه موقوف عند الإمام أبي حنيفة، فإن عاد إلى الإسلام، صح، وإلا بأن مات أو قتل على ردته أو حكم بلحاقه بدار الحرب، بطل.\rالثانية ـ لو وقف ثم ارتد ـ والعياذ بالله تعالى ـ بطل وقفه، حتى وإن عاد إلى الإسلام ما لم يجدد وقفه بعد عوده، لحبوط عمله بالردة. وعلى هذا التفصيل يفهم قولهم: تبطل أوقاف امرئ بارتداد.\rويصح عندهم وقف المرتدة؛ لأنها لا تقتل، إلا أن يكون على حج أو عمرة ونحو ذلك، فلا يجوز.\rوقف الكافر: أجاز الشافعية وقف الكافر ولو لمسجد، ويثاب على صدقاته في الدنيا، ولكن لا حظ له من الثواب في الآخرة، لما أخرجه مسلم عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول ا لله صلّى الله عليه وسلم : «إن الله لا يظلم مؤمناً حسنة، يعطى بها في الدنيا، ويجزى بها في الآخرة، وأما الكافر فيُطعَم بحسنات ما عمل بها لله في الدنيا، حتى إذا أفضى إلى الآخرة لم يكن له حسنة يُجزى بها» .\rوقف المكره: اشترط الشافعية والمالكية والحنابلة في الواقف أن يكون مختاراً، فلا يصح الوقف من مكره، إذ لا تصح عبارته.\rوقف الأعمى: لا يشترط البصر، فيصح وقف الأعمى، لصحة عبارته.\rوقف غير المرئي: لا يشترط كون الموقوف معلوماً للواقف، فيصح وقف ما لم يره، كما أبان الشافعية (2) .\r-------------------------------\r(1) رد المحتار على الدر المختار: 394/3 وما بعدها، 434.\r(2) مغني المحتاج: 376/2.","part":10,"page":314},{"id":6502,"text":"شرط الواقف كنص الشارع: اتفق الفقهاء على هذه العبارة وهي أن شرط الواقف كنص الشارع، واختلفوا في مدلولها ومداها.\rفقال الحنفية (1) : قولهم «شرط الواقف كنص الشارع» (2) أي في الفهم والدلالة ووجوب العمل به، وقد يراد بذلك في المفهوم، أي لا يعتبر مفهومه كما لا يعتبر في نصوص الشارع، عملاً بما هو مقرر عندهم من أن مفهوم المخالفة المسمى دليل الخطاب غير معتبر في النصوص، وهو يشمل أقساماً خمسة: هي مفهوم الصفة، والشرط، والغاية، والعدد، واللقب، أي الاسم الجامد كثوب مثلاً.\rوالمراد بعدم اعتبار مفهوم المخالفة في النصوص: أن مثل قولك: أعط الرجل العالم، أو أعط زيداً إن سألك، أو أعطه إلى أن يرضى، أو أعطه عشرة، أو أعطه ثوباً، لا يدل على نفي الحكم عن المخالف للمنطوق، بمعنى أنه لا يكون منهياً عن إعطاء الرجل الجاهل، بل هو مسكوت عنه، وباق على العدم الأصلي، حتى يأتي دليل يدل على الأمر بإعطائه، أو النهي عنه. وكذا بقية المفاهيم.\rلكن يعتبر المفهوم في روايات الكتب المعبر عنه بقولهم: «مفهوم التصنيف حجة» لأن الفقهاء يقصدون بذكر الحكم في المنطوق نفيه عن المفهوم غالباً، كقولهم: تجب الجمعة على كل ذكر حر، بالغ، عاقل، مقيم، فإنهم يريدون بهذه الصفات نفي الوجوب عن مخالفها، ويستدل به الفقيه على نفي الوجوب عن المرأة والعبد والصبي إلخ.\rفعلى رأي الأصوليين من الحنفية في أصل المذهب: «لا يعتبر المفهوم في الوقف» أي أن شرط الواقف لا يدل على نفي ما يخالفه، لكن المتأخرين من الحنفية قالوا: يعتبر المفهوم في غير النصوص الشرعية، عملاً بما هو معتبر في متفاهم الناس وعرفهم، فوجب اعتبار المفهوم في كلام الواقف؛ لأنه يتكلم على عرفه.\rوبناء عليه: كما أن مفهوم التصنيف حجة، يعتبر المفهوم في عرف الناس والمعاملات والعقليات، ويكون التحقيق أن لفظ الواقف ولفظ الموصي والحالف والناذر وكل عاقد، يحمل على عادته في خطابه ولغته التي يتكلم بها، وافقت لغة العرب ولغة الشرع أم لا.\r-------------------------------\r(1) الدر المختار ورد المحتار: 426/3، 434، 456 ومابعدها، 47.\r(2) صرح الحنفية في الفتاوى الخيرية بأن الاعتبار في الشروط لما هو الواقع، لا لما كتب في مكتوب الوقف، فلو أقيمت بينة لما لم يوجد في كتاب الوقف، عمل بها، بلا ريب؛ لأن المكتوب خط مجرد، ولا عبرة به، لخروجه عن الحجج الشرعية.","part":10,"page":315},{"id":6503,"text":"والخلاصة: أنه عند الأصوليين من الحنفية لا يعتبر المفهوم في الوقف، ولكن في رأي المتأخرين يحمل كلام الواقف على عرف زمانه. فلو قال: وقفت على أولادي الذكور يصرف إلى الذكور منهم بحكم المنطوق، وأما الإناث فلا يعطى لهن، لعدم ما يدل على الإعطاء، إلا إذا دل في كلامه دليل على إعطائهن، فيكون مثبتاً لإعطائهن ابتداء، لا بحكم المعارضة، وبهذا يكون رأي المتأخرين؛ يعتبر المفهوم في غير النصوص الشرعية مما هو في متفاهم الناس وعرفهم وفي المعاملات والعقليات.\rورتب الحنفية على هذه القاعدة: أن كل ما خالف شرط الواقف فهو مخالف للنص، والحكم به حكم بلا دليل، سواء أكان كلام الواقف نصاً أم ظاهراً؛ لأنه يجب اتباعه، عملاً بقول المشايخ: شرط الواقف كنص الشارع.\rويراعى شرط الواقف في إجارة الموقوف، فإذا شرط الواقف ألا يؤجر الموقوف أكثر من سنة، والناس لا يرغبون في استئجارها، وكانت إجارتها أكثر من سنة أنفع للفقراء، فليس للقيم الناظر أن يؤجرها أكثر من سنة، بل يرفع الأمر للقاضي، حتى يؤجرها؛ لأن له ولاية النظر للفقراء والغائب والميت. فإن لم يشترط الواقف مدة أو فوض الرأي بما يراه القيم خيراً وأنفع للفقراء، فللقيم ذلك بلا إذن القاضي.\rوإن اشترط الواقف بيع الموقوف وصرف ثمنه لحاجته، أو إخراجه من الوقف إلى غيره، أوأن يهبه ويتصدق بثمنه، أو أن يهبه لمن شاء، أو أن يرهنه متى بدا له ويخرجه عن الوقف، بطل الوقف. أما إن اشترط الواقف شرطاً فاسداً فيصح الوقف ويبطل الشرط. والشرط الفاسد: ما يكون منافياً لعقد الوقف أو يكون غير جائز شرعاً، أو لا فائدة فيه، كاشتراط الرجوع في وقف المسجد متى شاء، وكالوقف على المفسدين وفي وجوه الفساد، وكاشتراط صرف الريع لمن يقرأ عند قبره أو في داره أو في مسجد معين نظير قراءته، وكاشتراط الواقف صرف الريع على ذريته في خصوص النفقة والكسوة أو صنع الخبز وتقديمه لطلبة العلم.","part":10,"page":316},{"id":6504,"text":"المسائل السبع التي يجوز فيها مخالفة شرط الواقف: ذكر الحنفية سبع مسائل يجوز فيها مخالفة شرط الواقف وهي ما يأتي:\rالأولى ـ لو شرط الواقف عدم الاستبدال بالموقوف شيئاً آخر.\rالثانية ـ إذا شرط أن القاضي لا يعزل الناظر، فله عزل غير الأهل.\rالثالثة ـ شرط ألا يؤجر وقفه أكثر من سنة، والناس لا يرغبون في استئجار سنة، أو كان في الزيادة نفع للفقراء، فللقاضي المخالفة، دون الناظر.\rالرابعة ـ لو شرط أن يقرأ على قبره، فالتعيين باطل على القول بكراهة القراءة على القبر، والمختار خلافه.\rالخامسة ـ شرط أن يتصدق بفاضل الغلة على من يسأل في مسجد كذا، فللقيم التصدق على سائل في مسجد آخر، أو خارج المسجد، أو على من لا يسأل.\rالسادسة ـ لو شرط للمستحقين خبزاً ولحماً معيناً كل يوم، فللقيم دفع القيمة نقداً، والراجح أن الخيار لهم دلالة.\rالسابعة ـ تجوز الزيادة من القاضي على راتب الإمام المعلوم إذا كان لا يكفيه، وكان عالماً تقياً.\rوقال المالكية (1) : اتبع شرط الواقف ـ أي وجوباً ـ إن جاز ولو كان مكروهاً، ولم يمنع شرعاً، فإن لم يجز لم يتبع، فإن اشترط تخصيص الغلة لأهل مذهب من المذاهب الأربعة، أو بتدريس فئة في مدرسته أو بتخصيص إمام في مسجده، أو تخصيص ناظر، اتبع شرطه، لأنه جائز.\rوكذلك قرر الشافعية (2) : اتبع شرط الواقف كسائر الشروط المتضمنة للمصلحة، فلو وقف بشرط ألا يؤجر الموقوف أصلاً أو ألا يؤجر أكثر من سنة، صح الوقف. ويستثنى حال الضرورة، كما لو شرط ألا تؤجر الدار أكثر من سنة، ثم انهدمت، وليس لها جهة عمارة إلا بإجارة سنين، جاز إجارتها في عقود مستأنفة، وإن شرط الواقف ألا يستأنف؛ لأن المنع في هذه الحالة يفضي إلى تعطيله، وهو مخالف لمصلحة الوقف.\rوإذا شرط في وقف المسجد اختصاصه بطائفة كالشافعية اختص، كالمدرسة والرِّباط إذا شرط في وقفهما اختصاصهما بطائفة، اختصا بهم جزماً. وكذا لو خص المقبرة بطائفة اختصاصهم بهم عند الأكثرين.\r-------------------------------\r(1) الشرح الصغير: 119/4، القوانين الفقهية: ص 371.\r(2) مغني المحتاج: 385/2، المهذب: 443/1.","part":10,"page":317},{"id":6505,"text":"وتصرف الغلة على شرط الواقف من الأثرة والتسوية والتفضيل والتقديم والتأخير، والجمع والترتيب، وإدخال من شاء بصفة، وإخراجه بصفة؛ لأن الصحابة رضي الله عنهم وقفوا وكتبوا شروطهم، فكتب عمر بن الخطاب رضي الله عنه صدقة للسائل والمحروم والضيف ولذي القربى وابن السبيل وفي سبيل الله. وكتب علي كرم الله وجهه بصدقته: «ابتغاء مرضاة الله ليولجني الجنة، ويصرف النار عن وجهي، ويصرفني عن النار، في سبيل الله وذي الرحم والقريب والبعيد، لا يباع ولا يورث» ، وكتبت فاطمة رضي الله عنها بنت رسول الله صلّى الله عليه وسلم لنساء رسول الله صلّى الله عليه وسلم ، وفقراء بني هاشم وبني المطلب.\rوذكر الحنابلة (1) أيضاً: أنه يرجع وجوباً إلى شرط الواقف، ولو كان الشرط مباحاً غير مكروه، ويعمل بالشرط في عدم إيجار الوقف، وفي قدر المدة، فإذا شرط ألا يؤجر أكثر من سنة، لم تجز الزيادة عليها، لكن عند الضرورة يزاد بحسبها، كما قال الشافعية.\rويرجع إلى شرط الواقف في قسمة الريع على الموقوف عليه، أي في تقدير الاستحقاق، مثل على أن للأنثى سهماً، وللذكر سهمين أو بالعكس.\rويرجع أيضا إلى شرطه في تقديم وتأخير وفي جمع وفي ترتيب وفي تسوية وفي تفضيل، نحو وقفت على زيد وعمرو وبكر، ويبدأ بالدفع إلى زيد، أو يؤخر زيد، أو يقف على أولاده وأولادهم جاعلاً الاستحقاق في حالة واحدة، أو يقف على أولادهم ثم أولادهم، جاعلاً استحقاق بطن مرتباً على آخر، أو يسوي بين المستحقين كقوله: الذكر والأنثى سواء، أو يفضل بينهم، كقوله للذكر مثل حظ الأنثيين ونحوه.\r-------------------------------\r(1) كشاف القناع: 286/4-290، غاية المنتهى: 308/2-310، المغني: 552/5.","part":10,"page":318},{"id":6506,"text":"فإن جهل شرط الواقف، عمل بأسلوب صرف من تقديم ممن يوثق به إن أمكن، فإن تعذر وكان الوقف على عمارة أوإصلاح، صرف بقدر الحاجة، وإن كان على قوم عمل بعادة جارية أي مستمرة إن كانت، ثم عمل بعرف مستقر في مقادير الصرف؛ لأن الغالب وقوع الشرط بحسب العرف. فإن لم يكن عرف، فيصرف بالتساوي.\rوإن شرط الواقف إخراج من شاء من أهل الوقف بصفة كالغنى أو الفسق أو إدخاله بصفة كالفقر أو الصلاح، أو الأمرين معاً إخراجاً وإدخالاً، عمل به، كأنه جعل الاستحقاق معلقاً بصفة.\rولا خلاف في أنه إن شرط أن يبيع الموقوف متى شاء أو يهبه أو يرجع فيه، لم يصح الشرط ولا الوقف؛ لأنه ينافي مقتضى الوقف.\rوإن شرط الواقف إخراج من شاء من أهل الوقف، وإدخال من شاء من غير أهل الوقف، لم يصح الوقف، لأنه شرط ينافي مقتضى الوقف، فأفسده، كما لو شرط ألا ينتفع الموقوف عليه بالموقوف.\rوإن خصص مقبرة أو رباطاً أو مدرسة، أو إمامتها أو خطابتها بأهل بلد، أو مذهب كالحنابلة أو قبيلة، تخصصت كما قال الشافعية إعمالاً للشرط، إلا أن يقع بأهل بدعة، أو ألا ينتفع به، أو عدم استحقاق مرتكب الخير.\rأما وقف الأمراء والسلاطين فلا يتبع شرطهم إلا إن كان فيه مصلحة للمساكين، كمدرس كذا وطالب كذا.\rوالخلاصة: اتفقت المذاهب على وجوب العمل بشرط الواقف كنص الشارع. وقال بعض الفقهاء: نصوص الواقف كنصوص الشارع يعني في الفهم والدلالة، لا في وجوب العمل. وهذا منافٍ للمبدأ المقرر: أن الواقف والموصي والحالف والناذر وكل عاقد يحمل قوله على العادة في خطابه.","part":10,"page":319},{"id":6507,"text":"المبحث الثاني ـ شروط الموقوف :\rاتفق الفقهاء على اشتراط كون الموقوف مالاً متقوماً، معلوماً، مملوكاً للواقف ملكاً تاماً، أي لا خيار فيه.\rويحسن بيان شروط الموقوف في كل مذهب على حدة، لتنوعها.\rفقال الحنفية (1) : يشترط في الموقوف أربعة شروط هي ما يأتي:\r1ً - أن يكون الموقوف مالاً متقوماً عقاراً: فلا يصح وقف ما ليس بمال كالمنافع وحدها دون الأعيان، وكالحقوق المالية مثل حقوق الارتفاق؛ لأن الحق ليس بمال عندهم.\rولايصح وقف ما ليس بمال متقوم شرعاً كالمسكرات وكتب الضلال والإلحاد، إذ لا يباح الانتفاع به، فلا يتحقق المقصود من الوقف وهو نفع الموقوف عليه ومثوبة الواقف.\rولا يصح وقف المنقول مقصوداً؛ لأن التأبيد شرط جواز الوقف، ووقف المنقول لا يتأبد، لكونه على شرف الهلاك. لكن يجوز وقفه تبعاً لغيره، كوقف حقوق الارتفاق من شرب ومسيل وطرق تبعاً للأرض. ويجوز استحساناً وقف ما جرت العادة بوقفه كوقف الكتب وأدوات الجنازة ووقف المرجل لتسخين الماء، ووقف المرّ والقدوم في الماضي لحفر القبور، لتعامل الناس به، وما رآه المسلمون حسناً، فهو عند الله حسن.\rولا يجوز عند أبي حنيفة وقف الكُراع (الخيول) والسلاح في سبيل الله تعالى؛ لأنه منقول، ولم تجر العادة به، ويجوز وقفها عند الصاحبين، ويباح عندهما بيع ما هرم منها أو صار بحال لا ينتفع به، فيباع ويرد ثمنه في مثله، للحديث المتقدم: «أما خالد فقد احتبس أكراعاً وأفراساً في سبيل الله تعالى» .\r2ً ـ أن يكون الموقوف معلوماً: إما بتعيين قدره كوقف دونم أرض (ألف متر مربع) أو بتعيين نسبته إلى معين كنصف أرضه في الجهة الفلانية. فلا يصح وقف المجهول؛ لأن الجهالة تفضي إلى النزاع.\rولا يشترط لديهم تحديد العقار، ويشترط قانوناً في مصر بيان حدوده وأطواله ومساحته.\r3ً - أن يكون الموقوف مملوكاً للواقف حين وقفه ملكاً تاماً: أي لا خيار فيه؛ لأن الوقف إسقاط مِلْك، فيجب كون الموقوف مملوكاً. فمن اشترى شيئاً بعقد بيع فيه خيار للبائع ثلاثة أيام، ثم وقفه في مدة الخيار، لم يصح الوقف؛ لأنه وقف مالا يملك ملكاً تاماً، لأن هذا البيع غير لازم.\r-------------------------------\r(1) البدائع: 220/6، الدر المختار ورد المحتار: 393/3، 395.","part":10,"page":320},{"id":6508,"text":"4ً - أن يكون الموقوف مفرزاً، غير شائع في غيره إذا كان قابلاً للقسمة: لأن تسليم الموقوف شرط جواز الوقف عند محمد، والشيوع يمنع القبض والتسليم.\rولم يشترط أبو يوسف والشافعية والحنابلة هذا الشرط، فأجازوا وقف المشاع؛ لأن التسليم ليس بشرط أصلاً، بدليل وقف عمر رضي الله عنه مئة سهم بخيبر. أما القانون المصري رقم (48 لسنة 1946): فقد أخذ برأي أبي يوسف في جواز وقف المشاع القابل للقسمة على جهة خيرية كمستشفى أو مدرسة، إذ لو حصل نزاع أمكن القضاء عليه بالقسمة والإفراز.\rوأخذ هذا القانون برأي الإمام أبي حنيفة وصاحبيه في عدم صحة وقف الحصة الشائعة لتكون مسجداً أو مقبرة إلا بعد إفرازها؛ لأن شيوعها يمنع خلوصها لله تعالى، ويجعلها عرضة لتغيير جهة الانتفاع بها، فتتحول إلى حانوت أو أرض مزروعة، ونحوها، وهو أمر مستنكر شرعاً.\rوأخذ أيضاً برأي المالكية (1) في المادة (8) بعدم جواز وقف الحصة الشائعة فيما لا يقبل القسمة؛ لأن شيوع الموقوف في غيره قد يحول دون استغلاله، وقد يكون مثاراً للمنازعات، ولكن استثنى القانون ثلاث حالات، أجاز فيها وقف الحصة الشائعة فيما لا يقبل القسمة وهي:\rالأولى ـ أن يكون باقي الحصة الشائعة موقوفاً، واتحدت الجهة الموقوف عليها الحصة الأخرى.\rالثانية ـ أن تكون الحصة الشائعة جزءاً من عين مخصصة لمنفعة شيء موقوف، كجرَّار موقوف لأراضي وقفية.\rالثالثة ـ أن تكون الحصة الشائعة حصةأو أسهماً في شركات مالية، بشرط أن تكون طرق استغلال أموال الشركة جائزة شرعاً من صناعة أو زراعة أو تجارة، فإن كانت محرمة شرعاً كالطرق الربوية فلا يصح وقف أسهمها (2) .\r-------------------------------\r(1) الشرح الصغير: 107/4، 109، 116.\r(2) الوقف لعيسوي: ص 31.","part":10,"page":321},{"id":6509,"text":"واشترط المالكية (1) في الموقوف: أن يكون مملوكاً لا يتعلق به حق الغير، مفرزاً إذا كان غير قابل للقسمة، ويشمل المملوك ذات الشيء أو منفعته، كما يشمل الحيوان، فيصح أن يوقف على مستحق للانتفاع بخدمته أو ركوبه أو الحمل عليه، ويشمل أيضاً الطعام والدنانير والدراهم، وينزل رد بدله منزلة بقاء عينه، لكن المذهب جواز وقف الطعام والنقود كما بينت.\rفلا يصح وقف مرهون، ومأجور حال تعلق حق الغير به، أي بأن أراد الواقف وقف المذكور من الآن، مع كونه مرتهناً أو مستأجراً؛ لأن في وقفه إبطال حق المرتهن منه، أما لو وقف ما ذكر قاصداً وقفه بعد الخلاص من الرهن والإجارة، صح الوقف؛ إذ لا يشترط لديهم في الوقف التنجيز.\rواشترط الشافعية والحنابلة (2) أن يكون الموقوف عيناً معينة (معلومة) ـ لا ما في الذمة ـ مملوكة ملكاً يقبل النقل بالبيع ونحوه، يمكن الانتفاع بها عرفاً كإجارة ولو حصة مشاعة منها، ويدوم الانتفاع بها انتفاعاً مباحاً مقصوداً.\rفلا يصح وقف المنفعة وحدها دون الرقبة، كمنفعة العين المستأجرة، أوالمنفعة الموصى له بها، والوقف الملتزم في الذمة كقوله: وقفت داراً، أو ثوباً في الذمة، ولا وقف أحد داريه، ولاما لا يملك إلا إذا وقف الإمام شيئاً من أرض بيت المال، فإنه يصح، ولا ما لا يقبل النقل أو البيع كأم الولد والحمل، فلا يصح وقفه منفرداً، وإن صح عتقه. ولا يصح وقف حر نفسه، لأن رقبته غير مملوكة.\rولا يصح وقف مالا فائدة فيه أو ما لا منفعة منه، كوقف كلب وخنزير وسباع البهائم وجوارح الطير التي لا تصلح للصيد، والمراد بالفائدة: اللبن والثمرة ونحوهما، لكن يستثنى ـ كما ذكر الشافعية ـ وقف الفحل للضراب، فإنه جائز ولا تجوز إجارته.\r-------------------------------\r(1) الشرح الكبير: 77/4.\r(2) مغني المحتاج: 377/2، المغني: 583/5-587، كشاف القناع: 269/4-272، غاية المنتهى: 300/2.","part":10,"page":322},{"id":6510,"text":"ولا يصح وقف ما لا يدوم الانتفاع به كالطعام والشراب غيرالماء، والشمع والريحان؛ لأن منفعة المطعوم في استهلاكه، ولأن الشمع يتلف بالانتفاع به، فهو كالمأكول والمشروب، ولأن المشمومات والرياحين وأشباهها تتلف على قرب من الزمان، فأشبهت المطعوم. ولا يصح وقف ما كان الانتفاع به غير مباح كوقف آلات الملاهي؛ لأن المنفعة القائمة منه غير مباحة، ولاوقف الدراهم والدنانير، للتزيين، فإنه لا يصح على الأصح المنصوص، لأنه انتفاع غير مقصود. أما الماء فيصح وقفه، ويصح وقف دهن على مسجد ليوقد فيه؛ لأن تنوير المسجد مندوب إليه.\rواستيفاء منفعة الموقوف: إما بتحصيل المنفعة كسكنى الدار وركوب الدابة وزراعة الأرض، أو بتحصيل العين كالثمرة من الشجر، والصوف والوبر والألبان والبيض من الحيوان.\rويصح كون الموقوف عقاراً كأرض، أو شجراً، أو منقولاً كالحيوان مثل وقف فرس على المجاهدين، وكالأثاث مثل بساط يفرش في مسجد ونحوه، وكالسلاح مثل سيف ورمح أو قوس على المجاهدين، وكالمصحف وكتب العلم ونحوه.\rأما وقف العقار فلحديث عمر المتقدم بوقف مئة سهم من أرض خيبر، وأما الحيوان، فلحديث أبي هريرة مرفوعاً: «من احتبس فرساً في سبيل الله إيماناً واحتساباً، فإن شبعه وروثه، وبوله، في ميزانه حسنات» (1) وأما الأثاث والسلاح،\r-------------------------------\r(1) رواه البخاري.","part":10,"page":323},{"id":6511,"text":"فلقوله صلّى الله عليه وسلم : «أما خالد فقد حبس أدرعه وأعتده في سبيل الله » (1) وما عدا المذكور فمقيس عليه؛ لأن فيه نفعاً مباحاً مقصوداً، فجاز وقفه كوقف السلاح.\rوقد بينت في محل الوقف: أنه يصح عند الشافعية والحنابلة وقف المشاع مطلقاً وعند المالكية فيما يقبل القسمة، لحديث عمر أنه وقف مئة سهم من خيبر، فلو وقفه مسجداً ثبت فيه حكم المسجد في الحال عند التلفظ بالوقف، فيمنع منه الجنب والسكران ومن عليه نجاسة تتعدى، وتتعين القسمة في وقف المشاع مسجداً، لتعيينها طريقاً للانتفاع بالموقوف.\r\rويصح وقف الحلي للبس والإعارة، لحديث نافع السابق بوقف حفصة حلياً على نساء آل الخطاب.\rويصح وقف الدار ونحوها وإن لم يذكر حدودها إذا كانت معروفة للواقف.\rولا يصح عند الشافعية في الأصح وقف كلب معلَّم للصيد أو قابل للتعليم؛ لأنه غير مملوك.\rويصح عند الحنابلة وقف سباع البهائم وجوارح الطير التي تصلح للصيد؛ لإباحة الانتفاع به للضرورة.\rالمبحث الثالث ـ شروط الموقوف عليه :\rالموقوف عليه: إما معين أو غيره، فالمعين: إما واحد أو اثنان أو جمع، وغير المعين أو الجهة: مثل الفقراء والعلماء والقراء والمجاهدين والمساجد والكعبة والرباط والمدارس والثغور وتكفين الموتى.\rشروط الوقف على معين: يشترط في الوقف على معين بالاتفاق كونه أهلاً للتملك، واختلف الفقهاء في الوقف على المعدوم والمجهول وعلى نفسه.\rذهب الحنفية (1) إلى أنه يصح الوقف على معلوم، أو معدوم، مسلم أو ذمي، أو مجوسي على الصحيح؛ لأن المجوس من أهل الذمة، ولا يصح وقف مسلم أو ذمي على كنيسة (بيعة) أو على حربي، أما عدم صحة وقف المسلم على بيعة: فلعدم كون هذا الوقف قربة في ذاته، وأما في الذمي فلعدم كونه قربة عندنا وعنده معاً، وأما الحربي فلأنا قد نهينا عن بر الحربيين. ويصح على المفتى به وهو قول أبي يوسف وغيره من أئمة الحنفية الوقف على نفس الواقف، أو على أن الولاية له.\r-------------------------------\r(1) متفق عليه، ولفظ البخاري « وأعتده » قال الخطابي: الأعتاد: ما يُعده الرجل من مركوب وسلاح وآلة الجهاد.\r(2) الدر المختار ورد المحتار: 395/3، 421، 423 ومابعدها، فتح القدير: 56/5 ، اللباب: 185/2.","part":10,"page":324},{"id":6512,"text":"ورأى المالكية (1) : أنه يصح الوقف على أهل التملك، سواء أكان موجوداً أم سيوجد كالجنين الذي سيولد، وسواء ظهرت قربة كالوقف على فقيرأم لم تظهر قربة، كما لو كان الموقوف عليه غنياً، أو لو كان الوقف من مسلم على ذمي وإن لم يكن كتابياً، ولا يصح الوقف على حربي، أو على بهيمة. وبناء عليه يصح الوقف لديهم على الموجود والمعدوم والمجهول والمسلم والذمي والقريب والبعيد، إلا أن الوقف على من سيولد غير لازم بمجرد عقده، بل يوقف لزومه وتوقف غلته إلى أن يوجد، فيعطاها، ما لم يحصل مانع من الوجود كموت ويأس من وجوده، فترجع الغلة للمالك أو ورثته إذا مات. وعلى هذا فللواقف بيع الوقف قبل ولادة الموقوف عليه.\rويبطل الوقف على نفس الواقف، ولو مع شريك غير وارث، مثل: وقفته على نفسي مع فلان، فإنه يبطل ما يخصه، وكذا ما يخص الشريك، إلا أن يحوزه الشريك قبل المانع، فإن وقف على نفسه، ثم على أولاده وعقبه، رجع حبساً (وقفاً) بعد موته، على عقبه إن حازوا قبل المانع، وإلا بطل، أي يبطل الوقف على النفس، أما على غيره فيصح، سواء تقدم الوقف على النفس أو تأخر أو توسط، كأن قال: وقفت على نفسي، ثم عقبي، أو وقفت على زيد ثم على نفسي، أو وقفت على زيد ثم على نفسي ثم على عمرو. هذا إن وقف في صحته، فإن وقف في مرضه، صح، من الثلث.\r-------------------------------\r(1) الشرح الصغير: 102/4 ومابعدها، 116، الشرح الكبير: 77/4-80، القوانين الفقهية: ص 380","part":10,"page":325},{"id":6513,"text":"وأوضح الشافعية (1) أنه يشترط في الوقف على معين إمكان تمليكه حال الوقف عليه بكونه موجوداً في الخارج، فلا يصح الوقف على معدوم وهو الجنين لعدم صحة تملكه في الحال، سواء أكان مقصوداً أم تابعاًً، فلو كان له أولاد وله جنين عند الوقف لم يدخل، ولا يصح الوقف على ولده، وهو لا ولد له، ولا على فقير أولاده، ولا فقير فيهم، ولا يصح الوقف على مجهول كالوقف على رجل غير معين، أو على من يختاره فلان؛ لأن الوقف تمليك منجز، فلم يصح في مجهول كالبيع والهبة.\rولايصح الوقف على العبد نفسه؛ لأنه ليس أهلاً للملك. لكن لو أطلق الوقف على العبد فهووقف على سيده، كما في الهبة والوصية. ولو أطلق الوقف على بهيمة أو قيده بعلفها، لغا الوقف عليها؛ لأنها ليست أهلاً للملك بحال، كما لا تصح الهبة لها ولا الوصية.\rولا يصح في الأصح الوقف على نفسه أو على مرتد أو حربي، لتعذر تمليك الإنسان ملكه لنفسه؛ لأن الملك حاصل له، وتحصيل الحاصل محال، ولأن المرتد والحربي عرضة للقتل فلا دوام له، والوقف صدقة جارية، فكما لا يوقف ما لا دوام له، لا يوقف على من لا دوام له أي مع كفره. ولا يصح الوقف قطعاً على الحربيين والمرتدين؛ لأنه جهة معصية، كما سأبين. ويجوز للواقف أن يشرط النظر لنفسه كما سيأتي.\rويصح الوقف من مسلم أو ذمي على ذمي معين، كصدقة التطوع، وهي جائزة عليه فهو في موضع القربة، ولكن يشترط في صحة الوقف عليه ألا يظهر فيه قصد معصية، فلو قال: وقفت على خادم الكنيسة لم يصح، كما لو وقف على حُصرها، وأن يكون مما يمكن تمليكه: فيمتنع وقف المصحف وكتب العلم الشرعي عليه. والجماعة المعينون من أهل الذمة كالواحد .\r-------------------------------\r(1) مغني المحتاج: 379/2 ومابعدها، المهذب: 441/1.","part":10,"page":326},{"id":6514,"text":"والمعاهد والمستأمن في الأوجه كالذمي إن حل بدارنا ما دام فيها، فإذا رجع لدار الحرب، صرف إلى من بعده، كما تصرف غلة الوقف إلى من بعد الذمي الموقوف عليه إذا لحق بدار الحرب.\rومذهب الحنابلة (1) إجمالاً كالشافعية: يشترط أن يقف على من يملك ملكاً مستقراً، وأن يكون معلوماً موجوداً، فلا يصح الوقف على من لا يملك كالعبد مطلقاً، والميت، والحمل في البطن أصالة، والمَلَك والجن والشياطين؛ لأنهم لا يملكون، والعبد القن (الخالص العبودية) لا يملك ملكاً لازماً، والمكاتب وإن كان يملك، لكن ملكه ضعيف غير مستقر. والحمل لا يصح تمليكه بغير الإرث والوصية، لكن يصح الوقف على الحمل تبعاً لغيره، مثل وقفت على أولادي أو على أولاد فلان، وفيهم حمل، فيشمله الوقف.\rولا يصح الوقف على مرتد وحربي؛ لأن أموالهم مباحة في الأصل، ويجوز أخذها منهم بالقهر والغلبة، فما يتجدد لهم أولى بالأخذ، والوقف لا يجوز أن يكون مباح الأخذ؛ لأنه تحبيس الأصل.\rولا يصح الوقف على مجهول، كرجل ومسجد ونحوهما، ولا على أحد هذين الرجلين أو المسجدين، لتردده.\rولا يصح الوقف على معدوم أصالة، مثل وقفت على من سيولد لي، أو لفلان، أو على من يحدث لي أو لفلان؛ لأنه لا يصح تمليك المعدوم. ويصح الوقف على المعدوم تبعاً، كوقفت على أولادي ومن سيولد لي، أو على أولاد زيد ومن يولد له، أو على أولادي ثم أولادهم أبداً. وهذا خلافاً للشافعية.\rولا يصح الوقف على بهيمة؛ لأنها ليست أهلاً للملك.\r-------------------------------\r(1) كشاف القناع: 274/4-277، المغني: 550/5 وما بعدها، 570، 585-589","part":10,"page":327},{"id":6515,"text":"ويصح الوقف على ذمي أو على أهل الذمة؛ لأنهم يملكون ملكاً محترماً، ويجوز أن يتصدق عليهم، فجاز الوقف عليهم كالمسلمين، ودليل جواز وقف المسلم على الذمي: ما روي أن صفية بنت حيي زوج النبي صلّى الله عليه وسلم وقفت على أخ لها يهودي، ولأن من جاز أن يقف الذمي عليه، جاز أن يقف عليه المسلم كالمسلم. ولو وقف على من ينزل كنائسهم وبيعهم من المارة والمجتازين، صح أيضاً؛ لأن الوقف عليهم، لا على الموضع.\rوالوقف على النفس باطل؛ لأن من وقف شيئاً وقفاً صحيحاً، فقد صارت منافعه جميعها للموقوف عليه، وزال عن الواقف ملكه وملك منافعه، فلم يجز أن ينتفع بشيء منها؛ لأن الوقف تمليك إما للرقبة أو المنفعة، وكلاهما لا يصح هنا، إذ لا يجوز له أن يملك نفسه من نفسه، كبيعه ماله من نفسه، فإن فعل بأن وقف على نفسه ثم على ولده، صرف الوقف في الحال إلى من بعده. لكن للواقف إن وقف على غيره كإنسان أو مسجد الانتفاع بالموقوف في حالات هي ما يأتي: 1) ـ أن يقف شيئاً للمسلمين، فيدخل في جملتهم، مثل أن يقف مسجداً، فله أن يصلي فيه، أو مقبرة فله الدفن فيها، أو بئراً للمسلمين، فله أن يستقي منها، أو سقاية أوشيئاً يعم المسلمين، فيكون كأحدهم، وهذا لا خلاف فيه، وقد روي عن عثمان رضي الله عنه: أنه سبَّل بئر رومة، وكان دلوه فيها كدلاء المسلمين.\r2) ـ أن يشترط الواقف في الوقف أن ينفق منه على نفسه، لما روى أحمد عن حِجْر المدري: أن في صدقة رسول الله صلّى الله عليه وسلم أن يأكل منها أهله بالمعروف غير المنكر، ولأن عمر رضي الله عنه لما وقف قال: ولا بأس على من وليها أن يأكل منها أو يطعم صديقاً غير متمول فيه، وكان الوقف في يده إلى أن مات، ولأنه إذا وقف وقفاً عاماً كالمساجد والسقايات والرباطات والمقابر، كان له الانتفاع به، فكذلك ههنا.....","part":10,"page":328},{"id":6516,"text":"ولا فرق بين أن يشترط لنفسه الانتفاع به مدة حياته، أو مدة معلومة معينة، وسواء قدر ما يأكل منه أو أطلقه، فإن عمر رضي الله عنه، لم يقدر ما يأكل الوالي أو يطعم، إلا بقوله: «بالمعروف» .\rولم يجز مالك والشافعي ومحمد بن الحسن انتفاع الواقف بوقفه؛ لأنه إزالة الملك، فلم يجز اشتراط نفعه لنفسه، كالبيع والهبة، وكما لو أعتق عبداً بشرط أن يخدمه، ولأن ما ينفقه على نفسه مجهول، فلم يصح اشتراطه، كما لو باع شيئاً، واشترط أن ينتفع به.\r3) ـ أن يشرط الواقف أن يأكل من الوقف أهله، فيصح الوقف والشرط؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلم شرط ذلك في صدقته.\rوإن شرط أن يأكل منه وليه ويطعم صديقاً، جاز؛ لأن عمر رضي الله عنه شرط ذلك في صدقته التي استشار فيها رسول الله صلّى الله عليه وسلم . فإن وليها الواقف، كان له أن يأكل، ويطعم صديقاً؛ لأن عمر ولي الصدقة.\rوإن وليها أحد من أهله، كان له الولاية؛ لأن حفصة بنت عمر كانت تلي صدقته، بعد موته، ثم وليها بعدها عبد الله بن عمر.\rشروط الجهة الموقوف عليها: يشترط في الموقوف عليه غير المعين ما يأتي (1) :\rالشرط الأول ـ أن يكون معلوماً وأن يكون جهة خير وبر يحتسب الإنفاق عليها قربة لله تعالى: وهذا متفق عليه في المسلم فقط، بأن يكون الموقوف عليه قربة في ذاته، والجهة تتملك الموقوف حكماً.\rوالبر: اسم جامع للخير، وأصله: الطاعة لله تعالى، والمراد اشتراط معنى القربة في الصرف إلى الموقوف عليه؛ لأن الوقف قربة وصدقة، فلا بد من وجودها فيما لأجله الوقف، إذ هو المقصود، مثل الوقف على الفقراء والعلماء والأقارب، أو على غير آدمي كالمساجد والمدارس، والمشافي (البيمارستانات) والملاجئ، والحج والجهاد وكتابة الفقه والقرآن، والسقايات (2) والقناطر وإصلاح الطرق، وذكر الحنفية أنه يصح وقف الأكسية على الفقراء، فتدفع إليهم شتاء، ثم يردونها بعده. وإن وقف مصحفاً على أهل مسجد للقراءة جاز، إن كانوا يحصون،\r-------------------------------\r(1) الدر المختار ورد المحتار: 391/3، 394 ومابعدها، 411، الشرح الكبير: 77/4 ومابعدها، الشرح الصغير: 102/4 ومابعدها، 116، مغني المحتاج: 380/2 ومابعدها، المهذب: 441/1، كشاف القناع: 272/4 ومابعدها، المغني: 570/5، 587 ومابعدها.\r(2) السقايات جمع سِقاية: وهي في الأصل الموضع الذي يتخذ فيه الشراب في المواسم وغيرها، وتطلق على ما بني لقضاء الحاجة.","part":10,"page":329},{"id":6517,"text":"ويستوي فيه الأغنياء والفقراء. وإن وقفه على المسجد، جاز ولا يكون محصوراً فيه، ويجوز نقله منه إلى مسجد آخر، كما يجوز نقل كتب الأوقاف من محلها للانتفاع بها. ويصح الوقف على طلبة العلم؛ لأن الغالب فيهم الفقر. ولا يصح عند الحنفية الوقف على الأغنياء وحدهم؛ لأنه ليس بقربة.\rالوقف على الأغنياء :\rويصح الوقف في الأصح عند الشافعية على جهة لا تظهر فيها القربة كالأغنياء وأهل الذمة والفسقة، نظراً إلى أن الوقف تمليك، والوقف كله قربة. ويصح بالاتفاق الوقف على أهل الذمة، ولأن الصدقة تجوز على الأغنياء. وحد الفقر والغنى بحسب المقرر في الزكاة، فمن تصح له الزكاة لفقره، يصح له الوقف لفقره أيضاً، وما لا فلا. والغني: من تحرم عليه الزكاة، إما لملكه أو لقوته وكسبه أو كفايته بنفقة غيره.\rويصح عند المالكية الوقف على الأغنياء، كما ذكر الشافعية.\rولا يصح عند الحنابلة الوقف على مباح كتعليم شعر مباح، ولا على مكروه كتعليم منطق لانتفاء القربة، ولا على الأغنياء كما سيأتي.\rولا يصح بالاتفاق وقف المسلم على جهة معصية كأندية الميسر ودور اللهو وجمعيات الإلحاد والضلال، لأنه ليس قربة في نظر الإسلام. وهناك أمثلة أخرى للمعصية من كتب المذاهب.","part":10,"page":330},{"id":6518,"text":"فلا يصح وقف المسلم عند الحنفية على بيعة أو كنيسة، لعدم كونه قربة في ذاته. ولا يصح الوقف في مذهب المالكية على كنيسة، أو صرف الغلة في ثمن خمر أو حشيشة، أو سلاح لقتال غير جائز. والوقف على شرَبة الدخان باطل، وإن قالوا بجواز شربه.\rولا يصح الوقف من مسلم أو ذمي في رأي الشافعية على جهة معصية أو مالا قربة فيه كعِمارة وترميم الكنائس ونحوها من متعبدات الكفار للتعبد فيها، أو حصرها، أو قناديلها أو خدامها، أو كتب التوراة والإنجيل، أو السلاح لقطاع الطريق؛ أو لمن يرتد عن الدين؛ لأنه إعانة على معصية، والقصد بالوقف القربة إلى الله تعالى، فهما متصادمان.\rأما عمارة كنائس لا للتعبد فيها وإنما لنزول المارّة، فيصح الوقف عليها.\rولا يصح الوقف لدى الحنابلة من مسلم أو ذمي على كنائس وبيوت نار وبيع وصوامع وأديرة، ومصالحها كقناديلها وفرشها ووقودها وسدنتها؛ لأنه ـ كما ذكر الشافعية ـ إعانة على معصية. وللإمام أن يستولي على كل وقف وُقف على هذه الجهات، ويجعلها على جهة قربات، إذا لم يعلم ورثة واقفها، وإلا فللورثة أخذها. ويصح الوقف على من ينزل الكنائس والأديرة ونحوها، أو على من يمر بها أو يجتاز من أهل الذمة فقط.\rولا يصح الوقف لديهم ـ كما قال الشافعية ـ على كتابة التوراة والإنجيل، ولو كان الوقف من ذمي، لوقوع التبديل والتحريف، وقد روي من غير وجه: «أن النبي صلّى الله عليه وسلم غضب لما رأى مع عمر صحيفة فيها شيء من التوراة» ولا على كتب البدعة.\rولا يصح وقف الستور، وإن لم تكن حريراً، لغير الكعبة كوقفها على الأضرحة؛ لأنه ليس بقربة. والوصية كالوقف في كل ما ذكر، فتصح فيما يصح الوقف عليه، وتبطل فيما لا يصح عليه.\rولا يصح لديهم الوقف على طائفة الأغنياء وقطاع الطرق وجنس الفسقة والمغنين، ولا على التنوير على قبر، ولا على تبخيره، ولا على من يقيم عنده، أو يخدمه أويزوره زيارة فيها سفر؛ لأن المذكور ليس من البر.","part":10,"page":331},{"id":6519,"text":"ولايصح الوقف أيضاً على بناء مسجد على القبر، ولا وقف البيت الذي فيه القبر مسجداً، لقول ابن عباس: «لعن رسول الله صلّى الله عليه وسلم زائرات القبور، والمتخذين عليها المساجد والسرج» (1) .\rولا يصح الوقف على زخرفة المساجد ولا على عمارة القبور؛ لأنه إضاعة للمال وإتلاف له في غير منفعة.\rوقف غير المسلم: اتفق فقهاؤنا على بطلان وقف غير المسلم على جهة معصية ليست قربة في دينه ولا في دين الإسلام، كالمراقص وأندية القمار.\rواختفلوا فيما تختلف فيه أنظار الأديان (2) :\rقال الحنفية: يشترط في وقف الذمي أن يكون الموقوف عليه قربة عندنا وعندهم، أي في نظر الإسلام وفي اعتقاد الواقف معاً، كالوقف على الفقراء أو على مسجد القدس؛ لأنه قربة في اعتقاد الواقف وفي نظر الإسلام. أما وقف غير المسلم على المسجد فغير صحيح؛ لأنه وإن كان قربة في نظر الإسلام ليس قربة في اعتقاد الواقف.\rوكذلك وقف غير المسلم الذمي على كنيسة أو بيعة غير صحيح؛ لأنه وإن كان قربة في اعتقاد الواقف، لكنه ليس قربة في نظر الإسلام.\rوقال ابن رشد من المالكية: إذا وقف الذمي على كنيسة، فإن كان على ترميمها أو (مرمتها ـ إصلاحها) أو على الجرحى أو المرضى التي فيها، فالوقف صحيح معمول به. فإن ترافعوا إلينا لنحكم في أوقافهم، حكم الحاكم بينهم بحكم الإسلام من صحة الوقف وعدم بيعه. وإن كان الوقف على عباد الكنائس، حكم ببطلانه، فالعبرة إذن بكون الوقف قربة في اعتقاد الواقف فقط في الأحوال الجائزة.\r-------------------------------\r(1) أخرجه أبو داود والنسائي والترمذي.\r(2) رد المحتار: 394/3، الشرح الكبير وحاشية الدسوقي: 78/4، الشرح الصغير: 118/4، مغني المحتاج: 380/2، المغني: 588/5، كشاف القناع: 273/4.","part":10,"page":332},{"id":6520,"text":"والمعتمد لدى المالكية قول آخر لابن رشد: وهو بطلان وقف الذمي على الكنيسة مطلقاً، وبطلان وقف الكافر لنحو مسجد ورباط ومدرسة من القرب الإسلامية،فالعبرة إذن بكون الوقف على جهة خيرية عندنا وعندهم، كما قال الحنفية.\rوقال الشافعية والحنابلة: العبرة بكون الوقف قربة في نظر الإسلام. سواء أكان قربة في اعتقاد الواقف أم لا.\rفيصح وقف الكافر على المسجد؛ لأنه قربة في نظر الإسلام، ولا يصح وقفه على كنيسة أو بيت نار ونحوهما؛ لأنه ليس قربة في نظر الإسلام.\rوأخذ القانون المصري (م7) بمذهب الحنفية، وبقول بعض المالكية، فنص على أن: وقف غير المسلم صحيح، ما لم يكن على جهة محرمة في شريعته وفي الشريعة الإسلامية.\rالشرط الثاني ـ لأبي حنيفة ومحمد (1) : أن يجعل آخر الوقف الأهلي بجهة لا تنقطع أبداً، فإن لم يذكر آخره لم يصح عندهما؛ لأن التأبيد شرط جواز الوقف، وتسمية جهة تنقطع توقيت له معنى، فيمنع الجواز، ولأنه يصبح حينئذ وقفاً على مجهول، فلم يصح، كما لو وقف على مجهول في ابتداء الوقف.\rوقال أبو يوسف: ليس هذا بشرط، بل يصح وإن سمى جهة تنقطع، ويكون بعدها للفقراء، وإن لم يسمِّهم، إذ لم يثبت هذا الشرط عن الصحابة، ولأن قصد الواقف أن يكون آخره للفقراء، وإن لم يسمهم، فكان تسمية هذا الشرط ثابتاً دلالة وضمناً، والثابت دلالة كالثابت نصاً.\rوأخذ الجمهور (2) غير الحنفية بقول أبي يوسف، أما المالكية فلم يشترطوا تأبيد الوقف، وقالوا: إن انقطع وقف مؤبد على جهة، بانقطاع الجهة التي وقف عليها، رجع وقفاً لأقرب فقراء عصبة الواقف، مع تساوي الذكر والأنثى، ولو شرط الواقف في وقفيته أن للذكر مثل حظ الأنثيين، فيقدم الابن ثم ابنه، ثم الأب، ثم الأخ فابنه، ثم الجد، فالعم فابنه، فإن لم يوجدوا فللفقراء على المشهور.\r-------------------------------\r(1) البدائع: 220/6، الدر المختار: 399/3-400، الكتاب مع اللباب: 182/2.\r(2) الشرح الكبير: 85/4، الشرح الصغير: 98/4، 121، المهذب: 441/1 ومابعدها، مغني المحتاج: 384/2، المغني: 567/5-570، 577، تكملة المجموع: 586/15-588.","part":10,"page":333},{"id":6564,"text":"وللشافعية قولان صحح صاحب المهذب أنه: إن وقف وقفاً مطلقاً ولم يذكر سبيله، يصح؛ لأنه إزالة ملك على وجه القربة، فصح مطلقاً كالأضحية. والأظهر لدى الشافعية أنه لايصح الوقف بدون بيان المصرف كما سيأتي في شروط الصيغة.\rلكن إن عيَّن سبيل الوقف، فلا بد من أن يكون على سبيل لا ينقطع أو لا ينقرض، كالفقراء والمجاهدين وطلبة العلم وما أشبهها.\rوقال الحنابلة: إن كان الوقف غير معلوم الانتهاء، مثل أن يقف على قوم يجوز انقراضهم بحكم العادة، ولم يجعل آخره للمساكين، ولا لجهة غير منقطعة، فإن الوقف يصح؛ لأنه تصرف معلوم المصرف، فصح، كما لو صرح بمصرفه المتصل، ولأن الإطلاق إذا كان له عرف، حمل عليه، كنقد البلد وعرف المصرف.\rواتفق الشافعية والحنابلة مع الرأي السابق للمالكية على أن الموقوف يصرف عند انقراض الموقوف عليهم إلى أقرب الناس إلى الواقف؛ لأن مقتضى الوقف الثواب على التأبيد، فحمل فيما سماه على شرطه، وفيما سكت عنه على مقتضاه، ويصير كأنه وقف مؤبد، فإذا انقرض المسمى، صرف إلى أقرب الناس إلى الواقف؛ لأنه من أعظم جهات الثواب. والأصح عند الشافعية أنه يختص المصرف وجوباً بفقراء قرابة الرحم، لا الإرث، فيقدم ابن بنت على ابن عم.\rوالدليل عليه: قول النبي صلّى الله عليه وسلم : «لا صدقة، وذو رحم محتاج» (1) وحديث سلمان بن عامر عن النبي صلّى الله عليه وسلم : «الصدقة على المسلمين صدقة، وهي على ذي الرحم ثنتان: صدقة وصلة» (2) .\rوالراجح لدى الحنابلة، والشافعية في أحد القولين: أنه لا يختص صرف الوقف حينئذ بالفقراء من أقارب الواقف، بل يشترك فيه الفقراء والأغنياء؛ لأن الوقف لا يختص بالفقراء، وإنما الغني والفقير في الوقف سواء.\rفإن لم يكن للواقف أقارب، أو كان له أقارب، فانقرضوا، صرف إلى الفقراء والمساكين وقفاً عليهم؛ لأن القصد به الثواب الجاري على وجه الدوام.\r-------------------------------\r(1) هذا جزء من حديث طويل عن أبي هريرة، رواه الطبراني في الأوسط، وجاء فيه: «يا أمة محمد، والذي بعثني بالحق، لا يقبل الله صدقة من رجل، وله قرابة محتاجون إلى صلته، ويصرفها إلى غيرهم» قال الهيثمي: وفيه عبد الله بن عامر الأسلمي، وهو ضعيف.\r(2) رواه أحمد وابن ماجه والترمذي والنسائي وابن حبان والدارقطني والحاكم، وحسنه الترمذي.","part":10,"page":334},{"id":6565,"text":"المبحث الرابع ـ ألفاظ الوقف وشروط صيغة الوقف :\rصيغة الوقف: ينعقد الوقف ـ كما تبين في ركن الوقف ـ بالإيجاب وحده ولو لمعين عند الحنفية والحنابلة، وكذا إذا كان على غير معين باتفاق العلماء، وبالإيجاب والقبول عند المالكية والشافعية وبعض الحنابلة إذا كان على معين.\rوألفاظ الوقف الخاصة به عند الحنفية (1) : مثل أرضي هذه صدقة موقوفة مؤبدة على المساكين، أو موقوفة لله تعالى، أو على وجه الخير، أو البر.\rوالمفتى به عملا ًبالعرف هو ما قال أبو يوسف من الاكتفاء بلفظ (موقوفة) بدون ذكر تأبيد أو ما يدل عليه، كلفظ: صدقة، أو لفظ المساكين، ونحوه كالمسجد، وذلك إذا لم يكن وقفاً على معين كزيد، أو أولاد فلان، فإنه لا يصح حينئذ بلفظ (موقوفة) لمنافاة التعيين للتأبيد، ولذا فرق بين لفظ (موقوفة) وبين (موقوفة على زيد) حيث أجاز الأول دون الثاني؛ لأن الأول يصرف إلى الفقراء عرفاً، فإذا ذكر الولد صار مقيداً، فلا يبقى العرف، إلا أن تعيين المسجد لا يضر؛ لأنه مؤبد، والتأبيد من حيث المعنى شرط باتفاق الحنفية على الصحيح.\r-------------------------------\r(1) الدر المختار ورد المحتار: 393/3، 397-401.","part":10,"page":335},{"id":6566,"text":"ثبوت الوقف بالضرورة: قد يثبت الوقف بالضرورة كما تقدم، مثل أن يوصي بغلة هذه الدار للمساكين أبداً، أو لفلان وبعده للمساكين أبداً، فإن الدار تصير وقفاً بالضرورة، كأنه قال: إذا مت فقد وقفت داري على كذا.\rلكن إذا علق الوقف بالموت، كإذا مت فقد وقفت داري على كذا، فالصحيح أنه كوصية تلزم من الثلث بالموت، لا قبله، حتى ولو كان وقفاً على وارثه، وإن رده الورثة الموقوف عليهم، أو وارث آخر. لكن إذا ردوه تقسم غلة الثلث الذي صار وقفاً كالثلثين بقية التركة، فتصرف مصرف الثلثين على الورثة كلهم مادام الموقوف عليه حياً، أما إذا مات فتقسم غلة الثلث الموقوف على من يصير له الوقف. وإذا مات بعض الموقوف عليهم، فإنه ينتقل سهمه إلى ورثته ما بقي أحد من الموقوف عليه حياً.\rوإذا قال: وقفت الدار في حياتي، وبعد وفاتي مؤبداً، جاز، لكن عند الإمام أبي حنيفة: ما دام حياً هو نذر بالتصدق بالغلة، فعليه الوفاء، وله الرجوع، ولو لم يرجع حتى مات، جاز من الثلث.\rوإذا أقَّت الوقف بشهر أو سنة بطل باتفاق الحنفية، لعدم توافر شرط التأبيد، ولو وقف على رجل بعينه، عاد بعد موته لورثة الواقف.\rوالمذهب لدى المالكية (1) : ينعقد الوقف إما بلفظ صريح، مثل: وقفت أو حبست أو سبَّلْت؛ أو بلفظ غير صريح، مثل: تصدقت إن اقترن بقيد؛ أو كان على جهة لا تنقطع؛ أو كان على مجهول محصور (2) . مثال المقترن بقيد يدل على المراد: تصدقت به على ألا يباع ولا يوهب، أو تصدقت به على فلان طائفة بعد طائفة، أو عقبهم أو نسلهم، فإن لم يقيد بقيد فهو ملك لمن تصدق به عليه. ومثال\r-------------------------------\r(1) الشرح الكبير: 81/4، 84، الشرح الصغير: 103/4 ومابعدها، القوانين الفقهية: ص 370.\r(2) المراد بالمحصور: ما يحاط بأفراده، وغير المحصور: مالا يحاط بأفراده كالفقراء والعلماء.","part":10,"page":336},{"id":6567,"text":"الجهة غير المنقطعة: إما على غير معين كتصدقت أو وقفت على الفقراء، أو على جهة كالتصدق به على المساجد. ومثال المجهول المنحصر: التصدق به على فلان وعقبه ونسله؛ لأن قوله ( وعقبه ) وما في معناه يدل على التأبيد.\rوقد يكفي الفعل لانعقاد الوقف كالإذن للناس بالصلاة في الموضع الذي بناه مسجداً.\rوينوب عن الصيغة: التخلية بين الموقوف والموقوف عليه، كجعله مسجداً أو مدرسة أو رباطاً أو بئراً أو مكتبة، وإن لم يتلفظ بالوقف، وتعتبر التخلية حوزاً (قبضاً) حكمياً.\rومذهب الشافعية (1) : لا يصح الوقف إلا بلفظ، ويكون الوقف إما بلفظ صريح مثل وقفت كذا على كذا، أو أرضي موقوفة عليه، لاشتهاره لغة وعرفاً، والتسبيل والتحبيس صريحان أيضاً على الصحيح، لتكررهما شرعاً، واشتهارهما عرفاً، ولم ينقل عن الصحابة وقف إلا بهما.\rولو قال: تصدقت بكذا صدقة محرمة، أو موقوفة، أو لا تباع ولا توهب، فهو صريح في الأصح المنصوص في الأم؛ لأن لفظ التصدق مع هذه القرائن لا يحتمل غير الوقف. لكن هذا اللفظ صريح بغيره، وما قبله صريح بنفسه.\rولو قال: تصدقت فقط، فهو ليس بصريح في الوقف، ولا يحصل به الوقف، وإن نواه، لتردد اللفظ بين صدقة الفرض والتطوع والصدقة الموقوفة، لكن إن أضافه إلى جهة عامة كالفقراء ونوى الوقف، فيحصل الوقف. ويكون اللفظ صريحاً.\rوإما أن يكون الوقف بلفظ غير صريح: مثل حرمته للفقراء، أو أبَّدته عليهم، فهو في الأصح كناية؛ لأنهما لا يستعملان مستقلين، وإنما يؤكد بهما الألفاظ السابقة.\r-------------------------------\r(1) مغني المحتاج: 381/2 ومابعدها، المهذب: 442/1.","part":10,"page":337},{"id":6568,"text":"والأصح أن قوله: جعلت البقعة مسجداً، تصير به مسجداً، وإن لم يقل (لله) لأن المسجد لا يكون إلا وقفاً، فأغنى لفظه عن لفظ الوقف ونحوه. ولو بنى مسجداً في موات، ونوى جعله مسجداً، فإنه يصير مسجداً، ولم يحتج إلى لفظ، فهذا مستثنى من اشتراط اللفظ للوقف.\rورأي الحنابلة (1) : الوقف إما بلفظ صريح أو كناية. فالصريح: مثل: وقفت وحبَّست وسبَّلت، ويكفي أحدهما، لاستعماله شرعاً وعرفاً. والكناية مثل: تصدقت، وحرّمت، وأبّدت، لأنه لفظ مشترك، فإن الصدقة تستعمل في الزكاة، وفي صدقة التطوع، والتحريم صريح في الظهار، والتأبيد يستعمل في كل ما يراد تأبيده من وقف وغيره. ولا يصح الوقف بالكناية إلا بأحد أمور أربعة هي:\r1 - نية المالك.\r2 - أو اقتران لفظ الكناية بأحد الألفاظ الخمسة وهي الألفاظ الصرائح الثلاث، ولفظا التحريم والتأبيد، فيقول: تصدقت بكذا صدقة موقوفة، أو محبسة، أو مسبلة، أو مؤبدة، أو محرمة.\r3 - أو وصف الكناية بصفات الوقف، فيقول: تصدقت به صدقة لاتباع أو لا توهب، أو لا تورث.\r4 - أو يقرن الكناية بحكم الوقف، كأن يقول: تصدقت بأرضي على فلان، والنظر لي أيام حياتي، أو النظر لفلان، ثم من بعده لفلان.\rويصح الوقف أيضاً بفعل دال على الوقف عرفاً، مثل أن يجعل أرضه مقبرة، ويأذن بالدفن فيها إذناً عاماً، أو يبني بنياناً على هيئة مسجد، ويأذن للناس في الصلاة فيه إذناً عاماً؛ لأن الإذن الخاص قد يقع على غير الموقوف، فلا يفيد دلالة الوقف، أو يؤذن ويقام فيما بناه مسجداً؛ لأن الأذان والإقامة فيه كالإذن العام في الصلاة فيه. ولو جعل سفل بيته مسجداً وانتفع بعلوه أو بالعكس، ولو لم يذكر استطراقاً، صح الوقف، ويستطرق إليه بحسب العادة.\rأو يبني بيتاً لقضاء حاجة الإنسان، أي بالبول والغائط والتطهير، ويفتح بابه إلى الطريق للناس.\rأو يملأ خابية أو نحوها من الماء على الطريق أو في المسجد ونحوه، لدلالة الحال على تسبيله.\r-------------------------------\r(1) كشاف القناع: 267/4 ومابعدها.","part":10,"page":338},{"id":6569,"text":"شروط صيغة الوقف :\rيشترط في الوقف ذاته أو في صيغة الوقف عند الفقهاء ما يأتي (1) .\rالشرط الأول ـ التأبيد: فلا يصح الوقف عند الجمهور غير المالكية بما يدل على التأقيت بمدة؛ لأنه إخراج مال على وجه القربة، فلم يجز إلى مدة. وإنما لا بد من اشتماله على معنى التأبيد، ولا يشترط التلفظ به، كالوقف على من لم ينقرض قبل قيام الساعة، كالفقراء، أو على من ينقرض، ثم على من لا ينقرض كزيد، ثم الفقراء.\rفإن اقترنت الصيغة بما يدل على تأقيت الوقف، مثل: وقفت هذا على كذا سنة أوشهراً مثلاً، فباطل هذا الوقف، لفساد الصيغة؛ لأن المقصود من شرعية الوقف هو التصدق الدائم، وهو يقتضي أن يكون إنشاء الوقف على سبيل التأبيد.\rوبناء عليه، شرط الحنفية أن يكون الموقوف عقاراً؛ لأنه هو الذي ينتفع به على وجه التأبيد، ولم يجيزوا وقف المنقول إلا تبعاً للعقار، أو ورد به النص، أو جرى العرف بوقفه. واشترطوا أيضاً أن يكون آخر مصارف الوقف الأهلي جهة بر لا تنقطع، ليدوم التصدق ويستمر.\rأما المالكية فلم يشترطوا التأبيد في الوقف، وأجازوا الوقف سنة أو أكثر لأجل معلوم، ثم يرجع ملكاً للواقف أو لغيره، توسعة على الناس في عمل الخير.\rأما القانون المصري (م5) رقم (48 لسنة 1946)، فإنه جعل الوقف من حيث تأبيده وتوقيته ثلاثة أقسام:\r1 - وقف لا يصح إلا مؤبداً، وتوقيته باطل: وهو وقف المسجد والوقف على المسجد. وهذا رأي الجمهور غير المالكية.\r-------------------------------\r(1) الدر المختار: 394/3، 398، الشرح الصغير: 98/4، 105-106، الشرح الكبير: 87/4-89، مغني المحتاج: 383/2-385، كشاف القناع: 269/4، 277 ومابعدها، المغني: 552/5،570-572، غاية المنتهى: 304/2.","part":10,"page":339},{"id":6570,"text":"2 - وقف يجوز كونه مؤقتاً ومؤبداً: وهو الوقف على غير المسجد كالمشافي والملاجئ والمدارس والفقراء ونحو ذلك. وهذا مأخود من مذهب المالكية للتوسعة على الناس في عمل الخير.\r3 - وقف لا يكون إلا مؤقتاً وتأبيده باطل: وهو الوقف الأهلي، فإن وقَّته بسنين وجب ألا تزيد على ستين سنة من وفاة الواقف، وإن وقَّته بطبقات وجب ألا تزيد على طبقتين من الموقوف عليهم بعد الواقف. ولا سند لذلك التأقيت إلا المصلحة.\rثم ألغي الوقف الأهلي في سورية سنة (1949)، وفي مصر سنة (1952) بالقانون رقم (180).\rالشرط الثاني ـ التنجيز: بأن يكون منجزاً في الحال غير معلَّق بشرط ولا مضاف إلى وقت في المستقبل؛ لأنه عقد (التزام) يقتضي نقل الملك في الحال، فلم يصح تعليقه على شرط كالبيع والهبة، في رأي الجمهور غيرالمالكية.\rالصيغة المنجزة: هي التي تدل على إنشاء الوقف وترتب آثاره في الحال أي في وقت صدورها.\rوالصيغة المعلقة: هي التي لا تدل على إنشاء الوقف من حين صدورها، بل تدل على تعليق التصرف بأمر يحدث في المستقبل، مثل إذا جاء زيد فقد وقفت، أوإذا جاء غداً أو رأس الشهر أو إذا كلمت فلاناً، فأرضي هذه صدقة موقوفة، يكون الوقف باطلاً عند الجمهور غير المالكية. وصيغ التعليق ثلاث:\rأ ـ إن كان التعليق على أمر متردد بين الوجود وعدم الوجود، فلا يصح الوقف بها، مثل إن قدم ابني من السفر، فقد وقفت داري على كذا؛ لأن الوقف يقتضي نقل الملك، والتمليكات لا تقبل التعليق على أمر في المستقبل. وعلل الشافعية عدم صحة تعليق الوقف على شرط مستقبل بأنه عقد (التزام) يبطل بالجهالة، فلم يصح تعليقه على شرط مستقبل كالبيع.","part":10,"page":340},{"id":6571,"text":"ب ـ إن كان التعليق على موت الواقف، صح الوقف بالاتفاق، مثل وقفت داري بعد موتي على الفقراء؛ لأنه تبرع مشروط بالموت، فصح كما لو قال: قفوا داري بعد موتي على كذا؛ لأن عمر وصى، فكان في وصيته: «هذا ما أوصى به عبد الله عمر أمير المؤمنين إن حدث به حدث أن ثَمْغاً صدقة» (1) .\rويكون الوقف المعلق بالموت لازماً، من حين قوله: هو وقف بعد موتي، وينفذ من غير إجازة الورثة، إن خرج من ثلث التركة.\rجـ ـ إن كان التعليق على أمر محقق عند صدوره، صح الوقف أيضاً، مثل إن كانت هذه الأرض ملكي ـ وكانت ملكه وقت التكلم ـ فهي وقف على كذا؛ لأن التعليق صوري والصيغة فيها منجزة في الحقيقة. فهذا تعليق بكائن أو موجود للحال فلا ينافي عدم صحته معلقاً بالموت؛ لأن التعليق بالشرط الكائن تنجيز. وقال الشافعية: الظاهر صحة الوقف بقوله: جعلته مسجداً إذا جاء رمضان.\rوالصيغة المضافة إلى زمن في المستقبل: هي التي تدل على إنشاء الوقف في الحال، ولكن تؤخر ترتيب حكمه إلى زمن مستقبل، مثل جعلت منزلي هذا وقفاً على كذا في أول العام الهجري المقبل.\rوحكم هذه الصيغة عند الحنفية على التفصيل التالي:\rإن كان الزمن المستقبل المضاف إلىه الوقف هو ما بعد الموت، فالوقف باطل عند أبي حنيفة، والصحيح أنه وصية لازمة بوقف من الثلث بالموت، لا قبله.\rوإن كان الزمن المستقبل غير زمن الموت، مثل أول السنة الهجرية، فالصحيح من الروايتين عند الحنفية أن الوقف يصح، كما تصح الإجارة المضافة للمستقبل، والوقف يشبه الإجارة لأنه مثلها تمليك المنفعة، فيصح الوقف لو قال: داري صدقة وموقوفة غداً.\rوالحاصل أنه لايجوز عند الجمهور تعليق الوقف على شرط في الحياة، مثل إذا جاء رأس الشهر فداري وقف.\rوقال المالكية عن هذا الشرط: لايشترط في الوقف التنجيز، فيجوز مع التعليق كأن يقول: هو حبس على كذا بعد شهر أو سنة، أو يقول: إن ملكت دار فلان فهي وقف.\r-------------------------------\r(1) رواه أحمد، وروى نحوه أبو داود، وثمغ: مال بالمدينة لعمر وقفه.","part":10,"page":341},{"id":6572,"text":"الشرط الثالث - الإلزام: لايصح عند الجمهور غير المالكية تعليق الوقف بشرط الخيار أو بخيار الشرط، معلوماً كان أو مجهولاً، بأن يقف شيئاً ويشرط لنفسه أو لغيره الرجوع فيه متى شاء، ويبطل الوقف كالهبة والعتق. لكن استثنى الحنفية وقف المسجد، فلو اتخذ مسجداً على أنه بالخيار، جاز والشرط باطل.\rالشرط الرابع - عدم الاقتران بشرط باطل: الشروط عند الحنفية ثلاثة:\rأ - شرط باطل: وهو ماينافي مقتضى الوقف، كأن يشترط إبقاء الموقوف على ملكه، وحكمه: أنه يبطل به الوقف، لمنافاته حقيقة الوقف. وكذا لو شرط لنفسه الرجوع في الوقف متى شاء، يبطل به الوقف لمنافاته حكم الوقف وهو اللزوم. ولو شرط بيع الوقف وصرف ثمنه لحاجته، بطل الوقف.\rب - شرط فاسد: وهو مايخل بالانتفاع بالموقوف، أو بمصلحة الموقوف عليه، أو يخالف الشرع. مثال الأول: أن يشترط صرف الريع إلى المستحقين، ولو احتاج الموقوف إلى التعمير، فهو فاسد؛ لأنه يخل بالانتفاع بالموقوف. ومثال الثاني: أن يشترط ألا يعزل الناظر من أولاده ولو خان، فهوفاسد؛ لأنه يخل بمصلحة الموقوف عليه. ومثال الثالث: أن يخصص جزءاً من الريع لارتكاب جريمة، فهو شرط فاسد؛ لأنه يخالف الشريعة. وحكمه: أنه لايبطل الوقف، بل يصح ويبطل الشرط.\rجـ - شرط صحيح: هو كل شرط لاينافي مقتضى الوقف، ولايخل بالمنفعة، ولا يصادم الشرع، مثل اشتراط البدء من الريع بأداء الضرائب المستحقة، أوالبدء بالتعمير قبل الصرف إلى المستحقين. وحكمه: أنه يجب اتباعه وتنفيذه.","part":10,"page":342},{"id":6573,"text":"أما القانون المصري (م6) رقم (48 لسنة 1946) فقد نص على أنه: « إذا اقترن الوقف بشرط غير صحيح، صح الوقف، وبطل الشرط » والشرط غير الصحيح يشمل الشرط الفاسد والباطل. وهذا رأي الصاحبين في الشرط الفاسد، ورأي لأبي يوسف في الشرط الباطل.\rوقال المالكية: إذا اشترط الواقف على مستحق الوقف إصلاحه أو دفع ضريبة بغير حق لحاكم ظالم، صح الوقف وألغي الشرط، ويصح في الأصح الإصلاح ودفع التوظيف من غلة الموقوف. كذلك لو شرط عدم البدء بإصلاح الموقوف أو عدم البدء بنفقته التي يحتاج إليها كنفقة الحيوان، صح الوقف، وبطل الشرط، وأنفق عليه من غلة الموقوف.\rومذهب الشافعية: إن شرط الواقف أن يبيع الوقف، أو شرط أن يدخل من شاء ويخرج من شاء، بطل الوقف على الصحيح كشرط الخيار السابق.\rووافقهم الحنابلة فقالوا: إن شرط الواقف في الوقف شرطاً فاسداً كخيار فيه، أو بشرط تحويل الوقف عن الموقوف عليه إلى غيره، بأن قال: وقفت داري على كذا، على أن أحولها عن هذه الجهة، أو عن الوقفية بأن أرجع فيها متى شئت، أو بأن يخرج من شاء من أهل الوقف، ويدخل من شاء من غيرهم، لم يصح الوقف. وكذا إن شرط هبته أو بيعه متى شاء، أو متى شاء أبطله، لم يصح الوقف؛ لأنه شرط ينافي مقتضى الوقف. ولو شرط البيع عند خراب الوقف وصرف الثمن في مثله، أو شرطه للمتولي بعده ( وهو من ينظر في الوقف ) فسد الشرط فقط، وصح الوقف مع إلغاء الشرط، كما في الشروط الفاسدة في البيع.","part":10,"page":343},{"id":6574,"text":"الشرط الخامس عند الشافعية: بيان المصرف: فلو اقتصر الواقف على قوله: وقفت كذا، ولم يذكر مصرفه، فالأظهر بطلانه، لعدم ذكر مصرفه، وهذا بخلاف الوصية، فإنها تصح وتصرف للمساكين؛ لأن غالب الوصايا للمساكين، فحمل الإطلاق عليه، بخلاف الوقف. وصحح صاحب المهذب القول الثاني وهو صحة الوقف بدون ذكر جهة الصرف؛ لأنه إزالة ملك على وجه القربة، فصح مطلقاً كالأضحية.\rولم يشترط الجمهور غير الشافعية ذكر جهة المصرف، قال المالكية: لايشترط في الوقف تعيين المصرف في محل صرفه، فجاز أن يقول: وقفته لله تعالى، من غير تعيين من يصرف له، وصرف فيما يصرف له في غالب عرفهم، وإلا يكن غالب في عرفهم، فالفقراء يصرف عليهم، هذا إذا لم يختص الموقوف بجماعة معينة، وإلا صرف لهم، ككتب العلم.\rمقتضى ألفاظ الوقف التي يعبر بها عن الموقوف عليهم :\rقد تصدر عن الواقف ألفاظ كالولد والعقب والنسل والذرية والقرابة والآل والأهل، فما المراد منها في المذاهب (1) ؟.\rأ - الولد والأولاد: إن قال الواقف: وقفت على ولدي أو على أولادي، تناول بالاتفاق ولد الصلب ذكورهم وإناثهم. أما لو قال: ولدي وولد ولدي، أو أولادي وأولاد أولادي، أو بنيّ وبني بنيّ، تناول الذكور والإناث من الأولاد، والراجح عند المالكية أنه لايتناول من أولاد الأولاد سوى الذكور دون الإناث.\rقال الحنابلة:إذا وقف على أولاد رجل وأولاد أولاده، استوى فيه الذكر والأنثى؛ لأنه تشريك بينهم، وإطلاق التشريك يقتضي التسوية. والمستحب أن يقسم الواقف الوقف على أولاده على حسب قسمة الله تعالى الميراث بينهم للذكر مثل حظ الأنثيين. وقال القاضي أبو يعلى: المستحب التسوية بين الذكر والأنثى؛ لأن القصد القربة على وجه الدوام، وقد استووا في القرابة. وإذا فضل بعضهم على بعض فهو على ماقال. ويوزع الوقف بطناً بعد بطن، أي للأقرب فالأقرب.\r-------------------------------\r(1) الدر المختار ورد المحتار: 482/3 ومابعدها، فتح القدير: 70/5-72، الشرح الكبير: 92/4 ومابعدها، الشرح الصغير: 128/4-132، القوانين الفقهية: ص370، المهذب: 444/1 ومابعدها، كشاف القناع: 307/4-314، غاية المنتهى: 319/2 ومابعدها، المغني: 560/5-566.","part":10,"page":344},{"id":6575,"text":"ب - الذرية والنسل والعقب: لو قال الواقف: على ذريتي أو نسلي أو عقبي، يشمل بالاتفاق أولاد الذكور دون أولاد الإناث، أي أولاد البنات، إلا بتصريح أو بقرينة كما قال الحنابلة.\rجـ - الآل والجنس وأهل البيت: يدخل فيهم العصبة من الأولاد والبنات، والإخوة والأخوات، والأعمام والعمات. واختلف في دخول الأخوال والخالات. وقال الحنفية: آله وجنسه وأهل بيته: كل من يناسبه إلى أقصى أب له في الإسلام، وهو الذي أدرك الإسلام، أسلم أم لا.\rوذكر الحنفية: أنه يشمل الغني والفقير. والأصل عند الحنفية: أن الصغير يعد غنياً بغنى أبويه وجديه فقط، والرجل والمرأة بغنى فروعها، وزوجها فقط، لكن قال الخصاف: والصواب عندي إعطاؤهم وإن كان تفرض نفقتهم على غيرهم.\rد - القرابة: أعم ماسبق، ويدخل فيه كل ذي رحم محرم من الواقف، من قبل الرجال والنساء، سواء المحرم أو غير المحرم على الأصح عند المالكية.\rورأى الحنفية: أن قرابته وأرحامه وأنسابه: كل من يناسبه إلى أقصى أب له في الإسلام من قبل أبويه، سوى أبويه وولده لصلبه، فإنهم لايسمون قرابة اتفاقاً، وكذا من علا منهم أو سفل عند أبي حنيفة ومحمد. ولا يكون الصرف لأقل من اثنين عند أبي حنيفة، وعند الصاحبين: يمكن الاكتفاء بواحد.\rوعبارة الشافعية: إن وقف على جماعة من أقرب الناس إليه، صرف إلى ثلاثة من أقرب الأقارب.\rوإن قيده بفقرائهم، اعتبر الفقر عند الحنفية وقت وجود الغلة، وهو المجوِّز لأخذ الزكاة، فلو تأخر صرف الغلة سنين لعارض، فافتقر الغني، واستغنى الفقير، شارك المفتقر وقت القسمة الفقير وقت وجود الغلة؛ لأن الصِلات إنما تملك حقيقة بالقبض، وطروء الغنى والموت لايبطل ما استحقه.\rوإذا قال: الأقرب فالأقرب: فالمراد أقرب الناس رحماً، لا بالإرث والعصوبة.","part":10,"page":345},{"id":6576,"text":"وإذا قال: الصلحاء الأقارب، فالصالح كما قال ابن عابدين: من كان مستوراً، ولم يكن مهتوكاً ولا صاحب ريبة، وكان مستقيم الطريقة، سليم الناحية، كامن الأذى، قليل الشر، ليس بمعاقر للنبيذ، ولاينادم عليه الرجال، ولا قذافاً للمحصنات، ولامعروفاً بالكذب. فهذا هو الصلاح، ومثله أهل العفاف والخير والفضل.\rوإذا قال: الأحوج فالأحوج من القرابة، فيراد به من يملك الأقل من مائة درهم، فإن صار معه مائة درهم يقسم بينهم جميعاً بالسوية.\rهـ - مراحل الإنسان: كما تقدم في الوصية.\rإن الطفل والصبي والصغير: من لم يبلغ، فإن بلغ فلا شيء له.\rوالشاب والحَدَث: من البلوغ لتمام الأربعين، فإن أتم الأربعين فلا شيء له.\rوالكَهْل: من تمام الأربعين لتمام الستين.\rوالشيخ: من فوق الستين لآخر العمر. وليس فوق الشيخ شيء.\rويشمل ذلك كله الذكر والأنثى، كالأرمل يشمل الذكر والأنثى.\rو - سبيل الله ونحوه: ذكر الحنابلة أنه إن وقف على سبيل الله أو ابن السبيل أو الغارمين، فهم الذين يستحقون السهم من الزكوات؛ لأن المطلق من كلام الآدميين محمول على المعهود في الشرع. وسبيل الله هو الغزو والجهاد في سبيل الله .\rالوقف الدائم من حيث الاتصال والانقطاع :\rالوقف المؤبد إذا انقطع الموقوف عليه في حلقة من حلقاته أو اتصل أربعة أنواع (1) :\r1ً - إن كان معلوم الابتداء ، والانتهاء غير منقطع، أي متصل الابتداء والانتهاء: مثل الوقف على المساكين أو على طائفة لايجوز بحكم العادة انقراضهم، صحيح بالاتفاق. أما إن كان منقطع الابتداء والانتهاء كالوقف على ولده، ولا ولد له، فالوقف باطل؛ لأن الولد الذي لم يخلق لايملك، فلا يفيد الوقف عليه شيئاً.\r-------------------------------\r(1) الدر المختار ورد المحتار: 400/3، 480، الشرح الصغير: 121/4-124، المهذب: 441/1 ومابعدها، المغني: 567/5-573.","part":10,"page":346},{"id":6577,"text":"2ً - إن كان متصل الابتداء غير معلوم الانتهاء: مثل أ ن يقف على قوم يجوز انقراضهم بحكم العادة، ولم يجعل آخره للمساكين، ولا لجهة غير منقطعة، الوقف صحيح عند الجمهور؛ لأنه تصرف معلوم المصرف عرفاً، وينصرف عند انقراض الموقوف عليهم إلى أقارب الواقف، كما تقدم؛ لأن مقتضى الوقف الثواب، فحمل فيما سماه على شرطه، وفيما سكت عنه على مقتضاه، ويصير كأنه وقف مؤبد.\rوقال محمد بن الحسن وبرأيه يفتى عند الحنفية: لايصح هذا الوقف، إذ لابد كما عرفنا من بيان جهة قربة لاتنقطع؛ لأن الوقف مقتضاه التأبيد، فإذا كان منقطعاً، صار وقفاً على مجهول، فلم يصح كما لو وقف على مجهول في الابتداء.\r3ً - إن كان الوقف منقطع الابتداء، متصل الانتهاء: مثل أن يقف على من لايجوز الوقف عليه، كنفسه أو عبده، أو كنيسة أو مجهول غير معين، فيه رأيان عند الشافعية والحنابلة: رأي: إنه باطل؛ لأن الأول باطل، ورأي: إنه يصح، وإذا قيل: إنه صحيح، صرف في الحال إلى من يجوز الوقف عليه.\r4ً - إن كان الوقف صحيح الطرفين - الابتداء والانتهاء، منقطع الوسط، مثل أن يقف على ولده، ثم على غير معين، ثم على المساكين: فيه رأيان كمنقطع الانتهاء، وقيل عند الشافعية والحنابلة: إنه يصح، وقيل: إنه يبطل.\rوإن كان منقطع الطرفين صحيح الوسط، كرجل وقف على نفسه، ثم على أولاده، ثم على الكنيسة، ففي صحته رأيان، ومصرفه إلى مصرف الوقف المنقطع.","part":10,"page":347},{"id":6578,"text":"الفَصْلُ الخامس : إثبات الوقف شرعاً وقانوناً :\rالمقرر شرعاً أن الشهادة إحدى طرق إثبات الوقفية، ويشترط في ادعاء الوقف: بيان الوقف ولو كان قديماً، ويقبل في إثباته الشهادة على الشهادة، وشهادة النساء مع الرجال، والشهادة بالشهرة والتسامع بأن يقول الشاهد: أشهد بالتسامع وتقبل شهادة التسامع لبيان المصرف، كقولهم على مسجد كذا، ولبيان مستحقين، ولاتقبل لإثبات شرائطه في الأصح. أما صك الكتابة فلا يصلح حجة؛ لأن الخط يشبه الخط.\rواشتراط تحديد العقار الموقوف لايطلب لصحة الوقف؛ لأن الشرط كونه معلوماً، وإنما هو شرط لقبول الشهادة الوقفية (1) .\rوعلى هذا كان عمل المحاكم الشرعية في مصر وسورية، ثم نصت المادة الأولى من قانون الوقف المصري رقم (48 لسنة 1952) على اشتراط إشهاد رسمي من الواقف، أمام إحدى المحاكم الشرعية التي بدائرتها أعيان الوقف كلها أو أكثرها، سداً للباب أمام الدعاوى الباطلة لإثبات الوقفيات بشهادات الزور، وهذا يتفق مع الحكم القانوني الذي يشترط التسجيل في السجل العقاري لكل تصرف واقع على العقار، أياً كان العقار، وأياً كان التصرف الواقع عليه.\rوذكر الخصاف حكم الوقف إذا انقطع ثبوته فقال: إن الأوقاف التي تقادم أمرها، ومات شهودها، فما كان لها من رسوم في دواوين القضاة، وهي في أيديهم، أجريت على رسومها الموجودة في دواوينهم استحساناً إذا تنازع أهلها فيها. ومالم يكن لها رسوم في دواوين القضاة، فمن أثبت حقاً فيها عند التنازع حكم له به.\r-------------------------------\r(1) رد المحتار: 408/3، 441-444.","part":10,"page":348},{"id":6579,"text":"الفَصْلُ السَّادس - مبطلات الوقف :\rيبطل الوقف إذا اختل شرط من شروطه السابقة.\rوذكر المالكية مبطلات الوقف وأهمها مايأتي (1) :\r1ً - حدوث مانع: مثل إن مات الواقف أو أفلس، أو مرض مرضاً متصلاً بموته قبل القبض بطل الوقف، ورجع للوارث في حال الموت، وللدائن في الإفلاس، فإن أجازه نفذ، وإلا بطل.\r2ً - إن سكن الواقف الدار قبل تمام عام بعد أن حيز عنه، أو أخذ غلة الأرض لنفسه، بطل التحبيس.\r3ً - الوقف على معصية ككنيسة وكصرف غلة الموقوف على خمر أو شراء سلاح لقتال حرام، باطل.\r4ً - الوقف على حربي باطل، ويصح على ذمي. وهذا متفق عليه.\r5ً - الوقف على نفسه ولو مع شريك غير وارث، مثل وقفته على نفسي مع فلان، فإنه يبطل مايخصه، وكذا مايخص الشريك.\r6ً - الوقف على أن النظر للواقف، يبطل لما فيه من التحجير.\r7ً - الجهل بسبق الوقف عن الدين إن كان الوقف على محجوره: فمن وقف على محجوره ( أي الذي يشرف عليه ) وقفاً وحازه له، وعلى الواقف دين، ولم يعلم هل الدين قبل الوقف أو بعده، فإن الوقف يبطل، ويباع لتسديد الدين، تقديماً للواجب على التبرع، عند الجهل بالسبق، مع ضعف الحوز ( القبض ).\r8ً - عدم التخلية ( أي عدم ترك الواقف ) بين الناس وبين الموقوف عليه الذي هو مثل المسجد والرباط والمدرسة قبل حصول المانع، فإنه يبطل الوقف، ويكون ميراثاً.\r9ً - وقف الكافر لنحو مسجد ورباط ومدرسة وغيرها من القرَب الإسلامية. وهذا رأي الحنفية أيضاً.\rويكره على الراجح كراهة تنزيه الوقف على البنين دون البنات؛ لأنه يشبه عمل الجاهلية من حرمان البنات من إرث أبيهن، فإن حدث الوقف نفذ ولم يفسخ على الأصح. ويكره اتفاقاً هبة الرجل لبعض ولده ماله كله، أو جُلَّه. وكذا يكره أن يعطي ماله كله لأولاده، ليقسم بينهم بالسوية بين الذكور والإناث. فإن قسمه بينهم على قدر مواريثهم، فهو جائز. ويصح الوقف بالاتفاق على العكس وهو وقفه على بناته دون بنيه.\rموقف القانون من انتهاء الوقف :\rنص القانون المصري رقم (48 لسنة 1952) في المواد (16-18) على انتهاء الوقف بانتهاء المدة المعينة، أو بانقراض الموقوف عليهم، وكذلك ينتهي في كل حصة بانقراض أهلها قبل انتهاء المدة المعينة أو قبل انقراض الطبقة التي ينتهي الوقف بانقراضها. وذلك مالم يدل كتاب الوقف على عود هذه الحصة إلى باقي الموقوف عليهم أو بعضهم، فإن الوقف في هذه الحالة لاينتهي إلا بانقراض هذا الباقي أو بانتهاء المدة.\rوينتهي الوقف أيضاً للتخرب والضآلة بقرار من المحكمة بناء على طلب ذي الشأن. ويصير الوقف المنتهي ملكاً للواقف إن كان حياً، وإلا فلمستحقه وقت الحكم بانتهائه.\r-------------------------------\r(1) القوانين الفقهية: ص370 ومابعدها، الشرح الصغير: 107/4-108، 116-118.","part":10,"page":349},{"id":6580,"text":"الفَصْلُ السَّابع - نفقات الوقف :\rنفقة الوقف من ريعه بالاتفاق، مع اختلافات في شرط الواقف وغيره.\rمذهب الحنفية (1) : الواجب أن يبدأ من ريع الوقف أي غلته، بعمارته بقدر مايبقى الوقف على الصفة التي وقف عليها، وإن خرب بني على صفته، سواء شرط الواقف النفقة من الغلة أو لم يشرط؛ لأن قصد الواقف صرفه الغلة مؤبداً، ولاتبقى دائمة إلا بالعمارة، فيثبت شرط العمارة اقتضاء، ولأن الخراج بالضمان.\rوإن وقف داراً على سكنى ولده، فالعمارة على من له السكنى من ماله؛ لأن الغرم بالغنم، فإن امتنع من له السكنى من العمارة، أو عجز بأن كان فقيراً، آجرها الحاكم لمن شاء، وعمرها بأجرتها كعمارة الواقف، ثم ردها بعد العمارة إلى من له السكنى ؛ لأن عمارتها رعاية الحقين: حق الواقف وحق صاحب السكنى. ولا يجبر الممتنع على العمارة، لما فيه من إتلاف ماله. ولا تصح إجارة من له السكنى، بل المتولي أو القاضي. ولا عمارة على من له الاستغلال؛ لأنه لا سكنى له، وإنما عمارته على من له السكنى، فلو سكن لا تلزمه الأجرة الظاهرة، لعدم الفائدة، إلا إذا احتيج للعمارة، فيأخذها المتولي ليعمر بها.\r-------------------------------\r(1) فتح القدير: 53/5 ومابعدها، الكتاب مع اللباب: 184/2 ومابعدها، الدر المختار: 412/3-417.","part":10,"page":350},{"id":6581,"text":"وما انهدم من بناء الوقف وآلته: وهي الأداة التي يعمل بها كآلة الحراثة في ضيعة الوقف، أعاده الحاكم في عمارة الوقف إن احتاج الوقف إليه، وإن استغنى\rعنه أمسكه حتى يحتاج إلى عمارته فيصرفه فيها، حتى لا يتعذر عليه الصرف وقت الحاجة. وإن تعذر إعادة عينه، بيع وصرف ثمنه إلى المرمَّة (الإصلاح) صرفاً للبدل إلى مصرف المبدل.\rولايجوز أن يقسم المنهدم وكذا بدله بين مستحقي الوقف؛ لأنه جزء من العين الموقوفة، ولا حق لهم فيها، إنما حقهم في المنفعة، فلا يصرف لهم غير حقهم.\rومذهب المالكية (1) مثل الحنفية: يجب على الناظر إصلاح الوقف إن حصل به خلل من غلته، وإن شرط الواقف خلافه، فلا يتبع شرطه في الإصلاح؛ لأنه يؤدي إلى إتلافه وعدم بقائه، وهو لا يجوز.\rويكري الناظر دار السكنى الموقوفة إن حصل بها خلل، ويخرج الساكن منها، إن لم يصلحها بعد أن طلب منه الإصلاح، فإذا أصلحت رجعت بعد مدة الإجارة للموقوف عليه. وإن أصلحها لم يخرج منها.\rفإن لم تكن للموقوف غلات، فينفق عليه من بيت المال، فإن لم يكن يترك حتى يخرب، ولا يلزم الواقف النفقة.\rوينفق على خيول الجهاد ودوابه من بيت المال، ولا يلزم الواقف بشيء من نفقتها، ولا تؤجر لينفق عليها من غلتها. فإن لم يكن بيت مال للمسلمين أو لم يمكن التوصل إليه، بيع الحيوان، وعوِّض به سلاح ونحوه مما لا نفقة له.\rومذهب الشافعية والحنابلة (2) : أن نفقة الموقوف ومؤن تجهيزه وعمارته من\r-------------------------------\r(1) الشرح الصغير: 124/4 ومابعدها، القوانين الفقهية: ص 372.\r(2) المهذب: 445/1، مغني المحتاج: 395/2، المغني: 590/5، كشاف القناع: 293/4.","part":10,"page":351},{"id":6582,"text":"حيث شرطها الواقف من ماله، أو من مال الوقف؛ لأنه لما اتبع شرطه في سبيل الوقف، وجب اتباع شرطه في نفقته. فإن لم يمكن فمن غلة الموقوف أو منافعه كغلة العقار؛ لأن الحفاظ على أصل الوقف لا يمكن إلا بالإنفاق عليه من غلته، فكان الإنفاق من ضرورته.\rفإذا تعطلت منافعه، فالنفقة ومؤن التجهيز لا العمارة عند الشافعية من بيت المال. وأما عند الحنابلة: فإن تعطلت منافع الحيوان، فنفقته على الموقوف عليه؛ لأنه ملكه، ويحتمل وجوبها في بيت المال، ويجوز بيعه، كما سأبين.\rوقال المالكية والحنابلة والشافعية عن زكاة الموقوف (1) : إذا كان الوقف على قوم بأعيانهم فحصل لبعضهم من ثمر الشجر أو حب الأرض نصاب وهو خمسة أوسق، فعليهم الزكاة؛ لأنهم يملكون الناتج. وإذا صار الوقف للمساكين فلا زكاة فيه.\rوأوجب الإمام مالك الزكاة على الواقف في الموقوف على غير المعين نحو الفقراء والمساكين إذا كان خمسة أوسق، بناء على أنه ملك الواقف، فيزكي على ملكه. وأما الموقوف على المعينين، فيشترط في حصة كل واحد منه خمسة أوسق.\r-------------------------------\r(1) المغني: 582/5، تكملة المجموع: 597/14، الفروق: 111/2 ومابعدها.","part":10,"page":352},{"id":6583,"text":"الفَصْلُ الثَّامن : استبدال الوقف وبيعه حالة الخراب :\rيقصد بالوقف دوام الانتفاع به، وتحصيل الثواب والأجر بنفعه، فإذا آل إلى الخراب، فماذا يكون مصيره؟\rأجاز الفقهاء استبداله وبيعه للضرورة بشروط وقيود وتفصيلات لديهم.\rقال الحنفية (1) : للمسجد بمجرد القول ( أي الوقف ) على المفتى به صفة الأبدية، فلا تنسلخ عنه صفة المسجدية ولو استغني عنه، فلو خرب المسجد وليس له ما يعمر به، وقد استغنى الناس عنه لبناء مسجد آخر، يبقى مسجداً عند أبي حنيفة وأبي يوسف أبداً إلى قيام الساعة، وبرأيهما يفتى، فلا يعود إلى ملك الباني وورثته، ولا يجوز نقله ونقل ماله إلى مسجد آخر، سواء أكانوا يصلون فيه أم لا. ولا يحل وضع جذوع على جدار المسجد، ولو دفع الأجرة.\rوقال محمد: إذا انهدم الوقف وليس له من الغلة ما يعمر به، فيرجع إلى الباني أو ورثته.\rويجري الخلاف المذكور في بسط المسجد وحصره وقناديله إذا استغني عنها، ينقل عند أبي يوسف في رواية عنه إلى مسجد آخر، ويرجع إلى مالكه عند محمد إذا خرج عن الانتفاع المقصود للواقف بالكلية.\rوعلى هذا الخلاف: في الرباط (2) والبئر إذا لم ينتفع بهما، فيصرف على قول لأبي يوسف في رواية ثانية عنه وقف المسجد والرباط والبئر والحوض إلى أقرب مسجد أو رباط أو حوض إليه. لكن المفتى به في تأبيد المسجد قول الشيخين كما تقدم: وهو أنه لا يجوز نقله ونقل ماله إلى مسجد آخر، وإذا خرب المسجد يبقى مسجداً أبداً.\rلكن في آلات المسجد نحو القنديل والحصير بخلاف أنقاضه: الفتوى على قول محمد وهو ردها إلى واقفها أو إلى ورثته. وأما أنقاضه فيفتى فيها كما ذكر بقول أبي يوسف وأبي حنيفة وهو أن المسجد لا يعود ميراثاً ولا يجوز نقله ونقل ماله إلى مسجد آخر، أي لا تعود عندهما الأنقاض للواقف أو ورثته عند إمكان البيع.\r-------------------------------\r(1) الدر المختار ورد المحتار: 406/3-408، 419 ومابعدها، 424-427، فتح القدير: 58/5 ومابعدها، البدائع: 220/6.\r(2) الرباط: هو الذي يبنى للفقراء.","part":10,"page":353},{"id":6584,"text":"وإذا وقف الواقف وقفين على المسجد، أحدهما على العمارة، والآخر إلى إمامه أو مؤذنه، فللحاكم إذا قل المخصص للإمام ونحوه أن يصرف من فاضل وقف المصالح والعمارة إلى الإمام والمؤذن باستصواب أهل الصلاح من أهل المحلة، إن كان الوقف متحداً؛ لأن غرضه إحياء وقفه، وهو يحصل بهذا النقل؛ لأنهما حينئذ كشيء واحد. ففي حال اتحاد الواقف والجهة يجوز المناقلة.\rوإن اختلف أحدهما (الواقف والجهة) بأن بنى رجلان مسجدين أو رجل مسجداً ومدرسة، ووقف عليهما أوقافاًً، لا يجوز للحاكم نقل مخصص أحدهما للآخر.\rبيع أنقاض المسجد ونحوه: إذا انهدم وقف، ولم يكن له شيء يعمر منه، ولا أمكن إجارته ولا تعميره، ولم تبق إلا أنقاضه من حجر وطوب وخشب، صح بيعه بأمر الحاكم، ويشترى بثمنه وقف مكانه، فإذا لم يمكن الشراء، رده إلى ورثة الواقف إن وجدوا، وإن لم يوجدوا يصرف للفقراء. والبيع بإذن القاضي وصرف ثمنه إلى بعض المساجد مبني على قول لأبي يوسف في رواية ثانية عنه، والرد إلى الورثة أو إلى الفقراء على قول محمد، وهو جمع حسن، حاصله أنه يعمل بقول أبي يوسف حيث أمكن، وإلا فبقول محمد.\rوالخلاصة: الاتجاه في الفتوى عند مشايخ الحنفية بيع الأنقاض وصرف ثمنها إلى مسجد آخر أو رباط آخر؛ لأن غرض الواقف انتفاع الناس بالموقوف، وكيلا يأخذها المتغلبون.\rجعل شيء من المسجد طريقاً وبالعكس: إذا جعل الباني بدون اعتراض أهل المحلة شيئاً من الطريق مسجداً لضيقه، ولم يضر بالمارين، جاز؛ لأنهما للمسلمين. وكذا العكس وهو ما إذا جعل في المسجد ممراً، جاز لكل أحد أن يمر فيه، حتى الكافر، إلا الجنب والحائض والدواب.\rويجوز للإمام جعل الطريق مسجداً، لا عكسه، لجواز الصلاة في الطريق، ولا يجوز أن يتخذ المسجد طريقاً.","part":10,"page":354},{"id":6585,"text":"حالات الاستبدال: الاستبدال عند الحنفية ثلاثة أنواع:\rالأول ـ أن يشرطه الواقف لنفسه أو لغيره، أو لنفسه وغيره، بأن شرط الواقف في وقفيته الاستبدال بالموقوف أرضاً أخرى، أو شرط بيعه، جاز الاستبدال على الصحيح، ويشتري بالثمن أرضاً أخرى إذا شاء، فإذا فعل، صارت الأرض الثانية كالأولى في شرائطها.\rالثاني ـ ألا يشرطه الواقف، بأن شرط عدمه أو سكت، لكن صار الموقوف بحيث لا ينتفع به بالكلية، بألا يحصل منه شيء أصلاً، أو لا يفي بمؤنته، فهو أيضاً جائز على الأصح إذا كان بإذن القاضي، وكان رأيه المصلحة فيها.\rالثالث ـ ألا يشرطه الواقف أيضاً، ولكن فيه نفع في الجملة، وبدله خير منه ريعاً ونفقاً. وهذا لايجوز استبداله على الأصح المختار.\rشروط الاستبدال: إذا كان الوقف عقاراً غير مسجد، فالمعتمد أنه يجوز للقاضي الاستبدال به للضرورة بلا شرط الواقف، بشروط ستة:\r1ً - أن يخرج الموقوف عن الانتفاع به بالكلية، أي يصبح عديم المنفعة.\r2ً - ألا يكون هناك ريع للوقف يعمر به.\r3ً - ألا يكون البيع بغبن فاحش.\r4ً - أن يكون المستبدل قاضي الجنة: وهو ذو العلم والعمل، لئلا يؤدي الاستبدال إلى إبطال أوقاف المسلمين، كما هو الغالب في الزمن الأخير.\r5ً - أن يستبدل به عقار لا دراهم ودنانير، لئلا يأكلها النظار؛ ولأنه قل أن يشتري بها الناظر بدلاً. وأجاز بعضهم الاستبدال به نقوداً، ما دام المستبدل قاضي الجنة.\r6ً - ألا يبيعه القاضي لمن لا تقبل شهادته له، ولا لمن له عليه دين، خشية التهمة والمحاباة.\rفإذا لم تتوافر هذه الشروط كان بيع الوقف باطلاً لا فاسداً. وإذا صح بيع الحاكم بطل وقفية ما باعه، ويبقى الباقي على ما كان.\rوهناك مسائل أربع يجوز فيها استبدال العامر من الأرض وهي:\rالأولى ـ لو شرطه الواقف.\rالثانية ـ إذا غصبه غاصب وأجرى عليه الماء، حتى صار بحراً، فيضمن القيمة، ويشتري المتولى بها أرضاً بدلاً.\rالثالثة ـ أن يجحده الغاصب ولا بينة، وأراد دفع القيمة، فللمتولي أخذها ليشتري بها بدلاً.\rالرابعة ـ أن يرغب إنسان فيه ببدل أكثر غلة أحسن مكاناً، فيجوز على قول أبي يوسف، وعليه الفتوى.","part":10,"page":355},{"id":6586,"text":"مذهب المالكية في بيع الموقوف: ذكر المالكية (1) أن الأوقاف بالنسبة لبيعها ثلاثة أقسام:\rأحدها ـ المساجد: لا يحل بيعها أصلاً بالإجماع.\rالثاني ـ العقار لا يباع وإن خرب، ولا يجوز الاستبدال به غيره من جنسه،كاستبداله بمثله غير خرب، ولا يجوز بيع أنقاضه من أحجار أو أخشاب، لكن إن تعذر عودها في الموقوف، جاز نقلها في مثله.\rويجوز بيع العقار الموقوف في حالة واحدة: وهي أن يشترى منه بحسب الحاجة لتوسعة مسجد أو طريق.\rالثالث ـ العروض والحيوان إذا ذهبت منفعتها، كأن يهرم الفرس، ويخلَق الثوب، بحيث لا ينتفع بهما، يجوز بيع الموقوف وصرف ثمنه في مثله، فإن لم تصل قيمته إلى شراء شيء كامل، جعلت في نصيب من مثله. فمن وقف شيئاً من الأنعام لينتفع بألبانها وأصوافها وأوبارها، فنسلها كأصلها في الوقف، فما فضل من ذكور نسلها عن النزو، وما كبر من إناثها، فإنه يباع، ويعوض عنه إناث صغار، لتمام النفع بها.\rوهذا قول ابن القاسم. وقال ابن الماجشون: لا يباع أصلاً.\rالخلو: بناء على ما قرره المالكية من منع بيع الوقف وأنقاضه، ولو خرب، هل يجوز للناظر إذا خرب الوقف وتعذر عوده لإنتاج غلة وأجرة، بأن لم يجد ما يعمر به من ريع الوقف، ولا أمكنه إجارته بما يعمره: أن يأذن لمن يعمره من عنده ببناء أو غرس على أن البناء أو الغراس يكون للباني أو الغارس ملكاً وخلواً يباع ويورث عنه؛ لأن العمارة تكون لصاحبها، ويجعل في نظير الأرض الموقوفة حُكراً (مبلغاً دائماً) يدفع للمستحقين أو لخدمة المسجد؟\r-------------------------------\r(1) القوانين الفقهية: ص 371، الشرح الصغير: 99/4، 101، 125-127، الشرح الكبير: 90/4 ومابعدها، الفواكه الدواني على رسالة ابن أبي زيد القيرواني: ص 40.","part":10,"page":356},{"id":6587,"text":"أفتى بعضهم وهو الشيخ الخرشي بالجواز، وأجازه الحنفية (1) ، وهذا هو الذي يسمى خلواً، وقال الدردير شارح متن خليل: وهي فتوى باطلة قطعاً، وحاشا المالكية أن يقولوا بذلك؛ لأن منفعة الموقوف موقوفة، لا تملك بهذا العمل.\rمذهب الشافعية في بيع الموقوف :\rقال الشافعية (2) :\r1ً - إذا انهدم مسجد أو خرب وانقطعت الصلاة فيه، وتعذرت إعادته، أو تعطل بخراب البلد مثلاً، لم يعد إلى ملك أحد، ولم يجز التصرف فيه بحال ببيع أو غيره؛ لأن ما زال الملك فيه لحق الله تعالى لا يعود إلى الملك بالاختلال، كما لو أعتق عبداً، ثم مرض مرضاً مزمناً، لايعود ملكاً لسيده. وتصرف غلة وقفه لأقرب المساجد إليه إذا لم يتوقع عوده، وإلا حفظ.\rوإن خيف على المسجد السقوط، نقض، وبنى الحاكم بأنقاضه مسجداً آخر، إن رأى ذلك، وإلا حفظه. والبناء بقربه أولى. ولا يبني به بئراً، كما لا يبني بأنقاض بئر خربت مسجداً، بل بئراً أخرى، مراعاة لغرض الواقف ما أمكن.\rولو وقف الواقف على قنطرة، فاحترقت الوادي، واحتيج إلى قنطرة أخرى، جاز نقلها إلى محل الحاجة.\rوغلة وقف الثغر (وهو الطرف الملاصق من بلادنا لبلاد الكفار) إذا حصل فيه الأمن، يحفظه الناظر، لاحتمال عوده ثغراً.\rويدخر من زائد غلة المسجد على ما يحتاج إليه ما يعمره، بتقدير هدمه، ويشتري له بالباقي عقاراً ويقفه؛ لأنه أحفظ له.\rوتقدم عمارة الموقوف على حق الموقوف عليهم، لما فيها من حفظ الوقف.\r-------------------------------\r(1) رد المحتار: 428/3.\r(2) المهذب: 445/1، مغني المحتاج: 392/2 ومابعدها، تكملة المجموع: 612/14 ومابعدها.","part":10,"page":357},{"id":6588,"text":"ويصرف ريع الموقوف على المسجد وقفاً مطلقاً أو على عمارته: في مصالح المسجد من بناء وتجصيص وسلم ومظلات للتظليل بها، ومكانس يكنس بها، ومساحي ينقل بها التراب، وأجرة قيِّم، لا أجرة مؤذن وإمام وحصر ودهن؛ لأن القيِّم يحفظ العمارة، بخلاف الباقي. فإن كان الوقف لمصالح المسجد، صرف من ريعه لمن ذكر، لا في التزويق والنقش، بل لو وقف عليها لم يصح.\r2ً - الأصح جواز بيع حُصْر المسجد الموقوفة إذا بليت، وجذوعه إذا انكسرت، ولم تصلح إلا للإحراق، لئلا تضيع ويضيق المكان به من غير فائدة، فتحصيل نزر يسير من ثمنها يعود إلى الوقف أولى من ضياعها، ولا تدخل تصفيتها تحت بيع الوقف؛ لأنها صارت في حكم المعدومة، ويصرف ثمنها في مصالح المسجد. فإن صلحت لغير الإحراق كاتخاذ ألواح أو أبواب منها، فلا تباع قطعاً.\rوالأصح جواز بيع نخلة موقوفة جفت إذا لم يمكن الانتفاع بجذعها بإجارة وغيرها، وبهيمة زمِنت؛ لأن ما لا يرجى منفعته، فكان بيعه أولى من تركه، بخلاف المسجد، فإن المسجد يمكن الصلاة فيه مع خرابه، وقد يعمر الموضع، فيصلى فيه. وقيمة المبيع لها حكم القيمة التي توجد من متلف الوقف أو منقطع الآخر، وهو أن تصرف لأقرب الناس إلى الواقف، فإن لم يكونوا صرف إلى الفقراء والمساكين، أو مصالح المسلمين.\rفإن أمكن الانتفاع بجذع الشجرة الموقوفة الجافة بإجارة وغيرها، لم ينقطع الوقف على المذهب، إدامة للوقف في عينها، ولا تباع ولا توهب، للخبر السابق عن عمر في أول بحث الوقف. والحاصل أن الشافعية في الجملة والمالكية أشد الآراء في عدم جواز بيع الوقف.","part":10,"page":358},{"id":6589,"text":"ومذهب الحنابلة (1) :\rأ ـ إذا خرب الوقف وتعطلت منافعه، كدار انهدمت، أو أرض خربت وعادت مواتاً، ولم تمكن عمارتها، أو مسجد انصرف أهل القرية عنه، وصار في موضع لايصلى فيه، أو ضاق بأهله ولم يمكن توسيعه في موضع، أو تشعب جميعه، فلم تمكن عمارته ولا عمارة بعضه إلا ببيع بعضه، جاز بيع بعضه لتعمر به بقيته، وإن لم يمكن الانتفاع بشيء منه، بيع جميعه.\rواستدلوا بما روي أن عمر رضي الله عنه كتب إلى سعد، لما بلغه أنه قد نقب بيت المال الذي بالكوفة: انقل المسجد الذي بالتمارين، واجعل بيت المال في قبلة المسجد، فإنه لن يزال في المسجد مصل. وكان هذا بمشهد من الصحابة، ولم يظهر خلافه، فكان إجماعاً. ولأن فيما ذكر استبقاء الوقف بمعناه، عند تعذر إبقائه بصورته، فوجب البيع.\rب ـ وإذا بيع الوقف، فأي شيء اشتري بثمنه، مما يرد على أهل الوقف، جاز، سواء أكان من جنسه أم من غير جنسه؛ لأن المقصود المنفعة، لا الجنس، لكن تكون المنفعة مصروفة إلى المصلحة التي كانت الأولى تصرف فيها؛ لأنه لا يجوز تغيير المصرف، مع إمكان المحافظة عليه، كما لا يجوز تغيير الوقف بالبيع، مع إمكان الانتفاع به.\rجـ ـ وإذا لم يف ثمن الفرس الحبيس لشراء فرس أخرى، أعين به في شراء فرس حبيس، يكوِّن بعض الثمن؛ لأن المقصود استبقاء منفعة الوقف الممكن استبقاؤها، وصيانتها عن الضياع، ولا سبيل إلى الصون إلا بهذه الطريق.\rد ـ وإذا لم تتعطل مصلحة الوقف بالكلية، لكن قلَّت، وكان غيره أنفع منه وأكثر فائدة على أهل الوقف، لم يجز بيعه؛ لأن الأصل تحريم البيع، وإنما أبيح للضرورة، صيانة لمقصود الوقف عن الضياع، مع إمكان تحصيله، وإمكان الانتفاع به، وإن قل النفع، اللهم إلا أن يبلغ في قلة النفع إلى حد لا يعد نفعاً، فيكون وجوده كالعدم.\r-------------------------------\r(1) المغني: 575/5-579، المغني والشرح الكبير: 225/6.","part":10,"page":359},{"id":6590,"text":"هـ ـ لا يجوز نقل المسجد وإبداله وبيع ساحته، وجعلها سقاية وحوانيت إلا عند تعذر الانتفاع به.\rولا يجوز أن يغرس في المسجد شجرة كالنخلة وغيرها بعد أن صار مسجداً، وقال أحمد: لا أحب الأكل منها، ولو قلعها الإمام لجاز؛ لأن المسجد لم يبن لهذا، وإنما بني لذكر الله والصلاة وقراءة القرآن؛ ولأن الشجرة تؤذي المسجد ، وتمنع المصلين من الصلاة في موضعها، ويسقط ورقها في المسجد وثمرها، وتسقط عليها العصافير والطير، فتبول في المسجد، وربما رمى الصبيان ثمرها بالحجارة.\rأما إن كانت النخلة في أرض، فجعلها صاحبها مسجداً، والنخلة فيها، فلا بأس. و ـ وما فضل من حصر المسجد وزيته، ولم يحتج إليه، جاز أن يجعل في مسجد آخر، أويتصدق منه على فقراء جيرانه وغيرهم. وكذلك إن فضل شيء من قصبه أو شيء من أنقاضه.\rموقف القانون من الاستبدال: نص القانون المصري رقم 48 لسنة 1946 في المادة 14 على مصير أموال البدل:\rتشتري المحكمة ـ بناء على طلب ذوي الشأن ـ بأموال البدل المودعة بخزانتها عقاراً أو منقولاً محل العين الموقوفة، ولها أن تأذن بإنفاقها في إنشاء مستغل جديد.\rويجوز لها ـ إلى أن يتيسر ذلك ـ أن تأذن باستثمار أموال البدل بأي وجه من وجوه الاستثمار الجائز شرعاً.\rكما أن لها أن تأذن بإنفاقها في عمارة الوقف، دون رجوع في غلته.\rوإذا كانت هذه الأموال ضئيلة، ولم يتيسر استثمارها، ولم يحتج إلى إنفاقها في العمارة، اعتبرت كالغلة، وصرفت مصرفها.\rوصدر في سورية القانون رقم (104) في 1960/3/19 المتضمن جواز استبدال بعض العقارات (ذات الإجارة الطويلة) والقانون رقم (163) في 1958/9/27 لاستبدال العقارات الوقفية المقرر عليها حق من حقوق القرار ذات الإجارة الطويلة، كالمرصد والحكر والكدك والمقاطعة والإجارتين والقميص ومشد المسَكَة، والكردار والقيمة (1) .\r-------------------------------\r(1) المرصد: هو في الأصل دين يثبت على الوقف لمستأجر عقار مقابل ماينفعه بإذن المتولي على تعميره عند عدم وجود غلة في الوقف، ثم يؤجر منه بأجرة مخفضة، لما له من دين على الوقف (رد المحتار: 436/3).\rوحق الحُكْر أو المقاطعة: حق قرار مرتب على الأرض الموقوفة بإجارة مديدة تعقد بإذن القاضي يدفع فيها المستحكر لجانب الوقف مبلغاً يقارب قيمة الأرض، ويرتب مبلغ آخر ضئيل، يستوفى سنوياً لجهة الوقف من المستحكر أو ممن ينتقل إليه هذا الحق، على أن يكون للمستحكر حق الغرس والبناء وسائر وجوه الانتفاع (رد المحتار: 428/3).\rوالكَدِك: لفظ تركي الأصل، يطلق على ما هو ثابت في الحوانيت الموقوفة ومتصل بها اتصال قرار ودوام، لعلاقته الثابتة بالعمل الذي يمارس في هذا العقار. وقد جرت العادة أن ينشئ مستأجر عقار الوقف هذا الكدك فيه من ماله لنفسه على حسب حاجته بإذن متولي الوقف (رد المحتار: 17/4) وقد يسمى الكدك «سكنى» في الحوانيت، كما يسمى «كرداراً» في الأراضي الزراعية.\rوحق الإجارتين: عقد إجارة مديدة بإذن القاضي الشرعي على عقار الوقف المتوهن الذي يعجز الوقف عن إعادته إلى حالته من العمران السابق، بأجرة معجلة تقارب قيمته تؤخذ لتعميره، وأجرة مؤجلة ضئيلة سنوية يتجدد العقد عليها ودفعها كل سنة، وذلك كمخرج عد م جواز بيع الوقف ولا إجارته مدة طويلة، ومن هنا سميت بالإجارتين.\rوالقميص: حق لمستأجر دار الرحى الموقوفة يخوله البقاء فيها، لما له فيها من أدوات الطحن وآلاته ولوازمه.\rومشد المسكة: حق لمستأجر الأرض الموقوفة في البقاء بسبب ما له فيها من حراثة وسماد، إذ يتضرر لو أخرج منها (رد المحتار: 18/4).\rوالقيمة: حق مستأجر البساتين الموقوفة في البقاء فيها كذلك، لما له من أصول المزروعات التي تدوم كالفصفصة أو من عمارة الجدر المحيطة التي أنشأها هو (المدخل لنظرية الالتزام للأستاذ الزرقاء،: ص 40-45).","part":10,"page":360},{"id":6591,"text":"الفصل التاسع ـ الوقف في مرض الموت :\rأوضحت في بحث الشروط أنه يشترط في الواقف أهلية التبرع بألا يكون محجوراً عن التصرف، وبأن يكون مالكاً وقت الوقف ملكاً باتاً، ولو بسبب فاسد عند الحنفية. وبناء عليه فرع الحنفية (1) : بأنه ينقض وقف استحق بملك أو شفعة، وإن جعله مسجداً، وينقض وقف مريض أحاط دينه بماله، بخلاف شخص صحيح، أي أنه يبطل وقف مريض مديون يحيط الدين بماله، فيباع وينقض الوقف كما يبطل وقف راهن معسر.\r-------------------------------\r(1) الدر المختار ورد المحتار: 394/3، 432، البدائع: 218/6.","part":10,"page":361},{"id":6592,"text":"فإن لم يكن الدين محيطاً بمال الواقف، صح، واعتبر الوقف في مرض الموت كالهبة فيه، ينفذ كالوصية من الثلث، فإن خرج من الثلث أو أجازه الوارث، نفذ في الكل، وإلا بطل في الزائد على الثلث. فإن أجاز البعض، جاز بقدره.\rوالحاصل أن السلامة من المرض ليست شرطاً لصحة الوقف، وأن الواقف إذا وقف في حال المرض، جاز عند أبي حنيفة، ويعتبر من الثلث، ويكون بمنزلة الوصية بعد وفاته، حتى لا يتهم المريض بالإضرار بورثته أو دائنيه. أما عند الصاحبين، فالوقف جائز في حال الصحة والمرض على سواء.\rويتفرع على هذا الخلاف: أنه على رأي الإمام: لا يلزم الوقف ولا تزول ملكية الشيء عن ملك الواقف إلا إذا أضافه إلى ما بعد الموت أو حكم به حاكم. وعند الصاحبين: يزول بدون الإضافة.\rوعلى قول أبي حنيفة: لو وقف مريض الموت على بعض الورثة، ولم يجزه باقيهم، لا يبطل أصل الوقف، وإنما يبطل ما جعل من الغلة لبعض الورثة دون بعض، فيصرف على قدر مواريثهم عن الواقف، ما دام الموقوف عليه حياً، ثم يصرف بعد موته إلى من شرطه الواقف؛ لأنه وصية ترجع إلى الفقراء، وليس كوصية لوارث ليبطل أصله بالرد عليه.\rورأي الجمهور (1) القائلين بلزوم الوقف موافق لأبي حنيفة، يكون الوقف في مرض الموت بمنزلة الوصية في اعتباره من ثلث المال؛ لأنه تبرع، فاعتبر في مرض الموت من الثلث، كالعتق والهبة. فإذا خرج من الثلث نفذ من غير رضا\r-------------------------------\r(1) المغني: 571/5-574، الشرح الصغير: 107/4، 110 ومابعدها، الشرح الكبير: 78/4، كشاف القناع: 278/4، مغني المحتاج: 377/2.","part":10,"page":362},{"id":6593,"text":"الورثة ولزم، وما زاد على الثلث لزم الوقف منه في قدر الثلث، ووقف الزائد على إجازة الورثة؛ لأن حق الورثة تعلق بالمال بوجود المرض، فمنع التبرع بزيادة على الثلث، كالعطايا والعتق.\rولا يجوز عند الجمهور أيضاً الوقف في مرض الموت على بعض الورثة، فإن وقف، توقف الوقف على إجازة سائر الورثة؛ لأنه تخصيص لبعض الورثة بماله في مرضه، فمنع منه كالهبات، ولأن كل من لا تجوز له الوصية بالعين لا تجوز بالمنفعة، كالأجنبي فيما زاد على الثلث.\rوعبارة المالكية فيه: بطل الوقف على وارث بمرض موته ولو كان من الثلث؛ لأن الوقف في المرض كالوصية، ولا وصية لوارث. وإن لم يكن الوقف في المرض على وارث، بل على غيره، ينفذ كسائر التبرعات من الثلث، فإن حمله الثلث صح، وإلا فلا يصح منه إلا ما حمله الثلث.\rواستثنى المالكية الوقف المعقَّب (1) ، سواء أكان له غلة أم لا: وهو ما وقفه المريض على أولاده ونسله وعقبه، فإن حمله الثلث صح، ويكون حكمه في القسم كالميراث للوارث، وليس ميراثاً حقيقة، إذ لا يباع ولا يوهب. فيكون للذكر مثل حظ الأنثيين، ولو شرط الواقف تساويهما، ويكون للزوجة الثمن من مناب الأولاد وللأم السدس.\rوالخلاصة: أن وقف المريض لازم له لا يجوز الرجوع عنه عند الجمهور، وباطل عند المالكية؛ لأنه وصية لوارث (2) .\r-------------------------------\r(1) أي أدخل في الوقف عقباً.\r(2) قانون الوقف للشيخ فرج السنهوري: ص 189.","part":10,"page":363},{"id":6594,"text":"الفصل العاشر ـ ناظر الوقف :\rأولاً ـ تعيين الناظر: يصح بالاتفاق (1) للواقف جعل الولاية والنظر لنفسه أو للموقوف عليه، أو لغيرهما، إما بالتعيين كفلان، أو بالوصف كالأرشد أو الأعلم أو الأكبر أو من هو بصفة كذا، فمن وجد فيه الشرط، ثبت له النظر عملاً بالشرط، وفي وقف علي رضي الله عنه شرط النظر لابنه الحسن، ثم لابنه الحسين رضي الله عنهما.\rواتبع شرط الواقف في تعيين الناظر، فإن لم يشرط الواقف النظر لأحد، فالنظر للقاضي في رأي المالكية وعلى المذهب لدى الشافعية؛ لأن له النظر العام، فكان أولى بالنظر فيه، ولأن الملك في الوقف عند الجمهور غير المالكية لله تعالى.\rوقال الحنابلة: يكون النظر حينئذ للموقوف عليه إن كان آدمياً معيناً كزيد، ولكل واحد على حصته إن كان الموقوف عليه جمعاً محصوراً كأولاده أو أولاد زيد، عدلاً كان أو فاسقاً؛ لأنه ملكه وغلته، ويكون النظر للحاكم أو نائبه إن كان الموقوف عليه غير محصور كالوقف على جهة لا تنحصر كالفقراء والمساكين والعلماء والمجاهدين، أو الموقوف على مسجد أو مدرسة أو رباط أو قنطرة وسقاية ونحوها؛ لأنه ليس له مالك معين.\rوقال الحنفية: تكون الولاية لنفس الواقف، سواء شرطها لنفسه أو لم يشترطها لأحد في ظاهر المذهب، ثم لوصيه إن كان، وإلا فللحاكم.\rويجوز تعدد النظار، وقد نصت المادة (48) من قانون الوقف المصري على أنه لا تقيم المحكمة أكثر من ناظر واحد إلا لمصلحة.\rقال الحنابلة: إذا تعدد النظار وكان لهما النظر معاً لم يصح تصرف أحدهما مستقلاً عن الآخر، عملاً بشرط الواقف.\r-------------------------------\r(1) الدر المختار ورد المحتار: 421/3 ومابعدها، القوانين الفقهية: ص 371 وما بعدها، مغني المحتاج: 393/2، كشاف القناع: 293/4، 297، 298 ومابعدها، الشرح الكبير: 88/4.","part":10,"page":364},{"id":6595,"text":"ثانياً ـ شروط الناظر: شرط الناظر ما يلي (1) :\r1ً - العدالة الظاهرة وإن كان الوقف على معينين رشداء؛ لأن النظر ولاية، كما في الوصي والقيم. والعدالة: التزام المأمورات واجتناب المحظورات الشرعية. وهذا شرط عند الجمهور، وقال الحنابلة: لا تشترط العدالة، ويضم إلى الفاسق عدل، كما يضم إلى ناظر ضعيف قوي أمين.\r2ً - الكفاية: وهي قوة الشخص وقدرته على التصرف فيما هو ناظر عليه. ووصف الكفاية يغني عن اشتراط الاهتداء إلى التصرف. والكفاية تتطلب وجود التكليف أي البلوغ والعقل. ولا تشترط في الناظر الذكورة؛ لأن عمر أوصى إلى حفصة رضي الله عنها.\rفإن لم تتوافر العدالة أو الكفاية نزع الحاكم الوقف منه، حتى وإن كان الواقف هو الناظر. فإن زال المانع عاد النظر إليه عند الشافعية إن كان مشروطاً في الوقف، منصوصاً عليه.\r3ً - الإسلام إن كان الموقوف عليه مسلماً، أو كانت الجهة كمسجد ونحوه، لقوله تعالى: {ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلاً} [النساء:141/4] فإن كان الوقف على كافر معين، جاز شرط النظر فيه لكافر. هذا ما ذكره الحنابلة، ولم يشترط الحنفية الإسلام في الناظر.\r-------------------------------\r(1) المراجع السابقة.","part":10,"page":365},{"id":6596,"text":"ثالثاً ـ وظيفة الناظر: وظيفة الناظر عند التفويض العام له (1) : حفظ الوقف وعمارته وإيجاره وزرعه والمخاصمة فيه، وتحصيل الغلة من أجرة أو زرع أو ثمر، وقسمتها بين المستحقين، وحفظ الأصول والغلات على الاحتياط؛ لأنه المعهود في مثله، وعليه الاجتهاد في تنمية الموقوف وصرفه في جهاته من عمارة وإصلاح وإعطاء مستحق، ويقبل قوله فيما ذكر إن كان متبرعاً، فإن لم يكن متبرعاً لم يقبل عند الحنابلة قوله إلا ببينة. وإن كان الناظر مقيداً ببعض ما سبق تقيد به.\rوإذا عمل الناظر أثناء عمارة الوقف فيأخذ ـ كما أبان الحنفية (2) ـ قدر أجرته، وذكروا أيضاً أنه يراعى شرط الواقف في إجارته وغيرها، لأن شرط الواقف كنص الشارع، ولا يجوز للقيم الزيادة في المدة، وإنما الزيادة للقاضي؛ لأن له ولاية النظر لفقير وغائب وميت. فلو أهمل الواقف مدة الإجارة قيل عند الحنفية: تطلق الزيادة للقيم، وقيل: تقيد بسنة.\rالإجارة الطويلة: ويفتى عندهم بمدة السنة في الدار، وبثلاث سنين في الأرض إلا إذا كانت المصلحة بخلاف ذلك، بحسب الزمان والموضع، فهو أمر يختلف باختلاف المواضع واختلاف الزمان. والفتوى عندهم على إبطال الإجارة الطويلة في الأوقاف وأرض اليتيم وأرض بيت المال ولو بعقود مترادفة، كل عقد سنة، لتحقق محذور وهو أن طول المدة يؤدي إلى إبطال الوقف. لكن هذا عند عدم الحاجة، فإذا اضطر إليها لحاجة عمارة الوقف بتعجيل أجرة سنين مقبلة، يزول المحذور الموهوم عند وجود الضرر المتحقق.\rجاء في الفتاوى البزازية: لو احتيج لذلك يعقد الناظر عقوداً مترادفة، ففي الدار كل عقد سنة بكذا، وفي الأرض كل عقد ثلاث سنين، بأن يقول: آجرك الدار الفلانية سنة (49) بكذا، وآجرتك إياها سنة خمسين بكذا، وآجرتك إياها سنة (51) بكذا، وهكذا إلى تمام المدة، ويكون العقد الأول لازماً، وما عداه مضاف إلى المستقبل، والصحيح أن الإجارة المضافة تكون لازمة، ويؤخذ حينئذ برواية: كون الأجرة تملك، للحاجة في الإجارة المضافة، إلى اشتراط التعجيل.\r-------------------------------\r(1) مغني المحتاج، كشاف القناع، المكان السابق، الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي: 89/4.\r(2) الدر المختار ورد المحتار: 414/3 ومابعدها، 434-440.","part":10,"page":366},{"id":6597,"text":"ويؤجر الموقوف بأجر المثل، فلا يجوز بالأقل المشتمل على غبن فاحش. ولا يضر الغبن اليسير (وهو ما يتغابن الناس فيه، أي ما يقبلونه ولا يعدونه غبناً). ولو رخص الناظر الأجرة بعد العقد، لا يفسخ العقد إذا طلب المستأجر فسخه، للزوم الضرر على الوقف. ولو زاد الأجرة عن أجر المثل بعد العقد بأجر المثل، أي الذي كان وقت العقد، يجدد العقد بالأجرة الزائدة، قال ابن عابدين: والظاهر أن قبول المستأجر الزيادة يكفي عن تجديد العقد.\rوالمستأجر الأول أولى من غيره إذا قبل الزيادة.\rوالموقوف عليه الغلة أو السكنى ولو رجلاً معيناً: لا يملك الإجارة، ولا الدعوى إذا غصب منه الموقوف إلا بتولية أو إذن قاض بالدعوى والإيجار؛ لأن حقه في الغلة، لا في عين الوقف.\rوإذا آجر المتولي الموقوف بدون أجر المثل، لزم المستأجر لا المتولي تمام أجر المثل.\rوتضمن منافع عقار الوقف المغصوب إذا عطلها الغاصب ولم ينتفع بها أو أتلفها، كما لو سكن الشخص بلا إذن، أوأسكنه المتولي بلا أجر، ويكون على الساكن أجر المثل، ولو كان العقار غير معد للاستغلال، صيانة للوقف. ومثله منافع مال اليتيم.\rويفتى بكل ما هو أنفع للوقف فيما اختلف العلماء فيه. ومتى قضي بالقيمة في غصب عقار الوقف وإجراء الماء عليه حتى صار بحراً لا يصلح للزراعة، شرى الناظر بها عقاراً آخر، فيكون وقفاً بدل الأول.\rومذهب المالكية (1) : جاز للناظر أن يكري الوقف السنة والسنتين إن كان أرضاً على معين كزيد أو عمرو، وإن لم يكن على معين، بأن كان على الفقراء أو العلماء أو نحوهم، فيكري لأربعة أعوام لا أكثر. وجاز الكراء لعشر سنوات لمن كان مرجع الوقف له، كأن يقف الأرض على زيد، ثم ترجع بعده لعمرو ملكاً أووقفاً، فيجوز لزيد أن يكريها لعمرو عشرة أعوام.\rوجاز الكراء لضرورة إصلاح وقف خرب لمدة أربعين سنة أو خمسين لا أزيد.\r-------------------------------\r(1) الشرح الصغير: 133/4-137، الشرح الكبير: 88/4 ومابعدها.","part":10,"page":367},{"id":6598,"text":"ويكون الكراء بأجر المثل، فإن وقع بأقل من أجرة المثل، فسخ العقد المشتمل عليها، وقبلت الزيادة في العقود الأخرى.\rولا يقسم الناظر أجرة الوقف على المستحقين إلا لما مضى زمنه، فلو تعجل قبض أجرة عن مدة مستقبلة، لم يجز قسمها على الحاضرين، لاحتمال موت من أخذ، فيؤدي إلى إعطاء من لا يستحق، وحرمان غيره ممن يستحق.\rوإذا كان الوقف على أناس معينين كفلان وفلان، فيسوى بينهم ولا تفضيل لأحد على الآخر.\rأما إن كان الوقف على غير معينين كالفقراء وأبناء السبيل وأهل العلم، أو على قوم وأعقابهم أو على إخوته أو بني عمه، فضل الناظر في الغلة والسكنى بالاجتهاد مما يقتضيه الحال أهل الحاجة وأهل العيال.\rولا يُخرج ساكن بوقف بوصف استحقاقه، وإن استغنى، إلا لشرط من الواقف، كأن يقول: مادام فقيراً أو محتاجاً، أو كان هناك عرف أو قرينة.\rوإن بنى موقوف عليه بناء في الموقوف، أو غرس فيه شجراً، فإن مات ولم يبين أنه وقف أو ملك، فوقف، ولا شيء فيه لوارثه. وإن بين أنه ملك فهو لوارثه، فيؤمر بنقضه أو بأخذ قيمته منقوضاً، وإلا كان وقفاً، ويأخذ ما صرفه من غلته، كالناظر إذا بنى أو أصلح، فإن لم يكن له غلة، فلا شيء له.\rوللقاضي أن يجعل للناظر شيئاً من الوقف إذا لم يكن له شيء. وللناظر تغيير بعض الأماكن لمصلحة كتغيير الميضأة ونقلها لمحل آخر، وتحويل باب مثلاً من مكان لمكان آخر.\rومذهب الشافعية (1) : إذا أجر الناظر الموقوف على غيره بدون أجرة المثل، فإنه لا يصح قطعاً. وإذا أجر الناظر، فزادت الأجرة في المدة، أو ظهر طالب بالزيادة عليها، لم ينفسخ العقد في الأصح؛ لأن العقد قد جرى بالمصلحة في وقته، فأشبه ما إذا باع الولي مال الطفل، ثم ارتفعت القيم بالأسواق، أو ظهر طالب بالزيادة.\rأما إذا أجر الناظر العين الموقوفة عليه، ولو بدون أجرة المثل، فإنه يصح قطعاً.\r-------------------------------\r(1) مغني المحتاج: 395/2.","part":10,"page":368},{"id":6599,"text":"وخالفهم الحنابلة (1) : فقالوا: إن أجر الناظر العين الموقوفة بأنقص من أجرة المثل، صح عقد الإجارة، وضمن الناظر النقص عن أجرة المثل، إن كان المستحق غيره، وكان أكثر مما يتغابن به في العادة، كالوكيل إذا باع بدون ثمن، أو أجر بدون أجرة المثل.\rولا تنفسخ الإجارة حيث صحت، لو طلب الناظر زيادة عن الأجرة الأولى، وإن لم يكن فيها ضرر؛ لأنها عقد لازم من الطرفين.\rولو غرس الموقوف عليه أو بنى لنفسه، فيما هو وقف عليه وحده، فله الغراس والبناء، لأنه وضعه بحق. أما إن كان الغارس أو الباني شريكاً فيما غرس أو بنى فيه، بأن كان الوقف عليه وعلى غيره، أو كان له النظر فقط دون الاستحقاق، فغرسه أو بناؤه غير محترم، ولباقي الشركاء المستحقين هدمه.\rويأكل ناظر الوقف بمعروف نصاً، ولو لم يكن محتاجاً.\rرابعاً ـ عزل الناظر :\rتكاد تتفق وجهات النظر الفقهية حول عزل الناظر.\rذكر الحنفية (2) : أن للواقف عزل الناظر مطلقاً، وبه يفتى. ولو لم يجعل الواقف ناظراً، فنصبه القاضي، لم يملك الواقف إخراجه.\rويجب على القاضي عزل الناظر، سواء أكان هو الواقف أم غير الواقف إذا كان خائناً غير مأمون، أو عاجزاً، أو ظهر به فسق كشرب خمر ونحوه، أو كان يصرف ماله في غير المفيد كالكيمياء (أي السيمياء: تحويل المعادن إلى ذهب) حتى\r-------------------------------\r(1) كشاف القناع: 297/4 ومابعدها.\r(2) الدر المختار: 421/3-423.","part":10,"page":369},{"id":6600,"text":"وإن شرط الواقف عدم عزل الناظر (1) ، أو ألا ينزعه قاض ولا سلطان، لمخالفته لحكم الشرع، كالوصي فإنه ينزع وإن شرط الموصي عدم نزعه وإن خان.\rولا يجوز للقاضي عزل الناظر المشروط له النظر أو صاحب وظيفة بلا خيانة، أو عدم أهلية. ويصح عزل الناظر المعين من قبل القاضي لا من قبل الواقف، بلا خيانة، وليس للقاضي الثاني أن يعيده، وإن عزله الأول، بلا سبب، لحمل أمره على السداد، إلا أن تثبت أهليته.\rوللناظر عزل نفسه عند القاضي، بتعيين غيره، ولا ينعزل بعزل نفسه حتى يبلغ القاضي.\rالنزول عن الوظائف: ومن حالات عزل الناظر نفسه: التنازل أو الفراغ لغيره عن وظيفة النظر أو غيرها، فإن كان المتنازل له غير أهل، لم يقره القاضي، وإن كان أهلاً لا يجب عليه إقراره. وإذا فرغ الإنسان عن وظيفته سقط حقه، وإن لم يقر القاضي المتنازل له.\rوالتنازل يصح أمام القاضي أو أمام غيره، ويصح الفراغ عن الوظيفة بمال أو مجاناً، ولكن يصح للمفروغ له الرجوع بالمال الذي دفعه؛ لأنه اعتياض عن حق مجرد، وهو لا يجوز.\rوالحاصل أن الناظر ينعزل بعزل نفسه (أي بالاستقالة) أو بعزل الواقف إن عينه هو، أو بعزل القاضي. وقد نصت المادة (52) من قانون الوقف المصري على أنه يجوز للمحكمة من أي درجة إحالة الناظر على محكمة التصرفات الابتدائية إذا رأت ما يدعو للنظر في عزله.\rووافق المالكية (2) الحنفية: فقالوا: للناظر عزل نفسه، ولو ولاه الواقف. وللواقف عزله، ولو لغير جنحة، أما القاضي فلا يعزل ناظراً إلا بجنحة.\rوإذا عزل الناظر نفسه، فللحاكم تولية من شاء على الوقف، وتكون أجرته من ريعه، إذا كان المستحق غير معين كالفقراء. أما إن كان المستحق معيناً رشيداً، فهو الذي يتولى أمر الوقف. وإن كان غير رشيد، فيتولى وليه أمره.\rوكذلك رأى الشافعية (3) : للناظر عزل نفسه، وللواقف الناظر عزل من ولاه، ونصب غيره مكانه، كما يعزل الموكل وكيله، وينصب غيره، إلا أن يشرط الواقف (4) لشخص نظرَه، أي إشرافه حال الوقف، فليس له ولا لغيره عزله، ولو لمصلحة، لأنه لا تغيير لما شرطه، ولأنه لا نظر له حينئذ. أما الواقف غير الناظر فلا يصح منه تولية ولا عزل، بل هي للحاكم.\rولو شرط الواقف للناظر شيئاً من الريع، جاز، وإن زاد على أجرة المثل. بخلاف ما لو كان النظر له، وشرط لنفسه، فإنه لا يزيد على أجرة المثل.\rوكذلك قرر الحنابلة (5) : للواقف عزل الناظر؛ لأنه نائبه، فأشبه الوكيل. وللموقوف عليه المعين وللحاكم عزل الناظر لأصالة ولايتهما، وللناظر عزل نفسه، كما هو المقرر في الوكالة. وليس للناظر المشروط له النظر عزل الناظر ولا توليته.\r-------------------------------\r(1) هذه ـ كما تقدم ـ إحدى المسائل السبع التي يخالف فيها شرط الواقف.\r(2) الشرح الكبير: 88/4.\r(3) مغني المحتاج: 395/2.\r(4) هذا استثناء من جواز العزل.\r(5) كشاف القناع: 301/4.","part":10,"page":370},{"id":6601,"text":"البَابُ السَّادس: المِيرَاث\rوفيه تسعة عشر فصلاً هي:\rالأول ـ تعريف علم الميراث أو علم الفرائض، ومبادئه ومصطلحاته.\rالثاني ـ أركان الميراث\rالثالث ـ أسباب الإرث\rالرابع ـ شروط الإرث\rالخامس ـ موانع الإرث\rالسادس ـ الحقوق المتعلقة بالتركة\rالسابع ـ أنواع الوارثين وعددهم ومراتبهم وطريقة توريثهم في المذاهب\rالثامن ـ أصحاب الفروض\rالتاسع ـ العصبات\rالعاشر ـ المسائل الشواذ الحادي عشر ـ الحجب\rالثاني عشر ـ العول\rالثالث عشر ـ الرد على ذوي الفروض\rالرابع عشر ـ الحساب: مخارج الفروض وأصول المسائل وتصحيحها\rالخامس عشر ـ توريث ذوي الأرحام\rالسادس عشر ـ ميراث باقي الورثة\rالسابع عشر ـ أحكام متنوعة\rالثامن عشر ـ المناسخة\rالتاسع عشر ـ التخارج أو المخارجة","part":10,"page":371},{"id":6602,"text":"الفَصْلُ الأوّل : تعريف علم الميراث أو علم الفرائض ومبادئه ومصطلحاته :\rالإرث لغة: بقاء شخص بعد موت آخر بحيث يأخذ الباقي ما يخلفه الميت. وفقهاً: ما خلفه الميت من الأموال والحقوق التي يستحقها بموته الوارث الشرعي. وعلم الميراث: هو قواعد فقهية وحسابية يعرف بها نصيب كل وارث من التركة. وعرفه صاحب الدر (1) بقوله: هو علم بأصول من فقه وحساب، تعرِّف حق كل واحد من الورثة من التركة والحقوق. وعرفه بعضهم بأنه علم بأصول فقه وحساب يتوصل بهما لمعرفة ما يخص كل ذي حق من التركة. وهذا أعم من الوارث؛ لأنه يشمل الوصية والدين وغيرهما.\rوسمي أيضاً علم الفرائض، أي مسائل قسمة المواريث؛ لأن الفرائض جمع فريضة، مأخوذة من الفرض بمعنى التقدير، وفريضة بمعنى: مفروضة أي مقدرة لما فيها من السهام المقدرة، والفرائض: السهام المقدرة. فغلبت على غيرها. وإنما خص بهذا الاسم؛ لأن الله تعالى سماه به، فقال بعد القسمة: {فريضة من الله} [التوبة:60/9] وكذا قال النبي صلّى الله عليه وسلم : «تعلَّموا الفرائض» .\rويدخل فيه الضوابط والقواعد المتعلقة بأحوال الوارث من كونه صاحب فرض أو تعصيب أو ذا رحم، وما يتعرض له من حجب ورد ومنع من الإرث. فأصبح علم الفرائض يشتمل على عناصر ثلاثة: معرفة الوارث وغير الوارث، ومعرفة نصيب كل وارث، والحساب الموصل إليه.\rمبادئه (2) : عشرة، أما موضوعه: فهو كيفية قسمة التركة بين المستحقين.\r-------------------------------\r(1) الدر المختار ورد المحتار: 534/5.\r(2) إن مبادي كل فن عشرة ..... ..... الحد والموضوع ثم الثمرة\rوفضله، ونسبة والواضع ..... ..... والاسم، الاستمداد، حكم الشارع\rمسائلٌ، والبعض بالبعض اكتفى ..... ...... ومن درى الجميع حاز الشرفا","part":10,"page":372},{"id":6603,"text":"وأما استمداده: فهو من الكتاب والسنة والإجماع، وليس للقياس أو الاجتهاد فيه مدخل إلا إذا صار مجمعاً عليه.والواقع أن الفقهاء استعملوا القياس في بعض مسائل الميراث.\rأما الكتاب: فقد جاء في سورة النساء ثلاث آيات:\rالأولى (11 من النساء) في ميراث الأولاد والأبوين: {يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين، فإن كن نساء فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك، وإن كانت واحدة فلها النصف..} .\rثمبينميراثالأبوين: {ولأبويه لكل واحد منهما السدس مما ترك إن كان له ولد، فإن لم يكن له ولد وورثه أبواه، فلأمه الثلث، فإن كان له إخوة فلأمه السدس، من بعد وصية يُوصي بها أو دين..} [النساء:11/4].\rوالثانية (12 من النساء) في ميراث الزوج والزوجة: {ولكم نصف ما ترك أزواجكم إن لم يكن لهن ولد، فإن كان لهن ولد، فلكم الربع مما تركن، من بعد وصية يوصين بها أو دين. ولهن الربع مما تركتم إن لم يكن لكم ولد، فإن كان لكم ولد، فلهن الثمن مما تركتم من بعد وصية توصون بها أود ين} [النساء:12/4].\rثم بيَّن ميراث الكلالة (وهو من لا والد له ولا ولد) وله إخوة لأم: {وإن كان رجل يورث كلالةً، أو امرأةٌ وله أخ أو أخت، فلكل واحد منهما السدس، فإن كانوا أكثر من ذلك، فهم شركاء في الثلث، من بعد وصية يوصى بها أو دين..} [النساء:12/4].\rوفي الآية الثالثة (176 من النساء) ذكر ميراث الكلالة وله أخت أوأختان: {يستفتونك، قل: الله يفتيكم في الكلالة: إن امرؤ هلك ليس له ولد وله أخت، فلها نصف ما ترك، وهو يرثها إن لم يكن لها ولد. فإن كانتا اثنتين فلهما الثلثان مما ترك} .\rوفي الآية:75من سورة الأنفال بيان ميراث أولي الأرحام : {وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله، إن الله بكل شيء عليم} .\rوأما السنة النبوية: فقد ورد فيها طائفة من الأحاديث أختار منها مايلي:\r1ً - حديث ابن عباس: «ألحقوا الفرائض بأهلها، فما بقي فلأولى رجل ذكر» (1) .\r2ً - وحديث أسامة بن زيد: «لا يرث المسلم الكافر، ولا الكافر المسلم» (2) .\rوحديث عبد الله بن عمرو: «لا يتوارث أهل ملتين شتى» (3) .\r3ً - حديث عبادة بن الصامت: «أن النبي صلّى الله عليه وسلم قضى للجدتين من الميراث بالسدس بينهما» (4) .\r4ً - حديث ابن مسعود في بنت وبنت ابن وأخت: «قضى النبي صلّى الله عليه وسلم للابنة النصف، ولابنة الابن السدس، تكملة للثلثين، وما بقي فللأخت» (5) فدل على أن الأخت مع البنت عصبة تأخذ الباقي بعد فرضها .\r-------------------------------\r(1) متفق عليه (نيل الأوطار: 55/6).\r(2) رواه الجماعة إلا النسائي (نيل الأوطار: 73/6).\r(3) رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه (المرجع والمكان السابق).\r(4) رواه عبد الله بن أحمد في المسند (نيل الأوطار: 59/6).\r(5) رواه الجماعة إلا مسلماً والنسائي (نيل الأوطار: 58/6).","part":10,"page":373},{"id":6604,"text":"5ً - حديث المقدام بن معْدِ يَكْرِب في ذوي الأرحام: «من ترك مالاً فلورثته،\rوأنا وارث من لا وارث له، أعْقِل ُ عنه وأرِثُ، والخال وارث من لا وارث له، يَعْقِل عنه ويرثه» (1) .\r6ً - حديث عائشة في الميراث بالولاء: «الوَلاء لمن أعتق» (2) .\rوأما الإجماع: فهو إجماع الصحابة والتابعين على أن فرض الجدة الواحدة السدس، وكذلك فرض الجدتين والثلاث، كما حكى البيهقي عن محمد بن نصر من أصحاب الشافعي.لكن الشافعية والمالكية لا يورثون إلا جدتين.\rوفضل هذا العلم عظيم، فقد قيل: إنه نصف العلم، لتعلقه بحال الإنسان بعد موته، كما تتعلق سائر المعاملات به في حياته، وقال النبي صلّى الله عليه وسلم : «تعلموا الفرائض وعلموها، فإنها نصف العلم، وهو يُنسى، وهو أول شيء يُنْزَع من أمتي» (3) .\rوواضعه: الشارع الذي أنشأ الشرع وهو الله سبحانه وتعالى.\rونسبته لسائر العلوم: كونه بعض علم الفقه، وأخص منه ومن الحساب، ومباين لغيرهما. ومن المعلوم أن موضوع علم الفقه عمل المكلفين، وقسمة التركة من أعمالهم.\r-------------------------------\r(1) رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه (نيل الأوطار: 62/6).\r(2) رواه البخاري ومسلم (نيل الأوطار: 180/5، 68/6).\r(3) رواه ابن ماجه والدارقطني والحاكم، وفيه متروك (نيل الأوطار: 53/6) ويؤيده حديث ابن مسعود فيما رواه أحمد والنسائي والترمذي والحاكم: «تعلموا القرآن وعلِّموه الناس، وتعلموا الفرائض وعلموها، فإني امرؤ مقبوض، والعلم مرفوع، ويوشك أن يختلف الناس في الفريضة والمسألة، فلا يجدان أحداً يخبرهما» وفيه انقطاع (المرجع السابق) لكن قال الحاكم: صحيح الإسناد، وفي روايته «من يقضي بها» .","part":10,"page":374},{"id":6605,"text":"وثمرته أو فائدته: أن تحصل لمتعلمه ملكة يكون له بها قدرة على قسمة التركة بين المستحقين بالوجه الشرعي. ويسمى صاحب تلك الملكة العالم به: فَرَضي وفارض وفرَّاض. واصطلاحاً: فرائضي.\rوغايته: إيصال كل ذي حق حقه من التركة.\rومسائله: قضاياه وفروعه المستخرجة من قواعده، ككون النصف للبنت.\rوحسابه: قسمته؛ لأنها بعض علم الفرائض المتوقف عليها، والمراد بالحساب: تأصل المسائل والتصحيح وما يتبع ذلك.\rمصطلحاته: وأما أهم مصطلحات الفرائض فهي ما يأتي:\r1 - الفرض: هو النصيب المقدر شرعاً للوارث، أي الحظ المقدر صريحاً من التركة بنص أو إجماع، كالثمن والربع، بحيث لايزيد إلا بالرد ولا ينقص إلا بالعول.\r2 - السهم: يراد به الجزء المعطى لكل وارث من أصل المسألة الذي هو مخرج فرض الورثة، أو عدد رؤوسهم مثل اثنين من ستة. وقد يطلق على النصيب مع قرينة من القرائن.\r3 - التركة: ما يتركه الميت مما كان يملكه من الأموال النقدية والعينية والحقوق. فلا يدخل في التركة الأمانات ونحوها مما لم يكن يملكه.\r4 - النسب: هو البنوة والأبوة والإدلاء بأحدهما، عن طريق تغليب الأبوة على الأمومة.","part":10,"page":375},{"id":6606,"text":"5 - الجمع والعدد: يراد به في الميراث كل ما زاد على الواحد، فالبنتان والبنات جمع.\r6 - الفرع: إذا أطلق الفرع في الميراث يراد به ابن الميت وبنته، وابن ابنه وبنت ابنه وإن نزل أبوها. فإذا قيل ( الفرع الوارث ) يراد به الابن والبنت، وابن الابن وبنت الابن وإن نزل. ويلاحظ أن ابن الابن بمثابة الابن، أما ابن الأخ فليس بمثابة الأخ.\rوفرع الأب: يراد به الإخوة والأخوات وبنو الأخ الشقيق أو الأب.\rوفرع الجد: يراد به العم الشقيق والعم لأب وبنوهما.\r7 - الأصل: إذا أطلق يراد به الأبوان والأجداد الصحاح (من جهة الأب) والجدات الصحيحات (من جهة الأب) وإن علوا. فإذا قيل: الأصل الذكر يراد به الأب والجد.\r8 - الولد: من ولده الإنسان قبل موته مباشرة، سواء الذكر والأنثى.\r9 - الوارث: من يستحق حصته من التركة، وإن لم يأخذها بالفعل كالمحروم والمحجوب.\r10 - الأخ والعم: إذا أطلق الأخ يعم الأخ الشقيق أو لأب أو لأم؛ لأنه وارث. أما العم فلا يعم العم لأم؛ لأنه من ذوي الأرحام.\r11 - العَصَبة: من لم يكن له نصيب مقدرصريحاً. والعصبة بالنفس: هو كل ذكر لا تدخل في نسبته إلى الميت أنثى.\r12 - الإدلاء: هو الاتصال بالميت: إما مباشرة بالنفس كأبي الميت وأمه وابنه وبنته، أوبواسطة كإدلاء ابن الابن بالابن، وبنت الابن بالابن.\rوالإدلاء بالعصبة: هو العصبة بنفسه: وهو كل ذكر لا تدخل في نسبته إلى الميت أنثى وحدها، سواء أكان الميت ذكراً أم أنثى، مثل ابن الابن، وابن ابن الابن، وابن البنت.\r13 - الميْت: بسكون الياء: من خرجت روحه من جسده من العقلاء. والميِّت ـ بتشديد الياء: من كانت حالته كحالة الأموات من الأحياء. والميتة: من زهقت روحها من سائر الحيوانات بغير ذكاة شرعية.","part":10,"page":376},{"id":6607,"text":"الفَصْل الثَّاني : أركان الميراث :\rللميراث أركان ثلاثة: هي مورث، ووارث، وموروث.\r1 - المورِّث: هو الميت الذي ترك مالاً أو حقاً.\r2 - والوارث: هو الذي يستحق الإرث بسبب من أسبابه الآتية، وإن لم يأخذها بالفعل لمانع، فهو مستحق الإرث من غيره لقرابة حقيقية أو حكمية.\r3 - الموروث: هو التركة، ويسمى أيضاً ميراثاً وإرثاً، وهو ما يتركه المورث من المال، أوالحقوق التي يمكن إرثها عنه، كحق القصاص، وحبس المبيع لاستيفاء الثمن، وحبس المرهون لاستيفاء الدين.\rفإذا فقد ركن من هذه الأركان انتفى الإرث؛ لأن الإرث عبارة عن استحقاق شخص مال شخص آخر بفرض أو عصوبة أو رحم، فإذا فقد واحد منها فقد الإرث.\rفلو مات شخص عن ابن وابن ابن، أخذ المال الابن، ولا شيء لابن الابن؛ لأنه محجوب بالابن، مع أن فيه قوة الأخذ. إذ لولا وجود الابن لأخذ التركة.\rوكذا لو عدمت التركة، كما لو مات عن أقارب، ولم يترك شيئاً، كانت الأقارب وارثة له؛ لأن فيهم قوة الأخذ، ولكنهم لم يأخذوا شيئاً لعدم التركة.\rالفَصْلُ الثَّالث : أسباب الميراث :\rيتوقف الإرث على ثلاثة أمور: وجود أسبابه وشروطه وانتفاء موانعه، ولكل منها مبحث. أما أسباب الإرث المتفق عليها فهي ثلاثة: وهي القرابة، والزوجية، والوَلاء (1) .\r1 - أما القرابة أو النسب الحقيقية ويسمى عند الحنفية الرحم: فيراد بها القرابة الحقيقية، وهي كل صلة سببها الولادة، وتشمل فروع الميت وأصوله وفروع أصوله، سواء أكان الإرث بالفرض فقط كالأم، أم بالفرض مع التعصيب كالأب، أم بالتعصيب فقط كالأخ، أم بالرحم كذوي ا لأرحام مثل العم لأم، ويكون الميراث بسبب النسب شاملاً الآتي:\r1 - الأولاد وأبناءهم ذكوراً وإناثاً.\r2 ـ الآباء وآباءهم والأمهات، أي الأم وأمها وأمهات الآباء.\r3 - الإخوة والإخوات.\r4 - الأعمام وأبناءهم الذكور فقط.\r2 - وأما الزوجية أو النكاح الصحيح: فيراد به العقد الصحيح، سواء صحبه دخول بالزوجة أم لا. وهو يشمل الزوج والزوجة.\rفإذا مات أحد الزوجين ولو قبل الدخول، ورثه الآخر، لعموم آية\r-------------------------------\r(1) الدر المختار: 538/5، الشرح الصغير: 619/4، بداية المجتهد: 355/2، مغني المحتاج: 4/3، الرحبية: ص16 ومابعدها، كشاف القناع: 448/4، المغني: 304/6، 326، القوانين الفقهية: ص384.","part":10,"page":377},{"id":6608,"text":"التوارث (1) بين الزوجين، ولأن النبي صلّى الله عليه وسلم قضى في بَرْوع بنت واشق أن لها الميراث، وكان زوجها قد مات عنها قبل الدخول بها، ولم يكن فرض لها صداقاً.\rوترث المرأة من زوجها إذا كانت في العدة مطلقة طلاقاً رجعياً؛ لأن الزوجية في الطلاق الرجعي قائمة ما دامت في العدة، وهذا متفق عليه فقهاً وقانوناً (2) .\rأما المطلقة طلاقاً بائناً فلا ترث ولو كانت في العدة إذا طلقها زوجها في حال صحته، لعدم اتهامه بالفرار من إرثها. فإن طلقها في مرض موته فراراً من إرثها منه، وهو ما يسمى طلاق الفرار، فترث منه عند الحنفية إذا مات ما لم تنقض عدتها معاملة له بنقيض مقصوده. وترث منه عند المالكية ولو انقضت عدتها، وتزوجت غيره فعلاً لإطلاق الآثار فيها، وترث منه عند الحنابلة ولو انقضت عدتها، ما لم تتزوج غيره، لقول أبي سلمة رضي الله عنه: إن عبد الرحمن بن عوف طلق امرأته البتة، وهو مريض، فورَّثها عثمان بن عفان بعد انقضاء عدتها.\rوالخلاصة: إن الجمهورـ غير الشافعية يورثون هذه المرأة لقصد الزوج السيء.\rولا ميراث لهذه الزوجة المطلقة طلاقاً بائناً عند الشافعية، وإن كانت العدة باقية لمعنى آخر؛ لأن البينونة قطعت الزوجية التي هي سبب الإرث.\rولا توارث في النكاح الفاسد المجمع على فساده، كالنكاح بغير شهود، ولا في النكاح الباطل، كنكاح المتعة، فليس بنكاح شرعي، ولو أعقبه دخول أو خلوة؛ لأن وجوده كعدمه. واختلفوا في التوارث في النكاح الفاسد المختلف فيه، كالنكاح بغير ولي، فبعضهم يجيز التوارث بين الزوجين، لشبهة الخلاف، وبعضهم يمنع التوارث لمقتضى الفساد.\r-------------------------------\r(1) وهي الآية 12 من سورة النساء: {ولكم نصف ما ترك أزواجكم} [النساء:12/4].\r(2) انظر المادة 11 من قانون الإرث في مصر رقم 77 لسنة 1943، والمادة 268 من قانون الأحوال الشخصية السوري.","part":10,"page":378},{"id":6609,"text":"3 - وأما الولاء: فهو قرابة حكمية أنشأها الشارع من العتق. وأضاف الحنفية للأسباب الثلاثة المذكورة خلافاً لغيرهم: ولاء الموالاة.\rفولاء العتق: هو العصوبة السببية، أو هو صلة بين السيد وبين من أعتقه، وتجعل للسيد أو عصبته حق الإرث ممن أعتقه، إذا مات ولا وارث له من قرابته، وهذا ما يسمى بالنسب الحكمي (1) ، وفي الحديث: «الولاء لُحْمة كلحمة النسب، لا يباع ولا يوهب» (2) فيرث المعتق العتيق ولا عكس، أي لا يرث العتيق المعتق.\rوولاء الموالاة: هو عقد بين اثنين على أن يعقل كل منهما عن الآخر، وأن يتوارثا.\r4 - وأضاف الشافعية والمالكية سبباً رابعاً وهو جهة الإسلام: فإنها الوارثة كالنسب، فتصرف تركة المسلم أو باقيها لبيت المال إرثاً للمسلمين عصوبة، لا مصلحة، إذا لم يكن وارث بالأسباب الثلاثة المتقدمة، أو كان هناك سبب لم يستغرق التركة، لقوله صلّى الله عليه وسلم : «أنا وارث من لا وارث له، أعقل عنه وأرثه» (3) وهو صلّى الله عليه وسلم لا يرث لنفسه شيئاً، وإنما يصرف ذلك في مصالح المسلمين.\rالإرث بجهتين: إذا كان لوارث جهتا إرث ورث بهما معاً، كما لو ماتت امرأة عن زوج وأم، وكان زوجها ابن عمها أيضاً، فتأخذ الأم نصيبها وهو الثلث،\r-------------------------------\r(1) نظام المواريث في الشريعة للأستاذ الشيخ عبد العظيم فياض: ص 19، ط ثانية.\r(2) رواه الشافعي وصححه ابن حبان والحاكم، واللحمة: الرابطة التي تربط بين شيئين أحدهما بالآخر، أي قرابة كقرابة النسب.\r(3) رواه أبو داود وغيره.","part":10,"page":379},{"id":6610,"text":"ويأخذ الزوج نصيبه وهو النصف، ثم يأخذ الباقي؛ لأنه عصبة، ولكن يستثنى الجدات في الميراث لهن السدس بالسوية، سواء أكانت الجدة ذات قرابة أم ذات قرابتين، ويستثنى أيضاً ذوو الأرحام، فإنهم يرثون بجهة واحدة، ولا يعتبر تعدد الجهات.\rأسباب الإرث في القانون: نص القانون المصري في المادة (7) على أن أسباب الإرث ثلاثة: الزوجية والقرابة والعصوبة السببية، أي ولاء العتق، وأما ولاء الموالاة فلم يجعله من أسباب الإرث، لعدم وجوده من زمن بعيد.\rونصت المادة (11) على إرث الزوجة المطلقة طلاقاً رجعياً إذا مات الزوج وهي في العدة. أما المطلقة طلاقاً بائناً فتعتبر في حكم الزوجة إذا لم ترض بالطلاق، ومات المطلق في ذلك المرض، وهي في عدته.\rأما قانون الأحوال الشخصية السوري فنص في المادة (263) على أن أسباب الإرث: الزوجية والقرابة، ولم يعتبر الولاء سبباً في القانون، لإلغاء الرق من العالم. ونص في المادة (268) على أن للزوجة ولو كانت مطلقة رجعياً إذا مات الزوج وهي في العدة فرض الربع عند عدم الولد وولد الابن وإن نزل.\rونصت المادة (116) على أن الطلاق البائن في مرض الموت لا يمنع الإرث، إذا مات الرجل في ذلك المرض والمرأة في العدة، وعد الطلاق طلاقاً تعسفياً.","part":10,"page":380},{"id":6611,"text":"الفَصْلُ الرَّابع : شروط الإرث :\rيشترط لثبوت الحق في الميراث ثلاثة شروط: وهي موت المورث، وحياة الوارث، ومعرفة جهة القرابة (1) .\r1 ً - موت المورث: لا بد من تحقق موت المورث، إما حقيقة، أو حكماً أو تقديراً، بإلحاقه بالأموات.\rفالحقيقي: هو انعدام الحياة، إما بالمعاينة كما إذا شوهد ميتاً، أو بالسماع، أو بالبينة.\rوالحكمي: هو أن يكون بحكم القاضي، إما مع احتمال الحياة أو تيقنها.\rمثال الأول: حكم القاضي على إنسان بموته، وهو الحكم على المفقود بموته.\rومثال الثاني: حكم القاضي على المرتد باعتباره في حكم الأموات إذا لحق بدار الحرب. وتقسم التركة في الحالتين من وقت صدور الحكم بالموت.\rوالتقديري: هوإلحاق الشخص بالموتى تقديراً، وذلك في الجنين الذي انفصل بجناية على أمه، وهي التي توجب الغُرَّة (50 ديناراً)، بأن يضرب شخص امرأة حاملاً، فتلقي جنيناً ميتاً، فتجب الغرة وهي عبد أو أمة، وتقدر بنصف عشر الدية الكاملة. لكن اختلف الفقهاء في إرث هذا الجنين (2) .\rقال أبو حنيفة: إن هذا الجنين يرث ويورث؛ لأنه يقدر أنه كان حياً وقت الجناية، وأنه مات بسببها.\rوقال الجمهور: لا يرث هذا الجنين؛ لأنه لم تتحقق حياته، فلم تتحقق أهليته للتملك بالإرث، ولا يورث عنه سوى الغرة وهي دية الجنين؛ لأنه يعتبر حياً بالنسبة لها فقط.\rوأخذ القانون المصري (م3) بمذهب الليث بن سعد وربيعة بن عبد الرحمن:\rوهو أن هذا الجنين لا يرث ولا يورث؛ لأنه لم يتحقق موته بسبب الجناية، ولا حياته وقتها، والجزاء يكون للأم وحدها؛ لأن الجريمة عليها وحدها.\r2 ً - حياة الوارث: لا بد أيضاً من تحقق حياة الوارث بعد موت المورث، إما حياة حقيقية مستقرة أو إلحاقه بالأحياء تقديراً.\rالحقيقية : هي الحياة المستقرة الثابتة للإنسان المشاهدة له بعد موت المورث.\rوالتقديرية: هي الحياة الثابتة تقديراً للجنين عند موت المورث، فإذا انفصل حياً حياة مستقرة لوقت يظهر وجوده عند موت المورث، ولو كان حينئذ مضغة أو علقة، ثبت له الحق في الميراث، فيقدر وجود حياته بولادته حياً.\r3 ً - العلم بجهة الميراث: إن انتفاء المانع وهو ألا يكون هناك مانع من موانع الإرث الآتية. ليس شرطاً في الإرث، وإنما الشرط هو الأولان فقط، كما نص القانون المصري، حيث نص في المادة الثانية على الشرطين الأولين فقط، كما نص القانون السوري في المادة 26 على هذين الشرطين أيضاً، ونص في المادة (261) على شرط وراثة الحمل.\rلكن لابد من العلم بالجهة المقتضية للإرث: بأن يعلم أنه وارث من جهة القرابة النسبية، أو من جهة الزوجية أو منهما، أو من جهة الولاء، لاختلاف الحكم في ذلك.\r-------------------------------\r(1) الرحبية: ص 80، المواد 1-3 من القانون المصري، كشاف القناع: 448/4.\r(2) المغني: 320/6.","part":10,"page":381},{"id":6612,"text":"الفَصْلُ الخامس : موانع الإرث :\rالمانع لغة: الحائل، واصطلاحاً: ما ينتفي لأجله الحكم عن شخص لمعنى فيه، بعد قيام سببه، ويسمى محروماً، فخرج ما انتفى لمعنى في غيره، فإنه محجوب، أو لعدم قيام السبب كأجنبي، والمراد بالمانع هنا: المانع عن الوراثة، لا التوريث، وإن كان بعض الموانع كاختلاف الدين مانعاً عن الأمرين معاً: الوراثة والتوريث.\rواتفق الفقهاء على ثلاثة موانع للإرث: هي الرق، والقتل، واختلاف الدين. واختلفوا فيما عداها.\rذكر الحنفية (1) أربعة موانع مشهورة: هي الرق، والقتل، واختلاف الدين، واختلاف الدارين، السببان الأولان يمنعان صاحبهما من أن يرث من غيره، والأخيران يمنعان التوارث من الجانبين. قال القدوري في الكتاب: لا يرث أربعة: المملوك، والقاتل من المقتول، والمرتد، وأهل الملتين، وكذا أهل الدارين، وسأوضح هذه الموانع كلاً على حدة.\rوأضافوا مانعين آخرين، فتصبح الموانع لديهم ستة، والمانعان هما:\r1ً - جهالة تاريخ الموتى كالغرقى والحرقى والهدمى والقتلى في آن واحد؛ لأن من شروط الإرث السابقة: وجود الوارث حياً عند موت المورث، وهو منتف هنا لعدم العلم بوجود الشرط، ولا توارث مع الشك.\r2ً - وجهالة الوارث: وهي في خمس مسائل أو أكثر، منها:\r1 - امرأة أرضعت صبياً مع ولدها، وماتت، ولم يعلم أيهما ولدها، أي جهل ولدها، فلا يرثها واحد منهما.\r-------------------------------\r(1) شرح السراجية: ص 18-24، الدر المختار ورد المحتار: 541/5-543، تبيين الحقائق: 239/6 وما بعدها، اللباب شرح الكتاب: 188/4، 197.","part":10,"page":382},{"id":6613,"text":"2 - استأجر مسلم وكافرلولديهما ظئراً (مرضعاً)، فكبرا عندها، ولم يعلم ولد المسلم من ولد الكافر، فالولدان مسلمان، ولا يرثان من أبويهما، إلا أن يصطلحا، فلهما أن يأخذا الميراث بينهما.\rإن جهالة الوارث مانع آخر؛ لأنها كموته حكماً كما في المفقود.\rوزاد بعض الحنفية مانعاً سابعاً وهوالنبوة، لحديث الصحيحين: «نحن معاشر الأنبياء لا نورث، ما تركناه صدقة» فكل إنسان يرث ولا يورث، إلا الأنبياء لا يرثون ولا يورثون. والحق أن النبوة ليست من الموانع؛ لأن النبوة معنى قائم في المورث، والمانع: هو ما يمنع الإرث لمعنى قائم في الوارث.\rوذكر المالكية (1) عشرة موانع للميراث هي:\r1ً - اختلاف الدين: فلا يرث كافر مسلماً إجماعاً، ولا يرث مسلم كافراً عند الجمهور، ولا يرث كافر كافراً إذا اختلف دينهما، خلافاً لأبي حنيفة والشافعية. وإذا أسلم الكافر بعد موت مورثه المسلم، لم يرثه.\rوالمرتد في الميراث كالكافر الأصلي، خلافاً لأبي حنيفة فإن المسلم يرث عنده من المرتد. وأما الزنديق فيرثه ورثته من المسلمين إذا كان يظهر الإسلام.\r2 ً - الرق: فالعبد، وكل من فيه شعبة من رق كالمكاتب والمدبر وأم الولد. والمعتق بعضه، والمعتق إلى أجل، لا يرث ولا يورث، وميراثه لمالكه.\r3ً - القتل العمد: فمن قتل مورثه عمداً، لم يرث من ماله ولا ديته، ولم يحجب وارثاً. فإن قتله خطأ ورث من المال دون الدية، وحجب غيره.\r4 ً - اللعان: فلا يرث المنفي به النافي، ولا يرثه هو.\r5 ً - الزنا: فلا يرث ولد الزنا والده، ولا يرثه هو؛ لأنه غير لاحق به، وإن أقر به الوالد حُدَّ، ولم يلحق به.\r-------------------------------\r(1) القوانين الفقهية: ص 394 وما بعدها، بداية المجتهد: 346/2 وما بعدها.","part":10,"page":383},{"id":6614,"text":"ومن تزوج أمّاً بعد ابنة، أو بنتاً بعد أم، لم ترثه واحدة منها.\rومن تزوج أختاً بعد أخت، والأولى في عصمته، ورثته دون الثانية.\r6 ً - الشك في موت المورث: كالأسير والمفقود.\r7 ً - الحمل: فيوقف به المال إلى الوضع.\r8 ً - الشك في حياة المولود: فإن استهل صارخاً ورث ووُرث، وإلا فلا، ولا يقوم مقام الصراخ: الحركة والعطاس في المذهب إلا أن يطول أو يرضع.\r9 ً - الشك في تقدم موت المورث أو الوارث: كميتين تحت هدم أو غرق، فلا يرث أحدهما الآخر، ويرث كل واحد منهما سائر ورثته. وهذا هو جهالة تاريخ الموتى عند الحنفية.\r10 ً - الشك في الذكورة والأنوثة: وهو الخنثى، ويختبر بالتبول واللحية والحيض، فإن لحق بالرجال ورث ميراث الرجال، وإن لحق بالنساء ورث ميراثهن. وإن أشكل أمره، أعطي نصف نصيب أنثى، ونصف نصيب ذكر.\rوذكر الشافعية والحنابلة (1) : ثلاثة موانع للإرث هي:\rالرق، والقتل، واختلاف الدين. وأضاف الشافعية موانع ثلاثة أخرى، فتصبح الموانع عندهم ستة، وهذه الثلاثة هي:\r1 - اختلاف ذوي الكفر الأصلي بالذمة والحرابة: المشهور أنه لا توارث بين حربي وذمي لانقطاع الموالاة بينهما. والمعاهد والمستأمن كالذمي.\r2 - الردة: لا يرث المرتد من أحد مسلم أو كافر، ولا يورث بحال، للحديث السابق: «لا يرث المسلم الكافر، ولا الكافر المسلم» بل يكون ماله فيئاً لبيت المال، سواء اكتسبه في أثناء الإسلام أم في الردة. ويدخل هذا المانع في اختلاف الدين، كما أبان المالكية سابقاً.\r3 - الدور الحُكْمي: وهو أن يلزم من التوريث عدم التوريث، مثل: أن يقرّ أخ حائز للتركة بابن للمتوفى، فيثبت نسبه بإقرار الأخ، لكن لا يرث هذا الابن للدور؛ لأنه بإقرار هذا الأخ بالابن وثبوت نسبه من الأب، تبين عدم إرثه؛ لأنه محجوب به، فيلزم عليه بطلان إقراره؛ لأنه حينئذ لم يكن حائزاً للتركة، فيبطل نسب الولد، وإذا بطل فإنه لا يرث. ولكن إذا كان صادقاً في نفس الأمر، فإنه يجب أن يدفع له التركة ديانة فيما بينه وبين الله تعالى.\rإن إثبات الإرث أدى إلى نفيه، وكل ما أدى إثباته إلى نفيه ينتفي من أصله.\rوبالتأمل أرى أن ماذكره الفقهاء من موانع الإرث غير الأربعة المشهورة لا تعد في الحقيقة موانع، وإنما ينتفي الإرث لعدم تحقق شرط من شروط الإرث السابقة.\r-------------------------------\r(1) مغني المحتاج: 24/3-29، الرحبية: ص 19، كشاف القناع: 448/4، ط مكة، المغني: 266/6-270، 291-298.","part":10,"page":384},{"id":6615,"text":"لذا أعود لشرح الموانع الأربعة المشهورة وهي:\rالمانع الأول ـ الرق :\rوهو لغة: العبودية، واصطلاحاً: عجز حكمي يقوم بالإنسان، سببه في الأصل: الكفر. فهو مانع من الإرث مطلقاً، سواء أكان تاماً أم ناقصاً في رأي الحنفية والمالكية، فلا توارث بين حر ورقيق، أي لا يرث الرقيق أحداً ولا يورث؛ لأن الرق ينافي أهلية التملك، إذ مقتضى كون الرقيق مالاً مملوكاً للسيد، ألا يكون مالكاً للمال، باعتبار أن المملوكية تنبئ عن العجز والهوان، والمالكية تنبئ عن القدرة والكرامة، فتتنافيان، ويكون جميع ما في يده من المال لسيده، فلو ورثناه لوقع الملك لسيده، فيكون توريثاً للأجنبي بلا سبب، وإنه باطل إجماعاً.\rولم يذكر القانون السوري هذا النسب لإلغاء الرق من العالم.\rالمبعض: استثنى الشافعية في المذهب الجديد وهو الأصح (1) العبد المبعض وهو من بعضه حر، فإنه يورث عنه إذا مات المال الذي ملكه ببعضه الحر؛ لأنه تام الملك عليه كالحر، فيرثه عنه قريبه الحر، أو معتق بعضه، وزوجته، ولا شيء لسيده، لاستيفاء حقه مما اكتسبه بالرِّقية.\rوقال الحنابلة (2) : من بعضه حر يرث ويورث بجزئه الحر (3) ، ويحجب\r-------------------------------\r(1) مغني المحتاج: 25/3، الرحبية: ص19 ومابعدها.\r(2) المغني: 267/6-269.\r(3) أنواع الرقيق في الماضي: قن ومكاتب ومدبر وأم ولد ومبعض، والقن رق كامل والباقي رق ناقص.\rوأما المكاتب: فهو الذي كاتبه سيده على مبلغ معلوم، بأن يقول له: كاتبتك على عشرين درهماً أو ديناراً مثلاً إن أديتها لي فأنت حر. أو يحد د له مدة معينة لتسديد الأقساط، ككل شهر دينار ونصف.\rوأما المدبر: فهو المملوك الذي قال له سيده: أنت حر بعد موتي.\rوأما أم الولد: فهي الأمة التي أتت بولد من السيد، فادعاه بأن قال: هذا الولد ابني، فإنه يثبت نسبه منه، وتصير الأمة أم ولد.\rولايجوز بيع المدبر وأم الولد، وإنما يعتقان بموت السيد، فلا يرثان ولا يورثان.\rوأما المبعض: فهو من بعضه حر بإعتاق مالكه وبعضه عبد، وهو عند أبي حنيفة بمنزلة المملوك مابقي عليه درهم في فكاك رقبته، فلا يرث ولا يحجب أحداً عن ميراثه. وعند مالك والشافعي وأحمد: هو حر، فإن كان المعتق موسراً، قوم عليه نصيب شريكه قيمة العدل، ودفعه إلى شريكه وعتق الكل عليه، وإن كان المعتق معسراً لم يلزمه شيء وبقي بعض العبد عبداً وبعضه حر.\rوعند الصاحبين: هو حر فيرث ويحجب، والمسألة مبنية على أن العتق لايتجزأ عند أبي حنيفة، وعند الصاحبين: يتجزأ، فمن أعتق حصة من رقيق عتق كله عندهما، فإن كان المعتق غنياً، ضمن حصة شريكه بالقيمة، وإن كان فقيراً أمر العبد بالسعاية في قيمته للسيد الذي لم يعتق حظه منه ( بداية المجتهد: 360/2 ).","part":10,"page":385},{"id":6616,"text":"على مقدار ما فيه من الحرية، ولا يرث ولا يورث ولا يحجب بالقدر الباقي فيه من الرق، لما روى عبد الله بن أحمد عن ابن عباس أن النبي صلّى الله عليه وسلم قال في العبد يعتق بعضه: «يرث ويورث على قدر ما عتق منه»\rالمكاتب: المكاتب عند الحنابلة إن لم يملك قدر ما عليه من أقساط الكتابة، هو عبد لا يرث ولا يورث، وإن ملك قدر ما يؤدي، ففيه روايتان:\rإحداهما: أنه عبد مابقي عليه درهم، لايرث ولايورث، وهو رأي الجمهور من الأئمة الآخرين، لقوله صلّى الله عليه وسلم : « المكاتب عبد مابقي عليه درهم » (1) .\rوالثانية: أنه إذا ملك مايؤدي، فقد صار حراً، يرث ويورث، فإذا مات من يرثه، ورث، وإن مات هو فلسيده بقية كتابته، والباقي لورثته، لحديث أم سلمة، قالت : قال لنا رسول الله صلّى الله عليه وسلم : « إذا كان لإحداكن مكاتب، وكان عنده مايؤدي، فلتحجب منه » (2) .\r-------------------------------\r(1) رواه أبو داود بإسناده عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده.\r(2) رواه أبو داود بإسناده عن أم سلمة.","part":10,"page":386},{"id":6617,"text":"المانع الثاني - القتل :\rاتفق الفقهاء على أن القتل مانع من الميراث، فالقاتل لايرث من قتيله، لقوله صلّى الله عليه وسلم : « ليس لقاتل ميراث » (1) ؛ لأنه استعجل الميراث قبل أوانه بفعل محظور، فعوقب بحرمانه مما قصد، لينزجر عما فعل، ولأن التوريث مع القتل يؤدي إلى الفساد، والله لايحب الفساد.\rولكنهم اختلفوا في نوع القتل المانع:\rرأى الحنفية: أنه القتل الحرام: وهو الذي يتعلق به وجوب القصاص أو الكفارة، ويشمل القتل العمد وشبهه والخطأ ومايجري مجرى الخطأ، والذي يوجب القصاص هو القتل العمد: وهو عند أبي حنيفة: الضرب قصداً بالمحدد من السلاح أو مايجري مجراه في تفريق أجزاء البدن كالمحدَّد من الخشب أو الحجر. وعند الصاحبين والأئمة الثلاثة الآخرين: هو الضرب قصداً بما يُقْتل به غالباً، وإن لم يكن محدداً كحجر عظيم.\r-------------------------------\r(1) رواه مالك في الموطأ وأحمد وابن ماجه والشافعي وعبد الرزاق والبيهقي عن عمر، وهو منقطع، ورواه أبو داود والنسائي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده بلفظ: « لايرث القاتل شيئاً » وأعله النسائي والدارقطني، وقواه ابن عبد البر ( نيل الأوطار: 74/6 ).","part":10,"page":387},{"id":6618,"text":"وأما الذي يوجب الكفارة فهو إما شبه العمد: كأن يتعمد ضربه بما لايقتل به غالباً. وإما الخطأ: كأن رمى إلى الصيد فأصاب إنساناً أو انقلب في النوم على آخر فقتله، أو سقط من سطح عليه، أو سقط عليه حجر من يده فمات، أو وطئ الراكب بدابته أحداً.\rومالم يتعلق به وجوب القصاص أو الكفارة، فلا يمنع من الميراث. وهو القتل بحق، أو بعذر، أو بالتسبب، والصادر من غير المكلف. والقتل بحق: مثل قتل المورث لتنفيذ القصاص أو الحد بسبب الردة أو الزنى حال الإحصان، والقتل دفاعاً عن النفس، وقتل العادل مورثه الباغي باتفاق الحنفية، وبالعكس عند أبي حنيفة ومحمد وهو قتل الباغي مورثه العادل مع الإمام، فلا يحرم ذلك أصلاً.\rوالقتل بعذر: كقتل الزوج زوجته أو الزاني بها عند التلبس بالزنا؛ لفقده الشعور والاختيار حينئذ، وكالقتل الذي يتجاوز به حدود الدفاع الشرعي؛ لأن أصل الدفاع لايمكن ضبطه، فيعفى عن التجاوز فيه.\rوالقتل بالتسبب: هو مالا يباشره القاتل، كحفر بئر أو وضع حجر في غير ملكه. والقتل الصادر من غير المكلف: هو القتل من الصبي أو المجنون. ففي هذه الأنواع الأربعة لايحرم القاتل من الميراث.\rوإذا قتل الأب ابنه عمداً، وإن لم يثبت به قصاص ولا كفارة، يحرم من الميراث؛ لأن القتل في أصله موجب للقصاص، إلا أنه سقط بقوله صلّى الله عليه وسلم : « لايقتل الوالد بالولد » (1) .\rورأى المالكية: أن القتل المانع من الإرث: هو قتل العمد العدوان سواء أكان مباشرة أم تسبباً. ويشمل الآمر به والمحرض عليه، والمسهل له، والشريك، وواضع السم في الطعام أوالشراب، والربيئة ( من يراقب المكان أثناء مباشرة القتل) وشاهد الزور إذا بني الحكم على شهادته، والمكرِه إكراهاً ملجئاً على قتل معصوم الدم، وحافر البئر لمورثه، وواضع الحجر في طريقه، فيصطدم به فيموت.\rأما القتل خطأ: فلا يمنع من ميراث المال، ويمنع من إرث الدية.\r-------------------------------\r(1) رواه الترمذي وابن ماجه عن ابن عباس، وهو ضعيف، وروي أيضاً من حديث عمر وسراقة بن مالك، وعمرو بن شعيب عن أبيه عن جده بلفظ: « لايقاد الوالد بالولد » وفي سنده طعن إلا رواية الحاكم عن عمر، فهو صحيح الإسناد ( نصب الراية: 339/4 ).","part":10,"page":388},{"id":6619,"text":"ورأى الشافعية: أن القاتل لايرث من مقتوله مطلقاً، سواء أكان مباشرة أم تسبباً، لمصلحة كضرب الأب والزوج والمعلم أم لا، مكرِهاً أم لا، بحق أم لا، من مكلف أم من غير مكلف. وهذا أوسع الآراء، ودليلهم عموم خبر الترمذي وغيره: « ليس للقاتل شيء » أي من الميراث.\rورأى الحنابلة: أن القتل المانع من الإرث: هو القتل بغير حق، وهو المضمون بقصاص ( قود ) أو دية أو كفارة، فيشمل العمد وشبه العمد والخطأ، وماجرى مجرى الخطأ كالقتل بالتسبب، وقتل الصبي والمجنون والنائم.\rوالخلاصة: أن الفقهاء اتفقوا على أن القتل مانع من الميراث، واختلفوا في نوع القتل، فاعتبر أبو حنيفة المباشرة مع العدوان عمداً أو خطأً، واعتبر مالك العمد العدوان، دون الخطأ، واعتبر الشافعي كل قتل مانعاً ولو من قاصر، واعتبر أحمد القتل المضمون بقصاص أو دية أو كفارة ولو من قاصر.\rفالقتل العمد وشبه العمد والخطأ وشبه الخطأ مانع من الميراث عند الجمهور مع مراعاة معنى العمد عند أبي حنيفة واستثناء القتل بالتسبب عند الحنفية، والقتل العمد وحده، سواء أكان الفاعل أصيلاً أم شريكاً مباشرة أم تسبباً هو المانع عند المالكية.\rوأخذ القانون المصري (م5) والقانون السوري ( م223، 264) بمذهب المالكية في تحديد نوع القتل المانع من الميراث والوصية، خلافاً لمذهب الحنفية في موضعين: القتل بالتسبب، والقتل الخطأ.\rإرث الزوج دية القتل الخطأ: رأى الحنفية أن دية الخطأ كسائر الديون، يرث منها كل واحد من الزوجين وغيرهما، لحديث: «من ترك مالاً أو حقاً فلورثته» ولأنه صلّى الله عليه وسلم أمر بتوريث امرأة أشيم الضبابي من عقل ( دية ) زوجها، قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.\rورأى المالكية عدم توارث الزوجين من الدية، لانقطاع الزوجية بالموت، ولا وجوب للدية بعده (1) .\r-------------------------------\r(1) المغني: 320/6، نظام المواريث للأستاذ عبد العظيم فياض: ص 30 .","part":10,"page":389},{"id":6620,"text":"المانع الثالث ـ اختلاف الدين :\rاختلاف الدين بين المورث والوارث بالإسلام وغيره مانع من الإرث باتفاق\rالمذاهب الأربعة، فلا يرث المسلم كافراً، ولا الكافر مسلماً، سواء بسبب القرابة أو الزوجية، لقوله صلّى الله عليه وسلم : «لا يرث المسلم الكافر، ولا الكافر المسلم» (1) وقوله: «لا يتوارث أهل ملتين شتى» (2) وهذا هوالراجح لأن الولاية منقطعة بين المسلم والكافر، وبه أخذ القانون المصري (م6) والقانون السوري (م 264): «لا توارث بين مسلم وغير مسلم» .\rوذهب معاذ ومعاوية والحسن وابن الحنفية ومحمد بن علي بن الحسين ومسروق رضي الله عنهم إلى أن المسلم يرث من الكافر، ولا يرث منه، لحديث «الإسلام يعلو ولا يعلى» (3) ورد عليهم بأن المراد العلو بحسب الحجة أو بحسب القهر والغلبة، أي النصرة في العاقبة للمسلمين.\rوقال أحمد: يرث المسلم عتيقه الكافر. لعموم الحديث السابق: «الولاء لمن أعتق» (4) .\rإرث غير المسلمين: أما اختلاف الدينين بين الكفار أنفسهم كاليهود والنصارى، ففي جعله ما نعاً من الميراث خلاف:\r1 - قال المالكية: لا يرث كافر كافراً إذا اختلف دينهما من اليهودية والنصرانية، فلا يتوارث اليهود من النصارى ولا النصارى من اليهود، لأنهما دينان مختلفان، ولا يرثان من مشرك ولا يرثهما مشرك، لعموم الحديث السابق:\r-------------------------------\r(1) روه الجماعة إلا النسائي عن أسامة بن زيد (نيل الأوطار: 73/6).\r(2) رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه عن عبد لله بن عمرو، وللترمذي مثله عن جابر (المرجع والمكان السابق).\r(3) رواه الروياني والدارقطني والبيهقي والضياء عن عائذ بن عمرو، وهو حديث حسن.\r(4) المغني: 348/6.","part":10,"page":390},{"id":6621,"text":"«لا يتوارث أهل ملتين شتى» ولأنه لا موالاة بينهم. وأما غير اليهودية والنصرانية من سائر الملل والنحل، فإنها تعتبر شيئاً واحداً، ويتوارث بعضهم من بعض (1) .\r2 - وقال الحنفية والشافعية والحنابلة: يتوارث الكفار بعضهم من بعض؛ لأن الكفر ملة واحدة في الإرث، لقوله تعالى: {والذين كفروا بعضهم أولياء بعض} [الأنفال:73/8] فهو بعمومه يشمل جميع الكفار، وقوله سبحانه: {فماذا بعد الحق إلا الضلال} [يونس:32/10] ولأن جميع ملل الكفر في نظر الإسلام سواء في البطلان كالملة الواحدة، ولأن غير المسلمين سواء في معاداة المسلمين والتمالؤ عليهم، فهم في حكم ملة واحدة. وبه أخذ القانون المصري، فنصت المادة (6)على أنه «يتوارث غير المسلمين بعضهم من بعض» .\r3 - وقال ابن أبي ليلى: اليهود والنصارى يتوارثون فيما بينهم، ولا توارث بينهم وبين المجوس.\rإرث المرتد والزنديق (2) :\rالمرتد: هو من ترك الإسلام إلى غيره من الأديان أو أصبح لا دين له. ولا خلاف في أن المرتد ومثله المرتدة لا يرث من غيره شيئاً، لا من مسلم ولا من كافر؛ لأنه أصبح لا موالاة بينه وبين غيره، ولا يقره الإسلام على ردته، وإنما يقتل، ولكن لا تقتل المرتدة عند الحنفية؛ لأنه صلّى الله عليه وسلم نهى عن قتل النساء، وإنما تحبس حتى\r-------------------------------\r(1) وهناك رواية أخرى عن مالك أن اليهود ملة، والنصارى ملة، وكل من الملل الأخرى كعبادة الشمس وعبادة النار وغير ذلك ملة مستقلة على حدة، فينحصر التوارث بين أتباع الملة الواحدة دون ما عداهم.\r(2) شرح السراجية: ص 225 وما بعدها، القوانين الفقهية: ص 394، مغني المحتاج: 25/3، المغني: 298/6-302.\rتسلم أو تموت. واستثنى الحنابلة: إذا رجع المرتد إلى الإسلام قبل قسم الميراث، فيقسم له.","part":10,"page":391},{"id":6622,"text":"وأما الإرث من المرتد ففيه خلاف:\r1 - قال أبو حنيفة: يرث الورثة المسلمون من الرجل المرتد ما اكتسبه في حال الإسلام، وأما ما اكتسبه في حالة الردة، فيكون فيئاً لبيت مال المسلمين. وأما المرتدة: فجميع تركتها لورثتها المسلمين.\rولم يفرق الصاحبان بين المرتد والمرتدة، وقالا: جميع تركتها في حالي الإسلام والردة لورثتهما المسلمين؛ لأن المرتد لا يقر على ما اعتقده، بل يجبر على عوده إلى الإسلام، فيعتبر حكم الإسلام في حقه، لا فيما ينتفع هو به، بل فيما ينتفع به وارثه.\r2 - وقال الجمهور (المالكية والشافعية والحنابلة): لا يرث المرتد ولا يورث كالكافر الأصلي، بل يكون ماله فيئاً لبيت المال، سواء اكتسبه في الإسلام، أم في الردة؛ لأنه بردته صار حرباً على المسلمين، فيكون حكم ماله كحكم مال الحربي. هذا إن مات على ردته، وإلا فماله موقوف، فإن عاد إلى الإسلام فهو له.\rردة أحد الزوجين: قال الحنابلة: إذا ارتد أحد الزوجين قبل الدخول، انفسخ النكاح في الحال، ولم يرث أحدهما الآخر، وإن كانت ردته بعد الدخول ففيه روايتان:\rإحداهما ـ يتعجل الفرقة.\rوالأخرى ـ يقف على انقضاء العدة، وأيهما مات لم يرثه الآخر. وأما الزنديق: فهو الذي يظهر الإسلام، ويستسر بالكفر، وهو المنافق، كان يسمى في عصر النبي صلّى الله عليه وسلم منافقاً، ويسمى اليوم زنديقاً ، وهو يختلف عن المنافق في السعاية بالفساد والدعوة السرية لهدم الإسلام وتشكيك المسلمين بعقائدهم.\rوحكمه عند الجمهور غير المالكية كالمرتد على الخلاف والتفصيل السابق، فمال الزنديق عند الشافعية والحنابلة في بيت المال.\rوقال المالكية: يورث الزنديق خلافاً لسائر المرتدين، فيرثه ورثته المسلمون، إذا كان يظهر الإسلام.\rوالخلاصة: إن الردة في الجملة تمنع الإرث، وقد عدها بعضهم مانعاً خاصاً غير اختلاف الدين؛ لأن للارتداد أحكاماً خاصة. فالمرتد لا يرث أحداً غيره مطلقاً، ولا يورث عند الجمهور غير الحنفية، ويورث عند الصاحبين مطلقاً، ويورث فقط ماله الذي اكتسبه حال الإسلام عند أبي حنيفة.","part":10,"page":392},{"id":6623,"text":"المانع الرابع ـ اختلاف الدارين :\rالمراد بالدار: الوطن الذي له منعة خاصة وسلطان مستقل. والمراد باختلاف الدارين: أن يكون كل من الوارث والمورث تابعاً لدولة تخالف الأخرى في المَنَعة (القوة أو الجيش) والمُلْك (السلطة) مع انقطاع العصمة بينهما، كأن يكون أحدهما من الهند والآخر من السويد.\rويظهر هذا المانع بين دار الإسلام ودار الحرب أو بين أجزاء دار الحرب نفسها.أما دار الإسلام أو بلاد المسلمين، فتعتبر وطناً واحداً للمسلمين، فيرث المسلم في أي بلد آخر؛ لأن الإسلام صيَّر بلاد المسلمين وطناً واحداً، مهما تباعدت الديار، واختلفت الأنظمة وانقطعت الصلات. فلو مات مسلم في دار الحرب ورثه ورثته في دار الإسلام. فهذا المانع خاص بغير المسلمين؛ لأن بلاد الإسلام وطن واحد.\rوأما دار الحرب فتختلف أحكامها باختلاف دولها.\rواختلاف الدار مانع للإرث عند الحنفية فقط إذا كان بين الكفار، دون المسلمين، لثبوت التوارث بين أهل البغي وأهل العدل، وإن اختلفت المنَعة والمُلْك، فيكون هذا المانع خاصاً بغير المسلمين. واختلاف الدار ثلاثة أنواع: حقيقي وحكمي معاً، وحكمي فقط، وحقيقي فقط.","part":10,"page":393},{"id":6624,"text":"أ ـ الاختلاف الحقيقي والحكمي معاً: يتحقق باختلاف التبعية والإقامة، كأن يكون الوارث حربياً في دار الحرب، والمورث ذمياً في دار الإسلام، فإذا مات الحربي في دار الحرب، وله أب أو ذمي في دار الإسلام، أو مات الذمي في دار الإسلام، وله أب أو ابن في دار الحرب، لم يرث أحدهما من الآخر؛ لأن الذمي من أهل دار الإسلام ، والحربي من أهل دار الحرب، فهما وإن اتحدا ملة، لكن لتباين الدارين حقيقة تنقطع الولاية بينهما، فتنقطع الوراثة على الولاية؛ لأن الوارث خلف المورّث في ماله ملكاً ويداً وتصرفاً.\rب ـ الاختلاف الحكمي فقط: يتحقق باختلاف التبعية أو الجنسية فقط، كأن يكون الوارث ألمانياً والمورث إنجليزياً معاً في ألمانيا وإنجلترا، أو يكون أحدهما ذمياً والآخر مستأمناً يقيمان معاً في دار الإسلام؛ لأن المستأمن من أهل دار الحرب حكماً.\rأو يكون كلاهما مستأمنين من دولتين مختلفتين، يقيمان معاً في دار الإسلام؛ لأن كلاً منهما حربي من دار مختلفة. فلا توارث بين هؤلاء جميعاً، لاختلاف التبعية.\rجـ ـ الاختلاف الحقيقي فقط: يتحقق باختلاف الإقامة مع اتحاد الرعوية أو التابعية. كألمانيين يقيم أحدهما في فرنسا، والآخر في أمريكا، مع الاحتفاظ بجنسيتهما، وكمستأمن في دارنا مع حربي في دار الحرب، كلاهما من دولة واحدة، يتوارثان، لاتحاد التبعية.\rالنوعان الأول والثاني مانعان من الإرث، لاختلاف التبعية، ومناط المنع من الإرث دائر على التبعية، ويكون الاختلاف الحكمي هو السبب وحده في منع الميراث.\rأما النوع الثالث فغير مانع، للاتحاد في التبعية.\rوبه يظهر أن الحربيين: إن كانا في دارين من دور الحرب مع اتحاد الجنسية كان الاختلاف في الدار حقيقياً غير مانع، وإن كان في دارنا، كان الاختلاف حكمياً، مانعاً من الإرث، فلا يتوارثان في دار الإسلام إلا إذا صارا ذميين.","part":10,"page":394},{"id":6625,"text":"واختلاف الدار لدى الشافعية ليس مانعاً من موانع الإرث، لكنهم قالوا: لاتوارث بين حربي ومعاهد، وهو يشمل الذمي والمستأمن، لانقطاع الموالاة بينهما، كما تقدم، فيوافقون الحنفية في النوع الأول.\rوليس اختلاف الدار مطلقاً لدى المالكية والحنابلة مانعاً للميراث، فيرث أهل الحرب بعضهم بعضاً، سواء اتفقت ديارهم أو اختلفت.\rأما القانون المصري في المادة (6) فقد نص على أن اختلاف الدار لا يمنع من الإرث بين المسلمين. ولا يمنع بين غير المسلمين إلا إذا كانت شريعة الدار الأجنبية تمنع من توريث الأجنبي عنها. جرى هذا القانون على أن الأصل أن اختلاف الدار لا يمنع من التوارث بين غير المسلمين، كما يقول المالكية والحنابلة، إلا أنه شرط أن تكون شريعة الدار الأجنبية لا تمنع من توريث الأجنبي عنها، فإذا كانت شريعتها تمنع من توريث الأجنبي، كان اختلاف الدار عندنا مانعاً من الإرث، معاملة بالمثل.\rوأما القانون السوري في المادة (264) فإنه نص على أنه «لا يمنح الأجنبي حق الإرث إلا إذا كانت قوانين بلاده تمنح مثل ذلك للسوريين» وذلك أخذاً بمبدأ المعاملة بالمثل، وهذا شامل مع الأسف المسلمين من جنسيات مختلفة، وهو لم يقل به فقيه.\rفمثلاً لا يورِّث السوريون الأتراك، ولا يورِّث الأتراك السوريين أخذاً بالمقابلة أو المعاملة بالمثل، وهذا غير جائز شرعاً لمخالفة النص القرآني: {إنما المؤمنون إخوة} [الجحرات:49/10].\rلكن إذا فهم المقصود من كلمة ( الأجنبي) أنه غير المسلم وغير المسيحي المقيم في بلاد إسلامية، لم يكن هناك مخالفة؛ لأن المسلم لا يعتبر في بلاد الإسلام أجنبياً، كما أن غير المسلمين المقيمين في البلاد الإسلامية يتوارث بعضهم من بعض (1) .\r-------------------------------\r(1) الأحوال الشخصية ـ الجزء الثالث: المواريث للدكتور مصطفى السباعي: ص 49.","part":10,"page":395},{"id":6626,"text":"الفَصْلُ السَّادس : الحقوق المتعلِّقة بالتّركة :\rتعريف التركة: التركة لغة: ما يتركه الشخص ويبقيه، واصطلاحاً عند الجمهور غير الحنفية: هي كل ما يخلفه الميت من الأموال والحقوق الثابتة مطلقاً فتشمل الأشياء المادية من منقولات وعقارات، والحقوق العينية كحقوق الارتفاق من مسيل أوشِرب وغيرهما، والمنافع كحق الانتفاع بالمأجور والمستعار، والحقوق الشخصية كحق الشفعة وحق الخيار كخيار الشرط. وتشمل أيضاً ما تسبب فيه: من خمر صار خلاً بعد وفاته، وشبكة نصبها فوقع فيها بعد موته صيد، وكذلك الدية المأخوذة في قتله، بناء على الأصح عند الشافعية من دخولها في ملكه قبيل موته (1) .\rوهي عند الحنفية: الأموال والحقوق المالية التي كان يملكها الميت. فتشمل الأموال المادية من عقارات ومنقولات وديون على الغير، والحقوق العينية التي ليست مالاً، ولكنها تقوم بمال أو تتصل به، كحق الشرب والمسيل والمرور والعلو، والرهن إذ يرث الورثة الدين موثقاً برهنه.\rوخيارات الأعيان، كخيار العيب وخيار التعيين وخيار فوات الوصف المرغوب فيه. ولا تشمل عندهم الخيارات الشخصية، كخيار الشرط وخيار الرؤية وحق الشفعة، فإنها حقوق متعلقة بشخص المتوفى لا بماله.\rولاتشمل أيضاً المنافع كالإجارة والإعارة، لانتهاء العقد بالموت، ولأن المنافع ليست مالاً عند متقدمي الحنفية.\rولا تشمل قبول الوصية، فتلزم الوصية بموت الموصى له، أي قبل أن يقبل أو يرد، ويعتبر عدم الرد قبولاً.\rوالحنفية يحصرون التركة في المال أوالحق الذي له صلة بالمال فقط، فالذي يورث عندهم هو الأعيان المالية، أما الحقوق فمنها ما يورث كحق حبس المبيع وحبس الرهن، ومنها ما لا يورث كحق الشفعة وخيار الشرط وحد القذف وحق التزويج. وكذا لا يورث خيار القبول والإجارة والإجازة في بيع الفضولي والأجل. ولا تورث الولايات والعواري والودائع والرجوع عن الهبة. أما خيار العيب وخيار التعيين والقصاص وخيار الرؤية وخيار الوصف، فيورث.\r-------------------------------\r(1) رد المحتار: 538/5.","part":10,"page":396},{"id":6627,"text":"وأما الحقوق المتعلقة بالتركة فهي قسمان (1) :\rالأول ـ أن يتعلق بها حق الغير حال الحياة: وهذا لا يسمى تركة، فيقدم على تجهيز الميت لتعلقه بالمال قبل صيرورته تركة، وإنما يسمى بالحقوق العينية: وهي التي تتعلق بعين الأموال التي يتركها المتوفى، كحق البائع في تسلم المبيع، وحق المرتهن في المرهون، ومثله عند الحنفية: حق المستأجر الذي عجل الأجرة، فإنه أحق بالمأجور إلى انتهاء مدة الإجارة، أو يرد إليه ما عجل من أجرة؛ لأنه إذا عجل المستأجر إعطاء الأجرة ثم مات المؤجر، صارت الدار هنا بالأجرة.\rوالثاني ـ ألا يتعلق بها حق الغير: هذا هو المسمى تركة ويتعلق به حقوق أربعة على الترتيب التالي:\rتجهيز الميت وتكفينه، ثم قضاء ديونه، ثم تنفيذ وصاياه، ثم حق الورثة في قسمة الباقي. وبيان كل حق فيما يلي:\r1 ً - تجهيز الميت وتكفينه :\rيبدأ وجوباً بتكفين الميت وتجهيزه بالمعروف بحسب يساره وإعساره عند المالكية والشافعية والحنابلة، أوبلا تبذير ولا تقتير عند الحنفية؛ لأن ذلك من الأمور الضرورية التي تتعلق بحق الميت ورعاية حرمته وكرامته الإنسانية بمواراته في قبره،\r-------------------------------\r(1) شرح السراجية: ص 3-7، الدر المختار ورد المحتار: 535/5-537، الشرح الصغير: 616/4-618، القوانين الفقهية: ص 383 وما بعدها، مغني المحتاج: 3/3-4، كشاف القناع: 447/4.","part":10,"page":397},{"id":6628,"text":"ولقوله تعالى: {والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواماً} [الفرقان:67/25] وذلك بحسب السنة باعتبار العدد (ثلاثة أثواب للرجل وخمسة للمرأة)، وباعتبار القيمة بقدر ما كان يلبسه في حياته، من أوسط ثيابه، لا الذي يتزين به في الجمع والأعياد. ويراعى أيضاً حال الورثة وخاصة الصغار.\rوالتجهيز المطلوب: هو كل ما يحتاج إليه الميت من حين موته إلى أن يوارى في قبره من نفقات غسله وكفنه وحمله ودفنه وحفر قبره، لقوله صلّى الله عليه وسلم في الذي وقصته ناقته في الحج: «كفنوه في ثوبيه» (1) ولم يسأل: هل عليه دين، أو لا، لاحتياجه إلى ذلك. ويكون التجهيز من التركة، فإذا لم يكن للميت تركة، فكفنه على من وجبت عليه نفقته في حال حياته.\r.ويقدم أيضاً تجهيز من مات قبله ولو بلحظة واحدة، ممن تلزمه نفقته كوالده وولده وزوجته وخادمها. ويدخل عند الشافعية وأبي يوسف (ورأيه هو المفتى به عند الحنفية) في الزوجة: المرأة البائن الحامل، والرجعية؛ لأن نفقة الزوجة على زوجها، وتجهيزها من نفقتها، وقال محمد بن الحسن ومالك وأحمد: ليس على الزوج تجهيز الزوجة مطلقاً ولو كانت معسرة؛ لأن الزوجية قد انقطعت بالموت، فتجهز من مالها أو من أقاربها.وهذا في تقديري غير مقبول عشرة وأدباً وعرفاً.\rولا يعد من نفقات التجهيز: ما استحدثه الناس في عصرنا من بدع ومظاهر من إقامة المآتم وحفلات التشييع وولائم أيام الخميس والجمع والأربعين والذكرى السنوية، وما يدفع لبعض المنشدين والمرتلين من أذكار وتلاوات، فهو كله من البدع التي لا يجوز الإنفاق عليها من التركة.\rفمن أنفق شيئاً على هذه الأمور فهو الضامن له، فإن كان وارثاً فهو من ماله الخاص، وإن كان أجنبياً فهو متبرع، ولا تنفذ النفقة على الدائنين إذا كانت التركة مدينة إلا برضاهم.\rوتقديم نفقات التجهيز على الديون هو مذهب الحنابلة، أما الحنفية والشافعية فقدموا قضاء الديون على مؤن التجهيز، وقدم المالكية الدين الموثق برهن على التجهيز.جاء في العذب الفائض 13/1: قدَّم الجمهور غير الإمام أحمد الحقوق المتعلقة بعين التركة على التجهيز.\r-------------------------------\r(1) رواه البخاري ومسلم.","part":10,"page":398},{"id":6629,"text":"2 ً - قضاء ديونه :\rثم بعد التجهيز تقضى ديون (1) الميت من جميع ماله الباقي بعد التجهيز، والسبب في تأخيره عن الكفن وتوابعه أنه لباسه بعد وفاته كلباسه في حياته؛ إذ لا يباع ماعلى المديون من ثيابه مع قدرته على الكسب، ويقدم على الوصية، وإن قدم ذكرها عليه في الآية، لقول علي رضي الله عنه: «رأيت رسول الله صلّى الله عليه وسلم بدأ بالدين قبل الوصية» (2) وحكمة تقديمها: الاهتمام بها وعدم التفريط فيها، لكونها تشبه الميراث في أخذها بلا عوض، فيشق على الورثة إخراجها، فقدمت حثاً على أدائها مع الدين، وتنبيهاً على أنها مثله في وجوب الأداء، أما الدين فنفوس الدائنين مطمئنة إلى أدائه.\rوالحاصل أن أسباب تقديم الوصية على الدين في النظر القرآني هي ما يأتي:\rأولاً ـ لأن الوصية أقل لزوماً من الدين، فقدمها اهتماماً بها، وأخر الدين لندرته، فإنه قد يكون وقد لا يكون، فبدأ بالذي لا بد منه، وعطف الذي قد يقع أحياناً. ويؤكده العطف بأو، ولو كان الدين راتباً لكان العطف بالواو.\rثانياً ـ إن الوصية حظ مساكين ضعفاء فقدمها، لأنه حظ غريم يطلبه بقوة، وله فيه مقال.\rثالثاً ـ إن الوصية حظ مساكين ضعفاء فقدمها، والدين ثابت مُؤدى، سواء ذكره أو لم يذكره.\rرابعاً ـ تقديم الدين على الوصية ظاهر؛ لأن قضاء الدين فرض على المدين يجبر على أدائه في حال حياته، والوصية تطوع، والفرض أقوى.\rوالدين الواجب الوفاء عند الحنفية: هو الذي له مطالب من جهة العباد، وأما ديون الله كالزكاة والكفارات، فلا يجب على الورثة أداؤها إلا إذا كان المتوفى قد أوصى بأدائها.\r-------------------------------\r(1) الدين: هو ما وجب في الذمة.\r(2) رواه الترمذي، وروي عن علي أنه قال، «الدين قبل الوصية، وليس لوارث وصية» .","part":10,"page":399},{"id":6630,"text":"وعلى كلٍ فالديون أربعة أنواع:\r1ً ) ـ الديون المتعلقة بالأعيان كالدين المتعلق بالمرهون إذا لم يكن للميت شيء سواه، وقد بينت أنها تقدم عند الحنفية على التكفين والتجهيز، وأما في القانون فتؤخر عن التجهيز، أخذاً بمذهب الحنابلة.\r2 ً ) ـ ديون الله تعالى: كالزكاة والكفارة والنذور، تسقط بالموت عند الحنفية، ولا يجب على الورثة أداؤها عن الميت إلا بإنابة منه بأن يوصي بها أن تؤدى عنه من تركته، فتؤدى من ثلث المال فقط.\rوقال الجمهور من المالكية والشافعية والحنابلة: هذه الديون واجبة الأداء ومتعلقة بالتركة، وتؤدى ولو لم يوص بها الميت، وهذا الرأي أصح لما فيه من إبراء الذمة.\r3ً ) ـ ديون العباد أوديون الميت التي لزمته في ذمته حال الصحة: تقدم على دين المرض، وديون الصحة في منزلة واحدة مهما اختلفت أسبابها كالقرض والمهر والأجرة ونحوها من كل ما وجب في الذمة بدلاً عن شيءآخر.\rودين الصحة: هو ماكان ثابتاً بالبينة، أو بالإقرار في زمان صحته، أو بالإقرار في زمان مرضه، وعلم ثبوته بطريق المعاينة بأن كان سببه معلوماً للناس كثمن دواء أو غيره، أو بدل شيء استهلكه.\rودين المرض، أي مرض الموت: هو ما ثبت بإقرار المدين في مرض موته. وهو أضعف من دين الصحة لضعف إقرار المريض.\rوتقدم عند المالكية حقوق العباد على حقوق الله تعالى، وعند الشافعي بالعكس كما سأوضح.وأما عند الحنفية فتسقط حقوق الله ولا تؤدى.","part":10,"page":400},{"id":6631,"text":"4ً ) ـ ديون المرض التي لزمت الميت عن طريق الإقرار ولم يعلم الناس بها: تؤخر عن ديون الصحة؛ لأن الإقرار في مرض الموت مظنّة التبرع أو المحاباة، فتكون في حكم الوصايا التي تنفذ من الثلث، وهي مؤخرة عن الديون.\rولم يفرق الجمهور بين ديون الصحة وديون المرض، فهي في مرتبة سواء، لأنه إن عرف سببها للناس فهي ملحقة بديون الصحة على رأي الحنفية، وإن لم يعرف سببها يكفي الإقرار في إثباتها؛ لأن الإقرار حجة ملزمة لا تلغى إلا إذا ثبت ما يبطلها أو يكذبها. وأخذ القانون المصري (م4) والسوري (م238) برأي الجمهور، فلم يفرق بين الديون، وأطلق تقديمها بدون تفصيل. ويحسن بيان آراء المذاهب الأخرى في الديون، كل رأي على حدة. قال المالكية (1) : يبدأ من تركة الميت بحق تعلق بذات كمرهون، ثم بمؤن التجهيز، ثم بقضاء الديون، فالوصايا، بأن يقدم قضاء الدين من رأس المال على الوصايا، أي دينه الذي عليه لآدمي، سواء حل أجله أم لا؛ لأن الدين يحل بموت المدين. ثم يقدم هدي التمتع، سواء أوصى به أم لا، ثم زكاة فطر فرط فيها، وكفارات أشهد في صحته أنها بذمته أو أوصى فقط. وتعد زكاة نقد حلَّت وأوصى بها مثلَ كفارات أشهد بها.\rوالحاصل: أن زكاة الفطر التي فرط فيها، والكفارة التي لزمته، مثل كفارة اليمين والصوم والظهار والقتل، إذا أشهد في صحته أنهما بذمته، فإن كلاً منهما يخرج من رأس المال، سواء أوصى بإخراجهما أو لم يوص. ومثلهما الزكاة التي حل وقت أدائها.\rوقال الشافعية (2) : تقضى الديون بذمة الميت من رأس المال سواء أذن الميت في قضائها، أم لا، لزمته لله تعالى أم لآدمي؛ لأنها حقوق واجبة عليه.\rويقدم دين الله تعالى كالزكاة والكفارة والحج على دين الآدمي في الأصح.\r-------------------------------\r(1) الشرح الصغير مع حاشية الصاوي: 617/4 وما بعدها.\r(2) مغني المحتاج: 3/3 -4.","part":10,"page":401},{"id":6632,"text":"ويقدم على مؤنة التجهيز الدين المتعلق بعين التركة، كزكاة المال الذي وجبت فيه؛ لأنه كالمرهون بها، والمرهون لتعلق حق المرتهن به، والمبيع بثمن في الذمة، إذا مات المشتري مفلساً بثمنه، تقديماً لحق صاحب التعلق على حق غيره، كما في حال الحياة. وهذا موافق لرأي الحنفية المتقدم.\rوقال الحنابلة (1) : ما بقي بعد مؤنة التجهيز بالمعروف يقضى من ديونه، سواء وصى بها أم لا، ويبدأ منها بالمتعلق بعين المال كدين برهن، وأرش جناية برقبة الجاني ونحوه، ثم الديون المرسلة في الذمة، سواء أكانت الديون لله تعالى كزكاة المال وصدقة الفطر، والكفارات والحج الواجب والنذر، أم كانت لآدمي كالديون من قرض وثمن وأجرة وجعالة استقرت في الذمة ونحوها، والعقل (الدية) بعد الحول، وأرش الجنايات (تعويضها) والغصوب وقيم المتلفات وغيرها، لما تقدم من أنه صلّى الله عليه وسلم قضى بالدين قبل الوصية. فإن ضاق المال تحاصوا.\r3 ً - تنفيذ وصاياه :\rتنفذ الوصايا من ثلث المال الباقي لامن ثلث أصل المال بعد أداء الحقوق المتقدمة، لقوله تعالى: {من بعد وصية يوصى بها أو دين} [النساء:11/4]؛ لأن ما تقدم قد صرف في ضروراته التي لا بد منها، فالباقي هو مال الميت الذي أجاز له الشرع أن يتصرف في ثلثه، ولا تنفذ وصاياه فيما زاد عليه إلا بإجازة الورثة، سواء أكان الموصى له أجنبياً أم وارثاً؛ فإن أجازوا نفذت، وإن أجاز بعضهم دون بعض، نفذت في مقدار حصة المجيز دون غيره. كما لاتنفذ الوصية لوارث مطلقاً إلا بإجازة الورثة، سواء أكانت أقل من الثلث أم أكثر.\rوتقدم الوصية على الإرث، سواء أكانت مطلقة كأن تكون بجزء شائع من التركة كالثلث أو الربع، أم معينة وهي ما تكون بشيء من التركة كدار معلومة أو نقود مقدرة.\r-------------------------------\r(1) كشاف القناع: 447/4.","part":10,"page":402},{"id":6633,"text":"هذا في الوصايا الاختيارية، أما الوصية الواجبة التي أخذ بها القانون المصري (م76) لأولاد المتوفى في حياة والده، والقانون السوري (م 257) لأولاد الابن المتوفى في حياة أبيه دون أولاد البنت، فتقدم بعد قضاء الدين على الوصية الاختيارية.\rترتيب الوصايا عند الحنفية في حقوق الله وحقوق العباد :\rيرى الحنفية: أن الوصية إن كانت بفرض من فروض الله تعالى، فيقدم عليها الدين؛ لأن الدين أقوى منها، فإن كانت الوصية في الزكاة التي تساوي الدين في الإجبار بالحبس على الأداء، فالدين أقوى؛ لأن القاضي إذا وجد من مال المدين ما يجانس الدين، يأخذه بلا رضاه ويدفعه لصاحبه، وليس له الأخذ في الزكاة، وإن ظفر بجنسها.\rوإن كانت الوصية بما سوى الزكاة كحَجَّة الإسلام والنذر والكفارة، فدين العباد مقدم عليها أيضاً، وإن استويا في الفريضة؛ لأنه يجبر على أداء الدين بالحبس، ولا يجبر به على أداء شيء من تلك الفروض، فالدين أقوى.\rوإن اجتمع حق الله تعالى وحق العباد في عين كالتركة، وضاقت عن الوفاء بهما، يقدم حق العباد، لاحتياجهم مع استغناء الله تعالى وكرمه.\rوإن كان الدين من حق الله تعالى: فإن أوصى به الميت، وجب تنفيذه من ثلث ماله الباقي بعد الدين المستحق للعباد، وإن لم يوص لم يجب.\rومن فاتته صلوات وأوصى أن يطعم عنه، فعلى الورثة أن يطعموا عنه من الثلث، لكل صلاة نصف صاع من بر، وكذا للوتر؛ لأنه واجب عند أبي حنيفة.\rوإن فاته صوم رمضان لسفر أو مرض، وتمكن من قضائه ولم يقض حتى مات، وأوصى بالإطعام، فعلى الورثة أن يطعموا من الثلث، لكل يوم نصف صاع من بر.\rوإن أوصى بالحج يؤدى من الثلث أيضاً.","part":10,"page":403},{"id":6634,"text":"4 ً - حق الورثة :\rيقسم الباقي بعد أداء الحقوق المتقدمة على الورثة بحسب مراتبهم. والورثة: هم الذين ثبت نسبهم أو صلتهم بالميت، واستحقوا الإرث الثابت نصيبهم بالكتاب أو السنة أو الإجماع.\rترتيب الحقوق المتعلقة بالتركة في القانون :\rنص القانون المصري (م 4) على أنه يؤدى من التركة بحسب الترتيب الآتي:\rأولاً ـ ما يكفي لتجهيز الميت ومن تلزمه نفقته من الموت إلى الدفن.\rثانياً ـ ديون الميت.\rثالثاً ـ ما أوصى به في الحد الذي تنفذ فيه الوصية.\rرابعاً ـ ما بقي بعد ذلك على الورثة. فإذا لم توجد ورثة قضي من التركة بالترتيب الآتي:\rأولاً ـ استحقاق من أقر له الميت بنسب على غيره.\rثانياً ـ ما أوصى به فيما زاد على الحد الذي تنفذ فيه الوصية.\rفإذا لم يوجد أحد من هؤلاء آلت التركة أو ما بقي منها، إلى الخزانة العامة.\rويلاحظ أن القانون - عملاً بمذهب الحنابلة خلافاً للجمهور- قدم تجهيز الميت على كل الحقوق؛ لأن المدين حال حياته لا تؤدى ديونه إلا مما فضل عن حاجاته، فلا يباع منزله ولا ثوبه، فكذلك الأمر بعد وفاته لا تؤدى ديونه إلا مما فضل بعد التجهيز. وتظهر ثمرة الخلاف بين الرأيين في العين المرهونة إذا مات عنها صاحبها ولم تكن كافية لقضاء ديونه، فالمالكية والحنفية، والشافعية يقدمون أداء الدين، ويجعلون التجهيز على أقاربه أو من حضر من المسلمين أو على بيت المال، والحنابلة يقدمون التجهيز، كما أن المالكية يقدمون التجهيز على الديون العادية غير الموثقة برهن.\rونص القانون السوري (م 262) على ما يلي:\rيؤدى من التركة بحسب الترتيب الآتي:\rأ ـ ما يكفي لتجهيز الميت ومن تلزمه نفقته من الموت إلى الدفن بالقدر المشروع.\rب ـ ديون الميت .\rجـ ـ الوصية الواجبة.\rهـ ـ المواريث بحسب ترتيبها في هذا القانون.","part":10,"page":404},{"id":6635,"text":"الفَصْلُ السّابع : أنواع الوارثين وعددهم ومراتبهم وطريقة توريثهم في المذاهب :\rأولاً ـ أنواع الوارثين: الإرث المجمع عليه اثنان: إما أن يكون بالفرض أو بالتعصيب، وأضاف الحنفية والحنابلة: أو بقرابة الرحم (1) .\rأما الإرث بالفرض: فهو استحقاق سهم معين مقدر بكتاب الله تعالى، أو سنة رسول الله صلّى الله عليه وسلم ، أو بالإجماع.\rوأما الإرث بالتعصيب: فهو استحقاق ما أبقته الفرائض، أو استحقاق جميع التركة عند عدم أصحاب الفرائض.\rويقدم الأول على الثاني، لقوله عليه الصلاة والسلام: «ألحقوا الفرائض بأهلها، فما أبقته الفرائض، فلأولى ـ أي أقرب ـ رجل ذكر» .\rوقد يرث المرء بالفرض فقط، وهم تسعة - ستة: الأم، والجدة، والزوج، والزوجة، والأخ لأم، والأخت لأم.\rوقد يرث بالتعصيب فقط: وهم الابن وابن الابن، والأخ الشقيق، وللأب، والعم، وابن الأخ، وابن العم، والمولى، والمولاة.\rوقد يرث مرة بالفرض، ومرة بالتعصيب ولا يجمع بينهما، وهم أربعة أصناف من النساء: البنت، وابنة الابن، والأخت الشقيقة، وللأب، فإن كان مع كل واحدة منهن ذكر من صنفها ورثت معه بالتعصيب، للذكر مثل حظ الأنثيين، وإن لم يكن معها ذكر ورثت بالفرض، والأخوات الشقيقات وللأب عصبة مع البنات.\rوقد يرث مرة بالفرض، ومرة بالتعصيب ويجمع بينهما، وهما اثنان: الأب والجد، فإن كل واحد منهما يرث سهمه، فإن فضل بعد ذوي السهام شيء أخذه بالتعصيب.\rوأما الإرث بقرابة الرحم فهو عند الحنفية والحنابلة: استحقاق عند عدم العصبات وذوي الفرائض، واستثنى الحنابلة من أصحاب الفروض الزوجين، فقالوا: يرث ذو الرحم عند عدم العصبات وأصحاب الفروض غيرا لزوجين.\rوالمشهور عند المالكية وأصل المذهب الشافعي: أنه لا يرث ذوو الأرحام ولا يرد على أهل الفرض، بل المال لبيت المال، وأفتى المتأخرون من الشافعية إذا لم ينتظم بيت المال، بالرد على أهل الفرض غير الزوجين، ما فضل عن فروضهم بالنسبة، فإن لم يكونوا صرف إلى ذوي الأرحام، وكذلك قال متأخرو المالكية: يرد على ذوي الفروض، فإن لم يكن فعلى ذوي الأرحام.\r-------------------------------\r(1) شرح السراجية: ص 7-8، الشرح الصغير: 618/4 وما بعدها، 629، 630، مغني المحتاج: 4/3-7، كشاف القناع: 449/4، الرحبية: ص 24، القوانين الفقهية: ص 385.","part":10,"page":405},{"id":6636,"text":"ثانياً ـ عدد الوارثين: حصر الفقهاء عدد الوارثين من الرجال والنساء (1) ، فقالوا: الوارثون من الرجال المجمع على توريثهم عشرة، وهم بطريق الاختصار:\rالابن، ثم ابن الابن وإن سفل، والأب، ثم الجد وإن علا، والأخ ثم ابن الأخ، والعم ثم ابن العم، والزوج، ومولى النعمة أي المُعْتِق.\rأما بطريق البَسْط فهم خمسة عشر: الابن، وابنه وإن نزل، والأب، والجد وإن علا، والأخ الشقيق، والأخ للأب، والأخ للأم، وابن الأخ الشقيق، وابن الأخ للأب، والعم الشقيق، والعم للأب، وابن العم الشقيق، وابن العم للأب، والزوج، والمعتق. ومن عدا هؤلاء من الذكور: فمن ذوي الأرحام.\rوالوارثات من النساء المجمع على توريثهن سبعة، وهم بطريق الاختصار: البنت، وبنت الابن وإن سفلت، والأم، والجدة وإن علت، والأخت، والزوجة، ومولاة النعمة، أي المعتقة.\rوأما بطريق البَسْط فعشرة:\rالبنت، وبنت الابن، والجدة لأم، والجدة لأب، والأخت الشقيقة، والأخت لأب، والأخت لأم، والزوجة، والمعتقة. ومن عدا هؤلاء من الإناث، فمن ذوي الأرحام.\r-------------------------------\r(1) الكتاب مع شرح اللباب: 186/4-187، القوانين الفقهية: ص 34، الرحبية: ص 21-23، المغني: 213/6.","part":10,"page":406},{"id":6637,"text":"ثالثاً ـ مراتب الورثة :\rيبدأ في قسمة الباقي من التركة بين الورثة بعد التجهيز وتسديد الديون وتنفيذ الوصايا على الترتيب التالي (1) :\r1 ً - أصحاب الفروض: وهم الذين لهم سهام مقدرة في كتاب الله تعالى، أو سنة رسوله صلّى الله عليه وسلم ، أو الإجماع، سواء أكانوا من ذوي القرابة النسبية أم السببية، وهم اثنا عشر: فمن النسب: ثلاثة من الرجال، وسبعة من النساء، ومن التسبب اثنان، وهما الزوجان.\rأما الرجال الثلاثة: فهم الأب والجد والأخ لأم.\rوأما النساء السبعة: فهن البنت، وبنت البنت، والأخت الشقيقة، والأخت لأب، والأخت لأم، والأم، والجدة.\rفذو الفرض: هو ذو النصيب المقدر شرعاً، فلا يزيد إلا بالرد، ولا ينقص إلا بالعول.\r2 ً - العصبات النسبية: وهم الأقارب الذكور من جهة الأب الذين يأخذون الباقي من التركة بعد أصحاب الفرض، ويأخذون التركة كلها إن لم يكن هناك صاحب فرض أصلاً كالابن والأب والأخ الشقيق أو لأب، والعم الشقيق أو لأب.\rوالعصوبة النسبية أقوى من السببية، بدليل أن أصحاب الفروض النسبية يرد علىهم دون أصحاب الفروض السببية، أي الزوجين.\r3 ً - العصبة السببية: وهو ا لمعتق (أو مولى العَتَاقَة) ذكر كان أو أنثى، فإن من أعتق عبداً أو أمة، كان الولاء له، ويرثه به إذا لم يكن للمتوفى عصبة نسبية، فيأخذ الباقي بعد أصحاب الفرض، ويأخذ التركة كلها إن لم يكن للمتوفى أحد من ذوي الفروض. ويسمى المذكور ولاء العتاقة والنعمة.\r4 ً - عصبة مولى العتاقة: يرث عصبة المعتق إذا مات العبد ولم يكن مولاه حياً.\rهذا مارتبه الحنفية ولكن القانون المصري (م 39) خالف الترتيب، فأخَّر مولى العتاقة وعصبته عن الرد على أصحاب الفروض وعن ذوي الأرحام.\r5 ً - الرد على أصحاب الفروض النسبية: إذا كان للمتوفى أقارب من أصحاب الفروض، ولم يكن له عصبة نسبية ولا سببيه، وقد بقي من التركة شيء، فيرد الباقي على ذوي الفروض النسبية فقط، يقتسمونه بنسبة أنصبائهم لبقاء قرابتهم بعد أخذ فرائضهم، ولا يرد أصحاب الفروض السببية، أي الزوج والزوجة؛ إذ لا قرابة لهما بعد أخذ فرضهما.\rوالقائلون بالرد هم الحنفية والحنابلة، أما المالكية، والشافعية المتقدمون، فلا يرد عندهم، وإنما يدفع الباقي لبيت المال. وأفتى متأخرو الشافعية بالرد على غير الزوجين إذا لم ينتظم بيت المال، وكذلك متأخرو المالكية أفتوا بالرد.\rوخالف القانون المصري (م 30) أيضاً هذا الترتيب، فأخر الرد عن إرث ذوي الأرحام.\r-------------------------------\r(1) الدر المختار: 538/5-541، السراجية: ص 7-11، الشرح الصغير: 619/4-630، مغني المحتاج: 5/3-8، الرحبية: ص 23-38 ومابعدها، المغني: 201/6، 231، 236.","part":10,"page":407},{"id":6638,"text":"6 ً - ذوو الأرحام: وهم أقارب الميت الذين ليسوا ذوي فروض ولاعصبة، إما من الإناث كالعمة والخالة وبنت الأخ، أو من الذكور الذين تتوسط بينهم وبين الميت أنثى كأب الأم، وأولاد الأخت، وأولاد البنت. ويرث هؤلاء إذا لم يكن للميت أحد من أصحاب الفروض الذين يرد عليهم، ولا أحد من العصبة النسبية أو السببية. هذا عند الحنفية والحنابلة.\rولكن يلاحظ ما تقدم: أن متأخري المالكية اعتمدوا الرد على ذوي السهام، فإن لم يكن فعلى ذوي الأرحام.\rوأن متأخري الشافعية أفتوا بالرد إذا لم ينتظم بيت المال، فإن لم يكن أحد من ذوي الفروض أو العصبات، صرف المال إلى ذوي الأرحام.\r7 ً - مولى الموالاة: وهو أن يتعاقد شخص مجهول النسب مع آخر على أن يعقل (1) عنه إذا جنى، ويرثه إذا مات، ويسمى القابل مولى الموالاة، فيأخذ جميع التركة إذا انعدم أصحاب الفروض النسبية والعصبات وذوو الأرحام، أو يأخذ الباقي منها بعد فرض أحد الزوجين إذا كان الحليف متزوجاً، وإذا لم يكن مولى الموالاة حياً وقت موت الحليف، ورثت عصبته هذا الحليف.\rوإذا كان الآخر أيضاً مجهول النسب، وقال للأول مثل قوله: ( أنت مولاي ترثني إذا مت، وتعقل عني إذا جنيت) وقبله، ورث كل منهما صاحبه وعقل عنه. وانفرد الحنفية بالقول بولاء الموالاة. وأخروا مولى الموالاة عن ذوي الأرحام لقرابتهم.\rورأي الحنفية: هو مذهب عمر وعلي وابن مسعود رضي الله عنهم.\rوخالفهم الجمهور، فلم يأخذوا به، وهو مذهب زيد بن ثابت رضي الله عنه. وكان الشعبي يقول: لا ولاء إلا ولاء العتاقة، وأخذ القانون في مصر وسورية برأي الجمهور.\r-------------------------------\r(1) أي يتحمل عنه دية من قتله. وسميت الدية عقلاً؛ لأن الدية من الإبل، وكانوا يعقلونها بفناء أهل القتيل، فسموا الدية عقلاًم ثم اشتقوا منه فعلاً وهو يعقل.","part":10,"page":408},{"id":6639,"text":"8 ً - المقر له بنسب محمول على الغير (1) :\rإذا مات الإنسان ولم يترك وارثاً ممن تقدم من المراتب، كانت التركة للمقر له بنسب على الغير، ثم للموصى له بالزائد عن الثلث، ثم لبيت المال.\rفالمقر له بنسب محمول على الغير يرث من المقر نفسه إذا مات المقر، وليس له ذو فرض، ولا عاصب، ولا ذو رحم، ولا مولى الموالاة.\rوالمقر له بالنسب على الغير: هو أن يقر شخص لآخر مجهول النسب بأنه أخوه أو عمه أو ابن ابنه، ولم يثبت نسبه بدليل آخر غير الإقرار، فالأول فيه حمل النسب على الأب، والثاني فيه حمل النسب على الجد، والثالث فيه حمل النسب على الابن.\rفلا يثبت به نسب المقر له من المقر عليه؛ لأنه لا يملك إنسان أن يلحق نسب شخص بآخر بمجرد الدعوى، فلا يرث شيئاً من تركة المقر عليه، وإنما يستحق من تركة المقر نفسه إذا مات، ولم يكن له أحد من أصحاب المراتب السابقة، وذلك بقيود ثلاثة:\rالأول ـ أن يكون الإقرار بالنسب متضمناً لإقراره بنسبه على غيره: فإن تضمن إقراره بنسبه منه، كأن يقر له بأنه ابنه، ثبت نسبه منه.\rالثاني ـ أن يكون الإقرار بحيث لا يثبت به نسبه من ذلك الغير: كما إذا لم يصدقه أبوه في هذا النسب، في المثال الأول المتقدم.\rفإذا صدقه أبوه في الإقرار بالنسب، ثبت بإقرار المقر نسبه من أبيه أيضاً، وكان المجهول نسبه أخاً للمقر. وكذلك الحال إذا أقر بأنه عمه، وصدقه في إقراره جده، فإنه يكون عماً له.\rالثالث ـ أن يموت المقر على إقراره: لأنه إذا رجع المقر عن الإقرار لا يعتد به قطعاً، فلا يثبت به الإرث أصلاً.\r-------------------------------\r(1) استحقاق المراتب السابقة هو على وجه الإرث، أما المقر له بالنسب وما سيأتي فهو على وجه آخر سنعرفه.","part":10,"page":409},{"id":6640,"text":"واستحقاق المقر له الإرث على النحو المذكور، ليس بطريق الإرث، وإنما هو في معنى الوصية، فيصح للمقر الرجوع في إقراره، أما النسب فلا يمكن الرجوع فيه بعد ثبوته. ويثبت الإرث بهذا الإقرار عند الحنفية دون غيرهم؛ لأن الإقرار بحمل النسب على الغير باطل، ودعوى لا تسمع.\rوإنما يثبت نسب المقر له بأحد طريقتين عند الحنفية:\rالأول ـ أن يقر شخص بنسب آخر على نفسه: بأن يقر ببنوة آخر له، وكان المقر عاقلاً بالغاً وصدقه المقر له، وكان مثله يولد لمثل المقر، فإنه يثبت به نسب المقر له من المقر ثبوتاً لا يقبل الرجوع.\rالثاني ـ أن يقر رجل بنسب حمله على غيره، وصدقه الغير، أو شهد بالنسب مع المقر رجل آخر، فإنه يثبت به نسب المقر له من المقر عليه ثبوتاً لا يقبل الرجوع.\rأما القانون المصري (م 41) والسوري (م 298) فقد أثبتا استحقاق المقر له من تركة المقر بالشرائط التالية:\r1 - ألا يثبت نسب المقر له من المقر عليه.\r2 - ألا يرجع المقر عن إقراره.\r3 - ألا يقوم به مانع من موانع الإرث.\r4 - أن يكون المقر له حياً وقت موت المقر، أو وقت الحكم باعتباره ميتاً.\r9 ً - الموصى له بأكثر من الثلث :\rيستحق الموصى له بما زاد عن الثلث الزائد على الثلث إذا انعدم من ذكر قبله، أو وجد واحد منهم وأجاز الوصية، والاستحقاق هنا كالمرتبة السابقة ليس بطريق الإرث، وإنما بطريق الوصية، لكن هذه وصية حقيقية، وتلك في حكم الوصية أي وصية حكمية.\rفإذا أوصى شخص لآخر بنصف ماله أو كله، ولم يكن له وارث ممن ذكر في المراتب السابقة، استحق جميع الموصى به عند الحنفية خلافاً لغيرهم؛ لأن توقف الوصية فيما زاد على الثلث، إنما هو لمراعاة حق الورثة في الزائد عن الثلث.\rفلو مات شخص عن زوج وموصى له بنصف المال، أخذ الموصى له أولاً الثلث، ثم أخذ الزوج نصف الباقي، وهو الثلث، ثم يأخذ الموصى له بقية المال وهو الثلث؛ لأن الزوجين لا يرد عليهما عند أبي حنيفة، لكن القانون المصري (م 30) والسوري (288) أخذا بالرد على الزوجين إذا لم يوجد عصبة نسبية أو أحد من ذوي الأرحام. والرد مقدم على المقر له النسب، وعلى الموصى له بالزائد عن الثلث، وعلى بيت المال.","part":10,"page":410},{"id":6641,"text":"10 ً - بيت المال :\rتوضع التركة في بيت مال المسلمين إذا لم يوجد أحد من المراتب السابقة كلها، لا على أنها إرث عند الحنفية والحنابلة، وإنما على أنها من الأموال الضائعة التي لا يعرف لها مالك، أو على أنها فيء، فيصرف المال في المصالح العامة وينفق منه على المحتاجين، فإذا ظهر وارث، وأقام الدليل على إرثه، استرد التركة من بيت المال.\rموقف القانون من مراتب الورثة :\rعدل القانون المصري والسوري عن الترتيب السابق، وجعل كل منهما بعضهم وارثين،وبعضهم مستحقين، وجاءت درجات الاستحقاق في كلا القانونين في مواضع متعددة خلافاً لما فعله الفقهاء.\rويفهم من القانون المصري في المواد (4، 8، 16، 30، 31، 39، 41) والقانون السوري في المواد (262، 265، 274، 278، 289) الترتيب التالي لمراتب الورثة:\r1 - أصحاب الفروض.\r2 - العصبات النسبية.\r3 - الرد على ذوي الفروض غير الزوجين.\r4 - ذوو الأرحام.\r5 - الرد على أحد الزوجين عند عدم ذوي الأرحام.\r6 - العصبة السببية (مولى العتاقة وعصبته) في القانون المصري (م 39) دون السوري.\r7 - المقر له بنسب محمول على الغير.\r8 - الموصى له بأكثر من الثلث.\r9 - الخزانة العامة (بيت المال).\rوالمراتب الثلاث الأخيرة تأخذ التركة بصفة الاستحقاق لا بالإرث. ويلاحظ ما يلي من الفروق بين رأي الحنفية وموقف القانون. أ ـ أبقى كلا القانونين المرتبة الأولى والثانية على حالهما.","part":10,"page":411},{"id":6642,"text":"ب ـ حذف كلا القانونين مرتبة مولى الموالاة، فلم تجعل من المستحقين أصلاً، لعدم وجودها الآن.\rجـ ـ ألغى القانون السوري من بين درجات الاستحقاق: مرتبة مولى العتاقة وعصبته؛ لأن الرق لم يبق له وجود، وهذا مستمد من مذهب الإباضية، وأبقى القانون المصري (م 39) هذه المرتبة.\rد ـ أوجد كلا القانونين مرتبة جديدة لم تكن من قبل وهي الرد على أحد الزوجين عند عدم وجود ذوي الأرحام.\rهـ ـ قدم القانون المصري (م 30) الرد على الزوجين وإرث ذوي الأرحام على مولى العتاقة وعصبته (العصبة السببية)، فأصبح الرد في المرتبة الثالثة بدل الخامسة، وذوو الأرحام في المرتبة الرابعة بدل السادسة، وجعل الرد على أحد الزوجين عند عدم ذوي الأرحام في المرتبة الخامسة، فإذا كان مع أحد الزوجين أحد ذوي الأرحام، أخذ الباقي بعد نصيب أحد الزوجين.\rو ـ أخذ القانونان بتوريث ذوي الأرحام، كما هو مذهب الحنفية والحنابلة، ومذهب متأخري المالكية والشافعية.\rز ـ جعل القانون المصري العصبة السببية وعصبتهم في المرتبة السادسة من مراتب الاستحقاق بالإرث.\rح ـ جعل القانونان المقر له بالنسب والموصى له بالزيادة عن الثلث، وبيت المال، من المستحقين، ولم يطلق عليهم صفة الوارثين، ولا شيء لهؤلاء في القانونين، ولا للعاصب السببي في القانون المصري مع وجود أحد الزوجين.","part":10,"page":412},{"id":6643,"text":"رابعاً ـ طريقة توريث الوارثين في المذاهب :\rهناك طريقتان للفقهاء في التوريث، مأخوذتان عن الصحابة، وهما الطريقة الحجازية، والطريقة العراقية.\rأما الطريقة الحجازية: فمأخوذة عن زيد بن ثابت رضي الله عنه الذي شهد له النبي صلّى الله عليه وسلم بأنه أفرض الصحابة، فقال: «أفرضكم زيد» (1) وسار على هذه الطريقة الجمهور من المالكية والشافعية والحنابلة، وهي الطريق المتبعة في الكويت والسودان وبلاد المغرب العربي وغربي إفريقية.\rوأما الطريقة العراقية: فمأخوذة عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، وسار على نهجها فقهاء الحنفية، وهي المتبعة في مصر وسورية والعراق.\rوبين الطريقتين اختلافات كثيرة في جزئيات المسائل.\r-------------------------------\r(1) صححه الحاكم وابن حبان، ورواه أحمد وابن ماجه والترمذي والنسائي عن أنس قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: «أرحم أمتي بأمتي: أبو بكر، وأشدها في دين الله : عمر، وأصدقها حياء: عثمان، وأعلمها بالحلال والحرام: معاذ بن جبل، وأقرؤها لكتاب الله عز وجل: أُبيّ، وأعلمها بالفرائض: زيد بن ثابت، ولكل أمة أمين، وأمين هذه الأمة: أبو عبيدة بن الجراح» وهو حديث معلول (نيل الأوطار: 54/6، نصب الراية: 427/4).","part":10,"page":413},{"id":6644,"text":"الفَصْلُ الثَّامن : أصحاب الفروض :\rفيه مبحثان: الأول ـ في بيان أصحاب الفرض، والثاني ـ في أحوال أصحاب الفروض.\rالمبحث الأول ـ بيان أصحاب الفروض :\rالإرث نوعان: فرض وتعصيب.\rوأصحاب الفرض: هم الورثة الذين قدرت لهم شرعاً أنصباء معينة في التركة.والوارثون ذوو الفروض اثنا عشر: أربعة من الرجال: وهم الزوج والأب والجد والأخ لأم، وثمانية من النساء: وهن الزوجة، والأم، والجدة، والبنت، وبنت الابن، والأخت الشقيقة، والأخت لأب، والأخت لأم.\rوأنصباؤهم المقدر ة في كتاب الله تعالى ستة: هي النصف والربع والثمن، والثلثان والثلث والسدس. وأصحاب كل نصيب ما يأتي (1) :\rأولاً ـ أصحاب النصف :\rأصحاب النصف خمسة بالإجماع وهم:\r1 - الزوج: عند عدم الفرع الوارث، أي عند عدم الابن والبنت، وابن الابن وبنت الابن.\r2 - البنت: إذا انفردت عمن يساويها وخلَت عن معصب كالابن .\r3 - بنت الابن: إذا انفردت وخلَت عن معصب، ولم يكن هناك بنت ولا ابن؛ لأنه يحجبها عن النصف.\r4 - الأخت الشقيقة: إذا انفردت وخلت عن معصب وحاجب، ولم يكن هناك بنت ولا بنت ابن.\r5 - الأخت لأب: إذا انفردت وخلت عن معصب وحاجب، ولم يكن هناك بنت ولا بنت ابن، ولا أخت شقيقة.\rودليل فرض النصف في ثلاثة مواضع من القرآن، فقال تعالى في البنت: {وإن كانت واحدة، فلها النصف} ـأيالبنتـ [النساء:11/4] وقال سبحانه في الزوج: {ولكم نصف ما ترك أزواجكم إن لم يكن لهن ولد} [النساء:12/4].\rوقال تعالى في الأخت: { يستفتونك، قل: الله يفتيكم في الكلالة، إن امرؤ هلك، ليس له ولد، وله أخت فلها نصف ما ترك} [النساء:176/4].\rأما بنت الابن فدليلها الإجماع.\rثانياً ـ أصحاب الربع :\rالربع فرض اثنين وهما:\r1 - الزوج: مع الفرع الوارث.\r2 - الزوجة فأكثر: مع عدم الفرع الوارث.\rودليل الربع فيهما قوله تعالى: {فإن كان لهن ولد، فلكم الربع مما تركن} [النساء:12/4] { ولهن الربع مما تركتم إن لم يكن لكم ولد} [النساء:12/4].\rثالثاً ـ صاحب الثمن :\rالثمن: فرض واحد وهو الزوجة فأكثر عند وجود الفرع الوارث، لقوله تعالى: {فإن كان لكم ولد، فلهن الثمن مما تركتم} [النساء:12/4].\rرابعاً ـ أصحاب الثلثين :\rالثلثان فرض أربعة وهم:\r1 - البنتان فأكثر عند عدم المعصب لهن، لقوله تعالى: {فإن كن نساء فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك} [النساء:11/4].\r2 - بنتا الابن فأكثر عند عدم الولد للمتوفى وعدم المعصب لهن وعدم البنتين للإجماع.\r3 - الأختان الشقيقتان فأكثر عند عدم البنتين وبنتي الابن وعدم المعصب لهن وعدم الحاجب\r4 - الأختان لأب فأكثر عند عدم البنتين وبنتي الابن والأختين الشقيقتين وعدم المعصب لهن وعدم الحاجب. ودليل إرث الأخوات مطلقاً قوله تعالى: {فإن كانتا اثنتين، فلهما الثلثان مما ترك } [النساء:176/4].\r-------------------------------\r(1) السراجية: ص 26-51، تبيين الحقائق: 243/6، اللباب: 187/4-192، الشرح الصغير: 619/4-625، القوانين الفقهية: ص 384، الرحبية: ص 21-31، كشاف القناع: 449/4، المغني: 183/6، 213، مغني المحتاج: 9/3.","part":10,"page":414},{"id":6645,"text":"خامساً - أصحاب الثلث وثلث الباقي :\rالثلث فرض اثنين:\r1 - الأم عند عدم الفرع الوارث ( الولد ) والعدد من الإخوة.\r2 - العدد من الإخوة والأخوات لأم عند عدم الفرع الوارث والأصل الذكر.\rودليل الثلث قوله تعالى: { فإن لم يكن له ولد وورثه أبواه، فلأمه الثلث} [النساء:11/4]، {فإن كانوا أكثر من ذلك فهم شركاء في الثلث } [النساء:21/4].\rوثلث الباقي للأم مع الأب وأحد الزوجين،وهي مسألة الغرَّاوين الآتية (1) .\rسادساً - أصحاب السدس :\rالسدس فرض سبعة وهم:\r1 - الأب مع وجود الفرع الوارث (الولد) لقوله تعالى: { ولأبويه لكل واحد منهما السدس مما ترك إن كان له ولد } [النساء:11/4].\r2 -الجد مع الولد وعدم الأب، للإجماع.\r3 -الأم مع وجود الفرع الوارث أو العدد من الإخوة والأخوات، لقوله تعالى: { ولأبويه لكل واحد منهما السدس مما ترك ، إن كان له ولد } [النساء:11/4] وقوله سبحانه: { فإن كان له إخوة، فلأمه السدس } [النساء:11/4].\r4 - الجدة الصحيحة، أي لأم أو لأب فأكثر عند عدم الأم. وتشترك الجدات في السدس إذا اجتمعن، والقُرْبى تحجب البُعْدى.\rوالدليل: مارواه أبو سعيد الخدري والمغيرة بن شعبة وقبيصة بن ذؤيب رضي الله تعالى عنهم من أنه عليه الصلاة والسلام « أعطاها السدس » . وأما التشريك بين الجدات، فلما روي أن أم الأم جاءت إلى الصدِّيق رضي الله عنه وقالت: «أعطني ميراث ولد ابنتي» فقال: « اصبري حتى أشاور أصحابي، فإني لم أجد لك في كتاب الله تعالى نصيباً، ولم أسمع فيك من رسول الله صلّى الله عليه وسلم شيئاً » ثم سألهم، فشهد المغيرة بإعطاء السدس، فقال للمغيرة: هل معك أحد؟ فشهد به أيضاً محمد بن مَسْلَمة الأنصاري، فأعطاها ذلك.\r-------------------------------\r(1) وتسمى المسألة الغراء أي البيضاء لبروزها وشهرتها والعمرية لقضاء عمر رضي الله عنه بها.","part":10,"page":415},{"id":6646,"text":"ثم جاءت أم الأب إليه، وطلبت الميراث، فقال: أرى أن ذلك السدس بينكما، وهو لمن انفردت منكما، فشرَّكهما فيه (1) .\r5 - بنت الابن فأكثر مع البنت الواحدة وعدم المعصب، تكملة للثلثين لما رواه الجماعة إلا مسلماً والنسائي عن هُزَيل بن شَرَحبيل ، قال: سئل أبو موسى عن ابنة وابنة ابن وأخت، فقال: للابنة النصف، وللأخت النصف، وأتت ابنَ مسعود، فسئل ابن مسعود، وأخبر بقول أبي موسى الأشعري فقال: لقد ضللت إذن، وما أنا من المهتدين، أقضي فيها بما قضى النبي صلّى الله عليه وسلم : للبنت النصف، ولابنة الابن السدس، تكملة للثلثين، ومابقي فللأخت.\rوزاد أحمد والبخاري: فأتينا أبا موسى، فأخبرناه بقول ابن مسعود فقال: «لاتسألوني مادام هذا الحَبْر - العالم العلامة - فيكم » (2) .\r6 - الأخت لأب فأكثر مع الأخت الشقيقة وعدم المعصب وعدم الأصل الذكر والفرع، للإجماع على أنه لها تكملة للثلثين - نصيب الأختين.\r7 - الأخت لأم أو الأخ لأم عند عدم الفرع الوارث والأصل الذكر، لقوله تعالى: { وإن كان رجل يورث كلالةً أو امرأة، وله أخ أو أخت، فلكل واحد منهما السدس } [النساء:12/4].\rالمبحث الثاني - أحوال أصحاب الفروض :\rعرف أن مجموع الوارثين اثنا عشر:\rأربعة من الرجال: وهم الأب، والجد أبو الأب، والأخ لأم، الزوج.\rوثمانية من النساء: وهن الزوجة، والبنت، وبنت الابن، والأخت الشقيقة، والأخت لأب، والأخت لأم، والأم، والجدة أم الأم أو أم الأب (الجدة الصحيحة).\rوعرف أيضاً أن الورثة أربعة أقسام:\r1 - قسم يرث بالفرض فقط: وهم سبعة: الزوج، والزوجة، والأم، والجدة لأم، الجدة لأب، والأخ لأم، والأخت لأم. ويمكن اختصار القول فيهم فيقال: الأم وولداها، والجدتان، والزوجان.\r-------------------------------\r(1) رواه الخمسة إلا النسائي وصححه الترمذي عن قبيصة بن ذؤيب ( نيل الأوطار: 59/6، شرح السراجية: ص49، الرحبية: ص33 )، والخمسة: أحمد وأصحاب السنن الأربعة.\r(2) نيل الأوطار: 58/6 .","part":10,"page":416},{"id":6647,"text":"2 - وقسم يرث بالتعصيب فقط: وهم اثنا عشر: العصبة بالنفس عدا الأب والجد، والمعتق، والمعتقة.\r3 - وقسم يرث مرة بالفرض، ومرة بالتعصيب، وقد يجمع بينهما: وهو اثنان: الأب والجد أبو الأب (الجد الصحيح) فكل منهما يرث السدس بالفرض مع الابن أو ابن الابن، ويرث بالتعصيب إذا خلا عن الفرع الوارث، ويجمع بين الفرض والتعصيب إذا كان معه أنثى من الفروع، وفضل أكثر من السدس، فيأخذه تعصيباً.\r4 - وقسم يرث مرة بالفرض، ومرة بالتعصيب ولا يجمع بينهما: وهم أربعة: البنت، وبنت الابن، والأخت الشقيقة، والأخت لأب. فإن انفردت كل واحدة عمن يعصبها ورثت بالفرض، وإن كان معها من يعصبها فترث بالتعصيب.\rوهؤلاء الورثة: منهم من يرث بسبب القرابة النسبية، ويسمون أصحاب الفروض النسبية، وهم جميع الورثة عدا الزوجين.\rومنهم من يرث بسبب الزوجية، فيسمون بأصحاب الفروض السببية، وهما الزوجان.\rوبناء عليه تعرف أحوال أصحاب الفروض تفصيلاً :\rأولاً ـ أحوال الرجال :\r1 ً - أحوال الأب :\rلا يحرم الأب من الميراث أصلاً، ويحجب غيره، ويختلف ميراثه بحسب نوع الفرع الوارث ذكراً أو أنثى، فيرث مرة بالفرض فقط، ومرة بالتعصيب فقط، وتارة بالفرض والتعصيب معاً، فله أحوال ثلاث (1) :\rالأولى ـ السدس فرضاً، يأخذ الأب السدس بالفرض المطلق، عند وجود الفرع الوارث المذكر، وهو الابن وابن الابن مهما نزل.\rالثانية - الكل أو الباقي تعصيباً فقط: يأخذ كل التركة أو ما تبقى منها بعد أصحاب الفرض، عند عدم الفرع الوارث مطلقاً ـ ذكراً أو أنثى، فمن ترك أباً فقط أخذ كل التركة ويكون الأب عصبة بنفسه، ومن ترك أباً وزوجة، فللزوجة الربع فرضاً والباقي للأب تعصيباً.\rالثالثة ـ السدس فرضاً والباقي تعصيباً عند وجود الفرع الوارث المؤنث: وهو البنت وبنت الابن مهما نزل أبوها، كمن ترك أباً وبنتاً، فيأخذ الأب السدس فرضه، والبنت النصف، والباقي للأب أيضاً.\r-------------------------------\r(1) شرح السراجية: ص 28، تبيين الحقائق: 230/6، القوانين الفقهية: ص 389، مغني المحتاج: 11/3، 14-15، المغني: 177/6.","part":10,"page":417},{"id":6648,"text":"والدليل قوله تعالى: {ولأبويه لكل واحد منهما السدس مما ترك إن كان له ولد، فإن لم يكن له ولد وورثه أبواه فلأمه الثلث، فإن كان له إخوة فلأمه السدس} [النساء:11/4].\rدلت الآية على أن نصيب الأب السدس فقط إذا كان للمتوفى ولد، ذكراً أو أنثى. إن كان الولد ذكراً ، فهو عاصب بنفسه يستحق الباقي، ويقدم على الأب؛ لأن البنوة مقدمة على الأبوة. وإن كان الولد أنثى أخذ الأب السدس فرضاً، والباقي تعصيباً؛ لأنه أولى رجل ذكر، فيستحق الباقي للحديث المتقدم: «ألحقوا الفرائض بأهلها، فما بقي فلأولى رجل ذكر» .\rأما إن لم يوجد ولد للمتوفى، فيأخذ الأب كل الباقي؛ لأن شطر الآية الثاني نص على فرض الثلث للأم، وسكت عن نصيب الأب، فدل النص على أن الأب يأخذ الباقي بعد أخذ الأم نصيبها؛ لأن الأصل أن المال الموزع بين اثنين، إذا بيِّن نصب أحدهما منه، كان الباقي للآخر.\rونص القانون المصري (م 9، 21) والسوري (م 266، 280) على أحوال ميراث الأب.\rأمثلة :\r1 - إذا مات رجل عن زوجة وأب وابن: فللزوجة ثمن التركة، لوجود الفرع الوارث (1) وهو الابن، وللأب سدس التركة فرضاً لا غير، وهي الحالة الأولى، والباقي للابن.\r2 - وإذا مات عن زوجة وأب: فللزوجة الربع، لعدم وجود فرع وارث للمتوفى، والباقي كله تعصيباً، وهي الحالة الثانية.\r3 - وإذا ماتت امرأة عن زوج وأب وبنت: فللزوج الربع لوجود البنت، وللبنت النصف، وللأب السدس فرضاً والباقي تعصيباً؛ لأنه أولى ـ أقرب ـ رجل ذكر.\r4 - وإذا مات رجل عن زوجة وأب وبنت: فللزوجة الثمن، لوجود الفرع الوارث وهو البنت، وللبنت النصف، وللأب السدس أولاً فرضاً، والباقي له ثانياً بطريق التعصيب، وهي الحالة الثالثة.\r-------------------------------\r(1) الفرع الوارث كما أبنت: من يستحق شيئآً من التركة بطريق الفرض كالبنت، أو التعصيب كالابن.","part":10,"page":418},{"id":6649,"text":"2 ً - أحوال الجد :\rالمراد به هنا الجد العصبي أو الأب، ويسمى الجد الصحيح أو الجد الثابت: وهو الذي لا تدخل في نسبته إلى الميت أنثى. ويقابله الجد الرحمي، ويسمى الجد الفاسد أو الجد غير الثابت كأبي الأم: وهو الذي يدلي إلى الميت بأنثى، فهو ليس صاحب فرض ولا عصبة، بل هو من ذوي الأرحام (انظر المادة 265 من القانون السوري).\rوالجد كالأب في الأحوال الثلاث المتقدمة (1) ، ولكن لا يرث شيئاً مع وجود الأب، للقاعدة العامة: «من أدلى إلى الميت بواسطة لا يرث مع وجود تلك الواسطة» فيسقط الجد بالأب.\rأ ـ يرث الجد بطريق الفرض وحده إذا كان المتوفى قد ترك ابناً أو ابن ابن فللجد السدس. فإذا مات رجل وترك زوجة وابناً وجداً، كان للزوجة الثمن فرضاَ لوجود الفرع الوارث، وللجد السدس فرضاَ، والباقي للابن تعصيباً.\rوإن مات رجل وترك ابن ابن، وجداً، فللجد السدس فرضاً، والباقي لابن الابن بالتعصيب.\rب ـ ويرث بطريق التعصيب وحده إذا لم يكن للمتوفى فرع وارث: فيأخذ الجد كل المال أو الباقي منه بعد أصحاب الفروض.\rفإذا مات شخص عن زوجة وجد، كان للزوجة الربع، لعدم وجود الفرع الوارث، وللجد الباقي تعصيباً. وإذا لم يترك الميت سوى الجد فله جميع التركة.\rجـ ـ ويرث بالفرض والتعصيب معاً: إذا كان للمتوفى بنت أوبنت ابن، فيأخذ الجد السدس فرضاً، والباقي تعصيباً.\r-------------------------------\r(1) شرح السراجية: ص 29، القوانين الفقهية: ص 390، مغني المحتاج: 15/3، المغني: 216/6.","part":10,"page":419},{"id":6650,"text":"فلو مات شخص عن زوجة وبنت ابن وجد: فللزوجة الثمن لوجود الفرع الوارث، ولبنت الابن النصف، وللجد السدس فرضاً، والباقي تعصيباً.\rودليل ميراث الجد: قوله تعالى: {ولأبويه لكل واحد منهما السدس} [النساء:11/4] فإن الجد يسمى أباً مجازاً لغة وعرفاً عند عدم الأب.\rـ وما رواه عمران بن حصين: « أن رجلاً أتى النبي صلّى الله عليه وسلم ، فقال: إن ابني مات، فما لي من ميراثه؟ قال: لك السدس» (1) .\rـ وأجمع الصحابة على أن الجد يرث عند عدم وجود الأب.\rونص القانون المصري (م 9، 21) والسوري (م266، 280) على أحوال ميراث الجد كالأب.\rما يخالف فيه الجد الأب: الجد كالأب إلا في أربع مسائل هي:\r1 - الجدة الصحيحة أو أم الأب تحجب بالأب، ولا تحجب بالجد، فلا ترث مع الأب، وترث مع الجد.\r2 - مسألة الغرَّآوين: إذا ترك الميت أبويه وأحد الزوجين فللأم ثلث الباقي بعد نصيب أحد الزوجين. أما لو كان مكان الأب جد، فللأم عند الجمهور خلافاً لأبي يوسف ثلث جميع التركة، فلا تكون غراوية مع الجد، ولها عند أبي يوسف ثلث الباقي بعد نصيب أحد الزوجين.\r3 - يحجب الأب الإخوة والأخوات الأشقاء أو لأب (2) إجماعاً، ولا يحجبهم الجد عند الجمهور (الأئمة الثلاثة والصاحبين) وعند أبي حنيفة: يحجبهم.\r4 - أب المعتق مع ابنه يأخذ سدس الولاء عند أبي يوسف، وليس للجد ذلك، بل الولاء كله للابن، ولا فرق بينهما عند سائر الأئمة، إذ لا يأخذان شيئاً من الولاء.\rميراث الجد مع الإخوة :\rعرفت أحوال الجد إذا انفرد عن الإخوة، فإن اجتمع الجد مع الإخوة والأخوات الشقيقات أو لأب، فما الحكم؟ هل يرث الجد معهم أو يسقطهم؟ فيه خلاف. أما إن اجتمع الجد مع الإخوة والأخوات لأم، فلا خلاف في أنهم يسقطون بالجد العصبي، كما يسقطون بالأب، وعبارتهم: يسقط بنو الأخياف (أولاد الأم) بالجد بالإجماع.\r-------------------------------\r(1) رواه أحمد وأبو داود.\r(2) يقال للإخوة الأشقاء والأخوات الشقيقات: بنو الأعيان؛ لأنهم أكمل أنواع الجنس، وللإخوة لأب والأخوات لأب: بنو العَلاَّت؛ لأنهم من نسوة علات أي ضرائر، ويقال لأولاد الأم: بنو الأخياف؛ لأنهم من أصول مختلفة.","part":10,"page":420},{"id":6651,"text":"هذا ولم يرد في الجد مع الإخوة شيء، من الأدلة النقلية في الكتاب والسنة، وإنما ثبت حكمهم باجتهاد الصحابة، وللصحابة رضي الله عنهم في هذه المسألة مذهبان (1) :\rالمذهب الأول ـ لأبي بكر الصديق، ومن تابعه من الصحابة كابن عباس وابن عمر وابن الزبير وأبي بن كعب وحذيفة بن اليمان وأبي سعيد الخدري ومعاذ ابن جبل وأبي موسى الأشعري وعائشة، ومن التابعين كالحسن وابن سيرين رضي الله عنهم أجمعين:\rعدم توريث بني الأعيان وبني العَلاَّت (2) مع الجد، كما لا يرثون مع الأب، بل الجد يستقل بالمال كالأب، أي أن الجد في الميراث كالأب يحجب الإخوة مطلقاً (أشقاء أو لأب أو لأم).\rوهو رأي أبي حنيفة، فلا مقاسمة بين الجد والإخوة والأخوات على رأيه.\rودليلهم: من القرآن والسنة.\rأما من القرآن: فآيات كثيرة أطلق فيها على الجد لفظ الأب، مثل قوله تعالى: {واتبعت ملة آبائي إبراهيم وإسحق ويعقوب} [يوسف:38/12] فيجب أن يأخذ الجد حكم الأب من حجْبه للإخوة مطلقاً. لذا قال عمر: كيف يكون ابني ولا أكون أباه؟! وقال ابن عباس: ألا يتقي الله زيد بن ثابت، يجعل ابن الابن ابناً، ولا يجعل أب الأب أباً.\rوأما من السنة: فالحديث المتقدم: «ألحقوا الفرائض بأهلها، فما بقي فلأولى رجل ذكر» والجد أولى من الإخوة. والقاعدة في العصبات تقديم جهة الأبوة على جهة الأخوة.\rالمذهب الثاني ـ مذهب علي وابن مسعود وزيد بن ثابت وفريق من الصحابة\r-------------------------------\r(1) شرح السراجية: ص 142-154، اللباب: 199/4، القوانين الفقهية: ص 390، الشرح الصغير: 634/4-640، مغني المحتاج: 21/3، 23، المغني: 215/6-228.\r(2) بنو الأعيان كما تقدم في الصفحة السابقة: الإخوة والأخوات الشقيقات. وبنو العَلاَّت: هم الإخوة والأخوات لأب. وبنو الأخياف: الإخوة والأخوات لأم.","part":10,"page":421},{"id":6652,"text":"رضي الله عنهم: توريث الإخوة مع الجد، فلا يحجب الجد الإخوة الأشقاء أو لأب، بل يقاسمهم في الميراث، وهو مبدأ مقاسمة الجد.\rوهو رأي الجمهور (المذاهب الثلاثة والصاحبين) وبه أخذ القانون في مصر وسورية.\rودليلهم ما يأتي :\rأولاً ـ إن ميراث الإخوة (من بني الأعيان وبني العَلاَّت) ثبت بالقرآن، فلا يحجبون إلا بنص أو إجماع، وليس هناك واحد منهما.\rثانياً ـ إن الجد والإخوة متساوون في سبب الاستحقاق؛ إذ كل منهم يدلي إلى الميت بدرجة واحدة هي الأب.\rطريق التوريث: اختلف القائلون بتوريث الجد مع الإخوة في طريقة التوريث على مذاهب ثلاثة:\rالمذهب الأول ـ لسيدنا علي رضي الله عنه :\rللجد مع الإخوة ثلاث حالات:\r1 - فرض السدس له: يقاسم الجد الإخوة ما لم ينتقص حقه من السدس، فإذا انتقص، يعطى السدس. فلو كان معه أخوان شقيقان أو ثلاثة، أو أربعة، فالمقاسمة خير له، فإذا كانوا خمسة فالمقاسمة والسدس سواء. وفي جد وأم وزوج وبنت وأخوين: للأم السدس، وللزوج الربع، وللبنت النصف، فيبقى أقل من السدس، فيفرض للجد السدس، وتعول المسألة إلى (13)، ولا شيء للأخوين.\r2 - يرث بالتعصيب: فيأخذ الباقي بعد أصحاب الفروض. فلو كان معه إناث من الأخوات أو أخت واحدة، فللأخوات الثلثان في حالة التعدد، والنصف في حالة الانفراد، والباقي للجد تعصيباً. فإذا كان مع الجد أخت شقيقة وأخت لأب، فللأولى النصف، وللثانية السدس، وللجد الباقي.\r3 - المقاسمة: يقاسم الجد الإخوة على أنه واحد منهم، وله ضعف الأنثى. فإذا كان مع الجد أخ شقيق وأخ لأب، كان المال نصفين بينه وبين الشقيق، والإخوة لأب أو الأخت لأب لايحسبون في القسمة مع الأشقاء. وفي جد وشقيقتين وأخ شقيق، يقاسمهم الجد، وتكون التركة بينهم أثلاثاً.\r4 - لا يعصب الجد الأخوات، فتكون الأخت صاحبة فرض، فلو كان مع الجد أخت شقيقة وأخت لأب، فللأولى النصف وللثانية السدس، وللجد الباقي.","part":10,"page":422},{"id":6653,"text":"والمذهب الثاني ـ لابن مسعود رضي الله عنه :\r1ً - إن الجد يقاسم الإخوة، ما لم ينتقص حقه من الثلث، وفاقاً لمذهب زيد.\r2ً - لا يعتبر بنو العَلاَّت (الإخوة لأب) في مقاسمة الجد، مع بني الأعيان (الإخوة الأشقاء) كما قال علي رضي الله عنه في البند الثالث السابق، فلا تحسب الأخت لأب مع الأخت الشقيقة على الجد، وعبارة الفقهاء: إن بني العلات لا يعدون عليه في القسمة مع بني الأعيان، بخلاف طريقة زيد الآتية: يعد بنو العلات على الجد مع بني الأعيان.\r3ً - إن الأخوات المنفردات صاحبات فروض مع جد ، وافق به علياً، في البند الثاني. ويلاحظ أن هذه الطريقة جمع بين طريقتي علي وزيد رضي الله عنهم.\rوالمذهب الثالث ـ لزيد بن ثابت رضي الله عنه :\r1ً - إن للجد مع الإخوة أفضل الأمرين من المقاسمة ومن ثلث جميع المال، إذا لم يكن معهم صاحب فرض. فيجعل الجد في القسمة كأحد الإخوة ،ويقسم المال بينهم وبين الأخوات، للذكر مثل حظ الأنثيين، ويجعل نصيبه مع الإخوة كواحد منهم ما دامت المقاسمة خيراً له، فإن نقصت عن ثلث المال، أعطيناه الثلث. وإذا كان معه أخ واحد، أخذ نصف المال. والحاصل: إذا لم يكن معهم ذو فرض فللجد الأحظ من المقاسمة أو ثلث جميع المال.","part":10,"page":423},{"id":6654,"text":"2ً - إن بني العَلاَّت (الإخوة والأخوات لأب) يشتركون في القسمة مع بني الأعيان (الأشقاء)، إضراراً للجد، أي يعدون عليه مع الأشقاء، فإذا أخذ الجد نصيبه، فبنو العَلاَّت لا شيء لهم، والباقي بعد نصيب الجد لبني الأعيان، يتقاسمونه بينهم، للذكر مثل حظ الأنثيين. وهذه هي المعادَّة؛ لأنه عَادَّ الجد بالأخ لأب، ثم أخذ منه ما حصل له. ففي جد وأخ شقيق وأخ لأب، يحسب الأخ لأب في العدّ على الجد، لينتقص الجد عن المقاسمة إلى ثلث المال، وبعد أن يأخذ الجد الثلث، يعود الشقيق على الأخ لأب، فيأخذ ما بيده، لحجبه إياه.\r3ً - إذا وجدت أخت شقيقة واحدة فتأخذ فرضها، ويأخذ الجد نصيبه، فإن بقي شيء فلبني العلات (الأخوات لأب) وإلا فلا شيء لهم. كجد وأخت شقيقة وأختين لأب، تكون المقاسمة خيراً للجد، فتجعل المسألة من عدد رؤوسهم أي من خمسة: للجد منها سهمان، وللشقيقة نصف الكل سهمان، والسهم الباقي هو للأختين لأب، وتصح المسألة من عشرين.\rولو كان في المثال المذكور بدل الأختين لأب أخت واحدة، لم يبق لها شيء؛ لأن الجد يأخذ بالمقاسمة نصف المال، وهو خير له من الثلث، فبقي النصف الآخر للشقيقة، ولا يبقى للأخت لأب شيء.\r4ً - إذا وجد معهم ذو فرض: فإما أن يكون للجد السدس فرضاً، وإما أن يكون له الأحظ من أمور ثلاثة: هي المقاسمة، أو ثلث الباقي، أو سدس جميع المال، وذلك إن بقي بعد الفروض أكثر من السدس.\rفإن بقي قدر السدس: كبنتين، وأم ، وجد ،وإخوة، أو دون السدس كزوج وبنتين وجد وإخوة، أو لم يبق شيء كبنتين وزوج وأم وجد وإخوة، فللجد السدس، وتعول المسألة إن احتيج إلى ذلك.\rوتسقط الإخوة إلا الأخت الأكدرية؛ لأنها كدرت مذهب زيد (1) . أما وجوب السدس للجد: فلأن الأولاد لا ينقصون الجد عن السدس إذا كانوا معه، فأولى ألا ينقصه إخوة عنه.\rوأما المقاسمة: فلأنها الأصل في جعل الإخوة في درجة الجد.\r-------------------------------\r(1) أو لأنها واقعة امرأة من بني أكدر، وتسمى بالغراء عند أهل العراق لشهرتها فيما بينهم.","part":10,"page":424},{"id":6655,"text":"وأما ثلث الباقي: فلأن صاحب الفرض استحق فرضه، فيصبح الباقي كأنه جميع المال. والمبدأ لا ينقص حظ الجد عن الثلث، فلا ينقص عن ثلث الباقي هنا، قياساً على الأم في مسألة الغراوين.\rالأكدرية: أن تتوفى امرأة عن زوج، وأم، وجد، وأخت شقيقة أو لأب. فبناء على مذهب زيد: وهو أن الجد يعصب الإناث من الأخوات، فلا يعتبرن من ذوات الفرض عنده خلافاً لمذهبي علي وابن مسعود، لا يكون للأخت شيء بمقتضى كونها عصبة، والعاصب لا شيء له إذا استغرقت الفروض التركة.\rولكن لما لم يكن هناك مسوغ لسقوط الأخت إذ لا حاجب يحجبها، ولم يمكن تعصيبها بالجد هنا؛ لأنه أصبح ذا فرض، فلو عصبها لنقص عن السدس،\rفاستثنى زيد هذه المسألة من أصله في ميراث الجد مع الإخوة، فورّث الأخت مع الجد بالفرض، ففرض لها النصف، والمسألة من ستة.\rفيكون للزوج النصف وهو (3) ، وللأم الثلث وهو (2) ، وللجد السدس وهو (1) ، وللأخت النصف وهو (3) ، وتعول إلى (9) .\rولكن يؤدي التقسيم إلى زيادة حصة الأخت على الجد، ولما كان للجد ضعف الأخت إذا اجتمعا، فيجب أن يجمع نصيب الأخت ونصيب الجد، ثم يقتسماه، للذكر ضعف الأنثى، فتصبح المسألة من (27)، للزوج منها (9) ،وللأم منها (6) ، وللجد (8) وللأخت (4) .\rويتم ذلك بضرب عدد رؤوس الجد مع الأخت وهو (3) في أصل المسألة وهو (9) ، فتصبح من (27)، للزوج (3×3=9) ثلث المال، وللأم (2×3=6) هي ثلث الباقي، وللجد والأخت: (4×3=12)، للأخت (4) ثلث باقي الباقي، وللجد (8 ) هي الباقي.\rوالخلاصة: مذهب زيد لا يجعل الأخت الشقيقة أو لأب صاحبة فرض مع الجد، بل يجعلها معه عصبة، إلا في هذه المسألة، فإنه يجعلها معه صاحبة فرض، ويقتسمان مجموع النصيبين للذكر مثل حظ الأنثيين.","part":10,"page":425},{"id":6656,"text":"ولو كانَ مكان الأخت: أخ أو أختان، فلا عول، ولا أكدرية؛ لأن سدس جميع المال خير للجد، فيكون السدس الثاني له، ولا شيء للأخ، ولا أكدرية؛ لأن الأخ عصبة. وأما إن كان بدلَ الأخت أختان، فيختلف نصيب الأم، فتأخذ السدس، ويبقى بعد نصيب الزوج سهمان، أي الثلث، فالمقاسمة والسدس سواء، فلا عول ولا أكدرية.\rتقسيم على مذهب زيد :\rهذا التقسيم يبين أحوال الجد مع الإخوة باعتبار أهل الفرض معهم وجوداً وعدماً:\rأولاً ـ إما ألا يكون معهم صاحب فرض :\rفللجد خير الأمرين: من ثلث جميع المال، كجد وأخوين وأخت، أو المقاسمة، وتكون خيراً له إذا كان عدد الإخوة والأخوات أقل من مثليه وهي محصورة في خمس مسائل.\rكجد وأخ، وجد وأخت، وجد وأختين، وجد وثلاث أخوات، وجد وأخ وأخت.\rثانياً ـ وإما أن يكون معهم صاحب فرض: من الزوجين والأم والجدتين والبنت وبنت الابن، أي ما عدا الأخوات.\r1ً - فإما أن يفضل عن الفرض أكثر من السدس، فللجد أفضل أمور ثلاثة: وهي المقاسمة، وثلث الباقي، وسدس جميع المال.\rوتكون المقاسمة خيراً له في جد وجدة وأخ، المسألة من (12)، لكل من الجد والأخ خمسة وللجدة اثنان. وكزوج وجد وأخ، المسألة من (4) .\rوثلث الباقي يكون خيراً له في مثل: أم وجد وعشرة إخوة، المسألة من (6) وتصح من (18)، للأ م (3) ، وللجدة (5) ، والباقي للإخوة.\rوكجد وجدة وأخوين وأخت، المسألة من (6) ، وتصح من (18)، ويتم التقسيم إذا لم يكن للباقي ثلث صحيح، فيضرب مخرج الثلث في أصل المسألة أي (3×6=18)، للجد (5) ، وللجدة (3) ، وللأخوين (8) ، وللأخت (2) .\rوسدس جميع المال يكون خيراً له في مثل: زوجة، وبنتين، وجد، وأخ: للزوجة (3) من (24)، وللبنتين الثلثان (16)، ويبقى (5) ، وسدس الجميع 4 خير له من المقاسمة.\r2ً - أو يفضل السدس: فيدفع للجد فرضاً، ويسقط الأخ: كزوج وأم وجد وأخ، المسألة من (6) ، للزوج النصف ثلاثة، وللأم الثلث اثنان، وللجد السدس واحد، ولا شيء للأخ.","part":10,"page":426},{"id":6657,"text":"3ً - أو يفضل أقل من السدس: فيعال الجد بتمام السدس،ويسقط الأخ: كزوج وبنتين وجد وأخ، المسألة من (12)، وتعول إلى (13)، للبنتين (8) ، وللزوج (3) ، ويبقى واحد، فيعال بواحد لتمام السدس، ويسقط الأخ.\rوكزوج وجد وبنت وأم وأخت لأبوين، تعول إلى (13)، ولا شيء للأخت، لأنها عصبة مع البنت أو مع الجد، ولم يبق لها شيء بعد أخذ الجد السدس فرضاً.\r4ً - أن تستغرق الفروض السدس، ويسقط الأخ، ويزاد في العول: كزوج وبنتين وأم وجد وأخ، المسألة تعول إلى (13)، ويزاد في العول سدس الجد، فتصير (15).\rموقف القانون من مقاسمة الجد لإخوة :\rنص القانون المصري (م 22) والسوري (م 1/279-4) على مقاسمة الجد للإخوة. أما القانون المصري فقد جعل للجد مع الإخوة حالتين:\rالأولى ـ أن يكون الموجود مع الجد من الإخوة والأخوات وارثاً بالتعصيب، ذكوراً فقط، أو ذكوراً وإناثاً، أو إناثاً عصبة مع الغير كأخ شقيق؛ أو أخ شقيق مع أخت شقيقة، أو أخ لأب مع أخت لأب؛ أو أخت شقيقة أو لأب مع البنت أو بنت الابن.\rفيجعل الجد كالأخ، ويرث معهم بالتعصيب، ويقاسمهم ما لم ينقص عن السدس، فإن نقص عنه يعطى عندئذ السدس فرضاً، فلو كان مع الجد أقل من خمسة كانت المقاسمة خيراً، وإن كان معه خمسة كانت المقاسمة والسدس سواء، وإن كان معه ستة فأكثر، كان السدس خيراً له من المقاسمة، فيعطى السدس فرضاً.\rولايحسب على الجد الإخوة لأب مع الإخوة الأشقاء؛ لأنهم محجوبون بالأشقاء، ففي جد وأخ وشقيق وإخوة لأب، لكل من الجد والشقيق النصف، ويسقط الإخوة.\rوهذا أخذ بمذهب علي وابن مسعود.\rالثانية ـ أن يكون الموجود من الأخوات مع الجد وارثاً بالفرض: كأخت شقيقة أو لأب أو أكثر، ولا معصب مع الجد.\rفيرث الجد بالتعصيب، ويأخذ ما بقي بعد الفروض، ما لم ينقص عن السدس، فإن نقص عنه، فإنه يعطى السدس.","part":10,"page":427},{"id":6658,"text":"ففي جد وأخت شقيقة أو لأب، يكون للأخت النصف فرضاً، والباقي للجد تعصيباً. وفي جد وأختين شقيقتين أو لأب، للأختين الثلثان فرضاً، والباقي للجد تعصيباً. وفي أخت شقيقة، وأخت لأب، وجد ، للشقيقة النصف فرضاً، وللأخت لأب السدس فرضاً تكملة للثلثين، وللجد الباقي تعصيباً. وهذا مذهب علي وابن مسعود: وهوأن الجد لا يعصب الأخوات المنفردات.\rوأما القانون السوري: فيتفق مع المصري بإعطاء الجد السدس على كل حال، سواء أكان معه ذو فرض أم لا.\rففي الفقرة (1) من المادة (279) نص على الحالة الأولى المتقدمة، وهو رأي أكثر الفقهاء ما عدا أبا حنيفة. ويتفق مع مذهب ابن مسعود وزيد في أن الجد يقاسم الأخوات إذا كن عصبة مع البنات.\rوفي الفقرة (2) من المادة المذكورة: نص على الحالة الثانية السابقة، وهو أخذ بمذهب علي وابن مسعود في أن الجد لا يعصب الأخوات المنفردات، بل يأخذن نصيبهن بالفرض، ويكون هو عصبة.\rوفي الفقرة (3) من المادة نفسها: نص على أنه لا ينقص نصيب الجد عن السدس سواء أخذ بالمقاسمة أو بالتعصيب. وهذا مأخوذ من مذهب علي الذي يجعل فرض الجد السدس.\rوفي الفقرة (4) من المادة: نص على عدم اعتبار الإخوة والأخوات لأب مع الأشقاء. وهذا مأخوذ من مذهب علي وابن مسعود في أن الإخوة لأب لا يعتبرون في المقاسمة إذا كانوا محجوبين بالإخوة الأشقاء.\rأمثلة :\r1 - مات عن جد وأخ شقيق وأخت شقيقة: المسألة من خمسة، للجد سهمان، وللأخ سهمان، وللأخت سهم واحد. 2 - مات عن زوجة وأختين شقيقتين: للزوجة الربع، وللأختين الثلثان، وللجد السدس، وتعول المسألة إلى (13).\r3 - مات عن أب وجد وابن: للأب السدس، وللابن الباقي، ولا شيء للجد.","part":10,"page":428},{"id":6659,"text":"3 ً - أحوال الزوج :\rللزوج حالتان (1) :\rالأولى ـ النصف عند عدم الولد وولد الابن وإن سفل، فمن تركت زوجاً وأخاً شقيقاً، فللزوج النصف، والباقي للأخ.\rالثانية ـ الربع مع الولد أو ولد الابن وإن سفل، سواء أكان من هذا الزوج أم من غيره، فلو تركت امرأة زوجاً وولداً أو ولد ابن، فللزوج الربع، والباقي للولد أو ولد الابن.\rوالدليل قوله تعالى: {ولكم نصف ما ترك أزواجكم إن لم يكن لهن ولد، فإن كان لهن ولد، فلكم الربع مما تركن، من بعد وصية يوصين بها أو دين} [النساء:12/4].\rونص القانون المصري (م 11) والسوري (م 268) على حالتي الزوج المذكورتين.\r4 ً - أحوال الأخ لأم والأخت لأم (أولاد الأخياف ) :\rلأولاد الأم ويسمون بني الأخياف أحوال ثلاثة (2) :\rالأولى ـ السدس: للواحد منهم، ذكراً أو أنثى، لقوله تعالى: {وإن كان رجل يورث كلالةً أو امرأة، وله أخ أو أخت، فلكل واحد منهما السدس} [النساء:12/4] والمراد منه أولاد الأم إجماعاً، ويدل عليه قراءة أبيّ: «وله أخ أو أخت من أم» .\rفمن ترك شقيقاً، وأخاً أو أختاً لأم، فللأخ أو الأخت لأم: السدس، والباقي للشقيق.\rالثانية ـ الثلث: للاثنين فصاعداً، ذكوراً وإناثاً، لقوله تعالى: {فإن كانوا أكثر من ذلك، فهم شركاء في الثلث} [النساء:12/4] ذكورهم وإناثهم في القسمة والاستحقاق سواء، أما في القسمة: فلأن الأنثى منهم تأخذ مثل الذكر، وأما في الاستحقاق: فلأن الواحد منهم مذكراً كان أو مؤنثاً، يستحق السدس.\rفمن ترك أما وإخوة أو أخوات لأم، وعماً، فللأم: السدس، وللإخوة أو الأخوات لأم: الثلث ، والباقي للعم.\r-------------------------------\r(1) شرح السراجية: ص 31، تبيين الحقائق: 233/6، القوانين الفقهية: ص 388، الرحبية: ص 25، مغني المحتاج: 9/3، 17، المغني: 178/6.\r(2) شرح السراجية: ص 30، تبيين الحقائق: 237/6، القوانين الفقهية: ص 388، مغني المحتاج: 11/3، المغني: 183/6.","part":10,"page":429},{"id":6660,"text":"الثالثة ـ حجبهم: يسقطون مع وجود الفرع الوارث ـ الولد وولد الابن وإن سفل، ومع وجود الأصل الوارث المذكر ـ الأب والجد العصبي (الصحيح) بالاتفاق؛ لأنهم من قبيل الكلالة، وقد اشترط في إرثهم عدم الولد والوالد، في قوله تعالى: { وإن كان رجل يورث كلالةً أو امرأةٌ وله أخ أو أخت..} [النساء:12/4] وقوله سبحانه في حال عدم الولد: {قل: الله يفتيكم في الكلالة، إن امرؤ هلك ليس له ولد، وله أخت} [النساء:176/4] وفي الأثر: «الكلالة: من ليس له ولد، ولا والد» .\rوولد الابن داخل في الولد، لقوله تعالى: {يا بني آدم} [الأعراف:31/7] والجد داخل في الوالد، لقوله تعالى: {كما أخرج أبويكم من الجنة} [الأعراف:27/7]. فلا إرث لأولاد الأم مع هؤلاء، أي الأولاد والآباء.\rونص القانون المصري (م 10، 26) والسوري (م 262) على أحوال أولاد الأم السابقة، كما نص فيهما على المسألة المشتركة.\rأمثلة :\r1 - مات عن أب وابن وأخ لأم: للأب السدس، وللابن الباقي، ولا شيء للأخ الأم.\r2 - ماتت عن زوج وأخ لأم وأخ شقيق: للزوج النصف، وللأخ لأم السدس، والباقي للأخ الشقيق؛ لأنه عصبة.\r3 - ماتت عن زوج وجد وأخوين لأم: للزوج النصف، وللجد الباقي، ولا شيء للإخوة لأم.\rمايخالف فيه أولاد الأم غيرهم: يخالف أولاد الأم غيرهم من أصحاب الفروض في أمور هي:\r1 - يرثون مع الأم التي أدلوا بها.\r2 - ذكورهم وإناثهم في القسمة والاستحقاق سواء.\r3 - للواحد منهم السدس، وللأكثر الثلث.\r4 - يحجبون الأم التي أدلوا بها لمورث حجب نقصان، من الثلث إلى السدس.\r5 - ذكرهم أدلى بأنثى، وورث بالفرض معها.\rالمسألة المشرَّكة أو الحجرية: أي المشرَّك فيها بين الشقيق وولدي الأم.\rالمقرر أن العاصب لا يرث إلا بعد استيفاء أصحاب الفروض، للحديث المتقدم: «ألحقوا الفرائض بأهلها، فما أبقته فلأولى رجل ذكر» .","part":10,"page":430},{"id":6661,"text":"ولكن قد يشترك الأخ الشقيق مع الأخ لأم، فإذا ماتت امرأة عن: زوج، وأم، وأخوين لأم، وأخ شقيق، وأخت شقيقة.\rللزوج: النصف، وللأم: السدس، وللإخوة لأم والشقيق والأخت جميعاً الثلث، يقسم بينهم بالسوية، لا فرق بين ذكورهم وإناثهم.\rقضى بذلك عمر في آخر الأمر، فقد قضى أولاً بحرمان الإخوة الأشقاء، ثم عرض عليه الأمر مرة أخرى، فقال له بعضهم: هب أبانا حجراً في اليم، أليست أمناً واحداً؟! فقضى عمر أن يشتركوا جميعاً في الثلث، ذكورهم وإناثهم سواء، ووافقه على رأيه زيد بن ثابت وجمع من الصحابة، وبه أخذ المالكية والشافعية والقانون في مصر وسورية.\rوسميت لهذا بـ (المشرَّكة) للتشريك فيها بين الجميع في الثلث، وتسمى أيضاً (المشتركة) بمعنى المشترك فيها، والحجرية: نسبة إلى قول بعضهم لعمر: «هب أبانا حجراً في اليم» والحمارية لقول بعضهم: «هب أبانا حماراً» .\rوذهب الحنفية والحنابلة إلى إسقاط الإخوة الأشقاء، ويعطى للزوج النصف، وللأم السدس، وللإخوة لأم الثلث، مستدلين بآية الكلالة السابقة: {وإن كان رجل يورث كلالةً أو امرأةٌ، وله أخ أو أخت فلكل واحد منهما السدس، فإن كانوا أكثر من ذلك، فهم شركاء في الثلث} [النساء:12/4] ولا خلاف في أن المراد بهذه الآية: ولد الأم على الخصوص، فمن شَّرك بينهم، فلم يعط كل واحد منهما السدس، فهو مخالف لظاهر القرآن (1) .\r-------------------------------\r(1) المغني: 180/6 ومابعدها، مغني المحتاج: 17/3 ومابعدها.","part":10,"page":431},{"id":6662,"text":"ثانياً ـ أحوال النساء :\rأصحاب الفروض من النساء ثمانية وهن:\rالزوجة، والبنت وبنت الابن وإن سفلت، والأخت من أي جهة (الشقيقة أو لأب أو لأم) والأم، والجدة أم الأم أو أم الأب (الصحيحة).\r1 - أحوال الزوجة :\rللزوجة حالتان (1) :\rالأولى ـ الربع للواحدة فأكثر: عند عدم الفرع الوارث ـ الولد وولد الابن وإن سفل، سواء أكان منها أم من غيرها.\rالثانية - الثمن: مع الفرع الوارث - الولد وولد الابن وإن سفل، سواء أكان منها أم من غيرها.\rوالدليل قوله تعالى: {ولهن الربع مما تركتم إن لم يكن لكم ولد، فإن كان لكم ولد، فلهن الثمن مما تركتم، من بعد وصية توصون بها أود ين} [النساء:12/4] ففرض الزوجة الواحدة هو فرض الأكثر على السواء، ولو كان أربعاً، لعموم الآية. والولد يتناول ولد الابن بالنص أو الإجماع. فمن مات عن زوجة وبنت وأب: للزوجة الثمن، وللبنت النصف، وللأب السدس فرضاً والباقي بالتعصيب. ومن مات عن زوجة وأخ وابن بنت: للزوجة الربع، وللأخ الباقي لأنه عصبة، ولا شيء لابن البنت؛ لأنه ذو رحم.\rونص القانون المصري (م 11) والسوري (م 268) على فرض الزوجة في الحالتين ولو مطلقة رجعياً إذا مات الزوج، وهي في العدة. فإن كانت الزوجة معتدة من طلاق بائن فلا شيء لها، لانقطاع الزوجية بالوفاة، إلا إذا كان طلاقها طلاق فرار فترث عند الجمهور خلافاً للشافعية.\rويلاحظ أنه روعي في نصيبي الزوجين أن للذكر منهما حظ الأنثيين، التزاماً لمبدأ العدل في توزيع المسؤوليات بين الرجل والمرأة، فالرجل هو المكلف بالمهر وبالإنفاق على المرأة أماً كانت أو بنتاً أو زوجة، ولا تكلف المرأة بشيء من الواجبات الاجتماعية، ويظل نصيبها محفوظاً عدة للطورئ، تتصرف فيه بحرية واستقلال.\rوهذا المبدأ: مبدأ ( للذكر مثل حظ الأنثيين ) عام؛ لأن الحاجة أساس التفاضل في الميراث، فللابن ضعف نصيب البنت؛ لأن مطالب الابن في الحياة أكثر من مطالب أخته، فهو المكلف بإعالة نفسه، وبمهر زواجه، وبنفقة الزوجية، ونفقة الأولاد، وإعالة الأب والأم الفقيرين، ولا تكلف البنت في حياتها بشيء مما يكلف به أخوها.\r-------------------------------\r(1) شرح السراجية: ص 34، تبيين الحقائق: 233/6، القوانين الفقهية: ص 388، مغني المحتاج: 9/3، 13، كشاف القناع: 450/4.","part":10,"page":432},{"id":6663,"text":"2 - أحوال البنت :\rلبنات الصلب أحوال ثلاث (1) :\rالأولى ـ النصف للواحدة: إذا انفردت عمن يساويها وعمن يعصبها، كما في أب وبنت، للبنت النصف فرضاً، وللأب الباقي فرضاً وتعصيباً.\rالثانية ـ الثلثان للاثنتين فصاعداً : إذا لم يكن معهن من يعصبهن، كأب وبنتين، للبنتين الثلثان فرضاً، وللأب الباقي فرضاً وتعصيباً.\rالثالثة ـ التعصيب بالغير: مع الابن الذكر، فيأخذ الذكر ضعف الأنثى، سواء تعددت البنات أو تعدد الأبناء، كما في ابن وبنت: لهما كل التركة على أن للابن ضعف البنت.\rوالدليل قوله تعالى: {يوصيكم الله في أولادكم، للذكر مثل حظ الأنثيين، فإن كن نساء فوق اثنتين، فلهن ثلثا ما ترك، وإن كانت واحدة فلها النصف } [النساء:11/4] نصت على حكم الواحدة والثلاث فأكثر، أما البنتان فعرف حكمهما بالسنة:\rروى الخمسة إلا النسائي عن جابر قال: جاءت امرأة سعد بن الربيع إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلم بابنتيها من سعد، فقالت: يا رسول الله ، هاتان ابنتا سعد بن الربيع، قتل أبوهما معك في أُحد شهيداً، وإن عمهما أخذ مالهما، فلم يدَع لهما مالاً، ولا يَنْكِحان إلا بمال، فقال: يقضي الله في ذلك، فنزلت آية الميراث، فأرسل رسول الله صلّى الله عليه وسلم إلى عمهما، فقال: «أعط ابنتي سعد الثلثين، وأمَّهما الثمن، وما بقي فهو لك» (2) ، قالوا: وهذه أول تركة قسمت في الإسلام.\rونص القانون المصري (م 12، 19) والسوري (م 269، 277) على أحوال البنت المذكورة، وصرحت الفقرة 2 من المادة (277) على أن الإرث بين البنات والأبناء حال التعصيب للذكر مثل حظ الأنثيين.\r-------------------------------\r(1) السراجية: ص 34، تبيين الحقائق، المكان السابق، القوانين الفقهية: ص 388 ومابعدها، مغني المحتاج: 14/3، المغني: 172/6.\r(2) الحديث حسنه الترمذي، وأخرجه أيضاًً الحاكم (نيل الأوطار: 56/6) والخمسة: أحمد وأصحاب السنن الأربعة.","part":10,"page":433},{"id":6664,"text":"3 - أحوال بنات الابن :\rلبنات الابن ستة أحوال، الثلاثة الأولى للبنات، وثلاثة أخرى (1) .\rالأولى ـ النصف للواحدة المنفردة عند عدم البنت أو الابن أو من يساويها، كما في أب وأم وبنت ابن: لبنت الابن: النصف، وللأم السدس، والباقي للأب فرضاً وتعصيباً.\rالثانية ـ الثلثان للاثنتين فأكثر عند عدم البنت أو الابن أو من يساويهما، فمن مات عن أب وبنتي ابن: لبنتي الابن: الثلثان، وللأب الباقي.\rالثالثة ـ التعصيب: مع ابن ابن في درجتها، للذكر ضعف الأنثى، كبنت ابن وابن ابن، لهما كل التركة.\rالرابعة ـ السدس للواحدة فأكثر مع البنت الواحدة تكملة للثلثين: لبنت الابن السدس تكملة للثلثين، عملاً بقضاء ابن مسعود السابق: «أقضي بما قضى النبي صلّى الله عليه وسلم : للبنت النصف، ولبنت الابن السدس تكملة للثلثين، وما بقي فللأخت» لأن الشرع جعل الثلثين حقاً للبنات، فإذا وجدت بنت صلبية واحدة، لم تأخذ إلا النصف، وبقي من نصيب البنات السدس، فيعطى لبنت الابن. وذلك إذا لم يوجد المعصب لهن وهو ابن الابن المساوي لها في الدرجة، فإن وجد تصير به عصبة، فتأخذ معه الباقي، للذكر ضعف الأنثى. فمن مات عن بنت وبنت ابن وابن ابن: للبنت النصف، ولبنت الابن مع ابن الابن الباقي تعصيباً.\rوإن لم يبق من التركة شيء، فلا نصيب لها، ففي: أب، وأم، وزوج، وبنت، وبنت ابن وابن ابن: لكل من الأب والأم السدس، وللزوج الربع، وللبنت النصف، فتستغرق التركة وتعول، فلم يبق شيء لبنت الابن وابن الابن، ولولا وجود ابن الابن لأخذت بنت الابن السدس فرضاً.\rالخامسة والسادسة ـ الحجب: تحجب بنت الابن بالابن، ففي ابن وبنت ابن: للابن التركة كلها تعصيباً، ولا شيء لبنت الابن.\r-------------------------------\r(1) السراجية: ص 35، تبيين الحقائق: 234/6، القوانين الفقهية: ص 389، مغني المحتاج: 14/3.","part":10,"page":434},{"id":6665,"text":"وتحجب وتسقط بالبنتين الصلبيتين فأكثر إلا أن يكون معها أو أسفل منها ولد ذكر، فيعصبها، ويكون الباقي حينئذ بينهم للذكر ضعف الأنثى. في أب وأم وبنتين وبنت ابن: لكل من الأبوين: السدس، وللبنتين الثلثان، ولا شيء لبنت الابن؛ إذ استنفدت البنتان نصيبهما.\rفإن وجد مع بنت الابن ابن ابن، أو ابن ابن ابن فيعصبها كل منهما، لحاجتها إليه، فإن لم تحتج إلى الثاني، بأن بقي لها شيء من نصيب البنات، فإن ابن ابن الابن لا يعصبها، وتأخذ هي فرضها، ويبقى هو عصبة بنفسه، يأخذ الباقي بعد الفروض .\rوالدليل :\r1 - النصوص الدالة على أحكام إرث البنت؛ لأن المراد بأولادكم في النص {يوصيكم الله في أولادكم} [النساء:11/4] فروعكم المولودون لكم إما مباشرة أو بواسطة أبنائكم.\r2 - قضاء ابن مسعود السابق الذي رواه الستة إلا النسائي عن هزيل بن شرحبيل، إذ قضى لابنة الابن بالسدس، تكملة للثلثين. و نص القانون المصري (م 12، 19) والسوري (269، 277) على أحوال بنات الابن، ولا سيما استحقاق الواحدة فأكثر السدس مع البنت أو بنت الابن الأعلى درجة.\rأمثلة :\rأ ـ مات عن بنت وبنت ابن وأب: للبنت النصف، ولبنت الابن السدس، وللأب السدس فرضاً والباقي تعصيباً.\rب ـ مات عن بنت ابن وابن ابن، لهما التركة، للذكر ضعف الأنثى.\rجـ ـ مات عن بنت وبنت ابن وابن ابن ابن: للبنت النصف، ولبنت الابن السدس، والباقي للأخير؛ لأنه عصبة.\rد ـ مات عن بنتين وبنت ابن وابن ابن ابن: للبنتين الثلثان، ولبنت الابن مع ابن ابن الابن الباقي؛ لأنها بحاجة إليه، ويسمى بالغلام المبارك.","part":10,"page":435},{"id":6666,"text":"هـ ـ مات عن زوج وأب وأم وبنت وبنت ابن وابن ابن: للزوج الربع، وللأب السدس، وللأم السدس، وللبنت النصف، ولا شيء لبنت الابن؛ لأنها صارت عصبة مع أخيها، ولم يبق لهما شيء، ولو كانت وحدها أخذت السدس، فوجود أخيها حرمها من الميراث، وهذا يسمى بالغلام المشؤوم. لكن في القانون السوري والمصري يأخذان بالوصية الواجبة. وذلك بأن يفرض الولد الذي مات في حياة أصله حياً، ويقدر نصيبه كما لو كان موجوداً، ثم يخرج النصيب من التركة، ويعطى لصاحب الوصية بشرط ألا يزيد عن الثلث، ثم يقسم باقي التركة على أنه كل التركة، بين الورثة بحسب الفريضة الشرعية. فإذا مات شخص عن ثلاثة أبناء وأب وأم وبنت ابن متوفى في حياة أبيه، يفرض وجود المتوفى حياً،فيعطى لبنته وصية واجبة سهم من ستة أسهم، ثم يقسم الباقي بين الورثة وهو خمسة، فيعطى للأب السدس وللأم السدس من خمسة لا من ستة، والباقي يوزع بين الأبناء الثلاثة بالسوية، لكل ابن سهم من خمسة. وتصح المسألة من (108) أسهم، يكون للأب (15) وللأم (15) ولكل واحد من الأبناء الثلاثة (20) ولبنت الابن المتوفى (18). وجاءت الزيادة للأبناء مما بقي من حصة ذوي الفروض؛ لأن الباقي بعد الوصية هو (90) سهماً من أصل (108). والتصحيح يكون بضرب (6) في (3) عدد رؤوس الأبناء، فيصير (18) ثم يضرب (6) في (18) فيكون الجواب وهو (108) أصلاً للمسألة، ثم يضرب (18) في (5) في المسألة الجديدة بعد الوصية فيكون (90) سهماً، لكل واحد من الأبوين سدس الـ (90).\rوالخلاصة: أنه تعمل مسألة جديدة للورثة بعد استخراج الوصية الواجبة.\rو ـ مات عن بنتين وبنت ابن وابن ابن: للبنتين الثلثان، والباقي بين الأخيرين، ولولا وجود ابن الابن لم ترث بنت الابن شيئاً، لاستكمال البنتين الثلثين، ولكن وجوده عصبها، فتأخذ معه الثلث وهو الباقي، وهذا هو الغلام المبارك.","part":10,"page":436},{"id":6667,"text":"ز ـ لو ترك الميت ثلاث بنات ابن بعضهن أعلى من بعض، أو بعضهن أسفل من بعض، وترك أيضاً ثلاث بنات ابن ابن ابن، بعضهن أسفل من بعض، بالصورة الآتية (1) : بأن يكون لرجل ثلاثة بنين، أما الفريق الأول فلأحدهم ابن وبنت، ولهذا الابن ابن وبنت، ولهذا الابن الثاني ابن وبنت. وأما الفريق الثاني فللابن ابن، ولابنه ابن وبنت، ولهذا الابن ابن وبنت، ولهذا ابن وبنت، وأما\rالفريق الثالث فللابن ابن ولابنه ابن، ولهذا ابن وبنت، ولهذا الابن الأخير ابن وبنت، ولهذا ابن وبنت.\r..........الفريق الأوّل...................الفريق الثّاني...................الفريق الثّالث....\r................ابن..............................ابن...........................ابن........\r.....ابن ـ بنت(2) ـ العليا.................ابن.............................ابن.........\r.....ابن ـ بنت ـ الوسطى...........ابن ـ بنت ـ العليا..................ابن..........\r.....ابن ـ بنت ـ السفلى...........ابن ـ بنت ـ الوسطى.........ابن ـ بنت ـ العليا\r......................................ابن ـ بنت ـ السفلى........ابن ـ بنت ـ الوسطى\r....................................................................ابن ـ بنت ـ السفلى\rفتقوم العليا مقام البنت، ومن دونها مقام بنت الابن في الأحوال المقررة المذكورة، فتأخذ العليا النصف، وتأخذ الوسطى السدس تكملة الثلثين، وتسقط السفلى، إلا أن يكون معها ابن ابن في درجتها أو دونها، فيعصبها. وإن كان مع الوسطى ابن ابن في درجتها أو دونها، عصبها، وحجب من دونها من ذكر أو أنثى.\rوإن كانت العليا اثنتين فأكثر، فلهما الثلثان، وتسقط الوسطى، ومن دونها، إلا إن كان معهن ذكر في درجتهن أو أسفل منهن.\rوعلى هذا تأخذ العليا من الفريق الأول النصف؛ لأنها قامت مقام بنت الصلب عند عدمها.\rوللوسطى من الفريق الأول مع من توازيها وهي العليا من الفريق الثاني السدس، تكملة للثلثين؛ لأن العليا من الفريق الأول، لما قامت مقام البنت الصلبية، قامت من دونها بدرجة واحدة مقام بنت الابن.\rولا شيء للسفليات: وهي الست الباقية من البنات التسع؛ لأنه قد كمل الثلثان لتلك الثلاث، فلم يبق للباقيات فرض، وليس لهن عصوبة قطعاً، فلا يرثن من التركة أصلاً إلا أن يكون معهن غلام، فيعصب من كانت معه بحذائه ومن كانت فوقه.\r-------------------------------\r(1) السراجية: ص37، القوانين الفقهية: ص389، مذكرات أستاذنا المرحوم الشيخ حسن الشطي القاضي الفرضي.\r(2) تقرأ هكذا من اليسار إلى اليمين: بنت ابن.","part":10,"page":437},{"id":6668,"text":"4 - أحوال الأخوات الشقيقات (أولاد الأعيان) :\rللأخت الشقيقة خمس أحوال، منها الثلاث التي للبنات، وهي ما يأتي (1) :\rالأولى ـ النصف: للواحدة إذا انفردت عمن يساويها وعمن يعصبها، أي إذا لم يكن معها أخ شقيق يعصبها، كزوج وشقيقة، لكل منهما النصف فرضاً.\rالثانية ـ الثلثان: للاثنتين فصاعداً، عند عدم المعصب. فمن مات عن إخوة لأم وشقيقتين، للإخوة لأم الثلث، وللشقيقتين الثلثان. ومن مات عن أم وشقيقتين: للأم السدس فرضاً، وللأختين الثلثان، ثم يرد الباقي على الأم والأختين بنسبة سهام كل واحدة.\rالثالثة ـ التعصيب بالغير: إذا كان مع الأخت الشقيقة فأكثر أخ شقيق فأكثر، فللذكر مثل حظ الأنثيين، كما في أخ شقيق وأخت شقيقة، تكون التركة بينهما، على أن للأخ ضعف الأخت.\rالرابعة ـ التعصيب مع الغير: إذا كان مع الأخت فأكثر بنت أو بنت ابن، أو هما معاً واحدة فأكثر، ولم يكن مع الأخت أخ شقيق يعصبها. فيكون للأخت الشقيقة أو الأكثر الباقي بعد أنصباء أصحاب الفروض، ترثه بطريق التعصيب، عملاً بالقاعدة الشرعية: (اجعلوا الأخوات مع البنات عصبة) (2) .\rوقال الشيعة الإمامية: لا تصير الأخت عصبة مع البنت، ويرد الباقي على البنت إذا انفردت.\rففي بنت وأخت شقيقة: للبنت النصف فرضاً، والباقي للأخت تعصيباً.\rوفي بنت وبنت ابن وأخت شقيقة: للبنت النصف، ولبنت الابن السدس تكملة للثلثين، وللشقيقة الباقي تعصيباً.\rوفي بنت وبنت ابن وزوج وأم وشقيقتين: لا شيء للشقيقتين إذا لم يبق شيء بعد الفروض، بل في المسألة عول، للزو ج الربع، وللأم السدس فرضاً، وللبنتين الثلثان فرضاً.\rوفي بنتين وأختين شقيقتين: للبنتين الثلثان فرضاً، وللأختين الباقي تعصيباً.\rوفي أختين شقيقتين وبنت ابن: لبنت الابن النصف فرضاً، وللأختين الباقي تعصيباً.\r-------------------------------\r(1) السراجية: ص 40، تبيين الحقائق: 236/6، القوانين الفقهية: ص 392، مغني المحتاج: 17/3 ومابعدها، المغني: 174/6.\r(2) هذا ماقضى به عبد الله بن مسعود ومعاذ بن جبل رضي الله عنهما ( نيل الأوطار: 58/6 ) وحديث ابن مسعود عن هُزَيْل بن شَرَحبيل رواه الجماعة إلا مسلماً والنسائي، وحديث معاذ عن الأسود رواه أبو داود والبخاري بمعناه. قال الشوكاني: وفيه دليل على أن الأخت مع البنت عصبة، تأخذ الباقي بعد فرضها إن لم يكن معها ابنة ابن كما في حديث معاذ، وتأخذ الباقي بعد فرضها وفرض بنت الابن كما في حديث هذيل، وهذا مجمع عليه.","part":10,"page":438},{"id":6669,"text":"وإذا كان في الورثة إخوة لأم أو أخوات لأم مع إخوة أشقاء ، فهذه هي المسألة المشرَّكة: وهي زوج وأم وولدا أم وأخ شقيق، فيشارك الأخ ولدي الأم في الثلث كما تقدم. ولو كان بدل الشقيق أخ لأب سقط.\rالخامسة ـ السقوط بالفرع الوارث المذكر وهو: الابن وابن الابن وإن نزل، وبالأب اتفاقاً وبالجد الصحيح عند أبي حنيفة، خلافاً للصاحبين والمذاهب الأخرى، وبه أخذ القانون في مصر وسورية.\rوالدليل قوله تعالى: {يستفتونك، قل الله يفتيكم في الكلالة: إن امرؤ هلك، ليس له ولد، وله أخت، فلها نصف ما ترك، وهو يرثها إن لم يكن لها ولد، فإن كانتا اثنتين فلهما الثلثان مما ترك، وإن كانوا إخوة رجالاً ونساء، فللذكر مثل حظ الأنثيين} [النساء:176/4] والكلالة كما عرفنا: أن يموت الرجل وليس له ولد ولا والد. وقد بينت الآية الكريمة الثلاثة الأولى، والحالة الخامسة، ففيها النص على فرضي النصف والثلثين، والتعصيب بالغير، والسقوط بالابن ويدخل تحته ابن الابن، والسقوط بالأب ومثله الجد عند أبي حنيفة، وهو يستفاد من قول تعالى: {ليس له ولد وله أخت} [النساء:176/4] ومن لفظ الكلالة.","part":10,"page":439},{"id":6670,"text":"وأما الحالة الرابعة وهي تعصيب الأخوات مع البنات فمستفاد مما رواه الجماعة إلا النسائي عن هزيل بن شرحبيل أن النبي صلّى الله عليه وسلم قضى في بنت وبنت ابن وأخت، فجعل للبنت: النصف، ولبنت الابن: السدس، وللأخت الباقي. والقاعدة المقررة: ( اجعلوا الأخوات مع البنات عصبة).\rونص القانون المصري (م 13، 19، 20) والسوري (م 270، 277، 280) على أحوال الشقيقات.\rويلاحظ أن الأخوات من ذوي الفروض، وأما الإخوة فهم عصبات، ويطلق على الإخوة والأخوات: الحواشي فإذا انفردوا عن الإخوة لأب، ورثوا كأولاد الصلب: للذكر الواحد فأكثر كل المال، وللأنثى النصف، وللثنتين فصاعداً الثلثان، وعند اجتماع الصنفين: للذكر مثل حظ الأنثيين.\rأمثلة :\rأ ـ مات عن: أم وأخت شقيقة وزوجة: للأم الثلث، وللشقيقة النصف، وللزوجة الربع، من (12) وتعول إلى (13).\rب ـ مات عن: ابن وأخت شقيقة وأب: للأب السدس، والباقي للابن، ولا شيء للشقيقة؛ لأنها محجوبة بالابن والأب.\rجـ ـ ماتت عن : زوج ، وأخت شقيقة، وجد وجدة: للزوج النصف، وتحجب الشقيقة بالجد على مذهب أبي حنيفة. وأما عند الجمهور (على رأي زيد) فيأخذ الجد الأفضل من المقاسمة وثلث الباقي والسدس، والأفضل له هنا المقاسمة، والمسألة من ستة، وتصحح من (18)، للزوج (9) ، وللجدة (3) ، وللجد (4)، وللشقيقة (2)للذكر مثل حظ الأنثيين.\rد ـ مات عن: بنت وأخت شقيقة وأم: للأم السدس، وللبنت النصف، وللشقيقة الباقي تعصيباً مع البنت.\rهـ ـ مات عن: بنت، بنت ابن، أخت شقيقة، أخ شقيق: للبنت: النصف، ولبنت الابن: السدس تكملة للثلثين، والباقي للأخ والأخت للذكر مثل حظ الأنثيين.","part":10,"page":440},{"id":6671,"text":"5 - أحوال الأخوات لأب (أولاد العَلاَّت) :\rللأخوات لأب ستة أحوال، منها الخمسة التي للأخوات الشقيقات:\rالأولى ـ النصف: للواحدة إذا انفردت عن مثلها، ولم يكن معها أخ لأب أو شقيقة، استدلالاً بنفس الآية السابقة في توريث الشقيقة، كما في: زوج، وأخت لأب: لكل منهما النصف.\rالثانية ـ الثلثان: للاثنتين فأكثر عند عدم الأخ لأب، أو الأخوات الشقيقات، كما هو شأن الشقيقات. مثل: إخوة لأم، وأختين لأب، فللإخوة لأم: الثلث، وللأختين لأب: الثلثان.\rالثالثة ـ السدس: للواحدة مع الشقيقة، تكملة للثلثين، إذا لم يكن مع الأخت لأب أخ لأب يعصبها، كما في زوجة، وشقيقة، وأخت لأب: للزوجة الربع، وللشقيقة النصف فرضاً، وللأخت لأب: السدس فرضاً، ويرد الباقي على الأختين.\rالرابعة ـ التعصيب بالغير: إذا كان معها أخ لأب، كأخ لأب وأخت لأب، والعصبة: يأخذ ما أبقى ذوو الفرض، فإذا استغرقت الفروض جميع التركة، فلا شيء للأخ والأخت من الأب.\rالخامسة ـ التعصيب مع الغير: وذلك مع البنت أو بنت الابن أو هما معاً، واحدة فأكثر. فتأخذ الباقي بعد هؤلاء، كبنت أو بنت ابن وأخت لأب. فلو ترك شخص بنتاً، وزوجة، وأماً وأختين لأب، كان للبنت النصف فرضاً، وللزوجة الثمن فرضاً، لوجود الفرع الوارث، وللأم السدس فرضاً لذلك ولوجود الأختين، وللأختين الباقي تعصيباً يقسم بينهما بالسوية.\rالسادسة ـ الحجب عن الميراث: تحجب الأخت لأب بما تحجب به الأخت الشقيقة، من وجود الفرع الوارث (الابن أو ابن الابن مهما نزل) وبالأب. وتزيد الأخت لأب بحجبها: بالأخ الشقيق: كزوج وأخ شقيق وأخت لأب.\rوبالشقيقتين فأكثر: كزوج وشقيقتين وأخت لأب، إلا إذا كان مع الأخت لأب من يعصبها وهو الأخ لأب، فإذا كان معها ويسمى الأخ المبارك، فتأخذ معه ما بقي من أصحاب الفروض، للذكر مثل حظ الأنثيين.\rوبالأخت الشقيقة إذا صارت عصبة مع غيرها: كبنت وشقيقة وأخت لأب.","part":10,"page":441},{"id":6672,"text":"ولا تسقط الأخت لأب بالجد العصبي (الصحيح) خلافاً لأبي حنيفة. ودليل توريث الأخوات لأب: هو دليل توريث الأخوات الشقيقات في الحالات المشتركة بينهن؛ لأن المراد بقوله تعالى : {يستفتونك قل: الله يفتيكم في الكلالة، إن امرؤ هلك ليس له ولد، وله أخت} [النساء:176/4] بالاتفاق هي الأخت الشقيقة أو لأب.\rوأما سقوط الأخت لأب بالأخ الشقيق، فلقوله صلّى الله عليه وسلم : «إن أعيان بني الأم يتوارثون دون بني العلات، الرجل يرث أخاه لأبيه وأمه، دون أخيه لأبيه» (1) وبنو الأعيان كما تقدم: هم الأشقاء، وبنو العلات: هم الإخوة والأخوات لأب.\rونص القانون المصري (م 13، 19، 20) والسوري (م 270، 277، 278) على الأحوال الستة للأخوات لأب.\rأمثلة :\rأ ـ مات شخص عن: أم، وبنت، وأخت شقيقة، وأخت لأب: للأم السدس، وللبنت النصف، وللشقيقة الباقي، ولا شيء للأخت لأب لسقوطها بالشقيقة المتعصبة بالبنت.\rب ـ مات عن: أختين شقيقتين، وأختين لأب، وأخ لأب: للشقيقتين الثلثان، وللأختين لأب والأخ لأب: الباقي؛ لأنهن صرن عصبة به.\rجـ ـ مات عن: زوجة، وبنت، وأخت لأب: للزوجة الثمن، وللبنت النصف، والباقي للأخت لأب؛ لأنها تصبح عصبة مع البنت.\rد ـ ماتت امرأة عن: بنت، وأخ شقيق، وأخت لأب: للبنت النصف، والباقي للأخ الشقيق؛ لأنه عصبة، ولا شيء للأخت لأب؛ لأنها محجوبة به.\r-------------------------------\r(1) رواه أحمد والترمذي عن علي رضي الله عنه.","part":10,"page":442},{"id":6673,"text":"6 - أحوال الأخت لأم :\rتقدم بيانها في أحوال أولاد الأم؛ لأن الأنثى والذكر سواء.\r7 - أحوال الأم :\rللأم أحوال ثلاثة (1) :\rالأولى ـ السدس: عند وجود الفرع الوارث، مطلقاً ـ وهو الولد أو ولد الابن وإن سفل، أو الاثنين من الإخوة والأخوات فصاعداً من أي جهة كانا، لقوله تعالى: { ولأبويه لكل واحد منهما السدس مما ترك إن كان له ولد } [النساء:11/4] ولقوله سبحانه: { فإن كان له إخوة فلأمه السدس } [النساء:11/4].\rالثانية: ثلث التركة كلها: عند عدم المذكورين في الحالة الأولى من الفرع الوارث والعدد من الإخوة ولم يكن مع الأبوين أحد الزوجين، لقوله تعالى: {فإن لم يكن له ولد، وورثه أبواه فلأمه الثلث، فإن كان له إخوة فلأمه السدس} [النساء:11/4].\rدلت الآية في الحالتين على فرض الأم مع وجود الولد وعند عدمه، وعند وجود الجمع من الإخوة، ويشمل ذلك الأخوات؛ لأن لفظ الإخوة يطلق حقيقة على الذكور، وبطريق التغليب على الذكور والإناث، وعد د الاثنين في الميراث في حكم الجمع بإجماع الصحابة، وكما في ميراث الأخوين لأم، حيث قال النبي صلّى الله عليه وسلم : « الاثنان فما فوقهما جماعة » (2) . ولم ينص في الآية على حكم الأم مع الأب وأحد الزوجين، فاختلف فيه الصحابة كما يأتي:\rالثالثة - ثلث الباقي إذا كان مع الأبوين أحد الزوجين، وهي المسألة العمرية أو الغراء، كما في زوج وأب وأم، أو زوجة وأب وأم، ففي الأولى للزوج النصف ثلاثة من ستة وللأب الباقي تعصيباً، وللأم ثلث الباقي بعد فرض الزوج، وهو سهم من ستة. وفي الثانية للزوجة الربع من 12 لعدم الفرع الوارث وللأب الباقي تعصيباً وهو ستة، وللأم ثلث الباقي وهو ثلاثة أسهم.\rولو كان مكان الأب جد، فللأم ثلث جميع المال، وهي إحدى المسائل التي يخالف فيها الجد الأب.\rوتسمى هاتان المسألتان بالغراوين تثنية الغراء، تشبيهاً لهما بالكوكب الأغر لشهرتهما، وبالعمريتين لقضاء عمر رضي الله عنه فيهما بذلك.\r-------------------------------\r(1) السراجية: ص44-48، تبيين الحقائق: 231/6، الشرح الصغير: 622/4ومابعدها، مغني المحتاج: 15/3، الرحبية: ص30-31، المغني: 176/6، القوانين الفقهية: ص389.\r(2) رواه ابن ماجه وابن عدي عن أبي موسى، ورواه أحمد والطبراني وابن عدي عن أبي أمامة، ورواه الدارقطني عن ابن عمرو، بلفظ « اثنان .. » .","part":10,"page":443},{"id":6674,"text":"والدليل:\r1ً - قوله تعالى: { فإن لم يكن له ولد، وورثه أبواه فلأمه الثلث} [النساء:11/4] إذ يجب أن يكون المراد بالثلث فيه ثلث مايستحقه الأبوان، لا ثلث جميع المال، لئلا يكون قوله: { وورثه أبواه } [النساء:11/4] خالياً عن الفائدة، وثلث مايستحقانه هنا هو ثلث الباقي بعد فرض أحد الزوجين.\r2ً - لو أخذت الأم هنا ثلث جميع المال، لكان لها ضعف الأب، إن كان معهما زوج، أو قريب من نصيبه لو كان معهما زوجة، وهذا لايتفق مع النص الذي يقتضي أن يكون للأنثى نصف الذكر.\rوقال ابن عباس رضي الله عنهما: إن للأم في مسألة الغراوين ثلث التركة، لظاهر قوله تعالى: { فإن لم يكن له ولد، وورثه أبواه، فلأمه الثلث } [النساء:11/4] إذ يجب أن يكون المراد بالثلث فيه ثلث جميع التركة؛ لأن السدس منسوب إلى الكل، ولا فرض إلا بنص. ولقوله صلّى الله عليه وسلم : « ألحقوا الفرائض بأهلها، فما بقي فلأولى رجل ذكر» والأم ههنا ذات فرض مسمى، والأب عاصب بنفسه، فوجب أن تأخذ فرضها كاملاً، ويكون الباقي للأب قل أو كثر.\rوأجاب الجمهور: بأن معنى الآية: وورثه أبواه خاصة، وعن الحديث بأن العصوبة لم تتمحض في الأب.\rونص القانون المصري (م14) والسوري (م271) على أحوال الأم الثلاثة، وأخذ برأي الجمهور في مسألتي الغراوين.","part":10,"page":444},{"id":6675,"text":"8 - أحوال الجدة :\rالجدة: هي التي لايدخل في نسبتها إلى الميت جد رحمي، وهي أم أحد الأبوين، كأم الأم، وأم الأب، وأم أبي الأب، وأم أم الأم، وأم أم الأب. وتسمى بالجدة الصحيحة أو الثابتة. ويقابلها الجدة الرحمية أو الفاسدة: وهي التي يدخل في نسبتها إلى الميت جد رحمي كأم أبي الأم وأم أبي أم الأب، وهذه ليست من ذوات الفروض، وإنما هي من ذوات الأرحام. والجدة للأب أو الجدة للأم لها حالتان (1) :\rالأولى - السدس للواحدة فأكثر عند عدم الأم، سواء من أي جهة كانت، أبوية أو أمية أو من جهتهما ( ذات قرابتين ) إذا كن في حالة التعدد متحاذيات (متساويات) في الدرجة كأم أم، مع أم أب، فإنهما يقتسمان السدس بالسوية بينهما.\rفإن كن متفاوتات في الدرجة، فالقربى تحجب البعدى.\rالثانية - الحجب أو السقوط: تحجب الجدة مطلقاً ( أبوية أو أمية أو من جهتهما ذات قرابتين ) بالأم، وتحجب الجدة الأبوية بالأب. فمتى وجدت الأم فلا ترث واحدة من الجدات شيئاً، ومتى وجد الأب لاترث الأبوية، وكذلك لاترث الأبوية مع الجد إذا أدلت به كأم أبي الأب وإن لم تُدْل به فلا يحجبها وإن علت كأم أم الأب، فإنها ليست من قبله، بل هي زوجته أو أم زوجته.\rوأما الجدة الأمية: فلا تسقط بالأب، فلو توفي عن أب، وأم أم، ورثت معه السدس؛ لأنها لم تنتسب به.\rوالجدة ذات القرابتين: أن تزوج امرأة ابن ابنها بنت ابنها، فيلد منهما ولد، فهذه المرأة جدة لهذا الولد من جهة أبيه؛ لأنها أم أب أبيه، وهي جدة له من جهة أمه؛ لأنها أم أم أبيه. وذات القرابة الواحدة هي المحاذية لهذه الجدة، وهي أم أم أب الولد.\rوالسبب في حجب الجدة مطلقاً بالأم، وأنه لم تحجب بالأب إلا الأبويات:\r-------------------------------\r(1) السراجية: ص 48 - 51، تبيين الحقائق: 231/6، الشرح الصغير: 625/4، مغني المحتاج: 16/3، المغني: 206/6-212.","part":10,"page":445},{"id":6676,"text":"هو أن كلاً من اتحاد السبب والإدلاء له تأثير في الحجب، فأم الأب تحجب بالأب للإدلاء فقط، وتحجب بالأم لاتحاد السبب وهو الأمومة. وأما أم الأم فترث مع الأب، لانعدام كل من الإدلاء واتحاد السبب، وتحجب بالأم لوجود كلا الأمرين، فالملاحظ دائماً في الحجب أحد أمرين: الإدلاء أو اتحاد السبب.\rوالدليل على إرث الجدة: أن النبي صلّى الله عليه وسلم أعطى الجدة السدس (1) ، وأنه قضى للجدتين من الميراث بالسدس (2) ، وأنه جعل للجدة السدس إذا لم يكن دونها أم (3) ، وأنه أعطى ثلاث جدات السدس، ثنتين من قبل الأب، وواحدة من قِبَل الأم (4) ، وجعل أبو بكر السدس للجدة من قبل الأم (4) .\rمعرفة الجدة الوارثة: وأما طريق معرفة الجدة الوارثة عند تعدد الجدات: فهو أنه إذا اجتمع جدات، فالوارث منهن من قبل الأم واحدة أبداً؛ لأنه متى تخللهن أب يكون فاسداً، وإنما يقع التعدد في التي من قبل الأب، ويتعدد ذلك بتعدد الدرجة، ففي الدرجة الثانية للجدودة يرث من الميث اثنتان أبويتان إذ يصبح لكل أب وأم أب وأم، وفي الدرجة الثالثة، أي التي تبعد عن الميت بثلاث درجات يرث منه ثلاث أبويات، وفي الرابعة أربعة، وفي الخامسة خمس، وهكذا في كل درجة لاتزيد إلا وارثة واحدة، والجدة القربى من أي جهة كانت تحجب البُعْدى من أي جهة كانت. فأم الأب تحجب أم أم الأم، وأم أب الأب، وأم أم الأب؛ لأنها أقرب منهن درجة، فتقدم عليهن في الإرث.\r-------------------------------\r(1) رواه الخمسة إلا النسائي عن قبيصة بن ذؤيب، وصححه الترمذي.\r(2) رواه أبو داود عن عبادة بن الصامت.\r(3) رواه الدارقطني مرسلاً عن عبد الرحمن بن يزيد.\r(4) رواه مالك في الموطأ عن القاسم بن محمد ( راجع الكل في نيل الأوطار: 59/6).","part":10,"page":446},{"id":6677,"text":"وأم الأم تحجب أم أب الأب، وأم أم الأب، وأم أم الأم وهكذا؛ لأنها أقرب منهن درجة.\rويعرف عدد الجدات الوارثات: بأن تذكر بمقدار العدد الذي تريده بلفظ (أم) ثم تبدل الأم الأخيرة من طرف الميت بأب، في كل مرتبة إلى أن يبقى أم واحدة، فلو سئل إنسان عن أربع جدات وارثات مثلاً، قال: أم أم أم أم، أم أم أم أب، أم أم أب أب، أم أب أب أب، فالأولى أمية، والباقي أبويات.\rونص القانون المصري (م14) والسوري (م272) على حالات الجدة.\rأمثلة :\rأ - مات شخص عن: أم، أم أم، أب: للأم الثلث، ولا شيء لأم الأم؛ لأنها محجوبة بالأم، وللأب الباقي.\rب - مات عن: أب أب، أب أم، أم أب الأب: المال كله لأبي الأب، ولاشيء لأبي الأم؛ لأنه جد رحمي، ولا لأم أبي الأب؛ لأنها محجوبة بأبي الأب.\rجـ - مات عن أربع جدات: وهن أم أم أم، وأم أم أب، وأم أب أب، وأم أبي الأم، وعم: ترث الجدات الثلاث الأوائل السدس مشتركاً بينهن، ولا شيء للجدة الرابعة؛ لأنها جدة رحمية ( فاسدة غير صحيحة ) أدلت إلى الميت بجد رحمي (فاسد ) والباقي للعم؛ لأنه عصبة.\rأمثلة عامة مع حلها وتعليلها :\r1 - ماتت امرأة، وتركت: زوجاً، وأختاً شقيقة، وأخاً لأب. للزوج النصف، وللأخت النصف، ولا شيء للأخ لأب؛ لأنه عصبة لم يبق له شيء.\r2 - مات رجل وترك: ابناً، وزوجة، وأباً، وأماً: للزوجة الثمن، وللأب السدس، وللأم السدس، والباقي 24/13 للابن؛ لأنه عصبة .\r3 - ماتت امرأة عن زوج وأب وأم وابن: للزوج الربع هنا بسبب الابن، وللأب السدس، وللأم السدس، والباقي 12/5 للابن العاصب النسبي.\r4 - ماتت امرأة عن ابنين، وزوج، وأب، وجدة أم أم: للزوج الربع، ولكل من الأب والجدة السدس، والباقي 24/10 للابنين لكل منهما: 5 .","part":10,"page":447},{"id":6678,"text":"5 - مات رجل عن: زوجة، وبنت، وبنت ابن، وابن ابن ابن، وأم: للزوجة الثمن، وللبنت النصف، ولبنت الابن: السدس تكملة الثلثين، وللأم السدس، والباقي 24/1 لابن ابن الابن.\r6 - مات رجل عن: زوجة، وأب، وبنتين، وابن ابن ابن: للزوجة الثمن بسبب البنتين، وللأب السدس، وللبنتين الثلثان، والباقي 24/1 لابن ابن الابن تعصيباً.\r7 - مات رجل عن: زوجة، وأب، وأم، وبنتين: للزوجة الثمن، وللبنتين الثلثان، وللأم السدس، وللأب السدس فرضاً، ولاشيء له يأخذه تعصيباً، وتعول المسألة من (24 إلى 27).\r8 - ماتت امرأة عن أب وبنتين وزوج:\rللزوج الربع، وللبنتين الثلثان، وللأب السدس، ولاشيء له يأخذه تعصيباً، وتعول المسألة من (24 إلى 27).\r9 - مات رجل عن: زوجة، وأب، وبنت، وبنت ابن، وابن ابن: للزوجة الثمن، وللأب السدس، وللبنت النصف، والباقي 24/5 لبنت الابن وابن الابن؛ لأنهما عصبة بالغير، فتأخذ بنت الابن 72/5 ، وابن الابن 72/10 .\r10 - ماتت امرأة عن: زوج وبنت ابن: للزوج الربع فرضاً، ولبنت الابن النصف فرضاً، والباقي وهوالربع بالرد.\r11 - ماتت امرأة عن: زوج، وبنت ابن، وشقيقة، وأم: للزوج الربع فرضاً، وللأم السدس فرضاً، والباقي 12/1 للشقيقة مع بنت الابن عصبة مع الغير.\r12 - ماتت امرأة عن: زوج ، وأخت شقيقة، وأخت لأب، وأخت لأم: للزوجة النصف فرضاً، وللأخت لأم السدس فرضاً، وللشقيقة النصف، وللأخت لأب السدس، تكملة الثلثين، وتعول المسألة من (6 إلى 8).\r13 - مات رجل عن: زوجة، وأخت شقيقة، وأم: الجميع من أصحاب الفروض، فللزوجة الربع، وللشقيقة النصف، وللأم الثلث؛ إذ ليس معها فرع وارث للميت، ولا اثنان من الإخوة والأخوات، وتعول المسألة من (12 إلى 13).","part":10,"page":448},{"id":6679,"text":"الفَصْلُ التَّاسع : العصبات :\rتعريف العصبة، وتقسيم العصبات، وأنواعها، وحكم إرث كل نوع (1) .\rالعصبات جمع عصبة، وهو الذكر من أقارب الميت الذي لم تدخل في نسبته إلى الميت أنثى، فعصبة الرجل: أبوه وبنوه وقرابته لأبيه. وسموا عصبة؛ لأنهم يحيطون بالإنسان القريب ويذودون عنه.\rوقد استعمل الفقهاء لفظ ( العصبة ) في الواحد؛ لأنه يقوم مقام الجماعة في إحراز جميع المال، مع أن الأصل في لفظ العصبة جمع. وقالوا في مصدرها: العصوبة.\rوالذكر يعصِّب الأنثى، أي يجعلها عصبة، ويطلق العصبة على الواحد والجمع والمذكر والمؤنث، ويجمع على عصبات.\rوالعصبة في علم الميراث: كل من يحوز التركة إذا انفرد بها، أو يحوز ما أبقاه أصحاب الفرائض، وإذا لم يبق عنهم شيء، فلا يرث شيئاً. فهم في المرتبة بعد أصحاب الفرائض .\rوبإيجاز: العصبة في عرف الفرضيين: من لم يكن له نصيب مقدر.\rوحكمه: أن يأخذ ما أبقت الفروض، ويستقل بالكل إذا انفرد.\rتقسيم العصبة :\rتنقسم العصبة إلى قسمين: عصبة نسبية، وعصبة سببية.\r1 ً - العصبة السببية: هي عصبة المعتق لمن أعتقه، ثم عصبته على ترتيب العصبة بالنفس الآتي. فهو أي مولى العتاقة يرث من أعتقه إن لم يكن له وارث صاحب فرض ولا عصبة نسبية، فهي قرابة حكمية، سببها العتق لإنعام السيد على العبد. ولا داعي لبحث هذا النوع لعدم وجود الرقيق، ويحتاج إليه المتخصص فقط.\r-------------------------------\r(1) السراجية: ص 70-82، تبيين الحقائق: 237/6 ومابعدها، اللباب: 193/4 ومابعدها، الشرح الصغير: 625/4-631، مغني المحتاج: 17/3-20، الرحبية: ص 38، المغني: 168/6، 175، 182، الدرا لمختار:546/5-550، كشاف القناع: 470/4-476.","part":10,"page":449},{"id":6680,"text":"وترتيب عصبة المعتق هو أن ابن المعتق أولى عصباته، ثم ابن ابنه، وإن سفل، ثم أبوه، ثم جده وإن علا، لقوله عليه الصلاة والسلام: «الولاء لُحْمة كلُحمة النَّسَب» (1) لأن المعتِق سبب لإحياء المعتَق، كما أن الأب سبب لإيجاد الولد، باعتبار أن الحرية حياة الإنسان، لإثبات صفة المالكية له، كما أن الأب سبب لإيجاد الولد، باعتبار أن الحرية حياة الإنسان، لإثبات صفة المالكية له، والرق تلف وهلاك، وكما أن الولد يصير منسوباً لأبيه، كذلك المعتَق يصير منسوباً إلى معتقه بالولاء، وبما أن الإرث بالنسب، فكذلك يثبت بالولاء. وذلك في حدود المعتق وعصبته، فالشرع جعل صلة المعتق بعتيقه في حكم صلة القريب بقريبه، فيرث منه جميع المال إذا انفرد، والباقي بعد أصحاب الفروض إذا وجدوا.\rولا شيء للإناث من ورثة المعتِق، إلا بسبب ولاء عتيقهن، لقوله عليه الصلاة والسلام: «ليس للنساء من الوَلاء إلا ما أعتقن، أو أعتق من أعتقن...» (2) .\rوذكر سابقاً دليل الإرث بسبب العتق، وهو قوله عليه الصلاة والسلام: «الولاء لمن أعتق» .\rومرتبة العصبة السببية بعد مرتبة العصبة النسبية، وقبل مرتبة الرد على ذوي الفروض، وإرث ذوي الأرحام.\rوروي عن عمر وابن مسعود وابن عباس وكثير من الصحابة والتابعين أن إرث العصبة السببية مؤخر عن إرث ذوي الأرحام.\rوأخذ القانون المصري بمذهب ابن مسعود ومن معه، فأصبح العاصب السببي لا يرث، إلا إذا لم يوجد للمتوفى وارث أصلاً بالقرابة أو الزوجية.\r-------------------------------\r(1) رواه الطبري عن عبد الله بن أبي أوفى، والحاكم والبيهقي عن ابن عمر، وتتمته: «لا يباع ولا يوهب» وهوصحيح.\r(2) أخرج ابن أبي شيبةوعبد الرزاق والدارمي والبيهقي من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي قال: «ميراث الولاء للأكبر من الذكور، ولا ترث النساء من الولاء إلا ولاء من أعتقن أو أعتقه من أعتقن» (نيل الأوطار: 69/6) وقال في الدر المختار (550/5) عن حديث «ليس للنساء...» : وهو وإن كان فيه شذوذ (انفراد راو به) لكنه تأيد بكلام كبار الصحابة، فصار بمنزلة المشهور.","part":10,"page":450},{"id":6681,"text":"2 ً - العصبة النسبية وأنواعها وحكم كل نوع :\rتعريف العصبة النسبية: هم أقارب الميت الذكور، الذين لا تتوسط بينهم وبين الميت أنثى، كالابن والأب والأخ والعم، والبنت بأخيها، والأخت مع البنت. وهم يرثون ما أبقى ذوو الفروض، فإن تخللت أنثى في النسبة إلى الميت، كان الشخص من ذوي الأرحام كأبي الأم، وابن البنت، أو من ذوي الفروض كالأخ لأم.\rودليل توريثهم: قوله تعالى: {يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين} [النساء:11/4] ثم بين نصيب الأب والأم، فدل على أن الأولاد يأخذون الباقي بعد نصيب الأب والأم.\rودل قوله سبحانه: {وإن كانوا إخوة رجالاً ونساء، فللذكر مثل حظ الأنثيين} [النساء:176/4] على أن جهة الأخوة من جهات العصبة النسبية.\rودلت الآيتان أيضاً على أن الأنثى صاحبة الفرض تصبح عصبة بأخيها، احتفاظاً بمبدأ كون حصة الذكر ضعف الأنثى.\rوصرحت السنة بإثبات التعصيب لكل قريب من الرجال يتصل بالميت عن طريق الرجال، في قوله عليه الصلاة والسلام: «ألحقوا الفرائض بأهلها، فما أبقت الفرائض، فلأولى رجل ذكر» والمراد أولوية القرابة.","part":10,"page":451},{"id":6682,"text":"أنواعها: تنقسم العصبة النسبية إلى ثلاثة أنواع:\r1 - العصبة بالنفس :\rوهي كل ذكر قريب للمتوفى، لا تدخل في نسبته إلى الميت أنثى. وهم أربع جهات مقدم بعضها على بعض، ينحصرون في اثني عشر نفساً، على الترتيب التالي عند الإمام أبي حنيفة:\rأ ـ جهة البنوة: وهي جزء الميت، من الابن وابن الابن مهما نزل.\rب ـ جهة الأبوة: وهي جزء أبي الميت، من الأخ الشقيق أو لأب، وابن الأخ الشقيق أو لأب.\rج ـ جهة الأخوة: وهي جزء أبي الميت ، من الأخ الشقيق أو لأب ، وابن الأخ الشقيق أو لأب.\rد ـ جهة العمومة: وهي جزء جد الميت، من العم الشقيق ثم لأب، وبعدهما ابن العم الشقيق ثم لأب مهما نزل درجة بعد درجة، ثم عم أبيه الشقيق أو لأب، أو ابن عم أبيه الشقيق أو ابن عم أبيه لأب، ثم عم الجد، ثم ابنه. ويقدم القريب على البعيد.\rوتقدم جهة البنوة على جهة الأبوة، وجهة الأبوة على جهة الأخوة، وهذه تقدم على جهة العمومة.\rوالترجيح يكون أولاً بالجهة، ثم بقرب الدرجة، ثم بقوة القرابة، قال العلامة الجعبري:\rفبالجهة التقديم، ثم بقربه ..... ..... وبعدهما التقديم بالقوة اجعلا\rأي أن التقديم يكون بالجهة أولاً من الجهات السابقة، ثم بالقرب إلى الميت، ثم بالقوة أي الشقيق مقدم على الذي لأب.\rأولاً ـ الترجيح بالجهة: يرجح أولاً بالجهة، فإذا كان بعض العصبة من جهة البنوة، والآخر من جهة الأبوة، فتقدم الأولى على الثانية، أي جهة الفرع مقدمة على جهة الأصل، وهذه مقدمة على جهة الأخوة، وهذه مقدمة على جهة العمومة.\rفابن الميت وابن ابنه وإن نزل مقدمان في الميراث بالعصوبة على أصوله، والأصول مقدمون على الإخوة وبينهم، وهؤلاء مقدمون على الأعمام وبنيهم.\rفلو ترك الميت ابناً وأباً، أو ترك أباً وأخاً، أو ترك أخاً وعماً، قدم الابن فأخذ الباقي بالعصوبة، وأخذ الأب فرضه وهو السدس فقط. وفي المثال الثاني: المال كله للأب بالتعصيب، ولا شيء للأخ. وفي المثال الثالث: المال كله للأخ تعصيباً، ولاشيء للعم.","part":10,"page":452},{"id":6683,"text":"والسبب في تقدم البنين على الأب: هو أن فرع الإنسان أشد اتصالاً به من أصوله، ولقوله تعالى: {ولأبويه لكل واحد منهما السدس مما ترك، إن كان له ولد} [النساء:11/4] فإنه جعل الأب صاحب فرض، والولد عصبة.\rوقدم بنو البنين وإن نزلوا على الأب؛ لأنهم من جهة البنوة وهي مقدمة على الأبوة.\rوالأصول أقرب الى الإنسان من الإخوة، إذ الأصول واسطة في صلة الأخوة، فقدموا عليهم في الإرث.\rثانياً ـ الترجيح بقرب الدرجة إلى الميت: ثم يرجح بقرب الدرجة، فمن كان أقرب درجة، قدم على غيره، فيقدم الابن على ابن الابن، والأب على الجد، والأخ على ابن الأخ، والعم على ابن العم، وعم الميت على عم أبيه. ولا اعتبار حينئذ لقوة القرابة، فالأخ لأب يحجب ابن الأخ الشقيق، والعم لأب يحجب ابن العم الشقيق.\rثالثاً ـ الترجيح بقوة القرابة: ثم يرجح بقوة القرابة من المتوفى إذا اتحدت الدرجة، فيقدم ذو القرابتين على ذي القرابة الواحدة، كالأخ الشقيق يقدم على الأخ لأب، وابن الأخ الشقيق يقدم على ابن الأخ لأب، والعم لأبوين على العم لأب، وابن العم لأبوين على ابن العم لأب، وهكذا الحال في عم أبيه وعم جده.\rفإذا استوى العصبات في الجهة والدرجة وقوة القرابة، استحق الجميع على السواء، فلو ترك ابن أخ وعشرة بني أخ آخر، قسم المال بينهم باعتبار رؤوسهم لا أحوالهم.\rترتيب العصبات عند الجمهور: كان الترتيب السابق مذهب أبي حنيفة، أما الجمهور ( وهم الأئمة الثلاثة والصاحبان ) وبه أخذ القانون في مصر وسورية، فاعتبروا الجد مع الإخوة في منزلة واحدة من العصوبة، إذ أن الإخوة الأشقاء لايحجبهم من الأصول غير الأب عندهم.\rويكون ترتيب العصبات عندهم بحسب الآتي:\r1 - جهة البنوة أو جزء الميت: وهم البنون وأبناؤهم وإن نزلوا.\r2 - جهة الأبوة أو أصل الميت: وهي قاصرة على الأب فقط.\r3 - الجد مع الإخوة الأشقاء أو لأب، دون أبنائهم.\r4 - أبناء الإخوة الذكور الأشقاء أو لأب، مهما نزلوا.\r5 - جهة العمومة: وتشمل كما تقدم أعمام الميت وأعمام أبيه وجده، مهما علوا، وبنوهم.","part":10,"page":453},{"id":6684,"text":"2 - العصبة بالغير :\rهي كل أنثى لها فرض مقدر وجد معها ذكر من درجتها، فتصير به عصبة. ولا يكون هذا النوع إلا فيمن فرضه النصف عند الانفراد والثلثان عند التعدد، وهي أربعة فقط:\r(1) البنت الواحدة فأكثر مع الابن من درجتها. أما مع ابن الابن فتكون ذات فرض.\r(2) بنت الابن الواحدة فأكثر مع ابن الابن من درجتها، سواء أكان أخاها أو ابن عمها، وكذا مع ابن ابن الابن أنزل منها، تتعصب به إذا احتاجت إليه بأن لم يكن لها شيء من الثلثين، ولو كان أدنى منها درجة، حتى لاتحرم من الميراث، وتأخذه من هي أدنى منها. فإن لم تحتج إليه كبنت وبنت ابن فلا يعصبها. وإذا كان ابن الابن أعلى درجة من بنت الابن فيحجبها، كبنت ابن ابن مع ابن ابن.\r(3) الأخت الشقيقة بشقيقها. فإن كان معها أخ لأب فلها النصف فرضاً، وللأكثر الثلثان.\r(4) الأخت لأب مع الأخ لأب، سواء أكان شقيقاً لها أم لا. أما الأنثى التي لافرض لها وأخوها عصبة كالعمة مع العم، وبنت العم مع ابن العم، وبنت الأخ مع ابن الأخ، فلا تكون عصبة بأخيها؛ لأنها ليست صاحبة فرض.\r3 - العصبة مع الغير :\rهي كل أنثى تصير عصبة باجتماعها مع أنثى أخرى، ولها حالتان فقط:\r(1) الأخت الشقيقة واحدة فأكثر، مع بنت أو بنات ، أو بنت ابن أو بنات ابن. (2) الأخت لأب واحدة فأكثر، كذلك مع بنت أو بنات، أو بنت ابن أو بنات ابن، فالباقي عن البنت أو البنات أو بنت الابن أو بنات الابن، للأخت أو للأخوات بالتعصيب معهن، للقاعدة السابقة: ( اجعلوا البنات مع الأخوات عصبة) ولقضاء النبي صلّى الله عليه وسلم للأخت مع البنت وبنت الابن بما بقي.\rوتصبح الأخت الشقيقة التي تصير عصبة مع البنت أو بنت الابن، كأخ شقيق، فتحجب الإخوة لأب مطلقاً.","part":10,"page":454},{"id":6685,"text":"وتصبح الأخت لأب التي تصير عصبة مع الغير، أي مع البنت أو بنت الابن كأخ لأب، فتحجب ابن الأخ الشقيق، فمن بعده.\rأما إن كان مع الأخت أخوها، فتصير عصبة بالغير، لا مع الغير، كما بينت، ويكون الباقي بينها وبينه للذكر مثل حظ الأنثيين.\rمثال الحالة الأولى: بنت، بنت ابن، أخت شقيقة، أخ لأب: للبنت النصف، ولبنت الابن السدس تكملة للثلثين، وللأخت الباقي، ولا شيء للأخ لأب؛ لأنه محجوب بالشقيقة حيث صارت عصبة مع البنت وبنت الابن.\rوأما القانون المصري (م16-22) والسوري ( م274-280) فنصا على أنواع العصبة بالنفس، وطريق الترجيح، وأحوال الجد مع الإخوة على النحو السابق المقرر فقهاً.\rأمثلة :\r1 - مات عن: أب وابن وبنت وأخت شقيقة : للأب السدس فقط، ولا شيء له تعصيباً، لوجود الابن، وللابن والبنت للذكر ضعف الأنثى، ولا شيء للشقيقة لسقوطها بالابن وبالأب. 2 - مات عن: جد، وبنت، وأخ شقيق: للبنت النصف، والباقي للأخ والجد.\r3 - ماتت عن: زوج، وأخ لأم، وأخ شقيق، وأخت شقيقة: للزوج النصف، وللأخ لأم السدس، والباقي بين الأخ والأخت للذكر ضعف الأنثى.\r4 - مات عن: بنت، بنت ابن، ابن ابن، ابن ابن ابن: للبنت النصف، ولبنت الابن مع ابن الابن الباقي، ولا شيء للأخير.\r5 - مات عن: بنت ابن، أخت لأب، عمة: لبنت الابن النصف، وللأخت لأب الباقي تعصيباً مع ابنة الابن، ولا شيء للعمة.\r6 - زوج وبنت ابن وأخت شقيقه وجدة: للزوج الربع، ولبنت الابن النصف، وللجدة السدس من (12)، وللشقيقة الباقي؛ لأنها عصبة مع بنت الابن.\r7 - مات عن: بنت، وأخت لأب وأخ لأب، وزوجة: للبنت النصف، وللزوجة الثمن، وللأخت لأب والأخ لأب الباقي عصبة بالغير.\r8 - مات عن: بنتين، وبنتي ابن، وبنت ابن ، وابن ابن، وبنت ابن ابن، وأب: للبنتين الثلثان ، وللأب السدس، ولبنتي الابن مع ابن الابن الباقي تعصيباً، ولا شيء لبنت ابن الابن لحجبها بابن الابن.\r9 - مات عن: بنت، وبنت ابن وأخت شقيقة: للبنت النصف، ولبنت الابن السدس، وللشقيقة الباقي عصبة مع الغير.\r10 - زوج، شقيقة، وأخت لأب، وأخ لأب: للزوج النصف، وللشقيقة النصف، والأخيران عصبة، لاشيء لهما إذ لم يبق لهما شيء، ولولا الأخ لأخذت الأخت السدس. 11 - بنت، وبنت ابن، وابن ابن ابن: للبنت النصف، ولبنت الابن السدس، والباقي للأخير عصبة، لاستغناء بنت الابن عنه.\r12 - بنت، بنت ابن، بنت ابن ابن، ابن ابن ابن ابن: للبنت النصف، ولبنت الابن السدس، والباقي للأخيرين عصبة، لاحتياجها إليه.\r13 - زوج، وأم، وأخ لأم، وشقيقة، وشقيق: للزوج النصف، وللأم السدس، وللأخ لأم السدس، والباقي للأخيرين عصبة.\r14 - زوج، بنت، جدة، أخت لأب: للزوج الربع، وللبنت النصف، وللجدة السدس، والباقي للأخت لأب تعصيباً.","part":10,"page":455},{"id":6686,"text":"الفَصْلُ العاشر : المسائل الشّواذ :\rهناك مسائل شاذة مستثناة من القواعد العامة للميراث، أهمها مايأتي: المنبرية، والغراوان، والخرقاء، والأكدرية، والمالكية وأختها، والمشرَّكة (1) ، أوضحها هنا بنحو مستقل لتسهيل الرجوع إليها، وإن أشير إليها في مواضع أخرى، علماً بأن حديث المشتركة أخرجه البيهقي عن زيد بن ثابت، وحديث الحمارية أخرجه الحاكم والبيهقي عن زيد، وحديث الخرقاء أخرجه البيهقي أيضاً، وحديث الأكدرية أخرجه البيهقي أيضا ً، وحديث المنبرية أخرجه البيهقي كذلك عن علي (2) .\r1 - المنبرية :\rهي مسألة من مسائل العول، تعول فيها الـ (24 إلى 27 ) عند اجتماع الثمن والسدس، كما في زوجة وبنتين وأم وأب: للزوجة الـ 8/1 ، وللبنتين الـ 3/2 ، وللأم الـ 6/1 ، وللأب الـ 6/1 ، تكون المسألة من 24، وتعول إلى 27. وتسمى المنبرية؛ لأن علياً رضي الله عنه أفتى فيها وهو على المنبر.\r-------------------------------\r(1) السراجية: ص 46، 153، القوانين الفقهية: ص 389-393، 397، الشرح الصغير: 623/4، 638، الشرح الكبير: 462/4، مغني المحتاج: 15/3، 17، 23، الرحبية: ص 33، 47، 52، 59، 60، المغني: 179/6-180، 223، 226، كشاف القناع: 475/4 وما بعدها، غاية المنتهى: 387/2.\r(2) نصب الراية: 429/4.","part":10,"page":456},{"id":6687,"text":"2 - الغراوان أو العمريتان :\rمسألتان يكون فيهما أحد الزوجين مع الأم والأب، فالمسألة الأولى: هي زوج وأب وأم، والمسألة الثانية: هي زوجة وأب وأم، والحكم فيهما أن يأخذ أحد الزوجين فرضه، ويقسم الباقي أثلاثاً: ثلثان للأب، وثلث للأم، ويكون فرض الأم إذن ثلث الباقي بعدالزوج أو الزوجة، وهو الربع في الأولى، والسدس في الثانية، وللأب الثلثان مما بقي بعدهما. وذلك خلافاً للأصل الذي هو أخذ الأم فرضها من رأس المال، وقد سميتا بالعمرتين؛ لأن عمر رضي الله عنه قضى فيهما بهذا القضاء، واتبعه فيه عثمان وزيد بن ثابت وابن مسعود، وروي الحكم عن علي، وهو رأي الجمهور.\rوروي عن ابن عباس أنه قال: تأخذ الأم ثلث أصل التركة في هاتين الصورتين، الذي هو فرضها الأصلي، مستدلاً بأنه تعالى جعل لها أولاً سدس التركة مع الولد بقوله سبحانه: {ولأبويه لكل واحد منهما السدس مما ترك إن كان له ولد} [النساء:11/4] ثم ذكر تعالى أن لها مع عدم الولد الثلث بقوله: {فإن لم يكن له ولد، وورثه أبواه فلأمه الثلث} [النساء:11/4] فيفهم منه أن المراد ثلث أصل التركة أيضاً. وأجيب بأن معنى قوله تعالى: {فإن لم يكن له ولد وورثه أبواه فلأمه الثلث} [النساء:11/4] هو أن لها ثلث ما ورثاه، سواء أكان جميع المال أم بعضه؛ لأنه لو أريد ثلث الأصل، لكفى في البيان: «فإن لم يكن له ولد، فلأمه الثلث» ويلزم منه أن يكون قوله: {وورثه أبواه} [النساء:11/4] خالياً عن الفائدة.","part":10,"page":457},{"id":6688,"text":"3 - الخرقاء :\rهي أم وجد وأخت، قال زيد بن ثابت ومالك والشافعي وأحمد: للأم الثلث، وما بقي يقتسمه الجد والأخت، للذكر مثل حظ الأنثيين.\rوقال علي: للأم الثلث، وللأخت النصف، وللجد ما بقي وهو السدس.\rوقال ابن عباس: لا شيء للأخت، وهو مذهب أبي حنيفة.\rسميت بذلك لتخرق أقوال الصحابة فيها، أو لأن الأقوال خرقتها لكثرتها.\r4 - الأكدرية أو الغراء :\rهي زوج، وأم، وجد، وأخت شقيقة أو لأب:\rقال الجمهور غير أبي حنيفة عملاً بمذهب زيد بن ثابت: لا يفرض للأخت النصف مع جد، بل ترث معه البقية إلا في الفريضة الأكدرية، فيكون للزوج النصف، وللأم الثلث، وللجد السدس، وللأخت النصف، فلا تسقط، وتعول المسألة إلى (9) ، وتصح من (27)، للزوج (9) ، وللأم (6) ، وللأخت (4) ، وللجد (8) ، بأن يضم الواحد الذي أعطي للجد إلى الثلاثة المعطاة للأخت، ويقتسمان جملة الأربعة بينهما للذكر مثل حظ الأنثيين ، أي على مبدأ المقاسمة بين الجد والأخت. وسميت بالأكدرية؛ لأنها كدرت على زيد مذهبه من ثلاثة أوجه: أعال بالجد، وفرض للأخت، وجمع سهام الفرض وقسمها على التعصيب.\rوذهب عمر وعلي وابن مسعود إلى توريث الأخت النصف أيضاً، لكن بدون ضمّ نصيبها إلى نصيب الجد، فالخلاف بين هذا الرأي ومذهب زيد هو تعيين المقدار الراجع إلى الأخت، مع الاتفاق على عدم إسقاطها.\rوأخذ أبو حنيفة بقول ابن عباس وأبي بكر: وهو إسقاط الأخت فلا تأخذ شيئاً.","part":10,"page":458},{"id":6689,"text":"5 - المشرَّكة أو الحجرية أو الحمارية :\rوهي زوج وأم (أو جدة) وإخوة أشقاء وإخوة لأم: الأصل فيها أن لا ميراث للأشقاء؛ لأنهم عصبة يأخذون ما أبقت الفروض، وهنا استغرقت الفروض التركة، إذ للزوج النصف، وللأم السدس، وللإخوة لأم الثلث، ويفرغ المال.\rولكن المالكية والشافعية أخذاً برأي عمر وعثمان وزيد ذهبوا إلى التشريك بين الأشقاء والإخوة على السواء: الأشقاء ولأم، ذكوراً وإناثاً، لقول الأشقاء لسيدنا عمر: هب أن أبانا كان حماراً أو حجراً، فنرث بأمنا، فسميت حمارية أو حجرية، كما سميت مشتركة أو مشرَّكة لاشتراك الأشقاء مع الإخوة لأم، فيكون الشقيق وهو عاصب قد ورث مع استغراق الفروض، وهو خلاف الأصل.\rوقال علي وأبو حنيفة وأحمد بن حنبل وداود رضي الله تعالى عنهم أجمعين: لا شيء للإخوة الأشقاء؛ لأنهم عصبة، وقد تم المال بالفروض، ويوزع المال على النحو السابق: للزوج النصف، وللأم السدس، وللإخوة لأم الثلث، عملاً بظاهر الآية: {وإن كان رجل يورث كلالة أو امرأة وله أخ أو أخت، فلكل واحد منهما السدس} [النساء:176/4] ولا خلاف في أن المراد بهذه الآية ولد الأم على الخصوص، وعملاً بظاهر آية أخرى هي: {وإن كانوا إخوة رجالاً ونساء، فللذكر مثل حظ الأنثيين} [النساء:176/4] يراد بهذه الآية سائر الإخوة والأخوات ، والفريق الأول يسوون بين ذكرهم وأنثاهم.\rوقال النبي صلّى الله عليه وسلم : «ألحقوا الفرائض بأهلها، فما بقي فلأولى رجل ذكر» ومن شرَّك فلم يلحق الفرائض بأهلها، وولد الأبوين (الأشقاء) عصبة لا فرض لهم، وقد تم المال بالفروض، فوجب أن يسقطوا، كما لو كان مكان ولد الأم ابنتان.\rأم الفروخ أوالشريحية: سميت بأم الفروخ؛ لأنها أكثر المسائل عولاً، فشبهت الزوائد الأربعة بالفروخ، وسميت بالشريحية؛ لحدوثها في زمن القاضي شريح: إذا كان مكان الإخوة لأبوين أو لأب أخوات لأبوين أو لأب فأكثر، مع وجود الزوج والأم أو الجدة والإخوة لأم، تعول المسألة إلى عشرة: للزوج النصف ثلاثة، وللأم أو الجدة: السدس واحد، وللإخوة لأم: الثلث اثنان، وللأخوات الشقيقات أو لأب: الثلثان أربعة.","part":10,"page":459},{"id":6690,"text":"6 - الفريضة المالكية :\rأن تترك المتوفاة زوجاً وأماً وجداً وأخاً لأب وإخوة لأم: أي أن يكون في الوارثين إخوة لأب مكان الإخوة الأشقاء في المسألة المتقدمة (الحجرية).\rفمذهب زيد والشافعي: أن الجد يأخذ السدس، والباقي للإخوة لأب، ولا شيء للإخوة لأم.\rوخالف المالكية مذهب زيد في هذه المسألة، فقالوا: يأخذ الزوج النصف، والأم السدس، ويأخذ الجد وحده كل الباقي، ولا يأخذ الإخوة سواء لأب أو لأم شيئاً؛ لأن الجد يحجب الإخوة لأم، وإذا حجبهم كان أحق بالباقي.\r7 - أخت المالكية أو شبه المالكية :\rأن يكون في المسألة السابقة مكان الأخ لأب أخ شقيق، فمذهب زيد والشافعي: أن الجد يأخذ السدس من رأس المال، فرضاً، والباقي للعصبة وهم الإخوة الأشقاء.\rوخالف مالك في هذه المسألة مذهب زيد وجعلها مستثناة، وقال: يأخذ الجد الباقي كله بعد ذوي السهام، دون الأخ، فلا شيء للإخوة، لا للأشقاء ولا لأب.\r8 - اليتيمتان: وهما مسألتان: الأولى ـ أن تترك المتوفاة زوجاً وأختا ً شقيقة، أو تترك زوجاً وأختاً لأب، فتكون المسألة من (2) لكل من الوارثين واحد.\r9 - أم الأرامل: أن يترك المتوفى ثلاث زوجات وجدتين وأربع أخوات لأم، وثمان أخوات شقيقات، للزوجات الربع، وللجدتين السدس، وللأخوات لأم الثلث، وللأخوات الشقيقات الثلثان، المسألة من (12) وتعول إلى (17)، سميت بذلك لأن الورثة كلهن إناث.\r10 - المروانية: أن تترك المتوفاة زوجاً وأختين شقيقتين وأختين لأب وأختين لأم، يكون للزوج النصف، وللشقيقتين الثلثان، وتحجب الأختان لأب، وللأختين لأم الثلث، المسألة من (6 وتعول إلى 9). سميت بذلك لوقوعها في زمن مروان بن الحكم .","part":10,"page":460},{"id":6691,"text":"11 - الحمزية: أن يترك المتوفى ثلاث جدات متحاذيات، وجداً ، وأختاً شقيقة، وأختاً لأب، وأختاً لأم، للجدات السدس، والجد والشقيقة ولأب عصبات، والأخت لأم محجوبة بالجد، المسألة من (6، يضرب 3) عدد الجدات بعدد رؤوس الجد والأختين وهو (4) والحاصل (14) يضرب بأصل المسألة وهو (6) فيكون الحاصل (72). سميت بذلك لأن حمزة الزيات أجاب عنها بهذا الجواب.\r12 - الدينارية: أن يترك المتوفى زوجة وجدة وبنتين واثني عشر أخاً لأب وأختاً لأب، للزوجة الثمن، وللجدة السدس، وللبنتين الثلثان، وبقية الورثة عصبة. المسألة من (24)، وتصح من (600) بضرب (24 في 25) عدد رؤوس الإخوة لأب 24 والأخت لأب (1=25) والحاصل (600). وسميت بالدينارية؛ لأن المورث خلف ست مئة دينار، وسبعة عشر وارثاً ذكوراً وإناثاً، أصاب أحدَهم وهو الأخت لأب دينار واحد.\r13 - الامتحان: أن يترك المتوفى أربع زوجات وخمس جدات وسبع بنات وتسع أخوات لأب، للزوجات الثمن، وللجدات السدس، وللبنات الثلثان، والأخوات لأب عصبة، المسألة من (24)، نضرب الرؤوس بعضها ببعض بسبب وجود التباين بين عدد كل فريق وسهامه، والحاصل (1260)، يضرب في (24)، والحاصل (30240). وتسمى بذلك لامتحان العامل بها، فيقال: رجل خلّف عدداً من الورثة، كل صنف أقل من عشرة، ولا تصح المسألة إلا بما يزيد على ثلاثين ألفاً.","part":10,"page":461},{"id":6692,"text":"الفَصْلُ الحادي عشر : الحجب :\rتعريفه، والفرق بينه وبين الحرمان، وأنواعه وحكم كل نوع، وأحوال الورثة في الحجب (1) .\rأولاً ـ تعريف الحجب: الحجب لغة: المنع، وشرعاً: المنع من الميراث كله أو بعضه، وعبارة الفقهاء: منع وارث معين من كل الإرث أو بعضه لوجود شخص آخر، لا يشاركه في سهمه. مثل حجب الجد بالأب، وحجب الزوج من النصف إلى الربع بالولد.\rثانياً ـ الفرق بين الحجب والحرمان :\rالحجب غير الحرمان، فالحرمان: هو منع شخص من الإرث، لقيام أحد موانع الإرث، كالقتل، فالولد القاتل لا يرث، لوجود القتل مع بقاء أو قيام سبب الإرث وهو القرابة. والمحروم بالوصف لا يحجب غيره، بل يعتبر كأن لم يكن، فمن مات عن ولد قاتل وزوجة وأب، كان للزوجة الربع، كأنه ليس للميت ولد، وللأب التعصيب.\rوأما الحجب: فهو المنع من الميراث لا بسبب مانع منه، بل لوجود شخص أقرب منه إلى الميت. والمحجوب بالشخص يحجب غيره، ويعتبر موجوداً، فمن مات عن أب وأم وأخوين شقيقين، كان للأم السدس لوجود الشقيقين، مع أنهما محجوبان بالأب، وقد يحجب غيره نقصاناً أو حرماناً، كالإخوة مع الأم والأب، وكأم الأب تُحجب به، وتحجب أم أم الأم.\rوبناء عليه، المانع في الحجب، ليس لوصف قام بذات الممنوع، فلم تلزم به أهلية الإرث. والمانع في الحرمان لوصف قام بذات الممنوع، ككونه قاتلاً، فزالت به أهلية الإرث.\rوليس من الحجب انتقاص حصص أصحاب الفروض بسبب اجتماع من يجانسهم في حالة الانفراد، كالزوجات مثلاً، فإن فرض الزوجة إذا انفردت الربع أو الثمن، وإذا تعددت الزوجات كان لهن نفس الفرض. وليس من الحجب أيضاً انتقاص السهام بالعول، عندما تزيد السهام عن أصل المسألة.\r-------------------------------\r(1) السراجية: ص 84-89، الدر المختار: 550/5-555، تبيين الحقائق: 233/6-239، الكتاب مع اللباب: 195/4 ومابعدها، القوانين الفقهية: ص 386 وما بعدها، الرحبية: ص 43-46، مغني المحتاج: 11/3-13، كشاف القناع: 469/4 وما بعدها.","part":10,"page":462},{"id":6693,"text":"ثالثاً ـ نوعا الحجب :\rالحجب نوعان: حجب نقصان، وحجب حرمان.\r1 - حجب النقصان: هو أن ينقص فرض وارد من سهم أعلى إلى أدنى لوجود شخص آخر، كالزوج ينتقل من النصف إلى الربع بالولد، وكالأم مع وجود الابن ينتقل من الثلث إلى السدس.\rويحصل في خمسة من ذوي الفروض، لكل واحد فرضان: أعلى وأدنى: وهم الزوجان، وبنت الابن، والأخت لأب، والأم، بالنص والإجماع.\rأما الزوج: فإنه ينتقل من النصف إلى الربع بالفرع الوارث للزوجة، منه أو من غيره.\rوالزوجة: تنتقل من الربع إلى الثمن بالفرع الوارث للزوج، منها أو من غيرها.\rوبنت الابن: تنتقل من النصف إلى السدس بالبنت الصلبية.\rوالأخت لأب: تنتقل من النصف إلى السدس بالأخت الشقيقة.\rوالأم: تنتقل من الثلث إلى السدس بالفرع الوارث مطلقاً وبالعدد من الإخوة من أي جهة.\r2 - حجب الحرمان: هو أن يمنع وارث من الإرث أصلاً، كالجد يحجب بالأب، وابن الابن يحجب بالابن، والأخ لأ م يحجب بالأب. والورثة بالنسبة لحجب الحرمان نوعان:\rالأول ـ من لا يحجب حجب حرمان: وهم ستة: ثلاثة من الذكور وثلاثة من الإناث: الأب، والأم، والابن، والبنت، والزوج والزوجة. فهؤلاء الستة يدلون إلى الميت دون واسطة، فإذا وجد واحد منهم، فلا بد من أن يرث، ويمكن جمعهم بقلنا: الولدان والأبوان والزوجان.\rالثاني ـ من يحجب حجب حرمان: وهم سبعة:\rالجد، والجدة، والأخوات الشقيقات، والأخوات لأب، وأولاد الأم، وبنات الابن، وابن الابن.\rالجد يحجب بالأب، والجدة بالأم، والشقيقات بالابن أو ابن الابن وبالأب إجماعاً، وبالجد عند أبي حنيفة.\rوالأخوات لأب يحجبن بما تحجب به الشقيقتان، كما يحجبن بالشقيق، وبالأختين الشقيقتين إذا لم يكن معهن معصِّب.\rوالإخوة لأم يحجبن بالأب والجد والفرع الوارث (الابن والبنت وابن الابن وبنت الابن).\rوبنات الابن يحجبن بما تحجب به البنتان، وبالابن، وبالبنتين فأكثر إذا لم يكن معهن معصب.\rوابن الابن بالابن.","part":10,"page":463},{"id":6694,"text":"وحجب الحرمان مبني على قاعدتين:\rالقاعدة الأولى ـ كل من أدلى إلى الميت بواسطة، حجبته تلك الواسطة، سوء أولاد الأم، فإنهم يدلون بها ويرثون معها، مثل الجد مع الأب، والجدة (أم الأم) مع الأم.\rالقاعدة الثانية ـ الأقرب يحجب الأبعد كالمذكور في العصبات، وكالجدات مع الأم، فالأم تحجب كل جدة، والقربى تحجب البعدى، وبنات الابن مع الابن أو البنت، وابن الابن مع ابن هو عمه لا أبوه، فإن الابن يحجب ابن أخيه، لقرب درجته. وكل واحد من الابن وابنه والأب إجماعاً، والجد عند أبي حنيفة يحجب الإخوة والأخوات مطلقاً. والفرع الوارث والأصل الذكر كل منهم يحجب ولد الأم.\rوحجب العصبات يكون على النحو الذي تبين سابقاً، فالترجيح بينهم يكون أولاً بالجهة، على أن الجد والإخوة في مرتبة واحدة، فإذا تساووا في الجهة، فالترجيح يكون بقرب الدرجة من الميت، فالأب مقدم على الجد، والأخ مقدم على ابن الأخ، وهكذا، فإذا تساووا في الجهة والدرجة فالترجيح بقوة القرابة، فالأخ الشقيق مقدم على الأخ لأب، وهكذا.\rخلاصة أنواع الحجب (1) :\rأولاً ـ الحجب بالوصف: يمكن أن يتصف به جميع الورثة، إن قام وصف من أحد موانع الإرث: وهي القتل والرق واختلاف الدين، واختلاف الدارين عند الحنفية.\rثانياً ـ الحجب بالشخص: وهو إما حجب نقصان أو حجب حرمان.\rوحجب النقصان: هو حجب من سهم إلى سهم أقل منه، وأفراده خمسة:\r1 - من فرض إلى فرض أقل منه: كانتقال نصيب الزوج من النصف إلى الربع بالولد، وانتقال نصيب الأم من الثلث إلى السدس بالولد أو العدد من الإخوة والأخوات، وانتقال نصيب بنت الابن من النصف إلى السدس بوجود البنت الواحدة، وانتقال نصيب الزوجة من الربع إلى الثمن بالولد. وانتقال نصيب الأخت لأب من النصف إلى السدس بوجود الأخت الشقيقة الواحدة.\r-------------------------------\r(1) مذكرات العلامة الفرضي المرحوم الشيخ حسن الشطي.","part":10,"page":464},{"id":6695,"text":"2 - من تعصيب إلى تعصيب أقل منه، كالأخت الشقيقة أو لأب مع البنت أو بنت الابن إذا كان معها أخوها، فينتقل نصيبها من تعصيب إلى أقل منه بسبب الأخ.\r3 - من فرض إلى تعصيب: كالبنت مع الابن، ينتقل نصيبها من فرض إلى تعصيب أقل منه.\r4 - من تعصيب إلى فرض: كالأب أو الجد عند عدم الأب، مع ابن أو ابن الابن.\r5 - مزاحمة في الفروض: كمسائل العول، فإنه زيادة في السهام، نقص في الأنصبة.\rوحجب الحرمان: هو أن يحجب الشخص عن الميراث أصلاً، فيصير كالمحروم. ولا يدخل على ستة، ويدخل على سبعة.\rفلا يدخل على ستة: وهم الولدان والأبوان والزوجان، أي الابن والبنت، والأب والأم، والزوج والزوجة.\rويدخل على سبعة وهم:\r1 - الجد مع الأب.\r2 - الجدات مع الأم.\r3 - ابن الابن مع الابن.\r4 - بنات الابن مع البنتين والابن.\r5 - الأخوات لأب بالشقيقتين والشقيق.\r6 - الإخوة مطلقاً بالابن، وابن الابن، وبالأب اتفاقاً، وبالجد عند أبي حنيفة.\r7 - الإخوة والأخوات لأم بالفرع الوارث والأصل الذكر.\rموقف القانون من الحجب :\rنص القانون المصري (م 23-29) والسوري (م 281-287) على تعريف الحجب وحكمه والفرق بينه وبين الحرمان، وعلى أحوال المحجوبين حجب حرمان.\rالمحجوبون من أصحاب الفروض: أصحاب الفروض اثنا عشر، منهم اثنان لا يحجبان أصلاً وهما الأب والبنت، والآخرون يحجبون إما نقصاناً أو حرماناً:\r1 - الزوج: يحجب حجب نقصان فقط من النصف إلى الربع، عند وجود الفرع الوارث.\r2 - الزوجة: تحجب حجب نقصان فقط من الربع إلى الثمن، عند وجود الفرع الوارث.\r3 - الأم: تحجب حجب نقصان فقط من الثلث إلى السدس، بالفرع الوارث وبالعدد من الإخوة والأخوات من أي جهة كانوا.\r4 - الجدة: تحجب حجب حرمان بالأم، ولا تحجب حجب نقصان، والقربى تحجب البعدى.\r5 - الجد: يحجب حجب حرمان بالأب. وبالجد الأقرب منه درجة إلى المتوفى.","part":10,"page":465},{"id":6696,"text":"6 - بنت الابن: تحجب حجب حرمان بالفرع الوارث المذكر، سواء أكان معها معصب أم لا، وتحجب أيضاً بالبنتين فأكثر إلا أن يكون معها معصب في درجتها أو أنزل منها. وإذا حرمت من الميراث كان لها في القانون المصري وصية واجبة.\r7 - الأخت الشقيقة: تحجب حجب حرمان بالابن، وابن الابن وإن نزل، وبالأب، سواء أكان معها شقيق أم لا.\r8 - الأخت لأب: تحجب حجب حرمان، سواء أكان معها معصب أم لا، بما تحجب به الأخت الشقيقة، وبالأخ الشقيق، وبالأخت الشقيقة إذا صارت عصبة مع البنات أو بنات الابن، وتحجب بالأختين الشقيقتين إلا أن يكون معها معصب.\r9 ، 10 - الإخوة والأخوات لأم: يحجبون حجب حرمان بالفرع الوارث مطلقاً، وبالأصل الوارث المذكر (الأب والجد اتفاقاً) ولا يحجبون حجب نقصان.\rأمثلة :\r1 - زوجة، شقيقة، أخ لأب، ابن أخ شقيق: للزوجة الربع، وللشقيقة النصف،والأخ عصبة يأخذ الباقي، وابن الأخ محجوب بالأخ، والمسألة من (4) .\r2 - زوج، أم، بنت ، إخوة لأم، أخت لأب، عم شقيق: للزوج الربع، وللأم السدس، وللبنت النصف، والإخوة لأم محجوبون بالبنت، والأخت لأب عصبة مع البنت تأخذ الباقي، والعم محجوب بالأخت لأب، والمسألة من (12).\r3 - شقيقتان، أختان لأب، أم، أم لأب، ابن أخ شقيق: للشقيقتين الثلثان، والأختان لأب محجوبتان بالشقيقتين، وللأم السدس، وأم الأب محجوبة بالأم، وابن الأخ الشقيق عصبة يأخذ الباقي، والمسألة من (6) .\r4 - بنت، بنت ابن، زوجتان، جدة، شقيقتان، أخ لأب: للبنت النصف، ولبنت الابن السدس، وللزوجتين الثمن، وللجدة السدس، والشقيقان عصبة يأخذان الباقي، والأخ لأب محجوب بالشقيقين، والمسألة من (24).\r5 - بنت، بنت ابن، أخت شقيقة، أم أم أم، أم أب: للبنت النصف، ولبنت الابن السدس، والشقيقة عصبة تأخذ الباقي، ولأم الأب السدس، وأم أم الأم محجوبة بالأم القربى، والمسألة من (6) .","part":10,"page":466},{"id":6697,"text":"6 - شقيقة، أختان لأم، أخوان لأم، عم، أخ لأب: للشقيقة النصف، ولأولاد الأم جميعاً الثلث، والأخ لأب عصبة، والعم محجوب، والمسألة من (6).\r7 - بنت، بنتا ابن، ابن ابن ابن، بنت ابن ابن، أب: للبنت النصف، ولبنتي الابن السدس، وللأب السدس، والأخيران عصبة، والمسألة من (6) .\r8 - بنت ، شقيقة، شقيق، أخت لأب، أخت لأم: للبنت النصف، والشقيق والشقيقة عصبة، والأخيران محجوبان، والمسألة من (6) . 9 - بنت ابن، ابن ابن ابن، أب، زوجة: لبنت الابن النصف، وابن ابن الابن عصبة، وللأب السدس، وللزوجة الثمن، وأصل المسألة من (24).\r10 - بنتان، بنت ابن، أخت شقيقة، أخت لأب، أخت لأم: للبنتين الثلثان، وبنت الابن محجوبة بالبنتين، والشقيقة عصبة مع الغير، والأخيران محجوبان بالبنتين، وأصل المسألة من (3) .\r11 - بنت، بنت ابن، ابن ابن ( أخوها ) بنت ابن ابن: للبنت النصف، وبنت ابن الابن محجوبة بابن الابن، والأخيران عصبة بالغير، والمسألة من (2) .\r12 - بنت، بنت ابن، ابن ابن (ابن عمها)، بنت ابن ابن: للبنت النصف، وبنت ابن الابن محجوبة بابن الابن، والأخيران عصبة بالغير، والمسألة من (2) .","part":10,"page":467},{"id":6698,"text":"الفَصْلُ الثّاني عشر : العَول :\rمعنى العول ومشروعيته، ما يعول وما لا يعول من أصول المسائل (1) :\rأولاً ـ معنى العول: العول لغة: الجور والظلم وتجاوز الحد، يقال: عال الرجل: ظلم، وفي الاصطلاح: زيادة في مجموع السهام، من أصل المسألة، ونقص واقعي في الأنصبة.\rويترتب عليه أن ما زاد يقسم في فرائض جميع الورثة على نسبة واحدة. فإذا ضاق المَخْرَج (أصل المسألة) عن الوفاة بالفروض المجتمعة فيه، مثل (6)، ترفع التركة إلى عدد أكثر من المخرج، مثل (7) ، ثم تقسم حتى يدخل النقصان في فرائض جميع الورثة على نسبة واحدة. وذلك بأن يضرب رقم العول في أصل المسألة، ويعطى كل واحد حصته من نتيجة الضرب.\rوتسمى المسألة التي تكون فيها سهام الفريضة أكثر من أصل المسألة (عائلة) كزوج وشقيقتين، فإن أصل المسألة (6) ومجموع السهام سبعة، وسميت بذلك أخذاً من العدل بمعنى الزيادة والارتفاع، يقال: عال الميزان: إذا ارتفع؛ لأن بهذه الزيادة قد ارتفعت السهام، إلى أكثر من أصل المسألة.\rوأما المسألة التي تكون فيها سهام الفريضة مساوية لأصل المسألة؛ فتسمى (عادلة)؛ لأن كل صاحب فرض أخذ حقه كاملاً غير منقوص. كما في زوجة، وأم، وأخ شقيق: للزوجة الربع فرضاً، وللأم الثلث فرضاً، والباقي للأخ تعصيباً، فهي لا عول فيها ولا رد.\rوالمسألة التي تكون فيها سهام الفريضة أقل من أصل المسألة، وليس بين الورثة عاصب يستحق الباقي، تسمى (قاصرة) وفيها يرد الباقي على أصحاب الفروض ما عدا الزوجين، مثل أخت شقيقة، وأم، للأخت النصف فرضاً، وللأم الثلث فرضاً، والمسألة من (6) ، ويرد الباقي وهو (واحد) عليهما.\r-------------------------------\r(1) السراجية: ص 97-103، تبيين الحقائق: 244/6 وما بعدها، الدر المختار: 555/5-558، الشرح الصغير: 645/4-648، القوانين الفقهية: ص 395، مغني المحتاج: 32/3-34، المغني: 189/6-192، كشاف القناع: 476/4، الرحبية: ص 58-63.","part":10,"page":468},{"id":6699,"text":"ثانياً ـ مشروعية العول :\rأول من حكم بالعول عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فقد وقعت في عهده مسألة ضاق أصلها عن فروضها وهي زوج وأختان، أو زوج وأم وأخت، فشاور الصحابة فيها، فأشار العباس أو زيد بن ثابت إلى العول، وقال: أعيلوا الفرائض، فأقره عمر على ذلك وقضى به، وتابعه الصحابة عليه، ولم ينكره إلا ابن عباس بعد وفاة عمر، فسأله رجل عما يصنع بالفريضة إذا عالت، فقال: أدخل النقص على من هو أسوأ حالاً، وهن البنات والأخوات ، فإنهن يُنْقلن من فرض مقدر إلى فرض غير مقدر، وقال: هلا تجتمعون حتى نبتهل، فنجعل لعنة الله على الكاذبين، إن الذي أحصى رَمْل عالج (1) عدداً، لم يجعل في مال نصفين وثلثاً.\rوالحق ما فعله عمر والصحابة؛ لأن أصحاب الفروض المجتمعة في التركة، قد تساووا في سبب الاستحقاق، فيتساوون في الاستحقاق، فيأخذ كل واحد منهم جميع حقه إذا اتسع المحل لذلك، وإلا دخل النقص عليهم جميعاً بنسبة سهام كل واحد منهم، كالدائنين إذا ضاق المال عن الوفاء بجميع ديونهم، فإنهم يتقاسمونه بالحصص، وكأصحاب الوصايا إذا ضاق الثلث عن الوفاء بها كاملة، فإنهم يتحاصون فيه.\rلهذا أخذ القانون في مصر وسورية برأي عمر وجمهور الصحابة والمذاهب الأربعة.\rثالثاً ـ ما يعول وما لا يعول من أصول المسائل :\rالفروض المذكورة في كتاب الله تعالى ستة، ومخارجها خمسة أعداد: الاثنان، والثلاثة، والأربعة، والستة، والثمانية، وذلك لاتحاد الثلث والثلثين في المخرج، والاختلاط بين نوعين من هذه المخارج يقتضي وجود مخرجين آخرين هما (12، 24)، فصار المجموع سبعة أعداد.\rما لا يعول من الأصول: أربعة من تلك السبعة لا تعول أصلاً: وهي الاثنان والثلاثة والأربعة والثمانية (2، 3، 4، 8) لأن الفروض فيها لا تزيد عن أصل المسألة.\rفلا عول في الاثنين كزوج وأخت لأب؛ لأن المسألة تكون من اثنين.\rولا عول في الثلاثة كبنتين وأخ لأب؛ لأن المسألة من ثلاثة، والباقي فيها للأخ.\rولاعول في الأربعة كزوج وابن؛ لأن المسألة من أربعة: للزوج الربع والباقي للابن.\rولا عول في الثمانية كزوجة وابن؛ لأن المسألة من ثمانية، للزوجة الثمن والباقي للابن.\r-------------------------------\r(1) عالج: موضع في البادية كثير الرمل.","part":10,"page":469},{"id":6700,"text":"ما يعول من الأصول :\rالباقي من الأعداد السابقة قد يعول، وهو الستة والاثنا عشر، والأربعة والعشرون (6، 12، 24).\r1ً - الستة: قد تعول إلى سبعة: مثل زوج، وأختين شقيقتين: للزوج النصف (3) ، وللشقيقتين الثلثان (4) ، المسألة من (6) ، وتعول إلى (7) .\rوقد تعول الستة إلى ثمانية، كما في مسألة المباهلة: وهي زوج وشقيقتان، وأم: للزوج النصف (3) ، وللشقيقتين الثلثان (4) ، وللأم السدس (1) ، المسألة من (6، وتعول إلى 8)، وهي أول مسألة عالت في الإسلام.\rوقد تعول الستة إلى (9) ، كما في المسألة المروانية: وهي زوج، وشقيقتان، وأختان لأم: للزوج النصف (3) ، وللشقيقتين الثلثان (4) ، ولأختي الأم الثلث (2) ، والمسألة من (6، وتعول إلى 9). ومثل: زوج، وأخت شقيقة، وأم، وأخت لأب، وأخت لأم: للزوج النصف (3) ، وللشقيقة النصف (3) ، وللأم السدس (1) ، وللأخت لأب السدس (1) ، وللأخت لأم السدس (1) .\rوقد تعول الستة إلى (10)، كما في المسألة الشريحية(1 ) ، وتسمى أم الفروخ لكثرة ما فرخت في العول، وهي: زوج، وشقيقتان، وأختان لأم، وأم: للزوج النصف (3) ، وللشقيقتين الثلثان (4) ، وللأختين لأم الثلث (2) ، وللأم السدس (1) ، المسألة من (6، وتعول إلى 10) .\rومثل: زوج وأم، وأختين لأم، وشقيقة، وأخت لأب: للزوج النصف (3) ، وللأم السدس (1) ، وللأختين لأم الثلث (2) ،وللشقيقة النصف (3) ، وللأخت لأب السدس (1) ، المسألة من (6، وتعول إلى 10) .\r2 - والاثنا عشر: قد تعول إلى عشر، كما في:\rزوجة، وشقيقتين، وأخت لأم: للزوجة الربع (3) ، وللشقيقتين الثلثان (8) ، وللأخت لأم السدس (2) ، والمسألة من (12، وتعول إلى 13) .\r-------------------------------\r(1) لقضاء شريح فيها بأن للزوج 3 من 10، فجعل الزوج يطوف في البلاد، ويسأل عن امرأة تركت زوجاً، ولم تترك ولداً، فيقولون: النصف، فيقول: لم يعطني شريح لا نصفاً ولا ثلثاً، فطلبه شريح وعزره، وقال له: أسأت القول، وكتمت العول، وقد سبقني بهذا الحكم إمام عادل ذو ورع، أي عمر رضي الله عنه.","part":10,"page":470},{"id":6701,"text":"ومثل: زوج، وبنتين، وأم: للزوج الربع (3) ، وللبنتين الثلثان (8) ، وللأم السدس (2، تعول إلى 13) .\rوقد تعول الاثنا عشر إلى خمسة عشر، كما في:\rزوج، وبنتين، وأب: للزوج الربع (3) ، وللبنتين الثلثان (8) ، وللأم السدس (2) ، وللأب السدس (2) ، والمسألة من (12، وتعول إلى 15).\rومثل: زوجة، وشقيقتين، وأختين لأم: للزوجة الربع (3) ، وللشقيقتين الثلثان (8) ، وللأختين لأم الثلث (4) ، المسألة من (12، وتعول إلى 15).\rوقد تعول الاثنا عشر إلى سبعة عشر، مثل:\rزوجة، وشقيقتين، وأختين لأم، وأم: للزوجة الربع (3) ، وللشقيقتين الثلثان (8) ، وللأختين لأم الثلث (4) ، وللأم السدس (2) ، المسألة من (12، وتعول إلى 17).\r3 - والأربعة وعشرون: تعول عولاً واحداً أو مرة واحدة إلى سبعة وعشرين، مثل المنبرية: زوجة، وبنتين، وأب، وأم: للزوجة الثمن (3) ، وللبنتين الثلثان (16)، وللأب السدس (4) ، وللأم السدس (4) ، والمسألة من (24)، وتعول إلى (27).\rوسميت بالمنبرية؛ لأن الإمام علي رضي الله عنه أجاب عنها وهو على منبر الكوفة بديهة، فور سؤال السائل، فقال: «والمرأة صار ثمنها تسعاً» .\rموقف القانون: نص القانون المصري (م 15) والسوري (م 23) على العول، ونص المادة هو: «إذا زادت أنصباء الفروض على التركة، قسمت بينهم أنصباؤهم في الإرث» .","part":10,"page":471},{"id":6702,"text":"الفَصْلُ الثّالث عشر : الرَّد :\rتعريفه، ومذاهب العلماء فيه، وقاعدة الرد (1) .\rأولاً ـ تعريف الرد: الرد ضد العول؛ لأنه زيادة في الأنصبة، نقص في السهام، فيرد ما فضل عن فرض ذوي الفروض النسبية عليهم بقدر سهامهم، ولا يرد على الزوجين.\rوأصحاب الفروض النسبية: هم من عدا الزوجين، يرد عليهم بنسبة فروضهم.\rالرد عند الفرضيين إذن: هو دفع ما فضل من فروض أصحاب الفروض النسبية إليهم بقدر حقوقهم، عند عدم العصبة. فهو ضد العول، إذ بالعول يزداد أصل المسألة، فيدخل النقص على سهام أصحاب الفروض، وبالرد ينقص أصل المسألة، وتزداد السهام.\rثانياً ـ مذاهب العلماء في الرد :\rالعلماء في أصل الرد فريقان:\r1 - فريق يرى عدم الرد، وإنما يكون الباقي من التركة بعد أخذ أصحاب الفروض فروضهم، ولا عاصب لبيت المال.\rوهذا مذهب زيد بن ثابت، وبه أخذ مالك والشافعي، لكن المعتمد عند متأخري المالكية، والمفتى به عند متأخري الشافعية: إذا لم ينتظم بيت المال يرد الباقي على أهل الفروض غير الزوجين، بنسبة فروضهم، فإن لم يكونوا فعلى ذوي الأرحام.\rودليل زيد ومن تابعه: أن الله تعالي قد بيَّن كل وارث بالنص، فلا يجوز الزيادة عليه بغير دليل، وقال الرسول صلّى الله عليه وسلم بعد نزول آية المواريث: «إن الله أعطى كل ذي حق حقه، فلا يستحق وارث أكثر من حقه» (2) .\r2 - ويرى الجمهور من فقهاء الصحابة والتابعين ومنهم الإمام علي: أن يرد على غير الزوجين من أصحاب الفروض بنسبة فروضهم. وبه أخذ الحنفية والحنابلة ومتأخرو المالكية والشافعية كما أبنت، لفساد بيت المال، قال الغزالي في المستصفى: والفتوى اليوم على الرد على غير الزوجين عند عدم المستحق، لعدم بيت المال، إذ الظلمة لا يصرفونه إلى مصرفه.\rوأجاز عثمان رضي الله عنه الرد على جميع أصحاب الفروض حتى الزوجين.\r-------------------------------\r(1) السراجية: ص 128-139، الكتاب مع اللباب: 197/4، الشرح الصغير: 629/4-630، مغني المحتاج: 6/3-7، المغني: 201/6-203، 236، الدر المختار ورد المحتار: 556/5.\r(2) المعروف حديث «إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه، ألا لا وصية لوارث» أخرجه أبو داود والترمذي وابن ماجه عن أبي أمامة (نصب الراية: 403/4).","part":10,"page":472},{"id":6703,"text":"وقال ابن عباس: لا يرد على ثلاثة: الزوجين والجدة؛ لأن ميراث الجدة ثبت بالسنة طعمة، لحديث «أطعموا الجدات السدس» (1) فلا يزاد عليه، إلا إذا لم يكن وارث نسبي غيرها.\rودليل الجمهور: قوله تعالى: {وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله } [الأحزاب:6/33] فإنه يفيد أن ذوي الأرحام ـ الأقرباء إلى الميت ـ أولى بالتركة ممن عداهم، فيكونون أولى من بيت المال؛ لأنه لسائر المسلمين، وذو الرحم أحق من الأجانب بالنص. ولا شك أن أقرب الناس رحماً بالميت هم أصحاب الفروض. ولما كان الزوجان ليسا من الأقرباء، لم تشملهما الآية، فلا يأخذان بالرد شيئاً، لأن ميراثهما بسبب آخر غير الرحم والقرابة، وهو الزوجية.\rوجاء في السنة: أن امرأة أتت النبي صلّى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله ، إني تصدقت على أمي بجارية، فماتت وبقيت الجارية، فقال: «وجب أجرك، ورجعت إليك الجارية في الميراث» فجعل حقها في الجارية كلها، ولولا الرد لوجب لها نصفها فقط.\rموقف القانون :\rفصل القانون المصري (م 30) والسوري (م 288) في شأن الرد على الزوجين، فأجاز الرد على غير الزوجين من أصحاب الفروض بنسبة فروضهم، إذا لم يوجد عصبة. كما أنه أجاز الرد على أحد الزوجين إذا لم يوجد عصبة من النسب، أو أحد أصحاب الفروض النسبية، أوأحد ذوي الأرحام، فيكون الرد على الزوجين مؤخراً في القانون عن ميراث ذوي الأرحام.\rوهذا التفصيل لم يقل به الفقهاء، وإنما اعتمد على المصلحة أحياناً، ففي حالة عدم وجود العصبة النسبية أجيز الرد على غير الزوجين، وهذا رأي الجمهور، أما في حالة الرد على أحد الزوجين إذا لم يوجد ذوو الأرحام، فيتفق مع مذهب عثمان بن عفان الذي أجاز الرد على جميع ذوي الفروض.\rويتفق أيضاً مع ما أفتى به متأخرو الحنفية من الرد على الزوجين: «إذا لم يكن من الأقارب سواهما، لفساد الإمام وظلم الحكام في هذه الأيام» (2) .\rوسبب الرد على أحد الزوجين بعد توريث ذوي الأرحام: أن صلة الزوجين في الحياة تقضي بأن يكون لأحدهما في هذه الحالة الحق في مال الآخر، بدلاً من المستحقين الآخرين.\rويمكن القول: أخذ القانون برأي الجمهور في الرد على غير الزوجين، واستثنى حالة واحدة أخذ فيها برأي عثمان وهي على أحد الزوجين عند عدم ذوي الأرحام.\r-------------------------------\r(1) المعروف من حديث المغيرة عند مالك وأحمد وأصحاب السنن: «شهدت النبي صلّى الله عليه وسلم أعطاها السدس» (نصب الراية: 428/4).\r(2) حاشية ابن عابدين: 556/5، ط الحلبي.","part":10,"page":473},{"id":6704,"text":"ثالثاً ـ قاعدة الردة :\rمسائل الرد أربعة أقسام؛ لأن الموجود في المسألة إما صنف واحد ممن يرد عليه أو أكثر، وعلى كلا التقديرين: إما أن يكون في المسألة أحد ممن لا يرد عليه، أو لا يكون ، فكانت الأقسام أربعة:\rالأول ـ أن يكون الموجود في المسألة صنفاً واحداً ممن يرد عليه، وليس معهم من لا يرد عليه من أحد الزوجين:\rفيجعل أصل المسألة بقدر عدد رؤوسهم؛ لأن جميع المال لهم بالفرض والرد معاً، فيقسم على عدد الرؤوس.\rمثل: من مات عن: بنتين أوأختين أو جدتين، فإن أصل المسألة من اثنين (2) فتعطى كل واحد منهما النصف فرضاً ورداً، لتساويهما في الاستحقاق. ومن مات عن بنت فلها كل التركة فرضاً ورداً، ومن مات عن 3 شقيقات، فلهن كل التركة فرضاً ورداً، لكل واحد ثلث.\rالثاني ـ أن يكون الموجود في المسألة أكثر من صنف واحد ممن يرد عليه، وليس معهم من لا يرد عليه: فيجعل أصل المسألة هو مجموع سهام الفروض للمجتمعين المأخوذة من مخرج المسألة:","part":10,"page":474},{"id":6705,"text":"ففي جدة وأخت لأم لكل منهما السدس: يجعل أصل المسألة من اثنين؛ لأنهما مجموع سهامهما؛ إذ أصل المسألة من (6) : مخرج السدسين، للجدة السدس وهو سهم، وللأخت لأم السدس، وهو سهم أيضاً، فيكون مجموع سهامهما اثنين، ويهمل أصل المسألة، ويجعل مجموع السهام أصلاً لها.\rوفي (3 بنات) وأم: يجعل أصل المسألة خمسة، فتأخذ البنات 5/4، والأم 5/1 .\rوفي أم وأخوين لأم: يجعل أصل المسألة من ثلاثة (3) ؛ لأنها مجموع السهام؛ إذ الأصل الأساسي هو (6) : للأم السدس: سهم، وللأخوين الثلث: سهمان، فيترك الأصل، ويجعل مجموع السهام أصلاً.\rوفي أخت شقيقة وأخت لأب: يجعل أصل المسألة مجموع السهام وهو أربعة؛ لأن الأصل الأول هو (6) للشقيقة النصف وهو ثلاثة أسهم، وللأخت لأب السدس وهو سهم، فيترك الأصل، ويجعل مجموع السهام أصلاً، وهكذا، فجميع مسائل الرد التي ليس فيها أحد الزوجين تكون من ستة، وتنتهي إلى أقل من ذلك، وقد تحتاج إلى تصحيح.\rفإذا استقامت القسمة على الورثة، كما في الأمثلة المتقدمة، فذاك، وإن لم تستقم على الورثة، كما إذا ترك الميت: بنتاً وثلاث بنات ابن. فالمسألة من ستة، وترد إلى أربعة: للبنت (3) ثلاثة، ولبنات الابن (1) واحد، وهو غير مقسوم عليهن، فيضرب عدد رؤوسهن وهو (3) في أصل المسألة الردي وهو (4) ، تبلغ (12)، ومنها تصح.\rالثالث ـ أن يكون في المسألة مع الصنف الواحد الذي يرد عليه أحد ممن لا يرد عليه، أي أحد الزوجين:\rفيجعل أصل المسألة مخرج نصيب من لا يرد عليه، ويعطى فرضه منه، ثم يقسم الباقي على من يرد عليهم بعدد رؤوسهم. فإن أمكن قسمة السهام الباقية على عدد الرؤوس برقم صحيح غير مكسور، فلا إشكال، وإن لم يمكن، فإنه تصحح السهام، بضرب أصل المسألة في أقل عدد يقبل القسمة على رؤوس من يرد عليهم.","part":10,"page":475},{"id":6706,"text":"ففي زوج وثلاث بنات: يكون أصل المسألة مخرج نصيب الزوج وهو أربعة (4) : للزوج سهم منها، والباقي وهو ثلاثة أسهم يكون للبنات الثلاث فرضاً ورداً. وهنا لا حاجة إلى التصحيح أو الضرب؛ لأن عدد السهام يقبل القسمة على عدد الرؤوس برقم صحيح.\rوفي زوجة وثلاث أخوات شقيقات: يكون أصل المسألة من مخرج نصيب الزوجة وهو أربعة، للزوجة الربع، وهو سهم، وللأخوات الباقي فرضاً ورداً، وهوثلاثة أسهم ، وعدد السهام يقبل القسمة على عدد الرؤوس برقم صحيح أيضاً.\rوفي زوجة وأربع بنات: يكون أصل المسألة من (8) للزوجة الثمن، وهو سهم، وللبنات الباقي فرضاً ورداً، وهو سبعة أسهم. ولكن مجموع السهام لا يقبل القسمة بغير كسر على عدد رؤوس من يرد عليهم، فتصح المسألة بضرب أصل المسألة وهو (8) في أقل عدد يقبل القسمة على رؤوس البنات وهو أربعة (4) فيبلغ الحاصل (32) سهماً، تأخذ الزوجة منها الثمن أربعة أسهم، ويقسم الباقي على البنات، لكل واحدة سبعة سهام. وفي زوج وخمس بنات: مسألة الرد من أربعة، للزوج منها الربع وهو سهم، والباقي لا ينقسم على البنات، لتباين سهامهن وعدد رؤوسهن، فيضرب عدد الرؤوس وهو خمسة في الأصل الردي وهو (4) فيصبح (20) ومنها تصح.\rوفي زوج وست بنات: للزوج الربع هو سهم، والباقي ثلاثة للبنات الست، وبينها وبين عدد رؤوس البنات موافقة بالثلث، فيرد عدد البنات إلى (2) ويضرب هذا العدد في أصل المسألة الردي، فيكون المجموع (8) : للزوج (2) وللبنات (6) لكل واحدة سهم.","part":10,"page":476},{"id":6707,"text":"الرابع ـ أن يكون مع الصنفين فأكثر ممن يرد عليه أحد ممن لا يرد عليه:\rفيجعل أصل المسألة مخرج فرض من لا يرد عليه، ويعطى نصيبه منه، ثم يقسم الباقي على من يرد عليهم بنسبة أنصبائهم، ويصحح منها ما يحتاج إلى تصحيح.\rففي زوجة، وأم، وأخوين لأم: يكون أصل المسألة من أربعة، للزوجة الربع، وهو سهم، والباقي وهو (3) يقسم بين الأم والأخوين لأم بنسبة سدس إلى ثلث، أي واحد إلى اثنين، وهنا يمكن قسمة السهام من غير كسر، فيكون للأم سهم، وللأخوين لأم سهمان، لكل واحد منهما سهم.\rوفي زوجة، وبنتين، وأم: للزوجة الثلثان، وللأم السدس، وأصل المسألة من (8) : للزوجة سهم واحد منها، والباقي وهو (7) يقسم على البنتين والأم، بنسبة ثلثين إلى سدس أي (4 إلى 1)، فيكون المجموع خمسة، والسبعة لا تنقسم عليها بدون كسر، فيصح أصل المسألة، وذلك بضربه في أقل عدد يقبل القسمة على الخمسة برقم صحيح، فيصبح الحاصل (8 × 5=40)، ومنه تصح، للزوجة الثمن خمسة سهام، ويقسم الباقي وهو (35) سهماً بين البنتين والأم، بنسبة (4 إلى 1)، أي يكون للبنتين (28) سهماً، لكل واحدة (14) سهماً، وللأم (7) سهام.\rوهذا التقسيم تماماً ينطبق على مثال آخر هو: (4) زوجات، (9) بنات، (6) جدات، للزوجة الثمن وهو أصل المسألة، وللبنات الثلثان، وللجدات السدس. فإذا كانت التركة (1440) ديناراً تقسم على (40) فيكون (36)، يضرب بسهم الزوجة أو الزوجات وهو (5) فتكون الحصة (180)، ويضرب بـ (28) نصيب البنات حصتهن (1008) ويضرب بـ (7) نصيب الأم أو الجدات، فتكون الحصة (252).\rوفي زوجة، و (3) جدات،و (5) أخوات لأم: يجعل أصل المسألة (4) ، وهو مخرج فرض الزوجة، فتأخذ (1) والباقي يقسم بنسبة (2 إلى 1 )، أي بنسبة الثلث فرض الأخوات، إلى السدس فرض الجدات، ويحتاج الأمر إلى تصحيح، لوجود التباين بين (1) وعدد الجدات (3) ، وبين (2) وعدد الأخوات (5) ، فنضرب عدد رؤوس الجدات (3) بعدد رؤوس الأخوات وهو (5) ، فيكون الحاصل (15)، نضربه بأصل المسألة وهو (4) ، فيكون الحاصل (60)، يعطى للزوجة الربع وهو (15)، والباقي (45) يقسم أثلاثاً : للجدات ثلثه وهو (15)، لكل واحدة 5 أسهم، وللأخوات لأم الثلثان وهو (30)، لكل أخت (6) .","part":10,"page":477},{"id":6708,"text":"الفَصْلُ الرّابع عَشر : الحساب :\rمخارج الفروض وأصول المسائل وتصحيحها :\rالحساب لغة: مصدر حسَب يحسُب الشيء: إذا عدَّه، وهو اصطلاحاً: علم بأصول يتوصل بها إلى استخراج المجهولات العددية. وهذا العلم شامل لحساب الفرائض وغيرها. ويقصد به هنا: الكلام على شيء من نتيجات المسائل الحسابية وهي تأصيل المسائل وتصحيحها (1) .\rويمهد له ببيان مخارج الفروض:\rأولاً ـ مخارج الفروض :\rالفروض المقدرة بكتاب الله تعالى ستة وهي نوعان (2) :\r1 - النصف والربع والثمن.\r2 - الثلثان والثلث والسدس.\rعلى التنصيف والتضعيف.\rومخرج كل فرض منفرد عن سائر الفروض: سميه، إلا النصف، فهو من اثنين، وليس الاثنان سمياً له، أي كلها مشتقة من مادة عددها إلا الأول، فمخرج الثلث ثلاثة، والربع أربعة، وهكذا ما عدا النصف، فإن مخرجه اثنان.\rومجموع مخارج الفروض سبعة أعداد، خمسة أعداد منهاهي مخارج الفروض المذكورة في كتاب الله : وهي الاثنان، والثلاثة، والأربعة، والستة، والثمانية، وذلك لاتحاد مخرج الثلث والثلثين.\rويضاف إليها اثنا عشر: ضعف الستة، وأربعة وعشرون: ضعف الاثني عشر، مثال الأول: زوجة وإخوة لأم وأم، للزوجة الربع، وللأم السدس، وللإخوة لأم الثلث. فمخرج الربع: أربعة، والثلث: ثلاثة، وبين المخرجين تباين، فنضرب أحدهما في الآخر وتكون النتيجة اثني عشر. ومثال الثاني: حالة اجتماع سدس وثمن كزوجة وأم وولد، للزوجة الثمن، وللأم السدس، وللولد الباقي، وبين المخرجين توافق بالنصف، فنضرب نصف أحدهما في كامل الآخر، فتكون النتيجة أربعة وعشرين.\r-------------------------------\r(1) الرحبية: ص 56 وما بعدها.\r(2) السراجية: ص 91، 100، 105، 110، 119، تبيين الحقائق: 243/6-250، القوانين الفقهية: ص 385، الشرح الصغير: 641/4، 655، 660، 671، مغني المحتاج: 32/3-37، المغني: 189/6، 204، الدر المختار: 570/5-572، اللباب: 203/4، كشاف القناع: 476/4 وما بعدها.","part":10,"page":478},{"id":6709,"text":"ثانياً ـ أصول المسائل السبعة وتصحيحها :\rتصحيح مسائل الفرائض: هو أن تؤخذ السهام من أقل عدد يمكن على وجه لا يقع الكسر على أحد من الورثة، بأن يأتي منه نصيب كل وارث صحيحاً، وهي قاعدة المضاعف البسيط، ويراد به المضاعف البسيط للأعداد التي يراد القسمة عليها.\rوأصول المسائل: معناها المخارج التي تخرج منها فروضها.\rوأصول المسائل كلها سبعة أعداد أوضحتها فيما سبق: أربعة منها لا تعول: وهي اثنان، وثلاثة، وأربعة وثمانية، وثلاثة منها قد تعول: وهي ستة، واثنا عشر، وأربعة وعشرون، ومجموعها: (2، 3، 4، 6، 8، 12، 24).\rوقد أبنت طريق تقسيم التركة في حالتي العول والرد، ففي العول: يعرف نصيب كل ذي فرض بأن تهمل الأصل الأول، وتعتبر الأصل بعد العول أصلاً، فتنسب السهام إليه، وتقسم التركة بحسبه، ليتأتى إدخال النقص على كل وارث بنسبة نصيبه.\rوفي الرد: يأخذ أحد الزوجين فرضه فقط منسوباً إلى أصل المسألة، ويقسم الباقي على أصحاب الفروض بنسبة فروضهم، ويرد عليهم بحسبها، فيكون نصيب كل ذي فرض منهم هو ما يستحقه فرضاً ورداً.","part":10,"page":479},{"id":6710,"text":"وأما في غير حالتي العول والرد فيعرف أصل المسألة على النحو الآتي (1) :\r1 ً - إذا كان في المسألة صاحب فرض واحد: فأصلها مخرج ذلك الفرض، كأب وأم، للأم الثلث وللأب الباقي، وأصل المسألة من (3) ، تأخذ الأم (1) ، ويأخذ الأب الباقي وهو (2) .\r2 ً - إذا اجتمع في المسألة اثنان من أصحاب الفرائض، وكانا من نوع واحد من النوعين السابقين: (الأول ـ النصف والربع والثمن، والثاني ـ الثلثان والثلث والسدس) فأصل المسألة: هو المخرج الذي يشمل ضعفه وضعف ضعفه، فالثمانية في النوع الأول مخرج الثمن، وضعفه وهو الربع، وضعف ضعفه وهو النصف. والستة في النوع الثاني مخرج السدس، وضعفه وضعف ضعفه وهو الثلث والثلثان، فكل واحد من مخرجي الثلث والثلثين داخل في مخرج السدس.\rفإن مات عن زوجة وبنت، فالمسألة من ثمانية، لوجود الثمن والنصف، للزوجة الثمن (1) ، وللبنت النصف (4) ، والباقي (3) رد على البنت.\rوإن مات عن زوج وبنت، المسألة من أربعة، لوجود الربع والنصف.\rولو مات عن أم وأختين لأم، المسألة من ستة، لوجود السدس والثلث.\rوإن مات عن أم وأختين شقيقتين وأختين لأم، المسألة من ستة، لوجود السدس والثلثين.\rولو مات عن أختين شقيقتين وأختين لأم، المسألة من ثلاثة لوجود الثلث والثلثين.\r3 ً - إذا اجتمع في المسألة بعض أفراد النوع الأول، مع كل أو بعض النوع الثاني، ففي الأمر تفصيل:\rأ ـ إذا اجتمع النصف مع الثلثين والثلث، كزوج، وأختين شقيقتين، وأختين لأم، فتكون من ستة (6) .\rوإذا اختلط النصف بالثلث فقط كزوج وأختين لأم، أو بالثلثين فقط كزوج وأختين شقيقتين، أو بالسدس فقط كبنت وأم، فتكون من ستة (6) .\rوكذلك إذا اختلط النصف بالثلث والسدس معاً، كزوج وأختين لأم وأم، فالمسألة من ستة أيضاً (6) .\rب ـ وإذا اجتمع الربع مع جميع أفراد النوع الثاني، كزوجة، وأم، وشقيقتين، وأختين لأم، فالمسألة من اثني عشر (12).\rوكذلك إذا اختلط الربع من الثلثين فقط، كزوج وبنتين، أو مع الثلث فقط، كزوجة وأم، أو اختلط الثلثان والسدس، كزوجة وأم وأختين شقيقتين، أو اختلط الربع بالثلث والسدس كزوجة وأم وأختين لأم، فالمسألة في جميع هذه الصور من اثني عشر (12).\rجـ ـ وإذا اجتمع الثمن مع الثلثين والسدس، كزوجة وبنتين وأم، أو اجتمع مع الثلثين فقط، كزوجة وابنتين، أو مع السدس فقط، كزوجة وأم وابن، فالمسألة من أربعة وعشرين (24).\rولا يتصور اجتماع الثمن مع جميع النوع الثاني.\r-------------------------------\r(1) السراجية: ص 110-118، تبيين الحقائق: 245/6 ومابعدها، الدر المختار: 570/5-572، الكتاب مع اللباب: 203/4-211، الشرح الصغير: 641/4-644، 655-671، مغني المحتاج: 32/4-37، الرحبية: ص 65، المغني: 189-196.","part":10,"page":480},{"id":6711,"text":"ثالثاً ـ طريقة تصحيح المسائل :\rإذا لم تقبل سهام بعض الورثة الحاصلة من أصل المسألة القسمة على مستحقيها إلا بكسر، فيلجأ إلى جعل السهام قابلة للقسمة على كل الورثة بدون كسر، أي قسمة صحيحة، وهذا ما يسمى بالتصحيح.\rوتصحيح المسألة: بأن يضرب أصل المسألة أو عولها في أقل عدد يمكن معه أن ينفرد كل وارث بقدر من السهام برقم صحيح، لا كسر فيه، وحاصل الضرب: هو أصل المسألة بعد التصحيح. ويتم ذلك على وفق القواعد الآتية لتماثل العددين أو توافقهما أو تداخلهما أو تباينهما بين أعداد الرؤوس، أي رؤوس من انكسر عليهم سهامهم إذا كان الانكسار في أكثر من طائفة، أو طائفة واحدة.\rووجه انحصار هذه الأنواع الأربعة: أنك إذا نسبت عدداً إلى آخر، فإما أن يكون مساوياً له، أو لا، الأول ـ التماثل، والثاني ـ إما أن ينقسم الأكثر على الأقل قسمة صحيحة أو لا ينقسم.\rالأول ـ التداخل، والثاني ـ إما أن يفنيهما عدد غير الواحد، أو لا.\rالأول ـ التوافق، والثاني ـ التباين.","part":10,"page":481},{"id":6712,"text":"النوع الأول ـ حالة الانكسار في أكثر من طائفة :\rينظر في هذه الحالة إلى النسبة بين عدد الرؤوس:\r1 ً - تماثل العددين: أي كون أحدهما مساوياً للآخر، كثلاثة وثلاثة، وإذا تماثل العددان، يضرب أحدهما في أصل المسألة، مثل:\r(3) زوجات، و (3) بنات، عم، للزوجات الثمن 8/1 = 3، وللبنات الثلثان 3/2 = 16، وللعم الباقي: (5) ؛ لأنه عصبة، والمسألة من (24)، وتصح من (72)؛ لأن عدد الزوجات (3) وعدد البنات (3) ، فهما متماثلان،فأخذنا أحد المتماثلين وهو (3) ، وضربناه في أصل المسألة وهو (24)، فبلغ (72) ومنها تصح، وكل من له شيء من السهام يأخذه مضروباً في المضروب بأصل المسألة، ويسمى هذا المضروب: جزء السهم. فتأخذ الزوجات: (9) ، والبنات: (48)، والعم: (15) وهذا لمجرد التمثيل.\r2 ً - توافق العددين: أن يكون بين أعداد الرؤوس التي انكسرت عليهم سهامهم موافقة بجزء من الأجزاء، بحيث لا يعد أقلهما الأكثر، كالأربعة والستة، فإنهما متوافقان بالنصف، أي ينقسمان على اثنين، وكالثمانية والعشرين، فإنهما متوافقان بالنصف والربع، أي ينقسمان على اثنين وأربعة.\rوإذا توافق العددان، فيضرب الوَفْق الأعلى في أصل المسألة، إن كانت عادلة غير عائلة، أو في عولها إن كانت عائلة، ومنها تصح، مثل:\r4 زوجات: 8/1 ، 6 بنات: 3/2 ، عم الباقي: للزوجات (3) ، وللبنات (16)، وللعم (5) ، والمسألة من (24)، وسهام الزوجات في هذه المسألة لا تنقسم عليهن، وسهام البنات (16) لا تنقسم عليهن، وبين عدد الزوجات وبين عدد البنات موافقة بالنصف، فنضرب وفق أحدهما في كامل الآخر (2 × 6 = 12)، فيبلغ الحاصل اثني عشر، فهذا هو جزء السهم، نضربه في أصل المسألة وهو (24) فتصح من (288) وكل من له شيء من السهام، يأخذه مضروباً في جزء السهم وهو (12)، فللزوجات (6 3)، وللبنات (192)، وللعم (60).\r3 ً - تداخل العددين: هو أن ينقسم على الأقل قسمة صحيحة، بحيث لا يبقى من الأكثر شيء، كثلاثة وستة: (3، 6). فإذا قسمنا الستة على الثلاثة مرتين، فلا يبقى منها شيء، أو نزيد على الأقل مثله أو أمثاله، فيساوي الأكثر، فإن زدنا على الثلاثة في المثال المذكور ثلاثة أخرى، فيساوي ذلك العدد الأكثر.","part":10,"page":482},{"id":6713,"text":"فيؤخذ الأكبر من العددين المتداخلين وهو ستة؛ لأن الثلاثة داخلة في الستة، فنكتفي بها، ونضربها في أصل المسألة، مثل: (3) زوجات: 8/1 ، (6) بنات: 3/2 ، عم: الباقي، للزوجات (3) ، وللبنات (16)، وللعم (5) ، والمسألة من (24)، وعدد الزوجات وعدد البنات متداخلان، فيكفي أن نأخذ أكبرهما، ونضربه في أصل المسألة (6 × 24 = 144)، فتصح من (144)، وكل من له شيء من السهام يأخذه مضروباً بالستة التي هي جزء السهم، فيكون للزوجات (18)، وللبنات (96)، وللعم (30).وهذا لمجرد التمثيل.\r4 ً - تباين العددين: ألا يعد العددين المختلفين معاً عدد ثالث، كالتسعة والعشرة، وإذا تباين العددان، يضرب أحدهما في الآخر، والحاصل في أصل المسألة إن لم تكن عائلة، وفي عولها إن كانت عائلة، مثل:\r(2 ) زوجة: 8/1 ، (3) بنات: 3/2 ، وعم: الباقي، والمسألة من (24) وعدد الزوجات وعدد البنات متباينان، فنضرب عدد رؤوس الزوجات وهو (2) في عدد رؤوس البنات وهو (3) يبلغ ستة، فهو جزء السهم، يضرب في أصل المسألة، فتصبح المسألة من (144)، ومنها تصح، فيعطى للزوجتين ( 3 × 6 = 18)، وللبنات الثلاثة: (16 × 6 = 96)، وللعم (5 × 6 = 30).\rومثل (2) زوجة 8/1 ، و (3) أخوات 3/2 ، 2 عم، الأصل (12)، للزوجتين (3) ، وللأخوات (8) فرضاً، وللعمين (1) تعصيباً، وبين عدد الزوجات وعدد الأخوات تباين، فيضرب أحدهما في الآخر (2 × 3 = 6)، وهو جزء السهم، ثم يضرب الحاصل في (12) : (6 × 12 = 72)، ومنها تصح، ثم نضرب سهام الورثة بـ (6) فيكون للزوجات: (18)، وللأخوات:( 48)، وللعم: (6) .","part":10,"page":483},{"id":6714,"text":"النوع الثاني ـ حالة الانكسار في طائفة واحدة من الورثة :\rينظر في هذه الحالة إلى النسبة بين السهام المنكسرة وعدد الرؤوس:\r1ً - فإن انقسمت السهام بلا كسر مثل: (3) زوجات، وأم، وأختين لأم، المسألة من (12) فلا تصحيح، ويكون للزوجات الربع (3) من (12)، وللأم السدس (2) ، وللأختين لأم الثلث (4) ، ويعطى لكل زوجة (1) ولكل واحدة من الأختين (2) .\rوعلى هذا إن كان سهام كل من الورثة منقسمة عليهم بلا كسر، فلا حاجة إلى الضرب، كأبوين وبنتين، المسألة من ستة، لكل من الأبوين سدسها، وهو واحد، وللبنتين الثلثان، أي أربعة، لكل واحدة منهما اثنان.\r2ً - وإن كان بينهما توافق أو تداخل، فيضرب جزء السهم (وهو في حالة التداخل حاصل قسمة عدد الرؤوس على السهام، وفي حالة التوافق وَفْق عدد رؤوسهم في أصل المسألة أو في عولها إن عالت) وتصح المسألة من الناتج، مثال التداخل:\r(8) بنات 3/2 ، وأم 6/1 : أصل المسألة من (6) وترد إلى (5) ، والسهام للبنات (4) ، وللأم (1) ، وبين سهام البنات 4 وعددهم 8 تداخل، وجزء السهم (8 ÷ 4= 2)، ثم يضرب (2 × 5) أصل المسألة: (10)، ومنه تصح المسألة، ويكون للبنات (4 × 2 = 8)، وللأم (1× 2 = 2). ومثال التوافق: (6) بنات 3/2 ، وأم 6/1 : أصل المسألة من (5) ، للبنات (4) ، وللأم (1) ، وجزء السهم هنا (6) ، يضرب في (5) ، فتصح المسألة من (30)، للبنات (6×4= 24) لكل بنت (4) ، وللأم (1× 6 = 6).\r3ً - وإن كان بينهما تباين: فجزء السهم هو كل عدد الرؤوس: مثل: (5) بنات 3/2 وأب 6/1 والتعصيب، أصل المسألة من (6) ، للبنات (4) ، وللأب (2) ، وجزء السهم (5 × 6 = 30)، منه تصح، فيعطى للبنات (4 × 5 = 20)، وللأب (2 × 5= 10).","part":10,"page":484},{"id":6715,"text":"بيان طريقة التصحيح إجمالاً :\rالخلاصة: هناك أصول أربعة بين الرؤوس والرؤوس، في حالة انكسار السهام على أكثر من طائفة، وهي التماثل، والتوافق، والتداخل، والتباين.\rوأصول ثلاثة في حالة انكسار السهام على طائفة واحدة فقط: وهي أن تستقيم قسمة السهام على الورثة بلا كسر، وأن يكون بين السهام والرؤوس توافق أو تداخل، وأن يكون بين السهام والرؤوس مباينة.\rويقال في ذلك: يحتاج في تصحيح المسائل لمعرفة سبعة أصول: ثلاثة بين السهام والرؤوس، وأربعة بين الرؤوس والرؤوس.\rالنوع الأول ـ الانكسار بين السهام والرؤوس :\r1ً - إما أن تستقيم السهام على الورثة فتصح من أصلها بلا تصحيح، كأبوين وابنين. وهذا هو الأصل الأول. أو لا تستقيم، وفي هذه الحالة:\rإما أن يكون الكسر على طائفة واحدة، أو يكون الكسر على طائفتين فأكثر. فإن كان الكسر على طائفة واحدة:\r2ً - فإما أن يكون بين السهام والرؤوس موافقة: فيضرب وَفْق عدد رؤوسهم في أصل المسألة، ومنها تصح، كأم وأب وعشر بنات، المسألة من (6) ، لكل من الأب والأم السدس، وللبنات الثلثان، وبين سهام البنات ورؤوسهن موافقة بالنصف، فضربنا وفق عدد البنات وهو (5) في أصل المسألة (6) ، فيبلغ (30)، ومنها تصح، وهذا هو الأصل الثاني.\r3ً - وإما أن يكون بين السهام والرؤوس مباينة: فيضرب عدد رؤوسهم في أصل المسألة، ومنها تصح، كزوج وجدة و (3) إخوة لأم، المسألة من (6) ، للزوج النصف (3) ، وللجدة السدس (1) ، وللإخوة الثلث (2) ، فيضرب عدد الإخوة (3 × 6 أصل المسألة = 18) ومنها تصح، وهذا هو الأصل الثالث.","part":10,"page":485},{"id":6716,"text":"النوع الثاني ـ أن تنكسر السهام على طائفتين فأكثر :\rلا يخلو الحال من أحد أمور:\rإما أن يكون بين أعداد رؤوسهم مماثلة، أو مداخلة، أو موافقة، أو مباينة.\r4 - ففي الحالة الأولى ـ التماثل: يؤخد أحد المتماثلين، ويضرب في أصل المسألة: كست بنات، و (3) جدات، و (3) أعمام، وهذا هو الأصل الرابع.\rفالمسألة من (6) ، للبنات 3/2 = (4) ، وللجدات 6/1 = (1) ، وللأعمام الباقي= (1) . ونصيب البنات لا ينقسم عليهن، وبين سهامهن وعدد رؤوسهن توافق بالنصف، فرددنا عدد رؤوسهن إلى الوفق وهو (3) ، ونظرنا بين هذا العدد وعدد الجدات والأعمام الذين انكسرت عليهم سهامهم، ولم تنقسم، فاجتمع معنا ثلاث فرق متماثلة: فرقة البنات، وفرقة الجدات، وفرقة الأعمام، فاكتفينا بأحد المتماثلات وهو (3) ، وضربناه في أصل المسألة، فصار (18)، ومنها تصح.\rويكون للبنات (4 × 3 = جزء السهم = 12)، لكل بنت سهمان.\rوللجدات (1 × 3 جزء السهم = 3)، لكل عم سهم.\rوللأعمام (1 × 3 جزء السهم = 3) ، لكل عم سهم.\r5 - وفي الحالة الثانية - التداخل: وهي أن يكون بعض أعداد الرؤوس متداخلاً في الآخر، فيضرب ما هو أكثر تلك الأعداد المتداخلة في أصل المسألة، فما بلغ تصح منه المسألة، وهذا هو الأصل الخامس.\rكأربع زوجات: 4/1 ، و (3) جدات: 6/1 ، (12) عماً: الباقي. فالمسألة من (12)، للزوجات (3) ، وللجدات (2) ، وللأعمام الباقي (7) . وسهام كل من الزوجات والجدات والأعمام غير منقسم عليهن. ونظرنا بين أعداد الرؤوس، فرأينا أن عدد الزوجات داخل في عدد الأعمام، وعدد الجدات داخل أيضاً في عدد الأعمام، فاكتفينا بالأكبر وهو (12)، وضربناه في أصل المسألة وهو (12)، فبلغ (144)، ومنها تصح.\rويكون للزوجات: (3 × 12 = 36)، لكل زوجة (9) .\rوللجدات (2 × 12 = 24)، لكل جدة (8) .\rوللأعمام (7 × 12 = 84)، لكل واحد منهم (7) .","part":10,"page":486},{"id":6717,"text":"6 - وفي الحالة الثالثة ـ التوافق: أن تكون بعض أعداد المنكسرة سهامهم موافقة للبعض الآخر، وهذا هو الأصل السادس. مثل (4) زوجات: 8/1 ، و (18) بنتا: 3/2 ، و (15) جدة: 6/1 ، و (6) أعمام: الباقي. وأصل المسألة من (24)، وبين سهام الزوجات ورؤوسهن تباين، وبين سهام الأعمام ورؤوسهم تباين أيضاً، وبين سهام الجدات وعددهن تباين أيضاً، وبين عدد البنات وسهامهن توافق بالنصف، فرددنا عدد البنات إلى الوَفق وهو (9) فاجتمع معنا (4) عدد الزوجات، (9) عدد البنات، و (15) عدد الجدات، و (6) عدد الأعمام.\rوبين الأربعة والتسعة تباين، فضربنا أحدهما بكامل الآخر، فصار ستة وثلاثين (36).\rوالـ 6 داخلة فيه، وبين الـ 36 والـ 15 عدد الجدات توافق بالثلث أي (12) ثلث الـ 36، و (5) ثلث الـ 15، فضربنا وَفْق أحدهما بكامل الآخر، أي (5 × 36)، فبلغ (180)، ثم ضربناه في أصل المسألة (24)، فصارت (4320) ومنها تصح، فكل من له شيء من السهام يأخذه مضروباً في جزء السهم (180)، فللزوجات (540 أي 3 × 180)، لكل زوجة (135)، وللبنات (2880)، لكل بنت (160)، وللجدات (720) لكل جدة (48)، وللأعمام (180) لكل عم (30).\r7 - وفي الحالة الرابعة ـ التباين: وهو أن تكون أعداد الرؤوس المنكسرة عليهم سهامهم مباينة للفريق الآخر، فيضرب أحدهما في الثاني، وهكذا، فيضرب المجموع في أصل المسألة، وهذا هو الأصل السابع.\rمثل زوجتين 8/1 ، (6) جدات 6/1 ، و (10) بنات 3/2 ، و (7) أعمام: الباقي. وأصل المسألة من (24)، للزوجتين الثمن وهو ثلاثة لا يقسم عليهما، وبين رؤوسهما وسهامهما مباينة، فأخذنا عدد رؤوسهما وهو اثنان. وللجدات الست السدس وهو أربعة، فلا يستقيم عليهن، وبين عددي رؤوسهن وسهامهن موافقة بالنصف، فأخذنا نصف عدد رؤوسهن وهو ثلاثة.\rوللبنات العشرة: الثلثان وهو ستة عشر، فلا يستقيم عليهن، وبين رؤوسهن وسهامهن موافقة بالنصف، فأخذنا نصف عدد رؤوسهن وهو خمسة. والأعمام السبعة: الباقي وهو واحد (1) لا يستقيم عليهن، وبينه وبين عدد رؤوسهم مباينة، فأخذنا عدد رؤوسهم وهو سبعة، فصار معنا من الأعداد المأخوذة: اثنان وثلاثة وخمسة وسبعة (2، 3، 5، 7) وهذه أعداد كلها متباينة.\rفضربناها ببعضها، فبلغ (210)، ثم ضربنا هذا المبلغ في أصل المسألة وهو (24)، فصار المجموع (5040) ومنه تصح.\rفللزوجتين (630) لكل زوجة (315).\rوللجدات الستة (840) لكل جدة (140).\rوللبنات العشرة (3360) لكل بنت (336).\rوللأعمام السبعة (210) لكل عم (30).","part":10,"page":487},{"id":6718,"text":"رابعاً ـ قسمة التركة بين الورثة أو الغرماء (الدائنين ) :\rلا يخلو أن يكون بين التركة وتصحيح المسائل أحد النسب الأربع السابقة، فإن كانت المماثلة فالأمر ظاهر. وإن لم تكن بينهما مماثلة: فإما أن يكون أحدهما مبايناً للآخر، أو موافقاً له (1) .\rففي حالة التباين: نضرب سهام كل وارث من التصحيح، أي أصل المسألة أو عولها في جميع التركة، ثم نقسم المبلغ على التصحيح، فالخارج نصيب ذلك الوارث. مثل: زوج، وأم، وأختين شقيقتين: والمسألة من (6) للزوج النصف (3) ، وللأم السدس (1) ، وللأختين الثلثان (4) ، تعول إلى (8) وهو التصحيح.\rفإذا كانت التركة (25) ديناراً، نضرب نصيب الزوج وهو (3) في جميع التركة = (75)، ثم نقسم المبلغ على التصحيح وهو (8) ، يخرج 8/3 (9) دينار، وإذا ضربنا نصيب الأم وهو (1) في جميع التركة (25 = 25)، ثم نقسم المبلغ على التصحيح وهو (8) يخرج 8/1 (3) دينار، وإذا ضربنا نصيب الأختين وهو (4) في جميع التركة (25 = 100)، ثم نقسم المبلغ على التصحيح وهو (8) ، فيخرج 8/4 (12)، أي 4/1 (6) دينار لكل أخت من التركة .\r-------------------------------\r(1) السراجية: ص 121-126.","part":10,"page":488},{"id":6719,"text":"وفي حالة التوافق: نضرب سهام كل وارث من التصحيح في وَفْق التركة، ثم نقسم الحاصل على وفق التصحيح، فالخارج: نصيب ذلك الوارث.\rففي المثال السابق إذا كانت التركة 50 ديناراً، إذا ضربنا سهام الزوج وهو (3) في وفق التركة وهو (25) يحصل (75)، ثم نقسم على وفق التصحيح وهو (4) يخرج نصيب الزوج وهو 8/6 (18)، ويكون نصيب الأم 8/2 (6) ، ويكون نصيب الأختين (25).\rوإذا كان في التركة كسر: فالقاعدة أن نبسط التركة لتصير من جنس واحد، فنضرب الصحيح من التركة في مخرج الكسر، ونزيد على الحاصل ذلك الكسر، ثم نضرب العدد الذي صحت منه المسألة في مخرج كسر التركة، ثم نعمل بالحاصلين كما سبق، فيكون الخارج نصيب الوارث الواحد.\rفلو فرضنا أن التركة في المثال السابق (25) ديناراً وثلث، فنضرب (25) في مخرج الثلث وهو (3) يحصل (75)، فنزيد عليه الكسر وهو (1) ، فيصير المجموع (76)، ونضرب (8) التي هي التصحيح في (3) أيضاً يحصل (24) ، فإذا ضربنا نصيب كل وارث من (8) في (76)، وقسمنا الخارج على (24)، كان الناتج هو حصة ذلك الوارث، كأن التركة كانت (76) عدداً صحيحاً، وكأن أصل المسألة (24).\rقضاء الديون: أما طريق وفاء الديون إن لم تف بها التركة، مع تعدد الغرماء، فيجعل دين كل واحد بمنزلة سهام كل وارث من تصحيح المسألة، ويجعل مجموع الديون بمنزلة مجموع التصحيح.\rفلو مات شخص عن (9) دنانير، وكان عليه (15) ديناراً، لدائن عشرة دنانير، ولآخر خمسة، فالخمسة عشر بمنزلة التصحيح، وبينها وبين التسعة دنانير موافقة بالثلث، فإذا ضربنا دين من له (10) دنانير في وفق التسعة وهو (3) حصل (30)، فإذا قسمناه على وفق التصحيح وهو خمسة، كان الخارج (6) نصيب من كان له عشرة، وكان من له خمسة دنانير (3) .\rولو فرضنا أن التركة كانت (13) ديناراً، كان بينها وبين التصحيح مباينة، فحينئذ نضرب دين صاحب العشرة في كل التركة، أي (13) فيحصل (130)، فإذا قسمنا على التصحيح وهو (15)، كان الخارج وهو 8/2 (8) ، وهكذا الثاني.","part":10,"page":489},{"id":6720,"text":"خامساً ـ طرق قسمة التركة :\rلقسمة ا لتركة طرق ثلاث: 1 - الضرب، 2 - القسمة، 3 - النسبة، ويضاف طريقة رابعة (1) .\r1 - طريقة الضرب: لو مات عن زوجة وأم وعم، المسألة من (12)، للزوجة 4/1 = (3) ، وللأم 3/1 = (4) ، وللعم الباقي وكانت التركة (24) ديناراً، فالمسألة من (12) سهماً، فنضرب سهام كل وارث في التركة، ونقسم الحاصل على أصل المسألة، فما خرج فهو نصيب ذلك الوارث، فنصيب الزوجة (3×24= 72÷12= 6)، وهكذا يعمل في نصيب الأم والعم.\r2 - طريقة القسمة: أن نقسم التركة على المسألة، ونضرب الخارج في سهام كل وارث، فيحصل نصيبه.\rففي المثال المذكور: إذا قسمنا التركة على المسألة، يحصل (2) ، فكل من له شيء في المسألة، يأخذه مضروباً بـ (2) فما بلغ هو نصيبه، فنصيب الزوجة: (3×2=6) وهكذا الباقي.\r3 - طريقة النسبة: وهي أن تَنسب سهام كل وارث من المسألة إليها، وتأخذ من التركة بتلك النسبة، فيكون المأخوذ حصته. فنسبة سهام الزوجة للمسألة الربع، أي (3 من 12)، فيؤخذ لها ربع التركة، وهو ستة من (24)، وهكذا الأم لها الثلث، أي (4 من 12)، فيؤخذ لها ثمانية من (24)، ونسبة سهام العم فيها ربع وسدس، فيعطى بتلك النسبة، ويؤخذ من التركة الربع ستة، والسدس أربعة، ويكون المجموع عشرة من (24).\r4 - طريقة الرد إلى الوفق: إذا كان بين السهام والتركة موافقة، فرُدَّ كلاً منهما إلى وَفْقه، فترد السهام إلى وفقها.\rففي المثال السابق: ننظر بين سهام المسألة وهو (12) والتركة وهي (24)، فنجد بينهما موافقة بنصف السدس، فترد السهام إلى وفقها وهو نصف سدس أي واحد (1) ، وترد التركة إلى نصف سدسها وهو اثنان (2) ، ونضرب سهام كل وارث في وَفْق التركة، فما بلغ فهو نصيبه، فإذا ضربنا سهام الزوجة وهي ثلاثة (3) في وفق التركة وهو اثنان (2) يحصل ستة، هي نصيبها من التركة، وهكذا البقية: وهي تشبه طريقة القسمة.\r-------------------------------\r(1) الرحبية: ص 71-72، المغني: 200/6، كشاف القناع: 496/4 ومابعدها.","part":10,"page":490},{"id":6721,"text":"أمثلة :\r1-\r..................24(أصل المسألة)...144(التركة)،6(نتيجة قسمة التركة على أصل المسألة)\r....... 8/1 زوجتين.......3.................18\r.......2/1 بنت.........12................72\r.......6/1 3بنات ابن...4.................24\r.......م أخ لأم .......محجوب...............0\r...والباقي(با) أب........4+1..............30\r2-\r.........................24/60..........1440(التركة)\r.....8/1 4زوجات.......3................180\r....3/2 5بنات..........16...............960\r....6/1 3جدات.........4.................240\r......با أخ شقيق..........1..................60\r3-\r......................9/12..............108(التركة)\r.........4/1زوج.........3..................27\r.........با ابن+3بنات.....5.................ابن30بنات15\r.......6/1 أم.............2...................18\r.......6/1 أب...........2...................18\r4-\r......................30/6................180(التركة)\r........6/1 جدتين.......1..................30\r.......3/1 3أخوة لأم....2.................60\r........با 5أعمام.........3................90\r5-\r..............................6/3................18(التركة)\r.........با بنت ابن..........////....................1\r.......3/2 بنتين..............4...................12\r.........م جدة...............0.....................0\r.....6/1 أم..................1.....................3\r.......با ابن ابن............////.....................2","part":10,"page":491},{"id":6722,"text":"الفَصْلَ الخامس عَشر : توريث ذوي الأرحام :\rتعريفهم، مذاهب العلماء في توريثهم، أصنافهم ومراتبهم، قواعد توريثهم (1) .\rأولاً ـ تعريف ذوي الأرحام :\rذو الرحم لغة: هو صاحب القرابة مطلقاً، أي سواء أكان صاحب فرض، أم عصبة أم غيرهما.\rوفي اصطلاح علماء الميراث (الفرضيين): هو كل قريب ليس بصاحب فرض ولا عصبة، يحرز جميع المال عند الانفراد، مثل أولاد البنات، وأولاد الأخوات وبنات الإخوة والجد الرحمي (غير الصحيح) والجدة الرحمية (غير الصحيحة) (2) ، والخال والخالة، ونحوهم من كل قريب ليس عصبة ولا صاحب فرض.\rثانياً ـ مذاهب العلماء في توريثهم :\rاختلف الفقهاء في توريث ذوي الأرحام على رأيين:\r1 ً - فذهب أبو حنيفة وأحمد: إلى توريثهم، وهو رأي عمر وعلي وابن مسعود وابن عباس رضي الله عنهم، لقوله تعالى:\r{وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله } [الأحزاب:6/33] ومعنى الآية أن بعضهم أولى ببعض فيما كتب الله تعالى وحكم به، وهو يشمل كل الأقرباء، سواء أكانوا ذوي فروض أم عصبات، أم لا، وقد بينت آية الفرائض ميراث ذوي الفروض والعصبات، فكان الباقون من ذوي الأرحام أولى من غيرهم بالتركة أو بما بقي منها. وهذه الآية نسخت التوارث بالمؤاخاة، كما كان في بدء الهجرة إلى المدينة، وتوارث الناس بعد هذه الآية بالنسب، كما روى الدارقطني عن ابن عباس.\rولقوله صلّى الله عليه وسلم : «ابن أخت القوم منهم» (3) وقوله عليه الصلاة والسلام: «من ترك مالاً فلورثته، وأنا وارث من لا وارث له، أعقل (4) عنه وأرثه، والخال وارث من لا وارث له، يعقل عنه ويرثه» (5) .\r-------------------------------\r(1) المبسوط: 2/30-27، السراجية: ص 163-204، تبيين الحقائق: 241/6-243، اللباب: 200/4، الدر المختار: 559/5-563، الشرح الصغير: 630/4، مغني المحتاج: 7/3-8، كشاف القناع: 474/4، المغني: 229/6-252.\r(2) ويسمى ذلك عند الفقهاء الجد الفاسد: وهو من يتصل إلى الميت بأم، والجدة الفاسدة: وهي من يدخل في نسبتها إلى الميت أب بين أمين.\r(3) رواه البخاري ومسلم.\r(4) العقل هنا: أي دفع دية القتيل خطأ.\r(5) رواه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه والحاكم وابن حبان وصححه، وحسنه أبو زرعة الرازي، وأعله البيهقي بالاضطراب، وذلك عن المقدام بن مَعْدِ يَكْرب (نيل الأوطار: 62/6).","part":10,"page":492},{"id":6723,"text":"ولما ثبت من الوقائع في عهد الرسول صلّى الله عليه وسلم والصحابة من بعده من توريث ذوي الأرحام.\rمنها: أن ثابت بن دَحْدَاح مات في حياة النبي صلّى الله عليه وسلم ، وكان ثابت غريباً لايعرف من هو؟ فقال صلّى الله عليه وسلم لعاصم بن عدي: «هل تعرفون له فيكم نسباً؟ قال: لا، يا رسول الله ، فدعا ابن أخته أبا لبابة بن عبد المنذر، فأعطاه ميراثه» (1) .\rومنها: أن أبا عبيدة بن الجراح كتب إلى عمر، يسأله عمن يرث سهل بن حنيف حين قتل، ولم يكن له من الأقارب إلا خال، فأجابه عمر بأن النبي صلّى الله عليه وسلم قال: «الله ورسوله مولى من لا مولى له، والخال وارث من لا وارث له» (2) .\rوروي عن عمر في رجل مات وترك عماً لأم، وأخاً، فأعطى العم الثلثين، وأعطى الخال الثلث.\rوقضى عبد الله بن مسعود فيمن ترك عمة وخالة: بأن للعمة الثلثين، وللخالة الثلث.\rهذا كله يدل على توريث ذوي الأرحام. وهو الذي اعتمده متأخرو المالكية بعد المئتين من الهجرة، وأفتى به متأخرو الشافعية منذ القرن الرابع الهجري إذا لم ينتظم بيت المال، بحيث لم يعد يأخذ المستحقون فيه نصيبهم منه، وتصرف أموالهم في غير مصارفها.\rوأخذ به القانون المصري (م 31-38) والسوري (م 289-297).\rفيكون المقرر في المذاهب الأربعة وفي القوانين النافذة هو توريث ذوي الأرحام.\r-------------------------------\r(1) رواه سعيد بن منصور، وأبو عبيد في الأموال، إلا أنه قال: «ولم يخلف إلا ابن أخ له، فقضى النبي صلّى الله عليه وسلم بميراثه لابن أخيه» .\r(2) رواه أحمد وابن ماجه، وللترمذي منه المرفوع، وقال حديث حسن، وهو من حديث أبي أمامة بن سهل (نيل الأوطار: 62/6).","part":10,"page":493},{"id":6724,"text":"2 ً - وذهب مالك والشافعي: إلى أن ذوي الأرحام لا يرثون، فإذا مات شخص من غير ذي فرض ولا عصبة، وله ذو رحم، ردت التركة إلى بيت المال.\rوهذا رأي زيد بن ثابت وسعيد بن المسيب وسعيد بن جبير، وأخذ به الأوزاعي وأبو ثور وداود وابن جرير الطبري.\rواستدلوا بأن الله تعالى ذكر في آيات المواريث نصيب أصحاب الفروض والعصبات، ولم يذكر لذوي الأرحام شيئاً، ولو كان لهم حق لبينه، قال الله تعالى: {وما كان ربك نسياً} [مريم:64/19] وقال صلّى الله عليه وسلم : «إن الله أعطى لكل ذي حق حقه» (1) .\rوأيضاً سئل عليه الصلاة والسلام عن ميراث العمة والخالة، فقال: «أخبرني جبريل أن لا شيء لهما» (2) .\rويلاحظ أن ما تمسك به هؤلاء النافون من الحديث هو مرسل (3) ، لا يحتج به، ولو صح وصله، يكون التوفيق بينه وبين ما رواه المثبتون أن نفي الميراث عن العمة والخالة، كان قبل نزول آية الأنفال: {وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله } [الأحزاب:6/33] أي أن العمة والخالة ليس لهما فرض مقدر، أو لا يرثان مع عصبة ولا مع ذي فرض يرد عليه، فإن الرد على ذوي الفروض مقدم على توريث ذوي الأرحام، ولكنهم يرثون مع من لا يرد عليه وهما الزوجان.\rثالثاً ـ أصناف ذوي الأرحام ومراتبهم :\rالتصنيف المشهور ذو الطريقة الحسنة لذوي الأرحام يحصرهم في أربعة أصناف، وقد أخذ به القانون المصري (م 31) والسوري (م 290).\rالصنف الأول ـ من كان من فروع الميت الذين يدلون إليه بواسطة الأنثى، وهم نوعان: أولاد البنات وأولاد بنات الابن، وإن نزلوا ذكوراً وإناثاً، مثل بنت البنت، وبنت ابن البنت، وابن بنت الابن، وبنت بنت الابن، وهكذا نزولاً.\rالصنف الثاني ـ من كان من أصول الميت الذين يتصلون به بواسطة الأنثى، سواء أكانوا رجالاً وهم الأجداد الرحميون، أم نساء، وهن الجدات الرحميات، مثل أبي أم الميت، وأبي أبي الأم، وأم أبي أم الميت، وأم أم أبي أم الميت، سواء أكان كل من الجد والجدة قريباً أم بعيداً، وهكذا علواً. فهم نوعان أيضاً.\rالصنف الثالث ـ من كان من فروع أبوي الميت، وهم الإخوة والأخوات وهم ثلاثة أنواع:\rأ ـ أولاد الأخوات وإن نزلوا مطلقاً، أي سواء كن شقيقات، أو لأب، أو لأم، مثل ابن الأخت، وبنت الأخت، وابن بنت الأخت، وبنت ابن الأخت، وهكذا نزولاً.\rب ـ بنات الإخوة وإن نزلوا مطلقاً، أي سواء أكانوا أشقاء أم لأب، مثل بنت الأخ الشقيق، وبنت الأخ لأب، وابن بنت الأخ الشقيق أو لأب، وهكذا نزولاً. أما أبناء الإخوة الذكور فهم عصبة، كما تقدم.\rجـ ـ أولاد الإخوة لأم وإن نزلوا، مثل ابن أخ لأم، وبنت أخ لأم، وبنت ابن أخ لأم، وابن بنت الأخ لأم، وهكذا نزولاً.\r-------------------------------\r(1) رواه الترمذي وغيره.\r(2) رواه أبو داود في المراسيل.\r(3) المرسل: هو ما رفعه التابعي إلى الرسول الله صلّى الله عليه وسلم من قول أو فعل أو تقرير، صغيراً كان التابعي أو كبيراً. أو ما رفعه غير الصحابي.","part":10,"page":494},{"id":6725,"text":"الصنف الرابع ـ من كان من فروع أحد أجداد الميت أو جداته الذين ليسوا بأصحاب فروض ولا عصبة، سواء أكانوا قريبين أم بعيدين، وهم ست طوائف مرتبين في الاستحقاق على النحو التالي:\rالأولى ـ الأعمام لأم، والعمات مطلقاً، أي سواء كن شقيقات أو لأب أو لأم، والأخوال والخالات مطلقاً، أي سواء كانوا أشقاء أو لأب أو لأم، أما الأعمام لأبوين أو لأب فهم من العصبات.\rالثانية ـ أولاد الطائفة السابقة وإن نزلوا، وبنات أعمام الميت الأشقاء أو لأب، وبنات أبنائهم وإن نزلوا، وأولاد من ذكرن وإن نزلوا.\rالثالثة ـ أعمام أبي الميت لأم، وعماته، وأخواله وخالاته جميعاً، وهؤلاء قرابتهم من جهة الأب. وأعمام أم الميت وعماتها وأخوالها وخالاتها، وهؤلاء قرابتهم من جهة الأم.\rالرابعة ـ أولاد من ذكروا في الطائفة السابقة وإن نزلوا، وبنات أعمام أبي الميت الأشقاء أو لأب، وبنات أبنائهم وإن نزلوا، وأولاد هؤلاء جميعاً وإن نزلوا.\rالخامسة ـ أعمام أبي أبي الميت لأم، وعماته وأخواله وخالاته، وأعمام أم أبي الميت وعماتها، وأخوالها وخالاتها، وقرابة هؤلاء من جهة الأب. وأعمام أبي أم الميت، وعماته وأخواله وخالاته، وأعمام أم أم الميت وعماتها، وأخوالها وخالاتها، وقرابة هؤلاء من جهة الأم. السادسة ـ أولاد من ذكروا في الطائفة السابقة وإن نزلوا، وبنات أعمام أبي أبي الميت الأشقاء أو لأب، وبنات أبنائهم وإن نزلوا، وأولاد من ذكرن وإن نزلوا وهكذا.","part":10,"page":495},{"id":6726,"text":"ترتيب أصناف ذوي الأرحام :\rأصناف ذوي الأرحام مرتبة في الإرث بحسب ترتيب ذكرهم السابق، كترتيب العصبات المحضة أو بالنفس.\rتقديم الصنف الأول على الثاني، وهو على الثالث، وهو على الرابع ومن يلحق به، فعمومة نفس الميت وخؤولته مقدمة على عمومة أبيه وجده وخؤولتهما، كما تقدم.\rوذلك كترتيب العصبات بالنفس، فكما لا يرث أحد بعصوبة الأب فما بعدها، ما دام أحد من جهة البنوة، فكذلك هنا.\rوهذا يسمى عندهم التقديم بالجهة، أي أن جهة الفرع مقدمة على جهة الأصل، وهذه مقدمة على جهة الأخوة، وهذه مقدمة على جهة العمومة والخؤولة، ومتى وجد شخص واحد من أي جهة، استحق جميع المال بعد فرض أحد الزوجين.\rوإن وجد شخصان فأكثر، فيحتاج الأمر إلى تفصيل كل صنف على حدة.\rأمثلة على ترتيب الأصناف :\r-1 بنت بنت وأبو أم المال لبنت البنت؛ لأنها فرع الميت وهو الصنف الأول، وهو مقدم على أب الأم؛ لأنه من الصنف الثاني.\r2- أبو أم وبنت أخت المال لأبي الأم؛ لأنه من الصنف الثاني، فقدم على بنت الأخت؛ لأنها من الصنف الثالث.\r3 - بنت أخت وعم لأم المال لبنت الأخت؛ لأنها من الصنف الثالث، فقدم على العم لأم؛ لأنه من الصنف الرابع، وهكذا.","part":10,"page":496},{"id":6727,"text":"رابعاً ـ قواعد توريث ذوي الأرحام :\rهناك ثلاثة مذاهب أو طرق في توريث ذوي الأرحام:\rالمذهب الأول ـ طريقة أهل الرحم، ويسمى مذهب التسوية:\rوهي أن يسوى بين ذوي الأرحام في اقتسام التركة، لا فرق بين القريب والبعيد والذكر والأنثى في العطاء، فلا يفرق بين من كان من الصنف الأول أو من كان من الصنف الرابع، ولا يفرق بين الذكر والأنثى؛ لأنهم يستحقون الإرث بوصف الرحمية، والجميع في هذا الوصف سواء.\rفمن مات عن: ابن بنت، وبنت أخ، وبنت عم، قسم المال بينهم أثلاثاً، ومن مات عن: بنت بنت، وابن بنت ابن عمة، كانت التركة بينهما نصفين، وإن كانت بنت البنت أقرب إلى الميت من ابن بنت ابن العمة.\rوقد هجرت هذه الطريقة عند الفقهاء، لبعدها عن المعقول، ومخالفتها لمبادئ الشريعة في الميراث، ولم يقل بها إلا اثنان فقط: وهما حسن بن ميسر، ونوح بن ذراح (1) .\rالمذهب الثاني ـ طريقة أهل التنزيل :\rيورثونهم بتنزيلهم منزلة أصولهم، ممن كانوا أصحاب فروض أو عصبات، فيفرز لهم نصيبهم من التركة، كما لو كانوا هم الورثة الأحياء، ثم نعطي نصيب كل واحد منهم إلى فروعه من ذوي الأرحام، للذكر مثل حظ الأنثيين.\rفيجعل ولد البنت كالبنت، وولد الأخ كالأخ، وولد العم كالعم، فمن مات عن بنت بنت، وبنت أخ، وبنت عم، يفرض كأن الميت مات عن بنت وأخ وعم، ويوزع المال بين البنت والأخ فقط، أما العم فلا شيء له مع وجود الأخ، فتعطى بنت البنت نصيب أمها وهو النصف فرضاً، وتعطى بنت الأخ نصيب أبيها وهو النصف تعصيباً.\rواستثنوا من هذه القاعدة: الأخوال والخالات، فإنهم يُنَزّلون منزلة الأم، وكذلك الأعمام لأم والعمات، ينزلون منزلة الأب، فمن مات عن خالة وعمة، كان للخالة الثلث بمنزلة الأم، وللعمة الثلثان بمنزلة الأب الذي يأخذ الباقي.\rوالقائلون بهذه الطريقة علقمة ومسروق والشعبي من التابعين، وغير الحنفية على المعتمد.\rغير أن الحنابلة يسوون بين ذوي الأرحام ذكوراً وإناثاً، فيعطون نصيب المدلى به من صاحب الفرض أو العصبة إلى ورثته من ذوي الأرحام، ذكورهم وإناثهم سواء، إن كانوا من جهة واحدة كابن العمة وبنتها، القسمة بينهما بالسوية، لا يفضل ذكر على أنثى.\r-------------------------------\r(1) المبسوط للسرخسي: 4/30.","part":10,"page":497},{"id":6728,"text":"وحجة أهل التنزيل: هي أن نسبة الاستحقاق في الإرث لا يمكن إثباتها بالرأي، وليس عندنا نص أو إجماع في بيان نصيبهم من التركة، فلا سبيل لنا إلا إقامة المدلي مقام المدلى به، فيعطى نصيبه. ويؤيد رأيهم ما روي عن ابن مسعود فيمن مات عن بنت بنت، وبنت أخت: إن المال بينهما نصفان؛ لأن البنت والأخت لو كانتا على قيد الحياة، تقاسمتا المال كذلك، فأعطيت بنت كل منهما نصيب أمها.\rمثال: توفي شخص عن:\rابن بنت، وبنت بنت ابن، وبنت أخت شقيقة، وبنت أخت لأب: المسألة من (6) ، لأنا نفرض أن ذلك الشخص مات عن: بنت، وبنت ابن، وأخت شقيقة، وأخت لأب:\rفللبنت النصف: ثلاثة (3) ، ولبنت الابن السدس (1) وللشقيقة الباقي: سهمان، ولا شيء للأخت لأب، ويعطى نصيب كل واحدة لأولادها، يقتسمونه بينهم، كأنها ماتت عنهم.\rالمذهب الثالث ـ طريقة أهل القرابة :\rوهي مذهب الحنفية، وبه أخد القانون المصري (م 32-38) والسوري (م 291-297) : يورثون ذوي الأرحام كالعصبات، أي الأقرب فالأقرب إلى الميت.\rسموا بذلك؛ لأنهم يقدمون في الإرث الأقرب، فالذي يليه في القرابة، قياساً على العصبات، أي فالتوريث بقرب الدرجة كما في العصبات.\rقال العلماء: مذهب أهل التنزيل أقيس من مذهب أهل القرابة، ومذهب أهل القرابة أقوى، لذا كان عليه الفتوى عند الحنفية، واختار القانون المذكور في التوزيع رأي أبي يوسف؛ لأنه المفتى به في المذهب لوضوحه، ولأنه الأيسر، وإن كان قول محمد أصح. ففي المثال السابق على طريقة أهل التنزيل: يكون المال كله على طريقة أهل القرابة لابن البنت.\rوطريقة التقديم في العصبات تطبق في ذوي الأرحام، فيكون التقديم بالجهة أولاً ، ثم بالدرجة، ثم بالقوة.\rغير أنه إذا اختلفت صفة الأصول بالذكورة والأنوثة، فهناك يختلف رأي أبي يوسف، ورأي محمد.","part":10,"page":498},{"id":6729,"text":"وحجتهم: أن ذوي الأرحام عصبات بالنسبة إلى الميت، غير أنه إن كانوا ذكوراً فهم عصبات حقيقيون،وإن توسط بينهم وبين الميت أنثى، فهم عصبات حكماً، وفي ترتيب العصبات اعتبرنا حقيقة قوة القرابة، فقدمنا البنوَّة على الأبوة، ثم هي على الأخوة، فكذلك ينبغي ترتيب العصبات حكماً.\rويؤيدهم أن علياً رضي الله عنه قضى فيمن ترك: بنت بنت، وبنت أخت، بأن المال كله لبنت البنت، فدل على أنه يرى الترجيح بين ذوي الأرحام بقوة القرابة، ولو كان يرى رأي أهل التنزيل لقضى بأن المال يقسم بينهما نصفين، كما أثر عن ابن مسعود.\rبيان قاعدة أهل القرابة في التوريث :\rيتم توريث ذوي الأرحام بحسب الأصول الآتية (1) :\r1ً - إذا ترك الميت واحداً فقط من ذوي الأرحام، حاز المال كله، من أي صنف كان، رجلاً أو امرأة، فمن مات عن زوج وبنت عم، كان للزوج النصف، ولبنت العم الباقي وهو النصف، ولا يرد على الزوج حتى في القانون لوجود ذي رحم. ومن مات عن زوجة وبنت أخ، كان للزوجة الربع، ولا يرد عليها مع وجود أحد من ذوي الأرحام، ولبنت الأخ الباقي وهو 4/3 .\r2ً - يرث ذوو الأرحام بأن يعطى للذكر مثل حظ الأنثيين ، ولو كانوا أولاد أخ لأم.\r3ً - إذا وجد من ذوي الأرحام أصناف متعددة، قدم الصنف الأول على الثاني، والثاني على الثالث، والثالث على الرابع، كترتيب العصبات تماماً، وهذا هو التقديم بالجهة.\rفمن مات عن بنت بنت وجد رحمي (أب أم): كان المال كله للأولى؛ لأنها من فروع الميت، وفروع الميت تقدم على أصوله.\rومن مات عن: جد رحمي، وبنت أخ شقيق، كان المال كله للجد؛ لأنه من الصنف الثاني (أصول الميت) فيقدم على فروع أبويه.\r-------------------------------\r(1) أحكام المواريث للدكتور مصطفى السباعي: ص 142-163، نظام المواريث للأستاذ عبد العظيم فياض: ص 194، أحكام المواريث للأستاذ عيسوي: ص 133.","part":10,"page":499},{"id":6730,"text":"ومن مات عن: بنت أخ، وعم لأم، وعمة شقيقة، كان المال كله لبنت الأخت؛ لأنها من الصنف الثالث (فروع أبوي الميت) فتقدم على الصنف الرابع.\rومن مات عن: ابن بنت ابن، وجد هو أبو أب أم، فالمال كله للأول؛ لأنه من الصنف الأول.\r4ً - إن كان الوارثون من ذوي الأرحام كلهم صنف واحد، فيورثون بحسب القواعد الآتية: قواعد توريث الصنف الأول :\r1 - التقديم بالدرجة: يقدم في الميراث أقربهم درجة إلى الميت: فمن مات عن ابن بنت، وابن بنت ابن، كان المال كله للأول؛ لأنه أقرب درجة من الثاني.\r2 - التقديم بالإدلاء بصاحب فرض أو عصبة (التقديم بالوارث): إن استووا في الدرجة، قدم من يدلي بصاحب فرض أو عصبة، على من يدلي بذي رحم.\rفمن مات عن: بنت بنت ابن، وابن بنت بنت، كان المال كله للأولى؛ لأنها بنت صاحبة فرض بالسدس، فتكون أولى.\r3 - للذكر ضعف الأنثى: إذا تساووا في الدرجة، وفي الإدلاء بصاحب فرض، أو أدلى كلهم بذي رحم، كان المال بينهم جميعاً للذكر ضعف الأنثى.\rوهذا رأي أبي يوسف، وهو المفتى به عند الحنفية، وقد أخذ به القانون، فمن مات عن ابن بنت بنت، وبنت ابن بنت، فالميراث بينهما أثلاثاً، ثلثاه للأول، وثلثه للثانية؛ لأنهما استويا في الدرجة والإدلاء بذي فرض.\rومن مات عن بنت ابن بنت، وبنت بنت بنت، كان المال بينهما مناصفة؛ لأن الوارثين استويا في الدرجة والإدلاء بذي رحم.\rوعند محمد: يقسم المال على أول درجة وقع فيها الاختلاف بالذكورة والأنوثة، ويجعل ما أصاب كل أصل لفرعه، إذا لم يحصل بعده اختلاف كما في المثال المذكور، فيعطى للأول وهو ابن بنت البنت سهم واحد نصيب أمه، وللثانية وهي بنت ابن البنت نصيب أبيها وهو سهمان.\rفإن وقع اختلاف في أولادهن، فيقسم المال كما ذكر، ثم يجعل الذكور طائفة، والإناث طائفة أخرى، ويأخذ الصفة من الأصل، والعدد من الفرع عند التعدد، مثل:\rابني بنت بنت بنت، وبنت ابن بنت بنت، وبنتي بنت ابن بنت:","part":10,"page":500},{"id":6731,"text":"فعند أبي يوسف: يقسم المال أسباعاً على الفروع، باعتبار الذكورة والأنوثة؛ لأن الابنين كأربع بنات، ومعهما ثلاث بنات أخرى، فالمجموع كسبع بنات، لكل بنت سهم، ولكل ابن سهمان.\rوعند محمد: يقسم المال على أول درجة وقع فيها الاختلاف، وهي في المثال المذكور البطن الثاني، فيقسم المال عليهما أسباعاً بحسب عدد الفروع، فالبنت الأولى في الدرجة الثانية كبنتين لتعدد فرعها، والبنت الثانية في الدرجة الثانية على حالتها لعدم تعدد فرعها، والابن في الدرجة الثانية كابنين لتعدد فرعه، فهو كأربع بنات، فله 4، وللبنتين الأولى والثانية ثلاثة. ثم يجعل الذكور طائفة، والإناث طائفة أخرى، فيعطى أربعة أسباع ابن البنت لبنتي بنته، لعدم الاختلاف، وثلاثة أسباع البنتين في الدرجة الثانية لولديهما في الدرجة الثالثة مناصفة؛ لأن البنت كبنتين لتعدد فروعهما، فساوت الابن، ثم يعطى نصيب كل واحد إلى فرعه، وتصح من (28)؛ لأن أصل المسألة من (7) ، وقد أصاب الابن في البطن الثالث سبعاً ونصف سبع، وأصاب البنت في البطن الثالث التي هي كبنتين لتعدد فرعها سبعاً ونصف سبع، فضربنا مخرج الكسر وهو (2) في أصل المسألة، فبلغ (14)، ودفعنا نصيب كل واحد إلى فرعه. فأخذت بنت ابن بنت البنت ثلاثة أسباع، ودفعنا نصيب بنت بنت البنت إلى ولديها، وهو لا ينقسم، فضربنا عدد رؤوسهما في (14)، فبلغ (28)، ومنها صحت المسألة. فلبنتي بنت ابن البنت الثلث (16)، ولبنت ابن بنت البنت (6) ، ولولدي بنت بنت البنت (6) ، لكل واحدة ثلاثة.\r4 - لا يعتد في رأي أبي يوسف والقانون بالإدلاء بجهتين هنا؛ لأن جهة القرابة وهي البنوة واحدة، فهو يورث بجهة واحدة، ولا يعتبر تعدد الجهات في ذوي الأرحام، أما في غير ذوي الأرحام فيرث الوارث بكل من الجهتين، كما لو ماتت عن أم وزوج هو ابن عمها أيضاً، فإن الأم تأخذ الثلث، والزوج يأخذ النصف بالفرضية، ثم يأخذ السدس بالتعصيب؛ لأنه ابن عم.","part":10,"page":501},{"id":6732,"text":"أما من توفي عن: ابن بنت بنت، وابن ابن بنت، هو أيضاً ابن بنت بنت، فالتركة بينهما مناصفة، ولا عبرة بتعدد جهة قرابة الابن الثاني.\rومحمد يعتبر الجهات المتعددة ويورث بها، وذلك في أعلى جهة وقع فيها الاختلاف بالذكورة والأنوثة، ويجعل الأصل موصوفاً بصفة، متعدداً بتعدد فرعه، فيقسم المال على الدرجة الثانية التي وقع فيها الاختلاف، وفيها ابنان، أحدهما كابنين، واحد من قبل الأب، وواحد من قبل الأم، وبنت كبنتين، واحدة من جهة الأب، وواحدة من جهة الأم، فيقسم المال عليهم من 4، للابن الأول سهم، وللثاني اثنان؛ لأنه كابنين، وللبنت واحد؛ لأنها كبنتين، ويجعل الذكور طائفة، والإناث طائفة، فينتقل نصيب الابن وهو اثنان إلى ابنه، ونصيب البنت وهو واحد إليه أيضاً، فيتم له ثلاثة أرباع، ربعه من جهة أمه، ونصفه من جهة أبيه، ولابن ابن البنت الربع نصيب أبيه.\rفالقاعدة عنده جعل الذكور طائفة، والإناث طائفة، ويعطى نصيب كل طائفة إلى فروعها بحسب صفاتهم.\rقواعد توريث الصنف الثاني :\rهي نفس قواعد توريث الصنف الأول، مع التوريث بتعدد الجهة واختلاف الجانب:\r1 - التقديم بالدرجة: إذا تعدد أصحاب هذا الصنف، قدم أقربهم إلى الميت درجة. فمن مات عن أب أم، وأب أم أب، كان المال كله للأول؛ لأنه أقرب إلى الميت درجة.\r2 - التقديم بالإدلاء بصاحب فرض أو عصبة (التقديم بالوارث ) : إذا استووا في الدرجة، قدم من يدلي إلى الميت بصاحب فرض أو عصبة، على من يدلي إليه بذي رحم.\rفمن مات عن أب أم أم أم، وأب أم أب أم: كان المال كله للأول؛ لأنه يدلي بصاحب فرض، وهي الجدة ـ أم أم الأم، أما الثاني فيدلي إلى الميت بذي رحم وهم أم أب الأم.\r3 - للذكر ضعف الأنثى: إذا استووا في الدرجة والإدلاء بصاحب فرض، أو بالإدلاء بذي رحم ينظر:\rأ ـ إن كانوا جميعاً من جانب الأب، أو من جانب الأم، اشتركوا في الميراث، للذكر مثل حظ الأنثيين.","part":10,"page":502},{"id":6733,"text":"فمن مات عن أب أم أب أب، وأب أم أم أب، كان المال بينهما نصفين، لاستوائهما في درجة القرب، وفي الإدلاء بصاحبة فرض، وهي الجدة الثابتة (الصحيحة) : أم أب الأب في الأول، وأم أم الأب في الثاني، وهما من حيِّز واحد: وهو جانب الأب. ب ـ وإن كانوا مع استوائهم في الدرجة والإدلاء مختلفين في الحيِّز (أي الجانب) فبعضهم من جهة الأب، وبعضهم من جهة الأم، كان لقرابة الأب الثلثان، ولقرابة الأم الثلث.\rفمن مات عن جدة هي أم أب أم أب، وجدة أخرى هي أم أب أب أم، كان المال بين الجدتين أثلاثاً، الثلثان للأولى؛ لأنها جدة الميت من جهة أبيه، والثلث للثانية؛ لأنها جدته من جهة أمه، وكلتاهما جدة غير ثابتة (رحمية) وقد استوتا في الدرجة والإدلاء بذي رحم.\r4 - تعدد الجهة: يعتبر تعدد جهة القرابة في رأي أئمة الحنفية الثلاثة وفي القانون عند تعدد جانب (حيز) القرابة، خلافاً للمذكور في الصنف الأول إذا لم يكن فيه تعدد الجانب (الحيِّز).\rأما في هذا الصنف فإن كان تعدد القرابة ناشئاً من جانب الأب، وجانب الأم في وقت واحد، فإن ذا الرحم هنا يرث بجهة قرابة الأب، ويرث بجهة قرابة الأم معاً، كما في المثالين التاليين:\rأ ـ مات عن خال لأب، وهو في الوقت نفسه عمه لأم، وعم آخر لأم، وخال آخر لأب.\rفالخال الأول له جهتا قرابة من حيّزين مختلفين، فهو قريب للميت من جهة أمه على أنه خال لأب، وقريب له من جهة أبيه باعتباره عمه لأم، فهل نورثه مع العم الآخر والخال الآخر بجهتين أم بجهة واحدة؟\rيقرر القانون المصري (م 37) والسوري (م 3/297) أنه يرث بجهتين لاختلاف جانب القرابة، فتقسم التركة على الوجه التالي، كأن في المسألة عمين لأم، وخالين لأب، للعمومة الثلثان، وللخؤولة الثلث. فالخال الأول يشارك الخال الآخر في الثلث، فله نصفه أي السدس 6/1 وهو يشارك أيضاً العم الآخر في الثلثين، فله نصفهما أي السدسان 6/2 .","part":10,"page":503},{"id":6734,"text":"وبذلك يكون له نصف التركة: سدسها باعتبار الخؤولة، وثلثها باعتبار العمومة، والخال الثاني له السدس فقط، والعم الثاني له الثلث فقط.\rب ـ مات عن: ابن عمة هو ابن خال شقيق، وبنت خال شقيق. نلاحظ أن لابن العمة جهتي قرابة للميت من جانبين مختلفين، أحدهما من جانب الأب، والثاني من جانب الأم، فهل يرث بجهتين أم بجهة واحدة؟\rيقرر القانونان السابقان أنه يرث بالجهتين معاً، فتقسم التركة في هذه المسألة، كما لو مات الميت عن ابن عمة، وابن خال شقيق، وبنت خال شقيق.\rفيأخذ ابن العمة الثلثين باعتباره من قرابة الأب.\rويأخذ ثلثي ثلث الخؤولة؛ لأنها من قرابة الأم، وثلث الثلث الآخر يعطى لبنت الخال الشقيق.\rفيكون نصيب العمة هو : 9/6 نصيب العمومة + 9/2 نصيب الخوؤلة = 9/8 ، ونصيب بنت الخال الشقيق هو : 9/1 باعتبار أن للأنثى حظ الذكر.\rوالقانونان المذكوران حينما لم يعتبرا تعدد الجهات، كما في أمثلة الصنف الأول إذا لم يختلف الجانب (الحيز) أخذا بالرواية الأولى عن أبي يوسف، وحينما اعتبرا تعدد الجهات إذا اختلف الجانب، كما في أمثلة هذا الصنف، أخذا بالرواية الثانية عن أبي يوسف، وهي رأي باقي أئمة الحنفية (1) .\r-------------------------------\r(1) السراجية: ص 181.","part":10,"page":504},{"id":6735,"text":"قواعد توريث الصنف الثالث :\rيشمل هذا الصنف أولاد الإخوة لأم، وأولاد الأخوات مطلقاً، وبنات الإخوة الأشقاء أو لأب. وقواعد توريثهم تشبه في الجملة قواعد الصنفين السابقين.\r1 - التقديم بالدرجة: إذا اختلفوا في درجة القرابة، فأولاهم بالميراث أقربهم درجة إلى الميت، فمن توفي عن: بنت أخت، وابن بنت أخ، كان الميراث كله لبنت الأخت؛ لأنها أقرب درجة من الثاني.\r2 - التقديم بالوارث: وإن استووا في الدرجة، وكان بعضهم يدلي بعصبة، وبعضهم يدلي بذي رحم، قدم ولد العاصب على ولد ذي الرحم، كما في بنت ابن أخ شقيق أو لأب، وابن بنت أخ شقيق أو لأب، فإن الميراث لبنت ابن الأخ؛ لأنها تدلي بعاصب، دون الثاني؛ لأنه يدلي بذي رحم.\r3 - التقديم بقوة القرابة: وإن تساووا في الدرجة والإدلاء: بأن كانوا جميعاً أولاد عصبات، كبنت أخ شقيق وبنت أخ لأب، أو كانوا أولاد أصحاب فرض كبنت أخت لأب، وابن أخ لأم ، أو كانوا أولاد ذوي أرحام، كبنت بنت أخ شقيق، وبنت بنت أخ لأب، أوكان بعضهم ولد عاصب، وبعضهم ولد ذي فرض، كبنت أخ شقيق، وبنت أخ لأم.\rفحينئذ يقدم أقواهم قرابة، وهو مذهب أبي يوسف، فيقدم من كان أصله لأبوين على من كان أصله لأب، وهذا يقدم على من كان أصله لأم.\rفمن مات عن: بنت أخ شقيق، وبنت أخ لأب، كان المال كله للأولى؛ لأنها أقوى قرابة، مع استوائهما في الدرجة والقرب والإدلاء بعاصب. ومن مات عن: بنت أخ لأب، وبنت أخ لأم، كان المال كله للأولى؛ لأنها أقوى قرابة.\r4 - للذكر ضعف الأنثى: وإن استووا في القرابة، قسم المال بينهم للذكر مثل حظ الأنثيين، ولو كانوا من فروع أولاد الأم.\rفمن مات عن بنتين لأخ لأم، وابن أخ لأم، كان المال مشتركاً بينهم مناصفة، تأخذ البنتان النصف، ويأخذ الابن النصف، لاستوائهم في الصنف والدرجة وقوة القرابة.\rويلاحظ أن أولاد الأم وإن كانوا في ميراث الفريضة متساوين بنص القرآن، لكنهم في توريث ذوي الأرحام تطبق عليهم القاعدة العامة وهي للذكر ضعف الأنثى، وهو رأي أبي يوسف، وبه أخذ القانون السوري والمصري، إذ لا نص في التسوية بينهم.\rويرى محمد أن يطبق على أولاد الإخوة لأم نفس المبدأ الذي يطبق على آبائهم، وهو التسوية بين ذكورهم وإناثهم، فيقسم المال في المثال السابق بينهم أثلاثاً، لكل بنت ثلث، وللابن الثلث.","part":10,"page":505},{"id":6736,"text":"قواعد توريث الصنف الرابع :\rوهم الذين ينتمون إلى جدي الميت أو إلى جدتيه، سواء أكانوا قريبين أم بعيدين، فيشمل أب الأب وأب الأم، وأم الأم وأم الأب، والعمات على الإطلاق، والأعمام لأم، والأخوال والخالات مطلقاً.\rوقواعد توريثهم ما يأتي (1) :\r1 - التقديم بالدرجة أو حجب المرتبة ما فوقها: كل مرتبة من مراتب هذا الصنف بجميع طبقاتها تحجب ما فوقها من المراتب بجميع طبقاتها، فأعمام الميت وعماته، وأخواله وخالاته يحجبون أعمام أب الميت لأم، وعمات أبيه، وأخوال أبيه وخالات أبيه، وهكذا علواً.\rوأولاد عم الميت لأم، وأولاد عمته، وأولاد خاله، وأولاد خالته، يحجبون أولاد عم أبيه لأمه، وأولاد عمة أبيه، وأولاد خال أبيه، وأولاد خالة أبيه، وهكذا.\rفمن مات عن: عمة وعمة أب، كان المال كله للأولى؛ لأنها أقرب درجة.\rومن مات عن: بنت عمه، وبنت عم أبيه، كان المال للأولى.\r2 - التقديم بقوة القرابة في الجهة: إذا تساووا في المرتبة، وتعددوا، وكان كلهم من جانب الأب فقط كالعمات، أو من جانب الأم فقط كالخالات، قدم الأقوى قرابة، ذكراً كان أو أنثى.\rفمن مات عن عمة لأبوين، وعمة لأب، كان المال كله للأولى؛ لأنها أقوى قرابة.\rومن مات عن عمة لأب، وعمة لأم، كان المال كله للأولى؛ لأنها أقوى قرابة.وهذا هو المفتى به عند الحنفية.\r3 - للذكر ضعف الأنثى: إذا تساووا في قوة القرابة، كان للذكر مثل حظ الأنثيين. فمن مات عن خالين لأب وأم، كان المال بينهما نصفين لاستوائهما في قوة القرابة. ومن مات عن عمتين لأب وأم، أوعمتين لأب، أو عمتين لأم، كان المال بينهما نصفين، لاستوائهما في قوة القرابة.\rومن مات عن: عم لأم، وعمة لأم، كان المال بينهما أثلاثاً، للعم ثلثان، وللعمة ثلث.\r-------------------------------\r(1) أحكام المواريث للسباعي: ص 151-157.","part":10,"page":506},{"id":6737,"text":"4 - لجهة الأب ضعف جهة الأم: إن اختلف أفراد الطبقة الواحدة، فكان بعضهم من جهة الأب، وبعضهم من جهة الأم، أعطي لجهة الأب الثلثان، ولفئة الأم الثلث، ثم يوزع نصيب كل فريق بين أفراده بحسب قوة القرابة، فإن استووا في القرابة قسم المال بينهم للذكر ضعف الأنثى.\rفمن مات عن عمة لأب وأم، وعمة لأم، وخال لأبوين، وخال لأب، كان للعمة لأبوين الثلثان، باعتبارها من قرابة الأب، ولا شيء للعمة لأم؛ لأن الأولى أقوى قرابة من الثانية، وللخال لأبوين الثلث؛ لأنه من قرابة الأم، ولا شيء للخال لأب؛ لأن الأول أقوى قرابة من الثاني.\rومن مات عن: عم لأم، وعمة لأم، وخال لأبوين، وخالة لأبوين: كان للعم والعمة الثلثان، للذكر ضعف الأنثى؛ لأنهما من درجة واحدة وحيِّز واحد، هو جانب الأب، وللخال والخالة الثلث، للذكر ضعف الأنثى؛ لأنهما في درجة واحدة وحيز واحد، وهو جانب الأم.\r5 - التقديم بقرب الدرجة في الطبقة النازلة: يقدم في جميع الطبقات النازلة لكل مرتبة من مراتب هذا الصنف الأقرب منهم درجة على الأبعد. والطبقة النازلة هم أولاد العم لأم، وأولاد العمات، وأولاد الأخوال، وأولاد الخالات، ثم أولاد أولاد هم نزولاً. وكذلك أولاد عم الأب لأم، وأولاد عمات الأب، وأولاد أخوال الأب، وأولاد خالات الأب، ثم أولاد أولادهم وإن نزلوا.\rفمن مات عن بنت عمة، وبنت عمة لأم، كان المال كله لبنت العمة؛ لأنها أقرب درجة إلى الميت.\r6 - التقديم بالوارث: إذا استووا في الدرجة، وكانوا جميعاً من جانب واحد، أي من قرابة الأب، أو من قرابة الأم، قدم ولد العصبة على ولد ذي الرحم.\rفمن مات عن بنت العم العصبي (الشقيق أو لأب) وابن العم لأم، كان المال كله لبنت العم؛ لأنها تدلي بعاصب، ولا شيء لابن العم لأم؛ لأنه ولد ذي رحم.\r7 - التقديم بقوة القرابة بين الأولاد: إذا استووا جميعاً في الدرجة وكانوا أولاد عصبات أو أولاد ذي رحم، قدم الأقوى قرابة.\rفمن مات عن بنت عمة لأبوين، وبنت عمة لأب، كان المال كله للأولى؛ لأنها وإن استوت مع الثانية في الصنف ودرجة القرب، والإدلاد بذي رحم؛ إلا أنها أقوى منها قرابة، فتخصص بالمال كله.\rوكذلك الحال مع ابن عمة لأب، وابن عمة لأم، المال كله للأول.","part":10,"page":507},{"id":6738,"text":"8 - لجهة الأب ضعف جهة الأم في الأولاد: إذا تساووا في الدرجة، واختلفوا في جانب القرابة، فبعضهم من جهة الأب، وبعضهم من جهة الأم، فثلثا التركة لجهة الأب، والثلث لجهة الأم، ثم يوزع نصيب كل فريق بين أفراده، بحيث يقدم ولد ذي العصبة، على ولد ذي الرحم، ثم يقدم الأقوى قرابة على الأضعف. فمن مات عن ابن عمة، وابن خالة، كان ثلثا المال لابن العمة؛ لأنه من قرابة الأب، وثلث المال لابن الخالة؛ لأنه من قرابة الأم.\rومن مات عن: بنت عمة لأبوين، وابني عمة لأب، وبنت خال لأبوين، وابني خال لأب: يكون لأولاد العمات لأبوين الثلثان، ولا شيء لابني العمة لأب، لأنها أضعف منها قرابة، ولأولاد الأخوال لأبوين الثلث، ولا شيء لابني الخال لأب؛ لأنها أضعف منها قرابة.\rوالخلاصة :\r1 - تورث الطائفة الأولى من الصنف الرابع (وهم العمات مطلقاً والأعمام لأم، والأخوال والخالات مطلقاً) بقوة القرابة إن اتحد حيِّز قرابتهم، بأن كانوا جميعاً من جانب الأب أو من جانب الأم. فإن استووا في قوة القرابة فللذكر ضعف الأنثى. أما إن اختلف حيِّز قرابتهم فلقرابة الأب الثلثان، ولقرابة الأم الثلث، ونصيب كل فريق يوزع للذكر ضعف الأنثى.\r2 - تورث الطائفة الثانية من هذا الصنف (وهم أولاد الطائفة الأولى، وبنات أعمام الميت، وبنات أبنائهم، وأولادهم وإن نزلوا) بقرب الدرجة، فأولاهم بالميراث أقربهم درجة إليه، سواء اتحد حيز القرابة أم اختلف.\rفإن اتحدت درجة القرب: فإن اتحدوا في حيز القرابة، قدم من يدلي بعاصب على من يدلي بغير عاصب، وإن اختلف حيز القرابة، فلفريق قرابة الأب الثلثان، ولفريق قرابة الأم الثلث.\r3 - الطائفة الثالثة والخامسة (الثالثة: هم أعمام أبي الميت لأم، وعماته وأخواله وخالاته ـ وقرابتهم من جهة الأب. وأعمام أم الميت وعماتها وأخوالها وخالاتها ـ وقرابتهم من جهة الأم. والخامسة: هم أعمام أبي أبي الميت، وعماته وأخواله وخالاته، وأعمام أم أبي الميت وعماتها وأخوالها وخالاتها ـ وقرابتهم من جهة الأب. وأعمام أبي أم الميت وعماته وأخواله وخالاته، وأعمام أم أم الميت وعماتها، وأخوالها وخالاتها ـ وقرابتهم من جهة الأم).تورث هاتان الطائفتان كما تقدم في توريث الطائفة الأولى.\r4 - الطائفة الرابعة (وهم أولاد من ذكروا في الطائفة الثالثة وإن نزلوا، وبنات أعمام أبي الميت، وبنات أبنائهم وإن نزلوا، وأولاد هؤلاء جميعاً وإن نزلوا).\r5 - والطائفة السادسة (وهم أولاد من ذكروا في الطائفة الخامسة وإن نزلوا، وبنات أعمام أبي أبي الميت، وبنات أبنائهم وإن نزلوا، وأولاد هؤلاء وإن نزلوا).\rتورث هاتان الطائفتان كالمذكور في الطائفة الثانية.\rوقد أخذ القانون المصري والسوري بهذه الأحكام.","part":10,"page":508},{"id":6739,"text":"الفَصْلُ السّادس عَشر : ميراث باقي الورثة :\rباقي الورثة بعد ذوي الفروض والعصبات النسبية والسببية وذوي الأرحام: هم مولى الموالاة، والمقر له بالنسب على الغير، والموصى له بأزيد من الثلث، وبيت المال. فإذا مات الميت عن غير وارث كانت التركة لواحد من هؤلاء على وفق الترتيب التالي (1) :\rأولاً ـ مولى الموالاة :\rهو أن يرث شخص الآخر بناء على تعاقد بينهما، سواء أكان كلاهما مجهولي النسب أم أحدهما مجهول النسب والآخر معلوم النسب.\rوصورة ذلك: أن يتعاقد اثنان مجهولا النسب على أن يعقل (يتحمل دية القتل الخطأ) كل واحد منهما عن الآخر جنايته الموجبة للمال، وأن يرث كل منهما الآخر إذا مات قبله.\r-------------------------------\r(1) السراجية: ص 9 -11، الدر المختار: 540/5-541، المغني: 12/6، 278، أحكام المواريث، فياض: ص 196-200.","part":10,"page":509},{"id":6740,"text":"أو يتعاقد اثنان أحدهما مجهول النسب والآخر معلوم النسب على أن يعقل الثاني الأول إذا جنى، ويرثه إذا مات.\rففي الحالة الأولى: كل منهما مولى موالاة للآخر، يثبت له الإرث منه.\rوفي الحالة الثانية: قابل الولاء هو المولى الأعلى لمجهول النسب، فيثبت له الإرث من الأدنى، الذي هو طالب الموالاة، دون العكس.\rوليس هذا التعاقد بصورتيه دائم اللزوم، بل يجوز الرجوع فيه، ما لم يحصل فيه عقل (تحمل دية) من أحدهما عن الآخر، وإلا فلا.\rآراء العلماء فيه: ذهب الحنفية ـ أخذاً برأي عمر وعلي وابن مسعود رضي الله عنهم ـ إلى أن هذا التعاقد سبب للميراث لما يأتي:\r1 - قوله تعالى: {والذين عَقَدَت أيمانكم فآتوهم نصيبهم} [النساء:33/4] أي أن حلفاءكم الذين عاقدتموهم على النصرة والإرث، آتوهم نصيبهم من الميراث بمقتضى تلك المعاقدة.\r2 - سأل تميم الداري رضي الله عنه رسول الله صلّى الله عليه وسلم عمن أسلم على يدي رجل ووالاه؟ فقال النبي صلّى الله عليه وسلم : «هوأحق به محياه ومماته» (1) وأحقيته في الحياة أن يعقل عنه إذا جنى، وأحقيته بالممات أنه يرثه إذا مات، ولم يكن له وارث ذو فرض أو عصبة أو رحم.\rوذهب الجمهور ـ أخذاً برأي زيد بن ثابت رضي الله عنه ـ إلى أنه ليس سبباً للميراث، للحديث المتقدم: «الولاء لمن أعتق» (2) فإنه حصر الولاء في ولاء العتق، فيبطل كل ولاء غيره.\rأخذ القانون في مصر وسورية بهذا الرأي، لعدم وجود هذا الصنف من زمن بعيد، وعدم توافر شروطه.\rشروط الإرث في ولاء الموالاة: اشترط الحنفية للإرث بولاء الموالاة الشروط التالية:\r1ً - أن يكون العاقد حراً: فليس للرقيق أن يوالي غير سيده.\r2ً - أن يكون العاقد غير عربي: لأنه لو كان عربياً لكان معروف النسب، فولاؤه في نسبه.\r3ً - ألا يكون معتقَاً: وإلا كان ولاؤه لمن أعتقه أو لعصبته.\r4ً - ألا يكون له وارث نسبي كولد أو أخ: وإلا فميراثه لذي نسبه.\r5ً - ألا يكون عقل عنه آخر: فإن عقل عنه مولى آخر أو بيت المال كان هو مولاه.\r6ً - أن يكون مجهول النسب.\r-------------------------------\r(1) رواه البخاري وأبو داود والترمذي.\r(2) نيل الأوطار: 68/6.","part":10,"page":510},{"id":6741,"text":"ثانياً ـ المقر له بالنسب على الغير :\rالإقرار بنسب الغير: هو ما يكون بغير الولد الصلبي والوالدين المباشرين للمقر، كالإقرار بالإخوة والأعمام والأجداد وأولاد الأولاد.\rولا يكون هذا الإقرار عند الجمهور سبباً للإرث أصلاً، فإن ثبت نسب المقر له بإحدى طرق الإثبات الشرعية، ورث بالقرابة النسبية.\rورأى الحنفية أن المقر له بنسب محمول على الغير يرث بالشروط الآتية:\r1ً - أن يكون مجهول النسب: إذ لو كان معروف النسب لبطل هذا الإقرار.\r2ً - أن يكون محمولاً على الغير: فلا يصح الإقرار على ذلك الغير، ويصح على المقر.\r3ً - عدم ثبوت نسب المقر له من ذلك الغير: بأن لم يصدقه المقر عليه أو ورثته.\r4ً - موت المقر وهو مصر على إقراره: فلو رجع عنه أو أنكره، ثم مات لايرث المقر له منه.\rموقف القانون: أخذ القانون المصري (م 41) والسوري (م 298) برأي الحنفية، وأخر مرتبته عن الرد على أحد الزوجين، وجعله مستحقاً التركة، لا بطريق الإرث، إيثاراً للحقيقة والواقع؛ لأن هذا الإقرار لا يثبت به نسب، والإرث فرع ثبوت النسب.\rواشترط القانونان لإرثه نفس الشروط الفقهية، وهي:\r1 - ألا يثبت نسب المقر له من المقر عليه.\r2 - ألا يرجع المقر عن إقراره.\r3 - ألا يقوم به مانع من موانع الإرث.\r4 - أن يكون المقر له حياً وقت موت المقر، أو وقت الحكم باعتباره ميتاً.\rلكن ينبغي أن يضاف لهذه الشروط: أن يكون المقر له مجهول النسب.","part":10,"page":511},{"id":6742,"text":"ثالثاً ـ الموصى له بأزيد من الثلث :\rذهب الجمهور إلى أن الموصى له بما زاد عن الثلث يرد إلى بيت المال ولا يستحقه الموصى له، إلا بإجازة الورثة إن وجدوا.\rوذهب الحنفية: إلى أن الموصى له بالزائد عن الثلث يستحق التركة إذا لم يكن لميت وارث، ولا مقر له بالنسب على الغير؛ لأن منعه من استحقاق الزائد عن الثلث، كان لمصلحة الورثة، ولا ورثة في هذه الحالة، فاستحق ما أوصي له به.\rفلو كان مع الموصى له بأكثر من الثلث أحد الزوجين، أخذ الزوج النصف (أي نصف الثلثين) بعد ثلث الموصى له، وأخذت الزوجة الربع، ثم أخذ الموصى له الباقي في حال الوصية بكل المال، أو مقدار الموصى به.\rولو كان وارث غير الزوجين بالقرابة أو الولاء، فلا تنفذ الوصية بأكثر من الثلث إلا بالإجازة.\rوأخذ القانون المصري (م 37) والسوري (م 4/238) برأي الحنفية، لا من باب الإرث، وإنما هو تنفيذ لإرادة الميت وتحقيق لرغبته.\rرابعاً ـ بيت المال :\rاتفقت المذاهب الأربعة على أن المال الذي يتركه الميت، ولم يكن له مستحق بإرث أو وصية، يوضع في بيت المال، غير أنه عند الحنفية والحنابلة (1) ليس بطريق الإرث، وإنما من باب رعاية المصلحة، فيصرف في مصارف المصالح العامة لجميع المسلمين، إذ لا مستحق له، كما يوضع فيه مال الذمي الذي لا وارث له، وبدليل أنه يسوى بين الذكر والأنثى في العطية من ذلك المال، مع أنه لا تسوية بينهما في المواريث.\rوأخذ القانون في مصر وسورية بهذا الرأى.\rويرى المالكية والشافعية (2) أن المال لبيت المال إرثاً، وذلك عند الشافعية ومتقدمي المالكية، سواء انتظم أمره بإمام عادل، يصرفه في جهته أم لا؛ لأن الإرث للمسلمين، والإمام ناظر ومستوف لهم، والمسلمون لم يعدموا، فيأخذ بيت المال جميع المال أو ما أبقت الفروض. ويرى متأخرو المالكية: أن بيت المال يكون وارثاً بشرط كونه منتظماً. والقاعدة لدى الفريقين: «بيت المال وارث من لا وارث له» .","part":10,"page":512},{"id":6743,"text":"الفَصْلُ السّابع عَشر : أحكام متنوّعة :\rأبحث هنا طائفة من الأحكام التكميلية المتنوعة، وهي إرث غير المسلمين، وميراث الحمل، والمفقود، والأسير، والخنثى، وميراث الغرقى والهدمى والحرقى ونحوهم، وميراث من لا أب شرعياً له من ولد الزنا وولد اللعان،فتلك سبعة موضوعات يثبت فيها الإرث ما عدا الأول بالتقدير والاحتياط.\rالمبحث الأول ـ إرث غير المسلمين :\rأشرت في موانع الإرث إليه، وبينت أن اختلاف الدين إسلاماً وكفراً مانع ـ عند الجمهور خلافاً لبعض الصحابة كمعاذ ومعاوية ـ من موانع الإرث، فلا يرث الكافر المسلم، ولا المسلم الكافر، كما نصت أحاديث السنة.\rوالمعروف أن المرتد لا يرث غيره أصلاً، ولا يورث عند الجمهور، وإنما يكون ماله فيئاً يوضع في بيت المال. وقال أبو حنيفة: يورث عنه ماله الذي اكتسبه حال إسلامه فيكون توريثاً للمسلم من المسلم، وأما الذي اكتسبه بعد الردة، فيكون فيئاً لبيت المال، إذ لو أخذه ورثته لكان توريثاً للمسلم من غير المسلم، وهو لا يجوز. وأما المرتدة فمالها مطلقاً لورثتها؛ لأنها لا تقتل بسبب ردتها، بل تستتاب وتعزر حتى تعود إلى الإسلام أو تموت، فردتها لاتعتبر موتاً، والإسلام في حقها معتبر، بخلاف المرتد ، فإنه يقتل بعد أن يستتاب ثلاثة أيام ولم يتب، فردته تعتبر في حقه موتاً، ولا يمكن اعتبار الإسلام في حقه حينئذ، فلا يكون أهلاً للملك، فلا يثبت حق الورثة فيما اكتسبه في حال الردة، فيصبح ككل الأموال التي لا مالك لها حقاً لبيت المال (3) .\rوأوضحت أيضاً أن غير المسلمين ملة واحدة، ولو اختلفت عقائدهم، فيرث عند الجمهور غير المالكية بعضهم من بعض، فاليهودي والنصراني يتوارث، لقوله تعالى: {والذين كفروا بعضهم أولياء بعض} [الأنفال:73/8] من غير تفرقة.\rيظهر مما ذكر أن غير المسلمين يتوارثون فيما بينهم بالأسباب التي يتوارثان بها المسلمون من قرابة وزوجية، لكن قد يتوارثون في بعض حالات الزواج والقرابة، التي لا يتوارث بها المسلمون.\rففي الزواج: إن كان من النوع الذي لا يقرون عليه بعد الإسلام فلا يثبت التوارث، كالزواج بالمحارم نسباً ورضاعاً مثل الأم والبنت والأخت، وكزواج الْمُطلّق امرأته المطلقة ثلاثاً قبل أن تتزوج بزوج آخر، وزواج امرأة قبل أن تنقضي عدتها.\rوأما إن كان زواجهم مما يقرون عليه بعد الإسلام، فيثبت به التوارث، كالزواج بغير شهود، والزواج من امرأة أثناء عدتها من رجل غير مسلم، على ما هو الراجح من مذهب الحنفية.\rوفي النسب: يثبت النسب عند غير المسلمين ولو من الزواج الباطل، فإذا تزوج مجوسي أخته أو بنته، ثبت بالزواج نسب النسل منه، وثبت التوارث بينه وبينه.\r-------------------------------\r(1) السراجية: ص 11، غاية المنتهى: 412/2.\r(2) الشرح الصغير: 629/4، مغني المحتاج: 6/3.\r(3) السراجية: ص 225، اللباب: 197/4، المغني: 298/6-303، كشاف القناع: 528/4.","part":10,"page":513},{"id":6744,"text":"المبحث الثاني ـ ميراث الحمل :\rشروط توريثه، أكثر مدة الحمل، أقل مدة الحمل، هل تقسم التركة عند وجود حمل؟ كم يقدر عدد الحمل؟ مقدار ما يوقف للحمل أو نصيب الحمل في التركة، كيفية توريث الحمل، تصحيح مسائل الحمل (1) .\rشروط توريث الحمل :\rيرث الحمل (الولد في بطن أمه) بأن يوقف له نصيب معين عند الجمهور غير المالكية بشرطين:\r1ً - أن يثبت وجوده حياً عند موت مورثه.\r2ً - أن يولد حياً، ولو مات بعد دقائق، كي تثبت أهليته للتملك.\rأما ثبوت وجود الحمل حياً: فيعرف بأن يولد في مدة يتيقن فيها أو يغلب على الظن وجوده في بطن أمه وقت وفاة مورثه، وهذه المدة هي مدة الحمل، التي سأوضح أكثرها وأقلها.\r-------------------------------\r(1) السراجية: ص 212-221، اللباب: 199/4، تبيين الحقائق: 241/6، الدر المختار: 565/5، الرحبية: ص 78-79، المغني: 313/6-320، القوانين الفقهية: ص 395.","part":10,"page":514},{"id":6745,"text":"وأما ولادته حياً: فتثبت حياته عند الحنفية بخروج أكثره حياً؛ لأن للأكثر حكم الكل.\rوتثبت حياته عند الجمهور بأن يولد حياً؛ لأن أهلية التملك لا تتحقق إلا بالوجود الكامل، وبه أخذ القانون في مصر (م 43) وسورية (م 300). وتعرف حياته بظهور أمارة من أمارات الحياة، كالصراخ والعطاس ونحوهما، قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم : «إذا استهل المولود وَرِث» (1) ، فإن لم يظهر شيء من العلامات، أو حصل اختلاف في شيء منها، فللقاضي أن يستعين بأهل الخبرة من الأطباء أو ممن عاينوا الولادة.\rأكثر مدة الحمل :\rللفقهاء آراء في أكثر مدة الحمل، تعتمد على الاستقراء وسؤال الحوامل، إذ ليس فيها نص من الكتاب أو السنة، فيرث الحمل ويورث إن ولد لتمام أكثر مدة الحمل.\rقال المالكية على المشهور: أكثرها خمس سنين.\rوقال الشافعية، والحنابلة في الأصح: أكثرها أربع سنين.\rوقال الحنفية: سنتان.\rوقال الظاهرية: تسعة أشهر.\rوقال محمد بن عبد الحكم من تلاميذ مالك: أكثرها سنة قمرية (354 يوماً).\rوأما القانون المصري (م43) والسوري (م128) فقد أخذا برأي الأطباء وهو سنة شمسية (365 يوماً) وهو قريب من رأي ابن عبد الحكم مع التسامح في الفرق بين السنتين.\rأقل مدة الحمل :\rرأى جمهور الفقهاء: أن أقل مدة الحمل حتى يولد حياً هي ستة أشهر، لمجموع الآيتين: {وحمله وفصاله ثلاثون شهراً} [الأحقاف:15/46] {وفصاله في عامين} [لقمان:14/31] فإذا ذهب للفصال عامان، لم يبق للحمل إلا ستة أشهر. وهذا ما فهمه علي وابن عباس رضي الله عنهما.\r-------------------------------\r(1) رواه أبو داود عن أبي هريرة، وفي إسناده محمد بن إسحاق، وفيه مقال معروف، وروي عن ابن حبان تصحيح الحديث (نيل الأوطار: 67/6).","part":10,"page":515},{"id":6746,"text":"وأخذ القانون في مصر (م 2/43) خلافاً للقانون السوري (م 128) برأي ابن تيمية وقول عند الحنابلة: وهو أن أقل مدة الحمل تسعة أشهر، اتباعاً للأعم الأغلب، فإن غالب النساء يضعن حملهن في تسعة أشهر.\rوبناء عليه، تعلم حياة الحمل في القانون بالتفصيل الآتي:\rأ ـ إن كان الحمل ولداً للمتوفى نفسه: بأن ترك زوجته حاملاً منه، أو معتدة منه، فيثبت نسب الحمل من الميت وإرثه منه إن وضعته لأكثر مدة الحمل فأقل وهي (365) يوماً. فإن ولدته لأكثر من سنة فلا يرث منه، إذ يكون علوقه حينئذ بعد الوفاة، فلا نسب ولا ميراث. ب ـ وإن كان الحمل من غير المتوفى: بأن ترك امرأة أبيه أو جده أو نحوهما من ورثته حاملاً، فيرث منه إن ولدته أمه لأقل مدة الحمل بعد موت المورث وهي تسعة أشهر (270 يوماً).\rوسبب التفرقة بين الحالتين: أننا نريد في الحالة الأولى إثبات حملها منه، ثم توريثه بعدئذ، فأخذنا بأقصى مدة الحمل. أما في الحالة الثانية (الحامل من غير المتوفى) فإنا لا نريد إثبات نسب الحمل من أمه، فذلك له قواعده العامة، ولكنا نريد التأكد من وجوده عند وفاة المورث، وهو متأكد خلال تسعة أشهر من وفاة المورث، وما زاد عليه فأمر مشكوك فيه، والإرث لا يثبت بالشك.\rهل تقسم التركة عند وجود حمل؟\r1 - رأى المالكية: أن التركة لا تقسم حال وجود حمل، ويعد الحمل سبباً يُوقف به المال إلى الوضع، فيوقف قسمة التركة حتى الولادة، أو اليأس من الولادة؛ لأن في القسمة تسليطاً للورثة على أخذ المال والتصرف به، وفي استرداد الحمل حقه منهم خطر.\r2 - ورأى الجمهور: أن التركة تقسم من غير انتظار الولادة، منعاً من إضرار الورثة، ومنع المالك من الانتفاع بملكه، ويؤخذ كفيل من الورثة، احتياطاً لحق الحمل من الضياع.","part":10,"page":516},{"id":6747,"text":"كم يقدر عدد الحمل؟\rقد يكون الحمل واحداً أوأكثر، فكم يقدر عدده؟\rالمفتى به عند الحنفية وبه أخذ القانون في مصر وسورية: أن يقدر واحداً فقط؛ لأنه الغالب المعتاد في الحمل، وما زاد عن واحد، فهو نادر. ومع هذا نحتاط لتعدد الحمل، فيأخذ القاضي كفيلاً من الورثة الذين يتأثر نصيبهم بتعدد الحمل، لاسترداد ما أخذوه على أن الحمل واحد.\rويقدر عند الحنابلة اثنين؛ لأنه يقع أحياناً، ويعامل بقية الورثة بالأضر بتقدير الذكورة فيهما، أو في أحدهما، أو الأنوثة.\rوقال أبو حنيفة: يقدر أربعة؛ لأنه قد يقع، ويعامل بقية الورثة بالأضر، بتقديرهم ذكوراً أو إناثاً.\rوالأصح عند الشافعية: أنه لا ضابط لعدد الحمل عندهم؛ إذ قد تلد المرأة أربعة أو خمسة أو ستة أو سبعة في بطن واحد.\rنصيب الحمل في التركة :\rتختلف أحوال الحمل، فقد يكون وارثاً وقد يكون غير وارث، وقد يكون ذكراً وقد يكون أنثى، وربما يولد حياً وربما يولد ميتاً، فما نصيبه الذي يوقف له؟\rلا خلاف في أن الورثة إذا رضوا وقف قسمة التركة حتى يولد الحمل، فإن التركة تتجمد قسمتها حينئذ.\rأ ـ فإن أبوا إلا القسمة، فإن كان الحمل محجوباً من الإرث، فلا يوقف له شيء من التركة، مثل: من مات عن: أخ شقيق، وأب، وأم حامل من غير أبيه، فتوزع التركة فوراً على الورثة وهو الأب والأم، والباقي للشقيق، والحمل محجوب بالأب؛ لأنه أخ لأم.\rب ـ وإن كان الحمل وحده هو الوارث، أو وجد معه وارث محجوب به، كما لو مات عن زوجة ابنه الحامل وأخيه لأم، فتوقف التركة كلها إلى الولادة، فإن ولد حياً أخذها، وإن ولد ميتاً أعطيت لغيره.\rجـ ـ وإن كان الحمل غير محجوب من الإرث، ومعه ورثة آخرون غير محجوبين به، فاختلف الفقهاء في مقدار ما يوقف له:\rفي رأي الشافعي الذي يقول: لا ينضبط الحمل، يدفع إلى أصحاب الفروض الذين لا تتغير أنصباؤهم بتعدد الحمل، ويوقف باقي التركة إلى الولادة .","part":10,"page":517},{"id":6748,"text":"وفي رأي أبي حنيفة المشهور عنه: يوقف له نصيب أربعة بنين، أو نصيب أربع بنات، أيهما أكثر، ويعطى بقية الورثة أقل الأنصباء.\rوفي رأي محمد بن الحسن: يوقف نصيب ثلاثة بنين أو ثلاث بنات، أيهما أكثر.\rوالمفتى به عند الحنفية رأي أبي يوسف، وبه أخذ القانون المصري (م42) والسوري (م299): وهو أن يوقف له نصيب ابن واحد، أو بنت واحدة، أيهما أكثر. ونص القانون السوري: «يوقف للحمل من تركة المتوفى أكبر النصيبين على تقدير أنه ذكر ذكر أو أنثى» .\rوعلى القاضي أن يأخذ كفيلاً من الورثة الذين يرثون مع الحمل، وتتغير أنصباؤهم بتعدد الحمل، احتياطاً له، كيلا يضيع عليه بعض نصيبه حين يكون الرجوع على الوارث متعذراً.\rكيفية توريث الحمل :\rتقسم التركة على فرض أنه ذكر، ثم يقسم مرة أخرى على فرض أنه أنثى، فإن كان الحمل يرث على أحد الفرضين دون الآخر، اعتبر وارثاً مؤقتاً، واحتفظ له بنصيبه. وإن كان وارثاً على كلا التقديرين، ولكن نصيبه يختلف بالذكورة والأنوثة، احتفظ له بالنصيب الأكبر.\rوإن لم يختلف نصيبه على كلا التقديرين، حفظ له ذلك النصيب.\rأما الورثة الآخرون: فمن كان وارثاً على أحد التقديرين دون الآخر، اعتبر غير وارث موقتاً ولا يعطى شيئاً.\rومن كان وارثاً على التقديرين، ولكن نصيبه يختلف، يعطى النصيب الأقل.\rومن كان وارثاً على التقديرين، ولكن نصيبه لا يختلف، أعطي هذا النصيب.\rوالخلاصة: أن الحمل يعامل بأحسن حاليه، والوارث الآخر معه يعامل بأسوأ حاليه، وما بقي من الفروق يحفظ حتى الولادة.\rفإن كان الحمل متوهماً أو ولد ميتاً بغير جناية، رد الموقوف على الورثة. وإن ولد حياً وكان واحداً، أعطي الموقوف له الذي يستحقه، ويرد الباقي على المستحقين.\rوإن جاء متعدداً، يطالب الورثة والكفيل أيضاً برد الزائد على حقهم.","part":10,"page":518},{"id":6749,"text":"تصحيح مسائل الحمل :\rالأصل في تصحيح مسائل الحمل: أن تصحح المسألة على تقديرين، أي على تقدير أن الحمل ذكر، وعلى تقدير أنه أنثى، ثم تنظر بين تصحيحي المسألتين:\rأ ـ فإن توافقتا بجزء، فاضرب وَفْق أحدهما في جميع الآخر. ـ وإن تباينتا، فاضرب كل أحدهما في جميع الآخر. فالحاصل تصحيح المسألة، ثم اضرب في حال التباين نصيب من كان له شيء من مسألة ذكورته، في مسألة أنوثته. وفي حال التوافق اضرب وَفْق أحدهما في الآخر. واضرب أيضاً نصيب من كان له شيء من مسألة أنوثته في مسألة ذكورته حال التباين، أو في وَفْقها، كما هو المقرر في ميراث الخنثى.\rثم انظر في الحاصل من الضربين لكل واحد من الورثة، أيهما أقل، يعطى لذلك الوارث؛ لأن استحقاقه للأقل متيقن، والفرق بين الحاصلين موقوف من نصيب الوارث إلى أن يزول الاشتباه.\rففي بنت وأبوين وامرأة حامل: المسألة من (24) على تقدير أن الحمل ذكر، لأنه اجتمع فيها حينئذ سدسان وثمن والباقي، فللزوجة الثمن وهو (3) ، ولكل واحد من الأبوين السدس وهو (4) ، وللبنت مع الحمل الذكر الباقي وهو (13).\rوالمسألة من (27) على تقدير أن الحمل أنثى؛ لأنه اجتمع فيها على هذا التقدير ثمن وسدسان وثلثان، فهي منبرية، وتعول من (24) إلى (27)، فللأبوين (8) ، وللمرأة (3) ، وللبنت مع الحمل الأنثى (16). وبين عددي تصحيحي المسألتين أي (24 و 27) توافق بالثلث؛ لأن مخرجه وهو ثلاثة يعدهما معاً، فإذا ضرب وفق أحدهما أي ثلثه، وهو (8) من الأول، و (9) من الثاني، في جميع الآخر، صار الحاصل (216) سهماً ومنها تصح المسألة، فللزوجة في تقدير الذكورة (3 × 9) وفق مسألة الأنوثة = (27)، ولكل من الأبوين: (4 × 9 = 36) وهكذا...وعلى تقدير الأنوثة للزوجة 3×8 = 24، ولكل من الأبوين (4×8= 32) ، ويعطى الأبوان والزوجة الأقل.","part":10,"page":519},{"id":6750,"text":"أمثلة :\r1ً - مات شخص عن: أخ شقيق، وأب، وأم حامل من غير أبيه: الحمل هنا غير وارث، لأن الأخ أو الأخت لأم محجوبان عن الميراث بالأب.\r2ً - مات شخص عن: زوجة ابنه الحامل فقط، أو عن زوجة أبيه الحامل فقط: الحمل هنا هو الوارث الوحيد، لأنه في الحالة الأولى إما ابن ابن أو بنت ابن، الأول عاصب يحوز كل التركة، والثانية تحوز التركة فرضاً ورداً. وفي الحالة الثانية إما أخ لأب وهو عاصب يحوز كل التركة، أو أخت لأب تحوز كل التركة فرضاً ورداً.\rوفي الحالتين يوقف كل التركة لحين الولادة.\r3ً - مات شخص عن: زوجة، أب، أم، زوجة ابن حبلى: تقسم التركة على فرض الذكورة، أي أن الحمل ابن ابن، فيكون للزوجة الثمن 24/3 ، ولكل من الأب والأم السدس وهو (4) أسهم لكل منهما، والباقي (13) سهماً لابن الابن؛ لأنه عاصب.\rثم تقسم التركة على فرض الأنوثة، أي على أن الحمل بنت ابن، فيكون للزوجة الثمن 24/3 ، ولكل من الأب والأم السدس وهو (4) أسهم لكل منهما، ولبنت الابن النصف 24/12 ، ويرد السهم الباقي وهو (واحد) إلى الأب، فيكون له (5) أسهم.\rفالأفضل للحمل أن يفرض كونه ذكراً، ويوقف له (13) سهماً من (24).\r4ً - توفي شخص عن: زوجة، وأم حامل من أبي المتوفى، تقسم التركة أولاً على فرض الذكورة، أي على أن الحمل أخ شقيق، فيكون للزوجة الربع 12/3 ، وللأم الثلث 12/4 ، وللشقيق الباقي تعصيباً وهو 12/5 . ثم تقسم التركة على فرض الأنوثة، أي على أن الحمل أخت شقيقة، فيكون لها النصف 12/6 ، فتعول المسألة إلى 13.\rوبتصحيح المسألة (1) ، نجد أن نصيب الأخ الشقيق (65) سهماً من (156)، ونصيب الأخت الشقيقة (72) سهماً من (156)، فيفرض كون الحمل أنثى؛ لأنه الأفضل له، ويوقف له 156/72 .\r5ً - توفيت امرأة عن: زوج، وأخت شقيقة، وزوجة أب حامل: إن فرض كون الحمل ذكراً، فللزوج النصف، وللشقيقة النصف، ولا شيء للأخ لأب؛ لأنه عاصب يأخذ الباقي بعد الفروض.\rوإن فرض كون الحمل أنثى، كان للزوج النصف، وللشقيقة النصف، وللأخت لأب السدس تكملة الثلثين، فتعول المسألة إلى (7) .","part":10,"page":520},{"id":6751,"text":"وحينئذ فالأفضل أن يفرض الحمل أنثى، ويوقف له سهم من سبعة.\r6ً - توفي شخص عن: أب، أم، زوجة حامل، وبنت: تقسم التركة أولاً على فرض أن الحمل ذكر، أي ابن، فيكون للأب السدس 24/4 ، وللأم السدس 24/4 ، وللزوجة الثمن 24/3 ، والباقي (13) سهماً للبنت والابن تعصيباً، فيكون نصيب الابن بعد التصحيح (26) سهماً من (72).\rثم تقسم التركة على فرض أنه أنثى، فيكون للأب السدس، وللزوجة الثمن، وللبنتين الثلثان، لكل بنت ثلث، وأصل المسألة من (24)، وتعول إلى 27)، فيكون نصيب الحمل (8) من (27).\rوبالتصحيح نجد أن نصيب الحمل على فرض أنه ذكر: (78) من (216)، ونصيبه على أنه أنثى (64 من 216)، فالأفضل للحمل أن يفرض ذكراً، ويؤخذ كفيل على البنت فقط؛ لأن نصيبها يقل بالتعدد.\r7ً - ماتت امرأة عن: زوج، وأم حامل من أبي المتوفاة، وأختين شقيقتين، وأخوين لأم: تقسم التركة أولاً على فرض أنه ذكر، أي أنه أخ شقيق، فيكون للزوج النصف 6/3 ، وللأم السدس وهو سهم واحد، والثلث الباقي يشترك فيه الأخوان لأم والأختان الشقيقتان والأخ الشقيق، وتصح المسألة من (30)، فيكون للشقيق 30/3 .\rثم تقسم التركة ثانياً على أنه أنثى أي أنه أخت شقيقة، فيكون للزوج النصف 6/3 ، وللأم السدس سهم واحد، وللشقيقات الثلاث الثلثان وهو 6/4 ، وللإخوة للأم الثلث وهو 6/2 ، فتعول المسألة إلى (10)، وتصح من (30)، فيكون للشقيقة 30/4 .\rفالأفضل للحمل أن يفرض أنثى، ويحفظ له 30/4 ، أما فرق الأنصبة وهو (6) أسهم، فيحفظ مع الأسهم الأربعة المحفوظة للحمل حين الولادة.\r-------------------------------\r(1) عرفنا أن قاعدة التصحيح أن يضرب أصل المسألة أو عولها في أقل عدد يمكن معه أن يستحق كل وارث بانفراد قدراً من السهام برقم صحيح، وحاصل الضرب هو أصل المسألة بعد التصحيح.","part":10,"page":521},{"id":6752,"text":"المبحث الثالث ـ ميراث المفقود :\rتعريفه، أحكامه بعد تحديد مدة موته بالنسبة لزوجته وماله وإرثه، كيفية توريث المفقود، هل تتقدر مدة لوفاته، متى يبدأ اعتباره مفقوداً (1) ؟\rتعريف المفقود: المفقود: هو الغائب الذي انقطع خبره، فلم تعرف حياته أوموته. ولا عبرة بمعرفة المكان أو الجهل به إذا كان مجهول الحياة أو الممات، فلو كان معلوم المكان، ولكنه لا تعرف حياته أو مماته فهو مفقود.\rأحكامه: للمفقود أحكام ثلاثة تتعلق بتحديد المدة التي يحكم فيها بموته بعد مضيها،بالنسبة لزوجته، وماله، وإرثه من غيره.\rأما بالنسبة لزوجته :\rفالمفتى به عند الحنفية: تفويض الأمر إلى رأي الحاكم، ينظر ويجتهد، ويفعل ما يغلب على ظنه أنه المصلحة، لإطلاق قول علي رضي الله عنه: «امرأة المفقود امرأة ابتليت فلتصبر، لا تنكح حتى يأتيها يقين موته» .\rوفصل الحنابلة: فأخذوا بالرأي السابق في الغيبة التي يظن معها بقاؤه حياً، كأن خرج لسياحة أو تجارة أو طلب علم أو أداء حج في حالة الأمن، فيحكم القاضي بموته حين يغلب على ظنه أنه قد مات، وتقدير المدة متروك للقاضي.\rأما إن غاب المفقود غيبة يغلب عليه فيها الهلاك، كالغيبة في أثناء حرب أو غارة أو في ميدان قتال، أو لقضاء مصلحة قريبة، فلم يعد، فيحكم القاضي بموته بعد أربع سنين من تاريخ فقده (2) .\r-------------------------------\r(1) السراجية: ص 221-225، الرحبية: ص 76، المغني: 321/6-325، مغني المحتاج: 26/3، القوانين الفقهية: ص 216.\r(2) أخذ القانون المصري رقم 15 لسنة 1929 في حالة الغيبة التي يغلب فيها الهلاك بمذهب أحمد، وفي الحالة التي لا يغلب فيها الهلاك بقول صحيح عند الحنفية والحنابلة، فنصت المادة 21 على كلتا الحالتين:\r«يحكم بموت المفقود الذي يغلب عليه الهلاك بعد أربع سنين من تاريخ فقده، وأما في جميع الأحوال الأخرى فيفوض أمر المدة التي يحكم بموت المفقود بعدها إلى القاضي، وذلك كله بعد التحري عنه بجميع الطرق الممكنة الموصلة إلى معرفة إن كان المفقود حياً أو ميتاً» .","part":10,"page":522},{"id":6753,"text":"والراجح عند المالكية: أنه يحكم بموت المفقود بعد أربعة أعوام من يوم رفع المرأة أمرها للقضاء، فإذا انقضى الأجل اعتدت عدة الوفاة، ثم تزوجت إن شاءت.\rوفي قول لدى المالكية: يفرق القاضي بين الزوجين بمضي سنة فأكثر على الغياب.\rوقال الشافعية: من فقد أو أسر، وانقطع خبره، لا يحكم بموته حتى تقوم بينة بموته، أو تمضي مدة يعلم أو يغلب على الظن أنه لا يعيش فوقها، كما هو حال أقرانه.\rوأما بالنسبة لأمواله :\rفقد اتفق أئمة المذاهب على أن المفقود يعتبر حياً بالنسبة إلى أمواله الثابتة ملكيتها له، وفي حقوقه الأخرى، حتى تقوم البينة على وفاته، أو يحكم القاضي بوفاته، وهذا هو الجانب السلبي للمفقود، ويترتب عليه ما يأتي:\rلا يقسم ماله بين الورثة، وينفق القاضي من ماله على زوجته وأصوله وفروعه فقط؛ لأن هؤلاء تجب نفقتهم عليه في حضوره وغيابه. ولا تفسخ عقوده كالإجارة التي تنفسخ بموت أحد العاقدين عند الحنفية، وينصب القاضي وكيلاً عنه بقبض ديونه وحفظ ماله.\rوتحفظ أمواله إلى أن ينكشف حاله، فإن ظهر حياً، أخذ أمواله، وإن ثبت موته بالبينة الشرعية، اعتبر ميتاً من الوقت الذي يثبت أنه مات فيه، ويرثه ورثته من ذلك الوقت، وإن حكم القاضي بموته، اعتبر ميتاً من حين الحكم، ويرثه ورثته من تاريخ الحكم فقط. والسبب في اعتباره حياً بالنسبة لماله هو استصحاب حال حياته التي كان عليها قبل الفقد، والأصل بقاء ما كان على ما كان حتى يظهر خلافه بالدليل، فلا يورث؛ لأن شرط استحقاق الإرث تحقق موت المورث، وموته غير محقق.","part":10,"page":523},{"id":6754,"text":"وأما بالنسبة لإرثه من غيره :\rفللفقهاء رأيان تبعاً لاختلافهم في حجية الاستصحاب:\rفيرى جمهور الحنفية (1) : أن المفقود لا تثبت له حقوق إيجابية من غيره، كالإرث والوصية من الآخرين، لا يرث من غيره ولا تثبت له الوصية من غيره؛ لأن الاستصحاب عندهم حجة للدفع لا للإثبات، أي أنه يصلح لأن يدفع به من ادعى تغير الحال، لا بقاء الأمر على ما كان، فاستصحاب حياته يفيده فقط في دفع ما يترتب على وفاته من اقتسام ماله بين الورثة، ومن فراق زوجته، وهذا هو الحق السلبي، ولا يفيده في انتقال ملكية الغير له، وهذا هو الحق الإيجابي، وبإيجاز يصلح الاستصحاب لدفع ملكية غيره لأمواله، لا لإثبات ملكيته من غيره. وعلى هذا فإنه لا يرث ولا وصية له؛ لأن شرط استحقاق الإرث والوصية ثبوت حياة الوارث والموصى له عند موت المورث والموصي، وحياة المفقود غير محققة، بل هناك احتمال أن يكون ميتاً، فهو لا يرث ولا يورث.\rويرى جمهور المالكية والشافعية والحنابلة والظاهرية والشيعة الإمامية (2) : أن المفقود يرث من غيره، وإن لم يورث؛ لأن استصحاب الحال حجة مطلقاً للدفع والإثبات، ما دام لم يقم دليل ما نع من الاستمرار، فحياة المفقود هي الأصل الثابت، فيرث من غيره، ولا يورث عنه ماله، أي أن الاستصحاب يثبت كلا الحقين الإيجاب والسلبي، إلا أن الحنابلة أضافوا أنه يورث ولا يرث بعد مضي أربع سنين على فقده.\rوأخذ القانون المصري (م 45) والسوري (م 302) بهذا الرأي، ونص المادة: «يوقف للمفقود من تركة مورثه نصيبه فيها، فإن ظهر حياً، أخذه، وإن حكم بموته، رد نصيبه إلى من يستحقه من الورثة وقت موت مورثه. فإن ظهر حياً بعد الحكم بموته، أخذ ما بقي من نصيبه في أيدي الورثة» .\r-------------------------------\r(1) أصول السرخسي: 225/2، مرآة الأصول: 367/2، كشف الأسرار: ص 1098.\r(2) مختصر ابن الحاجب: ص 217، مفتاح الوصول إلى بناء الفروع على الأصول للتلمساني المالكي: ص 189، الإبهاج للسبكي: 111/3، شرح المحلي على جمع الجوامع: 285/2، المدخل إلى مذهب أحمد: ص 133، شرح روضة الناظر: 389/1، الإحكام لابن حزم: 590/5، محمد تقي الحكيم: ص 454.","part":10,"page":524},{"id":6755,"text":"كيفية توريث المفقود :\rأ ـ إن كان المفقود هو الوارث الوحيد، وقفت له التركة كلها.\rب ـ وإن كان معه ورثة وارثون، قسمت التركة على افتراضين: افتراض أنه حي، وافتراض أنه ميت، ثم يوحد أصل المسألة في الحالتين، ويوقف له أفضل النصيبين، ويعطى كل وارث أسوأ النصيبين، ويحفظ ما قد يكون من فروق الأنصباء مع ما وقف للمفقود.\rفإن ظهر المفقود حياً، أخذ ما وقف له.\rوإن ثبت موته بعد موت مورثه بالبينة، رد نصيبه الموقوف له إلى ورثته الشرعيين.\rوإن ثبت موته قبل موت مورثه، أو لم يثبت موته إلا بحكم القاضي، كان ما وقف له حقاً لورثة مورثه.\rأمثلة :\r1 - توفي شخص عن ابن مفقود فقط، أو عن ابن مفقود وأخوين لأم: كان المفقود هنا هو الوارث الوحيد، لأن الأخوين لأم محجوبان به، فإن ظهر حياً أخذ التركة كلها، وإلا أخذها بيت المال في الحالة الأولى، أو الأخوان لأم في الحالة الثانية.\r2 - توفي رجل عن: زوجة، وأب، وأم، وبنت، وابن مفقود:\rأولاً ـ على فرض حياة المفقود تكون الورثة هكذا:\rزوجة 8/1 ، أب 6/1 ، أم 6/1 ، بنت وابن هما عصبة، وأصل المسألة 24.\rوالسهام 3 4 4 (13)\rوتصحح المسألة بضرب 3 عدد رؤوس العصبة في 24 أصل المسألة = (72).\rفتكون السهام بعد التصحيح 9 12 12 39 للابن (26).\rثانياً ـ على فرض وفاة المفقود تكون الورثة هكذا:\rزوجة 8/1 ، وأب 6/1 ، وأم 6/1 ، وبنت 2/1 : الأصل 24.\rوالسهام 3 ، 4+1 4 12 ، الواحد المضاف للأب هو الباقي تعصيباً.","part":10,"page":525},{"id":6756,"text":"يحفظ للمفقود نصيبه على فرض كونه حياً وهو (26 من 72)، ويعطى لكل من الزوجة والأم نصيبهما، لعدم تغيره في الحالين، ويعطى لكل من الأب والبنت أبخس النصيبين، ويوقف الباقي. فإن ظهر المفقود حياً أخذ الموقوف له، وإن حكم بموته، كمل نصيب الأب والبنت.\r3 - توفيت امرأة عن: زوج، وشقيقتين، وشقيق مفقود: تقسم التركة أولاً على فرض أن الشقيق حي، فيكون للزوج 2/1 أي (1) والشقيق مع أختيه عصبة يأخذون الباقي وهو (1) ، وأصل المسألة (2) ، وتصح من( 8) بضرب (4) عدد الرؤوس في أصل المسألة (2) .\rثم تقسم التركة على فرض أنه ميت، فيكون للزوج 2/1 وهو (3) وللشقيقتين الثلثان، وهما (4) ، فتعول المسألة إلى (7) .\rثم يوحد الأصل في المسألتين بضرب أصلي المسألتين (7 × 8 = 56) فيعطى للشقيق (7 × 2 = 14) توقف له، وذلك بضرب من له شيء في الحالة الأولى بـ (7) ومن له شيء في الحالة الثانية (الوفاة) يضرب في (8) .\rويعطى للشقيقتين على فرض الحياة (7 × 2 = 14) وعلى فرض الموت (4 × 8 = 32) فيعطيان (14) أسوأ النصيبين.\rويعطى للزوج على فرض الحياة (4 × 7 = 28) وعلى فرض الموت (3 × 8=24)، فيعطى (24) أسوأ النصيبين، وتوقف فروق الأنصباء، وتحفظ مع نصيب المفقود. فإن ظهر أن المفقود حي فله 14، وللزوج 4 ، وإن ظهر أنه ميت أخذ الأختان فرق النصيب.\r4 - مات رجل عن: زوجة، وأب، وأم، وابن مفقود: تقسم التركة أولاً على فرض أنه حي، فيكون للزوجة الثمن وهو (3 من 24)، وللأب السدس وهو (4) ، وللأم السدس وهو (4) ، وللابن الباقي وهو (13). ثم تقسم التركة على فرض أنه ميت، فيكون للزوجة الربع وهو (6) من (24)، وللأم ثلث الباقي وهو (6) ، وللأب الباقي وهو (12) سهماً، ويوقف للابن (13) سهماً. ويوجد فروق بين المسألتين في حصة الزوجة والأب والأم، ويعطى للورثة أسوأ الأنصبة، فتعطى الزوجة (3) أسهم، ولكل من الأب والأم 4 أسهم.","part":10,"page":526},{"id":6757,"text":"هل تتقدر مدة لوفاة المفقود ؟\rقيل: تتقدر مدة لوفاة المفقود، وقيل: لا تتقدر، وإنما يجتهد القاضي.\rأما المالكية والحنابلة: فقالوا: تقدر مدة، والراجح عند المالكية أن يمضي عليه سبعون سنة، والمعتمد عند الحنابلة: أن يمضي عليه تسعون سنة، واختار القانون السوري ( م 205) التحديد ببلوغ المفقود ثمانين سنة.\rوأما الحنفية في ظاهر الرواية والصحيح عند الشافعية: فقالوا: لا تتقدر، ويحكم بوفاته عند الحنفية حين يموت أقرانه الذين في بلده، فلا يبقى منهم أحد.\rويجتهد القاضي بحسب تقديره عند الشافعية، بأن تمضي مدة يعلم أو يغلب على الظن أنه لا يعيش فوقها.\rمتى يبدأ اعتباره مفقوداً ؟\rإذا ثبتت وفاة الغائب بالبينة، فإن حكم القاضي بالوفاة يستند إلى التاريخ الذي حددت البينة وفاته.\rوإن اعتمد الحكم على الاجتهاد وغلبة الظن، فهناك قولان: قال أبو حنيفة ومالك: إن الحكم بموته يرجع إلى تاريخ فقدانه، فيعتبر ميتاً من تاريخ الفقد، فلا يرث ممن مات قبل الحكم، ويرث مال المفقود من كان موجوداً عند تاريخ فقدانه.\rوقال الشافعي وأحمد: يعتبر ميتاً من تاريخ الحكم بوفاته، فيرث المفقود ممن مات قبل الحكم بوفاته، ويورث عنه ماله ممن كان موجوداً من ورثته عند الحكم بوفاته.","part":10,"page":527},{"id":6758,"text":"المبحث الرابع ـ ميراث الأسير :\rالأسير إما حي أو مجهول الحياة (1) :\rأ ـ فإن كان الأسير معلوم الحياة، فيرث من غيره، ولا يورث عنه ماله؛ لأنه حي، فيعامل معاملة الأحياء، والمسلم من أهل دار الإسلام أينما كان، والأسر لا يؤثر شيئاً، فحكم الأسير كحكم سائر المسلمين في الميراث مالم يفارق دينه، فإن علم أنه فارق دينه، فحكمه حكم المرتد؛ إذ فرق بين من يرتد في دار الإسلام أو في دار الحرب.\rب ـ وإن كان مجهول الحال، فلا تعلم حياته ولا موته ولا ردته: فحكمه حكم المفقود فيما ذكر، فلا يقسم ماله، ولا تتزوج امرأته حتى ينكشف خبره.\rالمبحث الخامس ـ ميراث الخنثى :\rالخنثى: من اجتمع فيه العضوان التناسليان: عضو الذكورة، وعضو الأنوثة، أو من لم يوجد فيه شيء منهما أصلاً. وهو نوعان: مشكل وغير مشكل (2) .\rأما الخنثى غير المشكل أو الواضح: فهو الذي ترجحت فيه صفة الذكورة أو الأنوثة، كأن تزوج فولد له ولد، فهذا رجل، أو تزوج فحملت، فهي أنثى، ويطبق عليه حكم كل منهما. وإن بال من آلة الرجال فهو رجل، والآلة الأخرى زيادة خَرْق في البدن، وإن بال من آلة النساء فهوأنثى، والآلة الأخرى زيادة نتوء في البدن. وعليه فإنه يختبر بالتبول، وظهور اللحية، والحيض، فإن لحق بالرجال ورث ميراث الرجل، إن لحق بالنساء ورث ميراثهن.\rوأما المشكل: فهو من أشكل أمره، فلم تعرف ذكورته من أنوثته، كأن يبول مما يبول منه الرجال والنساء معاً، أو يظهر له لحية وثديان في آن واحد. والغالب مع تقدم الطب الحديث إنهاء إشكاله بإجراء عملية له، تؤدي إلى إيضاح أمره.\rحكم ميراث المشكل :\rلا يتصور كون المشكل زوجاً ولا زوجة؛ لأنه لا يصح زواجه ما دام مشكلاً، ولا يتصور بالتالي أن يكون أباً أوأماً أو جداً أو جدة؛ لأنه يصبح حينئذ غير مشكل.\rوإنما يمكن أن يكون من فرع البنوة أو الأخوة أو العمومة، فيحصل الخلاف في إرثه، هل هو ذكر أو أنثى؟\rلكن إن لم يختلف نصيبه بين الذكورة والأنوثة، فتوزع التركة بدون إشكال.\rوإن كان يرث على فرض الذكورة أو الأنوثة، ولا يرث على فرض آخر، فلا يعطى من التركة شيئاً عند الحنفية ، وعند الشافعية: يعطى الورثة الأقل، ويحفظ حقه حتى يتبين أمره، خلافاً للمالكية والحنابلة.\r-------------------------------\r(1) السراجية: ص 228، مغني المحتاج: 26/3، المغني: 326/6.\r(2) السراجية: ص 205-212، القوانين الفقهية: ص 395، الرحبية: ص 73-75، المغني: 253/6-258.","part":10,"page":528},{"id":6759,"text":"وإن اختلف نصيبه بين الذكورة والأنوثة، ففيه أربعة أقوال:\r1 - مذهب الحنفية المفتى به: يعطى أقل النصيبين أو أسوأ الحالين من فرض ذكورته أو أنوثته، ويعطى الورثة أحسن النصيبين، أي على عكس الحمل تماماً. وهذا ما أخذ به القانون المصري (م 46)، ولم ينص القانون السوري عليه لندرته، وإذا وجد يطبق هذا الرأي عملاً بالمادة (305) (1) .\rفمن توفي عن: زوجة، وأب، وأم، وولد خنثى: المسألة من (24)، تقسم التركة أولاً على فرض الذكورة، فيكون للزوجة 8/1 = (3) ، وللأب 6/1 = (4) ، وللأم 6/1 = (4) ، وللابن الخنثى الباقي وهو (13).\rثم تقسم على فرض الأنوثة، فيكون للزوجة 8/1 = (3) ، وللأب 6/1 + الباقي = (5) ، وللأم 6/1 = (4) ، وللخنثى البنت: 2/1 = (12)، فيعطى الخنثى (12)؛ لأنه أدنى النصيبين، والذي يتأثر نصيبه هو الأب، فيعطى (5) أحسن الحالين.\r2 - مذهب المالكية: يعطى الخنثى المشكل أمره نصف نصيب أنثى، ونصف نصيب ذكر. وإن كان يرث على فرض، ولا يرث على فرض آخر، فيعطى نصف نصيبه على فرض إرثه.\r3 - مذهب الشافعية: يعطى أقل النصيبين لكل من الخنثى وبقية الورثة، ويوقف الباقي إلى أن يتبين أمره، أو يتصالح الورثة معه. ففي المثال السابق يعطى الخنثى (12)، والأب (4)فقط، ويوقف الباقي وهو (1) إلى أن تتضح حقيقته أو يتصالح الأب معه.\r. ولو مات رجل عن: ابن، وولد خنثى مشكل:\rفبتقدير ذكورة الخنثى، يكون المال بينه وبين الابن بالسوية، لكل واحد منهما نصف المال، والمسألة من (2) .\rوبتقدير أنوثته، يكون للخنثى 3/1 ، وللابن 3/2 ، والمسألة من (3) ، فيعطى الخنثى الثلث فقط، ويأخذ الابن النصف ؛ لأنه متيقن، ويوقف السدس الباقي بينهما، حتى يتضح حال المشكل، أو يصطلحا.\r-------------------------------\r(1) ونصها: « كل مالم يرد عليه نص في هذا القانون يرجع فيه إلى القول الأرجح في المذهب الحنفي »","part":10,"page":529},{"id":6760,"text":"وكيفية التصحيح: أن ينظر بين المسألتين: المسألة بتقدير ذكورته فقط، ومسألة تقدير أنوثته فقط، وذلك بالنسب الأربعة السابقة (من تماثل وتوافق وتداخل وتباين) ويحصل أقل عدد ينقسم على كل من المسألتين بالتقديرين، فما كان فهو الجامع بين المسألتين، ففي المسألة السابقة بين الثلاثة والاثنين تباين، فيضرب أحد الأصلين في الآخر، فيكون الحاصل ستة، فإن قسم الحاصل على مسألة الذكورة، كان للخنثى ثلاثة، وإن قسم على مسألة الأنوثة، كان للخنثى اثنان، وللذكر أربعة، فالأضر بالخنثى أنوثته، فيعطى سهمين، والأضر في حق الابن ذكورة الخنثى فيعطى ثلاثة، ويبقى السدس وهو واحد، فيوقف، فإن اتضحت الذكورة أخذه، وإن اتضحت الأنوثة، أخذه الابن. وإن لم يتضح يوقف إلى أن يصطلحا.\r4 - مذهب الحنابلة :\rأ ـ إن كان يرجى اتضاح حال الخنثى في المستقبل، فهم كالشافعية، يعامل مع بقية الورثة بأدنى النصيبين.\rب ـ وإن لم يرج اتضاح الحال، فهم كالمالكية يعطى نصف ميراث ذكر على فرض ذكورته، ونصف ميراث أنثى على فرض أنوثته، إن ورث في الحالين. وإن كان يرث على فرض دون فرض، فيعطى نصف نصيبه في حال الإرث.","part":10,"page":530},{"id":6761,"text":"المبحث السادس ـ ميراث الغَرْقى والهَدْمى والحَرْقى ونحوهم ممن جهل تاريخ وفاتهم :\rإذا جهلت وفاة المورث، بأن مات جماعة بينهم قرابة، ولا يُدْرى أيهم مات أولاً، كمن غرقوا في السفينة معاً، أو وقعوا في النار دَفْعة، أو سقط عليهم جدار أو سقف بيت، أو قتلوا في المعركة، ولم يعلم التقدم والتأخر في موتهم، أو جهل تاريخ الوفاة ولو لم يكونوا في حادث واحد.\rفما الحكم في التوارث بينهم (1) ؟\r1 - قال الجمهور غير الحنابلة: لا توارث بينهم، ومال كلٍ لباقي ورثته الأحياء؛ لأن شرط الإرث أن تثبت وفاة المورث قبل وفاة الوارث، وحياة الوارث عند وفاة المورث. وهنا انتفى التيقن من حياة الوارث بعد موت مورثه بحسب الواقع والعلم، ويمتنع الترجيح بلا مرجح.\rواستدلوا بما روى خارجة بن زيد بن ثابت عن أبيه أنه قال: أمرني أبو بكر الصديق ـ رضي الله عنه ـ بتوريث أهل اليمامة، فورثت الأحياء من الأموات، ولم أورث الأموات بعضهم عن بعض. وأمرني عمر ـ رضي الله عنه ـ بتوريث أهل طاعون عَمْوَاس، وكانت القبيلة تموت بأسرها، فورَّثت الأحياء من الأموات، ولم أورِّث الأموات بعضَهم من بعض. وهكذا نقل عن علي كرم الله تعالى وجهه في قتلى الجَمَل وصِفِّين.\r2 - وقال الحنابلة: إذا مات المتوارثان، فجهل أولهما موتاً، ورث بعضهم من بعض، فيجعل أحدهما أولهما موتاً، ولكن لا يرث كل واحد منهما ما ورثه من مال صاحبه، وإلا لزم أن يرث كل واحد من مال نفسه.\rواستدلوا برواية أخرى عن عمر وعلي وابن مسعود وشريح وإبراهيم النخعي والشعبي، أنهم قالوا: يرث بعضهم من بعض، يعني من ماله، دون ما ورثه من ميت معه.\rوعليه، لو مات أخوان شقيقان في وقت واحد، وترك كل منهما: أماً وبنتاً وعماً، وتركة كل منهما (90) درهماً، يقسم عند الجمهور تركة كل واحد منهما، فيعطى لأم كل منهما السدس وهو (15)، وللبنت النصف وهو (45)، والباقي هو (30) للعم.\rوعند الحنابلة: يفرض موت أحدهما أولاً، وتقسم تركته على ورثته، وفيهم أخوه، ثم يفرض موت الثاني كذلك، وما ورثه كل من الأخوين من أخيه، يقسم على الأحىاء فقط من ورثته.\rوأخذ القانون المصري (م 3) والسوري (م 261) برأي الجمهور ، ونص المادة: «إذا مات اثنان ولم يعلم أيهما مات أولاً، فلا استحقاق لأحدهما في تركة الآخر، سواء أكان موتهما في حادث واحد، أم لا» .\r-------------------------------\r(1) السراجية: ص 229-231، الدر المختار: 543/5، 563، المبسوط: 27/30-28، بداية المجتهد: 348/2، القوانين الفقهية: ص 395، مغني المحتاج: 26/3، الرحبية: ص79، المغني: 308/6.","part":10,"page":531},{"id":6762,"text":"المبحث السابع ـ ميراث ولد الزنا واللعان واللقيط ممن لا أب له شرعياً :\rقد لا يعرف نسب الولد من أبيه الشرعي، مثل هؤلاء، فكيف يرثون (1) ؟\rأما ولد الزنا: فهو الولد الذي أتت به أمه من طريق غير شرعي، أو هو ثمرة العلاقة المحرمة.\rوأما ولد اللعان: فهو الولد الذي ولد على فراش زوجية صحيحة، وحكم القاضي بنفي نسبه من الزوج بعد الملاعنة الحاصلة بينه وبين زوجته.ويكون حكم القاضي عند الحنفية بمجرد الملاعنة، ويشترط الجمهور طلب الزوج نفي الولد.\rوكل من ولد الزنا وولد اللعان: لا توارث بينه وبين أبيه وقرابة أبيه بالإجماع، وإنما يرث بجهة الأم فقط؛ لأن نسبه من جهة الأب منقطع، فلا يرث به، ومن جهة الأم ثابت، فنسبه لأمه قطعاً؛ لأن الشرع لم يعتبر الزنا طريقاً مشروعاً لإثبات النسب، ولأن ولد اللعان لم يثبت نسبه من أبيه.\rفيرث كل منهما عند الأئمة الأربعة من أمه وقرابتها، وهم الإخوة لأم بالفرض لا غير، وترث منه أمه وإخوته من أمه فرضاً لا غير؛ لأن صلته بأمه مؤكدة لا شك فيها، ولا يتصور أن يرث هو أو يورث بالعصوبة، إلا بالولاء أو الولاد، فيرثه من أعتقه أوأعتق أمه، أو ولده بالعصوبة، وكذلك يرث معتقه أو معتق معتقه، أو ولده بالعصوبة أيضاً.\rورأي الشيعة الإمامية أنه لا توارث أيضاً بين ولد الزنا وبين أمه وقرابتها، كما هو الحال بالنسبة إلى أبيه الزاني وقرابته؛ لأن الميراث نعمة أنعم الله بها على الوارث، فلا يجوز أن يكون سببها الجريمة أي الزنا. أما ولد اللعان فيرث عندهم من أمه، إذ قد يكون أحد الأبوين المتلاعنين كاذباً في ادعائه، فلم تكن الجريمة هي السبب في نفي النسب.\r-------------------------------\r(1) الدر المختار: 565/5، اللباب: 198/4، تبيين الحقائق: 214/6، المغني: 259/6-266، القوانين الفقهية: ص 394.","part":10,"page":532},{"id":6763,"text":"لكن الرأي الأول في ولد الزنا أولى تخفيفاً على الولد، إذ الجريمة جريمة الأم، فلا يعاقب الولد بجريمة أمه؛ أما الأب فالنسب منه غير مؤكد. لذا أخذ به القانون المصري (م 47) والسوري (م 303) ونص المادة فيهما: «يرث ولد الزنى وولد اللعان من الأم وقرابتها، وترثهما الأم وقرابتها» .\rوجاء في السنة: «أيُّما رجل عاهر بحرة أو أمة، فالولد ولد الزنا، لا يرث ولايورث» (1) وعن النبي صلّى الله عليه وسلم : «أنه جعل ميراث ابن الملاعَنَة لأمه، ولورثتها من بعدها» (2) . وفي حديث المتلاعنين الذي يرويه سهل بن سعد قال: «وكانت حاملاً، وكان ابنها ينسب إلى أمه، فجرت السنة أنه يرثها، وترث منه، ما فرض الله لها» (3) .\rوعلى ذلك لو مات شخص عن: أم وابن غير شرعي، فالتركة كلها للأم فرضاً ورداً، ولا شيء للابن.\rولو مات شخص عن: أم وأخ لأم، وأخ لأب غير شرعي، كان للأم الثلثان فرضاً ورداً، وللأخ لأم الثلث فرضاً ورداً، ولا شيء للأخ لأب؛ لأنه غير شرعي.\rوإذا توفي ولد الزنا أو اللعان عن أمه، وأبيها، وأخيها: كانت تركته كلها لأمه: الثلث فرضاً، والباقي رداً، ولا شيء لأبيها (جده لأمه) وأخيها (خاله)؛ لأنهما من ذوي الأرحام.\rولو توفي أحد هذين الولدين عن أم، وأخ لأم، كان للأم الثلثان فرضاً ورداً، وللأخ لأم الثلث فرضاً ورداً.\rوأما اللقيط: فهو الطفل المفقود المطروح على الأرض عادة، خوفاً من مسؤولية إعالته، أوفراراً من تهمة الريبة.\rوإذا مات اللقيط عن غير وارث، فماله عند الجمهور ما عدا رواية عن أحمد لبيت المال، بناء على قاعدة ( الغرم بالغنم ) فإن بيت المال هو المسؤول عن الإنفاق عليه، وتربيته وتعليمه، فتكون تركته له كالأموال الضائعة التي لا يعرف أصحابها.\rويروى عن أحمد وهو رأي ابن تيمية: أن إرثه لمن التقطه.\r-------------------------------\r(1) رواه الترمذي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وفي إسناده أبو محمد عيسى بن موسى القرشي الدمشقي وهو ليس بمشهور (نيل الأوطار: 66/6).\r(2) رواه أبو داود عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وفيه ابن لهيعة، وفيه مقال معروف (المرجع السابق).\r(3) أخرجه البخاري ومسلم (المرجع السابق).","part":10,"page":533},{"id":6764,"text":"الفَصْل الثّامن عَشر : المناسخة :\rتعريفها، تصحيح المسائل، اختصار مسائل المناسخات (1) :\rأولاً ـ تعريف المناسخة: المناسخة مفاعلة من النسخ بمعنى النقل والتحويل. والمراد بها هنا: انتقال نصيب بعض الورثة بموته قبل القسمة إلى من يرث منه.\rفهي أن يموت من ورثة الميت الأول واحد أو أكثر قبل قسمة التركة.\rفتارة يموت من ورثة الميت الأول واحد فقط، وتارة يموت أكثر، وفي الحالتين تارة يمكن الاختصار قبل العمل، وتارة لا يمكن. فهذه أربعة أحوال.\rثانياً ـ تصحيح المسائل :\rإذا مات إنسان، وخلف تركة وورثة، ولم تقسم التركة حتى مات بعض ورثته وخلف ورثة، فاختلف وضع الوارث أو حظوظ الورثة، فطريق العمل: أن تصحح مسألة الميت الأول بالقواعد السابقة، وتحفظ سهام الميت الثاني منها، وتعمل له مسألة أخرى، ثم تصحح مسألة الميت الثاني بتلك القواعد أيضاً.\rثم تنظر بين سهام الميت الثاني من التصحيح الأول؛ وبين التصحيح الثاني، فلا يخلو الأمر من ثلاثة أحوال: هي المماثلة، والموافقة، والمباينة.\rأما المماثلة: فهي أن تنقسم سهام الميت الثاني على مسألته: فتصح المسألتان مما تصح منه المسألة الأولى ، مثل:\r-------------------------------\r(1) السراجية: ص 157-163، الدر المختار: 566/5 وما بعدها، اللباب: 210/4-212، القوانين الفقهية: ص 400، الرحبية: ص 69، مغني المحتاج: 36/3، المغني: 197/6.","part":10,"page":534},{"id":6765,"text":"مات عن زوج، وأم ، وعم: المسألة من (6) ، للزوج النصف (3) ، وللأم الثلث (2) ، وللعم الباقي (1) ، ثم مات الزوج عن ثلاثة بنين، فننظر فنجد سهامه وهي (3) منقسمة على ورثته، فتصح المسألتان من (6) ، للأم (2) ، وللعم (1) ، وللأبناء الثلاثة (3) .\rوأما المباينة: فهي ألا تنقسم سهام الميت الثاني على مسألته، كما إذا مات الزوج في المثال الأول عن (5) بنين، فسهامه الثلاثة لا تنقسم عليهم، وتباين مسألته، فاضرب جميع مسألته وهي (5) في المسألة الأولى وهي (6) ، فالحاصل (30)، ومنه تصح المسألتان، للأم (5×2=10)، وللعم (5×1=5)، وللأبناء الخمسة (15)، أي فمن له شيء من المسألة الأولى أخذه مضروباً في المسألة الثانية، ومن له شيء من المسألة الثانية أخذه مضروباً في سهام مورثه.\rوأما الموافقة: فهي أن توافق سهام الميت الثاني مسألته بجزء من الأجزاء، كالنصف أو الثلث، كما إذا مات الزوج في المثال الأول عن ستة بنين، فسهامه الثلاثة لاتنقسم على مسألته، ولكنها توافق مسألته بالنصف، فيؤخذ وَفْق مسألته وهو (2) ويضرب في مسألة الميت الأول وهي (6) فيحصل (12)، ومنها تصح المسألتان، فمن له شيء من المسألة الأولى أخذه مضروباً في وَفْق المسألة الثانية، ومن له شيء من المسألة الثانية أخذه مضروباً في وَفْق المسألة الأولى.\rموت شخص ثالث: فإذا مات شخص ثالث، فخذ سهامه من الجامعة لمسألتي الميت الأول والثاني، فإن انقسمت على مسألته، صحت الثالثة مما صحت منه المسألتان الأوليان.\rوإن باينتها، فاضربها فيما صحت منه الجامعة بين المسألتين.\rوإن وافقتها، فاضرب وَفْقها فيما صحت منه أيضاً.\rفما بلغ فمنه تصح المسائل الثلاث، ثم اعتبر ذلك كمسألة واحدة أولى.\rومسألة الميت الرابع كالثانية، وهكذا.\rفلو فرضنا مثال المباينة على حاله، وماتت الأم عن أربعة إخوة لأب، ثم مات العم عن عشرة بنين وهكذا.\rففي حال موت الأم عن أربعة إخوة: يكون بين حاصل المسألة (30) وبين الأربعة عدد الإخوة موافقة، فيقسم كل منهما على (2) ، ثم يضرب (30×2=60) ومنه تصح، فيعطى للإخوة (2×10=20)، وللأبناء الخمسة (2×15=30)، وللعم (2×5=10). وفي حال موت العم عن عشرة بنين: يمكن قسمة نصيبه وهو (20) على الأبناء بدون كسر، فيعطى لكل ابن (2) .","part":10,"page":535},{"id":6766,"text":"ثالثاً ـ اختصار مسائل المناسخات :\rاختصار مسائل المناسخات نوعان: اختصار المسائل، واختصار السهام.\r1 - أما اختصار المسائل: فهي أن تكون السهام في المسألة الثانية، مثل ما بقي من سهام الأولى، والورثة هم أولئك، بأن يكونوا عصبة.\r2 - وأما اختصار السهام: فيكون بعد تصحيح المسائل وقسمتها، بأن تعتبر سهام الورثة، فربما توافقت بجزء من الأجزاء، فتردها إليه، وترد المسألة إلى مثل ذلك.\rوتبدأ في الاستقراء: بأن تنظر النصف: فإن لم تجده، لم تطلب ما يتركب منه كالربع والثمن، وجزء الـ (16) وما أشبه ذلك. وإن وجدته طلبت ما يتركب منه.\rثم تطلب الثلث، فإن لم تجده، لم تطلب ما يتركب منه كالسدس والتسع وجزء الـ (12) والـ (18).\rثم تنظر إلى الخمس: فإن لم تجده، لم تطلب العشر، ولا جزء الـ (15) ونحوه.\rثم تطلب السبع، ثم أجزاء الـ (11)، والـ (13) ونحوها.\rوإن وجدت للسهام مخرجين، أخذت ما يتولد منهما، مثل أن تجد النصف والثلث، فتأخذ السدس، أو النصف والخمس فتأخذ العشر، أو السبع والثلث، فتأخذ جزء الـ (21)، وقس على مثل هذا. وإذا كان في سهام الورثة عدد فرد واحد، لم تطلب النصف، ولا ما يتركب منه، بل تطلب الثلث، أو السبع أو التسع، فإن كان خمسة فاطلب الخمس وما يتركب منه من مخرج فرد.\rوإن شئت طلبت الموافقة عند الفراغ من كل مسألة، وإن شئت تركتها إلى آخره.\rوفي طريق الموافقة طريق آخر: وهو أن توافق بين أقل الأنصباء، وبين ما يليه، فإن لم يتوافقا علمت أنه لا اختصار في المسألة. وإن توافقا طلبت الموافقة بين مخرج ذلك الجزء وبين سهام من بقي.","part":10,"page":536},{"id":6767,"text":"أمثلة اختصار المسائل :\r1 - زوجة، وأم، وعشرة إخوة، وعشر أخوات لأب، مات منهم ثمانية إخوة، وسبع أخوات: للزوجة 4/1 ، وللأم 6/1 ، والباقي بين من بقي على سبعة، وتصح من (12).\r2 - زوجة، وأم ، وأب، وخمسة بنين، وثلاث بنات، مات ابن منهم، ثم ماتت بنت، ثم الزوجة، ثم ابن، ثم الأب، ثم ابن، ثم الأم، ثم بنت، صار الميراث لمن بقي وهم ابنان وبنت، فيقسم المال بينهم على خمسة.وهذا إذا كانت الزوجة هي أم البنين والبنات، ولا وارث لها غيرهم.\r3 - زوجة، وابنان، وثلاث بنات، مات أحد الابنين، فالأولى من (8) ، إذا أسقطت منها سهمي الابن بقي (6) ، والسهمان أيضاً بينهم على (6) ؛ لأن الابن الذي مات ترك: أماً، وأخاً، وثلاث أخوات، فقد استوت سهام الثانية وما بقي من سهام الأولى، فاقسم المال بينهم على (6) . 4 - مات عن خمسة بنين، وخمس بنات، ثم مات منهم ابنان وابنتان، فلا تصحح، بل تقسم المال بين من بقي على (9) ، ولو صححتها على عمل المناسخات، لوجدت سهامهم ترجع بالموافقة إلى (9) .\r5 - ثلاث أخوات، وابن عم هو زوج إحداهن: تصح المسألة من (7) ، لأن أصلها من (3) للأخوات الثلثان (2) ، ولابن العم (1) ، فيضرب عدد الرؤوس (3) أخوات في أصل المسألة (3=9)، ثم ماتت الأخت التي هي زوجة ابن العم عن سهمين، فورثها زوجها وأختاها، فتعول من (6) إلى (7) ، وسهامهن الأولى (7) ، فتقسم المال بينهم على ذلك، ولو عملتها بالمناسخة لصحت من (63) بضرب أصلي المسألتين: (7×9) فتأخذ الأخت الأولى (2×9=18)، ومثلها الثانية، ويأخذ الزوج (27).\r6 - ماتت عن زوج، وأبوين، وخمسة بنين، وخمس بنات، وثلاثة إخوة، وثلاث أخوات.\rثم مات الزوج، ثم الأم، ثم الأب، ثم ماتت بنت، ثم ابن، فبموت الزوج يرثه أولاده، وبموت الأم يرثها زوجها الأب، وأولادها الذين هم الإخوة والأخوات، فإذا مات الأب، عاد ماله إليهم، فصار لهم الثلث، وللأولاد الثلثان. وبموت الابن، ثم البنت، يعود نصيبهما إلى إخوتهما، وأخواتهما، فاقسم الثلثين بين من بقي منهم، وهم أربعة ذكور، وأربع إناث، على (12)، والثلث على (9) ، وسهمان على (12) توافق بالنصف إلى (6) ، والستة توافق التسعة بالثلث، فاضرب ثلث أحدهما في الآخر، يكون (18)، ثم في ثلثه، يكون (54)، ومنها تصح.","part":10,"page":537},{"id":6768,"text":"أمثلة اختصار السهام :\r1 - زوجة، وابن، وبنت، ثم ماتت البنت، تصح المسألتان من (12) للزوجة التي هي أم البنت الميتة (4) ، وللابن الذي هو أخ البنت الباقي تعصيباً وهو (8) ؛ لأن أصل المسألة الأولى (4) ، وأصل المسألة الثانية (3) ، فيضربان ببعضهما، فيكون للأم (3+1)، وللابن (6+2).\r2 - زوجة، أبوان، ابنتان، ابن ابن، بنت ابن، ثم ماتت الزوجة والأبوان، تصح من (243)، وتوافق بالتسع، لأن تقسيم (243÷9=27)، فترجع إلى (27)، للبنتين (24)، ولابن الابن سهمان، ولبنت الابن سهم.\r3 - زوجة، وابنان، وبنت: مات ابن، ثم بنت، تصح من (1080)، للزوجة (26)، وللابن(784)، وبينهما توافق بالثمن، فترجع إلى (135) للزوجة منها (37)، وللابن (98).\r4 - زوجة، وأبوان، وابن ابن، وبنت ابن: ماتت الزوجة، ثم الأم، ثم الأب، تصح من (144)، وتختصر إلى (12)، للبنت (9) ، ولابن الابن سهمان، ولبنت الابن سهم.\r5 - زوجة، أم، ثلاثة بنين، وبنت: ماتت الزوجة، ثم الأم، وخلفت زوجاً وبنتاً. فللزوجة 8/1 وهو (3) ، وللأم 6/1 وهو (4) ، والباقي وهو (17) للبنين والبنات.","part":10,"page":538},{"id":6769,"text":"يقال: المسألة من (24)، وتصح من (168) بضرب (7 × 24)، وسهام الزوجة ترجع إلى أولادها، فصار لهم (20)، ثم ماتت الأم عن أربعة أسهم، لهم منها سهم، فصار لهم (21)، وهي منقسمة عليهم، ولزوجها سهم ولبنتها سهمان، وبتصحيحها من (168)، توافق السهام بالأسباع،لأن تقسيم (168÷7=24)، فترجع إلى (24).\rأمثلة تتطلب الاستيضاح عن صفة الميت والورثة :\rهناك مسائل يستفهم فيها عن صفة الميت أهو ذكر أم أنثى، وعن الورثة أهم من أم واحدة، أم من أمهات؛ لأن الحكم يختلف فيما ذكر، والأنساب تتغير، والميراث يقل ويكثر.\r1 - أخوان من أب، وأختان من أم وأب، مات أحد الأخوين، فيسأل: هل هو وأخوه من أم واحدة أو من أمين، فإنهما إن كانا من أم واحدة، كان الآخر أخاه من أمه وأبيه، فميراثه كله له، وإن كانا من أمين ورثوا كلهم.\r2 - أختان من أم، وأختان من أب وأم، ثم ماتت إحدى الأختين من الأم، يسأل هل هما من أب واحد أو لا، فإن كانا من أب واحد، كانت الأخت الباقية من أب وأم، والأختان الأخريان من أم، وإن كانا من أبوين فهن جميعاً أخوات لأم.\r3 - خمس أخوات، وعم، يسأل: هل الميت رجل أو امرأة، وهل الأخوات من أم الميت، أو من أب، أو منهما، أوبعضهن من أم، وبعضهن من أب؛ لأن الحكم يختلف بذلك.\r4 - أربع بنات وعم، ماتت إحداهن، يسأل عنهن، هل هن من أم واحدة أو من أمهات شتى.\r5 - مات شخص عن أبوين وابنتين، ثم ماتت إحدى الابنتين، وتركت زوجاً، يسأل، هل الميت رجل أو امرأة، فإن كان الميت امرأة، فهل ابنتاها من زوج أو من زوجين، وهذه هي المسألة المأمونة التي امتحن بها يحيى بن أكثم.\r6 - زوج وأربع بنات وعم، ماتت إحدى البنات، يسأل عن الزوج: هل هو أبو الميتة أو لا، وهل الباقيات من زوج واحد أو من أزواج.\r7 - ترك أخوين وجدتين، ثم مات أحد الأخوين، يسأل عن الأخوين هل هما من أب وأم، أو لا، فإن كانا من أب ورثته أم الأب وحدها، وإن كانا من أم ورثته أم الأم وحدها، وإن كانا من أب وأم، ورثته الجدتان.\r8 - عشرة أبناء عم، مات أحدهم، يسأل عن أمهم، أواحدة هي أم لا؟\r9 - أبوان وثلاثة إخوة، ماتت الأم، يسأل هل الأب زوجها، أو هي مطلقة منه.","part":10,"page":539},{"id":6770,"text":"الفَصْلُ التّاسع عَشر : التّخارج أو المخارجة :\rتعريفه، وكيفية قسمة التركة عند التخارج (1) .\rأولاً ـ تعريف التخارج: هو أن يتصالح الورثة على إخراج بعضهم من الميراث، في مقابل شيء معلوم من التركة أو من غيرها.\rوهو عقد معاوضة، أحد بدليه نصيب الوارث في التركة، والبدل الآخر هو المال المعلوم الذي يدفع للوارث المخرج.\rوهذا العقد جائز عند التراضي، فإذا تم تملك الوارث العوض المعلوم الذي أعطيه، وزال ملكه عن نصيبه في التركة إلى بقية الورثة الذي اصطلح معهم.\rوقد حدث في عهد الراشدين، إذ طلَّق عبد الرحمن بن عوف امرأته تُمَاضر بنت الأصبغ الكلبية في مرض موته، ثم مات وهي في العدة، فورّثها عثمان رضي الله عنه مع ثلاث نسوة أخر، فصالحوها عن رُبُع ثُمنها على ثلاثة وثمانين ألفاً (قيل: دنانير، وقيل: دراهم).\rثانياً ـ كيفية قسمة التركة عند التخارج :\rتختلف قسمة التركة عند التخارج باختلاف صوره على النحو التالي:\r1ً - أن يخرج أحد الورثة عن نصيبه لآخر، في مقابل شيء يأخذه من مال الوارث الخاص: فيحل الثاني محل الأول في نصيبه من التركة، وتضم سهامه إلى سهامه. كأن يكون الورثة زوجاً وأخوين شقيقين، فأخرج أحد الشقيقين الزوج من نصيبه، بمال دفعه إليه من ماله الخاص، فيضم نصيب الزوج وهو سهمان من أربعة إلى نصيبه وهو سهم واحد، فيصبح له ثلاثة أسهم ولشقيقه الآخر سهم واحد.\r-------------------------------\r(1) السراجية: ص 127 ومابعدها، أحكام المواريث للأستاذ عيسوي: ص 169-172.","part":10,"page":540},{"id":6771,"text":"2ً - أن يخرج أحد الورثة عن نصيبه لبقية الورثة، في مقابل مال يدفعونه إلىه من غير التركة بنسبة أنصبائهم: فتكون كل التركة لبقية الورثة بنسبة أنصبائهم ويجعل المُخْرَج غير وارث. كأن تموت امرأة عن زوج وابن وبنت، ثم يخرج الابن والبنت والزوج في مقابل مبلغ معين من مالهما الخاص، بنسبة نصيبهما، فإن التركة تقسم بين الابن والبنت، للأول الثلثان وللأخرى الثلث.\r3ً - أن يخرج أحد الورثة عن نصيبه لبقية الورثة في مقابل مال يدفعونه إليه من غيرالتركة بالتساوي: فتقسم الحصة المصالح عليها بين بقية الورثة بالتساوي. ففي المثال السابق إذا دفع الابن والبنت المبلغ مناصفة، استحقا نصيب الزوج وهو الربع مناصفة.\r4ً - أن يخرج أحد الورثة عن نصيبه لبقية الورثة في مقابل مال يدفعونه إليه من التركة: فتقسم حصة الخارج على سائر الورثة بنسبة أنصبائهم.\rوطريق ذلك أن تقسم التركة أولاً على فرض عدم التخارج، ثم يطرح سهم الخارج من أصل المسألة أو عولها في نظير طرح بدل التخارج من التركة.\rونص القانون المصري (م 48) والسوري (م 31/304) على تعريف التخارج وكيفية قسمة التركة بالأوجه السابقة.\rأمثلة :\r1 - لو توفيت امرأة عن زوج، وبنتين، وبنت ابن، وابن ابن، ثم صالح الورثة الزوج على منزل من التركة، كان للزوج الربع وهو (3 من 12)، وللبنتين الثلثان وهو (8) والباقي لبنت الابن وابن الابن للذكر ضعف الأنثى، ثم تصحح المسألة بضرب عدد رؤوس العصبة (3×12=36)، فيكون للزوج (3×3=9 من 36)، وللبنتين (8 × 3= 24)، والباقي للعصبة. ثم تطرح سهام الزوج (9) من (36)، فيكون الباقي (27)، يقسم عليها الباقي من التركة بعد طرح مقابل المنزل منها.","part":10,"page":541},{"id":6772,"text":"2 - توفيت زوجة عن زوج، وأم، وعم شقيق، ثم صولح الزوج على ما في ذمته من المهر، المسألة من (6) ، للزوج 3/1 وهو (3) ، وللأم 2/1 وهو (2) ، وللعم الباقي وهو (1) ، ثم تطرح سهام الزوج وهي (3) من (6) ، فيكون الباقي وهو (3) أصل المسألة يقسم عليه باقي التركة، وهو ما عدا المهر، فيكون للأم سهمان، وللعم سهم واحد.\r3 - توفيت امرأة عن: أخت شقيقة، وأخت لأب، وأخت لأم، وزوج، ثم أخرجت الشقيقة في مقابل قطعة أرض من التركة. المسألة من (6) ، وتعول إلى (8) ، للشقيقة النصف وهو (3) ، وللأخت لأب السدس وهو (1) ، وللأخت لأم السدس وهو (1) ، وللزوج النصف وهو (3) ، ثم يطرح نصيب الشقيقة وهو (3) من أصل المسألة وهو (8) ، ثم يقسم الباقي من التركة ما عدا قيمة الأرض على الباقي من أصل المسألة وهو (5) ، فيكون للزوج (3) من (5) ، وللأخت لأم (1) ، وللأخت لأب (1) .\r4 - توفي رجل عن: زوجة، وأختين شقيقتين، وأخت لأم، فصالحت الورثة الزوجة على منزل من التركة.\rالمسألة من (12)، وتعول إلى (13)، للزوجة (3) أسهم، وللشقيقتين (8) أسهم، وللأخت لأم سهمان، ثم يطرح نصيب الزوجة وهو ثلاثة أسهم من أصل المسألة وهو (13)، فيبقى (10)، يقسم عليها الباقي من التركة بعد طرح قيمة المنزل، فيكون للشقيقة ثمانية أسهم، وللأخت لأم سهمان.","part":10,"page":542},{"id":6773,"text":"ملحق: فتاوى وتوصيات مؤتمر الزكاة الأول\r........................................التّوصيات......................................\r1 - يؤكد المؤتمر على ضرورة أن يعمل المسلمون جميعاً - حكاماً ومحكومين على ترسيخ العقيدة الإسلامية الخالصة وتطبيق أحكام الشريعة الإسلامية الغراء في بلادهم.\r2 - يناشد المؤتمر ولاة الأمور في الدول الإسلامية وغيرها التي لم تنشأ فيها مؤسسات الزكاة ضرورة إنشاء وتشجيع قيام مؤسسات مستقلة للزكاة، وذلك لما للزكاة من آثار طيبة على المجتمعات والأفراد.\r3 - إنشاء أمانة عامة أو اتحاد لمؤسسات الزكاة لتنظيم جميع شؤون الزكاة، وعقد المؤتمرات المتخصصات واختيار أحد البلدان مقراً لها.\r4 - تشكيل لجنة علمية من الفقهاء والمتخصصين لمعالجة الأمور المعاصرة المتعلقة بالزكاة، ورفع توصياتها للجهات المعنية. ويتولى بيت الزكاة الكويتي متابعة الجهات المختصة في العالم الإسلامي لتنفيذ ذلك، على أن تُعطى اللجنة أولوية لإعداد صياغة شرعية موحدة لأحكام الزكاة تعالج جمعها وصرفها وجميع المسائل المتعلقة بها.\r5 - تكوين صندوق أو منظمة باسم صندوق الزكاة تشترك فيه الدول الإسلامية يكون تابعاً لمنظمة المؤتمر الإسلامي، للتنسيق بين مؤسسات الزكاة في الدول الإسلامية وحل مشاكلها عن طريق البحوث والدراسات اللازمة وتنظيم جمع الزكاة وتوزيعها على مستوى العالم الإسلامي. على أن يتولى بيت الزكاة في الكويت متابعة تنفيذ هذه التوصية مع منظمة المؤتمر الإسلامي وإعداد الدراسات اللازمة في هذا الشأن.\r6 - يوصي المؤتمر بأن يكون انعقاد مؤتمر الزكاة كل سنة مرة في أحد الأقطار الإسلامية تأكيداً لأهمية هذه اللقاءات لمعالجة قضايا تخصصية على أن يتولى بيت الزكاة في الكويت متابعة تنفيذ هذه التوصية.\r7 - دعوة وزارات التربية والتعليم والجامعات في الدول الإسلامية بالاهتمام بتدريس مقررات الزكاة وجوانبها المختلفة ضمن مناهجها وتشجيع البحث العلمي في نواحيها المتعددة.\r8 - يوصي المؤتمر كافة الوسائل الإعلامية بتوضيح وتبسيط أحكام فريضة الزكاة وإعداد البرامج الموضحة لمدى الحاجة إليها في المجتمعات الإسلامية، وآثارها في النهوض بهذه المجتمعات.\r9 - يوصي المؤتمر بأهمية اختيار الموظفين ذوي الكفاءة والصلاح والاهتمام بالعمل الإسلامي العام لإدارة مؤسسات الزكاة والعمل على تنظيم الدورات التدريبية والحلقات التخصصية لتطوير قدراتهم.\r10 - يوصي المؤتمر بدراسة التطبيقات الحالية والمتقدمة في تطبيق فريضة الزكاة للاستفادة من خبراتها وأنشطتها المختلفة مثل المملكة العربية السعودية وجمهورية باكستان الإسلامية وغيرها من الدول الإسلامية.\r11 - يوصي المؤتمر صناديق وبيوتات الزكاة الاهتمام بالمجاهدين وتقديم كل عون لهم.\r12 - يوصي المؤتمر مؤسسات الزكاة في العالم الإسلامي بضرورة التنسيق المستمر فيما بينهم والعمل على تبادل الخبرات والرأي في مختلف قضايا الزكاة.","part":10,"page":543},{"id":6774,"text":".............................................الفتاوى.....................................\r( أولاً) زكاة أموال الشركات والأسهم\rزكاة أموال الشركات :\r1 - تربط الزكاة على الشركات المساهمة نفسها لكونها شخصاً اعتبارياً، وذلك في كل من الحالات الآتية:\r1) صدور نص قانوني ملزم بتزكية أموالها.\r2) أن يتضمن النظام الأساسي ذلك.\r3) صدور قرار الجمعية العمومية للشركة بذلك.\r4) رضا المساهمين شخصياً.\rومستند هذا الاتجاه الأخذ بمبدأ (الخلطة) الوارد في السنة النبوية بشأن زكاة الأنعام، والذي رأت تعميمه في غيرها بعض المذاهب الفقهية المعتبرة. والطريق الأفضل وخروجاً من الخلاف : أن تقوم الشركة بإخراج الزكاة، فإن لم تفعل فاللجنة توصي الشركات بأن تحسب زكاة أموالها وتُلحق بميزانيتها السنوية بياناً بحصة السهم الواحد من الزكاة. زكاة الأسهم :\r2 - إذا قامت الشركة بتزكية أموالها فلا يجب على المساهم إخراج زكاة أخرى عن أسهمه منعاً للازدواج.\r- أما إذا لم تقم الشركة بإخراج الزكاة فإنه يجب على مالك السهم تزكية أسهمه وفقاً لما هو مبين في البند التالي.\rكيفية تقدير زكاة الشركات والأسهم :\r3 - إذا كانت الشركة ستخرج زكاتها فإنها تعتبر بمثابة الشخص الطبيعي وتخرج زكاتها بمقاديرها الشرعية بحسب طبيعة أموالها ونوعيتها، أما إذا لم تخرج الشركة الزكاة فعلى مالك الأسهم أن يزكي أسهمه تبعاً لإحدى الحالتين التاليتين:\r4 - (الحالة الأولى) أن يكون قد اتخذ أسهمه للمتاجرة بها بيعاً وشراء فالزكاة الواجبة فيها هي إخراج ربع العشر (2.5%) من القيمة السوقية بسعر يوم وجوب الزكاة، كسائر عروض التجارة.\r5 - (الحالة الثانية) أن يكون قد اتخذ الأسهم للاستفادة من ريعها السنوي فزكاتها كما يلي:","part":10,"page":544},{"id":6775,"text":"أ) إن أمكنه أن يعرف عن طريق الشركة أو غيرها - مقدار ما يخص السهم من الموجودات الزكوية للشركة فإنه يخرج زكاة أسهمه بنسبة ربع العشر (2.5%). ب) وإن لم يعرف فقد تعددت الآراء في ذلك:\r- فيرى الأكثرية أن مالك السهم يضم ريعه إلى سائر أمواله من حيث الحول والنصاب ويخرج منها ربع العشر (2.5%) وتبرأ ذمته بذلك.\r- ويرى آخرون إخراج العشر من الربح 10% فور قبضه، قياساً على غلة الأرض الزراعية.\r( ثانياً) زكاة المستغلات\r6 - يقصد بالمستغلات المصانع الإنتاجية والعقارات والسيارات والآلات ونحوها من كل ما هو معد للإيجار وليس معداً للتجارة في أعيانه.\rوهذه المستغلات اتفقت اللجنة على أنه لا زكاة في أعيانها وإنما تزكى غلتها، وقد تعددت الآراء في كيفية زكاة هذه الغلة:\rفرأى الأكثرية أن الغلة تضم (في النصاب والحول) إلى ما لدى مالكي المستغلات من نقود وعروض التجارة، وتزكى بنسبة ربع العشر (2.5%) وتبرأ الذمة بذلك.\rورأى البعض أن الزكاة تجب في صافي غلتها الزائدة عن الحاجات الأصلية لمالكيها بعد طرح التكاليف ومقابل نسبة الاستهلاك وتزكى فور قبضها بنسبة العشر (10%) قياساً على زكاة الزروع والثمار.\r( ثالثاً) زكاة الأجور والرواتب وأرباح المهن الحرة وسائر المكاسب\r7 - هذا النوع من الأموال يعتبر ريعاً للقوى البشرية، للإنسان أن يوظفها في عمل نافع وذلك كأجور العمال ورواتب الموظفين وحصيلة عمل الطبيب والمهندس ونحوهم، ومثلها سائر المكاسب من مكافآت وغيرها وهي مالم تنشأ من مستغل معين.\rوهذا النوع من المكاسب ذهب أغلب الأعضاء إلى أنه ليس فيه زكاة حين قبضه ولكن يضمه الذي كسبه إلى سائر ما عنده من الأموال الزكوية في النصاب والحول فيزكيه جميعاً عند تمام الحول منذ تمام النصاب، وما جاء من هذه المكاسب أثناء الحول يزكى في آخر الحول ولو لم يتم حول كامل على كل جزء منها.","part":10,"page":545},{"id":6776,"text":"وما جاء منها ولم يكن عند كاسبه قبل ذلك نصاب يبدأ حوله من حين تمام النصاب عنده، وتلزمه الزكاة عند تمام الحول من ذلك الوقت. ونسبة الزكاة في ذلك ربع العشر (2.5%) لكل عام.\rوذهب بعض الأعضاء إلى أنه يزكي هذه الأموال المستفادة عند قبض كل منها بمقدار ربع العشر (2.5%) إذا بلغ المقبوض نصاباً وكان زائداً عن حاجاته الأصلية وسالماً من الدين.\rفإذا أخرج هذا المقدار فليس عليه أن يعيد تزكيته عند تمام الحول على سائر أمواله الأخرى، ويجوز للمزكي هنا أن يحسب ما عليه ويخرجه فيما بعد مع أمواله الحولية الأخرى.\r( رابعاً) السندات والودائع الربوية والأموال المحرمة ونحوها\r8 - السندات ذات الفوائد الربوية وكذلك الودائع الربوية يجب فيها تزكية الأصل زكاة النقود ربع العشر (2.5%) أما الفوائد الربوية المترتبة على الأصل فالحكم الشرعي أنها لا تزكى وإنما هي مال خبيث على المسلم أن لا ينتفع به وسبيلها الإنفاق في وجوه الخير والمصلحة العامة ماعدا بناء المساجد وطبع المصاحف.\rأما أموال المظالم المغصوبة والمسروقة، فلا يزكي عليها غاصبها، لأنها ليست ملكه، ولكن عليه أن يردها كلها إلى أصحابها.\r( خامساً) الحول القمري\r9 - الأصل في اعتبار حولان الحول مراعاة السنة القمرية، وذلك في كل مال زكوي اشترط له الحول.\rواللجنة توصي الأفراد والشركات والمؤسسات المالية باتخاذ السنة القمرية أساساً لمحاسبة الميزانيات. أو على الأقل أن تعد ميزانية لها خاصة بالزكاة وفقاً للسنة القمرية.\rفإن كان هناك مشقة فإن اللجنة ترى أنه يجوز تيسيراً على الناس - إذا ظلت الميزانيات على أساس السنة الشمسية - إن يستدرك زيادة أيامها عن أيام السنة القمرية بأن تحسب النسبة (2.575%) تقريباً.","part":10,"page":546},{"id":6777,"text":"( سادساً) الدين الاستثماري والزكاة\r10 - الدين إذا استعمله المستدين في التجارة يسقط مقابله من الموجودات الزكوية أما إذا استخدم في تملك المستغل من عقار أو آليات أو غير ذلك فنظراً إلى أنه على الرأي المعمول به من أن الدين يمنع من الزكاة بقدره من الموجودات الزكوية وأن ذلك يؤدي إلى إسقاط الزكاة في أموال كثير من الأفراد والشركات والمؤسسات مع ضخامة ما تحصله من أرباح. لذلك فإن اللجنة تلفت النظر إلى وجوب دراسة هذا الموضوع وتركيز البحث حوله.\rوترى اللجنة مبدئياً الأخذ في هذا بخصوصه بمذهب من قال من الفقهاء: إنه إذا كان الدين مؤجلاً فلا يمنع من وجوب الزكاة، على أن الأمر بحاجة إلى مزيد من البحث والتثبت والعناية.\rهذا ما وصلت إليه اللجنة ولا يزال بعض هذه الموضوعات محتاجاً إلى مزيد من البحث والتمحيص الفقهي في ضوء واقع الحال.\rكما توصي اللجنة المؤتمرات القادمة باستكمال دراسة القضايا الأخرى المستجدة مما لم يتسع له وقت هذا المؤتمر.\rوأخيراً تدعو اللجنة إلى الاهتمام بالتوعية بالزكاة ودراسة أحكامها ومراعاة شأنها في كل مجال يتطلب ذلك في التطبيقات الاقتصادية والاجتماعية وغيرها.\rالندوة الأولى: الفتاوى والتوصيات\r1 - مقدار الزكاة الواجب في عروض التجارة :\rلا يختلف النصاب والمقدار الواجب إخراجه بين زكاة النقود وزكاة عروض التجارة، وعلى ذلك استقر إجماع الفقهاء المعتبرين. وما قد يظن من أن في هذه التسوية تخفيفاً على المكتنز وتشديداً على المستثمر بسبب أخذ نفس النسبة ممن استثمر ماله بحيث يختفي الحافز على الاستثمار هو غير صحيح، لأن الاستثمار يهدف إلى زيادة أصل المال وبذلك يمكن أداء الزكاة من الريع والحفاظ على الأصول. أما من لا يجد فرصة للاستثمار فإنه يؤدي زكاته من رأس المال دائماً، ولذا حثت السنة ولي اليتيم على الاتجار بمال اليتيم حتى لا تأكله الزكاة.","part":10,"page":547},{"id":6778,"text":"هذا من جهة، ومن جهة أخرى ليس كل مال يحول عليه الحول من النقد يعتبر مكتنزاً، كما أن المستثمر يُخفف عنه بعدم فرض الزكاة على المال الذي يتحول إلى أصول ثابتة، والنقود في معظم الأحوال رؤوس أموال لمشاريع استثمارية أو للحصول على توابعها.\r2 - المشروعات الصناعية :\rبعد الاطلاع على ما جاء عن هذا الموضوع في فتاوى مؤتمر الزكاة الأول (فقرة 6) تبين أن المشروعات الصناعية يمكن قياسها على الأراضي الزراعية باعتبار كل منهما أصلاً ثابتاً يدر دخلاً بالعمل فيه والنفقة عليه، ومن ثم تجب الزكاة في المنتوج بنسبة 5% كما يمكن معاملة رأس المال العامل (الأصول المتداولة) من المشروع الصناعي معاملة عروض التجارة ومن ثَمَّ تجب الزكاة في الأصل والناتج بنسبة 2.5% مع عدم خضوع الأصول الثابتة فيه للزكاة.\rويحتاج هذا الموضوع إلى مزيد من الدراسة والتداول في ندوة قادمة إن شاء الله.\r3 - نقل الزكاة خارج منطقة جمعها :\rمع مراعاة ما ورد في القرار (5هـ) للمؤتمر الثاني لمجمع البحوث الإسلامية من أن الزكاة تعتبر أساساً للتكافل الاجتماعي في البلاد الإسلامية كلها، فإن الأصل الذي ثبت بالسنة وعمل الخلفاء هو البدء في صرف الزكاة للمستحقين من أهل المنطقة التي جمعت منها، ثم ينقل ما فاض عن الكفاية إلى مدينة أخرى باستثناء حالات المجاعة والكوارث والعوز الشديد فتنقل الزكاة إلى من هم أحوج، وهذا على النطاق الفردي والجماعي. كما يجوز على النطاق الفردي نقلها إلى المستحقين من قرابة المزكي في غير منطقته.\r4 - الإبراء من الدين على مستحق الزكاة منها :\rإسقاط الدائن العاجز عن استيفاء دينه على المدين المعسر لهذا الدين لا يحتسب من الزكاة ولو كان المدين مستحقاً للزكاة. وهذا ما ذهب إليه أكثر الفقهاء.\rومن الصور المتصلة بهذا الموضوع:\rأ - لو دفع المزكي الدائن الزكاة للمدين، ثم ردها إلى الدائن وفاء لدينه من غير تواطؤ ولا اشتراط، فإن يصح ويجزئ عن الزكاة.","part":10,"page":548},{"id":6779,"text":"ب - لو دفع الدائن الزكاة إلى المدين بشرط أن يردها إليه عن دينه، أو تواطأ الاثنان على الرد، فلا يصح الدفع ولا تسقط الزكاة، وهذا رأي أكثر الفقهاء.\rجـ - لو قال المدين للدائن المزكي: ادفع الزكاة إليّ حتى أقضيك دينك، ففعل، أجزأه المدفوع عن الزكاة، وملكه القابض، ولكن لا يلزم المدين القابض دفع ذلك المال إلى الدائن عن دينه.\rد - لو قال رب المال للمدين: اقض يا فلان مما عليك من الدين على أن أرده عليك من زكاتي فقضاه صح القضاء ولا يلزم الدائن رد ذلك المال إلى المدين بالاتفاق.\r5 - اعتبار ما أخرج على ظن الوجوب زكاة معجلة :\rيجوز اعتبار المدفوع على ظن الوجوب زكاة معجلة إذا تحققت شروط التعجيل مثل ملك المزكي النصاب، وبقاء المدفوع إليه بصفة الاستحقاق، ووجوب الزكاة على المزكي.\rوهذا ما ذهب إليه الفقهاء غير المالكية.\rفإذا اختل شرط من هذه الشروط، كان المدفوع صدقة تطوعية، ولا يجوز استردادها إذا قبضها المستحق من المزكي، أما إذا كان القبض من ولي الأمر أو من مؤسسة للزكاة فلا مانع من الاسترداد بعد ثبوت كون المدفوع زيادة عن الواجب إذا لم يوزع على المستحقين. 6 - إلزامية الزكاة وتطبيقها من ولي الأمر :\rأ - دعوة الحكومات في البلاد الإسلامية إلى العمل الجاد لتطبيق الشريعة الإسلامية في مجالات الحياة كافة، ومن ذلك إنشاء مؤسسات خاصة لجمع الزكاة وصرفها في مصارفها الشرعية على أن تكون لهذه المؤسسات ميزانية مستقلة في مواردها ومصارفها عن الميزانية العامة للدولة. أما في البلاد غير الإسلامية فالبديل هو الجمعيات التي تُعنى بشؤون الزكاة.\rب - دعوة الحكومات الإسلامية لإصدار التشريعات الكفيلة بإقامة مؤسسات الزكاة التي يشرف عليها أهل الدين والأمانة والكفاية والعلم.\rجـ - دعوة الحكومات إلى تضمين تشريعاتها الضريبية نصوصاً تقتضي بحسم مقدار الزكاة مهما بلغ من الضرائب المقررة قانوناً.\rد - دعوة الحكومات الإسلامية التي تطبق فريضة الزكاة إلى الأخذ برأي القائلين من الفقهاء المعاصرين بفرض ضريبة تكافل اجتماعي على مواطنيها من غير المسلمين بمقدار الزكاة وأن تكون هذه الضرائب الموازية للزكاة مورداً لتحقيق التكافل الاجتماعي العام الذي يشمل جميع المواطنين ممن يعيش في ظل دولة الإسلام.","part":10,"page":549},{"id":6780,"text":"7 - مصرف (في سبيل الله) :\rإن مصرف (في سبيل الله) يراد به الجهاد بمعناه الواسع الذي قرره الفقهاء بما مفاده حفظ الدين وإعلاء كلمة الله ويشمل مع القتال الدعوة إلى الإسلام والعمل على تحكيم شريعته ودفع الشبهات التي يثيرها خصومه عليه وصد التيارات المعادية له. وبهذا لا يقتصر الجهاد على النشاط العسكري وحده.\rويدخل تحت الجهاد بهذا المعنى الشامل ما يلي:\rأ - تمويل الحركات العسكرية الجهادية التي ترفع راية الإسلام وتصد العدوان على المسلمين في شتى ديارهم مثل حركات الجهاد في فلسطين وأفغانستان والفلبين.\rب - دعم الجهود الفردية والجماعية الهادفة لإعادة حكم الإسلام وإقامة شريعة الله في ديار المسلمين ومقاومة خطط الإسلام لإزاحة عقيدته وتنحية شريعته عن الحكم.\rجـ - تمويل مراكز الدعوة إلى الإسلام التي يقوم عليها رجال صادقون في البلاد غير الإسلامية بهدف نشر الإسلام بمختلف الطرق الصحيحة التي تلائم العصر وينطبق هذا على كل مسجد يقام في بلد غير إسلامي يكون مقراً للدعوة الإسلامية.\rد - تمويل الجهود الجادة التي تثبِّت الإسلام بين الأقليات الإسلامية في الديار التي تسلط فيها غير المسلمين على رقاب المسلمين، والتي تتعرض لخطط تذويب البقية الباقية من المسلمين في تلك الديار.","part":10,"page":550},{"id":6781,"text":"8 - الزكاة ورعاية الحاجات الأساسية الخاصة :\rأ - يرتبط مفهوم الحاجات الأساسية التي تراعيها الزكاة بجميع عناصر مقاصد الشريعة الإسلامية من ضروريات وحاجيات لتحقيق الكفاية بما يتلاءم مع الأعراف السائدة زماناً ومكاناً، وتوفير التكافل الاجتماعي بين المسلمين. ب - معيار الحاجات الأساسية التي توفرها الزكاة للفقير المسلم هو أن تكون كافية لما يحتاج إليه من مطعم وملبس ومسكن وسائر مالا بُد له منه على ما يليق بحاله بغير إسراف ولا تقتير، للفقير نفسه ولمن يقوم بنفقته.\rجـ - على من يصرف الزكاة من الأفراد والمؤسسات أن يتحروا عمن تصرف له الزكاة بالوسائل المتاحة التي لا تمس كرامته أو تجرح شعوره بحيث تحصل الطمأنينة بأنه من أهل الاستحقاق، ولا يلزم تكليفهم بأزيد من ذلك كالبينة واليمين إلا في حالات الاشتباه وكثرة ادعاء الاستحقاق الذي تدل القرائن على عدمه.\r9 - زكاة القروض الإسكانية والاستثمارية المؤجلة :\rمع مراعاة ما ورد في مؤتمر الزكاة الأول البند (10) بشأن الدين الاستثماري والزكاة وما رأته اللجنة في ذلك المؤتمر من الأخذ مبدئياً في هذا بخصوصه بمذهب من قال من الفقهاء (أنه إذا كان الدين مؤجلاً فلا يمنع من وجوب الزكاة. على أن الأمر بحاجة إلى مزيد من البحث والتثبت والعناية) استقر الرأي في هذه الندوة على ما يأتي:\rالديون الإسكانية وما شابهها من الديون التي تمول أصلاً ثابتاً لا يخضع للزكاة ويسدد على أقساط طويلة الأجل يسقط من وعاء الزكاة ما يقابل القسط السنوي المطلوب دفعه فقط إذا لم تكن له أموال أخرى يسدده منها. أما القروض التي تمول رأس المال المتداول (العامل) فإنها تحسم كلها من وعاء الزكاة والحاجة قائمة لمزيد من البحث في تفاصيل جوانب هذا الموضوع.\r10 - محاسبة الزكاة للشركات بأنواعها :\rأ - التوصية بتكوين لجنة فرعية بمعرفة الهيئة الشرعية العالمية للزكاة بالكويت وذلك لبحث موضوع محاسبة الزكاة للشركات بأنواعها ويكون أعضاؤها:","part":10,"page":551},{"id":6782,"text":"- من المحاسبين الذين يمارسون المحاسبة كمهنة ومن الأكاديميين المتخصصين بعلم وفن المحاسبة.\r- ومن الفقهاء والباحثين المتخصصين بشؤون الزكاة والاقتصاد الإسلامي.\rوتكون مهمة اللجنة دراسة الأمور الفعلية الخاصة بحساب الوعاء الزكوي ودراسة المبادئ والقواعد والأعراف المحاسبية المعتمدة في إعداد البيانات المالية للشركات على اختلاف أنواعها وأعمالها وتقديم البحوث المناسبة لدراستها من قبل ندوات تعقد في المستقبل.\rب - أكدت الندوة بشأن الحول أن السنة المالية للزكاة هي السنة القمرية وليست السنة الشمسية وعليه فإنه من الضروري أخذ هذه المسألة عند احتساب الزكاة على الشركات التي تعد بياناتها المالية على أساس السنة الشمسية طبقاً لما انتهى إليه مؤتمر الزكاة الأول (الفقرة 9).\r11 - زكاة عروض التجارة من أعيانها :\rالأصل إخراج زكاة عروض التجارة نقداً بعد تقويمها وحساب المقدار الواجب فيها، لأنها أصلح للفقير حيث يسد بها حاجاته مهما تنوعت. ومع ذلك، يجوز إخراج زكاة عروض التجارة من أعيانها إذا كان ذلك يدفع الحرج عن المزكي في حالة الكساد وضعف السيولة لدى التاجر، ويحقق مصلحة الفقير في أخذ الزكاة أعياناً، يمكنه الانتفاع بها. وهذا ما اختارته الندوة في ضوء الاجتهادات الفقهية وظروف الأحوال.\rويتم تقويم عروض التجارة بحسب قيمتها السوقية يوم وجوب الزكاة وتقوم السلع المباعة جملة أو تجزئة بسعر الجملة.\rتوصيات عامة :\r12 - ضرورة معالجة ما يتصل بزكاة المال الحرام من خلال دراسات تراعى فيها مقاصد الزكاة ومبدأ سد الذرائع.\r13 - أن يكون الصرف على العاملين على الزكاة من ميزانية الدولة لا من الزكاة كلما أمكن ذلك ولا سيما بالنسبة للدول الغنية.","part":10,"page":552},{"id":6783,"text":"14 - قيام الباحثين في الدراسات التي فيها تراث فقهي من المذاهب - بالدور الأساسي في البحث من حيث الترجيح والاختيار عن طريق الأدلة وربط الاتجاهات الفقهية المختلفة بمقاصد الشريعة وتحقيق المصالح المعتبرة شرعاً وكذلك مراعاة اختلاف الاصطلاحات بين المذاهب.\r15 - عدم الالتزام بمذهب واحد في القضايا التي تهم جميع المسلمين كقضية الزكاة بصفتها فريضة إسلامية تمثل التكافل الاجتماعي لجميع البلاد الإسلامية مثل قضية التمليك.\rالندوة الثانية: الفتاوى والتوصيات\r1 - دفع الديات من مال الزكاة (مصرف الغارمين )\rأولاً: يعان من الزكاة المدين بدية قتل خطأ إذا ثبت عجز العاقلة عن تحملها وعدم قدرة بيت المال على تحملها، ويجوز دفع هذه المعونة من أموال الزكاة مباشرة إلى أولياء المقتول.\rأما دية قتل العمد فلا يجوز دفعها من مال الزكاة.\rثانياً: وتوصي الندوة في هذا المجال بما يلي:\r- مراعاة لقاعدة (الضروريات) ينبغي عدم التساهل في دفع الديات من أموال الزكاة ولاسيما مع كثرة الحوادث ووجود الحاجة الماسة بالنسبة للمصارف الأخرى.\r- إنشاء صناديق تعاونية في البلاد الإسلامية بمعرفة المؤسسات الزكوية فيها، تمول من اشتراكات، وتبرعات، ورسوم (إضافية) على تراخيص السيارات والقيادة، لتكون ضماناً اجتماعياً للإسهام في تخفيف الأعباء عمن لزمتهم الديات بسبب حوادث المرور وغيرها.\r- تشجيع إقامة الصناديق التعاونية العائلية والمهنية للاستفادة من نظام (العواقل) المعروف في الفقه الإسلامي والقائم على التعاون والتناصر بين ذوي القرابة وبين أهل الحرف وذلك بصورة ملائمة لمعطيات العصر.\r2 - زكاة المال الحرام\rبعد استعراض الندوة للبحوث المقدمة في هذا الموضوع ومناقشتها رأت أن هناك بيانات وتفصيلات يتطلب إعطاء هذا الموضوع حقه، لذا ارجأت إصدار فتوى فيه إلى حين استكماله بالبحث والدراسة.","part":10,"page":553},{"id":6784,"text":"3 - زكاة الديون الاستثمارية والإسكانية\rتنفيذاً للتوصية العاشرة لمؤتمر الزكاة الأول، والتوصية التاسعة للندوة الأولى لقضايا الزكاة المعاصرة المتضمنة حسم القروض الممولة لرأس المال المتداول، وعدم حسم الديون الإسكانية أو الديون الممولة لأصول ثابتة باستثناء القسط السنوي المطلوب دفعه فقط، والتي ختمت ببيان الحاجة إلى دراسة جوانب تفاصيل هذا الموضوع، فقد انتهت الندوة إلى ما يلي:\rأولاً: يحسم من الموجودات الزكوية جميع الديون التي تمول عملاً تجارياً إذا لم يكن عند المدين عروض قنْية «أصول ثابتة» زائدة عن حاجاته الأساسية.\rثانياً: يحسم من الموجودات الزكوية الديون الاستثمارية التي تمول مشروعات صناعية «مستغلات» إذا لم توجد لدى المدين عروض قنية «أصول ثابتة» زائدة عن حاجاته الأصلية بحيث يمكن جعلها في مقابل تلك الديون، وفي حالة كون هذه الديون الاستثمارية مؤجلة يحسم من الموجودات الزكوية القسط السنوي المطالب به «الحال» فإذا وجدت تلك العروض تجعل في مقابل الدين إذا كانت تفي به، وحينئذ لا تحسم الديون من الموجودات الزكوية. فإن لم تف تلك القروض بالدين يحسم من الموجودات الزكوية ما تبقى منه. ثالثاً: القروض الإسكانية المؤجلة والتي تسدد عادة على أقساط طويل أجلها يزكي المدين ماتبقى مما بيده من أموال بعد حسم القسط السنوي المطلوب منه إذا كان الباقي نصاباً فأكثر.\r4 - مصرف (في الرقاب)\rنظراً إلى أن مصرف (في الرقاب) ليس موجوداً في الوقت الحاضر فإنه ينقل سهمهم إلى بقية مصارف الزكاة.\r5 - نقل الزكاة إلى غير موضعها وضوابطه\rبعد الاطلاع على التوصية الثالثة للندوة الأولى لقضايا الزكاة المعاصرة من أن الأصل صرف الزكاة للمستحقين من أهل المنطقة التي جمعت منها ثم ينقل ما فاض عن الكفاية إلى مدينة أخرى مع جواز النقل - استثناء لمن هو أحوج، أو للقرابة، انتهت الندوة إلى تفصيل المبدأ الشرعي في نقل الزكاة على النحو التالي:","part":10,"page":554},{"id":6785,"text":"أولاً: الأصل في صرف الزكاة أن توزع في موضع الأموال المزكاة - لا موضع المزكي، ويجوز نقل الزكاة من موضعها لمصلحة شرعية راجحة.\rومن وجوه المصلحة للنقل:\rأ - نقلها إلى مواطن الجهاد في سبيل الله.\rب - نقلها إلى المؤسسات الدعوية أو التعليمية أو الصحية التي تستحق الصرف عليها من أحد المصارف الثمانية للزكاة.\rج - نقلها إلى مناطق المجاعات والكوارث التي تصيب بعض المسلمين في العالم.\rد - نقلها إلى أقرباء المزكي المستحقين للزكاة.\rثانياً: نقل الزكاة إلى غير موضعها في غير الحالات السابقة لا يمنع إجزاءها عنه ولكن مع الكراهة بشرط أن تعطى إلى من يستحق الزكاة من أحد المصارف الثمانية.\rثالثاً: موطن الزكاة هو البلد وما بقربه من القرى وما يتبعه من مناطق مما هو دون مسافة القصر (82 كم تقريباً) لأنه في حكم بلد واحد.\rرابعاً: موضع الزكاة بالنسبة لزكاة الفطر هو موضع من يؤديها لأنها زكاة الأبدان.\rخامساً: مما يسوغ من التصرفات في حالات النقل:\rأ - تعجيل إخراج زكاة المال عن نهاية الحول بمدة يمكن فيها وصولها إلى مستحقيها عند تمام الحول إذا توافرت شروط وجوب الزكاة، ولا تقدم زكاة الفطر على أول رمضان.\rب - تأخير إخراج الزكاة للمدة التي يقتضيها النقل.\rالندوة الثالثة: الفتاوى والتوصيات\rاستثمار أموال الزكاة\rناقش المشاركون في الندوة البحوث المقدمة في موضوع استثمار أموال الزكاة وانتهوا إلى القرارات التالية:\rتؤكد الندوة قرار مجمع الفقه الإسلامي رقم (3) د86/7/3 بشأن توظيف أموال الزكاة في مشاريع ذات ريع، وأنه جائز من حيث المبدأ بضوابط أشار القرار إلى بعضها.\rوبعد مناقشة البحوث المقدمة إلى الندوة في هذا الموضوع بشأن المبدأ والضوابط انتهت إلى مايلي:\r1 - أن لا تتوافر وجوه صرف عاجلة تقتضي التوزيع الفوري لأموال الزكاة.\r2 - أن يتم استثمار أموال الزكاة - كغيرها - بالطرق المشروعة.","part":10,"page":555},{"id":6786,"text":"3 - أن تتخذ الإجراءات الكفيلة ببقاء الأصول المستثمرة على أصل حكم الزكاة وكذلك ريع تلك الأصول.\r4 -المبادرة إلى تنضيض «تسييل» الأصول المستثمرة إذا اقتضت حاجة مستحقي الزكاة صرفها عليهم.\r5 - بذل الجهد للتحقق من كون الاستثمارات التي ستوضع فيها أموال الزكاة مجدية ومأمونة وقابلة للتنضيض عند الحاجة.\r6 - أن يتخذ قرار استثمار أموال الزكاة ممن عهد إليهم ولي الأمر بجمع الزكاة وتوزيعها لمراعاة مبدأ النيابة الشرعية، وأن يسند الإشراف على الاستثمار إلى ذوي الكفاية والخبرة والأمانة.\rالتمليك والمصلحة فيه ونتائجه\rناقش المشاركون في الندوة البحوث المقدمة في موضوع التمليك والمصلحة فيه ونتائجه وانتهوا إلي القرارات التالية:\r1 - التمليك في الأصناف الأربعة الأولى المذكورة في آية مصارف الزكاة «إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم» شرط في إجزاء الزكاة، والتمليك يعني دفع مبلغ من النقود أو شراء وسيلة النتاج، كآلات الحرفة وأدوات الصنعة، وتمليكها للمستحق القادر على العمل.\r2 - يجوز إقامة مشروعات إنتاجية من مال الزكاة وتمليك أسهمها لمستحقي الزكاة بحيث يكون المشروع مملوكاً يديرونه بأنفسهم أو من ينوب عنه ويقتمسون أرباحه.\r3 - يجوز إقامة مشروعات خدمية من مال الزكاة كالمدارس والمستشفيات والملاجئ والمكتبات بالشروط التالية:\rأ - يفيد من خدمات هذه المشروعات مستحقو الزكاة دون غيرهم إلا بأجر مقابل لتلك الخدمات يعود نفعه على المستحقين.\rب - يبقى الأصل على ملك مستحقي الزكاة ويديره ولي الأمر، أو الهيئة التي تنوب عنه.\rج - إذا بيع المشروع أو صفي كان ناتج التصفية مال زكاة.","part":10,"page":556},{"id":6787,"text":"مصرف المؤلفة قلوبهم\rناقش الحاضرون في الندوة البحوث المقدمة في موضوع: «المؤلفة قلوبهم» وبعد المداولة انتهوا إلى مايلي:\rأولاً: مصرف المؤلفة قلوبهم «الذي هو أحد مصارف الزكاة الثمانية» وهو من التشريع المحكَم الذي لم يطرأ عليه نسخ كما هو رأي الجمهور.\rثانياً: من أهم المجالات التي يصرف عليها من هذا السهم ما يأتي:\rأ - تأليف من يرجى إسلامه وبخاصة أهل الرأي والنفوذ ممن يظن أن له دوراً كبيراً في تحقيق ما فيه صلاح المسلمين.\rب - إستمالة أصحاب النفوذ من الحكام والرؤساء ونحوهم للإسهام في تحسين ظروف الجاليات والأقليات الإسلامية ومساندة قضاياهم.\rج - تأليف أصحاب القدرات الفكرية والإسلامية لكسب تأييدهم ومناصرتهم لقضايا المسلمين.\rد - إيجاد المؤسسات العلمية والاجتماعية لرعاية من دخل في دين الله وتثبيت قلبه على الإسلام وكل ما يمكنه من إيجاد المناخ المناسب معنوياً ومادياً لحياته الجديدة.\rثالثاً: يراعى في الصرف من هذا السهم الضوابط التالية:\rأ - أن يراعى في الصرف المقاصد ووجوه السياسة الشرعية بحيث يتوصل به إلى الغاية المنشودة شرعاً.\rب - أن يكون الإنفاق بقدر لا يضرّ بالمصارف الأخرى وألا يتوسع فيه إلا بمقتضى الحاجة.\rج - توخي الدقة والحذر في أوجه الصرف لتفادي الآثار غير المقبولة شرعاً، أو ما قد يكون له ردود فعل سيئة في نفوس المؤلفة قلوبهم وما قد يعود بالضرر على الإسلام والمسلمين.\rرابعاً: تستخدم الوسائل والأسباب المتقدمة الحديثة والمشاريع ذات التأثير الأجدى واختيار الأنفع والأقرب لتحقيق المقاصد الشرعية من هذا المصرف.","part":10,"page":557},{"id":6788,"text":"مناشدة\rتناشد الندوة حكومات الدول الإسلامية تطبيق الشريعة الإسلامية من جميع جوانبها الاجتماعية والسياسية.. والأخذ بجميع الوسائل الشرعية للوصول إلى مجتمع إسلامي متكافل.\rوتستحث الندوة حكومات الدول الإسلامية وشعوبها أن تقوم بواجباتها نحو إخواننا المضطهدين في البوسنة والهرسك ودعمهم مادياً ومعنوياً للحفاظ على كيانهم وهويتهم الإسلامية.\rوكذلك مساعدة إخواننا المسلمين المضطهدين والمحتاجين في شتى أنحاء العالم.\rوتناشد الندوة حكومات الدول الإسلامية بذل المزيد من الجهد من أجل تحرير الأسرى والمحتجزين الكويتيين وغيرهم من أيدي العدو الظالم.\rالندوة الرابعة: الفتاوى والتوصيات\rمصرف العاملين على الزكاة\r1 - العاملون على الزكاة: هم كل من يعينهم أولياء الأمور في الدول الإسلامية أو يرخصون لهم أو تختارهم الهيئات المعترف بها من السلطة أو من المجتمعات الإسلامية للقيام بجمع الزكاة وتوزيعها وما يتعلق بذلك من توعية بأحكام الزكاة وتعريف بأرباب الأموال وبالمستحقين ونقل وتخزين وحفظ وتنمية واستثمار ضمن الضوابط والقيود التي أقرت في التوصية الأولى من الندوة الثالثة لقضايا الزكاة المعاصرة.\rكما تعتبر هذه المؤسسات واللجان القائمة في العصر الحديث صورة عصرية من ولاية الصدقات المقررة في النظم الإسلامية ولذا يجب أ ن يراعى فيها الشروط المطلوبة في العاملين على الزكاة.\r2 - المهام المنوطة بالعاملين على الزكاة منها ماله صفة ولاية التفويض (لتعلقها بمهام أساسية وقيادية) ويشترط فيمن يشغل هذه المهام شروط معروفة عند الفقهاء منها: الإسلام، والذكورة، والأمانة، والعلم بأحكام الزكاة في مجال العمل.\rوهناك مهام أخرى مساعدة يمكن أن يعهد بها إلى من لا تتوافر فيه بعض تلك الشروط.\r3 - أ ) يستحق العاملون على الزكاة عن عملهم من سهم العاملين ما يفرض لهم من الجهة التي تعينهم على أن لا يزيد عن أجر المثل ولو لم يكونوا فقراء، مع الحرص على أن لا يزيد مجموع ما يدفع إلى جميع العاملين والتجهيزات والمصاريف الإدارية عن ثُمن الزكاة.\rب ) لا يجوز للعاملين على الزكاة أن يقبلوا شيئاً من الرشاوى أو الهدايا أو الهبات العينية أو النقدية.","part":10,"page":558},{"id":6789,"text":"4 - تزويد مقار مؤسسات الزكاة وإدارتها بما تحتاج إليه من تجهيزات وأثاث وأدوات إذا لم يكن توفيرها من مصادر أخرى كخزينة الدولة والهبات والتبرعات يجوز توفيرها من سهم العاملين عليها بقدر الحاجة شريطة أن تكون هذه التجهيزات ذات صلة مباشرة بجمع الزكاة وصرفها أو أثر في زيادة موارد الزكاة.\r5 - تجب متابعة ومراقبة لجان الزكاة من الجهات التي عينتها أو رخصتها تأسياً بفعل النبي صلّى الله عليه وسلم في محاسبته للعاملين على الزكاة.\rوالعامل على الزكاة أمين على ما في يده من أموال ويكون مسؤولاً عن ضمان تلفها في حالات التعدي والتفريط والإهمال والتقصير.\r6 - ينبغي أن يتحلى العاملون على الزكاة بالآداب الإسلامية العامة كالرفق بالمزكين والمستحقين والتبصر بأحكام الزكاة وأهميتها في المجتمع الإسلامي لتحقيق التكافل الاجتماعي والإسراع بتوزيع الصدقات عند وجود المستحقين والدعاء لهم.\rزكاة المال الحرام\r1 - المال الحرام: هو كل مال حظر الشارع اقتناءه أو الانتفاع به سواء كان لحرمته لذاته، بما فيه من ضرر أو خبث كالميتة والخمر، أم لحرمته لغيره، لوقوع خلل في طريق اكتسابه، لأخذه من مالكه بغير إذنه كالغصب، أو لأخذه منه بأسلوب لا يقره الشرع ولو بالرضا كالربا والرشوة.\r2 - أ ) حائز المال الحرام لخلل في طريقة اكتسابه لا يملكه مهما طال الزمن، ويجب عليه رده إلى مالكه أو وارثه إن عرفه، فإن يئس من معرفته وجب عليه صرفه في وجوه الخير للتخلص منه وبقصد الصدقة عن صاحبه.\rب ) إذا أخذ المال أجرة عن عمل محرم فإن الآخذ يصرفه في وجوه الخير ولا يرده إلى من أخذه منه.\rج ) لا يرد المال الحرام إلى من أخذ منه إن كان مصراً على التعامل غير المشروع الذي أدى إلى حرمة المال كالفوائد الربوية بل يصرف في وجوه الخير أيضاً.","part":10,"page":559},{"id":6790,"text":"د ) إذا تعذر رد المال الحرام بعينه وجب على حائزه رد مثله أو قيمته إلى صاحبه إن عرفه وإلا صرف المثل أو القيمة في وجوه الخير وبقصد الصدقة عن صاحبه.\r3 - المال الحرام لذاته ليس محلاً للزكاة، لأنه ليس مالاً متقوماً في نظر الشرع، ويجب التخلص منه بالطريقة المقررة شرعاً بالنسبة لذلك المال.\r4 - المال الحرام لغيره الذي وقع خلل شرعي في كسبه، لا تجب الزكاة فيه على حائزه، لانتفاء تمام الملك المشترط لوجوب الزكاة، فإذا عاد مالكه وجب عليه أن يزكيه لعام واحد ولو مضى عليه سنين على الرأي المختار.\r5 - حائز المال الحرام إذا لم يرده إلى صاحبه وأخرج قدر الزكاة منه بقي الإثم بالنسبة لما بيده منه، ويكون ذلك إخراجاً لجزء من الواجب عليه شرعاً ولا يعتبر ما أخرجه زكاة، ولا تبرأ ذمته إلا برده كله لصاحبه إن عرفه أو التصدق به عنه إن يئس من معرفته.\rالزكاة والضريبة\r1 - تناشد الندوة حكومات الدول الإسلامية إصدار القوانين القاضية بتطبيق نظام الزكاة جباية وتوزيعاً، على أساس الالتزام، وإقامة هيئات مختصة لذلك تكون مواردها ومصاريفها في حسابات خاصة.\rكما تناشدها إعادة النظر في جميع النظم المالية وغيرها، لتوجيهها الوجهة الإسلامية.\r2 - أ ) الأصل أن يكون تمويل ميزانية الدولة من إيرادات الأملاك العامة وغيرها من الموارد المالية المشروعة، فإذا لم تكف هذه الموارد جاز لولي الأمر أن يوظف الضرائب بصورة عادلة لمقابلة نفقات الدولة التي لا يجوز الصرف عليها من الزكاة، أو لسد العجز في إيرادات الزكاة عن كفاية مستحقيها.\rب ) بما أن سند جواز التوظيف الضريبي هو قاعدة المصالح، فيجب مراعاة المصلحة المعتبرة عند فرض الضرائب في ضوء النظام المالي الإسلامي والاهتداء بالقواعد الشرعية العامة ومقاصد الشريعة.\rج ) يشترط لتوظيف الضرائب أن تكون الحاجة إلى فرضها حقيقة.","part":10,"page":560},{"id":6791,"text":"د ) يجب أن تراعى العدالة بمعيارها الشرعي في توزيع أعبائها، وفي استعمال حصيلتها وأن يخضع فرضها وصرفها لجهة رقابية موثوقة متخصصة.\r3 - أ ) إن أداء الضريبة المفروضة من الدولة لا يجزئ عن إيتاء الزكاة، نظراً لاختلافهما من حيث مصدر التكليف والغاية منه، فضلاً عن الوعاء والقدر الواجب والمصارف، ولا تحسم مبالغ الضريبة من مقدار الزكاة الواجبة.\rب ) ما استحق دفعة من الضرائب المفروضة من الدولة خلال الحول ولم يؤد قبل حولانه فإنه يحسم من وعاء الزكاة، باعتباره حقاً واجب الأداء.\r4 - توصي الندوة حكومات الدول الإسلامية بتعديل قوانين الضرائب بما يسمح بحسم الزكاة من مبالغ الضريبة، تيسيراً على من يؤدون الزكاة.\rالندوة الخامسة: الفتاوى والتوصيات\rأولاً: زكاة المكافأة في نهاية الخدمة والراتب التقاعدي\r1 - مكافأة نهاية الخدمة: هي مبلغ مالي مقطوع يستحقه العامل على رب العمل في نهاية خدمته بمقتضى القوانين والأنظمة إذا توافرت الشروط المحددة فيها.\r2 - مكافأة التقاعد: هي مبلغ مالي مقطوع تؤديه الدولة أو المؤسسات المختصة إلى الموظف أو العامل المشمول بقانون التأمينات الاجتماعية إذا لم تتوافر جميع الشروط المطلوبة لاستحقاق الراتب التقاعدي.\r3 - الراتب التقاعدي مبلغ مالي، يستحقه شهرياً الموظف أو العامل على الدولة أو المؤسسة المختصة بعد انتهاء خدمته بمقتضى القوانين والأنظمة إذا توافرت الشروط المحددة فيها.\r4 - لا تجب الزكاة على العامل أو الموظف في هذه الاستحقاقات طيلة مدة الخدمة لعدم تحقق الملك التام الذي يشترط لوجوب الزكاة.","part":10,"page":561},{"id":6792,"text":"5 - هذه الاستحقاقات إذا صدر القرار بتحديدها وتسليمها للموظف أو العامل دفعة واحدة أو على فترات دورية أصبح ملكه لها تاماً، ويزكي ما قبضه منها زكاة المال المستفاد وقد سبق في مؤتمر الزكاة الأول أن المال المستفاد يزكى بضمه إلى ما عند المزكي من الأموال من حيث النصاب والحول.\r6 - أما التكييف الشرعي لأموال مكافأة نهاية الخدمة والراتب التقاعدي في ميزانيات الشركات قبل صدور قرار صرفها، هل هي ديون على الشركة أم لا؟ وأثر ذلك في زكاة أموال الشركة، فقد أرجىء البت فيها لمزيد من البحث بالتعاون مع هيئة المحاسبة والمراجعة للمصارف والمؤسسات المالية الإسلامية من خلال لجنتها الشرعية.\rثانياً: مصرف «الغارمين»\r1 - الغارمون قسمان: الأول: المدينون المسلمون الفقراء لمصلحة أنفسهم في المباح، وكذا بسبب الكوارث والمصائب التي أصابتهم.\rوالثاني: المدينون المسلمون لإصلاح ذات البين لتسكين الفتن التي قد تثور بين المسلمين، أو للإنفاق في المصائب والكوارث التي تحل بالمسلمين، ولا يشترط الفقر في هذا القسم.\r2 - الضامن مالاً عن رجل معسر يجوز إعطاؤه ما ضمنه إن كان الضامن معسراً.\r3 - لا يجوز إعطاء الغارم لمصلحة نفسه من الزكاة إذا كان دينه في معصية، كالخمر، والميسر، والربا، إلا إذا تحقق صدق توبته.\r4 - يجوز قضاء دين الميت من مال الزكاة إذا لم يكن في ميراثه ما يفي به، ولم يسدد ورثته دينه، ففي تسديد دينه من الزكاة إبراء لذمته، وحفظ لأموال الدائنين.\r5 - الغارم لمصلحة نفسه القوي المكتسب لا يجوز له أن يأخذ من مال الزكاة إذا أمكنه سداد دينه من كسبه، أو أنظره صاحب المال إلى ميسرة، وكذلك من كان له مال سواء كان نقداً أو عقاراً أو غيرهما يمكنه السداد منه.\r6 - إذا أخذ الغارم من الزكاة بوصف الغرم، فلا يجوز له أن ينفق هذا المال في سداد غرمه، أما إذا أخذه بوصف الفقر فيجوز له إنفاقه في حاجاته.","part":10,"page":562},{"id":6793,"text":"7 - الغارم الفقير أو الغارم المسكين أولى بالزكاة من الفقير أو المسكين الذي ليس بغارم، لأن الأولين اجتمع فيهم وصفان: الغرم والفقر أو المسكنة والآخرين ليس فيهما إلا وصف الفقر.\r8 - يجوز إعطاء الغارم من الزكاة بمقدار ما عليه من ديون قلّت أو كثرت، إذا كان في مال الزكاة وفاء لتلك الديون، و إن استغنى الغارم قبل سداد ما عليه من ديون وجب عليه إرجاع تلك الأموال لولي الأمر، أو لمن أخذها منه فإن لم يستطع، فإنه يدفعها في مصارف الزكاة.\r9 - يجوز إعطاء الغارم من مال الزكاة للعام الذي يحل دينه فيه ولو بقي من ذلك العام أشهر على موعد السداد، ولا يعطى لسداد دين العام التالي، إلا أن يصالح المدين صاحب الدين على السداد في الحال مع الحط من الدين.\r10 - لا ينبغي لمن يجد دخلاً يكفيه أن يستدين لإنشاء مصنع أو مزرعة أو مسكن اعتماداً منه على السداد من مال الزكاة، فمال الزكاة يعطى لسد حاجة الفقراء، أو إيجاد دخل لهم يسد حاجتهم، ولا يعطى لمن لديه ما يكفيه ليزداد ثراء.\r11 - يعطى ذوو قرابة الرسول صلّى الله عليه وسلم الغارمون من هذا المصرف، إذا انقطعت حقوقهم المقررة شرعاً.\rثالثاً: مشمولات الأمور الظاهرة والباطنة في العصر الحديث\r1 - تقسيم الأموال الزكوية إلى ظاهرة وباطنة محل اتفاق بين العلماء وتبنى عليه أحكام فقهية مختلفة.\r2 - الأموال الظاهرة: يجوز لولي الأمر أن يجبي زكاتها جبراً ولا يقبل من صاحبها ادعاؤه بأنه قد أدى زكاتها بنفسه إلى المستحقين مباشرة، هذا إذا كان ولي الأمر يأخذ الزكاة من أرباب الأموال بحقها ويصرفها في مصارفها الشرعية.\r3 - الأموال الباطنة: زكاتها موكولة لأمانة أصحابها، فلهم أن يؤدوها إلى مستحقيها مباشرة أو يأتوا بها طواعية إلى الجهة المختصة التي تصرفها في مصارفها الشرعية. وليس لولي الأمر سلطة التفتيش عن هذه الأموال وتتبعها لدى الأفراد.\r4 - السوائم والزروع والثمار أموال ظاهرة بالاتفاق.","part":10,"page":563},{"id":6794,"text":"5 - النقود والذهب والفضة والقروض والاعتمادات المستندية والأرصدة المصرفية الخاصة بالأفراد تعد أموالاً باطنة.\r6 - أموال شركات المساهمة تعتبر أموالاً ظاهرة.\r7 - تداول المشاركون في الندوة أصنافاً أخرى من الأموال ورأوا تأجيل البت فيها إلى ندوات قادمة وهي:\rأ ) عروض التجارة.\rب ) السندات الخاصة والحكومية.\rجـ ) أموال الشركات الأخرى غير شركات المساهمة. د ) هل لولي الأمر أن يترك نسبة من الأموال الظاهرة لأرباب الأموال ليصرفها بمعرفتهم إلى مستحقيها؟\rرابعاً: زكاة الأصول الثابتة\r1 - الأصول الثابتة: هي الموجودات المادية والمعنوية للمشروعات الاقتصادية مما يتخذ بقصد الانتفاع به في أنشطة تلك المشروعات أو لدرّ الغلة، ولا يقصد به البيع، ويطلق على الموجودات المادية الدارّة للغلة منها (المستغلات).\r2 - تشمل الأصول الثابتة:\rأ ) الموجودات التي تتخذ للانتفاع بها في المشاريع الإنتاجية، مثل وسائل النقل وأجهزة الحاسوب، وهذا النوع لا زكاة له.\rب ) الموجودات المادية التي تدر غلة للمشروع، مثل آلات الصناعة والبيوت المؤجرة، وهذا النوع لا تجب الزكاة في أصله، إنما تجب في صافي غلته بنسبة 2.5%، بعد مرور حول من بداية النتاج، وضم ذلك إلى سائر أموال المزكي.\rج ) الحقوق المعنوية الممتلكة للمشروع إذا أثمرت غلته تعامل معاملة النوع الثاني في وجوب الزكاة.\rويتفق هذا مع قرارات المجامع الفقهية التي تناولت هذا الموضوع بالبحث، مثل مجمع البحوث الإسلامية بمصر في مؤتمره الثاني عام 1385 هـ - 1965 م. ومجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي في دورته الثانية بجدة عام 1406 هـ - 1985 م. ومؤتمره الزكاة الأول بالكويت عام 1404 هـ - 1984 م. بأغلبية الأعضاء. د ) لا يحسم من الموجودات الزكوية مخصص الاستهلاك للأصول الثابتة، لأن تلك الأصول لم تدخل في الموجودات الزكوية.","part":10,"page":564},{"id":6795,"text":"خامساً: الموضوعات المعدة فيها أوراق\rبعد عرض أوراق العمل عن الموضوعات الأربعة:\r1 - زكاة الحلي.\r2 - الجهات التي لا يجوز للمزكي دفع الزكاة إليها.\r3 - زكاة المدخرات الثمينة.\r4 - صرف زكاة الفطر بالمبالغ المتوقعة قبل قبضها.\rتقرر التوصية بإعداد أبحاث فيها تشتمل على التصورات الفنية والاتجاهات الفقهية وذلك لمناقشتها في الندوات القادمة بإذن الله.\rسادساً: التوصيات العامة\r1 - التأكيد على التوصية السابقة بأن تهتم الدول الإسلامية بجمع الزكاة وتوزيعها في مصارفها الشرعية.\r2 - التأكيد على التوصية السابقة بإصدار تشريعات تنظيمية للزكاة، تراعي الظروف والمستجدات المعاصرة.\r3 - التنسيق والتعاون بين مؤسسات الزكاة والمؤسسات الأخرى ذات الصلة.\r4 - دعم الحكومات لميزانيات مؤسسات الزكاة.\r5 - دعوة الدول الإسلامية إلى تعديل تشريعات العمل لتكون موافقة لأحكام الشريعة الإسلامية.\r6 - دعوة المنظمات الإسلامية العالمية إلى إنشاء منظمة إسلامية للعمل والتأمينات الاجتماعية تقوم على أسس مستمدة من الشريعة الإسلامية.\r7 - يهيب المشاركون في «الندوة الخامسة لقضايا الزكاة المعاصرة» بالمجتمع المسلم والدول الإسلامية أن يبذلوا بسخاء لإنقاذ إخوانهم المسلمين في البلاد الإسلامية التي أضرت بها الحروب أو تخوض غمار حرب البقاء مع المعتدين.\rوصلى الله على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .","part":10,"page":565},{"id":6796,"text":"الندوة السادسة: الفتاوى والتوصيات\rفتاوى وتوصيات موضوع (تطبيقات عملية على الالتزام بدفع الزكاة ) :\r1 - تؤكد الندوة ما سبق في توصية الندوة الأولى بند 6 أ من دعوة الحكومات في البلاد الإسلامية إلى العمل الجاد لتطبيق الشريعة الإسلامية في مجالات الحياة كافة، ومن ذلك جمع الزكاة وصرفها في مصارفها الشرعية.\r2 - تؤكد الندوة ما جاء في فتاوى الندوة الأولى للزكاة (6-د) والمتعلق بفرض ضريبة تكافل اجتماعي على غير المسلمين بما يحقق المساواة مع المسلمين عند إلزامهم بدفع الزكاة.\r3 - عند جمع الزكاة من الشركات على وجه الإلزام يشمل الإلزام أموال الشركة الزكوية جميعها؛ ولا يعد ما يؤخذ من غير المسلمين زكاة.\r4 - عند الالتزام بجمع الزكاة يفرض على المال الحرام ما يعادل مقدار الزكاة ويصرف في مصارف الزكاة، وفي وجوه البر العام، ما عدا المساجد والمصاحف، ويوضح في حساب خاص ولا يخلط مع أموال الزكاة.\r5 - في حالة الإلزام بدفع الزكاة يجوز لولي الأمر، أو من ينوب عنه أن يفوض أصحاب الأموال الظاهرة القيام بصرف بعض زكاة أموالهم في مصارف الزكاة بمعرفتهم. أما الأموال الباطنة فهي موكولة لتصرف أصحابها مع مراعاة ماورد في التوصيات الخاصة بمشمولات الأموال الظاهرة والباطنة في العصر الحديث في الندوة الخامسة.\r6 - يجب أن يخصص لمال الزكاة صندوق خاص يكون بمثابة بيت مال الزكاة تودع فيه أموال الزكاة لتصرف في مصارفها الشرعية ولا تضم إلى الخزانة العامة للدولة، مع مراعاة ما ورد في التوصيات الخاصة بالعاملين عليها في الندوة الرابعة.\rتوصيات الموضوع الثاني «زكاة عروض التجارة »\rترى الندوة إرجاء إصدار التوصيات والفتاوى الخاصة بموضوع (زكاة عروض التجارة) إلى أن يتم إضافة محاور جديدة إلى موضوع البحث زيادة عما تم بحثه على أن يعرض في ندوة لاحقة.\rفتاوى وتوصيات الموضوع الثالث «زكاة الفطر »\r1 - زكاة الفطر واجبة على كل مسلم يملك قوت نفسه ومن تلزمه نفقته يوم العيد وليلته فاضلاً عن حوائجه الأصلية. ويلزمه إخراج صدقة زوجته وأولاده الصغار الذين لا مال لهم ، لا يلزمه صدقة الفطر عن أولاده الذين لا تجب نفقتهم عليه أو خدمه أو من تبرع بمؤنته أو كفله، يتيماً كان أو طالب علم أو فقيراً أو غير ذلك.\r2 - الواجب في صدقة الفطر: صاع من تمر أو شعير أو زبيب، أو صاعٌ من بر «قمح» والصاع مكيال يتسع لما يزن بالأوزان الحالية كيلوين وربع تقريباً من القمح.","part":10,"page":566},{"id":6797,"text":"3 - الأصل إخراج زكاة الفطر من الأجناس المنصوص عليها في الحديث، كما يجوز إخراجها من غالب قوت أهل البلد مثل الأرز واللحم والحليب. ويعتبر في الأجناس غير المنصوص عليها قيمتها باعتبار المنصوص عليه، فيقدر في اللحم مثلاً ما قيمته صاع من بر، وهكذا في سائر الأجناس المنصوص عليها.\rويجوز إخراج زكاة الفطر نقداً بقيمة الواجب. ويمكن للجهات المعنية تقدير هذه القيمة سنوياً.\r4 - الأصل إخراج زكاة الفطر قبل صلاة العيد، ويحرم تأخيرها عن يوم العيد ويجب قضاؤها، كما ويجوز عند الحاجة إخراجها من أول شهر رمضان.\r5 - يجوز التوكيل في إخراج صدقة الفطر.\r6 - يجوز للمؤسسات الزكوية تحويل زكاة الفطر من عين إلى نقد وعكسه بما تقتضيه الحاجة أو المصلحة.\r7 - يجوز نقل زكاة الفطر إلى خارج البلاد الذي وجبت فيه على المزكي إلى من هو أقرب أو أحوج. كما يجوز نقل زكاة الفطر عند عدم وجود محتاجين في البلد الذي وجبت فيه الزكاة.\r8 - لابد من النية لإخراج صدقة الفطر، ويقوم مقام النية الإذن الثابت ولو عادة.\r9 - إذا اقتضت المصلحة أو الحاجة يجوز للمؤسسات الزكوية تأخير صرف ما اجتمع لديها من زكاة الفطر إلى ما بعد يوم العيد.\r10 - الأولى صرف زكاة الفطر للفقراء والمساكين، ويجوز صرفها في مصارف الزكاة العامة. الموضوع الرابع (توصيات زكاة الحلي )\r1 - عرضت الندوة موضوع حكم الزكاة في حلي النساء المعد للاستعمال. وبعد دراسة هذا الموضوع من جوانبه المختلفة، والاستماع إلى النقاش المستفيض حول الأبحاث المقدمة، تبين أن هناك اتجاهين في الفقه الإسلامي: أحدهما يرى وجوب الزكاة في حلي النساء، والثاني يرى عدم الوجوب فيها.\rويرى المشاركون في الندوة أن لكل من الاتجاهين حجته ودليله، فيسع أهل العلم الأخذ والإفتاء بأحد الرأيين بما يترجح عندهم.\r2 - عند الأخذ بعدم وجوب الزكاة في حلي النساء تراعى الضوابط التالية:","part":10,"page":567},{"id":6798,"text":"أ - أن يكون الاستعمال مباحاً، فتجب الزكاة فيما يستعمل استعمالاً محرماً كالتزين بحلي على صورة تمثال.\rب - أن يقصد بالحلي التزين، فإذا قصد به الادخار أو الاتجار، فتجب فيه الزكاة.\rجـ - أن يكون الاستعمال في حاجة آنية غير مستقبلية بعيدة الأجل كمن يدخره لتحلية زوجته في المستقبل.\rد - أن يبقى الحلي صالحاً للتزين به، ولذا تجب الزكاة في الحلي المتهشم الذي لا يستعمل إلا بعد صياغة وسبك، ويستأنف له حولاً من وقت تهشمه.\rهـ - أن تكون الكمية المستعملة من الحلي في حدود القصد والاعتدال عرفاً، أما إذا بلغت حد الإسراف والتبذير فتجب الزكاة فيما زاد عن حد الاعتدال. 3 - نصاب الذهب عشرون ديناراً (85 جراماً تقريباً) من الذهب الخالص ونصاب الفضة مئتا درهم (595 جراماً تقريباً) من الفضة الخالصة، ويراعى في تقدير نصاب الحلي الذي تجب فيه الزكاة الوزن لا القيمة الحاصلة من الوزن والصياغة.\r4 - الحلي من غير الذهب والفضة كالياقوت واللآلئ ليس فيها زكاة مالم تكن معدة للتجارة. كما رأى المشاركون في الندوة تقديم التوصية التالية:\rيجوز للمؤسسات الزكوية عند الحاجة أن تقترض من مواردها للصرف في مصارف الزكاة مالم يمنع من ذلك مانع شرعي أو شرط المعطي.\rالندوة السابعة لقضايا الزكاة المعاصرة في دولة الكويت\rفي 22-24 من ذي الحجة 1417هـ الموافق 4/29-1997/5/1م\rالتوصيات والفتاوى\rتوصيات عامة :\r1 - تناشد الندوة حكومات الدول الإسلامية تطبيق الشريعة الإسلامية في شتى مناحي الحياة من ثقافية واجتماعية واقتصادية وسياسية ولا سيما العناية بفريضة الزكاة جمعاً وصرفاً بتوفير الوسائل اللازمة لذلك من التوعية بها والترشيد للطرق القائمة وإيجاد المؤسسات الخاصة بها ومراكز البحث التي تعمل على رصد آثارها والتوجيه إلى أنجع الطرق لتحقيق أهدافها في المجال الاجتماعي والاقتصادي.","part":10,"page":568},{"id":6799,"text":"2 - التوسع في تدريس فقه ومحاسبة الزكاة في الجامعات العربية والإسلامية حتى يمكن تخريج أجيال لديهم المعرفة الفقهية والمحاسبية عن الزكاة.\r3 - على مكاتب المحاسبة في الدول العربية والإسلامية أن تهتم بمحاسبة زكاة المال وأسس تدقيقها ليواكب ذلك الاهتمام المعاصر للعديد من البلاد العربية والإسلامية والشركات والمنشآت في تطبيق الزكاة.\r4 - أن تقوم الهيئة الشرعية العالمية للزكاة بتنظيم دورات وحلقات نقاشية لأصحاب الشأن حول الزكاة، لما لذلك من فوائد طيبة في تطبيق تلك الفريضة.\r5 - التوسع في التعاون بين رجال الفقه ورجال الاقتصاد والمحاسبة في الدراسات المعاصرة في مجال الزكاة وتيسير المصطلحات الفقهية مع المحافظة على المضمون.\rالموضوع الأول: زكاة الحقوق المعنوية\r1 - الحقوق المعنوية (كالاسم التجاري، والترخيص التجاري، والتأليف والاختراع) أصبح لها في العرف قيمة مالية معتبرة شرعاً، فيجوز التصرف فيها حسب الضوابط الشرعية، وهي مصونة لا يجوز الاعتداء عليها.\rوهذا يتفق مع قرار مجمع الفقه الإسلامي المنبثق عن المؤتمر الإسلامي في دورته الخامسة بالكويت عام 1409 هـ.\r2 - لا تجب الزكاة في حقوق التأليف والابتكار في ذاتها لعدم توافر شروط الزكاة فيها، ولكنها إذا استغلت يطبق على غلتها حكم المال المستفاد.\r3 - تجب الزكاة في الاسم التجاري والترخيص التجاري والعلامة التجارية إذا اشتريت بنية المتاجرة بها، متصلة كانت أو منفصلة، مع توافر بقية شروط عروض التجارة.\r4 - تجب الزكاة ابتداء (1) في البرامج الابتكارية (مثل برامج الحاسوب) وما في حكمها مما ينتجه الأفراد أو الشركات بجهود الآخرين بنية تملكها للتجارة.\r-------------------------------\r(1) أي لا ينتظر بها الاستغلال.","part":10,"page":569},{"id":6800,"text":"الموضوع الثاني: الأصول المحاسبية لتقويم عروض التجارة\rأولاً :\rيقصد بتقويم عروض التجارة: تقديرها بقيمتها النقدية، وذلك لمعرفة بلوغ النصاب، وتحديد الوعاء الزكوي من أجل معرفة القدر الواجب إخراجه.\rثانياً :\rمحل التقويم: ما توافرت فيه الشروط الخاصة بالاتجار، دون عروض القنية (الأصول الثابتة) وهذه الشروط هي:\r1 - أن تتوافر نية التجارة عند تملك العروض.\r2 - أن لا تتحول نية المالك من التجارة إلى الاقتناء قبل تمام الحول دون قصد التحايل.\rثالثاً :\rتوضيحاً وتتميماً لما جاء في الفتوى رقم (11) للندوة الأولى:\rيكون التقويم لكل تاجر بحسبه، سواء أكان تاجر جملة أم تاجر تجزئة، بالسعر الذي يمكنه الشراء به عادة عند الحول (القيمة الاستبدالية) وهو يختلف عن كلٍ من سعر البيع (القيمة السوقية) وعن التكلفة التاريخية أو الدفترية. رابعاً :\rإذا تغيرت الأسعار بين يوم وجوب الزكاة ويوم أدائها، فالعبرة بأسعار يوم الوجوب، سواء زادت القيمة أو نقصت.\rخامساً :\rزكاة البضائع المنقولة قبل قبضها على مالكها، ويحصل الملك في البضاعة المعينة بمجرد العقد، ويحصل في البضاعة المشتراة على الوصف: بالقبض، فالبضاعة الموصوفة التي على الطريق إن كانت مشتراة على أساس التسليم في مكان الإرسال ( .O. ) تدخل في الملك بمجرد التسليم إلى الشاحن، والمشتراة على أساس التسليم في مكان الوصول ( C. . ) تدخل في الملك عند بلوغها ميناء الوصول، ويكون التقويم لعروض التجارة على أساس سعرها في مكان وجودها بعد حصول الملك.\rسادساً :\rإذا اشتملت أموال التجارة على عملات مختلفة، أو ذهب أو فضة، فتقوَّم لمعرفة المقدار الواجب إخراجه بالعملة التي يتخذها التاجر لتقويم عروض تجارته، وذلك بالسعر السائد يوم الوجوب.\rسابعاً :\rالديون التي للتاجر (الذمم المدينة، وأوراق القبض التجارية) Cتقوَّم بكامل مبلغها إذا كانت مرجوة السداد، فإن كانت غير مرجوة السداد فيحسم منها هذا القدر، فيزكى ما يرجى منه حالاً، وما يقبضه منها مآلاً.","part":10,"page":570},{"id":6801,"text":"ثامناً :\rأ - المعادلة الميَّسَرة لحساب الزكاة ومنها عروض التجارة حسب مقولة ميمون ابن مهران التي نصها (إذا حلّت عليك الزكاة فانظر ما عندك من نقد أو عَرْض للبيع فقومه قيمة النقد، وما كان من دين في ملاءة فاحسبه، ثم اطرح منه ما كان من دين ثم زكّ ما بقي) والمعادلة هي:\rالزكاة الواجبة = (عروض التجارة + النقود + الديون المرجوة على الغير - الديون التي على التاجر) × نسبة الزكاة حسب الحول القمري 2.5% أو حسب الحول الشمسي 2,577%.\rب - لحساب زكاة التجارة ينظر إلى الموجودات الزكوية بَجرْدها وتقويمها يوم وجوب الزكاة. وذلك بالاستعانة بقائمة المركز المالي (الميزانية) بصرف النظر عن وجود ربح أو خسارة في حساب الأرباح والخسائر.\rج - لابد من مراعاة الشروط العامة لوجوب الزكاة وأدائها، بالإضافة للشروط الخاصة بعروض التجارة.\rتاسعاً :\rأ - تقوَّم عروض التجارة لمعرفة بلوغها النصاب على أساس نصاب الذهب وهو ما يعادل 85 جراماً من الذهب الخالص.\rب - المواد المعدَّة للتغليف والتعبئة لا تقوَّم على حدة، إذا لم تشترَ بقصد البيع مفردة، أما إذا كانت تستخدم في بيع عروض التجارة. فتقوَّم إن كانت تزيد في قيمة تلك العروض كالأكياس الخاصة، وإن كانت لا تزيد كورق التغليف، فلا تدخل في التقويم.\rالموضوع الثالث: أحكام زكاة صور من عروض التجارة المعاصرة\rأولاً: زكاة صكوك المقارضة\rتزكَّى أموال صكوك المقارضة المستوفية لضوابطها الشرعية زكاة عروض التجارة مع توافر شروط الزكاة فيها.\rثانياً: زكاة الأراضي\rالأرض إما أن تكون زراعية فيزكى نتاجها زكاة الزروع والثمار، أو تكون معدة للتجارة فتزكى زكاة عروض التجارة، وإن كانت للإيجار فالزكاة فيما يحول عليه الحول من إيرادها، مع توافر شروط الزكاة، وإن كانت للانتفاع الشخصي كالمشتراة لبناء سكن فيها فلا زكاة فيها.","part":10,"page":571},{"id":6802,"text":"ثالثاً: زكاة المواد الخام (الداخلة في الصناعة) والمواد المساعدة\r1 - المواد الخام (المواد الأولية) المعدَّة للدخول في تركيب المادة المصنوعة، كالحديد في صناعة السيارات. والزيوت في صناعة الصابون، تجب الزكاة فيها بحسب قيمتها التي يمكن الشراء بها في نهاية الحول. وينطبق هذا أيضاً على الحيوانات (المعدة للتعليب) والنباتات المعدَّة للتصنيع.\r2 - المواد المساعدة التي لا تدخل في تركيب المادة المصنوعة، كالوقود في الصناعات، لا زكاة فيها كالأصول الثابتة.\rرابعاً: زكاة السلع غير المنتهية الصنع والسلع المصنَّعة\rتجب الزكاة في السلع المصنَّعة، وفي السلع غير المنتهية الصنع، زكاة عروض التجارة، بحسب قيمتها في حالتها الراهنة في نهاية الحول.\rخامساً: اجتماع سبب آخر للزكاة مع عروض التجارة\rإذا اجتمع مع عروض التجارة سبب آخر للزكاة كالسوائم أو الزروع تزكى زكاة عروض التجارة.\rسادساً: زكاة المبيع في مدة الخيار\rزكاة المبيع في مدة الخيار على مالكه.\rسابعاً: زكاة السَّلَم\rزكاة الثمن في السَّلَم على البائع (المسلم إليه) ويعتبر الحول من تاريخ قبضه الثمن، وأما المبيع (المسلم فيه) فزكاته قبل قبضه زكاة الديون، وبعد القبض يزكى زكاة عروض تجارة إذا كان للتجارة.\rثامناً: زكاة الاستصناع\rيجري في زكاة الاستصناع ما يجري في زكاة السلم.","part":10,"page":572},{"id":6803,"text":"..........................................الخَاتمِةُ..........................................\rعلى الرغم مما كتبت وحققت ودققت النظر، أقف مبهوراً مشدوهاً أمام عظمة الفقه الإسلامي وخصوبته وشموله، وعمق فكر رجاله وسعة أفقهم وإحاطتهم، وتتبعهم المسائل وحرصهم الشديد على استقصاء الفروع والجزئيات، ولكن على منهجهم السائد وهو أن الفقه فروعي لا يعتمد في التفريع على بيان نظرية معينة أولاً، ثم يبحث كل ما يتعلق بها.\rوأصرح بأني لم أُحص جميع ما أبانه فقهاء المذاهب من تفريعات وجزئيات، فلم يكن همي جمع الفروع الفقهية من فقه المذاهب، وإنما وضع التصور لبناء هيكل البحث وأصول الموضوع الفقهي بما يمهد لوضع نظرية عامة، بالإضافة لإيراد نظريات كثيرة في الكتاب.\rثم وجهت جهدي فيما عدا وضع الهيكل الأساسي لكل بحث، إلى التحقيق، والتنظيم، والموازنة، والتأصيل، أي تحقيق المذهب ومعرفة الرأي الراجح أو المعتمد فيه، وتنظيم البحث والعرض والبيان تنظيماً يلم بشتات كل موضوع ومعرفة جوانبه المتعددة، والموازنة بين الآراء المذهبية لمعرفة أوجه التقابل واللقاء بينها أو أوجه الافتراق والاختلاف فيها، إما مع الترجيح لرأي أو بدون ترجيح، إبقاء على الثروة الفقهية الموجودة، ليتسنى للناس جميعاً إمكان الاستفادة منها مع اختلاف الزمان والمكان.\rوأما التأصيل فهو رد كل حكم مذهبي إلى مراجعه المعتمدة بقدر المستطاع.\rوقد تأكد لدي من الحرص على بيان دليل كل مذهب أن الاختلافات الفقهية ضرورة، ويعذر فيها الفقهاء بسبب الخلاف في فهم النص، أو ثبوت الحديث النبوي، أو وصول الخبر إلى الفقيه من طريق موثوق مقبول، أو عدم وصوله، أو مراعاة المصالح والأعراف ونحوها من المسوغات والاعتبارات.\rأما عن الأسلوب: فقد حرصت على أن يكون مبسطاً سهلاً واضحاً، فلا أعدل عن عبارات الفقهاء لدقتها وإيجازها إن كانت واضحة لا غموض ولا إشكال فيها، وإن وجد شيء من التعقيد فيها، ذللت المراد بعبارة أخرى لا لبس فيها ولا صعوبة في فهمها.\rوقد حاولت إبراز وحدة الآراء بين المذاهب كلما أمكن عن طريق إيراد الشروط المتفق عليها، ثم التنبيه على ما اختص به مذهب ما بإضافة شرط، أو الانفراد بقيد، أو المخالفة في مفهوم شرط ما.\rويستطيع المسلم أن يطمئن إلى ما أوردته من آراء المذاهب، وأن يقلد ما شاء منها، بشرط ألا يؤدي فعله إلى التخلص من ربقة التكليف الشرعي، أو الوقوع في محظور أو معصية، أو التلاعب في التقليد، أو تتبع الرخص عبثاً لا لحاجة أو ضرورة أو عذر.","part":10,"page":573},{"id":6804,"text":"ولم أتدخل غالباً في الترجيح بين المذاهب ليتمكن القارئ من الأخذ بما يطمئن إلى صحته دون تعصب لمذهب معين، وقد أرجح أحياناً،ويمكن جعل رأي الجمهور هو الراجح غالباً، مالم تظهر مصلحة معاصرة تقتضي الأخذ بالرأي المقابل.\rولم أعتن أصلاً بالآراء الشاذة التي أهملها أئمة الاجتهاد الأعلام، وأحياها بعض الكاتبين الجدد، بزعم أنها فقه السنة النبوية، مما يوقع العوام في لبس، دون التفات إلى مستند الرأي الشائع الأرجح لدى الجماهير ونسخ مثل هذا الرأي الشاذ.\rولم أعتمد في نقل حكم مذهبي عن كتاب لمذهب آخر إلا ما ندر، حيث لم أعثر عليه بسهولة في كتاب المذهب المخصص له.\rوربما عثر امرؤ على ترجيح رأي مذهبي في حاشية من الحواشي أو كتاب غير ما اطلعت عليه، إذ قد لا يتيسر لي الاطلاع على كل حواشي الكتب، ولكني اعتمدت في الواقع على أكثر من مصدر من الأمهات المعتمدة ورجعت إليه.\rفإن وفيت بالغاية المنشودة للقارئ أو الباحث، فهو المراد، وإن قصرت أو لم أصب الحقيقة أو المطلب، فهو خطأ غير مقصود، يثاب القارئ عليه إن نبهني إلى موضع الخطأ، قال الإمام مالك رحمه الله تعالى: «كل إنسان يؤخذ من كلامه ويترك إلا صاحب هذه السارية صلّى الله عليه وسلم » . وقال العماد الأصفهاني الكاتب المشهور: «إني رأيت أنه لا يكتب إنسان كتاباً في يوم إلا قال في غده أو بعد غده: لو غير هذا لكان أحسن، ولو زيد كذا، لكان يستحسن، ولو قدم هذا لكان أفضل، ولو ترك هذا لكان أجمل، وهذا من أعظم العِبَر، وهو دليل على استيلاء النقص على جملة البشر» .\rهذا.. ويلاحظ أمران بعد صدور الكتاب وتوزيعه في العالم الإسلامي وترجمته للغات أخرى، وطبعه اثنتي عشر طبعة في تسع سنوات، لكونه الأكثر رواجاً في معارض الكتب الدولية وغيرها مثل قرينه ( التفسير المنير):","part":10,"page":574},{"id":6805,"text":"1 - ظن بعض الناس من خلال تقديمي الكلام عن المذهب الحنفي على غيره من المذاهب أني حنفي، ولكني شافعي، وإنما قدمت المذهب الحنفي، وبعده المالكي، ثم الشافعي، ثم الحنبلي، مراعاة لترتيب سبقها الزمني وتقدم أئمتها، ولأن مذهب الحنفية الذي جعلته قاعدة البحث هو أخصب المذاهب وأكثرها تفريعاً، وإن كان المذهب الشافعي أكثرها انتشاراً في العالم، كما يدل عليه واقع أندونيسيا وماليزيا وجنوب شرقي آسيا الذي يضم مئات الملايين، والأكراد، ومصر وبلاد الشام وعُمان وغيرها، مثل مقاطعة كيرالا - كاليكوت جنوب الهند.\r2 - إن الترجيح أو الاختيار بالمعنى الأدق الذي فعلته أحياناً لم يكن ناشئاً عن هوى أو تعصب لمذهب، ولا فوقية على المذاهب، وإنما بسبب ضعف دليل أو حديث الرأي الآخر الذي اعتمد عليه الفقيه، أو لكون الراجح في تقديري محققاً لمصلحة معاصرة، وهو لايخرج عن كونه رأياً لمذهب، فلا وجه بعدئذ للاستغراب أو النقد، أو مجافاة الحقيقية العلمية، علماً بأني أدرِّس الفقه في الجامعات مدة تزيد عن أكثر من خمسة وثلاثين عاماً.\rوعلى كلٍ فإني أعتز بهذا العمل الذي يسَّر الفقه للمتعلم والمتفقه والباحث، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.\r........................................................الدّكتور وهبة الزُّحيلي\r..............................................أستاذ ورئيس قسم الفقه الإسلاميّ وأصوله\r.....................................................بجامعة دمشق - كلّيّة الشَّريعة","part":10,"page":575},{"id":6806,"text":"......................................أَهَمُّ المَرَاجِع..........................................\rالفقه الحنفي :\rالخراج لأبي يوسف، المطبعة السلفية بمصر، (1352) هـ .\rالمبسوط للسرخسي، الطبعة الأولى، مطبعة السعادة.\rالأموال لأبي عبيد، طبع القاهرة، (1353) هـ .\rمختصر الطحاوي، مطبعة دار الكتاب العربي بمصر.\rتحفة الفقهاء للسمرقندي، دار الفكر بدمشق.\rالبدائع للكاساني، الطبعة الأولى.\rفتح القدير شرح الهداية لكمال الدين محمد بن عبد الواحد المعرف بابن الهمام، مطبعة مصطفى محمد بالقاهرة.\rتبيين الحقائق للزيلعي، المطبعة الأميرية.\rالفتاوى الهندية لجماعة من علماء الهند، المطبعة الأميرية.\rحاشية رد المحتار لابن عابدين على الدر المختار للحصفكي، مطبعة البابي الحلبي بمصر.\rاللباب شرح الكتاب للشيخ عبد الغني الميداني، والكتاب للقدوري، مطبعة صبيح بالقاهرة. مراقي الفلاح شرح نور الإيضاح للشيخ حسن بن عمار الشرنبلالي، المطبعة العلمية بمصر، (1315) هـ .\rدرر الحكام في شرح غرر الأحكام، لمنلا خسرو، المطبعة الشرفية، (1304)هـ.\rالأشباه والنظائر لابن نجيم المصري، دار الطباعة العامرة بمصر، (1290) هـ .\rالبحر الرائق لابن نجيم، مطبعة البابي الحلبي بمصر، (1334) هـ .\rحجة الله البالغة للدهلوي، الطبعة الأولى بمصر ، (1322) هـ.\rالفقه المالكي :\rالمدونة الكبرى للإمام مالك، رواية سحنون، مطبعة السعادة، (1323) هـ .\rالمنتقى شرح الموطأ للباجي الأندلسي، الطبعة الأولى.\rالمقدمات الممهدات لابن رشد القرطبي، مطبعة السعادة.\rبداية المجتهد لابن رشد الحفيد، مطبعة الاستقامة بمصر.\rالقوانين الفقهية لابن جُزَي، مطبعة النهضة بفاس.\rمواهب الجليل للحطاب، وبهامشه التاج والإكليل للمَّواق، الطبعة الأولى.\rالشرح الكبير للدردير بحاشية الدسوقي، مطبعة البابي الحلبي بمصر.\rالفروق للقرافي، مطبعة البابي الحلبي.\rالشرح الصغير للدردير بحاشية الصاوي، دار المعارف بمصر.\rفتح الجليل على مختصر العلامة خليل للخِرْشي، الطبعة الأولى، والثانية ببولاق، (1317) هـ. شرح منح الجليل على مختصر خليل للشيخ محمد عليش، المطبعة الكبرى، 1294 هـ .\rفتح العلي المالك في الفتوى على مذهب الإمام مالك للشيخ عليش، مطبعة التقدم بمصر.\rالفقه الشافعي :\rالأم للإمام الشافعي، المطبعة الأميرية بمصر.\rالمهذب لأبي إسحاق الشيرازي، مطبعة البابي الحلبي.\rالمجموع للإمام النووي وتكملته للعلامة علي بن عبد الكافي السبكي، والشيخ محمد نجيب المطيعي، مطبعة الإمام بمصر.\rمغني المحتاج شرح المنهاج للشربيني الخطيب، مطبعة البابي الحلبي بمصر.\rنهاية المحتاج للرملي، المطبعة البهية المصرية.","part":10,"page":576},{"id":6807,"text":"شرح الجلال المحلي للمنهاج، بحاشية القليوبي وعميرة،مطبعة صبيح بالقاهرة.\rحاشية البجيرمي على شرح الإقناع في حل ألفاظ أبي شجاع، للشربيني الخطيب مطبعة البابي الحلبي بمصر، (1370) هـ.\rتحفة الطلاب بحاشية الشرقاوي، مطبعة البابي الحلبي بمصر.\rحاشية البيجوري على شرح ابن قاسم الغزي على متن أبي شجاع، الطبعة الخامسة بالمطبعة الأميرية ببولاق مصر.\rالأشباه والنظائر للسيوطي، مطبعة مصطفى محمد. الأحكام السلطانية للماوردي، المطبعة المحمودية التجارية بمصر.\rالميزان الكبرى للشعراني، وبهامشه رحمة الأمة في اختلاف الأئمة لأبي عبد الله الدمشقي من علماء القرن الثامن، مطبعة البابي الحلبي.\rكفاية الأخيار لأبي بكر الحصني، طبع قطر، ط رابعة.\rالفقه الحنبلي :\rالمغني لابن قدامة الحنبلي، الطبعة الثالثة بدار المنارة بالقاهرة.\rكشاف القناع عن متن الإقناع للبُهوتي، مطبعة السنة المحمدية (في بحث الجهاد) ومطبعة الحكومة بمكة (في البحوث الأخرى).\rغاية المنتهى للشيخ مرعي بن يوسف، الطبعة الأولى بدمشق، وشرحه مطالب أولي النهى، طبع المكتب الإسلامي بدمشق.\rالأحكام السلطانية لأبي يعلى، مطبعة البابي الحلبي.\rالمحرر في الفقه على مذهب الإمام أحمد بن حنبل لأبي البركات، مطبعة السنة المحمدية.\rفتاوى ابن تيمية، مطبعة كردستان العلمية.\rالسياسة الشرعية لابن تيمية، الطبعة الثالثة.\rالطرق الحكمية في السياسة الشرعية لابن قيم الجوزية، مطبعة الآداب بمصر.\rأعلام الموقعين عن رب العالمين، طبع القاهرة، تحقيق محي الدين عبد الحميد.\rالقواعد لابن رجب الحنبلي، الطبعة الأولى. الإفصاح عن معاني الصحاح لابن هبيرة الحنبلي، المكتبة الحلبية.\rالفقه الظاهري :\rالمحلى لابن حزم، مطبعة الإمام بمصر.\rفقه الشيعة الإمامية :\rالكافي للكليني، طبع حجر.\rالمختصر النافع في فقه الإمامية، دار الكتاب العربي بمصر.\rالروضة البهية شرح اللمعة الدمشقية، دار الكتاب العربي بمصر.","part":10,"page":577},{"id":6808,"text":"مفتاح الكرامة للحسيني العاملي، مطبعة الشورى.\rفقه الشيعة الزيدية :\rمجموع الفقه للإمام زيد، طبع ميلانو.\rالبحر الزخار لابن المرتضى، الطبعة الأولى.\rالروض النضير شرح مجموع الفقه الكبير للحسين الصنعاني، الطبعة الأولى.\rفقه الإباضية :\rشرح النيل وشفاء العليل للشيخ محمد أطَّفَيِّش، المطبعة السلفية.\rالحديث الشريف :\rجامع الأصول لابن الأثير الجزري، مطبعة السنة المحمدية بمصر. المنتقى على الموطأ، مطبعة السعادة بمصر.\rتنوير الحوالك شرح موطأ مالك، مطبعة الحلبي بالقاهرة.\rنصب الراية في تخريج أحاديث الهداية للحافظ الزيلعي غير صاحب « تبيين الحقائق» ، الطبعة الأولى.\rالتلخيص الحبير لابن حجر، طبع مصر.\rمجمع الزوائد للهيثمي، مكتبة القدسي بمصر.\rالمقاصد الحسنة للسخاوي، مكتبة الخانجي بمصر.\rالجامع الصغير، والفتح الكبير للسيوطي. طبع البابي الحلبي بمصر.\rكشف الخفا ومزيل الالتباس للعجلوني، مكتبة القدسي.\rأسنى المطالب للحوت البيروتي.\rالمعجم المفهرس لألفاظ الحديث النبوي، للفيف من المستشرقين، مطبعة بريل في ليدن.\rسبل السلام للصنعاني، الطبعة الثانية.\rنيل الأوطار للشوكاني، المطبعة العثمانية المصرية.\rالإلمام في أحاديث الأحكام لابن دقيق العيد، دار الفكر بدمشق.","part":10,"page":578}],"titles":[{"id":1,"title":"- - - -الجزء الأول - - - -","lvl":1,"sub":0},{"id":1,"title":"مقدّمات","lvl":2,"sub":1},{"id":1,"title":"مقدمة الطبعة الجديدة","lvl":3,"sub":2},{"id":2,"title":"تميزت هذه الطبعة بما يلي","lvl":3,"sub":0},{"id":3,"title":"تقديم","lvl":3,"sub":0},{"id":6,"title":"منهج هذا الكتاب","lvl":3,"sub":0},{"id":12,"title":"الباعث المباشر على تأليف هذا الكتاب","lvl":3,"sub":0},{"id":13,"title":"لابد قبل البدء في بحث الأحكام الشرعية من بيان معلومات تتناول ما يأتي","lvl":3,"sub":0},{"id":14,"title":"المطلب الأول ـ معنى الفقه وخصائصه","lvl":3,"sub":0},{"id":16,"title":"يمتاز الفقه الإسلامي بعدة مزايا أو خصائص أهمها","lvl":4,"sub":0},{"id":26,"title":"المطلب الثاني ـ لمحة موجزة عن فقهاء المذاهب","lvl":3,"sub":0},{"id":26,"title":"الفقيه أو المفتي","lvl":4,"sub":1},{"id":26,"title":"المذهب","lvl":4,"sub":2},{"id":27,"title":"لمحة موجزة عن أئمة المذاهب الكبرى الثمانية المعروفة عند أهل السنة والشيعة","lvl":4,"sub":0},{"id":27,"title":"أبو حنيفة","lvl":5,"sub":1},{"id":29,"title":"مالك بن أنس","lvl":5,"sub":0},{"id":33,"title":"محمد بن إدريس الشافعي","lvl":5,"sub":0},{"id":36,"title":"أحمد بن حنبل الشيباني","lvl":5,"sub":0},{"id":38,"title":"أبو سليمان، داود بن علي الأصفهاني الظاهري","lvl":5,"sub":0},{"id":39,"title":"زيد بن علي زين العابدين بن الحسين","lvl":5,"sub":0},{"id":41,"title":"أبو عبد الله جعفر الصادق","lvl":5,"sub":0},{"id":43,"title":"أبو الشعثاء التابعي جابر بن زيد","lvl":5,"sub":0},{"id":45,"title":"المطلب الثالث ـ مراتب الفقهاء وكتب الفقه","lvl":3,"sub":0},{"id":45,"title":"الفقهاءعلى سبع مراتب","lvl":4,"sub":1},{"id":45,"title":"1 - المجتهد المستقل","lvl":5,"sub":2},{"id":45,"title":"2 - المجتهد المطلق غير المستقل","lvl":5,"sub":3},{"id":46,"title":"3 - المجتهد المقيد","lvl":5,"sub":0},{"id":46,"title":"مجتهد التخريج","lvl":5,"sub":1},{"id":46,"title":"4 - مجتهد الترجيح","lvl":5,"sub":2},{"id":46,"title":"5 - مجتهد الفتيا","lvl":5,"sub":3},{"id":46,"title":"6 - طبقة المقلدين","lvl":5,"sub":4},{"id":47,"title":"مراتب كتب الفقه الحنفي","lvl":4,"sub":0},{"id":47,"title":"1 - مسائل الأصول، وتسمى ظاهر الرواية","lvl":5,"sub":1},{"id":47,"title":"2 - مسائل النوادر","lvl":5,"sub":2},{"id":48,"title":"3 - الواقعات والفتاوى","lvl":5,"sub":0},{"id":48,"title":"المطلب الرابع ـ اصطلاحات الفقه والمؤلفين فيه","lvl":3,"sub":1},{"id":48,"title":"رسم المفتي","lvl":4,"sub":2},{"id":49,"title":"المصطلحات الفقهية العامة","lvl":4,"sub":0},{"id":54,"title":"مصطلحات المذهب الحنفي","lvl":4,"sub":0},{"id":57,"title":"مصطلحات المذهب المالكي","lvl":4,"sub":0},{"id":58,"title":"مصطلحات المذهب الشافعي","lvl":4,"sub":0},{"id":62,"title":"مصطلحات المذهب الحنبلي","lvl":4,"sub":0},{"id":64,"title":"المطلب الخامس ـ أسباب اختلاف الفقهاء","lvl":3,"sub":0},{"id":66,"title":"أولا ـ اختلاف معاني الألفاظ العربية","lvl":4,"sub":0},{"id":67,"title":"ثانيا - اختلاف الرواية","lvl":4,"sub":0},{"id":67,"title":"ثالثا ـ اختلاف المصادر","lvl":4,"sub":1},{"id":67,"title":"رابعا ـ اختلاف القواعد الأصولية أحيانا","lvl":4,"sub":2},{"id":67,"title":"خامسا ـ الاجتهاد بالقياس","lvl":4,"sub":3},{"id":68,"title":"سادسا ـ التعارض والترجيح بين الأدلة","lvl":4,"sub":0},{"id":69,"title":"المطلب السادس ـ الضوابط الشرعية للأخذ بأيسر المذاهب","lvl":3,"sub":0},{"id":69,"title":"تمهيد","lvl":4,"sub":1},{"id":70,"title":"خطة البحث","lvl":4,"sub":0},{"id":72,"title":"الفرع الأول ـ المذاهب أو الآراء التي يمكن الأخذ بها","lvl":4,"sub":0},{"id":74,"title":"الفرع الثاني ـ هل التزام مذهب معين أمر مطلوب أصوليا؟","lvl":4,"sub":0},{"id":76,"title":"الفرع الثالث ـ هل يجب سؤال الأفضل والأرجح في العلم، أو يصح سؤال من تيسر؟","lvl":4,"sub":0},{"id":78,"title":"الفرع الرابع ـ آراء الأصوليين في مسألة اختيار الأيسر (أو تتبع الرخص)، وفي التلفيق بين المذاهب","lvl":4,"sub":0},{"id":79,"title":"1 - قال الحنابلة ، والمالكية في الأصح عندهم ، والغزالي","lvl":5,"sub":0},{"id":80,"title":"2 - قال القرافي المالكي، وأكثر أصحاب الشافعي، والراجح عند الحنفية منهم ابن الهمام وصاحب مسلم الثبوت","lvl":5,"sub":0},{"id":83,"title":"3 - رأي الشاطبي","lvl":5,"sub":0},{"id":85,"title":"التلفيق","lvl":5,"sub":0},{"id":85,"title":"التلفيق","lvl":6,"sub":1},{"id":86,"title":"مجال التلفيق","lvl":6,"sub":0},{"id":86,"title":"جواز التلفيق","lvl":6,"sub":1},{"id":87,"title":"أقوال علماء المذاهب في إباحة التلفيق","lvl":6,"sub":0},{"id":87,"title":"1 - الحنفية","lvl":7,"sub":1},{"id":88,"title":"2 ـ المالكية","lvl":7,"sub":0},{"id":88,"title":"3 ـ الشافعية","lvl":7,"sub":1},{"id":88,"title":"4 ـ الحنابلة","lvl":7,"sub":2},{"id":89,"title":"التلفيق الممنوع","lvl":6,"sub":0},{"id":89,"title":"أولها ـ تتبع الرخص عمدا","lvl":7,"sub":2},{"id":89,"title":"الثاني ـ التلفيق الذي يستلزم نقض حكم الحاكم","lvl":7,"sub":3},{"id":89,"title":"الثالث ـ التلفيق الذي يستلزم الرجوع عما عمل به تقليدا أو عن أمر مجمع عليه لازم لأمر قلده","lvl":7,"sub":4},{"id":89,"title":"بطلان التلفيق بعد العمل","lvl":6,"sub":5},{"id":91,"title":"حكم التلفيق في التكاليف الشرعية","lvl":6,"sub":0},{"id":94,"title":"ضابط جواز التلفيق وعدم جوازه","lvl":6,"sub":0},{"id":94,"title":"اختيار الأيسر في التقنين","lvl":5,"sub":1},{"id":97,"title":"الفرع الخامس ـ أنواع الضوابط الشرعية للأخذ بأيسر المذاهب","lvl":4,"sub":0},{"id":97,"title":"الضابط الأول: أن يتقيد الأخذ بالأيسر في مسائل الفروع الشرعية الاجتهادية الظنية","lvl":5,"sub":1},{"id":99,"title":"الضابط الثاني ـ ألا يترتب على الأخذ بالأيسر معارضة مصادر الشريعة القطعية، أو أصولها ومبادئها العامة","lvl":5,"sub":0},{"id":102,"title":"الضابط الثالث ـ ألا يؤد ي الأخذ بالأيسر إلى التلفيق الممنوع","lvl":5,"sub":0},{"id":104,"title":"الضابط الرابع ـ أن تكون هناك ضرورة أو حاجة للأخذ بالأيسر","lvl":5,"sub":0},{"id":106,"title":"الضابط الخامس ـ أن يتقيد الأخذ بالأيسر بمبدأ الترجيح","lvl":5,"sub":0},{"id":109,"title":"يمكن اختصار هذه الضوابط في أمرين","lvl":5,"sub":0},{"id":109,"title":"شروط التقليد","lvl":5,"sub":1},{"id":111,"title":"المطلب السابع ـ المصيب في الاجتهاد","lvl":3,"sub":0},{"id":112,"title":"منشأ الخلاف","lvl":4,"sub":0},{"id":113,"title":"المطلب الثامن ـ طريقة الاجتهاد","lvl":3,"sub":0},{"id":114,"title":"المطلب التاسع ـ نقض الاجتهاد وتغييره وتغير الأحكام بتغير الأزمان","lvl":3,"sub":0},{"id":114,"title":"أولا ـ تغير الاجتهاد","lvl":4,"sub":1},{"id":115,"title":"ثانيا ـ نقض الاجتهاد","lvl":4,"sub":0},{"id":116,"title":"ثالثا ـ تغير الأحكام بتغير الأزمان","lvl":4,"sub":0},{"id":117,"title":"المطلب العاشر ـ خطة البحث","lvl":3,"sub":0},{"id":117,"title":"المطلب الحادي عشر ـ جدول المقاييس","lvl":3,"sub":2},{"id":117,"title":"1 - وحدات الأطوال","lvl":4,"sub":3},{"id":119,"title":"2 - وحدات المكاييل","lvl":4,"sub":0},{"id":120,"title":"3 ـ وحدات الأوزان والنقود","lvl":4,"sub":0},{"id":121,"title":"ملاحظة","lvl":4,"sub":0},{"id":122,"title":"المطلب الثاني عشر ـ النية والباعث في العبادات والعقود والفسوخ والتروك","lvl":3,"sub":0},{"id":125,"title":"هل العبرة في العقود والتصرفات للمقاصد والمعاني أو للألفاظ والمباني","lvl":4,"sub":0},{"id":126,"title":"أولا ـ حقيقة النية أو تعريفها","lvl":4,"sub":0},{"id":128,"title":"ثانيا ـ حكم النية وأدلة إيجابها، والقواعد الشرعية المتعلقة بها","lvl":4,"sub":0},{"id":132,"title":"القواعد الشرعية الكلية المتعلقة بالنية","lvl":5,"sub":0},{"id":133,"title":"القاعدة الأولى ـ ( لا ثواب إلا بالنية )","lvl":6,"sub":0},{"id":134,"title":"القاعدة الثانية ـ ( الأمور بمقاصدها )","lvl":6,"sub":0},{"id":135,"title":"القاعدة الثالثة ـ (العبرة في العقود للمقاصد والمعاني، لا للألفاظ والمباني)","lvl":6,"sub":0},{"id":137,"title":"ثالثا ـ محل النية","lvl":4,"sub":0},{"id":138,"title":"الحاصل أن في الكلام عن محل النية أصلين","lvl":5,"sub":0},{"id":141,"title":"رابعا ـ زمن النية أو وقتها","lvl":4,"sub":0},{"id":144,"title":"ما يستثنى من وجوب توقيت النية أول العبادة","lvl":5,"sub":0},{"id":145,"title":"عدم اشتراط النية في البقاء","lvl":5,"sub":0},{"id":146,"title":"خامسا ـ كيفية النية","lvl":4,"sub":0},{"id":155,"title":"سادسا ـ الشك في النية، وتغييرها، والجمع بين عبادتين بنية واحدة","lvl":4,"sub":0},{"id":159,"title":"سابعا ـ المقصود بالنية ومقوماتها","lvl":4,"sub":0},{"id":163,"title":"ثامنا ـ شروط النية","lvl":4,"sub":0},{"id":173,"title":"تاسعا ـ النية في العبادات: هل هي شرط أو ركن؟","lvl":4,"sub":0},{"id":188,"title":"عاشرا ـ النية في العقود أو المعاملات","lvl":4,"sub":0},{"id":193,"title":"الحادي عشر ـ النية في الفسوخ","lvl":4,"sub":0},{"id":194,"title":"الثاني عشر ـ النية في التروك","lvl":4,"sub":0},{"id":195,"title":"الثالث عشر ـ النية في المباحات والعادات","lvl":4,"sub":0},{"id":195,"title":"الرابع عشر ـ النية في أمور أخرى","lvl":4,"sub":1},{"id":197,"title":"خاتمة المطاف","lvl":4,"sub":0},{"id":199,"title":"&*&القسْمُ الأَوّل: العِبَادَاتُ&*&","lvl":2,"sub":0},{"id":199,"title":"تمهيد","lvl":2,"sub":1},{"id":200,"title":"خطة بحث العبادات","lvl":2,"sub":0},{"id":201,"title":"((الباب الأول: الطهارات))","lvl":2,"sub":1},{"id":201,"title":"الفصل الأول: الطهارة","lvl":3,"sub":2},{"id":202,"title":"المبحث الأول ـ معنى الطهارة وأهميتها","lvl":4,"sub":0},{"id":202,"title":"الطهارة","lvl":5,"sub":1},{"id":202,"title":"نوعاها","lvl":5,"sub":2},{"id":203,"title":"أهميتها","lvl":5,"sub":0},{"id":204,"title":"المبحث الثاني ـ شروط وجوب الطهارة","lvl":4,"sub":0},{"id":204,"title":"الأول ـ الإسلام، وقيل: بلوغ الدعوة","lvl":5,"sub":1},{"id":205,"title":"الثاني ـ العقل","lvl":5,"sub":0},{"id":205,"title":"الثالث ـ البلوغ","lvl":5,"sub":1},{"id":205,"title":"الرابع ـ ارتفاع دم الحيض والنفاس أي انقطاع الدم","lvl":5,"sub":2},{"id":205,"title":"الخامس ـ دخول الوقت","lvl":5,"sub":3},{"id":205,"title":"السادس ـ عدم النوم","lvl":5,"sub":4},{"id":205,"title":"السابع ـ عدم النسيان","lvl":5,"sub":5},{"id":205,"title":"الثامن ـ عدم الإكراه","lvl":5,"sub":6},{"id":205,"title":"التاسع ـ وجود الماء أو (التراب الطاهر)","lvl":5,"sub":7},{"id":205,"title":"العاشر ـ القدرة على الفعل بقدر الإمكان","lvl":5,"sub":8},{"id":205,"title":"المبحث الثالث ـ أنواع المطهرات","lvl":4,"sub":9},{"id":206,"title":"الحنفية","lvl":5,"sub":0},{"id":220,"title":"المالكية","lvl":5,"sub":0},{"id":222,"title":"الشافعية","lvl":5,"sub":0},{"id":224,"title":"الحنابلة","lvl":5,"sub":0},{"id":227,"title":"المبحث الرابع ـ أنواع المياه","lvl":4,"sub":0},{"id":227,"title":"النوع الأول ـ الماء الطهور أو المطلق","lvl":5,"sub":1},{"id":227,"title":"أ ـ التغير غير المؤثر في الطهورية","lvl":6,"sub":2},{"id":231,"title":"ب ـ الماء الطهور المكروه الاستعمال تنزيها عند الحنفية","lvl":6,"sub":0},{"id":232,"title":"النوع الثاني ـ الماء الطاهر غير الطهور","lvl":5,"sub":0},{"id":232,"title":"أحدها ـ الماء الذي خالطه طاهر غير أحد أوصافه الثلاثة وسلب طهوريته","lvl":6,"sub":1},{"id":235,"title":"ثانيها ـ الماء المستعمل القليل","lvl":6,"sub":0},{"id":239,"title":"ثالثها ـ ماء النبات من زهر أو ثمر، كماء الورد، أو الزهر، وماء البطيخ ونحوه من الفاكهة","lvl":6,"sub":0},{"id":240,"title":"النوع الثالث ـ الماء النجس","lvl":5,"sub":0},{"id":240,"title":"قلة الماء وكثرته","lvl":5,"sub":1},{"id":243,"title":"المبحث الخامس ـ حكم الأسآر والآبار","lvl":4,"sub":0},{"id":243,"title":"المطلب الأول ـ حكم الأسآر","lvl":5,"sub":1},{"id":243,"title":"الحنفية","lvl":6,"sub":2},{"id":245,"title":"المالكية","lvl":6,"sub":0},{"id":246,"title":"الشافعية والحنابلة","lvl":6,"sub":0},{"id":248,"title":"المطلب الثاني ـ حكم الآبار","lvl":5,"sub":0},{"id":248,"title":"أولا ـ حالة بقاء الواقع في البئر حيا","lvl":6,"sub":1},{"id":249,"title":"ثانيا ـ حالة موت الإنسان أو الحيوان في البئر","lvl":6,"sub":0},{"id":250,"title":"ثالثا ـ حالة وقوع النجاسة في الماء","lvl":6,"sub":0},{"id":251,"title":"مقدار الماء الواجب نزحه","lvl":6,"sub":0},{"id":252,"title":"حجم الدلو","lvl":5,"sub":0},{"id":252,"title":"المبحث السادس ـ أنواع الأعيان الطاهرة","lvl":4,"sub":1},{"id":253,"title":"الحنفية","lvl":5,"sub":0},{"id":255,"title":"المالكية","lvl":5,"sub":0},{"id":257,"title":"الشافعية","lvl":5,"sub":0},{"id":258,"title":"الحنابلة","lvl":5,"sub":0},{"id":260,"title":"الفصل الثاني: النجاسة","lvl":3,"sub":0},{"id":260,"title":"المبحث الأول ـ أنواع النجاسة إجمالا وحكم إزالتها","lvl":4,"sub":1},{"id":260,"title":"المطلب الأول ـ النجاسات المتفق عليها والمختلف فيها","lvl":5,"sub":2},{"id":260,"title":"أولا ـ النجاسات المتفق عليها في المذاهب","lvl":6,"sub":3},{"id":260,"title":"1 - لحم الخنزير","lvl":7,"sub":4},{"id":261,"title":"2 - الدم","lvl":7,"sub":0},{"id":261,"title":"3 - بول الآدمي وقيئه","lvl":7,"sub":1},{"id":261,"title":"4 - الخمر","lvl":7,"sub":2},{"id":262,"title":"5 - القيح","lvl":7,"sub":0},{"id":262,"title":"6 المذي والودي","lvl":7,"sub":1},{"id":262,"title":"7 - لحم ميتة الحيوان غير المائي الذي له دم سائل","lvl":7,"sub":2},{"id":262,"title":"8 - لحوم الحيوان غير المأكول، وألبانه","lvl":7,"sub":3},{"id":263,"title":"9 - الجزء المنفصل أو المقطوع من الحي في حال حياته كاليد والألية،إلا الشعر وما في معناه","lvl":7,"sub":0},{"id":263,"title":"ثانيا ـ النجاسات المختلف فيها","lvl":6,"sub":1},{"id":263,"title":"1 - الكلب","lvl":7,"sub":2},{"id":264,"title":"2 - ميتة الحيوان المائي، والحيوان الذي لا دم له سائل","lvl":7,"sub":0},{"id":266,"title":"3 -أجزاءالميتة الصلبة التي لادم فيها","lvl":7,"sub":0},{"id":266,"title":"4 - جلد الميتة","lvl":7,"sub":1},{"id":269,"title":"5 - بول الصبي الرضيع الذي لم يطعم غير اللبن","lvl":7,"sub":0},{"id":269,"title":"6 - بول الحيوان المأكول اللحم وفضلاته ورجيعه","lvl":7,"sub":1},{"id":273,"title":"7 - المني","lvl":7,"sub":0},{"id":274,"title":"8 - ماء القروح","lvl":7,"sub":0},{"id":276,"title":"9 - الآدمي الميت، وما يسيل من فم النائم","lvl":7,"sub":0},{"id":277,"title":"المطلب الثاني ـ أنواع النجاسة الحقيقية","lvl":5,"sub":0},{"id":277,"title":"للنجاسة الحقيقية تقسيمات عند الحنفية","lvl":6,"sub":1},{"id":277,"title":"التقسيم الأول ـ تقسيم النجاسة إلى مغلظة ومخففة","lvl":7,"sub":2},{"id":277,"title":"التقسيم الثاني ـ تقسيم النجاسة إلى جامدة ومائعة","lvl":7,"sub":3},{"id":277,"title":"التقسيم الثالث ـ تقسيم النجاسة إلى مرئية وغير مرئية","lvl":7,"sub":4},{"id":278,"title":"النجاسات عند غير الحنفية","lvl":6,"sub":0},{"id":279,"title":"المبحث الثاني ـ المقدار المعفو عنه من النجاسة","lvl":4,"sub":0},{"id":279,"title":"1 - مذهب الحنفية","lvl":5,"sub":1},{"id":280,"title":"2 - مذهب المالكية","lvl":5,"sub":0},{"id":282,"title":"3 - مذهب الشافعية","lvl":5,"sub":0},{"id":284,"title":"4 - مذهب الحنابلة","lvl":5,"sub":0},{"id":286,"title":"المبحث الثالث ـ كيفية تطهير النجاسة الحقيقية بالماء","lvl":4,"sub":0},{"id":287,"title":"1 - العدد","lvl":5,"sub":0},{"id":291,"title":"2 - العصر فيما يمكن عصره ويتشرب كثيرا من النجاسة","lvl":5,"sub":0},{"id":292,"title":"3 - الصب أو إيراد الماء على النجاسة (الغسل في الأواني)","lvl":5,"sub":0},{"id":293,"title":"تطهير الأرض النجسة بالمكاثرة","lvl":5,"sub":0},{"id":293,"title":"تطهير الماء النجس بالمكاثرة","lvl":5,"sub":1},{"id":294,"title":"التطهير بالماء الجاري","lvl":5,"sub":0},{"id":296,"title":"المبحث الرابع ـ حكم الغسالة","lvl":4,"sub":0},{"id":296,"title":"الحنفية","lvl":5,"sub":1},{"id":297,"title":"المالكية","lvl":5,"sub":0},{"id":298,"title":"الشافعية","lvl":5,"sub":0},{"id":298,"title":"الحنابلة","lvl":5,"sub":1},{"id":299,"title":"الفصل الثالث: الاستنجاء","lvl":3,"sub":0},{"id":299,"title":"أولا ـ معنى الاستنجاء والفرق بينه وبين غيره من الاستبراء والاستجمار ونحوهما","lvl":4,"sub":1},{"id":299,"title":"الاستنجاء","lvl":5,"sub":2},{"id":299,"title":"الاستجمار","lvl":5,"sub":3},{"id":299,"title":"الاستبراء","lvl":5,"sub":4},{"id":299,"title":"الاستنزاه","lvl":5,"sub":5},{"id":299,"title":"الاستنقاء","lvl":5,"sub":6},{"id":299,"title":"ثانيا ـ حكم الاستنجاء والاستجمار والاستبراء","lvl":4,"sub":7},{"id":299,"title":"حكم الاستنجاء","lvl":5,"sub":8},{"id":300,"title":"الاستبراء","lvl":5,"sub":0},{"id":301,"title":"ثالثا ـ وسائل الاستنجاء وصفاته أو كيفيته","lvl":4,"sub":0},{"id":302,"title":"شرط الاستنجاء بالحجر أو الورق ونحوه","lvl":5,"sub":0},{"id":304,"title":"هل يشترط عدد ثلاثة أحجار في الاستنجاء","lvl":5,"sub":0},{"id":304,"title":"عدد الغسلات حالة الاستنجاء بالماء","lvl":5,"sub":1},{"id":305,"title":"صفة الاستنجاء","lvl":5,"sub":0},{"id":305,"title":"كيفية الاستجمار","lvl":5,"sub":1},{"id":305,"title":"رابعا ـ مندوبات الاستنجاء","lvl":4,"sub":2},{"id":309,"title":"خامسا ـ آداب قضاء الحاجة","lvl":4,"sub":0},{"id":313,"title":"الفصل الرابع: الوضوء وما يتبعه","lvl":3,"sub":0},{"id":313,"title":"المبحث الأول ـ الوضوء","lvl":4,"sub":1},{"id":313,"title":"المطلب الأول ـ تعريف الوضوء، وحكمه (أنواعه أو أوصافه)","lvl":5,"sub":2},{"id":313,"title":"انقسام الوضوء عند الحنفية إلى خمسة أنواع","lvl":6,"sub":3},{"id":317,"title":"انقسام الوضوء عند المالكية إلى خمسة أنواع","lvl":6,"sub":0},{"id":318,"title":"المطلب الثاني ـ فرائض الوضوء","lvl":5,"sub":0},{"id":318,"title":"الفرائض نوعان: متفق عليها، ومختلف فيها","lvl":6,"sub":1},{"id":319,"title":"النوع الأول ـ فرائض الوضوء المتفق عليها","lvl":7,"sub":0},{"id":319,"title":"أولا ـ غسل الوجه","lvl":8,"sub":1},{"id":322,"title":"ثانيا ـ غسل اليدين إلى المرفقين مرة واحدة","lvl":8,"sub":0},{"id":324,"title":"ثالثا ـ مسح الرأس","lvl":8,"sub":0},{"id":327,"title":"رابعا ـ غسل الرجلين إلى الكعبين","lvl":8,"sub":0},{"id":330,"title":"النوع الثاني ـ فرائض الوضوء المختلف فيها","lvl":7,"sub":0},{"id":330,"title":"أولا ـ النية","lvl":8,"sub":1},{"id":332,"title":"ما يتعلق بالنية","lvl":9,"sub":0},{"id":335,"title":"ثانيا ـ الترتيب","lvl":8,"sub":0},{"id":337,"title":"ثالثا ـ الموالاة أو الولاء","lvl":8,"sub":0},{"id":338,"title":"رابعا ـ الدلك الخفيف باليد","lvl":8,"sub":0},{"id":340,"title":"حكم ناسي أحد الفروض","lvl":6,"sub":0},{"id":340,"title":"المطلب الثالث ـ شروط الوضوء","lvl":5,"sub":1},{"id":340,"title":"أولا ـ شروط الوجوب","lvl":6,"sub":2},{"id":341,"title":"ثانيا ـ شروط الصحة","lvl":6,"sub":0},{"id":343,"title":"المطلب الرابع ـ سنن الوضوء","lvl":5,"sub":0},{"id":343,"title":"1 - النية سنة عند الحنفية","lvl":6,"sub":1},{"id":343,"title":"2 - غسل اليدين إلى الرسغين ثلاثا قبل إدخالهما الإناء","lvl":6,"sub":2},{"id":344,"title":"3 - التسمية في بدء الوضوء","lvl":6,"sub":0},{"id":345,"title":"4 - المضمضة والاستنشاق","lvl":6,"sub":0},{"id":346,"title":"صفة وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم في المضمضة والاستنشاق","lvl":7,"sub":0},{"id":348,"title":"5 - السواك سنة باتفاق الفقهاء ما عدا المالكية","lvl":6,"sub":0},{"id":348,"title":"6 - تخليل اللحية الكثة والأصابع","lvl":6,"sub":1},{"id":349,"title":"7 - تثليث الغسل","lvl":6,"sub":0},{"id":350,"title":"8 - استيعاب كل الرأس بالمسح","lvl":6,"sub":0},{"id":351,"title":"9 - مسح الأذنين ظاهرا وباطنا بماء جديد","lvl":6,"sub":0},{"id":352,"title":"10 - البداءة بالميامن في غسل اليدين والرجلين","lvl":6,"sub":0},{"id":353,"title":"11- الترتيب والموالاة والدلك عند من لا يرى فرضيتها","lvl":6,"sub":0},{"id":353,"title":"المطلب الخامس ـ آداب الوضوء أو فضائله","lvl":5,"sub":1},{"id":358,"title":"صفة وضوء النبي صلى الله عليه وسلم","lvl":6,"sub":0},{"id":359,"title":"خلاصة المذاهب في سنن الوضوء وآدابه","lvl":6,"sub":0},{"id":359,"title":"1 - مذهب الحنفية","lvl":7,"sub":1},{"id":360,"title":"2 - مذهب المالكية","lvl":7,"sub":0},{"id":361,"title":"3 - مذهب الشافعية","lvl":7,"sub":0},{"id":362,"title":"4 - مذهب الحنابلة","lvl":7,"sub":0},{"id":363,"title":"المطلب السادس ـ مكروهات الوضوء","lvl":5,"sub":0},{"id":363,"title":"1 - الإسراف في صب الماء","lvl":6,"sub":1},{"id":364,"title":"2 - لطم الوجه أو غيره بالماء","lvl":6,"sub":0},{"id":364,"title":"3 - التكلم بكلام الناس","lvl":6,"sub":1},{"id":364,"title":"4 - الاستعانة بالغير بلا عذر","lvl":6,"sub":2},{"id":364,"title":"5 - التوضؤ في موضع نجس","lvl":6,"sub":3},{"id":364,"title":"6 - مسح الرقبة بالماء","lvl":6,"sub":4},{"id":364,"title":"7 - مبالغة الصائم في المضمضة والاستنشاق","lvl":6,"sub":5},{"id":365,"title":"8 - ترك سنة من سنن الوضوء","lvl":6,"sub":0},{"id":365,"title":"9 - الوضوء بفضل طهور المرأة إذا استقلت به","lvl":6,"sub":1},{"id":366,"title":"10 - الماء الساخن والماء المشمس","lvl":6,"sub":0},{"id":366,"title":"المطلب السابع ـ نواقض الوضوء","lvl":5,"sub":1},{"id":367,"title":"1 - كل خارج من أحد السبيلين","lvl":6,"sub":0},{"id":370,"title":"2 - الولادة من غير رؤية دم","lvl":6,"sub":0},{"id":370,"title":"3 - الخارج من غير السبيلين كالدم والقيح والصديد","lvl":6,"sub":1},{"id":371,"title":"4 - القيء","lvl":6,"sub":0},{"id":373,"title":"5 - غيبة العقل أو زواله","lvl":6,"sub":0},{"id":373,"title":"اختلف الفقهاء على آراء في كون النوم ناقضا للوضوء","lvl":7,"sub":1},{"id":376,"title":"6 - لمس المرأة","lvl":6,"sub":0},{"id":379,"title":"7 - مس الفرج ـ القبل أو الدبر","lvl":6,"sub":0},{"id":381,"title":"8 - القهقهة في الصلاة","lvl":6,"sub":0},{"id":382,"title":"9 - أكل لحم الإبل","lvl":6,"sub":0},{"id":383,"title":"10 - غسل الميت","lvl":6,"sub":0},{"id":384,"title":"11 - الشك في الوضوء","lvl":6,"sub":0},{"id":384,"title":"12 - ما يوجب الغسل","lvl":6,"sub":1},{"id":384,"title":"تعليق على النواقض","lvl":6,"sub":2},{"id":385,"title":"خلاصة نواقض الوضوء في المذاهب","lvl":6,"sub":0},{"id":385,"title":"1 - مذهب الحنفية","lvl":7,"sub":1},{"id":385,"title":"2 - مذهب المالكية","lvl":7,"sub":2},{"id":386,"title":"3 - مذهب الشافعية","lvl":7,"sub":0},{"id":387,"title":"4 - مذهب الحنابلة","lvl":7,"sub":0},{"id":389,"title":"المطلب الثامن ـ وضوء المعذور","lvl":5,"sub":0},{"id":389,"title":"1 - مذهب الحنفية","lvl":6,"sub":1},{"id":391,"title":"2 - مذهب المالكية","lvl":6,"sub":0},{"id":392,"title":"3 - مذهب الحنابلة","lvl":6,"sub":0},{"id":393,"title":"4 - مذهب الشافعية","lvl":6,"sub":0},{"id":394,"title":"المطلب التاسع ـ ما يحرم بالحدث الأصغر أو ما يمنع منه غير المتوضئ","lvl":5,"sub":0},{"id":394,"title":"1 - الصلاة ونحوها","lvl":6,"sub":1},{"id":395,"title":"2 - الطواف بالبيت الحرام فرضا أو نفلا","lvl":6,"sub":0},{"id":395,"title":"3 - مس المصحف كله أو بعضه ولو آية","lvl":6,"sub":1},{"id":400,"title":"المبحث الثاني ـ السواك","lvl":4,"sub":0},{"id":400,"title":"أولا ـ تعريف السواك","lvl":5,"sub":1},{"id":400,"title":"ثانيا ـ حكمه","lvl":5,"sub":2},{"id":402,"title":"ثالثا ـ كيفيته وأداته","lvl":5,"sub":0},{"id":404,"title":"رابعا ـ فوائد السواك","lvl":5,"sub":0},{"id":404,"title":"ما يلحق بالسواك من سنن العادات الحسنة (سنن الفطرة)","lvl":5,"sub":1},{"id":405,"title":"سنن الفطرة الخمس","lvl":5,"sub":0},{"id":407,"title":"خصال الفطرة العشر","lvl":5,"sub":0},{"id":407,"title":"آراء الفقهاء في خصال الفطرة","lvl":5,"sub":1},{"id":407,"title":"1 - الطيب والظفر والكحل","lvl":6,"sub":2},{"id":408,"title":"2 - الانتعال وإطالة الثياب","lvl":6,"sub":0},{"id":409,"title":"3 - الختان","lvl":6,"sub":0},{"id":409,"title":"4 - الشعر","lvl":6,"sub":1},{"id":411,"title":"5 - التزين","lvl":6,"sub":0},{"id":414,"title":"6 - تغطية الإناء","lvl":6,"sub":0},{"id":414,"title":"7 - النوم","lvl":6,"sub":1},{"id":416,"title":"المبحث الثالث ـ المسح على الخفين","lvl":4,"sub":0},{"id":416,"title":"أولا ـ معنى المسح على الخفين ومشروعيته","lvl":5,"sub":1},{"id":417,"title":"أنكر الشيعة الإمامية والزيدية والإباضية والخوارج مشروعية المسح على الخفين","lvl":6,"sub":0},{"id":420,"title":"ثانيا ـ كيفية المسح على الخفين ومحله","lvl":5,"sub":0},{"id":420,"title":"كيفيته","lvl":6,"sub":1},{"id":421,"title":"سنة المسح","lvl":6,"sub":0},{"id":422,"title":"ثالثا ـ شروط المسح على الخفين","lvl":5,"sub":0},{"id":422,"title":"الشروط المتفق عليها","lvl":6,"sub":1},{"id":425,"title":"الشروط المختلف فيها بين الفقهاء","lvl":6,"sub":0},{"id":429,"title":"خلاصة الشروط في المذاهب","lvl":6,"sub":0},{"id":429,"title":"1 - الحنفية","lvl":7,"sub":1},{"id":429,"title":"2 - المالكية","lvl":7,"sub":2},{"id":430,"title":"3 - الشافعية","lvl":7,"sub":0},{"id":430,"title":"4 - الحنابلة","lvl":7,"sub":1},{"id":431,"title":"رابعا ـ مدة المسح على الخفين","lvl":5,"sub":0},{"id":434,"title":"خامسا ـ مبطلات (أو نواقض) المسح على الخفين","lvl":5,"sub":0},{"id":437,"title":"سادسا ـ المسح على العمامة","lvl":5,"sub":0},{"id":437,"title":"يصح المسح على العمامة بشروط","lvl":6,"sub":1},{"id":438,"title":"سابعا - المسح على الجوارب","lvl":5,"sub":0},{"id":441,"title":"ثامنا ـ المسح على الجبائر","lvl":5,"sub":0},{"id":441,"title":"معنى الجبيرة","lvl":6,"sub":1},{"id":441,"title":"مشروعية المسح على الجبيرة","lvl":6,"sub":2},{"id":442,"title":"حكمه ـ هل المسح على الجبيرة واجب أو سنة؟","lvl":6,"sub":0},{"id":443,"title":"شرائط المسح على الجبيرة","lvl":6,"sub":0},{"id":445,"title":"القدر المطلوب مسحه على الجبيرة","lvl":6,"sub":0},{"id":447,"title":"هل يجمع بين المسح على الجبيرة والتيمم؟","lvl":6,"sub":0},{"id":448,"title":"هل تجب إعادة الصلاة بعد البرء؟","lvl":6,"sub":0},{"id":449,"title":"نواقض المسح على الجبيرة","lvl":6,"sub":0},{"id":451,"title":"أهم الفروق بين المسح على الخفين والمسح على الجبيرة","lvl":5,"sub":0},{"id":453,"title":"الفصل الخامس: الغسل","lvl":3,"sub":0},{"id":453,"title":"المطلب الأول ـ خصائص الغسل","lvl":4,"sub":1},{"id":453,"title":"الأصل في مشروعيته","lvl":5,"sub":2},{"id":453,"title":"القصد منه","lvl":5,"sub":3},{"id":453,"title":"ركنه","lvl":5,"sub":4},{"id":453,"title":"سببه","lvl":5,"sub":5},{"id":453,"title":"حكمه","lvl":5,"sub":6},{"id":453,"title":"المطلب الثاني ـ موجبات الغسل","lvl":4,"sub":7},{"id":453,"title":"1 - خروج المني","lvl":5,"sub":8},{"id":456,"title":"2 - التقاء الختانين","lvl":5,"sub":0},{"id":458,"title":"3 ، 4 - الحيض والنفاس","lvl":5,"sub":0},{"id":459,"title":"5 - موت المسلم غير الشهيد","lvl":5,"sub":0},{"id":460,"title":"6 - إسلام الكافر، ولو مرتدا أو مميزا","lvl":5,"sub":0},{"id":460,"title":"خلاصة ما يوجب الغسل وما لا يوجبه","lvl":5,"sub":1},{"id":461,"title":"المطلب الثالث ـ فرائض الغسل","lvl":4,"sub":0},{"id":461,"title":"صفة غسل النبي صلى الله عليه وسلم","lvl":5,"sub":1},{"id":462,"title":"أوجب العلماء في الغسل ما يأتي","lvl":5,"sub":0},{"id":462,"title":"1 - تعميم الجسد شعره وبشره بالماء الطهور","lvl":5,"sub":1},{"id":465,"title":"2 - المضمضة والاستنشاق","lvl":5,"sub":0},{"id":465,"title":"3 - النية عند غسل أول جزء من البدن","lvl":5,"sub":1},{"id":466,"title":"4 - الدلك والموالاة والترتيب","lvl":5,"sub":0},{"id":466,"title":"خلاصة فرائض الغسل في المذاهب","lvl":5,"sub":1},{"id":466,"title":"1 - مذهب الحنفية","lvl":6,"sub":2},{"id":466,"title":"2 - مذهب المالكية","lvl":6,"sub":3},{"id":466,"title":"3 - مذهب الشافعية","lvl":6,"sub":4},{"id":467,"title":"4 - مذهب الحنابلة","lvl":6,"sub":0},{"id":467,"title":"المطلب الرابع ـ سنن الغسل","lvl":4,"sub":1},{"id":470,"title":"مقدار ماء الغسل والوضوء","lvl":5,"sub":0},{"id":471,"title":"آداب الغسل","lvl":5,"sub":0},{"id":472,"title":"المطلب الخامس ـ مكروهات الغسل","lvl":4,"sub":0},{"id":474,"title":"المطلب السادس : ما يحرم على الجنب ونحوه","lvl":4,"sub":0},{"id":474,"title":"1 - الصلاة ومثلها سجود التلاوة","lvl":5,"sub":1},{"id":474,"title":"2 - الطواف حول الكعبة","lvl":5,"sub":2},{"id":474,"title":"3 - مس القرآن","lvl":5,"sub":3},{"id":475,"title":"هذه الأمور الثلاثة تحرم على المحدث حدثا أكبر أو أصغر، ويزاد عليها للجنب","lvl":5,"sub":0},{"id":475,"title":"4 - تلاوة القرآن للمسلم بلسانه","lvl":5,"sub":1},{"id":476,"title":"5 - الاعتكاف في المسجد إجماعا، ودخول المسجد مطلقا","lvl":5,"sub":0},{"id":477,"title":"المطلب السابع ـ الأغسال المسنونة","lvl":4,"sub":0},{"id":478,"title":"1 - الغسل لصلاة الجمعة","lvl":5,"sub":0},{"id":479,"title":"2 - الغسل لصلاة العيدين","lvl":5,"sub":0},{"id":479,"title":"3 - للإحرام بالحج أو بالعمرة، ولوقوف عرفة بعد الزوال ولدخول مكة ومبيت مزدلفة وطواف زيارة وطواف وداع","lvl":5,"sub":1},{"id":480,"title":"4 - لصلاة الكسوف (للشمس) والخسوف (للقمر) والاستسقاء","lvl":5,"sub":0},{"id":480,"title":"5 - لغسل الميت، المسلم أو الكافر","lvl":5,"sub":1},{"id":480,"title":"6 - للمستحاضة","lvl":5,"sub":2},{"id":481,"title":"7 - للإفاقة من جنون أو إغماء أو سكر","lvl":5,"sub":0},{"id":481,"title":"8 - عند حجامة، وفي ليلة براءة، وليلة قدر إذا رآها","lvl":5,"sub":1},{"id":481,"title":"ملحقان بالغسل","lvl":4,"sub":2},{"id":481,"title":"الملحق الأول ـ في أحكام المساجد","lvl":5,"sub":3},{"id":491,"title":"الملحق الثاني ــ أحكام الحمامات العامة","lvl":5,"sub":0},{"id":494,"title":"آداب الحمام","lvl":6,"sub":0},{"id":494,"title":"الفصل السادس: التيمم","lvl":3,"sub":1},{"id":494,"title":"المطلب الأول ــ تعريف التيمم ومشروعيته وصفته","lvl":4,"sub":2},{"id":495,"title":"مشروعيته","lvl":5,"sub":0},{"id":496,"title":"صفته أو الطهارة التي هو بدل عنها","lvl":5,"sub":0},{"id":497,"title":"الطاعات التي يتيمم لها","lvl":5,"sub":0},{"id":497,"title":"مايتيمم له من الأحداث","lvl":5,"sub":1},{"id":498,"title":"نوع البدل","lvl":5,"sub":0},{"id":499,"title":"آراء المذاهب فيما يترتب على الاختلاف في نوع بدلية التيمم","lvl":5,"sub":0},{"id":499,"title":"1 - وقت التيمم","lvl":5,"sub":1},{"id":500,"title":"هل يؤخر التيمم لآخر الوقت؟","lvl":6,"sub":0},{"id":501,"title":"2 - مايفعل بالتيمم الواحد","lvl":5,"sub":0},{"id":502,"title":"3 - هل التيمم للنفل يجيز صلاة الفرض؟","lvl":5,"sub":0},{"id":504,"title":"المطلب الثاني ـ أسباب التيمم","lvl":4,"sub":0},{"id":504,"title":"1 - فقد الماء الكافي للوضوء أو الغسل","lvl":5,"sub":1},{"id":505,"title":"الشراء","lvl":6,"sub":0},{"id":505,"title":"الهبة","lvl":6,"sub":1},{"id":505,"title":"نسيان الماء","lvl":6,"sub":2},{"id":505,"title":"2 - فقد القدرة على استعمال الماء","lvl":5,"sub":3},{"id":506,"title":"3 - المرض أو بطء البرء","lvl":5,"sub":0},{"id":506,"title":"4 - الحاجة إلى الماء في الحال أو في المستقبل","lvl":5,"sub":1},{"id":507,"title":"5 - الخوف من تلف المال لو طلب الماء","lvl":5,"sub":0},{"id":507,"title":"6 - شدة البرد أي شدة برودة الماء","lvl":5,"sub":1},{"id":508,"title":"7 - فقدان آلة الماء من دلو وحبل","lvl":5,"sub":0},{"id":508,"title":"8 - الخوف من خروج وقت الصلاة","lvl":5,"sub":1},{"id":510,"title":"أسباب التيمم ترجع إلى أمرين","lvl":5,"sub":0},{"id":510,"title":"الأول: فقد الماء","lvl":6,"sub":1},{"id":510,"title":"الثاني ـ العجز عن استعمال الماء","lvl":6,"sub":2},{"id":510,"title":"هل تعاد الصلاة المؤداة بالتيمم؟","lvl":5,"sub":3},{"id":513,"title":"المطلب الثالث ـ أركان التيمم أو فرائضه","lvl":4,"sub":0},{"id":513,"title":"1 - النية عند مسح الوجه","lvl":5,"sub":1},{"id":516,"title":"2 -مسح الوجه واليدين مع الاستيعاب","lvl":5,"sub":0},{"id":518,"title":"3 - الترتيب فرض عند الشافعية، وعند الحنابلة في غير حدث أكبر","lvl":5,"sub":0},{"id":518,"title":"4 - الموالاة فرض عند الحنابلة والمالكية، وقيدها الحنابلة بغير الحدث الأكبر كالترتيب","lvl":5,"sub":1},{"id":518,"title":"5 - الصعيد الطاهر فرض عند المالكية، شرط عند غيرهم","lvl":5,"sub":2},{"id":519,"title":"التيمم على المعادن","lvl":5,"sub":0},{"id":519,"title":"التيمم على الجليد","lvl":5,"sub":1},{"id":522,"title":"المطلب الرابع ـ كيفية التيمم","lvl":4,"sub":0},{"id":522,"title":"للفقهاء رأيان في كيفية التيمم","lvl":5,"sub":1},{"id":522,"title":"1 - رأي الحنفية والشافعية","lvl":6,"sub":2},{"id":523,"title":"2 - رأي المالكية والحنابلة","lvl":6,"sub":0},{"id":523,"title":"المطلب الخامس ـ شروط التيمم","lvl":4,"sub":1},{"id":524,"title":"الشرط الأول ـ الصعيد الطاهر","lvl":5,"sub":0},{"id":524,"title":"الشرط الثاني ـ كون التيمم بعد دخول الوقت","lvl":5,"sub":1},{"id":524,"title":"الشرط الثالث ـ طلب الماء","lvl":5,"sub":2},{"id":524,"title":"تقدير المسافة التي يلزم طلب الماء فيها","lvl":6,"sub":3},{"id":527,"title":"شروط التيمم عند الحنفية","lvl":5,"sub":0},{"id":529,"title":"شروط التيمم عند الشافعية","lvl":5,"sub":0},{"id":530,"title":"المطلب السادس ـ سنن التيمم ومكروهاته","lvl":4,"sub":0},{"id":530,"title":"يسن في التيمم","lvl":5,"sub":1},{"id":530,"title":"عند الحنفية","lvl":6,"sub":2},{"id":530,"title":"عند المالكية","lvl":6,"sub":3},{"id":531,"title":"عند الشافعية","lvl":6,"sub":0},{"id":532,"title":"الحنابلة","lvl":6,"sub":0},{"id":532,"title":"مكروهات التيمم","lvl":5,"sub":1},{"id":533,"title":"المطلب السابع: نواقض التيمم أو مبطلاته","lvl":4,"sub":0},{"id":535,"title":"المطلب الثامن ـ حكم فاقد الطهورين","lvl":4,"sub":0},{"id":535,"title":"فاقد الطهورين","lvl":5,"sub":1},{"id":535,"title":"حكمه","lvl":5,"sub":2},{"id":537,"title":"الفصل السابع: الحيض، النفاس، الاستحاضة","lvl":3,"sub":0},{"id":537,"title":"المبحث الأول ـ تعريف الحيض ووقته","lvl":4,"sub":1},{"id":537,"title":"المطلب الأول ـ تعريف الحيض","lvl":5,"sub":2},{"id":537,"title":"الحيض","lvl":6,"sub":3},{"id":537,"title":"الأصل فيه","lvl":6,"sub":4},{"id":538,"title":"وقته","lvl":6,"sub":0},{"id":538,"title":"سن اليأس","lvl":6,"sub":1},{"id":539,"title":"هل تحيض الحامل","lvl":6,"sub":0},{"id":540,"title":"ألوان الدم","lvl":6,"sub":0},{"id":540,"title":"صفات دم الحيض","lvl":6,"sub":1},{"id":541,"title":"المطلب الثاني ـ مدة الحيض والطهر","lvl":5,"sub":0},{"id":541,"title":"مدة الحيض","lvl":6,"sub":1},{"id":541,"title":"الحنفية","lvl":7,"sub":2},{"id":541,"title":"المالكية","lvl":7,"sub":3},{"id":542,"title":"الشافعية والحنابلة","lvl":7,"sub":0},{"id":543,"title":"أقل الطهر","lvl":6,"sub":0},{"id":544,"title":"المراد بالطهر","lvl":6,"sub":0},{"id":544,"title":"القصة البيضاء","lvl":6,"sub":1},{"id":544,"title":"النقاء من الدم في أيام الحيض","lvl":6,"sub":2},{"id":545,"title":"تفصيل الآراء في كل مذهب","lvl":6,"sub":0},{"id":545,"title":"1 - مذهب الحنفية","lvl":7,"sub":1},{"id":545,"title":"2 - مذهب الشافعية","lvl":7,"sub":2},{"id":546,"title":"3 - مذهب المالكية المعتمد، والحنابلة","lvl":7,"sub":0},{"id":547,"title":"المبحث الثاني ـ تعريف النفاس ومدته","lvl":4,"sub":0},{"id":547,"title":"أولاـ تعريف النفاس","lvl":5,"sub":1},{"id":548,"title":"ثانيا ـ مدة النفاس","lvl":5,"sub":0},{"id":548,"title":"المبحث الثالث ـ أحكام الحيض والنفاس وما يحرم على الحائض والنفساء","lvl":4,"sub":1},{"id":548,"title":"1 - الحيض ومثله النفاس يوجب الغسل بعد انقطاعه","lvl":5,"sub":2},{"id":549,"title":"2 - البلوغ","lvl":5,"sub":0},{"id":549,"title":"3 - الحكم ببراءة الرحم في الاعتداد بالحيض","lvl":5,"sub":1},{"id":549,"title":"4 - الاعتداد بالحيض في رأي الحنفية والحنابلة","lvl":5,"sub":2},{"id":549,"title":"5 - الكفارة بالوطء في أثناء الحيض عند الحنابلة","lvl":5,"sub":3},{"id":549,"title":"ما يحرم بالحيض والنفاس","lvl":5,"sub":4},{"id":550,"title":"1 - الطهارة","lvl":6,"sub":0},{"id":550,"title":"2 - الصلاة","lvl":6,"sub":1},{"id":551,"title":"3 - الصوم","lvl":6,"sub":0},{"id":551,"title":"4 - الطواف","lvl":6,"sub":1},{"id":551,"title":"5 - قراءة القرآن ومس المصحف وحمله","lvl":6,"sub":2},{"id":552,"title":"6 - دخول المسجد، واللبث والاعتكاف فيه، ولو بوضوء","lvl":6,"sub":0},{"id":553,"title":"7 - الوطء في الفرج (الجماع) ولو بحائل باتفاق العلماء، والاستمتاع بما بين السرة والركبة عند الجمهور (غير الحنابلة)","lvl":6,"sub":0},{"id":555,"title":"كفارة وطء الحائض ونحوها","lvl":7,"sub":0},{"id":556,"title":"8 - الطلاق","lvl":6,"sub":0},{"id":557,"title":"الفرق بين الحيض والجنابة","lvl":5,"sub":0},{"id":557,"title":"الفرق بين الحيض والنفاس","lvl":5,"sub":1},{"id":558,"title":"المبحث الرابع ـ الاستحاضة وأحكامها","lvl":4,"sub":0},{"id":558,"title":"تعريف الاستحاضة","lvl":5,"sub":1},{"id":558,"title":"أحكام المستحاضة","lvl":5,"sub":2},{"id":559,"title":"أولا ـ هل يحرم شيء على المستحاضة مما يحرم على الحائض؟","lvl":6,"sub":0},{"id":560,"title":"ثانيا ـ طهارة المستحاضة الوضوء والغسل","lvl":6,"sub":0},{"id":562,"title":"ثالثا ـ تقدير مدة حيض المستحاضة","lvl":6,"sub":0},{"id":562,"title":"ورد في السنة النبوية مبادئ أساسية في هذا الموضوع","lvl":7,"sub":1},{"id":563,"title":"اختلفت المذاهب في تقدير مدة حيض المستحاضة","lvl":7,"sub":0},{"id":563,"title":"مذهب الحنفية","lvl":8,"sub":1},{"id":564,"title":"مذهب المالكية","lvl":8,"sub":0},{"id":565,"title":"مذهب الشافعية","lvl":8,"sub":0},{"id":568,"title":"مذهب الحنابلة","lvl":8,"sub":0},{"id":571,"title":"((الباب الثاني: الصلاة))","lvl":2,"sub":0},{"id":571,"title":"صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم","lvl":3,"sub":1},{"id":573,"title":"الفصل الأول: تعريف الصلاة، ومشروعيتها وحكمة تشريعها فرضيتها وفرائضها، حكم تارك الصلاة","lvl":3,"sub":0},{"id":573,"title":"حقيقة الصلاة","lvl":4,"sub":1},{"id":573,"title":"مشروعيتها","lvl":4,"sub":2},{"id":574,"title":"تاريخها ونوع فرضيتها وفرائضها","lvl":4,"sub":0},{"id":575,"title":"حكمة تشريع الصلاة","lvl":4,"sub":0},{"id":575,"title":"فوائدها الدينية","lvl":4,"sub":1},{"id":575,"title":"من فوائدها الدينية","lvl":4,"sub":2},{"id":576,"title":"من فوائدها الشخصية","lvl":4,"sub":0},{"id":577,"title":"من فوائدها الاجتماعية","lvl":4,"sub":0},{"id":578,"title":"حكم تارك الصلاة","lvl":4,"sub":0},{"id":581,"title":"وطريقة قتل تارك الصلاة عند الجمهور (غير الحنفية)","lvl":4,"sub":0},{"id":581,"title":"دوام فرضية الصلاة طوال العمر","lvl":4,"sub":1},{"id":582,"title":"الفصل الثاني: أوقات الصلاة","lvl":3,"sub":0},{"id":582,"title":"الأوقات في السنة","lvl":4,"sub":1},{"id":583,"title":"1 - وقت الفجر","lvl":4,"sub":0},{"id":584,"title":"2 - وقت الظهر","lvl":4,"sub":0},{"id":584,"title":"زوال الشمس","lvl":5,"sub":1},{"id":584,"title":"يعرف الزوال","lvl":5,"sub":2},{"id":585,"title":"3 - وقت العصر","lvl":4,"sub":0},{"id":586,"title":"4 - وقت المغرب","lvl":4,"sub":0},{"id":587,"title":"5 - وقت العشاء","lvl":4,"sub":0},{"id":588,"title":"وقت الوتر","lvl":4,"sub":0},{"id":588,"title":"الوقت الأفضل أو المستحب","lvl":4,"sub":1},{"id":592,"title":"متى تقع الصلاة أداء في الوقت؟","lvl":4,"sub":0},{"id":593,"title":"الاجتهاد في الوقت","lvl":4,"sub":0},{"id":594,"title":"تأخير الصلاة","lvl":4,"sub":0},{"id":594,"title":"الأوقات المكروهة","lvl":4,"sub":1},{"id":596,"title":"نوع الحكم المستفاد من النهي","lvl":4,"sub":0},{"id":603,"title":"كراهة التنفل في أوقات أخرى","lvl":4,"sub":0},{"id":608,"title":"الفصل الثالث: الأذان والإقامة","lvl":3,"sub":0},{"id":608,"title":"أولا ـ الأذان","lvl":4,"sub":1},{"id":608,"title":"معنى الأذان","lvl":5,"sub":2},{"id":608,"title":"مشروعيته وفضله","lvl":5,"sub":3},{"id":609,"title":"حكم الأذان","lvl":5,"sub":0},{"id":609,"title":"عند الجمهور","lvl":6,"sub":1},{"id":611,"title":"الأذان للفائتة وللمنفرد","lvl":6,"sub":0},{"id":613,"title":"أكثر الحنابلة","lvl":6,"sub":0},{"id":614,"title":"شروط الأذان","lvl":5,"sub":0},{"id":614,"title":"1 - دخول الوقت","lvl":6,"sub":1},{"id":615,"title":"2 - أن يكون باللغة العربية","lvl":6,"sub":0},{"id":615,"title":"3 - يشترط في الأذان والإقامة إسماع بعض الجماعة، وإسماع نفسه إن كان منفردا","lvl":6,"sub":1},{"id":616,"title":"4 - الترتيب والموالاة بين ألفاظ الأذان والإقامة","lvl":6,"sub":0},{"id":616,"title":"5 - كونه من شخص واحد","lvl":6,"sub":1},{"id":616,"title":"6 - أن يكون المؤذن مسلما عاقلا (مميزا)، رجلا","lvl":6,"sub":2},{"id":618,"title":"كيفية الأذان أو صيغته","lvl":5,"sub":0},{"id":618,"title":"اختلفوا في الترجيع","lvl":5,"sub":1},{"id":619,"title":"معاني كلمات الأذان","lvl":5,"sub":0},{"id":620,"title":"سنن الأذان","lvl":5,"sub":0},{"id":626,"title":"مكروهات الأذان","lvl":5,"sub":0},{"id":627,"title":"إجابة المؤذن والمقيم","lvl":5,"sub":0},{"id":630,"title":"ما يستحب بعد الأذان","lvl":5,"sub":0},{"id":632,"title":"ثانيا ـ الإقامة","lvl":4,"sub":0},{"id":632,"title":"صفة الإقامة أو كيفيتها","lvl":5,"sub":1},{"id":634,"title":"أحكام الإقامة","lvl":5,"sub":0},{"id":636,"title":"ملحق ـ الأذان لغير الصلاة","lvl":5,"sub":0},{"id":637,"title":"الفصل الرابع: شروط الصلاة","lvl":3,"sub":0},{"id":637,"title":"شروط وجوب الصلاة","lvl":4,"sub":1},{"id":637,"title":"1 - الإسلام","lvl":5,"sub":2},{"id":639,"title":"2 - البلوغ","lvl":5,"sub":0},{"id":640,"title":"3 - العقل","lvl":5,"sub":0},{"id":641,"title":"زوال الأعذار أو الموانع في أثناء وقت الصلاة","lvl":5,"sub":0},{"id":642,"title":"حدوث الأعذار في وقت الصلاة بعد مضي قدر ما يسعها","lvl":5,"sub":0},{"id":642,"title":"شروط صحة الصلاة","lvl":4,"sub":1},{"id":643,"title":"الشرط الأول - معرفة دخول الوقت","lvl":5,"sub":0},{"id":643,"title":"الشرط الثاني ـ الطهارة عن الحدثين","lvl":5,"sub":1},{"id":645,"title":"الشرط الثالث ـ الطهارة عن الخبث","lvl":5,"sub":0},{"id":645,"title":"مسائل متفرعة على طهارة الثوب والبدن والمكان","lvl":6,"sub":1},{"id":645,"title":"أولا ـ طهارة الثوب والبدن","lvl":6,"sub":2},{"id":649,"title":"ثانيا ـ طهارة المكان","lvl":6,"sub":0},{"id":651,"title":"الشرط الرابع ـ ستر العورة","lvl":5,"sub":0},{"id":652,"title":"شروط الساتر","lvl":6,"sub":0},{"id":653,"title":"الصلاة في الثوب الحرام","lvl":6,"sub":0},{"id":654,"title":"عادم الساتر","lvl":6,"sub":0},{"id":654,"title":"انكشاف العورة فجأة","lvl":6,"sub":1},{"id":655,"title":"صلاة العراة جماعة","lvl":6,"sub":0},{"id":655,"title":"حد العورة","lvl":6,"sub":1},{"id":655,"title":"مذهب الحنفية","lvl":7,"sub":2},{"id":657,"title":"مذهب المالكية","lvl":7,"sub":0},{"id":660,"title":"مذهب الشافعية","lvl":7,"sub":0},{"id":662,"title":"مذهب الحنابلة","lvl":7,"sub":0},{"id":665,"title":"عورة المرأة مع محارمها الرجال","lvl":6,"sub":0},{"id":665,"title":"عورة المسلمة أمام الكافرة","lvl":6,"sub":1},{"id":665,"title":"العورة المنفصلة","lvl":6,"sub":2},{"id":666,"title":"صوت المرأة","lvl":6,"sub":0},{"id":666,"title":"عورة المرأة أمام أقاربها المحارم أو النساء المسلمات","lvl":6,"sub":1},{"id":666,"title":"حد عورة الصغير","lvl":6,"sub":2},{"id":668,"title":"الشرط الخامس ـ استقبال القبلة","lvl":5,"sub":0},{"id":670,"title":"الاجتهاد في القبلة","lvl":6,"sub":0},{"id":671,"title":"الخطأ في الاجتهاد","lvl":6,"sub":0},{"id":672,"title":"الصلاة في الكعبة","lvl":6,"sub":0},{"id":675,"title":"صلاة النافلة على الراحلة للمسافر","lvl":6,"sub":0},{"id":681,"title":"الشرط السادس ـ النية","lvl":5,"sub":0},{"id":682,"title":"شروط النية","lvl":6,"sub":0},{"id":682,"title":"مقارنة النية للتكبير","lvl":6,"sub":1},{"id":683,"title":"تعيين المنوي","lvl":6,"sub":0},{"id":683,"title":"محل النية","lvl":6,"sub":1},{"id":683,"title":"آراء الفقهاء في النية","lvl":6,"sub":2},{"id":683,"title":"الحنفية","lvl":7,"sub":3},{"id":684,"title":"المالكية","lvl":7,"sub":0},{"id":686,"title":"الشافعية","lvl":7,"sub":0},{"id":688,"title":"الحنابلة","lvl":7,"sub":0},{"id":689,"title":"الشك في النية","lvl":6,"sub":0},{"id":689,"title":"تغيير النية","lvl":6,"sub":1},{"id":689,"title":"الشرط السابع والثامن: الترتيب في أداء الصلاة، وموالاة أفعالها","lvl":5,"sub":2},{"id":690,"title":"الشرط التاسع: ترك الكلام الأجنبي عن الصلاة","lvl":5,"sub":0},{"id":690,"title":"الشرط العاشر ـ ترك الفعل الكثير من غير جنس الصلاة","lvl":5,"sub":1},{"id":690,"title":"الشرط الحادي عشر ـ ترك الأكل والشرب","lvl":5,"sub":2},{"id":691,"title":"- - - -الجزء الثاني- - - -","lvl":1,"sub":0},{"id":691,"title":"الفصل الخامس: أركان الصلاة","lvl":2,"sub":1},{"id":691,"title":"أركان الصلاة (أو فرائضها)، وواجباتها عند الحنفية","lvl":3,"sub":2},{"id":691,"title":"اختلف الفقهاء في تصنيف وتعداد مطالب الصلاة الأساسية","lvl":4,"sub":3},{"id":692,"title":"واجبات الصلاة","lvl":4,"sub":0},{"id":697,"title":"أركان الصلاة عند غير الحنفية","lvl":3,"sub":0},{"id":697,"title":"قال المالكية","lvl":4,"sub":1},{"id":697,"title":"قال الشافعية","lvl":4,"sub":2},{"id":698,"title":"قال الحنابلة","lvl":4,"sub":0},{"id":698,"title":"أركان الصلاة المتفق عليها","lvl":3,"sub":1},{"id":698,"title":"الركن الأول ـ التحريمة أو تكبيرة الإحرام","lvl":4,"sub":2},{"id":703,"title":"الركن الثاني ـ القيام في الفرض لقادر عليه، وكذا في الواجب كنذر وسنة في الأصح عند الحنفية","lvl":4,"sub":0},{"id":704,"title":"المقدار المفروض من القيام","lvl":5,"sub":0},{"id":704,"title":"هل يشترط الاستقلال في القيام؟","lvl":5,"sub":1},{"id":705,"title":"صلاة المريض أو متى يسقط القيام؟","lvl":5,"sub":0},{"id":705,"title":"من حالات العجز المسقطة للقيام","lvl":5,"sub":1},{"id":705,"title":"كيفية صلاة العاجز المريض","lvl":5,"sub":2},{"id":705,"title":"قال الحنفية","lvl":6,"sub":3},{"id":707,"title":"قال المالكية","lvl":6,"sub":0},{"id":708,"title":"قال الشافعية","lvl":6,"sub":0},{"id":710,"title":"مذهب الحنابلة","lvl":6,"sub":0},{"id":711,"title":"الركن الثالث ـ القراءة لقادر عليها","lvl":4,"sub":0},{"id":712,"title":"البسملة عند الحنفية","lvl":5,"sub":0},{"id":713,"title":"قراءة المقتدي","lvl":5,"sub":0},{"id":716,"title":"البسملة عند الشافعية","lvl":5,"sub":0},{"id":716,"title":"يشترط في القراءة","lvl":5,"sub":1},{"id":720,"title":"البسملة عند المالكية","lvl":5,"sub":0},{"id":720,"title":"قال الحنابلة: البسملة آية من الفاتحة","lvl":5,"sub":1},{"id":721,"title":"الركن الرابع ـ الركوع","lvl":4,"sub":0},{"id":723,"title":"الاطمئنان في الركوع","lvl":5,"sub":0},{"id":723,"title":"الركن الخامس ـ الرفع من الركوع والاعتدال","lvl":4,"sub":1},{"id":725,"title":"الركن السادس ـ السجود مرتين لكل ركعة","lvl":4,"sub":0},{"id":728,"title":"الاطمئنان في السجود","lvl":5,"sub":0},{"id":729,"title":"التنكس","lvl":5,"sub":0},{"id":729,"title":"مكان الصلاة","lvl":5,"sub":1},{"id":729,"title":"الركن السابع ـ الجلوس بين السجدتين","lvl":4,"sub":2},{"id":731,"title":"الركن الثامن ـ القعود الأخير مقدار التشهد","lvl":4,"sub":0},{"id":734,"title":"صفة الجلوس","lvl":5,"sub":0},{"id":735,"title":"صيغة التشهد","lvl":5,"sub":0},{"id":736,"title":"معاني ألفاظ التشهد","lvl":5,"sub":0},{"id":736,"title":"الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في التشهد الأخير","lvl":5,"sub":1},{"id":737,"title":"التشهد بالعربية","lvl":5,"sub":0},{"id":737,"title":"الركن التاسع ـ السلام","lvl":4,"sub":1},{"id":739,"title":"صيغة السلام","lvl":5,"sub":0},{"id":740,"title":"نية الخروج من الصلاة بالسلام","lvl":5,"sub":0},{"id":742,"title":"الركن العاشر: الطمأنينة في أفعال معينة","lvl":4,"sub":0},{"id":743,"title":"الركن الحادي عشر: ترتيب الأركان على النحو المشروع في صفة الصلاة في السنة","lvl":4,"sub":0},{"id":745,"title":"الفصل السادس: سنن الصلاة وصفتها ومكروهاتها والأذكار الواردة عقبها","lvl":2,"sub":0},{"id":745,"title":"المبحث الأول ـ سنن الصلاة الداخلة فيها","lvl":3,"sub":1},{"id":745,"title":"الحنفية","lvl":4,"sub":3},{"id":745,"title":"الأدب فيها","lvl":5,"sub":4},{"id":746,"title":"المالكية","lvl":4,"sub":0},{"id":746,"title":"عند الشافعية","lvl":4,"sub":1},{"id":746,"title":"الأبعاض","lvl":5,"sub":2},{"id":746,"title":"الهيئات","lvl":5,"sub":3},{"id":747,"title":"الحنابلة","lvl":4,"sub":0},{"id":748,"title":"بيان سنن الصلاة الداخلة فيها","lvl":4,"sub":0},{"id":748,"title":"1 - رفع اليدين للتحريمة","lvl":5,"sub":1},{"id":749,"title":"زمن الرفع","lvl":6,"sub":0},{"id":750,"title":"حالة الأصابع","lvl":6,"sub":0},{"id":750,"title":"الجهر بتكبيرة الإحرام","lvl":6,"sub":1},{"id":750,"title":"رفع اليدين في غير تكبيرة الإحرام","lvl":6,"sub":2},{"id":752,"title":"2 - مقارنة إحرام المقتدي لإحرام إمامه","lvl":5,"sub":0},{"id":752,"title":"3 - وضع اليد اليمنى على ظهر اليسرى","lvl":5,"sub":1},{"id":754,"title":"4 - النظر إلى موضع السجود","lvl":5,"sub":0},{"id":754,"title":"5 - دعاء الثناء أو الاستفتاح","lvl":5,"sub":1},{"id":757,"title":"6 - التعوذ أو الاستعاذة","lvl":5,"sub":0},{"id":757,"title":"7 - التأمين","lvl":5,"sub":1},{"id":759,"title":"8 - السكتة اللطيفة","lvl":5,"sub":0},{"id":760,"title":"9 - تفريج القدمين","lvl":5,"sub":0},{"id":761,"title":"10 - قراءة سورة بعد الفاتحة","lvl":5,"sub":0},{"id":761,"title":"نوع السورة المقروءة","lvl":6,"sub":1},{"id":762,"title":"مواطن الجهر والإسرار في القراءة","lvl":6,"sub":0},{"id":763,"title":"الدعاء أثناء القراءة","lvl":6,"sub":0},{"id":763,"title":"متى وكيف تقرأ السورة؟","lvl":6,"sub":1},{"id":764,"title":"المستحب في مقادير السور في الصلوات","lvl":6,"sub":0},{"id":766,"title":"تحديد مقادير السور","lvl":6,"sub":0},{"id":767,"title":"حد الجهر والإسرار","lvl":6,"sub":0},{"id":767,"title":"11 - التكبير عند الركوع والسجود والرفع منه، وعند القيام","lvl":5,"sub":1},{"id":767,"title":"يسن في الركوع ما يأتي","lvl":6,"sub":2},{"id":769,"title":"12 - التسميع والتحميد","lvl":5,"sub":0},{"id":770,"title":"13 - وضع الركبتين، ثم اليدين، ثم الوجه","lvl":5,"sub":0},{"id":771,"title":"14 - هيئات السجود الأخرى","lvl":5,"sub":0},{"id":771,"title":"أ ـ وضع الوجه بين الكفين عند الحنفية","lvl":6,"sub":1},{"id":772,"title":"ب ـ مباعدة الرجل بطنه عن فخذيه، ومرفقيه عن جنبيه","lvl":6,"sub":0},{"id":773,"title":"جـ ـ تجب الطمأنينة","lvl":6,"sub":0},{"id":773,"title":"د ـ التسبيح في السجود","lvl":6,"sub":1},{"id":774,"title":"هـ ـ الدعاء في السجود","lvl":6,"sub":0},{"id":775,"title":"15 - الجلوس بين السجدتين، مطمئنا مفترشا الرجل","lvl":5,"sub":0},{"id":777,"title":"16 - الدعاء بين السجدتين","lvl":5,"sub":0},{"id":777,"title":"جلسة الاستراحة","lvl":6,"sub":1},{"id":777,"title":"17 - التشهد الأول، والافتراش له","lvl":5,"sub":2},{"id":779,"title":"18 - وضع اليدين على الفخذين","lvl":5,"sub":0},{"id":782,"title":"19 - قراءة الفاتحة في الركعتين الثالثة والرابعة من الصلوات المفروضة","lvl":5,"sub":0},{"id":783,"title":"20 - الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم وعلى آله في التشهد الأخير","lvl":5,"sub":0},{"id":784,"title":"الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في غير الصلاة","lvl":6,"sub":0},{"id":785,"title":"السيادة لمحمد صلى الله عليه وسلم","lvl":6,"sub":0},{"id":785,"title":"21 - الدعاء بعد الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم","lvl":5,"sub":1},{"id":787,"title":"الدعاء بالعربية","lvl":6,"sub":0},{"id":788,"title":"22 - الالتفات يمينا ثم شمالا بالتسليمتين","lvl":5,"sub":0},{"id":789,"title":"23 - خفض التسليمة الثانية عن الأولى","lvl":5,"sub":0},{"id":790,"title":"24 - مقارنة المقتدي لسلام الإمام","lvl":5,"sub":0},{"id":790,"title":"25 - انتظار المسبوق فراغ الإمام من التسليمتين","lvl":5,"sub":1},{"id":790,"title":"26 - ذكر الشافعية أنه يسن الخشوع وتدبر القراءة والأذكار","lvl":5,"sub":2},{"id":790,"title":"آداب الصلاة عند الحنفية","lvl":4,"sub":3},{"id":791,"title":"التبليغ خلف الإمام","lvl":4,"sub":0},{"id":792,"title":"سنن الصلاة إجمالا في كل مذهب","lvl":4,"sub":0},{"id":792,"title":"مذهب الحنفية","lvl":5,"sub":1},{"id":795,"title":"مذهب المالكية","lvl":5,"sub":0},{"id":800,"title":"مذهب الشافعية","lvl":5,"sub":0},{"id":806,"title":"الأمور التي تخالف فيها المرأة الرجل في الصلاة","lvl":6,"sub":0},{"id":808,"title":"مذهب الحنابلة","lvl":5,"sub":0},{"id":809,"title":"المبحث الثاني ـ سنن الصلاة الخارجة عنها","lvl":3,"sub":0},{"id":809,"title":"تعريف سترة المصلي","lvl":4,"sub":1},{"id":809,"title":"حكم سترة المصلي","lvl":4,"sub":2},{"id":809,"title":"حكمتها","lvl":4,"sub":3},{"id":810,"title":"آراء الفقهاء في السترة","lvl":4,"sub":0},{"id":812,"title":"صفة السترة وقدرها","lvl":4,"sub":0},{"id":813,"title":"استقبال وجه الإنسان أو الصلاة إلى نار أو صورة أو امرأة تصلي","lvl":4,"sub":0},{"id":814,"title":"مدى بعد السترة عن المصلي","lvl":4,"sub":0},{"id":815,"title":"موقف المصلي من السترة","lvl":4,"sub":0},{"id":815,"title":"المرور بين يدي المصلي","lvl":4,"sub":1},{"id":817,"title":"المرور أمام المصلي في أثناء الطواف","lvl":4,"sub":0},{"id":818,"title":"موضع حرمة المرور","lvl":4,"sub":0},{"id":819,"title":"دفع المار بين يدي المصلي","lvl":4,"sub":0},{"id":819,"title":"هل المرور بين يدي المصلي يقطع الصلاة؟","lvl":4,"sub":1},{"id":821,"title":"تقديم العشاء على صلاة العشاء","lvl":4,"sub":0},{"id":821,"title":"المبحث الثالث ـ صفة الصلاة أو كيفيتها","lvl":3,"sub":1},{"id":821,"title":"صفة صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم","lvl":4,"sub":2},{"id":822,"title":"توضيح كيفية الصلاة","lvl":4,"sub":0},{"id":826,"title":"المبحث الرابع ـ مكروهات الصلاة","lvl":3,"sub":0},{"id":826,"title":"المطلب الأول ـ ما يكره في الصلاة","lvl":4,"sub":1},{"id":826,"title":"1 - يكره تحريما عند الحنفية ترك واجب من واجبات الصلاة عمدا","lvl":5,"sub":2},{"id":826,"title":"2 - ترك سنة من سنن الصلاة عمدا","lvl":5,"sub":3},{"id":826,"title":"3 - يكره عند المالكية تعوذ وبسملة قبل الفاتحة والسورة بفرض","lvl":5,"sub":4},{"id":826,"title":"4 - يكره عند المالكية دعاء قبل القراءة للفاتحة أو السورة، وأثناءها","lvl":5,"sub":5},{"id":826,"title":"5 - تطويل القراءة في الركعة الثانية على الأولى","lvl":5,"sub":6},{"id":826,"title":"6 - تكرار سورة واحدة في ركعة واحدة، أو في ركعتين في الفرض","lvl":5,"sub":7},{"id":826,"title":"7 - القراءة بعكس ترتيب القرآن","lvl":5,"sub":8},{"id":827,"title":"8 - يكره عند المالكية وغيرهم القراءة في ركوع أو سجود أو إتمام قراءة السورة في الركوع","lvl":5,"sub":0},{"id":827,"title":"9 - العبث القليل","lvl":5,"sub":1},{"id":829,"title":"10 - تشبيك الأصابع، والتخصر","lvl":5,"sub":0},{"id":830,"title":"11 - تغميض العينين","lvl":5,"sub":0},{"id":830,"title":"12 - الالتفات في الصلاة بلا حاجة مهمة","lvl":5,"sub":1},{"id":832,"title":"13 - رفع البصر إلى السماء","lvl":5,"sub":0},{"id":832,"title":"14 - القيام على رجل واحدة، أو رفع رجل عن الأرض واعتماد على الأخرى","lvl":5,"sub":1},{"id":833,"title":"15 - الصلاة حاقنا بالبول، أو حاقنا بالغائط، أو حازقا بالريح","lvl":5,"sub":0},{"id":833,"title":"16 - البصاق أو التنخم في غير المسجد أمامه، أو عن يمينه","lvl":5,"sub":1},{"id":833,"title":"17 - قال المالكية: يكره التفكر في أمر دنيوي، أو حمل شيء بكم أو فم إذا لم يمنعه مخارج الحروف","lvl":5,"sub":2},{"id":834,"title":"18 - التثاؤب","lvl":5,"sub":0},{"id":834,"title":"19 - قال الشافعية والحنابلة: يكره الاستناد إلى جدار أو نحوه","lvl":5,"sub":1},{"id":834,"title":"20 - يكره تنزيها عند الحنفية رد السلام بالإشارة باليد أو الرأس","lvl":5,"sub":2},{"id":835,"title":"21 - قراءة سورة أو آية في الركعتين الأخيرتين من الفريضة","lvl":5,"sub":0},{"id":835,"title":"22 - الجهر بالقراءة في موضع الإسرار، والإسرار في موضع الجهر","lvl":5,"sub":1},{"id":835,"title":"23 - يكره عند الشافعية: الزيادة في جلسة الاستراحة على قدر الجلوس بين السجدتين، وإطالة التشهد الأول","lvl":5,"sub":2},{"id":836,"title":"24 - عقص الشعر وتشمير الكم","lvl":5,"sub":0},{"id":836,"title":"25 - الإقعاء","lvl":5,"sub":1},{"id":837,"title":"26 - افتراش ذراعيه","lvl":5,"sub":0},{"id":837,"title":"27 - قال المالكية كما بينا: يكره التصفيق في صلاة ولو من امرأة","lvl":5,"sub":1},{"id":837,"title":"28 - الصلاة في ثياب البذلة، والمهنة","lvl":5,"sub":2},{"id":838,"title":"29 - الصلاة في السراويل أو الإزار مع القدرة على لبس القميص، والصلاة حاسرا","lvl":5,"sub":0},{"id":838,"title":"30 - الصلاة بثياب فيها تصاوير الحيوان أو الإنسان","lvl":5,"sub":1},{"id":839,"title":"31 - قال الحنفية: يكره تنزيها قيام بجملته في المحراب","lvl":5,"sub":0},{"id":840,"title":"32 - الصلاة إلى نار موقدة","lvl":5,"sub":0},{"id":840,"title":"33 - السدل في الصلاة","lvl":5,"sub":1},{"id":840,"title":"34 - اشتمال الصماء","lvl":5,"sub":2},{"id":841,"title":"35 - قال الحنابلة: تكره الصلاة في الثوب الأحمر","lvl":5,"sub":0},{"id":841,"title":"36 - قال المالكية: يكره لباس محدد للعورة لرقته أو لضيقه وإحاطته","lvl":5,"sub":1},{"id":841,"title":"37 - الاضطباع","lvl":5,"sub":2},{"id":841,"title":"38 - الإتيان بأذكار الانتقال كالتكبير والتسميع والتحميد في غير محلها","lvl":5,"sub":3},{"id":842,"title":"39 - ترك اتخاذ السترة أمام المصلي","lvl":5,"sub":0},{"id":842,"title":"المطلب الثاني ـ الأماكن التي تكره الصلاة فيها","lvl":4,"sub":1},{"id":843,"title":"1 - الصلاة في قارعة الطريق","lvl":5,"sub":0},{"id":844,"title":"2 - الصلاة في داخل الحمام","lvl":5,"sub":0},{"id":844,"title":"3 - الصلاة في معاطن الإبل، أي مباركها","lvl":5,"sub":1},{"id":845,"title":"4 - الصلاة في المزبلة والمجزرة","lvl":5,"sub":0},{"id":845,"title":"5 - الكنيسة (معبد النصارى) والبيعة (معبد اليهود) ونحوهما من أماكن الكفر","lvl":5,"sub":1},{"id":846,"title":"6 - الصلاة في المقبرة","lvl":5,"sub":0},{"id":847,"title":"7 - الصلاة فوق الكعبة","lvl":5,"sub":0},{"id":847,"title":"المطلب الثالث ـ ما لايكره فعله في الصلاة","lvl":4,"sub":1},{"id":848,"title":"المطلب الرابع ـ ما تحرم الصلاة فيه ( الصلاة في الموضع المغصوب)","lvl":4,"sub":0},{"id":850,"title":"الأرض المسخوط عليها","lvl":4,"sub":0},{"id":850,"title":"ملحق بأنواع اللباس في الصلاة","lvl":4,"sub":1},{"id":850,"title":"1 - ما يجزئ من اللباس","lvl":5,"sub":2},{"id":850,"title":"2 - ثياب الفضيلة","lvl":5,"sub":3},{"id":851,"title":"3 - الثياب المكروهة","lvl":5,"sub":0},{"id":852,"title":"4 - ما يحرم لبسه والصلاة فيه","lvl":5,"sub":0},{"id":853,"title":"5 - ما تخالف فيه المرأة الرجل","lvl":5,"sub":0},{"id":854,"title":"المبحث الخامس ـ الأذكار الواردة عقب الصلاة","lvl":3,"sub":0},{"id":854,"title":"الأذكار الواردة عقب الصلاة","lvl":4,"sub":1},{"id":858,"title":"أهم آداب الدعاء","lvl":4,"sub":0},{"id":861,"title":"ما يستحب للمصلي بعد انتهاء الصلاة المفروضة","lvl":4,"sub":0},{"id":862,"title":"المبحث السادس ـ القنوت في الصلاة","lvl":3,"sub":0},{"id":863,"title":"أولا ـ قنوت الوتر أو الصبح","lvl":4,"sub":0},{"id":863,"title":"قال الحنفية","lvl":5,"sub":1},{"id":865,"title":"مذهب المالكية","lvl":5,"sub":0},{"id":866,"title":"مذهب الشافعية","lvl":5,"sub":0},{"id":868,"title":"وهل الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم من قبيل الدعاء","lvl":5,"sub":0},{"id":869,"title":"مذهب الحنابلة","lvl":5,"sub":0},{"id":870,"title":"ثانيا ـ القنوت أثناء النوازل","lvl":4,"sub":0},{"id":870,"title":"الحنفية والشافعية والحنابلة","lvl":5,"sub":1},{"id":872,"title":"المبحث السابع ـ صلاة الوتر","lvl":3,"sub":0},{"id":872,"title":"1 - حكم الوتر أو صفته","lvl":4,"sub":1},{"id":873,"title":"2 - من يجب عليه الوتر عند أبي حنيفة","lvl":4,"sub":0},{"id":874,"title":"3 - مقداره وكيفيته","lvl":4,"sub":0},{"id":876,"title":"4 - وقت الوتر","lvl":4,"sub":0},{"id":878,"title":"5- صفة القراءة في الوتر","lvl":4,"sub":0},{"id":879,"title":"6 - قنوت الوتر","lvl":4,"sub":0},{"id":881,"title":"الذكر بعد الوتر","lvl":4,"sub":0},{"id":881,"title":"الدعاء بعد الوتر","lvl":4,"sub":1},{"id":881,"title":"صفة وتر رسول الله صلى الله عليه وسلم","lvl":4,"sub":2},{"id":882,"title":"الفصل السابع: مبطلات الصلاة أو مفسداتها","lvl":2,"sub":0},{"id":883,"title":"أولا ـ مفسدات الصلاة عند الفقهاء","lvl":3,"sub":0},{"id":883,"title":"1- الكلام","lvl":4,"sub":1},{"id":888,"title":"الفتح على غير الإمام وعلى الإمام","lvl":5,"sub":0},{"id":890,"title":"2 - الأكل والشرب","lvl":4,"sub":0},{"id":891,"title":"3 - العمل الكثير المتوالي","lvl":4,"sub":0},{"id":893,"title":"المشي في الصلاة","lvl":5,"sub":0},{"id":893,"title":"4 - استدبار القبلة","lvl":4,"sub":1},{"id":893,"title":"5 - كشف العورة عمدا","lvl":4,"sub":2},{"id":893,"title":"6 - طروء الحدث الأصغر أو الأكبر","lvl":4,"sub":3},{"id":894,"title":"7 - حدوث النجاسة التي لا يعفى عنها في البدن والثوب والمكان","lvl":4,"sub":0},{"id":894,"title":"8 - القهقهة","lvl":4,"sub":1},{"id":895,"title":"9 - الردة (وهي قطع الإسلام بقول أو فعل) والموت والجنون والإغماء","lvl":4,"sub":0},{"id":895,"title":"10 - تغيير النية","lvl":4,"sub":1},{"id":896,"title":"11 - اللحن في القراءة، أو زلة القارئ","lvl":4,"sub":0},{"id":898,"title":"12 - ترك ركن بلا قضاء، وشرط بلا عذر","lvl":4,"sub":0},{"id":898,"title":"13 - أن يسبق المقتدي إمامه عمدا بركن لم يشاركه فيه","lvl":4,"sub":1},{"id":898,"title":"14 - محاذاة المرأة الرجل في الصلاة من غير فرجة","lvl":4,"sub":2},{"id":899,"title":"15 - إذا وجد المتيمم ماء قدر على استعماله وهو في الصلاة","lvl":4,"sub":0},{"id":899,"title":"16 - القدرة على الساتر لعورته","lvl":4,"sub":1},{"id":899,"title":"17 - أن يسلم عمدا قبل تمام الصلاة","lvl":4,"sub":2},{"id":899,"title":"18 - المسائل الاثنتا عشرة عند أبي حنيفة","lvl":4,"sub":3},{"id":900,"title":"ثانيا - مبطلات الصلاة في كل مذهب على حدة","lvl":3,"sub":0},{"id":900,"title":"مذهب الحنفية","lvl":4,"sub":1},{"id":904,"title":"مذهب المالكية","lvl":4,"sub":0},{"id":905,"title":"مذهب الشافعية","lvl":4,"sub":0},{"id":909,"title":"مذهب الحنابلة","lvl":4,"sub":0},{"id":911,"title":"ثالثا ـ ما تقطع الصلاة لأجله","lvl":3,"sub":0},{"id":911,"title":"ما يجب قطع الصلاة له لضرورة","lvl":4,"sub":1},{"id":911,"title":"1 - تقطع الصلاة ولو فرضا باستغاثة شخص ملهوف","lvl":5,"sub":2},{"id":911,"title":"2 - وتقطع الصلاة أيضا إذا غلب على ظن المصلي خوف تردي أعمى، أو صغير أو غيرهما","lvl":5,"sub":3},{"id":911,"title":"ما يجوز قطع الصلاة له ولو فرضا لعذر","lvl":4,"sub":4},{"id":911,"title":"1 - سرقة المتاع","lvl":5,"sub":5},{"id":911,"title":"2 - خوف المرأة على ولدها، أو خوف فوران القدر، أواحتراق الطعام على النار","lvl":5,"sub":6},{"id":911,"title":"3 - مخافة المسافر من اللصوص أو قطاع الطرق","lvl":5,"sub":7},{"id":911,"title":"4 - قتل الحيوان المؤذي إذا احتاج قتله إلى عمل كثير","lvl":5,"sub":8},{"id":911,"title":"5 - رد الدابة إذا شردت","lvl":5,"sub":9},{"id":911,"title":"6 - مدافعة الأخبثين","lvl":5,"sub":10},{"id":911,"title":"7 - نداء أحد الأبوين في صلاة النافلة","lvl":5,"sub":11},{"id":912,"title":"الفصل الثامن: النوافل أو صلاة التطوع","lvl":2,"sub":0},{"id":913,"title":"النوافل عند الحنفية","lvl":3,"sub":0},{"id":913,"title":"أولا ـ السنن المؤكدة","lvl":4,"sub":1},{"id":917,"title":"ثانيا ـ أما المندوب أو السنن غير المؤكدة","lvl":4,"sub":0},{"id":918,"title":"النوافل المستقلة","lvl":4,"sub":0},{"id":923,"title":"أحكام فرعية لصلاة النافلة","lvl":4,"sub":0},{"id":928,"title":"التطوعات عند المالكية","lvl":3,"sub":0},{"id":928,"title":"السنة","lvl":4,"sub":1},{"id":928,"title":"الفضائل","lvl":4,"sub":2},{"id":929,"title":"أما النوافل","lvl":4,"sub":0},{"id":929,"title":"ما يكره في أداء النوافل عند المالكية","lvl":4,"sub":1},{"id":929,"title":"النوافل عند الشافعية","lvl":3,"sub":2},{"id":930,"title":"1 - ما تسن له الجماعة","lvl":4,"sub":0},{"id":931,"title":"2 - ما لا تسن له الجماعة","lvl":4,"sub":0},{"id":935,"title":"المؤكد وغير المؤكد من النوافل عند الشافعية","lvl":4,"sub":0},{"id":935,"title":"أولا ـ السنن المؤكدة","lvl":5,"sub":1},{"id":936,"title":"ترتيب أفضليتها","lvl":6,"sub":0},{"id":936,"title":"وقت الرواتب","lvl":6,"sub":1},{"id":937,"title":"قضاء النوافل","lvl":6,"sub":0},{"id":937,"title":"ثانيا ـ السنن غير المؤكدة","lvl":5,"sub":1},{"id":938,"title":"النوافل عند الحنابلة","lvl":3,"sub":0},{"id":938,"title":"السنة المعينة فتتنوع أنواعا","lvl":4,"sub":1},{"id":938,"title":"النوع الأول ـ السنن الرواتب مع الفرائض أي المؤكدة","lvl":4,"sub":2},{"id":940,"title":"النوع الثاني ـ السنن غير الرواتب","lvl":4,"sub":0},{"id":941,"title":"النوع الثالث ـ صلوات معينة مستقلة","lvl":4,"sub":0},{"id":941,"title":"1 - صلاة التراويح أو قيام شهر رمضان","lvl":5,"sub":1},{"id":943,"title":"القراءة في التراويح","lvl":6,"sub":0},{"id":943,"title":"نية التراويح","lvl":6,"sub":1},{"id":944,"title":"وقت التراويح","lvl":6,"sub":0},{"id":944,"title":"فعلها في المسجد","lvl":6,"sub":1},{"id":944,"title":"الوتر بعد التراويح","lvl":6,"sub":2},{"id":945,"title":"التطوع بين التراويح وبعدها","lvl":6,"sub":0},{"id":945,"title":"2 - صلاة الضحى","lvl":5,"sub":1},{"id":946,"title":"3 - صلاة التسبيح","lvl":5,"sub":1},{"id":946,"title":"4 - صلاة الاستخارة","lvl":5,"sub":2},{"id":946,"title":"5 - صلاة الحاجة","lvl":5,"sub":3},{"id":946,"title":"6 - صلاة التوبة","lvl":5,"sub":4},{"id":946,"title":"7 - تحية المسجد","lvl":5,"sub":5},{"id":946,"title":"8 - صلاة الزوال","lvl":5,"sub":6},{"id":947,"title":"النفل المطلق","lvl":3,"sub":0},{"id":947,"title":"عدد التهجد","lvl":3,"sub":1},{"id":947,"title":"قراءة المتهجد","lvl":3,"sub":2},{"id":948,"title":"قضاء التهجد","lvl":3,"sub":0},{"id":948,"title":"التنفل بين المغرب والعشاء","lvl":3,"sub":1},{"id":948,"title":"التطوع مثنى مثنى","lvl":3,"sub":2},{"id":948,"title":"التطوع جالسا","lvl":3,"sub":3},{"id":949,"title":"الدعاء عند اليقظة من النوم","lvl":3,"sub":0},{"id":950,"title":"قراءة القرآن وحفظه","lvl":3,"sub":0},{"id":950,"title":"القرآن أفضل الذكر","lvl":3,"sub":1},{"id":950,"title":"حفظ القرآن","lvl":3,"sub":2},{"id":950,"title":"الاستماع للقرآن","lvl":3,"sub":3},{"id":950,"title":"القراءة في الطريق","lvl":3,"sub":4},{"id":951,"title":"ختم القرآن","lvl":3,"sub":0},{"id":951,"title":"ترتيله وتلحينه","lvl":3,"sub":1},{"id":953,"title":"آداب التلاوة","lvl":3,"sub":0},{"id":954,"title":"تفسير القرآن","lvl":3,"sub":0},{"id":955,"title":"الفصل التاسع: أنواع خاصة من السجود وقضاء الفوائت","lvl":2,"sub":0},{"id":955,"title":"المبحث الأول ـ أنواع خاصة من السجود (سجود السهو، وسجدة التلاوة، وسجدة الشكر)","lvl":3,"sub":1},{"id":955,"title":"المطلب الأول ـ سجود السهو: حكمه، أسبابه، محله وصفته.","lvl":4,"sub":2},{"id":955,"title":"أولا ـ حكم سجود السهو","lvl":5,"sub":3},{"id":959,"title":"ثانيا ـ أسباب سجود السهو","lvl":5,"sub":0},{"id":959,"title":"مذهب الحنفية","lvl":6,"sub":1},{"id":960,"title":"العود إلى ما سها عنه","lvl":7,"sub":0},{"id":961,"title":"الشك في الصلاة","lvl":7,"sub":0},{"id":961,"title":"مذهب المالكية","lvl":6,"sub":1},{"id":961,"title":"أما النقص","lvl":7,"sub":2},{"id":962,"title":"أما الزيادة","lvl":7,"sub":0},{"id":962,"title":"أما الزيادة والنقص معا","lvl":7,"sub":1},{"id":962,"title":"العود لما سها عنه","lvl":7,"sub":2},{"id":963,"title":"مذهب الشافعية","lvl":6,"sub":0},{"id":964,"title":"الأول ـ ترك الإمام أو المنفرد عمدا أو سهوا سنة مؤكدة","lvl":7,"sub":0},{"id":964,"title":"الثاني ـ نقل ركن قولي لغير محله","lvl":7,"sub":1},{"id":964,"title":"الثالث ـ فعل شيء سهوا، يبطل عمده فقط","lvl":7,"sub":2},{"id":965,"title":"الرابع ـ الشك في الزيادة","lvl":7,"sub":0},{"id":965,"title":"الخامس ـ الشك في ترك بعض معين من أبعاض الصلاة","lvl":7,"sub":1},{"id":966,"title":"السادس ـ الاقتداء بمن في صلاته خلل","lvl":7,"sub":0},{"id":967,"title":"مذهب الحنابلة","lvl":6,"sub":0},{"id":967,"title":"1 - أما الزيادة في الصلاة","lvl":7,"sub":1},{"id":968,"title":"2 - وأما النقص في الصلاة","lvl":7,"sub":0},{"id":969,"title":"3 - وأما الشك في الصلاة الذي يقتضي سجود السهو في بعض صوره","lvl":7,"sub":0},{"id":970,"title":"قصة ذي اليدين فيمن سلم من نقصان، وأن كلام الناسي لا يبطل الصلاة","lvl":6,"sub":0},{"id":971,"title":"اجتماع سهوين أو أكثر","lvl":6,"sub":0},{"id":971,"title":"النافلة كالفرض","lvl":6,"sub":1},{"id":971,"title":"تنبيه الإمام على السهو","lvl":6,"sub":2},{"id":971,"title":"ثالثا ـ محل سجود السهو وصفته","lvl":5,"sub":3},{"id":971,"title":"قال الحنفية","lvl":6,"sub":4},{"id":972,"title":"قال المالكية","lvl":6,"sub":0},{"id":973,"title":"قال الشافعية في الجديد","lvl":6,"sub":0},{"id":973,"title":"قال الحنابلة","lvl":6,"sub":2},{"id":974,"title":"المطلب الثاني ـ سجدة التلاوة","lvl":4,"sub":0},{"id":974,"title":"أولا ـ دليل مشروعية سجدة التلاوة","lvl":5,"sub":1},{"id":975,"title":"ثانيا ـ حكمها الفقهي","lvl":5,"sub":0},{"id":977,"title":"هل تجب عند الحنفية على الفور أو على التراخي؟","lvl":6,"sub":0},{"id":977,"title":"متابعة الإمام في السجدة وسماعها من غير المصلي","lvl":6,"sub":1},{"id":978,"title":"ثالثا ـ شروط سجود التلاوة","lvl":5,"sub":0},{"id":978,"title":"1 - شرائط الوجوب","lvl":6,"sub":1},{"id":978,"title":"2 - شرائط الجواز أو الصحة","lvl":6,"sub":2},{"id":979,"title":"الحنفية","lvl":7,"sub":0},{"id":979,"title":"المالكية","lvl":7,"sub":1},{"id":979,"title":"الشافعية","lvl":7,"sub":2},{"id":980,"title":"الحنابلة","lvl":7,"sub":0},{"id":981,"title":"رابعا ـ مفسدات سجود التلاوة","lvl":5,"sub":0},{"id":981,"title":"خامسا ـ أسباب سجدة التلاوة وصفتها","lvl":5,"sub":1},{"id":981,"title":"الحنفية","lvl":6,"sub":2},{"id":981,"title":"المالكية","lvl":6,"sub":3},{"id":982,"title":"الشافعية","lvl":6,"sub":0},{"id":983,"title":"الحنابلة","lvl":6,"sub":0},{"id":984,"title":"سادسا ـ المواضع التي تطلب فيها السجدة","lvl":5,"sub":0},{"id":985,"title":"سابعا ـ هل تتكرر السجدة بتكرر التلاوة؟","lvl":5,"sub":0},{"id":987,"title":"ثامنا ـ أحكام فرعية لسجدة التلاوة","lvl":5,"sub":0},{"id":987,"title":"الحنفية","lvl":6,"sub":1},{"id":988,"title":"المالكية","lvl":6,"sub":0},{"id":989,"title":"الحنابلة","lvl":6,"sub":0},{"id":989,"title":"المطلب الثالث ـ سجدة الشكر","lvl":4,"sub":1},{"id":991,"title":"المبحث الثاني ـ قضاء الفوائت","lvl":3,"sub":0},{"id":991,"title":"أولا ـ معنى القضاء وحكمه شرعا","lvl":4,"sub":1},{"id":993,"title":"ثانيا ـ أعذار سقوط الصلاة وتأخيرها","lvl":4,"sub":0},{"id":993,"title":"أ ـ أعذار سقوط الصلاة","lvl":5,"sub":1},{"id":996,"title":"إسقاط الصلاة والصوم وغيرهما عن المريض العاجز الذي مات","lvl":6,"sub":0},{"id":997,"title":"ب ـ أعذار تأخير الصلاة عن وقتها","lvl":5,"sub":0},{"id":997,"title":"ثالثا ـ كيفية قضاء الفائتة أو صفتها","lvl":4,"sub":1},{"id":999,"title":"قضاء الفائتة بجماعة، وقضاء السنن","lvl":5,"sub":0},{"id":999,"title":"القضاء على الفور","lvl":5,"sub":1},{"id":999,"title":"رابعا ـ الترتيب في قضاء الفوائت ومتى يسقط الترتيب؟","lvl":4,"sub":2},{"id":999,"title":"الحنفية","lvl":5,"sub":3},{"id":1001,"title":"المالكية","lvl":5,"sub":0},{"id":1003,"title":"الحنابلة","lvl":5,"sub":0},{"id":1004,"title":"الشافعية","lvl":5,"sub":0},{"id":1004,"title":"خامسا ـ القضاء إن جهل عدد الفوائت","lvl":4,"sub":1},{"id":1004,"title":"سادسا ـ القضاء في وقت النهي عن الصلاة","lvl":4,"sub":2},{"id":1006,"title":"الفصل العاشر: أنواع الصلاة","lvl":2,"sub":0},{"id":1006,"title":"المبحث الأول ـ صلاة الجماعة وأحكامها (الإمامة والاقتداء)","lvl":3,"sub":1},{"id":1006,"title":"المطلب الأول ـ الجماعة","lvl":4,"sub":2},{"id":1006,"title":"أولا ـ تعريف الجماعة","lvl":5,"sub":3},{"id":1006,"title":"ثانيا ـ مشروعية الجماعة وفضلها وحكمتها","lvl":5,"sub":4},{"id":1007,"title":"فضلها","lvl":6,"sub":0},{"id":1007,"title":"آكد الجماعات في غير الجمعة","lvl":6,"sub":1},{"id":1008,"title":"حكمتها","lvl":6,"sub":0},{"id":1008,"title":"ثالثا ـ حكم صلاة الجماعة","lvl":5,"sub":1},{"id":1011,"title":"رابعا ـ أقل الجماعة أو من تنعقد به الجماعة","lvl":5,"sub":0},{"id":1011,"title":"خامسا ـ أفضل الجماعة، وحضور النساء المساجد","lvl":5,"sub":1},{"id":1011,"title":"رتب الفقهاء أفضلية المساجد التي تقام فيها الجماعة","lvl":6,"sub":2},{"id":1012,"title":"حضور النساء إلى المساجد","lvl":6,"sub":0},{"id":1015,"title":"سادسا ـ إدراك ثواب الجماعة","lvl":5,"sub":0},{"id":1016,"title":"سابعا ـ إدراك الفريضة مع الإمام","lvl":5,"sub":0},{"id":1016,"title":"هل يركع من أدرك الإمام راكعا دون الصف؟","lvl":6,"sub":1},{"id":1017,"title":"ثامنا - المشي للجماعة والمبادرة إليها مع الإمام","lvl":5,"sub":0},{"id":1017,"title":"المشي للجماعة","lvl":6,"sub":1},{"id":1017,"title":"المبادرة للاقتداء مع الإمام","lvl":6,"sub":2},{"id":1022,"title":"تاسعا ـ تكرار الجماعة في المسجد","lvl":5,"sub":0},{"id":1024,"title":"عاشرا ـ إعادة المنفرد الصلاة جماعة","lvl":5,"sub":0},{"id":1027,"title":"الحادي عشر ـ وقت استحباب القيام للجماعة أو الصلاة","lvl":5,"sub":0},{"id":1027,"title":"الثاني عشر ـ أعذار ترك الجماعة والجمعة","lvl":5,"sub":1},{"id":1030,"title":"المطلب الثاني ـ الإمامة","lvl":4,"sub":0},{"id":1031,"title":"أولا ـ تعريف الإمامة ونوعاها","lvl":5,"sub":0},{"id":1031,"title":"ثانيا ـ شروط صحة الإمامة أو الجماعة","lvl":5,"sub":1},{"id":1031,"title":"1 - الإسلام","lvl":6,"sub":3},{"id":1032,"title":"2 - العقل","lvl":6,"sub":0},{"id":1032,"title":"3 - البلوغ","lvl":6,"sub":1},{"id":1033,"title":"4 - الذكورة المحققة إذا كان المقتدي به رجلا أو خنثى","lvl":6,"sub":0},{"id":1034,"title":"5 - الطهارة من الحدث والخبث","lvl":6,"sub":0},{"id":1035,"title":"6 - إحسان القراءة والأركان","lvl":6,"sub":0},{"id":1035,"title":"7 - كونه غير مأموم","lvl":6,"sub":2},{"id":1035,"title":"الاقتداء بمن كان مقتديا بالإمام (وهو المسبوق) بعد انقطاع القدوة","lvl":7,"sub":3},{"id":1037,"title":"8 - اشتراط الحنفية والحنابلة (1) : السلامة من الأعذار","lvl":6,"sub":0},{"id":1037,"title":"9 - أن يكون الإمام صحيح اللسان، بحيث ينطق بالحروف على وجهها","lvl":6,"sub":1},{"id":1038,"title":"الصلاة وراء المخالف في المذهب","lvl":7,"sub":0},{"id":1038,"title":"10 - اشتراط الحنفية والشافعية: أن تكون صلاة الإمام صحيحة في مذهب المأموم","lvl":6,"sub":1},{"id":1038,"title":"11 - اشتراط الحنابلة أن يكون الإمام عدلا","lvl":6,"sub":2},{"id":1039,"title":"12 - اشتراط المالكية والحنفية والحنابلة: ألا يكون الإمام معيدا صلاته لتحصيل فضيلة الجماعة","lvl":6,"sub":0},{"id":1039,"title":"ثالثا - الأحق بالإمامة","lvl":5,"sub":1},{"id":1039,"title":"أحق الناس بالإمامة في ظروفنا الحاضرة","lvl":6,"sub":2},{"id":1039,"title":"مذهب الحنفية","lvl":6,"sub":3},{"id":1040,"title":"مذهب المالكية","lvl":6,"sub":0},{"id":1041,"title":"مذهب الشافعية","lvl":6,"sub":0},{"id":1042,"title":"مذهب الحنابلة","lvl":6,"sub":0},{"id":1043,"title":"رابعا ـ من تكره إمامته ومكروهات الإمامة","lvl":5,"sub":0},{"id":1048,"title":"مكروهات الإمامة في المذاهب","lvl":6,"sub":0},{"id":1048,"title":"مذهب الحنفية","lvl":7,"sub":1},{"id":1049,"title":"مذهب المالكية","lvl":7,"sub":0},{"id":1049,"title":"تكره إمامة بعض الأشخاص في حالة دون حالة","lvl":8,"sub":1},{"id":1052,"title":"مذهب الشافعية","lvl":7,"sub":0},{"id":1052,"title":"مذهب الحنابلة","lvl":7,"sub":1},{"id":1054,"title":"خامسا ـ متى تفسد صلاة الإمام دون المؤتم؟","lvl":5,"sub":0},{"id":1056,"title":"سادسا ـ ما تفسد به صلاة الإمام والمأمومين","lvl":5,"sub":0},{"id":1057,"title":"سابعا ـ ما يحمله الإمام عن المأموم","lvl":5,"sub":0},{"id":1058,"title":"ما ذكره الحنابلة فيما يتحمله الإمام عن المأموم","lvl":6,"sub":0},{"id":1059,"title":"ثامنا ـ الأحكام الخاصة بالإمام","lvl":5,"sub":0},{"id":1059,"title":"المسألة الأولى ـ هل يؤمن الإمام إذا فرغ من قراءة الفاتحة، أو المأموم هو الذي يؤمن فقط؟","lvl":6,"sub":1},{"id":1060,"title":"المسألة الثانية ـ متى يكبر الإمام تكبيرة الإحرام؟","lvl":6,"sub":0},{"id":1060,"title":"المسألة الثالثة ـ هل يفتح على الإمام إذا أرتج عليه أو لا؟","lvl":6,"sub":1},{"id":1061,"title":"المسألة الرابعة ـ ارتفاع الإمام عن المأمومين","lvl":6,"sub":0},{"id":1061,"title":"مسألة خامسة ملحقة ـ هل يجب على الإمام أن ينوي الإمامة أو لا؟","lvl":6,"sub":1},{"id":1062,"title":"المطلب الثالث ـ القدوة","lvl":4,"sub":0},{"id":1062,"title":"أولا ـ شروط صحة القدوة","lvl":5,"sub":1},{"id":1063,"title":"ثانيا ـ نية مفارقة الإمام وقطع القدوة","lvl":5,"sub":1},{"id":1064,"title":"ثالثا ـ أحوال المقتدي (المدرك، اللاحق، المسبوق)","lvl":5,"sub":0},{"id":1064,"title":"مذهب الحنفية","lvl":6,"sub":1},{"id":1064,"title":"المدرك","lvl":7,"sub":2},{"id":1064,"title":"واللاحق","lvl":7,"sub":3},{"id":1064,"title":"والمسبوق","lvl":7,"sub":4},{"id":1066,"title":"مذهب المالكية","lvl":6,"sub":0},{"id":1067,"title":"معنى قضاء القول","lvl":7,"sub":0},{"id":1067,"title":"معنى البناء على الفعل","lvl":7,"sub":1},{"id":1068,"title":"الشافعية","lvl":6,"sub":0},{"id":1071,"title":"الحنابلة","lvl":6,"sub":0},{"id":1073,"title":"رابعا: ما يفعله المقتدي بعد فراغ إمامه من واجب وغيره","lvl":5,"sub":0},{"id":1074,"title":"المطلب الرابع ـ الأمور المشتركة بين الإمام والمأموم","lvl":4,"sub":0},{"id":1074,"title":"أولا ـ شروط الاقتداء بالإمام","lvl":5,"sub":1},{"id":1074,"title":"1 - نية المؤتم الاقتداء باتفاق المذاهب","lvl":6,"sub":2},{"id":1077,"title":"2 ـ اتحاد صلاتي الإمام والمأموم","lvl":6,"sub":0},{"id":1080,"title":"3 - ألا يتقدم المأموم على إمامه بعقبه (مؤخر قدمه)، أو بأليته (عجزه) إن صلى قاعدا أو بجنبه إن صلى مضطجعا","lvl":6,"sub":0},{"id":1081,"title":"4 ـ اتحاد مكان صلاة الإمام والمقتدي برؤية أو سماع ولو بمبلغ","lvl":6,"sub":0},{"id":1082,"title":"المالكية","lvl":7,"sub":0},{"id":1082,"title":"رأي الحنفية","lvl":7,"sub":1},{"id":1084,"title":"الشافعية","lvl":7,"sub":0},{"id":1085,"title":"الحنابلة","lvl":7,"sub":0},{"id":1086,"title":"5 - متابعة المأموم إمامه","lvl":6,"sub":0},{"id":1087,"title":"قال الحنفية","lvl":7,"sub":0},{"id":1088,"title":"قال المالكية","lvl":7,"sub":0},{"id":1089,"title":"قال الشافعية","lvl":7,"sub":0},{"id":1090,"title":"قال الحنابلة","lvl":7,"sub":0},{"id":1091,"title":"6 - اشترط الشافعية أيضا: الموافقة للإمام في سنة تفحش المخالفة بها","lvl":6,"sub":0},{"id":1092,"title":"7 - اشترط الحنفية أيضا عدم محاذاة المرأة ولو كانت محرما في الصف","lvl":6,"sub":0},{"id":1093,"title":"قال الجمهور غير الحنفية","lvl":7,"sub":0},{"id":1094,"title":"8- اشترط الحنابلة (2) أن يقف المأموم إن كان واحدا عن يمين الإمام","lvl":6,"sub":0},{"id":1094,"title":"ثانيا: موقف الإمام والمأموم","lvl":5,"sub":1},{"id":1098,"title":"فضل الصف الأول","lvl":6,"sub":0},{"id":1099,"title":"ثالثا ـ أمر الإمام بتسوية الصفوف وسد الثغرات","lvl":5,"sub":0},{"id":1099,"title":"رابعا ـ صلاة المنفرد عن الصف","lvl":5,"sub":1},{"id":1101,"title":"المطلب الخامس ـ الاستخلاف في الصلاة","lvl":4,"sub":0},{"id":1101,"title":"الاستخلاف","lvl":5,"sub":1},{"id":1101,"title":"طريقته","lvl":5,"sub":2},{"id":1101,"title":"سببه","lvl":5,"sub":3},{"id":1101,"title":"أحكامه وأسبابه وشروطه","lvl":5,"sub":4},{"id":1101,"title":"قال الحنفية","lvl":6,"sub":5},{"id":1104,"title":"قال المالكية","lvl":6,"sub":0},{"id":1106,"title":"قال الشافعية","lvl":6,"sub":0},{"id":1107,"title":"قال الحنابلة","lvl":6,"sub":0},{"id":1108,"title":"المبحث الثاني ـ صلاة الجمعة","lvl":3,"sub":0},{"id":1108,"title":"المطلب الأول ـ فرضية الجمعة ومنزلتها","lvl":4,"sub":1},{"id":1111,"title":"المطلب الثاني ـ فضل السعي إلى الجمعة وحكمتها","lvl":4,"sub":0},{"id":1111,"title":"حكمتها","lvl":5,"sub":1},{"id":1111,"title":"السعي إليها","lvl":5,"sub":2},{"id":1111,"title":"وقت الرواح المرغب فيه إلى الجمعة","lvl":5,"sub":3},{"id":1112,"title":"ساعة الإجابة","lvl":5,"sub":0},{"id":1112,"title":"خصوصيات الجمعة","lvl":5,"sub":1},{"id":1113,"title":"التشريك في العبادة","lvl":5,"sub":0},{"id":1113,"title":"البيع وقت النداء لصلاة الجمعة","lvl":5,"sub":1},{"id":1115,"title":"المطلب الثالث ـ من تجب عليه الجمعة أو شروط وجوب الجمعة","lvl":4,"sub":0},{"id":1115,"title":"شروط وجوب الجمعة","lvl":5,"sub":1},{"id":1115,"title":"يزاد عليها أربعة شروط","lvl":5,"sub":2},{"id":1116,"title":"1 - الذكورة","lvl":5,"sub":0},{"id":1116,"title":"2 - الحرية","lvl":5,"sub":1},{"id":1116,"title":"3 - الإقامة في محل الجمعة","lvl":5,"sub":2},{"id":1119,"title":"السفر يوم الجمعة","lvl":6,"sub":0},{"id":1120,"title":"4 - السلامة من الأعذار","lvl":5,"sub":0},{"id":1120,"title":"سقوط الجمعة عمن حضر العيد إلا الإمام عند الحنابلة","lvl":5,"sub":1},{"id":1121,"title":"المطلب الرابع ـ كيفية الجمعة ومقدارها","lvl":4,"sub":0},{"id":1121,"title":"المطلب الخامس ـ شروط صحة الجمعة","lvl":4,"sub":1},{"id":1121,"title":"1 - وقت الظهر","lvl":5,"sub":2},{"id":1122,"title":"متى تدرك الصلاة جمعة؟","lvl":6,"sub":0},{"id":1123,"title":"2 - البلد","lvl":5,"sub":0},{"id":1125,"title":"3 - الجماعة","lvl":5,"sub":0},{"id":1127,"title":"4 - كون الأمير أو نائبه هو الإمام، والإذن العام من الإمام بفتح أبواب الجامع للواردين عليه.","lvl":5,"sub":0},{"id":1127,"title":"5 - أن تكون بالإمام وفي الجامع","lvl":5,"sub":1},{"id":1128,"title":"6 - عدم تعدد الجمع لغير حاجة","lvl":5,"sub":0},{"id":1129,"title":"صلاة الظهر بعد الجمعة","lvl":6,"sub":0},{"id":1132,"title":"7 - الخطبة قبل الصلاة","lvl":5,"sub":0},{"id":1132,"title":"شروط الخطبة","lvl":6,"sub":1},{"id":1132,"title":"الحنفية","lvl":7,"sub":2},{"id":1133,"title":"المالكية","lvl":7,"sub":0},{"id":1135,"title":"الشافعية","lvl":7,"sub":0},{"id":1136,"title":"الحنابلة","lvl":7,"sub":0},{"id":1138,"title":"المطلب السادس ـ سنن الخطبة ومكروهاتها","lvl":4,"sub":0},{"id":1145,"title":"الترقية بين يدي الخطيب","lvl":5,"sub":0},{"id":1147,"title":"مكروهات الخطبة","lvl":5,"sub":0},{"id":1149,"title":"التصدق وقت الخطبة","lvl":5,"sub":0},{"id":1150,"title":"المطلب السابع ـ سنن الجمعة ومكروهاتها","lvl":4,"sub":0},{"id":1150,"title":"يسن لصلاة الجمعة","lvl":5,"sub":1},{"id":1155,"title":"مكروهات الجمعة","lvl":5,"sub":0},{"id":1156,"title":"السجود على الظهر ونحوه في الزحمة","lvl":5,"sub":0},{"id":1157,"title":"المطلب الثامن ـ مفسدات الجمعة","lvl":4,"sub":0},{"id":1158,"title":"المطلب التاسع ـ صلاة الظهر يوم الجمعة","lvl":4,"sub":0},{"id":1158,"title":"أولا ـ صلاة الظهر بعد الجمعة","lvl":5,"sub":1},{"id":1159,"title":"ثانيا ـ صلاة الظهر في المنزل يوم الجمعة بغير عذر","lvl":5,"sub":0},{"id":1160,"title":"ثالثا ـ صلاة الظهر جماعة من أصحاب الأعذار","lvl":5,"sub":0},{"id":1162,"title":"رابعا ـ تعجيل صلاة الظهر ممن لا تجب عليه الجمعة","lvl":5,"sub":0},{"id":1162,"title":"خامسا ـ صلاة الظهر بسبب خروج وقت الظهر","lvl":5,"sub":1},{"id":1162,"title":"سادسا ـ صلاة الظهر بسبب اختلال شرط من شرائط الجمعة","lvl":5,"sub":2},{"id":1163,"title":"المبحث الثالث ـ صلاة المسافر (القصر والجمع)","lvl":3,"sub":0},{"id":1163,"title":"المطلب الأول ـ قصر الصلاة الرباعية","lvl":4,"sub":1},{"id":1163,"title":"أولا ـ مشروعية القصر،وهل القصر عزيمة أو رخصة؟","lvl":5,"sub":2},{"id":1164,"title":"الأحكام المتعلقة بالسفر","lvl":6,"sub":0},{"id":1164,"title":"حكم القصر أو هل القصر رخصة أو عزيمة واجب؟","lvl":6,"sub":1},{"id":1166,"title":"ثانيا ـ سبب مشروعية القصر","lvl":5,"sub":0},{"id":1167,"title":"الموضوع الأول - المسافة التي يجوز فيها القصر","lvl":6,"sub":0},{"id":1170,"title":"الثاني ـ نوع السفر الذي تقصر فيه الصلاة","lvl":6,"sub":0},{"id":1171,"title":"الثالث ـ الموضع الذي يبدأ منه المسافر بالقصر ـ أول السفر","lvl":6,"sub":0},{"id":1172,"title":"الرابع ـ مقدار الزمان الذي يقصر فيه إذا أقام المسافر في موضع","lvl":6,"sub":0},{"id":1174,"title":"ثالثا ـ شروط القصر","lvl":5,"sub":0},{"id":1179,"title":"خلاصة آراء الفقهاء في شروط القصر","lvl":6,"sub":0},{"id":1179,"title":"مذهب الحنفية","lvl":7,"sub":1},{"id":1179,"title":"مذهب المالكية","lvl":7,"sub":2},{"id":1180,"title":"مذهب الشافعية","lvl":7,"sub":0},{"id":1180,"title":"مذهب الحنابلة","lvl":7,"sub":1},{"id":1181,"title":"رابعا ـ اقتداء المسافر بالمقيم وعلى العكس","lvl":5,"sub":0},{"id":1181,"title":"اقتداء المسافر بالمقيم","lvl":6,"sub":1},{"id":1181,"title":"اقتداء المقيم بالمسافر","lvl":6,"sub":2},{"id":1182,"title":"خامسا ـ ما يمنع القصر","lvl":5,"sub":0},{"id":1182,"title":"1 - أن ينوي المسافر الإقامة مدة معينة","lvl":6,"sub":1},{"id":1182,"title":"اختلف الفقهاء في تقدير المدة","lvl":7,"sub":2},{"id":1183,"title":"الحنفية","lvl":8,"sub":0},{"id":1184,"title":"المالكية","lvl":8,"sub":0},{"id":1185,"title":"الشافعية","lvl":8,"sub":0},{"id":1185,"title":"الحنابلة","lvl":8,"sub":1},{"id":1185,"title":"2 - العودة إلى محل الإقامة الدائمة، أو نية العودة","lvl":6,"sub":2},{"id":1186,"title":"قال الحنفية","lvl":6,"sub":0},{"id":1186,"title":"متى يتم المسافر الصلاة عادة؟","lvl":7,"sub":1},{"id":1187,"title":"متى يتم المسافر الصلاة ومتى يقصر حالة الانتقال عن الوطن؟","lvl":7,"sub":0},{"id":1188,"title":"قال المالكية","lvl":6,"sub":0},{"id":1188,"title":"قال الشافعية","lvl":6,"sub":1},{"id":1189,"title":"قال الحنابلة","lvl":6,"sub":0},{"id":1189,"title":"خلاصة آراء المذاهب في الحالات التي يمتنع فيها القصر ويصبح المسافر فيها في حكم المقيم","lvl":6,"sub":1},{"id":1189,"title":"الحنفية","lvl":7,"sub":2},{"id":1189,"title":"المالكية","lvl":7,"sub":3},{"id":1190,"title":"الشافعية","lvl":7,"sub":0},{"id":1190,"title":"الحنابلة","lvl":7,"sub":1},{"id":1191,"title":"سادسا ـ قضاء الصلاة الفائتة في السفر","lvl":5,"sub":0},{"id":1192,"title":"سابعا ـ صلاة السنن في السفر","lvl":5,"sub":0},{"id":1193,"title":"المطلب الثاني ـ الجمع بين الصلاتين","lvl":4,"sub":0},{"id":1193,"title":"أولا ـ مشروعية الجمع","lvl":5,"sub":1},{"id":1194,"title":"ثانيا ـ أسباب الجمع بين الصلاتين وشروطه","lvl":5,"sub":0},{"id":1195,"title":"المالكية","lvl":6,"sub":0},{"id":1197,"title":"الشافعية","lvl":6,"sub":0},{"id":1198,"title":"يشترط لجمع التقديم ستة شروط","lvl":7,"sub":0},{"id":1199,"title":"يشترط لجمع التأخير شرطان فقط","lvl":7,"sub":0},{"id":1199,"title":"أما سنة الصلاة","lvl":7,"sub":1},{"id":1199,"title":"الحنابلة","lvl":6,"sub":2},{"id":1204,"title":"المبحث الرابع ـ صلاة العيدين","lvl":3,"sub":0},{"id":1204,"title":"سبب التسمية","lvl":4,"sub":1},{"id":1204,"title":"مضمون البحث","lvl":4,"sub":2},{"id":1204,"title":"أولا ـ أدلة مشروعية صلاة العيد","lvl":4,"sub":3},{"id":1204,"title":"ثانيا ـ حكمها الفقهي","lvl":4,"sub":4},{"id":1206,"title":"شرائط وجوبها وجوازها","lvl":5,"sub":0},{"id":1207,"title":"خروج النساء إلى صلاة العيد","lvl":5,"sub":0},{"id":1208,"title":"ثالثا ـ وقتها","lvl":4,"sub":0},{"id":1208,"title":"تعجيل الصلاة وتأخيرها","lvl":5,"sub":1},{"id":1208,"title":"هل تقضى صلاة العيد وهل تصلى منفردا؟","lvl":5,"sub":2},{"id":1209,"title":"المدرك عند الشافعية والحنابلة","lvl":5,"sub":0},{"id":1209,"title":"صلاتها في اليوم الثاني إذا تأخر إثبات العيد لما بعد الزوال","lvl":5,"sub":1},{"id":1210,"title":"رابعا ـ موضع أداء صلاة العيد","lvl":4,"sub":0},{"id":1211,"title":"خامسا ـ كيفية صلاة العيد أو صفتها","lvl":4,"sub":0},{"id":1212,"title":"كيفيتها في المذاهب","lvl":5,"sub":0},{"id":1212,"title":"الحنفية","lvl":6,"sub":1},{"id":1215,"title":"المالكية","lvl":6,"sub":0},{"id":1216,"title":"الشافعية","lvl":6,"sub":0},{"id":1218,"title":"الحنابلة","lvl":6,"sub":0},{"id":1219,"title":"سادسا ـ خطبة العيد","lvl":4,"sub":0},{"id":1221,"title":"تختلف خطبة العيد عن خطبة الجمعة في أمور","lvl":5,"sub":0},{"id":1222,"title":"سابعا ـ حكم التكبير في العيدين","lvl":4,"sub":0},{"id":1223,"title":"صيغة التكبير","lvl":5,"sub":0},{"id":1223,"title":"التكبير في إدبار الصلوات أيام الحج في عيد الأضحى","lvl":5,"sub":1},{"id":1223,"title":"قال الحنفية","lvl":6,"sub":2},{"id":1223,"title":"مدته","lvl":7,"sub":3},{"id":1225,"title":"قال المالكية","lvl":6,"sub":0},{"id":1226,"title":"قال الشافعية في الأظهر","lvl":6,"sub":0},{"id":1227,"title":"قال الحنابلة","lvl":6,"sub":0},{"id":1228,"title":"ثامنا ـ سنن العيد أو مستحباته أو وظائفه","lvl":4,"sub":0},{"id":1231,"title":"تاسعا ـ التنفل قبل العيد وبعده","lvl":4,"sub":0},{"id":1232,"title":"الحنفية","lvl":5,"sub":0},{"id":1233,"title":"المالكية في المشهور","lvl":5,"sub":0},{"id":1233,"title":"الحنابلة","lvl":5,"sub":1},{"id":1233,"title":"الشافعية","lvl":5,"sub":2},{"id":1233,"title":"عاشرا ـ كيفية صلاته صلى الله عليه وسلم صلاة عيد الفطر والأضحى وكيفية خطبته","lvl":4,"sub":3},{"id":1234,"title":"حادي عشر - صلاة الجمعة في يوم العيد","lvl":4,"sub":0},{"id":1235,"title":"المبحث الخامس ـ صلاة الكسوف والخسوف","lvl":3,"sub":0},{"id":1235,"title":"أولا ـ معنى الكسوف والخسوف","lvl":4,"sub":1},{"id":1236,"title":"ثانيا ـ مشروعية صلاة الكسوفين ونحوها وحكمها الفقهي","lvl":4,"sub":0},{"id":1237,"title":"الصلاة عند الفزع","lvl":5,"sub":0},{"id":1238,"title":"ثالثا ـ صفة صلاة الكسوف","lvl":4,"sub":0},{"id":1238,"title":"1 ـ كيفيتها","lvl":5,"sub":1},{"id":1238,"title":"رأي الحنفية","lvl":6,"sub":2},{"id":1239,"title":"رأي الجمهور","lvl":6,"sub":0},{"id":1242,"title":"2 ـ الجهر والإسرار بالقراءة في صلاة الكسوفين","lvl":5,"sub":0},{"id":1243,"title":"3 ـ وقت صلاة الكسوف والخسوف","lvl":5,"sub":0},{"id":1244,"title":"تفصيل آراء المذاهب","lvl":6,"sub":0},{"id":1244,"title":"قال الحنفية","lvl":7,"sub":1},{"id":1244,"title":"قال المالكية","lvl":7,"sub":2},{"id":1244,"title":"قال الشافعية","lvl":7,"sub":3},{"id":1245,"title":"قال الحنابلة","lvl":7,"sub":0},{"id":1246,"title":"4 - هل لصلاة الكسوف خطبة؟","lvl":5,"sub":0},{"id":1246,"title":"ذكر الله تعالى والدعاء","lvl":6,"sub":1},{"id":1246,"title":"5 ـ الجماعة في صلاة الكسوف وموضعها","lvl":5,"sub":2},{"id":1247,"title":"وأما صلاة خسوف القمر","lvl":6,"sub":0},{"id":1248,"title":"6 ـ هل صلاة خسوف القمر مثل صلاة الكسوف؟","lvl":5,"sub":0},{"id":1249,"title":"رابعا ـ متى يدركها المسبوق؟","lvl":4,"sub":0},{"id":1249,"title":"خامسا ـ هل تقدم صلاة الكسوف على غيرها عند اجتماعها معها؟","lvl":4,"sub":1},{"id":1250,"title":"المبحث السادس ـ صلاة الاستسقاء","lvl":3,"sub":0},{"id":1250,"title":"أولا ـ تعريف الاستسقاء وسببه","lvl":4,"sub":1},{"id":1251,"title":"ثانيا ـ مشروعية صلاة الاستسقاء","lvl":4,"sub":0},{"id":1253,"title":"ثالثا ـ صفة صلاة الاستسقاء ووقتها والمكلف بها والقراءة فيها","lvl":4,"sub":0},{"id":1254,"title":"وقتها","lvl":5,"sub":0},{"id":1256,"title":"إخراج الدواب","lvl":5,"sub":0},{"id":1256,"title":"التوسل بذوي الصلاح","lvl":5,"sub":1},{"id":1257,"title":"وهل يخرج أهل الذمة؟","lvl":5,"sub":0},{"id":1258,"title":"رابعا ـ خطبة الاستسقاء","lvl":4,"sub":0},{"id":1260,"title":"الدعاء بالخطبة","lvl":5,"sub":0},{"id":1261,"title":"رفع الأيدي في الدعاء","lvl":5,"sub":0},{"id":1261,"title":"قلب الرداء أو تحويله","lvl":5,"sub":1},{"id":1263,"title":"خامسا ـ ما يستحب في الاستسقاء أو وظائف الاستسقاء:","lvl":4,"sub":0},{"id":1266,"title":"ويكره أن يقول: مطرنا بنوء كذا:","lvl":5,"sub":0},{"id":1266,"title":"ويكره سب الريح","lvl":5,"sub":1},{"id":1266,"title":"ويسبح عند الرعد والصواعق","lvl":5,"sub":2},{"id":1266,"title":"ويقول عند انقضاض الكوكب","lvl":5,"sub":3},{"id":1266,"title":"وإذا سمع نهيق حمار","lvl":5,"sub":4},{"id":1266,"title":"وإذا سمع نباح كلب","lvl":5,"sub":5},{"id":1266,"title":"وإذا سمع صياح الديكة","lvl":5,"sub":6},{"id":1268,"title":"المبحث السابع ـ صلاة الخوف","lvl":3,"sub":0},{"id":1268,"title":"أولا ـ مشروعية صلاة الخوف","lvl":4,"sub":1},{"id":1270,"title":"ثانيا ـ سبب صلاة الخوف وشروطها","lvl":4,"sub":0},{"id":1271,"title":"ثالثا ـ كيفية أداء صلاة الخوف أو صفتها","lvl":4,"sub":0},{"id":1272,"title":"الأولى ـ صلاة النبي صلى الله عليه وسلم في عسفان","lvl":5,"sub":0},{"id":1273,"title":"الثانية ـ صلاة النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة ذات الرقاع","lvl":5,"sub":0},{"id":1274,"title":"الثالثة ـ صلاة النبي صلى الله عليه وسلم كما رواها ابن عمر","lvl":5,"sub":0},{"id":1274,"title":"كيفية أداء الصلوات الخمس حال الإقامة","lvl":6,"sub":1},{"id":1275,"title":"الرابعة ـ صلاة النبي صلى الله عليه وسلم في بطن نخل (مكان من نجد بأرض غطفان)","lvl":5,"sub":0},{"id":1275,"title":"الخامسة ـ صلاة النبي صلى الله عليه وسلم في ذات الرقاع كما رواها جابر","lvl":5,"sub":1},{"id":1275,"title":"السادسة ـ صلاة النبي صلى الله عليه وسلم بذي قرد","lvl":5,"sub":2},{"id":1275,"title":"السابعة ـ صلاته صلى الله عليه وسلم بأصحابه عام غزوة نجد، رواها أبو هريرة","lvl":5,"sub":3},{"id":1276,"title":"حمل السلاح في أثناء الصلاة","lvl":5,"sub":0},{"id":1276,"title":"صلاة الجمعة في حال الخوف","lvl":5,"sub":1},{"id":1277,"title":"سهو الإمام في صلاة الخوف","lvl":5,"sub":0},{"id":1277,"title":"رابعا ـ صفة ما يقضيه المسبوق في صلاة الخوف، هل هو أول صلاته أو آخرها؟","lvl":4,"sub":1},{"id":1278,"title":"خامسا ـ متى تبطل صلاة الخوف؟","lvl":4,"sub":0},{"id":1279,"title":"سادسا ـ الصلاة عند التحام القتال واشتداد الخوف","lvl":4,"sub":0},{"id":1279,"title":"قال الحنفية","lvl":5,"sub":1},{"id":1279,"title":"قال الجمهور","lvl":5,"sub":2},{"id":1279,"title":"عبارة المالكية","lvl":5,"sub":3},{"id":1280,"title":"عبارة الشافعية","lvl":5,"sub":0},{"id":1280,"title":"عبارة الحنابلة","lvl":5,"sub":1},{"id":1281,"title":"المبحث الثامن ـ صلاة الجنازة، وأحكام الجنائز والشهداء والقبور","lvl":3,"sub":0},{"id":1281,"title":"المطلب الأول ـ مايطلب من المسلم قبل الموت، وما يستحب حالة الاحتضار وبعد الموت من التجهيز","lvl":4,"sub":1},{"id":1281,"title":"الاستعداد للموت","lvl":5,"sub":2},{"id":1283,"title":"عيادة المريض","lvl":5,"sub":0},{"id":1283,"title":"الرقية","lvl":5,"sub":1},{"id":1284,"title":"مجاملة المريض","lvl":5,"sub":0},{"id":1284,"title":"الشكوى والصبر وحسن الظن بالله تعالى","lvl":5,"sub":1},{"id":1285,"title":"كراهة تمني الموت","lvl":5,"sub":0},{"id":1286,"title":"التداوي","lvl":5,"sub":0},{"id":1287,"title":"عيادة الذمي","lvl":5,"sub":0},{"id":1287,"title":"توبة اليأس وإيمان اليأس","lvl":5,"sub":1},{"id":1287,"title":"موت الفجأة وهيئة البعث","lvl":5,"sub":2},{"id":1287,"title":"ما يستحب حال الاحتضار","lvl":5,"sub":3},{"id":1287,"title":"أ - إضجاعه على جنبه الأيمن إلى القبلة","lvl":6,"sub":4},{"id":1288,"title":"ب - تلقينه الشهادة مرة","lvl":6,"sub":0},{"id":1290,"title":"جـ ـ قراءة القرآن عند المحتضر","lvl":6,"sub":0},{"id":1290,"title":"إغماض عينيه، وشد لحييه","lvl":6,"sub":1},{"id":1291,"title":"هـ ـ النعي","lvl":6,"sub":0},{"id":1292,"title":"و ـ الإسراع بالتجهيز","lvl":6,"sub":0},{"id":1293,"title":"المطلب الثاني ـ حقوق الميت","lvl":4,"sub":0},{"id":1294,"title":"الفرض الأول ـ تغسيل الميت","lvl":5,"sub":0},{"id":1294,"title":"أولا ـ حكم الغسل","lvl":6,"sub":1},{"id":1294,"title":"ثانيا ـ صفة الغاسل","lvl":6,"sub":2},{"id":1294,"title":"1 - من هو الأولى بالغسل؟","lvl":7,"sub":3},{"id":1296,"title":"2 - شروط الغاسل","lvl":7,"sub":0},{"id":1297,"title":"3 - ما يستحب في الغاسل","lvl":7,"sub":0},{"id":1299,"title":"ثالثا ـ حالة المغسول","lvl":6,"sub":0},{"id":1300,"title":"رابعا ـ شروط إيجاب الغسل","lvl":6,"sub":0},{"id":1301,"title":"خامسا ـ هل يوضأ الميت؟","lvl":6,"sub":0},{"id":1302,"title":"سادسا ـ كيفية الغسل ومقداره ومندوباته","lvl":6,"sub":0},{"id":1303,"title":"هل يسرح شعر الميت ويؤخذ ظفره وشعره","lvl":6,"sub":0},{"id":1304,"title":"استعمال القطن","lvl":6,"sub":0},{"id":1304,"title":"خلاصة مندوبات الغسل","lvl":6,"sub":1},{"id":1306,"title":"الفرض الثاني ـ تكفين الميت","lvl":5,"sub":1},{"id":1306,"title":"أولا ـ حكم التكفين والملزم بالكفن","lvl":6,"sub":2},{"id":1307,"title":"ثانيا ـ صفة الكفن ومقداره وكيفيته","lvl":6,"sub":0},{"id":1308,"title":"قال الحنفية","lvl":7,"sub":0},{"id":1309,"title":"قال المالكية","lvl":7,"sub":0},{"id":1310,"title":"قال الشافعية","lvl":7,"sub":0},{"id":1311,"title":"قال الحنابلة","lvl":7,"sub":0},{"id":1312,"title":"ثالثا - ما يندب في الأكفان","lvl":6,"sub":0},{"id":1314,"title":"الفرض الثالث ـ الصلاة على الميت","lvl":5,"sub":0},{"id":1314,"title":"أولا ـ حكم الصلاة على الميت","lvl":6,"sub":1},{"id":1316,"title":"ثانيا ـ من الأولى بالصلاة على الجنازة؟","lvl":6,"sub":0},{"id":1319,"title":"ثالثا ـ حالة اجتماع الجنائز","lvl":6,"sub":0},{"id":1319,"title":"رابعا ـ أركان صلاة الجنازة وسننها وكيفيتها","lvl":6,"sub":1},{"id":1320,"title":"كيفيتها","lvl":7,"sub":0},{"id":1324,"title":"مندوباتها","lvl":7,"sub":0},{"id":1326,"title":"سننها","lvl":7,"sub":0},{"id":1327,"title":"كيفية الصلاة","lvl":7,"sub":0},{"id":1329,"title":"خامسا ـ مكان وقوف الإمام من الجنازة","lvl":6,"sub":0},{"id":1331,"title":"سادسا ـ حالة المسبوق في صلاة الجنازة","lvl":6,"sub":0},{"id":1332,"title":"سابعا ـ شروط الصلاة على الميت","lvl":6,"sub":0},{"id":1334,"title":"ثامنا ـ وقت الصلاة على الجنازة","lvl":6,"sub":0},{"id":1335,"title":"تاسعا ـ الصلاة على الميت بعد الدفن وتكرار الصلاة عليه قبل الدفن","lvl":6,"sub":0},{"id":1335,"title":"الصلاة على الميت بعد الدفن","lvl":7,"sub":1},{"id":1335,"title":"قال الحنفية","lvl":8,"sub":2},{"id":1335,"title":"قال المالكية","lvl":8,"sub":3},{"id":1336,"title":"قال الشافعية","lvl":8,"sub":0},{"id":1336,"title":"قال الحنابلة","lvl":8,"sub":1},{"id":1336,"title":"عاشرا ـ الصلاة على الغائب","lvl":6,"sub":2},{"id":1337,"title":"الحادي عشر ـ الصلاة على المولود","lvl":6,"sub":0},{"id":1338,"title":"الثاني عشر ـ مكان الصلاة","lvl":6,"sub":0},{"id":1339,"title":"الصلاة في المقبرة على الجنازة","lvl":7,"sub":0},{"id":1339,"title":"الصلاة على الجنازة في المسجد","lvl":7,"sub":1},{"id":1341,"title":"الفرض الرابع ـ دفن الميت","lvl":5,"sub":0},{"id":1341,"title":"أولا ـ حمل الميت لغير بلد موته","lvl":6,"sub":1},{"id":1342,"title":"ثانيا ـ حمل الجنازة وكيفيته","lvl":6,"sub":0},{"id":1344,"title":"ثالثا ـ سنن تشييع الجنازة","lvl":6,"sub":0},{"id":1344,"title":"1 - الإسراع بالجنازة","lvl":7,"sub":1},{"id":1344,"title":"2 - اتباع الجنازة","lvl":7,"sub":2},{"id":1345,"title":"3 - الخشوع والتفكر بالموت","lvl":7,"sub":0},{"id":1346,"title":"4 - ستر نعش المرأة","lvl":7,"sub":0},{"id":1346,"title":"5 - المشي أمام الجنازة","lvl":7,"sub":1},{"id":1347,"title":"6- القيام للجنازة","lvl":7,"sub":0},{"id":1348,"title":"7 - عدم جلوس المشيعين حتى توضع الجنازة","lvl":7,"sub":0},{"id":1348,"title":"رابعا ـ مكروهات الجنازة","lvl":6,"sub":1},{"id":1351,"title":"خامسا ـ حكم الدفن وتعجيله","lvl":6,"sub":0},{"id":1352,"title":"الدفن في البيوت","lvl":7,"sub":0},{"id":1352,"title":"الدفن في البقاع الشريفة","lvl":7,"sub":1},{"id":1352,"title":"جمع الأقارب في موضع واحد","lvl":7,"sub":2},{"id":1353,"title":"سادسا ـ صفة القبور واحترامها","lvl":6,"sub":0},{"id":1359,"title":"احترام القبور","lvl":7,"sub":0},{"id":1359,"title":"1- يكره الجلوس على القبر، والمشي عليه، والنوم وقضاء الحاجة من بول أوغائط","lvl":8,"sub":1},{"id":1359,"title":"2 - يحرم نبش القبر","lvl":8,"sub":2},{"id":1361,"title":"3 - نقل الميت بعد الدفن","lvl":8,"sub":0},{"id":1363,"title":"4 - قال الشافعية (1) : لا بأس بتطييب القبر","lvl":8,"sub":0},{"id":1363,"title":"5 - جمع أكثر من ميت في قبر واحد","lvl":8,"sub":1},{"id":1364,"title":"سابعا ـ أحكام الدفن","lvl":6,"sub":0},{"id":1364,"title":"1 - كيفيته","lvl":7,"sub":1},{"id":1366,"title":"2 - مكان الدفن والدفن في البحر","lvl":7,"sub":0},{"id":1367,"title":"3 - زمان الدفن","lvl":7,"sub":0},{"id":1368,"title":"4 - ما يقال عند الدفن","lvl":7,"sub":0},{"id":1368,"title":"5 - التلقين بعد الدفن","lvl":7,"sub":1},{"id":1369,"title":"6 - ستر القبر","lvl":7,"sub":0},{"id":1370,"title":"7 - الدفن في تابوت أو صندوق","lvl":7,"sub":0},{"id":1370,"title":"ثامنا ـ زيارة القبور","lvl":6,"sub":1},{"id":1371,"title":"حكم زيارة القبور","lvl":7,"sub":0},{"id":1371,"title":"أ ـ رأي الحنفية","lvl":8,"sub":1},{"id":1372,"title":"ب ـ رأي الجمهور","lvl":8,"sub":0},{"id":1374,"title":"المطلب الثالث ـ التعزية وتوابعها","lvl":4,"sub":0},{"id":1374,"title":"أولا ـ تعريفها وحكمها","lvl":5,"sub":1},{"id":1375,"title":"ثانيا ـ البكاء والرثاء والنياحة واللطم والشق","lvl":5,"sub":0},{"id":1378,"title":"ثالثا ـ ما ينبغي للمصاب والثواب على المصيبة","lvl":5,"sub":0},{"id":1380,"title":"رابعا ـ ضيافة أهل الميت وصنع الطعام لهم","lvl":5,"sub":0},{"id":1381,"title":"خامسا ـ القراءة على الميت وإهداء الثواب له","lvl":5,"sub":0},{"id":1383,"title":"المطلب الرابع ـ الشهادة في سبيل الله","lvl":4,"sub":0},{"id":1383,"title":"فضل الشهادة في سبيل الله","lvl":5,"sub":1},{"id":1385,"title":"تعريف الشهيد","lvl":5,"sub":0},{"id":1388,"title":"أحكام الشهداء","lvl":5,"sub":0},{"id":1388,"title":"قال الحنفية","lvl":6,"sub":1},{"id":1389,"title":"قال الجمهور","lvl":6,"sub":0},{"id":1390,"title":"شهداء غير المعركة","lvl":5,"sub":0},{"id":1390,"title":"1 - شهيد في حكم الدنيا والآخرة","lvl":6,"sub":1},{"id":1390,"title":"2 - وشهيد في حكم الدنيا فقط","lvl":6,"sub":2},{"id":1390,"title":"3 - شهيد في حكم الآخرة فقط","lvl":6,"sub":3},{"id":1391,"title":"المعصية والشهادة","lvl":5,"sub":0},{"id":1393,"title":"- - - -الجزء الثالث- - - -","lvl":1,"sub":0},{"id":1393,"title":"((الباب الثالث: الصيام والاعتكاف))","lvl":2,"sub":1},{"id":1393,"title":"الفصل الأول: الصيام","lvl":3,"sub":2},{"id":1393,"title":"المبحث الأول ـ تعريف الصوم وزمنه وفوائده، وفضل رمضان وليلة القدر، وأهم الأحداث التاريخية في رمضان","lvl":4,"sub":3},{"id":1393,"title":"المطلب الأول ـ تعريف الصوم، وركنه وزمنه وفوائده","lvl":5,"sub":4},{"id":1393,"title":"تعريف الصوم","lvl":6,"sub":5},{"id":1393,"title":"ركن الصوم","lvl":6,"sub":6},{"id":1394,"title":"زمن الصوم","lvl":6,"sub":0},{"id":1394,"title":"فوائد الصيام","lvl":6,"sub":1},{"id":1397,"title":"المطلب الثاني ـ فضل رمضان وليلة القدر","lvl":5,"sub":0},{"id":1399,"title":"ليلة القدر","lvl":6,"sub":0},{"id":1400,"title":"الحكمة في إخفائها","lvl":6,"sub":0},{"id":1400,"title":"علاماتها","lvl":6,"sub":1},{"id":1402,"title":"المطلب الثالث ـ أهم الأحداث التاريخية الواقعة في رمضان","lvl":5,"sub":0},{"id":1402,"title":"1 - معركة بدر الكبرى","lvl":6,"sub":1},{"id":1403,"title":"2 - فتح مكة","lvl":6,"sub":0},{"id":1403,"title":"3 - وقعت بعض أحداث غزوة تبوك","lvl":6,"sub":1},{"id":1403,"title":"4 - انتشر الإسلام في اليمن","lvl":6,"sub":2},{"id":1403,"title":"6 - قدم في السنة التاسعة في رمضان وفد ثقيف","lvl":6,"sub":3},{"id":1403,"title":"7 - في صبيحة يوم الجمعة في 25 من رمضان479 هـ حدثت موقعة الزلاقة","lvl":6,"sub":4},{"id":1403,"title":"8 - موقعة عين جالوت","lvl":6,"sub":5},{"id":1404,"title":"9 - فتح الأندلس","lvl":6,"sub":0},{"id":1405,"title":"المبحث الثاني ـ فرضية الصيام وأنواعه","lvl":4,"sub":0},{"id":1405,"title":"فرضية الصيام وتاريخها","lvl":5,"sub":1},{"id":1406,"title":"أنواع الصيام","lvl":5,"sub":0},{"id":1406,"title":"النوع الأول ـ الواجب","lvl":6,"sub":1},{"id":1407,"title":"النوع الثاني ـ الصوم الحرام","lvl":6,"sub":0},{"id":1407,"title":"1 - صيام المرأة نفلا","lvl":7,"sub":1},{"id":1407,"title":"2 - صوم يوم الشك","lvl":7,"sub":2},{"id":1407,"title":"الحنفية","lvl":8,"sub":3},{"id":1407,"title":"المالكية","lvl":8,"sub":4},{"id":1408,"title":"الشافعية","lvl":8,"sub":0},{"id":1409,"title":"الحنابلة","lvl":8,"sub":0},{"id":1410,"title":"3 - صوم عيد الفطر والأضحى وأيام التشريق بعده","lvl":7,"sub":0},{"id":1411,"title":"4 - صوم الحائض والنفساء","lvl":7,"sub":0},{"id":1411,"title":"5 - قال الشافعية: يحرم صوم النصف الأخير من شعبان","lvl":7,"sub":1},{"id":1411,"title":"6 - صيام من يخاف على نفسه الهلاك بصومه","lvl":7,"sub":2},{"id":1411,"title":"النوع الثالث ـ الصوم المكروه","lvl":6,"sub":3},{"id":1412,"title":"الحنفية","lvl":7,"sub":0},{"id":1412,"title":"المالكية","lvl":7,"sub":1},{"id":1414,"title":"الشافعية","lvl":7,"sub":0},{"id":1414,"title":"الحنابلة","lvl":7,"sub":1},{"id":1415,"title":"النوع الرابع ـ صوم التطوع أو الصوم المندوب","lvl":6,"sub":0},{"id":1419,"title":"آراء المذاهب في الصوم المندوب","lvl":7,"sub":0},{"id":1419,"title":"قال الحنفية","lvl":8,"sub":1},{"id":1420,"title":"قال المالكية","lvl":8,"sub":0},{"id":1420,"title":"ذكر الشافعية","lvl":8,"sub":1},{"id":1421,"title":"سرد الحنابلة","lvl":8,"sub":0},{"id":1422,"title":"هل يلزم التطوع بالشروع فيه؟","lvl":7,"sub":0},{"id":1423,"title":"المبحث الثالث ـ متى يجب الصوم، وكيفية إثبات هلال الشهر واختلاف المطالع؟","lvl":4,"sub":0},{"id":1423,"title":"المطلب الأول ـ متى يجب الصوم؟","lvl":5,"sub":1},{"id":1425,"title":"المطلب الثاني ـ كيفية إثبات هلال رمضان وهلال شوال","lvl":5,"sub":0},{"id":1425,"title":"الحنفية","lvl":6,"sub":1},{"id":1426,"title":"المالكية","lvl":6,"sub":0},{"id":1427,"title":"الشافعية","lvl":6,"sub":0},{"id":1428,"title":"الحنابلة","lvl":6,"sub":0},{"id":1430,"title":"طلب رؤية الهلال","lvl":6,"sub":0},{"id":1431,"title":"المطلب الثالث ـ اختلاف المطالع","lvl":5,"sub":0},{"id":1432,"title":"قال الحنفية","lvl":6,"sub":0},{"id":1432,"title":"قال المالكية","lvl":6,"sub":1},{"id":1432,"title":"قال الحنابلة","lvl":6,"sub":2},{"id":1432,"title":"الشافعية","lvl":6,"sub":3},{"id":1433,"title":"الأدلة","lvl":6,"sub":0},{"id":1433,"title":"أدلة الشافعية","lvl":7,"sub":1},{"id":1434,"title":"أدلة الجمهور","lvl":7,"sub":0},{"id":1436,"title":"المبحث الرابع ـ شروط الصوم","lvl":4,"sub":0},{"id":1436,"title":"المطلب الأول ـ شروط وجوب الصوم","lvl":5,"sub":1},{"id":1436,"title":"1 - الإسلام","lvl":6,"sub":2},{"id":1437,"title":"2 - 3 - البلوغ والعقل","lvl":6,"sub":0},{"id":1440,"title":"4 - 5 - القدرة (أو الصحة من المرض)، والإقامة","lvl":6,"sub":0},{"id":1441,"title":"المطلب الثاني ـ شروط صحة الصوم","lvl":5,"sub":0},{"id":1442,"title":"شرط الطهارة","lvl":6,"sub":0},{"id":1442,"title":"أما النية فأذكر في الصوم تعريفها وهل هي شرط أو ركن، ومحلها، وشروطها، وصفتها، وأثرها","lvl":6,"sub":1},{"id":1442,"title":"تعريف النية","lvl":7,"sub":2},{"id":1442,"title":"هل النية شرط أو ركن؟","lvl":7,"sub":3},{"id":1443,"title":"محل النية","lvl":7,"sub":0},{"id":1443,"title":"شروط النية","lvl":7,"sub":1},{"id":1443,"title":"1 - تبييت النية","lvl":8,"sub":2},{"id":1444,"title":"الحنفية","lvl":9,"sub":0},{"id":1444,"title":"المالكية","lvl":9,"sub":1},{"id":1445,"title":"الشافعية","lvl":9,"sub":0},{"id":1445,"title":"الحنابلة","lvl":9,"sub":1},{"id":1445,"title":"2 - تعيين النية في الفرض","lvl":8,"sub":2},{"id":1447,"title":"3 - الجزم بالنية","lvl":8,"sub":0},{"id":1448,"title":"نية الفرضية","lvl":9,"sub":0},{"id":1449,"title":"4 - تعدد النية بتعدد الأيام","lvl":8,"sub":0},{"id":1449,"title":"صفة النية وأثرها","lvl":7,"sub":1},{"id":1451,"title":"خلاصة آراء المذاهب في شروط الصوم","lvl":6,"sub":0},{"id":1451,"title":"الحنفية","lvl":7,"sub":1},{"id":1451,"title":"المالكية","lvl":7,"sub":2},{"id":1452,"title":"الشافعية","lvl":7,"sub":0},{"id":1453,"title":"الحنابلة","lvl":7,"sub":0},{"id":1455,"title":"المبحث الخامس ـ سنن الصوم وآدابه ومكروهاته","lvl":4,"sub":0},{"id":1455,"title":"المطلب الأول ـ سنن الصوم وآدابه","lvl":5,"sub":1},{"id":1459,"title":"المطلب الثاني ـ مكروهات الصيام","lvl":5,"sub":0},{"id":1460,"title":"قال الحنفية","lvl":6,"sub":0},{"id":1461,"title":"قال المالكية","lvl":6,"sub":0},{"id":1461,"title":"قال الشافعية","lvl":6,"sub":1},{"id":1461,"title":"قال الحنابلة","lvl":6,"sub":2},{"id":1463,"title":"المبحث السادس - الأعذار المبيحة للفطر","lvl":4,"sub":0},{"id":1463,"title":"1 - السفر","lvl":5,"sub":1},{"id":1467,"title":"2 - المرض","lvl":5,"sub":0},{"id":1470,"title":"3 - 4 - الحمل والرضاع","lvl":5,"sub":0},{"id":1470,"title":"5 - الهرم","lvl":5,"sub":1},{"id":1470,"title":"6 - إرهاق الجوع والعطش","lvl":5,"sub":2},{"id":1471,"title":"7 - الإكراه","lvl":5,"sub":0},{"id":1471,"title":"صاحب العمل الشاق","lvl":5,"sub":1},{"id":1471,"title":"إنقاذ الغريق ونحوه","lvl":5,"sub":2},{"id":1471,"title":"صوم التطوع","lvl":5,"sub":3},{"id":1472,"title":"الإمساك بعد الفطر بعذر","lvl":5,"sub":0},{"id":1472,"title":"الحنفية","lvl":6,"sub":1},{"id":1472,"title":"المالكية","lvl":6,"sub":2},{"id":1473,"title":"الشافعية","lvl":6,"sub":0},{"id":1474,"title":"الحنابلة","lvl":6,"sub":0},{"id":1474,"title":"المبحث السابع ـ ما يفسد الصوم وما لا يفسده","lvl":4,"sub":1},{"id":1474,"title":"الحنفية","lvl":5,"sub":2},{"id":1474,"title":"أولا ـ مايفسد الصوم ويوجب القضاء فقط دون الكفارة","lvl":6,"sub":3},{"id":1477,"title":"ثانيا ـ ما يفسد الصوم ويوجب القضاء والكفارة معا","lvl":6,"sub":0},{"id":1478,"title":"ما لا يفسد الصوم عند الحنفية","lvl":6,"sub":0},{"id":1481,"title":"المالكية","lvl":5,"sub":0},{"id":1481,"title":"الأول ـ ما يفسد الصوم ويوجب القضاء فقط","lvl":6,"sub":1},{"id":1482,"title":"الثاني ـ ما يفسد الصوم ويوجب القضاء والكفارة معا بالفطر في رمضان فقط دون غيره","lvl":6,"sub":0},{"id":1485,"title":"ما لا يفسد الصوم","lvl":6,"sub":0},{"id":1485,"title":"الشافعية","lvl":5,"sub":1},{"id":1485,"title":"الأول ـ ما يفسد الصوم ويوجب القضاء فقط","lvl":6,"sub":2},{"id":1488,"title":"الثاني - ما يوجب القضاء والكفارة والتعزير","lvl":6,"sub":0},{"id":1490,"title":"ما لا يفسد الصوم عند الشافعية","lvl":6,"sub":0},{"id":1491,"title":"الحنابلة","lvl":5,"sub":0},{"id":1491,"title":"الأول ـ ما يفسد الصوم ويوجب القضاء فقط","lvl":6,"sub":1},{"id":1493,"title":"الثاني ـ ما يوجب القضاء والكفارة معا","lvl":6,"sub":0},{"id":1496,"title":"مالا يفسد الصوم","lvl":6,"sub":0},{"id":1499,"title":"المبحث الثامن ـ قضاء الصوم وكفارته وفديته","lvl":4,"sub":0},{"id":1499,"title":"المطلب الأول ـ قضاء الصوم","lvl":5,"sub":1},{"id":1499,"title":"أولا ـ لوازم الإفطار","lvl":6,"sub":2},{"id":1499,"title":"ثانيا ـ حكم القضاء","lvl":6,"sub":3},{"id":1500,"title":"وقت قضاء رمضان","lvl":7,"sub":0},{"id":1501,"title":"تتابع القضاء","lvl":7,"sub":0},{"id":1501,"title":"صوم الولي عن الميت قضاء","lvl":7,"sub":1},{"id":1502,"title":"وهل يجب الإطعام عنه من التركة؟","lvl":7,"sub":0},{"id":1503,"title":"المطلب الثاني ـ الكفارة","lvl":5,"sub":0},{"id":1503,"title":"موجبها","lvl":6,"sub":1},{"id":1503,"title":"حكمها","lvl":6,"sub":2},{"id":1504,"title":"دليل إيجابها","lvl":6,"sub":0},{"id":1505,"title":"أنواع الكفارة","lvl":6,"sub":0},{"id":1507,"title":"تعدد الكفارة أو تداخلها بتعدد الإفطار في أيام","lvl":6,"sub":0},{"id":1508,"title":"طروء العذر بعد الإفطار عمدا","lvl":6,"sub":0},{"id":1508,"title":"المطلب الثالث ـ الفدية","lvl":5,"sub":1},{"id":1508,"title":"حكم الفدية","lvl":6,"sub":2},{"id":1509,"title":"سببها","lvl":6,"sub":0},{"id":1511,"title":"تكرر الفدية","lvl":6,"sub":0},{"id":1511,"title":"باقي لوازم الإفطار","lvl":6,"sub":1},{"id":1511,"title":"قطع التتابع","lvl":6,"sub":2},{"id":1511,"title":"قطع النية","lvl":6,"sub":3},{"id":1512,"title":"ملحق ـ ما يلزم الوفاء به من منذور الصوم والصلاة وغيرهما","lvl":6,"sub":0},{"id":1513,"title":"الفصل الثاني : الاعتكاف","lvl":3,"sub":0},{"id":1513,"title":"المبحث الأول ـ تعريف الاعتكاف ومشروعيته والهدف منه، ومكانه وزمانه","lvl":4,"sub":1},{"id":1513,"title":"تعريفه","lvl":5,"sub":2},{"id":1515,"title":"أدلة مشروعيته","lvl":5,"sub":0},{"id":1515,"title":"الهدف منه","lvl":5,"sub":1},{"id":1516,"title":"زمانه","lvl":5,"sub":0},{"id":1516,"title":"مكانه","lvl":5,"sub":1},{"id":1520,"title":"المبحث الثاني ـ حكم الاعتكاف وما يوجبه النذر على المعتكف","lvl":4,"sub":0},{"id":1520,"title":"المطلب الأول ـ حكم الاعتكاف","lvl":5,"sub":1},{"id":1522,"title":"المطلب الثاني ـ ما يوجبه النذر على المعتكف","lvl":5,"sub":0},{"id":1524,"title":"المبحث الثالث ـ شروط الاعتكاف","lvl":4,"sub":0},{"id":1526,"title":"المبحث الرابع: ما يلزم المعتكف وما يجوز له","lvl":4,"sub":0},{"id":1533,"title":"الخروج المباح في الاعتكاف الواجب أربعة أنواع","lvl":5,"sub":0},{"id":1534,"title":"المبحث الخامس ـ آداب المعتكف ومكروهات الاعتكاف ومبطلاته","lvl":4,"sub":0},{"id":1534,"title":"آ ـ آداب المعتكف","lvl":5,"sub":1},{"id":1535,"title":"ب ـ مكروهات الاعتكاف","lvl":5,"sub":0},{"id":1537,"title":"جـ ـ مبطلات الاعتكاف","lvl":5,"sub":0},{"id":1540,"title":"المبحث السادس ـ حكم الاعتكاف إذا فسد","lvl":4,"sub":0},{"id":1540,"title":"قال الحنفية","lvl":5,"sub":1},{"id":1540,"title":"قال المالكية","lvl":5,"sub":2},{"id":1541,"title":"قال الشافعية","lvl":5,"sub":0},{"id":1542,"title":"قال الحنابلة","lvl":5,"sub":0},{"id":1544,"title":"((الباب الرابع: الزكاة وأنواعها))","lvl":2,"sub":0},{"id":1544,"title":"الفصل الأول: الزكاة","lvl":3,"sub":1},{"id":1544,"title":"المبحث الأول ـ تعريف الزكاة وحكمتها وفرضيتها وعقاب مانع الزكاة","lvl":4,"sub":2},{"id":1544,"title":"أولا ـ تعريف الزكاة","lvl":5,"sub":3},{"id":1546,"title":"ثانيا ـ حكمة الزكاة","lvl":5,"sub":0},{"id":1548,"title":"ثالثا ـ فرضية الزكاة","lvl":5,"sub":0},{"id":1549,"title":"رابعا ـ عقاب مانع الزكاة","lvl":5,"sub":0},{"id":1550,"title":"المبحث الثاني ـ سبب الزكاة وشروطهاوركنها","lvl":4,"sub":0},{"id":1550,"title":"سبب الزكاة","lvl":5,"sub":1},{"id":1552,"title":"ركن الزكاة","lvl":5,"sub":0},{"id":1552,"title":"شروط الزكاة","lvl":5,"sub":1},{"id":1552,"title":"شروط وجوب الزكاة أي فرضيتها","lvl":6,"sub":2},{"id":1552,"title":"1 - الحرية","lvl":7,"sub":3},{"id":1553,"title":"2 - الإسلام","lvl":7,"sub":0},{"id":1554,"title":"3 - البلوغ والعقل","lvl":7,"sub":0},{"id":1554,"title":"4 - كون المال مما تجب فيه الزكاة","lvl":7,"sub":1},{"id":1555,"title":"5 - كون المال نصابا أو مقدارا بقيمة نصاب","lvl":7,"sub":0},{"id":1555,"title":"6 - الملك التام للمال","lvl":7,"sub":1},{"id":1556,"title":"الحنفية","lvl":8,"sub":0},{"id":1557,"title":"المالكية","lvl":8,"sub":0},{"id":1557,"title":"الشافعية","lvl":8,"sub":1},{"id":1558,"title":"الحنابلة","lvl":8,"sub":0},{"id":1559,"title":"7 - مضي عام أو حولان حول قمري على ملك النصاب","lvl":7,"sub":0},{"id":1559,"title":"الحنفية","lvl":8,"sub":1},{"id":1560,"title":"المالكية","lvl":8,"sub":0},{"id":1561,"title":"الشافعية","lvl":8,"sub":0},{"id":1561,"title":"الحنابلة","lvl":8,"sub":1},{"id":1562,"title":"8 - عدم الدين","lvl":7,"sub":0},{"id":1562,"title":"الحنفية","lvl":8,"sub":1},{"id":1563,"title":"الحنابلة","lvl":8,"sub":0},{"id":1563,"title":"المالكية","lvl":8,"sub":1},{"id":1564,"title":"الشافعي في الجديد","lvl":8,"sub":0},{"id":1565,"title":"9 - الزيادة عن الحاجات الأصلية","lvl":7,"sub":0},{"id":1565,"title":"شروط صحة أداء الزكاة","lvl":6,"sub":1},{"id":1565,"title":"1 - النية","lvl":7,"sub":2},{"id":1568,"title":"2 - التمليك","lvl":7,"sub":0},{"id":1569,"title":"المبحث الثالث ـ وقت وجوب الزكاة ووقت أدائها","lvl":4,"sub":0},{"id":1569,"title":"المطلب الأول ـ وقت وجوب الزكاة","lvl":5,"sub":1},{"id":1569,"title":"المطلب الثاني ـ وقت أداء الزكاة","lvl":5,"sub":2},{"id":1571,"title":"المطلب الثالث ـ تعجيل الزكاة قبل الحول","lvl":5,"sub":0},{"id":1572,"title":"المبحث الرابع ـ هلاك المال بعد وجوب الزكاة","lvl":4,"sub":0},{"id":1574,"title":"المبحث الخامس ـ أنواع الأموال التي تجب فيها الزكاة","lvl":4,"sub":0},{"id":1574,"title":"المطلب الأول ـ زكاة النقود (الذهب والفضة والورق النقدي)","lvl":5,"sub":1},{"id":1574,"title":"أولا ـ نصابها والمقدار الواجب فيها","lvl":6,"sub":2},{"id":1575,"title":"سعر الصرف","lvl":7,"sub":0},{"id":1575,"title":"دفع الزكاة للجمعيات","lvl":7,"sub":1},{"id":1576,"title":"مقدار الزكاة","lvl":7,"sub":0},{"id":1577,"title":"ثانيا ـ ما نقص عن النصاب وما زاد عليه","lvl":6,"sub":0},{"id":1578,"title":"ثالثا ـ حكم المغشوش أو المخلوط بغيره","lvl":6,"sub":0},{"id":1580,"title":"رابعا ـ زكاة الحلي","lvl":6,"sub":0},{"id":1584,"title":"خامسا ـ زكاة الدين","lvl":6,"sub":0},{"id":1584,"title":"الحنفية","lvl":7,"sub":1},{"id":1585,"title":"المالكية","lvl":7,"sub":0},{"id":1586,"title":"الشافعية","lvl":7,"sub":0},{"id":1586,"title":"الحنابلة","lvl":7,"sub":1},{"id":1587,"title":"سادسا ـ زكاة الأوراق النقدية","lvl":6,"sub":0},{"id":1588,"title":"السندات","lvl":7,"sub":0},{"id":1589,"title":"الأسهم","lvl":7,"sub":0},{"id":1590,"title":"سابعا ـ تفصيل آراء العلماء في زكاة الأسهم في الشركات","lvl":6,"sub":0},{"id":1590,"title":"سبب وجود التعامل بالأسهم والسندات","lvl":7,"sub":1},{"id":1591,"title":"الأسهم تتصف بالخصائص التالية","lvl":7,"sub":0},{"id":1592,"title":"السندات","lvl":7,"sub":0},{"id":1592,"title":"الفارق الأساسي بين السهم والسند","lvl":7,"sub":1},{"id":1593,"title":"التعامل بالأوراق المالية التجارية","lvl":7,"sub":0},{"id":1593,"title":"زكاة السندات","lvl":7,"sub":1},{"id":1594,"title":"زكاة أسهم الشركات","lvl":7,"sub":0},{"id":1594,"title":"آراء العلماء المعاصرين في زكاة الأسهم","lvl":8,"sub":1},{"id":1594,"title":"1 - رأي الشيخ عبد الرحمن عيسى","lvl":9,"sub":2},{"id":1596,"title":"2 - رأي الأساتذة عبد الوهاب خلاف وعبد الرحمن حسن ومحمد أبو زهرة","lvl":9,"sub":0},{"id":1598,"title":"3 - فتوى هيئة الرقابة الشرعية لبنك فيصل الإسلامي السوداني","lvl":9,"sub":0},{"id":1600,"title":"مع تأييدي لهذه الفتوى في الجملة، فإني أعارضها في الأمور التالية","lvl":10,"sub":0},{"id":1601,"title":"المقدار الواجب إخراجه في زكاة الأسهم","lvl":8,"sub":0},{"id":1602,"title":"من تجب عليه زكاة الأسهم","lvl":8,"sub":0},{"id":1605,"title":"المطلب الثاني ـ زكاة المعادن والركاز","lvl":5,"sub":0},{"id":1605,"title":"1 - مذهب الحنفية","lvl":6,"sub":1},{"id":1605,"title":"المعادن ثلاثة أنواع","lvl":7,"sub":2},{"id":1607,"title":"الكنز أو الركاز","lvl":7,"sub":0},{"id":1607,"title":"2 - مذهب المالكية","lvl":6,"sub":1},{"id":1607,"title":"المعدن","lvl":7,"sub":2},{"id":1607,"title":"ملكية المعادن","lvl":8,"sub":3},{"id":1608,"title":"الواجب في المعدن","lvl":8,"sub":0},{"id":1609,"title":"الركاز أوالكنز","lvl":7,"sub":0},{"id":1609,"title":"ملكيته","lvl":8,"sub":1},{"id":1609,"title":"زكاته","lvl":8,"sub":2},{"id":1610,"title":"3 - مذهب الشافعية","lvl":6,"sub":0},{"id":1610,"title":"المعدن","lvl":7,"sub":1},{"id":1610,"title":"الركاز","lvl":7,"sub":2},{"id":1611,"title":"4 - مذهب الحنابلة","lvl":6,"sub":0},{"id":1611,"title":"المعدن","lvl":7,"sub":1},{"id":1611,"title":"ملكيته","lvl":8,"sub":2},{"id":1612,"title":"صفة المعدن الذي تجب فيه الزكاة","lvl":8,"sub":0},{"id":1612,"title":"قدر الواجب وصفته","lvl":8,"sub":1},{"id":1613,"title":"نصاب المعادن","lvl":8,"sub":0},{"id":1613,"title":"وقت الوجوب","lvl":8,"sub":1},{"id":1613,"title":"شروط إخراج الزكاة في المعادن","lvl":8,"sub":2},{"id":1614,"title":"معادن البحر","lvl":8,"sub":0},{"id":1614,"title":"الركاز","lvl":7,"sub":1},{"id":1614,"title":"صفة الركاز الذي فيه الخمس","lvl":7,"sub":2},{"id":1615,"title":"قدر الواجب في الركاز ومصرفه","lvl":7,"sub":0},{"id":1615,"title":"من يجب عليه الخمس","lvl":7,"sub":1},{"id":1615,"title":"المطلب الثالث ـ زكاة عروض التجارة","lvl":5,"sub":2},{"id":1615,"title":"أولا ـ معنى عروض التجارة","lvl":6,"sub":3},{"id":1615,"title":"ثانيا ـ شروط زكاة العروض التجارية","lvl":6,"sub":4},{"id":1615,"title":"1 - بلوغ النصاب","lvl":7,"sub":5},{"id":1617,"title":"2 - حولان الحول","lvl":7,"sub":0},{"id":1617,"title":"3 - نية التجارة حال الشراء","lvl":7,"sub":1},{"id":1618,"title":"4 - ملك العروض بمعاوضة","lvl":7,"sub":0},{"id":1618,"title":"5 - ألا يقصد بالمال القنية","lvl":7,"sub":1},{"id":1618,"title":"6 - ألا يصير جميع مال التجارة في أثناء الحول نقدا وهو أقل من النصاب","lvl":7,"sub":2},{"id":1618,"title":"7 - ألا تتعلق الزكاة بعين العرض","lvl":7,"sub":3},{"id":1620,"title":"ثالثا ـ تقويم العروض ومقدار الواجب في هذه الزكاة وطريقة التقويم","lvl":6,"sub":0},{"id":1622,"title":"هل يجوز إخراج الزكاة من عروض التجارة؟","lvl":7,"sub":0},{"id":1623,"title":"رابعا ـ حكم ضم الربح والنماء ومال غير التجارة إلى أصل المال","lvl":6,"sub":0},{"id":1624,"title":"خامسا ـ كيفية زكاة التجارة عند المالكية","lvl":6,"sub":0},{"id":1624,"title":"أ ـ أما المحتكر","lvl":7,"sub":1},{"id":1625,"title":"ب ـ وأما المدير","lvl":7,"sub":0},{"id":1626,"title":"سادسا ـ زكاة شركة المضاربة","lvl":6,"sub":0},{"id":1627,"title":"المطلب الرابع ـ زكاة الزروع والثمار (أو زكاة النبات أو الخارج من الأرض )","lvl":5,"sub":0},{"id":1628,"title":"أولا ـ فرضية زكاة الزروع والثمار وسبب الفرضية","lvl":6,"sub":0},{"id":1628,"title":"سبب فرضية هذه الزكاة","lvl":7,"sub":1},{"id":1629,"title":"ثانيا ـ شروط زكاة الزروع والثمار","lvl":6,"sub":0},{"id":1629,"title":"الحنفية","lvl":7,"sub":1},{"id":1630,"title":"المالكية","lvl":7,"sub":0},{"id":1630,"title":"الشافعية","lvl":7,"sub":1},{"id":1630,"title":"الحنابلة","lvl":7,"sub":2},{"id":1631,"title":"ثالثا ـ ما تجب فيه الزكاة","lvl":6,"sub":0},{"id":1631,"title":"الرأي الأول ـ لأبي حنيفة","lvl":7,"sub":1},{"id":1632,"title":"الرأي الثاني ـ للصاحبين وجمهور الفقهاء","lvl":7,"sub":0},{"id":1632,"title":"الصاحبان من الحنفية","lvl":8,"sub":1},{"id":1632,"title":"المالكية","lvl":8,"sub":2},{"id":1633,"title":"الشافعية","lvl":8,"sub":0},{"id":1633,"title":"الحنابلة","lvl":8,"sub":1},{"id":1635,"title":"زكاة العسل","lvl":7,"sub":0},{"id":1637,"title":"رابعا ـ النصاب الذي يبدأ به زكاة الزرع والثمر","lvl":6,"sub":0},{"id":1637,"title":"قال أبو حنيفة","lvl":7,"sub":1},{"id":1637,"title":"قال الصاحبان وجمهور الفقهاء","lvl":7,"sub":2},{"id":1639,"title":"خامسا ـ مقدار الواجب وصفته","lvl":6,"sub":0},{"id":1640,"title":"هل تحسم النفقات التي تصرف على المزروعات؟","lvl":7,"sub":0},{"id":1641,"title":"سادسا ـ وقت الوجوب","lvl":6,"sub":0},{"id":1642,"title":"سابعا ـ ما يضم بعضه إلى بعض","lvl":6,"sub":0},{"id":1645,"title":"ثامنا ـ زكاة الثمار الموقوفة","lvl":6,"sub":0},{"id":1645,"title":"قال الحنفية","lvl":7,"sub":1},{"id":1645,"title":"قال المالكية","lvl":7,"sub":2},{"id":1645,"title":"قال الشافعية","lvl":7,"sub":3},{"id":1645,"title":"فصل الحنابلة","lvl":7,"sub":4},{"id":1646,"title":"تاسعا ـ زكاة الأرض المستأجرة","lvl":6,"sub":0},{"id":1646,"title":"أبو حنيفة","lvl":7,"sub":1},{"id":1646,"title":"الجمهور","lvl":7,"sub":2},{"id":1646,"title":"عاشرا ـ زكاة الأرض الخراجية","lvl":6,"sub":3},{"id":1646,"title":"العشرية","lvl":7,"sub":4},{"id":1647,"title":"الخراجية","lvl":7,"sub":0},{"id":1647,"title":"رأي الحنفية","lvl":8,"sub":1},{"id":1647,"title":"الجمهور","lvl":8,"sub":2},{"id":1648,"title":"نوعا الخراج","lvl":8,"sub":0},{"id":1648,"title":"خراج الوظيفة","lvl":9,"sub":1},{"id":1648,"title":"خراج المقاسمة","lvl":9,"sub":2},{"id":1648,"title":"زكاة الأرض الخراجية","lvl":8,"sub":3},{"id":1648,"title":"1 - قال الحنفية","lvl":9,"sub":4},{"id":1648,"title":"2 - وقال الأئمة الثلاثة","lvl":9,"sub":5},{"id":1648,"title":"الأدلة","lvl":9,"sub":6},{"id":1648,"title":"استدل الحنفية","lvl":10,"sub":7},{"id":1648,"title":"استدل الجمهور","lvl":10,"sub":8},{"id":1649,"title":"أحد عشر ـ العاشر وضريبة العشور","lvl":6,"sub":0},{"id":1649,"title":"العاشر","lvl":7,"sub":1},{"id":1651,"title":"اثنا عشر ـ إخراج الزكاة وإسقاطها","lvl":6,"sub":0},{"id":1651,"title":"الأول ـ ركن الإخراج","lvl":7,"sub":1},{"id":1651,"title":"الثاني ـ كيفية الإخراج","lvl":7,"sub":2},{"id":1651,"title":"الثالث ـ وقت إخراج الزكاة","lvl":7,"sub":3},{"id":1652,"title":"الرابع - تقدير الواجب في الثمار بالخرص","lvl":7,"sub":0},{"id":1652,"title":"الخرص","lvl":8,"sub":1},{"id":1653,"title":"ترك الثلث أو الربع","lvl":8,"sub":0},{"id":1653,"title":"الاكتفاء بخارص واحد","lvl":8,"sub":1},{"id":1653,"title":"شروط الخارص","lvl":8,"sub":2},{"id":1653,"title":"صفة الخرص","lvl":8,"sub":3},{"id":1655,"title":"الخامس ـ ما تسقط به زكاة النبات","lvl":7,"sub":0},{"id":1655,"title":"المطلب الخامس ـ زكاة الحيوان أو الأنعام","lvl":5,"sub":1},{"id":1655,"title":"أولا ـ مشروعية زكاة الحيوان","lvl":6,"sub":2},{"id":1656,"title":"ثانيا ـ شروط وجوب زكاة الحيوان","lvl":6,"sub":0},{"id":1659,"title":"ثالثا ـ أنواع الأنعام التي تجب فيها الزكاة ونصاب كل نوع منها","lvl":6,"sub":0},{"id":1660,"title":"زكاة الإبل","lvl":7,"sub":0},{"id":1662,"title":"حالة مصادفة الفرضين","lvl":8,"sub":0},{"id":1663,"title":"الجبران حالة فقد أحد الفروض","lvl":8,"sub":0},{"id":1664,"title":"زكاة البقر","lvl":7,"sub":0},{"id":1665,"title":"العفو","lvl":8,"sub":0},{"id":1666,"title":"زكاة الغنم","lvl":7,"sub":0},{"id":1667,"title":"زكاة الخيل والبغال والحمير","lvl":7,"sub":0},{"id":1669,"title":"رابعا ـ زكاة الخليطين في الماشية وغيرها","lvl":6,"sub":0},{"id":1669,"title":"الحنفية","lvl":7,"sub":1},{"id":1669,"title":"الجمهور","lvl":7,"sub":2},{"id":1669,"title":"المالكية","lvl":8,"sub":3},{"id":1670,"title":"الشافعية والحنابلة","lvl":8,"sub":0},{"id":1673,"title":"ما يأخذه الساعي من مال الشركة (الخلطة) والتراجع فيما بينهم بالحصص","lvl":7,"sub":0},{"id":1674,"title":"خامسا ـ أحكام متفرقة في زكاة الحيوان","lvl":6,"sub":0},{"id":1674,"title":"1 - هل تجب الزكاة في العين أو في الذمة؟","lvl":7,"sub":1},{"id":1675,"title":"2 - دفع القيمة في الزكاة","lvl":7,"sub":0},{"id":1677,"title":"3 - ضم أنواع الأجناس إلى بعضها","lvl":7,"sub":0},{"id":1678,"title":"4 - كون الفرع أو النتاج يتبع الأصل في الزكاة","lvl":7,"sub":0},{"id":1679,"title":"زكاة الصغار","lvl":8,"sub":0},{"id":1679,"title":"5 - الحيوان المستفاد في أثناء الحول","lvl":7,"sub":1},{"id":1680,"title":"6 - الزكاة في النصاب دون العفو (الأوقاص )","lvl":7,"sub":0},{"id":1680,"title":"7 - ما يأخذه الساعي","lvl":7,"sub":1},{"id":1681,"title":"الحنفية","lvl":8,"sub":0},{"id":1682,"title":"المالكية","lvl":8,"sub":0},{"id":1683,"title":"الشافعية","lvl":8,"sub":0},{"id":1683,"title":"الحنابلة","lvl":8,"sub":1},{"id":1684,"title":"المبحث السادس ـ هل تجب الزكاة في العمارات والمصانع، وكسب العمل والمهن الحرة؟","lvl":4,"sub":0},{"id":1684,"title":"المطلب الأول ـ زكاة العمارات والمصانع ونحوها","lvl":5,"sub":1},{"id":1686,"title":"المطلب الثاني ـ زكاة كسب العمل والمهن الحرة","lvl":5,"sub":0},{"id":1686,"title":"المبحث السابع ـ مصارف الزكاة","lvl":4,"sub":1},{"id":1686,"title":"المطلب الأول ـ من هم مستحقو الزكاة؟","lvl":5,"sub":2},{"id":1686,"title":"أولا ـ دليل تحديدهم","lvl":6,"sub":3},{"id":1687,"title":"ثانيا ـ هل يجب تعميم الأصناف الثمانية؟","lvl":6,"sub":0},{"id":1688,"title":"ثالثا ـ بيان الأصناف الثمانية","lvl":6,"sub":0},{"id":1688,"title":"الفقراء","lvl":7,"sub":1},{"id":1689,"title":"المساكين","lvl":7,"sub":0},{"id":1690,"title":"العاملون عليها","lvl":7,"sub":0},{"id":1690,"title":"المؤلفة قلوبهم","lvl":7,"sub":1},{"id":1692,"title":"في الرقاب","lvl":7,"sub":0},{"id":1693,"title":"الغارمون","lvl":7,"sub":0},{"id":1694,"title":"في سبيل الله","lvl":7,"sub":0},{"id":1694,"title":"ابن السبيل","lvl":7,"sub":1},{"id":1695,"title":"رابعا ـ هل تعطى الزكاة لغير هذه الأصناف؟","lvl":6,"sub":0},{"id":1696,"title":"خامسا ـ مقدار ما يعطى لمستحقي الزكاة","lvl":6,"sub":0},{"id":1696,"title":"سادسا ـ من سأل الزكاة وكان غير مستحق","lvl":6,"sub":1},{"id":1697,"title":"سابعا ـ شروط المستحقين أو أوصافهم","lvl":6,"sub":0},{"id":1697,"title":"1 - أن يكون فقيرا","lvl":7,"sub":1},{"id":1701,"title":"الإعلام بكون المدفوع زكاة","lvl":8,"sub":0},{"id":1701,"title":"إذا ظهر كونه غنيا أو غير مستحق","lvl":8,"sub":1},{"id":1702,"title":"2 - أن يكون مستحق الزكاة مسلما","lvl":7,"sub":0},{"id":1703,"title":"3 - ألا يكون المستحق من بني هاشم","lvl":7,"sub":0},{"id":1704,"title":"4 - ألا يكون ممن تلزم المزكي نفقته","lvl":7,"sub":0},{"id":1707,"title":"5 - أن يكون بالغا عاقلا حرا","lvl":7,"sub":0},{"id":1708,"title":"المطلب الثاني ـ أحكام متفرقة في توزيع الزكاة","lvl":5,"sub":0},{"id":1708,"title":"أولا ـ دفع الزكاة إلى الإمام وإخراج الإنسان زكاة نفسه","lvl":6,"sub":1},{"id":1711,"title":"ثانيا ـ التوكيل في أداء الزكاة","lvl":6,"sub":0},{"id":1712,"title":"ثالثا ـ شرط المال المؤدى","lvl":6,"sub":0},{"id":1712,"title":"رابعا ـ نقل الزكاة لبلد آخر غير بلد المزكي","lvl":6,"sub":1},{"id":1713,"title":"خامسا ـ أخذ البغاة والخوارج الزكاة","lvl":6,"sub":0},{"id":1714,"title":"سادسا ـ الحيلة لإسقاط الزكاة","lvl":6,"sub":0},{"id":1714,"title":"سابعا ـ هل تجزئ الضريبة المدفوعة للدولة عن الزكاة؟","lvl":6,"sub":1},{"id":1715,"title":"ثامنا ـ حكم من مات وعليه زكاة أمواله، أو هل تسقط الزكاة بالموت؟","lvl":6,"sub":0},{"id":1715,"title":"تاسعا ـ إسقاط الدين لا يقع عن الزكاة","lvl":6,"sub":1},{"id":1716,"title":"عاشرا ـ الإبراء من الدين على مستحق الزكاة واحتسابه منها واعتبار ما أخرج، على ظن الوجوب، زكاة معجلة","lvl":6,"sub":0},{"id":1717,"title":"آراء العلماء في الإبراء من الدين واحتسابه من الزكاة","lvl":7,"sub":0},{"id":1717,"title":"الرأي الأول","lvl":8,"sub":1},{"id":1717,"title":"الرأي الثاني","lvl":8,"sub":2},{"id":1726,"title":"الترجيح","lvl":8,"sub":0},{"id":1727,"title":"المبحث الثامن ـ آداب الزكاة وممنوعاتها","lvl":4,"sub":0},{"id":1730,"title":"مبحثان ملحقان بمصارف الزكاة","lvl":4,"sub":0},{"id":1730,"title":"1 - سهم المؤلفة قلوبهم من الزكاة","lvl":5,"sub":1},{"id":1731,"title":"1 - معنى المؤلفة قلوبهم، وهل نسخ سهمهم بعد موت الرسول صلى الله عليه وسلم ، أو مازال باقيا لم ينسخ؟","lvl":6,"sub":0},{"id":1731,"title":"المؤلفة قلوبهم","lvl":7,"sub":1},{"id":1733,"title":"الحنفية","lvl":7,"sub":0},{"id":1736,"title":"بعض المالكية","lvl":7,"sub":0},{"id":1736,"title":"الشافعية","lvl":7,"sub":1},{"id":1737,"title":"الحنابلة","lvl":7,"sub":0},{"id":1738,"title":"الشيعة الجعفرية والزيدية","lvl":7,"sub":0},{"id":1738,"title":"الراجح","lvl":7,"sub":1},{"id":1739,"title":"2 - الأحوال التي يستعمل فيها هذا السهم، ومدى حاجة الإسلام والمسلمين إليه في هذا الزمان","lvl":6,"sub":0},{"id":1742,"title":"3 ـ تأليف قلوب الأفراد الذين يؤمل إسلامهم أو تأثيرهم في توجيه المجتمع لصالح الدعوة الإسلامية","lvl":6,"sub":0},{"id":1743,"title":"4 - استخدام هذا المصرف في إيجاد مؤسسات لرعاية المسلمين الجدد","lvl":6,"sub":0},{"id":1744,"title":"5 - تأليف قلوب بعض الحكومات والدول غير الإسلامية","lvl":6,"sub":0},{"id":1745,"title":"6 - المشاركة في سهم المؤلفة قلوبهم في التبرعات التي تجمع للكوارث والنكبات التي تصيب بعض الدول غير الإسلامية كالزلازل والفيضانات","lvl":6,"sub":0},{"id":1747,"title":"7 - صرف جزء من سهم المؤلفة قلوبهم في الأمور الدعائية لتحسين النظرة إلى الإسلام والمسلمين","lvl":6,"sub":0},{"id":1748,"title":"2 - مصرف الزكاة ( في الرقاب )","lvl":5,"sub":0},{"id":1749,"title":"1 - معنى في الرقاب","lvl":6,"sub":0},{"id":1751,"title":"2 - غياب الرق في العصر الحالي","lvl":6,"sub":0},{"id":1753,"title":"3 - السوابق التاريخية في العهود الإسلامية لاستخدام هذا المصرف في غير المكاتبين","lvl":6,"sub":0},{"id":1754,"title":"4 - من مصارف « في الرقاب » في هذا الزمان «فكاك الأسرى» وتفصيل المذاهب الفقهية في سهم « في الرقاب »","lvl":6,"sub":0},{"id":1754,"title":"آراء العلماء في بيان المقصود من الرقاب بصفة عامة","lvl":7,"sub":1},{"id":1756,"title":"تفصيل المذاهب الفقهية في سهم «في الرقاب» وأدلتهم","lvl":7,"sub":0},{"id":1759,"title":"أدلة المذاهب","lvl":7,"sub":0},{"id":1759,"title":"أدلة الاتجاه الأول للحنفية والشافعية ومن وافقهم من السلف","lvl":8,"sub":1},{"id":1762,"title":"أدلة الاتجاه الثاني للمالكية والحنابلة ومن وافقهم من السلف","lvl":8,"sub":0},{"id":1763,"title":"الرأي الراجح","lvl":7,"sub":0},{"id":1764,"title":"5 - التطبيق الأصلي لهذا المصرف في إعانة المكاتب لتحرير نفسه من الرق","lvl":6,"sub":0},{"id":1765,"title":"6 - هل تعطى الشعوب الإسلامية التي تئن تحت وطأة الحكومات الكافرة لتحرير نفسها من الاحتلال الذي تخضع له؟","lvl":6,"sub":0},{"id":1766,"title":"خاتمة البحث","lvl":6,"sub":0},{"id":1767,"title":"الفصل الثاني: صدقة الفطر","lvl":3,"sub":0},{"id":1767,"title":"المبحث الأول ـ مشروعية صدقة الفطر وحكمها ومن يؤمر بها","lvl":4,"sub":1},{"id":1767,"title":"أدلة وجوبها","lvl":5,"sub":2},{"id":1768,"title":"حكمتها","lvl":5,"sub":0},{"id":1768,"title":"حكمها","lvl":5,"sub":1},{"id":1768,"title":"المأمور بها أو من تجب عليه","lvl":5,"sub":2},{"id":1768,"title":"الحنفية","lvl":6,"sub":3},{"id":1769,"title":"الجمهور","lvl":6,"sub":0},{"id":1771,"title":"هل تجب زكاة الفطر عند الحنفية بقدرة ممكنة أو ميسرة؟","lvl":5,"sub":0},{"id":1772,"title":"المبحث الثاني ـ وقت وجوب زكاة الفطر وحكم تعجيلها وتأجيلها","lvl":4,"sub":0},{"id":1772,"title":"قال الحنفية","lvl":5,"sub":1},{"id":1773,"title":"قال الجمهور","lvl":5,"sub":0},{"id":1773,"title":"تعجيلها","lvl":5,"sub":1},{"id":1774,"title":"تأخيرها عن صلاة العيد","lvl":5,"sub":0},{"id":1775,"title":"المبحث الثالث ـ جنس الواجب وصفته ومقداره","lvl":4,"sub":0},{"id":1775,"title":"قال الحنفية","lvl":5,"sub":1},{"id":1775,"title":"دفع القيمة","lvl":6,"sub":2},{"id":1776,"title":"قال الجمهور","lvl":5,"sub":0},{"id":1776,"title":"المالكية","lvl":6,"sub":1},{"id":1776,"title":"الشافعية","lvl":6,"sub":2},{"id":1776,"title":"الحنابلة","lvl":6,"sub":3},{"id":1777,"title":"دفع القيمة","lvl":6,"sub":0},{"id":1777,"title":"المبحث الرابع ـ مندوباتها ومباحاتها","lvl":4,"sub":1},{"id":1779,"title":"المبحث الخامس ـ مصرفها أو من يأخذها","lvl":4,"sub":0},{"id":1781,"title":"الفصل الثالث: صدقة التطوع","lvl":3,"sub":0},{"id":1781,"title":"أولا ـ حكم صدقة التطوع","lvl":4,"sub":1},{"id":1782,"title":"ثانيا ـ الإسرار بها ودفعها في رمضان","lvl":4,"sub":0},{"id":1783,"title":"ثالثا ـ التصدق بجميع المال","lvl":4,"sub":0},{"id":1783,"title":"رابعا ـ الأولى في الصدقة","lvl":4,"sub":1},{"id":1783,"title":"خامسا ـ استحباب التصدق بما فضل عن الحاجة","lvl":4,"sub":2},{"id":1784,"title":"سادسا ـ التصدق بما تيسر","lvl":4,"sub":0},{"id":1784,"title":"سابعا ـ التصدق على الصلحاء","lvl":4,"sub":1},{"id":1784,"title":"ثامنا ـ المتصدق عليه","lvl":4,"sub":2},{"id":1784,"title":"أ ـ الأقارب","lvl":5,"sub":3},{"id":1785,"title":"ب ـ صاحب الحاجة الشديدة","lvl":5,"sub":0},{"id":1785,"title":"جـ ـ الغني والهاشمي والكافر والفاسق","lvl":5,"sub":1},{"id":1786,"title":"د ـ الصدقة على الميت","lvl":5,"sub":0},{"id":1786,"title":"تاسعا ـ صدقة المديون ومن عليه نفقة","lvl":4,"sub":1},{"id":1787,"title":"عاشرا ـ نية جميع المؤمنين","lvl":4,"sub":0},{"id":1787,"title":"أحد عشر ـ التصدق من المال الحرام","lvl":4,"sub":1},{"id":1787,"title":"اثنا عشر ـ ما يحرم وما يكره وما يستحب في الصدقة","lvl":4,"sub":2},{"id":1789,"title":"((الباب الخامس : الحج والعمرة))","lvl":2,"sub":0},{"id":1789,"title":"الفصل الأول: أحكام الحج والعمرة","lvl":3,"sub":1},{"id":1790,"title":"المبحث الأول ـ تعريف الحج والعمرة ومكانتهما في الإسلام وحكمتهما وحكمهما","lvl":4,"sub":0},{"id":1790,"title":"أولا ـ تعريف الحج والعمرة","lvl":5,"sub":1},{"id":1790,"title":"تاريخ مشروعيته","lvl":6,"sub":2},{"id":1791,"title":"ثانيا ـ مكانة الحج والعمرة في الإسلام وحكمتهما","lvl":5,"sub":0},{"id":1792,"title":"هل الحج أفضل من الجهاد؟","lvl":6,"sub":0},{"id":1792,"title":"حكمة المشروعية","lvl":6,"sub":1},{"id":1793,"title":"فوائده الشخصية","lvl":6,"sub":0},{"id":1794,"title":"فوائد الحج الجماعية","lvl":6,"sub":0},{"id":1795,"title":"ثالثا ـ حكم الحج والعمرة","lvl":5,"sub":0},{"id":1796,"title":"كون فريضة الحج مرة","lvl":6,"sub":0},{"id":1797,"title":"نوع الفرضية","lvl":6,"sub":0},{"id":1798,"title":"هل وجوب الحج على الفور أو على التراخي؟","lvl":6,"sub":0},{"id":1800,"title":"حكم العمرة","lvl":6,"sub":0},{"id":1801,"title":"المبحث الثاني ـ شروط الحج والعمرة وموانعهما","lvl":4,"sub":0},{"id":1801,"title":"المطلب الأول ـ شروط الحج والعمرة","lvl":5,"sub":1},{"id":1801,"title":"الشروط العامة","lvl":6,"sub":2},{"id":1801,"title":"1 - الإسلام","lvl":7,"sub":3},{"id":1802,"title":"2 - التكليف أي البلوغ والعقل","lvl":7,"sub":0},{"id":1803,"title":"إحجاج الصغير والمجنون","lvl":8,"sub":0},{"id":1803,"title":"إذن الولي","lvl":8,"sub":1},{"id":1804,"title":"3 - الحرية","lvl":7,"sub":0},{"id":1804,"title":"حكم الحج حال الصبا والرق","lvl":8,"sub":1},{"id":1805,"title":"الإذن للصبي وللعبد وللزوجة","lvl":8,"sub":0},{"id":1806,"title":"4 - الاستطاعة البدنية والمالية والأمنية الموجبة للحج","lvl":7,"sub":0},{"id":1806,"title":"قال الحنفية","lvl":8,"sub":1},{"id":1808,"title":"قال المالكية","lvl":8,"sub":0},{"id":1809,"title":"قال الشافعية","lvl":8,"sub":0},{"id":1812,"title":"قال الحنابلة","lvl":8,"sub":0},{"id":1815,"title":"الشروط الخاصة بالنساء","lvl":6,"sub":0},{"id":1817,"title":"النيابة في الحج والحج عن الغير","lvl":6,"sub":0},{"id":1817,"title":"أولا ـ ما يقبل النيابة من العبادات وما لا يقبلها","lvl":7,"sub":1},{"id":1818,"title":"ثانيا ـ إهداء ثواب الأعمال للميت","lvl":7,"sub":0},{"id":1820,"title":"ثالثا ـ مشروعية النيابة في الحج وأقوال الفقهاء فيما يجوز منها","lvl":7,"sub":0},{"id":1820,"title":"الحنفية","lvl":8,"sub":1},{"id":1820,"title":"المالكية","lvl":8,"sub":2},{"id":1820,"title":"الشافعية","lvl":8,"sub":3},{"id":1822,"title":"الحنابلة","lvl":8,"sub":0},{"id":1824,"title":"أدلة المشروعية","lvl":8,"sub":0},{"id":1825,"title":"رابعا ـ الاستئجار على الحج","lvl":7,"sub":0},{"id":1827,"title":"الإجارة على الحج عند المالكية","lvl":8,"sub":0},{"id":1827,"title":"خامسا ـ شروط الحج عن الغير","lvl":7,"sub":1},{"id":1831,"title":"حج الصرورة","lvl":8,"sub":0},{"id":1834,"title":"الحج النفل عن الغير","lvl":8,"sub":0},{"id":1834,"title":"سادسا ـ مخالفة النائب","lvl":7,"sub":1},{"id":1836,"title":"جزاء المخالفة","lvl":8,"sub":0},{"id":1838,"title":"المطلب الثاني ـ موانع الحج","lvl":5,"sub":0},{"id":1840,"title":"المبحث الثالث ـ مواقيت الحج والعمرة الزمانية والمكانية","lvl":4,"sub":0},{"id":1840,"title":"المطلب الأول ـ وقت الحج والعمرة","lvl":5,"sub":1},{"id":1840,"title":"1 - وقت الحج","lvl":6,"sub":2},{"id":1842,"title":"2 - وقت العمرة","lvl":6,"sub":0},{"id":1843,"title":"تفصيل القول في تكرار العمرة","lvl":7,"sub":0},{"id":1843,"title":"متى تكره العمرة؟","lvl":7,"sub":1},{"id":1844,"title":"المطلب الثاني ـ ميقات الحج والعمرة المكاني","lvl":5,"sub":0},{"id":1845,"title":"أولا ـ ميقات من كان مقيما بمكة","lvl":6,"sub":0},{"id":1846,"title":"ثانيا ـ أهل الحل","lvl":6,"sub":0},{"id":1846,"title":"ثالثا ـ الآفاقي أو أهل الآفاق","lvl":6,"sub":1},{"id":1848,"title":"من حاذى الميقات ومن لم يحاذه","lvl":7,"sub":0},{"id":1848,"title":"حكم الداخل إلى مكة بعد أن حج واعتمر","lvl":7,"sub":1},{"id":1850,"title":"هل الإحرام من الميقات أفضل أو من دار أهله؟","lvl":7,"sub":0},{"id":1851,"title":"جزاء من تجاوز الميقات بدون إحرام","lvl":7,"sub":0},{"id":1853,"title":"المبحث الرابع ـ أعمال الحج والعمرة وصفة حجة النبي وعمرته","lvl":4,"sub":0},{"id":1853,"title":"أولا ـ أعمال الحج","lvl":5,"sub":1},{"id":1854,"title":"ثانيا ـ أعمال العمرة","lvl":5,"sub":0},{"id":1854,"title":"ثالثا ـ عمرة النبي صلى الله عليه وسلم","lvl":5,"sub":1},{"id":1854,"title":"رابعا ـ حجة النبي صلى الله عليه وسلم ـ حجة الوداع","lvl":5,"sub":2},{"id":1864,"title":"خامسا ـ أحكام أعمال الحج عند الفقهاء","lvl":5,"sub":0},{"id":1864,"title":"المذهب الأول ـ قال الحنفية","lvl":6,"sub":1},{"id":1864,"title":"ركن الحج","lvl":7,"sub":2},{"id":1864,"title":"واجبات الحج","lvl":7,"sub":3},{"id":1864,"title":"سنن الحج","lvl":7,"sub":4},{"id":1867,"title":"أعمال العمرة","lvl":7,"sub":0},{"id":1867,"title":"المذهب الثاني ـ مذهب المالكية","lvl":6,"sub":1},{"id":1867,"title":"أركان الحج أربعة","lvl":7,"sub":2},{"id":1867,"title":"أركان العمرة ثلاثة","lvl":7,"sub":3},{"id":1867,"title":"للإحرام واجبات","lvl":7,"sub":4},{"id":1868,"title":"سنن الإحرام","lvl":7,"sub":0},{"id":1869,"title":"واجب السعي","lvl":7,"sub":0},{"id":1869,"title":"واجب الطواف","lvl":7,"sub":1},{"id":1869,"title":"سنن الطواف","lvl":7,"sub":2},{"id":1870,"title":"سنن السعي","lvl":7,"sub":0},{"id":1870,"title":"مندوبات الطواف","lvl":7,"sub":1},{"id":1871,"title":"سنن الوقوف بعرفة","lvl":7,"sub":0},{"id":1871,"title":"مندوبات الوقوف بعرفة","lvl":7,"sub":1},{"id":1871,"title":"الوقوف بالمزدلفة","lvl":7,"sub":2},{"id":1871,"title":"مندوباته","lvl":8,"sub":3},{"id":1872,"title":"مندوبات الرمي بمنى وما بعده","lvl":7,"sub":0},{"id":1872,"title":"واجبان في رمي العقبة","lvl":7,"sub":1},{"id":1873,"title":"مندوبات طواف الإفاضة","lvl":7,"sub":0},{"id":1873,"title":"المذهب الثالث ـ مذهب الشافعية","lvl":6,"sub":1},{"id":1873,"title":"الواجبات","lvl":7,"sub":2},{"id":1873,"title":"السنن","lvl":7,"sub":3},{"id":1874,"title":"الأركان","lvl":7,"sub":0},{"id":1874,"title":"أركان العمرة","lvl":7,"sub":1},{"id":1874,"title":"واجبات الحج","lvl":7,"sub":2},{"id":1874,"title":"سنن الحج","lvl":7,"sub":3},{"id":1877,"title":"سنن أخرى خاصة في كل عمل من أعمال الحج","lvl":7,"sub":0},{"id":1877,"title":"أولا ـ سنن الإحرام","lvl":8,"sub":1},{"id":1877,"title":"ثانيا ـ سنن الطواف","lvl":8,"sub":2},{"id":1878,"title":"ثالثا ـ سنن السعي","lvl":8,"sub":0},{"id":1879,"title":"رابعا ـ سنن الوقوف بعرفة","lvl":8,"sub":0},{"id":1881,"title":"خامسا ـ سنن الوقوف بمزدلفة","lvl":8,"sub":0},{"id":1882,"title":"سادسا ـ سنن الرمي في منى","lvl":8,"sub":0},{"id":1883,"title":"المذهب الرابع ـ مذهب الحنابلة","lvl":6,"sub":0},{"id":1883,"title":"أركان الحج أربعة","lvl":7,"sub":1},{"id":1883,"title":"أركان العمرة ثلاثة","lvl":7,"sub":2},{"id":1883,"title":"واجبات الحج سبعة","lvl":7,"sub":3},{"id":1883,"title":"واجبات العمرة","lvl":7,"sub":4},{"id":1883,"title":"السنن","lvl":7,"sub":5},{"id":1883,"title":"سنن الإحرام","lvl":7,"sub":6},{"id":1885,"title":"سنن الطواف","lvl":7,"sub":0},{"id":1886,"title":"سنن السعي","lvl":7,"sub":0},{"id":1886,"title":"سنن الوقوف بعرفة","lvl":7,"sub":1},{"id":1887,"title":"سنن الوقوف بمزدلفة","lvl":7,"sub":0},{"id":1887,"title":"سنن الرمي في منى","lvl":7,"sub":1},{"id":1888,"title":"جدول بأهم أحكام أعمال الحج في المذاهب","lvl":5,"sub":0},{"id":1889,"title":"المبحث الخامس - أركان الحج والعمرة","lvl":4,"sub":0},{"id":1889,"title":"أركان الحج","lvl":5,"sub":1},{"id":1889,"title":"أركان العمرة","lvl":5,"sub":2},{"id":1889,"title":"المطلب الأول ـ الإحرام","lvl":5,"sub":3},{"id":1889,"title":"أولا - مايصير به الشخص محرما","lvl":6,"sub":4},{"id":1890,"title":"ثانيا ـ صفة الإحرام تعيينا وإطلاقا وإحالة واشتراطا","lvl":6,"sub":0},{"id":1892,"title":"تعليق الإحرام أو الإحرام بما أحرم به فلان أو إبهام الإحرام","lvl":7,"sub":0},{"id":1893,"title":"حكم نسيان ما عينه","lvl":7,"sub":0},{"id":1893,"title":"الاشتراط في الإحرام","lvl":7,"sub":1},{"id":1893,"title":"من أحرم بحجتين أو عمرتين","lvl":7,"sub":2},{"id":1894,"title":"ثالثا ـ مكان الإحرام وزمانه","lvl":6,"sub":0},{"id":1894,"title":"الصنف الأول ـ أهل الآفاق","lvl":7,"sub":1},{"id":1894,"title":"الصنف الثاني ـ أهل الحل","lvl":7,"sub":2},{"id":1894,"title":"الصنف الثالث ـ أهل مكة الحرم","lvl":7,"sub":3},{"id":1894,"title":"رابعا ـ ما يفعله مريد الإحرام","lvl":6,"sub":4},{"id":1899,"title":"متى يقطع التلبية؟","lvl":7,"sub":0},{"id":1899,"title":"خامسا ـ ما يحرم به من حج أو عمرة أو بهما","lvl":6,"sub":1},{"id":1899,"title":"المفرد بالحج","lvl":7,"sub":2},{"id":1899,"title":"المتمتع","lvl":7,"sub":3},{"id":1900,"title":"القارن","lvl":7,"sub":0},{"id":1900,"title":"اختلف فقهاء المذاهب في الأفضل من هذه الأوجه","lvl":7,"sub":1},{"id":1900,"title":"الحنفية","lvl":8,"sub":2},{"id":1901,"title":"المالكية والشافعية","lvl":8,"sub":0},{"id":1902,"title":"الحنابلة","lvl":8,"sub":0},{"id":1903,"title":"سادسا ـ إضافة الإحرام إلى الإحرام وإدخال الحج على العمرة وبالعكس وفسخ الحج إلى العمرة","lvl":6,"sub":0},{"id":1903,"title":"إضافة الإحرام إلى الإحرام","lvl":7,"sub":1},{"id":1903,"title":"قال الحنفية","lvl":8,"sub":2},{"id":1903,"title":"1 - ضم الحج إلى العمرة","lvl":9,"sub":3},{"id":1903,"title":"2 - ضم الحج لحجة أخرى","lvl":9,"sub":4},{"id":1904,"title":"3 - ضم العمرة إلى العمرة","lvl":9,"sub":0},{"id":1904,"title":"4 - ضم العمرة إلى الحج","lvl":9,"sub":1},{"id":1905,"title":"رأي الجمهور في إدخال الحج على العمرة وبالعكس","lvl":8,"sub":0},{"id":1906,"title":"فسخ الحج إلى العمرة","lvl":7,"sub":0},{"id":1907,"title":"المطلب الثاني ـ الطواف","lvl":5,"sub":0},{"id":1907,"title":"أولا ـ أنواع الطواف وحكم كل نوع","lvl":6,"sub":1},{"id":1908,"title":"طواف القدوم","lvl":7,"sub":0},{"id":1910,"title":"طواف الإفاضة أوالزيارة","lvl":7,"sub":0},{"id":1911,"title":"طواف الوداع","lvl":7,"sub":0},{"id":1911,"title":"جزاء ترك الوداع","lvl":8,"sub":1},{"id":1912,"title":"شرائطه","lvl":8,"sub":0},{"id":1912,"title":"شرائط الوجوب","lvl":9,"sub":1},{"id":1913,"title":"شرطا صحة","lvl":9,"sub":0},{"id":1913,"title":"قدره وكيفيته وسننه","lvl":9,"sub":1},{"id":1913,"title":"وقته","lvl":9,"sub":2},{"id":1914,"title":"مكانه","lvl":9,"sub":0},{"id":1915,"title":"صلاة ركعتين، والوقوف في الملتزم والحطيم والدعاء وشرب ماء زمزم وتقبيل الحجر بعد طواف الوداع","lvl":9,"sub":0},{"id":1916,"title":"كيفية الرجوع","lvl":9,"sub":0},{"id":1916,"title":"أخذ شيء من الحرم","lvl":9,"sub":1},{"id":1917,"title":"ثانيا ـ شروط الطواف أو واجباته","lvl":6,"sub":0},{"id":1917,"title":"شروط الطواف عند الحنفية","lvl":7,"sub":1},{"id":1919,"title":"شروط الطواف عند المالكية","lvl":7,"sub":0},{"id":1920,"title":"واجبات الطواف عند الشافعية","lvl":7,"sub":0},{"id":1923,"title":"شروط الطواف عند الحنابلة","lvl":7,"sub":0},{"id":1923,"title":"خلاصة آراء الفقهاء في شروط الطواف","lvl":7,"sub":1},{"id":1924,"title":"حج المرأة الحائض","lvl":7,"sub":0},{"id":1926,"title":"ثالثا ـ سنن الطواف","lvl":6,"sub":0},{"id":1927,"title":"1 - استلام الحجر الأسود","lvl":7,"sub":0},{"id":1928,"title":"2 - الدعاء","lvl":7,"sub":0},{"id":1929,"title":"3 - الرمل للرجال أو الصبيان","lvl":7,"sub":0},{"id":1930,"title":"4 - الاضطباع","lvl":7,"sub":0},{"id":1931,"title":"5 - الدنو أو القرب من البيت للذكور","lvl":7,"sub":0},{"id":1932,"title":"المطلب الثالث ـ السعي","lvl":5,"sub":0},{"id":1932,"title":"أولا ـ واجبات السعي أو شروطه","lvl":6,"sub":1},{"id":1933,"title":"ثانيا ـ سنن السعي","lvl":6,"sub":0},{"id":1935,"title":"ثالثا ـ حكم تأخير السعي عن وقته الأصلي","lvl":6,"sub":0},{"id":1936,"title":"المطلب الرابع ـ الوقوف بعرفة","lvl":5,"sub":0},{"id":1936,"title":"أولا ـ حكم الوقوف بعرفة","lvl":6,"sub":1},{"id":1936,"title":"ثانيا ـ مكان الوقوف","lvl":6,"sub":2},{"id":1936,"title":"حد عرفة","lvl":7,"sub":3},{"id":1937,"title":"ثالثا ـ زمان الوقوف","lvl":6,"sub":0},{"id":1940,"title":"رابعا ـ مقدار الوقوف","lvl":6,"sub":0},{"id":1940,"title":"خامسا ـ حكم الحاج إذا فاته الوقوف","lvl":6,"sub":1},{"id":1941,"title":"سادسا ـ سنن الوقوف بعرفة وآدابه","lvl":6,"sub":0},{"id":1942,"title":"سنن الوقوف وآدابه","lvl":7,"sub":0},{"id":1945,"title":"المبحث السادس - واجبات الحج","lvl":4,"sub":0},{"id":1946,"title":"المطلب الأول ـ الوقوف بالمزدلفة","lvl":5,"sub":0},{"id":1946,"title":"أولا ـ صفة الوقوف بالمزدلفة","lvl":6,"sub":1},{"id":1947,"title":"ثانيا ـ ركن الوقوف بالمزدلفة","lvl":6,"sub":0},{"id":1948,"title":"ثالثا ـ مكان الوقوف بالمزدلفة","lvl":6,"sub":0},{"id":1949,"title":"رابعا ـ زمان الوقوف بالمزدلفة","lvl":6,"sub":0},{"id":1950,"title":"خامسا ـ حكم فوات الوقوف بالمزدلفة عن وقته","lvl":6,"sub":0},{"id":1950,"title":"سادسا ـ سنن الوقوف بالمزدلفة","lvl":6,"sub":1},{"id":1952,"title":"المطلب الثاني ـ رمي الجمار في منى وحكم المبيت فيها","lvl":5,"sub":0},{"id":1952,"title":"أولا ـ معنى رمي الجمار وحكمته وحد منى","lvl":6,"sub":1},{"id":1953,"title":"ثانيا ـ وجوب الرمي والإنابة فيه","lvl":6,"sub":0},{"id":1954,"title":"ثالثا ـ وقت الرمي","lvl":6,"sub":0},{"id":1954,"title":"أ ـ رمي جمرة العقبة (أو الكبرى )","lvl":7,"sub":1},{"id":1955,"title":"ب ـ رمي الجمرات الثلاث أيام التشريق","lvl":7,"sub":0},{"id":1957,"title":"رابعا ـ مكان الرمي","lvl":6,"sub":0},{"id":1957,"title":"خامسا ـ شروط الرمي","lvl":6,"sub":1},{"id":1959,"title":"مأخذها","lvl":7,"sub":0},{"id":1959,"title":"مقدار ما يرمى كل يوم عند كل موضع","lvl":7,"sub":1},{"id":1959,"title":"سادسا ـ كيفية الرمي وسننه","lvl":6,"sub":2},{"id":1962,"title":"سابعا ـ حكم تأخيرر الرمي عن وقته","lvl":6,"sub":0},{"id":1965,"title":"حكم المبيت بمنى","lvl":6,"sub":0},{"id":1965,"title":"أما الرأي الأول فهو للحنفية","lvl":7,"sub":1},{"id":1965,"title":"أما الرأي الثاني فهو للجمهور","lvl":7,"sub":2},{"id":1967,"title":"المطلب الثالث ـ الحلق أو التقصير","lvl":5,"sub":0},{"id":1967,"title":"أولا ـ وجوب الحلق أو التقصير","lvl":6,"sub":1},{"id":1968,"title":"ثانيا ـ مقدار الواجب","lvl":6,"sub":0},{"id":1969,"title":"ثالثا ـ زمان الحلق ومكانه","lvl":6,"sub":0},{"id":1970,"title":"رابعا ـ الأثر المترتب على الحلق أو التقصير أو حكمه","lvl":6,"sub":0},{"id":1970,"title":"خامسا ـ حكم تأخير الحلق عن الزمان والمكان","lvl":6,"sub":1},{"id":1971,"title":"المبحث السابع ـ سنن الحج والعمرة","lvl":4,"sub":0},{"id":1972,"title":"الخطبة الأولى","lvl":5,"sub":0},{"id":1972,"title":"الخطبة الثانية","lvl":5,"sub":1},{"id":1973,"title":"الخطبة الثالثة","lvl":5,"sub":0},{"id":1973,"title":"الخطبة الثالثة","lvl":5,"sub":1},{"id":1974,"title":"المبحث الثامن ـ كيفية أداء الحج والعمرة","lvl":4,"sub":0},{"id":1974,"title":"أولا ـ كيفية الإفراد","lvl":5,"sub":1},{"id":1978,"title":"ثانيا ـ كيفية التمتع","lvl":5,"sub":0},{"id":1978,"title":"صفة التمتع","lvl":6,"sub":1},{"id":1979,"title":"بطلان التمتع","lvl":6,"sub":0},{"id":1979,"title":"متى يكون المحرم بالعمرة قبل أشهر الحج متمتعا؟","lvl":6,"sub":1},{"id":1980,"title":"ثالثا ـ كيفية القران","lvl":5,"sub":0},{"id":1980,"title":"صفة القران","lvl":6,"sub":1},{"id":1981,"title":"اختلف الفقهاء في وقت ذبح دم التمتع والقران","lvl":6,"sub":0},{"id":1982,"title":"للفقهاء آراء في وقت الصيام البديل عن الهدي عند العجز عنه، وفي تتابع الأيام وغير ذلك","lvl":6,"sub":0},{"id":1982,"title":"الحنفية","lvl":7,"sub":1},{"id":1983,"title":"المالكية","lvl":7,"sub":0},{"id":1983,"title":"الشافعية","lvl":7,"sub":1},{"id":1984,"title":"الحنابلة","lvl":7,"sub":0},{"id":1985,"title":"المبحث التاسع ـ كيفية التحلل من الحج","lvl":4,"sub":0},{"id":1985,"title":"التحلل الأول","lvl":5,"sub":1},{"id":1986,"title":"التحلل الثاني أو الأكبر","lvl":5,"sub":0},{"id":1986,"title":"المبحث العاشر ـ محظورات الإحرام أو ممنوعاته، ومباحاته","lvl":4,"sub":1},{"id":1986,"title":"المحظورات","lvl":5,"sub":2},{"id":1987,"title":"الأصل الأول ـ لبس المخيط","lvl":5,"sub":0},{"id":1987,"title":"أ ـ أما الرجل","lvl":6,"sub":1},{"id":1989,"title":"ضابط ما يحرم لبسه","lvl":7,"sub":0},{"id":1991,"title":"ب ـ وأما المرأة","lvl":6,"sub":0},{"id":1991,"title":"لبس المعذور","lvl":6,"sub":1},{"id":1992,"title":"الأصل الثاني ـ ترفيه البدن بالطيب وإزالة الشعر وتقليم الظفر ونحوهما مما يجري مجرى الطيب","lvl":5,"sub":0},{"id":1992,"title":"أما الطيب","lvl":6,"sub":1},{"id":1992,"title":"ضابط حرمة الطيب","lvl":7,"sub":2},{"id":1992,"title":"الحنفية","lvl":8,"sub":3},{"id":1993,"title":"المالكية","lvl":8,"sub":0},{"id":1993,"title":"الشافعية","lvl":8,"sub":1},{"id":1994,"title":"الحنابلة","lvl":8,"sub":0},{"id":1995,"title":"إزالة الشعر","lvl":6,"sub":0},{"id":1996,"title":"الفدية","lvl":6,"sub":0},{"id":1996,"title":"الحنفية","lvl":7,"sub":1},{"id":1996,"title":"المالكية","lvl":7,"sub":2},{"id":1996,"title":"الأظهر عند الشافعية","lvl":7,"sub":3},{"id":1997,"title":"الحنابلة","lvl":7,"sub":0},{"id":1998,"title":"الأصل الثالث ـ النساء","lvl":5,"sub":0},{"id":1998,"title":"عقد الزواج","lvl":6,"sub":1},{"id":1999,"title":"الجماع ومقدماته","lvl":6,"sub":0},{"id":1999,"title":"الرفث والفسوق والجدال","lvl":6,"sub":1},{"id":2001,"title":"ما يفسد الحج، وحكمه إذا فسد","lvl":6,"sub":0},{"id":2001,"title":"أولا ـ شروط كونه مفسدا","lvl":7,"sub":1},{"id":2001,"title":"الأول ـ أن يكون الجماع في الفرج","lvl":8,"sub":2},{"id":2002,"title":"الثاني ـ أن يكون الجماع عند الحنفية قبل الوقوف بعرفة","lvl":8,"sub":0},{"id":2002,"title":"ثانيا ـ حكم الحج إذا فسد","lvl":7,"sub":1},{"id":2003,"title":"الأصل الرابع ـ الصيد","lvl":5,"sub":0},{"id":2004,"title":"تفصيلات في الصيد الممنوع","lvl":6,"sub":0},{"id":2004,"title":"قال الحنفية","lvl":7,"sub":1},{"id":2006,"title":"قال المالكية","lvl":7,"sub":0},{"id":2006,"title":"قال الشافعية","lvl":7,"sub":1},{"id":2007,"title":"قال الحنابلة","lvl":7,"sub":0},{"id":2007,"title":"هل يباح أكله لمحرم آخر لم يصد له؟","lvl":6,"sub":1},{"id":2008,"title":"مباحات الإحرام","lvl":6,"sub":0},{"id":2010,"title":"المبحث الحادي عشر ـ جزاء الجنايات","lvl":4,"sub":0},{"id":2010,"title":"1 - جناية على الإحرام","lvl":5,"sub":1},{"id":2011,"title":"2 - جناية على الحرم","lvl":5,"sub":0},{"id":2011,"title":"الجناية على الإحرام","lvl":6,"sub":1},{"id":2011,"title":"أولا ـ الجناية التي توجب بدنة","lvl":5,"sub":2},{"id":2012,"title":"ثانيا ـ الجناية التي توجب دمين","lvl":5,"sub":0},{"id":2012,"title":"ثالثا ـ الجناية التي توجب دما واحدا إما على سبيل التخيير أو الترتيب","lvl":5,"sub":1},{"id":2019,"title":"رابعا ـ ما يوجب الصدقة","lvl":5,"sub":0},{"id":2019,"title":"الحنفية","lvl":6,"sub":1},{"id":2020,"title":"المالكية","lvl":6,"sub":0},{"id":2020,"title":"الشافعية","lvl":6,"sub":1},{"id":2020,"title":"الحنابلة","lvl":6,"sub":2},{"id":2020,"title":"خامسا ـ ما يوجب أقل من نصف صاع: وهو التصدق بما شاء","lvl":5,"sub":3},{"id":2020,"title":"قال الحنفية","lvl":6,"sub":4},{"id":2020,"title":"قال المالكية","lvl":6,"sub":5},{"id":2021,"title":"قال الشافعية","lvl":6,"sub":0},{"id":2021,"title":"قال الحنابلة","lvl":6,"sub":1},{"id":2022,"title":"سادسا ـ الجناية التي توجب القيمة أو المثل (جزاء الصيد وقطع النبات )","lvl":5,"sub":0},{"id":2022,"title":"قال أبو حنيفة","lvl":6,"sub":1},{"id":2023,"title":"قال المالكية","lvl":6,"sub":0},{"id":2024,"title":"قال الشافعية","lvl":6,"sub":0},{"id":2025,"title":"قال الحنابلة","lvl":6,"sub":0},{"id":2025,"title":"ضوابط جزاء الصيد","lvl":6,"sub":1},{"id":2025,"title":"أولا ـ وجوب الجزاء على المحرم بقتل الصيد","lvl":7,"sub":2},{"id":2026,"title":"ثانيا ـ الجزاء واجب في الخطأ والعمد","lvl":7,"sub":0},{"id":2026,"title":"ثالثا ـ الجزاء لا يجب إلا على المحرم","lvl":7,"sub":1},{"id":2026,"title":"رابعا ـ الجزاء لا يجب إلا بقتل الصيد","lvl":7,"sub":2},{"id":2026,"title":"خامسا ـ وجوب الجزاء في صيد البر دون صيد البحر بغير خلاف","lvl":7,"sub":3},{"id":2027,"title":"سادسا ـ كيفية وجوب الجزاء بقتل الصيد","lvl":7,"sub":0},{"id":2028,"title":"سابعا ـ نوع الجزاء","lvl":7,"sub":0},{"id":2028,"title":"ضمان جزء الصيد","lvl":8,"sub":1},{"id":2029,"title":"ضمان مضاعفات الجرح","lvl":8,"sub":0},{"id":2029,"title":"قاعدة الضمان","lvl":8,"sub":1},{"id":2029,"title":"كيفية ضمان الطير","lvl":8,"sub":2},{"id":2030,"title":"ثامنا ـ التخيير في جزاء الصيد","lvl":7,"sub":0},{"id":2030,"title":"كيفية تقدير الطعام ونوعه","lvl":8,"sub":1},{"id":2030,"title":"تقدير الصيام","lvl":8,"sub":2},{"id":2031,"title":"تاسعا ـ ما لا مثل له من الصيد كالجراد","lvl":7,"sub":0},{"id":2031,"title":"عاشرا ـ تكرار قتل الصيد والاشتراك في القتل","lvl":7,"sub":1},{"id":2031,"title":"حادي عشر ـ تملك الصيد بالبيع ونحوه وزوال ملكيته عنه، وتملكه بالإرث","lvl":7,"sub":2},{"id":2032,"title":"جدول محظورات الإحرام","lvl":5,"sub":0},{"id":2033,"title":"المبحث الثاني عشر ـ الفوات والإحصار","lvl":4,"sub":0},{"id":2033,"title":"الفوات","lvl":5,"sub":1},{"id":2033,"title":"ما يفوت به الحج","lvl":6,"sub":2},{"id":2033,"title":"حكم الفوات","lvl":6,"sub":3},{"id":2033,"title":"دليل الفوات","lvl":6,"sub":4},{"id":2034,"title":"بقاء الفائت محرما لعام آخر","lvl":6,"sub":0},{"id":2034,"title":"صفة القضاء","lvl":6,"sub":1},{"id":2034,"title":"الخطأ في وقت الوقوف","lvl":6,"sub":2},{"id":2035,"title":"الإحصار","lvl":5,"sub":0},{"id":2035,"title":"أولا ـ معنى الإحصار","lvl":6,"sub":1},{"id":2036,"title":"المحصر بمكة","lvl":7,"sub":0},{"id":2036,"title":"شرط التحلل","lvl":7,"sub":1},{"id":2037,"title":"الأدلة","lvl":7,"sub":0},{"id":2037,"title":"شروط التحلل عند المالكية","lvl":7,"sub":1},{"id":2037,"title":"رفض الإحرام","lvl":7,"sub":2},{"id":2038,"title":"تحليل الزوجة من حج تطوع","lvl":7,"sub":0},{"id":2038,"title":"ثانيا ـ أحكام الإحصار","lvl":6,"sub":1},{"id":2038,"title":"معنى التحلل","lvl":7,"sub":2},{"id":2040,"title":"مكان ذبح الهدي عند الحنفية","lvl":7,"sub":0},{"id":2041,"title":"زمان ذبح الهدي","lvl":7,"sub":0},{"id":2041,"title":"حكم التحلل","lvl":7,"sub":1},{"id":2041,"title":"ما يقضيه المحصر","lvl":7,"sub":2},{"id":2043,"title":"ثالثا - زوال الإحصار","lvl":6,"sub":0},{"id":2044,"title":"المبحث الثالث عشر ـ الهدي","lvl":4,"sub":0},{"id":2044,"title":"أولا ـ معنى الهدي","lvl":5,"sub":1},{"id":2044,"title":"ثانيا ـ أنواع الهدي وصفته","lvl":5,"sub":2},{"id":2045,"title":"هدي التطوع","lvl":6,"sub":0},{"id":2045,"title":"الهدي الواجب","lvl":6,"sub":1},{"id":2046,"title":"إن عدم المتمتع الدم","lvl":6,"sub":0},{"id":2046,"title":"جزاء الصيد","lvl":6,"sub":1},{"id":2046,"title":"فدية دفع الأذى","lvl":6,"sub":2},{"id":2047,"title":"دم الإحصار","lvl":6,"sub":0},{"id":2047,"title":"المقيس على المنصوص عليه","lvl":6,"sub":1},{"id":2047,"title":"ثالثا ـ شروط هدي التمتع","lvl":5,"sub":2},{"id":2047,"title":"الأول ـ أن يحرم بالعمرة في أشهر الحج","lvl":6,"sub":3},{"id":2048,"title":"الثاني ـ أن يحج من عامه","lvl":6,"sub":0},{"id":2048,"title":"الثالث ـ ألا يسافر بين العمرة والحج","lvl":6,"sub":1},{"id":2048,"title":"الرابع ـ أن يحل من إحرام العمرة قبل إحرامه بالحج","lvl":6,"sub":2},{"id":2048,"title":"الخامس ـ ألايكون من حاضري المسجد الحرام","lvl":6,"sub":3},{"id":2049,"title":"من هم حاضرو المسجد الحرام؟","lvl":7,"sub":0},{"id":2049,"title":"الصيام بدل دم المتعة","lvl":7,"sub":1},{"id":2050,"title":"رابعا ـ الأكل من الهدي","lvl":5,"sub":0},{"id":2050,"title":"يرى الحنفية","lvl":6,"sub":1},{"id":2051,"title":"قرر المالكية","lvl":6,"sub":0},{"id":2051,"title":"قال الشافعية","lvl":6,"sub":1},{"id":2052,"title":"قال الحنابلة","lvl":6,"sub":0},{"id":2054,"title":"خامسا ـ مكان ذبح الهدي وزمانه","lvl":5,"sub":0},{"id":2054,"title":"قال الحنفية","lvl":6,"sub":1},{"id":2054,"title":"قال المالكية","lvl":6,"sub":2},{"id":2055,"title":"قال الشافعية","lvl":6,"sub":0},{"id":2055,"title":"قال الحنابلة","lvl":6,"sub":1},{"id":2055,"title":"سادسا ـ ذابح الهدي","lvl":5,"sub":2},{"id":2056,"title":"سابعا ـ التصدق بلحم الهدي","lvl":5,"sub":0},{"id":2057,"title":"ثامنا ـ الانتفاع بالهدي","lvl":5,"sub":0},{"id":2058,"title":"تاسعا ـ تقليد الهدي وإشعاره","lvl":5,"sub":0},{"id":2060,"title":"عاشرا ـ عطب الهدي في الطريق","lvl":5,"sub":0},{"id":2063,"title":"الفصل الثاني: خصائص الحرمين","lvl":3,"sub":0},{"id":2063,"title":"المبحث الأول ـ حرم مكة","lvl":4,"sub":1},{"id":2063,"title":"أولا ـ حدود الحرم المكي","lvl":5,"sub":2},{"id":2063,"title":"حد الحرم","lvl":6,"sub":3},{"id":2063,"title":"ثانيا ـ بناء الكعبة ومزيتها وفضيلة المسجد الحرام","lvl":5,"sub":4},{"id":2065,"title":"ثالثا ـ المجاورة بمكة وفضيلتها","lvl":5,"sub":0},{"id":2066,"title":"المجاورة بمكة","lvl":6,"sub":0},{"id":2067,"title":"رابعا ـ هل مكة أفضل أو المدينة ؟","lvl":5,"sub":0},{"id":2068,"title":"خامسا ـ آداب دخول مكة","lvl":5,"sub":0},{"id":2071,"title":"سادسا ـ الأحكام التي يخالف فيها الحرم غيره من البلاد (خصائصه ومحظوراته )","lvl":5,"sub":0},{"id":2074,"title":"سابعا ـ زيارة أهم المعالم التاريخية بمكة","lvl":5,"sub":0},{"id":2074,"title":"جبل حراء أو جبل النور","lvl":6,"sub":1},{"id":2075,"title":"جبل ثور","lvl":6,"sub":0},{"id":2075,"title":"دار الأرقم","lvl":6,"sub":1},{"id":2075,"title":"مقبرة المعلاة أو الحجون","lvl":6,"sub":2},{"id":2075,"title":"منى","lvl":6,"sub":3},{"id":2075,"title":"عرفات","lvl":6,"sub":4},{"id":2076,"title":"المبحث الثاني ـ حرم المدينة","lvl":4,"sub":0},{"id":2076,"title":"أولا ـ حدود الحرم المدني","lvl":5,"sub":1},{"id":2076,"title":"ثانيا ـ فضيلة المسجد النبوي","lvl":5,"sub":2},{"id":2077,"title":"ثالثا ـ خصائص الحرم المدني","lvl":5,"sub":0},{"id":2079,"title":"رابعا ـ الفرق بين حرم المدينة وحرم مكة","lvl":5,"sub":0},{"id":2080,"title":"خامسا ـ زيارة المسجد النبوي وقبر النبي صلى الله عليه وسلم","lvl":5,"sub":0},{"id":2085,"title":"سادسا ـ زيارة أهم المعالم الأثرية في المدينة","lvl":5,"sub":0},{"id":2085,"title":"مسجد قباء","lvl":6,"sub":1},{"id":2085,"title":"مسجد المصلى أو مسجد الغمامة","lvl":6,"sub":2},{"id":2085,"title":"مسجد الفتح","lvl":6,"sub":3},{"id":2085,"title":"مسجد القبلتين","lvl":6,"sub":4},{"id":2085,"title":"البقيع","lvl":6,"sub":5},{"id":2086,"title":"زيارة الأماكن الأثرية","lvl":6,"sub":0},{"id":2086,"title":"دار أبي أيوب الأنصاري","lvl":6,"sub":1},{"id":2086,"title":"دار عثمان بن عفان","lvl":6,"sub":2},{"id":2086,"title":"قرية بدر","lvl":6,"sub":3},{"id":2086,"title":"جبل أحد","lvl":6,"sub":4},{"id":2087,"title":"الفصل الثالث: آداب السفر للحج وغيره، وآداب الحاج العائد","lvl":3,"sub":0},{"id":2087,"title":"المبحث الأول ـ آداب السفر للحج وغيره","lvl":4,"sub":1},{"id":2095,"title":"المبحث الثاني ـ آداب رجوع الحاج من سفره","lvl":4,"sub":0},{"id":2096,"title":"- - - -الجزء الرابع- - - -","lvl":1,"sub":0},{"id":2096,"title":"((الباب السادس: الأيمان والنذور والكفارات))","lvl":2,"sub":2},{"id":2103,"title":"الفصل الأول: الأيمان","lvl":3,"sub":0},{"id":2103,"title":"المبحث الأول ـ تعريف اليمين ومشروعيتها وأنواعها وحكم كل نوع","lvl":4,"sub":1},{"id":2103,"title":"تعريف اليمين","lvl":5,"sub":2},{"id":2104,"title":"مشروعية اليمين","lvl":5,"sub":0},{"id":2106,"title":"أنواع اليمين","lvl":5,"sub":0},{"id":2106,"title":"1 - اليمين الغموس","lvl":6,"sub":1},{"id":2108,"title":"2 - اليمين اللغو","lvl":6,"sub":0},{"id":2109,"title":"3 - اليمين المنعقدة أو المعقودة أو المؤكدة","lvl":6,"sub":0},{"id":2112,"title":"حكم الناسي والمكره","lvl":7,"sub":0},{"id":2113,"title":"شروط انعقاد اليمين","lvl":7,"sub":0},{"id":2114,"title":"أنواع اليمين المنعقدة","lvl":7,"sub":0},{"id":2115,"title":"النوع الأول ــ أن تكون اليمين على ماهو متصور الوجود عادة","lvl":8,"sub":0},{"id":2115,"title":"أولا ـ إن كان الحلف في حالة الإثبات","lvl":9,"sub":1},{"id":2116,"title":"ثانيا ـ إذا كان الحلف في حالة النفي","lvl":9,"sub":0},{"id":2116,"title":"النوع الثاني ـ أن تكون اليمين على ما هو مستحيل غير متصور الوجود أصلا","lvl":8,"sub":1},{"id":2118,"title":"النوع الثالث ـ أن تكون اليمين على ما هو مستحيل عادة","lvl":8,"sub":0},{"id":2119,"title":"يمين الفور","lvl":8,"sub":0},{"id":2120,"title":"قضاء الحق قبل وقته","lvl":8,"sub":0},{"id":2120,"title":"فعل بعض المحلوف عليه","lvl":8,"sub":1},{"id":2120,"title":"المبحث الثاني ـ صيغة اليمين","lvl":4,"sub":2},{"id":2120,"title":"1 - اليمين باسم من أسماء الله تعالى","lvl":5,"sub":3},{"id":2121,"title":"حروف القسم","lvl":6,"sub":0},{"id":2122,"title":"2 - اليمين بصفة من صفات الله تعالى","lvl":5,"sub":0},{"id":2125,"title":"الحلف على المصحف","lvl":6,"sub":0},{"id":2126,"title":"الحلف بحق الله","lvl":6,"sub":0},{"id":2127,"title":"الحلف بـ (لعمر الله )","lvl":6,"sub":0},{"id":2127,"title":"الحلف بلفظ (أقسم بالله ونحوه )","lvl":6,"sub":1},{"id":2128,"title":"الحلف على الغير","lvl":6,"sub":0},{"id":2128,"title":"الحلف بقوله (أقسم لأفعلن كذا )","lvl":6,"sub":1},{"id":2129,"title":"تكرار المقسم به","lvl":6,"sub":0},{"id":2129,"title":"تكرار الخبر المقسم عليه","lvl":6,"sub":1},{"id":2129,"title":"3 - اليمين بالله تعالى بطريق الكناية","lvl":5,"sub":2},{"id":2132,"title":"الحلف بتحريم شيء من ماله","lvl":6,"sub":0},{"id":2132,"title":"هل اليمين بحسب نية الحالف أو المستحلف؟","lvl":6,"sub":1},{"id":2133,"title":"4 - اليمين بغير الله تعالى صورة ومعنى (الحلف بمخلوق )","lvl":5,"sub":0},{"id":2134,"title":"5 - اليمين بغير الله تعالى صورة ولكنها يمين بالله معنى","lvl":5,"sub":0},{"id":2135,"title":"كلما دخلت هذه الدار فأنت طالق","lvl":6,"sub":0},{"id":2136,"title":"كل امرأة أتزوجها فهي طالق","lvl":6,"sub":0},{"id":2136,"title":"الجمع بين شرطين في يمين","lvl":6,"sub":1},{"id":2136,"title":"إن عطف بحرف (الفاء)","lvl":6,"sub":2},{"id":2136,"title":"إن كان العطف بحرف ( ثم )","lvl":6,"sub":3},{"id":2137,"title":"تكرار الأيمان في مجلس واحد أو في مجلسين","lvl":6,"sub":0},{"id":2138,"title":"المبحث الثالث ــ شروط صحة اليمين","lvl":4,"sub":0},{"id":2138,"title":"1 - شروط الحالف","lvl":5,"sub":1},{"id":2140,"title":"2 - شرط المحلوف عليه","lvl":5,"sub":0},{"id":2140,"title":"المستحيل حقيقة","lvl":6,"sub":1},{"id":2141,"title":"المستحيل عادة","lvl":6,"sub":0},{"id":2142,"title":"3 ــ شرط ركن اليمين","lvl":5,"sub":0},{"id":2142,"title":"الاستثناء في اليمين","lvl":6,"sub":1},{"id":2144,"title":"المبحث الرابع ـ أحوال اليمين التي يحلف عليها فعلا","lvl":4,"sub":0},{"id":2144,"title":"هل الأيمان مبنية على العرف أو النية أوصيغة اللفظ؟","lvl":5,"sub":1},{"id":2146,"title":"المطلب الأول ــ الحلف على الدخول","lvl":5,"sub":0},{"id":2147,"title":"معنى الدخول","lvl":6,"sub":0},{"id":2149,"title":"الحلف على عدم دخول مسجد","lvl":6,"sub":0},{"id":2149,"title":"الحلف على عدم دخول بيت","lvl":6,"sub":1},{"id":2150,"title":"الحلف على عدم دخول الفسطاط","lvl":6,"sub":0},{"id":2150,"title":"عدم الجلوس إلى الحائط أو الأسطوانة","lvl":6,"sub":1},{"id":2150,"title":"الحلف على القلم والمقص ونحوهما","lvl":6,"sub":2},{"id":2150,"title":"الحلف على عدم دخول الدار ثم جعلها شيئا آخر","lvl":6,"sub":3},{"id":2151,"title":"الحلف على عدم دخول باب الدار","lvl":6,"sub":0},{"id":2152,"title":"الحلف على عدم دخول دار فلان","lvl":6,"sub":0},{"id":2152,"title":"الحلف على عدم دخول بيت فلان","lvl":6,"sub":1},{"id":2152,"title":"الحلف على عدم دخول الدار إلا مجتازا","lvl":6,"sub":2},{"id":2153,"title":"الحلف بالدخول على فلان","lvl":6,"sub":0},{"id":2154,"title":"المطلب الثاني ـ الحلف على الخروج","lvl":5,"sub":0},{"id":2155,"title":"مذهب الحنفية","lvl":6,"sub":0},{"id":2155,"title":"الحلف على الخروج من البيت","lvl":7,"sub":1},{"id":2156,"title":"الخروج من الباب","lvl":7,"sub":0},{"id":2156,"title":"الخروج لأمر معين","lvl":7,"sub":1},{"id":2156,"title":"الخروج مع فلان","lvl":7,"sub":2},{"id":2156,"title":"بعض الحالات المتعلقة بالخروج من الدار","lvl":7,"sub":3},{"id":2156,"title":"هل الدوام على الشيء بحكم ابتداء الشيء؟","lvl":7,"sub":4},{"id":2157,"title":"الأكل والضرب","lvl":7,"sub":0},{"id":2157,"title":"( الحيض والمرض )","lvl":7,"sub":1},{"id":2158,"title":"الحلف على الخروج بدون إذن","lvl":7,"sub":0},{"id":2158,"title":"( إلا بإذني أو برضاي )","lvl":8,"sub":1},{"id":2159,"title":"أما لو أذن الزوج لامرأته إذنا عاما: ثم نهاها عن الخروج بعدئذ نهيا عاما عن جميع حالات الخروج، فهل يؤثر هذا النهي أو لا؟","lvl":9,"sub":0},{"id":2160,"title":"( حتى آذن لك )","lvl":8,"sub":0},{"id":2161,"title":"( إلا أن آذن لك )","lvl":8,"sub":0},{"id":2162,"title":"تعليق الخروج بإذن فلان","lvl":7,"sub":0},{"id":2163,"title":"الإذن بالخروج دون أن تسمع المرأة","lvl":7,"sub":0},{"id":2163,"title":"الحلف مقيد ببقاء الولاية","lvl":7,"sub":1},{"id":2164,"title":"مذاهب غير الحنفية في هذه الألفاظ","lvl":7,"sub":0},{"id":2164,"title":"المطلب الثالث ـ الحلف على الكلام","lvl":5,"sub":1},{"id":2164,"title":"المطلق","lvl":6,"sub":2},{"id":2164,"title":"الحلف على عدم تكليم فلان","lvl":6,"sub":3},{"id":2165,"title":"حلف ألا يكلم فلانا، فكلمه وهو نائم فأيقظه","lvl":6,"sub":0},{"id":2165,"title":"مر الحالف على جماعة فيهم المحلوف عليه، فسلم عليهم","lvl":6,"sub":1},{"id":2166,"title":"حلف لا يكلم فلانا، فكتب إليه كتابا","lvl":6,"sub":0},{"id":2166,"title":"الحلف على عدم التكلم","lvl":6,"sub":1},{"id":2167,"title":"الحلف على الكلام مؤقتا","lvl":6,"sub":0},{"id":2167,"title":"المعين","lvl":7,"sub":1},{"id":2167,"title":"لا يكلم فلانا يوما","lvl":8,"sub":2},{"id":2167,"title":"والله لا أكلمك اليوم","lvl":8,"sub":3},{"id":2167,"title":"حلف لايكلمه شهرا","lvl":8,"sub":4},{"id":2168,"title":"والله لا أكلمك يوما ولا يومين","lvl":7,"sub":0},{"id":2168,"title":"المبهم","lvl":7,"sub":1},{"id":2168,"title":"ألا يكلم فلانا زمنا أو حينا أو الزمان أو الحين","lvl":7,"sub":2},{"id":2168,"title":"لا أكلمه دهرا أو الدهر","lvl":7,"sub":3},{"id":2169,"title":"والله لا أكلمك يوم الجمعة","lvl":7,"sub":0},{"id":2169,"title":"لا أكلمه أياما","lvl":7,"sub":1},{"id":2169,"title":"والله لا أكلمك جمعا","lvl":7,"sub":2},{"id":2169,"title":"الأيام والأزمنة والأحايين والشهور والسنين","lvl":7,"sub":3},{"id":2170,"title":"حلف ألا يكلمه حينا","lvl":7,"sub":0},{"id":2170,"title":"لا يكلمه أياما","lvl":7,"sub":1},{"id":2170,"title":"لا أكلمك سنين","lvl":7,"sub":2},{"id":2170,"title":"لايكمله العمر","lvl":7,"sub":3},{"id":2170,"title":"لا يكلم فلانا أياما كثيرة","lvl":7,"sub":4},{"id":2170,"title":"لا يكلمه إلى بعيد","lvl":7,"sub":5},{"id":2170,"title":"لا يكلمه إلى قريب","lvl":7,"sub":6},{"id":2171,"title":"لا يكلمه عاجلا أو آجلا","lvl":7,"sub":0},{"id":2171,"title":"لا يكلمه مليا","lvl":7,"sub":1},{"id":2171,"title":"ألا يكلمه الشتاء","lvl":7,"sub":2},{"id":2171,"title":"المطلب الرابع ـ الحلف على الأكل والشرب والذوق ونحوها","lvl":5,"sub":3},{"id":2171,"title":"الأكل","lvl":6,"sub":4},{"id":2171,"title":"الشرب","lvl":6,"sub":5},{"id":2171,"title":"الذوق","lvl":6,"sub":6},{"id":2171,"title":"الحلف على الذوق","lvl":6,"sub":7},{"id":2171,"title":"حلف لا يذوق شيئا وعنى به أكله وشربه","lvl":6,"sub":8},{"id":2172,"title":"حلف لا يذوق ماء","lvl":6,"sub":0},{"id":2172,"title":"حلف لا يشم شيئا","lvl":6,"sub":1},{"id":2172,"title":"الحلف على الأكل","lvl":6,"sub":2},{"id":2172,"title":"1 - لو حلف لا يأكل الرمان أو العنب","lvl":7,"sub":3},{"id":2172,"title":"2 - مفهوم أكل الطعام","lvl":7,"sub":4},{"id":2173,"title":"3 - كيفية أكل اللبن والخل","lvl":7,"sub":0},{"id":2173,"title":"4 - اليمين معلقة ببقاء العين لا بعد تغيرها","lvl":7,"sub":1},{"id":2175,"title":"حلف لا يأكل من لحم هذا الحمل أو هذا الجدي فأكل منه بعدما صار كبشا أو تيسا","lvl":8,"sub":0},{"id":2175,"title":"حلف لا يكلم شابا، فكلم شيخا","lvl":8,"sub":1},{"id":2175,"title":"اختلاف الحنفية في حكم خلط اللبن بالماء","lvl":8,"sub":2},{"id":2176,"title":"اختلاط الشيء بجنسه","lvl":8,"sub":0},{"id":2176,"title":"5 - الحلف على الإدام","lvl":7,"sub":1},{"id":2178,"title":"6 - عدم أكل اللحم","lvl":7,"sub":0},{"id":2179,"title":"7 - عدم أكل الشحم","lvl":7,"sub":0},{"id":2179,"title":"8 - عدم أكل الرأس أو شرائه","lvl":7,"sub":1},{"id":2180,"title":"9 - عدم أكل البيض","lvl":7,"sub":0},{"id":2180,"title":"10 - عدم أكل الطبيخ","lvl":7,"sub":1},{"id":2180,"title":"11 - عدم أكل الشواء","lvl":7,"sub":2},{"id":2181,"title":"12 - عدم أكل الحلو","lvl":7,"sub":0},{"id":2181,"title":"13 - عدم أكل الفاكهة","lvl":7,"sub":1},{"id":2183,"title":"14 - عدم أكل الحنطة","lvl":7,"sub":0},{"id":2185,"title":"15- الحلف على عدم الأكل وقصد طعام خاص","lvl":7,"sub":0},{"id":2185,"title":"الحلف على الشرب","lvl":6,"sub":1},{"id":2185,"title":"حلف لا يشرب من دجلة أو من الفرات","lvl":7,"sub":2},{"id":2186,"title":"الشرب من الجب أو البئر","lvl":7,"sub":0},{"id":2186,"title":"الحلف على الغداء والعشاء والسحور","lvl":7,"sub":1},{"id":2187,"title":"الغداء في الماضي","lvl":7,"sub":0},{"id":2187,"title":"العشاء في الماضي","lvl":7,"sub":1},{"id":2187,"title":"السحور","lvl":7,"sub":2},{"id":2187,"title":"التضحي","lvl":7,"sub":3},{"id":2187,"title":"التصبيح","lvl":7,"sub":4},{"id":2187,"title":"حلف ليأتينه غدوة","lvl":7,"sub":5},{"id":2187,"title":"المطلب الخامس ـ الحلف على اللبس والكسوة","lvl":5,"sub":6},{"id":2187,"title":"لا يلبس قميصا أو سراويل أو رداء","lvl":6,"sub":7},{"id":2187,"title":"لا يلبس هذا القميص أو هذا الرداء","lvl":6,"sub":8},{"id":2188,"title":"لا يلبس من غزل فلانة شيئا","lvl":6,"sub":0},{"id":2188,"title":"لا يلبس ثوبا من غزل فلانة","lvl":6,"sub":1},{"id":2188,"title":"لا يلبس ثوبا من غزل فلانة","lvl":6,"sub":2},{"id":2188,"title":"لا يلبس من غزل فلانة","lvl":6,"sub":3},{"id":2188,"title":"لا يلبس من غزل فلانة","lvl":6,"sub":4},{"id":2188,"title":"لا يلبس حليا","lvl":6,"sub":5},{"id":2189,"title":"لا يكسو فلانا شيئا","lvl":6,"sub":0},{"id":2189,"title":"لا يكسو فلانا ثوبا","lvl":6,"sub":1},{"id":2189,"title":"المطلب السادس ـ الحلف على الركوب","lvl":5,"sub":2},{"id":2189,"title":"لا يركب دابة","lvl":6,"sub":3},{"id":2189,"title":"لا يركب فرسا","lvl":6,"sub":4},{"id":2189,"title":"لا يركب","lvl":6,"sub":5},{"id":2190,"title":"المطلب السابع ـ الحلف على الجلوس","lvl":5,"sub":0},{"id":2190,"title":"لا يجلس على الأرض","lvl":6,"sub":1},{"id":2190,"title":"لا يجلس على هذا الفراش","lvl":6,"sub":2},{"id":2190,"title":"لا يجلس على هذا السرير أو السطح","lvl":6,"sub":3},{"id":2191,"title":"والله لا أنام على ألواح هذا السرير","lvl":6,"sub":0},{"id":2191,"title":"المطلب الثامن ـ الحلف على السكنى","lvl":5,"sub":1},{"id":2191,"title":"لا يسكن هذه الدار","lvl":6,"sub":2},{"id":2191,"title":"كان الرجل ساكنا في الدار فحلف لا يسكنها","lvl":6,"sub":3},{"id":2193,"title":"منع من الخروج","lvl":6,"sub":0},{"id":2194,"title":"هل الدوام على السكنى له حكم الابتداء؟","lvl":6,"sub":0},{"id":2194,"title":"المطلب التاسع ــ الحلف على الضرب والقتل","lvl":5,"sub":1},{"id":2194,"title":"حلف إنسان بطلاق زوجته ليضربنها حتى يقتلها أو حتى ترفع ميتة ولانية له","lvl":6,"sub":2},{"id":2194,"title":"ليضربن غلامه عشرة أسواط","lvl":6,"sub":3},{"id":2195,"title":"والله لا أقتل فلانا بدمشق","lvl":6,"sub":0},{"id":2195,"title":"والله لا أتزوج فلانة بدمشق","lvl":6,"sub":1},{"id":2195,"title":"لا أفعل ذلك يوم الجمعة","lvl":6,"sub":2},{"id":2195,"title":"لا يضرب امرأته","lvl":6,"sub":3},{"id":2195,"title":"إن لم أقتل فلانا فامرأتي طالق","lvl":6,"sub":4},{"id":2196,"title":"إن لم أشرب الماء الذي في هذا الكوز فامرأتي طالق","lvl":6,"sub":0},{"id":2196,"title":"المطلب العاشر ـ الحلف على ما يضاف إلى غير الحالف","lvl":5,"sub":1},{"id":2196,"title":"الحلف على ما في ملك فلان","lvl":6,"sub":2},{"id":2197,"title":"بحثان ملحقان بهذا المطلب","lvl":6,"sub":0},{"id":2197,"title":"البحث الأول ـ الحلف على فعل صادر من غير الحالف","lvl":7,"sub":1},{"id":2198,"title":"البحث الثاني - فعل الغير بأمر الحالف","lvl":7,"sub":0},{"id":2199,"title":"عقد الصلح","lvl":8,"sub":0},{"id":2200,"title":"المطلب الحادي عشر ـ الحلف على تصرفات شرعية","lvl":5,"sub":0},{"id":2200,"title":"الحلف على عدم شراء الذهب والفضة","lvl":6,"sub":1},{"id":2201,"title":"عدم شراء الصوف","lvl":6,"sub":0},{"id":2201,"title":"عدم الهبة والصدقة ونحوهما","lvl":6,"sub":1},{"id":2201,"title":"عدم البيع والإجارة ونحوهما","lvl":6,"sub":2},{"id":2202,"title":"الحلف على عدم الزواج","lvl":6,"sub":0},{"id":2203,"title":"الحلف على عدم الصلاة والصوم","lvl":6,"sub":0},{"id":2203,"title":"لا يصلي","lvl":6,"sub":1},{"id":2203,"title":"لا يصلي صلاة","lvl":6,"sub":2},{"id":2203,"title":"لا يصلي الظهر","lvl":6,"sub":3},{"id":2203,"title":"لا يصوم","lvl":6,"sub":4},{"id":2203,"title":"لا يصوم يوما","lvl":6,"sub":5},{"id":2203,"title":"لا يصوم صوما","lvl":6,"sub":6},{"id":2203,"title":"ليفطرن عند فلان","lvl":6,"sub":7},{"id":2203,"title":"فلان يفطر عند فلان","lvl":6,"sub":8},{"id":2204,"title":"عدم الحج","lvl":6,"sub":0},{"id":2204,"title":"لا يعتمر","lvl":6,"sub":1},{"id":2204,"title":"الفصل الثاني: النذور","lvl":3,"sub":2},{"id":2204,"title":"خطة الموضوع","lvl":4,"sub":3},{"id":2204,"title":"تعريف النذر وركنه","lvl":4,"sub":4},{"id":2204,"title":"المنذور فنوعان","lvl":4,"sub":5},{"id":2205,"title":"شروط النذر","lvl":4,"sub":0},{"id":2205,"title":"أولا ـ الأهلية من العقل والبلوغ","lvl":5,"sub":1},{"id":2205,"title":"ثانيا ـ الإسلام","lvl":5,"sub":2},{"id":2206,"title":"شروط المنذور به","lvl":4,"sub":0},{"id":2206,"title":"أولا ـ أن يكون المنذور به متصور الوجود في نفسه شرعا","lvl":5,"sub":1},{"id":2206,"title":"ثانيا ـ أن يكون المنذور به قربة","lvl":5,"sub":2},{"id":2207,"title":"ثالثا ـ أن يكون قربة مقصودة","lvl":5,"sub":0},{"id":2207,"title":"لله علي أن أصوم يوم النحر، أو أيام التشريق","lvl":6,"sub":1},{"id":2208,"title":"لله علي أن أحج ماشيا","lvl":6,"sub":0},{"id":2210,"title":"رابعا ـ أن يكون المال المنذور به مملوكا للناذر وقت النذر","lvl":5,"sub":0},{"id":2210,"title":"خامسا ـ ألا يكون المنذور فرضا أو واجبا","lvl":5,"sub":1},{"id":2211,"title":"حكم النذر","lvl":4,"sub":0},{"id":2211,"title":"1 - أصل حكم النذر","lvl":5,"sub":1},{"id":2213,"title":"فصل الحنفية حكم ما يجب الوفاء به بالنظر لتسمية المنذور به وعدم تسميته","lvl":6,"sub":0},{"id":2213,"title":"أولا ـ إن نذر الناذر وسمى المنذور به","lvl":7,"sub":1},{"id":2214,"title":"نذر التبرر","lvl":8,"sub":0},{"id":2214,"title":"نذر اللجاج","lvl":8,"sub":1},{"id":2214,"title":"ثانيا ـ وإن كان النذر لا تسمية فيه","lvl":7,"sub":2},{"id":2217,"title":"نذر المباح ونذر المعصية","lvl":7,"sub":0},{"id":2217,"title":"إذا نذر الإنسان فعل مباح","lvl":8,"sub":1},{"id":2218,"title":"إذا نذر الإنسان معصية","lvl":8,"sub":0},{"id":2220,"title":"2 - وقت ثبوت حكم النذر","lvl":5,"sub":0},{"id":2220,"title":"إن كان النذرمطلقا","lvl":6,"sub":1},{"id":2220,"title":"إن كان النذر معلقا بشرط","lvl":6,"sub":2},{"id":2220,"title":"إن كان مقيدا بمكان","lvl":6,"sub":3},{"id":2222,"title":"إن كان مضافا إلى وقت في المستقبل","lvl":6,"sub":0},{"id":2223,"title":"3 - كيفية ثبوت حكم النذر","lvl":5,"sub":0},{"id":2223,"title":"إن أضيف إلى وقت مبهم","lvl":6,"sub":1},{"id":2224,"title":"إن أضيف النذر إلى وقت معين","lvl":6,"sub":0},{"id":2225,"title":"الفصل الثالث: الكفارات","lvl":3,"sub":0},{"id":2225,"title":"أنواع الكفارات","lvl":4,"sub":1},{"id":2226,"title":"كفارة اليمين","lvl":5,"sub":0},{"id":2226,"title":"خطة الموضوع","lvl":6,"sub":1},{"id":2226,"title":"مشروعية الكفارة","lvl":6,"sub":2},{"id":2226,"title":"سبب وجوبها","lvl":6,"sub":3},{"id":2226,"title":"تقديم الكفارة على الحنث","lvl":6,"sub":4},{"id":2227,"title":"نوع الواجب في الكفارة","lvl":6,"sub":0},{"id":2228,"title":"خصال الكفارة","lvl":6,"sub":0},{"id":2228,"title":"1 - ما مقدار الإطعام وما المقصود به؟","lvl":7,"sub":1},{"id":2232,"title":"المدفوع إليهم الطعام","lvl":8,"sub":0},{"id":2233,"title":"2 - الكسوة، صفتها وقدرها","lvl":7,"sub":0},{"id":2233,"title":"قدر الكسوة","lvl":8,"sub":1},{"id":2234,"title":"3 - عتق الرقبة","lvl":7,"sub":0},{"id":2235,"title":"4 - الصوم، مقداره وشرطه","lvl":7,"sub":0},{"id":2237,"title":"((الباب السابع: الحظر والإباحة))","lvl":2,"sub":0},{"id":2237,"title":"تمهيد","lvl":3,"sub":1},{"id":2238,"title":"المبحث الأول ـ الأطعمة","lvl":3,"sub":0},{"id":2238,"title":"مقدمة ـ مبدأ تناول الطعام والشراب","lvl":4,"sub":1},{"id":2240,"title":"المطلب الأول ـ أنواع الأطعمة وحكم كل نوع منها","lvl":4,"sub":0},{"id":2240,"title":"النبات المأكول","lvl":5,"sub":1},{"id":2240,"title":"الحيوان","lvl":5,"sub":2},{"id":2240,"title":"المائي","lvl":6,"sub":3},{"id":2240,"title":"البري","lvl":6,"sub":4},{"id":2242,"title":"خلاصة مذهب المالكية في المباح والمحرم","lvl":5,"sub":0},{"id":2242,"title":"المباح","lvl":6,"sub":1},{"id":2244,"title":"المحرم","lvl":6,"sub":0},{"id":2244,"title":"المكروه","lvl":6,"sub":1},{"id":2244,"title":"لحم الجلالة","lvl":6,"sub":2},{"id":2246,"title":"المطلب الثاني ـ ما لا نص فيه ـ الاحتكام للذوق العربي","lvl":4,"sub":0},{"id":2248,"title":"المطلب الثالث ـ حالة الضرورة","lvl":4,"sub":0},{"id":2249,"title":"أولا ـ تعريف الضرورة وحكمها","lvl":5,"sub":0},{"id":2251,"title":"ثانيا ـ شروط الضرورة أو ضوابطها","lvl":5,"sub":0},{"id":2252,"title":"ثالثا ـ هل تشمل الضرورة حالة السفر والحضر جميعا؟","lvl":5,"sub":0},{"id":2253,"title":"رابعا ـ جنس الشيء المستباح للضرورة","lvl":5,"sub":0},{"id":2255,"title":"تشريح الجثث ونقل الأعضاء","lvl":6,"sub":0},{"id":2256,"title":"التداوي بالخمر","lvl":6,"sub":0},{"id":2258,"title":"شرب الخمر حالة العطش","lvl":6,"sub":0},{"id":2258,"title":"خامسا ـ كيفية ترتيب الأفضلية بين مطعومات الضرورة","lvl":5,"sub":1},{"id":2260,"title":"سادسا ـ مقدار الجائز تناوله للضرورة","lvl":5,"sub":0},{"id":2262,"title":"سابعا ـ حكم أخذ طعام قهرا للضرورة","lvl":5,"sub":0},{"id":2263,"title":"ثامنا ـ حالات خاصة للضرورة أو الحاجة","lvl":5,"sub":0},{"id":2263,"title":"1 ـ الأكل من ثمار البساتين","lvl":6,"sub":1},{"id":2265,"title":"2 ـ الأكل من الزرع","lvl":6,"sub":0},{"id":2265,"title":"3 ـ حلب ماشية الغير","lvl":6,"sub":1},{"id":2266,"title":"المطلب الرابع ـ إجابة الولائم، وموائد المنكر، وآداب الطعام","lvl":4,"sub":0},{"id":2266,"title":"أولا ـ إجابة الولائم وموائد المنكر","lvl":5,"sub":1},{"id":2267,"title":"مانع المنكر من إجابة الدعوة","lvl":6,"sub":0},{"id":2268,"title":"ثانيا ـ آداب الطعام والشراب","lvl":5,"sub":0},{"id":2269,"title":"المبحث الثاني ـ الأشربة","lvl":3,"sub":0},{"id":2270,"title":"أولا ـ حكم الأشربة","lvl":4,"sub":0},{"id":2271,"title":"خلط الخمر بغيرها","lvl":5,"sub":0},{"id":2272,"title":"الأدوية السامة","lvl":5,"sub":0},{"id":2272,"title":"المخدرات","lvl":5,"sub":1},{"id":2272,"title":"ما يستثنى من حكم المسكرات والمخدرات","lvl":6,"sub":2},{"id":2272,"title":"غير المسكر","lvl":5,"sub":3},{"id":2274,"title":"ثانيا ـ الانتباذ في الظروف والأواني","lvl":4,"sub":0},{"id":2275,"title":"ثالثا ـ تخلل الخمر وتخليلها","lvl":4,"sub":0},{"id":2276,"title":"تخليل الخمر","lvl":5,"sub":0},{"id":2276,"title":"للمالكية","lvl":6,"sub":1},{"id":2277,"title":"الشافعية والحنابلة","lvl":6,"sub":0},{"id":2278,"title":"المبحث الثالث ـ اللبس والاستعمال والحلي","lvl":3,"sub":0},{"id":2280,"title":"لبس الحرير والتختم بالذهب والفضة","lvl":4,"sub":0},{"id":2282,"title":"الخاتم","lvl":4,"sub":0},{"id":2282,"title":"السيف","lvl":4,"sub":1},{"id":2282,"title":"المنطقة","lvl":4,"sub":2},{"id":2286,"title":"المبحث الرابع ـ الوطء والنظر واللمس واللهو والتصوير والوسم والوشم وأحكام الشعر والنتف والتفليج والسلام","lvl":3,"sub":0},{"id":2286,"title":"أولا ـ الوطء","lvl":4,"sub":1},{"id":2287,"title":"وطء الحائض ونحوها","lvl":5,"sub":0},{"id":2289,"title":"العزل","lvl":5,"sub":0},{"id":2290,"title":"آداب الجماع","lvl":5,"sub":0},{"id":2291,"title":"الإجهاض","lvl":5,"sub":0},{"id":2292,"title":"أقوال الفقهاء في الإجهاض","lvl":6,"sub":0},{"id":2292,"title":"1 - مذهب الحنفية","lvl":7,"sub":1},{"id":2292,"title":"2 - مذهب المالكية","lvl":7,"sub":2},{"id":2293,"title":"3 - مذهب الشافعية","lvl":7,"sub":0},{"id":2293,"title":"4 - مذهب الحنابلة","lvl":7,"sub":1},{"id":2293,"title":"الإعقام أو التعقيم","lvl":5,"sub":2},{"id":2293,"title":"التلقيح الصناعي","lvl":5,"sub":3},{"id":2293,"title":"خصاء البهائم","lvl":5,"sub":4},{"id":2294,"title":"ثانيا ـ النظر","lvl":4,"sub":0},{"id":2294,"title":"الأول ـ نظر الرجل للمرأة","lvl":5,"sub":1},{"id":2297,"title":"الخطبة","lvl":6,"sub":0},{"id":2297,"title":"المعالجة","lvl":6,"sub":1},{"id":2297,"title":"المعاملة","lvl":6,"sub":2},{"id":2298,"title":"الشهادة","lvl":6,"sub":0},{"id":2298,"title":"للقاضي","lvl":6,"sub":1},{"id":2298,"title":"التعليم","lvl":6,"sub":2},{"id":2298,"title":"الثاني ـ نظر المرأة للرجل","lvl":5,"sub":3},{"id":2299,"title":"الثالث ـ نظر الرجل إلى الرجل","lvl":5,"sub":0},{"id":2299,"title":"الرابع ـ نظر المرأة إلى المرأة","lvl":5,"sub":1},{"id":2301,"title":"ثالثا ـ اللمس","lvl":4,"sub":0},{"id":2301,"title":"مصافحة المرأة","lvl":5,"sub":1},{"id":2302,"title":"وصل الشعر","lvl":5,"sub":0},{"id":2303,"title":"إعفاء اللحية","lvl":5,"sub":0},{"id":2303,"title":"خصال الفطرة العشر","lvl":5,"sub":1},{"id":2304,"title":"المضاجعة","lvl":5,"sub":0},{"id":2305,"title":"تقبيل","lvl":5,"sub":0},{"id":2305,"title":"حني الظهر","lvl":5,"sub":1},{"id":2305,"title":"رابعا ـ اللهو","lvl":4,"sub":2},{"id":2305,"title":"اللعب","lvl":5,"sub":3},{"id":2305,"title":"النرد","lvl":5,"sub":4},{"id":2306,"title":"الشطرنج","lvl":5,"sub":0},{"id":2307,"title":"الغناء وآلاته","lvl":5,"sub":0},{"id":2309,"title":"اللعب المباح","lvl":5,"sub":0},{"id":2311,"title":"الحداء والشعر","lvl":5,"sub":0},{"id":2312,"title":"تلحين القرآن","lvl":5,"sub":0},{"id":2312,"title":"خامسا ـ التصوير","lvl":4,"sub":1},{"id":2313,"title":"الأحاديث الواردة في التصوير","lvl":5,"sub":0},{"id":2313,"title":"1 - حديث امتناع الملائكة من دخول البيت الذي فيه كلب أو تصاوير","lvl":6,"sub":1},{"id":2314,"title":"2 - حديث القرام","lvl":6,"sub":0},{"id":2314,"title":"3 - حديث النمرقة","lvl":6,"sub":1},{"id":2315,"title":"4 - تحدي المصورين","lvl":6,"sub":0},{"id":2315,"title":"آراء العلماء في التصوير","lvl":5,"sub":1},{"id":2317,"title":"خلاصة الرأي في التصوير","lvl":5,"sub":0},{"id":2320,"title":"سادسا ـ وسم الحيوان","lvl":4,"sub":0},{"id":2320,"title":"الوسم","lvl":5,"sub":1},{"id":2320,"title":"حكم الوسم يتنازعه اتجاهان","lvl":5,"sub":2},{"id":2320,"title":"الأحاديث","lvl":5,"sub":3},{"id":2320,"title":"سابعا ـ أحكام الشعر","lvl":4,"sub":4},{"id":2320,"title":"إطالة شعر الرأس وحلقه","lvl":5,"sub":5},{"id":2321,"title":"القزع","lvl":5,"sub":0},{"id":2321,"title":"اتخاذ الشعر","lvl":5,"sub":1},{"id":2321,"title":"تمشيطه","lvl":5,"sub":2},{"id":2322,"title":"نتف الشيب","lvl":5,"sub":0},{"id":2322,"title":"خضاب الشعر","lvl":5,"sub":1},{"id":2323,"title":"وصل الشعر","lvl":5,"sub":0},{"id":2324,"title":"قص المرأة شعرها","lvl":5,"sub":0},{"id":2324,"title":"ثامنا ـ الوشم والنمص والتفليج","lvl":4,"sub":1},{"id":2324,"title":"الوشم","lvl":5,"sub":2},{"id":2324,"title":"النمص","lvl":5,"sub":3},{"id":2324,"title":"تفليج الأسنان","lvl":5,"sub":4},{"id":2324,"title":"الواشرة","lvl":5,"sub":5},{"id":2324,"title":"القاشرة","lvl":5,"sub":6},{"id":2324,"title":"المقشورة","lvl":5,"sub":7},{"id":2325,"title":"تاسعا ـ الترجل والتخنث","lvl":4,"sub":0},{"id":2326,"title":"عاشرا ـ السلام","lvl":4,"sub":0},{"id":2328,"title":"المبحث الخامس ـ مسائل في البيع والتعامل","lvl":3,"sub":0},{"id":2328,"title":"أولا ـ بيع السماد الطبيعي","lvl":4,"sub":1},{"id":2328,"title":"ثانيا ـ استيفاء دين المسلم من ثمن خمر الذمي","lvl":4,"sub":2},{"id":2328,"title":"ثالثا ـ بيع العنب للخمار","lvl":4,"sub":3},{"id":2329,"title":"رابعا ـ الإجارة للكنيسة أو حمل خمر الذمي","lvl":4,"sub":0},{"id":2329,"title":"خامسا ـ بيع بناء بيوت مكة وأرضها، وإجارتها","lvl":4,"sub":1},{"id":2330,"title":"سادسا ـ دخول الكافر المساجد","lvl":4,"sub":0},{"id":2331,"title":"سابعا ـ الاحتكار","lvl":4,"sub":0},{"id":2331,"title":"معناه","lvl":5,"sub":1},{"id":2333,"title":"متى يتحقق الاحتكار وما نوع المحتكر؟","lvl":5,"sub":0},{"id":2334,"title":"المدة","lvl":5,"sub":0},{"id":2334,"title":"حكم الاحتكار","lvl":5,"sub":1},{"id":2336,"title":"ثامنا ـ التسعير","lvl":4,"sub":0},{"id":2339,"title":"((الباب الثامن: الأضحية والعقيقة))","lvl":2,"sub":0},{"id":2339,"title":"الفصل الأول ـ في الأضحية","lvl":3,"sub":1},{"id":2339,"title":"المبحث الأول ـ تعريف الأضحية ومشروعيتها وحكمها","lvl":4,"sub":2},{"id":2339,"title":"المطلب الأول ـ تعريف الأضحية ومشروعيتها","lvl":5,"sub":3},{"id":2340,"title":"المطلب الثاني ـ حكم الأضحية","lvl":5,"sub":0},{"id":2343,"title":"حالة تغير حكم الأضحية أو نوعا الأضحية","lvl":5,"sub":0},{"id":2344,"title":"المبحث الثاني ــ شروط الأضحية","lvl":4,"sub":0},{"id":2344,"title":"المطلب الأول ـ شروط إيجاب الأضحية أو سنيتها","lvl":5,"sub":1},{"id":2346,"title":"المطلب الثاني ـ شروط صحة الأضحية","lvl":5,"sub":0},{"id":2347,"title":"المطلب الثالث ـ شروط المكلف بالأضحية","lvl":5,"sub":0},{"id":2348,"title":"الصغير","lvl":6,"sub":0},{"id":2349,"title":"يشترط لجواز إقامة التضحية على المكلف بها","lvl":6,"sub":0},{"id":2350,"title":"المبحث الثالث ـ وقت التضحية","lvl":4,"sub":0},{"id":2350,"title":"1 - قال الحنفية","lvl":5,"sub":1},{"id":2351,"title":"2 - وقال المالكية","lvl":5,"sub":0},{"id":2352,"title":"3 - وقال الشافعية","lvl":5,"sub":0},{"id":2353,"title":"4 - وقال الحنابلة","lvl":5,"sub":0},{"id":2354,"title":"المبحث الرابع ـ الحيوان المضحى به","lvl":4,"sub":0},{"id":2354,"title":"المطلب الأول ـ نوع الحيوان المضحى به","lvl":5,"sub":1},{"id":2358,"title":"المطلب الثاني - سن الحيوان المضحى به","lvl":5,"sub":0},{"id":2359,"title":"المطلب الثالث - قدر الحيوان المضحى أو مايجزئ عنه","lvl":5,"sub":0},{"id":2360,"title":"المطلب الرابع ـ أوصاف الحيوان المضحى","lvl":5,"sub":0},{"id":2361,"title":"الصفات المستحبة في الأضحية","lvl":6,"sub":0},{"id":2361,"title":"الصفات المانعة الإجزاء","lvl":6,"sub":1},{"id":2362,"title":"الحنفية","lvl":7,"sub":0},{"id":2363,"title":"المالكية","lvl":7,"sub":0},{"id":2364,"title":"الشافعية","lvl":7,"sub":0},{"id":2365,"title":"الحنابلة","lvl":7,"sub":0},{"id":2366,"title":"الصفات المكروهة في الحيوان المضحى به","lvl":6,"sub":0},{"id":2367,"title":"المبحث الخامس - مندوبات الأضحية ومكروهاتها وما يسن لمريد التضحية","lvl":4,"sub":0},{"id":2367,"title":"1 ـ قال الحنفية","lvl":5,"sub":1},{"id":2367,"title":"قبل التضحية","lvl":6,"sub":2},{"id":2368,"title":"حال التضحية","lvl":6,"sub":0},{"id":2370,"title":"2 - وقال المالكية والشافعية وجماعة من الحنابلة","lvl":5,"sub":0},{"id":2374,"title":"المبحث السادس ـ أحكام لحوم الضحايا","lvl":4,"sub":0},{"id":2374,"title":"1 - قال جمهور الفقهاء (الحنفية والمالكية والحنابلة)","lvl":5,"sub":1},{"id":2377,"title":"2 - وقال الشافعية","lvl":5,"sub":0},{"id":2378,"title":"الأضحية عن الغير","lvl":5,"sub":0},{"id":2379,"title":"الفصل الثاني: العقيقة وأحكام المولود","lvl":3,"sub":0},{"id":2379,"title":"المبحث الأول ـ العقيقة","lvl":4,"sub":1},{"id":2379,"title":"1 - حكم العقيقة ومعناها وحكمتها","lvl":5,"sub":2},{"id":2379,"title":"العقيقة","lvl":6,"sub":3},{"id":2379,"title":"الرجبية","lvl":6,"sub":4},{"id":2379,"title":"العتيرة","lvl":6,"sub":5},{"id":2381,"title":"2 - جنسها وسنها وصفتها","lvl":5,"sub":0},{"id":2381,"title":"3 - عددها","lvl":5,"sub":1},{"id":2381,"title":"4 - وقتها","lvl":5,"sub":2},{"id":2382,"title":"5 - حكم لحمها وجلدها","lvl":5,"sub":0},{"id":2383,"title":"المبحث الثاني ـ أحكام المولود","lvl":4,"sub":0},{"id":2383,"title":"يؤذن في أذن المولود اليمنى","lvl":5,"sub":1},{"id":2383,"title":"يقول في أذن المولود اليمنى","lvl":5,"sub":2},{"id":2383,"title":"يحنك المولود بتمرة","lvl":5,"sub":3},{"id":2384,"title":"يهنأ الوالد","lvl":5,"sub":0},{"id":2384,"title":"حلق رأس المولود في اليوم السابع من ولادته","lvl":5,"sub":1},{"id":2384,"title":"يسمى فيه، بعد ذبح العقيقة","lvl":5,"sub":2},{"id":2384,"title":"يتصدق بوزن شعره ذهبا أو فضة","lvl":5,"sub":3},{"id":2384,"title":"الختان","lvl":5,"sub":4},{"id":2385,"title":"تكره الأسماء القبيحة","lvl":5,"sub":0},{"id":2386,"title":"التسمية بأكثر من اسم واحد","lvl":5,"sub":0},{"id":2386,"title":"يكره كراهة شديدة التسمية ب","lvl":5,"sub":1},{"id":2386,"title":"تلقيب الشخص بما يكره","lvl":5,"sub":2},{"id":2386,"title":"الألقاب الحسنة","lvl":5,"sub":3},{"id":2386,"title":"التسمية بما لا يليق إلا بالله","lvl":5,"sub":4},{"id":2387,"title":"((الباب التاسع: الذبائح والصيد))","lvl":2,"sub":0},{"id":2387,"title":"الفصل الأول: الذبائح","lvl":3,"sub":1},{"id":2387,"title":"المقدمة ـ تعريف الذبح وحكمه شرعا","lvl":4,"sub":3},{"id":2388,"title":"المبحث الأول ـ الذابح","lvl":4,"sub":0},{"id":2388,"title":"الذابح الذي لا تؤكل ذبيحته وتحرم بالاتفاق","lvl":5,"sub":1},{"id":2389,"title":"الذابح المتفق على ذكاته","lvl":5,"sub":0},{"id":2389,"title":"أشهر المختلف في تذكيته بين الفقهاء","lvl":5,"sub":1},{"id":2389,"title":"1 ـ ذبيحة الكتابي","lvl":6,"sub":2},{"id":2391,"title":"2 ـ ذبيحة المجوس","lvl":6,"sub":0},{"id":2391,"title":"3 ـ ذبيحة الصابئة","lvl":6,"sub":1},{"id":2392,"title":"4 ـ ذبيحة المرأة والصبي","lvl":6,"sub":0},{"id":2392,"title":"5 ـ المجنون والسكران","lvl":6,"sub":1},{"id":2392,"title":"6 ـ السارق والغاصب","lvl":6,"sub":2},{"id":2392,"title":"شروط الذابح","lvl":5,"sub":3},{"id":2393,"title":"المبحث الثاني ـ الذبح أو التذكية","lvl":4,"sub":0},{"id":2393,"title":"المطلب الأول - عدد المقطوع","lvl":5,"sub":1},{"id":2395,"title":"المطلب الثاني ـ موضع القطع","lvl":5,"sub":0},{"id":2396,"title":"المطلب الثالث ـ الذبح من القفا","lvl":5,"sub":0},{"id":2396,"title":"المطلب الرابع ـ قطع النخاع","lvl":5,"sub":1},{"id":2397,"title":"المطلب الخامس ـ فورية الذبح","lvl":5,"sub":0},{"id":2397,"title":"المطلب السادس ـ شروط الذبح أو التذكية الشرعية","lvl":5,"sub":1},{"id":2398,"title":"أولا ـ النية أو القصد","lvl":6,"sub":0},{"id":2398,"title":"ثانيا ـ التسمية عند التذكية حالة التذكر","lvl":6,"sub":1},{"id":2400,"title":"المطلب السابع ـ سنن التذكية","lvl":5,"sub":0},{"id":2403,"title":"المطلب الثامن ـ مكروهات التذكية","lvl":5,"sub":0},{"id":2404,"title":"المطلب التاسع ـ أنواع التذكية","lvl":5,"sub":0},{"id":2406,"title":"المطلب العاشر ـ ما يحرم أكله من المذبوح","lvl":5,"sub":0},{"id":2407,"title":"المطلب الحادي عشر ـ أثر ذكاة الأم في الجنين","lvl":5,"sub":0},{"id":2409,"title":"المطلب الثاني عشر ـ أثر الذكاة في المشرف على الموت أو المريض","lvl":5,"sub":0},{"id":2409,"title":"أولا ـ أثر الذكاة في المشرف على الموت بسبب اعتداء","lvl":6,"sub":1},{"id":2411,"title":"ثانيا ـ أثر الذكاة في الحيوان المريض","lvl":6,"sub":0},{"id":2413,"title":"المطلب الثالث عشر ـ أثر الذكاة في غير المأكول","lvl":5,"sub":0},{"id":2415,"title":"المبحث الثالث ـ آلة الذبح","lvl":4,"sub":0},{"id":2417,"title":"السكين الكالة","lvl":5,"sub":0},{"id":2417,"title":"المبحث الرابع ـ الحيوان الذبيح","lvl":4,"sub":1},{"id":2418,"title":"النوع الأول ـ الحيوان المائي","lvl":5,"sub":0},{"id":2420,"title":"النوع الثاني ـ الحيوان البري","lvl":5,"sub":0},{"id":2420,"title":"الأول: ما ليس له دم أصلا","lvl":5,"sub":1},{"id":2420,"title":"الثاني: ما ليس له دم سائل","lvl":5,"sub":2},{"id":2422,"title":"الثالث: ماله دم سائل","lvl":5,"sub":0},{"id":2422,"title":"المستأنس","lvl":6,"sub":1},{"id":2423,"title":"المتوحش","lvl":6,"sub":0},{"id":2427,"title":"النوع الثالث ـ الحيوان البرمائي","lvl":6,"sub":0},{"id":2428,"title":"ملحق ـ حول طرق الذبح الحديثة في المسلخ الحديث","lvl":4,"sub":0},{"id":2429,"title":"الفصل الثاني: الصيد","lvl":3,"sub":0},{"id":2429,"title":"المبحث الأول ـ تعريف الصيد وحكمه أو مشروعيته","lvl":4,"sub":1},{"id":2429,"title":"تعريف الصيد","lvl":5,"sub":2},{"id":2430,"title":"حكم الصيد","lvl":5,"sub":0},{"id":2432,"title":"المبحث الثاني ـ شروط إباحة الصيد","lvl":4,"sub":0},{"id":2432,"title":"المطلب الأول ـ شروط الصائد","lvl":5,"sub":1},{"id":2438,"title":"حالة غيبة المصرع","lvl":6,"sub":0},{"id":2439,"title":"حالة الوقوع في الماء أو التردي من مكان عال على الأرض","lvl":6,"sub":0},{"id":2440,"title":"المطلب الثاني ـ شروط آلة الصيد","lvl":5,"sub":0},{"id":2440,"title":"أ ـ أما السلاح","lvl":6,"sub":1},{"id":2442,"title":"ب ـ وأما الحيوان الجارح","lvl":6,"sub":0},{"id":2443,"title":"شروط الحيوان الصائد","lvl":7,"sub":0},{"id":2443,"title":"الأول - أن يكون معلما","lvl":8,"sub":1},{"id":2445,"title":"هل يجب غسل معض الكلب أي أثر فم الكلب؟","lvl":9,"sub":0},{"id":2446,"title":"الثاني ـ أن يذهب على سنن الإرسال","lvl":8,"sub":0},{"id":2447,"title":"الثالث ـ ألا يشاركه في الأخذ ما لا يحل صيده","lvl":8,"sub":0},{"id":2447,"title":"الرابع ـ أن يقتله جرحا","lvl":8,"sub":1},{"id":2448,"title":"الخامس ـ ألا يأكل من الصيد، فإن أكل منه لم يبح","lvl":8,"sub":0},{"id":2449,"title":"السادس ـ عند المالكية (2) : ألا يرجع الجارح عن الصيد","lvl":8,"sub":0},{"id":2450,"title":"المطلب الثالث ـ شروط المصيد","lvl":5,"sub":0},{"id":2450,"title":"الأول ـ أن يكون المصيد مباح الأكل شرعا","lvl":6,"sub":1},{"id":2450,"title":"الثاني ـ أن يكون متوحشا","lvl":6,"sub":2},{"id":2450,"title":"الثالث ـ أن يموت من الجرح","lvl":6,"sub":3},{"id":2451,"title":"الرابع ـ ألا يشك في عين الصيد الذي أصابه في حالة غيبته عن عينه، هل هو، أو غيره؟","lvl":6,"sub":0},{"id":2451,"title":"الخامس ـ أن يذبحه إن أدركه حيا، وقدر على تذكيته","lvl":6,"sub":1},{"id":2452,"title":"المبحث الثالث ـ ما يباح اصطياده من الحيوان عند الحنفية","lvl":4,"sub":0},{"id":2453,"title":"المبحث الرابع ـ متى يملك الصائد المصيد؟","lvl":4,"sub":0},{"id":2453,"title":"الدر المختار ورد المحتار","lvl":5,"sub":1},{"id":2455,"title":"المالكية","lvl":5,"sub":0},{"id":2455,"title":"الشافعية","lvl":5,"sub":1},{"id":2456,"title":"حالة الاشتراك في الصيد","lvl":6,"sub":0},{"id":2457,"title":"الحنابلة","lvl":5,"sub":0},{"id":2458,"title":"&*&القسْمُ الثَّاني : النّظَريّات الفقهيّة&*&","lvl":2,"sub":0},{"id":2458,"title":"تقديم","lvl":2,"sub":1},{"id":2459,"title":"الفصل الأول: نظرية الحق","lvl":2,"sub":0},{"id":2459,"title":"المبحث الأول ـ تعريف الحق وأركانه","lvl":3,"sub":1},{"id":2459,"title":"المطلب الأول ـ تعريف الحق","lvl":4,"sub":2},{"id":2462,"title":"المطلب الثاني ـ أركان الحق","lvl":4,"sub":0},{"id":2464,"title":"المبحث الثاني ـ أنواع الحق","lvl":3,"sub":0},{"id":2464,"title":"التقسيم الأول ـ باعتبار صاحب الحق","lvl":4,"sub":1},{"id":2464,"title":"1 - حق الله تعالى (أو الحق العام )","lvl":5,"sub":2},{"id":2465,"title":"2 - حق الإنسان (أو العبد )","lvl":5,"sub":0},{"id":2466,"title":"3 - الحق المشترك","lvl":5,"sub":0},{"id":2467,"title":"تقسيم حق الشخص (أو العبد )","lvl":5,"sub":0},{"id":2467,"title":"الأول ـ حقوق تقبل الإسقاط وحقوق لاتقبل الإسقاط","lvl":6,"sub":1},{"id":2468,"title":"الثاني ـ حقوق تورث وحقوق لا تورث","lvl":6,"sub":0},{"id":2469,"title":"التقسيم الثاني ـ باعتبار محل الحق","lvl":4,"sub":0},{"id":2470,"title":"1 - الحقوق المالية وغير المالية","lvl":5,"sub":0},{"id":2470,"title":"2 - الحق الشخصي والحق العيني","lvl":5,"sub":1},{"id":2471,"title":"خصائص الحق العيني والحق الشخصي","lvl":6,"sub":0},{"id":2472,"title":"3 - الحقوق المجردة وغير المجردة","lvl":5,"sub":0},{"id":2473,"title":"التقسيم الثالث ـ باعتبار المؤيد القضائي وعدمه","lvl":4,"sub":0},{"id":2474,"title":"المبحث الثالث ـ مصادر الحق أو أسبابه","lvl":3,"sub":0},{"id":2476,"title":"المبحث الرابع ـ أحكام الحق","lvl":3,"sub":0},{"id":2476,"title":"1 - استيفاء الحق","lvl":4,"sub":1},{"id":2478,"title":"نوع المأخوذ","lvl":5,"sub":0},{"id":2479,"title":"التسامح في الاستيفاء والأداء","lvl":5,"sub":0},{"id":2479,"title":"2 - حماية الحق","lvl":4,"sub":1},{"id":2481,"title":"حق التأليف والنشر والتوزيع","lvl":5,"sub":0},{"id":2481,"title":"أ - أما حق المؤلف","lvl":6,"sub":1},{"id":2482,"title":"ب - وأما حق النشر أو التوزيع","lvl":7,"sub":0},{"id":2482,"title":"جـ - كذلك الترجمة","lvl":7,"sub":1},{"id":2483,"title":"3 - استعمال الحق بوجه مشروع","lvl":4,"sub":0},{"id":2484,"title":"أدلة حرمة التعسف","lvl":5,"sub":0},{"id":2485,"title":"السبب في تحريم التعسف","lvl":5,"sub":0},{"id":2486,"title":"قواعد منع التعسف في استعمال الحق","lvl":5,"sub":0},{"id":2486,"title":"القاعدة الأولى ـ قصد الإضرار","lvl":6,"sub":1},{"id":2486,"title":"القاعدة الثانية ـ قصد غرض غير مشروع","lvl":6,"sub":2},{"id":2487,"title":"القاعدة الثالثة ـ ترتب ضرر أعظم من المصلحة","lvl":6,"sub":0},{"id":2489,"title":"القاعدة الرابعة ـ الاستعمال غير المعتاد وترتب ضرر للغير","lvl":6,"sub":0},{"id":2490,"title":"القاعدة الخامسة ـ استعمال الحق مع الإهمال أو الخطأ","lvl":6,"sub":0},{"id":2492,"title":"آثار أو أحكام التعسف","lvl":5,"sub":0},{"id":2492,"title":"4 - نقل الحق","lvl":4,"sub":1},{"id":2492,"title":"5 - انقضاء الحق","lvl":4,"sub":2},{"id":2493,"title":"الفصل الثاني: الأموال","lvl":2,"sub":0},{"id":2493,"title":"المبحث الأول ــ تعريف المال وإرثه","lvl":3,"sub":1},{"id":2493,"title":"تعريف المال","lvl":4,"sub":2},{"id":2493,"title":"أولا ـ عند الحنفية","lvl":5,"sub":3},{"id":2494,"title":"ثانيا ـ وأما المال عند جمهور الفقهاء غير الحنفية","lvl":5,"sub":0},{"id":2494,"title":"الأشياء غير المادية ـ الحقوق والمنافع","lvl":4,"sub":1},{"id":2496,"title":"المبحث الثاني ـ أقسام المال","lvl":3,"sub":0},{"id":2497,"title":"المطلب الأول ـ المال المتقوم وغير المتقوم","lvl":4,"sub":0},{"id":2497,"title":"تظهر فائدة هذا التقسيم في موضعين","lvl":5,"sub":1},{"id":2498,"title":"التقوم وعدمه عند القانونيين","lvl":5,"sub":0},{"id":2499,"title":"المطلب الثاني ـ العقار والمنقول","lvl":4,"sub":0},{"id":2499,"title":"رأي الحنفية ـ المنقول","lvl":5,"sub":1},{"id":2499,"title":"رأي المالكية","lvl":5,"sub":2},{"id":2500,"title":"قد يتحول المنقول إلى عقار وبالعكس","lvl":5,"sub":0},{"id":2500,"title":"تظهر فائدة تقسيم المال إلى عقار ومنقول في طائفة من الأحكام الفقهية التالية","lvl":5,"sub":1},{"id":2502,"title":"المطلب الثالث ـ المال المثلي والقيمي","lvl":4,"sub":0},{"id":2502,"title":"المال المثلي","lvl":5,"sub":1},{"id":2502,"title":"المال القيمي","lvl":5,"sub":2},{"id":2502,"title":"قد ينقلب المال المثلي قيميا وبالعكس","lvl":5,"sub":3},{"id":2504,"title":"الذمة المالية وخصائصها","lvl":5,"sub":0},{"id":2504,"title":"أولا ـ خصائص الذمة","lvl":6,"sub":1},{"id":2505,"title":"ثانيا - انتهاء الذمة","lvl":6,"sub":0},{"id":2507,"title":"المطلب الرابع ـ المال الاستهلاكي والاستعمالي","lvl":4,"sub":0},{"id":2507,"title":"المال الاستهلاكي","lvl":5,"sub":1},{"id":2507,"title":"المال الاستعمالي","lvl":5,"sub":2},{"id":2507,"title":"تظهر فائدة التقسيم","lvl":5,"sub":3},{"id":2508,"title":"الفصل الثالث: الملكية وخصائصها","lvl":2,"sub":0},{"id":2508,"title":"المطلب الأول ـ تعريف الملكية والملك","lvl":3,"sub":1},{"id":2508,"title":"المطلب الثاني ـ قابلية المال للتملك وعدمها","lvl":3,"sub":2},{"id":2509,"title":"المطلب الثالث ـ أنواع الملك","lvl":3,"sub":0},{"id":2509,"title":"الملك التام","lvl":4,"sub":1},{"id":2510,"title":"الملك الناقص","lvl":4,"sub":0},{"id":2510,"title":"المطلب الرابع ـ أنواع الملك الناقص","lvl":3,"sub":1},{"id":2510,"title":"1 - ملك العين فقط","lvl":4,"sub":2},{"id":2510,"title":"2 - ملك المنفعة الشخصي أو حق الانتفاع","lvl":4,"sub":3},{"id":2510,"title":"الإعارة","lvl":5,"sub":4},{"id":2511,"title":"الإجارة","lvl":5,"sub":0},{"id":2511,"title":"الوقف","lvl":5,"sub":1},{"id":2512,"title":"الوصية بالمنفعة","lvl":5,"sub":0},{"id":2512,"title":"الإباحة","lvl":5,"sub":1},{"id":2512,"title":"الفرق بين الإباحة والملك","lvl":5,"sub":2},{"id":2512,"title":"خصائص حق المنفعة أو الانتفاع الشخصي","lvl":5,"sub":3},{"id":2513,"title":"انتهاء حق المنفعة","lvl":5,"sub":0},{"id":2514,"title":"3 - ملك المنفعة العيني أو حق الارتفاق","lvl":4,"sub":0},{"id":2514,"title":"حق الشرب","lvl":5,"sub":1},{"id":2514,"title":"حق الشفة","lvl":5,"sub":2},{"id":2515,"title":"حق المجرى","lvl":5,"sub":0},{"id":2516,"title":"حق المسيل","lvl":5,"sub":0},{"id":2516,"title":"حق المرور","lvl":5,"sub":1},{"id":2516,"title":"حق الجوار","lvl":5,"sub":2},{"id":2516,"title":"أ ـ حق التعلي","lvl":6,"sub":3},{"id":2516,"title":"ب ـ حق الجوار الجانبي","lvl":6,"sub":4},{"id":2517,"title":"أمور ثلاثة متعلقة بحقوق الارتفاق","lvl":5,"sub":0},{"id":2517,"title":"الأول ـ الفرق بين حق الارتفاق وحق الانتفاع الشخصي","lvl":6,"sub":1},{"id":2518,"title":"الثاني ـ خصائص حقوق الارتفاق","lvl":6,"sub":0},{"id":2518,"title":"الثالث ـ أسباب حقوق الارتفاق","lvl":6,"sub":1},{"id":2519,"title":"المطلب الخامس ـ أسباب الملك التام","lvl":4,"sub":0},{"id":2520,"title":"1 - الاستيلاء على المباح","lvl":5,"sub":0},{"id":2521,"title":"أولا ـ إحياء الموات","lvl":6,"sub":0},{"id":2521,"title":"ثانيا ـ الاصطياد","lvl":6,"sub":1},{"id":2522,"title":"ثالثا ـ الاستيلاء على الكلأ والآجام","lvl":6,"sub":0},{"id":2523,"title":"رابعا ـ الاستيلاء على المعادن والكنوز","lvl":6,"sub":0},{"id":2523,"title":"حكم المعادن","lvl":7,"sub":1},{"id":2524,"title":"حكم الكنز","lvl":7,"sub":0},{"id":2524,"title":"الإسلامي","lvl":8,"sub":1},{"id":2524,"title":"الجاهلي","lvl":8,"sub":2},{"id":2524,"title":"المشتبه فيه","lvl":8,"sub":3},{"id":2526,"title":"2 - العقود الناقلة للملكية","lvl":5,"sub":0},{"id":2526,"title":"3 - الخلفية","lvl":5,"sub":1},{"id":2526,"title":"4 - التولد من المملوك","lvl":5,"sub":2},{"id":2527,"title":"الفصل الرابع: نظرية العقد","lvl":2,"sub":0},{"id":2527,"title":"تمهيد وتخطيط للبحث","lvl":3,"sub":1},{"id":2528,"title":"المبحث الأول ـ تعريف العقد، والفرق بينه وبين التصرف والالتزام والإرادة المنفردة : تعريف العقد","lvl":3,"sub":0},{"id":2528,"title":"تعريف العقد","lvl":4,"sub":1},{"id":2528,"title":"المعنى العام","lvl":5,"sub":2},{"id":2529,"title":"المعنى الخاص","lvl":5,"sub":0},{"id":2531,"title":"العقد والالتزام","lvl":4,"sub":0},{"id":2531,"title":"العقد والتصرف","lvl":4,"sub":1},{"id":2532,"title":"العقد والإرادة المنفردة","lvl":4,"sub":0},{"id":2532,"title":"الالتزام بإرادة واحدة","lvl":5,"sub":1},{"id":2532,"title":"1 - الجعالة","lvl":6,"sub":2},{"id":2533,"title":"2 - الوقف","lvl":6,"sub":0},{"id":2533,"title":"3 - الإبراء","lvl":6,"sub":1},{"id":2534,"title":"4 - الوصية","lvl":6,"sub":0},{"id":2534,"title":"5 - اليمين","lvl":6,"sub":1},{"id":2535,"title":"6 - الكفالة","lvl":6,"sub":0},{"id":2535,"title":"العقد بإرادة منفردة","lvl":5,"sub":1},{"id":2536,"title":"البيع بعاقد واحد","lvl":5,"sub":0},{"id":2537,"title":"الزواج بعاقد واحد","lvl":5,"sub":0},{"id":2540,"title":"المبحث الثاني ـ تكوين العقد","lvl":3,"sub":0},{"id":2540,"title":"المطلب الأول ـ ركن العقد","lvl":4,"sub":1},{"id":2541,"title":"تعريف الإيجاب والقبول","lvl":5,"sub":0},{"id":2542,"title":"المطلب الثاني ـ عناصر العقد","lvl":4,"sub":0},{"id":2542,"title":"العنصر الأول ـ صيغة العقد","lvl":5,"sub":1},{"id":2542,"title":"الفرع الأول ـ أساليب صيغة الإيجاب والقبول","lvl":6,"sub":2},{"id":2542,"title":"أولا ـ اللفظ (أو القول )","lvl":7,"sub":3},{"id":2542,"title":"اللفظ","lvl":8,"sub":4},{"id":2542,"title":"مادة اللفظ","lvl":8,"sub":5},{"id":2544,"title":"صيغة اللفظ أو نوع الفعل","lvl":8,"sub":0},{"id":2546,"title":"ثانيا ـ التعاقد بالأفعال (العقد بالمعاطاة )","lvl":7,"sub":0},{"id":2547,"title":"الأول ـ مذهب الحنفية والحنابلة","lvl":8,"sub":0},{"id":2548,"title":"الثاني ـ مذهب مالك وأصل مذهب أحمد","lvl":8,"sub":0},{"id":2548,"title":"الثالث ـ مذهب الشافعية والشيعة والظاهرية","lvl":8,"sub":1},{"id":2549,"title":"عقد الزواج","lvl":8,"sub":0},{"id":2549,"title":"ثالثا ـ التعاقد بالإشارة","lvl":7,"sub":1},{"id":2550,"title":"رابعا ـ التعاقد بالكتابة","lvl":7,"sub":0},{"id":2551,"title":"عقد الزواج","lvl":8,"sub":0},{"id":2551,"title":"الفرع الثاني ـ شروط الإيجاب والقبول","lvl":6,"sub":1},{"id":2552,"title":"اشترط الفقهاء لانعقاد العقد شروطا ثلاثة في الإيجاب والقبول","lvl":7,"sub":0},{"id":2553,"title":"مجلس العقد","lvl":7,"sub":0},{"id":2553,"title":"يشترط لتحقيق معنى اتصال القبول بالإيجاب شروط ثلاثة","lvl":7,"sub":1},{"id":2554,"title":"الشرط الأول ـ أن يتحد مجلس الإيجاب والقبول","lvl":8,"sub":0},{"id":2555,"title":"هل تشترط الفورية في القبول؟","lvl":9,"sub":0},{"id":2555,"title":"حكم إجراء العقود بآلات الاتصال الحديثة","lvl":9,"sub":1},{"id":2555,"title":"تمهيد","lvl":10,"sub":2},{"id":2556,"title":"صيغة العقد","lvl":10,"sub":0},{"id":2558,"title":"كيفية إبرام التعاقد بالهاتف واللاسلكي ونحوهما من وسائل الاتصال الحديثة","lvl":10,"sub":0},{"id":2559,"title":"زمن إتمام العقد في التعاقد بين غائبين","lvl":10,"sub":0},{"id":2561,"title":"التعاقد حالة المشي أو الركوب","lvl":10,"sub":0},{"id":2561,"title":"الشرط الثاني ـ ألا يصدر من أحد العاقدين ما يدل على إعراضه عن العقد","lvl":8,"sub":1},{"id":2563,"title":"الشرط الثالث ـ ألا يرجع الموجب في إيجابه قبل قبول القابل","lvl":8,"sub":0},{"id":2564,"title":"تعيين مدة للقبول","lvl":9,"sub":0},{"id":2565,"title":"العقود التي لا يشترط فيها اتحاد المجلس","lvl":9,"sub":0},{"id":2565,"title":"مبطلات الإيجاب","lvl":6,"sub":1},{"id":2566,"title":"العنصر الثاني ـ العاقد","lvl":5,"sub":0},{"id":2568,"title":"أولا ـ الأهلية","lvl":6,"sub":0},{"id":2568,"title":"أ ـ أهلية الوجوب","lvl":7,"sub":1},{"id":2571,"title":"2 - أهلية الأداء","lvl":7,"sub":0},{"id":2573,"title":"أدوار الأهلية","lvl":7,"sub":0},{"id":2574,"title":"الدور الأول ـ دور الجنين","lvl":8,"sub":0},{"id":2574,"title":"الدور الثاني ـ دور الطفولة","lvl":8,"sub":1},{"id":2574,"title":"الدور الثالث ـ دور التمييز","lvl":8,"sub":2},{"id":2575,"title":"الدور الرابع ـ دور البلوغ","lvl":8,"sub":0},{"id":2575,"title":"الدور الخامس ـ دور الرشد","lvl":8,"sub":1},{"id":2577,"title":"عوارض الأهلية","lvl":7,"sub":0},{"id":2578,"title":"1 - الجنون","lvl":8,"sub":0},{"id":2578,"title":"2 - العته","lvl":8,"sub":1},{"id":2578,"title":"3 - الإغماء","lvl":8,"sub":2},{"id":2579,"title":"4 - النوم","lvl":8,"sub":0},{"id":2579,"title":"5 - السكر","lvl":8,"sub":1},{"id":2580,"title":"6 - السفه","lvl":8,"sub":0},{"id":2580,"title":"الحجر على السفيه","lvl":9,"sub":1},{"id":2582,"title":"الغفلة والسفه","lvl":9,"sub":0},{"id":2582,"title":"7 - الدين أو المديونية","lvl":8,"sub":1},{"id":2583,"title":"8 - مرض الموت","lvl":8,"sub":0},{"id":2584,"title":"أ ـ تعريفه","lvl":9,"sub":0},{"id":2584,"title":"ب ـ حكمه والحقوق المتعلقة به","lvl":9,"sub":1},{"id":2584,"title":"ج ـ حقوق المريض الخاصة","lvl":9,"sub":2},{"id":2586,"title":"د ـ حقوق الدائنين","lvl":9,"sub":0},{"id":2586,"title":"هـ ـ حقوق الموصى له","lvl":9,"sub":1},{"id":2587,"title":"و ـ حقوق الورثة","lvl":9,"sub":0},{"id":2588,"title":"ز ـ تصرفات المريض","lvl":9,"sub":0},{"id":2588,"title":"ح ـ إقرار المريض","lvl":9,"sub":1},{"id":2589,"title":"ثانيا ـ الولاية","lvl":6,"sub":0},{"id":2589,"title":"تعريف الولاية","lvl":7,"sub":1},{"id":2589,"title":"صلتها بالعقد والفرق بينها وبين الأهلية","lvl":7,"sub":2},{"id":2590,"title":"أنواع الولاية","lvl":7,"sub":0},{"id":2591,"title":"الأولياء ودرجاتهم","lvl":7,"sub":0},{"id":2592,"title":"من يحتاج إلى الولاية","lvl":7,"sub":0},{"id":2595,"title":"مبدأ الولاية","lvl":7,"sub":0},{"id":2596,"title":"شروط الولي","lvl":7,"sub":0},{"id":2598,"title":"تصرفات الولي ومدى صلاحياته","lvl":7,"sub":0},{"id":2599,"title":"الوكالة","lvl":6,"sub":0},{"id":2599,"title":"تعريف الوكالة ومشروعيتها","lvl":7,"sub":1},{"id":2600,"title":"الوكالة بأجر","lvl":7,"sub":0},{"id":2601,"title":"ركن الوكالة","lvl":7,"sub":0},{"id":2602,"title":"شروط الوكالة","lvl":7,"sub":0},{"id":2602,"title":"الموكل","lvl":8,"sub":1},{"id":2602,"title":"الموكل فيه (محل الوكالة )","lvl":8,"sub":2},{"id":2603,"title":"أنواع الوكالة","lvl":7,"sub":0},{"id":2603,"title":"أولا ـ الوكالة الخاصة والعامة","lvl":8,"sub":1},{"id":2604,"title":"ثانيا ـ الوكالة المقيدة والمطلقة","lvl":8,"sub":0},{"id":2605,"title":"حكم تصرفات الوكيل","lvl":7,"sub":0},{"id":2606,"title":"1 - الوكيل بالخصومة","lvl":8,"sub":0},{"id":2606,"title":"2 - الوكيل بالبيع","lvl":8,"sub":1},{"id":2608,"title":"3 - الوكيل بالشراء","lvl":8,"sub":0},{"id":2609,"title":"4 - الوكالة في الزواج والطلاق، والإجارة والرهن","lvl":8,"sub":0},{"id":2609,"title":"5 - هل للوكيل توكيل غيره؟","lvl":8,"sub":1},{"id":2609,"title":"6 - تعدد الوكلاء","lvl":8,"sub":2},{"id":2610,"title":"الفرق بين الوكالة والرسالة","lvl":7,"sub":0},{"id":2610,"title":"حكم العقد وحقوقه في الوكالة","lvl":7,"sub":1},{"id":2610,"title":"حكم العقد","lvl":8,"sub":2},{"id":2611,"title":"حقوق العقد","lvl":8,"sub":0},{"id":2611,"title":"التصرفات التي يمارسها","lvl":7,"sub":1},{"id":2614,"title":"انتهاء الوكالة","lvl":7,"sub":0},{"id":2615,"title":"الفضالة","lvl":6,"sub":0},{"id":2615,"title":"تعريف الفضولي","lvl":7,"sub":1},{"id":2615,"title":"حكم تصرفاته عند الفقهاء","lvl":7,"sub":2},{"id":2618,"title":"شروط إجازة تصرف الفضولي","lvl":7,"sub":0},{"id":2619,"title":"أثر إجازة تصرف الفضولي","lvl":7,"sub":0},{"id":2619,"title":"فسخ تصرف الفضولي","lvl":7,"sub":1},{"id":2620,"title":"هل لفضولي واحد أن يعقد العقد عن الطرفين؟","lvl":7,"sub":0},{"id":2620,"title":"العنصر الثالث ـ محل العقد","lvl":5,"sub":1},{"id":2621,"title":"شروط في محل العقد","lvl":6,"sub":0},{"id":2621,"title":"1 - أن يكون موجودا وقت التعاقد","lvl":6,"sub":1},{"id":2624,"title":"بيع الثمار أو الخضار أو الزروع","lvl":7,"sub":0},{"id":2626,"title":"2 - أن يكون المعقود عليه مشروعا","lvl":6,"sub":0},{"id":2628,"title":"3 - أن يكون مقدور التسليم وقت التعاقد","lvl":6,"sub":0},{"id":2628,"title":"4 - أن يكون معينا معروفا للعاقدين","lvl":6,"sub":1},{"id":2631,"title":"اشترط غير الحنفية شرطا خامسا","lvl":6,"sub":0},{"id":2633,"title":"العنصر الرابع ـ موضوع العقد","lvl":5,"sub":0},{"id":2635,"title":"السبب في النظرية الحديثة عند القانونيين","lvl":6,"sub":0},{"id":2636,"title":"موقف الفقهاء من نظرية السبب بالمعنى الحديث (الإرادة الظاهرة والإرادة الباطنة )","lvl":6,"sub":0},{"id":2636,"title":"الاتجاه الأول","lvl":7,"sub":1},{"id":2637,"title":"1 - بيع العينة","lvl":8,"sub":0},{"id":2637,"title":"2 - بيع العنب لعاصر الخمر","lvl":8,"sub":1},{"id":2638,"title":"3 - بيع السلاح في الفتنة الداخلية","lvl":8,"sub":0},{"id":2638,"title":"4 - زواج المحلل","lvl":8,"sub":1},{"id":2638,"title":"الاتجاه الثاني","lvl":7,"sub":2},{"id":2640,"title":"المطلب الثالث ـ الإرادة العقدية","lvl":4,"sub":0},{"id":2641,"title":"الفرع الأول ـ صورية العقود","lvl":5,"sub":0},{"id":2641,"title":"1- حالة السكر والنوم والجنون وعدم التمييز والإغماء","lvl":6,"sub":1},{"id":2641,"title":"2 - عدم فهم العبارة","lvl":6,"sub":2},{"id":2642,"title":"3 - حالة التعلم والتعليم والتمثيل","lvl":6,"sub":0},{"id":2643,"title":"4 - الهزل أو الاستهزاء","lvl":6,"sub":0},{"id":2643,"title":"5 - الخطأ","lvl":6,"sub":1},{"id":2644,"title":"6 - التلجئة أو المواضعة","lvl":6,"sub":0},{"id":2645,"title":"7 - الإكراه","lvl":6,"sub":0},{"id":2647,"title":"8 - القصد غير المشروع","lvl":6,"sub":0},{"id":2647,"title":"الفرع الثاني ـ سلطان الإرادة العقدية (أو مدى الحرية في العقود والشروط )","lvl":5,"sub":1},{"id":2648,"title":"الأولى ـ حرية التعاقد ورضائيته","lvl":6,"sub":0},{"id":2649,"title":"الرأي الأول ـ للظاهرية","lvl":7,"sub":0},{"id":2650,"title":"الرأي الثاني ـ للحنابلة وبقية الفقهاء","lvl":7,"sub":0},{"id":2651,"title":"الثانية ـ حرية الاشتراط وترتيب آثار العقود والقوة الملزمة للعقد","lvl":6,"sub":0},{"id":2652,"title":"الرأي الأول ـ للظاهرية","lvl":7,"sub":0},{"id":2652,"title":"الرأي الثاني ـ لسائر الفقهاء الآخرين","lvl":7,"sub":1},{"id":2652,"title":"1 - الحنابلة","lvl":8,"sub":2},{"id":2652,"title":"2 - غير الحنابلة","lvl":8,"sub":3},{"id":2653,"title":"الشروط المقترنة بالعقد","lvl":7,"sub":0},{"id":2653,"title":"أولا ـ مذهب الحنفية في الشروط","lvl":8,"sub":1},{"id":2654,"title":"الأول ـ الشرط الصحيح","lvl":9,"sub":0},{"id":2655,"title":"الثاني ـ الشرط الفاسد","lvl":9,"sub":0},{"id":2656,"title":"الثالث ـ الشرط الباطل","lvl":9,"sub":0},{"id":2656,"title":"ثانيا ـ مذهب الحنابلة في الشروط","lvl":8,"sub":1},{"id":2657,"title":"1) الشرط المنافي لمقتضى العقد","lvl":9,"sub":0},{"id":2658,"title":"2 ) الشرط المنهي عنه أو المخالف لحكم الله ورسوله","lvl":9,"sub":0},{"id":2660,"title":"مزايا الفقه الحنبلي في الشروط","lvl":9,"sub":0},{"id":2660,"title":"1 ـ الزواج","lvl":10,"sub":1},{"id":2661,"title":"2 ـ التبرعات","lvl":10,"sub":0},{"id":2661,"title":"3 ـ المعاوضات","lvl":10,"sub":1},{"id":2662,"title":"البيع بما ينقطع عليه السعر في المستقبل","lvl":11,"sub":0},{"id":2662,"title":"بيع العربون","lvl":11,"sub":1},{"id":2663,"title":"4 ـ تعليق التصرفات مطلقا بشرط","lvl":10,"sub":0},{"id":2663,"title":"الفرع الثالث ـ عيوب الإرادة أو عيوب الرضا","lvl":5,"sub":1},{"id":2663,"title":"1 - الإكراه","lvl":6,"sub":2},{"id":2664,"title":"الإكراه نوعان","lvl":7,"sub":0},{"id":2665,"title":"شروط الإكراه","lvl":7,"sub":0},{"id":2665,"title":"أثر الإكراه على التصرفات","lvl":7,"sub":1},{"id":2667,"title":"2 - الغلط","lvl":6,"sub":0},{"id":2668,"title":"3 - التدليس أو التغرير","lvl":6,"sub":0},{"id":2669,"title":"التدليس الفعلي","lvl":7,"sub":0},{"id":2669,"title":"الشاة المصراة","lvl":8,"sub":1},{"id":2669,"title":"التدليس القولي","lvl":7,"sub":2},{"id":2670,"title":"التدليس بكتمان الحقيقة","lvl":7,"sub":0},{"id":2671,"title":"4 - الغبن مع التغرير","lvl":6,"sub":0},{"id":2672,"title":"أثر الغبن في العقد","lvl":7,"sub":0},{"id":2672,"title":"الغبن اليسير","lvl":8,"sub":1},{"id":2672,"title":"الغبن الفاحش","lvl":8,"sub":2},{"id":2672,"title":"الرأي الأول للحنفية","lvl":9,"sub":3},{"id":2673,"title":"الرأي الثاني ـ للحنابلة","lvl":9,"sub":0},{"id":2673,"title":"أ ـ تلقي الركبان","lvl":10,"sub":1},{"id":2673,"title":"ب ـ النجش","lvl":10,"sub":2},{"id":2673,"title":"ج ـ المسترسل","lvl":10,"sub":3},{"id":2674,"title":"الرأي الثالث ـ للشافعية","lvl":9,"sub":0},{"id":2675,"title":"المبحث الثالث ـ شروط العقد","lvl":3,"sub":0},{"id":2675,"title":"أولا ـ شرائط الانعقاد","lvl":4,"sub":1},{"id":2677,"title":"ثانيا ـ شرائط الصحة","lvl":4,"sub":0},{"id":2679,"title":"ثالثا ـ شرائط النفاذ","lvl":4,"sub":0},{"id":2681,"title":"رابعا ـ شرائط اللزوم","lvl":4,"sub":0},{"id":2681,"title":"المبحث الرابع ـ آثار العقد","lvl":3,"sub":1},{"id":2681,"title":"الأثر الخاص","lvl":4,"sub":2},{"id":2681,"title":"الأثر العام","lvl":4,"sub":3},{"id":2682,"title":"الإلزام","lvl":4,"sub":0},{"id":2683,"title":"المبحث الخامس ـ تصنيف العقود","lvl":3,"sub":0},{"id":2683,"title":"العقد الصحيح","lvl":4,"sub":2},{"id":2683,"title":"العقد غير الصحيح","lvl":5,"sub":3},{"id":2683,"title":"التقسيم الأول ـ بحسب وصف العقد شرعا","lvl":4,"sub":65},{"id":2684,"title":"منشأ الخلاف بين الحنفيةوالجمهور","lvl":5,"sub":0},{"id":2684,"title":"قال جمهور الفقهاء","lvl":6,"sub":1},{"id":2684,"title":"قال الحنفية","lvl":7,"sub":2},{"id":2685,"title":"العقد الباطل","lvl":5,"sub":0},{"id":2685,"title":"العقد الفاسد","lvl":5,"sub":1},{"id":2687,"title":"العقد المكروه تحريما","lvl":5,"sub":0},{"id":2687,"title":"1 - بيع النجش","lvl":6,"sub":1},{"id":2687,"title":"2 - تلقي الركبان أو الجلب","lvl":6,"sub":2},{"id":2688,"title":"3 - بيع الحاضر للبادي","lvl":6,"sub":0},{"id":2689,"title":"4 - البيع وقت النداء لصلاة الجمعة","lvl":6,"sub":0},{"id":2689,"title":"أنواع العقد الصحيح","lvl":5,"sub":1},{"id":2689,"title":"النافذ","lvl":6,"sub":2},{"id":2689,"title":"الموقوف","lvl":6,"sub":3},{"id":2690,"title":"أنواع العقد النافذ","lvl":5,"sub":0},{"id":2690,"title":"اللازم","lvl":6,"sub":1},{"id":2690,"title":"غير اللازم أو الجائز","lvl":6,"sub":2},{"id":2691,"title":"التقسيم الثاني ـ بالنظر إلى التسمية وعدمها","lvl":4,"sub":0},{"id":2691,"title":"العقود المسماة","lvl":5,"sub":1},{"id":2692,"title":"العقود غير المسماة","lvl":5,"sub":0},{"id":2692,"title":"الاستصناع","lvl":6,"sub":1},{"id":2692,"title":"بيع الوفاء","lvl":6,"sub":2},{"id":2692,"title":"الاستجرار","lvl":6,"sub":3},{"id":2692,"title":"التحكير","lvl":6,"sub":4},{"id":2693,"title":"التقسيم الثالث ـ بالنظر إلى غاية العقد وأغراضه","lvl":4,"sub":0},{"id":2693,"title":"1 - التمليكات","lvl":5,"sub":1},{"id":2693,"title":"2 - الإسقاطات","lvl":5,"sub":2},{"id":2693,"title":"3 - الإطلاقات","lvl":5,"sub":3},{"id":2694,"title":"4 - التقييدات","lvl":5,"sub":0},{"id":2694,"title":"5 - التوثيقات","lvl":5,"sub":1},{"id":2694,"title":"6 - الاشتراك","lvl":5,"sub":2},{"id":2694,"title":"7 - الحفظ","lvl":5,"sub":3},{"id":2694,"title":"التقسيم الرابع ـ بالنظر إلى العينية وعدمها","lvl":4,"sub":4},{"id":2694,"title":"العقد العيني","lvl":5,"sub":5},{"id":2694,"title":"العقد غير العيني","lvl":5,"sub":6},{"id":2695,"title":"التقسيم الخامس ـ باعتبار اتصال الأثر بالعقد وعدم اتصاله","lvl":4,"sub":0},{"id":2695,"title":"1 - العقد المنجز","lvl":5,"sub":1},{"id":2695,"title":"2 - العقد المضاف للمستقبل","lvl":5,"sub":2},{"id":2696,"title":"الأول ـ عقود لا تكون إلا مضافة بطبيعتها","lvl":6,"sub":0},{"id":2696,"title":"الثاني ـ عقود لا تقبل الإضافة، وإنما تكون دائما ناجزة","lvl":6,"sub":1},{"id":2696,"title":"الثالث ـ عقود تصح منجزة ومضافة للمستقبل","lvl":6,"sub":2},{"id":2696,"title":"أولا ـ العقود الواردة على المنافع","lvl":7,"sub":3},{"id":2696,"title":"ثانيا ـ الالتزامات أو التوثيقات","lvl":7,"sub":4},{"id":2696,"title":"ثالثا ـ الإطلاقات","lvl":7,"sub":5},{"id":2696,"title":"3 - العقد المعلق على شرط","lvl":5,"sub":6},{"id":2697,"title":"العقود بالنسبة للتعليق عند الحنفية","lvl":6,"sub":0},{"id":2697,"title":"النوع الأول ـ عقود لا تقبل التعليق","lvl":6,"sub":1},{"id":2697,"title":"النوع الثاني ـ عقود يصح فيها التعليق بأي شرط","lvl":6,"sub":2},{"id":2697,"title":"النوع الثالث ـ عقود يصح تعليقها بالشرط","lvl":6,"sub":3},{"id":2698,"title":"المبحث السادس ـ الخيارات","lvl":3,"sub":0},{"id":2698,"title":"معنى الخيار","lvl":4,"sub":1},{"id":2698,"title":"مصدر الخيارات","lvl":4,"sub":2},{"id":2698,"title":"خيار المجلس عند الشافعية والحنابلة","lvl":4,"sub":3},{"id":2701,"title":"خيار التعيين","lvl":4,"sub":0},{"id":2701,"title":"خيار التعيين","lvl":5,"sub":1},{"id":2702,"title":"شروطه","lvl":5,"sub":0},{"id":2702,"title":"أثر خيار التعيين","lvl":5,"sub":1},{"id":2703,"title":"انتهاء خيار التعيين","lvl":5,"sub":0},{"id":2703,"title":"خيار الشرط","lvl":4,"sub":1},{"id":2703,"title":"خيار الشرط","lvl":5,"sub":2},{"id":2704,"title":"مدة الخيار","lvl":5,"sub":0},{"id":2705,"title":"أثر خيار الشرط","lvl":5,"sub":0},{"id":2705,"title":"الأثر المتفق عليه","lvl":6,"sub":1},{"id":2706,"title":"الأثر المختلف فيه","lvl":6,"sub":0},{"id":2707,"title":"انتهاء خيار الشرط","lvl":5,"sub":0},{"id":2709,"title":"خيار العيب","lvl":4,"sub":0},{"id":2709,"title":"خيار العيب","lvl":5,"sub":1},{"id":2709,"title":"العيب الموجب للخيار","lvl":5,"sub":2},{"id":2710,"title":"شروط ثبوت خيار العيب","lvl":5,"sub":0},{"id":2711,"title":"وقت خيار العيب","lvl":5,"sub":0},{"id":2711,"title":"حكم العقد المشتمل على خيار عيب","lvl":5,"sub":1},{"id":2712,"title":"كيفية فسخ العقد ورد المعقود عليه","lvl":5,"sub":0},{"id":2713,"title":"موانع الرد بالعيب وسقوط الخيار","lvl":5,"sub":0},{"id":2714,"title":"إرث خيار العيب","lvl":5,"sub":0},{"id":2715,"title":"خيار الرؤية","lvl":4,"sub":0},{"id":2715,"title":"خيار الرؤية","lvl":5,"sub":1},{"id":2715,"title":"سبب هذا الخيار","lvl":5,"sub":2},{"id":2715,"title":"مشروعيته","lvl":5,"sub":3},{"id":2716,"title":"من يثبت له خيار الرؤية","lvl":5,"sub":0},{"id":2716,"title":"وقت ثبوت الخيار","lvl":5,"sub":1},{"id":2717,"title":"شروط ثبوت الخيار","lvl":5,"sub":0},{"id":2717,"title":"كيفية الرؤية","lvl":5,"sub":1},{"id":2718,"title":"أثر خيار الرؤية","lvl":5,"sub":0},{"id":2719,"title":"كيفية فسخ العقد","lvl":5,"sub":0},{"id":2720,"title":"مدة خيار الرؤية","lvl":5,"sub":0},{"id":2720,"title":"مايسقط به خيار الرؤية","lvl":5,"sub":1},{"id":2721,"title":"خيار النقد","lvl":4,"sub":0},{"id":2721,"title":"خيار النقد","lvl":5,"sub":1},{"id":2721,"title":"مدته","lvl":5,"sub":2},{"id":2722,"title":"المبحث السابع ـ انتهاء العقد","lvl":3,"sub":0},{"id":2722,"title":"انتهاء العقد بالفسخ","lvl":4,"sub":1},{"id":2722,"title":"1 ـ الفسخ بسبب فساد العقد","lvl":5,"sub":2},{"id":2722,"title":"2 ـ بسبب الخيار","lvl":5,"sub":3},{"id":2722,"title":"3 ـ بالإقالة","lvl":5,"sub":4},{"id":2723,"title":"4 ـ لعدم التنفيذ","lvl":5,"sub":0},{"id":2723,"title":"5 ـ لانتهاء مدة العقد أو تحقيق غرضه","lvl":5,"sub":1},{"id":2723,"title":"انتهاء العقد بالموت","lvl":4,"sub":2},{"id":2723,"title":"1 - الإجارة","lvl":5,"sub":3},{"id":2724,"title":"2 - الرهن والكفالة","lvl":5,"sub":0},{"id":2725,"title":"3 - الشركة والوكالة","lvl":5,"sub":0},{"id":2725,"title":"4 - المزارعة والمساقاة","lvl":5,"sub":1},{"id":2725,"title":"انتهاء العقد بعدم إجازة الموقوف","lvl":4,"sub":2},{"id":2726,"title":"الفصل الخامس: المؤيدات الشرعية","lvl":2,"sub":0},{"id":2726,"title":"أولا ـ المؤيدات المدنية","lvl":3,"sub":1},{"id":2727,"title":"أهم الفروق بين البطلان والفساد","lvl":4,"sub":0},{"id":2727,"title":"1 - السبب","lvl":5,"sub":1},{"id":2727,"title":"2 - الحكم أو الأثر","lvl":5,"sub":2},{"id":2728,"title":"3 - استحقاق الفسخ","lvl":5,"sub":0},{"id":2729,"title":"4 - عموم الأثر وخصوصه","lvl":5,"sub":0},{"id":2729,"title":"أوجه الشبه بين الباطل والفاسد","lvl":4,"sub":1},{"id":2729,"title":"أ ـ الباطل لا يقبل الإجازة لأنه معدوم","lvl":5,"sub":2},{"id":2729,"title":"ب ـ الباطل لا يسري عليه التقادم","lvl":5,"sub":3},{"id":2730,"title":"ثانيا ـ المؤيدات التأديبية (أو العقوبات )","lvl":3,"sub":0},{"id":2730,"title":"1 - عقوبات مقدرة","lvl":4,"sub":1},{"id":2730,"title":"2 - عقوبات غير مقدرة وهي التعزيرات","lvl":4,"sub":2},{"id":2733,"title":"الشريعة أساس الحكم على الجريمة والعقاب","lvl":4,"sub":0},{"id":2734,"title":"الفصل السادس: نظرية الفسخ","lvl":2,"sub":0},{"id":2735,"title":"تعريف الفسخ لغة واصطلاحا","lvl":3,"sub":0},{"id":2736,"title":"ألفاظ ذات صلة","lvl":3,"sub":0},{"id":2736,"title":"الانفساخ","lvl":4,"sub":1},{"id":2737,"title":"الخلع","lvl":4,"sub":0},{"id":2738,"title":"الطلاق","lvl":4,"sub":0},{"id":2738,"title":"الفرق بين الطلاق والفسخ","lvl":5,"sub":1},{"id":2740,"title":"الباطل","lvl":4,"sub":0},{"id":2741,"title":"فساد","lvl":4,"sub":0},{"id":2742,"title":"الفرق بين الفسخ والإفساد","lvl":5,"sub":0},{"id":2743,"title":"الحكم الإجمالي للفسخ ودليله","lvl":3,"sub":0},{"id":2743,"title":"الفسخ","lvl":4,"sub":1},{"id":2744,"title":"ملاحظات ثلاث","lvl":4,"sub":0},{"id":2744,"title":"الأولى ـ الأصل في العقود اللزوم","lvl":5,"sub":1},{"id":2745,"title":"الثانية ـ ليس في الفقه الإسلامي نظرية عامة للفسخ تطبق على جميع العقود","lvl":5,"sub":0},{"id":2746,"title":"الثالثة ـ يرى بعض الكاتبين الجدد أن أساس حق الفسخ في الشريعة هو ركن الرضا","lvl":5,"sub":0},{"id":2746,"title":"شروط فسخ العقد","lvl":3,"sub":1},{"id":2746,"title":"الأول: أن يكون العقد ملزما للجانبين أي عقد معاوضة","lvl":4,"sub":2},{"id":2746,"title":"الثاني: أن يخالف العاقد شرطا صريحا أو ضمنيا أو حكما في العقد","lvl":4,"sub":3},{"id":2746,"title":"الثالث ـ انعدام الرضا الصحيح","lvl":4,"sub":4},{"id":2747,"title":"أسباب الفسخ","lvl":3,"sub":0},{"id":2747,"title":"1 ـ الاتفاق","lvl":4,"sub":1},{"id":2747,"title":"الإقالة","lvl":5,"sub":2},{"id":2748,"title":"دليل جواز الإقالة","lvl":6,"sub":0},{"id":2749,"title":"2 ـ الخيار","lvl":4,"sub":0},{"id":2749,"title":"3 - عدم لزوم العقد بطبيعته","lvl":4,"sub":1},{"id":2750,"title":"4 - استحالة تنفيذ أحد الالتزامين المتقابلين","lvl":4,"sub":0},{"id":2750,"title":"5 - الفسخ للفساد عند الحنفية القائلين به في المعاملات","lvl":4,"sub":1},{"id":2751,"title":"أسباب انحلال العقد في الفقه الإسلامي","lvl":3,"sub":0},{"id":2751,"title":"1 - كون العقد غير لازم","lvl":4,"sub":1},{"id":2751,"title":"2 - الفسخ","lvl":4,"sub":2},{"id":2751,"title":"3 - الإقالة","lvl":4,"sub":3},{"id":2751,"title":"أنواع الفسخ","lvl":3,"sub":4},{"id":2751,"title":"1 - الفسخ الاتفاقي (أوالإقالة) والفسخ بحكم القضاء، والفسخ بحكم الشرع","lvl":4,"sub":5},{"id":2754,"title":"2 - الفسخ باعتباره جزاء لعدم تنفيذ العاقد الآخر التزامه","lvl":4,"sub":0},{"id":2755,"title":"3 - الفسخ بسبب الخيار (الفسخ والقوة الملزمة للعقد)","lvl":4,"sub":0},{"id":2756,"title":"4 - الفسخ للأعذار الطارئة","lvl":4,"sub":0},{"id":2757,"title":"1 - عذر من جانب المستأجر","lvl":5,"sub":0},{"id":2757,"title":"2 - عذر من جانب المؤجر","lvl":5,"sub":1},{"id":2757,"title":"3 - عذر راجع للعين المؤجرة","lvl":5,"sub":2},{"id":2759,"title":"5 - الفسخ لاستحالة التنفيذ (الفسخ وتحمل تبعة الهلاك )","lvl":4,"sub":0},{"id":2761,"title":"6 - الفسخ للإفلاس والإعسار والمماطلة","lvl":4,"sub":0},{"id":2764,"title":"7 - الفسخ بسبب البطلان أو الفساد أو الردة في الزواج","lvl":4,"sub":0},{"id":2765,"title":"8 - الفسخ الرضائي والفسخ الجبري بطريق القضاء","lvl":4,"sub":0},{"id":2765,"title":"الفسخ الرضائي","lvl":5,"sub":1},{"id":2765,"title":"الفسخ الجبري","lvl":5,"sub":2},{"id":2765,"title":"يرى الحنفية","lvl":5,"sub":3},{"id":2766,"title":"يرى المالكية","lvl":5,"sub":0},{"id":2767,"title":"مذهب الشافعية","lvl":5,"sub":0},{"id":2767,"title":"قال الحنابلة","lvl":5,"sub":1},{"id":2768,"title":"فرقة الفسخ","lvl":5,"sub":0},{"id":2768,"title":"فرق الفسخ المتوقفة على القضاء","lvl":6,"sub":1},{"id":2768,"title":"فرق الفسخ غير المتوقفة على القضاء","lvl":6,"sub":2},{"id":2768,"title":"9 - الفسخ لعدم إجازة العقد الموقوف","lvl":4,"sub":3},{"id":2770,"title":"10 - الفسخ بسبب الاستحقاق","lvl":4,"sub":0},{"id":2770,"title":"الاستحقاق","lvl":5,"sub":1},{"id":2770,"title":"الاستحقاق بالنسبة لفسخ العقد نوعان","lvl":5,"sub":2},{"id":2770,"title":"1 - مبطل للملك بالكلية","lvl":6,"sub":3},{"id":2770,"title":"2 - وناقل للملك من شخص إلى آخر","lvl":6,"sub":4},{"id":2771,"title":"ما يقبل الفسخ وما لا يقبل","lvl":3,"sub":0},{"id":2771,"title":"1 - العقود اللازمة للطرفين","lvl":4,"sub":1},{"id":2772,"title":"أ - عقد لازم لا يقبل الفسخ","lvl":5,"sub":0},{"id":2772,"title":"ب - عقد لازم يقبل الفسخ","lvl":5,"sub":1},{"id":2772,"title":"2 - العقود الجائزة غير اللازمة للطرفين","lvl":4,"sub":2},{"id":2773,"title":"3 - العقد اللازم لطرف دون آخر","lvl":4,"sub":0},{"id":2773,"title":"4 - تصرفات الإرادة المنفردة","lvl":4,"sub":1},{"id":2774,"title":"حالات فسخ العقود وحالات عدم الفسخ","lvl":3,"sub":0},{"id":2775,"title":"حالات فسخ العقود","lvl":4,"sub":0},{"id":2775,"title":"فسخ عقد البيع","lvl":5,"sub":1},{"id":2775,"title":"1- ضمان هلاك المبيع","lvl":6,"sub":2},{"id":2776,"title":"2 - ضمان استحقاق المبيع","lvl":6,"sub":0},{"id":2776,"title":"3 - ضمان العيب في المبيع","lvl":6,"sub":1},{"id":2776,"title":"4 - ضمان جوائح الثمار المبيعة","lvl":6,"sub":2},{"id":2777,"title":"5 - ضمان الخيانة أو فسخ عقود المرابحة بسبب الخيانة","lvl":6,"sub":0},{"id":2778,"title":"فسخ عقد الإيجار","lvl":5,"sub":0},{"id":2779,"title":"حالات عدم الفسخ","lvl":4,"sub":0},{"id":2779,"title":"عقد البيع","lvl":5,"sub":1},{"id":2780,"title":"عقد الإيجار","lvl":5,"sub":0},{"id":2780,"title":"عقد المزارعة","lvl":5,"sub":1},{"id":2781,"title":"عقد المساقاة","lvl":5,"sub":0},{"id":2781,"title":"عقد الرهن","lvl":5,"sub":1},{"id":2783,"title":"عقد الصلح","lvl":5,"sub":0},{"id":2784,"title":"عقد الشركة","lvl":5,"sub":0},{"id":2784,"title":"فروق بين الفسخ وغيره","lvl":3,"sub":1},{"id":2784,"title":"1 - الفرق بين الفسخ والانفساخ","lvl":4,"sub":2},{"id":2784,"title":"2 - الفرق بين الفسخ (انحلال العقد) وانقضاء الالتزام","lvl":4,"sub":3},{"id":2785,"title":"3 - الفرق بين الفسخ والإبطال والبطلان والفساد","lvl":4,"sub":0},{"id":2785,"title":"4 - الفسخ وشرط الإلغاء الصريح أو الضمني","lvl":4,"sub":1},{"id":2788,"title":"5 - الفرق بين الشرط الموقف (الواقف) والشرط الفاسخ","lvl":4,"sub":0},{"id":2788,"title":"الشرط الموقف","lvl":5,"sub":1},{"id":2788,"title":"الشرط الفاسخ","lvl":5,"sub":2},{"id":2788,"title":"6 - الفرق بين الفسخ والطلاق، وهل يتوقف فسخ الزواج على القضاء؟","lvl":4,"sub":3},{"id":2788,"title":"بعض أسباب الفسخ","lvl":3,"sub":4},{"id":2788,"title":"1 - الإخلال بالالتزام","lvl":4,"sub":5},{"id":2790,"title":"2 - استحالة تنفيذ العقد","lvl":4,"sub":0},{"id":2790,"title":"3 - عدم تنفيذ العقد ومتى يجوز؟","lvl":4,"sub":1},{"id":2790,"title":"عقد البيع","lvl":5,"sub":2},{"id":2790,"title":"الحنفية والمالكية","lvl":6,"sub":3},{"id":2791,"title":"الشافعية والحنابلة","lvl":6,"sub":0},{"id":2791,"title":"عقد الإيجار","lvl":5,"sub":1},{"id":2792,"title":"الإجارة على الأعمال","lvl":5,"sub":0},{"id":2793,"title":"عقد الوكالة","lvl":5,"sub":0},{"id":2793,"title":"متى يجوز عدم تنفيذ العقد أو ما هي شروط الدفع بعدم التنفيذ؟","lvl":3,"sub":1},{"id":2793,"title":"يشترط للدفع بعدم تنفيذ العقد","lvl":4,"sub":2},{"id":2793,"title":"1 - أن يكون العقد ملزما للجانبين","lvl":5,"sub":3},{"id":2794,"title":"2 - أن يكون الالتزام المحبوس أو الممنوع عن الآخر التزاما يتأخر تنفيذه عن تنفيذ الالتزام المقابل","lvl":5,"sub":0},{"id":2794,"title":"آثار الفسخ (أحكامه )","lvl":3,"sub":1},{"id":2794,"title":"1 - انتهاء العقد بالفسخ","lvl":4,"sub":2},{"id":2794,"title":"أولا- أثر الفسخ فيما بين الطرفين المتعاقدين","lvl":5,"sub":3},{"id":2795,"title":"ثانيا - أثر الفسخ بالنسبة للغير","lvl":5,"sub":0},{"id":2796,"title":"2 - أثر الفسخ في الماضي (الأثر المستند والمقتصر) والمستقبل","lvl":4,"sub":0},{"id":2798,"title":"ملحق: ما اقتبسه القانون المدني المعاصر من الفقه الإسلامي","lvl":2,"sub":0},{"id":2803,"title":"مدى الاعتماد على الشريعة في القانونين المصري والسوري","lvl":3,"sub":0},{"id":2803,"title":"بعض المبادئ والنظريات العامة المقتبسة من الفقه الإسلامي","lvl":3,"sub":1},{"id":2803,"title":"بعض الأحكام التفصيلية المستقاة من الفقه الإسلامي","lvl":3,"sub":2},{"id":2804,"title":"بيان أهم المبادئ والنظريات المقتبسة من الفقه الإسلامي","lvl":3,"sub":0},{"id":2804,"title":"1 - النزعة الموضوعية","lvl":4,"sub":1},{"id":2805,"title":"2 - أحكام الأهلية ومسؤولية عديم التمييز","lvl":4,"sub":0},{"id":2807,"title":"3 - نظرية التعسف في استعمال الحق","lvl":4,"sub":0},{"id":2810,"title":"4 - نظرية الظروف الطارئة","lvl":4,"sub":0},{"id":2812,"title":"5 - حوالة الدين","lvl":4,"sub":0},{"id":2815,"title":"نوعا الحوالة","lvl":5,"sub":0},{"id":2815,"title":"حوالة الحق","lvl":6,"sub":1},{"id":2815,"title":"حوالة الدين","lvl":6,"sub":2},{"id":2815,"title":"الحوالة المطلقة","lvl":6,"sub":3},{"id":2815,"title":"الحوالة المقيدة","lvl":6,"sub":4},{"id":2816,"title":"6 - لا تركة إلا بعد سداد الدين","lvl":4,"sub":0},{"id":2817,"title":"متى يتم انتقال التركة إلى الورثة؟","lvl":5,"sub":0},{"id":2818,"title":"تحديد وقت انتقال التركة إلى الورثة","lvl":5,"sub":0},{"id":2818,"title":"الرأي الأول للمالكية","lvl":6,"sub":1},{"id":2818,"title":"الرأي الثاني للشافعية، والحنابلة ( في أشهر الروايتين)","lvl":6,"sub":2},{"id":2818,"title":"الرأي الثالث للحنفية","lvl":6,"sub":3},{"id":2819,"title":"للفقهاء آراء في تصرف الورثة","lvl":5,"sub":0},{"id":2819,"title":"قال الحنفية والشافعية، والمالكية (في رأي عندهم)","lvl":6,"sub":1},{"id":2819,"title":"قال الحنابلة (في أشهر الروايتين)","lvl":6,"sub":2},{"id":2819,"title":"بيان بعض الأحكام المأخوذة من الفقه الإسلامي","lvl":3,"sub":3},{"id":2819,"title":"أولا ـ في عقد البيع","lvl":4,"sub":4},{"id":2819,"title":"1 - أحكام مجلس العقد","lvl":5,"sub":5},{"id":2820,"title":"2 - البيع بالصفة أو بالعينة (النموذج )","lvl":5,"sub":0},{"id":2821,"title":"3 - تبعة هلاك المبيع","lvl":5,"sub":0},{"id":2822,"title":"4 - حق البائع في حبس المبيع","lvl":5,"sub":0},{"id":2823,"title":"5 - الغبن في بيع عقار القاصر","lvl":5,"sub":0},{"id":2824,"title":"6 - ضمان العيوب الخفية، وضمان التعرض والاستحقاق","lvl":5,"sub":0},{"id":2826,"title":"ثانيا ـ في عقد الإيجار","lvl":4,"sub":0},{"id":2826,"title":"1 - إيجار الأراضي الزراعية","lvl":5,"sub":1},{"id":2826,"title":"2 - هلاك الزرع في العين المؤجرة","lvl":5,"sub":2},{"id":2827,"title":"3 - غرس الأشجار في العين المؤجرة","lvl":5,"sub":0},{"id":2828,"title":"4 - المزارعة","lvl":5,"sub":0},{"id":2828,"title":"5 - انقضاء الإيجار بموت المستأجر","lvl":5,"sub":1},{"id":2829,"title":"6 - انتهاء الإيجار للعذر","lvl":5,"sub":0},{"id":2830,"title":"7 - إيجار الوقف","lvl":5,"sub":0},{"id":2830,"title":"ثالثا - حقوق الارتفاق","lvl":4,"sub":1},{"id":2830,"title":"حق الارتفاق","lvl":5,"sub":2},{"id":2832,"title":"الحائط المشترك","lvl":5,"sub":0},{"id":2833,"title":"رابعا ـ عقد الهبة","lvl":4,"sub":0},{"id":2833,"title":"شكلية الهبة","lvl":5,"sub":1},{"id":2834,"title":"موقف الفقهاء المسلمين من الجانب الشكلي للهبة","lvl":5,"sub":0},{"id":2834,"title":"الاتجاه الأول","lvl":6,"sub":1},{"id":2835,"title":"الاتجاه الثاني","lvl":6,"sub":0},{"id":2835,"title":"الأحكام الموضوعية للهبة التي تضمنها القانون المدني","lvl":5,"sub":1},{"id":2835,"title":"1 - تعريف الهبة","lvl":6,"sub":2},{"id":2835,"title":"2 - ركن الهبة","lvl":6,"sub":3},{"id":2836,"title":"3 - الشروط الموضوعية للهبة","lvl":6,"sub":0},{"id":2838,"title":"4 - الرجوع في الهبة","lvl":6,"sub":0},{"id":2838,"title":"خامسا ـ تصرف المريض مرض الموت","lvl":4,"sub":1},{"id":2841,"title":"سادسا - أحكام متفرقة (الإبراء، مدة التقادم )","lvl":4,"sub":0},{"id":2841,"title":"الإبراء","lvl":5,"sub":1},{"id":2842,"title":"التقادم","lvl":5,"sub":0},{"id":2844,"title":"خاتمة","lvl":3,"sub":0},{"id":2846,"title":"- - - -الجزء الخامس- - - -","lvl":1,"sub":0},{"id":2846,"title":"&*&القسْمُ الثَّالثُ: العقودُ أو التَّصرّفات المدنيَّة الماليَّة&*&","lvl":2,"sub":1},{"id":2846,"title":"الفصل الأول: عقد البيع","lvl":2,"sub":2},{"id":2846,"title":"خطة الموضوع","lvl":3,"sub":3},{"id":2847,"title":"المبحث الأول - تكوين عقد البيع","lvl":3,"sub":0},{"id":2847,"title":"المطلب الأول - تعريف البيع ومشروعيته وآدابه","lvl":4,"sub":1},{"id":2847,"title":"تعريف البيع","lvl":5,"sub":2},{"id":2848,"title":"مشروعية البيع","lvl":5,"sub":0},{"id":2850,"title":"آداب البيع","lvl":5,"sub":0},{"id":2851,"title":"المطلب الثاني - ركن البيع أو كيفية انعقاده","lvl":4,"sub":0},{"id":2852,"title":"1 - صيغة الإيجاب والقبول","lvl":5,"sub":0},{"id":2852,"title":"البيع بلفظ الاستدعاء","lvl":6,"sub":1},{"id":2853,"title":"الفرق بين البيع والزواج","lvl":6,"sub":0},{"id":2854,"title":"بيع المعاطاة","lvl":6,"sub":0},{"id":2856,"title":"2 - صفة الإيجاب والقبول ـ الكلام في خيار المجلس","lvl":5,"sub":0},{"id":2858,"title":"المبحث الثاني ـ شروط البيع","lvl":3,"sub":0},{"id":2858,"title":"أولا - شرائط الانعقاد","lvl":4,"sub":1},{"id":2858,"title":"ما يشترط في العاقد","lvl":5,"sub":2},{"id":2858,"title":"1 - أن يكون العاقد عاقلا أي مميزا","lvl":6,"sub":3},{"id":2859,"title":"2 - أن يكون العاقد متعددا","lvl":6,"sub":0},{"id":2861,"title":"ما يشترط في نفس العقد","lvl":5,"sub":0},{"id":2861,"title":"ما يشترط في مكان العقد","lvl":5,"sub":1},{"id":2861,"title":"ما يشترط في المعقود عليه","lvl":5,"sub":2},{"id":2861,"title":"1 - أن يكون المبيع موجودا","lvl":6,"sub":3},{"id":2861,"title":"2 - أن يكون المبيع مالا متقوما","lvl":6,"sub":4},{"id":2862,"title":"3 - أن يكون مملوكا في نفسه","lvl":6,"sub":0},{"id":2862,"title":"4 - أن يكون مقدور التسليم عند العقد","lvl":6,"sub":1},{"id":2862,"title":"شروط الإيجاب والقبول","lvl":5,"sub":2},{"id":2862,"title":"1 - الأهلية","lvl":6,"sub":3},{"id":2863,"title":"بيع الصبي المميز","lvl":7,"sub":0},{"id":2863,"title":"بيع المكره وبيع التلجئة","lvl":7,"sub":1},{"id":2863,"title":"بيع المكره","lvl":8,"sub":2},{"id":2865,"title":"بيع المضطر","lvl":8,"sub":0},{"id":2865,"title":"بيع التلجئة","lvl":8,"sub":1},{"id":2866,"title":"2 - الشرط الثاني أن يكون القبول موافقا للإيجاب","lvl":6,"sub":1},{"id":2867,"title":"3 - أن يتحد مجلس العقد","lvl":6,"sub":0},{"id":2868,"title":"التعاقد حالة المشي أو الركوب","lvl":7,"sub":0},{"id":2869,"title":"التعاقد على ظهر سفينة أو طائرة","lvl":7,"sub":0},{"id":2869,"title":"التعاقد مع غائب","lvl":7,"sub":1},{"id":2869,"title":"التعاقد بواسطة رسول","lvl":7,"sub":2},{"id":2869,"title":"التعاقد بالمراسلة","lvl":7,"sub":3},{"id":2870,"title":"الخلع","lvl":7,"sub":0},{"id":2870,"title":"النكاح","lvl":7,"sub":1},{"id":2870,"title":"مبدأ وحدة الصفقة وتفرقها","lvl":7,"sub":2},{"id":2870,"title":"الصفقة","lvl":8,"sub":3},{"id":2870,"title":"الحنفية","lvl":8,"sub":4},{"id":2873,"title":"أبو حنيفة والمالكية","lvl":8,"sub":0},{"id":2873,"title":"الشافعية والحنابلة","lvl":8,"sub":1},{"id":2876,"title":"ثانيا - شروط النفاذ","lvl":4,"sub":0},{"id":2876,"title":"1 - الملك أو الولاية","lvl":5,"sub":1},{"id":2876,"title":"2 - ألا يكون في المبيع حق لغير البائع","lvl":5,"sub":2},{"id":2877,"title":"تقسيم البيع من حيث النفاذ والوقف","lvl":5,"sub":0},{"id":2878,"title":"آراء العلماء في تصرف الفضولي","lvl":5,"sub":0},{"id":2878,"title":"الفضولي في الأصل","lvl":6,"sub":1},{"id":2878,"title":"محل البحث","lvl":6,"sub":2},{"id":2878,"title":"اختلف الفقهاء في حكم تصرف الفضولي","lvl":6,"sub":3},{"id":2878,"title":"الحنفية","lvl":7,"sub":4},{"id":2879,"title":"المالكية","lvl":7,"sub":0},{"id":2880,"title":"الحنابلة","lvl":7,"sub":0},{"id":2881,"title":"الشافعية والظاهرية","lvl":7,"sub":0},{"id":2881,"title":"شروط إجازة تصرف الفضولي","lvl":6,"sub":1},{"id":2882,"title":"فسخ عقد الفضولي وإجازته","lvl":6,"sub":0},{"id":2883,"title":"هل للفضولي الواحد أن يعقد العقد عن الطرفين","lvl":6,"sub":0},{"id":2883,"title":"توقف تصرف الصبي المميز","lvl":6,"sub":1},{"id":2883,"title":"ثالثا ـ شروط صحة البيع","lvl":4,"sub":2},{"id":2883,"title":"الشروط العامة","lvl":5,"sub":3},{"id":2884,"title":"الأول ـ الجهالة","lvl":6,"sub":0},{"id":2885,"title":"الثاني ـ الإكراه","lvl":6,"sub":0},{"id":2885,"title":"الثالث ـ التوقيت","lvl":6,"sub":1},{"id":2885,"title":"الرابع ـ الغرر","lvl":6,"sub":2},{"id":2886,"title":"الخامس ـ الضرر","lvl":6,"sub":0},{"id":2886,"title":"السادس ـ الشرط المفسد","lvl":6,"sub":1},{"id":2887,"title":"الشروط الخاصة","lvl":5,"sub":0},{"id":2887,"title":"رابعا ـ شروط لزوم البيع","lvl":4,"sub":1},{"id":2888,"title":"خلاصة أنواع شروط البيع في المذاهب وبيان الاتفاق والاختلاف فيها","lvl":4,"sub":0},{"id":2888,"title":"الشروط في مذهب الحنفية","lvl":5,"sub":1},{"id":2888,"title":"شروط الانعقاد","lvl":6,"sub":2},{"id":2888,"title":"النوع الأول ـ شروط العاقد","lvl":7,"sub":3},{"id":2888,"title":"النوع الثاني ـ شروط الصيغة","lvl":7,"sub":4},{"id":2889,"title":"النوع الثالث ـ شروط المعقود عليه","lvl":7,"sub":0},{"id":2889,"title":"النوع الرابع ـ شرط البدل","lvl":7,"sub":1},{"id":2889,"title":"شروط الصحة","lvl":6,"sub":2},{"id":2889,"title":"العامة","lvl":7,"sub":3},{"id":2890,"title":"الخاصة","lvl":7,"sub":0},{"id":2890,"title":"شروط النفاذ","lvl":6,"sub":1},{"id":2890,"title":"ما يشترط في لزوم العقد","lvl":6,"sub":2},{"id":2890,"title":"شروط البيع في مذهب المالكية","lvl":5,"sub":3},{"id":2890,"title":"شروط العاقد","lvl":6,"sub":4},{"id":2891,"title":"شروط الصيغة","lvl":6,"sub":0},{"id":2891,"title":"شروط الثمن والمثمن","lvl":6,"sub":1},{"id":2892,"title":"شروط البيع في مذهب الشافعية","lvl":5,"sub":0},{"id":2892,"title":"شروط العاقد","lvl":6,"sub":1},{"id":2893,"title":"شروط الصيغة","lvl":6,"sub":0},{"id":2894,"title":"شروط المعقود عليه","lvl":6,"sub":0},{"id":2896,"title":"شروط البيع في مذهب الحنابلة","lvl":5,"sub":0},{"id":2896,"title":"شروط العاقد","lvl":6,"sub":1},{"id":2896,"title":"شروط الصيغة","lvl":6,"sub":2},{"id":2896,"title":"شروط المعقود عليه","lvl":6,"sub":3},{"id":2900,"title":"أوجه الاتفاق والاختلاف في شروط البيع","lvl":4,"sub":0},{"id":2900,"title":"1 - في العاقد","lvl":5,"sub":1},{"id":2900,"title":"2 - في الصيغة","lvl":5,"sub":2},{"id":2900,"title":"3 - في المعقود عليه","lvl":5,"sub":3},{"id":2901,"title":"المبحث الثالث - حكم البيع والكلام عن المبيع والثمن","lvl":3,"sub":0},{"id":2901,"title":"المطلب الأول - حكم العقد","lvl":4,"sub":1},{"id":2901,"title":"حكم العقد","lvl":5,"sub":2},{"id":2902,"title":"حقوق البيع التابعة للحكم","lvl":5,"sub":0},{"id":2903,"title":"المطلب الثاني ـ الثمن والمبيع","lvl":4,"sub":0},{"id":2903,"title":"تعريف المبيع والثمن","lvl":5,"sub":1},{"id":2904,"title":"تعيين المبيع","lvl":5,"sub":0},{"id":2904,"title":"الفرق بين الثمن والقيمة والدين","lvl":5,"sub":1},{"id":2905,"title":"التمييز بين الثمن والمبيع","lvl":5,"sub":0},{"id":2907,"title":"أحكام المبيع والثمن أو نتائج التمييز بينهما","lvl":5,"sub":0},{"id":2908,"title":"حكم هلاك المبيع، وهلاك الثمن وكساده","lvl":5,"sub":0},{"id":2908,"title":"هلاك المبيع","lvl":6,"sub":1},{"id":2908,"title":"آ - إذا هلك المبيع كله قبل القبض","lvl":7,"sub":2},{"id":2908,"title":"ب ـ إذا هلك المبيع كله بعد القبض","lvl":7,"sub":3},{"id":2910,"title":"ج ـ إذا هلك بعض المبيع قبل القبض ينظر عند الحنفية","lvl":7,"sub":0},{"id":2910,"title":"د ـ إذا هلك بعض المبيع بعد القبض","lvl":7,"sub":1},{"id":2910,"title":"هلاك الثمن عند الحنفية","lvl":6,"sub":2},{"id":2911,"title":"كساد الثمن عند الحنفية","lvl":6,"sub":0},{"id":2912,"title":"التصرف في المبيع وفي الثمن قبل القبض","lvl":5,"sub":0},{"id":2912,"title":"التصرف في المبيع قبل القبض","lvl":6,"sub":1},{"id":2912,"title":"التصرف في الثمن قبل القبض","lvl":6,"sub":2},{"id":2914,"title":"تسليم المبيع والثمن","lvl":5,"sub":0},{"id":2914,"title":"من يجب عليه التسليم أولا","lvl":6,"sub":1},{"id":2916,"title":"حق حبس المبيع أو احتباسه","lvl":5,"sub":0},{"id":2917,"title":"ما يسقط حق الحبس وما لا يسقطه","lvl":6,"sub":0},{"id":2918,"title":"معنى التسليم أو القبض وكيفية تحققه","lvl":5,"sub":0},{"id":2919,"title":"القبض يتم بطرق","lvl":6,"sub":0},{"id":2919,"title":"1 - التخلية","lvl":7,"sub":1},{"id":2920,"title":"2 - الإتلاف","lvl":7,"sub":0},{"id":2920,"title":"3 - إيداع المبيع عند المشتري أو إعارته منه","lvl":7,"sub":1},{"id":2920,"title":"4 - اتباع المشتري الجاني بالجناية على المبيع","lvl":7,"sub":2},{"id":2921,"title":"5 - القبض السابق","lvl":7,"sub":0},{"id":2921,"title":"قسم الفقهاء القبض","lvl":6,"sub":1},{"id":2921,"title":"قبض الضمان","lvl":7,"sub":2},{"id":2921,"title":"قبض الأمانة","lvl":7,"sub":3},{"id":2922,"title":"أ ـ فإن كانت يد المشتري يد ضمان","lvl":7,"sub":0},{"id":2922,"title":"ب ـ وإن كانت يد المشتري يد أمانة","lvl":7,"sub":1},{"id":2923,"title":"المبحث الرابع ـ البيع الباطل والبيع الفاسد","lvl":3,"sub":0},{"id":2923,"title":"تمهيد","lvl":4,"sub":1},{"id":2924,"title":"أنواع البيوع عند الحنفية بحسب وصف الشارع لها","lvl":4,"sub":0},{"id":2924,"title":"البيع الصحيح","lvl":5,"sub":1},{"id":2925,"title":"البيع الباطل","lvl":5,"sub":0},{"id":2925,"title":"البيع الفاسد","lvl":5,"sub":1},{"id":2926,"title":"الضابط الذي يميز الفاسد عن الباطل","lvl":4,"sub":0},{"id":2926,"title":"بعد هذا التمهيد","lvl":4,"sub":1},{"id":2927,"title":"المطلب الأول ـ أنواع البيع الباطل","lvl":4,"sub":0},{"id":2927,"title":"1 - بيع المعدوم","lvl":5,"sub":1},{"id":2929,"title":"بيع اللبن في الضرع","lvl":6,"sub":0},{"id":2929,"title":"بيع الصوف على ظهر الغنم","lvl":6,"sub":1},{"id":2930,"title":"رأي بعض الحنابلة في بيع المعدوم","lvl":6,"sub":0},{"id":2930,"title":"2 - بيع معجوز التسليم","lvl":5,"sub":1},{"id":2934,"title":"بيع الدين","lvl":6,"sub":0},{"id":2934,"title":"الدين","lvl":7,"sub":1},{"id":2934,"title":"بيع الدين نسيئة","lvl":7,"sub":2},{"id":2935,"title":"بيع الدين نقدا في الحال","lvl":7,"sub":0},{"id":2935,"title":"أولا ـ بيع الدين للمدين","lvl":8,"sub":1},{"id":2936,"title":"ثانيا ـ بيع الدين لغير المدين","lvl":8,"sub":0},{"id":2938,"title":"3 - بيع الغرر","lvl":5,"sub":0},{"id":2938,"title":"الغرر في اللغة","lvl":6,"sub":1},{"id":2939,"title":"الغرر في اصطلاح الفقهاء","lvl":6,"sub":0},{"id":2941,"title":"ملاحظات على التعاريف","lvl":6,"sub":0},{"id":2941,"title":"حكم بيع الغرر","lvl":6,"sub":1},{"id":2941,"title":"أحدهما ـ ما يدخل في المبيع تبعا","lvl":7,"sub":2},{"id":2941,"title":"الثاني ـ ما يتسامح بمثله عادة","lvl":7,"sub":3},{"id":2942,"title":"بيع المضامين والملاقيح","lvl":7,"sub":0},{"id":2942,"title":"بيع الملامسة والمنابذة والحصاة","lvl":7,"sub":1},{"id":2942,"title":"بيع ضربة القانص","lvl":7,"sub":2},{"id":2943,"title":"بيع المزابنة","lvl":7,"sub":0},{"id":2944,"title":"بيع العرايا","lvl":7,"sub":0},{"id":2945,"title":"الغرر اليسير","lvl":7,"sub":0},{"id":2946,"title":"حكم التأمين مع شركات التأمين في الإسلام","lvl":6,"sub":0},{"id":2946,"title":"التأمين التعاوني","lvl":7,"sub":1},{"id":2947,"title":"التأمين بقسط ثابت","lvl":7,"sub":0},{"id":2947,"title":"الفرق بين النوعين","lvl":7,"sub":1},{"id":2952,"title":"أنواع التأمين","lvl":6,"sub":0},{"id":2952,"title":"1 - تأمين تعاوني","lvl":7,"sub":1},{"id":2952,"title":"2 - تأمين تجاري أو التأمين ذو القسط الثابت","lvl":7,"sub":2},{"id":2952,"title":"1 - تأمين الأضرار","lvl":8,"sub":3},{"id":2952,"title":"2 - وتأمين الأشخاص","lvl":8,"sub":4},{"id":2953,"title":"التأمين من حيث العموم والخصوص ينقسم إلى قسمين","lvl":7,"sub":0},{"id":2953,"title":"موقف الفقه الإسلامي من التأمين","lvl":6,"sub":1},{"id":2953,"title":"التأمين التعاوني","lvl":7,"sub":2},{"id":2954,"title":"التأمين التجاري أو التأمين ذو القسط الثابت","lvl":7,"sub":0},{"id":2958,"title":"يشتمل التأمين ذي القسط الثابت على خمسة أسباب تجعله حراما","lvl":8,"sub":0},{"id":2958,"title":"1 - الربا","lvl":8,"sub":1},{"id":2958,"title":"2 - الغرر","lvl":8,"sub":2},{"id":2958,"title":"3 - الغبن","lvl":8,"sub":3},{"id":2958,"title":"4 - القمار","lvl":8,"sub":4},{"id":2958,"title":"5 - الجهالة","lvl":8,"sub":5},{"id":2959,"title":"إعادة التأمين أو التأمين المركب","lvl":7,"sub":0},{"id":2961,"title":"التأمينات الاجتماعية","lvl":7,"sub":0},{"id":2961,"title":"4 - بيع النجس والمتنجس","lvl":5,"sub":1},{"id":2964,"title":"5 - بيع العربون","lvl":5,"sub":0},{"id":2966,"title":"6 - بيع الماء","lvl":5,"sub":0},{"id":2966,"title":"قال الحنفية: المياه أربعة أنواع","lvl":6,"sub":1},{"id":2966,"title":"الأول - ماء البحار","lvl":7,"sub":2},{"id":2966,"title":"الثاني ـ ماء الأودية العظام","lvl":7,"sub":3},{"id":2966,"title":"الثالث ـ الماء المملوك لجماعة مخصوصة","lvl":7,"sub":4},{"id":2967,"title":"الرابع ـ الماء المحرز في الأواني","lvl":7,"sub":0},{"id":2967,"title":"حكم بيع الماء","lvl":6,"sub":1},{"id":2968,"title":"أولا ـ قال جمهور العلماء","lvl":7,"sub":0},{"id":2969,"title":"ثانيا ـ قال الظاهرية","lvl":7,"sub":0},{"id":2970,"title":"المطلب الثاني ـ أنواع البيع الفاسد","lvl":4,"sub":0},{"id":2970,"title":"أنواع البيوع الفاسدة عند الحنفية","lvl":5,"sub":1},{"id":2970,"title":"1 - بيع المجهول","lvl":6,"sub":2},{"id":2971,"title":"الجهالة اليسيرة","lvl":7,"sub":0},{"id":2973,"title":"الجهالة الفاحشة","lvl":7,"sub":0},{"id":2973,"title":"الأولى ـ جهالة المبيع","lvl":8,"sub":1},{"id":2973,"title":"الثانية ـ جهالة الثمن","lvl":8,"sub":2},{"id":2976,"title":"الثالثة ـ جهالة الأجل","lvl":8,"sub":0},{"id":2976,"title":"الرابعة ـ الجهالة في وسائل التوثيق","lvl":8,"sub":1},{"id":2977,"title":"2 - البيع المعلق على شرط والبيع المضاف","lvl":6,"sub":0},{"id":2978,"title":"حكمهما","lvl":7,"sub":0},{"id":2979,"title":"3 - بيع العين الغائبة أو غير المرئية","lvl":6,"sub":0},{"id":2980,"title":"البيع على البرنامج أو البرامج","lvl":7,"sub":0},{"id":2982,"title":"4 - بيع الأعمى وشراؤه","lvl":6,"sub":0},{"id":2983,"title":"5 - البيع بالثمن المحرم","lvl":6,"sub":0},{"id":2983,"title":"6 - البيع نسيئة ثم الشراء نقدا ـ بيوع الآجال","lvl":6,"sub":1},{"id":2985,"title":"بيع العينة","lvl":7,"sub":0},{"id":2989,"title":"7 - بيع العنب لعاصر الخمر","lvl":6,"sub":0},{"id":2989,"title":"8 - البيعتان في بيعة أو الشرطان في بيع واحد","lvl":6,"sub":1},{"id":2992,"title":"9 - البيع لأجل أو بالتقسيط","lvl":6,"sub":0},{"id":2993,"title":"10 - بيع الأتباع والأوصاف مقصودا","lvl":6,"sub":0},{"id":2994,"title":"11 - بيع الشيء المملوك قبل قبضه من مالك آخر","lvl":6,"sub":0},{"id":2996,"title":"12 - اشتراط الأجل في المبيع المعين والثمن المعين","lvl":6,"sub":0},{"id":2997,"title":"13 - البيع بشرط فاسد","lvl":6,"sub":0},{"id":2997,"title":"الشروط في البيوع عند الحنفية","lvl":7,"sub":1},{"id":2997,"title":"أولا - الشرط الصحيح","lvl":8,"sub":2},{"id":3001,"title":"ثانيا ـ الشرط الفاسد","lvl":8,"sub":0},{"id":3002,"title":"ثالثا ـ الشرط اللغو أو الباطل","lvl":8,"sub":0},{"id":3003,"title":"حكم البيع وشرط عند غير الحنفية","lvl":8,"sub":0},{"id":3003,"title":"مذهب الشافعية","lvl":7,"sub":1},{"id":3004,"title":"الحنابلة","lvl":7,"sub":0},{"id":3004,"title":"أحدها ـ ما هو من مقتضى العقد","lvl":8,"sub":1},{"id":3004,"title":"الثاني ـ ما تتعلق به مصلحة لأحد العاقدين أو لكليهما","lvl":8,"sub":2},{"id":3004,"title":"الثالث ـ ما ليس من مقتضى العقد، ولا من مصلحته، ولا ينافي مقتضاه","lvl":8,"sub":3},{"id":3005,"title":"الرابع ـ اشتراط ما ينافي مقتضى البيع","lvl":8,"sub":0},{"id":3005,"title":"المالكية","lvl":7,"sub":1},{"id":3006,"title":"14 - بيع الثمار أو الزروع","lvl":6,"sub":0},{"id":3006,"title":"الحنفية","lvl":7,"sub":1},{"id":3006,"title":"أولا ـ فإن كان البيع قبل بدو صلاح الزرع أو الثمر","lvl":8,"sub":2},{"id":3007,"title":"ثانيا ـ وأما إن كان البيع بعد بدو الصلاح","lvl":8,"sub":0},{"id":3008,"title":"حكم ترك الثمار بعد بدو الصلاح حالة الشراء مطلقا","lvl":8,"sub":0},{"id":3008,"title":"حكم الثمرة المتجددة في مدة الترك غير المشروطة","lvl":8,"sub":1},{"id":3009,"title":"المالكية والشافعية والحنابلة","lvl":7,"sub":0},{"id":3009,"title":"قبل بدو الصلاح","lvl":8,"sub":1},{"id":3011,"title":"دو الصلاح أو الإزهاء","lvl":8,"sub":0},{"id":3012,"title":"بيع الثمار المتلاحقة الظهور أو المقاثي والمباطخ","lvl":7,"sub":0},{"id":3014,"title":"بيع الحنطة في سنبلها","lvl":7,"sub":0},{"id":3016,"title":"حكم البيع الفاسد","lvl":5,"sub":0},{"id":3016,"title":"يشترط في البيع الفاسد لإفادة الملك عند الحنفية","lvl":6,"sub":1},{"id":3016,"title":"1 - القبض","lvl":7,"sub":2},{"id":3016,"title":"2 - أن يكون القبض بإذن البائع","lvl":7,"sub":3},{"id":3017,"title":"التصرف في المشترى شراء فاسدا","lvl":6,"sub":0},{"id":3018,"title":"مايبطل حق الفسخ","lvl":5,"sub":0},{"id":3018,"title":"1 - التصرف الواقع على المشترى شراء فاسدا","lvl":6,"sub":1},{"id":3019,"title":"2 - الزيادة في المبيع بيعا فاسدا","lvl":6,"sub":0},{"id":3019,"title":"1 - الزيادة المتصلة","lvl":7,"sub":1},{"id":3019,"title":"2 - الزيادة المنفصلة","lvl":7,"sub":2},{"id":3021,"title":"خلاصة البيوع الممنوعة في الإسلام","lvl":5,"sub":0},{"id":3021,"title":"أولا ـ البيوع الممنوعة بسبب أهلية العاقد","lvl":6,"sub":1},{"id":3021,"title":"1 - بيع المجنون","lvl":7,"sub":2},{"id":3021,"title":"2 - بيع الصبي","lvl":7,"sub":3},{"id":3021,"title":"3 - بيع الأعمى","lvl":7,"sub":4},{"id":3022,"title":"4 - بيع المكره","lvl":7,"sub":0},{"id":3022,"title":"5 - بيع الفضولي","lvl":7,"sub":1},{"id":3022,"title":"6 - بيع المحجور عليه","lvl":7,"sub":2},{"id":3022,"title":"7 - بيع الملجأ","lvl":7,"sub":3},{"id":3022,"title":"ثانيا ـ البيوع الممنوعة بسبب الصيغة","lvl":6,"sub":4},{"id":3023,"title":"1 - بيع المعاطاة","lvl":7,"sub":0},{"id":3024,"title":"2 - البيع بالمراسلة أو بواسطة رسول","lvl":7,"sub":0},{"id":3024,"title":"3 - بيع الأخرس بالإشارة المفهومة أو الكتابة","lvl":7,"sub":1},{"id":3024,"title":"4 - البيع مع غائب عن مجلس العقد","lvl":7,"sub":2},{"id":3024,"title":"5 - البيع مع عدم تطابق القبول والإيجاب","lvl":7,"sub":3},{"id":3024,"title":"6 - البيع غير المنجز","lvl":7,"sub":4},{"id":3024,"title":"ثالثا ـ البيوع الممنوعة بسبب المعقود عليه (محل التعاقد )","lvl":6,"sub":5},{"id":3025,"title":"1 - بيع المعدوم أو ماله خطر العدم","lvl":7,"sub":0},{"id":3025,"title":"2 - بيع معجوز التسليم","lvl":7,"sub":1},{"id":3025,"title":"3 - بيع الدين نسيئة وهو بيع الكالئ بالكالئ","lvl":7,"sub":2},{"id":3025,"title":"4 - بيع الغرر الفاحش أو غير اليسير","lvl":7,"sub":3},{"id":3025,"title":"الغرر الممنوع عشرة أنواع","lvl":8,"sub":4},{"id":3025,"title":"النوع الأول ـ تعذر التسليم","lvl":9,"sub":5},{"id":3026,"title":"النوع الثاني ـ الجهل بجنس الثمن أو المثمون","lvl":9,"sub":0},{"id":3026,"title":"النوع الثالث ـ الجهل بصفة أحدهما","lvl":9,"sub":1},{"id":3026,"title":"النوع الرابع ـ الجهل بمقدار المبيع أو الثمن","lvl":9,"sub":2},{"id":3026,"title":"النوع الخامس ـ الجهل بالأجل","lvl":9,"sub":3},{"id":3026,"title":"النوع السادس ـ بيعتان في بيعة","lvl":9,"sub":4},{"id":3026,"title":"النوع السابع ـ بيع ما لا ترجى سلامته","lvl":9,"sub":5},{"id":3026,"title":"النوع الثامن ـ بيع الحصى","lvl":9,"sub":6},{"id":3026,"title":"النوع التاسع ـ بيع المنابذة","lvl":9,"sub":7},{"id":3027,"title":"النوع العاشر ـ بيع الملامسة","lvl":9,"sub":0},{"id":3027,"title":"5 - بيع النجس والمتنجس","lvl":7,"sub":1},{"id":3027,"title":"6 - بيع الماء","lvl":7,"sub":2},{"id":3027,"title":"7 - بيع المجهول","lvl":7,"sub":3},{"id":3027,"title":"8 - بيع الشيء الغائب عن المجلس أو غير المرئي","lvl":7,"sub":4},{"id":3028,"title":"9 - بيع الشيء قبل القبض","lvl":7,"sub":0},{"id":3028,"title":"10 - بيع الثمار أو الزروع","lvl":7,"sub":1},{"id":3029,"title":"رابعا ـ البيوع الممنوعة بسبب وصف أو شرط أو نهي شرعي","lvl":6,"sub":0},{"id":3029,"title":"1 - بيع العربون","lvl":7,"sub":1},{"id":3029,"title":"2 - بيع العينة","lvl":7,"sub":2},{"id":3030,"title":"3 - بيع الربا","lvl":7,"sub":0},{"id":3030,"title":"5 - بيع حاضر لباد","lvl":7,"sub":1},{"id":3030,"title":"- بيع حاضر لباد","lvl":7,"sub":2},{"id":3031,"title":"6 - تلقي الركبان","lvl":7,"sub":0},{"id":3031,"title":"7 - بيع النجش","lvl":7,"sub":1},{"id":3032,"title":"بيع المزايدة أو المزاد العلني","lvl":8,"sub":0},{"id":3033,"title":"8 - البيع وقت النداء لصلاة الجمعة","lvl":7,"sub":0},{"id":3033,"title":"9 - بيع العنب لعاصر الخمر","lvl":7,"sub":1},{"id":3034,"title":"10 - بيع الأم دون ولدها الصغير أو بيعه دونها","lvl":7,"sub":0},{"id":3034,"title":"11 - بيع الإنسان على بيع أخيه","lvl":7,"sub":1},{"id":3035,"title":"12 - بيع وشرط","lvl":7,"sub":0},{"id":3036,"title":"13 - الجمع في صفقة واحدة بين البيع وبين أحد ستة عقود","lvl":7,"sub":0},{"id":3036,"title":"البيوع الفاسدة أو الباطلة عند المالكية","lvl":5,"sub":1},{"id":3037,"title":"البيوع الباطلة لدى الشافعية","lvl":5,"sub":0},{"id":3040,"title":"البيوع المحرمة غير الباطلة عند الشافعية","lvl":5,"sub":0},{"id":3042,"title":"المبحث الخامس ـ الخيارات","lvl":3,"sub":0},{"id":3042,"title":"معنى الخيار","lvl":4,"sub":1},{"id":3042,"title":"عدد الخيارات","lvl":4,"sub":2},{"id":3042,"title":"الحنفية","lvl":5,"sub":3},{"id":3042,"title":"المالكية","lvl":5,"sub":4},{"id":3042,"title":"الشافعية","lvl":5,"sub":5},{"id":3044,"title":"الحنابلة","lvl":5,"sub":0},{"id":3045,"title":"1 - خيار الوصف، أو خيار فوات الوصف المرغوب فيه","lvl":4,"sub":0},{"id":3045,"title":"دليل مشروعيته","lvl":5,"sub":1},{"id":3045,"title":"شروطه","lvl":5,"sub":2},{"id":3045,"title":"أحكام هذا الخيار","lvl":5,"sub":3},{"id":3046,"title":"2 - خيار النقد","lvl":4,"sub":0},{"id":3046,"title":"الفرق بينه وبين خيار الشرط","lvl":5,"sub":1},{"id":3046,"title":"حكم سقوطه","lvl":5,"sub":2},{"id":3047,"title":"3 - خيار التعيين","lvl":4,"sub":0},{"id":3047,"title":"شروطه","lvl":5,"sub":1},{"id":3047,"title":"أحكامه","lvl":5,"sub":2},{"id":3048,"title":"4 - خيار الغبن","lvl":4,"sub":0},{"id":3051,"title":"5 - خيار كشف الحال","lvl":4,"sub":0},{"id":3051,"title":"6 - خيار الخيانة","lvl":4,"sub":1},{"id":3052,"title":"7 - خيار تفرق الصفقة","lvl":4,"sub":0},{"id":3054,"title":"8 - خيار إجازة عقد الفضول","lvl":4,"sub":0},{"id":3054,"title":"9 - خيار تعلق حق الغير بالمبيع","lvl":4,"sub":1},{"id":3054,"title":"10 - خيار الكمية للبائع","lvl":4,"sub":2},{"id":3055,"title":"11 - خيار الاستحقاق","lvl":4,"sub":0},{"id":3055,"title":"12 ـ خيار الشرط","lvl":4,"sub":1},{"id":3055,"title":"خطة الموضوع","lvl":5,"sub":2},{"id":3055,"title":"المطلب الأول ـ الخيار المفسد والخيار المشروع","lvl":5,"sub":3},{"id":3055,"title":"الخيار المفسد","lvl":6,"sub":4},{"id":3057,"title":"الخيار المشروع","lvl":6,"sub":0},{"id":3058,"title":"المطلب الثاني ـ آراء الفقهاء في مدة الخيار المشروع","lvl":5,"sub":0},{"id":3059,"title":"حكم الغاية في مدة الخيار","lvl":6,"sub":0},{"id":3060,"title":"المطلب الثالث ـ طرق إسقاط الخيار","lvl":5,"sub":0},{"id":3060,"title":"1 - الإسقاط الصريح","lvl":6,"sub":1},{"id":3060,"title":"2 - الإسقاط دلالة","lvl":6,"sub":2},{"id":3062,"title":"3 - إسقاط الخيار بطريق الضرورة","lvl":6,"sub":0},{"id":3062,"title":"أولا - مضي مدة الخيار","lvl":7,"sub":1},{"id":3062,"title":"ثانيا - موت المشروط له الخيار","lvl":7,"sub":2},{"id":3064,"title":"ثالثا - ما هو في معنى الموت","lvl":7,"sub":0},{"id":3065,"title":"رابعا - هلاك المبيع في مدة الخيار","lvl":7,"sub":0},{"id":3067,"title":"خامسا - تعيب المبيع","lvl":7,"sub":0},{"id":3069,"title":"المطلب الرابع ـ حكم العقد في مدة الخيار","lvl":5,"sub":0},{"id":3069,"title":"الحنفية","lvl":6,"sub":1},{"id":3071,"title":"غير الحنفية","lvl":6,"sub":2},{"id":3072,"title":"المطلب الخامس ـ كيفية الفسخ والإجازة","lvl":5,"sub":0},{"id":3075,"title":"13 - خيار العيب","lvl":4,"sub":0},{"id":3075,"title":"المطلب الأول ـ في مشروعية خيار العيب وحكم العقد","lvl":5,"sub":1},{"id":3075,"title":"مشروعية خيار العيب","lvl":6,"sub":2},{"id":3077,"title":"حكم البيع","lvl":6,"sub":0},{"id":3077,"title":"المطلب الثاني ـ العيوب الموجبة للخيار","lvl":5,"sub":1},{"id":3077,"title":"العيب","lvl":6,"sub":2},{"id":3078,"title":"العيوب نوعان","lvl":6,"sub":0},{"id":3078,"title":"المطلب الثالث ـ طرق إثبات العيب وشروط ثبوت الخيار","lvl":5,"sub":1},{"id":3078,"title":"شرائط ثبوت الخيار","lvl":6,"sub":2},{"id":3079,"title":"طرق إثبات العيب","lvl":6,"sub":0},{"id":3079,"title":"1 - فإن كان عيبا مشاهدا","lvl":7,"sub":1},{"id":3080,"title":"2 ـ وأما إذا كان العيب باطنا خفيا لا يعرفه إلا المختصون","lvl":7,"sub":0},{"id":3081,"title":"3 - وإن كان العيب مما لا يطلع عليه إلا النساء","lvl":7,"sub":0},{"id":3082,"title":"4 - وأما العيب الذي ليس بمشاهد عند الخصومة ولايعرف إلا بالتجربة","lvl":7,"sub":0},{"id":3082,"title":"هل يستحلف القاضي البائع على ذلك أو لا؟","lvl":7,"sub":1},{"id":3083,"title":"كيفية استحلاف البائع","lvl":7,"sub":0},{"id":3083,"title":"المطلب الرابع ـ مقتضى الخيار وكيفية الفسخ والرد بالعيب","lvl":5,"sub":1},{"id":3083,"title":"مقتضى الخيار","lvl":6,"sub":2},{"id":3083,"title":"كيفية الفسخ والرد","lvl":6,"sub":3},{"id":3084,"title":"هل الفسخ بعد العلم بالعيب على الفور أو على التراخي؟","lvl":6,"sub":0},{"id":3085,"title":"المطلب الخامس ـ موانع الرد بالعيب وسقوط الخيار","lvl":5,"sub":0},{"id":3085,"title":"ما يكون بعد ثبوت التزام البائع بضمان العيب","lvl":6,"sub":1},{"id":3085,"title":"1 - الرضا بالعيب بعد العلم به","lvl":7,"sub":2},{"id":3086,"title":"2 - إسقاط الخيار صراحة أو في معنى الصريح","lvl":7,"sub":0},{"id":3086,"title":"ما يمنع الرد دون أن يكون البائع ملتزما بالضمان","lvl":6,"sub":1},{"id":3086,"title":"1 - المانع الطبيعي","lvl":7,"sub":2},{"id":3086,"title":"2 - المانع الشرعي","lvl":7,"sub":3},{"id":3086,"title":"الزيادة في المبيع","lvl":8,"sub":4},{"id":3086,"title":"الزيادة الحادثة قبل القبض","lvl":9,"sub":5},{"id":3087,"title":"1 - إذا كانت متصلة","lvl":10,"sub":0},{"id":3087,"title":"2 - وإن كانت منفصلة","lvl":10,"sub":1},{"id":3087,"title":"الزيادة الحادثة في المبيع بعد القبض","lvl":9,"sub":2},{"id":3087,"title":"1 - إن كانت زيادة متصلة","lvl":10,"sub":3},{"id":3088,"title":"2 - وإن كانت زيادة منفصلة","lvl":10,"sub":0},{"id":3089,"title":"3 - المانع بسبب حق البائع","lvl":7,"sub":0},{"id":3089,"title":"4 - المانع بسبب حق الغير","lvl":7,"sub":1},{"id":3089,"title":"5 - إتلاف المشتري المبيع","lvl":7,"sub":2},{"id":3091,"title":"المطلب السادس ـ آراء الفقهاء في شرط البراءة عن العيوب","lvl":5,"sub":0},{"id":3095,"title":"14 - خيار الرؤية","lvl":4,"sub":0},{"id":3095,"title":"خطة الموضوع","lvl":5,"sub":1},{"id":3095,"title":"المطلب الأول ـ مشروعية خيار الرؤية","lvl":5,"sub":2},{"id":3098,"title":"المطلب الثاني ـ وقت ثبوت الخيار","lvl":5,"sub":0},{"id":3098,"title":"المطلب الثالث ـ كيفية ثبوت الخيار","lvl":5,"sub":1},{"id":3099,"title":"المطلب الرابع ـ صفة البيع الذي فيه خيار رؤية وحكمه","lvl":5,"sub":0},{"id":3099,"title":"صفة البيع","lvl":6,"sub":1},{"id":3099,"title":"حكم البيع","lvl":6,"sub":2},{"id":3100,"title":"المطلب الخامس ـ شرائط ثبوت الخيار","lvl":5,"sub":0},{"id":3101,"title":"كيفية تحقيق الرؤية","lvl":6,"sub":0},{"id":3104,"title":"مذاهب غير الحنفية","lvl":7,"sub":0},{"id":3105,"title":"البيع بالنموذج","lvl":7,"sub":0},{"id":3106,"title":"التوكيل بالنظر والرؤية أو بالقبض","lvl":7,"sub":0},{"id":3107,"title":"الذي نخلص منه في تحقق رؤية المبيع","lvl":7,"sub":0},{"id":3107,"title":"الاختلاف في الرؤية","lvl":7,"sub":1},{"id":3108,"title":"الرؤية منذ زمن","lvl":7,"sub":0},{"id":3108,"title":"المطلب السادس ـ مسقطات الخيار","lvl":5,"sub":1},{"id":3108,"title":"الصريح","lvl":6,"sub":2},{"id":3109,"title":"الفعل الضروري","lvl":6,"sub":0},{"id":3110,"title":"المطلب السابع ـ ما ينفسخ به العقد وشروط الفسخ","lvl":5,"sub":0},{"id":3110,"title":"ما ينفسخ به العقد","lvl":6,"sub":1},{"id":3110,"title":"شروط الفسخ","lvl":6,"sub":2},{"id":3112,"title":"المبحث السادس - أنواع البيوع","lvl":3,"sub":0},{"id":3112,"title":"تمهيد","lvl":4,"sub":1},{"id":3113,"title":"عقد السلم","lvl":4,"sub":0},{"id":3113,"title":"خطة الموضوع","lvl":5,"sub":1},{"id":3113,"title":"المطلب الأول ـ مشروعية السلم","lvl":5,"sub":2},{"id":3113,"title":"المطلب الثاني ـ تعريف السلم وركنه","lvl":5,"sub":3},{"id":3113,"title":"تعريف السلم","lvl":6,"sub":4},{"id":3114,"title":"ركنه","lvl":6,"sub":0},{"id":3114,"title":"المطلب الثالث ـ شروط السلم","lvl":5,"sub":1},{"id":3115,"title":"شروط رأس مال السلم، أي (الثمن )","lvl":6,"sub":0},{"id":3115,"title":"1 - بيان الجنس","lvl":7,"sub":1},{"id":3115,"title":"2 - بيان النوع","lvl":7,"sub":2},{"id":3115,"title":"3 - بيان الصفة","lvl":7,"sub":3},{"id":3115,"title":"4 - إعلام قدر رأس المال","lvl":7,"sub":4},{"id":3116,"title":"5 - أن تكون الدراهم والدنانير منتقدة","lvl":7,"sub":0},{"id":3116,"title":"6 - تعجيل رأس المال وقبضه فعلا في مجلس العقد","lvl":7,"sub":1},{"id":3118,"title":"شروط المسلم فيه","lvl":6,"sub":0},{"id":3118,"title":"أحدها: أن يكون معلوم الجنس","lvl":7,"sub":1},{"id":3118,"title":"الثاني: أن يكون معلوم النوع","lvl":7,"sub":2},{"id":3118,"title":"الثالث: أن يكون معلوم الصفة","lvl":7,"sub":3},{"id":3118,"title":"الرابع: أن يكون معلوم القدر","lvl":7,"sub":4},{"id":3118,"title":"الخامس: ألا يكون في البدلين إحدى علتي ربا الفضل","lvl":7,"sub":5},{"id":3119,"title":"السادس: أن يكون المسلم فيه مما يتعين بالتعيين","lvl":7,"sub":0},{"id":3120,"title":"السابع: أن يكون المسلم فيه مؤجلا","lvl":7,"sub":0},{"id":3122,"title":"الثامن: أن يكون جنس المسلم فيه أي ( المبيع ) موجودا في الأسواق","lvl":7,"sub":0},{"id":3124,"title":"التاسع: أن يكون العقد باتا","lvl":7,"sub":0},{"id":3125,"title":"العاشر: بيان مكان الإيفاء","lvl":7,"sub":0},{"id":3127,"title":"الحادي عشر: أن يكون المسلم فيه مما ينضبط بالصفات التي يختلف الثمن باختلافها ظاهرا","lvl":7,"sub":0},{"id":3130,"title":"حكم بعض المبيعات التي لها صلة بشرط انضباط الوصف","lvl":7,"sub":0},{"id":3130,"title":"السلم في الحيوان","lvl":8,"sub":1},{"id":3131,"title":"السلم في اللحم مع العظم","lvl":8,"sub":0},{"id":3131,"title":"السلم في السمك","lvl":8,"sub":1},{"id":3132,"title":"السلم في الثياب","lvl":8,"sub":0},{"id":3132,"title":"السلم في التبن","lvl":8,"sub":1},{"id":3132,"title":"السلم في الخبز","lvl":8,"sub":2},{"id":3133,"title":"قرض الخبز","lvl":8,"sub":0},{"id":3133,"title":"خلاصة شروط السلم عند الشافعية","lvl":6,"sub":1},{"id":3134,"title":"المطلب الرابع ـ حكم السلم","lvl":5,"sub":0},{"id":3135,"title":"المطلب الخامس ـ أوجه الاختلاف بين البيع والسلم","lvl":5,"sub":0},{"id":3135,"title":"1 - استبدال رأس مال السلم والمسلم فيه في مجلس العقد","lvl":6,"sub":1},{"id":3137,"title":"2 - إقالة بعض السلم","lvl":6,"sub":0},{"id":3138,"title":"3 - الإبراء عن رأس المال","lvl":6,"sub":0},{"id":3139,"title":"4 - الحوالة والكفالة والرهن برأس المال وبالمسلم فيه","lvl":6,"sub":0},{"id":3142,"title":"5 - قبض رأس المال مشوبا","lvl":6,"sub":0},{"id":3142,"title":"الافتراض الأول ـ إن صدقه رب السلم","lvl":7,"sub":1},{"id":3142,"title":"1 - فإن كان عينا","lvl":8,"sub":2},{"id":3142,"title":"2 - وأما إذا كان رأس المال دينا","lvl":8,"sub":3},{"id":3142,"title":"أولا : إن وجده مشوبا في مجلس السلم","lvl":9,"sub":4},{"id":3143,"title":"ثانيا : إن وجده مشوبا بعد الافتراق عن المجلس","lvl":9,"sub":0},{"id":3144,"title":"الافتراض الثاني ـ إذا كذب رب السلم المسلم إليه","lvl":7,"sub":0},{"id":3146,"title":"عقد الاستصناع","lvl":4,"sub":0},{"id":3146,"title":"تمهيد","lvl":5,"sub":1},{"id":3147,"title":"خطة البحث","lvl":5,"sub":0},{"id":3147,"title":"المحور الأول","lvl":5,"sub":1},{"id":3147,"title":"تعريف الاستصناع","lvl":6,"sub":2},{"id":3148,"title":"معنى الاستصناع: هل هو مواعدة أو بيع؟","lvl":6,"sub":0},{"id":3150,"title":"دليل مشروعية الاستصناع","lvl":6,"sub":0},{"id":3152,"title":"الشروط التي تلحقه أو تفارقه ومدى تأثيرها في حكمه","lvl":6,"sub":0},{"id":3155,"title":"حكم الاستصناع وصفته","lvl":6,"sub":0},{"id":3157,"title":"المحور الثاني","lvl":5,"sub":0},{"id":3157,"title":"الاستصناع والسلم","lvl":6,"sub":1},{"id":3157,"title":"العلاقة بين العقدين ـ وجه التطابق فيما بين العقدين","lvl":6,"sub":2},{"id":3158,"title":"شروط كل من الاستصناع والسلم","lvl":6,"sub":0},{"id":3160,"title":"المحور الثالث","lvl":5,"sub":0},{"id":3160,"title":"أثر الاستصناع في تنشيط الحركة الصناعية","lvl":6,"sub":1},{"id":3162,"title":"عقد الصرف","lvl":4,"sub":0},{"id":3162,"title":"تعريف الصرف","lvl":5,"sub":1},{"id":3163,"title":"شرائطه","lvl":5,"sub":0},{"id":3163,"title":"1 - التقابض قبل الافتراق بالأبدان بين المتعاقدين","lvl":6,"sub":1},{"id":3164,"title":"2 - التماثل عند اتحاد الجنس","lvl":6,"sub":0},{"id":3165,"title":"3 - أن يكون العقد باتا أو ألا يكون فيه خيار شرط","lvl":6,"sub":0},{"id":3165,"title":"4 - التنجيز في العقد أو ألا يكون فيه أجل","lvl":6,"sub":1},{"id":3166,"title":"ما يترتب على اشتراط قبض البدلين في مجلس عقد الصرف قبل الافتراق","lvl":6,"sub":0},{"id":3166,"title":"1 - الإبراء أو الهبة","lvl":7,"sub":1},{"id":3167,"title":"2 - الاستبدال ببدل الصرف","lvl":7,"sub":0},{"id":3168,"title":"3 - الحوالة ببدل الصرف والكفالة والرهن به","lvl":7,"sub":0},{"id":3169,"title":"4 - المقاصة في ثمن الصرف ورأس مال السلم","lvl":7,"sub":0},{"id":3169,"title":"هي نوعان","lvl":8,"sub":1},{"id":3169,"title":"المقاصة الجبرية","lvl":9,"sub":2},{"id":3169,"title":"للمقاصة الجبرية شروط أربعة","lvl":10,"sub":3},{"id":3170,"title":"المقاصة الاتفاقية","lvl":9,"sub":0},{"id":3170,"title":"حكم المقاصة","lvl":8,"sub":1},{"id":3170,"title":"في عقد الصرف","lvl":9,"sub":2},{"id":3173,"title":"المقاصة برأس مال السلم","lvl":9,"sub":0},{"id":3175,"title":"الصرف والتحويل القائم على القرض","lvl":7,"sub":0},{"id":3175,"title":"هل هذا عمل مشروع أو لا؟","lvl":8,"sub":1},{"id":3176,"title":"الحوالة البريدية","lvl":7,"sub":0},{"id":3177,"title":"وفاء القرض بنقد آخر","lvl":7,"sub":0},{"id":3178,"title":"بيع الجزاف","lvl":4,"sub":0},{"id":3178,"title":"معنى الجزاف","lvl":5,"sub":1},{"id":3178,"title":"دليل مشروعيته","lvl":5,"sub":2},{"id":3178,"title":"حكم بيع الجزاف عند الفقهاء","lvl":5,"sub":3},{"id":3178,"title":"بيع الصبرة من الطعام ونحوه","lvl":5,"sub":4},{"id":3178,"title":"تفصيلات المذاهب","lvl":5,"sub":5},{"id":3179,"title":"أولا ـ مذهب الحنفية","lvl":6,"sub":0},{"id":3181,"title":"البيع بإناء أو بوزن مجهول القدر","lvl":7,"sub":0},{"id":3182,"title":"حالة النقص والزيادة في الصبرة التي حدد مقدارها","lvl":7,"sub":0},{"id":3183,"title":"ثانيا ـ مذهب المالكية","lvl":6,"sub":0},{"id":3183,"title":"ثالثا ـ مذهب الشافعية","lvl":6,"sub":1},{"id":3185,"title":"رابعا ـ مذهب الحنابلة","lvl":6,"sub":0},{"id":3185,"title":"بيع النقود والحلي والمحلى جزافا","lvl":5,"sub":1},{"id":3186,"title":"ما يجوز البيع فيه متفاضلا، يجوز فيه البيع مجازفة، وما لا يجوز فيه البيع متفاضلا، لا يجوز فيه البيع مجازفة","lvl":5,"sub":0},{"id":3192,"title":"شروط بيع الجزاف","lvl":5,"sub":0},{"id":3197,"title":"الربا","lvl":4,"sub":0},{"id":3197,"title":"خطة الموضوع","lvl":5,"sub":1},{"id":3197,"title":"المطلب الأول ـ تعريف الربا وأدلة تحريمه","lvl":5,"sub":2},{"id":3199,"title":"المطلب الثاني ـ أنواع الربا","lvl":5,"sub":0},{"id":3199,"title":"ربا الفضل","lvl":6,"sub":1},{"id":3201,"title":"ربا النسيئة","lvl":6,"sub":0},{"id":3203,"title":"ربا البيع عند الشافعية ثلاثة أنواع","lvl":6,"sub":0},{"id":3203,"title":"1 - ربا الفضل","lvl":7,"sub":1},{"id":3204,"title":"2 - وربا اليد","lvl":7,"sub":0},{"id":3204,"title":"3 - وربا النسيئة","lvl":7,"sub":1},{"id":3205,"title":"ذرائع الربا وشبهاته","lvl":6,"sub":0},{"id":3205,"title":"المطلب الثالث ـ مذاهب الفقهاء في علة الربا","lvl":5,"sub":1},{"id":3206,"title":"1 - مذهب الحنفية","lvl":6,"sub":0},{"id":3208,"title":"حكمة التحريم","lvl":7,"sub":0},{"id":3209,"title":"قدر ربا الفضل","lvl":7,"sub":0},{"id":3209,"title":"القدر الذي يتحقق فيه الربا من الموزون","lvl":7,"sub":1},{"id":3209,"title":"نوع العلة","lvl":7,"sub":2},{"id":3210,"title":"مقياس الأموال الربوية","lvl":7,"sub":0},{"id":3211,"title":"جيد المال ورديئه","lvl":7,"sub":0},{"id":3211,"title":"علة ربا النسيئة","lvl":7,"sub":1},{"id":3213,"title":"حكمة التحريم","lvl":8,"sub":0},{"id":3214,"title":"ربا المصارف","lvl":7,"sub":0},{"id":3214,"title":"الجنس المتحد والمختلف","lvl":7,"sub":1},{"id":3215,"title":"أدلة الحنفية","lvl":7,"sub":0},{"id":3216,"title":"2 - مذهب المالكية","lvl":6,"sub":0},{"id":3217,"title":"اتفاق الجنس واختلافه","lvl":7,"sub":0},{"id":3218,"title":"3 - مذهب الشافعية","lvl":6,"sub":0},{"id":3221,"title":"اتحاد الجنس واختلافه","lvl":7,"sub":0},{"id":3222,"title":"4 - مذهب الحنابلة","lvl":6,"sub":0},{"id":3223,"title":"اتحاد الجنس واختلافه","lvl":7,"sub":0},{"id":3224,"title":"5 - مذهب الظاهرية","lvl":6,"sub":0},{"id":3224,"title":"الخلاصة","lvl":6,"sub":1},{"id":3224,"title":"ترجيح","lvl":6,"sub":2},{"id":3226,"title":"أصول الربا","lvl":6,"sub":0},{"id":3226,"title":"قاعدة (أنظرني أزدك )","lvl":7,"sub":1},{"id":3226,"title":"قاعدة (ضع وتعجل )","lvl":7,"sub":2},{"id":3227,"title":"شروط مبادلة الأموال الربوية مع بعضها أو مع غيرها","lvl":6,"sub":0},{"id":3227,"title":"1 - التماثل في البدلين","lvl":7,"sub":1},{"id":3227,"title":"2 - الحلول","lvl":7,"sub":2},{"id":3227,"title":"3 - التقابض","lvl":7,"sub":3},{"id":3228,"title":"إذا اختلفت العلة بأن كان أحد البدلين من الأثمان أو النقود","lvl":7,"sub":0},{"id":3228,"title":"بيوع الرطب بالتمر والحب الجديد بالقديم","lvl":7,"sub":1},{"id":3228,"title":"بيع المحاقلة","lvl":7,"sub":2},{"id":3229,"title":"المطلب الرابع ـ ما يترتب على الاختلاف في علة الربا","lvl":5,"sub":0},{"id":3229,"title":"ما يتعلق بربا الفضل","lvl":6,"sub":1},{"id":3229,"title":"1 - في بيع مطعوم بجنسه غير مقدر","lvl":7,"sub":2},{"id":3230,"title":"2 - في بيع مقدر بمقدر غير مطعوم","lvl":7,"sub":0},{"id":3230,"title":"شرط الجنس","lvl":6,"sub":1},{"id":3230,"title":"1 - بيع الدقيق بمثله أو بالحب","lvl":7,"sub":2},{"id":3232,"title":"2 - بيع الحيوان بلحم","lvl":7,"sub":0},{"id":3233,"title":"مايترتب على الاختلاف في ربا النسيئة بين الشافعية والحنفية","lvl":6,"sub":0},{"id":3233,"title":"أولا ـ بعض الخلافات التي ترجع إلى أصل الخلاف في علة الربا","lvl":7,"sub":1},{"id":3233,"title":"1 - في بيع غير المطعوم","lvl":8,"sub":2},{"id":3234,"title":"2 - في بيع المطعوم بالمطعوم من قدر مختلف","lvl":8,"sub":0},{"id":3234,"title":"ثانيا ـ بعض الخلافات ترجع إلى الخلاف في الجنس وحده: هل هو علة أو لا؟","lvl":7,"sub":1},{"id":3238,"title":"ربا القرض","lvl":5,"sub":0},{"id":3240,"title":"فوائد المصارف (البنوك)","lvl":5,"sub":0},{"id":3241,"title":"التدرج في التشريع","lvl":6,"sub":0},{"id":3241,"title":"تحريم الربا مر بمراحل أربع","lvl":7,"sub":1},{"id":3241,"title":"أولها ـ تقبيح فعل اليهود الذين يأكلون الربا والتشنيع","lvl":8,"sub":2},{"id":3241,"title":"ثانيها ـ التفرقة بين الربا والزكاة","lvl":8,"sub":3},{"id":3242,"title":"ثالثهما - التنديد بفعل العرب المشركين في الجاهلية ونهي المؤمنين عن محاكاة فعلهم","lvl":8,"sub":0},{"id":3243,"title":"رابعها ـ تحريم الربا تحريما قطعيا ووصف المرابين بالتعرض لحرب الله ورسوله","lvl":8,"sub":0},{"id":3244,"title":"الربا الحرام","lvl":6,"sub":0},{"id":3244,"title":"أولهما ـ ربا النسيئة","lvl":7,"sub":1},{"id":3244,"title":"ثانيهما ـ ربا البيوع","lvl":7,"sub":2},{"id":3245,"title":"ربا المصارف أو فوائد البنوك","lvl":6,"sub":0},{"id":3247,"title":"الفوائد في قوانين الدول العربية","lvl":6,"sub":0},{"id":3249,"title":"شبهات القائلين بإباحة فوائد البنوك","lvl":6,"sub":0},{"id":3249,"title":"1 - يزعم المبيحون للفوائد المصرفية (البنكية) أنها ليست أضعافا مضاعفة","lvl":7,"sub":1},{"id":3251,"title":"2 - يزعم المبيحون أيضا بأن لفظ «الربا» في الشريعة مجمل","lvl":7,"sub":0},{"id":3252,"title":"3 - يزعم بعض المعاصرين كالدكتور معروف الدواليبي أن الربا المحرم هو ربا القروض الاستهلاكية","lvl":7,"sub":0},{"id":3253,"title":"4 - يزعم هؤلاء المبيحون بأن الفائدة في القروض الإنتاجية تقتضيها مصلحة متحققة فتجوز ولو عارضتها مفسدة","lvl":7,"sub":0},{"id":3253,"title":"5 - يزعم المبيحون بأن المصارف (البنوك) في العصر الحديث ضرورة اقتصادية لا يستغنى عنها","lvl":7,"sub":1},{"id":3254,"title":"6 - إن تسويغ (تبرير) الربا بالتضخم النقدي أي بجعل الفائدة تعويضا عن القيمة المفقودة من النقد غير صحيح","lvl":7,"sub":0},{"id":3254,"title":"7 - إن من مظاهر انحطاط الفكر ودواهي العلم أن يقال: ( إن الأوراق النقدية لا توزن، فلا تعتبر من الربويات، بل تأخذ حكم العروض التجارية )","lvl":7,"sub":1},{"id":3254,"title":"8 - أن الفائدة البنكية المعطاة لصاحب المال، المحددة بمقدار معين حرام","lvl":7,"sub":2},{"id":3256,"title":"الخلاصة","lvl":7,"sub":0},{"id":3257,"title":"أحكام التعامل مع المصارف الإسلامية","lvl":6,"sub":0},{"id":3257,"title":"المصرف الإسلامي","lvl":7,"sub":1},{"id":3257,"title":"مميزات المصارف الإسلامية","lvl":7,"sub":2},{"id":3257,"title":"1 - ارتباطه بالعقيدة الإسلامية","lvl":8,"sub":3},{"id":3258,"title":"2 - الأخذ بمبدأ الرحمة والتسامح واليسر","lvl":8,"sub":0},{"id":3259,"title":"3 - النزعة الاجتماعية الإنسانية","lvl":8,"sub":0},{"id":3260,"title":"4 - المساواة بين طرفي التعامل، والوضوح في العمل، والثقة في الاستثمار","lvl":8,"sub":0},{"id":3262,"title":"5 - مناط الربح تشغيل رأس المال والعمل","lvl":8,"sub":0},{"id":3263,"title":"6 - سعة رقعة التعامل مع العملاء","lvl":8,"sub":0},{"id":3263,"title":"7 - العدالة في تقدير العمولة","lvl":8,"sub":1},{"id":3264,"title":"هل التعامل مع المصارف الإسلامية حلال أو حرام؟","lvl":7,"sub":0},{"id":3265,"title":"بيوع الأمانة","lvl":4,"sub":0},{"id":3265,"title":"المرابحة والتولية والوضيعة","lvl":5,"sub":1},{"id":3266,"title":"بيع المرابحة","lvl":5,"sub":0},{"id":3267,"title":"المطلب الأول ـ شرائط المرابحة","lvl":6,"sub":0},{"id":3267,"title":"1 - العلم بالثمن الأول","lvl":7,"sub":1},{"id":3267,"title":"2 - العلم بالربح","lvl":7,"sub":2},{"id":3267,"title":"3 - أن يكون رأس المال من المثليات","lvl":7,"sub":3},{"id":3268,"title":"4 - ألا يترتب على المرابحة في أموال الربا وجود الربا بالنسبة للثمن الأول","lvl":7,"sub":0},{"id":3269,"title":"5 - أن يكون العقد الأول صحيحا","lvl":7,"sub":0},{"id":3269,"title":"المطلب الثاني ـ رأس المال وما يلحق به وما لا يلحق","lvl":6,"sub":1},{"id":3269,"title":"رأس المال","lvl":7,"sub":2},{"id":3269,"title":"التولية","lvl":7,"sub":3},{"id":3270,"title":"ما يلحق برأس المال","lvl":7,"sub":0},{"id":3270,"title":"ما لا يلحق برأس المال","lvl":7,"sub":1},{"id":3271,"title":"المطلب الثالث ـ ما يجب بيانه في المرابحة وما لا يجب","lvl":6,"sub":0},{"id":3272,"title":"المطلب الرابع ـ حكم الخيانة إذا ظهرت","lvl":6,"sub":0},{"id":3272,"title":"إن ظهرت في صفة الثمن","lvl":7,"sub":1},{"id":3272,"title":"ظهرت الخيانة في قدر الثمن","lvl":7,"sub":2},{"id":3273,"title":"التولية","lvl":7,"sub":0},{"id":3274,"title":"الإشراك","lvl":5,"sub":1},{"id":3274,"title":"المواضعة","lvl":5,"sub":2},{"id":3274,"title":"بيع المرابحة للآمر بالشراء","lvl":5,"sub":3},{"id":3277,"title":"الإقالة","lvl":4,"sub":0},{"id":3277,"title":"مشروعية الإقالة وتعريفها وركنها","lvl":5,"sub":1},{"id":3278,"title":"ماهية الإقالة وحكمها","lvl":5,"sub":0},{"id":3281,"title":"شروط الإقالة","lvl":5,"sub":0},{"id":3281,"title":"أولا ـ رضا المتقايلين","lvl":6,"sub":1},{"id":3281,"title":"ثانيا ـ تقابض بدلي الصرف في مجلس إقالة عقد الصرف","lvl":6,"sub":2},{"id":3281,"title":"ثالثا ـ أن يكون محل العقد محتملا للفسخ","lvl":6,"sub":3},{"id":3281,"title":"رابعا ـ قيام المبيع وقت الإقالة","lvl":6,"sub":4},{"id":3282,"title":"الفصل الثاني: القرض","lvl":2,"sub":0},{"id":3282,"title":"تعريف القرض","lvl":3,"sub":1},{"id":3283,"title":"مشروعيته","lvl":3,"sub":0},{"id":3284,"title":"عاقده وصيغته","lvl":3,"sub":0},{"id":3284,"title":"هل يثبت فيه خيار أو أجل؟","lvl":3,"sub":1},{"id":3285,"title":"ما يصح فيه القرض","lvl":3,"sub":0},{"id":3286,"title":"حكم القرض","lvl":3,"sub":0},{"id":3286,"title":"عند أبي حنيفة ومحمد","lvl":4,"sub":1},{"id":3286,"title":"أبو يوسف","lvl":4,"sub":2},{"id":3287,"title":"المالكية","lvl":4,"sub":0},{"id":3287,"title":"الشافعية في الأصح والحنابلة","lvl":4,"sub":1},{"id":3287,"title":"مكان الوفاء","lvl":3,"sub":2},{"id":3287,"title":"خلاصة شروط القرض","lvl":3,"sub":3},{"id":3288,"title":"الشروط الصحيحة والشروط المفسدة","lvl":3,"sub":0},{"id":3288,"title":"ما يجب رده على المقترض","lvl":3,"sub":1},{"id":3289,"title":"القرض الذي جر منفعة","lvl":3,"sub":0},{"id":3289,"title":"حكم الهدية للمقرض","lvl":3,"sub":1},{"id":3292,"title":"القرض جائز بشرطين","lvl":3,"sub":0},{"id":3293,"title":"1 - ألا يجر نفعا","lvl":4,"sub":0},{"id":3293,"title":"2 - ألا ينضم إلى السلف عقد آخر","lvl":4,"sub":1},{"id":3293,"title":"هدية المديان","lvl":3,"sub":2},{"id":3294,"title":"صندوق التوفير، وشهادات الاستثمار","lvl":3,"sub":0},{"id":3294,"title":"الحساب الجاري","lvl":3,"sub":1},{"id":3294,"title":"السفتجة","lvl":3,"sub":2},{"id":3295,"title":"أنواع شهادات الاستثمار","lvl":3,"sub":0},{"id":3295,"title":"المجموعة أو الفئة (أ)","lvl":4,"sub":1},{"id":3295,"title":"المجموعة أو الفئة (ب)","lvl":4,"sub":2},{"id":3296,"title":"المجموعة أو الفئة (ج)","lvl":4,"sub":0},{"id":3297,"title":"الفصل الثالث: عقد الإيجار","lvl":2,"sub":0},{"id":3297,"title":"المبحث الأول ـ مشروعية الإجارة وركنها ومعناها","lvl":3,"sub":1},{"id":3297,"title":"مشروعية الإجارة","lvl":4,"sub":2},{"id":3299,"title":"ركن الإجارة ومعناها","lvl":4,"sub":0},{"id":3299,"title":"معنى الإيجار","lvl":4,"sub":1},{"id":3300,"title":"الشافعية","lvl":5,"sub":0},{"id":3300,"title":"المالكية","lvl":5,"sub":1},{"id":3300,"title":"الحنابلة","lvl":5,"sub":2},{"id":3300,"title":"إجارة الشجر والكرم للثمر","lvl":4,"sub":3},{"id":3301,"title":"رأي ابن القيم في إجارة الأعيان","lvl":4,"sub":0},{"id":3302,"title":"المبحث الثاني ـ شروط الإجارة","lvl":3,"sub":0},{"id":3303,"title":"شروط الانعقاد","lvl":4,"sub":0},{"id":3303,"title":"المالكية","lvl":5,"sub":1},{"id":3303,"title":"الشافعية والحنابلة","lvl":5,"sub":2},{"id":3303,"title":"شروط النفاذ","lvl":4,"sub":3},{"id":3304,"title":"شروط صحة الإجارة","lvl":4,"sub":0},{"id":3304,"title":"1 - رضا المتعاقدين","lvl":5,"sub":1},{"id":3305,"title":"2 - أن يكون المعقود عليه وهو المنفعة معلوما","lvl":5,"sub":0},{"id":3305,"title":"العلم بالمعقود عليه","lvl":6,"sub":1},{"id":3305,"title":"بيان محل المنفعة","lvl":6,"sub":2},{"id":3305,"title":"بيان المدة","lvl":6,"sub":3},{"id":3307,"title":"الإجارة مشاهرة","lvl":6,"sub":0},{"id":3307,"title":"بيان العمل","lvl":6,"sub":1},{"id":3308,"title":"تعيين المدة والعمل","lvl":6,"sub":0},{"id":3310,"title":"3 - أن يكون المعقود عليه مقدور الاستيفاء حقيقة وشرعا","lvl":5,"sub":0},{"id":3313,"title":"4 - أن تكون المنفعة المعقود عليها مباحة شرعا","lvl":5,"sub":0},{"id":3314,"title":"5 - ألا يكون العمل المستأجر له فرضا ولا واجبا على الأجير قبل الإجارة","lvl":5,"sub":0},{"id":3316,"title":"6 - ألا ينتفع الأجير بعمله","lvl":5,"sub":0},{"id":3318,"title":"7 - أن تكون المنفعة مقصودة يعتاد استيفاؤها بعقد الإجارة","lvl":5,"sub":0},{"id":3318,"title":"شروط في المنفعة","lvl":4,"sub":1},{"id":3318,"title":"شرط المحل المعقود عليه","lvl":4,"sub":2},{"id":3318,"title":"شروط الأجرة","lvl":4,"sub":3},{"id":3318,"title":"أولا ـ أن تكون الأجرة مالا متقوما معلوما","lvl":5,"sub":4},{"id":3319,"title":"استئجار الظئر","lvl":6,"sub":0},{"id":3320,"title":"كون الأجرة جزءا من المعقود عليه","lvl":6,"sub":0},{"id":3320,"title":"مقابل الخلو","lvl":6,"sub":1},{"id":3322,"title":"قرار مجمع الفقه الإسلامي","lvl":7,"sub":0},{"id":3323,"title":"ثانيا ـ ألا تكون الأجرة منفعة هي من جنس المعقود عليه","lvl":5,"sub":0},{"id":3323,"title":"الشرط العائد لركن العقد","lvl":4,"sub":1},{"id":3323,"title":"أن يخلو العقد من شرط لا يقتضيه العقد ولا يلائمه","lvl":5,"sub":2},{"id":3324,"title":"شروط لزوم الإجارة","lvl":4,"sub":0},{"id":3324,"title":"أولهما ـ سلامة العين المؤجرة من حدوث عيب يخل بالانتفاع بها","lvl":5,"sub":1},{"id":3325,"title":"ثانيهما ـ عدم حدوث عذر يجيز فسخ الإجارة","lvl":5,"sub":0},{"id":3326,"title":"أعذار فسخ الإجارة","lvl":5,"sub":0},{"id":3327,"title":"قسم الحنفية الأعذار الموجبة للفسخ إلى ثلاثة أنواع","lvl":6,"sub":0},{"id":3327,"title":"1 - عذر من جانب المستأجر","lvl":7,"sub":1},{"id":3327,"title":"2 - عذر من جانب المؤجر","lvl":7,"sub":2},{"id":3328,"title":"3 - عذر في العين المؤجرة أو الشيء المأجور","lvl":7,"sub":0},{"id":3328,"title":"خلاصة شروط الإجارة عند الشافعية","lvl":4,"sub":1},{"id":3328,"title":"1 - أهلية التعاقد في العاقدين","lvl":5,"sub":2},{"id":3328,"title":"2 - الصيغة","lvl":5,"sub":3},{"id":3329,"title":"3 - المنفعة","lvl":5,"sub":0},{"id":3330,"title":"4 - الأجرة","lvl":5,"sub":0},{"id":3330,"title":"المبحث الثالث ـ صفة الإجارة وحكمها","lvl":3,"sub":1},{"id":3330,"title":"صفة الإجارة","lvl":4,"sub":2},{"id":3332,"title":"حكم الإجارة","lvl":4,"sub":0},{"id":3332,"title":"المبحث الرابع ـ نوعا الإجارة وأحكامها","lvl":3,"sub":1},{"id":3332,"title":"أحكام إجارة المنافع","lvl":4,"sub":2},{"id":3333,"title":"كيفية ثبوت حكم عقد الإجارة على المنافع","lvl":5,"sub":0},{"id":3333,"title":"الحنفية والمالكية","lvl":6,"sub":1},{"id":3333,"title":"الشافعية والحنابلة","lvl":6,"sub":2},{"id":3333,"title":"متى تجب الأجرة وتملك عند الحنفية والمالكية؟","lvl":5,"sub":3},{"id":3335,"title":"تسليم العين المستأجرة عقب العقد","lvl":6,"sub":0},{"id":3335,"title":"الإجارة المضافة إلى زمن مستقبل","lvl":6,"sub":1},{"id":3336,"title":"كيفية الانتفاع بالعين المؤجرة","lvl":5,"sub":0},{"id":3337,"title":"إجارة الأرض","lvl":5,"sub":0},{"id":3337,"title":"إجارة الدواب","lvl":5,"sub":1},{"id":3337,"title":"إصلاح العين المستأجرة","lvl":5,"sub":2},{"id":3337,"title":"المؤجر","lvl":6,"sub":3},{"id":3338,"title":"المستأجر","lvl":6,"sub":0},{"id":3338,"title":"التزامات المستأجر بعد انتهاء الإجارة","lvl":5,"sub":1},{"id":3339,"title":"أحكام الإجارة على الأعمال","lvl":4,"sub":0},{"id":3339,"title":"الأجير نوعان","lvl":5,"sub":1},{"id":3339,"title":"الأجير الخاص أو أجير الوحد","lvl":6,"sub":2},{"id":3339,"title":"الأجير المشترك","lvl":6,"sub":3},{"id":3340,"title":"نوعا الإجارة عند الشافعية","lvl":4,"sub":0},{"id":3340,"title":"إجارة العين","lvl":5,"sub":1},{"id":3340,"title":"إجارة الذمة","lvl":5,"sub":2},{"id":3341,"title":"المبحث الخامس ـ ضمان العين المستأجرة وضمان الأجير وسقوط أجره بهلاك العين","lvl":3,"sub":0},{"id":3341,"title":"ضمان العين المستأجرة","lvl":4,"sub":1},{"id":3341,"title":"ضمان الأجير","lvl":4,"sub":2},{"id":3341,"title":"الأجير الخاص","lvl":5,"sub":3},{"id":3341,"title":"الأجير المشترك","lvl":5,"sub":4},{"id":3343,"title":"ما يغير الشيء من صفة الأمانة إلى صفة الضمان","lvl":4,"sub":0},{"id":3343,"title":"أولا ـ ترك الحفظ","lvl":5,"sub":1},{"id":3343,"title":"ثانيا ـ الإتلاف والإفساد","lvl":5,"sub":2},{"id":3344,"title":"تلميذ الأجير المشترك","lvl":6,"sub":0},{"id":3345,"title":"البزاغ والفصاد والختان","lvl":6,"sub":0},{"id":3346,"title":"ثالثا ـ مخالفة المستأجر شرط المؤجر نصا أو دلالة","lvl":5,"sub":0},{"id":3346,"title":"استئجار الدواب","lvl":6,"sub":1},{"id":3346,"title":"آ ـ فإن كان ضرر الدابة من حيث قدر الخفة والثقل","lvl":7,"sub":2},{"id":3346,"title":"ب ـ وإن كان ضرر الدابة لا من حيث الخفة والثقل، وإنما بسبب اختلاف الجنس","lvl":7,"sub":3},{"id":3348,"title":"ج ـ وإن كانت المخالفة في المكان","lvl":7,"sub":0},{"id":3348,"title":"د ـ وأما المخالفة في الزمان","lvl":7,"sub":1},{"id":3348,"title":"استئجار الصناع","lvl":8,"sub":2},{"id":3348,"title":"هـ ـ وأما المخالفة في الصفة","lvl":7,"sub":3},{"id":3348,"title":"سقوط أجر الأجير بهلاك العين في إجارة الأعمال","lvl":4,"sub":4},{"id":3349,"title":"هل تسقط الأجرة بهلاك العين في عقد إجارة الأعمال؟","lvl":5,"sub":0},{"id":3349,"title":"قال الشافعية","lvl":6,"sub":1},{"id":3349,"title":"الحنابلة","lvl":6,"sub":2},{"id":3349,"title":"الحنفية","lvl":6,"sub":3},{"id":3350,"title":"إن كانت العين في يد الأجير","lvl":7,"sub":0},{"id":3350,"title":"حبس العين لاستيفاء الأجرة","lvl":8,"sub":1},{"id":3350,"title":"إذا كانت العين المعمول فيها في يد المستأجر","lvl":7,"sub":2},{"id":3352,"title":"المبحث السادس ـ اختلاف المتعاقدين في الإجارة","lvl":3,"sub":0},{"id":3355,"title":"المبحث السابع ـ انتهاء عقد الإجارة","lvl":3,"sub":0},{"id":3355,"title":"بموت أحد المتعاقدين","lvl":4,"sub":1},{"id":3355,"title":"بالإقالة","lvl":4,"sub":2},{"id":3355,"title":"بهلاك العين المؤجرة","lvl":4,"sub":3},{"id":3356,"title":"بانقضاء المدة إلا لعذر","lvl":4,"sub":0},{"id":3357,"title":"الفصل الرابع: الجعالة","lvl":2,"sub":0},{"id":3357,"title":"تعريف الجعالة","lvl":3,"sub":1},{"id":3358,"title":"مشروعية الجعالة","lvl":3,"sub":0},{"id":3359,"title":"صيغة الجعالة","lvl":3,"sub":0},{"id":3360,"title":"الفرق بين الجعالة والإجارة على الأعمال","lvl":3,"sub":0},{"id":3361,"title":"شروط الجعالة","lvl":3,"sub":0},{"id":3361,"title":"أولا ـ أهلية التعاقد","lvl":4,"sub":1},{"id":3361,"title":"ثانيا ـ كون الجعل (أو الأجرة) مالا معلوما","lvl":4,"sub":2},{"id":3362,"title":"ثالثا ـ أن تكون المنفعة معلومة حقيقة، مباحا الانتفاع بها شرعا","lvl":4,"sub":0},{"id":3363,"title":"رابعا ـ اشترط المالكية ألا يحدد للجعالة أجل","lvl":4,"sub":0},{"id":3363,"title":"صفة حكم الجعالة ووقت استحقاق الجعل","lvl":3,"sub":1},{"id":3365,"title":"الزيادة والنقص في الجعل","lvl":3,"sub":0},{"id":3365,"title":"حكم اختلاف المالك والعامل","lvl":3,"sub":1},{"id":3366,"title":"أوجه الاختلاف بين الجعالة والإجارة","lvl":3,"sub":0},{"id":3367,"title":"الفصل الخامس: الشركات","lvl":2,"sub":0},{"id":3367,"title":"المبحث الأول ـ شركات الأموال","lvl":3,"sub":1},{"id":3367,"title":"تمهيد في تعريف الشركة ومشروعيتها","lvl":4,"sub":2},{"id":3367,"title":"الشركة","lvl":5,"sub":3},{"id":3367,"title":"مشروعية الشركة","lvl":5,"sub":4},{"id":3368,"title":"حكمة مشروعيتها","lvl":5,"sub":0},{"id":3368,"title":"أقسام الشركة","lvl":4,"sub":1},{"id":3368,"title":"شركة الأملاك","lvl":5,"sub":2},{"id":3368,"title":"1 - شركة اختيار","lvl":6,"sub":3},{"id":3368,"title":"2 - شركة جبر","lvl":6,"sub":4},{"id":3369,"title":"شركة العقود","lvl":5,"sub":0},{"id":3370,"title":"المطلب الأول ـ كيفية انعقاد شركات العقود","lvl":6,"sub":0},{"id":3370,"title":"أولا ـ تعريف شركة الأموال","lvl":7,"sub":1},{"id":3370,"title":"1 - شركة العنان","lvl":8,"sub":2},{"id":3371,"title":"2 - شركة المفاوضة","lvl":8,"sub":0},{"id":3375,"title":"ثانيا ـ تعريف شركة الوجوه أو الشركة على الذمم","lvl":7,"sub":0},{"id":3377,"title":"ثالثا ـ تعريف شركة الأعمال أو الأبدان","lvl":7,"sub":0},{"id":3377,"title":"السماسرة","lvl":8,"sub":1},{"id":3379,"title":"المطلب الثاني ـ شرائط شركة العقود","lvl":6,"sub":0},{"id":3379,"title":"أولا ـ الشروط العامة في شركات العقود","lvl":7,"sub":1},{"id":3379,"title":"1 - قابلية الوكالة","lvl":8,"sub":2},{"id":3380,"title":"2 - أن يكون الربح معلوم القدر بجزء محدد","lvl":8,"sub":0},{"id":3380,"title":"3 - أن يكون الربح جزءا شائعا في الجملة لا معينا","lvl":8,"sub":1},{"id":3380,"title":"ثانيا ـ الشروط الخاصة بعقود شركات الأموال","lvl":7,"sub":2},{"id":3380,"title":"1 - أن يكون رأس مال الشركة عينا حاضرة","lvl":8,"sub":3},{"id":3381,"title":"هل يشترط خلط المالين؟","lvl":9,"sub":0},{"id":3381,"title":"الحنفية والمالكية والحنابلة","lvl":10,"sub":1},{"id":3382,"title":"زفر والشافعية والظاهرية والزيدية والإمامية","lvl":10,"sub":0},{"id":3382,"title":"2 - أن يكون رأس مال الشركة أثمانا مطلقة","lvl":8,"sub":1},{"id":3384,"title":"الفلوس","lvl":9,"sub":0},{"id":3384,"title":"الشركة في المثليات التي ليست بأثمان مطلقة من المكيل والموزون والعددي المتقارب","lvl":9,"sub":1},{"id":3386,"title":"ثالثا ـ الشروط الخاصة بشركة المفاوضة","lvl":7,"sub":0},{"id":3386,"title":"1 - أن يكون لكل من الشريكين أهلية الوكالة والكفالة","lvl":8,"sub":1},{"id":3386,"title":"2 - المساواة في رأس المال قدرا وقيمة ابتداء وانتهاء","lvl":8,"sub":2},{"id":3387,"title":"3 - أن يكون كل ما يصلح أن يكون رأس مال للشركة لأحد المتفاوضين داخلا في الشركة","lvl":8,"sub":0},{"id":3387,"title":"4 - المساواة في الربح في المفاوضة","lvl":8,"sub":1},{"id":3387,"title":"5 - أن تكون المفاوضة في جميع التجارات المباحة","lvl":8,"sub":2},{"id":3387,"title":"6 - أن تكون الشركة بلفظ المفاوضة","lvl":8,"sub":3},{"id":3388,"title":"رابعا ـ شروط شركة الأعمال","lvl":7,"sub":0},{"id":3388,"title":"خامسا ـ شروط شركة الوجوه","lvl":7,"sub":1},{"id":3389,"title":"المطلب الثالث ـ أحكام شركة العقود","lvl":6,"sub":0},{"id":3389,"title":"أولا ـ أحكام شركة العنان في الأموال","lvl":7,"sub":1},{"id":3389,"title":"1 - شرط العمل","lvl":8,"sub":2},{"id":3390,"title":"2 - توزيع الربح","lvl":8,"sub":0},{"id":3391,"title":"ا الخسارة","lvl":9,"sub":0},{"id":3391,"title":"3 - هلاك مال الشركة","lvl":8,"sub":1},{"id":3392,"title":"4 - التصرف بمال الشركة","lvl":8,"sub":0},{"id":3393,"title":"آ ـ إبضاع مال الشركة وإيداعه","lvl":9,"sub":0},{"id":3394,"title":"ب ـ المضاربة بمال الشركة","lvl":9,"sub":0},{"id":3394,"title":"جـ ـ التوكيل بالبيع وبالشراء","lvl":9,"sub":1},{"id":3394,"title":"د ـ الرهن والارتهان","lvl":9,"sub":2},{"id":3394,"title":"هـ ـ الحوالة بثمن البضاعة","lvl":9,"sub":3},{"id":3394,"title":"و ـ الالتزام بحقوق العقد","lvl":9,"sub":4},{"id":3395,"title":"ز ـ السفر بمال الشركة","lvl":9,"sub":0},{"id":3395,"title":"ح ـ التبرع بمال الشركة أو الإقراض","lvl":9,"sub":1},{"id":3396,"title":"ثانيا ـ أحكام شركة المفاوضة في الأموال","lvl":7,"sub":0},{"id":3396,"title":"1 - الإقرار بالدين","lvl":8,"sub":1},{"id":3396,"title":"2 - الالتزام بديون التجارة وما في معناها","lvl":8,"sub":2},{"id":3397,"title":"3 - الالتزام بالكفالة المالية","lvl":8,"sub":0},{"id":3397,"title":"4 - المطالبة بحقوق عقد البيع والشراء","lvl":8,"sub":1},{"id":3398,"title":"5 - ضمان الجناية على الإنسان والمهر ونحوه والنفقة ونفقات المنزل","lvl":8,"sub":0},{"id":3399,"title":"ثالثا ـ أحكام شركة الوجوه","lvl":7,"sub":0},{"id":3399,"title":"رابعا ـ أحكام شركة الأعمال","lvl":7,"sub":1},{"id":3399,"title":"أ ـ إذا كانت شركة الأعمال مفاوضة","lvl":8,"sub":2},{"id":3400,"title":"ب- وإذا كانت شركة الأعمال عنانا","lvl":8,"sub":0},{"id":3401,"title":"جـ ـ اقتسام الربح في هذه الشركة","lvl":8,"sub":0},{"id":3401,"title":"د ـ اقتسام الخسارة في هذه الشركة","lvl":8,"sub":1},{"id":3402,"title":"المطلب الرابع ـ صفة عقد الشركة ويد الشريك","lvl":6,"sub":0},{"id":3402,"title":"أولا ـ حكم لزوم الشركة","lvl":7,"sub":1},{"id":3402,"title":"ثانيا ـ يد الشريك يد أمانة","lvl":7,"sub":2},{"id":3403,"title":"المطلب الخامس ـ مبطلات عقد الشركة","lvl":6,"sub":0},{"id":3403,"title":"المبطلات التي تعم الشركات كلها","lvl":7,"sub":1},{"id":3403,"title":"1 - فسخ الشركة من أحد الشريكين","lvl":8,"sub":2},{"id":3404,"title":"2 - موت أحد الشريكين","lvl":8,"sub":0},{"id":3404,"title":"3 - ارتداد أحد الشريكين ولحوقه بدار الحرب","lvl":8,"sub":1},{"id":3404,"title":"4 - جنون الشريك جنونا مطبقا","lvl":8,"sub":2},{"id":3404,"title":"المبطلات التي تخص بعض الشركات دون بعض","lvl":7,"sub":3},{"id":3404,"title":"1 - هلاك مال الشركة كله أو مال أحد الشريكين","lvl":8,"sub":4},{"id":3406,"title":"2 - عدم تحقق المساواة بين رأسي المال في شركة المفاوضة بعد وجودها في ابتداء العقد","lvl":8,"sub":0},{"id":3407,"title":"المطلب السادس ـ الشركة الفاسدة عند الحنفية","lvl":6,"sub":0},{"id":3407,"title":"أولا ـ الاشتراك في أعمال جميع المباحات التي تملك بالأخذ","lvl":7,"sub":1},{"id":3409,"title":"ثانيا ـ من أنواع الشركات الفاسدة أن يكون لأحد الشريكين بغل وللآخر حمار","lvl":7,"sub":0},{"id":3410,"title":"ثالثا ـ من أنواع الشركة الفاسدة أن يدفع شخص إلى رجل دابة ليؤجرها على أن الأجر بينهما","lvl":7,"sub":0},{"id":3410,"title":"رابعا ـ من أنواع الشركة الفاسدة أيضا أن يشتري رجل شيئا، فيقول له آخر: «أشركني فيه»","lvl":7,"sub":1},{"id":3411,"title":"المبحث الثاني ـ شركة المضاربة","lvl":3,"sub":0},{"id":3412,"title":"المطلب الأول ـ تعريف المضاربة ومشروعيتها وركنها ونوعاها وصفة عقدها","lvl":4,"sub":0},{"id":3412,"title":"تعريف المضاربة","lvl":5,"sub":1},{"id":3412,"title":"مشروعية المضاربة","lvl":5,"sub":2},{"id":3415,"title":"ركن المضاربة وألفاظها ونوعاها","lvl":5,"sub":0},{"id":3416,"title":"نوعاها","lvl":6,"sub":0},{"id":3416,"title":"المطلقة","lvl":7,"sub":1},{"id":3416,"title":"المقيدة","lvl":7,"sub":2},{"id":3416,"title":"حالة التأقيت وتخصيص شخص","lvl":8,"sub":3},{"id":3416,"title":"إضافتها إلى المستقبل","lvl":8,"sub":4},{"id":3416,"title":"تعليق المضاربة على شرط","lvl":8,"sub":5},{"id":3417,"title":"صفة عقد المضاربة","lvl":5,"sub":0},{"id":3418,"title":"تعدد المضارب","lvl":5,"sub":0},{"id":3418,"title":"حكم الشركات القانونية الحديثة","lvl":5,"sub":1},{"id":3419,"title":"المطلب الثاني ـ شرائط المضاربة","lvl":4,"sub":0},{"id":3419,"title":"في العاقدين","lvl":5,"sub":1},{"id":3420,"title":"شروط رأس المال","lvl":5,"sub":0},{"id":3420,"title":"أولا ـ أن يكون رأس المال من النقود الرائجة أي الدراهم والدنانير ونحوها","lvl":6,"sub":1},{"id":3421,"title":"ثانيا ـ أن يكون رأس المال معلوم المقدار","lvl":6,"sub":0},{"id":3421,"title":"ثالثا ـ أن يكون رأس المال عينا حاضرة لا دينا","lvl":6,"sub":1},{"id":3422,"title":"قبض الدين","lvl":7,"sub":0},{"id":3422,"title":"المودع","lvl":7,"sub":1},{"id":3422,"title":"المغصوب","lvl":7,"sub":2},{"id":3423,"title":"رابعا ـ أن يكون رأس المال مسلما إلى العامل","lvl":6,"sub":0},{"id":3425,"title":"شروط الربح","lvl":5,"sub":0},{"id":3425,"title":"أولا ـ أن يكون الربح معلوم القدر","lvl":5,"sub":1},{"id":3425,"title":"حالة فساد المضاربة وحالة فساد الشرط فقط عند الحنفية","lvl":6,"sub":2},{"id":3427,"title":"ثانيا ـ أن يكون الربح جزءا مشاعا","lvl":5,"sub":0},{"id":3429,"title":"المطلب الثالث ـ أحكام المضاربة","lvl":4,"sub":0},{"id":3429,"title":"حكم المضاربة الفاسدة","lvl":5,"sub":1},{"id":3431,"title":"حالات رد المضاربة الفاسدة إلى قراض المثل","lvl":6,"sub":0},{"id":3431,"title":"حالات وجوب أجرة المثل في الذمة","lvl":6,"sub":1},{"id":3432,"title":"أحكام المضاربة الصحيحة","lvl":5,"sub":0},{"id":3432,"title":"1 - أما حال يد المضارب","lvl":6,"sub":1},{"id":3433,"title":"2 - وأما تصرفات المضارب","lvl":6,"sub":0},{"id":3433,"title":"إذا كانت المضاربة مطلقة","lvl":7,"sub":1},{"id":3435,"title":"ما لا يجوز للمضارب فعله","lvl":7,"sub":0},{"id":3437,"title":"المضارب يضارب","lvl":7,"sub":0},{"id":3437,"title":"أولا ـ مذهب الحنفية","lvl":8,"sub":1},{"id":3438,"title":"ثانيا ـ مذاهب غير الحنفية","lvl":8,"sub":0},{"id":3439,"title":"خلاصة أحكام تصرفات المضارب في المضاربة المطلقة عند الحنفية","lvl":7,"sub":0},{"id":3439,"title":"1 - نوع يملكه المضارب عرفا","lvl":8,"sub":1},{"id":3439,"title":"2 - ونوع لا يملكه إلا إذا فوض إليه العمل في المضاربة برأيه","lvl":8,"sub":2},{"id":3439,"title":"3 - ونوع لا يملكه المضارب إلا بالنص عليه صراحة","lvl":8,"sub":3},{"id":3439,"title":"المضاربة المقيدة","lvl":7,"sub":4},{"id":3440,"title":"أ ـ تعيين المكان","lvl":8,"sub":0},{"id":3441,"title":"ب ـ تعيين الشخص","lvl":8,"sub":0},{"id":3441,"title":"جـ ـ توقيت المضاربة","lvl":8,"sub":1},{"id":3442,"title":"الضابط في تقييد المضاربة عند الحنفية","lvl":8,"sub":0},{"id":3442,"title":"التقيد الطارئ على المضاربة المطلقة","lvl":8,"sub":1},{"id":3442,"title":"3 - وأما حقوق المضارب","lvl":6,"sub":2},{"id":3442,"title":"أولا ـ أما النفقة من مال المضاربة","lvl":7,"sub":3},{"id":3444,"title":"قدر النفقة","lvl":8,"sub":0},{"id":3445,"title":"ما تحتسب النفقة منه","lvl":8,"sub":0},{"id":3445,"title":"ثانيا ـ وأما الحق الثاني للمضارب فهو الربح المسمى","lvl":7,"sub":1},{"id":3447,"title":"4 - وأما حق رب المال","lvl":6,"sub":0},{"id":3448,"title":"المطلب الرابع ـ حكم اختلاف رب المال والعامل المضارب","lvl":4,"sub":0},{"id":3448,"title":"أ - فإن اختلفا في عموم التصرفات أو خصوصها","lvl":5,"sub":1},{"id":3448,"title":"ب ـ وإن اختلف رب المال والمضارب في تلف المال","lvl":5,"sub":2},{"id":3448,"title":"جـ ـ وإن اختلف العاقدان في رد المال","lvl":5,"sub":3},{"id":3449,"title":"د ـ وإن اختلفا في قدر رأس المال","lvl":5,"sub":0},{"id":3449,"title":"هـ ـ وإذا اختلف رب المال مع المضارب في مقدار الربح المشروط في العقد","lvl":5,"sub":1},{"id":3450,"title":"و ـ وإن اختلف المتعاقدان في صفة رأس المال","lvl":5,"sub":0},{"id":3451,"title":"المطلب الخامس ـ مبطلات المضاربة","lvl":4,"sub":0},{"id":3451,"title":"1 - الفسخ والنهي عن التصرف أو العزل","lvl":5,"sub":1},{"id":3451,"title":"2 - موت أحد العاقدين","lvl":5,"sub":2},{"id":3452,"title":"3 - جنون أحد العاقدين","lvl":5,"sub":0},{"id":3452,"title":"4 - ارتداد رب المال عن الإسلام","lvl":5,"sub":1},{"id":3453,"title":"5 - هلاك مال المضاربة في يد المضارب","lvl":5,"sub":0},{"id":3454,"title":"الشركات بين القديم والحديث في الفقه الإسلامي","lvl":3,"sub":0},{"id":3454,"title":"أهم موارد الكسب المشروع","lvl":4,"sub":1},{"id":3455,"title":"مشروعية الشركة","lvl":4,"sub":0},{"id":3455,"title":"الشركة كما أبان الحنفية","lvl":4,"sub":1},{"id":3456,"title":"أجاز فقهاء الحنفية والزيدية كل أنواع الشركات","lvl":4,"sub":0},{"id":3456,"title":"القانون المدني الأردني","lvl":4,"sub":1},{"id":3456,"title":"القانون المدني الوضعي في سورية ومصر","lvl":4,"sub":2},{"id":3456,"title":"قسم الشركات إلى قسمين","lvl":5,"sub":3},{"id":3456,"title":"شركات الأشخاص","lvl":6,"sub":4},{"id":3456,"title":"شركات الأموال","lvl":6,"sub":5},{"id":3457,"title":"فما حكم كل نوع من هذه الأنواع في الشريعة الإسلامية؟","lvl":6,"sub":0},{"id":3457,"title":"1 - شركة التضامن","lvl":7,"sub":1},{"id":3458,"title":"2 - شركة التوصية البسيطة","lvl":7,"sub":0},{"id":3460,"title":"3 - شركة المحاصة","lvl":7,"sub":0},{"id":3461,"title":"4 - شركة المساهمة","lvl":7,"sub":0},{"id":3462,"title":"5 - شركة التوصية بالأسهم","lvl":7,"sub":0},{"id":3462,"title":"6 - الشركة ذات المسؤولية المحدودة","lvl":7,"sub":1},{"id":3464,"title":"شركات السيارات","lvl":8,"sub":0},{"id":3464,"title":"شركة البهائم","lvl":8,"sub":1},{"id":3466,"title":"الفصل السادس: الهبة","lvl":2,"sub":0},{"id":3466,"title":"خطة الموضوع","lvl":3,"sub":1},{"id":3466,"title":"المبحث الأول ـ تعريف الهبة ومشروعيتها","lvl":3,"sub":2},{"id":3468,"title":"المبحث الثاني ـ ركن الهبة","lvl":3,"sub":0},{"id":3470,"title":"العمرى","lvl":4,"sub":0},{"id":3471,"title":"الرقبى","lvl":4,"sub":0},{"id":3472,"title":"المنحة","lvl":4,"sub":0},{"id":3473,"title":"المبحث الثالث ـ شروط الهبة","lvl":3,"sub":0},{"id":3474,"title":"شروط الواهب","lvl":4,"sub":0},{"id":3474,"title":"شروط الموهوب","lvl":4,"sub":1},{"id":3474,"title":"1 - أن يكون موجودا وقت الهبة","lvl":5,"sub":2},{"id":3475,"title":"2 - أن يكون مالا متقوما","lvl":5,"sub":0},{"id":3475,"title":"3 - أن يكون مملوكا في نفسه","lvl":5,"sub":1},{"id":3475,"title":"4 - أن يكون مملوكا للواهب","lvl":5,"sub":2},{"id":3475,"title":"5 - أن يكون محرزا أي مفرزا","lvl":5,"sub":3},{"id":3476,"title":"هبة المشاع","lvl":6,"sub":0},{"id":3477,"title":"الهبة لاثنين","lvl":6,"sub":0},{"id":3479,"title":"6 - أن يكون الموهوب متميزا عن غيره، ليس متصلا به، ولا مشغولا بغير الموهوب","lvl":5,"sub":0},{"id":3479,"title":"مسألة استثناء ما في البطن","lvl":6,"sub":1},{"id":3480,"title":"7 - الشرط السابع وهو قبض الموهوب","lvl":5,"sub":0},{"id":3481,"title":"ما نوع شرط القبض؟","lvl":6,"sub":0},{"id":3484,"title":"8 - يشترط لصحة القبض عند جمهور العلماء: أن يكون بإذن الواهب","lvl":5,"sub":0},{"id":3486,"title":"نوعا القبض","lvl":4,"sub":0},{"id":3486,"title":"القبض بطريق الأصالة","lvl":5,"sub":1},{"id":3486,"title":"القبض بطريق النيابة","lvl":5,"sub":2},{"id":3489,"title":"المبحث الرابع ـ حكم الهبة","lvl":3,"sub":0},{"id":3489,"title":"أصل حكم الهبة","lvl":4,"sub":1},{"id":3489,"title":"صفة حكم الهبة","lvl":4,"sub":2},{"id":3491,"title":"المبحث الخامس ـ موانع الرجوع في الهبة عند الحنفية","lvl":3,"sub":0},{"id":3491,"title":"أولا ـ العوض المالي","lvl":4,"sub":1},{"id":3491,"title":"أ ـ العوض المشروط في العقد (أو الهبة بشرط العوض أو هبة الثواب )","lvl":5,"sub":2},{"id":3492,"title":"ب ـ العوض المتأخر عن العقد","lvl":5,"sub":0},{"id":3493,"title":"ثانيا ـ العوض من حيث المعنى","lvl":4,"sub":0},{"id":3493,"title":"الأول ـ الثواب من الله تعالى","lvl":5,"sub":1},{"id":3494,"title":"الثاني ـ صلة الرحم","lvl":5,"sub":0},{"id":3494,"title":"الثالث ـ صلة الزوجية","lvl":5,"sub":1},{"id":3494,"title":"ثالثا ـ الزيادة المتصلة في الموهوب بفعل الموهوب له أو بفعل غيره","lvl":4,"sub":2},{"id":3495,"title":"رابعا ـ خروج الموهوب عن ملك الموهوب له","lvl":4,"sub":0},{"id":3495,"title":"خامسا ـ موت أحد العاقدين","lvl":4,"sub":1},{"id":3495,"title":"سادسا ـ هلاك الموهوب أو استهلاكه","lvl":4,"sub":2},{"id":3496,"title":"ماهية الرجوع","lvl":5,"sub":0},{"id":3496,"title":"المبحث السادس ـ عطية الأولاد","lvl":3,"sub":1},{"id":3497,"title":"حكم التسوية في العطية","lvl":4,"sub":0},{"id":3498,"title":"العطية للوالدين","lvl":4,"sub":0},{"id":3498,"title":"العطية للإخوة والأخوات","lvl":4,"sub":1},{"id":3499,"title":"الفصل السابع: الإيداع","lvl":2,"sub":0},{"id":3499,"title":"خطة الموضوع","lvl":3,"sub":1},{"id":3500,"title":"المبحث الأول ـ تعريف الإيداع ومشروعيته","lvl":3,"sub":0},{"id":3501,"title":"المبحث الثاني ـ ركن الإيداع وشرائطه","lvl":3,"sub":0},{"id":3501,"title":"شرائط الركن","lvl":4,"sub":1},{"id":3502,"title":"يشترط في الوديعة","lvl":4,"sub":0},{"id":3502,"title":"المبحث الثالث ـ حكم عقد الإيداع وطريق حفظ الوديعة","lvl":3,"sub":1},{"id":3502,"title":"حكم عقد الإيداع","lvl":4,"sub":2},{"id":3502,"title":"إيداع رجلين من رجل","lvl":4,"sub":3},{"id":3503,"title":"إيداع رجل من رجلين","lvl":4,"sub":0},{"id":3504,"title":"طريقة حفظ الوديعة","lvl":4,"sub":0},{"id":3505,"title":"المبحث الرابع ـ حال الوديعة: هل هي أمانة أو مضمونة","lvl":3,"sub":0},{"id":3507,"title":"تعارض الادعاءات والبينات","lvl":4,"sub":0},{"id":3507,"title":"المبحث الخامس ـ حالات ضمان الوديعة","lvl":3,"sub":1},{"id":3507,"title":"1 - ترك الوديع الحفظ","lvl":4,"sub":2},{"id":3507,"title":"2 - إيداع الوديع عند من ليس في عياله، ولا هو ممن يحفظ ماله بيده عادة","lvl":4,"sub":3},{"id":3509,"title":"3 - استعمال الوديعة","lvl":4,"sub":0},{"id":3509,"title":"4 - السفر بالوديعة","lvl":4,"sub":1},{"id":3510,"title":"5- جحود الوديعة","lvl":4,"sub":0},{"id":3511,"title":"6 - خلط الوديعة بغيرها","lvl":4,"sub":0},{"id":3513,"title":"7 - مخالفة شرط المودع في حفظ الوديعة","lvl":4,"sub":0},{"id":3515,"title":"أحكام فرعية للوديعة","lvl":4,"sub":0},{"id":3515,"title":"أولا ـ الاتجار بالوديعة","lvl":5,"sub":1},{"id":3515,"title":"ثانيا ـ سلف الوديعة","lvl":5,"sub":2},{"id":3515,"title":"ثالثا ـ الاختلاف في الوديعة","lvl":5,"sub":3},{"id":3515,"title":"رابعا ـ طلب الأجرة على حفظ الوديعة","lvl":5,"sub":4},{"id":3515,"title":"خامسا ـ الجحود المماثل لوديعة أخرى","lvl":5,"sub":5},{"id":3515,"title":"المبحث السادس ـ انتهاء الإيداع","lvl":3,"sub":6},{"id":3515,"title":"1 - استرداد الوديعة أو ردها","lvl":4,"sub":7},{"id":3515,"title":"2 - موت المودع أو الوديع","lvl":4,"sub":8},{"id":3515,"title":"3 - جنون أحد العاقدين أو إغماؤه","lvl":4,"sub":9},{"id":3515,"title":"4 - الحجر على المودع للسفه وعلى الوديع للفلس","lvl":4,"sub":10},{"id":3515,"title":"5 - نقل ملكية الوديعة لغير المالك","lvl":4,"sub":11},{"id":3516,"title":"الفصل الثامن: الإعارة","lvl":2,"sub":0},{"id":3516,"title":"خطة الموضوع","lvl":3,"sub":1},{"id":3516,"title":"المبحث الأول ـ تعريف الإعارة ومشروعيتها","lvl":3,"sub":2},{"id":3516,"title":"العارية","lvl":4,"sub":3},{"id":3518,"title":"المبحث الثاني ـ ركن الإعارة وشرائطها","lvl":3,"sub":0},{"id":3519,"title":"شروط الإعارة","lvl":4,"sub":0},{"id":3519,"title":"1 - كون المعير عاقلا","lvl":5,"sub":1},{"id":3519,"title":"2 - القبض من المستعير","lvl":5,"sub":2},{"id":3519,"title":"3 - أن يكون المستعار مما يكن الانتفاع به بدون استهلاكه","lvl":5,"sub":3},{"id":3520,"title":"المبحث الثالث ـ حكم عقد الإعارة","lvl":3,"sub":0},{"id":3520,"title":"أصل حكم الإعارة","lvl":4,"sub":1},{"id":3521,"title":"إعارة المكيل والموزون والمعدود المتقارب","lvl":4,"sub":0},{"id":3521,"title":"حقوق الانتفاع بالعارية","lvl":4,"sub":1},{"id":3521,"title":"الإعارة المطلقة","lvl":5,"sub":2},{"id":3522,"title":"الإعارة المقيدة","lvl":5,"sub":0},{"id":3522,"title":"إذا قيده في استعمال العارية بنفسه","lvl":6,"sub":1},{"id":3522,"title":"إذا حدد زمانا أو مكانا","lvl":6,"sub":2},{"id":3522,"title":"إذا بين مقدار الحمل والجنس","lvl":6,"sub":3},{"id":3523,"title":"صفة حكم الإعارة","lvl":4,"sub":0},{"id":3524,"title":"الرجوع في الأرض المعارة للبناء أو الغراس أو الزراعة","lvl":4,"sub":0},{"id":3524,"title":"مطلقة","lvl":5,"sub":1},{"id":3525,"title":"مؤقتة بوقت","lvl":5,"sub":0},{"id":3527,"title":"المبحث الرابع ـ حال العارية: هل هي مضمونة أو أمانة؟","lvl":3,"sub":0},{"id":3530,"title":"شرط المعير الضمان","lvl":4,"sub":0},{"id":3531,"title":"تغير حال العارية من الأمانة إلى الضمان","lvl":4,"sub":0},{"id":3532,"title":"مؤنة رد العارية","lvl":4,"sub":0},{"id":3533,"title":"المبحث الخامس ـ الاختلاف بين المعير والمستعير","lvl":3,"sub":0},{"id":3533,"title":"1 - الاختلاف في أصل العقد أو صفته","lvl":4,"sub":1},{"id":3533,"title":"2 - الاختلاف في التلف","lvl":4,"sub":2},{"id":3533,"title":"3 - الاختلاف في الرد","lvl":4,"sub":3},{"id":3533,"title":"المبحث السادس ـ انتهاء الإعارة","lvl":3,"sub":4},{"id":3533,"title":"1 - طلب المعير رد العارية","lvl":4,"sub":5},{"id":3533,"title":"2 - رد العارية","lvl":4,"sub":6},{"id":3533,"title":"3 - جنون أحد العاقدين أو إغماؤه","lvl":4,"sub":7},{"id":3533,"title":"4 - موت أحد العاقدين","lvl":4,"sub":8},{"id":3533,"title":"5 - الحجر على أحد العاقدين بالسفه","lvl":4,"sub":9},{"id":3533,"title":"6 - الحجر بالإفلاس على المعير المالك","lvl":4,"sub":10},{"id":3534,"title":"الفصل التاسع: الوكالة","lvl":2,"sub":0},{"id":3534,"title":"خطة الموضوع","lvl":3,"sub":1},{"id":3534,"title":"المبحث الأول ـ تعريف الوكالة وركنها ومشروعيتها","lvl":3,"sub":2},{"id":3534,"title":"تعريف الوكالة","lvl":4,"sub":3},{"id":3534,"title":"ركن الوكالة","lvl":4,"sub":4},{"id":3535,"title":"الوكالة الدورية","lvl":4,"sub":0},{"id":3535,"title":"تعليق الوكالة على شرط أو زمن","lvl":4,"sub":1},{"id":3536,"title":"تأقيت الوكالة","lvl":4,"sub":0},{"id":3536,"title":"الوكالة بأجر","lvl":4,"sub":1},{"id":3537,"title":"عموم الوكالة وتخصيصها","lvl":4,"sub":0},{"id":3538,"title":"مشروعية الوكالة","lvl":4,"sub":0},{"id":3539,"title":"حكمة تشريع الوكالة","lvl":4,"sub":0},{"id":3540,"title":"الحكم التكليفي للوكالة","lvl":4,"sub":0},{"id":3540,"title":"المبحث الثاني ـ شرائط الوكالة","lvl":3,"sub":1},{"id":3540,"title":"ما يشترط في الصيغة","lvl":4,"sub":2},{"id":3541,"title":"شرط الموكل","lvl":4,"sub":0},{"id":3542,"title":"شروط الوكيل","lvl":4,"sub":0},{"id":3543,"title":"شروط الموكل به","lvl":4,"sub":0},{"id":3543,"title":"1 - ألا يكون الموكل فيه من الأمور المباحة","lvl":5,"sub":1},{"id":3543,"title":"2 - أن يكون الموكل به مملوكا للموكل","lvl":5,"sub":2},{"id":3543,"title":"3 - أن يكون معلوما من بعض الوجوه","lvl":5,"sub":3},{"id":3543,"title":"4 - ألا يكون الموكل فيه طلب قرض من الغير","lvl":5,"sub":4},{"id":3543,"title":"5 - أن يكون قابلا للنيابة شرعا","lvl":5,"sub":5},{"id":3544,"title":"أولا ـ الوكالة في حقوق الله تعالى","lvl":6,"sub":0},{"id":3544,"title":"1 - التوكيل بإثبات الحدود","lvl":7,"sub":1},{"id":3546,"title":"2 - التوكيل في استيفاء الحدود","lvl":7,"sub":0},{"id":3547,"title":"أبو حنيفة ومحمد","lvl":8,"sub":0},{"id":3547,"title":"أبو يوسف","lvl":8,"sub":1},{"id":3547,"title":"التعازير","lvl":7,"sub":2},{"id":3547,"title":"القصاص","lvl":7,"sub":3},{"id":3550,"title":"ثانيا ـ الوكالة في حقوق العباد","lvl":6,"sub":0},{"id":3550,"title":"نوع لا يجوز استيفاؤه مع وجود شبهة","lvl":7,"sub":1},{"id":3550,"title":"حكم النوع","lvl":8,"sub":2},{"id":3550,"title":"ما يجوز استيفاؤه مع الشبهة","lvl":7,"sub":3},{"id":3550,"title":"حكم هذا النوع","lvl":8,"sub":4},{"id":3550,"title":"اشتراط توافر رضا الخصم للزوم التوكيل بإثبات الدين والعين وسائر الحقوق","lvl":8,"sub":5},{"id":3550,"title":"أبو حنيفة","lvl":9,"sub":6},{"id":3551,"title":"الصاحبان وبقية الأئمة غير الحنفية","lvl":9,"sub":0},{"id":3552,"title":"اشترط الحنابلة شرطين لجواز الوكالة بالخصومة","lvl":7,"sub":0},{"id":3552,"title":"1 - ألا يكون التوكيل ممن علم ظلم موكله في الخصومة","lvl":8,"sub":1},{"id":3552,"title":"2 - ألا يخاصم الوكيل عن الموكل في إثبات حق أو نفيه وهو غير عالم بحقيقة أمر موكله","lvl":8,"sub":2},{"id":3552,"title":"التوكيل بالشهادة","lvl":7,"sub":3},{"id":3552,"title":"التوكيل بالإقرار في الوكالة بالخصومة","lvl":7,"sub":4},{"id":3553,"title":"التوكيل بقبض الدين","lvl":7,"sub":0},{"id":3553,"title":"التوكيل بقبض رأس مال السلم وبدل الصرف","lvl":7,"sub":1},{"id":3553,"title":"الوكالة بقضاء الدين","lvl":7,"sub":2},{"id":3553,"title":"الوكالة بالإبراء من الدين","lvl":7,"sub":3},{"id":3553,"title":"الوكالة بطلب الشفعة وبالرد بالعيب وبالقسمة","lvl":7,"sub":4},{"id":3553,"title":"التوكيل بالنكاح والخلع والصلح","lvl":7,"sub":5},{"id":3554,"title":"بعض هذه العقود لا يصح للوكيل فيها أن يسندها إلى نفسه","lvl":7,"sub":0},{"id":3554,"title":"النكاح","lvl":8,"sub":1},{"id":3554,"title":"الهبة","lvl":8,"sub":2},{"id":3554,"title":"الصلح عن دم العمد، والصلح عن إنكار","lvl":8,"sub":3},{"id":3554,"title":"التصدق","lvl":8,"sub":4},{"id":3554,"title":"الإيداع والإعارة والرهن والشركة والمضاربة","lvl":8,"sub":5},{"id":3555,"title":"التوكيل في تملك المباحات وتحصيلها","lvl":7,"sub":0},{"id":3555,"title":"الوكالة بالخصومة كالمحاماة","lvl":7,"sub":1},{"id":3555,"title":"التوكيل بالبيع والشراء","lvl":7,"sub":2},{"id":3556,"title":"التوكيل بالشراء","lvl":7,"sub":0},{"id":3556,"title":"الوكالة العامة","lvl":8,"sub":1},{"id":3556,"title":"الوكالة الخاصة","lvl":8,"sub":2},{"id":3556,"title":"ضابط الجهالة القليلة","lvl":8,"sub":3},{"id":3556,"title":"الجهالة الكثيرة","lvl":8,"sub":4},{"id":3557,"title":"أمثلة الجهالة القليلة","lvl":8,"sub":0},{"id":3557,"title":"أمثلة الجهالة الكثيرة","lvl":8,"sub":1},{"id":3558,"title":"المبحث الثالث ـ أحكام الوكالة","lvl":3,"sub":0},{"id":3558,"title":"أولا ـ تصرف الوكيل","lvl":4,"sub":1},{"id":3558,"title":"1 - الوكيل بالخصومة (المحامي )","lvl":5,"sub":2},{"id":3558,"title":"أ - صلاحية الإقرار","lvl":6,"sub":3},{"id":3560,"title":"ب ـ صلاحية القبض","lvl":6,"sub":0},{"id":3560,"title":"جـ ـ صلاحية الصلح والإبراء","lvl":6,"sub":1},{"id":3560,"title":"د ـ توكيل الوكيل بالخصومة غيره","lvl":6,"sub":2},{"id":3560,"title":"2 - الوكيل بتقاضي الدين","lvl":5,"sub":3},{"id":3561,"title":"3 - الوكيل بقبض الدين","lvl":5,"sub":0},{"id":3562,"title":"الوكيل بقبض العين","lvl":6,"sub":0},{"id":3563,"title":"توكيل الوكيل بالقبض غيره","lvl":6,"sub":0},{"id":3564,"title":"أخذ العوض عن الدين","lvl":6,"sub":0},{"id":3564,"title":"توكيل اثنين بقبض الدين","lvl":6,"sub":1},{"id":3565,"title":"قبض الشيء معيبا","lvl":6,"sub":0},{"id":3565,"title":"ادعاء الوكالة عن الغائب في قبض الدين","lvl":6,"sub":1},{"id":3567,"title":"4 - الوكيل بالبيع","lvl":5,"sub":0},{"id":3569,"title":"صفة البيع نقدا أو نسيئة","lvl":6,"sub":0},{"id":3569,"title":"الوكيل بالشراء","lvl":6,"sub":1},{"id":3570,"title":"بيع الوكيل بعض الموكل ببيعه","lvl":6,"sub":0},{"id":3571,"title":"إبراء المشتري من الثمن","lvl":6,"sub":0},{"id":3571,"title":"توكيل الوكيل بالبيع غيره","lvl":6,"sub":1},{"id":3571,"title":"التصرفات المشبوهة أو المتهم فيها بالمحاباة","lvl":6,"sub":2},{"id":3574,"title":"5 - تصرفات الوكيل بالشراء","lvl":6,"sub":0},{"id":3575,"title":"الزيادة الكثيرة","lvl":7,"sub":0},{"id":3578,"title":"علاقة الوكيل بالشراء بموكله","lvl":7,"sub":0},{"id":3579,"title":"ثانيا ـ حقوق العقد وحكمه في الوكالة","lvl":4,"sub":0},{"id":3579,"title":"حقوق العقد","lvl":5,"sub":1},{"id":3579,"title":"الحنفية","lvl":6,"sub":2},{"id":3579,"title":"أ ـ والقاعدة العامة في هذا عند الحنفية أن كل عقد لا يحتاج فيه إلى إضافته إلى الموكل ويكتفي فيه بالإضافة إلى نفسه","lvl":7,"sub":3},{"id":3580,"title":"ب ـ وكل عقد يحتاج فيه إلى إضافته إلى الموكل، أي أن يذكر اسم الموكل في عبارته ليدل على أنه يتصرف له","lvl":7,"sub":0},{"id":3580,"title":"جـ ـ وكذلك العقود التي لا تتم إلا بالقبض","lvl":7,"sub":1},{"id":3580,"title":"الشافعية","lvl":6,"sub":2},{"id":3580,"title":"المالكية","lvl":6,"sub":3},{"id":3581,"title":"الحنابلة","lvl":6,"sub":0},{"id":3581,"title":"حقوق كل من الموكل والوكيل وواجباتهما في البيع","lvl":6,"sub":1},{"id":3581,"title":"واجبات الموكل في الوكالة بالبيع","lvl":7,"sub":2},{"id":3582,"title":"واجبات الوكيل بالبيع","lvl":7,"sub":0},{"id":3582,"title":"واجبات الموكل في الوكالة بالشراء","lvl":7,"sub":1},{"id":3582,"title":"واجبات الوكيل بالشراء","lvl":7,"sub":2},{"id":3582,"title":"حقوق الوكيل بالشراء","lvl":7,"sub":3},{"id":3582,"title":"حكم العقد","lvl":5,"sub":4},{"id":3582,"title":"المراد بحكم العقد","lvl":6,"sub":5},{"id":3582,"title":"أ ـ ففي عقد البيع ونحوه مما يتوقف على الإيجاب والقبول يكون الحكم","lvl":6,"sub":6},{"id":3583,"title":"ب ـ العقود التي لا تتم إلا بالقبض كالهبة والإعارة","lvl":6,"sub":0},{"id":3583,"title":"جـ ـ عقد الزواج","lvl":6,"sub":1},{"id":3583,"title":"ثالثا ـ حال المقبوض في يد الوكيل","lvl":4,"sub":2},{"id":3584,"title":"ذكر ابن قدامة في المغني حكم ستة أحوال يختلف فيها الوكيل والموكل","lvl":5,"sub":0},{"id":3584,"title":"أحدها ـ أن يختلفا في تلف أو ضياع المال","lvl":6,"sub":1},{"id":3584,"title":"ثانيها ـ أن يختلفا في تعدي الوكيل أو تفريطه في الحفظ ومخالفته أمر الموكل","lvl":6,"sub":2},{"id":3584,"title":"ثالثها ـ أن يختلفا في التصرف","lvl":6,"sub":3},{"id":3584,"title":"رابعها ـ أن يختلفا في رد الشيء الموكل فيه إلى الموكل","lvl":6,"sub":4},{"id":3585,"title":"خامسها ـ إذا اختلفا في أصل الوكالة","lvl":6,"sub":0},{"id":3585,"title":"سادسها ـ أن يختلفا في صفة الوكالة","lvl":6,"sub":1},{"id":3586,"title":"المبحث الرابع ـ تعدد الوكلاء","lvl":3,"sub":0},{"id":3587,"title":"إذا كان التصرف مما يحتاج فيه لأخذ الرأي","lvl":4,"sub":0},{"id":3588,"title":"إذا كان التصرف مما لا يحتاج فيه لأخذ الرأي","lvl":4,"sub":0},{"id":3588,"title":"المبحث الخامس ـ طرق انتهاء الوكالة","lvl":3,"sub":1},{"id":3588,"title":"صفة عقد الوكالة","lvl":4,"sub":2},{"id":3589,"title":"الوكالة بأجر","lvl":4,"sub":0},{"id":3589,"title":"تنتهي الوكالة بأمور كثيرة","lvl":4,"sub":1},{"id":3589,"title":"1 - عزل الموكل وكيله","lvl":5,"sub":2},{"id":3591,"title":"2- تصرف الموكل فيما وكل به","lvl":5,"sub":0},{"id":3591,"title":"3 - انتهاء الغرض من الوكالة","lvl":5,"sub":1},{"id":3591,"title":"4 - خروج الموكل أو الوكيل عن الأهلية","lvl":5,"sub":2},{"id":3592,"title":"5 - لحاق الموكل مرتدا بدار الحرب","lvl":5,"sub":0},{"id":3593,"title":"6 - عزل الوكيل نفسه أو أن يخرج الوكيل نفسه من الوكالة","lvl":5,"sub":0},{"id":3593,"title":"7 - هلاك العين الموكل بالتصرف فيها","lvl":5,"sub":1},{"id":3594,"title":"8 - خروج الموكل فيه عن ملك الموكل","lvl":5,"sub":0},{"id":3594,"title":"9 - الإفلاس","lvl":5,"sub":1},{"id":3594,"title":"10 - الجحود","lvl":5,"sub":2},{"id":3594,"title":"11 - التعدي","lvl":5,"sub":3},{"id":3594,"title":"12 - الفسق","lvl":5,"sub":4},{"id":3594,"title":"13 - الطلاق","lvl":5,"sub":5},{"id":3595,"title":"14 - مضي الوقت","lvl":5,"sub":0},{"id":3596,"title":"- - - -الجزء السادس- - - -","lvl":1,"sub":0},{"id":3596,"title":"الفصل العاشر: الكفالة","lvl":2,"sub":1},{"id":3596,"title":"خطة الموضوع وأسماء الكفالة","lvl":3,"sub":2},{"id":3596,"title":"المبحث الأول: مشروعية الكفالة وتعريفها وركنها وألفاظها","lvl":3,"sub":3},{"id":3596,"title":"مشروعية الكفالة","lvl":4,"sub":4},{"id":3597,"title":"حكمة تشريعها","lvl":4,"sub":0},{"id":3598,"title":"تعريفها","lvl":4,"sub":0},{"id":3600,"title":"ركن الكفالة","lvl":4,"sub":0},{"id":3601,"title":"ألفاظ الكفالة","lvl":4,"sub":0},{"id":3601,"title":"الكفالة نوعان","lvl":4,"sub":1},{"id":3601,"title":"أحوال ركن الكفالة","lvl":4,"sub":2},{"id":3602,"title":"أ ـ إن كانت الكفالة مطلقة","lvl":5,"sub":0},{"id":3602,"title":"ب ـ وإن كانت الكفالة مقيدة","lvl":5,"sub":1},{"id":3604,"title":"ج ـ إن كانت الكفالة معلقة بشرط","lvl":5,"sub":0},{"id":3604,"title":"تعليق كفالة المال على عدم الموافاة بالنفس","lvl":6,"sub":1},{"id":3606,"title":"د ـ وإن كانت الكفالة مضافة إلى وقت في المستقبل","lvl":5,"sub":0},{"id":3606,"title":"المبحث الثاني ـ شروط الكفالة","lvl":3,"sub":1},{"id":3606,"title":"شروط الصيغة","lvl":4,"sub":2},{"id":3606,"title":"1 - أن تكون بلفظ يدل على الالتزام","lvl":5,"sub":3},{"id":3606,"title":"2 - التنجيز في العقد","lvl":5,"sub":4},{"id":3607,"title":"3 - عدم التأقيت","lvl":5,"sub":0},{"id":3607,"title":"شروط الكفيل","lvl":4,"sub":1},{"id":3607,"title":"أولهما ـ أهلية العقل والبلوغ أي أهلية التبرع","lvl":5,"sub":2},{"id":3607,"title":"ثانيهما ـ الحرية","lvl":5,"sub":3},{"id":3608,"title":"شروط الأصيل","lvl":4,"sub":0},{"id":3608,"title":"أولهما ـ أن يكون قادرا على تسليم المكفول به","lvl":5,"sub":1},{"id":3608,"title":"ثانيهما ـ أن يكون الأصيل معروفا (أي معلوما) عند الكفيل","lvl":5,"sub":2},{"id":3609,"title":"شروط المكفول له","lvl":4,"sub":0},{"id":3609,"title":"أولا ـ أن يكون معلوما","lvl":5,"sub":1},{"id":3609,"title":"ثانيا ـ أن يكون المكفول له حاضرا في مجلس العقد","lvl":5,"sub":2},{"id":3610,"title":"ثالثا ـ أن يكون المكفول له عاقلا","lvl":5,"sub":0},{"id":3610,"title":"شروط المكفول به","lvl":4,"sub":1},{"id":3610,"title":"أولا ـ أن يكون المكفول به مضمونا على الأصيل","lvl":5,"sub":2},{"id":3611,"title":"ضمان الأعيان","lvl":6,"sub":0},{"id":3611,"title":"الكفالة بالنفس","lvl":6,"sub":1},{"id":3613,"title":"أحكام الكفالة بالنفس","lvl":7,"sub":0},{"id":3614,"title":"ثانيا ـ أن يكون المكفول به مقدور الاستيفاء من الكفيل","lvl":5,"sub":0},{"id":3615,"title":"ثالثا - أن يكون الدين لازما صحيحا","lvl":5,"sub":0},{"id":3617,"title":"ضمان الدرك","lvl":6,"sub":0},{"id":3618,"title":"المبحث الثالث ـ أحكام الكفالة","lvl":3,"sub":0},{"id":3618,"title":"أحدهما ـ ثبوت ولاية مطالبة الكفيل بما على الأصيل","lvl":4,"sub":1},{"id":3619,"title":"هل يبرأ الأصيل من الدين؟","lvl":5,"sub":0},{"id":3620,"title":"الحكم الثاني للكفالة: هو ثبوت ولاية مطالبة الكفيل الأصيل","lvl":4,"sub":0},{"id":3621,"title":"المبحث الرابع ـ انتهاء الكفالة","lvl":3,"sub":0},{"id":3621,"title":"الكفالة بالمال","lvl":4,"sub":1},{"id":3621,"title":"أولهما ـ أداء المال إلى الدائن","lvl":5,"sub":2},{"id":3622,"title":"ثانيهما ـ الإبراء","lvl":5,"sub":0},{"id":3623,"title":"إذا أحال الكفيل أو المدين الدائن بمال الكفالة على رجل","lvl":5,"sub":0},{"id":3623,"title":"بالصلح","lvl":5,"sub":1},{"id":3623,"title":"الكفالة بالنفس","lvl":4,"sub":2},{"id":3623,"title":"الأول ـ تسليم النفس","lvl":5,"sub":3},{"id":3624,"title":"الثاني ـ الإبراء","lvl":5,"sub":0},{"id":3624,"title":"الثالث ـ موت المكفول بنفسه","lvl":5,"sub":1},{"id":3625,"title":"الكفالة بالأعيان المضمونة","lvl":4,"sub":0},{"id":3625,"title":"أحدهما ـ تسليم العين المضمونة","lvl":5,"sub":1},{"id":3625,"title":"الثاني ـ الإبراء","lvl":5,"sub":2},{"id":3625,"title":"المبحث الخامس ـ رجوع الكفيل على الأصيل","lvl":3,"sub":3},{"id":3625,"title":"شرائط الرجوع","lvl":4,"sub":4},{"id":3625,"title":"1 - أن تكون الكفالة بأمر المكفول عنه","lvl":5,"sub":5},{"id":3626,"title":"2 - أن تكون الكفالة بإذن صحيح","lvl":5,"sub":0},{"id":3626,"title":"3 - إضافة الضمان إلى الأصيل","lvl":5,"sub":1},{"id":3626,"title":"4 - ألا يكون للأصيل على الكفيل دين مثل الدين الذي أداه الكفيل","lvl":5,"sub":2},{"id":3627,"title":"رجوع الكفيل على الأصيل حالة تعدد الكفلاء","lvl":4,"sub":0},{"id":3628,"title":"ما يرجع به الكفيل على الأصيل","lvl":4,"sub":0},{"id":3629,"title":"متى يرجع الكفيل على الأصيل؟","lvl":4,"sub":0},{"id":3629,"title":"ملحق ـ أخذ الأجر على الكفالة في الوقت الحاضر","lvl":3,"sub":1},{"id":3630,"title":"الاعتماد المستندي","lvl":3,"sub":0},{"id":3631,"title":"تطبيقات على الكفالات المعاصرة","lvl":3,"sub":0},{"id":3631,"title":"أولا ـ أهم أنواع الكفالات التجارية","lvl":4,"sub":1},{"id":3631,"title":"1 - ضمان الدرك أو ضمان العهدة","lvl":5,"sub":2},{"id":3632,"title":"2 - ضمان السوق","lvl":5,"sub":0},{"id":3632,"title":"3 - ضمان نقص الصنجة أو المكيال أو الذراع","lvl":5,"sub":1},{"id":3632,"title":"ثانيا ـ الاعتمادات المستندية","lvl":4,"sub":2},{"id":3632,"title":"الاعتماد المستندي","lvl":5,"sub":3},{"id":3633,"title":"حكمه حكم خطاب الضمان","lvl":5,"sub":0},{"id":3633,"title":"ثالثا ـ التأمين التجاري ذو القسط الثابت","lvl":4,"sub":1},{"id":3633,"title":"تعريفه قانونا","lvl":5,"sub":2},{"id":3634,"title":"الغرر","lvl":5,"sub":0},{"id":3635,"title":"الربا","lvl":5,"sub":0},{"id":3636,"title":"التأمين التعاوني","lvl":5,"sub":0},{"id":3636,"title":"رابعا ـ كفالات الإقامة والسفر","lvl":4,"sub":1},{"id":3638,"title":"الفصل الحادي عشر: الحوالة","lvl":2,"sub":0},{"id":3638,"title":"خطة الموضوع","lvl":3,"sub":1},{"id":3638,"title":"المبحث الأول ـ تعريف الحوالة ومشروعيتها وركنها وصيغتها","lvl":3,"sub":2},{"id":3638,"title":"تعريف الحوالة","lvl":4,"sub":3},{"id":3638,"title":"مشروعيتها","lvl":4,"sub":4},{"id":3640,"title":"ركن الحوالة","lvl":4,"sub":0},{"id":3642,"title":"المبحث الثاني ـ شروط الحوالة","lvl":3,"sub":0},{"id":3642,"title":"شروط الصيغة","lvl":4,"sub":1},{"id":3642,"title":"شروط المحيل","lvl":4,"sub":2},{"id":3642,"title":"أولا ـ أن يكون أهلا للعقد","lvl":5,"sub":3},{"id":3642,"title":"ثانيا ـ رضا المحيل","lvl":5,"sub":4},{"id":3642,"title":"شروط المحال","lvl":4,"sub":5},{"id":3642,"title":"أولا ـ أن يكون أهلا للعقد","lvl":5,"sub":6},{"id":3643,"title":"ثانيا ـ الرضا","lvl":5,"sub":0},{"id":3643,"title":"ثالثا ـ أن يتم قبوله في مجلس الحوالة","lvl":5,"sub":1},{"id":3643,"title":"شروط المحال عليه","lvl":4,"sub":2},{"id":3643,"title":"أولا ـ أن يكون أهلا للعقد","lvl":5,"sub":3},{"id":3643,"title":"ثانيا ـ الرضا","lvl":5,"sub":4},{"id":3644,"title":"ثالثا ـ أن يتم قبوله في مجلس العقد","lvl":5,"sub":0},{"id":3644,"title":"شروط المحال به","lvl":4,"sub":1},{"id":3644,"title":"أولا ـ أن يكون دينا","lvl":5,"sub":2},{"id":3644,"title":"ثانيا ـ أن يكون الدين لازما","lvl":5,"sub":3},{"id":3644,"title":"اشترط المالكية والشافعية","lvl":5,"sub":4},{"id":3644,"title":"الأول ـ أن يكون الدين المحال به قد حل","lvl":6,"sub":5},{"id":3644,"title":"الثاني ـ أن يكون الدين المحال به مساويا للمحال عليه في الصفة والمقدار","lvl":6,"sub":6},{"id":3644,"title":"الثالث ـ ألا يكون الدينان أو أحدهما طعاما من سلم","lvl":6,"sub":7},{"id":3644,"title":"نوعا الحوالة عند الحنفية","lvl":4,"sub":8},{"id":3644,"title":"المطلقة","lvl":5,"sub":9},{"id":3645,"title":"المقيدة","lvl":5,"sub":0},{"id":3645,"title":"الحوالة المطلقة تختلف عن الحوالة المقيدة في بعض الأحكام","lvl":5,"sub":1},{"id":3647,"title":"حوالة الحق","lvl":5,"sub":0},{"id":3647,"title":"حوالة الدين","lvl":5,"sub":1},{"id":3649,"title":"المبحث الثالث ـ أحكام الحوالة","lvl":3,"sub":0},{"id":3649,"title":"أولا ـ براءة المحيل","lvl":4,"sub":1},{"id":3650,"title":"كيفية النقل الذي يتم بالحوالة","lvl":5,"sub":0},{"id":3651,"title":"ثانيا ـ ثبوت ولاية المطالبة للمحال على المحال عليه بدين في ذمته","lvl":4,"sub":0},{"id":3651,"title":"ثالثا ـ ثبوت حق الملازمة للمحال عليه على المحيل إذا لازمه المحال","lvl":4,"sub":1},{"id":3651,"title":"المبحث الرابع ـ انتهاء الحوالة","lvl":3,"sub":2},{"id":3651,"title":"1 - فسخ الحوالة","lvl":4,"sub":3},{"id":3652,"title":"2 - أن يتوى حق المحال بموت أو إفلاس أو غيره","lvl":4,"sub":0},{"id":3653,"title":"3 - أداء المحال عليه المال إلى المحال","lvl":4,"sub":0},{"id":3653,"title":"4 - أن يموت المحال ويرث المحال عليه مال الحوالة","lvl":4,"sub":1},{"id":3653,"title":"5 - أن يهب المحال المال للمحال عليه ويقبل الهبة","lvl":4,"sub":2},{"id":3653,"title":"6 - أن يتصدق المحال على المحال عليه","lvl":4,"sub":3},{"id":3653,"title":"7 - أن يبرئ المحال المحال عليه","lvl":4,"sub":4},{"id":3653,"title":"المبحث الخامس ـ رجوع المحال عليه على المحيل","lvl":3,"sub":5},{"id":3653,"title":"شرائط الرجوع","lvl":4,"sub":6},{"id":3653,"title":"1 - أن تكون الحوالة بأمر المحيل","lvl":5,"sub":7},{"id":3653,"title":"2 - أداء مال الحوالة","lvl":5,"sub":8},{"id":3653,"title":"3 - ألا يكون للمحيل على المحال عليه دين مماثل للدين الذي أحيل به المحال","lvl":5,"sub":9},{"id":3654,"title":"ما يرجع به المحال عليه على المحيل","lvl":4,"sub":0},{"id":3654,"title":"اختلاف المحيل مع المحال","lvl":4,"sub":1},{"id":3654,"title":"السفاتج","lvl":4,"sub":2},{"id":3655,"title":"الفصل الثاني عشر: الرهن","lvl":2,"sub":0},{"id":3655,"title":"خطة البحث","lvl":3,"sub":1},{"id":3655,"title":"المبحث الأول ـ تعريف الرهن ومشروعيته وركنه وعناصره وأحواله","lvl":3,"sub":2},{"id":3655,"title":"تعريف الرهن","lvl":4,"sub":3},{"id":3657,"title":"صفة الرهن العامة","lvl":4,"sub":0},{"id":3657,"title":"مشروعيته وحكمه","lvl":4,"sub":1},{"id":3659,"title":"حكم الرهن التكليفي شرعا","lvl":4,"sub":0},{"id":3659,"title":"ركن الرهن وعناصره","lvl":4,"sub":1},{"id":3659,"title":"أحوال الرهن","lvl":4,"sub":2},{"id":3660,"title":"المبحث الثاني - شروط الرهن","lvl":3,"sub":0},{"id":3660,"title":"المطلب الأول ـ شروط العاقدين","lvl":4,"sub":1},{"id":3660,"title":"الأهلية","lvl":5,"sub":2},{"id":3662,"title":"رهن الولي والوصي مال الصغير عند الحنفية","lvl":6,"sub":0},{"id":3662,"title":"1 - رهن مال الصغير أو المجنون بدين لهما","lvl":7,"sub":1},{"id":3662,"title":"2 - رهن مال القاصر بدين للولي","lvl":7,"sub":2},{"id":3663,"title":"3 - موقف الصغير من الرهن بعد البلوغ","lvl":7,"sub":0},{"id":3664,"title":"تعدد أطراف الرهن","lvl":6,"sub":0},{"id":3664,"title":"في حالة تعدد الراهنين","lvl":7,"sub":1},{"id":3664,"title":"في حالة تعدد المرتهنين","lvl":7,"sub":2},{"id":3665,"title":"المطلب الثاني ـ شروط الصيغة","lvl":4,"sub":0},{"id":3669,"title":"المطلب الثالث ـ شروط المرهون به","lvl":4,"sub":0},{"id":3669,"title":"المرهون به","lvl":5,"sub":1},{"id":3669,"title":"يشترط فيه عند الحنفية","lvl":5,"sub":2},{"id":3669,"title":"الشرط الأول ـ أن يكون حقا واجب التسليم إلى صاحبه","lvl":6,"sub":3},{"id":3670,"title":"أولا - إن كان دينا","lvl":7,"sub":0},{"id":3671,"title":"ثانيا ـ وإن كان المرهون به عينا","lvl":7,"sub":0},{"id":3671,"title":"إن كانت العين أمانة","lvl":8,"sub":1},{"id":3672,"title":"إن كانت العين مضمونة بنفسها","lvl":8,"sub":0},{"id":3672,"title":"إن كانت العين مضمونة بغيرها","lvl":8,"sub":1},{"id":3673,"title":"بناء على اشتراط كون المرهون به حقا واجب التسليم إلى صاحبه يتفرع ما يأت","lvl":7,"sub":0},{"id":3673,"title":"1 - الرهن على نقود بعينها","lvl":8,"sub":1},{"id":3673,"title":"2 - الرهن بالدين الموعود به أو بما سيقرضه المرتهن للراهن","lvl":8,"sub":2},{"id":3674,"title":"3 - الرهن بالدرك","lvl":8,"sub":0},{"id":3674,"title":"الشرط الثاني ـ أن يمكن استيفاء الدين من المرهون به","lvl":6,"sub":1},{"id":3675,"title":"الشرط الثالث ـ أن يكون الحق المرهون به معلوما","lvl":6,"sub":0},{"id":3676,"title":"اشترط الشافعية والحنابلة في المرهون به","lvl":5,"sub":0},{"id":3676,"title":"1 - أن يكون دينا ثابتا واجبا","lvl":6,"sub":1},{"id":3676,"title":"2 - أن يكون الدين لازما في الحال أو آيلا إلى اللزوم","lvl":6,"sub":2},{"id":3677,"title":"3 - أن يكون الدين معلوما أو معينا قدره وصفته للعاقدين","lvl":6,"sub":0},{"id":3677,"title":"المطلب الرابع ـ شروط المال المرهون","lvl":4,"sub":1},{"id":3677,"title":"المرهون","lvl":5,"sub":2},{"id":3678,"title":"شروط المرهون عند الحنفية","lvl":5,"sub":0},{"id":3678,"title":"1 - أن يكون المرهون قابلا للبيع","lvl":6,"sub":1},{"id":3678,"title":"رهن الثمر أو الزرع الأخضر قبل بدو صلاحه","lvl":7,"sub":2},{"id":3679,"title":"2 - أن يكون مالا","lvl":6,"sub":0},{"id":3679,"title":"رهن المنفعة","lvl":7,"sub":1},{"id":3680,"title":"3 - أن يكون متقوما","lvl":6,"sub":0},{"id":3680,"title":"رهن الخمر والخنزير","lvl":7,"sub":1},{"id":3680,"title":"4 - أن يكون معلوما","lvl":6,"sub":2},{"id":3680,"title":"رهن المجهول","lvl":7,"sub":3},{"id":3681,"title":"5 - أن يكون مملوكا للراهن","lvl":6,"sub":0},{"id":3682,"title":"6 - أن يكون مفرغا","lvl":6,"sub":0},{"id":3682,"title":"7 - أن يكون محوزا","lvl":6,"sub":1},{"id":3682,"title":"8 - أن يكون متميزا","lvl":6,"sub":2},{"id":3683,"title":"المطلب الخامس ـ شرط تمام الرهن ـ قبض المرهون","lvl":4,"sub":0},{"id":3685,"title":"كيفية القبض أو ما يتحقق به القبض","lvl":5,"sub":0},{"id":3686,"title":"الرهن الرسمي للعقار أو ما ينوب مناب القبض","lvl":5,"sub":0},{"id":3686,"title":"شروط القبض","lvl":5,"sub":1},{"id":3686,"title":"أولا ـ أن يكون بإذن الراهن","lvl":6,"sub":2},{"id":3687,"title":"ثانيا ـ أن يكون كل من عاقدي الرهن حين القبض أهلا للعقد","lvl":6,"sub":0},{"id":3688,"title":"ثالثا ـ استدامة قبض الرهن","lvl":6,"sub":0},{"id":3689,"title":"القبض السابق للرهن، أو رهن ما في يد المرتهن","lvl":5,"sub":0},{"id":3693,"title":"من يتولى قبض الرهن","lvl":5,"sub":0},{"id":3693,"title":"العدل","lvl":5,"sub":1},{"id":3693,"title":"تعيين العدل","lvl":6,"sub":2},{"id":3695,"title":"عزل العدل","lvl":6,"sub":0},{"id":3696,"title":"أحكام العدل أو ما له وما عليه","lvl":6,"sub":0},{"id":3699,"title":"المطلب السادس ـ ما يترتب على شروط الرهن أو ما يجوز ارتهانه وما لا يجوز","lvl":4,"sub":0},{"id":3699,"title":"1 - رهن المشاع","lvl":5,"sub":1},{"id":3701,"title":"2 - رهن المتصل بغيره والمشغول","lvl":5,"sub":0},{"id":3702,"title":"3 - رهن الدين","lvl":5,"sub":0},{"id":3704,"title":"4 - رهن العين المستأجرة أو المعارة","lvl":5,"sub":0},{"id":3705,"title":"5 - رهن المستعار","lvl":5,"sub":0},{"id":3706,"title":"انتفاع المستعير بالعارية","lvl":6,"sub":0},{"id":3707,"title":"نوع ضمان هلاك العارية","lvl":6,"sub":0},{"id":3707,"title":"طلب المعير فكاك العارية من الرهن","lvl":6,"sub":1},{"id":3707,"title":"الاستئجار للرهن","lvl":6,"sub":2},{"id":3708,"title":"6 - رهن ملك الغير","lvl":5,"sub":0},{"id":3709,"title":"7 - رهن العين المرهونة (تعدد الرهن )","lvl":5,"sub":0},{"id":3712,"title":"8 - رهن الوارث جزءا من التركة المديونة","lvl":5,"sub":0},{"id":3713,"title":"9 - رهن ما يتسارع إليه الفساد","lvl":5,"sub":0},{"id":3714,"title":"10 - رهن العصير","lvl":5,"sub":0},{"id":3715,"title":"11 - رهن المصحف","lvl":5,"sub":0},{"id":3715,"title":"المبحث الثالث ـ أحكام الرهن أو آثاره","lvl":3,"sub":1},{"id":3715,"title":"الرهن الصحيح","lvl":4,"sub":2},{"id":3715,"title":"غير الصحيح","lvl":4,"sub":3},{"id":3715,"title":"الباطل","lvl":4,"sub":4},{"id":3715,"title":"الفاسد","lvl":4,"sub":5},{"id":3715,"title":"أحكام الرهن الصحيح","lvl":4,"sub":6},{"id":3715,"title":"حكم الرهن الصحيح أو حكم لزوم الرهن","lvl":5,"sub":7},{"id":3717,"title":"آثار عقد الرهن","lvl":5,"sub":0},{"id":3717,"title":"المطلب الأول ـ تعلق الدين بالمرهون","lvl":6,"sub":1},{"id":3720,"title":"المطلب الثاني ـ حق حبس الرهن","lvl":6,"sub":0},{"id":3720,"title":"قال الحنفية","lvl":7,"sub":1},{"id":3721,"title":"قال الجمهور","lvl":7,"sub":0},{"id":3722,"title":"مطالبة المرتهن بوفاء دينه مع استمرار حبس الرهن","lvl":7,"sub":0},{"id":3723,"title":"المطلب الثالث ـ حفظ المال المرهون","lvl":6,"sub":0},{"id":3723,"title":"المطلب الرابع ـ الإنفاق على الرهن أو مؤنة الرهن","lvl":6,"sub":1},{"id":3726,"title":"المطلب الخامس ـ الانتفاع بالرهن","lvl":6,"sub":0},{"id":3726,"title":"أولا ـ انتفاع الراهن بالرهن","lvl":7,"sub":1},{"id":3727,"title":"إصلاح الرهن","lvl":8,"sub":0},{"id":3728,"title":"ثانيا ـ انتفاع المرتهن بالرهن","lvl":7,"sub":0},{"id":3733,"title":"المطلب السادس ـ التصرف في الرهن","lvl":6,"sub":0},{"id":3733,"title":"أولا ـ تصرف الراهن بالرهن","lvl":7,"sub":1},{"id":3733,"title":"أ ـ قبل التسليم","lvl":8,"sub":2},{"id":3733,"title":"ب ـ بعد التسليم","lvl":8,"sub":3},{"id":3736,"title":"ثانيا ـ تصرف المرتهن بالرهن","lvl":7,"sub":0},{"id":3739,"title":"المطلب السابع ـ ضمان الرهن","lvl":6,"sub":0},{"id":3739,"title":"أولا ـ صفة يد المرتهن","lvl":7,"sub":1},{"id":3741,"title":"ثانيا ـ كيفية ضمان المرتهن","lvl":7,"sub":0},{"id":3741,"title":"1 - مذهب الحنفية","lvl":8,"sub":1},{"id":3741,"title":"شرائط الضمان","lvl":9,"sub":2},{"id":3742,"title":"نقص سعر المرهون","lvl":9,"sub":0},{"id":3742,"title":"نقص قيمة الرهن بسبب هلاك بعضه أو تعيبه","lvl":9,"sub":1},{"id":3742,"title":"2 - مذهب الجمهور غير الحنفية في كيفية ضمان الرهن","lvl":8,"sub":2},{"id":3743,"title":"ثالثا ـ حكم استهلاك الرهن","lvl":7,"sub":0},{"id":3745,"title":"المطلب الثامن ـ بيع الرهن","lvl":6,"sub":0},{"id":3745,"title":"أولا ـ ولاية بيع المرهون","lvl":7,"sub":1},{"id":3745,"title":"أ ـ البيع الاختياري","lvl":8,"sub":2},{"id":3747,"title":"ب ـ البيع الجبري","lvl":8,"sub":0},{"id":3747,"title":"ثانيا ـ بيع ما يتسارع إليه الفساد","lvl":7,"sub":1},{"id":3748,"title":"ثالثا ـ حق امتياز المرتهن","lvl":7,"sub":0},{"id":3749,"title":"رابعا ـ اشتراط المرتهن تملكه للرهن عند عدم الوفاء (غلق الرهن )","lvl":7,"sub":0},{"id":3750,"title":"خامسا ـ استحقاق الرهن بعد بيعه","lvl":7,"sub":0},{"id":3752,"title":"المطلب التاسع ـ تسليم المرهون","lvl":6,"sub":0},{"id":3752,"title":"انتهاء الدين","lvl":7,"sub":1},{"id":3753,"title":"متى يتم تسليم المرهون؟","lvl":7,"sub":0},{"id":3754,"title":"مكان تسليم المرهون","lvl":7,"sub":0},{"id":3755,"title":"أحكام الرهن الفاسد","lvl":4,"sub":0},{"id":3756,"title":"المبحث الرابع ـ نماء الرهن أو زوائده","lvl":3,"sub":0},{"id":3758,"title":"المبحث الخامس ـ الزيادة على الرهن أو على الدين المرهون به","lvl":3,"sub":0},{"id":3758,"title":"المبحث السادس ـ انتهاء عقد الرهن","lvl":3,"sub":1},{"id":3761,"title":"المبحث السابع ـ اختلاف الراهن والمرتهن","lvl":3,"sub":0},{"id":3763,"title":"الفصل الثالث عشر: الصلح","lvl":2,"sub":0},{"id":3763,"title":"خطة الموضوع","lvl":3,"sub":1},{"id":3763,"title":"المبحث الأول ـ تعريف الصلح ومشروعيته وأنواعه وركنه","lvl":3,"sub":2},{"id":3763,"title":"تعريف الصلح","lvl":4,"sub":3},{"id":3763,"title":"مشروعيته","lvl":4,"sub":4},{"id":3765,"title":"حكمته","lvl":4,"sub":0},{"id":3765,"title":"أنواع الصلح","lvl":4,"sub":1},{"id":3765,"title":"1 - صلح مع إقرار المدعى عليه","lvl":5,"sub":2},{"id":3766,"title":"2 - صلح مع إنكار المدعى عليه","lvl":5,"sub":0},{"id":3768,"title":"3 - الصلح مع سكوت المدعى عليه","lvl":5,"sub":0},{"id":3769,"title":"أقسام الصلح عند الشافعية","lvl":4,"sub":0},{"id":3769,"title":"أحدهما ـ الصلح الذي يجري بين المتداعيين","lvl":5,"sub":1},{"id":3769,"title":"1 - صلح على إقرار","lvl":6,"sub":2},{"id":3770,"title":"2 - الصلح على الإنكار أو السكوت من المدعى عليه","lvl":6,"sub":0},{"id":3770,"title":"القسم الثاني ـ الصلح بين المدعي والأجنبي","lvl":5,"sub":1},{"id":3771,"title":"ما يتضمنه الصلح من العقود","lvl":4,"sub":0},{"id":3772,"title":"ركن الصلح","lvl":4,"sub":0},{"id":3772,"title":"المبحث الثاني ـ شروط الصلح","lvl":3,"sub":1},{"id":3772,"title":"شروط المصالح","lvl":4,"sub":2},{"id":3772,"title":"1 - أن يكون عاقلا","lvl":5,"sub":3},{"id":3772,"title":"2 - ألا يكون المصالح بالصلح على الصغير مضرا به مضرة ظاهرة","lvl":5,"sub":4},{"id":3773,"title":"3 - أن يكون المصالح عن الصغير ممن يملك التصرف في ماله","lvl":5,"sub":0},{"id":3773,"title":"4 - ألا يكون المصالح مرتدا","lvl":5,"sub":1},{"id":3773,"title":"شروط المصالح عليه","lvl":4,"sub":2},{"id":3773,"title":"1 - أن يكون المصالح عليه مالا","lvl":5,"sub":3},{"id":3774,"title":"بدل الصلح","lvl":6,"sub":0},{"id":3774,"title":"إن كان المدعى به عينا والصلح عن إقرار","lvl":6,"sub":1},{"id":3775,"title":"إن كان البدل حيوانا موصوفا في الذمة","lvl":6,"sub":0},{"id":3775,"title":"إن كان المدعى به دينا والصلح عن إقرار","lvl":6,"sub":1},{"id":3775,"title":"أ ـ فإن كان دراهم أو دنانير فصالح منها","lvl":7,"sub":2},{"id":3778,"title":"ب ـ وإن كان المدعى به دينا سوى الدراهم والدنانير","lvl":7,"sub":0},{"id":3779,"title":"إن كان المدعى به حيوانا موصوفا في الذمة","lvl":6,"sub":0},{"id":3780,"title":"بدل الصلح منفعة","lvl":6,"sub":0},{"id":3781,"title":"2 - الشرط الثاني من شروط المصالح عليه (بدل الصلح) أن يكون متقوما","lvl":5,"sub":0},{"id":3782,"title":"3 - الشرط الثالث ـ أن يكون مملوكا للمصالح","lvl":5,"sub":0},{"id":3782,"title":"4 - الشرط الرابع ـ أن يكون معلوما","lvl":5,"sub":1},{"id":3782,"title":"شروط المصالح عنه","lvl":4,"sub":2},{"id":3782,"title":"أحدها ـ أن يكون حقا للإنسان لا حقا لله عز وجل","lvl":5,"sub":3},{"id":3785,"title":"الصلح عن المجهول","lvl":6,"sub":0},{"id":3786,"title":"الشرط الثاني ـ أن يكون المصالح عنه حقا للمصالح","lvl":5,"sub":0},{"id":3786,"title":"الشرط الثالث ـ أن يكون حقا ثابتا للمصالح في محل الصلح","lvl":5,"sub":1},{"id":3790,"title":"الصلح على العيب","lvl":6,"sub":0},{"id":3790,"title":"الصلح بين المدعي والأجنبي","lvl":6,"sub":1},{"id":3791,"title":"صلح الفضولي","lvl":6,"sub":0},{"id":3792,"title":"الخلع من الأجنبي","lvl":6,"sub":0},{"id":3793,"title":"المبحث الثالث ـ أحكام الصلح","lvl":3,"sub":0},{"id":3795,"title":"المبحث الرابع ـ مبطلات عقد الصلح وحكمه بعد البطلان","lvl":3,"sub":0},{"id":3795,"title":"مبطلات الصلح","lvl":4,"sub":1},{"id":3796,"title":"حكم الصلح بعد بطلانه","lvl":4,"sub":0},{"id":3796,"title":"الصلح عن التركة (التخارج )","lvl":4,"sub":1},{"id":3798,"title":"الفصل الرابع عشر: الإبراء","lvl":2,"sub":0},{"id":3798,"title":"المبحث الأول ـ تعريف الإبراء ومشروعيته","lvl":3,"sub":1},{"id":3798,"title":"الحنفية","lvl":4,"sub":2},{"id":3798,"title":"المالكية","lvl":4,"sub":3},{"id":3798,"title":"الشافعية","lvl":4,"sub":4},{"id":3798,"title":"الحنابلة","lvl":4,"sub":5},{"id":3798,"title":"مشروعية الإبراء","lvl":4,"sub":6},{"id":3799,"title":"المبحث الثاني ـ ركن الإبراء","lvl":3,"sub":0},{"id":3799,"title":"هل يحتاج الإبراء إلى قبول؟","lvl":4,"sub":1},{"id":3800,"title":"رد الإبراء","lvl":4,"sub":0},{"id":3801,"title":"الرد المعتبر","lvl":5,"sub":0},{"id":3802,"title":"المبحث الثالث ـ شروط الإبراء","lvl":3,"sub":0},{"id":3802,"title":"أولا ـ شروط المبرئ","lvl":4,"sub":1},{"id":3802,"title":"1 - أن يكون من أهل التبرع","lvl":5,"sub":2},{"id":3802,"title":"2 - أن يكون ذا ولاية على الحق المبرأ منه","lvl":5,"sub":3},{"id":3802,"title":"3 - الرضا","lvl":5,"sub":4},{"id":3802,"title":"التوكيل بالإبراء","lvl":5,"sub":5},{"id":3803,"title":"الإبراء في مرض الموت","lvl":5,"sub":0},{"id":3803,"title":"ثانيا ـ شروط المبرأ","lvl":4,"sub":1},{"id":3804,"title":"ثالثا ـ شروط المبرأ منه (محل الإبراء )","lvl":4,"sub":0},{"id":3804,"title":"1 - أن يكون عند الشافعية في الجديد معلوما","lvl":5,"sub":1},{"id":3805,"title":"2 - ألا يكون المبرأ منه عينا من الأعيان","lvl":5,"sub":0},{"id":3805,"title":"3 - أن يكون المبرأ منه موجودا عند الإبراء","lvl":5,"sub":1},{"id":3805,"title":"رابعا ـ شروط صيغة الإبراء","lvl":4,"sub":2},{"id":3806,"title":"1 - أن يكون منجزا","lvl":5,"sub":0},{"id":3806,"title":"التعليق على شرط","lvl":6,"sub":1},{"id":3807,"title":"التقييد بالشرط","lvl":6,"sub":0},{"id":3807,"title":"الإبراء بشرط أداء البعض","lvl":6,"sub":1},{"id":3807,"title":"آ ـ فإن صدر مطلقا عن الشرط","lvl":7,"sub":2},{"id":3807,"title":"ب ـ وإن كان الإبراء فيه معلقا على أداء الباقي","lvl":7,"sub":3},{"id":3807,"title":"جـ ـ وإن كان الإبراء فيه مقيدا بشرط أداء الباقي","lvl":7,"sub":4},{"id":3808,"title":"2 - ألا يتنافى مع الشرع","lvl":5,"sub":0},{"id":3808,"title":"3 - أن يكون للمبرئ ملك سابق في الحق المبرأ منه","lvl":5,"sub":1},{"id":3809,"title":"4 - أن يقع الإبراء بعد وجوب الحق المبرأ منه أو وجود سببه","lvl":5,"sub":0},{"id":3810,"title":"المبحث الرابع ـ محل الإبراء","lvl":3,"sub":0},{"id":3810,"title":"محل الإبراء","lvl":4,"sub":1},{"id":3810,"title":"الإبراء عن الأعيان","lvl":5,"sub":2},{"id":3810,"title":"الإبراء عن دعوى العين","lvl":6,"sub":3},{"id":3810,"title":"الإبراء عن العين نفسها","lvl":6,"sub":4},{"id":3811,"title":"الإبراء عن الديون الثابتة في الذمم","lvl":6,"sub":0},{"id":3811,"title":"الإبراء عن الحقوق","lvl":5,"sub":1},{"id":3811,"title":"بعض أحكام الإبراء عن بعض الحقوق لاختصاصها بأحكام خاصة","lvl":6,"sub":2},{"id":3811,"title":"1 - الإبراء من نفقة الزوجة","lvl":7,"sub":3},{"id":3812,"title":"2 - المبارأة بين الزوجين","lvl":7,"sub":0},{"id":3812,"title":"3 - الإبراء عن حق الدعوى","lvl":7,"sub":1},{"id":3812,"title":"المبحث الخامس ـ أنواع الإبراء","lvl":3,"sub":2},{"id":3812,"title":"التقسيم الأول ـ الإبراء من حيث الشمول وعدمه","lvl":4,"sub":3},{"id":3813,"title":"التقسيم الثاني ـ الإبراء من حيث الزمن والأشخاص","lvl":4,"sub":0},{"id":3813,"title":"التقسيم الثالث ـ الإبراء بحسب صيغته","lvl":4,"sub":1},{"id":3814,"title":"المبحث السادس ـ حكم الإبراء وحكم الرجوع عنه","lvl":3,"sub":0},{"id":3815,"title":"سماع الدعوى بعد الإبراء العام","lvl":4,"sub":0},{"id":3815,"title":"أثر الإقرار بعد الإبراء","lvl":4,"sub":1},{"id":3815,"title":"الإبراء بعوض","lvl":4,"sub":2},{"id":3816,"title":"الفصل الخامس عشر: الاستحقاق","lvl":2,"sub":0},{"id":3816,"title":"المبحث الأول ـ تعريف الاستحقاق وحكمه المترتب عليه","lvl":3,"sub":1},{"id":3816,"title":"الاستحقاق","lvl":4,"sub":2},{"id":3816,"title":"الاستحقاق بالنسبة لفسخ العقد نوعان","lvl":4,"sub":3},{"id":3817,"title":"1 - مبطل للملك بالكلية","lvl":5,"sub":0},{"id":3817,"title":"2 - وناقل للملك من شخص إلى آخر","lvl":5,"sub":1},{"id":3817,"title":"حكمه","lvl":4,"sub":2},{"id":3817,"title":"إثبات المستحق حقه","lvl":4,"sub":3},{"id":3818,"title":"تناقض الادعاءات","lvl":4,"sub":0},{"id":3819,"title":"المبحث الثاني ـ حكم الاستحقاق في طائفة من العقود","lvl":3,"sub":0},{"id":3819,"title":"أولا ـ الاستحقاق في عقد البيع والمقايضة","lvl":4,"sub":1},{"id":3819,"title":"أثر الاستحقاق في المقايضة","lvl":5,"sub":2},{"id":3819,"title":"أثر الاستحقاق في البيع","lvl":5,"sub":3},{"id":3819,"title":"رأي الحنفية","lvl":6,"sub":4},{"id":3819,"title":"1 - استحقاق بعض المبيع","lvl":7,"sub":5},{"id":3819,"title":"أ ـ إن استحق بعض المعقود عليه قبل القبض، ولم يجز المستحق","lvl":8,"sub":6},{"id":3819,"title":"ب ـ وإن كان الاستحقاق بعد قبض البعض دون البعض أو بعد قبض الكل","lvl":8,"sub":7},{"id":3820,"title":"2 - استحقاق المبيع كله","lvl":7,"sub":0},{"id":3820,"title":"شروط الرجوع بالثمن","lvl":8,"sub":1},{"id":3820,"title":"1 - أن يكون الاستحقاق ناقلا لملك البائع","lvl":8,"sub":2},{"id":3820,"title":"2 - ألا يتصالح المشتري والمستحق على أن يدفع المستحق إلى المشتري بعض الثمن ويأخذ المبيع","lvl":8,"sub":3},{"id":3820,"title":"3 - ألا يكون البائع قد أبرأ المشتري عن الثمن قبل ا لاستحقاق","lvl":8,"sub":4},{"id":3820,"title":"شرط سماع دعوى الاستحقاق قبل قبض المبيع","lvl":9,"sub":5},{"id":3821,"title":"3 - استحقاق احتباس المبيع","lvl":7,"sub":0},{"id":3821,"title":"رأي المالكية","lvl":6,"sub":1},{"id":3822,"title":"رأي الشافعية","lvl":6,"sub":0},{"id":3823,"title":"رأي الحنابلة","lvl":6,"sub":0},{"id":3824,"title":"ثانيا ـ الاستحقاق في عقد الرهن (استحقاق المرهون )","lvl":4,"sub":0},{"id":3824,"title":"رأي الحنفية","lvl":5,"sub":1},{"id":3824,"title":"رأي المالكية","lvl":5,"sub":2},{"id":3825,"title":"رأي الشافعية","lvl":5,"sub":0},{"id":3825,"title":"رأي الحنابلة","lvl":5,"sub":1},{"id":3825,"title":"ثالثا ـ الاستحقاق في القسمة (استحقاق المقسوم كله أو بعضه )","lvl":4,"sub":2},{"id":3825,"title":"رأي الحنفية","lvl":5,"sub":3},{"id":3825,"title":"رأي المالكية","lvl":5,"sub":4},{"id":3825,"title":"رأي الشافعية","lvl":5,"sub":5},{"id":3825,"title":"رأي الحنابلة","lvl":5,"sub":6},{"id":3826,"title":"رابعا ـ الاستحقاق في الصلح (استحقاق محل الصلح أو عوض الصلح )","lvl":4,"sub":0},{"id":3826,"title":"رأي الحنفية","lvl":5,"sub":1},{"id":3827,"title":"رأي المالكية","lvl":5,"sub":0},{"id":3828,"title":"رأي الشافعية","lvl":5,"sub":0},{"id":3828,"title":"رأي الحنابلة","lvl":5,"sub":1},{"id":3828,"title":"خامسا ـ الاستحقاق في الإجارة (استحقاق الأجرة أو المأجور )","lvl":4,"sub":2},{"id":3828,"title":"رأي الحنفية","lvl":5,"sub":3},{"id":3829,"title":"رأي المالكية","lvl":5,"sub":0},{"id":3829,"title":"رأي الشافعية","lvl":5,"sub":1},{"id":3829,"title":"رأي الحنابلة","lvl":5,"sub":2},{"id":3829,"title":"سادسا ـ الاستحقاق في المساقاة والمزارعة","lvl":4,"sub":3},{"id":3829,"title":"رأي الحنفية","lvl":5,"sub":4},{"id":3829,"title":"رأي المالكية","lvl":5,"sub":5},{"id":3829,"title":"رأي الشافعية","lvl":5,"sub":6},{"id":3830,"title":"رأي الحنابلة","lvl":5,"sub":0},{"id":3830,"title":"سابعا ـ الاستحقاق في عقد الزواج","lvl":4,"sub":1},{"id":3830,"title":"1 - استحقاق الصداق","lvl":5,"sub":2},{"id":3831,"title":"2 - استحقاق بدل الخلع","lvl":5,"sub":0},{"id":3832,"title":"ثامنا ـ الاستحقاق في الوصية والوقف (استحقاق الموصى به والموقوف )","lvl":4,"sub":0},{"id":3832,"title":"حكم استحقاق الموصى به","lvl":5,"sub":1},{"id":3832,"title":"حكم استحقاق الموقوف","lvl":5,"sub":2},{"id":3833,"title":"المبحث الثالث ـ حكم استحقاق الأضحية والهدي","lvl":3,"sub":0},{"id":3833,"title":"رأي الحنفية","lvl":4,"sub":1},{"id":3833,"title":"رأي المالكية","lvl":4,"sub":2},{"id":3834,"title":"رأي الشافعية","lvl":4,"sub":0},{"id":3834,"title":"رأي الحنابلة","lvl":4,"sub":1},{"id":3835,"title":"الفصل السادس عشر: المقاصة","lvl":2,"sub":0},{"id":3835,"title":"المبحث الأول ـ معنى المقاصة ومشروعيتها","lvl":3,"sub":1},{"id":3835,"title":"المبحث الثاني ـ محل المقاصة","lvl":3,"sub":2},{"id":3836,"title":"المبحث الثالث ـ أنواع المقاصة","lvl":3,"sub":0},{"id":3836,"title":"أولا ـ المقاصة الجبرية وشروطها","lvl":4,"sub":1},{"id":3836,"title":"المقاصة الجبرية","lvl":5,"sub":2},{"id":3837,"title":"شروط المقاصة الجبرية","lvl":5,"sub":0},{"id":3837,"title":"1 - تلاقي الحقين أو الدينين","lvl":6,"sub":1},{"id":3838,"title":"2 - تماثل الدينين","lvl":6,"sub":0},{"id":3839,"title":"اختلاف السببين","lvl":7,"sub":0},{"id":3840,"title":"3 - انتفاء الضرر","lvl":6,"sub":0},{"id":3841,"title":"حق الدائن طالب البيع","lvl":7,"sub":0},{"id":3841,"title":"4 - ألا يترتب على المقاصة محظور ديني","lvl":6,"sub":1},{"id":3841,"title":"ثانيا ـ المقاصة الاتفاقية","lvl":4,"sub":2},{"id":3841,"title":"ثالثا ـ المقاصة غير الجائزة","lvl":4,"sub":3},{"id":3842,"title":"1 - الصرف","lvl":5,"sub":0},{"id":3843,"title":"2 - المقاصة برأس مال السلم","lvl":5,"sub":0},{"id":3844,"title":"3 - المقاصة بالمسلم فيه","lvl":5,"sub":0},{"id":3844,"title":"4 - رأس مال السلم بعد الإقالة","lvl":5,"sub":1},{"id":3845,"title":"5 - شبهة الربا","lvl":5,"sub":0},{"id":3845,"title":"المبحث الرابع ـ أحكام المقاصة","lvl":3,"sub":1},{"id":3845,"title":"ما الذي يسقط بالمقاصة؟ أهو نفس الدين أو المطالبة به؟","lvl":4,"sub":2},{"id":3846,"title":"نقض المقاصة","lvl":4,"sub":0},{"id":3847,"title":"الفصل السابع عشر: الإكراه","lvl":2,"sub":0},{"id":3847,"title":"خطة الموضوع","lvl":3,"sub":1},{"id":3847,"title":"المبحث الأول ـ حقيقة الإكراه ونوعاه","lvl":3,"sub":2},{"id":3847,"title":"حقيقة الإكراه","lvl":4,"sub":3},{"id":3847,"title":"نوعا الإكراه","lvl":4,"sub":4},{"id":3847,"title":"الإكراه الملجئ","lvl":5,"sub":5},{"id":3848,"title":"الإكراه غير الملجئ أو الناقص","lvl":5,"sub":0},{"id":3849,"title":"المبحث الثاني ـ شروط الإكراه","lvl":3,"sub":0},{"id":3849,"title":"الأول ـ أن يكون المكره قادرا على تنفيذ ما هدد به","lvl":4,"sub":1},{"id":3849,"title":"الثاني ـ أن يغلب على ظن المستكره أن المكره سينفذ تهديده لو لم يحقق ما أكره عليه","lvl":4,"sub":2},{"id":3849,"title":"الثالث ـ أن يكون الأمر المكره به متضمنا إتلاف نفس أو عضو أو مال أو متضمنا أذى بعض الناس الذين يهمه أمرهم","lvl":4,"sub":3},{"id":3849,"title":"الرابع ـ أن يكون المستكره ممتنعا عن الفعل الذي أكره عليه قبل الإكراه","lvl":4,"sub":4},{"id":3849,"title":"الخامس ـ أن يكون المهدد به أشد خطرا على المستكره مما أكره عليه","lvl":4,"sub":5},{"id":3849,"title":"السادس ـ أن يترتب على فعل المكره به الخلاص من المهدد به","lvl":4,"sub":6},{"id":3849,"title":"السابع ـ أن يكون المهدد به عاجلا","lvl":4,"sub":7},{"id":3850,"title":"الثامن ـ ألا يخالف المستكره المكره بفعل غير ما أكره عليه أو بالزيادة عليه، أو بالنقصان عنه","lvl":4,"sub":0},{"id":3850,"title":"التاسع ـ اشترط الشافعية أن يكون المكره عليه معينا","lvl":4,"sub":1},{"id":3850,"title":"العاشر ـ ألا يكون المهدد به حقا للمكره يتوصل به إلى ما ليس حقا له ولا واجبا","lvl":4,"sub":2},{"id":3851,"title":"الحادي عشر ـ ألا يكون المكره عليه مستحقا على المستكره","lvl":4,"sub":0},{"id":3852,"title":"المبحث الثالث ـ أثر الإكراه في التصرفات الحسية(أي الفعلية أو الوقائع المادية )","lvl":3,"sub":0},{"id":3852,"title":"أحكام الآخرة في التصرفات الحسية المكره عليها","lvl":4,"sub":1},{"id":3852,"title":"1 - التصرف الحسي المباح بالإكراه","lvl":5,"sub":2},{"id":3852,"title":"2 - التصرف الحسي المرخص بالإكراه","lvl":5,"sub":3},{"id":3855,"title":"3 - التصرف الحسي الحرام الذي لا يباح ولا يرخص بالإكراه","lvl":5,"sub":0},{"id":3856,"title":"الأحكام الدنيوية","lvl":4,"sub":0},{"id":3856,"title":"النوع الأول","lvl":5,"sub":1},{"id":3856,"title":"1 ـ الإكراه على شرب الخمر","lvl":6,"sub":2},{"id":3857,"title":"2 ـ الإكراه على السرقة","lvl":6,"sub":0},{"id":3858,"title":"النوع الثاني","lvl":5,"sub":0},{"id":3858,"title":"1 ـ الإكراه على الكفر","lvl":6,"sub":1},{"id":3859,"title":"الإكراه على الإسلام","lvl":7,"sub":0},{"id":3859,"title":"2 ـ الإكراه على إتلاف المال","lvl":6,"sub":1},{"id":3859,"title":"إن كان الإكراه تاما","lvl":7,"sub":2},{"id":3860,"title":"إن كان الإكراه ناقصا","lvl":7,"sub":0},{"id":3860,"title":"النوع الثالث","lvl":5,"sub":1},{"id":3860,"title":"1 ـ الإكراه على القتل","lvl":6,"sub":2},{"id":3860,"title":"إذا كان الإكراه تاما","lvl":7,"sub":3},{"id":3861,"title":"إذا كان الإكراه ناقصا","lvl":7,"sub":0},{"id":3862,"title":"2 ـ الإكراه على الزنا","lvl":6,"sub":0},{"id":3862,"title":"إذا أكرهت المرأة على الزنا","lvl":7,"sub":1},{"id":3862,"title":"إذا أكره الرجل على الزنا","lvl":7,"sub":2},{"id":3863,"title":"الإكراه على أحد أمرين","lvl":6,"sub":0},{"id":3864,"title":"المبحث الرابع ـ أثر الإكراه في التصرفات الشرعية","lvl":3,"sub":0},{"id":3865,"title":"أولا ـ التصرفات التي لا تحتمل الفسخ (أي الرد، وهي التصرفات اللازمة )","lvl":4,"sub":0},{"id":3868,"title":"ثانيا ـ التصرفات التي تحتمل الفسخ","lvl":4,"sub":0},{"id":3870,"title":"حكم بيع المستكره","lvl":5,"sub":0},{"id":3870,"title":"أثر الإكراه على الإقرارات","lvl":5,"sub":1},{"id":3871,"title":"أثر الإكراه في التصرفات الشرعية المخير فيها","lvl":5,"sub":0},{"id":3873,"title":"الفصل الثامن عشر: الحجر","lvl":2,"sub":0},{"id":3873,"title":"المبحث الأول ـ تعريف الحجر ومشروعيته وحكمة تشريعه ونوعاه","lvl":3,"sub":1},{"id":3873,"title":"أولا ـ تعريف الحجر","lvl":4,"sub":2},{"id":3875,"title":"ثانيا ـ دليل مشروعية الحجر","lvl":4,"sub":0},{"id":3876,"title":"ثالثا ـ حكمة تشريع الحجر","lvl":4,"sub":0},{"id":3878,"title":"رابعا ـ تقسيم الحجر بحسب نوع المصلحة","lvl":4,"sub":0},{"id":3878,"title":"الأول ـ حجر لمصلحة المحجور عليه","lvl":5,"sub":1},{"id":3878,"title":"الثاني ـ حجر لمصلحة الغير","lvl":5,"sub":2},{"id":3878,"title":"المبحث الثاني ـ أسباب الحجر","lvl":3,"sub":3},{"id":3878,"title":"المطلب الأول ـ أثر الحجر في تصرفات الصغير","lvl":4,"sub":4},{"id":3878,"title":"حكم تصرفات الصغير","lvl":5,"sub":5},{"id":3878,"title":"أولا ـ آراء الفقهاء في حكم تصرفات الصغير أو أثر الحجر عليه","lvl":6,"sub":6},{"id":3881,"title":"ثانيا ـ عدم تسليم الصغير أمواله","lvl":6,"sub":0},{"id":3881,"title":"أ ـ فإن بلغ رشيدا","lvl":7,"sub":1},{"id":3882,"title":"إن كان ذكرا","lvl":8,"sub":0},{"id":3882,"title":"المهمل","lvl":9,"sub":1},{"id":3882,"title":"الأنثى","lvl":8,"sub":2},{"id":3883,"title":"ب ـ وإن بلغ الصغير غير رشيد","lvl":7,"sub":0},{"id":3883,"title":"ثالثا ـ البلوغ","lvl":6,"sub":1},{"id":3886,"title":"رابعا ـ الرشد","lvl":6,"sub":0},{"id":3887,"title":"خامسا ـ ولي المحجور عليه","lvl":6,"sub":0},{"id":3889,"title":"سادسا ـ تصرفات ولي القاصر","lvl":6,"sub":0},{"id":3889,"title":"الحنفية","lvl":7,"sub":1},{"id":3891,"title":"المالكية","lvl":7,"sub":0},{"id":3893,"title":"الشافعية","lvl":7,"sub":0},{"id":3894,"title":"الحنابلة","lvl":7,"sub":0},{"id":3896,"title":"سابعا ـ الإذن للقاصر في التصرفات","lvl":6,"sub":0},{"id":3896,"title":"إذن الولي للقاصر بالتجارة","lvl":7,"sub":1},{"id":3897,"title":"الشافعية","lvl":8,"sub":0},{"id":3897,"title":"2 - وقال الحنفية، والمالكية في المعتمد عندهم، والحنابلة في الرواية الراجحة","lvl":8,"sub":1},{"id":3897,"title":"أثر الإذن","lvl":7,"sub":2},{"id":3897,"title":"الحنفية","lvl":8,"sub":3},{"id":3898,"title":"مذهب المالكية","lvl":8,"sub":0},{"id":3898,"title":"مذهب الحنابلة","lvl":8,"sub":1},{"id":3899,"title":"المطلب الثاني ـ أثر الحجر في تصرفات المجنون","lvl":4,"sub":0},{"id":3899,"title":"المطلب الثالث ـ أثر الحجر في تصرفات المعتوه","lvl":4,"sub":1},{"id":3900,"title":"المطلب الرابع ـ أثر الحجر على السفيه","lvl":4,"sub":0},{"id":3900,"title":"السفيه","lvl":5,"sub":1},{"id":3901,"title":"1 - مذهب الحنفية","lvl":5,"sub":0},{"id":3903,"title":"2 - مذهب المالكية","lvl":5,"sub":0},{"id":3904,"title":"3 - مذهب الشافعية","lvl":5,"sub":0},{"id":3906,"title":"4 - مذهب الحنابلة","lvl":5,"sub":0},{"id":3908,"title":"المطلب الخامس - أثر الحجر على المغفل","lvl":4,"sub":0},{"id":3908,"title":"المغفل أو ذو الغفلة","lvl":5,"sub":1},{"id":3908,"title":"بدء الحجر على السفيه والمغفل ونهايته","lvl":5,"sub":2},{"id":3909,"title":"المطلب السادس ـ الحجر على الفاسق","lvl":4,"sub":0},{"id":3909,"title":"ملاحظة حول الحجر على الغائب","lvl":5,"sub":1},{"id":3910,"title":"المطلب السابع ـ الحجر للمصلحة العامة","lvl":4,"sub":0},{"id":3910,"title":"المفتي الماجن","lvl":5,"sub":1},{"id":3910,"title":"المكاري المفلس","lvl":5,"sub":2},{"id":3911,"title":"المطلب الثامن ـ الحجر على المريض مرض الموت","lvl":4,"sub":0},{"id":3913,"title":"المطلب التاسع ـ الحجر على الزوجة","lvl":4,"sub":0},{"id":3915,"title":"ملحق ـ هل للمرأة الصدقة من مال زوجها بالشيء اليسير بغير إذنه؟","lvl":5,"sub":0},{"id":3916,"title":"المطلب العاشر ـ الحجر على المدين وأثره (التفليس )","lvl":4,"sub":0},{"id":3916,"title":"أولا ـ تعريف التفليس والمفلس","lvl":5,"sub":1},{"id":3917,"title":"ثانيا ـ هل يحجر على المدين المفلس؟","lvl":5,"sub":0},{"id":3918,"title":"ثالثا ـ هل يتوقف الحجر على المدين على قضاء القاضي؟","lvl":5,"sub":0},{"id":3918,"title":"1 - مذهب المالكية","lvl":6,"sub":1},{"id":3918,"title":"الحالة الأولى ـ قبل التفليس","lvl":7,"sub":2},{"id":3918,"title":"الحالة الثانية ـ ألا يرفع الأمر إلى الحاكم","lvl":7,"sub":3},{"id":3919,"title":"الحالة الثالثة ـ حكم الحاكم بتفليسه","lvl":7,"sub":0},{"id":3919,"title":"2 ـ مذهب الجمهور","lvl":6,"sub":1},{"id":3920,"title":"الفرق بين حجر المدين وحجر السفيه","lvl":6,"sub":0},{"id":3920,"title":"رابعا ـ سفر المدين المفلس","lvl":5,"sub":1},{"id":3921,"title":"خامسا ـ أثر الحجر على المفلس أو أحكام الحجر","lvl":5,"sub":0},{"id":3921,"title":"1 - تعلق حق الغرماء بعين ماله، ومنعه من التصرف بماله","lvl":6,"sub":1},{"id":3923,"title":"2 - حلول الديون المؤجلة","lvl":6,"sub":0},{"id":3923,"title":"3 - الملازمة والحبس الاحتياطي للمدين","lvl":6,"sub":1},{"id":3923,"title":"الملازمة","lvl":7,"sub":2},{"id":3924,"title":"حبس المدين","lvl":7,"sub":0},{"id":3925,"title":"الحنفية","lvl":8,"sub":0},{"id":3925,"title":"يشترط للحبس","lvl":9,"sub":1},{"id":3925,"title":"أولهما ـ أن يكون الدين حالا","lvl":10,"sub":2},{"id":3925,"title":"ثانيهما ـ يشترط في المدين شروط ثلاثة","lvl":10,"sub":3},{"id":3926,"title":"ثالثها ـ أن يطلب الدائن (صاحب الدين) من القاضي حبس المدين","lvl":10,"sub":0},{"id":3926,"title":"المالكية","lvl":8,"sub":1},{"id":3927,"title":"الشافعية والحنابلة","lvl":8,"sub":0},{"id":3928,"title":"4 - بيع مال المدين المحجور عليه وقسمة ثمنه بين الغرماء","lvl":6,"sub":0},{"id":3930,"title":"5 - استرداد الدائن عين ماله الذي وجده في مال المفلس","lvl":6,"sub":0},{"id":3931,"title":"أمور تتعلق برجوع صاحب المتاع أو المال على المفلس","lvl":6,"sub":0},{"id":3931,"title":"أولا - هل خيار الرجوع على الفور أو على التراخي؟","lvl":7,"sub":1},{"id":3931,"title":"ثانيا ـ حق الرجوع في كل المعاوضات","lvl":7,"sub":2},{"id":3931,"title":"ثالثا ـ شروط الرجوع","lvl":7,"sub":3},{"id":3931,"title":"عند الشافعية","lvl":8,"sub":4},{"id":3933,"title":"الحنابلة","lvl":8,"sub":0},{"id":3934,"title":"عند المالكية","lvl":8,"sub":0},{"id":3934,"title":"رابعا ـ زيادة المبيع عند المشتري المفلس","lvl":7,"sub":1},{"id":3935,"title":"الحالة الأولى ـ الزيادة المتصلة","lvl":8,"sub":0},{"id":3935,"title":"الحالة الثانية ـ الزيادة المنفصلة","lvl":8,"sub":1},{"id":3935,"title":"الحالة الثالثة ـ الزيادة بسبب الصبغ","lvl":8,"sub":2},{"id":3935,"title":"الحالة الرابعة ـ الزيادة بالبناء أو الغرس أو الزراعة","lvl":8,"sub":3},{"id":3936,"title":"خامسا ـ تغيير المبيع بطحن الحنطة أو غزل الصوف ونحوهما","lvl":7,"sub":0},{"id":3937,"title":"سادسا ـ خلط المبيع بغيره","lvl":7,"sub":0},{"id":3937,"title":"سابعا ـ نقص المبيع","lvl":7,"sub":1},{"id":3938,"title":"المبحث الثالث ـ رفع الحجر عن المحجورين","lvl":3,"sub":0},{"id":3938,"title":"عن السفيه","lvl":4,"sub":1},{"id":3938,"title":"عن المجنون","lvl":4,"sub":2},{"id":3938,"title":"المعتوه","lvl":4,"sub":3},{"id":3938,"title":"الصغير","lvl":4,"sub":4},{"id":3939,"title":"المفلس","lvl":4,"sub":0},{"id":3940,"title":"المبحث الرابع ـ تعلق الدين بالتركة","lvl":3,"sub":0},{"id":3940,"title":"1 - هل تحل الديون المؤجلة بالموت؟","lvl":4,"sub":1},{"id":3941,"title":"2 - كيفية تعلق الدين بالتركة","lvl":4,"sub":0},{"id":3941,"title":"3 - هل يمنع الدين نقل التركة إلى الورثة؟","lvl":4,"sub":1},{"id":3942,"title":"&*&القسْمُ الرَّابع: المِلْكيّة وَتوابعُها&*&","lvl":2,"sub":1},{"id":3943,"title":"تمهيد","lvl":2,"sub":0},{"id":3944,"title":"((الباب الأول: الملكية وخصائصها))","lvl":2,"sub":0},{"id":3944,"title":"الفصل الأول: تعريف الملكية والملك","lvl":3,"sub":1},{"id":3945,"title":"الفصل الثاني: قابلية المال للتملك وعدمها","lvl":3,"sub":0},{"id":3945,"title":"1 - ما لا يقبل التمليك ولا التملك بحال","lvl":4,"sub":1},{"id":3945,"title":"2 - ما لا يقبل التملك إلا بمسوغ شرعي","lvl":4,"sub":2},{"id":3946,"title":"3 - ما يجوز تملكه وتمليكه مطلقا بدون قيد","lvl":4,"sub":0},{"id":3946,"title":"الفصل الثالث: أنواع الملك","lvl":3,"sub":1},{"id":3946,"title":"الملك التام","lvl":4,"sub":2},{"id":3946,"title":"الملك الناقص","lvl":4,"sub":3},{"id":3947,"title":"الفصل الرابع: أنواع الملك الناقص","lvl":3,"sub":0},{"id":3947,"title":"1 - ملك العين فقط","lvl":4,"sub":1},{"id":3947,"title":"2 - ملك المنفعة الشخصي أو حق الانتفاع","lvl":4,"sub":2},{"id":3947,"title":"الإعارة","lvl":5,"sub":3},{"id":3948,"title":"الإجارة","lvl":5,"sub":0},{"id":3948,"title":"الوقف","lvl":5,"sub":1},{"id":3948,"title":"الوصية بالمنفعة","lvl":5,"sub":2},{"id":3949,"title":"الإباحة","lvl":5,"sub":0},{"id":3949,"title":"الفرق بين الإباحة والملك","lvl":5,"sub":1},{"id":3949,"title":"خصائص حق المنفعة أو الانتفاع الشخصي","lvl":5,"sub":2},{"id":3950,"title":"انتهاء حق المنفعة","lvl":5,"sub":0},{"id":3951,"title":"3 - ملك المنفعة العيني أو حق الارتفاق","lvl":4,"sub":0},{"id":3951,"title":"حق الشرب","lvl":5,"sub":1},{"id":3951,"title":"حق الشفة","lvl":5,"sub":2},{"id":3952,"title":"حق المجرى","lvl":5,"sub":0},{"id":3952,"title":"حق المسيل","lvl":5,"sub":1},{"id":3952,"title":"حق المرور","lvl":5,"sub":2},{"id":3952,"title":"حق الجوار","lvl":5,"sub":3},{"id":3952,"title":"1 - حق التعلي","lvl":6,"sub":4},{"id":3952,"title":"2 ـ حق الجوار الجانبي","lvl":6,"sub":5},{"id":3954,"title":"أمور ثلاثة متعلقة بحقوق الارتفاق","lvl":5,"sub":0},{"id":3954,"title":"الأول ـ الفرق بين حق الارتفاق وحق الانتفاع الشخصي","lvl":6,"sub":1},{"id":3954,"title":"الثاني ـ خصائص حقوق الارتفاق","lvl":6,"sub":2},{"id":3955,"title":"الثالث ـ أسباب حقوق الارتفاق","lvl":6,"sub":0},{"id":3955,"title":"الفصل الخامس: أسباب الملك التام","lvl":3,"sub":1},{"id":3957,"title":"1 - الاستيلاء على المباح","lvl":4,"sub":0},{"id":3957,"title":"الاستيلاء على المباح له صور أربع","lvl":5,"sub":1},{"id":3957,"title":"أولا ـ إحياء الموات","lvl":6,"sub":2},{"id":3958,"title":"ثانيا ـ الاصطياد","lvl":6,"sub":0},{"id":3959,"title":"ثالثا ـ الاستيلاء على الكلأ والآجام","lvl":6,"sub":0},{"id":3959,"title":"رابعا ـ الاستيلاء على المعادن والكنوز","lvl":6,"sub":1},{"id":3960,"title":"حكم المعادن","lvl":5,"sub":0},{"id":3962,"title":"حكم الكنز","lvl":5,"sub":0},{"id":3962,"title":"الإسلامي","lvl":6,"sub":1},{"id":3962,"title":"الجاهلي","lvl":6,"sub":2},{"id":3963,"title":"2 - العقود الناقلة للملكية","lvl":4,"sub":0},{"id":3963,"title":"3 - الخلفية","lvl":4,"sub":1},{"id":3964,"title":"4 - التولد من المملوك","lvl":4,"sub":0},{"id":3965,"title":"الفصل السادس: طبيعة الملكية أو هل الملكية الخاصة في تشريع الإسلام مطلقة أو مقيدة؟","lvl":3,"sub":0},{"id":3965,"title":"تمهيد","lvl":4,"sub":1},{"id":3965,"title":"النظام الرأسمالي","lvl":4,"sub":2},{"id":3966,"title":"النظام الاشتراكي","lvl":4,"sub":0},{"id":3967,"title":"نظام الإسلام الاقتصادي والاجتماعي","lvl":4,"sub":0},{"id":3968,"title":"المال والملكية في تقدير الإسلام","lvl":5,"sub":0},{"id":3970,"title":"تقييد الملكية","lvl":5,"sub":0},{"id":3975,"title":"قيود الملكية","lvl":5,"sub":0},{"id":3975,"title":"القيد الأول ـ منع الإضرار بالآخرين","lvl":6,"sub":1},{"id":3975,"title":"الضرر أربعة أقسام","lvl":7,"sub":2},{"id":3975,"title":"1 - الضرر المؤكد الوقوع","lvl":8,"sub":3},{"id":3975,"title":"2 - الضرر الغالب وقوعه","lvl":8,"sub":4},{"id":3975,"title":"3 - الضرر الكثير غير الغالب","lvl":8,"sub":5},{"id":3976,"title":"4 - الضرر القليل","lvl":8,"sub":0},{"id":3976,"title":"القيد الثاني - منع الملكية الخاصة في بعض الحالات","lvl":6,"sub":1},{"id":3979,"title":"القيد الثالث ـ حقوق الجماعة في ملكيات الأفراد","lvl":6,"sub":0},{"id":3979,"title":"الحقوق العامة للجماعة في أموال الأغنياء أو الموارد المالية للدولة","lvl":7,"sub":1},{"id":3979,"title":"1 - الزكاة","lvl":8,"sub":2},{"id":3980,"title":"2 - تأمين حاجيات الدفاع عن البلاد","lvl":8,"sub":0},{"id":3981,"title":"3 - كفاية الفقراء","lvl":8,"sub":0},{"id":3983,"title":"4 - الإنفاق على الأقارب","lvl":8,"sub":0},{"id":3983,"title":"5 - صدقات الفطر","lvl":8,"sub":1},{"id":3983,"title":"6 - الأضاحي","lvl":8,"sub":2},{"id":3983,"title":"7 - النذور والكفارات","lvl":8,"sub":3},{"id":3984,"title":"((الباب الثاني: توابع الملكية))","lvl":2,"sub":0},{"id":3984,"title":"الفصل الأول: أحكام الأراضي","lvl":3,"sub":1},{"id":3984,"title":"أولا ـ أحكام الأراضي المستولى عليها بالفتح","lvl":4,"sub":2},{"id":3984,"title":"1 - الأراضي التي فتحت عنوة","lvl":5,"sub":3},{"id":3986,"title":"الأدلة","lvl":6,"sub":0},{"id":3988,"title":"هل القسمة ملزمة للإمام أو له الخيار في أمور أخرى؟","lvl":6,"sub":0},{"id":3989,"title":"أدلة القائلين بإعطاء الخيار للإمام في وقف الأرض","lvl":6,"sub":0},{"id":3992,"title":"2 - الأرض التي جلا عنها أهلها خوفا","lvl":5,"sub":0},{"id":3994,"title":"3 - الأرض التي فتحت صلحا","lvl":5,"sub":0},{"id":3995,"title":"ثانيا ـ أحكام الأراضي في داخل الدولة","lvl":4,"sub":0},{"id":3995,"title":"1 - حكم الأرض المملوكة العامرة","lvl":5,"sub":1},{"id":3995,"title":"2 - حكم الأرض الخراب التي انقطع ماؤها","lvl":5,"sub":2},{"id":3997,"title":"3 - حكم الأرض الموات: الأرض الموات كما عرفنا نوعان","lvl":5,"sub":0},{"id":3998,"title":"هل يحتاج إحياء الموات إلى إذن الحاكم؟","lvl":6,"sub":0},{"id":3999,"title":"هل للبئر أو النهر في أرض الموات حريم ؟","lvl":6,"sub":0},{"id":3999,"title":"حريم العين","lvl":7,"sub":1},{"id":3999,"title":"حريم بئر العطن","lvl":7,"sub":2},{"id":4000,"title":"حريم بئر الناضح","lvl":7,"sub":0},{"id":4000,"title":"حريم النهر","lvl":7,"sub":1},{"id":4000,"title":"فائدة تملك الحريم","lvl":7,"sub":2},{"id":4001,"title":"حريم البئر المستحدث","lvl":7,"sub":0},{"id":4002,"title":"الفصل الثاني: إحياء الموات ( استصلاح الأراضي والبناء فيها )","lvl":3,"sub":0},{"id":4002,"title":"المبحث الأول ـ تعريف إحياء الموات ومشروعيته والترغيب فيه شرعا","lvl":4,"sub":1},{"id":4002,"title":"تعريف إحياء الموات","lvl":5,"sub":2},{"id":4003,"title":"مشروعيته","lvl":5,"sub":0},{"id":4004,"title":"المبحث الثاني ـ الموات القابل للإحياء","lvl":4,"sub":0},{"id":4006,"title":"آراء المذاهب في الموات القابل للإحياء","lvl":5,"sub":0},{"id":4006,"title":"1 - مذهب الحنفية","lvl":6,"sub":1},{"id":4006,"title":"2 - مذهب المالكية","lvl":6,"sub":2},{"id":4007,"title":"3 - مذهب الشافعية","lvl":6,"sub":0},{"id":4007,"title":"4 - مذهب الحنابلة","lvl":6,"sub":1},{"id":4007,"title":"المبحث الثالث ـ كيفية الإحياء وطرقه","lvl":4,"sub":2},{"id":4007,"title":"الحنفية","lvl":5,"sub":3},{"id":4007,"title":"المالكية","lvl":5,"sub":4},{"id":4008,"title":"الشافعية","lvl":5,"sub":0},{"id":4009,"title":"الحنابلة","lvl":5,"sub":0},{"id":4009,"title":"هل يحصل الإحياء بالتحجير؟","lvl":5,"sub":1},{"id":4011,"title":"المبحث الرابع ـ شروط الإحياء","lvl":4,"sub":0},{"id":4011,"title":"المطلب الأول ـ شروط المحيي","lvl":5,"sub":1},{"id":4012,"title":"المطلب الثاني ـ شروط الأرض المحياة","lvl":5,"sub":0},{"id":4013,"title":"المطلب الثالث ـ شروط الإحياء الذي يثبت به الملك","lvl":5,"sub":0},{"id":4014,"title":"المبحث الخامس ـ أحكام إحياء الموات","lvl":4,"sub":0},{"id":4014,"title":"المطلب الأول ـ تملك الأرض المحياة","lvl":5,"sub":1},{"id":4014,"title":"المطلب الثاني ـ وظيفة الأرض المحياة","lvl":5,"sub":2},{"id":4016,"title":"المطلب الثالث ـ القيد الوارد على ملكية المحيي والملكية الإضافية ـ الحريم","lvl":5,"sub":0},{"id":4016,"title":"الحريم","lvl":6,"sub":1},{"id":4017,"title":"مشروعية الحريم","lvl":6,"sub":0},{"id":4017,"title":"مذهب الحنفية","lvl":7,"sub":1},{"id":4017,"title":"1 ـ حريم العين الجارية","lvl":8,"sub":2},{"id":4017,"title":"2 ـ وحريم البئر","lvl":8,"sub":3},{"id":4018,"title":"3 ـ حريم القناة","lvl":8,"sub":0},{"id":4018,"title":"4 ـ حريم النهر","lvl":8,"sub":1},{"id":4018,"title":"5 ـ حريم الشجر","lvl":8,"sub":2},{"id":4018,"title":"المالكية","lvl":7,"sub":3},{"id":4019,"title":"حريم البئر","lvl":8,"sub":0},{"id":4019,"title":"حريم الدار","lvl":8,"sub":1},{"id":4019,"title":"حريم القرية","lvl":8,"sub":2},{"id":4019,"title":"حريم الشجر","lvl":8,"sub":3},{"id":4019,"title":"الشافعية","lvl":7,"sub":4},{"id":4019,"title":"حريم القرية المحياة","lvl":8,"sub":5},{"id":4019,"title":"حريم البئر المحفورة في الموات","lvl":8,"sub":6},{"id":4019,"title":"حريم بئر الشرب","lvl":8,"sub":7},{"id":4020,"title":"حريم النهر","lvl":8,"sub":0},{"id":4020,"title":"حريم الدار المبنية في الموات","lvl":8,"sub":1},{"id":4020,"title":"حريم آبار القناة","lvl":8,"sub":2},{"id":4020,"title":"مذهب الحنابلة","lvl":7,"sub":3},{"id":4020,"title":"البئر العادية","lvl":8,"sub":4},{"id":4020,"title":"البئر غير العادية (البئر البديء)","lvl":8,"sub":5},{"id":4020,"title":"حريم عين وقناة من موات حولها","lvl":8,"sub":6},{"id":4021,"title":"حريم نهر من حافتيه","lvl":8,"sub":0},{"id":4021,"title":"حريم شجرة","lvl":8,"sub":1},{"id":4021,"title":"حريم أرض زراعة","lvl":8,"sub":2},{"id":4021,"title":"حريم الدار","lvl":8,"sub":3},{"id":4022,"title":"الفصل الثالث: أحكام المعادن والحمى والإقطاع","lvl":3,"sub":0},{"id":4022,"title":"المبحث الأول ـ الحمى","lvl":4,"sub":1},{"id":4022,"title":"أولا ـ أصل الحمى ومعناه","lvl":5,"sub":2},{"id":4022,"title":"ثانيا ـ مشروعيته","lvl":5,"sub":3},{"id":4024,"title":"ثالثا ـ حكم ما حماه النبي صلى الله عليه وسلم أو إمام غيره","lvl":5,"sub":0},{"id":4025,"title":"المبحث الثاني ـ الإقطاع","lvl":4,"sub":0},{"id":4025,"title":"أولا ـ تعريف الإقطاع","lvl":5,"sub":1},{"id":4026,"title":"ثانيا ـ مشروعيته","lvl":5,"sub":0},{"id":4027,"title":"ثالثا ـ أنواع الإقطاع","lvl":5,"sub":0},{"id":4027,"title":"1 - حكم إقطاع الموات","lvl":6,"sub":1},{"id":4028,"title":"2 - حكم إقطاع العامر وهو إقطاع الإرفاق","lvl":6,"sub":0},{"id":4029,"title":"3 - حكم إقطاع المعادن وملكيتها","lvl":6,"sub":0},{"id":4029,"title":"تعريف المعادن","lvl":7,"sub":1},{"id":4029,"title":"الركاز أو الكنز","lvl":7,"sub":2},{"id":4030,"title":"أنواع المعادن","lvl":7,"sub":0},{"id":4030,"title":"عند الحنفية","lvl":8,"sub":1},{"id":4030,"title":"1) ـ ما يقبل الطرق والسحب","lvl":9,"sub":2},{"id":4030,"title":"2) ـ مالا يقبل الطرق والسحب أو ما لا يذوب بالإذابة","lvl":9,"sub":3},{"id":4030,"title":"3) ـ المعادن السائلة أو المائعة","lvl":9,"sub":4},{"id":4030,"title":"الشافعية والحنابلة","lvl":8,"sub":5},{"id":4030,"title":"أ ـ فالظاهرة","lvl":9,"sub":6},{"id":4030,"title":"ب ـ والباطنة","lvl":9,"sub":7},{"id":4030,"title":"حكم المعادن عند الحنفية","lvl":7,"sub":8},{"id":4031,"title":"حكم ملكيتها وزكاتها","lvl":8,"sub":0},{"id":4031,"title":"أولا ـ المعدن","lvl":8,"sub":1},{"id":4032,"title":"ثانيا ـ الكنز","lvl":8,"sub":0},{"id":4033,"title":"ثالثا ـ المستخرج من البحر","lvl":8,"sub":0},{"id":4033,"title":"المعادن عند المالكية","lvl":7,"sub":1},{"id":4033,"title":"أولا ـ المعدن: ملكيته، والواجب فيه","lvl":8,"sub":2},{"id":4034,"title":"ثانيا ـ الركاز","lvl":8,"sub":0},{"id":4035,"title":"المعادن عند الشافعية والحنابلة","lvl":7,"sub":0},{"id":4035,"title":"1) - المعدن غير الركاز","lvl":8,"sub":1},{"id":4035,"title":"2) - والمعادن الظاهرة","lvl":8,"sub":2},{"id":4036,"title":"3) - ومن أحيا أرضا مواتا","lvl":8,"sub":0},{"id":4036,"title":"4) - ومن سبق في الموات إلى معدن ظاهر أو باطن","lvl":8,"sub":1},{"id":4036,"title":"5) - أما الواجب في المعدن","lvl":8,"sub":2},{"id":4036,"title":"6) - وأما الكنز","lvl":8,"sub":3},{"id":4037,"title":"الفصل الرابع: حقوق الارتفاق","lvl":3,"sub":0},{"id":4037,"title":"المبحث الأول ـ تعريف حق الارتفاق، والفرق بينه وبين حق الانتفاع، ووصفه الفقهي أحكامه العامة","lvl":4,"sub":1},{"id":4037,"title":"أولا ـ تعريف حق الارتفاق","lvl":5,"sub":2},{"id":4038,"title":"ثانيا ـ الفرق بين حق الارتفاق وحق الانتفاع","lvl":5,"sub":0},{"id":4039,"title":"ثالثا ـ وصفه الفقهي","lvl":5,"sub":0},{"id":4040,"title":"رابعا ـ أحكام حق الارتفاق العامة","lvl":5,"sub":0},{"id":4040,"title":"المبحث الثاني ـ أنواع حقوق الارتفاق","lvl":4,"sub":1},{"id":4041,"title":"المطلب الأول ـ حق الشرب","lvl":5,"sub":0},{"id":4041,"title":"أولا ـ معنى حق الشرب","lvl":6,"sub":1},{"id":4041,"title":"ثانيا ـ أنواع المياه بالنسبة لحق الشرب والشفة","lvl":6,"sub":2},{"id":4041,"title":"النوع الأول ـ الماء المحرز في أوان خاصة","lvl":7,"sub":3},{"id":4042,"title":"النوع الثاني ـ ماء العيون والآبار والحياض","lvl":7,"sub":0},{"id":4044,"title":"النوع الثالث ـ ماء الأنهار الخاصة","lvl":7,"sub":0},{"id":4045,"title":"النوع الرابع ـ ماء الأنهار العامة","lvl":7,"sub":0},{"id":4046,"title":"ثالثا ـ الأحكام العامة لحق الشرب أو الانتفاع بالمياه","lvl":6,"sub":0},{"id":4050,"title":"رابعا ـ كري الأنهار التي يكون منها الشرب","lvl":6,"sub":0},{"id":4050,"title":"الكري","lvl":7,"sub":1},{"id":4050,"title":"مؤنة الكري","lvl":7,"sub":2},{"id":4050,"title":"الأول: النهر العام غير المملوك لأحد","lvl":8,"sub":3},{"id":4050,"title":"الثاني: النهر العام المملوك لأهله الداخل في المقاسم، ويمكن قسمته، ويشترك به جماعة هم أصحاب النهر، فهو عام من وجه، وخاص من وجه","lvl":8,"sub":4},{"id":4051,"title":"الثالث: النهر المملوك، لأهله الخاص بفئة محدودة","lvl":8,"sub":0},{"id":4051,"title":"كيفية الكري على الشركاء","lvl":7,"sub":1},{"id":4052,"title":"المطلب الثاني ـ حق الشفة","lvl":5,"sub":0},{"id":4052,"title":"معنى حق الشفة","lvl":6,"sub":1},{"id":4052,"title":"أحكامه","lvl":6,"sub":2},{"id":4052,"title":"الأول ـ ماء البحار","lvl":7,"sub":3},{"id":4052,"title":"الثاني ـ ماء الأنهار العظيمة","lvl":7,"sub":4},{"id":4052,"title":"الثالث ـ ماء الأنهار الصغيرة المملوكة الخاصة بقوم محصورين وهو المسمى عند الفقهاء «ماء المقاسم»","lvl":7,"sub":5},{"id":4053,"title":"الرابع ـ الماء المحرز في الأواني","lvl":7,"sub":0},{"id":4053,"title":"المطلب الثالث ـ حق المجرى","lvl":5,"sub":1},{"id":4053,"title":"تعريف حق المجرى","lvl":6,"sub":2},{"id":4053,"title":"أحكامه","lvl":6,"sub":3},{"id":4055,"title":"المطلب الرابع ـ حق المسيل","lvl":5,"sub":0},{"id":4055,"title":"حق المسيل","lvl":6,"sub":1},{"id":4055,"title":"الفرق بينه وبين حق المجرى","lvl":6,"sub":2},{"id":4056,"title":"المطلب الخامس ـ حق المرور","lvl":5,"sub":0},{"id":4056,"title":"حق المرور","lvl":6,"sub":1},{"id":4056,"title":"حكمه","lvl":6,"sub":2},{"id":4056,"title":"1 ـ فإن كان الطريق عاما","lvl":7,"sub":3},{"id":4057,"title":"2 ـ وأما إن كان الطريق خاصا","lvl":7,"sub":0},{"id":4057,"title":"المطلب السادس ـ حق التعلي","lvl":5,"sub":1},{"id":4057,"title":"حق التعلي","lvl":6,"sub":2},{"id":4059,"title":"المطلب السابع ـ حق الجوار","lvl":5,"sub":0},{"id":4061,"title":"الفصل الخامس: عقود استثمار الأرض: المزارعة والمساقاة و المغارسة","lvl":3,"sub":0},{"id":4061,"title":"العقد الأول ـ المزارعة أو المخابرة","lvl":4,"sub":1},{"id":4061,"title":"المبحث الأول ـ تعريف المزارعة ومشروعيتها وركنها وصفة العقد","lvl":5,"sub":2},{"id":4061,"title":"أولا ـ تعريف المزارعة","lvl":6,"sub":3},{"id":4062,"title":"ثانيا ـ مشروعيتها","lvl":6,"sub":0},{"id":4064,"title":"ثالثا ـ ركن المزارعة وصفة العقد","lvl":6,"sub":0},{"id":4064,"title":"المبحث الثاني ـ شرائط المزارعة","lvl":5,"sub":1},{"id":4064,"title":"الحنفية","lvl":6,"sub":2},{"id":4064,"title":"شروط العاقد","lvl":7,"sub":3},{"id":4065,"title":"شرط الزرع","lvl":7,"sub":0},{"id":4065,"title":"شرط المزروع","lvl":7,"sub":1},{"id":4065,"title":"شروط الخارج الناتج من الزرع","lvl":7,"sub":2},{"id":4065,"title":"شروط الأرض المزروعة","lvl":7,"sub":3},{"id":4066,"title":"شرط محل العقد","lvl":7,"sub":0},{"id":4066,"title":"شرط آلة الزراعة","lvl":7,"sub":1},{"id":4066,"title":"شرط مدة المزارعة","lvl":7,"sub":2},{"id":4068,"title":"عند المالكية","lvl":6,"sub":0},{"id":4069,"title":"الشافعية","lvl":6,"sub":0},{"id":4069,"title":"الحنابلة","lvl":6,"sub":1},{"id":4069,"title":"المبحث الثالث ـ أحوال المزارعة","lvl":5,"sub":2},{"id":4070,"title":"المبحث الرابع ـ حكم المزارعة الصحيحة والفاسدة","lvl":5,"sub":0},{"id":4070,"title":"أولا ـ حكم المزارعة الصحيحة عند الحنفية","lvl":6,"sub":1},{"id":4073,"title":"حكم المزارعة عند الشافعية","lvl":7,"sub":0},{"id":4074,"title":"ثانيا ـ حكم المزارعة الفاسدة عند الحنفية","lvl":6,"sub":0},{"id":4075,"title":"المبحث الخامس ـ انتهاء المزارعة وحالات فسخها","lvl":5,"sub":0},{"id":4075,"title":"1 - انقضاء مدة المزارعة","lvl":6,"sub":1},{"id":4076,"title":"2 - موت أحد العاقدين","lvl":6,"sub":0},{"id":4076,"title":"3 - فسخ العقد بالعذر","lvl":6,"sub":1},{"id":4079,"title":"العقد الثاني ـ المساقاة أو المعاملة","lvl":4,"sub":0},{"id":4079,"title":"المبحث الأول ـ تعريف المساقاة ومشروعيتها وركنها وموردها، والفرق بينها وبين المزارعة","lvl":5,"sub":1},{"id":4079,"title":"أولا ـ تعريف المساقاة","lvl":6,"sub":2},{"id":4079,"title":"ثانيا ـ مشروعيتها","lvl":6,"sub":3},{"id":4080,"title":"ثالثا ـ ركنها","lvl":6,"sub":0},{"id":4080,"title":"رابعا ـ موردها","lvl":6,"sub":1},{"id":4082,"title":"خامسا ـ الفرق بين المساقاة والمزارعة","lvl":6,"sub":0},{"id":4083,"title":"المبحث الثاني ـ شروط المساقاة","lvl":5,"sub":0},{"id":4084,"title":"أركان المساقاة عند الجمهور","lvl":6,"sub":0},{"id":4085,"title":"الركن الأول (العاقدان )","lvl":7,"sub":0},{"id":4085,"title":"الركن الثاني ـ مورد المساقاة","lvl":7,"sub":1},{"id":4085,"title":"الركن الثالث ـ وهو الثمار","lvl":7,"sub":2},{"id":4086,"title":"الركن الرابع ـ العمل","lvl":7,"sub":0},{"id":4087,"title":"الركن الخامس ـ الصيغة","lvl":7,"sub":0},{"id":4087,"title":"المبحث الثالث ـ حكم المساقاة الصحيحة والفاسدة","lvl":5,"sub":1},{"id":4087,"title":"المطلب الأول ـ حكم المساقاة الصحيحة","lvl":6,"sub":2},{"id":4087,"title":"عند الحنفية","lvl":7,"sub":3},{"id":4088,"title":"عند المالكية","lvl":7,"sub":0},{"id":4089,"title":"الشافعية والحنابلة","lvl":7,"sub":0},{"id":4090,"title":"الجذاذ (القطاف)","lvl":7,"sub":0},{"id":4090,"title":"المساقاة عقد لازم من الجانبين","lvl":7,"sub":1},{"id":4091,"title":"المطلب الثاني ـ حكم المساقاة الفاسدة","lvl":6,"sub":0},{"id":4094,"title":"المبحث الرابع ـ انتهاء المساقاة","lvl":5,"sub":0},{"id":4099,"title":"العقد الثالث ـ المغارسة أو المناصبة","lvl":4,"sub":0},{"id":4099,"title":"أولا ـ تعريف المغارسة","lvl":5,"sub":1},{"id":4099,"title":"ثانيا ـ حكم المغارسة عند الفقهاء","lvl":5,"sub":2},{"id":4099,"title":"المغارسة المختلف فيها بين الفقهاء","lvl":6,"sub":3},{"id":4100,"title":"الحنفية","lvl":7,"sub":0},{"id":4101,"title":"الشافعية","lvl":7,"sub":0},{"id":4101,"title":"الحنابلة","lvl":7,"sub":1},{"id":4101,"title":"المالكية","lvl":7,"sub":2},{"id":4101,"title":"تصح المغارسة (وهو أن يغرس العامل على أن يكون له نصيب من الشجر والثمر ومن الأرض) بخمسة شروط","lvl":6,"sub":3},{"id":4103,"title":"الفصل السادس: اتفاق القسمة","lvl":3,"sub":0},{"id":4103,"title":"النوع الأول: قسمة الأعيان أو الرقاب","lvl":4,"sub":1},{"id":4103,"title":"المبحث الأول ـ تعريف القسمة ومشروعيتها وركنها وصفتها","lvl":5,"sub":2},{"id":4103,"title":"أولا ـ تعريف القسمة","lvl":6,"sub":3},{"id":4104,"title":"ثانيا ـ مشروعية القسمة","lvl":6,"sub":0},{"id":4104,"title":"ثالثا ـ ركن القسمة وسببها وشرط لزومها","lvl":6,"sub":1},{"id":4105,"title":"رابعا ـ صفة القسمة","lvl":6,"sub":0},{"id":4107,"title":"المبحث الثاني ـ أنواع القسمة","lvl":5,"sub":0},{"id":4107,"title":"الحنفية","lvl":6,"sub":1},{"id":4107,"title":"1 - قسمة جبرية","lvl":7,"sub":2},{"id":4107,"title":"2 - قسمة رضائية","lvl":7,"sub":3},{"id":4107,"title":"كل واحد منهما على نوعين","lvl":7,"sub":4},{"id":4107,"title":"1 - قسمة تفريق أو فرد","lvl":8,"sub":5},{"id":4107,"title":"2 - وقسمة جمع","lvl":8,"sub":6},{"id":4108,"title":"المالكية","lvl":6,"sub":0},{"id":4108,"title":"قسمة المراضاة","lvl":7,"sub":1},{"id":4109,"title":"قسمة القرعة","lvl":7,"sub":0},{"id":4109,"title":"الشافعية","lvl":6,"sub":1},{"id":4109,"title":"1 - قسمة الإفراز (أو قسمة الأجزاء أو قسمة المتشابهات)","lvl":7,"sub":2},{"id":4109,"title":"2 - قسمة التعديل للسهام","lvl":7,"sub":3},{"id":4110,"title":"3 - قسمة الرد","lvl":7,"sub":0},{"id":4110,"title":"الحنابلة","lvl":6,"sub":1},{"id":4110,"title":"1 - قسمة تراض","lvl":7,"sub":2},{"id":4111,"title":"2 - وقسمة الإجبار","lvl":7,"sub":0},{"id":4112,"title":"المبحث الثالث ـ شروط القسمة","lvl":5,"sub":0},{"id":4112,"title":"المطلب الأول ـ شروط قسمة التراضي","lvl":6,"sub":1},{"id":4112,"title":"1 - أهلية المتقاسمين","lvl":7,"sub":2},{"id":4112,"title":"2 - الملك أو الولاية","lvl":7,"sub":3},{"id":4113,"title":"3 - حضور الشركاء أو نوابهم","lvl":7,"sub":0},{"id":4113,"title":"4 - رضا الشركاء فيما يقسمونه بأنفسهم","lvl":7,"sub":1},{"id":4113,"title":"المطلب الثاني ـ شروط قسمة الإجبار أو التقاضي","lvl":6,"sub":2},{"id":4113,"title":"الشرط الأول ـ طلب أحد الشركاء أو كلهم من القاضي قسمة المشترك","lvl":7,"sub":3},{"id":4114,"title":"الشرط الثاني ـ ألا يترتب على القسمة ضرر","lvl":7,"sub":0},{"id":4117,"title":"الشرط الثالث ـ أن تكون القسمة عادلة، غير جائرة","lvl":7,"sub":0},{"id":4117,"title":"الشرط الرابع ـ أن يكون المال المشترك في قسمة الجمع من جنس واحد","lvl":7,"sub":1},{"id":4117,"title":"المبحث الرابع ـ كيفية القسمة","lvl":5,"sub":2},{"id":4119,"title":"تعديل القسمة بالنقود","lvl":6,"sub":0},{"id":4119,"title":"نماذج من القسمة","lvl":6,"sub":1},{"id":4119,"title":"المطلب الأول ـ قسمة الدور","lvl":6,"sub":2},{"id":4121,"title":"المطلب الثاني ـ الأرض والبناء","lvl":6,"sub":0},{"id":4122,"title":"المطلب الثالث ـ الدار والضيعة، والدار والحانوت","lvl":6,"sub":0},{"id":4122,"title":"المطلب الرابع ـ السفل والعلو","lvl":6,"sub":1},{"id":4123,"title":"المطلب الخامس ـ قسمة الطريق","lvl":6,"sub":0},{"id":4123,"title":"أولا ـ مصير الطريق ونحوه من الارتفاقات","lvl":7,"sub":1},{"id":4123,"title":"ثانيا ـ اختلاف الشركاء في إلغاء الطريق","lvl":7,"sub":2},{"id":4124,"title":"ثالثا ـ اختلاف الشركاء في مقدار الطريق","lvl":7,"sub":0},{"id":4124,"title":"رابعا ـ تبعية الطريق للحصص","lvl":7,"sub":1},{"id":4124,"title":"خامسا ـ التفاوت في مقدار حصة الطريق","lvl":7,"sub":2},{"id":4125,"title":"المبحث الخامس ـ القاسم","lvl":5,"sub":0},{"id":4125,"title":"أولا ـ تعيين القاسم","lvl":6,"sub":1},{"id":4125,"title":"ثانيا - شروط القاسم","lvl":6,"sub":2},{"id":4126,"title":"ثالثا ـ تعدد القسام","lvl":6,"sub":0},{"id":4127,"title":"رابعا ـ أجرة القاسم","lvl":6,"sub":0},{"id":4128,"title":"المبحث السادس ـ أحكام القسمة","lvl":5,"sub":0},{"id":4128,"title":"المطلب الأول ـ أحكام القسمة العامة","lvl":6,"sub":1},{"id":4128,"title":"أولا ـ لزوم القسمة","lvl":7,"sub":2},{"id":4129,"title":"ثانيا ـ ثبوت حق الخيار في القسمة","lvl":7,"sub":0},{"id":4130,"title":"ثالثا ـ آثار القسمة","lvl":7,"sub":0},{"id":4130,"title":"رابعا ـ نقض القسمة","lvl":7,"sub":1},{"id":4130,"title":"1 - ظهور دين على الميت","lvl":8,"sub":2},{"id":4131,"title":"2 - ظهور وارث آخر أو موصى له في قسمة التراضي","lvl":8,"sub":0},{"id":4132,"title":"3 - ظهور غبن فاحش","lvl":8,"sub":0},{"id":4132,"title":"4 - وقوع غلط في المال المقسوم","lvl":8,"sub":1},{"id":4133,"title":"5 - استحقاق بعض المال المقسوم","lvl":8,"sub":0},{"id":4135,"title":"المطلب الثاني ـ الأحكام الخاصة بالإثبات","lvl":6,"sub":0},{"id":4135,"title":"أولا ـ الاختلاف في الحدود","lvl":7,"sub":1},{"id":4135,"title":"ثانيا ـ الاختلاف في تقويم الغبن","lvl":7,"sub":2},{"id":4136,"title":"ثالثا ـ الاختلاف في استيفاء النصيب","lvl":7,"sub":0},{"id":4137,"title":"النوع الثاني: قسمة المنافع أو المهايأة","lvl":4,"sub":0},{"id":4137,"title":"المبحث الأول ـ تعريف المهايأة ومشروعيتها","lvl":5,"sub":1},{"id":4137,"title":"أولا ـ تعريف المهايأة","lvl":6,"sub":2},{"id":4137,"title":"ثانيا ـ مشروعيتها","lvl":6,"sub":3},{"id":4138,"title":"المبحث الثاني ـ محل المهايأة","lvl":5,"sub":0},{"id":4138,"title":"المبحث الثالث ـ صفة المهايأة","lvl":5,"sub":1},{"id":4140,"title":"المبحث الرابع ـ أنواع المهايأة","lvl":5,"sub":0},{"id":4140,"title":"التقسيم الأول ـ المهايأة من حيث الرضا والجبر","lvl":6,"sub":1},{"id":4140,"title":"1 - المهايأة بالتراضي","lvl":7,"sub":2},{"id":4140,"title":"2 - المهايأة بالتقاضي","lvl":7,"sub":3},{"id":4141,"title":"التقسيم الثاني ـ المهايأة من حيث الزمان والمكان","lvl":6,"sub":0},{"id":4142,"title":"1 - المهايأة الزمانية","lvl":7,"sub":0},{"id":4142,"title":"أولا ـ تعريفها","lvl":8,"sub":1},{"id":4142,"title":"ثانيا ـ مشروعيتها","lvl":8,"sub":2},{"id":4143,"title":"ثالثا ـ تكييفها أو تأصيلها الفقهي","lvl":8,"sub":0},{"id":4143,"title":"رابعا ـ تعيين المدة","lvl":8,"sub":1},{"id":4144,"title":"خامسا ـ انتهاؤها","lvl":8,"sub":0},{"id":4144,"title":"2 - المهايأة المكانية","lvl":7,"sub":1},{"id":4144,"title":"أولا ـ تعريفها","lvl":8,"sub":2},{"id":4144,"title":"ثانيا ـ مشروعيتها","lvl":8,"sub":3},{"id":4144,"title":"ثالثا ـ محلها","lvl":8,"sub":4},{"id":4144,"title":"المهايأة في الدور","lvl":9,"sub":5},{"id":4144,"title":"المهايأة في الحيوان","lvl":9,"sub":6},{"id":4145,"title":"رابعا ـ تكييفها أو تأصيلها الفقهي","lvl":8,"sub":0},{"id":4145,"title":"خامسا ـ مدتها","lvl":8,"sub":1},{"id":4145,"title":"سادسا ـ انقضاؤها","lvl":8,"sub":2},{"id":4146,"title":"المبحث الخامس ـ ما يملكه كل شريك من التصرف بعد المهايأة","lvl":5,"sub":0},{"id":4147,"title":"الفصل السابع: الغصب والإتلاف","lvl":3,"sub":0},{"id":4147,"title":"المبحث الأول ـ الغصب وأحكامه","lvl":4,"sub":1},{"id":4148,"title":"المطلب الأول ـ تحريم الغصب، وتعريفه، وأثر اختلاف الفقهاء في ضابطه","lvl":5,"sub":0},{"id":4148,"title":"أولا ـ تحريم الغصب","lvl":6,"sub":1},{"id":4148,"title":"ثانيا ـ تعريف الغصب","lvl":6,"sub":2},{"id":4148,"title":"1 - عند الحنفية","lvl":7,"sub":3},{"id":4149,"title":"2 - وعرف المالكية","lvl":7,"sub":0},{"id":4151,"title":"3 - وعرف الشافعية والحنابلة","lvl":7,"sub":0},{"id":4151,"title":"ثالثا ـ أثر اختلاف الفقهاء في ضابط الغصب","lvl":6,"sub":1},{"id":4151,"title":"1 - فقال أبو حنيفة وأبو يوسف","lvl":7,"sub":2},{"id":4151,"title":"2 - وقال جمهور الفقهاء ومنهم المذاهب الثلاثة، ومحمد وزفر من الحنفية","lvl":7,"sub":3},{"id":4151,"title":"أثر الاختلاف","lvl":7,"sub":4},{"id":4152,"title":"1 ـ غصب العقار","lvl":8,"sub":0},{"id":4153,"title":"2 ـ زوائد المغصوب أو النماء السماوي","lvl":8,"sub":0},{"id":4154,"title":"3 ـ منافع المغصوب وغلته","lvl":8,"sub":0},{"id":4155,"title":"4 ـ غصب غير المتقوم","lvl":8,"sub":0},{"id":4158,"title":"المطلب الثاني ـ أحكام الغصب","lvl":5,"sub":0},{"id":4158,"title":"الحكم الأول ـ الإثم","lvl":6,"sub":1},{"id":4159,"title":"الحكم الثاني ـ رد العين المغصوبة ما دامت قائمة","lvl":6,"sub":0},{"id":4160,"title":"الحكم الثالث ـ ضمان المغصوب إذا هلك","lvl":6,"sub":0},{"id":4160,"title":"1 - كيفية الضمان","lvl":7,"sub":1},{"id":4162,"title":"2 - وقت وجوب الضمان أو وقت تقدير التعويض","lvl":7,"sub":0},{"id":4164,"title":"3 - ما يخرج به الغاصب عن عهدة الضمان","lvl":7,"sub":0},{"id":4164,"title":"هل يملك الغاصب الشيء المغصوب بالضمان؟","lvl":8,"sub":1},{"id":4167,"title":"4 - تغير العين المغصوبة عند الغاصب","lvl":7,"sub":0},{"id":4169,"title":"5 - نقصان المغصوب","lvl":7,"sub":0},{"id":4171,"title":"6 - زيادة المغصوب","lvl":7,"sub":0},{"id":4171,"title":"البناء على الأرض المغصوبة أو زرعها أو غرسها","lvl":8,"sub":1},{"id":4172,"title":"1 - قال الحنفية","lvl":9,"sub":0},{"id":4173,"title":"2 - وقال المالكية","lvl":9,"sub":0},{"id":4174,"title":"3 - وقال الشافعية","lvl":9,"sub":0},{"id":4174,"title":"4 - وقال الحنابلة","lvl":9,"sub":1},{"id":4175,"title":"7 - ضمان غلة المغصوب ومنافعه","lvl":7,"sub":0},{"id":4176,"title":"8 - اختلاف الغاصب والمغصوب منه","lvl":7,"sub":0},{"id":4177,"title":"أ ـ قال الحنفية","lvl":8,"sub":0},{"id":4178,"title":"ب ـ والمالكية","lvl":8,"sub":0},{"id":4178,"title":"جـ ـ وقال الشافعية والحنابلة","lvl":8,"sub":1},{"id":4179,"title":"9 - غاصب الغاصب ومن في حكمه","lvl":7,"sub":0},{"id":4181,"title":"10 - نفقة المغصوب","lvl":7,"sub":0},{"id":4182,"title":"المبحث الثاني ـ إتلاف المال وحكمه","lvl":4,"sub":0},{"id":4182,"title":"المطلب الأول ـ تعريف الإتلاف وكونه سبب الضمان","lvl":5,"sub":1},{"id":4183,"title":"أولا ـ فتح الباب أو حل الرباط","lvl":6,"sub":0},{"id":4184,"title":"ثانيا ـ فتح وعاء السمن (الزق )","lvl":6,"sub":0},{"id":4185,"title":"ثالثا ـ الترويع","lvl":6,"sub":0},{"id":4185,"title":"رابعا ـ الحيلولة والحبس","lvl":6,"sub":1},{"id":4186,"title":"المطلب الثاني ـ شروط إيجاب الضمان بالإتلاف","lvl":5,"sub":0},{"id":4186,"title":"يشترط لإيجاب الضمان بسبب الإتلاف","lvl":6,"sub":1},{"id":4186,"title":"1 - أن يكون الشيء المتلف مالا","lvl":7,"sub":2},{"id":4186,"title":"2 - أن يكون متقوما بالنسبة للمتلف عليه","lvl":7,"sub":3},{"id":4187,"title":"3 - أن يكون التلف (أو الضرر) محققا بنحو دائم","lvl":7,"sub":0},{"id":4188,"title":"4 - أن يكون المتلف أهلا لوجوب الضمان","lvl":7,"sub":0},{"id":4188,"title":"5 - أن يكون في إيجاب الضمان فائدة","lvl":7,"sub":1},{"id":4189,"title":"شروط الضمان في الإتلاف تسببا","lvl":6,"sub":0},{"id":4189,"title":"1 - التعدي","lvl":7,"sub":1},{"id":4190,"title":"2 - التعمد","lvl":7,"sub":0},{"id":4190,"title":"3 - أن يؤدي السبب إلى النتيجة قطعا، دون تدخل سبب آخر بحسب العادة","lvl":7,"sub":1},{"id":4191,"title":"حالة الضرورة","lvl":8,"sub":0},{"id":4191,"title":"الجهل","lvl":8,"sub":1},{"id":4191,"title":"المطلب الثالث ـ كيفية الضمان أو ماهيته","lvl":5,"sub":2},{"id":4192,"title":"الفصل الثامن: دفع الصائل","lvl":3,"sub":0},{"id":4192,"title":"المبحث الأول ـ مشروعية الدفاع ومراحله وحكمه","lvl":4,"sub":1},{"id":4193,"title":"الدفاع عن الغير","lvl":5,"sub":0},{"id":4193,"title":"حكم الدفاع الشرعي","lvl":5,"sub":1},{"id":4194,"title":"المبحث الثاني ـ شروط دفع الصائل","lvl":4,"sub":0},{"id":4195,"title":"المبحث الثالث ـ هل دفع الصائل حق مباح أو واجب؟","lvl":4,"sub":0},{"id":4195,"title":"حكم الدفاع عن النفس","lvl":5,"sub":1},{"id":4197,"title":"المبحث الرابع ـ ضمان الفعل","lvl":4,"sub":0},{"id":4199,"title":"حكم العاض","lvl":5,"sub":0},{"id":4199,"title":"حكم الدفاع عن العرض","lvl":5,"sub":1},{"id":4200,"title":"الزاني بامرأته","lvl":5,"sub":0},{"id":4201,"title":"الاطلاع على داخل البيوت","lvl":5,"sub":0},{"id":4203,"title":"حكم الدفاع عن المال","lvl":5,"sub":0},{"id":4204,"title":"الفصل التاسع: اللقطة واللقيط","lvl":3,"sub":0},{"id":4204,"title":"المبحث الأول ـ حقيقة اللقيط وأحكامه","lvl":4,"sub":1},{"id":4204,"title":"أحكامه","lvl":5,"sub":2},{"id":4205,"title":"1 - إن الملتقط أولى بإمساك اللقيط من غيره","lvl":6,"sub":0},{"id":4205,"title":"2 - إن الولاية على اللقيط في نفسه وماله للقاضي","lvl":6,"sub":1},{"id":4206,"title":"3 - إن اللقيط حر مسلم","lvl":6,"sub":0},{"id":4207,"title":"4 - حكم النسب","lvl":6,"sub":0},{"id":4209,"title":"المبحث الثاني ـ اللقطة وأحكامها ونوعاها وما يصنع بها","lvl":4,"sub":0},{"id":4209,"title":"المطلب الأول ـ معنى اللقطة وأحكامها","lvl":5,"sub":1},{"id":4209,"title":"أحكامها","lvl":6,"sub":2},{"id":4209,"title":"1 - أما حكمها من حيث الندب وغيره","lvl":6,"sub":3},{"id":4210,"title":"2 - وأما حكمها من حيث الضمان وعدمه","lvl":6,"sub":0},{"id":4213,"title":"المطلب الثاني ـ نوع اللقطة وما يصنع بها","lvl":5,"sub":0},{"id":4215,"title":"ما يصنع باللقطة","lvl":6,"sub":0},{"id":4215,"title":"1 - كيفية تعريف اللقطة وحكم بيان المعرف","lvl":6,"sub":1},{"id":4216,"title":"2 - مدة التعريف","lvl":6,"sub":0},{"id":4217,"title":"الشيء الحقير","lvl":7,"sub":0},{"id":4217,"title":"الشيء التافه","lvl":7,"sub":1},{"id":4218,"title":"3 - مكان التعريف","lvl":6,"sub":0},{"id":4219,"title":"4 - نفقات التعريف وما تحتاجه الضالة","lvl":6,"sub":0},{"id":4220,"title":"5 - شرط رد اللقطة إلى صاحبها","lvl":6,"sub":0},{"id":4222,"title":"6 - حكم تملك اللقطة","lvl":6,"sub":0},{"id":4224,"title":"لقطة الحل والحرم","lvl":6,"sub":0},{"id":4225,"title":"الفصل العاشر: المفقود","lvl":3,"sub":0},{"id":4225,"title":"من المفقود؟","lvl":4,"sub":1},{"id":4225,"title":"كيف نعتبر حال المفقود حياة أو موتا؟","lvl":4,"sub":2},{"id":4225,"title":"صلاحيات القاضي في مال المفقود وأهله","lvl":4,"sub":3},{"id":4226,"title":"متى يحكم بموت المفقود وما أثر ذلك؟","lvl":4,"sub":0},{"id":4227,"title":"الفصل الحادي عشر: المسابقة والمناضلة","lvl":3,"sub":0},{"id":4227,"title":"المبحث الأول ـ السبق أو المسابقة أو الرهان","lvl":4,"sub":1},{"id":4227,"title":"السبق","lvl":5,"sub":2},{"id":4227,"title":"السباق","lvl":5,"sub":3},{"id":4227,"title":"المسابقة مستثناة من ثلاثة أمور ممنوعة","lvl":5,"sub":4},{"id":4227,"title":"هي نوعان","lvl":5,"sub":5},{"id":4227,"title":"المسابقة بغير عوض","lvl":6,"sub":6},{"id":4227,"title":"المسابقة بعوض","lvl":6,"sub":7},{"id":4229,"title":"شروط جواز المسابقة","lvl":5,"sub":0},{"id":4229,"title":"1 - أن تكون المسابقة في الأنواع النافعة في الجهاد","lvl":6,"sub":1},{"id":4229,"title":"2 - أن يكون العوض من أحد الجانبين المتسابقين أو من شخص ثالث","lvl":6,"sub":2},{"id":4230,"title":"صور السباق","lvl":7,"sub":0},{"id":4230,"title":"الصور الحلال","lvl":8,"sub":1},{"id":4230,"title":"أولها: أن يكون العوض من السلطان أو أحد الرؤساء أو شخص ثالث","lvl":9,"sub":2},{"id":4230,"title":"ثانيها: أن يكون العوض من أحد الجانبين يؤخذ منه إذا سبقه الآخر","lvl":9,"sub":3},{"id":4230,"title":"ثالثها: أن يكون العوض من المتسابقين أو من الجماعة","lvl":9,"sub":4},{"id":4230,"title":"الصورة الحرام","lvl":8,"sub":5},{"id":4230,"title":"3 - أن تكون المسابقة فيما يحتمل أن يسبق أحدهما، ويسبق الآخر","lvl":6,"sub":6},{"id":4230,"title":"4 - العلم بالمال المشروط، ومعرفة نقطة البدء والنهاية","lvl":6,"sub":7},{"id":4231,"title":"المبحث الثاني ـ المناضلة","lvl":4,"sub":0},{"id":4231,"title":"تعريف المناضلة ومشروعيتها","lvl":5,"sub":1},{"id":4232,"title":"أنواعها","lvl":5,"sub":0},{"id":4233,"title":"صفة عقد المسابقة والمناضلة","lvl":5,"sub":0},{"id":4233,"title":"حكم المناضلة","lvl":5,"sub":1},{"id":4233,"title":"شروط صحة المناضلة","lvl":5,"sub":2},{"id":4234,"title":"الفصل الثاني عشر: الشفعة","lvl":3,"sub":0},{"id":4235,"title":"المبحث الأول ـ تعريف الشفعة، ودليلها وحكمتها، وركنها وأطرافها، وحكمها وصفتها","lvl":4,"sub":0},{"id":4235,"title":"أولا ـ تعريف الشفعة","lvl":5,"sub":1},{"id":4235,"title":"ثانيا ـ دليلها وحكمة مشروعيتها","lvl":5,"sub":2},{"id":4236,"title":"حكمتها","lvl":6,"sub":0},{"id":4237,"title":"ثالثا ـ ركنها وعناصرها وسببها (سبب الأخذ )","lvl":5,"sub":0},{"id":4237,"title":"ركن الشفعة","lvl":6,"sub":1},{"id":4237,"title":"سببها","lvl":6,"sub":2},{"id":4237,"title":"شرطها","lvl":6,"sub":3},{"id":4237,"title":"رابعا ـ حكمها وصفتها","lvl":6,"sub":4},{"id":4237,"title":"المبحث الثاني ـ محل الشفعة (المشفوع فيه، أو ما تجب فيه الشفعة وما لا تجب)","lvl":4,"sub":5},{"id":4238,"title":"العلو والسفل","lvl":5,"sub":0},{"id":4239,"title":"حقوق الارتفاق","lvl":5,"sub":0},{"id":4240,"title":"الشفعة في السفن","lvl":5,"sub":0},{"id":4241,"title":"الشفعة في الزرع والثمر والشجر","lvl":5,"sub":0},{"id":4243,"title":"المبحث الثالث ـ الشفيع","lvl":4,"sub":0},{"id":4243,"title":"أولا ـ من الشفيع؟","lvl":5,"sub":1},{"id":4245,"title":"ثانيا - مراتب الشفعة (أو أسباب استحقاقها) وكيفية التوزيع عند تزاحم الشفعاء","lvl":5,"sub":0},{"id":4247,"title":"كيفية التوزيع عند تزاحم الشفعاء","lvl":6,"sub":0},{"id":4247,"title":"أ ـ فإن لم يكونوا من مرتبة واحدة","lvl":7,"sub":1},{"id":4248,"title":"ب ـ وإن كان الشفعاء من مرتبة واحدة","lvl":7,"sub":0},{"id":4249,"title":"ثالثا ـ غيبة بعض الشفعاء","lvl":5,"sub":0},{"id":4250,"title":"رابعا ـ إسقاط بعض الشفعاء حقه","lvl":5,"sub":0},{"id":4251,"title":"المبحث الرابع ـ أحكام الشفعة","lvl":4,"sub":0},{"id":4251,"title":"أولا ـ طريق التملك بالشفعة","lvl":5,"sub":1},{"id":4253,"title":"ثانيا ـ ما يلزم الشفيع دفعه أو ما يؤخذ به المشفوع","lvl":5,"sub":0},{"id":4253,"title":"1) ـ الثمن الواجب دفعه","lvl":6,"sub":1},{"id":4254,"title":"2) ـ الحط من الثمن أو الزيادة عليه","lvl":6,"sub":0},{"id":4254,"title":"3) ـ تأجيل الثمن","lvl":6,"sub":1},{"id":4255,"title":"4) ـ هل يتوقف القضاء بالشفعة على دفع الشفيع الثمن؟","lvl":6,"sub":0},{"id":4256,"title":"5) ـ استحقاق المشفوع فيه","lvl":6,"sub":0},{"id":4256,"title":"6) ـ اختلاف الشفيع والمشتري في قدر الثمن","lvl":6,"sub":1},{"id":4258,"title":"المبحث الخامس ـ شروط الشفعة","lvl":4,"sub":0},{"id":4259,"title":"الشرط الأول ـ خروج العقار عن ملك صاحبه خروجا باتا","lvl":5,"sub":0},{"id":4260,"title":"الشرط الثاني ـ أن يكون العقد عقد معاوضة","lvl":5,"sub":0},{"id":4262,"title":"الشرط الثالث ـ أن يكون العقد صحيحا","lvl":5,"sub":0},{"id":4263,"title":"الشرط الرابع ـ ملك الشفيع المشفوع به وقت البيع","lvl":5,"sub":0},{"id":4265,"title":"الشرط الخامس ـ عدم رضا الشفيع بالبيع وحكمه","lvl":5,"sub":0},{"id":4266,"title":"الاحتيال لإسقاط الشفعة","lvl":5,"sub":0},{"id":4267,"title":"المبحث السادس ـ إجراءات الشفعة","lvl":4,"sub":0},{"id":4267,"title":"وقت وجوب الشفعة","lvl":5,"sub":1},{"id":4269,"title":"مراحل طلب الشفعة","lvl":5,"sub":0},{"id":4269,"title":"1 - طلب المواثبة","lvl":6,"sub":1},{"id":4269,"title":"2 - طلب التقرير","lvl":6,"sub":2},{"id":4270,"title":"حكم الطلب","lvl":7,"sub":0},{"id":4271,"title":"3 - طلب الخصومة والتملك","lvl":6,"sub":0},{"id":4271,"title":"جزاء التأخر في هذه الطلبات","lvl":7,"sub":1},{"id":4271,"title":"طالب الشفعة للمحجور","lvl":7,"sub":2},{"id":4272,"title":"نظر القاضي في طلب الشفعة وإثبات الدعاوى","lvl":7,"sub":0},{"id":4273,"title":"المبحث السابع ـ ما يطرأ على المشفوع فيه بيد المشتري","lvl":4,"sub":0},{"id":4273,"title":"أولا ـ العقود والتصرفات","lvl":5,"sub":1},{"id":4275,"title":"ثانيا ـ نماء المشفوع فيه وزيادته","lvl":5,"sub":0},{"id":4275,"title":"1 - النماء الطبيعي","lvl":6,"sub":1},{"id":4276,"title":"2 - الزيادة المحدثة","lvl":6,"sub":0},{"id":4277,"title":"ثالثا ـ نقص المشفوع فيه","lvl":5,"sub":0},{"id":4279,"title":"المبحث الثامن ـ مسقطات الشفعة","lvl":4,"sub":0},{"id":4279,"title":"1 - بيع الشفيع ما يشفع به من عقار قبل أن يقضى له بالشفعة","lvl":5,"sub":1},{"id":4280,"title":"2 - تسليم الشفعة أو الرغبة عنها بعد البيع","lvl":5,"sub":0},{"id":4281,"title":"أمران في تسليم الشفعة","lvl":6,"sub":0},{"id":4281,"title":"أ ـ تسليم الشفعة من الولي","lvl":7,"sub":1},{"id":4282,"title":"ب ـ الصلح عن الشفعة","lvl":7,"sub":0},{"id":4283,"title":"3 - ضمان الدرك","lvl":5,"sub":0},{"id":4283,"title":"4 - تجزئة المشفوع فيه","lvl":5,"sub":1},{"id":4284,"title":"5 - وفاة الشفيع","lvl":5,"sub":0},{"id":4285,"title":"من الكلام في مسقطات الشفعة يتبين لنا الحقائق التالية","lvl":5,"sub":0},{"id":4285,"title":"1 - الشفعة حق ضعيف","lvl":6,"sub":1},{"id":4285,"title":"2 - الشفعة شرعت لدفع الضرر عن صاحبها","lvl":6,"sub":2},{"id":4285,"title":"3 - لا يصح أن تكون الشفعة سببا لضرر المشتري بتفريق الصفقة عليه","lvl":6,"sub":3},{"id":4286,"title":"- - - -الجزء السابع- - - -","lvl":1,"sub":0},{"id":4286,"title":"معالم النظام الاقتصادي في الإسلام","lvl":2,"sub":1},{"id":4286,"title":"المبحث الأول ـ الاقتصاد الإسلامي ومعالمه الكبرى","lvl":3,"sub":2},{"id":4286,"title":"تمهيد","lvl":4,"sub":3},{"id":4288,"title":"أولا ـ لمحة عابرة عن خصائص النظامين الاشتراكي والرأسمالي","lvl":4,"sub":0},{"id":4288,"title":"النظام الرأسمالي","lvl":5,"sub":1},{"id":4289,"title":"النظام الاشتراكي","lvl":5,"sub":0},{"id":4291,"title":"الفروق الأساسية بين الفكر الإسلامي والفكر الماركسي","lvl":5,"sub":0},{"id":4291,"title":"أولا - إن الفكر الماركسي فكر ملحد يقوم على أساس المادة","lvl":6,"sub":1},{"id":4291,"title":"ثانيا - إن الفكر الماركسي يستهدف إلغاء الملكية الخاصة","lvl":6,"sub":2},{"id":4291,"title":"ثالثا ـ إن الفكر الماركسي يقوم على أساس الصراع بين الطبقات","lvl":6,"sub":3},{"id":4291,"title":"استطاع المسلمون الروس التوفيق بقدر الإمكان بين الاشتراكية والإسلام","lvl":5,"sub":4},{"id":4292,"title":"أولا ـ أوضح سلطان جالييف أنه لا علاقة بين المادية والاشتراكية","lvl":6,"sub":0},{"id":4292,"title":"ثانيا ـ وأظهر سلطان جالييف أن إلغاء الملكية الخاصة والتأميم الكامل ليس هدفا في ذاته","lvl":6,"sub":1},{"id":4292,"title":"ثالثا ـ أبرز سلطان جالييف أنه بعد انتصار الثورة البلشفية، لم يعد هناك محل لفكرة صراع الطبقات أو الكراهية","lvl":6,"sub":2},{"id":4292,"title":"رابعا ـ يرى سلطان جالييف أن المجال الحيوي لثورة أكتوبر البلشفية هو الشرق وليس الغرب","lvl":6,"sub":3},{"id":4293,"title":"ثانيا ـ وظيفة المال وحق الملكية الفردية والقيود الواردة عليه في الإسلام","lvl":4,"sub":0},{"id":4295,"title":"حق الملكية في الإسلام حق مزدوج","lvl":5,"sub":0},{"id":4295,"title":"القيود الواردة على الملكية الفردية في الإسلام","lvl":5,"sub":1},{"id":4295,"title":"القيود السلبية","lvl":6,"sub":2},{"id":4295,"title":"1 - منع الإضرار بالآخرين","lvl":7,"sub":3},{"id":4296,"title":"2 - عدم جواز تنمية المال بالوسائل غير المشروعة","lvl":7,"sub":0},{"id":4297,"title":"اليانصيب","lvl":8,"sub":0},{"id":4297,"title":"الغش في المعاملات","lvl":8,"sub":1},{"id":4298,"title":"3 - منع الإسراف والتقتير","lvl":7,"sub":0},{"id":4299,"title":"4 - ليس المال سبيلا إلى الجاه والسلطان","lvl":7,"sub":0},{"id":4299,"title":"5 - توزيع المال بعد الوفاة مقيد بنظام الإرث","lvl":7,"sub":1},{"id":4300,"title":"ثالثا ـ مبدأ الحرية الاقتصادية","lvl":4,"sub":0},{"id":4301,"title":"رابعا - قيمة العمل ودوره في الحياة الاقتصادية وأثره على أثمان الأشياء","lvl":4,"sub":0},{"id":4304,"title":"خامسا ـ مبدأ تدخل الدولة في النشاط الاقتصادي للأفراد","lvl":4,"sub":0},{"id":4304,"title":"1 - رقابة الدولة على أعمال الأفراد","lvl":5,"sub":1},{"id":4305,"title":"2 - إقرار الملكية الجماعية","lvl":5,"sub":0},{"id":4306,"title":"3 - التأميم أو نزع الملكية الخاصة","lvl":5,"sub":0},{"id":4308,"title":"مبدأ تقدير الضرر مقيد بثلاثة أمور","lvl":6,"sub":0},{"id":4311,"title":"حدد الفقهاء أربع حالات يجوز فيها شرعا أن تنزع الأملاك","lvl":6,"sub":0},{"id":4311,"title":"4 - تحقيق التوازن الاقتصادي","lvl":5,"sub":1},{"id":4312,"title":"سادسا ـ أسس العدالة الاجتماعية في الإسلام","lvl":4,"sub":0},{"id":4313,"title":"الأمر الأول ـ وهو واجب الدولة في تحقيق مبدأ الضمان الاجتماعي","lvl":5,"sub":0},{"id":4314,"title":"الأمر الثاني ـ هو القيود الإيجابية المفروضة على أصحاب الملكيات الخاصة","lvl":5,"sub":0},{"id":4315,"title":"1 - فريضة الزكاة","lvl":6,"sub":0},{"id":4316,"title":"2 - كفاية الفقراء","lvl":6,"sub":0},{"id":4317,"title":"3 - الإنفاق في سبيل الله","lvl":6,"sub":0},{"id":4318,"title":"سابعا ـ موقف الإسلام من تعارض مصلحتي الفرد والجماعة","lvl":4,"sub":0},{"id":4320,"title":"ثامنا ـ أثر الدين والأخلاق والتزام كل مبادئ الإسلام في تكوين مذهبنا الاقتصادي","lvl":4,"sub":0},{"id":4320,"title":"العقيدة الإسلامية","lvl":5,"sub":1},{"id":4320,"title":"القيم الخلقية في الإسلام","lvl":5,"sub":2},{"id":4320,"title":"مفهوم الإنسان عن الكون والحياة","lvl":5,"sub":3},{"id":4321,"title":"تاسعا ـ خلاصة هذا المبحث","lvl":4,"sub":0},{"id":4322,"title":"المبحث الثاني ـ المعالم الكبرى لاشتراكية الإسلام","lvl":3,"sub":0},{"id":4322,"title":"تمهيد حول مصطلح الاشتراكية","lvl":4,"sub":1},{"id":4323,"title":"معالم اشتراكية الإسلام","lvl":4,"sub":0},{"id":4323,"title":"أولا ـ التكافل الاجتماعي","lvl":5,"sub":1},{"id":4324,"title":"1 - المسلمون كالجسد الواحد (المشاركة الوجدانية والعملية )","lvl":6,"sub":0},{"id":4324,"title":"2 - كفالة المجتمع الحاجات الأساسية لكل إنسان فيه","lvl":6,"sub":1},{"id":4325,"title":"3 - توفير العمل والحث عليه","lvl":6,"sub":0},{"id":4326,"title":"4 - كفالة القاصرين والعجزة عن العمل","lvl":6,"sub":0},{"id":4327,"title":"5 - التعاون في درء الأخطار","lvl":6,"sub":0},{"id":4329,"title":"ثانيا ـ الملكية الخاصة ووظيفتها الاجتماعية","lvl":5,"sub":0},{"id":4329,"title":"1) ـ إقرار الملكية الفردية","lvl":6,"sub":1},{"id":4330,"title":"2) ـ قيود الملكية","lvl":6,"sub":0},{"id":4332,"title":"3) ـ مبدأ المساواة الاجتماعية في الإسلام","lvl":6,"sub":0},{"id":4333,"title":"ثالثا ـ الحرية الاشتراكية في الإسلام","lvl":5,"sub":0},{"id":4334,"title":"رابعا ـ القيم الخلقية في النظام الاشتراكي الإسلامي","lvl":5,"sub":0},{"id":4337,"title":"المبحث الثالث ـ نظرية القيمة في الإسلام","lvl":3,"sub":0},{"id":4338,"title":"المبحث الرابع ـ كراء الأرض في الإسلام","lvl":3,"sub":0},{"id":4339,"title":"الفريق الأول الذي يمنع كراء الأرض","lvl":4,"sub":0},{"id":4341,"title":"الفريق الثاني وهم الجمهور المجيزون لكراء الأرض مبدئيا","lvl":4,"sub":0},{"id":4342,"title":"المزارعة","lvl":4,"sub":0},{"id":4344,"title":"المبحث الخامس - الأجر في الإسلام","lvl":3,"sub":0},{"id":4344,"title":"الإجارة نوعان","lvl":4,"sub":1},{"id":4344,"title":"إجارة على المنافع","lvl":5,"sub":2},{"id":4344,"title":"إجارة على الأعمال","lvl":5,"sub":3},{"id":4349,"title":"المبحث السادس ـ السوق المالية","lvl":3,"sub":0},{"id":4349,"title":"المقصود بالبورصة","lvl":4,"sub":1},{"id":4349,"title":"البورصة تختلف عن السوق في ثلاثة أمور","lvl":4,"sub":2},{"id":4349,"title":"أهم وظائف البورصة","lvl":4,"sub":3},{"id":4349,"title":"البورصة ثلاثة أنواع","lvl":4,"sub":4},{"id":4349,"title":"1 - بورصة البضاعة الحاضرة","lvl":5,"sub":5},{"id":4349,"title":"2 - بورصة الأوراق المالية","lvl":5,"sub":6},{"id":4349,"title":"3 - بورصة العقود أو بورصة ( الكونتراتات )","lvl":5,"sub":7},{"id":4349,"title":"عمليات البورصة ذات أشكال ثلاثة","lvl":4,"sub":8},{"id":4349,"title":"1 - العمليات العاجلة","lvl":5,"sub":9},{"id":4349,"title":"2 - العمليات الآجلة","lvl":5,"sub":10},{"id":4350,"title":"أ ـ العمليات الشرطية البسيطة","lvl":6,"sub":0},{"id":4350,"title":"ب ـ العمليات الشرطية المركبة","lvl":6,"sub":1},{"id":4350,"title":"جـ ـ العمليات المضاعفة","lvl":6,"sub":2},{"id":4350,"title":"يختلف معنى المضاربة في البورصة عن معناها الشرعي","lvl":4,"sub":3},{"id":4351,"title":"خطة البحث","lvl":4,"sub":0},{"id":4351,"title":"القسم الأول ـ أحكام بورصة الأوراق المالية","lvl":4,"sub":1},{"id":4351,"title":"الأسهم","lvl":5,"sub":2},{"id":4351,"title":"السندات","lvl":5,"sub":3},{"id":4352,"title":"القسم الثاني ـ أحكام بورصة العقود ( الكونتراتات )","lvl":4,"sub":0},{"id":4353,"title":"أولا: حكم بيع الإنسان مالا يملك (بيع المعدوم وبيع معجوز التسليم في الحال وبيع الغرر )","lvl":5,"sub":0},{"id":4356,"title":"ثانيا: بيع الشيء المملوك قبل قبضه من آخر","lvl":5,"sub":0},{"id":4357,"title":"العقار","lvl":6,"sub":0},{"id":4360,"title":"ثالثا ـ البيع دون تحديد السعر (أو البيع بما ينقطع عليه السعر )","lvl":5,"sub":0},{"id":4361,"title":"رابعا : العمليات الآجلة الشرطية البسيطة","lvl":5,"sub":0},{"id":4363,"title":"خامسا : العمليات الشرطية المركبة","lvl":5,"sub":0},{"id":4363,"title":"سادسا ـ العمليات المضاعفة","lvl":5,"sub":1},{"id":4363,"title":"سابعا ـ حكم بدل التأجيل","lvl":5,"sub":2},{"id":4363,"title":"ثامنا ـ بيع الدين بالدين","lvl":5,"sub":3},{"id":4364,"title":"تاسعا ـ عمولات المصارف (البنوك) مقابل الخدمات أو الضمانات","lvl":5,"sub":0},{"id":4366,"title":"المبحث السابع - عائد الاستثمار","lvl":3,"sub":0},{"id":4366,"title":"تمهيد","lvl":4,"sub":1},{"id":4368,"title":"خطة البحث","lvl":4,"sub":0},{"id":4369,"title":"ما المراد من العائد، وما الفرق بينه وبين الربح؟","lvl":4,"sub":0},{"id":4369,"title":"عائد الاستثمار","lvl":5,"sub":1},{"id":4369,"title":"الربح","lvl":5,"sub":2},{"id":4375,"title":"ماهي أنواع العوائد وما حكم كل منها؟","lvl":4,"sub":0},{"id":4377,"title":"ماهي الطريقة السائغة شرعا لتحديد العائد على الاستثمار","lvl":4,"sub":0},{"id":4379,"title":"في الحالات التي يتغير فيها المستثمرون ( المودعون ) هل يجوز توزيع نسبة مئوية بصفة دورية محسوبة على اعتبار ماسيقع من الأرباح أو العائد؟","lvl":4,"sub":0},{"id":4380,"title":"إذا وافق جميع المستثمرين على هذه الطريقة السابقة، فهل تكون جائزة؟","lvl":4,"sub":0},{"id":4380,"title":"كيف تكون المحاسبة؟ ومن يتحمل الفرق، الشركة أم المستثمر أم غير ذلك؟.","lvl":4,"sub":1},{"id":4381,"title":"إذا أنشأ البنك حافظة استثمارية ( صندوق ) مقسمة إلى حصص يقوم بإدارتها نيابة عن المستثمرين، فهل يجوز له اقتطاع أجر لنفسه محسوب كنسبة من الربح","lvl":4,"sub":0},{"id":4383,"title":"ماهي التكاليف التي يجوز تحميلها للشركة في عقد المضاربة؟","lvl":4,"sub":0},{"id":4385,"title":"إذا كان العامل في المضاربة شركة ( شخصية معنوية ) فهل تعتبر جميع رواتب الموظفين والإدارة من ضمن التكاليف؟","lvl":4,"sub":0},{"id":4386,"title":"هل يجوز تنازل المستثمرين عن كل حق في التدخل في الإدارة؟","lvl":4,"sub":0},{"id":4387,"title":"هل يجوز حساب العائد يوميا؟","lvl":4,"sub":0},{"id":4388,"title":"قرارات مجمع الفقه الإسلامي","lvl":3,"sub":0},{"id":4388,"title":"حقوق التأليف مصونة شرعا لا يجوز الاعتداء عليها","lvl":4,"sub":1},{"id":4389,"title":"الدورة الثانية لمجلس مجمع الفقه الإسلامي","lvl":4,"sub":0},{"id":4389,"title":"زكاة الديون","lvl":5,"sub":1},{"id":4389,"title":"زكاة العقارات والأراضي المأجورة غير الزراعية","lvl":5,"sub":2},{"id":4390,"title":"أجوبة استفسارات المعهد العالمي للفكر الإسلامي بواشنطن","lvl":5,"sub":0},{"id":4390,"title":"القاديانية","lvl":5,"sub":1},{"id":4392,"title":"أطفال الأنابيب","lvl":5,"sub":0},{"id":4392,"title":"بنوك الحليب","lvl":5,"sub":1},{"id":4393,"title":"أجهزة الإنعاش","lvl":5,"sub":0},{"id":4393,"title":"استفسارات البنك الإسلامي للتنمية","lvl":5,"sub":1},{"id":4393,"title":"التأمين وإعادة التأمين","lvl":5,"sub":2},{"id":4394,"title":"حكم التعامل المصرفي بالفوائد وحكم التعامل مع المصارف الإسلامية","lvl":5,"sub":0},{"id":4395,"title":"توحيد بدايات الشهور القمرية","lvl":5,"sub":0},{"id":4396,"title":"خطاب الضمان","lvl":5,"sub":0},{"id":4397,"title":"الدورة الثالثة لمجلس مجمع الفقه الإسلامي","lvl":4,"sub":0},{"id":4397,"title":"استفسارات البنك الإسلامي للتنمية","lvl":5,"sub":1},{"id":4398,"title":"زكاة الأسهم في الشركات","lvl":5,"sub":0},{"id":4398,"title":"توظيف الزكاة في مشاريع ذات ريع بلا تمليك فردي للمستحق","lvl":5,"sub":1},{"id":4399,"title":"أطفال الأنابيب","lvl":5,"sub":0},{"id":4400,"title":"أجهزة الإنعاش","lvl":5,"sub":0},{"id":4400,"title":"توحيد بدايات الشهور القمرية","lvl":5,"sub":1},{"id":4401,"title":"الإحرام للقادم للحج والعمرة بالطائرة والباخرة","lvl":5,"sub":0},{"id":4401,"title":"صرف الزكاة لصالح صندوق التضامن الإسلامي","lvl":5,"sub":1},{"id":4401,"title":"أحكام النقود الورقية وتغير قيمة العملة","lvl":5,"sub":2},{"id":4402,"title":"سندات المقارضة وسندات التنمية والاستثمار","lvl":5,"sub":0},{"id":4402,"title":"استفسارات المعهد العالمي للفكر الإسلامي بواشنطن","lvl":5,"sub":1},{"id":4408,"title":"المشاريع العلمية للمجمع","lvl":5,"sub":0},{"id":4409,"title":"توصيات الدورة الثالثة لمجلس مجمع الفقه الإسلامي","lvl":5,"sub":0},{"id":4411,"title":"الدورة الرابعة لمجلس مجمع الفقه الإسلامي","lvl":4,"sub":0},{"id":4411,"title":"انتفاع الإنسان بأعضاء جسم إنسان آخر حيا كان أو ميتا","lvl":5,"sub":1},{"id":4413,"title":"صرف الزكاة لصالح صندوق التضامن الإسلامي","lvl":5,"sub":0},{"id":4415,"title":"زكاة الأسهم في الشركات","lvl":5,"sub":0},{"id":4416,"title":"انتزاع الملكية للمصلحة العامة","lvl":5,"sub":0},{"id":4418,"title":"سندات المقارضة وسندات الاستثمار","lvl":5,"sub":0},{"id":4422,"title":"بدل الخلو","lvl":5,"sub":0},{"id":4423,"title":"بيع الاسم التجاري والترخيص","lvl":5,"sub":0},{"id":4424,"title":"التأجير المنتهي بالتمليك والمرابحة للآمر بالشراء وتغير قيمة العملة","lvl":5,"sub":0},{"id":4425,"title":"البهائية","lvl":5,"sub":0},{"id":4426,"title":"مشروع تيسير الفقه","lvl":5,"sub":0},{"id":4426,"title":"مشروع الموسوعة الفقهية","lvl":5,"sub":1},{"id":4427,"title":"مشروع موسوعة القواعد الفقهية","lvl":5,"sub":0},{"id":4428,"title":"ميزان المجمع","lvl":5,"sub":0},{"id":4428,"title":"توصيات الدورة الرابعة لمجلس مجمع الفقه الإسلامي","lvl":5,"sub":1},{"id":4433,"title":"الدورة الخامسة لمجلس مجمع الفقه الإسلامي","lvl":4,"sub":0},{"id":4433,"title":"تنظيم النسل","lvl":5,"sub":1},{"id":4433,"title":"الوفاء بالوعد، والمرابحة للآمر بالشراء","lvl":5,"sub":2},{"id":4434,"title":"تغير قيمة العملة","lvl":5,"sub":0},{"id":4435,"title":"الحقوق المعنوية","lvl":5,"sub":0},{"id":4435,"title":"الإيجار المنتهي بالتمليك","lvl":5,"sub":1},{"id":4436,"title":"التمويل العقاري لبناء المساكن وشرائها","lvl":5,"sub":0},{"id":4436,"title":"تحديد أرباح التجار","lvl":5,"sub":1},{"id":4437,"title":"العرف","lvl":5,"sub":0},{"id":4438,"title":"تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية","lvl":5,"sub":0},{"id":4439,"title":"اللجنة الإسلامية الدولية للقانون","lvl":5,"sub":0},{"id":4440,"title":"القرارات والتوصيات الصادرة عن مجلس مجمع الفقه الإسلامي في دورة مؤتمره السادس","lvl":4,"sub":0},{"id":4440,"title":"التمويل العقاري لبناء المساكن وشرائها","lvl":5,"sub":1},{"id":4441,"title":"البيع بالتقسيط","lvl":5,"sub":0},{"id":4442,"title":"إجراء العقود بآلات الاتصال الحديثة","lvl":5,"sub":0},{"id":4443,"title":"القبض: صوره وبخاصة المستجدة منها وأحكامها","lvl":5,"sub":0},{"id":4443,"title":"زراعة خلايا المخ والجهاز العصبي","lvl":5,"sub":1},{"id":4445,"title":"البييضات الملقحة الزائدة عن الحاجة","lvl":5,"sub":0},{"id":4446,"title":"استخدام الأجنة مصدرا لزراعة الأعضاء","lvl":5,"sub":0},{"id":4447,"title":"زراعة الأعضاء التناسلية","lvl":5,"sub":0},{"id":4447,"title":"زراعة عضو استؤصل في حد أو قصاص","lvl":5,"sub":1},{"id":4448,"title":"الأسواق المالية","lvl":5,"sub":0},{"id":4450,"title":"السندات","lvl":5,"sub":0},{"id":4451,"title":"القرارات والتوصيات الصادرة عن مجلس مجمع الفقه الإسلامي في دورة مؤتمره السابع","lvl":4,"sub":0},{"id":4451,"title":"الأسواق المالية","lvl":5,"sub":1},{"id":4451,"title":"أولا: الأسهم","lvl":6,"sub":2},{"id":4454,"title":"ثانيا: بيع الاختيارات","lvl":6,"sub":0},{"id":4454,"title":"ثالثا : التعامل بالسلع والعملات والمؤشرات في الأسواق المنظمة","lvl":6,"sub":1},{"id":4456,"title":"رابعا : بطاقة الائتمان","lvl":6,"sub":0},{"id":4456,"title":"البيع بالتقسيط","lvl":5,"sub":1},{"id":4457,"title":"عقد الاستصناع","lvl":5,"sub":0},{"id":4457,"title":"بيع الوفاء","lvl":5,"sub":1},{"id":4458,"title":"العلاج الطبي","lvl":5,"sub":0},{"id":4458,"title":"أولا: التداوي","lvl":6,"sub":1},{"id":4458,"title":"ثانيا : علاج الحالات الميئوس منها","lvl":6,"sub":2},{"id":4459,"title":"ثالثا : إذن المريض","lvl":6,"sub":0},{"id":4459,"title":"الحقوق الدولية في نظر الإسلام","lvl":5,"sub":1},{"id":4461,"title":"الغزو الفكري","lvl":5,"sub":0},{"id":4463,"title":"القرارات والتوصيات الصادرة عن مجلس مجمع الفقه الإسلامي في دورة مؤتمره الثامن","lvl":4,"sub":0},{"id":4463,"title":"الأخذ بالرخصة وحكمه","lvl":5,"sub":1},{"id":4464,"title":"حوادث السير","lvl":5,"sub":0},{"id":4466,"title":"بيع العربون","lvl":5,"sub":0},{"id":4467,"title":"عقد المزايدة","lvl":5,"sub":0},{"id":4468,"title":"تطبيقات شرعية لإقامة السوق الإسلامية","lvl":5,"sub":0},{"id":4470,"title":"قضايا العملة","lvl":5,"sub":0},{"id":4471,"title":"مشاكل البنوك الإسلامية","lvl":5,"sub":0},{"id":4474,"title":"المشاركة في أسهم الشركات المساهمة المتعاملة بالربا","lvl":5,"sub":0},{"id":4475,"title":"بطاقات الائتمان","lvl":5,"sub":0},{"id":4475,"title":"السر في المهن الطبية","lvl":5,"sub":1},{"id":4476,"title":"أخلاق الطبيب: مسؤوليته وضمانه","lvl":5,"sub":0},{"id":4477,"title":"مداواة الرجل للمرأة","lvl":5,"sub":0},{"id":4477,"title":"مرض نقص المناعة المكتسب (الإيدز )","lvl":5,"sub":1},{"id":4478,"title":"تنظيم استكتاب الأبحاث ومناقشتها في دورات المجمع","lvl":5,"sub":0},{"id":4479,"title":"قرارات وتوصيات الدورة التاسعة لمجمع الفقه الإسلامي","lvl":4,"sub":0},{"id":4479,"title":"تجارة الذهب، الحلول الشرعية لاجتماع الصرف والحوالة","lvl":5,"sub":1},{"id":4481,"title":"السلم وتطبيقاته المعاصرة","lvl":5,"sub":0},{"id":4483,"title":"الودائع المصرفية ( حسابات المصارف )","lvl":5,"sub":0},{"id":4484,"title":"الاستثمار في الأسهم والوحدات الاستثمارية","lvl":5,"sub":0},{"id":4485,"title":"المناقصات","lvl":5,"sub":0},{"id":4486,"title":"قضايا العملة","lvl":5,"sub":0},{"id":4487,"title":"مرض نقص المناعة المكتسب ( الأيدز ) والأحكام الفقهية المتعلقة به","lvl":5,"sub":0},{"id":4489,"title":"مبدأ التحكيم في الفقه الإسلامي","lvl":5,"sub":0},{"id":4490,"title":"سد الذرائع","lvl":5,"sub":0},{"id":4491,"title":"معلمة القواعد الفقهية","lvl":5,"sub":0},{"id":4492,"title":"المراحل المنجزة من مشروع الموسوعة الفقهية الاقتصادية","lvl":5,"sub":0},{"id":4493,"title":"توصيات الندوة الثامنة للمنظمة الإسلامية للعلوم الطبية بالكويت","lvl":5,"sub":0},{"id":4494,"title":"التوصيات الخاصة","lvl":6,"sub":0},{"id":4494,"title":"أولا - الترقيع الجلدي","lvl":7,"sub":1},{"id":4495,"title":"ثانيا - المواد المحرمة والنجسة في الغذاء والدواء","lvl":7,"sub":0},{"id":4495,"title":"المبادئ العامة","lvl":8,"sub":1},{"id":4496,"title":"التوصيات العامة","lvl":6,"sub":0},{"id":4497,"title":"&*&القِسْمُ الخامِس: الفقهُ العَّام&*&","lvl":2,"sub":0},{"id":4497,"title":"((الباب الاول: الحدود الشرعية))","lvl":2,"sub":1},{"id":4498,"title":"تمهيد","lvl":3,"sub":0},{"id":4501,"title":"تعريف الحد","lvl":4,"sub":0},{"id":4502,"title":"الحدود أنواع","lvl":4,"sub":0},{"id":4503,"title":"الحكمة من تشريع الحدود","lvl":4,"sub":0},{"id":4504,"title":"تطبيق الحدود يتطلب أمورا أربعة","lvl":4,"sub":0},{"id":4504,"title":"هل في قطع اليد تعذيب وقسوة وتنكيل؟","lvl":4,"sub":1},{"id":4508,"title":"الفرق بين الحدود والتعازير","lvl":4,"sub":0},{"id":4508,"title":"1 - التقدير","lvl":5,"sub":1},{"id":4510,"title":"2 - وجوب التنفيذ","lvl":5,"sub":0},{"id":4511,"title":"3 - الاتفاق مع الأصل أو القاعدة العامة","lvl":5,"sub":0},{"id":4511,"title":"4 - وصف الجريمة بالمعصية وعدمها","lvl":5,"sub":1},{"id":4511,"title":"5 - سقوط العقوبة","lvl":5,"sub":2},{"id":4512,"title":"6 - أثر التوبة","lvl":5,"sub":0},{"id":4512,"title":"7 - التخيير","lvl":5,"sub":1},{"id":4512,"title":"8 - مراعاة الظروف المخففة","lvl":5,"sub":2},{"id":4512,"title":"9 - مراعاة مكان الجريمة وزمانها","lvl":5,"sub":3},{"id":4512,"title":"10 - حق الله وحق العبد","lvl":5,"sub":4},{"id":4513,"title":"السياسة العقابية في الإسلام وأثرها الإصلاحي في المجتمع","lvl":4,"sub":0},{"id":4513,"title":"تمهيد","lvl":5,"sub":1},{"id":4514,"title":"خطة البحث","lvl":5,"sub":0},{"id":4515,"title":"أولا - مفاهيم عامة عن الجريمة وأوضاعها في العصر الحاضر بسبب غيبة الوازع الديني","lvl":5,"sub":0},{"id":4519,"title":"ثانيا - أصول السياسة العقابية أوالجنائية الإسلامية","lvl":5,"sub":0},{"id":4519,"title":"1 - الشمول","lvl":6,"sub":1},{"id":4519,"title":"2 - متكاملة","lvl":6,"sub":2},{"id":4519,"title":"3 - عملية","lvl":6,"sub":3},{"id":4521,"title":"ثالثا - أنواع الأحكام الشرعية ودورها الوقائي والعلاجي","lvl":5,"sub":0},{"id":4521,"title":"الأحكام الأصلية الأساسية","lvl":6,"sub":1},{"id":4524,"title":"المؤيدات","lvl":6,"sub":0},{"id":4524,"title":"رابعا - أنواع العقوبات في الإسلام وأثرها في منع الجريمة","lvl":5,"sub":1},{"id":4524,"title":"العقوبة الأخروية","lvl":6,"sub":2},{"id":4525,"title":"العقوبات الدنيوية في الإسلام","lvl":6,"sub":0},{"id":4525,"title":"1 ـ الحدود","lvl":7,"sub":1},{"id":4527,"title":"2 - التعزيرات","lvl":7,"sub":0},{"id":4529,"title":"خامسا - تطبيق مبادئ السياسة الجنائية الإسلامية","lvl":5,"sub":0},{"id":4529,"title":"تقويم المجرم","lvl":6,"sub":1},{"id":4529,"title":"العقاب ليس مقصودا لذاته","lvl":6,"sub":2},{"id":4529,"title":"الإنذار السابق","lvl":6,"sub":3},{"id":4530,"title":"التدرج في الإصلاح","lvl":6,"sub":0},{"id":4531,"title":"أدلة وجوب البيان السابق","lvl":6,"sub":0},{"id":4532,"title":"أدلة التسامح في العقاب","lvl":6,"sub":0},{"id":4533,"title":"التوبة","lvl":6,"sub":0},{"id":4533,"title":"الشبهة","lvl":6,"sub":1},{"id":4535,"title":"تقدير المخاوف والمخاطر","lvl":6,"sub":0},{"id":4536,"title":"الأمل في العفو","lvl":6,"sub":0},{"id":4536,"title":"حكمة تنوع العقاب","lvl":6,"sub":1},{"id":4540,"title":"الشعور القوي بضرورة التطهر من الذنب","lvl":6,"sub":0},{"id":4540,"title":"حكمة العقاب في ذاته","lvl":6,"sub":1},{"id":4542,"title":"أهداف أو غايات العقوبة في شريعة الله تعالى","lvl":6,"sub":0},{"id":4542,"title":"1 - الزجر والردع","lvl":7,"sub":1},{"id":4542,"title":"2 - الإصلاح والتهذيب والتقويم","lvl":7,"sub":2},{"id":4542,"title":"3 - محاربة الجريمة في ذاتها","lvl":7,"sub":3},{"id":4543,"title":"4 - منع عادة الأخذ بالثأر، وإطفاء نار الغيظ لدى المعتدى عليه أو أقاربه","lvl":7,"sub":0},{"id":4543,"title":"سادسا ـ مبادئ العقاب في الشريعة وما لها من أثر في تخفيف الجريمة","lvl":5,"sub":1},{"id":4543,"title":"مبدأ الرحمة","lvl":6,"sub":2},{"id":4545,"title":"العدالة","lvl":6,"sub":0},{"id":4545,"title":"حماية كرامة الإنسان","lvl":6,"sub":1},{"id":4546,"title":"رعاية المصالح العامة والخاصة أو حقوق الجماعة والأفراد معا","lvl":6,"sub":0},{"id":4547,"title":"المساواة بين الجريمة والعقوبة","lvl":6,"sub":0},{"id":4547,"title":"عدم الحرص من المشرع الإسلامي على إيقاع العقوبة","lvl":6,"sub":1},{"id":4549,"title":"الحالة التي لا بد فيها من العقاب","lvl":6,"sub":0},{"id":4549,"title":"رقابة الله في السر والعلن","lvl":6,"sub":1},{"id":4550,"title":"سابعا - الحدود الشرعية وحكمتها وأثر تطبيقها في منع الجريمة في عصرنا","lvl":5,"sub":0},{"id":4552,"title":"ثامنا - العقوبات الشرعية وحقوق الإنسان في الإسلام","lvl":5,"sub":0},{"id":4554,"title":"الادعاء بوجود التعارض والمنافاة بين حقوق الإنسان وبين الحدود الشرعية أمر باطل","lvl":6,"sub":0},{"id":4556,"title":"تاسعا - شرعية الجريمة والعقوبة، أو مبدأ (لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص)","lvl":5,"sub":0},{"id":4569,"title":"عاشرا ـ موانع العقاب أو موانع المسؤولية، وأسباب الإباحة وإنسانية العقوبة","lvl":5,"sub":0},{"id":4569,"title":"1 - موانع العقاب أو موانع المسؤولية","lvl":6,"sub":1},{"id":4569,"title":"2 - أسباب الإباحة","lvl":6,"sub":2},{"id":4570,"title":"حادي عشر ـ الآثار الإصلاحية الكبرى لسياسة العقاب في الإسلام","lvl":5,"sub":0},{"id":4570,"title":"1 - تحقيق الزجر والردع للجاني ولأمثاله وللناس قاطبة","lvl":6,"sub":1},{"id":4570,"title":"2 - عدم الحرص الشديد على تطبيق الحدود الشرعية","lvl":6,"sub":2},{"id":4571,"title":"3 - منع الجريمة أو التخفيف منها","lvl":6,"sub":0},{"id":4571,"title":"4 - إصلاح المجرم وتقويمه واستقامته","lvl":6,"sub":1},{"id":4571,"title":"5 - نظافة المجتمع وطهره وحمايته من ظاهرة الإجرام","lvl":6,"sub":2},{"id":4571,"title":"6 - تقدير المخاطر، والتوعية بأن الوقاية خير من العلاج","lvl":6,"sub":3},{"id":4572,"title":"7 - نشر ظاهرة الخوف من العقاب الدنيوي والأخروي يحقق مصالح عامة","lvl":6,"sub":0},{"id":4572,"title":"8 - تحقيق الأمن والاستقرار الدائم","lvl":6,"sub":1},{"id":4572,"title":"9 - بقاء العالم","lvl":6,"sub":2},{"id":4573,"title":"10 - حصر الجريمة في أضيق نطاق ممكن","lvl":6,"sub":0},{"id":4573,"title":"11 - الدفاع عن المجتمع ضد الجريمة","lvl":6,"sub":1},{"id":4573,"title":"12 - الحفاظ على المقاصد العامة للتشريع أو الأصول الخمس الكلية","lvl":6,"sub":2},{"id":4574,"title":"الفصل الأول: حد الزنا","lvl":3,"sub":0},{"id":4574,"title":"تمهيد","lvl":4,"sub":1},{"id":4575,"title":"اللواط","lvl":5,"sub":0},{"id":4575,"title":"السحاق","lvl":5,"sub":1},{"id":4577,"title":"الاستمناء","lvl":5,"sub":0},{"id":4577,"title":"إتيان الميتة والبهيمة","lvl":5,"sub":1},{"id":4577,"title":"خطة الموضوع","lvl":4,"sub":2},{"id":4578,"title":"المبحث الأول ـ سبب حد الزنا وتعريف الزنا","lvl":4,"sub":0},{"id":4578,"title":"سبب حد الزنا","lvl":5,"sub":1},{"id":4578,"title":"تعريف الزنا","lvl":5,"sub":2},{"id":4578,"title":"شرح التعريف وبيان محترزات قيوده","lvl":5,"sub":3},{"id":4578,"title":"الوطء","lvl":6,"sub":4},{"id":4579,"title":"الحرام","lvl":6,"sub":0},{"id":4579,"title":"في قبل","lvl":6,"sub":1},{"id":4579,"title":"المرأة","lvl":6,"sub":2},{"id":4579,"title":"المشتهاة","lvl":6,"sub":3},{"id":4579,"title":"حالة الاختيار","lvl":6,"sub":4},{"id":4580,"title":"في دار العدل","lvl":6,"sub":0},{"id":4580,"title":"ممن التزم أحكام الإسلام","lvl":6,"sub":1},{"id":4581,"title":"الخالي عن حقيقة الملك","lvl":6,"sub":0},{"id":4581,"title":"الخالي عن حقيقة النكاح","lvl":6,"sub":1},{"id":4581,"title":"شبهة الملك","lvl":6,"sub":2},{"id":4583,"title":"شبهة النكاح","lvl":6,"sub":0},{"id":4584,"title":"شبهة الاشتباه","lvl":6,"sub":0},{"id":4584,"title":"الشبهة","lvl":7,"sub":1},{"id":4585,"title":"شبهة الفعل","lvl":8,"sub":0},{"id":4586,"title":"شبهة المحل","lvl":8,"sub":0},{"id":4586,"title":"شبهة الفاعل","lvl":8,"sub":1},{"id":4588,"title":"الجهل بتحريم الزنا","lvl":6,"sub":0},{"id":4589,"title":"المبحث الثاني ـ شروط حد الزنا","lvl":4,"sub":0},{"id":4590,"title":"المبحث الثالث ـ عقوبة الزنا","lvl":4,"sub":0},{"id":4590,"title":"1 - حد الزاني البكر غير المحصن","lvl":5,"sub":1},{"id":4592,"title":"2 - حد الزاني المحصن","lvl":5,"sub":0},{"id":4594,"title":"شرط الرجم ـ الإحصان","lvl":6,"sub":0},{"id":4594,"title":"الإحصان نوعان","lvl":7,"sub":1},{"id":4595,"title":"اختلاف العلماء في اشتراط الإسلام للإحصان","lvl":7,"sub":0},{"id":4597,"title":"صفة حد الزنا","lvl":5,"sub":0},{"id":4597,"title":"الفرق بين حق الله تعالى وحق الآدمي","lvl":5,"sub":1},{"id":4599,"title":"هل يجب الحد والمهر على الرجل المكره على الزنا؟","lvl":5,"sub":0},{"id":4599,"title":"المبحث الرابع ـ إثبات الزنا عند القاضي","lvl":4,"sub":1},{"id":4603,"title":"اختلاف العلماء في بعض شروط الشهادة على الزنا","lvl":5,"sub":0},{"id":4603,"title":"1 - اتحاد المشهود به","lvl":6,"sub":1},{"id":4604,"title":"2 - اتحاد مجلس الشهادة","lvl":6,"sub":0},{"id":4605,"title":"تقادم الشهادة","lvl":7,"sub":0},{"id":4605,"title":"دور القاضي مع شهود الزنا","lvl":7,"sub":1},{"id":4605,"title":"الإقرار بالزنا","lvl":7,"sub":2},{"id":4605,"title":"شروط الإقرار","lvl":8,"sub":3},{"id":4605,"title":"الشرائط التي تعم الحدود كلها","lvl":9,"sub":4},{"id":4606,"title":"الشرائط التي تخص بعض الحدود","lvl":9,"sub":0},{"id":4608,"title":"الإقرار حجة قاصرة","lvl":8,"sub":0},{"id":4608,"title":"تقادم الإقرار","lvl":8,"sub":1},{"id":4608,"title":"دور القاضي مع المقر بالزنا","lvl":8,"sub":2},{"id":4609,"title":"الرجوع عن الإقرار","lvl":8,"sub":0},{"id":4610,"title":"المبحث الخامس ـ إقامة الحد على الزاني","lvl":4,"sub":0},{"id":4610,"title":"شروط إقامة الحد","lvl":5,"sub":1},{"id":4610,"title":"اختلاف العلماء في اشتراط بداءة الشهود بالرجم","lvl":5,"sub":2},{"id":4613,"title":"حالة المحدود","lvl":5,"sub":0},{"id":4615,"title":"أشد الضرب","lvl":5,"sub":0},{"id":4616,"title":"أداة الحد (كيفية الضرب والرجم )","lvl":5,"sub":0},{"id":4617,"title":"مكان الضرب في حد الجلد","lvl":5,"sub":0},{"id":4618,"title":"مكان إقامة الحد","lvl":5,"sub":0},{"id":4620,"title":"ثلاثة مباحث ختامية","lvl":4,"sub":0},{"id":4620,"title":"1 - حكم اللواط","lvl":5,"sub":1},{"id":4621,"title":"2 - حكم إتيان البهيمة","lvl":5,"sub":0},{"id":4621,"title":"3 - حد إتيان الميتة","lvl":5,"sub":1},{"id":4622,"title":"الفصل الثاني: حد القذف","lvl":3,"sub":0},{"id":4622,"title":"خطة الموضوع","lvl":4,"sub":1},{"id":4622,"title":"المبحث الأول ـ مشروعية حد القذف وسبب وجوبه ومقداره","lvl":4,"sub":2},{"id":4622,"title":"مشروعيته","lvl":5,"sub":3},{"id":4622,"title":"سبب وجوبه","lvl":5,"sub":4},{"id":4622,"title":"المبحث الثاني ـ تعريف القذف لغة وتفسيره شرعا","lvl":4,"sub":5},{"id":4626,"title":"هل التعريض بالقذف يوجب الحد؟","lvl":5,"sub":0},{"id":4628,"title":"القذف باللواط","lvl":5,"sub":0},{"id":4628,"title":"قذف الجماعة","lvl":5,"sub":1},{"id":4629,"title":"تكرار القذف","lvl":5,"sub":0},{"id":4630,"title":"المبحث الثالث ـ شرائط وجوب حد القذف","lvl":4,"sub":0},{"id":4630,"title":"أولا ـ شروط القاذف","lvl":5,"sub":1},{"id":4630,"title":"ثانيا ـ شروط المقذوف","lvl":5,"sub":2},{"id":4632,"title":"ثالثا ـ ما يشترط في القاذف والمقذوف معا","lvl":5,"sub":0},{"id":4632,"title":"رابعا ـ مايشترط في المقذوف به","lvl":5,"sub":1},{"id":4632,"title":"خامسا ـ شرط المقذوف فيه أي المكان","lvl":5,"sub":2},{"id":4633,"title":"سادسا ـ ما يشترط في القذف نفسه","lvl":5,"sub":0},{"id":4633,"title":"المبحث الرابع ـ صفة حد القذف","lvl":4,"sub":1},{"id":4636,"title":"المبحث الخامس ـ إثبات القذف","lvl":4,"sub":0},{"id":4636,"title":"الخصومة","lvl":5,"sub":1},{"id":4637,"title":"حكم الخصومة أو الدعوى","lvl":5,"sub":0},{"id":4637,"title":"من يملك الخصومة ومن لا يملكها","lvl":5,"sub":1},{"id":4639,"title":"التوكيل في استيفاء الحد","lvl":5,"sub":0},{"id":4640,"title":"شرائط البينة لإثبات القذف","lvl":5,"sub":0},{"id":4641,"title":"شرائط الإقرار بالقذف","lvl":5,"sub":0},{"id":4641,"title":"إثبات القذف بعلم القاضي","lvl":5,"sub":1},{"id":4641,"title":"تحليف القاذف ونكوله","lvl":5,"sub":2},{"id":4641,"title":"المبحث السادس ـ صلاحيات القاضي في إثبات القذف","lvl":4,"sub":3},{"id":4642,"title":"موقف القاضي من القاذف بعد ثبوت القذف","lvl":5,"sub":0},{"id":4643,"title":"اللعان بعد إثبات القذف","lvl":5,"sub":0},{"id":4643,"title":"ما يسقط حد القذف","lvl":5,"sub":1},{"id":4644,"title":"الفصل الثالث: حد السرقة","lvl":3,"sub":0},{"id":4644,"title":"خطة الموضوع","lvl":4,"sub":1},{"id":4644,"title":"المبحث الأول ـ تعريف السرقة وحكمها وصفة حدها","lvl":4,"sub":2},{"id":4644,"title":"تعريف السرقة","lvl":5,"sub":3},{"id":4644,"title":"وقت الخفية","lvl":5,"sub":4},{"id":4645,"title":"الاختلاس","lvl":5,"sub":0},{"id":4645,"title":"الخائن","lvl":5,"sub":1},{"id":4646,"title":"المنتهب","lvl":5,"sub":0},{"id":4646,"title":"حكم السرقة","lvl":5,"sub":1},{"id":4647,"title":"هل يجمع بين الضمان والقطع؟","lvl":5,"sub":0},{"id":4648,"title":"حالة تكرار السرقة","lvl":5,"sub":0},{"id":4650,"title":"الفرق بين اعتبار اليد في السرقة وبين اعتبارها في الدية","lvl":5,"sub":0},{"id":4651,"title":"مكان القطع","lvl":5,"sub":0},{"id":4652,"title":"صفة حد السرقة","lvl":5,"sub":0},{"id":4653,"title":"المبحث الثاني ـ شروط السرقة الموجبة للحد","lvl":4,"sub":0},{"id":4653,"title":"شروط السارق","lvl":5,"sub":1},{"id":4654,"title":"شروط المسروق","lvl":5,"sub":0},{"id":4654,"title":"1 - أن يكون المسروق مالا متقوما","lvl":6,"sub":1},{"id":4655,"title":"2 - أن يكون المال المسروق مقدرا","lvl":6,"sub":0},{"id":4657,"title":"صفات النصاب","lvl":7,"sub":0},{"id":4657,"title":"هل ينبغي أن تكون الدراهم مضروبة؟","lvl":7,"sub":1},{"id":4658,"title":"وقت اعتبار قيمة المسروق","lvl":7,"sub":0},{"id":4659,"title":"كون النصاب من حرز واحد","lvl":7,"sub":0},{"id":4659,"title":"اشتراك جماعة في السرقة","lvl":7,"sub":1},{"id":4661,"title":"3 - أن يكون المسروق محرزا مطلقا، مقصودا بالحرز","lvl":6,"sub":0},{"id":4661,"title":"الحرز","lvl":7,"sub":1},{"id":4662,"title":"1 - حرز بنفسه","lvl":8,"sub":0},{"id":4662,"title":"2 - حرز بغيره","lvl":8,"sub":1},{"id":4663,"title":"حكم الصور الآتية","lvl":8,"sub":0},{"id":4663,"title":"أ ـ لو سرق إنسان عدلا موجودا على ظهر دابة تسير ضمن مجموعة من الدواب مقطورة ببعضها","lvl":9,"sub":1},{"id":4664,"title":"ب ـ إذا علم صاحب الشيء المسروق بالسرقة قبل إخراج المسروق من الحرز، فأخذه منه","lvl":9,"sub":0},{"id":4664,"title":"جـ ـ إذا رمى السارق المسروق إلى خارج، فوجده مالكه فأخذه","lvl":9,"sub":1},{"id":4664,"title":"د ـ المناولة من الحرز","lvl":9,"sub":2},{"id":4665,"title":"هـ ـ إخراج المسروق من الحرز (سرقة النقب)","lvl":9,"sub":0},{"id":4666,"title":"و ـ الاشتراك في السرقة أو تحميل المسروق على ظهر واحد من الجماعة","lvl":9,"sub":0},{"id":4666,"title":"ز ـ الطرار والنباش","lvl":9,"sub":1},{"id":4666,"title":"الطرار","lvl":10,"sub":2},{"id":4668,"title":"النباش","lvl":10,"sub":0},{"id":4668,"title":"ح ـ الدار المشتركة","lvl":9,"sub":1},{"id":4669,"title":"ط ـ الأمتعة في الأسواق","lvl":9,"sub":0},{"id":4669,"title":"4 - أن يكون المسروق أعيانا، قابلة للادخار والإمساك، ولا يتسارع إليها الفساد","lvl":6,"sub":1},{"id":4670,"title":"سرقة الثمر المعلق","lvl":7,"sub":0},{"id":4671,"title":"5 - أن يكون المسروق شيئا ليس أصله مباحا","lvl":6,"sub":0},{"id":4673,"title":"6- أن يكون المال المسروق معصوما، ليس للسارق فيه حق الأخذ ولا تأويل الأخذ، ولا شبهة التناول (انتفاء شبهة الأخذ )","lvl":6,"sub":0},{"id":4675,"title":"7 - ألا يكون للسارق في المسروق ملك ولا تأويل الملك، أو شبهته (انتفاء شبهة الملك )","lvl":6,"sub":0},{"id":4676,"title":"8 - ألا يكون السارق مأذونا له بالدخول في الحرز، أو فيه شبهة الإذن","lvl":6,"sub":0},{"id":4678,"title":"9 - أن يكون المسروق مقصودا بالسرقة لا تبعا لمقصود","lvl":6,"sub":0},{"id":4678,"title":"شروط المسروق منه","lvl":5,"sub":1},{"id":4679,"title":"شروط المسروق فيه","lvl":5,"sub":0},{"id":4679,"title":"المبحث الثالث ـ إثبات السرقة","lvl":4,"sub":1},{"id":4679,"title":"شروط البينة","lvl":5,"sub":2},{"id":4680,"title":"شروط الإقرار","lvl":5,"sub":0},{"id":4681,"title":"المبحث الرابع ـ ما يسقط الحد بعد وجوبه","lvl":4,"sub":0},{"id":4684,"title":"الفصل الرابع: حد الحرابة أو قطع الطريق وحكم البغاة","lvl":3,"sub":0},{"id":4684,"title":"تمهيد","lvl":4,"sub":1},{"id":4684,"title":"المبحث الأول ـ تعريف قطاع الطرق وركن قطع الطريق","lvl":4,"sub":2},{"id":4684,"title":"قاطع الطريق أو المحارب","lvl":5,"sub":3},{"id":4685,"title":"ركن قطع الطريق","lvl":5,"sub":0},{"id":4685,"title":"المبحث الثاني ـ شروط قطع الطريق","lvl":4,"sub":1},{"id":4685,"title":"شروط القاطع","lvl":5,"sub":2},{"id":4686,"title":"شروط المقطوع عليه","lvl":5,"sub":0},{"id":4686,"title":"شروط القاطع والمقطوع عليه جميعا","lvl":5,"sub":1},{"id":4688,"title":"حكم الردء","lvl":6,"sub":0},{"id":4688,"title":"شروط المقطوع له","lvl":5,"sub":1},{"id":4688,"title":"شروط المقطوع فيه","lvl":5,"sub":2},{"id":4690,"title":"المبحث الثالث ـ إثبات قطع الطريق","lvl":4,"sub":0},{"id":4690,"title":"المبحث الرابع ـ أحكام قطاع الطرق (عقوباتهم )","lvl":4,"sub":1},{"id":4692,"title":"كيفية الصلب ووقته ومدته","lvl":5,"sub":0},{"id":4693,"title":"النفي","lvl":5,"sub":0},{"id":4694,"title":"صفة حكم قطع الطريق","lvl":5,"sub":0},{"id":4695,"title":"المبحث الخامس ـ ما يسقط حكم القطع، وما يترتب على عدم وجوب الحد أو سقوطه","lvl":4,"sub":0},{"id":4696,"title":"البغاة","lvl":4,"sub":0},{"id":4696,"title":"أولا ـ تعريف البغي","lvl":5,"sub":1},{"id":4697,"title":"الفرق بين الباغي والمحارب","lvl":6,"sub":0},{"id":4698,"title":"ثانيا ـ أحكام البغاة","lvl":5,"sub":0},{"id":4698,"title":"1) ـ قتالهم واستتابتهم","lvl":6,"sub":1},{"id":4699,"title":"2) ـ ضمان ما أتلفوه من الأنفس والأموال","lvl":6,"sub":0},{"id":4700,"title":"3) ـ عقوبة جرائم البغاة","lvl":6,"sub":0},{"id":4701,"title":"4) ـ الفرق بين قتال البغاة وقتال المشركين","lvl":6,"sub":0},{"id":4702,"title":"الفصل الخامس: حد الشرب وحد السكر والأشربة","lvl":3,"sub":0},{"id":4702,"title":"خطة الموضوع","lvl":4,"sub":1},{"id":4702,"title":"المبحث الأول ـ تعريف حد الشرب وحد السكر، وضابط السكر وشروط الحد ومقدار الحد","lvl":4,"sub":2},{"id":4702,"title":"حد السكر","lvl":5,"sub":3},{"id":4703,"title":"ضابط السكر","lvl":5,"sub":0},{"id":4703,"title":"شروط الحد","lvl":5,"sub":1},{"id":4704,"title":"مقدار الحد","lvl":5,"sub":0},{"id":4706,"title":"المبحث الثاني ـ أنواع الأشربة","lvl":4,"sub":0},{"id":4706,"title":"أولا ـ الأشربة المحرمة","lvl":5,"sub":1},{"id":4706,"title":"1 - الخمر","lvl":6,"sub":2},{"id":4707,"title":"2 - السكر","lvl":6,"sub":0},{"id":4707,"title":"3 - الفضيخ","lvl":6,"sub":1},{"id":4707,"title":"4 - نقيع الزبيب","lvl":6,"sub":2},{"id":4708,"title":"5 - الطلاء أو المثلث","lvl":6,"sub":0},{"id":4708,"title":"6 - الباذق أو المنصف","lvl":6,"sub":1},{"id":4708,"title":"7 - الجمهوري","lvl":6,"sub":2},{"id":4708,"title":"ثانيا ـ الأشربة الحلال في رأي ضعيف هو رأي أبي حنيفة وأبي يوسف","lvl":5,"sub":3},{"id":4708,"title":"1 - نبيذ التمر والزبيب إن طبخ كل واحد منهما أدنى طبخة","lvl":6,"sub":4},{"id":4708,"title":"2 - الخليطان من الزبيب والتمر إذا طبخ أدنى طبخة، وإن اشتد","lvl":6,"sub":5},{"id":4709,"title":"3 - نبيذ العسل والتين والبر والذرة","lvl":6,"sub":0},{"id":4709,"title":"4 - الطلاء أو المثلث العنبي وإن اشتد","lvl":6,"sub":1},{"id":4709,"title":"المبحث الثالث ـ أحكام الخمر","lvl":4,"sub":2},{"id":4709,"title":"1 - يحرم شرب قليلها وكثيرها إلا عند الضرورة","lvl":5,"sub":3},{"id":4710,"title":"الانتفاع بها للتداوي","lvl":6,"sub":0},{"id":4711,"title":"2 - يكفر مستحلها","lvl":5,"sub":0},{"id":4711,"title":"3 - يحرم على المسلم تمليكها","lvl":5,"sub":1},{"id":4712,"title":"4 - لا يضمن متلفها إذا كانت لمسلم","lvl":5,"sub":0},{"id":4712,"title":"5 - إنها نجسة نجاسة مغلظة","lvl":5,"sub":1},{"id":4713,"title":"6 - يحد شاربها قليلا أو كثيرا،","lvl":5,"sub":0},{"id":4714,"title":"7 - إن حد شرب الخمر وحد السكر مقدر بثمانين جلدة","lvl":5,"sub":0},{"id":4714,"title":"8 - إذا تخللت الخمر بنفسها يحل شرب الخل بلا خلاف","lvl":5,"sub":1},{"id":4716,"title":"المبحث الرابع ـ أحكام الأشربة المسكرة غير الخمر","lvl":4,"sub":0},{"id":4716,"title":"الفئةالأولى ـ غير المطبوخ غالبا: وهو السكر والفضيح النيء والباذق المطبوخ ونقيع الزبيب والتمر من غير طبخ","lvl":5,"sub":1},{"id":4719,"title":"الفئة الثانية ـ المطبوخ وهو المثلث (أو الطلاء) والجمهوري والمطبوخ من الزبيب والتمر أدنى طبخ","lvl":5,"sub":0},{"id":4721,"title":"الفئة الثالثة ـ الأشربة الحلال في رأي ضعيف: وهي خليط الزبيب والتمر المطبوخ، والمتخذ من غير العنب والتمر","lvl":5,"sub":0},{"id":4721,"title":"قصد التداوي","lvl":6,"sub":1},{"id":4721,"title":"حرم محمد رحمه الله تعالى","lvl":6,"sub":2},{"id":4721,"title":"البيرة","lvl":6,"sub":3},{"id":4722,"title":"الحشيش والأفيون والبنج","lvl":6,"sub":0},{"id":4722,"title":"القهوة والدخان","lvl":6,"sub":1},{"id":4725,"title":"المبحث الخامس ـ إثبات شرب الخمر ونحوها","lvl":4,"sub":0},{"id":4725,"title":"اختلفوا في إثبات الشرب بالرائحة","lvl":5,"sub":1},{"id":4726,"title":"المبحث السادس ـ مخاطر المخدرات وأحكامها في الإسلام","lvl":4,"sub":0},{"id":4728,"title":"الضرر الناجم عن تعاطي المسكرات والمخدرات","lvl":5,"sub":0},{"id":4728,"title":"الضرر الشخصي","lvl":6,"sub":1},{"id":4728,"title":"الضرر العائلي","lvl":6,"sub":2},{"id":4728,"title":"الضرر العام","lvl":6,"sub":3},{"id":4729,"title":"أنواع المخدرات وحكمها الشرعي","lvl":5,"sub":0},{"id":4729,"title":"أدلة تحريم تعاطي المخدرات","lvl":5,"sub":1},{"id":4732,"title":"القات","lvl":5,"sub":0},{"id":4733,"title":"الاتجار بالمخدرات","lvl":5,"sub":0},{"id":4733,"title":"زراعة الحشيش والخشخاش والقات وتصنيع الأفيون والكوكايين والهروين","lvl":5,"sub":1},{"id":4735,"title":"ربح المخدرات","lvl":5,"sub":0},{"id":4735,"title":"عقوبة متناول المخدرات","lvl":5,"sub":1},{"id":4737,"title":"ملحق بالحدود","lvl":4,"sub":0},{"id":4737,"title":"أولا ـ تداخل الحدود","lvl":5,"sub":1},{"id":4737,"title":"القسم الأول نوعان","lvl":6,"sub":3},{"id":4737,"title":"1 - أن يكون فيها قتل","lvl":7,"sub":4},{"id":4737,"title":"2 - ألا يكون فيها قتل","lvl":7,"sub":5},{"id":4737,"title":"القسم الثاني","lvl":6,"sub":6},{"id":4738,"title":"القسم الثالث","lvl":6,"sub":0},{"id":4738,"title":"أحدها ـ ألا يكون فيها قتل","lvl":7,"sub":1},{"id":4738,"title":"ثانيها ـ أن يكون فيها قتل","lvl":7,"sub":2},{"id":4738,"title":"ثالثها ـ أن يتفق الحقان في محل واحد","lvl":7,"sub":3},{"id":4738,"title":"ثانيا ـ إسقاط الحدود بالتوبة","lvl":5,"sub":4},{"id":4740,"title":"هل تقبل شهادة المحدود بالقذف إذا تاب؟","lvl":6,"sub":0},{"id":4743,"title":"هل التوبة مسقطة للقصاص والدية؟","lvl":6,"sub":0},{"id":4743,"title":"هل يبرأ فيما بينه وبين الله تعالى؟","lvl":6,"sub":1},{"id":4743,"title":"إسقاط التعازير بالتوبة","lvl":6,"sub":2},{"id":4745,"title":"ثالثا ـ هل الحدود زواجر أو جوابر؟","lvl":5,"sub":0},{"id":4746,"title":"قاعدة الزواجر والجوابر في الشريعة","lvl":6,"sub":0},{"id":4748,"title":"جوابر العبادات","lvl":6,"sub":0},{"id":4748,"title":"جوابر المال","lvl":6,"sub":1},{"id":4749,"title":"النفوس، والأعضاء، ومنافع الأعضاء، والجراح","lvl":6,"sub":0},{"id":4749,"title":"مبدأ الستر والشفاعة في الحدود","lvl":6,"sub":1},{"id":4750,"title":"نظام التوبة وأثره في العقوبات","lvl":4,"sub":0},{"id":4750,"title":"خطة البحث","lvl":5,"sub":1},{"id":4751,"title":"المطلب الأول ـ نظام التوبة","lvl":5,"sub":0},{"id":4751,"title":"أولا- الباعث على التوبة","lvl":6,"sub":1},{"id":4752,"title":"ثانيا - تعريف التوبة","lvl":6,"sub":0},{"id":4752,"title":"ثالثا- شروط التوبة","lvl":6,"sub":1},{"id":4752,"title":"حقوق الله تعالى","lvl":7,"sub":2},{"id":4753,"title":"حق شخصي لإنسان","lvl":7,"sub":0},{"id":4754,"title":"رابعا - حكم التوبة شرعا","lvl":6,"sub":0},{"id":4754,"title":"1) ـ وجوب التوبة فورا","lvl":7,"sub":1},{"id":4756,"title":"2) ـ ما تجب التوبة عنه ووقت قبولها","lvl":7,"sub":0},{"id":4758,"title":"3) ـ الوعد المضمون الحصول بقبول التوبة","lvl":7,"sub":0},{"id":4759,"title":"4) ـ المشيئة الإلهية وحرية الاختيار في مغفرة الذنوب","lvl":7,"sub":0},{"id":4760,"title":"الإضرار بحقوق الناس المالية والأدبية","lvl":8,"sub":0},{"id":4761,"title":"خامسا - التوبة والعقوبة","lvl":6,"sub":0},{"id":4761,"title":"1) ـ نوعا الجزاء أو العقوبة في الإسلام","lvl":7,"sub":1},{"id":4761,"title":"2) ـ الهدف من العقوبة","lvl":7,"sub":2},{"id":4763,"title":"3) ـ الحاجة إلى العقوبة","lvl":7,"sub":0},{"id":4765,"title":"4) ـ فلسفة التوبة أو هل تؤثر التوبة على المصلحة المقصودة من العقاب؟","lvl":7,"sub":0},{"id":4766,"title":"5) ـ المعاصي التي يتاب منها وكيفية التوبة عنها","lvl":7,"sub":0},{"id":4766,"title":"التقسيم الأول - تقسيم الذنوب إلى صغائر وكبائر","lvl":8,"sub":1},{"id":4768,"title":"التقسيم الثاني - تقسيم الذنوب إلى ما يتعلق بحق الله أو بحق العباد","lvl":8,"sub":0},{"id":4770,"title":"المطلب الثاني - أثر التوبة الصادقة في الجزاءات أو العقوبات الأخروية","lvl":5,"sub":0},{"id":4770,"title":"الإسلام يهدم ما كان قبله","lvl":6,"sub":1},{"id":4771,"title":"1 - توبة الكافر","lvl":6,"sub":0},{"id":4771,"title":"2 - توبة المنافق","lvl":6,"sub":1},{"id":4772,"title":"3 - توبة الزنديق","lvl":6,"sub":0},{"id":4773,"title":"4 - توبة المبتدع","lvl":6,"sub":0},{"id":4775,"title":"المطلب الثالث - أثر التوبة في الجزاءات أو العقوبات الدنيوية","lvl":5,"sub":0},{"id":4775,"title":"1 - الحدود","lvl":6,"sub":1},{"id":4775,"title":"2 - القصاص والدية","lvl":6,"sub":2},{"id":4775,"title":"3 - التعازير","lvl":6,"sub":3},{"id":4776,"title":"أثر التوبات في هذه العقوبات","lvl":6,"sub":0},{"id":4776,"title":"أولا - آراء الفقهاء في إسقاط الحدود بالتوبة","lvl":7,"sub":1},{"id":4777,"title":"ما يسقط عنه بالتوبة","lvl":8,"sub":0},{"id":4778,"title":"عقوبة الردة والبغي","lvl":8,"sub":0},{"id":4778,"title":"عقوبة القذف","lvl":8,"sub":1},{"id":4778,"title":"الحقوق الشخصية للناس","lvl":8,"sub":2},{"id":4778,"title":"عقوبة السرقة والزنا وشرب الخمر","lvl":8,"sub":3},{"id":4779,"title":"اختلف الفقهاء في إسقاط عقوبات هذه الحدود بالتوبة على رأيين","lvl":8,"sub":0},{"id":4779,"title":"الرأي الأول","lvl":9,"sub":1},{"id":4780,"title":"الرأي الثاني","lvl":9,"sub":0},{"id":4783,"title":"ثانيا- هل التوبة مسقطة للقصاص والدية؟","lvl":7,"sub":0},{"id":4783,"title":"ثالثا ـ إسقاط التعازير بالتوبة","lvl":7,"sub":1},{"id":4785,"title":"خاتمة","lvl":5,"sub":0},{"id":4786,"title":"الفصل السادس: حد الردة وأحكام المرتدين","lvl":3,"sub":0},{"id":4786,"title":"معنى الردة","lvl":4,"sub":1},{"id":4786,"title":"للردة أسباب","lvl":4,"sub":2},{"id":4787,"title":"المرتد والزنديق والساب والساحر","lvl":4,"sub":0},{"id":4787,"title":"المرتد","lvl":5,"sub":1},{"id":4787,"title":"الزنديق","lvl":5,"sub":2},{"id":4787,"title":"الساحر","lvl":5,"sub":3},{"id":4787,"title":"سب","lvl":5,"sub":4},{"id":4787,"title":"شروط صحة الردة","lvl":4,"sub":5},{"id":4787,"title":"الأول ـ العقل","lvl":5,"sub":6},{"id":4789,"title":"الشرط الثاني: الاختيار أو الطواعية","lvl":5,"sub":0},{"id":4789,"title":"أحكام المرتد","lvl":4,"sub":1},{"id":4789,"title":"1 - قتل المرتد","lvl":5,"sub":2},{"id":4791,"title":"الاستتابة قبل القتل","lvl":6,"sub":0},{"id":4792,"title":"كيفية توبة المرتد","lvl":6,"sub":0},{"id":4792,"title":"2 - حكم مال المرتد وتصرفاته","lvl":5,"sub":1},{"id":4795,"title":"3 - حكم ميراث المرتد","lvl":5,"sub":0},{"id":4797,"title":"هل يشترط قضاء القاضي بلحاق المرتد بدار الحرب؟","lvl":4,"sub":0},{"id":4798,"title":"ديون المرتد","lvl":4,"sub":0},{"id":4799,"title":"((الباب الثاني: التعزير))","lvl":2,"sub":0},{"id":4799,"title":"تعريف التعزير وموجبه ومنفذه وكيفيته","lvl":3,"sub":1},{"id":4800,"title":"متى يشرع الحبس؟","lvl":3,"sub":0},{"id":4802,"title":"التعزير بالقتل سياسة","lvl":3,"sub":0},{"id":4803,"title":"التعزير بالمال","lvl":3,"sub":0},{"id":4804,"title":"معنى التعزير بأخذ المال","lvl":4,"sub":0},{"id":4804,"title":"أقسام العقوبات المالية عند ابن تيمية","lvl":3,"sub":1},{"id":4804,"title":"1 - الإتلاف","lvl":4,"sub":2},{"id":4805,"title":"2 - التغيير","lvl":4,"sub":0},{"id":4805,"title":"3 - التمليك","lvl":4,"sub":1},{"id":4806,"title":"نوعا التغريم من حيث الضبط وعدمه","lvl":3,"sub":0},{"id":4806,"title":"شروط وجوب التعزير","lvl":3,"sub":1},{"id":4807,"title":"ضابط موجب التعزير","lvl":3,"sub":0},{"id":4807,"title":"قدر التعزير","lvl":3,"sub":1},{"id":4809,"title":"صفات التعزير","lvl":3,"sub":0},{"id":4811,"title":"طرق إثبات جريمة التعزير","lvl":3,"sub":0},{"id":4811,"title":"ضمان موت المعزر أو المحدود","lvl":3,"sub":1},{"id":4814,"title":"حق التأديب","lvl":3,"sub":0},{"id":4814,"title":"التعزير للإمام","lvl":3,"sub":1},{"id":4815,"title":"((الباب الثالث: الجنايات وعقوباتها: القصاص والديات))","lvl":2,"sub":0},{"id":4815,"title":"خطة البحث","lvl":3,"sub":1},{"id":4815,"title":"تمهيد","lvl":3,"sub":2},{"id":4815,"title":"تعريف الجناية","lvl":4,"sub":3},{"id":4815,"title":"أنواع الجناية","lvl":4,"sub":4},{"id":4815,"title":"الجناية على الإنسان بحسب خطورتها أنواع ثلاثة","lvl":5,"sub":5},{"id":4815,"title":"الجنايات على النفوس بحسب القصد وعدمه ثلاثة","lvl":5,"sub":6},{"id":4816,"title":"الفصل الأول: الجناية على النفس الإنسانية","lvl":3,"sub":0},{"id":4816,"title":"المبحث الأول ـ تعريف القتل وتحريمه وأنواعه","lvl":4,"sub":1},{"id":4816,"title":"تعريف القتل","lvl":5,"sub":2},{"id":4816,"title":"تحريم القتل","lvl":5,"sub":3},{"id":4819,"title":"القتل الواجب","lvl":6,"sub":0},{"id":4819,"title":"القتل الحرام","lvl":6,"sub":1},{"id":4819,"title":"القتل المكروه","lvl":6,"sub":2},{"id":4819,"title":"المندوب","lvl":6,"sub":3},{"id":4819,"title":"المباح","lvl":6,"sub":4},{"id":4820,"title":"أنواع القتل","lvl":5,"sub":0},{"id":4820,"title":"أولا ـ يقول الحنفية","lvl":6,"sub":1},{"id":4820,"title":"العمد","lvl":7,"sub":2},{"id":4820,"title":"شبه العمد","lvl":7,"sub":3},{"id":4821,"title":"القتل الخطأ","lvl":7,"sub":0},{"id":4821,"title":"ما أجري مجرى الخطأ","lvl":7,"sub":1},{"id":4821,"title":"القتل بالتسبب","lvl":7,"sub":2},{"id":4821,"title":"ثانيا ـ يرى أكثر العلماء ومنهم الشافعية والحنابلة","lvl":6,"sub":3},{"id":4822,"title":"القتل العمد","lvl":7,"sub":0},{"id":4822,"title":"شبه العمد","lvl":7,"sub":1},{"id":4822,"title":"الخطأ","lvl":7,"sub":2},{"id":4823,"title":"ثالثا ـ مشهور مذهب المالكية","lvl":6,"sub":0},{"id":4823,"title":"العمد","lvl":7,"sub":1},{"id":4823,"title":"الخطأ","lvl":7,"sub":2},{"id":4823,"title":"شبه العمد","lvl":7,"sub":3},{"id":4824,"title":"المبحث الثاني ـ القتل العمد وعقابه","lvl":4,"sub":0},{"id":4824,"title":"المطلب الأول ـ أركان القتل العمد","lvl":5,"sub":1},{"id":4824,"title":"الركن الأول ـ القتيل آدمي حي معصوم الدم","lvl":6,"sub":2},{"id":4825,"title":"أساس العصمة","lvl":7,"sub":0},{"id":4826,"title":"وقت العصمة","lvl":7,"sub":0},{"id":4827,"title":"الركن الثاني ـ القتل نتيجة لفعل الجاني","lvl":6,"sub":0},{"id":4827,"title":"أداة القتل","lvl":7,"sub":1},{"id":4827,"title":"أولا ـ رأي الحنفية","lvl":8,"sub":2},{"id":4829,"title":"ثانيا ـ مذهب الشافعية والحنابلة","lvl":8,"sub":0},{"id":4829,"title":"المحدد","lvl":9,"sub":1},{"id":4829,"title":"المثقل","lvl":9,"sub":2},{"id":4830,"title":"ثالثا ـ مذهب المالكية","lvl":8,"sub":0},{"id":4831,"title":"الأفعال المكونة للقتل العمد","lvl":7,"sub":0},{"id":4831,"title":"1 - القتل بمحدد","lvl":8,"sub":1},{"id":4833,"title":"2 - القتل بالمثقل، أو بغير المحدد","lvl":8,"sub":0},{"id":4833,"title":"3 - القتل بالمباشرة","lvl":8,"sub":1},{"id":4834,"title":"قتل الجماعة بالواحد","lvl":9,"sub":0},{"id":4835,"title":"أولا ـ القتل المباشر على التعاقب","lvl":10,"sub":0},{"id":4835,"title":"ثانيا ـ القتل المباشر حالة الاجتماع","lvl":10,"sub":1},{"id":4836,"title":"الشريك","lvl":10,"sub":0},{"id":4836,"title":"معنى التمالؤ","lvl":10,"sub":1},{"id":4837,"title":"قتل الواحد بالجماعة ـ تعدد القتلى","lvl":9,"sub":0},{"id":4839,"title":"4 - القتل بالتسبب","lvl":8,"sub":0},{"id":4840,"title":"الإكراه على القتل","lvl":9,"sub":0},{"id":4841,"title":"الأمر بالقتل","lvl":9,"sub":0},{"id":4842,"title":"التسميم","lvl":9,"sub":0},{"id":4844,"title":"حالات اشتراك المتسبب مع المباشر في جناية القتل","lvl":9,"sub":0},{"id":4844,"title":"أولا ـ ضمان المباشر وحده","lvl":10,"sub":1},{"id":4844,"title":"المباشر","lvl":11,"sub":2},{"id":4844,"title":"1 - «المباشر ضامن وإن لم يتعمد»","lvl":11,"sub":3},{"id":4844,"title":"2 - «إذا اجتمع المباشر والمتسبب يضاف الحكم إلى المباشر»","lvl":11,"sub":4},{"id":4847,"title":"ثانيا ـ ضمان المتسبب وحده","lvl":10,"sub":0},{"id":4847,"title":"المتسبب","lvl":11,"sub":1},{"id":4848,"title":"ثالثا ـ تضمين المتسبب والمباشر معا","lvl":10,"sub":0},{"id":4849,"title":"حالة اشتراك من يجب عليه القصاص ومن لا يجب عليه القصاص","lvl":9,"sub":0},{"id":4851,"title":"5 - الإلقاء في مهلكة","lvl":8,"sub":0},{"id":4853,"title":"6 - التغريق والتحريق","lvl":8,"sub":0},{"id":4855,"title":"7 - الخنق","lvl":8,"sub":0},{"id":4856,"title":"8 - القتل بالترك أو الحبس ومنع الطعام والشراب","lvl":8,"sub":0},{"id":4857,"title":"9 ـ القتل تخويفا أو إرهابا","lvl":8,"sub":0},{"id":4859,"title":"الركن الثالث ـ القصد الجنائي","lvl":6,"sub":0},{"id":4860,"title":"القصد المحدود وغير المحدود","lvl":7,"sub":0},{"id":4860,"title":"الرضا بالقتل أو الإذن بالقتل","lvl":7,"sub":1},{"id":4861,"title":"المطلب الثاني ـ عقوبات القتل العمد","lvl":5,"sub":0},{"id":4861,"title":"النوع الأول ـ العقوبة الأصلية","lvl":6,"sub":1},{"id":4862,"title":"العقوبة الأصلية الأولى المتفق عليها ـ القصاص","lvl":7,"sub":0},{"id":4862,"title":"أولا ـ معنى القصاص","lvl":8,"sub":1},{"id":4862,"title":"ثانيا ـ مشروعية القصاص","lvl":8,"sub":2},{"id":4862,"title":"هل القصاص يكفر إثم القتل؟","lvl":9,"sub":3},{"id":4863,"title":"ثالثا ـ الفرق بين القصاص والحدود الأخرى","lvl":8,"sub":0},{"id":4865,"title":"رابعا ـ شروط القصاص","lvl":8,"sub":0},{"id":4865,"title":"شروط القاتل","lvl":9,"sub":1},{"id":4865,"title":"القصاص من السكران","lvl":10,"sub":2},{"id":4866,"title":"شروط المقتول","lvl":9,"sub":0},{"id":4867,"title":"قتل الوالد بالولد وبالعكس","lvl":10,"sub":0},{"id":4868,"title":"التكافؤ","lvl":10,"sub":0},{"id":4871,"title":"هل يقتل الباغي قصاصا بالعدل وبالعكس؟","lvl":10,"sub":0},{"id":4872,"title":"قتل الغيلة","lvl":10,"sub":0},{"id":4873,"title":"شرط القتل","lvl":9,"sub":0},{"id":4874,"title":"شرط ولي القتيل","lvl":9,"sub":0},{"id":4874,"title":"خامسا ـ موانع القصاص","lvl":8,"sub":1},{"id":4876,"title":"سادسا ـ كيفية وجوب القصاص (أو مدى لزوم القصاص، أو موجب العمد )","lvl":8,"sub":0},{"id":4877,"title":"سابعا ـ صاحب الحق في القصاص","lvl":8,"sub":0},{"id":4880,"title":"ثامنا ـ ولاية استيفاء القصاص","lvl":8,"sub":0},{"id":4880,"title":"1 - إذا كان مستحق القصاص منفردا","lvl":9,"sub":1},{"id":4880,"title":"2 - إذا تعدد مستحقو القصاص","lvl":9,"sub":2},{"id":4883,"title":"تاسعا ـ كيفية استيفاء القصاص (أداة القصاص )","lvl":8,"sub":0},{"id":4884,"title":"تنفيذ القصاص بواسطة ولي القتيل","lvl":9,"sub":0},{"id":4885,"title":"استعمال وسيلة قصاص غير السيف","lvl":9,"sub":0},{"id":4885,"title":"عاشرا ـ مسقطات القصاص","lvl":8,"sub":1},{"id":4885,"title":"1 - موت الجاني (فوات محل القصاص )","lvl":9,"sub":2},{"id":4886,"title":"2 - العفو","lvl":9,"sub":0},{"id":4886,"title":"مشروعيته","lvl":10,"sub":1},{"id":4887,"title":"ركن العفو","lvl":10,"sub":0},{"id":4887,"title":"معنى العفو","lvl":10,"sub":1},{"id":4888,"title":"شروط العفو","lvl":10,"sub":0},{"id":4888,"title":"أحكام العفو","lvl":10,"sub":1},{"id":4888,"title":"1 ) ـ أثر العفو في إسقاط القصاص والدية","lvl":11,"sub":2},{"id":4889,"title":"2 ) ـ أثر العفو على حق الغير إذا تعدد الأولياء أو كان الولي واحدا","lvl":11,"sub":0},{"id":4891,"title":"3) ـ هل يبقى حق للسلطان بعد عفو ولي الدم؟","lvl":11,"sub":0},{"id":4892,"title":"4) ـ عفو المقتول عمدا عن دمه قبل موته","lvl":11,"sub":0},{"id":4892,"title":"3 - الصلح","lvl":9,"sub":1},{"id":4894,"title":"4 - إرث القصاص","lvl":9,"sub":0},{"id":4895,"title":"العقوبة الأصلية الثانية للقتل العمد عند الشافعية ـ الكفارة","lvl":7,"sub":0},{"id":4898,"title":"النوع الثاني ـ العقوبة البدلية في القتل العمد","lvl":6,"sub":0},{"id":4898,"title":"العقوبة البدلية الأولى ـ الدية","lvl":7,"sub":1},{"id":4898,"title":"أولا ـ تعريف الدية","lvl":8,"sub":2},{"id":4898,"title":"حكومة العدل","lvl":9,"sub":3},{"id":4898,"title":"ثانيا ـ مشروعية الدية","lvl":8,"sub":4},{"id":4899,"title":"ثالثا ـ شروط وجوب الدية","lvl":8,"sub":0},{"id":4900,"title":"هل تضمن الدية بسبب ممارسة حق التأديب؟","lvl":9,"sub":0},{"id":4901,"title":"رابعا ـ نوع الدية ومقدارها","lvl":8,"sub":0},{"id":4904,"title":"خامسا ـ تغليظ الدية وتخفيفها","lvl":8,"sub":0},{"id":4907,"title":"سادسا ـ وقت أداء الدية","lvl":8,"sub":0},{"id":4908,"title":"سابعا ـ الملزم بأداء الدية","lvl":8,"sub":0},{"id":4909,"title":"ثامنا ـ متى تجب الدية كاملة، وهل يتساوى كل الناس في دية العمد؟","lvl":8,"sub":0},{"id":4910,"title":"تساوي الديات بين الناس","lvl":9,"sub":0},{"id":4910,"title":"الأنوثة (دية المرأة )","lvl":9,"sub":1},{"id":4911,"title":"الكفر (دية غيرالمسلم )","lvl":9,"sub":0},{"id":4912,"title":"العقوبة البدلية الثانية للعمد ـ التعزير","lvl":7,"sub":0},{"id":4913,"title":"النوع الثالث ـ العقوبة التبعية للقتل العمد ـ الحرمان من الميراث والوصية","lvl":6,"sub":0},{"id":4913,"title":"أولا ـ الحرمان من الميراث","lvl":7,"sub":1},{"id":4915,"title":"ثانيا ـ الحرمان من الوصية","lvl":7,"sub":0},{"id":4916,"title":"المبحث الثالث ـ القتل شبه العمد وعقوبته","lvl":4,"sub":0},{"id":4916,"title":"النوع الأول ـ العقوبة الأصلية","lvl":5,"sub":1},{"id":4916,"title":"المطلب الأول ـ الدية المغلظة","lvl":6,"sub":2},{"id":4917,"title":"أولا ـ الملزم بأداء دية شبه العمد","lvl":7,"sub":0},{"id":4918,"title":"هل تجب الدية ابتداء على العاقلة أو على القاتل؟","lvl":8,"sub":0},{"id":4919,"title":"ثانيا ـ وقت أداء دية شبه العمد","lvl":7,"sub":0},{"id":4919,"title":"ثالثا ـ مقدار ما تتحمله العاقلة من دية شبه العمد","lvl":7,"sub":1},{"id":4920,"title":"رابعا ـ هل تحمل العاقلة خطأ الحاكم؟","lvl":7,"sub":0},{"id":4921,"title":"خامسا ـ من العاقلة، وهل تتحمل الدية في العصر الحاضر؟","lvl":7,"sub":0},{"id":4921,"title":"1 - قال الحنفية","lvl":8,"sub":1},{"id":4923,"title":"2 - ومذهب المالكية","lvl":8,"sub":0},{"id":4923,"title":"3 - وقال الشافعية والحنابلة","lvl":8,"sub":1},{"id":4925,"title":"مصير نظام العواقل في الوقت الحاضر","lvl":8,"sub":0},{"id":4927,"title":"المطلب الثاني ـ العقوبة الأصلية الثانية: الكفارة","lvl":6,"sub":0},{"id":4927,"title":"النوع الثاني ـ العقوبة البدلية في القتل شبه العمد","lvl":5,"sub":1},{"id":4927,"title":"النوع الثالث ـ العقوبة التبعية في القتل شبه العمد","lvl":5,"sub":2},{"id":4928,"title":"المبحث الرابع ـ القتل الخطأ وعقوبته","lvl":4,"sub":0},{"id":4928,"title":"الصيام","lvl":5,"sub":1},{"id":4929,"title":"دية الخطأ","lvl":5,"sub":0},{"id":4929,"title":"كفارة القتل الخطأ","lvl":5,"sub":1},{"id":4929,"title":"الحرمان من الميراث والوصية","lvl":5,"sub":2},{"id":4930,"title":"الفصل الثاني: الجناية على ما دون النفس","lvl":3,"sub":0},{"id":4931,"title":"المبحث الأول ـ عقوبة الجناية العمدية على ما دون النفس","lvl":4,"sub":0},{"id":4932,"title":"المطلب الأول ـ عقوبة إبانة الأطراف (أو قطعها )","lvl":5,"sub":0},{"id":4932,"title":"العقوبة الأصلية الأولى ـ القصاص","lvl":6,"sub":1},{"id":4932,"title":"موانع القصاص العامة","lvl":7,"sub":2},{"id":4932,"title":"1 - الأبوة","lvl":8,"sub":3},{"id":4932,"title":"2 - انعدام التكافؤ","lvl":8,"sub":4},{"id":4934,"title":"3 - كون الاعتداء على ما دون النفس شبه عمد عند الشافعية والحنابلة","lvl":8,"sub":0},{"id":4934,"title":"4 - أن يكون الفعل تسببا عند الحنفية","lvl":8,"sub":1},{"id":4934,"title":"5 - أن تكون الجناية واقعة في دار الحرب عند الحنفية","lvl":8,"sub":2},{"id":4934,"title":"6 - تعذر استيفاء القصاص","lvl":8,"sub":3},{"id":4935,"title":"موانع القصاص الخاصة","lvl":7,"sub":0},{"id":4935,"title":"1 - عدم التماثل في الفعل","lvl":8,"sub":1},{"id":4937,"title":"2 - عدم المماثلة في الموضع قدرا ومنفعة","lvl":8,"sub":0},{"id":4937,"title":"3 - عدم التماثل في الصحة والكمال","lvl":8,"sub":1},{"id":4938,"title":"أداة القصاص فيما دون النفس","lvl":7,"sub":0},{"id":4938,"title":"سراية القصاص فيما دون النفس","lvl":7,"sub":1},{"id":4939,"title":"سراية الجناية","lvl":7,"sub":0},{"id":4940,"title":"العقوبة الأصلية الثانية عند المالكية في إبانة الأطراف - التعزير","lvl":6,"sub":0},{"id":4940,"title":"العقوبة البدلية في إبانة الأطراف ـ الدية أو الأرش","lvl":6,"sub":1},{"id":4941,"title":"ما تجب فيه الدية كاملة","lvl":6,"sub":0},{"id":4941,"title":"النوع الأول ـ ما لا نظير له في البدن","lvl":7,"sub":1},{"id":4941,"title":"الأنف","lvl":8,"sub":2},{"id":4942,"title":"اللسان","lvl":8,"sub":0},{"id":4942,"title":"الذكر","lvl":8,"sub":1},{"id":4942,"title":"الصلب","lvl":8,"sub":2},{"id":4942,"title":"مسلك البول أو مسلك الغائط","lvl":8,"sub":3},{"id":4943,"title":"سلخ الجلد","lvl":8,"sub":0},{"id":4943,"title":"شعر الرأس أو اللحية أو الحاجبين","lvl":8,"sub":1},{"id":4943,"title":"النوع الثاني ـ الأعضاء التي في البدن منها اثنان","lvl":7,"sub":2},{"id":4943,"title":"اليدان","lvl":8,"sub":3},{"id":4944,"title":"الرجلان","lvl":8,"sub":0},{"id":4944,"title":"العينان","lvl":8,"sub":1},{"id":4944,"title":"الأذنان","lvl":8,"sub":2},{"id":4944,"title":"الشفتان","lvl":8,"sub":3},{"id":4944,"title":"الحاجبان","lvl":8,"sub":4},{"id":4944,"title":"الثديان والحلمتان للمرأة","lvl":8,"sub":5},{"id":4944,"title":"الأنثيان","lvl":8,"sub":6},{"id":4944,"title":"الشفران","lvl":8,"sub":7},{"id":4944,"title":"الأليان","lvl":8,"sub":8},{"id":4944,"title":"اللحيان","lvl":8,"sub":9},{"id":4945,"title":"النوع الثالث - الأعضاء التي منها في البدن أربعة","lvl":7,"sub":0},{"id":4945,"title":"الأشفار","lvl":8,"sub":1},{"id":4945,"title":"الأهداب","lvl":8,"sub":2},{"id":4945,"title":"النوع الرابع - ما في البدن منه عشرة","lvl":7,"sub":3},{"id":4945,"title":"الأسنان","lvl":7,"sub":4},{"id":4946,"title":"المطلب الثاني ـ تعطيل منافع الأعضاء (أو إذهاب المعاني )","lvl":5,"sub":0},{"id":4947,"title":"الشم","lvl":6,"sub":0},{"id":4947,"title":"الذوق","lvl":6,"sub":1},{"id":4947,"title":"الكلام","lvl":6,"sub":2},{"id":4947,"title":"ذهاب العقل","lvl":6,"sub":3},{"id":4948,"title":"جماع","lvl":6,"sub":0},{"id":4948,"title":"ذهب بعض منفعة العضو","lvl":6,"sub":1},{"id":4949,"title":"المطلب الثالث ـ عقوبة الشجاج","lvl":5,"sub":0},{"id":4949,"title":"أولا ـ ما يجب فيه أرش مقدر","lvl":6,"sub":1},{"id":4949,"title":"ثانيا ـ ما يجب فيه حكومة عدل","lvl":6,"sub":2},{"id":4951,"title":"نوعا عقوبة الشجاج","lvl":6,"sub":0},{"id":4951,"title":"العقوبة الأصلية في الشجاج ـ القصاص","lvl":7,"sub":1},{"id":4952,"title":"العقوبة البدلية في الشجاج ـ الأرش","lvl":7,"sub":0},{"id":4954,"title":"المطلب الرابع ـ عقوبة الجراح","lvl":5,"sub":0},{"id":4954,"title":"العقوبة الأصلية في جراح العمد ـ القصاص","lvl":6,"sub":1},{"id":4954,"title":"القصاص بعد البرء","lvl":7,"sub":2},{"id":4955,"title":"تأجيل القصاص لعذر","lvl":7,"sub":0},{"id":4956,"title":"العقوبة البدلية في جراح العمد ـ الأرش","lvl":6,"sub":0},{"id":4957,"title":"دية جراح المرأة","lvl":6,"sub":0},{"id":4958,"title":"المبحث الثاني ـ عقوبة الجناية على ما دون النفس خطأ","lvl":4,"sub":0},{"id":4959,"title":"الفصل الثالث: الجناية على نفس غير مكتملة (الجناية على الجنين، أو الإجهاض )","lvl":3,"sub":0},{"id":4959,"title":"المبحث الأول ـ حالة إلقاء الجنين ميتا","lvl":4,"sub":1},{"id":4960,"title":"من تجب عليه الغرة","lvl":5,"sub":0},{"id":4961,"title":"من تجب له الغرة","lvl":5,"sub":0},{"id":4961,"title":"شروط وجوب دية الجنين","lvl":5,"sub":1},{"id":4962,"title":"هل تجب الكفارة على الضارب؟","lvl":5,"sub":0},{"id":4963,"title":"المبحث الثاني ـ حالة إلقاء الجنين حيا","lvl":4,"sub":0},{"id":4964,"title":"موت الجنين بعد موت الأم","lvl":5,"sub":0},{"id":4964,"title":"جنين غير المسلمة","lvl":5,"sub":1},{"id":4965,"title":"الفصل الرابع: حالات طارئة من الاعتداء بطريق التسبيب","lvl":3,"sub":0},{"id":4965,"title":"المبحث الأول ـ جناية الحيوان","lvl":4,"sub":1},{"id":4965,"title":"1 - قال الحنفية : إما أن يكون الحيوان عاديا أو خطرا","lvl":5,"sub":2},{"id":4966,"title":"2 - وقال المالكية في الراجح عندهم، والشافعية والحنابلة","lvl":5,"sub":0},{"id":4967,"title":"ضمان الراكب ومن في معناه وحوادث التصادم","lvl":5,"sub":0},{"id":4967,"title":"أولا ـ (مالا يمكن الاحتراز عنه لا ضمان فيه )","lvl":6,"sub":1},{"id":4970,"title":"ثانيا ـ ضمان المتسبب وحده","lvl":6,"sub":0},{"id":4971,"title":"ثالثا ـ ضمان المباشر وحده","lvl":6,"sub":0},{"id":4972,"title":"رابعا ـ ضمان المتسبب والمباشر معا","lvl":6,"sub":0},{"id":4973,"title":"التصادم","lvl":6,"sub":0},{"id":4975,"title":"المبحث الثاني ـ جناية الحائط المائل ونحوه مما يحدثه الرجل في الطريق ـ سقوط البناء أو الجدار","lvl":4,"sub":0},{"id":4975,"title":"المطلب الأول ـ سقوط البناء أو الجدار بسبب خلل أصلي فيه","lvl":5,"sub":1},{"id":4976,"title":"المطلب الثاني ـ سقوط البناء أو الجدار بسبب خلل طارئ عليه","lvl":5,"sub":0},{"id":4977,"title":"الإشهاد على المطالبة بالنقض","lvl":5,"sub":0},{"id":4977,"title":"معنى الإشهاد","lvl":6,"sub":1},{"id":4978,"title":"عناصر الإشهاد","lvl":6,"sub":0},{"id":4978,"title":"1 - الذي يطالب بالإشهاد","lvl":7,"sub":1},{"id":4978,"title":"2 - المشهود عليه","lvl":7,"sub":2},{"id":4978,"title":"فترة الطلب والإشهاد","lvl":6,"sub":3},{"id":4978,"title":"طلب التأجيل أو الإبراء بعد الإشهاد","lvl":6,"sub":4},{"id":4979,"title":"التصرف في البناء بعد الإشهاد","lvl":6,"sub":0},{"id":4980,"title":"الفصل الخامس: طرق إثبات الجناية","lvl":3,"sub":0},{"id":4980,"title":"المبحث الأول ـ لمحة إجمالية عن طرق الإثبات العامة","lvl":4,"sub":1},{"id":4980,"title":"أولا ـ الإقرار","lvl":5,"sub":2},{"id":4982,"title":"ثانيا ـ الشهادة","lvl":5,"sub":0},{"id":4984,"title":"1 - جرائم القصاص في النفس أو ما دونها","lvl":6,"sub":0},{"id":4984,"title":"2 - جرائم التعزير البدني كالضرب والحبس ونحوهما","lvl":6,"sub":1},{"id":4985,"title":"3 - جرائم التعزير المالي كالدية أو الغرامة","lvl":6,"sub":0},{"id":4986,"title":"ثالثا ـ القرائن","lvl":5,"sub":0},{"id":4987,"title":"رابعا ـ النكول عن اليمين","lvl":5,"sub":0},{"id":4988,"title":"المبحث الثاني ـ إثبات القتل بطريق خاص ـ القسامة","lvl":4,"sub":0},{"id":4988,"title":"المطلب الأول ـ معنى القسامة","lvl":5,"sub":1},{"id":4988,"title":"هل القسامة إذن دليل نفي أو دليل إثبات؟","lvl":6,"sub":2},{"id":4989,"title":"المطلب الثاني ـ مشروعية القسامة وحكمة التشريع وسبب وجوب القسامة","lvl":5,"sub":0},{"id":4991,"title":"المطلب الثالث ـ آراء الفقهاء في شرعية القسامة","lvl":5,"sub":0},{"id":4992,"title":"المطلب الرابع ـ محل القسامة ومتى تكون؟","lvl":5,"sub":0},{"id":4992,"title":"اللوث","lvl":6,"sub":2},{"id":4994,"title":"المطلب الخامس ـ شروط القسامة","lvl":5,"sub":0},{"id":4998,"title":"المطلب السادس ـ كيفية القسامة (صيغتها وحالفها )","lvl":5,"sub":0},{"id":5000,"title":"المطلب السابع ـ من تجب عليه القسامة (أو من يدخل القسامة )","lvl":5,"sub":0},{"id":5003,"title":"المطلب الثامن ـ مايجب بالقسامة (أو الأثر المترتب عليها )","lvl":5,"sub":0},{"id":5005,"title":"- - - -الجزء الثامن- - - -","lvl":1,"sub":0},{"id":5005,"title":"((الباب الرابع: الجهاد وتوابعه))","lvl":2,"sub":1},{"id":5005,"title":"الفصل الأول: حكم الجهاد وقواعده","lvl":3,"sub":2},{"id":5005,"title":"معنى الجهاد","lvl":4,"sub":3},{"id":5006,"title":"فضل الجهاد ومنزلته في الإسلام","lvl":4,"sub":0},{"id":5008,"title":"فريضة الجهاد","lvl":4,"sub":0},{"id":5008,"title":"إن لم يكن النفير عاما","lvl":5,"sub":1},{"id":5010,"title":"إن كان النفير عاما","lvl":5,"sub":0},{"id":5011,"title":"شروط الجهاد","lvl":4,"sub":0},{"id":5011,"title":"المكلفون بالجهاد","lvl":4,"sub":1},{"id":5012,"title":"ما يجب قبل القتال","lvl":4,"sub":0},{"id":5013,"title":"حكم إبلاغ الدعوة","lvl":5,"sub":0},{"id":5015,"title":"من يقتل ومن لا يقتل من الأعداء في المعركة","lvl":4,"sub":0},{"id":5017,"title":"التدمير والتخريب","lvl":4,"sub":0},{"id":5019,"title":"ما يجب على المجاهدين حال القتال","lvl":4,"sub":0},{"id":5020,"title":"الفصل الثاني: انتهاء الحرب بالإسلام أو بالمعاهدات","lvl":3,"sub":0},{"id":5020,"title":"المبحث الأول ـ انتهاء القتال بالإسلام","lvl":4,"sub":1},{"id":5020,"title":"إعلان الإسلام صراحة","lvl":5,"sub":2},{"id":5022,"title":"إعلان الإسلام ضمنا","lvl":5,"sub":0},{"id":5022,"title":"الحكم بالإسلام تبعا","lvl":5,"sub":1},{"id":5022,"title":"الأحكام المترتبة على الدخول في الإسلام من قبل الكفار","lvl":5,"sub":2},{"id":5024,"title":"المبحث الثاني ـ انتهاء القتال بالأمان","lvl":4,"sub":0},{"id":5024,"title":"تعريف الأمان وركنه ونوعاه","lvl":5,"sub":1},{"id":5024,"title":"شروط الأمان","lvl":5,"sub":2},{"id":5025,"title":"الأدلة","lvl":5,"sub":0},{"id":5025,"title":"القرآن","lvl":6,"sub":1},{"id":5026,"title":"السنة","lvl":6,"sub":0},{"id":5027,"title":"المعقول","lvl":6,"sub":0},{"id":5027,"title":"حكم الأمان","lvl":5,"sub":1},{"id":5027,"title":"رقابة الدولة على التأمينات","lvl":5,"sub":2},{"id":5028,"title":"صفة الأمان","lvl":5,"sub":0},{"id":5028,"title":"ما ينتقض به الأمان","lvl":5,"sub":1},{"id":5029,"title":"مدة الأمان","lvl":5,"sub":0},{"id":5030,"title":"المصلحة في الأمان","lvl":5,"sub":0},{"id":5030,"title":"مكان الأمان","lvl":5,"sub":1},{"id":5031,"title":"المبحث الثالث ـ انتهاء الحرب بالهدنة","lvl":4,"sub":0},{"id":5031,"title":"تعريف الموادعة وصيغتها","lvl":5,"sub":1},{"id":5031,"title":"صيغتها","lvl":6,"sub":2},{"id":5031,"title":"ركنها","lvl":6,"sub":3},{"id":5032,"title":"شرط مشروعيتها","lvl":6,"sub":0},{"id":5033,"title":"حكم الهدنة","lvl":5,"sub":0},{"id":5033,"title":"الفرق بين الهدنة والأمان العام","lvl":6,"sub":1},{"id":5034,"title":"صفة عقد الهدنة","lvl":6,"sub":0},{"id":5034,"title":"شروط صحة الهدنة","lvl":6,"sub":1},{"id":5035,"title":"ما ينتقض به عقد الهدنة","lvl":6,"sub":0},{"id":5036,"title":"مدة الهدنة","lvl":6,"sub":0},{"id":5038,"title":"المبحث الرابع ـ انتهاء الحرب بعقد الذمة","lvl":4,"sub":0},{"id":5038,"title":"تعريف عقد الذمة أو الصلح المؤبد وركنه","lvl":5,"sub":1},{"id":5038,"title":"حكمة عقد الذمة","lvl":5,"sub":2},{"id":5038,"title":"ركن العقد أو صيغته","lvl":5,"sub":3},{"id":5039,"title":"شروط صحة العقد","lvl":5,"sub":0},{"id":5041,"title":"شروط المكلفين بالجزية","lvl":5,"sub":0},{"id":5042,"title":"حكم عقد الجزية","lvl":5,"sub":0},{"id":5042,"title":"الجزية نوعان","lvl":5,"sub":1},{"id":5044,"title":"صفة عقد الذمة","lvl":5,"sub":0},{"id":5045,"title":"آراء الفقهاء في مقدار الجزية ووقت أدائها ومسقطاتها","lvl":5,"sub":0},{"id":5047,"title":"حقوق الذميين وواجباتهم","lvl":5,"sub":0},{"id":5047,"title":"حقوقهم","lvl":6,"sub":1},{"id":5048,"title":"واجباتهم","lvl":6,"sub":0},{"id":5049,"title":"الفصل الثالث: حكم الأنفال والغنائم","lvl":3,"sub":0},{"id":5049,"title":"1 - النفل","lvl":4,"sub":1},{"id":5050,"title":"السلب","lvl":5,"sub":0},{"id":5052,"title":"حكم التنفيل","lvl":5,"sub":0},{"id":5052,"title":"2 - الفيء","lvl":4,"sub":1},{"id":5054,"title":"3 - الغنيمة","lvl":4,"sub":0},{"id":5054,"title":"الحكم الأول ـ ثبوت الحق والملك فيها","lvl":5,"sub":1},{"id":5055,"title":"أوجه الانتفاع بالغنيمة في دار الحرب","lvl":6,"sub":0},{"id":5057,"title":"الحكم الثاني ـ كيفية ومكان قسمة الغنائم","lvl":5,"sub":0},{"id":5058,"title":"المراد بذي القربى","lvl":6,"sub":0},{"id":5059,"title":"الأربعة الأخماس","lvl":6,"sub":0},{"id":5060,"title":"المرأة والصبي المميز والذمي","lvl":6,"sub":0},{"id":5060,"title":"سبب تفضيل الفارس على الراجل","lvl":6,"sub":1},{"id":5061,"title":"وصف المقاتل المستحق للغنيمة","lvl":6,"sub":0},{"id":5061,"title":"مكان قسمة الغنائم","lvl":6,"sub":1},{"id":5062,"title":"استيلاء الكفار على أموال المسلمين","lvl":6,"sub":0},{"id":5063,"title":"الأدلة","lvl":7,"sub":0},{"id":5064,"title":"رد المال على صاحبه","lvl":6,"sub":0},{"id":5064,"title":"أموال الحربي الذي أسلم قبل تمام الفتح","lvl":6,"sub":1},{"id":5065,"title":"الفصل الرابع: حكم الأسرى والسبي","lvl":3,"sub":0},{"id":5065,"title":"الأسرى","lvl":4,"sub":1},{"id":5065,"title":"السبي","lvl":4,"sub":2},{"id":5066,"title":"حكم السبي","lvl":4,"sub":0},{"id":5066,"title":"القتل","lvl":5,"sub":1},{"id":5066,"title":"الرق","lvl":5,"sub":2},{"id":5067,"title":"المن","lvl":5,"sub":0},{"id":5067,"title":"الفداء","lvl":5,"sub":1},{"id":5068,"title":"حكم الأسرى","lvl":4,"sub":0},{"id":5070,"title":"الأدلة","lvl":4,"sub":0},{"id":5070,"title":"جواز قتل الأسرى","lvl":5,"sub":1},{"id":5070,"title":"جواز استرقاق الأسرى","lvl":5,"sub":2},{"id":5071,"title":"الحكمة من الإبقاء على مشروعية الرق في النصوص الشرعية","lvl":6,"sub":0},{"id":5071,"title":"المن","lvl":5,"sub":1},{"id":5072,"title":"الفداء أو المفاداة","lvl":5,"sub":0},{"id":5073,"title":"((الباب الخامس: القضاء وطرق إثبات الحق))","lvl":2,"sub":0},{"id":5073,"title":"المنهج الإسلامي في الميدان القضائي","lvl":3,"sub":1},{"id":5073,"title":"المنهج","lvl":4,"sub":2},{"id":5073,"title":"القضاء","lvl":4,"sub":3},{"id":5073,"title":"منهج الإسلام فيه يقوم على الأسس التالية","lvl":4,"sub":4},{"id":5073,"title":"1 - النظر في الدعوى بموضوعية وتجرد وحياد دون محاباة خصم أو ميل لأحد الخصمين دون الآخر","lvl":5,"sub":5},{"id":5074,"title":"2 - الالتزام بأحكام الشريعة الإسلامية","lvl":5,"sub":0},{"id":5075,"title":"3 - مراقبة الله تعالى","lvl":5,"sub":0},{"id":5075,"title":"4 - غاية القضاء في الإسلام إرضاء الله تعالى بإحقاق الحق وإنصاف المظلوم، دون تأثر بدين أو ملة أو قومية أو قرابة، وحتى على النفس","lvl":5,"sub":1},{"id":5075,"title":"5 - ركائز القضاء أو أركانه","lvl":5,"sub":2},{"id":5075,"title":"الأول - الحاكم","lvl":6,"sub":3},{"id":5075,"title":"الثاني - الحكم","lvl":6,"sub":4},{"id":5076,"title":"الثالث - المحكوم به","lvl":6,"sub":0},{"id":5076,"title":"الرابع - المحكوم عليه","lvl":6,"sub":1},{"id":5076,"title":"الخامس - المحكوم له","lvl":6,"sub":2},{"id":5076,"title":"6 - التقيد بوسائل الإثبات","lvl":5,"sub":3},{"id":5076,"title":"7 - الاعتماد على النصوص الشرعية الأصلية","lvl":5,"sub":4},{"id":5076,"title":"8 - الدمج بين مبدأ التوازن العام ومبدأ العدالة","lvl":5,"sub":5},{"id":5078,"title":"9 - اعتماد القضاء على الوازع الديني","lvl":5,"sub":0},{"id":5078,"title":"10 - القضاء في الإسلام منصب خطير","lvl":5,"sub":1},{"id":5080,"title":"رسالة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه في القضاء","lvl":4,"sub":0},{"id":5081,"title":"صلاحيات القاضي","lvl":4,"sub":0},{"id":5081,"title":"اختلف الفقهاء حول تولي القاضي الشؤون الآتية","lvl":4,"sub":1},{"id":5082,"title":"الفصل الأول: القضاء وآدابه","lvl":3,"sub":0},{"id":5082,"title":"المبحث الأول ـ تعريف القضاء ومشروعيته","lvl":4,"sub":1},{"id":5083,"title":"نوع المشروعية","lvl":5,"sub":0},{"id":5084,"title":"المبحث الثاني ـ شروط القاضي","lvl":4,"sub":0},{"id":5088,"title":"المبحث الثالث ـ حكم قبول القضاء","lvl":4,"sub":0},{"id":5091,"title":"المبحث الرابع ـ صلاحيات القاضي","lvl":4,"sub":0},{"id":5092,"title":"المبحث الخامس ـ واجبات القضاة","lvl":4,"sub":0},{"id":5092,"title":"المطلب الأول ـ ما يقضي به القاضي من الأحكام الشرعية وصفة قضائه","lvl":5,"sub":1},{"id":5092,"title":"صفة قضاء القاضي","lvl":6,"sub":2},{"id":5093,"title":"المطلب الثاني ـ طرق إثبات الحق لدى القضاء","lvl":5,"sub":0},{"id":5094,"title":"1 - قضاء القاضي بعلم نفسه","lvl":6,"sub":0},{"id":5097,"title":"2 - قضاء القاضي بكتاب قاض آخر إليه","lvl":6,"sub":0},{"id":5099,"title":"3 - قضاء القاضي بالشهادة على الشهادة","lvl":6,"sub":0},{"id":5099,"title":"المطلب الثالث ـ واجبات القاضي نحو المقضي له","lvl":5,"sub":1},{"id":5100,"title":"المطلب الرابع ـ واجبات القاضي نحو المقضي عليه","lvl":5,"sub":0},{"id":5102,"title":"المبحث السادس ـ آداب القضاة","lvl":4,"sub":0},{"id":5102,"title":"الآداب العامة","lvl":5,"sub":1},{"id":5102,"title":"1 - المشاورة","lvl":6,"sub":2},{"id":5103,"title":"2 - التسوية بين الخصمين في المجلس والإقبال","lvl":6,"sub":0},{"id":5105,"title":"3 - قبول الهدية","lvl":6,"sub":0},{"id":5106,"title":"4 - إجابة الدعوة","lvl":6,"sub":0},{"id":5107,"title":"5 - شهود الجنازة وعود المريض","lvl":6,"sub":0},{"id":5108,"title":"الآداب الخاصة","lvl":5,"sub":0},{"id":5108,"title":"1 - مكان القضاء","lvl":6,"sub":1},{"id":5108,"title":"2 - معاونو القاضي","lvl":6,"sub":2},{"id":5109,"title":"3 - فهم المنازعة","lvl":6,"sub":0},{"id":5109,"title":"4 - صفاء القاضي وحالته النفسية","lvl":6,"sub":1},{"id":5110,"title":"5 - تزكية الشهود","lvl":6,"sub":0},{"id":5110,"title":"العدد","lvl":7,"sub":1},{"id":5111,"title":"6 - مصالحة الخصمين","lvl":6,"sub":0},{"id":5111,"title":"المبحث السابع ـ انتهاء ولاية القاضي","lvl":4,"sub":1},{"id":5112,"title":"المبحث الثامن ـ متى يجوز حبس المدين؟","lvl":4,"sub":0},{"id":5113,"title":"كيفية الحبس الشرعي","lvl":5,"sub":0},{"id":5114,"title":"عزل القاضي وانعزاله","lvl":4,"sub":0},{"id":5115,"title":"إقليمية الشريعة والقضاء في ديار الإسلام","lvl":4,"sub":0},{"id":5118,"title":"إقليمية قانون العقوبات","lvl":5,"sub":0},{"id":5119,"title":"إقليمية القضاء","lvl":5,"sub":0},{"id":5121,"title":"الخلاف الفقهي في المستأمن","lvl":5,"sub":0},{"id":5122,"title":"الحصانة القضائية","lvl":5,"sub":0},{"id":5123,"title":"تطبيق أحكام الشريعة على رعايا دار الإسلام إذا ارتكبوا جرائم في خارج تلك الدار","lvl":5,"sub":0},{"id":5125,"title":"الفصل الثاني: الدعوى والبينات","lvl":3,"sub":0},{"id":5125,"title":"خطة الموضوع","lvl":4,"sub":1},{"id":5126,"title":"المبحث الأول ـ تعريف الدعوى، وركنها، وشرائطها، والأصل في مشروعيتها","lvl":4,"sub":0},{"id":5126,"title":"تعريف الدعوى","lvl":5,"sub":1},{"id":5126,"title":"شرائطها عند الحنفية","lvl":5,"sub":2},{"id":5128,"title":"الأصل في مشروعية الدعوى","lvl":5,"sub":0},{"id":5129,"title":"المبحث الثاني ـ نوعا الدعوى، وتعيين من هو المدعي والمدعى عليه","lvl":4,"sub":0},{"id":5129,"title":"الدعوى الصحيحة","lvl":5,"sub":1},{"id":5129,"title":"الدعوى الفاسدة أو الباطلة","lvl":5,"sub":2},{"id":5129,"title":"من هو المدعي والمدعى عليه؟","lvl":5,"sub":3},{"id":5130,"title":"المبحث الثالث: حكم الدعوى أو ما يجب على المدعى عليه بعد الادعاء","lvl":4,"sub":0},{"id":5131,"title":"المبحث الرابع ـ حجج المتداعين أو طرق إثبات الحق","lvl":4,"sub":0},{"id":5131,"title":"الشهادة","lvl":5,"sub":1},{"id":5131,"title":"اليمين","lvl":5,"sub":2},{"id":5131,"title":"رد اليمين والقضاء بالنكول","lvl":6,"sub":3},{"id":5134,"title":"مجال القضاء بالنكول","lvl":6,"sub":0},{"id":5137,"title":"كيفية اليمين وأثرها في الدعوى","lvl":6,"sub":0},{"id":5140,"title":"الحلف على البت أو نفي العلم","lvl":6,"sub":0},{"id":5141,"title":"صفة المحلوف عليه","lvl":6,"sub":0},{"id":5142,"title":"العبرة في اليمين بنية القاضي المستحلف","lvl":6,"sub":0},{"id":5143,"title":"أثر اليمين في الدعوى","lvl":6,"sub":0},{"id":5143,"title":"القضاء بشاهد ويمين","lvl":6,"sub":1},{"id":5144,"title":"الإقرار","lvl":5,"sub":0},{"id":5145,"title":"المبحث الخامس ـ حكم تعارض الدعويين مع تعارض البينتين","lvl":4,"sub":0},{"id":5146,"title":"النوع الأول ـ تعارض الدعويين مع تعارض البينتين في ملك مطلق","lvl":5,"sub":0},{"id":5146,"title":"الأول ـ تعارض الدعويين بين الخارج وذي اليد","lvl":6,"sub":1},{"id":5149,"title":"الثاني ـ تعارض الدعويين بين الخارجين عن ذي اليد في ملك مطلق","lvl":6,"sub":0},{"id":5152,"title":"الثالث ـ تعارض الدعويين في ملك مطلق بين ذوي اليد","lvl":6,"sub":0},{"id":5153,"title":"هل ترجح بينة أحد المتداعيين بكثرة عدد الشهود أو اشتهار العدالة؟","lvl":6,"sub":0},{"id":5154,"title":"النوع الثاني - تعارض الدعويين مع تعارض البينتين في دعوى الملك بسبب","lvl":5,"sub":0},{"id":5154,"title":"الحالة الأولى ـ دعوى الملك بسبب الإرث","lvl":6,"sub":1},{"id":5154,"title":"أولا ـ تعارض الدعويين بين الخارج وذي اليد في دعوى الملك بالإرث","lvl":7,"sub":2},{"id":5155,"title":"ثانيا ـ تعارض الدعويين بين الخارجين عن ثالث في دعوى الإرث","lvl":7,"sub":0},{"id":5156,"title":"الحالة الثانية ـ دعوى الملك بسبب الشراء","lvl":6,"sub":0},{"id":5156,"title":"1 - التنازع بين الخارج وذي اليد","lvl":7,"sub":1},{"id":5157,"title":"إن لم يثبتا قبض المبلغ بالبينة","lvl":8,"sub":0},{"id":5158,"title":"إن أثبتا القبض بالبينة","lvl":8,"sub":0},{"id":5158,"title":"2 - التنازع بين الخارجين على ما في يد شخص ثالث","lvl":7,"sub":1},{"id":5158,"title":"أولا ـ أن يدعي الخارجان الشراء من شخص واحد على صاحب اليد","lvl":8,"sub":2},{"id":5160,"title":"ثانيا ـ أن يدعي كل واحد من الخارجين الشراء من رجل غير الذي ادعى عليه صاحبه","lvl":8,"sub":0},{"id":5161,"title":"ثبوت الخيار لمن يقضى لهما","lvl":9,"sub":0},{"id":5162,"title":"الحالة الثالثة ـ دعوى الملك بسبب النتاج","lvl":6,"sub":0},{"id":5162,"title":"أولا ـ أن يدعي الخارج وصاحب اليد نتاج أي (منتوج) دابة","lvl":7,"sub":1},{"id":5163,"title":"ثانيا ـ أن يقيم أحد المتنازعين على النتاج، والآخر على الملك المطلق عن النتاج","lvl":7,"sub":0},{"id":5163,"title":"ثالثا ـ ادعاء النتاج من الخارجين على ثالث يدعي ملكا مطلقا","lvl":7,"sub":1},{"id":5164,"title":"ما يتكرر سببه وما لا يتكرر","lvl":7,"sub":0},{"id":5165,"title":"المبحث السادس ـ حكم تعارض الدعويين في أصل الملك فقط، وحكم الملك وما يقتضيه من حقوق","lvl":4,"sub":0},{"id":5165,"title":"حكم تعارض الدعويين في أصل الملك فقط أو التنازع بالأيدي","lvl":5,"sub":1},{"id":5165,"title":"1 - إذا تنازع اثنان في دابة","lvl":6,"sub":2},{"id":5165,"title":"2 -إذا تنازع اثنان في قميص","lvl":6,"sub":3},{"id":5166,"title":"3 - إذا كان حائط بين دارين","lvl":6,"sub":0},{"id":5167,"title":"4 - إذا كان خص بين دارين","lvl":6,"sub":0},{"id":5167,"title":"تنبيه","lvl":6,"sub":1},{"id":5168,"title":"حكم الملك وما يقتضيه من حقوق","lvl":5,"sub":0},{"id":5169,"title":"العلو والسفل","lvl":6,"sub":0},{"id":5170,"title":"الفصل الثالث: طرق الإثبات","lvl":3,"sub":0},{"id":5170,"title":"المبحث الأول ـ الشهادة والرجوع عنها","lvl":4,"sub":1},{"id":5170,"title":"المطلب الأول ـ تعريف الشهادة وركنها وحكمها","lvl":5,"sub":2},{"id":5170,"title":"الشهادة","lvl":6,"sub":3},{"id":5170,"title":"ركنها","lvl":6,"sub":4},{"id":5171,"title":"حكم الشهادة","lvl":6,"sub":0},{"id":5172,"title":"المطلب الثاني ـ شروط تحمل الشهادة","lvl":5,"sub":0},{"id":5172,"title":"أولها ـ أن يكون الشاهد عاقلا","lvl":6,"sub":1},{"id":5173,"title":"ثانيها ـ أن يكون بصيرا وقت التحمل","lvl":6,"sub":0},{"id":5173,"title":"ثالثها ـ معاينة المشهود به بنفسه لا بغيره إلا فيما تصح فيه الشهادة بالتسامع من الناس والاستفاضة","lvl":6,"sub":1},{"id":5176,"title":"الشهادة على الكتابة","lvl":6,"sub":0},{"id":5176,"title":"أنواع ما يتحمله الشاهد","lvl":6,"sub":1},{"id":5177,"title":"المطلب الثالث ـ شروط أداء الشهادة","lvl":5,"sub":0},{"id":5177,"title":"شروط الشاهد","lvl":6,"sub":1},{"id":5177,"title":"1 - أهلية العقل والبلوغ","lvl":7,"sub":2},{"id":5177,"title":"2 - الحرية","lvl":7,"sub":3},{"id":5178,"title":"3 - الإسلام","lvl":7,"sub":0},{"id":5178,"title":"4 - البصر","lvl":7,"sub":1},{"id":5179,"title":"5 - النطق","lvl":7,"sub":0},{"id":5179,"title":"6 - العدالة","lvl":7,"sub":1},{"id":5183,"title":"7 - عدم التهمة","lvl":7,"sub":0},{"id":5185,"title":"الشرائط الخاصة ببعض الشهادات دون بعض","lvl":6,"sub":0},{"id":5185,"title":"1 - العدد في الشهادة بما يطلع عليه الرجال","lvl":7,"sub":1},{"id":5188,"title":"2 - الاتفاق في الشهادتين عند التعدد","lvl":7,"sub":0},{"id":5189,"title":"الاختلاف في الجنس","lvl":8,"sub":0},{"id":5189,"title":"الاختلاف في القدر","lvl":8,"sub":1},{"id":5190,"title":"الاختلاف في الزمان والمكان","lvl":8,"sub":0},{"id":5191,"title":"شروط في الشهادة نفسها","lvl":6,"sub":0},{"id":5191,"title":"1 - لفظ الشهادة","lvl":7,"sub":1},{"id":5191,"title":"2 - أن تكون الشهادة موافقه للدعوى","lvl":7,"sub":2},{"id":5191,"title":"الشهادة على الشهادة","lvl":8,"sub":3},{"id":5191,"title":"صفة الإشهاد في الشهادة على الشهادة","lvl":8,"sub":4},{"id":5192,"title":"شرط مكان الشهادة","lvl":6,"sub":0},{"id":5193,"title":"المطلب الرابع ـ حكم الرجوع عن الشهادة","lvl":5,"sub":0},{"id":5199,"title":"المطلب الخامس ـ عقوبة شاهد الزور","lvl":5,"sub":0},{"id":5199,"title":"المطلب السادس ـ القضاء بشهادة غير المسلمين","lvl":5,"sub":1},{"id":5200,"title":"أولا ـ شهادة غير المسلمين على بعضهم","lvl":6,"sub":0},{"id":5200,"title":"1 - قال الحنفية","lvl":7,"sub":1},{"id":5201,"title":"2 - وقال الجمهور غير الحنفية","lvl":7,"sub":0},{"id":5202,"title":"ثانيا ـ شهادة غير المسلمين على المسلمين","lvl":6,"sub":0},{"id":5203,"title":"المبحث الثاني ـ اليمين","lvl":4,"sub":0},{"id":5203,"title":"المطلب الأول ـ تعريف اليمين ومشروعيتها والمحلوف به","lvl":5,"sub":1},{"id":5205,"title":"المحلوف به","lvl":6,"sub":0},{"id":5206,"title":"المطلب الثاني ـ صيغة اليمين القضائية وصفتها والنية فيها واليمين بالطلاق","lvl":5,"sub":0},{"id":5206,"title":"صيغة اليمين","lvl":6,"sub":1},{"id":5207,"title":"صفة اليمين أو الحلف على البت ونفي العلم","lvl":6,"sub":0},{"id":5208,"title":"النية في اليمين","lvl":6,"sub":0},{"id":5209,"title":"اليمين بالطلاق أمام القاضي","lvl":6,"sub":0},{"id":5210,"title":"المطلب الثالث ـ تغليظ اليمين باللفظ وبالزمان والمكان","lvl":5,"sub":0},{"id":5213,"title":"المطلب الرابع ـ شروط اليمين","lvl":5,"sub":0},{"id":5213,"title":"المتفق عليها","lvl":6,"sub":1},{"id":5214,"title":"المختلف فيه","lvl":6,"sub":0},{"id":5215,"title":"المطلب الخامس ـ أنواع اليمين","lvl":5,"sub":0},{"id":5215,"title":"اليمين بحسب الحالف","lvl":6,"sub":1},{"id":5215,"title":"1 - يمين الشاهد","lvl":7,"sub":2},{"id":5216,"title":"2 - يمين المدعى عليه","lvl":7,"sub":0},{"id":5216,"title":"3 - يمين المدعي","lvl":7,"sub":1},{"id":5216,"title":"الأول ـ اليمين الجالبة","lvl":8,"sub":2},{"id":5216,"title":"الثاني ـ يمين التهمة","lvl":8,"sub":3},{"id":5216,"title":"الثالث ـ يمين الاستيثاق أو الاستظهار","lvl":8,"sub":4},{"id":5217,"title":"أحوال يمين الاستظهار","lvl":9,"sub":0},{"id":5218,"title":"القضاء بالنكول والقضاء بشاهد ويمين المدعي واليمين المردودة","lvl":6,"sub":0},{"id":5219,"title":"الرأي الأول ـ للحنفية والحنابلة في المشهور عندهم","lvl":7,"sub":0},{"id":5221,"title":"الرأي الثاني ـ للجمهور","lvl":7,"sub":0},{"id":5222,"title":"مجال القضاء بشاهد ويمين والقضاء بالنكول","lvl":6,"sub":0},{"id":5223,"title":"مجال القضاء بالنكول","lvl":6,"sub":0},{"id":5223,"title":"المطلب السادس ـ حكم اليمين","lvl":5,"sub":1},{"id":5223,"title":"1 - حكم يمين المدعي","lvl":6,"sub":3},{"id":5223,"title":"2 - حكم يمين المدعى عليه","lvl":6,"sub":4},{"id":5223,"title":"3 - حكم يمين الاستيثاق أو الاستظهار","lvl":6,"sub":5},{"id":5224,"title":"المطلب السابع ـ أنواع الحقوق التي يجوز فيها اليمين","lvl":5,"sub":0},{"id":5228,"title":"المبحث الثالث ـ الإقرار","lvl":4,"sub":0},{"id":5228,"title":"المطلب الأول ـ تعريف الإقرار وحجيته وحكمه","lvl":5,"sub":1},{"id":5228,"title":"الإقرار","lvl":6,"sub":2},{"id":5228,"title":"أدلة حجيته","lvl":6,"sub":3},{"id":5228,"title":"حكمة تشريع الإقرار","lvl":6,"sub":4},{"id":5228,"title":"حكم الإقرار","lvl":6,"sub":5},{"id":5229,"title":"الإقرار حجة قاصرة على المقر","lvl":6,"sub":0},{"id":5229,"title":"المطلب الثاني ـ ألفاظ الإقرار","lvl":5,"sub":1},{"id":5229,"title":"1 - الإقرار بلفظ صريح","lvl":6,"sub":2},{"id":5231,"title":"2 - الإقرار الضمني أو الإقرار دلالة","lvl":6,"sub":0},{"id":5233,"title":"المطلب الثالث ـ شروط صحة الإقرار","lvl":5,"sub":0},{"id":5235,"title":"المطلب الرابع ـ أنواع المقر به","lvl":5,"sub":0},{"id":5235,"title":"حقوق الله تعالى","lvl":6,"sub":1},{"id":5236,"title":"حقوق العباد أي حقوق الأفراد","lvl":6,"sub":0},{"id":5239,"title":"المطلب الخامس ـ الإقرار بالأموال","lvl":5,"sub":0},{"id":5239,"title":"في الغصب","lvl":6,"sub":1},{"id":5241,"title":"المكيال والميزان","lvl":6,"sub":0},{"id":5241,"title":"الوزن أو العدد","lvl":6,"sub":1},{"id":5241,"title":"المقصود بدريهم ونحوه","lvl":6,"sub":2},{"id":5241,"title":"المقصود بدراهم ودنانير","lvl":6,"sub":3},{"id":5242,"title":"مفهوم المال العظيم أو الكبير","lvl":6,"sub":0},{"id":5243,"title":"المقصود بنوع الدراهم","lvl":6,"sub":0},{"id":5244,"title":"الاختلاف بين المقر والمقر له في اقتضاء الدين أو صفة وجود الشيء عند المقر","lvl":6,"sub":0},{"id":5245,"title":"الاستثناء في الإقرار","lvl":6,"sub":0},{"id":5246,"title":"1 - استثناء القليل من الكثير","lvl":7,"sub":0},{"id":5247,"title":"2 - استثناء الكثير من القليل","lvl":7,"sub":0},{"id":5247,"title":"3 - استثناء الكل من الكل","lvl":7,"sub":1},{"id":5247,"title":"4 - الاستثناء من الاستثناء","lvl":7,"sub":2},{"id":5248,"title":"5 - الاستثناء من غير الجنس (أو الاستثناء المنقطع )","lvl":7,"sub":0},{"id":5249,"title":"6 - الاستثناء أو التعليق بمشيئة الله","lvl":7,"sub":0},{"id":5250,"title":"العطف في الإقرار","lvl":6,"sub":0},{"id":5251,"title":"الاستدراك في الإقرار","lvl":6,"sub":0},{"id":5252,"title":"المطلب السادس ـ الإقرار في حال الصحة وفي حال المرض","lvl":5,"sub":0},{"id":5252,"title":"الإقرار في حال الصحة","lvl":6,"sub":1},{"id":5253,"title":"الإقرار في المرض","lvl":6,"sub":0},{"id":5253,"title":"إقرار المريض باستيفاء الدين من غيره","lvl":7,"sub":1},{"id":5253,"title":"إقرار المريض بالدين لغيره","lvl":7,"sub":2},{"id":5255,"title":"هل يفضل دين الصحة؟","lvl":6,"sub":0},{"id":5257,"title":"المطلب السابع ـ الإقرار بالنسب","lvl":5,"sub":0},{"id":5257,"title":"اشترط الفقهاء شروطا أربعة لصحة إقرار الإنسان بنسب على نفسه","lvl":6,"sub":1},{"id":5258,"title":"يقول الحنفية في الإقرار بالنسب وفي حمل النسب على الغير","lvl":6,"sub":0},{"id":5258,"title":"1 - الإقرار بالنسب","lvl":7,"sub":1},{"id":5259,"title":"2 - الإقرار بحمل النسب على الغير","lvl":7,"sub":0},{"id":5260,"title":"إثبات حق المشاركة في الإرث","lvl":6,"sub":0},{"id":5261,"title":"المبحث الرابع ـ القضاء بالقرائن","lvl":4,"sub":0},{"id":5261,"title":"أهمية القرائن","lvl":5,"sub":1},{"id":5261,"title":"تعريف القرينة","lvl":5,"sub":2},{"id":5262,"title":"من القرائن القضائية","lvl":5,"sub":0},{"id":5264,"title":"((الباب السادس: نظام الحكم في الإسلام ))","lvl":2,"sub":0},{"id":5264,"title":"الفصل الأول: السيادة ـ سلطة التشريع العليا في الحكم الإسلامي","lvl":3,"sub":1},{"id":5264,"title":"المبحث الأول ـ السيادة أو الحاكمية","lvl":4,"sub":2},{"id":5265,"title":"المبحث الثاني ـ استخلاف الأمة في تنفيذ الشريعة","lvl":4,"sub":0},{"id":5268,"title":"المبحث الثالث ـ سيادة التشريع وتعاون السلطات","lvl":4,"sub":0},{"id":5271,"title":"المبحث الرابع ـ صاحب الحق في التشريع","lvl":4,"sub":0},{"id":5274,"title":"الفصل الثاني: سلطة التنفيذ العليا ـ الإمامة","lvl":3,"sub":0},{"id":5274,"title":"المبحث الأول ـ تعريف الإمامة","lvl":4,"sub":1},{"id":5276,"title":"المبحث الثاني ـ حكم إقامة الدولة في الإسلام","lvl":4,"sub":0},{"id":5276,"title":"أولا ـ مذهب إيجاب الإمامة","lvl":5,"sub":1},{"id":5277,"title":"أدلة هذا المذهب","lvl":6,"sub":0},{"id":5277,"title":"1 - البرهان الشرعي","lvl":7,"sub":1},{"id":5279,"title":"2 - البرهان العقلي ـ الشرعي","lvl":7,"sub":0},{"id":5279,"title":"3 - برهان الوظيفة","lvl":7,"sub":1},{"id":5281,"title":"ثانيا ـ القائلون بمبدأ جواز الإمامة","lvl":5,"sub":0},{"id":5282,"title":"أدلتهم","lvl":6,"sub":0},{"id":5283,"title":"ثالثا - رأي الشيعة الإمامية والزيدية والإسماعيلية","lvl":5,"sub":0},{"id":5283,"title":"أدلة الشيعة","lvl":6,"sub":1},{"id":5285,"title":"نقد ومناقشة","lvl":6,"sub":0},{"id":5286,"title":"المبحث الثالث ـ كيفية اختيار الإمام (أو الحاكم الأعلى )","lvl":4,"sub":0},{"id":5286,"title":"طرق التعيين","lvl":5,"sub":1},{"id":5287,"title":"تعيين الإمام بالنص","lvl":6,"sub":0},{"id":5287,"title":"الأدلة الواردة في القرآن والسنة","lvl":7,"sub":1},{"id":5287,"title":"الآيات القرآنية","lvl":8,"sub":2},{"id":5288,"title":"السنة","lvl":8,"sub":0},{"id":5288,"title":"1 - حديث غدير خم","lvl":9,"sub":1},{"id":5289,"title":"2 - حديث المنزلة","lvl":9,"sub":0},{"id":5290,"title":"3 - حديث الراية يوم خيبر","lvl":9,"sub":0},{"id":5290,"title":"الأدلة العقلية","lvl":7,"sub":1},{"id":5291,"title":"الأدلة التاريخية","lvl":7,"sub":0},{"id":5292,"title":"تعيين الإمام بولاية العهد أو الاستخلاف","lvl":6,"sub":0},{"id":5294,"title":"انعقاد الإمامة بالقهر والغلبة","lvl":6,"sub":0},{"id":5296,"title":"بيعة الخليفة","lvl":6,"sub":0},{"id":5296,"title":"أولا ـ طريقة بيعة الخليفة","lvl":7,"sub":1},{"id":5297,"title":"ثانيا ـ من هم أهل الحل والعقد؟","lvl":7,"sub":0},{"id":5297,"title":"أ ـ أهل الحل والعقد","lvl":8,"sub":1},{"id":5298,"title":"ب ـ شروطهم","lvl":8,"sub":0},{"id":5298,"title":"جـ ـ عددهم","lvl":8,"sub":1},{"id":5299,"title":"د ـ موافقة الأمة","lvl":8,"sub":0},{"id":5300,"title":"هـ ـ وظيفة أهل الحل والعقد","lvl":8,"sub":0},{"id":5301,"title":"ثالثا ـ طريقة اختيار الخلفاء الراشدين","lvl":7,"sub":0},{"id":5301,"title":"1 - أبو بكر الصديق","lvl":8,"sub":1},{"id":5301,"title":"2 - عمر بن الخطاب","lvl":8,"sub":2},{"id":5302,"title":"3 - عثمان بن عفان","lvl":8,"sub":0},{"id":5304,"title":"4 - علي بن أبي طالب","lvl":8,"sub":0},{"id":5305,"title":"المبحث الرابع ـ شروط الإمام","lvl":4,"sub":0},{"id":5305,"title":"أولا ـ أن يكون ذا ولاية تامة","lvl":5,"sub":1},{"id":5306,"title":"ثانيا ـ العدالة","lvl":5,"sub":0},{"id":5307,"title":"ثالثا ـ الكفاية العلمية","lvl":5,"sub":0},{"id":5307,"title":"رابعا ـ حصافة الرأي في القضايا السياسية والحربية والإدارية","lvl":5,"sub":1},{"id":5307,"title":"خامسا ـ صلابة الصفات الشخصية","lvl":5,"sub":2},{"id":5308,"title":"سادسا ـ الكفاية الجسدية","lvl":5,"sub":0},{"id":5309,"title":"سابعا ـ النسب وهو أن يكون المرشح للخلافة من قريش","lvl":5,"sub":0},{"id":5311,"title":"المبحث الخامس ـ وظائف الإمام (أو واجباته واختصاصاته )","lvl":4,"sub":0},{"id":5311,"title":"الوظائف الدينية","lvl":5,"sub":1},{"id":5312,"title":"الوظائف السياسية","lvl":5,"sub":0},{"id":5314,"title":"المبحث السادس ـ انتهاء ولاية الحاكم","lvl":4,"sub":0},{"id":5316,"title":"المبحث السابع ـ حقوق الإمام الحاكم","lvl":4,"sub":0},{"id":5316,"title":"1 ـ حق الطاعة","lvl":5,"sub":1},{"id":5319,"title":"الكتاب المحدثين","lvl":6,"sub":0},{"id":5321,"title":"آراء الفقهاء القدامى في مبدأ الخروج على الحاكم","lvl":6,"sub":0},{"id":5323,"title":"2 - مناصرة الإمام ومؤازرته","lvl":5,"sub":0},{"id":5325,"title":"المبحث الثامن ـ حدود سلطات الإمام وقواعد نظام الحكم في الإسلام","lvl":4,"sub":0},{"id":5325,"title":"تتحدد سلطات الخليفة أو الحاكم في الإسلام بالأسس ا لآتية","lvl":5,"sub":1},{"id":5325,"title":"أولا ـ يخضع الخليفة للتشريع الإسلامي","lvl":6,"sub":2},{"id":5325,"title":"ثانيا ـ ليس للحاكم التشريع","lvl":6,"sub":3},{"id":5325,"title":"ثالثا ـ يلتزم الحاكم وأعوانه بقواعد نظام الحكم الإسلامي ومبادئه العامة","lvl":6,"sub":4},{"id":5325,"title":"1 - الشورى","lvl":7,"sub":5},{"id":5327,"title":"نطاقها","lvl":8,"sub":0},{"id":5328,"title":"هيئة الشورى","lvl":8,"sub":0},{"id":5328,"title":"حكم الشورى","lvl":8,"sub":1},{"id":5330,"title":"2 - العدل","lvl":7,"sub":0},{"id":5332,"title":"العدل مع الأقليات الدينية والسياسية","lvl":8,"sub":0},{"id":5333,"title":"3 - المساواة أمام القانون","lvl":7,"sub":0},{"id":5333,"title":"4 - حماية الكرامة الإنسانية","lvl":7,"sub":1},{"id":5334,"title":"5 - الحرية","lvl":7,"sub":0},{"id":5334,"title":"حرية العقيدة","lvl":8,"sub":1},{"id":5335,"title":"حرية الفكر والقول","lvl":8,"sub":0},{"id":5337,"title":"6 - رقابة الأمة ومسؤولية الحاكم","lvl":7,"sub":0},{"id":5338,"title":"علاقة الإمام الحاكم بالناس","lvl":8,"sub":0},{"id":5339,"title":"المبحث التاسع ـ مصدر السيادة في الإسلام","lvl":4,"sub":0},{"id":5341,"title":"المبحث العاشر ـ تنظيم الخليفة للدولة (إدارة الدولة )","lvl":4,"sub":0},{"id":5341,"title":"المطلب الأول ـ الإدارة في عهد الخلفاء","lvl":5,"sub":1},{"id":5343,"title":"المطلب الثاني ـ أقسام الولايات في رأي الماوردي","lvl":5,"sub":0},{"id":5344,"title":"المطلب الثالث ـ وظائف الولاة","lvl":5,"sub":0},{"id":5344,"title":"أولا ـ الوزارة","lvl":6,"sub":1},{"id":5344,"title":"1 - وزارة التفويض","lvl":7,"sub":2},{"id":5345,"title":"2 - وزارة التنفيذ","lvl":7,"sub":0},{"id":5346,"title":"الشروط المطلوبة في وزير التنفيذ","lvl":8,"sub":0},{"id":5346,"title":"الفرق بين الوزارتين","lvl":7,"sub":1},{"id":5347,"title":"ثانيا ـ إمارة الأقاليم أو البلاد","lvl":6,"sub":0},{"id":5348,"title":"1 - الإمارة العامة","lvl":7,"sub":0},{"id":5348,"title":"1 ) ـ إمارة الاستكفاء","lvl":8,"sub":1},{"id":5349,"title":"2 ) ـ إمارة الاستيلاء","lvl":8,"sub":0},{"id":5351,"title":"الفرق بين إمارتي الاستكفاء والاستيلاء","lvl":7,"sub":0},{"id":5351,"title":"2 - الإمارة الخاصة","lvl":7,"sub":1},{"id":5351,"title":"انتهاء ولاية الإمام","lvl":5,"sub":2},{"id":5352,"title":"الفصل الثالث: السلطة القضائية في الإسلام","lvl":3,"sub":0},{"id":5352,"title":"المبحث الأول ـ نشأة القضاء وتاريخه وحكمه وأنواعه","lvl":4,"sub":1},{"id":5353,"title":"حكمه شرعا","lvl":5,"sub":0},{"id":5353,"title":"أهمية القضاء","lvl":5,"sub":1},{"id":5356,"title":"الأسس التالية للقضاء في الإسلام","lvl":5,"sub":0},{"id":5356,"title":"أولا ـ اعتماده على العقيدة والأخلاق","lvl":6,"sub":1},{"id":5356,"title":"ثانيا ـ ضرورته في كل دولة","lvl":6,"sub":2},{"id":5356,"title":"ثالثا ـ استقلال السلطة القضائية والفصل بين السلطات","lvl":6,"sub":3},{"id":5357,"title":"المبحث الثاني ـ القضاء العادي وتنظيمه","lvl":4,"sub":0},{"id":5357,"title":"المطلب الأول ـ شروط القاضي","lvl":5,"sub":1},{"id":5357,"title":"الشروط المتفق عليها","lvl":6,"sub":2},{"id":5358,"title":"الشروط المختلف فيها","lvl":6,"sub":0},{"id":5361,"title":"المطلب الثاني ـ واجبات القضاة","lvl":5,"sub":0},{"id":5361,"title":"الواجبات","lvl":6,"sub":1},{"id":5362,"title":"الآداب","lvl":6,"sub":0},{"id":5363,"title":"حقوق القضاة","lvl":6,"sub":0},{"id":5363,"title":"المطلب الثالث ـ أنواع القضاة واختصاصاتهم","lvl":5,"sub":1},{"id":5363,"title":"أولا ـ القاضي ذو الولاية العامة","lvl":6,"sub":2},{"id":5364,"title":"ثانيا ـ القاضي خاص الولاية","lvl":6,"sub":0},{"id":5364,"title":"ثالثا ـ القاضي عام النظر خاص العمل (الاختصاص المكاني)","lvl":6,"sub":1},{"id":5364,"title":"رابعا ـ القاضي المحدد الولاية","lvl":6,"sub":2},{"id":5365,"title":"المطلب الرابع ـ تنظيم القضاء","lvl":5,"sub":0},{"id":5365,"title":"طرق تعيين القضاة وعزلهم","lvl":6,"sub":1},{"id":5365,"title":"تخصص القضاة","lvl":6,"sub":2},{"id":5366,"title":"أسلوب القضاء الفردي والجماعي","lvl":6,"sub":0},{"id":5367,"title":"درجات التقاضي أو درجات المحاكم والطعن في الأحكام","lvl":6,"sub":0},{"id":5369,"title":"صفة قضاء القاضي","lvl":6,"sub":0},{"id":5369,"title":"المبحث الثالث ـ التحكيم","lvl":4,"sub":1},{"id":5370,"title":"المبحث الرابع ـ ولاية المظالم","lvl":4,"sub":0},{"id":5370,"title":"أولا ـ تعريف ولاية المظالم ونشأتها","lvl":5,"sub":1},{"id":5370,"title":"نشأتها","lvl":6,"sub":2},{"id":5371,"title":"ثانيا ـ صفة ناظر المظالم","lvl":5,"sub":0},{"id":5372,"title":"هيئة محكمة المظالم","lvl":6,"sub":0},{"id":5372,"title":"ثالثا ـ اختصاصات ديوان المظالم","lvl":5,"sub":1},{"id":5372,"title":"أولا ـ النظر في تعدي الولاة على الرعية وأخذهم بالعسف في السيرة","lvl":6,"sub":2},{"id":5372,"title":"ثانيا ـ النظر في جور العمال فيما يجبونه من الأموال","lvl":6,"sub":3},{"id":5372,"title":"ثالثا ـ تصفح أعمال كتاب الدواوين","lvl":6,"sub":4},{"id":5372,"title":"رابعا ـ النظر في تظلم المسترزقة (أي الموظفين والجنود)","lvl":6,"sub":5},{"id":5372,"title":"خامسا ـ رد الغصوب","lvl":6,"sub":6},{"id":5373,"title":"سادسا ـ الإشراف على شؤون الأوقاف","lvl":6,"sub":0},{"id":5373,"title":"سابعا ـ تنفيذ أحكام القضاة التي عجزوا عن تنفيذها","lvl":6,"sub":1},{"id":5373,"title":"ثامنا ـ النظر فيما عجز عنه ناظرو الحسبة في المصالح العامة","lvl":6,"sub":2},{"id":5373,"title":"تاسعا ـ مراعاة العبادات الظاهرة","lvl":6,"sub":3},{"id":5373,"title":"عاشرا ـ النظر بين المتشاجرين، والحكم بين المتنازعين","lvl":6,"sub":4},{"id":5373,"title":"رابعا ـ الفرق بين نظر المظالم ونظر القضاة","lvl":5,"sub":5},{"id":5374,"title":"المبحث الخامس ـ نظام الحسبة أو ولاية الحسبة في الإدارة الإسلامية","lvl":4,"sub":0},{"id":5374,"title":"تمهيد في تاريخ الحسبة","lvl":5,"sub":1},{"id":5374,"title":"أولا ـ حقيقة الحسبة","lvl":5,"sub":2},{"id":5374,"title":"1 - تعريفها","lvl":6,"sub":3},{"id":5377,"title":"2 - أساسها","lvl":6,"sub":0},{"id":5377,"title":"3 - غايتها","lvl":6,"sub":1},{"id":5378,"title":"4 - واضعها","lvl":6,"sub":0},{"id":5378,"title":"5 - قاعدتها","lvl":6,"sub":1},{"id":5379,"title":"6 - الفرق بين المحتسب والمتطوع","lvl":6,"sub":0},{"id":5380,"title":"7 - شروطها وآدابها","lvl":6,"sub":0},{"id":5381,"title":"ثانيا ـ اختصاصات المحتسب","lvl":5,"sub":0},{"id":5382,"title":"1 - الأمر بالمعروف","lvl":6,"sub":0},{"id":5383,"title":"2 - النهي عن المنكر","lvl":6,"sub":0},{"id":5387,"title":"ثالثا ـ مقارنة بين الحسبة والقضاء وولاية المظالم","lvl":5,"sub":0},{"id":5387,"title":"1 - المقارنة بين الحسبة والقضاء العادي","lvl":6,"sub":1},{"id":5388,"title":"2 - المقارنة بين الحسبة وولاية المظالم","lvl":6,"sub":0},{"id":5390,"title":"المبحث السادس ـ أصول التقاضي","lvl":4,"sub":0},{"id":5390,"title":"المرحلة الأولى ـ الدعوى","lvl":5,"sub":1},{"id":5390,"title":"الدعوى","lvl":6,"sub":2},{"id":5390,"title":"اشترط فقهاء الحنفية لقبول الدعوى","lvl":6,"sub":3},{"id":5392,"title":"الدعوى نوعين","lvl":6,"sub":0},{"id":5393,"title":"الدعوى المقبولة","lvl":7,"sub":0},{"id":5393,"title":"الدعوى المرفوضة أو الفاسدة الباطلة","lvl":7,"sub":1},{"id":5393,"title":"استحسن بعض شراح مجلة الأحكام العدلية قسمة الدعوى ثلاثة أقسام","lvl":6,"sub":2},{"id":5393,"title":"تحديد من هو المدعي والمدعى عليه","lvl":6,"sub":3},{"id":5394,"title":"نطاق الدعوى","lvl":6,"sub":0},{"id":5394,"title":"أولا ـ الحسبة والمظالم","lvl":7,"sub":1},{"id":5394,"title":"ثانيا ـ حقوق الله تعالى","lvl":7,"sub":2},{"id":5394,"title":"ثالثا ـ حقوق العباد (أي الأفراد) الشخصية","lvl":7,"sub":3},{"id":5394,"title":"أ ـ المعاملات والتصرفات المدنية","lvl":8,"sub":4},{"id":5394,"title":"ب ـ أحكام الأسرة المالية","lvl":8,"sub":5},{"id":5394,"title":"جـ ـ الجرائم والعقوبات التي فيها حق للعبد","lvl":8,"sub":6},{"id":5395,"title":"حكم الدعوى المقبولة","lvl":6,"sub":0},{"id":5395,"title":"المرحلة الثانية ـ طرق إثبات الحق","lvl":5,"sub":1},{"id":5395,"title":"1 - الشهادة","lvl":6,"sub":2},{"id":5396,"title":"شروط تحمل الشهادة","lvl":7,"sub":0},{"id":5397,"title":"شروط أداء الشهادة","lvl":7,"sub":0},{"id":5397,"title":"ما يشترط في الشاهد","lvl":7,"sub":1},{"id":5399,"title":"2 - الإقرار","lvl":6,"sub":0},{"id":5399,"title":"شروط الإقرار","lvl":7,"sub":1},{"id":5400,"title":"3 - اليمين","lvl":6,"sub":0},{"id":5400,"title":"4 - الكتابة","lvl":6,"sub":1},{"id":5400,"title":"5 - القرائن","lvl":6,"sub":2},{"id":5401,"title":"6 - العلم الشخصي للقاضي نفسه","lvl":6,"sub":0},{"id":5401,"title":"متقدمو الحنفية","lvl":7,"sub":1},{"id":5402,"title":"الشافعية","lvl":7,"sub":0},{"id":5402,"title":"المالكية والحنابلة","lvl":7,"sub":1},{"id":5403,"title":"7 - الخبرة والمعاينة","lvl":6,"sub":0},{"id":5403,"title":"8 - كتاب القاضي إلى غيره","lvl":6,"sub":1},{"id":5404,"title":"المرحلة الثالثة ـ الحكم القضائي","lvl":5,"sub":0},{"id":5404,"title":"أوصاف للحكم تراعى في الإسلام","lvl":6,"sub":1},{"id":5404,"title":"أولا ـ المسارعة إلى إصدار الحكم بعد ثبوت الحق أمام القاضي","lvl":7,"sub":2},{"id":5404,"title":"ثانيا ـ إصدار الحكم حضور يا أمام الخصوم","lvl":7,"sub":3},{"id":5404,"title":"ثالثا ـ تعليل الأحكام","lvl":7,"sub":4},{"id":5404,"title":"رابعا ـ تدوين الأحكام","lvl":7,"sub":5},{"id":5404,"title":"تنفيذ الأحكام","lvl":6,"sub":6},{"id":5404,"title":"في نطاق العقوبات الجنائية","lvl":7,"sub":7},{"id":5405,"title":"في نطاق القضايا المدنية","lvl":7,"sub":0},{"id":5405,"title":"الحبس","lvl":7,"sub":1},{"id":5406,"title":"الحجر","lvl":7,"sub":0},{"id":5407,"title":"الفصل الرابع: الدولة الإسلامية","lvl":3,"sub":0},{"id":5411,"title":"المبحث التمهيدي: مقدمات","lvl":4,"sub":0},{"id":5411,"title":"المطلب الأول","lvl":5,"sub":1},{"id":5411,"title":"أولا ـ المنشأ التاريخي لمفهوم دار الإسلام ولمفهوم الدولة الحديث","lvl":6,"sub":2},{"id":5412,"title":"أول غزوة في الإسلام","lvl":7,"sub":0},{"id":5413,"title":"ثانيا ـ التمييز بين مفهومي دار الإسلام والدولة الإسلامية","lvl":6,"sub":0},{"id":5414,"title":"ثالثا ـ اتجاه تطور مفهومي دار الإسلام والدولة الحديثة","lvl":6,"sub":0},{"id":5420,"title":"المطلب الثاني ـ نشأة مصطلح الدولة الإسلامية","lvl":5,"sub":0},{"id":5420,"title":"1 - السبب في إطلاق مصطلح الدولة الإسلامية على نظم الحكم الإسلامية","lvl":6,"sub":1},{"id":5423,"title":"2 - صلاحية نظام الحكم الإسلامي للتطبيق في الوقت الحاضر","lvl":6,"sub":0},{"id":5424,"title":"3 - هل يوجب الإسلام إقامة دولة؟","lvl":6,"sub":0},{"id":5426,"title":"المبحث الأول ـ أركان الدولة الإسلامية ونشأتها وشخصيتها","lvl":4,"sub":0},{"id":5426,"title":"المطلب الأول ـ أركان الدولة الإسلامية","lvl":5,"sub":1},{"id":5426,"title":"تمهيد","lvl":6,"sub":2},{"id":5427,"title":"الركن الأول ـ الشعب","lvl":6,"sub":0},{"id":5427,"title":"أولا ـ موقع هذا الركن ماديا وأساسيته في مفهوم الدولة الإسلامية","lvl":7,"sub":1},{"id":5428,"title":"ثانيا ـ اختلاف هذا الركن عن نظيره في المفهوم الحديث للدولة","lvl":7,"sub":0},{"id":5429,"title":"الأمة","lvl":7,"sub":0},{"id":5429,"title":"القومية","lvl":7,"sub":1},{"id":5430,"title":"الركن الثاني ـ الإقليم","lvl":6,"sub":0},{"id":5430,"title":"أولا ـ موقع هذا الركن ماديا واختلافه عن نظيره في المفهوم الحديث للدولة","lvl":7,"sub":1},{"id":5432,"title":"ثانيا ـ مشمول إقليم الدولة","lvl":7,"sub":0},{"id":5432,"title":"1 - ما هو جزء أساسي من الإقليم","lvl":8,"sub":1},{"id":5434,"title":"2 - ما هو امتداد أو ملحق بالإقليم اعتبارا","lvl":8,"sub":0},{"id":5435,"title":"3 - ما هو جزء من إقليم الدولة، ولكن عليه حقوق ارتفاق لدولة أخرى","lvl":8,"sub":0},{"id":5436,"title":"4 - الأقاليم المشتركة بين عدة دول","lvl":8,"sub":0},{"id":5436,"title":"5 - ما لا يعتبر جزءا من الإقليم ويمكن اعتباره امتدادا مشتركا مشاعا لإقليم كل دولة","lvl":8,"sub":1},{"id":5438,"title":"الركن الثالث: السيادة","lvl":6,"sub":0},{"id":5438,"title":"تمهيد","lvl":7,"sub":1},{"id":5438,"title":"1 - نظرية السيادة في المفهوم الحديث للدولة والنظريات البديلة كمعيار للدولة","lvl":8,"sub":2},{"id":5439,"title":"2 - تمييز السيادة عما يشتبه بها","lvl":8,"sub":0},{"id":5439,"title":"أ ـ التمييز بين السيادة والسلطة الفعلية","lvl":9,"sub":1},{"id":5440,"title":"ب ـ التمييز بين السيادة والملكية","lvl":9,"sub":0},{"id":5441,"title":"أولا ـ فكرة السيادة في الدولة الإسلامية","lvl":7,"sub":0},{"id":5442,"title":"ثانيا ـ نصاب الحاكمية أو حدها الأدنى في التحقق، والفرق بينه وبين الحد الأدنى في تطبيق الأحكام لتحقق مفهوم دار الإسلام","lvl":7,"sub":0},{"id":5445,"title":"ثالثا ـ هل يشترط وحدة السلطة على كافة أجزاء بلاد الإسلام؟","lvl":7,"sub":0},{"id":5449,"title":"المطلب الثاني ـ نشأة الدولة الإسلامية","lvl":5,"sub":0},{"id":5449,"title":"تمهيد","lvl":6,"sub":1},{"id":5449,"title":"مبدأ نشوء الدولة بمجرد تكامل أركانها","lvl":7,"sub":2},{"id":5450,"title":"التنظيم السياسي","lvl":7,"sub":0},{"id":5450,"title":"الفرع الأول ـ طرق نشأة الدولة الإسلامية","lvl":6,"sub":1},{"id":5450,"title":"آ ـ نشوء جديد كلية","lvl":7,"sub":2},{"id":5451,"title":"ب ـ نشوء الدولة من عناصر قديمة","lvl":7,"sub":0},{"id":5451,"title":"الفرع الثاني ـ الاعتراف وأنواعه ونتائجها في المجال الدولي","lvl":6,"sub":1},{"id":5451,"title":"ماهية مبدأ الاعتراف ومسوغاته","lvl":7,"sub":2},{"id":5453,"title":"أنواع الاعتراف","lvl":7,"sub":0},{"id":5453,"title":"أولا - الاعتراف الكامل","lvl":8,"sub":1},{"id":5453,"title":"أ ـ الاعتراف بالدولة","lvl":9,"sub":2},{"id":5453,"title":"ب ـ الاعتراف بالحكومة","lvl":9,"sub":3},{"id":5454,"title":"ثانيا ـ الاعتراف الناقص أو التمهيدي","lvl":8,"sub":0},{"id":5455,"title":"أ ـ الاعتراف بالأمة","lvl":9,"sub":0},{"id":5455,"title":"ب ـ الاعتراف بالثورة","lvl":9,"sub":1},{"id":5455,"title":"جـ ـ الاعتراف بالحكومة في الخارج (حكومة المنفى )","lvl":9,"sub":2},{"id":5456,"title":"ثالثا ـ الاعتراف بحالة الحرب","lvl":8,"sub":0},{"id":5456,"title":"الفرع الثالث ـ شخصية الدولة الإسلامية","lvl":6,"sub":1},{"id":5461,"title":"المبحث الثاني ـ خصائص الدولة الإسلامية ومقارنتها بالدولة الحديثة","lvl":4,"sub":0},{"id":5461,"title":"المطلب الأول- خصائص الدولة الإسلامية","lvl":5,"sub":1},{"id":5461,"title":"أولا ـ كونها دولة فكرة ومبادئ لإصلاح الحياة البشرية","lvl":6,"sub":2},{"id":5462,"title":"ثانيا ـ كون غاية الدولة أداء رسالة الإسلام وجوبا اعتقاديا","lvl":6,"sub":0},{"id":5464,"title":"المطلب الثاني- مقارنة الدولة الإسلامية بالدولة الحديثة","lvl":5,"sub":0},{"id":5464,"title":"الفرع الأول ـ بيان مدى ارتباط الدولة الحديثة بالمبادئ والأديان","lvl":6,"sub":1},{"id":5465,"title":"المجموعة الأولى: الدول النصرانية","lvl":7,"sub":4},{"id":5467,"title":"المجموعة الثانية: الدول العلمانية","lvl":7,"sub":0},{"id":5467,"title":"المجموعة الثالثة: الدول البوذية والكونفوشية والهندوكية","lvl":7,"sub":1},{"id":5468,"title":"المجموعة الرابعة فهي الدول الإسلامية","lvl":7,"sub":0},{"id":5468,"title":"الفرع الثاني - مقارنة الدولة الإسلامية بالدولة الشيوعية","lvl":6,"sub":1},{"id":5468,"title":"المبحث الثالث ـ وظيفة دولة الإسلام","lvl":4,"sub":2},{"id":5468,"title":"تمهيد: في تعريف وظيفة الدولة الإسلامية","lvl":5,"sub":3},{"id":5471,"title":"واجبات الحاكم أو وظائف الدولة","lvl":5,"sub":0},{"id":5472,"title":"الوظيفة الأولى ـ وظيفة الدولة في الداخل","lvl":6,"sub":0},{"id":5472,"title":"أولا ـ تأمين مصالح المجتمع","lvl":7,"sub":1},{"id":5472,"title":"الحقوق الإدارية","lvl":8,"sub":2},{"id":5472,"title":"الحقوق القضائية","lvl":8,"sub":3},{"id":5473,"title":"أهم وظائف الدولة الداخلية الإدارية والقضائية","lvl":8,"sub":0},{"id":5473,"title":"1 - المحافظة على الأمن والنظام، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر","lvl":9,"sub":1},{"id":5474,"title":"أ ـ حفظ النظام","lvl":10,"sub":0},{"id":5474,"title":"ب ـ حفظ الأمن","lvl":10,"sub":1},{"id":5476,"title":"الأمر بالمعروف","lvl":10,"sub":0},{"id":5477,"title":"المنكر","lvl":10,"sub":0},{"id":5481,"title":"2 - تنظيم القضاء وإقامة العدل","lvl":9,"sub":0},{"id":5484,"title":"3 - إدارة المرافق العامة","lvl":9,"sub":0},{"id":5486,"title":"4 - الإعداد لحماية الدولة والدعوة لتدريب الشعب وتصنيع الأسلحة","lvl":9,"sub":0},{"id":5488,"title":"ثانيا ـ الالتزام بخصائص الدولة الإسلامية وتحقيق أهدافها","lvl":7,"sub":0},{"id":5488,"title":"تمهيد","lvl":8,"sub":1},{"id":5490,"title":"1 - تقوية وحدة الأمة وتعاونها وأخوة أبنائها","lvl":8,"sub":0},{"id":5492,"title":"2 - تحقيق المصالح الأساسية التي تدور عليها الشريعة","lvl":8,"sub":0},{"id":5495,"title":"3 - عمارة الأرض","lvl":8,"sub":0},{"id":5498,"title":"4 - صيانة الآداب الإسلامية","lvl":8,"sub":0},{"id":5499,"title":"5 - إقامة العدالة الاجتماعية","lvl":8,"sub":0},{"id":5503,"title":"6 - تحقيق الحياة الطيبة للأفراد بالنظر الإسلامي","lvl":8,"sub":0},{"id":5505,"title":"7 - تحقيق المجتمع الخير (Welfare state)","lvl":8,"sub":1},{"id":5506,"title":"8 - العمل المستمر على تحقيق الأفضل في جميع نواحي الحياة البشرية","lvl":8,"sub":0},{"id":5508,"title":"9 - إعداد الدعاة لنشر الدعوة في الداخل والخارج","lvl":8,"sub":0},{"id":5510,"title":"المقصود من الدعوة","lvl":9,"sub":0},{"id":5510,"title":"النوع الأول: دعوة الأمة المحمدية جميع الأمم إلى الإسلام","lvl":9,"sub":1},{"id":5510,"title":"النوع الثاني: دعوة المسلمين بعضهم بعضا إلى الخير","lvl":9,"sub":3},{"id":5510,"title":"النوع الثالث: ما يكون بين الأفراد بعضهم مع بعض","lvl":9,"sub":4},{"id":5511,"title":"أوصاف وآداب ووظائف المرشد المعلم والمحتسب الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر","lvl":10,"sub":0},{"id":5513,"title":"الوظيفة الثانية ـ وظيفة الدولة الخارجية","lvl":6,"sub":0},{"id":5513,"title":"تمهيد","lvl":7,"sub":1},{"id":5514,"title":"المطلب الأول ـ وظيفة تقوم على اعتبار ضرورات الحياة الدولية","lvl":7,"sub":0},{"id":5514,"title":"1 - الدفاع عن أراضي الإسلام وتحرير شعوبه وحماية أقلياته","lvl":8,"sub":1},{"id":5515,"title":"2 - دعم التعاون بين أقاليم الدولة الإسلامية","lvl":8,"sub":0},{"id":5517,"title":"3 - دعم السلام العالمي","lvl":8,"sub":0},{"id":5519,"title":"4 - دعم مبادئ كرامة الإنسان والعدالة والحرية والمساواة في العالم أجمع","lvl":8,"sub":0},{"id":5519,"title":"أ ـ حماية الكرامة الإنسانية","lvl":9,"sub":1},{"id":5521,"title":"ب ـ مبدأ العدالة","lvl":9,"sub":0},{"id":5521,"title":"جـ ـ الحرية","lvl":9,"sub":1},{"id":5523,"title":"د ـ المساواة الكاملة بين الناس","lvl":9,"sub":1},{"id":5525,"title":"المطلب الثاني: وظيفة تقوم على اعتبار خصائص الدولة الإسلامية وأهدافها","lvl":7,"sub":0},{"id":5525,"title":"تمهيد","lvl":8,"sub":1},{"id":5526,"title":"1 - التعاون مع المخلصين من غير المسلمين","lvl":8,"sub":0},{"id":5530,"title":"2 - الدعوة إلى الإسلام","lvl":8,"sub":0},{"id":5531,"title":"3 - دفع شبهات أعداء الإسلام","lvl":8,"sub":0},{"id":5532,"title":"المبحث الرابع ـ حصانات الدولة وإعفاءاتها في الخارج","lvl":4,"sub":0},{"id":5532,"title":"المراد بالحصانة","lvl":5,"sub":1},{"id":5532,"title":"المطلب الأول - ما تشمله الحصانات والإعفاءات","lvl":5,"sub":2},{"id":5533,"title":"أ ـ شخصية الدولة","lvl":6,"sub":0},{"id":5534,"title":"ب ـ السفن والطائرات","lvl":6,"sub":0},{"id":5534,"title":"جـ ـ الوكالات والمؤسسات","lvl":6,"sub":1},{"id":5534,"title":"د ـ الوحدات السياسية","lvl":6,"sub":2},{"id":5534,"title":"هـ ـ السفارات","lvl":6,"sub":3},{"id":5535,"title":"المطلب الثاني - أنواع الحصانات والإعفاءات","lvl":5,"sub":0},{"id":5535,"title":"ثالثا ـ الاستثناءات","lvl":5,"sub":1},{"id":5535,"title":"أ - النشاط التجاري والملكية الخاصة","lvl":6,"sub":2},{"id":5535,"title":"ب ـ حالة رضا الدولة","lvl":6,"sub":3},{"id":5536,"title":"المبحث الخامس ـ تغير حالة الدولة الإسلامية وزوالها وآثار ذلك","lvl":4,"sub":0},{"id":5536,"title":"المطلب الأول- تغير حالة الدولة الإسلامية","lvl":5,"sub":1},{"id":5536,"title":"النوع الأول ـ التغيير الكياني في التنظيم السياسي الداخلي","lvl":6,"sub":2},{"id":5536,"title":"1 - الانقلاب","lvl":7,"sub":3},{"id":5536,"title":"2- الحرب الأهلية","lvl":7,"sub":4},{"id":5536,"title":"3 - الثورة","lvl":7,"sub":5},{"id":5537,"title":"النوع الثاني ـ التغيير في النطاق الإقليمي","lvl":6,"sub":0},{"id":5537,"title":"أولا ـ التغيير بما لا يمس إقليم دولة أخرى","lvl":7,"sub":1},{"id":5537,"title":"1 - التغيير بالإضافة","lvl":8,"sub":2},{"id":5538,"title":"2 - التغيير الاستيلاء","lvl":8,"sub":0},{"id":5538,"title":"ثانيا ـ التغيير بما يمس إقليم دولة أخرى","lvl":7,"sub":1},{"id":5538,"title":"1- بطريق المعاهدة","lvl":8,"sub":3},{"id":5539,"title":"2 - بطريق التقادم","lvl":8,"sub":0},{"id":5540,"title":"3 - بالفتح عند قيام موجباته (الجهاد )","lvl":8,"sub":0},{"id":5541,"title":"المطلب الثاني ـ زوال الدولة الإسلامية","lvl":5,"sub":0},{"id":5541,"title":"أولا ـ الزوال الكلي","lvl":6,"sub":1},{"id":5542,"title":"ثانيا ـ الزوال الجزئي","lvl":6,"sub":0},{"id":5542,"title":"أ ـ حالة إمكان إخضاع الجزء المنفصل","lvl":7,"sub":1},{"id":5542,"title":"ب ـ حالة العجز عن إخضاع الجزء المنفصل","lvl":7,"sub":2},{"id":5545,"title":"المطلب الثالث ـ أثر تغير حالة الدولة أو زوالها في خلفها (التعاقب )","lvl":5,"sub":0},{"id":5545,"title":"أولا - بالنسبة للمعاهدات","lvl":6,"sub":1},{"id":5546,"title":"ثانيا ـ بالنسبة للديون","lvl":6,"sub":0},{"id":5547,"title":"ثالثا ـ بالنسبة لأملاك الدولة العامة","lvl":6,"sub":0},{"id":5547,"title":"رابعا ـ بالنسبة للتشريع","lvl":6,"sub":2},{"id":5547,"title":"خامسا ـ بالنسبة للأحكام القضائية","lvl":6,"sub":3},{"id":5547,"title":"سادسا ـ بالنسبة لجنسية الأفراد","lvl":6,"sub":4},{"id":5548,"title":"أهم المراجع لهذا الفصل","lvl":4,"sub":0},{"id":5548,"title":"أ ـ تفسير القرآن الكريم، والحديث الشريف","lvl":5,"sub":1},{"id":5548,"title":"ب - الفقه الإسلامي","lvl":5,"sub":2},{"id":5549,"title":"جـ ـ المؤلفات الحديثة","lvl":5,"sub":0},{"id":5550,"title":"شرعة حقوق الإنسان في الإسلام","lvl":4,"sub":0},{"id":5551,"title":"1 - الحقوق الأساسية","lvl":5,"sub":0},{"id":5552,"title":"2 - الحقوق السياسية","lvl":5,"sub":0},{"id":5552,"title":"3 - حقوق الأسرة","lvl":5,"sub":1},{"id":5553,"title":"4 - حق الانتماء والجنسية","lvl":5,"sub":0},{"id":5553,"title":"5- حقوق التعليم والتربية","lvl":5,"sub":1},{"id":5553,"title":"6 - حقوق العمل والضمان الاجتماعي","lvl":5,"sub":2},{"id":5554,"title":"7 - حقوق الكسب والانتفاع والملكية الأدبية","lvl":5,"sub":0},{"id":5554,"title":"8 - حقوق التقاضي","lvl":5,"sub":1},{"id":5554,"title":"9 - حق التنقل واللجوء","lvl":5,"sub":2},{"id":5554,"title":"10 - حقوق وواجبات أثناء الحروب","lvl":5,"sub":3},{"id":5554,"title":"11 - حرمة الميت","lvl":5,"sub":4},{"id":5555,"title":"12 - حدود هذه الوثيقة الشرعية وتفسيرها","lvl":5,"sub":0},{"id":5556,"title":"- - - -الجزء التاسع- - - -","lvl":1,"sub":0},{"id":5556,"title":"&*&القسْمُ السَّادسُ: الأحوال الشّخْصيَّة&*&","lvl":2,"sub":2},{"id":5556,"title":"خطة البحث","lvl":2,"sub":3},{"id":5556,"title":"تمهيد","lvl":2,"sub":4},{"id":5556,"title":"المقصود بالأحوال الشخصية","lvl":3,"sub":5},{"id":5557,"title":"((الباب الأول: الزواج وآثاره))","lvl":2,"sub":0},{"id":5557,"title":"الفصل الأول: مقدمات الزواج","lvl":3,"sub":1},{"id":5558,"title":"أولا ـ أنواع مقدمات الزواج","lvl":4,"sub":0},{"id":5558,"title":"ثانيا ـ معنى الخطبة","lvl":4,"sub":1},{"id":5558,"title":"ثالثا ـ حكمة الخطبة","lvl":4,"sub":2},{"id":5559,"title":"رابعا ـ أنواع الخطبة","lvl":4,"sub":0},{"id":5559,"title":"خامسا ـ ما يترتب على الخطبة","lvl":4,"sub":1},{"id":5559,"title":"سادسا ـ الخطبة على الخطبة","lvl":4,"sub":2},{"id":5561,"title":"سابعا ـ مقومات المرأة المخطوبة","lvl":4,"sub":0},{"id":5563,"title":"ثامنا ـ من تباح خطبتها","lvl":4,"sub":0},{"id":5563,"title":"الشرط الأول ـ ألا يحرم الزواج بها شرعا","lvl":5,"sub":1},{"id":5564,"title":"خطبة المعتدة","lvl":6,"sub":0},{"id":5566,"title":"الشرط الثاني ـ ألا تكون المخطوبة مخطوبة سابقا لخاطب آخر","lvl":5,"sub":0},{"id":5567,"title":"تاسعا ـ رؤية المخطوبة","lvl":4,"sub":0},{"id":5567,"title":"حرمة النظر إلى الأجنبية","lvl":5,"sub":1},{"id":5568,"title":"من يحل له النظر","lvl":5,"sub":0},{"id":5570,"title":"المراد بغير أولي الإربة","lvl":5,"sub":0},{"id":5570,"title":"النظر للمرأة لحاجة","lvl":5,"sub":1},{"id":5571,"title":"التعرف على المخطوبة","lvl":5,"sub":0},{"id":5572,"title":"عاشرا ـ مقدار ما يباح النظر إليه","lvl":4,"sub":0},{"id":5573,"title":"حادي عشر ـ وقت الرؤية وشرطها","lvl":4,"sub":0},{"id":5573,"title":"ثاني عشر ـ تحريم الخلوة بالمخطوبة","lvl":4,"sub":1},{"id":5574,"title":"الثالث عشر ـ العدول عن الخطبة وأثره","lvl":4,"sub":0},{"id":5574,"title":"حكم انفساخ الخطبة أو أثره","lvl":5,"sub":1},{"id":5575,"title":"هدايا الخطبة","lvl":5,"sub":0},{"id":5576,"title":"التعويض عن الضرر","lvl":5,"sub":0},{"id":5578,"title":"الفصل الثاني: تكوين الزواج","lvl":3,"sub":0},{"id":5578,"title":"المبحث الأول ـ تعريف الزواج وحكمه في الشرع","lvl":4,"sub":1},{"id":5578,"title":"تعريف الزواج","lvl":5,"sub":2},{"id":5579,"title":"هل يراد شرعا بالنكاح الوطء أو العقد؟","lvl":5,"sub":0},{"id":5579,"title":"الحكم الشرعي للزواج","lvl":5,"sub":1},{"id":5580,"title":"حكمة مشروعيته","lvl":5,"sub":0},{"id":5580,"title":"نوع أو صفة الزواج شرعا","lvl":5,"sub":1},{"id":5580,"title":"1 - الفرضية","lvl":6,"sub":2},{"id":5580,"title":"2 - التحريم","lvl":6,"sub":3},{"id":5581,"title":"3 - الكراهة","lvl":6,"sub":0},{"id":5581,"title":"4 - الاستحباب أو الندب في حال الاعتدال","lvl":6,"sub":1},{"id":5583,"title":"إعفاف الوالد","lvl":5,"sub":0},{"id":5583,"title":"هل الزواج عبادة؟","lvl":5,"sub":1},{"id":5585,"title":"المبحث الثاني ـ أركان الزواج","lvl":4,"sub":0},{"id":5585,"title":"تمهيد","lvl":5,"sub":1},{"id":5586,"title":"صيغة الزواج","lvl":5,"sub":0},{"id":5586,"title":"أولا ـ ألفاظ الزواج","lvl":6,"sub":1},{"id":5588,"title":"المعاطاة","lvl":7,"sub":0},{"id":5588,"title":"الألفاظ المصحفة","lvl":7,"sub":1},{"id":5589,"title":"الألفاظ غير العربية","lvl":7,"sub":0},{"id":5590,"title":"ثانيا ـ صيغة الفعل","lvl":6,"sub":0},{"id":5592,"title":"ثالثا ـ انعقاد الزواج بعاقد واحد","lvl":6,"sub":0},{"id":5593,"title":"رابعا ـ انعقاد الزواج بالكتابة والإشارة","lvl":6,"sub":0},{"id":5593,"title":"1 - الناطق في حال الحضور","lvl":7,"sub":1},{"id":5593,"title":"2 - الناطق في حال الغيبة","lvl":7,"sub":2},{"id":5594,"title":"3 - الأخرس","lvl":7,"sub":0},{"id":5595,"title":"المبحث الثالث ـ شروط الزواج","lvl":4,"sub":0},{"id":5595,"title":"أنواع الشروط","lvl":5,"sub":1},{"id":5596,"title":"شروط انعقاد الزواج","lvl":6,"sub":0},{"id":5596,"title":"أولا ـ شروط العاقدين","lvl":7,"sub":1},{"id":5596,"title":"ثانيا ـ شروط المرأة","lvl":7,"sub":2},{"id":5597,"title":"ثالثا ـ شروط صيغة العقد - الإيجاب والقبول","lvl":7,"sub":0},{"id":5601,"title":"هل يثبت الخيار في عقد الزواج؟","lvl":7,"sub":0},{"id":5601,"title":"مذاهب الفقهاء في الشروط المشترطة في الزواج","lvl":7,"sub":1},{"id":5601,"title":"الشروط في الزواج","lvl":8,"sub":2},{"id":5601,"title":"1 - مذهب الحنفية","lvl":8,"sub":3},{"id":5602,"title":"2 - مذهب المالكية","lvl":8,"sub":0},{"id":5604,"title":"3 - مذهب الشافعية","lvl":8,"sub":0},{"id":5605,"title":"4 - مذهب الحنابلة","lvl":8,"sub":0},{"id":5605,"title":"النوع الأول ـ الشروط الصحيحة","lvl":9,"sub":1},{"id":5605,"title":"النوع الثاني ـ ما يبطل الشرط ويصح العقد","lvl":9,"sub":2},{"id":5606,"title":"النوع الثالث ـ ما يبطل الزواج من أصله","lvl":9,"sub":0},{"id":5608,"title":"موقف القانون من شروط الانعقاد","lvl":7,"sub":0},{"id":5608,"title":"موقف القانون من شروط الزواج غير شروط الانعقاد","lvl":7,"sub":1},{"id":5609,"title":"شروط صحة الزواج","lvl":6,"sub":0},{"id":5609,"title":"الشرط الأول ـ المحلية الفرعية","lvl":7,"sub":1},{"id":5610,"title":"الشرط الثاني ـ أن تكون صيغة الإيجاب والقبول مؤبدة غير مؤقتة","lvl":7,"sub":0},{"id":5610,"title":"نكاح المتعة","lvl":8,"sub":1},{"id":5610,"title":"نكاح المؤقت","lvl":8,"sub":2},{"id":5611,"title":"المذاهب الأربعة","lvl":9,"sub":0},{"id":5611,"title":"الشيعة الإمامية","lvl":9,"sub":1},{"id":5612,"title":"الأدلة","lvl":9,"sub":0},{"id":5612,"title":"أدلة الإمامية","lvl":10,"sub":1},{"id":5613,"title":"أجيب عن هذه الأدلة","lvl":11,"sub":0},{"id":5617,"title":"أدلة الجمهور","lvl":10,"sub":0},{"id":5618,"title":"الشرط الثالث ـ الشهادة","lvl":7,"sub":0},{"id":5618,"title":"أولا ـ آراء الفقهاء في اشتراط الشهادة","lvl":8,"sub":1},{"id":5618,"title":"نكاح السر","lvl":9,"sub":2},{"id":5619,"title":"ثانيا ـ وقت الشهادة","lvl":8,"sub":0},{"id":5619,"title":"ثالثا ـ حكمة الإشهاد","lvl":8,"sub":1},{"id":5620,"title":"رابعا ـ شروط الشهود","lvl":8,"sub":0},{"id":5625,"title":"موقف القانون من الشهادة","lvl":8,"sub":0},{"id":5625,"title":"الشرط الرابع ـ الرضا والاختيار من العاقدين أو عدم الإكراه","lvl":7,"sub":1},{"id":5626,"title":"الشرط الخامس ـ تعيين الزوجين","lvl":7,"sub":0},{"id":5626,"title":"الشرط الخامس ـ تعيين الزوجين","lvl":7,"sub":1},{"id":5626,"title":"الشرط السادس ـ عدم الإحرام بالحج أو العمرة من أحد الزوجين أو الولي","lvl":7,"sub":2},{"id":5628,"title":"الشرط السابع ـ أن يكون الزواج بصداق","lvl":7,"sub":0},{"id":5628,"title":"زواج التفويض","lvl":8,"sub":1},{"id":5629,"title":"الشرط الثامن ـ عدم تواطؤ الزوج مع الشهود على كتمان الزواج","lvl":7,"sub":0},{"id":5629,"title":"الشرط التاسع ـ ألا يكون أحد الزوجين مريضا مرضا مخوفا","lvl":7,"sub":1},{"id":5630,"title":"الشرط العاشر ـ حضور الولي","lvl":7,"sub":0},{"id":5632,"title":"شروط النفاذ","lvl":6,"sub":0},{"id":5634,"title":"شروط اللزوم","lvl":6,"sub":0},{"id":5637,"title":"خلاصة شروط الزواج في كل مذهب على حدة","lvl":6,"sub":0},{"id":5637,"title":"الحنفية","lvl":7,"sub":1},{"id":5637,"title":"شروط الصيغة","lvl":8,"sub":2},{"id":5637,"title":"شروط العاقدين","lvl":8,"sub":3},{"id":5637,"title":"المالكية","lvl":7,"sub":4},{"id":5637,"title":"الصيغة","lvl":8,"sub":5},{"id":5638,"title":"الزوجين","lvl":8,"sub":0},{"id":5638,"title":"الشافعية","lvl":7,"sub":1},{"id":5638,"title":"شروط الصيغة","lvl":8,"sub":2},{"id":5639,"title":"شروط الزوج","lvl":8,"sub":0},{"id":5639,"title":"شروط الشهود","lvl":8,"sub":1},{"id":5640,"title":"الحنابلة","lvl":7,"sub":0},{"id":5641,"title":"المبحث الرابع ـ أنواع الزواج وحكم كل نوع","lvl":4,"sub":0},{"id":5641,"title":"أنواع الزواج وحكمها في القانون","lvl":5,"sub":1},{"id":5643,"title":"أحكام الزواج عند الفقهاء","lvl":5,"sub":0},{"id":5643,"title":"حكم الزواج الصحيح اللازم","lvl":6,"sub":1},{"id":5643,"title":"1 - حل استمتاع كل من الزوجين بالآخر على النحو المأذون فيه شرعا","lvl":7,"sub":2},{"id":5644,"title":"ما يقتضيه وطء الحائض في القبل","lvl":8,"sub":0},{"id":5644,"title":"2 - ملك الحبس والقيد","lvl":7,"sub":1},{"id":5644,"title":"3 - وجوب المهر المسمى على الزوج للزوجة","lvl":7,"sub":2},{"id":5644,"title":"4 - وجوب النفقة بأنواعها الثلاثة","lvl":7,"sub":3},{"id":5645,"title":"5 - ثبوت حرمة المصاهرة","lvl":7,"sub":0},{"id":5645,"title":"6 - ثبوت نسب الأولاد من الزوج","lvl":7,"sub":1},{"id":5645,"title":"7 - ثبوت حق الإرث بين الزوجين","lvl":7,"sub":2},{"id":5646,"title":"8 - وجوب العدل بين النساء في حقوقهن عند التعدد","lvl":7,"sub":0},{"id":5647,"title":"حال المرض","lvl":8,"sub":0},{"id":5647,"title":"نوع القسم","lvl":8,"sub":1},{"id":5647,"title":"القسم في السفر","lvl":8,"sub":2},{"id":5648,"title":"أثر سفر المرأة على القسم","lvl":8,"sub":0},{"id":5648,"title":"هبة المرأة حقها","lvl":8,"sub":1},{"id":5649,"title":"حق البكر والثيب والجديدة والقديمة","lvl":8,"sub":0},{"id":5650,"title":"9 - وجوب طاعة الزوجة لزوجها إذا دعاها إلى الفراش","lvl":7,"sub":0},{"id":5650,"title":"10 - ولاية التأديب للزوج إذا لم تطعه فيما يلزم طاعته","lvl":7,"sub":1},{"id":5651,"title":"11 - المعاشرة بالمعروف من كف الأذى وإيفاء الحقوق وحسن المعاملة","lvl":7,"sub":0},{"id":5652,"title":"حكم الاستمتاع أو هل الوطء واجب؟","lvl":7,"sub":0},{"id":5653,"title":"العزل","lvl":7,"sub":0},{"id":5654,"title":"الإسقاط","lvl":7,"sub":0},{"id":5654,"title":"حكم الزواج غير اللازم","lvl":6,"sub":1},{"id":5654,"title":"حكم الزواج الموقوف","lvl":6,"sub":2},{"id":5655,"title":"حكم الزواج الفاسد وأنواعه عند الحنفية","lvl":6,"sub":0},{"id":5657,"title":"القانون السوري","lvl":7,"sub":0},{"id":5657,"title":"حكم الزواج الباطل وأنواعه","lvl":6,"sub":1},{"id":5657,"title":"1 - حكم الزواج الباطل عند الحنفية","lvl":7,"sub":2},{"id":5658,"title":"2 - حكم الزواج الباطل وأنواعه عند المالكية","lvl":7,"sub":0},{"id":5661,"title":"أنواع الأنكحة الفاسدة المختلف فيها","lvl":8,"sub":0},{"id":5661,"title":"نكاح الشغار","lvl":9,"sub":1},{"id":5662,"title":"نكاح المتعة","lvl":9,"sub":0},{"id":5662,"title":"الخطبة على خطبة الغير","lvl":9,"sub":1},{"id":5662,"title":"نكاح المحلل","lvl":9,"sub":2},{"id":5663,"title":"3 - أنواع الأنكحة الباطلة عند الشافعية","lvl":7,"sub":0},{"id":5663,"title":"1 - نكاح الشغار","lvl":8,"sub":1},{"id":5663,"title":"2 - نكاح المتعة","lvl":8,"sub":2},{"id":5663,"title":"3 - نكاح المحرم","lvl":8,"sub":3},{"id":5664,"title":"4 - تعدد الأزواج","lvl":8,"sub":0},{"id":5664,"title":"5 - نكاح المعتدة والمستبرأة من غيره ولو من وطء شبهة","lvl":8,"sub":1},{"id":5664,"title":"6 - نكاح المرتابة بالحمل قبل انقضاء عدتها","lvl":8,"sub":2},{"id":5664,"title":"7 - نكاح المسلم كافرة غير كتابية أصلا","lvl":8,"sub":3},{"id":5665,"title":"8 - المنتقلة من دين إلى آخر","lvl":8,"sub":0},{"id":5665,"title":"9 - زواج المسلمة بكافر، وزواج المرتدة","lvl":8,"sub":1},{"id":5665,"title":"4 - أنواع النكاح الفاسد عند الحنابلة","lvl":7,"sub":2},{"id":5665,"title":"النوع الأول ـ يبطل النكاح من أصله، وهو أربعة عقود","lvl":8,"sub":3},{"id":5665,"title":"1 - نكاح الشغار","lvl":9,"sub":4},{"id":5665,"title":"2 - نكاح المحلل","lvl":9,"sub":5},{"id":5665,"title":"3 - نكاح المتعة","lvl":9,"sub":6},{"id":5665,"title":"- النكاح المعلق","lvl":9,"sub":7},{"id":5666,"title":"النوع الثاني ـ يصح النكاح دون الشرط","lvl":8,"sub":0},{"id":5667,"title":"المبحث الخامس ـ مندوبات عقد الزواج أو ما يستحب له","lvl":4,"sub":0},{"id":5667,"title":"1 - أن يخطب الزوج قبل العقد","lvl":5,"sub":1},{"id":5668,"title":"2 - أن يدعى للزوجين بعد العقد","lvl":5,"sub":0},{"id":5668,"title":"3 - أن يعقد النكاح يوم الجمعة مساء","lvl":5,"sub":1},{"id":5668,"title":"4 - إعلان الزواج والضرب فيه بالدف","lvl":5,"sub":2},{"id":5669,"title":"5 - ذكر الصداق أي تسميته عند العقد","lvl":5,"sub":0},{"id":5669,"title":"6 - الوليمة","lvl":5,"sub":1},{"id":5670,"title":"النثار","lvl":6,"sub":0},{"id":5670,"title":"الإجابة","lvl":6,"sub":1},{"id":5671,"title":"الأعذار","lvl":6,"sub":0},{"id":5671,"title":"النظر إلى الحرام حرام","lvl":6,"sub":1},{"id":5672,"title":"حكم آلات اللهو عند المالكية","lvl":6,"sub":0},{"id":5672,"title":"الرقص","lvl":6,"sub":1},{"id":5672,"title":"7 - أن يقول الزوج إذ ا زفت إليه عروسه ما ثبت في السنة وهو ما يأتي","lvl":5,"sub":2},{"id":5673,"title":"الفصل الثالث: المحرمات من النساء أو الأنكحة المحرمة","lvl":3,"sub":0},{"id":5674,"title":"النوع الأول ـ المحرمات المؤبدة","lvl":4,"sub":0},{"id":5674,"title":"1 - حرمة القرابة أو المحرمات بسبب النسب","lvl":5,"sub":1},{"id":5674,"title":"أ ـ أصول الإنسان وإن علون","lvl":6,"sub":2},{"id":5675,"title":"ب ـ فروع الإنسان وإن نزلن","lvl":6,"sub":0},{"id":5675,"title":"جـ ـ فروع الأبوين أو أحدهما وإن بعدت درجتهن","lvl":6,"sub":1},{"id":5675,"title":"د ـ الطبقة الأولى أو المباشرة من فروع الأجداد والجدات","lvl":6,"sub":2},{"id":5676,"title":"2 - حرمة المصاهرة","lvl":5,"sub":0},{"id":5676,"title":"أ ـ زوجة الأصول","lvl":6,"sub":1},{"id":5677,"title":"ب ـ زوجة فروعه","lvl":6,"sub":0},{"id":5677,"title":"جـ ـ أصول الزوجة وإن علون","lvl":6,"sub":1},{"id":5678,"title":"د ـ فروع الزوجة وإن نزلن أي الربائب","lvl":6,"sub":0},{"id":5679,"title":"ما يلحق بحرمة المصاهرة","lvl":6,"sub":0},{"id":5679,"title":"1 - حالة الدخول بالمرأة بعقد فاسد","lvl":7,"sub":1},{"id":5679,"title":"2 - وحالة الدخول بالمرأة بناء على شبهة","lvl":7,"sub":2},{"id":5679,"title":"3 - وكذلك ألحقوا مع الحنابلة الزنا","lvl":7,"sub":3},{"id":5682,"title":"3 - حرمة الرضاع","lvl":5,"sub":0},{"id":5682,"title":"أنواع المحرمات بالرضاع","lvl":6,"sub":1},{"id":5682,"title":"الأول ـ أصول الإنسان من الرضاع مهما علون","lvl":7,"sub":2},{"id":5682,"title":"الثاني ـ الفروع من الرضاع مهما نزلن","lvl":7,"sub":3},{"id":5682,"title":"الثالث ـ فروع الأبوين من الرضاع","lvl":7,"sub":4},{"id":5682,"title":"الرابع ـ الفروع المباشرة للجد والجدة من الرضاع","lvl":7,"sub":5},{"id":5682,"title":"الخامس ـ أم الزوجة وجداتها من الرضاعة مهما علون","lvl":7,"sub":6},{"id":5682,"title":"السادس ـ زوجة الأب والجد من الرضاع، وإن علا","lvl":7,"sub":7},{"id":5683,"title":"السابع ـ زوجة الابن وابن ابن البنت من الرضاع، وإن نزلوا","lvl":7,"sub":0},{"id":5683,"title":"الثامن ـ بنت الزوجة من الرضاعة. وبنات أولادها مهما نزلن","lvl":7,"sub":1},{"id":5683,"title":"ما يختلف فيه حكم الرضاع عن حكم النسب","lvl":6,"sub":2},{"id":5683,"title":"1 - أم الأخ أو الأخت من الرضاع","lvl":7,"sub":3},{"id":5683,"title":"2 - أخت الابن أو البنت من الرضاع","lvl":7,"sub":4},{"id":5683,"title":"أخت الأخ وأم الرضيع والمرضعة","lvl":7,"sub":5},{"id":5684,"title":"موقف القانون من الرضاع","lvl":6,"sub":0},{"id":5684,"title":"شروط الرضاع المحرم","lvl":6,"sub":1},{"id":5684,"title":"1 - أن يقع الرضاع خلال العامين الأولين من حياة الرضيع","lvl":7,"sub":2},{"id":5685,"title":"2 - أن يرضع الطفل خمس رضعات متفرقات","lvl":7,"sub":0},{"id":5685,"title":"آراء العلماء في رضاع الكبير والصغير","lvl":6,"sub":1},{"id":5687,"title":"لبن الفحل","lvl":6,"sub":0},{"id":5687,"title":"حكمة التحريم بالرضاع","lvl":6,"sub":1},{"id":5688,"title":"النوع الثاني ـ المحرمات المؤقتة","lvl":4,"sub":0},{"id":5689,"title":"1 - المطلقة ثلاثا ( المبتوتة أو البائن بينونة كبرى)","lvl":5,"sub":0},{"id":5690,"title":"شروط حل المطلقة ثلاثا لزوجها الأول","lvl":6,"sub":0},{"id":5691,"title":"هل نكاح التحليل المؤقت يحل المطلقة ثلاثا","lvl":6,"sub":0},{"id":5693,"title":"2 - المشغولة بحق زوج آخر","lvl":5,"sub":0},{"id":5693,"title":"1 ) ـ المرأة المتزوجة","lvl":6,"sub":1},{"id":5694,"title":"2 ) ـ المرأة المعتدة","lvl":6,"sub":0},{"id":5695,"title":"3 ) - المرأة الحامل من الزنا عند الحنفية، ومانع الزنا عند المالكية","lvl":6,"sub":0},{"id":5698,"title":"زنا أحد الزوجين","lvl":7,"sub":0},{"id":5698,"title":"3 - المرأة التي لا تدين بدين سماوي","lvl":5,"sub":1},{"id":5699,"title":"السبب في تحريم الزواج بالمشركة","lvl":6,"sub":0},{"id":5699,"title":"زواج المسلمة بالكافر","lvl":6,"sub":1},{"id":5700,"title":"الزواج بالكتابيات","lvl":6,"sub":0},{"id":5700,"title":"السبب في إباحة الزواج بالكتابية بعكس المشركة","lvl":6,"sub":1},{"id":5701,"title":"كراهة الزواج بالكتابيات","lvl":6,"sub":0},{"id":5701,"title":"الحربية","lvl":6,"sub":1},{"id":5702,"title":"رأي الشافعية في زواج الكتابية","lvl":6,"sub":0},{"id":5703,"title":"الزواج بالمجوسيات","lvl":6,"sub":0},{"id":5703,"title":"السامرة والصابئة","lvl":6,"sub":1},{"id":5704,"title":"المتولد من وثني وكتابية","lvl":6,"sub":0},{"id":5705,"title":"تغيير الكتابي دينه إلى دين آخر","lvl":6,"sub":0},{"id":5705,"title":"ارتداد الزوجين أوأحدهما","lvl":6,"sub":1},{"id":5706,"title":"أنكحة الكفار غير المرتدين","lvl":6,"sub":0},{"id":5707,"title":"4 - أخت الزوجة ومحارمها","lvl":5,"sub":0},{"id":5709,"title":"قاعدة الجمع بين المحارم","lvl":6,"sub":0},{"id":5710,"title":"حكم العقد الواحد أو العقدين على الأختين ونحوهما","lvl":6,"sub":0},{"id":5711,"title":"الجمع بين الأختين ونحوهما في العدة","lvl":6,"sub":0},{"id":5713,"title":"5 - المرأة الخامسة لمتزوج بأربع سواها (الجمع بين الأجنبيات )","lvl":5,"sub":0},{"id":5714,"title":"السبب في الاقتصار على أربع","lvl":6,"sub":0},{"id":5715,"title":"قيود إباحة التعدد","lvl":6,"sub":0},{"id":5715,"title":"1 - توفير العدل بين الزوجات","lvl":7,"sub":2},{"id":5716,"title":"2 - القدرة على الإنفاق","lvl":7,"sub":0},{"id":5716,"title":"حكمة تعدد الزوجات","lvl":6,"sub":1},{"id":5716,"title":"الأسباب العامة","lvl":7,"sub":2},{"id":5717,"title":"الأسباب الخاصة","lvl":7,"sub":0},{"id":5717,"title":"1 - عقم المرأة أو مرضها، أو عدم توافق طباعها مع طباع الزوج","lvl":8,"sub":1},{"id":5718,"title":"2 - اشتداد كراهية الرجل للمرأة في بعض الأوقات","lvl":8,"sub":0},{"id":5719,"title":"3 - ازدياد القدرة الجنسية لبعض الرجال","lvl":8,"sub":0},{"id":5719,"title":"الدعوة إلى جعل تعدد الزوجات بإذن القاضي","lvl":7,"sub":1},{"id":5721,"title":"خلاصة موانع الزواج الشرعية كما ذكرها المالكية","lvl":7,"sub":0},{"id":5721,"title":"الموانع المؤبدة","lvl":8,"sub":1},{"id":5721,"title":"غير مؤبدة","lvl":8,"sub":2},{"id":5721,"title":"1 - أما مانع النسب","lvl":8,"sub":3},{"id":5721,"title":"2 - وأما مانع المصاهرة","lvl":8,"sub":4},{"id":5722,"title":"3 - وأما مانع الرضاع","lvl":8,"sub":0},{"id":5722,"title":"4 - وأما مانع الزنا أي زواج الزانية","lvl":8,"sub":1},{"id":5722,"title":"5 - وأما مانع العدد","lvl":8,"sub":2},{"id":5722,"title":"6 - وأما مانع الجمع","lvl":8,"sub":3},{"id":5723,"title":"7 - وأما مانع الرق","lvl":8,"sub":0},{"id":5723,"title":"8 - وأما مانع الكفر","lvl":8,"sub":1},{"id":5723,"title":"9 - وأما مانع الإحرام","lvl":8,"sub":2},{"id":5724,"title":"10 ـ وأما مانع المرض","lvl":8,"sub":0},{"id":5724,"title":"11 - وأما مانع العدة","lvl":8,"sub":1},{"id":5724,"title":"12 - وأما مانع الزوجية","lvl":8,"sub":2},{"id":5724,"title":"13 - وأما مانع اللعان","lvl":8,"sub":3},{"id":5725,"title":"14 - وأما مانع التطليق ثلاثا للمطلق","lvl":8,"sub":0},{"id":5725,"title":"المحارم من النساء في القانون السوري","lvl":7,"sub":1},{"id":5726,"title":"الفصل الرابع: الأهلية والولاية والوكالة في الزواج","lvl":3,"sub":0},{"id":5726,"title":"المبحث الأول ـ أهلية الزوجين","lvl":4,"sub":1},{"id":5726,"title":"الصغر","lvl":5,"sub":2},{"id":5728,"title":"من الذي يزوج الصغار؟","lvl":6,"sub":0},{"id":5728,"title":"المالكية والحنابلة","lvl":7,"sub":1},{"id":5728,"title":"الحنفية","lvl":7,"sub":2},{"id":5729,"title":"الشافعية","lvl":7,"sub":0},{"id":5730,"title":"العقل","lvl":5,"sub":0},{"id":5731,"title":"موقف القانون السوري من زواج الصغير والمجنون","lvl":5,"sub":0},{"id":5732,"title":"المبحث الثاني ـ الولاية في الزواج","lvl":4,"sub":0},{"id":5732,"title":"أولا ـ معنى الولاية وسببها","lvl":5,"sub":1},{"id":5733,"title":"ثانيا ـ أقسام الولاية","lvl":5,"sub":0},{"id":5733,"title":"الحنفية","lvl":6,"sub":1},{"id":5734,"title":"المالكية","lvl":6,"sub":0},{"id":5736,"title":"الشافعية","lvl":6,"sub":0},{"id":5737,"title":"الحنابلة","lvl":6,"sub":0},{"id":5739,"title":"ثالثا ـ اشتراط الولاية في زواج المرأة","lvl":5,"sub":0},{"id":5739,"title":"الرأي الأول ـ فقال أبو حنيفة وأبو يوسف في ظاهر الرواية","lvl":6,"sub":1},{"id":5739,"title":"الرأي الثاني ـ رأي الجمهور","lvl":6,"sub":2},{"id":5740,"title":"رابعا ـ شروط الولي","lvl":5,"sub":0},{"id":5741,"title":"شروط أخرى في الولي مختلف في اشتراطها","lvl":6,"sub":0},{"id":5743,"title":"خامسا ـ من له الولاية وترتيب الأولياء","lvl":5,"sub":0},{"id":5743,"title":"الحنفية","lvl":6,"sub":1},{"id":5745,"title":"مذهب المالكية في ترتيب الأولياء","lvl":6,"sub":0},{"id":5749,"title":"ترتيب الأولياء عند الشافعية","lvl":6,"sub":0},{"id":5750,"title":"ترتيب الأولياء عند الحنابلة","lvl":6,"sub":0},{"id":5751,"title":"سادسا ـ المولى عليه أو من تثبت عليه الولاية","lvl":5,"sub":0},{"id":5751,"title":"من تثبت عليه ولاية الإجبار","lvl":6,"sub":1},{"id":5754,"title":"من تثبت عليه ولاية الاختيار","lvl":6,"sub":0},{"id":5755,"title":"سابعا ـ كيفية إذن المرأة بالزواج","lvl":5,"sub":0},{"id":5758,"title":"ثامنا ـ عضل الولي وحكمه","lvl":5,"sub":0},{"id":5758,"title":"العضل","lvl":6,"sub":1},{"id":5758,"title":"المنع الشرعي عنه","lvl":6,"sub":2},{"id":5760,"title":"ممن يكون العضل؟","lvl":6,"sub":0},{"id":5760,"title":"حكم العضل","lvl":6,"sub":1},{"id":5761,"title":"تاسعا ـ غيبة الولي وأسره أو فقده","lvl":5,"sub":0},{"id":5762,"title":"الغيبة بسبب الأسر أو الفقد","lvl":6,"sub":0},{"id":5763,"title":"المبحث الثالث ـ الوكالة في الزواج","lvl":4,"sub":0},{"id":5763,"title":"أولا ـ حكم التوكيل بالزواج","lvl":5,"sub":1},{"id":5764,"title":"ثانيا ـ مدى صلاحية الوكيل","lvl":5,"sub":0},{"id":5765,"title":"1 - الوكالة المقيدة","lvl":6,"sub":0},{"id":5766,"title":"2 - الوكالة المطلقة","lvl":6,"sub":0},{"id":5768,"title":"ثالثا ـ حقوق العقد في الوكالة بالزواج","lvl":5,"sub":0},{"id":5769,"title":"رابعا ـ انعقاد الزواج أحيانا بعاقد واحد","lvl":5,"sub":0},{"id":5769,"title":"الفضولي","lvl":6,"sub":1},{"id":5771,"title":"الفصل الخامس: الكفاءة في الزواج","lvl":3,"sub":0},{"id":5771,"title":"المبحث الأول ـ معنى الكفاءة وآراء الفقهاء في اشتراطها","lvl":4,"sub":1},{"id":5772,"title":"آراء الفقهاء في اشتراط الكفاءة","lvl":5,"sub":0},{"id":5772,"title":"الرأي الأولي ـ رأى بعضهم كالثوري، والحسن البصري، والكرخي من الحنفية","lvl":6,"sub":1},{"id":5774,"title":"الرأي الثاني - رأى جمهور الفقهاء (منهم المذاهب الأربعة)","lvl":6,"sub":0},{"id":5776,"title":"المبحث الثاني ـ نوع شرط الكفاءة","lvl":4,"sub":0},{"id":5776,"title":"هل الكفاءة شرط صحة أو شرط لزوم؟","lvl":5,"sub":1},{"id":5776,"title":"تفصيل رأي الحنفية في شرط الكفاءة","lvl":6,"sub":2},{"id":5777,"title":"شرطا لصحة الزواج","lvl":7,"sub":0},{"id":5777,"title":"شرطا لنفاذ الزواج","lvl":7,"sub":1},{"id":5778,"title":"شرطا للزوم الزواج","lvl":7,"sub":0},{"id":5779,"title":"المبحث الثالث ـ صاحب الحق في الكفاءة","lvl":4,"sub":0},{"id":5779,"title":"ترتيب الحق بين الأولياء ووقت سقوط حق الاعتراض","lvl":5,"sub":1},{"id":5780,"title":"رضا بعض الأولياء المستوين في الدرجة دون البعض","lvl":5,"sub":0},{"id":5781,"title":"المبحث الرابع : من تطلب الكفاءة في جانبه","lvl":4,"sub":0},{"id":5781,"title":"المبحث الخامس ـ ما تكون فيه الكفاءة، أو أوصاف الكفاءة","lvl":4,"sub":1},{"id":5783,"title":"1 - الديانة، أو العفة أو التقوى","lvl":5,"sub":0},{"id":5784,"title":"2 - الإسلام","lvl":5,"sub":0},{"id":5785,"title":"3 - الحرية","lvl":5,"sub":0},{"id":5786,"title":"4 - النسب","lvl":5,"sub":0},{"id":5788,"title":"5 - المال أو اليسار","lvl":5,"sub":0},{"id":5789,"title":"6 - المهنة أو الحرفة أو الصناعة","lvl":5,"sub":0},{"id":5790,"title":"7 - السلامة من العيوب المثبتة للخيار في النكاح","lvl":5,"sub":0},{"id":5790,"title":"الكفاءة في القانون","lvl":4,"sub":1},{"id":5792,"title":"الفصل السادس: آثار الزواج","lvl":3,"sub":0},{"id":5792,"title":"المبحث الأول ـ المهر وأحكامه","lvl":4,"sub":1},{"id":5792,"title":"تمهيد","lvl":5,"sub":2},{"id":5792,"title":"أولا ـ تعريف المهر وحكمه وحكمته وسبب إلزام الرجل به","lvl":5,"sub":3},{"id":5792,"title":"المهر","lvl":6,"sub":4},{"id":5792,"title":"له أسماء عشرة","lvl":6,"sub":5},{"id":5793,"title":"حكمه","lvl":6,"sub":0},{"id":5793,"title":"أدلة وجوب المهر","lvl":6,"sub":1},{"id":5794,"title":"كون المهر واجبا على الرجل دون المرأة","lvl":6,"sub":0},{"id":5795,"title":"المهر ليس ركنا ولا شرطا في الزواج","lvl":6,"sub":0},{"id":5796,"title":"نكاح التفويض","lvl":6,"sub":0},{"id":5796,"title":"ثانيا ـ مقدار المهر ـ التغالي في المهور","lvl":5,"sub":1},{"id":5797,"title":"أقل المهر","lvl":6,"sub":0},{"id":5799,"title":"مهر السر ومهر العلانية","lvl":6,"sub":0},{"id":5799,"title":"اختلاف القبول عن الإيجاب","lvl":6,"sub":1},{"id":5800,"title":"ثالثا ـ شروط المهر أو ما يصلح أن يكون مهرا وما لا يصلح","lvl":5,"sub":0},{"id":5800,"title":"ضوابط لما يصلح أن يكون مهرا وما لا يصلح","lvl":6,"sub":1},{"id":5800,"title":"الحنفية","lvl":7,"sub":2},{"id":5803,"title":"ضابط ما يصلح مهرا عند المالكية","lvl":7,"sub":0},{"id":5805,"title":"ضابط ما يصلح مهرا عند الشافعية والحنابلة","lvl":7,"sub":0},{"id":5806,"title":"وجوب مهر المثل عند فساد المهر","lvl":6,"sub":0},{"id":5807,"title":"رابعا ـ أنواع المهر وحالات وجوب كل نوع","lvl":5,"sub":0},{"id":5807,"title":"المهر المسمى","lvl":6,"sub":1},{"id":5808,"title":"مهر المثل","lvl":6,"sub":0},{"id":5808,"title":"حدده الحنفية","lvl":7,"sub":1},{"id":5808,"title":"حدد الحنابلة مهر المثل","lvl":7,"sub":2},{"id":5808,"title":"حدد المالكية والشافعية مهر المثل","lvl":7,"sub":3},{"id":5810,"title":"حالات وجوب مهر المثل","lvl":6,"sub":0},{"id":5810,"title":"1 - نكاح التفويض","lvl":7,"sub":1},{"id":5810,"title":"الحنفية","lvl":8,"sub":2},{"id":5811,"title":"المالكية","lvl":8,"sub":0},{"id":5811,"title":"الشافعية","lvl":8,"sub":1},{"id":5813,"title":"الحنابلة","lvl":8,"sub":0},{"id":5814,"title":"2 - الاتفاق على عدم المهر","lvl":7,"sub":0},{"id":5814,"title":"3 - التسمية غير الصحيحة للمهر","lvl":7,"sub":1},{"id":5815,"title":"حالة وجوب المهر المسمى، وماذا يجب في الزواج الفاسد","lvl":8,"sub":0},{"id":5817,"title":"خامسا ـ صاحب الحق في المهر","lvl":5,"sub":0},{"id":5817,"title":"الحقوق المتعلقة بالمهر حالة الابتداء","lvl":6,"sub":1},{"id":5817,"title":"حق الله تعالى","lvl":7,"sub":2},{"id":5817,"title":"حق الزوجة","lvl":7,"sub":3},{"id":5817,"title":"حق الأولياء","lvl":7,"sub":4},{"id":5818,"title":"ما يتعلق بالمهر حالة البقاء","lvl":7,"sub":0},{"id":5818,"title":"اشتراط الولي شيئا من المهر لنفسه","lvl":7,"sub":1},{"id":5819,"title":"سادسا ـ تعجيل المهر وتأجيله","lvl":5,"sub":0},{"id":5819,"title":"يشترط لجوزا التأجيل","lvl":6,"sub":1},{"id":5819,"title":"الأول - أن يكون الأجل معلوما","lvl":7,"sub":2},{"id":5819,"title":"الثاني - ألا يكون الأجل بعيدا جدا","lvl":7,"sub":3},{"id":5820,"title":"حكم إعسار الزوج بالمهر","lvl":6,"sub":0},{"id":5821,"title":"ضمان الولي المهر","lvl":6,"sub":0},{"id":5821,"title":"سابعا ـ قبض المهر وما يترتب عليه","lvl":5,"sub":1},{"id":5824,"title":"قابض المهر","lvl":6,"sub":0},{"id":5825,"title":"التصرف في المهر","lvl":6,"sub":0},{"id":5826,"title":"ثامنا ـ الزيادة أو الحط من المهر","lvl":5,"sub":0},{"id":5826,"title":"الزيادة في المهر","lvl":6,"sub":1},{"id":5826,"title":"الحط من المهر والإبراء عنه","lvl":6,"sub":2},{"id":5828,"title":"تاسعا ـ أحوال وجوب المهر وتأكده وتنصيفه وسقوطه","lvl":5,"sub":0},{"id":5828,"title":"وجوب المهر","lvl":6,"sub":1},{"id":5829,"title":"تأكد المهر","lvl":7,"sub":0},{"id":5829,"title":"1 - الدخول الحقيقي","lvl":7,"sub":1},{"id":5830,"title":"2 - موت أحد الزوجين","lvl":7,"sub":0},{"id":5831,"title":"هل القتل مثل الموت؟","lvl":8,"sub":0},{"id":5831,"title":"هل تستحق الزوجة المهر بقتل زوجها عمدا قبل الدخول والخلوة أو يسقط؟","lvl":8,"sub":1},{"id":5831,"title":"3 - الخلوة الصحيحة","lvl":7,"sub":2},{"id":5831,"title":"المانع الطبيعي","lvl":8,"sub":3},{"id":5832,"title":"المانع الشرعي","lvl":8,"sub":0},{"id":5832,"title":"4 - إقامة الزوجة سنة في بيت الزوج بعد الزفاف بلا وطء","lvl":7,"sub":1},{"id":5832,"title":"5 - طلاق الفرار في مرض الموت قبل الدخول","lvl":7,"sub":2},{"id":5833,"title":"تنصيف المهر","lvl":6,"sub":0},{"id":5834,"title":"اختلف الفقهاء في مسألتين حول التنصيف قبل الدخول","lvl":7,"sub":0},{"id":5834,"title":"المسألة الأولى ـ وهي إذا لم يذكر المهر حين العقد، وإنما فرض بعده بالتراضي أو بقضاء القاضي","lvl":8,"sub":1},{"id":5834,"title":"المسألة الثانية ـ وهي الزيادة الحادثة من الزوج بعد العقد على المهر المسمى","lvl":8,"sub":2},{"id":5835,"title":"سقوط المهر كله","lvl":6,"sub":0},{"id":5837,"title":"سقوط نصف المهر","lvl":6,"sub":0},{"id":5838,"title":"عاشرا ـ تبعة ضمان المهر وحكم هلاكه واستهلاكه واستحقاقه وتعييبه وزيادته","lvl":5,"sub":1},{"id":5838,"title":"ذكر الحنفية","lvl":6,"sub":2},{"id":5839,"title":"ذكر المالكية","lvl":6,"sub":0},{"id":5840,"title":"فصل الشافعية","lvl":6,"sub":0},{"id":5841,"title":"قرر الحنابلة","lvl":6,"sub":0},{"id":5842,"title":"زيادة المهر","lvl":6,"sub":0},{"id":5842,"title":"رأي الحنفية","lvl":7,"sub":1},{"id":5843,"title":"قال المالكية","lvl":7,"sub":0},{"id":5843,"title":"رأى الشافعية","lvl":7,"sub":1},{"id":5844,"title":"ذهب الحنابلة","lvl":7,"sub":0},{"id":5845,"title":"حادي عشر ـ الاختلاف في المهر","lvl":5,"sub":0},{"id":5846,"title":"الحالة الأولى ـ الاختلاف في تسمية المهر وعدم تسميته","lvl":6,"sub":0},{"id":5847,"title":"الحالة الثانية ـ الاختلاف في مقدار المهر المسمى","lvl":6,"sub":0},{"id":5847,"title":"قال أبو حنيفة ومحمد","lvl":7,"sub":1},{"id":5847,"title":"قال أبو يوسف","lvl":7,"sub":2},{"id":5848,"title":"قال المالكية","lvl":7,"sub":0},{"id":5848,"title":"قرر الشافعية","lvl":7,"sub":1},{"id":5848,"title":"رأى الحنابلة","lvl":7,"sub":2},{"id":5849,"title":"الحالة الثالثة ـ الاختلاف في قبض المهر المعجل","lvl":6,"sub":0},{"id":5850,"title":"ثاني عشر ـ الملزم بالجهاز والاختلاف فيه","lvl":5,"sub":0},{"id":5850,"title":"الجهاز","lvl":6,"sub":1},{"id":5850,"title":"المالكية","lvl":6,"sub":2},{"id":5851,"title":"الحنفية","lvl":6,"sub":0},{"id":5853,"title":"ثالث عشر ـ ميراث الصداق وهبته","lvl":5,"sub":0},{"id":5854,"title":"المبحث الثاني ـ المتعة","lvl":4,"sub":0},{"id":5854,"title":"معنى المتعة","lvl":5,"sub":1},{"id":5855,"title":"حكم المتعة","lvl":5,"sub":0},{"id":5855,"title":"الحنفية","lvl":6,"sub":1},{"id":5855,"title":"رأى أبو يوسف والشافعي وأحمد","lvl":6,"sub":2},{"id":5855,"title":"الشافعية","lvl":6,"sub":3},{"id":5856,"title":"المالكية","lvl":6,"sub":0},{"id":5856,"title":"الشافعية","lvl":6,"sub":1},{"id":5857,"title":"الحنابلة","lvl":6,"sub":0},{"id":5857,"title":"تسقط المتعة","lvl":5,"sub":1},{"id":5858,"title":"مقدار المتعة ونوعها","lvl":5,"sub":0},{"id":5860,"title":"المبحث الثالث ـ الخلوة الصحيحة وأحكامها","lvl":4,"sub":0},{"id":5860,"title":"معنى الخلوة","lvl":5,"sub":1},{"id":5860,"title":"المانع الحسي","lvl":5,"sub":2},{"id":5860,"title":"المانع الطبيعي","lvl":5,"sub":3},{"id":5860,"title":"المانع الشرعي","lvl":5,"sub":4},{"id":5861,"title":"آراء الفقهاء في أحكام الخلوة","lvl":5,"sub":0},{"id":5861,"title":"مذهب المالكية والشافعية في الجديد","lvl":6,"sub":1},{"id":5862,"title":"مذهب الحنفية والحنابلة","lvl":6,"sub":0},{"id":5865,"title":"الفصل السابع: حقوق الزواج وواجباته","lvl":3,"sub":0},{"id":5865,"title":"المبحث الأول ـ حقوق الزوجة","lvl":4,"sub":1},{"id":5866,"title":"1 - إعفاف الزوجة أو الاستمتاع","lvl":5,"sub":0},{"id":5868,"title":"2 - يحرم الوطء في الدبر","lvl":5,"sub":0},{"id":5869,"title":"3 - العزل","lvl":5,"sub":0},{"id":5870,"title":"4 - المعاشرة بالمعروف","lvl":5,"sub":0},{"id":5870,"title":"5 - العدل بين النسوة في المبيت والنفقة","lvl":5,"sub":1},{"id":5871,"title":"واجب الزوجة","lvl":5,"sub":0},{"id":5872,"title":"المبحث الثاني ـ حقوق الزوج","lvl":4,"sub":0},{"id":5872,"title":"1 - طاعة الزوجة لزوجها في الاستمتاع والخروج من المنزل","lvl":5,"sub":1},{"id":5876,"title":"2 - الأمانة","lvl":5,"sub":0},{"id":5876,"title":"3 - المعاشرة بالمعروف","lvl":5,"sub":1},{"id":5876,"title":"4 - حق التأديب","lvl":5,"sub":2},{"id":5877,"title":"أولا ـ الوعظ والإرشاد","lvl":6,"sub":0},{"id":5877,"title":"ثانيا ـ الهجر في المضجع والإعراض","lvl":6,"sub":1},{"id":5878,"title":"ثالثا ـ الضرب غير المخوف","lvl":6,"sub":0},{"id":5879,"title":"رابعا ـ طلب إرسال الحكمين","lvl":6,"sub":0},{"id":5880,"title":"5 - الاغتسال من الحيض والنفاس والجنابة","lvl":5,"sub":0},{"id":5880,"title":"6 - السفر بالزوجة","lvl":5,"sub":1},{"id":5881,"title":"المبحث الثالث ـ الحقوق المشتركة بين الزوجين","lvl":4,"sub":0},{"id":5882,"title":"(( الباب الثاني: انحلال الزواج وآثاره))","lvl":2,"sub":0},{"id":5882,"title":"الفصل الأول: الطلاق","lvl":3,"sub":1},{"id":5882,"title":"تمهيد ـ في معنى انحلال الزواج وأنواع الفرق الزوجية","lvl":4,"sub":2},{"id":5882,"title":"انحلال الزواج","lvl":5,"sub":3},{"id":5882,"title":"الفرق بين الفسخ والطلاق","lvl":5,"sub":4},{"id":5883,"title":"متى تكون الفرقة فسخا ومتى تكون طلاقا؟","lvl":5,"sub":0},{"id":5883,"title":"يرى الحنفية","lvl":6,"sub":1},{"id":5884,"title":"قال المالكية","lvl":6,"sub":0},{"id":5886,"title":"مذهب الشافعية","lvl":6,"sub":0},{"id":5887,"title":"قال الحنابلة","lvl":6,"sub":0},{"id":5887,"title":"الفرق التي تتوقف على القضاء والتي لا تتوقف على القضاء","lvl":5,"sub":1},{"id":5887,"title":"الفرق التي تتوقف على القضاء","lvl":6,"sub":2},{"id":5887,"title":"فرق الطلاق المتوقفة على القضاء","lvl":7,"sub":3},{"id":5888,"title":"فرق الطلاق غير المتوقفة على القضاء","lvl":7,"sub":0},{"id":5888,"title":"فرق الفسخ المتوقفة على القضاء","lvl":7,"sub":1},{"id":5888,"title":"فرق الفسخ غير المتوقفة على القضاء","lvl":7,"sub":2},{"id":5889,"title":"المبحث الأول ـ معنى الطلاق ومشروعيته، وحكمه، وركنه، وحكمته، وسبب جعله بيد الرجل","lvl":4,"sub":0},{"id":5889,"title":"معنى الطلاق","lvl":5,"sub":1},{"id":5890,"title":"مشروعيته","lvl":5,"sub":0},{"id":5890,"title":"حكمة تشريع الطلاق","lvl":5,"sub":1},{"id":5892,"title":"الطلاق تشريع استثنائي للضرورة","lvl":5,"sub":0},{"id":5893,"title":"السبب في جعل الطلاق بيد الرجل","lvl":5,"sub":0},{"id":5894,"title":"ركن الطلاق","lvl":5,"sub":0},{"id":5895,"title":"حكم الطلاق","lvl":5,"sub":0},{"id":5896,"title":"لزوم الطلاق","lvl":5,"sub":0},{"id":5897,"title":"المبحث الثاني ـ شروط الطلاق وقدره ومحله وصيغته","lvl":4,"sub":0},{"id":5897,"title":"شروط الركن الأول وهو المطلق","lvl":5,"sub":1},{"id":5898,"title":"طلاق المجنون والمدهوش","lvl":6,"sub":0},{"id":5898,"title":"طلاق الغضبان","lvl":6,"sub":1},{"id":5898,"title":"طلاق غير الزوج","lvl":6,"sub":2},{"id":5899,"title":"طلاق السكران","lvl":6,"sub":0},{"id":5899,"title":"طلاق غير المسلم","lvl":6,"sub":1},{"id":5899,"title":"طلاق المرتد","lvl":6,"sub":2},{"id":5900,"title":"طلاق السفيه","lvl":6,"sub":0},{"id":5900,"title":"طلاق المكره","lvl":6,"sub":1},{"id":5900,"title":"مالك الطلاق","lvl":6,"sub":2},{"id":5901,"title":"ما يشترط في الركن الثاني للطلاق وهو القصد","lvl":5,"sub":0},{"id":5901,"title":"طلاق الهازل","lvl":6,"sub":1},{"id":5902,"title":"طلاق المخطئ أو من سبق لسانه","lvl":6,"sub":0},{"id":5902,"title":"التفرقة بين الهازل والمخطئ","lvl":6,"sub":1},{"id":5903,"title":"ما يشترطه في الركن الثالث ـ محل الطلاق أو من يقع عليه الطلاق","lvl":5,"sub":0},{"id":5904,"title":"إضافة الطلاق إلى بعض أجزاء المرأة أو جزء الطلقة","lvl":6,"sub":0},{"id":5906,"title":"إضافة الطلاق إلى نفس الزوج","lvl":6,"sub":0},{"id":5907,"title":"ما يشترط في الركن الرابع عند الشافعية والحنابلة ـ الولاية على محل الطلاق","lvl":5,"sub":0},{"id":5907,"title":"تعليق الطلاق على الملك أو على النكاح","lvl":6,"sub":1},{"id":5907,"title":"قال الحنفية","lvl":7,"sub":2},{"id":5908,"title":"قال المالكية","lvl":7,"sub":0},{"id":5909,"title":"قال الشافعية والحنابلة والظاهرية","lvl":7,"sub":0},{"id":5909,"title":"الأدلة إجمالا","lvl":7,"sub":1},{"id":5911,"title":"شرط الركن الخامس ـ الصيغة أو ما يقع به الطلاق","lvl":5,"sub":0},{"id":5911,"title":"الطلاق الصريح","lvl":6,"sub":1},{"id":5912,"title":"يشترط لإيقاع الطلاق","lvl":7,"sub":0},{"id":5913,"title":"حكم الطلاق الصريح","lvl":7,"sub":0},{"id":5913,"title":"طلاق الكناية","lvl":6,"sub":1},{"id":5913,"title":"علي الحرام","lvl":7,"sub":2},{"id":5914,"title":"حكم الطلاق بالكناية","lvl":7,"sub":0},{"id":5914,"title":"ما عدا الصريح والكناية","lvl":6,"sub":1},{"id":5915,"title":"الطلاق بالكتابة إلى الغائب","lvl":6,"sub":0},{"id":5915,"title":"الكتابة غير المستبينة","lvl":7,"sub":1},{"id":5915,"title":"الكتابة المستبينة","lvl":7,"sub":2},{"id":5915,"title":"كتابة مرسومة","lvl":8,"sub":3},{"id":5915,"title":"الكتابة غير المرسومة","lvl":8,"sub":4},{"id":5915,"title":"الطلاق بالرسالة","lvl":6,"sub":5},{"id":5917,"title":"الطلاق بالإشارة","lvl":6,"sub":0},{"id":5918,"title":"صيغة الطلاق في القانون السوري","lvl":6,"sub":0},{"id":5918,"title":"قدر الطلاق","lvl":6,"sub":1},{"id":5920,"title":"ماالذي تعود به المرأة بعد التحليل؟","lvl":6,"sub":0},{"id":5921,"title":"عدد الطلاق في بعض الألفاظ","lvl":6,"sub":0},{"id":5921,"title":"1 - اللفظ المطلق","lvl":7,"sub":1},{"id":5922,"title":"2 - تحديد المقصود بالإشارة","lvl":7,"sub":0},{"id":5923,"title":"3 - واحدة في اثنتين","lvl":7,"sub":0},{"id":5923,"title":"4 - طالق طلقة بل طلقتان","lvl":7,"sub":1},{"id":5923,"title":"5 - اقتران الطلاق بلفظ الثلاث، وتكراره","lvl":7,"sub":2},{"id":5924,"title":"6 - تطليق الجماعة","lvl":7,"sub":0},{"id":5925,"title":"7 - الطلاق ملء الدنيا أوأشد الطلاق","lvl":7,"sub":0},{"id":5926,"title":"8 - طلقة قبل طلقة أو بعدها طلقة","lvl":7,"sub":0},{"id":5928,"title":"9 - الطلاق غير المعين","lvl":7,"sub":0},{"id":5928,"title":"10 - عدد الطلاق في ألفاظ الكناية عند المالكية","lvl":7,"sub":1},{"id":5930,"title":"11 - الطلاق المقيد بالاستثناء","lvl":7,"sub":0},{"id":5930,"title":"أ ـ استثناء القليل من الكثير","lvl":8,"sub":1},{"id":5930,"title":"ب ـ استثناء العدد بعينه","lvl":8,"sub":2},{"id":5930,"title":"جـ ـ استثناء الأكثر من الأقل","lvl":8,"sub":3},{"id":5931,"title":"المبحث الثالث ـ قيود إيقاع الطلاق شرعا","lvl":4,"sub":0},{"id":5931,"title":"أولا ـ أن يكون الطلاق لحاجة مقبولة شرعا وعرفا","lvl":5,"sub":1},{"id":5933,"title":"أثر مخالفة هذا القيد","lvl":6,"sub":0},{"id":5933,"title":"ثانيا ـ أن يكون الطلاق في طهر لم يجامعها فيه","lvl":5,"sub":1},{"id":5935,"title":"أثر مخالفة هذا القيد","lvl":6,"sub":0},{"id":5937,"title":"ثالثا ـ أن يكون الطلاق مفرقا ليس بأكثر من واحدة","lvl":5,"sub":0},{"id":5938,"title":"أثر مخالفة هذا القيد","lvl":6,"sub":0},{"id":5938,"title":"جمع الطلاق الثلاث بكلمة واحدة","lvl":6,"sub":1},{"id":5938,"title":"الأول ـ قول الجمهور منهم أئمة المذاهب الأربعة والظاهرية","lvl":7,"sub":2},{"id":5938,"title":"الثاني ـ قول الشيعة الإمامية","lvl":7,"sub":3},{"id":5939,"title":"الثالث ـ قول الزيدية وبعض الظاهرية وابن إسحاق وابن تيمية وابن القيم","lvl":7,"sub":0},{"id":5939,"title":"القانون في مصر وسورية","lvl":7,"sub":1},{"id":5939,"title":"أدلة هذه الأقوال","lvl":7,"sub":2},{"id":5939,"title":"أدلة الإمامية","lvl":8,"sub":3},{"id":5939,"title":"أدلة الزيدية وابن تيمية وابن القيم","lvl":8,"sub":4},{"id":5941,"title":"أدلة الجمهور","lvl":8,"sub":0},{"id":5945,"title":"المبحث الرابع ـ التوكيل في الطلاق وتفويضه","lvl":4,"sub":0},{"id":5946,"title":"النيابة في الطلاق في المذاهب","lvl":5,"sub":0},{"id":5946,"title":"مذهب الحنفية","lvl":6,"sub":1},{"id":5946,"title":"التوكيل","lvl":7,"sub":2},{"id":5946,"title":"التفويض","lvl":7,"sub":3},{"id":5946,"title":"الرسالة","lvl":7,"sub":4},{"id":5946,"title":"الأمر باليد","lvl":7,"sub":5},{"id":5946,"title":"التخيير","lvl":7,"sub":6},{"id":5947,"title":"المشيئة","lvl":7,"sub":0},{"id":5947,"title":"ذهب المالكية","lvl":6,"sub":1},{"id":5949,"title":"رأى الشافعية","lvl":6,"sub":0},{"id":5949,"title":"قال الحنابلة","lvl":6,"sub":1},{"id":5950,"title":"حكم الوكيل بالطلاق","lvl":5,"sub":0},{"id":5950,"title":"الحنفية","lvl":6,"sub":1},{"id":5950,"title":"المالكية","lvl":6,"sub":2},{"id":5950,"title":"صفة حكم التفويض بالطلاق للزوجة أو غيرها","lvl":5,"sub":3},{"id":5950,"title":"يرى الحنفية","lvl":6,"sub":4},{"id":5950,"title":"التفويض من جانب المرأة","lvl":7,"sub":5},{"id":5951,"title":"زمن التفويض بالنسبة للمرأة","lvl":7,"sub":0},{"id":5951,"title":"خيار المخيرة","lvl":7,"sub":1},{"id":5952,"title":"ذهب المالكية","lvl":6,"sub":0},{"id":5953,"title":"عدد الطلاق الواقع بألفاظ التفويض ونوعه","lvl":5,"sub":0},{"id":5953,"title":"ذهب الحنفية","lvl":6,"sub":1},{"id":5953,"title":"نوع الطلاق الواقع","lvl":7,"sub":2},{"id":5954,"title":"يرى المالكية","lvl":6,"sub":0},{"id":5955,"title":"بدء التفويض","lvl":5,"sub":0},{"id":5955,"title":"حق الزوج في الطلاق مع التفويض","lvl":5,"sub":1},{"id":5955,"title":"الفرق بين التوكيل والتفويض","lvl":5,"sub":2},{"id":5956,"title":"المبحث الخامس ـ أنواع الطلاق وحكم كل نوع","lvl":4,"sub":0},{"id":5956,"title":"تقسيم الطلاق من حيث السنة والبدعة","lvl":5,"sub":1},{"id":5956,"title":"الحنفية","lvl":6,"sub":2},{"id":5956,"title":"أحسن الطلاق","lvl":7,"sub":3},{"id":5957,"title":"الطلاق الحسن","lvl":7,"sub":0},{"id":5957,"title":"طلاق البدعة","lvl":7,"sub":1},{"id":5957,"title":"طلاق السنة","lvl":7,"sub":2},{"id":5958,"title":"ألفاظ طلاق السنة والبدعة","lvl":7,"sub":0},{"id":5958,"title":"ذهب المالكية","lvl":6,"sub":1},{"id":5960,"title":"رأى الشافعية","lvl":6,"sub":0},{"id":5962,"title":"الحنابلة","lvl":6,"sub":0},{"id":5962,"title":"تقسيم الطلاق إلى رجعي وبائن","lvl":5,"sub":1},{"id":5962,"title":"الطلاق الرجعي","lvl":6,"sub":2},{"id":5962,"title":"الطلاق البائن","lvl":6,"sub":3},{"id":5962,"title":"البائن بينونة صغرى","lvl":7,"sub":4},{"id":5963,"title":"البائن بينونة كبرى","lvl":7,"sub":0},{"id":5963,"title":"ضابط الطلاق الرجعي والبائن","lvl":6,"sub":1},{"id":5963,"title":"رأي الحنفية","lvl":7,"sub":2},{"id":5964,"title":"أولاـ البائن بينونة صغرى","lvl":8,"sub":0},{"id":5966,"title":"ثانيا ـ البائن بينونة كبرى","lvl":8,"sub":0},{"id":5967,"title":"رأي المالكية","lvl":7,"sub":0},{"id":5967,"title":"رأي الشافعية والحنابلة","lvl":7,"sub":1},{"id":5967,"title":"موقف القانون","lvl":7,"sub":2},{"id":5968,"title":"حكم الطلاق الرجعي والبائن","lvl":6,"sub":0},{"id":5968,"title":"حكم الطلاق الرجعي","lvl":7,"sub":1},{"id":5970,"title":"حكم الطلاق البائن","lvl":7,"sub":0},{"id":5970,"title":"أولا ـ البائن بينونة صغرى","lvl":8,"sub":1},{"id":5970,"title":"ثانيا ـ البائن بينونة كبرى","lvl":8,"sub":2},{"id":5971,"title":"حكم الطلاق الرجعي والبائن في القانون السوري","lvl":7,"sub":0},{"id":5971,"title":"تقسيم الطلاق إلى منجز ومعلق ومضاف للمستقبل","lvl":5,"sub":1},{"id":5971,"title":"أولا ـ الطلاق المنجز أو المعجل","lvl":6,"sub":2},{"id":5971,"title":"ثانيا ـ الطلاق المضاف","lvl":6,"sub":3},{"id":5973,"title":"ثالثا ـ الطلاق المعلق","lvl":6,"sub":0},{"id":5974,"title":"شروط التعليق","lvl":7,"sub":0},{"id":5976,"title":"حكم الطلاق المعلق أو اليمين بالطلاق","lvl":7,"sub":0},{"id":5976,"title":"1 - فقال أئمة المذاهب الأربعة","lvl":8,"sub":1},{"id":5976,"title":"2 - وقال الظاهرية والشيعة الإمامية","lvl":8,"sub":2},{"id":5977,"title":"3 - وقال ابن تيمية وابن القيم بالتفصيل","lvl":8,"sub":0},{"id":5977,"title":"أدلة الأقوال","lvl":8,"sub":1},{"id":5977,"title":"أئمة المذاهب الأربعة","lvl":9,"sub":2},{"id":5978,"title":"الظاهرية والإمامية","lvl":9,"sub":0},{"id":5979,"title":"ابن تيمية وابن القيم","lvl":9,"sub":0},{"id":5980,"title":"ملحق ـ حكم طلاق المريض مرض الموت","lvl":5,"sub":0},{"id":5980,"title":"المقصود بمريض الموت","lvl":6,"sub":1},{"id":5981,"title":"حكمه","lvl":6,"sub":0},{"id":5982,"title":"وقت الإرث","lvl":6,"sub":0},{"id":5983,"title":"شروط ثبوت الميراث","lvl":6,"sub":0},{"id":5984,"title":"الفرقة من جهة الزوجة المريضة مرض الموت","lvl":6,"sub":0},{"id":5984,"title":"زواج المريض المطلق بأخرى","lvl":6,"sub":1},{"id":5985,"title":"المبحث السادس ـ الشك في الطلاق وإثبات الطلاق","lvl":4,"sub":0},{"id":5985,"title":"الشك في الطلاق","lvl":5,"sub":1},{"id":5987,"title":"الورع التزام الطلاق","lvl":5,"sub":0},{"id":5988,"title":"إثبات الطلاق","lvl":5,"sub":0},{"id":5989,"title":"ملحق ببحث الطلاق ـ الرجعة وزواج التحليل","lvl":4,"sub":0},{"id":5989,"title":"الرجعة","lvl":5,"sub":1},{"id":5989,"title":"أولا ـ تعريف الرجعة ومشروعيتها وحكمها وركنها ونوعاها وأحكام الرجعية","lvl":6,"sub":2},{"id":5989,"title":"تعريفها","lvl":7,"sub":3},{"id":5989,"title":"مشروعيتها","lvl":7,"sub":4},{"id":5989,"title":"حكمتها","lvl":7,"sub":5},{"id":5990,"title":"نوعاها","lvl":7,"sub":0},{"id":5990,"title":"أحكام المرأة الرجعية","lvl":7,"sub":1},{"id":5991,"title":"ثانيا ـ من له حق الرجعة وعدم قبول إسقاطه","lvl":6,"sub":0},{"id":5992,"title":"ثالثا ـ شروط صحة الرجعة","lvl":6,"sub":0},{"id":5992,"title":"شرط المرتجع","lvl":7,"sub":1},{"id":5992,"title":"شرط ما تحصل به الرجعة","lvl":7,"sub":2},{"id":5995,"title":"شرط الزوجة المرتجعة (محل الرجعة) والطلاق الحاصل والعدة","lvl":7,"sub":0},{"id":5995,"title":"شرط زمن الرجعة","lvl":7,"sub":1},{"id":5996,"title":"ما لا يشترط في الرجعة","lvl":7,"sub":0},{"id":5996,"title":"1 - رضا المرأة ونحوه من الشروط","lvl":8,"sub":1},{"id":5996,"title":"2 - إعلام المرأة بالرجعة","lvl":8,"sub":2},{"id":5997,"title":"3 - الإشهاد على الرجعة","lvl":8,"sub":0},{"id":5998,"title":"رابعا ـ اختلاف الزوجين في الرجعة","lvl":6,"sub":0},{"id":5998,"title":"1 - إن اختلف الزوجان في حصول الرجعة","lvl":7,"sub":1},{"id":5999,"title":"2 - وإن اختلف الزوجان في صحة الرجعة","lvl":7,"sub":0},{"id":6000,"title":"مدة الاغتسال","lvl":8,"sub":0},{"id":6000,"title":"القسم الأول وهو أن تدعي المرأة انقضاء عدتها بالقروء","lvl":7,"sub":1},{"id":6001,"title":"القسم الثاني ـ أن تدعي انقضاء عدتها بوضع الحمل","lvl":7,"sub":0},{"id":6001,"title":"القسم الثالث ـ أن تدعي انقضاء عدتها بالشهور","lvl":7,"sub":1},{"id":6002,"title":"زواج التحليل","lvl":5,"sub":0},{"id":6002,"title":"التحليل بزواج دائم","lvl":6,"sub":1},{"id":6002,"title":"الشرط الأول ـ أن تنكح زوجا غيره","lvl":7,"sub":2},{"id":6002,"title":"الشرط الثاني ـ أن يكون النكاح الثاني صحيحا","lvl":7,"sub":3},{"id":6002,"title":"الشرط الثالث ـ أن يطأها الزوج الثاني في الفرج","lvl":7,"sub":4},{"id":6003,"title":"الزواج بشرط التحليل (نكاح المحلل )","lvl":6,"sub":0},{"id":6005,"title":"الزواج بقصد التحليل دون شرط","lvl":6,"sub":0},{"id":6006,"title":"هدم الزواج الثاني طلاق الزوج السابق","lvl":6,"sub":0},{"id":6007,"title":"الفصل الثاني: الخلع","lvl":3,"sub":0},{"id":6007,"title":"المبحث الأول ـ معنى الخلع ومشروعيته وألفاظه وحكمه ووقته وأركانه","lvl":4,"sub":1},{"id":6007,"title":"الخلع","lvl":5,"sub":2},{"id":6008,"title":"مشروعيته","lvl":5,"sub":0},{"id":6009,"title":"ألفاظ الخلع","lvl":5,"sub":0},{"id":6010,"title":"حكمه الشرعي","lvl":5,"sub":0},{"id":6012,"title":"هل يحتاج الخلع إلى قاض؟","lvl":5,"sub":0},{"id":6012,"title":"وقت الخلع","lvl":5,"sub":1},{"id":6012,"title":"أركان الخلع","lvl":5,"sub":2},{"id":6014,"title":"المبحث الثاني ـ صفة الخلع وما يترتب عليها","lvl":4,"sub":0},{"id":6015,"title":"يترتب على اعتبار الخلع يمينا من جانب الزوج الآثار التالية","lvl":5,"sub":0},{"id":6016,"title":"يترتب على اعتبار الخلع معاوضة لها شبه بالتبرعات من جانب الزوجة","lvl":5,"sub":0},{"id":6017,"title":"المبحث الثالث ـ شروط الخلع","lvl":4,"sub":0},{"id":6017,"title":"خلع السفيه","lvl":5,"sub":1},{"id":6017,"title":"خلع الولي","lvl":5,"sub":2},{"id":6018,"title":"خلع المريض","lvl":5,"sub":0},{"id":6018,"title":"التوكيل في الخلع","lvl":5,"sub":1},{"id":6018,"title":"خلع الفضولي","lvl":5,"sub":2},{"id":6021,"title":"الخلع بمعدوم أو بمجهول","lvl":5,"sub":0},{"id":6023,"title":"مجمل شروط الخلع في بعض المذاهب","lvl":5,"sub":0},{"id":6023,"title":"شروط الخلع في القانون السوري","lvl":5,"sub":1},{"id":6024,"title":"المبحث الرابع ـ حكم أخذ بدل الخلع، والخلع في مقابل بعض المنافع والحقوق، والفرق بين الخلع والطلاق على مال","lvl":4,"sub":1},{"id":6024,"title":"حكم أخذ بدل الخلع","lvl":5,"sub":2},{"id":6026,"title":"الخلع في مقابل بعض المنافع والحقوق","lvl":5,"sub":0},{"id":6026,"title":"الخلع على الرضاع","lvl":5,"sub":1},{"id":6027,"title":"الخلع على الحضانة أو كفالة الولد مدة معلومة","lvl":5,"sub":0},{"id":6027,"title":"الخلع على بقاء الولد إلى البلوغ","lvl":5,"sub":1},{"id":6027,"title":"الخلع على إسقاط الحضانة","lvl":5,"sub":2},{"id":6028,"title":"الخلع على نفقة الصغير","lvl":5,"sub":0},{"id":6028,"title":"الخلع مقابل الإبراء من نفقة العدة","lvl":5,"sub":1},{"id":6028,"title":"موقف القانون السوري من الخلع على المنافع أو الحقوق","lvl":5,"sub":2},{"id":6029,"title":"الفرق بين الخلع والطلاق على المال عند الحنفية","lvl":5,"sub":0},{"id":6031,"title":"المبحث الخامس ـ آثار الخلع ( أحكامه )","lvl":4,"sub":0},{"id":6031,"title":"1 - يقع به طلقة بائنة","lvl":5,"sub":1},{"id":6031,"title":"2 - لا يتوقف الخلع على قضاء القاضي","lvl":5,"sub":2},{"id":6031,"title":"3 - لا يبطل الخلع بالشروط الفاسدة","lvl":5,"sub":3},{"id":6031,"title":"4 - يلزم الزوجة أداء بدل الخلع المتفق عليه","lvl":5,"sub":4},{"id":6031,"title":"5 - يسقط بالخلع في رأي أبي حنيفة كل الحقوق والديون","lvl":5,"sub":5},{"id":6032,"title":"6 - هل يرتدف على المختلعة طلاق؟","lvl":5,"sub":0},{"id":6033,"title":"7 - لا رجعة في رأي أكثر العلماء على المختلعة في العدة","lvl":5,"sub":0},{"id":6033,"title":"8 - الاختلاف في الخلع أو عوضه","lvl":5,"sub":1},{"id":6033,"title":"آثار الخلع في القانون","lvl":5,"sub":2},{"id":6034,"title":"الفصل الثالث: التفريق القضائي","lvl":3,"sub":0},{"id":6035,"title":"المبحث الأول ـ التفريق لعدم الإنفاق","lvl":4,"sub":0},{"id":6035,"title":"القانون في مصر وسورية","lvl":5,"sub":1},{"id":6036,"title":"أراء الفقهاء في التفريق لعدم الإنفاق","lvl":5,"sub":0},{"id":6037,"title":"نوع الفرقة بسبب العجز عن النفقة","lvl":5,"sub":0},{"id":6038,"title":"المبحث الثاني - التفريق بالعيوب أو بالعلل","lvl":4,"sub":0},{"id":6038,"title":"أولا ـ أنواع العيوب","lvl":5,"sub":1},{"id":6039,"title":"ثانيا ـ التفريق بسبب العيوب في القانون","lvl":5,"sub":0},{"id":6040,"title":"ثالثا ـ آراء الفقهاء في التفريق للعيب","lvl":5,"sub":0},{"id":6040,"title":"الأول ـ ثبوت حق التفريق بالعيب للزوجين أو للزوجة فقط","lvl":6,"sub":1},{"id":6040,"title":"الثاني ـ العيوب التي تجيز التفريق","lvl":6,"sub":2},{"id":6040,"title":"الأول ـ رأي أبي حنيفة وأبي يوسف","lvl":7,"sub":3},{"id":6041,"title":"الثاني ـ رأي مالك والشافعي","lvl":7,"sub":0},{"id":6042,"title":"الثالث ـ رأي أحمد","lvl":7,"sub":0},{"id":6042,"title":"الرابع ـ رأي الزهري وشريح وأبي ثور، واختاره ابن القيم","lvl":7,"sub":1},{"id":6043,"title":"قيود الفرقة بالعيب","lvl":6,"sub":0},{"id":6044,"title":"شروط التفريق بالعيب","lvl":6,"sub":0},{"id":6045,"title":"العيب الحادث بعد الزواج","lvl":6,"sub":0},{"id":6046,"title":"نوع الفرقة بسبب العيب","lvl":7,"sub":0},{"id":6046,"title":"أثر التفريق بالعيب على المهر","lvl":7,"sub":1},{"id":6048,"title":"ملحق بهذا البحث ـ خيار الغرور أو خيار فوات الوصف المرغوب","lvl":5,"sub":0},{"id":6050,"title":"المبحث الثالث ـ التفريق للشقاق أو للضرر وسوء العشرة","lvl":4,"sub":0},{"id":6050,"title":"المقصود بالشقاق والضرر","lvl":5,"sub":1},{"id":6050,"title":"رأي الفقهاء في التفريق للشقاق","lvl":5,"sub":2},{"id":6051,"title":"شروط الحكمين","lvl":5,"sub":0},{"id":6051,"title":"نوع الفرقة للشقاق","lvl":5,"sub":1},{"id":6051,"title":"موقف القانون","lvl":5,"sub":2},{"id":6053,"title":"المبحث الرابع ـ طلاق التعسف","lvl":4,"sub":0},{"id":6053,"title":"التعسف","lvl":5,"sub":1},{"id":6053,"title":"أولا ـ الطلاق في مرض الموت أو طلاق الفرار","lvl":5,"sub":2},{"id":6054,"title":"ثانيا ـ الطلاق بغير سبب معقول","lvl":5,"sub":0},{"id":6055,"title":"المبحث الخامس ـ التفريق للغيبة","lvl":4,"sub":0},{"id":6055,"title":"أولا ـ آراء الفقهاء","lvl":5,"sub":1},{"id":6056,"title":"ثانيا ـ موقف القانون من التفريق للغيبة","lvl":5,"sub":0},{"id":6057,"title":"المبحث السادس ـ التفريق للحبس","lvl":4,"sub":0},{"id":6057,"title":"المبحث السابع ـ التفريق بالإيلاء","lvl":4,"sub":1},{"id":6057,"title":"أولا ـ تاريخ الإيلاء ومعناه وألفاظه","lvl":5,"sub":2},{"id":6059,"title":"ألفاظ الإيلاء","lvl":6,"sub":0},{"id":6060,"title":"الألفاظ الصريحة","lvl":7,"sub":0},{"id":6061,"title":"أصل حكم الإيلاء","lvl":8,"sub":0},{"id":6061,"title":"ألفاظ الكناية","lvl":7,"sub":1},{"id":6061,"title":"لغة الإيلاء","lvl":6,"sub":2},{"id":6062,"title":"ثانيا ـ أركان الإيلاء وشروطه","lvl":5,"sub":0},{"id":6062,"title":"ركن الإيلاء","lvl":6,"sub":1},{"id":6062,"title":"عند الحنفية","lvl":7,"sub":2},{"id":6062,"title":"عند الجمهور","lvl":7,"sub":3},{"id":6062,"title":"1 - الحالف","lvl":8,"sub":4},{"id":6063,"title":"2 - المحلوف به","lvl":8,"sub":0},{"id":6064,"title":"3 - المحلوف عليه","lvl":8,"sub":0},{"id":6064,"title":"4 - المدة","lvl":8,"sub":1},{"id":6064,"title":"شروط الإيلاء","lvl":6,"sub":2},{"id":6064,"title":"عند الحنفية","lvl":7,"sub":3},{"id":6065,"title":"الحنابلة وبقية المذاهب","lvl":7,"sub":0},{"id":6068,"title":"ثالثا ـ حكم الإيلاء","lvl":5,"sub":0},{"id":6068,"title":"الحكم الأخروي","lvl":6,"sub":1},{"id":6068,"title":"الحكم الدنيوي","lvl":6,"sub":2},{"id":6068,"title":"حكم الحنث","lvl":7,"sub":3},{"id":6068,"title":"حكم البر","lvl":7,"sub":4},{"id":6070,"title":"الفيء","lvl":7,"sub":0},{"id":6070,"title":"عند الحنفية","lvl":8,"sub":1},{"id":6071,"title":"شرط الفيء بنوعيه","lvl":9,"sub":0},{"id":6071,"title":"الاختلاف في الفي","lvl":9,"sub":1},{"id":6072,"title":"عند الجمهور غير الحنفية","lvl":8,"sub":0},{"id":6072,"title":"الأول ـ مدة الإمهال بلا قاض","lvl":9,"sub":1},{"id":6073,"title":"الثاني ـ الفيئة حالة العجز عن الجماع","lvl":9,"sub":0},{"id":6074,"title":"اختلاف الزوجين في الإيلاء أو في انقضاء مدته أو في حدوث الفيئة","lvl":9,"sub":0},{"id":6075,"title":"الطلاق في مدة الإيلاء","lvl":9,"sub":0},{"id":6075,"title":"العدة بعد الإيلاء","lvl":9,"sub":1},{"id":6076,"title":"خلاصة الخلاف بين الحنفية والجمهور في حكم الإيلاء","lvl":8,"sub":0},{"id":6077,"title":"المبحث الثامن ـ التفريق باللعان","lvl":4,"sub":0},{"id":6077,"title":"المطلب الأول ـ تعريف اللعان وسببه","lvl":5,"sub":1},{"id":6077,"title":"تعريف اللعان","lvl":6,"sub":2},{"id":6078,"title":"سبب اللعان","lvl":6,"sub":0},{"id":6081,"title":"المطلب الثاني ـ مشروعية اللعان","lvl":5,"sub":0},{"id":6083,"title":"المطلب الثالث ـ أركان اللعان وشروطه وشروط المتلاعنين","lvl":5,"sub":0},{"id":6083,"title":"ركن اللعان","lvl":6,"sub":1},{"id":6083,"title":"شروط اللعان","lvl":6,"sub":2},{"id":6083,"title":"أولا ـ شروط وجوب اللعان","lvl":7,"sub":3},{"id":6085,"title":"لغة اللعان","lvl":8,"sub":0},{"id":6086,"title":"ثانيا ـ شروط صحة إجراء اللعان في ذاته","lvl":7,"sub":0},{"id":6088,"title":"شروط نفي الولد","lvl":6,"sub":0},{"id":6088,"title":"الحنفية","lvl":7,"sub":1},{"id":6089,"title":"المالكية","lvl":7,"sub":0},{"id":6090,"title":"الشافعية","lvl":7,"sub":0},{"id":6091,"title":"الحنابلة","lvl":7,"sub":0},{"id":6092,"title":"المطلب الرابع ـ كيفية اللعان ودور القاضي فيه","lvl":5,"sub":0},{"id":6092,"title":"كيفية اللعان أو صفته أو ألفاظه","lvl":6,"sub":1},{"id":6094,"title":"مندوبات اللعان ودور القاضي فيه","lvl":6,"sub":0},{"id":6096,"title":"المطلب الخامس ـ ما يجب عند نكول أحد الزوجين عن اللعان أو رجوعه عنه","lvl":5,"sub":0},{"id":6096,"title":"نكول أحد الزوجين","lvl":6,"sub":1},{"id":6098,"title":"رجوع الزوج عن اللعان","lvl":6,"sub":0},{"id":6099,"title":"المطلب السادس ـ هل ألفاظ اللعان شهادات أو أيمان؟","lvl":5,"sub":0},{"id":6101,"title":"المطلب السابع ـ أحكام أوآثار اللعان","lvl":5,"sub":0},{"id":6103,"title":"المطلب الثامن ـ ما يسقط اللعان بعد وجوبه وما يبطل به حكم اللعان قبل التفريق","lvl":5,"sub":0},{"id":6103,"title":"أولا ـ ما يسقط اللعان بعد وجوبه","lvl":6,"sub":1},{"id":6104,"title":"ثانيا ـ ما يبطل به حكم اللعان بعد وجوده قبل التفريق","lvl":6,"sub":0},{"id":6105,"title":"المبحث التاسع ـ التفريق بسبب الظهار","lvl":4,"sub":0},{"id":6105,"title":"المطلب الأول ـ تعريف الظهار وحكمه الشرعي وأحواله تنجيزا وإضافة وتعليقا وتأقيتا","lvl":5,"sub":1},{"id":6105,"title":"الظهار","lvl":6,"sub":2},{"id":6108,"title":"حكمه الشرعي","lvl":6,"sub":0},{"id":6109,"title":"أحوال الظهار في العادة","lvl":6,"sub":0},{"id":6109,"title":"الظهار المعلق","lvl":6,"sub":1},{"id":6111,"title":"الظهار المؤقت","lvl":6,"sub":0},{"id":6112,"title":"المطلب الثاني ـ ركن الظهر وشروطه","lvl":5,"sub":0},{"id":6112,"title":"ركن الظهار","lvl":6,"sub":1},{"id":6112,"title":"عند الحنفية","lvl":7,"sub":2},{"id":6112,"title":"الجمهور غير الحنفية","lvl":7,"sub":3},{"id":6113,"title":"شروط المظاهر","lvl":6,"sub":0},{"id":6114,"title":"شروط المظاهر منها","lvl":6,"sub":0},{"id":6114,"title":"ظهار المرأة","lvl":7,"sub":1},{"id":6114,"title":"الظهار من الجماعة","lvl":7,"sub":2},{"id":6115,"title":"شروط المشبه به","lvl":6,"sub":0},{"id":6117,"title":"شروط الصيغة","lvl":6,"sub":0},{"id":6117,"title":"الحنفية","lvl":7,"sub":1},{"id":6118,"title":"المالكية","lvl":7,"sub":0},{"id":6119,"title":"الشافعية","lvl":7,"sub":0},{"id":6120,"title":"الحنابلة","lvl":7,"sub":0},{"id":6122,"title":"المطلب الثالث ـ أثر الظهار أو أحكامه، أو ما يحرم على المظاهر","lvl":5,"sub":0},{"id":6123,"title":"هل يعود الظهار بعد الطلاق بالعودة إلى الزوجية؟","lvl":6,"sub":0},{"id":6124,"title":"هل يدخل الإيلاء على الظهار؟","lvl":6,"sub":0},{"id":6125,"title":"المطلب الرابع ـ كفارة الظهار","lvl":5,"sub":0},{"id":6125,"title":"أولا ـ مشروعية الكفارة","lvl":6,"sub":1},{"id":6125,"title":"ثانيا ـ متى تجب كفارة الظهار؟","lvl":6,"sub":2},{"id":6127,"title":"ثالثا ـ تعدد الكفارة بتعدد المظاهر منهن أو بتعدد الظهار","lvl":6,"sub":0},{"id":6128,"title":"رابعا ـ أنواع الكفارة وترتيبها","lvl":6,"sub":0},{"id":6128,"title":"إعتاق الرقبة","lvl":7,"sub":1},{"id":6130,"title":"اشتراط الإيمان في الرقبة","lvl":8,"sub":0},{"id":6131,"title":"صيام شهرين متتابعين","lvl":7,"sub":0},{"id":6131,"title":"التتابع في الصوم","lvl":8,"sub":1},{"id":6134,"title":"إطعام ستين مسكينا","lvl":7,"sub":0},{"id":6135,"title":"ما يتعلق بالإطعام: قدر الطعام، وكيفيته، وجنس الطعام، ومستحقه","lvl":8,"sub":0},{"id":6135,"title":"قدر الطعام","lvl":9,"sub":1},{"id":6136,"title":"كيفية الإطعام","lvl":9,"sub":0},{"id":6138,"title":"جنس الطعام","lvl":9,"sub":0},{"id":6138,"title":"مستحق الإطعام","lvl":9,"sub":1},{"id":6139,"title":"خامسا ـ شرط الكفارة","lvl":6,"sub":0},{"id":6139,"title":"سادسا ـ من وطئ قبل أن يكفر","lvl":6,"sub":1},{"id":6140,"title":"المطلب الخامس ـ انتهاء حكم الظهار","lvl":5,"sub":0},{"id":6141,"title":"المبحث العاشر ـ التفريق بسبب الردة أو إسلام أحد الزوجين","lvl":4,"sub":0},{"id":6141,"title":"أثر الارتداد","lvl":5,"sub":1},{"id":6142,"title":"أثر الإسلام","lvl":5,"sub":0},{"id":6144,"title":"الفصل الرابع: العدة والاستبراء","lvl":3,"sub":0},{"id":6144,"title":"العدة","lvl":4,"sub":1},{"id":6144,"title":"المبحث الأول ـ تعريف العدة، وحكمها الشرعي، وحكمتها، وسبب وجوبها، وركنها","lvl":5,"sub":2},{"id":6144,"title":"معنى العدة","lvl":6,"sub":3},{"id":6145,"title":"حكمها الشرعي","lvl":6,"sub":0},{"id":6146,"title":"هل على الرجل عدة؟","lvl":6,"sub":0},{"id":6146,"title":"عدة المرأة غير المسلمة","lvl":6,"sub":1},{"id":6147,"title":"حكمة العدة","lvl":6,"sub":0},{"id":6148,"title":"سبب وجوب العدة","lvl":6,"sub":0},{"id":6149,"title":"ركن العدة","lvl":6,"sub":0},{"id":6150,"title":"المبحث الثاني ـ أنواع العدة ومقاديرها","lvl":5,"sub":0},{"id":6150,"title":"المقصود بالقروء","lvl":6,"sub":1},{"id":6152,"title":"أسباب وشروط كل نوع من أنواع العدة","lvl":6,"sub":0},{"id":6152,"title":"أولا ـ عدة الأقراء","lvl":7,"sub":1},{"id":6152,"title":"ثانيا ـ عدة الأشهر","lvl":7,"sub":2},{"id":6153,"title":"ثالثا ـ عدة الحبل","lvl":7,"sub":0},{"id":6153,"title":"مقادير عدد المعتدات","lvl":6,"sub":1},{"id":6153,"title":"1 - عدة الحامل","lvl":7,"sub":2},{"id":6154,"title":"انتهاء العدة بوضع الحمل له شرطان","lvl":8,"sub":0},{"id":6155,"title":"أقل مدة الحمل","lvl":8,"sub":0},{"id":6156,"title":"أكثر مدة الحمل","lvl":8,"sub":0},{"id":6156,"title":"التحول لعدة الحمل","lvl":8,"sub":1},{"id":6156,"title":"المرتابة بالحمل","lvl":8,"sub":2},{"id":6157,"title":"عدة زوجة الصغير بعد وفاته","lvl":8,"sub":0},{"id":6158,"title":"2 - عدة المتوفى عنها زوجها","lvl":7,"sub":0},{"id":6159,"title":"3 - عدة المطلقة","lvl":7,"sub":0},{"id":6160,"title":"4 - عدة من لم تحض لصغر أو كبر سن بسبب بلوغ سن اليأس، ومن لم تحض أصلا","lvl":7,"sub":0},{"id":6160,"title":"سن اليأس","lvl":8,"sub":1},{"id":6160,"title":"سن الحيض","lvl":8,"sub":2},{"id":6160,"title":"سن البلوغ","lvl":8,"sub":3},{"id":6160,"title":"موقف القانون من النوعين الأخيرين ومن ممتدة الطهر","lvl":8,"sub":4},{"id":6161,"title":"5 - عدة المرتابة (ممتدة الطهر) والمستحاضة","lvl":7,"sub":0},{"id":6163,"title":"6 - عدة المفقود زوجها","lvl":7,"sub":0},{"id":6164,"title":"المبحث الثالث ـ تحول العدة أو انتقالها وتغيرها","lvl":5,"sub":0},{"id":6164,"title":"أولا ـ تحول العدة من الأشهر إلى الأقراء","lvl":6,"sub":1},{"id":6164,"title":"ثانيا ـ تحول العدة من الأقراء إلى الأشهر أو وضع الحمل","lvl":6,"sub":2},{"id":6165,"title":"ثالثا ـ الانتقال إلى عدة وفاة","lvl":6,"sub":0},{"id":6166,"title":"رابعا ـ العدة بأبعد الأجلين ـ عدة طلاق الفار","lvl":6,"sub":0},{"id":6167,"title":"المبحث الرابع ـ وقت ابتداء العدة وما يعرف به انقضاؤها","lvl":5,"sub":0},{"id":6167,"title":"ابتداء العدة","lvl":6,"sub":1},{"id":6168,"title":"تداخل العدتين","lvl":6,"sub":0},{"id":6170,"title":"ما يعرف به انقضاء العدة","lvl":6,"sub":0},{"id":6170,"title":"الفعل","lvl":7,"sub":1},{"id":6170,"title":"القول","lvl":7,"sub":2},{"id":6172,"title":"المبحث الخامس ـ أحكام العدد أو حقوق المعتدة وواجباتها","lvl":5,"sub":0},{"id":6172,"title":"أولا ـ تحريم الخطبة","lvl":6,"sub":1},{"id":6172,"title":"ثانيا ـ تحريم الزواج","lvl":6,"sub":2},{"id":6173,"title":"ثالثا ـ حرمة الخروج من البيت","lvl":6,"sub":0},{"id":6173,"title":"الحنفية","lvl":7,"sub":1},{"id":6174,"title":"المالكية والحنابلة","lvl":7,"sub":0},{"id":6175,"title":"الشافعية","lvl":7,"sub":0},{"id":6175,"title":"منزل البدوية","lvl":7,"sub":1},{"id":6176,"title":"رابعا ـ السكنى في بيت الزوجية والنفقة","lvl":6,"sub":0},{"id":6177,"title":"نفقة المعتدة","lvl":7,"sub":0},{"id":6179,"title":"خامسا ـ الإحداد أو الحداد","lvl":6,"sub":0},{"id":6179,"title":"الإحداد أو الحداد","lvl":7,"sub":1},{"id":6179,"title":"مدة الحداد","lvl":7,"sub":2},{"id":6179,"title":"الحداد أيضا على المبتوتة أو المطلقة طلاقا بائنا","lvl":7,"sub":3},{"id":6180,"title":"يكون الإحداد بترك التجميل، وهو أن تجتنب ما يلي","lvl":7,"sub":0},{"id":6181,"title":"سادسا ـ ثبوت نسب الولد المولود في العدة","lvl":6,"sub":0},{"id":6182,"title":"سابعا ـ ثبوت الإرث في العدة","lvl":6,"sub":0},{"id":6182,"title":"ثامنا ـ لحوق الطلاق في العدة","lvl":6,"sub":1},{"id":6183,"title":"الاستبراء","lvl":4,"sub":0},{"id":6183,"title":"معناه","lvl":5,"sub":1},{"id":6183,"title":"حكمه","lvl":5,"sub":2},{"id":6183,"title":"أسبابه","lvl":5,"sub":3},{"id":6183,"title":"رأي الحنفية","lvl":6,"sub":4},{"id":6183,"title":"الشافعية","lvl":6,"sub":5},{"id":6184,"title":"الحنابلة","lvl":6,"sub":0},{"id":6185,"title":"مذهب المالكية","lvl":6,"sub":0},{"id":6186,"title":"نوع الاستبراء ومدته","lvl":5,"sub":0},{"id":6186,"title":"هل هناك عدة بسبب الزنا أو بعد زواج باطل؟","lvl":5,"sub":1},{"id":6188,"title":"- - - -الجزء العاشر- - - -","lvl":1,"sub":0},{"id":6188,"title":"((الباب الثالث: حقوق الأولاد))","lvl":2,"sub":1},{"id":6188,"title":"الفصل الأول: النسب","lvl":3,"sub":2},{"id":6188,"title":"تمهيد ـ عناية الشرع بالنسب وتحريم التبني والإلحاق من طريق غير مشروع","lvl":4,"sub":3},{"id":6191,"title":"المبحث الأول ـ أسباب ثبوت النسب","lvl":4,"sub":0},{"id":6191,"title":"مدة الحمل","lvl":5,"sub":1},{"id":6191,"title":"أقل الحمل","lvl":6,"sub":2},{"id":6192,"title":"أكثر مدة الحمل","lvl":6,"sub":0},{"id":6193,"title":"الخلاف في الولادة وتعيين المولود","lvl":5,"sub":0},{"id":6193,"title":"الخلاف في ولادة المعتدة","lvl":6,"sub":1},{"id":6194,"title":"الاختلاف بين الزوجين في تعيين المولود","lvl":6,"sub":0},{"id":6195,"title":"إثبات نسب الولد بالقيافة","lvl":5,"sub":0},{"id":6196,"title":"سبب ثبوت نسب الولد من أمه","lvl":5,"sub":1},{"id":6196,"title":"أسباب ثبوت النسب من الأب","lvl":5,"sub":2},{"id":6196,"title":"أولا ـ الزواج الصحيح","lvl":6,"sub":3},{"id":6196,"title":"الشروط","lvl":7,"sub":4},{"id":6196,"title":"الشرط الأول ـ أن يكون الزوج ممن يتصور منه الحمل عادة","lvl":8,"sub":5},{"id":6197,"title":"الشرط الثاني ـ أن يلد الولد بعد ستة أشهر من وقت الزواج","lvl":8,"sub":0},{"id":6197,"title":"الشرط الثالث ـ إمكان تلاقي الزوجين بعد العقد","lvl":8,"sub":1},{"id":6198,"title":"موقف القانون من هذا السبب","lvl":7,"sub":0},{"id":6199,"title":"وقت ثبوت النسب بعد الفرقة من زواج صحيح","lvl":7,"sub":0},{"id":6200,"title":"موقف القانون","lvl":8,"sub":0},{"id":6201,"title":"ثانيا ـ الزواج الفاسد","lvl":6,"sub":0},{"id":6201,"title":"يشترط لثبوت النسب بالزواج الفاسد","lvl":7,"sub":1},{"id":6201,"title":"1 - أن يكون الرجل ممن يتصور منه الحمل","lvl":8,"sub":2},{"id":6201,"title":"2 - تحقق الدخول بالمرأة أو الخلوة بها","lvl":8,"sub":3},{"id":6201,"title":"3 - أن تلد المرأة بعد ستة أشهر أو أكثر من تاريخ الدخول أو الخلوة","lvl":8,"sub":4},{"id":6201,"title":"وقت ثبوت النسب بعد الفرقة من زواج فاسد","lvl":7,"sub":5},{"id":6201,"title":"موقف القانون","lvl":7,"sub":6},{"id":6202,"title":"ثالثا ـ الوطء بشبهة","lvl":6,"sub":0},{"id":6202,"title":"الوطء بشبهة","lvl":7,"sub":1},{"id":6202,"title":"موقف القانون","lvl":7,"sub":2},{"id":6202,"title":"آثار النسب","lvl":7,"sub":3},{"id":6203,"title":"المبحث الثاني ـ طرق إثبات النسب","lvl":4,"sub":0},{"id":6203,"title":"الطريق الأول ـ الزواج الصحيح أو الفاسد","lvl":5,"sub":1},{"id":6203,"title":"الطريق الثاني ـ الإقرار بالنسب أوادعاء الولد","lvl":5,"sub":2},{"id":6203,"title":"الإقرار بالنسب على نفس المقر","lvl":6,"sub":3},{"id":6207,"title":"الإقرار بنسب محمول على الغير","lvl":6,"sub":0},{"id":6207,"title":"موقف القانون","lvl":6,"sub":1},{"id":6208,"title":"نوع البينة في إثبات النسب على الغير","lvl":6,"sub":0},{"id":6208,"title":"الفرق بين الإقرار بالنسب وبين التبني","lvl":6,"sub":1},{"id":6209,"title":"الطريق الثالث ـ البينة","lvl":5,"sub":0},{"id":6209,"title":"نوع البينة التي يثبت بها النسب","lvl":6,"sub":1},{"id":6209,"title":"الشهادة بالتسامع لإثبات النسب","lvl":6,"sub":2},{"id":6210,"title":"الفصل الثاني: الرضاع","lvl":3,"sub":0},{"id":6210,"title":"المبحث الأول ـ حق الولد الصغير في الرضاع","lvl":4,"sub":1},{"id":6210,"title":"المطلب الأول ـ هل يجب الإرضاع على الأم؟","lvl":5,"sub":2},{"id":6213,"title":"استئجار المرضع","lvl":6,"sub":0},{"id":6213,"title":"المطلب الثاني ـ حالة استحقاق الأم أجرة الرضاع، ومدة الاستحقاق وبدء الاستحقاق","lvl":5,"sub":1},{"id":6213,"title":"أولا ـ حالة استحقاق الأم أجرة الرضاع","lvl":6,"sub":2},{"id":6214,"title":"ثانيا ـ مدة الاستحقاق","lvl":6,"sub":0},{"id":6215,"title":"ثالثا ـ بدء الاستحقاق","lvl":6,"sub":0},{"id":6215,"title":"المطلب الثالث ـ التفضيل بين الأم والمتبرعة بالرضاع","lvl":5,"sub":1},{"id":6216,"title":"المطلب الرابع ـ المكلف بأجرة الرضاع ومقدار الأجرة","lvl":5,"sub":0},{"id":6217,"title":"واجب المرضع","lvl":6,"sub":0},{"id":6217,"title":"مقدار الأجرة","lvl":6,"sub":1},{"id":6217,"title":"موقف القانون السوري من أجرة الرضاع","lvl":6,"sub":2},{"id":6218,"title":"المبحث الثاني ـ شروط الرضاع المحرم للزواج عند الفقهاء","lvl":4,"sub":0},{"id":6218,"title":"1 - أن يكون لبن امرأة آدمية","lvl":5,"sub":1},{"id":6219,"title":"2- أن يتحقق من وصول اللبن إلى معدة الرضيع","lvl":5,"sub":0},{"id":6219,"title":"3 - أن يحصل الإرضاع بطريق الفم أو الأنف","lvl":5,"sub":1},{"id":6220,"title":"4 - ألا يخلط اللبن بغيره","lvl":5,"sub":0},{"id":6220,"title":"5 - أن يكون الرضاع في حال الصغر","lvl":5,"sub":1},{"id":6224,"title":"6 - أن يكون الرضاع خمس رضعات متفرقات فصاعدا","lvl":5,"sub":0},{"id":6225,"title":"المبحث الثالث ـ ما يثبت به الرضاع","lvl":4,"sub":0},{"id":6225,"title":"1 - أما الإقرار","lvl":5,"sub":1},{"id":6228,"title":"2 - وأما البينة","lvl":5,"sub":0},{"id":6229,"title":"الفصل الثالث: الحضانة أو كفالة الطفل","lvl":3,"sub":0},{"id":6229,"title":"المبحث الأول ـ معنى الحضانة وحكمها وصاحب الحق فيها","lvl":4,"sub":1},{"id":6229,"title":"معنى الحضانة","lvl":5,"sub":2},{"id":6230,"title":"حكمها","lvl":5,"sub":0},{"id":6231,"title":"صاحب الحق في الحضانة","lvl":5,"sub":0},{"id":6231,"title":"المبحث الثاني ـ ترتيب درجات الحواضن أو مستحقي الحضانة","lvl":4,"sub":1},{"id":6231,"title":"أولا ـ من النساء","lvl":5,"sub":2},{"id":6233,"title":"ترتيب الحواضن من النساء في المذاهب","lvl":6,"sub":0},{"id":6234,"title":"موقف القانون","lvl":6,"sub":0},{"id":6234,"title":"ثانيا ـ من الرجال","lvl":5,"sub":1},{"id":6235,"title":"تعدد أصحاب الحق","lvl":6,"sub":0},{"id":6235,"title":"مهمة الحاضنة والأب","lvl":6,"sub":1},{"id":6236,"title":"المبحث الثالث ـ شروط استحقاق الحضانة، أو شروط المحضون والحاضنة","lvl":4,"sub":0},{"id":6236,"title":"شروط المحضون","lvl":5,"sub":1},{"id":6236,"title":"شروط الحواضن","lvl":5,"sub":2},{"id":6236,"title":"النوع الأول ـ الشروط العامة في النساء والرجال","lvl":5,"sub":3},{"id":6238,"title":"مدة بقاء المحضون عند الحاضنة غير المسلمة","lvl":6,"sub":0},{"id":6239,"title":"النوع الثاني ـ شروط أخرى في النساء","lvl":5,"sub":0},{"id":6240,"title":"النوع الثالث - شروط خاصة بالرجال","lvl":5,"sub":0},{"id":6241,"title":"ما يتبع شروط الحضانة من أمور","lvl":5,"sub":0},{"id":6241,"title":"أولا ـ سقوط الحضانة","lvl":6,"sub":1},{"id":6241,"title":"ثانيا ـ عودة الحق في الحضانة","lvl":6,"sub":2},{"id":6243,"title":"ثالثا ـ هل تجبر الأم على الحضانة؟","lvl":6,"sub":0},{"id":6243,"title":"رابعا ـ سكوت صاحب الحق في الحضانة عن طلبها","lvl":6,"sub":1},{"id":6244,"title":"المبحث الرابع ـ أجرة الحضانة وتوابعها من السكنى والخدمة","lvl":4,"sub":0},{"id":6244,"title":"هل تجب الأجرة على الحضانة؟","lvl":5,"sub":1},{"id":6244,"title":"التفضيل بين الأم والمتبرعة بالحضانة","lvl":5,"sub":2},{"id":6245,"title":"أجرة مسكن الحضانة وأجرة الخادم","lvl":5,"sub":0},{"id":6246,"title":"المكلف بنفقة الحضانة","lvl":5,"sub":0},{"id":6246,"title":"موقف القانون","lvl":5,"sub":1},{"id":6246,"title":"بدء استحقاق نفقات الحضانة","lvl":5,"sub":2},{"id":6247,"title":"المبحث الخامس ـ مكان الحضانة والانتقال بالصغير إلى بلد آخر، وحق زيارته","lvl":4,"sub":0},{"id":6247,"title":"مكان الحضانة","lvl":5,"sub":1},{"id":6248,"title":"انتقال الأب أو من يقوم مقامه إلى بلد آخر","lvl":5,"sub":0},{"id":6249,"title":"زيارة الولد","lvl":5,"sub":0},{"id":6251,"title":"المبحث السادس ـ مدة الحضانة وما يترتب على انتهائها من ضم الولد لأبيه","lvl":4,"sub":0},{"id":6252,"title":"السبب في اختلاف الغلام والفتاة","lvl":5,"sub":0},{"id":6254,"title":"موقف القانون","lvl":5,"sub":0},{"id":6254,"title":"مايترتب على انتهاء مدة الحضانة من ضم الولد لأبيه أو جده","lvl":5,"sub":1},{"id":6255,"title":"الفصل الرابع: الولاية","lvl":3,"sub":0},{"id":6256,"title":"المبحث الأول ـ الولاية على النفس","lvl":4,"sub":0},{"id":6256,"title":"أولا ـ الولي على النفس وصلاحياته","lvl":5,"sub":1},{"id":6256,"title":"ثانيا ـ شروط الولي على النفس","lvl":5,"sub":2},{"id":6256,"title":"موقف القانون","lvl":6,"sub":3},{"id":6257,"title":"ثالثا ـ انتهاء الولاية على النفس","lvl":5,"sub":0},{"id":6258,"title":"المبحث الثاني ـ الولاية على المال","lvl":4,"sub":0},{"id":6258,"title":"أولا ـ الولي على المال","lvl":5,"sub":1},{"id":6258,"title":"حكم القانون","lvl":6,"sub":2},{"id":6259,"title":"ثانيا ـ شروط الولي على المال","lvl":5,"sub":0},{"id":6259,"title":"ثالثا ـ تصرفات الولي على المال","lvl":5,"sub":1},{"id":6259,"title":"تصرفات الأب","lvl":6,"sub":2},{"id":6260,"title":"حكم القانون","lvl":6,"sub":0},{"id":6261,"title":"الولي الخاص","lvl":7,"sub":0},{"id":6262,"title":"رابعا ـ شروط الوصي المختار ـ وصي الأب وتصرفاته","lvl":5,"sub":0},{"id":6262,"title":"الوصي نوعان","lvl":6,"sub":1},{"id":6262,"title":"1 - الوصي المختار","lvl":7,"sub":2},{"id":6262,"title":"2 - وصي القاضي","lvl":7,"sub":3},{"id":6262,"title":"شروط الوصي","lvl":6,"sub":4},{"id":6263,"title":"حكم القانون","lvl":6,"sub":0},{"id":6263,"title":"الوصي المؤقت","lvl":7,"sub":1},{"id":6264,"title":"تصرفات الوصي المختار","lvl":6,"sub":0},{"id":6266,"title":"خامسا ـ القاضي ووصيه وتصرفاته","lvl":5,"sub":0},{"id":6266,"title":"حكم القانون","lvl":6,"sub":1},{"id":6266,"title":"سادسا ـ انتهاء الولاية والوصاية","lvl":5,"sub":2},{"id":6268,"title":"الفصل الخامس: النفقات","lvl":3,"sub":0},{"id":6268,"title":"نفقة الزوجة والأقارب","lvl":4,"sub":1},{"id":6268,"title":"نفقة الحيوان","lvl":5,"sub":2},{"id":6270,"title":"مبادئ عامة في النفقات","lvl":4,"sub":0},{"id":6270,"title":"1 - معنى النفقة وأسبابها","lvl":5,"sub":1},{"id":6270,"title":"النفقة","lvl":6,"sub":2},{"id":6270,"title":"النفقة قسمان","lvl":6,"sub":3},{"id":6270,"title":"2 - الحقوق الواجبة بالزوجية","lvl":5,"sub":5},{"id":6270,"title":"3 - القرابة الموجبة للنفقة","lvl":5,"sub":6},{"id":6270,"title":"أ ـ مذهب المالكية","lvl":6,"sub":7},{"id":6271,"title":"ب ـ مذهب الشافعية","lvl":6,"sub":0},{"id":6272,"title":"جـ ـ مذهب الحنفية","lvl":6,"sub":0},{"id":6272,"title":"د ـ مذهب الحنابلة","lvl":6,"sub":1},{"id":6273,"title":"4 - مبدأ كفاية النفقة للقريب والزوجة","lvl":5,"sub":0},{"id":6274,"title":"5 - شروط وجوب النفقة","lvl":5,"sub":0},{"id":6275,"title":"شرط اتحاد الدين","lvl":6,"sub":0},{"id":6276,"title":"حد اليسار والإعسار","lvl":6,"sub":0},{"id":6277,"title":"العجز عن الكسب والقدرة عليه","lvl":6,"sub":0},{"id":6279,"title":"6 - النفقة بسبب الحاجة","lvl":5,"sub":0},{"id":6279,"title":"7 - استقلال الأب بنفقة أولاده","lvl":5,"sub":1},{"id":6279,"title":"8 - استقلال الولد بنفقة أبويه","lvl":5,"sub":2},{"id":6280,"title":"9 - هل الإعفاف أو التزويج من النفقة الواجبة؟","lvl":5,"sub":0},{"id":6281,"title":"نفقة زوجة الأب","lvl":6,"sub":0},{"id":6282,"title":"نفقة زوجة الابن","lvl":6,"sub":0},{"id":6282,"title":"10 - هل تتوقف النفقة على القضاء؟","lvl":5,"sub":1},{"id":6282,"title":"11 - سقوط النفقة","lvl":5,"sub":2},{"id":6282,"title":"سقوط نفقة الزوجة","lvl":6,"sub":3},{"id":6286,"title":"سقوط نفقة الأقارب","lvl":6,"sub":0},{"id":6287,"title":"12 - جزاء الامتناع عن النفقة","lvl":5,"sub":0},{"id":6288,"title":"13 - تعدد مستحقي النفقة","lvl":5,"sub":0},{"id":6289,"title":"14 - متى تجب النفقة على بيت المال أو الدولة؟","lvl":5,"sub":0},{"id":6290,"title":"المبحث الأول ـ نفقة الزوجة","lvl":4,"sub":0},{"id":6290,"title":"المطلب الأول ـ معنى النفقة وأنواعها، ووجوبها، ومن تجب عليه، وسبب وجوبها","lvl":5,"sub":1},{"id":6290,"title":"معنى النفقة","lvl":6,"sub":2},{"id":6290,"title":"وجوبها","lvl":6,"sub":3},{"id":6292,"title":"من تجب عليه","lvl":6,"sub":0},{"id":6292,"title":"سبب وجوبها","lvl":6,"sub":1},{"id":6293,"title":"المطلب الثاني ـ شروط وجوب النفقة","lvl":5,"sub":0},{"id":6293,"title":"عند الجمهور","lvl":6,"sub":1},{"id":6293,"title":"حكم القانون","lvl":6,"sub":2},{"id":6294,"title":"عند المالكية","lvl":6,"sub":0},{"id":6294,"title":"قبل الدخول","lvl":7,"sub":2},{"id":6294,"title":"بعد الدخول","lvl":7,"sub":3},{"id":6295,"title":"مايترتب على شروط وجوب النفقة من مسائل","lvl":6,"sub":0},{"id":6295,"title":"المسألة الأولى ـ الزوجة الناشزة","lvl":7,"sub":1},{"id":6295,"title":"المسألة الثانية ـ الزوجة العاملة أو الموظفة","lvl":7,"sub":2},{"id":6297,"title":"المسألة الثالثة ـ الزوجة المريضة","lvl":7,"sub":0},{"id":6297,"title":"نفقات العلاج","lvl":8,"sub":1},{"id":6298,"title":"المسألة الرابعة ـ الامتناع من الدخول أو الانتقال لبيت الزوج لعذر","lvl":7,"sub":0},{"id":6298,"title":"المسألة الخامسة ـ حبس الزوجة","lvl":7,"sub":1},{"id":6298,"title":"المسألة السادسة ـ سفر الزوجة","lvl":7,"sub":2},{"id":6299,"title":"المسألة السابعة ـ انتقال الزوج إلى بلد آخر","lvl":7,"sub":0},{"id":6300,"title":"المسألة الثامنة ـ حبس الزوج أو مرضه","lvl":7,"sub":0},{"id":6300,"title":"المطلب الثالث ـ كيفية تقدير النفقة بأنواعها والحكم القضائي بها","lvl":5,"sub":1},{"id":6300,"title":"الواجب الأول ـ الطعام وتوابعه","lvl":6,"sub":2},{"id":6300,"title":"ما تقدر به نفقة الطعام","lvl":7,"sub":3},{"id":6303,"title":"حال من تقدر به نفقة الطعام","lvl":7,"sub":0},{"id":6304,"title":"المدة التي تقدر بها نفقة الطعام","lvl":7,"sub":0},{"id":6304,"title":"الواجب الثاني ـ الكسوة","lvl":6,"sub":1},{"id":6306,"title":"الواجب الثالث ـ المسكن","lvl":6,"sub":0},{"id":6308,"title":"الواجب الرابع ـ نفقة الخادم إن كانت ممن تخدم","lvl":6,"sub":0},{"id":6309,"title":"الخادم","lvl":7,"sub":0},{"id":6310,"title":"الواجب الخامس ـ آلة التنظيف ومتاع البيت","lvl":6,"sub":0},{"id":6312,"title":"الحكم القضائي بالنفقة وتعديلها","lvl":6,"sub":0},{"id":6312,"title":"كيف يقدر القاضي النفقة؟","lvl":6,"sub":1},{"id":6312,"title":"الاستدانة أثناء الدعوى","lvl":6,"sub":2},{"id":6313,"title":"المطلب الرابع ـ أحكام النفقة الزوجية","lvl":5,"sub":0},{"id":6313,"title":"أولا ـ حكم الامتناع عن الإنفاق","lvl":6,"sub":1},{"id":6313,"title":"ثانيا ـ إعسار الزوج بالنفقة","lvl":6,"sub":2},{"id":6313,"title":"الجمهور غير المالكية","lvl":7,"sub":3},{"id":6313,"title":"الحنفية","lvl":8,"sub":4},{"id":6314,"title":"الشافعية والحنابلة","lvl":8,"sub":0},{"id":6314,"title":"المالكية","lvl":7,"sub":1},{"id":6314,"title":"الحكم القانوني","lvl":7,"sub":2},{"id":6315,"title":"ثالثا ـ نفقة زوجة الغائب","lvl":6,"sub":0},{"id":6317,"title":"رابعا ـ متى تعتبر النفقة دينا على الزوج؟","lvl":6,"sub":0},{"id":6317,"title":"1 - قال الحنفية","lvl":7,"sub":1},{"id":6318,"title":"2 - وقال الجمهور","lvl":7,"sub":0},{"id":6319,"title":"خامسا ـ نفقة المعتدة","lvl":6,"sub":0},{"id":6319,"title":"نفقة الحمل","lvl":7,"sub":1},{"id":6319,"title":"حكم القانون السوري بنفقة العدة","lvl":7,"sub":2},{"id":6320,"title":"سادسا ـ تعجيل النفقة","lvl":6,"sub":0},{"id":6320,"title":"سابعا ـ الإبراء من النفقة","lvl":6,"sub":1},{"id":6321,"title":"ثامنا ـ المقاصة بدين النفقة","lvl":6,"sub":0},{"id":6322,"title":"تاسعا ـ الكفالة بالنفقة","lvl":6,"sub":0},{"id":6322,"title":"الكفالة بالنفقة بسبب السفر","lvl":7,"sub":1},{"id":6322,"title":"كفالة النفقة الماضية والمستقبلة","lvl":7,"sub":2},{"id":6322,"title":"عاشرا ـ الصلح عن النفقة","lvl":6,"sub":3},{"id":6323,"title":"المبحث الثاني ـ نفقة الأولاد أو الفروع","lvl":4,"sub":0},{"id":6323,"title":"المطلب الأول ـ وجوب الإنفاق على الفروع وتعيينهم","lvl":5,"sub":1},{"id":6324,"title":"المطلب الثاني ـ شروط وجوب النفقة على الأولاد","lvl":5,"sub":0},{"id":6324,"title":"1 - أن يكون الأصل قادرا على الإنفاق بيسار أو قدرة على الكسب","lvl":6,"sub":1},{"id":6324,"title":"2 - أن يكون الولد فقيرا معسرا لا مال له، ولا قدرة له على الاكتساب","lvl":6,"sub":2},{"id":6325,"title":"العجز عن الكسب يكون بإحدى الصفات التالية","lvl":7,"sub":0},{"id":6325,"title":"1 ) ـ الصغر","lvl":8,"sub":1},{"id":6326,"title":"2 ) ـ الأنوثة","lvl":8,"sub":0},{"id":6326,"title":"3 ) ـ المرض المانع من العمل","lvl":8,"sub":1},{"id":6326,"title":"4 ) ـ طلب العلم الذي يشغل عن التكسب","lvl":8,"sub":2},{"id":6327,"title":"3 - ألا يختلف الدين","lvl":6,"sub":0},{"id":6328,"title":"المطلب الثالث ـ من تجب عليه نفقة الأولاد","lvl":5,"sub":0},{"id":6330,"title":"المطلب الرابع ـ مقدار نفقة الأولاد وصيرورتها دينا وسقوطها وتعجيلها","lvl":5,"sub":0},{"id":6331,"title":"المبحث الثالث ـ نفقة الأصول ـ أو الآباء والأمهات","lvl":4,"sub":0},{"id":6331,"title":"المطلب الأول ـ وجوب نفقة الأصول وتعيينهم","lvl":5,"sub":1},{"id":6333,"title":"المطلب الثاني ـ شروط وجوب النفقة للأصول","lvl":5,"sub":0},{"id":6334,"title":"المطلب الثالث ـ من تجب عليه نفقة الأصول","lvl":5,"sub":0},{"id":6334,"title":"تعدد الفروع","lvl":6,"sub":1},{"id":6335,"title":"المطلب الرابع ـ مقدار نفقة الأصول","lvl":5,"sub":0},{"id":6336,"title":"المبحث الرابع ـ نفقة الحواشي وذوي الأرحام","lvl":4,"sub":0},{"id":6336,"title":"المطلب الأول ـ وجوب نفقة الأقرباء من غير الأصول والفروع","lvl":5,"sub":1},{"id":6337,"title":"الأول ـ مذهب الحنفية","lvl":6,"sub":0},{"id":6337,"title":"الثاني ـ مذهب الحنابلة","lvl":6,"sub":1},{"id":6337,"title":"الثالث ـ مذهب المالكية والشافعية","lvl":6,"sub":2},{"id":6338,"title":"المطلب الثاني ـ شروط وجوب نفقة الحواشي وذوي الأرحام","lvl":5,"sub":0},{"id":6338,"title":"حد اليسار الذي يتعلق به وجوب هذه النفقة","lvl":6,"sub":1},{"id":6339,"title":"المطلب الثالث ـ من تجب عليهم نفقة الأقارب","lvl":5,"sub":0},{"id":6339,"title":"مذهب الحنفية","lvl":6,"sub":1},{"id":6340,"title":"الحالة الأولى ـ أن يكون لمستحق النفقة أصول وفروع","lvl":7,"sub":0},{"id":6340,"title":"الحالة الثانية ـ أن يكون لمستحق النفقة أصول وحواشي","lvl":7,"sub":1},{"id":6340,"title":"الحالة الثالثة ـ أن يكون لمستحق النفقة فروع وحواشي","lvl":7,"sub":2},{"id":6341,"title":"الحالة الرابعة ـ أن يكون لمستحق النفقة خليط من الأصول والفروع والحواشي","lvl":7,"sub":0},{"id":6341,"title":"مذهب الحنابلة","lvl":6,"sub":1},{"id":6342,"title":"مذهب الشافعية","lvl":6,"sub":0},{"id":6343,"title":"مذهب المالكية","lvl":6,"sub":0},{"id":6343,"title":"نفقة الأقارب في القانون السوري","lvl":6,"sub":1},{"id":6344,"title":"((الباب الرابع: الوصايا))","lvl":2,"sub":0},{"id":6345,"title":"الفصل الأول: الوصية","lvl":3,"sub":0},{"id":6345,"title":"تمهيد","lvl":4,"sub":1},{"id":6345,"title":"تاريخ الوصية","lvl":5,"sub":2},{"id":6346,"title":"قيدت الوصية المشروعة في الإسلام بقيدين","lvl":5,"sub":0},{"id":6346,"title":"المبحث الأول ـ معنى الوصية ومشروعيتها وركنها وكيفية انعقادها وأثره","lvl":4,"sub":1},{"id":6346,"title":"أولا ـ معنى الوصية ونوعاها","lvl":5,"sub":2},{"id":6347,"title":"نوعاها","lvl":6,"sub":0},{"id":6347,"title":"المطلقة","lvl":7,"sub":1},{"id":6347,"title":"المقيدة أو المعلقة","lvl":7,"sub":2},{"id":6348,"title":"ثانيا ـ مشروعية الوصية","lvl":5,"sub":0},{"id":6348,"title":"أدلة المشروعية","lvl":6,"sub":1},{"id":6349,"title":"سبب المشروعية أو حكمتها","lvl":6,"sub":0},{"id":6349,"title":"نوع حكم الوصية الشرعي","lvl":6,"sub":1},{"id":6351,"title":"الوصية أربعة أنواع بحسب صفة حكمها الشرعي","lvl":6,"sub":0},{"id":6351,"title":"1 - واجبة","lvl":7,"sub":1},{"id":6351,"title":"2 - مستحبة","lvl":7,"sub":2},{"id":6351,"title":"4 - مكروهة تحريما","lvl":7,"sub":3},{"id":6351,"title":"حراما","lvl":7,"sub":4},{"id":6352,"title":"ثالثا ـ أركان الوصية","lvl":5,"sub":0},{"id":6354,"title":"رابعا ـ كيفية انعقاد الوصية أو طرق إنشائها وأثر العقد","lvl":5,"sub":0},{"id":6354,"title":"العبارة","lvl":6,"sub":1},{"id":6354,"title":"الكتابة","lvl":6,"sub":2},{"id":6355,"title":"الإشارة المفهمة","lvl":6,"sub":0},{"id":6356,"title":"القبول المطلوب","lvl":6,"sub":0},{"id":6356,"title":"هل تشترط الفورية في القبول؟","lvl":6,"sub":1},{"id":6357,"title":"تجزؤ الرد ورد البعض دون البعض","lvl":6,"sub":0},{"id":6357,"title":"الرجوع عن الرد أو القبول","lvl":6,"sub":1},{"id":6358,"title":"من يملك القبول والرد","lvl":6,"sub":0},{"id":6359,"title":"موت الموصى له بلا قبول ولا رد","lvl":6,"sub":0},{"id":6359,"title":"وقت ثبوت ملكية الموصى به للموصى له","lvl":6,"sub":1},{"id":6361,"title":"تعليق الوصية على شرط","lvl":6,"sub":0},{"id":6362,"title":"تقييد الوصية بشرط صحيح","lvl":6,"sub":0},{"id":6363,"title":"المبحث الثاني ـ شروط الوصية","lvl":4,"sub":0},{"id":6363,"title":"المطلب الأول ـ شروط الموصي","lvl":5,"sub":1},{"id":6363,"title":"شروط الصحة في الموصي","lvl":6,"sub":2},{"id":6365,"title":"شرط نفاذ الوصية في الموصي","lvl":6,"sub":0},{"id":6366,"title":"المطلب الثاني ـ شروط الموصى له","lvl":5,"sub":0},{"id":6366,"title":"شروط الصحة","lvl":6,"sub":1},{"id":6366,"title":"الوصية لجهة معصية","lvl":7,"sub":2},{"id":6367,"title":"الوصية للمعدوم","lvl":7,"sub":0},{"id":6367,"title":"الوصية للحمل وبالحمل","lvl":7,"sub":2},{"id":6367,"title":"الوصية بالحمل","lvl":8,"sub":4},{"id":6368,"title":"الوصية للحمل","lvl":8,"sub":0},{"id":6368,"title":"قال الزيلعي والشلبي وصاحب الدر والهداية من الحنفية","lvl":9,"sub":1},{"id":6368,"title":"قال الشافعية","lvl":9,"sub":2},{"id":6368,"title":"قال الحنابلة","lvl":9,"sub":3},{"id":6369,"title":"قال المالكية","lvl":9,"sub":0},{"id":6370,"title":"القانون","lvl":9,"sub":0},{"id":6371,"title":"الوصية للمجهول","lvl":7,"sub":0},{"id":6373,"title":"الوصية للدابة","lvl":7,"sub":0},{"id":6374,"title":"الوصية للقاتل","lvl":7,"sub":0},{"id":6377,"title":"الوصية لأهل الحرب","lvl":7,"sub":0},{"id":6378,"title":"اتحاد الدين","lvl":7,"sub":0},{"id":6378,"title":"وصايا غير المسلمين ـ أهل الذمة","lvl":7,"sub":1},{"id":6379,"title":"شرط نفاذ الوصية في الموصى له","lvl":6,"sub":0},{"id":6379,"title":"الوصية للوارث","lvl":7,"sub":1},{"id":6380,"title":"يشترط لصحة الإجازة شرطان","lvl":8,"sub":0},{"id":6380,"title":"من الوارث الذي يجيز؟","lvl":8,"sub":1},{"id":6381,"title":"القائلون بمشروعية الوصية للوارث","lvl":8,"sub":0},{"id":6382,"title":"المطلب الثالث ـ شروط الموصى به","lvl":5,"sub":0},{"id":6382,"title":"شروط الصحة","lvl":6,"sub":1},{"id":6382,"title":"1 - أن يكون الموصى به مالا قابلا للتوارث","lvl":7,"sub":2},{"id":6383,"title":"2 - أن يكون المال الموصى به متقوما في عرف الشرع","lvl":7,"sub":0},{"id":6383,"title":"3 - أن يكون قابلا للتمليك وإن كان معدوما وقت الوصية","lvl":7,"sub":1},{"id":6385,"title":"4 - أن يكون الموصى به مملوكا للموصي عند إنشاء الوصية إذا كان معينا بالذات","lvl":7,"sub":0},{"id":6385,"title":"القانون","lvl":8,"sub":1},{"id":6385,"title":"المصري","lvl":9,"sub":2},{"id":6385,"title":"السوري","lvl":9,"sub":3},{"id":6386,"title":"5 - ألا يكون الموصى به معصية أو محرما شرعا","lvl":7,"sub":0},{"id":6386,"title":"أمثلة الحنفية","lvl":8,"sub":1},{"id":6387,"title":"أمثلة المعصية عند المالكية","lvl":8,"sub":0},{"id":6388,"title":"أمثلة المعصية أو ما لا قربة فيه عند الشافعية","lvl":8,"sub":0},{"id":6388,"title":"من الوصايا الباطلة عند الشافعية والحنابلة","lvl":8,"sub":1},{"id":6388,"title":"من أمثلة المعصية أو الفعل المحرم سواء أكان الموصي مسلما أم ذميا عند الحنابلة","lvl":8,"sub":2},{"id":6389,"title":"ما يشترط في الموصى به لنفاذ الوصية","lvl":6,"sub":0},{"id":6389,"title":"الحجر بسبب الدين المستغرق","lvl":7,"sub":1},{"id":6389,"title":"الوصية بالزائد عن الثلث","lvl":7,"sub":2},{"id":6389,"title":"استحباب الوصية بما دون الثلث","lvl":7,"sub":3},{"id":6390,"title":"المبحث الثالث ـ أحكام الوصية","lvl":4,"sub":0},{"id":6390,"title":"المطلب الأول ـ صفة الوصية شرعا والرجوع عنها","lvl":5,"sub":1},{"id":6392,"title":"الرجوع عن الوصية في القانون","lvl":6,"sub":0},{"id":6393,"title":"المطلب الثاني ـ الأثر المترتب على الوصية","lvl":5,"sub":0},{"id":6394,"title":"المطلب الثالث ـ أحكام الموصي","lvl":5,"sub":0},{"id":6394,"title":"وصية المدين","lvl":6,"sub":1},{"id":6394,"title":"وصية غير المسلم","lvl":6,"sub":2},{"id":6394,"title":"1 - وصية الذمي","lvl":7,"sub":3},{"id":6396,"title":"2 - وصية الحربي","lvl":7,"sub":0},{"id":6396,"title":"3 - وصية المرتد","lvl":7,"sub":2},{"id":6397,"title":"المطلب الرابع ـ أحكام الموصى له","lvl":5,"sub":0},{"id":6397,"title":"1 - حكم الوصية للجهات العامة","lvl":6,"sub":1},{"id":6399,"title":"الوصية بالحج","lvl":7,"sub":0},{"id":6399,"title":"قال الحنفية","lvl":8,"sub":1},{"id":6399,"title":"قال الشافعية","lvl":8,"sub":2},{"id":6400,"title":"قال الحنابلة","lvl":8,"sub":0},{"id":6401,"title":"2 - الوصية للحمل","lvl":6,"sub":0},{"id":6403,"title":"تعدد الحمل","lvl":7,"sub":0},{"id":6404,"title":"3 - الوصية للمعدوم","lvl":6,"sub":0},{"id":6405,"title":"أحكام الوصية للمعدوم في القانون","lvl":7,"sub":0},{"id":6405,"title":"1 ) ـ الوصية بالأعيان للمعدوم ممن يحصون","lvl":8,"sub":1},{"id":6405,"title":"2 ) ـ الوصية بالمنفعة للمعدوم ممن يحصون","lvl":8,"sub":2},{"id":6406,"title":"3 ) ـ الوصية بالمنفعة للطبقات","lvl":8,"sub":0},{"id":6406,"title":"4 - الوصية لجماعة محصورين","lvl":6,"sub":1},{"id":6408,"title":"كيفية توزيع الوصية المشتركة","lvl":7,"sub":0},{"id":6408,"title":"الوصية المشتركة","lvl":8,"sub":1},{"id":6409,"title":"5 - الوصية لجماعة غير محصورين","lvl":6,"sub":0},{"id":6409,"title":"يرى الحنفية","lvl":7,"sub":1},{"id":6409,"title":"رأى المالكية","lvl":7,"sub":2},{"id":6409,"title":"ذهب الشافعية والحنابلة","lvl":7,"sub":3},{"id":6410,"title":"المقصود ببعض ألفاظ الموصى لهم في الوصية لقوم مخصوصين","lvl":7,"sub":0},{"id":6410,"title":"الجيران","lvl":8,"sub":1},{"id":6411,"title":"الأصهار والأختان","lvl":8,"sub":0},{"id":6411,"title":"الأقارب والأرحام","lvl":8,"sub":1},{"id":6413,"title":"الأهل","lvl":8,"sub":0},{"id":6413,"title":"آل بيته","lvl":8,"sub":1},{"id":6413,"title":"أهل جنسه","lvl":8,"sub":2},{"id":6413,"title":"العلويون","lvl":8,"sub":3},{"id":6413,"title":"في سبيل الله","lvl":8,"sub":4},{"id":6413,"title":"العلماء","lvl":8,"sub":5},{"id":6413,"title":"مراحل الإنسان","lvl":8,"sub":6},{"id":6414,"title":"المطلب الخامس ـ أحكام الموصى به","lvl":5,"sub":0},{"id":6414,"title":"1 - الوصية بمعين أو بجزء شائع وحكم هلاك الموصى به","lvl":6,"sub":1},{"id":6416,"title":"2 - الوصية بالمعدوم أو بمعجوز التسليم","lvl":6,"sub":0},{"id":6417,"title":"3 - الوصية بالمجهول","lvl":6,"sub":0},{"id":6418,"title":"4 - الوصية بالمنافع","lvl":6,"sub":0},{"id":6418,"title":"أ ـ المقصود بالمنافع","lvl":7,"sub":1},{"id":6419,"title":"ب ـ هل تعد المنافع أموالا ذات قيمة؟","lvl":7,"sub":0},{"id":6419,"title":"حـ ـ حكم الوصية بالمنافع من حيث الجواز وعدمه","lvl":7,"sub":1},{"id":6419,"title":"د ـ تقدير المنفعة","lvl":7,"sub":2},{"id":6421,"title":"هـ ـ طريق الانتفاع بالمنفعة","lvl":7,"sub":0},{"id":6422,"title":"و ـ كيفية استيفاء المنفعة المشتركة","lvl":7,"sub":0},{"id":6423,"title":"ز ـ انتهاء الوصية بالمنفعة","lvl":7,"sub":0},{"id":6424,"title":"متى يستحق الموصى له المنفعة الموصى بها؟","lvl":8,"sub":0},{"id":6424,"title":"منع الموصى له من الانتفاع","lvl":8,"sub":1},{"id":6425,"title":"ح ـ ملكية العين الموصى بمنفعتها والتصرف فيها","lvl":7,"sub":0},{"id":6426,"title":"ط ـ نفقة العين الموصى بمنفعتها","lvl":7,"sub":0},{"id":6426,"title":"5 - الوصية بالتصرف في عين","lvl":6,"sub":1},{"id":6427,"title":"6 - الوصية بالإقراض","lvl":6,"sub":0},{"id":6428,"title":"7 - الوصية بالحقوق","lvl":6,"sub":0},{"id":6428,"title":"8 - الوصية بقسمة التركة","lvl":6,"sub":1},{"id":6429,"title":"9 - الوصية بالمرتبات","lvl":6,"sub":0},{"id":6431,"title":"10 - حكم الزيادة في الموصى به","lvl":6,"sub":0},{"id":6431,"title":"الحال الأولى ـ الزيادة غير المستقلة بنفسها","lvl":7,"sub":1},{"id":6431,"title":"الحال الثانية ـ الزيادة المستقلة بنفسها","lvl":7,"sub":2},{"id":6431,"title":"الحال الثالثة ـ الزيادة بالهدم والبناء الجديد","lvl":7,"sub":3},{"id":6431,"title":"الحال الرابعة ـ إدماج البناءين","lvl":7,"sub":4},{"id":6432,"title":"المطلب السادس ـ مقدار الوصية","lvl":5,"sub":0},{"id":6432,"title":"أ ـ فإذا كان للموصي وارث","lvl":6,"sub":1},{"id":6432,"title":"ب ـ وإذا لم يكن للموصي وارث","lvl":6,"sub":2},{"id":6433,"title":"إجازة الورثة للزائد عن الثلث","lvl":6,"sub":0},{"id":6433,"title":"أولا ـ وقت الإجازة","lvl":7,"sub":1},{"id":6433,"title":"ثانيا ـ من يملك الإجازة والرد","lvl":7,"sub":2},{"id":6433,"title":"يشترط فيمن يجيز أو يرد شرطان","lvl":8,"sub":3},{"id":6433,"title":"الأول ـ أن يكون المجيز من أهل التبرع","lvl":9,"sub":4},{"id":6433,"title":"الثاني ـ أن يكون المجيز عالما بمايجيزه","lvl":9,"sub":5},{"id":6434,"title":"ثالثا ـ جهة تلقي الملك بعد الإجازة","lvl":7,"sub":0},{"id":6434,"title":"وقت تقدير الثلث","lvl":6,"sub":1},{"id":6435,"title":"المطلب السابع ـ الوصية للوارث","lvl":5,"sub":0},{"id":6435,"title":"المطلب الثامن ـ الوصية بمثل نصيب وارث","lvl":5,"sub":1},{"id":6436,"title":"مقدار ما يستحقه الموصى له في هذه الوصايا","lvl":6,"sub":0},{"id":6436,"title":"الحالة الأولى ـ أن تكون الوصية بمثل نصيب وارث معين موجود عند وفاة الموصي","lvl":7,"sub":1},{"id":6437,"title":"الحالة الثانية ـ أن تكون الوصية بمثل نصيب وارث غير معين","lvl":7,"sub":0},{"id":6437,"title":"الحالة الثالثة ـ أن تكون الوصية بمثل نصيب وارث معدوم","lvl":7,"sub":1},{"id":6438,"title":"الحالة الرابعة ـ أن تكون الوصية بمثل نصيب أحد الورثة ولآخر بسهم معلوم شائع","lvl":7,"sub":0},{"id":6438,"title":"المطلب التاسع ـ الوصية بالأجزاء","lvl":5,"sub":1},{"id":6438,"title":"المطلب العاشر ـ تنفيذ الوصية","lvl":5,"sub":2},{"id":6439,"title":"أولا ـ أن يكون في التركة دين على أجنبي، أو مال غائب","lvl":6,"sub":0},{"id":6439,"title":"الحال الأولى ـ أن يكون الموصى به مالا مرسلا","lvl":7,"sub":1},{"id":6439,"title":"الحال الثانية ـ أن يكون الموصى به عينا معينة","lvl":7,"sub":2},{"id":6440,"title":"الحال الثالثة ـ أن تكون الوصية بسهم شائع في التركة","lvl":7,"sub":0},{"id":6440,"title":"الحال الرابعة: أن تكون الوصية بسهم شائع في نوع من المال","lvl":7,"sub":1},{"id":6441,"title":"ثانيا ـ أن يكون في التركة دين على وارث","lvl":6,"sub":0},{"id":6441,"title":"الحال الأولى ـ أن يكون الدين مؤجلا","lvl":7,"sub":1},{"id":6441,"title":"الحال الثانية ـ أن يكون الدين قد حل أداؤه","lvl":7,"sub":2},{"id":6442,"title":"الحال الثالثة ـ أن يكون الدين مستحق الأداء","lvl":7,"sub":0},{"id":6443,"title":"المبحث الرابع ـ مبطلات الوصية","lvl":4,"sub":0},{"id":6443,"title":"1 - زوال أهلية الموصي بالجنون المطبق ونحوه","lvl":5,"sub":1},{"id":6443,"title":"2 - ردة الموصي","lvl":5,"sub":2},{"id":6443,"title":"3 - تعليق الوصية على شرط لم يحصل","lvl":5,"sub":3},{"id":6443,"title":"4 - الرجوع عن الوصية","lvl":5,"sub":4},{"id":6444,"title":"الرجوع الصريح","lvl":6,"sub":0},{"id":6444,"title":"الرجوع دلالة","lvl":6,"sub":1},{"id":6444,"title":"أولا ـ كل تصرف قولي يخرج العين عن ملك الوصي","lvl":7,"sub":2},{"id":6444,"title":"ثانيا ـ كل فعل في العين الموصى بها يدل على الرجوع عن الوصية","lvl":7,"sub":3},{"id":6444,"title":"نوع يدل على الرجوع بالاتفاق","lvl":8,"sub":4},{"id":6445,"title":"نوع لا يدل على الرجوع بالاتفاق","lvl":8,"sub":0},{"id":6445,"title":"نوع مختلف فيه بين الفقهاء","lvl":8,"sub":1},{"id":6446,"title":"5 - رد الوصية","lvl":5,"sub":0},{"id":6446,"title":"6 - موت الموصى له المعين قبل موت الموصي","lvl":5,"sub":1},{"id":6446,"title":"7 - قتل الموصى له الموصي","lvl":5,"sub":2},{"id":6447,"title":"8 - هلاك الموصى به المعين أو استحقاقه","lvl":5,"sub":0},{"id":6447,"title":"9 - تبطل الوصية لوارث","lvl":5,"sub":1},{"id":6448,"title":"المبحث الخامس ـ تزاحم الوصايا","lvl":4,"sub":0},{"id":6448,"title":"تزاحم الوصايا","lvl":5,"sub":1},{"id":6448,"title":"1 - قاعدة التزاحم في الوصايا بين العباد","lvl":5,"sub":2},{"id":6449,"title":"2 - التزاحم بين الوصايا في حقوق الله تعالى","lvl":5,"sub":0},{"id":6449,"title":"3 - التزاحم بين وصايا حق الله وحق العباد","lvl":5,"sub":1},{"id":6451,"title":"المبحث السادس ـ الوصية الواجبة قانونا","lvl":4,"sub":0},{"id":6451,"title":"المستند الفقهي للوصية الواجبة ومسوغاتها","lvl":5,"sub":1},{"id":6452,"title":"من تجب له هذه الوصية","lvl":5,"sub":0},{"id":6452,"title":"شروط وجوب هذه الوصية","lvl":5,"sub":1},{"id":6453,"title":"مقدار الوصية الواجبة","lvl":5,"sub":0},{"id":6453,"title":"تقديم هذه الوصية","lvl":5,"sub":1},{"id":6453,"title":"الفرق بين القانون السوري والقانون المصري في مقدار الوصية الواجبة","lvl":5,"sub":2},{"id":6454,"title":"طريقة استخراج الوصية الواجبة","lvl":5,"sub":0},{"id":6455,"title":"المبحث السابع ـ إثبات الوصية","lvl":4,"sub":0},{"id":6456,"title":"الشهادة على كتاب الوصية","lvl":5,"sub":0},{"id":6458,"title":"الفصل الثاني: حكم تبرعات المريض مرض الموت","lvl":3,"sub":0},{"id":6458,"title":"هل تعتبر تبرعات المريض مرض الموت في حكم الوصية؟","lvl":4,"sub":1},{"id":6458,"title":"مريض الموت","lvl":5,"sub":2},{"id":6458,"title":"تبرعات مريض الموت","lvl":5,"sub":3},{"id":6459,"title":"1 - التبرعات المنجزة","lvl":6,"sub":0},{"id":6459,"title":"2 - أما التبرعات أو العطايا المضافة لما بعد الموت","lvl":6,"sub":1},{"id":6460,"title":"الفصل الثالث: الوصاية","lvl":3,"sub":0},{"id":6460,"title":"المبحث الأول ـ أنواع الأوصياء","lvl":4,"sub":1},{"id":6460,"title":"المبحث الثاني ـ أركان الوصاية","lvl":4,"sub":2},{"id":6460,"title":"1 - الموصي","lvl":5,"sub":3},{"id":6461,"title":"2 - الوصي","lvl":5,"sub":0},{"id":6462,"title":"تعدد الأوصياء","lvl":6,"sub":0},{"id":6465,"title":"3 - الموصى فيه","lvl":5,"sub":0},{"id":6465,"title":"4 - الصيغة","lvl":5,"sub":1},{"id":6467,"title":"المبحث الثالث ـ أحكام تصرفات الوصي","lvl":4,"sub":0},{"id":6467,"title":"1) ـ البيع والشراء","lvl":5,"sub":1},{"id":6470,"title":"2) ـ التوكيل والإيصاء للغير","lvl":5,"sub":0},{"id":6470,"title":"3) ـ المضاربة بمال الموصى عليه، واقتضاء الدين، والإنفاق بالمعروف والختان، وإخراج زكاة الفطر، وضمان القرض","lvl":5,"sub":1},{"id":6471,"title":"4) ـ القسمة عن الموصى له","lvl":5,"sub":0},{"id":6472,"title":"5) ـ إقرار الوصي بدين على الميت، وهل الوصي أولى بالولاية أو الجد؟","lvl":5,"sub":0},{"id":6472,"title":"6) ـ دفع المال للمحجور وترشيد المحجور","lvl":5,"sub":1},{"id":6473,"title":"7) ـ شهادة الأوصياء","lvl":5,"sub":0},{"id":6474,"title":"8) ـ رجوع الوصي على مال اليتيم","lvl":5,"sub":0},{"id":6474,"title":"9) ـ فض النزاع بين الوصي والموصى عليه","lvl":5,"sub":1},{"id":6475,"title":"10) ـ جعل الوصي وانتفاعه بمال الموصى عليه","lvl":5,"sub":0},{"id":6475,"title":"11) ـ عزل الوصي","lvl":5,"sub":1},{"id":6476,"title":"12) ـ الإنفاق للضرورة","lvl":5,"sub":0},{"id":6477,"title":"((الباب الخامس: الوقف))","lvl":2,"sub":0},{"id":6477,"title":"الفصل الأول : تعريف الوقف ومشروعيته وصفته وركنه","lvl":3,"sub":1},{"id":6477,"title":"أولا ـ تعريف الوقف","lvl":4,"sub":2},{"id":6477,"title":"التعريف الأول ـ لأبي حنيفة","lvl":5,"sub":3},{"id":6478,"title":"التعريف الثاني ـ للجمهور وهم الصاحبان وبرأيهما يفتى عند الحنفية، والشافعية والحنابلة في الأصح","lvl":5,"sub":0},{"id":6479,"title":"التعريف الثالث ـ للمالكية","lvl":5,"sub":0},{"id":6480,"title":"ثانيا ـ مشروعية الوقف وحكمته أو سببه","lvl":4,"sub":0},{"id":6481,"title":"ثالثا ـ صفة الوقف","lvl":4,"sub":0},{"id":6482,"title":"رابعا ـ ركن الوقف","lvl":4,"sub":0},{"id":6484,"title":"الفصل الثاني : أنواع الوقف ومحله","lvl":3,"sub":0},{"id":6484,"title":"الوقف الخيري","lvl":4,"sub":1},{"id":6484,"title":"الوقف الأهلي أو الذري","lvl":4,"sub":2},{"id":6485,"title":"محل الوقف","lvl":4,"sub":0},{"id":6486,"title":"بيان الرأي الفقهي في بعض أنواع المال الموقوف","lvl":4,"sub":0},{"id":6486,"title":"1 - وقف العقار","lvl":5,"sub":1},{"id":6487,"title":"2 - وقف المنقول","lvl":5,"sub":0},{"id":6488,"title":"3 - وقف المشاع","lvl":5,"sub":0},{"id":6489,"title":"4 - وقف حق الارتفاق","lvl":5,"sub":0},{"id":6489,"title":"5 - وقف الإقطاعات","lvl":5,"sub":1},{"id":6490,"title":"6 - وقف أراضي الحوز","lvl":5,"sub":0},{"id":6490,"title":"7 - وقف الإرصاد","lvl":5,"sub":1},{"id":6491,"title":"8 - وقف المرهون","lvl":5,"sub":0},{"id":6491,"title":"9 - وقف العين المؤجرة","lvl":5,"sub":1},{"id":6492,"title":"الفصل الثالث : حكم الوقف، ومتى يزول ملك الواقف؟","lvl":3,"sub":0},{"id":6492,"title":"حكم الوقف","lvl":4,"sub":1},{"id":6492,"title":"عند أبي حنيفة","lvl":5,"sub":2},{"id":6492,"title":"عند الصاحبين وبرأيهما يفتى","lvl":5,"sub":3},{"id":6492,"title":"يرى المالكية","lvl":5,"sub":4},{"id":6493,"title":"الأظهر في مذهب الشافعية","lvl":5,"sub":0},{"id":6493,"title":"الحنابلة في الصحيح من المذهب","lvl":5,"sub":1},{"id":6493,"title":"متى يزول الملك عن الوقف؟","lvl":4,"sub":2},{"id":6493,"title":"رأي أبي حنيفة","lvl":5,"sub":3},{"id":6494,"title":"المالكية","lvl":5,"sub":0},{"id":6494,"title":"الشافعية","lvl":5,"sub":1},{"id":6494,"title":"الحنابلة","lvl":5,"sub":2},{"id":6495,"title":"موقف القانون من الرجوع في وقف المسجد وغير المسجد","lvl":4,"sub":0},{"id":6495,"title":"الرجوع في وقف المسجد","lvl":5,"sub":1},{"id":6495,"title":"الرجوع في وقف غير المسجد","lvl":5,"sub":2},{"id":6497,"title":"الشروط العشرة","lvl":4,"sub":0},{"id":6497,"title":"الإعطاء","lvl":5,"sub":1},{"id":6497,"title":"الإدخال","lvl":5,"sub":2},{"id":6497,"title":"الإخراج","lvl":5,"sub":3},{"id":6497,"title":"الزيادة","lvl":5,"sub":4},{"id":6497,"title":"النقصان","lvl":5,"sub":5},{"id":6497,"title":"التغيير","lvl":5,"sub":6},{"id":6497,"title":"الاستبدال","lvl":5,"sub":7},{"id":6498,"title":"الفصل الرابع ـ شروط الوقف","lvl":3,"sub":0},{"id":6498,"title":"المبحث الأول ـ شروط الواقف","lvl":4,"sub":1},{"id":6498,"title":"1 - أن يكون الواقف حرا مالكا","lvl":5,"sub":2},{"id":6499,"title":"2 - أن يكون عاقلا","lvl":5,"sub":0},{"id":6499,"title":"3 - أن يكون بالغا","lvl":5,"sub":1},{"id":6499,"title":"4 - أن يكون رشيدا","lvl":5,"sub":2},{"id":6500,"title":"رأي الحنفية في وقف المدين","lvl":5,"sub":0},{"id":6500,"title":"وقف المريض مرض الموت","lvl":5,"sub":1},{"id":6501,"title":"وقف المرتد","lvl":5,"sub":0},{"id":6501,"title":"وقف الكافر","lvl":5,"sub":1},{"id":6501,"title":"وقف المكره","lvl":5,"sub":2},{"id":6501,"title":"وقف الأعمى","lvl":5,"sub":3},{"id":6501,"title":"وقف غير المرئي","lvl":5,"sub":4},{"id":6502,"title":"شرط الواقف كنص الشارع","lvl":5,"sub":0},{"id":6502,"title":"الحنفية","lvl":6,"sub":1},{"id":6504,"title":"المسائل السبع التي يجوز فيها مخالفة شرط الواقف","lvl":7,"sub":0},{"id":6504,"title":"المالكية","lvl":6,"sub":1},{"id":6504,"title":"الشافعية","lvl":6,"sub":2},{"id":6505,"title":"الحنابلة","lvl":6,"sub":0},{"id":6507,"title":"المبحث الثاني ـ شروط الموقوف","lvl":4,"sub":0},{"id":6507,"title":"الحنفية","lvl":5,"sub":1},{"id":6507,"title":"1 - أن يكون الموقوف مالا متقوما عقارا","lvl":6,"sub":2},{"id":6507,"title":"2 ـ أن يكون الموقوف معلوما","lvl":6,"sub":3},{"id":6507,"title":"3 - أن يكون الموقوف مملوكا للواقف حين وقفه ملكا تاما","lvl":6,"sub":4},{"id":6508,"title":"4 - أن يكون الموقوف مفرزا","lvl":6,"sub":0},{"id":6508,"title":"أبو يوسف والشافعية والحنابلة","lvl":7,"sub":1},{"id":6508,"title":"القانون المصري","lvl":7,"sub":2},{"id":6508,"title":"استثنى القانون ثلاث حالات، أجاز فيها وقف الحصة الشائعة فيما لا يقبل القسمة","lvl":8,"sub":3},{"id":6509,"title":"المالكية","lvl":5,"sub":0},{"id":6509,"title":"الشافعية والحنابلة","lvl":5,"sub":1},{"id":6511,"title":"المبحث الثالث ـ شروط الموقوف عليه","lvl":4,"sub":0},{"id":6511,"title":"الموقوف عليه","lvl":5,"sub":1},{"id":6511,"title":"شروط الوقف على معين","lvl":5,"sub":2},{"id":6511,"title":"الفقهاء","lvl":6,"sub":3},{"id":6511,"title":"ذهب الحنفية","lvl":7,"sub":4},{"id":6512,"title":"رأى المالكية","lvl":7,"sub":0},{"id":6513,"title":"أوضح الشافعية","lvl":7,"sub":0},{"id":6514,"title":"مذهب الحنابلة","lvl":7,"sub":0},{"id":6514,"title":"الوقف على مرتد وحربي","lvl":6,"sub":1},{"id":6514,"title":"الوقف على مجهول","lvl":6,"sub":2},{"id":6514,"title":"الوقف على معدوم أصالة","lvl":6,"sub":3},{"id":6514,"title":"الوقف على بهيمة","lvl":6,"sub":4},{"id":6515,"title":"الوقف على ذمي أو على أهل الذمة","lvl":6,"sub":0},{"id":6515,"title":"الوقف على النفس باطل","lvl":6,"sub":1},{"id":6515,"title":"للواقف إن وقف على غيره كإنسان أو مسجد الانتفاع بالموقوف في حالات","lvl":7,"sub":2},{"id":6516,"title":"شروط الجهة الموقوف عليها","lvl":5,"sub":0},{"id":6516,"title":"الشرط الأول ـ أن يكون معلوما وأن يكون جهة خير وبر يحتسب الإنفاق عليها قربة لله تعالى","lvl":6,"sub":1},{"id":6517,"title":"الوقف على الأغنياء","lvl":7,"sub":0},{"id":6519,"title":"وقف غير المسلم","lvl":7,"sub":0},{"id":6520,"title":"الشرط الثاني ـ لأبي حنيفة ومحمد : أن يجعل آخر الوقف الأهلي بجهة لا تنقطع أبدا","lvl":6,"sub":0},{"id":6565,"title":"المبحث الرابع ـ ألفاظ الوقف وشروط صيغة الوقف","lvl":4,"sub":0},{"id":6565,"title":"صيغة الوقف","lvl":5,"sub":1},{"id":6565,"title":"ألفاظ الوقف الخاصة به عند الحنفية","lvl":6,"sub":2},{"id":6566,"title":"ثبوت الوقف بالضرورة","lvl":7,"sub":0},{"id":6566,"title":"المذهب لدى المالكية","lvl":6,"sub":1},{"id":6567,"title":"مذهب الشافعية","lvl":6,"sub":0},{"id":6568,"title":"رأي الحنابلة","lvl":6,"sub":0},{"id":6569,"title":"شروط صيغة الوقف","lvl":5,"sub":0},{"id":6569,"title":"الشرط الأول ـ التأبيد","lvl":6,"sub":1},{"id":6569,"title":"القانون المصري","lvl":7,"sub":2},{"id":6570,"title":"الشرط الثاني ـ التنجيز","lvl":6,"sub":0},{"id":6570,"title":"الصيغة المنجزة","lvl":7,"sub":1},{"id":6570,"title":"الصيغة المعلقة","lvl":7,"sub":2},{"id":6570,"title":"صيغ التعليق","lvl":8,"sub":3},{"id":6572,"title":"الشرط الثالث - الإلزام","lvl":6,"sub":0},{"id":6572,"title":"الشرط الرابع - عدم الاقتران بشرط باطل: الشروط عند الحنفية ثلاثة","lvl":6,"sub":1},{"id":6572,"title":"الشروط عند الحنفية ثلاثة","lvl":7,"sub":2},{"id":6572,"title":"أ - شرط باطل","lvl":8,"sub":3},{"id":6572,"title":"ب - شرط فاسد","lvl":8,"sub":4},{"id":6572,"title":"جـ - شرط صحيح","lvl":8,"sub":5},{"id":6573,"title":"القانون المصري","lvl":7,"sub":0},{"id":6573,"title":"قال المالكية","lvl":7,"sub":1},{"id":6573,"title":"مذهب الشافعية","lvl":7,"sub":2},{"id":6573,"title":"الحنابلة","lvl":7,"sub":3},{"id":6574,"title":"الشرط الخامس عند الشافعية: بيان المصرف","lvl":6,"sub":0},{"id":6574,"title":"مقتضى ألفاظ الوقف التي يعبر بها عن الموقوف عليهم","lvl":7,"sub":1},{"id":6574,"title":"أ - الولد والأولاد","lvl":8,"sub":2},{"id":6575,"title":"ب - الذرية والنسل والعقب","lvl":8,"sub":0},{"id":6575,"title":"جـ - الآل والجنس وأهل البيت","lvl":8,"sub":1},{"id":6575,"title":"د - القرابة","lvl":8,"sub":2},{"id":6576,"title":"هـ - مراحل الإنسان","lvl":8,"sub":0},{"id":6576,"title":"و - سبيل الله ونحوه","lvl":8,"sub":1},{"id":6576,"title":"الوقف الدائم من حيث الاتصال والانقطاع","lvl":7,"sub":2},{"id":6578,"title":"الفصل الخامس : إثبات الوقف شرعا وقانونا","lvl":3,"sub":0},{"id":6579,"title":"الفصل السادس - مبطلات الوقف","lvl":3,"sub":0},{"id":6579,"title":"موقف القانون من انتهاء الوقف","lvl":4,"sub":1},{"id":6580,"title":"الفصل السابع - نفقات الوقف","lvl":3,"sub":0},{"id":6580,"title":"مذهب الحنفية","lvl":4,"sub":1},{"id":6581,"title":"مذهب المالكية","lvl":4,"sub":0},{"id":6581,"title":"مذهب الشافعية والحنابلة","lvl":4,"sub":1},{"id":6583,"title":"الفصل الثامن : استبدال الوقف وبيعه حالة الخراب","lvl":3,"sub":0},{"id":6583,"title":"قال الحنفية","lvl":4,"sub":1},{"id":6583,"title":"آلات المسجد","lvl":5,"sub":2},{"id":6584,"title":"بيع أنقاض المسجد ونحوه","lvl":5,"sub":0},{"id":6584,"title":"جعل شيء من المسجد طريقا وبالعكس","lvl":5,"sub":1},{"id":6585,"title":"حالات الاستبدال","lvl":6,"sub":0},{"id":6585,"title":"شروط الاستبدال","lvl":6,"sub":1},{"id":6585,"title":"مسائل أربع يجوز فيها استبدال العامر من الأرض","lvl":6,"sub":2},{"id":6586,"title":"مذهب المالكية في بيع الموقوف","lvl":4,"sub":0},{"id":6586,"title":"الأوقاف بالنسبة لبيعها ثلاثة أقسام","lvl":5,"sub":1},{"id":6586,"title":"الخلو","lvl":6,"sub":2},{"id":6587,"title":"مذهب الشافعية في بيع الموقوف","lvl":4,"sub":0},{"id":6589,"title":"مذهب الحنابلة","lvl":4,"sub":0},{"id":6590,"title":"موقف القانون من الاستبدال","lvl":4,"sub":0},{"id":6591,"title":"الفصل التاسع ـ الوقف في مرض الموت","lvl":3,"sub":0},{"id":6594,"title":"الفصل العاشر ـ ناظر الوقف","lvl":3,"sub":0},{"id":6594,"title":"أولا ـ تعيين الناظر","lvl":4,"sub":1},{"id":6595,"title":"ثانيا ـ شروط الناظر","lvl":4,"sub":0},{"id":6596,"title":"ثالثا ـ وظيفة الناظر","lvl":4,"sub":0},{"id":6596,"title":"الحنفية","lvl":5,"sub":1},{"id":6596,"title":"الإجارة الطويلة","lvl":6,"sub":2},{"id":6597,"title":"الموقوف عليه الغلة أو السكنى ولو رجلا معينا","lvl":6,"sub":0},{"id":6597,"title":"مذهب المالكية","lvl":5,"sub":1},{"id":6598,"title":"مذهب الشافعية","lvl":5,"sub":0},{"id":6599,"title":"الحنابلة","lvl":5,"sub":0},{"id":6599,"title":"رابعا ـ عزل الناظر","lvl":4,"sub":1},{"id":6599,"title":"ذكر الحنفية","lvl":5,"sub":2},{"id":6600,"title":"النزول عن الوظائف","lvl":6,"sub":0},{"id":6600,"title":"المالكية","lvl":5,"sub":1},{"id":6600,"title":"رأى الشافعية","lvl":5,"sub":2},{"id":6600,"title":"قرر الحنابلة","lvl":5,"sub":3},{"id":6601,"title":"((الباب السادس: الميراث))","lvl":2,"sub":0},{"id":6602,"title":"الفصل الأول : تعريف علم الميراث أو علم الفرائض ومبادئه ومصطلحاته","lvl":3,"sub":0},{"id":6602,"title":"الإرث","lvl":4,"sub":1},{"id":6602,"title":"علم الفرائض يشتمل على عناصر ثلاثة","lvl":4,"sub":2},{"id":6602,"title":"مبادئه","lvl":4,"sub":3},{"id":6602,"title":"موضوعه","lvl":4,"sub":4},{"id":6603,"title":"استمداده","lvl":4,"sub":0},{"id":6603,"title":"الكتاب","lvl":5,"sub":1},{"id":6603,"title":"السنة النبوية","lvl":5,"sub":2},{"id":6604,"title":"الإجماع","lvl":5,"sub":0},{"id":6604,"title":"فضل هذا العلم","lvl":4,"sub":1},{"id":6604,"title":"واضعه","lvl":4,"sub":2},{"id":6604,"title":"نسبته لسائر العلوم","lvl":4,"sub":3},{"id":6605,"title":"ثمرته أو فائدته","lvl":4,"sub":0},{"id":6605,"title":"غايته","lvl":4,"sub":1},{"id":6605,"title":"مسائله","lvl":4,"sub":2},{"id":6605,"title":"حسابه","lvl":4,"sub":3},{"id":6605,"title":"مصطلحاته","lvl":4,"sub":4},{"id":6605,"title":"1 - الفرض","lvl":5,"sub":5},{"id":6605,"title":"2 - السهم","lvl":5,"sub":6},{"id":6605,"title":"3 - التركة","lvl":5,"sub":7},{"id":6605,"title":"4 - النسب","lvl":5,"sub":8},{"id":6606,"title":"5 - الجمع والعدد","lvl":5,"sub":0},{"id":6606,"title":"6 - الفرع","lvl":5,"sub":1},{"id":6606,"title":"7 - الأصل","lvl":5,"sub":2},{"id":6606,"title":"8 - الولد","lvl":5,"sub":3},{"id":6606,"title":"9 - الوارث","lvl":5,"sub":4},{"id":6606,"title":"10 - الأخ والعم","lvl":5,"sub":5},{"id":6606,"title":"11 - العصبة","lvl":5,"sub":6},{"id":6606,"title":"12 - الإدلاء","lvl":5,"sub":7},{"id":6606,"title":"13 - الميت","lvl":5,"sub":8},{"id":6607,"title":"الفصل الثاني : أركان الميراث","lvl":3,"sub":0},{"id":6607,"title":"1 - المورث","lvl":4,"sub":1},{"id":6607,"title":"2 - والوارث","lvl":4,"sub":2},{"id":6607,"title":"3 - الموروث","lvl":4,"sub":3},{"id":6607,"title":"الفصل الثالث : أسباب الميراث","lvl":3,"sub":4},{"id":6607,"title":"1 - أما القرابة أو النسب الحقيقية ويسمى عند الحنفية الرحم","lvl":4,"sub":5},{"id":6607,"title":"2 - وأما الزوجية أو النكاح الصحيح","lvl":4,"sub":6},{"id":6609,"title":"3 - وأما الولاء","lvl":4,"sub":0},{"id":6609,"title":"4 - وأضاف الشافعية والمالكية سببا رابعا وهو جهة الإسلام","lvl":4,"sub":1},{"id":6609,"title":"الإرث بجهتين","lvl":5,"sub":2},{"id":6610,"title":"أسباب الإرث في القانون","lvl":4,"sub":0},{"id":6611,"title":"الفصل الرابع : شروط الإرث","lvl":3,"sub":0},{"id":6611,"title":"1 - موت المورث","lvl":4,"sub":1},{"id":6611,"title":"2 - حياة الوارث","lvl":4,"sub":2},{"id":6611,"title":"3 - العلم بجهة الميراث","lvl":4,"sub":3},{"id":6612,"title":"الفصل الخامس : موانع الإرث","lvl":3,"sub":0},{"id":6612,"title":"اتفق الفقهاء على ثلاثة موانع","lvl":4,"sub":1},{"id":6612,"title":"اختلفوا فيما عداها","lvl":4,"sub":2},{"id":6612,"title":"الحنفية","lvl":5,"sub":3},{"id":6613,"title":"المالكية","lvl":5,"sub":0},{"id":6614,"title":"الشافعية والحنابلة","lvl":5,"sub":0},{"id":6615,"title":"الموانع الأربعة المشهورة","lvl":4,"sub":0},{"id":6615,"title":"المانع الأول ـ الرق","lvl":5,"sub":1},{"id":6615,"title":"المبعض","lvl":6,"sub":2},{"id":6616,"title":"المكاتب","lvl":6,"sub":0},{"id":6617,"title":"المانع الثاني - القتل","lvl":5,"sub":0},{"id":6617,"title":"اختلفوا في نوع القتل المانع","lvl":6,"sub":1},{"id":6617,"title":"رأى الحنفية","lvl":7,"sub":2},{"id":6618,"title":"رأى المالكية","lvl":7,"sub":0},{"id":6619,"title":"رأى الشافعية","lvl":7,"sub":0},{"id":6619,"title":"رأى الحنابلة","lvl":7,"sub":1},{"id":6619,"title":"إرث الزوج دية القتل الخطأ","lvl":6,"sub":2},{"id":6620,"title":"المانع الثالث ـ اختلاف الدين","lvl":5,"sub":0},{"id":6620,"title":"إرث غير المسلمين","lvl":6,"sub":1},{"id":6621,"title":"إرث المرتد والزنديق","lvl":6,"sub":0},{"id":6622,"title":"الإرث من المرتد","lvl":7,"sub":0},{"id":6622,"title":"ردة أحد الزوجين","lvl":6,"sub":1},{"id":6623,"title":"المانع الرابع ـ اختلاف الدارين","lvl":5,"sub":0},{"id":6626,"title":"الفصل السادس : الحقوق المتعلقة بالتركة","lvl":3,"sub":0},{"id":6626,"title":"تعريف التركة","lvl":4,"sub":1},{"id":6627,"title":"الحقوق المتعلقة بالتركة فهي قسمان","lvl":4,"sub":0},{"id":6627,"title":"الأول ـ أن يتعلق بها حق الغير حال الحياة","lvl":5,"sub":1},{"id":6627,"title":"والثاني ـ ألا يتعلق بها حق الغير","lvl":5,"sub":2},{"id":6627,"title":"1 - تجهيز الميت وتكفينه","lvl":6,"sub":3},{"id":6629,"title":"2 - قضاء ديونه","lvl":6,"sub":0},{"id":6629,"title":"أسباب تقديم الوصية على الدين في النظر القرآني","lvl":7,"sub":1},{"id":6630,"title":"الديون أربعة أنواع","lvl":7,"sub":0},{"id":6630,"title":"1 ) ـ الديون المتعلقة بالأعيان","lvl":8,"sub":1},{"id":6630,"title":"2 ) ـ ديون الله تعالى","lvl":8,"sub":2},{"id":6630,"title":"3 ) ـ ديون العباد","lvl":8,"sub":3},{"id":6631,"title":"4 ) ـ ديون المرض","lvl":8,"sub":0},{"id":6632,"title":"3 - تنفيذ وصاياه","lvl":6,"sub":0},{"id":6633,"title":"ترتيب الوصايا عند الحنفية في حقوق الله وحقوق العباد","lvl":7,"sub":0},{"id":6634,"title":"4 - حق الورثة","lvl":6,"sub":0},{"id":6634,"title":"ترتيب الحقوق المتعلقة بالتركة في القانون","lvl":7,"sub":1},{"id":6635,"title":"الفصل السابع : أنواع الوارثين وعددهم ومراتبهم وطريقة توريثهم في المذاهب","lvl":3,"sub":0},{"id":6635,"title":"أولا ـ أنواع الوارثين","lvl":4,"sub":1},{"id":6636,"title":"ثانيا ـ عدد الوارثين","lvl":4,"sub":0},{"id":6637,"title":"ثالثا ـ مراتب الورثة","lvl":4,"sub":0},{"id":6637,"title":"1 - أصحاب الفروض","lvl":5,"sub":1},{"id":6637,"title":"2 - العصبات النسبية","lvl":5,"sub":2},{"id":6637,"title":"3 - العصبة السببية","lvl":5,"sub":3},{"id":6637,"title":"4 - عصبة مولى العتاقة","lvl":5,"sub":4},{"id":6637,"title":"5 - الرد على أصحاب الفروض النسبية","lvl":5,"sub":5},{"id":6638,"title":"6 - ذوو الأرحام","lvl":5,"sub":0},{"id":6638,"title":"7 - مولى الموالاة","lvl":5,"sub":1},{"id":6639,"title":"8 - المقر له بنسب محمول على الغير","lvl":5,"sub":0},{"id":6640,"title":"9 - الموصى له بأكثر من الثلث","lvl":5,"sub":0},{"id":6641,"title":"10 - بيت المال","lvl":5,"sub":0},{"id":6641,"title":"موقف القانون من مراتب الورثة","lvl":5,"sub":1},{"id":6643,"title":"رابعا ـ طريقة توريث الوارثين في المذاهب","lvl":4,"sub":0},{"id":6644,"title":"الفصل الثامن : أصحاب الفروض","lvl":3,"sub":0},{"id":6644,"title":"المبحث الأول ـ بيان أصحاب الفروض","lvl":4,"sub":1},{"id":6644,"title":"أولا ـ أصحاب النصف","lvl":5,"sub":2},{"id":6644,"title":"ثانيا ـ أصحاب الربع","lvl":5,"sub":3},{"id":6644,"title":"ثالثا ـ صاحب الثمن","lvl":5,"sub":4},{"id":6644,"title":"رابعا ـ أصحاب الثلثين","lvl":5,"sub":5},{"id":6645,"title":"خامسا - أصحاب الثلث وثلث الباقي","lvl":5,"sub":0},{"id":6645,"title":"سادسا - أصحاب السدس","lvl":5,"sub":1},{"id":6646,"title":"المبحث الثاني - أحوال أصحاب الفروض","lvl":4,"sub":0},{"id":6646,"title":"1 - قسم يرث بالفرض فقط","lvl":5,"sub":1},{"id":6647,"title":"2 - وقسم يرث بالتعصيب فقط","lvl":5,"sub":0},{"id":6647,"title":"3 - وقسم يرث مرة بالفرض، ومرة بالتعصيب، وقد يجمع بينهما","lvl":5,"sub":1},{"id":6647,"title":"4 - وقسم يرث مرة بالفرض، ومرة بالتعصيب ولا يجمع بينهما","lvl":5,"sub":2},{"id":6647,"title":"أحوال أصحاب الفروض تفصيلا","lvl":5,"sub":3},{"id":6647,"title":"أولا ـ أحوال الرجال","lvl":6,"sub":4},{"id":6647,"title":"1 - أحوال الأب","lvl":7,"sub":5},{"id":6647,"title":"الأولى ـ السدس فرضا","lvl":8,"sub":6},{"id":6647,"title":"الثانية - الكل أو الباقي تعصيبا فقط","lvl":8,"sub":7},{"id":6647,"title":"الثالثة ـ السدس فرضا والباقي تعصيبا عند وجود الفرع الوارث المؤنث","lvl":8,"sub":8},{"id":6648,"title":"أمثلة","lvl":8,"sub":0},{"id":6649,"title":"2 - أحوال الجد","lvl":7,"sub":0},{"id":6649,"title":"المراد به","lvl":8,"sub":1},{"id":6649,"title":"أ ـ يرث الجد بطريق الفرض وحده","lvl":9,"sub":2},{"id":6649,"title":"ب ـ ويرث بطريق التعصيب وحده إذا لم يكن للمتوفى فرع وارث","lvl":9,"sub":3},{"id":6649,"title":"جـ ـ ويرث بالفرض والتعصيب معا","lvl":9,"sub":4},{"id":6650,"title":"ما يخالف فيه الجد الأب","lvl":8,"sub":0},{"id":6650,"title":"ميراث الجد مع الإخوة","lvl":8,"sub":1},{"id":6650,"title":"فيه خلاف","lvl":9,"sub":2},{"id":6651,"title":"المذهب الأول ـ لأبي بكر الصديق","lvl":10,"sub":0},{"id":6651,"title":"المذهب الثاني ـ مذهب علي وابن مسعود وزيد بن ثابت وفريق من الصحابة","lvl":10,"sub":1},{"id":6652,"title":"طريق التوريث","lvl":9,"sub":0},{"id":6652,"title":"المذهب الأول ـ لسيدنا علي رضي الله عنه","lvl":10,"sub":1},{"id":6653,"title":"المذهب الثاني ـ لابن مسعود رضي الله عنه","lvl":10,"sub":0},{"id":6653,"title":"المذهب الثالث ـ لزيد بن ثابت رضي الله عنه","lvl":10,"sub":1},{"id":6655,"title":"الأكدرية","lvl":11,"sub":0},{"id":6656,"title":"تقسيم على مذهب زيد","lvl":11,"sub":0},{"id":6656,"title":"أولا ـ إما ألا يكون معهم صاحب فرض","lvl":12,"sub":1},{"id":6656,"title":"ثانيا ـ وإما أن يكون معهم صاحب فرض","lvl":12,"sub":2},{"id":6657,"title":"موقف القانون من مقاسمة الجد لإخوة","lvl":9,"sub":0},{"id":6657,"title":"الأولى ـ أن يكون الموجود مع الجد من الإخوة والأخوات وارثا بالتعصيب","lvl":10,"sub":1},{"id":6657,"title":"الثانية ـ أن يكون الموجود من الأخوات مع الجد وارثا بالفرض","lvl":10,"sub":2},{"id":6658,"title":"أمثلة","lvl":10,"sub":0},{"id":6659,"title":"3 - أحوال الزوج","lvl":7,"sub":0},{"id":6659,"title":"الأولى ـ النصف","lvl":8,"sub":1},{"id":6659,"title":"الثانية ـ الربع","lvl":8,"sub":2},{"id":6659,"title":"4 - أحوال الأخ لأم والأخت لأم (أولاد الأخياف )","lvl":7,"sub":3},{"id":6659,"title":"الأولى ـ السدس","lvl":8,"sub":4},{"id":6659,"title":"الثانية ـ الثلث","lvl":8,"sub":5},{"id":6660,"title":"الثالثة ـ حجبهم","lvl":8,"sub":0},{"id":6660,"title":"أمثلة","lvl":8,"sub":1},{"id":6660,"title":"مايخالف فيه أولاد الأم غيرهم","lvl":8,"sub":2},{"id":6660,"title":"المسألة المشركة أو الحجرية","lvl":8,"sub":3},{"id":6662,"title":"ثانيا ـ أحوال النساء","lvl":6,"sub":0},{"id":6662,"title":"1 - أحوال الزوجة","lvl":7,"sub":1},{"id":6662,"title":"الأولى ـ الربع للواحدة فأكثر","lvl":8,"sub":2},{"id":6662,"title":"الثانية - الثمن","lvl":8,"sub":3},{"id":6663,"title":"2 - أحوال البنت","lvl":7,"sub":0},{"id":6663,"title":"الأولى ـ النصف للواحدة","lvl":8,"sub":1},{"id":6663,"title":"الثانية ـ الثلثان للاثنتين فصاعدا","lvl":8,"sub":2},{"id":6663,"title":"الثالثة ـ التعصيب بالغير","lvl":8,"sub":3},{"id":6664,"title":"3 - أحوال بنات الابن","lvl":7,"sub":0},{"id":6664,"title":"الأولى ـ النصف","lvl":8,"sub":1},{"id":6664,"title":"الثانية ـ الثلثان","lvl":8,"sub":2},{"id":6664,"title":"الثالثة ـ التعصيب","lvl":8,"sub":3},{"id":6664,"title":"الرابعة ـ السدس للواحدة فأكثر مع البنت الواحدة تكملة للثلثين","lvl":8,"sub":4},{"id":6664,"title":"الخامسة والسادسة ـ الحجب","lvl":8,"sub":5},{"id":6665,"title":"أمثلة","lvl":8,"sub":0},{"id":6668,"title":"4 - أحوال الأخوات الشقيقات (أولاد الأعيان )","lvl":7,"sub":0},{"id":6668,"title":"الأولى ـ النصف","lvl":8,"sub":1},{"id":6668,"title":"الثانية ـ الثلثان","lvl":8,"sub":2},{"id":6668,"title":"الثالثة ـ التعصيب بالغير","lvl":8,"sub":3},{"id":6668,"title":"الرابعة ـ التعصيب مع الغير","lvl":8,"sub":4},{"id":6669,"title":"الخامسة ـ السقوط بالفرع الوارث المذكر","lvl":8,"sub":0},{"id":6670,"title":"أمثلة","lvl":8,"sub":0},{"id":6671,"title":"5 - أحوال الأخوات لأب (أولاد العلات)","lvl":7,"sub":0},{"id":6671,"title":"الأولى ـ النصف","lvl":8,"sub":1},{"id":6671,"title":"الثانية ـ الثلثان","lvl":8,"sub":2},{"id":6671,"title":"الثالثة ـ السدس","lvl":8,"sub":3},{"id":6671,"title":"الرابعة ـ التعصيب بالغير","lvl":8,"sub":4},{"id":6671,"title":"الخامسة ـ التعصيب مع الغير","lvl":8,"sub":5},{"id":6671,"title":"السادسة ـ الحجب عن الميراث","lvl":8,"sub":6},{"id":6672,"title":"أمثلة","lvl":8,"sub":0},{"id":6673,"title":"6 - أحوال الأخت لأم","lvl":7,"sub":0},{"id":6673,"title":"7 - أحوال الأم","lvl":7,"sub":1},{"id":6673,"title":"الأولى ـ السدس","lvl":8,"sub":2},{"id":6673,"title":"الثانية: ثلث التركة كلها","lvl":8,"sub":3},{"id":6673,"title":"الثالثة - ثلث الباقي إذا كان مع الأبوين أحد الزوجين","lvl":8,"sub":4},{"id":6675,"title":"8 - أحوال الجدة","lvl":7,"sub":0},{"id":6675,"title":"الجدة","lvl":8,"sub":1},{"id":6675,"title":"الأولى - السدس للواحدة فأكثر عند عدم الأم","lvl":8,"sub":2},{"id":6675,"title":"الثانية - الحجب أو السقوط","lvl":8,"sub":3},{"id":6675,"title":"الجدة الأمية","lvl":8,"sub":4},{"id":6675,"title":"الجدة ذات القرابتين","lvl":8,"sub":5},{"id":6675,"title":"السبب في حجب الجدة مطلقا بالأم، وأنه لم تحجب بالأب إلا الأبويات","lvl":8,"sub":6},{"id":6676,"title":"الدليل على إرث الجدة","lvl":8,"sub":0},{"id":6676,"title":"معرفة الجدة الوارثة","lvl":8,"sub":1},{"id":6677,"title":"أمثلة","lvl":8,"sub":0},{"id":6677,"title":"أمثلة عامة مع حلها وتعليلها","lvl":8,"sub":1},{"id":6679,"title":"الفصل التاسع : العصبات","lvl":3,"sub":0},{"id":6679,"title":"تقسيم العصبة","lvl":4,"sub":1},{"id":6679,"title":"1 - العصبة السببية","lvl":5,"sub":2},{"id":6681,"title":"2 - العصبة النسبية وأنواعها وحكم كل نوع","lvl":5,"sub":0},{"id":6681,"title":"تعريف العصبة النسبية","lvl":6,"sub":1},{"id":6682,"title":"أنواعها","lvl":6,"sub":0},{"id":6682,"title":"1 - العصبة بالنفس","lvl":7,"sub":1},{"id":6682,"title":"الترتيب التالي عند الإمام أبي حنيفة","lvl":8,"sub":2},{"id":6682,"title":"أ ـ جهة البنوة","lvl":9,"sub":4},{"id":6682,"title":"ب ـ جهة الأبوة","lvl":9,"sub":5},{"id":6682,"title":"ج ـ جهة الأخوة","lvl":9,"sub":6},{"id":6682,"title":"د ـ جهة العمومة","lvl":9,"sub":7},{"id":6682,"title":"الترجيح","lvl":10,"sub":8},{"id":6682,"title":"أولا ـ الترجيح بالجهة","lvl":11,"sub":9},{"id":6683,"title":"ثانيا ـ الترجيح بقرب الدرجة إلى الميت","lvl":11,"sub":0},{"id":6683,"title":"ثالثا ـ الترجيح بقوة القرابة","lvl":11,"sub":1},{"id":6683,"title":"ترتيب العصبات عند الجمهور","lvl":8,"sub":2},{"id":6683,"title":"1 - جهة البنوة أو جزء الميت","lvl":9,"sub":3},{"id":6683,"title":"2 - جهة الأبوة أو أصل الميت","lvl":9,"sub":4},{"id":6683,"title":"3 - الجد مع الإخوة","lvl":9,"sub":5},{"id":6683,"title":"4 - أبناء الإخوة","lvl":9,"sub":6},{"id":6683,"title":"5 - جهة العمومة","lvl":9,"sub":8},{"id":6684,"title":"2 - العصبة بالغير","lvl":7,"sub":0},{"id":6684,"title":"3 - العصبة مع الغير","lvl":7,"sub":1},{"id":6686,"title":"الفصل العاشر : المسائل الشواذ","lvl":3,"sub":0},{"id":6686,"title":"1 - المنبرية","lvl":4,"sub":1},{"id":6687,"title":"2 - الغراوان أو العمريتان","lvl":4,"sub":0},{"id":6688,"title":"3 - الخرقاء","lvl":4,"sub":0},{"id":6688,"title":"4 - الأكدرية أو الغراء","lvl":4,"sub":1},{"id":6689,"title":"5 - المشركة أو الحجرية أو الحمارية","lvl":4,"sub":0},{"id":6689,"title":"أم الفروخ أوالشريحية","lvl":5,"sub":1},{"id":6690,"title":"6 - الفريضة المالكية","lvl":4,"sub":0},{"id":6690,"title":"7 - أخت المالكية أو شبه المالكية","lvl":4,"sub":1},{"id":6690,"title":"8 - اليتيمتان","lvl":4,"sub":2},{"id":6690,"title":"9 - أم الأرامل","lvl":4,"sub":3},{"id":6690,"title":"10 - المروانية","lvl":4,"sub":4},{"id":6691,"title":"11 - الحمزية","lvl":4,"sub":0},{"id":6691,"title":"12 - الدينارية","lvl":4,"sub":1},{"id":6691,"title":"13 - الامتحان","lvl":4,"sub":2},{"id":6692,"title":"الفصل الحادي عشر : الحجب","lvl":3,"sub":0},{"id":6692,"title":"أولا ـ تعريف الحجب","lvl":4,"sub":1},{"id":6692,"title":"ثانيا ـ الفرق بين الحجب والحرمان","lvl":4,"sub":2},{"id":6693,"title":"ثالثا ـ نوعا الحجب","lvl":4,"sub":0},{"id":6693,"title":"1 - حجب النقصان","lvl":5,"sub":1},{"id":6693,"title":"2 - حجب الحرمان","lvl":5,"sub":2},{"id":6693,"title":"الورثة بالنسبة لحجب الحرمان نوعان","lvl":6,"sub":3},{"id":6693,"title":"الأول ـ من لا يحجب حجب حرمان","lvl":7,"sub":4},{"id":6693,"title":"الثاني ـ من يحجب حجب حرمان","lvl":7,"sub":5},{"id":6694,"title":"حجب الحرمان مبني على قاعدتين","lvl":6,"sub":0},{"id":6694,"title":"خلاصة أنواع الحجب","lvl":5,"sub":1},{"id":6694,"title":"أولا ـ الحجب بالوصف","lvl":6,"sub":2},{"id":6694,"title":"ثانيا ـ الحجب بالشخص","lvl":6,"sub":3},{"id":6694,"title":"حجب النقصان","lvl":7,"sub":4},{"id":6694,"title":"1 - من فرض إلى فرض أقل منه","lvl":8,"sub":5},{"id":6695,"title":"2 - من تعصيب إلى تعصيب أقل منه","lvl":8,"sub":0},{"id":6695,"title":"3 - من فرض إلى تعصيب","lvl":8,"sub":1},{"id":6695,"title":"4 - من تعصيب إلى فرض","lvl":8,"sub":2},{"id":6695,"title":"5 - مزاحمة في الفروض","lvl":8,"sub":3},{"id":6695,"title":"حجب الحرمان","lvl":7,"sub":4},{"id":6695,"title":"1 - الجد مع الأب","lvl":8,"sub":5},{"id":6695,"title":"2 - الجدات مع الأم","lvl":8,"sub":6},{"id":6695,"title":"3 - ابن الابن مع الابن","lvl":8,"sub":7},{"id":6695,"title":"4 - بنات الابن مع البنتين والابن","lvl":8,"sub":8},{"id":6695,"title":"5 - الأخوات لأب بالشقيقتين والشقيق","lvl":8,"sub":9},{"id":6695,"title":"6 - الإخوة مطلقا بالابن، وابن الابن، وبالأب اتفاقا، وبالجد عند أبي حنيفة","lvl":8,"sub":10},{"id":6695,"title":"7 - الإخوة والأخوات لأم بالفرع الوارث والأصل الذكر","lvl":8,"sub":11},{"id":6695,"title":"موقف القانون من الحجب","lvl":5,"sub":12},{"id":6695,"title":"المحجوبون من أصحاب الفروض","lvl":6,"sub":13},{"id":6696,"title":"أمثلة","lvl":6,"sub":0},{"id":6698,"title":"الفصل الثاني عشر : العول","lvl":3,"sub":0},{"id":6698,"title":"أولا ـ معنى العول","lvl":4,"sub":1},{"id":6699,"title":"ثانيا ـ مشروعية العول","lvl":4,"sub":0},{"id":6699,"title":"ثالثا ـ ما يعول وما لا يعول من أصول المسائل","lvl":4,"sub":1},{"id":6699,"title":"ما لا يعول من الأصول","lvl":5,"sub":2},{"id":6700,"title":"ما يعول من الأصول","lvl":5,"sub":0},{"id":6700,"title":"1 - الستة","lvl":6,"sub":1},{"id":6700,"title":"2 - والاثنا عشر","lvl":6,"sub":2},{"id":6700,"title":"المسألة الشريحية","lvl":7,"sub":3},{"id":6701,"title":"3 - والأربعة وعشرون","lvl":6,"sub":0},{"id":6702,"title":"الفصل الثالث عشر : الرد","lvl":3,"sub":0},{"id":6702,"title":"أولا ـ تعريف الرد","lvl":4,"sub":1},{"id":6702,"title":"ثانيا ـ مذاهب العلماء في الرد","lvl":4,"sub":2},{"id":6703,"title":"موقف القانون","lvl":5,"sub":0},{"id":6704,"title":"ثالثا ـ قاعدة الردة","lvl":4,"sub":0},{"id":6704,"title":"الأول ـ أن يكون الموجود في المسألة صنفا واحدا ممن يرد عليه، وليس معهم من لا يرد عليه من أحد الزوجين","lvl":5,"sub":1},{"id":6704,"title":"الثاني ـ أن يكون الموجود في المسألة أكثر من صنف واحد ممن يرد عليه، وليس معهم من لا يرد عليه","lvl":5,"sub":2},{"id":6705,"title":"الثالث ـ أن يكون في المسألة مع الصنف الواحد الذي يرد عليه أحد ممن لا يرد عليه، أي أحد الزوجين","lvl":5,"sub":0},{"id":6707,"title":"الرابع ـ أن يكون مع الصنفين فأكثر ممن يرد عليه أحد ممن لا يرد عليه","lvl":5,"sub":0},{"id":6708,"title":"الفصل الرابع عشر : الحساب","lvl":3,"sub":0},{"id":6708,"title":"مخارج الفروض وأصول المسائل وتصحيحها","lvl":4,"sub":1},{"id":6708,"title":"الحساب","lvl":5,"sub":2},{"id":6708,"title":"أولا ـ مخارج الفروض","lvl":5,"sub":3},{"id":6708,"title":"1 - النصف والربع والثمن","lvl":6,"sub":4},{"id":6708,"title":"2 - الثلثان والثلث والسدس","lvl":6,"sub":5},{"id":6709,"title":"ثانيا ـ أصول المسائل السبعة وتصحيحها","lvl":5,"sub":0},{"id":6709,"title":"تصحيح مسائل الفرائض","lvl":6,"sub":1},{"id":6709,"title":"أصول المسائل","lvl":6,"sub":2},{"id":6709,"title":"تقسيم التركة","lvl":6,"sub":3},{"id":6709,"title":"في العول","lvl":7,"sub":4},{"id":6709,"title":"في الرد","lvl":7,"sub":5},{"id":6710,"title":"في غير حالتي العول والرد","lvl":7,"sub":0},{"id":6710,"title":"1 - إذا كان في المسألة صاحب فرض واحد","lvl":8,"sub":1},{"id":6710,"title":"2 - إذا اجتمع في المسألة اثنان من أصحاب الفرائض، وكانا من نوع واحد من النوعين السابقين","lvl":8,"sub":2},{"id":6710,"title":"3 - إذا اجتمع في المسألة بعض أفراد النوع الأول، مع كل أو بعض النوع الثاني، ففي الأمر تفصيل","lvl":8,"sub":3},{"id":6711,"title":"ثالثا ـ طريقة تصحيح المسائل","lvl":5,"sub":0},{"id":6711,"title":"تصحيح المسألة","lvl":6,"sub":1},{"id":6712,"title":"النوع الأول ـ حالة الانكسار في أكثر من طائفة","lvl":7,"sub":0},{"id":6712,"title":"1 - تماثل العددين","lvl":8,"sub":1},{"id":6712,"title":"2 - توافق العددين","lvl":8,"sub":2},{"id":6712,"title":"3 - تداخل العددين","lvl":8,"sub":3},{"id":6713,"title":"4 - تباين العددين","lvl":8,"sub":0},{"id":6714,"title":"النوع الثاني ـ حالة الانكسار في طائفة واحدة من الورثة","lvl":7,"sub":0},{"id":6715,"title":"بيان طريقة التصحيح إجمالا","lvl":6,"sub":0},{"id":6715,"title":"النوع الأول ـ الانكسار بين السهام والرؤوس","lvl":7,"sub":1},{"id":6716,"title":"النوع الثاني ـ أن تنكسر السهام على طائفتين فأكثر","lvl":7,"sub":0},{"id":6716,"title":"الحالة الأولى ـ التماثل","lvl":8,"sub":1},{"id":6716,"title":"الحالة الثانية - التداخل","lvl":8,"sub":2},{"id":6717,"title":"الحالة الثالثة ـ التوافق","lvl":8,"sub":0},{"id":6717,"title":"الحالة الرابعة ـ التباين","lvl":8,"sub":1},{"id":6718,"title":"رابعا ـ قسمة التركة بين الورثة أو الغرماء (الدائنين )","lvl":5,"sub":0},{"id":6718,"title":"في حالة التباين","lvl":6,"sub":1},{"id":6719,"title":"في حالة التوافق","lvl":6,"sub":0},{"id":6719,"title":"قضاء الديون","lvl":6,"sub":1},{"id":6720,"title":"خامسا ـ طرق قسمة التركة","lvl":5,"sub":0},{"id":6720,"title":"1 - طريقة الضرب","lvl":6,"sub":1},{"id":6720,"title":"2 - طريقة القسمة","lvl":6,"sub":2},{"id":6720,"title":"3 - طريقة النسبة","lvl":6,"sub":3},{"id":6720,"title":"4 - طريقة الرد إلى الوفق","lvl":6,"sub":4},{"id":6721,"title":"أمثلة","lvl":6,"sub":0},{"id":6722,"title":"الفصل الخامس عشر : توريث ذوي الأرحام","lvl":3,"sub":0},{"id":6722,"title":"أولا ـ تعريف ذوي الأرحام","lvl":4,"sub":1},{"id":6722,"title":"ثانيا ـ مذاهب العلماء في توريثهم","lvl":4,"sub":2},{"id":6722,"title":"1 - فذهب أبو حنيفة وأحمد","lvl":5,"sub":3},{"id":6724,"title":"2 - وذهب مالك والشافعي","lvl":5,"sub":0},{"id":6724,"title":"ثالثا ـ أصناف ذوي الأرحام ومراتبهم","lvl":4,"sub":1},{"id":6724,"title":"الصنف الأول ـ من كان من فروع الميت الذين يدلون إليه بواسطة الأنثى","lvl":5,"sub":2},{"id":6724,"title":"الصنف الثاني ـ من كان من أصول الميت الذين يتصلون به بواسطة الأنثى","lvl":5,"sub":3},{"id":6724,"title":"الصنف الثالث ـ من كان من فروع أبوي الميت","lvl":5,"sub":4},{"id":6725,"title":"الصنف الرابع ـ من كان من فروع أحد أجداد الميت أو جداته الذين ليسوا بأصحاب فروض ولا عصبة","lvl":5,"sub":0},{"id":6726,"title":"ترتيب أصناف ذوي الأرحام","lvl":5,"sub":0},{"id":6726,"title":"أمثلة على ترتيب الأصناف","lvl":6,"sub":1},{"id":6727,"title":"رابعا ـ قواعد توريث ذوي الأرحام","lvl":4,"sub":0},{"id":6727,"title":"المذهب الأول ـ طريقة أهل الرحم، ويسمى مذهب التسوية","lvl":5,"sub":1},{"id":6727,"title":"المذهب الثاني ـ طريقة أهل التنزيل","lvl":5,"sub":2},{"id":6728,"title":"المذهب الثالث ـ طريقة أهل القرابة","lvl":5,"sub":0},{"id":6729,"title":"بيان قاعدة أهل القرابة في التوريث","lvl":5,"sub":0},{"id":6730,"title":"قواعد توريث الصنف الأول","lvl":5,"sub":0},{"id":6730,"title":"1 - التقديم بالدرجة","lvl":6,"sub":1},{"id":6730,"title":"2 - التقديم بالإدلاء بصاحب فرض أو عصبة (التقديم بالوارث)","lvl":6,"sub":2},{"id":6730,"title":"3 - للذكر ضعف الأنثى","lvl":6,"sub":3},{"id":6731,"title":"4 - لا يعتد في رأي أبي يوسف والقانون بالإدلاء بجهتين هنا","lvl":6,"sub":0},{"id":6732,"title":"قواعد توريث الصنف الثاني","lvl":5,"sub":0},{"id":6732,"title":"1 - التقديم بالدرجة","lvl":6,"sub":1},{"id":6732,"title":"2 - التقديم بالإدلاء بصاحب فرض أو عصبة (التقديم بالوارث )","lvl":6,"sub":2},{"id":6732,"title":"3 - للذكر ضعف الأنثى","lvl":6,"sub":3},{"id":6733,"title":"4 - تعدد الجهة","lvl":6,"sub":0},{"id":6735,"title":"قواعد توريث الصنف الثالث","lvl":5,"sub":0},{"id":6735,"title":"1 - التقديم بالدرجة","lvl":6,"sub":1},{"id":6735,"title":"2 - التقديم بالوارث","lvl":6,"sub":2},{"id":6735,"title":"3 - التقديم بقوة القرابة","lvl":6,"sub":3},{"id":6735,"title":"4 - للذكر ضعف الأنثى","lvl":6,"sub":4},{"id":6736,"title":"قواعد توريث الصنف الرابع","lvl":5,"sub":0},{"id":6736,"title":"1 - التقديم بالدرجة أو حجب المرتبة ما فوقها","lvl":6,"sub":1},{"id":6736,"title":"2 - التقديم بقوة القرابة في الجهة","lvl":6,"sub":2},{"id":6736,"title":"3 - للذكر ضعف الأنثى","lvl":6,"sub":3},{"id":6737,"title":"4 - لجهة الأب ضعف جهة الأم","lvl":6,"sub":0},{"id":6737,"title":"5 - التقديم بقرب الدرجة في الطبقة النازلة","lvl":6,"sub":1},{"id":6737,"title":"6 - التقديم بالوارث","lvl":6,"sub":2},{"id":6737,"title":"7 - التقديم بقوة القرابة بين الأولاد","lvl":6,"sub":3},{"id":6738,"title":"8 - لجهة الأب ضعف جهة الأم في الأولاد","lvl":6,"sub":0},{"id":6738,"title":"الخلاصة","lvl":6,"sub":1},{"id":6739,"title":"الفصل السادس عشر : ميراث باقي الورثة","lvl":3,"sub":0},{"id":6739,"title":"أولا ـ مولى الموالاة","lvl":4,"sub":1},{"id":6740,"title":"آراء العلماء فيه","lvl":5,"sub":0},{"id":6740,"title":"شروط الإرث في ولاء الموالاة","lvl":5,"sub":1},{"id":6741,"title":"ثانيا ـ المقر له بالنسب على الغير","lvl":4,"sub":0},{"id":6741,"title":"الإقرار بنسب الغير","lvl":5,"sub":1},{"id":6741,"title":"موقف القانون","lvl":5,"sub":2},{"id":6742,"title":"ثالثا ـ الموصى له بأزيد من الثلث","lvl":4,"sub":0},{"id":6742,"title":"رابعا ـ بيت المال","lvl":4,"sub":1},{"id":6743,"title":"الفصل السابع عشر : أحكام متنوعة","lvl":3,"sub":0},{"id":6743,"title":"المبحث الأول ـ إرث غير المسلمين","lvl":4,"sub":1},{"id":6744,"title":"المبحث الثاني ـ ميراث الحمل","lvl":4,"sub":0},{"id":6744,"title":"شروط توريث الحمل","lvl":5,"sub":1},{"id":6745,"title":"أكثر مدة الحمل","lvl":5,"sub":0},{"id":6745,"title":"أقل مدة الحمل","lvl":5,"sub":1},{"id":6746,"title":"هل تقسم التركة عند وجود حمل؟","lvl":5,"sub":0},{"id":6747,"title":"كم يقدر عدد الحمل؟","lvl":5,"sub":0},{"id":6747,"title":"نصيب الحمل في التركة","lvl":5,"sub":1},{"id":6748,"title":"كيفية توريث الحمل","lvl":5,"sub":0},{"id":6749,"title":"تصحيح مسائل الحمل","lvl":5,"sub":0},{"id":6750,"title":"أمثلة","lvl":5,"sub":0},{"id":6752,"title":"المبحث الثالث ـ ميراث المفقود","lvl":4,"sub":0},{"id":6752,"title":"تعريف المفقود","lvl":5,"sub":1},{"id":6752,"title":"أحكامه","lvl":5,"sub":2},{"id":6752,"title":"بالنسبة لزوجته","lvl":6,"sub":3},{"id":6753,"title":"بالنسبة لأمواله","lvl":6,"sub":0},{"id":6754,"title":"بالنسبة لإرثه من غيره","lvl":6,"sub":0},{"id":6755,"title":"كيفية توريث المفقود","lvl":5,"sub":0},{"id":6755,"title":"أمثلة","lvl":5,"sub":1},{"id":6757,"title":"هل تتقدر مدة لوفاة المفقود ؟","lvl":5,"sub":0},{"id":6757,"title":"متى يبدأ اعتباره مفقودا ؟","lvl":5,"sub":1},{"id":6758,"title":"المبحث الرابع ـ ميراث الأسير","lvl":4,"sub":0},{"id":6758,"title":"المبحث الخامس ـ ميراث الخنثى","lvl":4,"sub":1},{"id":6758,"title":"حكم ميراث المشكل","lvl":5,"sub":2},{"id":6758,"title":"إن لم يختلف نصيبه بين الذكورة والأنوثة","lvl":6,"sub":3},{"id":6758,"title":"إن كان يرث على فرض الذكورة أو الأنوثة، ولا يرث على فرض آخر","lvl":6,"sub":4},{"id":6759,"title":"إن اختلف نصيبه بين الذكورة والأنوثة","lvl":6,"sub":0},{"id":6759,"title":"1 - مذهب الحنفية المفتى به","lvl":7,"sub":1},{"id":6759,"title":"2 - مذهب المالكية","lvl":7,"sub":2},{"id":6759,"title":"3 - مذهب الشافعية","lvl":7,"sub":3},{"id":6760,"title":"كيفية التصحيح","lvl":8,"sub":0},{"id":6760,"title":"4 - مذهب الحنابلة","lvl":7,"sub":1},{"id":6761,"title":"المبحث السادس ـ ميراث الغرقى والهدمى والحرقى ونحوهم ممن جهل تاريخ وفاتهم","lvl":4,"sub":0},{"id":6761,"title":"1 - قال الجمهور غير الحنابلة","lvl":5,"sub":1},{"id":6761,"title":"2 - وقال الحنابلة","lvl":5,"sub":2},{"id":6762,"title":"المبحث السابع ـ ميراث ولد الزنا واللعان واللقيط ممن لا أب له شرعيا","lvl":4,"sub":0},{"id":6762,"title":"ولد الزنا","lvl":5,"sub":1},{"id":6762,"title":"ولد اللعان","lvl":5,"sub":2},{"id":6763,"title":"اللقيط","lvl":5,"sub":0},{"id":6764,"title":"الفصل الثامن عشر : المناسخة","lvl":3,"sub":0},{"id":6764,"title":"أولا ـ تعريف المناسخة","lvl":4,"sub":1},{"id":6764,"title":"ثانيا ـ تصحيح المسائل","lvl":4,"sub":2},{"id":6764,"title":"المماثلة","lvl":5,"sub":3},{"id":6765,"title":"المباينة","lvl":5,"sub":0},{"id":6765,"title":"الموافقة","lvl":5,"sub":1},{"id":6765,"title":"موت شخص ثالث","lvl":5,"sub":2},{"id":6766,"title":"ثالثا ـ اختصار مسائل المناسخات","lvl":4,"sub":0},{"id":6766,"title":"1 - أما اختصار المسائل","lvl":5,"sub":2},{"id":6766,"title":"2 - وأما اختصار السهام","lvl":5,"sub":3},{"id":6767,"title":"أمثلة اختصار المسائل","lvl":5,"sub":0},{"id":6768,"title":"أمثلة اختصار السهام","lvl":5,"sub":0},{"id":6769,"title":"أمثلة تتطلب الاستيضاح عن صفة الميت والورثة","lvl":5,"sub":0},{"id":6770,"title":"الفصل التاسع عشر : التخارج أو المخارجة","lvl":3,"sub":0},{"id":6770,"title":"أولا ـ تعريف التخارج","lvl":4,"sub":1},{"id":6770,"title":"ثانيا ـ كيفية قسمة التركة عند التخارج","lvl":4,"sub":2},{"id":6771,"title":"أمثلة","lvl":5,"sub":0},{"id":6773,"title":"ملحق: فتاوى وتوصيات مؤتمر الزكاة الأول","lvl":2,"sub":0},{"id":6773,"title":"التوصيات","lvl":3,"sub":1},{"id":6774,"title":"الفتاوى","lvl":3,"sub":0},{"id":6774,"title":"( أولا) زكاة أموال الشركات والأسهم","lvl":4,"sub":1},{"id":6774,"title":"كيفية تقدير زكاة الشركات والأسهم","lvl":5,"sub":4},{"id":6775,"title":"( ثانيا) زكاة المستغلات","lvl":4,"sub":0},{"id":6775,"title":"( ثالثا) زكاة الأجور والرواتب وأرباح المهن الحرة وسائر المكاسب","lvl":4,"sub":3},{"id":6776,"title":"( رابعا) السندات والودائع الربوية والأموال المحرمة ونحوها","lvl":4,"sub":0},{"id":6776,"title":"( خامسا) الحول القمري","lvl":4,"sub":2},{"id":6777,"title":"( سادسا) الدين الاستثماري والزكاة","lvl":4,"sub":1},{"id":6777,"title":"الندوة الأولى: الفتاوى والتوصيات","lvl":3,"sub":2},{"id":6777,"title":"1 - مقدار الزكاة الواجب في عروض التجارة","lvl":4,"sub":3},{"id":6778,"title":"2 - المشروعات الصناعية","lvl":4,"sub":0},{"id":6778,"title":"3 - نقل الزكاة خارج منطقة جمعها","lvl":4,"sub":1},{"id":6778,"title":"4 - الإبراء من الدين على مستحق الزكاة منها","lvl":4,"sub":2},{"id":6779,"title":"5 - اعتبار ما أخرج على ظن الوجوب زكاة معجلة","lvl":4,"sub":0},{"id":6780,"title":"7 - مصرف (في سبيل الله)","lvl":4,"sub":0},{"id":6781,"title":"8 - الزكاة ورعاية الحاجات الأساسية الخاصة","lvl":4,"sub":0},{"id":6781,"title":"9 - زكاة القروض الإسكانية والاستثمارية المؤجلة","lvl":4,"sub":1},{"id":6781,"title":"10 - محاسبة الزكاة للشركات بأنواعها","lvl":4,"sub":2},{"id":6782,"title":"11 - زكاة عروض التجارة من أعيانها","lvl":4,"sub":0},{"id":6782,"title":"12 - ضرورة معالجة ما يتصل بزكاة المال الحرام","lvl":4,"sub":1},{"id":6782,"title":"13 - أن يكون الصرف على العاملين على الزكاة من ميزانية الدولة","lvl":4,"sub":2},{"id":6783,"title":"14 - قيام الباحثين في الدراسات التي فيها تراث فقهي من المذاهب - بالدور الأساسي في البحث","lvl":4,"sub":0},{"id":6783,"title":"15 - عدم الالتزام بمذهب واحد في القضايا التي تهم جميع المسلمين","lvl":4,"sub":1},{"id":6783,"title":"الندوة الثانية: الفتاوى والتوصيات","lvl":3,"sub":2},{"id":6783,"title":"1 - دفع الديات من مال الزكاة (مصرف الغارمين )","lvl":4,"sub":3},{"id":6783,"title":"2 - زكاة المال الحرام","lvl":4,"sub":4},{"id":6784,"title":"3 - زكاة الديون الاستثمارية والإسكانية","lvl":4,"sub":0},{"id":6784,"title":"4 - مصرف (في الرقاب)","lvl":4,"sub":1},{"id":6784,"title":"5 - نقل الزكاة إلى غير موضعها وضوابطه","lvl":4,"sub":2},{"id":6785,"title":"الندوة الثالثة: الفتاوى والتوصيات","lvl":3,"sub":0},{"id":6785,"title":"استثمار أموال الزكاة","lvl":4,"sub":1},{"id":6786,"title":"التمليك والمصلحة فيه ونتائجه","lvl":4,"sub":0},{"id":6786,"title":"يجوز إقامة مشروعات خدمية من مال الزكاة كالمدارس والمستشفيات والملاجئ والمكتبات بالشروط التالية","lvl":5,"sub":1},{"id":6787,"title":"مصرف المؤلفة قلوبهم","lvl":4,"sub":0},{"id":6788,"title":"مناشدة","lvl":4,"sub":0},{"id":6788,"title":"الندوة الرابعة: الفتاوى والتوصيات","lvl":3,"sub":1},{"id":6788,"title":"مصرف العاملين على الزكاة","lvl":4,"sub":2},{"id":6789,"title":"زكاة المال الحرام","lvl":4,"sub":0},{"id":6790,"title":"الزكاة والضريبة","lvl":4,"sub":0},{"id":6791,"title":"الندوة الخامسة: الفتاوى والتوصيات","lvl":3,"sub":0},{"id":6791,"title":"أولا: زكاة المكافأة في نهاية الخدمة والراتب التقاعدي","lvl":4,"sub":1},{"id":6792,"title":"ثانيا: مصرف «الغارمين»","lvl":4,"sub":0},{"id":6793,"title":"ثالثا: مشمولات الأمور الظاهرة والباطنة في العصر الحديث","lvl":4,"sub":0},{"id":6794,"title":"رابعا: زكاة الأصول الثابتة","lvl":4,"sub":0},{"id":6795,"title":"خامسا: الموضوعات المعدة فيها أوراق","lvl":4,"sub":0},{"id":6795,"title":"سادسا: التوصيات العامة","lvl":4,"sub":1},{"id":6795,"title":"الندوة السادسة: الفتاوى والتوصيات","lvl":3,"sub":2},{"id":6796,"title":"الندوة السادسة: الفتاوى والتوصيات","lvl":3,"sub":0},{"id":6796,"title":"فتاوى وتوصيات موضوع (تطبيقات عملية على الالتزام بدفع الزكاة )","lvl":4,"sub":1},{"id":6796,"title":"توصيات الموضوع الثاني «زكاة عروض التجارة »","lvl":4,"sub":2},{"id":6796,"title":"فتاوى وتوصيات الموضوع الثالث «زكاة الفطر »","lvl":4,"sub":3},{"id":6797,"title":"الموضوع الرابع (توصيات زكاة الحلي )","lvl":4,"sub":0},{"id":6798,"title":"الندوة السابعة","lvl":3,"sub":0},{"id":6798,"title":"التوصيات والفتاوى","lvl":4,"sub":1},{"id":6798,"title":"توصيات عامة","lvl":5,"sub":2},{"id":6799,"title":"الموضوع الأول: زكاة الحقوق المعنوية","lvl":5,"sub":0},{"id":6800,"title":"الموضوع الثاني: الأصول المحاسبية لتقويم عروض التجارة","lvl":5,"sub":0},{"id":6801,"title":"الموضوع الثالث: أحكام زكاة صور من عروض التجارة المعاصرة","lvl":5,"sub":0},{"id":6801,"title":"أولا: زكاة صكوك المقارضة","lvl":6,"sub":1},{"id":6801,"title":"ثانيا: زكاة الأراضي","lvl":6,"sub":2},{"id":6802,"title":"ثالثا: زكاة المواد الخام (الداخلة في الصناعة) والمواد المساعدة","lvl":6,"sub":0},{"id":6802,"title":"رابعا: زكاة السلع غير المنتهية الصنع والسلع المصنعة","lvl":6,"sub":1},{"id":6802,"title":"خامسا: اجتماع سبب آخر للزكاة مع عروض التجارة","lvl":6,"sub":2},{"id":6802,"title":"سادسا: زكاة المبيع في مدة الخيار","lvl":6,"sub":3},{"id":6802,"title":"سابعا: زكاة السلم","lvl":6,"sub":4},{"id":6802,"title":"ثامنا: زكاة الاستصناع","lvl":6,"sub":5},{"id":6803,"title":"&*&الخَاتمِةُ&*&","lvl":2,"sub":0},{"id":6806,"title":"&*&أَهَمُّ المَرَاجِع&*&","lvl":2,"sub":0},{"id":6806,"title":"الفقه الحنفي","lvl":3,"sub":1},{"id":6806,"title":"الفقه المالكي","lvl":3,"sub":2},{"id":6806,"title":"الفقه الشافعي","lvl":3,"sub":3},{"id":6807,"title":"الفقه الحنبلي","lvl":3,"sub":0},{"id":6807,"title":"الفقه الظاهري","lvl":3,"sub":1},{"id":6807,"title":"فقه الشيعة الإمامية","lvl":3,"sub":2},{"id":6808,"title":"فقه الشيعة الزيدية","lvl":3,"sub":0},{"id":6808,"title":"فقه الإباضية","lvl":3,"sub":1},{"id":6808,"title":"الحديث الشريف","lvl":3,"sub":2}]}